######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : بهجة الزمن ¶ المؤلف : يحيى بن الحسين بن القاسم #META# auth: يحيى بن الحسين بن القاسم #META# cat: السير والتاريخ #META# bkid: 94 #META# الكتاب: بهجة الزمن #META# bkord: 119 #META# idx: 1 #META# iso: بهجه الزمن #META# bk: بهجة الزمن #META# max: 930 #META# المؤلف: يحيى بن الحسين بن القاسم #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | # [1/ب] بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # لما تم الجزء الأول من البهجة،ذيل تاريخ اليمن، وكان ذلك اتفاق دور كامل ~~لثلاثين سنة، دخل الدور الذي بعده، فكان ما سنذكره إن شاء الله تعالى. PageV01P294 ### | دخلت سنة إحدى وثمانين وألف # كان استهلالها بالثلاثاء بالحساب، وبالرؤية الأربعاء، والشمس بالجوزاء في ~~القيظ، وكان دخولها مباركا بالثمار، وتهون الأسعار، من بعد مضي الشدة ~~الواقعة في هذه الأقطار، ثم حلها الله تعالى وذهب ما كان وسار، وإن بقى منه ~~بواقي وتكرار. # واتفق غرة هذه السنة بشهر محرم منها، خروج طائفة الفرنج الملاعين، بعد ~~قضاياهم مع العماني في هذه الأحايين، كما سبق ذكره، فلما فرغوا عن حربهم ~~له، وهزيمتهم إياه إلى أرضه غفل عنهم، وتدير ببندر مسكت ، وهدأت فورته ~~وقتاله لهم وسكت، كان منهم هذا الخروج إلى بندر المخا، والقصد لبابه من غير ~~خفا، عقب دخول البضاعة الهندية على قلتها إليه[2/أ]، وشروع البيع والشراء ~~فيه. وكان قد ظفروا في بابه، قبل الاتصال بجنابه، بثلاثة أغربة أحدها: خرج ~~من بندر عدن إلى المخا لأحمد بن الحسن بحرا، وفيه دراهم وهدايا، ~~والآخران: من عدن وجهته، فانتهبها الفرنج وحازوه، واستولوا عليه وقبضوه، ~~والبعض منه حرقوه واستهلكوه، فلما كان الأمر كذلك، واتفق هذا هنالك، أمر ~~صاحب المخا يومئذ الحسن بن المطهر الجرموزي بالمصانعة للفرنج والخطاب، ~~وبذل الضيافة وتسكين الحالة حتى يتصل إليه جنود الغارة، والتحسس لأخبارهم ~~وكثرتهم وقلتهم وعدتهم وحقيقة مقصدهم، فجاؤوه الرسول بالخبر عنهم، والسبب ~~الحامل لهم فقالوا: موجب الوصول ما جرى مع أصحابهم العام الأول في باب ~~المخا من القتال، وما راح عليهم من المال من أصحاب العماني، وعدم دفع صاحب ~~المخا لذلك الفعل الصادر والجاري، وأنه كان به راضيا[2/ب] وعليه معينا، ~~فبذل السيد الحسن لهم عوض ما راح مالا، وقال: ليس له فيه سعاية ولا قصدا، ~~فأبوا إلا القتال، والاهتمام بالدخول إلى البندر والإحتمال، فأخذ منهم ~~الصلح قدر ثمانية أيام عشرة أيام كل ذلك منه للإنتظار لوصول الغارات، مما ~~يقرب إليه ms001 من الجهات، فوصلت الغارات من PageV01P295 زبيد ومن موزع ومن جحاف بعد أن كان قد انجفل أكثر أهل المخا، عنه ~~بأموالهم، ومنهم من دفنها في التراب، خشية من الذهاب وسكن السيد الحسن من ~~سكن من أهل المخا وقال: هذه الغارات واصلة فلا نخاف منهم إن شاء الله ولا ~~نخشى. وكان جملتهم قدر سبع خشب ما بين برشة وغراب فيها الرجال، ومكاحل ~~الرمي والمدافع والمال. والإمام لما وصل إليه خبرهم وقادمهم بادر إرسال ~~ولده علي بن أمير المؤمنين في الحال بمن حضر عنده من عسكر الرجال جملتهم ~~قدر خمسمائة، وساروا حيث الإنتقال، وكان وصول الغارات[3/أ] الأولة هي التي ~~نفعت البندر من الصدمة، فلما كان سابع وصولهم أو سادسه قصد الفرنج المخا، ~~وكان كل خشبة من خشبتهم فيها بيرق وعدة الحرب والضرب، ولعل جملتهم قدر ~~ثلاثة آلاف؛ لأن الغراب تسع قدر مائتين وخمسين مع الأزواد والآلات، فأول ~~عمل منهم قصدهم إلى قلعة فضلى التي مقابل للمخا من خارجه، وكان فيها جماعة ~~من المسلمين رتبة فصابحهم جماعة من الفرنج خرجوا إلى الساحل فجرا، وركزوا ~~السلاليم القنا، وصعدوا من أعلا، فهرب من القلعة بعضهم وثبت البعض لهم، ~~فكان القتل في الدرب في المسلمين قتل منهم ثمانية، ووقع القتال بينهم، ~~واشتد وحمي وطيسهم، ووصلت غارة المخا إليهم فانهزموا حينئذ، وقتل من الفرنج ~~قدر عشرين نفسا حال الهزيمة ومن المسلمين الثمانية، وجنايات آخره. وكان ~~جملة الخارجين من الفرنج إلى القلعة من الساحل قدر ثلاثمائة نفر وقيل أقل، ~~وأكثرهم في البحر بغربانهم وبراشهم، وأخذ عسكر المسلمين بيرقهم الذي خرج ~~معهم في البحر؛ لأن صاحبه قتل في باب الدرب[3/ب] وهزموهم إلى البحر، فدخلوا ~~غربانهم وسنابقهم، واجتمعوا بأصحابهم، وأرسل بالبيرق الذي أخذ عليهم إلى ~~صنعاء فركز في سوقها بأعلا سمسرة خان خليل. ثم كان اليوم الثاني من هذا ~~الحادث المذكور، وزحفت الفرنج بأجمعهم إلى باب المخا، وشنوا عليه المدافع PageV01P296 والزبارط من جميع براشهم، فكانت تقع في وسط المخا كالمطر الملقا، ولم تضر ~~مع كثرتها أحدا غير رجل واحد هلك منها، ms002 وأخربوا بذلك الرمي جانبا من قصر ~~المخا المطل على البحر بعد أن كان خرج عنه الجرموزي إلى جانب الأقصى وأخلاه ~~عن السكون لكثرة الرمي المشنون، ثم رمى أهل المخا بالمدفع الكبير، فوقع في ~~دقل البرشة معهم، ويقال: إنه راح منهم ثلاثة نفر وكان بسببه تأخرهم. وكان ~~قد تقدم جماعة من الفرنج إلى داير المخا من جانب آخر يريدون إلقاء الحريق، ~~ففطن بهم بعض المسلمين رموهم فردوهم على أعقابهم، وزال جميع حيلهم، ثم إنهم ~~ساروا إلى باب المندب ، ثم عادوا إلى باب المخا، ثم ما زالوا كذلك في البحر ~~يسيرون ويرجعون في البحر، ولم يقع قتال مدة أربعة أشهر، ثم ساروا وكل ذلك ~~لأجل استخراج أهل المخا، واللحوق في البحر ليأخذوا منهم الغرض الأقصى[4/أ] ~~لعلمهم بقلة أجسامهم في أعمال البحر وتصرفهم، فلم يخرج إليهم أحد في مدة ~~لبثهم، فلما أيسوا عن ذلك عادوا راجعين بلادهم، وزال شرهم، ودخلوا بلادهم ~~في شهر رجب منها. # وحصل للفرنج هذا العام هيجان في البحر عظيم، وسببه تحريك العماني لهم لما ~~غزا بندرهم الديو العام الأول. # وفي العاشور من محرم وصل خبر الحاج بأنه كان العراقي هذا العام قويا ~~زائدا على عادته، وكذلك الشامي، وأما المصري فعلى عادته. وحج بالناس الباشا ~~حسن، واستقر بمكة بعد عزم المحامل شهرا ثم عاد جدة. PageV01P297 # وأحمد بن الحسن لما بلغه أفعال الفرنج، وخطاطهم في البحر، ومضاررتهم، لم ~~يقر به القرار بالغراس خشية على بندر عدن والمخا من صولتهم وضررهم، فجمع ~~عساكره جميعا والوطاق، وسار إلى حضرة الإمام بضوران، وسار معه أيضا محمد بن ~~الإمام من صنعاء. وطلب والده زيادة بلاده له، فزاد له الإمام بلاد حراز . ~~وعلي بن الإمام وصل إلى عدن واستقر، لما بلغه هزيمة الفرنج، وهؤلاء فرنج ~~الهند طوائف مختلفون، فمنهم إنجريز، ولونده، وبرتقال، وفرنصيص [4/ب]، ~~والبرتقال هم الحاكمون عليهم، وسائرهم رعايا لهم. # وقد ذكر المسعودي في (مروج الذهب): أن فرنج الهند أصليون من قبل ~~الإسلام، ساكنون في تلك البلاد، وذكر قطب الدين في تاريخ بني عثمان ~~(الإعلام) ms003 و(البرق اليماني) أن طائفة الفرنج في الهند خرجوا القرن التاسع، ~~وضربوا في سواحل اليمن. # قال: وكان خروجهم من وراء جبل القمر -بضم القاف- من خلف الحبشة بحرا ~~استطرقوا من أصل بحر المغرب من بلادهم، ثم بحر الحبشة ثم بحر الهند إلى هذا ~~المحل الذي سكنوه في الهند، ولهم قلعة في الهند تسمى كوة -بضم الكاف- هي ~~محل أميرهم وسلطانهم، والجمع بين القولين: أن هؤلاء الذين خرجوا هم طائفة ~~البرتقال الذين حكموا على فرنج الهند، وسائر طوائف فرنج الهند هم الأصليون، ~~وقد صاروا الآن رعايا للبرتقال الذين خرجوا من فرنج المغرب، والله أعلم. ~~وكلهم نصارى، وهم فرق ذات بينهم، وأحد طوائفهم[5/أ] تنكر أن عيسى ابن الله، ~~والطائفة الأخرى تثبت ذلك، وهم على دينين. PageV01P298 # وفي شهر صفر أو ربيع حال رجوع الفرنج من باب المندب اتفقوا بجماعة من تجار ~~الحسا وعمان وغيرهم في مرسى بالروم ، ما بين الشحر وبين أحور ، فقصدوهم ~~فهرب عسكر العماني، وكانوا في غراب قدر ثلاثمائة نفر إلى الساحل، وانكسر ~~غرابهم، ودخلوا بروم، وكذلك أهل الحسا الذين معهم البضاعة من البن، وتركوا ~~المركب في البحر، فوصل الفرنج إلى قربه فحرقوه جميعا. وعسكر العماني رموا ~~إلى جهة الفرنج إلى البحرمن ساحل بروم، فما عرفوا هل أصابوا أحدا أم لا، ~~وأصيب واحد من العمانيين برصاصة من الفرنج في ساحل بروم، ثم إن عسكر ~~العماني بقوا كذلك حتى حصل لهم غراب آخر، بعد أن سار الفرنج ورجعوا بلادهم، ~~والفرنج ذهبوا في البحر جهاتهم. # وفي صفرها لما استقر محمد بن أحمد بعيان طلب مشائخ برط إليه وذكر لهم ~~من أجل الذين[5/ب] نهبوه في طريق صعدة بطريق العمشية العام الأول، فقالوا ~~ذلك قد حصل، وتلاشى أمره وانفصل، وما هو باقي يعاد، وما قد استهلكوه فيسلم ~~فيه العوض، فدخلوا في ذلك وسلموا من الغنم والبنادق بما قيمته قدر ألفين ~~حرف وخمسمائة أو ثلاثة آلاف قيمة الجميع وسلموه إليه، وقالوا: النهب شاركهم ~~فيه غيرهم، وهذا العوض جهدهم، وعاد أحمد بن الحسن من ضوران هذه الأيام. # وفي شهر ربيع ms004 الأول ظهر نور عظيم في مسجد النهرين ، الذي في سائلة وادي ~~صنعاء، لهبة خضراء داخل المسجد بقت من صبح ذلك اليوم الذي ظهرت فيه إلى ~~العصر، والناس يتكحلون بالميل من ذلك، وأهل المكان يقولون: إن هذا المسجد ~~فيه بركة. # [6/أ] وظهر في هذه المدة براهين وكرامات للشيخ فليح بن مفلح، الذي مقبور ~~في طرف سعوان ، وعليه مسجد قديم ومنارة وبركة ومطاهر، وذكر أهل الجهة أنه ~~قديم، وأن هذا المسجد كذلك قديم الأساس، وأنه مشهور البركة. PageV01P299 # ولا تزال براهينه ظاهرة، وكان يقرب إليه قرية هي خراب الآن، فمنها هذا ~~الزمان كما وصفه الواصف: أن رجلا أخذ من قضب له شيئا لغنم معه معلوفة، ~~فهلكت أجمع، ومنها: أن رجلا من نهم سرق من كسوة تابوته شيئا، فأصبح يابسا ~~مكفوتا، فأرجعها وتاب، ومنها أن جماعة خرجوا من صنعاء إلى مسجده فتمخلع ~~واحد منهم ولعب جنب حوطته، ولم يأخذ أدبه، وطلع منارته أطل من موشق فيها، ~~فالتم عليه الموشق، ولم يستطع لإخراج رأسه حتى استغفر. ومنها: أن رجلا ادهن ~~بشيئ من السليط الموضوع للتسريج، فسقطت لحيته إلى يده، ومنها أن النساء ~~دخلن المسجد زائرات، كانت واحدة حائض، فلما وصلت الباب لم تستطع الدخول، ~~وجاء شيء ما منعها. ومنها: أن رجلين لم يأخذوا أدبهم في حوطته، وهم بجنب ~~بركة الماء التي جنب مسجده، فلم يشعروا إلا وهم في الماء أحدهما فوق الآخر، ~~لم يستطيعوا على الخروج، ولصق أحدهما على الآخر، لم ينفكوا حتى تابوا ~~واستغفروا وتوسلوا ببركة الشيخ في إطلاقهم[6/ب]. ومنها أن رجلا نهب على ~~راعي غنم للشيخ فليح، بنظر ولي مشهده رأسا من الغنم، بقي ثلاثة أيام، وجن ~~السارق وأرجع الرأس الغنم على حاله. وإذا وصل أحد إلى باب المسجد وله ~~اعتقاد بالشيخ انفتح له الباب، وإذا لم يعتقده لم ينفتح له الباب، هذا كله ~~في هذا الوقت. # قال أهل البلد: وكم له من براهين لا تزال متكررة متواصلة، ومن أعظم ذلك ~~أن المسجد لا يزال مفروشا بالبسط الرداعية والكسوة على تابوته في مكان ms005 قافر ~~وخلاء وقرى سعوان عنه نائية، ويضع القيم الحب في مكان حوله يدخله كل أحد، ~~ويضع جميع ما جاء له من النذور من دراهم وشمع وحب وغير ذلك في حوطته، ولا ~~حارس لها، ولا يقدر أحد أن يمسها ولا يقربها، فهذا من أعظم الكرامات لهذا الشيخ. PageV01P300 # قال الراوي: إنه قديم، ولم أجده أنا في تاريخ، بيد أنه روي لي أنه من قبل ~~النبوة، وأنه كان من أصحاب عيسى بن مريم، والله أعلم. وبعد هذه الكرامات ~~فإنها دالة على فضله. وفي اليمن أولياء ومشاهد لم تعرف في تاريخ ذكرها في ~~هذه البلاد العليا، لعدم اعتناء الشيعة بذكر تاريخ الفضلاء كما يعتني أهل ~~السنة بهم، فمنهم الشيخ مياس في طرف بلاد آنس إلى ما يلي بلاد عتمة ~~وذاهب ، عليه مقام ومزار، ولم يعرف تاريخه في كتب التواريخ، ومنهم السيد ~~الذي في السودة وآخرون مغمورون. ولكن نعلم أن الأولين ما وضعوا هذه ~~الأساسات والأبنية والمساجد والمشاهد إلا وهم من الفضلاء نفعنا الله ~~بالصالحين. # والباشا حسن حج مع الناس، وأراد تكون الحربه له دون سعد فلم يتم، فبقي ~~بمكة إلى آخر شهر الحجة، وعاد جدة. وكان أرسل إلى فرحان بأنه يكون دخول ~~مكة صفة حجاج، ويتركون الدخول [7/أ]بالسلاح والأرماح، فأجاب فرحان: أن ~~الأمر للشريف سعد، إذ هو الوالي بمكة، والناس داخلون إلى بابه، وكان دخل ~~إلى جدة بحرا ياقوت إسماعيل من أصحاب أحمد بن الحسن ومعه جماعة بسلاحهم، ~~فانتهبه الباشا عليهم وقال: يدخلون مكة حجاجا، ثم إن ياقوت إسماعيل سار إلى ~~حضرة الباشا وعرفه في ذلك فأطلق له السلاح. PageV01P301 # وفي صفرها وصل العولقي والواحدي إلى رداع، ثم إلى حضرة الإمام بضوران، ~~وكان أحمد بن الحسن قد رجع عنه بعد جمعه لجنوده وجنود صنوه محمد بن الحسن ~~هنالك، وأراد أن الإمام يعرف بما في وجهه من الناس، وما يتوجه لهم من ~~الإيناس، ولما وصل الواحدي والعولقي إلى حضرة الإمام عرض عليهم القافلة ~~التي راحت فأصلحوا فيها، ثم تناظروا فيما بينهم من القتول الجارية معهم في ms006 ~~قبائلهم فتساقطوها، وزاد عند العولقي للواحدي قدر خمس وعشرين قتيلا، وكل ~~هذه القتول التي حسبت لهم من بعد فتح المشرق ودخول أحمد بن الحسن إليه، ~~فأما قبل فلم يجر فيها حساب[7/ب] لكثرتها فيما بينهم، وكان خروج العولقي من ~~بلاده في عسكر كثير من قبائله فوق ألف نفر وبيارقه، فلما وصل طرف بلاد ~~الرصاص منعه الشيخ صالح الرصاص وقال: ادخل بمائة نفر، فدخل كذلك. # وفي شهر ربيع وصل إلى الحضرة العالية رجل من الإمامية الإثني عشرية يتعرض ~~للطلب، وجعل للإمام من شعره قصائد كثيرة على الحروف المعجمة، وخرج أيضا ~~بصراوي يذكر أن له معرفة في أدوية البواسير يقال له: الشيخ يعقوب، فيحصل من ~~الدواء هذا معه زوال ذلك، ولكنه يتعقبه من بعد الانتقاض وضعف البدن والعود، ~~فلم يحصل منه كثير فائدة، وكان يرسم على الذي يداويه دراهم كثيرة قدر خمسة ~~وعشرين قرشا وفوق، فمنهم من يبرأ، ومنهم من لا يحصل لدواه جدوى. PageV01P302 # وفي ربيع الأول وصل شيخ برط من ذي محمد، قاسم بن علي ومعه قدر أربعين نفرا، ~~والقاضي علي بن محمد العنسي معه، فوصلوا إلى حضرة أحمد بن الحسن الغراس، ثم ~~ساروا إلى حضرة الإمام ومن معه من الناس، وسبب وصولهم أن محمد بن أحمد طلب ~~منهم أنه سيقدم بلادهم، فأرادوا العذر عن ذلك، فصرفهم إلى الإمام، فأمرهم ~~الإمام بأنه لا بد من دخولها ومشاهم وزلجهم من عنده على ذلك الكلام. وفي ~~خلال وصولهم وعودهم تعرض جماعة من ذي حسين لطريق خيوان ، فصادفوا فيها سيدا ~~وولده من حوث في الجبل الأسود فرموهما، فأصيب ولد السيد وسلم أبوه[8/أ] ~~وهربوا، تعديا وظلما وتمردا وعنادا. ثم إن محمد بن أحمد تحرك حينئذ إلى بلد ~~الخراب، رأس وادي المراشي ، وهي باب برط وطريقه، وأهل برط صاروا مختلفين ~~فمنهم راضي بدخوله، ومنهم كاره، فمن الراضين: ذو محمد، قالوا: حيث قد رجح ~~الإمام ذلك فعلى ما يراه، ولا خلاف.ثم تحرك أحمد بن الحسن من الغراس بجموع ~~كثيرة بعسكره، وضم معهم من قدامهم من القبائل كنهم، ومن ms007 الجوف ، وجاءت ~~طريقه الجوف، فلما بلغ برط جاؤوا إلى محمد بن أحمد واهتموا بالطلوع والنفوذ ~~إلى بلادهم، وأرادوا بذلك أو تحصل الكفاية بدخوله عن حركة أحمد بن الحسن، ~~وكتبوا إلى الإمام بأن محمد بن أحمد قد دخل البلاد حسبما أمر، وأحمد بن ~~الحسن تقدم إليهم وجاءت طريقه بطن الجوف مشرقا، في بلاد قافرة ضعيفة شاقة، ~~سار إلى معين ، ثم خرج منه إلى أبراد، وأخذ العسكر من [8/ب] أطراف مواشي ~~بني نوف بعضا جزاء بما فعلوه العام الأول في الجوف، وخرج أحمد بن الحسن ~~إلى وادي خب في بلاد بني نوف من دهمة ، واستقر في طرفه مما يلي برط قدر ~~شهر، فحصل التضرر مع أصحابه فيه، لبعد القوافل والطعامات عن الوصول إليه ~~وكثرة الناس، ثم طلع برط، فأول دخوله بلاد ذي حسين قهرا، واستقر PageV01P303 في بلد رجوزة وسط بلاد ذي حسين، فبقى فيها أياما، وكان قد نالهم بهذه ~~الطريقة مشقة وكثرة حيات وعسرة الطريق وكثرة الأشجار، حتى هلك بعض من هلك ~~منها يقال: حرمة من جواري أحمد بن الحسن، وآخرون لدغتهم الحيات، ومات كثير ~~من الخيل والقراش يقال: قدر سبعين حصانا فأكثر، ومحمد بن أحمد حال دخوله ~~برط حصلت فرقة بين ذي محمد وذي حسين، وارتجام فيما بينهم. # ولما استقر أحمد بن الحسن ببرط بعد دخوله شق بأصحابه وجموعه، لضعف ~~البلاد، وعدم ما يقوم بهم من الطعامات والزاد، تفرقوا وسار أكثرهم وعادوا، ~~ولم يبق مع أحمد بن الحسن إلا خاصة أصحابه وعبيده، وأهل[9/أ] برط منهم من ~~تشرق في المحطة، وصار اليأس معه ومن بقى عنده في الحاجة والضرورة، وعدم ~~وجود الحبوب المجلوبة، حتى بلغ القدح قريب خمسة حروف وأربعة. # وفي هذه الأيام أخرب محمد بن أحمد بيتا كان في طرف بلد الأوساط التي ~~سكنها؛ لأجل أنه كان مع برط مجمعا للفساد، وأصله بيت قري جمعة التركي أيام ~~دخل برط، عمره أيام دخوله فيما سبق. # وفي هذه الأيام اعتنى صاحب المخا بعمارة القليع عند المخا وتصليحها ~~وافتقادها؛ لأجل ما وقع من الفرنج ms008 وفسادها. # وفي خامس عشر شهر جمادى الأولى خسفت القمر، أكثر جرمها في برج الحمل، ~~وغربت خاسفة. # وفي هذا الشهر مات محمد كاشف ببرط حضرة أحمد بن الحسن، وهذا المذكور كان ~~أول رياسته مع شرف الإسلام الحسن بن الإمام آخر أيامه، ثم ولده أحمد إلى ~~أن مات في التاريخ المذكور، وكان متوليا في المدة السابقة بأصاب ، وهو ممن ~~خرج مع أحمد بن الحسن في الحوادث تلك المدة السابقة، في مدة الإمام المؤيد ~~بالله، ثم عزله أحمد بن الحسن، ولم يترك رعايته، وكان شافعيا في مذهبه، ~~رأيت بخطه في بعض كتبه يقول محمد كاشف الشافعي مذهبا، الشيعي [9/ب] معتقدا. PageV01P304 # وفي يوم السبت ثالث عشر شهر جمادى الأولى مات السيد العارف علي بن يحيى بن ~~أحمد بن المنتظر الغرباني بظفير حجة ، كان هذا السيد في عشر الثمانين، وكان ~~قد اختلط عقله آخر عمره، وقبيل وفاته سنة موته. انتقل جده المنتظر إلى ظفير ~~حجة في مدة الإمام شرف الدين ، وأصلهم من غربان ، وله في تلك الجهة مال ~~ودار. وقد تولى القضاء برهة أيام في مدة الإمام المؤيد بالله، ثم ترك لحدة ~~طبعه، وحرة مزاجه، وأخرجه أهل الظفير في بعض الأيام إلى حجة ، ثم رجع وعاد ~~وانعزل في بيته وماله. # وفي هذه الأيام وصل خواجا تركي بهدية للإمام، وهو وطاق من جهة بلاد ~~الحبشة، وسكن بحضرته قدر شهر تام، وزلجه الإمام، وأعطاه قياس ثمن وطاقه ~~وزيادة في الإنعام، فمر صنعاء، وحضر جمعتها، فقال: ليش ما يذكر الصحابة ~~خطيبها. # وفيها ظهر رجل قيل: أنه يدعي أنه شريف، وإذا سئل ما إسمه؟ قال: عبد الله، ~~وأصله فقيه قيل: من بني الخيشني، كان قباضا مع أحمد بن الحسن في بعض ~~البلاد، كان قد قرأ على حي القاضي حسن الحيمي بعض قراءة، لم يحصل له فيها ~~فائدة. وكان له[10/أ] صناعة في كتب الإنشاء، فظن من لم يكن له معرفة أن ~~عنده علما، ولما وصل إلى بلاد كحلان وحجة حصل له من الناس الضيافات ~~والإحسان، ثم إن صاحب حجة محمد ms009 بن حسين بن جحاف استماله إلى الوصول إليه، ~~فوصل، فباحثوه فلم يجدوا عنده في العلم معرفة، وأدب بعض أهل بلاده عن ما ~~فعلوه إليه من الإكرام والضيفة ونهاهم عن ذلك وزلجه، وأمره بعدم البقاء في ~~بلاده، ثم أنه ركب البحر وصار إلى حضرة حسن باشا ولازمه، ثم بعد ذلك سار ~~إلى جبل الطائف واستقر فيه هذه المدة. PageV01P305 # وفي نصف جمادى الأولى لما تمت أعمال دخول برط، وكان علي بن أحمد صاحب صعدة ~~قد استقر في بلاد أملح عاد إلى صعدة، لما بلغه أن أحمد بن الحسن وصنوه ~~محمد بن أحمد يريدون دخول صعدة، لما يحتاجون من التأهب للوصلة وكراهته ~~دخولهم في البطنة ، ثم إن الإمام ذكر لأحمد بن الحسن ومحمد بن أحمد بالعود، ~~وعدم دخول مدينة صعدة، والطرق التي كان تدخل برط الملوك السابقون من جهات ~~صعدة؛ لأنها سهلة لا يخشى فيها حوزة، ولا يوجد فيها عقبة ولا تعب ولا معرة ~~[10/ب]، بخلاف طريق وادي النيل والمراشي التي تخرج من عيان ، فإنها مرافض ~~وعقيب وملاوي غير صالحة لدخول الجنود، لما يخشى فيها من الخديعة عند ~~التلاقي في الحدود. وقد دخل برط كثير من الأولين في زمان العباسية، وفي ~~زمان الهادي دخله بنفسه، والإمام شرف الدين، وقرى جمعة في مدة سنان باشا ~~هؤلاء دخلوه جميعا عنوة، ودخله صلحا الإمام أحمد بن سليمان والمنصور . # ومات على أحمد بن الحسن لما جاء هذه الطريق الشاقة -طريق المشرق- قريب ~~سبعين حصان من الجوع والضمأ وعسرة الطريق والحفا. # وأحمد بن الحسن لما بنى على الحركة والارتحال قال لأهل برط: السيد محمد ~~بن علي الغرباني النظر في أمره، فقال برط: هو جارهم، وعليهم الدرك لا يحصل ~~شيء من جانبه ما دام عندهم، ولا يرضون أن يحصل من جهته ما فيه محق ولا أحد ~~من قبائلهم يجيبه ما دام ساكنا وعليهم حفظه، فقال أحمد بن الحسن: لا بد من ~~ضمانات[11/أ] من كباركم على صغاركم في هذا الأمر، وعدم حصول الخلل، فدخلوا ~~في الضمانة وضمنوا بعضهم على بعض وقالوا: ms010 هذه أمانة ولا يجري منا لما يخالف ~~ذلك خيانة. وأنشأ بعد ذلك السيد محمد الغرباني قصيدة وجهها إلى والده ~~بصنعاء، وذكر في ضمنها إليه على من يعرفه بها بعد أن بالغ في مدح أبيه ~~بالعبادة والزهادة، ثم ذكر عند ذلك قوله: PageV01P306 # صلاة الإله ورضوانه # عليه نوافحها تنفح # وقد جرت عادة أهل الوقت من أهل الزمان التصلية على غير النبي عليه الصلاة ~~والسلام، كما ابتدعه خطيب صنعاء محمد بن إبراهيم السحولي في خطبه، بعد أن ~~لم يكن ذلك معروفا لأحد من قبله، وقد عرف العلماء أن الصلاة تختص سيد ~~الأنبياء لا غيره من سائر الناس، إلا على وجه التبع من الآل بعد ذكره صلى الله عليه وسلم، ~~فأما على الإنفراد فلم يقل به أحد من العباد، وإنما يقول بذلك الرافضة. # من قصيدته هذه بعد أن خرج من مدح والده والتوجيه إليه ذيلها بقوله: # وعج ببني القاسم الأكرمين # ومن لهم في العلا أودج # واتحفهم شريف السلام # وعاتبهم إن هم عرجوا[11/ب] # وقل ما لكم يا بحور الحجى # أتيتم بشيء بكم يسمج # جنودكم أقبلت # إلى رجل واحد مزعج # وليس ثروة ولا ولد # ولا أوس ولا خزرج # ولم يأتكم منه ما تكرهون # سوى أنه قال ذا المدرج # وما قال إني إمام ولا ال # إمامة عنكم لها مخرج # ولكنه قال إن كان ما # ذكرت هو المنهج الأوهج # فحي إليه إذا شئتم # والإ فما شئتم فانهجوا # وردوا علي إذا شئتم # مقالي إن كان مستسمج PageV01P307 وهذه القصيدة هي من البلاغة بمراحل بعيدة، كما لا يخفى على أهل البصيرة، مع ~~ما فيه من اللحن في قوله: (سوى أنه قال ذا المدرج) برفع القافية مع عدم ~~الضرورة، فإنه كان يمكنه رفعه على وجه لا يكون العامل ناصبا له، وكذلك بعده ~~البيت الآخر، ثم أوعد بعد ذلك بالفتن، وأن الدهر لا يؤتمن، وقد أشار بما ~~ذكر هو ما اعترضه على الإمام وولاته وسيرته، وأكثرها غير قادحة، إذ من لازم ~~الداخل فيها الجري عليها كما ذلك معروف لأحوال الأئمة، ممن مضى وخلف ms011 في هذه ~~الأمة، وسواء كان هو متوليها أو غيره من أدانيها وأقاصيها، والسعي في جميع ~~الأمور لصلاح المسلمين، لا للتفريق بين المؤمنين، فقد علم ما في الاجتماع ~~من الخيرات وما في التفرق من المحق والشتات، والله يجمع المسلمين على ~~الخيرات والبركات، وقد قال تعالى: {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها } وقد ~~ظهر من قصيدة السيد محمد المشار إليها استحلال الخروج على هذه الدولة، وأنه ~~إنما سكن لعدم القدرة [12/أ]. وقد كان أرسل السيد محمد الغرباني في هذه ~~المدة قبل دخوله برط برسالة إلى أحمد بن الحسن أو بعض أصحابه فيها مطاعن ~~كثيرة في تكثير الجوار معه، ويجعلهن أمهات أولاد، وأنه تهور في تكثير ~~الجوار، واتباعه للهوى فيهن والمبالغة في محاسنهن، ومتى كبرت الأولى بذلها ~~وأخذ أخرى غيرها، وما زال في كل سنة بل كل شهر له سرية، وصار يتخيرهن ~~ويستبدل بهن ويلبسهن الملابس الفاخرة، حتى لا يزال يبلغن أربعمائة خمسائة، ~~ثم يخرج هذه ويخرج هذه، وهذا شيء لم يعرف بغيره من الماضيين ولا من غيرهم ~~من السلاطين. # وخرج أحمد بن الحسن من برط ومحمد بن أحمد في غرة جمادى الآخرة منها، فكان ~~سكون محمد بن أحمد ببرط قدر شهرين ونصف، وأحمد بن الحسن شهر وعشرة أيام، ~~وجاءت طريق أحمد بن الحسن الزاهر ، ثم خرج الخارد والغراس، ومحمد بن أحمد ~~جاءت طريقه خمر . PageV01P308 # وفي هذا الشهر لما ولي الإمام بلاد الضحي ومور وخرجت عن ولاية النقيب ~~سعيد المجزبي فسح لبعض عسكره، واستبقى بعضهم عنده، وسكن في كمران محله، ~~وولده باللحية لبعض الأعمال، وقد معه في النفس بعض انكسار. # وفي هذه الأيام طرد الحضارم الرسول الذي أرسله حسين بن حسن متوليا، ~~وردوه راجعا ومن معه، وقيل: إنه قتل من أصحابه رجلان أو رجل، فلما كان كذلك ~~قال الإمام: الصواب ولاية الشيخ علي الكثيري ، وكان يومئذ عنده [12/ب] ~~فجهزه إليها، ونظر أن تعبها أكثر مما يأتي من مصلحتها. # وفي يوم الجمعة ثاني وعشرين شهر رجب حصل قران المريخ وزحل ببرج الحوت. # وفي هذه ms012 الأيام ترجح لرجل، وهو أبو مؤذن مسجد الأبهر بصنعاء، أصله من ~~سيان سنحان أن وجأ بطنه بالسكين، وقد كان في عشر السبعين، وولده اسمه ~~الفقيه صالح السياني، بعد أن كان أولا شرع بذبح نفسه بيده، وسببه أن زوجة ~~ولده وولده ما زالوا يخاصمونه ويستثقلونه ويتمنون موته وهلاكه، لأجل بخلهم ~~بنفقته، والقيام بحاله، فغضب المذكور على نفسه، فختم له بأشر خاتمة، نعوذ ~~بالله من ذلك، وإلا فكان أرض الله واسعة، وأرزاقه شاملة، ولا بد من نصيب ~~عند غيرهم وسواهم. # وفي هذه الأيام أمر الإمام بأنه لا يرجع من الدراهم إلا ما هو أحمر، فأما ~~(المقصوص) فماض. # وفي هذه الأيام غزا الشيخ الجيد إلى أطراف بلاد دثينة ، فقتلوا نفرين من ~~عسكر حسين بن الحسن. PageV01P309 # وفي هذه [13/أ]الأيام جاء خبر أن سيواجي رئيس الرازبوت ببلاد الهند من ~~المجوس عضد بعض أقارب السلطان الهندي سلطان الإسلام، وغزا، الجميع بندر ~~سرات فانتهبوه جميعا، وأظهروا الخلاف على سلطان الإسلام، وهذا البندر هو ~~أقرب البنادر في سمك البحر إلى بنادر اليمن، المسافة مع صلاح الريح قدر ~~عشرين يوما ما بينه وبين عدن، ومنه إلى محل سلطان الهند قدر شهريين برا. # وفي رمضان آخر الشتاء حصل مطر الربيع بأكثر اليمن. # وفي هذه الأيام جاء الخبر أن سيواجي اصطلح هو وسلطان الإسلام بالهند، ~~وسكن خلافه، وأن الهند فيه خير كثير، وصلاح واسع ومطر غزير. # وفي هذه الأيام وقع في جهات البحرين في حدود البحر الفارسي فتنة، قيل: من ~~الفرنج الهند خالفوا وانتهبوا البندر، وقيل: من جهة الفرنج انتهبوا أشياء ~~في البحر قربة، ولعل الخبر الأول أصح. # وفي غرة شوال خرج جماعة حجاج من العجم من بندر كنج إلى المخا وأخبروا أن ~~الفرنج يخشى منهم [13/ب] فإنهم مروا والعماني متحرز على أطراف بلاده منهم. # وفي هذه السنة تسلط مارد في بعض بيوت صنعاء يقال: بيت السيد أحمد التاجر، ~~وكان يؤذيهم ويحمل عليهم بعض مفاتيحهم ويردها قال: فطلبوا منه مرة طعاما من ~~طعام الزلابيا. قال الراوي: فلم يشعروا إلا وهو بين ms013 أيديهم، فأكلوا منه. # وفي شهر الحجة سعرت أسواق مدينة صنعاء في المكاسير، ومن قبل لم يعرف ~~تسعير الدولة بل بالتراضي، فحصل بسبب ذلك ركة مع الكسارين في البيع ~~والشراء، بحيث ترك بعضهم ذلك الابتغاء، وغلق الحانوت ومضى، ومنهم من صبر ~~على ما به من البلوى. # وفي حادي عشر القعدة كان تحويل السنة الرومية، فكان عند دخول الشمس أول ~~درجة الحمل، والمريخ في الثور، وزحل بالحوت، والمشتري بالأسد،والشمس ~~والزهرة وعطارد بالحمل، والجوزهر الذنب بآخر درجة من الميزان، ثم تدخل ~~السنبلة. PageV01P310 # وفي هذه الأيام وصلت من صاحب عمان إلى المخا رصاص قدر ألفي رطل معونة لحرب ~~الفرنج إذا خرج أحد منهم في السواحل، كل ذلك منه لأنهم خصومه، وكثرة ما جرى ~~بينه وبينهم من الحروب. # وفي هذا العام حصل مطر الصيف واستمر إلى شهر محرم وصلحت الأرض. # وفيها مات الشيخ العارف الصوفي محمد بن الشيخ طاهر بن بحر ببلدة ~~المنصورية بتهامة، وكان على طريقة والده الشيخ طاهر بن بحر في إكرام الضيف ~~والثروة، وخلف ولده عبد الباري[14/أ]. # وفيها مات الشيخ السيد إسماعيل بن إبراهيم الحضرمي ببلدة لكمة بن سليم، ~~ما بين الحيمة وحراز وكان ساكنا فيها من مدة مع ضعف هواها ووباها، وكان ~~مكرما للضيف، ما أحد يمر إلا وأغاثه؛ لأنه على طريق حراز، وكان كثير النذور ~~من القبائل، وما دخل يده أنفقه رحمه الله، واتفق مع رجل أنه لما عبر الطريق ~~وهذه البلد صادف بعض جواري الشيخ تغرف الماء من المورد فكأنه راودها عن ~~نفسها، فبلغ الشيخ، فدعا عليه، فجن في الحال والوقت وتغير عقله، وبقي كذلك ~~برهة من الأيام مكبلا بالحديد، ثم إنه عكب أيضا بعد ذلك ثم لم يلبث أن مات. PageV01P311 ### | ودخلت سنة اثنتين وثمانين وألف # استهلت بالأحد بالرؤية، وحصل قران المريخ بالزهرة، في نصف محرمها بأول ~~برج السرطان. # وفي مدخل يومين أو ثلاث وصل الخبر إلى صنعاء من طريق السراة أنه وقع ~~بمنى عند جمرة [14/ب]العقبة واقعة عظيمة، وذلك أن اثنين قيل: أحدهما من ~~هذيل وآخر من أصحاب ms014 الشريف رميا الباشا حسن، قيل: ذلك بأمر الشريف سعد وهو ~~أنكره، فرميا الباشا حسن وكان غافلا ساكنا حال رمي جمرة العقبة من رأس ~~اللكمة التي جنوبي الجمرة يقعد فيها أهل اليمن للفرجة على الناس حال الرمي ~~للجمار، رمياه في حالة واحدة برصاصتين أصابته إحداهما في فخذه ونفذت إلى ~~حصانه فسقط في الحال،، والتفت أصحابه الحاضرون عنده للضرب بسيوفهم فيمن ~~عندهم، فقتلوا في الحال قدر ثلاثين نفسا، وانهزم الناس وهربوا، وحصلت فيهم ~~صولة شديدة وحالة كبيرة،ومنهم من زال عقله لحصول ذلك الحادث على حين غفلة، ~~وقتلوا من كان في المقهاية التي تجعل عند جمرة العقبة تحت هذه اللكمة، ومن ~~جملتهم مقهوي من صنعاء كان فيها. وكان هؤلاء القتلى مجموعين حجاج وفقراء، ~~فالذي عرف منهم من اليمن المقهوي المذكور، وآخر من بلاد عتمة، وآخر من بلاد ~~رداع، والآخرون من حفاش [15/أ]، ثم من سائر الأرض، وحصل النهب في أطراف ~~منى، والشريف كان في محطته يومئذ، فجاءه الخبر أن الباشا قد قتل، فركب وركب ~~أصحابه ودرع وخوذ. فلما قرب منهم رأى القتال واقعا والضرب بالسيوف لامعا، ~~قهقر ورجع إلى محله، وضم من عنده، وفي محطته. والباشا أدخله أصحابه ~~التختروان وتقدموا إلى مكة بالعساكر والركبان، فدخلوها في النفر الأول ~~وسكنوها، والشريف دخل بعد ذلك وحده، وأمر أصحابه وجنده قبله. واختلفت ~~الأخبار في شأن الباشا حسن، فمنهم من قال: قتل ومات في الحال، ومنهم من ~~قال: إنما اصتاب فقط وسلم وهو الأكثر، والأخبار بعدبه أشهر. ومن الحجاج ~~الذي شهد هذه الوقعة وسلم بعد أن كان رأى PageV01P312 نزيف السيوف، والأمر المسلم وصل إلى اليمن وعاد بعد حجه، وقد تغير عقله، ~~وما زال يهذي في نومه ويقظته بالسيف السيف، حتى لم يلبث أن مرض ومات بعد ~~عوده. وهذا الأمر الذي جرى في حرم الله وأمنه ما كان[15/ب] يحسن فعله والله ~~يقول: {ومن دخله كان آمنا } ولا سيما في هذه الأيام الشريفة، والمواقف ~~المباركة، والأيام المعلومة على تلك الحال والصفة، ولا سيما ما كان سبب ذلك ~~من قتل ms015 هذه النفوس، في ذلك المحل المأنوس. وكانت هذه الواقعة يوم الأربعاء ~~وقت الظهر النفر الأول، إذ كان عرفة هناك يوم الأحد والعيد يوم الإثنين. ~~وكان الباشا ما تم الرمي للجمرة، وإنما كان رمى ثلاث حصى، فلما اجتمع الناس ~~بمكة حصل الخوف والحذر من ثائرة الفتن، وبطل أكثر البيع والشراء والأسباب، ~~لعدم الأمن على الأنفس والأموال، حتى ينفصل أمر ذلك الحال، مع أن هذي ~~الفعال لا يبعد أن تكون سببا لتحريك السلطان وإيقاظ الفتنة وهي نائمة، ولله ~~قول الشاعر: # أمور يضحك الجهال منها # ويبكي من عواقبها الحليم PageV01P313 وقال الأول: من لم يفكر في العواقب فما الدهر له بصاحب، ومن أراد عظيما ~~خاطر بنفسه وماله، وقد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: ((الفتنة نائمة لعن الله من ~~أيقظها ))، ولكن إذا جاء القدر عمى البصر. ومن الناس من قال: إن الشريف ~~قال: إن الباشا حسن ظهر له بالإمارات أنه كان يريد بعد دخول مكة ~~القبض[16/أ] عليه وإزالة ملكه وأمره ونهيه، وصرف الأمور إليه، والله أعلم، ~~وتأخر الحجاج الذين يصلون من البحر، ولم يصل من الحجاج في هذه الأيام إلا ~~أهل السراة فقط، وسببه عدم التمكن للسفر من مكة إلى جدة للخوف، ثم وصل أهل ~~البحر عقب ذلك. وأخبروا أن بعد ثامن عشر شهر الحجة الحرام اجتمع حجاج اليمن ~~الذين بمكة ودخلوا إلى الشريف سعد يشكون التضرر بالنفقات، وأنهم يريدون ~~السفر فوعدهم بالجواب ثاني النهار، ثم إن الشريف طلب أمير حاج الشامي وجلس ~~هو وإياه في الخلوى، ثم إنه خرج من عنده وسار إلى بيت الباشا حسن، ثم تعقب ~~اليوم الآخر وأمر الناس بالنفير، وفي صحبتهم من قبل الباشا حسن آغا ومن قبل ~~الشريف آغا، وعسكر وساروا إلى جدة، وسكن الآغا بمحل الباشا والذي من قبل ~~الشريف بمحل آخر، ثم إن الباشا بعد هذا الأمر خرج مع أمير الشامي في ~~التختروان وظهر للأشراف أنه عازم بلاده، وراجع إلى حضرة السلطان [16/ب] ~~واعتاده، فلما وصل الباشا إلى المدينة النبوية دخلها وسكنها واستقر بمن ms016 معه ~~فيها، وقال لا ينفصل عنها حتى يصل جواب السلطان، فاستقر الأمر كذلك هذا ~~العام جميعه. وخرج له من مصر مادة استدعاها خشية من سعد لا يتعرض ويقصد ~~بجموعه إليها، فخرجت الزيادة والإمداد، وقوي جأشه بذلك وبما خرج من الطعام ~~والإعداد، والشريف بقي بمكة على حاله. # واتفق قران المشتري والزهرة في برج الأسد والزهرة كثيرة القران لسرعة سيرها. # وفي هذا الشهر ولدت امرأة للحوتره من أهل شعوب عجلا فبقي قدر يومين ومات. PageV01P314 # وقد كان بعض جيش سعد خرج من مكة إلى جهة المدينة يقال: رئيسهم حمود، فلما ~~وصلوا بدر بلغهم خروج زيادة من مصر، فلم يبلغوا إلى المدينة، قيل رجعوا إلى ~~مكة. وأخبر الحجاج بصلاح الحجاز ونجد جميعا وتهون الأسعار بمكة والأعلاف ~~بعد تلك الشدة، وأن الخير متصل من مكة والمدينة إلى صبيا . # وفي شهر ربيع الآخر طلع علي بن الإمام إلى حضرة والده الإمام. # وفي هذا الشهر اتفق أن السيد جعفر بن مطهر الجرموزي متولي العدين هرب ~~بعض أصحابه إلى مشهد الشيخ [16/ب] صلاح، فأمر السيد بإخراجه من الحوزة فلم ~~يساعده أحد فسار بنفسه وأخرجه. # قال الراوي: فخرج عليه جيش عظيم في مجلسه ومكانه، وما زال يراه في كثير ~~من أوقاته فسار إلى المذيخرة ، فلم يشعر إلا بذلك الجيش أطل عليه من باب ~~مكانه، فصاح وحصل معه بعض طيش ووحشة. # وكان السيد جعفر قد تقبل بلاد العدين هذا العام بقبال كثير يقال: كل شهر ~~ستة آلاف، فجار على الناس بسبب القطفة والقبال. # وانتهب هذه الأيام قافلة خرجت من جدة إلى عند الباشا حسن مجموعة طعام ~~ورصاص، مع أنه صار يخرج السياق إليه من مصر بحرا إلى ينبع ، ثم يصل إليه. # وروى لي بعض أهل مكة يسمى لطف الله يقول: إن الشريف ادعى أن الباشا حسن ~~ما أظهر مرسوم التولية، وأنه حضر مجمعه أول وفوده، وطالبه في المرسوم يحضر ~~إلى هنالك ومشائخ الحرم فلم يظهره قال: ولو أظهره سلم له الأمر. # قال المذكور: وكان قد ظهر للشريف وأهل مكة أن ms017 الباشا حسن باقي في تلك ~~السنة القبض على الشريف سعد بالقهر، ولذلك دخل من جدة بقوة العسكر والمدفع ~~وإظهار الأمر، وأمر الخطيب برفع ذكر سعد، وأظهر الأمر جميعه له، وما يفعل ~~ذلك إلا بأمر السلطان. PageV01P315 # وفي هذه الأيام ارتفع سعر مكة؛ لأجل تناقص السياق من جدة، فقيل: إنه بلغ ~~القدح إلى خمسة حروف. وتفرق كثير من أهل مكة يومئذ في الآفاق، وكذا من ~~أهل[16/ب] المدينة أيضا والحجاز، فمنهم من سار إلى تهامة وزبيد وبيت ~~الفقيه ، ومنهم من طلع الجبال بأولادهم، ومنهم من طلع بلاد الطائف ونجد. # وفي شهر جمادى الأولى خسفت القمر في برج الحوت بعد طلوعها بساعة، فطمس ~~الخسوف جميع جرمها أوله بسواد ثم تغشاها بحمرة، وكان الخسوف بالرأس بمصاحبة ~~زحل، ومقابلة المريخ للكسوف بالسنبلة، واستمر الخسوف وقتا طويلا، منهم من ~~يقول: ست ساعات، ومنهم من يقول: خمس. # وفي هذه السنة تغير حساب أهل الذمة من اليهود -لعنهم الله- في مواقيت ~~أعيادهم على الشهور الرومية، فقدموه على وقته بقدر شهر كامل، جعلوا سبت ~~السبوت هذه السنة في أول شهر جمادى الأولى، وهو في آخره على حساب جدول ~~الحاصي وغيرها، فدل على تخليط حصل معهم، ورجعوا في العام الثاني إلى ~~الواقع، والعام الثالث رجعوا إلى التقديم، كهذه السنة بشهر، وكذلك عيد ~~الفطر خلطوا فيه تخليطا كثيرا، فهو يكون مستمرا بعد فصل الصيف، فجعلوه في ~~بعض هذه السنة آخر الصيف عند سقوط الثريا وغروبها، وإنما يكون عيد الفطر ~~عند غروب الظافر وطلوع السماك بعد الصيف. # وفي شهر جمادى الثاني وصل السيد عبد الكريم بن باز من عتود، ومعه قدر ~~ثلاثين نفرا وافدا إلى الحضرة العالية للإمداد بالسلاح والمال، ليستعين به ~~على البقاء في عتود ودفع القبائل وتنفيذ أمر الشريف؛ لأنه ولاه هذه السنة ~~لعتود وأمره بالبقاء فيها، فبقي عند الإمام خمسة أشهر، ثم زلجه الإمام في ~~شوال، وأعانه بما طلب وسار[17/أ]. PageV01P316 # وفي هذا الشهر عرض الإمام على ولده أحمد ولاية بلاد ذمار فأباها وقال: ~~يريد الإذن له في عودة شهارة ، وتوليته لبلادها، ms018 لمحبته للوطن، كونه نشأ ~~فيها، فولاه نصف بلاد عذر ، وامتدت يده في الآداب أينما نهى وأمر، وعارض ~~بذلك حسين بن الإمام المؤيد في أمور كثيرة، وصار يقالله فيما يفعله من ~~السيرة، حتى أن الشاكي إذا شكى إلى حسين بن المؤيد، وفرض عليه من الأدب ~~والأخذ باليد نقض ذلك أحمد المذكور عمل ابن المؤيد، فحصل في نفس الحسين كظم ~~الصدر من هذا الأمر، وعدم التوقير للكبير، وما يتوجه من المراعاة من ~~الصغير، حتى بلغ به الحال أنه لما وفد عيد الأضحى في بعض السنين خرج عن ~~شهارة، كراهة للاجتماع لما رأى من هذه الأمور المنهارة، وأظهر التمشية بذلك ~~قبيل العيد، وعيد في قرية الصاية ودخل بعد مضي العيد. وقد صار هذا الأمر ~~في هذه العالة الآخرة هو الغالب لهم والسجية، حتى لقد قوض بيارقه وطبوله ~~توقيا من ثائرة الاشتجار والفتنة لما رأى من شدة النخوة، وكتب إلى الإمام ~~يعذره عن الأعمال وكان ظنه، أن الإمام ينهى ولده عن المعارضة له، فجاء ~~الأمر، خلاف ظنه فاغتم من ذلك الأمر، وأمر الإمام لولده أحمد حينئذ يريح ~~وطبوله والعلم لعسكره. # ويروى أن الإمام كان أمره بالخروج على الحرامية بتهامة، فاعتذر، فما زال ~~حاله إلى الانصياع، حتى مات أمره وضاع. PageV01P317 # وفي هذه الأيام سار كثير من أهل كوكبان وشبام إلى الحضرة العالية شاكين ~~من الأمير عبد القادر بأنه تأخر بعض ما يعتادونه من التقارير لهم من ~~الماضي والحاضر، فأرسل الإمام معهم الفقية محمد بن عز الدين الأكوع، الذي ~~كان مع الحسن بن الإمام[17/ب] القاسم خازنا ومعاونا، فأراد العذر لكبر ~~السن، فألح عليه الإمام وقال: المراد إنما هو المشارفة على محصول البلاد، ~~فسار المذكور واطلع على الدفاتر، ورقمها للإمام، لمعرفة الماضي ~~والحاضر.وكان خرج مع الخارجين من شبام وكوكبان السيدان محمد بن إبراهيم بن ~~مفضل ، والسيد يحيى بن أحمد الحمزي واستنكرا ما كانا يألفان من الأمير ~~ناصر من الإحسان وقبول الشفاعات والإجلال، غررا منهما، وعدم معرفة حال ~~غيرهما، فوصل السيد محمد إلى وادي ضهر ، سكن وعمر فيه ms019 داره، والسيد يحيى ~~شرى دارا بصنعاء وسكنه، ثم ندما بعد شراء ذلك وتأسفا لما عرفا بالحالات، ~~وأن التقصير من عبد القادر إحسانا كما قال الشاعر: # وبضدها تتبين الأشياء # وفي هذا الشهر جاءت الأخبار بأن القضية الواقعة في مكة لما وصلت مسامع ~~السلطان، وعرف حقائقها بالتقرير والبيان، اغتاض من ذلك وأبرزت أوامره إلى ~~مصر بأن (بينه عاد) جدة والباشا حسن حتى ينظر، فأمر صاحب مصر بعينه إلى جدة. # وفي هذه الأيام سرق بيت القاضي علي بن جابر الهبل ، قاضي الشريعة بصنعاء، ~~وكان المذكور في الخريف بأولاده، فراح بعض شيء كان وديعة لأيتام قاصرين، ~~فحصل اشتجار بين الوارم المحتسب على المدينة وبين أصحابه، أرادوا قسمتها ~~بينهم، فغلب المحتسب عليها، فأخبر أصحابه والي المدينة أنها مع المحتسب، ~~وأنه السارق لها، وأنها في موضع كذا، فوجدت كما وصفوا، هذا هو الأصح في ~~خبرها، وقيل: أنه عرض أمرها على الفقيه أحمد[18/أ]. PageV01P318 # وفي هذا الوقت يسر الله لي تمام تبييض مصنفي (الاقتباس) إلى آخره بحمد ~~الله، الذي اشتمل على خمسة فنون: النحو، والصرف، والبلاغة، وأصول الفقه، ~~وأصول الدين، في أربعة مجلدة، وكان الفن الآخر توسعت فيه، فكان في مجلدين، ~~نصف الكتاب أو يزيد عليه، واستوفيت الكلام في أصول الدين، ونقل أقوال ~~العلماء من أهل السنة وأقوال السلف وأقوال المعتزلة والأشعرية والحنفية ~~والمالكية والحنابلة، مما ساق الدليل إلى قوة مذهب السلف ووافقه أهل السنة، ~~ولما كان المنصف من أهل هذه البلاد كالعدم، والتقليد قد لصق بالأكثر، وعم. قلت: # في مثل تقريري لا يحسن العذل # وإنما الناس أعداء لما جهلوا # رأوا تخير قولي في علومهم # فأوسعوا القول إذ ضاقت بي الحيل # لو أنهم عرفوا في الحق معرفتي # لشأنهم عذروا من بعد ما عذل # ياجاعلي خبري بالهجر مبتذلا # لا عطف منكم ولا لي عنكم حول # رفعت حالي ورفع الحال ممتنع # إليكم وهو للتمييز محتمل # كم كتمت حقائق علمي لا أبوح به # والأمر يظهر والأخبار تنتقل # كيف السبيل إلى إخفاء سنته # والقلب منقلب والعقل مقتفل # وبت أخفي أنيني عن أن ms020 أبوح به # توهما أن ذاك الجرح يندمل # لأنني في بلاد لا يعرفون سنته # ولا ما يقول الرسول والكمل # وسرت أراجع مسترشدا دفاترهم # لا يصدق القول حتى يصدق العمل [18/ب] # غابوا وألحاظ فكري تمثلهم # لأنهم في ضمير القلب قد نزلوا # وخلفوني أعض الكف من ندم # وأكثر الذكر لما قلت بي الحيل PageV01P319 مع أن الاتفاق بين أهل السنة والمعتزلة ومن وافقهم من الهادوية أنه لا يجوز ~~التقليد في أصول الدين، وقد أمعنت النظر في الآيات القرآنية والتفاسير ~~الأثرية والمعاني العربية والأحاديث النبوية والنقل للأثار عن الصحابة ~~والتابعين وعلماء السلف الماضين من أهل البيت الأولين، وغيرهم من العلماء ~~العاملين، فلم أجد عقائدهم إلا على مقتضى عقائد أهل السنة المحققين، كما ~~نقلنا أقوالهم، وتتبعنا آثارهم أجمعين. وقد جريت على ذلك المنوال، باتباع ~~الأدلة والآثار في المسائل الفقهية، وصنفت أيضا في ذلك كتابي (الدلائل) في ~~ثلاثة مجلدة والله الموفق للصواب [19/أ]. # وفي هذه الأيام دخل جماعة من الفرنج الملاعين إلى جزيرة سقطرى من بلاد ~~المهري ، فصالحهم، وسكنوا في مكان منها يقال له: (قشن ) . وكان قد أهم ~~الإمام بتجهيز زيد بن خليل الهمداني، ودفع الفرنج عن القرار بساحل بلاد ~~المهري، ثم أنه بلغه في خلال ذلك الأمر المذكور تجهيز محمد شاوش من مصر إلى ~~جهات مكة وتلك الثغور، فترك ما كان أهم به أولا وطوى شأنه طيا. # وفي خامس شهر ذي الحجة وصلت كتب من الشقيق وجازان يذكرون أنه بلغهم ~~خروج محمد شاوش من مصر بجنود معه، وأصل محمد شاوش هذا من اليمن. # وفي عشرين ذي الحجة وصل كتاب من جازان يخبرون أن حال عزمهم من جدة، ووصل ~~محمد شاوش بقدر ثلاثة آلاف، سابع عشر شهر القعدة، وطرحوا خارج مكة قيل: ~~بالعمرة وقيل: ببركة ماجد[19/ب]. والشريف سعد عند ذلك أمر بلال من المماليك ~~إلى محمد شاوش لأجل الكسوة، فأعطاه محمد شاوش المعتاد، وسكن بذلك الوهاد، ~~وذكروا أن حال عزمهم من جدة، وقد بلغهم تجهيز الوزير حسين مع المحمل ~~الشامي. PageV01P320 # وفي آخر يوم من شهر الحجة وصلت ms021 كتب الحاج فرحان ومن الحجاج يذكرون أنهم ~~وصلوا إلى السعدية المباركة ومحل الإحرام، للدخول إلى البيت الحرام، ~~ووصلتهم كتب الشريف سعد بن زيد صاحب مكة فيها التحذير عن الدخول والرجوع من ~~ذلك المكان من غير تراخي ولا توان، وأكد بذلك رسولا آخر بمثل ذلك، وكان ~~البعض قد أحرم، فلم يسع الجميع إلا العود والمسارعة، وشد العزيمة للسفر من ~~غير مراجعة. وذكر الشريف سعد أن السبب أنه دخل مكة حال تصدير كتابه حسن بيك ~~في عسكر كثيرة وخيل عديدة، وقد كان تقدم محمد شاوش بتلك المحطة، وأن ~~المحامل في أثره ما قد وصلت، وأن الجملة للخيل الداخلة حول ألفين، ومن ~~العساكر[20/أ] على المطا حول خمسة آلاف راجل، على كل مطية راكبان معهما ~~بندقان ومعهم من الدباب. PageV01P321 # قال في القاموس: الدبابة مشددة آلة للحرب وقد كان يتخذها بنو أيوب وبنو ~~رسول باليمن في مدتهم، وعلي بن صلاح كان يتخذها كما في سيرته. ووصف لي بعض ~~من كان حاضرا بمكة وقاطنا بها هذه المدة يقول: جملة عدد عسكر الوزير حسين ~~لما أقلموا للعدد بالقلم عقب الموسم إحدى عشر ألفا من غير الخيل والخدم، ~~فرجعوا من السعدية يوم رابع شهر الحجة،وكان أرسل فرحان ببعض الوديعة التي ~~معه إلى الشريف سعد، بعد أن أرسل لها وهو يومئذ بمكة فقبضها، ووقع مع أصحاب ~~فرحان بالهضب وقعة، فراح من القبائل أربعة أو خمسة، وسببه أنهم أغاروا على ~~آخر القافلة حال الشداد، وقد سار أولها، فارادوا الانتهاب لآخرها، فمنع ~~أهلها وارتجموا، ثم عاد فرحان عليهم ورماهم بالبنادق، فراحوا بعد ذلك ~~وهربوا، وسلمت القافلة من النهب. واستمر سير الحاج فرحان ومن معه في الليل ~~والنهار حتى بلغوا القنفذة ، وكتبوا الكتب إلى اليمن بحرا منها وهم جاءوا ~~برا، وخرجوا إلى أبي عريش ، ولحق وزير سعد إلى حلي [20/ب] هاربا ببعض ~~أولاده ومماليكه، واجتمع بفرحان حتى وصل معه إلى حضرة الإمام بضوران. وهذا ~~هو السبب الذي أشرنا إليه سابقا من الجاري من الأشراف بمكة المحروسة، وما ~~غرسوه من هذه المحنة على ms022 جملة المسلمين كافة في حرم الله وأمنه، فلا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم. PageV01P322 # وفي هذا الوقت والحين وصل الخبر من بندر المخا، وذلك المحل الأقصى يذكرون ~~أن الفرنج الذين تقدم ذكرهم وصلت خشبها، وركزت في ساحلها، ومنعت الداخل ~~إليها وجملتهم أحد عشر مركبا، فكتب السيد الحسن بن مطهر صاحبها إلى ما قرب ~~منه من العساكر للتحفظ على البندر من ثائرة الساكن، فوصل إليه صنوه من ~~العدين في أربعمائة نفر، ومن زبيد حول مائة نفر، ومحمد بن أحمد بن الحسن ~~استقر بحيس إذا احتيج إلى غارة وصل، فاستقر الأمر هكذا. وأهل المخا محافظون ~~على دواير البندر في الليل والنهار، وقلعة فضل فيها رتبة من قبل السيد ~~الحسن قدر شهر كامل لا يدخل إلى البندر داخل من [21/أ]البحر، ثم وقعت ~~المراسلة بين السيد الحسن وبين الفرنج للصلح. وكان أول مطلبهم أن يسلم ~~السيد الحسن جميع قيمة ما راح على أصحابهم فيما مضى لما قصدهم أصحاب ~~العماني إلى باب المخا، فأجاب عليهم السيد: إنكم سلموا ما أخذتم في باب ~~المخا على المسلمين ونحن نسلم ما راح عليكم من المسلمين، فقالوا: بعد ذلك ~~يسقط على من دخل المخا منهم بسبب ما زاده السيد زيد من المأخوذ عليهم، ~~ويجري ما كان سابقا من وقت الحسن بن الإمام لهم، فأجابهم السيد الحسن إلى ~~مطلبهم، وعقد الصلح بينه وبينهم ودخل منهم البعض الذين معهم، وسار الآخرون ~~بلادهم. هذا جملة خبرهم، وقيل: إن السيد الحسن بذل لهم شيئا من المال، ~~والله أعلم. # وفيها شرع أحمد بن الحسن بإخراج غيل عند الحمراء ، فلما استمر العمل في ~~ذلك المجرى انهدم على الحفارة، فهلكوا فيه على تلك الحالة، قدر سبعة رجالة، ~~فترك عند ذلك تمام أعماله. PageV01P323 ### | ودخلت سنة ثلاث وثمانين وألف # في غرة محرمها كان استهلالها بالخميس بالحساب، ولعله بالرؤية كذلك، واتفق ~~عند ذلك حلول زحل آخر برج الحوت، واتفق قران[21/ب] الزهرة وزحل ببرج الحوت. # والشريف سعد يومئذ خاف من الأمور التي وقعت، والأفعال التي صدعت مما وقع ~~في البيت الحرام، ms023 ومن جعله الله أمانا للإسلام، وما وقع فيه من الآثام، ~~وقتل النفوس تلك الأيام، وتروع باله، وخشي من الوثوق به وقطع حباله، فما ~~زال أيام الحج يبعد ويقرب وهو على حذر، خشية أن يقع به الظفر، فوصل عرفات ~~وهو غير آمن ثم نزل إلى منى، وأصبح يوم النفر الأول هاربا إلى جبل الطائف، ~~ولم يتفق بأحد من الأمراء والبوايش، للخوف معه والوجل، وما قد حذره بعض ~~أصحابه من الوقوع في الخلل. فلما هرب حصل عند ذلك من قبائل هذيل النهب لمن ~~لحق في أعقابه بوادي نعمان ، وكان من جملة اللاحقين النافرين بعد تمام الحج ~~إلى عصبة من حجاج اليمن، فانتهبتهم قبائل هذيل وخلسوهم حوائجهم وقتل منهم ~~جماعة، لم يسلم ما عليه من ثيابهم. وكان زيد بن محسن لا يرضى ساعة الدخول ~~بأمير حاج من اليمن[22/أ] إلا أن الإمام أرضاه بما يدفع إليه من الهدية ~~صحبة الحاج اليماني من المال، فسكت عند هذا وتغاضى، وأجاز الداخل مع كراهته ~~في الباطن توقيا من ظهوره عند السلطان وما يخشاه منه إذا تحقق أمره وبان، ~~غير أنه ما زال مع ذلك يكاتب السلطان، ويدفع عنه جميع الأوهام ويدري كل ما ~~ظنه في جميع الأزمان. PageV01P324 # وكان بينه وبين باشا مصر مصافاة كاملة، وأحوال صالحة، فكان عونا للشريف زيد ~~في مقاصده وسد خلله، وكان الشريف زيد عاقلا قد بلغ عمره إلى عشر السبعين. ~~ولقد حكى بعض من كان يخالط الأمير المصري رضوان تلك الأيام، وكان رضوان هذا ~~كبير السن أيضا، فقال الأمير رضوان لذلك الرجل: ما سبب هذا العسكر من صاحب ~~اليمن؟ فإن هذا البيت من دخله كان آمنا فلا يحتاج إلى مثل ذلك، ولا يخشى ~~يصد عن الدخول ولا شيء من المهالك، فأجاب الرجل بأن قال: ليس هذا لأجل دخول ~~مكة وحجها، ولا لشئ من أمرها، فإن الأمر كما ذكرتم، وإليه أشرتم[22/ب]، ~~وإنما ذلك لأجل حفظ الحاج في الطريق من الحرامية ومن يريد الأذية، فسكت ~~الأمير. وكان الشريف زيد يداري الأمراء، فطفي ذلك في وقته ms024 الخلل وصفى بعد ~~ذلك السبب الأصلي، سبب آخر وهو ما جرى من قضية حمود في الصفراء عقب موت ~~زيد بن محسن من تلك الفعلة التي تقدم ذكرها وشرحها. وكان قبلها ما جرى بين ~~سلطان البصرة حسين وبين باشا الحسا عيسى بن علي باشا من الإختلاف، كما سبق ~~ذكره، وما رفعه الباشا عيسى من العروضات والشكوى بعد هربه إلى مكة أيام زيد ~~بن محسن، فكان هذا أول أسباب انقلاب نظر السلطان محمد بن إبراهيم بن عثمان ~~إلى الجهات الجنوبية والجهات الحجازية المكية، فأزال الباشا حسين صاحب ~~البصرة، كما سبق ذكره، ثم لما كان قصة حمود في الصفراء كما سبق ذكره فأرسل ~~الباشا حسن إلى مكة، وهو من جملة من كان بمالطة [23/أ]، فكان من أمره ما ~~كان، وكان السبب الثالث: هو ما وقع معه من تلك القضية المتوجبة لهذه ~~الأحوال المتغيرة لأشراف مكة السابقين، وإزالة دولة سعد عنها وتحويلها إلى ~~من ذكرنا فيها. ولله الأمر من قبل ومن بعد، وما قد علم الله وسبق كان. PageV01P325 # ولما وصلت هذه الأخبار المكية، والحركات الرومية، وبلغت البلاد الحجازية ~~إلى الإمام وأولاده، وكانوا في غفلة عظيمة، وذهول عن شيئ من هذه الحوادث ~~التي لا تخفى على أهل الفكر السليمة، فانتبهوا عند ذلك من الغفلة، وظهر ~~معهم كواذب تلك الآمال المتقدمة، بعد أن كان قبل ذلك إذا قيل لهم الأروام ~~لا ينبغي تحريك جهات السلطان، أجابوا بأنهم قد ركوا وضعفوا وليسوا الآن كما ~~كانوا. وهكذا أجاب به الإمام علي لما نصحته نصيحة هي في التحقيق عامة لصلاح ~~الإسلام وقلت له: الأولى طي الأسباب الفاتحة لأطراف بلاد السلطان، فلما كان ~~الأمر كذلك حارت بهم الأفكار، وتبلدت[23/ب] القرائح والأنظار حتى أن الإمام ~~كتب إلى أحمد بن الحسن وولده محمد يطلب شورهم وما يكون من أمرهم، فأجابوا ~~عليه أن التغافل أولى، والسكون والتسكين أحرى، وغاية الأمر أن يسكن فرحان ~~بعد عوده من الحج بأبي عريش، فأصابوا من الرأي بعضه بعد من (وطاهم أوله). ~~ولما وصل فرحان إلى أبي عريش ms025 سار الذين معه من الحجاج بيوتهم، ولم يبق معه ~~إلا جماعة قليلة فتقدم، فلما وصل فرحان إلى حضرة الإمام من طريق تهامة وطلع ~~من بيت الفقيه إلى ضوران هدأت الأمور يومئذ، ووصل خبر تحقيق الحج بمكة، ~~فأخبروا أن الحج تم للناس، والبيع والشراء والأمان أحسن مما كان؛ لأجل ضبظ ~~العساكر. PageV01P326 # ووصل ثاني عشر شهر محرم أول بني عضية من حجاج الجبال، وأخبروا بما حدث ~~معهم بوادي نعمان من الانتهاب، واستقرار سعد بالطائف، وأن المحامل عادت، ~~وعاد الوزير حسين مع الشامي[24/أ] ومهد الحجاز وشد الوطأة على عنزة ولام ~~ممن ظهر منه الفساد في الانتهاب للشامي من العام الماضي، ووصل عقب ذلك ~~الزوار فأخبروا بقوة الأمان في المدينة المشرفة والحجاز وما بين مكة ~~والمدينة في الغاية وزال الخوف الذي كان فيما مضى، وصلحت الأحوال بعدما قد ~~جرى، وأن المحق والتغيير إنما هو فيما وراء مكة وخلفها إلى جهة اليمن، ~~فالبلاد متغيرة، والقبائل عاصية مخوفة، هذا ما تقرر الخبر. وذكروا أيضا أن ~~حال مرورهم، والذين بقى بمكة من عينات العساكر العثمانية السلطانية في نية ~~التقدم إلى قصد سعد لمناجزة أمره، وأن سعدا يبلغهم[24/ب] أنه يريد الخروج ~~من الطائف متوجها إلى بلاد بجيلة والله أعلم. وسألوا عن حسن باشا، فاختلفت ~~الأخبار، منهم من يقول: أنه كان قد مات بالمدينة في شهر شعبان من السنة ~~الماضية، ومنهم من يقول: أنه عاد إلى حضرة السلطان، والله أعلم بحقيقة ذلك. # وفي شهر محرم وصل واصل من التجار إلى مدينة صنعاء من طريق البحر الشرقي ~~إلى بندر عدن وأخبر أنه كان في العام الماضي بمحروس مدينة حلب بالشام، وجاء ~~الخبر إلى هناك بواقعة مكة، وما جرى فيها من تلك الفعلة، قال: فأخبر الناس ~~هنالك أن حسن باشا قتل، مثل الخبر الأول الذي جاء إلى اليمن سواء. # قال: وشاع بمدينة حلب أن مكة استولى عليها إمام اليمن، وتعاضد هو والشريف ~~سعد بن زيد وأذن فيها بحي على خير العمل. ثم وصلت الكتب من حسن باشا عقب ~~ذلك بالتحقيق من ms026 المدينة المنورة بعد استقرار حسن باشا بها، وكتب بكتاب إلى ~~باشا حلب وآخر إلى السلطان، فكان ما جهزه السلطان. PageV01P327 # وفيها انتهبت سحار وآل عمار قافلة كانت خارجة من صعدة فيها دراهم كثيرة؛ ~~لأجل الموسم مصدره إلى المخا وصنعاء، وسببه أن صاحب صعدة كان هذه الأيام ~~عند المتوكل بضوران، وكان في صحبته عنده شيخ البلاد، لم يقض له غرضه وطال ~~عليه المقام، فسار بغير زلاج، وفعل هذا عند وصوله قيل: ولعل صاحب صعدة سعى ~~به فيه. # وفيها عزل أحمد بن الحسن فرحان عن ولاية بندر عدن وولى غيره[25/أ]. # ولما سار علي إلى صعدة سعى في رد البعض مما أخذوه وما استولوا عليه وما ~~حفظوه، فرد البعض وراح البعض، ثم ما زال عقب ذلك التخطف خارج صعدة للغادي ~~والرايح، وكف أكثر التجار عن الإرسال بالمال، خشية من نهب القبائل وعدم ~~الاحتفال. # وأحمد بن المؤيد صاحب عيان أرسل مع بعض القوافل جماعة من عسكره إلى باب صعدة. # ووصل الخبر أن صاحب الشحر أمير الدين العلفي لا ينفذ له أمر في غير ~~البندر، فصالح القبائل وسكن. # وفيها مات الشيخ المسمى شلوبع-بالشين المعجمة ثم باء موحدة- كان المذكور ~~بمدينة صنعاء اليمن مجذوبا مخلوعا، له رواتب يرتب بها من الأسماء لله ~~الحسنى، يدعو بها في كثير من أوقاته وصلواته ويلحن فيها؛ لأنه رجل عامي، ~~قيل: إصابه الجذب بسبب الأسماء، وكان يبيت بالليل في سمسرة وهب التي خارج ~~باب اليمن ، ويستأجر واحدا من الذي في السمسرة بربطه وحراسته حال نومه؛ ~~لئلا يخرج شاردا من الذي يعتريه من الجذب منها، ويدخل النهار المدينة يطلب ~~الصدقة في الأسواق، ويصلي في بعض الحالات بجامعها. وكان قد شاخ وكبر وضعف. ~~ولباسه[25/ب] قميص من ثوب خشن، وعمامته خرق وخيوط، وقد يستحد لسانه ويشتم ~~من عانده بالكلام الفاحش، نسأل الله التوفيق وحسن الخاتمة. PageV01P328 # وفي ربيع الأول من هذه السنة لما بلغ دهمه من برط فعل آل عمار من الانتهاب ~~بباب صعدة جزاهم على فعل مثل فعلهم، فخرج جماعة منهم إلى رأس المصراخ وسط ~~برط ms027 ونوروا للسيد محمد بن علي الذي عندهم، والسيد فرح بذلك؛ لأن الدعوة ~~مضمرة في خاطره إن أمكن، ولما اعترضه في ذلك من اعترض قال: مذهبه صحة ~~إمامين في وقت واحد، وقد سبقه إلى ذلك السيد محمد بن علي الحيداني كما ~~تقدم ذكره فلا قوة إلا بالله. مع أن السيد محمد المذكور قد أنشأ في هذه ~~الأيام قصيدة باعتقاده إمامة الإمام، وعدم الخروج على الإسلام. وكان سبب ~~هذا أن الإمام كتب إلى برط أن يسلموا زكاتهم إلى ابن أخيه أحمد بن المؤيد ~~إلى عيان، وأن من له تقرير من القضاة كان من عنده، فلم يساعدوا في ذلك ~~الأمر وقبضوها القضاة، وفي خلال ذلك غزاهم قبائل وايلة ، فقتلوا من برط ~~اثنين وانتهبوا عليهم مواشيهم مرتين، وغزا برط طريق العمشية، استعاضة لما ~~راح عليهم من هذه الطائفة اليامية، فنهبوا منها وعادوا إلى بلادهم، وكل هذا ~~من أصحاب صلاح بن كول شماليها، والقضاة وقبائلها[26/أ] قالوا هذا لا يصلح ~~ومخالف لما جرى من الزمان الماضي، وما مر من وقت الإمام القاسم إلى هذا ~~الوقت الآتي ومعهم خطوط بذلك من جميع الأئمة، ولا ينبغي منه أن يفعل معهم ~~هذه الملمة، ويدخلهم في جملة العشاير ولهم حرية ومزية، مع أنها بلاد حقيرة ~~ما كان ينبغي من الإمام المناقشة في واجباتها، فقد ذكر لي بعض قضاتها أن في ~~بعض السنين جملة ما يحصل منها قدر ما يقوم بكيلة القضاة فيها. وفي بعض ~~السنين حصل منها قدر مائتين زبدي زكاة، وللقضاة مع تفرقهم هذا القدر. ثم إن ~~كبار أهل برط وعقالهم نهوا صغارهم عن أفعالهم، والسيد محمد الغرباني قال: ~~لا يصلح في هذا الوقت خروج، ولا محق على المسلمين فسكن أمرهم. PageV01P329 # وفي هذه الأيام غزا آل حبيب من بلاد الحقار قرب خبت البقر مساقط جبال ~~الحشر غربي بلاد فيفا وإلى محل الغازي لهم الشريف ابن باز، ولاه سعد شريف ~~مكة، فتسرعوا في نهب مواشيهم وساقوها، فصاحوا إلى بلادهم واجتمعت القبائل ~~ولحقوا الشريف وأصحابه، فقتلوا منهم من قاتلهم ونهبوهم وحرقوا ms028 أكثر ~~بلدهم[26/ب]، وسبب ذلك أن الشريف غزا إلى أطراف بلادهم وانتهب من مواشيهم، ~~مع ركة أيدي الأشراف وتحول دولتهم الأولة إلى غيرهم. # وفي هذه الأيام وصل إلى الإمام شكاة من أطراف بلاد سنحان إلى ضوران، ~~فأرسل الإمام على المشكيين جماعة عسكر ونفاعة، فبلغ ولده محمد متولي صنعاء ~~وسنحان، فأرسل على العسكر وطلبهم إلى حضرته، ثم نهبهم وأمر بحبسهم، فعجب من ~~ذلك كثير من الناس ممن إطلع على ذلك واستغربه كثير لعظم أمر الإمام، وكون ~~هذا لا يليق في حقه، ولو كان من غير ولده لكان خلافا وبغيا وخروجا، والإمام ~~سكت عن ذلك وصفح، فلا قوة إلا بالله.والسبب حدة طبع المذكور فيعتريه عند ~~بادرة الأمر حدة مزاج وانحراف، ثم يفيق بعد ذلك إلى المعقول، ولعله ~~الإدلال، والله يصلح الأحوال. PageV01P330 # وفي هذه الأيام بشهر ربيع الأول وصل من جبل صبر بعض مشائخها يشكون من ~~واليهم الشيخ راجح الآنسي، ويذكرون للإمام إزالته عنهم وتولية غيره عليهم، ~~فلم يساعدهم إلى ما طلبوه، ولم يسعفهم فيما قصدوه.ثم إن أهل جبل صبر ~~والحجرية عند ذلك منعت[27/أ] المطالب وقالت: لا نسلم إلى الشيخ راجح شيئا ~~من المعتاد، حتى يولي علينا غيره وينقاد، وحصل بينهم وبين أصحاب راجح ما ~~حصل، وقتلوا ثلاثة من العسكر، وامتنعوا من التسليم إليهم عن كمل، وأرسلوا ~~بما عليهم إلى حضرة الإمام، ووصل إليه جماعات من المشائخ لأجل ذلك الإلمام، ~~وحذف المؤذن بمدينة تعز (حي على خير العمل) من الأذان، كما هو مذهب أهل ~~الشافعية وسائر أهل السنة في جميع الأزمان. وشكى قبائلهم محمد بن أحمد بن ~~الحسن، وأرسل الإمام عليهم السيد صالح عقبات بجماعة عسكر بأدب لأجل ذلك ~~الأمر، وعمر محمد بن أحمد المنصورة رأس جبل الحجرية، وجرى فيها المدفع، ~~فبذلك حصل منهم الردع. # وفي شهر ربيع الآخر توفي السيد الأكرم الأعظم محمد بن الحسين بن علي بن ~~إبراهيم بن جحاف، متولي بلاد حجة بمعرة حصن مبين ، وهو معتاد محل واليها، ~~وخير مربع فيها. وكان السيد المذكور قد زاد في قصر مبين أبنية ms029 وسيعة، ~~وقصورا رفيعة في مدته، وجعل الإمام بعده في الولاية صنوه جمال الدين علي بن ~~الحسين . PageV01P331 # وفي هذه الأيام وصلت كتب من مكة يذكرون خروج بركات ، ومعه أمير ~~العراقي[27/ب] ومن معه من العينات إلى محروس المبعوث، فلما شعر به سعد بن ~~زيد وهو يومئذ في الطائف المبعوث خرج عنه وسار إلى بلاد بجيلة، واستقر بها ~~مع نفس وجيلة. وهذه البلاد بين الطائف وبين بلاد بيشة . وسارت هذه البلاد ~~متغيرة أحوالها، خائفة رجالها، والله أعلم بمنتهى حالها. ووصل كتاب الشريف ~~سعد بن زيد إلى الإمام يستحث منه الغارة، فبنى الإمام على الإجابة، وكتب ~~إلى أحمد بن الحسن بالوصول إليه للمفاوضة، وكذلك إلى ولده محمد، ومحمد بن ~~أحمد فساروا إلى هنالك. # وفي يوم السبت خامس شهر ربيع الثاني سار أحمد بن الحسن من الغراس، فبات ~~بداره بصنعاء على خفى من الناس، ثم سار إلى ضوران بطلاب وصل إليه من الإمام ~~فيه استعجال له وعدم توان، فوصل إلى ضوران في اليوم الثالث، والموجب لهذا ~~الطلاب من الإمام مفاوضة لا تقوم بها الأقلام[28/أ]، وكان سبب هذا التحرك ~~من المتوكل بعد رجوع فرحان ما زاد حركة من مثل قصيدة إبراهيم بن صالح ~~المهتدي الهندي بعث بها إلى حضرة المتوكل مستهلها قوله: # أظلما عن البيت الحرام نذاد # على مثلها الخيل العتاق تقاد # تدافعت البيدا موامى بقومكم # تدافع ذل في ظماه ضماد # وردوا حيارى خائبين بصفقة # ينال بها ريح الردى ويقاد # قد شارفوا أرجاء مكة وانثنوا # بفاقرة تفري الأديم وعادوا # حتى قال فيها: # وخيل صفي الدين تمضي بهمة # بأشراكها نسر السماء تصاد # ولو حقق النظر العاقل لم يكن الظلم إلا في قتل الباشا حسن في حرم الله، ~~الذي جعله الله آمنا، وأما رد حاج اليمن فلم يحصل منهم، بل باختيارهم، مع ~~أن كثيرا منهم حج ولم يصدهم أحد، وإنما كان خروج عسكر السلطنة لأجل سعد بن ~~الشريف زيد للإنتقام منه في ما وقع في بلده. PageV01P332 # وقصيدة أخرى بعث بها علي بن المتوكل إلى والده يقول في مستهلها: ms030 # لعمرك ليس يدرك بالتواني # ولا بالعجز غايات الأماني # إلى آخرها. # نعم: ولما وصل أحمد بن الحسن إلى حضرة عمه فحال وصوله أفاض عليه وعلى ~~ولده محمد صاحب صنعاء لما وصل صحبته ما في نفسه، وما اهتم به في أمنيته، ~~وقال لهم: أمر مكة صرت مفكرا فيه، مشغولا بباديه وخافيه، والمراد أنكم ~~ترحلون إليها[28/ب] وتأمون نحوها وتناصرون سعد بن زيد بمن معكم من العساكر، ~~ونضيف إليكم سائر الأتباع ومن قدرنا لحمله من العشائر، فأوجم الحاضرون عن ~~الجواب، وثقل عليهم هذا التحمل والخطاب، لما يعلم العاقل بأن القصد لبلاد ~~السلطان ابن عثمان، خصوصا الحرمين الشريفين، الفتح للأمر العظيم والقتال ~~الجسيم. وأن صاحب اليمن وغيره لا يقدرون على مقاتلته، وإن أمكن الدخول مكة ~~بجرده فلا يقدرون من بعد على دفعه، لقوة عساكر السلطنة، وأن صاحب اليمن لا ~~ينبغي له إلا الموادعة والاقتصار على اليمن لا غيره. وأجمع الحاضرون أن ~~الرأي السكوت، وأما الحاج ودخوله واستمراره فيراجع صاحب مكة في شأنه. وهذا ~~التحمل من المتوكل وإظهاره من أعجب العجب في التطور لأمثاله، ففي الحديث ~~الذي رواه الديلمي عن أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إذا أراد الله نفاذ ~~قضائه وقدره يسلب ذوي العقول عقولهم ووقعت الندامة)) انتهى الحديث، ولله ~~قول الشاعر: # وكم قضايا علىغير الصواب مضت # حكما ولله في تنفيذها حكم # ثم لما رأى المتوكل بعض الحاضرين على غروره جاءوا بشيء مما فيه تعجيزه، ~~فقال له: إذا قد بنيت على هذا الأمرالمحال، فاشتري أولا قدر ثلاثة آلاف من ~~الجمال، واجمع ثمنها من الخزانة لتحمل الأثقال، فجاء وثمن مجرد الجمال ~~بكثير من المال، فحار فكره، وتهون بعض عزمه. PageV01P333 # ووصل كتاب محمد شاوش يذكر فيه للمتوكل أنه بلغه رجوع بعض الحاج اليماني، ~~وأنه ليس برضاء منه، ولكنه ربما الخوف من الباشا حسين، وأن سعد بن زيد إذا ~~أراد الوصول إليكم فلا تساعدونه إلى ذلك. # وفي شهر جمادى الأولى مات السيد إبراهيم بن محمد المؤيدي ببلدة العشة، ~~خارج صعدة، وهو الذي كان ms031 ادعى الإمامة، وعارض المتوكل كما سبق ذكره، وإنما ~~ترك ذلك للقهر له والغلبة[29/أ]. والدنيا أحوالها غرور، وأفعالها زور. ~~وللمذكور (شرح لهداية ابن الوزير )، جمع فيه حواشي المصنف وألحق من (شرح ~~الأزهار) ما هو من تحصيل الحاصل والنقل للحاضر. وله رسائل كثيرة في الطعن ~~على الإمام في السيرة، والاعتراض عليه كما هو عادة أهل الزمان، وأهل اليمن ~~في جميع الأحيان، فأجاب أكثرها الإمام، وغيره من العلماء تلك الأيام. وله ~~في الأنساب كتاب (الروض الباسم في نسب آل القاسم)، كما روى أبي القاسم ~~الراسي ممن ينسب إليه من أولاده. # وفي هذا العام تخمر البز على أهل الهند بالمخا وعدن، فنفق بعضه وبقي ~~بعضه، فوكل أهل الهند لبيعه وساروا، وبعضهم بقي عنده إلى الموسم الآتي ~~ليبيعه. # وفي هذه الأيام وصل محمد عامر من الحبشة إلى ساحل المخا مطرودا، لما وصل ~~عمر باشا إلى سواكن. وكان جرى من محمد عامر هذي المخالفة وهزم عساكر ~~السلطان، وأخرج الباشا مصطفى الأول من سواكن، وأراد التغلب وبقي محمد عامر ~~مترددا في ساحل المخا، لم يدخله، بل عرج عنه في البحر لا يدري أين استقر. PageV01P334 # وفي هذه الأيام بالشهر المذكور في الخريف وقع مطر جود بجبل أرتل وبيت بوس ~~جنوبي صنعاء، فنزل سيله جار ذيله بوادي المدينة، فاتصل بغيل خندقها الذي ~~أحدثه الإمام في المدة السابق تاريخها فدفنه، وخربه من أعلاه إلى أسفله، ~~وهذه المرة الثالثة بخرابه، وكذلك معه غيل العلفي المستخرج بالسد، وغيل ~~الحسين بن المؤيد بالله في السد أيضا. وسلم غيل الجراف ، وغيل جمال الدين ~~علي بن المؤيد بالله، وهو أحسن الغيول، لا تضره السيول لتجنبه وميلانه من ~~مجرى[29/ب] الوادي. # وفي هذه الأيام أمطار الخريف كانت قليلة، وفي أماكن يسيرة، فبلغ السعر ~~للحنطة إلى ثلاثة أحرف، والذرة مائة بقشة، والشعير إلى حرفين. ونجع أهل ~~المشرق مثل خولان صنعاء وسنحان وبلاد نهم وجميع المشارق إلى بلاد المغارب ~~وإلى اليمن الأسفل والتهايم، ونضبت الأنهار في بلاد سنحان والآبار، وكذلك ~~في أودية المشارق وبعض أودية المغارب بحيث يبس بعض ms032 الأبنان، لانقطاع الغيول ~~عن الجريان، وظهرت الركة لكثير من الناس، لتلاحق القحط والجوع الذي جرى في ~~سنة تسع وسبعين، فلم يكن معهم بعد أساس، حتى أنه بلغ شبكة التبن سبعة ~~حروف،ووزن رطل التتن، فإذا هو بخمسة كبار، وهذا شيء لم يعهد، ولولا اليمن ~~الأسفل ما زال يرحل منه الطعام إلى صنعاء لبلغ السعر عشرة حروف. والتهايم ~~هذه السنة صالحة وإنما الغلاء في الجبال فقط، ولله في كل أفعاله حكمة، ~~والله لطيف بعباده. وما زال الغلاء وقلة الأمطار من سنة سبع وسبعين وألف ~~يتردد، ولا يعلم إتفاق مثل ذلك، بل قد يحصل في سنة أو سنتين أو ثلاث. PageV01P335 # وفي العشر الآخرة من جمادى الأولى هرب جماعة من أصحاب سعد بن زيد بعد وصوله ~~هو وهم إلى بيشة قدر أربعين نفرا، ومنهم الآغا شعبان تركي، فوصلوا إلى ~~صنعاء، ثم إلى حضرة الإمام، وقد سلب أكثرهم السلاح، والحوائج قد راح،وذكروا ~~أنهم تفادوا أرواحهم ببذله للقبائل في طريقهم بالقوت، حتى خرجوا إلى صعدة ~~على هذه الحالة[30/أ]. # ووصل الخبر في هذا التاريخ بوصول محمد حبشي إلى جدة، ودخل مكة. وكان ~~خروجه من مصر بحرا في عينة من العسكر قدر ثلاث مائة فأكثر، ومعه جوامك ~~العسكر، ودخل مكة واستقر، ولما استقر ركاب محمد شاوش بالطائف جمع مشائخ ~~هذيل وغيرهم وحبسهم واسترهبهم فيما اختل من التخطف حول الحرم الشريف منهم. # وفي هذه الأيام مما يعتبر به الأنام، أنه وصل شامي إلى صنعاء ببغل سعد ~~والخطام، مع غيره مما بذله من خيل الشام، وقال: أنه شراه من سعد بحب وقشر ~~بأرخص الأثمان. # نعم: وفي هذه الأيام قبض محمد بن الإمام مخلف سعيد بن ريحان، لما استكثر ~~ما خلفه من النقود والذهب من مدة ولايته لبندر المخا تلك الأيام، وترك ~~لورثته اليسير، وقيل: إنه أوصى بوصية وعين لبيت المال ما عين. وكان حال ~~ولايته وهو مملوك لشرف الإسلام الحسن بن الإمام، ثم أن المذكور كاتب نفسه، ~~واعتقه أسياده. # وفي جمادى الآخرة مات الشريف علي بن حفظ الدين بسحلة اللاعي ms033 بضوران. ~~وكذلك مات الشريف محمد بن عبد الله الغبا بالروضة ، ودفن بخزيمة غربي ~~صنعاء. وكان الأول: قد تولى بلاد حراز ثم عزل، والثاني: كان مع شرف الإسلام ~~الحسن عمدة، وفي كثير من أموره عليه فيها عهده، وكان قد ولاه شرف الإسلام ~~الحسن بلاد اليمانية من سنحان، فبقى في ولايته مدة من الزمان، ثم لما ولي ~~الأمر الإمام إسماعيل، وصارت بلاده لأحمد بن الحسن زال نظره عنها، ~~ولم[30/ب] يبق له أمر ولا نهي فيها. PageV01P336 # وفي شهر رجب منها عاد محمد شاوش بعساكره من جبل الطائف، ونزل إلى مكة بمن ~~معه من الجنود والطوائف، وهو على مسافة يومين من مكة، وخلف فيه عينة من ~~الرتبة، وجعل بالقنفذة أيضا عينة قدر المائتين بنظر الشريف بركات. والشريف ~~بركات استقر بمكة، ومحمد شاوش يختلف من مكة إلى جدة هذه المدة. # وفي هذا الشهر حصل حال التعشيرة في مدينة صعدة رصاصة أصابت بيرق حسن بن ~~الإمام فانكسر عوده، والرامي من أصحاب علي بن أحمد وجنده، فكادت تحصل فرقة ~~بين العسكرين، ثم أنه حبس الرامي، وحصل في نفس السيدين ما حصل من هذا الأمر ~~الجاري. وسيفان في غمد لا يصلحان، ولا يكاد في الغالب يتفقان. ولما استقر ~~حسن بن الإمام بصعدة طلب مشائخ آل عمار وسحار، ومن أجل ما راح من القافلة ~~على التجار، فاجابوا أن أكثر الفاعلين[31/أ] قد هربوا وهذه بيوتهم وأموالهم ~~بين أيديكم افعلوا فيها الذي تروا، فأمرهم بتسليم الأدب الذي فرض والده ~~الإمام عليهم، فسلموه وأمر بخراب بيوت الذين هربوا. وقد كان قبض على سبعة ~~نفر من الناهبين، وأمر بتعزيرهم في أسواق صعدة وضرب المرفع فوق رؤوسهم لأجل ~~تلك النهبة، ثم لما خرج من صعدة -كما سيأتي تاريخه- أمر بضرب عنق ثلاثة ~~منهم، وأرسل بباقيهم في الزناجير إلى حضرة والده لما جرى منهم وبسببهم. ~~وأنكر بعض الناس على المذكور قتله للثلاثة، وقالوا: هذا كان بعد الأمان لهم ~~والطاعة، والقتل لا يكون أيضا إلا بعد تحقق قتل صدر منهم كما هو شرط ~~المحاربين والمفسدين والناهبين. # وفي ms034 يوم الأحد سابع شهر شعبان، وقع قران بين المريخ وزحل في أول برج ~~الحمل، وكان المريخ في بيته وقوته حال هذا القران، وزحل كان في بيت ~~هبوطه.وكان المريخ المرتفع على زحل حال هذا القران من الأفق الشمالي بقدر ~~ذراع، على مقتضى حساب الزيجات على تقسيم المتأخرين. PageV01P337 # وفي هذه الأيام أرسل[31/ب] الإمام بصدقة الهند إلى سعد بن زيد، بعد وصول ~~رسول سلطان الهند إلى حضرة الإمام، واستفهامه في شأنها، وكيف يكون أمرها؛ ~~لأنها كانت مصدرة إلى سعد بن زيد، قبل أن يبلغ إلى صاحب الهند تحول الدولة، ~~وزوال الحالة، فقال الإمام: نرسل بها إلى من صدرت إليه. وكان الواصل بها ~~السيد عثمان الحلبي الأصل، فادعى السيد أنه كان قدم سعد بن زيد العام الأول ~~وهو بمكة، وأنه لا يرسل إلا بما بقي بعد الذي له، فأخذ ذلك وبقي حول النصف ~~مما هنالك، فأرسل به إلى سعد، وهو يومئذ ببيشة فكانت أعظم واصل عنده. # وفي آخر شهر رمضان منها وصل الخبر بخروج قلياطة من باشا مصر بحرا، فيها ~~جوامك العسكر وطعام وخلعتان، أحدهما: للشريف بركات، والأخرى: لمحمد شاوش ~~ونوبة وصنجق، وزيادة عسكر قدر مائتين، وطلب قضاة مكة[32/أ] هكذا جاء الخبر ~~به، واختلفت الأخبار في سببه، والله أعلم. # وجاء خبر أيضا هذه الأيام أن أسواق مكة وجدة لبست بشرى صلاح ما كان انتقض ~~على السلطان أطراف بلاده. PageV01P338 # وفي هذا الشهر جاءت جوابات محمد شاوش والشريف بركات على الإمام بأن الحج ~~ثابت، ولا منع لأحد عنه، ولكن لا يدخل إلى هنالك إلا على الحالة الأولة، ~~صفة حجاج، بغير سلاح، ولا بيرق ولا رماح، وطلب بركات إرسال بالدراهم التي ~~كان يرسل بها إلى سعد، وكان أراد الإمام أن يأمر فرحان بالعزم مع الحاج على ~~العادة الماضية والحالة السالفة، ثم أن أحمد بن الحسن أرسل كاتبه السيد ~~صلاح بكتاب وتوصية بأن إرسال فرحان خطأ، فأرسل الإمام السيد أحمد بن صلاح ~~صاحب جازان وأبي عريش على العادة التي كانت في مدة المؤيد بالله، وكان ~~يومئذ في حضرة ms035 الإمام، إلا أنه عين معه حول ثلاثمائة نفر ودراهم للشريف ~~بركات قدر عشرة آلاف قرش وقيل: أربعة عشر ألفا[32/ب]، فسار المذكور من ~~ضوران طريق تهامة، فلما وصل العسكر إلى أبي عريش حصل بينهم افتراق، ومضاربة ~~وشقاق فيما بين أصحاب السيد أحمد وبين الآخرين، ورجع بعضهم إلى بيته، ~~وبعضهم اعتذر بعروض علته. ثم تقدم السيد أحمد بمن بقى معه ومن انضم من ~~الحاج على قلته، وساروا في أمان الله وبركته. # وفي هذه الأيام شاع نادرة غريبة وحكاية عجيبة، وهي أن صورة امرأة ظهرت ~~لرجل من أهل كحلان تاج الدين عند بعض أهله من الفلاحين، وحتمت عليه ضيفة ~~وعشاء، وذبح رأس بقر لها متى جاءت تأكله في المساء، ففعل ذلك المذكور، وجعل ~~من الطعام معه الميسور، وأقبلت إليه فأكلته عن آخره، وقالت له هي الحطمة ~~التي كانت في اليمن، وأنها خارجة في هذا الشهر والزمن. وهذه لعلها صورة ~~شيطانية ليعتقد العامة أنها المؤثرة في الحطمة الربانية، والمؤثر والمحطم ~~والقابض والرازق الله تعالى، المتصرف بما يشاء سبحانه. PageV01P339 # وفي شهر شوال منها أصبح فقيه يقال له: بدر الدين وهو[33/أ] من أولاد الفقيه ~~مهدي بن محمد المهلا بحانوت بصنعاء ميتا، وقد حرق فراشه وحوائجه، فقيل: ~~إنه يجعل كل ليلة مستوقدا عنده لأجل شرب التتن، فحرق من ذلك وغم نفسه ~~الدخان المستكن. # وفي رابع وعشرين شهر شوال وقع قران الزهرة لزحل ببرج الحمل على حساب ~~المتأخرين والزيجات، وعلى تقسيم البروج للأولين كان برج الحوت،وكانت الزهرة ~~هي المرتفعة على زحل. # وفي هذا الشهر استخرج محمد بن الإمام بجبل ثايبة من بلاد نهم معدنا ~~حديدا، إلا أن فيه قساوة كبيرة، وأعماله عسيرة وأدخلوا منه إلى صنعاء فلم ~~يصلح للحدادين بل يكسر حال الوقيد والمطارق، فتركوه وأهملوه؛ لأنه غير ~~مطابق، ولعله أحد أخوي الفضة، لكنهم ما عرفوا جمعه وعقده. وكان أمر الوالي ~~أن يعتنى بمعدن الفضة الذي كان فيها، ولم يحصل على طائل لعدم معرفة الإكسير ~~فيها. وكان هذا المعدن في مدة المنصور بالله عبد الله بن حمزة يستخرج ms036 منه ~~شيخ البلد، ويأخذ الإمام فضة منه الخمس فيما حصل من العدد كما ذكره صاحب ~~سيرته، ولم يبق له هذا الزمان من يعرف صنعته، لأمر لله فيه حكمة، وإنما ~~يصنع في هذا الجبل الرصاص. # وفي هذا الشهر جاء الخبر مع العمانيين وأهل البصرة والحسائيين من التجار ~~المسافرين أن صاحب عمان صالح الفرنج[33/ب] وأمن البحر. # قال الراوي: وكل ذلك لأجل أن صاحب عمان قد ولع بالتجارة والأسباب، وأن ~~أكثر الخارج في البحر وكلاء له في السبب. والفرنج كانوا يخافونه قبل ذلك، ~~فلما عرفوا أنه قد ولع بالسبب لم يختلفوا به؛ لأنهم كانوا يتحسسون لخروج ~~جلابه وبراشه ويلقونها؛ لأنها لا تخرج إلا للحرب وشحنها. PageV01P340 # وفي خامس شهر الحجة كان تحويل سنة العالم والشمس في أول درجة للحمل على ~~حساب الزيجات والمتأخرين في تقسيم البروج، وكذلك عطارد وزحل في الحمل أيضا، ~~والزهرة في الثور، والقمر في الجوزاء، وكذلك المريخ، والجوزهر في الأسد، ~~والمشتري في الميزان[34/أ]. # وجاء خبر هذه الأيام حصول حرب ما بين الأشراف خارج مكة حدود الطائف، فقتل ~~جماعة من الفريقين، وكان الحرب فيما بين الشريفين أحمد بن زيد بن محسن ~~وحمود، وأما سعد بن زيد فصار في بيشة وحدودها. # وفي خامس شهر الحجة خرج حسن بن الإمام من مدينة صعدة إلى جبل رازح . وكان ~~علي بن أحمد بن الإمام بصعدة قد ظهر تضرره بطول بقاء حسن بن الإمام، وثقل ~~عليه ذلك الإلمام، وأهمه في اليقظة والمنام[34/ب] وعطل في نفقاته الحبوب ~~التي قد جمعها بصعدة من سابق الأعوام، وكان سالما من معاد الضيافات، لعدم ~~من يدخلها من أهل الأمر في هذه الأوقات. # وفي هذه السنة أو غيرها حصل بصبيا في تهامة الشامية حريق، فحرق فيها ~~المنسكي التاجر هو والعبد الذي معه، وحرق عقبه من ماله بعضه. وكان قد كبر ~~في السن وعمي آخر مدته، فكان موته بالحريق لم يقدر على التخلص من النار، ~~وكان في مربعته. # وفي هذه الأيام وصل خبر موت الأمير العادل، المتولي لأطراف بلاد الشام من ~~الجهة التي تلي ms037 بلاد الهند وأقصاه، وكان سلطان الهند قد تصالح هو وإياه حتى ~~زوجه بعض النساء من قراباته اتقاءا لشره وضرره، وترك أطراف بلاده، فبقي ~~كذلك مدته مصالحا لصاحب الهند إلى أن توفي في هذا التاريخ. PageV01P341 # وفي عيد عرفة منها كان يوم الثلاثاء استند فيه إلى حاكم تعز الفقيه علي ~~المخلافي الشافعي، وشهد على مثل ذلك في الروضة من أعمال صنعاء باليمن ~~الأعلى عند القاضي عبد الواسع العلفي ، وأخبروه أنهم رأوا الهلال ليلة ~~الأحد فلم يحكم بها ولم يعول عليها قال: رؤيتهم يركبون في الليلة فيعنون ~~بالليلة المستقبلة لليوم الماضي، وحكم بها علي بن جابر الهبل، والهلال ~~رأيناه ليلة الإثنين عشية الأحد صغيرا بحيث لم يلبث أن غرب بسرعة قبل أن ~~يتمكن المغرب، والمؤذن يؤذن[35/أ] ولا شك أن ذلك لا تستقيم فيه الرؤية عشية ~~السبت أصلا؛ لأنه كان يومئذ في قدر ست درج من الشمس، لا يمكن رؤيته في سهول ~~اليمن والشام ، فضلا عن المواضع التي بين الآكام مثل صنعاء والروضة وتعز ~~ونواحيها، لارتفاع الجبال عليها، وإنما يكون أوله هذا اليوم الذي ذكروه ~~بطريق الحساب، لتعقبه لحجم الشمس من غير إمكان الرؤية بلا ارتياب. والشرع ~~طريقه الرؤية، ولا يمكن إلا فيما زاد على ست درج للمعرفة. فحصل مع كثير من ~~الناس اضطراب واستبعاد، ومنهم من أخر العيد، ولم يعمل بهذه الشهاييد. وقد ~~وقع مثل هذا في بعض السنين الماضية مما حكم به القاضي حسن حابس كهذه القصة ~~الحادثة، والله أعلم. # وفي هذه السنة فتح الإمام قراءة في المشكاة في السنة النبوية فأصاب، غير ~~أنه أمر القارئ لا يملي شيئا من الأحاديث المتشابهة، وما كان مثل ذلك يصلح؛ ~~لأن المتشابه مردود إلى المحكم كمتشابه القرآن، وكذلك كان فعل في قراءته في ~~صحيح مسلم المدة الأولة. PageV01P342 ### | ودخلت سنة أربع وثمانين وألف # في يوم الجمعة خامس شهر محرم وصل خبر الحاج فذكروا أن الحج كان مباركا، ~~والأمان على جميع الوافدين موافقا، وأن الوقوف بعرفة، وتلك المواقيت ~~المشرفة كان[35/ب] يوم الأربعاء بالشهرة، كما هو مقتضى الاستهلال ms038 والرؤية، ~~وأنه وصل الباشا محمد من طريق الشام ومعه من العسكر ما يزيد على خمسمائة ~~فارس من الخيل الجياد، وحول ألفين فأكثر من الأجناد، وخيم ببركة ماجد. وحاج ~~المصري فيه قوة عظيمة. وأن الباشا محمد الخارج المذكور شدد في التأمين ~~لحجاج بيت الله الحرام، وتوعد على من غدر أو سرق أو نهب بالعقاب التام. وحج ~~الناس أحسن الحج، مع الكثرة للخلق، وأخبروا مع ذلك تهون الأسعار، وكثرة ~~الخصب والكلأ والهلف والعلف في جميع تلك الأقطار. # قال حجاج اليمن: وظهر في عسكر السلطان السؤال عن أحمد بن الحسن، والإمام ~~مع الحجاج من المشاة والركبان، والسيد أحمد بن صلاح بلغ ما معه من الدراهم ~~التي صدرها الإمام معه إلى يد الشريف بركات[36/أ] وأخبروا أن الباشا محمد ~~أخرج من مكة من بقي من الذين كانوا مع سعد بن زيد، ومنهم من اعتقله، ومنهم ~~من أرسل به إلى حضرة السلطنة، ورفع المجابي من جميع أسواق مكة، وأمر بتوريث ~~من مات بمكة وجدة، ولا طريق لأحد فيما تركه ممن كان يفعله أشراف مكة. # وفي نصف شهر المحرم حصل قران بين الزهرة والمريخ في برج السرطان، على ~~مقتضى تقسيم البروج للمتأخرين وعلى تقسيم الأولين، كان في برج الجوزاء وكان ~~المرتفع حالة القران هو المريخ من جهة الجنوب، ثم انفكت الزهرة عنه قليلا ~~في ذلك البرج، ورجعت القهقرى فقارنت المريخ المذكور في نصف شهر صفر قران آخر. # وفي هذه المدة كان وقت الصيف فحصل فيه أمطار مستمرة من أول الصواب إلى ~~آخر الصيف عند سقوط الثريا، فصلحت ثمرة الدثاء على هذا المطر زرعوا في ~~أوله، واستمر المطر عليه إلى حصاده، فتهون السعر بعض التهون، ونقص حول ~~الثلث مما كان قبل ذلك[36/ب]. PageV01P343 # ولما وصل السيد أحمد بن صلاح في حدود بلاد ذكوان خرج من مكة الشريف حسن بن ~~زيد بن محسن هاربا من مكة، فانتهب بالليث ، ولما دافع وقع فيه صائبة مثخنة ~~مات منها، وبلغ السيد أحمد بن صلاح ذلك وهو بذكوان، وكان ربما يريد الخروج ~~مع السيد ms039 أحمد بن صلاح إلى اليمن، فسبق الأجل، قيل: إنه بسعاية من صاحب مكة ~~أرسل إلى تلك الجهة في الأثر وصده عما كان أمل. # وفي شهر صفر غزا جماعة من بني نوف، من قبائل دهمة إلى أسافل الجوف، ~~فانتهبوا منه وقتلوا، وكذلك تعقبه مغزى إلى أطراف مساقط بلاد خولان وبدبدة ~~، لما نجع أكثر خولان هذه السنة، وكذلك لحق مغزى من برط إلى أسافل الجوف، ~~بحدود براقش ، فوقع بينهم وبين من نهبوهم قتال، راح من برط نفران، ومن أهل ~~الجوف خمسة. وأحمد بن الحسن لما بلغه ذلك أرسل حول ستين نفرا من أهل ~~البنادق، لحفظ الصافية له في الملتقى، فمنعوها. ولم يصل أحد إليها، وبقي من ~~حضرته ممن[37/أ] كان متعلقا به من برط وقال: ما بقي بيننا وبينكم ثقة ولا ~~كنه، ولا نفعت المداواة لكم كما لا ينفع الدواء الجروح الفاسدة. وأهم ~~بغزوهم، إلا أن الإمام قرره وقال: لا تزر وازرة وزر أخرى، وهم قبائل، لا ~~يحكم عاقلهم على جاهلهم، ولا قائد لهم، بل كل منهم رمحه ببابه وانتصافه ~~لنفسه، والأمر كذلك ولا ننفع منهم إلا حفظ أطراف البلاد الجوفية، كون ~~بلادهم لا تحمل العسكر، ولا تقوم لمن بها استقر. PageV01P344 # وفي عاشر شهر صفر وصل إلى الإمام إلى محروس ضوران محمد عامر، الذي سبق ذكره ~~وذكر ما جرى بالحبشة منه، وتغلبه عليها، وإخراج عسكر السلطنة منها، حتى خرج ~~عليه عمر باشا، فهرب في البحر من شدة الخوف والبأساء، وما زال يدور فيه ~~وينظر هل بقي له مدخل أو من يناصره ويجانبه حتى لم يجد له ما يريد، ولم يقع ~~إلا على الأمر الشديد، ثم إنه عاد ينظر هل يتم له السكون في أطراف بلاد ~~سواكن أم لا؟ فوصل إلى حضرة الإمام، نابها من ذلك المنام[37/ب] قائدا نفسه ~~باللجام، معرضا عن تلك المعارضة، مقهورا عن المناصبة، وفي صحبته قدر عشرين ~~نفرا. وكان هذا محمد عامر له رياسة ونيابة من تحت نظر الباشا في مصوع وهو ~~تركي، ووصل جماعة حول عشرين نفرا من حضرة ms040 الباشا عمر ببعض هدية للإمام، ~~ومعهم أيضا واصل بكتاب من أمير المدينة يذكر الإمام طلب أوقاف الحرمين ~~الشريفين الذي باليمن، قيل فأجاب الإمام: أنه ما يعلم بشيء من ذلك. # وفي هذا الشهر اتفق لرجل يقال أنه من بنى بنيان من صنعاء اليمن أنه سار ~~إلى حضرة الإمام، للطلب منه والسؤال والرفد والنوال، فطال به المقام الكثير ~~من الأيام، فانحرف مزاجه، وغلب عليه كلامه، واستحد به لسانه، وتبلبل ~~بلباله، وذلك عقب صلاة الجمعة في الاجتماع من المسلمين والحضرة، وقام على ~~قدميه كالخطيب يقول بأعلا صوته: هذا الإمام قد صار عطاه لمن أتى من الهند ~~والعجم، وحرم من زكاة مدينة صنعاء لأمير الحاج، والفقراء حرموا منها، ولم ~~يصر إليهم شيئا منها، ولكن سيرى سبب ذلك، وما تحركه من هنالك، ولا يكون آخر ~~هذا أولاده مثل عيال شرف الدين. وسار المذكور ولم ينتظر لشيء، انتهى كلامه. PageV01P345 # وللمجيب أن يجيب عليه هنا: أن أولاده لصلبه فيهم كما ذكر هذه المدة في ~~النعم الشاملة وغيرهم ممن له الولاية، وأما غيرهم فقد صار الآن حالهم كمن ~~ذكر من أولاد شرف الدين يكسبون على أنفسهم، ويحترفون ويبيعون ويشترون[38/أ] ~~لا يصلهم الإمام ولا غيره بشيء من المال، بل سعيهم في نقص من كان له بعض ~~شيء على كل حال، ومن كاشح منهم وكثر في السؤال صار إليه النزر اليسير على ~~أشق حال. ولكن أيها الفقيه المنافسة كلها في غير هذا، فالدنيا عاطلة، ~~وأحوالها زائلة، والسعيد من رزق منهم أدنى الكفاف، وقنع بما جاء منها وما ~~فات، فالله يختم لنا بالخير ويغنينا بفضله وكرمه عن غير بابه الواسع، الذي ~~وسع كل شيء. # وفي العشر الآخرة من شهر صفر توفي السيد الشريف العارف علي بن الحسين ~~الحسيني الحوثي ثم الصنعاني، وهو من ذرية الإمام يحيى بن حمزة الحسيني ، ~~يتصل نسبه بالحسين بن علي بن أبي طالب. وكان مكفوف البصر، وكان حافظا ~~للقرآن مجودا، ناقلا لكثير من المختصرات ك(الشاطبية) في القراءت (والكافية) ~~لابن الحاجب (والمنتهي) في أصول الفقه له، و(التلخيص) للقزويني ms041 في ~~المعاني والبيان. ويحفظ كثيرا من المنقولات، وله مشاركة في الحديث لا سيما ~~لسنن أبي داود يحفظ أكثره غيبا ويذاكر في باقيه، ويحفظ[38/ب] مجموع زيد بن ~~علي غيبا، وله عناية به. ويرجح مذهبه على مذهب الهدوية. وكان يرى رفع ~~اليدين ووضع الكف على الكف في الصلاة، كما هو قول أكثر العلماء ويفعله، إلا ~~أنه ربما تركه إذا صلى جنب أحد من المتعصبين من الهدوية، رحمه الله تعالى، ~~وقد صلى جنبي مرة فرفع. # وفي هذه الأيام وصل خبر مع أهل الهند أن سيواجي رئيس الرازبوت بالهند عاد ~~إلى الخلاف في بعض أطراف بلاد السلطان أورنقزيب، وأثار فتنة في جهته. PageV01P346 # وفي هذه الأيام مات الأمير عبد الله الغفاري-بغين معجمة وتشديد الفاء- ~~الحمزي. كان المذكور من أصحاب شرف الإسلام الحسن بن الإمام، ثم لازم ولده ~~محمد بن الحسن تلك الأيام، وكان المذكور في المدة السابقة حال بقاء مصطفى ~~وقانص بزبيد قد هرب من حضرة شرف الإسلام ودخل إلى زبيد، فرفع شأنه قانص ~~ومصطفى، وجعلوه أميرا من جملة الأمراء، في ذلك الوقت الذي مضى. وأصله من ~~أشراف عقبات . # وفي هذه الأيام وصلت كتب من المهري صاحب جزيرة سقطرى والساحل الحضرمي، ~~الذي بين بلاد الشحر وبين ظفار ، يذكر للإمام أنه يرسل بعينة من العسكر، ~~وأنه قد بنى[39/أ] على الانقياد والائتمام، وسبب هذا من المذكور، وما كتب ~~به في ذلك المصدور أنه كان انتهب الأيام الأولة بعض من وصل إلى ساحل جزيرة ~~سقطرى من جهة بلاد العماني لشيء من البضاعة، فتحمل العماني، وجهز عينة إلى ~~ذلك النادي، فلما شعر بذلك المذكور هرب من الجزيرة إلى ساحل الشحر للجيرة، ~~ودخل أصحاب العماني سقطرى فلم يظفروا بشيء من ذلك الأمر الذي جرى، فأشار ~~على الإمام بترك إجابة المذكور، والاشتغال بغيره برعاية مصالح الجمهور، ~~والقريب من البلاد والأمور، ولا سيما مع تغير حالة الأشراف، وهو يستدعي ~~منكم الاستئناف بحفظ الأطراف، واضطراب أعمال مكة وتلك الأطراف. وأصحاب ~~العماني لم يجدوا ما طلبوه، وفاتهم الأمر الذي قصدوه، وعادوا بلادهم، وسكنت ~~أعمالهم. PageV01P347 # وفي ms042 هذه الأيام ظهر رجل من بلاد شظب يقال له الفقيه حسن بن صلاح بن الفهد ~~يعرف بالخبايا، ويخرج على قوله الأسحار بتربيع ضرب الرمل في الظاهر وهو ~~يحتمل التعمية والتمثيل، ويظهر أنه يكتب إلى رؤساء الجان فيأتيه الجواب ~~منهم بخطوطهم على قوله، وقد يضع ورقة منه في طاقة المنزل بابتداء الكتاب ~~[39/ب] والعرض فتأتي ظهر ورقته بالجواب على مقتضى من جعل الإبتداء له، يقول ~~له: ضع هذا الابتداء هنالك، يأتيك الجواب، فيكون كذلك، هذا جملة ما عنده. ~~والمذكور يلبس الجوخ واللباس الغالي، وذكر أنه أخذ ذلك على رجل كان بتهامة ~~قد مات يسمى الفقيه محمد بن الولي. وظهر آخر أيضا حضرمي له من المعرفة مثل ~~هذا الشظبي، والله أعلم. # وكان في شهر شعبان قد ظهر ثلاثة أنفار بجهة لاعة لهم هذا الشأن قد ~~استخفوا عقول كثير من العامة والخاصة، وجمعوا منهم أموالا كثيرة، فبلغ ~~الإمام شأنهم وأعمالهم، فكره مثل ذلك، وأرسل جماعة عسكر بأدب عليهم، فوصل ~~إليهم أولئك العسكر، وعادوا بغير أثر. وكان الإمام ألزمهم بحبسهم، فلم يتم ~~شيء في شأنهم، ثم أرسل الإمام غيرهم فرجعوا كذلك، ثم أرسل ثالثا إليهم وأمر ~~بحبسهم بحصن غولي فحبسوا جماعة من أقارب الرحايل، وأمروهم بمنع الرحايل. PageV01P348 # وأما أولئك الثلاثة فخرجوا عن تلك الجهة وأعيا الناس أمرهم، واستحوذوا ~~عقولهم[40/أ]، لكنهم تركوا لاعة، وداروا في غيرها من الجهات الواسعة. ولعل ~~هذا المذكور والحضرمي الآخر من أولئك الذين كانوا بلاعة. ووصل الشيخ ~~المذكور إلى صنعاء في شهر ربيع من هذه السنة، فأظهر عمله واستخف عقول كثير ~~من الناس، وأظهر لهم فعله، فعجبوا من إخراجه الأسحار ومن المكاتبة الصادرة ~~منه للجان، ولازمه يحيى بن حسين بن المؤيد بالله ، وأخذ عنه الصنعة، وطلب ~~منه المعرفة، فعلمه المذكور، وقال: إنه قد ربما يدرك ذلك المسطور، ويحتمل ~~أن تكون هذه الأمور من الشعبذة والتمويهات والمخرقة فلا ينبغي الاغترار ~~بذلك، إذ قد تكون هذه الصنعة من صنعة قلب الأعيان، وهي من أنواع السحر كما ~~قرره العلماء فيما مضى من الزمان. وقد ms043 كان رجل سيد في المدة السابقة صبيا ~~شابا فاسقا متهتكا قد حد مرارا في الشراب وغيره، يقص البياض قطعا ويتلو ~~أشياء وإذا هي بقشا بيضاء يراها غيره، فقد تكون هذه الخطوط في الأوراق التي ~~يظهرها[40/ب] من هذا الوادي، وما يقوله من إخراج ورق السحر من هذا الأمر ~~الجاري، والله أعلم. # وكذلك كان يفعل هذا رجل يقال له: السيد ياسين، ويرجع البياض إلى أصلها ~~الأول من بعد ذلك. وكان فقيرا فقرا مدقعا، ومنهم أيضا هذا الزمان الفقيه ~~أحمد الأسنافي، لكنه يستخطف الدراهم، فلذلك يبقى ولا يغير عن أصلها، وهو لا ~~يجوز الاستخطاف لأموال الناس، وكل ذلك من أعمال السحر وأبوابه. PageV01P349 # وذكر الشظبي المذكور أنه يتصل بالجان ويهاديهم ويكاتبهم، ورأيت مكاتبته في ~~بعض الورق إلى الأحمر من بهاء الدين قال: وهو الساكن فيما بين براش ونقم ، ~~وأنه ملك على جميع جن اليمن. ورأيت جوابه عليه في ظهر ورقته على قوله، ~~وفيها علامته، بعد الصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله، غير أن الخط مثل خط ~~الكاتب في الابتداء، وذلك أنه كتب إليه المذكور الفقيه حسن بن صلاح الفهد ~~الشظبي الساكن في جبل بني حجاج شرق السودة أنه أخرج أرصادا على بعض ما سأله ~~من بيته، وذكر هل بقي شيء ينبهه به؟ فأجاب أنه بقي واحد بالباب، فأخرجه ~~المذكور. # هذا ما قاله، وعرف من حاله، فطلبه بعض من أعلمه من الجان، فسار إلى ذلك ~~وكتب من أجله إلى الأحمر[41/أ]، فأجابه في ظهر ورقته أن هذا مارد من مراده ~~وقال: المردة يهربون، ولا يكاد يظفر بهم إلا بتعب. # قال المذكور: وإن رجمه بحجر فأخطأه لما أراد منعه وطرده عن الاتصال بذلك ~~الإنسان. # قال: ولا بد ما ننظر في الاستعانة من صالحي الجان بالقبض عليه. هذا ما ~~ظهر عنه، ووثق هذا المذكور جماعة من القضاة مثل قاضي ثلاء مهدي عبد الهادي ~~وقال: إنه عارف، وله خدام وأنصار لذلك، والله أعلم. # لذلك قال المذكور لما سأله سائل أنه يسير معه إلى عند الأحمر، شرقي نقم، ~~ويطلعه على ms044 الجان في ذلك المقر فقال: يصلح ذلك غير أنه لا يمكن إلا بكحال ~~يعطيك هو تكتحل به، فتراهم هنالك، والكحال قد ذكروه مشهور لمثل ذلك قال: ~~وهم يأكلون هنالك من الشجر، هذا كما وصفه المذكور ولم يظهر منه أكثر من هذا ~~من المكاتبة، وإخراج أرصاد يقول: إنها سحر، وأنه يضرب في الرمل للتربيع ~~لإخراج ذلك فيخرجه، فيحتمل الأخذ بالعيون في الأوراق والكتابة، ويحتمل أن ~~له ........ الجان يأتيه بالجوابات ويتصل بهم، والله أعلم. PageV01P350 # وبعضهم شكا إليه رجل اعتراه الجنون بسبب أنه كان يتعلق بقسم قل هو الله أحد ~~للاستحضار[41/ب] فحصل معه تغير وهذيان فقالوا لهذا الرجل الشظبي من أجل ذلك ~~فقال: هناك إرصاد وسحر، فأخرج من بيته ذلك كما يخرجه من سائر البيوت، وهو ~~يحتمل التعمية، ولم يحصل تأثير في ذلك الذي اعتراه الجنون، ولا زال عنه ما ~~كان به، فلأجل هذا دل أنه من قلب الأعيان في الكتابة معه فقط، والله أعلم ~~بالغيب. ولقد كان في أول دولة الإمام المؤيد بالله في رأس الأربعين وألف ~~بصنعاء اليمن رجلا مظهرا لمخاريق عجيبة، وأحوال غريبة يخرج من تحته الطيور ~~والحمام، في تلك الأيام، وحار في عمله كثير من الأنام، وقطع كثير من ~~العقلاء والعلماء أنه من السحر والتمويه العاطل، والتخييل الباطل، ويلقط ~~الحصا الصغار إلى يده وتكون حبا إما برا أو شعيرا. # وكذلك روى الثقة في هذه الأيام أن رجلا يقال له: الفقيه عبده له معرفة ~~بمثل هذه المخرقة، فإنه كتب رقية أو تلاها في بياضة فإذا فيها بعض شيء من ~~الدراهم، وأخذ مرشا ليس فيه من الماورد شيئا، فإذا الماورد يخرج منه ويرش ~~به. وغير ذلك كثير، كامرأة قالت هي حاسبة، كانت تضع نفس الملح بباطن يدها ~~ثم تفتح يدها فإذا هو لبان. وقد[42/أ] كان رجل بشهارة في الأيام السابقة ~~مشهورا بالسحر، له أفعال عجيبة، حتى أنه مرة طالب رجل آخر في دين له فسحره ~~ورأى غريمه وقد ذبحه ونزع رأسه. # وفي أول ربيع الثاني لما رتب أحمد بن الحسن سفال ms045 الجوف لأجل ما حصل من ~~الضرر من غزوات دهمة غزا بعض العسكر إلى أطراف دهمة من بني نوف، فانتهبوا ~~بعض شيء من مواشيهم. # ووصل الخبر هذه الأيام بخروج الحسن بن الإمام من جبل رازح إلى تهامة. PageV01P351 # وفي نصف ربيع الثاني وصل الخبر بأن النقيب سعيد المجزبي متولي اللحية ~~وكمران ظهر منه ما يقضي بالمخالفة للأوامر، والاستقلال في هذا الوقت الآخر، ~~وصار يكثر عليه الكلام عند الإمام، وأنه يخشى منه إن خلى الانخلاع ~~والانصرام، وأنه ربما قد كاتب إلى جهات جدة ومصر وسواكن وجرت له الأقلام. ~~وكان مع هذا الوهم، وما جرى للإمام من النقل أن المذكور قبض على جماعة كان ~~وصلوا إلى الحديدة وبلادها بحوالة من حسن بن الإمام، وكان المذكور بعد ~~عزله من بلاد الضحي الأيام الأولة قد حول أكثر أثاثه وخزائنه إلى كمران، ~~واستقر فيه هذا الأوان، وما زال يحصنه ويعمره ويقويه ويؤكده، فكان سبب حصول ~~الأوهام مع الإمام، وتصديق ما ينقل إليه من الكلام، مع ظهور الاشتجار بينه ~~وبين المحبشي متولي الضحي، والمراكزة والمناصبة. فكتب في هذا التاريخ إلى ~~ولده الحسن بأنه يقصده ولا يظهر أين يريده حتى يدخل اللحية فيحفظها ~~[43/ب]بجميع من معه، فسار المذكور من أبي عريش يطوي المراحل بتهامة، ولا ~~يدري أحد بمقصده حتى بلغ إلى منتهى مرامه. فلما بلغ المجزبي وهو بكمران هذا ~~الأمر والشأن سقط في يده، وتلاشى أمره. وكان من الاتفاقيات أن حال وصول ~~المذكور بندر اللحية، وجد الغربان التي للمجزبي بساحلها مجموعة لافتقادها ~~ودهنها فقبضها حسن بن الإمام واحترس بها، ولم يكن مع المجزبي ما يقوم ~~مقامها، ولم يشعر المجزبي حال دخول حسن بن الإمام اللحية حتى وصله رسوله ~~بالوصول إلى الحضرة، فتلكأ عند ذلك، وأراد الامتناع هنالك، فقال له العسكر ~~الذين من اليمن: نحن عسكر الإمام، فلم يسع المذكور إلا المبادرة بإرسال ~~الضيافة والمكاتبة في الوصول وبذل الأمان، وأنه من جملة الخدم غير متكبر ~~على الإمام، وأن البلد بلده والبندر بندره، فخرج المذكور ودخل حسن بن ~~الإمام يطوف جزيرة ms046 كمران، وقبضها وولاها من يثق به في السكون فيها. ثم ~~استدعى الإمام المجزبي، فوصل إليه إلى محروس ضوران، وحال PageV01P352 وصوله أمر باللقيا له بالعسكر والأعلام، وبذل له الإكرام، واستقر ~~بحضرته[43/أ]، وفسح برأي الإمام لمن وصل معه من عسكره، وبقي هو وخاصته من ~~خدمه. وذكر الإمام أن جميع ما في جزيرة كمران من السلاح مع العسكر والمدافع ~~قبضها ولده وسلمها إليه، ولم يحمل إلا ما يخصه من أثاثه، وخرج أولاده إلى ~~بيت الفقيه. وكان المذكور قد طالت مدته في ولاية هذه الجهة من مدة شرف ~~الإسلام الحسن بن الإمام، وفتحه لتلك الجهات تلك الأيام، فاستمر إلى هذا ~~التاريخ، وقد صار المذكور كبيرا في السن واعتذر إلى الإمام، وأنه لم يجر ~~منه مباينة ولا محاربة، وإنما كان يعتذر تلك المدة عن الطلوع لكبر سنه ~~وعجزه، ويحسن الظن في قبول عذره، وتلا عند وصوله قوله تعالى: {ولو كنت فظا ~~غليظ القلب لانفضوا من حولك}. وكان المذكور في الحقيقة غير آمل للعزل من ~~تلك الجهة، والأمر جرى على مقتضى قوله تعالى: {وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس }، ويحكى أنه كان عنده حساب، يقضي [43/ب] الحساب أنه لا يعزله من ذلك ~~الموضع إلا من كان اسمه اسم الذي ولاه الحسن. # قال الراوي: فكان ذلك من الموجبات للمسارعة بالخروج منه من غير مراجعة. # ومن الأمر الغريب أن جميع السواحل تحولت أمورها، وتغيرت أحوال ولاتها، ~~وتبدلت أعمالها، هذا المذكور والسيد زيد بن علي بن جحاف الذي كان بالمخا ~~وفرحان والي عدن، والسيد أحمد بن صلاح متولي جازان، ومدينة زبيد عزل واليها ~~عبد الله بن سراج المحبشي، فلله الأمر من قبل ومن بعد. PageV01P353 # وفي هذه الأيام ولد مولود عجيب الخلقة خرج من مشيمته وغشايته، ولا أظفار له ~~ولا شفاه ولا دبر، ثم ظهر له دبر ثم أظفار ثم شفاه شيئا فشيئا، وتكامل خلقه ~~لخمسة أشهر. وكذلك اتفق أيضا مولود آخر في هذه المدة من هذه السنة له رأسان ~~ثم مات عقب ولادته، كأنهما شخصان متلاصقان، فسبحان الخالق لما يشاء، ms047 والأول ~~كان لرجل من القبائل، والثاني لرجل آخر من العسكر[44/أ]. # وفي يوم الأحد ثاني وعشرين شهر ربيع الثاني منها مات السيد الشريف العارف ~~الحسن بن أحمد الجلال ، كان المذكور مستوطنا للجراف شمالي صنعاء في الخريف ~~والشتاء، ودفن جنب صنوه برسلان . وكان المذكور قد اختار سكون ذلك المكان ~~على صنعاء في جميع الأوقات والأزمان، وأصل داره وأهله جهات صعدة، ثم إنه ~~ارتحل إلى شهارة في أول دولة الإمام، فقرأ فيها تلك الأيام على الشيخ ~~العلامة لطف الله بن محمد الغياث الظفيري ، وعلى شرف الإسلام الحسين بن ~~القاسم ، ثم ارتحل إلى صنعاء عقب خروج حيدر عنها، ودرس على السيد العارف ~~محمد بن عز الدين المفتي المؤيدي ، وتأهل ببنت من بنات السيد صلاح الحاضري ~~السراجي ، وما زال كذلك بصنعاء، ثم طاب له سكنى الجراف آخر مدة الإمام ~~المؤيد بالله إلى أن مات فيه، وكان يدعي الاجتهاد وأنه ترجح له مذهب داود ~~الظاهري ، ويعول عليه في أقواله في الأصول والفروع[44/ب]، ويقول: إن ~~الإجماع ليس بحجة، ويقول بالمتعة موافقة للرافضة الإمامية، ولا يحتج ~~بالآحاد موافقة للقاشاني ، وإن صح بالإسناد، ولا يحتج إلا بالمتواتر وما لم ~~يجده فبالبراءة الأصلية، وقال: إنه على رأي ابن حزم في العمل بالبراءة، ~~وله أقوال عجيبة، ونوادر غريبة فيها ركة وإباحة ومخالفة لجمهور الأمة، ~~وللإجماعات المنبرمة فلا قوة إلا بالله. ولو توقف على مذهب داود نفسه لكان ~~أقل من تلك النوادر والمخالفات، لكنه خرج PageV01P354 عن أصل داود في موافقة الرافضة في المتعة، وفي سب عثمان رضي الله عنه، وفي ~~موافقة الخوارج في منصب الإمامة، فقال: إنها في جميع الناس عربي وعجمي فيها ~~على سواء وإنما يشترط فيهم التقوى. وكان يرى في خلق الأفعال مثل قول أهل ~~السنة وثبوت الخروج لأهل الكبائر من النار بالشفاعة، والرؤية، وكان لا يكفر ~~بالإلزام كما يقول به محققوا علماء الإسلام. # قال السيد ما لفظه: إلزام الجبر مع عدم صحة نقله عن المرمى به تواترا مما ~~لا يجوز أن يبنى عليه حكم ظني، فضلا عن قتال واستباحة ms048 النفوس وأموال؛ لأن ~~الجبر لا يعرفه مدققوا علمائهم، مدعيا أنه ذا وهم عن الاعتزال قائم ~~البرهان، ولا قائل بتكفير الأشاعرة لقولهم بالكسب، ولا يكفر أهل الكسب فيما ~~يعلم إلا مجازف، لا يعرف العلم ولا أهله؛ لأن الكسب هو الفعل الذي يقول به ~~المعتزلة، وإنما الخلاف للعبارة بعد التحقيق، إلى آخر ما ذكره في بعض ~~رسائله[45/أ]. وللسيد الحسن الجلال المذكور اعتراض وجواب حسن على أرجوزة ~~القاضي إبراهيم بن يحيى السحولي ، التي وضعها في إسناد جملة مذهبه إلى علي ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان فيه مجازفة ظاهرة، فقال السيد الجلال مجيبا عليه في هذا ~~المجال: # بسم الله الرحمن الرحيم: # اطلع الفقير إلى الله الحسن بن أحمد الجلال على الأرجوزة التي نظمها ~~القاضي العارف إبراهيم بن يحيى السحولي، التي جعلها نظاما لفروع مذهب ~~الهادي، وقد كان اطلع عليه في إسناد الإمام شرف الدين، ولكنه كان في النفس ~~منه شيء، فعاق عن استجادته، ورأيت إسناد القاضي لم يخلص أيضا من ذلك وهو بحثان: PageV01P355 # الأول: أن الإسناد المذكور قد تجاوز إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فمروي الهادي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ~~بتلك الطريق المخصوصة هو أما علم روايته -أعني متون أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، أو علم ~~درايته -أعني مستنبطاته منها ومستخرجاته-، أو كلا الأمرين، الأول باطل؛ ~~لأنه لم يكن في كتبه (المنتخب) و(الأحكام) و(الفنون) مدونا بتلك الطريق ~~التي تضمنتها الأرجوزة -أعني عن الحسين بن القاسم عن [45/ب]إبراهيم عن ~~إسماعيل عن الحسن عن الحسن عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا حديث واحد لفظه في كتاب ~~الطلاق من (الأحكام): ((يا علي يكون في آخر الزمان قوم لهم نبز يعرفون به ~~يقال لهم الرافضة، فإذا أدركتهم فاقتلهم قتلهم الله فإنهم مشركون)) وما ~~نقله غير تلك الطريق يعلم ذلك من استقصى بحث كتبه المذكورة. # والثاني: أعني علم درايته بالحل باطلا أيضا إذ لم يقل عالم بجواز إسناد ~~التلميذ دراية نفسه قولا لشيخه، مثلا قياس النبيذ على الخمر في الحرمة ms049 لا ~~يصح أن يقال فيه قال النبي صلى الله عليه وسلم النبيذ حرام، إذن لبطل القياس وعاد نصا، ولا ~~قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا زكاة في المعلوفة )) إذن لبطل كونه مفهوما وعاد منطوقا، ~~وكذا سائر الاجتهادات. PageV01P356 # والثالث: باطل بمثل ما بطل الأولان. الثاني أن ما في كتب الهادي رواية ~~ودراية لا يبلغ العشر مما صار الآن في كتب فروع مذهبه، وقد قدمت أن دراية ~~التلميذ لا يحل روايتها قولا للشيخ، وإنما يحل روايتها قولا لراويها، بل ~~قال الإمام القاسم بن محمد في آخر إرشاده: وبلغنا عن بعض العلماء -يعني ~~المهدي والفقيه يوسف - أنه قال ما لفظه: إن هذا الحكم الذي يعد أنه مخرج ~~ليس بقول لمن[46/أ] خرج على قوله ولا قول للذي خرجه من قول المجتهد، فحينئذ ~~يكون هذا الحكم لا قائل به، فكيف تجري عليه الأديان والمعاملات؟، وهذه ورطة ~~تورط فيها الفقهاء برمتهم، إلا من لزم النصوص، وكذا في بعض كتب الأصول لأهل ~~المذهب كالجوهرة إنكارها، وقرأت بخط شيخي أمير الدين عبد الله، وأظن أني ~~سمعته منه عن بعض السادة من أهل البيت أنه قال: كثير من التخاريج مصادمة ~~للنصوص، ولهذا يمتنع كثير من أهل التحري من العمل بالتخريجات والإفتاء بها ~~لمخالفتها لنصوص الأئمة من غير ضرورة ملجئة إلى مصادمتها. وسمعت الإمام ~~الحسن بن علي ينكرها، وقال ما معناه: كان مذهبنا سليما إلى زمان كذا، وذكر ~~بعض أول المخرجين في مذهب الهادي، وكذلك اتباع الفقهاء الأربعة، فإن استطاع ~~القاضي أن يخلص هذا الإسناد من هذين الإشكالين تفضل به جاز به لنا، وإلا ~~وجب عليه الحذر من هذه المجازفة التي وقعت للإمام شرف الدين، ونسب في هامش ~~الفصول مثلها للمؤيد بالله والإشكالات واردات للجميع. وقد وجدت في إجازات ~~جدي العلامة صلاح بن الجلال استشعار خلل هذا الإسناد جملة[46/ب]، ~~والاعتذار بأنه إسناد معنوي تسامحا لا تحقيقا، وما أدري ما جدوى هذا العذر ~~عنها، وقد علمتم ما في الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى علماء أمته من ms050 الوعيد ~~الشديد، الذي بسببه ترك أكابر الصحابة الرواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وامتنع كثير ~~من أهل التحري بالعمل بالتخريجات كما ذكرنا عن الإمام القاسم حذرا منه، ~~وخرج أئمة PageV01P357 الحديث بالتجاوز في رواية لفظه أو نحوه زائدة، ونسبوا روايتها إلى الوضع، ~~فما ظنكم برواية ما لا نهاية له من أقوال الرجال قولا لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولأهل ~~بيته، والله تعالى يوفقنا إلى ما يرضيه. # انتهى كلامه وهو كلام جيد وارد. # وقد كنت أجبت على السيد بأن هذا يرد على القاضي؛ لأنه أطلق، وأما على ~~مقتضى ما هو ملصق أول شرح التجريد فإنه يقتضي أنه أراد الرواية في الحديث ~~لا الدراية، ولكن فيه إشكالات قد ذكرتها في جواب رسالة القاضي أحمد بن ~~سعدالدين على أن كلام القاضي إذا كان في جملة أصل الدين فليس بخاص لدينه ~~ومذهبه، فإنه قد ذكر ابن أبي الحديد في (شرح نهج البلاغة): أن كل مذهب ~~أسند أهل مذهبه إلى علي بن أبي طالب المعتزلي، والأشعري، والرافضي، والزيدي ~~فلا مخصص حينئذ في هذا الأمر الاعتباري إن أراده، وإن أراد الإطلاق فهو كما ~~قال السيد ابن الجلال ظاهر البطلان، والله أعلم. # وله رسالة تضمن الاعتراض على المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم في دخول ~~عساكره المشرق، وأنه لا يجوز ذلك في كلام طويل تضمن ذلك رسالته[47/أ]، وله ~~قصيدة في الأصول يذكر فيها الحث على ما عليه السلف من الطريقة الأصولية على ~~مقتضى مذهب الحنابلة، وله تصانيف على القلايد حاشية وتتمة حاشية سعد الدين ~~على الكشاف وشرح على الأزهار، ما في فنه بالإيرادات على مقتضى مذهبه، وكذلك ~~تعليق على الفصول في أصول الفقه، يورد فيه تشكيكات على الأصل وإيرادات، وله ~~شرح على التهذيب في المنطق، ورسالة له في تحريم قصد البغاة إلى ديارهم، وله ~~تقرير في تحليل الزكاة لبني هاشم، وله شواذ كثيرة تعد أشياء منها في ~~الخرافات لا ينبغي الالتفات إليها والاغترار بها، بل كان التقليد له أولى ~~من القول بها وقد أوردت بعضها ms051 في كراريس وبينت ضعفها، والله يهدي من يشاء ~~إلى صراط مستقيم. # وله في الشعر اليد الطولى وفي الغزليات أيضا، وله في المجون قوله: # أنا للعاشقين إمام PageV01P358 غير أني ذو صبابة # أرشف الريق وأهوى # كل مجدول الذؤابة # وله قصيدة نظم فيها مقامات الصوفية مستهلها قوله: # للقوم ألفاظ بها # سر الهوى داع لنا # وكان يخفى عنهم # فصار من ذا علنا # منها لأرباب العلا # جمع وفرق وفنا # وهي طويلة والله أعلم. # وفي هذا الشهر اتفق مغزى جماعة من العسكر قدر سبعين نفرا الذين جعلهم ~~أحمد بن الحسن رتبة في معين إلى بلاد بني نوف من مساقط جبل برط وسهوله مما ~~يلي الجوف والمشرق، فانتهبوا من مواشيهم[47/ب] عوضا عما فعلوه من قبل من ~~نهبهم، ثم إن بني نوف صاحوا وتغاوروا بأجمعهم ولحقوهم، فاقتتلوا، فراح من ~~العسكر حول عشرين نفرا ومن بني نوف أربعة فقط، واسترجعوا مواشيهم لأجل ~~كثرتهم وقلة العسكر. وهذه البلاد لاخير فيها ولا مهبط ومستقر لمن يقصدها من ~~الدولة، لعدم ما يقوم بها؛ ولأنهم بدوان، لا قرار لهم ولا أطيان، بل رعاة ~~للإبل والمواشي، وأكل اللحوم في تلك القفار والفيافي، فلذلك تركها الدول ~~الماضون، وعرضوا عنها أجمعون. وكان استقرار تلك الرتب في معين ونحوه من ~~أطراف العرار من الجوف كفاية لحفظه؛ لأنه يحتمل العسكر ويقوم بهم، وكان ~~الزمان الماضي مقطعا للأمراء من أشراف الجوف، فلم يحصل فيه من هذا الانتهاب ~~مع الرعايا من أهله والخوف، حتى لم يبق فيه رئيس هذا الزمان، ورفعت ~~مطالبه[48/أ] إلى المحران، فحصل هذا الخلل وأهمل عن العسكر. PageV01P359 # وفي تاسع وعشرين شهر ربيع الثاني يوم السبت حكم بعض المنجمين بكسوف الشمس، ~~قدر أربع أصابع في برج الأسد والطالع العقرب ضحوة النهار، وأن مدة الكسوف ~~ثمان درج ونصف عن نصف ساعة، ولعله كان كما ذكر، فإنه روى جماعة أنهم رأوها ~~كاسفة، ولم أرها؛ لأنه كان بالسماء سحاب متراكم وهو ممكن؛ لأن الذنب يومئذ ~~في نحو ثلاثة عشر درجة من برج الأسد والشمس في نحو تسعة عشر درجة من الأسد ms052 ~~وكسور. وكان من جملة الخابر بالكسوف الشريف محمد، وصل من الروم، له معرفة ~~بالنجوم. # وفي هذه الأيام هاج السرق بمدينة صنعاء وكثروا، وكنسوا بيوتا ونهبوا على ~~ضوء القمر في نصف الشهر، ولم ينتظروا الظلام، لذلك الحرام، ودخلوا من ~~البيوت الخالية التي أهلها في الخريف، وسرقوا ما وجدوا فيها [48/ب]من ~~الأواني، وعبروا منها إلى البيوت المحلولة من فوق الأجبي فضروهم وتسور منهم ~~من تسور بالسلاليم التي يجدونها في تلك البيوت الخالية. وكان من الأسباب أن ~~محمد بن الإمام صاحب المدينة أقام محتسبا وأمره أنه يطوف على المدينة ~~فاستخدم معه أعوان من السرق وأهل الطغيان فحصل منهم ما حصل من هذه الأعمال، ~~ويقال في المثل: السرق إخوان، وتجرأ معهم سائر السرق لما سمعوا أن محمد بن ~~الإمام قال: لا يحبس أحد من السرق، وإن قد اشتهر سرقهم إلا بشهادة، فجرأهم ~~على ما ألفوا من العادة، بحيث أن تاجرا من بني كباس كبسوه إلى بيته، فأراد ~~الدفع والصياح، فسلوا عليه الخناجر والسلاح، فحملوا من بيته ما شاءوا، وهم ~~جماعة يقال: خمسة. وكان من سبق من الولاة بصنعاء من اشتهر بالسرقات حبسوا ~~وبقوا في الأماكن البعيدات إذا لم تقم عليه شهادة نصاب القطع، بل مجرد ~~الشهرة[49/أ]، فلهذا وقع الخلل من الجانبين المحتسب وأصحابه والسرق من ~~غيرهم كل من جانبه والشهادة إنما تعتبر في القطع لليد، لا النفي والطرد ~~والحبس والكرد فإنه يكفي فيه الشهرة، وظهور الأمارات المتكررة، فإنهم لا يخفون. PageV01P360 # وفي أول هذا الشهر نزل سيل عظيم هائل غير معهود من جبل مسور إلى بني مهدي ~~وبني مهند ، فحمل من أموال البن وغيرها كثيرا جزيلا، حتى فقر بعضهم لحمله ~~لجميع ماله، وراح منه ثلاثة مساجد حملها، وحمل خمسة رجال كانوا فيها، وحمل ~~تالوقة عظيمة لها مدة طويلة، وكان قد هرب إليها شيء من الرباح فقلعها ~~بعروقها وقرودها، بحيث أخبر أهل الجهة أنهم لا يعلمون مثل هذا السيل مدة ~~أعمارهم، ولا أخبرهم أحد من كبارهم، فالقوة لله، ونزل سيل فخرب بيت شيخ بني ~~مهدي؛ لأنه ms053 كان في رأس الوادي، فهربوا عنه، ثم نزلت صخرة عظيمة من الجبل ~~عمته بالخراب، فعمر الشيخ في موضع آخر في وسط الوادي، ونزل سيل أيضا بوادي ~~ضلاع كبس أموالا كثيرة. PageV01P361 # وفي هذه المدة بشهر ربيع وصل خبر من الحجاز (بأن الشريف أحمد بن زيد بن ~~محسن) استقر عند[49/ب] الشيخ ابن معيان، من مشائخ بلاد الصفراء ورؤسائها ~~وما بين مكة والمدينة وهي طريق المدينة من مكة، وأنه والشيخ تعرضوا المحمل ~~المصري انتهبوا وقتلوا جماعة حال عودهم من مكة آخر شهر الحجة، فحصل في نفس ~~الشريف بركات ما حصل وكذلك محمد شاوش، وكتب إلى الشيخ ابن معيان من أجل هذا ~~الحادث، وأنه يخرج الشريف أحمد بن زيد عن بلاده، فأجاب في كتابه: بأن بقاء ~~المذكور عنده ولا يحسن منه صده فتقدم الشريف بركات إلى تلك الجهات، وخرج عن ~~مكة بمن معه من العينات واستقر ببدر مدة، ثم إنه تقدم إلى تلك الجهة، فوقع ~~الحرب. وكان قد أجاش ابن معيان قبائل حرب، فقتل من أصحاب الشيخ ابن معيان ~~جماعة ومن أصحاب الشريف أيضا جماعة، واختلفت الأخبار في العدد فقيل: قدر ~~أربعين من الطائفتين وقيل: أكثر، ثم بعد ذلك اختلفت الأخبار أيضا فقيل: إن ~~الشريف أحمد بن زيد هرب بلاد نجد العلياء والشيخ ابن معيان احتاز في جبل من ~~بلاده بعد أن خرج مع الشريف بركات عينة من مصر، وأن الهزيمة أولا كانت ~~ببركات، وكان الشريف سعد [50/أ]قد أهم بالتقدم إلى جهات الحجاز لما بلغه ~~أول هذه الحادثة، فلم يتم له ذلك ورجع إلى بيته، وكان وصول الخبر إلى اليمن ~~في شهر شعبان، وقد كان غلب أحمد بن زيد وقبائل الشيخ ابن معيان على بركات، ~~ومنعوه عن نفوذ الأوامر والتصرفات. # وفي سلخ جمادى الثاني عاد الحسن بن الإمام إلى أبي عريش، ثم طلع جبل رازح ~~حيث كان بعد أن قد قبض اللحية وكمران كما سبق ذكره. # وفي هذا الشهر أنفذ محمد ابن الإمام الأمر في خرص الثمار من الحبوب في ~~بلاد سنحان، ولم تكن ms054 عادة من قبل هذا الزمان، ثم تركه بعد ذلك. PageV01P362 # وفي شهر ربيع الثاني من هذه السنة وصل الفقيه صالح المقبلي الثلائي اليمني ~~من مكة المشرفة، بعد أن استقر فيها هذه المدة، فذكر تحقيق[50/ب] موسم حج ~~هذا العام الماضي، وقال: الخارج مع حاج الشامي محمد باشا صاحب حلب، وهو ~~مملوك للسلطان ولاه مدينة حلب هذا العام، ورجع مع المحمل الشامي عقب تمام ~~الحج، ومحمد شاوش بمكة يتردد منها إلى مكة. # وذكر أن مالطة تم استفتاحها، والاستيلاء على قلعتها، والحكم عليها ~~ودخولها في مملكة السلطان محمد بن إبراهيم بن أحمد خان، ورفع عنها العساكر ~~وبقي فيها من يحفظها، وفيها المعدن الذهبي، فكان ذلك زيادة قوة للسلطان. # قال: ووقع ذلك الصلح الذي بلغك في الأيام الماضية، وهو على البلاد ~~الداخلية للنصارى من الفرنج، وليس على القلعة، إذ دخولها كان عنوة، قال: ~~والجاري من الانتقاض الذي جاء به الخبر في أطراف بلاد السلطان من جهة أخرى ~~اختلف فيه الخبر، قال: وكان شاع الخبر[51/أ] بمكة أن القاصد هو السلطان ~~بنفسه، قال: فلم يمض إلا برهة أيام حتى وصلت البشارات إلى مكة بالاستيلاء ~~عليها، وعود السلطان من تلك الجهة التي أمها. # قال: ويقال أنه ما قد كان خرج بنفسه قبلها، وزال الخلل فيها، وزينت ~~الأسواق بمكة وجدة إظهارا للبشارة. PageV01P363 # وفي نصف شهر جمادى الآخرة خرج محمد بن الإمام من صنعاء، بعد العصر، طريق ~~الجراف، ثم ذهبان ، ثم سار إلى ضلع، صلى فيها المغرب والعشاء، وسار ليلا ~~حتى بلغ إلى ثلاء آخر الليل، ولبث فيه نصف شهر، ولم يكن في المدينة من مآثر ~~الدولة الأولة، لخراب أساس قصر عامر بن عبد الوهاب من المدة السابقة، فإنه ~~كان هذا القصر عامرا في مدة المطهر إلى دولة السلطنة، وخرب وعمر بحجاره ~~أهل البلد، ولم يبق إلا عمارة الحصن على حالها الأول دون قصر المدينة، إلا ~~ما فيها عمارة لأهلها، ثم استدعاه صاحب كوكبان للضيافة فسار إلى هنالك، ~~واتفق من بعض الخدامين قتل بواب شبام حال الدخول بسبب خصام أدى ms055 إلى عدم ~~الاحترام والاحتشام، فطلع الجبل، ولم يبق فيه إلا قدر ثمانية أيام. # [52/ب]وفي آخر نهار السبت، تاسع وعشرين شهر جمادى الآخرة مات شرف الدين ~~الحسين بن الإمام المؤيد بالله بوطنه ومستقره حصن شهارة، كان المذكور له ~~معرفة بمنازل الناس والرعايات، وبقية من الطبقة الأولة بالنظر إلى هذه ~~الأوقات، ولكنه كان يجور في الآداب، قد تبلغ نفاعته إلى المائة الحرف فأكثر ~~في الشكايات، حتى أنه قد يتلطف المشكى به في ترك المشكى، وتسليم الحق من ~~دونه على الوفاء، وكان إلى ولايته بلاد عفار وعاهم وضاعن ، بمساقط الشرف ~~الأسفل . وكان أصحاب والده يحبونه، وكثيرا من الأعيان في جهات القبلة من ~~المشائخ والرؤساء يودونه، بما يرون منه من الإنصاف لهم والإكرام مع أحوال ~~الوقت وكانت وصيته مسندة إلى صنوه القاسم بن محمد ، قيل: وأوصى بالثلث من ~~تركته للعلماء والمتعلمين. والله أعلم. PageV01P364 # ودفن بحصن شهارة جنب الجامع [53/أ] بين القبتين رحمه الله. وكان المذكور له ~~سياسة عجيبة، اتفق أن مسافرا أمسى في سمسرة الرباط فراحت عليه دراهم كثيرة ~~في خرج أو مسب، فشكاه المقهوي؛ لأنه الذي يغلق السمسرة، فأنكر ذلك، فلم يقر ~~بشيء، ثم إنه سار إلى عند الحسين بن المؤيد، فطلب المذكور وحبسه، ثم أمر ~~الرسمي يسوسه بأخذ خاتمه من يده، فأخذه، فكتب على لسان المحبوس إلى ولده ~~والخاتم الأمارة يذكر منه أنه يرسل بالخرج بما فيه من الدراهم، فسار ولده ~~بذلك إلى حضرته، وتقرر عليه أمره، ورجعت الدراهم لصاحبها. # وفي هذه الأيام بعد وصول مشائخ بلاد خولان صعدة شكاة من علي بن أحمد أرسل ~~معهم الإمام واليا السيد علي بن مهدي النوعة ، فحصل مع علي بن أحمد ما حصل، ~~وتكدر خاطره واشتغل. # وفي غرة رجب نزل علي بن الإمام من حضرة والده إلى اليمن الأسفل، بلد ~~ولايته فسار واستقر بمدينة إب . # وفي هذه الأيام خرج محمد بن عامر الذي كان خالف على عساكر السلطنة بسواحل ~~الحبشة، كما مضى ذكره، فدخل المخا هاربا في قدر خمسة عشر نفرا، وخرج عقبه ~~غرابان إثنان ms056 لاحقان له في البحر حتى وصلوا إلى قريب المخا، ثم رجعوا على ~~القفاء، وخرج زيادة عسكر إلى سواكن؛ لأجل محمد عامر مما حركه من الأمر ~~الساكن، وانتهب على المذكور خزانته، وما قد جمعه مما استولى عليه وأخذه، ~~وهو الذي أخرج مصطفى باشا من الحبشة وحاربه، ولعله كان قران المريخ ~~والمشتري في برج العقرب. # ووصل في هذه الأيام بآخر شهر رجب وأول شعبان مركب كان متوها في البحر من ~~الهند، وقد له في البحر حول أربعة أشهر من أول الموسم[53/ب]. وكان السيد ~~الحسن الجرموزي صاحب المخا قد جهز المحصول من البندر إلى حضرة الإمام وبلغ ~~صحبته، فوصل إلى حضرة الإمام بأول شعبان بحول مائة وخمسين حملا. PageV01P365 # وفي هذا الشهر أهم الإمام بضريبة جديدة، ويكون الصرف للقرش بحرفين، فتضرر ~~التجار من ذلك الأمر خشية من الخسران في قضاء الديون هذا الأوان؛ لأن صرف ~~القرش هذه الأيام الأولة بثلاثة أحرف وكسور فينقصون في المعاملات وقضاء ~~الديون الثلث، فسار إلى الإمام جماعات للمشكى، فأجابهم الإمام وترك ذلك ~~الذي كان أراده فيما مضى، وأطلق يومئذ لليهود أموالهم وبيوتهم من ذلك ~~الترسيم الذي جرى، وقال ليس عليهم إلا الضريبة متى احتاج إليها من غير ~~أجرة، وحط عنهم ما كان زاده على الجزية، وقال: ليس عليهم إلا الجزية ~~المعتادة. # [54/أ] وفي هذه السنة ظهرت مصنفة في بعض كراسة سماها واضعها (الجلسات)، ~~فيها تخليطات ذكر فيها: أن المريد أول ما إليه يريد من الطريقة أن يربط ~~رجليه بحبل ويعلقها في سارية، ثم جلسة أخرى بعد ذلك متربعا ويربط قدميه ~~ويبقى على ظهره ملقى، وخرافات وجهالات لا يقول بها أحد من البريات، ولعل ~~صاحبها اعتراه شيء من الخيولا، نعوذ بالله منه من أعمال السوداء، فصنفها ~~وافتعلها من غير معرفة، ولا يعرف منشيها. # وفي هذه السنة كثرت الخيانات في الأمانات بين الناس، ممن لم يظن أنه يفعل ~~ذلك فلا قوة إلا بالله، وغفلوا عن قول الله تعالى: {فليؤد الذي اؤتمن ~~أمانته وليتق الله ربه} {ولا يبخس منه شيئا }. # وفي هذه ms057 الأيام كان كمال الصراب والحصاد للثمار، فتهونت الأسعار، بلغ ~~القدح الصنعاني مع زياداته بعشرين بقشة، والبر بحرف، والذرة من خمسة ~~وعشرين، ودون ذلك. PageV01P366 # والإمام هذه الأيام توجع من أعمال أهل برط[54/ب] وبني نوف من دهمة، وكان ~~أكثره من أهل جبل برط في عدم نفوذ أمره وخطه، فإنه كان أمرهم بتسليم الزكاة ~~إلى أحمد بن المؤيد إلى عيان، والنصف يصير إلى القضاة، علي بن محمد العنسي ~~وأصناه. وعاتب بذلك صنوه حسن بن محمد بن علي العنسي وقال: لم يمتثل القاضي ~~على أمرنا وخطنا في سوق النصف إلى عيان، وقبض الجميع بالأكف والبنان، حتى ~~وادي المراشي، وهو في العادة الماضية إلى عيان إلى مدة الإمام المؤيد ~~بالله، فإنه كان يقبضه أشراف الجوف، وكان عم علي بن محمد بن علي بن قاسم، ~~وهو القاضي أحمد بن علي يرسل بالفضلة إلى الإمام المؤيد بالله، مع أن ~~المراشي كان مخرجا عنه، وهذا الوقت يقدر ذلك كله، ومن جملة قوله في العتاب: ~~أنه قد أهم أن يسير بنفسه إلى بلاد ظفار وذيبين ، وينظر من هنالك ما ينتهي ~~به الحال والتبيين، وإن اقتضى المخالفة والشقاق[55/أ]، كان النظر من ذلك ~~المكان وتلك الآفاق، مع ما أخذوا ونهبوا على الضعفاء من أهل الجوف، ثم أنه ~~انبرم القول أن صنوه المذكور أرسل بعض أقاربه إلى هنالك، والنظر فيما يصلح ~~في ذلك، وما يردوه من الذي أخذوه، فأرجعوا إلى المذكور ما بقي بعينه وسلموه ~~إلى رسول أهل الجوف بأصله. وذكر لي بعض أقاربهم أن شبهة القاضي علي المذكور ~~في قبضه للزكاة أنه قال: لا ولاية للإمام في تلك الديار؛ لأنها لا تنفذ ~~فيها أوامره، والإمام صار مترددا في شأنهم، يقدم رجلا ويؤخر أخرى، لأجل ~~أعمال مكة، وما يخشى من تلك الجهة، فإن أحوال الأشراف بها ما انتظمت، ~~والتقوية من جهة السلطان ما زالت. ثم إنه وصل جماعات من أهل برط لقبول عيد ~~رمضان، فشكى بعض ذلك الذي[55/ب] كان، وزلج الإمام القاضي حسن، وعرج عن ما ~~كان قد أمر. PageV01P367 # وفي أول شوال ms058 وصلت أخبار من الجهات الشامية والبلاد المصرية والحجازية ~~فأخبروا أنه يتجهز الوزير للسلطان، ومن يعتمد عليه في الأمور العظام إلى ~~مصر وعزل عنه الباشا الأول، وقيل: إنه مأمور أن ينفذ فيه الأمر. ولم تصل ~~كتب من محمد شاوش إلى هذا التاريخ مثل العادة، وأنه خرج بعد وصوله إلى مصر ~~بعض عيناته إلى ينبع، فكان بسببها التنفيس على بركات، ومحاصرة الشيخ ابن ~~معيان، وهرب أحمد بن زيد، هذا ما اتفق من الخبر هذا الشهر. وهذه الحركات ~~كلها أسباب الأشراف آل زيد بن محسن، أولها ما سبق ذكره وآخرها عمل أحمد بن ~~زيد والشيخ ابن معيان من قطعه لطريق ينبع ومخالفته للشريف بركات[56/أ]، ~~وأرسل الوزير جماعة من الذين يصلحون الطرق ويعمروا مناهلها ومنشقها من مصر ~~إلى مكة، وأمر بعمارة سمسرة جدة. # وفي العشر الآخرة من شوال سقط الآغا فرحان من فوق الحصان بالغراس، من ~~أعمال حصن ذمرمر حضرة أحمد بن الحسن، بعد عوده من التمشية في ذلك الوطن، ~~وذلك أنه جرى بالحصان، فكدف به، وانقلب عليه، فهلك في الحال، في ذلك ~~المقام، وقبض أحمد بن الحسن تركته وما جمعه أيام ولايته لبندر عدن ورسم على ~~بيته بصنعاء؛ لأنه مملوكه. # وفي يوم الإثنين آخر يوم من شهر شوال توفي الشريف العارف صالح بن أحمد ~~السراجي بصنعاء، كان المذكور له معرفة بالفقه وبعض مشاركة في غيره. وكان من ~~الراغبين إلى العلم وتحصيله وفوائده. وكان ناقلا للقرآن الكريم غيبا، وأول ~~قراءته على السيد العلامة محمد بن عز الدين المفتي رحمه الله وغيره من ~~العلماء بصنعاء، وأصله من قرية الضبعات [56/ب] من بلاد سنحان. ودفن بمقبرة ~~باب اليمن رحمه الله. # وفي ذي القعدة منها زلج الإمام السيد الحسن بن مطهر الجرموزي إلى محل ~~ولايته بندر المخا، بعد أن كان طلع إلى حضرته، كما سبق ذكره. PageV01P368 # وفي هذه المدة كثر من الناظر يحيى بن حسين السحولي على الوقف بصنعاء ~~التضييق على المسلمين في الطرقات والمفاسح في الأسواق والشوارع والطرق، ~~وعمر فيها للوقف، وصار يقطع من طلب عمارة ms059 فيها للوقف، طمعا في الدراهم، ~~والعامر طمعا في الانتفاع، وصار خط الناظر ذريعة إلى عدم تعرض الناس؛ لأن ~~العامة يعتقدون أن الطرق والحواثر التي لا يد عليها للوقف، وهو جهل ظاهر؛ ~~لأن ذلك لا يكون للوقف، وإنما هو لمصالح المسلمين كافة، لا يجوز إحداث ما ~~يضر عليهم، فأما الوقف فلم يقل أحد من علماء الإسلام، وصار يطلب زيادات على ~~العريص في الأجر، فيما كانت العمارة مقررة على ذلك القدر، ولكن لهوى النفوس ~~سريرة لا تعلم. وقد استولى المذكور ووالده على ازدراع مقبرة في المحاريق ~~تتصل بأعنابهم وينكرون العامة عليهم، ولا يستنكروا على أنفسهم. فكان هذا ~~مظلمة من المذكور، ومن تقدمه قبله من النظار يفعلون ذلك، جهلا منهم، لكنهم ~~ما أفرطوا إلى إفرط هذا الناظر، ثم من مظالمه أنه صار يدعي على كثير من أهل ~~الأملاك الوقف [57/أ] ويأذيهم في شيء ما قد جرت عليه يد من قبله، حتى صار ~~حاله يقرب مما كان من البوني في مدة سنان باشا، وكثر شكا الناس منه على ~~جعفر باشا ، وعمل معه ما عمل من الأمر الذي لا يخفى، وصار المذكور يضلل ~~بالعلل، ويغر الدولة بهذا العمل ويقول: مع فلان من الوقف، فحصل من جهته ~~الضرر، فقد يصادق في قوله، فلا قوة إلا بالله العلي العظيم. وصار يدعي ~~الحواثر التي لا يد عليها للوقف في المدينة وخارجها وطرقها ومقاشمها، ومن ~~ذلك ما جرى منه مع السيد محمد بن عبد الله العياني في أملاكه، كما سبق ~~ذكره، وصار أيضا يصادقه بعض حكام المدينة وهو القاضي علي بن جابر الهبل، ~~غررا منه من غير حضور بينة وشريعة، وإذا حقق للقاضي بعد ذلك ندم وقال غره ~~المذكور. PageV01P369 # وفي العشر الآخرة من شهر القعدة الحرام وصل كتاب إلى حضرة الإمام، وغيره من ~~الأعيان، بأن العماني سلطان بن سيف اليعربي جهز من بلاده في البحر حول عشر ~~برشة، وأن مراده القطع على البانيان في البحر، حال خروجهم إلى اليمن من ~~الهند، إذ هم أول من يخرج من هنالك، وذكر ms060 للإمام: أن لا يكون قصده إلى ~~التمحيق في سواحل اليمن بعد صحة تجهيزه في البحر، فأمر بالتحفظ في بندر ~~المخا، ثم أنه بعد ذلك وصل كتاب من العماني كما روى أن قصده لا إلى سواحل ~~اليمن، وكان وصول الكتاب في خلال ما حصل منهم من يقول إلى سواحل الهند، ~~والله أعلم ما انتهى إليه قصده. # وفي هذه الأيام حصل في جهات آل عمار غزوهم من دهمة، فقتلوا منهم في قتل ~~متقدم من آل عمار جرى في دهمة، وحصل في بلاد العولقي في المشرق ما حصل من ~~قبل السبار في بلادهم، والاستقلال بأمرهم وخلافهم[57/ب]. # وفي هذا الشهر أظهر الإمام الإجازة لولده أحمد للبلاد التي كانت لشرف ~~الإسلام الحسين بن المؤيد بالله، وهي: بلاد عفار وبلاد عاهم وضاعن، فتصرف ~~فيها، وأمر القباض إليها، ولم يبق للولاة الأولين ما كان من إطلاق اليد ~~والنظر عليها، وكان ولد شرف الإسلام الحسين بن يحيى بن الحسين بن المؤيد ~~وصنوه القاسم بن المؤيد طامعين وراجين إلى توليتها، وتبقيت أحدهم فيها، ~~وحصل التغير على أهل المقررات من الفقهاء وسادة كحلان وغيرهم من الفقراء، ~~ومن يعتاد العطاء منها كسائر الناس، فإن ذلك قد حصل وعم الخاص والعام من ~~جميع الأجناس، فالملح ما ترك الإلحاح والمطالبة، ولم يحصل له إلا التافه ~~اليسيرة مع المشقة، والصابر صبر وترك المشاحجة. ولقد استحد بعض السادة من ~~بني عشيش فقال للإمام: هذا الجمع لا مصلحة فيه، فلعله كجمع المؤيد بالله، ~~وصار أكثره لحسين ولده. PageV01P370 # وقال السيد عبد الرحمن بن أمير الدين للإمام: إذا قد عجزت عن أمور المسلمين ~~تركت الناس ينظرون فيمن يصلح لهم، واحتمل الإمام كلامهم، وأعرض عنهم، ~~والدنيا لله تعالى، لا ينبغي للعاقل التكالب عليها، غير يأخذ السهل منها، ~~والأرزاق مقسومة، ولن يعدو كل واحد ما كتب له، لكن ينبغي الالتفات إلى ما ~~أمر الله به من الحركات، والكسب والابتغاء من فضل الله، وإصلاح النيات؛ لأن ~~الأرزاق مقرونة بذلك، إما بتجارة أو زراعة أو حركة له للكسب كما قال تعالى: ~~{فامشوا ms061 في مناكبها وكلوا من رزقه } وقال الشاعر: # وإذا رأيت الرزق عز ببلدة # وخشيت فيها أن يضيق المكسب[58/أ] # فارحل فأرض الله واسعة الفضاء # طولا وعرضا شرقها والمغرب # ومدارس العلم هذا الزمان غلق أكثرها في مثل صنعاء وصعدة وغيرها، لعدم ~~الإقامة من الوقوفات بها، ولله قول الشاعر: # أصبح وجه الزمان منقلبا # ووجهه قفاه يا عجبان # ولكن التسليم هو الأولى كما قال الشاعر: # لا تسأل الدهر إنصافا فتظلمه # ولا تلمه فلم يخلق لإنصاف # خذ ما بدا لك وارم الهم ناحية # لا بد من كدر فيه ومن صاف # وفي سادس عشر شهر الحجة كان دخول الشمس أول درجة الحمل وهو تحويل السنة ~~وتقويمها، وكانت الزهرة وعطارد معها في برجها، والمريخ في برج الجدي بيت ~~شرفه، وزحل في برج الحمل بيت هبوطه، والمشتري في برج العقرب، والجوزهر في ~~آخر برج الأسد، والرأس مقابل له في السابع الدلو. وكان هذا الوقت الأمطار ~~كثيرة، في جميع اليمن غزيرة، فصلح بسببه ثمرة القياض بالروي، وأعلق ~~الفلاحون معه ثمرة أخرى يقال لها ثمرة الدثا، وتهونت الأسعار في جميع ~~الأسواق، وانحطت وزالت المشاق. PageV01P371 # وفي هذه الأيام بهذا الشهر المذكور وصل إلى حضرة أحمد بن الحسن جماعة من ~~مشائخ خولان الشام يشكون إليه من جور حصل معهم من ولاة بلادهم أول هذا ~~العام، مع جور أيضا من حسن بن الإمام، واستعانوا به في تعريف الإمام، وكذلك ~~سادة بني المؤيد[58/ب] يشكون الإنقطاع للمقررات التي لهم. # وفي آخر هذا الشهر وصلت الأخبار إلى تجار صنعاء من بندر عدن والمخا ~~يذكرون أنه وصل حول اثني عشر برشة من أصحاب العماني إلى قريب سواحل ~~البندرين، ثم رجعوا إلى باب المندب ظاهر حالهم الضرر وقطع الوافدين من ~~المتسببين في البحر، وأن منهم جماعة نحو المائتين كان قد دخلوا المخا قبل ~~وصول هؤلاء، وأظهروا أن معهم بضاعة من التمر وغيره مما ظهر وخفى، ثم تعقبهم ~~في البحر هؤلاء، وظهر من حالهم أن قصدهم البانيان والكفار. # وفي هذه الأيام بعض هذا العام وبعض العام الذي بعده ظهر أنين ms062 صفته آه آه، ~~يمد فيه من مقابر باب اليمن يسمع إلى داخل داير صنعاء، سمعته كذلك قريب ~~سبعة أشهر أو ثمانية أشهر، والظاهر أنه من عذاب القبور لبعض الموتى ممن شاء ~~الله إظهاره، فنعوذ بالله من غضب الله، ونعوذ بالله من عذاب القبر، ونعوذ ~~بالله من عذاب جهنم، ونسأل الله تعالى أن يرحمنا. PageV01P372 ### | ودخلت سنة خمس وثمانين وألف- # لعلها استهلت بالسبت، وفي ثالث محرم وصل مكتب الشام، وسار إلى حضرة ~~الإمام، وأخبر بتمام الحج للإسلام والأمان التام، وأن سعد بن زيد وصنوه ~~أحمد بن زيد قد تحيزوا إلى بلاد نجد العلياء[59/أ]، وأن بركات قد عاد من ~~بدر إلى مكة وصحبته الشيخ ابن معيان رأس مشائخ بلاد قبائل حرب وبلاد ~~الصفراء ما بين مكة والمدينة، وهو الذي جرى معه ما جرى من معاضدة أحمد بن ~~زيد والخلاف كما سبق، فصار معه تحت الحفظ بعد أن وقع ذلك الحرب، ثم تعقبه ~~من بركات القصد، فانحاز إلى جبل هنالك وطلب الأمان وواجه، وراح من أصحابه ~~جماعة، وأدب الشريف أهل بلاده وصلح عمل الحجاز، وخمدت ثائرة القبائل، ~~وامتنعوا عن مناصرة سعد وصنوه خوفا من السيف الطائل، والعسكر الصائل، قيل: ~~فلما لم يجد الشريف سعد وصنوه ملجأ يلجأوا إليه، وينتصروا به، ويعتمدوا ~~عليه عزموا على طرح أنفسهم بين يدي أمير الشامي، والدخول معه إلى حضرة ~~السلطان محمد العثماني[59/ب] ويكون من أمره ما كان إن عفا أو واخذ بما جرى ~~من الفعال مع كثرة الأمان مع سعد، وأنه يرجو عود الملك له في المال، والله ~~أعلم بما يصير إليه وما تنتهي به الأحوال. وأنه كتب إلى السلطان بالأمان ~~والتبري مما جرى من الفعال، ثم إنه سكن هذا العام وبقي مع البدوان، ولا ~~يملك من نفسه القطمير، ولم يبق عنده لا قليل ولا كثير، وباع أهله حليتهم في ~~النفقة، وتضرروا أهله بمكة، وأولاده في غاية الحاجة، فالدنيا عبر لمن ~~اعتبر، أمس وهو ملك كبير، والآن وهو فقير ذليل. وأخبر الحجاج أنه زيد في ~~سقايات مكة وسبلها على معتادها، ms063 وظهرت دبا جراد بأودية منى ومكة. وأصحاب ~~العماني الذين خرجوا في البحر كان استطرقوا جزيرة سقطرى من بلاد المهري، ~~وقتلوا من أهل الجزيرة، وكان دخولهم في صورة زي النصارى؛ لئلا يهربون عنها ~~كما هربوا العام الأول منها[60/أ]. وانتهبت قبائل عنزة ولام من مركب الشامي ~~لقلتهم هذا العام. PageV01P373 # وفي يوم الجمعة ثامن وعشرين شهر محرم وصل الخبر إلى صنعاء أنه وصل إلى باب ~~المخا برشه لاحقة لبانيان وصلوا ببضاعة، فواقعوهم وأسرعوا في انتهاب ما ~~معهم، فأنكر عليهم أهل عدن ومن يقرب إليهم من جبل صيرة ، وقالوا: هؤلاء قد ~~صاروا في الأمان والجيرة، فقالوا: إمامهم أمرهم بانتهابهم. وكان بعض ~~البانيان قد قفز البحر، فغرق من خوفهم، فلما رآهم أهل صيرة وعدن لم ينتهوا ~~صبوا عليهم البنادق النافعة، والزبارط التي عندهم حاصلة، فقتلوا منهم حول ~~ثلاثين فأكثر، قذف بعضهم من البحر إلى ساحل البحر، وانهزم الخوارج هاربين، ~~وانهزم بانهزامهم سائر براشهم، حتى استقروا في المندب وخلفه، وكذلك انهزم ~~البراش التي كانت أيضا قريب المخا، وكذلك خرج العمانيون الذين كانوا قد ~~دخلوا المخا، كما سبق، لما علموا بما جرى مع أصحابهم، ولم يقفوا بقرب ~~البنادر، ثم منعوا جميع من وفد في المندب من الهند من مسلم وكافر، فلم ~~يدخل[60/ب] إلى البندرين شيء من ذلك غير الذي قد وصل عندهم الحاضر. وجهز ~~أحمد بن الحسن عند أن بلغه هذا الأمر الصادر جماعة من العساكر، وكذلك ولده ~~محمد بن أحمد الساكن في الحجرية إضافة إلى من تقدم وزيادة في التقوية، فبقى ~~كل منهم في البنادر لعدم صنعتهم للأعمال البحرية، والله أعلم[61/أ]. PageV01P374 # وقد كان جهز السلطان محمد بن عثمان وزيره وجنوده إلى اليمن، ثم عاقه عن ذلك ~~ما حصل من الحدث من الفرنج، وسيأتي ذكره، وعند هذا تحقق خطأ الرأي الذي كان ~~أراده الإمام من مفاتحة مكة المحروسة، كما سبق ذكره، وصواب شور من أشار ~~بالسكون وتقرير أمره؛ لأنه لو تم له رأيه كان مع هذا المخرج من المشرق، ~~والعسكر في جهة الشام والمغرب، ولا ينبغي لصاحب ms064 اليمن إلا الاقتصار على ~~حفظه ونظم أمره وأطرافه، ولا يشتغل بغيره، مع أن مكة المحروسة لا موجب ~~للحركة إليها، ولا ينبغي قصد الحرب فيها، لحرمتها وصلاحها من جهة السلطان، ~~والقيام بها منه في جميع هذه الأزمان، مع أنه لا يقوم بما يعتاد لها ~~ولأهلها غيره على كل حال من الأحوال. # وفي أول صفر وصل الخبر بوفاة السيد الأمير أحمد بن صلاح، الذي يرسله ~~الإمام مع حاج اليمن هذا العام والعام والعام الأول، وكان موته رحمه الله ~~بعد قضاء الحج حال خروجه بمحروس القنفذة. وخرج مع الحاج اليماني الشريف ~~محمد يحيى بن زيد بن محسن بجميع أولاده وحرمه وأخدامه، ووصل إلى اليمن ~~لأجل ما حصل عليهم[61/ب] من كثرة المحن، وكل هذا منه؛ لأن المذكور مغاير ~~لأخيه سعد من أول ولايته لصغر سنه، ولم تطمئن نفسه بالسكون بمكة؛ لأجل ما ~~جرى منه هو وحمود من تلك النكبة السابق ذكرها في الصفراء مع طائفة عسكر ~~السلطان، ولذلك ما زال المذكور متخوفا في هذه السنين بجبال الطائف هو وحمود. # وفي هذا الشهر ظهر مع رجل في صنعاء لقيه من الدراهم القديمة، كل بقشة ~~منها تأتي ببقش اليوم مثل الخمس، فأكثر وزنها قياس الدرهم، وحملها في صرة ~~كبيرة ثلاثمائة درهم رسمها قد انطمس، وبعضه بقش لم يفتهم، وكان لقياها لرجل ~~من قبان في جدار داره، لما أخربه وأراد إصلاحه لقدمه، فأخذها عليه الدولة ~~وقالوا: هي غنيمة، وكان العرض عليه منه الخمس، أو تكون لقطة ولايتها إلى ~~اللاقط[62/أ]. PageV01P375 # وأحمد بن الحسن زاد زيادة نحو المائة من العسكر غير من تقدم إلى بلاد عدن، ~~وقد كان أرسل ولده محمد بن أحمد من محله المنصورة بالحجرية زيادة عسكر إلى ~~عدن والمخا، لأجل المحاذرة من أصحاب العماني وما جرى. ولما وقع ذلك الحادث ~~انكمش أصحاب العماني وولوا هاربين إلى خلف باب المندب خائفين، غير أنهم ~~منعوا جميع الداخلين، ونهبوا بعض الواصلين من الوافدين، ثم لما طلعت ~~الثرياء فجرا من المشرق رجعوا بلادهم، لأجل تغلق بحرهم؛ لأن هذا البحر ~~يتغلق ms065 قبل البحر الهندي، وينفتح قبله بنحو شهرين، والبحر الهندي يتغلق فيه ~~الآن الخروج، وتصلح الريح للعود، والبز ما زال هذه الأيام سعره في تناهي، ~~ولولا ذلك المركب الذي خرج التواهي لكان هو في غاية الارتفاع والغلا ~~والانتهاء[62/ب]. وكان بعض المراكب الهندية الخارجة حال وصول العمانية لما ~~قاربت المخا عرجوا عنه إلى بندر جدة، وساروا إلى ذلك الموضع والمنتهى. PageV01P376 # ورأيت كتابا من مكة من بعض من يطلع على حقائق الأخبار، من الشريف بركات ~~وغيره من أهل تلك الجهات يقول فيه: إن الحج كان مباركا آمنا صالحا، وكان ~~الشريف بركات قد أصلح الحجاز وعاد مكة وصحبته الشيخ ابن معيان، والشريف ~~حمود اتفق ببركات وصلح هو وإياه، وكذلك أحمد بن الحارث انتظمت لهم جميع ~~الحالات. وأنه حصل في عرفات فرقة بين القبائل من هذيل الذين يبيعون العلف، ~~فقتل منهم جماعات، وراح من المغاربة أربعة، وقبض الشريف بركات مشائخهم ~~وأدبهم في فعالهم. وأن السلطان كان قد جهز إلى اليمن تجهيزا كبيرا صحبة ~~الوزير الأعظم، وبلغ أول العسكر إلى مدينة قاهرة مصر، ثم حصل خلال ذلك خلاف ~~في بلاد[63/أ] الفرنج الكافرة المارقة، فقتلوا من المسلمين ألوفا، وانتهبوا ~~من المال كثيرا، بحيث كان أمرا هائلا وخطبا جسيما، فلما طرق السلطان محمد ~~بن إبراهيم خان هذا الحادث العظيم اغتاظ من ذلك وضاق، وحمله على الإسلام ~~الإشفاق، واسترجع من قد كان قد وصل إلى مصر من عساكره ورحل بنفسه يؤم تلك ~~الآفاق. # قال صاحب الكتاب: ولما كان عقب الموسم خامس وعشرين شهر الحجة أمر الشريف ~~بركات ومحمد شاوش حاكم جدة بالاجتماع للدعاء في الحرم الشريف، فاجتمع ~~المذكورون، وأعيان علماء مكة المشهورون، وانضم إليهم أمير الشامي، وفتح باب ~~الكعبة ورقى الخطيب إليه ودعا للسلطان بالنصر، والمذكورون يؤمنون ويضجون ~~حتى بكى الخطيب وبكى الحاضرون، وقرأوا شرف الفاتحة. PageV01P377 # قال: وكل ذلك لهول ما جرى، وانتهبوا من البحر على السلطان بعض المراكب، ~~قال: وكان قد أخبر بهذا التجهيز من السلطان إلى اليمن جماعات منهم خواجا ~~وصل إلى صنعاء في شهر شوال، وكذلك ms066 شريف رومي قبله[63/ب]، قالوا: ولولا هذا ~~الحادث شغله، لقد خرج حيث السلطان أمره، إلا أنه لما حدث ذلك الحادث خلال ~~التجهيز قدم الأهم، وشغلهم ذلك الأمر الأعظم، وكان هذا التجهيز المذكور في ~~أول عام أربع وثمانين، كما تقدم ذكره، برواية الشيخ ابن معيان. فلما حصل ~~انتقاض صلح الفرنج ونكثهم في نهجهم عرج الوزير نحوهم وتبعه السلطان، فالله ~~أعلم ما يكون بعد ذلك الأمر وما إليه المنتهى. # وأما مالطة فقد صارت بيد السلطان، لم يجر فيها الخلاف بل في غيرها. # قال بعض الوافدين إلى اليمن ممن كان من أهل ذلك الوطن: أن مالطة هذه في ~~ساحل الأندلس بعضها في البحر، وقد كان عمرها وحصنها وقواها طائفة الفرنج ~~من النصارى، وسائر البلاد حولها المتصلة بها. فيها إسلام كثير وجوامع ~~ومساجد. وكان الفرنج تاركين لهم لا يتعرضونهم، إلا أنه لا يد لهم، بل الأمر ~~القاهر للفرنج عليهم، فما زالوا كذلك في ديارهم حتى استفتحها السلطان في ~~تسع وسبعين، وصالحت الفرنج على سائر بلادهم. # قال علي بن بسام في كتابه[64/أ] (الذخيرة في تاريخ الجزيرة) يعني جزيرة ~~الأندلس: آخر الفتوح الإسلامية وأقصى المآثر العربية، ليس وراءهم وأمامهم ~~إلا البحر المحيط والروم، وأوسط بلاد الأندلس مدينة قرطبة ، والجانب الغربي ~~من جزيرة الأندلس اشبيلية ، وما اتصل بها من بلاد ساحل البحر المحيط ~~الرومي، والجانب الشرقي من جزيرة الأندلس هو أعلا الأندلس، انتهى ما ذكره. PageV01P378 # وهذا المصنف علي بن بسام قد ترجم له ابن خلكان في تاريخه، وكتابه هذا في ~~مجلدين كبار، إلا أنه لم يكن التاريخ فيه إلا النزر اليسير لحوادث ما جرى ~~في الأندلس ومن ملكها في الدولة الأموية، وإنما كبر كتابه ذلك وكثره يذكر ~~كلامات الأدباء من أهل الأندلس والوزراء، وما ذكروه من المكاتبات والرسائل ~~وقصائد الشعراء[64/ب]. # وفي شهر صفر منها جهز المتوكل إلى بندر الشحر من سواحل بلاد حضرموت عثمان ~~بن زيد من موالي المتوكل بقدر ثلاثمائة من العسكر، وأمرهم أن يكونوا حفظة ~~للبندر من أهل عمان؛ لأجل ما حصل منهم في سواحل عدن. ms067 # وفي أول هذه السنة توفي الفقيه العارف أبو بكر بن يوسف بن محمد راوع ~~الخولاني الأصل ثم الصنعاني، كان المذكور له فائدة في الفقه لا غيره من ~~الفنون، فلم يكن له فيه معرفة. وكان شيخه السيد العلامة محمد بن عز الدين ~~المفتي المؤيدي رحمه الله، وكان المذكور على طريقته في الاعتقاد، والميل ~~إلى السنة النبوية والانقياد، وكان جماعا للحواشي والتعاليق على الهوامش في ~~الفقه، وأكثرها مما أملاه شيخه السيد محمد المفتي. # وفي هذا الشهر ترك القاضي أحمد العيزري الأهنومي صلاة الجمعة بسبب إبطال ~~أحكامه، وما جرت به أقلامه، وعدم تنفيذها من ولاة زمانه، واحتج عليه سائر ~~الحكام بأنه صار يحكم بخلاف مذهبه، ولا ولاية له من الإمام في حكمه. وكان ~~المذكور بشهارة أولا ثم عارضه بعض من عارض فيها، فانتقل منها إلى صنعاء ~~واستقر فيها[65/أ]. # وفي يوم الخميس ثالث ربيع الأول منها سار المتوكل من ضوران إلى معبر ~~جهران ، ثم عاد ضوران اليوم الثاني. PageV01P379 # وفي العشر الأولى من هذا الشهر وصل الخبر أن برشة من عمان وصلت إلى ساحل ~~أحور، حال رجوعهم من ساحل عدن، فانكسرت عليهم وغرق في البحر بعضهم، وراح ~~عليهم منها حوائجهم وما فيها من سلاحهم ومدافعهم، وخرج آخرون ممن سلم منهم ~~إلى ساحل أحور، فانتهب ما عليهم أهل أحور مما بقي معهم، وقتلوا منهم. # وفي هذا الشهر أعاد الإمام ما كان أراده سابقا من الضريبة الجديدة، وجعل ~~القرش صرفة من حرفين إلى تسعين، وصرفه يومئذ بالدراهم القديمة بثلاثة أحرف ~~وعشرة كبار، فحصل عليهم النقص بقدر الثلث من أموالهم، فتضرر التجار وأهل ~~الأسباب من ذلك الأمر لما ينالهم من الخسران، بحيث سخط من سخط منهم لما ~~تفوت عليهم من أموالهم، وارتفع سعر البضائع يومئذ؛ لأجل هذه الضريبة، ولأجل ~~ما حصل في البنادر من انقطاع الخارج من الهند وسائر الجهات القريبة، فلم ~~يخفف ذلك المتوكل ترك الضريبة، ولحصول شدة ألمه من خلاله كان سبب عدم تمام ~~قصده[65/ب]. # وظهرت في هذه الأيام في عشرين الشهر المذكور جراد من جهة ms068 الشام، ومرت ~~اليمن إلى جهة الجنوب، ولعلها من الدبا الذي أخبر به الحجاج بمكة تلك ~~الأيام. PageV01P380 # وفي يوم الخميس سادس وعشرين شهر ربيع الأول جاءت كتب إلى محمد بن الإمام ~~مزعجة من بعض أهل بيت والده، يذكرون له الوصول؛ لأجل حصول مرض مع أبيه اشتد ~~به، فسار في الحال إلى ذلك المكان، فلما خرج من صنعاء في ذلك اليوم حصلت ~~الأوهام مع أهل صنعاء وغيرهم، فشرت التجار الطعامات من الأسواق والحطب ~~والملح والمصالح، حتى ارتفع ذلك اليوم السعر لكثرة المشترين. وأخبر بعض من ~~وصل إليها كتاب أن الإمام اقتصر من بعد صلاة الجمعة، ثم تنفس يوم الإثنين، ~~ودخل الزائرون إلى محله بالدار الخضراء في الحصين ، ورأوه قد أثر مرضه في ~~بدنه، وظهر ضعفه وركته[66/أ]، وما زال مريضا متألما إلى آخر شهر ربيع ~~الثاني ومن الله عليه بالعافية. وظهر في مرضه هذا نيات كثيرة من السادات، ~~وأهل الأمر القادات، مما يصدق أقوال أهل الفراسات، التي تحدثوا بها فيما ~~مضى من الأوقات، كجمال الإسلام علي بن المؤيد بالله رحمه الله فإنه قال: في ~~هذا الإمام بركة للأنام، من جمع الكلمة في هذه الأيام، فإن هذه العالة يظهر ~~من حالها تفرق الكلمة، وادعاء المملكة والخلافة، ولعل حالتهم ستكون كحالة ~~أولاد مطهر بن شرف الدين. فكان كما قال المذكور، وصدق قوله فيما ظهر منهم ~~هذه العصور، فإنه لما بلغ أحمد بن المتوكل صاحب شهارة وزادوا في الرواية، ~~وأخبروه بأن والده قد انتقل حاله، فأظهر النية للدعوة، فحفظ الخزانة، ~~وتواصى أهل النقابة، وكتب إليه أحمد بن الحسن كتابا فلم يجب عليه فيه، قيل: ~~ومضمونه التوصية له بحفظ الخزانة، وعدم التفريط فيها على كل حاله. وكان قد ~~طلب مفاتيح جميع المخازين من الفقيه حسين بن يحيى حنش الخازن للإمام ~~والأمين فقال له: هي مبذولة إلا أنكم لا تعجلوا قبل أخذ الحقيقة. PageV01P381 # ويحيى بن حسين بن المؤيد بالله خرج عن شهارة بأهله إلى الهجر ، ثم إلى هجرة ~~عذر ، ولم يستقر، وأظهر أنه يريد الدعوة، والقاسم بن المؤيد ms069 بالله ~~طالبه[66ب] بعض أهل الأهنوم في البيعة، وأحمد بن الحسن كاتب إلى جماعات من ~~الأعيان، وبعث إليهم بشيء من الدراهم في هذا الأوان، وكاتبوه أهل رتبة جبل ~~ضوران، وبعض الملازمين للإمام والسكان، وصاحب صعدة علي بن أحمد ظهرت حركته ~~في بلاده ونواحي مشائخ البلاد وأعيانه، وكذلك صاحب برط وولد السيد إبراهيم ~~بن محمد المؤيدي في العشة . # والإمام جعل ولده محمدا ولي عهده بعده، وقبضه مفاتيح خزائن بيت المال، ~~وقال: العهدة عليك في الأعمال، وقرر ما فعله الإمام السيد زيد بن علي جحاف ~~وغيره، وحصل في جميع الجهات بعض ارتجاف من التفرقات، وانتهب سوق الثلوث في ~~بلاد الأهنوم ، وحصل مع الجاهل الفرح بهذه العلوم، وحصل مع العاقل الغموم، ~~والله يخمد ثائرة الفرقة[67/أ] ويصلح أحوال السلمين، ويسكن الفتنة. # وفي هذه الأيام وصل خبر بوفاة الشريف حمود من أشراف مكة وكبارهم، وكان ~~موته بالطائف، وأوصى أن يقبر بعيدا عن المقابر وحده لكثرة ذنوبه. هكذا روى ~~بعض من يختص به من أهل حضرته، فقال أراد أن لا يؤذيهم، والله أعلم. # وفي ليلة رابع عشر شهر ربيع الثاني وقع خسوف قمري في برج الجدي بالرأس ~~تغشاها بالسواد المظلم، ولم يبق من جانبها ورأسها الغربي إلا قدر النجم، ~~وكان شروع خسوفها من أسفلها من جهة المشرق في الساعة الرابعة والطالع ~~الحوت[67/ب]. PageV01P382 # وفي هذا الشهر حصلت فرقة فيما بين بيت لقط في بلاد جنب بحضور وبين ~~الجبارنة من شعبان من أهل اللكمة، بسبب كثرة مواشيهم ومعرقها في أملاك أهل ~~بيت لقط وأموالهم، فدفعوها عنهم فلم يندفعوا، وقاتلوهم، فوقع في الفريقين ~~أصواب ومراجيم، وتراسل الجبارنة إلى حلفهم من همدان ، وأهل بيت لقط إلى ~~حلفهم من بني الحارث ، وأرادوا فتنة بينهم، فأدبهم والي البلاد، فحصل بينهم ~~وبين العسكر خصام على السبار، ورفع ذلك إلى أحمد بن الحسن، فأرسل من عنده ~~جماعة عسكر فيهم الشيخ ابن مذيور الحيمي، بمن حضر وزاد لهم من الأدب القدر ~~المعتبر، فغدر في الليل بحصان ابن مذيور، ولم يعرف قاتله من الحضور، فدخل ~~أهل بيت ms070 لقط في قيمة الحصان، وحصل معهم معرة بسبب هذا الشأن، وقد يحتمل أن ~~قتل هذا الحصان مكيدة من العسكر الأولين الذين وقع بينهم الاشتجار على ~~السبار، إذ قد يجري هذا من بعض العسكر الذين لا خير فيهم، كما وقع من رجل ~~كان عسكريا مع شرف الإسلام، حكى لبعض أصحابه في سابق الأيام وأنا أسمعه بما ~~تحدث به من الكلام فقال: إنه خرج هو وجماعة عسكر بأدب على بعض البلدان، ~~قال: فأهملهم أهل البلد عن السبار والمكان، وبقوا تحت شجر خارج البلد ذلك ~~الأوان، قال فقلت: لأصحابي نبيت نحن وأنتم هذه الليلة بين هذه الشجر ~~والحطب، فمتى كان الليل أحرق كل منا ما عنده من الحطب والشجر، فإذا أصبح ~~الصباح قلنا: أهل البلد أحرقونا، وكتبنا إلى الدولة، فيخرج عليهم أدب آخر ~~أكثر من الأول، وعسكر مع العسكر. # وفي شهر ربيع وصل خبر عثمان بن زيد الذي أرسل إلى الشحر بأنه دخله، وخرج ~~عنه أمير الدين العلفي[68/أ]. # وفي شهر جمادى الأولى وصل الشريف محمد بن يحيى بن زيد بن محسن المكي إلى ~~حضرة المتوكل بأولاده، فأنزله في بيت الفقيه بتهامة، وقرر له من السبار ما ~~يكفيه ومن معه. PageV01P383 # وفي أول جمادى الثاني وصل الفقيه أمير الدين العلفي الأموي الذي كان متوليا ~~لبندر الشحر، بعد وصول عثمان بن زيد إلى ذلك المقر، فوصل المذكور إلى ضوران ~~بهذا الأوان، ومعه قدر مائة وخمسين من الأصحاب وخاصة الأعوان، لم يشعر به ~~الإمام إلا بالوصول عقب الفجر من محل مبيته بالمنشية ، تجنبا منه للقيا ~~المتعبة. # وشكاة العدين من الجرموزي، وشكاة الشيخ راجح، طال بقاؤهم بحضرة الإمام من ~~أول هذه السنة، ولم يقض غرضهم. وشكواهم الجور من المذكورين[68/ب] والمطالب ~~الزائدة على ما كان من الماضين. # وروي أن الإمام قد أمر معهم من يناظر بينهم بعد أن قام من المرض، وإلا ~~فكان معرضا عنهم، والشكوى في الحقيقة عائدة من الإمام عليهم؛ لأنه المرخص ~~للعمال في الذين يأخذونه من الأموال، وكان حالهم تحكيه ما قاله المتنبي، ~~حيث يقول: # ومن ms071 نكد الدنيا على الحر أن يرى # عدوا له ما من صداقته بد # وفي هذه السنة روى أنه ولد مولود للفقيه يحيى بن حسين السحولي الناظر على ~~الوقف بصنعاء له رأسان وفمان، فسبحان الخالق لما يشاء. # وفي آخر شهر جمادى الآخرة كان قران الزهرة والمشتري في آخر برج العقرب. # ووصل يومئذ كتاب من العماني إلى الإمام يذكر فيه العتاب فيما جرى في ~~أصحابه في ساحل عدن وعند بابه، وكان يتوعد تغليقه البحر من جهاته، وغير ~~تارك أمره، وربما أن في كتابه إرعاد وإبراق من نحو كتابه السابق الذي شاع ~~ذكره في الأفاق. PageV01P384 # وفي العشر الوسطى من شهر جمادى الأخرى وقعت رجفة وزلزلة في ضوران، ولم تقع ~~في غيره من البلدان، فحصل مع الإمام والناس خوف من ذلك الشأن، وفيه عبرة ~~وموعظة كما قال تعالى: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا }خصوصا حيث خص الله به ~~ذلك المكان دون غيره من سائر البلدان، وتتابعت تلك الرجفات، كانت عشية ~~الخميس وليلة الجمعة رابع عشر الشهر المذكور، حتى بلغت نحو ثلاثين رجفة ~~متتابعة، ولم يحصل من ذلك انتباه بإنصاف الشكاة في تخفيف المطالب التي زادت ~~في اليمن الأسفل[69/أ]، وهي مطلبة التبن لمن شرم أو لم يشرم، ومطلبة الصلاة ~~لمن صلى أو لم يصل، ومنها مطلبة الرياح، ومنها مطلبة البارود والرصاص، ~~ومنها مطلبة سفرة الوالي، ومنها مطلبة دار الضرب، ومنها ضيفة العيدين ~~والمعونة: {إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم } ولم يكن في اليمن ~~الأعلى من هذه المطالب إلا مطلبة ضيفة العيدين والمعونة، وإن كان اليمن ~~الأسفل كثير الخيرات والمحصولات بالنظر إلى اليمن الأعلى، لكن كان الواجب ~~الرفق والعدل، ولا نزيد على الطين بله، كما ذكر السبكي من الشافعية في ~~(معيد النعم ومبيد النقم)، وفي الحديث: ((ارحموا من في الأرض يرحمكم من في ~~السماء )). # وقد ثبت في الأحاديث أن سبب الزلازل المعاصي والظلم والكبائر، كما ذكره ~~السيوطي في كتابه (الصلصلة في الزلزلة)، ثم إن هذه الزلزلة عادت في ثالث ~~شهر رجب أيضا في ذلك المحل[69/ب]. # ووصل ms072 إلى الإمام كثير من الجهات للزيارة والهدايا والضيافة ما يكثر، ~~وترادف الواصلون، وامتلأت الأماكن. PageV01P385 # وفي هذه المدة لما بلغ مرض الإمام إلى اليمن الأسفل، وما زادوه في الزيادة ~~من الخبر رفعت الحجرية رؤوسها، وقتلوا عبدا من عبيد محمد بن أحمد بن الحسن، ~~وربطوا بعض غلمان الخيل في الليل وهم نيام إلى أيديها، ولولا سكون محمد بن ~~أحمد في رأس جبلهم لكان طردوا عمالهم عنهم، وخافت الطريق فيما بين عدن ولحج ~~من التعويق، فلم يمرها أحد إلا في الجمع الكبير الوثيق. # ووصف واصف أن الجور أيضا من أصحاب علي بن الإمام في اليمن الأسفل كإب ~~وجبلة حاصل بسبب إرخاء العنان لأصحابه، يفعل كل منهم ما أراد في جهاته، ~~ويحبسون من شاءوا ويعملون ما أرادوا. # وفي هذا الشهر غضب أحمد بن الحسن على جارية مملوكة له، فضربها بالدبوس ~~كان فيه هلاكها، وأخرى ضربها فزال عقلها وجنت وصارت في الشوارع وإذا ذكروا ~~لها العيال أحمد بن الحسن شتمته، فلا أحد يعتب عليها لجنونها. # واتفق مع حسين بن حسن لما خرج من رداع سائرا للإمام فبات بالعقبة أضافه ~~أهلها من بعض بيوتهم بها، فلما كثروا في مجلسهم سقط السقف بينهم، فهلك منهم ~~ثلاثة أنفار، والآخرون حثوا في الفرار، ووقع في بعضهم أصواب من حجارات ~~الخراب. PageV01P386 # [70/أ]وفي يوم الإثنين غرة شهر رجب من السنة المذكورة مات السيد الشريف ~~العلامة العارف محمد بن إبراهيم بن مفضل بن علي بن الإمام شرف الدين ~~بمستقره شبام كوكبان. كان المذكور من أوعية العلم، وفي كل فن له نصيب، مع ~~الوقار، وحسن العبادة والتهذيب، أول قراءته على القاضي العارف أحمد بن صالح ~~العنسي في النحو، وعلى الفقيه العلامة عبد الرحمن الحيمي بصنعاء؛ لأنه ~~رحل من كوكبان لطلب العلم فيها، فاستفاد في علم النحو، والعربية، والمعاني، ~~والبيان والأصول الفقهية، وأخذ على الفقيه محمد بن علي الجملولي بكوكبان ~~في الفقه، وكان شرع في سماع صحيح البخاري عن الشيخ عبد الواحد النزيلي رحمه ~~الله، واستجاز منه، ولم يزل على ذلك مدرسا في مدينة ms073 شبام، مدة هذه الأعوام، ~~حتى ختم الله تعالى له بأجله المحتوم في شبام كوكبان رحمه الله تعالى. وله ~~من التصانيف تهذيب سيرة جده الإمام شرف الدين في مجلد لطيف، اقتصر فيه على ~~الحوادث بأخصر عبارة مهذبه بالتسجيع، محققة في التجميع، وله نظم ورقات ~~الجويني في أصول الفقه،، وكان كاملا بالمعرفة، حائزا لخصال جده، واستفاد ~~عليه كثير من الآخذين عنه رحمه الله. وكان في الفقه أيضا[70/ب] مشاركا ~~مفيدا فيه ومفتيا. وكان قد ارتحل بأهله قبل العام الأول إلى وادي ضهر، ~~وسكنه بأولاده وبنى به دارا، واشترى فيه عنبا وبستانا، وسكنه مدة عامين ~~اثنين، ثم عاد إلى محله شبام كوكبان. وكان عزمه إلى وادي ضهر متنكدا، لما ~~تغير ما يعهده من الحال السابق في قبول الشفاعات والمطالب مدة الأمير ناصر ~~بن عبد الرب ، وأول أيام ولده عبدالقادر، مع أن المذكور ما يترك له الحق، ~~إلا أنه دون ما كان عليه في الزمان الأسبق، فلما مضت تلك الأيام بأخذ ~~نزهته، وزال عنه ما اعتراه من كربته، وما في نفسه عاد أول هذا العام. وكان ~~عوده إلى بيته بمحروس شبام، ثم طلع في الشهر الماضي إلى بيت والده PageV01P387 بكوكبان، وزيارة كريمته وأقاربه فآنسه عبد القادر، ثم عاد إلى بيته بشبام، ~~ومات فيه بألم الإسهال، وقبر بشبام، والله أعلم. # وكان المذكور يميل إلى السنة[71/أ] كما رواه لي الفقيه محمد بن أحمد ~~النزيلي الشافعي مدة حياته، وهو من جملة الآخذين عنه، ومن تلامذته في أصول ~~الفقه والعربية، ومن جملة من استفاد عليه. قال المذكور: إلا أنه لا يحب أن ~~يظهر ذلك لأهل زمانه، ولذلك لا يكثر في المماراة في مراجعته، وهو الذي يظهر ~~من حاله، وله طريق في علم الحديث، أخذه عن بعض بني النزيلي، أظنه عبد ~~الواحد النزيلي، وقرأ عليه أول فواتح البخاري، والله أعلم. # وفي ثالث شهر رجب عادت الزلزلة في ضوران أيضا بعد الزلازل الأولة[71/ب] ~~من آياته تعالى التي قد تضمنها قوله: {وما نرسل بالآيات إلا تخويفا}، ولكن ~~أشكل اختصاص ذلك المحل بها ms074 دون غيره من سائر الأنحاء، فلعله لحكمة يعلمها ~~تعالى، ولما حصل من الجور في اليمن الأسفل بالمطالب، أو لحكمة يعلمها الله ~~تعالى، فإن الله على كل شيء قدير: {وما أوتيتم من العلم إلا قليلا }. # وفي عاشر شهر رجب هذا وصل الخبر بدخول أصحاب العماني البحر، وخروجهم من ~~مسكت عن البر، لما تحركت ريح الشرق وسبر لهم ظهر البحر، وحصل الوهم أن ~~قصدهم سواحل اليمن إلى جهة المخا وعدن، وكان الإمام وأحمد بن الحسن مهتمين ~~بهم في غاية الشجن، فلما طرقهم الخبر بالخروج زادوا من عندهم من العسكر ~~رئيسهم حسين مبشر، غير من قد كان في تلك النهوج، فأرسل أحمد بن الحسن من ~~صنعاء الشيخ ابن مذيور وأصحابه من عسكر الحيمة وغيره، وحثهم على الصدور، ~~خشية لا يحصل في عدن ما يحصل عند الوصول والحضور، وقد صار حال أهل هذين ~~البندرين وهما المخا وعدن في هاتين السنتين كما قال الشاعر: # لقد خفت حتى لو تمر حمامة # لقلت عدوا أو طليعة معشر[72/أ] # فإن قال خير قلت هذه خديعة PageV01P388 وإن قال شر قلت حق فشمر # فإنهم ما زالوا هذين العامين خائفين من الجهتين: جهة الشام من السلطان ~~محمد بن عثمان؛ لأجل ما كان أهم به من قصد اليمن، كما سبق ذكره، ومن جهة ~~صاحب عمان سلطان بن سيف اليعربي؛ لأجل ما حصل في العام الماضي، وما جرى في ~~أصحابه من ذلك الجاري، وإن كان العماني في العادة ليس ضرره في غير البنادر ~~في تلك الساحة، وإلا فإن جملة جنده كما حققه الحاضر من جهته قدر أربعة ~~آلاف، وإن بعد من بلاده فيخشى من الفرنج الغارات، لكن ضرب السواحل حاصل ~~منه، كما قال الشاعر : # لا تحقرن عدوا رماك # وإن كان في ساعديه قصر # ولذلك قال الأولون من الحزم أن لا يحتقر الرجل عدوه، وإن كان ذليلا، ولا ~~يغفل عنه وإن كان صغيرا، فكم برغوث أسهر فيلا، ومنع الرقاد ملكا جليلا. # وقد ضر في البنادر هذه السنين، ومحق البيع والشراء للبائعين ~~والمشترين[73/ب]. ولما خرج أصحاب ms075 العماني عن بلاده، وركب البحر وسار أجناده ~~جاء خبر آخر أنه قصد بعض جزائر البحر، وانتهب من أموالهم، وحمل أشياء من ~~أثقالهم فإن صح هذا الخبر فقد انصرف أمره، واشتغل ما إليه قصده؛ لأنه إن ~~عاد متوجها إلى ساحل عدن فلا بد أن تلحقه الفرنج وتخلفه إلى بلاده، ويقع ~~منهم الصولة على سواحله فقد يرجع إلى دفعهم، ويشتجر الحرب بينه وبينهم، كما ~~وقع ذلك عام ثمانين وألف، فإنهم بعد ما وقع منه ما وقع في بلاد الفرنج ~~خرجوا عليه حتى هزموه إلى بلاده، وقف فيها وإن كان الخبر على قصد غيرهم من ~~أهل الجزائر فلا يخشى منهم، فلا بأس عليه لقلتهم وعدم استقلالهم والقدرة ~~على دفعهم. PageV01P389 # وحسن بن الإمام سار من جبل رازح إلى صعدة هذه السنة، واستقر بها هذه المدة، ~~ولما لقاه علي بن أحمد وقد جمع من القبائل وعساكره أمره حسن بن الإمام أن ~~يكون دخول كل منهم من باب؛ لئلا يحصل افتراق وشقاق. واتفق مع القاضي يحيى ~~جباري نكتة عجيبة، وهو أنه ركض رجلا برجله، فشكاه إلى محمد بن الإمام، ~~فأرسل إليه للمناصفة فيما وقع من الإلمام، فاتصل القاضي وقال له: هو قاضي ~~الإمام، فبعث إليه نفرين للوصول قهرا من غير كلام[73/أ] يأتون به إلى حضرته ~~بالقهر والإبرام، فأتوا به إلى حضرته وقال للشاكي: استقضي منه في ركضته، ~~فحصل مع القاضي المقيم المقعد، واستحال ما أمله من أن الأمر إلى والده، ~~فعجب بعض الحاضرين في شأنه، وأن القاضي إنما فعل ذلك لعله من قبيل ~~التأديبات أو نحوها، مع أن الركضة لا قصاص فيها، لعدم العلم بقدرها إلا في ~~قول شاذ لبعض العلماء، فحضر الحاضر، وحامل ذلك الأمر الصادر، وطلب الصلح، ~~والصلح خير، وبذل لذلك الرجل بعض شيء من الدراهم، والله أعلم. # وفي أول شهر شعبان اتفق كسوف للزهرة بمقابلة القمر وحجابها لها ~~بالمشاهدة، فسبحان الخالق لما يشاء، وكان ذلك في أول ليلة رابع الشهر ~~المذكور، في برج القوس، ورؤي أيضا بالمشاهدة المريخ رجع في برج الثور قد ms076 ~~كان قارب سيرة الثريا، ثم تراجع واستمر رجوعه إلى نصف القعدة، ثم سار ودخل ~~الجوزاء[73/ب]. # وكان عند دخول أحمد بن الحسن من الروضة إلى صنعاء من باب السبحة ومعه ~~نحو أربعين من الخيل ومثلهم من الرجل فصفت الخيل في بابه عند دخوله وكان قد ~~ازدحم أهل صنعاء للتفرجة حوله، فاتفق أن ركض حصان السماوي رجلا من أولئك ~~المتفرجين إلى جنب جدار هنالك، حتى سقط في ذلك الحين وهلك، لم يبق إلا بقية ~~ذلك اليوم. PageV01P390 # ولأهل صنعاء لهج بالتفارج وغيرهم من البشر لا يشبعون منها، ولا يملون عنها ~~كبارهم وصغارهم، ومزاحمة الخيل لا تصلح للعاقل، ولكن البشر أميل إلا ~~الملاذ، والنظر في أكثر البلاد، فلا قوة إلا بالله. # وأهل الخيل أيضا يركضون في الطرق والشوارع، فيصدمون من يصدمون، فذلك مما ~~يجب على ولي الأمر منعهم. # وفي يوم الجمعة عقب ذلك أيضا سقط عبد عند اللعب حال المجرى. # وفي هذه الأيام حال سكون أحمد بن الحسن بصنعاء بدار الجامع قيل: أنه كان ~~يسمع في الليل صوتا من سطح الجامع يقول: الظلم شهير، والفساد كثير، ثم أرسل ~~من ينظر ذلك فلم يجدوه وأخبر أهل الجامع أنه لم يكن فيه أحد، فأثر مع أحمد ~~بن الحسن ذلك الكلام، ووقع معه الاهتمام، والظلم الذي اشتهر في اليمن ~~الأسفل بالمطالب من ولاتهم، والإجحاف بحالهم، وعدم الإصغاء إلى إنصافهم فلا ~~قوة إلا بالله[74/أ]. # وتمشى أحمد بن الحسن إلى سفح جبل نقم، ودخل مسجده ورأى خرابه، وعدم سقفه، ~~أمر بسقفه وإقامته، ويروى أنه كان مقاما في مدة محمد باشا ، وأنه بنى بيتا ~~جنبه لأجل سدانته، وخرابه كان عند حصول الفتنة في زمن حيدر باشا، ثم اتصل ~~ذلك إلى هذا الوقت، لم يكن معمورا منه غير جدره دون سقفه، ولو أن أحمد بن ~~الحسن أمر بأن يكون جملولا بالحجارة ليدوم سقفه، فأما بالخشب فإنه يخرب ~~ويسقط عيدانه ويسرق؛ لأنه في خلا وفضاء، إلا أن يجعل عنده من يقوم به. وكان ~~هذا المسجد زمان الإمام صلاح الدين مقاما، والطريق إليه ms077 لا تزال محتركة ~~بيضاء مدة أياما، ويقولون أنه من المساجد القديمة المباركة، والله أعلم. PageV01P391 # وأمر أحمد بن الحسن في هذا التاريخ لما صلى بمسجد علي الذي في السوق بصنعاء ~~بإجراء ساقية للماء، تخرج من السوق ليكون ماؤه طريا، فاتفق أن دلالا نظره، ~~فدفل وفي يده جنابي مسلولة، يدور بها في السوق مدلولة، فلم يشعر إلا وهو في ~~حفرة تلك الساقية والحفار تحته، فوقعت الجنبية في ظهره[74/ب] فلا قوة إلا بالله. # وفي هذه المدة جاءت الأخبار بأن سعد بن زيد بن محسن الذي كان أميرا بمكة ~~بعد أن قصد إلى باب السلطان، كما سبق ذكره، مات بالطريق، وعاقة التعويق، ~~وزال ملكه وجميع أولاد زيد، وتولت أيامهم، وانتقلت دولتهم. # وفي شعبانها حصل قتل رجل من بلاد نهم، والقاتل له بنو حشيش من بني ~~الحارث، فحصل تحمل النهمي على الحارثي، وأظهروا المغزى للحارثي، فرتبوا ~~أطراف بلادهم، وحموا جهاتهم ببنادقهم، فغزا النهمي وهو غير متعبي فرماهم ~~بنو حشيش من البيت الذي قد رتبوه لما قصدوه، فقتلوا واحدا من نهم، فلما وقع ~~هذا الحادث وصارت العيون بأجمعها في نهم تحملوا لهذا الأمر الكادث وضربوا ~~الطبل في جهاتهم، والقصد بأجمعهم، فجهز عند ذلك أحمد بن الحسن جماعة من ~~العسكر إلى بلاده......، محمد بن الإمام من صنعاء إلى نهم جماعة من أجناده. # وفي هذه السنة اشتدت العسرة على أهل وادي السر شدة عظيمة، ونضبت الآبار، ~~ويبست الأعناب حتى قطعوا أصول أكوالها، ورحل أكثرهم عنها للمعاش، وتتابع ~~عليهم عدم المطر من سنة تسع وسبعين، بحيث أنه صار عبرة لمن اعتبر، ولم يسلم ~~منه، خصوصا وسط الوادي. # قال بعض أهله وسببه كثرة التجاري على الأيمان، والمحاسدة بينهم والعدوان. PageV01P392 # وفي هذا الشهر خرج حسن بن الإمام من صعدة إلى بلاد خولان لتقريرها، ~~والمناظرة فيما بين مشائخها وبين واليها؛ لأن الإمام لما سكن مشائخ خولان ~~واليهم، وأرادوا عزله عنهم، ولم يساعدهم، بل قال:[75/أ] يتناظرون فإن صح ~~عند النوعة المتولي حجة عزله وحوله، وأمر ولده حسن بن الإمام بالمناظرة ~~بينهم، وتقرير الكلام ms078 عندهم، واستقر بحيدان من بلاد خولان ونفوس خولان غير ~~راضية في الباطن بحسن بن الإمام، ورغبتهم عادت إلى علي بن أحمد هذه الأيام، ~~ثم سار حسن بن الإمام إلى جبل رازح حيث كان، وعلي بن أحمد حصل معه التعب؛ ~~لأنه لم يكن قد قطع اليأس عن خولان. وكان يدفع إليه أهله في ولاية النوعة ~~هذا الأوان، ولا يراعون رأي النوعة في بعض تلك المطالب المأخوذة حال ~~مشائخهم عند الإمام، فكان الأمر يومئذ قد اختلف، ورفعت كثير من القبائل ~~رؤوسها، لما ظهر لهم من مثل علي بن أحمد في تلك الجهة وغيرها[75/ب]. وأحمد ~~بن المؤيد صار بوادعة ، وفي نفسه أمور واسعة، وقال من قال منهم ولسان ~~حالهم: هذا الإمام فيه الركة، لما اعتراه من الألم هذه المدة، وأحمد بن ~~الحسن هو الذي يخشى منه قد اشتغل بتجهيزه إلى عدن بعض عساكره. وكان هذا كله ~~في شهر شعبان، فأجهز أحمد بن الحسن بن خليل الهمداني إلى عدن بجماعة من ~~العسكر بعد التجهيز الأول، للتحفظ على البندر من طارق يحصل من جهة العماني ~~من البحر. وحصلت رجفة في ضوران في هذا الشهر بعد تلك الرجفات الأول، فحصل ~~مع الدولة بعض ارتجاف، والله يسكن الفتن ويؤمن مما نخاف، فلينظر العاقل، ~~ويعتبر بفكره الحاضر هذا الاختلاف والمنافسة على الدنيا بين أقارب الإمام، ~~ثم من بعدهم من السادات، ثم من بعدهم من قبائل مذهبهم في هذه الحالات، فإذا ~~كان هذا فيما بينهم يريدون الخلاف، ويثير الفتنة والاجتحاف، فما ظنك بمن ~~كان من الملوك البعيدة عنهم، فلا يكون اللوم عليهم وحدهم في الخروج عليهم، ~~والتفريق والبغي PageV01P393 منهم، إذ أقل حالة التسوية فيما بينهم[76/أ]. # وفي شهر رجب تجددت الأخبار بصحة ما جرى في الفرنج واستيلاء السلطان ~~عليهم، وسبي كثير منهم، والقتل فيهم كثير. # وفي شهر شعبان منها جاء الخبر الصحيح من جهات مكة أن السلطان محمد بن ~~عثمان حال صدورها وهو باق في بلاد الفرنج، وسيوفه ما زالت في أعناق ~~المشركين ضاربة وقاطعة، فأخذ منهم بالسيف عالما كثيرا، ms079 وسبى منهم سبيا ~~كثيرا، وصارت مالطة وبلادها تحت وطأته بأجمعها. # وصدق هنا ما تقدم ذكره من الكلام عند طلوع ذلك الذنب كما نقل من الجفر ~~بغير شك ولا اختلف كلامه ولا اضطرب، حيث يقول فيه ما لفظه: محمد بن عثمان ~~عبد صالح خير من حر طالح، شعر: # سيطلع من مغيب الشمس نجم # له ذنب كمثل الرمح عالي # بوجه مستدير مثل ترس # علامة ما يكون بلا محال # وهو بالسيف يقتل. انتهى بلفظه. # فهذا دليل صدق ما وقع، إلا أنه كان الوجه المستدير في الوجه الثاني الذي ~~مثله طلع أولا من المشرق، ثم طلع من المغرب، فظهر النجم كالترس في آخر سنة ~~إحدى وتسعين وألف، كما سيأتي إن شاء الله، فأما الأول فلم يظهر نجمه، بل ~~كالرمح، وهو مغروس في المغرب. # وفي هذه السنة أحدث معصرتان للسليط بصنعاء، بعد أن لم يكن فيها هذه المدة ~~شيئا، وإنما كان فيها في المدة السابقة مدة بني العباس كثيرا، وصنع أهلها ~~لها حجارة جديدة من الحجر الحبش، نقر وسطها، وجرت إلى صنعاء على العجيل ~~بالبقر، جر كل واحدة منها ثمان بقر لكبرها وثقلها، وعصروا فيها الخشخاش ~~والخردل؛ لأنه يزرع في أرض الجبل، فأما الجلجلان فلا يصلح إلا في التهائم ~~واليمن الأسفل، فكان[76/ب] في ذلك بعض رفق لأهل المدينة في سعره، مع ما ~~يطلع من اليمن الأسفل من سليط الجلجلان مصنوعا، ومن جهات الجوف محمولا. PageV01P394 # وفي غرة رمضانها وصل ثلاثون رجلا من العدين شاكين على الإمام ما تقدمت لهم ~~من الشكية من الجور عليهم في المطالب الثقيلة، وما صار يأخذه عليهم السيد ~~جعفر بن مطهر الجرموزي مما استجحف أكثر محصول ما لهم، وما يحصلونه من ~~غلاتهم، وأن رسوله الذي أرسله معهم في الشكوى الأولة لم يحصل منه جدوى، ولا ~~نفع ولا ارعوى، فيقال: أنه ربما يحدث بتعويض الوالي وإبداله بآخر ووعدهم ~~بما ينظر فيه وإليهم يأتي، وفي التحقيق ليس مطلبهم مجرد الوالي، وإنما ~~مطلبهم إزالة التخفيف عنهم من الزوائد في المال؛ لأنه حصل بسبب السيد جعفر ms080 ~~الزيادة في التقرير الشهري، كما سبق ذكره، بقريب النصف مما كان في المدة ~~الماضي فحاق عليهم الجور من ها هنا؛ لأنه نمق للإمام وسول له المقاطعة في ~~كل شهر على صفة الشروة بزائد على ما كان له، لتتم له المساعدة، فساعده ~~الإمام فكان ذريعة للجريرة لهم في هذه الأعمال. ولا ينبغي مساعدة المزايدين ~~في القطاع من الولاة؛ لأنهم بذلك يستحلون أموال الرعايا بما شاءوا، ويعملون ~~فيهم ما أرادوا، ويطلقون الزيادة من ظهورهم، فلو أن الإمام[77/أ] إن تم ~~عزله لهذا والإبرام يحط عن نفسه طلب الزيادة، ويقرر الوالي الثاني إن حصل ~~على ما كان أولا من غير زيادة، لكان هو العدل والإنصاف والحكم بالحق وعدم ~~الإجحاف. PageV01P395 # هذا سوق الحطابين بمدينة صنعاء اليمن، دخل فيه مزايد في المجبا في كل شهر، ~~فلعب بالسوق، وجمع من الحطب كثيرا مع الدراهم، حصل بعضه لمطابخ القصر، ~~وبعضه له في القطعة فزاد بسببه ثمن الحطب؛ لأن الحطابين زادوا ثمن ما أخذه ~~عليهم على المشترين، بحيث حسب في هذه الأيام عند رخص الطعام، فجاء حمل ~~الحطب بحمل من الحب؛ لأن الحمل بستة أحرف وخمسة وأربعة، وأضعف حمل بمائة ~~بقشة وثلاثة؛ لأن السعر بلغ هذه المدة إلى عشرة كبار والحمل قدر ستة عشر ~~قدحا، لكبر القدح، وكان الزمن الأول الحمل من الحطب بحرف وخمسين بقشة إلى ~~ستين، وما كذب من قال: صنعاء أم اليمن، فإن غلاء أثمان الحطب ارتفع في كثير ~~من البلاد، بلاد كوكبان وثلاء ومسور وشهارة وعفار، وحوزة الحطب فيها أرفع ~~من صنعاء. # وفي هذه الأيام[77/ب] أمر الإمام ولده بالعود إلى بلد ولايته بصنعاء ~~والمبادرة إليها؛ لأجل توهمات حصلت عنده، وهو أنه أخبره المخبرون أن أحمد ~~بن الحسن حال دخوله صنعاء هو ومحمد بن أحمد بن القاسم طافوا الأسواق، ~~ودخلوا إلى القصر يوم الجمعة بالأجناد، فحصل مع الإمام توهمات، وأظهر ~~التجلد عن ألمه، وركب الحصان يوم الجمعة، وانكشف أن ألمه من قبيل الباسور. # وفي شعبان قتل رجل بمدينة شبام كوكبان، وهرب القاتل، وبعده في أوائل شهر ms081 ~~رمضان قتل ثلاثة بشمات قتلهم أهل بلدهم لعدوى بينهم، فأدب الجميع الدولة ~~فيما جرى بينهم. # وفي هذه الأيام تناهى ثمن الثياب البيض المتينة لعدمها بسبب منع العماني لها. # وفي رمضانها وصلت المراكب الهندية التواهية إلى حدود بندر المخا وساحله، ~~ووصل[78/أ] معها من الحسا بضاعة من الأعبى ونحوها، فأما الذي من الحسا فدخل ~~المخا وأما المراكب التواهية فرست في البحر، وشرطوا تخفيف المأخوذ عليهم، ~~والحط مما كان زاده السيد زيد والسيد حسن ، وإلا عرجوا عنه إلى جدة، فقيل: ~~إن السيد حسن استأذن الإمام، وأنه حط عنهم بعض شيء. PageV01P396 # ووصل الخبر في هذا الشهر بخروج والي لبندر جدة يسمى يوسف آغا، وعزل عنها ~~محمد شاوش. # وفي ثاني عيد رمضان بشهر شوال وصلت كتب من أبي عريش، ثم تعقبه من حسن بن ~~الإمام من جبل رازح يذكرون أن هذه الأيام جهز جماعات من العساكر السلطانية ~~إلى الجهات الحجازية، وخرج إلى مكة ثلاثة أعوان أحدهم: ناظرا على إصلاح ~~السبل منها وإصلاح العيون، وآخر يقال له: محمد بن سليمان ، له معرفة ~~بالعلم، أمر بأنه يطلع على من في مكة من أهل المقررات[78/ب] والصدقات ~~والأوقاف، وأن صرفها يكون على يده الذي للأشراف، والذي للعلماء، والذي لأهل ~~الوظائف. والعسكر السلطانية انكشف توجههم إلى بغداد بالعراق والبصرة زيادة ~~لمن فيها. # وروى الشيخ محمد كزبر الدمشقي أن الرتبة ببغداد المعتادة قدر اثني عشر ~~ألفا من الإبحارية، وأن السلطان جددهم بآخرين، وزاد مثلهم فهم هؤلاء الذين ~~ساروا إليها خارجين. وخرج من البحر هذه الأيام خزانة من البارود والرصاص، ~~فلما قاربت جدة حرقت بسبب نار اتصلت بالبارود، فغرقت. # وفي ليلة السبت خامس عشر شهر شوال منها خسفت القمر لجميع جرمها في برج ~~السرطان، وكان أول شهر شوال بالإستهلال السبت، وعند أهل الحساب والمنجمين ~~بالجمعة والخسوف على ذلك كان في سادس عشر[79/أ]. # وفي هذا الشهر توفي الفقيه محمد بن عز الدين الأكوع في بيته بالحصين من ~~ضوران، وكان قد شاخ وتعمر، وكان عليه المخازين مع شرف الدين الحسن بن ~~الإمام القاسم مدته ms082 وولاية بلاد آنس هو وصنوه عبد الله، واستمر كذلك مدة ~~الإمام المؤيد محمد بن القاسم . PageV01P397 # وفي رابع وعشرين شهر شوال سقط من السماء حجر بغضران من بلاد وادي السر وقت ~~العصر، والشمس شارقة، فسمع لخريرها في الجو صوت كصوت الرعد العظيم، سمع ذلك ~~إلى صنعاء، وكان وقوعها بباب بيت في قرية غضران بوادي السر من بلاد بني ~~حشيش، ونزلت في الأرض، قالوا: ولونها كلون الحطم، فسبحان القادر على كل شيء ~~وذلك من آيات الله التي يخوف الله بها عباده {ياعباد فاتقون} واشتد بالسر ~~الجوع، ويبست عليهم الأعناب، وأصبح ماهم في الآبار غورا لا ماء فيها كما ~~قال تعالى: {إن أصبح ماؤكم غورا فمن يأتيكم بماء معين}، ونجعوا عنها، ~~وتفرقوا في الأرض، ولم يبق إلا البعض منهم، ثم قطعوا أصول العنب بالشرم ~~وأدخلها أهلها يبيعونها. # وروى لي بعض فقهائهم أن ذلك من عقوبات الله بهم؛ لأنهم كانوا يتجارون على ~~بذل الأيمان الكاذبة عند شريعتهم، وكثر منهم المغادرة والأذية لبعضهم ~~البعض، حتى نزل بهم ما نزل. # واتفق بهذا الشهر لبعض بيوتات بصنعاء أن شخصا من الجان شغلهم، وكسر عليهم ~~من أوانيهم، وكان يرى شخصه امرأة منهم لا غيرها من أهل بيتهم، وكان يحرق ~~ثيابها ويطرحها بيرهم، ومرة سل عليها السلاح، ومرة ذبح عليهم دجاجة وهي ~~تراه، ومرة صاحت منه وقالت: سل عليها السلاح ثم سكتت، وكان بعض المعزمين ~~يعزم لها ويكتب لها فيحرقها، ومع هذا فحسن تلك المرأة لم يتغير، وذكر صاحب ~~البيت أنه كسر عليه بعض سلاح، وتضرر منه وذكر أن صورته صورة امرأة ومعها ~~خادمان تأمرهما بما تريده، وغفل بعض أيام ثم عاد ومعه كتابة عجمية وصورة ~~ووضعها في عتبة الباب، فرأته تلك المرأة حين وضعها، ولم يره غيرها، ~~فأخرجوها، فدل ذلك أنه ساحر وأن السحرة من الجن والإنس نعوذ بالله ~~منهم[80/أ]. PageV01P398 # وفي شهر الحجة منها أرسل محمد بن المتوكل صاحب صنعاء جماعة من العسكر ~~والخيل إلى شعوب لمنع جمال محمد بن أحمد صاحب الروضة عن حمل أثل كان فيه ms083 ~~شجار، دعوى للفقيه يحيى بن حسين السحولي ناظر الوقف، فأبرز محمد بن أحمد ~~حكما شرعيا من القاضي علي بن جابر الهبل، فلا وجه لرد الجمال، ووضع الأثل ~~من ظهورها من غير وجه فبرده الفقيه بن جميل، وقال: الأمر جميل فيكون الصبر ~~منكم، والصفح لكم؛ لئلا يحصل ما يحصل من الاشتجار في هذا الأمر الحقير، ~~الذي ما كان مثله يكلف لا قليل ولا كثير، فحصل المعقول من جهة ابن جميل، ~~ووضعت الأحمال وترك باقي الأثل في موضعه بلطف منه ومداركة وحال جميل، وظهر ~~بين الرجلين كوامن الأحقاد والاستيحاش إلى غير المراد، وطلب محمد بن الإمام ~~عقب ذلك علي بن جابر وقال له: لم تحكم بغير أمرنا وبغير حضور ناظرنا ~~ووكيلنا؟. فأجاب القاضي: أن هذا الحكم جرى من بعد تقرير بطلان دعوى جانب ~~الوقف لما طلبنا، والأمور فيها بعض من الربش بين السيدين، فإن محمد بن أحمد ~~وإن كان أبرد في حرارة الطباع، والجميل والرعاية والاتساع، فقد ظهر منه بعض ~~كلام شاع في الناس[80/ب] من جهة صنعاء، فإنه لما مرض الإمام ظهر من محمد بن ~~أحمد أنه لا يترك صنعاء، فربما بلغ محمد بن الإمام فيحصل في النفوس، وإن ~~كان قد شوحج محمد بن أحمد وأزيل عنه ما كان يعتاده من بلاده فإنه أخذ عليه ~~محمد ابن الإمام لما تولى صنعاء زكاة أموال أهل صنعاء في الروضة والجراف، ~~وكان ذلك أولا إليه، وأخذ خطا من والده الإمام عليه، فلم ينفذ عند ولده، ~~وقرره والده ونقض خطه، فلا قوة إلا بالله العلي العظيم. # ولم يدخل محمد بن أحمد بيته بصنعاء عقب العيد لما في النفوس، وحصل عقب ~~ذلك غيار بقطع عنب الناظر على الوقف يحيى بن حسين السحولي بالمحاريق. PageV01P399 # وفي هذه المدة روي أن رجلا حمالا مشتاطا نزل إلى اليمن الأسفل، فلما بلغ ~~إلى بلاد الجند اضطر إلى السؤال لطعام من بعض بيوت في تلك الجهة بعد أن ~~أظلم عليه الليل ودق الباب، ففتحت له امرأة وقالت: ادخل، وهي خارجة، فدخل ~~وإذا فيه ms084 جماعة من الشماة، وسلاحهم بين أيدهم ملقاة[81/أ] فقالوا له: اقعد، ~~فقعد، ثم إنهم خرجوا وأمروه بحمل شيء معهم في غرارة، فحمل ذلك معهم إلى ~~البرية وحفروا حفيرة ألقوه فيها، وإذا هو مقتول قتلوه بها، ثم حفروا حفيرة ~~أخرى فقال: لمن هذه؟ فقالوا: لك نلقيك بها؛ لئلا تخبر بخبرنا وتشيع أمرنا ~~يظفر بنا، فسقط في يده وأيقن بالهلاك، فألهمه الله إلى الدعاء والاستغاثة ~~بالشيخ أحمد بن علوان نفع الله به، والتوسل إلى الله ببركته، ونذر له بما ~~على جمله قال: فلم يشعر إلا بشيء أقبل عليهم بحربته دفعهم بها، فحمد الله ~~تعالى على النجاة منهم وسلامته عنهم. هكذا روى بعض القبائل، وهذه الرواية ~~لا تعرف إلا من مثلهم؛ لأنه رجل حمال من جنسهم؛ فإذا صحت فهي من كرامات ~~الشيخ أحمد نفع الله به. # ووصل الخبر هذه الأيام برجوع أصحاب العماني، الذين كانوا قد بلغوا إلى ~~حدود الشحر[81/ب]. # وفي هذه المدة انكسرت جلبة كانت داخلة من اليمن فيها حجاج ومن البن، ~~فهلكوا، لم يسلم منهم إلا اليسير ممن خرج مع صاحبها في سمبوك، ومن تعلق ~~بشيء من صروفها على مشقة في ذلك، فإنه وصف الواصف: أنه تعلق بصرف، فلبث في ~~البحر فوق ثلاثة أيام لا يذوق شيئا من الطعام ولا الماء، وهو في معاناة مع ~~ذلك الصرف لأجل الموج، فتارة يكون على ظهره وتارة يغلبه فيقبض عليه ويتعلق ~~به؛ لئلا يغرق، فما زال كذلك تسوقه الريح الغربي حتى قذفته في ساحل جازان ~~بعد الإياس منه، وكان إنكسارها مقابل لبندر جازان وهم قدر سبعين نفرا لم ~~ينج منهم[82/أ] إلا نحو خمسة عشر رجلا. PageV01P400 # وخطب خطيب صنعاء محمد بن إبراهيم السحولي بخطبة الرافضة يوم الغدير، ثامن ~~عشر شهر الحجة يوم الجمعة، وحث الناس على الصيام فيه، وإظهار الشعار الذي ~~للإمامية الإثنى عشرية، ولم يخطب أحد قبله من أهل مذهبه. # وأدخل جماعة بمكة الحبس لأجل شراء جماعة من أهل اليمن البنادق، وربما مطل ~~بعضهم في شيء من الثمن، فشكا إلى الباشا، فأرسل للشيخ راجح أمير ms085 حاج اليمن، ~~فوصل إليه إجابة للداعي، وقال الباشا حسين: ما موجب الشراء للبنادق منكم ~~أهل اليمن؟ فقال: يا مولى السعادة لأجل الحرامية ولحفظ الحاج في الجادة، ~~فأمر بإطلاقهم من الزناجير، وسلم الشيخ توفية من مطل الثمن، وانجبر الأمر، ~~وكان قد قطع الباشا أيد بعضهم. # وفي سادس وعشرين شهر الحجة منها كان تحويل سنة العالم بدخول الشمس في أول ~~دقيقة في برج الحمل، كانت الزهرة وعطارد في الحمل، والمشتري في القوس، ~~والقمر في الدلو، والذنب وهو الجوزهر في السرطان، وكذا المريخ وزحل في أول ~~برج الثور. وكانت هذه السنة الداخلة سنة ست وثمانين الآتي ذكرها أيام سنة ~~خمس وثمانين شمسية؛ لأنه حصل فيها ازدلاف، إذ لا يكون تحويل سنة ~~العالم[82/ب] بدخول الشمس أول دقيقة في الحمل إلا في أول شهر محرم من سنة ~~سبع وثمانين وألف، وهي مع ذلك بالنظر إلى القمرية لا تسقط بل هي سنة ست ~~وثمانين بعد الخمس والثمانين الماضية، وإنما هذا السقوط والازدلاف باعتبار ~~السنة الشمسية والزحلقة بأيام البين، وهي إحدى عشر يوما وكسور في كل سنة، ~~والله أعلم[83/أ]. PageV01P401 # وفي هذه الأيام كان مزينا حلاقا معه مرآة من بلور عوجا فيمري القبائل بها ~~فيرون وجوههم عوجا فيقول لهم: ما رأيتم؟ فيقول: معه علاج لذلك، فيأخذ شيئا ~~من الجلود يسوي بها وجهه على زعمه، ويخرج مرآة أخرى صحيحة فيقول: ما رأيتم؟ ~~قالوا: زالت العوجة، فيعطونه شيئا من الأجرة، وكان هكذا يفعل، وإنما فطن به ~~من يفطن، فكان آخر أمره أن أصيب بشيئ من الطرش وبقي في حالة ضعيفة. وأولاد ~~جبل الهمداني الذين كانوا بصنعاء، لهم من البيع والشراء، والثروة والغنى، ~~فلما كان منهم من الفساد، وظهر عليهم القبائح، وقبضوا غير مرة على ذلك ~~عوجلوا بالعقوبة وتفرقوا وخسروا، فراح واحد منهم إلى مكة ظهرت عليه فيها ~~سرقة، فقطعت يده. # والآخر كان في أعظم مما جرى له. وشيخ برط يقال له: الشيخ قاسم، كان شريرا ~~قد قتل نفوسا، ونهب أموالا، فأصيب ببطلان نصفه، فبقي كذلك مدة، ثم صار أعرج ~~يسير ms086 على العصا، وسلم الناس شره، وسار في أعظم حالة. # وفي هذه المدة ترجح للقاضي مهدي الحسوسة الثلائي بأن حبس فقيرا من فقراء ~~الشيخ أحمد بن علوان -نفع الله به- في حصن ثلا، لأجل منعه من دق صدره ~~بالدبوس حال جذبه، فترجح له بأن قفز من رأس الحصن من الحيد[83/ب] فوقع فوق ~~غرارة قشر في سوق ثلا، وسار على قدميه لم يضره شيء مما جرى، وسلمه الله ~~تعالى ببركة الشيخ أحمد بن علوان، نفع الله به، فلما رأى ذلك القاضي مهدي ~~اعتقد بركة الشيخ أحمد وخلى سبيله، ولم يعترض له ولا لغيره من الفقراء، ~~والله أعلم. # وإلى هنا انتهى الدور الثالث من أول الإسلام الذي يدور على ثلاثمائة ~~وستين سنة، لكنها سنة شمسية، فيزيد على هذا بخمس سنين، فيكون انتهاؤه في ~~سنة خمس وثمانين وألف، وعند أهل الفلك أنه يكون فيه انقلاب الدولة في بعض ~~الجهات، واستيلاء بعض الملوك على بعض والقدرة لله تعالى. PageV01P402 ### | ودخلت سنة ست وثمانين وألف # قيل: إنها استهلت بالخميس. وجاء الخبر أنه وقع بين الحجاج حال دخولهم مكة ~~وبين الحرامية من أهل بلاد الحجاز فيما بين الشقيق وحلى، وأنه راح من ~~الطائفتين مقتلة. # والإمام هذه الأيام حمل بعض خزانة ضوران إلى صنعاء، وظهر أنه في النية ~~للارتحال إليها، والحجاج من الأولين وصلوا في العاشور وأخبروا أخبارا ~~إجماليا بأن الحج مبارك، والشامي فيه قوة والمصري دونه، وظهر خبر بأن سعد ~~بن زيد جاء له طلاب إلى حضرة السلطان، وأنه قد كاتب إليه يطلب الأمان، ~~فقيل: إنه سار مع أمير الشامي، وهو بين الخائف والراجي، وخاف القبائل من ~~الباشا في إيواء المذكور، فاضطر إلى ذلك. # وفي الجملة أن هنالك ربش في بلاد الحجاز، وشدة وطأة من عساكر السلطان، ~~حتى دوخوا تلك البلاد، وأمنوا سبيلها وزال الفساد. وأصبح يوم ثاني الشهر ~~المذكور حال وصول[84/ب] أول كتب مكة دخل أحمد بن الحسن من الروضة إلى ~~صنعاء، ولقاه محمد بن الإمام إلى الجراف، وسار إلى الروضة وافق محمد بن ~~أحمد للاعتذار، من أجل ms087 ما كان صدر من جانبه إلى جانب محمد بن أحمد في منعه ~~من حمل الأثل، ومصادقة محمد بن الإمام للناظر على الوقف، وما جرى من ذلك ~~العمل،ثم دخل الجميع صنعاء وكان من الحاث له على ذلك والمعاتب أحمد بن ~~الحسن، فإنه لام محمد بن الإمام، وقال: مثل هذا الشيء الحقير مدروك مع ~~الأناة على الوجه الجميل،والحق أحق أن يتبع، وليس لأحد مخالفة له ولا مطيع، ~~ومحمد بن أحمد قد معه حكم شرعي في ذلك، وأنه مما يتصل بأملاكه وتحت يده، مع ~~أنكم لو طلبتموه هبة لوهبه لجانب الوقف، ولم يبخل به لحقارته، ولا يجري في ~~الوسط بسببه. # وروى بعض الحجاج أن الشامي خرج فيه باشا بقوة قيل نحو عشرة آلاف، وقال ~~آخر: إن الخارج الوزير، وهو حسين الذي خرج في عام ثلاث وثمانين وألف. PageV01P403 # [85/أ] وفي شهر المحرم منها توفي الشريف السيد محمد بن صلاح بن جحاف ~~الحبوري بحضرة الإمام بضوران، وكان من الملازمين له لا يفارقه في جميع ~~الأوقات والأزمان، وعليه في الكتابة والإنشاء عهده، ويعتمد الإمام قوله وشوره. # وكان قد بلغ المذكور في الكبر ما أعجزه آخر مدته عن الكتابة، كما كان ~~أولا يعتاده. وكان في المدة المتقدمة ملازما لشرف الإسلام الحسين بن القاسم ~~في هذه الوظيفة، ثم لما مات الحسين لازم الإمام المؤيد بالله، ولما دعا ~~أحمد بن الإمام القاسم بشهارة بايعه من جملة غيره، ثم لما استقرت الدعوة ~~للإمام إسماعيل وصل إليه إلى ضوران، فلامه وقال له:لم بايعت الصنو أحمد؟ ~~فقال: بغير اختيار منه، وكان يظن أن الأمر مجتمع له، وبينه وبين الإمام ~~إسماعيل نسبة وصهارة، فإنه ابن خالته، وكان السيد أولا قد جعل له ~~الإمام[85/ب] ولاية ظليمة ، وبلاد شظب، فكان فيها ولاة من تحت نظره، ~~والكلام فيها والأمر يعود إليه، ثم لما مات شرف الدين الحسين بن المؤيد ~~بالله بن القاسم وصارت شهارة وبلادها إلى يد ولد الإمام إسماعيل أحمد بسط ~~اليد على تلك الجهة، وتصرف فيها، وأمر قباضا إليها. # وفي آخر هذا الشهر خالفت ms088 بلاد الحجرية، ومنعوا بلادهم عن المتصرفين فيها ~~باليد القوية، وكان أول حادث ما سبق ذكره من قبل العشرة الأنفار من أصحاب ~~محمد بن أحمد بن الحسن، ومنهم النقيب ابن جومر من الأهنوم، كما سبق ذكره، ~~فأرسل الإمام إليهم رسولا برسالة يطلب منه الديات، وتوعدهم إن خالفوا أمره ~~بالعقوبات، ثم قال الرسول: إن لم يتم هذا فالسيف إليكم مكان ذلك، فقتلوا ~~رسوله ومن معه، ثم أرسل جماعة عسكر بأدب، فردوهم عن دخول بلادهم، ومحمد بن ~~أحمد قد كان أهم أن يخرج عنها إلى يفرس ، فلما حدث هذا الحادث أرسل الإمام ~~بأول شهر صفر ولده علي، وكذلك أحمد بن الحسن أرسل السيد صلاح بجماعة عسكر. PageV01P404 # وفيها توفي الفقيه علي بن محمد البحيح [86/أ] الذي كان كاتبا للبصائر ~~بمدينة صنعاء من مدة حيدر باشا إلى هذا التاريخ، وقد كبر في السن، وكان في ~~مدة حيدر باشا قد جعلوه فنديا بمدينة عمران في البون بأمر الباشا، فبقى ~~هنالك برهة على هذه الوظيفة. # وفي شهر صفر منها توفي الفقيه بدر الدين محمد بن علي المرواحي الشافعي، ~~كان المذكور ساكنا بصنعاء من مدة دولة السلطنة، وله وظيفة في محراب مسجد ~~عقيل أول المدة، ثم نائبا عن الفقيه هادي العولقي، ثم صارت وظيفته في مسجد ~~جناح ، حتى مات في التاريخ المذكور يؤم بالشافعية من الساكنين صنعاء، وكان فقيها. # وفي نصف صفر الآخر جاء الخبر بأن محمد بن أحمد غزا إلى الزريقة -بتشديد ~~الزاي ثم الراء-، لما وصل إليه أوائل الغارة، وهم أحد قبائل الحجرية الذي ~~وقع منهم الحدث السابق ذكره من تلك القضية، فواقعهم، وقتل منهم ثلاثة انفس ~~وثمانية مجاريح، وانتهب عسكرهم عليهم نحو مائة وخمسين رأسا من الغنم. # وراح من العسكر أربعة أنفار وقيل: خمسة، وأخبر من حضر الوقعة من الذي راح ~~من أصحاب محمد بن أحمد قدر عشرين نفرا، وأن الحرب استمر أربعة أيام، فلما ~~بلغهم وصول علي بن الإمام إلى يفرس هربوا في الليل في الأودية والشعاب ~~والجبال، فلحق من آخرهم يوم ثاني هربهم، ms089 انتهب عليهم ذلك النهب وقتل منهم ~~ثلاثة أنفار وثمانية مجاريح[86/ب]. # وقال الراوي: وتميل إلى الصبيحة ، إلى قريب بلاد بن شعفل ، وكان سائر ~~الحجرية في الباطن مع أصحابهم. PageV01P405 # وفي هذا الوقت جاء خبر من بلاد شام صعدة بأن حسن بن الإمام غزا إلى قبائل ~~بني منبه ونحوهم؛ لأجل حدث أحدثوه، وفعلا فعلوه، وهو أنهم غزوا من بلادهم ~~إلى بطن تهامة من ما يقرب من بلاد ظهر الجمل، وأنهم نهبوا قرية فيها يقال ~~لها: العرة ، ورجعوا بلادهم بعد هذه الغزوة، فقصدهم المذكور من جبل رازح ~~فلم يظفر بهم لعسرة الجبال، وقيل: ظفر بقرية أخرب جانبا فيها وعاد رازح. # وفي عشرين من شهر صفر وصل الزوار من المدينة المشرفة، فذكروا أن الباشا ~~حسين مستقر، وأنه ما رجع مع المحامل بل سكن بمكة، وأنه تمشى وطاف إلى جدة ~~في جند واسعة، وعمل آغا جده له سماطا كبيرا. # وفي هذا الشهر هجم الفقيه حسين بن يحيى حنش على جماعة من السادة في شهارة ~~وهم سكارى، فقبض منهم البعض وهرب البعض. # وفي آخر صفر جاء الخبر المحقق مع بعض الوافدين من الحجاج الحقيقين الثقات ~~المحققين، فأخبرني من لسانه أن الخارج[87/أ] حسين باشا مع الشامي، وأن جملة ~~خيله التي خرج بها ثلاثة آلاف وخمسمائة، حسبما حصره الأشراف، من غير ~~الأتباع والعساكر من الرجال. # قال: وكان عقب تمام الحج ووقت السفر للحجاج إلى كل نهج جهز أمير محمل ~~الشامي مع حاج الشام والروم، وهو بمن معه من الخيل الملموم استقر بمكة، ~~وطرح بوطاقاته في المعلاة رأس مكة. # قال: وكانت الأوامر والنواهي بمكة أيام الحج له حاكما على أمراء ~~المحامل،وعلى الشريف بركات وجميع الوافدين والأطراف، قال: وحال أن عزم هو ~~هنالك، ثم أكد قوله الواصلون من الزوار في أول شهر ربيع الأول، فذكروا ~~جميعا: أن الباشا حسين بمن معه رجع إلى الشام، ولم يكن بمكة ما يوجب ~~البقاء، والله أعلم. PageV01P406 # وفي أول شهر ربيع وصل الخبر إلى صنعاء بأن بعض أهل برط من ذي حسين قصدوا ~~إلى حصن الزاهر ms090 بالجوف غازين وإليه باغتين وصائلين، فخرج فيهم الأشراف من ~~أهل الزاهر، ووقع بينهم الحرب والقتال، فقتل من برط جماعة ومصاويب، واصتاب ~~من الأشراف ومن معهم جماعة سلمهم الله، ثم انهزمت برط ورجعت بلادهم، وكان ~~من جملة المصابين ابن الأمير على صاحب الزاهر، فتحمل الأمير علي وكتب إلى ~~الإمام في هذا الحادث والإلمام، وإنهم إن عادوا أجاش بالقبائل والأحلاف مثل ~~سفيان ونهم، ويغزي أطراف برط للانتصاف. # وفي آخر صفر وصل الزوار وأخبروا أن حسين باشا، عاد إلى الشام بعد أن لبث ~~بمكة هذه الأيام[88/أ]. # وانظر أيها الحليم والعاقل الرصين الفهيم ما أرثه قضية حسين باشا في حرم ~~الله وأمنه، وما جر فيه من البأساء فإنه ما زال جميع هذه السنين من حال ~~فعلته إلى هذا التاريخ أحوال مكة لا تزال متغيرة، والمخارج إليها لا تزال ~~متلاحقة، والله أعلم ما يكون منتهاها، وما يبلغ إليه أقصاها، وكذلك ما ~~لحقها من الأسباب من جهة اليمن، كما سبق ذكره، ورأيت في أبيات ذكرت في ~~ملحمة أنها مأخوذة من الجفر في قضايا مكة فذكر فيها أحوال سعد بعد موت أبيه ~~وما يجري معه، فقال الشيخ بدرالدين المصري : # إذا مر بعد الغين جعد فقد يكن # حوادث أحوال فكن متأولا # يكون بميم ضجة وتخالف # بساكنها والوافدين ومن علا # قال بعض من حسب على قوله (بعد الغين جعد) أي سبع وسبعين وألف سنة. # وهو كذلك؛ لأن الغين المعجمة ألف في حروف أبجد، والجيم ثلاثة والعين ~~المهملة[88/ب] سبعين سنة، والدال أربعة يكون الجملة ألف وسبع وسبعين كما ~~ذكر، والميم مكة والحوادث في مكة حصلت من هذا التاريخ، وقال في هذه ~~الملحمة: بعد ذكره لسعد بن زيد قال ابن بسطاهر ما لفظه: # ومن بعد قل يليها الفتى # وصاحب مصر يكون ابن قر # يردها من الغرب جيش العريم PageV01P407 وزرق العيون وحمر الشعر # وهذا يكون إلى عام قاف # ومن بعد قاف يكون الفخر # وفا بعدم زمرى بها # يكون مليك بأقصى هجر # يبيد الأئمة وأوطانهم # ويخرجهم من حصون شذر # وقال فيها: # وها قاف ms091 بهذا أراه # توارى مهديها قد ظهر # وقد خرج في سنة ثمانين حسين باشا، كما سبق تاريخه، وقد أباد أمراء مكة ~~الأولين كسعد وإخوانه، وإن أريد بهجر هجر الحجاز، فقد صدق عليه أنه كان ~~بمكة مليك بأقصاه، وإن أريد بذلك غيره فالله أعلم بغيبه. # وقوله: (يردها من الغرب جيش العريم)، يريد به مصر[89/أ]، وقد وردها بعدما ~~جرى بمكة محمد شاوش بجيوشه، ثم جيوش حسين باشا السابق ذكره، ثم لحق هذا ~~العام حسين باشا كما ذكرناه، والله أعلم ما يكون من أمرها، وما يتعدى عنها. # وقوله: (يكون إلى عام قاف)، قال بعض المحسبين: أي مائة سنة بعد الألف، ~~ولعلها تواصل المخارج كذلك في هذه السنين. # وقوله: (وها قاف) أي بعد خمسمائة سنة وألف يكون ظهور المهدي المنتظر الذي ~~يقوم آخر الزمان من مكة المحروسة، وينصره منصور حمير الأجبه الرعيني من ~~اليمن، ومدته متأخرة عن هذا الوقت بحول أربعمائة سنة فأكثر، والله أعلم ~~بالغيب. # وجاء الخبر من مكة أن العبادية الذين طلبوا من مكة بلغوا إلى مصر، وتحقق ~~خبرهم صاحب مصر وأعادهم إلى أماكنهم ومستقرهم، ووصلوا مكة في هذا الموسم ~~آخر السنة الماضية، وسكنوا بيوتهم على سالف أحوالهم. # وجاء خبر أن يوسف بيك متولي جدة توفي. # وفي يوم الجمعة رابع عشر شهر ربيع الأول وقع قران الزهرة وزحل ببرج الثور. # وفي هذه الأيام هرب جماعة من عسكر حسن بن الإمام من جبل رازح، فبعضهم سكن ~~في بيته بالأهنوم وغربان، وبعضهم وصل إلى حضرة الإمام، وكذلك أيضا هذه خرج ~~إبراهيم بيك إلى جدة متوليا. PageV01P408 # وفي هذه الأيام وصل إلى حضرة المتوكل جماعة من عسكر زبيد يشكون من واليهم ~~السيد حسين بن زيد بن جحاف ، وكذلك وصل إلى أحمد بن حسن عسكر من عدن يشكون ~~من واليهم السيد حسن الحرة. # واتفق بين ولد يسمى علي بن محمد بن أحمد بن الحسن وكان شابا وبين سيد من ~~بني عامر يسمى حسن بن علي بن محمد بن عامر قضية، وهو أن ابن عامر كان وافدا ~~في الغراس ms092 أن طعن عليا بالجنبية فبقى خمسة أيام ومات، فبقي عند أحمد بن ~~الحسن، وإنما حبسه وشفع إلى ولده محمد بن أحمد أن يعفو عن القود[89/ب]. # وفي هذه الأيام هرب عسكر زبيد ووصلوا إلى حضرة الإمام وشكوا من ولد السيد ~~زيد بن جحاف واليهم، وكذلك وصل إلى حضرة أحمد بن الحسن عسكر من عدن يشكوا ~~من الشريف حسن الحرة، قصر في أحوالهم بالمرة، وخلا هذان الموضعان من العسكر ~~في وقت واحد مما يقضي بالعجب والعبر. # وفي أول هذا الشهر وقع فيما بين ولد لمحمد بن أحمد بن الحسن يسمى عليا ~~وبين شريف من بني عامر عم الإمام القاسم يسمى حسين بن علي بن محمد بن السيد ~~عامر قضية، وهو أن السيد المذكور كان وافدا إلى الغراس حضرة أحمد بن الحسن ~~طالبا منه ومسترفدا، فكان تصاحب هو وعلي بن محمد الحسن فاتفق بعض الأيام ~~بينهما صفاط ومزاح في خلوة، فكان من السيد ابن عامر أن طعن علي بن محمد بن ~~أحمد بن الحسن بالجنبية بين جنبيه، ودلقه من سطح حتى أرداه، فبقى متالما ~~قدر ستة أيام ثم مات، وذلك أن الطعنة خرقته إلى باطنه، فدخل الدم باطنه، ~~فما زال يخرج من فيه ومن مخرج طعامه[90/أ]، والشريف بن عامر أمر أحمد بن ~~الحسن بحبسه وقيده، ومنع عن التقدير إليه حتى يأتي ما يقول والده، وكان علي ~~بن محمد المقتول في سن البلوغ أو يراهقه، والقاتل شاب عاضل. PageV01P409 # وفي هذه الأيام ظفر محتسب صنعاء برسول من كوكبان وشبام قد أوقر حماره خمرا، ~~شراه من شيخ اليهود بصنعاء، وقبض كتبه التي إليه من هنالك، صادف أنها من ~~سادة وشيعه، فأحبس ذلك الرسول وشيخ اليهود. # وفي هذه المدة أخبر بعض من سكن في الطائف السنة الماضية فذكر أن أهل ~~الطائف تحول مستقرهم إلى جنب مشهد عبد الله بن العباس ، بحيث أن بعضهم بنى ~~على القبور، كل ذلك لأجل المجاورة لعبدالله بن العباس والدخول في حوطته، ~~لأجل احترامه؛ لأنه حصل عقب وفاة زيد بن محسن ما حصل ms093 من التخطفات من ~~القبائل وعدم الأمان مثل ما كان في ما مضى من الزمان وتكرر الصايل. # وفي هذه الأيام وقع بين ذيبان وعيال عبد الله مغازي. # وفي ثامن عشر شهر ربيع الأول يوم الثلاثاء توفي النقيب سعيد المجزبي ~~بمدينة صنعاء، بعد وصوله من ضوران في أول هذا الشهر، وهو مريض، وكان باقيا ~~بضوران بعد العزل له هذه المدة، فلم يأذن له الإمام بالعزم إلى صنعاء إلا ~~عند مرضه. # وفي ثامن عشر شهر ربيع الأول توفي النقيب سعيد المجزبي فوصل صنعاء حال ~~كونه مريضا، ثم توفي وقبر بخزيمه غربي صنعاء، وصار فريدا وحيدا، ليس له ~~أنيس غير عمله الصالح، بعد أن كان استمر في غرة الدنيا ورياستها هذه المدة ~~الطويلة، في ولاية بندر اللحية والضحي وما إلى ذلك من تهامة حول أربعين سنة ~~فأكثر، من وقت حسن بن الإمام وفتحه لذلك البندر في تلك الأيام. # وأصله كان مملوكا لشيخ من مشائخ شام صعدة يقال له: ابن مجزب فوهبه لحسن ~~بن الإمام أيام ولايته لصعدة في مدة الإمام القاسم، فترقى أمره، وارتفع ~~شأنه مع شرف الإسلام الحسن حتى ولاه اللحية، وبقى بها حاكما لها هذه المدة ~~الطويلة آكلا لصفوها، ولذة رياستها وأمرها ونهيها، ثم كان عاقبة أمره العزل ~~وانحطاط علوه[91/أ] حتى توفي. PageV01P410 # ومن عجائب الدنيا وكون الملك يعطيه الله من يشاء أنه كان مع الشيخ ابن مجزب ~~قبل أن يهبه لشرف الإسلام حراثا يلحق البقر ويتلم المال، إن في ذلك لمعتبر. # وفي هذا الوقت أقبلت جراد من جهة الشام، فمرت بصنعاء وحضور والبون، وهبطت ~~إلى جهات وادي سردد ، وتبعها جراد آخر وفي أذنابها مكتوب........ والله ~~أعلم بحكمته. # وفي هذا الوقت مال بعض قبائل البروية إلى محمد بن الإمام، وقالوا: إنهم ~~يسوقون زكاتهم إلى قصر صنعاء، فجعل لهم خطا مثلما قالوه، فتغير خاطر أحمد ~~بن محمد ، وأرسل عسكر إلى بلدهم فوصلوا شكاة على محمد بن الإمام، فلم يسع ~~محمد بن الإمام إلا ترك ما كان أهم به، واعتذر بأنهم الذين طلبوا ذلك ~~منه[91/ب]، ms094 وبعد ثمانية أيام وجاء أمر الإمام بأنهم يسوقون على العادة، وأن ~~ما أخذ من الأدب يرده العسكر لأهل البروية، فصالحهم أحمد بن محمد واستطاب ~~نفوسهم، وأنهم يبقون على عادتهم، وجعل لهم الوفاء بما كان لهم وزيادة ~~لمشائخهم، فلم تطب نفوسهم. # وفي العشر الآخرة من ربيع الأول وقع بين الحدا بعضهم البعض قتال بسبب ~~فرقة على مرعى، فراح جماعة قتلا قيل: سبعة أنفار. # وأعمال الحجرية سكنت، وأما الزريقة الذي الحذر منهم، فهربوا كما سبق. # وعلي بن الإمام وصل إلى يفرس بقي بعض الأيام، واتفق هو ومحمد بن أحمد، ~~وعاد إلى تعز ثم إلى إب، ومحمد بن أحمد عاد إلى المنصورة. PageV01P411 # وفي غرة شهر ربيع الآخر وصل حضرة الإمام بضوران خواجا هندي، أمير المراكب ~~التي تصل من بندر سرات، ومعه من الخدم جماعات قدر خمسين نفرا، فوصل إلى ~~الإمام وأعطاه هدية من البزوز الهندية، فأجازه فيها ثم وصل إلى أحمد بن ~~الحسن وهو بالغراس، فدخل صنعاء المذكور في خمسين نفرا من الخدم، في هيئة ~~غريبة، لم يعلم بمثلها في العصور القديمة، وهو أنه يسير في محمل يحمله ~~أربعة رجال، ويسيرون به على الجنوب، عند دخوله صنعاء وخروجه إلى ~~شعوب[92/ب]، وأهل صنعاء يتفرجون على هذه الحالة الغريبة العجيبة. وأهدى ~~لأحمد بن الحسن أيضا هدية، ولعل الحامل له على ذلك فترة الشراء في بندر ~~المخا، كما يعتاد فيما مضى، فأراد إنفاق البضاعة على هذه الصفة، وإلا فإنه ~~يخرج في المواسم الأولة إلى المخا، ويرجع بعد بيعه فيما مضى، ولما قيل له: ~~كان الأولى لك عدم الإتعاب لهؤلاء الذين يحملونك، أجاب: بأنهم إنجريز كفار ~~لم يسلموا فهم يستحقون ذلك، فلو أنهم أسلموا لما أتعبوا ولخليو. # ووصل عقب المذكور تركي إلى عند الإمام ومعه جماعة الخدم حول عشرين عبدا، ~~وهو من الحبشة مهدية. # وأخبرني الشيخ العارف محمد كزبر الدمشقي، وهو ثقة من أهل العلم على مذهب ~~الحنابلة وصل إلى صنعاء اليمن بحقيقة سفر السلطان وتجهيزه على الفرنج في ~~العام الماضي، وما انتهى إليه أمره، فقال من ms095 لسانه وخطابه: أن هذه ~~البلاد[93/أ] التي قصدها السلطان، وحصل فيها الخلاف في هذا الزمان في أطراف ~~الروم شمالا، وأنه ليس بجهات مالطة، فإن مالطة بعد استفتاح السلطان لها ~~وعلى قلعتها في التاريخ السابق سنة تسع وسبعين وألف استمرت في مملكته، ولم ~~يحصل بعد ذلك فيها خلل على عسكره ورتبه، وأن هذه بلاد أخرى مشرقة عن تلك ~~الجهة المغربة. PageV01P412 # قال: وكانت لهم قلعة مرتفعة فيها الأبنية المحكمة تسمى قلعة عمارية، فلما ~~قصد إليها السلطان وعساكره وبواتره ومدافعه ومكاحله بقى السلطان ردا ~~للعساكر قدر مسافة ثلاثة أيام، وتقدمت عساكره لقتال الفرنج الطغام، فاحاطوا ~~بها جميع جهاتها وقتلوا من حولها، واحتفروا تحتها سراديب، وشحنوها[93/ب] من ~~البارود كثيرا مما يحملها، ثم جعلوا فيه النار، فاحتملت القلعة بمن فهيا ~~وقلبتهم من أعاليها، ودخلوها بالسيف قتلوا من بقى فيها، وأمر بخراب ما بقى ~~منها، فخربوها جميعا، وعاد السلطان إلى محله وتخت مملكته بالروم إلى ~~اسطنبول ، وجعل في حدود تلك البلاد التي استفتحها سبعة من الباشات أمرهم ~~بحفظ تلك الأطراف، وأنهم يلحقون من بقي من الفرنج إلى باب اسكندر ، ومهد ~~البلاد وكسر شوكة الفرنج الكفرة بالسيف الباتر الحاد، وعباد الصليب ~~والإلحاد. وكان رجوعه وعوده في شهر رجب من السنة الماضية، وهو الآن غير ~~مشغول بشيء من الحروب في تلك الجهات النائية، وذكر المذكور أنه[94/أ] ربما ~~كان بلغكم تجهيزه إلى اليمن العام الأول، وإنما شغله هذا الحادث من الخلاف ~~من الفرنج، فالله أعلم ما يكون من الأمر في المستقبل. PageV01P413 # وفي هذا الشهر توفي صلاح نصار في بلدة الظهرين من حجة، وكان تاجرا كبيرا ~~وحصل معه التأثر والمرض والألم من حال انكسرت الجلبة عليه في البحر، وراح ~~عليه من المال ما يقابل حول ثلاثين ألفا من القروش، وما لحقه من الخسارة في ~~صافي البن العام الماضي بسبب الهجوة وتحارقه في الغرائر وعفنه لشحنه قبل ~~جفافه ويبسه، فلم يصل إلى جدة إلا وقد بطل بسببه، والمال الذي معه له ~~وللسيد علي بن حسين جحاف والي حجة، وكان قد تضرر منه ms096 كثير من الزرعة ~~والمتسببين، من أجل أنه كان يجمع الصافي بالصلبة في المخازين، فإذا وصل ~~تجار الشام[94/ب] إليها وشرع البيع والشراء فيها باع من الواصلين بناقص بعض ~~شيء مما باعه سائر الناس، لوسعة ما معه لأجل الترغيب أن يشتروا ما قد جمعه، ~~فيشترون منه جميع ما قد معه، ويتركون الشراء من الزرعة وسائر المتسببين، ثم ~~يشترون ويستغنون، فبعد ذلك يبقى حق الزراع متخمنا، لا يجدون من يشتري منهم ~~ولا يبذل ثمنا وهو يشق بهم عوده إلى بلادهم، فيتحكم فيهم ابن نصار في ~~الثمن، ويشتري به منهم بدون ما باعه، ويخزنه في السمسرة ينتظر لمن يصل من ~~التجار من الشام، هذا كان دأبه وحاله في بيعه وشرائه، وهذا منه خداع ~~للمسلمين، فكان الواجب عليه أن يعرض البضاعة من جملة غيره، ويبيع ~~معهم[95/أ] من غير أن يستميلهم ويجرهم إليه ويطمعهم، بل يبيع من طرف ماله، ~~ويشارك غيره، وما جرى به السعر مع طرح البضاعة، فالله المسعر، وليس له أن ~~يتحجرهم، بل عليه الرعاية للمسلمين، والاشتراك مع غيره من البائعين ~~المشترين، فلهذا السبب ما زال الواصلين بالبن من الصافي إلى الصلبة يدعون عليه. # وظهر في هذا الوقت نقص بيع بني نصار وشراهم عما كان؛ لأجل ما انكسر فيه ~~المذكور، ثم تفرقهم من بعده. PageV01P414 # وفي هذا الشهر نقص أحمد بن الحسن في عدد أصحابه وأجناده، وجعل لهم ثلاثة ~~أحرف على السوية، فمنهم من ترك قبض ذلك، ومنهم من قبض إلا أن الحاضرين عنده ~~الذين لا يفارقونه يلحق بتوفيتهم، فأما الغائبين فلم يزدهم على الثلاثة ~~سواء قربوا منه بصنعاء أو بعدوا، وإنما قصر إلحاق التوفية لمن في ديوانه ~~فقط لا يغيبون عنه، وقيل: إن ذلك بأمر الإمام له؛ لأنه يفعل ذلك، والمنكسر ~~يحاسبه وقت الحساب ويقطع له البز بناقص ثلاثة أرباع، ويصح معهم الربع. # ووصل إلى الإمام هذا الشهر طالب العماني الذي يخرج[95/ب] في المدة ~~الماضية بالأعبي من جهاته، وهو رسول من عمان إلى الإمام، لم يكن معه بضاعة؛ ~~لأنه غير وقتها، وإنما يخرج متى ms097 سكن سير البحر في أواخر فصل الشتاء، والله أعلم. # وفي هذه الأيام اتفقت بالحاج محمد بن أحمد كزبر الدمشقي الشامي الحنبلي، ~~الواصل إلى صنعاء ببضاعة من جهات الشام، بعد أن حج إلى بيت الله الحرام، ~~وزار النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، وكان قد وصل العام الماضي وتزوج في ~~صنعاء بزوجة ثم لم يلبث العام الماضي أن عاد وتعوض من البن الصافي، وسار ~~يؤم تلك النواحي، من طريق البحر، وحج بيت الله الحرام، ثم دخل مع المحمل ~~الشامي، واتفق لبعض من أدخله من البضاعة من الصافي الانتهاب من الحرامية من ~~بلاد عنزة غرب الحجاز، ثم لما دخل مع من دخل بعد ما حصل من الانتهاب استقر ~~بوطنه دمشق إلى قريب الحج إلى بيت الله الحرام، وعاد مع الحج الشامي، فحج ~~أيضا هذا العام، وكان وصوله صنعاء في الشهر الماضي، يستقر فيها إلى موسم ~~الحج، ثم يسافر، وكان وصوله[96/أ] ببعض شيء من بضاعة الشام، ثم يدخل بعوضه ~~من الصافي هذا العام، حسبما ذكر لي، وله معرفة في العلم على مذهب أحمد بن ~~حنبل، مذهب الحنابلة، واستنسخنا على كتاب له يسمى (منتهى الإرادات) في فقه ~~الحنابلة. PageV01P415 # قال: إنه المعتمد في جهاتهم، وعليه مدار الفتوى لأهل مذهبهم، فمما وصف لي ~~المذكور أنه قد حج إلى هذا العام نحو خمسين حجة مع الزيارة، كون طريق ~~الشامي على مدينة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ووالده في الحياة في قدر تسعين سنة، وذكر أن ~~الشام عامر، وذكر المذكور أن الشام وغيره فيه الفواكه المثمرة، وأنه يكون ~~في الخريف حارا شديد الحرارة، ولا يقع فيه مطر، وإنما مطره يكون في الربيع ~~في كانون وشباط، وأنه يشتد فيه البرد شدة قوية، وقد ينزل في الجبال بعض شيء ~~من الثلج في تلك الأيام، وذكر المذكور أن فيه من الصحابة جماعات[96/ب]. ~~وذكر المذكور أن المعتزلة الذين يختلطون بأهل السنة في جهة العراق هم الآن ~~الإمامية الاثني عشرية؛ لأنهم في الأصول معتزلة وفي الإمامة اثني عشرية، ~~وأما غيرهم فلا نعلم بأحد، ms098 وهو كما قال. # وذكر المذكور أن سعد بن زيد بن محسن الذي كان واليا بمكة الأيام الأولة، ~~وجرى عليه ما جرى من التخويف والإزالة لقاهم في شهر القعدة من السنة ~~الماضية بدومة الجندل في حدود تبوك ، قريب الشام، وأطراف بلاد بني لام، ~~وأنه وافق الباشا حسين حال خروجه بعد استئذانه وأمانه، وأنه أخذ رأيه في ~~القصد إلى الأبواب السلطانية، فقال له: لا بأس عليك، فمر وأتم النية ~~والقصد، فسار المذكور وصنوه أحمد صحبته والآغا زالفقار التركي الذي كان ~~معه، وجماعة من خاصته ومماليكه نحو الثلاثين، وأعطاه بعض شيء من المصروف، ~~وكذلك أمير حاج الشام أعانه ببعض شيء، لما شكا من الضرورة نحو خمسين[97/أ] ~~أحمر، ومن أمير الشامي في قدر عشرين أحمر. # وأخبر المذكور أن هذا الباشا حسين هو باشا مدينة دمشق وبلادها، وعليه ~~جميع أعمالها، خرج إلى مكة مع المحمل الشامي بقوته مع الأمير للحج؛ لأجل ما ~~جرى من النهب من الحرامية والبدوان العام الماضي. PageV01P416 # قال: وهو غير حسين باشا الذي خرج الأيام السابقة حال إزالة سعد بن زيد عن ~~مكة، كما مضى خبره، فإن ذلك كان خروجه من حضرة السلطان لذلك الشأن، وأن ~~الهزيمة والقتل الذي وقع العام الماضي في أصحابه، وأن الذي فات حول ثمانية ~~آلاف من المسلمين، قال: وسببه أن الوزير الأعظم كتب إليه أنه يتوقف في مكان ~~عينة من أطراف بلاد الفرنج حتى يأتيه رأيه، ثم إنه حصل إليه القصد من ~~الفرنج، واجتمعوا في جهاتهم، ورجعوا بأجمعهم، فحصل ما حصل[97/ب] وانهزم عن ~~ذلك المحل، وأن السلطان لما بلغه ذلك الحادث تغير واحتمل بنفسه، كما مضى ~~ذكره، وأهم بقتل حسين باشا؛ لأجل اهتزامه، فشفع فيه جماعات من الأعيان ~~والباشات، فترك قتله، وعدل إلى حبسه. # قال: وجملة وزراء السلطان سبعة، وأن أعلاهم في الدرجة الوزير الأعظم وأنه ~~الآن يسمى أحمد، له بعض مشاركة في فقه أبي حنيفة وعلم النحو والأدب، قال: ~~والباشا بمصر الآن له حول سنة وعزل عنها الأول في العام الماضي، وأن ~~السلطان زاد في عساكر ms099 بغداد العام الماضي بمثل النصف، فإن عسكر المعتادة ~~قدر اثني عشر ألف، فزاد مثل ذلك، وعوض الأولين غيرهم، فكانوا الآن قدر ~~أربعة وعشرين ألفا. # قال: وبلاد فاس من أرض المغرب مالكية، وهم في الولاية إلى الأشراف ~~الإدريسية، وكذلك بلاد التكرور فيها أشراف فاطمية، قال: وفي الشام ~~جماعات[98/أ] من الصحابة كأبي الدرداء وغيره مزور مشهور. PageV01P417 # وأما قبر معاوية فمختلف فيه غير متيقن، وأن قبر يزيد بن معاوية قد صار ~~مهملا مهانا، لا يلتفت أحد إليه، بحيث ذكر أنه قد يطرح عليه بعض الأوساخ، ~~وذكر انتظام عمل مكة، وأن السلطان جعل المشارفة فيها للشيخ العلامة محمد بن ~~سليمان المالكي الفاسي المغربي في النظر على مقرراتها وما يصل إليها ~~وقسمتها، ووضع كل شيء في مصرفه، فانتظمت أمورها، وإن كان حصل، مع الأشراف ~~ما حصل فلم يسعهم إلا الامتثال في كل ما فعل. وذكر المذكور مزيد قوة يد ~~السلطان محمد بن إبراهيم بن عثمان، وامتداد يده في كثير من بلاد الفرنج هذا ~~الزمان، وذكر أن في بعض أطراف الشام باطنية زنادقة، من بواقي القرامطة ~~الردية، إلا أنهم مدوخون عن إظهار قبائحهم بدولة السلطان، وأما فيما بينهم ~~فهم عليه يتركون صيام رمضان[98/ب] ويستحلون الحرام، ويعتقدون تناسخ ~~الأرواح، وينفون البعث، قاتلهم الله، وكأنهم من طائفة الباطنية الغلاة. ~~وذكر أن من دمشق إلى محل السلطان قدر أربعين يوما برا. # وفي هذه السنة انحسر بحر صنعاء وقارب الرجوع إلى حالته الأولة قبل ~~الردة،ونقصت الغيول المحدثة، ونزل سيل عظيم في الخريف من جبل الحفا وحدة ~~إلى وادي صنعاء، فأخرب غيل خندقها الذي أحدثه الإمام ودفنه جميعا، وكان هذا ~~في خرابه رابع مرة، فتركوه، وأهملوه ولم يصلحوه، لمشقته وكثرة خرابه ~~وتغيره. # وفي هذه الأيام قد كان توجه إلى جهة جدة بعض شيء من المراكب الهندية، ~~فلما وصلت إلى حدود جازان تغيرت عليهم الريح فردتهم، وهاج عليهم البحر، ~~فرجعوا إلى المخا، والسبب أن أيام الخريف من أوله يهيج البحر اليماني مدة ~~قدر شهرين، فيعسر مروره بالجلاب، إلا على خطر، ثم يصلح[99/أ] ms100 بعد ذلك، ولكن ~~لما تقارب على أهل الهند العود إلى بلادهم، وتضيق وقتهم دخلوا المخا، ولما ~~رأوه من خسارة البيع فيه والشراء. PageV01P418 # ووصل من الهند إلى حضرة الإمام أمير المراكب الهندية السراتية، وكان وصوله ~~في محمل يحمله أربعة، ومعه قدر أربعين نفرا في الخدمة، واعترض عليه في ذلك، ~~وأنه كان يجعل له محفة على شيء من الدواب، ويترك حمل الرجال وإتعابهم، ~~فقال: هم كفار أسرى، ليسوا من المسلمين الأجراء، ولم يلبث أن عاد إلى ~~المخا، ليقارب سيرهم، وتوجه مراكبهم وشرى خيلا من صنعاء، وبالغ في قيمتها ~~أولا، ثم كثر عرضها عليه، فنقص النصف في قيمتها. # وفي ثاني عشر شهر جمادى الأولى منها وصل السيد صلاح وزير أحمد بن الحسن ~~من بلاد الحجرية، بعد أن لحق بعض الهاربين، وظفر بهم، وانتهب من إبلهم ~~ومواشيهم، وقبض جماعة منهم، وصل بهم إلى حضرة محمد بن أحمد بن الحسن ~~بالمنصورة فحبسهم. # [99/ب] وكان بجمادى الثاني وصل تركي إلى حضرة الإمام ثم إلى صنعاء، ولم ~~يظهر منه خبر، بل قال: إنه خرج إلى سواكن ببشارة من السلطان، وأخبرني الثقة ~~أن معه كتابا من صاحب سواكن، اطلع عليه يتضمن إخباره بأن سعد بن زيد وصل ~~إلى السلطان، ودخل في مذهب الحنفية، وأنه اعتذر عن سعايته في شأن حسن باشا، ~~وأنه لم يكن منه فقبل السلطان عذره. ثم تعقبه تركي آخر خرج من اللحية قاصدا ~~إلى حضرة الإمام، وظهر أنه رسول قاصد، فاتفق بالإمام وزلجه الإمام بسرعة ~~وعاد إلى اللحية وركب بحرا، فمن قائل: أن معه كتاب من باشا مصر، ومن قائل: ~~أن معه وصاية، ولعله من أجل هذه الأمور الجارية والأحوال الماضية، والله ~~أعلم بحقائقها. # وروى لي بعض المطلعين على الأخبار أن المتوكل هذه الأيام أهم ببعث هدية ~~إلى باب السلطان محمد بن عثمان؛ ليكون بسببها ترك ما عرفه من التحركات هذا ~~الزمان، حتى أنه أشار عليه من أشار بأنه قد يراها السلطان عادة مستمرة إذا ~~تركها، لم يترك طلبها، فلأجل ذلك تركها، لعلمه بعدم الوفاء ms101 بها. PageV01P419 # واتفق عند ذلك وصول جماعة من أطراف بلاد عمان من المشرق على مطايا، فاخبروا ~~الإمام أن سبب وصولهم إليه هذه الأيام أنهم كانوا في سالف الزمان مستقلون ~~في بلادهم، وأنهم مشائخ على أصحابهم، ثم إن صاحب[100/أ] عمان طالت يده ~~إليهم، وقهرهم وتسلم منهم وعشرهم، وأنهم يريدون الإعانة على تقوية بلادهم ~~ومنعها منهم، فما زال يواعدهم ويماطلهم؛ لأن هذه البلاد نائية ولا مصلحة ~~فيها ولا عائدة، لا تصلح إلا للبدوان، ومن قرب إليهم كصاحب عمان. # فأما صاحب اليمن فبينه وبينهم مقاطع ومسافات، لا تقوم بالنفقات، ~~لحقارتها، ولا فيها خير ولا بركة، تقوم بغير أهلها، وكان وصول هؤلاء ~~المذكورين بأول شهر جمادى الآخرة. # وفي هذا الوقت بغرة هذا الشهر أو آخر الأول اتفق عند حسن ابن الإمام بجبل ~~رازح فرقة، فقتل من القبائل خمسة ومن العسكر نفر واحد. وسببه أن بعض ~~القبائل[100/ب] كان يبيع في العنب بالسوق، فاختصم هو وعسكري في القيمة، ~~فقتل القبيلي العسكري، والعسكر قتلوا عند ذلك الخمسة بإشارة حسن بن الإمام، ~~فلما حصل ذلك الإلمام، أغارت القبائل من القرى والآكام، وقصدوا محل حسن ابن ~~الإمام، فهزموهم إلى القلعة، واحتازوا فيها هم وحسن بن الإمام، حتى صالحوا ~~ذلك الشأن وسكنت الفورة والخصام. ثم تعقب ذلك نزول حسن ابن الإمام إلى أبي ~~عريش في هذا الشهر بجمادى الثاني، فاستقر فيه وأراد الغزو إلى أطراف بلاد ~~الحرامية من بني حبيب ونحوهم، وكتب إلى والده بإرسال عسكر وعينة، فأجاب ~~عليه بترك ذلك هذه الساعة، ولعله حتى يتحقق أخبار ما يصل إلى مكة وهل هناك ~~من جهات السلطان[101/ا] حركة، وكون التحريك في تلك الجهات الشامية يوهم ما ~~يوهم على عساكر السلطان، فالأولى طي هذا الشأن وهو الذي أشار به أحمد بن ~~الحسن وغيره على الإمام. PageV01P420 # واتفق بصعدة في شهر جمادى الأولى قضية، وذلك أن السيد أحمد بن إبراهيم بن ~~محمد المؤيدي وجماعة من السادة والفقهاء في صعدة من الدرسة استنكروا على ~~أهل فندق الحديد مناكير من المعازف والغناء ونحوها، حال عملهم في الليل ms102 ~~للحديد، فرفعوا ذلك إلى علي بن أحمد والي صعدة، فحبسهم، فوصل إلىعلي بن ~~أحمد الفقيه عمر المتولي على الفندق من قبل الإمام، فقال لعلي بن أحمد: ~~هؤلاء أمرهم إلي، فاخرجهم من الحبس، فتغير السيد أحمد وسائر درسة صعدة، ~~وقالوا: هذا منكر قد رضي به[101/ب] هذا الفقيه، فاجتمعوا جميعا عليه وضربوه ~~بجامع صعدة ضربا مبرحا، ثم خرجوا عن صعدة إلى محل السيد أحمد بن إبراهيم ~~وبلده، وكتبوا إلى الإمام أنه إما أزال ذلك الفقيه وعزله، وإلا هاجروا عن ~~صعدة، فأهمل الإمام ذلك الأمر بعد أن كان أهم بإرسال القاضي عبد الله ~~التهامي في شأنه. والمنكر إذا قد ثبت يجب إزالته مهما أمكن على الوجه ~~الواجب الحسن، غير أن مجرد الغناء فيه خلاف بين العلماء، والمختلف فيه على ~~العامي لا ينكر عليه. # واتفق عقبه بصنعاء أن القاسم بن محمد بن الإمام خرج من مسجد الحميدي، ~~فوافق ابن صائم الدهر الخمري ومعه خمر حامل له، فأمر القاسم خدمه بقبضه، ~~فسل عليهم جنبيته، فأمرهم بكفه وضربه بيده ضربا مبرحا حتى سال دمه، فشكاه ~~إلى والده وقال: إن الخمر له[101/ب] ثم إن والده محمد بن الإمام لم يعجبه ~~ذلك بعد شكا إليه المضروب مما جرى له. # وفي آخر شهر جمادى الآخرة وصل كتاب من جدة إلى التجار أنه خرج إلى جدة ~~والي يقال له: إبراهيم بيك، فتولاها [102/أ] ومعه بعض عسكر وزيادة إلى مكة. # وفي هذه الأيام اطلق الشيخ الهيثمي الذي كان محبوسا بحصن كوكبان بحبس ~~الإمام فأكرمه صاحب كوكبان غاية الإكرام، وأركبه حصانا، وسار شاكرا بعد أن ~~حصل في الحبس قراءة القرآن، وهو في الأصل من البدوان، وطال حبسه إلى هذا ~~الأوان. PageV01P421 # وفي نصف جمادى الآخرة وقعت زلازل بضوران، تتابعت قريب مما حصل في العام ~~الماضي. # وفيه اتفق قتل رجل سلاط في شارع بالقطيع بصنعاء في الليل ولم يعرف قاتله. # وفيه اتفق خصام بين حمالين يقال لهم: العوبسات الساكنين في جبل الحفا، ~~خارج صنعاء، وبين بني قرمان فقتل من العوبسات واحد ومصاويب من الجميع، ms103 كان ~~ذلك بقاع الحفا على حمل حب لبعض من اكترى من الصراب إلى صنعاء. # [102/ب]وفي شهر رجب سار علي بن أحمد من صعدة إلى نجران ، لتغلب أهله عن ~~المطالب، فقبضها منهم قهرا. # وفي هذا الشهر وقعت فرقة بين عسكر حسين بن الحسن برداع، فقتل واحد من أهل الشام. # وفي هذه الأيام ظهرت جراد جاءت جهات لحج وأبين ، ومرت في اليمن غير ضرر. # وفي سلخ شعبان وصل طلاب لمحمد بن الإمام من والده الإمام، فسار إلى ضوران. # وفي هذه الأيام وقع بين بني أسد ومرهبة خصام وقتال على حدود ~~المرعى،فقتل من مرهبة رجل وامرأة، ومن بني أسد رجل وامرأة، فخرج عليهم أدب ~~من الدولة. # وفي هذه الأيام طلع السيد حسن الحرة من بندر عدن إلى حضرة أحمد بن الحسن ~~بما معه من محصول البندر، وكذلك لحقه السيد حسن الجرموزي صاحب المخا، وصل ~~إلى حضرة الإمام لمحصول الموسم فيه يقال: فوق مائة حمل من البز والدراهم، ~~فاستقل ذلك المحصول الإمام، فإنه كان والسيد زيد يحصل قريبا منه، ولم يكن ~~في مدته له إلا نصف محصوله، ونصفه لمحمد بن الحسن في أيامه. # [103/ب] وفي هذا الشهر زلج الإمام الشيخ الدرع من مشائخ المشرق، الذي ضمن ~~عليه الهيثمي، أعطاه عطاء واسعا، وسار بلاده بعطاء فوق قدر حالهم ومنازلهم، ~~وأما الهيثمي فمنع من عزمه الحسين بن الحسن. PageV01P422 # وانقطع هذا العام والذي قبله ما كان يرسل به من حضرموت، وهو شيء يسير لا ~~يكاد يقوم بما ينفعه على من وصل من مشائخه، مع أنه لم يبق منه إلا الإسم ~~بعد الثمانين وألف، لعوده إلى آل كثير الذين كانوا أولا به، كما سبق ذكره، ~~وكان حاله ذلك كما قال ابن المقرب في ديوانه: # أموالهم لذوي العداوة نهبة # وعن المكارم في ندا الجوزاء # لا يعرف المعروف في ساحاتهم # إلا كما يحكى عن العنقاء # وقوله أيضا: # ولا يعد كريما من مواهبه # تمسي وتصبح في أعدائه ديما # والبخل خير من الإحسان في نفر # أبرهم بك من أغرى ومن ختما # وواسع ms104 الجود في أعداء نعمته # كمودع الذيب في بر له غنما # من استخف بأرباب العلى سفها # وسامها الخسف أدمى كفه ندما # والإمام عذره التأليف لهم، لمصلحة سكونهم عن الفساد، ولكن فسادهم في تلك ~~الأطراف على أنفسهم لا تزال بينهم. # والجراد عادت من الشام إلى الجنوب[104/أ] ولم تضر لظهورها في فصل الشتاء، ~~بعد رفع الناس للثمار، مع أنها صارت تأكل من الحشيش والمراعي، ولم يحصل ضرر ~~منها، مع سقوط الأسعار إلى الغاية، بلغ قدح صنعاء إلى اثني عشر بقشة، وهو ~~زائد بالنصف على ما كان أول هذه الدولة، فيكون سعر القدح القديم الذي كان ~~في مدة المؤيد بالله سبعة كبار ستة كبار. # وفي هذه الأيام لما طال بقاء الذين وصلوا من أطراف بلاد عمان عند الإمام ~~طلبوه الزلاج والإمداد، وإن لم فهم عازمون إلى بلاد السلطنة، وباشا البصرة ~~وبغداد لطلب المعونة، وأن بلاد السلطنة إلى بلادهم أقرب من تلك الجهة، ~~وأنها ما بين عمان والعراق. PageV01P423 # وروى بعض البدو من المعضة الذين في سفال الجوف أن بينهم وبينهم مسافة سبعة ~~أيام في الرمال، وبينهم وبين العراق مثلها، وكانت بلاد عمان من أول إلى ~~سبعة، كل جهة يليها شيخ بلادها وقبيلتها، ثم أنه استولى على الجميع هذا ~~الزمان الذي فيها، فهؤلاء ممن كان[104/ب] الأمر في بلاد لهم، فمرادهم في ~~الظاهر رفع يد سلطان بن مرشد العماني اليعربي عنهم. ولم يكن هناك مصلحة ~~للإسلام من أهل اليمن، لدخولها، لبعدها ومشقة طرقها والمقاطع فيها فيما لا ~~تحمل القاصد إليها بل ولا هي تحمل من سكنها لغير أهلها. # وقد قال تعالى: {وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة } ~~فإن هذه الآية نزلت في النهي عن إلقاء النفس في التهلكة في المقاطع ~~والآفاق، من غير نفقات فيها وما يحملهم من أرادها، وهذا كالمتعذر، والبحر ~~لا صناعة لأهل اليمن في عبوره وحروبه، ولأن اليمن كثير المعارضات من أهله ~~والمخالفات، فإذا سارت عساكر إلى تلك الجهات رفعت رؤوسها من كانت المخالفة ~~مضمرة في خاطره، فالأولى طي ذلك، والاشتغال ms105 بالموجود عن طلب المعدوم، ~~والسعي في الإصلاح. # [105/أ] وفي ليلة الأربعاء نصف شهر شوال خسفت القمر فجرا في برج السرطان ~~بعقده الذنب، وغربت خاسفة. وكان خسوفها العام الماضي في هذا البرج، إلا أنه ~~كان عند طلوعها. # وكان في هذا الشهر أيضا بأوله اجتماع الخمسة الكواكب برج الجدي الشمس ~~والقمر والمريخ والزهرة وعطارد. # وجهز الإمام مع حاج اليمن الذين يعبرون طريق تهامة النقيب فرحان، فسار ~~آخر الشهر. # وفي هذه الأيام وصلت أخبار بأن العماني خرجت جلابة إلى البحر، وفيها ~~عساكر، ولم يتحقق قصده بها، والله أعلم. PageV01P424 # وفي هذه الأيام قالت عجوز من عجائز صنعاء أنها تعرف زمان الإمام شرف ~~الدين[105/ب] وزمان أولاده المطهر وعلي بن الإمام ، حيث كان في حصن ذمرمر ~~من قبل نزوله إلى اليمن، وجميع الباشات، وأن عمرها إلى الآن قد صار في نحو ~~مائتين سنة. # وفي الشهر الماضي حصل في بلاد هزم قتل امرأة بضربة في رأسها من زوجها ~~بسبب تهمة فيها في فاحشة تعدي عليها، بغير طريقة الشرع ظلما وطرحها في ~~ماجل، فاستجاش أبوها عليه فوقع مقاتلة راح جماعة من نساء ورجال، بسبب ذلك ~~الفعال، فخرج عليهم أدب وعسكر من جهة الدولة. # وفي وقت السحر من ليلة السبت ثالث شهر شوال، وقعت زلزلة بصنعاء وغيرها، ~~انتصب النائم من نومه، وتبعتها أخرى مثلها، فلله الأمر. PageV01P425 # وفي هذه السنة والتي قبلها أصاب رجلا في يده آكلة، ما زال معذبا بها مدة ~~طويلة، لا يذوق فيها المنام، ولا يهنيه الشراب والطعام، حتى أجافت، ولا ~~يقدر أحد يدخل منزله، الذي فيه مسكنه. وكان المذكور سنادارا أولا في مسجد ~~الخراز، ثم في مسجد الأبهر، وكان شابا طويلا عظيما، ويقال: إنه من القبائل، ~~ليس من أهل المدينة، ثم أنه لما طال به ذلك ولم ينفعه الدواء قطع يده ~~اليمنى باختياره، أمر من يقطعها له[106/أ] ودملها بالسمن والقطران، وكان قد ~~أشرف على الموت، ونحل جسمه، وصار عبرة لمن رآه. وسبب ذلك كما وصف الواصف ~~أنه أفسد وجنى هو وآخر معه، وكان قد طال عمله ms106 وفساده، ثم إن والي المدينة ~~محمد بن الإمام طلبه، فاعترف صاحبه، فأقام عليه حد الزنا، وهو مد يمينه ~~لليمين فيما وقع منه وجنى، وربما قد فعل غيره من السيئات والعظائم من نحو ~~السرقات، فوقع فيه تعجيل العقوبة، فنعوذ بالله من سخط الله، ونسأل الله ~~الحماية وحسن الخاتمة، فمن رأى حالته هالته، وعلم أن التجارئ على الأيمان ~~وسائر الكبائر والعصيان عظيم الشأن، وأما الأيمان الفاجرة فالأغلب فيها ~~المعاجلة، فقد رأينا عقاب أهل وادي السر بأيمانهم الفاجرة، كما سبق ذكره ~~فالحذر الحذر من التساهل في الأيمان والطغيان. # وفي هذه الأيام أمر الإمام[106/ب] في جميع اليمن أن تقوم أموال الذميين ~~وأملاكهم، ويؤخذ منهم العشر، فجمع للإمام شيء كثير من ذلك. # وفي هذه السنة سار حسن بن الإمام إلى جهات فيفا، أخذ منهم شيئا من ~~الطعامات؛ لأنهم لا يسلمون الزكاة، ثم طلع جبل رازح. PageV01P426 # وفي يوم الخميس ثالث الشهر سار الإمام إلى معبر من ضوران، لما كثرت الزلازل ~~فيه والرجفات، ولا سيما رجفة ليلة السبت، فإنها كانت رجفة عظيمة في ضوران، ~~حتى تشققت أكثر البيوت هنالك وخربت زريبة غنم أو بيت على الغنم، وانشق دار ~~الحصين شقا عظيما، ودعموا الدار الخضراء بالدعائم، وسقطت غرة بالجامع، ~~وانشق دار السيد حسن الجرموزي الجديد وكثير من سائر البيوت، ولم يبق بينها ~~وبين الخراب إلا اليسير، وتساقط من جبل ضوران كثير من الحجارة، وكانت هائلة ~~عظيمة، وهي التي امتدت إلى صنعاء في سحر ليلة السبت كما سبق، إلا أنها كانت ~~بصنعاء خفيفة، والله يرحمنا. # روي أنها لما وقعت بضوران دامت قدر قراءة شرف يس، تزلزلهم زلزالا شديدا ~~حتى خاف منهم من خاف بانهدام البيوت عليهم، وسقطت أواني الصين من الطاقات ~~والعلايق، ومنهم من أراق الماء، ومنهم من أجراه بطنه دما[107/أ] فأفزعتهم ~~إفزاعا عظيما، وكذلك سقط التراب من الجدرات، ثم تبعها أخرى يوم الجمعة في ~~ضوران حال خروج الإمام، ثم تبعها أخرى بضوران ومعبر يوم الإثنين، ولم يكن ~~في غير هذه المواضع شيء منها. # وفي خلال هذا وصل الخبر ms107 إلى الإمام بوصول برشات إلى حدود باب المندب، في ~~البحر أو ما يقرب منه. قيل: من عسكر العماني، فأرسل أحمد بن الحسن من صنعاء ~~السيد الحرة متولي بندر عدن بالمبادرة بالنزول إلى جهات عدن، وكان عهيدا ~~بعرس، وزواجة في الغراس، فسار بجماعة من الناس، وأحمد بن الحسن أيضا خرج من ~~الغراس إلى الروضة، ورفعت قبائل المشرق رؤوسها مثل بلاد العولقي، وبلاد برط ~~من دهمة،وأرسل أحمد بن الحسن ابن مذيور الحيمي إلى جبل الفضلي عقب الحرة، ~~[107/ب]وانتهبت برط من دهمة قافلة بالعمشية هذا الشهر فيها بز وحمولة مصدرة ~~لتجار من صنعاء إلى صعدة، فسار أهلها يشكون على الإمام، فكتب إليهم بردها، ~~والله أعلم ما يكون في شأنها. PageV01P427 # ثم تعقب منهم مغزى لقافلة أخرى إلى بلاد آل عمار وأطرافها، فتواقعوا ~~فتوافقوا، ووقع في الفريقين مصاويب، وسلمت القافلة، ولكنهم استفردوا بعد ~~ذلك برعاة من آل عمار انتهبوا عليهم بعضها، ثم غزوا ثالثا إلى الجوف، فلم ~~يظفروا، وشعر بهم أهل الجوف فهربوا وقال من قال منهم: إن الإمام يجعل لهم ~~مع السبار الذي للعسكر بعيان، وعليهم درك العمشية، ولا يجرى منهم فيها خلل ~~ما دامت الجامكية. # ولما استقر الإمام بمعبر طلب شرف الدين الحسين بن الحسن من بلاد رداع، ~~فوصل إليه، وذكر أن سبب وصوله مراودة في شأن الشيخ الهيثمي، فإن حسين بن ~~الحسن قال: ما يصلح رجوعه بلاده؛ لأنه يخشى منه التمحيق هنالك، وقيل: أنه ~~حصل بعض خلل في المشرق، من بلاد العوالق ونحوها، والله أعلم. # وذكروا في هذا الشهر أيضا لحقت زلازل أخر بضوران، إلا أنها خفيفة، ~~والإمام كما وصف الواصف في تلك الزلزلة الكبرى استرجع، وظهر عليه استقام ~~الأمر، حتى روى الراوي الثقة أنه استعبر وبكى. # [108/أ] واعلم أيها المعتبر أن هذه الزلازل دوامها وتكريرها في هذا ~~الموضع هذا العام والعام الماضي، كما سبق ذكره، حتى أنه في العام الماضي ~~شرعوا في تعداد حصرها وتجميلها، فلما كثرت وبلغ عددهم لها إلى سبعين زلزلة ~~ملوا تعديدها، ثم ما لحقت هذا العام في ms108 هذا التاريخ، له شأن عظيم، وأمر من ~~الله تعالى جسيم؛ لأنا لم نعلم بحصول مثل هذا الاستمرار من الزلازل في ~~التواريخ والأزمان، وإن حصلت في مكان دون مكان لكن لا يبلغ تكررها إلى هذا ~~المقدار، ولا استمرت إلى مثل هذه المدة المستمرة في هذا الزمان، وإن لها ~~لشأن عظيم، والذي ظهر لنا في أقوى أسبابها ما تواتر لنا عن كثير من ~~الناقلين للفساد ببلدة ضوران، والإصرار عليه وتكاثره وتكرره من الفساق حتى ~~غلب أهل ذلك البلاد. PageV01P428 ### | ودخلت سنة سبع وثمانين وألف # في محرمها توفي القاضي عبد الله التهامي، قاضي السودة. # وفيها وصلت رسالة من الهند من بعض الصوفية الحلولية الذين فيه إلى مكة، ~~وفيها فلسفة، فأجاب عليها بعض علماء أهل السنة، وكفر المنشئ لها، وكتبوا ~~إلى سلطان الهند أنه يحرق كتب المنشئ لها. # وفيها وصل العولقي إلى حضرة المتوكل شاكيا من حسين بن حسن. # [108/ب] وفي سابع محرم كان تحويل السنة عند المنجمين، دخول الشمس أول ~~دقيقة بالحمل، وزحل كان بالثور، والمشتري بالدلو، والمريخ في أول درجة من ~~الأسد، وعطارد مع الشمس إذ لا يفارقها، والزهرة بالثور. # وفي يوم الخميس نصف ربيع الآخر خسفت القمر ببرج الجوزاء، قدر أصبعين، ~~وتجلت بسرعة. # وفي هذه السنة وصل جواب السؤال الذي بعث به المتوكل إلى مكة في العام ~~الأول، وهو في بيان اللطيفة في قوله تعالى: {وبنات عمك وبنات عماتك وبنات ~~خالك وبنات خالاتك} كيف جمع بنات العمات وبنات الخالات وأفرد بنات العم ~~وبنات الخال؟ فأجابوا بجوابات متفقة المعنى مختلفة الألفاظ، كما رواه الحاج ~~محمد الحلبي الكتبي المصري ثم المكي الذي أودعه المتوكل ذلك السؤال، قال ~~الحلبي: فوصلت بجواب إلى المتوكل، وقد كان مريضا فوقف عليه، قال: وكان أحد ~~المجيبين الشيخ العارف محمد بن سليمان المالكي المغربي، ولم يعرفني بلفظ ~~جواباتهم، وكنت قد أجبت بجواب ذكرته في كتابي (الأطراف). # ووصل إلى المخا أول المراكب، وفيها هدية من سلطان الهند للمتوكل وصدقة ~~لأشراف اليمن، وحصلت فتنة في البحر بين العماني والفرنجي[109/أ]. # وفيها كثرت الفلوس ms109 من المناقير التي ضربها أحمد بن الحسن بالغراس، فأمر ~~المتوكل أن تكون البقشة بثمانية مناقير، فلم يسعد أحمد بن الحسن، وقال: لا ~~تكون إلا بأربعة؛ لأنها كبار، فاختلفت الناس في التعامل بها، فمن الناس من ~~أخذها بثمانية ومنهم بأربعة. PageV01P429 # وفيها حصل انتهاب في طريق العمشية، وأهل الطريق أهملوا حفظها، قالوا: لأن ~~الدولة ما زاد أعطتهم ما يعتادونه فيها، وانتهبت الحرامية في مراحل الحجاز ~~من وسط القطر للجمال، ولم ينفعهم الآغا فرحان؛ لأنه تقدم أول الجمال. ووقعت ~~فرقة بشهارة بين أصحاب أحمد بن المتوكل. # والمتوكل زلج البدو الشكاة الذين وصلوا من أطراف بلاد عمان، الذين شكوا ~~من العماني أنه استولى على بلادهم، وهي في أطراف جهاته، وكانت طريقهم الرمل ~~طريق المشرق من شبوة وحدود حضرموت، وقال: بلادكم بعيدة، وطرقها مقاطع عن ~~عيون الماء، لا يمكن نزولها ولا المرور فيها لغير أهلها، مع بعد عمان أيضا. PageV01P430 # وفي شهر ربيع الآخر منها أرسل حسن بن المتوكل من[109/ب] رازح إلى صعدة بحلة ~~من أهله، وأنهم يسكنون بدار مطهر بأمر من الإمام، كان ظهر، فتغير خاطر علي ~~بن أحمد من وصوله ودخوله؛ لأجل ما قد جرى من مضاررته له حين قدومه؛ ولأجل ~~إخراجه من دار مطهر، فإنه شق به الأمر، وعظم عليه الخطب والقهر، لما كان ~~الله تعالى قد قرن بالخروج القتل، كما قال تعالى: {ولو أنا كتبنا عليهم أن ~~اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم} وكان نية ~~الإمام تضعيف يد علي بن أحمد والعزل، من جميع نواحي ما إليه في صعدة من ~~النهي والأمر والعقد والحل، وأن بلاد الشام تكون كلها إلى ولده الحسن، فعند ~~ذلك أمر بردهم، وكتب إلى الحسن بن الإمام وقد صار في مجز كتابا مضمونه: ~~أني كنت قد نهيتك عن دخول صعدة، والوصول هذه المدة فأنت مخير إما رجعت من ~~حيث جئت، أو وصلت وعلينا تأمينك في الطريق إلى اليمن عند والدك، أو الحرب ~~بيننا[110/أ] وبينك ومناجزتك، فسعى الساعي بينهم أنه لا ينبغي رد أهله ms110 وقد ~~وصلوا إلى باب صعدة، غير أنهم يدخلون ويسكنون في دار محمد بن الحسن، ~~فأدخلوهم إليه وسكنوا فيه، وأما حسن بن الإمام فإنه عاد من مجز يريد إلى ~~ساقين من أجل حوائجه التي قد بلغت إليه، فمنعه عن ذلك أهل عرو ، لما وصل ~~إليهم، وقالوا له:يكون المبيت عندنا ولك النظر من بعد. وكانت وصلت كتب علي ~~بن أحمد إلى أهل عرو بمثل ذلك، وأنهم يمنعونه النفوذ إلى هنالك، فلما أصبح ~~الصباح كثرت عليه الأراجيف والقبائل، فامتنع عن دخول ساقين، وسار راجعا إلى ~~جهة رازح، لا يريد إلا النجاة، وترك الأمر الذي كان يهواه، وسار صحبته ~~جماعة من بني بحر على صفة الرفقاء له، حتى تخلص إلى بلاد رازح، ثم قصد علي ~~بن أحمد إلى ساقين، لأجل الاستيلاء على أصحاب حسن المتأخرين[110/ب] ومعهم PageV01P431 فيها خزانة حسن بن الإمام التي جاء بها من رازح، فوقع الحرب بين الفريقين، ~~أصحاب حسن وعلي بن أحمد، فراح أربعة من أصحاب علي بن أحمد، ومن أصحاب حسن ~~واحد، ثم استولى علي بن أحمد عليهم وأمنهم وأسرهم، وانتهب الخزانة . # وكانت هذه القضية أعظم حادثة في مدة هذا الإمام وإيقاظ الفتنة وهي نائمة ~~ولا سيما بين الأقارب والأرحام. ولما وقع هذا الحادث الذي جرى، بعد أن قد ~~كان جمع القبائل من سحار وآل عمار حال خروجه من صعدة، وأخبرهم بما هو سائر ~~فيهم من العدل، وعدم الجور عليه، وما عليه حسن بن الإمام من السيرة ~~المكروهة، وأن الإمام قد اشتدت به الآلام، واختلت إمامته هذه الأيام، وأنه ~~يريد الدعاء إلى نفسه بالقيام[111/أ]، وأنه طالب منهم المناصرة والنصح ~~التام، فأجابوه إلى ما طلبه منهم، وعقدوا له البيعة وأنه الإمام فيهم، ~~وتلقب بالمنصور بالله، ثم أمر جماعة إلى بلاد رازح لمضاررة حسن بن الإمام، ~~وإخراجه من ذلك المحل، ولا يبقى له فيها نفوذ كلام، وخلع إمامة الإمام ~~إسماعيل وأجابته قبائل الشام ، ودخلت في أوامره ونواهيه إلى حدود بلاد ~~سفيان وما إليه. وانقطعت أوامر الإمام إسماعيل فيه بالمرة، وتغلق حكم الشام ms111 ~~أجمع في هذه المدة، ففرح بهذا كثير من الناس، لما قد نالهم من التقصير من ~~جانب الإمام وأولاده في هذه الأيام، وقبلها وما قد كابدوه من الصبر ~~والتقصيرات الكثيرة في أكثر أوقاتها[111/ب]. PageV01P432 # ووصل من علي بن أحمد كتاب إلى أحمد بن الحسن يومئذ، من جملة قوله: قد عرفتم ~~ما صار يجري في هذه السيرة من الأمور المخالفة للكتاب والسنة، وأن الإمام ~~المفترضة طاعته لها شروط معتبرة، من اتصف بها وجبت طاعته، ومن خالفها فليس ~~بإمام مفترض الطاعة. ثم إن في هذا الأوان طرأ على الإمام -لو فرضنا استقامة ~~السيرة- ما هو مبطل لإمامته، وذلك هو الزمانة المفرطة والعجز والركة، حتى ~~ضاعت بسبب ذلك أمور المسلمين، وأهملت حقوقهم، فحينئذ نهضنا بعد الاستخارة ~~والدعاء إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسيرة الأئمة ~~الراشدين، والدعاء إلى الرضا من آل محمد، فإن وجدنا من هو أرضى منا وأقوم ~~بحق الله اتبعناه وبايعناه، وإلا فنحن قائمون بما يجب بحسب جهدنا وطاقتنا، ~~وأنتم بأمر الله يجب عليكم القيام بما يجب غير معرجي على ما يفوت من الملك ~~والدنيا، وصدرت من ساقين بعد الوصول إليه، وقد أجابنا إلى ما دعونا إليه ~~كافة أهل الشام من سنحان وخولان وهمدان ومن جماعة وسائر أهل الشام، وفي ~~ملحق بخط يده المراد أن النظر في هذا الأمر متعين عليكم، وقد عرفتم وتحققتم ~~أن الأمور على غير طريقة، والوجوب متعين عليكم، فإن عرفتم من أنفسكم النهضة ~~بهذا نهضتم وأظهرتم الدعوة، ونحن متبعون على البر والتقوى. PageV01P433 # ثم في ملحق ذكره آخر يقول فيه: إلى الصنو أحمد بن الحسن -حماه الله-المقصود ~~أن الأمور قد صارت مختلة بلا شك، ولا يجوز للجميع من جهة الله السكوت عليها ~~والحال هذا، والصنو[112/أ] العلامة قاسم بن المؤيد بالله ذكر لنا أنه قد ~~كتب إليكم، وأشبع لكم الفصل ومنتظر لجوابكم، ولا تزال المكاتبة بيننا وبينه ~~في هذا الشأن، وكذلك الصنو يحيى بن حسين بن المؤيد بالله لما وصل إلينا إلى ~~صعدة قد حصل التراود بيننا وبينه في هذا الشأن، ms112 ووجدنا عنده ما لم يكن ~~عندنا من الأمور القادحة، فإن بنيتم على اجتماع الكلمة حصل التراود فيمن ~~يقوم بهذا الأمر، وإن بنيتم على ترك القيام بحق الله فقد بنينا على استدعاء ~~السيد محمد بن علي الغرباني صاحب برط، ونختبره وننظر ما عنده. # وأجاب عليه أحمد بن الحسن بأن كان عليك المراجعة قبل هذه الخرجة. # وعند ذلك وصل كتاب المتوكل إلى أحمد بن الحسن بنهضة إلى الشام على علي بن ~~أحمد يقول فيه: بعد الترجمة وبعد فإنه احتاج الحال إلى تدارك هذه الأمور ~~العظيمة، والحسم لمواد مفاسده الجسيمة، قال: وقد سبق إليكم صحبة السيد صلاح ~~بما فيه كفاية، ولكن الحال كما بلغ إلينا قد بلغ الغاية، فالبدار البدار ~~البدار بالارتحال، والسرعة السرعة قبل أن يقع والعياذ بالله الإخلال. # وذكر أبياتا من الشعر متمثلا بها، ومادحا لأحمد بن الحسن، ومثيرا لعزيمته ~~فيها، وقال: حرر تأريخه ثالث وعشرين شهر جمادى الأولى سنة 1077ه. PageV01P434 # وعند هذا الجاري من الخروج على الإمام المتوكل صدق قولنا بأن اليمن لا ~~ينبغي لصاحبه أن يتشاغل بالقصد إلى غزو إلى بلاد غيره والخروج عنه؛ لأنه ~~كثير الاختلاف والمعارضات والدعوات، والكثير من أهله كامنة فيهم طلب ~~الرياسات، ولذلك صح قول[112/ب] بعض ملوك بني رسول لما اطلع بعض خاصته على ~~ما جمعه من الخزائن والمحصول، فقال ذلك الرجل للملك: لو تريد فتح مصر بهذه ~~الخزائن الكثيرة فما الذي يصدك عنه وهي هكذا مجموعة؟ فقال مجيبا عليه: هذه ~~تحتاج لمن يعارض في اليمن بأقداح الشعير من الخارجين فيه عند الإهمال ~~والتقصير، فاستصوب رأيه ورجع إلى قوله. # والكل إخوان وأقارب، لكن الملك عقيم والمحملين عليه لا يزالون في كل وقت ~~لهم فيه القول الجسيم، لا سيما أهل الأطماع والرعاع من الناس الذين يحثون ~~إلى الأهواء، والله يصلح كل فساد ويلم شعث المسلمين. # وسبب هذا الأمر من علي بن أحمد أن الإمام لما وقع[113/أ] منه الكتاب إلى ~~ولده الحسن أنه يتقدم إلى جهات صعدة ويقرب من ضبط القبائل الذين صاروا ~~يفسدون في طريق العمشية ms113 لإهمال علي بن أحمد لهم وعدم مبالات القبائل لأمره ~~فيهم لما هو عليه من مصالحتهم والإستظهار لأمره بهم، وصار ما يجري منهم من ~~الفساد ونهب أموال العباد يتغاضى له أو يرضى به لأول مطابقته لهواهم ~~والاستظهار بهم وهم مالوا إليه واستنصروا به لما أحسوا بأن الإمام صار في ~~نفسه عليهم من جهة سوء أعمالهم، فحملوه على الدعوة وأن يكون إمامهم، وصار ~~كما قال شاعرهم: # لهوى النفوس سريرة لا تعلم # ولم يجبه من الفضلاء من يعتمد عليهم، وإنما انقاد له هؤلاء ممن ذكرناهم، ~~وكانوا ممن دخلوا في سلك الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: ((الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها ~~)).[113/ب] PageV01P435 واتفق عند هذا أن أحمد بن الإمام أراد إخراج رصاص من المخزون في حصن شهارة، ~~كون أمرها ونهيها إليه، فاعترضه قاسم بن المؤيد، وعصب معه أهل شهارة، ~~وقالوا: هذا معدود بشهارة لا يخرج عنها، فافترقوا على غير طيبة نفوس بينهم. # وفي سلخ جمادى الأولى أخرج أحمد بن الحسن الوطاق، وبرز به خارج الغراس ~~لقصد علي بن أحمد على مقتضى أمر الإمام إلى تلك الآفاق. # وفرق محمد بن الإمام على أهل سوق صنعاء دراهم لمن يسير منهم، معهم فتضرر ~~من تضرر منهم بما فرق عليهم، لما حصل من الزائد والناقص لا على قدر ~~أحوالهم. # وفي ليلة الجمعة وقت السحر وأول الفجر خامس شهر جمادى الآخر سنة سبع ~~وثمانين وألف مات الإمام المتوكل إسماعيل بن القاسم بن محمد بجبل ضوران، ~~وكان مرضه وانحطاط قوته يوم الثلاثاء والأربعاء، والخميس تنفس، واتفق به ~~جماعات وابتهج وبش، وكان ضعفه قد أوهاه وقل قواه من ذلك الألم الذي طال به ~~من الباسور، وكان وصول الخبر مدينة صنعاء صبح يوم السبت بوفاته ومضي دولته ~~وأيامه. وقبر صبح يوم السبت في جبل ضوران، وكان مولده كما ذكره[114/أ] ~~السيد إسماعيل بن إبراهيم جحاف ونظمه بقوله: # أوفى البرية عند الله ميزانا # فهاك تاريخه في شهر شعبانا # خليفة الله إسماعيل مولانا # في ليلة النصف من شعبان مولده # يريد بذلك سنة تسع ms114 عشرة وألف. # وكان في مدته أحوال الناس ساكنة في غالب وقته، لم تحصل له معارضة في ~~أمره؛ لأجل قيام أولاد إخوته بنصرته، وحفظهم لما أمرهم به من البلاد ~~بعساكرهم وعساكره. PageV01P436 # فلما مات محمد بن الحسن، تقاصرت أحوال كثير من الناس، وتغيرت عليهم ~~الأحوال، وما ألفوه من العطاء والقرب لبعض الأغراض والموافاة والعادات، فشق ~~على كثير تلك الحالات، وعسرت عليهم كثرة المراجعة والملاحقات، فمنهم من صبر ~~وأخذ بعد العسرة ما صدر، ومنهم من زرع ماله واشتغل عن الطلب في أكثر ~~أحواله، وكثر منهم التشكي والتوجع ولكن لا يجدي ذلك، كما قال المتنبي شعرا: # تعبت في مرادها الأجساد # وإذا كانت النفوس كبارا # وحصل بسبب ذلك بعض الإهمال وعدم النفع، ولولا أن مملكة اليمن لم يبق فيها ~~من المعارضين، والملوك الذين كانوا فيما مضى كائنين، لكان بسبب ذلك الخلل ~~العظيم، ولمال من الناس عنه من يميل، إلا أن الأمور لما اجتمعت لأولاد ~~إخوته وهم معاضدون له استقامت لهم الأمور واجتمعت الكلمة في هذه الدهور. # [114/ب]وللسيد أحمد بن محمد الآنسي الشاعر قصيدة طويلة منها قوله: # أما الإمام أصلح الله دولته # وزاده بسطة ما أورق العود # فقد أجاع ذويه ثم قال لأبناء # العراق عودوا للنديم عودوا # وفي الخزائن مالا عد يحصره # ولا حواه ابن مودود ومودود # ما بالخليفة من قل ولا بذوي ال # حاجات من قبل لو يسعد الجود # كم فارق الباب من شيخ ومن حدث # باك وكم آب بالحرمان مطرود # وكم تلونت الحرباء بوجه فتى # فؤاده من هوان الباب مفؤود # وإن سمعت بفتح الباب آونة # فلا تلجه فباب البذل موصود # تجاوز النفر الأدنى بنائلة # وفاز منه بحظ الأبيض السود # فكم من الشحر أوبغداد أوبلد ال # إحساء لعمرك مذروع ومعدود # ولا تقل أنا من أبناء فاطمة # ولا ذرى يمن آبائي الصيد # أتجمع المال بعد المال معتبرا # بمن مضى ولجمع المال تبديد # جمع المكارم أولى ما همت به # ولن تكن وسيف البذل مغمود # وكل بذل أتى من بعد مسألة PageV01P437 وطول مطل فمذموم ومنكود # ما يصنع المرء ms115 بالدنيا وزخرفها # وجمعها وهو في الأطيان ملحود # بمن مضى لذوي الألباب معتبر # غالت جموعهم السودان والسود # هذا يناهبه الحساد والسفل الأ # وغاد وهو لا ترثي له الدود # الله أنزل آيات مبينة # فيها لمطلق ما يأتيه تقييد # فاعرض على حكمها ما أنت فاعله # تلقى الإله غدا والسعي محمود # [115/أ]وأراد الشاعر المذكور أن البذل كان للبعيد دون أهل البلد القريب ~~فمطرود وفي حيز التشريد، والأمر كما قال بلا إشكال، وكان الولاة العمال معه ~~هم المقدمون في الأقوال والحجة على غيرهم من الرجال، ولا ينال أحد من ~~أرحامه صلة ولا عطية حسنة، ولا أخلاق إليهم مرضية، إلا من كان منهم من ~~ولاته، بل استأثر بالأموال، وأعطاها أولئك الرجال، للتخيل معه أنه يستميلهم ~~إلى مذهبه وطاعته من طلب المحال، والعلماء لا يبذلهم بالعطاء ولا يذكرهم ~~بالإحسان، كما كان عليه سلفه فيما مضى، بل هم عنده في حيز الإهمال، يريد ~~تبعيدهم عنه لا يقربهم؛ لأجل يسلم من الاعتراض عليه في أوامره ونواهيه ~~منهم، فلا قوة إلا بالله، واقتدى به في أيامه سائر ولاته وكذلك من بعده، ~~حتى بلغ بهم الحال النقص في المقررات والعادات التي كانت جاريات. وخطيب ~~صنعاء أيضا أنشد القصائد في الهجو لمحمد بن المتوكل لما نقص عليه ما كان ~~يعتاده، ولم يعطه ما طلب من قضاء دينه، كما كان يعطيه والده، وسافر إلى ~~اليمن الأسفل وأنشد القصائد في مدح أمرائه، للتعرض لعطاهم خصوصا بعد وفاة ~~المتوكل وأحمد بن الحسن، وهذا الخطيب يسمى محمد بن إبراهيم السحولي- بالسين ~~المهملة المضمومة وضم الحاء المهملة -نسبة إلى أصل بلدهم سحوله بأطراف قاع ~~جهران[115/ب]. # وكانت العادات السالفة، والتقارير التي كانت أولا ماضية جارية، لا هو ~~أوفى الناس ولا هو عدل في الرعايا بل زاد عليهم المطالب، مع النقص في ~~الغالب، فلا قوة إلا بالله. PageV01P438 # وأخبر السادات والأغنياء أن الزكاة محرمة عليهم وأنها لا تحل لهم، فالورع ~~منهم تركها وابتغى من فضل الله تعالى عوضها ممن كان له منها وهم اليسير، ~~والأكثر ما عذروه عن الطلب ممن هو ms116 ملازم لمقامه ما هو له، وكذلك الأغنياء ~~كما أخبر أنها لا تحل لهم، فمنهم من أعطاه، ومنهم من حرمه وأقصاه. ولا شك ~~أن الزكاة حرام على بني هاشم وعلى الأغنياء إلا أن منهم ابن سبيل وغارم ~~ومجاهد ومؤلف وفقير. ومع الزكاة من البلاد مرتفعات غير الزكاة كالمعاون ~~والضيف، وهي تقوم بالجانبين[116/أ] إلا أن المذكور جعله عذرا في الحرمان ~~زكاة، مع أنه زاد على ذلك في أيامه في المطالب الكثيرة في اليمن الأسفل من ~~غير الزكاة المفروضة، بما يكثر محصوله، ويجتمع الكثير مدخوله. وكان كما قال ~~بعضهم إنما الناس مسخرون لهذا الإمام، وإلا فمن رأى الأحوال عجب في ~~الاستمرار. وكان القائم معه محمد بن الحسن، وإليه أكثر اليمن فكانت الأمور ~~في أيامه جميلة، وأحوال الناس مستورة. PageV01P439 # فلما مات ظهرت العجائب، وما زالت الأمور إلى نقص وفيها غرائب، مع أنه ناقض ~~قوله في الزكاة، فإنه قال: اليمن خراجي، مع بطلان قوله ومخالفته لإجماع من ~~قبله، فكان على قول مذهبه تحليل الزكاة لمن منعه[116/ب]، ولعله إنما أراد ~~بذلك التحيل على الناس وإلا فلا يخفى ذلك، فأما الولاة فصاروا يفعلون معه ~~ما شاؤوا وكان المقصود في الجمع والتحصيل منهم من غير معرفة، بما صاروا ~~يقبضون ويزيدونه على الرعايا في المطالب، وكل من شكاهم فلا سماع له؛ لأنهم ~~عرفوا طباعه في محبة التوفير، وكذلك الجلساء، ومن يتصل به من الأعوان ~~والسادة والأغنياء لم يعذروه في الطلب، وصار يسلم لهم ذلك على أوفر ~~الأقسام، وإنما الذي اتضع عنده عن الصرف من أهل العوائد الماضين سائر الناس ~~المخرجين، فكان لا يصير إليهم إلا التافه الحقيرة، وبعضهم ممطول بالجملة ~~الكافية، خصوصا من لم يكن إليه كثرة الحاجة ومطالبه -ولله در البهاء- زهير ~~، حيث يقول: # يا أيها الباذل مجهوده # في خدمة أف لها خدمه # إلى متى في تعب ضايع # بدون هذا تأكل اللقمه # تشقى ومن يشقى له غافل # كأنك الراقص في الظلمه # وقال أيضا: # كم أناس أظهروا الزهد لنا # وتجافوا عن حلال وحرام # قللوا الأكل وأبدوا ورعا # واجتهادا في صيام ms117 وقيام # [117/أ] ثم لما أمكنتهم فرصة # أكلو أكل الحرامي في الظلام # وكان للمتوكل اختيارات في مسائل غريبة خالف فيها الإجماع، منها: الولاية ~~للأم على أولادها في البيع والشراء وجميع التصرفات، وهو خلاف الإجماع، لكنه ~~رجع عن ذلك في حياته. # ومنها قوله: بأن الأولياء إذا أنكحوا الصغيرة حال صغرها فلا فسخ إذا ~~بلغت، ولو كان المنكح لها غير الأب من سائر الأولياء، وهو خلاف للإجماع في ~~غير الأب. # ومنها: أن المشروط بعلم الله فاسد، خلاف الإجماع. PageV01P440 # ومنها: أن الخيار للمشتري مدة معلومة، إذا انتفع به في مدة الخيار يكون من ~~الربا الحرام، وهذا خلاف الإجماع. ومنها: أن الغروس التي يغرسها الأجير ~~يملكها صاحب الأرض، يعني إذا كان لا بأمر من المالك بل الأجير غرسها في مال ~~صاحب الأرض، وهذا خلاف الإجماع. # ومنها: أن الكلا لا يمنع طالبه من ملك الغير على وجه لا يضر، وهو خلاف ~~الإجماع. # ومنها: أمره لولاته وحكامه وقضاته بإرجاع الزوجة إذا طلقها الزوج ثلاثا ~~بلفظ واحد متتابعا، وإن كان مذهبه التحريم أمره بإرجاعها، وهذا خلاف ~~الإجماع؛ لأن الملتزم للمذهب لا يجوز له الإنتقال عنه. # ومنها: أن المشتري إذا اشترى لنفسه في عقد الشراء وكانوا شركاء قبل ~~القسمة أنه يكون المشتري للجميع من الشركاء، وهذا خلاف الإجماع، فإنه لمن ~~وقع العقد له وعليه إن استهلكه في الثمن على الشركاء غرامة مثله ~~فقط[117/ب]. # ومكن أولاده في الولايات، وأجاز لهم التصرفات، فأحمد بشهارة وبلادها ~~جميعا، وحسن برازح وتهامة، ومحمد بصنعاء، وعلي باليمن الأسفل، وحسين ~~بحضرته متوليا لبلاد آنس، متصرفا بما شاء. # وذكر في وصية له لأولاده ما لفظه: (وأوصيكم أيها الأولاد ذكركم وأنثاكم ~~وسائر قرابتي، وسائر بني هاشم أن تجتنبوا الزكاة ولا تأكلوا منها شيئا، ولو ~~أكلتم الشجر فإن الذي خلقكم هو الذي يرزقكم، ولا تفعلوا كما يفعل كثير من ~~الناس من التمسك بالشبه في ذلك. وابتغوا من فضل الله ولا يحملكم التقيد ~~بالسكون في البيوت على ذلك، فاطلبوا الرزق من فضل الله، وتنقلوا ولا تتخذوا ~~السؤال حرفة، فبئست الحرفة ms118 هي، وإنها معينة على الفقر، ولكن اطلبوا الرزق ~~الحلال بإحياء الأموال، وإن أمكن أن تجعلوا لكم نوابا في البيع والشراء فهو ~~حسن نافع، وإن لم يكن إلا بأنفسكم فافعلوا، فلأن يؤجر أحدكم نفسه خير له من ~~أن يأكل الحرام). انتهى ما ذكره المتوكل. PageV01P441 # وكلامه صدق وحق لا شك فيه، وكان في نفسه لا يأكل الزكاة، يقتصر بخاصته على ~~تجنبها مما[118/أ] يصل إليه من النذور والهدايا ومستغلات الصوافي، وكانت ~~حالته في ذلك حسنة، إلا أنه لو كملها بالعدل باليمن الأسفل في مطالبه وجور ~~ولاته الجور المفرط، وأزال عنه الشبهة في تكفيرهم بالجبر والتشبيه الذي لا ~~يقولون به ولا يلتزمونه، لكان كاملا بأوصاف الخيرات جامعا للأحوال السنيات، ~~لكنه قصر في النظر، وقلد في الأصول والأثر، ولم يعرف بحقائق أقوال أهل ~~الخلاف وتفاصيل محققي علماء السنة، ليعرف بذلك أقوالهم البينة، كما عرفه ~~غيره من الأئمة، والله أعلم. # وله وصية أخرى ذكر فيها أن كتبه على كثرتها كان وقفها وصية، ثم رجع عنها، ~~ثم رجع إلى أنها للمصالح، وأوصى بأن جميع ما في مخازين بيت المال لبيت ~~المال من النقد والسلاح والخيل والعبيد، إلا ما هو يختص به لنفسه، وقد ~~بينه، ولولا طول وصيته هذه لذكرتها هنا، وفيها شهادة السيد محمد بن صلاح ~~الجحافي وعز الدين القاصر والوصي ولده محمد، تاريخها جمادى الأخرى سنة ~~1087ه. ومحمد بن المتوكل قسم كتب والده بين ورثته من فيها رسم والده، ~~والباقي بقت تحت يده لبيت المال. # وفي وصية أخرى لولده محمد بن أمير المؤمنين لما ولاه بلاد ضوران ما لفظه: ~~(واترك الإكثار من المتعلقين الذين همهم الدنيا، ويكفيك القيام بأهل ~~الحصين، فإنهم عدة إن شاء الله، واستصلحهم بالرغبة والرهبة، وأحبب حبيبك ~~هونا ما، وأبغض بغيضك هونا ما، فلعل الحبيب لا يدوم حبه وما أكثر ذلك فيمن ~~محبته لأجل الدنيا، ولعل البغيض يكون حبيبا، وما أكثر فيمن كان بغضه لأجل ~~الدنيا، ودع ما يريبك إلى ما لا يريبك، وأكثر من ذكر الله). PageV01P442 # وفي وصية أخرى له إلى أولاده ms119 يقول فيها ما لفظه: (وأوصيهم بإصلاح ذات ~~البين، فإنه أفضل من عامة الصلاة والصيام، كما جاء بذلك الأثر، قال الله ~~تعالى:{فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم } ولا يتم ذلك إلا بالاحتمال والصبر، ~~والتغاضي من كثير والعفو، والله يأخذ بنواصيهم ويتولى إعانتهم)، آمين. # [118/ب] وكانت هذه الأعوام التي قد مضت في أكثر زمانه من الشدة العظيمة ~~وشح الأمطار، وغلاء الأسعار، تصديقا لحديث الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم إنه قال: ((لا ~~توكي فيوكى عليك )). # وكانت قد جارت ولاته في اليمن الأسفل الجور العظيم، والبلاء الذي نالهم ~~الجسيم مثل بلاد العدين وبلاد برع وبلاد تعز وجبل صبر ، بحيث فقر منهم ~~جماعات كثيرة، ورحل منهم من رحل إلى الجهات النائية البعيدة، ولم يرعوي ~~المذكور لشكوى الشاكين، ولا رحمهم وتعطف عليهم بحيث بقوا للشكوى سنين. # وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم كما في أبي داود: ((ارحموا من في الأرض يرحمكم من في ~~السماء))[119/أ] وكان لو أنه لم يرض بما زاده الولاة في هذه الجهة من ~~الزيادات، وأمرهم على ما كان من المقررات والعادات، لكان فيه العدل التام، ~~والسلامة من الآثام. # ولما عرف حاله الولاة باستراحته بالتوفير في الدفعات، جاروا على الرعايا ~~في المطالبات، وفرضوا الزيادات، ولفقوا فيها التلفيقات وساعدهم فيما ~~يذكرونه من الزيادات، فحصل بسببه الجور من هذا الباب. ولقد حكى من يعرف زمن ~~الأتراك أنه عرض رجل من أهل سوق صنعاء على سنان باشا زيادة بالنصف على ~~الأسواق فقال له سنان: من أين هذه الزيادة تجيء بها، إنما تكون من ظلم ~~الرقاب وأمر بحبسه وتأديبه، والله يتجاوز عنه ويرحمه. PageV01P443 # ولما وصل خبر وفاته إلى صنعاء، وكان قد أمر أولاده بالتهيؤ إلى الحادث الذي ~~حدث بصعدة وتلك البلاد الأقصى، والناس غير راغبين إلى السفر لما نالهم من ~~التقصيرات فيما مر من الملازمين، فضلا عن القاصين، سكنت تلك الأمور وقرت، ~~واشتغل بغيرها، فكان من محمد ابن الإمام أنه كتب إلى أحمد بن الحسن تعزية ~~وذكر له أنه يصلح دخوله صنعاء للخوض فيمن يصلح للمسلمين، وما ms120 يكون ~~عليه[119/ب] البناء هذا الحين، فالله يصلح أمور المسلمين، ويختار لهم ما ~~فيه الخير، فإنهم إن اجتمعوا على الصلاح ولم يتبعوا هوى أنفسهم ومحبة ~~الرياسة وآثروا صلاح المسلمين كما هو الواجب عليهم صلحت الأمور لهم وللناس، ~~وإن تفرقوا وتنازعوا كان الأمر كما قال الله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا } ~~وكان الضرر والفساد عليهم وعلى المسلمين، والله يتداركهم إلى صلاح ذات البين. # وكان قبره في رأس جبل ضوران، وكان المذكور كثير التشديد في التكفير ~~بالإلزام في مسائل أصول الدين، وشبهته في عدم إنصاف المظلومين من أهل اليمن ~~الأسفل هو هذا، مع أنهم لا يلتزمون ما ألزمهم، ولا يقول أحد من أهل السنة ~~بالجبر والتشبيه[120/أ] بالجملة في جميع كتبهم، يعرف ذلك، من عرف منهم، وقد ~~روجع بمثل ذلك فلم يرجع. وكانت جواباته كلها بمحل النزاع، كما ذكرناه فيما ~~سبق، في جواب السيد العارف أحمد بن علي الشامي ، وفي جوابه للقاضي عبد ~~القادر المحيرسي ، وقد أجبنا على أقواله وعارضناها بالأدلة، ولكن لما عرفنا ~~عدم قبوله بها لم نراجعه فيها، وطوينا خافيها وباديها. وكان في زمانه قد ~~أهدى إلى صاحب الهند نسخة التهذيب في التفسير للحاكم المحسن بن كرامة ~~المعتزلي، وهو في قدر ثمانية أجزاء، يريد يدعوه إلى مذهب الاعتزال، فأرسل ~~إلى المتوكل هدية إليه بتفسير ابن الخطيب الرازي في عشرين جزءا؛ لأن فيه ~~الردود على المعتزلة ومناقضة أقوالهم. PageV01P444 # وكان يوم ثانيها وهو يوم الأحد، وطلب أحمد بن الحسن قضاة صنعاء، ومحمد بن ~~أحمد صاحب الروضة، ومحمد بن الإمام، وأحمد بن محمد ، فساروا الجميع، وكان ~~مضمون طلب المذكور لمن ذكر أنهم يحضرون للنظر فيمن يقوم بهذا الأمر، وكان ~~محمد بن الإمام قد ذكر إليه في كتاب التعزية أنه يدخل صنعاء، ويجتمع هو ~~وإياه وسائر القضاة والأشراف للنظر فيمن يصلح لهذا الأمر، ويقوم بأمانة أهل ~~العصر، فكان جواب أحمد بن الحسن بأن الاجتماع يكون بالغراس، وأنه يصل إليه ~~وكافة القضاة وأعيان الناس، فخرج المذكور إلى الغراس وكافة القضاة والأشراف ~~مثل القاضي علي بن جابر الهبل قاضي ms121 صنعاء، والقاضي محمد بن علي العنسي، ~~والقاضي محمد بن علي قيس الثلائي ، وهو كان غير راض، لكنه لزمه المحضر، ~~فكان قريب القهر، والقاضي أحمد بن صالح بن أبي الرجال ، والسيد غوث الدين ~~بن يحيى، والسيد عبد الله الكبسي ، هؤلاء أعيان علماء الوقت في صنعاء، ~~وانضم إليهم القاضي عبد الواسع قاضي أحمد بن الحسن، فكان المجلس الأول في ~~الحضرة العامة النظر فيمن يصلح للمسلمين[121/أويقوم بأمرهم في هذا الحين، ~~فأوجم الحاضرون، ثم تكلم فيهم السيد عبد الله الكبسي بأن أولى قائم أحمد بن ~~الحسن، بعد أن تكلم أولا محمد بن الإمام، وكان كلامه أن أمر الإمامة عظيم ~~لا يدخله إلا من علم نفسه الكمال، وأن هذا -يريد أحمد بن الحسن- الأكبر ~~سنا، من علم أنه يصلح نصبه اتبعناه، وإن علم من نفسه الكمال نصبناه ~~وقدمناه، ثم تكلم الحسن بن الحاج أحمد الأسدي من بيت أحسابة ومن أعوانه ~~فقال: لا يصلح لها غير أحمد بن الحسن، لأنه المجرب للأمور وله الصيت في ~~البلاد النائية كما هو مشهور وبه مذكور، وتكلم محمد بن أحمد بن القاسم ~~فقال: قد تقدم صنوه علي بن أحمد في جهات الشام، ولا ينبغي العجلة حتى يجتمع ~~الكلام ولا تكون كبيعة أبي بكر فلتة، فتغير أحمد بن الحسن من قوله، وقال: PageV01P445 # إنما حمل الإمام المتوكل على دعوته انتصاب والدك أحمد بن القاسم، وإلا فكان ~~تاركا لذلك حتى يحصل الاجتماع، فعند ذلك انصرم[121/ب] المجلس الأول على هذا ~~لا غيره. # ثم إنه جعل لهم مجلسا خاصا لمحمد بن الإمام، ومحمد بن أحمد، وأحمد بن ~~محمد، والقضاة، وأبرموا الأمر على العقد لأحمد بن الحسن بشرط عدم قيام أصلح ~~منه وأعلم، فإن قام من هو كامل الشروط تنحى له، وعرق الشجرة إذا قد غرس لم ~~يمكن نزعه إلا بتعب، ثم بايعوا الجميع، وكان أول مبايع لأحمد بن الحسن محمد ~~بن الإمام، بذلك الشرط والكلام، ثم محمد بن أحمد، ثم القاضي محمد بن علي ~~العنسي، ثم سائر القضاة من الحاضرين، فمنهم من شرط الشرط، ومنهم من ms122 لم ~~يشرط، وأما القاضي أحمد بن صالح أبي الرجال فإنه اعتقد إمامته، قال أنه ~~يقول بإمامة المقلد، وخطب أول جمعة له وقال: هو الرضا، وبعض من راجعه أجاب ~~عليه بأن المتوكل إسماعيل كان مقلدا، وأن الاجتهاد قد تعذر، ثم خرج بعد ذلك ~~إلى الديوان العام، بايعه سائر أصحابه من العسكر ومن عنده له الإحسان ~~والإنعام، وكتب الولايات لمحمد بن الإمام وغيره من أقاربه وسائر ولاته وإلى ~~صنوه[122/أ] حسين بن الحسن، وكتب إلى سائر أولاد إخوته بشهارة وإلى علي بن ~~أحمد صاحب صعدة وإلى حسن بن الإمام صاحب جبل رازح وصاحب كوكبان . # وكانت هذه البيعة عشية الأحد سابع شهر جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين بعد ~~العشاء ليلة الإثنين، والطالع الحمل، وسرير الملك الجدي، خال عن النحوس في ~~وسط السماء، والمريخ وزحل كانت في الثور بوطنه، ومسكنه الغراس بحارة قلعة ~~حصن ذمرمر. # وفي هذه الأيام استمرت الأمطار الغزيرة المتصلة في فصل الخريف، وعمت جميع ~~اليمن، وأقبلت الزرائع، واخضرت البلاد والبقائع، إلا أن الجراد أخذتها، ولم ~~تتم ثمرتها كما تأتي، ولو تمت لبلغ السعر إلى خمسة عشر بقشة، لصلاحها وقوة ~~تحملها. PageV01P446 # وصاحب كوكبان كان حال بلوغه الخبر في شبام، ثم أمر حال وصول الخبر بالطلوع ~~إلى قلعة كوكبان بأهله وخزانته وخاصته، وكان شرعت صنعاء تقلق ظنا أن محمد ~~بن الإمام يبايع، وأنه إذا بويع له يحصل ما يحصل من أحمد بن الحسن[122/ب]، ~~فحصل المعقول من محمد بن الإمام، بعد أن كان طلبه للبيعة من يريد التفريق ~~بين المسلمين والعجلة وإثارة الفتنة، فوقى الله شر ذلك، وسكنت الأمور في ~~هذا الوقت ببلاد صنعاء، والله أعلم ما يكون من أهل شهارة وصعدة. # وأرسل محمد بن الإمام للحيمة وغيرهم، فأخروا الوصول لحضورهم وقالوا: لا ~~يكون إلا عند معرفة من يستقر لهذه الأمور، ويتفق عليه الجمهور، ومما شرطه ~~في البيعة القاضي محمد بن علي قيس الثلائي القرب من الناس، وترك الاحتجاب ~~والإيناس، وتسليم الديون اللازمة في المشتريات، وتقريب أهل الفضل وتبعيد ~~غيرهم من الأجناس، وعزل الجورة من ms123 الولاة في اليمن الأسفل، هذا ما بلغ به ~~الخبر، ولم نحضر ذلك المقام، ولم نشاهد فيه الكلام. # وأكثر من بالغ في المبايعة الفقيه أحمد بن صالح بن أبي الرجال، وأعلن ~~بالخطبة على المنبر بصنعاء والغراس، وكان هو أول من خطب وحرض، ولما انعقد ~~هذا العقد اختلف الناس، فقال كثير من العامة والخاصة: أحمد بن حسن غير كامل ~~لشروط الإمامة من العلم التام، وإنما هذا ملك وسلطنة، وبعضهم يقول: هذا ~~صحيح، إلا أنه نصب للمصلحة لجمع الكلمة وتسكين الدهماء والفتنة؛ لأنه إذا ~~قام غيره حصلت الفتنة، لما بيده[123/أ] من العساكر والخزائن، والنظر في ~~المصالح ودرء المفاسد أمر مهم، مع أن سائر المترشحين لها من السادات الغالب ~~عليهم أيضا عدم كمال شروطها، فكان هذا الرجل ترجيحه مع كبر سنه في آل ~~القاسم أولى بها. PageV01P447 # ومنهم من قال: هذا كله يجيء على قواعد أهل السنة، من ترجيح المصلحة مع خشية ~~الفتنة، ولكن العقد عند أهل السنة لمجرد المصلحة غير معتبر، وإنما المصلحة ~~إذا غلب وقهر، أو كان واليا وفي نزعه تقع ثائرة فتنة، فأما العقد ابتداءا ~~لمجرد المصلحة عندهم فلا يعتبر بها، بل قد قال في البحر: الإجماع على أنه ~~لا يعقد له لمجرد المصلحة، ولكن هنا خشية ثائرة الفتنة حاصل، مع عقدها ~~لغيره، وحصول مفسدة عظيمة وفتنة جسيمة، ودرء المفسدة أولى من جلب المصلحة، ~~كما ذكره العلماء، فهو كنزعه عن التولية، ومنهم من قال: إنما هذا على قول ~~من قال بإمامة المقلد، وقد قال به الدواري من المتأخرين، لكنه مسبوق ~~بالإجماع على اشتراط الاجتهاد، ومن قال بجواب خلو الزمان عن المجتهد، كما ~~هو قول بعض أهل السنة، فلم يجعلوا القيام عند تعذره قيام إمامة تامة، بل ~~حسبة وملك وسلطنه، وظاهر أهل الزمان الأغلب أنهم في مقام التقليد، فالمقصود ~~قيام أمثل مقلد ....... المنصب لجمع كلمتهم إن اجتمعوا. # وجاء في مختصر بعض المطالب من جفر الإمام أبي طالب ذكر أحمد بن الحسن بعد ~~دولة الإمام إسماعيل. وخرج السيد علي بن حسين المسوري من صنعاء ms124 إلى خولان ~~مباعدا نفسه وهاربا عن مبايعة أحمد بن الحسن[123/ب]. وخرج أيضا خارج يقال ~~له: السيد ناصر الدين من بلاد آنس وزعم أن الخل حرام، أن أصله الخمر، وأن ~~البقول كالفجل والكراث حرام، وأن تقبيل اليد حرام، وغير ذلك من البدع في ~~الإسلام، ولعله يعتقد دين الخوارج من إبطال سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ~~فانتظم في جملة الدجالين الذين يحرمون ما أحل الله ويحلون ما حرم الله، ~~ولكن لم يجبه أحد إلى دعواه، ولم يمل أحد من المسلمين إلى هواه، واضمحل ~~أمره وزال خدعه. # وجاء الخبر بأن القاسم بن محمد المؤيد بالله ابن القاسم دعا إلى نفسه ~~بشهارة، وأجابه الأهنوم وغيره من تلك البلاد. PageV01P448 # وكذلك خبر آخر أن حسين بن حسن دعا إلى نفسه في بلاد ولايته بجهة رداع، ~~فالأول أجابه الأهنوم وغالب أهل شهارة، ولم يجبه أحمد بن الإمام ~~المتوكل،ولكن كانت الغلبة لقاسم، فلما طلبه البيعة[124/أ] امتنع منها وخط ~~جانبه مجازاة له بما كان يصدر من عدم الرعايات لآل المؤيد من المذكور ولما ~~كان يحصل من التقصيرات، وهكذا الأيام والليالي تأتيك بالغرائب المعجبات، ~~والثاني بايعه أصحابه، وكتب كل إلى سائر الجهات الرسالات. وظاهر هذا إنما ~~هو إمارة ورياسات، فأما كمال الإمامات فإن شروطها كالمنتفيات في جميع من ~~ادعاها هذه الأوقات، والله يجمع كلمة المسلمين على واحد ويدفع التعصبات ~~والتفرقات. PageV01P449 # وكان عقد قاسم لبيعته بشهارة يوم الإثنين ثامن شهر جمادى الآخرة سنة سبع ~~وثمانين وألف، وبايعه السيد يحيى بن أحمد الشرفي ، والسيد يحيى بن إبراهيم ~~، وصنوه إسماعيل بن جحاف الحبوري، وكذلك زاد لحق لما وصل إلى شهارة القاضي ~~محمد بن علي قيس الثلائي، بعد أن كان بايع لأحمد بن الحسن، والسيد علي بن ~~صلاح الضلعي العلوي صاحب ضلع الأشمور ، هؤلاء الذين بايعوا قاسم من ~~الأعيان، ودعوا الناس إلى إجابته وتحريم مخالفته، وجعل السيد يحيى الشرفي ~~بيعته في ورقة طويلة أطنب في مدحه وتزكيته ووصفه، حتى قال: إن موافقه سعيد ~~ومقتدي، ومخالفه شقي وباغ،وكل ذلك منه وهو في بيته بالشرف، لم ms125 يصل إلى ~~شهارة، بل مكاتبة، وقد هؤلاء إلى الآن أربعة دعاة مع علي المتقدم في ~~الجهات الصعديات، والله أعلم بالزيادات، وما تنتهي إليه معهم الحالات، وهذا ~~قد جرى كما جرى مع أولاد مطهر بن شرف الدين من الاختلافات، وعدم الإنصافات ~~والاجتماعات، بل زاد هؤلاء عليهم بدعوى الإمامات[124/ب] فإنهم إنما بسطوا ~~على ما تحت أيديهم من الجهات، وما لهم من الولايات، من غير دعا الإمامة إلى ~~أنفسهم، فكانوا بهذا الاعتبار أعقل من اللاحقين بهم، فإن الإمامة لا يدعيها ~~إلا من أحرز نصاب الاجتهاد فيها، وإلا فليس ذلك إلا من قبيل السلطنة لمن ~~غلب، والأمر كما قال صاحب الحماسة من قول المساور بن هند بن زهير ، من ~~العرب، حيث يقول شعرا: # لما رأيت الناس هروا فتنة # عمياء توقد نارها وتسعر # وتشعبوا شعبا فكل جزيرة # فيها أمير المؤمنين ومنبر # [125/أ] وكان لقب أحمد بن الحسن المهدي، ولقب علي بن أحمد المنصور، ولقب ~~حسين بن حسن الواثق، ولقب القاسم بن محمد بن المؤيد المنصور، فأعجب لهذا ~~التفرق بينهم، وكان لو جمعوا قولهم على أحدهم بجمع أمرهم، لكان الأصلح لهم، ~~وتكون حسنة معهم. PageV01P450 # فأما التفرق على هذه الصفة معهم خلل عليهم وعلى المسلمين، أما عليهم فقد ~~يخرج إلى غيرهم بسبب تفرقهم أما من اليمن أو من السلطنة، ويحصل أيضا كثرة ~~الشقاق فيما بينهم، وتغلبات جهات اليمن بسببهم، وأما على غيرهم فما يحصل من ~~المفسدين من الفساد والتغلب وعدم الأمان، ولكن لله في كل وقت شأن، والأمر ~~لله تعالى في جميع الأوقات والأحيان. # وجاء خبر دعوة السيد محمد بن علي الغرباني صاحب برط، وجاء معه خبر دعوة ~~للسيد أحمد بن إبراهيم المؤيدي، واستولى أولاد عبد الله بن الإمام القاسم ~~على قصر ذمار وانتهبوه، وانتهب عسكر علي بن المتوكل سوق جبلة، وقطعوا طريق ~~اليمن إلى سمارة ، وحصل بين حسن بن محمد بن أحمد المؤيدي وبين السيد جعفر ~~الجرموزي بالعدين فتنة، وقتل نفوس على سبب المملكة، يريد السيد حسن أن ~~يتولى البلاد كما كان عليه والده، وحصل بصعدة ms126 انتهاب من العسكر الذين بها ~~ومن أهل سحار دخلوها من دوائرها، فراح كثير من الحوانيت قريب المائتين ~~انتهبوها، وعلي بن المتوكل لما سار إلى تعز استولى على خزانة الشيخ راجح ~~متوليها، وكان الشيخ راجح يومئذ في بيته بلاد ضوران. # ووصل كتاب من قاسم صاحب شهارة إلى أحمد بن حسن يذكر فيه أنه غير[125/ب] ~~كامل لشروط الإمامة، وغير صالح للزعامة، واحتج عليه بأنه دعا إلى الرضا، ~~وأنه لم يرض به، وكان قد خطب القاضي أحمد بن أبي الرجال بمنبر صنعاء لأحمد ~~بن الحسن بأنه دعا الرضا وهو الرضا مع أن قاسم بن المؤيد أيضا كانت دعوته ~~إلى الرضا ولكن هو عند نفسه الرضا، والله تعالى يقول: {فلا تزكوا أنفسكم هو ~~أعلم بمن اتقى } وأحمدبن الحسن أجاب عليه بأن الأولى الاجتماع، وذكر ما قد ~~سبق من دعوته بحضور جماعة من العلماء والأعيان والأتباع، وما أحسن قول ~~المتنبي حيث يقول: # ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة # بين الرجال ولو كانوا ذوي رحم # وقال أيضا: PageV01P451 # ما كل من رام المعالي ناقدا # فيها ولا كل الرجال فحول # وحسين بن المتوكل إسماعيل بن القاسم بضوران، فصرف فيما عنده من الخزانة ~~وأعطى منها جماعة، وتغير بسبب ذلك خاطر صنوه محمد بن الإمام؛ لكونه الوصي ~~والمسند إليه في الخزانة الكلام، وخزائن الإمام مفرقة في ضوران وصنعاء ~~والسودة وشهارة، بحيث أن منها ما أخذه بعض من يتعلق بهم على كثرتها، فإنه ~~أخذ الفقيه حسين الجملولي صندوقا ذهبا وهو نسب ابن الإمام ومن أصهاره، ولما ~~حازه في يده وفرح بأخذه سرق عليه من يده، وهكذا أرزاق الحرام ممحوقة، كما ~~قال الله تعالى :{يمحق الله الربا ويربي الصدقات } ووصلت كتب صاحب ~~حجة[126/أ] السيد علي بن الحسين بن جحاف إلى أحمد بن الحسن، وأرسل له بدفعة ~~وأرسل ببعضها إلى قاسم بن المؤيد يتقي بذلك أمره. # وخرب في هذا الشهر بيت بصنعاء قريب مسجد عقيل، فهلك فيه أهله قدر أربعة ~~أنفس، وخرب بيت آخر في بير العزب من بيوت اليهود فهلك فيه أهله، ومن ms127 جملتهم ~~معلمهم في التوراة. # وفي ضوران خرب بيت على سبعة أنفار، فهلكوا جميعهم، وخرب من البيوت ~~والحدرات كثير لقوة المطر الذي وقع في الرابع الأول، ورخصت أكثر المجلوبات ~~مثل السمن والغنم وغيرها، فلله الحمد. # وأجاب قاسم مع بلاد الأهنوم بلاد وادعة والشرف وظفير حجة وعفار وظليمة ~~إجابة غير كاملة سوى الأهنوم فإنهم مخلصون، واشتبه على كثير من الناس أمرهم ~~وتفرقهم، وكل منهم توقف على البلاد التي أجابته، وتصرف في الأوامر والنواهي ~~بالاستقلال، يدعي الإمامة، ونفوذ الكلام والزعامة. # [126/ب] واتفق أن غريبا من الذين يطلبون الصدقة أنشأ معه مديحة يقول فيه: # وأما قاسم بشهارة قد نشر # وأحمد حسن تعب من ذاك الخبر # فأعجب حيث لم تنطق العامة إلا بذلك، مما يتعجب منه، فلله الأمر من قبل ~~ومن بعد. PageV01P452 # وسار محمد بن المتوكل إلى جهة ذمار يريد الإصلاح فيما بين حسين بن حسن وبين ~~وصنوه أحمد بن الحسن، وأنه يدخل في البيعة فاتفقوا في منقذة ورجع حسين إلى ~~بلاده رداع، ولم يسعد في البيعة، إلا أنه قال: لا يحصل منه خلل بل يسكن في ~~بلاده. ومحمد بن المتوكل سار ضوران، ثم عاد صنعاء. # وأرسل أحمد بن الحسن يحيى بن الحاج أحمد إلى شهارة، حضرة قاسم بن المؤيد ~~الداعي بها، يخوض في أمره، ويصلح شأنه، ويحيى بن حسين بن المؤيد وصل كتابه ~~إلى أحمد بن الحسن صدره من عيان، ورجع من صعدة. # وجاء الخبر بأن السيد يحيى بن إبراهيم بن جحاف وصل الجمعة برسم قاسم ~~والدعاء له، وكان في الجمعة الأولى متوقفا عنها، إلا أنه لم يطلع إلى شهارة. # ولما وصل الحاج العلامة يحيى بن أحمد الأسدي إلى حضرة أحمد بن الحسن ~~يقال: أنه كان رسولا من قاسم، أو مريدا للصلح، وطلب المناظرة، فأجاب عليه ~~أحمد بن الحسن بجواب وعاد إليه للمخابرة والمصالحة، وطوى ذكر المناظرة. # وعلى الجملة[127/أ] أن أحوال الناس صارت مضطربة، وأقوالهم مختلفة، هذا ~~محمد بن الإمام بعد المبايعة يضطرب كلامه، وهذا محمد بن أحمد كذلك، والسيد ~~حسين بن صلاح ، والفقيه ms128 حسين بن يحيى حنش بايعوا بعد أن كان امتنعوا أولا، ~~قيل: إنها بيعة اضطرار لقاسم بن الإمام، وقيل: لم يبايعوا وأنه عذرهم عنها، ~~وإنما دخلوا تحت أمره ونهيه اضطرارا، والسيد يحيى بن أحمد الشرفي وصل جوابه ~~من الشرف بإجابة دعوة قاسم من جملة تلك الجهة، وكذلك أحمد بن المتوكل لم ~~يبايع، غير أنه دخل تحت الأمر اضطرارا. # وجاء كتاب من أحمد بن المؤيد ويذكر أنه أجاب إلى أخيه القاسم، وكذلك رتبة ~~ضوران وبلاد الشرف والأهنوم وسفيان والعصيمات ووادعة وحجة وظليمة وسادة ~~حبور، والسيد يحيى بن أحمد الشرفي، وأنه الخطيب يوم الجمعة بشهارة، وحث ~~الناس على المناصرة لقاسم. PageV01P453 # وحصلت فرقة بين بلاد خيار فيما بينهم على سبب سوق الدبا من الجراد، لما ~~أحله بعضهم إلى أموال البعض، فاقتتلوا راح من الفريقين تسعة أنفار. # والحرب الذي جرى فيما بين السيد حسن بن محمد بن أحمد المؤيدي في العدين ~~راح فيه سبعة أنفار من الجانبين[127/ب]، ويحيى بن حسين خرج من صعدة ~~مطرودا، قيل: نفره علي بن أحمد عنها؛ لأجل أن منازعة حصلت منه له فيها، ~~وقيل: خرج بنفسه؛ لما رأى ما جرى فيها من الإنتهاب، وركة الأمر والنهي ~~لصاحبها، وكان قد طلب إلى حضرة علي بن أحمد على وجه القهر بجماعة عسكر، ~~فخرج هاربا على مشقة نالته من ذلك الأمر، وإنما تنجى ببعض قبائل آل عمار، ~~وكان يريد علي بن أحمد البيعة منه في القيام الجديد، فأباها يحيى بن حسين، ~~فهذا سبب خروجه عنها. # وعلى الجملة أن حال هذه الدعوات المنازعة المنهي عنها والتفرق الذي هو ~~عين الاختلاف، ودرجهم فيما بينهم متقاربة بعد تعذر الاجتهاد معهم، فلو أنهم ~~جمعوا كلمتهم على أحدهم وسلم الناس من الفتن، وإن حصل النقص بالمنصب الكامل ~~الشروط، فأما إذا[128/أ] أصروا على هذا النزاع والاختلاف وشبوا الفتنة فيما ~~بينهم فيا لها من مصيبة عليهم وعلى المسلمين، نعوذ بالله من ذلك. وبعد ذلك ~~أمورهم إن الفتنة استمرت بينهم إلى نقص وخلل عليهم وتقوية لخروجها عنهم إلى ~~غيرهم، وقد يطمع فيها ms129 غيرهم. # وسارت كتب محمد بن علي الغرباني الذي سكن برط يدعو الناس إليه، ويخبر أنه ~~قد دعا إلى نفسه وتلقب بالمهدي، فكان المتلقب بالمهدي هو وأحمد بن الحسن، ~~اتفقا في عصر واحد بهذا اللقب. PageV01P454 # وممن لقب المنصور علي بن أحمد وقاسم، وتلقب أحمد المؤيدي بالهادي، وكذلك ~~حسين بن حسن تلقب بالواثق، شل لك يا شلال، ولم يتفق ذلك قبلهم لأحد، وجاء ~~في كتب صاحب صعدة أحمد بن إبراهيم المؤيدي في كتبه بالآية، وهي قوله تعالى: ~~{ياقومنا أجيبوا داعي الله ........... ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في ~~الأرض}، وهذه الآية إنما هي في النبي صلى الله عليه وسلم، وليست لغيره من سائر الناس، فهذا ~~تحريف لكتاب الله. # [128/ب] وفي يوم الأحد ثامن وعشرين شهر جمادى الآخرة وصل جواب أحمد بن ~~الحسن من قاسم بن المؤيد، الذي سار مع يحيى بن الحاج ، فيه محاججة على ~~مساوي، وعتب على ما جرى من المبايعة، وثلب لمن بايع أحمد بن الحسن من ~~السادة والقضاة وسائر المبايعين من الملازمين، فتغير أحمد بن الحسن[129/أ] ~~من كلامه وخطابه. # وحسن بن الإمام خرج عن رازح إلى تهامة، لا لموجب بل حصل معه فشل وجبن ~~كثير، وإلا فإنه قد صار في قلعة حصينة رأس جبل رازح، بين السحاب والعسكر، ~~وأهل البلاد بين يديه، والمخازين معه مملؤة من الحبوب وغيرها، وعلي بن أحمد ~~بعيد عنها، فترجح له انسل عنها من غير محاصرة له ولا حرب، ونزل تهامة إلى ~~أبي عريش، فلما بلغ علي بن أحمد ذلك فرح بها، وأرسل ولده إليها، وقبضوا ما ~~فيها ونهب العسكر أثاثه وحوائجه، وتصرفوا في قصره وخزانته، واستولى على ~~بلاد رازح جميعها. # وكان بهذا الأمر عاقبته إلى الحرب فيما بينهم، ويكون حدوده حدود الحروب ~~التي جرت فيما بين الإمام القاسم وبين محمد باشا؛ لأنه كان إلى الإمام ~~القاسم إلى حدود عفار، فكانت الحروب في أطراف هذه البلاد، وفي خمر ووادعة، ~~فالله يكفي المسلمين شر مضلات الفتن، ولله قول الشاعر حيث يقول: # دع المقادير تجري في ms130 أعنتها # واصبر فليس لها صبر على حال # ما بين نومة عين وانتباهتها # يحول الدهر من حال إلى حال # يوما تراك خسيس الحال ترفعه PageV01P455 إلى السماء ويوما تخفض العال # وقول الآخر : # ما اختلف الليل وما دار النهار وما # دارت نجوم السماء في الفلك # إلا لنقل النعيم من ملك # إذا انقضى ملكه إلى ملك # والسيد أحمد بن إبراهيم تحول من بلده إلى قراظ؛ لأن الناس مال ~~أكثرهم[129/ب] إلى علي بن أحمد في جهات صعدة، وفرغت له تلك البلاد قاطبة، ~~وانفرد فيها أمره ونهيه: # هذا على ناقوسه # وهذا على جبل يصيح # كل يصحح دينه # يا ليت شعري ما الصحيح # وما هي إلا نيات أهوية، وحالات غير مرضية، قد بنوا على ارتكاب ما نهى ~~الله عنه من التنازع والاختلاف، وترك النظر في التسكين والإنصاف. # ووصل السيد حسن بن محمد بن أحمد بن الإمام محسن المؤيدي من العدين، لما ~~نزلت ولاية أحمد بن حسن لجعفر الجرموزي وتوليته، وأبقاه على حالته، وكان ظن ~~حسن أنها تنتقل إليه. # وبلغت الإجابة لقاسم إلى عمران وإلى ذيبين، فكان أول تحريك أن أرسل أحمد ~~بن الحسن فقيها وأمره بالخطبة في بلاد ذيبين، فلم يحضر الجمعة أهل البلاد، ~~وقالوا: في أعناقهم بيعة قاسم بن الإمام. # وفي يوم الثلاثاء سلخ شهر جمادى الآخرة منها دخل محمد بن أحمد بن الحسين ~~إلى دار أحمد بن الحسن لموعد بينهما في طلب[130/أ] ولاية، فتأخر الأذن له ~~في درج داره، فخرج المذكور وطلع بيت ردم ولحقه أصحابه، ثم إن أحمد بن ~~الحسن لحق له للعود، وكان وعده في الولاية، ويقول: لا ينبغي في ذلك العجلة، ~~لرفع التهمة بالبيعة، فإنه قد يقال كانت في مقابل زيادة ولاية، ولئلا يناظر غيره. PageV01P456 # والأمور عجيبة فإنه كغيره ممن شرطها في دعوة الإمام المتوكل الأيام ~~السابقة، وهو من جملتهم والله يصلح المسلمين، قال بعض من سمع من خواصه: أن ~~سبب هذا منه أنه لما كان قد طلب من أحمد بن الحسن زيادة ولاية على بلاده ~~الأولة، وأن أحمد بن الحسن كان ms131 وعده ثم طال مطله، وكان وصل عند ذلك جواب من ~~قاسم بن المؤيد بأنه قد ولاه بلاد أبيه جميعا، عرضه على أحمد بن الحسن ظانا ~~نجاز الوعد، وأن هذا الكتاب محركا له في ذلك الأمر، فعاود لذلك، ثم حصل من ~~صاحب الباب الداخلي صاحب الحجرة والدرجة التحيير له في بابه لاستئذانه، ~~فكان سببا في إزعاجه. # والحسن بن المتوكل بايع للمهدي أحمد بن الحسن وبنى على الوصول إلى حضرته، ~~فلما وصل قريب الصلبة لقاه أولاد النقيب سعيد المجزبي بخط بأيديهم من ~~المهدي إليه أن يرد لهم ما أخذه من مراكب والدهم التي أخذها عليهم، فتحامق ~~من ذلك، وقال: هذا أول فائدة من المهدي يقصد قاسم صاحب شهارة ترك بيعة هذا، ~~فسار إلى شهارة، وبايع القاسم ثانيا بعد البيعة الأولة التي لأحمد بن ~~الحسن، ثم نزل إلى حبور، ثم أمره قاسم بالعزم إلى حصن مبين بحجة ليكون ردا ~~للرتبة الذي أرسلهم إلى الصلبة، فسار إليه. # وظهرت دبا واسعة حتى دخلت من داير صنعاء من سوائل نقم، وطلعت إلى سطوح ~~البيوت في القطيع، ودخلت قصر صنعاء[130/ب] وانتشرت في كثير من الجهات ~~اليمانية في بلاد الظاهر والجوف في بلاد صنعاء وبلاد الحيمة والعرشي وبني ~~مطر وسائر الجهات، وشرعت في أكل الزراعة، فضرت مع كثرتها، فلله الأمر، ~~والجراد الكثيرة التي انتشرت في الأغلب تكون للفتن المنفتحة. PageV01P457 # وأحمد بن حسن ومحمد بن أحمد اجتمعوا على بعث السياق إلى خمر، ليكون موضع ~~المطرح على شهارة، إما أن قاسم يسلم الأمر وإلا فتحوا الحرب، وأحمد بن محمد ~~كان جواب أحمد بن حسن على مطلبه بأنه لا تولية هذه الساعة غير ما معه من ~~ولاية حضور من أول، إلا أنه يعد لعسكره كل شهر من جملة أصحابه، ثم إنه جعل ~~له بلاد حفاش وملحان ، وكان واليها قد مال إلى قاسم بن المؤيد، فهرب عنها، ~~والله أعلم ما يتم منها. وحمل جميع ما قد جمع إلى قاسم، وأما والي حفاش ~~فوصل إلى صنعاء. # وأولاد حسن بن الإمام وصل بهم من ms132 صعدة عبد الله بن أحمد وأدخلهم شهارة، ~~وخلصت الشام لعلي بن أحمد: # خلا لك الجو فبيضي واصفري # ونقري ما شئت أن تنقري # ويقال: إن حسن بن الإمام بلغ إلى كمران وهو حيران، فلله الأمر من قبل ومن ~~بعد[131/أ] مع أن علي بن أحمد يده ضعيفة في بلاد الشام؛ لأنه إنما صار ~~يراشي القبائل، ويستعين بهم على هذه الأفعال والعمايل، ولم تكن له قوة ~~قاهرة عليهم، ولذلك حصل النهب في صعدة منهم، وكل ذلك في صحايفه والمشارك ~~فيما ينشأ، لا هو ضبط البلاد، ولا هو خلاها لغيره من الولاة يصلحها ويزيل ~~عنها الفساد. وزاد مع ذلك ادعى أنه إمام، فتضرر كثير من المتسببين والتجار ~~الذين بصعدة من دولته، وإنما مال إليه وأحبه في الغالب المفسدون المتمردون ~~من أهل جهته، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وفي غرة شهر رجب منها غزا السيد محمد الغرباني الداعي ببرط إلى سفال ~~الجوف، فوقع المدافعة لهم وقتل جماعة من برط وانهزم أصحاب السيد ولزم منهم ~~ملازيم، ودفع الله شرهم، والسيد هرب معهم ورجع بخفي حنين، لم يظفر بما قصده. PageV01P458 # [131/ب]والجراد عمت بلاد القبلة وشهارة وأكلت زروعها جميعا في سفيان ~~والأهنوم ووادعة، فخيب الله أمل أهل شهارة في جمع الثمرة فيها، وتوجهت ~~الجراد بعد ذلك إلى ظليمة وعذر وما إليها، ثم سارت منها إلى بلاد الشرف ~~وعفار وحجة، ثم إلى لاعة، ثم حراز والحيمة وبلاد عتمة وآنس وضوران والسحول ~~باليمن الأسفل، وانعطفت راجعة إلى بلاد ذمار، ثم إلى بلاد رداع، ودخلت ~~المشرق، فلم تبق هذه الجراد في جميع هذه البلاد إلا اليسير، بحيث أكلت ~~طفلا، فطلع السعر في جميع هذه البلاد النصف في الزيادة على ما كان قبل ~~مرورها: الشعير إلى خمسين والذرة إلى حرفين والبر إلى مائة بقشة وأكثر، ~~وسلم الله بلاد صنعاء، فتمت الثمرة، وحصدت قبل مرورها، إلا أن السعر ارتفع ~~فيها كغيرها، وقد كان في الثمرة تجهز عظيم قربة الصراب، بحيث أن من كان معه ~~من الحب من العام شاطه بأبخس ms133 الأثمان، وأقرضه لتفريغ المدافن والمخازن ~~للثمرة الجديد، ثم انتشرت هذه الجراد، فندموا غاية الندم. وسائر الدبا في ~~الجهات أكل جانبا وما قد احتمل، وأهل ذمار وفدوا إلى صنعاء بغنم باعوها ~~واشتروا بها طعاما، ولم يعهد أن أهل ذمار يشترون من صنعاء الطعام أصلا، بل ~~العكس في الرخص له وحين يغلا وينقص على صنعاء أسعاره في أكثر أوقاته، ولله ~~الحكمة في صنعه وأحكامه. PageV01P459 # وفي يوم الخميس سابع عشر شهر رجب[132/أ] خرج أحمد بن الحسن من صنعاء إلى ~~الغراس، مظهرا للغضب على قاسم ابن الإمام ومن إليه من الناس، وعاتبا على من ~~لم يقل بإمامته، وذكر لهم اجتهاده في العلم، فلا يعتقدون أنه على طريق ~~الحسبة في إمرته، لما رأى في بعض الجوابات التي أرسل بها قاسم إليه ممن حضر ~~حضرته، وأن في بعضها أنهم نظروا في قيام المذكور من باب الصلاحية على جهة ~~الحسبة وجمع كلمة المسلمين.والمذكور إذا وردت عليه الفتاوى لا يجيب في شيء ~~منها بل يتركها أو يحيلها على من يجيب فيها ثم يضع علامته عليها، وقد يجيب ~~في شيء منها كيف اتفق الجواب. والقاسم بن المؤيد وصل إليه بعض الفقهاء من ~~جهات صعدة لخبرته والنظر في معرفته، فلم يجد عنده في الأصول معرفة، ولا قدر ~~يجيب عليه فيه بالحقيقة، بل وهم في مسألة العموم، وقال: إنه قطعي، ولم يظهر ~~عنده التفاصيل فرجع المذكور هو وآخر معه وامتنعوا من بيعته وقالوا: (تسمع ~~بالمعيدي خير من أن تراه)، والظاهر أن بعد قيام هذه الدعوات لا تنحسم إلا ~~بحكم قاهر[132/ب] للخصمين، وإنما ينبغي السعي للمعترفين في الصلح إن علم ~~أنهم يدخلون فيه أو ظن وإلا فالترك لذلك أولى، ولا يجب غيره لمن عرف بتفرق ~~الأهواء. ألا ترى أن أحكام الشريعة لا تتم إلا بيد منفذة لها، وهي الدرجة ~~العلياء! فكيف ولا يد منفذة هناك وإنما هي فرقة! ولذلك أن التحكيم الذي حصل ~~بين علي ومعاوية بعد الفرقة لم يتم له، وبطل أمره، وغيره قد جرى مع الأئمة، ~~فإنهم يتناظرون ولا يرجعون ms134 في الغالب إلى ترك ما يطلبون،ومنهم من يرجع ببذل ~~شيء من الدنيا. # وقد طلب قاسم بن المؤيد المناظرة أولا والتحكيم، وينفذ تمامه بعد الفرقة ~~والمراكزة، إلا أن يحصل مع أحدهم غلبة وقهر له أو بذل لما يطلبه. PageV01P460 # [133/أ] وأمر أحمد بن حسن بدار الضرب للدراهم وصغر بقشها. وحسن بن الإمام ~~لما مر ثالث عشر شهر رجب في حجة طالعا من تهامة بعد أن نزل من رازح أراد ~~يدخل الظفير، وكتب إلى هنالك كما قيل، فقالوا: يدخل بخمسة عشر نفرا أو ~~عشرين نفرا لا غير، فترك دخوله، وعرج عنه إلى طريق شرس وخرج إلى حبور، ~~وأجاب قاسم صاحب شهارة وطلع إليها، قيل: وسببه أن أحمد بن الحسن جعل خطا ~~لأولاد المجزبي في إرجاع السفن التي كانت لوالدهم يكروها، وكان حسن بن ~~الإمام قبضها يوم نزل إلى اللحية كما مر سابقا، وكان المذكور قد بايع لأحمد ~~بن الحسن في قريب حرض وهو خارج من ساقين. ويحيى بن حسين بن المؤيد بالله ~~لما وصل إلى خمر بعد هربه من صعدة وأمن كتب إلى بعض القبائل في تلك لجهة ~~بأنهم ينصرونه إلى القيام، وأن قاسم وأحمد بن الحسن لم يحصل منهم التئام، ~~فلم يساعده أحد، فكتب بعد ذلك إلى قاسم يجبه على الاجتماع. # فاعجب من سادة اليمن ما أكثر محبتهم[133/ب] إلى الرياسات، والدخول في ~~الإمامات والتكليفات، والله يقول: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما ~~جهولا} ولما وصل حسن بن الإمام إلى حدود حجة انجفل البدوان بالهرب بالبقر ~~والأغنام إلى الجبال ظنا منهم أنه أحمد بن الحسن وأرسل أحمد بن الحسن قاسم ~~بن أحمد بن القاسم إلى صنوه علي بن أحمد صاحب صعدة بأن يسعى في صلحه، وله ~~ما طلب من توليته، فسار المذكور إلى تلك الجهة. PageV01P461 # وأرسل بعض القضاة إلى عند قاسم بن المؤيد عسى يحصل الصلح بينهم، ولا شك أن ~~الصلح خير، كما قال الله تعالى: {والصلح خير }، وكما في الحديث الصحيح ms135 في ~~حق الحسن بن علي أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((إن ولدي هذا سيد وسيصلح الله به بين فئتين ~~عظيمتين من المسلمين دعواهما واحدة ))، فدل هذا الحديث الصحيح المتفق عليه ~~بين الأمة أن ترجيح المصلحة هو الأولى رعاية لسكون الدهما وسكون ما ~~هو[134/أ] الأعظم من مصالح المسلمين وحسما للأهواء. # ومن العجيب الذي قل أن يتفق مثله أن فقيها من بني النزيلي من الشافعية ~~يقال له: محمد بن أحمد صار شهارة عند قاسم ولازمه، وصار عمدة لديه بل ~~وكاتبه، لما يعرف من عادات شهارة وساداتها وفقهائها من التشديد في عقائدهم ~~وكراهة مذاهب من يخالفهم. وهذا الفقيه محمد بن أحمد له معرفة في علم النحو ~~وسائر العربية وكذا في أصول الفقه وفروعه على مذهب الشافعية. # وظهر من كثير عدم الميل إلى أحمدبن الحسن حتى من أهل صنعاء وجميع أهل ~~المغرب عن بكرة أبيهم، غير أنهم بين البين يظهرون أنهم غير مخالفين لأحمد ~~بن الحسن لخوف جانبه أن يقوى، وقلوبهم عنه مايلة والأهوى، ولم يخلص في بيعة ~~الاختيار من الأعيان لأحمد بن الحسن غير اثنين: أحمد بن صالح بن أبي ~~الرجال[134/ب] المرهبي وغير القاضي عبد الواسع العلفي صاحب أحمد بن الحسن، ~~وسائر الناس غير راغبين ولا مختارين، بل مضطرين إليه ومتقين. وقاسم أكثر من ~~بايعه من الخاصة والعامة بالاختيار واليسير منهم بالاضطرار، وأما العامة من ~~الناس والقبائل فالأكثر يقول: لمن استقر أمره وغلبت دولته لا يميلون إلى ~~أحد الرجلين، والله يصلح أحوال المسلمين. PageV01P462 # ومنهم من هو غير قابل بإمامة الرجلين إمامة إختيارية أصلا، أما أحمد بن ~~الحسن فلأن سيرته سيرة الملوك، مع عدم المعرفة بالعلوم، وأما قاسم فلعدم ~~كمال علمه واجتهاده، وإنما العمل منهما لمن تم أمره من باب القهر والغلبة، ~~دولة اضطرارية، وملك على جهة القهرية لمصلحة الإسلام وسكون الدهماء، مثل ~~دولة علي بن صلاح، ودولة المطهر بن الإمام شرف الدين، ودولة الحمزات من دول ~~الأشراف لا غير ذلك. # وعلى رأي من قال بإمامة المقلد، وخصوصا عند تعذر وجود المجتهد الكامل ms136 ~~لسائر الشروط. # وفي هذا الشهر توفي السيد شرف الدين بن مطهر بن عبد الرحمن بن مطهر ابن ~~الإمام شرف الدين بوطنه الذنوب من بلاد حجة، كان هذا السيد أميرا مع ~~الإمام المؤيد بالله، متوليا لبلاد رداع في مشارق ذمار، وكذلك أول دولة ~~الإمام المتوكل على الله إسماعيل بن القاسم، ثم عزله عنه بسبب أن رداع ولي ~~لحسين بن الحسن بن القاسم، فلما عزل سار إلى وطنه بالذنوب، واستقر فيه ~~مجللا، وله سبارات وجاريات من والي حجة مع ما له من الصوافي ومن الأملاك ~~التي كانت لعبد الرحيم كالحوضين تحت مبين فإنه بيده ويتصرف فيه وفي غيله، ~~وفيه من القات والبن وغير ذلك من الأشجار والمزارع مدته. وكان يتنقل من ~~الذنوب إليه حتى توفي هنالك، وهو الذي كان ولي بلاد يافع في دولة إسماعيل ~~بن القاسم، ثم لما حصل الخلاف بعد فتحه الأول وأخرجوه عنه عذر[135/ب] عن ~~الولاية، واستقر في البلد المذكورة. PageV01P463 # وقاسم بن الإمام المؤيد لما كثر الوفد عليه من بلاده، واستقر منهم عنده ~~البعض من أنجاده، وكانوا لا يزالون مع قرب بلادهم يصابحونه ويماسونه، فما ~~زال يحتاج لهم الطعامات والإقامات، مع قل المدخول فاستمد أكثر مدافن شهارة، ~~ثم استمد بمدافن السودة ومخازينها لمن عنده. ولم يكن من البلاد التي يستمد ~~منها إلا الشرف وعذر والسودة وظليمة بلاد حقيرة أكثرها، وزاد الجراد ~~أحطبتها، وأكلت جميع الذرة من ثمرتها، فإذا استمر على هذه الحالة أنفق ما ~~لديه وما جاء له ويضطر بعد إلى التقصير في أكثر الذين هم أنصاره، فيتفرقون ~~عنه ويقل منهم اتباعه. # [136/ا] ويبلغ أن أحمد بن الحسن صارالآن يبذل لمشائخ من تلك البلاد من ~~الدراهم التي يجذب بها كبارهم، ويفسد عليهم بسببها أمرهم. # ولما كان أحمد بن الحسن قد ظهر له بعض ما غفل عنه من كتب بعض الذين ~~بايعوه بما ذكروه من بعض الشروط وما قصدوه، وإن ذلك إنما هو بيعة حسبة لا ~~إمامة، وتغير من ذلك وظهر عليه الغضب، وكان خروجه الغراس مغاضبا، وبنى أنه ~~يقصد ms137 إلى تلك البلاد، غير مراع إلى ما شرطوه، وعلى العمل بمقتضى الإمامات ~~لا الاحتساب، فصار الناس والقضاة بين بين لا يقدرون على أمر من الأمور، ~~فعاد حالهم إلى الإنخراط ظاهرا من التقية، واضطروا إلى إمرار إمامة الغلبة ~~على مذهب أهل السنة والعلماء الذين في غير الحضرة، لم يصل منهم أحد، ولم ~~يجب منهم بجواب صريح إلا بمجاملات: كالسيد علي العلفي، والقاضي مهدي صاحب ~~ثلاء، ويحيى صالح صاحب ذمار وغيرهم، والله يصلح الحال للمسلمين. # [136/ب]وفي شهر رجب من هذه السنة وصل كتاب من القاسم بن المؤيد، وهذا لفظ ~~كتاب القاسم بن المؤيد بالله إلى محمد بن الإمام وهو: # بسم الله الرحمن الرحيم PageV01P464 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، من عبد الله أمير المؤمنين المنصور ~~بالله القاسم بن أمير المؤمنين المؤيد بالله ثبته الله تعالى إلى الصنو ~~السيد العلامة الأوحد رضيع المحامد والفخامة، ربي حجر الخلافة والإمامة، عز ~~الإسلام والمسلمين سليل الأئمة المطهرين محمد بن أمير المؤمنين المتوكل على ~~الله رب العالمين، حفظه الله وحماه، وحرسه ووقاه، وأهدي إليه شريف السلام، ~~وسنى التحية والإكرام ورحمة الله وبركاته على الدوام. وبعد: فصدور هذا ~~السلام وإنه قد سبق إليكم حماكم الله كتاب، وعرفناكم الوجه المقتضى لتأخير ~~الاتفاق، إلى آخر ما ذكرناه لكم، وإلى تحرير هذه الأحرف ولم يعد الجواب، ثم ~~إنا بحمد الله الذي لا إله إلا هو ونسأله أن يصلي ويسلم على محمد وآله وأن ~~يجعل الأعمال خالصة لوجهه الكريم، ومقربة إلى جنات نعيم، وإنه لما طلب ~~الصنو صفي الدين أحمد بن الحسن حماه الله المفاوضة والاجتماع، ونحن كنا ~~طلبنا ذلك لما كنتم ذكرتم سابقا أن الدعوة على تلك الصفة، وأن المراد وجه ~~الله سبحانه والنظر في صلاح المسلمين، ثم تعقب من قبله جملة ما ذكرناه لكم ~~في الكتاب السابق، والكتاب هو مما يحسن، إلا أن في النفس أشياء نذكرها لكم ~~صار من في جانبنا من أهل النظر يطلبون معرفة المخلص عنها حتى نكون نحن وهم ~~على بصيرة، وذلك أنه قد[137/أ] كان ms138 من الصنو أحمد حماه الله هفوات ليس ~~عندنا ولا عندهم معرفة المخلص منها ومن تحقق التوبة عنها: وذلك بغيه على ~~إمام الزمان المؤيد بالله مرتين فإنه خرج في الأولى إلى الحوادث، وتولى ~~حربه الوالد الحسين بن القاسم رحمه الله، وحصل فيها قتل كثير من أهل آنس ~~وريمة ووصاب، وذلك بفعله وسببه على ما شاع هو وسرور شلبي ، وتلك دماء ~~محترمة؛ لأنهم من جند الإمام وهي مضمونة بالإجماع؛ لأن الباغي يضمن الدم ~~بلا إشكال إلا أن يهدرها الإمام لوجه شرعي، ولم يبلغنا أنه تخلص وودى دية ~~ولا ظهر أمر، وإنما سكن لما أسر. PageV01P465 # والثانية خروجه إلى نقيل الشيم، وتولى حربة حي الإمام المتوكل على الله ~~رحمه الله وكان فيه قتل كثير، ولم يحصل تخلص ولا علمنا، وأيضا فإنه خرج ~~بالأموال التي كانت مجموعة مع والده، وهي تجل وتعظم فنهبها العساكر وبذل ~~منها في مقابل قطع الرؤوس من أصحاب الإمام شيئا واسعا، فإن كانت تلك ~~الأموال بيوت أموال، فهل تخلص منها بالغرامة إلى إمام زمانه؟ ولا نكتفي في ~~هذا إلا بإظهار أوجه شرعية تكون فيها عليه النفوس طيبة، وإن كانت الأموال ~~ملكا لوالده، فهل أصلح ما بينه وبين ورثة أبيه بالغرامة أو البرا، فنحن ~~نعرف بعض الزوجات ما ذكر لهن شيء من ذلك. ومن ذلك ما حصل مع التجار ~~كالحطروم وقاسم سبحة[137/ب] وغيرهما فإنه أجحف بأموالهما كلها، وصارا من ~~جملة الفقراء والناس كالمجمعين أنه استدان منهما ولم يقض شيئا. ومنها على ~~ما وقع -والله أعلم بالحقيقة- أنه ضرب أمة من إمائه حتى ماتت عدوانا وكسر ~~يد أخرى وضع يدها على خشبة وضربها؛ لأنها ناولت ولدا صغيرا كتابا طلبه ~~الصنو أحمد، فسأله من ناولك الكتاب؟ قال: فلانة، فطلع من الديوان وفعل هذا ~~الفعل، ولعله استمر على تسريها بعد ذلك. PageV01P466 # ومنها أنه بلغ أن معه دارا تسمى دار المحجبات، وفيه إماء منتخبات من مكة ~~بذل فيهن أموالا من أموال المسلمين، وقيل: -والله أعلم- أنهن من أهل السماع ~~والملاهي، ولا يترك أحدا يتصل بهن أبدا، ومنها قضية ms139 الفلوس هذه التي كانت ~~قبل موت الإمام، فإن الإمام أراد أن يمضي كلامه فيها، فامتنع الصنو أحمد ~~أشد الامتناع، مع أن أمر السكة إلى الإمام وغير ذلك من قتل النفوس التي ~~قتلت في زمن حي المتوكل على الله بغير حقها، وتولى قتلها بيده فهذا في ~~النفس ونعيذه بالله من الإصرار على ذلك. ويجب أن يطلعنا ويطلع من شاركنا في ~~وجه هذا على وجه الخلوص إما بأحكام شرعية يبرزها أو بشهادة عادلة، فإن هذا ~~المقام الذي ارتقاه يحتاج إلى العدالة المحققة، ولا يعرف حقيقتها إلا بعد ~~الخلوص من هذه التي شاعت وتناقلها الناس، وبعد أن يعرف إصلاحه لذلك الوجه ~~الصحيح في ذلك الوقت وبعده لا في هذا الوقت[138/أ] بعد الدعوة فإنه غير ~~مقبول؛ لأنه مع ذلك الدعوة غير صحيحة، فإذا صح لنا ولأتباعنا حسن الاجتماع ~~وطوت هذه الأشياء وكان النظر للعلماء وأهل الخير والفضل ونحن أحب الناس ~~للحق، وما لنا في القيام بهذا الأمر غرض دنيوي، الله يعلم النية، وإنما ~~كلفنا عليه. PageV01P467 # واعلم يا صنو محمد حماك الله أن هذا واجب عليك تبحث عنه وعن وقوعه وعن ~~كيفية إصلاحه، ثم ترشدنا إلى طريق تسكن به النفس. وما كنا نحب ذكر شيء من ~~هذا، ولكن المقام صار لله سبحانه وتعالى والدخول فيه والخروج عنه مسؤول ~~عنها، ونعوذ بالله من الهلاك. وقد أوجب الشارع البحث عما يوجب الشك حتى ~~يزول فاعرف هذا. ويجب منك -حفظك الله- أن تطلع هذا على الوالد زيد بن علي ~~حماه الله؛ لأنه حضر في حرب الحوادث وكذلك الفقيه بدر الدين محمد بن علي ~~جميل فإنه حضر في حرب نقيل الشيم، وقد عرفتم أن التوبة الصحيحة لا تكون إلا ~~بالتخلص من الدماء والأموال على الوجه المشروع كمالا يخفى، وقد طوينا غير ~~ذلك مما تلهجون به، وحسبنا الله ونعم الوكيل: {ياأيها الذين آمنوا إن ~~تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} ولقد سبق لك القصد إنا حملناك وألزمناك ~~هذه الأمانة تبحث عنها وعن التخلص عنها ثم تعرفنا؛ لأنه ينبني على ذلك ~~إتمام سرعته، ms140 ثم ذكر آخره أنه بلغ وصولكم، فإني بريء من الوصول هذه ~~الساعة[138/ب] لما يحصل من التشعبة على القبائل، ولأجل الجراد التي أكلت ~~الثمار، فأرسل به محمد بن المتوكل إلى أحمد بن الحسن، وهذا جواب أحمد بن ~~الحسن على المذكور، قال فيه ما لفظه: # بسم الله الرحمن الرحيم PageV01P468 الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى:{ياأيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا ~~من الظن إن بعض الظن إثم ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن ~~يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه} من عبد الله أمير المؤمنين المهدي وفقه الله ~~إلى الصنو العلامة النبيل علم الدين القاسم بن أمير المؤمنين المؤيد بالله ~~حفظه الله وأصلح حاله وسدده إلى الخير وأرشدنا له، وعليه أفضل السلام ورحمة ~~الله. وبعد: فإني أحمد الله الذي لا إله سواه وأصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم، وإني وقفت ~~على كتابين منكم أحدهما إلى الصنو السيد الجليل العلامة محمد بن أمير ~~المؤمنين والآخر إلى السيد الولد النجيب أحمد بن محمد بن الحسين، مضمونهما ~~واحد في أمور قلتم بعد ذكر الاتفاق الذي طلبناه منكم أن في النفس أشياء ~~نذكرها لكم، إنه صار من في جانبنا من أهل النظر يطلبون المخلص إلى آخر ~~كتابكم فأقول مستعينا بالله: إني كنت فعلت هذه الأفعال في وقت إمام صادق ~~لله فيما أمر ونهى ذي عزيمة وشكيمة معروفة وصلابة ظاهرة، ورجعت إليه ومضت ~~مدة مديدة وأنا عنده وبين يديه وختم آخر عمره بأن ولاني بلاد وصاب،وكان لي ~~معظما مجللا وهل الإمام المؤيد بالله داهن صنوه الحسين في شكوى شيخ واحد من ~~مشائخ[139/أ] الحيمة؟ وهو ابن مفضل، فرفع يد صنوه من جميع بلاد الحيمة وما ~~بالى بقدره الجليل، ولا نظر إلى سابقته مع والده ومعه، ولا استحى من أخيه ~~شرف الإسلام الحسن بن القاسم، فكيف يداهني فيما ذكرت جميعه وأنا ولده ولا ~~سابقة لي معه! فهل داهنني في جميع ذلك؟ فاستحى مني! فما هذه الغفلة منك ~~الكبيرة! ثم أنت في نفسك أصلحك الله أنه الذي كان يجب ms141 عليك عند أول سماعك ~~هذه الأمور عني أن تخرج من واجب أوجبه الله عليك بالقول لي بما عندك في هذه ~~القضايا، ولا تسكت حتى تعرف ما عندي فيها، وأنت تعلم قول الله سبحانه: PageV01P469 # {كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون، ترى كثيرا منهم ~~يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب ~~هم خالدون} وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يحل لعين ترى الله يعصى فتنظر حتى تغير ~~أو تنتقل ))، بل كنت عندك أصلحك الله مرضيا بالأمس، فلما قمت بهذا الأمر ~~الآن قلت في ما قلت، فما عدا مما بدا، أليس كتابك إلي بخطك في مرض الإمام ~~رحمه الله ما لفظه: سيدي مولاي صنوي بركتي السيد الإمام العلامة شمس الملة ~~والدين، وسيد سادات العترة الأكرمين، فلما قمت هذا العام صار المخاطب ~~بالإمام وسيد سادات العترة الكرام من ألأم الأنام، ومرتكب الفجور والآثام. PageV01P470 # وأما قتل النفوس في زمان المتوكل فهي عندي من أقرب القرب، فإذا أنكر على من ~~قتل علي بين يدي رسول الله صلى الله[139/ب] عليه وآله وسلم يوم بدر وأحد، ~~وفتح خيبر والخندق ويوم حنين أنكر علي بمن قتلت يوم أبين ويوم نجد السلف ، ~~ويوم يافع ويوم بحران بحضرموت، وأرجو أن يبلغني الله ما بلغه بعد دعوتي ~~هذه من القتل يوم الجمل وأيام صفين ويوم النهروان. وأما أمر الفلوس وإني ~~امتنعت من أمر الإمام، فلو نطق المعترض بالحق لما قال هكذا، وإنما راجعته ~~أشد المراجعة رحمة مني، لضعف رعيته؛ لأنهم ضجوا من كسرها وتعبوا تعبا ~~شديدا، فلما لم يتراجع لي نفذت أمره والأمر ظاهر ويكفيك إنما مات حتى أمرني ~~بالتجهيز إلى شام صعدة كما علمت، وجعلني أمير أمرائه الذين أمر بتجهيزهم، ~~وفوضني تفويضا كاملا، وولاني بلاد خولان، والحرجة فهل هذا الفعل لعصيان ~~مني أو لطاعة له؟ ووصلني خبر موته وأنا بأول مرحلة متجهزا في طاعته. وأما ~~أمر الحطروم وقاسم سبحة، فالحطروم لم يعاملني مدة حياته، وأما قاسم سبحة ~~فهو ms142 عميلي الآن، وطلع بأشياء من المخا، أكثرها صارت إلينا فلو كان فقيرا ~~كما ذكر لما طلع بشيء، وعملتي له وغيره مثل عملة سائر الناس إن وجدوا قضوا ~~وإن لم يجدوا صبر الغريم، وأنت كذلك بلا شك،وهذا دأب الناس في هذا الزمان ~~وغيره. ومات مولانا المؤيد بالله ودينه يفيق على أربعين ألف قرش، فهل ذلك ~~قادح في إمامته؟! وأما ذكر[140/أ] القتيل الذي أراد الفتنة بين العسكر فلم ~~يقع من ذلك شيء، ولو يقع من أحد من الناس الآن إرادة إثارة الفتنة بين ~~العسكر لقتلته، فإنه روى لي إمامنا المتوكل على الله وحي الصنو محمد رحمه ~~الله أن الإمام القاسم كان يقول: من قال يا حاشداه أو يا بكيلاه فقد حل ~~قتله، فإنه من الساعين في الأرض فسادا، ومذهبي في ذلك مذهبه، وأما ذكر ~~الخزايا والبلايا على مختلفها، عدا من ذكر قتل جارية PageV01P471 وكسر يد أخرى، وجعل بيت مختص بالغناء لا يدخله أحد فلو تأدبت بما أدب الله ~~عباده من قوله تعالى: {ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضا } وذكر من قول الله ~~في قصة الإفك والجامع الافتراء وقوله: {ولا تقف ما ليس لك به علم } وقوله صلى الله عليه وسلم: ~~((لا تتبعوا عورات المسلمين ))، وقول أمير المؤمنين: (من عرف من أخيه وثيقة ~~فلا يسمعن فيه أقاويل الرجال)، والله أعلم. # انتهى الأصل من القاسم والجواب من أحمد، وفي كل من الأصل والجواب قوة ~~وضعف، والرجوع إلى قوله تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء ~~وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء ~~قدير} هو الأولى في ذلك، كما ذكر بعض الفقهاء أنه بقي حائرا في هذه الأحوال ~~مهتما بها في بعض الأيام والليالي، فرأى في المنام أنه يقول: النفس علينا ~~من ذاك الإمام من هؤلاء السادة، فتليت عليه الآية، والله أعلم. # وجه القوة والضعف في هذين الكتابين، أما كتاب القاسم فمنه قوله: أن ~~الباغي يضمن الدم بالإجماع، ولم يبلغنا أنه ودى دية ولا ms143 تخلص، فهذه مسألة ~~خلاف بين العلماء، منهم من لم يوجب الدية، فلو قال على قول من قال بوجوب ~~ذلك[140/ب]، ومنه قوله: وكذلك النفوس التي قتلت في زمن حي المتوكل على الله ~~بغير حقها، فما قتل في الحروب مع المتوكل للبغاة، ومن امتنع من تأدية ~~الزكاة، بعد استقرار إمامة المتوكل، فهي ساقطة بإجماع العلماء. PageV01P472 # وأما كتاب أحمد بن الحسن في جوابه: إن كنت فعلت هذه الأفعال في وقت إمام ~~صادق لله فيما أمر ونهى ذي شكيمة وعزيمة معروفة وصلابة ظاهرة، ورجعت إليه، ~~ومضت مدة مديدة وأنا عنده وبين يديه، وختم آخر عمره بأن ولاني بلاد وصاب، ~~وكان لي مجللا معظما، إلى آخر ما ذكره، فهذا ليس بجواب على السؤال ~~والاعتراض، وطلب المخلص منه ما جرى من تلك الأفعال، فإن سكوت ذلك الإمام ~~عما جرى من تلك الأفعال وما مضى من تلك الأعمال ليس بحجة في سقوط الحقوق ~~للعباد، فإن حقه قد أخذه منه قسرا وقهرا، وأسره وأمنه، وبقي حق العباد متى ~~طالبوه في رقبته، هذا ضروري لا يخفي أهل البصائر، ومنهم المطالب له، ومنهم ~~الخائف له عن مطالبته، فليس بحجة ما قاله تسقط الأمور اللازمة له. # وأما ولاية وصاب له فهو كان قبل أن يخرج عليه إلى الحوادث، فإنه كان وضع ~~له ولاية وصاب، فلم يقبل ذلك منه، وسار مغاضبا من ذمرمر إلى ذمار عند صنوه، ~~ثم دخل وصاب، وتقدم على عتمة يحارب السيد مطهر واليها من قبل الإمام ~~المؤيد، وجرى ما جرى. # وأما تزويجه المؤيد لبنته، فليس بحجة؛ لأن رضا الولي يكفي في ذلك ، وقد ~~غلط أحمد بن صالح بن أبي الرجال في رسالته، حيث قال: إن المؤيد والمتوكل ~~زوجا من لا يحل تزويجه بإجماع العترة، كيف؟ وهو عند هذا مصرح بتصويب فعله ~~في خروجه على المؤيد بالله، فإنه ذكر الثقة أنه سمعه يقول: ولم يجازي ~~المؤيد فيما فعله معنا، وقد كان روى رجل من أصحابه أنه ذكر أحمد بن الحسن ~~ما جرى معه في الخروج على عمه المؤيد ومحاربته، ms144 وذكر أن سببه إنعام والده ~~عليه، وبره له، فتاقت نفسه إلى ما كان ألفه وليس فيه غير ذلك. # وأما تأخير قوله إلى هذا الوقت، فعذره ما يترتب عليه من الأحكام للرياسة ~~العامة للإسلام، بخلاف قبل ذلك في مدة الأئمة السابقين، فالعهدة عليهم، ~~وأما خطه بما ذكر في كتابه ففيه حجة عليه، كما ذكره. PageV01P473 # وأما قياسه على من قتل بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وأحد، فلعل قاسما أراد ~~مما قتله في غير القتال للبغاة على الإمام[141/أ] وذكره للقياس على من قتل ~~بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم لا حجة فيه؛ لأن ذلك جهاد كفار بين يدي نبي من ~~الأنبياء، فأين هذا من هذا؟ والله المستعان. # وأما الفلوس التي ذكرها فإنه استمر فيها إلى أن توفي الإمام، ولعله قصد ~~المراجعة في ذلك، كما ذكره، والانتظار فيها حتى ينظر ما ينتهي إليه قول ~~الإمام، كما ذكره، وفيه ما فيه. وأما المطل بالديون فالأمر ظاهر مشهور عنه ~~ضرورة، ولقد شكى علي يتيم قماط في الغنم أنه مات والده وعليه دين ما أوفاه ~~أحمد بن الحسن ولا سلم إليه إلا مائة حرف من أصل تسعمائة حرف وأكثر، ومضت ~~أعوام وهو يطالب أبوه حتى مات أبوه، وكذلك شهد معه على قوله بعض قرابته، ~~وقالوا: نشفع لهم بتعريف إلى أحمد بن الحسن، فقلت لهم: روحوا إلى قاضيه عبد ~~الواسع، وهو لا يترك ما يجب عليه. ومطل حسن الطحم في ألف قرش صار يدعيها ~~عليه، ولم يحصل شيء له وأيس منه، وغيرهم كثير. # وأما قوله: إن وجدوا قضوا وإن لم يجدوا صبر الغريم، فمخالف للإجماع في ~~الأغنياء مع الجدة، وأنه لا يستثنى له إلا ما يستثنى للمفلس، وأنت ليس ~~بمفلس بل واجد، والخزائن مملوءة معك بالضرورة. # وأما الاحتجاج بالمؤيد أنه مات وعليه ذلك القدر، فاتفاق موته أنه استدان ~~قبل القضاء في عامه وفي قدر مهلته، وأما المطل الطويل والخارج عن التأجيل ~~فحرام قطعا. # وقوله: من قال: يا حاشداه أو يا بكيلاه ms145 فإنه يقتل لأنه مفسد، فهو قول ~~باطل؛ لأن المفسد في الأرض لا بد أن يكون قد قتل، وإلا لم يجز عنه قتله ~~أصلا، فلا حجة فيه بل التأديب له. PageV01P474 # وأما إنكار قتل الجارية فقد اشتهر ذلك وصح، وهي جارية كانت لبنته، زوجة ~~إسماعيل بن محمد بن أحمد بن القاسم بالروضة، وكذلك تواتر قتل أفراد في ~~المدة السابقة بالضرب بالدبوس، كالذي قتل بعد صلاة العيد في باب شعوب لما ~~رمى إلى الداير للنصع بعد منعه له وخالفه، فالتخلص واجب عليه من جميع ذلك، ~~والله يغفر ويرحم. # هذا في المجمع على لزومه من غير المختلف فيه، مما جرى في بغيه على المؤيد ~~بالله مرتين في الحوادث ونقيل الشيم. # [141/ب] وكذلك أجاب على السيد يحيى بن أحمد الشرفي أحمد بن صالح بن أبي ~~الرجال لما ذكر وصف قاسم بطهارة المنشأ، فقال أبي الرجال: التعريض بغيره ~~-يريد أحمد بن الحسن- لا يحل، فإن العصمة منتفية عن الجميع، وقال: إذا كثرت ~~السيئات وتاب كثرت الحسنات، ثم ساق ذلك، ولكن يقال: التوبة من حقوق العباد ~~لا بد من شرطها التخلص وإرضاء الخصوم، فالأمر مشكلا. # ومن عجائب هذا القاضي أحمد بن صالح بن أبي الرجال أنه أكثر الذب والنضال ~~عن أحمد بن الحسن، وأول من خطب، ثم انقلب بآخرة في أول سنة1089ه راجعا إلى ~~الهجو والذم، فإنه قال: ما أعظم مما وقع منا -مخاطبا نفسه- من مبايعة أحمد ~~بن حسن رجل غير صالح، وسخط حالته لما أرجع من بابه مرارا لما وصل إلى ~~جنابه، وبقي أكثر وقته في عافش ، وله بعض اتصال بعيال المتوكل، فلا قوة إلا ~~بالله، بعد أن كان هو أول من خطب ومدح وعظم المهدي، بحيث أنه لم يكتف بخطبه ~~وجواباته، بل جعل كراسة مستقلة في المسلمين في تصحيحه لدعوة أحمد بن الحسن، ~~وذكر أعيان من عقدها له من السادة والقضاة وغيرهم عقد اجتماع محضرهم ~~بالغراس، ولقد ذكر كاتب الأحرف فيها وكذب علي فيها، فإني لم أحضر محضرهم، ~~ولا بايعت بيعتهم. PageV01P475 # وفي آخر شهر رجب وصلت ms146 رسالة من السيد أحمد بن إبراهيم المؤيدي الملقب ابن ~~حورية، من أولها قوله: وبعد فيقول العبد الفقير إلى مولاه الهادي إلى الحق ~~المبين أمير المؤمنين أحمد بن إبراهيم بن محمد بن محمد بن أحمد بن عز الدين ~~بن علي بن الحسين بن أمير المؤمنين عز الدين بن الحسن بن أمير المؤمنين علي ~~بن المؤيد وفقه الله، حتى قال: ومن دين الله الواجب وحقه الواضح الواجب أن ~~أوجب على الأمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن ينصبوا إماما عادلا ~~لإقامة الحدود والجهاد والجمعات، وتأمين الطرقات، ودفع المظالم من غير فرق ~~بين قوي وضعيف، ووضع الحقوق في مواضعها في الثمانية الأصناف، وشرط الفقير ~~أن يكون غير هاشمي، والتسوية، وفي نهج البلاغة: وجوب القسم بالسوية، ثم ~~قال: ولما رأى رسم الدين قد عفى، وعلم أن هؤلاء الذين دعوا مع فرض الكمال ~~واجتماع الشروط المعتبرة فيهم ظاهر الاختلال، لا يسيرون إلا هذه السيرة، ~~ولا يميلون إلا نحو هذه العادة الماضية التي تخاف في السكوت عليها في مضي ~~الأخذ بالجريرة، فإنا رأينا المسكين محروما،والضعيف مدحوضا ومظلوما، ~~والفقراء من بني هاشم وغيرهم لا يجدون في أكثر الأوقات ما يسد جوعهم ويستر ~~عورتهم، وصارت حصتهم من الفيء والمصالح دولا، وقد تكلمنا في الماضي فلم ~~يلتفت إلى أقوالنا[142/أ] ولم يعول على شيء من أعمالنا، كذلك رأينا الأخذ ~~من الرعية غير متوقف على كتاب ولا سنة، قال: فلما رأينا الأمر هكذا وجب ~~عليه القيام بأمر الله، والدعاء إلي أو من هو أصلح علما وعملا وزهدا وورعا، ~~وبقية الشروط المعتبرة، إلى آخر ما ذكره، مما محصوله هذا ونحوه. وقال: حررت ~~تاسع عشر شهر رجب الأصب سنة سبع وثمانين وألف. فلم يرفع لهذه الرسالة أحد ~~رأسا، ولا تلقاها أحد بقبول، ولا ظهر لها عند الناس نفوذ؛ لأن صاحبها كان ~~مناقضا لما فيها، فإنه ما زال يفد إلى الحضرة المتوكلية مسترفدا وطالبا من ~~الحطام المالية PageV01P476 والكسوات الهندية كل عام ويسير بها إلى بلاده، وكان مع ذلك مقطعا إقطاع ~~أبيه من قبله بلاد ms147 العشة وما إليها في سباره وأصحابه، وهي من عين الزكاة ~~التي نهى عنها وقال بتحريمها، وناقض ما ذكره من الاستيثار والمساواة، فإنه ~~استأثر بإقطاعه عن غيره من فقراء بني هاشم وغيره من الفقراء من أهل جهته، ~~فكان أمره لنفسه بالمعروف ونهيه عن منكره أقدم وأحرى، فإنه يقول الله ~~تعالى: { أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا ~~تعقلون} ومرفوعات اليمن أكثرها زكاة قد حصلت البلوى بها لأكثر الخلف من ~~الأغنياء وبني هاشم، وعزة الشروط في الفقراء الجائعين، ولا يخلو منهم من ~~يصير إليه منها ما يصير، على أن المطالب التي ليست بزكاة كثيرة تصير إلى ~~بعض بني هاشم والأغنياء منها جانبا، وهم في ذلك وغيرهم على سوى. # وأما الأخذ من الرعية بالمطالب الكثيرة فكلامه حق، خصوصا باليمن الأسفل ~~مما هو لا شك من متنكر على الماضي والمستقبل، وأما القسم بالسوية ففيه ~~الخلاف بين العلماء. # [142/ب] وهذه الرسالة سببها لما بلغه أن عقدهم كان مشروطا للرضا والصالح ~~لها ففرح السيد بهذا الشرط، وكان ذريعة له في إقامة الحجة والفرض، وقالت ~~نفسه: عسى يتأتى هذا، وكذلك قاسم بن المؤيد صار يحتج عليهم بهذا، والأمر ~~فيه اختلاف كثير واضطراب شديد، الكل منهم بين طرفي النقيض، والحال بينهم ~~العجيب المستفيض، مما يتعجب منه. # وفي هذه المدة التي مرت بعد موت المتوكل من هؤلاء السادة المتعارضين لم ~~يرفع أحد منهم مظلمة ولا مطلبه زائدة، ولا عزل وال جائر، ولا إصلاح خلل ~~حاصل[143/أ] بل الأمور على ما كانت عليه في العدين وبلاد جبل صبر، وبلاد ~~برع وقعار من الزوايد التي زادها الولاة الذين كان شكوهم، والولاة أولئك ~~أبقوهم. PageV01P477 # ولقد انكشف لمحمد بن الإمام لما وصل ضوران من الخزائن التي لا تنحصر بعدد، ~~ولا يوقف فيه على حد من الذهب الأحمر والقروش والنقد، فعجب يحيى جباري قاضي ~~الإمام من ذلك وقال: ما كنت أظن أن في خزائن الإمام هذه الممالك. يريد فما ~~الوجه للمطالب والجور في اليمن الأسفل؟ ولا حاجة هنالك على من يقول بجواز ~~المعونات ms148 في الهدن فكيف لمن منعها؟ إلا عند الحاجات وعدم المكن، وهو يقال ~~للقاضي ففي شهارة والسودة وصنعاء غير ذلك من النقديات، والله أعلم لمن تصير ~~تلك المجموعات. # وما دار على أكثرها ثلاث سنين إلا قد راح منها الجزيل في فتنة شهارة، ثم ~~في الجوع الحاصل بعدها والغلاء في الأسعار بسبب الجراد، فإنه احتاج محمد بن ~~الإمام إلى كثير منها، وتمزق بعضها مع حسين بن المتوكل وبعضها مع غيره من ~~المتصرفين، حتى أن منها ما سرقها بعض الخدم[143/ب]. # وكانت الخطب في شهارة متضمنة للحث للجهاد للبغاة الخارجين عليهم مع زيادة ~~في الاستحداد، ويذكرون الآيات النازلة في قتال المشركين، وفي وقت الأنبياء ~~عليهم السلام الماضين، وما عرفوا فيمن نزلت الآيات، ولا من تضمنه تلك ~~الصفات المتلوات، كأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، وأن هذا من الغلو في الدين ~~الذي نهى الله عنه، واقطع من عنده من الرؤساء ولا يأت وعدهم بها، وجعل ~~بأيديهم الخطوط فيها من أرض اليمن وهو لا يمر خطه فيها، لكن أراد الترغيب ~~لهم يعدهم ويمنيهم،وجعل لكل من وصل من الرعايا خطوط الجبريات. # وزلج أحمد بن الحسن الشيخ منصر العولقي إلى بلاده وأرجعها[144/أ] إلى ~~نظره، وقد كان له مدة عند حي الإمام المتوكل، منعه حسين بن الحسن عن ~~إرجاعه، وكان ولى صنوه بلاده، وكانت طريقه الجوف، تجنب طريق رداع لأجل ~~الحسين بن الحسن، وجهز أحمد بن الحسن يومئذ حسين بن محمد بن أحمد بن القاسم ~~إلى خمر لحفظه. PageV01P478 # وأرسل أحمد بن الحسن القاضي جعفر بن علي بن تاج الدين الظفيري للسعي في ~~الصلاح، فسار إلى شهارة وذكر له الاجتماع وسكون الدهماء، وأنه إن أحب ~~المناظرة فتصلح في أي مكان يليق بها. فلما وصل المذكور لم يقابل بقبول، ~~وسمع خطبهم وما صاروا يأخذون في جانب أحمد بن الحسن ومن معه. وأجاب بتعذر ~~الاجتماع في الأقوال، وأنه يدعي الكمال، وغيره في حيز الإهمال، والتخطئة ~~لمن قال بانتصاب أحمد بن الحسن ومن إليه مال. وكان من المحرضين لقاسم السيد ~~يحيى بن أحمد الشرفي[144/ب] ms149 فإن السيد يحيى بن أحمد الشرفي صح عنده إمامة ~~قاسم، ولهذا قال في جوابه على قاسم لما بعث إليه الدعوة: وذكرتم ما اهتديتم ~~إليه من الانتداب إلى ما ندب إليه سيد الأولين والآخرين من تحمل أعباء هذه ~~المرتبة الجليلة، وذلك إظهار الدعوة إلى كتاب الله وسنة رسوله وإلى الرضا ~~من آل محمد، فذلك الفضل من الله، ولأنت الرضا من أهل هذا البيت الطيب. PageV01P479 # وقال في جواب أحمد بن الحسن بعد أن ذكر أول الكتاب ما لفظه: هذا والمرفوع ~~إلى مقامه العظيم ما قد أحاط به علمه الكريم من تقدم دعوة من مولانا أمير ~~المؤمنين القاسم بن أمير المؤمنين المؤيد بالله وجهها إلى جميع الجهات، ~~فأسرع الناس جميعا إلى إجابتها أفرادا وثنايا، وجاءنا خصوصا منه كتاب يخبر ~~بما اختاره، وبما أجمع عليه أهل شهارة من أهل الحل والعقد من تحمله ~~للأعباء، وهو لما كنا عالمين بما هو عليه من طهارة المنشأ واستكمال الشرايط ~~المعتبرة[145/أ] في ذلك الباب والفضل بيد الله يؤتيه من يشاء لم نجد عذرا ~~عند الله من التوقف عن إجابة دعوته،ولا دفعا إلا الكون في جماعته مثل ~~قوله صلى الله عليه وسلم: ((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه الله على منخريه في نار ~~جهنم ))، ويقتضي هذا وجوب الإجابة إلى المبادرة مع انتفاء الأعذار المرخصة ~~في التراخي، إذ الفاء للتعقيب، وهذا الكتاب من المذكور يخالف ما نقله كثير ~~من العلماء الذين وصلوا إليه وأخبروا عن حاله فاتفقوا أنه ليس يكمل ~~بالاجتهاد أصلا وإنما له مسكة في الفقه، ولم يكن له في الأصول معرفة هكذا ~~أخبرنا به جماعة من العلماء منهم السيد العارف عبد الله بن محمد الكبسي ~~قال: وهو عارف بقراءته من قبل هذه المدة وتحصيله. وكذلك الشيخ القاضي ~~الفقيه العارف جعفر بن علي الظفيري قال: الاجتهاد ما بلغه ولا حام حوله، ~~وغيرهما، فقول السيد باستكمال الشرائط لعله يريد في العدالة والتقوى، ولعله ~~يريد إلى إمامة المقلد على قول الدواري المسبوق قوله بالإجماع، وبهذا حكم ~~أيضا الفقيه أحمد ms150 بن صالح أبي الرجال بإمامة أحمد بن الحسن، وأن الرضا بني ~~على مذهبه؛ لأنه يقول بإمامة المقلد، وحيث كانا مقلدين، فكان دعوة المتقدم ~~أوجب على قول مذهبهما، ودعوة أحمد كانت متقدمة بيوم وليلة على دعوة قاسم، ~~مع ضعف هذا القول ومخالفته للإجماع، والملك لله يؤتيه من يشاء. PageV01P480 # وأما احتجاج السيد يحيى بن أحمد الشرفي بأنه[145/ب] وجب عليه إجابة قاسم بن ~~الإمام لحديث روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من سمع واعيتنا أهل البيت فلم يجبها كبه ~~الله على منخريه يوم القيامة ))، وهذا الحديث باطل موضوع، لا أصل له ولا ~~يسند عليه تعويل ولا رجوع، وإن كان بعض الهدوية قد ذكره بالسند المقطوع فهو ~~بناءا على قبول المراسيل، ورواية المجاهيل، وهو مخالف لما عليه الجماهير، ~~منهم ومن غيرهم من العلماء النحارير. # وجاء الخبر يومئذ في عاشر شهر شعبان بأن علي بن أحمد تفرقت عليه آراء ~~قبائل الشام، ورفع كثير منهم رؤوسها واستخفوا بما يصدر منه من الأوامر ~~والكلام فيها، فتضعف أمره ونهيه، وانكسرت نفسه وبقي في حيرة من هذا ولا ~~سيما مع ميل بعض جهاته إلى إجابة قاسم، والمشي إليه بالعزم الجازم، وبعضهم ~~إلى السيد أحمد بن إبراهيم المؤيدي، وبعض بلاد الشام عن بدء، وهكذا الأيام ~~تلعب بالفتى وتتقلب فيها تارة على الوجه، وتارة على القفا، ولله قول ~~الشاعر: # وما الدهر إلا مجنونا بأهله # وما صاحب الحاجات إلا معذبا # فحدثته نفسه أن يترك ما عقده من الإمامة في أمسه، أو أنه يساير من بقي ~~معه من القبائل، ويرضى بالحاصل منهم والزايل، والله أعلم ما ينتهي إليه ~~حاله، وما يضطر إليه مآله. # ووصل في هذا التاريخ شكاة العدين الذين أضعفهم[146/أ] الجور والظلم لحسن. ~~ظن بهم للإنصاف من هذا الآخر بعد مضي الإمام الأول الذي لم ينصفهم في ~~شكواهم، وما جرى عليهم من الاسترسال في أموالهم، فلما وصلوا إلى أحمد بن ~~الحسن صاحوا بالأصوات وقالوا: هل أنت ممن يزيل الجور والظلمات؟ وتخفف ما ~~صار عليهم من المطالب المحدثات المخترعات؟ فأرسل أحمد ms151 بن الحسن على واليهم ~~جعفر الجرموزي، ولا يعرف ما إليه أمرهم ينتهي. PageV01P481 # ووصل في أثرهم شكاة من بلاد قعار من واليهم الحاج عاطف أنه استأصل أموالهم ~~بالظلم، فطلب إلى حضرة أحمد بن الحسن، واستقر هؤلاء السادة متباينين ~~ومتفرقين غير مجتمعين ولا مؤتلفين لم يتضع أحد منهم للثاني، ولم يسمع ~~المكاتبات بعضهم لبعض ولا من قاصي ولا داني، وكل منهم ادعى الإمامة على هذه ~~الصفة المذكورة والحالة، وخطب له في حضرته ومن أجابه، فكان حالهم كما يقول ~~القائل : # وتفرقوا فرقا وكل قبيلة # فيها أمير المؤمنين ومنبر # وكم سعى الوسائط في الصلاح فيما بينهم، واجتماع كلمتهم، فلم يقبل نصحهم ~~ولا صلحهم لأمر قد علمه الله فيهم، وكان حالهم كما قال بعضهم: [146/ب] # ولا تصرفوها عن هواها وسؤلها # بعذلكم فالعذل يمنعها الصرفا # ولا تعتبوها فالعتاب يزيدها # هياما ويسقيها مدام الهوى صرفا # ولله قول الشاعر حيث يقول: # واستيقظوا فالسيل قد بلغ الزبا # وعلت عواريه على العربان # وذروا التحاسد والتنافس بينكم # وكلاهما نزغ من الشيطان # واستعملوا الإنصاف واغضوا كاشحا # لفسادكم والضم لكل لسان # وتداركوا إصلاح ما افسدتموه # ما دمتم منه على الإمكان # فتحدثوا في لم شعثكم فما # الساعي لفرقة قومه بمعان # وقد أبلى أحمد بن الحسن في العتاب غاياته وأنذرهم بأنه لا يتركهم على ~~مخالفاته، كما قال الشاعر: # لا تنكري عتبي عليك فإنه # جميل وشر الناس من لا نعاتبه # أعاتب من أهوى على قدر وده # ولا ود عندي للذي لا أعاتبه # ثم قال لسان حالهم: # فعزما فقد طالت مداراتنا للعدى # وطال بسوء العتب فينا ولوعها # فلا دار إلا حيث يهتضم العدى # ولا عز إلا حيث يبدو خضوعها PageV01P482 فجردوا الهمة على كشف القناع، والتهيؤ للحرب والوقاع، ذاك من تلك الجهة، ~~وهذا من هذه الجهة، وكان أول باديهم أن أرسلوا الحسين بن محمد بن أحمد إلى ~~خمر، كما سبق ذكره، يوم الخميس نصف شعبان. # [147/أ] وفي يوم السبت سابع عشر شهر شعبان وصل مشائخ الحيمة إلى حضرة ~~محمد بن الإمام، فاستلقاهم بالتجليل والإعظام، ومن أفرادهم من سار ms152 إلى ~~شهارة عند قاسم بن الإمام. # وفي هذه الأيام ظهر في البحر المقابل للمخاء جلاب انكشفت فيها طعام وصل ~~من سواحل الحبشة، لما بلغهم الجراد باليمن وارتفاع السعر. # وفي عشرين شهر شعبان غزا السيد محمد بن علي الغرباني الساكن ببرط بجماعة ~~معه من أهل برط إلى حصن الزاهر بالجوف، فدخل جانبا منه، ووقع بينهم القتال ~~فقتل من برط من كبارهم إثنان، وصوايب كثيرة من الجانبين، وانهزموا وأخرجوهم ~~من الحصن بعد أن كان دخلوا. # ولما بلغ أحمد بن الحسن ذلك الحادث بعث[147/ب] إليه غارة بجماعة من ~~العسكر، فساروا وقد عاد أولئك النفر. # وأرسل قاسم بن المؤيد إلى مبين بحجة جماعة عسكر، ومعهم فقيه من بني ~~الغفاري ولد أحمد هادي، وأمرهم بسياق الطعام من مدافن مبين إلى شهارة ~~للحاجة إلى الطعام ومن معه في هذه الأيام، لعدم الثمرة بسبب الجراد وغلاء ~~الأسعار، فشرع المذكور في السياق، وتضرر السيد علي بن حسين جحاف متولي حجة، ~~وحصل معه بسبب ذلك المشقة. # وفي هذه الأيام بهذا التاريخ في يوم الإثنين عشرين شهرشعبان خرج إبراهيم ~~بن حسين من شهارة بأمر قاسم له إلى جهات ذيبين، ومعه من العسكر عينة. # وأحمد بن حسن لما كان قد أمر ابن خليل باللحوق إلى خمر بلغه عند ذلك هذا ~~الأمر، فاسترجعهم[148/أ] وبنى على التجهيز والتأكد، وتحركت عليه الأمور ~~الساكنة والتأكيد، واختل عليه الأمر الذي كان يظنه، فإنه كان قال: ما يظن ~~أن أحدا يخالفه أو يخرج عن أمره. PageV01P483 # وعند هذا انتبه أحمد بن الحسن عرف أن الدهر يتقلص، وأن الأوقات قد تنغص، ~~وأيس عن رجوع أحد من هؤلاء الدعاة المعارضين له إلى طاعته، والإصرار منهم ~~على مخالفته ومنابذته، تعب باطن خاطره وكثر الشاغل معه، غير أنه مراعي ~~لجانب بعض من اتباعه لما شرطوا عليه في إجابته وبيعته، وهو محمد بن الإمام ~~وغيره، فإنه شرط أن تكون السيرة سيرة الحسبة، فلا يبدي بالغزو، وعامة الناس ~~وخاصة أصحابه ما زالوا يحرضونه على الغزو وهو عند نفسه ليس بمحتسب، فوافق ~~قولهم ما يهواه. ms153 # [148/ب] وفي يوم الثلاثاء سابع وعشرين شهر شعبان جهز المهدي أحمد بن ~~الحسن الشيخ زيد بن خليل الهمداني إلى عمران، وأمر محمد بن أحمد بتجهيز من ~~عنده من غير توان. # وجهز عبد الله بن يحيى بن محمد بن الحسن ، ومعه جماعة من الأعيان إلى جهة ~~بلاد ذيبين، فسار الجميع إلى تلك الجهة التي إليها أمروا، فوصل عبد الله بن ~~يحيى إلى المقضضة من بلاد الصيد وبها استقروا، ووصل ابن خليل إلى عمران، ~~وسبب هذه الحركة وصول إبراهيم بن حسين إلى ذيبين، كما سبق ذكره، ووصول حسن ~~بن حسين إلى العر، ومحمد بن الإمام جهز إلى حصن ثلاء ابن ناجي لحفظه عن ~~دخوله والتقدم على أهله؛ لأنهم أظهروا الميل إلى إجابة السيد قاسم، ووجه ~~عقبه أحمد بن الحسن أيضا ولده علي بن أحمد بجماعة من العسكر فمروا ثلاء ثم ~~نزلوا وادي لاعة يريدون الصلبة وحجة. PageV01P484 # ووجه أحمد بن محمد بن حسين إلى الصلبة وحفظ بلاد ملحان وحفاش، فسار الجميع ~~إلى حيث أمروا به، وكانت طريق أحمد بن محمد من الأهجر والمحويت ، والأمير ~~عبد القادر كان وصل إلى بلاده من قبل قاسم بن المؤيد بعض أصحابه، [149/أ] ~~فمنهم من وصل إلى مسور، ومنهم إلى بيت عذاقة ، ومنهم إلى الطويلة ، فجهز ~~الأمير إلى مسور السيد صلاح بن يحيى بن أحمد سند في جماعة من العسكر، ~~للسكون في مسور، وحفظه عن أحد يصل إليه، فقبضه وطرد من قد وصله، فسار ~~الجميع إلى هنالك، وأزالوا من وصل من أولئك. # وعبد الله بن أحمد بن القاسم لما وصل من صعدة إلى شهارة بأولاد حسن بن ~~المتوكل سكن وبايع القاسم، ويحيى بن حسين بن المؤيد وصل إلى أحمد بن الحسن ~~إلى الغراس، وباين عمه القاسم، ولم يدخل شهارة لما خرج من صعدة، فكان حالهم ~~كما قال الشاعر: # سارت مشرقة وسرت مغربا # شتان ما بين مشرق ومغرب # وفي هذا الشهر بالعشر الأولى منه وصل القاسم بن محمد بن أحمد بن القاسم ~~من عند صنوه علي بن أحمد صاحب ms154 صعدة بجواب الرسالة، وأنه داخل في الجماعة، ~~ومجيب لأحمد بن الحسن على كل حاله. فاغتاظ صاحب شهارة من ذلك، وضاق صدره، ~~وعيل صبره، وكل جهده فيما قد عاناه من الناس، وطلبه، فلم يجبه غير ~~أهل[149/ب] بلده ومن بقربه، بعد أن كانت طارت كتبه إلى جميع النواحي، وفيها ~~من التخطية والخط في جانب من لم يدخل في أمره ونهيه وإجابته. # ولما كثرت الكتب إلى صنعاء والرسل خرج عليها المهدي، ومنع عن كل من وصل ~~بها، فتقالل أمرها، وسكن كثرة ما كان يصل منها. PageV01P485 # وفي يوم الإثنين ثالث رمضان سار محمد بن الإمام إلى ضوران، يعتذر بتنفيذ ~~وصايا الإمام وافتقاد بيوت أبيه، وحفظ المخازين عن تصرفات أخيه، ويباعد ~~نفسه عن المخارج إلى جهات شهارة بعروض الشك معه في الأحوال، ومحبة أن يكون ~~انتظامها بواسطة غيره، والداخل في الأمر غير معذور، لكن المهدي أحمد بن ~~الحسن ربما يعذره لجلالة قدره عنده، وكونه القائم ببيعته أول أمره، واعتذر ~~المذكور بأنه ما كان يظن أنه يؤدي إلى التفرق والمحذور، وأنه أما إذا أدى ~~إلى الشرور والحروب فحاله يكره ذلك، وأحمد بن الحسن المهدي ذكر له أن بعد ~~ابتداهم في المخارج، وإرسال[150/أ] جنودهم في المشارق والمغارب ليس بعده ~~ترك ملاقاتهم. # ووصل كتاب من السيد يحيى بن إبراهيم من جحاف إلى من قرأه من الناس فيه ~~تعظيم الاختلاف، وما يجري بسببه من الفساد وعدم الصلاح والائتلاف، وانتهاك ~~الحرمات، ولاوح السيد بل صرح بأنه كان يجب أن يبقى السيد قاسم بشهارة على ~~حالة الإمامة، والمهدي على حاله، وأنه قد كان يوسف الداعي والقاسم بن علي ~~العياني كذلك أيامهم. # وهذا قول غير صحيح، واحتجاج غير مليح، لأن انتصاب قائمين في قطر واحد مع ~~تقارب الديار، لم يقل به أحد من العلماء، ولا يتم به صلاح المسلمين، فإن ~~الأهواء للناس مختلفة، وطباع البشر غير مجتمعة، مع طعن هذا في هذا وكل يدعي ~~أنه الإمام المحق[150/ب]، وإنما ذلك يتم لو لم يتسموا بالإمامة ويجعلوها ~~حسبة، وأنهم في درجة، فكل يبقى متصرفا ms155 على جهاته وحوزته، غير قاصد لجهة غير ~~ولايته. # وفي هذه الأيام سار أهل الغصيرة من بلاد خمر إلى حضرة قاسم صاحب شهارة ~~وبايعوه وسلموا إليه واجباتهم، فأرسل عليهم المهدي ومحمد بن أحمد والي ~~البلاد من أول بأدب. # ووصلت يومئذ هدية من حضرموت وكتاب إلى المهدي وأنهم إليه منتمون. PageV01P486 # ووصل الشيخ جعفر الذي أرسله محمد بن المتوكل إلى السودة بالدراهم التي كانت ~~في خزانة أبيه مجموعة، فوصل بها إلى ولده محمد بصنعاء. # وفي هذه الأيام اشتدت الأزمة والغلاء ببلاد الأهنوم، ولولا سياق حصن مبين ~~من بلاد حجة إلى قاسم لما وجد شيئا، فإنه قد كان أرسل قدر ألف نفر رتبة في ~~مبين وحجة، وبقي السياق إلى شهارة هذه المدة منها ومن الشرف. # وفي سادس عشر رمضان وصل الخبر بدخول أحمد بن محمد إلى حفاش واستقراره ~~بالضفتين ، واتفق قتل واحد من عسكره على سبب الخطاط، في بعض بيوت البلاد. # وفي هذه الأيام جهز المهدي ولده علي بن أحمد بن الحسن إلى ثلا، فدخل ثلا ~~وسكن بحصنه، وأصحابه بالمدينة؛ لأجل أنه بلغه ميلهم إلى صاحب شهارة، ثم ~~توجه نازلا إلى بلاد الصلبة، بعد أن نزل أيضا صاحب كوكبان إلى قراضة . وكان ~~القاسم قد رتب[151/أ] في الصلبة رتبة قوية، فسارت عليه الأجناد الأحمدية ~~والتقت من حفاش أحمد بن محمد، ومن قراضة صاحب كوكبان عبد القادر بن الناصر، ~~ومن بلاد علي بن أحمد بجنودهم وعساكرهم وقصدوا إلى الصلبة. PageV01P487 # وكان صاحب شهارة قد أرسل ولده إسماعيل بعساكر معه من الأهنوم ومن ظليمة، ~~وقد كان اسماعيل بن قاسم في حبور، فسار إلى حجة، ودخل حصن مبين بحجة، وكان ~~دخوله يوم الأحد ثالث وعشرين شهر رمضان، وتقاربت جنود المهدي إلى ~~الصلبة[151/ب]، فأول داخل إليها أحمد بن محمد بن الحسين نزل من حفاش بعد ~~دخوله إليه واستقراره بعض أيام فيه، فلما وصلها راسل إلى رتبتها، وكان ~~بعضهم في بيوت بني قطيل فوق سوقها، وبعضهم في سوقها، وهم قدر مائة نفر، ~~منهم قدر ستين نفرا في بيوت بني قطيل والباقي ms156 بسوقها، فراسلهم أحمد بن محمد ~~بالإجابة وعدم المخالفة، وأنهم يريدون دخول الصلبة، وكان رئيسهم النقيب أبو ~~راوية من ظليمة، يقول في جوابه: لا يمكن الدخول، ولا يصدر منا مواجهة ولا ~~وصول. وكان من جملتهم جماعة من أهل الحيمة ومن الشرف، فواجه أهل الحيمة، ~~وأهل الشرف هربوا بلادهم، وثبت النقيب وأصحابه من ظليمة والأهنوم فكان ~~قدرهم في بيوت بني قطيل قدر ستين نفرا، ولما كان جوابهم كذلك تقدم أول ~~أصحاب أحمد بن محمد في الطريق يريدون[152/أ] دخول الصلبة، فدفع الرتبة ~~إليهم البنادق، فأصابوا منهم جماعة، ثم تلازم الحرب في يوم الأربعاء سادس ~~وعشرين شهر رمضان من أول شروق الشمس إلى قريب آخر النهار، ووصل عند ذلك ~~جنود كوكبان، وعلي بن أحمد بن الحسن، وحسن بن محمد بن أحمد بن القاسم وهم ~~الجميع حول أربعة آلاف، ولفوا عليهم من جميع الجهات على البيوت والسوق، ~~فاستولوا عليهم وقتلوا منهم أكثرهم. PageV01P488 # قيل: جملة الفايت منهم قدر ستة وثلاثين نفرا، منهم النقيب أبو راوية ~~الظليمي، والذي قتل من أصحاب المهدي أحمد بن الحسن قدر عشرة وصوايب في ~~جماعات، وانتهب العسكر سوق الصلبة من الدراهم والبز، ولم يتركوا فيه لأحد ~~ما يدخر، وأكثر النهب على البانيان الذين فيه؛ لأنهم ما رفعوا الذي معهم ~~قبل الدخول إليه[152/ب] فراح مالهم وأسبابهم، وخرجوا منها فقراء لا يملكون ~~شيئا، وكان جماعات من التجار قد رفعوا أموالهم، قبل وقوع الحرب، فسلمت ~~أموالهم فلا قوة إلا بالله. # وباع الناهبون الشقة بعشرين بقشة والثوب بنصف ثمنه، رزق الحرام حرام، لا ~~هم انتفعوا به الانتفاع التام، ولا هم تركوه لأهله وسلموا من الآثام. # ووصل إلى صنعاء من ضوران يوم الجمعة ثامن وعشرين شهر رمضان حسين بن ~~المتوكل بأصحابه وهم قدر أربعمائة ومن أصحاب والده، وخرج يوم ثاني إلى حضرة ~~أحمد بن الحسن إلى الغراس وكان عيد الفطر بحضرته معه، فاظهر أن موجب وصوله ~~أنه يريد السعي في الإصلاح، وانه كان برأي من صنوه محمد وحسين بن الحسن ~~وعلي بن المتوكل لما اجتمعوا بذمار، وأنه ms157 يريد العزم إلى شهارة. # وظهر أن مضمون هذا الرأي أنهم الجميع يجتمعون ويختارون من يجمع عليه ~~الحاضرون، فلم يعجب هذا الرأي أحمد بن الحسن. # [153/أ] وقيل: إنما اعتذر بذلك، وإلا فسيره مغضبا لصنوه لما منعه من ~~التصرف في المخازين وضيق عليه وحمل من خزانة بيت المال بضوران من الدراهم ~~كثيرا، وكان صنوه محمد يومئذ غائبا في ذمار، وسار بها من ضوران، وأن ميلته ~~في الباطن إلى القاسم صاحب شهارة. PageV01P489 # وفي يوم الثلاثاء ثاني يوم في شهر شوال خرج أحمد بن الحسن من الغراس إلى ~~موضع يسمى الحما طرف الرحبة ، وخيم فيه بالخيام، وجمع فيه القبائل من بني ~~الحارث وبني حشيش، وحثهم على السير معه والارتحال مع من جمع من ذيبان وعيال ~~عبد الله وهمدان، فاجتمع عنده خلق كثير. وحسين بن المتوكل فارقه من ذلك ~~المقام، بقصد ما قاله من ذلك الكلام، وسار جهة شهارة. وكان قد وصل القاضي ~~محمد قيس الثلائي من شهارة إلى حضرة أحمد بن الحسن ليلة العيد، واتفق وصوله ~~عند وصول خبر الصلبة وما جرى فيها من الفعلة، فاستنكر ذلك القاضي، وكان قد ~~أراد الصلح بين الرجلين، وأنه يكون القاسم إماما في جهات شهارة والبلاد ~~التي قد أجابته، ولا ضرر هناك في هذه الساعة كما هو مذهب الجارودية فإنهم ~~صححوا الإمامة[153/ب] في العصر الواحد المتضايق لإثنين فأكثر، وهو قول باطل ~~بحصول الاختلاف المؤدي إلى الفساد، فلم يسعد أحمد بن الحسن، وقال: إن هذا ~~ما قد جرى مثله في أرض اليمن من السابقين، وهو مظنة التنازع والفتن (وسيفان ~~في غمد لا يصلحان ولا يتفقان) في قطر واحد ولا يجتمعان، ولكن إذا أرد إقطاع ~~تلك البلاد التي أجابته وتوليته والاعتزاء إلينا فعلنا ذلك وأجبنا، وكان ~~يوم ثاني خروجه كما ذكرنا. وعند ذلك الحادث في حجة واجه أكثر بلاد حجة ووصل ~~مشائخهم، وطلبوا الأمان على بلادهم، فهم في ذلك وقد وصل عبد الله بن أحمد ~~بن القاسم من جهة القاسم بن محمد بعساكره خارجا من السودة، فدخل إلى حورة ، ~~فحصل ms158 مع أهل البلاد الخوف العظيم والوجل الجسيم؛ لأجل ما قد جرى منهم من ~~المواجهة إلى جهة أصحاب أحمد بن الحسن[154/أ]، فعند ذلك سلموا الأمر ~~وتوقفوا وعبدالله بن أحمد حجر عليهم، وغلق على بلادهم بسكونه في حورة، ولو ~~كان أرادها عساكر أحمد بن الحسن بعد دخولهم الصلبة كانت البلدة مفرغة، إلا ~~أنهم سكنوا عقب الحرب بالقرى حول الصلبة مثل المرواح والمحاضة. PageV01P490 # وجاء الخبر يوم العيد أن أحمد بن المؤيد صنو القاسم أجاش القبائل، ونكفهم ~~وأرسل إلى بلادهم، وغزا إلى خمر، فأحاط بالدار التي فيها حسين بن محمد بن ~~أحمد، ومنع عنهم الماء، فاحتازوا قدر يوم ورموا إلى أولئك، أصابوا أربعة أو ~~خمسة ثم اضطروا إلى الخروج لعدم الماء، فطلب حسين بن محمد ومن معه الأمان ~~والخروج عن ذلك المكان فوضع لهم الأمان، وسلموا له الدار[154/ب] بما فيه من ~~المال، وسار حسين بن محمد إلى حمدة ، وكتب إلى والده وإلى أحمد بن الحسن. ~~ولما دخل أحمد بن المؤيد تصرف في الطعامات الجميع وأنفقها على نفسه ومن معه ~~من العسكر والقبائل، كأنه لا رحامة بينهم ولا صداقة، فإن أحمد بن المؤيد ~~أخته زوجة محمد بن أحمد في الدار، حصل معها الفزع وتعذر عليها الفرار، ولله ~~قول الشاعر: # ونهاية الدنيا وغاية أهلها # ملك يزول وستر قوم يهتك # فلا قوة إلا بالله من هذه الأفعال. # وعند ذلك جهز محمد بن أحمد جماعة غارة قبل أن يشعر بخروج ولده، فوصلوا ~~إلى نقيل عجيب ، ولقاهم الحسين، فعادوا معه، وأحمد بن الحسن هو الذي حمله ~~على الخروج من الغراس والمبادرة بالارتحال بالناس، ثم سار إلى ذيفان يوم ~~السبت سادس شهر شوال، وسار معه محمد بن أحمد بن القاسم وخيم في ذيفان هذه ~~الأيام[155/أ]، فلما وصل إليه أقبلت قبائل البون مواجهة. # وأرسل محمد بن الإمام إلى صنوه حسن الشيخ العارف جعفر بن علي تاج الدين ~~إلى مبين بدراهم. # وفي هذه الأيام ارتفعت الأسعار بسبب ضعف الثمرة، وأكل الجراد لها بالمرة، ~~لم يبق إلا القليل في بعض الجهات، فبلغ القدح ms159 البر إلى أربعة والشعير إلى ~~حرفين ومائة واشتدت الحاجة مع الكافة، فالحكمة لله تعالى فيما شاء وأراده. # واجتمع على الناس عسرين الغلاء وهذه الفتنة، فالله يرحم العباد. # وفي أول شهر شوال منها رجع زحل في آخر برج الثور بالمشاهدة له، كان قد ~~حاذى الثريا ثم رجع عنها إلى الورى. PageV01P491 # وفي هذه الأيام أرسل القاسم بن الإمام رتبة من العسكر[155/ب] إلى رأس نقيل ~~عجيب لحفظه ورد من وصله، وكثر العسكر إلى حجة من جايش القبائل، وأحمد بن ~~الحسن تقدم من ذيفان إلى الماجلين، وكان قد أرسل يوم العيد بدراهم ومصروف ~~لأهل شهارة ولقاسم بمثل ذلك وكسوة، وهم في طرفي نقيض، يريد أن لها عندهم ~~أثر في التقريب، وهم إنما صاروا يستعينون بذلك على ما هم بصدده والاهتمام ~~به، وصار في هذا الجوع كلما وصل إليهم استغاثوا به، فلقد حصل معهم من ~~المعونة بذلك وبما نهبوه من قصر خمر ما لا يزيد عليه، حتى بلغ القدح بخمر ~~عند خروج الطعامات بدون الحرف كل قدح بعد أن كان بثلاثة، فجاء الجمع والتعب ~~من أحمد بن الحسن ومحمد بن أحمد للناس، وأن هذا من العجائب، ومما يستغرب من ~~الغرائب [156/أ]فكان هذا كما قال ابن المقرب: # والبخل خير من الإحسان في نفر # أبرهم لك من أغرى ومن شتما # واضع الجود في أعداء نعمته # كمودع الذيب في برية غنما # وزاد أحمد بن الحسن عزز بمكاتبة ظنا منه أنه يؤثر؛ لأجل نهضته والمقاربة، ~~فكان جوابه المعاتبة والشدة في المخاطبة. PageV01P492 # وأقطع أحمد بن الحسن يحيى بن حسين بن المؤيد بالله ولاية يريم وما حولها ~~من البلاد لمطالبته له وملاحقته لشدة رغبته إلى الولاية والعلو والرياسة؛ ~~لأجل ما قاساه من التضرر بعدم توليته في زمن المتوكل، فما زال من ذلك ~~التاريخ بعد وفاة عمه علي بن المؤيد صاحب صنعاء يتعرض للولاية، والمتوكل ~~أعرض عنه، ولم يساعد رأيه، فلم يستقر به قرار، وما زال في الحركات والأسفار ~~إلى مكة يعتذر بالحج المرة بعد المرة، ومرة يقول" يدخل العراق، ويجاور مشهد ms160 ~~علي [156/ب] ومرة يقول يريد الدعوة فلم يجبه أحد إلى ما طلب، وكان آخر أمره ~~دخوله بلاد عفار، ثم خروجه عنه إلى صعدة ونيته كانت بدخوله مكة، حتى وقع ~~موت الإمام، فعاد وسكن وحصل له أمنيته من الولاية والرياسة واطمأن. واحمد ~~بن الحسن أحب التركيز به على بني المؤيد بالله؛ لأنه منهم. # ومحمد بن الإمام وحسين بن حسن وعلي بن الإمام اتفق رأيهم الجميع أنهم ~~ينتظرون ما يكون بين الرجلين ومن يغلب منهم الآخر ولا يشاركون في الحضور في ~~الحرب؛ لأنه إنما أقام أحمد بن الحسن إقامة حسبة لا إمامة تامة، هذا قول ~~محمد بن الإمام، وأن الإمام ليس له أن يغزو إلي غير جهته التي أطاعته، كما ~~قرره علماء الإسلام، فلذلك تباعد المذكور إلى ضوران، وترك ذلك[157/أ] ~~المرام. PageV01P493 # ونزل من شهارة علي بن قاسم بن المؤيد بالله أرسله والده إلى الأمروخ من ~~بلاد الشرف، سكن فيه وكتب إلى أصحاب أحمد بن الحسن: بأنه لا يجوز لكم ~~الإقدام إلى هذه البلاد، وأنكم إن طلبتم من القاسم من البلاد ما أردتم فعل ~~لكم مطلوبكم وولاكم. وكان قد وصل أمر من أحمد بن الحسن بالتوجه إلى حجة ~~والقصد لتلك الجهة، ثم كان خلاله وصول كتاب من محمد بن الإمام إليهم أنه قد ~~أرسل صنوه حسين بن الإمام إلى شهارة للخوض في الصلح، فلا يفتح شيء حتى يعود ~~الجواب، وكان قد أرسل علي بن أحمد بن الحسن الخياطي بجماعة عسكر رتبة في ~~وعيلة طرف بلاد لاعة غربي مسور فوق بلاد هربة من حجة، فكتب إليه عبد الله ~~بن أحمد[157/ب] من حورة انه يرتفع من وعيلة، فلم يسعده إلى قوله، ولم يلتفت ~~إلى أمره ثم إنه توعده إن لم يخرج عنها، فكتب إلى حضرة علي بن أحمد وهو ~~بنواحي الصلبة يطلب منه زيادة في العسكر والمادة، فأرسلوا إلى ذلك المكان ~~رتبة قوية، وأرسل الأمير عبد القادر أيضا إلى شهمة السيد يحيى بن إبراهيم ~~في جماعة لحفظ أطراف بلاد لاعة، وأرسلوا الفقيه محمد بن نجم ms161 الدين في صلح ~~خمسة أيام آخرها يوم الأربعاء عاشر شهر شوال، بينما تعود الجوابات من ~~السيدين أحمد وقاسم، وأرسل علي بن المهدي أحمد بن الحسن من الصلبة رتبة إلى ~~الطور . وبلغ خبر الاشتجار بين النقيب ابن جلا الأهنومي وبين المحبشي في ~~بلاد[158/أ] الضحي من تهامة، لأن المحبشي اعتزى إلى أحمد بن الحسن وابن جلا ~~إلى القاسم بن المؤيد، وصاروا متراكزين هنالك. # وفي هذه الأيام حال وقوف الشمس ورجوعها زادت الأنهار، وغالت كثير من ~~الأودية الغيول الخيرية مثل وادي سعوان قرب صنعاء اليمن فإنه ظهر غيله وسقى ~~أمواله، وهو قد يخرج في غزر الأمطار، وينتفع به أهله في حال ذلك، لكنه لا ~~يستمر ظهوره بل يخرج في أوقات. PageV01P494 # ولما بلغ القاسم ومقادمته في حجة خروج أحمد بن الحسن ارتجفوا وقهقر عزمهم ~~وتصميمهم الأول وانقبضوا وسقط في أيديهم. # [158/ب] وفي هذا الشهر توفي السيد يحيى بن إبراهيم صاحب عارضة كوكبان، ~~كان مع صاحب كوكبان أميرا كبيرا، وله قطعة بلاد، وكان صاحب ثروة ورياسة، ~~وكانت وفاته بمنابر تهامة في محل يقال له: الطور بجوار تهامة مما يلي جبال ~~لاعة، وكان نزوله إلى هنالك مع علي بن أحمد بن الحسن، لأجل ما جرى من ابن ~~جلا في تهامة من قبل القاسم، ومات جماعات في الطور لما فيه من الوباء ~~الحاصل في الحقار بآجالهم. # وفي يوم الجمعة عقب الصلاة عشرين شهر شوال سار عبد الله بن يحيى والسيد ~~صلاح بن محمد من المقضضة التي في بلاد الصيد بعد أن استقروا فيها قدر شهرين ~~إلى بلاد بني جبر ، ونزلوا في مكان يقال له: العيانة، وصلوا فيها الجمعة، ~~فلم يشعروا وهم كذلك حال الصلاة إلا بحضور الغزاة وهم: السيد إبراهيم بن ~~حسين بن المؤيد بالله بمن معه من ذيبين والقبائل من عيال أسد والأهنوم ~~ووادعة مجموعين، ورموا بالبنادق إليهم، ولم تأخذهم رحمة عليهم، فقتلوا منهم ~~نقيبا وآخر معه وصوايب في آخرين، ثم إنهم دافعوا على أنفسهم وقاتلوهم، ~~فقتلوا منهم قدر ستة ومصاويب، ثم انهزموا إلى ذيبين لما ms162 دنا عليهم الليل ~~ورأوا من أصواب الحرب فيهم والمقتولين ما كانوا عنه غافلين. PageV01P495 # وبلغ أحمد بن الحسن وهو بالماجلين هذه القضية بعد أن جاء تحقيقها من السيد ~~عبد الله بن يحيى والسيد صلاح وطلبهم للمادة، فأرسل أحمد بن الحسن في الليل ~~عقب العشاء بغارة نافعة من همدان، وساروا في الليل إلى تلك الوديان، فلما ~~اجتمعوا بأصحابهم[159/أ] وتحققوا خبرهم وما جرى فيهم قصدوا إلى بلد ذيبين، ~~لمناجزتهم في الحرب في ذلك الحين، فصابحوهم بكرة يوم السبت ثاني ذلك اليوم ~~الذي جرى فيه ما جرى بالأمس، فلما عرف بنو أسد بوصول الغارة هربوا آخر ~~ليلهم، وكان قد أرسل إليهم أحمد بن الحسن وبذل لهم بعض شيء. وبقي إبراهيم ~~بن حسين بمن بقي من خاصته، واحتازوا في البيوت، ولم يبرزوا إلى الخروج عنها ~~إلى الخبوت، وشنوا على الواصلين البنادق، فقتلوا منهم مقتلة عظيمة وفعلة ~~جسيمة، وكان أكثر القتل في همدان، لما حملوا أول القوم في تلك الهضبان، ~~يقال: إن قدرهم نحو ثلاثين أو أكثر للاختلاف في جملتهم، ثم غشيهم القوم ~~ودخلوا البيوت، وعلوهم منها بالحتوف، وانتهبوا البلد لما حصل فيهم من الذي ~~فيها، وقتلوا منهم نحو ثمانية وكفوا عنهم. وبقي إبراهيم بن حسين [159/ب] ~~محتازا في دار المشهد، فلما لم يبق له طاقة في هذه الحالة خاطب بالأمان ~~وأنه يخرج إلى شهارة، فأمنوه وسار إليها وقد جرى ما جرى فيها، وأسروا جماعة ~~حال الحرب من أولئك الفعالة، وأتوا بهم إلى الحضرة الأحمدية المهدية، فأطلق ~~رقابهم وعفا عنهم وساروا بلادهم. PageV01P496 # وكان المباشر لأكثر القتل بالرمي إبراهيم بن حسين ونقيب من وادعة، واشتهر ~~عن إبراهيم بن حسين أنه ممن يعتمد الشراب بشهارة، وأنه قد ظهر عليه السكر ~~غير مرة، وأرسل المهدي أحمد بن الحسن حينئذ بيوم الأحد بلقا وعسكرا إلى ~~بلاد الكلبيين شرقي بلاد خمر، وهو سار من الماجلين يوم الإثنين، وجاءت ~~طريقه ما بين حمدة وبين نقيل عجيب طالعا إلى بلاد خمر، فلم يشعر أحمد بن ~~المؤيد إلا بدخول أحمد بن الحسن إلى بلد ms163 يشيع غربي خمر، ورأى خيامه ~~ووطاقاته وبلغه وصول العسكر إلى الكلبيين من شرقيه، فبقي حائر الفكر في ~~أمره وكيف يكون عمله، وسقط في يده، ودارت عليه دوائر محنة، مع مواجهة مشائخ ~~وادعة إلى أحمد بن الحسن ووصولهم إليه عند وصوله، فلم يسعه عند ذلك إلا ~~يذكر ما قال الله تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع ~~الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير} ~~وخرج صبح يوم الأربعاء إلى الحضرة الأحمدية للمواجهة، وتسليم الأمر وعدم ~~المنازعة، بعد أن كان قد أنهى في مناصبته أوامره، وكان قد رتب نقيل عجيب ~~برتبة ورتب فوق حمدة رتبة وعينة، فانقشعت جميع هذه الرتب عند طلوع المذكور ~~من الطريق الوسطى، وحصل معهم الريب. # وبقي قاسم في شهارة يشاهد هو والأهنوم ما كان أشار عليه أهل النصائح، ~~ووقع فيما حذروه منه لعدم استنصاحه النصائح[160/ب]. وخرجت عينة من العسكر ~~الذين بعمران ودخلوا الخدرة ، فأحاطوا برتبة المضلعة من خلفها، وطلعوا إلى ~~الهجر ببني قطيل، وأشرفوا على رأس الجبل المطل على كحلان والمعازب، فهرب ~~بعض رتبة العرة في الأشمور حينئذ وكذلك المضلعة، وواجهت بلاد كحلان وغيرها ~~من تلك الجهة. PageV01P497 # ووصل محمد بن الإمام من ضوران إلى صنعاء يوم الإثنين ثالث وعشرين شهر شوال ~~وصنوه على أمره بالسكون بمدينة ذمار، وفرحان عاد من شهارة إلى حضرة أحمد بن ~~الحسن وأمره بالعزم لموسم الحج إلى بيت الله الحرام، على مقتضى عادته، وأمر ~~محمد بن الإمام بزلاجه. # وكان قد وصل السيد أحمد بن إبراهيم المؤيدي الذي كان دعا في بني جماعة ~~بشام صعدة إلى شهارة، وابن جلا صاحب حسن ابن المتوكل سكن في بيت الفقيه ~~[161/أ] [و] الزيدية بتهامة، معتزيا إلى جناب القاسم صاحب شهارة، وخرج عند ~~وصول المحبشي من بلاد الضحي وتلك الجهة، وسار إلى بيته بجبلة، وساق ابن جلا ~~من تهامة الطعامات إلى شهارة، فلما عرف بذلك الذين بالصلبة قصدوا إلى ~~طريقهم في بلاد بني قيس مساقط حجة، فمنعوهم ms164 وانتهبوا عليهم، فانقطع السياق ~~حينئذ من تهامة إلى شهارة، فحصل التضرر معهم، وكان قد أرسل أحمد بن الحسن ~~إلى تلك الجهة السيد حسين بن معل، وجاب طريق ضوران وبلاد آنس. # ووصل خبر بأن الهياثم في بلاد مشرق رداع دخلوا إلى حصن دثينة ، وقتلوا من ~~رتبته نفرين، واستولوا على جملته، فتغير حسين بن حسن؛ لأنها موجهة إليه، ~~وفي حوزته، وفسح أحمد بن الحسن للشيخ الهيثمي بالعزم إلى جهاته. # ودار هذا الوقت الغلاء في الأسعار مع الأمطار في فصل الشتاء، والله يفيض ~~[161/ب[على] المسلمين بالخير الشامل برحمته. # ونزل هذه الأيام بصنعاء ثلج من السماء في فصل الشتاء عند رجوع الشمس، ~~أصبح على الأرض مفروشا، وعلى ساحاتها مبسوطا كالملح المدقوق، فإذا حمت ~~الشمس ماع وقل ما يتفق فيها، فلذلك يؤرخ ذكره لندوره، وأما محل عادته فهو ~~جبل قاهر حضور، يقع فيه كثير من السنين. PageV01P498 # وجاء الخبر عاشر شهر القعدة بأن أحمد بن الحسن تقدم إلى جهة شهارة فبات في ~~غربان ثم سار إلى البطنة اليوم الثاني ودخل وادي أقر المعروف ببيت القابعي. ~~وكان خروجه من خمر يوم الإثنين ثامن القعدة ودخوله بيت القابعي يوم ~~الأربعاء. وظهر الخبر من المهدي أن القاسم إن نزل من شهارة فهو المقصود ~~وسكنت الحالة، وإن لم طلع شهارة، فإن واجه فهو المطلوب وإن حاربوا تحاربوا، ~~والمحطة التي كانت بذيبين من أصحاب المهدي لحقت[162/أ] إلى بيت القابعي، ~~فكان جملة الذين بحضرته حول سبعة آلاف وقيل أكثر. # والسيد أحمد بن إبراهيم المؤيدي عزم من حضرة القاسم يومئذ، وأحمد بن ~~الحسن في غربان، وولاه القاسم بن المؤيد جبل رازح ولاية ما لها أصل ولا ~~صحة؛ لأن أمرها والحكم فيها إلى علي بن أحمد يومئذ، لتغلبه عليها بعد خروج ~~حسن بن المتوكل عنها. PageV01P499 # وفي هذه الأيام أرسل القاسم إلى الشاهل بالشرف جماعة من القبائل ~~الأهنومية، ومن معه من غيرهم من البلاد الشامية، فدخلوا إليه وكشفوا أهل ~~البلد ودخلوا بيوتهم قهرا عليهم من أشراف وغيرهم، ولم يسلم إلا بيت السيد ~~يحيى بن أحمد ms165 الشرفي فكان ذلك أعظم حادث على بلد الشاهل، وسبب دخولهم ~~إليه[162/ب] وإرسال القاسم عليه أنه بلغ القاسم بن المؤيد أن محطة الصلبة ~~تريد الطلوع إلى الشاهل؛ لأجل الإستيلا على الشرف بالأمر القاهر، فأرسل ~~هؤلاء إليه لحفظه وإصلاحه وما هو في التحقيق إلا لإفساده وهتكه؛ لأن سبب ما ~~صار يرسل من الرتب يحصل فيها الحرب، فتقع على البلد الذي فيها الضرر والنهب ~~فما هذه الأفعال من صلاح الإسلام، ولا من الرحمة لهم والدفع عنهم، ولكن بعد ~~دخول أحمد بن الحسن بيت القابعي لم يبق لهم تابعي، والعجب من السيد يحيى بن ~~أحمد الشرفي الشاهلي ما يذكر إنكار والده على مرجان شاوش في مدة دولة ~~أولاد مطهر، فاذكر أن أصحابه دخلوا [163/أ] بيوت الشرايف في الشرف، وأن سبب ~~ذلك كان قيام السيد علي العالم والسيد علي العابد لإنكار ذلك المنكر، ~~وأنه جهز عليهم عساكر السلطنة فطردوهم ولم يثمر فعلهم، فكيف رضى السيد يحيى ~~بن أحمد الشرفي من صاحبه القاسم بهذا؟ فالحق لا يحابى مع تشدده في الأمر ~~للناس بفعل الواجب، وإلا فكان من كلمة الحق التي يراد بها الباطل، مع أن ~~السيد صار يشدد ويحرج في تحريم التتن الذي لا دليل صحيح على قوله، فكيف ترك ~~الواجب بالإجماع وتعاطى ما لا يقول به من عرف العلم بزعمه ووسعة الباع. ~~وكان يجب عليه أن يقول لهم: اذكروا لقاسم يخرج لكم الخيام لتسكنوا فيها ~~وتتركوا بيوت أهلها، كما هو قاعدة عساكر السلطنة، والأئمة أولى بفعل الخير ~~والمحسنة: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا ~~تعقلون} وحسن بن المتوكل بعد أن بلغه PageV01P500 دخول المهدي إلى بيت القابعي خرج من حصن مبين مواجها إلى حضرته، وأهل حبور ~~بظليمة خطبوا لأحمد بن الحسن واسقطوا ذكر القاسم[163/ب]، فلما رأى ذلك منهم ~~وما وقع من ميلهم بقي حائر الفكر هائما في أمر الإمامة غاصا بريقه في بلع ~~ما قد جرى إلى قلبه من تحمل الزعامة، تقول نفسه كيف تطرح نفسك بعد العلو ~~ويسقط ذلك السمو؟ إن النفس ms166 لأمارة بالسوء. # ولكنه لما ضاقت عليه مجاري نفوذ الكلام، وصار في حبل الزمام، وحكمت عليه ~~المقادير وليس لأحد من قضاء الله اعتصام، فإن الملك ملكه يعطيه من يشاء من ~~خلقه، اضطر إلى الإلتقاء والنزول إلى حضرة أحمد بن الحسن لينتظره ما يقول، ~~وكان نزوله يوم السبت ثاني عشر شهر القعدة، ووصل يومئذ ولد علي بن أحمد ~~صاحب صعدة إلى بيت القابعي واجتمع بتلك الحضرة ومعه قافلة من الطعام؛ لأن ~~جهات صعدة كانت صالحة الثمرة سالمة من الجراد بالنظر إلى غيرها، السعر فيها ~~بحرف مع وسعة الحب فيها والكثرة. # وعند هذا سكنت بعض أحوال العباد وقرت عن ما كان من الاختلاف والفساد، ~~وخضع أهل الأهواء[164/أ] ودانت رقابهم إلى الدخول في جماعة المسلمين كرها. # رضيت قسر وعلى القسر رضا # والله يجمع كلمة المسلمين ويصلح أمورهم. # قالوا: وكان وصوله إلى بيوت والده المؤيد بالله التي ببيت القابعي، وكان ~~أحمد بن الحسن في وطاقه في الحدبة الشرقية التي قريب مصلى الجمعة، ولما دخل ~~المذكور إلى محل والده وصل أحمد بن الحسن إلى حضرته، ولم يحصل من القاسم ~~التنحي عن ما دخل فيه، غير أنهم يريدون المراود والأمل أن أحمد بن الحسن ~~يواليه وهم على ذلك. PageV01P501 # واتفق أنه جرى بين بعض أصحاب المهدي وأصحاب قاسم خصام، ومهاوشة وكلام، ~~فانتهب بسبب ذلك سوق قاسم بن الإمام، ثم إن أحمد بن الحسن عند ذلك[164/ب] ~~اجتمع هو والقاسم بن المؤيد وصنوه أحمد بن المؤيد وأحمد بن المتوكل وحسين ~~بن المتوكل وحسن في الوطاق العام. وذكر أحمد بن الحسن ما يكون عليه حزم ~~الكلام وما ذاك الذي يبني عليه في التمام، فأجاب القاسم أنه يريد المحاكمة ~~فيما بينهم، وأنه لا ينزع نفسه مما دخل فيه إليهم. فأجاب أحمد بن الحسن بأن ~~هذا الذي طلبت كان يصلح قبل أن يجري ما جرى بيننا وبينك من الحروب، وقبل ~~الحركة والجمع للجيوش والخطوب، وأما الآن فما بقي عندي مناظرة ولا محاكمة ~~غير الدخول فيما دخل فيه الجماعة، فأوجم القاسم عن الخطاب، وسكت ms167 عما يجاب، ~~وتكلم صنوه أحمد بن المؤيد ببعض الكلام، ثم إنهم طلبوا من أحمد بن الحسن ~~المهلة إلى عقب العيد، وصار القاسم[165/أ] حائر الفكرة متبلد القريحة ~~مغضبا، لو أنه يجد قوة، وكان ذلك يوم الخميس سابع عشر شهر القعدة. وطلب ~~أحمد بن الحسن عند ذلك من القاسم تسليم السلاح من الذين معه من الأهنوم مما ~~أصله لوالده الحسن بن القاسم، وأنه معهم في حكم المغصوب، كل ذلك لأجل إقامة ~~الحجة عليه. # وفي هذه الأيام خرج الداعي الغرباني، الذي ببرط، يؤم بلاد نجران، يريد ~~العزم إلى الأطراف خشية من أحمد بن الحسن لا يقصده، لأجل ما جرى منه من ~~الخلاف وأحب ذلك أهل برط، لئلا يحصل عليهم بسببه من المعرة في بلادهم، ~~والدخول للجنود إلى جهتهم. فلما وصل المذكور إلى بلاد نجران منعه الأمير ~~أحمد الجوفي المتولي هنالك، وقال له: لا يمكن مرورك، وأراد القبض عليه وشفع ~~فيه الجماعة الذي سايروه من بلاد برط وقالوا: يرجع من حيث جاء. PageV01P502 # والقاسم طلع شهارة يوم الإثنين حادي وعشرين شهر القعدة بمن معه، وأحمد بن ~~الحسن بقي بمكانه، وكانت مع صلاة الجمعة الماضية القاسم غربي بيت القابعي، ~~وأحمد بن الحسن شرقيه، كل منهما وحده بأصحابه وبعض العسكرين ما صلوا لحفظهم ~~للآخرين؛ لخوف بعضهم بعضا. وعلي بن أحمد بن الحسن سار من محطة الصلبة إلى ~~الطور؛ لأجل النقيب بن جلا، فضايقه في الضحي ثم استأمن وبذل له الأمان وسار ~~بلاده الأهنوم، وقبض علي بن أحمد الضحي وبيت الفقيه. # [165/ب]وفي ثالث شهر الحجه نزل حسن بن حسين بن المؤيد من غرة الأشمور إلى ~~كحلان تاج الدين، وسكن بيت الهوسي، وسط البلد، وجرت يده بالسبار للعسكر مع ~~طول المستقر. # وفي هذه الأيام اشتد الجوع بمخلاف جعفر بإب وجبلة وبلادها بسبب الجراد ~~التي حصلت فيها مع الجور من الولاة بها، فمات كثير منهم جوعا، وبعضهم نجع ~~ورحل عنها إلى تهامة، وبعضهم إلى اليمن الأعلى في أشد حالة. # وانقطعت طريق شهارة من الباب العدني ومن طريق سوق الثلوث ووادي ms168 رجم وبقي ~~لهم الباب الغربي والطريق التي تنزل من نجد بني حمرة وهنوم إلى صومل ومور ~~وجهة الشرف، وحجة مستمرة، إلا أنه قد نفد ما في الشرف من المدافن وحصن ~~مبين. وانقطع السياق الذي كان من تهامة بعد الاستيلاء عليها من علي بن ~~أحمد، وطرد ابن جلا عنها، والحكم على بيت الفقيه والضحي، وزوال أوامرهم ~~منها فرجع سبارالرتب والعسكر على القبائل، فتضرروا من ذلك، وفتر بسببه ~~الاعتقاد الأول الذي كان معهم للقاسم، وشاهدوا عيانا ما حل بهم من الضرر ~~بمن عندهم. PageV01P503 # والقاسم صار يتعلل بحضور القضاة، فأمرأحمد بن الحسن إليهم السيد عبد الله ~~الكبسي وقال: لا تعذرهم، فسار القاضي علي بن جابر الهبل قاضي صنعاء والخطيب ~~محمد بن إبراهيم السحولي وقاضي ضوران وذمار يحي جباري[166/أ] وقاسم طلب ~~قضاته السيد يحيى بن أحمد الشرفي من الشرف والقاضي محمد بن علي قيس والسيد ~~يحيى بن إبراهيم بن جحاف وإسماعيل من حبور، فاعتذر السيد يحيى الشرفي، ~~وأرسل برسالة بتصحيح إمامة قاسم عنده، وحضر ابن قيس وبني جحاف إسماعيل ~~ويحيى إلى شهارة في نصف شهر الحجة، وما زال الخوض في ذلك هذه المدة، ولم ~~تظهر له ثمرة. # وهذه الأيام ظهر عن جماعات من فقهاء صنعاء المكاتبة والميل إلى جناب ~~القاسم صاحب شهارة ومنهم الناظر على الوقف يحيى بن حسين السحولي، فإنه نقل ~~عنه أن أرسل ببعض شيء من الدراهم من الوقف وخطب للقاسم بشهارة خطبة العيد، ~~بتحريض أصحابه على الجهاد، وحثهم على الصدق والإنقياد، وخرج يوم الغدير ~~مظهرا التعظيمة وأعطى جماعات من الأهنوم من بنادقه، وأظهر تغليظ التخطئة ~~بجناب أحمد بن الحسن. وظهر منهم من الأقوال والأفعال ما هو سبب في الوحشة ~~والاشتجار، فإنه بعد طلوع قاسم شهارة حصل رمي إلى وطاق أحمد بن الحسن ببيت ~~القابعي من الجبل في الليل، وكان يصدر أصوات فيها الشتم والميل، فكان سبب ~~ذلك انتقاله إلى المطرح الآخر؛ لأجل أن ذلك كان قريبا[166/ب] من جبل شهارة ~~ليزول ضررهم، وكان قد جرى في بيت القاسم ببيت القابعي قبيل طلوعه ms169 حريق خرب ~~جانب الثلث، وما وقع من الفرقة ونهب سوقه وتلاقحت من الجانبين أسباب ~~الشحناء والعداوة والبغضاء، فلا قوة إلا بالله العلي العظيم. PageV01P504 # وأحمد بن الحسن بعد طلوع القاسم تحول من بيت القابعي إلى قريب مسور، شرقي ~~جبل شهارة كونه أنزه من بيت القابعي، فاستقر فيه في شهر القعدة منها وظهر ~~من الخواص من أصحاب أولاد الإمام المتوكل هذه الأيام أنهم ما عدلوا إلى ~~جناب أحمد بن الحسن واتبعوه في أمرهم وتقليدهم إلا وصية الإمام إسماعيل لهم ~~لما حصل الحاصل من علي بن أحمد واشتد الألم بالمتوكل مع ما حصل من الغم، ~~فقال لمحمد ولده في وصيته الآخرة: إن وقع عليه حال، فلا تعدل عن أحمد بن ~~الحسن لأجل تباشر علي بن أحمد وغيره من أولاد[167/أ] المؤيد. هكذا ظهر ~~الخبر به عنهم مع أنه أولا قبل قضية علي بن أحمد قد روي أنه أوصى إلى ولده ~~محمد بأنه خليفته وولي عهده، فنقضه هذا الأمر الآخر لما حركه عليه ما جرى ~~من علي من الأمر الساهر ولكل شيء سبب، فلله الأمر من قبل ومن بعد والملك ~~لله يعطيه من يشاء من أهل النهي والأمر، وهو المذكور في مختصر الجفر. PageV01P505 # وأخبر السيد عبد الله الكبسي عن حقائق حالات القاسم، وأن العلم والإجتهاد ~~غير حاصل فيه ولا كامل، وإنما له مشاركة في الفقه لا يخرج به عن التقليد، ~~وأنه يعرف حاله من قبل هذه المدة مع الاتصال به في هذا الوقت والحضور عنده، ~~وذكر ما نصحه به من الاجتماع بأحمد بن الحسن وترك الافتراق؛ لأجل صلاح ~~الإسلام[167/ب] وتأثيره عن الشقاق، مع كثرة المائلين إلى أحمد بن الحسن ~~والاتباع، وحصل له فرض مسألة للترجي في الانخراط إلى المساعدة بأن قال له: ~~حيث ذكرت أنه لم يكن لك عذر في التنحي، فانظر إلى حالة الحسن في تنحيه، ~~وخلع نفسه وترك إمامته ومصلحته لمعاوية صيانة للمسلمين، وهو ممن قال النبي صلى الله عليه وسلم ~~فيه: ((سيصلح بولدي هذا بين فئتن عظيمتين من المسلمين ))، وقال فيه: ~~((الحسن ms170 والحسين سيدا شباب أهل الجنة)) الحديث كما في الصحيحين، قال: فلم ~~يجد ذلك عنده ولا ظهر معه ثمره، قال والحرب بذيبين الجاري سببه أمر القاسم ~~لمن فيه بالقصد إلى حرب عبد الله بن يحيى ومن معه، فهو البادئ[168/أ]. # قال: والمهدي ما كان عزمه وخروجه من الغراس بنية الحرب، بل الإصلاح ~~والقرب من القاسم للترجي في الإتفاق، وترك الافتراق، ولما سئل عن الأمر ~~الذي شاع مع الناس من إباحة القاسم لأموال المسلمين لأصحابه، ووعدهم ~~بانتهابه، وتحويلات في بعض بيوتهم لأتباعه قال: هو شائع، قال: وعلى الجملة ~~أن أحوال القاسم وصنوه أحمد ومن معه من أهل شهارة موحشة في سوء الاعتقادات ~~بالمسلمين، فلا قوة إلا بالله العلي العظيم. PageV01P506 # قال السيد عبد الله الكبسي والسيد أحمد الملقب ابن حورية المؤيدي لما كان ~~قد بايع القاسم قبيل وصول المهدي أحمد بن الحسن، ونزل السيد عن شهارة اتفق ~~وصول المهدي، فاضطر إلى لقياه، فأعطى وأحسن إليه وعذره أحمد بن ~~الحسن[168/ب] من البيعة وقال له: ليس عليك بعد بيعة القاسم إلا السكون في ~~بيتك، والتوقف حتى يستقر الأمر، وزلجه ومن معه وسار جهته، فلما وصل إلى ~~العمشية ببلاد سفيان، قصده جماعة من قبائل سفيان، واقعوه وانتهبوه واصتاب ~~بصوب وصنوه معه، ثم لما قارب صعدة أرسل له علي بن أحمد جماعة أدخلوه صعدة ~~واعتقله فيها وسقطت إمامته ودعواته التي سبقت، وتلاشت اعتراضاته، وردوه، ~~فعاد إلى حضرة أحمد بن الحسن على هذه الحالة. فانظر أسباب الخفة ومن يريد ~~الفتنة، فإنه أولا كان دعا لنفسه، ثم ثانيا قصد إلى قاسم بايعه، ثم ثالثا ~~سار إلى حضرة أحمد بن الحسن. # قال السيد: وظهر أن المسبب لذلك أحمد بن المؤيد كتب إلى صبارة بذلك لما ~~حصل من السيد المرور على المهدي وعدم تنفيذ أمر صنوه، والله أعلم. PageV01P507 # وعلى الجملة أن الأمور عجيبة[169/أ] قال: وأشار عليه القاضي محمد بن قيس ~~لما سار إليه أنه يماطل أحمد بن الحسن في المهل وأن مع ذلك لعله يرجع الأمر ~~إليه، لما كان قد أراد الصلح ms171 بأنه يبقى إمام في بلاده التي قد أجابته، وهذا ~~إمام في الجهة التي إليه، وهذه قسمة ضيزى، ومخالفة للإجماع واتباع الأهواء، ~~ولذلك لما قام سعد بن عبادة في الأنصار وقام أبو بكر قال الأنصار: منا ~~أمير ومنكم أمير، فقال عمر: سيفان في غمد لا يصلحان، وإنما كان فرضهم ~~الجميع لو أنهم اتبعوا الواجب عليهم وتركوا أهواء أنفسهم وصلاح المسلمين أن ~~يجمعوا كلمتهم على نصب واحد منهم، ويتركوا التفرق، وينظروا بذلك صلاح ~~المسلمين[169/ب] إذا وجدوا احدا منهم كاملا بالإمامة، قالوا: فإنا متبعون ~~له غير خارجين عن منصبه؛ لأن كمال الإمامة هو الواجب اتباعه إذا وجد وحصل ~~أهله، وإن لم يوجد المجتهد الكامل بشروطها، وقالوا أما الاجتهاد فغير معلوم ~~في أحد أو وجد مجتهد وامتنع فيرجع مع تعذره إلى نصب أمير حسبة يجمع شمل ~~المسلمين ويلم شعثهم ويدفع ظالمهم من مظلومهم، ولا إمامة ولا بيعة، بل ~~انتصاب؛ لأن البيعة إنما تكون لكامل الشروط، هذا كان عليهم أولا، وكان ~~عليهم ثانيا بعد صدور هذا الإفتراق وعدم المساعدة إلى الاجتماع ~~والاتفاق[170/أ] أن يقولوا لهم الواجب عليكم أن تمحوا التسمي بالإمامة ~~وينتصب أحدكم حسبة من فيه صلاح الأمة، أو يكون انتصابكم حسبة في البلاد ~~التي قد أجابتكم، وتقرر الأحكام هكذا، وتبرم على هذا. PageV01P508 # ولكن حصلت الطامة الكبرى أن كل منهم غير مسلم أنه يكون محتسبا وأنه إمام ~~كامل الشروط، وهو لا يستنبط مسألة ولا يجيب بعرفان في حادثة، فهذه القضية ~~الكبرى، والحالة التي تزاحمت فيها الأهواء، وكل من أصحابهم قائم معهم، غير ~~معترف بنقص مراتبهم، وبعضهم مضطر إلى كتم ما يكرهه من نزع الأمر عنه خشية ~~واتقاء فعند هذا وتعذر انخراطه رجع القول إلى قول أهل السنة في تقرير مدعي ~~الإمامات القهرية بالغلبة القسرية، فمن غلب منهم جرى عليه أمرهم[170/ب]. # وفي هذا الشهر اشتد الجوع والغلاء في الأسعار مع جميع المسلمين، بلغ ~~القدح البر إلى خمسة حروف والذرة إلى أربعة ونصف والشعير ثلاثة وربع، وعم ~~الغني والفقير، والله لطيف بعباده. # وزادت الشدة مع أهل شهارة ms172 بقل الطعام، لما نفد حصن مبين هذه الايام انقطع ~~السياق من تهامة وعدم الثمار في حجة والشرف هذه المدة إلا ثمرة حقيرة من ~~الربيع لا تكاد تكفي إلا أهلها، مع ما نالهم من المشاركة للرتب بمطالباتهم ~~لهم فيها، فضاقت أنفا سهم من ذلك الأمر. # وجاء الخبر من الجهات الهندية أنه خرج خارجي على سلطانها من الرازبوت، ~~وفعلوا مع عساكر سلطان الإسلام فعلة عظيمة ومكيدة جسيمة عليهم فكسرهم فهلك ~~منهم طائفة، ثم انعطف عساكر سلطان الإسلام عليهم، فكسروهم وقتلوا منهم، ~~وكسروا شوكتهم. # وفي هذا الشهر[171/أ] فرق محمد بن المتوكل إسماعيل بن القاسم الصدقة ~~الهندية التي كانت وصلت، وهي من سلطان الهند للشرايف والأشراف تفرق، وعلى ~~الفقراء من أهل اليمن تنفق، فوافقت هذه الأزمة الشديدة، فصارت في محلها، ~~وكان للسلطان بها الثواب الجزيل، خصوصا مع موافقة الحاجة إليها، فانظر هذه ~~الصدقة التي جاءت من الأقطار البعيدة من غير سؤال خالصة نافعة. # وهذه الدولة كانت هي الأولى بالصرف لفقراء جهاتها، وأنه لا يضيع عمل ~~عامل، والله يقول: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه }. PageV01P509 ### | ودخلت سنة ثمان وثمانين وألف # استهلت بالجمعة بالرؤية وبالحساب، وفي هذا اليوم اتفق قران المشتري ~~والزهرة في برج الدلو، وكانت الزهرة المرتفعة على المشتري. # وفي هذا الشهر اتفق أن رجلا من أهل الظهرين بحجة مات وغسل وكفن وحمل على ~~نعشه، فبينماهم في قبره ويريدون إدخاله إذ قد[171/ب] انتعش وجرى فيه روحه، ~~فسبحان المحي المميت، فأعاده أهله إلى بيته حيا. # وأرسل أحمد بن الحسن بكتاب إلى سادة شهارة وفقهائها، يقول فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم PageV01P510 السادة العلماء الأخيار، زادهم الله صلاحا وفلاحا وسلام الله عليهم ورحمة ~~الله وبركاته ومرضاته، وبعد: فإني أحمد الله الذي لا إله سواه، وأصلي وأسلم ~~على نبي الله وآله، وأعرفكم أني قد وصلت إلى هذه الجهة أريد جمع الكلمة ~~وتمام الألفة، وكان الصنو قاسم قد طلب مني أن أجمع جماعة من السادة ~~والفقهاء أهل العلم ليحكموا بيننا بما يريهم الله، أسعدته لذلك طلبا لحقن ~~الدماء، وسكون الدهماء، واقتداء ms173 برسول الله في قبوله صلح الحديبية على غيظ ~~من أصحابه، وبأمير المؤمنين، لما طلب منه معاوية التحكيم بعد أن قال علي: ~~كلمة حق يراد بها باطل، فلما رأوا أن في ذلك حقن دماء وسكون دهما أجاب وإن ~~كنت وكان صنوي -أصلحه الله- ليس فينا من هو كقريش أهل مكة ولا كمعاوية وأهل ~~الشام وكان الأجل لوصول العلماء إلى خمر بعد العيد، فما وصل ذلك الوقت إلا ~~وبلغ أن الصنو أصلحه الله كتب إلى القبائل يستنهضهم علي، وأمر أهل هذه ~~الجهات أن لا تجلب إلى هذه المحطة التي أنا فيها شيء، مع إيهامات توجب ~~تخطفا في الطرقات[172/أ] وحسبنا الله من هذه الأفعال الموصلة إلى ~~المقاطعات. وما أجر هذا الأمر منه على ما أراه إلا التسرع منه إلى ما يوجب ~~سفك دماء محترمة ونهب أموال معظمة، فإن الهجر هذا رتبة، وفيه أموال لأهله ~~ولأهل صعدة إذا أثار الصنو الفتنة توجهت إليه عينه، وكان أمره كأمر ذيبين، ~~وكأني به يرسل عينة إلى حبور، فيكون فيه ماكان في الصلبة، ثم يقول نهبت ~~أموالا وسفكت الدماء، ولا ينظر من المسبب لذلك، فإن قد أجابني من صعدة إلى ~~حضرموت، وما زال يكتب إلى الناس ويقول ما يقول حتى كادت الأمور تنهار، وجهز ~~على غير نظر ولا اختيار، فنهضت وكان ما كان إلى الآن، وبقي في نفسي هؤلاء ~~الأهنوم فإنهم أهل سوابق عظيمة، فيجب عليكم مناصحة أخي هذا أن يتقي الله في ~~هذه النبذة التي مالت إليه، فإني أكبر منه سنا، وأشهر كلمة، وأكثر إجابة ~~ورأيا وخبرة، والعلم إن أراد أن PageV01P511 يختبر فله الاختبار، انتهى. # أخبرني القاضي أحمد بن علي العنسي وهو من المائلين إلى القاسم قال: سأل ~~أحمد بن الحسن سائل في الخطيب يوم الجمعة إذا قهقه، فقال يتوضأ قال وقال له ~~السيد عبد الله بن محمد الكبسي: أن فتوى جاءت إلى أحمد بن الحسن في دين ~~لازم لغريمه، وليس معه إلا أطيان، قال: فأجاب: نظرة إلى ميسرة، فقال له ~~السيد: هذا خلاف الإجماع، فإن الواجب مع ms174 المطالبة، ثم يقطع له من ماله ولا ~~يبقى له إلا ما يبقى للمفلس. والقاسم ذكر أنه سئل في أصول الفقه في بحث ~~العموم، فلم يجد عنده السائل فيه معرفة. ويقال: أن له بعض شيء في الفقه، ~~والله أعلم بحقيقة ذلك، ومتحمل هذه الزعامة إن أراد كمال لشروط الإمامة لا ~~بد له من المعرفة الكاملة في مسائل الفقه وخلاف العلماء، وأما مجرد دعوى ~~الاجتهاد، وأنه يقول كذا أو يقول فلان كيفما ما اتفق وظهر له ولم يرسخ قدمه ~~في الفقه مجازفة ظاهرة[172/ب]. ورأيت فتوى له في أن امرأة باعت في مرض ~~موتها من مالها بغبن في حجة، فهل ينفذ؟ أجاب بأن البيع لا يصح مع الغبن، ~~وهذا غلط فاحش على جميع الأقوال، أما ما على قول الهادوية والحنفية فلأن ~~الوصية بالحج والبيع تنفذ في مرض الموت من الثلث، وفي الغبن من الثلث أيضا، ~~وأما على قول الشافعية وغيرهم حيث قالو: بأن الحج من رأس المال فينفذ في ~~الغبن من الثلث، وأما قيمة المثل فينفذ من رأس المال. # أخبرني بعض السادة أن المهدي أفتى بأن الفقير إذا حج قبل الاستطاعة لا ~~يصح حجه وعليه الحج وهو خلاف الإجماع. PageV01P512 # وأخبرني بعض السادة أنه وقف على كتاب إلى أحمد بن الحسن من بعض الناس يقول ~~فيه: إنها وصلت فتوى منكم وعليها علامتكم في مسألة واحدة مختلفة فيها خمسة ~~أجوبة ينقض بعضها بعضا، وهذا تخليط منكم ومن أهل حضرتكم، وصار الحال كما ~~قال تعالى: {فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون } ، قال: ~~فتغير المهدي من ذلك، وسألته هل له معرفة؟ وكيف القراءة معه في شرح التجريد ~~، فقال: مجرد حضور وما رأينا هناك شيئا من العلم إلا مجرد الحضور. PageV01P513 # وأخبرني بعض الفقهاء الثقات أنه سأله سائل وهو بحضرته في مال ابتاع بقروش ~~والصرف يوم البيع بثلاثة أحرف، وجاء شافع يشفع والصرف من أربعة أحرف، ~~فأجاب: الشفعة قد بطلت، قال: وغير ذلك من المسائل يكفي فيها الإشارة، قال: ~~وهو مع هذا مصرح بالاجتهاد، وسائر الدعاة المعارضين ms175 له بينهم وبين الاجتهاد ~~مسافات ومراحل، ولو أنهم اعترفوا بأنهم منتصبون للاحتساب ولصلاح المسلمين ~~وجمع كلمتهم[173/أ] لكان الأولى منهم، وأن العلم والجوابات ما عرفوا أجابوا ~~فيه، وما لم يكن لديهم معرفته أحالوه على غيرهم من القضاة والحكام من ~~المتفرغين للعلم، فإن عهدة العلم وثيقة، وعراه شديدة، وما كان عليهم لو ~~اعترفوا وتواضعوا وصدقوا واتبعوا حالة العلماء الذين: {صدقوا ما عاهدوا ~~الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا} . ولم ~~يزكوا أنفسهم اتباعا لقول الله تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} ~~ولم يدعوا العلم الكامل، اتباعا لقول الله تعالى: {وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا} فما رأينا حالات العلماء من العارفين إلا إظهار القصور، وعدم دعواهم ~~الكمال اتباعا لقول الله تعالى: {وفوق كل ذي علم عليم } وماذا عليهم لو ~~قالوا بذلك، وقالوا: إذا سئلوا ولم يعلموا لا نعلم وماذا عليهم لو قالوا: ~~نحن قمنا لصلاح المسلمين وصلاح ذات البين، وما علمناه قلناه، وما لم نعلم ~~أحلناه، لكن لما كان المذهب الهادوي والزيدي لا ينصبون إلا من كان إماما ~~عالما مرجوعا إليه، وعلموا أنهم إذا لم يدعوا ذلك لم يجابوا إليه، احتاجوا ~~إلى الدعوى لذلك؛ لأجل يجابوا إلى ما هنالك بخلاف سائر المذاهب، فإنهم وإن ~~كانوا قائلين بشروط الإمام الكامل، لكنهم إذا غلب غير الكامل قرروه، لأجل ~~مصلحة الإسلام، وسكون الدهماء، ولا يتسمون بالإمامة بل PageV01P514 بالسلطنة والإمارة، مع أن المتغلب منهم لا يدعي ما ليس في وسعه، ولا يعلم ~~به بل يكل ما تعلق بالشريعة إلى القضاة والحكام، والله يرحم الجميع، ويختم ~~بالخير، ويصلح أمور المسلمين. # [173/ب] وكثير من الذي نصب أحمد بن الحسن قالوا: ما نصبناه إلا حسبة لا ~~إمامة، والسيد محمد بن علي الغرباني الذي دعا أفتى في مسألة المحتاج أنه ~~يبيع مال الوقف الذي على الذرية ولا قائل به، فأراد الذي اشتراه التخلص ~~فسألني وقال: البائع فقير فكيف في ثمن المال الذي سلمه؟ فأجبت عليه أنه ~~يستغل هذا المال المشترى وبحسب قدر قسام ms176 الشرك المعتاد في الجهة، حتى ~~يستوفي الثمن ثم يعيده على البائع الموقوف عليه، فقال: إنه سيفعل ذلك. # ووصل ولد السيد مبارك بن شبير، وكان بتهامة ساكنا، فلما وصل إلى وادي ~~جيزان يريد القصد لأحمد بن الحسن انتهب في ذلك المكان، وذلك بأمر من صاحب ~~شهارة، فإنه كتب إلى بلاد العصيمات وبرط وسفيان أنهم ينتهبون من وجدوه ~~قاصدا إلى أحمد بن الحسن. # وفي نصف هذا الشهر أرسل أحمد بن الحسن من المحطة شرقي شهارة إلى حاشف ~~جنوبها مما يلي بلاد ظليمة. # وفي هذه الأيام لما قل على علي بن المتوكل المحصول من اليمن الأسفل لخلفه ~~وشداد أهله سار إلى ضوران، أخذ من خزائنه بعض شيء من المال، فلما بلغ صنوه ~~محمد بن المتوكل ذلك تغير منه كونه وصي والده، وقال: لم يأخذ ذلك من غير ~~إذنه؟ ولم يلبث أن عاد إلى ذمار بها، وتصرف منها. # وفي تاسع عشر شهر محرم كان تحويل السنة ودخول الشمس أول درجة في برج ~~الحمل، وزحل[174/أ] في الجوزاء راجعا، ورجوعه هذا استمر من شهر رمضان ~~والمشتري في الدلو والزهرة والمريخ فيه أيضا، والذنب في الثور، والرأس في ~~القوس وكذا القمر، هذا على حساب المتأخرين، وأما على حساب المتقدمين فتتقدم ~~برج من هذا، والزهرة راجعة يومئذ وهي ستقارن المريخ والشمس في شهر صفر قران ~~آخر، وكانت الزهرة قد قارنت المريخ، كما سبق ذكره. PageV01P515 # وفي شهر محرم منها وصل كتاب تعزية من أبي العرب سلطان بن سيف بن مالك ~~اليعربي، صاحب بلاد عمان إلى محمد بن المتوكل في والده، مضمونه أنه لما ~~بلغه وفاة والده صدره، وذكر فيه أنه بلغه قيامه في مرتبة والده، وأنه ~~استخلف خليفته، ووصى في أصحابه الذين يخرجون بالبضائع العمانية بالرعاية، ~~فأجاب عليه محمد بن المتوكل بجواب التعزية، وذكر له أن الأمر صار إلى أحمد ~~بن الحسن. # وكام يوم الثلاثاء عشرين شهر الحجة قد وصل كتاب المهدي أحمد بن الحسن إلى ~~محمد بن الإمام، ووصل عقبه يوم الخميس كتاب قاسم وفي طيه كتاب من ms177 السيد ~~يحيى بن أحمد الشرفي، والكل اختار ما اتفق من اجتماع القضاة بالرحبة ما بين ~~شهارة وبيت القابعي، وأن الحاضر من أصحاب قاسم السيد يحيى بن إبراهيم بن ~~جحاف وصنوه إسماعيل ومحمد قيس، ومن قبل أحمد بن الحسن القاضي يحيى جباري ~~الذماري والقاضي علي بن جابر الهبل، ومحمد بن إبراهيم السحولي الخطيب ~~بصنعاء، وكان ابتدء قول الحاضرين من أهل شهارة طلب الصلح في هذه الساعة، ~~واما الخلع فمتعذر فيه المقالة[174/ب] وأنه يبقى كل من السيدين إمام في ~~جهته التي قد أجابته، فلم يجبهم إلى ذلك قضاة أحمد بن الحسن، وحصل بين ~~جباري وبين السيد يحيى بن إبراهيم جحاف هدار وخصام، ثم افترقوا على غير ~~تمام شيء، فكان حالهم كما يقال: # إن القضاة تجمعوا # يريدون صلحا أحمدا # قصدوا عن ذاك المقام # وعنه تفرقوا ولم يحمد PageV01P516 ولم يحضر من قضاة شهارة الفقيه حسين بن حنش ولا السيد حسين بن صلاح. والسيد ~~يحيى بن أحمد الشرفي كتابه كان مضمونه صحة إمامة القاسم عنده وعند ابن حجاف ~~وقيس وإسماعيل، وبعثوا برسائل الجهات بحكم أولئك الحكام بإمامة قاسم، فتغير ~~محمد بن الإمام من ذلك، وطلب قضاة صنعاء يكتبون أن الذي صح عنده وعندهم ~~إمامة أحمد، وأرسلوا بذلك إليه، وكتاب آخر إلى القبائل وقام وقعد. وكان قد ~~طلب القاسم عقد صلح مدة معلومة ويبقى على الإمامة[175/أ]، فلم يجب إلى ذلك، ~~ونبح عند ذلك نابحه، وهو أن محمد بن أحمد بن الحسن بن القاسم تصرف في موزع ~~واستولى عليه في أوامره ونواهيه ومرجوعاته، وقال: هو يحتاج إليه ولا يرضى ~~بمصيره إلى غيره ولا يسامح فيه، وظهرت التربشات، فنعوذ بالله من مضلات ~~الفتن، ما ظهر منها وما بطن. # ووصل أول الحجاج على قلتهم إلى اليمن، وكان وصولهم متأخرا عن عادتهم، فلم ~~يصل المخفون منهم إلا خامس وعشرين شهر الحجة والعادة يصلون العاشور وقبله، ~~فسألت حاجا منهم فقال: كان الحج مباركا، وقف الناس الجمعة، وأقواهم الشامي ~~ثم بعده المصري ثم العراقي، قال: وخرج مع الشامي ولد الشريف بركات، وأنه ms178 ~~كان دخل العام الماضي وخرج هذا العام بكسوة لوالده وتقريرات يده[175/ب]، ~~وخرج أمير مع المحمل الشامي وكان الشامي معتمدهما لكونه من باب السلطان، ~~وفرحان ساروا وهو بمكة ما كان قد خرج عنها،وكان دخولهم من طريق تهامة مع ~~فرحان لأجل قلتهم هذا العام، وضعف حج اليماني عن سائر الزمان، قال: وكانوا ~~في نية العود مع فرحان من طريق تهامة لأجل قلتهم عن العادة، فانتظروه، ثم ~~لما طال انتظارهم اضطروا إلى السير وحدهم من طريق السراة معتادهم متوكلين ~~على الله، {ومن يتوكل على الله فهو حسبه } فاجتمعوا نحو خمسة وعشرين نفرا، ~~ومروا طريق السراة، فلم ينلهم مكروه، إلا أنه تأخر وصولهم. PageV01P517 # قال: وكان سعر مكة مرتفعا، بلغت الكيلة إلى ستة عشر بقشة مصري، وأما ~~الأعلاف والحشيش والكلأ فخير كثير وكذلك اللحوم، بسبب جراد ظهرت في الحجاز ~~ومصر فارتفع السعر، بلغ الإردب بمصر إلى ثلاثة قروش، وهو يأتي اثني عشر ~~قدحا حساب كل قدح بحرف بدراهم اليمن؛ لأن القرش بلغ إلى أربعة حروف في الصرف. # وانتقل أحمد بن الحسن من محطة مور إلى حاشف. وجاء الخبر بأن أحمد بن ~~المؤيد توجه إلى وادعة، وكان نزوله يوم الجمعة ثامن وعشرين شهر محرم من ~~شهارة، وتأهب أحمد بن الحسن للقياه، فعرج عن الوصول إليه وسار من طريق ~~وادعة ومعه نحو ثلاثمائة، ووصل إلى قرية السوق الحض ودخل بيته الذي فيها ~~له، فالتقاه أهل وادعة جميعا، ودخل مدخلا عظيما وأكثرهم أو كلهم مائلا ~~إليه، وهو مظهر للمباينة، غير مقترف لأهل تلك الطائفة، وذكر أهل بلاد وادعة ~~أنهم مائلون إلى القاسم لقرب جنابه إليهم، وبشاشته بهم، وكذلك بلاد الأهنوم ~~مثلهم أو فوقهم، وأن أحمد بن الحسن تحرك يومئذ وبنى على مقابلتهم بالحرب، ~~وكذلك محمد بن أحمد قد بنى على ذلك، وكذلك العساكر الذين بحجة، وانفتحت ~~يومئذ بينهم المباينات، وانتهت بينهم المخاطبات، وعاد القضاة الذين ساروا ~~إلى أماكنهم بعد ذلك. # [176/أ] وأظهر أصحاب القاسم بن المؤيد بأن محمد بن أحمد بن الحسن صاحب ~~الحجرية كاتب إلى القاسم صاحب ms179 شهارة، وكذلك حسين بن حسن وأنه في شهارة أشاع ~~البشارة، وضرب بالحرانى للإشاعة، فأرسل محمد بن الإمام السيد محمد بن حسن ~~بن حميد الدين إلى حسين بن الحسن -إذ هو أخوه من قبل الأم- عسى أنه يرجع ~~إلى أخيه أحمد بن الحسن للمساعدة، ويطلب منه ترك المشاققة. PageV01P518 # وفي يوم الثلاثاء ثالث شهر صفر وصل الخبر إلى صنعاء بمواجهة بلاد ظليمة، ~~وعند ذلك جهز القاسم من شهارة إبراهيم بن حسين بن المؤيد الذي كان خرج أولا ~~إلى ذيبين إلى مساقط الأهنوم ليحفظه ويفاتح أن أمكنه، فبلغ إلى موضع يقال ~~له الأبرق ، ما بين الأهنوم وظليمة، وهو من أطوار بلاد ظليمة فوق سوق ~~الثلوث، فجهز أحمد بن الحسن عليه جماعة من عساكره، فردوه إلى بعض القرى من ~~معاقله، واستدعى أحمد بن الحسن أحمد بن محمد من الصلبة بمن معه، فطلع منها ~~طريق وادي لاعة، ثم طلع إلى الطويلة وخرج إلى حبابة غربي كوكبان، ونفذ إلى ~~عمران، وسار إلى حيث طلعه[176/ب] هذا الأوان، وعرج عن طريق حجة، وإلا فهي ~~كانت قريبة؛ لأجل ما فيها من الرتب من قبل القاسم الوثيقة، وكان قد أراد ~~أولا أنه يطلع الظفير، فمنع أهله دخوله، وقالوا هم إلى القاسم لا يخالفونه. # وفي ليلة الجمعة سادس شهر صفر توفي الشيخ المقام عامر بن صلاح الصايدي، ~~بداره بصنعاء اليمن، وقد كبر سنه، وكف بصره آخر مدته، فبقي في بيته كذلك ~~حتى توفي. # وهذا المذكور كان من أصحاب شرف الإسلام الحسن بن القاسم ومن أمرائه، وكان ~~له عنده وجاهة مدته، وكان المذكور ظاهر الصلاح متنزها عن دخول الأسواق، ~~وكان نادرة في وقته؛ لأن من كان مثله يدخل الأسواق من الأمراء خالفهم، وكان ~~له عبادة سيما آخر مدته رحمه الله تعالى. PageV01P519 # وفي يوم السبت سابع شهر صفر وصل الخبر إلى صنعاء بأنه وقع حرب شديد بين ~~إبراهيم بن حسين بن المؤيد وبين أصحاب أحمد بن الحسن، فقتل من الجانبين ~~كثير، وظفروا به ولزموه أسيرا، وعند ذلك طلع أحمد بن الحسن الأهنوم، وتسور ~~تلك ms180 البلاد بجيوشه، ومن عليهم من بعض قراه وبيوته، فأمر أحمد بن الحسن ~~بإخراب تلك البيوت التي وقع منها الرمي بعد الحملة عليهم والقهر، فخربها ~~وحرق بعضها، فلما رأى ذلك الأهنوم أقبل إليه كثير منهم مواجهين فأمنهم، ~~وطلع إلى نجد بني حمرة، غربي شهارة، وهو وسط الأهنوم، وهو مجمع الطرق ~~القريبة من شهارة[177/أ] واختلف في خبر القتلى، فقيل: قدر ثلاثين نفرا ومن ~~أصحاب أحمد بن الحسن ستة أنفار، قالوا: وسبب قلة القتل في أصحاب أحمد بن ~~الحسن أنهم حملوا عليهم وترسوا بشمال مبلولة بالماء، فكانت الرصاص إذا وقعت ~~في الشمال تطفي ويبطل فعلها، كذا يروى، وأسروا كثيرا من الأسرى. # وجاء الخبر يومئذ بأن محمد بن أحمد بن الحسن صاحب الحجرية لما خالف على ~~والده ومال عن جانبه أمر عليه ولده علي بن أحمد بن الحسن بأنه يتوجه من ~~تهامة إلى جهاته فسار حتى بلغ إلى نواحي تعز ويفرس، وعند ذلك انسل أكثر ~~أصحاب محمد بن أحمد بن الحسن وتفرقوا، وكان قد وصل إليهم كتاب من المهدي ~~يحذرهم من إعانة ولده في أمره لهم ونهيه، والذين معه هم من عسكره، وعليهم ~~نظره، فخافوا وتفرقوا، وبعد تفرقهم وعدم الميل إلى رأي محمد بن أحمد وإقبال ~~أخيه علي بن أحمد سقط في يده، وندم على ما جرى منه، وترك ما كان أراده. # وفي يوم الإثنين تاسع شهر صفر وصل الخبر إلى صنعاء بأن القاسم يريد أن ~~يواجه [177/ب]. PageV01P520 # وجاء خبر آخر أن الحرب بالأهنوم شديد، استمر من الأبرق بظليمة إلى نجد بني ~~حمرة، وأوله كان بالأبرق علي بن إبراهيم بن حسين ومن معه، وأن بعض ظليمة ~~اختلت بعد المواجهة، وقاتلوا مع أصحاب القاسم في جملة المقاتلة، وبرق عليهم ~~من الأبرق وحوادثه، ثم استولى عليه ومن معه بالقتل والأسر، لم ينجل إلا ~~بقتول كثيرة من الجانبين، وأن بعضهم هلك بالحجارة وبعضهم فقد خبره، وكانت ~~حادثة عظيمة، ثم لما تقدم أحمد بن الحسن من سوق الثلوث طالعا إلى الأهنوم ~~عاطفا رموا عليه من القرى فوق الطريق، ms181 فأمر بخرابها وانتهابها، وخربت قرى ~~في سيران ونحوها وحرقوها بالنار، وأنها حصلت معرة عظيمة في الأهنوم، ومن ~~النساء من هرب حاجا ، ومنهن من راح في الحيود ، وانتهب مع ذلك ما في تلك ~~البيوت، وكذلك سلاح المحاربين الحاضرين، ثم انعطف راجعا بعد هذه العملة إلى ~~محطته بحاشف، وقد انجلت على قتول كثيرة. # ولما حصل ذلك الحادث، وشاهده القاسم من شهارة وما جرى من ذلك الأمر ~~الكادث، وأسر إبراهيم[178/أ] بن حسين وجماعة من أعيانه جاء كتابه وأحمد بن ~~المتوكل بأنهم لا يخالفونه كما قال أبو تمام: # السيف أنطق أنباءا من الكتب # في حده الحد بين اللهو واللعب PageV01P521 ووصل الأسرى إلى صنعاء معهم السيد صالح عقبات، وفيهم السيد إبراهيم بن حسين ~~وفقيه من بني الأكوع، ومن الأهنوم جملتهم أربعة عشر نفرا من مشائخهم، وخرج ~~عامة أهل صنعاء للتفرجة عليهم، خرج أولهم إلى أن بلغ الحصبة ، والطرق ~~ممتلئة، فجنبوا بهم إلى الجراف للعشاء والتغليس لدخول صنعاء خشية من كثرة ~~المتفرجين، فكان دخولهم وقت العشاء، ولم يترك الكثير من أهل صنعاء التفرجة ~~من الصغار والكبار، واجتمع في ضوء القمر للتفرجة خلق كثير وصاح عليهم ~~الصبيان بالأصوات والتنصيرات والصولات، حتى دخلوا بهم قصر صنعاء على تلك ~~الحالات، وكان الصبيان يقولون لرئيسهم: أين جيت بعقلك؟ وبقو تحت الترسيم. # وجاء خبر أن القاسم استدعى السيد زيد بن علي جحاف للوثاقة والشروط بينه ~~وبين المهدي أحمد بن الحسن وإلاكادة، فطلع[178/ب] المذكور إليه، وأمر عند ~~ذلك بارتفاع رتب بلاد حجة وكحلان، وكانت هذه القضية رادعة لأهل شهارة ~~والأهنوم، لم يصدقوا بحقيقتها حتى رأوها مشاهدة؛ لأنهم أهل غباوة مشهورة لا ~~ينظرون في العاقبة، ولا يعرفون الأمور الغالبة، فما صدقوا لأجل غباوتهم حتى ~~شاهدوا ذلك بأعيانهم وأبصارهم، فكان حالهم وحال القاسم كما قال ابن المقرب: # علام تجشم الأهوال فردا # تغير البيداء أو لجج البحار # آمالا تحاول أم علوا # هديت أم اجتواء للديار # وأما أهل شهارة فإنهم مع ذلك أقاسوا على الإمام القاسم بن محمد بن علي، ~~والإمام القاسم ما قام تلك المدة ms182 إلا بملاحم معزوة إلى علي من منقولات ~~الجفر وغيرها، مما ليس عنده يخفى. # وأما عمل هذا القاسم فإنه مخالف للملاحم، فإن المعروف في المنقولات ~~الجفرية أن الملك يصير بعد المتوكل إلى أحمد بن الحسن، والأمور السابقة في ~~علم الله لا تنقلب جهلا ولا خلفا، فلله الأمر من قبل ومن بعد، له الملك ~~يعطيه من يشاء، [179/أ] وحسبنا الله ونعم الوكيل. PageV01P522 # وجاء خبر آخر فيه تحقيق أن الحرب كان يوم الخميس خامس شهر صفر، وأن القاسم ~~كان قد أمر الأهنوم وظليمة وسائر القبائل أنهم يقطعون الميرة إلى محطة أحمد ~~بن الحسن بالمرة، وأنهم يمتنعون عن إيصال شيء من المصالح إلى المحطة ~~الأحمدية من علف وطعام وحطب وغير ذلك، قال: فمنعوا ذلك كما أمرهم القاسم، ~~وتقرب إبراهيم بمن جمعه من قبائل الأهنوم وأهل شهارة وظليمة إلى جبل الأبرق ~~المطل على سوق الثلوث، وهو من بلاد ظليمة وحد الأهنوم. # فلما خرج أحمد بن الحسن وأصحابه وأجناده إلى حدود أسفال ذلك الجبل رموهم ~~بالبنادق البالغة من أعلاه حتى وقع بعضها بين أيدي أحمد بن الحسن، فأمر ~~أجناده عند ذلك بالحرب، فطلع عليهم[179/ب] همدان وبنو الحارث حملة رجل واحد ~~وترسوا بالشمال في أيديهم اليسار، ولم يبالوا بالبنادق حتى بلغوا رأس الجبل ~~وأعلاه، واقتتلوا بالسيوف والسلاح ضربا وأسرا، وحرقوا بيوت قرى الأبرق ~~بالنيران، وخربوها ونهبوها واستولوا عليها عنوة وملكوها، وأسروا إبراهيم بن ~~حسين ومشائخ الأهنوم وظليمة فيها، وكان القتل كثيرا، والقليل من أصحاب ~~المهدي قيل: حول ثمانية، وأما من أولئك فجماعة كثيرة، قيل: نحو خمسين، ~~وقيل: أكثر، وكانت هذه الحملة لبني الحارث وهمدان أعظم نجدة، وكل ذلك لما ~~بلغهم أن الأهنوم قالت أنهم غير شيء، وأنهم من القصابين استحقارا لهم ~~واستخفافا بجنابهم، واستكبارا عليهم وعجبا والعجب[180/أ] مهلك والكبر مردي مربك. # قال الراوي: ممن كان حاضرا في تلك النواحي: أنهم قد جمعوا كثيرا من الجمع ~~في ذلك الجبل وجهدو بغاية مقدورهم، ولله الأمر من قبل ومن بعد، والملك ملكه ~~يعطيه من يشاء من خلقه. # والمهدي أحمد بن ms183 الحسن حال الحرب عطف من طريق وادي رجم، ثم أنفذ الجيوش ~~في تلك الطريق حتى بلغوا إلى نجد بني حمرة، ووقع بعض مراماة من تلك القرى ~~والجبال، كانت سببا لخراب القرى التي صدرت منهم الاعتداء. PageV01P523 # ووصل خبر يوم الخميس الثاني ثاني عشر شهر صفر إلى صنعاء بكتاب من أحمد بن ~~المتوكل إلى أخيه محمد يذكر فيه: أنه صدر والقاسم قد استخار الله وبنى على ~~تسليم الأمر إلى أحمد بن الحسن وأنه في نية النزول إليه يوم الإثنين، وأنه ~~لم يبق إلى جنابه أحد مائل حتى أهل شهارة، هذا خبره. # [180/ب] ففرح الناس بسكون هذه الفتن المضلة، والأحوال المشتتة المتعبة، ~~والمنازعة المفشلة التي نهى الله عنها. # والله يجمع كلمة المسلمين على الصلاح. # والسيد محمد بن حسن بن حميد الدين الذي أرسله محمد بن الإمام إلى حضرة ~~الحسين بن الحسن وإلى حضرة علي بن المتوكل وصل وأصلح أمرهما، وتدارك به ما ~~قد كان حصل من الخلل معهما، وما كان أشفوا عليه من الأمر العظيم الذي هو ~~عين الغرر، فإنه ذكر أن حسين بن الحسن وعلي بن المتوكل كانا قد بنيا وأزمعا ~~وتواطيا على إعلان الخطبة للقاسم صاحب شهارة في رداع وذمار، من غير مخالفة ~~في تلك الجمعة الآتية، فأنسد بوصول السيد محمد بن حسن بن حميد الدين ذلك ~~الأمر الذي كان أرادوه وبنوا عليه ونووه، وتراجعوا عنه وأضربوا فيه. # فلو كان حصل منهما لكانت فتنة عظيمة، وفعلة جسيمة ضارة للمسلمين قاطعة ~~للطريق اليمنية عن المصالح إلى صنعاء بالكلية[181/أ] مفرقة للمسلمين، مقوية ~~للفتنة، موجبة لطولها ما حقه على صغيرها وكبيرها، فوقى الله شرها بتدارك ~~أمرها قبل حصولها؛ لأن تلك البلاد لو تم ذلك المراد رفعت القبائل رؤوسها، ~~وتقوت به البلاد الشهارية، وهاجت بسببها الفتنة النجدية، ولكن الله لطيف ~~بعباده، والملك لا بد أن يكون لمن يشاء الله وأراده، فما شاء كان وما لم ~~يشاء لم يكن. PageV01P524 # وقد حصر ما راح هذه السنة والتي قبلها في الصلبة وذيبين وهذه في ظليمة ~~والأهنوم قدر مائتين ms184 نفس، بل قد قيل أكثر من ذلك لا سيما في هذه القتلة ~~الآخرة بظليمة والأهنوم فإنه على ما قيل هم كثير غير منحصرين، فمنهم من ~~يقول مائة ومنهم من يقول أكثر؛ لأنهم طلعوا عليهم جملة بالسيف، فقتلوا ~~معظمهم ولم ينج إلا من هرب في أول القتال، ومن احتاز حتى أسر واستأمن، ~~والأسرى هم اليسير وتفرقوا في العوادر وأكلتهم النسور والسباع في تلك ~~الجبال والعوابر . PageV01P525 # وكان أحمد بن المؤيد بوادعة يترقب الفرصة فيهم والهزيمة، وأنها إذا وقعت ~~فيهم بادر بالحملة بمن معه وبقبائل[1181/ب] وادعة والعصيمات للإنتهاب ~~والغنيمة من المحطة التي بحاشف، والتلقي لهم إن اهتزموا بالقتال بالسلاح ~~والمعاطف، وكان قد اجتمع بحبور جماعات من المغارب الشرقية والحجية ينتظرون ~~ما ذاك يتم من الحرب الواقع فيما بين ظليمه والأهنوم، وأن الهزيمة إذا حصلت ~~لفوا عليها من جهتهم وأحمد بن المؤيد من خلفهم والأهنوم من قدامهم، هذا كان ~~هو غرضهم ومقصدهم، ولذلك فإن المهدي لما عرف بعض هذا الأمر منهم الجاري ~~أرسل لأحمد بن محمد من الصلبة إلى خمر، زيادة لمحمد بن أحمد وقاسم بن ~~المتوكل ؛ لأجل المحاذرة من طارقات أحمد بن المؤيد إذا تحرك من وادعة، ~~فيتبع أثره ويلحق من خلفه، فلما وقع هذا الحرب الجاري، وكان على ما وصف من ~~الظفر بهم والغلبة لهم على الوجه الماضي، سقط في أيديهم الجميع وكفوا عن ~~قصدهم الذي عليه نياتهم، وطفت لذلك الحاصل جمراتهم. وعند ذلك أقبل أحمد ~~بن[182/أ] المؤيد مبادرا بالمواجهة والمبايعة والدخول تحت الطاعة، ولا سيما ~~بعد أن بلغه أن عساكر خمر توجهت نحوه، وتفرق الذي كان وصل إلى حبور من ~~قبائل المغرب ورجعوا من حيث جاؤوا وشاهدوا ما لم يشاهدوه في زمانهم، مما ~~جرى في الحرب أمامهم، وواجهت المغارب جميعها، وخطبوا للمهدي فيها، ونزل أهل ~~شهارة إلى الحضرة الأحمدية طائعين مسلمين، وتفرقت رتبة الهجر التي كانت ~~للقاسم، والقاضي محمد بن علي قيس الثلائي رجع بيته وترك القاسم بعد إياسه، ~~ورتب أحمد بن الحسن الهجر ونجد بني حمره وتحت شهارة الفيش خشية ms185 لا يخرج ~~القاسم، ثم رحل أحمد بن الحسن بنفسه من حاشف وطرح بمحطته بحدبة الهجر، ولم ~~يبق إلا قاسم بن المؤيد فريدا وحيدا حليف هم وحزن في شهارة، وأحمد بن ~~المتوكل بشهارة يأمر وينهي، ولم يبق للقاسم أمر فيها. PageV01P526 # واتفق تاريخ زوال دولة القاسم هو هذا اللفظ الجاري[182/ب]: زالت دولة قسمي ~~. فلله الأمر من قبل ومن بعد، يؤتي ملكه من يشاء، وينزعه عمن يشاء وعند ذلك ~~ارتفعت رتب حجة وعفار والشرف وتفرقوا، وفرغت البلاد، وواجهت ، والله أعلم. # وحصل مع الذين مالوا إلى القاسم من البؤس والكدر والحزن غاياته، ومن ~~الضيق والإنكسار نهاياته، مع ما كانوا عليه من اعتقاد نصرهم ونصره وتزكية ~~أنفسهم وتزكيته ما لا يوصف، ومن المبالغات التي لا تعرف، ولقد وصف لي من ~~مبالغتهم بعجائب يحيلها العقل، منها: وصف لي بعض الفقهاء أنه حاكاه جماعة ~~من القبائل المائلين إلى القاسم بأنه أكل أربعمائة نفر من مقلا واحد بين ~~يدي القاسم. ومنها: أن تيسا نذر به إليه فغلط صاحبه بذبحه أو رجع في نذره، ~~فهرب التيس وقد حزت رقبته إلى بين يدي القاسم من سوق الثلوث والدم يسيل فيه ~~من أثر ذبح الجزار له فباعه من جزار، وقال: إنه يسلم لقاسم ثمنه لمشقة ~~إطلاعه إلى شهارة؛ لأنه ما زال يهرب عليه. # ومنها أن الجراد فيها مكتوب قاسم بن محمد في رقبتها، فأما الجراد فشاهدنا ~~فيها رقهما الذي لا يزال في كل جرادة برقبتها أشبه شيء بالألفين مختلفين ~~هكذا(×)، وهو في جميع الجراد، إلا أنه يظهر[183/أ] بينا في الجراد الصفر. PageV01P527 # والقاسم المذكور تعلقت به ديون واسعة، استدانها وتكلف من الناس لطلبها ~~وسؤالهم إياها، ولا يفي ماله بالقضاء لها، فإذا لم يقضها له أحمد بن الحسن ~~من بيت المال والأعشار ارتبك في المضيق، وناله إثم التفريط، فإن حقوق ~~العباد شديدة وقد شدد النبي صلى الله عليه وسلم في الدين ما شدده لمن أوفى به، فكيف إذا لم ~~يحصل الوفاء له؟ والورع لا يدخل في تكثير الديون، وإن دخل في شيء للضرورة ms186 ~~فاليسير، مع العلم من نفسه أن ما له في القضاء يفي به من ماله أو مما هو ~~تحت تصرفه ويده، فإما تجشم ما لم يعلمه، وتوهمه أنه يقضيه مما سيفتحه فمن ~~الغرور الذي لا يخفى على أهل المعقول، وقد قيل: إن ديون القاسم هذا بلغت ~~إلى نحو مائة ألف. # وفي هذه المدة ظهور نجم وقت السحر له شعاع من قدامه قدر نصف ذراع من مجرى ~~الثريا ومكان طلوعها، بقي كذلك قدر ثلاثة أيام ثم اضمحل، والله أعلم. # والمهدي عند ذلك فرق اليمن بين أولاد المتوكل أكثرها وبين أولاد أحمد بن ~~القاسم وغيرهم، وبقي معه بلاده الأولة وزيادة معها اليسير، وكل منهم قال ما ~~يكفيه إقطاعه، ولله قول الشاعر : # ما كل ما في البسيطة كافيا # فإذا قنعت فكل شيء كافي # وكل منهم مد يده في رعايا بلاده في غالبهم[183/ب]، وبعد تقضي عمل شهارة، ~~وسكون ما وقع فيها من الأمور المنهارة سكن المهدي أحمد بن الحسن بالهجر ~~مبرزا لوطاقه وخيامه بميدانه وحدبته، واستقر جميع أصحابه بجنابه، فكانت ~~محطة واسعة؛ لأجل اجتماع أهل الناحية ومواجهة القبائل العذرية والبلاد ~~الأهنومية قهرا عليهم وخوفا أن يجرى فيهم ما جرى في أصحابهم. # ولما أيس القاسم بن محمد صاحب شهارة عن تمام إمامته وما دعاه إلى نفسه ~~وما شاهده من الحروب بعينه لم يسعه إلا الهبوط من جبل شهارة والنزول إلى ~~المحطة، فاتفق بالمهدي وقفة المسالمة، وتمثل لسان حاله بقول المتنبي في ~~ديوانه: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى # عدوا له ما من صداقته بد PageV01P528 وجعل له قطعة من بلاد الشرف يتمتع بها هو وخاصته وأتباعه وجماعته، ثم سار ~~إلى قرن الوعر وقاسم عاد إلى جبلة ، وعرج المهدي عن طلوع شهارة لما في ~~النفوس، وما ظهر له من حالات القاسم وأصحابه من الكمد الذي نزل بهم والبؤس، ~~ووصل إلى قرن الوعر قبائل العصيمات مواجهين فتوثق عليهم في صلاح الطرقات، ~~وترك التعديات، ثم سار عنه إلى الفقم طرف العمشية، فسكن به قدر نصف شهر، ~~ثم سار إلى ms187 بركة مداعس وسط العمشية، وسكن بها بعض أيام وأكد على سفيان في ~~الطريق، وشرطوا عليه الموافاة لهم ما يعتادونه في حفظها من الملوك ~~السابقين، وإلا فليس عليهم درك[184/أ] فصلحت، وإن حصل على النذور بعض تخطف ~~فيها من قبل دهمة لمن انفرد عن الرفقة. ثم تقدم يؤم جهات صعدة، فلما وصل ~~إلى العيون وقدم وطاقه إلى رحبان اليوم الأول خرج صاحب صعدة علي بن أحمد ~~لاقيا له ومهنيا ومرحبا، ثم تقدم إلى رحبان، وسكن فيه هو ومن معه من الجنود ~~والأعوان، ثم دخل صعدة لمجرد الضيافة والصلاة فيها للجمعة، وكان استقراره ~~برحبان في نصف ربيع الأول من سنة ثمان وثمانين وألف سنة. PageV01P529 # ووصلت إليه قبائل صعدة من البلاد الشامية والخولانية رغبة من القليل ~~والأغلب فيهم الرهبة. وجهز الفقيه أمير الدين بن أحمد العلفي الأموي إلى ~~تهامة، وأمره أن يبني البرك في أطراف بلاد الحرامية، فوصل المذكور إلى صبيا ~~وسكن فيها، وتعذر عليه النفوذ إلى حيث أمر إليها، ثم لم يلبث أن توفي ~~بصبيا، وكان المذكور قد بقي متوليا مدة طويلة لعدن، وعمر فيه مسجدا قريب ~~الساحل باسطوانتين وثلاثة عقود. وكان المهدي أحمد بن الحسن قد كتب إلى ~~البلاد النجدية وإلى شريف مكة يطلب منهم الطاعة، فكان جواب الشريف بركات ~~الإجمال، وأنه مثل واحد من أشراف اليمن لا يجهل الحق ولا يترك ما فيه ~~الصلاح للمسلمين ولا يرضى بالمحق، إلا أنه يخشى إذا حصل تغيير من السلطان ~~[184/ب]. ثم تحرك بعد ذلك في شهر رجب إلى بلاد نجد ويقال: أنه بلغ إلى بيشة ~~، كل ذلك منه لتسكين بلاده، وخشية لا يحصل تغيير عليه في جهاته. PageV01P530 # وكتب إلى باشا سواكن بسواحل الحبشة يدعوه إلى الطاعة وهو عمر باشا، وهذا ~~كله عين الخطأ، لامتناع من بحضرته عن تبليغه، وأراد الكتابة إلى مصر فلم ~~يجد له رسولا. وأحمد بن الحسن أقطع بلاد صعدة لعلي بن أحمد، فطاب بها ~~خاطره، ورغب بسبب ذلك إلى جانبه، ولم تطب نفوس بلاد خولان بولايته؛ لأجل ~~أنه كان جعل لهم ms188 خطوطا برفع ما عليهم من المطالب أيام مخالفته على عمه ~~إسماعيل، وقال لهم: أنتم عون على عمي المتوكل وجعلت لكم بالنصرة رفع ~~المطالب عنكم في هذه المدة، فلما انقضت تلك الأمور الماضية ومات المتوكل ~~وصارت الأمور إلى هذه الحالة الثانية طالبهم في الذي عليهم من أول من ~~العادة، فأبوا عنها ولم يمتثلوا أمره فيها وشكاهم إلى المهدي، فطلبهم إلى ~~رحبان وقال لهم: يسلمون ما عليهم من المطالب، ولا يخالفون عليا في شيء من ~~المآرب، فقالوا: إذا لم يحصل منه الوفاء بما وقع، فليس لنا بولايته مطمع، ~~ونولي بلادنا[185/أ] غيره، ونسلم ما علينا له، فبقي علي بن أحمد بذلك ~~تاعبا. وأحمد بن الحسن صار معرضا؛ لأجل ما عرف من علي من اتباع الهوى، وعدم ~~مراعاته لما يصلح المسلمين فيما مضى، فبقي الأمر كذلك وليس عليه في التحقيق ~~إلا أن يقول له: قد صارت البلاد الشامية الصعدية إليك، فخيرها وشرها عليك، ~~وإلا تركت أمرها ومصالحها وأصلحناها. PageV01P531 # وفي آخر شهر جمادى الأولى عادت الجراد التي كانت توجهت إلى اليمن الأسفل ~~تؤم جهة القبلة من حيث جاءت أولا، فضرت في هذه البلاد التي مرت بها في ~~الزراعة، أكلت منها بعضها وهي نبات، وعند ذلك غلت الأسعار في الجهات لا ~~سيما مع قل المطر في الخريف، فبلغ القدح بصنعاء أربعة حروف، والشعير إلى ~~ثلاثة، وأما الذرة فمعدومة لأجل جراد العام الماضي، واشتدت الأزمة مع أهل ~~اليمن الأسفل، ورحلوا إلى البلاد العليا، وخلت بالسحول قرى كثيرة، وصلبت ~~أموال عديدة وعرضت بأبخس الأثمان، فلم يشترها أحد لعدم من بقي من الساكنين ~~لإقامتها فلله الأمر. ومات في اليمن الأسفل عالم لا يحصون، بحيث أخبرني ~~رجل[185/ب] أنه دخل بيتا في قرية فوجد فيه سبعة موتى، قد ظهرت رائحتهم ~~ونتنهم، ثم دخل مكان آخر فوجد رجلا في آخر رمق وامرأة ميتة وطفل يرضع منها ~~وقد هي ميتة، قال: فسأل ذلك الرجل ما شأنكم؟ فقال: الجوع وأمر الله الذي ~~قضاه، قال: فاستعبرا وحمل الطفل إلى راعي غنم قد رآه فمكنه الطفل ms189 يرضعه من ~~غنمه، وسار فارا من الأمر الذي رآه وأفزعه. ووصف لي آخر من أهل جبلة وصفا ~~عجيبا وقال: ما قد رأينا مثل هذا الزمان في اليمن، خلت قرى وصلبت أموال ~~ومات عالم لا يحصى، وفقر في الناس كثير وغني آخرون ممن معه من الحب. PageV01P532 # وعلي بن الإمام المتوكل إسماعيل بن القاسم نزل من ذمار في شهر جمادى إلى ~~اليمن، فاستقر بإب على ضعف اليمن الذي ينبغي الفرار منه فازداد مع أهله ~~التضرر لما قد نالهم من الحاجة والخلف في بلاده، ووصلوا إليه شكاة، ~~وقالوا:[186/أ] المطالب متعذر جمعها لضعف البلاد وتفرق أهلها، فأمهل بعضهم ~~إلى الثمرة، ولم يكن فيه إلا اليسير من الذرة، فلما وصلت الثمرة فرق عليهم ~~المطالب، فسلم من معه منها شيئا وهرب الآخرون عن اليمن، فلما رأى ذلك ~~الحال، وعاد عليه البعض في مرتفعات الأموال، طلع منه إلى ذمار بعد أن كان ~~جرت يده في اليمن الأسفل مع خلفه، فلم يحتمله أهله ورده وهم العدم له؛ لأنه ~~أراد طلب ما قد جرى عليه من زمن والده، فكان مع كثرة المطالب يحتمله الناس ~~لبركة اليمن، والخير الذي لا يزال فيه في أغلب الزمن، وكان طلوعه إلى ذمار ~~في شهر شعبان. # وكان قد مات بيفرس في جمادى الأولى منها علي بن أحمد بن الحسن بن القاسم، ~~وقبر في حوطة النقيب علي، وزال عن صنوه محمد بن أحمد صاحب الحجرية ماكان ~~يخشاه من صنوه، فإنه كان أنفق جميع ما عنده، وتغيرت أحوال قرية يفرس وخرب ~~فيها ما خرب. # قال الراوي: بسبب ما كثر فيها من الفساد من أهلها، والراوي من أهل اليمن ~~من بني الكاظمي من أهل إب قال: وكذلك اليمن الأسفل الذي وقع فيه الحطمة ~~والموت والرحلة إنه اجتمع عليهم الجور والفساد، لعدم الغيرة منهم والقدرة ~~على الدفع عن حرمهم وبيوتهم من عساكر الدولة، فإنهم ينزلون بيوتهم ويختلطون ~~بحريمهم وأولادهم، ويقع ما يقع من الفساد وعدم قدرتهم، وضعفهم عن الدفع ~~وضعف أهلهم، وترك الصلاة الواجبة لله، فلا حول ولا ms190 قوة إلا بالله[186/ب]. PageV01P533 # ومحمد بن أحمد بن القاسم عاد من خمر إلى عمران بالبون، فسكن في دار له ~~هنالك، ووصل إليه متعينات بلاد حجة وذلك جميع الدفعة، وتصرف في بلاد كحلان، ~~واستمدت يده في المشاكي إلى بلاد عفار، وفتح عند ذلك دار الضرب، فتعب من ~~ذلك محمد بن المتوكل، واستثقل أمره، وكتب إلى المهدي أن ضريبة عمران كثر ~~فيها الغش وأن الأولى رفعها. وأودع محمد بن المتوكل إلى محمد بن أحمد بذلك، ~~وأنه ينبغي إزالة ما هنالك، فلم يسعد محمد بن أحمد، وأجاب: بأن الأمر قد ~~تغير عن الوقت الأول وقد زال الأمر وانتقل، وأن الضرايب إذا زالت كلها ~~أزلناها، وما المخصص لنا دون غيرنا في إزالتها، ولكن ضريبة عمران لا سيما ~~بآخرها حصل فيها غش كبير بسبب أن محمد بن أحمد يقبض من التجار الحصة التي ~~للدولة على الضريبة قروشا ثم يتركهم يضربون على ما شاءوا فلذلك غشوها لأكثر ~~من نصفها من النحاس. # وأحمد بن الحسن هذه المدة برحبان ما زال يتحدث بالتقدم إلى البلاد ~~النجدية، أو إلى الجهات الحسائية والمكية والحجازية ويقول: إن في بعض ~~الملاحم التي أظهرها الإمام القاسم في دولته وأنه يملك إلى عقبة مصر الثالث ~~من ولده، وربما كتب إلى محمد بن المتوكل بهذه النية[187/أ] وما هو عليه من ~~الهمة العلية، فأجمع الناس عاقلهم وجاهلهم أن التعدي عن اليمن إلى غيره، ~~ومفاتحات بلاد السلطنة عين الخلل في عواقبه. وأن السلطان قد صار في مزيد ~~قوة في هذا الزمان على ما كان فقد يؤدي تحريك تلك الجهات إلى تحريكه، ~~والعزم والالتفاف إلى تخريجه. PageV01P534 # وكتب محمد بن المتوكل إليه بمثل هذا الرأي، وأن الناس كافة غير منخرطين، مع ~~ضعف اليمن أيضا في هذه السنين، وتعقب ذلك أن تفالت أصحابه من حضرته، ~~وانسلوا من حوزته، فلم يبق عنده برحبان غير خاصته، ونفسه غير مائلة إلى غير ~~-مشورته حتى أنه بلغه في خلال ذل تحرك الشريف بركات، أو طلوعه إلى جهات ~~بلاد نجد وأمور من جهات السلطان متوهات، انقلب ms191 المذكور راجعا إلى عيان، ~~أطراف بلاد سفيان في شعبان، واستقر به رمضان، وفترت تلك النيات واضمحلت تلك ~~الإرادات، واجتمع عنده في العيد قبائل سفيان في العصيمات، ووصل إليه صاحب صعدة. # ومحمد بن أحمد[187/ب] سار من عمران إلى خمر، وكان عنده في عيان بجميع من ~~تعلق به ومن حضر، وأردفه أحمد بن المؤيد عيد بعيان معه. # وفي هذه المدة حصل اختلاف النظر في بلاد يريم التي ولاها أحمد بن الحسن، ~~يحيى بن حسين بن المؤيد بالله، فإن علي بن المتوكل وحسين بن حسن وحسين بن ~~المتوكل جرت أيديهم فيها، وكل واحد منهم شارك فيها. وتغير خاطر يحيى بن ~~حسين بن المؤيد، ولم يصل إليه من مطالبها إلا بعضها، واختلف النظر أيضا في ~~بلاد عفار بين أحمد بن المتوكل صاحب السودة وبين محمد بن أحمد، وكذلك بين ~~قاسم صاحب شهارة وبين صاحب السودة، حتى أنه خرب بسبب ذلك بيت في الهجر من ~~الأهنوم لما حصل اختلاف بين عسكر أحمد بن المتوكل وبين عسكر قاسم صاحب شهارة. # وكان قد أرسل أحمد بن الحسن من رحبان ابن أخيه عبد الله بن أحمد بن ~~القاسم إلى حجة، فسار إليها فرحا مسرورا طامعا في ولايتها، مؤملا لها، ~~واستقر[188/أ] بمبين عند واليها السيد علي بن حسين بن جحاف، والله أعلم. # ومحمد بن أحمد صنوه كان عزمه من عمران لما بلغه وصول صنوه إلى حجة، كما ~~سبق ذكره. PageV01P535 # وفي غرة شهر شعبان منها وصلت كتب أحمد بن حسن إلى محمد بن المتوكل صاحب ~~صنعاء يذكر له فيها أنه رأى أن اليهود كثرت ضريبتهم المشبهة على دار الضرب، ~~وفيها نحاس كثير وغش وكثر منهم بيع الخمر من المسلمين وأعمال السحر، وأنه ~~قد رأى إخراجهم من جزيرة العرب لما ثبت في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((أخرجوا ~~اليهود من جزيرة العرب )) ، وأنه مع هذا الذي رآه لا يستغني عن استمداد ~~الرأي في مثل ذلك، فعرض محمد بن المتوكل الكتاب على جماعة من الحاضرين، ~~فأجاب الفقيه أحمد بن ms192 صالح بن أبي الرجال بأن الرأي إخراجهم عن جزيرة ~~العرب، ولا يبقى منهم أحد، وصنف في ذلك كراسة كل حججها مقلوبة معلولة، ~~ووافقه يحيى جباري قاضي ذمار، فاستحسن إخراجهم، مصانعة مسايرة للمهدي ويحيى ~~بن حسين بن المؤيد كثر في تحريض المهدي بإخراجهم. # وقال القاضي محمد بن قيس: الأمر كذلك، وأنه لا ذمة لهم في اليمن وليس من ~~مساكنهم، لكنه يجب عليكم تأمينهم وحفظهم من تخطفات القبائل إلى مأمنهم؛ ~~لقوله تعالى: {فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه} وأجاب القاضي ~~محمد بن علي العنسي بأنه (يخرج المفسد لا غيره). # [188/ب] وأودع محمد بن المتوكل إلى كاتب الأحرف ما ترونه في هذا؟ فقلت ~~للرسول: ما أقول بشيء غير ما قال العلماء السابقون والعلماء المحققون: فهذه ~~المسألة قد فرغوا عنها وقرروها في كتبهم وحرروها، فلا ينبغي منا قول يخالف ~~ذلك، وهذا كتاب (البحر) أجمع كتاب في الخلاف، وأقوال العلماء في آخره في ~~السير يقول فيه: أن المراد بجزيرة العرب، هو الحجاز لا غيره وإن مراد ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالجزيرة لحديث آخر رواه البيهقي وغيره أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((أخرجوا اليهود ~~من الحجاز )) وأن قوله في الحديث: أخرجوا اليهود من جزيرة العرب من تسمية ~~البعض باسم الكل، من المجاز المرسل. PageV01P536 # فأجاب محمد بن المتوكل على أحمد بن الحسن المهدي: أن الحاضرين بصنعاء ~~اختلفوا في ذلك، فمنهم من قال: يخرجون ومنهم من قال لا وجه لإخراجهم، وإن ~~من صدر منه ضريبة وغش وبيع خمر وجب تأديبه. # ثم جاء أمر منه بعد ذلك بأنه تخرب جميع الكنائس، فأخرب في البون على ~~طريقه لما عاد ما أخرب، وكذلك أخرب ولاته باليمن الأسفل بعضا من الكنائس ~~وأمر بإخراب كنيسة صنعاء ، فراجع عليها محمد بن المتوكل، وقال: هي قديمة ~~غير محدثة ووجد في سيرة صنعاء للرازي أنها من زمان النبي صلى الله عليه وسلم، وذكر أنها قبلي ~~المدينة قريب الباب، وأنها التي نزل بها وبر بن يخنس الصحابي الذي أرسله ~~النبي صلى الله عليه ms193 وسلم على أبي الأسود العنسي الكذاب ، وذكر الرازي في تاريخه الكنيسة ~~الأخرى التي كانت للنصارى، وأنها خراب بقي منها عقود، ولعلها التي كانت في ~~القليس ، وكنيسة اليهود غيرها في الربع القبلي من المدينة يلي الضرب، باقيه ~~الآن، والله أعلم ما يتم من أمر أحمد بن الحسن فيها. # وخربت كنائس كوكبان وشبام وتلك الجهة، وروي عن الفقيه أحمد بن أبي الرجال ~~أنه ذكر أن القاضي زكريا من علماء الشافعية قرر وجوب إخراجهم من جزيرة ~~العرب، وهو كذب من أحمد بن صالح على القاضي زكريا، فإننا رأينا مصنفاته في ~~شرح الروض ، وشرح مختصر المنهاج له أن الإخراج مختص بالحجاز لا غيره، كما ~~يقول سائر الشافعية والعلماء. PageV01P537 # والعلماء جميعا مقررون الحنفية والشافعية والحنابلة في كتبهم أن الأمر من ~~النبي صلى الله عليه وسلم بإخراجهم إنما[189/أ] هو من الحجاز، وقد أخرجهم عمر امتثالا لأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم لا غيره، ولم يخالف في ذلك إلا المالكية فقالوا: يخرجون من جميع ~~اليمن. وأما قول القاضي محمد بن قيس بأنه لا ذمة لهم ولا عهد فمصادم لما في ~~سيرة ابن هشام بمعاهدتهم في كتاب عمرو بن حزم إلى اليمن وكتاب معاذ بن جبل ~~لما أرسلهما النبي صلى الله عليه وسلم، والكفار مما ينبغي إبعادهم وتفسيرهم، إلا أن الذمم بعد ~~عقدها لا يخفى ما في نقضها؛ ولأن ظلم أهل الذمة سبب إلى زوال الدولة، كما ~~ذكره ابن هشام في السيرة وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم. # وعلى الجملة فإن المتورع في هذه المسألة لا يجيب بلا ولا بنعم؛ لأن ولاية ~~الكفار منقطعة عن المسلمين فلا يكونن ظهيرا للمجرمين، وإنما حكينا حكاية ما ~~قاله العلماء الماضين في العهد لا غير ذلك، ولذلك لما طلبنا نقد في جواب ~~القاضي أحمد بن صالح في رسالته كان الجواب معلوما، لكنا تركناه تورعا، ~~وقلنا: أقوال العلماء ظاهرة، فقلدوهم وأفعلوا فيهم ما ذكره العلماء في أمرهم. # ولما طلعت الحمولة من المخا وجاءت طريق تهامة حتى خرجت إلى الهجر لقاها ~~المهدي برحبان ms194 قبيل نزوله إلى عيان جماعة عسكر، لحفظها في طريق العمشية، ~~فاتفق أنهم لما شدوا من حباشة تأخر العسكر للغداء في حباشة، فقصدها دهمة ~~عند الضيق هنالك لما رأوها لا رفقة معها، فدافع عنها الجمالة وصاحت الصوايح ~~حتى وصلت الغارة[189/ب]، وكان أحمد بن الحسن قد بلغه ذلك وهو في التمشية ~~فقصد إلى العمشية، ثم تعقب خروجه إلى عيان واستقراره فيه. PageV01P538 # وفي هذه المدة انقطع الفقيه أحمد بن عبد الله الجربي في بيته بالروضة من ~~منتزهات صنعاء وتزهد، ولم يقبل من الدولة عطاء، واكتفى بدرس القرآن والختم ~~يهديها لمن أعطاه فيها، بحيث أنه مرة سرقت حوائجه وثيابه، فأرسل له صاحب ~~الروضة بكسوة، فردها وصار يكتفي بالبلغة فيها، وقد كان قرأ في الفقه كتبا ~~مثل: (شرح الأزهار) ، (والتذكرة) ، وكان له إمامة بعض المساجد، فترك ذلك ~~كله، وصنوه الذي اعتراه الجذب، وخرج من صنعاء، ظهر هذه المدة أنه الذي سكن ~~بجبل جبع ما بين حفاش والمحويت، وصار متواريا هنالك، يتصل به جماعة، ~~ويقبضون له الفتوحات والله أعلم. PageV01P539 # [190/أ] وفي يوم السبت ثاني شهر شوال مات الشريف محمد بن عبد الله بن عامر ~~بن علي بقصر صنعاء، كان في الدار التي فوق باب القصر الخارجي دار علي آغا ~~بقصر المذكور، ساكنا بها هو وأبوه من وقت دخولهم صنعاء وخروج حيدر باشا ~~عنها، وكان المذكور محترقا جاروديا، يتحامل على صحابة المصطفى، ويأكل ~~لحومهم بالأهواء، فلا قوة إلا بالله، استعار مني كتاب(الاستيعاب) للحافظ بن ~~عبد البر ، فوضع في بعض هوامش الكتاب من الشتم ما يقشعر الجلد عنه، فطمسته ~~وأزلته؛ لأنه كتبه من غير معرفة ولا احترام لكتب غيره وهو أعظم معصية، ثم ~~طلب بعد ذلك عارية فلم أعره، لمحقه للكتب وتغيير مقاصد المصنفين، وما لا ~~يحل ذكره من السب، وذكرت عند ذلك قول إسماعيل المقري في الروض في باب ~~الوصايا: أن أجهل الناس من تعرض للصحابة بالسب[190/ب] مع أنه لم يكن له من ~~المعرفة بدقائق العلم وحقائقه، وكان إذا اتفقت شيء من المسائل موجها إلى ~~غيره عارضها ms195 بالوهم الباطل، والغلط العاطل، والخروج عن مقصد السائل، وكان ~~عاطلا عن غير معرفة المثالب والمناقب كما هو حال الإمامية وغلاة الشيعة ~~فإنهم يجتهدون في تقول ما وجدوه من المثالب والمناقب، وما شجر بين الأوائل، ~~هذا غاية مرماه، وصيده الذي كان يهواه. # ومرة اتفق أنه صلى بجنبي جماعة، فأحصر الإمام في الركعة الثانية، ففتح ~~عليه فقلت له بعد تمام الصلاة: هذا فتح بعد تأدية الواجب على قول من قال ~~بالفتح، وهو مفسد للصلاة، فقال: رحمته، فاعجب!. # ومرة قلت له: ما ينبغي سب الصحابة، فأجاب علي بقوله تعالى: {ولا تسبوا ~~الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم} فتجارى على تحريف ~~القرآن كما ترى، وجعل الصحابة رضي الله عنهم ممن يدعون من دون الله بمثابة ~~الكفار، فاستوحشت من عقيدته هذه، ونفرت نفسي عنه، فلم أكالمه بعد ذلك إلا جوابا. PageV01P540 # [191/أ] ودفن في جربة باب اليمن في الكناسة التي يضع فيها أهل المدينة ~~الكناسات، لقربه من الباب والطريق. # ومن العجائب أنه استعار مني نسخة سنن أبي داود وقال: يريد السماع فيها، ~~فبقيت عاجبا ورجوت أن إسعافه إلى ذلك فيه إما رجوع عن قوله أو مزيد حجة ~~تقرر عليه في نظره، فسمعها على الفقيه علي بن محمد بن سلامة عن الفقيه ~~هادي بن عبد الله القويعي الحضرمي الشافعي عن مشائخه إلى آخرها ولم يتعرض ~~لمحق شيء فيها، فكانت حجة عليه قائمة، وسنة على بدعته قاهرة، والله أعلم. # وفي هذه الأيام بمدينة عيان حضرة المهدي أحمد بن الحسن، اتفق أن الفقيه ~~يحيى بن حسين الجمالي الحيمي دق جبهته رأس حصانه لما رفعه إليه لقوة صدمته، ~~فمات وهو مع أحمد بن الحسن، والخيل التي ترفع رؤوسها وسلمها مالها إلا ~~السباق يمنعها إلى حرامها. وكان المذكور شاعرا وله قصائد في مدح أحمد بن ~~الحسن كثيرة، وعمل ترثية في المتوكل إسماعيل لما مات، وتهنية لأحمد بن ~~الحسن، مستهلها قوله شعرا: # أحسن الله يا زمان عزاكا # قد ثوى في الثرى هلال سماكا # وفي سابع عشر شهر شوال ms196 يوم الأحد توفي السيد العارف عز الدين بن علي بن ~~عز الدين بن حسن بن علي بن مطهر العبالي الحجي،نسبة إلى بلد العبال ببلاد ~~حجة وكانت وفاته بمدينة صنعاء، وهو وأقاربه يقولون: إنهم هدوية من أولاد ~~الهادي، ويقول غيرهم: إنهم علوية وبعض السادة الذين سكنوا الأهجر أولاد ~~السيد حسين بن علي بن شرف الدين بن عز الدين بن مطهر الأهجري، وذكروا أنهم ~~ينتسبوا إلى جدهم مطهر هذا من علي بن محمد بن هادي بن أحمد بن محمد بن ~~سليمان بن قاسم بن يحيى بن حسين بن قاسم بن حسين بن قاسم بن يوسف بن الإمام ~~الداعي، ولم أجد هذا النسب في المشجرات أصلا، وكذلك السادة بنو العوامي ~~ويزعمون أنهم من أولاد الإمام أحمد بن سليمان فلم أجد نسبهم الذي ذكروه في ~~شيء من المشجرات أصلا، والله أعلم. PageV01P541 # وسبب ذلك أنهم أرادوا نكاح من سادة فاطميين من أهل كوكبان، فمنعوا وقالوا: ~~لا بد من معرفة النسب، لأجل الكفاءة، فأتوا بتدريج إلى أحمد بن سليمان أو ~~إلى أحمد بن الحسين ، فلم يوجد في الأنساب ذكر تلك الأسماء جميعا حتى ولد ~~ذلك الإمام. # كان له معرفة بعلوم العربية من نحو ومعاني وبيان ومنطق وأصول فقه، وكان ~~الرجل فيه التسليم مع مداخلة لبعض الدولة، وكان يدرس في فنه مع حسن العقيدة ~~في الصحابة والأصول، يعتمد على كتب السنة وكتب المعتزلة، جمع بينها وعرفها، ~~وله في التصوف أيضا معرفة وحسن ظن بهم وبالمسلمين[191/ب]، وكان آخر مدته ~~سريع الدمعة رحمه الله تعالى. # ورفعت هذه الأيام الضرايب التي كانت لعلي بن المتوكل باليمن الأسفل، ~~وضريبة صنوه حسن بحبور، وضريبة محمد بن أحمد بعمران، وضريبة كوكبان، ~~واستقرت ضريبة محمد بن المتوكل بصنعاء، وضريبة الغراس بذمرمر. # وكان علي بن المتوكل أراد النفوذ من ذمار إلى صنعاء، فكتب إليه صنوه محمد ~~أنه يتأخر هذه المدة، فعند ذلك سار إلى ضوران؛ لأن له فيه حلة ، واليمن ~~الأسفل قد بلغ في الغاية من الركة، ولم يلبث أن عاد إلى ذمار. # وفي شوال ms197 وقع [في] قروى من بلاد سنحان قتال فيما بينهم، فراح منهم جماعة ~~ومصاويب، الغالب قيل: أربعة. # وجهز أحمد بن الحسن المهدي مع الحجاج طريق تهامة السيد صلاح بن عز الدين ~~كاتبه، وأمر معه من الصر ما كان قد فعله المتوكل. # وفي شهر القعدة سرج مسجدة النهرين الذي جنب سايلة وادي صنعاء كما سرج ~~الأيام السابقة. # وفي عاشر شهر القعدة اقترن المشتري والزهرة في برج الدلو، وكان المشتري ~~المرتفع. # [192/أ] وفي هذا الشهر خرج المهدي من عيان إلى خيوان راجعا إلى وطنه ~~الغراس فما زال يترجل قليلا قليلا إلى أن وصل الروضة أول يوم بشهر الحجة. PageV01P542 # وفي هذه الأيام ظهر مصنف في أصول الفقه سماه صاحبه (زبدة الأصول) لبهاء ~~الدين العاملي الرافضي ، أبان فيها بجهله إظهار مشاركته وأصحابه الإمامية ~~للعلماء، وهو بجهله متناقض عليه. فمن جهله ما ذكره فيها أن خبر الآحاد ~~معمول به، ثم قال في زبدته هذه: وما لا ينتهي إلى المعصوم لا يكون خبرا ~~عندنا، فانظر واعجب من هذا القول الذي لم يقم عليه برهان، لما علم منه ~~البطلان، فإن المعصوم على زعمهم قد قبل رواية الحديث من غير المعصوم وقبل ~~شهادته ويلزم المصنف لا يقبل شهادة غير المعصوم، وهو خلاف المعلوم، ويلزم ~~أيضا أن لا يحتاج إلى حديث يروى للمعصوم، بل يحتج بقول المعصوم مطلقا على ~~أصولهم الفاسدة، وهذه مناقضة لأقوالهم بأقوالهم، ويلزمه أيضا امتناع ~~الاجتهاد منهم؛ لأن الاجتهاد إنما هو للمعصوم فيما يحدث من المسائل لمنعهم ~~لقول غيره، وإن قال بصحة الاجتهاد من أصول الإثني عشر وما جاء من طريقهم، ~~فنقول: الأحق بالاجتهاد من أقوال الله في كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يجتهد ~~ويستخرج الحكم لا من أقوال المعصوم، ونحن نجد ذلك مبينا ظاهرا مع تسليمكم ~~للاجتهاد من الأصول، فعرفت بطلان أقوالهم. وهذا العاملي له أيضا لشرح ~~أربعين حديثا أسندها من طرق الإثني عشر، وزعم أن المهدي المنتظر في ~~مستتر[192/ب] ما قد ظهر، على قولهم الفاسد. وقد ترجم لهذا العاملي الخفاجي ~~في كتابه ms198 (الريحانة) ورماه بالزندقة والإلحاد واعتقاد الرفضة، فلا يعتبر ~~بقول العاملي، فإنه من المبتدعة، وما ذكره الخفاجي حقا فإنه من أهل السنة. ~~ورأيت للعاملي هذا المذكور الرافضي قصيدة ملحونة ضعيفة، تدل على أنه ليس له ~~معرفة في علم العربية، والله أعلم. PageV01P543 # وفي هذه الأيام ذكر الفقيه حسن بن محمد المغربي بصنعاء أنه لم يجد دليلا ~~متواترا قطعيا في الحجة على إجماع أهل البيت غير آية التطهير على من احتج ~~به في ذلك، وإجماع أهل البيت لا يقول به إلا الإمامية ومرادهم بأهل البيت ~~الإثني عشر لا غير، كما عرف من قاعدتهم، وعند الزيدية جميع علمائهم، وبعض ~~الزيدية وافق أهل السنة أنه ليس بحجة، وبعضهم قال: وإن كان حجة لكن أدلته ~~ظنية، والمسألة مختلف فيها، وإنما الحجة إجماع الأمة مع ما فيه أيضا من ~~الكلام في كونه ظنيا، والله أعلم. # وفي هذه الأيام لما وقف أحمد بن الحسن على سيرة السيد أحمد الشرفي التي ~~صنفها في سيرة الإمام القاسم وولده المؤيد، وذكر فيها قول الإمام المؤيد ~~ببغي أحمد بن الحسن عليه أيام خروجه، وذكر كتبه ونصوصه، فتغير أحمد بن ~~الحسن من ذلك وقال: هذه السيرة لا يلتفت إليها، فأمر السيد يحيى العباسي ~~الشاعر أن يصنف سيرة أخرى تكون ألفاظها موافقا للهوى، ففعل السيد يحيى ~~العباسي العلوي ذلك على ما يهواه، وما اشتبه عليه، عرضه عليه وهو يكتبه ~~بخطه، كما قال الشاعر: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى # فوافق قلبا فارغا فتمكنا # ولما وصل العباسي إلى وفاة المؤيد بالله وقيام صنوه أحمد بعده قال ~~العباسي لأحمد بن الحسن: ما سبب عدم القيام بدعوة أحمد؟ وما عرفنا ما نكتب ~~حال دعائه لكم، وترك ذكره بياضا، فطلبها منه وكتب بخطه أن السبب أنه ادعى ~~العصمة، وأن الولاة يكونوا مثله، وليس كذلك، وإنما السبب الذي عرف أنه ~~وغيره من الرؤساء طلبوا ولايات، فلما لم تحصل منه وأجاب بتعذر مطلبهم لم ~~يتم منهم له الإجابة. # وفي شهر القعدة منها أرسل السيد محمد بن علي الغرباني الساكن ببرط ms199 رسالة ~~يقول فيها بعد الترجمة وذكر القاسم بن المؤيد وأحمد بن الحسن وأنهما غير ~~كاملين بما عنده ما لفظه: PageV01P544 # وكنت دعوت لما عليه من كمال نظامها في، وعدم علمي أنه فيها وفي مع كثرة من ~~المرجحات، ووفرة من المصححات، لما رأيت البدع قد حمت على الأبدان صروحا، ~~وزرت على البلدان مسوحا، ولم يبد عالم في حندسها شعاعا، ولا بل كاتب بمداد ~~إنكارها يراعا، بل عميت عليهم يومئذ، فهم لا يتساءلون، واشتد العمى على ~~الأكثر منهم عن إنكارها يتهازلون، فدعوت رغبا في الفوز بدرجات السبق ~~الفاخرة، وما أكرم الله به ذويه في الدنيا والآخرة، وترهبا من ظهور الذين ~~يفسدون في الأرض ولا يصلحون وتضييع: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون} وقول أولي الأمر: ~~{إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون } وتصميمهم على تلك ~~البدع وهم يحسبون أنهم مهتدون، وكان كثير من الأنام من العلماء والعوام ~~متوقفا في صحة إمامتي، مترددا في شمول زعامتي، توهما لسبق دعوته، ويستمد من ~~المجد لذروته ولم يدر أن دعوتي العادية ضبحا، المورية قدحا، المغيرة صبحا، ~~المثيرة نقعا، الواسطة جمعا، السابقة قطعا، إذ دعوتهما إلى الرضا من[193/ب] ~~آل محمد، ودعوتي إلى نفسي لم تتردد، كما مر جوابه عن نفوسهم، وبعثوا به إلى ~~الآفاق في طروسهم ، فدعوتي خاصة لي بعيني، ودعوتهم مردودة بينهم وبيني، فقد ~~شاركتهم إلى غير المعين، واختصصت بسبق الدعوة إلى من يعين، وهل يختص بالسبق ~~من أنا بشريكه فيه؟ أو يدعي مدع خلاف ما حذر عن فيه! كيف وأنا مدع إلى ~~التفرد باسم الرضا! والمحكوم له في الكتاب والسنة بذلك القضاء، ومن شك في ~~كمال الخلال خلال الكمال فيا لله قل له ليختبرني فيما أراد، فأما أهان ~~الفتى أو أجله، فهذا الحصان يلوك العنان ، وهاك الرهان وهات التعلى، فلست ~~بأمعة في الرجال بسائل هذا وذا إن يدله، ولا أجد PageV01P545 لي في الله لومة لائم، ولا مداهن للأجله، إلى أن قال: والإمامة إنما جعل ~~مناطها التقوى، ms200 وشرطها السوي: العلم. # الثاني أوضحه الكتاب أنه الشرط الثاني قصد به الألباب فقال: {قل هل يستوي ~~الذين يعلمون والذين لا يعلمون } {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا ~~يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون} والآن جددت الدعوة التي لم تبلى إلى ~~العباد ورددت {ياقوم اتبعوني أهدكم سبيل الرشاد } {وياقوم إني أخاف عليكم ~~يوم التنادي ، يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم[194/أ] ومن يضلل ~~الله فما له من هاد} {ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي ~~دار القرار} ثم قال: PageV01P546 # فليعلم كل من بلغته هذه الرسالة، وبرق بصره في هذه المقالة، من أهل العلم ~~والجهل، وسكان الجبل والسهل، إني لا أعذر أحدا من الأنام، من العلماء ~~والعوام ممن صححت لديه إماما، أو صحت عنده باغيا ظلاما، عما لا يشك في ~~وجوبه عليه من كان عاقلا، ولا يمترين في العقاب على تضييعه وإن كان جاهلا، ~~من الراوي ومنازعي الحوض الروي، الذي لا يظمي وراده، والمرعي المرى الذي لا ~~يطوى رواده، من بين يديه تنزيل من حكيم حميد، وسنة رسوله المروية عن كل ~~ضابط من سند الذين أوجب الله إليها الرجوع عند النزاع، وجعله شرطا لإيمان ~~به تنزيلا، فقال:{فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا} {إنا أنزلنا إليك الكتاب ~~بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما} {فلا وربك ~~لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ~~ويسلموا تسليما} فمن تولى منا عن تحكيم الكتاب والسنة رد إليه، ومن أبى ~~قضائه حل القسر عليه: {قل ياأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل [194/ب] وما أنزل إليكم من ربكم} وإني داع إلى المحاكمة إلى كتاب ~~الله، مستعين بكم يا جميع خلق الله، منقاد لحكم الله بأضعف الشعر، مضمن في ~~إمضائه على من أريد من البشر ولا يقال: هذه كلمة حق أريد بها باطل، ms201 إذ أنا ~~عن المال والقوه بغير الله عاطل، وإني أنشدكم الله الذي خلقكم وسوى، ~~وألهمكم سبل الفجور والتقوى هل أكون باغيا وأنا أدعو إلى تحكيم كتاب الله؟، ~~وهل يحل لكم تردوا الشارد حتى يفيء إلى حكم PageV01P547 الله: {وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون } . هذا مضمونها وأكثرها بلفظها، ~~وقال: حررت يوم الإثنين لتسع خلت من شوال سنة ثمان وثمانين وألف ، ثم عقب ~~ذلك بقصيدة مستهلها قوله: # أحمد ربي المهيمن القاهر # ذي النعم الغر والسنا الزاهر # أيها الناس فاسمعوا ثنائي # سماع خاش لربه حاذر # ها قد دعا خمسة وكلهم # قد ادعى أن سهمه العامر # يا أكثرهم جاعل المكوس له # دينا لديه مضيعها خاسر # يمكس في السوق والطريق جمي # ع الناس من مؤمن ومن فاجر # فالجل قدفا عن تقدمه # ويؤا لوفر ذروة الفاطر # وقلدوا الأمر منهم رجلا # من دون رب حاجب باسر # مستأثر مؤثرا لأسرته # كأنما مال ربه هادر # وليس في العلم راسخا قدما # إلا أماني يقرح الخاطر # مقسم للبلاد بين ذوي # قرباه كل بقسمه حاجر # أكثرهم جاهل ولايته # خيانة للإله الحاشر # مع ما فيها من الإزحاف وعدم الفصاحة، وقد جعلها ساكنة القافية، وإلا فكان ~~فيها لحن ظاهر، والإنزحاف في قوله: يا أيها الناس، صوابه: أيها الناس، ~~وقوله: اسمعوا ثنائي ،الثناء إنما هو المدح في اللغة العربية والوصف الحسن، ~~وهو قد جعله للشتم والذم. PageV01P548 # [195/أ] وساق في القصيدة، وذكر أن هذه الدولة كدولة كسرى وقيصر، ثم بعد ذلك ~~ذكر في هذه القصيدة الثناء على نفسه بالكمال، والصفات المرتضاة في الرجال، ~~وأن غيره في حيز الإهمال، وإنما تشدده لإنشاء هذه الرسالة، والتفوه بهذه ~~المقالة ما ظهر له من عزم أحمد بن الحسن على ترك القصد إليه، وأنه قد صار ~~يريد التعريج والارتحال من حدود تلك البلاد التي لديه، فأمن ذلك الجناب، ~~وجدد الدعوة ومد في الخطاب، واعتقد في هذه الدولة ومن معهم البغي والعناد، ~~فلا قوة إلا بالله العلي العظيم. ولكنها شنشنة في البلاد اليمنية معتادة، ~~وأحوال الملك لمن أراده من يحط لجانب من خالفه ms202 وتزكية نفسه ومن أجابه، ~~والدنيا لو عرفها الإنسان غرارة، والدخول في تكاليفها لا يكمل بها العبد ~~الضعيف ولا يتم له فيها مراده، ولو عرف معنى قوله تعالى: {إنا عرضنا ~~الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها ~~الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} لكان عند ذلك يعرف عجزه عن الوفاء بها ولو ~~عرف بقوله تعالى[195/ب]: {فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} لكان ذلك ~~رادعا له عن مدح نفسه وتزكيته، ولو عرف بمعنى قوله تعالى: {ولا تفسدوا في ~~الأرض بعد إصلاحها } وقوله تعالى: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من ~~بعد ما جاءهم البينات } وقوله تعالى: {فلا تغرنكم الحياة الدنيا } {وما عند ~~الله خير وأبقى } وغير ذلك من الآيات القرآنية والسنة النبوية التي يضيق ~~ذكرها هنا؛ لأن هذا تاريخ لا يراد فيه إلا الأخبار، لا المحاججة والجدال، ~~على أن قوله واحتجاجه بقوله تعالى: {أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع } PageV01P549 خطأ فاحش من هذا السيد وجهل منه رابش ، لأن الآية لا يجوز لأحد من البشر أن ~~يحتج بها؛ لأنها في سبب خاص، إذ هي في سياق قوله تعالى:{قل هل من شركائكم ~~من يهدي إلى الحق قل الله يهدي للحق أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن ~~لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون} فالهادي الله تعالى لا غيره من ~~هذا العالم المخلوق، فليس إليه هدى أصلا إنما الهادي الله تعالى، وكذلك في ~~تلاوته لقوله تعالى: {ياأهل الكتاب لستم على شيء حتى تقيموا التوراة ~~والإنجيل} فهو خطاب من الله تعالى إلى اليهود والنصارى، ومن لم يعرف بدلائل ~~الخطابات، كيف يدعي الإمامات! فأين وغيرك من هؤلاء الدعاة أيها السيد بمعزل ~~عن شروط الإمامة الصحيحة. وأما طعنك في أحمد بن الحسن فهو قد قام أميرا ~~محتسبا، وجمع كلمة المسلمين، وصلح بسببه كلمة المسلمين، وزالت الفتنة التي ~~كانت ثائرة[196/أ]. وبعث السيد محمد الغرباني هذا بتلك القصيدة الأولة إلى ~~بعض الجهات، ويحث على الدعا للناس إلى الإجابة له مع تطلبات، وأن ms203 الهجرة ~~إلى حضرته كالواجبة على زعمه والقيام بنصرته، وفيها بعض تحويل للقصيدة ~~السابقة، وذم فيها دولة أحمد بن الحسن وولاته وأتباعه، وهو لم يشعر أن ~~هجرته التي هو فيها مما يجب بالإجماع الهجرة عنه؛ لأن فيها أحكام الطاغوت ~~ظاهرة شاهرة، والشريعة فيها إنما هي لمن شاء من أهلها على سبيل المراضاة لا ~~القهرية، ولا الأخذ من الحاكم إن وجد فيها عليهم باليد القوية، فالعقود ~~بينهم على هذه الصفة لا تحل؛ لأن أحكام الطاغوت كفرية، بنص الله تعالى في ~~كتابه العزيز، حيث قال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } ~~ونحوها من الآيات الكريمة في الطاغوت، والصفات الذميمة هذا حيث كان دعاك ~~إلى الهجرة PageV01P550 أيها السيد لغيرك، فأنت المدعو لها المخاطب بها إن كنت تعرف وتعقل، مع ما ~~في التفريق بين المسلمين من المخالفة لنهي رب العالمين، ولكن الأمر كما قال ~~الشاعر : # لهوى النفوس سريرة لا تعلم # وفيها بعض القضاة من بني العنسي تراهم يتدينون وينكرون على غيرهم بزعمهم ~~وهم[196/ب] المستنكر عليهم بقعودهم في بلاد تجب الهجرة عنها، فإن بلاد برط ~~وسفيان التي صاروا فيها يحكم فيها بالطاغوت على رؤوس الملأ لا ينكر ذلك أحد ~~ويقطعون السبيل، وقد ذكرت لبعضهم ذلك، فقال: ما يكره تركه لها إلا أن له ~~منها زكاة تصرف إليه، فانظر كيف آثر الدنيا على الدين! فلا قوة إلا بالله، ~~وأمثلهم قال: لما اعترضته إن محلته وجيرانه شارط عليهم أن لا يحكم أحد منهم ~~بالطاغوت في بلده، ولكنهم يحكمون به في غير حوطته، وهذا غير مصوغ له في ~~التخلص من العذر في ذلك، كما لا يخفى. PageV01P551 # ولما كثر منهم هذه السنين النهب وأذية المسلمين ابتلاهم الله بالقحط ~~والجوع، حتى خلت أكثر بلادهم وطاسوا في الأرض، وأما طعن السيد في أحمد بن ~~الحسن، فأحمد بن الحسن قام أميرا محتسبا، وإن كان عند نفسه إماما، وأما ~~شروط الإمامة فهي في الجميع غير حاصلة، والملك لله يؤتيه من يشاء وأهل ~~اليمن هم كثير في الاختلاف والدعاوي، فلعل هذه لكون ms204 يده قوية في مصلحة صدم ~~أولئك، وحسم شجارهم واختلافهم[197/أ]، ووجدنا الدلائل القرآنية، والسنة ~~النبوية دالة على أن مقصود الشارع حسم الهرج والفتنة، والسعي في إصلاح ~~الأمة، وفي الخروج بعد هذا الاستقرار ما لا يخفى من الهرج والتهييج للفتنة ~~والأشرار، وكل أحد ممن يخاف الله ويتقيه يتورع عن إشعال نار الفتنة ولا ~~يبتغيه، ففي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها))، ثم ~~إنا رأينا في الجفر المنقول عن الإمام علي ذكر أحمد بن الحسن بإسمه، بعد ~~موت عمه بحروفه في مختصر بعض المطالب من جفر الإمام علي بن أبي طالب، الذي ~~أخرجه الشيخ طاهر المغربي لوالده الحسن بن القاسم، ورأينا أيضا في جفر آخر ~~الذي فيه الملاحم لمحمد بن سالم يذكر فيه صفة إسماعيل بن القاسم ثم محمد ~~بعده خادمه الملك بن الحسن، حيث قال ما لفظه: المائة الحادية عشر يظهر فيها ~~الظلم، ويبطل فيها الشرع، فتصير الأرض هملا كأيام الفترة، ولا تجود السماء ~~يومئذ بقطرة، وفيها يظهر الإمام الرحيم صاحب القلب السليم فينفي الغين، ~~وينهى عن كل شين، وبعده سبطه القوام المعروف بالإمام، يعاديه أقاربه، ويحبه ~~وزيره وصاحبه، وبعده خادمه المنسوب إلى الحاء وهو الملك الزاهر، فيقرر ~~المقررات ويعود العوائد. PageV01P552 # وفي سنة 93 يظهر الخراب، ويمزق الكتاب، والله أعلم بالصواب إلى آخر ما ~~ذكره، فقد أفادك ذكر الإمام القاسم ظهوره وقلة المطر في هذه المائة وكثرة ~~القحوط، وهو كذلك وبعد سبطه أي ولده، وهو إسماعيل تطول مدته، وتمكن بسطته ~~وأسقط المؤيد وبعده خادمه، هو أحمد بن الحسن المذكور خادمه، ومناصره ~~والقائم بدعوته وأوامره في أيامه، وهو ملك كما وصف، فبعد ذكره في الجفر، لا ~~يمكن أن يتم لأحد معارضته أصلا، وهو ملك من الملوك أعطاه الله ذلك كما أعطى ~~غيره قبله: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء } والله يصلح ~~المسلمين. ويقال للسيد محمد: أما يكفيك ما قد جرى بين المهدي أحمد بن الحسن ~~والسيد قاسم بن المؤيد من الفتنة العظيمة؟ وطول المكاتبة ms205 بينهما، ~~والمناظرة! وإرسال الحكام لقصد جمع الكلمة! فلم يحصل بين الرجلين تسليم ~~الآخر، حتى وقع بينهما التناحر، وكان المحكم بينهما السيف الذي جرى! ولو ~~شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ، ولم يكن للأقلام بينهما ~~جدوى، وقد سكنت الأمور بعد ما جرى، فما الفائدة في رد الفتنة جذعا، أما ~~تعتبر أيها السيد إلى ما مضى، وتقول على الدنيا العفا؟! وأن الملك لله ~~تعالى يؤتيه من يشاء. # وحيث قد تم إعراض المذكور عنك، فذاك عده أعظم غنيمة واسكن كما سكنت في ~~المدة السابقة [197/ب] في مدة المتوكل، إن كنت تحب تأثير المصلحة. PageV01P553 # ولو رجع السيد إلى داره وبين أهله وأرحامه، وخمل وسار سيرة أمثاله، لكان هو ~~الأولى له من تجشم المهالك، وقد جرى عليه قلمه بجوابه، وهو لا يشعر في ~~قوله: وكنت دعوت لما علمته من كمال نظامها في، وعدم علمي أنه فيهما وفي، ~~فنقض قوله لفظه كما ترى؛ لأن المعطوف حكمه حكم المعطوف عليه في الخطابات ~~اللغوية، فإنه نفى بقوله: وعدم علمي أنه فيها وفي، أي وعدم علمه أنها فيه ~~أي الإمامة بعد أن أثبت أولا، فناقض كلامه، وجرى في نقضه عليه أقلامه، مع ~~أنه كان في هذه الرسالة التي بعثها إلى الحكام بعضها يقول في مستهلها وفي ~~كتاب عنوانها إلى من صدرها، أنه بعد وصول كتابكم إلينا، كما رأيته في كتاب ~~صدره إلينا، ولم نكتب إليه بكتاب، ولم نذكر في شفة ولا خطاب، فتعمد الكذب ~~مما يقدح في قائله وينقض ما يدعيه من كماله، ودعوى الكمال خطأ في أحوال هذا ~~العالم، لا يجوز لأحد التفوه به؛ لأن القدر لا يفي به، ولا يتم لأحد دعواه، ~~ولا يطيق له ولا يحواه، فإن المتفرد بالكمال إنما هو الله تعالى الذي لا ~~شريك له، فأما هذا البشر المخلوق فهو ناقص على كل حال والله يبصرنا بعيوب ~~أنفسنا ويغفر لنا. # وفي هذه الأيام خرج محمد بن أحمد من عمران، فصعق عند حال خروجهم في أبي ~~سعيد مطر فهلك هو وحصانه جميعا. ms206 # وفي نصف شهر القعدة وصل علي بن المتوكل وصنوه حسين من ذمار إلى صنعاء ~~وسكنا عند صنوهما محمد فخطب صاحب المدينة[198/أ] إلى آخر شهر الحجة، وعادا ~~إلى بلادهما. وكان أصحابهم قد استدانوا من العمانين بالمدينة حول ثلاث مائة ~~حرف، فلما سار صاحب أمرهم لحقوه، فلحقهم الغرماء، فمنعوا عن التسليم لهم، ~~وضربوا بعضهم على القاعدة التي ألفوها باليمن الأسفل، لعدم الضبط عليهم من ~~أميرهم، فلا حول ولا قوة إلا بالله. PageV01P554 # وفي هذه المدة رحل من شهارة الحلل التي كانت فيها ساكنة من مدة الإمام ~~القاسم وولده المؤيد بالله من أول الفتنة لما تقاصرت أحوالهم، وتقاللت ~~مقرراتهم فاضطروا بالعود إلى بلدانهم، واستقروا حيث كانوا قبل، وسكنوا ~~بأوطانهم، وقر فيها قرارهم كما قال الشاعر، وهو ابن المقرب: # ولكنها الأيام تبعد تارة # وتدني ولا بعد يدوم ولا قرب # وكان ذلك أول تغير على أهل شهارة من حالهم ووضع عليهم من افتخاراتهم، ~~والتعاظم على غيرهم واستخفافهم بالمسلمين، واستحقارهم، وسوء الظن بهم، ~~والعجب قد نهى الله عنه، وتزكية النفوس، كما قال الله تعالى: {فلا تزكوا ~~أنفسكم هو أعلم بمن اتقى} وكانوا يعتقدون أن الأمر كله ينتشر من شهارة، وأن ~~القائم فيها هو الغالب لكل غارة، ولم يعرفوا أن أمورهم منهارة، ولله قول ~~الشاعر، حيث يقول: # هي الدنيا تقول بملء فيها # حذار حذار من بطشي وفتكي # ولا يغرركم مني ابتسام # فقولي مضحك والفعل يبكي # ثم بعد هذا بأيام تبع الضرر سائر أهل شهارة، من الفقهاء والسادة، فوصلوا ~~إلى صنعاء في غاية الحاجة، وبعضهم خرج عن شهارة، وتمزقوا كأيدي سبأ[198/ب] ~~وملك عليهم من هو عندهم غير موافق لهواهم، ليعلموا أن الأمر لله لا لهم ~~((قل اللهم مالك الملك )). PageV01P555 # وفي شهر القعدة سار علي بن أحمد صاحب صعدة إلى بلاد رازح، والعسكر يقبضون ~~منهم المطالب، ويجرون عليهم ما كان عليهم من المراتب، فمنعوهم عن تنفيذ ما ~~طلبوه، ولم يمتثلوا لما أمروه، وقالوا: لا نسلم إلى صاحب صعدة، ولا نرضى ~~أحدا يأتي إلينا من عنده. وقال خولان: خطوطه عليه شاهدة ms207 برفع مطالبنا، وما ~~وضعه لنا، فلم يقررهم أصحاب[199/أ] علي وقالوا: لا بد من التسليم منكم، لما ~~به أمرتم، فقالوا: هذا السيف بيننا وبينكم، فاقتتلوا وراح من الجانبين ~~نفوسا، وردوا أصحاب علي يؤوسا، فلما أن بلغ علي قصدهم، ودخل قلعة رازح. ~~وعيال المتوكل إسماعيل بن القاسم قد كان استراحوا بهذا الصد منهم، والمنع ~~لهم، لما في نفوسهم وقالوا: تلك البلاد لحسن صنوهم، والمهدي أحمد قالوا: ما ~~كان ينبغي منه تخلية علي يتولاهم، ولكل منهم هوى والميل لمحبة الرياسة من ~~الجميع، والمنافسة في هذه الدنيا وهو عين المحق عليهم، مع اختلاف نياتهم، ~~فإن نيات الملوك مؤثرة في رعاياهم وبسببها يعود المحق عليهم. # وفي أول يوم شهر الحجة رحل أحمد بن الحسن من قاع الرقة إلى الروضة، وكان ~~قد لقاه صاحب صنعاء محمد بن المتوكل وغيره اليوم الأول إلى الرقة، وعادوا ~~بيومهم، وأحمد بن الحسن دخل صنعاء من الروضة من باب السبحة مجردا ، بعيد ~~شروق الشمس. # [199/ب] وفي شهر الحجة العشر الأولة انتهبت دهمة من برط بعض حمولة خارجة ~~من صعدة يقال: ستة أحمال، وغزوا إلى الجوف، أطراف بلاد معين، انتهبوا على ~~أهلها إبلا، قيل: وذلك بأمر السيد الغرباني إمامهم، فهو الذي أفتاهم بذلك ~~وأغراهم، ولا يخفى ما في السعي لانتهاب أموال المسلمين والمساكين من الأمر ~~العظيم، فلا قوة إلا بالله. # وفي شهر القعدة مات السيد حسن الحرة، صاحب عدن. # وفي هذا الشهر طلعت القمر ليلة سابع عشر من الشهر حمراء، ظن كثير من ~~العامة أنها خاسفة، فالحكمة لله تعالى. PageV01P556 # وفي هذه الأيام ظهرت زلازل في بلاد ريمة وأصاب وقعار وحراز، لم تظهر في ~~غير هذه الجهة، فالحكمة لله تعالى. # وكتب القاضي محمد بن علي قيس إلى صاحبه قاسم صاحب شهارة رسالة يعظه ~~وينهاه عن الجور في بلاد الشرف، لما استفاض الجور فيها مما تضرر منه أهلها، ~~وهذا من عجائب أحوال الزمان، فإن القاضي كان قد بايعه ومال إليه وغلا فيه ~~وشهد بإمامته، ثم شاهد بعد ذلك ما شاهد من الخلل والجور الذي ms208 هو رأس ~~الإمامة في القول والعمل. وزال بسبب ذلك مع أهل تلك البلاد بعض الاعتقادات ~~في السيد قاسم الأولة، وزال بما رأوه من الذي نالهم منه العقائد الماضية. # وأحمد بن الحسن لما بلغه ما جرى من آل دمينة من برط من النهب للقافلة من ~~العمشية تغير خاطره، وبعث إليهم برسالة يتوعدهم فيها. # [200/أ] وفي هذه المدة قد كان تقالل السرق بصنعاء من السراق، ثم تحرك، ~~فسرق حانوت في السوق، ثم بعده ثلاثة بيوت، فتربص الحراس بصنعاء إلى دخول ~~السرق بيتا، ثم أجمعوا عليه من خارجه مع زيادة من العسكر، فحازوه حتى لم ~~يتمكن السراق من الهرب، فسلموا أنفسهم وطلبوا الأمان، فوجدوا اثني عشرة ~~رجلا عشرة من الحراس واثنين من السرق الذين يقال لهم بنو الرعدي من بني ~~قرمان من سنحان. وقد تكرر منهم السرق، فحبسهم والي المدينة، ولم يقم عليهم ~~الحد فيما قد سرقوه، وكان هو الواجب شرعا عليه فيما فعلوه. PageV01P557 # وفي غرة شهر الحجة وصل الخبر إلى صنعاء بالأمر العظيم الجاري بالمسجد ~~الحرام كعبة الإسلام، ومحل الأمن والإحسان، والقبلة التي فرضها الله على ~~الأنام، وذلك أنها أصبحت في بعض تلك الأيام وإذا في جدرانها وبابها الشريف ~~وأركانها ومطافها وزمزم ومقام إبراهيم وسائر المقامات للحنفي والشافعي ~~تلطيخ النجاسة، التي نزهها الله عنها وشرفها وطهرها من الوسخ والغائط، فلما ~~أشرف الصباح وظهر ما فيها من تلطيخ تلك الأوساخ، حملت الحمية العينة التي ~~فيها من العسكر الإنجشارية وقتلوا فيها قدر ستة أنفار وجدوهم فيها من طائفة ~~العجم، وحصل فيها بعد ظهور القتل من أهل مكة الخوف والاحتياز بالبيوت، ~~فأغار سائر أصحاب الشريف، وبلغ الخبر إلى جدة، فأغار أميرها إليها. وكان إذ ~~ذاك الشريف بركات متولي مكة غائبا في بلاد نجد، فلما بلغه ذلك الخبر بعد ~~حصول ذلك الواقع وصل إليها وقد انصرم ذلك الأمر الذي جرى فيها، فسكنوا فيها ~~الأمر وأمنوا طوائف العجم الذين بها من الإثني عشرية، ولم يعرف بحقيقة ~~الفاعل بذلك الأمر، فمنهم من يقول: من القرامطة[200/ب] ومنهم من يقول: ms209 لعله ~~من اليهود، ومنهم من يقول: من النصارى. وأما العسكر فقالوا: هم العجم، وهو ~~يبعد ذلك منهم، لأنهم من المسلمين ما يفعل ذلك إلا من كان من الكافرين، وإن ~~فعل ذلك أحد من المسلمين فقد كفر به وخرج عن الإسلام بعمله. # وعلى الجملة فإن ذلك الأمر عظيم، وفعل جسيم، فلا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم، ما قد جرى مثله، ولا اتفق فعله، والسلطان إذا بلغه ذلك يتغير منه، ~~وكل مسلم من المسلمين، ومن يتق الله رب العالمين. PageV01P558 # إلا أن الراوي روى أن هؤلاء الذين وجدوا صبح ذلك اليوم الذي ظهر فيه الحادث ~~في المسجد ستة نفر من الرافضة العجم، فأخرجوهم إلى باب العمرة وقتلوهم فقد ~~يمكن أنهم الفعلة فإن القرامطة أحد فرق الرافضة، ويظهرون الإسلام في ~~الجملة، وأصلهم من طوائف العجم أو من غيرهم، والله أعلم بحقيقة حالهم، فقد ~~روى بعضهم أنهم وجدوا هؤلاء الرافضة الذين قتلوهم في أيديهم أثار القذر. # ويحتمل أن يكون الفاعل من النصارى، فأما اليهود فهم كما قال الله ~~تعالى:{ضربت عليهم الذلة والمسكنة } ولأنهم يعظمون البيت الحرام في كتبهم؛ ~~ولأن النصارى من الفرنج قد دوخهم السلطان ودمغهم بأخذ مالطة، وهي قاهرة ~~لبلادهم وكسر ثائرتهم وشوكتهم وقتلهم وشردهم، لم يبق لهم قدرة على شيء من ~~النكاية للإسلام. وقيل: إن السلطان كسر صليبهم في بلادهم، ففعلوا هذا لأجل ~~ذلك، نكاية للإسلام. # ثم بلغ مع بعض الحجاج في السنة الثانية أن الفاعلين لذلك من النصارى، ~~وظفر بهم في المغرب الجوان لما تحدثوا هنالك بما فعلوه، فقتلوا، والله أعلم. # واليهود في اليمن هذه الأيام صاروا في حيص بيص من أمر المهدي أحمد بن ~~الحسن بإخراجهم من اليمن، مع ضعفهم والشدة والقحط العام بالمسلمين وبهم، ~~والأمر بإخراب كنيستهم بصنعاء، فصار محمد بن المتوكل يراجع عليهم، والرجل ~~مصر في شأنهم، واعتل بأن المتوكل قد كان يريد ذلك فيهم مع فتوى أحمد بن ~~صالح بن أبي الرجال، والتحريض منه بنفيهم، وكذلك يحيى بن الحسين بن المؤيد بالله. # وفي هذه السنة اعترض المهدي أحمد ms210 بن الحسن بعض الفقهاء في التمشية وقال: ~~لو كان واجهت في مصالح المسلمين وقضيت الغرض كان أقدم، فهز رمحه عليه ~~[201/أ]وقال: هذا جوابك، فسكت الفقيه، والتمشية لا تنافي المصلحة مع إبلاغ ~~الجهد في القيام بأحوال الناس. PageV01P559 # وفي آخر شهر الحجة خرجت قافلة من بلاد حيدان، الطريق الغربية في العمشية، ~~وفيها طعام وغيره قدر أربعين حملا، فلما وصلت إلى حدود بلاد عذر قاصدين ~~طريق الهجر انتهبها قبائل سفيان والعصيمات. # وفي هذه الأيام اعتذر يحيى بن حسين بن المؤيد بالله محمد بن القاسم بن ~~محمد بن علي عن ولاية بلاد يريم، وقال: إنها ما قامت به وخدمه وأهل بيته ~~وأصحابه، وأن فيها مقررات كثيرة، ثم لم يلبث إلا نحو أربعة أشهر ورجع إلى ~~طلبها من المهدي، وشرط على المهدي ترك التحويلات والطوارئ من أهل المطالب، ~~وإسقاط بعض المقررات، فساعده إلى مطلبه وأرجع ولايتها له، بعد أن كان ~~المذكور حلف الأيمان لا تولاها، وحلف بطلاق زوجاته وإعتاق عبيده كما رواه ~~الرواة عنه، واقتصر في هذه الولاية الثانية على خواصه. ولم يرجع العسكر ~~الذي قد كان في الولاية الأولة جمعه، وكان يجتنب صلاة الجمعة في صنعاء، ~~ويخرج إلى الجراف أو نحوه يتغافل عنها؛ لئلا يحضرها، ثم حضرها بعد هذه ~~الولاية الآخرة . PageV01P560 ### | ودخلت سنة تسع وثمانين وألف # استهلت بالثلاثاء، والأسعار في الشدة والغلاء: القدح الحنطة بسبعة حروف، ~~والذرة بخمسة، والشعير بأربعة[201/ب] والشبكة التبن بسبعة، والرطل السمن ~~بستين بقشة، واستوى هذا السعر في جميع اليمن، إلا أنه قد ينقص حرفا ويرجع إليه. # ووصل بعض شيء من الطعام من بلاد الحبشة، لما بلغهم الغلاء، فدخل إلى ~~اللحية وغيرها واستمر هذا السعر إلى آخر هذه السنة، إلا أنه استقر من بعد ~~على الثلاثة الحروف للشعير، والذرة إلى أربعة، والبر إلى خمسة؛ وسبب ذلك ~~قلة أمطار الخريف، فكانت ثمرة الصراب ضعيفة. # وفي خامس هذا الشهر وصلت كتب الحجاج إلى اليمن يخبرون بأن الحج كان ~~مباركا، وأن السعر الكيلة المكية بعشرة كبار مصري، والخارج من الشام ومصر ~~والعراق العادة، والشامي ms211 أقوى من المصري والعراقي. وخرجت أوامر من السلطان ~~إلى الشريف بركات أنه يخرج من مكة، ويكون استقراره بالحجاز؛ لأجل قبائل ~~عنزة، فخرج عن مكة بعد أن أراد الاعتذار، فلم يعذره، وأخرج أهله وحريمه ~~وخزائنه وأكثر عساكره، وجاء الخبر بعد ذلك بأن الزوار وافقوهم في المدينة، ~~وحصل مع الشريف أوهام من ذلك الأمر بالخروج من مكة، وإن كان ظاهره لإصلاح ~~الطرق، لكنه كان العادة لوالي مكة الاستقرار بها، ويكفيه غيره في تلك الجهة. # وجاء خبر وفاة الوزير الأعظم للسلطان بالروم وأقيم آخر في مقامه، ولما ~~بلغ محمد بن سليمان الذي كان انتصب بمكة بتصريف المقررات، وكان المولي له ~~ذلك الوزير خرج عنها إلى المدينة النبوية، ولعله يرجع بلاده، إذ هو من بلاد ~~فاس بالغرب الجوان، وهو من أهل العلم والعرفان. # وفي هذا الشهر طلع السيد جعفر بن مطهر الجرموزي متولي العدين، واطلع معه ~~حمولة للمهدي قريب ثمانين حملا، وطلع في أثره جماعة من مشائخ العدين يشكون ~~على المهدي من كثرة المطالب، فاستبقى المهدي جعفر عنده وزلجهم. PageV01P561 # واشتد الغلاء في الأسعار والقحط في بلاد عمان لأجل الجراد، وضعف الثمار. # وفي آخر نهار السبت سادس وعشرين شهر محرم عند الغروب توفي بدر الدين ~~الأمير محمد بن أحمد بن القاسم بوطنه ومحل ولايته الروضة، قبلي صنعاء، ودفن ~~بها عند جامعها الذي من مآثر والده . وكان علته ورم برأسه وقروح ظهرت ~~بوجهه، وكان ابتداء علته من الطريق حال رجوعه مع المهدي من الجهات الشامية، ~~وكان دخوله صنعاء[202/أ] عقب وصوله تكلفا منه، ثم لما عاد إلى الروضة انقطع ~~مريضا، وأقعد في داره أليما، وانطفئ ملكه، وتحول أمره، بعد أن كان لهجا في ~~الولاية، وطامعا في الزيادة، لما كان معه من البلاد الأولة، لتمكين ~~الرياسة، فغلبت عليه الأقدار ولم يظفر من مقصده إلا بمخالفة إرادته، فإنه ~~كان طالب أحمد بن الحسن أول إمرته وقيامه في ولاية حجة، فوضع له ولاية، ~~واستراح بذلك بعض الاستراحة، وحسب أن ذلك هو البغية المقصودة، والحاجة ~~المطالب فيها المرغوبة، وموانع الأقدار تعمل ms212 في عدم الهناء بذلك الذي صار. ~~وأول حاسد له ومعاند أخوه عبد الله بن أحمد بن القاسم الذي من جهة صعدة، ~~فإنه لما عانده أخوه علي بن أحمد وغلبه على أمره واستضعفه ومنعه أيس عن ~~ولاية في الشام، ولم يبق له طوالع الأمل إلا فيما كان قد عرفه من حال قيامه ~~مع صاحب شهارة وصهارته له. وكان صاحب شهارة تلك الأيام قد بعثه في مقادمته ~~رئيسا إلى حورة بحجة، فلما انعكست على قاسم أموره، ولم يتم لها مقصوده، كما ~~سبق ذكره، وصل عبد الله بن أحمد مواجها[202/ب] إلى المهدي بعد فتحه لشهارة ~~كما تقدم إلى ذكره الإشارة. وكان قد نظر إلى حجة، وعرفها هذه المدة، مع ~~تهالكه في الولاية والرياسة، فما زال يعمل الحيلة والتزويف للمهدي في أن ~~يبعثه إلى عمل في حجة، فاتفق من المقدور أن ساعده أحمد بن الحسن المهدي على ~~العزم إلى تلك الجهة، وأنه يمنع صنوه محمد بن أحمد عن إمتداد اليد، لا يكون ~~له منها إلا ما عينه، وقيل: بل محمد بن PageV01P562 المتوكل عرف أحمد بن الحسن في أن عبد الله بن أحمد تصلح ولايته لحجة ونظره ~~على بعض منها لكون محمد بن أحمد استأصلها، ولا يدفعه إلا مثل ذلك الرجل ~~كونه أخاه. وقيل: إن المهدي انثنى عن ولايتها لمحمد بن أحمد، وأن هذا صنوه ~~أرسله مناصبا له، ومانعا من تصرفه فيها، فأول ما جرى من المذكور وقد معه من ~~الظفر والسرور، بالطمع في ولاية ذلك المخلاف المشهور أن قبل صاحب الدفعة ~~لما سار بها إلى جهة محمد بن أحمد، ولم يتبع أمره، وأخذها عليه قبله، ~~واستقر بمبين، واسترسل في الآداب وجرت اليد على الرعية، واليد القوية، ~~فأوجسوا منه خيفة، وقالوا: هذا بلية، لما كانوا آلفين من السادة بني جحاف ~~من البرارة، والمسايرة لهم على الصفة المعقولة، العادة الجارية معهم ~~المقبولة[203/أ]فكان المذكور كذلك في تلك الجهة منهم يقول: إنه متولي، ~~ومنهم من يقول: هو مأمور بأوامر، وأن الولاية باقية لابن جحاف، وهو الثابت، ~~ولكنه زاحمه ms213 المذكور في سياسات البلاد والمشكى والآداب، فصارت بلاد حجة ~~متشاجر فيها بين المذكور وبين واليها، وبعض إلى محمد بن أحمد منهارة ~~أعمالها، مختلف أحوالها، متضرر من ذلك أهلها. وأحمد بن الحسن قد كرر الطلب ~~لعبد الله بن أحمد المذكور وصار يواعده ويماطله. # وكان تحويل السنة الشمسية بدخول الشمس أول درجة الحمل في تاسع وعشرين شهر ~~محرم، والمريخ والمشتري في برج الحوت، وزحل في الجوزاء، والزهرة وعطارد في ~~الحمل، وكذا القمر. # وفي هذه الأيام بآخر شهر محرم انتهب في العمشية بعض القافلة الخارجة من ~~صعدة، وتركوا الحديد والجلود، واشتغلوا بالحاصل والنقود، وهاجت تلك القبائل ~~بين صعدة وشهارة من دهمي وسفياني وعصيمي، حتى حصل التخطف في البطنات وأطراف ~~بلاد عذر وحول حصن شهارة، لمن يختلف إليها وفي طرقها من المارة. PageV01P563 # وفي نصف صفرها وقع مطر جود على جبل نقم، فنزل سيل عظيم إلى شعوب، من وادي ~~فروة ، فعمه جميعا، ودفن غيل الروضة القديم الذي يخرج من الصفاء، ودفن ~~سائر الغيول، وخرب في شعوب بعض بيوته التي[203/ب] في الحافة مما لا يعتاد ~~خرابه، وكان هذا بفصل الصيف، وصلح بسببه ثمرة الذرة في جميع اليمن، وشرع ~~السعر ينحط، بعد أن كان قد بلغ القدح أربعة حروف. # وفي هذا الشهر حصل شجار بين أهل الديون وبين التجار، لما طالبهم أهلها ~~امتنعوا عنها بسبب فتوى أحمد بن الحسن لهم بإنظارهم إلى ثمارهم وغلاتهم، ~~وأدب المهدي المطالبين من التجار، وأجبرهم على الانتظار، وأمر القضاة بأنهم ~~يحكمون بذلك عليهم، ويجرونه فيهم. وكان القاضي محمد بن علي قيس من الجارين ~~على قول العلماء الماضين من وجوب التسليم مع المطالبة للميسرين، وأن النظار ~~إنما هو للفقراء المعسرين، فأمر ببيع العروض مما كان حاضرا للغريم، إما ~~شراه الغريم أو شرى شيئا من مال المدين بالتقويم، أو باعه في ذلك اللازم من ~~الدين، فتحامق عليه المهدي أحمد بن الحسن وطلبه إلى صنعاء. وكان القاضي قد ~~أرسل إليه برسالة فيها حجج العلماء، مثل الحديث الذي[204/أ] رواه الحاكم ~~والدار قطني والبيهقي عن أبي بن ms214 كعب بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم: ((حجر على معاذ ~~ماله وباعه في دين كان عليه)) ونحوه. فكان جواب المهدي: أنه أرسل عليه ~~وعذره عن القضاء، وهذه مسألة ما أحد قد قال بها قبل هذا المذكور، واستنكر ~~ذلك جميع علماء عصره، إلا إن الرجل ملك يريد إمرار قوله كيفما كان، وبعض من ~~لا معرفة معه من الفقهاء قال: إن السبب نزول الآية كما ذكر الواحدي يقضي ~~بقول المهدي، فإنه قال عن الكلبي ، وهو محمد بن السائب الكلبي بعد نزول ~~آية الربا، قالت بنو عمروا بن عمير لبني المغيرة: هاتوا رؤوس أموالنا ولكم ~~الربا ندعه لكم، فقالت بنو المغيرة: نحن اليوم أهل عسرة، فأخروا لنا إلى أن ~~ندرك الثمرة فأبوا أن يؤخروها، PageV01P564 فأنزل الله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } فالرواي الكلبي، وهو ~~ضعيف الرواية، ثم إنه مخالف لما رواه غيره، فإنه روى السيوطي في تفسيره عن ~~كثير من المفسرين والحفاظ أنها نزلت في الربا، ولم يذكر مثل قول الكلبي ~~أصلا، ثم إن العسرة في اللغة: الفقر، والقرآن عربي، فكيف يصح قول الكلبي مع ~~مخالفة العربية؟ ثم فعل النبي صلى الله عليه وسلم ببيعه في مال معاذ لدينه وغير ذلك من ~~الدلائل. ثم إن قد روى بعض العلماء أن هذه المسألة إجماعية أن من معه عروضا ~~أو عقارا وجب تسليمها في الدين مع المطالبة بثمن مثلها، كما ذكره النووي ~~في منهاجه وغيره، وقد روى الإجماع صاحب البحر . # وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين: ((مطل الغني ظلم )) . ولهذا الاشتباه ~~مع المهدي أحمد بن الحسن[204/ب] كان أصل الشبهة معه في مطل الديون التي في ~~ذمته لكثير من المسلمين، فكم في ذمته لهم وكم وكم!، وكانوا يشكون على ~~مخدومه المتوكل إسماعيل، فلم يقدر أن يؤثر فيه بأمره له، فاجتمعت عليه ديون ~~كثيرة أيام دولة المتوكل وأيامه، والمطل ظلم، فلا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم. PageV01P565 # وله شبهة في المطل أيضا أخرى بأنه قال لبعض المطالبين له: أنا ms215 مشتري لبيت ~~المال، فلا يلزمني لكم شيء، فانظر هذه الغفلة العجيبة، فإنه يقال له: إذا ~~كنت ولي بيت المال فهو لازم لك القضاء منه، وإلا فلم تشتري ذلك؟ والوكيل قد ~~قالوا: إنه يتعلق به الحقوق فيما اشترى لموكله، فما فائدة هذه الأعذار التي ~~لا تجدي ولا تنفع! ولكن الرجل قد أعجب برأيه، فتراه يتساهل أمر العلم، ~~ويدخل نفسه فيه، ويتشبه بتدريس أهل الدنيا الذين يحابوه على سببها ويميلون ~~إلى هواه لأجلها، ويصدرونه ويأخذون عنه وهم في الباطن يعتقدون أنه ليس ~~كذلك، إلا أنهم لما رأوا تأثير ذلك إلى بذله لهم من الدنيا وضعوا عنده ~~الكذب، وقد جاءت أحاديث أن آخر الزمان يجري مثل هذا الكذب عند الملوك، وأنه ~~يكثر الجهل ويكثر أبناء الدنيا، والواضعين للكذب عند الملوك للتوصل إليها، ~~والله يوفقنا إلى رضا رب العالمين، إلا أن المهدي المذكور لو كان اكتفى بما ~~قد أصر عليه في نفسه، ويترك معاملة الناس للناس ويكل الأمر إلى الشريعة ~~الجارية عند الحكام. وفي حديث رواه الطبراني والبزار عن سمرة قال: قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: ((سترون قبل أن تقوم الساعة أشياء تستنكرونها عظاما يقولون هل ~~كناحدثنا بهذا الحديث))، وأخرج ابن أبي شيبة عن عبادة بن الصامت عنه صلى الله عليه وسلم قال: ~~((سيكون عليكم أمراء يؤثرونكم بما تعرفون ويعملون ما تنكرون وينكرون عليكم ~~فليس لأولئك عليكم طاعة)) [205/أ]. وهو أيضا من أوائل مصير المعروف منكرا ~~والمنكر معروفا؛ لأن قضاء الدين للغريم من المعروف ومطله من المنكر، وهنا ~~قد انقلب حكمه، فصدق صلى الله عليه وسلم. وأخرج البيهقي وابن عساكر عن أبي هريرة قال: قال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((سيكون بعدي خلفاء يعملون بما يعلمون ويفعلون بما يؤمرون ~~وسيكون بعدهم خلفاء يعملون بما لا يعلمون ويفعلون ما لا يؤمرون فمن أنكر ~~عليهم برئ ومن أمسك يده سلم ولكن من رضى وبايع)) انتهى. وجعل في ذلك رسالة PageV01P566 مزخرفة بالباطل والحجج التي لا صحة لها ولا معنى، وكيف وضعها؟ منها: أنه ~~احتج ms216 بأخبار موضوعة فيها مثل الحديث الذي قال:إنه جاء في الحديث الصحيح: ~~((إذا ضيق الأغنياء على الفقراء أذن الله بهلاك القرى )) بعد أن زعم أن سبب ~~الغلاء والقحط هو إلحاح التجار في المقتضى من أهل الدين. ومن الحجج الضعيفة ~~المعلومة التي لم يعرف بها المسكين أنه جعل مطالبة أهل الدين للغريم وبيعه ~~لماله من بيع المضطر الذي نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه، وقال عن أبي داود قال: خطبنا علي ~~فقال: ((سيأتي على الناس زمان عضوض يعض الموسر فيه على ما في يده ويبايع ~~المضطرون ولم يؤمروا بذلك)). PageV01P567 # فهذا لا أصل له، وهو حديث مقلوب محرف مزيد في آخره ما ليس فيه، وإنما ~~الحديث على غير هذا اللفظ. وقال في رسالته هذه محتج على غيره، وهو حجة على ~~نفسه بقوله تعالى:{ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس } قال: ~~فبادروا بالرجوع إلى الله بالتوبة الصادقة والإقلاع عن المعاصي والتخلص عن ~~المظالم لله وللعباد، فهذا حجة عليه بتخلصه من المظالم التي عليه، وما جرى ~~منه سابقا من البغي على الإمام المؤيد والقتول واستهلاك خزانة والده جميعا ~~ولا صار ما هو لبيت مال إلى الإمام، ولا صار ما هو ملك للورثة، وما هو ~~مطالب فيه أيضا من الديون من كثير من التجار ولم يسلمها لهم، وكذلك مطالب ~~بأشياء من الجنايات التي صدرت منه[205/ب] في بغيه بغير حق وتهوره من بعد ~~ذلك في بيوت الأموال، فإن مصروف بيوته في الشهر على ما روى أربعة آلاف حرف ~~من غير الطعام والكسوات، ولو كان جزءا يسيرا لكان بيت المال يحتمله في ~~خاصتة، فأما هذا القدر فما قد اتفق لأحد قبله ولا يتفق لأحد بعده في ملوك ~~اليمن: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب أفلا ~~تعقلون} . وذكر في رسالته هذه في التتن التشديد على ولاته وقضاته في تحريم ~~بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء، وقال: ما لم يمتثل رفعوه إلينا، ~~وسيرى من لم يمتثل سيف الإنتقام بأيدينا التي هي قادرة وشدة ms217 شكيمتها لدين ~~الله القاهرة، فهذا من الجهل حيث أوجب فيمن باع الشيء بأكثر من سعر يومه ~~يستوجب القتل، مع إجماع العلماء أنه لا يستوجب ذلك في الربا المجمع عليه ~~المتفق وإنما يضرب ويؤدب، فكيف هذه المسألة! وهي بيع الشيء بأكثر من سعر ~~يومه الذي في الحقيقة القائل بأنها من الربا مخالف للإجماع إن لم يقل به ~~غير الهادي، وإجماع كافة العلماء أنها ليست من الربا. ثم ذكر التتن فقال: ~~التتن من المضار في الأبدان، PageV01P568 ومن القبائح المفسدة والمانعة عن الأديان، واجتناب ذلك واجب، فمن يرجع ~~إلينا ويعول في أمر دينه علينا فليترك ذلك ولا يقاربه، فمن لم يمتثل فقد ~~برئ منا وبرئنا منه، انتهى. # فانظر وأعجب من هذا فإني لما ذكرت له ما وجه تحريم التتن فلم يجد حجة، ~~فقلت له: مكروه، ولا دلالة على التحريم، فقال : نعم مكروه. # [206/أ] وفي هذا الشهر بعث الملك المهدي كتبا إلى اليمن الأسفل بأن التتن ~~يترك إطلاعه إلى البلاد العليا، وأنه يرجح التحريم لتلك الشجرة المباحة ~~التي توهم فيها من توهم ممن يعرف المعرفة التامة، فما كاد يتم به أمره كل ~~التمام، ولا امتثل له أحد فيما أمر به ورام؛ لأن الحلال بين، والحرام بين، ~~والله غالب على أمره، لا يمكن أحد أن ينفذ أمره في المخالفة لإجماع ~~الإسلام، والأقوال الشاذة شاذة تضمحل فيها الأحكام. # وفي هذه المدة بشهر صفر ما زال التخليط في البلاد الشامية في طرقها وعدم ~~انتظام أمور ولاتها وأمرها ونهيها، وتفرغ الحرامية للنهب، خصوصا العصيمات، ~~ومن إليهم من أهل الحرامات، فاستباحوا تلك الجهات. والقاسم عند ذلك صاحب ~~شهارة أظهر بعض ما كان عليه من دعوته وعلامته إلى من كان يجيبه من أهل ~~نصرته، فيكتب إليهم بالمنصور، وأما إلى غيرهم فبالقاسم، ومن كان بايعه ~~أوأجابه لا يسميه إلا بالمنصور. PageV01P569 # وحجة ظهر فيها تغلب عبد الله بن أحمد، وامتنع عن الوصول إلى المهدي. وزيد ~~بن علي بن يحيى بن المؤيد لما استقر بظفير حجة أمر ونهى، وأدب وتصرف في ~~مخازين الوقف ms218 لمن شاء، وقبض من زكاة أهل الظفير ومخلافه، وتصدر فيه للمشكى. ~~واتفق هو والقاضي مهدي ووافق غرضه، لما كان حصل مع القاضي من أهل[206/ب] ~~الظفير من الحاصل الماضي، فحصل مع مشائخ الظفير التضرر من ذلك الأمر ~~الصادر، ومازال عنهم من المصالح في الزمن الغابر؛ لأن مثل الأداب اليسيرة ~~كان النظر لهم فيها في بلدهم، وما استحسنوا مخالفة المذكور بمنعهم، ثم بعد ~~ذلك لما كثر أهل الظفير الشكوى به أرسل له المهدي من يطلعه، فطلع إلى ~~حضرته، سكن عنده حول سنة، ثم زلجه وشرط عليه أن لا يحصل منه تعرض إلى ما لا يعنيه. # وفي هذه الأيام تفوه المهدي بأن البلاد قد تقسمت مع عيال المتوكل، والأمر ~~كذلك، ومحمد بن المتوكل وأخوته لا يسمحون بشيء يفوت عنها، بل قد زاد لعلي ~~بلاد تعز، وهم إذا انتقص عليهم شيء لم يسامحوه ولو أدى إلى الخلاف عليه ~~عندهم، كما أنه مع والدهم لو نقص عليه مما وضع له المتوكل شيئا خالف عليه، ~~فكان ذلك من عجائب الدنيا والتعارض فيما بينهما، فلا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم. # [207/أ] وفي ليلة سادس عشر شهر ربيع الأول خسفت القمر طلعت خاسفة بالرأس ~~في برج العقرب بحمرة، طمستها جميعا، ثم تعقب الحمرة سواد، فالحكمة لله، ~~وقيل: إنها أكسفت عقب طلوعها بسرعة بنحو درجة. PageV01P570 # وفي هذا الشهر هرب جماعة من عسكر علي بن المتوكل من تعز إلى حضرة محمد بن ~~أحمد المهدي إلى المنصورة في جملتهم خيل وأعيان أصحابه، وشكوا تقاصر ~~أحوالهم، وأن علي بن المتوكل قال: ما يسلم لهم من الجامكية إلا النصف، ~~فأنصفهم وقررهم عنده وأوفاهم بجوامكهم، وأخذ أيمانهم أنهم منه وإليه مع ~~الوفاء لهم، فضاق علي بن المتوكل من ذلك. وهرب من عند محمد بن المتوكل أيضا ~~جماعة عسكر إلى حضرة المهدي في هذا الشهر لعدم العدد لهم من جملة أهل حضرته ~~وهم أيضا أعيان عسكره وجمهورهم، فقررهم وعد لهم المهدي وقال لهم: هم منه ~~وإليه، فتغير أيضا محمد من ذلك الأمر. # وفي ms219 هذا الشهر كتبت إلى محمد بن الإمام، لما حصل بعض ظن بقبول الكلام ~~الشفاعة في تخفيف مطالب اليمن الأسفل، فقلت فيه ما لفظه: لا يخفاكم كثرة ~~مطالب اليمن الأسفل، والولاة صار عذرهم التشديد عليهم في عدم نقص المرسوم ~~من الدفعات، وهي قد زادت على المدة السابقة في زمن شرف الإسلام الحسن بن ~~الإمام القاسم بقدر النصف، فالأولى الرجوع إلى الأصل المتقدم، مع أن ~~الأولين كانت أحوالهم متكافئة، والبركات معهم والرعايا متكاثرة، فإذا أمكن ~~سعيكم في حط[207/ب] نصف المطالب فهو الواجب، ولقد بلغ أن من جملة المطالب ~~مطلبة الصلاة، فإذا قيل للجاهل صل قال: قد سلمت دراهم الصلاة. ومنها مطلبة ~~أدب التتن، مع أنه يؤخذ فيه الزكاة، فهذه مناقضة، ثم بعد ذلك افتقاد فقراء ~~كل جهة يصير إليهم من كل بلد ومن كل وال بقدر حالهم، ولا يلجأوون إلى الطلب ~~كما كان يفعله الأئمة المتقدمين مثل الهادي وشرف الدين وغيرهما، ويستمر ذلك ~~على الوجه الذي فيه الهنا، والله يصلح أحوال المسلمين، ويجمع أمورهم على ~~الخير ورضا رب العالمين. PageV01P571 # وفي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) كما ~~في السنن لأبي داود وغيره، وحديث الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا توكى فيوكى ~~عليك )) والله أعلم، انتهى بحروفه. # وكتبت إلى الملك الزاهر بن الحسن بكتاب أيضا نحو هذا، وذكرت له التخفيف ~~على اليمن الأسفل والعدل، لتحصل رحمة الله بالمطر وصلاح الثمر، وذكرت ~~الحديث: ((ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)) وأنه ينبغي رفع الزائد ~~على ما كان في زمان والدكم شرف الإسلام الحسن، ويبقى الأصل أو يزاد عليه ~~اليسير مما يحتمله الرعايا، ويسقط الزوائد، فإنها زائدة النصف على ما كان وأكثر. # وفي آخر شهر ربيع الأول وقع قران الزهرة والمريخ في برج الحمل في سابع ~~وعشرين الشهر المذكور . # وفي هذه الأيام جمع محمد بن المتوكل كتب والده فجاءت ثلاثة عشر ألفا، ~~وقسم منها بعضها مما وجد فيه رسم والده، رأيت ms220 وصايا والده، أول وصية ~~بوقفها، ثم رجع عنها في وصية أخرى، ثم جعلها في آخر وصية للمصالح وأطلق، ~~وإنما استحسن ولده إخراج ما هو مرسوم. وكان فيها كتب الإمام القاسم، وهي ~~ثمانمائة، وهي وقف ذرية اختلطت بكتبهم، ولم ينتفع ورثة الإمام القاسم منها ~~بل ذهبت مع المتوكل، فإن الفقيه حسين بن محمد قيس خزان الإمام المؤيد بالله ~~بشهارة ذكر أنه قبضها المتوكل جميعا من خزائن المؤيد بالله بشهارة، فهي بين ~~كتبه، ومات وهي في يده، وبعضها لورثة القاسم مطالبون فيها وهي معهم غير ~~نازلين فيها، والله الموفق. # [209/أ] وفي هذه المدة عارض قصيدة البردة في مدح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الفقيه مطهر ~~بن الحسين بن عبد الله مسعود بقصيدة حسنة، ما قصر فيها، وشرحها شرحا وافيا ~~بعقودها ولغتها وإعرابها ومعانيها وبيانها، ومستهلها قوله: # يا حادي الركب عرج نحو ذي سلم # عسى يوافيك أهل البان والعلم # ومر سلعا ولا تخشى وقيت أذى # فيه وسل عن بدور الحي في الأكم PageV01P572 إلى آخرها وجملتها ثمانية وثمانون بيتا، استطرد فيها معجزاته صلى الله عليه وسلم، وشرحها شرحا ~~بديعا، وقرض هذا الشرح الذي هو في مجلد الفقيه محمد بن حسن الحيمي بقوله: # إن ترد مطلبا رفيعا كريما # وكلاما منظما تنظيما # ورياضا فيها زهور وربيع # من بديع يشفي الفؤاد الكليما # فتأمل هذا الذي ألف الندب # وكن بالذي حواه عليما # إلى آخرها وسمى ناظم القصيدة المذكورة (المطلب الرفيع في شرح أزهار ~~الربيع). # وفي ربيع الأول حصلت زلزلة في ضوران، فلله الحكمة. PageV01P573 # وفي شهر ربيع الثاني أزال محمد بن المتوكل قبال سوق الحب بمدينة صنعاء كان ~~عليه كل يوم أربعة عشر حرفا، فأزالها، ولم يبق إلا أجرة الكيالة أجرة المثل ~~قرش على القدح.............. من غير دراهم، وقبال على الكيالة، ليحصل بذلك ~~الصيانة وإزالة المظلمة. وقد زادت القبالات في الأسواق[209/ب] على ما كان ~~في دولة الأتراك زيادة كبيرة، كان على سوق الحب في دولة الأتراك في كل يوم ~~حرف واحد وللكيالين أجرتهم قدر ثلاثين كبيرا وعشرة كبار ms221 لشيخ السوق، وكذلك ~~سائر الأسواق بصنعاء هذا القدر وأقل منه. وكان سوق الحطب عليه في دولة ~~الأتراك مائة بقشة، والآن عليه كل يوم أربعة عشر حرفا فأكثر، لا قوة إلا ~~بالله، والعدل كان هو الواجب على هذه الدولة، فإنهم يقولون: إنهم ينهون عن ~~المنكر والمظالم، فأقل حالة أن يردوا ذلك إلى ما كان زمن دولة الأتراك، ~~فأنه عدل كبير لو فعلوه، أو إلى ما كان أول دولتهم، وكان هذه الزيادة ~~أكثرها من سنة سبعين وألف في المطالب، وإلا فإنها كانت قبل أقل. زادت على ~~أول الدولة هذه بمثل النصف، وزادت على دولة الأتراك مثل ثلاثة أرباع، ~~والبلاء في هذه المظالم إنهم صاروا يرضون بمن يزيد في القبال ويتوهمون أن ~~ذلك مصلحة لهم، ولا يعرفون أن الذي يزيد هو يزيد على الناس في المظلمة من ~~هؤلاء المتقبلين والولاة، فلو كان حسموا جميع ذلك وأخذوا المطالب المعتادة ~~في جميع اليمن الأعلى والأسفل ليحصل العدل ويزول الجور، كان هو الواجب عليهم. # وفي هذا الشهر بيوم السبت[210/أ] رابع عشر الشهر المذكور خرج المهدي من ~~الغراس إلى شرع بالرحبة مما يلي بلاد الخشب، فبات فيه وأمر حال خروجه من ~~الغراس بتحريق التتن الذي فيه، وتكسير المديع على ساكنيه، فلما بلغ ~~المتسببن بصنعاء من البياعين للتتن خبوه في البيوت، وخافوا عليه الفوت، ~~وغلاء سعره على ما كان قبله حتى بلغت الأوقية إلى ثمانية كبار سبعة كبار. PageV01P574 # وفي نصف ربيع الآخر مات محمد صالح، الطبيب العجمي الإمامي الإثني عشري ~~الرافضي بصنعاء،كان المذكور محترقا رافضيا غاليا، سبابا للصحابة رضي الله ~~عنهم، قال: وأصله من الجيل والديلم من بلاد العجم، قال: وتلك الجهة قد ~~صار أهلها رافضة اثني عشرية بعد [أ[ن] كانت زيدية ناصرية في الزمان القديم، ~~وأنه على دين أصحابه في الرفض، وكان يستريح لمن في اليمن من الزيدية ~~الجارودية؛ لأن الجارودية يوافقون الرافضة في القول بالنص الجلي في علي، ~~ويتحاملون على الصحابة رضي الله عنهم، ويذم الواقفية من الزيدية الذين ~~يتوقفون في المشائخ. # قال مرة لواحد منهم: ms222 لا بد أن تقول: الإمام علي وغيره من الصحابة ليس ~~كذلك، أو تقول: المشائخ أئمة كمذهب أهل السنة، ولا واسطة كما لا واسطة بين ~~درهم مليح ودرهم نحاس، أين الواسطة بينهما؟ فانقطع ذلك وغلبه بالحجة[210/ب] ~~لأنه لا واسطة، بل خلفاء أو غير خلفاء، وكان قد بلغ في السن على قوله فوق ~~مائة سنة، وأقعد آخر مدته، وكان لا يستر مذهب الرافضة، مرة قال: إمام اليمن ~~إسماعيل بن القاسم غير إمام عندهم، وإنما هو سلطان ملك وأمير كما أن الشاة ~~عندهم كذلك؛ لأن الأئمة إنما هم اثني عشر لا غير، وكان لا يغسل رجليه ~~بالماء للوضوء للصلاة بل يمسحهما من غير خف على مذهب الإمامية، وكان يقول: ~~إنه طبيب فيقصده بعض الناس فيطلب منهم دراهم كثيرة إن سلموها وإلا قال: ما ~~عنده شيء أو فعل له من الدواء ما يزيد في علته، قاتله الله. PageV01P575 # روي أن مرة تداوى عنده رجل كان اسمه عمر، فأشار عليه من شار أنه إذا سأله ~~عن اسمه فيقول: محمد؛ لئلا يفعل له ما يضره لكراهية التسمية بعمر، فداواه ~~حتى برئ، ثم جاء آخر فقال: يداويه بمثل ما داوى عمر فقال: من هو عمر؟ اسمه ~~محمد قال: بل اسمه عمر فأرسل له بمعجون يهلك منه، وقال له: بقي فيه بقية من ~~ألمه يستعمله، فاتفق أن وضعه الواضع في بيته أكلته شاه، فهلكت في الحال، ~~وهذا من شدة خبثه، قاتله الله، وسلم الله ذلك الرجل. # وفي هذه الأيام ظهرت ضريبة الملك الزاهر المهدي، وهي ذهب أحمر في حجم ~~الدرهم جعل صرفه بحرف، من العددي من حساب الدينار سبعة حروف وليس بذهب خالص ~~بل فيه غش فضة، وكذلك قطعة فضة في حجم ربع القرش جعلها بصرف حرف من العددي، ~~وسماها ربية، وكتب في وجهها: ((لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ~~خليفة حقا المهدي لدين الله)) وما أحد تقدمه في هذه الضربة باليمن أصلا ولا ~~في هذه الكتابة، ولكنها اضمحلت بسرعة، وزاد غلت الأسعار بسبب هذه الضربة، ~~وزيادة ms223 القدح قدر الثلث فأكثر. # وفي آخر شهر ربيع الآخر وصل عبد الله بن أحمد بن القاسم من حصن مبين بحجة ~~لما تكرر طلبه من المهدي، وشدد عليه وتوعده إن لم يجيء. # ووصل السيد أحمد بن إبراهيم المؤيدي من بلاد صعدة. # وفي شهر جمادى الأولى جاءت جراد من المشرق من بلاد عمان، وأخبروا بأن ~~بلاد عمان حصل فيها قحط، وغلاء وجراد في شهر جمادى الثاني. # [211/أ] وحصل في أول هذا الشهر قران الزهرة والمريخ في برج الجوزاء، ~~وكذلك قران زحل والمريخ في آخر برج الجوزاء أو أول السرطان. PageV01P576 # وفي هذه الأيام أظهر القاسم بن المؤيد أنه يسير إلى صعدة، ثم إنه بقي يقدم ~~رجلا ويؤخر أخرى، وهو إن كان علي بن أحمد يساعده ويعاونه فعل إن له هناك ~~نفس، وإلا فإن البلاد لغيره. واضطر إلى أنه يقدم كتابا إلى صاحب صعدة، ~~فأرسل صاحب صعدة بكتابه إلى الملك المهدي أحمد بن الحسن، فلما بلغ قاسم ذلك ~~فتر عزمه وخاب أمله. # ووصل في هذا الشهر والي حجة السيد علي بن حسين جحاف، فاستخف المهدي ~~بجنابه، ولم يتلقاه عند وصوله ولا وافقه، بل خرج له بعض أولاده، ولم يوافقه ~~إلا في اليوم الثاني في المجلس العام للقاصي والداني، ووصل بشيء من ~~الدراهم، فاستقلها فزاد مثلها. # وفي آخر هذا الشهر تفضل الله بالأمطار العامة في وسط الخريف، فصلحت ~~الثمار. # ووقعت صاعقة بذهبان أصابت سيدا من بني المؤيد، وكذلك بسعوان أصابت ~~امرأتين، وكان في المطر شدة ريح اقتلعت سيالة كانت خارج باب اليمن، وأخربت ~~حدرات، وساق ذلك المطر إلى أقاصي المغرب وعم المشرق والمغرب، فلله الحمد. # وحصل نكتة من بعض أولاد محمد بن أحمد بن القاسم بالروضة[211/ب] ومعهما ~~المهتدي الهندي الشاعر يسامرهم وينشد أشعار المجون لهم، فبلغ المهدي ~~أعمالهم وعادتهم أمر عليهم عسكرا للقبض عليهم. وكان قد وقع منهم تعد على ~~ساقي الغيل في الليل وهم سكارى وجناية فيه وهم ثمالى، فوجدوهم العسكر على ~~الشراب وغيره من الفواحش والإنكار وقبضوهم وكتفوهم، وساروا بهم إلى الحضرة ~~المهدية، ms224 فكبلهم في الحديد وأمر بهم حصن ذمرمر للتشديد، وحبس البغية التي ~~كانت تسامرهم، وهرب المهتدي. PageV01P577 # وفي رجبها مات القاضي أحمد بن علي العنسي الأصل ثم العياني ثم الصنعاني ~~ببيته بير العزب غربي صنعاء، وقبر بخزيمة، وكان عارفا بالفقه لا غيره من ~~فنون العلوم، فلم يكن له فيه معرفة ولا لمسه، إنما كان فقيها بحتا، مقررا ~~للقواعد لا يميل عنها على قاعدة المذهب، ودخل آخر مدته في بلوى القضاء. ~~ولما مات المتوكل إسماعيل وقام بعده أحمد بن الحسن لم يقل بكماله، ولا ~~اعتقد إمامته، ولا حضر الجمعة في مدته. # وفي جمادى الآخرة مات الشريف لطف الله بن علي بن لطف الله بن مطهر بن شرف ~~الدين بالروضة وهو في الخريف، وكان المذكور له معرفة وبعض مشاركة، ولكنه ~~كان جامد القريحة بعيد الهمة، بحيث أنه أسمع بعض الجزء الأول من (صحيح ~~البخاري) على بعض الواصلين إلى صنعاء من دمشق، وهو الحاج محمد كزبر مدة سنة ~~كاملة، ولم يبلغ إلا إلى صلاة الجماعة، وهذا شيء ما قد اتفق في قراءة فيما ~~علمناه، وسبب ذلك أنه يعسر عليه الإملاء ويتلكأ فيه ويختل عليه ~~مجاريه[212/أ]؛ ولأن شيخه المذكور الحاج محمد كزبر الحنبلي الدمشقي الواصل ~~إلى صنعاء هذه المدة ببضاعة من مكة كان يملي عليه جميع شرح ابن حجر ~~العسقلاني (فتح الباري على البخاري) فطالت القراءة بسبب ذلك. وكان هذا ~~السيد قد دخل في مذهب الشافعي، ولبس لباس الفقراء، ثم إنه بعد ذلك تأهل ~~بزوجه، وله منظومة في معتقده يذكر فيها أنه شافعي، وترك مذهب الهدوي وخرج عنه. PageV01P578 # وكان يعتقد تكفير الرافضة والجارودية من الزيدية لأجل سبهم للصحابة، لردهم ~~آيات كثيرة في مناقبهم، ومع ذلك كان لا يزال متجرما من بني زمانه وبغضهم ~~وغلوهم في بعض الصحابة رضي الله عنهم. وكان يشكو علي من حالاتهم، ويصف لي ~~من أوصافهم، وأهم بالارتحال إلى مكة والمدينة للمجاورة والسلامة من سماع ~~أقوال هؤلاء الذين يتعرضون للسلف الصالح بما لا ينبغي بمقامهم، وما فيه من ~~الرد لكثير من الآيات الواردة ms225 في القرآن بفضائلهم ومناقبهم، مع تواتر ~~الأخبار من السنة المنورة فيهم، وعند ذلك أنشأ رحمه الله هذه[212/ب] ~~القصيدة الفريدة، والأبيات الرائعة المفيدة للسيد الماجد، علم الآل ~~الفراقد، لطف الله بن علي بن لطف الله بن المطهر بن أمير المؤمنين يحيى شرف ~~الدين، قاطعا مادحا لجده سيد المرسلين وآل بيته الميامين، وصحابته الأطهار ~~الصادقين، وهي هذه: # رب يسر وأعن يا كريم: # أحرق البين فؤادي المستهاما # وجفا جفني لذكراك المناما # كلما لاح على ربع لكم # بارق أنحل جسمي والعظاما # أو نثرت ريح صبا من نحوكم # ملأت قلبي ولوعا وغراما # عز عني يا حبيبي وصلكم # بعد ما صار فؤادي مستهاما # كيف أسلو بعدما يا منيتي # قد سقاني سحر عينيك السقاما # وكساني الحب وجدا فيكم # هيج الشوق وأشجاني دواما # وسباني حسنكم بين الورى # فلذا يا فاتني همت هياما # إن نوى قلبي سلوا عنكم # لا سلا القلب ولا رمت مراما # حبكم ما باح لحمي ودمي # فعن العذال قلبي قد تعاما # فأنا المضنا بكم يا جيرتي # وهواكم في حما قلبي أقاما # وحياة الحب يا أهل الحما # إن وجدي لمواكم قد تراما # وودادي وغرامي فيكم # وولوعي واشتياقي قد تساما # وتلافي مهجتي في حبكم # أنا راضية وإن كان حراما # أهل ذاك البيت جار لكم # من ذوي القربى أتى يرجو الذماما PageV01P579 وجاءكم يا سادتي معتذرا # يخش أوزارا تناهت وأثاما # [213/أ] كلما رمت وصالا منكم # عاقني الذنب فمالي والملاما # فمتى أحضى بكم يا سادتي # وأطوف البيت ركنا والمقاما # ثم آتي زمزما قصدي بها # أغسل الذنب وأوزارا عظاما # فإذا جاوزتها أرقى الصفاء # وإلى المروة أسعى يا نداما # يا رفاقي من معي نحو منى # نقصد الموقف ندبا والتزاما # نقف آثار كرام سلفوا # ذكروا الله قعودا أو قياما # فإذا نلنا به كل المنى # ورأينا الخطب للخطبة قاما # وحدى حادي المطايا مسرعا # وإلى وادي منى يبني الخياما # لليال بمنى قد شرعت # وغدت للحج يا صاح ختاما # يا إلهي إن قصدي طيبة # فإذا بلغتني نلت المراما # لأزور المصطفى خير الورى # وكذا آلا وأصحابا كراما # واغفر ms226 صفحات انخدفي # عرصات لهم تبري السقاما # يا رسول الله يا أشرف من # نصر الحق ومن صلى وصاما # اصطفاك الله نورا للهدى # ولأهل الشرك حتفا وانتقاما # كم لكم من آية بينة # وصفات قد تعالت إن تساما # كم لكم من معجزات ظهرت # مثلما الشمس غدت تجلو الظلاما # فعليكم صلوات الله ما # غرد القمري وما ناح وحاما # وصلاتي وسلامي سرمدا # ما جرى دهر وما دار ودام # صل يا رب عليه دائما # صلوات طيبات وسلاما # وعلى آل وأصحاب غدا # بهم الدين عزيزا لا يضاما # أهل بيت المصطفى أنتم لنا # سفن الأمن إذا خفنا المقاما # كل من جاء إليكم يعتزي # يأمن الخوف إذا خاف الخصاما # وكذا أصحابكم أضحوا لنا # مثل ما الأنجم لا نخشى ظلاما # حجة الله على كل الورى # بهداهم يهدى من رام اعتصاما # بذلوا لله منهم أنفسا # وكذا أهلا وأموالا جساما # سورة الفتح بذا شاهدة PageV01P580 وبذا التوبة والأنفال قاما # ورسول الله أضحى مخبرا # إنهم خير مكانا ومقاما # وعلي الفضل والى برضا # ورعا الأصحاب حبا واحتشاما # وكذاك الآل من بعدهما # حفظوا الود وما قالوا أثاما # أخذوا الأخبار عنهم حجة # ولدين الله عدوهم إماما # قد أمرنا بالدعاء منا لهم # حيث جئنا بعدهم عاما فعاما # عرف الحق من استهدى به # وعن الحق تعاما من تعاما # يا رسول الله في جاهك ما # نحمل الكل إذا خفنا القياما # يا رسول الله مالي شافع # غيركم يرجى إذا خفت الخصاما # يا رسول الله يا من قد غدا # لكرام الرسل ذخرا وختاما # فصلوا حبلي بكم يا سادتي # واجبروا كسري فتعذيبي ملاما # واصلوني واقبلوا عذري فقد # أحرق البين فؤادي المستهاما # تمت كما وجدت. PageV01P581 # كتب الفقير إلى الله عبد الرحمن بن محمد الحيمي ، لطف الله به هذه الأبيات ~~الرقيقة الرائعة، والمعاني البديعة الفائقة، وكان السبب في إنشائها أن ~~قائلها رضي الله عنه وشكر مساعيه، وأعانه على حسن مقاصده الحسنة بما يؤمله ~~من مراضيه أراد الحج سنة خمس[214/أ] وخمسين بعد الألف على قدم التحديد، ~~فعاقه عائق عن ذلك القصد الذي يحبه ويريده. هذا وقد ms227 كان عزم إلى محروس ~~كوكبان، فسلم الأمر لما قضاه الكريم المنان، وأقام بمحروس كوكبان لطلب ~~العلم الشريف، وقاطعا شكية إلى الله وإلى جده رسول الله صلى الله عليه وسلم يطلب منهما ~~الإعانة على ذلك المقصد العالي المنيف فجلب بحمد الله كل الحظ، وما ذاك إلا ~~لحسن النية والمقصد، أقام الله حقها في هذه الجهة اليمنية وعظم شأنها في ~~المدينة المشرفة المحمية، حتى أنه ذكر السيد الجليل العلم النبيل هادي بن ~~محمد الحمزي النزيل في الحرم النبوي، المجاور للقبر المنير المصطفوي إنها ~~خطيب الحظ الأكبر الفخيم، وحصلت كرامة يطول شرحها: {ذلك فضل الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم } وما ذلك إلا لسلامة صدر منشيها من العصبية ~~والسلوك منا للسنة الحنفية النبوية، فسلك فيها طريقة آبائه الأئمة الهادين، ~~وتبع فيها ما سنه سلفه الأبرار الصادقين، مباينا للغلو في المحبة والتعصب، ~~مجانبا للحقد والغل على أصحاب جده البررة الكرام غاية التجنب ممتثلا ما أمر ~~به الكريم الرحمن في قوله عز من قائل: {والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا ~~اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان } منتهيا عن الغل الذي أرشد إليه ~~القرآن العظيم في قوله تعالى: {ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا ~~إنك رءوف رحيم} ولما اطلع عليها الشيخ العلامة الأوحد الصمصامة إمام حرم ~~المدينة المشرفة، ونزيل تلك الربوع PageV01P582 الزاهرة المكرمة تشكر للسيد تلك المساعي الحميدة[214/ب] والمقاصد المباركة ~~الرشيدة، وقال: مثل هذا السيد لا يجهل شرفه وقدره ولا ينكر فضله وفخره، ~~وأمر الشيخ العلامة الأديب الألمعي والفقيه الفهامة المحقق الأريب، اللوذعي ~~عبد الواحد الدوقي ، حفظ الله ذاته وأبقى حياته بالجواب على السيد فخر ~~الدين، فقال ممتثلا، وشرع وأنشد وأبدع شعرا: # جرد الصب من الحب حساما # وبه وفى من الفضل المقاما # وصريح الحق إذ لاح له # لم يخف ردا ولا يخشى ملاما # نصر الدين بقول أبلج # خذل الله به من قد تعاما # أظهر الله به حجته # وأزال الشك عنه والظلاما # حبه من عالم من فضله # قد أقام الوزن منه فاستقاما # ثم ms228 أمضى صارما من قوله # قطع الخصم ولم يبق اختصاما # يا لقومي هل رأيتم فاضلا # أنصف الحق من النفس وداما # ليس إلا هاشمي بطل # لوذعي خير من طال وقاما # إنه من فتية خالصة # وبها المجد تعالى وتساما # من بني عبد مناف قد نفى # شبهة الجهل لزوما والتزاما # وأتاه بالنصح منه قيما # ليس فيه عوج شأن الكلاما # قد تولاه ألمعي بالتقى # زاد في تلك علوا واحتراما # لم يزل فينا شريفا قدوة # يهدي الله به ثم إماما # مترض عن صحاب سبقوا # جعل الله لهم أبدا قداما # صدق القرآن في آياته # بالرضى عنهم وللأعداء أضاما [215/أ] # شهر الفضل بنص المصطفى # وبآيات لمن رام اعتصاما # حج خصما بحجاج قاطع # وعلى ذلك برهانا أقاما # فأدمه يا إلهي للورى # واعطه ذلك برهانا أقاما # وابقه فينا إماما سننا # ثم زد ذاك وبلغه المراما # واغنه لهبات ليرى # ما بقى في مثلها عاما فعاما # ليقم بالفضل فينا منصفا # وبعدل مستو يرعى الذماما PageV01P583 إن هذا فاطمي علم # عالم للفضل قد صار ختاما # من بني حيدرة أسد الوغا # وبه الهيجاء هاجت ثم عاما # بحرها المظلم في تيارها # وأثار النقع بل أسقى الحماما # سيد من سادة بل سند # شيد المجد وما قال لماما # خير من قال ومن صال ومن # نال فخرا يمنا منها وشاما # يا له من عصبة منصورة # وسيف الحق ما أبقى خصاما # أيدوا بالسنة الغراء ما # بعدها رسم أمن سما وساما # ثم كانوا حيث قال المجتبى # وعلى ما كانت الصحب قياما # لم يسموا أهلها إلا لما # تابعوا فيه بها الرسل الكراما # ليس فينا فرقة ناجية # غير من تابع منا واستقاما # سنة الهادي بذا قاطعة # إن من تابع لم يلق أثاما # وكتاب الله أعلا حجة # بل هو الوثقى فلم يخش انفصاما # إنه سفن النجا كلا ولا # بعده قط نجاة والتزاما # ما لأقوام رضوا من أمرهم # كل ما لائم خرقا لا التآما # جهلوا ذلك أم هم علموا # فعمو أزيد واصطماما وانبكاما # فانظروا أهل بما جرى ونصرو # أودعوا من بعد ما جاء اهتماما # هل ms229 نفى فضلهم كلا ولا # عرف الحق الذي للصحب داما # واسألوهم هل لهم من سند # وإلا ما كان هذا وعلاما # فارض يا رب عن الصحب....... # ..........ترضى عنهم واخز اللئاما # وعن الخبر الذي ما شأنه # غير ما أولاه سادة عظاما # وصلاة الله تغشى أحمدا # خير من أولاهم طرا وداما # وعلى آل كرام حفظوا # جدهم في صحبه ثم احتكاما # وعلى الصحب ومن تابعهم # صل يا رب صلاة وسلاما # [216/أ] تمت كما وجدت. والحمد لله رب العالمين PageV01P584 وفي هذه الأيام وصل اعتراض في صورة سؤال بعث به العماني إلى ولي الأمر ~~باليمن، يذكر فيه أن القهوة لا ينبغي استعمالها، وأنها حرام عنده، محتجا أن ~~فيها شبهة بالإدارة بأعمال الخمر، وأنها مسكرة، وأن بعض الشافعية حال ~~خروجها أفتى بتحريمها، هذا محصول اعتراضه وسؤاله. وهو اعتراض باطل، وسؤال ~~عاطل، خالف فيه إجماع العلماء وأهل السنة وغيرهم، ولم يكن فيها من أدلة ~~التحريم شيء، لا إسكار ولا غيره، فإنها من جملة الطيبات التي تضمنها قوله ~~تعالى:{لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم } وقوله تعالى: {ولا تقولوا لما ~~تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب} والأمر ~~واضح فيها، لا ينبغي التطويل في دلالتها، وأما الإدارة فليس بمجرد حجة في ~~التحريم فقد يدار الماء للشرب، وقد يدار شرب اللبن كما ثبت في شمائل النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه كان يديره على يمينه. وعلى الجملة: إن القول بالتحريم من الجهل الذي لا ~~يخفى. مع أن العماني كان الأولى له نهي نفسه من قطع الطريق في سواحل بلاده ~~إلى اليمن، وفي البحر بحيث أنه تعدى إلى سواحل اليمن وانتهب من أموال ~~المسلمين[216/ب] ما لا يزال في هذه السنين، حتى كان سببه ذهاب أموال عظيمة ~~على تجار من بلاد الحسا وبلاد العجم والهند وغيرها، بحيث أنه قطع مسيرة ~~البن إلى تلك الجهات في هذه السنة والتي بعدها، ولم يخرج فيها من بلاد ~~العجم والحسا أحد بسببه، وقطع الطريق أعظم شيء في التحريم فلو نهى نفسه ~~أولا عن ms230 ذلك لكان هو الأولى له، والله الهادي إلى سواء الطريق. # وقطع أيضا طريق البصرة وتجارها إلى بلاد الهند واليمن، والله يسلط سلطان ~~الإسلام ابن عثمان على زواله ودماره، فإنه صار من المفسدين في الأرض بغير ~~الحق، مع بدعته التي هو فيها من اعتقاد مذهب الإباضية من الخوارج الردية. PageV01P585 # وفي هذه الأيام اطلع علي بن أحمد بن القاسم صاحب صعدة على كتاب بلاغة بخط ~~الفقيه حسن المتميز، الذي كان وكيلا للمتوكل على الله إسماعيل على مخازين ~~بيت المال بصعدة يذكر فيه إلى المتوكل أمورا كثيرة على علي بن أحمد، فطلب ~~علي بن أحمد المتميز إلى حضرته وقال له: هذا خطك؟ فقال: نعم.، فقال له: ما ~~حملك على هذا الذي نقلته إلى المتوكل وكشفته؟ فقال الفقيه: الغيرة عليكم يا ~~أهل البيت، فأمر بحبسه في الحال ونهبه فنهبوه في الديوان، وخرج إلى الحبس، ~~وهو عريان وكبله بالحديد، ثم أنه تشفع فيه من تشفع بإطلاقه، فأطلقه ولم يقر ~~بالفقيه قرار، ووصل إلى صنعاء بقي فيها مدة من الزمان فوق السنة، ثم إنه ~~عاد إلى بلاده، وكان المذكور من المشيرين على المتوكل بعزل علي عن صعدة ~~وتولية ولده الحسن، فلم يقدر الله ذلك، وحال بينه موت المتوكل. # [217/أ] وفي آخر شهر رجب منها رأيت حجارة مكتوبا فيها كتابة خلقة ما ~~لفظه: محمد بن إبراهيم بهذا اللفظ، فقلت: لا يعلم أحد بهذا الإسم من ~~المشهورين إلا السلطان محمد بن إبراهيم بن عثمان. # وفي هذه الأيام كتب القاسم بن محمد بن المؤيد صاحب شهارة إلى محمد بن ~~المتوكل أنه يطلب له من صنوه أحمد بن المتوكل ولاية بلاد عذر، ما كفته بلاد ~~الشرف، فذكر لصنوه أحمد ذلك، فلم يسعد. # وفي هذه الأيام بشهر جمادى الثاني خرج أحمد بن المتوكل إلى عند المهدي ~~يطلب منه ولاية حجة، وخرج معه صنوه محمد بن المتوكل فلم يسعد المهدي إلى ~~ذلك، فجعل له محمد بن المتوكل من بلاده بلاد ثلا، وما اكتفى ببلاد عفار ~~والسودة وعذر، ولذلك طلب أحمد بن محمد ms231 بن الحسن زيادة بلاد إلى بلاده، فلم ~~يسعد المهدي إلى مطلبه لكنه زاد له دراهم من حضرته. PageV01P586 # وفي هذا الشهر تم بناء مسجد النهرين بصنعاء، عمارة عظيمة، ومطاهر واسعة؛ ~~لأجل ما ظهر من تسريجه كما مضى تاريخه، ظهر لأهل المدينة بركته، وكان مسجدا ~~صغيرا وله مطاهر قليلة، والمعتني بذلك جيرانه، وأعانهم بالبعض ناظر الوقف. ~~وهذا المسجد الذي في بطن وادي صنعاء قريب باب السبحة. # وفي هذا الشهر اشتجر حسن بن المتوكل، وقاسم بن المؤيد على سوق أحدثه قاسم ~~بمساقط بلاد الشرف بتهامة، فأراد حسن خرابه، فأرسل المهدي من يطوفه، وأنه ~~إذا كان قديما بقي على حاله. وكذلك أحدث حسين بن حسن صنو المهدي سوقا في ~~الحرشة، فأمره صنوه المهدي بإزالته، فامتنع[217/ب] وقال: إنه لم يحصل منه ~~تغيير في بلاده فيتركه على حاله، فتغير المذكور من ذلك ورد تحويل حول به ~~عليه من المعتاد لأهل جبل ضوران ورتبته، وأهم بالتقدم عليه، فعند ذلك طلب ~~المهدي من صنوه الحسين الاتفاق والوصول، فلم يسعد إلى ذلك، وما زال يواعده ~~ويماطله، فأهم المهدي التقرب إلى جهته، فإن وصل وإلا تقدم عليه إلى حضرته، ~~والكتب ما زالت بينهما وبين ولده محمد بن أحمد صاحب المنصورة، وهم يواعدونه ~~ويماطلونه ويعتذرونه، وإنهم يخطبون له ويمضون سكته، لكنه يترك لهم بلادهم ~~وحالهم. # واتفق في شمسان بني عكاب أن جماعة ساقوا الدبا من وادي الصلبة، فطلعت ~~إلى مال أخرى، فلقتهم حرمة رجمت أحدهم فسقط ميتا لوقوعها في رأسه ثم رجمت ~~آخر كذلك، وبقي الثالث منهم حمل على الحرمة قتلها، فسقط القود بها. # وفي هذه الأيام ظهر سبع أخاف الحميان للذرة بجوار جبل نقم وسعوان، وهو ~~أكبر من الضبع في حجم الصعب ، وله عقيق كعقيق البعير الصغير، فقيل: إنه ~~السمع وقيل: السبسب والله أعلم. # [218/أ] وفي هذه المدة حصلت نفضة في الناس، بحيث يعم المرض بعض البيوت، ~~فلا يجدون من يصنع لهم الطعام، وقد يصنعه لهم رجالهم ثم يمرضون، ويقوم ~~الأولون، ومنهم من يقضي عليه أجله، وكان هذا في فصل ms232 الخريف. PageV01P587 # وفي نصف شعبان ظهرت الجراد من تهامة، وهي التي أثرت فيها الواصلة من عمان ~~كما مضى ذكرها، فأخذت على طريقها مواضع، وحضر كثير من الناس في مثل جهة ~~المغارب، وسلم عنها اليمن الأعلى والمشارق، وصلحت الثمار في أكثر اليمن ~~لولا حصول النقص بالحضر بسبب الجراد، وخلف في أطراف المشرق كنهم والجوف ~~وبرط، فبلغ الشعير إلى ثلاثين بقشة وحرف، والبر إلى حرفين. # وفي هذا الشهر سار علي بن أحمد صاحب صعدة إلى نجران لاستخلاص المطالب، ~~فتلقاه أهله بالحرب، فراح من أصحابه سبعة ومن أهل البلاد أربعة، ومنعوه عن ~~دخول بلادهم، وأخذ وجه المحاصر منهم في التزام بعض شيء من المال، وجعلوا ~~معه رهائن وعاد صعدة. وكان قد استجاش بجماعة من ذي محمد من برط، فلما عاد ~~صعدة وهم معه قتل واحد منهم بباب صعدة، فطلبوا من علي بن أحمد أن يرسل معهم ~~عسكر عينة لقتل واحد من سحار بصاحبهم، فأرسل وقتلوا واحدا لا يعلم أنه ~~القاتل، فلا قوة إلا بالله، بل قتلوه في باب بلده من كبارهم، وكان هذه ~~المعونة من علي بن أحمد من الأفعال العظيمة والموافقة للجاهلية، وإطراح ~~الأحكام الشرعية، وإنما كان عليه أن يقول لبرط: لا أعينكم على الضلالة ~~ومخالفة الشريعة، بل لكم ما تحكم به الشريعة من القسامة أو غيرها في ~~صاحبكم، ولا[218/ب] يجوز أن أعينكم في باطلكم، وفتنة أخرى، بعدها شكوا ~~جماعة إليه من قبائل بلاده بقتل حصل من قبيلة فقال لهم: اقتلوا واحدا منهم ~~بصاحبكم، وهذا من الأحكام المخالفة للشريعة. # وفي شعبانها مات القاضي محمد بن أحمد الشظبي، كان المذكور له معرفة في ~~الفقه، وكان حاكما في مدة المؤيد بالله بكوكبان، وأول دولة المتوكل، ثم ~~عزله وانتقل إلى صنعاء وقل سمعه، ولم يخرج آخر مدته من بيته، وكان حافظا ~~لكتب أجداده وأهله، وهو من جملة من أخذ على السيد محمد بن عز الدين المفتي ~~بصنعاء في زمان دولة جعفر باشا. PageV01P588 # وفي هذا الشهر مات الفقيه عبد الله بن حسين بن يوسف بظفير حجة كان ms233 المذكور ~~عارفا بالنحو والتصريف، مدرسا فيهما، وأصله من حيز حجة، من بلد القذف ، ~~ولكن والده دخل الظفير خوفا من جانب عبد الرحيم أيام دولته بحجة، فخشي من ~~فتنته وتسليطه، وأخرب بيته بعد دخوله الظفير. # وفي هذه الأيام بآخر شعبان طلع السيد حسن بن مطهر الجرموزي بحمولة من ~~المخا إلى حضرة المهدي. # وفي رمضانها طلب أحمد بن الحسن جماعة من اليهود من صنعاء إلى الغراس، ~~وأمرهم بالخروج من جزيرة العرب، وأنهم قد تراخوا بعد الأمر الأول، فطلبوا ~~المهلة حتى يبيعوا من أموالهم، فأمهلهم خمسة أشهر. # وفي ليلة رابع عشر شهر رمضان خسفت القمر ببرج الثور، طمسها الخسوف جميعا، ~~وكان الخسوف بسواد ثم انقلب بحمرة، عكس الخسوف السابق، فإنه أوله كان ~~بحمرة، فالحكمة لله تعالى. # [219/أ] وقد كان السرحي المنجم ذكر الكسوفين في هذه السنة عند تقويم ~~أولها، كما وصف الواصف قبل حصول خسوفها، فاتفق كما ذكره فيها. # وفي آخر شهر رمضان وصل الخبر أنه وصل إلى جدة متسلم، وعزل الذي كان فيها، ~~وأنه خرج صحبته قدر أربعة عشر مركبا فيها طعام من مصر، ولحق عقبها اثني عشر ~~مركبا طعاما أيضا في شوال، وقووا جدة وزادوا في العسكر على العادة. # وفيها سرقت سرقة من بيت المتوكل بضوران، دراهم وسلاح وغيره، وفرحان اتهم ~~جماعة، حبسهم وضرب بعضهم، فاعترف أحدهم، أرجع بعض شيء يسير من السلاح ~~والباقي ذهب. وهم جماعة قد لهم أيام يستخرجون السرقة من طاقة مفتوحة ~~ويردونها على حالها. وكان من جملة المتهمين من الملازمين في ضوران في جبل ~~ضوران، فلما طلبه فرحان للضرب أمر الخادم بضربه، فحمل على الذين أرادوا ~~قبضه، طعن أحدهم ومات من جنايته. # وطلع ثاني العيد علي بن المتوكل من اليمن الأسفل إلى صنعاء، ثم لم يلبث ~~أن عاد إلى ضوران وتبعه صنوه محمد. PageV01P589 # [219/ب] وفي آخر يوم من شهر شوال مات الأمير علي بن حسين الجوفي صاحب ~~الزاهر، وكانت وفاته بصنعاء عقب طلوعه من الجوف، فقبر في حوطة جده المطهر ~~ابن الشويع بخزيمة غربي صنعاء. # وفي شهر ms234 القعدة الحرام مات السيد العارف يحيى بن أحمد بن صلاح الشرفي في ~~بيته بالشاهل من بلاد الشرف، كان المذكور له معرفة ومشاركة في بعض الفنون، ~~وكان جاروديا على طريقة والده. وكان نظر أوقاف الشرف إليه. كان موته فجأة، ~~وكان يحرم التتن، وفعل في تحريمه رسالة، وزعم أنه من الخبائث، واحتج بقوله ~~تعالى: {ويحرم عليهم الخبائث } ولا حجة له؛ لأن الخبائث دلالته مجملة، ~~والمجمل لا يحتج به على شيء إلا بعد البيان، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم الخبائث، وبعض ~~البيان أيضا في الكتاب العزيز مثل تحريم الميتة والمتردية والنطيحة وما أكل ~~السبع وكل مسكر ونحو ذلك، وبين تعالى الطيبات، ثم إن التتن لا تستخبثه النفس. # وفي هذا الشهر عاد حسن بن المتوكل من أبي عريش إلى الضحي وبيت الفقيه ~~الزيدية بتهامة واستقر هنالك، ووقع بين أصحابه فرقة على سبب بندق عرفه رجل ~~من الأهنوم وقال: هو له من النهبة التي وقعت فيها أيام الحرب الواقع بها، ~~فحصل خصام بينه وبين الذي هي معه، وعصب مع أصحابه من الأهنوم. PageV01P590 # [220/أ] وفي هذه المدة أخبرني بعض السادة من الهدوية أن رجلا سأل الله أن ~~يريه من أهل الفضل والكرامة ومن عنده الحق والخلافة بمكة، فترأى له في ~~المنام أن أول من يلقاه بكرة ذلك اليوم فهو المطلوب، فرآه فسأله عن حاله، ~~والآخر كذلك والرجل الذي طلب ذلك، ورآه في المنام ممن اعتقاده اعتقاد ~~المعتزلة والهدوية، وذلك الرجل الذي رءاه لما سأله فتحاقره وأعرض عنه ~~والهدوي كذك أعرض عنه. وقال: هذا ليس الغرض لما ترسم من مذهبه أنه لا يكون ~~من وافقه، ثم سأل المرة الأخرى فرأى في المنام كذلك، فأصبح الصباح بالرجل ~~الأول أول من لقاه، فلم يعجبه ثم الليلة الثالثة، فحرم الفائدة ولم يعترف ~~بأن الحق مع ذلك الرجل أصلا، والرجل ذلك كان من أهل السنة والحنفية أعني ~~الذي طلب رؤيته من الحق في الاعتقاد معه، فلم يمكن الرائي أن يعتقد فيه ذلك ~~أصلا لمحبة المذهب، هكذا أخبرني السيد المذكور ms235 مع تعصبه وغلظته في مذهب ~~المعتزلة، فذكرت هذا هنا لما فيه من الغرابة، [120/ب]. وما نعلم به أن ~~الإنصاف يجب على كل مسلم، وأن الرجوع إلى السواد الأعظم هو الأولى لكل ~~مسلم، لا سيما مذهب الأنبياء جميعا عليهم السلام والصحابة والتابعين من ~~السلف الصالحين. # وفي شهر القعدة اختطفت دهمة من برط قافلة في العمشية في الطريق الغربية ~~في حد العصيمات حولي الفقم وحصل بينهم وبين العصيمات قتال، فراح من ~~العصيمات ثلاثة قتلى منهم وجنايات في أهل القافلة من عذر، وانتهبوا القافلة ~~وشارك برط في الطغيان بنو رهم من سفيان، وذكروا أن المهدي ما سلم لهم إلا ~~دون ما يعتادونه، وأنه نقص عليهم نحو ثلاثين خرقة من الكسوة. PageV01P591 # واتفق هذه السنة أو التي بعدها أن فرحان لما وصل بلاد الحرامية طريق الحج ~~أعطى بعض المعتاد لأهل الطريق، ثم مطل آخرون، وقال: لم يبق شيء عنده مما ~~يعتادون مقابل المجبا، فكان إلى الليل وسرقت الحرامية أطراف المحطة، وانسل ~~بعض مشائخهم إلى خيمة فرحان في صورة كلب يستر على بدنه بشعر على ظهره حتى ~~دخل طرف الخيمة، فانتبه الحراس لذلك وقبضوه، فوجدوه رجلا، فربطوه وساروا به ~~معهم إلى عند الشريف بركات، فأمر بشنقه، وقد كان تفادوه بمال من فرحان، ~~فقبض ذلك فرحان ولم يتم تخليته. # ولما اتفق ما اتفق في العمشية وتعدي نهم وبرط فيها وغزوهم إلى البراغشة ~~أطراف بلاد عذر، أمر أحمد بن الحسن بالتبريز إليهم والخروج عليهم[221/أ]، ~~وكان هذا التبريز في آخر شهر الحجة، وأظهر أن المراد السير إلى بلاد برط ~~والعمشية. # وكان في هذه الأيام اجتمع جماعة من مشائخ بلاد خولان صعدة يطلبون واليا ~~عليهم غير علي بن أحمد في بلادهم خاصة، فوعدهم بالنظر في أمرهم وعلم أن علي ~~بن أحمد لا يطابقه إخراجهم عن يده، وأنه يكون سبب ذلك ثائرة فتنة من قبله، ~~فلما طال عليهم البقاء ساروا بلادهم، وصارت بلاد الشام غير منتظمة لصاحب صعدة. # وفي هذه الأيام بأول شهر الحجة دخل المهدي صنعاء، وأمر بتسمير كنيسة ~~اليهود ms236 بصنعاء وقبض ما حولها من البيوت المحصولة من اليهود لها، وأخرج ~~اليهود من حوانيت سوق صنعاء وشدد عليهم في بيع أموالهم وبيوتهم وخروجهم، ~~فباع القليل منهم ما باع من المنقولات واليسير من غير المنقولات، وقبض ~~الحمام الذي لهم وشراه منهم، وصنوه شرف الدين الحسين بن الحسن، قال لليهود ~~الذين لديه: أنتم على عادتكم لا تبيعون شيئا من أموالكم، وقال: لا وجه ~~لإخراجهم. # وخرج جماعة يسيرة من صنعاء من اليهود إلى بلاد ضوران. PageV01P592 # وفي هذه الأيام نجع كثير من بلاد برط بأغنامهم، وداروا في الأرض[221/ب] ~~للمعاش لخلو بلادهم وضعف أنجادهم، فمنهم من وصل إلى ضوران وجهران، وكلهم من ~~ذي حسين من برط، والنهابة كانوا من ذي محمد من أصحاب صلاح بن كول، هذا ~~والله أعلم. # وفي هذه الأيام أرسل المهدي جعفر الجرموزي واليا لبلاد العدين على عادته ~~الأولة وكان قد سكن عنده قدر سنة، فزاد في قطفته في بلاد العدين قدر ألف ~~حرف فكان كل شهر ثمانية آلاف، وأرجعه إليها وشرط عليه أنه لا يصل إليه شاكي ~~منها. وكذلك ولى بلاد وصاب السيد صالح حيدرة الغرباني وعزل الفقيه عامر ~~عنها لما زاد السيد قدر ألفين على ما كان أولا منها، فإنه كان أولا في زمان ~~والده الحسن كل شهر ثلاثة آلاف كل شهر ، ثم زاد الفقيه عامر ألفا، فكانت ~~أربعة ثم زاد هذا الألف فكانت خمسة، وهذه القطفة في مقابل زكاة البن ~~والأسواق وزكاة التتن، والمعونات ونحوها من المطالب. وأما الطعام فهو يقبض ~~رأس السنة عند الثمر، وكان لو أنهم جعلوا ذلك بالأمانة، وأكدوا على العامل ~~في عدم الخيانة كان هو أعدل ما حصل من قليل أو كثير فهو الواقع. فأما هذه ~~القطفة فإنها ذريعة إلى زيادة الوالي، وقد تزيد الثمرة فتصير له، وما نقص ~~فإنه يأخذها من الرعية، فتكون عليهم ظلما بسبب ذلك، وسبب هذه الزيادات صغر ~~هذه الضريبة التي ضربها أحمد بن الحسن، ولذلك طلع صرف القرش، فإنه الآن ~~بأربعة حروف وأكثر. وكان في الزمان القديم صرفه بحرفين وكسور[222/أ] ms237 فحصلت ~~الزيادة في هذه الدراهم على المدة الماضية بحول النصف ولذلك كان يبيع البن ~~والبز الهندي بقروش على العادة لم تزد وإنما الزيادة بالنظر إلى صغر ~~الضريبة، فمع ذلك الزيادة تحتملها البلاد، لكن دون هذه الزيادة التي جرت في ~~هذه المدة بالنظر إلى صغر الدراهم وزيادة صرف القروش بسبب الضريبة، فإن ~~الذي كان دفعته ثلاثة آلاف مثل العدين باليمن في مدة محمد بن الحسن عن ألف ~~قرش والصرف بثلاثة حروف فكان PageV01P593 الزيادة إلى أربعة آلاف لما بلغ الصرف إلى أربعة حروف الآن نهاية الزيادة. ~~فأما هذه الزيادة التي جعلت في آخر مدة المتوكل إلى سبعة آلاف، وزيادة ~~الألف الثامن في دولة المهدي أحمد بن الحسن، فلا شك أنها زيادة بالنصف فيها ~~جور، وكذلك غيره من سائر الجهات، والله يرحم المسلمين. ومحمد بن المتوكل ~~كان شرع قي تخفيض المطالب حتى رفعها جميعا غير الواجبات، فشكره أهل بلاده ~~بالعدل، حتى قال بعض جهال الفقهاء من الشيعة: إن هذا فعله من المنكر ~~بالتخفيف، فذكرت الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سيكون آخر الزمان المعروف منكرا ~~والمنكر معروفا )) فلا قوة إلا بالله، ولكنه لم يدم على ذلك بل أعادها. ~~والمهدي أمر بإجرائها على عادتها، وما زاده الولاة في القطع قيل منهم، فلا ~~قوة إلا بالله. # وهذه الدراهم التي تؤخذ في مقابل زكاة الأبنان ، وسائر المطالب والأسواق. PageV01P594 ### | ودخلت سنة تسعين وألف # استهلت بالأحد، وجاءت الأخبار من الجهات المكية والبلاد الشامية في سابع ~~الشهر المذكور، فرأيت كتابا كتبه بمحروس منى يقول فيه: إن الحج كان هذا ~~العام قويا والركب كثيرا. وكان الحج المصري والشامي متوفرا، وكذا العراقي ~~مجتمعا، وأن جملة الأمراء قدر أربعة وعشرين أميرا، وأن اليماني حجاجه أيضا ~~كان واسعا، وأن المحطة بلغت للجميع إلى وادي محسر وجمرة العقبة، والأسعار ~~مع الكثرة رخية، الكيلة بستة كبار، وأن في عسكر الشامي زيادة على العادة، ~~الخيل كانت قدر ألف مع الأمير الشامي من غير العسكر، وأما الأمير المصري ~~فعادته، وأمير الشامي يسمى خليل، وكان الأوامر ms238 في مكة له حال دخوله لا ~~للشريف. جاءوا بحرامية إليه فأمر بقطع رؤوسهم لديه، وكانت هذه الزيادة لأجل ~~الأوهام التي قد بلغتهم في سابق الأيام، ورجع الشريف من الحجاز داخلا مكة ~~بعد أن سكن فيه قدر سنة مترددا فيه وفي المدينة، وزادوا في رتب العراق وتلك ~~الأفاق لما بلغهم أن العماني في العام الماضي حكم على بعض تلك البلاد التي ~~بين عمان والإحساء؛ ولأجل لا يحصل من اليمن خلل، أو من غيره من بلاد العجم، ~~وجاءت الأخبار بأن عساكر السلطان استفتحت بعض الجهات في أطراف بلاد الفرنج ~~وهزموهم وكسروا شوكتهم. # وأمر الملك المهدي الولاة الذين كانوا عنده بالعود إلى بلادهم كبني ~~الجرموزي وغيرهم. PageV01P595 # وفي نصف محرم توفي القاضي العارف العلامة صالح بن محمد العياني[223/أ] ~~العنسي، وكان المذكور عارفا بأصول الفقه والعربية، أديبا محاضرا، صاحب ~~أخلاق حسنة، وكانت قراءته على جماعة من العلماء مثل عمه أحمد بن صالح، ~~والفقيه العارف عبد الرحمن بن محمد الحيمي وغيرهما ورحل إلى مكة، فسمع صحيح ~~البخاري والموطأ وأكثر صحيح مسلم على الشيخ محمد بن علي علان الشافعي ~~المكي، وسمعت عليه صحيح مسلم قراءة ضبط وإتقان وتصحيح مع إنجار في الشروح ~~والغريب وعرفان، ثم أجازني في جميع مروياته ومستجازاته التي من الشيخ ابن ~~علان بإسناده إلى الشيخ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، وكان يحب السنة ~~ويميل إليها ويعتمد عليها ويحب مذاكرتها وقرائتها. وكان قد أخذ على شرف ~~الإسلام الحسين بن القاسم وعلى السيد محمد بن عز الدين المفتي، وكان كثير ~~المذاكرة لأهل العلم منبسطا متواضعا أديبا، وقبر بخزيمة غربي صنعاء. # وفي هذه الأيام انكسرت جلبة فيها حجاج وبضاعة، فغرقت بمن فيها في باب ~~جدة، وكان قد خرج البعض منها ثم تبعها جلبة أخرى انكسرت حال خروجها منها ~~فيها أيضا بضائع الشام وجماعة حجاج هلكوا فيها. PageV01P596 # وفي آخر شهر محرم وصل خبر بأنه ظهر جلبة قريب المخا[223/ب] ووصل عندها كتب ~~من صاحب عدن والمخا يخبرون أن في البحر جلاب من عمان في باب المندب، يريدون ~~قطع ms239 الطريق للموسم، وأنهم ما زالوا يكثرون حتى بلغت جلابهم إلى فوق العشر، ~~فقال المهدي: العسكر الذي بتهامة والبنادر، فيهم كفاية لحفظ البنادر لا ~~سيما المخا لسهولته، وأما البحر فلا طاقة لهم به، فوصل من أول المراكب ~~الهندية بعضها، فمنها ما قبضوه ورسموا عليه ومنها ما رجع من البحر قبل ~~وصوله، ومنها ما دخل المخا ببذل مال لهم، وارتفع ثمن البز بسبب ذلك، ولم ~~تخرج الأعبي الحساوي معهم من طريق البحر العماني الفارسي؛ لأجل ما قد جرى ~~معهم في السنين الماضية من ذهاب أموالهم من الفرنج بسببهم ومنهم، فلم يخرج ~~هذه السنة من الحسا أحد من طريقهم، وصاروا ساكنين في باب المندب، مانعين ~~جميع شهر صفر ربيع الأول والثاني. # واتفق في العمشية انتهاب لقافلة[224/أ]، وكان الناهب لها من بلاد وايلة ~~وبلاد شاكر ، واتفق معها أن العصيمات غزوا إلى بلاد سفيان فقتلوا منهم ~~أربعة وانتهبوا منهم غنما عوض ما جرى منهم من قتل أصحابهم في النهبة ~~السابقة. والمهدي مر عنده جماعة من برط من ذي حسين كانوا ناجعين في بلاد ~~ضوران وجهران بغنمهم لخلف بلادهم، فأمر بقبضها عليهم وحبسهم ثم اطلقهم بعد ~~أن قالوا له: ليس النهبة السابقة في العمشية منهم وإنما هي من ذي محمد. # ووصلت كتب من صاحب صعدة علي بن أحمد فيها كلام يائس يقول فيها: بيننا ~~وبينكم شروط ما تمت ومعونة دراهم تبذلونها ما وصلت، فإذا اختلت الشروط اختل ~~المشروط، وكتب أحمد بن الحسن إلى برط بوصول الفاعلين للنهبة السابقة أو ~~الوصول بالسيد محمد الغرباني الذي عندهم؛ لأنه ربما السبب في إغرائهم وأنه ~~منتظر لتأديبهم إن وصلوا، وإلا تقدم عليهم. PageV01P597 # وفي ثاني عشر شهر صفر وصل الزوار وأخبروا بأمطار في الحجاز حصلت بأول الصيف ~~قوية غزيرة، وسيول كثيرة شديدة، بحيث حملت طائفة من الحجاج بوادي الصفراء، ~~وانقطعوا[224/ب] عن دخول المدينة بسبب سيل وادي قبا ، وخرب في المدينة بعض ~~بيوتها لقوة المطر النازل فيها، وصل السيل من جبال الطائف؛ لأنه ينزل إلى ~~المدينة، كما ذكره السمهودي في خلاصة الوفاء ms240 بدار المصطفى صلى الله عليه وسلم. # وأرسل أحمد بن الحسن خطيب صنعاء إلى صنوه الحسين بن الحسن إلى رداع ~~يستدعيه فاعتذر، وكان بذل له الشحر، والشحر صار بعيدا، ومع خروج العماني قد ~~محق طرقه ومصالحه، بل قد قيل: إنه استولى عليه، وأن صاحبه وادعه وصالحه. # وفي ثالث عشر شهر صفر منها كان تحويل الشمس ودخولها أول درجة في الحمل، ~~وفيه الزهرة وعطارد، وزحل في الجوزاء، والمريخ في السنبلة، والمشتري في ~~الحوت والجوزهر في الثور، والقمر في السنبلة. PageV01P598 # وفي هذا الشهر دخل إلى جبل ضوران بعض السادات وزار مشهد المتوكل إسماعيل بن ~~القاسم، وقال: إنه يريد الخلافة فأمره أهل الجبل والأمير فرحان بأنه يترك ~~مثل هذا الكلام، ويرجع إلى حيث يريد، ويخرج من الحصن لئلا يكون عليه ~~الملام، فسار إلى وادي الحيرة تحت ضوران، وأظهر لجماعة من الحاضرين عصا ~~طرحها الأرض ثم أمرهم بحملها فلم يقدروا على ذلك، فلما عجزوا حملها بيده، ~~ولا يخفاك التباس الكرامة بالمخرقة والسحر، وأنه لا بد من الخبرة للرجل ~~الذي يظهر عليه ذلك، فإن كان صالحا يأتي بالواجبات الشرعية فهي كرامة، وإلا ~~كانت[225/أ] استدراجا وبلوى، فمثل هذا العصا يمكن الاستعانة بالجن في رزم ~~العصا حتى لا ينزعها أحد غير ذلك الرجل الذي له اتصال بهم، فإن الساحر يتصل ~~بمردتهم فهو ممكن من غير الولي. كما اختبر حال سيد يقال له: السيد علي بن ~~الجلال، من آل الجلال السادة ببلاد صعدة، فإنه يظهر على يديه من المخاريق ~~كثير من جملة ذلك أنه أعطى شاش فحرقه وقطعه ثم جمعه في يده وفحسه ثم مده ~~فإذا هو على حاله، فهذا من السحر ممكن؛ لأن المذكور كان لا يصلي في كثير من ~~أيامه، شاهده كثير من الناس، فهو يكون من القلب لعينه كما يفعله السحرة ~~بالتخييل، ثم يعود إلى أصله بعد، أو بإبداله من الجان بغيره وهم لا يرونه، ~~فيدوم هذا المبدل إلى أن يبلى دون الأول. # وقد تقدم ذكر شيء من حكاياته فمثل هذا يجري من السحرة أو الممخرقين، ms241 مثل ~~الذي يجري مع الأولياء الصالحين، غير أن الصالحين يختصون بمزيد ما لا يدركه ~~الساحر بسحره مثل إقامة المقعد على حاله ودوامه وإبراء الأكمه والأبرص ~~والأعمى، كما كان لعيسى عليه السلام وغيره من الأنبياء عليهم السلام. PageV01P599 # [225/ب] وفي العشر الآخرة من هذا الشهر توفي يحيى بن حسين بن المؤيد بالله ~~محمد بن القاسم بعد عوده من الحج بجهة شهارة، وكان المذكور له بعض معرفة ~~بعلم النحو، وكان جاروديا في عقيدته، متحاملا على الصحابة رضي الله عنهم، ~~غاليا في الرفض لهم، محترقا داعية، وكان جماعا لكتب المثالب فيهم، مطرحا ~~لكتب المناقب، مبالغا في إحصاء عثراتهم، معرضا عن فضائلهم، آخذا للمثالب من ~~كتب الرافضة والكذابين مثل كتاب (المناقب والمثالب) لأبي حنيفة محمد بن ~~النعمان الرافضي الإسماعيلي العبيدي قاضي العبيدية الذي كان بمصر أيام ~~العبيدية، وهو من الرافضة الباطنية، ومن كتب غيره من الرافضة، وكان يطعن في ~~مذهب الهدوية والمعتزلة وأهل السنة وينتصر للإمامية، ويدعي أن زيد بن علي ~~رحمه الله كان رافضيا سبابا للصحابة، وحاشاه من ذلك، فإنه متواتر عنه ~~خلافه، بل كان بسببه رفض الرافضة له وترك بيعته؛ لأنهم كانوا طالبوه ~~بالكوفة لما وصل إليها أن يتبرأ من المشائخ، فامتنع وأملى فيهم حديث ~~الرافضة المشهور، وهذا ظاهر عنه في جميع كتبه[226/أ] -رحمه الله- وفي ~~التواريخ لا يمكن رده، وطمس من مجموع الفقه الكبير له بعض مسائله مثل: ~~مسألة إمامة قريش وما ذكره في الأصول وذمه للقدرية وإثبات المشيئة لله وغير ~~ذلك، فلا قوة إلا بالله. # ودخل بآخر صفر جماعة من عمان الذين في البحر إلى ساحل العارة والعمارة ~~بها بين المخا وعدن، انتهبوا منها بعض المواشي وهربوا بها البحر وباب ~~المندب. # وفي هذا الشهر توفي السيد العارف عبد الله بن محمد الكبسي في البحر، خارج ~~جدة حال عوده من الزيارة للنبي صلى الله عليه وسلم فأرسب في البحر، وكان قد نوى الإقامة بمكة ~~والمدينة، فلما عرض له ذلك المرض لم يتم له ما نواه وما كان عليه عزم. PageV01P600 # والحمام الذي بخبان الذي ms242 يقال له: غيل الحرضة ، وكان غيلا قليلا يخرج من ~~أكمة عالية وحولها أحواض متفجرة فيها الحمام، فكان إلى هذا الشهر وانفتح من ~~ذلك الموضع ماء واسع كثير وسار في الوادي لا يعهد مثله من قوته، ثم نقص بعد ~~تمام خروجه من احتباسه وكبس الحمام وتلك الأحواض التي كانت وزالها، ثم ~~انقطع خروجه بالمرة، ولم يبق إلا الغيل المعتاد من تحته، وهذا الوادي ~~والمناحي يصير إلى بلاد لحج ثم الساحل إلى البحر. # وفي ليلة سادس عشر خسفت القمر في برج[226/ب] العقرب بنصف الليل وكان ~~الخسوف قدر ثلثها، فالحكمة لله في ذلك . # [227/أ]وأنشد هذه القصيدة هذه الأيام الفقيه الأديب علي بن صالح بن أبي ~~الرجال ، أو بعض أصناه ، يقول فيها في شأن أحمد بن الحسن: # لا تحسبن وللزمان عجائب # إن الخليفة صادق لا يكذب # فلقد نزلت بسوحه إذ قادني # طوعا إليه لسوء حظي أشعب # أسعى إليه على الجهالة سعي من # صاد الغزال ولم تفته الأرنب # فنزلت في خيش الخزائن وفرها # تثني على شح النفوس وتطنب # وبحيث ربع الصدق قفر مجدب # واليمن معمور حماه ومخصب # وعلى الخزائن سور مميز محكم # عال محل النجم منه أقرب # قد أحكموا بنيانه ولعله # عما قريب يضمحل ويخرب # فرمى الإله الجاهلية والحما # حيث الجهالة والضلال مطنب # بفواقر تدع الديار بلاقع # يضحي الغراب بها يصيح ويندب # ورمى الغراس وساكنيه بجمرة # تشفي البعيد ويشقى الأقرب # فلطال ما نزل الغني بسوحة # فصفت موارده وطاب المشرب # وإذا الفقير ثوى به مستجديا # ضاقت مذاهبه وعز المطلب # وترى الغني لدى الخليفة مائس # غرثان يرتع في النعيم ويشرب # وأخا الخصاصة لا يزال مجلا # عنها يذاد كما يذاد الأجرب # يغضي على وخز القنا وفؤاده PageV01P601 يمشي على جمر الغضى يتقلب # وإذا تكون كريهة يدعى لها # وإذا يجاش الجيش يدعى جندب # فعلى الغراس وساكنيه وكل من # يأوي إليه من الأنام ويقرب # غضب من الله الغيور وفتنة # في كل آونة تجل وتصعب # بلد إذا ما رمت تعرف أهله # فإليك ما يبدو وما يتغيب # قاض يداهن والوزير معربد # والجند تفسد ms243 والخليفة يكذب # وإذا الخطيب رقى المنابر واضيا # نقض الوضوء بما يقول ويخطب # يدعو ويطنب عند ذكر إمامه # غلط الخطيب ومات فيما يطنب # ولسان حال الشرع يدعو للذي # يأتي إلى تلك البقاع ويقرب # يا طالبا للشرع غير مقصر # تطوي المشارق تارة وتغرب # لا تطلبن الحق عند إمامكم # القول ما قالت سماة ومجزب # إن الإمام يقول ما قالا له # كالببغاء ولكل عبد مذهب # ولديه أسفار تكاثر عدها # محبوسة في جلدها لا تقلب # ولربما أملا ومخف بعضها # لزعانف تقرأ عليه وتكتب # وتراخ يرخي الشدق فوق كتابه # كالبكر أزعجه همام مغضب # فلقد أقول لمن يشيد ذكرهم # ويطيل في مدح الأمير ويسهب # إقصر بفيك الترب إنك كاذب # والمرء إن يك مؤمنا لا يكذب # أيقول بهتانا ويشهد باطلا # والله يكره ما يقول ويغضب # وتروم أن يصغي لقولك مؤمنا # لا أم للمصغي إليك ولا أب # فدع التطاول والتعصب للذي # تلهو بلحيته الجوار وتلعب # و......... بجارية لديه ألذ من # قراته لديك بل هي أطيب # ويكاد يتخذ الرجيع طعامه # ويغوص في أبوالهن ويشرب # وتراه يضحك للجوار مقهقها # مثل الغراب على الخنافس ينعب # ويبيت في علم النجوم مفكرا # وتراه منها خائفا يترقب # ويقول تأخير النجوم حقيقة # وفعالها في العالمين مجرب # ومقاله في البعث مثل مقالهم PageV01P602 يرويه عنه شقيقه والأقرب # فلك يدور على شموس بعدها # في الأوج أقمار تنير وتغرب # ولذاك يعتقد الشريعة مظهرا # والرسل تهزل والرواة تكذب # [228/أ] فعلى القرامطة الأساس لأنهم # شهروا عقيدتهم وبان المذهب # يا صاحبي وللزمان نوادر # تأتي على مر الليالي وتذهب # لا غرو إن أضحى الجواد مضللا # والقطر يحبس في السماء ويحجب # فلكم وكم من بدعة وافى بها # والله يأنف للعباد ويغضب # أيقول للتتن المباح جهالة # هذا حرام لا يباع ويشرب # ويبيح للذكر الحرير فلم ترد # أبدأ أما.......... لمن لا يرهب # ألا بدفع مضرة يعطى بها # ثبت الدراية في العلاج مجرب # وقضى بإخراج اليهود ولم يكن # إلا إلى بلد ألذ وأطيب # إن رام تطهير الجزيرة منهم # فعلام حلوا في ذمار وطنبوا # أو رام تخطئة الأئمة قبله ms244 # فالأمر أشنع والقضية أعجب # وإذا تطالب بالدليل وجدته # حيران في حب الضلالة يخطب # وإليك يا بدر الشريعة نفثة # للغيظ أنفذها الأديب المغضب # واعلم هديت وللزمان عجائب # والعمر يذهب والصحائف تكتب # إن المقام على الهوان هو الأذى # والرزق عادته يجيء ويذهب # فإلى متى جد الأكارم ناكص # والجهل يعمر والشريعة تخرب # أين الفرار من الديار فقد دنا # منها العذاب وأين أين المهرب # ولقد ذكرت البعض من أفعاله # وتركت منها الجم وهو المتعب PageV01P603 انتهت القصيدة للفقيه الشيخ الأديب علي بن أبي الرجال، ويشهد له والله إنه ~~على دين الرافضة من الباطنية، ما جرى منه من البغي على الإمام المؤيد ~~مرتين، وما جرى منه من قتل النفوس بيده ظلما، ولم يتخلص مما يجب عن ذلك ~~شرعا، ومطله بالديون، وكذلك شعار يوم الغدير شعار الرافضة، وكتابته في بعض ~~الضربة بما يتضمن الغلو في حق أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، [228/ب]وإذا ~~صح ما ذكره صاحب القصيدة هذه أن المذكور عقيدته عقيدة الباطنية في نفي ~~البعث فهذه بلية عظيمة على من بايع هذا السيد، وقد تحملوا في أعناقهم ~~آثامهم، فلا قوة إلا بالله. # وأما كونه رافضي في أصل الإمامة وأن النص في علي جلي فهو مصرح به، قائل ~~به، معتقد معه متبجح بذلك، ولتهوره في اللذات الدنياوية وخصوصا في النكاح، ~~ويستعين على زيادة الباءة وتحريك المباضعة بأكل الزرنباد المشهور، ويأمر من ~~يفعل له معجونه، وهو مشهور بقوة الإنعاظ، وتحريك الشهوة، وكثر المعاودة ~~للنكاح لمن استعمله، حتى أنه مرة أعطى من البنايين شيئا من معجونه؛ لأجل ~~يتعجب على ما يحصل معه من تأثيره، فخرج عن البناء وأقل الحياء، ومثل هذا ~~استعمال هذا المحرك للهوى لا يفعله إلا المسرف على نفسه. وقد نهى كثير من ~~العلماء عن كثير من استعمال المحركات إلى مثل هذه الأدوية إلى زيادة ~~الباءات؛ لأن ذلك يكون من طلب زيادة البلوى في التكليف، وقد يقع -والعياذ ~~بالله- صاحبه في المحظورات والإنسان يود قمع ذلك. PageV01P604 # وبهذا صار سراري هذا المذكور أحمد بن الحسن ثلاثمائة جارية ما ms245 بين سودا ~~وبيضاء، مما لا يفعله إلا من تهور في اللذات والشهوات، والوصايف معه مثلهن، ~~بلغ عددهن فوق عدد ما كان مع الصليحي من الباطنية الذي كان ملك اليمن في ~~المدة الماضية، ويلبسهن لباس الرجال[229/أ] بالأزينة الحرير والقوايق ~~القطيفة كلباس الصبيان، والبريمات على أحقاوهن ويجعل المخازين معهن وأعداد ~~الدراهم بأيديهن، ويجتمع لغير واحدة منهن، يتنقل معهن مجتمعات ومتفرقات، ~~ويجعل على رؤوسهن كالعمامة التركية وسطها مفروق، ولا يتهور في اللذات ويتبع ~~النفس هواها إلا من أمن عقباها، والتشبه بالرجال حرام. ولقد أخبرني بعض ~~الثقات أنه مرة حضر في الكشك ، فوصل إليه خواجا ببريمات من ذهب وفضة فشراها ~~جميعا بتقويم دلال طلبه، فقومها بثلاثة آلاف قرش وأدخلها بيته. # وفي هذه الأيام بآخر شهر ربيعها الأول وصلت أول المراكب الهندية إلى ~~المخا فتلقاهم العمانيون، رسموا عليهم وعشروهم في باب المندب، واستقروا فيه ~~وصاروا يجولون حواليه. # وفي نصف ربيع الآخر وصل كتاب منهم إلى أصحابهم من التجار الذين بلغوا إلى ~~صنعاء ومن جملتهم مملوك لأميرهم صار يشتري من السفياني، ومضمون الكتاب ~~المبادرة بالنزول فقد آن السفر معهم. فلما بلغ المهدي طلب التجار ومملوك ~~العماني وعاتبهم في الذي صار يجري من أصحابهم وقطع الطريق ومحق السواحل ~~اليمانية، فأجابوا بأن هذا ليس لهم فيه سعاية وإنما هم متسببون. فكتب ~~المهدي إلى صاحب عمان بمعاتبته والتلويم عليه في ذلك وأن كل من قد وصل إلى ~~سواحل البنادر اليمانية من مسلم وكافر من الفرنج، فقد صار في أمانه، وأنه ~~إن لم يترك أفعاله قصده وناجزه. PageV01P605 # وفي هذه الأيام بتاسع وعشرين شهر ربيع الآخر اتفق قران بين زحل والزهرة في ~~برج الجوزاء، ووصل مع بعض حاج اليمن تقويم لبعض المنجمين من بلاد[229/ب] ~~مصر يذكر فيه تقويم هذه السنة، وأنه يحصل في اليمن فتنة، ولم أقف على ~~تقويمه، لكنه كان في برج السنبلة المريخ والقمر. # قال أبو معشر في تحاويله: إذا كان المريخ بالسنبلة دل على كثرة القتال ~~والحروب بناحية الجنوب، وسقوط بعض الأشراف عن مراتبهم مع فساد الهوى ~~ويبوسته. ms246 ومثله ذكر ابن حبيب في تحاويله، فقال: إذا كان المريخ في طالع ~~السنبلة دل على كثرة الحروب تلك السنة، وزحل في الجوزاء كثرة الجيوش ~~ومغازيهم وإفسادهم تلك السنة. وقد كان في السنة الأولى في هذا البرج أعني ~~زحل، لكنه كسره تربيع المشتري وغيره، والمشتري في الحوت غزارة المطر في أول ~~الربيع السنوي مع فساد المطر للزروع والثمر، والقمر في السنبلة سلامة الناس ~~والحيوان ورخص الدواب وكثرة المطر والطعام والثمار والزروع، وكون كسوف ~~القمر وقع في العقرب فحرك كسوفها في السنة السابقة في برجه السابق، وهو ~~طالع اليمن دل على تحريك شواهد المريخ بالسنبلة، والله أعلم[230/أ]. # وفي هذا الشهر خرج مركبان من الواصلة من الهند إلى المخا، فرآهم ~~العمانيون، فلحقوهم، فمال أهل المركبين إلى الساحل يريدون الخروج إليه ~~والتقرب، وكان فيه أخلاط من المسلمين والفرنج، فنجوا عنهما إلى الساحل، ~~وتكسر أحد المركبين بما فيه من المال في البحر بسبب مصاككته بساحل البر، ~~وسلم أهلها وهربوا عنهما، وانتهب العمانيون المركب الآخر جميع ما فيه من ~~البضاعة، ونالتهم بسبب ذلك الخسارة، ثم تبعهم آخر الموسم المراكب السلطانية ~~الهندية ومعها أخلاط فواعدوهم بتسليم العشر فسلموا إليهم بعض شيء ثم ساروا ~~إلى المخا، فلم يتعرضوهم إلا بعض مراكب لحقتهم فرموا عليها من المخا ~~وأسلمومهم . PageV01P606 # وفي تاسع شهر ربيع الآخر وصلت هدية إلى محمد بن المتوكل من علي باشا ، ~~صدرها من جهات البحر، وذكر في خطه الولد السيد محمد بن المتوكل إسماعيل هذا ~~لفظه، ولم يلبث رسوله وهو تركي ومعه خمسة من الخدامين إلا نحو ثمانية أيام ~~وزلجه بمكافأة هديته. # وفي نصف شهر ربيع الآخر جد المهدي على التجهيز إلى البلاد الشامية ~~البرطية، وقد كان وطاقاته في الرحبة لها مدة في مكان يسمى بير الدرج[230/ب] ~~بحدود بني الحارث وهمدان مما يلي قاع الرقة من الجهة الشرقية، فجهز محمد بن ~~المتوكل وأحمد بن محمد وولده حسين بن المهدي وغيرهم وساروا طريق البون، ~~فساروا في هذا التاريخ إلى عيان سكنوا فيه بعض المدة وهم يكاتبون إلى برط ~~بالوصول ms247 بمشائخها وقاضيها، والسيد محمد الغرباني الذي فيها، ووصول الناهبين ~~منها. فوصل المشائخ بضيافة والقاضي علي العنسي معهم، ولم يصل السيد محمد، ~~ووصلوا بأعواض الطاعات القدر الذي عليهم، وقالوا: النصف هو مع سفيان، ثم ~~شدد عليهم محمد بن المتوكل في وصول الفاعلين، فقالوا: لا قدرة لهم عليهم، ~~لأنهم قبائل لا يقدر يحكم أحد على أحد منهم إلا بالمعروف، وأنهم يسعون ~~جهدهم، ثم ذكر لهم الدخول إلى بلادهم، فاعتذروا بضعفها، وأنها لا تحملهم، ~~خصوصا هذه المدة لخلفها، فلم يعذر عن الوصول إليها، وقال: إنه أمره بذلك ~~المهدي. ثم رحل إلى رأس وادي المراشي وحط فيه، ووصل يومئذ إلى حضرته السيد ~~محمد الغرباني، ثم تقدم محمد بن المتوكل ومن معه، وبقت المحطة في مكانها، ~~سكن ببرط قدر شهر. ومات وهم هنالك القاضي علي بن قاسم العنسي الذي ~~كان[231/أ] فيها، ويميل القبائل إلى قوله ويسلمون له زكاتهم، ويتحاكمون ~~فيما شجر بينهم إليه في بعض أعمالهم، ثم خرج عنها ونزل إلى عيان في أول شهر ~~شعبان. ووصل طلاب المهدي له بالعود، ووصل إلى عيان عقب نزوله إليه صاحب ~~صعدة علي بن أحمد، لبث قدر ثلاثة أيام أربعة أيام وعاد بلاده. وعاد محمد بن PageV01P607 المتوكل وجميع من معه في نصف شعبان، وكان قد حصل أيام سكونهم هنالك جنايتان ~~من سفيان على حطابين وجناية أخرى على عسكر كانوا هاربين فقتلوا واحدا منهم، ~~وجنايات أخرى في الباقين. # وفي الشهر الماضي كان استأذن قاسم بن المؤيد صاحب شهارة المهدي في قبض ~~زكاة بلاد عذر أيام سكونه في قرن الوعر، فأذن وقبضها، فلما بلغ أحمد بن ~~المتوكل، وهو واليها أرسل من حضرته وهو بالسودة عينة من عسكر لقبضها، وأنه ~~لا يحتسب بما سلموه إلى قاسم منها، فسلم من سلم وامتنع من امتنع، وتضرروا ~~من تسليم زكاتين. ثم إن أحمد بن المتوكل خرج من السودة للقيا صنوه إلى ~~البون حال عزمه إلى تلك الجهة العيانية، في الشهر الماضي في ربيع، ثم تقدم ~~إلى حضرة المهدي، وحال وصوله أصابه البرسام وسقط على ms248 فراشه لا يقوم من ~~مرقده، ومات في يوم الأربعاء لعشرين[231/ب] خلت من شهر جمادى الأولى ~~بالروضة وقبر فيها، وكان أصحابه الذين يطلبون الزكاة في عذر ما قد أتموها ~~فنفس الله على من لم قد سلم بتركها. # وظهرت هذا التاريخ جراد في اليمن، وكان المطر أول الخريف قليلا. # وفي هذا الشهر وصل كتاب من صاحب عدن الشيخ راجح بأنه وصل إلى سواحل عدن ~~مركب من ............ ، فأرسلوا أهله إليه أنه يرسل إليهم في الليل جماعة ~~من أعيان العسكر يدعون بينهم قصد عمان لهم وهم لا يشعرون بمن فيه من ~~التضمين معهم، فسار جماعة كما طلبوه في الليل، واتصلوا بهم ودخلوه، فلما ~~أصبح الصباح ولاح أقبل العمانيون إلى المركب يجرونه بالكلاليب ، فخرج فيهم ~~الذين داخله بالقتال والسلاح، والرمي بالبنادق والكفاح، فأخذوا منهم خمسة ~~وعشرين رجلا وانكسر الباقون وسلم المركب بمن فيه ودخل عدن، ولما عرف ~~العمانيون أنهم لا قدرة لهم على عدن، وقرب عليهم وقت السفر، وطلعت الثريا ~~فجرا من المشرق عادوا بلادهم. PageV01P608 # وفي [232/أ]آخر هذا الشهر أرسل صاحب المخا بجماعة نحو العشرة من عساكر ~~السلطنة، وقالوا: إنهم هربوا من بندر جدة، وكان جملتهم نحو الخمسين، فبعضهم ~~سكن بالمخا، وبعضهم كان مريضا، ثم تفرقوا. # وفي يوم الأربعاء ثالث عشر شهر جمادى الأولى وصل كتاب من حسن بن المتوكل ~~من بندر اللحية يذكر فيه أنه دخل إليها علي باشا ومعه أصحابه من العسكر نحو ~~ثلاثمائة بنادقية، ومعه صنجق ونوبة، وقال: إنه كان متوليا في الحبشة، عزل ~~فسكن في اللحية، وأنزلوه في سمسرة الفرضة . قال الرسول بالكتاب أنه كان ~~وصوله حاضرا، ووصف هذا الوصف وقال: إنه أول كتب يوم الخميس، وهو في البحر ~~بالاستئذان وأنه هارب، فأذن له حسن ولم يعرف أن معه هذا الجمع. # قال: وكان دخوله إلى اللحية عقب صلاة الجمعة، ثامن شهر جمادى الأولى. # وفي هذه الأيام بعد تسمير كنيسة اليهود، كما سبق، فتحت الكنيسة، وأخرج ما ~~لليهود فيها، من الكتب والتوراة، وأراق الخمر الذي كان في مخزان لها يباع ~~مع اليهود[232/ب] ms249 في مصالحها، وأمر بخروج اليهود، فخرجوا عنها إرسالا، ~~وباعوا ما ابتاع من بيوتهم، وخربوا منها ما لم يبتاع وباعوا خشبها ~~وأحجارها، وجعل الكنيسة مسجدا ورفع سقفها؛ لأنها كانت نزلت في الأرض كثيرا ~~لقدمها، ومحرابها إلى بيت المقدس لم ينحرف عن القبلة؛ لأن بيت المقدس مقابل ~~للكعبة، وأدبهم بالآداب من الدراهم، فساروا إلى موزع. واليهود أكثرهم الذين ~~كانوا بها نزلوا إلى بلاد ذمار واليمن الأسفل، وأمرهم بالسكون في بلاد ~~موزع، وكانت هذه الكنيسة قديمة من قبل النبوة. ومقابرهم غربي صنعاء بقدر ~~نصف ميل من باب السبحة غربي الأعناب التي هنالك في القاع الغربي يدل على ~~قدمهم وكونهم من اليهود الذين قررهم النبي صلى الله عليه وسلم في اليمن وأمر معاذ بن جبل بأخذ ~~الجزية منهم، كما في سيرة ابن هشام. PageV01P609 # وفي هذا التاريخ أمر أحمد بن الحسن بالتحريج في التتن، وأن الناس لا ~~يشربونه، ورسم على المتسببين الذين يبيعون فيه، فتضرروا بذلك، وقالوا له: ~~تذهب أموالهم فيه وهي جزيله، فإنه حصر الذي بصنعاء من التتن مع التجار ما ~~قيمته قدر مائة ألف، وأرسل إلى اليمن الأسفل يأمرهم بأنه لا يغرس فيه ولا ~~ينبت، والنقص على بيت المال حاصل؛ لأن بعض دفعات اليمن ومحصوله من التتن، ~~والله أعلم ما يتم من قوله فيه. # وجاء الشهر الثاني ونقص نصف الدفعات من أماكن مزارع التتن في مثل بلاد ~~شرعب والدمنة ووصاب وحفاش وملحان، فبقي المهدي حائرا من ذلك، وهو ~~يسمى[233/أ] في كتب الطب الطباق، شجرة لا إسكار فيها ولا شيء مما يقضي ~~بتحريمها، لكنها مكروهة فقط؛ لكونها مجرد دخان يقل الانتفاع بها، ولكنها ~~ماكانت تستعمل الزمان القديم بشرب الدخان منها، بل استعمالها بالأدوية ~~بالسفوفات والمعاجين. # وفي هذه الأيام وقع برد كبار في حيز حجة والعبال، وزنت كل بردة ستة أرطال. # وضرب الملك الزاهر ضربة جديدة مثل البقش الأولة وأصغر، إلا أنها كانت أقل ~~خلطا من النحاس. PageV01P610 # ولما سكن محمد بن المتوكل ببرط أقبلت إليه قبائل برط بالضيافة من الغنم، ~~ولم يحمل الناس بلادهم بل ms250 طلعت القوافل من ورائهم، وارتفع السعر في برط بلغ ~~القدح إلى ستة حروف والعلف ارتفع ثمنه، ونال الناس المشقة فيه، إلا أن محمد ~~بن المتوكل بذل لهم، والقاضي علي بن محمد بن علي بن قاسم البرطي توفي ببرط، ~~وأصله من قضاة عنس ، وإنما جدودهم من زمان المنصور عبد الله بن حمزة نقيلة ~~في جهات عيان، كانوا في المدينة لما خربت في مدة الإمام القاسم، تفرق أهلها ~~فطلع جده علي بن قاسم إلى برط، سكنوه من ذلك التاريخ في زمان محمد باشا ~~فمال قبائل برط إليهم، وسلموا إليهم زكاتهم، وكان غير مبايع لأحمد بن ~~الحسن، واستمر على ذلك مدته حتى مات بعد اتفاقه بمحمد بن الإمام إلى عيان، ~~وكانت وفاته بشهر رجب ومحمد بن المتوكل يومئذ هنالك عندهم. # وفي هذا الشهر قطع المهدي رأس اثنين من الحرامية بمحطته في بير الدرج ~~بالرحبة، وذلك بسبب قتلهما لرجل في المنزل من بلاد سمارة وأخذ ما معه. # وفي نصف رجب توفي الحكيم الطبيب محمد لطفي بن الأمير الحرار، كان بمدينة ~~صنعاء من الحكماء العارفين[233/ب] بالطب وعلى يديه يقع الشفاء، وكان عارفا ~~بأنواع العلل وأسمائها، والمعاجين ومجموعاتها. # وفي هذه الأيام بشعبان لما بلغ علي بن أحمد صاحب صعدة حركة محمد بن ~~الإمام بالعود إلى بلاد عيان، وزال عنه الأوهام، وصل إلى عيان بقي نحو ~~ثلاثة أربعة أيام، ثم رجع بلاده صعدة. PageV01P611 # وفي نصف شعبان خرج محمد بن المتوكل من عيان وعاد إلى صنعاء، بعد صلاح تلك ~~الجهة، وقبض جميع ما راح من النهب من سفيان ومن برط وأكدوا عليهم الأيمان، ~~وولى في قصر عيان واليا وجعل معه عينة من العسكر إذا صبروا على الاستمرار ~~في ذلك المكان، واستمر الدولة على الوفاء بمالهم من السبار كما كان أول ~~الزمان في مدة السلطان، وكانت أيام السلطنة صالحة والدولة عليها حاكمة، حتى ~~خربت وزال عنها الولاة، فما زال يحصل فيها ما يحصل، فلا قوة إلا بالله، ~~وصار حالهم فيها كما قال الشاعر : # خلا لك الجو فبيضي واصفري # ونقري ms251 ما شئت أن تنقري # ولا يكاد يصلح إلا باستمرار الدولة فيها وعمارة المدينة إذا حصل لها كما ~~كانت أولا، فأما بلاد برط العليا فلا مصلحة فيها ولا طريق هناك يحتاج ~~إليها، والله يصلح البلاد. رأيت مرسوما سلطانيا تأريخه سنة عشر وألف للشيخ ~~قاسم من آل سليمان والشيخ فلحان من أهل عيان بالأمان لهم والضمان والوعيد ~~لمن تعدى عليهم من سفيان. # وأما الداعي السيد محمد بن علي الغرباني فبعد اتفاقه بمحمد بن المتوكل ~~وضيافته له وصار على حاله في دعوته وعلامة اسمه ولقبه، وكان بعض أهل برط قد ~~تبرى من جيرته وسكونه مثل الشيخ الذي يقال له: أبو عروف وأصحابه، ولكنه سكن ~~عند أنسابه الردسة . PageV01P612 # ووصل هذه الأيام إلى صنعاء[234/أ] الشريف العارف إسماعيل بن إبراهيم الحنفي ~~الحسيني، وذكر أن صنوه كاتب مع السلطان محمد بن إبراهيم بن عثمان سلطان ~~الروم، وأنه وصل إلى زبيد هذا العام بعد الحج إلى بيت الله الحرام، ووضع ~~بعض كتبه وديعة بزبيد، وطلع إلى هذه الجبال متنفسا، وراجعه من راجع فوجده ~~عارفا بعلوم العربية والمنطق والحديث وفقه الحنفية، واتفقت به غربي صنعاء، ~~باحثته في فقه الحنفية، فوجدته عارفا، وسألته عن قول الحنفية في الماء ~~الكثير أنه عشرة أذرع في عشرة بذراع الكرباس، ما الكرباس؟ فقال: الكرباس: ~~الثوب باللغة الفارسية، ومراده بالذراع الذي يذرع به الثوب، ومعه من الكتب ~~الخبيصي ، حاملا له على ظهره، ولم يكن معه أحد من الخدم، بل يدور في ~~البلدان يسكن في المساجد، وكان سكونه حال وصوله إلى خارج صنعاء، سكن ببعض ~~مساجد بير العزب، ولما طالع (المجموع الكبير) لزيد بن علي قال: ليس بين أبي ~~حنيفة وبين زيد اختلاف إلا القليل في نحو اثني عشر مسألة. # وفي يوم الثلاثاء ثاني وعشرين شهر رجب وقع قران المريخ والزهرة ببرج ~~العقرب. # ووقع في بلاد خولان صنعاء فتنة بين بني جبر وبني سحام ، وخصام أفضى إلى ~~الحرب والقتال[234/ب]. # وأمر المهدي السيد الحسن بن مطهر الجرموزي صاحب المخا بعمارة باب المندب ~~والتحصين له، فشرع السيد في ms252 ذلك، وكان في ذلك المحل آثار خراب عمارة كانت ~~من زمان بني زريع الذين كانوا ملوك عدن ثم خرب، وهو مجمع طريق التجار الذين ~~يخرجون من البحر الكبير إلى حدود بلاد المخا. # وأهدى للملك الزاهر بعض الواصلين من أهل الهند عربة صروف على عجيل، ~~ويجرها بقر من بقر الهند، وفيها حلي وتزويق في العربة وعناية، وكان أحمد بن ~~الحسن يركب عليها وتجرها البقر في التماشي وهو فيها، ولما دخل صنعاء مرة ~~لقوها له إلى خارج الباب وركبها. PageV01P613 # وفي عشرين شهر شعبان انتقل أحمد بن الحسن من المحطة الأولى التي غربي بني ~~الحارث إلى محطة أخرى، خيمها في مكان يقال له: بير زاهر من الرحبة، ولم ~~يلبث أن انتقل بعد ذلك إلى الغراس مستقره، وقوض جميع خيامه. # قال الواصلون من البلاد البرطية: لما وصل علي بن أحمد إلى عيان، ووافق ~~محمد بن الإمام ومن معه من الأعيان جرى بين محمد بن الإمام وبينه المعاتبة، ~~وكان المعاتب محمد بن المتوكل فيما جرى منه إلى والده تلك الأيام، ثم جرى ~~ذكر مسألتين أوردها علي على محمد أحدهما: إطلاق جميع الكثرة على القلة يعد ~~من المجاز، والأخرى قوله تعالى: {ولا تطع منهم آثما أو كفورا} فلم يتفق ~~حضور جواب في المقام عند المسؤول بذلك وهو محمد بن الإمام، ولكن علي بن ~~أحمد لم يكن في العربية بذاك، فإنه ادعى أن الممتنع ينصرف، ولا قائل به. # [230/أ] وأما السيد محمد بن علي الغرباني فإنه لما آن خروج محمد بن ~~الإمام من برط أرسل بالحصان الذي كان قد عينه له يوم قدم إلى المراشي وآذنه ~~بالارتحال، فأرجع إليه الحصان، وقال: إن له عذر بسبب تأثر معه عما كان وعد ~~به في المقال، فعذره محمد بن الإمام وقال: لا تخرج عليه سواء صدق أو لا ~~فيما تحدث به وقال، والمهدي لما وصل محمد بن الإمام كان ما يكره وصوله ~~إليه، وذكر الواصلون أن السيد لم يكن في العلم كما يوصف، وإنما له بعض ~~مشاركة في الفرائض يسيرة ms253 غير معتدة، أورد عليه بعض الحاضرين مسألة في ~~النحو، فلم يجب عليها، واستبهم عليه إفادة السائل لحلها. # وأما الفقه فلم يكن له فيه معرفة ولا في الحديث ولا في السنة ولا في ~~الأصول، والله أعلم. PageV01P614 # وفي يوم الأحد عاشر شهر رمضان منها مات الفقيه العارف علي بن محمد بن سلامة ~~بصنعاء، كان المذكور في المدة السابقة ملازما للآغا عبد الله المعافا صاحب ~~السودة بشظب، وكان متى نزل عبدالله المعافا متنزها إلى بساتينه التي بجوار ~~السودة عند الغيل الذي كان له هناك قوة في ماجله، ويحصل بينهم المزاح ~~والدعاب، ويحصل منه لهم الإعجاب، ثم إنه حصل العلم من بعد تلك الأيام، وكرع ~~فيه بعد زوال دولة ابن المعافا وما جرى عليه من الباشا. ولما زالت دولة ~~حيدر باشا من صنعاء، وصارت ولايتها إلى علي بن المؤيد بالله فيما مضى تعلق ~~به ولازمه في كتابة الإنشاء، وكان [235/ب]بارعا في الكتابة، سريع الجري ~~للقلم مع الوقاعة ، فكان قد أخذ في العلم على جماعة من مشائخه، وكان مشاركا ~~في علم العربية والأصول، وله أيضا مشاركة في الفقه إلا أنه كان طارحا لنفسه ~~متواضعا، بحيث يقضي حاجته من السوق بيده، وكان قليل المراجعة في العلم إذا ~~درسه أو قرئ عليه، بحيث القارئ عليه إذا قرأ لا يستفيد منه إلا مجرد السماع ~~دون المراجعة والأبحاث والمناقشة فلا يحوم حولها ولا يستفيد منه طالبها. ~~وكان مع ذلك قليل التصدر للتدريس، وكان قد أخذ في علم الحديث على الفقيه ~~عبد الهادي القويعي الحضرمي الشافعي، ولكنه مع ذلك كما روى عنه كان ~~جاروديا، فلا قوة إلا بالله العلي العظيم، وكان ظن مخايله خلاف ذلك لأمرين: PageV01P615 # أحدهما: كونه كان ملازما للأمير عبد الله المعافا، الأمر الثاني: أخذه في ~~بعض علم الحديث، وله من التصانيف (شرح الفصول) في أصول الفقه، شرح نقل لا ~~شرح نظر؛ لأن الرجل كان نقالا لا نظارا، وله مختصر في علم اللطيف، وله سيرة ~~للإمامين القاسم بن محمد وولده المؤيد في جزئين ، وله شرح على (الأزهار)، ~~تحصيل ms254 حاصل نقله من شرحه المعروف، ولم يكن في مصنفاته فائدة، ومن جملة ما ~~رأيته في (شرح الفصول) في باب الإجماع تخطئة الإمام يحيى والإمام المهدي ~~أحمد بن يحيى في قولهم بأن حكم أبي بكر في فدك صحيح، وأن قولهم هذا مخالف ~~لإجماع أهل البيت وإنهما مسبوقان بالإجماع، وهذا قول ساقط باطل فإنه لا ~~إجماع بل قول زيد بن علي ظاهر في تصحيح ذلك وهو إمام الزيدية، وقائل: بأن ~~الإمامة في قريش يعرف ذلك من عرف، لكن الفقيه علي المذكور حمله الميل إلى ~~مذهب الجارودية. ومن غرائبه أنه سأله سائل عن كفارات وصية معه يدله إلى من ~~يصرفها فقال له:[236/أ] اصرفها في بني هاشم، فإنهم أحق بها، وهذا مخالف ~~لنصوص العلماء؛ لأن الفقراء من بني هاشم تحرم عليهم الزكاة والكفارات ~~باتفاق العلماء، بحيث أن السائل لم يعمل بقوله؛ لأنه حنفي المذهب، وقال لي ~~السائل: إنه قال له عند جوابه اصرفها كذلك ولا تقل لأحد أني قلت لك به، ولا ~~دليل له عليه، بل ذلك من رأيه الذي لا يلتفت إليه استنادا منه إلى أن فقراء ~~بني هاشم في ضرورة فهم أحق، ولكن لا تحقق الضرورة معهم، فإن من قال بجوازها ~~للضرورة حيث تحققت معهم، مع أن الجمهور على خلافه. # وفي هذا العام حصل في الموسم الهندي حركة في البيع والشراء بالمخا، حتى ~~راح الآخر بلا شيء من التجار، ونقص فيه سعر الذهب عن العادة، قالوا: ما ~~يأخذوا الحرف الأحمر إلا بقرشين إلا ثمن. PageV01P616 # وفي النصف الآخر من شهر رمضان ظهرت نار عظيمة في الجبل المقابل للمخا في ~~البحر تلتهب وترمي بالشرر إلى البحر وتصعد في السماء كالمنارة العظيمة، ~~يرونها كذلك في الليل من الجبال اليمانية البعيدة كجبال وصاب وغيرها وفي ~~النهار يرون دخانها كالسحاب، وظهر في خلالها نتن في البحر بسبب موت كثير من ~~الحوت المقارب من الجبل، لما حصل من حرة وهجها وقذف البحر بشيء منها إلى ~~ساحل المخا، وحصل في المخا زلازل شديدة ثم تعقبه حريق حرق فيه النصف ms255 فأكثر. ~~وركب السيد حسن [236/ب]، الوالي عليه في البحر بأهله وأولاده، وفات عليه من ~~المنقولات بالنار كثير وعلى غيره من الساكنين، والنار يومئذ في الجبل ~~المقابل للمخا باقية، يقال للجبل: سقار- بضم السين المهملة ثم قاف ثم راء- ~~مشهور هنالك، حتى إذا كان أول شوالها نزل عليها مطر من السماء أطفأها وزال ~~بسببه لهبها واضمحل أمرها، فلله الحكمة فيما يشاء. # وقد كان اتفق من النار نار عظيمة في الجبال السبعة بين كمران ودهلك ، ~~كان يرى من جبال سردد كحفاش وملحان وفي النهار يرى دخانها كالسحاب وذلك في ~~المائة الثامنة ، وكان بعدها ما حصل من الفناء العظيم باليمن المشهور، نسأل ~~الله العفو والعافية. # وكذلك ظهور النار التي ظهرت قرب المدينة بالحجاز التي كان وعد بها ~~النبي صلى الله عليه وسلم، كانت تأكل الحجر ولا تأكل الشجر، وحصل عقبها فتنة التتار المشهورة. # ورأى في شهر رمضان كثير من الناس السماء منشقة وخرج منها نور أضاءت له ~~الأرض، هكذا رواه من رآها كذلك من الثقات وذلك في العشر الآخرة من رمضان، ~~ولعلها ليلة القدر؛ لأنه قد روي أنها قد تظهر كذلك، والله أعلم. PageV01P617 # وفي آخر رمضان[237/أ] وصل كتاب من الشريف بركات إلى المهدي، يذكر فيه أنه ~~بلغ خروج كثير من باب السلطان هذا العام، فكان كما قال، امتلأت مكة من ~~عساكر السلطان أيام الموسم، وذلك أنه حج كثير من الكبراء والأمراء وبعض ~~خاصة السلطان من أولاده وبعض الوزراء والأمراء والأعيان. # وفي يوم الخميس ثاني عشر شهر شوال توفي السيد الشريف العارف غوث الدين بن ~~يحيى بن غوث الدين بن مطهر بن الإمام شرف الدين بمدينة صنعاء، كان سكونه ~~ومستقره بها من دولة السلطنة، وكان عارفا بالعربية، ومشاركة في غيرها، قرأ ~~على الفقيه عبد الرحمن الحيمي وعلى السيد محمد بن عز الدين المفتي المؤيدي، ~~وعلى الفقيه أحمد بن سعيد الهبل ، وكان قد لقي كثيرا من العلماء الأولين ~~مثل السيد صلاح الحاضري السراجي، والقاضي إبراهيم السحولي وغيرهما، والرجل ~~كان حسن الطريقة إلا أنه دخل عليه آخر مدته ms256 عقيدة الجارودية، فلا قوة إلا بالله. # وفي هذا الشهر هرب جماعة من العبيد الخيالة من أصحاب المهدي إلى عند صنوه ~~حسين صاحب رداع، وقال: ما كساهم المهدي في عيد رمضان، ولا عد لهم جوامكهم. # وفي شهر القعدة وصل جواب[237/ب] المهدي من العماني إلى عدن ثم إلى حضرته، ~~ولم يعرف ما لفظ جوابه إلا رواية أنه قال: عساكره مأمورة بالكفار من الفرنج ~~والبانيان، أينما وجدوهم في البحر أخذوهم، ولم يأمرهم بتعدي إلى بنادر ~~اليمن كما أجاب به على المتوكل. # ووصل خبر في هذا الشهر حصول قضية بالمدينة المشرفة فرقة بين عساكر ~~السلطنة، راح فيها جماعة، وقتل فيها حاكم الشريعة، فطلبهم باشا مصر وقتل ~~بعضهم ومحى الباقون من الدفتر ونكل بهم، وأبدلهم بغيرهم. # ودخل المهدي صنعاء في شهر الحجة عقب العيد، وبقي قدر نصف شهر وأراد جمع ~~قاسم بن المؤيد وصنوه حسين وولده محمد، فاعتذر الجميع وقالوا: يلزمهم نفقات ~~ولا موجب، فعاد الغراس. PageV01P618 # وفي هذا الشهر غزا برط إلى البراغشة من بلاد عذر، فقتلوا منهم ستة، وقتل من ~~برط اثنان، وغزوا بعد ذلك إلى سفيان، وقالوا: ذلك الجميع لقتول بينهم. # وفي هذه الأيام ظهر مجنونان أحدهما: ادعى النبوة وأنه قد رفع عن الناس ~~الصلاة والصيام، وأن السماء قد امتلأت من الصلاة والصيام، فلم يبق بها ~~اتساع، والآخر قال: إنه يطلع السماء[238/أ] ومعه بيرق يسير به مع العسكر، ~~وخرافات المجانين كثيرة، نسأل الله العفو والعافية. # وفي شهر الحجة منها مات محمد بن زيد بن محسن المكي ببيت الفقيه بتهامة؛ ~~لأنه سكنه منذ خرج هاربا من مكة حال أن طرد سعد عنها، ولما مات طلع أصحابه ~~إلى المهدي، وانضم إليهم بعض أولاد سعد بن زيد يطلبون السبار، ورأيت من ~~أصحابهم من يطلب الصدقة في الأبواب. # وفي هذه الأيام أرسل المهدي إلى اليمن الأسفل أن الولاة الذين قد اكتسبوا ~~فيه الأموال كالشيخ راجح وولده، والسيد جعفر الجرموزي صاحب العدين وغيرهم ~~يسلمون الذي على ما لهم من المطالب، بعد معرفة ذرعه، فتضرر أولئك، وقالوا ~~بأيديهم مراسيم ms257 وخبريات من المتوكل وغيره. # ووصل خبر في هذا الشهر بأن العماني سلطان بن مرشد توفي ببلاده، وأقيم بعض ~~أولاده. ### |PARATEXT| # بهجة الزمن # في # تأريخ اليمن # ليحيى بن الحسين بن القاسم # الجزء الثالث # [1/ب] # الحمد لله، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. PageV01P619 ### | ودخلت سنة إحدى وتسعين وألف # في محرمها جاء خبر الحاج أنه كان فيه كثرة وقوة، خلاف العادة السابقة، ~~وأن القوة كانت للشامي، وفيه كثير من الأمراء والأعيان من الروم. وقيل: إن ~~فيه كان حاجا ولد السلطان محمد بن عثمان، وبلغ الناس في منى إلى وادي محسر ~~، واستغرق العسكر كثيرا من بيوت مكة، حتى بيت المتوكل الذي بمكة، كان شراه ~~في المدة السابقة، وكان ينزل فيه الحاج فرحان في أيام سعد بن زيد. وأما ~~الحاج اليماني فكان ضعيفا إلى الغاية، وخرج حاج اليماني قبل عزم الركب ~~الشامي والمصري، ولبث حاج الشامي والمصري زيادة على عام قبله بمكة، ثم ~~ساروا بعد عزم اليماني. # وفي يوم السبت آخر شهر محرم مات القاضي أحمد بن جابر العيزري الأهنومي ~~بمدينة صنعاء. كان المذكور له معرفة بفقه الهدوية، لا غيره من الفنون ~~العلمية. وكان متنسكا يتشبه بالصوفية، ويخدم نفسه من السوق بالحاجات ~~السوقية، ويحملها بيده وعلى جنبه، وكان كثيرا من أيامه يخرج بطعام في جرابه ~~،ويطوف به في السكك يطعم منه من تبعه من الغرباء والكلاب، حتى أن الكلاب ~~تتعلق بثيابه وهو يلقي لها ما تأكله، وكلما رأته كلاب المدينة تكاثرت عليه ~~وتبعته، وسأله بعض السائلين كيف يصلي في ثيابه، وقد تنجست من الكلاب التي ~~تعلق[2/أ] بأطرافه وأهدابه، فأجاب بأنه يطرح عباية حال صلاته ............. ~~في المصر وغيره على رأي إمامه الهادي، وقد كان آخر أيام المتوكل إسماعيل بن ~~القاسم أيضا لا يصليها، قال: لتغير سيرته فيها، فتركها، وقبر بخزيمة جنب ~~القاضي إبراهيم بن حسن العيزري ، وكان من آخر يوم الخميس ويوم الجمعة، ومات ~~بكرة يوم السبت. # روي عن زوجته أنها قالت: كان يقول حال مرضه هذا وشدة ألمه مخاطبا: لم ~~تقتلوه؟ ولا يدري من ms258 يخاطب بذلك. PageV01P620 # قال الراوي: فيحتمل أن يكون من قبيل حديثه من الجان، لأنه كان يقول: إنه ~~مخدوم وإنه سيحضرهم، والحكمة لله، فإنه قد ورد في قوله تعالى: ك{الذي ~~يتخبطه الشيطان من المس } أن الصرع أحد أنواعه من قبل الجان، ومنهم من يموت ~~من ذلك، وأحد أنواعه ألم من قبيل البخار، والتخلية قد تحصل لمن أراد الله، ~~كما قال تعالى في سياق الحفظة من الملائكة:{ يحفظونه من أمر الله } . # {وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له } ، ونسأل الله العافية والكفاية. ~~وهذا أحد الأشياء الذي ينبغي ترك تعاطي طلب الاستخدام بالرقى[2/ب]، فإن ذلك ~~يحتاج إلى كمال شروط التقوى، لتكون اليد قاهرة وشروط الولاية والعصمة عسرة، ~~نسأل الله الثبات على السنة. وكان المذكور مع هذا يحكم بالقضاء، ويتولى فصل ~~الشجارات لمن إليه أتى، من غير ولاية له من المتوكل ولا من بعده، وقال مرة ~~لمن سأله عن ذلك وكيف تقضي من غير ولاية؟ فقال: إنه لا يحتاج إليها، فإن ~~ولايته من الله تعالى. # وفي هذه الأيام اتفق أن رجلا رقد النهار بجامع صنعاء، فخرج حنش من الحيات ~~يسعى في المسجد حتى دخل سروال ذلك النائم، فقال الذين رأوه: دعوه لا تحركوه ~~لئلا يضره ولا تنبهوه، ثم خرج من سرواله لما لم يجد منفذا، والرجل نائم، ~~فلما قام من نومه أخبروه بالقصة، فحمد الله على السلامة. PageV01P621 # وفي شهر صفر جد المهدي أحمد بن الحسن بإخراج اليهود من اليمن، وأرسل عليهم ~~مترسمين ومتقاضين لهم ومخرجين، فخرج يهود صنعاء وجميع بلادها ما بين شهارة ~~وسمارة، ونزلوا إلى جنوب موزع، حسبما أمرهم بأهليهم وأولادهم. وكان نزولهم ~~إلى هذا المحل بمشورة محمد بن المتوكل، فإنه لما عرض أحمد بن حسن عليه ~~الكلام في حديثهم، وكان محمد بن المتوكل غير راض بإخراجهم، ورأى أن المهدي ~~قد أصر على إخراجهم أشار بأنه إذا كان ولا بد فإلى أطراف اليمن كبلاد ~~السواحل، ولم يعرف أن ذلك لا يتم لهم لتفرق معايشهم في أرض اليمن لحرفهم ~~وأشغالهم، واجتماعهم في محل واحد ms259 لا يحصل نفاق لمهرهم وصناعاتهم[3/أ] ~~ونفعهم وانتفاعهم، فكان أرادوا بالخروج إلى سواحل تهامة في الجهة الغربية ~~مما يلي بلاد المهجم والكدر ، فمنع أهلها عنهم وقالوا: عليهم ضرر بتضيق ~~مراعيهم وحقوقهم وبلادهم، وأن ذلك لا يتم لهم، فعدلوا إلى تهامة الجنوبية ~~بنواحي بلاد موزع. وتضرر أهل البلاد منهم، وهم أيضا تضرروا لعدم تمام نفاق ~~معايشهم، فرجع أكثرهم إلى حيث كانوا، والقليل منهم تفرقوا في اليمن الأسفل ~~وقروا. وكان قد باعوا بيوتهم بصنعاء وغيرها بنصف قيمتها إلا اليسير منها، ~~وكان بعض من اشتراها قد خربها وباع مؤنتها وحجارها وأخشابها. ولما تفرق ~~اليهود كما ذكر كتب أحمد بن الحسن إلى صاحب أوسة بسواحل الحبشة أنهم ~~يخرجون إلى جهاته وله جزيتهم، فأبى ذلك، وأجاب على المهدي أن البلاد ~~للسلطان، فأمر لهم في السكون حيث كانوا، فمنهم من رجع إلى تلك البلد التي ~~كان فيها، ومنهم إلى قريبها. ويهود صنعاء عمروا لهم غرب بير العزب خارج ~~صنعاء ديما وبيوتا في أطراف أصلاب كانت بجانب الوقف استأجروا أرضها ~~وعمروها. # وضرب أحمد بن الحسن ضربة جديدة فيها بعض أخلاص مع صغر البقشة، حتى بلغ ~~الصرف لأجلها القرش بأربعة. PageV01P622 # وفي هذه الأيام وقع سؤال بحبور في كتابة الترضية على الصحابة رضي الله عنهم ~~كيف تكون فيمن خرج على علي بن أبي طالب كمعاوية، وعمرو بن العاص، والمغيرة ~~بن شعبة وأشباههم فيمن كتبها من الشافعية في الأصل على مذهبهم؟ وكان ~~الناسخ لا يروي مقالهم، فأجاب السيد يحيى بن إبراهيم بن جحاف: أنها تكتب من ~~الأصل على حالها حكاية لقول المصنف ولا ينبغي تغييرها، وأجاب صنوه إسماعيل ~~بن يحيى جحاف بحذفها[3/ب]. والجواب الأول هو الصواب؛ لأن كتابة ما لم يكتبه ~~المصنف أو حذفه من الكذب عليه والتحريف لكلامه وتغيير قصده ومراده؛ لأن ~~المصنف إنما يضاف إلى مصنفه، فلا يغير مقصوده وما قرره، والله أعلم. # وفي شهر صفر وقع فيما بين أهل صبيا وبني حبيب من القبائل التي حولها مما ~~يلي الجبال شرقيها، وذلك أن السيد صاحب صبيا غزا بعض صرومهم ms260 فيها، فانتهبهم ~~وسار بمواشيهم، فتغاور القبائل وصاحت عليهم، فتبعوهم، فوقع بينهم مقتلة، ~~راح من الأشراف جماعة، واستردوا حقهم منهم، ثم صالوا من بعد على أطراف صبيا ~~قصاصا بما جرى معهم على زعمهم، فلم يقدر الشريف إلى دفعهم لركة يده، فكتب ~~إلى المهدي أحمد بن الحسن بالإمداد لهم، فكان أهم،ثم ترك ذلك ووعدهم. # وفي هذا الشهر وصل إلى صنعاء جماعة من عساكر السلطنة الذين كانوا مع ~~الباشا علي، الذي سكن في اللحية بعد أن عزم الباشا وبقي بعضهم فيها، فلما ~~وصلوا باب السبحة وقفهم والي المدينة حتى يستأذن لهم، ثم دخلوا صنعاء وهم ~~قدر ثلاثين نفرا بسلاحهم وبنادقهم، ثم خرجوا إلى حضرة المهدي الغراس. # وفي يوم السبت تاسع وعشرين شهر صفر أكسفت الشمس على مضي سبع ساعات أو ست ~~في برج الحمل، وكان المنكسف منها يسيرا بحيث لم يدرك كسوفها[4/أ] أكثر ~~الناس، وصلي لها صلاة الكسوف بالروضة لمشاهدتهم لها، ولم يصل لها في صنعاء ~~لاتفاق سحاب حجبها. PageV01P623 # وخرج يومئذ محمد بن المتوكل إلى الغراس، ووصل يومئذ محمد بن المهدي صاحب ~~المنصورة التي باليمن الأسفل بعد تكرر الاستدعاء له من والده وكثرة ~~المواعدة له، فكان وصوله صنعاء نصف ربيع الأول. وكان خروجه من المنصورة وهو ~~في غمرة التردد وتقديم رجل وتأخير أخرى، وسار إلى السواحل الجنوبية والبلاد ~~التهامية ما بين عدن وموزع، ثم عاد إلى قعطبة، ثم طلع إلى الجهة الرداعية ~~وافق عمه حسين بن الحسن، ثم تقدم إلى حضرة والده، وكان المتوسط والساعي ~~بينه وبينه محمد بن المتوكل، وجعلوا له بلاد حيس، وكانت في ولاية السيد زيد ~~بن علي جحاف. ولم يلبث عند والده بالغراس إلا دون الشهر وعاد إلى بلاده، إذ ~~كان قد رحل من البلاد العليا بجميع أهله وأولاده. وأطلق والده يده في ~~الأوامر والنواهي باليمن الأسفل في إنصاف الشاكي. ووالده المهدي خرج عقبه ~~من الغراس يوم الإثنين رابع عشر شهر ربيع الثاني إلى الشرفة ما بين بني ~~حشيش وبين بلاد نهم، فاتفق وصول نهم وهم يضربون الريح تجاه ms261 أصحابهم[4/ب] ~~فمنعهم بنو حشيش من ضرب الريح في بلادهم، كما هو عادة القبائل منهم، ~~وقالوا: يدخلون بغير طاسة ، فحصلت بينهم الفرقة، ولولا دخول خيل أحمد بن ~~الحسن لفك الفتنة لحصل ما حصل منهم من المحنة. وعقر حصان السيد صلاح ~~الديلمي بضربة، فلما اتفق هذا منهم تثاقل المهدي فوقهم وخطط عليهم الحاضرين ~~بالأقوات حتى حصل الضرر معهم، ثم خرج عن بلدهم بعد مرور أيام. # وفي خلال ذلك وصل رتبة جبل ضوران شكاة من حسين بن المتوكل وما نالهم منه ~~من التقصير فيهم، فطلب حسين إلى صنعاء وعوتب في ذلك الذي جرى، وخصوصا مع ~~أجرة يده في بلاده واعتلاقه، ولوم على محمد صنوه، ولا تأثير له معه، فبقي ~~بعض المدة بصنعاء حول نصف سنة، ثم عاد إلى ضوران على ما يعتاده من البلاد، ~~وكان حسين هذا يسمر في الليل طويلا وينوم آخره، فيثقله النوم حتى تفوت عليه ~~صلاة الفجر في بعض أيامه. PageV01P624 # وفي هذه الأيام بشهر ربيع زاد المهدي في دفعة بلاد حجة قدر ألفين حتى ~~أوفاها إلى السبعة، وكانت من قبل أربعة، فدخل فيها السيد علي بن حسين والي ~~حجة، ورفع أحمد بن الحسن عن بلاد حجة مع هذه الزيادة[5/أ] زائد الربع، وكذا ~~زيد على والي ريمة السيد إبراهيم بن علي بن جحاف، وأزيلت يده عن ولايتها ~~وتولاها حسن ناجي من الكلبيين، ودفع إلى محمد بن المتوكل كل شهر ستة آلاف ~~بعد أن كان يدفع السيد إبراهيم ثلاثة. # وأزيلت يد السيد زيد عن ولاية بيت الفقيه بعد حيس، ولم يبق مع السيد زيد ~~إلا بلاد زبيد، والسيد قد توسع كثيرا في بيوته وجواريه وخدامه، فحصل معه ~~ومع بني جحاف ما حصل من الشدة والضرر هذه المدة. وكذلك تقاصرت أحوال ~~تقاريرهم في بلاد حبور وما يعتادونه من سباراتهم ، وكذلك بلاد شهارة حتى ~~رحل كثير من أهل شهارة عنها من الذين كانوا في الأصل من غيرها، والدنيا ~~تقلب بأهلها، وفيها عبر لمن اعتبر فيها. PageV01P625 # وفي سابع وعشرين شهر ربيع الآخر كان خروج المهدي ms262 من الشرفة، بعد أن لبث ~~فيها قدر نصف شهر، وجاءت طريقه إلى بلاد سنحان من خلف جبل نقم، ثم خرج إلى ~~سوق الجمعة ثم إلى ثوبان ، ووصل إليه صنوه حسين من رداع والتقوا في ذلك ~~المكان. وقبض المهدي جماعة من أهل المشرق من المتشاجرين، وضرب في أعناقهم ~~الزناجير، وحصل في مروره هذا على بلاد بني بهلول ومسور معرة مع ضعف بلادهم ~~هذه المدة، وطاف المهدي وادي نيعة، ولم يستقر فيها لأنها وبية[5/ب]، وفيها ~~حيات كثيرة، وكان وصول صنوه إلى ثوبان يوم الخميس ثالث وعشرين شهر جمادى ~~الأولى، ولم يتلفق بينهم كلام في شأن إرادة المهدي بدخوله معه إلى صنعاء، ~~واعتذر عن ذلك المجرى، ثم سار حسين إلى ذمار واعدا له باللحوق. وأحمد بن ~~الحسن سار إلى زيلة يكلا وانتظره فيها، ثم وصل إليه صنوه حسين إليها، ~~وأصدق الإعتذار وأن دخول صنعاء يشق عليه النفقات واللوازم فيها، فعذره ~~يومئذ ومنها تفرقا، فرجع حسين إلى بلاد رداع، وأحمد بن الحسن دخل صنعاء ثم ~~خرج الغراس مستقره. # وفي هذه الأيام ظهر في أيدي الناس......... # وفي هذه الأيام وافقني رجل من جند السلطان الذين طلعوا من اللحية، فذكر ~~انه أسلم بالمصوع، ثم دخل مكة وحج وزار النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقرأ ~~القرآن، ثم دخل الروم، ثم خرج مع الباشا علي، فلما عزم الباشا بعد أن استقر ~~باللحية قدر ستة عشر شهرا، سنة وأربعة أشهر طلع صنعاء. # قال: وكان خيالا معه حصان مات عليه في الطريق عند طلوعه حولي بلاد ~~المحويت، ومعه زوجته وأولاده، وكان تأهل بالحبشة، وإنما رحل الروم برأسه. # قال: وبقى عند حسين بن المتوكل[6/أ] من أصحاب الباشا الأتراك قدر سبعين ~~نفرا من غير الذين رجعوا مع الباشا علي، ووصف قوة السلطان محمد بن إبراهيم ~~بن عثمان هذا الأوان، وكثرة استفتاحه في بلاد الفرنج النصارى، واستيلائه ~~على بلاد مالطة وبلاد الجريد وغيرها. PageV01P626 # قال: وهو يقرب لصاحب الحبشة الذي كان وصل إليه القاضي حسن الحيمي أيام ~~المتوكل، الذي أرسله في الأيام السابقة، ms263 وأنه حال وصوله وهو هنالك قبل أن ~~يسلم، وخرج من بلاده محبة في الإسلام. وأن ملك الحبشة العليا في جبالها من ~~النصارى كان محبا للإسلام، لكنه لم يقدر على إظهاره خوفا من النصارى أهل ~~بلاده، وأنه كان في الباطن مسلما، ومات على الإسلام، هذا خبره الذي أخبر به. # وفي هذه الأيام ظهر في أيدي الناس ذهب أحمر، ضربة الدينار، ووزنه وزنه ، ~~ولكن رسمه مخالف، فيه: بسم الله الرحمن الرحيم وما توفيقي إلا بالله، توكلت ~~على الله، وداخلها الله حق ناصر الحق المبين، وفي الجانب الثاني: أحد ~~وتسعين وألف، ضرب بحضرة أو .... حاطها الله، هذا لفظه، ولم يصرح باسم ~~الضارب على هذا، ولم يعرف من ضاربه أصلا، ولكن خروجه مع موسم الهند وظهوره ~~من المخا، وقيل: إنه فهم ضربة فاس وهو في المغرب الجوان صاحبه الشريف ~~الإدريسي، وعنده معدن الذهب الشريفي الذي يضرب منه في مصر، وهو هناك أمير ~~مستقل شريف مالك، يهادي السلطان، والسلطان له أكثر المغرب الجوان كتونس ~~وجزيرة الأندلس. # [6/ب] وفي شهر ربيع الآخر هذا لما دخل أول المراكب الهندية إلى بندر ~~المخا دافع الفرنج بآخرهم في أطراف باب المندب قدر مركبين من مني بار ثم ~~عادوا، وكان مرادهم بمراكب أهل عمان، إلا أنهم فاتوا عليهم. # ووصل رجل خواجا من الرافضة الاثني عشرية إلى حضرة المهدي، أعطاه من ~~الهدايا وجازاه فيها، وعاد إلى بلاده. PageV01P627 # وفي يوم السبت خامس وعشرين شهر جمادى الأولى مات القاضي العارف أحمد بن ~~يحيى السحولي بصنعاء، وكان له معرفة بالفقه ومشاركة يسيرة بالنحو، وكان ~~خطيبا بجامع الروضة، ويتولى بعض الأشياء في القضاء بعد أن كان أمره المتوكل ~~بعد وفاة صنوه حسين قاضي صنعاء، فاعتذر عنه، وكان يتولى الأمور الخفيفة لا ~~غيرها، وكان نشوءه وقراءته في زمان محمد باشا، وهو يعرف جعفر فمن بعده. ~~وقبر جنب إخوته إبراهيم وحسين بالمحاريق، خارج باب اليمن. # وفي شهر جمادى الثاني غزت دهمة إلى الجوف، ولم يتم لهم النهب[7/أ] بل ~~دفعهم الجوف، ثم أرسل المهدي الجوف لدفعهم، فجاءوا وقد ms264 هربوا. وكتب المهدي ~~إلى محمد بن المتوكل كيف هذا جرى من برط؟ بعدما قرره عليهم من المواثيق ~~والعهود عند دخوله إليهم، فأجاب محمد: أن الذي جرى إنما هو في التعرض لطريق ~~العمشية من صعدة وصنعاء، وأما غير ذلك فلم يذكره. واتفق أنه كان عند المهدي ~~هذه الأيام جماعة من برط، فقبض من كل حبل واحدا وحبسهم حتى يعود ما أخذوه ~~من الجوف؛ لأنهم عادوا إلى مكان آخر انتهبوه، فأعادوا بعضه، وبقوا في الحبس مدة. # وفي هذه الأيام ترسل القاضي أحمد بن صالح بن أبي الرجال إلى المهدي في ~~شأن اليهود فيما جرى لبعضهم من الإنتهاب، وأنه لا ينبغي، فأجاب عليه ~~المهدي: إنما ذكرتم لعله لتأخر المصروف، فصدرت حصة ثلاثة أشهر. والقاضي ~~المذكور كثير التلون والآراء البعيدة والمناقضة، فإنه هو الذي حرض وشدد ~~وترسل بإخراج اليهود من جزيرة العرب رسالة ثم ناقضها، كما ترى. كما قال ~~شاعرهم : # يوم بحزوى ويوم بالعقيق وي # وم بالعذيب ويوم بالخليصاء # واليهود قد............ # [7/ب]وفي شعبان عادت النار بجبل سقار، التي كانت فيه العام، بقت مدة ثم ~~زالت، والحكمة لله تعالى. PageV01P628 # وفي هذه الأيام بشهر شعبان أرسل المهدي أحمد بن الحسن رسالة فيها عقيدته، ~~وقال الخطيب يخطب بها يوم الجمعة، وخطب بمثلها بالغراس حضرته، فخطب بها ~~الفقيه محمد السحولي عقب الصلاة يذكر فيها عقيدة الهادي، فعجب فقهاء ~~الهدوية منها، وقالوا: هذا من تعريف المعروف، لا حاجة إليه، فإن الفقهاء ~~الهدوية يعرفونها، وظن بعضهم أنه ربما رفع لمن ....... بعقيدة الرافضة، كما ~~سبق من قصيدة الفقيه علي بن أبي الرجال، ولكنه صار يعظم يوم الغدير، ولم ~~يعرف في عقيدة الهدوية، والله أعلم بحاله، لكنه قيل: أن أول من أبدعه ~~المتوكل وهو بحبور، أعني يوم الغدير. # وفي هذا الشهر أظهر المهدي التجهيز إلى بلاد صبيا، معونة لصاحبه في غزو ~~بلاد بني حبيب؛ لأجل ما قد كان وقع منهم أول السنة، كما تقدم ذكره، وطلب ~~محمد بن المتوكل لأجل ذلك وأمره به، فلم يطابق رأي محمد بن المتوكل ما ذكره ~~له، ms265 ولكنه لما لم يحسن في مخالفة أمره، قال: هذا شهر رمضان داخل لا يصلح ~~فيه حركة، ويكون هذا من بعد إن شاء الله فساعده. ولما عاد محمد إلى الجراف ~~ودخل من حضرة المهدي من الغراس طالبه العسكر في الجامكية والحساب، فاستحمق ~~عليهم وأخذ الجريدة لضربهم لما في نفسه، وعند هذا فتح[8/أ] المهدي العدد ~~لعسكره ووعدهم بالحركة لعقب العيد من غير مخالفة. ووصل إلى حضرته أحمد بن ~~المؤيد من بلاد وادعة بمن معه من بلاد الظاهر ، لما حصل بينه وبين صنوه ~~القاسم صاحب شهارة التشاجر والتنافر، ويطلب من المهدي أن تكون جميع وادعة ~~إليه مع غيرها، فوعده بذلك وطابق غرضه، لمنافرته لصنوه القاسم؛ لأجل ما ~~يحصل من ركة شوكته. PageV01P629 # ولما كان غرة شهر القعدة الحرام جهز ولده حسين بن المهدي وصنوه إبراهيم إلى ~~تهامة، فساروا، وجمع معهم من العسكر نحو ألفين، وأمر بني عمه وولده صاحب ~~المنصورة كل واحد منهم بعينة، فبعث كل واحد منهم مائتين، وساروا غرة الشهر ~~المذكور. واقترن حال خروجهم ظهور نجم الذنب من المشرق وقت السحر، فبقي نحو ~~سبعة أيام، ثم طلع إلى قرينه نجم آخر، كان بينهما نحو المنزلة، فلما قاربه ~~لم يبق إلا نحو ذراع، بينه وبينه أسفل النور وهو الذنب الذي بالأعلى إلى ~~الأسفل وتباعد عنه به وسلب ذلك الذنب من الأعلى ثم غرب، فبقى في الغروب ~~بقية الشهر، ثم ظهر من المغرب غرة شهر الحجة بذنب[8/ب] عظيم وشعاع كبير ~~جسيم معتدل نحو الشام، وكان أصل ابتدائه بالمشرق ببرج العقرب، ثم قطع القوس ~~في الغيبة، وظهر من المغرب في آخر برج الجدي، ثم ارتفع وظهر من أسفله ~~النجم، ودخل برج الدلو ثم الحوت واضمحل في آخر الحوت في أول محرم من السنة ~~الآتية، فالحكمة لله والقدرة له، وهال الناس ما رأوه من ذلك. # ولما سار أولاد المهدي بمن معهم طريق بلاد الظاهر وبلاد عذر والهجر، ثم ~~خرجوا إلى عقبة القيرة ووادي جيزان ثم تهامة طريق الحاج، إلى أن بلغوا إلى ~~أبي عريش وصبيا واستقروا ms266 بها، وكانوا مجتمعين هم والحجاج، فترجح لحسين ~~النفوذ للحج وبقي هنالك بالعسكر صنوه إبراهيم. وأمر المهدي بالسياق من جوار ~~جبال حراز ومساقط لاعة وحجة والشرف ومن غرابيها إلى هنالك، لضعف تهامة ~~الشامية هذه السنة، وقبائل بني حبيب ترفعوا إلى جبال الحشر وشعابها. # واشتد الجوع يومئذ ببلاد برط من دهمة، ونجعوا وتفرقوا بعضهم إلى بلاد ~~صعدة وبعضهم إلى بلاد صنعاء، وخلت في بلادهم قرى، تعجيل عقوبة لهم بإضرارهم ~~بطرق المسلمين. PageV01P630 # [9/أ]وفي هذه الأيام بشهر الحجة الحرام حصل بقدرة الله تعالى زلزلة في بلاد ~~ثلا وبلاد عفار واتصلت إلى بلاد همدان، فالقدرة لله تعالى فيها، وكانت ~~بالثلث الآخر من الليل، وآخره شيء يسير بنواحي الرحبة والغراس منها. # وفي آخر شهر الحجة مات الشيخ راجح متولي بلاد همدان، ولاه المهدي بعد ~~وفاة الحرة، وكان قبل ذلك متوليا في زمان المتوكل لبلاد تعز وجبل صبر ، ~~وكان المذكور جائرا طالما شكاه أهل جبل صبر إلى المتوكل، فلم يشكهم ولم ~~ينصفهم بعزله، ولا حط عنهم ما زاده من المطالب، وقرره، وضعفوا وركوا كثيرا ~~للجور فيهم، وشاجرهم وأخذ كثيرا من أموالهم بأبخس الأثمان، ثم قضى الله ~~وفاته بصنعاء بعد طلوعه من عدن، مما عليه للمهدي من مال البندر، وأصله من ~~بني الكينعي، جنوبي جبل ضوران وغربي ذمار. # وفي هذه الأيام اتفق أن رجلا من أهل الشرف لما رأى القاسم صاحب شهارة ~~يكثر الآداب بالدراهم على كل من شكاه من الآداب بحق أو باطل، ويصادق قول ~~الناقل، فكتب إليه شكوى من مسعود أنه قال: يأكل عليه من عنبه ويغيره، فأرسل ~~بأدب عليه قدر عشرة حروف، فوصل إلى البلد فلم يجد واحدا اسمه مسعودا غير ~~كلب، قال ذلك الناقل إنما هو أراده، وقال لقاسم: أنا أردت بهذا...... تكفوا ~~عن تصديق الناقلين. PageV01P631 ### | ودخلت سنة اثنتين وتسعين وألف # في أول محرمها جاءت أخبار الحجاج بأن الحج كان مباركا على العادة، وأن ~~السلطان أرسل بدراهم واسعة في تنفيذ العين الزرقاء المباركة عين مكة إلى ~~وادي فاطمة، ثم تجر إلى بندر جدة. # وفي ms267 محرمها وصل الخبر مع الحجاج بنو عضببة أن حال مرورهم السراة وبنو ~~حبيب الذين بجوار جبال [9/ب] بلاد صبيا ومساقط جبال الحشر لقوهم هاربين ~~طالعين جبل السراة، وذكروا أن أصحاب المهدي قصدوهم إلى بلادهم، فاستأصلوا ~~......... وهربوا عنها. وكان ولد المهدي هو رئيس القوم قد استقر أولا بدرب ~~ملوح ما بين صبيا وبينهم، ثم تقدم عليهم، فهربوا عن بلادهم إلى جبال ~~السراة. # وفي هذه الأيام قرر المهدي الجزية على اليهود، الذين كان حرج عليهم ~~وشردهم وأراد إخراجهم، فلمالم يستقر لهم القرار في البلاد الموزعية وعادوا ~~متفرقين في البر لطلب المعيشة أهملهم هذه المدة، وراحت عنهم الجزية حول ~~سنة، بسبب تنقلهم من جهة إلى جهة وعدم طلبه للجزية، ثم قررها عليهم هذه ~~المدة، فاستأنفوا العمارة لهم والشراء والكراء للمساكن في القرى، كل رجع ~~إلى محله أو ما يقرب منه، ويهود صنعاء قال: يعمروا لهم جنوبي بير العزب ~~خارج صنعاء، فعمروا لهم بيوتا هنالك. PageV01P632 # ومما اتفق أن رجلا يقول أنه شريف، أصل جده من المغرب الجوان، وأن والده سكن ~~الحجاز، وأنه انتقل إلى اليمن، وأنه سكن في برع ثم صنعاء ثم كوكبان،[10/أ] ~~ويسأل من التأريخ وقال: أن جده ذكر الشرجي في الطبقات بعد أن ذكر أنه مات ~~بالمغرب وقال: اسمه إبراهيم، ولا أصل له، لأن الشرجي إنما يذكر في طبقاته ~~من كان باليمن الأسفل لا غيرهم. وقال المذكور: أنه يعرف تأريخ الشيخ حسين ~~الأهدل ، فقلت له: نعم التأريخ له مشهور، وله غيره من المصنفات مثل شرح ~~(دعاء أبي حربة ) ، فقال لي المذكور: ليس شرح دعاء أبي حربة له بل لغيره، ~~فعرفت جهله. ثم قال: والشيخ حسين الأهدل سيد، قلنا: نعم، يذكر مثل ذلك، وقد ~~أشار في ترجمة جده أنهم سادة، ثم قال: والشيخ أحمد الرفاعي العراقي ~~المشهور سيد وهو -بضم الراء- وكل من كان بضم الراء فهو سيد، ومن كان بالكسر ~~فهو غير سيد، فقلت له: المذكور قد ترجم له ابن خلكان في تأريخه، فضبطه ~~فقال:لم يضبطه ابن خلكان، فعرفت جهل المذكور، وأنه يجادل ms268 بالباطل، فإن ابن ~~خلكان ضبط الشيخ أحمد الرفاعي بالكسر للراء، ولم يذكر أنه سيد. # ورأيت رجلا وخبره مطلب في أبواب كثير من الناس بالتسبيح، وعلى جنبه إزار ~~وسبحة طويلة، وتارة يقول: أنهم فقهاء، وتارة يقول: أنهم أشراف، وتارة يطلب ~~عند سفر الحاج فيقول حجاج ، وكل هذا كذب منه وتارة يقول: هو من بلاد القبلة ~~وتارة[10/ب] من بلاد آنس، وطلب مرة فقلت له: ما بالكم تقولون مرة أنتم ~~أشراف ومرة فقهاء ومرة حجاج ومرة من بلاد كذا ومرة من بلاد كذا، الكذب لا ~~ينبغي لكم، فاستحى وتوارى، وأجاب صاحبه بأن: لعله غيرنا. PageV01P633 # وجاء الخبر مع الحجاج الواصلين الآخرين بآخر شهر محرم يذكرون أنه كان آخر ~~الحجة والحجاج في هذه الرحلة، فانصب مطر غزير في جبال مكة، فلما رآه الناس ~~شدوا جمالهم يريدون الهرب من السيول، لما رأوا الجبال تنصب إلى أعالي مكة، ~~فانحدرت السيول من كل جانب، ولم تمهلهم، فحمل السيل كثيرا من الناس والجمال ~~والأحمال، ودخل السيل المسجد الحرام، حمل من كان فيه وبلغ إلى باب الكعبة ~~وتراجع السيل فيه وكبس إليه كبسا كثيرا وخرب من جوانب الحوانيت بعضا ومن ~~البيوت كثيرا في المسجد الحرام كبسا كثيرا، وعم المطر جبال مكة وكثيرا من ~~الحجاز، وبلغ إلى القنفذة، وكان ذلك آخر شهر كانون وهو مطر الوقوف والربيع. ~~وضرب مما يلي الغادي وخصوصا الشبيكة وخرج السيل من العمرة، وكان خروج ~~الحجاج على حالة شاقة، فأهل اليمن خرجوا إلى الناحية الجنوبية وشاهدوا ~~السيل وهم في وجل عظيم بعد من راح منهم وعليهم، وباتوا خارج مكة، والشامي ~~يقال: أنه كان قد خرج إلى جوار وادي فاطمة ، وأما المصري فدارت عليهم ~~الدائرة وتعثكلوا بمكة، وحمل منهم وعليهم. # [11/أ] وفي عاشر شهر صفر وصل الخبر من عند إبراهيم بن المهدي من كلامه ~~يذكر أن آل حبيب الذين يقربون جهات صبيا في حواز الجبال من شرقيها قد ~~واجهوا وأصمتوا، وارتفع إبراهيم عنهم بجامع صنعاء، وحث الناس على إجابته ~~وصحة إمامته، ورضاه به، ثم بعد ذلك نقض ما ms269 كان أبرمه، وأعلن فيه إلى إبطاله ~~وندمه على ما سبق له من بيعته، وأظهر لكثير من خاصته كراهة ما تحمله، وأنه ~~ليس بأهل لذلك، ولا يصلح لمنصب الإمامة، وتحمل الزعامة، في أقوال كثيرة، ~~نعلم منها عدم كمال تحرير البصيرة، والتخليط والمجازفة، واتباع هوى النفوس، ~~ولهوى النفوس سريرة لا تعلم. PageV01P634 # ومن مجازفاته اختباط أقواله في النقول عن أهل السنة، فإني... رأيت له شرحا ~~على عقيدة المتوكل إسماعيل يذكر فيه أقوال علماء السنة والمعتزلة، ~~واختلافها بنصوصها وألفاظها، ويحتج بها على أنها متفقة في المعنى مختلفة ~~لفظا، كما هو القول المعتدل، ثم نقض ذلك، وندم على ما هنالك، ورد ذلك ~~الكلام إلى الإبطال، والترك لتلك الأقوال. # وكان قد ولاه المتوكل في أول دعوته لبلاد الروس ، ثم عزله آخر مدته. وكان ~~قد بنى له محلا ما بين عافش وبين سامك ، وسكنه آخر دولة المتوكل، وفي مدة ~~أحمد بن الحسن، وله اختلاف إلى الروضة وصنعاء. وكثر في النساء، فتزوج أربعا ~~بالروضة وصنعاء وعافش، وشق به النفقات، واستثقل سؤاله الأمراء، ولم يمدوه ~~إلا بدون[11/ب] ما يطلب ويهوى، فلأجل ذلك أقال نفسه من البيعة، وغضب في ~~نفسه من تلك الحضرة. وظهر من ذلك أن الأعمال ليس فيها تحرير النية، وأنها ~~دنياوية، وحراسة العمل أشد من العمل، والقلم حجة على من يحمله إن........ ~~مع الهوى، بل يصونه ويتبع الهوى، والله الموفق. PageV01P635 # ومن جملة اضطراب حاله وأقواله أنه بعض سنين حجه اتفق بالشيخ العارف البابلي ~~أيام سكونه بمكة، فطلبه إجازة في الحديث، ففعل البابلي حال عزمه ورجوعه إلى ~~بلاده جهات مصر، وأثنى عليه وعلى الحديث والسنة، كما سمعته منه غير مرة. ~~ويكفيك بتحقق اضطراب حاله، ومناقضة أقواله ما علم عنه من التشديد حال قيام ~~المهدي أحمد بن حسن، وتحريضه على نصرته، وتولي الرسائل بخطه إلى الجهات، ~~والغلو فيه بكمال الشروط والصفات. وأن أحمد بن حسن الإمام الرضى المرتضى. ~~وصنف أيضا عند ذلك كتابا في صحة إمامة المقلد، واحتج على من سأله وعلى ~~غيره، وجدواجتهد في إعلان أمره، ثم ما ms270 كان بآخره من انحطاط ما عقده بأمسه، ~~والرجوع إلى نقضه، فعرف من ذلك إنما هو الاتباع للهوى، وأن جميع ما يرسل به ~~وصنفه من كتب إلا هوى، والله عند لسان كل قائل. وله أنه اعتدل عن ذلك الطور ~~مثل غيره وجامل[12/أ] وترك ذلك الأمر وأعرض عنه، واتبع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )) وتكلم بما....... وماله لكان له ~~فيه مندوحة، لكنه غلا غلو الروافض والخوارج، وتعدى الطور إلى التطور في ~~الجانبين، والله أعلم بالسراير، وإنما قيام أحمد بن الحسن على التحقيق من ~~باب الإمارة والملك.......... في سائر الجهات، وخرجوا من الغلبة على رأي ~~أهل السنة رضي الله عنهم في اتباع المصلحة وسكون الدهماء. وأما كمال الشروط ~~فمن ورائها........... ومع اتفاق الزمان بمعارضيه إن اتفق لهم بعض الشروط ~~واختل الآخر، فلأجل ذلك كان ذلك هو الذي سكن الدهماء. ويولي الله ملكه من ~~يشاء، والله الموفق. PageV01P636 # وكان تحويل السنة ثالث ربيع الأول هذا بدخول الشمس أول درجة ....... ~~والزهرة في الشمس، والقمر في الحمل، وكذا عطارد وزحل في السرطان، والمشتري ~~في الجوزاء، والمريخ بالسنبلة، وجاء في ذلك والبلاد اليمانية صاحية من ~~المطر أجمعه، من اليمن الأعلى والأسفل والمغرب وتهامة. والسعر ارتفع والوقت ~~وقت الصيف، آخر شهر آذار، فلله الحكمة. بلغ القدح يومئذ البر ثلاثة ~~أحرف[12/ب] والذرة بحرفين، وفي المغارب بأكثر، والشعير بسبعين كبيرا. ~~والغنم غالية، الرأس أصبح يبتاع بثمن الأضحية، والسمن الرطل بستين بقشة، ~~فلله في ذلك حكمة. # وفي شهر ربيع الأول وصل إلى حضرة المهدي بالغراس حسين بن عبد القادر ~~صاحب كوكبان شاكيا من أبيه وأخيه على سبب الوزارة لأبيه عبد القادر بعد موت ~~أخيه علي بن عبد القادر في الشهر الماضي، وكان صنوه هو أخوه من أبيه وأمه، ~~فلما عين الأمير عبد القادر أخاه حسنا، وكان لأنه أكبر من حسين في السن ~~تغير خاطر حسين، لكونه أقرب إلى أخيه علي؛ لأجل أنه من الأم والأب، ~~فاشتجروا. فلما وصل إلى حضرة أحمد بن ms271 الحسن غاضبا زجره المهدي، وقال: الأمر ~~على ما فعله والدك، وعليه فالأمر والولاية له، والحق للأكبر في السن، فلا ~~يصلح منك مخالفته، وزلجه في بعض أصحابه من خاصة خدمه، واستبقى عنده من وصل ~~معه وقال: سر إلى والدك فردا، وكان قد كتب والده بسبب عزمه إلى المهدي، ~~فحصل الرضى بذلك والسكون. # [13/أ] وفي غرة شهر ربيع الأول وصل إبراهيم بن المهدي ومن معه من تهامة ~~وكان متأثرا بمرض، ووصل معه جماعة من مشائخ بني حبيب وواجهوا، وقرروا بينهم ~~وبين أهل صبيا بعدم الفساد والتقدير والسلوك على الطريق المرضي. PageV01P637 # وفي هذه الأيام خرج السيد محمد الغرباني من برط لأجل ما ناله من الجوع فيه ~~والقحط إلى البلاد الشامية، فبلغ إلى قراض، ونجع كثير من برط وخلت فيه قرى ~~واشتتوا في الآفاق بعضهم في بلاد صعدة وبعضهم في بلاد صنعاء وضوران وبعضهم ~~بقي في بلاده. ومع هذا صار السيد الغرباني يدعو الناس في تلك البلاد إلى ~~جانبه والخروج معه، فلم يرفع أحد منهم لكلامه رأسا، وأعرضوا عنه. # وفي عاشر هذا الشهر انتهبت سفيان قافلة بالعمشية قرب عيان وهي سائرة إلى ~~جهات صعدة، فيها دراهم وبز وبضاعة خارجة من صنعاء أكثرها لشماة من الذين ~~يبيعون الخيل ولغيرهم من التجار، فقاتلهم أهل القافلة ودافعوهم بمجهودهم ~~حتى قتلوا منهم رجلا وهزموهم، فانعطفوا عليهم وجمعوا معهم غيرهم[13/ب] ~~وأخرجوا عليهم البنادق ورموهم، فقتلوا منهم سبعة أو ثمانية، وصالوا على ~~الحمولة انتهبوها أجمع دراهمها وبزها ومصاويب في آخرين، وفعلوا فعلة عظيمة، ~~فلا قوة إلا بالله. فلما بلغ أحمد بن الحسن وهو بالغراس أرسل في الحال ولده ~~إسحاق بمن حضر في المقام، وأمر محمد بن المتوكل بالتجهيز، فأرسل ولده ~~القاسم بجماعة عسكر. وقد كان وصل إلى عيان أحمد بن المؤيد من وادعة واستقر ~~بعيان، ثم خرج صاحب خمر في الأثر وهو حسين بن محمد بن أحمد بمن معه واجتمع ~~الجميع بعيان، وكثر العسكر فيه حتى بلغوا إلى نحو ألفين، وتقدم حسين بن ~~محمد بن أحمد وإسحاق وقاسم إلى البلاد، ms272 فخربوا فيها قرية الحرمة وقرية ~~الحيفة ، وانتهبوها أجمع. وهربت سفيان إلى وادي مذاب ، وبعضهم في أطراف ~~بلادهم، فلما بلغ أحمد بن الحسن أن هؤلاء الذين هربوا جاؤوا مذاب -ووادي ~~مذاب قريب بلاد ظفار- خرج من الغراس بنفسه يوم الخميس تاسع ربيع الثاني ~~ملتقيا لهم خشية من بني أسد لا يأووهم لأنهم من سفيان، ولما بلغوا إلى ~~الملتقى -بين مذاب ووادي هران - حطوا فيه واجتمع معهم بنو نوف من دهمة ~~وسكنوه. وأحمد بن الحسن لما وصل صلبة ظفار -ما بين ظفار PageV01P638 وهران- بادر بالقصد لهم بعد أن جاؤوه الدليل عليهم والجاسوس، فغزاهم إلى ~~محلهم ، وقد كان ابن وارع شيخ بني أسد أراد إيواءهم فحبسه المهدي وتهدده، ~~ثم استحر القتال[14/أ] في هذه الغزوة. وكان من جملة القتلى ابن سننان ~~السفياني الحاكم بالطاغوت لسفيان المرجوع إليه معهم في الطغيان. وكان قد ~~اجتمع بهم في ذلك المكان من بني نوف جماعة وانحازوا في وادي مذاب، فواقعهم ~~المهدي غازيا من صلبة ظفار إلى ذلك المكان، صابحهم بالدليل، وقدم مقدمة من ~~نهم لأجل يشاغلوهم عن النفور وليظنوا أن الغازي لهم منهم، فلما شرع ذلك ~~فيما بينهم واستحر القتال معهم انصبت عليهم الخيل تحاوشهم، وباشر القتال ~~المهدي بنفسه، وأراد واحد منهم أن يزرقه بعوده، فسلمه الله منه. # قيل: التقاه بيده ياقوت إسماعيل وقيل: أخطأه، ثم عطف عليه أحمد بن الحسن ~~وياقوت إسماعيل فضربوه بالسيوف، وأذاقوه الحتوف، ثم لم يسعهم إلا الهرب في ~~الجبال، والتسور للآكام، وتركوا ما معهم وأولادهم وحريمهم، فمنع المهدي عن ~~حريمهم وأولادهم، وحوزهم إلى شعب هناك وأباح انتهاب ما تركوه من حوائجهم، ~~فوجدوا كثيرا من البز الذي انتهبوه على أصله، فضمه معه، وقال لمن حضره من ~~عرف بالذي له أخذه، ووجد سلب الذي قتلوه أيضا فيها، فأرجعه إلى أهله. وكان ~~جملة القتلى منهم اثني عشر نفرا، قطعت رؤوسهم، وحملت إلى المحطة معهم، وقتل ~~من أصحاب المهدي نفران وعبد للسماوي لما تحير بشداد حماره وانفرد قليلا في ~~الوادي عن أصحابه، فانصب[14/ب] عليه جماعة قطعوه أوصالا بالخناجر، ومثلوا ms273 به. PageV01P639 # وفي شهر ربيع الثاني هذا بآخره ترجح لجماعة من أهل برط من ذي محمد منهم ولد ~~الشيخ قاسم البرطي شيخهم، وهبطوا إلى الجبل الأسود، الحد ما بين سفيان وبين ~~العصيمات، وترصدوا هنالك للمارة، فجاء الرسيسة إلى عيان يخبرون بأنهم صاروا ~~كامنين لمن مضى في الطريق للانتهاب، لما أمنوا جانب سفيان، فأرسل الحسين بن ~~محمد جماعة مسافرين، وأرسل خيلا كمينا في جانب آخر فقال: انظروا ما يفعلوا ~~بالمسافرين، وكونوا في أثرهم سائرين، حتى تباشروهم عند تعديهم. فلما رأى ~~أولئك الحرامية المارة في الطريق وهي آمنة وجدوهم للسلب فدافعوا عن أنفسهم ~~بينما وصلت الخيل إليهم، فقبضوا عليهم وكفتوهم وضربوهم وأسروهم إلى بين يدي ~~حسين بن محمد بن أحمد، ووجدوا ابن الشيخ البرطي معهم. وكان أبوه الشيخ قاسم ~~عند أحمد بن المؤيد يسبهم، فقال: هذا ولدك مع هؤلاء كيف ترضوا بهذا؟ فقال: ~~هو مغير شعوره والجهل معه أوقعه في ذلك، ثم أمر بهم الحسين بن محمد إلى ~~حضرة المهدي جميعا، فأوثق عليهم وحبسهم وقال لهم[15/أ]:كنا نظن فيكم غير ~~هذا يا برط. واعلم أن هذه القبائل التي حفت بلاد عيان الغالب عليهم الشرارة ~~من قديم الزمان، ولا يزال منهم التعدي في الطرق والسرق من غير خوف ومراقبة ~~لله لغلبة الشيطان، ولكن كانت مدينة عيان ودولها في قديم الزمان معللة بمثل ~~هذا الطغيان؛ لأن الجاهل لا يزال يشاهد الدولة قريبة آمنة فيقل منه ~~العدوان. وأما هذا الزمان فلخراب عيان وعدم قرار دولة فيه ولا إقامة شريعة ~~كثر فيه منهم الطغيان، وهذا العمل في سفيان إذا لم يتعقبه دولة بعيان ~~مستمرة فالفساد عائد إلى أصله، والله يصلح البلاد والعباد. PageV01P640 # وقصد حسين بن محمد بن أحمد الباطنة من سفيان، فخرب قراها ونهبها أصحابه، ثم ~~تعقب قصدهم، فوقع القتال بينهم، فقتل منهم ستة وقطع رؤوسهم، وأرسل بها إلى ~~المهدي، ثم التقاهم صاحب صعدة لما هربوا إليه، فأسر منهم جماعة وانتهب ~~أصحابه ما ظفروه عليهم، وصاروا في أضيق من حلقة الفاس، وصار الخوف معهم بعد ~~أن كان أخافوا ms274 غيرهم. وكان قد قبض علي بن أحمد أيضا جماعة من الشميلات من ~~سفيان، وهم كما يروى ألفين، ووقع منهم ما وقع أولا وأرسل بهم إلى المهدي، ~~فضرب رأس واحد بيده. # [15/ب] وفي هذه الأيام بآخر ربيع الثاني آخر الصيف ارتفع السعر، البر بلغ ~~إلى أربعة أحرف بصنعاء، والشعير ثلاثة، والذرة كذلك، ثم حصل مطر عند سقوط ~~الثريا، وكان قد باع كثير من القبائل بقرهم وغنمهم بنصف القيمة حتى من الله ~~بهذا المطر، ونبتت المراعي وتراجعت المواشي، بعد ضعفها من قل المرعى، ونقص ~~السعر، القدح البر إلى مائة بقشة والشعير إلى سبعين وكذلك الذرة، فلله ~~الحمد، وذلك بغرة جمادى الأولى منها. # وفي أوائل هذا الشهر تمنع جماعة من البعاجرة من سفيان، وتعصبوا وأرادوا ~~قطع الطريق، فقصدتهم محطة عيان، واستولوا عليهم، وانتهبوا مواشيهم جميعا، ~~فهربوا بنفوسهم، ووصلوا إلى المهدي مواجهين. # وروي أن هذا كله الذي زاد في فساده والإغراء في هذه القبائل من سفيان ~~فيما سبق هو السيد الغرباني، فإنه صار يحرض هذه القبائل على قطع الطرق، ~~واستباحة أموال المارة من التجار وغيرهم من أصحاب الدولة، وقال: إنه الإمام ~~الداعي، وأن الولاية له في الزكاة والحقوق، وأن هؤلاء الدولة لا ولاية لهم، ~~وأن الزكاة باقية على الناس، لا يجزيهم ما قبضته الدولة، فزاد هذا في ~~الإغراء لهم لاستباحة أموال المسلمين، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # فإذا ثبت هذا بل قد روى لي كثير مثله، فكل ما جرى فهو في صحائف السيد ~~المذكور، ومطالب به، ومشارك في العقاب عليه. PageV01P641 # [16/أ] وهذه البلاد البرطية والسفيانية لم يكن ينفذ فيها الأحكام الشرعية، ~~بل يحكم فيها بالطاغوت. ولقد ذكرت لبعض فقهاء من بني العنسي الساكنين ~~عندهم: كيف يحل لكم المقام وأنتم توجبون الهجرة من دون هذه الآثام وما ~~يفعلونه من الانتهاب في الطرق في كثير من الأيام؟ فلم يجد جوابا واعترف ~~بأنها بلاد لا خير في أهلها. وقد حصل معهم هذه السنة من القحط والخلف الذي ~~لا مزيد ms275 عليه حتى خلت في بلادهم القرى، وتفرقوا في الأرض، وخربت بعض تلك ~~القرى الخالية، لما لم يكن فيها بعدهم من يسكنها، ولم يبق في برط إلا ~~القليل في بعض القرى، والله تعالى قد عجل عقوبتهم في طغيانهم. # وفي أول جمعة في شهر جمادى الأولى غفل خطيب صنعاء الفقيه محمد بن إبراهيم ~~السحولي، فأمر محمد بن المتوكل القاضي جباري يخطب، فخطب الواجب منها بالحمد ~~والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ثم نزل وأقام المقيم، ثم رده محمد بن المتوكل، وقال: ~~بقي عليك الشهادة، فقال القاضي: قد أتى بالواجب ، فقال محمد: لا، فرجع ~~مساعدة له، وإلا فالأمر كما ذكر القاضي، وقد كان قام الناس للصلاة، فقعدوا ~~ثم قاموا مرة أخرى، فاستنكر الناس ذلك، خصوصا العامة؛ لأنهم لا يعرفون إلا ~~الخطبة المعتادة الطويلة، مع أن قصر الخطبة من مئنة فقه الرجل، كما في ~~الحديث . PageV01P642 # وفي رابع هذا الشهر سار أحمد بن الحسن إلى الباطنة سفال سفيان، وواجه إليه ~~جميع سفيان، ووصل إليه بنو رهم وتبرؤوا من القافلة التي راحت، وأنه لم يكن ~~فيها من قبلهم؛ لأن بلادهم مائلة عن الطريق الشرقية، وعهدتهم في الطريق ~~الغربية ووسط العمشية، فعذرهم أحمد بن الحسن، ولم يخرب شيئا من بيوتهم، إلا ~~أنه قد جرى انتهاب بعض شيء من مواشيهم[16/ب]. أما صبارة فجرى فيهم النكال ~~وخربت بيوتهم وعقرت أغنامهم وانتهبت مواشيهم، وعم ذلك المجرم منهم وغير ~~المجرم، ووقع فيهم من المعرة مالم يكن لهم في حساب، حتى فقر غنيهم. وكان لو ~~اقتصر على الفاعلين منهم فإنهم كانوا معروفين عندهم لكان هو الواجب عليه، ~~لكنه حصل ما حصل لأمر قد علمه الله تعالى، ثم إنه جمع منهم جماعة من ~~الفاعلين وزنجرهم. وجاءت طريقه الجوف حتى طلع من بلاد نهم، ونزل من الشرفة ~~ودخل الغراس يوم الأحد قبل الشروق ثالث وعشرين شهر جمادى الأولى، وتبعه ~~حسين بن محمد بن أحمد بن القاسم المتولي على بلاد خمر بجماعة معه كانوا تحت ~~الحفظ، فدخل عقب أحمد بن الحسن، وكان دخوله إلى ms276 صنعاء والمزنجرين معه نحو ~~أربعين رجلا، فأدخلهم القصر، ثم خرج الغراس. # ووصلت القافلة إلى صنعاء عقب هذا من بلاد صعدة، ولم يعترضهم أحد، ولا طلب ~~منهم مجبى، وأمر أحمد بن المؤيد بخفظ عيان، وأنه لا يخليها عن الرتبة كلام ~~من غير أصل؛ لأن أحمد بن المؤيد قال: تحتاج إلى جامكية للساكنين، فقال أحمد ~~بن الحسن: معك بلاد في ذلك، وهو قال ما تكفيه، كما قال له من أول. وعيان لو ~~أنها مدولة لكانت الطريق صالحة لتوسطها، ولكن عجزوا عن الجامكية وتواكنوا ~~بها صاحب صعدة والمتوكل وأحمد بن الحسن، فهذا سبب هذه الأمور التي جرت فيها. PageV01P643 # وفي هذه الأيام اتفق لناس بصنعاء أن بخشوا في بيت مقهوي قريب باب شعوب، ما ~~بين مسجد المدرسة والأخضر عن كنز، قالوا يبديه واحد من جبل بيت خولان، ~~ومعهم وجد السيد حسن الأحمر، قال إنه يعرف استحضاره وصار يدلهم عليه، ~~فوجدوا حروفا وقصاصات تحت الدببا ، وثبتوا في الحفر فوق ثلاثة أشهر. وشعر ~~بهم والي المدينة، فقال تستمرون، وليس عليكم إلا الخمس إذا وجدوه، وحصل ~~معهم مراجيم من الجان لبعض الحفارة، وقضايا عجيبة، والسيد يصدمهم ويكتب لهم ~~أرصادا على زعمه، ويعدهم بظهوره، ولم يتم شيء من ذلك. # [17/أ] وفي آخر شهر جمادى الأولى دخل المهدي أحمد بن الحسن صنعاء، وحضر ~~هو ومحمد بن المتوكل، وعاتبه من جهة الضريبة أن فيها الكثير زيوف وتشبيه، ~~وقال ابن المتوكل: لم يعلم بشيء في ضريبته، فحضر جماعة من التجار والقاضي ~~محمد بن علي قيس، وقالوا في الحضرة بل في ضربة القصر ثلاث ضرائب، واحدة ~~لمحمد طيبة، والأخر التي لأحمد النعماني ولعلي اليمني وللفقيه جابر ضعيفة، ~~ضرب الأولة التي لمحمد أربعة حروف، وهذه خرجت من خمسة حروف، القرش بزيادة ~~النحاس. ولما تحقق محمد ذلك الذي كان غائبا عنه أقسم بالله لا زاد ضرب ~~بعدها، وأمر برفعها، وذكر أنه لم يشعر بذلك وكله لعدم التنبه منه عليهم ~~وافتقادهم. PageV01P644 # وفي ليلة الأربعاء ثالث وعشرين شهر جمادى الأخرى منها مات الملك المهدي ~~أحمد بن ms277 الحسن، بوطنه الغراس، وقبر جنب مسجده هنالك، وكان قد حصل له ما ~~يهواه من الملك وهذه الدنيا الناهية، ابتسم له دهره من عبوسه، وأعطته ~~الدنيا عفوها، وسقته صفوها، وماشته مع جماعة من أتباعه ومتقبلي باعه وأهل ~~نعمته. وطابت له أيامه في مشيده ، وأطربه الأنس ببسطه ونشيده، وساعدته ~~أيامه فيها من أول قيام المتوكل إلى هذا التأريخ. واجتمع له ما يريده فيها، ~~فكان متوسعا مسرفا على نفسه في الجواري والسراري، بحيث بلغن إلى سبعمائة ما ~~بين سرية ووصيفة وخدامة، لا يفارقهن في الحضر والسفر، وكان يلبسهن أغلى ~~الملابس الغالية، ويشتري لهن الأحزمة والبريمات المفضضة المذهبة بأغلى ~~الأثمان. # وكانت سيرته سيرة السلطنة، فأما العلم فلم يكن له فيه معرفة، بحيث أنه ~~قبيل موته لما أقسم محمد بن المتوكل من الضربة أعتق عنه من مماليكه رقبة ~~وأمر محمدا أنه يرجع إلى الضريبة وقد كفر يمينه، وبالإجماع أن الكفارة لا ~~يصح التحمل فيها من غير الحالف، ولكن كان أصحابه يماشونه في مطابقة ~~هواه[17/ب]، كما قال الصفي الحلي في ديوانه شعرا: # فصرت إذا خطيت جميل رأيي # أشير بما أرى فيه هواك # ولم أتبع خطاك لضعف رأيي # ولا أني أريد به رداك # ولكني أحاذر منك سخطا # فأتبع كل ما فيه رضاك PageV01P645 وكان المهدي سلطانا وملكا، ولما حصلت المشاجرة له أيام قيامه من قاسم صاحب ~~شهارة وغيره، وسار المعارضون له السيرة المطابقة لسيرة أمثالهم، قال لبعض ~~خواصه: إن معه ولاية من السلطان ابن عثمان في أرض اليمن وعلامته. وأنه ~~كاتبه في تلك المدة الماضية، ولعل ذلك كان أيام حروبه للمؤيد بالله وعدم ~~توليته، ولذلك سماه الأتراك أحمد مراد، لما كاتبه السلطان مراد في أيامه ~~بما أراد، هكذا روى عنه. ولكنه قد روي عنه عقيدة الجارودية، بل عقيدة ~~الإمامية، بل عقيدة الرافضة فاشتبهت. وكان يظهر شعار يوم الغدير في جميع ~~مدته، فاشتبه حاله ومذهبه، ولعله كان مع هواه وما يوافق صلاح رئاسته ~~ويستعين به. فذلك الكتاب إلى السلطان وتوليته تكون عند حصول إهماله من ~~الإمام المؤيد بالله، وما ms278 جرى له معه مستنصرا به، وإن كان مذهبه في نفسه ~~غير ذلك المذهب كما هو الظاهر. وكان في مدته كثير الحجاب من الناس، لا ~~يبالي بأحد من الكبير والصغير، لا سيما في مدة المتوكل، كان يبقى بين جواره ~~من الصبح إلى العصر في غالب أوقاته، ولا يوافقه أحد إلا آخر النهار إن حصل، ~~وكان لا ينال معه من الفقراء ما كانوا ينالون من المتوكل، وعدوا لجهله أن ~~سيرته كانت عجيبة. نعم وكان لا يقرب من يصل إليه بسفرة ، ولا يصرف له لقمة، ~~بل يصرف الواصل على نفسه من كيسه. وكان يعتمد مراعاة النجوم في أسفاره، ~~ويرجع إلى سؤال المنجمين، كالفقيه أحمد الذيبة الملازم معه. # ودعا بعده[18/أ] المؤيد بالله محمد بن المتوكل، وكان المحرض له والمطالب ~~القاضيان: القاضي يحيى جباري الذماري، والقاضي محمد بن محمد العنسي، وكان ~~أول مبايع بعد إشارة القاضيان بالقيام والانبرام الحسين بن المهدي، ثم من ~~بعده سائر القضاة والسادة أجمع. PageV01P646 # وأجاب أحمد بن المؤيد عليه لما وصله كتابه وعلامته أعلاه بوضع علامته ~~أعلاه، وادعى مثل دعواه، وتربه وإلى رسوله أعطاه، مع أن أحمد بن المؤيد لم ~~يقم في هذه الفورة، واكتفى بمن قام غيره، وله ميل إلى محمد بن المتوكل، إن ~~تم أمره، وتوقف عن الإقدام والعجلة، إلا أنه أراد بذلك الأمر غيره من هضم ~~علي في كتابه. وكذلك وصل كتاب حسين بن حسن إلى أولئك، وقال في دعوته: أنه ~~قد دعا إلى نفسه لما كانت الدرجة واحدة، والإجتهاد قد انختم بالمتوكل ~~إسماعيل بن القاسم في المدة السابقة. وكذلك وصل إلى الولاة والرؤساء من ~~صاحب المنصورة مثل ذلك، واختلفت كتبهم، هذا يكتب إلى هذا يدعوه إليه، ~~والآخر يكتب إليه يدعوه، وعلى هذا وصار الناس عاجبين في حالهم وإقداماتهم ~~لهذا الأمر العظيم. والاشتجار فيه وعدم الاتفاق، فلا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم، واستقر حسين بن حسن بيريم، وأرسل علي بن المتوكل عسكرا إلى إرياب ~~رأس سمارة وطرف بلاده. وذمار فيه فرحان من قبل صاحب ضوران حسين بن المتوكل، ms279 ~~والكتب صارت من هؤلاء تختلف وتفترق، فمنهم المجيب لهذا، ومنهم لهذا، ~~ومنهم[18/ب] المتوقف، ومنهم الراضي، ومنهم الكاره. PageV01P647 # [وجاء كتاب علي بن أحمد أنه دعا، وكذلك علي بن المتوكل، وكذلك القاسم صاحب ~~شهارة، وكذلك حسين بن حسن، وكذلك حسن بن المتوكل ، وأحمد بن المؤيد بالله، ~~وكل واحد يحجر الآخر عن التصرف إلا بأمره ونهيه، وكل منهم يركز نفسه، ويذم ~~غيره] . فكان جملة الدعاة أولهم محمد بن المتوكل بصنعاء، ثم عبد القادر بن ~~الناصر بن عبد الرب بن علي بن شمس الدين بن شرف الدين بكوكبان، ثم قاسم بن ~~المؤيد بن القاسم صاحب شهارة، ثم حسين بن حسن صاحب رداع، ثم علي بن المتوكل ~~صاحب إب وجبلة ومخلاف جعفر، ثم حسين بن المتوكل صاحب اللحية والضحي وتهامة ~~الشامية، ثم علي بن أحمد صاحب صعدة، ثم آخرون في تلك الجهة. وكل منهم ولاة ~~أجابهم من إليهم، وأصحابهم يطمعون في قيامهم كما يطمع الروافض في انتظار ~~ظهور القائم منهم، ولم يعلموا أن فيه الخلل عليهم في العقبى، والخبط ~~والقتال بالراية العمياء، ولكن الحكمة لله في ذلك، فقد يكون سببا لشيء لا ~~يعلم، كما قال الصفي الحلي: # في فساد الأحوال لله سر # والتباس في غاية الإيضاح # فيقول الجهول قد فسد الأمر # وذاك الفساد عين الصلاح PageV01P648 فلكل شيء سبب، [ولما رأى محمد هذا الإختلاف قد جرى عظم عليه الخطب واشتد ~~عليه التعب، وبعث بالكتب إلى هؤلاء الدعاة يحثهم على الالتقاء والاجتماع، ~~والمراودة[19/أ] فيمن يرجع إليه الكلام، فأجاب حسين بن حسن: أن ذلك الصواب ~~لكن إذا كان الكلام بظاهره ليس فيه بواطن فالاختلاف على حاله، وكذلك أجاب ~~القاسم وعلي بن أحمد، وطلب حسين الالتقاء إلى حدود ذمار، وكان حسين بن حسن ~~قد كرر الكتب إلى محمد بن أحمد ابن أخيه صاحب المنصورة في إجابته، فلم ~~ينخرط له في شيء من مطلبه، فلما أيس عنه تحمل عليه، ونزل إلى خارج إب ما ~~بين المخادر وسمارة لموافقته لعلي بن المتوكل باجتماع الكلمة، وأنه يكون هو ~~وهو عونا على صاحب ms280 المنصورة محمد بن المهدي، وانبرم الأمر على ذلك، وعادت ~~الصداقة بينهما عداوة على حسب الملك، وانقطعت الرحامة؛ لأن الملك عقيم لا ~~رحامة له] ، ثم رجع حسين بن حسن إلى رداع وأمر بالمحاربة على بلاد لحج ~~وأبين بمن فيه من أصحاب محمد بن المهدي، فوقع الحرب هنالك وقتل من الجانبين ~~جماعة، وانتهب سوق أبين وحرقوه، وكان جملة القتلى ............... وعلي بن ~~المتوكل نزل من إب وجبلة إلى تعز، فبلغ صاحب المنصورة ذلك، فجهز عساكره إلى ~~باب تعز، وكان وصولهم بعد دخول علي إلى تعز، فاتفق الحرب، وسيأتي تأريخه إن ~~شاء الله. # [19/ب] وفي هذه الأيام بشهر رجب استولى محمد بن المهدي على بيت الفقيه ~~ابن عجيل وزبيد، وجميع البلاد التي حولها من تهامة الجنوبية. PageV01P649 # وفي هذه الأيام لما فتح حسين بن محمد بن أحمد بن القاسم مخازين الصلبة التي ~~كانت للمهدي فقر أولاده الذين بالغراس، وأرادوا الغزو إلى الروضة ~~والاستيلاء على مخازين حسين بن محمد فيها من باب المعارضة، فامتنع عقال ~~العسكر معهم وقالوا: لا يصلح هذا لهم، مع أن الروضة من بلادهم؛ لأن أكثر ~~عسكر المهدي كانوا من بني الحارث والروضة من بلادهم، وأشار عليهم خواص ~~والدهم بأن يذكروا إلى محمد بن المتوكل في شأنها، وهو الذي يكتب إليه في ~~أمرها، فكتب إلى حسين ونهاه عن تصرفه فيها، وتركهم لها، حتى يستقر الأمر ~~فيها، مع أن عزمه كان من صنعاء بغير أمر محمد، بل قال أنه يسير يحفظ بلاده ~~جملة من غير تفصيل، فسار إلى حجة. # وفي عاشر شهر رجب حصلت هوشة بسوق صنعاء ما بين أهل الحيمة وعيال السوق ~~فارتجموا، وسببه أن واحدا من أهل الحيمة ضرب واحدا من أهل السوق، فأغار أهل ~~السوق عليه وفكوه ، ثم إن أهل الحيمة مالوا عليهم، فحصل بينهم ما حصل من ~~المراجيم. وأغار جماعة من القصر فيهم قاسم بن محمد بن المتوكل، ولما كثرت ~~المراجيم في أهل الحيمة والجنايات رمى جماعة منهم بالبنادق [20/أ] بباروت ~~وواحدة منها مرصصة، وسلم الله. ووقع مرجام في ظهر ms281 قاسم بن محمد بن المتوكل، ~~وأهل الحيمة متى اجتمعوا يحصل منهم ما يحصل، مع أن أكثرهم قد كان عادوا ~~بلادهم. # ووصل خبر من جهات مكة أنه حصل فيها فرقة بين عسكر السلطان وبين عسكر ~~الشريف على سبب قتل وقع في رجل تركي، قتله بعض أصحاب الشريف، فهاجت الأتراك ~~على أصحاب الشريف، ثم تدارك الأمر بركات بقتل القاتلين من أصحابه. # وفي هذه الأيام زاد محمد بن أحمد صاحب المنصورة في ترقي العسكر في ~~الجامكية، وأقلم من العسكر من وصل. PageV01P650 # وجاء كتاب محمد بن المهدي إلى أخيه حسين وإخوته بالغراس يذكر لهم أنهم ~~عجلوا في البيعة لمحمد بن المتوكل، وما كان يصلح منهم، وكيف ومحمد بن ~~المتوكل لم يخرج إلى الغراس ويحضر في قبر والده، وغير هذا من المعاتبة. # وحاول محمد بن المهدي في قبض بندر المخا هذه الأيام، فصار السيد حسن ~~الجرموزي يلين له في المكاتبة، ويرسل له بما طلب من المحصول من الدراهم ~~والبز والماردة ، حتى كتب إلى محمد بن المتوكل بإرسال من يمنع إذا مراده ~~يبقى البندر له. وكان قد أرسل بدراهم وصلت إلى زبيد قبضها حسن بن محمد بن ~~أحمد بن الحسن الذي دخله، فانقطعت الطريق للمرفوع من البندر لبيت المال ~~وللعسكر. ولم يتعرض لسائر الناس التجار وغيرهم ممن مر،[20/ب] فأرسل محمد بن ~~المتوكل جماعة عسكر من طريق المحويت يخرجون إلى اللحية، ثم يركبون بحرا من ~~اللحية إلى المخا زيادة للسيد حسن الجرموزي في البندر، فساروا إلى هنالك، ~~وكتب محمد بن المهدي كتبه إلى سائر البلاد فمن وصلهم أكرمه الولاة وآنسوهم ~~وأطعموهم وزلجوهم باللطف كبلاد ريمة ونحوها، وأثبت اليد محمد بن المهدي على ~~زبيد وبيت الفقيه ابن عجيل وبلاد والده كعدن والدمنة، ولحج وذي السفال ~~وبلاد المنصورة وشرعب وتلك الجهات جميعا إلى باب تعز وإلى قعطبة. وفتح دار ~~الضرب بالمنصورة، وفتح الأعداد، وأرسل لإخوته بالغراس شيئا من الطعام لما ~~بلغه تضررهم بقدر مائة حمل، وصار حسين بن المهدي يشتاط الطعام توافى من ~~الأسواق. PageV01P651 # وكان في سابع شهر شعبان ms282 اتفاق حسين بن حسن وعلي بن المتوكل لما نزل حسين بن ~~حسن من يريم إلى قريب إب، بعد اضطراره إلى ذلك، وإجابة من ابن أخيه، وعاد ~~إلى رداع وكتب إلى محمد بالاتفاق إلى نواحي ذمار، فسار محمد بن المتوكل يوم ~~الاثنين حادي عشر شهر شعبان، وصار صحبته أحمد بن محمد بن حسين إلى زراجة ، ~~وكان استقر فيها منتظرا لحسين بن حسن على وعده، فأجاب أنه يتقدم إلى مشهد ~~الديلمي . وكان قد وصل القاضي جعفر الذي أرسله، [21/أ]بكتاب إلى محمد بن ~~المهدي، ولم يحصل من محمد بن المهدي مطابقة له فيما طلبه أصلا، بل كان عند ~~وصول القاضي جعفر مشددا، وبحيث أنه ما أجاب على محمد بن المتوكل كما روي. ~~وأما جوابات أخوة محمد، وهو علي بن المتوكل، وحسن بن المتوكل فجاءت مطابقة ~~لرأيه وأنهم من أعوانه، وإنما قاموا إذالم يقم هو وقام غيره، فاطمأن عليهم ~~خاطره. وكذلك كتاب صاحب كوكبان مثل كلامهم، ولكن أما الخطبة فما تركوها إلا ~~بعد اتفاق محمد وقاسم وعلي بن أحمد في خمر، كما سيأتي تأريخه إن شاء الله. ~~وكلهم أقرب إلى محمد بن المتوكل بالمطابقة إلا محمد بن المهدي فيبعد منه له ~~الموافقة، ويعسر عليه له المحاربة؛ لأن البلاد المحصلة قد صارت بين يديه، ~~والعساكر صاروا ينجذبون إليه، لأجل العطاء والمال، والناس مع الدنيا كما ~~قال الشاعر : # وإذا امرؤ ملك الدراهم أطلقت # شفتاه ألوان الكلام فقال # وتقدم الأقوام فاجتمعوا له # ورأيته بين الورى مختالا PageV01P652 ولما صل محمد بن المتوكل بعد خروجه من صنعاء إلى زراجة استقر فيها منتظرا ~~لحسين بن حسن، فلم يبدو منه حركة، فكتب إليه محمد بن المتوكل أنه منتظره ~~على وعده، فأجاب أنه يتقدم إلى مشهد الديلمي شرقي ذمار قريب[21/ب] رداع ~~ويكون الإتفاق فيه، فتقدم المذكور إليه وهو غاصا بريقه، باعثا في الناظر من ~~جهته إلى حيث ذكره ليزيل عذره، فسكن فيه أيضا منتظرا بعض أيام، وشق بهم ~~السكون في الخيام، والإنقطاع من جلب السبار والطعام. # وفي خلال ذلك نزل علي بن ms283 المتوكل من إب إلى تعز وأرسل حسين بن حسن عينة ~~من أصحابه مع جماعة من أهل يافع إلى لحج وأبين للمحاربة عليه، وإخراج الرتب ~~الذي في أبين والتي على باب تعز، فحصل الحرب بأبين وقتل من الجانبين من ~~الرتبة التي فيه قيل: أربعة، وقيل: سبعة، وقيل: أكثر. ومن أصحاب حسين بن ~~حسن مثلهم، وانتهب أصحاب حسين السوق وحرقوه وعادوا بلادهم، وانقطعت طريق ~~أبين، وغلا السليط، بلغ الرطل بصنعاء إلى حرفين؛ لأن مداره وطلوعه من تلك الجهة. # ولما وصل محمد بن المؤيد إلى مشهد الديلمي وصل حسين بن حسن PageV01P653 وأما حرب تعز فإنه لما وصل علي تعز في رابع شهر شعبان جهز محمد بن المهدي ~~زيادة للرتبة الذي منه خارج تعز بقدر ثلاثمائة أو أربعمائة، فوصلوا[22/أ] ~~إلى ثعبات والتقاهم علي من تعز بعساكره جميعا فاحتربوا واقتتلوا قتالا ~~شديدا بالبنادق أولا ثم بالسيوف والرماح آخرا. وقتل من الجانبين حول ~~أربعين، من أصحاب علي حول عشرين ومن الآخرين مثلهم، ومن جملتهم بيرق دار حق ~~علي بن المتوكل، وأسر من لم يفر من أصحاب محمد بن المهدي كالسيد حسن بن ~~محمد بن أحمد بن الحسن المؤيدي بعد أن قتل برمحه جماعة، وأسر ولد محمد بن ~~المهدي المسمى إسماعيل وجماعة من الأعيان والرؤساء، وكانت وقعة عظيمة، ~~واتفق حصولها بنصف شعبان وصباح خسوف القمر في برج الدلو، ووقعة أبين بلحج ~~كذلك في ذلك اليوم والأسرى أولئك من أصحاب علي رسم عليهم بتعز إلا ولد محمد ~~بن المهدي فزلجه إلى عند والده المنصورة، وكانت جملة الأسرى حول المائة من ~~أصحاب محمد بن المهدي. PageV01P654 # ومحمد بن المتوكل لما وصل إلى مشهد الديلمي انتظر وصول حسين بن حسن فوصل ~~إليه، وفي خلاله وصل إليهم الحادث بتعز وأبين، فتغير خاطر محمد بن المتوكل ~~وأرسل عبد الله بن أحمد بن القاسم والقاضي[22/ب] جباري للخوض في الإصلاح ~~بينهم، فساروا ومعهم عينة من العسكر. ووصل عند ذلك كتاب من محمد بن المهدي ~~إلى حسين بن حسن فيه كلام شديد، وتوعد له لما فعله ms284 بالحديد، ويذكر له أنه ~~كيف انقلب في كلامه الأول الذي جرى منه بالذم لعلي بن المتوكل إلى المدح ~~المنقاض لما جرى من قبل، وأن هذا من اتباع الهوى وقلة الدين، بكلام صليب، ~~وخطاب عجيب، لم يدر حسين بن حسن فيه بما يجيب. وكان بعد ثلاثة أيام اجتمع ~~بين حسين بن حسن ومحمد بن المتوكل الكلام بأنه تابع لما فعله قاسم صاحب ~~شهارة، وأنه إن بايع محمدا فقد بايعه وإن بايع محمد لقاسم فقد وكله (يباعه) ~~عنه. وبقي حسين على أصل دعواه واستقلاله وخطبته وافترقوا على هذا. [وقد كان ~~علي بن أحمد يومئذ في خلال خروج محمد بن المتوكل من صنعاء قد خرج من صعدة ~~إلى خمر، واجتمع بقاسم في وادعة، بعد أن كتب إليه بالإتفاق والمبايعة. ~~فاستقر قاسم عند صنوه أحمد بوادعة وعلي بخمر ببيت والده، وكتبوا[23/أ] إلى ~~محمد بالوصول للمناجزة، فتراخى محمد بمشهد الديلمي لتمام ما وقع بينه وبين ~~حسين بن حسن وما اشتغل به من الحادث اليمني. فأهم علي بن أحمد بالوصول إلى ~~الروضة وصنعاء، فكتب إليه حسين بن أحمد بن الحسن من الغراس بالتوقف حتى يصل ~~محمد بن المتوكل؛ لأنه يحصل من أهل الجهة الصنعانية التشويش إلا أن يصل في ~~جماعة مختصرة قدر العشرين أو العشرة فترك ذلك وبقي في خمر، وإن حصل تراخي ~~فربما هو يأتي يتقدم إلى ثلا، فلما بلغ محمد بن المتوكل هذا بادر بالعود ~~إلى صنعاء. PageV01P655 # وعجب كثير من الناس في هذا الاختلاف وما وقع فيه وما قبله من الحروب وهم ~~أقارب، وتعذر بينهم الائتلاف واتفاقه في وقت واحد، فإنه لما مات المؤيد ~~بالله محمد بن القاسم وقع بين الأخوين أحمد وإسماعيل الحرب بخدار وبثلا ~~وحوزة صنعاء في آخر شهر شعبان ورمضان] . # ولما مات المتوكل اتفقت الحرب بالصلبة وذيبين كذلك في آخر شعبان ورمضان، ~~وتعقبه الحرب الكبير بشهارة، وكذلك هذا بعد موت الملك المهدي أحمد بن الحسن ~~اتفقت بشعبان ورمضان. # ولما حدث ذلك الحادث بتعز وانكسر أصحابه إلى المنصورة وأسر من أسر منهم ms285 ~~تغير محمد بن المهدي وطلب الرتب القريبة الذي بموزع وحيس، واستجاش بقبائل ~~الحجرية، وقصد إلى جبل صبر فوق تعز. وكان قد فيه رتبة لعلي بن المتوكل، ~~فيها النقيب ابن أمير الكلبيين ابن الأبيض، فوقع بينهم الحرب، فقتل من ~~أصحاب علي خمسة ومثلهم من أصحاب ابن المهدي، ووقع الصلح في خلاله بسعاية ~~عبد الله بن أحمد والقاضي جباري الذين أرسلهم محمد بن المتوكل حسبما سبق، ~~فإنهم وصلوا حال هذه الوقعة وكانوا يريدون الفتح على تعز والتقرب منه ~~وإزالة الرتب. وقد كان حط محمد بن المهدي بالزيلعي ، وكان أهل تعز غلقوا ~~أبواب المدينة فعقد الصلح إلى بعد رمضان. PageV01P656 # وأما محمد بن المتوكل فإنه لما عاد من مشهد الديلمي بعد اتفاقه بحسين بن ~~حسن إلى صنعاء في آخر شعبان خرج يوم الاثنين ثالث رمضان إلى خمر، فكان أول ~~استقراره ومحطته وخيامه في السنتين ، ثم انتقل منها إلى خارج خمر فوق الغيل ~~والتقى قاسم وعلي هنالك، وما زالوا يتفقون المرة بعد المرة من غير ثالث ~~لهم[24/أ]. ولما رأوا محمدا قد بنى على ما هو فيه وكان قد تكررت الموافقة ~~بينه وبين القاسم وعلي بن أحمد من غير حضور حاضر، ورأوا خلو ما بيد قاسم من ~~الخزائن وضعف بلاد الأهنوم، وما قد جرى منهم من الميل إلى محمد بسبب ما بذل ~~لهم من الذهب الأحمر والدراهم، فرأوا عند ذلك الإتفاق والتسليم لمحمد. فكان ~~أول مسلم لمحمد علي بن أحمد، وصار مع محمد على قاسم كالمعين، فلم يسع ~~القاسم إلا التسليم والاتفاق، وترك المحاربة والشقاق، فترك عند ذلك اللقب ~~وطواه عن ذكره، ورجع إلى اسمه كما فعل لأحمد بن الحسن في أمسه. وطلب زيادة ~~في البلاد، فجعل له محمد بلاد عذر وظليمة وبقية الشرف، وجعل له بيت الفقيه ~~ابن عجيل بتهامة وبلاد زبيد، ولكن زبيد وبيت الفقيه ابن عجيل لم تكن تحت ~~تصرفه، ولا جرى فيه أمره ونهيه، إذ قد المتولي عليها محمد بن أحمد ورتبها ~~من عنده لولده حسن بن محمد، وبذل لعلي بن أحمد ms286 الذهب وجعل له جبل صبر في ~~اليمن الأسفل، وهو أيضا قد حكم عليه محمد بن أحمد بن الحسن قبل. وكان من ~~جملة كلام محمد بن المتوكل للقاسم: أن هذا الأمر إن سلمناه لكم فأكثر هؤلاء ~~الذين قد تبعونا لا يسلمون الأمر إليكم، بل هو الشرط الذي جرى من أولاد ~~المهدي الذين بالغراس ومن معهم من العسكر وقبائل بني الحارث وهمدان، وأنه ~~يكون سبب ذلك الاختلاف، فكان الاتفاق على هذا في يوم الاثنين سادس عشر شهر ~~رمضان بخمر، وعاد القاسم إلى شهارة، وعلي بن أحمد إلى جهاته بلاد صعدة. PageV01P657 # ولما بلغ صاحب كوكبان[24/ب] هذا الاجتماع خطب عنده بشبام وكوكبان لمحمد بن ~~المتوكل وترك ما كان خطب لنفسه أولا. ومحمد بن المتوكل سار إلى السودة ~~استقر فيها بقية رمضان وعيد فيها. # وفي خلال هذا الاتفاق من محمد بقاسم خالفت بلاد يافع جميعا وبلاد العولقي ~~وبلاد الهيثمي على حسين بن حسن، وطردوا واليه منها، وقتلوا بعض أصحابه، ~~وكان قد كاتبهم محمد بن أحمد صاحب المنصورة. وبقي حسين بن حسن في حيرة ~~عظيمة من أجل خلافهم عليه، وتعذر تمكنه من القدرة وحده على قصده إليه، فبقي ~~في بلاد رداع لا ينفذ له فيها أمر ولا نهي، وتعذر عليه ما كان تصوره من ~~فتحه لبلاد أبين ولحج، وصار في رداع كالمحتار، واشتغل بمكاتبات إلى محمد بن ~~المتوكل وغيره في المعونة له، مع أنه ما قد تم انخراطه في إجابة محمد ولا ~~أزال عن اسمه لقبه، ومحمد يومئذ مشغول بالسداد بينه وبين صاحب شهارة. # والسعر هذه المدة في اليمن مرتفع، والوقت وقت الصراب آخر الخريف، بلغ ~~القدح من البر إلى أربعة حروف، والشعير[25/أ] في حرفين إلى تسعين والذرة ~~كذلك وتبلغ إلى مائة بقشة وثلاثة حروف، وفي صعدة القدح في خمسة حروف وأكثر، ~~مع أن المكيال فيها افتر ، والسبب قل الأمطار في الخريف في أكثر بلاد ~~اليمن، فالحكمة لله. والرطل السليط بلغ إلى سبعين بقشة والسمن مثله، وكثير ~~من المشارق يدورون وظهر عليهم الجوع، فلله الأمر من ms287 قبل ومن بعد. PageV01P658 # ولما حصل الخلاف على حسين بن حسن من البلاد التي كانت إليه جهز بضرورة ~~جماعة من عسكره، فلما وصلوا أطرافها أقبلت عليهم القبائل بما لا قبل لهم ~~بها، فأخذوا منهم مقتلة فوق العشرة ورجعوا مغلوبين، وصار أهل بلاده عليه ~~متغلبين. ومن الأمور التي ظهرت فيها الحكمة في هذه التي قد جرت باليمن ~~الأسفل من هذه القضايا بين حسين بن حسن، وبين علي ومحمد من الفتنة أن ~~عليا لما جرى منه جرة اليد في بلاده وإهماله لأصحابه في الإضرار برعيته سلط ~~الله عليه محمد بن المهدي، وحسين بن حسن لما جرت منه المغادرة واختلال ~~النية سلط الله عليه إخلاف بلاده. # [25/ب] ومن الأمور التي ظهرت حكمتها في البلاد البرطية والسفيانية مما ~~جرى منهم من التعدي في الطرق والقتول التي ما زالت بينهم في المغازي والنهب ~~والتخويف والمحق المرة بعد المرة والكرة بعد الكرة، وما كان قد جروا عليه ~~من الأحكام الطاغوتية والأمور المخالفة للشريعة المرضية، وما بذله الذين ~~ظلموا عليهم من الدعاء فيما راح عليهم، انتقم الله منهم بالقحط والجوع الذي ~~أصابهم وأخلى قراهم، فصارت بلاد برط خالية وتفرقوا في الأرض، ومات من مات ~~منهم بالجوع في السهل والنجد وأكلوا الميتات، وحاقت بهم الحرامات ~~والظلامات، فالله سبحانه يمهل الكافر على كفره ولا يمهل الظالم على ظلمه ~~تعجيلا لعقوبته في إضراره، ونسأل الله التوفيق وحسن الخاتمة. # وفي هذه الأيام عاد محمد بن أحمد من الزيلعي إلى المنصورة بعد عقد الهدنة ~~بينه وبين علي بن المتوكل بواسطة عبد الله بن أحمد والقاضي جباري الذماري. PageV01P659 # وفي هذه الأيام بشهر رمضان أرسل محمد بن المتوكل السيد حسن بن محمد بن حميد ~~الدين يخوض في صلح محمد بإقطاعه من تلك البلاد ما يقوم به، فسار إليه. وكان ~~محمد بن أحمد بن الحسن قد عين لإخوته الذين في الغراس جانبا من بلاد أبيهم، ~~وأمر ولاتها بإرسال محصولها[26/أ] إليهم، فما رضوا بها. ولما جرى ما جرى من ~~الخلاف وعرف حسين بن حسن عدم طاقته على ms288 استرجاعها كتب إلى حسين بن أحمد بن ~~الحسن بالغارة، فأرسل حسين بن حسن بكتبه إلى محمد بن المتوكل إلى السودة، ~~فقال محمد بن المتوكل: يتوقف في ذلك حتى يكتب إلى يافع، فكتب إليهم: أن إذا ~~كان مرادكم بتحويل الوالي وأنه غير صالح وجائر في مطالبكم عزل، وهو الفقيه ~~الملقب مسمار الأهنومي ، وولي واحدا يكون واسطة بينكم وبين حسين بن حسن، ~~وإن لم تطيعوا أمرنا جهزنا عليكم، وكتب إلى مسمار ينتظر الجواب. # وفي هذه الأيام أخبرني السيد محمد بن حسين الحوثي أنه كان أرسله المهدي ~~قبيل وفاته بافتقاد أوقاف المساجد باليمن الأسفل، والتنبه عليها ويصف ~~إقامتها. # قال: فطاف في مساجد مخلاف جعفر بنواحي جبلة أولا ، قال: فوجد ما كان نظره ~~من المساجد لأهل البلاد فهو مقام في الغاية بالفراش والمواجل وما يتبع ذلك، ~~وما كان نظره إلى والي البلاد وجده مهملا لا فراش فيه ولا إصلاح، قد شعثت ~~عمارته وتعطلت الصلاة فيه لأهله، بل وجد بعض المساجد قد صار صبلا . # قال: ونزل إلى المخلاف الأسفل بنواحي ذي السفال من بلاد المهدي أحمد بن ~~الحسن فوجد الأمر كذلك، ما كان نظره إلى أهل البلاد فهو مقام، وما كان نظره ~~إلى الوالي خراب، فهذا ما اطلع عليه، حسبما كان أمره المهدي. # [26/ب] وكذلك هذا جاري في اليمن الأعلى فإنا قد شاهدنا ما كان منها نظر ~~وقفه إلى الوالي مهملا، وما كان نظره إلى أهل البلاد مقاما بالفراش ~~والقضاض. PageV01P660 # وفي نصف شهر شوال سار حسين بن المتوكل بعد إرسال أخيه له من السودة غارة ~~على حسين بن حسن، لما كثرت كتبه في استمداد الغارة، وما قد جرى من الحرب ~~بينه وبين أهل تلك الجهة، وأنه صار في الحوزة، وأنه إذا لم تصله غارة نافعة ~~لم يكن له فيهم طاقة، فسار المذكور وفرح به، إذ ناله في عوده إلى ضوران، ~~وبقي فيه، ويعتذر بأنه ينتظر العسكر إذا وصلوا إليه. وأمر محمد بن المتوكل ~~عسكر الحيمة بلحوقه والعزم معه، وغيره من مقادمته أمرهم بالغارة. فأما حسين ms289 ~~بن المهدي وإخوته فصاروا مترددين في إعانة عمهم لما حصل منه من المحاربة ~~على جانب بلادهم بأبين ولحج، فهم صاروا بين الإقدام والإحجام، وحسين بن حسن ~~تجشم المفاتحة لهذه الجهة والمغالبة في الوقت الذي ما ينبغي فيه تحريك ~~الفتنة. # وهو صار كما قال ابن المقرب في ديوانه: # والمرء يسعى بلا رهط ولا جدة # كالسهم يرمى بلا ريش ولا عقب PageV01P661 مع أن حسين بن حسن قد صار بين عدوين له بلاد يافع وما إليها، وابن أخيه ~~محمد بن أحمد بن الحسن صاحب المنصورة، فهو إما بها وإلا عليها، وقد وقع ~~الحربان: الأول في أبين ولحج وتحريق سوقه، والآخر هذا الذي قد وقع في يافع ~~بينه وبين قبيلته، وما أثمر له نفعا بل هو صار عليه نقصا[27/أ]. ووصلت كتب ~~أخرى من حسين بن حسن إلى محمد بن المتوكل وإلى أحمد بن محمد بالمعاجلة ~~بالغارة، فإنه لما تقدم من رداع مغيرا على أصحابه الذين احتازوا بأطراف ~~يافع لمسجد النور إلى الحلقة ، وتعذر عليه النفوذ والعبور والصعود إلى جبل ~~يافع، وبقي كالمحاصر في الحلقة وأصحابه في غاية الحوزة والضرورة، فتثاقلت ~~الغواير. وكانت قلوبهم مختلفة، وأحوالهم غير مؤتلفة، والرؤساء يقولون وما ~~لهم من مصلحة في هذه الحركة، فإن البلاد تلك لحسين بن حسن متوجهة وضررها ~~ونفعها له، مع ما كان منه أولا من الدعوة، فصاروا يظهرون الحركة ويأمرون ~~الناس بالسعي والحركة، وكل أحد متثاقل فيها، ورؤساؤهم يعتذرون بعدم ~~المعاجلة لأجل حضورهم. والعسكر يعتذرون بعدم تسليم حاجاتهم، وكل منهم يحب ~~ظهور العذر ليعذر، فصاروا على هذا الحال مدة الشهر. وحسين بن حسن مشغول ~~بالخلاص من تلك الأقفاص، حيث لم يتم منهم الغارات، ولعلها تكون معه آخرها ~~كما جرى مع عسكر السلطنة من الهزيمة من الحلقة والقتال في نجد السلف ~~والانتهاب والفعلة الجسيمة، لأن هذه البلاد اليافعية جبال[27/ب] منيعة، إذ ~~هي أطراف البلاد اليمانية، لا تتم اليد عليها إلا بتأكيد أمورها وسكون ~~الأمر الشاغر لدولة صاحب اليمن فيها، ليكون ظهيرا لولاتها. وأما مع تفرق ~~مملكة اليمن، والاشتجار ms290 فيه هذا الزمن، فهو لا يتم لهم فيه قوة الأثر، كما ~~جرى فيما سبق لمن مضى وغبر. PageV01P662 # وفي هذه الأيام شهر شوال أرسل القاسم بن محمد المؤيد رسله لقبض زبيد وبيت ~~الفقيه ابن عجيل وما إليه حسبما ولاه إياه محمد بن المتوكل، وفيها الرتب من ~~قبل محمد بن المهدي، فردوهم، وقالوا: البلاد لغيرهم، فرجعوا بخفي حنين ~~وقالوا: الأمر قد برم بليل، وساروا ولم يحصل لهم ما قصدوا، ولله قول المقرب ~~الشاعر في ديوانه: # فيا أيها الساعي ليدرك مجده # أفق إن هذا السعي منك اضلال # ودع عنك ما لا تستطيع فقد ترى # مساعي ما لا تطيق ليس تنال # ولله قول المقرب الشاعر: # ومن لم يدبر أمره ذو بصيرة # بكته عن قريب ثواكله # وكم من همام ضيع الحزم فالتقت # عليه عداه بالردى ودخائله # وصار يغريهم ويقوي أمرهم محمد بن مهدي بإتمامهم الخلاف على حسين بن حسن، ~~وأنهم لا يخافون، فإنه لا يجد حسين ما يدفعهم، كما قال الأول : # مصائب قوم لقوم فوائد # والسيد زيد بن جحاف الذي كان متوليا لزبيد ذهب عليه ما كان يستقطعه من ~~بلاده هذه، فصار[28/أ] عاضا على يده، حائرا في توسع نفقاته والمتعلقين معه ~~وتوسعه في بيته وكثرة إمائه وعبيده، فإنه كان سراريه أربعا وعشرين جارية من ~~غير الخدم. فلما ذهبت هذه البلاد بعد أن كان حظه من المتوكل فيها الإبعاد، ~~وعلم أن ذلك الحال الأول قد صار إلى نفاد، إذ كانت تلك البلاد نصف محصولها ~~فأكثر له من غير مطالبة ولا محاسبة، مع ما كان إليها غيرها له، فهبط حاله ~~الذي كان فيها وزال، والدنيا تقلب من حال إلى حال. # [هذه الأيام بشهر شوال أرسل القاسم بن المؤيد رسله لقبض زبيد وبيت الفقيه ~~ابن عجيل وما إليه حسبما ولاه إياها محمد بن المتوكل، وفيها الرتب من قبل ~~المهدي فردهم، وقالوا: البلاد لغيرهم، فرجعوا بخفي حنين ولم يحصل لهم ما ~~قصدوا، ولله قول المقرب الشاعر: # فيا أيها الساعي ليدرك مجده # أفق إن هذا السعي منك ضلال # ودع عنك ms291 ما لا تستطيع فقد ترى PageV01P663 مساعي ما لا تطيق ليس تنال] # وفي هذه الأيام كثر الوفد إلى محمد بن المهدي ممن يريد الملازمة في ~~العسكر، مع حاجة السنة مع أصحاب والده الأولين الذين كانوا في الغراس ومن ~~القبائل المستجدين، فسار من بلاد برط جماعة كثيرة لازموه واستعدوا من ~~الجامكية، لضعف بلادهم ومن غيرهم. # وأرسل هذه الأيام زيادة في رتب بيت الفقيه ابن عجيل[28/ب] وزبيد، وسار ~~إليه صنوه إبراهيم ومعه جماعة من أصحاب والده، وتنافر هو وصنوه حسين، وخرج ~~من الغراس يريد اليمن الأسفل. # ومحمد بن المتوكل رحل من السودة إلى صنعاء، فدخلها عند شروق الشمس يوم ~~الأربعاء سادس وعشرين شهر شوال، والشمس حالة في برج العقرب في آخر شهر ~~تشرين الأول، والله أعلم. # وفي هذا الشهر استولى محمد بن المهدي على العينة التي من قبل حسين بن حسن ~~في أبين، وهو السيد الحبشي ومن معه وأدخلهم المنصورة. # وفي هذا الشهر لما ضاقت على حسين بن حسن الأمور، وصار في الحلقة طرف بلاد ~~يافع الرعينيين تحت العقبة ، وتعذر عليه النفوذ إلى صعود الجبل لإنقاذ من ~~فيه من الرتبة، وبلغه ما جرى من تجمع القبائل اليافعية، ومن انضم إليهم من ~~البلاد المشرقية، وأنهم استولوا على أصحابه وولده وحازوهم في دورهم، ولم ~~يبق لهم من أنفسهم مخرجا وحار في إنقاذهم، فاضطر إلى إرسال الشيخ ابن هرهرة ~~-وكان عنده في الحضرة- بالسعي باستخراج ولده وتخلية بلادهم لهم، فسار كما ~~أمره وأخرج ولده عنهم، وبقي في الحلقة ينتظر الغارة. وما زال يكاتب إلى ~~محمد بن المتوكل بالإنقاذ [29/أ]له، وهو ما قد استقر أمره إلا في هذه ~~البلاد العليا فإن اليمن الأسفل كله محكوم عليه من محمد بن المهدي، فبقي في ~~محارة كلامه أن اجتمع له أحد مع حسين بن حسن حتى من صاحب اليمن الأسفل لا ~~ينقلب إلى البلاد التي تحته، فصار بين الإقدام والإحجام بالغارة والناس ~~مستبقون الحركة مع الغلاء في الأسعار وما يحتاجونه. PageV01P664 # وأخبر من حضر الوقعة ببلاد يافع: أنه لما وقع أولا مع ms292 مسمار ما وقع من ~~الاشتجار بينه وبين الشيخ ابن العفيف ، وكان قد جار عليهم في مطالبهم مع ما ~~كان سبق معهم، فاستولوا على مسمار، وحازوه في بعض تلك الديار، وقتلوا من ~~أصحابه سبعة أنفار، وراح من أهل يافع أكثر بالبنادق من داخل الدار، ثم أنهم ~~عقروا عليه أشجار البن التي كانت معه، وخربوا محاميه ودياره، ونهبوا جميع ~~ما معه من سلاح وغيره. فلما أغار ولد حسين بن حسن بمن معه من العسكر وكانوا ~~نحو سبعمائة أقبلت يافع كالجراد وقد تعاقدوا على الحملة عليهم إلى البيوت ~~التي سكنوها في مسجد النور، ولا يبالوا بالرصاص ولا بمن قتل من الناس. # قال: فحملوا عليهم إلى البيوت، ودخلوا عليهم من حافاتها، وتماسكوا ~~بالأيدي طعنا وضربا، ولم يبالوا بمن قد راح بالبنادق منهم، حملة عنترية ، ~~ووقعة عظيمة غضنفرية [29/ب]. ولم يبق إلا البيت الذي فيه ابن حسين بن حسن ~~لا غير، وصاروا تحت أيديهم، وفي قبضتهم، ولم تنفعهم البنادق التي معهم، ~~لأنهم لكثرتهم طفحوا على عددهم، ولم يبالوا بمن قتل بها منهم. # قال الراوي: وانكشف الحرب والقتل من يافع بالبنادق حال حملتهم قدر خمسين ~~قتيلا ومن العسكر دونهم، هذا صفة الواقع الذي جرى بينهم. # ثم خرج ولد حسين بن حسن برفاقة الشيخ ابن هرهرة، كما سبق ذكره، إلى حضرة ~~والده وهو بالحلقة، وأخرجوهم من يافع لا يألون على شيء إلا السلامة لمن بقي ~~منهم. وحسين بن حسن أيضا في الحلقة محوزا، وهي حد تحت عقبة يافع وهو طرفه، ~~ومنها ابتداء بلاد الرصاص ونجده، وصار حسين بن حسن يستغيث بالغارة الكتاب ~~بعد الكتاب إلى محمد بن المتوكل، وقد خالفت جميع البلاد اليافعية وما خلفها ~~من البلاد الحضرمية من نجد السلف إلى أقصى حضرموت وخلف، ورجعت هذه البلاد ~~لأهلها وسلاطينها ومشائخها، وتعقب ذلك خلاف بلاد الرصاص، وانتهبوا البيوت ~~في البيضاء ، وما فيه لحسين بن حسن أيضا[30/أ]. PageV01P665 # وفي هذه الأيام أنشأ السيد زيد بن محمد بن حسن بن القاسم قصائد عظيمة، ~~وأشعار بليغة، ورقائق لطيفة، مع تضمينها المعاني ms293 القويمة التي لا يدركها ~~إلا من قد مارس في الفكرة وكثر في المطالعة. فما هي إلا منحة له عجيبة، ~~وحالة في هذا الزمان غريبة، على ما هو عليه من صغر السن فإنه أنشأ مثل هذه ~~القصائد وهو في نحو عشرين سنة من يوم ولادته، إذ مات والده وما قد تم ختانه ~~وإعذاره، وإنما ختن بعده، ووالده مات سنة تسع وسبعين كما سبق، وبلغ هذا ~~السن وقد أحرز علم العربية، وقرأ العلوم النحوية، وقرئ عليه فيها، ومما ~~أنشأه من القصائد قوله: # نحوكم قلبي المعنى جنحا # فلذا لوم عذولي قبحا # آح كم أشكو تباريح الهوى # وزمانا للقا ما سمحا # ورقيبا قد غدى يرقبني # في الهوى قد نلت منه البرحا # آح من دمع غزير هامل # كلما مر بخدي جرحا # آح من نار بقلبي أحرقت # وزناد لفؤادي قدحا # آح من صد وهجر وقلا # حره في وسط قلبي لفحا # وإذا عرض لي في حبهم # عاذل أعرضت عنه أن لحا # يا أحبابي ومن ذكراهم # كلما مر بسمع شرح # وأعيدوا لي أياما مضت # خصنا الله فيها بالمنحا [30/ب] # فاذكرونا كذكرنا لكم # رب ذكر قرب من نزح # ووصال قد حلا لي مثلما # قد حلا يعقب........... ملحا # وغيرها من القصائد كثيرة مع صغر سنه وحداثته، فما ذاك إلا منحة وعطية قل ~~من يدركها، فلذلك توجه ذكرها، والإشارة إليها، وقد جمع قصائده في ديوان. # وفي هذه الأيام وصل الخبر من الهند أنه خالف ولد السلطان على أبيه، ~~واستعان بالإنجريز من النصارى وسيواجي على والده السلطان، فوقعت بينهم حروب ~~شديدة، وفتنة عريضة طويلة. PageV01P666 # وفي هذه الأيام رجع رسول أحمد بن الحسن من بلاد المهري وهو السيد أحمد ~~القطابري، الذي كان أرسله قبيل موته إلى المهري صاحب جزيرة سقطرى وسواحل ~~بحرها ما بين الشحر وظفار بأنه يؤهب الضيافة وأنه يأتي بالإرتحال إلى بلاد ~~العماني لاستفتاحه، فسبق الأجل عن ذلك الأمل، مع أنه كان يجري على اليمن ~~المشقة، لأجل طول المسافة البرية، وعدم إدراكهم للأعمال البحرية ومع ما عرف ~~من حال أحمد بن ms294 الحسن من تضييع من معه كما فعل عند دخول حضرموت[31/أ]. PageV01P667 # وفي سلخ شهر شوال منها لما خرج أصحاب حسين بن حسن من يافع الداخلي برفاقة ~~ابن هرهرة، واجتمعوا بحسين بن حسن بالحلقة اجتمعت يافع وقالوا: نقصد حسين ~~بن حسن ونخرجه من حدود بلادنا. والحلقة هي حد بلاد يافع، فتعاقدوا جميعا ~~على القتال كالمعاقدة الأولى، وقالوا: نحمل عليهم للقتال بأجمعنا، ولا ~~نبالي بالبنادق، وأن من سقط منها ندعسه بأرجلنا، ونلاحمهم بالسلاح، ويروح ~~من راح؛ فقصدوهم على هذه الإشارة والنية، وسلوا سلاحهم وفتئت رؤوسهم، ~~واختلجت للقتال أجسامهم وقصدوهم. فكانت حملة عظيمة، ووقعة جسيمة، وقتل من ~~الجانبين مقتلة شديدة بعد أن خرجت الخيل التي لحسين للمقاتلة والطعان ~~بالرماح والمصاولة، وبنادق حسين تحميهم من الحلقة لمن حمل عليهم، والتحم ~~القتال، وطال النزال ثم انقضى الحرب الأول على هذه المقتلة. وكان القتل في ~~يافع أكثر في هذه المرة، ثم لما أصبح الصباح وظهر ولاح قصدوهم بزيادة قد ~~جمعوها، ووفرة فيهم قد لقوها، منهم من يقول سبعة آلاف ومنهم من يقول أكثر، ~~ولفوا عليهم وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر فكهلوهم . وانتهبت[31/ب] بيرق ~~الخيالة بعد قتله وجماعة معه، وقتلوا فيهم أكثر من خرج من الحلقة عليهم، ثم ~~انكسروا واحتازوا فيها، ولم يبق لهم طاقة على مقاتلتهم لكثرة جمعهم وعدم ~~وصول غارة لحسين بن الحسن تعينهم، فلما أيس عن القدرة عليهم خاطب في الخروج ~~عنهم وطلب الأمان، فبذل له الشيخ ابن العفيف، وهو يومئذ رأسهم والمتبوع ~~فيهم. وخرج من الحلقة مكسورا مهضوما في الليل خشية من قبائل الرصاص؛ لأن قد ~~صاروا في الطريق بعد إظهار الخلاف حتى وصل إلى الزهراء حد بلاد بني الرصاص، ~~وكان قد وقع حرب ما بين الزهراء وبين نجد السلف بينهم وبين الغارة التي ~~كانت وصلت إلى الزهراء من قبل صاحب صنعاء. وكان أيضا بعد ذلك الحرب الذي ~~جرى قد وقع ما هو أعظم منه من الموجب للخذلان، وعدم تمام الغارة التي كانوا ~~قد أرادوها لحسين بن الحسن من الحريق PageV01P668 العظيم، والأمر الشديد الهائل ms295 الجسيم، وذلك أنه كان حسين بن المتوكل وأكثر ~~أصحابه الذين ساروا معه نزلوا في دار هنالك لحسين بن الحسن. وكان قد وضع في ~~سفال هذه الدار أحمال[32/أ] من البارود وبقت مطروحة في غرائرها وبعضها في ~~مخزان فيها، فكثر الداخل والخارج من عسكر حسين بن المتوكل، والواصل منهم ~~يصل إليها والفتايل مع بعضهم ملصاة ومنهم من يحكها في دهليز الدار بعد ~~تعشريته، فلكثرة الناس وأكثرهم لا يعرفون ما في تلك الغرائر الملقاة فلم ~~يحاذروا أحدا منهم عن شرار النار والفتايل ونحوها من الداخل والمار، فلعله ~~في علم الله، اتصل من ذلك شيء من النار إلى أحد تلك الغرائر البارود فاشتل ~~شلة واحدة، ونفض الدار نفضة هائلة بمن فيه من السادة والفقهاء والعسكر في ~~ضوء النهار، أوان العصر عند أن صارت الشمس للإصفرار، على حين غفلة من أولئك ~~الذين فيها، فكانت أعظم مصيبة وقعت عليهم بها. فقيل: أن جملة الذي حرق ~~بالنار خمسمائة من سادة وفقهاء وعسكر وخدام، ومنهم سادة بني عامر وحسين بن ~~المتوكل حرق أيضا، وخرج من جانب من الدار، وقد علق به شيء من النار[32/ب] ~~فكان هذا الأمر العظيم......... من هذا الحريق هو الموجب لخروج حسين بن حسن ~~من الحلقة، وطلب التأمين...... ومن الإدبار. والعلم السابق الذي سبق في هذا ~~الأمر الذي فيهم صار أنهم وضعوا بأيديهم ما هو سبب إلى حتفهم وهلاكهم من ~~البارود بأسفل الدار، مما يحاذره الناس ولا يضعوه قربهم ولا تحتهم لجميع ~~الملوك في الأقطار لكنها {لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ~~} وكيف يحاذر من دون البارود كوضع الأعلاف آحاد الزراع فإنهم يضعونه في ~~مكان مفرد خشية من شرر النار، فأما البارود فهو أعظم في المحاذرة وأبعد في ~~المجاورة، ولكن إذا حضر القدر عمي البصر، وقد يكون ذلك بحكمة الله عقوبة ~~فيما جرى من حريق أصحاب حسين بن حسن لمن في أبين. PageV01P669 # وهذه الحروب التي جرت من يافع ما قد جرى مثلها من القبائل؛ لأنهم حملوا على ~~البنادق والرصاص، ولم يبالوا بمن ms296 رمى وفات. # وإنما تقع الحملات مع الملوك الكبار الذين يسوقون العساكر بالحملات، ~~بالسيوف المرهفات، وبذل المال والأعطيات، وقد جرى من يافع نحو هذا مع عسكر ~~السلطنة في مدة الوزير حسن لما خالفوا عليه وقتلوا الأمير أحمد واليهم ~~وأخرجوه وهزموا الغارة التي وصلت والأمراء الذين بلغوا إلى نجد السلف ~~وانتهبوهم، وبعد ذلك تركهم الباشا حسن ومن بعده ولم يتعرضوا لهم في جميع ~~مدتهم مع ما اشتغلوا به من الغزوات التي جرت معهم. # وعند ذلك في عاشر[33/أ] القعدة أمر المؤيد محمد بن المتوكل أولاد المهدي ~~بالعزم إلى بلاد ذمار، فسار إسحاق بن المهدي وحسين بن محمد بن أحمد صاحب ~~الروضة واجتمعوا بذمار، وأمرهم أن يكون بقاهم في تلك الجهات، فساروا يوم ~~السبت حادي عشر شهر القعدة. وكان قد طلب من حسين بن المهدي دراهم من ~~الخزانة التي خلفها المهدي، فأجاب حسين أن والده أوصى بديون عليه كثيرة في ~~ذمته لبيت المال وهي تستغرق أكثرها، وإذا بقي اليسير منها فالحاجة إليها. ~~ولما وصل حسين بن حسن إلى الزهراء، لم يلبث فيها وتقدم إلى محل قراره ووطنه ~~وبيوته برداع، وكذلك من بقي من أصحاب حسين بن المتوكل بعد الحريق الذي حصل ~~معهم، وفرغت جميع البلاد المشرقية لأهلها وزالت دولته عنها. # وبقت المحاذرة للمؤيد صاحب صنعاء من محمد بن المهدي صاحب المنصورة ومن ~~المشرق لا يحصل في رداع مع حسين بن حسن قضية، لقربه من بلادهم، فلذلك أرسل ~~هؤلاء إلى ذمار يبقون فيه مما يجي من الجانبين. PageV01P670 # وفي القعدة غزا الشيخ ابن شعفل إلى قعطبة فانتهبها وأخذ ما في أسواقها، ~~وقال: قد هو أولى بنهبها؛ لأنها في حدود بلاده، وهو يخشى من غزو يافع ~~إليها، فيستأثروا بها عليه وأصحابه، وأن الدولة قد صارت[33/ب] مفترقة وقد ~~حصل ما حصل من خلاف قبائل يافع، وأخرجوا عنها حسين بن حسن. وحكى الراوي أن ~~هذه الدار التي حرقت وشلتها النار بمن فيها، كما ذكر، كان عمرها حسين بن ~~حسن واعتنى بها في أحسن أماكن تلك القرية وأرفعها، وجعلها ملتقى ms297 فيما بين ~~رداع وبين تلك البلاد، لما يحتاج إليه وما يساق من المصالح من البلاد عليه. ~~وكان فيها يومئذ دراهم وحبوب ومدافن ودقيق، حرق جميع ذلك، وما بقى من ~~المدافن انتهبه قبائل الرصاص وغيرهم، وصارت تلك الدار خرابا كما وقع في ~~بلاد يافع من خراب بيت الوالي مسمار وخراب بيوته التي كانت على المال الذي ~~له ولحسين بن الحسن مما اكتسبوه من الأبنان، وغيرها من الأطيان، وراح على ~~حسين بن حسن أكثر ما جمعه من الخزائن والبلاد، ولم يبق معه إلا ما في رداع، ~~وهو فيه على وجل من أن يحصل غزوه من قبائل الرصاص لقربهم، فإنه لم يبق بينه ~~وبينهم إلا مسافة اليوم. # قال الراوي: وكان الحريق عقب وصول أصحاب حسين من الحرب الذي جرى خارج ~~الزهراء وقد أقبلوا إلى حسين بن المتوكل ومعهم بعض شيء من رؤوس القتلى، ~~وانتظار الجمالة وتعاشير الوصلة، فكان الأمر العظيم[34/أ] الحريق حال هذه ~~الوصلة على حين غفلة بسبب الفتائل حال دخولهم الدار وهم يطفونها في الجدار، ~~فكان الحريق ذلك الحال فصدمهم هذا. وكان وصول حسين بن حسن أيضا حال ما جرى، ~~فكان سبب انكسار نفوسهم الجميع، واختذالهم السريع، ولم يبق لنفوسهم ثقة ولا ~~رغبة بالبقاء في هذه البلدة وساروا منهزمين إلى رداع، مضربين عن ما وراءهم، ~~مبتلدين مما هالهم، وقال بعضهم لبعض: ما بقى فينا لهذا اتساع. PageV01P671 # وفي غرة هذا الشهر أطلق علي بن المتوكل الأسرى الذين كانوا عند علي بن ~~المتوكل من أصحاب محمد بن المهدي، وكان جرى لهم من الإهانة ما لا مزيد ~~عليه، فإنهم بعد الحرب الذي حصل معهم قد كان أمنهم علي، ثم إن أصحابه ~~سلبوهم سلاحهم ولباسهم، وبقوا عراة، لم يبق إلا ما ستر عورتهم وزنجروا ~~بعضهم وحبسوا البعض، وبقوا في الحبس إلى هذا التأريخ وأخرجهم، ومحمد بن ~~المهدي ما زال محمد بن المتوكل يراسل إليه المرة بعد المرة ويكاتبه، حتى ~~انصرم هذه الأيام جواباته بأنه لا يدخل تحت الطاعة إلا بشرط عزل علي بن ~~المتوكل عن الولاية، ms298 ولكنه لا يقدر عليه[34/ب] صنوه، ورتب المراتب، وقوى ~~بيت الفقيه ابن عجيل بولده حسن وجملة من العسكر، وكذلك زبيد. ولوم على محمد ~~بن المتوكل في تولية علي بن أحمد صاحب صعدة لجبل صبر، وقال كيف هذا؟ وجبل ~~صبر في حوزة بلدي، وجنب المنصورة عندي، هذا محال أن يتصرف فيه عمال علي وهو ~~تحتي، مع أن عليا قد معه جميع الشام، مع ما انضم إليه من جبل رازح في تلك ~~الأيام. # وصارت الأمور بين محمد ومحمد مشتجرة مختلفة، وصار أمره من ذلك في حيرة، ~~مع قلة المدخول معه من البلاد، لاستيلا محمد بن المهدي على محاسن اليمن ~~الأسفل، وللقطع التي قطعها لمعارضيه في اليمن الأعلى مع قلة محصوله. وقد ~~أنفق خزائن والده وصار الآن يطلب من التجار قرضة، والتجار تعبوا من طلبه، ~~وقالوا: يشق عليهم مطالبته، ولما رأوه من تفرق محاسن اليمن مع غيره، فمن ~~أين يقضيهم إن تمت قرضته؟ ولما تقاصرت عليه الأموال والبذل في الجوامك ~~والرجال هرب كثير من أهل الحيمة الذين كان جهزهم إلى ذمار، فمنهم من رجع ~~بلاده، ومنهم من نزل إلى اليمن الأسفل عند محمد بن أحمد لملازمته، لما ~~بلغهم الوفاء لأصحابه. PageV01P672 # [35/أ] وقد كان بعض مشائخ يافع مثل الشيخ ابن هرهرة وغيره كتبوا إلى محمد ~~وهو بالسودة التجرم من الوالي مسمار، وأنهم ما وقع بينهم وبينه إلا بسبب ~~تعديه عليهم وجوره، وكل ذلك تبريدا لمحمد عن مادة وتغوير غارة، حتى يتم له ~~ما تم مما بنوا عليه في شأنه، وشكوا عليه ما سار من الزوائد على بلادهم في ~~المطالب الكثيرة، وأنهم لا يصبرون على ذلك الوالي ولا يرتضونه، وطلبوا منه ~~عزله وعزل حسين بن حسن معه، ثم أنهم أبرموا الأمر وأجمعوا على إخراج الوالي ~~والحرب لمن غوره حسين بن حسن وأصدقوا، فوقع الذي وقع. ولقد انتهبوا محطة ~~حسين بن حسن في الحلقة، لم يبقوا فيها شيئا، وسوروا البيوت وأخذوا الخيام ~~والسلاح. وكان جملة الواقع في الحلقة حربين اثنين الأول: كان فيه القتال ~~العظيم، وقتل من ms299 يافع بالبنادق نحو السبعين والآخر: كانت الحملة من يافع ~~الشديدة، والوقعة العظيمة. وكان خرج أصحاب حسين بن حسن وهو معهم للقتال ~~لأول القوم، فقتل أكثر الخيل وبيرق الخيالة وانتهبوا المظلة والراية وجميع ~~المحطة، وراح من أصحابه نحو خمسين نفرا، فطلب حسين بن حسن الأمان عند ذلك، ~~وخرج عنها مكسورا، وطاساته وطبوله مجفية ، وقتل[35/ب] من أصحاب حسين بن حسن ~~كثير، قيل: أن جملة القتل من يافع ومن أصحاب حسين بن حسن نحو المائتين، من ~~غير المصاويب والحريق الذي اتفق في الزهراء. # ولما وقع هذا الحادث العظيم وانكسار حسين بن حسن على هذه الصفة وزوال ~~خزائنه والحريق الذي وقع عقبه سقط في يده وانكسرت نفسه، وأما يافع فإنهم ~~جمعوا بلادهم، وأنفذوا كلامهم، وتقوت قلوبهم. PageV01P673 # ولما كان نصف شهر القعدة الحرام، وتحقق ابن شعفل ما وقع من هذه القضايا على ~~التمام، وهو في مساقط بلاد يافع مما يلي بلاد قعطبة وأبين، قال: ونحن نغزي ~~قعطبة ونجيش عليها للنهبة، فقصدها وانتهبها، وهرب أهلها بعد أن راحت عليهم ~~أموالهم من سوقها وبيوتها، وكشفوا حريمها، ولم يأمنوا سكونها، خصوصا ما ~~قاربها من البلاد، بعدما شاهدوا الواقع فيها كبلاد مريس والعثارب وغيرها، ~~حتى بلغ الهارب عنهم من البلاد بعد أن خشيت من قصدهم وفعلهم فيهم مثلما ~~فعلوا في قعطبة. # ومحمد بن أحمد صاحب المنصورة أرسل بعض زيادة من جنده إلى عدن لحفظه، خشية ~~من أن يصول عليه أهل يافع؛ لأن بلادهم قربه. ومحمد بن المتوكل بصنعاء صار ~~يرسل ما وصله من العسكر إلى نواحي ذمار ورداع على ضعف همة وقل مادة؛ لأن ~~البلاد قد صارت مفرقة وأكثر البلاد المحصلة مع ابن المهدي محفوظة، وفرحت ~~هذه القبائل بما جرى في هذه الدولة من الفرقة[36/أ]. # وفي هذا الوقت وهو خامس وعشرين شهر القعدة الحرام وصل كتاب من العولقي ~~يذكر فيه أنه ناو على الأمر الماضي، وأنه لم يكن منه مع هذا الخلاف، ~~والواقع من يافع والرصاص تعدي، فأمر محمد بن المتوكل بإشاعة البشارة، ~~والظفر والتنصير بالنيران لذلك. # وفي هذا ms300 الشهر أمر محمد بن المتوكل بالضربة بصنعاء، وربما أنه كفر عن ~~يمينه التي كان حلفها، ورسم أن يكون صرف القرش بثلاثة حروف ونصف، فتضرر ~~الناس من هذا النقص بهذه العشرين البقشة في كل قرش لما يحصل على بعضهم من ~~الخسران. # وأما ضربة محمد بن المهدي فكانت ضربته متقدمة على هذه، من حال انتصابه ~~للأمر بجهته، ولم يرسم رسما في صرفها، فكانت باليمن ضربتان: ضربة في اليمن ~~الأعلى، وضربة في الأسفل. PageV01P674 # وفي يوم الثلاثاء ثامن وعشرين هذا الشهر خرج عبد الله بن يحيى بن محمد بن ~~الحسن بن القاسم إلى جهة قعطبة، أمره محمد بن المتوكل لما طلب حسين بن محمد ~~بن أحمد ذلك، فإنه استقر هذه المدة بعد عزمه في دمت ، واستقر قاسم بن ~~المتوكل بمن معه في رداع تقوية لمن فيه، واتفق خروجه من صنعاء عقب العصر، ~~والطالع الذنب في برج الحوت، وكذلك اتفق خروج حسين بن المتوكل قبله كما سبق ~~في هذا الوقت وقت العصر والطالع الذنب في برج الحوت، وكذلك اتفق[36/ب] ~~الحريق في الزهراء بدار حسين بن حسن وقت العصر والطالع الذنب في حال وصول ~~حسين بن حسن منهزما من يافع هذا الوقت، وهذا من عجائب الاتفاق في طوالع ~~الذنب لذلك مما لا يكاد يتفق مثله، والقدرة لله تعالى. # وفي هذا الشهر وصل الخبر بأن قبائل الصبيحة والحواشب الذين بجوار جبال ~~يافع وأطراف بلاد عدن وأبين قصدوا إلى لحج، فانتهبوا في أطرافها وأخافوا ~~طرقها، فأرسل صاحب المنصورة ولده وجماعة عسكر معه، فحازوهم ولم يقدر أحد ~~للخروج من البيوت لشدة محاصرتهم. ثم إن صاحب المنصورة زاد بغارة أرسل نقيب ~~العبيد وجماعة معه، فالتقوهم إلى الطريق، احتربوا هم وإياهم، فهزموهم ~~وظفروا بهم وانتهبوهم وقتلوا من قتلوا منهم، ووقعت بالنقيب منهم جنايات، ~~وعاد الباقون إلى المنصورة، ولم يقدروا على النفوذ إلى عند أصحابهم. ووقع ~~أيضا في خلال هذا غزوة من ابن شعفل في طريق الدمنة انتهب فيها هو والقبائل ~~الذين يقال لهم: الجحافل ، وهم الذين كان يقع منهم الخلاف آخر ms301 دولة بني ~~رسول في تلك الجهات، كما ذكره المؤرخون. ومحمد بن أحمد بن الحسن ما أمكنه ~~الخروج بنفسه إلى بلاد هذه القبائل خشية من قبائل الحجرية لا يخالفون بعده، ~~فصار في حيرة وكتب عند ذلك إلى محمد بن المتوكل. وأرسل كاتبه أخص الناس به ~~أنه يتفق به ويحضر الحكام والعلماء والقضاة، وتقام الشريعة فيما ادعاه، ~~فأجاب عليه ابن المتوكل أن هذا هو المراد. PageV01P675 # [37/أ]وفي أول شهر الحجة وصل السيد ناصر الديلمي رسول من عند محمد بن ~~المهدي بكتاب إلى محمد بن المتوكل، يقول فيه: أن الاتفاق قد تعذر منه. # قال الراوي: وقد كان أولا قال في كتابه الذي مع العيزري أنه يتفق هو ~~وإياه والقضاة، ويحضر علي بن المتوكل وحسين صنوه، ويذكر بحضرتهم ما فيهم من ~~الثلم والسيرة، ويحكم بذلك الحكام وما حكموا به كان العمل به، ثم ترجح له ~~بعد عود جواب محمد بن المتوكل الترك لذلك، لما أشار عليه الناس أن هذا لا ~~يكون منه إلا السبب للفتنة، والقضاة قد لا يحصل منهم ما يطابق الغرض مع ~~التحشيد فلا يتم ذلك. # وزاد محمد بن المهدي في الرتب على زبيد وبيت الفقيه وولاهما، أما زبيد ~~فجعل فيه ابن الغفاري، وبيت الفقيه آخر من أصحابه، وأمرهم بإخراج الولاة ~~الأولين الذين كانوا من قبل السيد زيد بن علي جحاف، وقطع ما كان يجري إليه ~~منها من غير دفعتها. # وفي هذه الأيام قبيل عيد عرفة وصل جواب الرصاص، لما كان طلبه محمد بن ~~المتوكل منه بالطاعة وترك الخلاف إلى محمد بن المتوكل، يذكر له: أن حسين بن ~~حسن قد خرج من بلاد يافع ومن بلادنا ولم نتعرضه في طريقه، بل خرج محملا ومن ~~الآن ما بقي إلى بلادنا سبيل في مطلبة ولا زكاة ولا شيء مما كان[37/ب] فلا ~~يصل إلينا أحد، ومن وصل دافعناه وأخرجناه؛ لأنه صار يحصل من الولاة الجور ~~في البلاد، وأما إذا مطلبكم الخطبة فعلناها لكم، وأن الولاية لنا في ~~بلادنا. PageV01P676 # وفي هذا الشهر الماضي كان ابتداء دخول زحل ms302 في برج الأسد من المثلثة ~~النارية، وهو علامة للحروب وغلبة بعض الدولة على بعض، وتجددات كما ذكره أبو ~~معشر والفارسي في أحكامهما وغيرهما، وقد اتفق باليمن، فإنه كان عند حلوله ~~فيه الحروب باليمن وظهور دولة المؤيد والحسن بن القاسم، ثم دخوله في الأسد ~~حروب جرت في اليمن، واستناد بلاد يافع للمتوكل وحضرموت، ثم هذه الأيام ~~استرجاع يافع لبلادهم والحروب التي اتفقت منهم، وزحل يومئذ في آخر السرطان، ~~ودخوله الأسد في حال الحرب، واستيلائهم على حسين بن حسن. وقبل ذلك أول قيام ~~الإمام القاسم وما وقع من الحروب، وقبل ذلك ما وقع فيما بين أولاد مطهر ~~واستيلاء السلطنة عليهم، وقبل ذلك خروج الوزير الأعظم وحروب مطهر، وقبل ذلك ~~استفتاح الزمر ويكون بعض ذلك أقوى في الإنفلات من بعض، كمثل هذا الوقت؛ ~~لأنه اقترن بتمام المائة. وقد جرب بأن على رأس كل مائة أحوال مستجدة، ~~واقترن أيضا بالنيزك العظيم، وبمقارنة المشتري بزحل في ذلك البرج وغير ذلك، ~~والقدرة لله تعالى في كل أمر، والله أعلم. [38/أ]وقبل ذلك زوال دولة ~~الجراكسة في مصر باستيلاء ابن عثمان عليها، وزوال دولة بني طاهر باليمن، ~~وملك الإمام شرف الدين لليمن، وهلم جراء. # وفي هذه الأيام بعث علي بن المتوكل بجماعة عسكر من تعز إلى مدينة إب ~~يسكنون فيها لحفظها لما بلغه انتهاب قعطبة وخلاف ابن شعفل وتلك الجهة. وكان ~~قد تخوفت بلاد بعدان منهم، لا يحصل إلى بلادهم دخولهم، وخالف هذه الأيام ~~بلاد الشعر وألصوا في بلادهم النيران، وسبب هذا الخلاف هو الاختلاف فيما ~~بين محمد بن المهدي ومحمد بن المتوكل مع ما كان يجري فيهم من الجور من ~~الولاة في المطالب والاعتساف. PageV01P677 # ووصل كتاب من حسين بن محمد بن أحمد إلى محمد بن المتوكل يطلب الجوامك ~~للعسكر، وأنهم صاروا في الحاجة إلى الصرف، فبقي محمد حائرا في ذلك، مع كثرة ~~المخروج لهم من غير مدخول يقوم بهم، وصارت التوافي معه من خزانة أبيه. # وعلي بن المتوكل صار في تعز كالمحبوس، وظهر عليه الملل والبؤس، وعلم ms303 أنه ~~إذا خرج عنه دخله ابن المهدي ولم يتركه، وكثرت عليه الجوامك، وتضنك أهل تعز ~~وسائر بلاده من المطالب مع غلا الأسعار التي عمت، فبقي الجميع في مشقة ~~عظيمة، وأما محمد بن المهدي فهو متنفس؛ لأن خيرة البلاد المحصلة [38/ب]تحت ~~يده فلم يكن معه مثلما مع هؤلاء من المشقة، والمدخول من الدفعات لا تزال ~~مستمرة. # وفي هذه الأيام زاد جور ناظر وقف صنعاء الفقيه يحيى بن حسين السحولي الذي ~~فيها، وكثر من تأجير مفاسح سككها والفاضل من عريص أسواقها، وأمرهما بالبناء ~~فيها واستغلالها، مع الإجماع أنه لا يجوز التعرض إلى شيء من ذلك، وأنها ~~لمصالح المسلمين مشروعة، ولا حق فيها لوقف ولا غيره من الأمور المبتدعة، ~~حتى بلغ به الحال أن سد بعض السكك النافذة بالكلية، وبناها للوقف صبولا ~~وبعضها أجرها وباعها. وصار يوهم الحكام والعوام وهم بين مجوز له فيما فعله ~~من الأعمال، لعدم الشجار له من غيره وبين مجوز له فعله، وأمره مع علمه ~~ببطلانه أو جهله بغروره وعدم كمال عرفانه، بحيث أن والده كان يستنكر ما ~~يفعله النظار من التساهل في هذه الأعمال، وقال: لا يد مع الوقف في ذلك، ~~وإنما صار يكتبونه في الوقف ظلما بغير حق، فلا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وفي هذه المدة اتفقت نادرة عجيبة وهي أن بعض الفقهاء من بني النحوي اشترى ~~بقرة، فحفت من السير، فترجح له أن استأجر لها جملا، وفرش عليها تحتها ~~وحملها، فأنشأ أحمد بن علي الشارح هذه الأبيات متعجبا: # أمحمد كيف القضية # والقضايا لم تزل # قالوا اشتريت تبيعة # تشكو برجليها خلل PageV01P678 فرثيت أنت لحالها # فربطتها فوق الجمل # [39/أ]وحملته ما لم يكن # قدما إلى صنعاء جمل # وعقلته كرها لذاك # وكان يهرب لو عقل # لكن تأمل نائب الق # اضي فخاف من الهبل # فدنى لحمله عارة # بين المطايا وامتثل # وتنفس الصعداء وقال # بذلك القول المثل # من خصمه القاضي فيكف # يه التصبر والخجل # هذا وقد سلم البويزل # في الشوارع والحللل # من صولة الصبيان # للعجب المؤثر للزجل # ولما اطلع عليها بعض ms304 السادة قال: # إن يستطع تقميطها # فبقمطها العقدة تحل # ويدهنها أدهن رجلها # منها نعم العمل # ولربما وعسى عسى # نحوي من النحوي الأمل # واحفظ مقامتها لها # ودع الأغاني والغزل # ومن ابتغاك ملامة # قل لست أسمع من عذل # انتهى. PageV01P679 ### | ودخلت سنة ثلاث وتسعين وألف # استهلت بالسبت، والشمس بالجدي بآخر كانون الأول، وفيه في أول يوم من محرم ~~وصلت كتب الحجاج من مكة المشرفة بأن الحج كان مباركا، وأن اليماني كان ~~ضعيفا، والأسعار متوسطة. # وأخبروا أنه اتفق للسيد محمد الغرباني حال الوصول إلى مكة، وكان قد ظهر ~~أمره يدعي أنه المهدي، فقبض عليه بمكة، وكان أيضا قد أظهر الدعاء من تحت ~~الكعبة، ويدعي أنه المهدي المنتظر الذي يقوم آخر الزمان، والملاحم مطبقة ~~على تأخيره عن هذا الزمان. # وفي هذا الشهر غزا صاحب صعدة علي بن أحمد إلىالقبائل الذي كان وقع منهم ~~قطع طريق تهامة إلى جبل رازح، قريب النار فقتل منهم جماعة وانتهبهم. # وفي هذه الأيام أزمع محمد بن المتوكل على التحريك على محمد بن المهدي، ~~فكتب إلى حسين بن محمد بن أحمد وإسحاق بن المهدي بأنهم يتقدمون إلى الدمنة ~~وينتظرون ما يجري، وأنه سيكون في أثرهم إلى ذمار، وإنما يريد قربة تمام ~~الشهر الحرام، فلا قوة إلا بالله، والأمر حري، كما قال الشاعر : # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة .... على الحر من وقع الحسام المهند # ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة .... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم # مع قوله تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم} [40/أ]. # ولكن الأمر كما جرى به العلم السابق والإرادة، وما شاء الله كان وما لم ~~يشأ لم يكن، والله يصلح ما فيه الصلاح. # وصار المؤيد هذه الأيام في حيرة عظيمة من جهة محمد صاحب المنصورة، وما من ~~أمر يريد إبرامه هناك إلا انتقض. # ولو أنهم تقاسموا هذه البلاد وقال الأعلى لك أيها الأسفل ما قد ثبتت يدك ~~عليه، ومع أنه إن والاه، فلا بد له من جعل تلك البلاد عطاه، ولم يبق ~~الاشتجار إلا في ms305 مجرد العلامة واللقب، وأمرها سهل بالنظر إلى عاقبة الفرقة، ~~وحصول الحرب والفتنة، ولكن الملك عقيم. PageV01P680 # وأما البلاد اليافعية فإن كان مرادهم أنها لا ترجع إلا مع اجتماع الكلمة في ~~اليمن لواحد، فنعم، لكن عيال المهدي غير محمد قد جعلهم ابن المتوكل أنصاره ~~وأعضاده، وهم كما بلغ بواطنهم غير راضية بقتال صنوهم، فربما يختل مع ذلك ~~أمرهم، ولا يتم النصح في قتاله ولا هو أن استولى عليه قهرا تم له النصح ~~فيما قد خرج من البلاد المشرقية له، فالأمور منثورة، والله أعلم لمن تكون ~~الغلبة. # ولعل هؤلاء كان السبب لهم في الاختلاف القياس على من مضى كالإمام المتوكل ~~وصنوه أحمد بن القاسم فإنه جرى بينهما ما جرى وهما أخوان رحمان محرمان مما ~~كان لا يظن أن يقع بينهما محجمة دم لقرابتهما وكبر سنهما، فلما وقع ذلك ~~الاختلاف والاشتجار حتى أدى إلى الحرب والنزال ولم يسلم صنوه أحمد لأخيه ~~إلا بالغلبة، ولكنه لما انحسم بسرعة لم يحصل بسببه من القبائل ما حصل في ~~هذا الزمان الآخر[40/ب]. وكان اتفاق هذا في الزمن الآخر في سنين قاحطة ~~وأسعار مرتفعة لم يكن مثلها مما سبق فيما كان جرى في الأيام الماضية، ولعل ~~لهذا أسبابا وهو ما كثر في هذا الزمان من الجور من الولاة والزيادات في ~~المطالب من غير مبالاة. ويقال: إنه ولى أنو شروان عاملا فأنفذ العامل إليه ~~زيادة على الخراج ثلاثة آلاف درهم، فأمر أنو شروان بإعادة الزيادة إلى ~~أصحابها وأمر بصلب العامل. وكل سلطان أخذ من الرعية شيئا بالجور والغصب، ~~وخزنه في خزائنه كان مثله كمثل رجل عمل أساس حائط ولم يصبر عليه حتى يجف، ~~ثم أوقع البنيان عليه وهو رطب، فلم يبق الأساس ولا الحائط. وينبغي للسلطان ~~أن يأخذ الذي يأخذه من الرعية بقدر وأن يهب ما يهبه بقدر؛ لأن لكل واحد من ~~هذين الأمرين حدا، ذكر هذا القضاعي في منهج السلوك، وقال أيضا في التوراة: ~~كل ظلم علمه السلطان من عماله فسكت عنه كان ذلك الظلم منسوبا إليه، وأخذ به ms306 ~~وعوقب عليه، وقال ازدشير : إذا كان الملك عاجزا عن إصلاح PageV01P681 خواصه ومنعهم عن الظلم، فكيف يقدر على رد القوم إلى الصلاح، وقال الأحنف ~~ابن قيس : شيئان لا تتم معهما حيلة إذا أقبل الأمر فليس للإدبار فيه حيلة، ~~وإذا أدبر فليس للإقبال فيه حيلة، انتهى ما ذكره القضاعي، والله أعلم. # ولما اشتد الضرر لكثير من أهل مدينة تعز من أهل السوق والسماسر والجبارين ~~خرجوا من تعز بأهلهم، وتركوا أعمالهم؛ لأنه صار أصحاب علي بن المتوكل ~~يتدينون منهم، ولا يسلمون لهم القيمة بل يمطلونهم . # وفي نصف هذا الشهر دخل حسين بن أحمد بن الحسن من الغراس إلى صنعاء، وعرض ~~عليه محمد بن المتوكل العزم إلى اليمن الأسفل، فأجاب بأن قد أرسل صنوه ~~إسحاق ومن معه من العسكر، وعليه أعمال في بيوت والده بالغراس وحصن ذمرمر. PageV01P682 # وفي هذه الأيام تلاحقت الكتب من حسين بن محمد بن أحمد بن القاسم من دمت ~~يطلب جوامك العسكر، وأنه قد هرب جماعة لما تراخى عليهم العدد مع غلاء ~~الأسعار، ومحمد بن المهدي صاحب المنصورة ما زالت المكاتبة بينه وبين صاحب ~~صنعاء وهو يذكر فيه الشروط إن تمت سلم لمحمد صاحب صنعاء وإلا فهو باق على ~~ما هو فيه لإزالتها. وهي: عزل علي بن المتوكل، وعزل السيد حسن الجرموزي ~~والي المخا، ومنع ولاة بيت المال عن قبض محصولات الأوقاف، فلم يدخل له محمد ~~صاحب صنعاء في شيء من هذا، وقال: إنما يكون مثل ذلك من بعد التسليم لنا، ~~فتمانعوا، وما زالت الكتب دوارة، والرسل متلاحقة من صاحب صنعاء في الدعاء ~~له وهو لا يجيب إلا بتمام الشروط أولا، ثم كان آخر الجوابات منه أن قال: ~~إذا قد بنيتم على عدم فعل شيء مما شرط عليكم كنتم على حالكم في البلاد التي ~~قد أجابتكم ونحن على حالنا في البلاد التي تحت أيدينا[41/ب] ولنا النظر من ~~بعد على ما اقتضاه نظرنا. فتغير محمد صاحب صنعاء من هذا الجواب الآخر، وطلب ~~القضاة وغيرهم من الأعيان، وطلب مشورتهم، وكيف يكون الأمر في ms307 ذلك؟ ~~فاختلفوا، فمنهم من أشار عليه بالتجهيز والمناجزة والمحاربة، ومنهم من لم ~~يجب بنفي ولا إثبات، ومنهم من قال: يجعل له بلاده جميعا التي كانت معه من ~~أول وما زاد إليها من بلاد زبيد وبيت الفقيه ابن عجيل التي قد أثبت يده ~~عليها وجميع بلاد المشرق، ويكون عهدتها عليه فيها، وهي بلاد يافع وبلاد ابن ~~شعفل مع عدن، وهذا كله غير مطابق لمقصوده، فإن هذه البلاد قد صارت تحت يده ~~من غير حاجة له إلى ولايته، وأما يافع فأهله قد تغلبوا عليه، ولا يد لأحد ~~غيرههم عليه. PageV01P683 # وفي هذه الأيام زاد محمد بن أحمد بن الحسن في رتب بلاده مثل بيت الفقيه ابن ~~عجيل جعل فيه من الخيل والعسكر قريب ثلاثة آلاف فأكثر، وهرب إليه من أصحاب ~~حسين بن محمد من دمت جماعة من العسكر، وما زال أمره يقوى، ورتب بلاد ~~الدمنة لما بلغه تحرك حسين بن محمد بن أحمد بخروجه من دمت إلى بلاد الجند. ~~وإسحاق بن المهدي[42/أ] صار في ذي أشرق بمن معه وصاروا متراكزين ومتقابلين، ~~كل منهم يراعي الفتح من جانبه، مع أن أصحاب إسحاق بن المهدي من أصحاب والده ~~قلوبهم مع محمد صاحب المنصورة، لإحسان والده عليهم، وكونه من عساكرهم وجميع ~~أولاده، وإنما أعمالهم مع هذا توجيهات. ولذلك صرح لمحمد بن المتوكل مشائخ ~~الرحبة وهمدان بأنهم معه إذا كان المراد دخول بلاد يافع، وإن كان مراده قصد ~~محمد صاحب المنصورة فلا يمكنهم حربه، فإنهم أصحاب والده. وهم معهم، مع أن ~~هذه الساعة شاقة على الناس، فبقي محمد هذه الأيام مضطرب أحواله، وكان قد ~~كتب إلى صنوه حسن صاحب اللحية أنه يجمع العسكر معه، وكتب إلى حراز ينضمون ~~إليه ويقصدون بيت الفقيه، فامتنع أكثر أهل حراز وهم الشافعية، مع أن قد صار ~~في بيت الفقيه قوة، يقال: قريب مائتين من الخيل، ومن العسكر قدر ألف ~~نفر[42/ب]. # وفي هذه الأيام كان قد أرسل قاسم صاحب شهارة كاتبه وصهره السيد أحمد ~~الشرفي إلى عند محمد بن المتوكل من أجل ms308 بلاد تهامة وزبيد التي كان جعلها ~~إليه حال اتفاقهم بخمر، فلما بلغ القاسم أن محمد صاحب المنصورة رتبها ~~بالعساكر علم تعذرها، فأرسل إلى السيد بعوده، وأنه قد استخار الله في طلبها. PageV01P684 # وفي هذه المدة بأول شهر صفر وصل الشيخ ابن شعفل إلى حضرة محمد بن المهدي ~~إلى المنصورة، لما رأى أصحاب حسين بن محمد بن أحمد قد أرادوا التوجه إلى ~~بلاده، وقال لمحمد بن المهدي هو من أعوانه وأنصاره هو وجميع قبائله، فأمر ~~أصحابه بحفظ أطراف بلادهم، واتفق حال خروج حسين بن محمد بن أحمد من دمت يوم ~~الإثنين تاسع عشر شهر محرم، والطالع الحوت مع الذنب. # وفي هذه الأيام ذكر لي بعض خواص محمد بن المتوكل أن محمدا أودعه ما يكون ~~الرأي في هذا الأمر، وأنه في حيرة في النظر، وأن محمد بن المهدي قال: لا ~~يسلم الأمر إلا بتمام الشروط التي شرطها، وأن ابن المتوكل قال: يصلح ذلك ~~لكن بعد تقديم تسليمه أولا، فأجبت أن الرأي في هذا أحد أمرين، إما الدخول ~~فيما شرطه أو تركه في بلاده على حاله، وأنه لا بد له من تلك البلاد التي ~~ثبتت يده، سواء وقع بينهم المعاملة[43/أ] أم لا، فما ذاك الفائدة، بل إن ~~سلم له فلا بد له من زيادة عليها. PageV01P685 # وقد قال النجري في معياره وابن عبد السلام في قواعده: أن درء المفسدة ~~أولى من جلب المصلحة، ثم إنهم أرحام وأقارب، فلا يكون هذا قطيعة فيما بينهم ~~، وقد نهى الله عنه ومع تباعد الديار ولم يفت شيء غير مجرد اللقب، والنظر ~~في المصالح والمفاسد مقدم خصوصا مع تباعد الديار. فقال هذا الواصل المستمد ~~للرأي: لكن علي بن المتوكل لا يقدر على عزله صنوه إلا بفتنة، فأجبت عليه ~~أنه إذا كان هكذا وجب عليه أن يتبرأ من أفعاله، إلا إذا دخل في أوامره، ~~فإنه بالإجماع جارت سيرته باليمن، وجار أصحابه ولم يكن له كلمة نافذة على ~~أصحابه، ولا رفع بشيء مما شكاهم إليه أهل بلاده ، فإنه إن لم يفعل ذلك ms309 كان ~~مشاركا في إثمه. ثم إنه يحتاج إلى التنبيه في أمور في بلاده العليا، منها: ~~خراب كثير من أوقاف مساجدها وإهمالها وتصرف غير مستقيم فيها وجمع بعض ~~محصولها لغير مصرفها وتضييق سكك صنعاء بإدخال مفاسحها للوقف وهو لا يجوز ~~وليس للوقف استحقاقها بالإجماع، كما ذكره السبكي في كتابه معيد النعم ومبيد ~~النقم وافتقاد مكاييل صنعاء، فإنه صار صانعها يزيد فيها في كل وقت مما يمحق ~~أسعارها ويغيرها ويؤدي إلى الحرام المجمع لمن اقترض بالمكيال الأول وقضاه ~~[43/ب]بالثاني بعد الزيادة فيه مما هو ربا حرام فيها، وأنه يفتقد تقارير ~~الناس وإمرارهم على عوائدهم، وتنزيل الناس منازلهم، ورفع المظالم منهم لكي ~~يحصل من الله الرحمة لهم، ففي الحديث: ((ارحموا من في الأرض يرحمكم من في ~~السماء ))، وفي حديث آخر: ((لا توكي فيوكى عليك ))، ويقول تعالى: {إن الله ~~لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } . PageV01P686 # وأن المطالب في اليمن الأسفل قد زادت وكثرت، مع الطوارئ الزائدة، وعدم ~~التوقف على الحدود الشرعية، بحيث أخبرني بعض أهل تلك الجهة: أن الذي يصير ~~إلى الدولة فوق النصف، وهذا أمر عظيم غير معروف في السابقين الأولين في ~~كلام هذا محصوله، ولولا طلب المشورة ما كنت أذكره لما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: ((من ~~حسن إسلام المرء تركه ما لايعنيه )). # وقول الشاعر: # لا تبادي بالرأي من قبل أن .... تسأل عنه ولو رأيت عوارا # أحمق الناس من أشار على الن .... اس برأي قبل أن يستشارا # وأخبر الحجاج أن المسجد الحرام تم فيه ما أمر به السلطان من رصه جميعا، ~~وتصليح مناهله، وجر عين الزرقاء إلى خارج مكة على طريق جدة. # وفي شهر صفر ظهر من إبراهيم بن المهدي الميل إلى صنوه، وأنه صار يكاتبه ~~ويصل إليه دراهمه، وأنه جهز جماعة من[44/أ] عسكره إلى حبيش لقبضه فمنع عنهم ~~واليه السرى، ووقع بينهم طرف من المراكزة، فلم يتم دخولهم ، ورجعوا إلى ~~يريم ثم تهيأ للنزول إلى بلاد المخادر، وكتب إلى واليها التأهب بما يحتاج ~~إليه، فطلع جماعة من ms310 عسكر علي بن المتوكل إلى سمارة، لمنع المذكور عن ~~النزول لما ظهر أنه يريد القبض على تلك الجهة، فترك عند ذلك. # وفي نصف شهر صفر ليلة خامس عشر خسفت القمر في الساعة السابعة ببرج ~~السنبلة بالرأس، تغشاها الخسوف جميعا بحمرة، وكان صاحب الخسوف زحل في ثانيه ~~ببرج الأسد، وكان المريخ في المقابلة بالحوت مع الذنب، وهذا الخسوف قد كان ~~ذكره صاحب التقويم المصري الخارج العام الماضي. # وكان بأول صفر وفاة السيد يحيى بن أحمد بن محمد العياني الحمزي المعروف ~~بأحمد سيد بداره كوكبان، وأبوه وجده كانوا مع بني شمس الدين بن الإمام شرف الدين. # كان هذا السيد من الطلعة الأولة قد ناهز الثمانين السنة. PageV01P687 # وفي هذه الأيام أرسل صاحب المنصورة محمد بن أحمد المهدي إلى بلاد يافع ~~بأنهم يرسلون إليه جماعة من أصحابهم، فأجابوا أنهم حافظون بلادهم، فلا يتم ~~خروج[44/ب] أحد منهم. # وفي يوم الأحد ثاني وعشرين شهر صفر منها وصل كتاب محمد بن أحمد من ~~المنصورة مصدرا في باطن كتاب من صنوه إبراهيم الساكن بيريم إلى محمد بن ~~المتوكل المؤيد يذكر أنه قد سلم له الأمر صيانة للمسلمين، لكن بالشروط التي ~~قد بذلها، والمواضع التي قد وضعها. # وفي خلال ذلك انتهبت قعطبة النهبة الثانية، ووقع فيها معرة عظيمة وفعلة ~~جسيمة، والناهب لها الشيخ الجلاد بأصحابه من أهل يافع، بسبب كتاب وصل إليهم ~~من صاحب المنصورة بالغارة في معاونته والقصد إلى قعطبة. # وفي آخر شهر صفر عند استكمال ربيع الأول اجتمعت الكواكب الخمسة الشمس، ~~والقمر، وعطارد، والزهرة، والمريخ، والذنب أيضا في برج الحوت، دليل الأمطار ~~الواسعة. # وفي هذه الأيام ثاني يوم من شهر ربيع الأول وصل جواب صاحب المنصورة إلى ~~صاحب صنعاء بالتسليم، وأنه يأمر برفع المحاط التي صارت مقابلة له في الجند ~~وذي أشرق. # وفي غرة هذا الشهر توفي القاسم بن محمد بن المتوكل برداع، وكان أرسله ~~والده أميرا على العسكر الذي أرسلهم إلى هنالك، وتفرق أكثر عسكره من رداع ~~من أهل الحيمة وغيرهم، وتحدث حسين بن حسن عند ms311 أن بلغه تسليم ابن أخيه لمحمد ~~صاحب صنعاء بأنه يريد دخول بلاد يافع، وأن المحاط تدخل معه، فبلغ يافع ~~حديثه، فاجتمعوا وقالوا[45/أ]: نغزوا إلى رداع قبل أن يجتمعوا ويغزونا، ~~وكتبوا إلى قيفة أنهم يأذنوا لهم بالمرور في بلادهم، فامتنعوا وقالوا: لا ~~تدخل قبيلة على قبيلة. وبلغ محمد بن المتوكل ذلك؛ فخشى لا يحصل ما حصل، ~~فكتب إلى محاط اليمن الذين كانوا حاطين على صاحب المنصورة بالطلوع إلى ~~نواحي ذمار ورداع. # وفي هذه الأيام تفلس بعض البانيان وهرب وعليه ديون واسعة للمسلمين، ودخل ~~في صورة يهودي متنكرا، وجاء طريق اللحية. PageV01P688 # وفي يوم الاثنين ثالث عشر شهر ربيع الأول كان دخول الشمس أول درجة في ~~الحمل، وزحل في الأسد، والمشتري في السرطان، والمريخ مع الذنب بالحوت ~~،والرأس بالسنبلة، والزهرة محترفة مع الشمس، وعطارد بالحمل والقمر في ~~السنبلة، وسيكون قران الثقيلين زحل والمشتري في برج الأسد في آخر السنة، ~~والله أعلم. # وإبراهيم بن المهدي قبض دفعة العدين لما وصلت يريم في الطريق، فتغير محمد ~~بن المتوكل من ذلك تغيرا عظيما، لأجل أخذه لها من غير إذن مع حاجته، واعتذر ~~إبراهيم أنه احتاج ذلك لمن عنده من العسكر. # [45/ب] وفي هذه الأيام أمر محمد بن المتوكل بأن تكسر ضريبة صنوه علي بن ~~المتوكل بتعز، وأنها لا تمر بصنعاء، فبقي الناس في حيرة من أجلها، ثم تراضى ~~أكثرهم على قبولها وبعضهم لم يقبض شيئا منها. PageV01P689 # والمهدي صاحب برط المسمى محمد بن علي الغرباني من بني مكنى من سادة غربان، ~~عاد من البحر بعد الحج والزيارة للنبي صلى الله عليه وسلم فوصل مع جماعة حجاج من أشراف ~~كوكبان، وسكن بكوكبان حتى يتوثق في الوثاقة في الدخول إلى بيت والده ~~بصنعاء، وربما تيسر له من السبار ما يهوى، فترك المؤيد بن المتوكل جوابه، ~~وأعرض عن خطابه وأيس المذكور عن المناصر لدعوته التي دعا بها بالبلاد ~~البرطية، لما أصابها الجوع وارتحال جميع أهلها عنها وتفرقهم في البلاد ~~والأنحاء للمعيشة؛ خرج منها وقصد الحج من طريق الخوخة . فوقع عليه ms312 في ~~الطريق ما وقع من الانتهاب لحوائجه وكتبه، والترسيم من صاحب بيشة لما أظهر ~~نفسه باللقب فيها، وتخلص بمشقة حتى دخل مكة وحج فرضه وزار، وخرج بحرا مع ~~حجاج كوكبان[46/أ]، وكان في صحبته أولاد الأمير ناصر صاحب كوكبان، اضطر إلى ~~مرافقتهم لانقطاع زاده، فلما وصل كوكبان أعاد ما كان طواه من الدعوى في ~~سالف الزمان، وقال: هو الذي يصلح وفيه كمال العلم التام، فعند ذلك باحثه من ~~بكوكبان من العلماء والأعيان في المسائل العلومية والأحكام، ، فحصروه في ~~عدة مسائل وظهر لهم كمال قصوره. وكان أكثر من تصدى لمراجعته ومباحثته ~~الفقيه العارف محمد بن حسن الحيمي في النحو وعلم الأصول والفقه، ورأى من ~~المسائل والمناقشة ما حار فيه فهمه، وتبلدت معرفته وقريحته، وما ذاك منهم ~~إلا لما رأوه يطلب البحث ويدعي العرفان، فمن جملة ما أحصر عنه: السؤال في ~~فائدة قوله تعالى: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا} . PageV01P690 # ما القصد في تخصيص توجيه سؤالهم للجلود دون سائر أعضاء الجسد التي شهدت؟ ~~والمراد به، كما ذكره أبو السعود ، هو أنها لما كانت المباشرة لفعل ~~القبيح، وكان المراد بها الفروج كما في تفسير ابن عباس خصت بالسؤال لها ~~فهي المباشرة الملتذة دون غيرها. وسؤال آخر فقهي وهو: ابتاعت أرض لها ساقية ~~تمر في ملك ثم تخرج إلى مباح ثم تدخل الأرض المبيعة، هل فيها شفعة؟، فأجاب ~~بثبوت الشفعة، ولا ينبغي كذلك لأنه يشترط ملك الساقية ولا ملك. ثم بعد ذلك ~~انكسرت همته التي كانت في نفسه، وقنع بالإياب عما كان طواه بأمنيته، وصدق ~~من قال: من لم يعرف قدره وقع في خطره، وما هلك امرؤ عرف قدره، وعند ~~الامتحان يكرم الرجل أو يهان. وعلموا عند ذلك أن علمه علم بادية، وعوارش ~~غير خافية، كأنه سراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء. # مع أن التزكية للنفس لا ينبغي للعالم، فإن الله تعالى قد مقت على ذلك، ~~وامتحن موسى عليه السلام لما أجاب السائل[46/ب] عن من أعلم في الأرض فقال: ~~أنا فامتحنه الله بلقيا الخضر ، وطلبه والاتفاق به ms313 على مشقة، كما قصه الله ~~تعالى في كتابه ووصفه النبي صلى الله عليه وسلم في روايته حتى ظهر له علم ما لم يعلم، وقد قال ~~تعالى: {وفوق كل ذي علم عليم } ، وقال: {فلا تزكوا أنفسكم} . # فكيف حال من كان دون الأنبياء من هذا البشر، الله المستعان. ثم وصل السيد ~~صنعاء، ورجع إلى حضرة والده وهو يهرول ويسعى. وأخذ عليه المؤيد محمد بن ~~إسماعيل المتوكل البيعة لنفسه فلم يسعه إلا موافقته، مع أن محمدا ما طالبه ~~لذلك إلا لما صار يدعو إلى نفسه، فأراد قطع حبله وذريعته، مع أنه قد أدبه ~~الزمان، وصار مضطرا إلى ترك ما عليه كان. PageV01P691 # وفي نصف شهر ربيع الأول وصل كتاب حسين بن حسن إلى المؤيد محمد يقول فيه: ~~إنه بلغنا أنك اصطلحت أنت وصاحب المنصورة وأقطعته بلاد المشرق من يافع ~~وغيرها، وهذا لا ينبغي منك وأنه لا يسمح ببلاده، وأنه باقي بالارتحال ~~إليها، وما يصلح منك إلا المعونة على إرجاعها وردها على حالها، وإن لم يكن ~~منك ذلك فلا تتعرض لتوليتها. # وكذلك وصل كتاب من علي صنوه فيه معاتبة، يذكر له: أن الشروط التي جعلتها ~~ما كان ينبغي فعلها منقوضة، ولا يتم أمرها لما بلغه أن شرط ابن المهدي رفع ~~علي عنها، فجمع المؤيد صاحب صنعاء القضاة وحسين بن المهدي، وقال: ما ترون ~~في هذا؟ فأجاب البعض أن الشروط التي شرطها ابن المهدي أرجع عنها وقرر كلا ~~على بلاده، فأهم بذلك وراق في خاطره، فعارضه حسين بن المهدي، وقال: كيف ~~ترجع في شيء قد وضعته وجهزته وقررته وأمرتنا بوضع شهادة مثل ذلك للصنو محمد ~~بن المهدي؟ فهذا لا ينبغي، ومثله تكلم السيد أحمد بن إبراهيم المؤيدي ~~والقاضي محمد قيس. PageV01P692 # [47/أ] ولفظ الوضع الذي وضعه محمد بن المتوكل لمحمد بن أحمد بن الحسن هو ما لفظه: # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي ألف بين قلوب أصفيائه، وجمع شمل من اختار من أوليائه، ~~لصلاح بلاده وعباده: {لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ms314 ولكن ~~الله ألف بينهم} بأمره وإنفاذه، والصلاة والسلام على محمد الذي جمع الله به ~~شمل الأمة، وكشف به كل بؤس وغمة، وهدى الخلق من الجهالة، وأرشدهم من ~~الضلالة، وصلى الله عليه وعلى آله في كل وقت وحين. أما بعد: فإنه لماوصل ~~إلي السيد النجيب العلامة النسيب بدر الدين محمد بن صلاح القطابري أسعده ~~الله بذلك الوجه الذي وضعناه بخطنا وطلبنا فيه والشروط الدينية التي ~~اشترطنا، وعاد الجواب في قفا خطنا بخط الصنو الإمام المؤيد بالله داخلا ~~فيما اشترطنا، ملتزما على نفسه بما ذكرنا، وأشهد الله على ذلك وهو خير ~~الشاهدين، ثم أشهد على وضعه الصنو السيد الجليل الأوحد علم الدين القاسم بن ~~أحمد بن أمير المؤمنين ومن حضر من الأصناء الكرام، والقادة الفخام، ~~والعلماء الأعلام، بأسمائهم المعروفة في ذلك الطرس ، استخرت الله تعالى وهو ~~المستخار، وتوكلت عليه وهو الملك القهار بموالات الصنو المؤيد بالله أيده ~~الله، وواليناه وحللنا هذه القلادة[47/ب] بهذه الشروط الدينية، وحقن دماء ~~المسلمين وأشهدنا على ذلك من حضر لدينا وجعلنا موضوعنا هذا شاهد يطلع عليه ~~الأصناء الكرام، والعلماء الفخام، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # حرر بمحروس المنصورة حرسها الله تعالى، يوم السبت ثاني وعشرين شهر صفر، ~~سنة اثنتين وتسعين وألف ، ثم ما أمر أيدينا، عليه من البلاد التي تحت ~~أيدينا وما من به علينا من أهل المشرق كافة ويافع حسبما تضمنه الموضوع الذي ~~بأيدنا، وما اشتمل عليه من الموالاة، وأشهدنا من حضر ورقم اسمه في هذا ~~الطرس، والمرجو من الله الوفاء بما شرطناه من الأمور الدينية، وصلى الله ~~على سيدنا محمد وآله وسلم انتهى. PageV01P693 # وفي هذه الأيام بقي المشرق تضطرب أحواله، وتغير أعماله، فبقي المؤيد مشغولا ~~بذلك، وتقوى في ذهنه أن مراده قصده، فأفاض على الفقير إلى الله كاتب الأحرف ~~هذا فقلت: وقد عزمتم على ذلك وحررتم النية، وإلا فما كان لفتح المشرق ~~مصلحة، فقال: نعم قد بنى على ذلك، فقلت له: لا بد لكم من النصاب الكامل من ~~العسكر وما يحملهم أقل حالة مثل ms315 عسكر بني طاهر، وهم قدر عشرين ألفا، فأنتم ~~تقدرون على هذا؟ وإلا فالترك أولى، فقال: نعم هو يحصل ربما إذا طلب من ~~أولاد أعمامه وإخوته إذا لم يحصل مما كره منهم، فقلت: لكن قدموا اجتماع ~~الكلمة بينكم وبين صاحب المنصورة أولا، فلم يعجبه هذا بل قال: هو قد سلم ~~الأمر لنا وظهر منه أن مراده إرجاع البلاد إلى حسين بن حسن على أنه خاب وهو ~~عين المخاب، وما الأمر إلا كما قال الشاعر: # إن صحبنا الملوك تاهوا علينا .... واستبدوا بالرأس دون الجليس # [48/أ] وليت هو رأي لا يرجع فيه، ولكن متى عقد الرأي لم يتم بل يرجع فيه ~~وينقض في الحال، فلا قوة إلا بالله. # قال السيد أحمد بن إبراهيم المؤيدي والقاضي محمد قيس: فسكت وتردد في ذلك ~~الأمر، وعليه التبس، وبلغه ما قالته يافع، وكتبوا به إلى بلاد قيفة من أنهم ~~يأذنون لهم في غزو حسين بن حسن إلى رداع لما بلغهم كلامه. وأنه يريد الدخول ~~عليهم بعد شرطهم عليه حال إخراجه، وكل ذلك منهم إنما هو هنجمة على حسين بن ~~حسن، لأجل يعرف أنهم غير راضين به، ولأجل يكف عنهم دخوله. PageV01P694 # واتفق عند ذلك أخذ إبراهيم بن المهدي لدفعة العدين، وكانت واصلة إلى صنعاء، ~~فأخذها، وقال: هو في حاجتها لمن عنده من العسكر الذين في يريم، وكان محمد ~~منتظرا لوصولها وواعدا للسيد أحمد بن إبراهيم المؤيدي بالزلاج منها. والسيد ~~أحمد طلب الزلاج، فأجاب عليه محمد بالانتظار حتى يدخل يده ما يمده به، ~~واعتذر إليه أنه تعطل ما في يده، وأنه لا يعلم في الخزانة بغير مائة حرف، ~~فعند ذلك استأذنه السيد في العزم، فقرره وسأله الانتظار،، وسبب تعطيل ~~خزائنه وقل ما في يده ضعف هذه السنين، وتفرق البلاد مع غيره. # وفي هذه الأيام تكاتب علي بن المتوكل وحسين بن حسن أنهم يد واحدة [48/ب] ~~على محمد بن المهدي، وأنهم لا يدخلون في شرط محمد بن المتوكل في نزع أيديهم ~~من بلادهم، وأنه أمر محال، ودونه خرط القتاد والخلاف ms316 والجلاد. فعند أن بلغ ~~صاحب صنعاء كتب إليهم أنه يريد منهم الجميع الاجتماع في ذمار أو غيره ~~والاتفاق، وتقرير الأمور على ما ينبغي وترك الشقاق. فبعث إلى صاحب المنصورة ~~الرسمي بكتاب، وإلى صنوه علي حسن المحبشي كاتبه، وإلى حسين بن حسن محمد بن ~~إبراهيم السحولي الخطيب بمثل هذا، فالله أعلم ما يتم من ذلك بينهم، وما ~~يتلفق لهم. # وفي هذه الأيام وصل من كوكبان وشبام أعيان من السادة وغيرهم يشكون عبد ~~القادر في الذي لهم، وأنه لم يسلم لهم تقاريرهم، واختص بالبلاد، وجعل ~~التصرف للحريم، فأمر المؤيد عليه بالحجر عن التصرف حتى يوفيهم حقهم الذي لهم. PageV01P695 # وفي هذه الأيام بآخر ربيع الأول اتفقت نادرة من النوادر وهي أن شيخا جنديا ~~من بني الرماح الذين يسكنون بني مطر كان ملازما لأحمد بن محمد يركب الخيل، ~~وكان له بيت بصنعاء يسكنه أكثر مدته لملازمته، وأهله في بلد النشمة ببني ~~مطر، وبيته بصرحة الأبهر أن قتل هو وخادمه الحال في بيته حرمة من بني هاجر ~~كان زوجها قد مات فأدخلتها امرأة الحال مع الشيخ الرماح في بيته هذا ~~إلى[49/أ] بيته ، ووقع معها هذه الفعال وقطع رأسها وأيديها ومثل بها، وحملت ~~في باقي عباءة إلى شارع طلحة ، وطرحت قريب باب خالها، ثم لم يظهر ذلك إلا ~~بعد يوم وليلة بعد تحسس خبرها. ولما ظهر ذلك الحادث هرب الغلام وأمسك الشيخ ~~الرماح والحال معه في بيته وامرأة هذا الحال، وحبسوا بعد أن ضربت امرأة هذا ~~الحال وكذلك الشيخ وأوثقوا في الحبس. وكانت هذه الحرمة ببيت مجاور لبيت ~~الشيخ هذا المسمى عبد الله بن عز الدين الرماح وخادمه يسمى شجير. كان أولا ~~بوابا مع أحمد بن الحسن، والله أعلم بحالها وسبب ما وقع بها، فمن قائل: أنه ~~عمل غير صالح كان بينه وبينها، ومن قائل: أنه لطمع ما معها، ومن قائل: أنه ~~كان طلب معها ابنتها وبذل لها دراهم فلم يتم قولها، فحاق بهم الجميع ~~أعمالهم. وذكرنا هذه القصة لندورها من أجل المثلة بها. # ووصل إلى ms317 المؤيد محمد صاحب صنعاء هذه الأيام بأول شهر ربيع الثاني دراهم ~~من السيد حسن الجرموزي صاحب المخا من طريق تهامة وسهام والحيمة، وترك طريق ~~اليمن خشية من إبراهيم بن المهدي الساكن بيريم لا يأخذها كما أخذ دفعة ~~العدين أو غيره. # وفي غرة هذا الشهر تراجع أهل المواشي من بلاد برط الذين[49/ب] كان نجعوا ~~بها إلى بلاد جهران وضوران وبلاد رداع وعنس لطلب المرعى لنعمهم بعد أن ~~بلغهم مطر بلادهم. وقد كان خلت بلادهم وتفرق أهلها وصارت خاوية بما ظلموا ~~فيها وقطعوا السبيل بطرقها، وهلك منهم أمة في هذا الجوع الذي أصابهم، والله أعلم. PageV01P696 # وفي شهر ربيع الأول أو الثاني توفي الشريف السيد علي بن صلاح الضلعي في ~~بلده ضلع الأشمور، قريب كحلان تاج الدين عقب عوده من صنعاء حضرة المؤيد ~~محمد بن المتوكل، وهو من العلويين أصلهم من سادة المأخذ ، ينتسب إلى عبد ~~الله بن العباس . # كان هذا السيد له ولاية القضاء وفصل الأحكام في تلك الجهة مدة المتوكل ~~والمهدي أحمد بن الحسن، وكان مع ذلك أيضا قد ولاه المتوكل بلاد كحلان، وعزل ~~عنه أولاد الهادي بن الحسن بن شرف الدين وبقي مدة طويلة جامعا بين الولاية ~~والقضاء، ثم أعاد المتوكل أولاد الهادي بن الحسن لولايتهم لكحلان، وبقي ~~السيد له مجرد القضاء والشريعة، وزالت عنه الولاية رحمه الله. وكانت معرفته ~~بالفقه لا غيره من الفنون، فإنه كان عاريا عن علم النحو بالمرة. وشيخه ~~القاضي أحمد بن سعيد الهبل، فإنه قرأ عليه بصنعاء في مدة طلبه في زمان ~~المؤيد بالله محمد بن القاسم، فلما دخلت دولة المتوكل ولاه تلك الجهة ~~قضاءها وفصل أحكامها وأوقافها. # وفي ثامن عشر شهر ربيع الآخر وصل حسين بن محمد بن أحمد بن القاسم راجعا ~~من اليمن الأسفل إلى صنعاء، فقال له المؤيد بن المتوكل: لو كان بقيت بذمار، ~~فقال: تحتاج العسكر إلى جوامك وسبار. PageV01P697 # [50/أ] وأما إسحاق بن المهدي فاستقر بذي أشرق، واستمد من البلاد التي تليه ~~له وأصحابه. وإبراهيم بن المهدي صنوه استقر بيريم تصرف ms318 فيها واستولى على ما ~~فيها. وعبد الله بن محمد بن يحيى بن الحسن استولى على نقطة اليمن الأسفل ~~العدين، ودخله وتصرف في محصوله. ومحمد بن المهدي أرسل أبا ريحان بعيينة ~~لقبض ربع المخا حسبما وضع له محمد بن المتوكل في شروطه. وخلت يد المؤيد بن ~~المتوكل عن جميع اليمن الأسفل بالمرة. ولم يبق له فيه إلا مجرد الخطبة وصار ~~في أشد حاجة، وخلت خزائنه، ولم يبق له من البلاد إلا دون ما كان له منها في ~~وقت والده؛ لأنه زاد خرج من بلاده الأولة قبل انتصابه بلاد حراز لأحمد بن ~~محمد بن الحسين ، وبلاد ثلا لصنوه قاسم بن المتوكل. PageV01P698 # وابن المهدي محمد صاحب المنصورة أرسل ولده إسماعيل إلى بلاد ابن شعفل ~~لإصلاحها، وتسكينها، وصلاح طرقها، ورد ما نهبوه فيها، فلما دخلها وصل ابن ~~شعفل وأبرز خطوط صاحب المنصورة بأنه الذي أمر له بدخول قعطبة والتقدم إلى ~~إب وجبلة من خلفها وشرقها، فكان قد أراد ذلك بأمره. والذي وقع في قعطبة ~~بإشارته[50/ب] وخطوطه وأوامره، فأجاب عليه بأن الأمر بدخول تلك الجهة لا ~~بالانتهاب على الضعفة ، فأمرهم بتسليم ما قد أخذوا، فأرجعوا ما بقي بأعيانه ~~وأخذ منهم آداب وأعواض. وكاتبوا إلى يافع، فأجابت يافع بجوابات فيها مغالطة ~~ومواعدة. وتفرق اليمن الأعلى والأسفل بين خمسة عشر دولة متفرقة، وكل منهم ~~مع ذلك يقول ما حصل الوفاء لحقه، فكان بهذا التأريخ اتضاع كثير من الولاة ~~والرؤساء وزوال دولهم، منهم حسين بن حسن بن القاسم، ومنهم السيد زيد بن علي ~~بن إبراهيم جحاف الذي كان له بلاد زبيد وبيت الفقيه، ومنهم السيد حسن بن ~~مطهر الجرموزي صاحب المخا، فتولى فيه أبو ريحان من قبل محمد بن أحمد بن ~~الحسن، ومنهم جعفر بن مطهر الجرموزي صاحب العدين استولى عليه عبد الله ابن ~~يحيى بن محمد بن الحسن بن القاسم، ومنهم الفقيه حسين الثلايا الذي كان ~~متولي ثلا، ومنهم صاحب حجة السيد علي بن حسين بن جحاف، بسبب حسين بن محمد ~~بن أحمد بن القاسم، ومنهم السيد ms319 إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن جحاف زالت ~~ولايته بريمة، كذلك والي حفاش الجملولي وغيرهم، تحولت حالاتهم، وزالت ~~ولايتهم. PageV01P699 # وفي هذه الأيام لما استقر عبد الله بن يحيى بن محمد بن الحسن بن القاسم ~~بالعدين قبض محصولاته، وتصرف من نفقاته وثمراته وقال معتذرا: إن الذي جعل ~~له محمد صاحب صنعاء ثلاثة آلاف لأصحابه وأنه يقبضها من غير واسطة واليها، ~~ويرسل بالباقي إلى صاحب صنعاء، فأرسل بالباقي وهو النصف، فلما وصل إلى يريم ~~أخذها إبراهيم بن أحمد بن الحسن وقال: هو الذي جعل له محمد لأصحابه، ~~فانخلعت يد محمد من فائدة العدين، وبقي في صنعاء صفر اليدين، ليس معه إلا ~~الإسم، ودون ما كان معه وقت والده من محصول بعض بلاده، وكثر الاشتراك في ~~المملكة بسبب الضعف، واختلاف الكلمة. # [51/أ] وفي هذه الأيام شهر جمادى الأولى استقرت دولة ابن المتوكل بعض ~~الإستقرار، بعد البذل لأولاد إخوته ما طلبوه من البلاد، ولكن لم يبق معه ~~إلا الجزء اليسير منها، وأعطاهم فوق ما يطلبونه، وأقطعهم البلاد كما شرطوه. ~~وأما يافع فإنهم تغلبوا وامتنعوا، وكانت الأحوال لمن كان من أهل الرئاسة مع ~~هذا المذكور في غاية النفاسة، وأما سائر أهل التقارير فصارت مجرد رسوم ~~وأسماء ولا ظهور لها ولا جدوى، وما أحسن قول كما قال أبو حفص عمر بن علي ~~المهدوي : # ولقد رجونا أن ننال بأمركم .... رفدا يكون على الزمان معينا # فالآن نقنع بالسلامة منكم .... لا تأخذوا منا ولا تعطونا # ولم تحصل فائدة منهم إلا السلامة من ترك بيعتهم، والفائدة الثانية ~~للمسلمين من اجتماع كلمتهم إذا حصلت وسكون الفتن هو الأولى، لأن البيعة ~~إنما تكون لكامل الشروط، حيث كانت إمامة اختيارية وذلك مفقود فيهم، وبسبب ~~تركهم المطالبة عدم طلبنا لهم في شيء من الدنيا، لأن القاعدة أن ((من أكل ~~حلواهم مال إلى هواهم)). # وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((أن من أخذ منهم دنياهم أخذوا أكثرمن ذلك من دين ~~من أخذ منهم)). # وكان الحال كما قال المتنبي: # إنا لفي زمن ترك القبيح ms320 به .... من أكثر الناس إحسان وإجمال PageV01P700 قال الواحدي في شرحه: يقول من لم يعاملك بالقبيح في هذا الزمان فقد أحسن ~~إليك لكثرة من يعاملك بالقبيح، وهذا المعنى[51/ب] أراد أبو فراس في قوله: # وكنا نرى أن المتارك محسن .... وأن خليلا لا يضر صديق # وقال المتنبي عقبه: # ذكر الفتى عمره الثاني وحاجته .... ما قاته وفضول العيش أشغال # قال الواحدي في شرحه: أي إذا ذكر الإنسان بعد موته ذلك حياة ثانية له، ~~وما يحتاج إليه في دنياه قدر القوت، وما فضل من القوت فهو شغل، كما قال ~~سالم بروايته: # غنى النفس ما يكفيك من سد فاقة .... فإن زاد شيئا عاد ذاك الغنى فقرا # وفي هذا الشهر رفع المؤيد بن المتوكل النائب للقاسم من المخا فيما كان ~~عينه من البندر وهو ربع لمحصوله، وقال: إن السيد حسن متولي البندر يكفي ~~وأنه يسلم محصول الربع ويرسل بها إلى حضرته، ويكون عليه كسوة أهل شهارة، ~~فتغير قاسم من هذا العمل وقال: هذا رجوع فيما قد كان فعل، ولم أبقى نائب ~~محمد صاحب المنصورة وأخرج نائبه. # وفي هذه الأيام بنصف شهر جماد الأول وصل خبر من مكة المشرفة أنه توفي ~~الشريف بركات متوليها، وأراد ولده الإستقامة في الأمر بعد والده، فحصل نزاع ~~بينه وبين الشريف ابن غالب وغيره وبين عساكر السلطان، واختلاف حصل أيضا بين ~~الأشراف وعساكر السلطان، وأنهم بعد ذلك متوجهين إليها حيث هرب عنها بعض ~~أهلها خشية من معرة تحصل فيها. PageV01P701 # والمؤيد كان قد أراد الاجتماع هو وإخوته والنظر في تقرير أموره لتكاثر ~~المخروجات عليه، فبقي حائر الفكرة. ومن جهة عمل المشرق لما كثر عليه حسين ~~بن حسن بالتقدم إليه وطلب المعونة، فكان قد أراد التقدم إلى ذمار والاجتماع ~~هنالك بحسين بن حسن وصنوه علي وغيرهم، ثم إنه خير في ذلك وكتب إلى حسين بن ~~حسن بالترك هذه الساعة. ومحمد بن أحمد صاحب المنصورة قد كان سعى في شأنهم ~~-يعني أهل يافع- وما زالوا يغالطونه في جوابات، ويظهرون الميل إليه إذا كان ~~ولا بد من قصدهم. ms321 وقد كان وصل إسماعيل بن محمد بن أحمد بن الحسن صاحب ~~المنصورة إلى قعطبة وراسل إلى الشيخ الجلاد أطراف بلاد يافع في رد ما ~~انتهبه من قعطبة، وصار أيضا يواعده. # ووصل هذه الأيام رجل ممن خرج إلى بندر المخا مع أهل الهند، ووصل إلى حضرة ~~المؤيد بالله محمد بن المتوكل بهدية ذكر أنها من سلطان الصين وهي حقيرة ~~مجمرة من فضة وخمسة أسنة مزوقة ونحوها. وقال هذا الواصل: أن أصله من البصرة ~~وأنه دخل إلى الهند، ثم ساقته المقادير إلى الوصول إلى الصين، فوافق سلطان ~~الصين، فجرى منه سؤاله عن سلاطين الأقاليم، ثم ذكر اليمن فقال: سلطانه شريف ~~من بني الحسن، فقال: قد هادينا سلطان الروم وما نزال نهادية، وهذا ينبغي أن ~~نكتب إليه معك. قال: وباطنيته محبة الإسلام، إلا أنه لا يقدر بإظهاره خشية ~~من أهل بلده[52/ب]، قال: وبلاد الصين كفار بين مجوس ونصارى ونحو ذلك، ~~والسلطان هذا معه خمسمائة من عسكر المسلمين وهو يجلهم ويعظمهم، وأرسل بصدقة ~~إلى الحرمين الشريفين في المدة السابقة أيضا والله أعلم. PageV01P702 # قال: وكان خروجه من بحر الصين إلى الهند مسافة ثلاثة أشهر، قال: وخلف الصين ~~من الجهة الشرقية البحر المحيط متصل به هذا خبره، ويستمد من صاحب اليمن في ~~وصايته المسامحة لمن مر إلى الحرمين الشريفين من المسافرين الحجاج ومن ~~المسلمين الذين بجهاته والتجار، وأنه يشق عليهم طريق البر، ومرادهم بطريق ~~البحر، فأجابه المؤيد بالإسعاف، وأنه يمر منهم المار، وليس عليه في بنادر ~~اليمن مشقة. # وفي هذه الأيام أرجع محمد بن أحمد صاحب المنصورة ربع المخا الذي كان وضعه ~~له محمد صاحب صنعاء له، وقال: بلغنا حاجتكم فرجع ذلك إليكم. وقيل: إن ~~المؤيد كتب إليه يذكر أن اليمن قد تفرق، وصار الوافد إليه ولا يجد ما يقوم ~~فيهم، وأنه يشق عليه هذا الأمر، فأجاب المذكور بأنه قد أرجع له ربع المخا ~~وبلاد زبيد بها قد اكتفىمع بلاده الأولى[53/أ]. وطريق عدن صارت مقطوعة من ~~الصبيحة والحواشب لا يمر فيها عقال،فرجع بعض من كان وصل ms322 من الهند ولم ~~يدخلها وعرج عنها إلى المخا. ولما بلغ حسين بن أحمد بن الحسن صاحب الغراس ~~بأن صنوه أطلق ربع المخا إلى المؤيد محمد بن المتوكل كتب حسين المذكور إلى ~~المؤيد: إن الصنو بلغ إطلاقه لربع المخا فإذا هو عنه قد اكتفى فلا يسمح ~~بخروجه عنه، وأنه يرد إليه ويصير محصوله لمن لديه، فعجب محمد بن المتوكل من ~~ذلك وتردد في جوابه. PageV01P703 # وفي آخر جمادى الآخرة خالفت بلاد قيفة على حسين بن حسن صاحب رداع جميعا، ~~وسببه أن أرسل حسين بن حسن عماله لقبض العدة وما يعتاد من مطالبه فأرجعوهم، ~~وقالوا: البلاد بلادنا وحكمنا حكم بلاد الرصاص في أوامرنا وعلينا إصلاح ~~الطريق وعدم التعويق، وجعلوا لهم سوقا، فبقي حسين بن حسن حائرا وطبق المشرق ~~جميعه على الخلاف إلى باب رداع. وكتب إلى محمد صاحب صنعاء، ومحمد صار ~~مترددا لأجل تفرق البلاد، وعدم ما يحتاج إليه من الإمداد والإعداد، وطلب ~~القضاة والأمراء للمراودة والاستشارة، فأجاب حسين بن المهدي أن دخول المشرق ~~لا يكون إلا بعد انتهاء مكاتباتهم وبعد إنصافهم فيما يذكرونه من المظالم، ~~ولا يجوز لنا القصد إليهم[53/ب] إلا عن النصيحة. وكذلك أجاب القاضي محمد ~~قيس وقال: لا يجوز قتالهم، فتوقف محمد بن المتوكل واستحسن منهم هذا الخبر، ~~وقال من قال: وكيف وهم مؤمنون للطريق المارة تسير في بلادهم على حالها ~~الأولة إلى حضرموت في أمان؟ وهم ذكروا أنهم إليكم منتمون، وإنما الذي شرطوه ~~إن تركتوهم ولم تولوا عليهم، وأنهم لواجباتهم مسلمون وإنما نقموا الجور ~~عليهم من الولاة وعدم الإنصاف للشكاة. # ووصلت كتب من محمد بن أحمد بن الحسن من المنصورة إلى المؤيد وغيره يذكر ~~فيها صلاح المشرق وأنهم مسلمون الواجبات ويخطبون الخطبة ولا يجري منهم تعرض ~~لا طريق ولا إلى غير ذلك، لكن بشرط أن لا يتولهم حسين بن حسن، فتعقب ذلك. # وفي آخر نهار الخميس تاسع عشر شهر رجب بعد العصر خرج المؤيد من مدينة ~~صنعاء إلى ضوران، وقال: إن مراده الاستقرار فيه هذه الأيام، وقال: هو أصلح ms323 ~~للقرب إلى اليمن ومرافقه أحسن، وصار يظهر أن مراده الحركة إلى المشرق. وخرج ~~في يومه ذلك إبراهيم بن المهدي طريق يريم خشية عليها من المؤيد؛ لأنه لم ~~يوله إياها. # وكان إبراهيم بن المهدي قد وصل إليه إلى صنعاء من يريم، واستخلف ياقوت ~~إسماعيل، فأرسل المؤيد إلى يريم ناظرا لأجل محصوله. PageV01P704 # ووصل هذه الأيام قبيل عزم المؤيد من صنعاء بيومين بواقي العسكر الذين كانوا ~~من الحيمة برداع، وشكوا عدم الوفاء بالجوامك والأقوات مع طول المدة بالبقاء ~~من غير ثمرة، وهناك من الرتبة من يقوم بحفظ المدينة. وأما المشرق فإنهم ~~إنما خالفوا في بلادهم، فإن أنتم مثبتون لهم تاركوهم فلا تخشوهم، وإن كنتم ~~نية في الدخول إليهم فلا بد لكم من عساكر[54/أ] قوية مما يكمل نصابهم ونحن ~~معكم، ففسح لهم إلى بيوتهم وقال: الأمر كما ذكرتم، وإذا احتجناكم كتبنا إليكم. PageV01P705 # وفي يوم الخميس خامس شهر رجب منها توفي الفقيه العلامة العارف المحقق: حسين ~~بن يحيى بن حنش في بيته بشهارة، كان عقب عوده من بلاد ذيبين. وكان في ~~الأيام السابقة وصل إلى حضرة المؤيد بصنعاء، فاستقر عنده أشهرا ثم سار إلى ~~ذيبين بيت أهله وأجداده، استقر فيه نحو ثلاثة أشهر وتقدم شهارة وبيته بها ~~واستقراره بعد أبيه فيها. وكان شروع مرضه بذيبين، وكان بنظره مجاري شهارة ~~في أيام الإمامين المؤيد محمد بن القاسم، والمتوكل إسماعيل بن القاسم، ~~وإليه التصرف في الحبوب من التقارير. وكان وفيا عارفا بالمقادير، ومن يرآه ~~طالبا للعلم زاد في تقريبه وتأنيسه والإفاضة عليه في سباره. وكان حسن ~~العقيدة منصفا عارفا مطلعا حسن الإعتقاد في الصحابة، مرضيا عليهم من غير ~~تعرض إلىما صار يقع من الجهال فيهم. وكان من رآه من الفقهاء أو السادة ~~المتغربين يظهر منه التعرض في جانبهم قطع سباره، وقال له: ما تستحق عندي ~~شيئا وأنت على هذه الحالة مع كثرة من يشطح من أهل شهارة في الصحابة رضى ~~الله عنهم[54/ب]. وكان المذكور فيها قامعا لكثير من المتمردين ناهيا زاجرا. ~~وله الشرح العظيم الذي جمعه على ms324 (البحر) في علوم الإسلام استوفى فيه الأدلة ~~والتخاريج للحديث من أصولها وبين العزو والتخريج فيها مع شرح ما يحتاج إلى ~~شرحه وبيانه وتكميله والمناقشة عليه فيها. وله أنظار دقيقة وأقوال سديدة ~~تدل على عرفانه وإنصافه وتحقيقه، ويميل في ذلك مع الدليل وإن خالف مذهب ~~الهدوية كمسألة رفع اليدين في الصلاة، ووضع الكف على الكف، فإنه ذكر ~~الأحاديث المشهورة في مقابلة الحجة ووهى حجة الهدوية، وكذلك غيرها من كثير ~~من المسائل التي يكثر تعدادها، ولا يتسع لها هذا التأريخ لكثرتها، يعرف ذلك ~~من اطلع على شرحه هذا مع وسعته؛ فإنه بلغ ثمانية أجزاء مجلدة كبار، فلقد ~~أفاد في هذا الكتاب وأجاد، وحقق فيه وبين المراد رحمه الله. وذكرت له ذلك، ~~وقلت له: شرحك هذا ما قصرت فيه PageV01P706 وما كنت أظن أن أحدا يفعل عليه ذلك، وجزيته خيرا فيه، وناولني نسخته من ~~شرحه رحمه الله تعالى، وكان لا يكفر بالإلزام في مسائل علم الكلام[55/أ]، ~~وأمرت بتحصيل أكثره، وشريت بعضه لما رأيت كثرة فائدته وكماله. # ومات في هذا الشهر الفقيه العارف: صالح بن داود الآنسي، كان له مشاركة في ~~علم النحو والفقه، إلا أنه يميل إلى التحامل على الصحابة، فلم يسلم من ~~الملامة، وكانت وفاته وهو ببلاد صنعاء؛ لأنه استقر فيها بعد أن كان أول ~~طلبه للعلم بصعدة على القاضي أحمد بن يحيى حابس وغيره، والله أعلم. # وفي هذا الشهر قتل رجل بالروضة في باب بيته، تكمن له جماعة.... أخذ نفسه ~~هو وحرمه معه من أهل بيته، وذلك بعد العشاء، وحمل صاحبهم وإخفائه في ~~الطريق، ثم لماوصل بلده دفنوه ولم يظهر، ثم ظهر لولي الأمر ذلك وأخرجوه. # وتتابعت القرانات في هذه السنة جاءت في النصف الأخير من هذه السنة، فإنه ~~اتفق قران الزهرة وعطارد والمشتري لسلخ جمادى الآخرة في برج السرطان، ثم ~~سيكون برمضان قران المشتري والمريخ في نصف رمضان في ذلك البرج أيضا، ثم ~~قران الثقيلين المشتري وزحل في برج الأسد بآخر شهر شوال منها في الدرجة ~~الثامنة من الشهر المذكور، ثم ms325 شهر الحجة منها، وهو دليل قوة سلطان الإسلام ~~الأكبر كما ذكره المتخصصون المقومين من أهل علم الفلك والمؤرخون، والله أعلم. # وفي أول شهر رمضان ظهر نجم الذنب من المغرب ولكنه ليس بالطويل ولا ~~بالعريض، عرضه نحو ثلاث أصابع أو أقل وطوله ثلاثة أذرع، ويقال: أنهم رأوه ~~أولا حال ابتداء ظهوره بالمشرق، والله أعلم. # وكان ظهوره هذا عقب الأمطار وصلاح .......... الثمار في الخريف والصيف، ~~في جميع أرض اليمن، المشرق والمغرب، بعد أن كان تتابع عزة الأمطار في ~~السنين الماضية، والله يصلح الثمار[55/ب]. PageV01P707 # وأرسل المؤيد محمد بن المتوكل من ضوران الشيخ جعفر بن علي إلى حضرة الرصاص ~~للإصلاح، فتشرط الرصاص إبقاء بلاده بيده، ولا يدخل عليها أحد من الولاة، ~~وأنه يسلم الواجبات بنظره وأن الطريق آمنة والبلاد صالحة. # وأما حسين بن حسن فصار يأكل يده ، ويحترق على ما جرى معه، وصار يكاتب إلى ~~أولاد أعمامه بالنصرة له والدخول إلى إصلاح ما كان من بلاده ، فأجابوا عليه ~~أن الأمر إلى المؤيد، ولا يصلح إجابتنا ودخولنا من غير أمره، والمؤيد ظاهره ~~محبة الإصلاح ومراعاة ما هو أصلح للمسلمين في سكون الدهماء، والله يصلح ~~الإسلام. # وإبراهيم بن أحمد بن الحسن لما وصل إلى يريم طرد واليها، فلما وصل إلى ~~المؤيد بضوران حصل مع المؤيد التعب وأهم أن يقصده، ثم إنه تراجع، وكتب إلى ~~صنوه حسين الذي بالغراس، فكتب إلى إبراهيم بالانخراط في طاعة المؤيد، وإلا ~~فهو عون عليه، وكتب إلى العسكر الذي عنده يتهددهم وهم من قبائل الرحبة التي ~~تقرب منه ، فتفالت العسكر من عنده وبقي وحده بخاصة عبيده وخدمه، فاضطر ~~حينئذ إلى الوصول إلى ضوران[56/أ] حضرة المؤيد وسكن. ثم إن إبراهيم بن حسين ~~الشهاري طالب المؤيد في يريم، وقال: إنه كان وعد بها، وأنها كانت لأخيه من ~~المهدي، وإلا عوضه غيرها، فما زال يماطله هو وإبراهيم بن المهدي في ~~مطالبتهم حتى أصدقهم أن ما عنده شيء، وأن البلاد قد تفرقت، ولم يبق إلا ~~اليسير منها بيده. وأهم أن يخلع نفسه إن لم ينخرطوا على ms326 طاعته، فسكت ~~الإبراهيمان عن طلبه، وحسين صاحب الغراس تضرر من أخيه إسحاق الذي كان أرسله ~~إلى اليمن الأسفل، فإنه منع عنه المطالب من البلاد التي كان تعينت له كذي ~~أشرق وما إليها، وصار يهم بأنه يقصده إليها، فإنه لم يبق معه إلا بلاد ~~وصابين وبلاد الرحبة وبعض بلاد همدان وخولان، وصار يوفي السبارات لمن عنده ~~وبيوت والده من الخزانة، والأحوال مع الجميع عجيبة. PageV01P708 # وفي هذه السنة كثرت الضربة للدراهم ففعل علي بن المتوكل ثلاث ضرائب مع ضعفة ~~الدراهم، وكثرة الغش فيها، ومع ضربة المؤيد وضربة حسين صاحب الغراس، ثم فعل ~~حسين بن محمد بن أحمد صاحب الروضة ضربة في عمران، واستقر فيه ورحل عن ~~الروضة، فمنعه المؤيد، فامتنع وتركها على مشقة. وأما صنوه علي صاحب ~~اليمن[56/ب] فقال: فيها مصلحة للجند والحاجة إليها، فاستمر عليها البلاد ~~والعباد، وكذلك محمد صاحب المنصورة مستمر عليها، فبلغ صرف القرش يومئذ إلى ~~خمسة حروف لأجل كثرتها، وصغر الدراهم وغشها واعتمدوا فيها بقشة الخمس، ~~وتركوا ضربة الصغار، لعدم خراجها؛ لأنها لا تجزى إلى خمس مع صغر الأصل، ~~بحيث أن الضربة الأولة قلت وعدم أكثرها؛ لأنهم صاروا يصرفونها ويصوغونها ~~لما فيها من الزيادة بالنظر إلى هذه الضربة الآخرة. والزيادة بعد هذه ~~الضربة إذا فعلت ضرت الناس بانكسار يحصل عليهم. فلو أن الدولة يضبطون وزن ~~الضربة لا تختلف كان أحسن، وكذلك المكيال فإنه قد حصلت فيه الزيادات ~~الكثيرة شيئا فشيئا، وما كاد يستقر على قاعدة. # وفي نصف رمضان منها ختم على الفقير إلى الله صحيح الإمام مسلم بن الحجاج ~~القشيري قراءة محققة الضبط والحراسة من أوله إلى آخره، فلله الحمد، وذلك ~~بصنعاء اليمن بعد سماعي له عام إثنين وسبعين وألف على الفقيه صالح بن محمد ~~العنسي بسماعه له على الشيخ العارف محمد بن علي علان الشافعي بمكة ~~المحروسة. وفي السنة التي بعدها شرع لي قراءة سنن أبي داود، فسمع علي ~~أكثره، لم يبق إلا قدر الربع من آخره فلله الحمد، وذلك بصنعاء اليمن. # وكان هذا من جملة النعم؛ ms327 لأن هذا الكتاب والبخاري وغيرهما لم يعرفهما أحد ~~بصنعاء من رأس الألف إلى هذا التأريخ، قدر مائة سنة، فلا قوة إلا ~~بالله[57/أ]. PageV01P709 # وفي شهر شوال وصل الخبر بأن بندر الشحر استولى عليه علي بن بدر الكثيري ~~صاحب حضرموت، وطرد عنه الوالي الذي كان من قبل محمد بن أحمد بن الحسن صاحب ~~المنصورة، وهو ابن قاسم الرسمي، وما خرج منه إلا برفاقه. وحصل في البندر ما ~~حصل من الانتهاب بعد وقوع طرف حرب هنالك، وخرج جماعة من أهل البندر في جلاب ~~طريق البحر بأهلهم وأموالهم فغرقوا في البحر؛ لأن البحر يومئذ ما قد هو وقت ~~ركوبه إذا كان في تشرين وهو إنما يرتكب في كانون عقب رجوع الشمس. واستولى ~~المذكور على البندر، ثم حصلت فتنة فيما بين علي بن بدر المذكور، وبين بعض ~~أقاربه ويسمى حسن الكثيري بسبب أن محمد بن أحمد صاحب المنصورة ولى حسن ~~الشحر والمؤيد ولاه علي بن بدر. ثم تعقبه بآخر الشهر المذكور استولى ~~العولقي على بندر أحور الذي بين عدن وبين الشحر، وكان وصل خبر أنه وقع ~~بحضرموت قبل هذا الحادث مطر عظيم فيه برد كبار، بحيث ذرع بعضها بالذراع في ~~بعض بلاد حضرموت ومن وقع فيه شيء منه هلك. # ووصل زيد بن المتوكل إلى صنعاء متوليا من قبل صنوه المؤيد، وكان وصوله ~~إليها ليلة ثامن عشر هذا الشهر أرسله من ضوران، فلما وصل إليها كان أول شيء ~~أن منع الناس من أهل البيع والشراء أن لا يبيعوا إلا بنقد، فعظم ذلك على ~~البائع والمشتري، وتضرروا. ومنع المصلحين من الإصلاح في البيوعات. وأمر أن ~~النساء لا تدخل الحمامات ، ومنع من التصفر بالحناء، فبقي هذا قدر ثمانية ~~أيام ورجع كل شيء إلى أصله الأول، ولم يتم من ذلك شيء. # وفي هذ الشهر أتم محمد بن أحمد بن الحسن دائر المنصورة الذي بناه. PageV01P710 # وفي خلاله بأول شهر[57/ب] القعدة انتهب القبائل أبين وتصرفوا فيه بالنهي ~~والأمر، وانقطعت طريق عدن، فأرسل محمد بن أحمد صاحب المنصورة ولده الحسن ~~بجماعة من ms328 العسكر إلى بلاد الحواشب، ورفع الخبر بذلك إلى المؤيد وهو يريد ~~بذلك الاستظهار على صلاح بلاده إن احتاج إلى شيء منه. فعند ذلك قال المؤيد: ~~الصواب أن هذا المخرج يكون إلى بلاد يافع وأن هذا كله بسببهم، وكتب إلى ~~إخوته وبني عمه بالتبريز والتأهب، فراجعوه بأن هذا يحتاج إلى نهضة قوية، ~~فلا ينبغي فيه العجلة، فأجاب بأنه لا بد من ذلك، وأنه يعينهم بما يعين من ~~خزائنه إن احتاجوه إلى شيء. فبرزوا جميعا المؤيد في قاع بكيل، وحسين بن ~~المهدي خارج الغراس، وأحمد بن محمد خارج صنعاء، وحسين بن محمد بن أحمد خارج ~~عمران، وحسين بن حسن برداع، وعلي بن المتوكل باليمن الأسفل، ثم تقدم حسين ~~بن حسن إلى ضوران، وفرح بهذه الحركة لما قد جرى من يافع معه، فوصل إلى ~~ضوران لمزيد التحريض للمؤيد بتمام الحركة والهمة، وكذلك طلع عليه علي بن ~~المتوكل إلى ضوران. ولما وصل حسين بن المتوكل من رداع صحبة حسين بن حسن ~~لقيه أولاده وشكوا عليه ما جرى معهم من التقصير في السبار بسبب عمهم ~~المؤيد، فإنه قبض محصول البلاد، فتغير من ذلك وعاتب صنوه عند وصوله بمعاتبة طويلة. # وفي هذه الأيام لما حصل قلة الطالع من السليط من بلاد لحج وقعطبة بسبب ما ~~جرى من القبائل وارتفاع ثمنه[58/أ] بصنعاء أحدث فيها سبع معاصر للسليط ~~مخروطة من الحجارة، وبالغوا فيها لأجل غلاء السليط وقلة طلوعه من اليمن ~~الأسفل، بسبب ما جرى في قعطبة وبلاد لحج وأبين من التغيرات والانتهاب ~~والفعلات، وعصروا فيها الخردل؛ لأنه الذي يزرع في البلاد العليا دون ~~الجلجلان؛ لأنه لا يصلح إلا في البلاد الحارة دون الباردة. PageV01P711 # وفي شهر القعدة مات السيد العارف علي بن حسين بن إبراهيم بن جحاف المتولي ~~على بلاد حجة، وكان موته بمستقره في حصن مبين، وكان والده هو المتولي لها ~~من زمن الإمام المؤيد محمد بن القاسم ثم ولده محمد بن حسين ثم صنوه علي بن ~~حسين هذا. وإبراهيم جدهم هو الذي كان متوليا للمطهر بن شرف ms329 الدين في بلاد ~~الأهنوم وظليمة في أيامه، وخالف عليه، وقبض عليه المطهر وحبسه بحصن ثلا، ~~ومات في حبسه، وأصل محل السادة من حبور في بلاد ظليمة. # وفي أول شهر الحجة قبل عيد عرفة وصلت كتب من محمد بن أحمد صاحب المنصورة ~~إلى المؤيد يذكر أن بينه وبين المؤيد شروط ما تم منها شيء، وظهر منه أنه إن ~~لم يوف له بها، رجع إلى ما كان عليه أولا وحصل معه اضطراب في الرأي[58/ب] ~~بحيث أنه عند ذلك أمر برفع الوطاق الذي كان برزه على جهة المشرق، فعند ذلك ~~أرسل المؤيد صنوه إبراهيم إلى عنده وأقطعه بلادا من بلاده، قيل بلاد أبين ~~ولحج وكل ذلك إرادة منه أن تكون يدا له عليه، فلما وصل إبراهيم إلى يريم ~~بلغته كتب من صنوه بأنه يبقى بيريم ويبسط عليها، فهي تصلح له، وقد سكنها ~~أولا، وهي بلادهم في الأصل، وأما النزول والتولية على شيء من بلاده فلا ~~سبيل إليها، فأراد السكون فيها، وعيد عيد عرفة بها، ثم طلع علي بن المتوكل ~~من اليمن الأسفل قاصدا حضرة صنوه المؤيد، ولما مر بلاد يريم أمر إبراهيم ~~بالنزول وتمام أمر المؤيد صنوه، فنزل المذكور واستقر بجبلة. PageV01P712 # ولما أرسل محمد بن أحمد صاحب المنصورة ولده الحسن بجماعة من العسكر إلى ~~الحواشب الذين حولي بلاد أبين ترفعوا عنهم واستدم بعضهم وتركوا التغيير في ~~الطريق. وأما أبين ولحج وخنفر فحصل فيها الضعف لأجل ما جرى فيها من القبائل ~~من الفتن، وحصل يومئذ اضطراب الرأي واختلاف الأقوال فيما بين محمد ومحمد ، ~~فحينئذ كتب المؤيد إلى حسين بن المهدي وأحمد بن محمد وغيرهما بأنهم يتأنون ~~عن الحركة حتى يكون البادي منه فيها. وأما بلاد يافع فإنهم أجابوا على ~~المؤيد مع رسوله أنهم يسلمون الواجبات بشرط أن[59/أ] لا يتولاهم حسين بن ~~الحسن وأن بلادهم لهم. # وعلى الجملة أن الأمور صارت مضطربة. # وفي عيد عرفة حكم السيد مهدي الكبسي بأن أول الحجة الاثنين والعيد ~~الأربعاء، وكان الناس غير مترقبين لهذا لأجل المنازل، فعمل المؤيد وأهل ms330 ~~صنعاء بحكمه وعيدوا الأربعاء، وأما سائر البلاد فعيدوا الخميس، ومن الناس ~~من احتاط فضحى في يوم الخميس. # وبعد الصراب للأثمار نزلت الأسعار في جهات صنعاء إلى ثلاثين بقشة الذرة ~~والشعير مع كبر القدح عما كان سابقا. وأما اليمن الأسفل فسعره مرتفع زائد ~~على صنعاء، القدح فيه بخمسين بقشة خلاف العادات الماضية، فإنه يكون سعره ~~دون اليمن الأعلى. وحصل في بعض الجهات في الذرة عسل حصل بسببه النقص فيها، ~~وهذه البلاد هي الحيمة وما يليها غربي صنعاء، بحيث أن بعض الناس أكل من ~~العسل ذلك الذي فيها فهلك منه. PageV01P713 ### | ودخلت سنة أربع وتسعين وألف # في ثاني الشهر وصلت كتب الحاج من مكة بأن الحج كان تاما، وكان الوقوف يوم ~~الأربعاء والعيد الخميس، ورخص السعر، وصلاح الثمار وطيبها وكثرة الحاج ~~الشامي والمصري، وأن العراقي هذا العام كثير، وأما اليماني فضعيف إلى ~~الغاية. وأخبروا أن الولاية من السلطان تقررت لسعيد بن بركات ، ثم وصلت ~~الحجاج فأخبروا بمثل ذلك. وأخبروا أن يافع اشتهر الخبر المستفيض بمكة بأنهم ~~كتبوا إلى السلطان بما فعلوه من التغلب على بلادهم وإخراج ولاتهم وأن[59/ب] ~~دولة اليمن قد صارت ركيكة، وأن السلطان يبعث طائفة من عساكره، وهم عون لهم ~~في الاستيلاء على جميع اليمن. # قالوا: واتفق انهدام بعض الآبار في طريق الشامي لما ازدحم عليها الناس، ~~فهلك جماعة فيها. # وفي شهر محرم خرج حسين بن أحمد بن الحسن من الغراس إلى صنعاء لما طلبه ~~المؤيد لأجل المخرج إلى المشرق، ووصلت الأخبار من يافع بأنهم قد خربوا رأس ~~النقيل الذي في جبل العر، وجعلوا فيه خنادق وبنوا فيه النوب والقليع ~~وحصنوه، وأن قد صار ابن العفيف مستعدا بالمال والرجال والبنادق الكبار، ~~وصار مظهرا للدفع والقتال وعدم الامتثال. وكان خروج حسين بن المهدي بعد أن ~~اختار له الفقيه أحمد الذيبة الذي كان يعتمد والده، فقال له: يخرج يوم ~~الأربعاء ثامن شهر محرم، فخرج من الغراس ضحا، وكذلك خرج من صنعاء ضحا في ~~يوم الإثنين ثالث عشر شهر محرم، واتفق في ذلك جميعا ms331 أن الطالع كان الدلو ~~وفيه الذنب، كما اتفق في المخرج الأول لمن سبق، والفقيه أحمد اعتمد الساعة ~~وحلول القمر في البروج، ولم ينظر إلى الطالع، مع أن التوكل في جميع ذلك كان ~~هو الأولى، ثم إن في اختيارات الأيام لجعفر الصادق أن يوم ثامن الشهر غير ~~مختار للأعمال، وكذلك الثالث عشر. PageV01P714 # وأما بلاد بني أرض وهي بلاد الرصاص فلما بلغهم التبريز والحركة أرسلوا منهم ~~جماعة أنهم مواجهون[60/أ] وأنهم غير مانعين لما كانت طريق يافع في بلادهم، ~~وهي وطا لا معقل مانع فيها، وقد عرفت قاعدتهم فيما مضى في خلافاتهم على ~~عامر بن عبد الوهاب وعلى الوزير حسن أنهم تبع ليافع، ولكنهم ينظروا ما ~~يفعلوا، فإن أنهضوا ومنعوا كانوا من المباشرين لمن في بلادهم كائنا من كان، ~~وإن كانت يافع إلى الغلبة أقرب كانوا من المتخلين. # وفي هذه المدة وقع بين سفيان بينهم البين حرب قتل منهم جماعة، من جملة ~~المقتولين شيخ بني رهم داود. وأخبر الحجاج من بني عضية الذين جاءوا طريق ~~السراة أنهم لما وصلوا قرية مضفاة وجدوا جماعة على أبواب قريتهم مقتولين ~~وذلك لغزوة غزتهم قرية أخرى بينهم وبينهم خصومة وفتنة لا تزال ثائرة، لعدم ~~الدولة عليهم؛ لأن هذه البلاد بين دولة صاحب اليمن والشريف صاحب مكة ما بين ~~الحرجة وبين تبالة وبين هذين المحلين نحو خمسة أيام، وهي البلاد المقابلة ~~لبلاد الحرامية على طريق تهامة، ومن جملتها قرى وادي ذهبان شهران ، فهذه ~~البلاد لا دولة عليها لانقطاعها وانفصالها بين الدولتين دولة صاحب اليمن ~~وصاحب الشام. # قال الحجاج: فلما وصلوا إليهم قالوا لهم: بينهم حاسب يريدون يحسب لهم ~~فيما صار يجري بينهم وبين خصومهم، وأن خصومهم صاروا ينتصرون عليهم ويضروهم، ~~فقال الحجاج: ما بينهم حاسب، فرسموا عليهم وقالوا: لا بد[60/ب] فلم يطلقوهم ~~إلا بعد أخذ أيمان بعضهم والتشديد عليهم. # قال الحجاج: وكان صرف القرش بالطائف من ثلاثة حروف ونصف مصري، وبمكة من ~~ثلاثة حروف مصري. PageV01P715 # وفي يوم السبت ثامن عشر شهر محرم في آخر الساعة الرابعة والطالع الحوت ms332 ~~والمقابل لبرج السنبلة فيه المريخ خرج أحمد بن محمد بمن معه، فبات بحدة بني ~~شهاب، ثم سار ضوران. وخرج في هذا اليوم من عمران حسين بن محمد بن أحمد بن ~~القاسم إلى الروضة ثم إلى ضوران بأصحابه، ولعله كان خروجه من عمران ضحوة ~~النهار، والطالع في ذلك الوقت يكون الدلو، وفيه الذنب، وتعقبهم صاحب كوكبان ~~خرج يوم الاثنين عشرين شهر محرم، وإذا كان ضحوة النهار خروجه فكذلك الطالع الذنب. # وأكثر هؤلاء الرؤساء أسماؤهم حسين، أولهم: حسين بن حسن، ثم حسين بن ~~المهدي، ثم حسين بن محمد بن أحمد، ثم حسين بن عبد القادر، وهذا من عجائب ~~الاتفاق. وبذل حسين بن حسن من خزائنه معونة للمؤيد في سبار العسكر. ولما ~~وصل حسين بن المهدي جهران قبض على ثلاثة أنفار عرفوهم بأنهم جواسيس من يافع ~~وأمر بالزناجير في رقابهم، فلما وقع ذلك بهم اعترفوا من بعد وأخبروه بأخبار ~~يافع، وأنهم قد حصنوه وغيروا الطريق قريب جبل العر وخندقوه، ودفنوا في ~~الطريق البارود على ضفة الساقية تصل إليهم، وبنوا على أنه متى وصل إليه ~~العسكر اليمانية وسبر الحرب أحرقوا البارود ليحرقوا فيه، وهذه مكيدة عظيمة ~~وقد لا يؤمن أن يجعلوا في أطرف بلد من يافع في بيوتها شيئا من البارود لأجل ~~إذا دخلوها حرقوها بهم. فصار حسين بن المهدي يحذر أصحابه من ذلك متى دخلوا ~~إليها[61/أ]، وبنوا المتارس وحصنوا جبلهم بكل ممكن. # وفي آخر المحرم تكاملت العسكر للمؤيد ومن طلب معهم من الحوايش والغواير ~~وساروا ضوران، وعند ذلك ظهر من أن حوزة خرجت من رداع أضافها أصحاب حسين بن ~~الحسن إلى يافع، وأنها منهم مضمونها الافتخار بما فعلوه من تغلبهم على ~~بلادهم وإخراج حسين بن حسن منها بقهرهم، وأنهم يأتون على غيرها من اليمن إن ~~لم يتركوا قصدهم، وأرعدوا وأبرقوا، ومن جملتها بمعناها: # ونستولي على ضوران قهرا .... ونقسم المنهوب لكل دال PageV01P716 فقيل: إنها منهم على الحقيقة وقيل: إنما هي معمولة مزورة من أصحاب حسين بن ~~الحسن؛ لأجل حمل الناس من أصحاب المؤيد على ms333 قصدهم، وأجاب عليها من أجاب على ~~لسان حاشد وبكيل، وتوعدوهم بالاستباحة لبلادهم وبهذا تغيرت نياتهم. وعند ~~هذا أثار للسيد محمد بن علي الغرباني من بني مكنى بالرجوع إلى عادته الأولة ~~من الرسائل على هذه الدولة والطعن في السيرة، كما فعل مع المتوكل في المدة ~~الماضية، فأظهر رسالته وخرج من صنعاء إلى بلاد خولان، فاستقر بعاشر ، فأرسل ~~في الأثر زيد بن المتوكل جماعة لقبضه وإرجاعه، فلما وصلوا إلى خولان قال ~~أهل خولان: نكتب إلى المؤيد، وما اقتضاه نظره كان، فجاء جواب المؤيد: أن ~~السيد يبقى عندكم[61/ب] بشرط أن تقيموه حيث اختار البقاء، وإن أحب الوصول ~~إلينا وصلتم به، ويقام بما يحتاج إليه منا، فاختار البقاء عندهم هذه المدة ~~يريد بفطانته أن ينظر ما يكون من أهل المشرق وفتنته، ويؤمل أنه إذا لهم ~~غلبة أن يدعو إلى نفسه، كما قال الشاعر : # مصائب قوم لقوم فوائد # وكما قال الآخر : # لكل امرئ من نفسه ما تعودا # ومن جملة ما يقول في رسالته التصويب لعمل يافع في الخروج على هذه الدولة، ~~والمنع لبلادهم عن هذه الغزوة. PageV01P717 # ولما وصل الرؤساء والأجناد إلى ضوران جمع المؤيد السادة القضاة، وقال لهم: ~~المراد التجهيز إلى يافع لما أصروا على التغلب على بلادهم، وعدم الامتثال ~~لما أمرناهم، فما عندكم من الكلام؟ فتكلم الحاضرون بأن رأيكم حسن والناس قد ~~وصلوا إليكم للإجابة، وقد أعذرتم إليهم، وما غدر من أعذر. وأجاب القاضي ~~محمد بن علي قيس الثلائي بأن يافع تجرموا من الولاة عليهم وشكوهم ووصفوا ~~الجور عليهم، فيجب عليكم إنصافهم وتحويل الولاة وإزالة المظالم التي زادت ~~فيهم وقدحوا بها على الولاة عليهم، فأجاب[62/أ] عليه حسين بن المهدي في ~~الحال بالجواب الحاد وقال: يا قاضي أنت أفتنت بين إمامين وبايعت بيعتين ~~وفعلت الذي فعلت، والآن بعد هذه الجموع لم يبق إلا التقدم عليهم، وإصداق ~~الفعل فيهم فقد أظهروا المباينة على الإطلاق، وليس لمجرد إزالة الوالي ~~بالاتفاق، فقال القاضي: المراد التوقف على أقوال العلماء، فقال حسين: ليس ~~معنا إلا السيف، فسكت القاضي، وأصبح الصباح، ms334 وأمر بالسفر وراح، ثم تبعه ~~الآخرون، وهم على مراده موافقون. PageV01P718 # وأهل يافع لما كانت بلادهم جبالا عالية وهي في جانب من اليمن وزاوية أعزتهم ~~جبالهم ومنعتهم حصونهم، ولأجل عسرة الطريق من غير الطريق الشرقية إليهم ~~ووعارة مسالكهم واجتماع كلمتهم وميل البلاد الشرقية المحاددة لهم إليهم مع ~~وسعتها وامتدادها، فإن بلاد يافع جبال ممتدة من فوق دمت وقعطبة إلى فوق ~~عدن، مسافة خمسة أيام مع ما يليها من البلاد المشرقية، فلهذا من قديم ~~الزمان عسرت عن تناولها للدول لمن قصدها، فكانوا مع الدول الأولين[62/ب] في ~~العالم لا تتصل بهم من الدول، وإن اتصل بهم أحد على مشقة ما زالوا يترقبون ~~فرصة بسبب اختلافهم في ذات بينهم، ويتغلبون على بلادهم، ويطردون عنها ~~واليهم، كما فعلوه مع الوزير حسن ومع بني طاهر، مع أن مذهبهم شافعية فكان ~~مقتضى مذهبهم ومذهب أهل السنة الصبر على جور السلطان، وعدم الخروج عليه ~~والطغيان. وهم مع ذلك قد كتبوا إلى السلطان ابن عثمان كما جاء الخبر به مع ~~الحجاج، وأخبروه بضعف دولة اليمن، وأنهم قد تغلبوا على بلادهم وأخرجوا عنها ~~حسين بن حسن بالسيف الضارب والقهر الغالب، وذلك إرادة منهم الاستنصار بهم، ~~وإرادة أن يعينوا عليهم، وإلا فإنهم لا يريدون الدولة من حيث كانت. # وفي عشرين صفر وصل الزوار من المدينة المنورة فأخبروا أن سعر الحبوب كان ~~بالمدينة مرتفعا، وأما مكة وجدة فهو متهون دون ذلك. وذكروا أن النهر الذي ~~أمر السلطان بجره من مكة إلى جدة بلغ إليها، وانتفع الناس به فيها، ودخل ~~إلى داخلها وبني فيها مسجدا يدخل الغيل إليه، فكان ذلك من المحاسن العظيمة ~~والصدقات السلطانية، وقوت جدة هذه المدة وزادت في عمائرها، وكذلك المدينة ~~بسعاية السلطان، هكذا أخبر الزوار[63/أ]، وأخبروا أن أمير الشامي لما وصل ~~إلى بدر توفي فيها. PageV01P719 # وفي هذه الأيام بآخر شهر صفر وصل الخبر أن ابن العفيف صاحب يافع وصل جوابه ~~على حسين بن المهدي إلى الزهراء بعدم المواجهة. وكان عند وصول الرسول وهو ~~القاضي حسين بن يحيى المخلافي القبض ms335 عليه والترسيم لديه، وانتهب حوائجه، ~~وقال: لولى أنك رسول لكان الأمر غير هذا فعند ذلك أزمع حسين بن المهدي ~~بالارتحال إلى جهاته، والبنا هو ومن معه على قتاله، وعند ذلك اقترن من صاحب ~~المنصورة إلى بلاد يافع حدود وإرسال معونة، وأرسل ولده الحسن بن محمد إلى ~~مساقط بلاد يافع، والتقى هو وابن العفيف بعد المكاتبة فيما بينهم، قيل: ~~واتفقوا على التظاهر على الواصلين من قبل المؤيد، فطلع إلى بلاد يافع من ~~طلع، وتأهبوا معهم للحرب . وكان محمد بن أحمد صاحب المنصورة أقواله مضطربة، ~~وكتبه ما زالت مختلفة، آخرها ينقض متقدمها، فإنه ما خرج صنوه حسين بن أحمد ~~بن الحسن من الغراس إلا بعد وصول كتاب منه إلى أخيه بأنه قد بالغ من أجل ~~يافع في الرجوع على ما كانوا عليه، والإذعان لما يطلب منهم من غير مشاققة ، ~~فلم يجد منهم إجابة، ولم يبق هناك ما يصلح فيه المعاودة، فظن حسين بن أحمد ~~بن الحسن أن الكلام عل ظاهره، فخرج من الغراس ظنا أنه لا [63/ب] يحصل نقض ~~من جانب صنوه ولا مخالفة، حتى وصل إلى ضوران وبلغه ذلك الاجتماع والنية ~~لقصد ذلك الشأن، وصل كتاب آخر منه بما ينقض ذلك وأن الشروط التي بينه وبين ~~المؤيد ما تمت بعد أن كان وعده محمد بن المتوكل أنه يزيلها على التدريج مما ~~يقدر عليه. فلما لم يتم حصل ذلك عذرا له وقال: أنه باق على ذلك الأصل ولا ~~سيما بعد تحريك وقع من المؤيد عليه بكتاب كتبه ووصل إليه، مضمونه: طلب ~~اللقيا له والمفاوضة، والاجتماع على حرب المشرق على اليد الواحدة. وربما ~~فعل من الكلام بعض شيء مما نفره، فعاد الأمر الأول جذعة ، وجهز ولده الحسن ~~إلى لحج ينتظر ما يكون، كما سبق ذكره، ووصل حينئذ إلى الزهراء صالح الرصاص ~~وأولاده في حكم المواجهين، وأنهم PageV01P720 معهم إلى ما يريدونه سائرين وماشين ومقاتلين. ثم لما كان ثامن وعشرين شهر ~~صفر يوم الخميس خرجت العساكر المؤيدية من الزهراء قاصدين إلى البلاد ~~اليافعية ، فلما بلغ ms336 المؤيد خبرهم وما جرى من محمد صاحب المنصورة معهم ~~اشتغل بهذا الأمر، وتبلبل باله، واختلفت آراؤه وأقواله، وأمر عثمان زيد أنه ~~يقصد إلى تهامة بجماعة عسكر، وقال له يظهر أنه رسول لافتقاد المقررات التي ~~من زبيد وبيت الفقيه، وإذا وجد مجالا للتغلب وطرد الولاة لمحمد فليفعل، وهي ~~قد كان قبضها صاحب المنصورة من وقت موت والده أحمد بن الحسن[64/أ] وتغلب ~~عليها بالقهر. وكتب إلى صنوه علي بن المتوكل أنه يتقدم إلى قعطبة أو ما ~~يقرب إليها من تلك الجهة، وكتب إلى صنوه الحسن الذي باللحية بالسير إلى ~~جهات زبيد وحدود اليمن. PageV01P721 # وفي يوم الإثنين ثالث شهر ربيع الأول لما وصلت الجنود المؤيدية إلى طرف ~~بلاد يافع طرحوا محطتهم في سفال جبل العر، عند بلد يقال لها: حصن جوهر ، ~~فيها مزارع وآبار وجبل العر فوقها. وكانت طريقهم من الزهراء في وادي ضيق ~~خرجوا منه إلى هذا المحل، وعرجوا عن طريق الحلقة بسبب الرصاص، فكان إلى يوم ~~الجمعة سابع ربيع الأول وطلعوا جبل، العر لقصد الحرب والقتال حال توفر ~~اجتماعهم ووصول غوائرهم. وقد كانوا بنوا المتارس القوية في عرض الجبل، ~~فجروه من جميع طرقه ومداخله، وكانت تلك المتارس كالدوائر العالية فوق ~~القامة، على جميع عرض جبل العر من حيث منه المدخل طول تلك العمارة قدر ميل. ~~فحمل أول العسكر من حاشد وبكيل ومن معهم من المغورين إلى جهة تلك المتارس، ~~فرموهم من داخله، فقتلوا منهم كثيرا من فوقهم ومن جوانبهم؛ لأنهم جعلوا ~~متارسهم مخلوفة، مقابلة لبعضها بعضا معصورة؛ لأجل يكون الرمي من جهة ~~المقابلة ومن جهة الدائرة بصفة محكمة. وكان من جملة المقتولين بيرق دار حق ~~حسين بن المهدي. وكان الرمي من داخل يقتل لتظهرهم والذي من خارج لا يصيبون ~~شيئا، بل الرصاص تقع إلى أحجار الدوائر، مما لا يقع تحتها طائل، فعند ذلك ~~انهزموا أول هزيمة من تلك الحملة إلى متارس أصحابهم[64/ب] وفترت عند ذلك ~~همة المتأخرين خلفهم، لما رأوه من القتل لأصحابهم، فبنوا متارس ضعيفة ~~وكانوا يرامون بلا طائل؛ لأن ms337 الرصاص لا يقع إلا إلى الدائر، والذين من داخل ~~يأخذون فيهم لمن أشرف منهم، ورسى الحرب بالمراماة إلى العصر وعلي في منزله ~~ومكانه حتى تعبوا وجاعوا، بحيث أن بعضهم جلس تحت الحجارة، لعدم تحصيل ~~الفائدة، وعند ذلك اختلف رأيهم كيف يكون المخرج إلى المحطة أو المساء؟ فلما ~~عرف الرصاص ذلك قال: نجعل لهم ذمة أربعة أيام ويعودون إلى محطتهم، فأسعد ~~إلى ذلك حسين بن أحمد بن الحسن، وهو المرجوع إليه في أمرهم. وقال: لا بأس، ~~ولم يكن لهم الجميع معرفة كيف خدائع الحروب، وكيف PageV01P722 يكون صفة الرجوع، فانحرفوا للعود آمنين مطمئنين ثقة بكلام الرصاص، وإذ يروا ~~جميعا نازلين فما هو إلا أن رأوهم كذلك دفعت إليهم البنادق ضربة واحدة من ~~كل جانب في ظهورهم، فسقط منها كثير، منهم الهالك في الحال ومنهم المصاب، ثم ~~خرج سائر القبائل الذين ليس معهم البنادق في أعقابهم يضربون ويقتلون ~~ويرجمون ويصيحون، فحصلت عند ذلك رجة عظيمة، وكل هرب على رأسه لا يلوي على ~~أحد، وتفرقوا في الأعتاب والشعاب والطريق، والقتل في الآخر. وكان من جملة ~~من رمي أحمد بن محمد [65/أ] لأنه كان آخر القوم والبنادق خلفه، وأصيب أحمد ~~بن محمد، وقع فيه رصاصتان أحدهما هي القاتلة والأخرى في رجله دفعة واحدة ~~عند ذلك، فحملوه أصحابه فوق بغلة إلى بعض الطريق وحسرت البغلة والقتل عمال ~~في الناس، فطرحوه أصحابه عند مسجد صغير على الطريق لما حصرتهم القوم، ولم ~~يسع أحد منهم إلى حمل له ولا دفع. وقتلوا الحاضرين عنده جميعا، فقتل من ~~أصحابه من بقي حوله قدر سبعين نفرا من خلفه وقدامه وعنده، واحتزوا أكثر ~~رؤوسهم، وكان من جملتهم أحمد بن محمد المذكور. واهتزم الناس إلى المحطة، ~~ودخلوا حصن جوهر، وأظلم عليهم الليل وباتوا في أشر ليلة ممن قد فات ومن ~~التعب ومن الخوف، وبنوا المتارس وحصنوا حصن جوهر بالحجار لما يخشوه منهم. ~~وكان لما وقع هذا الحادث العظيم وقع في المحطة بعض انتهاب من أصحاب الهيثمي ~~والجلاد، ومن بعض الأجناد، حال حمل الأثقال ms338 من المحطة إلى حصن جوهر الذي هو ~~عندهم، فراح ما راح وحضر القتال أيضا والمدافعة. وانتهب الهيثمي قافلة صاحب ~~كوكبان كان قد شدها، فساقها بأحمالها وفيها خزائنه ووطاقه، وزالت عقول بعض ~~أهل السوق وهرب الهارب في الليل على رأسه إلى الزهراء فالهارب الأول نجا؛ ~~لأن أهل البلاد ما قد كان تحققوا القضية[65/ب]، والذي تأخر قتل في الطريق ~~وانتهبوه، خصوصا في بلاد قيفة، فإنهم قتلوا كثيرا من الهاربين ونهبوهم، ~~وكان أعيان المقتولين مع أحمد بن PageV01P723 محمد: الشيخ محمد فارع كاتب أحمد بن محمد ومن بيده دفتر العسكر، والشيخ علي ~~دغيش شيخ بني حشيش من بني الحارث، والشيخ عبد الله بن سعيد العنبري شيخ ~~الإسماعيلية في بلاد حراز، والصباحي من مشائخ شمات وجماعة من سادة غربان، ~~واختلف الناس في عددهم فمن المقل ومن المكثر؛ لأنهم ما عرفوا بحقيقتهم، فمن ~~قائل: أن جملتهم سبعمائة في الحرب والطرق، ومن قائل: أربعمائة، ومن قائل: ~~ثلاثمائة، وكل منهم يخبر على المعرفة، وأكثرهم لا يعرف؛ لأن منهم المغورين ~~ليسوا في دفتر، والقتل الذي كان في أول الحملة منهم قبل البيارق من أشمح ~~والغرب وأهل بعيدان، ولعل جملتهم يكونوا إلى نحو ثلاثمائة ومائتين مصاب ~~ومقتول حال الحرب وفي الطرقات، من باب الظن والجمع بين الروايات، والله أعلم. PageV01P724 # ولما أصبح الصباح وظهر نوره ولاح نزلت يافع من جبل العر كالجراد قاصدين أهل ~~المحطة، فلم يخرج أحد من المحطة عن الحصن لما رأوه من كثرتهم، وما قد حصل ~~معهم، ولم يبق لهم مطمع فيهم إلا الدفاع عن أرواحهم. فلما قاربوهم دفعوا ~~فيهم بنادقهم، فقتلوا منهم نحو ستين نفرا وكان خرج أهل الحيمة من لكمة ~~فرموهم من وراء أظهرهم وأهل المحطة من قدامهم، فاهتزموا عند ذلك. ثم ~~كان[66/أ] يوم الأحد ونزلوا أيضا للحرب فلم يأخذوا منهم شيئا، وقتل منهم ~~أيضا، ثم يوم الإثنين ثم يوم الثلاثاء، ثم اكتف الحرب وخاضوا في الصلح ~~بواسطة الشيخ عبد الغفار بن شيبان الجوفي فقال ابن العفيف: لا بأس بالصلح ~~والأمان ويسيروا بلادهم، ولكن بشرط حط ms339 سلاحهم، فأبت العسكر من وضع السلاح، ~~فقال حسين بن المهدي: نسلم عوضا عنه من الدراهم، فسلم أربعة عشر ألفا، ووضع ~~لهم الأمان، وأرسل معهم ثلاثة أنفار رفقاء بالأمان إلى أن بلغوا الزهراء، ~~فتم الأمر على هذا وساروا. وسبب العزم ما حصل معهم من ذلك الحاصل، وانقطاع ~~الطرق خلفهم من المواد، ونفد ما معهم من البارود والرصاص وغير ذلك. وكان ~~المؤيد قد طلب غواير عليهم؛ بناء أنهم باقون حتى تصل إليهم، فتراخت ~~الغوائر، وهم أحمد بن المؤيد ومن معه وغيرهم. وكان عند وصولهم ضوران وقد ~~خرجوا من الزهراء وصاروا برداع، ثم تجدد ما شغلهم عن ذلك الأمر بما وقع من ~~الخلل في بلاد الحجرية وحوزة صاحب المنصورة، كما سبق في تأريخه، ومكاتبته ~~بالغارة عليه واستنقاذه فهذه جملة خبرهم. # وكان لما تغيرت الطريق ببلاد قيفة قد أراد علي بن جميل العزم بالجامكية، ~~[66/ب]فوصل إلى نحو مرحلة من رداع، وبلغه ما وقع بمن يخرج من الزهراء من ~~القبائل، فرجع خشية على ما معه من الطمع، فعند ذلك تضرر العسكر، وكان ~~وصولهم إلى الزهراء في عشرين شهر ربيع الأول. # وفي يوم الثلاثاء حادي عشر شهر ربيع الأول مات الشيخ العارف محمد كزبر ~~الدمشقي الحنبلي بمدينة صنعاء اليمن. PageV01P725 # كان المذكور عارفا بمذهب الحنابلة، وكان قد حج إلى مكة المشرفة قدر خمسين ~~حجة؛ لأنه كان يسافر مع حاج الشامي ببضاعة من بضائع الشام، ثم كان آخر مدته ~~وخرج إلى صنعاء ببضاعة من الخوخ والمصطكى والزعفران وسائر بضائع الشام، ~~وتزوج فيها وسكنها، ثم بعد عامين عاد إلى بلاده وقت موسم الحج وتعوض من ~~البن وسار مع المحمل الشامي إلى دمشق، فبقي في دمشق عند أهله ذلك العام، ثم ~~خرج في موسم الحج المقبل إلى مكة، ثم إلى صنعاء، فسكن بصنعاء قدر سنتين أو ~~ثلاث. وذكر أن أول خروجه وكان والده في الحياة قد بلغ عمره إلى تسعين سنة، ~~ثم مات وولده باليمن، ولما وصل إلى اليمن طلبت منه عارية كتاب في فقه ~~الحنابلة يسمى(منتهى المرادات) فنقلت عليه ms340 نسخة للإطلاع على فقههم وإليه ~~مختصر في أصول الفقه على مقتضى أصولهم، وقبر رحمه الله تعالى بمقابر باب ~~اليمن، والله أعلم. # وفيها مات السيد علي بن خالد المتولي على بلاد عفار بقي فيه مدة طويلة من ~~قبل دولة المتوكل إلى أن مات، وكان سكونه بصبر، ومات فيها. # [67/أ] وفي آخر شهر ربيع الأول اتفق أن جماعة من أهل الحيمة ساروا من ~~الزهراء لما قل عليهم السبار والأقوات، فلما وصلوا إلى ما بين رداع وبين ~~الزهراء لقاهم في الطريق السيد مهدي الكبسي والسيد صلاح بن عز الدين الظفري ~~ومعهم بعض شيء من الطعام وجوامك العسكر التي كانت متحيرة برداع يريدون ~~الوصول بها إلى الزهراء فقالوا لهؤلاء العسكر عودوا فقد هذا معنا سباركم، ~~فقالوا: لا يمكن ذلك، فقد اشتدت به الحاجة وأشرفوا على المهالك، فلم ~~يعذروهم، فرجع بعضهم وسار بعضهم، ثم إن قيفة انتهبتهم وقتلوا منهم، ثم لما ~~وصلوا إلى رداع زاد انتهب حسين بن حسن ما بقي معهم من السلاح، لأجل هربهم، ~~فلا قوة إلا بالله. PageV01P726 # ونصب العسكر والرؤساء عوض أحمد بن محمد صنوه يحيى بن محمد ، وأثنوا عليه، ~~وقالوا: هو أحسن لهم من أحمد لما فيه من النباهة والرئاسة والوفاء، وحسن ~~المعرفة والسخاء. # وفي غرة شهر ربيع الآخر خرجت الدولة من الزهراء إلى رداع، بعد أن خرج ~~قاسم بن المهدي الذي كان أسيرا في البيضاء، بعد أن كساه الرصاص وأعطاه ~~فرسا عوض حصانه الذي انتهبه الشيخ الهيثمي؛ لأنه الذي أسره ونهبه، فاستنقذه ~~منه الرصاص، وسكنه عنده ثم أرسله إلى الزهراء. # وفي هذه الأيام انتهب الصبيحة والحواشب قافلة كانت خارجة[67/ب] من عدن، ~~وقتلوا تجارها، وقلعوا لسان أحد التجار منهم فيها، وعبثوا بهم، وانتهبوا ~~جميع بضاعتهم. # وهذه البلاد من بلاد محمد بن أحمد صاحب المنصورة، وكان أثار الخلاف فيها ~~وقطع الطريق ثائرا من حال موت أبيه أحمد بن الحسن، ولم يقدر على الحكم ~~عليها، ولا تأمينها، وهو يدل على ضعف يده هنالك، وإنما صار القبائل هم في ~~الحقيقة أهل الغلبة له، وإلا ms341 فكان أقل حالة الحكم على الطريق مع قربهم من ~~المنصورة. وهذا سببه الإختلاف للأنظار فيما بينه وبين المؤيد، وعدم ~~اتفاقهم. ما زال هذا الأمر يجري في بلاده، وكذلك ما جرى في غيرها، فلا قوة ~~إلا بالله. # ووصل خبر أن عثمان زيد لما أراد دخول زبيد منعه أصحاب صاحب المنصورة، ~~وحاربوه، وردوه، ووقع فيه صائبة. # ووصل خبر أن عثمان زيد الذي كان أرسله المؤيد إلى تهامة لما وصل إلى بيت ~~الفقيه بالزيدية منعه أصحاب صاحب المنصورة وحاربوه، ووقع فيه صائبة منهم. # وجاء خبر أن ابن العفيف لما راسلوه بالخروج من ذلك قال: لابد من وضع ~~السلاح، فبذل حسين بن المهدي نحو ......... عشر ...... دراهم، فقبل المذكور ~~وخرجوا، وهذا ابن العفيف اسمه معوضة بن محمد بن معوضة، وجده هذا معوضة هو ~~الذي كان في مدة الإمام المؤيد بالله محمد بن القاسم، الذي كاتبه في مدة ~~دخول أحمد بن الحسن مستجيرا بهم. PageV01P727 # [68/أ] ووصل كتاب من ابن العفيف إلى المؤيد بضوران يذكر فيه ما حدث من هذا ~~الحاصل، والشجار والخراب والافتتان، وأنهم إنما دافعوا عن أنفسهم وحريمهم ~~وأولادهم. # ولفظ بعض كتابه هذا أن قال: إنا لو عرفنا منكم من الإنصاف ما حاربنا ولا ~~جرى منا شيء، وأنتم قبلتنا، والقصد إنا مطيعون لله، ولكم مسلمون الحقوق ~~الواجبة إلى من رأيتم غير سيدي الحسين بن الحسن، خاطبين لكم، ونحن مسلمون، ~~ما يجوز لكم محاربتنا، فلا تجعلونا أعداء لكم، بل من أصغر الخدم. # هذا لفظ كتابه، وفيه كلام آخر، هذا مضمونه. فلما وصل هذا الكتاب إلى ~~المؤيد جمع أهل مشورته وأعيان حضرته، وقرأ عليهم فاختلفوا في ذات بينهم، ~~وقال أكثرهم: إن هذا خديعة منه وتسكينا لثائرتكم. # وهذا الحرب وقع على غير قياس من أصله؛ لأن يافعا كان مطلبهم رفع المظالم ~~ورفع واليهم الأول، فلم يجابوا إلى ذلك أصلا، فعلى رأي الهدوية أنه إذا لم ~~ينصف ولي الأمر جاز الخروج عليه، فقد وافقوا قولهم وإن لم يوافقوا مذهبهم ~~أنفسهم؛ لأنهم شافعية والشافعية لا يجيزون الخروج على الجائر، مع ms342 أن المؤيد ~~هذا لا يرضى بالجور، لكن ماله أثر في ولاته أصلا، فكان مع ذلك عليه أن ~~يترك، وكان قد طلب المؤيد محمد بن المتوكل من خزائنه قدر عشرة أحمال من ~~الدراهم قبل وصول هذا الكتاب، ثم إنه عند ذلك ظهر منه تبريد الكلام، وقال ~~للحاضرين من الذين كان طلبهم من الآخرين: ما شاء منكم أن يسكن سكن ومن شاء ~~أن يعزم عزم. وما زال يمد إلى صنوه علي الزيادات بالعسكر إلى العثارب قريب ~~قعطبة. وعلى الجملة أن ما دام صاحب المنصورة وهو غير مجتمعين في رأيهم ولا ~~متفقين في أفعالهم وأقوالهم فلا يكاد يتم له أمر في هذه القبائل المخالفة؛ ~~لأنهم صاروا يتقوون بذلك، والله أعلم. PageV01P728 # وفي هذه الأيام غزا أهل الجوف ومن إليهم من بلاد بيحان إلى أطاريف بلاد بني ~~أرض[68/ب] من حدود بلاد الرصاص، وأنهم ظفروا بكثير من مواشيهم فنهبوها ~~وأخذوها وانتصروا عليهم فيها. وكان قد هرب إليها الرصاص كثيرا من مواشيه، ~~وحصلت غزوة من بلاد عنس إلى بلاد قيفة أيضا قتلوا منهم وانتهبوا من بلادهم، ~~ولما وصلت الدولة إلى رداع حبسوا مشائخ قيفة في القلعة برداع، وهو الشيخ ~~مصعب والشيخ عبد القادر، لما قد حصل منهم من الضرر في الطريق، والنهب ~~والقتل والتعويق، ولما خرجوا من رداع إلى بعض القرى حطوا فيها وقد هرب ~~أهلها عنها، فوجدوا امرأة عجوز سألوها أين المدافن في البلد؟ وإلا تخبرهم ~~قتلوها، فدلتهم عليها، فأخرجوا كثيرا من الطعام وتصرفوا فيه وأكلوه، مع ما ~~قد كان نالهم من شدة الجوع. # وفرحان دخل بلاد الشعيب من مساقط جبل يافع واستولى عليها، لأنهم كانوا قد ~~خالفوا أيضا وانتهبوها واستولوا على طعاماتها، وابن شعفل ترفع إلى الجبال ~~فوق جبل حرير وأخلى كثيرا من تواطي البلاد خوفا من الدولة. # وعلى الجملة أن المشرق قامت فتنته، واختبطت أحواله، وصار الدولة يتقربون ~~منه، ويحشدون عساكرهم إليه، وصارت قبائل...... . # [69/أ] وفي ثامن شهر ربيع الآخر أرسل المؤيد السيد صالح عقبات إلى صاحب ~~المنصورة لتقرير الكلام والاجتماع على دخول المشرق. ms343 وخرج علي بن المتوكل من ~~العثارب إلى قعطبة، وأرسل أحمد بن المؤيد إلى ذمار، وعلى الجملة إن بين ~~الرجلين محمد ومحمد اختلاف الأنظار وبين طرفي نقيض، كلما أبرم كلام انتقض ~~بسرعة ولم يتم منه شيء لأمر هناك، وحكمة قد سبقت في علم الله سبحانه. PageV01P729 # وفي هذه الأيام ما زال الواصل من عسكر الدولة الذين خرجوا إلى رداع يصلون ~~إلى ديارهم وبلادهم، ولم يبق إلا اليسير هنالك منهم، ووصل المصاويب أيضا ~~إلى جهاتهم، وإذا بنوا على دخول المشرق، فإذا جاؤوا من طريق جبن فهي ميسرة ~~أمورهم بعد إصلاح صاحب المنصورة، فإن من جبن إلى الحلقة مسافة مرحلة لا ~~غير، وهو وادي ناحية مرونة، وهي طريق قريبة، وهي التي كانت يافع تغزي جبن ~~منها في مدة عامر ، ودخل عامر عليهم منها حال استيلائه على يافع بعد خلافهم عليه. # وخرج قاسم بن المهدي الذي كان أسره الرصاص في الزهراء وقد أعطاه حصانا ~~وكساه عوض حصانه الذي انتهبه الهيثمي، وتقدم الجميع إلى رداع لما عدم عليهم ~~الطعام والحاجة وعدم الميرة من القبائل، وخرج الرصاص عليهم بالعزم من ~~الزهراء، فخرجوا كما ذكر والأراء مضطربة والأقوال مختلفة، كما قال ابن رشيق : # [69/ب]ما دمت مستويا ففعلك كله .... عوج وإن أخطأت كنت مصيبا # كالنقش ليس يصح معنى ختمه .... حتى يكون بناؤه مقلوبا # وقول الصفي الحلي: # لكنها الأيام في تصريفها .... تقضي عليه بنحسه وبسعده # إن أقبلت وهبت محاسن غيره .... أو أدبرت سلبت محاسن نفسه # والآن صاروا في رداع بمن بقي من الجند وتفرق أكثرهم، والمؤيد صار الذين ~~كان طلبهم غارة بعضهم عنده بضوران وبعضهم زلجه إلى عند صنوه علي بن ~~المتوكل، وزلج أحمد بن المؤيد إلى ذمار بمن معه، وانقلب الأمر عليه ~~بالمحاورة من جانب محمد بن أحمد بن الحسن صاحب المنصورة وعد للعسكر، وصار ~~ينتظر الرسل إلى صاحب المنصورة، ورسل يافع في جوابهم على ما كتبوه. # وعلى الجملة أن هذه الحركات مع المؤيد لا تتم له إلى يافع إلا بعد سد ~~الخلل من جانب محمد صاحب المنصورة، فأما ms344 والحالات بينهم مبتورة فلا يكاد ~~يتم له أمر، كما هو ظاهر والله أعلم. # وفي عشرين شهر ربيع الآخر وصل جواب صاحب المنصورة مع السيد صالح ~~عقبات[70/أ]. PageV01P730 # قال الراوي: إن مضمون كتاب المؤيد إلى صاحب المنصورة المعاتبة له في عدم ~~المعونة في أعمال المشرق، وأنه كان يتوجه عليه ذلك، قال: فأجاب مع السيد ~~صالح عقبات بأنه لم يؤمر بذلك، ولا وصل إليه كتاب بالسير إلى هنالك، ولكن ~~الأمر في المشرق عليه سهل إن ترك نظره إليه، وأنه يرسل بعض أولاده ويكون ~~الدرك فيه عليه، فأجاب المؤيد ثانيا عليه صحبة السيد صالح عقبات المذكور ~~أنه يصلح ذلك، ولكن بشرط وصول ولده إلى حضرته ويكون من عنده الصدور، وزلجه ~~وأعطاه البيرق المنشور. فما هو إلا أن عاد السيد صالح عقبات إلى بعض الطريق ~~ووصل رسول صاحب المنصورة إلى محمد بكتاب يذكر فيه استمداد الغارة ~~والمبادرة، فإن قبائل الحجرية صالت عليه، والتفت من جميع النواحي إليه، ~~فأرسل محمد المؤيد إبراهيم بن حسين ببعض العسكر، وهو في الباطن قد فرح بهذا ~~الخبر، وقال لسان حاله: # وواحدة بواحدة جزاء PageV01P731 وإن كان الخلل عليهم الجميع، وقال لإبراهيم بن حسين: سيروا ولا تعجلوا، ~~وتحققوا الخبر ولا تقدموا، لئلا يكون هناك خديعة تحصل في الطريق، أو شدة ~~اجتماع قبائل مما مثلهم لا تطيق، واستحر الحرب فيما بين صاحب المنصورة وبين ~~الحجرية ثلاثة أيام، فأول يوم كان تلقاهم إلى خارج المنصورة وحط بخيامه ~~ووطاقه، فهزموه وانتهبوا جميع محطته ووطاقه وخيامه، واشتد الحرب، والبنادق ~~والقتل والضرب، ثم جاءت الهزيمة في محمد صاحب المنصورة، حتى أدخلوه ~~المنصورة وقتل من أصحابه جماعة من أعيانهم: الذانبي من عماله، والقاضي ~~الشبيبي من قضاته وغيرهم من العسكر والمجاريح من غيرهم أكثر. وبعد ذلك اضطر ~~محمد صاحب المنصورة إلى الرمي بالمدافع التي كان أدخلها من عدن إلى ~~المنصورة فسحبها ورمى بها، فقتلت منهم جماعة كبيرة واهتزموا منها، وتركوا ~~المنصورة من بعد ذلك على حالها. وكان في خلال هذا الحرب قد طردوا عمال صاحب ~~المنصورة من بلادهم، وقتلوا ms345 من قتلوا منهم، واستولوا على الدمنة والجند ~~والزيلعي، وبلغ حد الخلاف من باب عدن من الصبيحة والحواشب إلى باب تعز، ~~وغلقت أبواب تعز وعدن والمخا، وانقطعت الطريق إلى البنادر من باب تعز، ~~وأرسل علي بن المتوكل من قعطبة زيادة لرتبة تعز لحفظه. وقد كان أهم السير ~~إليه بنفسه، وكان الذي قام معهم رجل يقال له: علي بن حسين الرجبي، صوفي ~~حثهم على ذلك، وكان المذكور قد أرسل عليه صاحب المنصورة رسله فقتلوهم. ~~والحجرية لولا توسطها في اليمن لكان شوكتهم أعظم من يافع، فإنهم لايزالون ~~يخالفون إذا رأوا فترة في الدولة، أو اختلاف بينهم،المرة بعد المرة مع أن ~~طريق البنادر في بلادهم، ولذلك خالفوا على محمد باشا في زمانه، وطالت ~~الحروب فيما بينهم. PageV01P732 # قال الراوي[71/أ]: وكان هذا الحادث في المنصورة يوم الثلاثاء ثالث وعشرين ~~شهر ربيع الآخر، والحوزة للمنصورة يوم الأربعاء والخميس، وأنهم اجتمعوا على ~~المذكور قريب عشرين ألف. وكان قد جرى على الحجرية الجور العظيم في مدة ~~المتوكل، ثم استمر إلى الآن، فذلك هو الذي حملهم على الخلاف مع ما بلغهم من ~~قضايا يافع والإختلاف. ومحمد بن أحمد بن الحسن هذا ما كاد يجتمع الكلام ~~بينه وبين المؤيد بل كلما كاتبه ذكر شروطه، وزاد هذه الأيام في جوابه مع ~~السيد صالح عقبات ذكر تلك الشروط. وزاد معها شرطين إخراج اليهود إلى المحل ~~الذي كان أخرجهم والده إلى موزع، وتحريم التتن مع أن والده إذا كان متابعا ~~له قد قلده في هذا، فقد كان رجع عن ذلك، وقرر اليهود حيث كانوا أولا، لما ~~جاء ولا يتم ما كان أراده من جمعهم في محل واحد، لأن رزقهم مفرق في الأرض ~~لا يتم باجتماعهم. ثم لو فرض اجتماعهم أنه يتم في محل واحد ففيه مفسدة ~~ظاهرة، فإنه يخشى إذا اجتمعوا جميعا حرموا الذمة وأفسدوا وتقووا ، ثم إنه ~~لا وجه لنقض عهدهم الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقررهم باليمن كما في كتابه إلى ~~معاذ ، ونقض العهد لا يجوز كما عرف. والتتن ms346 أحمد بن الحسن قد رجع عنه أيضا، ~~وقال: أما التحريم فلا دليل عليه لما روجع، ولكن مكروه فقط. PageV01P733 # [71/ب] وكان في هذه الأيام بالنصف الآخر من شهر ربيع الآخر قد أمر المؤيد ~~بني عمه أن يتفرقوا من المحط الذي كان حطوا فيه خارج رداع وهو السرير، فسار ~~يحيى بن محمد إلى المعسال، وحسين بن محمد بن أحمد بن القاسم المكنى بأبي ~~طالب إلى مكان آخر. وحسين بن المهدي استقر في موضعه وتفرقوا، فكتبت قيفة ~~وأرسلت إلى يحيى بن محمد أن لك مهلة ثلاثة أيام إما خرجت وإلا قصدناك، فبقي ~~هنالك وبنى على القتال لمن قصده، مع أن العسكر قد تفرقوا وهربوا من عندهم ~~الجميع، لم يبق مع كل واحد إلا اليسير، فهم في ذلك إذ جاءهم خبر الخلاف في ~~الحجرية، فسقط في أيديهم وقال: بعد هذه القضية ننسى المشرق ونشتغل بغيره، ~~ولا ينبغي إلا الرجوع إلى رداع والرحلة، فرحلوا إلى رداع مع قربهم منه، ~~إنما بينهم وبينه نحو نصف مرحلة. # وقال كثير من الناس: هذا الجاري من محمد بن أحمد صاحب المنصورة من ~~المناصفة؛ لأنه كان من المعاونين ليافع على القتال، وقد جاء في المثل ~~السائر: من حفر بئرا لأخيه سقط فيه، وعاد جانب محمد بن أحمد صاحب المنصورة ~~أيضا مغلولا مكسورا، وكان أمر الله قدرا مقدورا. # وفي خلال هذا الأمر وصل من جهة الشام الخبر وهو أن جنودا خرجت من حضرة ~~السلطان ابن عثمان إلى بلاد مصر، وفيها سبعة صناجق وأمراء وعساكر. PageV01P734 # ورأيت كتابا وصل إلى بعض أهل صنعاء من تلك الجهة فيه تحقيق هذه القضية قال ~~فيه: ظهر رجل صوفي في الحجرية من المعافر أقبلت إليه أهل اليمن بأجمعهم ~~بالنذور، وسلب الناس عقولهم[72/أ]، فلما بلغ محمد بن أحمد صاحب المنصورة ~~كثرة الجمع لديه، والمال الذي ما زال يصل إليه، مع كثرة الجمع الحاصل بين ~~يديه، أرسل بالوصول إليه، فلم يمكنه ذلك، ولا أسعد لما هنالك. فتغافل عنه ~~بعض أيام ثم بلغه أن الصبيحة الذين نهبوا القافلة الخارجة من ms347 عدن من أهل ~~النعمان وغيرهم لديه، فأرسل إليه واليهم الشبيبي في عشرين نفرا صحبته من ~~العبيد والتوابع. فلما وصلوا إليه وإليهم ذكروا لهم أنهم يصلون صحبتهم إلى ~~المنصورة، فأجاب الصوفي عليهم أنهم يسيرون معهم، لكن بشرط لا يربطوهم وهو ~~ضامن بهم، فساروا بهم إلى خلف بلده ثم ربطوهم، فبلغ الصوفي ما جرى منهم ~~ومما خالفوا عليه ما شرطه عليهم، فأمر عليهم من حضرته جماعة من الجعلاء ~~والشفاليت فوقهم، فقتلوا من العبيد ثمانية وكذلك القاضي الشبيبي وهرب ~~الآخرون، وزاد قتل من الهاربين أيضا جماعة، واستأصلوهم أجمع. PageV01P735 # ولما وقع هذا الحادث المذكور، والأمر المقدور وصل إلى الصوفي المذكور الشيخ ~~محسن صاحب قدس وابن مغلس صهر محمد بن أحمد صاحب المنصورة، متزوج صاحب ~~المنصورة ابنته وأشاروا عليه بالحرب لصاحب المنصورة والغزو، وهم أنصاره ~~وقومه، فاجتمعت الحجرية بأجمعها، فوصلوا إلى قريب المنصورة خامس وعشرين شهر ~~ربيع الآخر[72/ب] والتقاهم محمد بن أحمد صاحب المنصورة، فاحتربوا حربا ~~شديدا، واقتتلوا قتالا عظيما بالبنادق وغيرها، فقتل من أصحاب صاحب المنصورة ~~ثلاثة عشر نفرا ومن أهل الحجرية عدد كبير نحو أربعين بالبنادق. ثم كان يوم ~~الجمعة فثنوا الحرب، فقتل من أصحاب صاحب المنصورة نفران ومن أهل الحجرية ~~جماعة، وبقوا يوم السبت ويوم الأحد مراكزين وحائزين المنصورة. ومحمد بن ~~أحمد صاحب المنصورة يرميهم من داخلها بالمدافع والبنادق البالغة، وصاروا ~~محتازين ومانعين لأنفسهم من داخلها، فلما كان إلى يوم الإثنين خرج الحاج ~~قاسم الرسمي إلى عند الصوفي وإلى عند الشيخ محسن صاحب قدس يأخذ مهلة لصاحب ~~المنصورة قدر ثمانية أيام، ويخرج من المنصورة بالأمان، وطلب منهم نحو ~~خمسمائة جمل لخزائنه. وما طلب ذلك صاحب المنصورة إلا ريثما تصل غارة من ~~المؤيد، إذا وصلت أوثق وإلا خرج، وخالف جميع اليمن الأسفل، وخرج عبد الله ~~بن أحمد بن القاسم من شمير إلى تعز برفق وسكن فيه. وجبل صبر خالف منه الجهة ~~الغربي، وعبد الله بن محمد بن أحمد بن الحسن كان يومئذ في جحاف فلما خالفت ~~البلاد وصل إلى دمنة خدير، وقبض على ms348 جماعة من مشائخها ومن كان في هذا ~~البلاد[73/أ] من العسكر، وأصحاب محمد بن أحمد صاحب المنصورة نهبوه وأخذوا ~~سلاحه، ولم يبقوا معه إلا ما يستر العورة لا غير. بنو محبش أهل ترداد نهبوا ~~جمال أهل القاهرة وهي موقرة من البن، وأهل عريش نهبوا سوق جبا وأخربوا فيه ~~بعضه، أهل جبل حبشي نهبوا سوق يفرس وبيوته، الشمريات نهبوا سوق القاعدة ~~والطريق ما يمضي فيها أحد. PageV01P736 # انتهى تحقيق هذا الحادث ممن هو حاضر هنالك حال الحرب، وقال إن الحرب كان ~~يوم الخميس بالبنادق خارج المنصورة، وفلت أهل المنصورة عليهم الحجارة في ~~الشعب الذي فيه الطريق، فقتلوا منهم، ثم رجموهم لكثرتهم فكسروهم إلى داخل ~~المنصورة، كما سبق ذكره، وحمتهم المدافع بعد الحوزة، فلم يقربها أحد، ولولا ~~المدافع لدخلوا عليهم إليها، ثم بقوا في الحوزة وجروا على ظهور أبواب ~~المنصورة التراب ورصوه من داخل بالحجارة. # وفي عشرين شهر جمادى الأولى جاءت الأخبار وكتب إلى المؤيد من صاحب ~~المنصورة، روى الراوي أن مضمونها: أن الحوزة طالت، وأنكم إذا معكم نهضة ~~وغارة وقدرة بادرتم، وعند ذلك اتفق انتهاب سوق دمت، نهبه القبائل الذي حوله ~~من الرياشي وغيرهم، واحتربوا هم وعسكر الوالي فيه ثم حازوه، فلما بلغ حسين ~~بن حسن كونه من بلاده أمر علي بن قاسم بن المؤيد بن القاسم بالغارة إليه ~~بمن معه من العسكر، فسار إلى هنالك مغيرا وتبعه غيره. # [73/ب] وفي خلال هذا وصلت أخبار بأن في البحر أتراك، وأنها من جنود ~~السلطان متوجهة إلى اليمن، وكان الخبر متلاحقا بهذا، فأوله في نصف شهر ~~جمادى الأولى، لكنه من صاحب صبيا إلى بعض أصحابه بصنعاء، ثم خرج خبر آخر مع ~~دراويش كان في تلك الجهة، خرجوا إلى صنعاء، وقالوا أصلهم من بلاد سمرقند ~~بخارى، كانوا في العام الماضي حجاجا، فخرجوا بحرا وأخبروا أن وراءهم في ~~البحر سلطان سمرقند كان حاجا، وأنهم يريدون الخروج والمسمى عبد العزيز، ~~وأنه خرج في العام الماضي حاجا من طريق البر ويريد العود من طريق البحر ~~وصحبته نحو ثلاثة آلاف، ms349 وقيل: قدر ألفين، وأنهم قد وصلوا إلى بندر المخا، ~~وليس في هذا الخبر شك ولا مرية، وهؤلاء الذين أخبروا قدر اثني عشر نفرا، ~~مما يفيد خبرهم مع الخبر الأول التواتر والله أعلم، وكان وصول هؤلاء إلى ~~صنعاء في عشرين شهر جمادى الأولى. PageV01P737 # وفي خامس وعشرين شهر جمادى الأولى اتفق القران الثالث لزحل والمشتري في برج ~~الأسد في عود المشتري بعد رجوعه؛ لأنه كان قارنه، كما سبق ذكره حال سيره في ~~الاستقامة القران الأول، ثم قارنه ثانيا حال رجوعه، ثم قارنه هذا القران ~~الثالث حال عوده من الرجوع إلى الاستقامة، والمريخ يومئذ في برج العقرب ~~راجعا رجوعا كبيرا، فالقدرة لله في جميع ذلك. # وفي يوم الإثنين حادي وعشرين شهر جمادى الأولى وصل الخبر إلى صنعاء بأن ~~الذين خرجوا من رداع على بلاد دمت بعد حصول الواقع من انتهابه من قبائل ~~الرياشي الذين حوله فتكوا فيهم واحتزوا منهم فوق المائة الرأس، واتفق مع ~~ذلك أيضا خبر وصل من الغارة وانتهبوهم عوضا عما جرى منهم، كما سبق[74/أ]. ~~واتفق مع ذلك أيضا خبر وصل من الغارة التي أغارت على صاحب المنصورة بأنهم ~~بلغوا إلى الجند، ثم تقدموا إلى حدود الدمنة والحجرية، فاستولوا على قرى من ~~بلادهم وانتهبوها وهرب أهلها، ولم يقاتلوهم بحرب فيها، فعند ذلك تنفس صاحب ~~المنصورة، وزالت عنه الحوزة. # ووصل في إثرها خبر أيضا بأن الآغا فرحان أمره علي بن المتوكل من قعطبة ~~لغزوه إلى بلاد ابن شعفل، فاستولى على شيء من بلادهم وهرب من هرب منهم وقتل ~~من قتل، وكانوا قد استباحوا الطرق، وخالفوا وقطعوا طريق عدن إلى قعطبة ولحج ~~وأبين وغيرها من تلك الجهة. PageV01P738 # وكان وصول أحمد بن المؤيد إلى الجند بأصحابه وقبائل سنحان وغيرهم رابع شهر ~~جمادى الأولى، ثم كتب إلى الشرمان وإلى بلاد السلمي أنهم يصلوا مواجهين، ~~ويرجعوا ما قد انتهبوا في الطرقات وغيرها، ويكونوا آمنين، حتى مضى قدر ~~يومين ورجع جوابهم أن عقالهم والمشائخ وصالون، وأما الأطماع فهي قليلة ~~وإنما هي بينهم البين، ثم إنهم تباطأوا فأمر ms350 أحمد بن المؤيد عليهم عبد الله ~~بن أحمد إلى الدمنة قدامه، فوصل إلى بلاد السلمي وأخذوا منهم نحو أربعمائة ~~من الغنم، وتقدم الدمنة فدخلها. وأحمد بن المؤيد خرج من الجند إلى بلاد ~~الشرمان قريب الجند فلما وصلوا طرف البلاد حمل العسكر عليهم مرة واحدة ~~ومعهم الخيل، فهرب الشرمان ولم يبق أحد منهم، فلحقوهم إلى حد جبل جحاف، ~~وظفروا منهم بخمسة أنفار ملازيم، ولم يحصل شيء من القتل[74/ب] لا من هؤلاء ~~ولا من هؤلاء، ثم عاد العسكر للانتهاب، فانتهبوا منهم من البقر والغنم قريب ~~ثلاثمائة ومن الجمال قدر مائة، ومن أثاث بيوتهم، وأما الحب فشيء كثير، ولكن ~~تركه العسكر ورجع أحمد بن المؤيد ومن معه إلى الجند، فلما وصل إليه وصل ~~الرسول منهم في الليل أنهم قد صاروا مواجهين ومسلمين ما طلب منهم. # ولما بلغ سائر بلاد الحجرية والمحاصرين للمنصورة ارتفعوا وهربوا إلى ~~بيوتهم، وتنفس صاحب المنصورة من الحصار، وما قد جرى عليه من الشدة البالغة، ~~وقد كان في حيرة، وكيف يكون الخلاص من الأقفاص؟ وعند هذا استبشر الناس ~~بأمان الطرق وسافر الناس وشدوا أثقالهم إلى اليمن، ونزل التجار من صنعاء ~~وغيرها إلى البنادر، بعد أن كان قد غلا البز بلغ الثوب الفرادي إلى ثمانية ~~حروف وعشرة ، والفصدي إلى سبعة حروف وثمانية. PageV01P739 # ويقال: إنه اتفق أيضا مغزى من عند علي بن المتوكل من قعطبة إلى بلاد ابن ~~شعفل، واستولى على الشيخ وغيره وأتوا بجماعة إلى حضرته، فأمر بهم في ~~الزناجير، وكان اتفاق هذا الحادث في جميع هذه الأماكن في وعد واحد من هذا الشهر. # [75/أ] وفي بعض الكتب أظهرها الفقيه أحمد القمادي الواصل بكتاب من محمد ~~بن أحمد صاحب حصون الدملوة أنه لم يقع له المرور والنفوذ إلى البلاد العليا ~~إلا بعد أخذ خط من الشيخ علي الصوفي القائم في الحجرية، فجعل له خطا ~~محصوله: بعد حمد الله تعالى، ليعلم أهل الطريق وقبائل الحجرية أن الفقيه ~~أحمد القمادي في أمان الله لا يعترض في سفره إلى اليمن الأعلى، ولا يتعرض ~~في ms351 الطريق، ولا يجري عليه شيء من التعويق، وعلامته أعلاه لفظها داعي الله ~~علي بن عبد الله، وهذا من العجائب كما قال الشاعر: # والليالي من الزمان حبالى .... مثقلات يلدن كل عجيب PageV01P740 ولقد صالت الحجرية صولة عظيمة، ونهبوا ما نهبوا من القرى والأسواق والطرق، ~~وتعدوا على نهب بعضهم بعضا، فإن جبل حبشي قصدوا إلى سوق يفرس انتهبوه ~~وانتهبوا بعض بيوته، ولم يحترموا حرمة الشيخ أحمد بن علوان وهم في بلده ~~وحوطته، ولما حدث هذا الحادث بالحجرية وحوزتهم لصاحب المنصورة كتب المؤيد ~~إلى فقهائهم، وخص ذلك بكتاب إلى الفقيه عبد العزيز بن محمد بن عبد العزيز ~~المفتي صاحب تعز أن يعرفهم ما سبب هذا الخلاف ويسعى في الصلح والائتلاف، ~~فقصدهم واستكشف خبرهم، وأجاب على المؤيد أنهم ينقمون في هذا الخلاف على ~~صاحب المنصورة الجور في المطالب، وأنه طال بهم الصبر على ذلك حتى بلغت بهم ~~القلوب الحناجر وأشرفوا على المعاطب، وأنهم يريدون الإنصاف وترك الاعتساف، ~~وأنهم لما عرفوا عدم اجتماع الكلمة بينه وبين المؤيد أيسوا[75/ب] عن ~~التأثير في الشكوى، وأنه لا يمكن المؤيد أن ينصف منه أو يعزله؛ لأنه دولة ~~قائمة مستقلة بنفسها، فدافعوا عن أنفسهم وأموالهم، فمرادهم إزالة دولة صاحب ~~المنصورة عنهم. PageV01P741 # هذا مضمون جوابهم وأنهم يعلمون في المؤيد أنه لا يرتضي ذلك، لكنه عندهم ~~معذور لعدم نفوذ الأمر لما هنالك. هذا وظهر على صاحب المنصورة التضرر من ~~هذه الحوزة، وعدم ارتفاع شيء من المطالب المعهودة، وصار يستغيث إلى محمد ~~بالغارة، ومحمد قد كان أمر أحمد بن المؤيد ومن معه حتى بلغوا إلى الجند، ~~كما مر ذكره. فلما وصلوا إلى تلك الجهة وبلغ المؤيد جواب الحجرية وما ~~ينقموه كتب إلى أحمد بن المؤيد أنه لا يفتك في الحجرية بحرب، وأنه يرد ما ~~طمع عليهم منهم من الدمنة والشرمان، وأنه يسعى في الصلح والسداد لا غير ~~ذلك، فسكنت الأمور في الحجرية بعض السكون، وتنفس صاحب المنصورة بعض النفس، ~~وإن كان قد صار كالمسجون، وسلك في الطريق بعض من سلك على حذر، وصارت الأمور ms352 ~~متراقدة بين البين. ولما علم التجار في اليمن الأعلا كصنعاء بهذه الأمور، ~~لم تطمئن نفوسهم بالسفر إلى المخا؛ لأنه كان هذا الوقت وقت الموسم الهندي ~~قد خرجت المراكب إلى المخا وبقوا منتظرين للتجار، فلم ينزل منهم أحد إلى ~~الآن، ولم يطلع إلى صنعاء شيء من البز في هذا التأريخ، وارتفعت أسعار البز ~~لانقطاع طريق المخا. PageV01P742 # [76/أ] ولما كان حادي عشر شهر جمادى الأخرى وصل أحمد بن المؤيد إلى سوق ~~الخميس ، خاطب إلى بلاد الحجرية أنهم يدخلوا في يده ويطلعوا صحبته إلى ~~المنصورة ويصلح بينهم وبين محمد بن أحمد بن الحسن، فأجابوا أنهم يشرطون ~~إزالة ولاية ابن المهدي أحمد بن الحسن عنهم أو خروجه من ديارهم أو رفع ~~المطالب الجائرة عنهم، وكان ذلك كالمتعذر عند أحمد بن المؤيد وعند صاحب ~~المنصورة ، فسار أحمد بن المؤيد بمن اجتمع معه من سنحان وغيرهم من الأهنوم ~~ووادعة قدر ثلاثة آلاف، وخرج من الدمنة من طريق يسمى العروق شرقي المنصورة، ~~وتلقاه كثير من أهل الحجرية في الطريق، فقتل في الطريق من الدمنة إلى ~~المنصورة من أهل البلاد كثير، يقال: نحو الثلاثين، وكان الرجبي في مكان ~~يسمى القعيد، قريب المنصورة حاكم عليها وعلى من فيها، فتلاقى الفتيان وحمل ~~أصحاب أحمد بن المؤيد ومن انضاف إليهم من أصحاب صاحب المنصورة. وقتل من ~~قبائل الحجرية وأصحاب الرجبي فوق المائة، وانهزم الرحبي وأصحابه، ودهم ~~الناس الليل فدخلوا المنصورة، [76/ب] وانتهب الناس محطة الرحبي وخيامه ~~ووطاقه، وقتل من أصحاب الدولة قدر خمسة عشر نفرا منهم ياقوت إسماعيل وغيره، ~~وهذا الوطاق هو الذي كان انتهبه في الحرب الأول على المنصورة، كما سبق. ~~ومحمد بن أحمد في المنصورة كان في حالة ركيكة من المحاصرة، فتنفس بذلك، ~~وبات أحمد بن المؤيد عنده تلك الليلة، ولم يلبث فيها إلا يوم واحد، وخرج ~~عنها إلى مكان يسمى القدس بيوت المشائخ بني مغلس، ثم تقدموا إلى بيوت ~~الرجبي أخربوها وقطعوا أشجارها ورجعوا إلى قدس، ثم واجه إلى أحمد بعض بلاد ~~الحجرية كالمقاطرة وأهل الأعروق والركب وبلاد ms353 اليوسفي . وتخلف عن المواجهة ~~بلاد الأحمدي وأصحابه وغيرهم، ثم تقدم أصحاب أحمد بن المؤيد إلى بلاد ~~الأحمدي أخربوا بيوت الشيخ وأصحابه واحرقوها بالنار، وطمعوا ما وجدوا من ~~الغنم والبقر والإبل والأثاث، ثم رجعوا إلى قدس. PageV01P743 # ثم لما كان إلى ثالث وعشرين شهر جمادى الأخرى خرج صاحب المنصورة بنفسه من ~~بلده إلى بلاد ابن أنعم ، طمع أصحابه منها طماعات كثيرة، وقبضوا عشرة أنفار ~~أسرى، وقتل خمسة منهم ثم رجع المنصورة. وأحمد بن المؤيد سكن في قدس ثم كان ~~إلى آخر شهر جمادى الأخرى عادت الحجرية في الخلاف أجمع كالخلاف أول مرة من ~~جبل صبر إلى البحر. وحازوا المنصورة ثانيا[77/أ] وخالفوا ما بينه وبين ابن ~~المؤيد أحمد بن محمد بن القاسم. وكان قد تقالل عسكره لما سار بعضم بالأطماع ~~من عنده ورجعوا بلادهم، وبعضهم سار مغاضبا من العسكر، لما أراد ابن المؤيد ~~أن يقطع جامكية شهر في مقابل ما صار معهم من الأطماع، فقالوا: هذا لا يمكن ~~ولا يعرف مع عسكر كل دولة أن يحسب عليهم الطمع، ثم إن بعض العسكر ما صار ~~إليه شيء من الطمع، وبعضهم بعد خروجه من الدمنة مرضوا، فانتهز قبائل ~~الحجرية الفرصة وخالفوا ثانيا. وكان ذلك أيضا بسبب أن أحمد بن المؤيد أرسل ~~بجماعة من المشائخ الذين قبض عليهم إلى عند صاحب المنصورة، فلما وصلوا إليه ~~قتل بعضهم، وقتل الأسير حرام لا يجوز، مع أنه روى أن قد كان أمنهم أحمد بن ~~المؤيد. # وعلى الجملة إن سيرة صاحب المنصورة عجيبة في ذلك، ولقد روى راوي أنه في ~~الخلاف الأول وحوزته ومضايقته لما كان أهم بالخروج من المنصورة، إذا لم ~~تحصل له الغارة من المؤيد محمد بن المتوكل أدخل جواريه في دار من دور ~~المنصورة، وجعل تحته بارودا وقصبا، وقال: إذا دخل قبائل الحجرية[77/ب] عليه ~~أحرق البارود ليهلك الجواري، لئلا تأسرهم قبائل الحجرية، فلما ظهر الخبر ~~عند الجواري مات منهن من مات، لهذا الأمر العظيم. PageV01P744 # قال الراوي وهو من الفقهاء: وهذا جهل مفرط من المذكور، وظلم بين على ms354 النفوس ~~بغير حق، والأمر كما ذكره، فلا قوة إلا بالله العلي العظيم، ولهذا ونحوه ما ~~زالت الفتنة ثائرة عليه في اليمن الأسفل، وما سد من خرق بدا غيره، فإن ~~الخلاف ثائر هنالك. وكتب صاحب المنصورة إلى صنوه حسين بن أحمد بن الحسن وهو ~~بيريم أن ينزل إليه، ويتقرب مغيرا عليه، فخرج من يريم من المحال أن بلاده ~~تصلح له؛ لأن يده ضعيفة مع اجتماع كلمتهم عليه وتوسطه فيهم، وأما هذه ~~الغوائر عليه فهم لا يدومون في البقاء حراسا عليه، فمتى رجعوا حصل الخلل ~~عليه، وكيف؟ وهذا الخلاف ما انفصل مع سكونهم هنالك. # [78/أ] وفي خلال ذلك واجه ابن شعفل إلى علي بن المتوكل، ووصل إليه إلى ~~قعطبة، واعتذر بأن بلاده صارت بلا دولة، والله أعلم. # والمؤيد محمد بن المتوكل كتب إلى عبد الله بن يحيى الذي تغلب على العدين ~~بأنه يرفع بعض المطالب عن أهل العدين، ويرفع الضريبة التي ضربها بغير رأي ~~منه. فلم يلتفت عبد الله إلى أمره ونهيه، فتغير المؤيد من ذلك، وقال: قد ~~عزله، قول بلا عمل، وهو الذي أراد توليته وغرس شجرته هنالك، وإلا فما كان ~~العدين إليه من أول، وعزل الأقران كقطع الشجرة بعد العروق التي سرت للشجر، ~~فلو كان من أول الأمر لسهل عليه من غير تعب، وإنما كان لعبد الله هذا بلاد ~~قعطبة كما سبق تأريخه، ولكنه الذي أراد المؤيد لهذا، وأثنى عليه ثم رجع إلى ~~ذمه، ولقد ضرب ضربة ما أحد ضربها في صغر البقش، بحيث جعل الخمس مثل ~~البقشتين، فغير الدراهم. PageV01P745 # وفي هذا الشهر حبس المؤيد المنجمين الذين بصنعاء لما كثر منهم الخطأ والوعد ~~للناس بالأكاذيب في أوقات، وأشهر يحدوها ولم يتفق منها شيء أصلا، وتكرر ~~منهم هذا المرة بعد المرة، وكثر منهم التخليط على الناس والتمويهات ~~والتعاطي لما لا يحسنوه ولا يعرفوه. وهم: سليمان الديعري والمهلا وغيرهما ~~ممن لا معرفة لهم إلا من باب التعاطي، وكذلك المموهين غيرهما المهتدي ~~والإسنافي وغيرهم من المشعوذين بأعمال السحر من قلب العصا حية والورقة ms355 ~~بقشة، ونحو ذلك، واغتر بهم الجهال. # [78/ب] وفي آخر جمادى الأخرى ترجح للسيد حمزة بن أحمد بن الحسن أن تسودن ~~، ودخل قبة والده بالغراس، وكتب إلى بني حشيش أنهم يصلون إليه لموجب البيعة ~~له؛ لأنه بلغه أن المؤيد صاحب ضوران تنحى، فوصل إليه من استدعى وطلب البيعة ~~فأنكر عليه القاضي عبد الواسع، وعلي بن حسين بن أحمد بن الحسن بن أخي ~~المذكور، لأن الأمر في الغراس إليه باستنابة والده حسين بن أحمد بن الحسن، ~~فعند ذلك لم يلتفت إليه أحد وأرادوا ربطه لما سل السيف على القاضي ~~عبدالواسع، وبقى في حالة جنون بعد ذلك، وخرج إلى السوق بسيفه وجنبيته، فقتل ~~بغلة، ثم سكنوه، وقالوا له: إما سرت إلى ضوران وإلا سكنت عن هذا الأمر. PageV01P746 # حالة عجيبة، مع أنه في سن التكليف، والشباب لا يحفظ من العلم بابا، ولا ~~يعرف مسألة ولا خطابا، فيا للعجب من ذلك! لو ادعى المملكة كان أستر ~~له[79/أ]. وعند ذلك أرسل به ابن أخيه علي بن حسين بن المهدي النائب في ~~الغراس عن أبيه وقبائل بني حشيش إلى المؤيد، فساروا به إلى ضوران بعد وصول ~~رسول من المؤيد لمثل ذلك. واقترن به من العجائب أن رجلا وصل إلى بلاد حراز ~~خرج من اللحية، فلما وصل إلى حراز ادعى أنه من أولاد المتوكل إسماعيل بن ~~القاسم، وأن اسمه أحمد بن المتوكل، وأنه استخطف من شهارة إلى بلاد الشام، ~~وأنه يريد زيارة صنوه محمد بن المتوكل، فصدقه كثير من أهل حراز وأضافوه، ~~فلما بلغ والي حراز وهو الفقيه أحمد بن محمد السلفي أرسل إليه أربعة عسكر، ~~وقال لهم: انظروا هذا الرجل إن رأيتموه عليه سيما وجلالة قبضتموه على الوجه ~~الحسن، وإن كان على غير ذلك فعلى وجه الإكراه، فلما وصلوا إلى بيت الشيخ ~~محمد السهلي وجدوه عنده في بيته، وقالوا: المذكور مطلوب إلى عند الوالي، ~~فساروا به ووجدوه بباقي صاية وحزام بغير جنبية ولا سروال، معه مصري تهامي، ~~فسألوه فأخبر بمثل ذلك، وكان وصل إلى السلفي كتاب منه ms356 بخط فقيه من أهل ~~البلاد يذكر للسلفي أنه ولد المتوكل، وأنه سيصل إليه، وأنه يتأهب[79/ب] له، ~~وعلامته أعلاه بخط الفقيه، فأما هو فلا يقرأ. فلما وصل إلى عند السلفي أخبر ~~بمثل ذلك، وكان عند السلفي رجل وصل من المدينة المشرفة يعرفه، فقال له: ~~أليس أنت الذي كنت في المدينة المشرفة؟ واسمك هناك إبراهيم، وكنت من أهل ~~السوق هنالك والخدمة بأعمال الشربة والطعام، وأنت الذي كنت تصل إلي وأنا في ~~المدينة بالشربة، فكيف قلبت اسمك أحمد بن المتوكل؟ فسكت ولم يدر ما يجيب ~~عليه، فأمر السلفي بحبسه وحبس بقيد في حبسه، فهذا من العجائب، وأدب السلفي ~~الذين صدقوه في دعواه وكذلك الفقيه الكاتب له. PageV01P747 # وبعد عزم حسين بن أحمد بن الحسن من يريم أمر المؤيد مكاتبة يحيى بن محمد ~~أنه ينتقل من رداع إليه بأصحابه، فسار إليه، ومن العجائب أن جميع خلل اليمن ~~الأسفل هذا وهذه الفتن صاحب المنصورة وحسين بن حسن هم الذين أثاروها، ~~وباينوا محمد بن المتوكل، ولم يسيروا في أوامره، ثم لما اضطروا إليه رجعوا ~~إلى طلب معونته، فأعانهم والله يقول: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا ~~تعاونوا على الإثم والعدوان} . # مع أنهم فيما يريد منهم[80/أ] غير منقادين له، فالعجب من هذا التسخير! ~~وما هو إلا لحكمة من الله، وإلا فكان الواجب عليه على مقتضى الطريق الشرعي ~~أن يقول لهم: أنتم ما أجبتموني في أوامري، فلا أعينكم في شيء بل بينكم ~~وبينهم، وهم يدعون عليكم ما يدعونه من الجور في السيرة، إلا أن ترتفعوا عن ~~بلادهم وتزال جميع هذه الزوائد من المطالب، أو جعل واسطة بينهم وبينكم ~~وليقبض ما رسمناه ويصل إليكم أعناكم، وإلا فلا. PageV01P748 # وفي شهر رجب وصل الخبر بأن جبل صبر استمكل خلافه مع الحجرية، وبلغ الخلاف ~~إلى قاهرة تعز، فتحرك أحمد بن المؤيد من قدس إلى الزيلعي وبلاد يفرس، وجهز ~~عيال أخيه إبراهيم بن حسين وعلي بن قاسم إلى حدود جبل حبشي، فوقع الحرب ~~بعد أن كان أظهروا المواجهة. فلما اتفقوا حصل ما حصل من الحرب ms357 وراح من ~~القبائل كثير ومن أصحاب الدولة نحو العشرة من غير المصاويب. وأصدق في ~~القتال عبد الله بن أحمد أبو طالب، وباشر القتال وقتل منهم ودفعت فيه ~~بنادقهم ومن بحضرته، فراح جماعة ووقعت رصاصة فيما بين حزامه وبطنه وحماه ~~أجله. ووقع بعض الرصاص في بعض الخيل الذي معه فهلكت، وكان قد أخرج أهل جبل ~~صبر واليهم الفقيه على السبارات، وهرب إلى تعز، واستولوا على خزائنه وما ~~جمعه بعد حرب جرى بينهم، وقتل من الجانبين. ولما بلغ أهل جبل صبر نزول حسين ~~بن أحمد بن الحسن من يريم للغارة واجهوا، وبلغ حسين بن أحمد بن الحسن إلى ~~ذي أشرق ثم نزل إلى الزيلعي. # وفي غرة شهر شعبان بلغ الخبر أن حسن بن المتوكل خرج[80/ب] من اللحية إلى ~~بيت الفقيه ثم إلى زبيد. # وفي ثالث شهر جمادى الأخرى مات القاضي العلامة: مهدي بن عبد الهادي ~~الملقب الحسوسة الثلائي، وهو الحاكم بثلاء من مدة المؤيد بالله محمد بن ~~القاسم، ثم دولة المتوكل إلى آخرها، ثم دولة أحمد بن الحسن إلى هذا ~~التأريخ، وكان عارفا بعلم الكلام على رأي المعتزلة، أخذ على والده فيه، ~~وكان معه بثلاء في بيته ووطنه، رحمه الله. PageV01P749 # وسلطان سمرقند الخارج في البحر لما وصل إلى مرسى المخا أرسل إلى السيد حسن ~~الجرموزي متولي المخا بقدر ألف حرف ذهب، واستأذنه في الدخول إلى البندر، ~~فأذن له، لكن يدخل بقدر مائة نفر، ويبقى أصحابه في المرسى، فدخل المذكور ~~بمائة نفر بقي فيه نحو شهر ثم سافر بحرا إلى بلاده. وكان خروجه للحج برا من ~~بلاد الشام ثم العراق، وحصل بينه وبين قبائل الحجاز حرب قتل منهم نحو ~~الخمسين حال خروجه لما طالبوه في المجبى، فامتنع عن تسليمه، وكان سبب ~~القتال بينه وبينهم. # [81/أ] وفي هذه الأيام بآخر شهر رجب منها أرسل علي بن المتوكل رسولا إلى ~~بلاد يافع وهو السيد قاسم بن أحمد بن لقمان بكتاب ووصاية، مضمونه: استدعاء ~~تمام وعد الشيخ معوضة بن محمد بن معوضة العفيف بالوصول. فلما وصل ms358 السيد ~~المذكور إلى الشيخ معوضة اليافعي أجاب بأن حقيقة القول الذي هو باني عليه، ~~وتقديم تقريره قبل النزول إليه ترك بلاد يافع أجمع، وأنها تكون إليه وإلى ~~من فيها من العقال بنظره، والواجبات مسلمة والخطبة والسكة للمؤيد ماضية، ~~ولا سبيل إلى ولاية أحد، وكتب كتابا إلى علي بن المتوكل بذلك، وأرسل الشيخ ~~عبد الغفور بن شيبان الصوفي بذلك، فدخل علي بن المتوكل في ذلك، وبلغ شيبان ~~إلى حضرة المؤيد بتقريره. # وفي هذه الأيام شهر شعبان وصل كثير من التجار الذين نزلوا من صنعاء أنهم ~~لما بلغوا تعز تحققوا الأخبار من الحجرية والطريق فوافقوها مختلة، وأنهم ~~يخشون على أموالهم وأنفسهم، فتحيروا هنالك. وأصحاب أحمد بن المؤيد سار كثير ~~منهم ومرض من مرض منهم لما دخلوا الدمنة، لضعف هواها ووباها، وصادفوا أول ~~أمطار الخريف في أوديتها. PageV01P750 # وفي شهر شعبان كان وصل السيد صلاح بن إبراهيم المؤيدي، من السادة آل المؤيد ~~الذي ببلاد صعدة[81/ب] إلى حضرة حسن بن المتوكل صاحب اللحية هو وجماعة معه ~~من طريق حيدان للطلب من الدولة، فلما قضى غرضه حسن بن المتوكل وأعطاه ما ~~سمح به من عطاه عزم من عنده قاصدا للمرور على دولة اليمن الأسفل، ثم يطلع ~~إلى حضرة المؤيد من تلك الجهة، فلما بلغ إلى أسفل العدين صالت عليه القبائل ~~من المعادية، فاستأصلوهم ونهبوهم وقتلوهم عن آخرهم وحزوا بعض رؤوسهم، ~~وأظهروا الخلاف على الدولة، والامتناع من التسليم للمطالب لما قد نالهم من ~~الجور في المدة الماضية من دولة المتوكل وما بعدها، وعدم إنصافهم في شكواهم ~~على المتوكل من أجلها، فصبروا ذلك الزمان لغلبة الدولة واجتماع الكلمة. ~~فلما كان هذا الوقت ورأوا الدولة تفرقت آراؤها واختلفت أنظارها خالفوا، ~~واتفق ذلك حال إرادتهم للخلاف وحصل خلاف العدين هذه المدة، فقيل: إنهم ~~ظنوهم من أصحاب الدولة، فحصل ما حصل فيهم. فلما وصل الخبر إلى عبد الله بن ~~يحيى الأحول جهز عليهم الفقيه علي العلفي وجماعة عسكر من أصحابه، فقابلوهم ~~بالقتال، فقتلوا الفقيه علي العلفي وجماعة معه من أصحابه نحو ms359 عشرة وهرب ~~الباقون، وعبد الله بن يحيى هاب جنابهم، فتركهم ولم يطالبهم، وتغلبوا على ~~بلادهم وهو في رأس العدين يترقب. # وفي النصف[82/أ] الآخر من شهر شعبان بعد وصول التجار إلى تعز تحيروا فيه ~~وبلغهم ما في الطريق بوادي الغيل ببلاد القماعرة من الحجرية من الأمور الذي ~~يتعذر معها المرور. وكان قد استقر أحمد بن المؤيد وحسين بن المهدي ~~بالزيلعي، فخرجت رسلهم إليهم، فأمروا معهم جماعة من العسكر الذين معهم، ~~وأنهم يصحبوهم إلى المخا، فساروا معهم إلى بلاد شرعب، ولعل وصولهم يصادف ~~حركة الهند بالعود بلادهم؛ لأن الوقت قد تضيق عليهم. PageV01P751 # وفي هذه السنة شهر جمادى الأولى خرج من مكة رجل يقول إنه السيد محمد من ~~ذرية السيد عبد القادر الجيلاني ، وله في العلم معرفة، قال: إنه أخذ على ~~محمد بن سليمان بمكة، ومذهبه مالكي كمذهب شيخه محمد بن سليمان، وقال: أن ~~أصل بلده من حماة بالشام، وقيل: وهو يريد الخروج إلى الهند، وقيل: بل إلى ~~اليمن. ورجع بلاده ومعه تأريخ في مجلد تتمة لتاريخ ابن خلكان على ما ذكر ~~مصنفه حيث قال في ترجمة كتابه هذا: ولما وقفت على كتاب وفيات الأعيان لقاضي ~~القضاة ابن خلكان وجدته من أحسنها وضعا، لما اشتمل عليه من الفوائد الغزيرة ~~والمحاسن الكبيرة، غير أنه لم يذكر أحدا من الخلفاء، ورأيته قد أخل بتراجم ~~بعض فضلاء زمانه، وجماعة ممن تقدم على أوانه، فأحببت أن [82/ب]أجمع كتابا ~~يتضمن ذكر من لم يذكره من الأئمة الخلفاء، والسادة الفضلاء، وأذيل من وفاته ~~إلى الآن، وسميته بوفاة الوفيات ، ورتبه على الحروف كأصله، غير أنه لم يذكر ~~ضبط الأسماء، كما هو شأن ابن خلكان. وقاعدة الذيل أن يقفوا طريق الأصل، مع ~~أن ابن خلكان إنما ذكر الأعيان، فلم يترك من أغفله إلا عن قصد منه وعيان، ~~مع أن هذا الكتاب قد يذكر فيه من قد ذكره ابن خلكان مثل إبراهيم بن إسحاق ~~الحربي فإنه مذكور في تأريخ ابن خلكان، ثم الخلفاء والسلاطين لم يغفلهم ~~ابن خلكان كلهم بل ذكر بعضهم ms360 دون بعض؛ لأجل شرطه الذي ذكره أنه يذكر ~~الأعيان والملوك الكبار دون غيرهم على أن الخلفاء لهم تواريخ مفردة، لا ~~حاجة إلى ذكرهم، ولذلك لم يذكر ابن خلكان أحدا من الصحابة والتابعين لظهور ~~أحوالهم وتواريخهم. وصاحب هذا التأريخ صلاح الدين محمد بن شاكر بن أحمد ~~الشافعي رحمه الله، وذكر فيه ترجمة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي ~~طالب، وسائر تراجمه في تواريخ الذهبي والطبقات موجودة معروفة، وكذا في ~~طبقات الحفاظ، مع أن المذكور متعصب في تركه لكثير من الأعيان PageV01P752 أيضا ممن تأخر عن ابن خلكان لم يذكروا،[83/أ] وليس أوفى من تواريخ الذهبي ~~وتواريخ المذيلين عليه كابن حجر العسقلاني في كتابه (الدر الكامنة في ~~المائة الثامنة) في مجلدين، وكتاب (الضوء اللامع في القرن التاسع) للسخاوي ~~في أربعة مجلدة، وكتابه الآخر (الوجيز) في مجلد، فإنهم الذين استوفوا من ~~بعد التواريخ السابقة من علماء وملوك وخلفاء ما لم يستوف غيرهم. وأما ~~تواريخ السيوطي في الخلفاء فهو مجحف في الاختصار، وإن كان قد استوفى ~~الخلفاء، وكذلك كتابه (حسن المحاضرة في أخبار مصر والقاهرة) كتاب صغير مجحف ~~اختصره من كتاب ابن أبي حجلة المسمى سكردان في أخبار مصر وملوكه من بني ~~قلاوون الأتراك، الذين قبل الشراكسة وبعد بني أيوب، وتعرض لأطراف أخر من ~~عجائب مصر فهو يغني عن كتاب السيوطي؛ لأنهما في حجم واحد يأتي كل منهما في ~~ثمان كراريس. # وفي هذه المدة بنصف شعبان وصل جماعة من مشائخ يافع إلى قعطبة حضرة علي بن ~~المتوكل حسبما راسلهم وواجهوه بعد تقرير الشروط التي شرطوها أن لا أحد يدخل ~~بلادهم على ما كان شرطوه أولا، فتم ذلك بينهم. وعند ذلك سار علي بن المتوكل ~~إلى إب وتخلص عن قعطبة بذلك. وأما ابن العفيف بنفسه فما وصل[83/ب]، وكان ~~تقرير الصلح بعناية علي بن المتوكل لما طال عليه البقاء في قعطبة، فبذل بعض ~~شيء من المال لذلك. ووصل من عند ابن العفيف الشيخ عبد الغفور بن شيبان ~~لتمام الشروط من المؤيد، فوصل إلى ضوران وتمت ms361 الشروط بأن البلاد لابن ~~العفيف وهو يسلم من الواجبات ما أمكن فتم ذلك، وعلي بن المتوكل عند ذلك نزل ~~إلى بلاده إب وجبلة بعد أن مل من البقاء في قعطبة، فلما نزل إلى إب وجبلة ~~وتم صلح بلاد يافع سكنت بلاد الحجرية عن إثارة الفتنة، ووصل من مشائخهم من ~~وصل إلى حضرة أحمد بن المؤيد، وسكنت الأمور. PageV01P753 # [84/أ] ولما اتفق محمد بن أحمد بن الحسن بصنوه حسين في الزيلعي تقسموا ~~البلاد، فجعلوا لإسحاق بن أحمد بن الحسن مدينة زبيد وبلادها، وجعلوا لمحمد ~~صاحب المنصورة الدمنة مع بلاده الأولة، وجعلوا لإبراهيم بن أحمد بن الحسن ~~بلاد أبين وما إليه، وسائر بلاد والدهم لحسين بن أحمد بن الحسن، وتقسموها ~~بينهم هكذا، وكل رضي بما معه. # قال الراوي: والبلاد في حكم المخالفة إنما سكنوا هذه المدة لما بلغهم ~~الصلح بين علي بن المتوكل والمشرق، ورجوعه إلى إب وجبلة. وأحمد بن المؤيد ~~لقد أصلح الحجرية ونفس على محمد بن أحمد بن الحسن، وقبض مشائخ جبل حبشي من ~~قبض، ومن سائر الحجرية فرقهم، فبعضهم أرسل به إلى ضوران وبعضهم إلى ~~المنصورة. # قال الراوي: وما صلح المشرق إلا ببذل من علي بن المتوكل ووسائط في الصلح ~~وتقرير القول وضمانات عليهم في صلاح الطرق وسكون ثائرة الفتنة. وشرطت يافع ~~أنه لا يدخل بلادهم أحد، بل يسلمون من الواجبات، ويرسلون بذلك من غير ولاة ~~عليهم ولا واسطة. # قال الراوي: ثم رجع أحمد بن المؤيد إلى تعز وفي نيته الرجوع والطلوع، ~~وكذلك حسين بن أحمد بن الحسن رجع إلى تعز، ومحمد رجع المنصورة هذا تحقيق خبرهم. # [84/ب] وفي هذا التأريخ خرج من رداع حسين بن محمد أبو طالب إلى ذمار، ~~وكذلك صاحب كوكبان بعد تمام الصلح للمشرق. # فانظر أيها الحليم كيف دولة اليمن ما قدروا يحفظوا ويصلحوا ويملكوا ما هو ~~تحت أيديهم من اليمن، وكيف قاموا عليهم وأرادوا التغلب وقد فعلوا، فإن يافع ~~تغلبوا على بلادهم وحاربوا وقاتلوا وهزموا، فكيف يقدر أن يملك صاحب اليمن ~~غيره من الجهات النائية ms362 كما كان نوى ذلك المتوكل والمهدي، هذا من المحال ~~على كل حال. PageV01P754 # وفي عاشر شهر رمضان وصل الخبر أن إبراهيم بن أحمد بن الحسن طلع بعد ~~الاجتماع في الزيلعي إلى يريم، ومعه جماعة عسكر قدر أربعمائة نفر، وسكن فيه ~~مريدا الاستقرار فيه. وكان قد وضع له المؤيد لما سكنه وأراد التغلب عليه ~~الثلث، ولعله مع استقراره فيه تبسط على جميعه. وبلغ الخبر أن اجتماعهم في ~~الزيلعي انطوى مع تقاسمهم البلاد على تحالف بينهم أنهم يد واحدة على من ~~خالفهم، وظهر أنه إن أمكنهم التغلب على اليمن كانوا يدا واحدة وجعلوا ~~رئيسهم صاحب المنصورة. وحسين بن أحمد بن الحسن استقر في تعز وقبض مفاتيح ~~المخازين من ابن راجح ، وتصرف في الطعامات وغيرها. والمؤيد عند ذلك عجب من ~~هذا الأمر منهم، وبقي حائرا من عملهم، وكيف تعقب الإحسان؟ منه بالمعاونة ~~بفكه من الحصار إرادة الخلاف والإستقلال؟ # واتفق في هذه الأيام بأول رمضان أنه كان وصل من وصاب شكاة يطلبون التخفيف ~~عليهم من المطالب الجائرة، وأنه ما جرى منهم ما جرى من المنع للوالي من ~~التسليم إلا ذلك، فأجاب حسين بن أحمد بن الحسن أنه لا يرفع شيئا في بلاد ~~أحمد بن الحسن، فلما وصلوا بلادهم امتنعوا من التسليم إلى العامل عندهم، ~~وأهل العدين طردوا المثمرين وانتهبوهم. # [85/أ] وفي نصف رمضان لما وصل أحمد بن المؤيد إليه استقر فيه باقي رمضان، ~~وسار من أصحابه أكثرهم ممن بقي بعد، وإلا فكان طلع كثير منهم قبل طلوعه، ~~وفيهم أمراض كثير، ومات من مات بالدمنة، لأنها بلاد وبيئة. PageV01P755 # قيل: وربما دفن فيها القبائل السمن بين التراب، وهو يحصل منه ما يحصل وكان ~~صاحب المنصورة قد فرق آداب على بلاد الحجرية، فلما علموا بأن أحمد بن ~~المؤيد قد طلع وعاد وخرج من تعز امتنعوا من تسليم الآداب وأرجعوا الرسل ~~الذين من بلادهم، وقالوا: لا نسلم إلى صاحب المنصورة، وإنما نسلم الواجب ~~إلى من نظره المؤيد، وقالوا قد بعض المشائخ من بعض بلاد الحجرية طلعوا صحبة ~~أحمد بن ms363 المؤيد فالجواب معهم. وامتنعت الحجرية أجمع عن الدفع إلى صاحب ~~المنصورة، مع أن أحمد بن المؤيد إنما استطرق بعض تلك البلاد المخالفة، فأما ~~جبالها العالية مثل جبل الزعازيز وغيره فلم يتمكن من دخوله، لعسرة طريقه، ~~وغيره من سائر القلاع التي في جبل حبشي منعوا أنفسهم بها وحاربوا فيها. ~~وابن المؤيد لما طال عليه الأمر واستشق البلاد وعرف أحوال صاحب المنصورة ~~وعدم انقياده واختلاف أنظاره لم يسعه إلا العود، فإنه كان صحبته من المؤيد ~~محمد بن المتوكل كتابا إلى صاحب المنصورة مضمونه[85/ب] أنه لا يقدم إلى شيء ~~من الآداب لأهل الحجرية، بل يتوقف حتى يستكشف عملهم، فلم يسعد إلى ذلك وجرى ~~بينه وبين أحمد بن المؤيد كلام في ذلك كان من جملة الموجبات لعوده وتركه، ~~مع أنه ما نفس عليه من الحصار إلا هو. وكان أيضا اجتماعه في الزيلعي وإخوته ~~بغير حضوره. # وفي خلال ذلك عقب طلوع أحمد بن المؤيد إلى اليمن الأعلى من سمارة غزا أهل ~~العدين وما يتصل به من القبائل إلى وصاب سوق الجبجب في بلاد حبيش وكذلك ~~ظلمة التي غربي إب فوق العدين مما يلي الشمال، وخالفت وصاب لاتصال هذه ~~البلاد به كبني مهدي وغيره. PageV01P756 # وحصل أيضا في هذا التأريخ بنصف رمضان خلاف شرعب وأخرجوا جميع من عندهم من ~~العسكر، وتحالفوا على أنهم لا يسلمون شيئا، وإن كان كل يمر من أصحاب الدولة ~~في جهتهم فهو هدر. وخرج السيد صلاح الديلمي بجماعة عسكر من قبل حسين بن ~~أحمد بن الحسن إلى بلاد شرعب، فمنعوه عن دخول بلادهم، ثم وقع بينه وبينهم ~~حرب فقتل من الجانبين وأخرجوه من بلادهم مكسورا، وقتل من أعيان أصحابه من ~~أشراف الجوف. # والتجار الذين نزلوا المخا قالوا كل من كان تاجرا ولم يكن من أصحاب ~~الدولة فلا يعترض، ومن كان من أصحاب الدولة انتهب. # وفي شهر رمضان حصلت زلزلة في بلاد كحلان وما يتصل به، فالقدرة لله تعالى. # [86/أ] قال الراوي: وهما زلزلتان أحدهما يوم الأحد ضحوة النهار، والأخرى ~~يوم الثلاثاء نصف رمضان ms364 وقت العصر، فتسلخ بعض الجبال في بلاد كحلان وعفار، ~~وخربت بيوت في بلاد قراضة، فالقدرة لله على ما يشاء، وكان حدها إلى بلاد ~~ثلاء، ولم يقع شيء منها في بلاد صنعاء ولا غيرها من سائر اليمن. # وفي هذه الأيام انتهب سوق الضامر من مساقط بلاد حراز أطراف الحقار، غزوه ~~جماعة من المعازبة ، وحسن بن المتوكل دخل زبيد لتسكين ثائرة الخلاف. # وفي هذه الأيام جاء خبر أن عبيدة بنواحي بلاد شام صعدة تحاربوا هم وقبائل ~~بلاد الدرب ، ما بين الحرجة وبني ذهبان شهران، فهزمت عبيدة أهل الدرب ~~وخربوا الدرب. وهذه القبائل بين الدولتين دولة صاحب اليمن وصاحب مكة، ~~والسلطان ابن عثمان لا دولة عليهم على مرور الزمان. # وفي شهر شوال وصل الخبر بموت الملك عبد العزيز سلطان سمرقند وبخارى ببندر ~~المخا، وهو الذي حج العام الماضي إلى بيت الله الحرام، كما سبق ذكره، وخرج ~~راجعا بلاده من طريق البحر، فلما وصل قريب المخا دخله واستقر فيه حتى سبر ~~البحر الشرقي للمراكب، فسبق أجله فيه، وقد كان كبير السن له مدة في السلطنة ~~لبلاد سمرقند وبخارى[86/ب]، حنفيا له سيرة مليحة في المسلمين، رحمه الله تعالى. PageV01P757 # وفي هذه الأيام ما زال المؤيد يسعى في رفع المجاب من الطرق والأسواق، فرفع ~~الأكثر منها، ورفع كثيرا من المطالب الزائدة فما قصر، ودعت له الرعية خصوصا ~~في بلاده ومن أطاعه من غيرها، وأما صاحب المنصورة فما عذر أهل بلاده. # وفي هذه الأيام ذكر لي الشيخ حسن بن أحمد المصري لما وصل من مكة المشرفة ~~إلى اليمن، فقال المذكور: إنه كان في العام الماضي بمكة فأشار جماعة إلى ~~شريف بأنه المهدي المنتظر قال: فأنكر ذلك الشريف قولهم. # قال الشيخ هذا: فقلت لهم المشهور أن المهدي إنما يكون سنه في أربعين سنة ~~وهذا الذي أشرتم إليه في الستين السنة، قال فانصرفوا وتركوه، ولا شك أن ~~المهدي متأخر زمانه عن هذا الوقت بكثير كما قضت به الملاحم المنسوبة إلى ~~علي كالقطعانية وغيرها. وسألته عن الشريف سعد بن زيد المكي ms365 وكيف ترك عقوبته ~~السلطان محمد؟ فقال: السلطان محمد له محبة لأهل البيت كائنا من كان، فإذا ~~صدرت من أحد هفوة صفح عنها بجهده وعفا، وكان السلطان ولاه أطراف البدو ~~بالشام ثم عزله وطلبه، وهو الآن عنده. # وفي غرة شوال غزا معوضة بن محمد[87/أ] بن معوضة اليافعي البيضاء من بلاد ~~الرصاص، فحاصرهم فيها واحتازوا في البيوت، ثم اصطلحوا. # قال الراوي: وسببه على طلب مجبا على بعض أهل بلاده في سوق البيضاء. # ووصل في نصف شوال جماعة من مشائخ بلاد يافع يذكرون أنهم مسلمون ما عليهم ~~من الواجبات بغير واسطة ابن العفيف، فأجابهم المؤيد إلى ذلك وكساهم، وكانت ~~طريقهم بلاد يريم، ولم يصلوا إلى حسين بن حسن. # وفي نصف شهر القعدة خرج السيد صالح بن عبد الله حيدرة الغرباني من وصاب، ~~أخرجه أهل البلاد وقالوا ما يسلموا إلا الواجبات حسبما وضع لهم المؤيد، بعد ~~أن حسبت المطالب في وصاب سبعين مطلبة، وإبراهيم بن المهدي وصل إلى ضوران ~~بطلاب وصل له من يريم. PageV01P758 # وفي هذا الشهر لما تفاقم على صاحب المنصورة الأمر، وعرف ما جرى معه من خلاف ~~الحجرية، وأنه لا ينفعه إلا تأليف الشيخ ابن مغلس صهره ليكون يدا له وعونا ~~على سائر قبائل الحجرية وغيرها، فطلبه وأحسن إليه بالمال، وأمر بعمارة بيته ~~الذي كان خربه أحمد بن المؤيد، واستجاش به على جبل حبشي فأجاشه فاستفتحوه ~~ونهبوه. # وفي شهر القعدة كتب عبد الله بن يحيى بن محمد بن الحسن[87/ب] إلى صاحب ~~المنصورة وصنوه حسين بالغارة عليه، فإن أهل العدين منعوه من تسليم المطالب، ~~فأرسل حسين بن أحمد بن الحسن من محروس تعز صنوه إسحاق في جماعة عسكر، فلما ~~وصلوا إلى العدين وقع الحرب بينهم وبينهم، فراح قتول وجنايات واهتزمت ~~القبائل. # وفي هذه الأيام لما وصل حسين بن محمد بن أحمد بن القاسم من رداع وضوران ~~إلى دياره بالروضة تقدم إلى عمران للسكون فيه. وكان قد أرسل لعلف من المعمر ~~في بلاد همدان، فمنعوه، فأراد تأديبهم فلم يمتثلوه، وشرع يحصل بينهم ما ~~يحصل، ms366 فتركهم، وقالوا البلاد لغيره ولا ولاية عليهم له، وقالوا له إما ~~صافيكم فأهلا وسهلا دون حمل علف على الجمال. # وفي هذه الأيام وصل إلى المؤيد من زبيد جماعة شكاة من صنوه حسن بن ~~المتوكل أن أصحابه وعساكره ضروهم واستهلكوا أموالهم وسكنوا في بيوتهم، وأن ~~قد شد منها بعضهم وخرجوا عنها بأهلهم. # وفي هذه الأيام وقع في بلاد خولان فتنة عظيمة فيما بينهم، وذلك أنهم ~~افترقوا طائفتين، الأحلاف والجهوز ، ودارت بينهم المعارك والحرب يوما بعد ~~يوم، فتنة عظيمة. PageV01P759 # [88/أ] قال الراوي: ممن حضر الفتنة الواقعة بين خولان في بلاد صعدة أنها ~~ثارت ما بين خولان أنفسهم الجهوز والأحلاف، فصالوا على بعضهم البعض ~~واقتتلوا قتالا قبيحا، وأبلى كل منهم جهده الواسع وألقوا أنفسهم للتهكلة ~~للهلاك، وصبوا على بعضهم البعض البنادق في المعركة، فراح منهم عالم كثير ~~نحو المائة. وزادهم ذلك القتال غلظة أنهم كانوا يهتكون بيوت بعضهم البعض ~~بالنهب وكشف الحريم والخراب والغيار في الأبنان والأشجار، وفعلوا من الظلم ~~العظيم لبعضهم البعض ما لا مزيد عليه، وظهر على كثير منهم الفقر وذهاب ~~المال، وبقي الدولة الذين غاروا من صعدة متفرجين عليهم من جبل هنالك لا ~~يمكنهم التأثير ولا الكف عن هذه الأفاعيل، بل زاد نالتهم في الليل إلى ~~محلهم المراجيم. # قال: ولا شك أن هذه عقوبة قد استحقوها فيما مضى، وما سكنوا إلا لما ملوا ~~وشبعوا، حتى أن مشائخهم لما رأوا ما جرى ولم يبق لكلامهم عند أصحابهم تأثير ~~في الكف عما قد وقع وجرى، وإن كانوا أولا من المشاركين في إثارة ~~الفتنة[88/ب] قبل ما شاهدوه من المحنة ألقوا بأنفسهم بين يدي صاحب صعدة، ~~وقالوا: يدخلهم الزناجير بذنوبهم، وما قد حصل منهم من المشاركة في ابتداء ~~فتنتهم، وعسى يكتف أصحابهم. # قال فعذرهم وقال: الفتنة قد عمتكم، وقد أصابكم من العقوبة بأيديكم ما ~~يغنيكم، إلا أنه قال بعد أن حضر الحاضر من سادة بني المؤيد وغيرهم في ~~الصلح: لا بأس بما ترونه من العسكر يكون بسببهم بعض التسكين وربط جأشكم، ~~لما حاق عليهم ms367 الأمر بتبعته. # قال: فانعقد الصلح فيما بينهم ذمة مدة معلومة، وسكنوهم بشرذمة من العسكر ~~قليلة، ثم عاد علي بن أحمد إلى صعدة. PageV01P760 # وفي شهر الحجة قبيل العيد ترجح لسيد يقال له: أحمد بن حسين الأخفش ادعى أنه ~~إمام، وهو في كوكبان وشبام، وكان جاروديا رافضيا في الاعتقاد، يتحمل على ~~الصحابة رضي الله عنهم، وفي غيرهم من المسلمين يمد لسانه، ويزكي نفسه، ~~ويتخيل أن الحق ليس مع أحد إلا معه، مثل الأعرابي الذي بال في المسجد، ~~فزجره أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقال صلى الله عليه وسلم: ((دعوه لا تقطعوا درته وصبوا عليه ذنوبا من ~~ماء)) فلما أكمل حاجته قال: اللهم ارحمني[89/أ] ومحمدا ولا ترحم معنا أحدا، ~~فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد تحجرت واسعا )) . # وخطب خطبة بعد صلاة الجمعة بالجامع وذكر فيها ما ينبي عن اعتقاده الردي، ~~حتى ذكر أنه يوحى إليه بالوحي وأن الله قد أوحى إلى النحل، فبالأولى هو، ~~فلما ظهر للأمير عبد القادر ما تفوه به من القول الفظيع وادعاءه للوحي الذي ~~للنبي، أمر بأن يقيد بقيد حديد في بيت والده، فقيد أياما ثم فك القيد عنه ~~بشفاعة والده، ولا يخرج عنه إلى غير يده، وأمر بأن حبسه بيته، فانتظم ~~المذكور في الثلاثين الدجال الذي وعد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بظهورهم بعده، ~~وبعضهم قد مضى في زمنه صلى الله عليه وسلم كمسيلمة والأسود : {ومن أظلم ممن افترى على الله ~~كذبا أو قال أوحي إلي ولم يوح إليه شيء ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله} ، ~~وفي الجامع الكبير للسيوطي من طريق ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنه سيكون ~~في أمتي ثلاثون كذابا كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيبن)) ، أخرجه ~~الترمذي، وأحاديث أخر. # ورد هذا السيد المذكور جميع السنة، وقال: أنه لا يحتج إلابالقرآن كدين ~~الخوارج. واقترن به رجل آخر[89/ب] في بلاد موزع عمر مسجدا، وقال للناس أنه ~~الكعبة، وأظهر له مخاريق من أعمال السحرة، فقصده صاحب ms368 المخا، فرق جمعه ~~ومزقهم، وعجائب اتفقت هذه المدة وسببها ضغف يد هذه الدولة. PageV01P761 # وفي هذا الشهر خرج حسن بن المتوكل من زبيد إلى بيت الفقيه وبقي بعده جماعة ~~من أصحابه، ورئيسهم النقيب عثمان زيد. # وفي هذه الأيام بعد أن دخل إسحاق بن أحمد بن الحسن طلع إلى جبل وصاب، ~~واستقر فيه وتصرف في تلك البلاد، وقتل بعض مشائخها، فلا قوة إلا بالله. # وفي هذه الأيام خرج شرح إلى اليمن على الجامع الكبير للسيوطي الذي في ~~الحديث في أربعة مجلدة، صنفه بعض العلماء المتأخرين في تلك الديار، وخرج ~~أيضا معه شرح على المواهب اللدنية في السيرة النبوية. # وفي هذه الأيام قصد عبد الله بن يحيى صاحب العدين إلى بعض جهات العدين من ~~المخالفين عليه، فالتقوهم بالحرب، فوقعت الهزيمة في أصحاب عبد الله بن يحيى ~~وقتل جماعة منهم. # وفي هذه الأيام بآخر شهر القعدة رفعت الضريبة من عند علي بن المتوكل، بعد ~~أن أرسل صنوه إليه القاضي جباري، فنزل الصرف إلى ستة حروف، ثم عادت بعد ~~شهرين فرجع الصرف إلى سبعة ثم إلى ثمانية، فسار تجار صنعاء إلى حضرة المؤيد ~~يشكون ومعهم خطوط من القضاة وغيرهم من أجلها؛ لأنها ما زالت تصغر كل شهر ~~ضريبة، فحصل التضرر من جهة مسارقتها لم يستقر على حالة واحدة، لكنه حصل لطف ~~للرعايا. PageV01P762 ### | ودخلت سنة خمس وتسعين وألف # في رابع شهر محرم وصلت أخبار مكة مع أول الحاج، فقالوا فيها: إن الحج كان ~~صالحا إلا أن الأسعار مرتفعة، بلغت الكيلة إلى أربعة وعشرين بقشة مصرية، ~~وهي في زمان الخير ما تزيد على ثلاثة كبار أو أربعة كبار، وأن صرف القرش ~~بمكة بثلاثة أحرف ونصف مصرية، زاد الصرف فيها، لكثرة القصر فيها وإن كان ~~صرف القرش بدراهم مصر الأصلية أقل من ذلك، قال الحجاج: وسبب الغلاء القحط ~~ببلاد الحجاز ومكة وغلاء العلف. # قالوا: وخرج أمير الحاج المصري والعراقي والشامي على العادة، وكان أمير ~~المصري الباشا صالح، وخيله قدر سبعمائة من غير العسكر. # قال: وكان بين سعيد بن ms369 بركات صاحب الولاية بمكة وبين الشريف أحمد بن غالب ~~مراكزة، وأنه مال إلى أحمد بن غالب جماعة من الأشراف، وأنه مريد للمنازعة ~~في المملكة لمكة، وأنه والأشراف الذين مالوا معه كتبوا إلى السلطان بأنه ~~الذي يصلح للولاية، والشريف سعيد بن بركات قد كان أعطاه ومن معه ربع متحصل ~~البلاد تسكينا لهم، فسكنوا. # وفي هذه الأيام صالت قبائل مشارق الجوف على معين أطرف بلد في الجوف ~~الأسفل، فانتهبوا منه بعض شيء واستعان[90/ب] الشريف الشيخ الجوفي بقبائل ~~سفيان عليهم، يحدوه، وأغاروا إلى تلك البلاد، واستنصفوا منهم، ثم أن الشيخ ~~الجوفي صال على صافية المهدي أحمد بن الحسن، فنزل عليه محسن بن المهدي من ~~الغراس بمن عنده من العسكر فقبض عليه وأطلعه إلى الغراس تحت الترسيم. PageV01P763 # وفي نصف شهر محرم وصل الخبر بأن صاحب المنصورة جهز ولده عبد الله، إلى زبيد ~~وأنه دخلها، فلم يقابله أحد من الرتبة الذين فيها بقتال صوبا ومعقولا، بل ~~خرج بعضهم قبيل الدخول وبعضهم بقي هنالك، واستولى على زبيد، وكتب إلى ~~المؤيد ووالده أن البلاد إلينا بالوضع منكم والإشهاد ولا خلاف بيننا، وعند ~~ذلك أرسل المؤيد من ضوران إبراهيم بن المهدي إلى تلك الجهة، فسار إلى هنالك ~~واستقر في بيت الفقيه ابن عجيل، وقيل: في غيره. PageV01P764 # وفي هذه السنة كان خرج في الموسم الماضي خواجا من الهند يقال له: الشيخ ~~محمد بن أحمد الأشتر، وطلع إلى ضوران حضرة المؤيد بعد بيع ما معه من البز ~~بالمخا وما معه من الدراهم من أعواضها ومن الذهب غيرها، واشترى من الخيل ما ~~طابقه، ولكنه لم يثمن كغيره ممن مضى، بل زيادة قليلة على ثمن اليمن بنحو ~~الربع، وعرض عليه من الكتب بعض شيء، اشترى ما طابقه مثل: نجم الدين الرضي ~~، وتفسير الشيرازي ، والكشاف من صنعاء وغيرها من اليمن الأسفل، [91/أ]وقال: ~~إن سكونه في بندر سرات، وأن سلطان الهند أو قنقريب باقي على السلطنة، وإنما ~~خالف عليه بعض ولده، واستعان بالرازبوت والأمر مستقر لولده. وكان هذا الشيخ ~~الأشتر رافضي العقيدة إمامي إثني ms370 عشري، وقال: إن أصله من الجزيرة بالعراق، ~~وأنه من ولد الأشتر الذي كان من أنصار علي، وإنما هو برأسه في سرات والهند ~~للبيع والشراء. ولما وافقني ذكرت له الإشكال على الإمامية في رجوعهم في ~~تقرير بعض المسائل إلى الاجتهاد، مع أن أصولهم تقضي بأن أحكامهم لا تؤخذ ~~إلا من المعصوم عندهم كصاحب التحرير في فقههم، ذكر ذلك في مسائل وغيرهم ~~منهم، وقال: إن من علمائهم من يكون يلقى إلى قلبه الحكم في المسألة ولكن ~~هذا الجنس قليل أعز من الكبريت الأحمر، وتعجب أيها المنصف من هذا! فإن هذا ~~الذي زعمه إن كان من الإلهام فلا يختص به الإمامية على بدعتهم بل غيرهم أحق ~~بالإلهام منهم، وإن كان من الاجتهاد فهو ثابت عند غيرهم لا عندهم. # [91/ب] وفي هذه الأيام تجدد التغير في أطراف بلاد الحجرية على محمد بن ~~أحمد بن الحسن صاحب المنصورة، وتغلبوا على بلادهم، فجهز إليهم ولده إسماعيل ~~بجماعة من العسكر على جهة المغزى لهم، واستقر بحيس. # وفي سلخ ربيع الآخر منها مات حسين بن أحمد بن الحسن بمدينة تعز. PageV01P765 # كان باقيا فيها من حال عوده من المشرق وبعد اجتماعه هو وصنوه محمد كما سبق ~~ذكره، وتعاقد هو وإياه على اجتماع الكلمة فيما بينهم وحفظ بلادهم. # وكان قد لهم نية في المفاتحة للتغلب على بلاد علي بن المتوكل على ما روي ~~وإثارة الفتنة، فلله الأمر، والله ألطف بعباده، فإنها لو ثارت فتنة فيما ~~بينهم كانت مفسدة عظيمة، ودالة على المسلمين وخيمة، والله يصلح العباد ~~والبلاد. # وكان ابن المتوكل شحن حصن جبل حب وشد بعض أهله إليه للتحفظ، فلما حدث هذا ~~طفت تلك الأمور، وكان قبر الحسين بن المهدي جنب الإمام إبراهيم بن تاج ~~الدين ، الذي خارج تعز بالأجناد. # وفي خامس ربيع الثاني كان وقت تحويل سنة العام بدخول الشمس أول درجة برج ~~الحمل والزهرة، والشمس وعطارد والمريخ في برج الحمل، بعد أن وقع قران ~~المريخ والزهرة في آخر الشهر الماضي في برج الحمل، لكن القران قبل دخول ~~الشمس ms371 برج الحمل، وزحل في آخر برج الأسد، والمشتري في السنبلة، والقمر في ~~الثور، والذنب في الجدي، والله أعلم. # [92/أ] وفي آخر ربيع الثاني وصل جماعة من مشائخ يافع من أقارب ابن العفيف ~~إلى حضرة محمد بن المهدي صاحب منصورة الدملوة، وكان وصولهم تعزية في صنوه حسين. # وفي هذه الأيام التقى صاحب المنصورة وصاحب جبلة علي بن المتوكل إلى حدود ~~بلاد الدمنة بعد أن أرسل إليه بتعزية في صنوه من الغنم وغير ذلك، وتلاقوا ~~هنالك، وطابت نفوسهما، واعتذر كل منهما فيما قد جرى بينهما من الحرب السابق ~~الذي اتفق في تعز، بحيث قال علي بن المتوكل لمحمد: تعز لك، فلم يقبله منه ~~وعاد كل إلى مستقره. # وأهل يافع ساقوا بعض الزكاة من الحب إلى قعطبة، وتغلبوا على بلادهم ~~وقالوا: لا نريد واليا من غيرنا. PageV01P766 # وفي النصف الأول من جمادى الأولى وصلت أخبار من الجهات السلطانية العثمانية ~~الشامية المكية والرومية، فأخبروا أنه حصل بمكة قتال، وراح من الأشراف ~~جماعة ومن غيرهم، وأن العساكر السلطانية كانت قصدت بلاد الفرنج، فلما ~~شارفوا على بعض بلاد الفرنج حازوهم وخاطبوا في الصلح والدخول في الذمة وبذل ~~المال والجزية، فهم في ذلك حتى وقع اختلاف بين الباشتين، فأحدهم قال: ما ~~سلموه من المال وما قبض عليه من ديارهم يكون للسلطان؛ لأن القاعدة ذلك مع ~~السلطان أنما سلم بغير سيف فهو لبيت المال، وما دخل بالسيف فهو للجند، فقال ~~الباشا الآخر: ليس ذلك المال إلا للجند[92/ب] فأدى الاختلاف والنزاع إلى ~~القتال بينهم. فلما رأتهم الفرنج كذلك صالوا عليهم، فقتلوا منهم كثيرا ~~وهزموهم، وقيل إنهم فعلوا سراديب في البلد وملؤوها من البارود وخرجوا عنها، ~~فدخلها عساكر السلطان، ثم اشعلوها فيهم، فهلك عالم من المسلمين، فأعاد ~~السلطان العساكر إلى جهتهم ولعله قد ظفر بهم؛ لأن هذا الواقع كان آخر العام ~~الماضي، والاستنهاض والرجوع عليهم في شهر الحجة من سنة أربع وتسعين وألف ، ~~والله أعلم. # والفتنة بالهند مستمرة ما بين الرازبوت ومعهم ولد سلطان الهند؛ لأنه ~~المخالف على أبيه، والمعين على ms372 الإسلام، ومستعين بالرازبوت من طوائف فرق ~~النصارى؛ لأنهم أخواله، وصار مذهب هذا الولد ابن السلطان إلى مذهب الرافضة، ~~وخرج عن مذهب أهل السنة وعن مذهب والده، فصارت فتنة عظيمة في الهند. # وفي شهر جمادى الأولى صعق السيد العارف محمد بن حسن الشرفي وهو في بيته ~~بشهارة من بلاد الأهنوم منتظرا لصلاة المغرب، فمات من الصاعقة في الحال. ~~وكان له ولاية وعمالة من حي المتوكل، واستمر عليها في نصف بلاد عذر. # وهربت الرهائن من مشائخ بلاد قيفة من حبس رداع على حسين بن حسن متوليهم ~~إلى بلادهم. PageV01P767 # [93/أ] وفي شهر جمادى الأخرى طلع علي بن المتوكل إلى عند صنوه المؤيد بالله ~~إلى ضوران، وبقي أكثر أصحابه في اليمن الأسفل، وتقاصرت عليهم السبارات ~~والأعداد بسبب رفع الضربة التي كانت لعلي، فسار البعض إلى صاحب المنصورة ~~وفتح لهم العدد والسبار، وعند ذلك أرسل الذانبي من مقادمته إلى بلاد أبين ~~لإخراج أصحاب ابن العفيف منه، فأخرجوهم بعد أن وقع حرب فيما بينهم. وأولاد ~~أحمد بن الحسن المهدي زلجهم أخوهم من عنده إلى حضرة المؤيد، ولم يجعل لهم ~~شيئا من البلاد التي تحت يده بعد أن طالبوه، بل قال: الأمر إلى المؤيد، حتى ~~زلجهم ثم حفظ البلاد. وأما محسن بن المهدي فإنه وصل من الغراس إلى ضوران ~~وقررت له الولاية في البلاد التي كانت لحسين بن المهدي، وهي بلاد بني ~~الحارث وما إليها من بلاد همدان واليمانية ووصابين، ثم عاد إلى الغراس ~~وذمرمر، ثم إن علي بن المتوكل سار من ضوران إلى جهة بلاد يريم فسكنها. # وفي شهر رجب كتب مسمار أن زوجته التي كانت ببلاد يافع تزوجها ابن العفيف ~~وهي زوجته فتحمل المؤيد، وقال: هذا منكر يجب النهي عنه وكتب في الحال إلى ~~الأمراء وبني عمه بأنه يجب الارتحال إلى يافع لإزالة هذا، فبلغ يافع، ~~فصاحوا في أسواقهم أن الرصاص واليافعي يد واحدة على الزيدي. وكان يافع قد ~~اكتسبوا في هذه السنة من البنادق زيادة إلى ما معهم كثيرا، حتى من مدينة ~~صنعاء وغيرها ms373 ما زالوا يشترونها[93/ب] ويتعاقدون أنهم يحفظون بلادهم. وعمل ~~المؤيد هذا عجيب فإنه لا هو الذي تغافل عنها إلى طرف، ولا هو الذي قصدها ~~وأجد في الإقدام والبذل للخزائن وتحريض الرجال، وعرف الطرق التي يصلح منها ~~المداخل مثل الطرق الغربية ليافع لتكون المواد أقرب إليهم كطريق جبن وجحاف ~~وأبين ولحج. PageV01P768 # وفي يوم الخميس رابع وعشرين شهر رجب خرج من ضوران إلى معبر وهو متردد يقدم ~~رجلا إلى الجهات المشرقية ويؤخر أخرى، وبنو عمه في طرفي نقيض، والناس أقرب ~~إلى الملل من دخول المشرق. أما العسكري فلعدم الوفاء، وما قد وقع معهم، ~~وأما المغور فالغالب عليه الاعتذار لبعد المسافة، وما يحتاج إليه من الزاد ~~والراحلة. وكان قد كتب اليافعي إلى المؤيد كتابا فيه المعاهدة، وذكر له في ~~جوابه عليه ما بلغه من الزواجة بزوجة مسمار فيقال: إنه إنما كان بعد طلاق ~~مسمار، مع أن الشافعي مذهبه الفسخ للنكاح، إذا لم تحصل النفقة للزوج ~~بالغيبة بمسافة القصر لكنه للمغيبة، ومسمار غير.... فلا فسخ على مقتضى ~~الشافعي الذي هو مذهب اليافعي، ولكنه ادعى الطلاق من زوجها الأول، والله أعلم. PageV01P769 # [94/أ] وفي هذه المدة بالشهر الماضي مات السيد العارف حسين بن صلاح بداره ~~بشهارة، وقبر فيها. وكان هو الحاكم بالشريعة والقاضي بها من مدة الإمام ~~المؤيد بالله محمد بن القاسم إلى هذا التأريخ، وكان لا بأس به في القضاء ~~والحكم على بصيرة. مما اتفق له أن رجلا كان يدعي آخر عليه دينا في ذمته ~~فينكره ولا يعترف له بشيء، والقاضي يأمر المدعي بإحضار البينة فلا يجدها، ~~وقال للقاضي إن هذا الدين لازم للمذكور، وكان إذا طالبه وحده اعترف به ولا ~~ينكره، وإذا طالبه عند الناس أنكره وما عرف بعلاجه، فاحتال السيد وأمر ~~عدلين من المعتبرين عنده، وقال له: أدخلهما بيتك، واجعلهما في كمة دارك، ~~وأدخل الخصم وجابره واصنع له من الطعام ما تراه، ثم طالبه بالدين في المكان ~~الذي يسمع منه العدلين ليأتوا لي بالحقيقة، ففعل ما أمره السيد وطالبه، ~~فاعترف بذلك، وقال له: دينك ms374 المطلوب عندي وقدره كذا وكذا ولا مخالفة، فقال ~~له: اجعل لي وضعا في الدين فقال: أما هذا فلا[94/ب] والشاهدان يسمعان ذلك ~~كله، ثم أخرجه من داره وخرج الشهود الذين خبأهم للسماع وطالبه عند القاضي، ~~فأنكر وحلفه أيضا، ثم جاء المدعي بذينك الشاهدين، فشهدا بالدين وما سمعاه ~~من الاعتراف والإقرار على الصفة المذكورة، فحكم القاضي عليه بذلك وأمره ~~بالتسليم والحبس حتى يوفي. فهذا من عجائب القضايا. وللسيد المذكور تفسير ~~على القرآن جمع فيه تفاسير بعض الأئمة، فنقل من تفسير الهادي والإمام أبي ~~الفتح الديلمي والحسين بن القاسم في جزئين. # وجاء جواب ابن العفيف صاحب يافع إلى المؤيد يذكر من جهة زوجة مسمار: بأنه ~~صدر إليكم كتاب مسمار بطلاقها يطلعون عليه، ليعلموا أن النكاح إنما كان بعد ~~ذلك، فأطلعه المؤيد على جماعة ممن يعرف خطه فقالوا: نعم هذا خطه وبعضهم ~~توقف فيه، والله أعلم. PageV01P770 # وفي هذه السنة بأولها مات الشيخ العارف محمد بن سليمان المغربي المالكي ~~بمكة المشرفة[95/أ]، وكان له بعض النظر في مكة لمن بالحرم الشريف بأمر ~~السلطان، فنظمها زيادة على ما كان أولا فيها بأن صار إلى كل شيء إلى محله، ~~وكان مدرسا بها في كل فن، يغلب عليه المعرفة في علم المعقول. وكان قد جمع ~~من الكتب ما يعسر حصره ويكثر وصفه من الكتب المجلوبة إلى مكة ومن غيرها من ~~كتب مصر والقاهرة، وله من الصر زائد على غيره من علمائها وقطانها. # قال الراوي: وكان عارفا بعلم الحرف وعلم الفلك، وهو من بلاد فاس بالغرب ~~الجوان ارتحل إلى باب السلطان، يريد الحج إلى بيت الله الحرام، فأمره ~~السلطان بالبقاء في مكة، وكان ذلك هو إرادته ومقصده. # وفي ضحى يوم الأحد رابع وعشرين شهر شعبان منها مات القاضي العارف العلامة ~~محمد بن علي قيس في قرية القابل وادي ضهر، كان ذلك بعد خروجه من صنعاء ~~للخريف، فمرض هنالك سبعة أيام بالحمى وقضى الله عليه وقبر هنالك. وكان ~~المذكور له معرفة بفقه الهدوية مدرسا وحاكما، وله بعض مشاركة في الأصول، ~~وكان ms375 حسن الظن بالصحابة رضي الله عنهم وبغيرهم من علماء الإسلام، لا يقول ~~بشيء[95/ب] من التكفير بالإلزام في مسائل الكلام، ويرى أن الخلاف لفظي بين ~~المعتزلة والأشاعرة، وجمع في ذلك كتابا نقل فيه أقوال الإمام يحيى بن حمزة ~~وغيره، واستنسخ كتاب (العواصم والقواصم) للسيد البحر محمد بن إبراهيم ~~الوزير رحمه الله في الذب عن سنة أبي القاسم، وقال: ما ذكره السيد محمد بن ~~إبراهيم هو الحق الذي يجب على كل منصف اتباعه. # وفي شهر شعبان حصل مطر فيه برد عظيم على معبر بقاع جهران وقبة المؤيد، ~~كان كل بردة كالبيضة بحيث أن منها ما خزق الخيام، ووقعت واحدة في حصان حتى ~~سقط، فالقدرة لله. PageV01P771 # ووصل إلى حضرة علي بن المتوكل الشيخ ابن شعفل وهو بيريم يومئذ، فأمره بأن ~~يصل إلى حضرة صنوه المؤيد، فوصل إلى معبر، فخلع عليه المؤيد الكسوات وغيرها ~~من الجوخ والدراهم. وأما الرصاص فوصل إلى حسين بن حسن مكاتبات وإلى المؤيد ~~وهدية لا غير، واستقر بأطراف بلاده بالزهراء. # والمؤيد أعد لدخول المشرق بعد الصراب، وتكون الطرق: من أبين ولحج محمد بن ~~أحمد صاحب المنصورة، ومن قعطبة علي بن المتوكل، ومن جبن ومن الزهراء، هذا ~~ما تكاتبوا به وتواعدوا، والله أعلم، وكل ذلك كما قال تعالى: {ولو تواعدتم ~~لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان مفعولا} . # وفي نصف رمضان وصل إلى المؤيد جواب من ابن العفيف اليافعي في الكتاب ~~الآخر الذي كتبه إليه، وفيه التوعد بالدخول، وفيه أن مسمار أنكر الطلاق ~~وحلف عليه، وذكر[96/أ] القصد إلى بلاده، فأجاب أما ما نقمتم من النكاح ~~لزوجة مسمار فذلك حلال بعدما رفع إليكم من كتبه بالطلاق ونحوه، وأما قصدكم ~~فالأمر فيه كما قال تعالى: {إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ~~ذا الذي ينصركم من بعده} . # فإن تكن الهزيمة فيكم كانت إلى ضوران، وإن تكن فيه كانت إلى حضرموت، فعند ~~ذلك أمر المؤيد بالتبريز للوطاق من معبر إلى جهة ذمار، وعند ذلك جاء خبر أن ~~الرجبي الذي كان قام ms376 بالحجرية عاد إلى الدعاء إلى نفسه، وكان عند صاحب ~~المنصورة جماعة من مشائخ الحجرية فأمر بهم الحبس بحصن الدملوة الذي فوق ~~المنصورة، وقال: إما أتيتم بالرجبي، وإلا كان ما تكرهون، فإن اتفق خلاف ~~الجهتين فيبعد دخول يافع، ولا سيما وكل من الأمراء له رأي مستقل به، ما ~~هناك كل الانخراط في جمع الكلمة معهم. PageV01P772 # والأسعار يومئذ ارتفعت في بلاد صنعاء وما اتصل بها إلى اليمن الأسفل، بلغ ~~بصنعاء القدح الحنطة إلى خمسة حروف ونصف، والذرة أربعة ونصف والشعير إلى ~~ثلاثة ونصف، وكذلك في بلاد تعز، بحيث زاد السعر فيه بلغ القدح إلى ستة ~~حروف، وعم الغلا في جميع المشارق، وذلك لقلة مطر الخريف، فلله الأمر، ~~والمغارب وتهامة سعرها أمثل، الذرة إلى حرف في تهامة، والجبال في المغرب ~~إلى ستين بقشة. # وفي هذه الأيام لما تحرك الرجبي في الحجرية أمر صاحب المنصورة المشائخ ~~الذي عنده برهائن، بإرساله والوصول إلى حضرته[96/ب] وتوعدهم إن لم يأتوا به ~~جهز عليه إلى بلده فحصل بين العسكر وبين تلك الجهة قتال، راح فيه نحو أربعة ~~ومن العسكر واحد، وهرب الرجبي، فأخربوا بيته. # قال بعضهم: وربما أن بين أهل الحجرية وبين اليافعي مواطأة على ذلك، وما ~~وقع سابقا لأجل لا يتم دخول يافع لكنه صار يقع البلاء بأهل الحجرية لتوسط ~~بلادهم في اليمن الأسفل وعسرة يافع بسبب جبلهم. ومع هذا الأمر لا يكاد يتم ~~دخول يافع كما لم يتم أولا، فإن أحمد بن المؤيد والغواير الذي كان بعثهم ~~المؤيد إلى يافع ووافق اختلال الحجرية في خلاله انصرفوا إلى الحجرية، ولولا ~~هم لما كان حصل التنفيس على صاحب المنصورة، فإنه قد كان في أضيق من حلقة ~~الفاس محاصرا. ووقع انتهاب يومئذ في لحج للسوق. # وفي شهر رمضان خرج السيد أحمد بن حسين الأخفش من كوكبان، بعد أن كان حبسه ~~الأمير عبد القادر في بيت والده، ففلت إلى نواحي برط، فلم يقبله أحد منهم، ~~فدخل نواحي بلاد خولان وأطراف بلاد صعدة كما هو عادة سادة اليمن بالدعاوى ~~العريضة الطويلة، ms377 فلا قوة إلا بالله. وتضرر منه علي بن أحمد صاحب صعدة، ~~وأرسل إليه ببغلة، ويسعى في استمالته إلى حضرته. PageV01P773 # ولما تحقق المؤيد هذه الأحوال، وما قد أعده أهل يافع من التحريز لجبالهم، ~~والبناء للمتارس في المداخل والطرق وكثرة ما[97/أ] أعدوه من البنادق، وما ~~رآه من أحوال الناس تقاصرت همته وفترت عزيمته، وقال: يؤخر هذا الأمر إلى ~~بعد عود الحجاج في السنة القابلة، والله أعلم. # ولعله بلغه خبر من جهة بلاد السلطنة......... ولعله كان سبب وصول ما كان ~~ظهر به الخبر العام الأول من يافع بالكتب والأخبار بما جرى من القتال ~~والإدبار، وأنهم يستمدون الغارة قد ذكروا له... وابتعث إلى اليمن من يعينه، ~~وهم ما جانبهم باليمن الأسفل للمعونة. وأن دولة اليمن قد صارت متفرقة، ~~وأحوالهم غير منتظمة،. ولكل شيء سبب، وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه. وما ~~ذاك منهم إلا خشية من النهضة عليهم كما قد وقع منهم، وإلا فليس يافع يؤذون ~~الدولة من حيث كانت، ولذلك جرى منهم من الحروب بينهم وبين سنان باشا ما وقع ~~وغيره من بني طاهر ممن مضى. # [97/ب]ثم إن المؤيد رجع إلى تزليج صنوه زيد، ولا يسير بأحد من أهله، ومنع ~~صنوه القاسم، فقيل: إنه للحج، وقيل: إنه لأجل رفع الأوهام. # ووقع في بلاد صبيا حرب ما بين الأشراف وبين آل حبيب، فقتل الأشراف شيخ ~~بني حبيب وانتصروا عليهم، والله أعلم. # ووقع قبل ذلك أيضا حرب فيما بين بلاد خيوان والعصيمات، فراح من الجانبين ~~سبعة، وأعان خيوان بالغارة سفيان، فكل رد من نفسه لما أقبلت عليهم ~~العصيمات، فانتفع أهل خيوان بمعاضدة سفيان؛ لأن خيوان قليل والعصيمات كثير، ~~وكان المقتول من العصيمات ثلاثة ومن خيوان وسفيان أربعة. # وفي ذي القعدة اتفق قران زحل والمريخ في برج السنبلة، وكذا الزهرة والقمر ~~في برج السنبلة جميعا، وأرسل المؤيد إلى طرف بلاد أبي عريش الفقيه علي بن ~~محمد بن علي جميل في جماعة عسكر. PageV01P774 # وبلغ صرف القرش هذه الأيام إلى عشرة حروف، فكان بسببه النفس للرعايا في ~~اليمن ms378 الأسفل في المأخوذ من المال عليهم؛ لأن العمل في ذلك على القرش، ~~وكانت دفعة العدين للأثمار الأخرى............. من الضربة المتقدمة، وصرف ~~القرش بحرفين، والآن صار صرف القرش فوق العشرة، فكان في الحقيقة المأخوذ ~~عليهم هو ذاك الأول وأقل؛ لأن جميع الأسعار على القرش، فجاء لهم في اللطف ~~لطف رحماني من حيث لا يشعر به. # [98/أ] وفي شهر القعدة حصل بين خولان صنعاء خراب بيت رجل منهم واختلاف ~~واشتجار، فبلغ المؤيد ذلك وأرسل عليهم أحمد بن محمد بن جميل الحبوري ~~بجماعة، فوصلوا إليهم، فقالوا لهم: الواقع بينهم قد حصل فيه سدوا أنتم، ~~ارجعوا إلى المؤيد وأخبروه أن قد حصل السداد وزاد الكلام بينهم واستحمق ~~أحمد بن محمد جميل عليهم، ثم افترقوا بالمراجيم أولا، ثم غيرها، وأرسل ~~المؤيد عند ذلك جماعة عسكر، وكتب إلى محسن بن أحمد بن الحسن صاحب الغراس ~~أنه يلقى من تلك الجهة بمن معه، وكان تسكينهم أصلح. # وبلغ أن الذين ساروا للحج بطريق تهامة تحيروا فيها ولم ينفذوا إلى هنالك ~~، فلما وصلوا ضبطوا المشائخ الفاعلين سبعة أنفار من المثيرين للفتنة، ~~وساقوهم إلى حضرة المؤيد، وكان سبب الواقع بينهم كما وصف المحقق من بلادهم ~~أن رجلا ساق امرأة منهم، فقصدوه فهرب، فأخربوا بيته ونهبوا ما فيه واستجار ~~بقبيلة أخرى يقال لها بني شداد ، والرجل الذي خرب بيته من بني جبر، وقالوا: ~~إن ذلك حكم القبيلة في بلادهم لمن فعل ذلك وحكموا على الفاعل أن يسلم دية ~~المرأة وهي حية، صفة حكم طاغوت، هذا خبرهم. PageV01P775 # [98/ب] وفي هذه الأيام بآخر شهر القعدة لما تصرف المؤيد وصنوه علي في مطالب ~~جبل صبر باليمن الأسفل، وكان قد جعل دفعته زيادة لصاحب صعدة علي بن أحمد ~~تغير من ذلك وانحرف مزاجه، وطلب أصحابه وبعض مشائخ بلاده، وكتب رسالة يلفق ~~فيها اعتراضات، كل ذلك لبيت القصيد من الدفعة تعود له. وأخبرهم أنه يريد ~~الحركة والخلاف، فأجاب عليه بعض مشائخ البلاد أن هذا الأمر إن كنت تبغي به ~~الغضب لله وكان هناك ما يوجب فهم ms379 معه، وإن كان لأجل دنيا يريدها فهم أبرياء ~~من المعونة له، فكان الجواب هذا موافق قاطع له من رجل عامي، فقطعه ولم يجد ~~حجة له. # وفي هذه الأيام ليلة عيد عرفة وصل إلى المؤيد وهو بمعبر جهران رأسان من ~~الخيل أو ثلاثة وبعض دراهم، نحو ثلاثة آلاف من شيخ يافع ابن العفيف، وقال: ~~ذلك عن الفطرة في بلاده. والمؤيد لما بلغه خبر صاحب صعدة بعث إليه بالدواء ~~لجراحته وعلته، وما يزيل مرض قلبه من التأليف بالمال، وقال: عن دفعة جبل صبر. # وفي خامس عشر من شهر الحجة وصلت كتب من جدة إلى الدولة يذكرون فيها ثبوت ~~خروج عساكر السلطنة إلى مكة، وتجديد ولاية مكة لأحمد بن زيد بن محسن بعد ~~صنوه[99/أ]، وولاية جدة لأحمد باشا. PageV01P776 ### | ودخلت سنة ست وتسعين وألف # استهلت بالجمعة بالرؤية والحساب اتفقا جميعا. # وفي رابع شهر محرم وصلت كتب الحاج يذكرون تصحيح الخبر الذي سبق من خروج ~~الشريف أحمد بن زيد بن محسن متوليا لمكة من باب السلطان ومعه جنود كثيرة ~~وأمراء وأعيان، وكان الخارج في الحملة سبعة صناجق، وقيل: ستة، وفي بعض تلك ~~الصناجق أعلام الريشة، وكان سعيد بن بركات لما بلغه خروج أحمد بن زيد هرب ~~عن مكة، ولم يوافق أحمد بن زيد خشية لا يكون عليه من السلطان أمر فيه ما ~~يقتضي المعرة، ونقول: سبقت مما جرى بمكة من ركة الأمر والتسهيل فيها عليه، ~~خصوصا لما قد سبق بينه وبين أحمد بن غالب من المنافسة العام الماضي، وعدم ~~اليد الوثيقة في الولاية، فلما أقبل أحمد بن زيد إلى مكة ووصل إلى تلك ~~الجهة دخل في زفة عظيمة، وجنود واسعة، والصناجق منصوبة، والنوب تضرب خلفها ~~محفوفة، والخيل الواسعة، وهو في آخر الجند عليه المظلة، فأول أمر جرى منه ~~الشنق للحرامية الذي نقل إليه أهل العهد بمكة أنهم أفسدوا، فشنق منهم ~~ثمانية في المسعى والمعلاة، وأبرز بعد ذلك على صاحب جدة لما وصل إليه مرسوم ~~الولاية وزيادة بندر جدة وتوجيه مطالبها إليه. وكان مع الأشراف الأولين ms380 نصف ~~محصولها، فجعل السلطان إليه جميع مرفوعها، وأظهر اليد المعونة، وقام بالأمر ~~فيها على الحالة الملوكية، بعد أن كان ركب أمور سياستها، واستراح بذلك ~~تجارها وأهل الأسباب فيها، حتى فرشوا بالبضائع في بطون الأسواق. وأحمد بن ~~غالب كان لأحمد بن زيد معاضدا، ورضي به بعد ما جرى[99/ب] بينه وبين سعيد بن ~~بركات العام الأول ما جرى. ولما استقر بمكة المذكور، وهابه أهل تلك الجهات ~~والثغور وجلبوا إلى مكة المحصول أرسل إلى بلاد بيشة متوليا وإلى بلاد عتود ~~قريب صبيا كذلك نائبا على ما كان عليه أبوه سابقا وكانت هذه البلاد قد ذهبت ~~عن ولاية صاحب مكة وزالت، فأرجعها على حالها، وقواها بالعسكر وولاها. PageV01P777 # وكانت أسعار مكة هذه السنة حية، والخصب فيها وجميع بلاد الحجاز، الكيلة ~~المكية سعرها إلى عشرة كبار مصرية، وصرف القرش بثلاثة أحرف من الضربة ~~المصرية. # وكان قد أرسل المؤيد بن المتوكل إلى صبيا رسولا من أجل ما جرى بين ~~أشرافها من الاختلاف على الأمر فيها، وأمر بإصلاح الطريق والآبار وكان قد ~~انتصب فيها الأمير طالب، ودفع عنها القبائل من بني حبيب صولاتهم وتعديهم ~~حتى قتل بعض مشائخهم، وصبيا أمرها مستقل لهم ولا يمر فيها إلا السكة ~~السلطانية والدراهم المصرية. # ولما تم الحج المبارك بمكة وقرت ولاية أحمد بن زيد، وكان خروج الحاج ~~اليماني عنها ثامن عشر شهر ذي الحجة الحرام ورجوعهم إلى بلادهم، وأخبروا أن ~~حال خروجهم. وأكثر الجنود الخارجة مع أحمد بن زيد باقية فيها، لم يرجع إلا ~~المحامل والحجاج وأمراؤها. # وفي هذا الشهر تفلس رجل بانيان من الكفرة المجوس، يقال له: ميداس، وكان ~~قد أمال إليه كثير من الناس بوضع الأمانات عنده والمعاملات، ولا أمانة ~~لكافر قال الله تعال: {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا} فأظهره، فبقوا في حيرة ~~عظيمة، وحال[100/أ] جسيمة من جهة فوات أموالهم. يقال: أن جملة ما كان عنده ~~ما يقارب أربعين ألفا فأكثر، مفرقة لتجار وغيرهم، ومثل هذا المال لا يسعه ~~بطنه، فقدر ما كان يرسل به إلى الهند مع أصحابه شيئا ms381 فشيئا في المواسم، ~~وكان قد تفلس قبله العام الأول بانيان ففلت من صنعاء إلى بندر اللحية ولبس ~~لبس اليهود، وركب بحرا. ولم يعتبر الآخرون به في أمانة الكفار الملاعين. ~~وأما هذا الآخر فبقى عند المؤيد مستجيرا وزاعما أنه يسوق ما عليه بقدر حاله ~~مما بقي تحت يده، فأجاره المؤيد على ذلك وأمر غرماه بالكف عنه، وتفريق ما ~~يكسبه على الغرماء في كل عام مما لا يفيدهم ولا ينفعهم، ولكنه بما كسبت ~~أيديهم. # وفي ليلة النصف من شهر محرم وقع خسوف قمري في أول برج السرطان، قيل: كان ~~في الساعة السابعة. PageV01P778 # وفي هذه الأيام خرج محسن بن أحمد بن الحسن من وطنه الغراس وذي مرمر إلى ~~اليمانية، فاستقر بسوقها سوق الجمعة، وسبب ذلك أنه بلغه أن صنوه إبراهيم ~~أخذ ولاية من صنوه محمد صاحب المنصورة عليها، فسبقه بالعزم للمحافظة إليها، ~~لئلا يسبقه بالمسير والسكون فيها. # وفي هذا شهر محرم هذا استولى صاحب المنصورة على جبل القماطرة بالحجرية ~~بعد طول محاصرة، ولما استولى على ذلك الجبل أمر أولاده بالتقدم بمن معهم من ~~عساكره لإصلاح طريق عدن ولحج وأبين، والخلاف الذي جرى من قبائل ابن شعفل، ~~فساروا إلي تلك الجهة، وحصل بينهم ما حصل، ثم انهزم ابن شعفل إلى معاقله، ~~ثم غزا سوق بقار وانتهبه. وكان ابن شعفل الأول الذي وصل إلى المؤيد العام ~~الأول قد مات وتعقبه هذا الآخر منهم من بني شعفل. # [100/ب] وفي آخر هذا الشهر وصل كتاب من حسين بن حسن بن القاسم إلى المؤيد ~~محمد بن المتوكل إسماعيل بن القاسم، يتضمن العتاب له في ترك الحركة على ~~يافع ، وأنه لا ينبغي التغافل عنه بعد ما قد جرى منهم، وأنه إن لم يتحرك ~~كاتب إلى صاحب المنصورة ابن أخيه، وأنهما يكونا يدا واحدة على القصد إلى ~~تلك الجهة، فتغير بتغافل المؤيد عنه، وواعده مواعيد الاختلاف التي يقول ~~الله فيها: {ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرا كان ~~مفعولا} . PageV01P779 # وكل ذلك من المؤيد لما لم يجد كمال العدة، ms382 ورأى الناس أقرب إلى الملل وعدم ~~اجتماع الكلمة، وكون اليافعي لا يمكن إن فرض فتح بلاده إرجاع الولاية إلى ~~حسين بن الحسن إلا بمشقة وكثرة اختلاف منهم وخلاف وانتقاض مما لا يظهر فيه ~~كل الفائدة. واليافعي قد صار يظهر الانتماء إلى المؤيد ويتبرأ من حسين بن ~~حسن، فلما أيس حسين بن حسن عن أخيه المؤيد له كاتب إلى ابن أخيه، فأجابه ~~بمثل ذلك، وقال يصلح ما طلبه وهو بعد إصلاح بلاد ابن شعفل يكون طريقه من ~~هنالك. فلما بلغ المؤيد قام وقعد، ولم يعجبه ذلك الذي جرى بين الحسين بن ~~الحسن وابن أخيه من هذا العمل والوعد، وأرسل السيد يحيى العباسي في شأن ~~ذلك، فسار إلى حسين بن حسن يستدعيه للوصول، فاعتذر عن الوصول، ثم عاد السيد ~~إليه للتحريض على الوصول لمفاوضته، فوصل إليه. # وفي خلال هذا جاء إلى المؤيد رسالة من صاحب صعدة يلوم عليه في ترك ما كان ~~يعتاده من دفعة جبل صبر الذي كان شرطه له في البيعة، وأنه جعله لصنوه علي ~~بن المتوكل، وهذا يؤدي إلى النقض واستدرج مطاعن يطعن بها عليه، ويلوم في ~~اختلاف الأقوال والمواضيع لديه، وأن هذا ليس من دأب أهل الوفاء بما عاهدوا ~~ولا ما وضعوا وكتبوا وقالوا، فعند ذلك أرسل له المؤيد بمقدار دفعة جبل صبر ~~من حضرته[101/أ] لمداواة جرحه، وإلا فإن مع علي بلادا واسعة وأقطارا من جهة ~~الشام كافية، ولكن الدنيا غرارة، ولا يزال طالبها لا يقنع بقليلها ولا ~~كثيرها، بحيث أنه كان أهم وتحدث في بلاد الشام إن لم يعد له ما قد وضعه ~~خالف عليه، واستقل في بلاد الشام بالأمر من دون انتماء إليه، ولله در ~~الشاعر حيث يقول: # ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة .... بين الرجال وإن كانوا ذوي رحم # وقد قال تعالى: {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا ~~أرحامكم} . PageV01P780 # وأما التخلف في القواعد والمواضيع فهو لا شك لا يصلح لأهل الدين، بل ولا ~~لأهل الأمر في اعتبار سياسة الملك والمسلمين؛ لأن كثرة التخلفات ms383 وقطع ~~العوائد والمألوفات والموضوعات تنفر الخواطر، وتكسر نفوس أهل المناصب ~~والعساكر، فما الملك إلا بالكرم والجود، وتمام العطاء والنقود. # وفي شهر صفر نزل علي بن المتوكل من إب وجبلة إلى مدينة تعز، باليمن ~~الأسفل. # وكتب المؤيد إلى مشائخ بلاد آنس أنهم لا يسلمون شيئا من زكاة البن إلى ~~صنوه حسين بن المتوكل، وإنها تكون إليه، فنزل حسين بن المتوكل من ذمار إلى ~~وادي النائجة حتى بلغ إلى مدينة العبيد، وأرسل عليهم عساكره وقبضها منهم ~~على التمام والكمال. ولم يعرج على أمر صنوه لهم ولا له، وتغلب على بلاده، ~~وقال: هي بلاده من والده، وليست من صنوه. ومحمد هذا المؤيد حاله ~~عجيب[101/ب] في تسلطه على التنقيص، وعدم الوفا وعدم الجري على قواعد من مضى ~~كائنا من كان من الناس، مع الإمكان لا يرده إلا من خاف جانبه ومنع على ما ~~تحت يده، مع أنه لم يفده القبض؛ لأنه صار ما عنده يذهب بعضه مع المتصرفين، ~~ويلعب به أهل المخازين، أولا ما كان جمعه والده المتوكل بضوران وصنعاء ~~وشهارة والسودة، فإنه تصرف في بعضه، وراح بعضه بالسرقات وغيرها في أيدي ~~المتصرفين، وما زال ذلك كذلك، فلا قوة إلا بالله، وفي الحديث كما في ~~الصحيحين عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا توكي فيوكى عليك)). # ولم يكن فيه من المحاسن إلا خصلة واحدة وهي التخفيف عن بعض الرعايا في ~~المطالب، والعدل فيهم في المأخوذ، فإنه قد حط عن من أمكن الحط عنه ما حط، ~~والله يصلح الإسلام والمسلمين. PageV01P781 # وفي هذه الأيام أحدث أهل الأهجر سوقا لهم في بلادهم بسبب ما جرى مع بعض ~~قبائلهم في شبام من بعض أصحاب عبد القادر بن الناصر بن عبد الرب من ~~المضاربة والتعدي وبعض الجناية. ولم ينصف السيد عبد القادر فيما جرى، وقام ~~مع أصحابه بعد مطالبتهم للشريعة أو المناظرة، والسيد المذكور قد عرف حاله ~~في الأوامر والنواهي، فإنه يقوم مع أصحابه، ولا ينصف في الغالب من ليس إلى ~~جنابه، ويختلف في خطوطه ومواضيعه وأوامره في ms384 الحال مثل ذلك الشأن، ولكن هو ~~دأب هذا الزمان، فإن أكثر الولاة فيه على هذا المنوال. # وفي شهر ربيع الأول استأصل صاحب المنصورة ابن شعفل وكسره إلى جبل ~~حرير[102/أ] وقتل من أصحابه كثير، وانتهب عليهم سلاحهم، وانحاز إلى جبل ~~يافع، فتغير المؤيد من هذا الفعل، وقال: هو ابن شعفل في صلحه الذي عقده له، ~~وأن هذا كله مخالف لأمره. وحسين بن حسن زاد أرسل له المؤيد السيد يحيى ~~العباسي مرة أخرى، بعد أن كان أرسل له أولا، وقال: مراده منه المفاوضة، ~~فوصل إليه آخر شهر ربيع الأول، فكان عند وصول المذكور التشديد على المؤيد، ~~والعتاب الطويل العريض في البردة والتأخير عن التحرك للمشرق، وأن السكوت عن ~~ذلك فيه خلل علىالدين، والمؤيد عند ذلك كتب إلى الرؤساء من أقاربه ~~للمفاوضة، وأنهم يصلون بمن حضر عندهم في هذه الساعة. # وفي هذه المدة جهز صاحب المنصورة أولاده إلى بلاد ابن شعفل. # ووصل هذه المدة جاسوس رومي من حضرة باشا مصر إلى اليمن، ودخل صنعاء، وكان ~~يصلي في جامعها النوافل، ولم يلبث أن عاد بلاده أخبر بذلك درويش وصل إلى ~~صنعاء بعد عزمه. PageV01P782 # وفي هذه الأيام وصل كتاب من أحمد بن زيد إلى صاحب اللحية حسن بن المتوكل ~~على جهة الاعتراض عليه في سيرته، وأنه زاد على التجار زيادات ما كان لينبغي ~~لمثله. ومن جملة ذلك ما صار يأخذه على موقع الملح من الدراهم وهو مباح، ولا ~~ينبغي الأخذ عليه، ومن هذا وما شاكله. نعم لما كان آخر شهر ربيع الأول ترجح ~~لمحمد بن أحمد بن الحسن [أن] أرسل ولده الحسن وعبد الله إلى بلاد ابن شعفل، ~~وقصده إلى معاقله واعتل عليه بما صار يحصل في الطريق التي في بلاده وكثرة ~~التعويق، وما جرى منه من انتهاب سوق بقار والقتل في سوقه[102/ب] وعدم كمال ~~سلوك طريقه. وهو اعتل بقطع جامكيته المعتادة من عدن، فالتقاهم بالمنابذة ~~والحرب، فوقع الحرب، ثم انهزم إلى نواحي جبل يافع، وانتهبت العسكر ما ظفروا ~~به من المواشي والسلاح. فلما وصل ms385 يافع وطلب من يافع الغارات ~~والإمداد،فأجابته يافع بالغوائر وأرسلوا ابن هرهرة في أصحابه والشيخ الجلاد ~~من جانبه، وبادوا أولاد محمد بالحرب، والرمي بالبنادق والطعن والضرب. فقتل ~~من أصحاب حسن ومن يافع، وأحاطوا به من كل جانب في محل يقال له:(محرقة ~~الراحة)، وعبد الله أحاطوا به في جبل حرير طرف بلاد ابن شعفل ومعقله، فأما ~~عبد الله هذا الذي في جبل حرير فإنه متحصن، كان القتل بالبنادق منهم. وأما ~~حسن ففي محل غير منيع، فحال أن وصلت والدهم الأجناد جهز إليهم الغارات، ~~وكذلك أغار عبد الله بن يحيى بن محمد بن الحسن من العدين، وكذلك علي بن ~~المتوكل والمؤيد أرسل غارة من عنده غرة ربيع الثاني حال وصول الخبر بجماعة ~~من رتبة الجبل وغيرهم من العسكر مع صنوه حسين والأمير فرحان. وحسين بن حسن ~~كان حال هذا الواقع في معبر قد وصل في الخوض في أعمال المشرق، وكان المؤيد ~~قد أرسل له من قبل لما كثر عليه الكتب ليفاوضه، وكان يود الترك إن أمكن مع ~~التردد في أمرهم ومع النظر في تلاؤم الجمع للكلام في شأنهم بينه وبين صاحب ~~المنصورة، وأنه لا يكون عمل الحركة PageV01P783 إلا بعد اجتماع الرأي والكلمة. فهم في ذلك إذ جاءه خبر هذا الحادث والغوائر ~~من يافع ومحاربتهم[103/أ] لأصحاب محمد بن أحمد، والتضييق عليهم وتواطؤ ~~الكلام من غير عزيمة على توجه الحركة إلى المشرق، فحسين بن حسن ذكر أن ~~طريقه تكون الزهراء، وهو منه عين الخطأ. # وفي هذه الأيام بخامس عشر شهر ربيع الثاني كان تحويل سنة العالم بدخول ~~الشمس أول درجة الحمل، ولم يكن فيه شيء من القرانات بل كانت الكواكب متفرقة ~~في البروج، فزحل في برج السنبلة، والمشتري في الميزان، والمريخ في العقرب، ~~والطالع الدلو. # ولما اضطر صاحب المنصورة إلى المعونة على قتال اليافعي لما حاصر ولده عبد ~~الله في جبل حرير بعد أن كان أولا لا يوده، ولذلك لم يعين في الجاري بيافع ~~من الحادث الأول. والمؤيد لما وقع هذا الواقع وكثرت كتب صاحب ms386 المنصورة ~~باستمداد الغارات، فأمر من وصل عنده إلىمعبر النفوذ إلى ذمار حتى ينظر فيما ~~يصلح. ووصلت الأخبار بأنه لما كثر أهل يافع على جبل حرير، ووقع ما وقع من ~~القتل من الجانبين، وكان القتل في يافع أكثر لأجل البنادق من الجبل ~~والبيوت، وكان القتل فيهم مثل القتل الذي وقع منهم في الحرب السابق جاءت ~~رمية من غير رام، وإلا فإن صاحب المنصورة غير قاصد بذلك الانتقام بالثأر، ~~ثم قل عليهم الماء وتضرروا، فصالح عبد الله ومن معه بالخروج من الجبل، ~~واختلفت الأخبار في جملة القتلى من يافع، فقيل: ثلاثمائة، وقيل أكثر، وقيل: ~~أقل، وقيل: سبعمائة؛ لأنهم كانوا يحملون مع كثرتهم، فتدفع الرصاص فيهم، فقد ~~تأخذ الرصاصة الواحد والإثنين، ومن أصحاب عبد الله الفقيه حسن بن عامر ~~الهبل بمن معه نحو ستين نفرا. PageV01P784 # ولما بلغ ابن شعفل التحرك إلى بلاده كاتب إلى علي بن المتوكل: إنا في عهدكم ~~وصلحكم، وهذا الحادث الذي جرى نقض للعهد لا يجوز لكم، وكذلك كتب اليافعي ~~بمثل ذلك وكان قد هرب إلى قعطبة وتركوها، فأقره حسين من قصد القبائل ~~لنهبها، ثم إنه كان أرسل إليها القبائل تلك جماعة من أصحابهم، فقصدهم عبد ~~الله بن محمد بن أحمد بن الحسن بعد خروجه من جبل حرير، وقتل منهم جماعة ~~وهرب الباقون عنها[103/ب]. ثم إن علي بن المتوكل طلع من اليمن الأسفل إلى ~~عند صنوه المؤيد ليحقق له عمل المشرق، وأنهم في صلحه وعهده، وطلع صحبته ~~الشيخ المفلحي من مشائخ بلاد المشرق، وصحبتهم بعض شيء من الدراهم من واجبات ~~بلادهم، وأولاد صاحب المنصورة تميلوا إلى نواحي بلاد الدمنة، ثم قرت الأمور ~~وسكنت. وجاءت كتب يافع أنهم على ما قد بينهم وبين علي بن المتوكل، وإنما ~~وقع منهم ما وقع لأجل الدفع عن............ ، وصار باطن المؤيد ترك ذلك من ~~أصله مع قل الخزائن معه بسبب تفرق أكثر البلاد ونهضة المشرق. # وحصل بنقيل عجيب مطر عجيب، نزل من البرد كل بردة مثل بيضة النعام، ~~فالقدرة لله تعالى، في مطر الظافر الآخر، ms387 أول فصل الصيف. # ووصل كتاب من أحمد بن زيد إلى صاحب اللحية يذكر فيه أنكم لا تأخذوا العشر ~~على التجار الذين يصلون من عندنا؛ لأن العشر صرنا نقبضه بجدة منهم، وأما ~~تجاركم فخذوه ولا نأخذه نحن في بندر جدة؛ لأن العشر الواحد كافي مع قرب ~~المسافة، كما روي. فلما وقع من العزل للشريف طالب صاحب صبيا من قبل حسن بن ~~المتوكل سار إلى أحمد بن زيد وأخذ ولاية منه؛ لأن صبيا قاعدة ولايتها من ~~قديم الزمان وأشرافها في كل دولة، مع أنها الحد فيما بين بلاد صاحب مكة ~~والسلطان ابن عثمان وبين ولاية صاحب اليمن، فقررها المؤيد بعد أن كتب إليه ~~الشريف طالب بذلك، فقال: لا بأس به. PageV01P785 # ولما سأل كاتب الأحرف بعض من له بعض علقة بالمؤيد عن بذل نصيحة بما توجه من ~~أجل عمل المشرق كتبت بما حاصله: أن الأولى ترك يافع والإعراض عنه، لأن ~~أعماله تحتاج إلى مصابرة، وخزائن قارونية وعساكر خاقانية ، ثم لو فرض القصد ~~لهم ودخوله، فلا مصلحة فيه تعود نفعها عليكم ولا على المسلمين، ولا تقوم ~~بجوامك من يسكنه من العسكر محافظا؛ لأنه يحتاج إلى قوة[104/أ] عسكر، وإلا ~~خالفوا عليهم وأهلكوهم أو أخرجوهم بأمانهم، كما فعلوه مع السيد شرف الدين ~~ابن مطهر، مع أنه لا يكاد يتم دخوله لو فرض حصوله إلا من الطرق الغربية مثل ~~طريق جحاف وجبن وقعطبة ولحج وأبين؛ لأجل قرب المواد من اليمن ومقابلة قبيلة ~~واحدة من قبل وجوههم. وأما الطريق الشرقية التي جاؤوها من أول وهي طريق ~~الزهراء فإنها بعيدة، وبين قبائل مخالفة، فمن الغرب يافع، والقبلة قيفة، ~~ومن العدن الهيثمي، ومن الشرق الرصاص، فأدنى كسيرة من يافع وحازوهم من ~~قدامهم وخلفهم وأيمانهم وشمائلهم، وقد صاروا هذا الزمان أهل بنادق كثيرة ~~وهم معروفون بعدم الرغبة إلى الانقياد للدولة كائنة من كانت، ولذلك حاربوا ~~طاهرهم عامر بن عبد الوهاب وعمه الملك المجاهد قبله، وما دخله إلا بعد ~~حروب شديدة طر[يق] جحاف. وقد استعد لحربهم قدر عشرين ألفا، وبقي عليهم ~~بجحاف ms388 مدة يحاربهم، وكان قد خربوا عليه قصره بجبن وانتهبوه. وكذلك سنان ~~باشا لما قصد إلى يافع وحط عليه قدر ثلاث سنين ونصف، وخرج عليهم بثلاثة ~~مدافع وحط عليهم بمكان يقال له الظهيرة. وكان ذلك الوقت ما قد ملكوا ~~البنادق وإنما حروبهم بالعيدان، وما استفتحه سنان إلا على مشقة وبذل أموال ~~عدة. وكان قد عمر قلعة يراخ وجعل فيها[104/ب] رتبة لأجل الطريق بالمواد ~~والقوافل إلى المحطة، ثم كان منهم بعد ذلك الخلاف المشهور، وقتلوا الأمير ~~أحمد متوليهم في الحلقة، وحفظوا بلادهم، وبعد ذلك تركهم سنان ومن بعده من ~~الباشات بالمرة، حتى أن سنان باشا PageV01P786 أمر بخراب ما عمره بقلعة يراخ للرتبة. وقال: لا يبقى بيننا وبين يافع اتصال ~~البتة، لعدم المصلحة من بلادهم ولا عائدة، واستمر ذلك الترك لهم إلى مدة ~~الحسن والحسين والمؤيد بالله، تركوها كما تركها السلطنة. وقد خالفوا على ~~المتوكل مرتين، وحصل فيها من الفتن وإنفاق الأموال ما لا يخفى، وكان ~~المتوكل خزائنه متوفرة، وأولاد إخوته كانوا على قلب واحد ورأي متحد، فكيف ~~يتفق دخولها هذه المدة إلا بقوة عظيمة وخزائن وجنود واسعة، وهذا شيء بعيد ~~مع العلم بعدم المصلحة. # وفي هذه الأيام توفي مسمار الذي كان واليا مع حسين بن حسن لبلاد يافع تلك ~~الأيام. # وفي هذه الأيام خرج من البز نحو ثلاثين مركبا أو فوق، ومن جملتها مراكب ~~السلطان صاحب الهند، فتهون البز عما كان، وكان العام الأول مرتفع. وخرجت ~~هدية للمؤيد من الهند ومن جملتها فيل. وكان قبل خروج هذه المراكب الهندية ~~خرج من عمان براش يتسرقون كما هو عادتهم من قديم الزمان، فلم يظفروا بشيء، ~~حتى جاء وقد تغير الريح عليهم في البحر الشرقي فانصرفوا صرفهم الله، وخرجت ~~مراكب الهند في أمان الله للابتغاء من فضل الله. # وفي نصف شهر جمادى الأخرى وصل كتب من الشريف أحمد بن زيد صاحب مكة إلى ~~المؤيد بن المتوكل يذكر فيها كما روي من أجل توليته للشريف طالب لمدينة ~~صبيا وما إليها، وأنه لما وجه لعزله عنها فقرره ms389 المؤيد على ما قال. # وفي هذه الأيام اشتد الغلاء ببلاد الحجرية، بلغ القدح إلى سبعة حروف، ~~وكذلك في بلاد يافع والرصاص وقيفة. وكتب المؤيد إلى ابن عفيف بأنه يصل إلى ~~حضرته، وزلج صنوه علي وقرر رأيه في تسكين المشرق، فأجاب ابن عفيف بأن ~~الوصول يشق به ويتعذر عليه لكثرة من يتبعه من أصحابه، وأن الطريق يصلح ~~شأنها، وابن شعفل قد دخل في تقريرها وتأمينها، ولا يحصل فيها تعد من قبلهم فيها . PageV01P787 # [105/أ] وفي نصف شهر جمادى الأخرى وصل من الشريف أحمد بن زيد صاحب مكة كتب ~~إلى المؤيد قيل أن مضمونها أن بيت الشرف بيننا وبينكم واحد، وأن السلطان ~~وجد علينا أنا نذكركم في الخطبة وأمر أن تكون له وانا كنا نرى لكم ذلك،وقد ~~سبق كتاب إلى صنوكم الحسن صاحب اللحية،فلم يظهر بمسرته، وأنه بلغنا أن ~~التجهيز إلى دياركم،فاشتغل بذلك المؤيد وتغير منه. # وولد مولود في بلاد الرحبة عجيب الخلقة لبقرة نصفه الأعلى صورة آدمي ~~ورأسه وصدره ونصفه الأسفل صورة البقر، فالقدرة لله تعالى، ولم يلبث أن مات، ~~وقيل إنه نطق جوابا على المرأة التي رأته لما قالت أعوذ بالله من الشيطان، ~~فقال مجيبا عليها: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. # وفي هذه الأيام خرجت المراكب الهندية[105/ب] بالبضاعة من البز ونحوه قدر ~~خمسة عشر مركبا من جملتها المركب الكبير الذي لسلطان الهند، وهو لم يخرج ~~العام الماضي . # وفي هذا الشهر خرج من الهند شريف له معرفة بعلوم العربية، وكان قد سكن ~~بمكة في المدة الأولى، وإنما أرسله سعيد بن بركات بهدية إلى سلطان الهند، ~~فبلغ إلى سرات، وجاءت الأخبار بعزل الشريف سعيد وتولية أحمد بن زيد، فعاد ~~من سرات. PageV01P788 # قال الراوي: وكان المذكور له ترجيحات خرج بها عن أصل مذهب الحنفية، منها ~~الجمع بين الصلاتين، وصنف في ذلك كتابا وذكر ما جاء من الأحاديث في جواز ~~الجمع للصلاة من غير عذر. وهو كما قال، فإن الأدلة قاضية بالجواز، وقد رجحه ~~كثير من الشافعية وغيرهم، كما حققه السيوطي في الديباج شرح صحيح ms390 مسلم . ~~ولكنه روى عن هذا الشريف المذكور مسألة ضعيفة، وهو أنه يعتقد أن لا كفر ~~يوجد في الأمم، وهذا خطأ عظيم ورد للكتب المنزلة على جميع الأنبياء. فقلت ~~للراوي هذا: وما شبهته في هذه المقالة الشنيعة؟ فقال: لعله يتابع ابن عربي ~~، فقلت له: حاشا ابن عربي عن هذه المقالة؛ لأنه وإن قال بوحدة الوجود، وأنه ~~لا معبود إلا الله تعالى، وأن عبادة الكافر للصنم منصرفة إلى الله تعالى، ~~فمراده أنه لا واحد موجود في الحقيقة إلا الله تعالى، فالعبادة التي وجهها ~~الكافر إلى الصنم منصرفة في الحقيقة إلى الله تعالى؛ لأنه لا موجود حقيقة ~~إلا الله تعالى وكل ما سواه فاني، والرسوم ممحوة من باب محو الرسوم ~~والفناء، فالكافر كافر[106/أ] بعبادته للصنم وإشراكه واعتقاده أن شيئا غير ~~الله يعبد، فهو ضال في الشريعة والحقيقة، أما الشريعة فظاهر، وأما الحقيقة ~~فلكونه اعتقد أن شيئا سوى الله تعالى يعبد، ولا معبود إلا الله تعالى وما ~~أظن هذا يصح عن الشريف أصلا، فلعله إنما يقول بمقالة ابن عربي فقط، وإنما ~~حصل التركيب من الرواة لعدم معرفة الحقيقة ما هي عند الصوفية، فتوهم من ~~قوله بمحو الرسوم ووحدة الوجود والفناء، وأنه لا موجود ولا معبود إلا الله، ~~وأن العبادة وإن توجهت إلى الصنم للكافر فليست في الحقيقة إليه مع كفر ~~الكافر باعتقاده بعبادة الصنم، فظن الذي لم يعرف قواعدهم أنه يصوب عبادة ~~الأصنام، كما توهم كثير في ابن عربي بمثل ذلك، والله أعلم. PageV01P789 # وفي ليلة ثالث شهر رجب الفرد من هذه السنة اتفق حريق سمسرة بصنعاء في طرف ~~سوق الإسكافيين لرجل يقال له الخولاني، كان من أصحاب أحمد بن الحسن، بسبب ~~بارود وضعه فيها يهود من المتسببين الذين يصلون به. فاتصل بالبارود منهم ~~نار أول الليل، فاحتمل الربع العدني من السمسرة، وسقط الجانب العدني من ~~السمسرة على الحوانيت التي من خارج، هلك في الحوانيت جماعة كانوا في ~~السمسرة، وكذلك اليهود أهل البارود أجمع وهم ستة، فجملة الذي هلك أحد عشر ~~نفرا. وهرب الباقون من ms391 الجانب القبلي الذي سلم عن الخراب، والبارود ما ~~ينبغي وضعه في أسفال البيوت وفي السماسر، وإنما يوضع في الأماكن[106/ب] ~~المنفصلة البعيدة عن الساكن. # وفي ليلة خامس عشر من شهر رجب قيل وقع خسوف القمر في برج القوس، وقد كان ~~حكم المنجمون بذلك قبل حصوله، وأنها تطلع خاسفة ولم ير الخسوف لاتفاق سحاب ~~متراكمة كان ذلك الوقت، إلا أنه أخبر برؤيته من جهات أخر. # وفي شهر شعبان مات القاضي علي بن عبد الهادي الحسوسة الثلائي في بلده ~~بثلاء، وكان قد انتصب حاكما بعد موت صنوه. وتبعه موت القاضي محمد النهمي ~~بصنعاء كان قد نصبه المتوكل قاضيا في البيضاء من بلاد الرصاص، فلما مات ~~المتوكل خرج عن البيضاء مسارعا، قال: لأن قبائل الرصاص لا ينخرطون إلا ~~بدولة قاهرة، فلما مات المتوكل مع ما كان يكابد المشاق معهم خرج عنها إلى ~~محل سكونه بصنعاء. PageV01P790 # وفي هذا الشهر ارتفع السعر بصنعاء بلغ القدح البر سبعة حروف، والذرة ~~والشعير خمسة وذلك بأول فصل الخريف، ثم حصل المطر بأول الخريف في أكثر ~~البلاد، لكنه انقطع المطر في وسط الخريف، فحصل النقص، والسعر ما نزل؛ لأنه ~~كان ظهر من الدود الذي يسمى الجرمي، ومنهم من يسميه القاشر الدودة المصوفة، ~~فأكل الذرات في أكثر بلاد اليمن، فنقصت خصوصا الصفر منها. ثم لما ارتفع آخر ~~الشهر رجع نقصها، واستمر هذا الغلا بالسعر في هذه المدة بصنعاء، وسائر ~~البلاد أهون، ففي المغارب السعر على النصف من هنا، وكذلك باليمن الأسفل، ~~وإنما الغلا بصنعاء لقل الواصل إليها مما كان يعتاد من اليمن الأسفل[107/أ] ~~من الحبوب، لضعف اليمن الأسفل بالنظر إلى ما كان، ولاستغراق ما جلب هنا، ثم ~~لمن هنالك من الدولة. وعلى الجملة إن الأسعار ما زالت مرتفعة من سنة ست ~~وسبعين وألف إلى هذه المدة، حول إحدى وعشرين سنة، ما يعلم أن اتفق مثله. # وفي هذه الأيام بشهر شعبان وصل زيد بن المتوكل إلى صنعاء، فحبس خلق الله ~~كثيرا من الناس ممن نقل إليه بحق أو باطل مما نهي عن ms392 التجسس له، وأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالستر عنه من غير مراعاة مناظره، فأملى حبس قصر صنعاء وغيره. # وفي هذا الشهر بلغ أنه حصل في بيت الشيخ ابن العفيف اليافعي صاعقة أخربت ~~جانبا منه، وأشاع الناس بأن ابن العفيف من جملة من هلك منها، ولم يصح وإنما ~~حصل ذلك. PageV01P791 # وفي ثالث شهر رمضان آخر نهار السبت توفي علي بن المتوكل بداره بمحروس مدينة ~~إب باليمن الأسفل، عقب نزوله من يريم بلا فصل، فإنه خرج من يريم يوم السبت ~~سادس وعشرين شهر شعبان، وكان قد أحس بنواخز معه فلما وصل إلى إب دخل الحمام ~~ثم بقي نحو يوم أو يومين وأتبعه الفصادة ، ثم تبعه الحمام ، وقبر بحوطة ~~الكاظمي بإب، رحمه الله تعالى. وقال راو آخر ممن يختص به أنه كان يعهده غم ~~وهو بيريم، ثم يزول عنه ذلك، فلما كان يوم السبت عهده ذلك وقت الظهر في ~~ثالث رمضان، فمات آخر ذلك النهار منه، فكان من يوم نزوله من يريم من السبت ~~إلى السبت. وكان دخوله إلى إب في أبهة ملوكية مع خيل كثيرة نحو أربعمائة ~~عنان، والنوبة تضرب والصناجق تخفق، فالقدرة لله العظيم. وكان الرجل فيه ~~الكرم الذي تميز به عن إخوته، ولكن كان جار اليد على رعيته، ولم يترك شيئا ~~من مطالبه[107/ب] فإن صنوه المؤيد كان أمره بذلك، فاعتذر لشدة الحاجة للجند ~~معه، فالله يغفر له فهو الغفور الرحيم بعباده من المسلمين. ومثله في جرة ~~اليد صاحب المنصورة، لكن أهل الحجرية ليسوا كاليمن الأوسط، فإنهم يمنعون عن ~~أنفسهم بعض المطالب، لا سيما جبل القماطرة . ولا يدخل العسكر بيوتهم أصلا ~~بل يجعلون له منزلا منفردا أو في المساجد، بخلاف اليمن الأوسط، ولا يسلمون ~~إلا ما فرض عليهم، وما انطلبوا فيه من سبارهم. # وقد كان علي بن المتوكل بنى بفتح الضريبة في إب، واستأذن صنوه، وقال إنه ~~صار يحتاج لمن عنده، وكان الصرف يومئذ قد نقص عما كان، بلغ القرش إلى سبعة ~~أحرف بعد أن كان في عشرة حروف، ولو ms393 تمت الضريبة رجع الصرف على حالته الأولة وأكثر. PageV01P792 # وفي هذه الأيام رجح لسيد يقال له السيد علي بن حسين الشامي وهو ساكن ببلاد ~~خولان صنعاء الدعاء لقبائل خولان إلى نفسه، وقال لهم: إن أحوال المؤيد ~~تغيرت، فلم يجبه أحد منهم، فسكن. وهذا من عجائب اليمن لا يزال دأبه هكذا ~~فيهم، مع أن المذكور ليس له إلا الفرائض ومشاركة في الفقه، وفي مذهبه أن ~~الإمامة تحتاج فيها إلى العلم الواسع . # [108/أ] ولما انقضى أمر وفاة علي بن المتوكل باليمن الأسفل كتب جماعات من ~~الذين كانوا ملازمين معه من رؤسائهم إلى أخيه المؤيد بأن الولاية تكون ~~لولده حسين بن علي بن المتوكل ، وأنه يكون بذلك حفظ الجند والاستمرار، ~~فتغافل المؤيد عن الجواب، حتى ينظر في الصواب ولم يجزم بوضع الولاية، بل ~~أبقاه على تلك الحالة. ووصل في خلاله شكاة من اليمن الأسفل يذكرون ما قد ~~كان نالهم من تلك المطالب الكثيرة والمظالم الواسعة من الأيام السابقة. ~~وكانوا قد شكوها إلى والده المتوكل، فلم يتقدر فيها ارتفاع، على ما هي من ~~الاتساع، فأمر المؤيد برفعها وإزالتها، وأنه لا يريدها ولا يأمر بها. وأرسل ~~الفقيه أحمد بن عبد الحق الحيمي لافتقاد تلك البلاد، ورفع حقائق المطالب ~~الزائدة في تلك الآفاق، فدعا له أهل اليمن، وعادوا ونفوسهم طيبة. وحسين بن ~~علي بقي في إب، وكان قد كتب إلى خاله محمد بن أحمد بن الحسن صاحب المنصورة ~~في شأن تلك البلاد، فأجابه بكتاب أنه يصلح للبقاء على ما هو عليه، وكتب ~~بكتاب إلى المؤيد بمثل ذلك، هذا والله أعلم. # وتوفي عقبه بلا فصل أحد أولاده المسمى محمد بن علي بن المتوكل بالروضة، ~~بألم الحلق، وكان قد بلغ في السن نحو عشرين سنة. # وفي بكرة يوم الأربعاء عشرين من شهر شوال توفي الولد شرف الدين الحسن بن ~~يحيى بن الحسين، ولد كاتب الأحرف بألم الحلق. PageV01P793 # كان مرضه رحمه الله من آخر نهار الجمعة خامس عشر الشهر، ومات بصنعاء، فكان ~~له موقع عظيم[108/ب] عند والده كاتب الأحرف للغفلة ms394 الطارئة التي حصلت في ~~هذه المدة، ثم شيعناه رحمه الله من الدار التي لنا قريب الأبهر إلى بير ~~العزب، غربي صنعاء، وقبرناه قريبا من بيتنا ومخرفنا -في مكان مناسب لمثله ~~ويقرب من التذكر لنا والتأسي به وللدعاء- بأطيان بير طاهر التي لنا. وكان ~~هذا المحل الذي قبر فيه رحمه الله كثيرا ما يتعود القعود فيه وحده، عند ~~ساقية الماء الجاري من البير لسقي الضيعة التي معنا والأعناب فيها. وكان ~~سنه يومئذ في عشرين سنة ونصف، ومولده سنة خمس وسبعين وألف ، وكان لا ~~يفارقنا رحمه الله في بقانا بصنعاء وفي الخريف في هذا المحل خارجها، إلا ~~هذه السنة، فإنه اختار واسترجح عدم الخروج لنزهة الخريف معنا، وكنا نحب ~~مطابقة غرضه ومسايرته، فسكن هنالك إلى آخر الخريف وكان موته رحمه الله. ~~وكان فيه صفات ما رأيتها في أحد من أمثاله وأبناء جنسه رحمه الله من ~~السكينة التي رزقها وكمال العقل والقناعة، بحيث لم يسألني في حاجة ولا ~~مطلبة، وإنما كنت أعرض عليه ذلك عرضا، فيأخذه مني. وكان لا يخطر بباله يسأل ~~الدولة ولا القصد إلى أبوابهم ولا الاتصال بهم بالجملة الكافية، فما وصل ~~إلى أحد منهم في جميع مدته ولا عرفهم ولا كاتبهم. وكان قد ولع ~~بالصلاة[109/أ] بجامع صنعاء محبة منه للجماعة والتلاوة، فكان لا يتركها ~~للمغرب والعشاء كل ليلة رحمه الله. وكان من جملة المثبطات له في السكون ~~بصنعاء هذا العام وعدم الخروج لنزهة الخريف هو ذلك، وربما زوجته أحبت سكونه ~~بصنعاء، فسكن معها. وكان رحمه الله يشتري من الكتب ويحب مطالعتها، خصوصا ما ~~فيه من القصص والأخبار والآداب، وكان قد قرأ على كاتب الأحرف في كافية ابن ~~الحاجب شرفا واحدا، وله الخط الحسن، واللفظ البليغ المحكم. وكان يظهر معه ~~رحمه الله البركة فيما تحت يده، بحيث ذكرت له PageV01P794 مرة أني عجبت فيما رأيته معك من الفراش والكتب ونحو ذلك، وما يشتريه من ~~الكسوة له وأهله، من أين هذا؟ فقال: الأمور متيسرة، فعلمت أن ذاك إنما هو ~~بركة القناعة، فإنها رأس الغنى، ms395 فرحمه الله رحمة واسعة، وتلقاه بالروح ~~والريحان، والرضى والغفران. ولقد كان رحمه الله في بعض السنين ونحن بالخريف ~~يدخل في رمضان إلى جامع صنعاء من بير العزب للصلاة، ويبقى في الجامع إلى ~~قريب الغروب يصلي فيه ويتلو القرآن هنالك ثم يخرج إلى عندنا هذا دأبه. ~~ووصلت أبيات في تأريخه رحمه الله من سنبل بن سرور رعاه الله برعايته، وعانه ~~وأحسن إليه في دنياه وآخرته، يقول فيها: # [109/ب]جرى حكم المنية في الزمان .... بأن المرء مخترم الأماني # الفارس الحسن بن يحيى .... يموت وما سوى الرحمن فاني # مضى لم يقض من دنياه سؤلا .... ونادى يا خليلي ودعاني # وأنموولى غير ملتفت إليها .... سريعا غير ثان للعنان # فإما رمت تعرف أين ولى .... فأرخه إلى ظل الجنان # سنة 1096 . # وقال السيد علي بن صلاح السراجي: # يا أيها المولى العماد ومن غدا .... بجميل أوصاف المكارم يحمد # وأجل من يغني الذرا بعلومه .... ويحل أمر المشكلات ويعقد # بك أسوة بمحمد ووصيه .... فالشكر أجمل والتصبر أحمد # ولأن مضى رزء حل قلوبنا .... لكن هو يا خير مولى يوجد # حسن العز ألما أتى تأريخه .... حسن بعز في الجنان مخلد # 1096 # وللقاضي زيد بن صالح العنسي قوله: # ما قضى حسن نجل الهدى وطرا .... عن الحياة وسبل الراشدين مضى # وحاز أجرا بحسن الصبر والده .... يحيى عماد الهدى والدين واتعضا # لأقره الله في عدن وأسكنه .... بالخلد كيما أتى التأريخ منه رضا # [110/أ] وللفقيه أحمد بن علي الشارح قوله: # وجزاه الإله جنان عدن .... في مقام نعيمه غير فان PageV01P795 وإذا رمت فيه تحقيق نظمي .... فاصغ سمعا لما يقول لسان # ألفا زد به وقل أرخوه .... حسن خالد بدار الجنان # 1096ه انتهت. # هذه الترثية للفقيه الأديب صلاح بن صالح الأحمر # ورأى له رحمه الله السيد الفاضل قاسم بن ناصر الغرباني رؤيا، هي من ~~المبشرات، بأنه اتفق به وسلم عليه وسأله عن حاله فقال له في نعيم وأمان ~~وخير جسيم، وأنه رآه على حاله التي يعرف، وأخبره ببعض صفات الجنة والحور ~~العين، ثم أنه حان وقت الصلاة، فقام السيد وقال ms396 له: قم نصلى، فقال له ~~الآخرة قد ارتفع فيها حكم الصلاة والتكليف، رحمه الله تعالى. # وفي هذه الأيام شهر القعدة الحرام جاء الخبر بأن صالح الرصاص واليافعي ~~التقوا للحرب فيما بينهم، فراح منهم مقتلة، وكان القتل من يافع الكثير ومن ~~أصحاب الرصاص اليسير. وأرسل اليافعي عند ذلك للرتبة الذين كانوا معه بجحاف ~~وأخلاه عن ما كان رامه من الاعتساف، وكتب إلى المؤيد بأنه داخل بالفطرة نحو ~~أربعة آلاف، وقال إنه لا يحصل منه تغيير على تلك الأطراف. # وفي شهر شوال هذا صالت قبائل دهمة من أطراف الجوف على بلدة معين، ~~فانتهبوه، واستلبوا الحلي من حريمها، وأعانهم بعض أشراف الجوف، بل قيل أنه ~~الذي استدعاهم إليها، فلا قوة إلا بالله. PageV01P796 # وفي هذه المدة بعد حصول الغلا في الأسعار لقل الأمطار وضعف الثمار ومما حصل ~~من أكل الجرمي من الدود للزرائع حصلت الركة في كثير من الناس، بحيث أنها ~~غلقت بعض حوانيت مدينة صنعاء، وضعف فيها البيع والشراء، وترك جماعة المساني ~~بشعوب لفترة العلف لقراشهم، وأكل الدودي لثمارهم، وصارت أصلابا أموالها، ~~وخلت بيوتها، وصلب بعض أعناب الجراف، ويبس [110/ب] الغيل فيه وعدم المساني، ~~وغور الآبار، ونزول الماء فيها، وعدم الاستقرار فيها على ما كان أولا. ~~وكذلك صلبت بعض الآبار التي داخل صنعاء كسمرة والعلمي وغيرها وبعض المقاشيم ~~، وبطلوا المسنا فيها، ويبس غيل وادي بقلان ببني مطر، ويبست فيه الأبنان. ~~وشعوب صلبت بعضها لعدم قدرتهم على علف قراشها، وأكل الدودي لزراعتهم فيها، ~~وعلى الجملة إنه لا يعلم أن قد اتفق مثل ذلك، فالحكمة لله سبحانه. # وفي ثامن هذا الشهر جاء خبر من اللحية بأن الجلاب الذي لحسن بن المتوكل ~~حيرت بجدة عن رجوعها إلى اللحية، فتحير بسبب ذلك المسافرون في اللحية من ~~التجار وبعض الحاج. PageV01P797 # وفيه أرجعت قبائل قيفة والرياشية القباض الذين أرسلهم حسين بن حسن للزكاة ~~من تلك البلاد، فوصل حسين بن حسن من ضوران وهو مستقر فيه هذا الأوان إلى ~~حضرة ابن عمه المؤيد وهو بمعبر جهران، وقال يرسل بعسكر لهذا ms397 الشأن ولا يترك ~~المشرق، فبقي المؤيد في الحيران، لما كثر الاختلاف عليه من الأقران. ووصلت ~~رسالة من قاسم صاحب شهارة يذكر له أنه بلغه رفع المطالب من اليمن الأسفل ~~بلاد حي صنوه علي بن المتوكل، وخصوصا دراهم دكة تعز؛ لأنها قد بلغت هذا ~~الزمان في الشهر ثلاثين ألفا بعد أن كانت..... ، وأنه يحتاج إلى ذلك للعسكر ~~وغيرهم. وقد مر عليه أبوه المتوكل فمن قبله، وكان يومئذ هذه المطالب باليمن ~~الأسفل دون ما كان آخر مدة المتوكل، فلو أنه خفف من المطالب الزوائد، وإلا ~~فإن الجور قد حصل عليهم، فالمؤيد مصيب في رفعها والعدل واجب[111/أ] فيها ~~بلا شك، والله يقول: {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم ~~والعدوان} . # والظلم ظلمات يوم القيامة، وعقباه الحسرة والندامة، فلا وجه لاعتراض صاحب ~~شهارة ولا صاحب المنصورة، ويجب عليهم العدل في الرعية، والسيرة المرضية، ~~واجتماعهم في الكلمة مع أن رفع المطالب الأخر في اليمن أقدم من دراهم دكة ~~تعز؛ لأنها تخص أهلها، ودراهم دكة تعز تعم؛ لأنها للطالع والنازل من التجار ~~من جبلها وسهلها، فرفع المطالب في اليمن على رعيته أقدم وأهم؛ لأنها كثرت ~~عليهم، فإنها نحو عشرين مطلبة، فالمؤيد رجح رفع الزوائد في المطالب في بلاد ~~دكة تعز من الشيخ راجح، وأبقى ما كان قبله. PageV01P798 # وفي هذه الأيام أمر صاحب المنصورة أنه لا يخرج أحد من الباب إلا بتذكرة إلى ~~البواب، فتضرر الناس بسبب ذلك. وسبب ذلك أن العسكر الذين يصلون إليه لا ~~يستقرون، بل يستعدون ويخرجون، فعمت القضية فتضرر الناس بسبب ذلك. العسكر ~~وغيرهم، وتقاللوا بحضرته؛ لأن ذلك جرى مجرى الحبس والترسيم عليهم، مع ركة ~~أحوالهم، وغلاء الأسعار، ومشقة السبار، فإن الغلاء هذه الأيام قد طال، ~~والأسعار باقية على الارتفاع. فإنه هذا الوقت كان وقت الصراب، ولم ينقص ~~السعر، بل القدح الصنعاني بثمانية حروف والشعير بأربعة ونصف، والذرة بخمسة، ~~وله في الارتفاع من شهر رجب، فظهر على كثير الركة. ورحل كثير من المشارق ~~وبلاد صنعاء لطلب[111/ب] المعاش، وظهر على الدولة الضعف والركة ms398 والحاجة ~~الماسة، خصوصا أولاد أحمد بن الحسن، وباعوا في الأسواق أثاثهم، وكذلك من ~~ينضاف إليهم ممن كان ملازما لهم. ورخصت الأسعار في المغارب وبلاد خبان ~~ويريم إلى ذمار؛ لأن الثمرة كانت فيها أحسن من غيرها، فبلغ القدح إلى حرفين ~~وستين بقشة، وأما صنعاء فلم ينزل سعرها بل على حاله، وسببه ضعف مخاليفها، ~~وصار يصل إليها الحب محمول، ويلحقه ملحوق الكرى من هذه البلاد مثل النصف، ~~فلذلك كان في صنعاء على الارتفاع، القدح البر بسبعة حروف، والشعير بأربعة، ~~والذرة كذلك. # وفي هذه الأيام بهذا الشهر ترجح للسيد محمد بن علي الغرباني الذي كان مدة ~~المتوكل ببلاد برط يدعي الإمامة، كما سبق، وكان هذه المدة بصنعاء أن دخل ~~بلاد يافع متنكرا في لباس أهل المشرق يسير معية مع بعض من سايره.، وكانت ~~طريقه مشرق رداع، حتى دخل إلى تلك الجهة، يريد إذا وافقته يافع على إجابة ~~دعوته ويحملهم على البغي على المسلمين مما يبوء بإثمه، فلا قوة إلا بالله. ~~ولما وصل يافع صار يحسن لهم ما فعلوه مع الدولة. PageV01P799 # وفي هذه المدة صالت قبائل دهمة على صوافي أحمد بن حسن التي حول بلاد معين ~~من الجوف، فأرسل ولده محسن من الغراس أحمد بن شمسان بجماعة وقد كان وقع ~~منهم ما وقع في أهل الجوف من الانتهاب، وقتلوا وكيف ولم يحترموا الأشراف. # [112/أ] وفي هذه المدة شهر جمادى الأولى سنة ست وتسعين وألف صالت الفرنج ~~الملاعين على أطراف بلاد الجريد، وذلك بسبب أن وزير السلطان لما حصل منه ~~التمثيل بالرسل الذين أرسلوهم إليه بأن قطع آنافهم وآذانهم ومشافرهم، وعلق ~~الكتب في أعناقهم، وأرجعهم إليهم على تلك الكيفية، وهم أربعة أنفار منهم. ~~فقاموا وقعدوا وكاتبوا جميع طوائف الفرنج النصارى والإنجريز، فاجتمع منهم ~~طوائف لا يحصيهم إلا الله، وقاتلوا الوزير للسلطان محمد بن إبراهيم بن ~~عثمان قدر خمسة عشر يوما. واستشهد من المسلمين كثير، وقتلوا الوزير ، ~~واستولوا عليهم الجميع، واستولوا على كثير من بلاد الجريد، ثم ارتحلوا إلى ~~طرابلس الغرب من بلاد السلطان، فأخذوها، وكذلك ms399 إشبيلية من بلاد الغرب ~~الجميع في جزيرة الأندلس، وفعلوا في الإسلام أفعالا قبيحة من الأسر ~~والنهب[112/ب] والتحريق. ولما بلغ السلطان هذا الخبر العظيم في الإسلام إلى ~~اصطنبول خرج بنفسه، وأخرج لوكأ من الخزانة نيوى، وخرج يصيح الجهاد الجهاد ~~في سبيل الله، وتوجه إلى تلك الجهات، وكتب بمثل ذلك الشريف سعد بن زيد إلى ~~أخيه أحمد بن زيد، وقال: إنه توجه مع السلطان محمد بن إبراهيم بن أحمد خان ~~للجهاد. # قال الراوي: وقد توجهوا إلى قصد بيت المقدس، وأنه لم يبق بينهم وبينه إلا ~~نحو نصف شهر أو أقل، ولذلك خرج السلطان بنفسه، وكانت هذه الأخبار الرافع ~~لها إلى اليمن وزير أحمد بن زيد عثمان بن علي بن حميدان وغيره من الواصلين ~~من مكة وجدة. PageV01P800 # ووصل كتاب من أحمد بن زيد إلى بعض أهل اليمن يذكر فيه أنه كان خروجه إلى ~~بلاد نجد وقصد فروح وبني حسين، وذكر الشريف أحمد بن زيد أن خروجه من مكة ~~كان سابع عشر شهر جمادى الأولى سنة سبع وتسعين وألف ، وكان رجوع الشريف من ~~الحجاز كانت حول المدينة، ثم رحل مكة مع الحجاج. # [113/أ] وفي نصف شهر الحجة قبض المؤيد بلاد تعز، من البلاد التي كانت مع ~~صنوه علي بن المتوكل، فتغير من ذلك حسين بن علي بن المتوكل إذ محصولها بلاد ~~والده. وأرسل رسولا إلى المؤيد من أجل ذلك، وكاتب إلى صاحب المنصورة وتقوى ~~بجانبه إن احتاج إليه في حفظ بلاد والده. وعند هذا سار[113/ب] صاحب عمران ~~حسين بن محمد بن أبي طالب إلى حصن مبين بحجة، فتعب من ذلك المؤيد كثيرا ~~وأرسل إليه أنه يعود إلى محله، فاعتذر بأن معه هناك حلة من مدة أحمد بن ~~حسن، وطلب منه المهلة وهو يعود، فاستمد من البلاد بعض شيء مما كان له منها، ~~معينا وزاد؛ لأن أحمد بن الحسن هو الذي كان ولى بلاد حجة والده محمد بن ~~أحمد؛ لأجل دخوله تحت طاعته، وجعل له من محصولها جانبا، واستثنى جانبا، ~~فاستمر على ذلك ولده بعده ms400 ، وكان هذا العزم طمعا في ثبوت اليد له عليها ~~أجمع. والمؤيد كان قد كتب أنه يقتصر على المعتاد له، ولا يسلم إليه أحد من ~~أهل البلاد. PageV01P801 ### | ودخلت سنة سبع وتسعين وألف # استهلت بالحساب بالثلاثاء وبالرؤية الأربعاء، وحصل في هذا اليوم مطر من ~~أوائل الربيع عم أكثر اليمن الأعلى والأسفل، وتهون السعر الثلث مما كان ~~أولا، لكن حصل من قبل الدراهم الانكسار في البيع والشراء؛ لأجل ترك ~~الضريبة، فنقص الصرف للقرش بدون وزنه بمثله من هذه الدراهم، مع كثرة النحاس ~~فيها، فإنه كان الصرف للقرش للتجار بعشرة حروف أولا وهذا الوقت بلغ إلى ستة ~~أحرف، مع أن الأسعار والأجر بعد ارتفاعها أولا لأجل فرق الدراهم ما نقصت ~~بنقص الصرف، لعدم جري الضربة على مقدار واحد، لا يختلف، فأوقع في هذا الخلل. # وأخبر الحاج أن السعر كان بمكة[114/أ] الكيلة بستة عشر بقشة مصري، ~~والزوارأخبروا أنه كان بالمدينة المنورة الكيلة بأربعة كبار، وأن تلك ~~البلاد والحجاج صالحة، وأن الغلا في اليمن. وأخبروا بقوة يد أحمد بن زيد ~~وكثرة الخيل والجند معه، يبلغ الخيل معه في هذه المدة بعد عود الزوار إلى ~~قريب ألفين فارسا، وأن يده امتدت على جميع بلاد نجد، إلى قريب نجران ~~والحرجة وإلى صبيا في تهامة. # والسيد صلاح أمير الحاج اليماني لما عاد من الحج إلى الغراس مات فيه، وقد ~~كان متأثرا من الطريق. وكان قد أهدى المؤيد إلى أحمد بن زيد هدية زيادة على ~~المعتاد من الدراهم التي عودها والده، فأهدى نحو ثلاث خيل من الجياد، ~~وثلاثة سيوف من السيوف الهندية العظيمة، واتفق اشتجار بين الحجاج حال ~~الدخول في بلاد الحرامية على الطريق بين تركي خواجا وبين عسكر السيد صلاح ~~من مرهبة، فقتلوه، فقبض السيد على القاتلين وسلمهم إلى السيد أحمد بن زيد ~~بن محسن، فحبسهم الشريف وقال: يكون النظر للشريعة في أمرهم. PageV01P802 # وفي آخر نهار الأربعاء سابع شهر محرم مات الأمير عبد القادر بن الناصر بن ~~عبد الرب بن علي بن شمس الدين بن الإمام شرف الدين بحصن ms401 كوكبان، وأنزلوه ~~إلى شبام، فقبروه جنب والده. وكان إليه جميع ولاية بلاد[114/ب] لاعة من ~~كوكبان إلى منابر تهامة والطور. # وفي ليلة نصف شهر محرم خسفت القمر في برج الجوزاء عقب نصف الليل، ابتدأها ~~بسواد ثم بحمرة وتجلت أول السحر. # وفي هذا الشهر مات الذانبي المتولي لبلاد لحج، فحصل طمع اليافعي في تلك ~~الجهة، فقدم تقدمة إلى نواحي جحاف، وجهز إلى أبين، وقال: هو في ولايته من ~~محمد صاحب المنصورة من تلك الأيام السابقة. فلما حصل هذا الحاصل كتب صاحب ~~المنصورة إلى المؤيد وإلى بني عمه من الولاة وإلى مشائخ البلاد أنهم يمدوه ~~بمعونة، فإن أهل المشرق قد صاروا في حدود بلاده، وتعقب ذلك رتبة أيضا إلى ~~قعطبة من اليافعي، يقال: إن رئيسهم السيد عبد الرب، وأن الغرباني رئيس الذي ~~بجحاف، قيل: وهذه الحركة من اليافعي بسبب الغرباني، كما قالوا أثار ~~حفائظهم، وحثهم على ذلك. وكان المؤيد قد أحسن إلى الغرباني هذا وأعطاه وشرى ~~له بيتا وفرشه له بالمفارش الرومية، يتألفه بذلك فما نفعه ذلك، وصار يطعن ~~في سيرته وسيرة إخوته وأهل دولته، كما كان يطعن في دولة الذين قبله، ففرح ~~يافع بهؤلاء لما طابق هواهم والقدرة لله تعالى. # وكان من جملة كتب محمد صاحب المنصورة إلى المؤيد: إنك إن كنت باني على ~~المعونة، وإلا ترفعنا عن هذه[115/أ] البلاد، فكان حاله فيها كحال مجير أم ~~عامر ، فإنه كان في تلك الفتنة الأولة التي جرت في يافع معينا ليافع على ~~الدفع والإمداد لهم، كما تواترت به الأخبار عنه معهم، ثم هاهم رجعوا على ~~بلاده ومحاربته. # وفي نصف صفر وصل الزوار فأخبروا أن الخير بالمدينة والحجاز كثير، سعر ~~الكيلة أربعة كبار، وأن عند أحمد بن زيد جمع كثير من الخيل ~~والرجل............. وأن الخيل وجدها تأتي قريب الألفين. PageV01P803 # وفي هذه الأيام بشهر ربيع الأول عادت جوابات كتب صاحب المنصورة عليه من ~~القبائل ومن بني أعمامه، فذكر الأهنوم في جوابهم أنهم لما نزلوا المرة ~~الأولى مع أحمد بن المؤيد وأنقذوا محمد بن أحمد صاحب المنصورة ms402 من الغرق لم ~~ير لذلك منهم مروة، ولا جازى أحدا منهم من المصروف والكسوة. وهذا المخرج ~~المطلوب إن كان فيه ما يحملهم من المصروف والزاد، ويكون لهم أمير يسير معهم ~~بخزانة كاملة لما احتاجوه فهم يسيرون، وإن كان غير ذلك فهم باقون، فأرسل به ~~القاسم صاحب شهارة إليه بجوابهم. وكان جواب قبائل بني الحارث وهمدان أن قد ~~خرجوا الخرجة الأولة واحتاجوا حاجة شديدة ولهم جوامك مقطوعة، فإذا أرسلوا ~~لهم بالجامكية إلى عندهم ساروا. وكذلك مثله جواب أهل الحيمة. وأما جواب ~~صاحب صعدة فأجاب بأنه مشغول ببلاده والعسكر الذي عنده يحتاجهم للمحافظة ~~عليها، مع أن قد تغلب عليه بلاد نجران ولم يتمكن من أخذ شيء من واجباتهم في ~~هذا الزمان، وأنهم منعوا بلادهم بالرتب[115/ب] ولم يصل شيء منها. ومع ~~اشتجار بلاد خولان واختلافهم فيما بينهم وهم العمدة معه وأكثر عسكره منهم، ~~فلم يبق له يد عليهم نافذة، ثم ذكر أشياء من المطاعن في سيرة المؤيد من نحو ~~ما كان يطعن به على والده المتوكل آخر مدته، كما سبق ذكره. ولكنه قدم كتابا ~~إلى المؤيد يذكر أنه إذا هو باني على الحركة فقد اجتمع له طائفة كثيرة، ~~وشرط أن يعوضه في بلاد اليمن لأجل ما يحتاجه ومن معه، فتغافل عن جوابه ~~للنظر كيف يكون خطابه، وما تمس إليه حاجته. # وبسبب هذه الأحوال واختلاف الأنظار والتنازع حصلت الضعف في هذه الدولة، ~~واستولى اليافعي على سوق بقار بحدود الدمنة وقعطبة، واصطلح هو وابن شعفل، ~~وكانت أيديهما واحدة، وأمنوا طريقهم إلى جهات عدن، وأخذوا المجابي التي ~~كانت بقعطبة على العادة السابقة. PageV01P804 # وحسين بن محمد بن أحمد بن القاسم أبو طالب صاحب عمران لما سار من عمران إلى ~~حجة، كما سبق ذكره، وكانت رسل المؤيد عنده، فلما تم عمله من استقراره المدة ~~التي طلب لحنان أولاده، ذكر الرسل ما يكون الجواب وأنه يأذن لهم في العود، ~~فأجاب بأنه يثقل عليه الارتحال، ويتعذر عليه الإجابة إلى دخول الحجرية ~~وحدود يافع على كل حال وأنه باق بين أهله ms403 ولا يتعرض في شيء، بل العهدة على ~~السادة من بني جحاف في الولاية على العادة. ثم لما بلغه تحرك عمه من صعدة ~~طلع وخرج من مبين وعاد إلى عمران، فعاد الرسل، وهو وقف في حصن مبين[116/أ] ~~وأراد التباعد عن المؤيد وحفظ الحصن لأمل معه يريده من الدنيا والاستيلاء ~~على تلك الجهة عند التمكن منها، كما قال تعالى: {منكم من يريد الدنيا } . ~~وصار كالمستجير في الحصن، لما قد أصابه من الهزيمة في البلاد اليافعية، ~~وتلك القضية، وأنه إذا تمكن فهو يطلع من بعد إلى عند المؤيد، وتقاعد عن ~~الحركة وحط رجله في العقبة، وظهر من حاله أنه في هذه الساعة راض بما تيسر ~~له، ولا يعرج على ما قطعه المؤيد إن قطع من معتاده من حجة إلى وقت تنزيعه ~~إذا أمكنه آمال معه مبسوطة، والحكم لله العزيز في جميع الأعمال المقدرة. PageV01P805 # فلما بلغه تحرك عمه من صعدة بجيوشه فتحرك حينئذ واستأنس وقوى جأشه، وقال: ~~أما مع الإجتماع فتتوجه المسارعة إليه من غير نزاع، فطلع من حصن مبين وخرج ~~عنه إلى عمران وبنى على السير مع الطلب، لكنه تثاقل كأنه ينتظر وصول عمه إن ~~تم وصوله، وهو أقرب إلى العجز والملل. وعند أن عرف المؤيد أحواله أمر بقطع ~~نصف دفعة حجة عنه، ولما تأهب الناس وخرج يحيى بن محمد من البستان، وكان قد ~~تقدمه النقيب فرحان إلى جهات ذمار، وبلغ ابن العفيف ذلك ترجح لأن يبعث ~~كتابا إلى المؤيد، وإرسال دراهم من الواجبات، وقال: هو مطيع ومسلم ~~للواجبات، ويعتذر مما جرى في أطراف الدمنة من قبله، والتعرض في ذلك إنما ~~كان على وجه[116/ب] أنه وصل جماعة كالمستجيرين إليه وأنه بعث معهم من بعث، ~~وليس قصده بذلك الخلاف مما فيه في الظاهر المخادعة. فحصل الشك مع المؤيد ~~وقال: إذا الأمر هكذا فلا وجه حينئذ لقصده، وقال حسين بن حسن وغيره كيف ~~الرجوع وقد تعبت في الكتب إلى كثير من الجهات؟ وقد ارتحل أولهم، هذا لا ~~يصلح. وتقدم حسين بن حسن إلى رداع، ولما ms404 تحقق يافع هذا الاجتماع رفعوا ~~رتبهم من سوق بقار وقعطبة، ولم يبق إلا جحاف، وكتب إلى المؤيد أنه قد كان ~~وضع له تلك البلاد وغيرها محمد بن أحمد بن الحسن الأيام السابقة، وأما جحاف ~~فاستبقاه، وقال إنه في الأصل من حدود بلاده. وكان قد أول العسكر وصلوا إلى ~~يريم، فلما بلغ صاحب المنصورة بالإمداد جهز إلى جحاف جماعة من العسكر ~~رئيسهم ولده إسماعيل وابن مغلس الحجري وغيره، فلما قاربوه هربت يافع إلى ~~بلادهم، ودخل أصحاب محمد بن أحمد بن الحسن إلى جحاف، وكان هذا آخر شهر ربيع الأول. # وفي غرة شهر ربيع الثاني اتفق قران الزهرة والمريخ في برج الحوت. PageV01P806 # وفي هذا الوقت وصل خبر أنه وصل زيادة من عسكر السلطنة من عند أحمد بن زيد ~~صاحب مكة إلى صبيا مع واليها الشريف طالب بن حسين، وإخراج عنها الفقيه ~~الوالي الذي كان في بعض بلاد صبيا من قبل حسن بن المتوكل من مدة والده، ~~فقال: أصلها لنا وللسلطان. # [117/أ] ووصل كتاب من اليافعي إلى المؤيد في نصف شهر ربيع الآخر يذكر فيه ~~من جهة محمد بن أحمد بن الحسن أنه ما زال يجهز إلى تلك البلاد التي كان ~~دخلها مثل أبين وغيرها، وأنه رجع في وضعها له، وأنه كان وضعها له، وكذلك ~~جحاف قد دخله أصحابه. وأنه بلغه أن إعانتكم له وتجهيزكم، فمع ذلك قد خلع ~~الأمر الذي كان بينه وبين المؤيد على يد صنوه علي وأنه قد بنى على المخالفة ~~في كلام معناه ومحصوله هذا، وكتبوا يومئذ إلى سلطان الإسلام، فاستشار ~~المؤيد الحاضرون، فأشار من أشار منهم أنكم إن كنتم بانون على دخول يافع، ~~فتحتاج إلى قوة عسكر، وبذل خزائن، وصبر على المراكزة كما فعل سنان باشا في ~~المدة السابقة، وإن كنتم بانون حفظ البلاد هذه التي كانت قد دخلها اليافعي ~~فهو الأصلح لكم وأعنتم محمد بن أحمد وظاهرتموه وهو الأمر الأيسر لكم ~~والأقرب في هذه الساعة، فاستحسنه. وجهز زيد صنوه بالمظاهرة ليحيى بن محمد ~~وفرحان الذين قد ساروا ms405 إلى[117/ب] جهات بلاد مريس، وزيد وصل إلى يريم ظهرا ~~لحفظ البلاد التي قد استرجعها محمد بن أحمد، وتقوية له، وأرسل محسن بن أحمد ~~بن الحسن صاحب الغراس إلى بلاد جبن، واستقر الأمر على هذا. PageV01P807 # وهذه السنة ما زال السعر فيها مرتفع، البر بلغ إلى سبعة أحرف من حساب قرش ~~واحد، ولكنه دون سنة القحط الكبير الذي في سنة تسعة وسبعين، فإنه بلغ فيها ~~سبعة عن قرشين وكسور؛ لأن الصرف كان ذلك التأريخ من ثلاثة حروف، والقدح كان ~~أصغر، وإن كان القدح قد فيه زيادة على ما كان زمن حيدر باشا وأول هذه ~~الدولة بقدر النصف، ولكن فيه غلا، والحكمة لله. ولقد أخبرني رجل وصل هذه ~~المدة إلى صنعاء، يقول إنه شريف من مدينة قندهار ما بين بلاد صاحب سمرقند ~~وبخارى والأزبك وبين بلاد الشاه عباس الإمامي قال: نفس مدينة قندهار مذهبهم ~~اثني عشرية على مذهب الشاه عباس، وهم خارجها حنفية لأنها طرف بلاد الشاه ~~وما اتصل بهم بلاد بلخ حنفية تتصل إلى سمرقند وسلطانها وسلطان صاحب سمرقند ~~والأزبك بلاد كاشغر حنفية كلهم، فقال المذكور: بلادهم بلاد خير، والأسعار ~~بالنظر إلى اليمن رخية، وأن قدر عشرين قدحا بقرش، والخمسين الرطل من السمن ~~بقرش، وبلادهم تزرع الأرز والبر والشعير والعنب والفواكه دون الذرة، فلا ~~تجيء في بلادهم لأنها باردة بردها أشد من جبال اليمن؛ لأنه ينزل فيها الثلج ~~في الربيع والشتاء، والأنهار تفجر من آثاره من الجبال ويزرعون عليها، هذا ~~ما ذكره المذكور. PageV01P808 # [118/أ] وفي نصف شهر ربيع الآخر دخل يحيى بن محمد والأغا فرحان قعطبة ~~وسكنوا فيها، وكان اليافعي بعد انهزام أصحابه من جحاف بدخول عسكر محمد بن ~~أحمد بن الحسن صاحب المنصورة، كما سبق، بعث الغوائر في بلاده واجتماع ~~قبائله، وزعم أن جحاف في الأصل من بلاده. فلما اجتمعوا وساروا إلى قربه ~~ذلوا وجبنوا، وذكروا الغوائر منهم التي أغارت على جبل حرير، وما قتل منهم ~~من الجمع الكثير منهم، لا سيما بعد أن بلغهم وصول يحيى بن محمد وفرحان بمن ms406 ~~معهم إلى قعطبة، فرجعوا عن قصدهم ذلك إلى بيوتهم، وانكمشوا في معاقلهم ~~ودورهم وتفرقوا شذر مذر . وكان بعضهم قد دخل جبل حرير، وأرادوا التبريد له ~~والتحرير، فطلع إليهم الشيخ هادي بن شعفل، وقال: جبل حرير من بلاده، ولا ~~يصلح أن يكون محلا لهم، لئلا يحصل بسببهم معرة على قبائله، وكان قد بقي في ~~أبين نحو ثلاثين نفرا من يافع ما تحتهم طائل، وعلى الجملة إن يافع تحيزت ~~إلى بلادها وانقشعت جميع ما كان أقدموا إليه من نواحيها. # وفي سادس وعشرين شهر ربيع الآخر كان تحويل سنة العالم بدخول الشمس أول ~~درجة الحمل، فكان المشتري في العقرب، والمريخ في الثور، وكذا الزهرة وعطارد ~~وزحل آخر السنبلة، والقمر في الحوت، والذنب بالقوس، وكان أيضا طالع ~~السنة[118/ب] اختلاف الرأي، حتى إنه كما قيل وقع بينهم فرقة وقتول. # وفي هذه الأيام خرج بعض مشائخ يافع يريد المواجهة إلى قعطبة، فلقيه في ~~الطريق الشيخ عبد الغفار بن شيبان فكأنه أخبره بمرض المؤيد، فكان ذلك سبب ~~عود الشيخ إلى بلاده. PageV01P809 # وفي نصف جمادى الأولى وصل أحمد بن المؤيد من نواحي بلاد شهارة في أصحابه ~~وبعض مشائخ بلاده قدر أربعمائة، ومر صنعاء، سكن بها قدر ثمانية أيام. وصنوه ~~القاسم بن المؤيد نزل من شهارة واستقر بخمر، وأجاش كثيرا من أهل تلك الجهة، ~~وأظهر أن هذا إجابة للمؤيد في طلابه الأول، فاجتمعوا إلى خمر وأمرهم بسكون ~~بيوت أهل خمر، فقالوا له: ما يصلح دخولهم البيوت إلا ما هو معتاد وما زاد ~~فالخيام، فلم يعذرهم، فاستنكر منه ذلك من لم يعرفه على ما هو عليه من ~~اعتقاد تلك الجهة فيه. ولما استقر أحمد بن المؤيد بصنعاء ضرب الناس فيه وفي ~~صنوه القاسم الظنون والأوهام، وقال من قال: هذا يريد أنه إذا جرى على ~~المؤيد بن المتوكل حال هو الأمير وصاحب الكلام، وأن مراده في الباطن التقرب ~~من صنعاء والبسط عليها، وحسين بن المتوكل داخله الوهم أيضا فقيل: أنه كتب ~~إلى صنوه المؤيد أنه يرسل لأحمد بن المؤيد إلى حضرته، ms407 ثم سار أحمد بن ~~المؤيد إلى معبر. PageV01P810 # [119/أ] ولكن القاسم من بعد ذلك فكر في هذا الأمر، وأن القيام في هذا الوقت ~~كالمتعذر من كل وجه؛ لأن بلاد اليمن أجمع قد استكمل فيها التقسيم والتغلب ~~في بعضها من أولاد المتوكل ومن أولاد أحمد بن الحسن وأولاد محمد بن الحسن ~~وأولاد أحمد بن القاسم وغيرهم. وكان بقي الذي في يد المؤيد من المتوكل، مع ~~أن محصولها كان لا يقوم بحالة، والآن استغرقت. فصنعاء وبلادها مع صنوه ~~الحسين، وتعز والمخا تغلب عليه محمد بن أحمد بن الحسن صاحب المنصورة ، ~~وحراز أرسل إليه حسين بن المتوكل من اللحية بعض أولاده، وريمة وبرع ~~ونواحيها دخلها زيد بن المتوكل، وضوران وآنس استولى عليه يوسف بن المتوكل، ~~فاستغرقت بلاد المؤيد التي كانت باقية بيده مخرجة عن المقطعات في زمانه، ~~فلم يبق حينئذ مادة لمن يقوم في هذا المنصب مع أن أكثر المخاريج والعائدات ~~إليه، فما ذاك يسلم لهم. فلهذا الأمر اقتضى نظر القاسم صاحب شهارة التوقف ~~وعدم المسارعة في الدخول في هذه المنصب مع من ادعى من أهل الإقطاعات هذا ~~المنصب وليس له أهلية، ولكنه قدم المكاتبات إليهم بالنظر فيمن يصلح، يريد ~~عسى يجتمعوا عليه ويضعون الأمر إليه، ويمدونه بما يحتاج إليه وهذا أمر ~~متباعد. # وفي هذا الشهر قصدت برط إلى الجوف لإرادة الانتهاب للثمرة معهم، ويفعلون ~~كما فعلوا المرة الأولى، وكان أهل الجوف من الأشراف والقبائل قد حذروا منهم ~~واستعدوا لهم إن قصدوهم فدافعوهم عن أنفسهم، وخرج فيهم فرسان الأشراف، ~~فمنحهم الله أكتافهم، وقتلوا كثيرا من كبارهم وأشرارهم، بلغ القتل منهم قدر ~~اثنين وسبعين نفرا، وهرب الباقون إلى بلادهم، أخذوا بالثأر فيما وقع ~~منهم[119/ب] سابقا، كما وصفه رجل منهم. PageV01P811 # وفي هذه الأيام شهر جمادى الأولى وصل الشريف طالب صاحب صبيا إلى حضرة ~~المؤيد، فوافق وصوله مرض المؤيد بمعبر جهران، ثم عاد إلى بلاده. ولعل غرضه ~~من جهة صنوه الحسن صاحب اللحية أنه يترك التعرض إلى بلاده، حسبما جرت به ~~عادتهم، وحسبما وضع له الشريف أحمد ms408 بن زيد من الولاية. # والمؤيد هذه الأيام لا يقضي لأحد غرضا ولا يتصل به لا أقصى ولا أدنى، ~~والآلام قيل أولها من قبيل السل الدق، وقيل من قبيل الاستسقاء وأنه طال ~~عليه، ثم ظهر آخره الورم العظيم في وجهه وأيديه واستقوى عليه الألم، ففصد ~~في القيفال عرق الرأس، ثم وصل طبيب من المخا زاد أمره بفصد آخر بين أصابعه، ~~ثم أعطاه شربة وكثر عليه متابعة الاستفراغات، فانحطت قوته بالمرة، والحكماء ~~يمنعون متابعة الاستفراغات، لا سيما مع ضعف قوة المريض، فإنه لا يعارض شيء ~~منها، فكان يحصل معه ما يحصل، ثم آخر أمره تقبض كثيرا بمعبر وأمر بإخراجه ~~منه إلى حمام المعرة ، ثم يريد طلوعه جبل ضوران، فساروا به في التختروان في ~~جهران، ثم لما أشرفوا على وادي الخيرة حمله الرجال فوق أعناقهم، وكان قد ~~منع الناس عن السير معه، فلم يسر معه إلا من يحتاج إليه من الخدم، وكان ~~خروجه من معبر يوم الأربعاء آخر يوم من شهر جمادى الأولى، ومات آخر نهار ~~الخميس غرة شهر جمادى الأخرى في الحمام. PageV01P812 # [120/أ]وقضى الله عليه الوفاة بأجله المحتوم، الذي لا يفوته الهارب، ولا ~~ينفعه الدواء من أمر الله الغالب. وكان المذكور قد رفع مظالم كثيرة من ~~البلاد التي نفذت بها يده وحكمه كبلاد صنعاء، وبلاد حراز، وضوران. وأما ~~اليمن الأسفل فلم ينفذ فيها كلامه، ولم يسمع فيها قوله. وكانت البلاد قد ~~تفرقت، فكل له فيها حكمه وإنما له منها مجرد النسبة والخطبة والسكة، ورفع ~~من الأسواق بصنعاء وغيرها المجابي، وكان يحب العدل والرفق، ولا يعاقب في ~~الغالب إلا بمقتضى الشرع، إلا أنه كان قليل الرأي، ومن ولاه من العمال ~~والخزان لا يحاسبه، ولا يسمع من شكى به ولا يرفعه، فأكلوا وجمعوا من ذلك ~~جمعا كثيرا من الذهب والقروش والخزائن والفلوس، ونقص على كثير من أهل ~~التقارير تقاريرهم وعاداتهم، وكان قد شرع في ذلك والده آخر مدته، فربما تبع ~~أثره، ولكنه رحمه الله غلب ذلك عدله الذي تفرد به في هذا الزمان عن ms409 غيره. ~~واتفق بحكمة الله وتقديره جميع مدته من أول ولايته بصنعاء في وقت والده، ~~عقب وفاة علي بن المؤيد بالله بن القاسم [120/ب]إلى آخر مدته غلاء الأسعار ~~وقل الأمطار، والسعر في هذا الشهر، البر بقرش، والذرة بقرش إلا ربع، ~~فالحكمة لله تعالى. واتفق أيضا وفاته ووفاة والده وأحمد بن الحسن في شهر ~~واحد وهو شهر جمادى الأخرى، فهذا قل أن يتفق مثله. # وقبر بجبل ضوران جنب والده رحمه الله تعالى. PageV01P813 # وكان له حالة عظيمة في التواضع، وعدم التكبر والترافع، على ما هو فيه من ~~الملك والرئاسة، ولا يتعرض إلى شيء من جوابات المسائل والفتاوى، بل يردها ~~إلى العلماء والقضاة، ليس كأحمد بن الحسن في بعض المسائل يجيب بحسب ~~الاتفاق، وإذا اعترض قال هو له باجتهاد، وما هلك امرؤ عرف قدره، والله يهدي ~~من يشاء إلى صراط مستقيم. وأول نابح في خامس هذا الشهر جاء الخبر بأن يوسف ~~بن المتوكل صنو محمد دعا من عنده إلى إجابته، فأجابه البعض وخالفه الأكثر، ~~وكذلك حسين بن عبد القادر الكوكباني فإنه كان حاضرا بمعبر ينتظر الولاية هو ~~وصنوه وبعض أعمامه، فترجح له دعا إلى نفسه، فأجابه أصحابه وخالفه سائر ~~الناس، وخرج من معبر ساعيا إلى بيته حصن كوكبان وبلاده، مع أن صنوه حسن ~~مغاير له وغيره من أقاربه، وابن حورية المؤيدي السيد أحمد بن إبراهيم كان ~~بصنعاء عقب وصوله من بلاد صعدة يريد القصد إلى معبر، فلما بلغه مرض المؤيد ~~تحير بصنعاء، ثم لما بلغه موت المؤيد أصبح مسافرا وخرج عازما إلى ~~بلاده[121/أ]، ثم جاء خبر بادعاء السيد علي بن حسين الخولاني من خولان ~~صنعاءأجابه السادة بنو الشامي وبعض أصحابه، وخالفه جميع القبائل، فلم ~~يجيبوه إلى ما أراد، وكتب حسين بن المتوكل إلى مشائخ بلاد مسور وخولان ~~بأنهم لا يغتروا به. ثم جاء خبر صاحب عمران حسين بن محمد بن أحمد بن القاسم ~~أجابه أصحابه، وجاء خبر صاحب المنصورة، كل هؤلاء ادعوا الإمارة والإمامة ~~على زعمهم وما هو إلا دعوى ملك وسلطنة، لعدم كمال ms410 الشروط في جميعهم، ~~وأكثرهم نيته بذلك إنما هو لحفظ بلاده، فلا قوة إلا بالله، ونية دعوى الملك ~~قد ذكر العلماء أنه يحرم إجابته مع كمال الشروط، فكيف مع الاختلال من ~~الجانبين، فكان هؤلاء إلى الآن من هؤلاء الدعاة ما سطر من الكثرة مع علي بن ~~أحمد صاحب صعدة تفرقوا في هذه الدعوات، وكل من الناس اتبع هواه في إجابته ~~مما له تعلق بهم، وأما سائر العباد ممن ليس له PageV01P814 تعلق بهم فبقي حائرا في أمرهم. وخزائنه التي بصنعاء كانت بنظر الفقيه جابر ~~، بادر إلى حمل بعض شيء من الصناديق إلى بيته وفرقها مع أهل عملته وتجارته، ~~لئلا يظهر عليه طلبه، وبقي في بيته بعضها، فلما فطن حسين بن المتوكل ببعض ~~شيء من ذلك قبض منه المفاتيح ليحفظ ما بقي من الخزانة، وأما خزائن ضوران ~~فهي مع يوسف بن المتوكل ومع إبراهيم بن المؤيد تصرف فيها وقبضها أيضا من ~~يد ولد الفقيه جابر الخازن هناك لها، وانتهبه وحصانه لما بلغه أنه قد حمل ~~إلى بيته منها، فاستدرك أيضا باقيها. # ووصل إلينا كتاب حسين بن محمد بن أحمد بن القاسم[121/ب] يذكر فيه دعواه ~~إلى درجة الإمامة التي صار هذا الزمان يتطفل عليها الناس، فأجبناه بما هذا لفظه: # بسم الله الرحمن الرحيم # وصلت إشارة السيد شرف الدين الحسين بن محمد، سلمه الله، وأرشده إلى سبل ~~الخيرات إن شاء الله، والكتاب وصل بالتعزية في المرحوم المؤيد بالله رحمه ~~الله، فالله يخلفه على الجميع بأحسن الخلافة، ويتلقاه بالرحمة والرأفة ~~والرضا والمغفرة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، والدنيا حقيرة، وأحوالها ~~خطيرة، وتكاليفها شديدة، أبى من تحمل التكليف فيها السموات والأرض والجبال، ~~وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا، كما ذكر الله في محكم الكتاب بقوله ~~تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ~~وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} . # فالله يرحم ضعفنا، ويحسن خاتمتنا، ويبصرنا عيوبنا بفضله وكرمه. # وما ذكرتم من جهة الدعوة فلها شروط كثيرة معروفة في الكتب المسطورة، وصار ~~هذا ms411 الزمان تلك الشروط مطرحة، وأما دعوى الملك فالملك لله يؤتيه من يشاء، ~~كما قال تعالى: {قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء } . PageV01P815 # وكان عليكم وعلى غيركم أن تبقوا على ولايتكم الأصلية، المنتسبة إلى التولية ~~الأولة من الآباء والأجداد، وتنهوا عن المنكر وتأمروا بالمعروف في جهتكم، ~~وغيركم من الولاة كذلك يقتصر كل على جهته بتلك الأصالة الأولة، كما هو قول ~~كثير من العلماء، ولا يتعدى أحد على أحد بمحاربة ولا مضاررة، فإن سفك ~~الدماء والمظالم عند الله عظيمة، ومع صلاح النية إصلاح [122/أ]المسلمين لا ~~لصلاح الخاصة، فإن الأعمال بالنيات كما في حديث البخاري المتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى فمن كانت هجرته ~~إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى امرأة ينكحها ~~أو دنيا يصيبها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) . # قال جدكم الإمام القاسم رحمه الله في جواب من سأله عن الإمامة، فقال: من ~~كملت فيه شروطها، ومن علم منه أو ظن أنه ما يريد بذلك القيام إلا الملك ولا ~~يريد صلاح الإسلام حرمت معاونته والقيام معه، وكذا ذكره غيره من العلماء، ~~فكيف وسائر الشروط لم تكمل، فإنما هو ملك والملك لله، فالذي أنصحكم به من ~~النصيحة الواجبة أنكم تبصروا في أنفسكم، وتستخيروا الله في أمركم وتعتبروا ~~بالماضين من أسلافكم، فلم تنفعهم الدنيا، وإنما الإنسان مرتهن بعمله مع ~~إحراز دينه، وتركه لاتباع الهوى، ولا تعجلوا، هذا الصنو قاسم بن المؤيد ~~بالله محمد بن القاسم عافاه الله بلغنا أنه وهو بذلك المحل اعتذر عنها، ~~فكيف من هو دونه؟ والله يأخذ بنواصيكم إلى الخير ويصلح المسلمين، وإياكم ~~إياكم إياكم عن التناحر على الملك وأنتم أقارب وأرحام، والدنيا أحقر من أن ~~تذكر، وجميع مما لكم عندنا بقلامة ظفر من أظفارنا ودعوة الحق لله تعالى على ~~عباده، كما قال تعالى: {له دعوة الحق } ، ولا يغرك أهل نعمتك، فإن ~~المتابعين لك أبناء دنيا، مبايعتهم لما ينقد لهم من الدراهم، فتوقف إن ms412 كنت ~~ممن [122/ب] يقبل النصيحة انتهى. PageV01P816 # وهذا كله مني لكم نصيحة، كانت الدعوة للإمامة لأن لها شروط، وأما دعوى ~~الملك والسلطنة فلها باب آخر، لكن أنتم أهل البيت ما يصلح لكم إلا الاجتماع ~~على من يكمل بها، وإلا اختل النظام، ويؤدي بينكم إلى الفتنة والتنازع ~~والخصام، وهو خلل عليكم وعلى المسلمين، لقوله تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا ~~وتذهب ريحكم } ، أي: قوتكم، فهذا غاية نصحي لكم، إن أريد إلا الإصلاح. # وفي عشية يوم الإثنين وقت العشاء دخل السيد محسن بن أحمد بن الحسن إلى ~~صنعاء واصلا من ذمار، يريد محله الغراس. # وأساس انحطاط درجة الإمامة والدخول فيها بغير كمال شروطها أحمد بن الحسن، ~~وسببه الحاضرون من السادة الفقهاء ومحمد بن المتوكل لما............... ~~فسهلوا له الوسيلة، فدخلها ورغب مع ذلك إليها، وإلا فإن كتابه إليهم إنما ~~هو بالوصول للمراودة في إقامة من يصلح والنظر. فلما حضروا مجلسه تكلم ~~الجهال أولا بالصلاحية من أبناء نعمته من الملازمين له، وفتحوا له الباب ~~إلى ذلك، فجرى ما جرى، فسن للمتأخرين هذه الدعاوى العريضة الطويلة في درجة ~~الإمامة، ومعلوم بالضرورة اعتبارهم شروطها ومعرفة العلم الذي هو العمدة ~~فيها. وربما لفق من لفق من الجهال إمامة المقلد، وهو خلاف الإجماع، على أن ~~إمامة المقلد لمن يعرف بمسائل الفقه لمن قلده، فكيف فيمن عري من هذا وهذا؟ ~~فلا قوة إلا بالله، [123/أ]فلو أنهم جعلوها دعوى الملك والسلطان، وجمعوا ~~عليه بالحسبة مع ما فيه الخطر كان هو القياس، ولكن لا ذا تأتى ولا ذا حصل، ~~فلم يبق معهم إلا التنازع والدعاوى هذه التي قد ادعوها، والله يلطف ~~بالمسلمين ويرد ضرر الأشرار والمعتدين في نحورهم آمين. PageV01P817 # وزيد بن المتوكل لما نزل اليمن بأمر صنوه المؤيد وصل إلى إب وجبلة، وأمر ~~ابن أخيه حسين بالملقى له، وتعمد تقدمة حصان عقور نفور قد أهلك من أهلك، ~~فركبه المذكور فشنع به حتى أسقطه ثم أراد رفسه وركضه، فلولا الأعوان ضربوه ~~لأهلكه في الحال، ولكنه عاقه وصار مريضا هنالك. ومات صنوه وهو على هذه ~~الحالة، ms413 ولم يثمر وصوله شيء مما أمره صنوه، لقوة يد حسين وكثرة جنده ~~وخزانته. # وفي ثامن شهر جمادى الأخرى وصل من القاسم بن محمد بن القاسم هذا الكتاب، ~~يقول فيه بعد الترجمة إلى كاتب الأحرف: وبعد حمد الله حق حمده، وصلواته على ~~محمد وآله من بعده، فإنها وردت إلينا كتب من الأصناء الكرام، ومن غيرهم من ~~الأعيان الأهل الفخام، منبهة بما اختاره الله وقضاه، وحكم وارتضاه وفاة ~~الصنو أمير المؤمنين وسيد المسلمين المؤيد بالله رضوان الله عليه وسلامه، ~~ونقل روحه الطاهرة إلى دار الآخرة الباقية، فإنا لله وإنا إليه راجعون، ~~وإنا إلى ربنا لمنقلبون. والحمد لله الذي لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه ~~الذي خلق الموت والحياة[123/ب] ليبلوكم أيكم أحسن عملا، وأطول اغترارا ~~وأملا، والله يعظم للإسلام والمسلمين فيه الأجر، ويعصم القلوب بعصمة الله ~~الصبر، ويخلفه بأحسن خلافة، ويتلقاه بالرأفة والرحمة، ويلحقه بسلفه ~~الصالحين وآله الطاهرين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. والله يرزق الجميع حسن الاستعداد ~~ليوم المعاد، والتزود من التقوى بأكمل عدة وأكرم إرادة، وبعد شريف السلام ~~ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، تأريخه شهر جمادى الأخرى سنة سبع ~~وتسعين وألف . PageV01P818 # ثم قال بآخره إلحاق خير إن شاء الله: لا يخفاكم حماكم الله وقوع هذا الحادث ~~الجليل، والخطب المهيل، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فحال ~~صدورها ونحن في محل الاستخارة لله عز وجل، وطلب الاستشارة من الأصناء ومنكم ~~ومن جميع من دار عليه رحى الإسلام، فيما يصلح به أحوال الأنام وحفظ بيضة ~~الإسلام، والله يقضيها بالخير والخيرة وشوركم مستمد ودعاؤكم، وبعد شريف ~~السلام ورحمة الله انتهى كتابه. # وهذا جوابه: # بسم الله الرحمن الرحيم # الصنو السيد الأكرم العلامة الأعلم علم الإسلام القاسم بن أمير المؤمنين: ~~محمد بن أمير المؤمنين القاسم بن محمد حفظه الله، وأهدي إليه شريف السلام ~~ورحمة الله وبركاته...وبعد.. # فإنه وصل كتابكم بما بلغكم من وفاة الصنو الفاضل العادل المؤيد بالله: ~~محمد بن المتوكل على الله، ms414 فالله يتلقاه بالمغفرة والرضا والرحمة، وأن ~~يخلفه على المسلمين بأحسن خلافة، وينشر على روحه الروح والريحان فإنه ~~الجواد الكريم. وكان المذكور كما عرفتم نادرة هذا العصر في محبته للعدل، ~~ورفع المظالم واهتمامه بذلك مما يمكنه رفعه ويمر فيه كلامه، إلا إنه رحمه ~~الله كان قد امتحن بأهل عصره من المخالفات، وعدم الامتثال في المنهيات، إلا ~~اليسير منهم ممن آثر كلامه، وما هو تحت يده وهي الخصلة الرفيعة، والمنقبة ~~له الجسيمة، هذا وما ذكرتم من توقفكم رعاكم الله وأحسن إليكم عن المسارعة ~~إلى الانتصاب لهذا الأمر العظيم والتكليف الشاق الفخيم الذي هو كما قال ~~الله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن ~~يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا} . PageV01P819 # وإنكم اقتضى نظركم الاستمداد للمشورة من الأصناء والعلماء فلقد اتبعتم عين ~~الصواب، ووافقتم الأمر الذي لا يستعجل لمثله ولا يعاب، فإن المسارعة عن ~~الاجتماع للكلمة هو محل المنازعة التي بسببها يحصل والعياذ بالله المظالم، ~~وعدم الصلاح للمسلمين والمآثم، لا سيما ما يقع فيه من سفك الدماء وانتهاب ~~الأموال، ولا سيما ما يقع فيه من قطيعة الرحم قبل الاتفاق والنظر، فلقد ~~أدركتم بذلك الفضل والرأي الحسن، وإلا فإن هذا الزمان قد ارتكب الناس ~~التطفل على مرتبة الإمامة والدعوى بمحلها والتسمي باسمها، وجهلوا شرطها، ~~وما هو المقدم فيها، مما يحار الإنسان فيه، ويعجب من الذين بغيتهم عليه، ~~فإن الإمام القاسم رحمه الله ذكر في جواب من سأله عن الإمامة، فقال في ~~الجواب: هي لمن تم له شروطها المعروفة عند العلماء ولا بد مع تمام شرطها من ~~العلم أنه بدخوله فيها لم يرد الملك والدنيا وإنما يريد صلاح عامة الإسلام، ~~فإن علم منه أنه يريد الملك حرمت معاونته وإجابته[124/ب] وذكر مثلما ذكره ~~رحمه الله غيره من العلماء، فإذا كان هذا الشرط مع كمال الشروط، فكيف حال ~~هؤلاء الذين دخلوها وليس لهم من شروطها إلا الدعاوى الباطلة؟ فإنهم ادعوا ~~من جهة تصرفهم في بيت المال لمن يتعلق بهم ، فتعجب أيها العارف ms415 هذه الشبهة ~~الظاهر بطلانها؛ لأنهم أظهروا أن مرماهم الاهتمام بالمحبة للدنيا، فأظهرت ~~عليهم نيتهم الفاسدة أنها ليست لصلاح الإسلام وإنما هي لأكل الحطام، ثم إن ~~كيف تصرفهم مع بطلان دعواهم بكمال شروط الإمامة؟ فإذا بطلت الإمامة بطل ~~فرعها من الولاية وصحة التصرف، فكان لو أنهم جعلوها سلطنة كغيرهم من ~~السلاطين، وتحاشوا عن دعوى الإمامة، فإما أن تكون حسبة على قول أو بالغلبة ~~على قول أهل السنة، والإمام شرف الدين في جوابات مسائله ونهج البلاغة ~~وشرحها للإمام يحيى في بعض خطبه، فإنه قال الإمام يحيى في الديباج عند شرح ~~الخطبة المصرحة بتقرير المتغلب للضرورة: PageV01P820 # سلطان ظلوم، خير من فتنة تدوم، والله يأخذ بنواصينا وإياكم للخير آمين، ~~لكنه صار تورطهم في ذلك جلساء السوء وأهل نعمتهم لأجل يأكلوا معه مما جمعه ~~لهم، فالله يوفقنا وإياكم لرضاه. # وأنت أيها الصنو مع توقفك، واقتحام من هو دونك لها، وعدم التوقف على ~~شرطها أولى بها وأحق إن شاء الله، وأن صنوكم ليس له خبرة إلا بمجرد الوصف، ~~بيد أنا ننبهكم على أشياء تبلغنا في مثل المسارعة في الآداب لمجرد وصول ~~الشاكي من غير مناظرة وحقيقة، وترك شيء من العوائد المارة للسابقين ومن له ~~رعاية لمن وضعوها من استحقها، فهذا مما ينبغي مراعاته وشرطه، والتخفيف في ~~الآداب بالدراهم بالأموال مع ما في الآداب بالمال من الخلاف بين العلماء ~~كما حققه ابن بهران في (بهجة الجمال) وغيره، فإن المصادقة لمن له هوى ~~وعداوة لا يخفاكم خطرها، وعليكم[125/أ] إن شاء الله مع تمام هذا الأمر، إن ~~تم الافتقاد للعمال ومحاسباتهم كل سنة؛ لأن المؤيد رحمه الله أهمل المحاسبة ~~لهم، وأبقى أهل التقارير بالمكيال الأول، حسبما كان عليه والدكم وإخوته، ~~وعدم الرجوع في الخطوط والمواضيع الأولة واللاحقة، وتنزيل الناس منازلهم، ~~ورعاية أهل المناصب والعلماء والمتعلمين بالكفايات ، وافتقاد الأوقاف ~~والمحاسبة فيه للنظار عليه كل سنة، وافتقاد المكيال الذي صار الصانع له ~~يلعب به كل وقت، وهو الجحدري الحداد، فإنه ما يزال يسارقه في الزيادة شيئا ~~فشيئا في كل شهر مما ms416 يؤدي إلى الربا المحرم في القرض والمداينة، حيث يأخذ ~~بمكيال ناقص ثم يقضيه، وقد زيد فيه، والرجوع إلى مكيال والدكم المؤيد رحمه ~~الله الذي كان بصنعاء في مدته وآخر دولة السلطنة ، فإنه الآن قد صار نصف ~~هذا المكيال، ولأجل صيانة بيت المال بسببه في التقارير؛ لأنه زاد النصف ~~وزادت بسبب الزيادات الأسعار وكذلك الضريبة تغيرت فيكون عملها على قدر ~~معلوم بالميزان لا يختلف، كما لا يختلف قدر القرش. PageV01P821 # هذا ما يتوجه التنبيه عليه، وكذلك إن حصلت المكنة في مطالب اليمن الأسفل، ~~التي زادت على ما كان الزمان الأول، وقد كان أراد المؤيد بتخفيفها، لكنه ما ~~تم له ذلك كله لموانع منعته، وكنت ذكرت له من أجلها وكانت نيته مباركة رحمه ~~الله، وخيار الأمور أوساطها، هذا ما يتوجه إليه عليكم إن شاء الله. وقد ~~أجبنا على بعص من ادعى مرتبة الإمامة وليس بأهل لها بأن الأولى له أن يتوقف ~~فيها، كما سبق ذكر جوابه هذا. ولا تتركون المفاوضة كما قد ذكرتم بمثل حسين ~~بن حسن وصاحب المنصورة ومحسن بن أحمد بن الحسن؛ لأنهم إذا وافقوكم فهم ~~الذين نخشى من جنابهم، وأنتم أمثل موجود إن شاء الله وكذلك مفاوضة حسين بن ~~المتوكل، ولعله يجب إلى جنابكم، والله يلهم[125/ب] الجميع إلى اجتماع ~~الكلمة فيما بينكم، فإن المطلوب المهم تسكين الدهماء وصلاح المسلمين، ~~((وإنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ~~ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة ~~ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه)) الحديث. # ووصلت كتب عيال المتوكل أجمع إلى صنوهم الحسين بن المتوكل، وهو بصنعاء، ~~وهم: قاسم صاحب ثلا وإخوتهم الذين بضوران أجمع وأنهم مجيزون لما رآه حسين ~~بن المتوكل وتابعون له، وكذلك وصل كتاب حسين بن حسن صاحب رداع بان المقصود ~~النظر فيمن يصلح، وتوقف كما توقف قاسم. PageV01P822 # وجاء خبر بأنه ظهر في بلاد الشرف بالمغرب تحت شهارة سيد يقال له: السيد عبد ~~الله بن علي بن خالد، ووالده هذا ms417 هو الذي كان متوليا ببلاد عفار، وادعى ~~بالدعاوى للإمارة فلم يجبه أحد. وكذلك السيد علي بن الحسين الشامي الخولاني ~~جعل رسالة إلى الناس يطلب الدعاء لهم بعد أن ذم آل القاسم وأعوانهم من ~~القضاة والوزراء والأعوان لهم جميعا، وقال: لا يصلح أحد من آل القاسم، وذكر ~~أن الكمال فيه لهذا الشأن، فارتكب أمرين: التحقير للناس والسب لهم مما باء ~~بوزره، والتزكية لنفسه التي نهى الله عنها بقوله تعالى: {فلا تزكوا أنفسكم ~~هو أعلم بمن اتقى} . ودخل أيضا في حديث الأعرابي لما بال في المسجد فنهره ~~أصحابه صلى الله عليه وسلم فقال: ((دعوه لا تقطعوا درته))، ثم لما أتم أقبل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال ~~له: اللهم ارحمني وارحم محمدا ولا ترحم معنا أحدا، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((لقد ~~تحجرت واسعا)). # فالله يرحمنا ويوفقنا، وأنه ذكر أن مقام الإمام مقام النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا خطأ ~~عظيم من المذكور، فإن مقام النبوة رفيع، قال تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول ~~كدعاء بعضكم بعضا} . # وقال تعالى: {النبي أولى بالمؤمنين من[126/أ] أنفسهم } وغير ذلك من ~~الآيات والأخبار النبوية كحديث الصحيحين: ((إنها تنام عيني ولا ينام قلبي ~~)) ، وسائر خصوصياته التي اختص بها عن غيره، كثيرة فيها مجلدات مصنفة ~~ك(الخصائص والمعجزات) للسيوطي في مجلدين و(شفاء القاضي عياض ) وغير ذلك، ~~ولأن الأنبياء عليهم السلام معصومون وليس كذلك الأئمة إلا عند الأمامية ~~الإثني عشرية في الأئمة الإثني عشر لا غير، وهو ظاهر البطلان. PageV01P823 # وأما ما ذكره في العطاء وتحيير الناس في الأبواب، فهو لو ولي ما هم فيه ~~لكان فعله كفعلهم أو أعظم منهم، لأن رضاء الناس وكفايتهم جميعهم غاية لا ~~تدرك، ولا يكفي الخلق إلا خالقهم ضرورة. ولذلك لما أراد سليمان عليه السلام ~~وقد ملك الأرض كلها أن تكون الأرزاق على يده وقد جمع جمعا كثيرا فجاء حيوان ~~واحد وهو التنين من حوت البحر لرزقه، فاستوعب جميع ما قد جمعه من الطعام، ~~فعند ذلك اعتذر سليمان عليه السلام إليه، وعلم أن ms418 الرزق لا يقوم به إلا ~~الله تعالى. إلا أن العمال ينبغي منهم الزهد في بيوت الأموال والتوقف على ~~قدر عمالتهم لا غير ذلك. وكذلك يتوجه على السائلين أن لا يستكثروا من ~~السؤال خصوصا الأغنياء منهم، لكن هذا محال فإنه لا يتم ذلك منهم لما في ~~الحديث الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم: ((لو أعطي أحدكم واديين من ذهب لابتغى لهما ثالثا، ~~ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب)) . PageV01P824 # [126/ب] وأنت أيها السيد ادعيت كمالك، فذا شيء ما علم، فإن قراءتك إنما ~~كانت في الفرائض والمترب وعلم الغبار والقسمة، وهذا إنما هو باب من أبواب ~~الفقه. وأما سائر علوم الإجتهاد مثل أصول الفقه وأصول الدين وعلم المعاني ~~والبيان والتفسير فليس لك في ذلك ما يعتمد عليه أصلا، ولا الحديث والأسانيد ~~ورجال الحديث والجرح والتعديل وما هو صحيح من السنة وما هو ضعيف أصلا. ولم ~~تسمع شيئا من كتب الحديث المسندة المعتمدة إلا مختصر جامع الأصول ، وليس ~~ذلك بمفيد؛ لأن الرجال ما عرفتهم ولا ما تكلم فيه بالضعف والصحة والحسن وهو ~~من شرط الأئمة ثم الاجتهاد وهو الاستنباط. وإنما غاية ما عندك التقليد، ~~وإمامة المقلد لا تصح، كما سلمنا، فأين استحضار مسائل الفقه ومعرفة الخلاف ~~ومعرفة أدلة المسائل وكيفية معرفة الترجيح فيها والمراجعة؟ هذا على سبيل ~~المجاراة على فرد دعواه، وأما إن كنت تريد مجرد الدعوى المتعارف بها من غير ~~مراعاة الشروط كما قد فعله غيرك فذا يرجع إلى باب الملك والسلطنة، وهو إنما ~~يكون بالغلبة لا بالاختيار، فلا عند كافة العلماء. وأما قوله أنه لا يصلح ~~أحد من آل القاسم لها فما يغلب إلا الله، فلو بحث السيد لوجد من هو متبحر ~~في العلم، فهذه دعوى نفي والشهادة على ذلك لا تصح كما هو مقرر في كتب ~~الفقه[127/أ] لكن منهم من زهد فيها واتبع قوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة ~~على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان ~~إنه كان ظلوما جهولا} . PageV01P825 # ومنهم من عنده من العلم مثلك، وهو ms419 إنما يريد الاجتماع في الكلمة لئلا يحصل ~~منازعة ومشاققة ومقاطعة أرحام، وصلاح الإسلام بتسكين الدهماء، وهم الآن وإن ~~كان بعضهم من القاصرين فليس له أهلية، ولعله يرجع عن ذلك، أو يكون من الملك ~~والتغلب وله حكم آخر. فإن الملك لله يؤتيه من يشاء، كما قال تعالى: {قل ~~اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء} . # وأما قولك:أنك الكامل والأحق بها، فإن كان للهوى فهو كما قال الشاعر: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى .... فوافق قلبا فارغا فتمكنا # وللعجب بالعمل دخل في المحرم، فإن من عجب بعمله هلك، كما في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم ~~أنه قال صلى الله عليه وسلم: ((لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أعظم من ذلك العجب العجب))، ~~رواه البزار، وذكره صاحب البيان في الفقه أول كتابه، والمهدي في تكملته أو ~~لمحبة الملك والدنيا دخل تحت الحسد، وهو محرم كما قال تعالى: {قالوا أنا ~~يكون له الملك علينا ونحن أحق بالملك منه} . # وفي (المطالب العالية) لابن حجر قال مسدد: حدثنا عبد الله بن داواد عن ~~موسى بن عبيدة عن طلحة بن عبد الله بن كريز قال: قال عمر بن الخطاب: ((إن ~~أخوف ما أخاف عليكم إعجاب المرء برأيه ، ومن قال: أنا عالم فهو جاهل، ومن ~~قال: إني في الجنة فهو في النار)) ، وقال عمر: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم [127/ب] ~~يقول: ((من زعم أنه في الجنة فهو في النار )) . # فالسعي بالإصلاح بين المسلمين هو الواجب، كما ذكره الله تعالى حكاية عن ~~النبي شعيب أنه قال: {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت} . وقال حاكيا عن نوح ~~عليه السلام: {ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن ~~يغويكم} والله أعلم. PageV01P826 # وفي عاشر شهر جمادى الأخرى وصلت أخبار اليمن الأسفل بأن محمد صاحب المنصورة ~~قام بالمملكة، واستولى على المخا وتعز ولم يكن له من قبل، كما استولى على ~~زبيد وبيت الفقيه بعد موت أحمد بن الحسن وغلب عليه ms420 في دولة المؤيد ودعا ~~الناس إلى إجابته، فأجابته بلاده، فصارت البلاد اليمنية هكذا بعضهم ممن ~~توقف وحفظ بلاده وهم العقال، وبعضهم دعا الناس إلى المملكة العامة والسلطنة ~~كصاحب عمران وكوكبان ، وصاحب المنصورة ولم يجبهم إلا بلادهم، ومنهم من لم ~~يجبه إلا أهل حضرته وما قاربه من بلاده. # هذا ما جرى معهم، والله أعلم كيف يكون منتهى عملهم، وبعث بكتبه إلى سائر ~~قبائل اليمن الأعلى، وغالبهم التوقف على من اجتمع عليه العلماء والأعيان ~~والعقلاء. # وجاء خبر صاحب صعدة بأنه أيضا أظهر دعواه للمملكة. # هذا على ناقوسه .... وذا على جبل يصيح # كل يصحح دينه .... ياليت شعري ما الصحيح PageV01P827 ووصل رسول صاحب المنصورة محمد كاني التركي وأصحبه بدراهم إلى حسين بن ~~المتوكل كثيرة، قيل: سبعة آلاف، ويطلب منه الإجابة، واشتغلوا بطلب الملك، ~~وما اعتبروا بمن مضى، وما قد جرى، وأن الملك لا ينفع. ولقد وصف من حضر موت ~~المؤيد بالمعرة بوادي النائجة مما فيه عبرة، وهو أنة لما وصل إلى الحمام ~~مات[128/أ] فيه وذاق الحمام، وأن مرضه كان هو الورام الشديد في وجهه ويديه ~~ورجليه، حتى صار كالمنتفخ، وأنه لما قضى الله عليه الموت والأجل المحتوم ~~وساقته الحفرة إلى ذلك الموضع باختياره، وما ناله في الطريق والجبال من ~~آلامه، مع الألم الذي مسه؛ طلب له الكفن فلم يوجد في محله، وإنما كفنوه في ~~بقايا ثياب، ثم طلبوا له نعشا فلم يوجد له، فكأنهم حملوه فوق عيدان إلى ~~قريب قرية هنالك لعلها الحيرة، وطلبوا منهم قعادة . فأعطوهم قعادة بالكرى ~~فلما وضعوه عليها جاءت قصيرة بقت أرجله معلقة عليها، وحملوه كذلك، فاتفق ~~نزول مطر غزير، فنزل سيل في شعبة على الطريق، فوضعوه فيها، وبقي السيل ~~والمطر يمر من تحته وفوقه حتى أضحى، ثم أطلعه الحمالون على مشقة في العقبة ~~إلى الجبل، فكان ذلك عبرة لمن اعتبر، وتذكرة لمن ادكر، فأين كان الملك الذي ~~كان؟ ثم لم توجد له الأكفان ولا ما يحمل عليه من العيدان، فسبحان القادر ~~على كل شيء، الذي كتب الموت على العباد ms421 والحيوان، وساوى بين الملوك فيه ~~والمساكين والفقراء والغربان، من الماضين واللاحقين إلى آخر الزمان. PageV01P828 # وفي هذه الأيام بعاشر شهر جمادى الأخرى التقى السيدان صاحب كوكبان وعمران ~~إلى وادي تعود للاجتماع منهما في رأيهما، وهما على دعاويهما، كل منهما أمير ~~في بلاده لا يتقيد للأخر في بلاد غيره كلامه، مختلفين ولم ينظروا في مصلحة ~~المسلمين وصلاحهم، بل في رئاستهم ومملكتهم يخبطون فيها خبط عشوى، وقد جاء ~~في جفر علي بن أبي طالب رضى الله عنه أنه قال: بعد دولة أحمد بن الحسن ومن ~~تبعه الملك الخراب الممزق للكتائب. # وفي هذه الأيام انحطت الأمطار بحمد الله في جميع اليمن، المشارق ~~والمغارب، وهو مطر الصيف، فصيفت جميع بلاد اليمن، وصار الناس في مذاري ~~الذرات، وأما الأسعار فباقية على الارتفاع؛ لأنه لا يردها إلا الصراب، وقد ~~لحقت الناس الأعسار في جميع مدة محمد بن المتوكل من حال تولي صنعاء وقيامه ~~بعد أحمد بن الحسن، وفي مدة أحمد بن الحسن إلى الآن نحو إحدى وعشرين سنة ، ~~فلله الأمر من قبل ومن بعد. ولما تحول حال محمد بن المتوكل، وتقضت أيامه، ~~وكان قد حصل في معبر أبنية وحوانيت خربها أهلها، وحملوا أخشابها وعادت كما ~~كانت أولا، لم يبق فيه إلا أهله الأصليين عبرة للمعتبرين. # وزيد بن المتوكل لما طلع من اليمن الأسفل كاتب إلى أطراف بلاد سنحان ~~للقيا له، وأن صنعاء في ولايته، فمنعهم صنوه حسين، فخرج عند ذلك إلى بلاد ~~ريمة وما يليها. # [129/أ] ووصل كتاب من يوسف بن المتوكل يذكر فيه الدعوى من جملة غيره، ~~فقلت في جوابه في ظهر كتابه ما هذه صورته: PageV01P829 # وعليكم السلام، وصل مكتوبكم هذا بالتعزية في صنوكم، فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون، والله يخلفه على المسلمين بأحسن الخلافة ويتلقاه بالرحمة والرأفة، ~~وأن يجمع كلمة المسلمين على الخير. وذكرتم دخولكم بعده للإمرة، وجعلتم ذلك ~~مشروطا برضى غيركم، فقد شارككم في ذلك كثير مثل صاحب المنصورة وصاحب صعدة ~~وغيرهما من الرؤساء. وذلك محل التنازع المنهي عنه، وفيه عدم السعي في صلاح ms422 ~~الإسلام؛ لأن كل واحد شرط ذلك، والشرط يتوقف على المشروط، ولم يتم المشروط؛ ~~لأنهم منازعون لبعضهم البعض في دعوى المملكة، وكل أجابه أصحابه وأهل نعمته ~~ميلا إلى الدنيا، فكان القياس أنكم تجمعون كلمتكم بهؤلاء الذين يريدونها، ~~كما توقف القاسم بن محمد المؤيد رعاه الله وحسين بن حسن. وأما هذه ~~الانتصابات في كل جهة فهي خلل على المسلمين، ولا ينظر أحد منكم إلى صلاح ~~الخاصة، بل صلاح العامة وتحرير النية؛ لأن النية إذا كانت مشوبة بما يفسدها ~~من طلب الملك فسدت وبطلت، وأما شروط الإمامة الكاملة فنعلم ويعلم غيرنا ~~تعذرها، وعدم الأهلية لها فيمن قد طلبها. فالأولى التوقف صيانة للمسلمين من ~~الاشتجار والاختلاف فيما بينكم، وأنتم أرحام، وقطيعة الرحم فيه الوعيد ~~الشديد في القرآن والسنة. PageV01P830 # ولأن إذا بلغ الأروام اختلافكم خرجوا عليكم، وأزالوا هذه الدولة عنكم بأشر ~~حال، كما فعلوه لأولاد مطهر بن شرف الدين لما اختلفوا. وقد كان بلغنا أنكم ~~قد رجعتم عن ذلك، وقلدتم صنوكم الحسين بن المتوكل، ثم جاء كتابكم هذا ~~بخلافه[129/ب]، وليس في هذه الدعاوى سكون الدهماء، بل هي عين المحركة ~~للاختلاف والاشتجار، إنما السكون لو توقفتم جميعا، وبقي كل منكم فيما إليه ~~من البلاد التي قد ولاها المتقدمون على قول الجمهور: أن الولاية لا تبطل، ~~ولا يشاجر أحد منكم الآخر في الزائد على ما تحت يده ومن ناب ولكل ولاء أمام ~~فعله بلا نصب على الأصح فيما تحت يده. هذا هو تسكين الدهماء إن أردتموه، ~~وإلا فهي سترجع بعد لمن غلب من القهر والغلبة -على قول أهل السنة والإمام ~~يحيى والإمام شرف الدين - بعد مظالم وسفك دماء وانتهاك حرم وأموال ومآثم ~~كبيرة. فلا حول ولا قوة إلا بالله. فإن تحب السعادة فلا تدخل في هذه الشبكة ~~العظيمة، هذه نصيحة، ولا تغتر لمن يلفق لك الأقوال، واعتبر بمن مضى، فلم ~~ينفعهم لا ملك ولا مال والسلام. # وأرسل حسين بن المتوكل إلى عند السلفي والي حراز يعينه ومعهم الأمير عبده ~~الداعي، وأمره بالسكون[130/أ] في مناخة عند السلفي. وأما ms423 صنوه حسن فوصل ~~أصحابه إلى الجانب الغربي من حراز من بلاد حصبان ، منعته القبائل ومنعت ~~القبائل هذه الوالي من طلوعه. وحسين بن علي بن المتوكل أمر بخراب بيت لابن ~~راحج؛ لأجل أنه سلم تعز لصاحب المنصورة، وفتح الباب لعسكره، فأشرف عليه ~~صاحب العدين عبد الله بن يحيى بن محمد بن حسن الأحول من مغربة سد مشورة ~~وإسحاق من الجبل الذي فوق جبلة للإرعاد عليه والإبراق؛ لأنهم إلى جانب صاحب ~~المنصورة. PageV01P831 # ووصل أصحاب صاحب المنصورة إلى ميتم قريب جبلة، وعلى الجملة إن حسين بن علي ~~صار في إب كالمحاصر. واستولى المذكور على جميع اليمن الأسفل بأجمعه، وأرسل ~~على حسين بن علي خيله ورجله، وحسين بن علي قيل: إنه إذا اضطر واجه وسلم الأمر. # قال الراوي: ولعله يبلغ إلى اليمن الأعلى يريد أخذه بالسيف من غير مراعاة ~~رضى، فصار الناس في حيرة مما يخشى من المعرة؛ لأنه ينضاف معه إذا طلع إلى ~~ذمار القبائل فيحصل على البلاد المعرة، مع ضعف البلاد وغلاء الأسعار، فلا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم. وأما مشائخ الحجرية الذين كانوا بالحبس عنده ~~فإنه شدد عليهم وأطلعهم حصن الدملوة، لئلا يخالفوا عليه، واستمال من استمال ~~من المشائخ الآخرين كالشيخ ابن مغلس صهره، وهو من كبار مشائخ الحجرية. # ووصل كتاب من محمد بن أحمد بن الحسن يذكر دعوته وتلقب بالناصر، وأنه ~~أجابه قضاة تعز والقضاة بحضرته وأهل بلاده، وقال الرسول: لعله تهيأ للخروج ~~من المنصورة، واستخلف ولده عبد الله فيها، وأن قد ألزم بالضيافة في الجند، ~~وهذا لفظ جوابه: PageV01P832 # بسم الله الرحمن الرحيم # الصنو الجليل النبيل سليل الآباء الأكرمين، عز الإسلام والمسلمين[130/ب] ~~محمد بن أمير المؤمنين حفظه الله وأهدى إليه شريف السلام ورحمة الله ~~وبركاته. وأنه وصل كتابكم لما بلغكم من وفاة المؤيد بالله محمد بن أمير ~~المؤمنين، وإنا لله وإنا إليه راجعون، والله يتلقاه بالرحمة والغفران، ~~ويحسن خلافته على جميع أهل الإسلام. وذكرتم انتصابكم بعد بلوغ خبره وبث ~~رسائلكم إلى الجهات، والله تعالى يصلح الأحوال، ويجمع الكلمة على الخير ms424 في ~~الحال والمآل، ولكن الأمور قد انتثرت في هذا البلاد العليا، وادعى هذا ~~المنصب جماعات مما صرنا وغيرنا في حيرة عظيمة منها؛ لأنه يحصل بسبب ~~الاختلاف شجارات تفضي إلى القتال، وعدم سكون الدهماء فيما بين هؤلاء ~~الجماعات مما بسببه الخلل على المسلمين وانتهاك الحرمات، ولا سيما وأكثر ~~هؤلاء الدعاة أرحام وعصاب، ولا يخفاكم ما في قطيعة الرحم من الآيات ~~البينات، والأحاديث النبويات، وأما والدكم الحسين بن الحسن والقاسم بن محمد ~~فإنهم لما رأوا هذا الأمر وما يؤول إليه توقفوا فيه، ولم يقدموا عليه، ~~وأشدهم وأصلبهم في طلبه صاحب صعدة، وإن كان غيره أهون شوكة، وبقي معكم ~~والدكم الحسين بن الحسن والقاسم بن محمد، وكذلك حسين صاحب صنعاء إذا رأيتم ~~تقديم اجتماع كلمتهم قبل حصول حادث فيما بينكم وبينهم فالأمر إن شاء الله ~~متماثل ومتقارب، وإذا قد اجتمعتم على كلام واحد، فسائر الناس أجمع أتباع ، ~~ولا يخشى منهم ضرر ولا نزاع، وأنتم أعرف بالصواب إن شاء الله، وممن يسعى في ~~المسلمين بالصلاح والاجتماع. وأما صنوكم فلا يخفاكم حاله، وأنه تخلص عن ~~جميع علق تكاليف الخلق للأولين والآخرين، وعرف منا ذلك المتوكل فيما مضى، ~~فعذر وارتضى، وكذلك والدكم، وكذلك محمد بن المتوكل، كلهم سايرونا على ما ~~نحبه من عدم تعلق أمر، ولا تكليف ولا محاضر ولا مجامع، وإعذارانا مما لا ~~يخفاكم اتباعا لقوله تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على PageV01P833 السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه ~~كان ظلوما جهولا} والسلام. # وانتهت النصائح للمذكورين في الاجتماع في جميع هذا الشهر، فلم يجد، فكان ~~الأمر كما قال المتنبي: # وإذا كانت النفوس كبارا .... تعبت في مرادها الأجسام # [131/أ] وكان حسين بن المتوكل وأحمد بن المؤيد قد جمعوا القضاة والسادة ~~وغيرهم يوم الأربعاء آخر يوم بشهر جمادى الأخرى، وقال: الأولى قيام القاسم ~~بن المؤيد وأمر الحاضرين بكتابة شهادتهم، فكتبوها وشاع في الناس أن قد ~~بايعوا القاسم ولم يحضر محسن بن المهدي معهم، بل قد كان بنى بالخطبة ~~بالغراس لصنوه محمد صاحب المنصورة، ولكن ms425 غلبه القبائل من بني الحارث وهمدان ~~والقاضي عبد الواسع ، فامتنعوا عن الخطبة لمحمد، ودخل القاضي عبد الواسع صنعاء. # وكان من جملة من شهد لقاسم، وكان في خلال ذلك بيوم الخميس غرة شهر رجب ~~وصل كتاب من حسين بن علي بن المتوكل من بلاد إب وجبلة يذكر فيه إلى عمه ~~حسين بالمبادرة بالغارة عليه، وأنه قد صار بإب محاصرا، لم يبق بينه وبين ~~إسحاق بن المهدي إلا مقدار ساعة، فالغارة الغارة والبدار البدار، فلم يتمكن ~~صنوه بمادة من صنعاء، بل كان أرسل بكتب إلى محمد بن المهدي من السادة ~~والأعيان والقضاة بالنصيحة في جمع الكلمة وترك الفرقة، وأن هذه المفاتحة ~~بالحرب لا تصلح، وأن على المسلمين مشقة لا سيما هذه المدة بسبب غلاء ~~الأسعار وضعف الناس وترك الحركة إلى البلاد العليا، فالله أعلم ما يتم من ذلك. PageV01P834 # وفي شهر رجب وصل الخبر إلى صنعاء أن صاحب المنصورة جهز بعض خزائنه إلى تعز، ~~وأنه متجه في الأثر يريد التجهيز إلى اليمن الأعلى[131/ب]. ولما وصل هذا ~~الخبر تغير حسين من ذلك، وأمر أهل الحيمة باللقيا إلى ذمار، فاعتذروا عن ~~ذلك، وقالوا: لهم جوامك مقطوعة ولا يتركزوا في وجه جنود صاحب المنصورة ~~وامتنعوا، فأراد إرسال عبد الله بن أحمد بن القاسم وتوليته لذمار؛ لأنه له ~~من زمان أخيه محمد بن المتوكل، فاعتذر أيضا، وعلم أن التولية له فيه إنما ~~هو إغراء ومحرك للفتنة والحرب مما ليس فيه جدوى، لعدم القوة الناهضة ~~والخزائن الواسعة، فلما لم يحصل ذلك تحدث وربما كتب إلى صنوه القاسم صاحب ~~ثلاء، وأنه يجتمع هو وإياه وصاحب عمران وكوكبان على كلمة واحدة، ويبايعون ~~لقاسم، ويجمعوا جندهم على صاحب المنصورة، ثم فسد ذلك الحديث ولم يتم، وكلما ~~أهموا بشيء لم يتم مما يتعجب منه. # ربما تكره النفوس من الأمر .... له فرجة كحل العقال # ووصل خبر بأن ظفار حضرموت دخله طائفة من البحر استولوا عليه، وأنه حصل ~~حرب فيما بين الفضلي ويافع، والله أعلم. # وكتبت يافع إلى حسين بن علي بن المتوكل: إنك ms426 إذا احتجت إلينا أعناك، ~~فأشار عليه من أشار من أصحابه: لا تركن عليهم فإنهم لا يؤمنوا على الجميع. # وفي خامس جمادى هذا وصل الخبر بأن صاحب المنصورة مريض، وأنه كان أراد ~~الخروج، فاعتقل بسبب المرض، فسكن الحال مع الناس هذه الأيام، وأحاط إسحاق ~~وإبراهيم ابني أحمد بن الحسن بحسين بن علي بن المتوكل، فإبراهيم سكن ظلمة ~~وإسحاق صهبان . PageV01P835 # [132/أ] وفي ثالث عشر شهر رجب وصل الخبر بأنه حصل فيما بين إبراهيم بن أحمد ~~بن الحسن وبين حسين بن علي بن المتوكل حرب، فكان ذلك أول فتح بين ~~المذكورين. وذلك أن إبراهيم بن أحمد بن الحسن تحرك من ظلمة إلى سد مشورة ~~المطل على العدين، فترجح لحسين بن علي بن المتوكل اللقيا له إلى ذلك المحل ~~واحتربوا، فوقع القتل بين الطائفتين، ثم انهزم أصحاب إبراهيم واحتاز ~~إبراهيم في بعض البيوت هنالك. وكان المباشر للحرب الأمير فرج، ثم أغار قاسم ~~بن علي بن المتوكل والشيخ حسين بن محمد الوادعي من عند حسين بن علي بن ~~المتوكل، فأحاطوا به في الدار، وما زالوا يرمون من داخل أصتاب من ذلك ~~جماعة، ومنهم الشيخ حسين بن محمد الوادعي برصاصتين، وكان ذلك يوم الأحد ~~حادي عشر رجب الفرد في شهر الله الحرام. وكان القتل من أصحاب حسين بن علي ~~كثير، وكذلك من أصحاب إبراهيم، أولا كان القتل في أصحاب إبراهيم وآخره كان ~~في أصحاب حسين بن علي. فمن أصحاب إبراهيم نحو خمسة وعشرين نفرا ومثلهم ~~مصاويب في حرب اليوم الأول، وفي اليوم الثاني كثير، وأكثر القتل في اليوم ~~الثاني في أصحاب حسين، لما أقبلت الغواير من الجانبين من إسحاق وغيره، ثم ~~اهتزم أصحاب حسين بن علي إلى إب وجبلة وتفرقوا وتمزقوا إلى كل جهة. وحينئذ ~~خطب محسن بن المهدي بالغراس لصنوه في يوم الجمعة ثالث وعشرين شهر رجب، فلم ~~يعجب القاضي عبد الواسع خطيب الغراس ودخل صنعاء فخطب غيره. ويوسف بن ~~المتوكل حال أن بلغه هذا الحادث أرسل بقدر مائتين رئيسهم القاضي يحيى جباري ~~مأمورا من ms427 عنده بالإصلاح إن حصل، وإلا كان يدا مع حسين بن علي بن المتوكل. PageV01P836 # ولما ثل عرش الخلافة وهوى نجمها، ووهى ركن الإمامة وطمس رسمها، وصارت ~~الإمامة دعوى[132/ب] وعادت العافية بلوى، والخزائن التي حفظوها تزول وتهوى، ~~حتى عطلوها وتحاربوا بها، فلا قوة إلا بالله، ويخشى عليهم -مع هذا ~~الاختلاف، والتحارب فيما بينهم وعدم الائتلاف- زوال دولتهم أجمع، فيزول ~~عنهم الطمع: # لما دنى الوقت لم تخلف عدة .... وكل شيء لميقات وميعاد # إن يخلعوا فبنو العباس قد خلعوا .... وقد خلت من قبلهم أرض بغداد # وكان حسين بن علي بن المتوكل قد بعث رسولا السيد قاسم بن لقمان إلى حضرة ~~محمد صاحب المنصورة، فكان جوابه أنه يبقى لحسين ما بقي تحت يده جبلة وإب ~~وما حولها دون تعز فلا سبيل إليه، فقال حسين: هذا لا يسمح به، وبنى على ~~القتال، فحصل ما جرى وترك النصيحة بأنه يتوقف وأن ترك المفسدة أولى من جلب ~~المصلحة، كما ذكره العلماء، فلم يحصل لذلك جدوى، فأصبح حيث أمسى، وانقلب ~~الأمر عليه، وزال ما في يديه، وكان كما قال الله تعالى: {ولا ينفعكم نصحي ~~إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم} لحكمة علمها تعالى. PageV01P837 # ووصل خبر أن بعد هذه الواقعة والهزيمة لأصحاب حسين بن علي بن المتوكل وما ~~جرى فيه وأصحابه من الكسيرة، وعاد سيفه مغلولا، وجنده ما بين مقتول ومنهوب، ~~انصبت تلك الجنود الصائلة إلى وادي جبلة، من تلك الجبال التي فوقها زاكية، ~~وعليها عارية، لاتصالها بسد مشورة حيث وقع الحرب أول مرة فانحدروا إليها ~~كالسيل، [133/أ] وأظلمت على أهلها الآفاق كما يظلم الليل، وأرادوا أن ~~يدخلوها بالسيف الضارب وانتهبوها، وفر من فر وانكسر من انكسر من أصحاب حسين ~~بن علي وغيرهم من ساكنيها، وكان حسين بن علي يومئذ بجبلة وعادت رجال ~~الجالبين لميرة الطعام من الطريق، وانقطع المسافرون من التجار خوف التعويق. ~~وكان بعض الواصلين إلى جبلة بدراهم لشياطة الحب انتهبت عليه حال الحرب، ~~ورجع عطلا آسفا حتى أمسى تلك الليلة بجرف وهو خائف ms428 يترقب، وإذا برجل يحفر ~~تحته حفرة ودفن فيها شيئا يقرب من ذلك المحل الذي هو فيه وهو لا يشعر به ~~مما انتهب يوم الحرب حال الكسيرة، فلما أصبح الصباح، وظهر أوائل الفجر ~~ولاح، سار إلى ذلك الموضع ينظر ما دفنه فيه ذلك الرجل، فإذا هو بجنبيه ~~محليه وسيف وغدارة أيضا محلية ، فحملها وسار الطريق، وقال: قد هذا من العوض ~~فيما راح من الدراهم والتعويق، فلا قوة إلا بالله العلي العظيم. # ثم إن حسين بن علي بن المتوكل لما علم القهر له والغلبة، والجنود التي ~~ليس له بها طاقة وعاين ما جرى خضع ودخل فيما كان رسم عليه، وجرى أهل ~~المدينة ومن لديه، ومن بقي له من بلاد إب وما إليه، وبايع ودخل في مبايعة ~~صاحب المنصورة [133/ب] لما لم يجد له منقذا ولا ناصرا إليه، ونصرت جميع ~~بلاده لصاحب المنصورة المسمى بالناصر. # واكتف ذلك الأمر الذي جرى، بعدما وقع ومضى. وكان جملة القتلى من الجانبين ~~كما قيل: ستين قتيلا . PageV01P838 # قال الراوي: وسبب حصول الحرب في سد مشورة أن إبراهيم لما جاء له الرأي من ~~صاحب المنصورة بالمناجزة نزل من ظلمة أطراف بلاد حبيش التي إليه إلى سد ~~مشورة، وبرز فيها خيامه، يريد النزول على قصد جبلة لفتحها، وكان حسين بن ~~علي فيها، فتلقاه عسكره إلى سد مشورة وفيهم من الرؤساء معه أخوه قاسم ~~والشيخ حسين وفرج العبد فكان الحرب هنالك، ثم احتاز إبراهيم إلى بيت من ~~أطراف بلاد حبيش، فخاطبوه في الذمة، وأنه يخرج من الدار ويرجع إلى ظلمة، ~~فساعد في الظاهر وهو مضمر خلافه، ولعله باختياره إنما يريد به الخديعة، ~~فتقرب الشيخ حسين بغروره إلى جنابه، هو وجماعة من أصحابه ينتظرون خروجه، ~~فرموه من الدار فقتل واحتزوا رأسه وقتلوا الذين معه. ثم انكسر أصحاب حسين ~~بن علي، فحين رأى حسين بن علي هذا الواقع واجتماع الغارات دخل في الصلح ~~لصاحب المنصورة، ووضعوا الأمان لأهل جبلة وسائر البلاد إلى رأس ~~سمارة[134/أ]. والشيخ حسين المقتول وقع معه عدم النظر في العواقب، ms429 وأن ~~الأمان ليس وضعه في الحروب من الخارج حيث قد انحصر إحدى الطائفتين، وإن حصل ~~ذلك كان على جهة التباعد والاحتراس وعدم التساهل، لأن قلوب المتحاربين تكون ~~محترقة، وكل منهم يتربص بصاحبه الفرصة سيما من له رئاسة في الحروب؛ لأن ~~نكايته وهلاكه انكسار قومه، قال صاحب (الغرر الواضحة والمساوئ الفاضحة) في ~~باب ذم التصدي للهلكة ممن لا يطيق بها ملكه قال تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم ~~إلى التهلكة } . # وقال تعالى: {خذوا حذركم } . # وقالوا: الشجاعة تغرير والتغرير مفتاح الهلكة، وقال يزيد بن المهلب : ~~الإقدام على الهلكة تغرير، والإحجام عن الفرصة جبن. وأنشد لجمال الدين بن ~~الحسين : # ركوبك الأمر ما لم تبد فرصته .... جهل ورأيك في الإقحام تغرير # فاعمل صوابا وخذ بالحزم مأثرة .... فلن يدوم لأهل الحزم تدبير PageV01P839 ويقال: أهوت إلى يزيد بن المهلب حية فلم يتوقها، فقال له أبوه: ضيعت الحزم ~~من حيث حفظت الشجاعة، وقال الشريف الرضي : # العزم في غير وقت العزم معجزة .... والإدبار بغير العقل نقصان # ويقال: من قاتل بغير نجدة، وخاصم بغير حجة، وصارع بغير قوة، فقد أعظم ~~الخطر، وأكثر الغرر، وقال بعض الحكماء: من أعرض عن الحذر والاحتراس، وبنى ~~أمره على غير أساس أزال عنه العز، واستولى عليه العجز، فصار من يومه في ~~نحس، ومن غده في لبس. # وفي كتاب الهند الحازم يحذر عدوه على كل حال[134/ب]، ويحذر مواثبته إن ~~قرب وغارته إن بعد، وكمينه إن تبع، ومكره إن انفرد، واستطراده إذا ولي. ~~وقال أبو بكر الصديق لخالد بن الوليد: إذا دخلت أرض العدو فكن بعيدا عن ~~الجملة، فإني لا آمن عليك الجولة، وقول الشاعر : # ومن يأمن الأعداء لا بد أنه .... سيلقى بهم في موقف الموت مصرعا # وقيل لعنترة العبسي المشهور بالشجاعة: أنت أشجع العرب وأشدها قال: لا كنت ~~أقدم إذا كان الإقدام عزما، وأحجم إذا كان الإحجام حزما، ولا دخلت موضعا ~~إلا أرى لي منه مخرجا. ويقال: تفكر قبل أن تعزم وتدبر قبل أن تهجم، فإنه من ~~لم ينظر في العواقب، فقد تعرض لحادثات النوائب، إلى آخر ms430 ما ذكره. # فالشيخ حسين عرض نفسه للهلاك وهم في الدار متحصنين وتقرب لهم كالنصح ~~ينتظر خروجهم إلى يده، وهذا أعظم شيء عليهم، كيف وهم مقاتلون على خلاف ذلك، ~~فوقع فيما وقع، ولما قد كتب عليه وسبق به علم الله تعالى مات بأجله ~~المحتوم، مع أن هذا القتال من المشتبهات، ظاهره القتال على الملك من ~~الطائفتين، فلا قوة إلا بالله العلي العظيم. PageV01P840 # ولما بلغ هذا الحادث حسين بن المتوكل صاحب صنعاء تغير من ذلك كثيرا، وأمر ~~بعض القضاة إلى القاسم بن المؤيد بتمام الدعوة، وإنه مجيب له، يستظهر به ~~على صاحب المنصورة، ثم جاء الخبر من جبلة بأنه وقع فيها الحرب العظيم ~~والاستيلاء عليها وعلى حسين بن علي بن المتوكل، وانتهبت جبلة وقتل فيها ~~كثير من جبن من اليهود والنساء[135/أ].، وكان الحرب ودخول جبلة يوم الخميس ~~تاسع وعشرين شهر رجب منها. وبعد بلوغ الخبر إلى صنعاء حصل مع حسين بن ~~المتوكل وغيره الوشا ، وعقد الخبر هو ويحيى بن محمد بن الحسين صاحب البستان ~~على بعث كتاب إلى صاحب المنصورة بأنهم يسلمون الأمر إليه ويواجهون، وزلجوا ~~الرسول يوم الإثنين ثالث شهر شعبان. والقاسم بن المتوكل يسلم الأمر ببلاد ~~ثلاء لصاحب المنصورة. وأراد به قمع صاحب عمران وكوكبان لقربهم منه؛ لأنهم ~~صاروا يرجعون عليه. فأراد التقوي بذلك عليهم، والإرجاف عليهم وواحدة بواحدة ~~جزاء، فالدنيا عبر. ولما بلغهم هذا الحادث فشلوا وخضعوا لا سيما صاحب ~~عمران، فإنه قد كان سارت كتبه بالدعوى للإمامة إلى كثير من الجهات البعيدة، ~~وكتبه متربة بالحمرة، معلومة رأسها العلامة وعمم بذلك جميع الرؤساء مما يدل ~~على قلة الحياء ممن هو أكبر منه سنا. فكانت علامته وتربته الحمرة إلى صاحب ~~المنصورة، وإلىقاسم بن المؤيد وإلى غيره من العلماء والأعيان والقضاة ~~والسادة مما فيه طغيان، وليت وأثرت أحد كتبه في واحد ممن كتب إليه وزوره، ~~لكن جميعهم لم يلتفت إلى زخرفه، لمعرفتهم بعدم علمه وغلبته بالمرة، وإنما ~~صار كثير من الناس من يستهزئ به، فلا قوة إلا بالله. # وكان قد طغى ms431 أيضا وضرب الضربة وجعل رسمها بلقبه الذي تلقب به وهو ~~المتوكل، ضربته ضعيفة، وحاله ركيكة، والدنيا أحوالها عجب، وزمانها قلب. PageV01P841 # [135/ب] ولما بلغه حادث جبلة وما وقع فيه من القتلة ارتجف ارتجافا عجيبا، ~~وأمر بالحراس في نوب دائر عمران، خشية من جهة محسن لا يقصده لما قد بلغه ~~هذه القضية، فتحريه على أمر يفعله ورفع الضربة في الحال، وانكسر عما كان من ~~دعوى المحال، فسبحان المعز المذل لمن يشاء، واستيقظ من نومته وانتبه من ~~غفلته. قيل: وجملة جنود عبد الله التي طلع بها من عند والده خمسة آلاف أو ~~ستة، مجموعة من قبائل الحجرية ومن العسكر، فوقع أول الحرب والقتل في أول ~~القوم، وهم الحجرية بالبنادق من البيوت، ثم اختلطوا لما خرجوا فيهم، وكان ~~فيه الاستيلاء على حسين بن علي . # وفي رابع شعبان وصل جواب قاسم بن المؤيد على حسين في شأن ما كان كتب به ~~من الوصول إلى صنعاء وإظهار الدعوة مضمونه الوعد بذلك إلى نصف شهر شعبان، ~~وقيل وعد مطلق، فظهر بسبب ذلك عدم القيام من قبله لما طلبوه منه مع قرب ~~الجيوش المحمدية لصاحب المنصورة، فإنه الآن بلغ أن قد بلغت أوائل جيوشه إلى ~~يريم وذمار، وأن قد واجهت بلاد ذمار عن بكرتهم وولى فيها إسماعيل بن عبد ~~الله بن القاسم ، وأن حسين بن حسن صاحب رداع أجاب إلى ابن أخيه، وأنه لم ~~يبق إلا يوسف بن المتوكل صاحب ضوران. # [136/أ] وفي هذه المدة بنصف شهر شعبانها واجهت بلاد ذمار لصاحب المنصورة ~~وجميع بلاد عنس وزبيد، وجعلت الولاية فيها لإسماعيل بن عبد الله بن القاسم، ~~وكانت في ولاية حسين بن المتوكل، ثم واجهت صنعاء، واضطروا حسين بن المتوكل ~~إلى ذلك. وكذلك صاحب كوكبان حسين بن عبد القادر، وعند ذلك أيس أحمد بن ~~المؤيد وصنوه القاسم عما كان كاتبوه من اجتماع الكلمة وتقرير القول. وسار ~~أحمد من الروضة إلى بلاده وادعة وجهاتها وقاسم إلى شهارة. PageV01P842 # وفي هذه الأيام طلع حسن بن المتوكل من اللحية إلى ضوران بجميع خزائنه، ms432 ~~فتلقاه صنوه يوسف بالرحب والسعة وكل منهم أمير نفسه، ثم لما تقاربت جيوش ~~صاحب المنصورة إلى ذمار واجه الحسن وسلم الأمر. # وفي هذا الشهر لما قصد اليافعي المحاربة للرصاص، واستولى على البيضاء ~~خلفه الرصاص بالمغزى إلى جبل العر، فدخله وخرب فيه مرفد والمتارس التي في ~~الطريق التي كان بناها في الحرب الأول، وهرب ابن العفيف وانتهبها، ثم عاد ~~الرصاص إلى بلاده، فكان ذلك أعظم واقع عليه، لتعاظم نفسه. # وفي هذه الأيام مات السيد إسماعيل بن إبراهيم بن جحاف بحبور وكان المذكور ~~قاضيا فيها وحاكما، لكنه كان شططا في أحكامه، يميل عن تنفيذ ما اتضح وجهه ~~لمن وصله بره واستخف بمن لم يهاديه ويحكم بالحكم له. # والأسعار ارتفعت[136/ب] بصنعاء، بلغ القدح البر عشرة، والذرة ثمانية وتسعة. # وفي أول هذه السنة سارع الناس إلى قطع أشجار جبل ضين ، بعد أن كانت من ~~أول مخدمة، فلم يبق فيه شيء، ولكنه حصل في ثمار بلادهم الضعف، ونزل في ~~أكثرها البرد في المطر فأزالها. # وفي هذه الأيام بآخر شهر شعبان تحرك إبراهيم وتبعه عبد الله بن يحيى ~~الذي كان بالعدين بالتقدم من يريم، فدخلوا إلى ذمار، وأرسل إبراهيم إلى ~~زراجة بأدب وأهم بخراب القرية؛ لأجل ما وقع منهم من عدم ضيافة صنوهم القاسم ~~بن المهدي ورجم أصحابه. # وإسحاق كاتب إلى يوسف من أجل أنه يسلم الأمر ويتوعده إن لم يدخل في ذلك ~~من جانب صنوه محمد، فبقي يوسف حائرا في أمره عاضا على يده لعلمه أنه لا ~~يقدر على مقابلته وحده، وقد قيل إنه سلم الأمر اضطرارا. PageV01P843 # وفي خامس رمضان وصل جماعة عسكر وقائد معهم نحو ستة أنفار من صاحب المنصورة ~~إلى بلاد حجة ليتسلموها ويقبضوها. ولم يمروا على صاحب عمران حسين بن محمد ~~الذي كان بسط عليها، فلحق لهم جماعة للرجوع إلى عنده وأنه مسلم للأمر، فلما ~~وصلوا إليه خلع نفسه من دعواه، وأنه داخل تحت[137/أ] أوامر صاحب المنصورة، ~~وأمر خطيبه بتحويل الخطبة لصاحب المنصورة محمد بن أحمد بن الحسن في يوم ~~الجمعة خامس ms433 رمضان، ومحى رسمه الأول عن الخطبة. وقال لهم: ابقوا حتى يعود ~~جواب صاحب المنصورة من جهة بلاد حجة، فإنه يريد إبقاه على إمرتها، فسخر ~~كثير برأيه هذا. وقال العاقل: حيث كان يأتي على هذا لو تقدم رسوله وكتابه ~~مع الأولين بالمواجهة والتسليم وإبقاه على هذه البلاد من غير ترسيم لكان ~~أقرب إلى الانطلاق، لكنه كان في سكرته حتى أفاق. وانظر وتعجب من التفرق كيف ~~مآله، وما يرجع إليه أحواله، فإن صاحب المنصورة سهل عليه أمرهم، والتقط ~~الأول فالأول منهم وهلم جرا، وضعفت شوكتهم، وإلا فلو كانوا جميعا يدا واحدة ~~ما كان يقدر عليهم. وما أشبه هذا بعمل سنان باشا مع عيال مطهر، فإنه لما ~~جمع عصيه وقال لبعض خاصته: من يقدر على كسر هذه؟ فقالوا: لا يقدر أحد عليه، ~~ثم فرقها واحدة واحدة ، فقال: فهكذا نقدر على كسرها. فقالوا: نعم، فلو أنهم ~~أغاروا جميعا بعساكرهم على حسين بن علي صاحب إب وجبلة كانوا ~~الغالبين[137/ب]، فلما أفردوه هنالك بعد أن كان طلب منهم الغارات فلم تحصل، ~~حصل ما حصل ووقع ما وقع من المقتلة العظيمة والحالة المستنكرة، والحال أن ~~صاحب المنصورة وإن كان واحدا، لكنه قد اجتحف بلاد اليمن الأسفل والبنادر، ~~فليس حسين وحده بكفء له وإنما كفؤه جميع اليمن الأعلى. # هذا بالنظر إلى العادات لا خوارقها، فالله تعالى يخرق العادة بالنصر لمن يشاء. PageV01P844 # وفي هذه الأيام سابع رمضان والى يوسف صاحب ضوران إلى صاحب المنصورة ~~بالاضطرار، بعد أن كان متصلبا في رسائله وكتبه بأن يجب على الناس الإنكار ~~على دولة محمد بن أحمد بن الحسن. وأنه قد بقي على حسين بن علي، وما زال ~~يستغيث بالغارة فلم يجبه أحد، إلا هو بعث بغارة في آخر أمره وما نفعته؛ ~~لأنها وصلت إلى المخادر وقد انقضى عمل جبلة. وكان في بعض رسائله يدعي ~~التبريز في العلم والكمال، ومرة اتفقت به في سنة حجه أيام زمان أحمد بن ~~الحسن أو صنوه محمد فذكر لي سائلا في بعض الأحاديث أجبته، ثم قال: الذهب ~~محرم ms434 على الرجال والنساء جميعا، فقلت له: أما الرجال فلا شك وأما النساء ~~فلا لحديث: ((هذان محرمان على ذكور أمتي حل لإناثها )) ، قال: لكن حديث ~~التسوير من النار قاض بالتحريم وهو يعارض[138/أ] هذا، فقلت له: الإجماع على ~~الحل للنساء وحديث السوار حمله العلماء على منع الزكاة منهن، والوعيد لأجل ~~الزكاة، فهذا وجه تمشية الأحاديث المذكورة في هذا الباب. # وقد سلم الدعاة جميعا لصاحب المنصورة، وخلعوا أنفسهم اضطرارا من غير ~~قتال، خشية من الوقوع فيما وقع لصاحب جبلة. PageV01P845 # وفي هذه الأيام رأيت كتابا لصاحب المنصورة يذكر فيه أنه بلغه طلوع حسن بن ~~المتوكل بخزائنه إلى ضوران، وأنه إذا هو يريد الفتنة عرف ذلك، وتوهم أنه ~~سيقاتل أصحابه وأصناه الذين بعثهم إلى ذمار وحسن بن المتوكل قد كان أولا ~~ربما بنى على هذا. فلما بلغه الحادث مع ابن أخيه حسين بن علي الاستيلاء ~~عليه ترك ما كان أهم به. وحسين بن علي بن المتوكل قد كان صالح وأجاب إلى ~~جناب صاحب المنصورة على يد إسحاق بن المهدي بجبلة، وجعل له بعض تلك الجهة، ~~ثم لما بلغه غارة يوسف رجع عما كان فعله أولا إلى القتال، فجرى ما جرى. ~~وكتب صاحب المنصورة بخطه في شهر شعبان أنه[138/ب] يريد الطلوع والاتفاق ~~بالأصناء والأولاد إلى معبر أو ذمار، فلو كان هذا قبل ما قد جرى من الفتنة ~~الكائنة بجبلة كان ذلك هو الذي أراده القاسم بن المؤيد صاحب شهارة وكافة ~~الأعيان من السادة والقضاة، وأنه لا يقدم ولا يحجم في شيء حتى يكون على ~~اجتماع كلمة، فلم يسعد إليه المذكور، وجزم بالقتال من غير تردد في الأمور، ~~وصده عن تمام الطلوع فتنة يافع. وصدقت التجربة في اختلاع كل سادس من ~~الخلفاء، فكان كل من قام من هؤلاء هو في طبقة السادس من قيام الإمام ~~القاسم، فخلعوا أنفسهم، هذا حسن بن المتوكل وصنوه يوسف وحسين بن محمد صاحب ~~عمران، وحسين بن عبد القادر صاحب كوكبان، خلعوا أنفسهم جميعا وبقي صاحب ~~المنصورة، وصاحب صعدة أيضا خلع نفسه وأجاب ms435 محمد. وأما صاحب شهارة فإنه بعد ~~وصوله شهارة وما جرى في اليمن الأسفل بجبلة وأيس من الاجتماع بقي على توقفه ~~بشهارة، ولكنه مع ذلك لم ينفذ بلاده الأصلية للضعف معه ومع الناس من هذا ~~الغلاء والشدة. # [139/أ] وجاء سبب تضاعف أمر صاحب المنصورة بانصرافه إلى مفاتحة المشرق. PageV01P846 # وفي شهر رمضان بعث صاحب المنصورة محمد بن المهدي رسلا إلى رؤساء اليمن ~~الأعلى بأنهم يرسلون من أصحابهم عسكرا لقصد المشرق، وأرسل المقدمات من ~~أصحابه إلى تلك الجهة، فأرسل إلى بلاد أبين ولحج ولده يحيى وإلى الجهة التي ~~يقرب إليها آخرون. # وأما ولده إسماعيل فباقي في قعطبة، فكان ذلك على رؤساء أهل اليمن الأعلى، ~~وعلى من معهم أشق شيء للغلاء في الأسعار والشدة، وأنه لا يحملهم إلى تلك ~~الجهة إلا بما لا بد منه مما لا يقدرون عليه، فوعدوه بذلك وعرفوا ضعف رأيه ~~وتثاقلوا. وقالوا إذا كان ولا بد فبعد رفع الثمرة من بعد عيد عرفة، وإلا ~~فالأولى ترك تلك الجهة، وعدم التشاغل بها لعدم المصلحة للمسلمين وللدولة ~~فيها. وكان قد أرسل ولده إبراهيم إلى ذمار، وكذلك إسحاق إلى يريم، فاستقروا ~~فيها وتصرفوا في ولايتها، ولم يبق لإسماعيل بن عبدالله الذي كان ولاه ذمار ~~بحضور إبراهيم تصرف ولا كلام. # وفي نصف رمضان فما بعده إلى نصف شوال تناهى السعر بصنعاء، بلغ القدح البر ~~إلى أربعة عشر حرفا، والذرة إلى اثني عشر، والشعير إلى ثمانية،وقريب أوائل ~~الثمار، فتهون السعر في شهر القعدة. # وفي هذه الأيام أرجعت المجابي في أسواق صنعاء والأبواب على ما كانت ~~سابقا، بعد أن كان أزالها المؤيد في زمانه. # وحسن[139/ب] بن المتوكل لم يلبث بضوران، بل عاد بسرعة إلى بلاده جهة ~~تهامة واللحية، وكان الموجب لطلوعه كثرة مكاتبات حسين بن علي بن المتوكل ~~بالغارة عليه، فوصل ضوران وقد انقضى الأمر، فعاد راجعا، وأجاب إلى محمد بن ~~المهدي مضطرا. PageV01P847 # وفي حادي عشر شهر رمضان ظهر نجم الذنب وقت السحر بالمشرق، وكان ميله إلى ~~جهة الجنوب يميل إلى المغرب، فالقدرة لله تعالى، وبقي ms436 كذلك نحو نصف شهر، ثم ~~غرب من المشرق واضمحل، وهو كما ورد في الأثر علامة الغلاء في الأسعار. ~~واتفق عند طلوعه هذا الغلاء العظيم، فلله الحكمة في ذلك، ولكن قد فرج الله ~~بصلاح الثمار وكمال حصادها يكون لعيد عرفة بشهر الحجة إن شاء الله تعالى. # وكان الغلاء الكبير بصنعاء وبلادها وبلاد القبلة إلى صعدة وبلاد ذمار، ~~فأما المغارب فأهون وكذلك تهامة، لكن لعسرة الطرق إلى صنعاء لا تطلع إليها ~~حبوبها ولا ميرتها ، وإلا فإنها في أسفال المغارب بثلاثة حروف ونصف، كل قدح ~~من الذرة إلى أربعة لا زيادة، وأما البر فمعدوم فيها؛ لأنها لا تزرعه والله ~~يهون الأسعار، ويصلح البلاد. # واستقرت الدولة والمملكة لمحمد بن أحمد بن الحسن، وخربت القراديع التي ~~كان نصبها الدعاة، وبقت اليد لواحد، وكان الأمر كما قال الشاعر : # حنانيك بعض الشر أهون من بعض # [140/أ] وفي شهر رمضان يوم الإثنين آخر يوم فيه توفي الشريف عبد الله ~~الوشلي بمحله شبام كوكبان، كان السيد هو الخطيب بجامع شبام، وكان له معرفة ~~في الفقه، زاهدا يتعلق بالسبب والبيع والشراء في حانوت بسوق شبام رحمه ~~الله. ولما مات المؤيد محمد بن المتوكل ودعا الدعاة من كل مكان اعتذر عن ~~الخطبة وصلاة الجمعة، فعذره صاحب كوكبان، وخطب مكانه القاضي يحيى بن حسن ~~الحيمي، وكان مرضه قدر يومين لا زيادة. # وفي ليلة العيد وصل حسن بن عبد القادر بن الناصر بن عبدالرب من صنعاء وقت ~~العشاء ليلة الثلاثاء، بعد أن كان نزل إلى المنصورة وجعل له بعض ولاية ~~لاعة، فتغير منه صنوه حسين، وقال: ولايته قد سبقت من صاحب المنصورة. وحسن ~~هذا هو الكبير في السن، وكان من وقت موت والدهم بحضرة المؤيد، ثم لما مات ~~دخل صنعاء وسكنها إلى هذا التأريخ، ونزل إلى المنصورة ثم عاد. PageV01P848 # وجاء الخبر من حضرموت بأن الغلاء في الأسعار والقحط كان أعظم من سائر ~~اليمن، فإنه بلغ السعر عندهم كل قدح يفوق ثلاثين حرفا، ثم هون الله ذلك، ~~وأقبلت الثمرة فنزل عن ذلك إلى مائة ms437 بقشة، ولعله ينزل السعر عند تناهي ~~الصراب في جميع اليمن إن شاء الله. # وفي خامس عشر شهر شوال يوم الجمعة خطب القاسم بن المؤيد بشهارة لمحمد بن ~~المهدي صاحب المنصورة، ولم يبق معارض لمحمد بن المهدي أحمد بن الحسن بن ~~الإمام القاسم، وتلقب بالناصر. وسبب موالاة القاسم صاحب شهارة بذله له ~~بالتولية له في[140/ب] جهة القبلة، مما كان إلى حسين بن محمد بن أحمد أبو ~~طالب وبلاد عفار، وجعل له ربع المخا وغير ذلك، فانخرط في الإجابة. وكان قد ~~بعث واليا إلى الشحر يقال له: الفقيه أحمد القمادي، فوصل إليه، فأخرجه صاحب ~~حضرموت والشحر علي بن بدر، وقال: البلاد بلادنا، وزلجه بالمصروف طريق ~~الجوف، فخرج وعاد خائبا مما ولاه، ولم يحصل له ما كان يهواه، إلا أنه خطب ~~للناصر وأرسل له بهدية قدر أربع من الخيل. # وقوى رؤوسهم خلاف يافع هذه المرة، وإلا فهم أقرب للانقياد للدولة، ليسوا كيافع. # والمشرق قد تغلق بابه من مدة والده، فتوليته لا تحصل إلا بعمل آخر، ~~والوقت لا يحتمل، فإنه كان عليه أولا أن يقرر أمور اليمن الذي بين يديه، ثم ~~إذا تمكن من بعد واجتمعت الكلمة معه وإليه كان على صفة أخرى. وهذا الوقت ~~لما فاتح بلاد يافع خرج منهم طائفة إلى أطراف بلاد الشعيب يريدون حفظ أطراف ~~بلادهم والتقدم إلى غزو قعطبة إن أمكنهم، فأمر بالزيادات إلى قعطبة. PageV01P849 # ووصل في العشر الآخرة من شهر شوال إلى صنعاء حسين بن علي بن المتوكل الذي ~~كان بجبلة، بعد أن فسح له من المنصورة إلى بيته ببلاد صنعاء والروضة، وهو ~~فريدا ليس معه إلا من يخدمه. ودخل معه أيضا زيد بن المتوكل إلى صنعاء من ~~حضرة صاحب المنصورة، وكان حال دخولهم وحسين بن المتوكل قد خرج عن صنعاء ~~قبلهم بيومين إلى جهة بلاد زراجة طريق ذمار، قيل: لحديث بينه وبين إبراهيم ~~بن أحمد بن الحسن، وترك أكثر أصحابه بصنعاء. وكان دخول زيد إليها في غفلته. # [141/أ] وفي هذه المدة حكى لنا بعض أهل المدينة المباركة ms438 أنهم وجدوا داخل ~~القبة رجلا دريوشا ، فسأله الطواشية ، فأخفى نفسه، وما زال يدخل ويخرج ~~والأبواب مغلقة، فقال بعضهم: لعله ولي، وبعضهم لعله ساحر، ولم يقدروا لدفعه. PageV01P850 # وفي آخر شوال بيوم السبت سادس وعشرين سار محسن بن المهدي من الغراس إجابة ~~لصنوه لما طلبه الغارة إلى بلاد قعطبة، فخرج بمن حضر معه وعزمه وقد كان بلغ ~~الخبر أنه اتفق بين يافع وبين إسماعيل بن الناصر محمد بن المهدي وقعة ~~بقعطبة، وذلك أن يافع قصدت قعطبة فثبت لهم إسماعيل ومن معه في البيوت ~~ورموهم بالبنادق، وطالت المحاصرة قدر اثني عشر يوما والحرب عمال، فراح منهم ~~كثير ولم يفت من أصحاب إسماعيل إلا نحو عشرة لتحصنهم في البيوت. وكان وصول ~~عبد الله من جبلة غارة، فوصل إلى مسخيره ولم يتمكن من النفوذ؛ لكثرة يافع ~~وإحاطتهم بقعطبة، ثم لما كان ذلك وقع المصالحة على أن كلا منهم يرتفع عن ~~قعطبة، فخرج إسماعيل إلى عند صنوه عبد الله، ويافع ارتفعت إلى بلادهم، ~~وسكنوا منهم طائفة في أطراف بلادهم. ثم إن يافع لما رأوا قعطبة فرغت عن ~~العسكر، قصدوا تلك البيوت التي وقع الحرب منها فأضربوا بعضها. ثم حصل من ~~يافع المغزى على يحيى بن الناصر وهو بلحج، فوقع الحرب وثبت لهم وقتل منهم ~~الكثير نحو ما وقع في قعطبة. فلما وقعت هذه الحوادث كرس الناصر الكتب إلى ~~البلاد العليا بالمدد، فسار من صاحب ثلاء القاسم بن المتوكل نحو أربعمائة ~~ومن صاحب كوكبان مثلهم ومن صاحب البستان، وكان عزمهم في عشرين من شهر ~~القعدة. # وتجرم صاحب المنصورة من حسين بن المتوكل صاحب صنعاء، وقال: إنه أرسل ~~بدراهم إلى يافع، فأشار عليه السيد الحسن بن المطهر الجرموزي صاحب المخا ~~وكان عنده أنه لا ينبغي هذا الوقت إلا الاحتمال، وأنه ربما ذهب[141/ب] عليه ~~بعض بلاده، فما ينبغي إلا التسكين والاجتماع ليكون الأمر واحدا، مع أن حسين ~~قد أجاب الناصر من جملة غيره، إلا أنه يريد الهنجمة لأجل ما نقص عليه من ~~بلاده، والله يصلح أحوال المسلمين كافة. PageV01P851 # وسار ms439 حجاج تهامة بغير أمير، وقال الناصر: في حسن بن المتوكل كفاية في ~~تزليجه للحاج إلى حلي على ما كان في الزمان الأول، قبل دولة المتوكل، وفي ~~أول دولته، فإن العهدة كانت على صاحب جازان في تزليج الحاج إلى حلي. # وفي آخر القعدة كان الصراب للزرائع، فتهونت الأسعار، بلغ القدح البر إلى ~~خمسة حروف، والذرة إلى مائة بقشة، وكذلك الشعير، وما زال السعر ينزل، ~~فتراجع الناس بعدما لحقهم من الشدة الطويلة، فلله الحمد والمنة، وهذا مع ~~كبر القدح، وصغر البقش في الضربة، فيكون على حساب الدولة الأولة دولة محمد ~~بن القاسم نصف قدح والدراهم زائدة النصف يصح السعر بعشرين بقشة. # ولما لم يجهز أمير حاج مع حجاج طريق تهامة وصل الحجاج إلى أبي عريش ~~وصبيا، ثم إنه ترجح لهم العود فعادوا، وأما حجاج السراة من بني عضية فساروا ~~على عادتهم، وكذلك سار من جاء طريق البحر. وحسن بن المتوكل ما تم منه تزليج ~~عسكر إلى حلي، وقال: العادة الأولة قد تغيرت، وتلك الجهة قد دخلت في أطراف ~~بلاد أحمد بن زيد، فالأولى الترك مع ما قد تجدد في زمان المتوكل من انقلاب ~~العادة الأولة. # وجاء خبر بأن بعض المراكب لما رجعوا من المخا ووصلوا إلى البحر صادفهم ~~الفرنج فنهبوهم[142/أ] أموالهم، ولا قوة إلا بالله. # وفي هذه الأيام شهر الحجة، أول العشر دخل عبد الله وغيره من أجناد الناصر ~~إلى بلاد قعطبة، ثم إن يافع تحركت وتكاتبت واجتمعت، وتواعدوا لقصدهم إليها. ~~ولما تشاغل الناصر هنالك بالمشرق هان الأمر على المعارضين، وتثاقلوا عن ~~الإمداد مع ضعف المواد معهم، وحملوا السهل، وربما ظهر من يوسف صاحب ضوران ~~أنه باق على دعوته، وكذلك صاحب صعدة، وظهر ميل إبراهيم بن المهدي عن صنوه ~~وأظهر التجرم منه بتخلفه عليه في الذي كان وضعه له من البلاد، ولم يخرج من ~~ذمار. وأما إسحاق فخرج من يريم إلى العثارب وصار يقدم رجلا ويؤخر أخرى، ~~وطلب الناصر ولده إسماعيل إلى عنده. PageV01P852 # وفي ثالث عيد عرفة المباركة وصلت كتب من الشريف ms440 أحمد بن زيد صاحب مكة ~~المشرفة مضمونها أنه وصل كتاب من سلطان الإسلام يذكر فيه أنه وصل إليه كتب ~~من الشيخ معوضة بن محمد بن معوضة العفيف وغيره من مشائخ يافع يذكرون فيها ~~أن المؤيد باليمن وأقاربه قد ضعفت دولتهم. وأنه حصل بينهم وبينه حروب ~~وهزموهم المرة بعد المرة، واستولوا على ما يليهم من بلادهم، وأن السلطان ~~يبعث طائفة من قبله إلى اليمن وهم عون لهم عليهم، وأن الشريف يبعث بطائفة ~~من قبله إلى اليمن،[142/ب] وأنه يتحقق أمور اليمن، فإن كان على ما قالت ~~يافع فلا بأس، والله أعلم ما يخرج بعده. وكان في علم الله ترك الصر هذه ~~السنة إلى مكة، فربما يتقوى عند الشريف صحة الخبر بالركة. وكان وصول الكتب ~~إلى حضرة السلطان في شهر ربيع من هذه السنة، والله أعلم. # وجاء خبر أن صاحب المنصورة الناصر صالح يافع لما رأى أن النهضة تحتاج إلى ~~قوة والعسكر الذين قد كان اجتمعوا مع إخوته تفرق بعضهم، ولم يصل إلى قعطبة ~~إلا البعض نحو خمس عشرة مائة مع عبد الله ومحسن، وتفالت منهم كثير حال ~~عزمهم من ذمار، وضاعوا واختلف عليه إخوته لا سيما إبراهيم، فإنه بذمار ~~متغير الخاطر، وصنوه إسحاق لما تخلف عليهم فيما كان وضع لهم، وتثاقل من ~~طلبه من أولاد المتوكل، وعدم سرعة نفوذهم مع هذه الأخبار أيضا من مكة أحمد ~~بن زيد. ولما ذكر له من أجل كثرة رجوعه في أوضاعه وولايته المرة بعد المرة ~~وأن فتح يافع لا مصلحة فيه، فكان جوابه مغالطة، فقال: إن ولايته وعطاه إنما ~~هو لمن ناصحه وأجابه ووصل للقتال والمراكزة ليافع، فأما من لم يكن كذلك فلا ~~حظ له في ولاية ولا غيرها، وأن رجوعه فيما رجع لأجل ذلك وبذل العطاء لمشائخ ~~الحجرية وأسقط عنهم بعض المطالب قصدا لتأليفهم ومعونتهم. PageV01P853 # ووصل خبر نصف شهر الحجة أن محمد بن أحمد بن الحسن الناصر ترجح له مصالحة ~~المشرق، كما سبق ذكره. ولما بلغه تثاقل من طلب من البلاد العليا وميل صنوه ~~إبراهيم ms441 أمر ولده إسماعيل بالعزم ومعه من قوم الحجرية بتنفيذ ~~الأوامر[143/أ] في البلاد العليا. وكتب إلى صنوه الحمزة بالغرا س أنه يدخل ~~صنعاء لتنفيذ الأوامر فيها، فجمع مشائخ بني الحارث، فامتنعوا عن الدخول، ~~وقالوا نحصل من القبائل ما تحصل ولكن على وجه آخر، فأصابوا. وكان حسين بن ~~المتوكل قد رتب القصر وغيره تلك الليلة، وأرسل يومئذ الشيخ ابن مذيور ~~الحيمي إلى الحيمة بولايتها، ومنع مطالبها أن لا تصير إلى حسين بن المتوكل. ~~وحسين بن المتوكل أرسل الفقيه أحمد بن جميل إليها. وكان حسين بن المتوكل ~~قبل العيد بأول الشهر قد أرسل ابن أخيه حسين بن علي بن المتوكل إلى عتمة، ~~فوصل إلى هنالك، ثم رجع إلى ضوران ولم يتم له الدخول إليها؛ لأنها بلاد ~~حسين بن حسن، وهو مأمور من أخيه الحسين بالتقدم إلى إجابة الناصر صاحب ~~المنصورة، وجمع عسكرا من عتمة، هذا في الظاهر. وإسماعيل خرج من المنصورة ~~متوجها حيث كان أمره والده حتى وصل الدمنة. وخرج زيد بن المتوكل من صنعاء ~~آخر نهار الأربعاء سادس وعشرين شهر الحجة، قيل: إلى الجهة التي كان جعلها ~~له الناصر بلاد كسمة في ريمة، لما بلغه أن الناصر يريد توليتها وقبضها. # وفي ليلة الأحد أول يوم لسنة ثمان وتسعين وألف مات القاضي العارف محمد بن ~~علي العنسي ثم العياني ثم الصنعاني[143/ب] بداره غربي صنعاء ببير العزب. PageV01P854 # كان المذكور عارفا بعلوم العربية وأصول الفقه، مدرسا فيهما. وله أيضا في ~~علم الفقه على مذهب الهدوية آخر مدته، واشتغل بالفقه من بعد مدرسا أيضا ~~فيه، ويتولى القضاء في بعض الحالات بولاية المتوكل على الله ومن بعده، كذلك ~~أشرف على نيابة القضاء لكن من غير انبساط كثير، فقد يعتذر من البعض، وقد ~~يتولى القضاء للبعض على حسب المقتضى. وكان لا يترك التدريس مستمرا في ~~المسجد الذي بالبستان بباب السبحة، ومن حضر إلى هنالك للفتوى أفتاه، هذا ما ~~كان عليه مدته مقررا للقواعد فيما درسه من النحو والأصول والفقه، لم يقبل ~~على شيء غير ذلك من المطالعات، والتوسع ms442 في المصنفات. وكان قراءته في النحو ~~على القاضي محمد النهمي، وعلى الفقيه عبد الرحمن الحيمي، وعلى الفقيه أحمد ~~بن صالح بن أبي الرجال، وفي الفقه شرح البحر على السيد أحمد بن علي الشامي. ~~وقبر بخزيمة غربي صنعاء، رحمه الله تعالى. # وكتب صاحب المنصورة إلى صاحب كوكبان برد الولاية له ورد العمل عليه، ولا ~~يكون لحسن صنوه عمل، وأنه يتقدم إلى حدة لمحاصرة حسين بن المتوكل بصنعاء، ~~وكان أراد ذلك حين وصله خبر مخالفة ولده عبد الله. PageV01P855 ### | ودخلت سنة ثمان وتسعين وألف # استهلت بالأحد، وجاء التحقيق أن يوسف بن المتوكل يريد الرجوع عن الموالاة ~~بعد أن كان والى الناصر صاحب المنصورة، وسبب ذلك أن يافع كاتبت إليه. وكان ~~قد استنكر على الناصر التخلفات في أموره والمناقضات فقال: هذا لا يركن عليه ~~في شيء من الأمور، وأن يافع كاتبت بأنهم مطيعون ومسلمون فلم يقبل منهم ~~الناصر. # [144/أ] وعلي بن أحمد صاحب صعدة جاء خبره أنه يريد مثل ذلك أظهر دعوته ~~أيضا، ورجع عن موالاته للناصر، وكاتب إلى قاسم صاحب شهارة بالاتفاق على ~~المشاورة، وأن سبب ذلك اضطراب أمور الناصر وتناقض أعماله، كما قدح به يوسف. # والناصر صار مشتغلا بمفاتحة يافع، وكان هذه المدة منه مجرد حفظ أطراف ~~البلاد بالرتب لا غير ذلك، وصار يكاتب إلى البلاد العليا بالإمداد، ولم ~~يحصل له المراد، بل يواعدونه المواعيد مع كثرة الترداد، ولم يظهروا إلى ~~الآن التحول. ويافع تضرروا بالمحاصرة وعدم دخولهم إلى البلاد للأسباب . ~~ومنعهم من دخول عدن، وأجاب الناصر على يافع أنه لا يقبل منهم إلا من وصل ~~مواجها إلى بين يديه. PageV01P856 # وفي هذه المدة لما كثرت الضرائب للدراهم وصغرت السكة بلغ صرف القرش إلى ~~اثني عشر حرفا ونصف وإلى ثلاثة عشر حرفا وإلى أربعة عشر وخمسة عشر، ثم ما ~~زال يزداد الصرف إلى أن بلغ إلى خمسة وعشرين حرفا، فحصل مع التجار تضرر من ~~جهة ما باعوه، والصرف كان بعشرة وبتسعة وثمانية، وكان فيه مهلة في المخلص ، ~~فانتقص البائع والمشتري، فالمشتري باع البضاعة ms443 المشتراه بربحها بعددي على ~~أصل صرف القرش الأول، مثلا بحرف في العشرة الحروف، وكان المقضى على أصل ~~صرف[144/ب] القرش، مثلا بثلاثة عشر حرفا، فخسر المشتري حينئذ حرفين اثنين. ~~والبائع حيث قبض عشرة حروف يوم باع أو تسعة من العددي صرف القرش تأريخ ~~البيع، وأراد أن يصطرف القرش للموسم الآخر انتقص ثلاثة حروف فتحصل الخسارة ~~عليهم من الجانبين وربح آخرون، وهو من كان في يده القروش وصرفها عند ارتفاع ~~الصرف قدر حاجته في مصاريفه. ومما كان بيعه بالقرش مثل تجار الهند إلى ~~بلادهم، وأهل البن لأن بيعهم بالقرش، ومن باع بالقرش من التجار وقبضه حال ~~البيع أو أمهل فيه ولم يقبض العددي فهؤلاء لا ينقص عليهم، لكن هم القليل؛ ~~لأن القبض والبيع أكثره بالعددي فلا يحصل العدل إلا لو كانت الضربة ~~بالميزان للدراهم لا يزيد ولا ينقص كما توزن القروش، فهذا لا يحصل للجميع ~~الخسران، وتكون الضربة واحدة مستقرة إما صغيرة أو كبيرة. # وفي هذه الأيام أول شهر محرم الحرام تم حصاد الثمار، وكان أكثر ذلك ~~الذرة، فتهونت الأسعار، واستقر السعر للقدح الذرة مائة بقشة على كبر القدح ~~وصغر الدراهم، فكان على الزمان الأول نصف قدح، والبقشة على النصف زيادة على ~~هذا يأتي بالقدح الأول، والدرهم الأول كل قدح بعشرين، فلله الحمد. PageV01P857 # [145/أ] وصاروا يضربون مع القروش كل بقشة كبيرة من الأولة، والضرائب بلغت ~~إلى نحو أربعة عشر ضربة: في صنعاء ضربتين، وفي الغراس واحدة، وفي كوكبان ~~وفي عمران ، وفي ذمار، وفي يريم، وفي رداع، وفي المنصورة، ومع زيد بن ~~المتوكل في بلاد ريمة، وفي اللحية. وصار قبال كل ضربة للدولة في كل يوم قدر ~~ثمانمائة حرف وألف حرف، وأحقرها كل يوم خمسمائة حرف للدولة غير الملاحيق ~~والآخر للضرابين محصول كبير معهم في ذلك. وصار القروش يأتي بها التجار ~~والبانيان يضرب لهم عند المتقبل لدار الضرب مع ما يحصل معها من القروش من ~~الدولة. وأكثر من صار يبدل القروش ويجعلها بيع وشراء البانيان. والسبب في ~~ذلك أنهم صاروا يضربون البقشة أولا ms444 نحاسا ويغطسونها بالفضة غطسا من أعلا ~~الدارس يدخل البقشة نحو السدس فضة فقط، ومتى استعملت البقشة ظهر داخلها ~~نحاسا على حاله؛ لأنها إنما تحلى بالفضة، فالقرش يخرج منها في التحقيق ~~بخمسين حرفا. # وأهل الحيمة لما رأوا الاشتجار حاصل في بلادهم، وإرسال حسين بن المتوكل ~~ابن أخيه إبراهيم بن المؤيد بعسكر ما وسعهم إلا التسليم إلى حسين بن ~~المتوكل. # ووصل أمر للشيخ ابن خليل بأنه يسوق محصول بلاد همدان من الطعام إلى مخزان ~~صنعاء، فبلغ صنوه محسن وهو في بلاد العثارب، فقال: هذا محال، فإن البلاد ~~بلاده، ولا يساق إلا على جاري العادة إلى الغراس. وكتب إلى صنوه الحمزة أنه ~~يمنع ابن خليل عن ذلك، فمنعه، وقد كان أهم محسن بالطلوع لولا بعض العقال، ~~قال: لا يصلح له، وصار مع هذا الارتباش إخوته يغيروا على الناصر الذين هم ~~محسن وإبراهيم مع أولاد المتوكل وغيرهم، فمنعوا جميعا على كل أمر يأتي ~~مخالف لجاري عادتهم. PageV01P858 # وإسماعيل طلع إلى جبلة وسكن بها لما بلغه سكون حسين بن علي[145/ب] في عتمة ~~ثم نزول زيد إلى ريمة، وصده ذلك عن الطلوع، حيث كان أمر أولا إلى اليمن ~~الأعلى لأن إبراهيم في ذمار في نفسه من جهة ما تغير عليه، ويخشى حيث طلع من ~~جانب حسين بن علي من عتمة، وزيد بن المتوكل لا يدخلون جبلة، فصار صاحب ~~المنصورة الناصر في حيرة من جانب عيال المتوكل ومن جانب صنوه إبراهيم ومن ~~جانب يافع، فاستقر كل مكانه، والله يصلح أحوال المسلمين. # وفي ليلة رابع عشر محرم خسفت القمر في برج الجوزاء وجاء الحجاج من بني ~~عضية الذين طريقهم السراة، فأخبروا بعموم صلاح الثمار اتصلت من اليمن إلى ~~الشام، وأن الكيلة بمكة ستة كبار، وأن الشريف أحمد بن زيد كان بالحجاز بعد ~~أن دخل بلاد نجد كما سبق عاد خرج بنفسه إلى بلاد عنزة؛ لأجل تعديهم في ~~الطريق ، فأمنها وانتهب عليهم كثيرا من مواشيهم، وأدخلها مكة، وقبض على ~~جماعة من مشائخ تلك الجهة إلى مكة. وكان دخوله قبيل الموسم، ms445 وأن حاج ~~اليماني ضعيف إلى العام لم يحج إلا بنو عضية الذين جاؤا السراة وهم قليل. ~~والشامي كان حجه قويا زائدا على العادة، أميرهم الباشا صالح في قوة خيل فوق ~~ألف عنان، وبضائع الشام كثيرة، ولم يكن لها طالب من اليمن لعدم دخول التجار ~~هذا العام. وحاج المصري كان دون العادة؛ لأنه حصل بمصر ما حصل من الموت ~~والطاعون، نعوذ بالله منه، فهلك كثير بمصر، بحيث غلقت بعض بيوته، فالقدرة ~~لله سبحانه، والخيرات شاملة ورخص الأسعار ورخص البضائع. PageV01P859 # [146/أ] وجاء الخبر أن علي بن أحمد خطب بصعدة لنفسه، وخلع صاحب المنصورة، ~~وكذلك يوسف صاحب ضوران حذف خطبة الناصر صاحب المنصورة، وصاحب صنعاء حسين بن ~~المتوكل بنى على مثل ذلك، فتغير الناس من هذا الأمر، لا يكون سبب الفتنة ~~ورد الأمر الأول الذي كان استقر وسكن بعض السكون جذعة. وأما قاسم صاحب ~~شهارة، فأجاب على علي بن أحمد صاحب صعدة بعدم الاتفاق، وأنه لا يثق بأحد ~~على الإطلاق. # ووصل رسول من حسين بن عبد القادر بأن الولاية له، وأن صنوه حسن معزول عن ~~المشاركة، وأنه ينزل من كوكبان إلى حدة لمحاصرة حسين بن المتوكل، فكان أهم ~~بذلك، ثم بلغه خلاف ولده عبد الله وصنوه إسحاق على الناصر، فترك ذلك وسكن. ~~وسبب هذا الأمر اضطراب أوامر صاحب المنصورة وتناقضها، بحيث لم يبرم أمرا من ~~الأمور، بل يناقضه من عزل وتولية، ثم له فزات كثيرة للرؤساء والسادة، ~~والتوعدات المتواترة على أشياء غير موجبة، ووضع الزناجير في الرقاب ~~والمعاقبات المجلدة، والتشديدات الغليظة، فنفرت نفوس كثير من الأعيان ~~والرؤساء والقادات الكبار من المشائخ والنقباء والعقال، ولم يصبر على حاله ~~إلا القليل لما يبذله من المال والبرطيل ، وهم على حذر منه في الأفاعيل، ~~لكن غلبهم حب المال، مع أن بذله ليس بعام، بل لمن شاء واختار. ومنهم من يصل ~~إليه من الوافدين والمساكين فلا يصلهم بشيء، ومنهم من يحول له على الولاة ~~فلا يجدي خطه في شيء.[146/ب] وحرك هذه الأيام صاحب المخا السيد حسن بن مطهر ms446 ~~الجرموزي وصادره فيما عنده وتوعده وتهدده وحبسه وطلب العذر فلم يعذره، وبذل ~~له عشرة آلاف قرش حسبما طلبه فلم يقبله. ولما ظهر ليوسف هذه الأحوال وهو ~~بضوران استنكره منه، وكثر الشكا عليه. وكان قد كتب إليه أهل يافع أنهم ~~منقادون لما يجب من الشريعة وأنهم مسلمون للواجبات، حافظون للطرقات، فما ~~الوجه لغزوهم من صاحب المنصورة، فوقع هذا عند يوسف وبعث برسالة إلى القضاة ~~وإلى إخوته، وقال: هذا PageV01P860 لا يجوز لصاحب المنصورة فعله، فأجابوا عليه بأن ذلك كما قال، وإنما غلب هذا ~~الرجل للأمر المحال، وتكليف الناس ما لا يطاق ولا يكاد ينال. ووافق هذا ~~أيضا بعض أولاده وإخوته الذين هم: عبد الله بن محمد بن أحمد بن الحسن، وعمه ~~إسحاق بن أحمد بن الحسن، وعبد الله بن يحيى بن محمد بن الحسن، وعلي بن حسين ~~بن أحمد بن الحسن مع ما جرى أيضا من التوعد لهم من صنوهم والمناقضات في ~~الولايات. وكان من المقدور أن عبد الله ولده تراخى عليه سبار العسكر الذين ~~عنده بقعطبة فكاتب والده بحاجة الناس إلى المصروف. وأن منهم[147/أ] من قد ~~هرب من حضرته، فلما وصل الرسول إليه تهدده، وقال: المصروف قد صرنا في جمعه، ~~ولكن عبد الله لا بد من مؤاخذته، وسأصنع به وأصنع، وأفعل من النكال ما يراه ~~أفظع، وهذا الزنجير الكبير -وأشار إليه- قد أهبته له، وأنت -يشير إلى ~~الرسول- لك الزنجير الصغير. فلما بلغ ولده عبد الله هذا الكلام، وما هو بان ~~عليه من النكال والخصام، مع ما قد رأوه مما جرى مع صنوهم حسن من الحبس ~~الطويل قال: هذا من تكليف ما لا يطاق، وكيف وهو يريد استفتاح جبال يافع، ~~فما مراده إلا إلقاؤهم إلى التهلكة، مع عدم الرعاية والوفاء. وزاد اتفق أنه ~~جهز ولده إسماعيل إلى جبلة وجعل أمرها إليه، وعبد الله هو الذي فتحها ~~واستولى عليها، فقال لسان حاله وإسراره: أصبح قيامه معه لا دين ولا دنيا، ~~وأظهر الندم والاستغفار عما وقع منه في جبلة وما جرى. وكاتب يوسف وقال هو ms447 ~~الأولى بالاتباع، وأجابه. وكذلك إسحاق وعبد الله بن يحيى، وعلي بن حسين، ~~وأما إبراهيم بن أحمد بن حسن فهو قد باينه من قبلهم، فاجتعموا على هذا، ~~وارتفع عبد الله من قعطبة إلى إب. فلما وصلت كتبهم إلى يوسف أظهر الدعوة، ~~وكاتب إلى صنوه الحسين بن المتوكل صاحب صنعاء وجزموا بالخلع للمذكور، ~~فخلعوه وخطبوا ليوسف بصنعاء وذمار وضوران وإب. وجاءت كتب يافع بالإجابة ~~ليوسف، فكان هو السادس من الإمام القاسم، PageV01P861 وكل سادس مخلوع في الغالب. ووافقهم يحيى بن محمد بن الحسين أيضا. واختلف ~~أهل صنعاء فيما بينهم وتخوفوا من جانب صاحب المنصورة، وقالوا: لا يحصل ~~عليهم منه انتصار، فيحصل ما يحصل من الخلل، وقد يحصل من أولاده وإخوته ~~انتقاض فيما فعلوه من الإجابة ليوسف، فصاروا في حالة عجيبة، وقد كان شد أهل ~~جبلة بحللهم من جبلة خشية لا يقع فيها مثل العملة الأولة، وكذلك بعض أهل ~~ذمار رحلوا عنها، فعند أن بلغه هذا الحادث بقي في حالة عجيبة وتغير مزاجه ~~وتحدث بالخروج من المنصورة، وجعل للعسكر الذين عنده زيادات في الجوامك ومن ~~دخل معهم، وصار المذكور يقدم رجلا ويؤخر أخرى؛ خشية من خلاف يافع وابن شعفل ~~وأطراف الحجرية. وعند ذلك أرسل ولدا له صغيرا يسمى محسن بجماعة إلى ذي ~~أشرق، وهو في ولاية صنوه إسحاق، فتلقاه بالحرب والمنع عن دخول بلاده، فوقعت ~~الهزيمة في أصحاب الناصر وانتهبوا السلاح وأسروا جماعة ومن جملتهم ولده ~~محسن، ثم أرجع محسن إلى عند والده. فأطبقت البلاد إلى تعز [148/أ] ليوسف، ~~وازدادت الحيرة مع الناصر في منصورته، وعند ذلك تابع حسين بن المتوكل ~~الإمداد بالعسكر إلى ذمار وإلى عند عبد الله بن الناصر وإسحاق، فتقوت ~~أيديهم. وكان قد أرسل الناصر واليا إلى حراز وواليا إلى الحيمة، فمنع عن ~~ذلك حسين بن المتوكل وجهز جماعة عسكر، فأخرجوهم عنها. ولما حدث هذا الأمر ~~كان حسين بن حسن ومحسن بن أحمد بن الحسن باقين على إجابة صاحب المنصورة. ~~بعثوا بطائفة من عسكرهم إلى بعدان ، فخرج عليهم عبد الله بن ms448 يحيى بن محمد ~~بن الحسن فاحتربوا فيه وهزموهم وقتلوا منهم واستولوا عليهم. وكان من جملة ~~القتلى ولد مسمار من أصحاب حسين بن حسن، ثم إن حسين بن حسن عوض بطائفة من ~~عسكره رئيسهم ولده قاسم بن حسين، فوصلوا إلى إريان ما بين بعدان وسمارة ~~ويريم وسكنوا فيها، لما لم يجدوا مدخلا إلى بعدان، فتلقاهم في إريان علي بن ~~حسين بن أحمد بن الحسن، وعبد الله بن يحيى PageV01P862 وعبد الله بن الناصر ووقع الحرب الشديد، فاستولوا عليهم أجمع وأسروهم ~~وقتلوا منهم وانتهبوا جميع محطتهم، وقبضوا ولد حسين بن حسن: القاسم بن حسين ~~، وعند هذا ذكر رجل مجنون: هذا صاحب المنصورة قد كان سبرت له، لكنه ما أحسن ~~لنفسه. [148/ب]. والحمزة بن أحمد بن الحسن صاحب الغراس كرر الطلب لقبائل ~~بني الحارث وهمدان على أنه يدخل بهم صنعاء، فمنعوا أنفسهم وقالوا: ما ندخل، ~~ويحصل بسبب قبائلنا فيها الظلم للمسلمين، ولا ندخل بينكم أيضا إلا من استقر ~~عليه أحد واتفق الناس عليه من السادة والقضاة والعقال، فنحن مع الجماعة، ~~فأصابوا وأحسنوا وما قصروا ووافقوا الشرع الشريف. # وفي هذه الأيام ظهر حيوان منكر قال الناس: إنه السبسب، فيه ضراوة، فضر ~~كثيرا من الناس، وأكلهم في النهار والليل من صدفه منفردا، إلا أن يكونوا ~~جماعة، في بني مطر وضوران وسنحان وقاع صنعاء، وقد قتل منها بنو مطر وسنحان ~~اثنين، وفي طريق الغراس قتل واحد منها وبقي واحد منها في شعوب يدور، أكل ~~صعبا بشعوب، وآخر بقاع صنعاء العدني، وظهر في بلاد حضور. # قال من رآه من الناس: وصفته أنه عريض الصدر، عريض الجبهة، دقيق الخرطوم، ~~له أنياب ظاهرة، عريض الذنب، مسلوب من مؤخره، وكبره ما بين الضبع والكلب، ~~إلا أنه أطول منها. وصار يثب لمن ظفر به إلى النحر ولا يأكل إلا بني آدم ~~سلطه فالله يدفع ضرره وخوف كثيرا من الناس، وأكلت جماعة من الناس. وقد خرج ~~هذا الحيوان في مدة محمد باشا في سنحان، وقتلوه تلك المدة، ثم لم يظهر إلى ~~هذا التأريخ ms449 . # وفي ليلة سابع شهر صفر وقت العشاء خر نجم من المغرب إلى المشرق، فسمع له ~~حركة من شدة خريره، سمعه كل الجهات، ورأوه كل يقول هو في جهته. # وفي نصف شهر صفر وصل الزوار من المدينة المشرفة فأخبروا أن حال دخولهم ~~مكة جهز الشريف أحمد بن زيد ولده بعسكر كثير وخيل طريق تهامة التي إلى جهة ~~القنفذة وحلي، ولا يعلمون أين قصدهم[149/أ]. PageV01P863 # وفي العشر الأخرى من صفر وصل الخبر أنه اتفق حرب في الجند ما بين إسحاق بن ~~المهدي وحسن ولد صاحب المنصورة وصنوه محسن الذي كان أسره إسحاق، ثم أرجعه ~~عند والده في الحرب الأول. وكان هذا الحرب الآخر في الجند، فانكشف عن قتل ~~كثير من الجانبين، ثم كاد أن يغلب إسحاق ومن معه، فجاءت الغارة من حسين بن ~~علي بن المتوكل ومن عبد الله بن محمد بن الحسن، فوقعت الهزيمة في أصحاب ~~صاحب المنصورة، واستولوا على المحطة وأسروا الحسن وصنوه محسن مرة ثانية. ~~وحضر أيضا في الحرب علي بن حسين بن أحمد بن الحسن في جانب يوسف، ثم رجع كل ~~إلى مكانه، وعند ذلك أذعن إسماعيل بن محمد بن أحمد بن الحسن بالمواجهة وهو ~~في جبلة، لما رأى أن قد صار في حكم المحتاز في جبلة من جميع الجوانب من ~~أعلى ومن أسفل إلى يد صنوه عبدالله، وشرط رجوعه إلى والده. # ووصلت كتب حسين بن حسن إلى يوسف بأنه يلتقي هو وإياه إلى بعض الطريق، ~~ولعل يوسف لا يساعد، لئلا تكون خديعة. ومحسن بن المهدي كتب إلى يوسف أنه ~~مجيب له بشرط ولاية حراز، فولاه حراز، وقال: يسكن برداع حتى يتم المشروط. ~~وأرسل السيد صالح حيدرة لولاية حراز الذي رجع متسابقا، فلما وصل إلى صنعاء ~~وكان حسين بن المتوكل قد ضمن ليحيى بن محمد بأنه تكون حراز إليه، ويحيى بن ~~محمد اضطرب عليه الحال، وقال يريد العزم إلى حراز ليحفظه، وكان إبراهيم بن ~~المؤيد أيضا قد دخل أطراف حراز فكتب حسين بن المتوكل إلى إبراهيم أنه يخرج ~~من ms450 حراز ويهب له ولاية ثلث الحيمة، وسار يحيى بن محمد إلى حراز. وقال: إنه ~~إذا دخله حفظه من جانب حسن بن المتوكل لا يستولي عليه، وقيل: إن حسن بن ~~المتوكل يريد القصد إلى ملحان أيضا، وهو في ولاية يحيى بن محمد. # [149/ب] وعلى الجملة إن الأمور في اضطراب، وقتال على الملك بلا شك، فالله ~~يدافع بدفاعه ويسكن ثائرة هذه الفتنة التي عقباها عليهم وعلى المسلمين وخيمة. PageV01P864 # وحال كتب الأحرف وصلت كتب إلى حسين بن المتوكل أن حسين بن حسن واجه إلى ~~يوسف، واستكملت المواجهة والقبض على بني المهدي أحمد بن الحسن، وبقي صاحب ~~المنصورة في منصورته وإخوته وأولاده قد خالفوا عليه وقبض على من قاتل معه ~~ووقع في حرب الجند القتل الكثير، قيل: نحو مائتين من الجانبين، وقيل: أكثر، ~~فلا قوة إلا بالله. وكان أكثر من أجاش به صاحب المنصورة من الحجرية؛ لأن ~~العسكر كانوا قليلا عنده. ووصل محسن بن أحمد بن الحسن من رداع إلى ضوران ~~مواجها، غير أنه قال: يتوقف حتى تستقر الأمور، ثم افتسح من يوسف إلى محله ~~الغراس لافتقاد بيوت والده، فسار من ضوران ومر صنعاء تلقاه حسين بن المتوكل ~~وأكرمه، ثم خرج إلى محله الغراس، وأرسل بعض عسكره إلى الجوف، لتغير حصل فيه. # ولقد غيرت هذه الدولة حالها، وسعت في خراب ملكها وأعزت عليها غيرها، وحصل ~~خفضهم لما كان يرفعهم، وضرهم ما كان ينفعهم، وغاب عنهم من السعد والإقبال ~~ما كان يحضرهم، وخذلهم من الكل ما كان ينصرهم، وانفتحت عليهم الأيام، وقلبت ~~لهم وجوهها، وكشفت لهم مكرها، وأبرزت لهم مكروهها، وأغارت عليهم الغير، ~~فسبتهم وسلبتهم، وغالبتهم فغلبتهم، وأذلت أنفسهم العزيزة، وهدمت معاقلهم ~~الحريزة، وطمست على أموالهم المكنوزة، وصارت الدنيا عليهم بعد أن كانت لهم، ~~وجعلت ظلهم هجيرهم بعد أن كان هجيرهم ظلهم، وانطفئ الملك وعفى السلطان، ~~ومشى عليهم الدهر وجرى عليهم [150/أ]الزمان، وجاهرهم من استحالات الناس ~~حالات، ومن تلونهم ألوان وتخلفات، شعرا: # والناس أعوان من والته دولته .... وهم عليه إذا عادته أعوان # والجرموزي السيد حسن ms451 الذي كان بالمخا سلم ما سلم من المال لصاحب ~~المنصورة، وحمل باقي ما معه من المحصول وشد بخزانته وأثاثه من المخا طريق ~~تهامة، وخرجت من بيت الفقيه طريق الحيمة حوائجه وجواريه إلى صنعاء، وهو بقي ~~برأسه مرسما به في المنصورة. PageV01P865 # وجاء الخبر بثامن ربيع الأول أن مدينة تعز دخلها أصحاب يوسف وملكوها. وكان ~~فيها من قبل صاحب المنصورة المتولي لها الشيخ ابن راجح الآنسي، وكا[ن] ~~دخولها ولم يجر فيها قتال ولا انتهاب، وإنما حصل طرف قتال خارجها ما بين ~~أصحاب يوسف وأصحاب صاحب المنصورة، وهو أن ولده إسماعيل كان بعد خروجه من ~~جبلة سكن خارج المدينة، فقصده حسين بن علي بن المتوكل، وعبد الله بن يحيى ~~بن محمد بن الحسن ومن معهم من العسكر، فاتفق طرف حرب، قتل من أصحاب إسماعيل ~~ثلاثة، ثم انهزم إلى الدمنة، فعند ذلك واجه أهل تعز وتبع حسين بن علي ومن ~~معه حتى بلغوا الدمنة. وإسماعيل ترفع إلى حصن هناك. وواجهت تلك الجهة أيضا ~~إلى حسين بن علي، وبعض الحجرية واجهوا إلى يوسف. وعند هذه الأخبار ~~تحرك[150/ب] القاسم بن المؤيد صاحب شهارة، وقال: أما إذا كان الأمر هكذا ~~وقد انتصب يوسف وهو حدث صغير السن فالأمر مشكل. وكان قد كاتبه صاحب صعدة ~~علي بن أحمد وكان علي بن أحمد، قد انتصب للأمر في جهاته، وأنه لا بأس ~~بالتراود هو وإياه على ما يصلح، ويريد أن يحصل الاجتماع بقاسم، وأنه يسلم ~~له الأمر ويكونوا يدا واحدة، وقيل: أنه كاتبهم حسين بن حسن صاحب رداع، ~~فالله أعلم ما يكون منهم. # ووصل إلى ضوران رسول من عبد الله بن الناصر أنه يحتاج من يوسف دراهم ~~للعسكر، فقال للرسول: لم يكن معه خزانة ولا مادة، البلاد قد تقسمت. # وعند ذلك في عشرين شهر ربيع الأول سلم قاسم بن المتوكل صاحب ثلاء لصنوه ~~يوسف. وزيد بن المتوكل سار من بلاد ريمة إلى تهامة، فاستولى على زبيد وواجه ~~إليه. وكاتب صاحب المخا إلى يوسف. PageV01P866 # وخرج الفرنج ببضاعة أدخلوا بعضها المخا ثم ms452 ركزوا في باب المندب لتلقي ~~العماني وتجار عمان، فتحير النعمان عنهم[151/أ]. وزيد بن المتوكل بعد دخوله ~~إلى زبيد سار إلى المخا، فدخله من غير قتال وقد كان الشيخ نعمة الله ~~اللاهوري الذي ولاه الناصر في المخا فخرج منه. وجاء الخبر بأن حسين بن علي ~~وإسحاق وعبد الله بن يحيى بن محمد بن الحسن قصدوا إلى جهة المنصورة. وكان ~~إسماعيل بن الناصر بعد رجوعه استقر بحدود جبل المنصورة مما يلي الدمنة، فلم ~~يشعر إلا بوصول الثلاثة بمن معهم من العسكر، فحصل الحرب فيما بينهم، وجاءت ~~غارة والده من المنصورة، فوقعت الهزيمة في أصحاب يوسف. وكان الحرب في سوق ~~السبت تحت المنصورة بأطراف الدمنة، فوقع القتل الكثير في المنهزمين من ~~أصحاب يوسف. وانهزم حسين بن علي وإسحاق وعبد الله بن يحيى إلى الزيلعي وذي ~~أشرق، واختلفت الأخبار في حسين بن علي وإسحاق فقيل: أنه وقع فيهم صوائب، ~~وقيل: أنه استولى عليهما. وأما عبد الله بن يحيى فهرب، وكان هذا في آخر شهر ~~ربيع الأول. # ومن العجائب أنه جاء خبر هذا الحادث قبل حصوله بنحو نصف شهر، ثم وقع كما قالوا. # وجاء خبر أنه خرج باشا إلى جهة جدة، وأن أحمد باشا الذي في جدة المتولي ~~عليها معزول. # [151/ب] ووصلت كتب صاحب صعدة علي بن أحمد إلى قضاة صنعاء وغيرهم بأنهم ~~يجيبونه في دعوته، وأن النية معه إلى الخروج إلى جهة اليمن من صعدة لتكون ~~اليد له، وأن الناصر ليس بأهل، وأنه أراد أن يأخذ ذلك بالسيف، وحصل ما حصل ~~بسببه وأمره بجبلة من المقتلة المنكرة. وأن يوسف دعا إلى الرضا وأنه لا ~~يصلح وأنه قد دعا إلى نفسه راض لنفسه بما دعا غير مشروط بالرضا من غيره، ~~فحصل الأمر العجيب من هذا الاختلاف، كلما أشرف السكون من جانب انتقض من جانب. PageV01P867 # وجاءنا كتاب من علي بن أحمد هذا بمثل ذلك، وأنه استمد الرأي في ذلك بعد ~~إبرامه، فكان كما قال الأول في المثل "ذرينا شعير مات شير"، فأجبت عليه بما ~~معناه أن ms453 الأولى أن تكون أموركم مبنية على التسكين، وحفظ ما تحت يده من ~~بلاده الأولة انتسابا إلى الأولين، وليكن الأمر من الجميع على طريق ~~الاحتساب، لعدم كمال الشروط التامة، ولأجل يكون في ذلك الصلاح بتسكين ثائرة ~~الفتنة، فإنه قد ذكر العلماء كالنجري من الهدوية في معياره، وعبد السلام من ~~الشافعية في قواعده أن درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، وذكر الزمخشري في ~~تفسير سورة الكهف أن الشرائع مصالح، وأن هذه المسألة كلها ظنية، وارتكاب ~~المقطوع بالمظنون لا يجوز من القتل والقتال، وغصوب الأموال[152/أ] وأذية ~~المسلمين. والمحافظة على بلادكم أولى من خروجكم. مع أن أحمد بن زيد صاحب ~~مكة بلغ أنه جهز إلى بيشة ويخشى إذا خرجتم من اختلال بلادكم. وكان قد ساعد ~~محسن بن المهدي صاحب الغراس بالولاء إلى جانب يوسف والخطبة، ثم لما بلغه ~~هزيمة الجماعة في الدمنة رجع عن ذلك، وقال: هو متوقف في هذه الساعة حتى ~~تقرر الأمور. # وقاسم بن المتوكل صاحب ثلاء خرج إلى طيبة وكاتب صنوه حسين بن المتوكل أنه ~~يلقاه إلى هنالك لمفاوضة قواعده، فلما تراخى ترجح له عاد إلى ثلاء، ولأجل ~~أنه بلغه خلاله ما حصل من الحادث في الدمنة من هزيمة أصحاب يوسف، وكذلك ~~صاحب كوكبان قد كان تقارب إلى إجابة يوسف، فلما بلغهم ذلك توقفوا على الأصل. PageV01P868 # وجاء بعض الكتب إلى بعضهم فذكر تحقيق الواقعة، قال: إن حسين بن علي بن ~~المتوكل وعبد الله بن يحيى بن محمد بن الحسن وإسحاق صالوا على إسماعيل بن ~~محمد الناصر بن المهدي أحمد بن الحسن وهو في موضع في الدمنة يقال له: (أم ~~قريش) جبل فيه قرى قريب من وادي الدمنة لم يكن بالمرتفع ديار بني السلمي. ~~وأنه رتب أصحابه على الطريق في بيوت ومكامن، فلما طلع أول القوم بخيلهم صبت ~~عليه البنادق من كل جانب والطريق في الوسط[152/ب]، فراح كثير من الخيالة، ~~منهم الأمير فرج الذي كان مع علي بن المتوكل، ومنهم أحمد بن الفقيه ومحمد ~~بن جميل الظليمي ومنهم ولد من أولاد الشيخ ms454 عامر الصايدي وسيد من بني ~~الديلمي من أهل السر وكثير من أهل الخيل والعسكر، وكانت مقتلة، قيل: جملتهم ~~نحو ثلاثين نفرا، وقيل: أكثر وأكثرهم من أهل الخيل؛ لأنهم أول القوم. وبقي ~~إسماعيل في تلك الليلة في حكم المحاصر قدر أربعة أيام، ثم جاءت غارة عبد ~~الله بن الناصر من قبل يوسف وهو كان في إب، فلما وصل اشتد الحصار على صنوه ~~إسماعيل، فخاطب بالمواجهة وواجه لما قل عليه وعلى من معه الماء والطعام، ~~وأن عبد الله بن يحيى وقع فيه صائبة، وقيل: أنه هرب، وقيل: أن هذا حرب آخر ~~غير الأول، وأن القتل الكثير كان في الأول في سوق السبت، وهذا بعده، ولما ~~وصل عبد الله بن محمد مغيرا ترفع صنوه إسماعيل إلى الجبل وحاصره وواجه ~~إليه، والله أعلم. # ولم يبق إلا صاحب المنصورة في أضيق من حلقة الفاس في منصورته، لم يخرج ~~منها، فالله أعلم ما ينتهي الحال بينه وبينهم، فلا قوة إلا بالله. PageV01P869 # [153/أ]وكان الناصر قد استعان بأهل الحجرية في هذا الحرب الحاصل فأجاشه ~~صهره ابن مغلس بقومه من أهل الحجرية، فلما كثروا حصل ما حصل من هزيمة أصحاب ~~يوسف. وكان قبل ذلك قد طلب منهم مهلة قدر شهر، فلم يحصل إسعاد، وصاروا ~~هنالك متراكزين الآن، وقل المدد من عند يوسف ومن صنوه الحسين لما نفدت ~~الخزائن وقل المدخول معهم وضعفت الضربة معهم التي كان يمدون بها، حتى بلغ ~~الحال معهم العجب في قل المدد؛ لأجل تفرق البلاد بينهم واختلاف آرائهم، لكن ~~أهل اليمن قد استمدوا من البلاد اليمنية فيما احتاجوا له ما يكفيه عن ~~الغارة. # وجزم محسن صاحب الغراس بالخطبة ليوسف، فخطب له الجمعة أول شهر ربيع ~~الثاني، وظهر سبب ذلك أنه وصل كتاب من المنصورة إلى الحمزة صنوه بأن ~~الولاية له، وأنه لم يبق لمحسن أمر، فحصل التغير مع محسن. وكتب الناصر إلى ~~قبائل بني حشيش وبني الحارث وهمدان بأن الولاية للحمزة، والحمزة لما وصلت ~~الولاية له توعد القاضي عبد الواسع الخطيب وخوفه، فهرب القاضي وصار ms455 إلى ~~صنعاء، ثم إن محسن دخل صنعاء يوم السبت عاشر شهر ربيع الآخر. ولم يتم لحمزة ~~مراده. والضربة غيرها صاحب المنصورة، وجعل إلى ما كانت عليه في زمن والده ~~أحمد بن الحسن. واستقر الضرب للقرش عنده منها للخمسة الأحرف، وصعدة كذلك ~~غيروها، ولم تسلك فيها ضربة غيرهم أصلا، ولأجل هذا وقل الضروب[153/ب]، ~~والضربة في بلاد يوسف كسدت وفترت، ولم يبق فيها محصول كما كانت، ولم تبق ~~ضربته إلا الشيء الحقير في بعض الأوقات، وصارت تضمحل وتصغر، حتى صارت ~~البقشة الخمس بقشة صغيرة، بلغ صرف القرش إلى سبعة وعشرين حرفا منها. PageV01P870 # وحسن بن المتوكل استولى على الضامر من بلاد حراز وتصرف فيه، لاتصاله ببلاده ~~بمساقط حراز من جهة الغرب مما يلي الحقار وبلاد لعسان. وسبب عزل الناصر ~~لصنوه محسن من بلاد الغراس وتولية الحمزة عزمه من رداع وموالاته ليوسف ~~ووصوله إليه إلى ضوران حال مروره، فلما بلغه ذلك عزله عن البلاد. # وفي هذه الأيام تقرر زيد بن المتوكل في المخا بعد أن قرر عمله واستولى ~~عليه وخطب فيه لأخيه يوسف، واستولى في المخا على علي بن يحيى بن حسين بن ~~المؤيد ، وأرسل به إلى ضوران تحت الأسر، فوصل ضوران. # وظهر خبر من رجل خصيص أن صاحب المنصورة الناصر كتب إلى أحمد بن زيد أنه ~~يمده بغارة، أو أنه إذا غلبوه فإنه ربما يرحل إلى بلاده مكة ويستعين به في ~~المخرج، هكذا أخبرني به من له اتصال واختصاص بجناب صاحب المنصورة. وأنه ~~يريد الخروج من المنصورة هذه الأيام إلى السهل، فإن جاء وله مطمع في ~~الاستيلاء على بلاد تعز ثم النفوذ إلى غيره فذاك، وإن لم يحصل عرج إلى ~~تهامة وسار جهة الشريف ولو إلى صبيا ويستمد من هناك من رئيسهم، أو إلى ~~اللحية؛ لأن صاحبها حسن بن المتوكل من أعوانه وأتباعه، فهذا من العجب. ~~وصاحب كوكبان سلم الأمر ليوسف وخطب له، وعلي بن أحمد صاحب صعدة كتب إلى ~~صاحب[154/أ] المنصورة بإجابة دعوته وأنه صار مشغولا بنفسه. # وفي نصف شهر ربيع الآخر ms456 واجه حسين بن محمد بن أحمد بن القاسم أبو طالب ~~صاحب عمران إلى يوسف بن المتوكل. وصاحب شهارة فتح المخازين حق المتوكل ~~والمؤيد والده التي بشهارة، وتصرف فيها وقضى ما عليه من الدين من المدة ~~السابقة منها. وسلم الأمر في سادس عشر شهر ربيع هذا حسن بن المتوكل لصنوه ~~يوسف، وكذلك حسين بن حسن صاحب رداع جاءت كتبهم في يوم واحد بالتسليم ليوسف. PageV01P871 # وفي عشرين شهر ربيع الآخر عاد حسين بن علي وإسحاق ومن معهم لقصد صاحب ~~المنصورة، فتلقاهم محسن بن محمد صاحب المنصورة وارتكز الحرب ، وخرج صاحب ~~المنصورة في الأثر لمظاهرة ولده محسن وحصل الحرب. فراح من الجانبين قدر ~~عشرين نفرا، وقيل: أكثر من ذلك، ثم عاد صاحب المنصورة إلى محله واكتف الحرب ~~وواجه كثير من أهل الحجرية إلى أصحاب يوسف، وصار حسين بن علي بن المتوكل ~~وإسحاق يضايقون صاحب المنصورة ويزحفون عليه[154/ب]، فخرب صاحب المنصورة ~~المحمولة؛ لأجل لا يطلعون حصن الدملوة. وقبائل المشرق استولوا على بلاد ~~لحج، وحصل في اليمن الأسفل من الربش ما لم يحصل مثله، فلا قوة إلا بالله. # واستقر أصحاب يوسف: حسين بن علي بن المتوكل ومن إليه خارج المنصورة في ~~المطرح الذي طرح فيه الرجبي أيام خلافه عليه، فكان عقب ذلك وقربوا من ~~المنصورة، فحصل حرب بينهم قتل فيه جماعة من أصحاب حسين بن علي وإسحاق كثير ~~نحو خمسين نفرا من الجانبين، وأكثرهم من أصحاب صاحب المنصورة، ثم هزموا ~~إليها، وهتفوا بالكتب للغارة عليهم والزيادات من يوسف. وصاحب المنصورة كاتب ~~إلى يافع بأنهم يعينوه على عيال الإمام المتوكل ومن انضاف إليهم، وبذل لهم ~~ولاية عدن وبلاد لحج، فلم يسعدوه، وقالوا: المراد حفظ بلادنا. # وحصلت الحوزة على المنصورة من جميع الجوانب وطرح بعض القوم في محل يقال ~~له: قدس. وخرج السيد حسن الجرموزي رسولا بالخوض بالصلح، فكان خروجه من ~~الفرج له، فلم يكن همه إلا النجاة من حبال صاحب المنصورة، بعد ما حصل معه ~~ما حصل من الترسيم والضيقة. ولم يبق لصاحب المنصورة من البلاد ms457 التي حوله ~~مادة بل ينفق مما جمعه من الدخن على من عنده ممن بقي من الخاصة. وعلى ~~الجملة أن أكثر اليمن قد صار مجيبا ليوسف والتهائم والجبل، ولم يبق إلا ~~صاحب صعدة، ويوسف أصغر أولاد المتوكل سنه في نحو خمس وعشرين سنة ، والملك ~~لله يؤتيه من يشاء، والله يصلح البلاد والعباد. PageV01P872 # [155/أ] وفي ثامن شهر جمادى الأولى كان تحويل سنة العالم لدخول الشمس أول ~~درجة الحمل، وزحل قد خرج من السنبلة، والمشتري في برج القوس، وكذا المريخ ~~والجوزهر في العقرب، والقمر في الجوزاء، والزهرة وعطارد في الثور. # وجاء الخبر هذه الأيام أن صاحب المنصورة غزا بعض المحاط عليه وهي محطة ~~رئيسهم فيها السيد محمد الديلمي، كان قد حفظ بعض الطرق فمنع الداخل والخارج ~~إلى المنصورة، فاستولى عليه، وكان بعض المحاط قد حطوا على الماء خارج ~~المنصورة، فشرع التضرر مع أهل المنصورة من الماء، فاتفق أن وقع مطر أملى ~~البرك داخل المنصورة ومصاب المواجل في المنصورة فيها شجر البنج ، فيكون ~~الماء فيه تغير وركة، ولا يزال في جبل المنصورة السخمة والسحاب[155/ب]. ~~ولما ضايق صاحب المنصورة تلك الجنود صار محتازا ولم يحصل له الخروج منها، ~~فبقي فيها حائرا والمحاط في قدس وغيره ليس بينهم وبينه إلا بلغ المدفع، ولم ~~يقربوا إلى المنصورة خشية من المدافع. وعند ذلك كتب قاسم صاحب شهارة وهو ~~باق على الأصل الأول من موالاة صاحب المنصورة يذكر له التأسي بمن مضى، وأنه ~~يصبر وأنه لا يصلح إلا الاحتمال، وأنه يتوجه النظر فيما يسكن ثائرة الفتنة، ~~فأجاب عليه أنه طالب للشريعة، وأنهم يجتمعون إلى مكان متوسط للنظر فيما فيه ~~صلاح الإسلام، وأن الأمر الذي نقم عليه قابل للحق فيه، فعرض القاسم مضمون ~~جوابه هذا على أولاد المتوكل وغيرهم، وهذه أمور متباعدة، فلو كان هذا من ~~أول الأمر، والأمر كما قال الأول: # أمور يضحك الجهال منها .... ويبكي من عواقبها الحليم # وهذه الفتنة الثائرة بهم زادت على فتنة أولاد المطهر بن شرف الدين؛ لأن ~~تلك الفتنة لم يبلغ حروبها إلى هذا، ms458 إنما وقع منها حرب واحد بين لطف الله ~~بن مطهر وعلي بن يحيى لا غير. PageV01P873 # وفي نصف شهر جمادى الأولى وصل إسماعيل بن محمد الناصر ولد صاحب المنصورة ~~إلى ضوران، أرسله صنوه عبد الله ومن معه من الحاضرين هناك[156/أ]. ولما وصل ~~كتاب القاسم صاحب شهارة إلى حسين بن المتوكل والقضاة بصنعاء وأجابوا جميعا ~~أن طلب الاجتماع قد كان حاولنا فيه وأردناه فلم يحصل من صاحب المنصورة إليه ~~التفات، وأعرض عنه وطلب غزو المشرق والتجهيز عليهم من غير نظر إلى اجتماع ~~ولا استشارة في القصد لهم. فلما كان ذلك منه سكنوا، وقال بعضهم: القصد ~~ليافع يحتاج إلى تروي أولا ويجمع ما يحتاج إليه من الخزانة مع ضعف السنة ~~وغلاء الأسعار، وليس في هذا عجلة، وكان المطلوب الآن غيره، وأما الآن فلم ~~يبق للاجتماع فائدة بعد إجابة أكثر اليمن ليوسف. # وفي ثامن عشر شهر جمادى الأولى وصل الخبر من أصحاب يوسف المحاصرين على ~~المنصورة أنهم لم يشعروا ثاني عشر يوم في شهر جمادى الأولى إلا بمغزى من ~~صاحب المنصورة إلى محطة حسين بن المتوكل، فوقع الحرب بينهم، وكادوا يستولون ~~على حسين بن علي، لولا غارة عبد الله بن يحيى بن محمد بن الحسن من محطته ~~فوقع الحرب. قتل من أصحاب صاحب المنصورة جماعة نحو اثني عشر نفرا منهم: ~~إسماعيل الذانبي، وكان قد خرج صاحب المنصورة عقبهم، فانكسروا إلى وجهه. ~~وراح من أصحاب حسين بن علي جماعة نحو ذلك القدر. ثم لما دخل أصحاب صاحب ~~المنصورة أغلقوا الباب وأمروا برمي المدافع وقد كان شحنوها بشيء من ~~المسامير والسلاسل، فطفت عليهم المدفع ولم يصبهم ورموا بآخر فتكسر المدفع، ~~ثم رجعوا إلى محلهم سالمين ولم يرح منهم إلا من راح حال الحرب، والله أعلم. # [156/ب] وطالت الفتنة هذه فيما بين المذكورين، فهذا إلى هذا التأريخ سلخ ~~جمادى الأولى منها سنة كاملة، وجرى ذلك بينهم كما جرى مع ملوك الطوائف . # قال الصفدي في شرح اللامية عند أول بيت منها في قوله: # أصالة الرأي أغنتني عن الخطل ms459 PageV01P874 ما لفظه: لما استولى اسكندر على ملك فارس كتب إلى أرسطو يأخذ رأيه في ~~ذلك، فكتب إليه الرأي أن توزع ممالكهم بينهم وكل من وليته ناحية سمه ~~بالملك، وأفرده في ملك ناحية، وأعقد له التاج على رأسه وإن صغر ملكه، فإن ~~المسمى بالملك لا يخضع لغيره ولا ينتسب أن يقع بينهم تغالب على الملك، ~~فيعود حربهم لك حربا بينهم، فإن دنوت منهم دانوا لك، وإن نأيت تعززوا بك، ~~وفي ذلك شاغل لهم عنك وأمان لإحداثهم بعدك شيئا. فلما بلغ الإسكندر ذلك علم ~~أنه الصواب، وفرق القوم في الممالك، فسموا ملوك الطوائف، فيقال: إنهم لم ~~يزالوا برأي أرسطو مختلفين أربعمائة سنة، ولم ينتظم لهم أمر، انتهى كلامه. # وجاء خبر آخر شهر جمادى الأولى أنه كان بعد الحرب الأول تعقب ذلك أرسل ~~صاحب المنصورة عسكرا من المنصورة على سعيد قاضي، وهو في محل قريب من عبد ~~الله بن يحيى، فاحتربوا هنالك، ثم انكسر أصحاب صاحب المنصورة إلى الدملوة ~~ثم اصطلحوا ثلاثة أيام. # وطلع جماعة من الهنود الواصلين بالبز من المخا إلى صنعاء خشية منهم على ~~ما معهم لما رأوا أعمال المخا بسبب زيد بن المتوكل مجعوثة . # [157/أ] وجاء خبر أن الزريقة من الحجرية والوا إلى صاحب المنصورة، ووعدوه ~~بالقيام معه والإعانة بدفع المحطة التي عليه من ولده وغيره، فعند ذلك كتب ~~حسين بن علي وعبد الله بن يحيى إلى يوسف بالإمداد بالعسكر، لئلا يحصل ما ~~يحصل باجتماع القبائل. فكتب يوسف إلى صنوه حسين صاحب صنعاء ويحيى بن محمد، ~~فأرسل حسين بجماعة عسكر نحو أربعمائة رئيسهم شيخهم الشيخ صلاح بن خليل ~~الهمداني. وفي خلاله هرب من أصحاب حسين بن علي بن المتوكل النقيب البرطي ~~الملقب الفرحة بجماعة من أصحابه إلى المنصورة، وصارت المنصورة يدخلها يومئذ ~~من طريق القماطرة والزريقة ما يحتاج إليه مما يجلب، فاسترجع بسبب ذلك وركدت ~~المراكزة حينئذ. PageV01P875 # قيل: وسبب هرب النقيب الفرحة أنه كان أرسله إلى المنصورة على صفة أنه ~~يستخرج له بعض شيء من المال، فسار إلى هنالك، ووصف ms460 لصاحب المنصورة أنه إذا ~~بذل له من المال وصل مواجها أو انتقل من محطته وتنحى إلى الدمنة، فأعطاه ~~ألف دينار من الذهب وألف حرف عددي من الفضة وخرج بها إلى حسين بن المتوكل، ~~فرجع حسين عن ذلك القول وأراد أن يأخذها منه ولا يتم منه ما قال، فأبى ~~النقيب، وقال: هذه أمانة لا يعذر فيها إلا بتمام قوله الأول، فانسل هاربا ~~وأعادها جميعا، فسمح صاحب المنصورة للنقيب بالعددي وقبض الذهب. ثم إن ~~النقيب لازمه وما زال يخرج إلى الغزو إلى المحطة في الليل[157/ب]. # ووصل الخبر بأنه خرج عسكر صاحب المنصورة إلى أطراف المحطة، فجرى حرب وقتل ~~من قتل من الجانبين. # وحصل قران بين الزهرة وعطارد في برج الثور شوهد قرانهما وقت المغرب في ~~المغرب عقب غروب الشمس. # وفي هذه الأيام وصل خبر أن الشريف أحمد بن غالب خرج من بيشة بأمر الشريف ~~أحمد بن زيد إلى نواحي ذهبان وأطراف بلاد قحطان ، رأس بلاد الحرامية. # وفي يوم الإثنين ثاني شهر جمادى الأخرى اتفق حرب عظيم يوم الإثنين على ~~محطة حسين بن علي وعبد الله بن يحيى بن محمد بن حسن، وكل عاد إلى محله. # وفي هذه الأيام السيد حسين بن زيد بن علي بن جحاف الذي كان متوليا ببندر ~~عدن من قبل صاحب المنصورة طلبه الناصر إلى المنصورة، فصادره بجميع ما معه، ~~وخرج منها لا يملك مما جمعه شيئا حتى مماليكه. وهو الذي اختار هذا، فإنه ~~لما عزل من زبيد وبيت الفقيه أيام أحمد بن الحسن تاقت نفسه إلى الولاية، ~~فقصد باب صاحب المنصورة، فولاه عدن، ثم خرج منه عطل. وولايات صاحب المنصورة ~~ليس لها أمل لأنه سريع الانقلاب فيها، والمصادرة فيما جمع منها. PageV01P876 # [158/أ] ثم خرج الناصر يوم ثاني إلى محطة ولده عبد الله وصنوه إسحاق، فوقع ~~حرب أعظم من الأول واستمر ذلك اليوم الذي خرجوا فيه عليهم إلى الليل من ~~ضحوة النهار إلى يوم ثاني، ثم عاد إلى المنصورة. وقد راح من الجانبين كثير ~~ومصاويب وصل جماعات منهم إلى ms461 صنعاء وإلى البلاد العليا سايرين بلادهم ~~وضايقوا المنصورة، ورموا بالبنادق إلى داخلها، فأصابوا جارية في حجرة الدار ~~حاملة لشيء من الطعام، فسقطت في حجرة الدار ميتة، لا قوة إلا بالله. # وحصل في هذا الحرب الإعانة من أصحاب ابن مغلس من قبائل الحجرية، فكثروا ~~قلهم فوقع ما وقع، وصار أصحاب يوسف يستمدون بالكتب بالغارة، وقد تعذرت؛ لأن ~~ذلك الحادث زاد الناس عدم الرغبة إلى العزم وقل المدد، لضعف الدراهم وعدم ~~الإنتفاع بها، ولأنه لم يكن مصدقا مع يوسف غير صنوه حسين صاحب صنعاء، فأما ~~غيره وإن قدو الوافي الظاهر فهم غير منجدين ولا واصلين ولا ناهضين، بل ~~صاروا محافظين لبلادهم، ويقول لسان حالهم إنه إن حصل نصرة ليوسف فقد والوه، ~~وإن حصل خلافه فهم لم يجر منهم محاربة لصاحب المنصورة. # وجاءت أخبار من الواصلين عقب الحربين المذكورين أنه غزا محمد بن أحمد بن ~~الحسن الناصر إليهم، فاحتربوا. # وفي هذه الأيام بنصف شهر جمادى الأخرى ضعفت الضريبة مع حسين بن المتوكل ~~وغيره، وتعذرت القروش والدراهم الأولة، وامتنع التجار عن تسليم القروش؛ ~~لأجل قلتها معهم، ومن معه بقية منها يريد إذا حصل له عوض من الموسم الهندي، ~~ولعدم المصلحة فيها وصغر بقشها[158/ب] وارتفاع الصرف فيها، بلغ القرش خمسة ~~وثلاثين حرفا وأكثر، فلم يبق معهم خراج فيها. فأمر حسين بن المتوكل ~~البانيان على تسليم قروش، فامتنعوا، فأمر بجماعة منهم الحبوس والحصون، ~~وقال: لا بد لهم من التسليم، فقالوا: لا خراج لهم، فلم يعذرهم، وغلقوا ~~حوانيتهم، وهم الذين كانوا يبذلون الشفعاء في قبول القروش للضربة، ولكنهم ~~لما عرفوا بضعفها بعد وصغرها امتنعوا. PageV01P877 # وفي هذه الأيام ظهر خبر بأن السلطان محمد بن إبراهيم خان قتل في حرب ~~النصارى من الفرنج ، فكان رزءا عظيما في الإسلام، رحمه الله وأنه انتصب ~~بعده صنوه سليم بن إبراهيم بن أحمد خان . وأخبرني الشيخ إبراهيم المدني ~~الذي خرج من حضرة أحمد بن زيد بكتب في الأيام الأولة في شهر القعدة الماضية ~~وهو إلى الآن باقي باليمن، فقال: إن التقاويم في تلك ms462 الجهة من أهل الفلك أن ~~السلطان محمد يموت في هذه السنة، وأنه يقوم بعده صنوه سليم، وسيفتح فتوحات ~~كثيرة، والله أعلم بالغيب. # ورأيت في القصيدة التي ذكرها حسين بن سامي الهتاري المدني في كتابه الذي ~~صنفه المسمى (النور الساطع بلوامع الجفر الجامع) في ذكر طريق معرفة الحرفي قوله: # وسابعة بالروم مع أرض طيبة .... حوادث أجناد بكل أذية # وثامنة بالروم دامت مكائد .... لهم وبهند السند أيضا وكوفة # وتاسعة التسعون حال مكيدة .... بمكة في الأشراف شرا بفتنة # وختم رأس القرن للسيل شدة .... وللحرب إيقاد وكل بمكة # والذي اتفق من الفتنة في اليمن بين الأشراف في سنة ثمان وتسعين وألف. ~~وأما الروم فوقع فيه فتنة الفرنج، وانتصر عليهم السلطان. # وفي المنظومة المكية لابن بسطام قوله في سياق مكة المشرفة، بعد أن ذكر ~~سعد بن زيد وما يقع معه فيها: # يردها من الغرب جيش العريم .... وزرق العيون وحمر الشعر # وهذا يكون إلى عام قاف .... ومن بعد قاف يكون الفخر # وفى بعد من زمرى بها .... يكون مليك بأقصى هجر # يبيد الأئمة وأوطانهم .... ويخرجهم من حصون شذر # وهذا قد تقدم في الثمانين، والألف خروج الباشا حسين إلى مكة وإخراج سعد ~~وصنوه أحمد عنها كما سبق، إن كان هو المراد، ثم صفح عنهم[159/أ] السلطان ~~وعفا عنهم. وأما بعد إلى رأس المائة المشار إليه بالقاف فما قد اتفق شيء ~~منه، والله أعلم بذلك. PageV01P878 # وفي يوم الخميس تاسع عشر شهر جمادى الأخرى اتفق مغزى من صاحب المنصورة على ~~ولده عبد الله فاستولى عليه وأدخله المنصورة وحبسه فيها، وسبب ذلك أنهم ~~تفرقوا بمحاطهم، كل منهم حط بجهة متباينة، فكان ينال منهم بالغزوات، ويوثب ~~عليهم جوار المنصورة. وظهر الوباء في فصل الصيف، فمرض كثير ومات من مات من ~~العساكر. وجاء التحقيق واستفاضت الأخبار بأن صاحب المنصورة الناصر لما ضاق ~~به الحال لم يجد بدا من الاستنصار بقبائل الحجرية، وبذل المال لمشائخهم، ~~فأرسل بعض النقباء معه إليهم، فأجابوه، وهذا الرجل يسمى رباح، فاستمالهم ~~واجتمعوا له وجمعهم إلى قريب المنصورة من ناحية بين ms463 الجبال لا يشعر بهم أهل ~~المحطة. وكتب إلى الناصر صاحب المنصورة بذلك، فخرج صاحب المنصورة منها ~~لمفاتحة الحرب إلى محطة ولده عبد الله وصنوه إسحاق، فشرع الحرب، فانكسر لهم ~~والذي معه القليل من عسكره، ثم تبعوهم إلى قريب المنصورة، فلما حصل ذلك وهم ~~في آخر الحرب والرمي؛ إذ أقبلت عليهم القبائل من كل فج عميق وأحاطوا بهم من ~~خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم، وحالوا ما بينهم وبين محطتهم ووقع الحرب ~~والضرب، فقتل كثير من أصحابهم، ولم يفلت منهم إلا من هرب أو واجه وأسروا ~~ولده عبد الله وصنوه إسحاق وأسروا منهم وأقبلوا على محطتهم انتهبوها، فلما ~~شعر بذلك أهل المحطة الأخرى وهم حسين بن علي بن المتوكل وعبدالله بن يحيى ~~بن محمد بن الحسن لم يكن همهم إلا الارتحال، وحمل ما خف من الأثقال، حتى ~~بلغوا إلى بلاد الأحمدي وجبل سامع على مسافة يوم، وأرادوا العزم إلى ~~تعز[159/ب] فتدرك الأحمدي بأنهم يستقرون ولا عليهم بأس، فسكنوا ثم لم ~~يشعروا إلا بإحاطة القبائل عليهم فحاربوهم هنالك. وعند ذلك واجه جميع اليمن ~~الأسفل للناصر، ونوروا النيران حتى بلغت إلى سمارة، ولم يبق إلا المدن؛ ~~لأجل الرتب فيها. فلما حدث هذا الحادث شلت قبائل اليمن الأعلى رؤوسها ~~وهابوا الناصر، ونفدت الخزائن مع الدولة PageV01P879 اليوسفية . وظهرت فترتهم وقل ما بأيديهم من المال والرجال، فالملك لله ~~تعالى ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وجاء الخبر بوصول الجنود العثمانية إلى مكة وخروجهم عنها طريق اليمن في ~~هذه الأيام بأول رجب، وأن أحمد بن غالب الشريف الأمير المكي قد بلغ إلى ~~بلاد قحطان ووادي ذهبان رأس بلاد الحجاز. فمن الناس كثير قال: في ذلك فرج ~~على المسلمين من هذه الفتنة التي طالت باليمن من غير مصلحة للمسلمين، ولأن ~~الظاهر أنها لا تنقطع فيما بينهم؛ لأنهم قد اشتجروا على البلاد، وكل منهم ~~يريد بلاد الآخر. # وجاء خبر آخر أن أهل الحجرية بعد تمام الواقع من الحرب والاستيلاء على ~~المذكورين صالوا على المنصورة، فانتهبوها وحوزوا صاحبها. # وجاء ms464 خبر أن حسين بن علي وعبد الله بن يحيى واجهوا، وطلب لهم الأمان ~~الشيخ الأحمدي ودخلوا إلى المنصورة. وكتب صاحب المنصورة إلى صاحب شهارة ~~ووادعة القاسم وأحمد أبناء المؤيد بن القاسم -لأنهما على الولاء المتقدم ~~لصاحب المنصورة، والخطبة- بالاخبار بالحادث والإستيلا على المذكورين. وأحمد ~~بن المؤيد كتب إلى حسين بن محمد بن أحمد أبو طالب صاحب عمران بأنه يدخل في ~~إجابة الناصر، وإلا فهو متقدم إليه، فبقي المذكور في حيرة من أجل ذلك بين ~~إقدام وإحجام، وعند ذلك أمر يوسف جماعة من عسكر جبل ضوران وبلاد آنس ~~بالغارة ورئيسهم العبد فرحان، فساروا إلى ذمار. وبلغهم أن قد دخل حسين بن ~~علي بن المتوكل وعبد الله بن يحيى المنصورة تحت الأسر، فسكنوا بذمار، ~~وقالو: إلى عند من نصل[160/أ] بعد ارتفاعهم والاستيلاء عليهم ومواجهة اليمن ~~الأسفل؟ فاستقروا هنالك، وبقي يوسف في حيرة وسقط في يده، ولا سيما وصنوه ~~زيد بالمخا قد واجه إلى صاحب المنصورة الناصر فتغلق اليمن الأسفل جميعه إلى سمارة. # وصاحب شهارة باقي على الأصل، فلم يبق إلا حوزته بلاد ضوران وصنعاء، ~~ولعلهم يواجهوا، والله أعلم. PageV01P880 # واستفاضت الأخبار بصنعاء وغيرها بخروج أحمد بن زيد وأحمد بن غالب شريف مكة ~~ومعهم جيوش وأمراء من العرب والترك كثير. وأن أولهم دخل صبيا، ثم جاء الخبر ~~قدموا صبيا إلى صنعاء. # وفي يوم الجمعة ثاني عشر شهر رجب أمر الدولة بأن البقشة التي كان حسابها ~~خمسة كبار تكون بقشتين، فضعفها وصغرها، ففرح البعض وتغير البعض من الناس، ~~الفقراء استراحوا بذلك والأغنياء تضرروا؛ لأن عليهم كسر فيها وارتبشت ~~أحوالهم. وغلق كثير من أهل البيع والشراء حوانيتهم، واضطرب الحال في ~~التعامل بذلك، وضربوا ضربة أخرى تكون أكثر من الأولة قليلا، وقالوا نتعامل ~~بهذه وهذه كل شيء بحسابه، فلذلك حصل الاضطراب في التعامل. وهذا من الضرابين ~~حيلة لما تناهت الأولى في الصغر الذي لم يمكن ضربتها، ولم يبق لهم مصلحة ~~لعدم تمكن تصغيرها، فلما ضربوا الضربة الجديدة صاروا يصغرونها قليلا قليلا ~~لأجل تثبيت المصحلة، وهي مفسدة في الحقيقة ms465 وبخس، فلا قوة إلا بالله، وجعلوا ~~الوقية يدخلها ثلث نحاس وثلث جسد وثلث فضة، وقد يزيد على ذلك في الغش. # وبلغت الأخبار أن صاحب المنصورة يريد التجهيز على يوسف إلى ضوران وصنعاء، ~~وقال: نقصدهم ونحوزهم كما حازونا وضاررونا، فجاء أخبار أن الخارج من عساكر ~~السلطنة وفيهم الشريف أحمد بن زيد وأحمد بن غالب وغيرهما، ففرح الناس به، ~~فلعله يحصل التفريج عن المسلمين من طول هذه الفتنة، ويكون على أيديهم فك ~~هذه المحنة، وتكون كدولة عيال مطهر بن شرف الدين لما اختلفوا اختل ملكهم ~~وانتقل إلى غيرهم، فسكنت الأمور. والظاهر أنه لا يسكن هذه الفتنة التي قد ~~قامت فيهم إلا يد أخرى، وإلا فقريب المحال اجتماعهم. # [160/ب] وفي يوم الجمعة عشرين شهر رجب خطب في الغراس للناصر، ولم يبق إلا ~~ضوران وصنعاء وذمار لا غير. PageV01P881 # وبعض العسكر الذين كانوا حاطين على المنصورة لازموا مع الناصر، وبعثهم ~~بآداب إلى اليمن الأسفل، بسبب إجابتهم ليوسف. وبعضهم أذن له في العزم إلى ~~بلادهم، وأما أخوه وولده وحسين بن علي وعبد الله بن يحيى فشدد في الترسيم ~~عليهم داخل المنصورة تحت الحفظ. # ووصل الخبر ثاني وعشرين شهر رجب إلى صنعاء بأن أحمد بن غالب قد بلغ إلى ~~برارة ما بين جبل رازح وبين أبي عريش، وهذه البلاد إلى جهة صاحب اليمن قد ~~دخلها نزل إليها من بلاد قحطان، ولعله يريد طريق تهامة يخرج إلى درب ملوح ~~ثم إلى تهامة البدوي ثم إلى غرابي الشرف والواعظات طريق بطن تهامة في بلاد ~~مور يخرج إلى مدينة مور، ثم إلى بلاد الضحي وبلاد اللحية ثم إلى بيت ~~الفقيه، والله أعلم. # ووصل الخبر هذه الأيام بآخر شهر رجب إلى اليمن أن السلطان محمد بن عثمان ~~نصره الله على الفرنج من النصارى عبدة الصليب، وأنه بعد خروجه عليهم العام ~~الماضي لما وقع منهم ما وقع من الصولة على المسلمين في جزيرة الأندلس، ~~وتجهز السلطان عليهم بنفسه، وحث المسلمين على الجهاد في سبيل الله، فاستولى ~~عليهم، وقتل منهم قتلا ذريعا، وسباهم ms466 واسترد البلاد التي كان استولوا ~~عليها، وزاد معها غيرها، ثم عاد إلى استنبول وقد دوخ بلادهم وقمع رؤوسهم. # وفي هذه الأيام بعد [أن] استولى محمد بن أحمد صاحب المنصورة على أصحاب ~~يوسف كما سبق، وتكاثرت كتب يوسف إلى صنوه حسين وإلى صاحب عمران وكوكبان ~~يوقفوا وواعدوه بالتجهيز من غير جزم منهم، وأما صنوه حسين فجمع من أمكنه ~~جمعه من بني حشيش وغيرهم، وجهز معهم رئيسا ابن أخيه قاسم بن أحمد بن ~~المتوكل ، وساروا ومرادهم المحافظة على حدود اليمن الأعلى من نواحي يريم ~~وسمارة، مع أن العسكر الذي أرسلهم صاحب المنصورة إلى جبلة مع ولده يحيى ~~متماكرين وتواطئهم مع صاحبهم يوسف. PageV01P882 # ويحيى بن حسين السحولي الذي كان يخطب بصنعاء لما بلغه حادث المنصورة هرب ~~يوم وصله الخبر إلى بلاده عمران، واستقر فيها خائفا مترقبا[161/أ] إذا حصل ~~من صاحب المنصورة قوة يد؛ لأجل ما جرى منه من الخطب والاستحداد فيها، وكان ~~قد سبقه هاربا ابن أخيه محمد بن إبراهيم السحولي وهو الخطيب في الأصل ~~بصنعاء، لما أمر بالخلع لصاحب المنصورة، فامتنع وسار بلاده هاربا. # وفي آخر يوم بشهر رجب ترجح لقبائل بني الحارث وهمدان أن نوروا في بلادهم ~~النار ونصروا لصاحب المنصورة محمد بن أحمد بن الحسن. PageV01P883 # قيل: إنها جاءتهم كتب منه، فأجابوها لما رأوا ضعف صاحب ضوران وصنوه، وكان ~~صنوه حسين وهو يبالغون في تجهيز عسكر من عندهم ويبذلون لهم الجوامك مع قلة ~~ما في أيديهم فيحصلون ذلك بالجهد الجهيد من معادن وما يجدون من دور الضرب ~~معهم على تقالل محصولها بعد أن تغيرت الضربة فيها، والانكسار حصل معهم لما ~~حولوها وجعلوا الخمس الأولة على النصف من الضربة الآخرة، فانكسروا فيها، ~~والكسر كثير من أهل البيع والشراء، وتقالل الداخل والخارج بالأسباب، ~~واضطربت الأحوال، وكلما تكلفوا على إصلاح شيء انتقض من الجانب الآخر، فإن ~~بالأمس كان جمعوا عسكرا من بلاد آنس ومن بني الحارث وصلوا إلى بعض الطريق ~~وتفالتوا ورجعوا أرسالا من غير مبالاة وراحت الدراهم التي بذلوها لهم ~~ضائعة. وكذلك مع ms467 الأولين تخاذلوا فيما بينهم وتماكروا، وعلى الجملة إنما ~~التأم لهم أمر يريدونه بعد أن كان جرى ذلك قبل الاستيلاء من صاحب المنصورة، ~~فإنه بلغ صاحب المنصورة الحالة الركيكة التي أيس منه أكثر الناس، ثم كان ~~الاستيلاء منه بسبب أنه بذل أكثر ما تبقى معه في خزائنه لقبائل الحجرية ~~ومشائخها، وأباح لهم ما انتهبوه على المحطة التي كانت عليه فيها، والسبب ~~الثاني تخاذل العسكرين فيما بينهم، فإنهم لما رأوا القبائل كثرت عليهم ~~دخلوا في بعضهم البعض أنهم مع صاحب المنصورة[161/ب] كون أكثر العسكر الذين ~~معهم من قبائل بني الحارث وهمدان وهي بلاد أحمد بن الحسن، فمالوا إليه. ثم ~~إن البلاد أكثرها مع غير أولاد المتوكل وهم صاروا مع أنفسهم في بلادهم، ~~وإنما غاية الأمر مرامهم في الإجابة تارة لهذا وتارة لهذا، لأجل لا يحصل ~~عليهم الخلل من الجانبين، بل من قوي منهم فهم معه، فلذلك لم يرفعوا رأسا في ~~معونة يوسف بعسكر مع كثرة مطالبته لهم، وإنما صاروا يواعدونه مواعيد عرقوب. ~~وهم في خلال ذلك مكاتبون إلى صاحب المنصورة، وأنهم معه ولا يتأتى منهم إلى ~~جنابه ما يخشى ولا ما يدفعه. وصاروا يأكلون PageV01P884 محصول البلاد، ويجمعون الخزائن منها والزاد. ويوسف صاحب ضوران وصنوه لم يبق ~~معهم ما يخزن ولا ما يجمع، بل بلغوا في نفقاتهم إلى العدم والنفاد، مثلما ~~بلغ إليه محمد صاحب المنصورة وأبلغ، والله يتدارك المسلمين بسكون ثائرة ~~الفتن، ما ظهر منها وما بطن. # وفي يوم الإثنين سادس شهر شعبان خرج الأمير حسين بن عبدالقادر صاحب ~~كوكبان من شبام طريق المحويت، وباب الأهجر بعساكره وأتباعه ولم يعرف أحد ما ~~سببه، ثم نزل من المحويت طريق الطور في شدة الحر وجمرة القيض وأول مبادي ~~مطر الخريف وطلع جبل أذرع، سكن فيه بقية شعبان ثم عاد إلى كوكبان. # وفي هذه الأيام وقعت المراكزة على المخا من القبائل مع عينة يسيرة من ~~العسكر، فخاف أهل البندر من النهب إذا دخل؛ لأنه غير حريز، وفيه يومئذ زيد ~~بن المتوكل والسيد حسن الجرموزي. وأكثر ms468 مراكب الهند توقفت خارج البندر ، ~~وامتنعوا عن الدخول من البحر لما عرفوا بذلك، والبعض قد كان دخل ولم ينزل ~~أحد من التجار من اليمن الأعلى خشية على أموالهم. ووصلت[162/أ] الرتب ~~والعينات إلى سد مشورة رأس العدين فيها ابن فرحان من الذين كانوا أولا من ~~أصحاب يوسف ، ثم لما أسروا والوا الناصر واختاروا الخدمة معه، وهم مراكزون ~~لزيد بن محمد بن الحسن بن القاسم الذي في العدين، والله أعلم. # وفي رأس سمارة رتبة من قبل صاحب المنصورة، وفي يريم علي بن حسين والأغا ~~فرحان وجماعة عسكر معه من أصحاب يوسف، وكل يراعي منهم الفتنة، فلا حول ولا ~~قوة إلا بالله. PageV01P885 # ووصل خبر بأن عبد الله بن محمد بن الناصر لما رسم به والده ومنع الداخل ~~والخارج عنده غير خدام واحد يخدمه، وأمر في بعض الليالي أن يحرق مخزان ~~البارود الذي تحت بيت والده ومن فيه، ففعل ذلك، فحرق نصف الدار وسلم والده؛ ~~لأنه كان في النصف الآخر الذي سلم من الحريق، أراد بمكيدة لوالده، ففطن به ~~قبل حصول ما أراده، فلما حصل منه ذلك أمر به والده إلى حصن الدملوة وشدد ~~عليه بزنجير لما اطلعوه وقيده في الحصن المذكور. # ووصل خبر بأن ابن فرحان قبض عليه زيد بن محمد بن الحسن أسيرا من غير حرب، ~~وأن جماعة عسكر من غربان كان أرسلهم صاحب المنصورة إلى بلاد يريم وهم ~~ثمانية أنفار بأدب على سبب مواجهتم للمنصور يوسف، فقبض عليهم علي بن حسين ~~بن أحمد بن الحسن وفرحان وحبسهم، ثم أطلقهم وساروا بيوتهم. وجملة الرتبة في ~~رأس سمارة نحو ستين نفرا أيضا من غربان، كان أراد فرحان وعلي بن حسين ~~يقصدوهم، فكتبوا إليهم أنكم لا تعجلوا، والأولى التوقف منكم حتى ننظر ما ~~يكون وأنه لا يحصل منهم تعدي. وبعث الناصر على الشيخ الأحمد واليوسفي أطراف ~~الحجرية بآداب بسبب مواجهتم وإدخالهم أصحاب يوسف المنصور بلادهم، فتغيروا ~~من ذلك وقيل: أن بيت الأحمدي أمر بخرابه. ووصل جماعات من العسكر من أهل ~~الشام وغيرهم الذين كانوا ms469 مع صاحب المنصورة بالطماعات معهم ومروا صنعاء، ~~وكذلك جماعة ممن اختلط بهم من عسكر أصحاب يوسف نهبوا أيضا وساروا بلادهم ~~بطماعات من النقد والسلاح، فلا قوة إلا بالله. PageV01P886 # وفي ثالث عشر شهر شعبانها وصلت الأخبار أن عبد الله بن يحيى بن محمد بن ~~الحسن هرب من المنصورة هو وجماعة من أصحابه، فنجى وخرج من حبال محمد ~~الناصر، فضربت الطبلخانات في ضوران وصنعاء والطلاعات. وأما عبد الله ولد ~~الناصر فشدد عليه في حصن الدملوة، قيل: بذلك السبب، وقيل: بغيره. وقد كان ~~هذا محمد بن أحمد الملقب الناصر المذكور أمر بعض القبائل أن يقصدوا إلى ~~المخا لأخذه ونهبه، فاجتمعوا طمعا منهم في أخذ أموال المسلمين، فثبت لهم ~~زيد بن المتوكل وعنده من العسكر نحو سبعمائة، وضربت المدافع وخرجوا فيهم، ~~فانهزموا وقتلوا منهم جماعة وولوا الأدبار وحمى الله البندر. وواجهت يومئذ ~~رتبة سمارة إلى علي بن حسين بن أحمد بن الحسن وفرحان، ودخلوا في طاعة يوسف ~~وواجه ولد حسين بن حسن إلى يوسف، وعند اتفاق هذه الأمور الثلاثة سكن رجيف ~~الناس وزال عنهم ما كانوا يظنونه من تسليط الناصر عليهم. ومنع بعض أهل ~~اليمن الأسفل عند ذلك الآداب التي كان جعلها عليهم. # وفي هذه الأيام استفتح صاحب المنصورة بيت الفقيه بتهامة[163/أ]، ثم إن ~~زيد بن المتوكل خرج لقصد من في موزع فاحتربوا وقتل منهم، وانهزم أصحاب صاحب ~~المنصورة من موزع، وأسر منهم جماعة، وكان القتل أكثره في قبائل الحجرية ~~الذي أجاش بهم. # ووصل كتاب هذه الأيام من الشريف أحمد بن زيد بن محسن صاحب مكة إلى الناصر ~~والمنصور بأن صر العام الماضي وصر هذه السنة يسلموه وأنه لا يعذرهم عنه. # وفي هذه الشهر مرت جراد، جاءت من جهة الشام. # وفي عشرين شهر شعبان وصل الخبر أن حسين بن علي بن المتوكل خرج من حبس ~~صاحب المنصورة. # ووصل الخبر أن فرحان لما نزل بمن معه من العسكر المنصوري بسمارة والمخادر ~~قصد إلى إب، ودخله عنوة، ووقع حرب وانتهبت بعض المدينة. وكان أراد التقدم ~~إلى ms470 جبلة، لولا وصول غارة من المنصورة قد كان ركب لها يحيى بن الناصر. PageV01P887 # وفي أول شهر رمضان الكريم من هذا العام مضى علينا رجل صوفي على قدم ~~............ قال: إنه سائح في أرض اليمن وأنه قد دار زوايا الصوفية بتهامة ~~وما يليها من الجبال، وأن أصله من البلاد التي تقرب بلاد حلي ومكة وتبالة، ~~وأنه وأهل بلاده على مذهب الزيدية، وقد ذكر لي أنه اتفق بالمراوعة ببعض بني ~~الأهدل الصوفية وبقي هنالك عندهم بعض المدة، ثم بالبلاد التي تقارب بلاد ~~الصلبة بشيخ هناك يقال له: أبو طلحة له مكاشفات عدة، وأنه اتفق بالعوبلي ~~ببلاد ريمة وما له من المقام بجهته والنذور والانبساط بما حصل له من ~~الفتوحات في هذه المدة. وذكر أنه حضر على مجلس طعامه، فاجتمع كثير على ~~طعامه، فلم ينقص السمن من أصله ولم يزد عليه. وذكر أنه اتفق بالرجل الذي ~~يقال له: عبد الله بجبل جبع مساقط بلاد لاعة، وأنه قد تقرر هنالك وابتنى ~~بيتا ومسجدا يسكنه، وأنه لا يتفق به إلا من أراد هو لوقفته أو طالب ~~ملازمته، وأنه ينسل من حضرتهم فلا يدري بجهته ويسمع صوته من بعد فيه ذكر ~~الله تعالى، وأنه يسكن في بلاد الهيجة [163/ب] هناك ولا يضره الأسد مع قربه ~~منه، ثم يعود داره، وأنه أحيا في جبع مالا يزرعه وجعل له أجراء يزرعونه ولا ~~يأكل إلا منه، والنذور التي تفد إليه لا يأكلها إلا أصحابه، فهذا دأبه. ~~وذكر أنه مر إلى بلاد آنس فوجد فيها ناصر الدين الذي سبق الإشارة إليه في ~~دولة المتوكل، وأنه ابتدع أشياء من التحريمات بما هو حلال، كما سبق، فذكر ~~لي: أنه زاد مع ذلك مما يقوله تحريمه للخل؛ لأن أصله الخمر والخمر نجس ~~فيلزمه أن كل تلبس النجاسات في الأصل نجس وجميع الحيوانات تلبس بالدم في ~~الرحم فيلزمه نجاسة بني آدم والأنعام وهذا لا قائل به، وتحريمه لما يفعله ~~الفلاحون من تكريم المال بالأرواث . وقال: هو نجس فيحرم الحب لأجل ذلك، ~~وحرم القهوة وحرم أشياء ms471 كثيرة مما أحله الله تعالى من المباحات، فهذا من ~~البدع الكاذبة في الإسلام والتحريم لما أحل الله PageV01P888 تعالى كما قال تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا ~~حرام لتفتروا على الله الكذب} . # وقال: إنه يعتمد في مذهبه بكتاب أحكام الهادي لا غيره، فضاع عليه أكثر ~~الفقه لأن أحكام الهادي لمسائل يسيرة، وقال المذكور: إنه دار كثيرا من ~~المساجد والربط باليمن الأعلى، وأنه بات في مسجد ببني مطر ومسجد الشمس بوقش ~~، فوجد في أحدهما جماعة يصلون في الليل بعمائم خضر أحداث يأتمون برجل شائب ~~وهو في زاوية المسجد، وأنه ظهر عند ذلك نور وضوء أدرك أشخاصهم وهو يراهم ~~فأردا القيام للسلام على إمامهم فلم يتمكن من القيام أصلا وكأن شيئا جذب ~~رجله للقعود. وقال: إنه زار النبي شعيب بن مهدم برأس جبل القاهر بحضور وبقي ~~فيه برهة، وسألته عن التسريج الذي يظهر في بعض دعائم المسجد، فأخبرني أن ~~الأمر كذلك، وأنه يحدث عند شدة السخم والسحاب، وإذا وضع الإنسان أنامله ~~قريب اللهبة تلك وهي خضراء ظهرت اللهبة تلك في جميع أصابعه، ولا يحس لها ~~حريق بل باردة وإن هذا من عجائب قدرة الله، فهو القادر على كل شيء[164/أ]. ~~وذكر لي المذكور أنه ذكر له بعض صوفية تهامة فقال: عجيبا لكم يا زيدية كيف ~~لا تزورون الأحياء ممن يستحق الزيارة ويستمد منه الدعاء؟ وصرتم تزورونه إذا ~~مات، وعجيبا لكم فإنكم تزورون وتطلبون ولا تبذلون شيئا من الفتوحات ولا ~~شيئا من النذور، والأمر كما قاله فإن هذا حالهم ودأبهم. # والقاضي جباري لما أرسله يوسف إلى صاحب شهارة أجاب عليه أنه يخوض في ~~المصالحة والاجتماع إن شاء الله من بعد انسلاخ شهر رمضان، إذا حصل من صاحب ~~المنصورة ويوسف وهو سيسعى في صلاح السيدين، ويبعد خروج السيد محمد من ~~منصورته، ويبعد أيضا من السيد يوسف مساعدته والدخول في إجابته بعد ما جرى ~~بينهما من هذه الفتنة والحروب، وكذلك يبعد من السيد علي بن أحمد صاحب صعدة ~~الخروج منها ومعونته. PageV01P889 # ووصل يحيى ms472 بن محمد بن أحمد بن حسن الذي كان بجبلة من قبل والده صاحب ~~المنصورة إلى ضوران تحت الحفظ ومعه زيد بن محمد بن الحسن بن القاسم؛ لأنه ~~واجه على يديه. كان وصوله برمضان منها. # وأهل الهند لما تكاملت مراكبهم رسوا في المرسى في باب المخا، ولم يخرجوا ~~إلى البندر أصلا، وصاروا يبيعوا ممن وصل إليهم والمشترين القليل لانقطاع ~~طريق المخا، وإنما صار يصل من يصل من البحر من اللحية أو من طريق الساحل من ~~تجار تهامة والبانيان، فأما تجار البلاد العليا فلم يسافروا، ثم أخرجوا ~~باقي مراكبهم بعد واقعة موزع وهزيمتهم، وتحولت الطريق إلى المخا من تهامة يومئذ. # وفي هذه السنة توفي القاضي العارف علي بن محمد الخولاني الشافعي، قاضي ~~مدينة تعز باليمن الأسفل رحمه الله، وكان هو القاضي الحاكم بالشريعة ببلاد ~~تعز، المرفوع إليه بتلك الديار وكان مشاركا مع فقه الشافعي بالأصول والفقه ~~هو الغالب عليه. # اتفقت به مرة بصنعاء لما طلع إليها في[164/ب] ابتداء أيام أحمد بن الحسن ~~لتقرير ما هو له من السبارات في تلك الجهة، رحمه الله. # وفي شهر رمضان خرج صاحب المنصورة إلى قدس وأظهر الإعداد والبذل لمن يخرج ~~معه من الصفراء والبيضاء، فاجتمع كثير من أهل الأطماع، وأهم بالتقدم إلى ~~تعز، ثم إنه عاقه ألم في رأسه أوجب عوده إلى المنصورة، فسكنت الأمور بعض ~~السكون، وأما تعز فإنه قوى رتبته. وعبد الله بن يحيى بن محمد استقر بجبلة. PageV01P890 # وفي هذه الأيام ازدادت الضربة إلى الضعف والركة، فجعلوا في الوقية قفلة فضة ~~والباقي نحاس وجسد مخلوط، بحيث أن بعضها يظهر فيها النحاس والحمرة حال ~~الضربة فأما إذا بقت بعض أيام لم يبق بها انتفاع، وبلغ صرف القرش بها إلى ~~ثلاثين حرفا. واستوت ضريبة صاحب المنصورة وضريبة يوسف في الضعف، وظهرت ~~للدولة الركة المفرطة خصوصا حسين بن المتوكل؛ لأن معظم الدورة عليه، ومبالغ ~~الجهد في إمداد العسكر الذين باليمن ومعاونة صنوه يوسف. كل ذلك لتحمل صاحبه ~~وزيره زيد الجملولي في حمله على ذلك لأجل أنه يسلم ms473 من صاحب المنصورة؛ لأنه ~~كان حاول في طلبه إلى حضرته وحبسه وإزالته عن يوسف، وظهر ظلمه في صنعاء في ~~طلب المعاون من أهل البيع والشراء والتجار ومشاطرة أموالهم بالقرض الذي لا ~~يقضى، والمعونات، والتعجيل في الزكوات، وطلبهم للقروش منهم للضربة كرها ~~وغصبا، وصاروا يجأرون بالدعاء بسبب ذلك لما لم يجدوا من ينصفهم، فلا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وفي يوم الثلاثاء[165/أ] ثامن عشر شهر شوال اتفق قران بين الزهرة وزحل في ~~برج الميزان. # وحصل في هذا اليوم وهو الثلاثاء ثامن عشر شوال دخول الناصر جبلة، واستولى ~~على عبد الله بن يحيى وفرحان بعد حرب جرى هنالك، وجاء عليهم بجمع لا طاقة ~~لهم بهم، أكثرهم من الحجرية، فسقط في يد صاحب ضوران وصاحب صنعاء لضعف ما ~~عندهم من المال والرجال، وعدم نفوذ الأوامر والكلام، وبقوا في حالة عجيبة ~~من هذا الجاري، وعرفوا أنه بعد ذلك إليهم آت. وكان الأمر كما في الحديث ~~الذي رواه ......... عن أبي ذر عنه صلى الله عليه وسلم قال:((وكانت صحف إبراهيم وموسى عبرا ~~كلها، منها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح ، وعجبت لمن أيقن بالنار كيف ~~يضحك، وعجبت لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها، وعجبت لمن ~~أيقن بالقدر كيف ينصب، وعجبت لمن أيقن بالحساب كيف لا يعمل)) . PageV01P891 # وجاءت كتب الناصر إلى أولاد المتوكل أنه لا سبيل إلى الاختيار والاجتماع ~~بعدما قد جرى من النزاع فيما بينهم والحروب، وليس معه إلا السيف لمن لم ~~يسلم الأمر. وأنه قد خرج من بلاد تعز إلى جهة جبلة، وكان ما ذكر من الحادث ~~بجبلة. وكان قد أرسل حسين بن المتوكل بالجامكية لأصحابه الذين في جهة ~~اليمن، فلما بلغهم في خلاله رجع الرسول من الطريق بما معه واسترجعوا ~~الدراهم التي كان قد جمعوها إلى مكة، لما حصل حادث جبلة. ولم يتم تجهيز ~~أمير حاج من قبلهم كالعام الماضي وربما أنهم يراسلون إليه في المصالحة ~~والتسليم قهرا عليهم، فإن لم يفعلوا ذلك اجتحفهم. وكان خروجه من المنصورة ~~في عيد ms474 الفطر بأول شهر شوال إلى قدس ثم إلى الجند ثم إلى القاعدة والحوض ~~الأشرف خارج مدينة تعز، وبنى على الارتحال بنفسه إلى البلاد العليا بجموع ~~كثيرة من قبائل الحجرية أكثرهم ومن غيرهم[165/ب]، وسار بعض قبائل الحجرية ~~لمحاصرة بندر المخا، فحاصروه حتى بلغ بعد الوقعة التي وقعت والهزيمة فيهم ~~في موزع، فانعطفوا ثانيا بزيادة جمع جمعوه، حتى أن السعر بلغ في المخا ~~المبلغ العظيم، وصاروا في حالة ضعيفة. وقد كان خرج من عسكر زيد البعض عقب ~~وقعة موزع والحال عجيب! وظهر عن زيد بن علي الجملولي أنه كان أرسل في رمضان ~~رجلا بشيء من أرصاد السحر أن يوضع بأرباع المنصورة وأرباع قصره ففطن به ~~صاحب المنصورة وطلبها من المذكور، وتعقب ذلك خروجه منها. واستولى حال وصوله ~~جهات تعز على أموال ابن راجح وقبضها وانتهب ما هنالك من المنقولات للشيخ ~~ابن راجح. PageV01P892 # ومن ضعف رأي زيد بن علي الجملولي أنه حمل حسين على دراهم وكتاب إلى يافع ~~ليكون عونا لهم على صاحب المنصورة، فقبضوا الدراهم وواعدوهم وليس مرادهم ~~إلا حفظ بلادهم، وكان يوسف قد جهز زيد بن محمد بن حسن في عسكر للزيادة إلى ~~جبلة، فلما وصلوا إلى ذمار بلغهم دخول الناصر، إليها وهرب عبد الله وفرحان ~~عنها، فعند ذلك سكنوا بذمار وكاتبوا إلى الناصر بالتسليم. وواجه صنوه ~~إبراهيم صاحب ذمار وزيد بن علي الجملولي لما بلغه دخول جبلة. وهرب عبد الله ~~بن يحيى، شد بعض حوائجه إلى بيته بالأهنوم في البيت الآخر في القصر، وراح ~~عليه سرقة من الدراهم وبعضها راح في الخراب عقب ذلك، وتتابع عليه الأدبار ~~وأراد الهرب إلى شهارة، فمنعه حسين بن المتوكل، فأراد العزم للحج ولم يتم ~~له[166/أ] ثم إنه ترجح له وسار إلى ضوران عند يوسف بن المتوكل. # وفي يوم الجمعة ثامن وعشرين بشهر شوال دخل محسن بن أحمد بن الحسن من ~~الغراس إلى صنعاء. وذكر لحسين بن المتوكل أنه في نية الخروج للقيا صنوه ~~الناصر محمد بن أحمد بن الحسن صاحب المنصورة، وأنه ما يسعه ms475 إلا الخطبة ~~والتسليم للأمر والموالاة لصنوه وإلا فهو أول من يحاصر صنعاء، وأن القبائل ~~التي حول صنعاء قد والوا جميعا إلى جناب الناصر، فيخشى منهم عن المدينة ~~الضرر إن لم يوالي. والأمر كما ذكره فإن الليلة الأولة ليلة الجمعة نورت ~~جميع بلاد سنحان والرحبة حين ظهرت النار في جبل نقم، فما وسعه إلا الانخراط ~~في سلك الإجابة للناصر، وخطبوا هذه الجمعة المذكورة آخر جمعة في شوال ~~للناصر. PageV01P893 # وكان حال الخطبة وركز في الجامع سبعة بنادقية من العبيد بفتائلهم عالقة ~~مقابل الخطيب، فلما ذكر الخطيب الناصر وضعوا بنادقهم وصلوا مع الناس. ~~واتصلت الإجابة إلى شهارة، فأما شهارة وبلادها فالخطبة فيها للناصر مستمرة؛ ~~لأنها إلى قاسم بن المؤيد وهو إلى جناب الناصر، فزال بسبب ذلك عن الناس ~~الحرج، واطمأنت قلوبهم من الحادث وحصل لهم الفرج، والله يصلح ما فيه ~~الصلاح. # وكل هذه الفتنة هذه المدة سببها ولده عبد الله بن الناصر، فإنه الذي ~~بعثها، وإلا فكانت هادئة ساكنة، وقد وقع في عمله، والله يصلح أحوال ~~المسلمين. # ولما بلغ يوسف صاحب ضوران هذا الأمر لم يرتضه لنفسه، وقال: لا يسمح بترك ~~دعوته، وكان المحمل له على ذلك القاضي جباري الذماري، فأمر أهل بلاد آنس ~~أنهم[166/ب] يعينونه، فأجابوه في الظاهر. وأخرج بعض رتبة ضوران خشية لا ~~يحصل منهم الميل إلى الناصر، فسار بعضهم إلى الناصر، وتفاقم الأمر بينهم. ~~وحصل مع حسين صنوه التردد بعد هذا يريد الرجوع إلى صنوه، لكنه لم يكن في ~~يده مال ولا رجال فبقي في حيرة وتغير من تنصير المدينة وغيرها. ولعن ~~المحارب للناصر ومبغضه كما هو عادة المنصرين، وأنه كاره للناصر وإنما دخل ~~في ذلك مضطرا إليه. PageV01P894 # ولما وصل الناصر إلى نواحي بني سرح وآل عمار شرقي المخادر تحير فيه. وبنو ~~الجرموزي شدوا حوائجهم وخزائنهم من دار صنعاء الذي كان وصل إليه من المخا ~~خشية على ذلك من الناصر إذا تمكن من الطلوع إليها. ولما وصل الناصر إلى ~~يريم قبض على ابن أخيه علي بن حسين وأرسل به إلى ms476 المنصورة تحت الحفظ. وصاحب ~~عمران حسين بن محمد بن أحمد بن القاسم لما بلغه طلوع الناصر جدد دعوته ~~لنفسه للإمارة والملك كالمرة الأولة، وكل ذلك خشية على ما قد بسط عليه من ~~بلاد حجة؛ لأن الناصر قد أظهر أنه معزول عنها وهي الغبطة معه، مع أن خمر قد ~~كان الناصر جعله إلى صنوه إسماعيل بن محمد بن أحمد، إلا أنه وصل إليه صنوه ~~منعه عن التصرف بالقهر. وإبراهيم بن حسين خرج من ظفير حجة إلى حورة، ثم نزل ~~تهامة واستقر بحيس لتأمين طريق المخا من قاسم صاحب شهارة والناصر. ويحيى بن ~~الناصر دخل زبيد واستقر فيه بأمر والده، قيل: إنه مأمور إلى المخا زيادة ~~على من أرسل الناصر إليه للاستيلاء عليه وعلى تلك الجهة. واتفق بطريقه ~~بالقاضي أحمد بن ناصر بن عبد الحق الحيمي الذي أرسله يوسف إلى المخا، فقبض ~~عليه وأرسله إلى الناصر. وقد كان خالف على الرتبة التي من أصحاب يوسف خارج ~~المخا القبائل فاستولوا عليهم. PageV01P895 # وجاء خبر من صعدة[167/أ] أن علي بن أحمد المتولي فيها كان قد أهم بالخروج ~~إلى الجهات اليمانية يدعو إلى نفسه، فعاقه المرض هناك وحصل عند مرضه قتل ~~بسوق صعدة فيما بين سحار، فقتل نحو خمسة أو ستة أنفار منهم فيما بينهم ~~بقتول سابقة لهم. وعلي بن أحمد مريضا لم يخرج أحد يفك فيما بينهم، وسلمت ~~المدينة من النهب، فلم يحصل فيها ولا أسواقها شيء من السلب. ووصل واصل من ~~ضوران يحقق أمر يوسف فقال: قد بلغ في الركة والضعف الحد الذي لا مزيد عليه ~~وتقالل الناس حوله، لم يبق له متابع ولم يبق في يده شيء من المال ولا ~~الرجال وأنه لما فتح على من عنده المشورة أجمعوا على أنه لا مصلحة له في ~~مقاومة الناصر، بل التسليم أولى له إلا القاضي جباري فحمسه، فصار المذكور ~~في الحيرة، وقد قرب الناصر منه، وشد من ضوران بعض حلله خشية لا يحصل فيه ~~حرب يكون بسببه الانتهاب. # وحال بلغ يوسف قضية جبلة وهرب عبد ms477 الله بن يحيى وفرحان ووصولهم إلى ضوران ~~فسح لأولاد الناصر الذين كانوا لديه، منهم: حسن وصل إلى الغراس وصنعاء، ~~ومنهم يحيى وإسماعيل نزلوا للقيا والدهم، ولقد كان مشددا عليهم في الترسيم ~~التشديد العظيم بالحرس في الطرق حولي الحصين، على كل طريق جماعة، حتى حصل ~~لهم الفرج والنفس. وكذلك فسح لجميع من كان من أصحاب الناصر، ومنهم من سار ~~فلم يعترضه، ولم يبق عنده إلا جماعة[167/ب] يسيرة من خاصة أصحابه، مع أن ~~منهم من أهل العهد هربوا مثل الخطيب وهو السيد أحمد بن محمد الجلال، فإنه ~~هرب وامتنع عن الخطبة بالمرة، وسار بيته بالجراف مخراف صنعاء. # وفي سادس شهر القعدة وصل زيد بن محمد بن حسن إلى داره بصنعاء على صفة ~~الهارب من ذمار، لما أيس عما كان أمره يوسف به من ملاقاة الناصر إلى ذلك ~~المقام. PageV01P896 # وسبب خروج الناصر من المنصورة أن قبائل الحجرية وصلوا إليه يشكون ما قد ~~نالهم من المغاز في بلادهم بسبب الحروب، وأنه ربما يحصل مثل الذي قد كان ~~أولا فيها، وأنه يتوجه عليه صيانتهم والخروج من المنصورة وحدود الحجرية ~~والتقدم إلى غيرها، وأنهم بين يديه، فأخذ عليهم المواثيق، وكان سبب خروجه، ~~واستقر الآن في بلاد بعدان، وتوقف فيها هذه الأيام وعاد كثير من أهل ~~الحجرية إلى بلادهم، ولم يبق معه إلا العسكر ومن انضاف إليهم من سائر ~~البلاد وبعض أعيان الحجرية من المشائخ ومن يتعلق بهم، وطلع إلى جبل حب ~~وتزوج هنالك من بنات الشيخ الجماعي . # ووصل رسول من مكة وهو الشريف أحمد بن هزاع بكتب مضمونها من جهة أنها بلغت ~~الأخبار إلى حضرة السلطان، وأن أشراف اليمن يفردون الأمر لواحد منهم، ~~ويتركون الفتنة التي طالت بينهم. وأنه بلغ رجوع الحاج العام الماضي وأنه ~~إذا كان لخوف في الطريق فيسير معهم الشريف أحمد بن هزاع إلى مكة، واستمد ~~الصر. فكان يوسف قد جمع بعض شيء من محصول المخا وغيره[168/أ]، ثم حصل طلوع ~~الناصر واستيلائه على جبلة والهزيمة لأصحاب يوسف، فلم يتم مما كان أراده ~~ورجعت ms478 الدراهم. # ولما تفاقم الأمر على السيد حسن بن مطهر الجرموزي والي المخا وعرف معاملة ~~الناصر له خاف، فهرب من المخا وحمل ما معه من بقية المال وبقية أهله في ~~البحر وتوجه مكة بحرا. ولما استولى الناصر على اليمن الأسفل ولاه الولاة من ~~تحت يده، فجعل ولاية العدين للسيد حسن بن محمد بن أحمد بن الإمام الحسن ~~المؤيدي، الذي كان والده في زمن جده الحسن بن القاسم متوليا له. وكان السيد ~~حسن المذكور ساكنا بالعدين على ما معه من المال، وإب وجبلة جعل عليها ~~العمال، لتكون اليد عليهم من غير مخالفة ولا قتال. PageV01P897 # وفي يوم السبت ثالث عشر شهر القعدة سار محسن بن المهدي أحمد بن الحسن صاحب ~~الغراس والرحبة إلى حضرة صنوه، لأجل خلل حصل في بلاده عليه ولاقيا لصنوه، ~~وسار صنوه الحمزة معه. وكان الحمزة هذا عند الناصر حال طلوعه من اليمن، ثم ~~إنه حصل منه تعد على بعض الناس، فشكوه إلى الناصر، فأرسل له فهرب إلى ~~الغراس الشهر الماضي، فأرسل له من الغراس فأخرجوه من الغراس على حمار ~~وساقوه معهم إلى عند الناصر، وكذلك محسن لعله مطلوب. # ووصلت آداب على جماعات من قبل الناصر، وكذلك على اليهود والبانيان بسبب ~~الضربة المغشوشة. # وفي نصف شهر القعدة وصل الفقيه محمد بن عبد الله بن عزالدين الأكوع الذي ~~كان سار من صنعاء، يخبر بأن الناصر سكن هذه المدة بجهة بعدان لتقرير ~~الأمور. # وزيد بن المتوكل خرج من المخا يريد إلى بلاد ريمة، فلم يتم له. # وفي ثامن عشر شهر القعدة وصل الخبر إلى صنعاء بأن الناصر طلع من اليمن ~~الأسفل إلى يريم. # وفي عشرين شهر القعدة وصل عبد الله بن يحيى بن محمد بن الحسن إلى صنعاء ~~في حالة منكوسة ضعيفة في ثلاثة أنفار لا غير[168/ب] بعد أن كان مخارجة ~~وحركاته في الجنود بين يديه، والبلاد العدينية تنساق إليه، والكلمة العالية ~~معه في تلك البلاد اليمنية، فالقدرة لله تعالى والحكمة، ومن رأى حاله وما ~~عليه وجميع من خالف على الناصر من ms479 الذلة اعتبر بهذه الدنيا وعرف أنها كسراب بقيعة. PageV01P898 # وفي يوم الجمعة عشرين شهر القعدة دخل الناصر ذمار وجهز على يوسف إلى ضوران ~~عساكره، فوصلوا إلى رصابة . وكان أصحاب يوسف من بلاد آنس قد جعلهم رتبة في ~~المنشية ونحوها، فلما قرب منهم جنود الناصر ورأوا جهران قد أشعلوا النيران ~~ونصروا للناصر هربوا إلى بيوتهم في آنس، فسقط في يد يوسف ولم يبق في يده ~~أحد كتب إلى الناصر بالمواجهة والإجابة. وكان الناصر قد كتب إلى قبائل بني ~~حشيش بالوصول إلى حضرته لمحاصرة يوسف قبل هذه المواجهة وانحسم الاختلاف ~~بالأمر الغالب ليوسف ومن معه، فالله يسكن الأمور، ويصلح أحوال الجمهور. # وزيد الجملولي سار إلى حضرة الناصر بذمار قيل: بطلاب منه له، وقيل: بل ~~ابتداء من قبل نفسه، فلما وصل إلى هنالك أمر الناصر بقطع رأسه، وحسين بن ~~علي باق بالمخا ما روي أنه قد خطب للناصر فيه. # وفي عشية الثلاثاء ثالث وعشرين شهر القعدة خرج حسين بن المتوكل من صنعاء ~~إلى جهة القبلة، لما بلغه قتل صاحبه وصهره زيد الجملولي بذمار، فإنه لما ~~وصل إلى الناصر أمر بضرب عنقه بعد أن طيف به في سكك ذمار والمرفع خلفه، ~~وقال الناصر: أنه السبب في هذا الحروب والفتن التي جرت والخلاف عليه، وهذه ~~الضرائب، وأن كافة الناس شكوا ظلمه[169/أ] فيهم. # ويوسف بعد التسليم للناصر خرج من ضوران إلى حضرة الناصر بطلاب له. ~~والناصر كان سكونه بدار الأمير سهيل رأس ذمار من جهة الغرب. # وجاء طلاب ليحيى بن محمد، وصل به محمد بن محمد كاني التركي، فسار إلى حضرته. PageV01P899 # وفي يوم الثلاثاء بعد العصر ثالث وعشرين شهر القعدة خرج حسين بن المتوكل من ~~صنعاء لما بلغه قتل صهره زيد بن علي الجملولي وما وقع معه. وزاد حسين بن ~~المتوكل نفورا ما بلغه مع ذلك أن الناصر يريد تولية ولده إسماعيل بصنعاء ~~وبلادها، فخرج من صنعاء إلى جهة القبلة وحال خروجه ولم يبق في يده من المال ~~شيء؛ لأنه قد كان نفد ما معه فيما كان ms480 ينفقه على العسكر الذين يجهزهم إلى ~~اليمن لأجل الناصر. وعند خروجه من صنعاء انتهب دار الضرب الذي كان معه ~~بالقصر وكذلك بواقي ما كان في بيت للجمولي في القصر ولم يبق في القصر أحد ~~من أصحاب حسين بن المتوكل. # ووصل سعيد شاوش إلى صنعاء بأنه يقبض السلاح الذي ابتاع من خزانة القصر ~~وبطلاب جماعة وآداب عليهم، فساروا ومنهم من كان قد هرب. ومن جملة المطلوبين ~~جعفر بن مطهر الجرموزي، فسار وهو خائف، وكان قد طالت ولايته في العدين في ~~زمان المتوكل، وشكا أهل العدين به في الزيادات التي زادها عليهم، فلم يشكهم. PageV01P900 # ووصل طلاب لعبد الله بن يحيى بن محمد بن الحسن فهرب ولحق بحسين بن المتوكل؛ ~~لأنه عرف أن ما بعد الطلب إلا السجن لما قد جرى منه من الحروب المرة الأولى ~~والثانية. وكان هربه إلى ذيبين عند أصهارهم بني زبيبة. وكذلك هرب أحمد ~~شمسان إلى قبائله بني جبر، وطلب الفقيه يحيى حسين السحولي الناظر على ~~الوقف، فهرب أيضا من بعض الطريق بعد خروجه من صنعاء، قيل إنه سار طريق ~~اللحية؛ لأنه أقرب وبلغه شدة غضب الناصر عليه لأجل الخطبة التي خطبها في ~~الخلع له وإقامة يوسف. والقاضي جباري هرب من ضوران إلى قبة المهدي أحمد بن ~~الحسن بالغراس يريد الجورة ، ثم إنه أمنه الناصر[169/ب] وبلغ أن الناصر برز ~~بالوطاق في الديلمي شرقي ذمار يريد بلاد يافع، لما حصل منه من التعدي في ~~أطراف البلاد وقد كان برز به أولا في منقذة جهة صنعاء والقبلة حتى رفعه إلى ~~هنالك. ويوسف بن المتوكل وصل إلى صنعاء وكان صحبه إسماعيل إلا أنه تقدم ~~قبيله، وسبب ذلك أنه أمره الناصر بأنه لا يعود إلى ضوران. # وفي يوم الإثنين تاسع وعشرين شهر القعدة وصل إسماعيل بن الناصر إلى صنعاء ~~متوليا لها وحاكما. وتمزق محصول المخا هذه السنة بعضه مع الجرموزي وبعضه مع ~~زيد بن المتوكل وبعضه مما بقي مع حسين بن علي. # وجهز الناصر إبراهيم صنوه إلى بلاد ريمة وكسمة للاستيلاء على زيد ms481 بن ~~المتوكل؛ لأنه بعد طلوع حسين من المخا تغلب فيها، ولم يسلم الأمر. # وخرج الأمير حسين بن الناصر بن عبد الرب بن علي بن شمس الدين بن الإمام ~~شرف الدين صاحب كوكبان إلى الطويلة متخوفا. # وجاء خبر تسليم الأمر للناصر من حسن بن المتوكل صاحب اللحية، وأنه قبض ~~على السيد حسن الجرموزي في البحر بما معه من المال والبز والحوائج، ولم يتم ~~له الهرب إلى مكة. PageV01P901 # ورجع عامة الجند وأصحابه إلى كوكبان وشبام بعد أن ذكر له السادة والأعيان ~~أنه ما كان يصلح منه العزم على ذلك الوجه، وخرج من الطويلة جهة تهامة ~~متوجها إلى جهة صعدة. وهرب حسين بن الناصر طريق باب الأهجر وطريق تهامة حتى ~~طلع جبل رازح ودخل صعدة، وانتهب بعض خزائنه التي سار فيها. # وتثاقل حسين بن محمد بن أحمد أبو طالب عن الوصول إلى الناصر من بلاد خمر؛ ~~لأنه يومئذ فيها وقد طلبه الناصر ووعد بالوصول، والسبب أنه حصل معهم ومع ~~غيرهم التشوش مما وقع مع زيد الجملولي والتحرك مع الناصر إلى جهة المشرق، ~~فاستشقوا ذلك؛ لأنه أظهر الأمر لهم بأنهم يتقدمون إليه ومن لم يمتثل عزله ~~عن البلاد[170/أ]، واستولى إبراهيم بن المهدي على بيت السيد حسن الجرموزي ~~ببلاد آنس، وقبض ما فيه من المال. # ووصل حسين بن علي إلى الروضة هاربا من المخا، وجاء طريق بيت الفقيه، ثم ~~خرج إلى مفحق بالحيمة ونزل من حضور[إلى] قاع صنعاء الغربي، ولم يدخل صنعاء ~~ومعه نحو عشرة أنفار وهو متأثر بمرض. # وتمزق أولاد المتوكل ومن كان معهم في الجهات كل على وجهه متفرقين، ليس ~~همهم إلا النجاة، والناصر استقر بذمار وصرف همته إلى الجهات اليافعية ، ~~فأول من أرسل السيد صلاح بن محمد في جماعة من العسكر طريق بلاد لحج، ويحيى ~~بن محمد بعد وصوله ذمار آخر شهر القعدة أرسله طريق رداع أو قعطبة. PageV01P902 # وكان حركة أهل المشرق إلى أطراف بلاد اليمن الأسفل سببا لكسر همة الناصر ~~إلى النفوذ من ذمار إلى صنعاء وغيرها، وسببا أيضا في كسر ms482 الخوف الذي كان قد ~~حصل مع بني المتوكل ومن مال إليهم من الناس في البلاد العليا. وسبب هذه ~~الحركة إلى جهة حدود يافع ما جرى من قصدهم إلى لحج وما وقع منهم من الحرب ~~لرتبة لحج. قيل: وسبب تحركهم أنه قد كان حصل من يوسف مصالحتهم بترك بلادهم ~~لهم، والناصر قال: لا يمكن ذلك، فحصل ما حصل، واستأصلوا رتبة لحج وقتلوهم، ~~لم يسلم منهم إلا دون العشرة وجملتهم فوق المائة. وقد كان قتلوا منهم جماعة ~~بالبنادق من داخل البيوت لما كثروا عليهم، ولما بلغ يافع تحرك الناصر إليهم ~~هربوا من لحج إلى بلادهم. # وفي أول شهر الحجة وصل الخبر بأن صالح الرصاص مات في جهاته، وعند ذلك بعث ~~الناصر رسله إلى العسكر، فسار بعضهم قبل عيد النحر وبعضهم وعد لبعد العيد. # والضربة التي من أولاد المتوكل كسرها وأرجع الضربة إلى الخمس الأولة ~~الكبيرة[170/ب] وضرب دراهم صغار عن بقشة صغيرة، فكان الحرف ثمانية كبار ~~بالخمس الجديدة وبالصغيرة الحرف قدر أربعين بقشة، وكان صرف القرش بأربعة ~~حروف من الكبيرة بعد أن قد بلغ صرف القرش بالصغيرة قدر خمسة وثلاثين حرفا. ~~وكان ذلك هو الضرائب الأولة، فإذا استمروا عليها ولم ينقصوها انتفع الناس ~~بها، وإن نقصوها كانت مثل الأولة. PageV01P903 # وفي هذه الأيام بشهر الحجة جعل الناصر ولاية بلاد كوكبان إلى أحمد بن ~~الناصر بن عبد الرب بن علي بن شمس الدين بن الإمام شرف الدين ، وقد كان ~~معه ولاية سابقة من والده المهدي أحمد بن الحسن، لكنه تركها أحمد بن الناصر ~~رعاية لابن أخيه حسين بن عبد القادر بن الناصر، لما كان والده عبد القادر ~~قد جعل الأعمال عليه في مدته، فلم يستحسن أن يخرجه من تلك المرتبة التي كان ~~دخلها. فلما رأى أن كوكبان قد خلي عن الأمير بخروج حسين وعزمه منه وفزع ~~أعيان كوكبان إليه أرسل إلى الناصر صنوه مهدي لتقرير ذلك، فقرره وولاه. # [171/أ] وفي يوم الأحد ثاني عشر شهر الحجة توفي القاضي العلامة علي بن ~~جابر الهبل بصنعاء وكان ms483 قاضيا فيها وحاكما من زمان المتوكل من بعد موت ~~القاضي حسن حابس إلى هذا التاريخ. وكانت أحكامه محروسة، مقررة مأنوسة، صاحب ~~قرار في أعمال الشريعة وصبر. وكان معرفته في علم الفقه فقيها محققا وليس له ~~في سائر الفنون ما يعتمد عليه لاشتغاله بالفقه. وقبر بمقبرة باب اليمن، ~~قريب مسجد وهب بن منبه رحمه الله تعالى، وقد بلغ في السن قريب المائة ممتعا ~~بسمعه وبصره. # وفي تاسع عشر شهر الحجة وصل نقيب من عند الناصر إلى صنعاء بالقبض على ~~وطاق حيدر، وقد كان في بيت زيد بن المتوكل، فقبضوا الخيام وحملوها وغير ~~ذلك، وحصل مع الساكنين في بيته ما حصل وذلك بسبب أنه لم يسلم الأمر للناصر. # وجاء خبر أنه لما قرب منه إبراهيم بن المهدي خرج من كسمة بريمة طريق تهامة. # ووصل الخبر بأن العسكر الذين اجتعموا برداع نحو خمسمائة لا غير. # وجاء خبر أن قبائل بني جبر وغيرهم بنواحي ذيبين منعوا عن وصول إسماعيل بن ~~زبيبة وعن وصول أحمد شمسان، وقالوا: أنهم في جيرتهم ، ثم إنهم وصلوا بعد ~~ذلك لما وضع الأمان لأحمد شمسان. PageV01P904 # [171/ب] وفي عشرين شهر الحجة وصل خبر بأنه اتفق مراكزة بين إبراهيم بن ~~المهدي وبين زيد بن المتوكل بكسمة بريمة بني الصياغ، فقتل جماعة من ~~أصحابهم، وثبت زيد بن المتوكل بجبل كسمة لهم، وقيل لم يحدث شيء من ذلك، ~~وأنه كان أراد الفتنة فمنع أهل البلاد، ثم سلم لما وصل إبراهيم بن المهدي ~~وخرج إلى حضرة الناصر، ووصل إلى ذمار بجماعة قليلة بعد أن تفرق أصحابه، ~~وحكم إبراهيم على بلاد ريمة. # وحكم المنجمون بأن الشمس تكسف بآخر شهر الحجة يوم الأربعاء تاسع وعشرين ~~في برج العقرب بالجوزهر الذي هو الذنب، وحصل قران يومئذ بين الزهرة وزحل في ~~برج الميزان، وسيحصل قران الزهرة والمشتري في برج القوس في أول السنة ~~الآتية بآخر محرم. # وسلم حسن بن المتوكل صاحب اللحية الأمر للناصر، وقبض على السيد حسن ~~الجرموزي صاحب المخا ولم يتركه. # وجاء خبر أن صاحب صعدة علي ms484 بن أحمد لما وصل حسين بن المتوكل وعبد الله بن ~~يحيى أجاب عليهم فيما ذكروه من الاستعانة به في تحريك الفتنة، فقال: لا ~~يسعنا هذا ولا مصلحة للمسلمين، ولا لنا يا أهل هذا البيت فيها، وقد كفى بما ~~وقع، والدنيا عند الله حقيرة والمقصود فيها السعي في الصلاح ودرء المفاسد ~~أولى من جلب المصالح، فسقط في أيديهم، وتحسروا في أنفسهم، وخابت آمالهم ~~فيما كانوا يظنوه من مطابقة هواهم، والتحقق عما نقموه وشكوه. # وخرج هذه المدة من يافع رجل بكتب إلى أحمد بن زيد يذكرون فيها أن عيال ~~الإمام قد اختلفوا واشتجروا[171/أ] وأن قد سبقت منهم كتب أولة مثل ذلك وأن ~~المبادرة مطلوبة، وأنكم إذا جهزتم من جهتكم عينة يدخلون من تهامة ونحن نفتح ~~من جهة المشرق إلى حدود البنادر وإلى حيس فعلتم ذلك، فظفر بها أصحاب ~~الناصر، وأتوا بالكتب إلى حضرته، فطوق الزنجير في رقبته واعتقله في بعض ~~معاقله، قيل: وهذا الرجل سيد. PageV01P905 # ومن هذه الأيام وصل الخبرأن الناصر خرج الديلمي طرف قاع القبتين لاستدعاء ~~حسين بن حسن صاحب رداع باللقيا للمفاوضة من أجل المشرق، فخرج الناصر من ~~ذمار إلى ذلك المكان والتقوا هناك ورجع كل إلى محله. وكان جملة الحديث من ~~حسين بن حسن أن المشرق يحتاج في مخرجه إلى النصاب الكامل، ولم يكن عندهم ما ~~يغني مما اجتمع مع يحيى بن محمد ومحسن. # وفي آخر شهر الحجة أبطلت السكة من الدراهم الصغيرة وأعيدت الضربة الأولة ~~التي كانت زمان المتوكل، كل بقشة خمس من الضربة الكبيرة، فرجع صرف القرش ~~إلى أربعة حروف. # وفي هذه الأيام كان سعر القدح الصنعاني بصنعاء مع كبر القدح من عشرين ~~بقشة أربع خماسيات والبر من حرف، بعد أن كان القدح في هذا التأريخ أيام ~~صراب الثمار من أربعة حروف، والبر من ثمانية، فنزل بسبب هذه الضربة النصف، ~~وكذلك سائر البضائع، إلا أن أهل الأسباب الذي كان اجتمع معهم من الضربة ~~الأولة حصل عليهم الكسر خصوصا التجار، فإن استمرت هذه الضربة على حالة واحد ~~فالمصلحة ms485 ظاهرة مع الناس، والله يصلح الأمور. # وأرسل قاسم صاحب شهارة إلى بيت الجملولي بسيران فوجدوا أشياء كثيرة من ~~الذهب والقروش، فطبع عليها وسار إلى السودة استقر فيها. # وكسفت الشمس في يوم الأربعاء تاسع وعشرين شهر الحجة في برج العقرب طلعت ~~كاسفة، وكان الكسوف فيها من أسفلها قدر نصفها بالذنب، فالقدرة لله تعالى. PageV01P906 ### | ودخلت سنة تسع وتسعين وألف # استهلت بالجمعة بالرؤية وبالخميس على الحساب. # وفي رابع هذا الشهر وصلت أخبار الحجاج من مكة المشرفة أنه خرج باشا وجند ~~كثير معه، فتخوف الشريف أحمد بن زيد منهم، وخرج من مكة إلى الطائف ،وأخبروا ~~أن الحج كان مباركا تاما، والشامي والمصري فيهما قوة وعساكر كثيرة، وأن ~~السلطان استفتح العام الماضي من بلاد النصارى جهات زائدة على ما كان أولا، ~~واسترد ما قد كان فعل الفرنج، كما سبق ذكره، وأن الباشا الجديد إلى جدة وصل ~~متوليا وسار الأول معزولا. # وأمور مكة ساكنة والخيرات عامة، ورخص الأسعار متصلة، إلا أنه كان حصل قبل ~~الحج في ذهبان شهران حرب من القبائل حولي بيشة وبين أصحاب الشريف الذي ~~خرجهم إلى جهاتهم، فراح من أصحاب الشريف جماعة وفيهم الشريف عبد الله بن ~~بشر، فجهز الشريف عساكره عليهم، فقتلوا منهم طائفة وانتهبوهم، وبلغت يد ~~الشريف إلى ذهبان وحدود عبيدة زيادة على بلاد بيشة. # والناصر بلغت جنوده إلى حدود (جبل حرير)، وحدود بلاد يافع استقر فيه ~~السيد صلاح الديلمي بمن معه من العسكر، وأهل الحيمة ومن إليهم من جهة أخرى. # وكان الشيخ الشريف عبد الغفارمن آل باعلوي هذه الأيام بصنعاء، وهو يسكن ~~بحضرموت وبالجوف، ولهم فيه معتقد، وكثير ما يختلف من حضرموت إلى صنعاء طريق ~~الجوف. رأيته ظاهره الصلاح والتسليم، ويحب الإصلاح فيما بين المسلمين. ذكر ~~قرب الطريق الشرقية من حضرموت إلى الجوف، إلا أنها في بعض المراحل مقاطع، ~~وقال: إن من حضرموت إلى أطراف الجوف نحو عشرة أيام وأقل من ذلك وإلى نجد ~~كذلك. ومن العجائب أنه يسير بغير نعل، حافي، وهو شافعي في المذهب، قد وخطه ~~الشيب[173/أ] وله ms486 قدرة على الأسفار فيما بين هذه الجهات، وفيه أخلاق طيبة، ~~ولا يسأل أحدا بل إن أعطي شيئا قبله من غير سؤال. PageV01P907 # وجعل الناصر ولاية بلاد السودة إلى قاسم بن المؤيد صاحب شهارة، فوصل إليها ~~وأمره بالتجهيز، وجعل إليه محصول بلاد عفار وأخرجها عن يد قاسم بن المتوكل. ~~وجعل أمر بلاد ثلاء إلى واليها الأول الفقيه حسين بن يحيى الثلائي، فذكر ~~الفقيه حسين الثلائي أنه لا يمكن التصرف فيها ما دام قاسم بن المتوكل ~~بثلاء؛ لأنه يخشى من المعارضة فيها. وبلاد كحلان ولاها بعض أولاد الهادي بن ~~الحسن بن شرف الدين الذي كان قد تولاها في المدة الماضية آخر دولة المتوكل. ~~وخرجت عن يد حسين بن محمد بن أحمد أبو طالب لأجل تثاقله عن التجهيز، وعند ~~ذلك عاد حسين بن محمد المذكور من خمر إلى عمران، وأجاب على الناصر أن ~~التجهيز لا يمكنه إلا لو كانت البلاد بنظره، فأما والحال أن قد صارت بلاد ~~خمر إلى صنوه إسماعيل ، وكحلان خرج من يده، وبلاد حجة قد صار محصولها إلى ~~حضرته وبعضها إلى قاسم بن المؤيد فلا يجد ما يقوم بالعسكر. # وصار الرؤساء والمطلوبين من أصحابهم يقدمون رجلا ويؤخرون أخرى، ومنهم من ~~يعتذر بجمع الثمرة. وأما الذين قد ساروا أولا مثل أهل الحيمة وبعض العسكر ~~من غيرهم فوقفوا منهم في رداع، ومنهم في حدود جبل حرير، وكلما كتب إليهم ~~الناصر قالوا: يلحق جميع العسكر والرؤساء، وهم يتقدمون جميعا، والله يصلح ~~للمسلمين ما فيه الصلاح. # وفي أول الشهر مات يحيى بن الناصر بزبيد[173/ب]، وكان قد جعل والده نظره ~~وما حوله من تهامة إليه. # ومات ولد حسين بن المتوكل بصعدة بحضرة والده، وكان سار صحبته. # وجهز قاسم بن المتوكل عسكرا من عنده إلى المشرق إجابة للناصر، لما عرف أن ~~الناصر قد بنى على عزله إن لم يجهز، فأرسل بنحو أربعمائة، فما قصر في رأيه، ~~وتدارك أمر بقية بلاده. # وحسن بن المتوكل قد كان خرج من اللحية يريد الوصول إلى حضرة الناصر ~~لإجابته، فكتب إليه الناصر ms487 بأنه يتوقف هذه الساعة في جهاته، والمطلوب إنما ~~هو المعونة بعسكر أو مال. PageV01P908 # وسار المطلوبين من العسكر وغيرهم من خولان صنعاء وسنحان وغيرها بعد تمام ~~الثمرة معهم ما وسعهم إلا العزم لإجابة الناصر، فساروا في نصف شهر محرم. ~~وكذلك صاحب كوكبان جهز محطة من عنده نحو سبعمائة ورئيسهم مهدي بن الناصر بن ~~عبد الرب بن علي بن شمس الدين بن الإمام شرف الدين. وصاحب عمران كذلك أرسل ~~عسكره، وتتابع الناس إلى حضرة الناصر. # وكان قد رتب قبائل الرصاص طرف بلادهم بالزهراء؛ لأنهم أظهروا الخلاف مع ~~يافع، فخرج الذين قد كان اجتمعوا برداع إلى الخريص ببلاد قيفة وتقربوا منهم ~~وهم قدر ألف نفر مع يحيى بن محمد ومحسن بن المهدي أحمد بن الحسن، فهربوا ~~منها، وتقرب العسكر إلى المعسال. وجاءت كتب يافع بالمواجهة، فلم يجب عليهم ~~الناصر بجواب، وقال: لا بد من دخول البلاد، وأخذ ما قد أخذوه على الناس وما ~~جرى منهم سابقا من العناد. # ووصل كتاب من الناصر إلى يوسف وهو بصنعاء أنه يمتنع من التقدم في المحراب ~~يوم الجمعة للصلاة، فإن في ذمته ما قد جرى عليه من الخروج والحروب والديون ~~اللازمة، وليتقدم غيره وهو يعزم شهارة، فترك المذكور التقدم وامتثل وتأخر ~~للصلاة في المؤخر. ورجع إلى الناصر من جهة العزم إلى شهارة، وأنه لا يعرفها ~~لأنه ولد بضوران، وتلك الديار وقد صنعاء أوفق في البقاء، والحركة تعسر عليه ~~في هذه المدة، ويلزمه لوازم شاقة، وأن ينظر وصايا من صنوه يريد افتقادها ~~وتنفيذها[174/أ]. PageV01P909 # وأخبرني بعض الحجاج الذين جاءوا طريق تهامة قال: لما وصلوا إلى أبي عريش ~~-طرف بلاد صاحب اليمن- بقوا منتظرين لوصول أمير حاج على ما قد كان بنى عليه ~~يوسف بن المتوكل بتجهيزه، فلما أزف الوقت ولم يصل في وقته اجتمع أحمد بن ~~مهيا وجمع قبائل من الحرامية بصبيا، وأفاض عليهم شأن الحجاج، فقالت ~~الحرامية وأهل البلاد: إن كان مع الحجاج أحد أمير من صاحب اليمن فلا بد من ~~تسليم المعتاد ثلاثين كورجة وقدر مائتي قرش ويسلم ms488 حق العام الماضي مع هذا ~~العام دخلوا وساروا آمنين إلى بيت الله الحرام. وإن لم يكن أحد أمير دخل ~~الناس والبلاد بلاد الشريف، ولو لم يصر إليهم شيء من الأصل، ويدخل مع الناس ~~الشريف أحمد بن مهيا الذي من قبل أحمد بن زيد فإنه يكفي الحجاج، وإلا فلا ~~حرج عليهم. فدخل كثير من الحجاج مع أحمد بن مهيا إلى بيت الله الحرام، ورجع ~~من رجع وهم القليل، مع أن الحجاج من أصلهم لم يكونوا كما كانوا، وحجوا ~~وعادوا طريق الحرامية بلاد الحجر، ومعهم في العودة شريف الخلا أخذ منهم ~~المعتاد من المجبا لا غيره. # ووصل إلى حضرة الناصر بعض شعراء صنعاء، فقال: لا حظ لكم عندنا؛ لأن ~~ألسنتكم طالت علينا فرجعوا بغير شيء، والسنة حرمانهم، كما جاء في الحديث ~~النبوي: ((احثوا في وجوه المداحين التراب )) أي: احرموهم. # وفي هذه الأيام بآخر شهر محرم وصل إلى حضرة الناصر أصحاب يحيى بن محمد ~~يشكون منه في عدم الوفاء بالجوامك، وأنه أعطاهم من الدراهم الأولة، وقد ~~كسدت لا تنفعهم. وقد كان شكوه مرة أولة وأمر له بدراهم من عنده، وأنه يريد ~~أن لا يسلم لهم من الجديدة بقدر حساب الأولة، وينقص، فيجعل الثلاثة الأولة ~~بحرف من الجديدة، فعند ذلك عزله وجعل صنوه عبد الله بن محمد الصغير في ~~السن مكانه وولاه بلاده. # قيل: وكذلك عزل صنوه محسن بن المهدي. PageV01P910 # وفي أول شهر صفر تكامل إرسال العسكر إلى حضرة الناصر المشرق، آخرهم أصحاب ~~قاسم بن المؤيد وأصحاب حراز، ولم يبق إلا صاحب عمران فإنه ما زال يتثاقل. # وأمر الناصر إلى ولده إسماعيل بالخروج على صاحب عمران، فقدم إسماعيل ~~مراجعته والأعذار له والتلويم بأنه ما ينبغي منه ذلك، فأجاب أن قد تفرقت ~~بلاده، بلاد خمر مع صنوه إسماعيل وغيرها، فلأجل ذلك اعتذر وكان ما عنده لا ~~يقوم بالعسكر مع عدم انخراطهم وشروطهم بالمحاسبة لهم، فتثاقل عنه إسماعيل، ~~وظهر أن والده لما تحقق أعذاره رأى الأمر فقبض دفعته، فلم يعذر ولا قبل منه ~~قوله، فلم يسعه ms489 إلا الإرسال بعينة من القبائل، وبعث معهم ابن أخيه القاسم ~~، وعزموا إلى حضرة الناصر، وانتهى يومئذ جميع المطلوبين من القبائل ~~والعساكر، وما زالوا إلى الجهات الشرقية بالأمر القاهر. # وحصل هذه السنة في بندر المخا كساد البز الخارج من البحر؛ لأجل قلة نزول ~~التجار إلى هنالك.............. في البحر وتحريقها بما فيها بالنار عداوة ~~للإسلام، ولكن لما كان البز كثيرا من العام الماضي والذي قبله؛ لأنه كان ~~باليمن العالي اكتفى التجار والناس به، ولعله يحصل لهم رأس مالهم فيه في ~~الذي بقي معهم منه بعد أن كان بعضه قد باعوه برأس المال دينا إلى هذا العام. # وجاءت كتب صاحب صعدة علي بن أحمد بالتسليم للأمر إلى جناب الناصر، وخطب ~~له بصعدة، واطلق الناصر صنوه إسحاق من حبس المنصورة، ووصل إلى صنعاء. وكذلك ~~ولده عبد الله أخرجه من حصن الدملوة وطلع إلى حصن ذمرمر محلهم، ولكنه تحت ~~الحفظ، وأمر بالترسيم عليه بذمرمر. ولم يبق للناصر معارض يومئذ ولم تبق ~~الشغلة معه إلا لبلاد يافع، وأنه لا بد من دخول بيارقه وأعلامه إليه، ولم ~~يسعدهم إلى عدم دخوله، وإلا فقد كان جاءت كتبهم بالتسليم للأمر لما قد وقع ~~منهم من القضية في لحج، فلم يقبل منهم، والله يصلح كل شأن. PageV01P911 ms490