######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0000473 #META# 000.BookURI :: #0285.IbnYazidMubarrad.KamilFiLugha #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الحسن بن مسعود بن محمد، أبو علي، نور الدين اليوسي (المتوفى: 1102هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1102 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المحاضرات في اللغة والأدب #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة - مرقم آليا #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0000473 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-473 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/473 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة المؤلف ### | بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الذي أنزل من سماء رحمته غيثا نافعا، فأنبت به في قلوب عباده ~~زهرا ناضرا وثمرا يانعا. # زهر من العلم والعرفان مؤتلق ... في الطرس والنفس يستهدي بألوان # وثمر يجتنيه الأذكياء بتش ... مير ولا يجتنيه الفدم والواني # لله در كرام فاو فائزهم ... قدما بحلب درور منه ملبان # وبابتناء مبان منه سامية ... لا يبتني مثلها في دهره الباني # هذا هو المجد في الدارين والشرف ال ... محض الذي ما به في فضل ثان # " فاعكف عليه " مع الآناء معتنيا ... ولا يكن لك عن تطلابه ثان # واعلم بأنك لن تحظى بصهوته ... حتى تجوز المدى في كل ميدان # ما لم تسنح عليه كلما شجر ... يرجى الجني منه أرضي وعبدان # وتبذل النفس بعد المال مطرحا ... لكل ترفيه أرواح وأبدان # وتغترب برهة في كل آلفة ... من ذات قربى وأوطان وإخوان # والصلاة والسلام على سيدنا ومولانا محمد ينبوع الأحكام والحكم، ومجموع ~~شيم الفضائل وفضائل الشيم، وعلى آله ذوي المجد والكرم، وصحبه بحور العلوم ~~ونجوم الظلم. # أما بعد، فإن الدهر أبو العجائب، وينبوع الغرائب، وفي المثل: الدهر حبلى ~~لا يدري ما تلد، وقال الشاعر: # والليالي كما علمت حبالى ... مقربات يلدن كل عجيبه # وقال طرفة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # وإن للعاقل على مرور الجديدين علما جديدا حيث انتهى فهمه كما له عيش حيث ~~تهدي ساقه قدمه وكنت قلت في نحو ذلك: # أراني حيثما أخط ... أجد ما لم أجد قط # وإن الدهر حبلى كل ... ما حين له سقط # لقد سايرته طفلا ... إلى أن مسني وخط # فلم ينفك يشتد ... على المرء ويشتط # ولم يأل إذا استعلى ... يوم الهون أو يسطو # له في كل إذن من ... بني أبنائه قرط # وفي كل قذال وس ... مة بالنار أو شرط # وقد يحنو ويستأني ... وقد يحبو لمن يعطو # سماء ديمة تأتي ... بزهر زهرها رقط # فحمر ومصفر ... وموفور ومنقط # ومجدود ومحروم ... ومستعمل ومنحط # ومنقاد ومعوج ... وكز الخلق أو سبط # قضاء مبرم ممن ... إليه الحل والربط ms001 # إله أمره الأمر ... ومنه الرفع والحط # ومنه اليسر والعسر ... ومنه القبض والبسط # له في كل ما يوم ... شؤون منه تختط # وذو الفهم له علم ... جديد حيثما يخطو # ففكر واعتبر تعلم ... علوما دونها الضبط # وتدرك غير ما في الصح ... ف يوما خلد الخط # وسلم وأرض بالمقدو ... ر لا يذهب بك السخط # ولا تبرم إذا المولى ... يشد الحبل أو يمطو # فما ترجو من الرضوا ... ن أن ترضى له شرط # وإني قد اتفقت لي سفرة بان بها عني الأهل شغلا وتأنيسا، وزايلني العلم ~~تصنيفا وتدريسا، فأخذت أرسم في هذا المجموع بعض ما حضرني في الوطاب، مما ~~أحال فيه أو حان له إرطاب وسميته " المحاضرات " ليوافق اسمه مسماه، ويتضح ~~عند ذكره معماه وفي المثل ": " خير العلم ما حوضر به " وإنما أذكر فيه ~~فوائد وطرفا، وقصائد ونتفا، وذلك مما اتفق لي في أيام الدهر من ملح، أو ~~لغيري مما ينتقى ويستملح، ولا أذكر نادرة فيها معنى شريف إلا شرحته، ولا ~~لطيفا إلا وشحته، وذلك هو لباب الكتاب، وفائدة الخطاب، والله الملهم ~~للصواب. # وقد أذكر بعض ما صورته هزل يستهجن، وفيه سر يستحسن، وكما أن المقصود من ~~الأشجار ثمارها، فالمطلوب من الأخبار أسرارها، وإنما حملني على الأخذ فيه ~~أمور: منها التفادي من البطالة، التي هي مدرجة الجهالة والضلالة، ومنها ~~إفادة جاهل أو تنبيه غافل، ومنها تخليد المحفوظ لئلا ينسى. وتفصيله نوعا ~~وجنسا، ومنها استمطار علم جديد، عند الاشتغال بالتقييد، فإن العلم كالماء ~~نباع، وبعضه تباع، وما هو في قلب ذكي الفؤاد، إلا كما قال امرؤ القيس عند ~~وصف الجواد: # يجم على الساقين بعد كلاله ... جموم عيون الحسي بعد المخيض # PageV01P001 # معنا تعليل النفس، ببعض الأنس، فإن النفس ترتاح للأحماض وتستشفي بروحه من ~~الإمضاض ولا سيما مثلي ممن ترامت به الأقطار وتباعدت عنه الأوطان والأوطار ~~وقلت في ذلك: # سلا هل سلا عن أهله قلب معني ... بريب الهوى والبين عن جيرة الحي # وهل ذلك الوجد الذي قد حشا الحشا ... مقيم على أديانه غير مكفي # وهل قلبه يوم النوى متقلب ms002 ... تقلب مفؤود اللظى ساعة الشي # وهل ينوي الأحباب مشف على التوى ... وليس بوصل من حبيب بمشفي # وهل أعشبت تلك الشعاب وأمرعت ... فجاج مراعيها بعهد ووسمي # وهل أقحوان الجزع فاح ونده ... بعرف تهاداه الشمائل مسكي # وهل تالك الأزهار تهتز نضرة ... بكل جميل في الخميلة مولي # وكل مجود في النجود تناوحت ... عليه الرياح من جنوبي وشرقي # إذا ما السحاب الغر عاطينها الحيا ... تمايلن نشوى من مدام شبامي # وإن صافحتها بعد وهن يد الصبا ... تنمت بأذكى من عبير وألوي # فما شئت فيها من يواقيت تجتلي ... ومن كوكب يعشي النوال دري # ومن بسط تزري ابتهاجا بمفرش ... أعدت بنو ساسان للبسط بوشي # وهل لسليمى من ثواء بدارها ... سقى الله تلك الدار أطيب ما ري # وحيا محياها الوسيم وإن لوت ... غريما تقاضى وصلها طول ما لي # وحيا زمانا للوصل بيننا ... تباشير كالصبح المنير على ري # زمان ديار الحي دان مزارها ... ونحن على عهد من الود مرعي # نعمنا بإيناس البروق من الحمى ... أنيسا وإن لم نحظ منه بإنسي # ونسمة أرواح الصبا وهبوبها ... علينا نموما من صباها بمطوي # وتنشاق آبالأجارع تعتلي ... بنفحته للمستهامين عطري # وكنا على أنا كأنا بوصلها ... نغادي بكأس مطمئنين خمري # ونرتع في روض المنى وننال ما ... نشاء ولا نرتاع من بين مهوي # وعشنا زمانا لا نعاني صبابة ... ولا نتباكى من سليمى ولا مي # ولا نتشكى من صدود ولا صدى ... ولا وجد مفؤود الجوانح مبري # ليالي كان الشمل منضبط الكلى ... وحبل التوالي محصد غير مفري # فلم تلبث الأقدار أن مددت بنا ... عنانا إلى شط النوى غير مثني # فحالت موام دونها ذات منزع ... ودين التداني قد غدا غير مقضي # وكان الذي خفنا يكون من النوى ... وصرنا لأمر مذ أحايين مخشي # على أن فضل الله ما انفك هامرا ... علينا ولطف دائم غير مزوي # فلا تغترر بالدهر يلقاك بشره ... فإن وراء البشر طعن الرديني # ولا تأمنن من هوله إن ريحه ... تهب إذا هبت عصوفا بلجي # ولا تغتبط من حظه بمنول ... ولو تاج ملك فوق أشمخ كرسي # فما حالة منه ms003 تدوم على امرئ ... ولو خال جهلا أنه غير مدهي # وما هو إلا مثل دولاب زارع ... فعلويه يعتاض حتما بسفلي # فكم أنزلت نسر السماء صروفه ... وحلت ببنت الماء دارة علوي # وكم ضعضعت ملكا وأفنت ممالكا ... وكم عاد عاني ريبها غير مفدي # وكم زيلت بين المحبين فاغتدى ... دم الصب من فتك الهوى غير مودي # قضاء من المولى له كل ساعة ... تصرف مختار وإنجاز مقضي # فأعلق به أشطان قلبك واعتمد ... عليه تنل رشدا وتنج من الغي # وقف أبدا في بابه متأدبا ... منيبا بسعي عند مولاك مرضي # قنوعا رضوا بالقضاء مسلما ... بقلب على التوحيد والصدق محني # فذاك الذي يرقى به لمنازل ... بها كل صديق حوى الفضل ربي # وإن كنت لم تسعدك في ذلك القوى ... فزاحم بمسطاع مع الحب والزي # فإن جليس القوم ما إن يناله ... شقاء ومن عن حبهم غير مرمي # ومن قد حكاهم فهو متهم وكل ذا ... أتى في حديث عن ذوي الصدق مروي # وكل امرئ يوما سيجزى بما أتى ... من الخير بل يجزى على كل منوي # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | فوائد تسمية المؤلف # PageV01P002 # قد جرت عادة من ألف بل من كتب رسالة أن يتسمى في كتابه ليعرف وفي ~~معروفيته فوائد منها في كلامه أن يعرف مذهبه أو مطلبه أو يتمكن جوابه أو ~~يشهد له وعليه. # ومن أهمها أن يعلم هل يوثق بنقله ويقتدي به في أصله، فإن كلام الحجة حجة، ~~وإنما يعرف كونه حجة ومرتبته من العلم بشهادة أهل العلم، وذلك في ثلاثة ~~أشياء: أحدها التصريح بذلك مشافهة أو في ترجمته ولذلك صنفت طبقات أهل العلم ~~وأعتني بتراجمهم. # ثانيها عده مع العلماء عند ذكرهم في مذهب أو وفاق أو خلاف أو حكاية كلامه ~~فيما يحكى من كلام العلماء أو مذهبه أو نحو ذلك وهو كالتصريح. # ثالثها الأخذ عنه أو إقراء تصانيفه أو شرحها أو تقليده أو نحو ذلك. # وإنما يحصل له ذلك من ثلاثة أشياء: أحدها سماع كلامه مشافهة. # ثانيها مطالعة تصانيفه والوقوف على تحريره وتحصيله أو سماع فتاويه وآرائه ms004 ~~وكلامه بنقل الغير له كما مر وهلم جرا. # وبعد حصول مطلق المرتبة من العلم تحصل خصوصيات المراتب بشهادة من هو أهل ~~لذلك بها بمشافهة أو في ترجمة أو اقتداء الأكابر به، أو ترجيحه على غيره أو ~~نحو ذلك. # ومنها في خارج أن تعرف مرتبته كما مر أو يتعرض لدعاء داع أو ثناء مثن ~~بخير ومحبة وود وغير ذلك. # فرأيت أن أتسمى في هذا المجموع وأضيف إلى ذلك ما اتفق لي من كنية وما ~~أدركت من نسب بعد أن تعلم أن الاسم العلم ثلاثة: اسم وكنية ولقب. # أما الاسم فهو من حيث هو ما أريد به من تعيين المسمى لا يعطى مدحا ولا ~~ذما لصلاحية كل اسم لكل مسمى عند المحققين، ولكن إذا كان منقولا فكثيرا ما ~~يلاحظ فيه زيادة على تعيين المسمى مدلوله الأول الحقيقي أو المجازي فيشعر ~~بمقتضاه إشعارا. # ومن هذا وقع التفاؤل والتطير بالأسماء، وكان صلى الله عليه وسلم يحب ~~الفأل الحسن ويقول: " إذا أبردتم إلي بريدا فأبردوه حسن الوجه حسن الاسم ". # وكان صلى الله عليه وسلم يغير من الأسماء ما لا يرضى، فسأل عن اسم ماء ~~فقيل له: بيسان وماؤه ملح فقال: بل هو نعمان وماؤه عذب، فكان كذلك، وجاءه ~~رجل فقال ما اسمك؟ قال: غاوي بن عبد العزي، فقال صلى الله عليه وسلم: بل ~~أنت راشد بن عبد ربه، وجاءه آخر فقال ما اسمك؟ فقال: حزن، فقال: بل أنت ~~سهل، فقال الرجل: ما كنت لأغير اسما سماني به أبي، وكان الإمام سعيد المسيب ~~- رضي الله عنه - والرجل من أجداده يقول: فما زالت الحزونة فينا. فانظر كيف ~~حكم مدلول اللفظ الأول. وقال صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية حين أقبل ~~سهيل من ناحية قريش: " سهل عليكم أمركم " ومن هذا قوله صلى الله عليه وسلم: ~~" أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها، وعصية عصت الله ورسوله " وقال ~~أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وقد سأل عن اسم رجل استعمله أو أراد أن ~~يستعمله فقيل له: هو خبيئة كناز: ms005 هو يخبأ، وأبوه يكنز، لا حاجة لنا به. ~~وبدل صلى الله عليه وسلم برة بنت أبي سلمة بدرة فرارا من التزكية التي ~~يعطيها اللفظ، وقال مولانا علي كرم الله وجهه: # أنا الذي سمتني أمي حيدره # وقال الحريري في " المقامات " على لسان الغلام: " أما أمي فاسمها برة، ~~وهي كاسمها برهة " وقالت اليهود يوم خيبر لمولانا علي رضي الله عنه، وقد ~~تقدم بالراية فتسمى لهم: علوتم ورب الكعبة، وقالت العرب في أمثالها: إنما ~~سميت هانئا لتهنأ. # وقال الأخطل في كعب بن جعيل: # وسميت كعبا بشر العظام ... وكان أبوك يسمى الجعل # وإن مكانك من وائل ... مكان القرد من أست الجمل # قال: " هما هذان ". # وكان بعض الرؤساء القيسية أحضر جفانا من طعام، وكان بالحضرة بعض ملاسين ~~بكر بن وائل فأراد القيسي أن يعبث به فقال له: ما رأى بكر بن وائل قط مثل ~~هذه الجفان؟ فقال ما رآها ولا رآها أيضا قط عيلان يعني جده هو، ولو رآها ما ~~قيل له عيلان بل شبعان. # وقالت هند بنت النعمان بن بشير تهجو زوجها الفيض بن أبي عقيل: # سميت فيضا وما شيء تفيض به ... إلا سلاحك بين الباب والدار # وقال الآخر: # وللحرب سمينا فكنا محاربا ... إذا ما القنا أمسى من الطعن أحمرا # PageV01P003 # ومما ينخرط في هذا السلك أن بعض الملوك عزل وزيرا له اسمه الياقوت فحلف ~~الملك ليستوزن أول من يلقى فخرج فلقي رجلا أعرابيا فاستوزره فإذا هو من ~~أعقل الناس وأنجبهم فلما رأى الوزير الأول ذلك كتب إلى الملك: # أحكم النسج كل من حاك لكن ... نسج داود ليس كالعنكبوت # ألقني في لظى فإن غيرتني ... فتيقن أن لست بالياقوت # يشير إلى أن الياقوت المعروف لا يفسد بالنار. # فأجاب الآخر: # نسج داود ما حمى صاحب الغا ... ر وكان الفخار للعنكبوت # وفراخ السمند في لهب النا ... ر أزالت فضيلة الياقوت # أشار إلى السمندل وهو دويبة في ناحية الهند تتخذ من جلودها المناديل ~~وتلقى في النار فلا تزداد إلا نضارة وحسنا ولا تحترق، والله على كل شيء ~~قدير، إلى ms006 غير هذا مما لا ينحصر ولو تتبعناه لطال. وأما الكنية واللقب ~~فيعتبران بوجهين: الأول نفس إطلاق الكنية واللقب وهما في هذا مختلفان، فإن ~~الكنية الكثير فيها إذا لم تكن اسما أن يراد بها التعظيم وينبغي أن يعلم أن ~~الناس باعتبارها ثلاثة أصناف: صنف لا يكنى لحقارته، وهو معلوم من أن ~~الحقارة أمر إضافي، فرب حقير يكون له من يراه بعين التعظيم فيكنيه، ~~والمقصود أن التحقير من حيث هو حقير لا يكنى إلا هزءا أو تلميحا، وصنف لا ~~ينبغي أن يكنى لاستغنائه عنها وترفعه عن مقتضاها، ومن ثم لا يكنى الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام لأنهم أرفع من ذلك حتى إنهم أشرفت رفعتهم على أسمائهم ~~فشرفت، فإذا ذكروا بها كانت أرفع من الكنى في حق غيرهم، وللملوك وسائر ~~أكابر الناس نصيب من هذا المعنى، وصنف متوسط بين هذين، وهو الذي يكنى ~~تعظيما، ثم إن كان التعظيم مطلوبا ككنية أهل العلم والدين ومن يحسن شرعا ~~تعظيمه فحسن، وكذا اكتناء المرء بنفسه إن كان تحدثا بالنعمة أو تبركا ~~بالكنية باعتبار من صدرت عنه أو نحو ذلك من المقاصد الجميلة فحسن، وإلا فمن ~~الشهوات النفسانية، فما كان تكبرا أو تعظيما لمن لا يجوز تعظيمه بغير ضرورة ~~ونحو ذلك فحرام، وإلا فمباح، وليس من هذا الباب ما يقصده به مجرد الإخبار ~~فقط كقولك جاء أبي أو أبو فلان هذا أي والده، ولا يقصد به معناه على وجه ~~التفاؤل مثلا نحو أبي الخير وأم السعد. # وأما اللقب فيقصد به كل من المدح والذم وغير ذلك، والحكم كالذي قبله. # الوجه الثاني النظر إلى مدلولهما الأصلي، وهما في ذلك كما مر في الاسم بل ~~ذلك هنا أولى، لأن الأصل فيه أوضح، ولبعضهم في ذلك: # أتيت أبا المحاسن كي أراه ... بشوق كاد يجذبني إليه # فلما أن أتيت رأيت فسردا ... ولم أر من بنيه ابنا لديه # يريد أن لفظه ينبئ عن كون المحاسن لازمة له لزوم الأولاد لأبيهم، ثم إنها ~~لم يجدها عنده، وكذا يقال في أبي المكارم وأبي الفضل وأبي ms007 البخت وجمال ~~الدين وشمس الأئمة، والأصل في جميع هذا أن المستحسن في العقول وإن لم يكن ~~لازما خلافا لمن زعم ذلك أن يطابق الاسم أي مدلوله الأصلي حتى يصير الاسم ~~كأنه وصف مشتق لموصوف بمعناه، فإن لم يكن كذلك فإن التسمية خطأ، وكأن الاسم ~~لا مسمى له، ومن هذا جاءت العادة بتخير الاسم عند التسمية وكذا عند ~~الملاقاة كقصة البريد السابقة، أما التخير عند التسمية فلفائدتين: إحداهما ~~التلذذ بسماعه وتجمل المسمى بذلك، الثانية التفاؤل بأن يصدق معناه، وذلك ~~على حساب ما يريده، وللناس أغراض تختلف، وقد قيل لبعض العرب: لم تسمون ~~عبيدكم نافعا ومرزوقا وأولادكم حربا ومرة فقال: إنا نسمي أولادنا لأعدائنا ~~ونسمي عبيدنا لأنفسنا أي فلا فرق بين فائدة النفع وفائدة الدفع وحلاوتهما، ~~بل الدفع أهم. # وكان وادي السباع في بلاد العرب وفيه قال قائلهم: # مررت على وادي السباع ولا أرى ... كوادي السباع حين تبصر واديا # أشد به ركبا أتوه تئية ... وأخوف إلا وما وقى الله ساريا # قيل: سبب تسميته أن امرأة من العرب كانت نزلته ولها عدة أولاد فوجدها رجل ~~يوما وحدها فهم بها فقامت تصيح بأولادها وتقول: يل ليث، يا نمر، يا أسد، يا ~~كذا، وهي أسماؤهم، فأقبلوا إليها يشتدون، فانطلق الرجل وهو يقول: هذا وادي ~~السباع. # PageV01P004 # أما التخير عند الملاقاة والمعاملة فلفائدتين أيضا: إحداهما التلذذ ~~والتفاؤل، الثانية رجاء أن يكون قد طابق فوجد معناه ويكون حسن الاسم دالا ~~على حسن المسمى كما تقرر في الفراسة الحكمية من أن حسن الخلق دليل على حسن ~~الخلق، وفي الحديث: " اطلبوا الخير عند حسان الوجوه " على وجه، ولم يبعث ~~الله تعالى نبيا إلا حسن الوجه حسن الاسم، وفي كلام العامة: الاسم يدل على ~~المسمى. ومن التفاؤل الصادق والرجاء الواقع ما وقع لعبد المطلب في تسمية ~~نبينا صلى الله عليه وسلم حيث سماه باسمه الشريف، وكان هذا الاسم غير معتاد ~~عندهم، فقيل له: لم سميته بهذا وليس من أسماء آبائك، فقال: رجاء أن محمد في ~~السماء والأرض، فكان ذلك، ويحتمل أن ms008 يكون كان عنده من ذلك علم ممن لقي من ~~أهل ذلك العلم كسيف بن ذي يزن ونحوه. وقد يكون سبب تخير الاسم مشايعة من ~~تسمى به تبركا به أو إحياء لذكره أو رجاء الشبه به أو نحو ذلك، وفي الحديث: ~~" ولد لي الليلة ولد فسميته باسم أبي إبراهيم " وقيل: لما نزل قوله تعالى:) ~~يا أخت هارون (قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: كيف تكون أخت هارون وبينهما ~~دهر طويل، فقال صلى الله عليه وسلم: " إنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم " ~~أي هو هارون آخر سمي باسم هارون بن عمران عليه السلام. # واعلم أن التلذذ المذكور في هذا القسم خلاف المذكور فيما مر، فإن ذلك ~~تلذذ بالاسم بسبب حضور معناه الأصلي كسعد وسعيد ووردة وياسمين، وهذا تلذذ ~~بالاسم لحضور من كان تسمى به من غير التفات إلى مدلول اللفظ الأصلي، فكل من ~~سمع اسما كان وقع على مسمى آخر فقد يستشعر ذلك المسمى الآخر في الاسم فيوجب ~~له ذلك الاستشعار أمورا، إما تعظيما ومنه بدل أمير المؤمنين عمر رضي الله ~~عنه اسم ولد كان اسمه محمد فسمع رجلا يوما يشتمه ويقول: فعل الله بك يا ~~محمد وفعل، فقال: لا أرى اسم النبي صلى الله عليه وسلم يسب بك، وكان بعض ~~الرؤساء كلم خديما له اسمه محمد في أمر وخاطبه باسم آخر وهم أنه غضبان ~~عليه، فدخل على الخديم من ذلك جزع عظيم حتى يبين له بعد ذلك أنه إنما كان ~~على جنابة فلم يستطع أن ينطق بهذا الاسم الشريف وهو جنب، رحمه الله تعالى ~~وجزاه خيرا، وإما تلذذا أو استئناسا أو اشتياقا أو نحو ذلك لكونه أليفا أو ~~محبوبا. # وكان المجنون لما اشتد به حاله قام أهله فقالوا: نذهب به إلى الحج وزيارة ~~البيت ففعلوا، فلما أقبلوا على مكة قالوا له: يا قيس، هذا بلد الله وهذا ~~بيته فادع الله تعالى أن يعافيك من حب ليلى فأنشأ يقول: # ذكرتك والحجيج له ضجيج ... بمكة والقلوب لها وجيب # فقلت ونحن في بلد حرام ... به ms009 لله أخلصت القلوب: # أتوب إليك يا رحمان مما ... جنيت فقد تكاثرت الذنوب # فأما من هوى ليلى وحبي ... زيارتها فإني لا أتوب # فكيف وعندها قلبي رهينا ... أتوب إليك منها أو أنيب # فأيسوا منه ثم سكن شيئا ما فلما بلغوا ناحية منى سمع إنسانا يقول: يا ~~ليلى، ينادي امرأة، فطار المجنون واستقبل البرية وهو يقول: # وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أحزان الفؤاد وما يدري # دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرا كان في صدري # وقال الآخر: # ومن كبدي يهفو إذا ذكر اسمه ... كهفو جناح ينفض الطل طائره # وبلغ بأولياء الله تعالى نحو هذا المعنى، وهم أحق به، يحكى عن بعضهم أنه ~~لقي واحدا منهم في البرية فقال له: من أين أتيت؟ فقال: هو، فقال: أين تريد؟ ~~فقال: هو، فقال: ما تعني بقولك هو؟ فقال: هو، فقال الله تعني؟ فصاح وسقط ~~ميتا. وإما نفرة وكراهية لكونه بغيضا مقيتا، وإما غير ذلك. ### | تتمة # PageV01P005 # واعلم أن الاسم الذي يوضع على الإنسان علما عند الولادة أو عند تبديل ~~اسمه باسم آخر إما أن يكون بصورة الكنية كأبي بكر وأبي القاسم لمن سمي به ~~فيكون اسمه كنيته، وإما أن يكون بغيرها كزيد وعمرو وهو الأغلب، وحينئذ إما ~~أن تقرن به الكنية من أول وهلة فيقال مثلا: سميت ابني محمدا وكنيته أبا عبد ~~الله ولقبته جمال الدين، وهذا كله لا إشكال في علميته، وقد لا يكنى ولا ~~يلقب أولا، فإذا كني بعد ذلك أو لقب كان ذلك عارضا لا كالاسم اللازم أبدا ~~من وجهين: أحدهما أنه لم يكن شيء منهما ثم كان، الثاني انهما يكونان ثم لا ~~يكونان فإنه قد يكنى ثم لا يكنى، وقد يكنيه هذا ولا يكنيه الآخر، وكذا ~~اللقب، فصار كل منهما بمنزلة الوصف يعرض الاتصاف به فقد يقال: كيف يحسبان ~~مع هذا في الأعلام؟ والجواب انهما متى أطلقا على المسمى عيناه عند من ~~عرفهما من غير معنى زائد على الذات، وهذا حاصل العلمية، أما طروعهما فلا ~~يضير، فغن الاسم أيضا ms010 كثيرا ما يطرأ، والمعتبر ما بعد الطروء كما هو الأمر ~~في التسمية الأولى، وأما كونهما يتركان أحيانا فللاستغناء عنها بالاسم كما ~~يكون في الشيء يسمى بأسماء مترادفة، فإذا عبر عنه بواحد منها كفى، وفيه ~~يحث، وهو أن الأسماء المترادفة فوضى على مدلولها، ولا كذلك ما نحن فيه، فغن ~~كلا من الكنية واللقب إنما يجلب لغرض من تعظيم أو تحقير أو غير ذلك مما مر، ~~فيكون الوصف محط التسمية، وحينئذ هو كلي، فيكون الاسم اسم جنس أو علم جنس ~~وذلك خلاف ما يقال من أنه علم شخص، وهذا بحث قوي لم نبسطه لأنا لسنا بصدده، ~~ويجاب بمنع ذلك وأن محط التسمية الذات مع ملاحظة الغرض وكونه يؤتى به عند ~~وجود الملاحظة ويترك عند عدمها، وأن ذلك غير معهود في الاسم لا امتناع فيه ~~فافهم. فأقول: ### | اسم المؤلف ونسبه # أنا الحسن بن المسعود بن محمد بن علي بن يوسف بن أحمد بن إبراهيم ابن ~~محمد بن أحمد بن علي بن عمرو بن يحيى بن يوسف، وهو أبو القبيلة ابن داوود ~~بن يدراسن بن يننتو، فهذا ما يعد من النسب إلى أن دخل بلد فركلة في قرية ~~منه تسمى حارة أقلال وهي معروفة الآن. # والكنية أبو علي وأبو المواهب وأبو السعود وأبو محمد. # أما ذكري للاسم فلما مر من فوائد التسمي، وأحمد الله تعالى وأشكره إذ ~~جعله حسنا، وأسأله سبحانه أن يجعل كذلك فعلي وخلقي وحظي في الدارين منه ~~حسنا، كما أحمده تعالى إذ حسن اسم والدي أيضا - فجعله مسعودا، واسأله تعالى ~~أن يجعلني كذلك في الدارين ويجعله مسعودا. # ومما اتفق لي في اسمي هذا واسم والدي أني كنت ذات مرة سافرت إلى زيارة ~~الأستاذ الإمام ابن ناصر رحمه الله، فمررت ببلادنا، وكان أخونا في الله ~~البارع الفاضل الخير أبو سالم عبد الله بن محمد العياشي يشتهي أن أمر به في ~~زاويته فلم يتفق لي ذلك فكتبت إليه اعتذارا: # أبا سالم ما أنت إلا كسالم ... لدينا ولم يقض اللقاء فسالم # وزود غريبا طالما ms011 قذفت به ... ضروب النوى من كل أفيح قاتم # مراما لشرب الكأس وهي منوطة ... بكف الثريا أو بكف النعائم # بود وإن الود من أطيب القرى ... ودعوة صدق عند عقد العزائم # وسلم على من ثم من جملة الملا ... تحية ذي ود إلى الكل دائم # وقولي: " كسالم " تلميح إلى قول الشاعر: # يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم # وكتب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: " أنت عندي كسالم " فلم يفهم مراده ~~حتى أنشد البيت المذكور، ومراد الشاعر أن سالما المذكور الذي يدافع الناس ~~عنه ويحامي عنه في محبته له وعزته عليه بمنزلة الجلدة التي بين الأنف ~~والعين لأن تلك الجلدة هي سالم فهو تشبيه. # ثم لما قفلنا من زيارتنا كتب إلي كتابا يهنيني بالزيارة ويهني من معي ~~بصحبتي، وفي آخره: # من فاته الحسن البصري يصحبه ... فليصحب الحسن اليوسي يكفيه # PageV01P006 # ومن غريب الاتفاق مع ذلك أن كنت في تلك المدة، قبل هذا الكتاب أو بعده ~~بقريب حدثني بعض الإخوان أنه رأى فيما يرى النائم جماعة من الصالحين ~~والكاتب معهم، وفيهم الشيخ محمد بن مبارك التستاوي وغيره من أمثاله فتكلم ~~بعضهم وأظنه قال: ابن المبارك المذكور إلى أن قال: إن كان الحسن البصري في ~~زمانه فهذا الحسن البصري في زمان يشير إلى الكاتب، وإنما ذكرت هذا رجاء ~~وطماعية في اللحاق بالصالحين أو بمحبيهم أو بمحبي محبيهم وتبركا بذكرهم، ~~وإلا فليس بعشك فادرجي: # لما انتسبت إلى علاك تشرفت ... ذاتي فصرت أنا وإلا من أنا # وكتب إلي العلامة أبو عبد الله محمد بن سعيد السوسي بأبيات يذكر فيها أنه ~~على عقد المحبة وفي آخرها: # لقد تحببت لي فضلا خصصت به ... بين الورى حبذا حب ابن مسعود # فعلمت أنه يروي عن ابن مسعود الحبر الصحابي، رضي الله عنه وألحقنا ~~وآباءنا بزمرته إنه ذو الجود والإحسان، فقلت: إن هذا كله من نعم الله التي ~~يسر بها الإنسان، وهو موافقة اسمه أو اسم أبيه لأسماء الخيار. # ومن غريب الاتفاق أني كنت أكتب ما تقدم من النسب فجاء أعرابي ms012 بقصيدة من ~~الملحون يمدحني بها، وفي أثنائها يقول ما معناه: إن اسمه، أي الممدوح، على ~~اسم الحسن بن علي رضي الله عنهما، فقلت في نفسي: سبحان الله في هذا كان ~~عملي. ### | تتمة أخرى في أحكام التسمية # أعلم أنه وإن كان المطلوب تخير الاسم كما مر لا بد من التوسط بين طرفي ~~الإفراط والتفريط، فكما أنه لا ينبغي له أن يتسفل إلى الأسامي الدنية كذلك ~~ليس له أن يتعلى إلى الأسامي العلية التي لا تنبغي له كأسماء الله تعالى، ~~وللفقهاء كلام في أسماء الملائكة، فعن إمامنا مالك رضي الله عنه أنه يكره ~~أن يتسمى الرجل بجبريل وعلل ذلك بأنه سبب لأن يقول قائل: جاءني البارحة ~~جبريل، وكلمني جبريل وهو بشيع موهم، وروي عنه أيضا: لا ينبغي بياسين، وتقدم ~~إلى الحارث بن مسكين القاضي خصمان، فنادى أحدهما صاحبه باسمه إسرافيل، فقال ~~القاضي لم تسميت بهذا الاسم؟ وقد قال صلى الله عليه وسلم: " لا تسموا ~~بأسماء الملائكة " فقال له الرجل: " ولم تسمى مالك بن أنس بمالك؟ وقد قال ~~تعالى:) ونادوا يا مالك ليقضي علينا ربك (ثم قال: لقد تسمى الناس بأسماء ~~الشياطين فما عيب عليهم، يعني القاضي فإن اسمه الحارث، وهو اسم الشيطان ~~إبليس، قال ابن عرفة: ويرحم الله الحارث في سكوته والصواب معه، لأنه محمل ~~النهي في الاسم الخاص بالوضع أو الغلبة كإسرافيل وجبريل وإبليس والشيطان، ~~وأما مالك والحارث فليسا منه لصحة كونهما من نقل النكرات للأشخاص المعينة ~~أعلاما من اسم فاعل مالك وحارث كقاسم انتهى، وأما أسماء الأنبياء عليهم ~~السلام فيجوز التسمي بها وفي الحديث: " تسموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي " ~~وقيل: إن هذا النهي منسوخ، فيجوز التسمي أيضا والتكني بكنيته صلى الله عليه ~~وسلم. ودخل القاضي أبو القاسم بن زيتون على أمير بلده المنتصر بالله فقال ~~له: لم تسميت بأبي القاسم؟ وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " تسموا ~~باسمي ولا تكنوا بكنيتي " فقال القاضي: إنما تسميت بكنيته صلى الله عليه ~~وسلم ولم أتكن بها، وفي المسألة كلام باعتبار ms013 علة النهي وكون ذلك مع وجوده ~~صلى الله عليه وسلم مشهور لا حاجة إلى بسطه، ومن المنهي عنه في الحديث أن ~~يسمي الرجل غلامه رباحا أو أفلح أو يسارا، إذ قال: أثم هو؟ فيقال: لا. ولا ~~بأس بتكنية الصبي كما مر وأصله: " يا أبا عمير، ما فعل النغير ". # تنبيه: في الحديث: " إن أخنع الأسماء رجل تسمى عند الله بمالك الأملاك، ~~ووقع فيه عضد الدولة حيث قال: # ما يطيب العيش إلا بالسمر ... وغناء من جوار في سحر # غانيات سالبات للنهى ... ساقيات الراح من فاق البشر # عضد الدولة وابن ركنها ... ملك الأملاك غلاب القدر # فهذا من التغالي المنكر، وإنما ذلك لأن ملك الأملاك هو الله تعالى، ~~وإطلاقه على غيره وإن كان يتأول بمن دونه أي ملك أملاك البشر، لكنه في غاية ~~من الإيهام والبشاعة فلا ينبغي. وقد تردد العلماء في أنه هل يلتحق به قاضي ~~القضاة ونحوه. # PageV01P007 # ومن البشيع الواقع في زماننا في الوصاف أن بنى السلطان رشيد ابن الشريف ~~جسر سبو، فصنع له بعضهم أبياتا كتبت فيه برسم الإعلام أولها: # صاغ الخليفة ذا المجاز ... ملك الحقيقة لا المجاز # فحمله اقتناص هذه السجعة والتغالي في المدح والاهتبال بالاسترضاء على أن ~~جعل ممدوحه ملكا حقيقيا لا مجازيا، وإنما ذلك هو الله تعالى، وكل ملك دونه ~~مجاز، الممدوح وغيره. ونسبة الألوهية إلى غيره تعالى كفر صراح، وهذا مقتضى ~~اللفظ، وقائله يتأوله بحقيقة دون حقيقة لأنه موحد، ولكنه في غاية الإبهام ~~وغاية البشاعة والقبح، وقد أنكر الإشبيلي وغيره ممن ألف في لحن العامة ما ~~هو أخف من هذا بكثير. # وأما اليوسي فأصله اليوسفي كما مر من أن يوسف هو أبو القبيلة ويسقطون ~~الفاء في لغتهم. # وأما ذكري لما مر من النسب فلفوائد منها أن يعرفه من يقف عليه ذوي ~~القرابة للتوصل إلى صلة الرحم والموارثة والمعاقلة وغير ذلك من الأحكام ~~وهذا مما لا بد منه، وقد قال سيدنا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه: تعلموا من الأنساب ما تصلون به أرحامكم، وقد حمل ms014 الأمر في كلامه على ~~الوجوب وذلك أصله. الثانية أن يعلم انقطاع النسب عند انتهائه إلى القرى ~~فيظهر معنى قول مولانا عمر أيضا رضي الله عنه فيما يؤثر عنه أنه قال: ~~تعلموا أنسابكم ولا تكونوا كالقبط ينتسبون إلى القرى، وليس هذا مخصوصا ~~بالقبط بل المدن كلها تتلف الأنساب كما قال العراقي رحمه الله: # وضاعت الأنساب بالبلدان ... فنسب الأكثر للأوطان # وسبب ذلك أن الإنسان إنما احتاج إلى التمدن للقيام بالمتاجر والحرف وسائر ~~الأسباب التي ينتظم بها أمر المعاش والتعاون على المنافع الدينية ~~والدنيوية، ولا يتأتى ذلك عادة إلا بكثرة الناس لتحصل عمارة الأسواق، ويحصل ~~من كل حرفة وصناعة وسبب وعمل عارف أو أكثر يقوم بها، ولا يكون ذلك عادة من ~~عشيرة واحة بل ولا من قبيلة وعمارة بل من أخلاط شتى وأفواج جمة، وذلك ~~لسببين: أحدهما أن هذا هو مظنة الكثرة الكافية فيما ذكر، الثاني أن عادة ~~الله تعالى لم تجر باختصاص رهط أو حي واحد من الناس بالتفرد بالمعارف ~~والاستقلال بالمصالح الدينية والدنيوية من دون سائر أصناف الخلق حتى ينتظم ~~بهم الأمر وحدهم وتحصل لهم المزية بذلك والذكر فيه دون " من " سواهم، بل بث ~~الله تعالى بلطيف حكمته الخصائص والمزايا في الناس، فيوجد في هذا الرهط ~~عالم، وفي آخر شاعر، وفي آخر صانع أو تاجر وهكذا ليتم التعاون ويحظى الخلق ~~كلهم من مائدة الله تعالى في باب الخصوصيات بنصيب.. # ولما كانت المدينة تجمع أخلاط الناس صار ساكنها في الغالب غريبا عن نسبه، ~~فقد لا يكون بينه وبين جار بيته نسب ولا معرفة، فإذا نشأ نسله انتسبوا ~~غاليا إلى البلد لا إلى قومهم من وجهين: أحدهما أنه كثيرا ما ينقطع ما ~~بينهم وبين قومهم فلا يعرفونهم، الثاني أن الإنسان يعجب ببلده ويتبجح به ~~لثلاثة أوجه أحدها أنه لا يعرف غالبا غيره، الثاني أن الله تعالى حبب إلى ~~الناس منازلهم ليلازموها فتنتظم عمارة الأرض على ما قدر الله تعالى كما قال ~~صلى الله عليه وسلم: " اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد ms015 ". الثالث ~~الإلف الطبيعي، فإن كل واحد يألف تربته كإلفه لأمه وأبيه، ولذا لا يزال يحن ~~إلى مسقط رأسه ومحط لهوه وأنسه، وقالوا: الكريم يحن إلى وطنه، كما يحن ~~النجيب إلى عطنه. # وقال الأعرابي: # أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسلمى أن يصوب سحابها # بلاد بها حل الشباب تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها # وقال الآخر: # بلدي ألفت به الشبيبة والصبا ... ولبست ثوب العيش وهو جديد # فإذا تمثل في الضمير رأيته ... وعليه أثواب الشباب # وقال الآخر: # وحبب أوطان الرجال إليهم ... مآرب قضاها الشباب هنالكا # إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم ... عهود الصبا فيها فحنوا لذلكا # PageV01P008 # وهذا المعنى كثير شهير. ومن الأسباب في ذلك أنها أول بقعة ذاق فيها ~~النعمة وأول جهة ألف منها الرفق وآنس الإحسان، وفي الحديث: " جبلت القلوب ~~على حب من أحسن إليها " ولك في الحديث وجهان: أحدهما لطيف، وهو أن القلوب ~~الطاهرة عن الهوى، الصافية من رعونات النفس، الزاهرة بأنوار المعرفة جبلت ~~على حب الله تعالى لأنه هو المحسن إليها لا غير. والثاني ظاهري وهو أن ~~القلوب من حيث هي جبلت على الميل إلى المحسن من حيث هو، ولا شك أن كل محسن ~~دون الله تعالى لا أثر له، وإنما هو جهة يرد منها إحسان الله تعالى، ومع ~~ذلك يحب، فكذا تربة الإنسان أول جهة ورد منها عليه الإحسان الإلهي، فيحبها ~~قبل غيرها من الترب حبا متمكنا كما قيل: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا # وقال الآخر: # كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل # ومن أسباب المحبة والحنين حب من كان فيها من ذوي القرابة والأحباب ~~وتذكارهم عند تذكارها، وقد قيل: إن قوله صلى الله عليه وسلم في أحد: " جبل ~~يحبنا ونحبه " إن المراد من كان فيه من الأصحاب كحمزة ومن معه رضي الله ~~عنهم، وقال المجنون: # أمر على الديار ديار ليلى ... أقبل ذا الجدار وذا الجدارا # وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا # وقال الآخر يخاطب وطنه: # تقسم ms016 فيك الترب أهلي وجيرتي ... ففي الظهر أحيائي وفي البطن أمواتي # وهذا سبب ذكر الديار والمنزل والأوطان ولا ينحصر ما قيل في ذلك، وسنلم ~~بشيء منه إن شاء الله في هذا الكتاب؛ ثم إذا انتسب إلى البلد ذهب قوه، ~~وتنوسيت أسلافه، فصار النسب مجهولا لا باعث على حفظه ولا حامل على تعرفه ~~وهذا بخلاف أهل البادية فإنهم يحفظون أنسابهم إذ لا ملجأ لهم في الانتساب ~~غير قومهم فيبقى الأب الأول محفوظا وبحفظه وذكره ما بينه وبينهم من سلسلة ~~النسب، وإنما كان ذلك فيهم لوجهين: أحدهما أنه لا قرار لهم في باديتهم ~~فينتسبوا إليه، بل منازلها عندهم سواء. الثاني أنهم خالصون غالبا من كثير ~~الشوب، فكل واحد غالبا ينازل قومه، إذ لا حاجة بهم إلى التمدن في باديتهم ~~اكتفاء بالحاضرة، فكل حي فيها يعيشون وحدهم، ومتى خالطهم غيرهم لم يزل ~~معروفا بكونه ملصقا، وقد يكون من القرى ما يكون كذلك، لانقطاعه عن الاختلاط ~~وعدم التمدن فيمكنهم حفظ أنسابهم أيضا. # ومن هذا حفظت قلايش أنسابها مع كونها في قرية، وكذا الخزرج في طيبة على ~~ساكنها أفضل الصلاة والسلام، وكذا نحوها، وقد يكون في المدائن من يحفظ نسبه ~~أيضا، ولا سيما من له نسب مخصوص كالعلوية، أو من يكون في محلة منعزلة في ~~المصر فيكون كالقرية السابقة. # الثالثة أن يعلم أن حفظ الأنساب ليس خصوصية للعرب وإن كان لهم مزيد ~~اهتمام بها ومزيد ارتفاع الهمة، وكنت أنا قبل أن أخالط قومي أظن ذلك وأقول: ~~إن العجم إنما هم كالمعزى ليس بين الأم وبين ولدها عهد إلا أن يرعى فيذهب ~~حيث شاء، وأما الأب فلا سؤال عنه، فلما باحثت قومي في هذا ألفيت الأمر على ~~خلاف ما كنت أظن، ووجدتهم يحفظون أنسابهم كما مر، وإذا فيهم نسابون يحققون ~~الفصائل والشعوب على نحو ما كانت العرب تفعل في أنسابها، والوهن وإن كان ~~يمكن أن يداخل شيئا من ذلك فليس بعجب، فإن غيرهم أيضا ما كان يسلم من ذلك، ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم: " كذب النسابون ms017 ". قال تعالى:) وقرونا بين ذلك ~~كثيرا (وكون هؤلاء أيضا يكتفون بالقرى ويضيعون أنسابهم فذلك غير مختص بهم، ~~فقد وقع أيضا للعرب حين دخلت قرى الشام والعراق ومصر والمغرب وغيرها، فلا ~~تزال تلقى حلبيا أو حمصيا أو كوفيا أو بصريا أو قرطبيا أو باجيا، وهو تميمي ~~أو قيسي أو أزدي أو غيره، وكثير منهم لا يرفع نسبه، وإنما قال سيدنا عمر ~~رضي الله عنه ما قال قبل أن يقع هذا الواقع أو قاله خوفا منه ثم وقع كما ~~ظن. # ويتعلق بأمر النسب أبحاث: الأول: اعلم أن نسب الإنسان الأصلي هو الطين، ~~قال تعالى:) وبدأ خلق الإنسان من طين (وقال صلى الله عليه وسلم: " أنتم بنو ~~آدم، وآدم من تراب ". ويقال لآدم عليه السلام: عرق الثرى وأعراق الثرى، قال ~~امرؤ القيس: # PageV01P009 # إلى عرق الثرى وشجت عروقي ... وهذا الموت يسلبني شبابي # وهذا هو الأصل لجملته، ثم لكل فرد منه بعد آدم أصل آخر وهو النطفة، قال ~~تعالى:) ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين (فإذا استوى الإنسان كله في أنه ~~من طين وأنه في الجملة من ماء مهين لم يمكن أن يكون له فضل في نفسه باعتبار ~~أصله، ولا أن يكون لبعضه فضل على بعض بذلك، لاستواء الجميع، ولهذا نبه صلى ~~الله عليه وسلم على هذا فقال: " إن الله أذهب عنكم غبية الجاهلية وفخرها ~~بالآباء، أنتم بنو آدم وآدم من تراب ". ونبه الله تعالى الإنسان على أصله ~~في آيات كثيرة ليتنبه فيعرف نفسه ويعرف اقتدار مولاه، وقال مولانا علي كرم ~~الله وجهه: " ما لابن آدم والفخر، وأوله نطفة، وآخره جيفة ". وقد يقال: ~~أوله نطفة مذ، وآخره جيفة قذرة، وهو فيما بين ذلك يحمل العذرة، وعقد الشاعر ~~الكلام الأول فقال: # ما بال من أوله نطفة ... وجيفة آخره يفخر # وقال آخر: # عجبت من معجب بصورته ... وأوله نطفة مذره # وفي غد بعد حسن صورته ... يصير في الترب جيفة قذره # وهو على عجبه ونخوته ... ما بين رجليه تخرج العذرة " # نعم يشرف الإنسان بخصوصية تزاد على جسمه ms018 الطيني كالعقل والعلم والدين ~~مثلا فيثبت له الفضل ويثبت لبعضه على بعض، ولما عمي إبليس اللعين على ~~الخصوصية، ولم ير إلا الطينية السابقة لم يرض بآدم ولا بالسجود له، ولم ~~يسلم الأمر لمولاه، فأبى وصرح بأنه خير منه، وعلل ذلك بالمنشأ المذكور، ~~فأخطأ من جهات: منها أنه إما يكون لا شعور له بالخصوصيات أصلا، وإنما منظره ~~ذوات الأجرام، وهذا جهل عظيم، وإما أن يشعر بها ولا يعرف أنها بها يقع ~~التفاضل، وهذا أيضا جهل، وإما أن يعرف ذلك ولكن لا يسلم وجودها في آدم ~~فيكون قد بادر إلى إنكار الشيء قبل تحقق انتفائه، بل قبل التأمل، وهو أيضا ~~جهل وطيش وغفلة عن الإمكانات العقلية وتصرف الفاعل المختار تعالى، وإما أن ~~يكون ذلك محتملا عنده، فعمل على الانتفاء لا على الثبوت، وهو أيضا جهل وزلل ~~في الرأي وتضييع للاحتياط، وإهمال لدلالة القرائن المفيدة للعلم، فإنه لو ~~تأمل أدنى تأمل لاستفاد الحق من ترشيحه للخلافة، فإنه لا يخفى عليه قول ~~الله تعالى:) إني جاعل في الأرض خليفة (، ومن سجود الجمهور، ويد الله مع ~~الجماعة، وإما أن يكون قد علم ذلك ولكن غلبه ما يجد من الحسد والكبر، ~~فاشتغل بالمكابرة والمغالطة، وهذا أيضا جهل، فإن العلم إذا لم ينفع كالعدم، ~~ومن لا يجري على علمه في حكم الجاهل، هذا مع غاية النقصان بعد التزكية، ~~وعدم ملك زمام النفس، نسأل الله تعالى العصمة، قال الله تعالى:) قد أفلح من ~~زكاها وقد خاب من دساها (. # ومنها أنه لم يخلص إلى صحيح العلم وصريح التوحيد فيعلم حق يقين، أو عين ~~يقين، أو علم يقين أن للفاعل سبحانه أن يتصرف في مملكته كيف شاء، فيرفع من ~~شاء، ويضع من شاء ويقدم من شاء ويؤخر من شاء، ولا سبب غير العناية الأزلية، ~~وكل شيء بقضاء وقدر) لا يسأل عما يفعل وهم يسألون (. # ومنها أن ما اعتمده من فضل جرم النار على جرم الطين لا يسلم له، فإن فضل ~~النار إن كان بمجرد حسنها الصوري فهذه المزية لا تكفي، ms019 فإن الأشياء خلقت ~~للانتفاع بها، فما ينبغي أن يكون تفاوتها إلا بالمنافع أكثرية وأهمية، ~~والحسن الصوري من المناظر النظرية، وغيره أهم منه، ففي النار منافع ~~كالإحراق والإيقاد والإنضاج والتسخين والتحليل والتعقيد والتعذيب لمن أريد ~~والتذكر ونحو ذلك، وفيها مفاسد كثيرة ومضار هائلة كالإحراق والإتلاف للنفوس ~~والأموال والزرع والتنشيف والتيبيس والإيلام والعذاب الأكبر، وحسبك منها ~~أنها ضرة الجنة وضدها حتى حصل بينهما من التقابل شبه ما بين النفع والضر، ~~والعذاب وإن اشتمل على غير النار لكن النار أعظمه، ولذا صح إطلاقها عليه. # PageV01P010 # وأما التراب فهو مهاد الإنسان وفراشه حيا، وكفاته ميتا، ثم هو منبع الماء ~~الذي به الحياة، ومنبت الزرع وجميع الأقوات للإنسان وغيره من الحيوانات، ~~ومنبت العقاقير التي بها الاستشفاء، والمعادن التي بها قوام العيش، والتي ~~بها التعامل، فمنافعه لا تحصى، وليس فيه من المفاسد والمضار إلا ما هو تافه ~~يضمحل في جنب المصالح والمنافع، فهذا هو الشرف والفضل، وقد ظهر ما في كل ~~منهما في فرعه، فانظر إلى فرع التراب الذي هو الرحمة والمنفعة وهو الإنسان ~~كيف ظهر فيه العلم والدين والرحمة، قال تعالى في نبيه صلى الله عليه وسلم:) ~~وكان بالمؤمنين رحيما (، وانظر إلى فرع النار التي هي النقمة والمضرة وهو ~~إبليس كيف ظهر فيه الإفساد والإغواء والاستفزاز، والأمر بيد الله على أن ~~الإنسان مخلوق من الاسطقسات الأربعة: التراب والماء والنار والهواء، قال ~~تعالى:) ... من تراب ... (وقال أيضا:) ... من طين ... (كما مر، وهو التراب ~~والماء، وقال تعالى أيضا:) ... من صلصال ... (وهو الطين اليابس لما فيه من ~~نارية، وقال أيضا:) ... من حمإ مسنون ... (وهو المتغير الرائحة بما تخلله ~~من الهواء فقد استولى الإنسان في تركيبه ما في النار، وزاد ما في غيره، ~~فافتخار صاحب النار على صاحب النار والماء والتراب والريح حمق عظيم. # وهذا المحل يسع من الكلام أكثر من هذا بكثير ولكنه ليس من غرضنا فلنرجع ~~إلى ما نحن فيه فنقول: إن ابن آدم متى افتخر قيل له: إن كان افتخارك بأصلك ~~فلا فخر لك بل كما يقال: ms020 ضعيف عاد بقرملة. # ثم لا فخر لك به على غيرك لأنكما سيان، وإن كان بمزية فهاتها، فمن ثبت له ~~أو لأبيه ثبت فخره بنفسه أو بنسبه وإلا فلا. # الثاني - اعلم أن ما أشرنا إليه من المزايا التي يتشرف بها الإنسان حتى ~~يشرف بشرفه من انتسب إليه كثيرة، منها دينية كالنبوءة وهي أجلها، وكالعلم ~~والصلاح ومكارم الأخلاق وغير ذلك، ودنيوية كالملك، وهو أعظمها، وكالنجدة ~~والكرم والقوة وكثرة العدد وكثرة المال والجمال ونحو ذلك وكثير منها يصلح ~~أن يكون دينيا ودنيويا كالقوة والعز والكرم وسائر مكارم الأخلاق، وبعضها ~~ديني ودنيوي معا كالنبوءة والخلافة والعلم، وبعض ذلك حسي، وبعضه معنوي، ~~وبعضه وجودي، وبعضه، وشرح ذلك يطول فلنقتصر القول مع تمثيل وتمهيد: أما ~~التمثيل فهو أنه لو اعتبر رجلان متساويان في الخلق والخلق والنسب وسائر ~~الأحوال فلا مزية لأحدهما على الآخر، وفي مثلهما قال علقمة بن علاثة ~~للمتنافرين: صرتما كركبتي البعير الآدم، ولو اختص أحدهما بالفقه فهذه مزية ~~وجودية يفضل بها الآخر، ولو اختص أحدهما بكونه ظلوما فهذه مزية مذمومة عند ~~أهل الشرع، وقد سلم منها الآخر، فله الفضل بمزية هي عدمية، وعند الجاهلية ~~بعكس هذا، ولذا تأتى لشاعرهم أن يهجو بقوله: # قبيلة لا يخفرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل # فقد فهمت المزية في الجملة. # وأما التمهيد فاعلم أن الأجرام الترابية وما توالد منها متشابهة في ~~الأصل، وكانت المزية للناميات الثلاثة، وهي المعدن والنبات والحيوان، أما ~~المعدن فله الفضل على سائر الأجرام الترابية بالنمو والنفاسة والانتفاع، ~~وأما النبات فله الفضل على ما قبله بالنمو والإثمار والانتفاع الخاص وجود ~~النفس النباتية، حتى أن المعدن جزؤه ككله، فينتفع بما يقطع منه، فهو في ذلك ~~كغير النامي بخلاف الشجرة لو اقتطعت منها قطعة لم ينتفع بها الانتفاع ~~المراد منها كالإثمار، فأشبهت الحيوان، وربما تموت بقطع رأسها كالنخلة، كما ~~يموت الحيوان. وقد ادعى بعض المتكلمين أن للنبات حياة، وزعموا أن النخلة ~~يتعشق بعضها ببعض فيميل إليه، وأما ميل عروقها إلى الماء فمشاهد، وزعموا ~~أنه إلى هذا المعنى ms021 الإشارة بالحديث: " أكرموا عمتكم النخلة " وهو حديث ~~غريب، والذي في الصحيح أنها مثل المسلم، واختلف المحدثون في وجه الشبه على ~~أقوال معروفة. وأما الحيوان فله الفضل بما ذكر مع زيادة الحياة والإحساس ~~والإلهام، ويختص الإنسان عن جملته بزيادة العقل الذي هو محط إدراك الكليات ~~والرأي والتصرف، فللإنسان الفضل على الجميع. # PageV01P011 # والإنسان لفظ واقع على آدم وعلى ذريته أبدا اسما للقدر المشترك فيه، وهو ~~الحيوان الناطق أي المتفكر بالقوة، والآدمي كله مشترك في هذه الفضيلة، ولذا ~~سخر له غيره، وابتلي هو بالتكليف بمعرفة الخالق تعالى وبعبادته، وهذه مزية ~~أخرى لجميعه، ولقد خصه الله تعالى في أرزاقه وفي خلقه وفي خلقه وفي لباسه ~~وركوبه وغير ذلك بكثير، قال تعالى:) ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر ~~والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا (وإنما قال ~~تعالى: " ... على كثير ... " لبقاء الملائكة على ما في ذلك من النزاع ~~المشهور بين الجمهور. # لطيفة: كان بعض المخارفين يقول: نحن معشر المحرومين لسنا من ولد آدم لأن ~~الله تعالى قد قال فيهم ما تقدم يعني الآية، وليس عندنا شيء من ذلك ويقول: ~~كان لآدم عبد فنحن جميعا من ولده، وليس بيننا وبين آدم نسب أصلا قلت: وهذا ~~دخل في أحاديث الخرافات والمضحكات الباطلة، والإنسان كله ابن آدم كما قال ~~صلى الله عليه وسلم: " أنتم بنو آدم ... " والآية صحيحة على الجملة وصحيحة ~~أيضا على التفصيل لأن كل آدمي ولو بلغ في حرمان الرزق والفقر المدقع ما عسى ~~أن يبلغ هو أفضل من سائر الحيوان ومن الجن بعقله وصورته الحسنة وانتصاب ~~قامته وأكله بيديه معا وسائر تصرفاته وتناوله من الطيبات التي لا تصل إليها ~~الحيوانات ومتمكن من الركوب في البر والبحر إلى غير ذلك، فهو مكرم أي ~~تكريم، ومفضل أي تفضيل. # ثم إن أفراد الإنسان متفاوتون فيما ذكر من مزية العقل كثرة وقلة تفاوتا ~~عظيما، وأعلاهم في ذلك الأنبياء ثم الصديقون ثم سائر الزاهدين في العرض ~~الفاني، وأما أقلهم عقلا فلا ينضبط وإن وقع التعبير عنه ms022 في كثير من كلام ~~الأنبياء والحكماء، فقد انتهى بعض الأفراد إلى مزاحمة البهائم وما يقع من ~~التعبير عنه يرجع إلى الإضافة. # ثم إن الله تعالى خص آدم وبنيه بمزايا أخرى دينية ودنيوية يمتاز بها ~~البعض عن البعض لا مشتركة كالأولى، أعلاها في الدينية النبوة ثم الخلافة ~~عنها في الظاهر أو الباطن أو فيهما أو في السياسة، وفي الدنيوية الملك ثم ~~النيابة عنه، ومنها القوة وكثرة المال وكثرة الإنفاق واصطناع الصنائع ~~وابتناء المآثر وكثرة العدد والفصاحة والصباحة ونحو ذلك من كل وصف محمود في ~~الدين أو في الدنيا، فمن حصل له شيء من ذلك حصل له شرف على قدره، وثبت ~~لولده عد ذلك في مفاخر أبيهم، وهو المراد بالحسب في لسان العرب، فكل واحد ~~عندهم حسبه هو ما يعد من مفاخر آبائه، فهو من الحساب، ومن ليس له ما يعد ~~فلا حسب له، فالخصلة الحميدة تكون مفخرة لمن اتصف بها ولمن انتسب إلى من ~~اتصف بها فيشرف نسبه بذلك. # إذا علم هذا فنقول: إن آدم أبا البشر على نبينا وعليه السلام قد حصل له ~~الشرف بالنبوءة وسائر الخصال الحميدة وبسجود الملائكة له وولادته للأنبياء ~~والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا كله من المزايا فجميع بنيه شرفهم ~~ومشروفهم ورشيدهم وغويهم يحصل لهم بالانتساب إليه شرف من هذا الوجه يفضلون ~~به غيرهم ممن ينتسب إلى جني أو بهيمة، فلا تظن أن دابة لكونها لم تعص الله ~~تعالى تكون أشرف من إنسان كافر أو فاسق إلا من هذا الوجه، وأما في النسب ~~والحسب والصورة وغيرها فهو أشرف منها، ولذا يوارى إن مات ولا توارى هي، غير ~~أن الافتخار بنسبة آدم قد تنوسي لطول العهد كما تنوسيت رحمه. # ومن أطرف ما وقع لسيدنا معاوية رضي الله عنه أن جاءه إنسان فقال له: ~~أسألك بالرحم التي بيني وبينك إلا ما رفدتني فقال: أنت من عبد مناف؟ قال: ~~لا. قال: أنت من قريش؟ قال: لا قال: أنت من العرب؟ قال: لا. قال: أي رحم ~~بيني وبينك؟ قال: رحم آدم ms023 فقال: رحم مجفوة لأكونن أول من وصلها، فأعطاه. # PageV01P012 # ثم يتمايزون بعد ذلك، فمن كان من ولد نوح عليه السلام فهو أفضل نسبا من ~~بقية ولد آدم لأن أولئك يعدون آدم وهؤلاء يعدون آدم ونوحا، فإن كل ما يعده ~~الأعلى يعده الأسفل ويزيد، فإن الأخص فيه ما في الأعم وزيادة، وهذا كما ~~يقال في الحكمة في الأجناس المتوسطة والسافلة والأنواع الحقيقية والفصول: ~~إن كل ما يتقدم به الأعلى يتقدم به الأسفل ويزيد، فالله تعالى قد قال:) إن ~~الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (فمن انتسب إلى ~~آدم ونوح فقد انتسب إلى مصطفين، ثم من كان من ولد إبراهيم بعد ذلك فهو أفضل ~~من بقية ولد نوح لأنه يعد آدم ونوحا وإبراهيم عليهم السلام، وإلى هذا أشار ~~صلى الله عليه وسلم بقوله حين قيل له: من أكرم الناس؟ " الكريم ابن الكريم ~~ابن الكريم ابن الكريم: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، نبي ابن نبي ~~ابن نبي ابن نبي " وكلامه صلى الله عليه وسلم موافق لقوله تعالى: " إن ~~أكرمكم عند الله أتقاكم ". فإن الأنبياء هم أتقى الناس لأنهم أعلم، وإنما ~~يخشى الله من عباده العلماء، فهم أكرم الناس، فمن انتسب إليهم كرم بنسبه ~~إليهم وإن لم يكن نبيا، فكيف إذا كان هو أيضا نبيا؟ فله الشرف الطارف ~~والتليد، كيوسف عليه السلام، فصدق نبينا صلى الله عليه وسلم. ثم أولاد ~~إبراهيم عليه السلام يتفاوتون في الشرف أيضا بقدر أنسابهم فمن ازداد بنبي ~~أو نبيين أو أكثر ازداد درجة في الشرف، فأما أولاد إسحاق بن إبراهيم عليهما ~~السلام فلهم الشرف في الجملة غير أن الأسباط أولاد يعقوب بن إسحاق لهم ~~الشرف الشامخ، والمجد الباذخ، فإنهم فازوا بثلاثة أنبياء على نسق، ثم جل ~~الأنبياء بعد ذلك فيهم، وقد قال الله تعالى لبني إسرائيل:) اذكروا نعمة ~~الله عليكم إذ جعل فيكم أنبياء وجعلكم ملوكا وآتاكم ما لم يؤت أحدا من ~~العالمين (وقال تعالى:) يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني ms024 ~~فضلتكم على العالمين (إلى غير ذلك، وأولاد العيص بن إسحاق لهم شرف دونهم، ~~ولم يكن فيهم نبي فيما يقال غير أيوب عليه السلام، وأما أولاد إسماعيل بن ~~إبراهيم فلهم الشرف بإبراهيم وإسماعيل أولا، ثم استكملوا الشرف آخرا بسيد ~~الوجود وسر الكائنات سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى الله ~~عليه وسلم إليه يساق حديث الشرف العد وباسمه يرسم عنوان صحيفة المجد، فيه ~~شرف من قبله كما به شرف من بعده، وقد كان آدم يكنى به تشريفا له بأشرف ~~أولاده فيقال: أبو محمد، وكما يشرف الولد بشرف الوالد قد يشرف الوالد بشرف ~~الولد، ولله در ابن الرومي في قوله: # وكم أب قد علا بابن ذرى حسب ... كما علت برسول الله عدنان # وسنزيد هذا بسطا إن شاء الله تعالى، فمن اتصل بالنبي صلى الله عليه وسلم ~~بعده وهم الفاطميون أشرف الناس نسبا لأن غيره كبني إسرائيل وإن عد بكثرة ~~الأنبياء فهو يعد بأشرف الأنبياء، والمنتسب إلى الأشرف يجب أن يكون أشرف، ~~وهذا باعتبار النسب فقط، أما من حصلت له النبوة من بني إسرائيل فهو أشرف ~~بذاته ممن ليس بنبي، إذ لا يعدل النبوءة إلا نبوءة أخرى. كما أن من كفر ~~منهم فقد اختل نسبه، واضمحل حسبه، بالإضافة إلى من لم يكفر منهم، أما لو ~~قيس هذا الكافر إلى كافر آخر قبطي أو نوبي أو نحوهما فالواجب أن يكون هذا ~~أشرف نسبا، ولو قيس إلى مؤمن من هؤلاء لتعارض الوجهان، ولكن الإسلام يعلو ~~ولا يعلى عليه، وفي السيرة: قال المسلمون: هذا أبو سفيان وسهيل، وكان أبو ~~سفيان لما يسلم، وقدموه لشرفه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " هذا سهيل ~~وأبو سفيان، الإسلام يعلو ولا يعلى عليه " فانتبه لهذا الفصل فإني رمزته ~~ولم أبسطه لأن بعضه موحش لمن لا فهم له. # PageV01P013 # وإذا علم تفضيل النسب والحسب في باب النبوءة فهم في غيرها كذلك كالعلم ~~والصلاح والهداية والزهد والورع والملك والنجدة والجود وغير ذلك من كل ما ~~يحتسب به ويصير به من عرف ms025 به عينا من أعيان عشيرته أو قبيلته أو عمارته أو ~~بلده أو جيله ويشرف به من انتسب إليه، ولم يخل الله تعالى قوما من سيد " ~~كما لم يخل هجمة من فحل، وبسادة الناس " تنتظم أمورهم، فهم خلفاء الله في ~~عباده بالحكم التصريفي، ولذلك إذا فقدوا أو فقدت الأهلية منهم اختل الأمر ~~كما قال الشاعر: # لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا # الثالث: الإنسان قد يفتخر بنسبه على ما مر، وقد يفتخر بنفسه أي بالخصال ~~التي اتصف بها والدرجات التي نالها من الدين والدنيا، والأول هو الفخر " ~~العظامي لأنه افتخار بالعظام والرفات، والثاني هو الفخر " العصامي. وهو ~~مأخوذ من عصام صاحب النعمان، وكان يقول: # نفس عصام سودت عصاما # وعلمته الكر والإقداما # فكل ما جاءه السؤدد من تلقاء نفسه فهو مثل عصام هذا، ففخره عصامي. # والناس لم يزالوا مختلفين في هذا المنحى فقوم يعتنون في افتخارهم أو ~~ثنائهم بذكر الآباء كقوله: # أنا ابن مزيقيا عمرو وجدي ... أبوه منذر ماء السماء # وقول النابغة: وهو قائلها في مدح عمرو بن الحارث الأصغر بن الحارث الأعرج ~~بن الحارث الأكبر بن أبي شمر الغساني، والبيتان فسرهما ابن السكيت فقال: " ~~يقول: لئن كان عمرو ابن هذين الرجلين المقبورين في هذين الموضعين ليمضي ~~أمره وليمسن من حاربه بشر، وليلتمسه حيثما كان ". # لئن كان للقبرين قبر بجلق ... وقبر بصيداء الذي عنده حارب # وللحارث الجفني سيد قومه ... ليبتغين بالجيش دار المحارب # وقول حسان رضي الله عنه: # أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل # وقول العرجي العثماني: # أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر # كأني لم أكن فيهم وسيطا ... ولم تك نسبتي في آل عمرو # وقال الفرزدق: # أولئك آبائي فجئني بمثلهم ... إذا جمعتنا يا جرير المجامع # وقال النابغة لحسان رضي الله عنه حين أنشد: # لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دمما # ولدنا بني العنقاء وابن محرق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما # إنك شاعر لولا أنك قلت: الجفنات فقللت ms026 العدد، ولو قلت: الجفان كان أبلغ، ~~وقلت: يلمعن بالضحى ولو قلت: يشرقن بالدجى كان أبلغ، وقلت: يقطرن من نجدة ~~ولو قلت: يجرين كان أبلغ، ثم افتخرت بمن ولدت ولم تفخر بمن ولدك، فهذا مذهب ~~العرب وهو الافتخار بالآباء، ولذا نبه عليه النبي صلى الله عليه وسلم وكرهه ~~كما مر. # وقوم يفتخرون بأنفسهم، وهذا الوجه كثير أيضا جدا، لأنه طبع الآدمي لا ~~يكاد يسلم منه ولا يحصى ما فيه من كلام الناس نظما ونثرا ولا حاجة إلى ~~التطويل. # ومن أفصح ما ورد في هذا النحو قول السموأل في لاميته المشهورة منها: # إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل رداء يرتديه جميل # وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل # تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها: إن الكرام قليل # وما ضر من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلا وكهول # تسيل على حد الظبات نفوسنا ... وليست على غير السيوف تسيل # وإنا لقوم ما نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول # إلى أن قال: # وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول # سلي إن جهلت الناس عنا وعنهم ... وليس سواء عالم وجهول # فإن بيني الديان قطب لقومهم ... تدور رحاهم حولهم وتجول # ومثل هذا النمط من الكلام فيه افتخار بالنفس وبالآباء أيضا لأن المقصود ~~أنهم على هذا الوصف كابرا عن كابر وقول الفرزدق: # أنا الذائد الحامي الذمار وإنما ... يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي # وغير ذلك. ثم كثير من الناس لا يلتفتون إلى النسب ولا يقيمون للمفتخر به ~~وزنا كما قال الحريري: # لعمرك ما الإنسان إلا ابن يومه ... على ما بدا من حاله لا ابن أمسه # PageV01P014 # وما الفخر بالعظم الرميم وإنما ... فخار الذي يبغي الفخار بنفسه # وقال الآخر: # كن ابن من شئت واتخذ أدبا ... يغنيك محمدة عن النسب # إن الفتى من يقول: هأنذا ... ليس الفتى من يقول: كان أبي # إلى غير ذلك مما لا ينحصر. # والحق أن كرم النسب فضيلة قال تعالى:) وكان أبوهما صالحا (وقال ms027 صلى الله ~~عليه وسلم في بنت حاتم: " إن أباها كان يحب مكارم الأخلاق ". ووصف الإنسان ~~وسعيه هو الشأن، والنسب زيادة، فإلغاء النسب رأسا جور، والاقتصار عليه عجز، ~~والصواب ما قال عامر بن الطفيل: # وإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفي السر منها والصريح المهذب # فما سودتني عامر من وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكبي # فقوله: " وإن كنت ابن سيد عامر " تعريض بالنسب وإعلام بمكانته منه، ~~وقوله: " أبى الله أن أسمو بأم ولا أب أي فقط دون شيء يكون مني ليوافق ما ~~قبله فمراده أني لا أكتفي بالنسب وأخلو عن استحصال الحمد وابتناء المجد. # ومثله: # لسنا وإن أحسابنا كرمت ... يوما على الأحساب نتكل # نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا # وقال الآخر: # أنا الفارس الحامي حقيقة وائل ... كما كان يحمي عن حقائقها أبي # وقال زهير: # وما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل # وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل # وقال الملك الراضي من ملوك بني العباس: # لا تعذلي كرمي على الإسراف ... ربح المحامد متجر الأشراف # أجري كآبائي الخلائف سابقا ... وأشيد ما قد أسست أسلافي # إني من القوم الذين أكفهم ... معتادة الإخلاف والإتلاف # فهذا وأبيك الفخر العلي البنيان، المتأسس الأركان. # واعلم أن الناس في هذا الباب ثلاثة: رجل كان أصيلا ثم قام هو أيضا يشيد ~~بنيانه ويحوط بستانه، كالذي قبله، فهذا أكرم الناس وأولاهم بكل مفخر، وفيه ~~كان قوله صلى الله عليه وسلم: " الكريم ابن الكريم " كما مر، والذروة ~~العليا في هذا الصنف هو نبينا صلى الله عليه وسلم، فإنه كان أصيلا بحسب ~~النبوءة من عهد إبراهيم وإسماعيل، ثم لم تزل أسلافه في شرف وسؤدد، ومجد ~~مخلد، معروفا ذلك لهم عند الناس، وأنهم أهل الحرم، وجيران الله، وسدنة ~~بيته، مع إكرام الضيف، وإعمال السيف، وغير ذلك من المفاخر العظام، والمآثر ~~الجسام، وقد اختصهم الله بين العرب بالاحترام والتوقير، وجعل لهم رحلة ~~الشتاء والصيف ms028 آمنين لا يعرض لهم لص ولا مغير، فأطعمهم من جوع وآمنهم من ~~خوف كما أخبر به تعالى في كتابه، وذكر ذلك بعض بني أسد فقال: # زعمتهم أن اخوتكم قريش ... لهم إلف وليس لكم إلاف # أولئك آمنوا جوعا وخوفا ... وقد جاعت بنو أسد وخافوا # أي أخطأتم في هذا الزعم، لأنكم لستم مثلهم، وقولهم: إلاف مصدر على فعال، ~~يقال آلفته مؤالفة وإلافا وتآلفا، وليس من آلفته الشيء إيلافا كالذي في ~~القرآن. # ثم لما جاء المصطفى صلى الله عليه وسلم رد بدر شرفهم فجرا، وجدول كرمتهم ~~بحرا، بل جعلهم قرار كل مجد، ومركز كل حمد، وقد أكمل به الله تعالى الدين، ~~فكذلك أكمل به سائر المحامد والمحاسن، قال صلى الله عليه وسلم: " بعثت ~~لأتمم مكارم الأخلاق " وهو صلى الله عليه وسلم لبنة التمام، فشرفت به قريش ~~خصوصا والملة كلها عموما صلى الله عليه وسلم، ومجد وعظم، وقد بين صلى الله ~~عليه وسلم هذا كله مع الإشارة إلى التدريج السابق بقوله: " إن الله اصطفى ~~من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني ~~كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم ". # ورجل لا أصل له ينتمي إليه، ولا حسب يعرج عليه، ولكن انتهض في اقتناء ~~المآثر، واقتناص المفاخر، حتى اشتهر بمحاسن الخلال، وصار في عداد أهل ~~الكمال، وأنشد لسان حاله فقال: # وبنفسي شرفت لا جدودي # فهذا أحرى أن يشرف بوصفه وحاله، وأن يشرف به من بعده، وأن يكون هو أساس ~~بيته، وعرق شجرته. # PageV01P015 # وكان بعض الملوك استدعى رجل ليستوزره، فقال له الرجل: أيها الملك إنه ليس ~~لي في هذا سلف، فقال له الملك: إني أريد أن أجعلك سلفا لغيرك، وأصاب هذا ~~الملك، فإنه لو توقف كل بيت على بيت قبله لكان من التسلسل الباطل، فالله ~~تعالى يخرج الحي من الميت ويحيي الأرض بعد موتها، ذلك تقدير العزيز العليم، ~~فلم يزل الشرف يتجدد ويحدث بالعلم والولاية والجود وسائر الأوصاف. # وقد ارتفع الوضعاء بالشعر كما اتضع الرفعاء به، ولذا ms029 قال صلى الله عليه ~~وسلم: " إن من الشعر لحكمة " وفي رواية: " لحكما ". # فمن الأول: المحلق وهو عبد العزيز بن حنتم الكلابي، وكان رجلا خاملا مقلا ~~من المال، فلما مر به الأعشى ذاهبا إلى سوق عكاظ قالت له أمه: إن أبا بصير ~~رجل مجدود في شعره، وأنت رجل خامل مقل، ولك بنات، فلو سبقت إليه وأكرمته ~~رجونا أن يكون لك منه خير، فبادر إليه وأنزله ونحر له وسقاه الخمر، فلما ~~أخذت منه الخمر اشتكى له حاله وحال بناته، فقال له ستكفي أمرهن، فلما أصبح ~~قصد إلى السوق فأنشد قصيدته التي أولها: # أرقت وما هذا السهاد المؤرق ... وما بي من سقم وما بي معشق # إلى أن انتهى فيها إلى قوله في المحلق: # نفى الذم عن آل المحلق جفنة ... كجابية السيح العراقي تفهق # ترى القوم فيها شارعين وبينهم ... مع القوم ولدان مع الناس دردق # لعمري لقد لاحت عيون كثيرة ... إلى ضوء نار في يفاع تحرق # تشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق # وضيعي لبان ثدي أم تحالفا ... بأسحم داج عوض لا نتفرق # ترى الجود يجري سائرا فوق جمره ... كما زان متن الهندواني رونق # فما أتم القصيدة إلا والناس يسعون إلى المحلق يهنونه، والأشراف يتسابقون ~~إلى بناته، فما باتت واحدة منهن إلا في عصمة رجل أفضل من أبيها بكثير. # ومن ذلك بنو أنف الناقة، كانوا يتأذون بهذا الاسم ويكرهون ذكره، حتى تعرض ~~بعضهم للحطيئة فأكرمه فمدحهم، وقلب الاسم مدحا، وفي ذلك يقول: # سيري أمام فإن الأكثرين حصا ... والأكرمين إذا ما ينسبون أبا # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شاءوا العناج وشدوا فوقه الكربا # أولئك الأنف والأذناب غيرهم ... ومن يسوي بأنف الناقة الذنبا # فصاروا يفتخرون به ويتبجحون بذكره، فهذا كله شرف متجدد بسبب من الأسباب، ~~وقد يزداد الشريف شرفا بذلك كما وقع لهرم بن سنان المري فإنه كان من سادات ~~قومه، ولكن أخوه خارجة بن سنان أسود منه وأشهر، فلما وقع لزهير من المدائح ~~ما وقع في هرم ازداد شرفا وشهرة حتى فاق أخاه في ms030 ذلك، بل لا يكاد اليوم ~~أخوه يذكر، إلى غير هذا مما يكثر. # ومن الثاني بنو نمير، كانوا من جمرات العرب المستغنين بقوتهم وعددهم عن ~~طلب حلف، وكانوا يفتخرون بهذا الاسم ويمدون به أصواتهم إذا سئلوا، إلى أن ~~هجا جرير عبيد بن حصين الراعي منهم بقصيدته التي يقول فيها مخاطبا له: # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا # ولو وضعت شيوخ بني نمير ... على الميزان ما عدلت ذبابا # فسقطوا ولم يرفعوا بعد ذلك رأسا، حتى كانوا لا يتسمون بهذا الاسم، فإذا ~~قيل للواحد منهم من أنت؟ قال: عامري. # ومن أظرف ما وقع في ذلك أن امرأة مرت بقوم منهم فجعلوا ينظرون إليها ~~ويتواصفونها، فالتفتت إليهم وقالت: قبحكم الله بني نمير، ما امتثلتم أمر ~~الله إذ يقول:) قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم (ولا قول جرير إذ يقول: # فغض الطرف إنك من نمير # ومن ذلك بنو العجلان، كانوا يتفاخرون بهذا الاسم لأن جدهم إنما قيل له ~~العجلان لتعجيله القرى للضيفان حتى هجاهم النجاشي فقلب الاسم ذما، وفي ذلك ~~يقول: # قبيلة لا يخفرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل # ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل # تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ... وتأكل من كعب بن عوف ونهشل # وما سمي العجلان إلا لقولهم ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل # PageV01P016 # فتنكروا من هذا الاسم، وجعل الواحد منهم إذا سئل يقول: كعبي مخافة أن ~~يسخر منه ولهم معه في ذلك قصة مشهورة بين يد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه. # ثم قد يفيض شرف الإنسان حتى يستطيل على من قبله من سلفه فتحيا رسومهم ~~بعدما كانت دائرة، وتعمر ربوعهم بعدما كانت غامرة، والذروة العليا أيضا ~~فيمن عاد شرفه على من قبله هو نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما مر شرحه. # وقد أشار إليه ابن الرومي بقوله: # قالوا: أبو الصقر من شيبان قلت لهم ... كلا لعمري ولكن منه شيبان # تسمو الرجال بآباء وآونة ... تسمو الرجال بأبناء وتزدان # وكم أب ms031 قد علا بابن ذرى حسب ... كما علت برسول الله عدنان # وادعى هذا الوصف أبو الطيب فقال: # ما بقومي شرفت بل شرفوا بي ... وبنفسي افتخرت لا بحدودي # أما شرفه هو في بابه فلا ينكر، وأما شرف قومه به فالشعر أعذبه أكذبه، ~~وإلا فالحكم على الشيء فرع تصوره، نعم، كان من عادة العرب أنه إذا نبغ شاعر ~~في قوم اعتزوا به، واحتموا عن الشعراء، فلو تحقق لأبي الطيب قوم لكانوا ~~كذلك. # ورجل له أصل وقديم شرف ثم لم يبنه ولم يجدده، وهو إما أن تخفى عوامله فلم ~~يبن ولم يهدم، مع أنه بالحقيقة من لم يكن في زيادة فهو في نقصان، والمراد ~~أن يرجع إلى غمار الناس فلا يحدد المآثر، ولا يخرج إلى المعايب، فهذا لا ~~فضيلة له إلا مجرد النسب والفخر العظامي كما مر، وإما أن يهدمه بملابسة ضد ~~ما كان أولا، فهذا بمنزلة من هدم الدار ثم حفر البقعة أيضا فأفسدها، فهذا ~~مذموم بما جنى على نفسه وبما جنى على حسبه ونسبه والذروة العليا في هذا ~~الصنف اليهود والنصارى ونحوهم، فقد هدموا أنسابهم وأحسابهم بشر الخصال، وهو ~~الكفر، نسأل الله العافية. # ومن هذا النمط من يخلف آباءه الصالحين بالفسق وكثرة الرغبة في الدنيا ~~والكبر والدعوى وغير ذلك من القبائح كما هو شأن كثير من أولاد الصالحين في ~~زماننا نسأل الله العافية، وفي هذا الصنف قيل: # لئن فخرت بآباء لهم شرف ... لقد فخرت ولكن بئس ما ولدوا # وقال لبيد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب # وقال الآخر: # ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر # وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليست معور عن معور # الرابع - قد يقال فيما ذكرناه من النسب: إنه من النسب الطويل وهو عيب ~~ويذم بضده وهو النسب القصير قال الشاعر: # أنتم بنو القصير، وطولكم ... باد على الكبراء والأشراف # والنسب القصير هو أن يقول: أنا فلان ابن فلان، فيعرف لكون أبيه أو جده ~~الأدنى من الأعيان، والطويل هو ألا يعرف إلى رأس القبيلة. ms032 # والجواب أولا أننا لم نذكر النسب افتخارا حتى يعرض على هذا المقياس، ~~وإنما ذكرناه لاحتياج إليه في المصالح الدينية والدنيوية عند أهله وثانيا ~~أن كون الإنسان من الأعيان أمر إضافي كما مر أنه قد يكون من أعيان عشيرته ~~أو قومه وهو الأغلب، وقد يكون من أعيان عمارته أو إقليمه أو جيله، وهو عزيز ~~الوجود، ولا شك أن شرف الإنسان واشتهاره باعتبار عشيرته أو قومه إنما يعرف ~~فيهم ولا يضيره ألا يعرفه غيرهم، لأن سادات العرب لا يعرفهم العجم، ولا ~~العكس، وكذا فيما بين العرب غالبا، وقال الشاعر: # طويل النجاد رفيع العما ... د ساد عشيرته أمردا # وقال الآخر: # ليس العبي بسيد في قومه ... لكن سيد قومه المتغابي # ولم يخرج عن هذه الإضافة الملوك كما قال النابغة: # وللحارث الجفني سيد قومه ... ليبتغين بالجيش دار المحارب # وقالت هند بنت عتبة رضي الله عنها لمن قال لها في ابنها معاوية رضي الله ~~عنه: أرجو أن يسود قومه: ثكلته إن كان لا يسود إلا قومه، وذلك أنها سمعت ~~قبل ذلك من الكهان أنها تلد ملكا اسمه معاوية في قصة مشهورة. # إذا تقرر هذا فالمنتسب معروف النسب قصيره، بحمد الله في قومه، وهو من ~~صميمهم، وإنما رفعه ليعرف على ما تشعب عنه من الفصائل والبطون، وليعرف ~~انقطاعه عند دخول القرى وغير ذلك من الفوائد التي مرت. # وأما ذكري لما مر من الكنى فلجريانها على ألسنة فضلاء مع التفاؤل ورجاء ~~تحقق ما له معنى منها. # PageV01P017 # أما أبو علي، وهو كنية الحسن المشهورة، فكناني بها شيخ الإسلام الإمام ~~الهمام أستاذنا وقدوتنا أبو عبد الله سيدي محمد بن ناصر الدرعي رضي الله ~~عنه وعنا به. # وكنت وردت عليه في أعوام الستين والألف بقصد أخذ العلم، فامتدحته بقصيدة ~~قدمتها بين يدي نجواني، فانبسط إلي بحمد الله، وافتتحنا بكتاب التسهيل فلما ~~قرأنا الخطبة دخل مسرورا فكتب إلي: # أبا علي جزيت الخير والنعما ... ونلت كل المنى من ربنا قسما # يا مرحبا بك كل الرحب لا برحت ... قرائح الفكر منك تجني حكما # ولم ms033 أزل بحمد الله أتعرف بركة دعائه وإقبال قلبه إلى الآن، نسأل الله ~~تعالى أن لا يزايلنا فضله ورحمته حتى نلقاه آمين. # وقال ابن عمنا الفاضل البارع أبو سعيد عثمان بن علي اليوسي رحمه الله من ~~أبيات: # نمسي عشية قيل مر أبو علي ... مثل الرياح إذا تمر بأثأب # ولم يزل الشيخ رضي الله عنه يأمرني بذلك إلى أن توفاه الله في رسائله ~~ومخاطبته وعند ذكري. # وأما البواقي فكناني بها فضلاء من الإخوان في رسائلهم: ونحوت في ذلك منحى ~~السيد خير النساج وكان اسمه محمد بن إسماعيل، فلما وقعت عليه المحنة وألقي ~~عليه شبه خير مملوك لرجل نساج فقبض عليه وأدخله ينسج ويخاطبه بهذا الاسم، ~~فلما كشفت عنه المحنة وخرج ترك هذا لاسم على نفسه، فقيل له: ألا ترجع إلى ~~اسمك؟ فقال: ما كنت لأغير أو لأترك اسما سماني به رجل مسلم. # واعلم أن لهذا السيد في التزام هذا الاسم المذكور أوجها منها: أنه تسليم ~~لأنه شاهد فعل الله تعالى، فلما ألقى الله تعالى عليه الاسم لم يبق له ~~اختيار في التعرض له. # ومنها: أنه يستشعر من مولاه تعالى أنه أدبه بجعله عبدا مملوكا وتسميته ~~باسمه، وضربة المحبوب تستلذ. ومنها: أنه يتذكر العبودية وذلتها، وهذه ~~الطائفة قد صارت الذلة شرابهم ونعيمهم. # ومنها: أنه يذكر به العقوبة فيذكر الهفوة ليتحرر منها. # ومنها: أنه يبقى عليه الاسم ليبقى عليه ذكر الهفوة والعقوبة هضما لنفسه ~~وإرغاما لها. # ومنها: التفاؤل بهذا اللفظ فإنه على أصله، وهو ضد الشر، وعلى أنه مخفف من ~~التشديد فهو ذو الخير، وكيف أترك أنا كنية كناني به رجل من أفاضل المسلمين ~~ولا سيما إن تضمنت معنى حسنا. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | رؤيا والد المؤلف ودعوة أستاذه # ولما كان القصد في هذا الموضوع إلى ذكر المحاضرات بنوادر الفوائد مما ~~اتفق لي خصوصا أو لغيري عموما وجب أن ينخرط في سلك ذلك ما وقع في شأني حال ~~الولادة لأنه أول الرحلة إلى هذه الدار مع ما انضاف إليه مما يكون له ms034 ~~مصداقا أو يرجى خيره ويذكر على وجه التبرك والتفاؤل أو التحدث بالنعم، وفيه ~~مسرة المحب ومساءة البغيض فأقول: إني أرجو أن أكون إن شاء الله تعالى رؤيا ~~والدي ودعوة أستاذي؛ أما رؤيا الوالد فاعلم أن أبي مع كونه رجلا أميا كان ~~رجلا متدينا مخالطا لأهل الخير محبا للصالحين زوارا لهم، وكان أعطي الرؤيا ~~الصادقة وأعطي عبارتها، فيرى الرؤيا ويعبرها لنفسه، فتجيء كفلق الصبح، وكان ~~مما رأى وتواتر الحديث به عنه في العشيرة رحمه الله أن قال: رأيت عيني ماء ~~إحداهما لي، والآخر لعلي بن عثمان، وهو والد ابن عمنا الأديب البارع أبي ~~سعيد عثمان بن علي رحمه الله، غير أن عين علي كنا نسقي بها في بلدنا وعيني ~~خرجت إلى ناحية أخرى. # وزعموا أنه قال: وكانت العين التي هي لي أقوى ماء وأكثر فيضا ثم فسر ذلك ~~بمولودين ينتفع بهما. # PageV01P018 # فولد أبو سعيد المذكور فانتفع ونفع حتى مات رحمه الله، وظهر أنه العين ~~المذكورة لأبيه، وولدت أنا أيضا، وقد كان لي أخوان أسن مني فماتا أميين ~~رحمهما الله، فأرجو أن أكون تلك العين، وقد اتفق خروجي عن البلد كما قال ~~رحمه الله، وكنت بعد ذلك حين ارتحلت في طلب العلم إلى ناحية السوس الأقصى ~~غيبت عن الوالد رحمه الله أعواما لا يدري أين أنا؟ فلما قفلت حدثني رحمه ~~الله فقال: لما ضقنا من غيبتك رأيت كأن الناس يتجارون خلف فرس أشقر ~~ليقبضوه، فجئت إليه أنا فأمسكته بلجامه، فلما استيقظت قلت للناس: إن الحسن ~~ابني سيأتي وأجتمع به فكان ذلك، والفرس الأشهب عند المعبرين اشتهار بشرف ~~وذكر، وقد حصل لي ذلك بحمد الله، نسأل الله سبحانه أن يكمل ذلك لنا وله ~~ولسائر الأحباب بالفوز يوم الحشر والرضوان الأكبر، بجاه نبيه المصطفى ~~المبعوث إلى الأسود والأحمر، صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه المجلين في ~~كل مفخر. # وأما دعوة أستاذي، وهو شيخ الإسلام، وعلم الأعلام، أبو عبد الله سيدي ~~محمد بن ناصر، رحمه الله تعالى ورضي عنه، فهي تلك بعينها، وكان من ms035 حديثي ~~معه في ذلك أنه لما تهيأ للتشريق في حجته الثانية أرسل إلي في حاجة أقضيها ~~له مما يتعلق بسفره ذلك، وأنا إذ ذاك بالزاوية البكرية، فقضيت ذلك بحمد ~~الله وسافرت به إليه حتى بلغته، فلقيني بترحيب، ورأيت منه بحمد الله إقبالا ~~خارجا عن المعتاد حتى إنه متى ذكرت ذلك إلى اليوم يغشاني خجل وإشفاق على ~~نفسي، وأقمت معه حتى شيعته لوجهته إلى أن جاوزنا سجلماسة بمرحلة، فرجعت إلى ~~داري، ولما كنت ببعض الطريق ألهمت الدعاء له فاتخذت الدعاء له بعد أوراد ~~الصبح وردا، فلما قفل من الحج ذهبنا إليه لنسلم عليه، فخلوت به يوما وجعلت ~~أطلب منه وأطلب، فقال لي رحمه الله: أما الدعاء فإني في سفرتي هذه ما دخلت ~~مقاما ولا مزارة، ولا توجهت إلى الدعاء لأحد إلا جاء بك الله تعالى في ~~لساني أولا، ثم لا أدعو لك إلا بهذا الدعاء: اللهم اجعله عينا يستقي منها ~~أهل المشرق وأهل المغرب، قال: حتى كنت أتعجب في نفسي وأقول: سبحان الله! ~~بماذا استحق هذا الرجل هذا؟ ولمل صنفت القصيدة الدالية في مدحه وتهنئته ~~بالحج أدخلها إليه ولده الفقيه الناسك الفاضل أبو محمد عبد الله بن محمد ~~فخرج إلي وقال: يقول لك الشيخ: جعلك الله عينا يستقي منها أهل المشرق وأهل ~~المغرب، وشمسا يستضيء بها أهل المشرق وأهل المغرب، وهذا اللفظ يحتمل الدعاء ~~والخير، نسأل الله تعالى أن يحقق لنا نحن وللمسلمين ذلك آمين. # ومن هذا ما كلمه جماعة من فقراء العرب وأنا حاضر معهم فقال لهم يشير إلي ~~هذا شمسكم، هذا ضوءكم، وهذا كله أصرح مما حكى تاج الدين بن عطاء الله عن ~~شيخه القطب العارف أبي العباس المرسي رضي الله عنهما قال: جاء الشيخ مرة من ~~سفر، فلقيناه فدعا لي وقال: فعل الله لك وفعل، وبهاك بين خلقه قال: ففهمت ~~يعني من قوله وبهاك بين خلقه أني مراد بالظهور إلى الخلق. # وأعلم أن مواطأة دعوة الشيخ رضي الله عنه لرؤيا الوالد، مع كونه لم يحضر ~~لذلك ولم ينقل ms036 إليه، من عجيب الاتفاق. قد ذكرت هنا ما وقع في الحديث عن ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنهم قالوا له: يا رسول الله عليه أخبرنا ~~عنك فقال لهم: " أنا دعوة أبي إبراهيم عليه السلام، ورؤيا أمي ". # تنبه أيها الناظر، فإياك أن يختلج بفهمك، أو يخطر بوهمك، أني أنزع بهذه ~~الحكاية قصدا إلى المحاكاة، معاذ الله، فإن درجات الأنبياء لا تنبغي ~~لغيرهم، ولا يصل أحد إلى مزاحمتها، فكيف بسيد الأنبياء؟ صلوات الله وسلامه ~~عليه وعليهم أجمعين وعلى آله وعلى آل كل ثم إياك أيضا أن تتوهم أن لا نسبة ~~ولا نسب ولا شبهة ولا شبه فتقع في الغلو من الطرف الآخر، وقد قال صلى الله ~~عليه وسلم " خير الأمور أوسطها " ولا بد لهذا من تقرير فنقول: # PageV01P019 # إن الله جل اسمه، وهو الذي لا مثل له ولا نظير، ولا شبه ولا وزير، قد شرع ~~لعباده التعلق بأسمائه الحسنى، ثم شرع لهم أيضا التخلق بها في الجملة حتى ~~إذا علمنا مثلا أن الله تعالى حليم انتهض العبد في التحلي بالحلم فيكون ~~حليما، كذا إذا علمنا أنه تعالى عليم أو وهاب أو صبور أو شكور انتهض العبد ~~في الاتصاف بالعلم وبالجود وهكذا حتى يكون عليما وهابا ومعلوم أن حلم العبد ~~ليس كحلم الله وهكذا، ولكن له به نسبة هي توجب قرب العبد من الله تعالى في ~~المعنى ومن هذا حديث " خلق الله آدم على صورته " أي خلقه حيا عالما قديرا، ~~وليس كالجمادات والحيوانات العجماوات، وبهذا تأهل لأن يكون عبد الحضرة ~~دونها. # ثم إن العباد المختارين يرضون لرضى الله، ويغضبون لغضبه، ويشتدون لأجله، ~~ويلينون لأجله، وهكذا في سائر الأحوال والأفعال، قال تعالى في أصحابه صلى ~~الله عليه وسلم ورضي عنهم:) أشداء على الكفار رحماء بينهم (وقال أيضا:) ~~أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين (وهو مسايرة ومشايعة في الأفعال ~~والأحوال، وذلك شأن عبيد الملك، وإذا كان هذا في حق الله تعالى ففي حق ~~الأنبياء أقرب وأيسر، فلا إشكال في صحة تعاطي أوصافهم وأخلاقهم وأفعالهم ~~وسائر ms037 أحوالهم وإن لم تكن في ذلك مشابهة ولا مزاحمة للنبوءة، بل اتباع ~~واقتباس وشبه توجب لصاحبها أيضا القرب منهم، ولهذا قيل في الوارث: إنه من ~~كان على قدم النبي صلى الله عليه وسلم أي متحققا في الاقتداء به قولا وفعلا ~~وحالا، وقال صلى الله عليه وسلم: " الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من ~~ستة وترجمة ابن الجوزي أربعين جزءا من النبوءة " فقد علم من لفظ الحديث أن ~~الرؤيا الواقعة من غير النبي لعموم لفظ الصالح قد أخذت بنسبة من النبوءة، ~~فهي منها غير أنه لقلة النسبة لا تقع بها مزاحمة، وقال الشيخ أبو يزيد رضي ~~الله عنه: مثل ما أعطي الأنبياء مثل زق مملوء ماء أو عسلا، ومثال ما أعطي ~~الأولياء كلهم مثال قطرات تقطر من ذلك الزق، فانظر في هذا المثال فإن ~~القطرات هي من ماهية ما في الزق قطعا، ولكنها لقلتها جدا لا تقع بها ~~مزاحمة، ولم يزل أهل الدين من العلماء العاملين والمجاهدين السالكين ~~والواصلين العارفين يأخذون أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم من أحوال الأنبياء ~~عموما وحال نبينا صلى الله عليه وسلم خصوصا، وهذا هو الشأن كله. # وقد يقع لهم مما هو في معنى الاقتباس والإشارة والتمثيل ما يزيد على هذا ~~كما قال الشيخ أبو مدين رضي الله عنه لأبي عمران موسى ابن يدراسن الحلاج ~~حين توجه إليه: " فإن أمن العرب " فأنت موسى وأنا شعيب، وإن موسى لما بلغ ~~شعيبا أمن. # ومن هذا ما وقع له رضي الله عنه في القرآن وقد دخل عليه رجل من أهل ~~الإنكار والمصحف بين يديه فقال للرجل: ارفع المصحف وافتحه وانظر إلى أول ~~ورقة منه فإذا فيها:) الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين (. # ومن هذا النمط كان رضي الله عنه يقول: لا يكون المريد مريدا حتى يجد في ~~القرآن كل ما يريد. # وقال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه في شأن ابن عطاء الله الفقيه ~~جد الشيخ تاج الدين: إن النبي صلى الله عليه وسلم يوم ثقيف جاءه ملك الجبال ~~فقال له: ms038 ما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال صلى الله عليه وسلم: ~~بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله ولا يشرك به شيئا، قال فكذلك ~~صبرنا لجد هذا الفقيه لأجل هذا الفقيه يعني تاج الدين إلى غير هذا مما ~~يكثر. # فما وقع من الحكاية بعد أن يكون قصد به اقتباس وضرب من المناسبة يكون كل ~~شيء مما مر، وإلا فهو استطراد للعلم وتذكير بفائدة، وقد يقال على أنه مما ~~مر، فأين منزلتك أي هذا المتشبع بما لم يعط من درجات الشيخين المذكورين ~~ونحوهما حتى يصح منك ما صح منهم؟ فنقول: إذا انفصلنا من جانب النبوءة بخير ~~فقد خرجنا عن مضيق الممتنع إلى فضاء لجائز، وهو رحب، ومن تشبه بقوم فهو ~~منهم كما قيل: # لم أكن للوصال أهلا ولكن ... أنتم بالوصال أطعمتموني # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | تقلبات الدهر # PageV01P020 # كان الشيخ الصالح أبو محمد الحسين بن أبي بكر رحمه الله ينشدنا كثيرا ~~تحريضا على جميل الصبر، وتعريفا بتقلبات الدهر، ونحن إذ ذاك صبيان قول ~~الشاعر: # ثمانية تجري على الناس كلهم ... ولا بد للإنسان يلقى الثمانيه # سرور وحزن واجتماع وفرقة ... ويسر وعسر ثم سقم وعافيه # ونحو قول أبي الطيب: # على ذا مضى الناس اجتماع وفرقة ... وميت ومولود وقال ووامق # فهذه أحوال تعرض لابن آدم على التوارد، لا يسلم منها في الجملة، ولا ~~تنحصر لبقاء العز والذل والقوة والضعف والحركة والسكون، وغير ذلك مما لا ~~يحصى، وكثير منها يصلح رده إلى ما ذكر بضرب من التأويل، ولو اشتغلنا بتفصيل ~~ذلك وشرحه لغة واصطلاحا لطال واحتاج إلى ديوان وحده أو أكثر، فلنقتصر على ~~الإجمال مع الإلمام. # فالأول وهو السرور والحزن فنقول: هما مترتبان على المحاب والمكاره، ومن ~~المحبوب فوات المكروه ومن المكروه فوات المحبوب، والإنسان لا يخلو من أن ~~يظفر بمحبوب فيسر به أو يفوت فيحزن، وفي الحديث عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: كان صلى الله عليه وسلم يوما في البيت يعمل عملا فنظرت إلى وجهه صلى ~~الله ms039 عليه وسلم، وهو يتهلل أو كما قالت، فقلت يا رسول الله أنت والله أحق ~~بقول أبي كبير، تعني الهذلي: # ومبرأ من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل # وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت كبرق العارض المتهلل # قالت: طرح ما في يدي وأخذني وقبل ما بين عيني وقال صلى الله عليه وسلم: ~~يا عامر ما سررت بشيء كسروري بك. وقد ذكر القصة في الإحياء، وقال صلى الله ~~عليه وسلم يوم فتح خيبر، وقد قدم عليه جعفر ابن أبي طالب رضي الله عنه ~~فعانقه: لا أدري بم أسر أبفتح خيبر، أم بقدوم جعفر؟ وقال صلى الله عليه ~~وسلم يوم مات ابنه إبراهيم: " العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما ~~يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون ". # ثم الإنسان في أيام دهره لا يكاد يخلو من سوء، فإن الدنيا دار بلاء ~~ومحنة، ولا سيما في حق المؤمن الذي هي في حقه سجن، فقد قال الله تعالى:) ~~ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين (. وقال الله تعالى:) الم، ~~أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من ~~قبلهم، فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (وقال تعالى:) ولنبلونكم ~~بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات (وقال تعالى:) ~~لتبلون في أموالكم وأنفسكم ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن ~~الذين أشركوا أذى كثيرا (إلى غير ذلك. # وقال صلى الله عليه وسلم: " أشدكم بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل ". # وقال الشيخ أبو القاسم الجنيد رضي الله عنه: أصلت لنفسي أصلا فلا أبالي ~~بعده، وهو أني قدرت أن هذا العالم كله شر، ولا يلقاني منه إلا الشر، فإن ~~لقيني الخير فنعمة مستفادة، وإلا فالأصل هو الأول. # ومن غريب ما اتفق في هذا المعنى أن بعض الملوك نظر في كتاب الحكمة فإذا ~~فيه: إن الدهر لا يخلو من المصائب، وإنه لا يصفو فيه يوم من كدر فقال: ~~لأكذبن هذا. وأعد ليلة لسروره. وأحضر فيها كل ما يحتاج، وكانت عنده جارية ~~حظية ms040 هي مجمع لذته، ومنتهى أنسه، فأحضرها لذلك، وأمر أن تصرف عنه الصوارف ~~وتقطع عنه الأشغال ليتفرغ لمتعته وأنسه، ويقضي الأرب كله من هوى نفسه، فحين ~~أمسى كان أول ما قرب للجارية العنب، فأخذت حبة وجعلتها في فيها فغصت بها، ~~وكان ذلك آخر العهد بها. # فلم ير الملك أمر من تلك الليلة، ولا مصيبة ولا هما ولا حزنا أفظع مما ~~فيها فسبحان القاهر فوق عباده، الغالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون. ### | مقام الشكر ### | ومقام الصبر عند الصوفية العارفين # PageV01P021 # هذا ومتى تأمل العبد أحواله، واستقرأ عوارضه، وجد لطف الله تعالى أغلب، ~~ونعمته عليه أوسع، قال تعالى:) الله لطيف بعباده (وقال تعالى:) وإن تعدوا ~~نعمة الله لا تحصوها (، وفي الخبر: " يقول الله تعالى: إن رحمتي سبقت غضبي ~~". # ولا يشك العاقل أن أيام البلاء أقل من أيام العافية، وأوقات العسر أقل من ~~أوقات اليسر وهكذا. # وقد قال الله تعالى في قصة آل فرعون:) فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ~~(الآية. ثم لا يخلو وقت من لطف، ولذا قال أئمة التصوف رضوان الله عليهم: ~~العارف من عرف شدائد الزمان في الألطاف الجارية. # ثم المؤمن كما في الحديث كله بخير، إن أصابه الخير شكر الله تعالى فكان ~~له خيرا، وإن أصابه شر صبر فكان خيرا له. # وقال بعض العارفين: الناس كلهم في مقام الشكر، وهم يحسبون أنهم في مقام ~~الصبر. وبيان هذا من أوجه: الأول - أن موجب الشكر وهو النعمة أغلب، والحكم ~~للأغلب. # الثاني - أنه ما من شر وبلاء يصيب العبد إلا وفي مقدور الله تعالى من ~~البلاء ما هو أفظع منه قد صرفه الله تعالى، فيجب الشكر على الاقتدار على ما ~~وقع. # الثالث - ما يفيده البلاء من رياضة النفس وتشجيعها للنوائب وإخماد سورتها ~~والنجاة من طغيانها وما يجر إليه من البلاء دينا ودنيا، وتربية العقل ~~بتعريفه تقلبات الدهر وفتح البصيرة في الأمور وهذه الأوجه عامة في المؤمن ~~وغيره. # الرابع - ما يحصل بالبلاء في الدنيا من مزيد المعرفة بالله تعالى وقهره ~~وقوته وبطشه وفي ms041 الآخرة من الأجر العظيم. # الخامس - ما يحصل للنفس من الخشوع لخالقها والانفكاك عن المعصية. # السادس - سلامة ثوابه من شوب الرياء وما يفسده إذ لاحظ للنفس فيه فهو خير ~~قد دخل عليها بلا تعمل، فالشكر عليه أحق، إلى غير ذلك من الفوائد التي يطول ~~تعدادها، فمن علم ذلك كان البلاء عنده محل الشكر فصار في مقام الشكر على كل ~~حال. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | الشجرة الخضراء ### | في المدينة الحالية: سجلماسة # كان بسجلماسة أيام ارتحلنا إليها للقراءة زمان الصبا شجرة يقال لها ~~الشجرة الخضراء مشهورة في تلك البلاد وفي سائر بلاد القبلة، وهي قدر ~~الزيتونة أو السدرة الكبيرة، وورقها يقرب من ورق السدر، وسبب شهرتها أنها ~~غريبة الشكل دائمة الخضرة وغريبة في محلها لأنها في البلد وليست من شجر ~~البلد، وهي منفردة ليس معها شجر أصلا، وكانت نابتة خارج سور المدينة ~~الخالية بينه وبين النهر قبالة الرصيف الذي يعبر عليه لناحية الزلاميط، ~~ويقال: إن ذلك باب من أبواب تلك المدينة، والله أعلم. # ثم إن الأستاذ الفاضل أبا يزيد عبد الرحمن بن يوسف الشريف بعث إليها ~~جماعة من الطلبة فقطعوها، وكان ذلك يوم الخميس، وكنت جئت من ناحية المراكنة ~~ذلك اليوم قصدا إلى سوق الخميس، فلما بلغت إلى الشجرة وجدت الطلبة حين ~~بلغوا إليها بقصد قطعها فقعدت حولها أنظر، فلما انفصل أهل السافلة من السوق ~~وكانت طريقتهم كان كل من يمر فيراها تقطع يصيح ويتأسف ويقول: ما فعلت لكم ~~المسكينة؟ وكان أهل سجلماسة لما استغربوا أمرها يزورونها، ولا سيما النساء، ~~فيكثرون عليها من تعليق الخيوط ويطرحون الفلوس أسفلها، وربما تغالت النساء ~~في تعظيمها والتنويه بشأنها حتى يسمينها باسم امرأة صالحة كالسيدة فاطمة ~~ونحو ذلك، فلهذا أمر الأستاذ المذكور بقطعها وكأنه يرى أنها صارت ذات أنواط ~~كما قال الشيخ أبو العباس المرسي رضي الله عنه، فذكرناها نحن للتنبيه على ~~ذلك، فإن عوام الناس أكثروا عليها منذ عقلنا حتى كانوا ينسبون إليها من ~~ترهات الأراجف نحو قولهم: قالت الشجرة الخضراء: هذا زمان السكوت، ms042 من قال ~~يموت، فليعلم الناظر أنها إنما هي شجرة لا تضر ولا تنفع، ولا تبصر ولا ~~تسمع، ومثلها أحق أن يقطع. # ومن هذا نسيت شجرة بيعة الرضوان حتى لم يثبت عليها الصحابة الذين كانوا ~~تحتها فضلا عن غيرهم، وذلك مخافة أن تعبد. # PageV01P022 # وسمعت الفاضل الناسك البكري بن أحمد بن أبي القاسم بن مولود الجاوزي رحمه ~~الله يحدث عن أسلافه أن شيخ المشايخ أبا القاسم الغازي رضي الله عنه ونفعنا ~~به كان يقول لهم: إنه نزلت عليه القطبانية تحت شجرة ببلد أجاوز، فيقولون ~~له: يا سيدنا لم لم ترنا تلك الشجرة، فيقول خفت أن تتركوا السبع وتعبدوا ~~النغورة أي مغارته أي يتركونه فلا ينتفعون به ويشتغلون بالشجرة. # وكانت بقرب تاغية مقام الشيخ أبي يعزي شجرة من أحجار يقال له: البقرة، ~~وكل ذلك حقيق بالإزالة، غير أن العالم سيفه لسانه، وما وراء ذلك إنما هو ~~لأهل الأمر، ومن له قدرة على الأمر. # نعم، التبرك بآثار الصالحين مع صحة العقيدة لا بأس به، وله أصل في فعل ~~الصحابة رضوان الله عليهم، فقد كان ابن عمر رضي الله عنهما يدير راحلته حيث ~~رأى النبي صلى الله عليه وسلم أدارها ويتحرى الأماكن التي صلى فيها صلى ~~الله عليه وسلم، وذلك مذكور في الصحيح وفيه قيل: # خليلي هذا ربع عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت # ولا تيأسا أن يمحو الله عنكما ... ذنوبا إذا صليتما حيث صلت # ورأيت في بلاد المصامدة وخصوصا بلاد رجراجة من هذا كثيرا بقي عندهم ~~موروثا خلفا عن سلف عندما يدورون على صلحائهم زائرين، ولما حضرت معهم في ~~الدور في هذه السفرة التي بدأت فيها هذه الأوراق، وذلك سنة خمس وتسعين وألف ~~لم أوافقهم في فعل كثير مما يفعلون من ذلك مخافة أن يتخذني العوام حجة ~~فيتغالون في ذلك، ومع ذلك لم أخل نفسي من التبرك بأمور قريبة لا بأس فيها. # وفي بلاد المغرب مواضع اشتهرت بآثار الصالحين ووقع التغالي فيها، منها ~~شالة في رباط سلا، فلا يعرف لها إلا أنها مزارة ms043 يزورها الناس ويتبركون بمن ~~فيها، ولم يظهر فيها بهذا العهد إلا يحيى بن يونس، وهو مشهور عند الناس، ~~ولا تعرف له ترجمة، وملوك بني عبد الحق، وهم معروفون، ولا بأس بهم، وكل ما ~~يذكر فيها مما سوى ذلك ويوجد في بعض الأوراق المجعولة من الأخبار فلا يعرف ~~له أصل ولا يعول عليه. # ومنها ميسرة في بلاد ملوية حيث مدفن الشيخ أبي الطيب بن يحيى الميسوري، ~~ويقال لها تامغروات قد اشتهرت عند الناس، وتوجد فيها أخبار وأحاديث في ~~الأوراق وألسنة الناس، وسألت عن ذلك بعض أولاد الشيخ المذكور وهو الفاضل ~~أبو عبد الله محمد بن أبي طاهر عند نزولنا عليه فقال: ما ثبت عندنا في هذا ~~الموضع إلا أنه كان رابطة لأسلافنا يتعبدون فيه، فقلت له: نعم الوصف هذا، ~~فإن متعبد الصالحين حقيق أن يتبرك به، فهذا أيضا غاية ما يثبت في الموضع ~~وما وراء ذلك لا يلتفت إليه. # ومنها رباط شاكر وهو مشهور، وكان مجمعا للصالحين من قديم، ولا سيما في ~~رمضان، يفدون إليه من كل أوب، حتى حكى صاحب التشوف عن منية الدكالية رضي ~~الله عنها أنها حضرت ذات مرة في رباط شاكر فقالت لبعض من معها: إنه حضر هذا ~~العام في هذا الرباط ألف امرأة من الأولياء، فانظر إلى عدد النساء فكيف ~~بالرجال! فلا شك أن هذا الموضع موضع بركة ومجمع خير، ولكن لم نقف من أمره ~~إلا على ما وقع في التشوف من أن شاكرا ذكر أنه من أصحاب عقبة بن نافع ~~الفهري وأنه هنالك، وأن يعلى بين مصلين الرجراجي بناه، وكان يقاتل كفار ~~برغواطة، وغزاهم مرات، وأن طبله هو الباقي هنالك إلى الآن، والله أعلم. ولم ~~يظهر فيه في العهد من مشاهد الصالحين إلا أبو زكرياء المليجي، والله أعلم. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | محتالون يظهرون الصلاح ويخدعون الناس # مما وقع بسجلماسة قريبا من هذه القصة أنه شاع في البلد ذات ليلة أنه قد ~~ظهر رجل في المدينة الخالية، فأصبح الناس يهرولون إليه أفواجا، وخرجنا ms044 مع ~~الناس فقائل يقول: ولي من أولياء الله، وآخر يقول: صاحب الوقت، فلما بلغنا ~~المدينة وجدنا الخلق قد اجتمعوا من كل ناحية على ذلك الرجل حتى أن أمير ~~البلد وهو محمد بن الشريف خرج في موكب حتى رآه فلما كثر الناس اشتد الزحام ~~عليه وتعذرت رؤيته، دخل في قبة هناك في المقابر فاخرج كفه من طاق في القبة ~~فجعل الناس يقبلون الكف وينصرفون، وكان كل من قبل الكف اكتفى ورأى أنه قضى ~~الحاجة فقبلناه وانصرفنا، ثم بعد أيام سمعنا أنه ذهب إلى ناحية الغرفة، ~~وأنه سقط في بئر هنالك ومات، فظهر أنه رجل مصاب، وكأنه يشتغل باستخدام ~~الجان ونحو ذلك فهلك. # PageV01P023 # وإنما ذكرنا هذا ليعلم وينتبه لمن هذا حاله، فكم تظاهر بالخير من لا خير ~~فيه من مجنون أو معتوه أو موسوس أو ملبس، فيقع به الاغترار، للجهلة ~~الأغمار. # ما أنت سار غره قمر ... ورائد أعجبه خضرة الدمن # وقد يشايعه من هو على شاكلته من الحمقى ومن الفجار، وشبه الشيء منجذب ~~إليه. # إن الطيور على أجناسها تقع # فيغتر الأغبياء بذلك إلا من عصمه الله. # وقد صعدت في أعوام الستين وألف إلى جبل من جبال هسكورة فإذا برجل نزل ~~عليهم من ناحية الغرب، واشتهر بالفقر، وبنى خباء له وأقبل الناس عليه ~~بالهدايا والضيافات، وكان من أهل البلد فتى يختلف إليه ويبيت عنده، فاستراب ~~من أمره بعض الطلبة، فتلطف مساء ليلة حتى ولج الخباء، فكمن في زاوية منه ~~فلما عسعس الليل قام المرابط إلى الفتى فاشتغل معه بالفاحشة، نسأل الله ~~العافية، ثم علم أن قد علموا به فهرب، وبلغ الخبر إلى اخوة الفتى فتبعوه، ~~ولم أدر ما كان من أمره، ومثله كثير. ومن أغرب ما وقع من هذا أيضا بسجلماسة ~~ما حدث به أخونا في الله الولي الصالح أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن ~~علي بن طاهر الشريف المعروف بابن علي رضي الله عنه قال: ما لعب بإخواننا ~~يعني أشراف سجلماسة إلا رجل جاءهم في البلد واتسم باسم الصلاح، ووقع ms045 ~~الإقبال عليه، فكان يأتيه الرجل فيعده بأن يبلغه إلى مكة ويحج به طرفة عين، ~~واستمر على ذلك مدة، ثم قام نفر من الأشراف اتفقوا على اختباره، فكمنوا ~~قريبا منه، وتقدم إليه أحدهم وعنده نحو خمسين مثقالا فقال له: يا سيدي إن ~~هذه الصلاة تثقل علي، فعسى أن ترفعها عني، وأفرغ تلك الدراهم بين يديه، ~~وكأنه هش لذلك، فبادره الآخرون قبل أن يستوفي كلامه وأوجعوه ضربا وطردوه. ~~ثم بعد مدة سافر بعضهم إلى الغرب فمر بعين ماء هنالك، فإذا الرجل عندها ~~يستقي قربة له منها، وإذا هو يهودي من يهود معروفين هنالك، نسأل الله ~~العافية. # فالحذر مطلوب، ولا سيما فيما نحن فيه من آخر الزمان الذي استولى فيه ~~الفساد على الصلاح، والهوى على الحق، والبدعة على السنة، إلا من خصه الله ~~وقليل ما هم، وفيه قيل: # هذا الزمان الذي كنا نحاذره ... قول كعب وفي قول ابن مسعود # إن دام هذا ولم يحدث له غير ... يبك ميت ولم يفرح بمولود # بل نقول: ليته يدوم، فإنه لا يأتي بأمان إلا والذي بعده شر منه كما في ~~الحديث الكريم. # نعم لا بد للناس من تنفيس، فنسأل الله تعالى أن يرزقنا تنفيسا نقضي فيه ~~ما بقي من أعمارنا في خير، ونستعتب مما مضى، إنه الكريم المنان. # هذا، ولا بد مع الحذر من حسن الظن بعباد الله، ولا سيما من ظهر عليه ~~الخير والتغافل عن عيوب الناس. # وفي الخبر: خصلتان ليس فوقهما شيء من الخير: حسن الظن بالله وحسن الظن ~~بالناس، وخصلتان ليس فوقهما شيء من الشر: سوء الظن بالله وسوء الظن بالناس، ~~ومن تتبع عيوب الناس تتبع الله عيوبه حتى يفضحه في قعر بيته. # فالاعتراض بلا موجب جناية، واتباع كل ناعق غواية. # وفي كلام مولانا علي كرم الله وجهه: الناس ثلاثة: عالم رباني، ومتعلم على ~~سبيل النجاة، وهمج رعاع، أتباع كل ناعق. فمن ثبتت استقامته، وصح علمه وورعه ~~وجب اتباعه، ومن اتسم بالخير وجب احترامه على قدره، والتسليم له في حاله، ~~ومن ألقى جلباب الحياء ms046 عن وجهه وجب لومه، وإذا ظهرت البدعة وسكت العالم ~~فعليه لعنة الله، ولا بد من مراعاة السلامة. # وهذا باب واسع لا يكفيه إلا ديوان وحده، وإنما ذكرنا هذه الإشارة ~~استطرادا. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | أشعار في الكرم وخدمة الضيف # من الشعر المستملح في باب التكرم قول المقنع الكندي أنشده القالي في ~~النوادر: # يعاتبني في الدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا # أسد به ما قد أخلوا وضيعوا ... ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا # وفي جفنة ما يغلق الباب دونها ... مكللة لجما مدفقة ثردا # وفي فرس نهد عتيق جعلته ... حجابا لبيتي ثم أخدمته عبدا # وإن الذي بيني وبين أبي ... وبين بني عمي لمختلف جدا # فإن يأكلوا لحمي وفرت لحومهم ... وإن يهدموا مجدي بنيت لهم مجدا # وإن ضيعوا غيبي حفظت غيوبهم ... وإن هم هووا غيي هويت لهم رشدا # PageV01P024 # ولا أحمل الحقد القديم عليهم ... وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا # لهم جل مالي إن تتابع لي غنى ... وإن قل مالي لم أكلفهم رفدا # وإني لعبد الضيف ما دام نازلا ... وما شيمة لي غيرها تشبه العبداد # ونحوه قول عروة بن الورد: # أيا بنت عبد الله وابنة مالك ... ويا بنت ذي البردين والفرس الورد # إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي # أخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف مذمات الأحاديث من بعدي # وكيف يسيغ المرء زادا وجاره ... خفيف المعى بادي الخصاصة والجهد # وللموت خير من زيارة باخل ... يلاحظ أطراف الأكيل على عمد # وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما في إلا تلك من شيمة العبد # وقول الآخر: # لعمر أبيك الخير إني لخادم ... لضيفي، وإني إن ركبت لفارس # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | أصناف الناس # قال معاوية رضي الله عنه يوما لصعصعة بن صوحان وكان من البلغاء: صف لي ~~الناس. فقال: خلق الناس أخيافا، فطائفة للعبادة، وطائفة للتجارة، وطائفة ~~خطباء، وطائفة للبأس والنجدة، ورجرجة فيما بين ذلك، يكدرون الماء، ويغلون ~~السعر ويضيقون الطريق. وقال الآخر في نحو هذا: ms047 # الناس هم ثلاثة ... فواحد ذو درقه # وذو علوم دارس ... كتبه وورقه # ومنفق في واجب ... ذهبه وورقه # ومن سواهم همج ... لا ودك لا مرقه # وفي كلام مولانا علي كرم الله وجهه لكميل بن زياد: الناس ثلاثة: عالم ~~رباني، ومتعلم على سبيل النجاة، وهمج رعاع، أتباع كا ناعق. # " وقال الآخر: # ما الناس إلا العارفون بربهم ... وسواهم متطفل في الناس " # وهذا المعنى له تفصيل وتحقيق، والاشتغال به يطيل، ويكفي اللبيب فيه ما مر ~~عند ذكر الحسب وتفصيل المزايا في الناس. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | أصناف بقاع الأرض # كان شيخنا الأستاذ المشارك الفاضل الناسك أبو بكر بن الحسن التطافي ~~ينشدنا كثيرا في التنويه بالعلم قول القائل: # وما عرف الأرجاء إلا رجالها ... وإلا فلا فضل لترب على ترب # والمعنى أن القطر من الأرض وكذا المدينة والقرية تعرف وتشرف بنسبة ~~المعروف إليها كأبي عثمان المغربي وابن عامر الشامي والحسن البصري وأبي ~~الحسن الحرالي وغيرهم. # واعلم أن بقاع الأرض كأفراد الإنسان، هي كلها مشتركة في كونها أرضا ~~وتربة، ثم تتفاوت في المزايا الاختصاصية، إما من ذاتها بأن يجعلها الله ~~منبتا للعشب، وهي أفضل من السبخة أو مزرعة، وهي أفضل من الكنود أو سهلة، ~~وهي أفضل من الحزن، وقد ينعكس الأمر، أو معدنا، وتتفاوت بحسب الجواهر ~~المودعة فيها، أو منبعا للماء، وتتفاوت بحسب المياه، إلى غير ذلك من ~~مختلفات الفواكه والأشجار والأزهار وسائر المنافع، وأما من عارض، كأن ~~يختصها الله تعالى بكونها محلا لخير إما نبوءة بيته بمكة، فهي أشرف البقاع ~~ما خلا المدينة من ثلاثة أوجه: الأول كونها محلا لبيته، وقبلة لعباده، ~~والثاني كونها عمارة خليله إبراهيم عليه السلام، الثالث كونها مولد ومبعث ~~أشرف الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام، إلى وجوه أخرى ككونها وسط الأرض ~~أو أرفع الأرض أو من تحتها دحيت الأرض، وكونها حراما وغير ذلك ولبيت المقدس ~~قسط من هذا الفضل لأنها مأوى الأنبياء، وكانت قبله، واختصت المدينة طيبة ~~بكونها مهاجر أشرف الخلق ومدفنه مع أكابر أصحابه رضي الله عنهم فصارت خير ~~البقاع ms048 حتى مكة عند علمائنا أما التربة التي تضمنت شخصه الكريم صلى الله ~~عليه وسلم فلا مثل لها في الأرض ولا في السماء قطعا. # PageV01P025 # وأما نبوءة فتشرف كل بلدة ولد فيها نبي أو بعث أو أقام أو دفن، وتشتهر ~~بذلك وتتعرف كما قال صلى الله عليه وسلم يوم الطائف للغلام وقد قال له: إنه ~~من نينوى. " قرية أخي يونس عليه السلام " وإما علم فكل قرية أيضا أو بلدة ~~كان فيها عالم أو كان منها فهي تشرف بذلك وتتعرف كما في البيت المذكور، ~~وإما زهد أو عبادة أو نحو ذلك أو ملك أو جود أو نجدة أو جمال أو خلق حسن أو ~~غير ذلك حتى رخاء العيش وصحة الهواء، فكل ذلك ونحوه يكون به الشرف ~~والاشتهار كما يكون الاشتهار في النقصان والمذمة بأضداد ذلك. واعلم أن ~~المولى تبارك وتعالى من لطيف حكمته وسابغ منته كما لم يخل عبدا من عباده من ~~فضل عاجل أو آجل، ظاهر أو باطن، كثير أو قليل، كذلك لم يخل بقعة من بقاع ~~الأرض من فضل، ولم يعر بلدة من مزية يتعلل بها عمارها حتى لا يتركوها، وقد ~~جعل الله تعالى الأهواء مختلفة، والطباع متفاوتة، وحبب لكل أحد ما اختصه ~~به، ذلك تقدير العزيز العليم الحكيم، فتجد هذا يمدح أرضه بكثرة المياه ~~للاتساع في الشرب والطهارة والنقاوة ونحو ذلك، وهذا يمدح أرضه بالبعد عن ~~كثرة المياه لجودة منابتها، وصحة هوائها، وذهاب الوخم عنها، وهذا يمدح أرضه ~~بالسهولة لوجود المزارع فيها وكثرة ريفها واتساع خيرها، وهذا يمدح أرضه ~~بكونها جبالا لتمنعها وعزة أهلها، وحسن مائها وهوائها وقناعتها وغير ذلك. # وللشعراء قديما وحديثا في هذا ما يحسن ترداده، ويطول إيراده، فمن ذلك ~~لأبي بكر بن حجة الحموي يتشوق إلى بلده قوله: # بوادي حماة الشام عن أيمن الشط ... وحقك تطوى شقة الهم بالبسط # بلاد إذا ما ذقت كوثر مائها ... أهيم كأني قد ثملت بإسفنط # فمن يجتهد في أن في الأرض بقعة ... تماثلها قل: أنت مجتهد مخط # وصوب حديثي مائها وهوائها ... فإن ms049 أحاديث الصحيحين ما تخطي # وللآخر في تلسمان مثل هذا: # بلد الجدار ما أمر نواها ... كلف الفؤاد بحبها وهواها # يا عاذلي في حبها كن عاذري ... يكفيك منها ماؤها وهواها # ولابن حمديس الصقلي في بلده: # ذكرت صقيلية والأسى ... يهيج للنفس تذكارها # فإن كنت أخرجت من جنة ... فإني أحدث أخبارها # ولولا ملوحة ماء البكا ... حسبت دموعي أنهارها # وللأعرابي: # أقول لصاحبي والعيس تخدي ... بنا بين المنيفة فالضمار # تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار # ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضه بعد القطار # وأهلك إذ يحل الحي نجدا ... وأنت على زمانك غير زار # شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا سرار # وللآخر في تونس: # لتونس تونس من جاءها ... وتودعه لوعة حيث سار # فيغدو ولو حل أرض العراق ... يحن إليها حنين الحوار # ويأمل عودا ويشتاقه اش ... تياق الفرزدق عود النوار # وللآخر في مدينة فاس: # يا فاس حيا الله أرضك من ثرى ... وسقاك من صوب الغمام المسبل # يا جنة الدنيا التي أربت على ... عدن بمنظرها البهي الأجمل # غرف على غرف ويجري تحتها ... ماء ألذ من الرحيق السلسل # وكثيرا ما يقع الحنين إلى المنازل والبلدان، من أجل من فيها من الإخوان ~~والأخدان، كما قال القائل: # أحب الحمى من أجل من سكن الحمى ... ومن أجل من فيها تحب المنازل # وقال المجنون: # وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا # وهي خصوصية في البقعة عارضة من سكانها كالذي في البيت، فإن الميل إليها ~~يقتضي فضلها على غيرها بالنسبة إليه، ومن هذا المعنى أكثر العرب ذكر الحمى ~~كقوله: # فإن كان لم يغرض، فإني وناقتي ... بحجر إلى أهل الحمى غرضان # تحن فتبدي ما بها من صبابة ... وأخفي الذي لولا الأسى لقضاني # الغرض المشتاق، وكقول الآخر: # وإن الكئيب الفرد من جانب الحمى ... إلي وإن لم آته لحبيب # وكقول الآخر: # وكنت أذود العين أن ترد البكا ... فقد وردت ما كنت أذودها # خليلي ما بالعيش عتب لو أننا ... وحدنا لأيام الحمى من يعيدها # وكقول الآخر: # PageV01P026 # ألا أيها الركب المجدون ms050 هل لكم ... بساكن أجزاع الحمى بعدنا خبر؟ # فقالوا: قطعنا ذاك ليلا وإن يكن ... به بعض من تهوى فما شعر السفر # وكقول الآخر: # بكت عيني اليسرى فلما زجرتها ... عن الغي بعد الشيب أسبلتا معا # فليست عشيات الحمى برواجع ... إليك ولكن خل عينيك تدمعا # إلى غير ذلك. # ويكثرون أيضا ذكر كقوله: # شيب أيام الفراق مفارقي ... وأنشزن نفسي فوق حيث تكون # وقد لان أيام اللوى ثم لم يكد ... من العيش شيء بعدهن يلين # وكقول جرير: # لولا مراقبة العيون أريننا ... مقل المها وسوالف الآرام # هل ينهينك أن قتلن مرقشا ... أو ما فعلن بعروة بن حزام # ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام # إلى غير ذلك. # وأما نجد وهو ما ارتفع من الأرض من بلادهم وأكثر من ذلك كله كقوله: # سقى الله نجدا والسلام على نجد ... ويا حبذا نجد على النأي والبعد # وقول الآخر: # أشاقتك البوارق والجنوب ... ومن علوي الرياح لها هبوب # أتتك بنفحة من شيح نجد ... تصوب والعرار بها مشوب # وشمت البارقات فقلت: جيدت جبال البتر أو مطر القليب # ومن بستان إبراهيم غنت ... حمائم بينها فنن رطيب # فقلت لها: وقيت سهام رام ... ورقط الريش مطعمها الجنوب # كما هيجت ذا حزن غريبا ... على أشجانه فبكى الغريب # وما وجد أعرابية قذفت بها ... ### | .................. # الأبيات # وتقدم شيء من ذلك، وهو كثير، وذلك في الغالب لحسنه في نفسه هواء وماء ~~ومنابت ومسارح، والناس كلهم مجمعون على ذكر ديار الأحباب ومعاهد الشباب، ~~ولا خصوصية للعرب، وإن كان لهم مزيد رقة. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | الأريحية # أنشد في النوادر لمحرز العكلي: # يظل فؤادي شاخصا من مكانه ... لذكر الغواني مستهاما متيما # إذا قلت مات الشوق مني تنسمت ... به أريحيات الهوى فتنسما # وفي البيت فائدة، وهي أن لفظ الأريحية هو بسكون الراء وفتح الياء، ووقع ~~في شعر المولدين أيضا ما يوافق ذلك. # مما علق بحفظي من أشعار المعاني عند العرب قول الشاعر: # فجنبت الجيوش أبا زينب ... وجاد على مسارحك السحاب # يحتمل أن يكون دعاء له بالعافية والخصب، ويحتمل أن ms051 يكون دعاء عليه ~~بالإفلاس حتى لا تقصده الجيوش، ثم بالخصب مع ذلك لأنه أوجع لقلبه، حيث يرى ~~الرعي ولا راعية كما قال الراجز: # أمرعت الأرض لوان مالا # لو أن نوقا لك أو جمالا # أو ثلة من غنم أما لا # أي إن كنت لا تجد غيرها، وقال الآخر: # ستبكي المخاض الجرب أن مات هيثم ... وكل البواكي غيرهن جمود # أي إنه كان يستحييها بخلا، ولا ينحرها للضيفان، فهي تبكي عليه، ولا يبكي ~~عليه أحد من الناس إذ لا خير فيه، وهذا هجو، وقد استعمل الجمود في مجرد عدم ~~البكاء، وكأنه لاحظ فيه المبالغة، فإن الناس لعدم اكتراثهم بالهالك أصبحوا ~~في حقه لا يتصور منهم البكاء ولا انحدار دمع كمثل الأحجار ونحوها، ويستعمل ~~الجمود حيث يراد البكاء ولا تسمح العين بالدموع كقوله: # ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بجاري دمعها لجمود # ولذا عيب قول القائل: # سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا # ومتى اعتبرنا بالمعنى الأول فلا عيب، وقول الآخر هو توبة بن مضرس بن عبد ~~الله التميمي يلقب الخنوت بوزن السنور: # قتيلان لا تبكي المخاض عليهما ... إذا شبعت من قرمل وأفان # وهذا مدح ضد الأول أي إنهما كانا يهلكانها بالنحر، فإذا ماتا استراحت ~~وشبعت فلم تبك عليهما، والقرمل واحده قرملة، وهي شجرة ضعيفة تنفضح إذا ~~وطئت، ومنه قولهم في المثل إذا التجأ الضعيف إلى مثله: ضعيف عاذ بقرملة، ~~والأفاني واحده فانية، وهي شجرة أخرى، وقول الآخر، وهو حميد بن ثور: # ولقد نظرت إلى أغز مشهر ... بكر توسن بالخميلة عونا # متسنم سنماتها متبجس ... بالهدر يملأ أنفسا وعيونا # لقح العجاف له لسابع سبعة ... وشربن بعد تحلؤ فروينا # PageV01P027 # يصف السحاب وفعله وانتفاع الأرض به على طريق التمثيل، فقوله: أغر أي سحاب ~~فيه برق " أو " أبيض، وقوله: بكر أي لم يمطر قبل ذلك، وقوله: توسن بالخميلة ~~عونا أي طرقها ليلا وقت الوسن أي النعاس، والخميلة رملة لينة ذات شجر، ~~والعون جمع عوان، وهي في النساء التي كان لها زوج، وهنا هي الأرض ms052 التي ~~أصابها المطر قبل، على التشبيه، وقوله: متسنم سنماتها أي طالع على الأكام ~~والتلال، وأصله في الجمل يتسنم الناقة أي يعلو عليها، وهي سنمة أي عظيمة ~~السنام، مرتفعته، قوله: متبجس أي متكبر، بالهدر أي رعده يملأ أنفسا وعيونا ~~عجبا به أو رعبا منه، قوله: لقح العجاف أي الأرضون المجدبة حملت به الماء ~~فأنبتت العشب، وذلك بعد تحلؤ أي امتناع من السقي لعدم المطر، فهذا كله ~~تمثيل، وقول الآخر: # حلوا عن الناقة الحمراء أرحلكم ... والبازل الأصهب المعقول فاصطنعوا # إن الذئاب قد اخضرت براثنها ... والناس كلهم بكر إذا شبعوا # أراد بالناقة الحمراء الدهناء، وبالجمل الأصهب الصمان، كأنه يقول: ~~ارتحلوا عن السهل وألجئوا إلى الجبال مخافة الغارات، والقائل كان أسيرا ~~فكتب إلى قومه ينذرهم، وكانت بكر لهم عدوا فهو يقول: الناس كلهم إذا شبعوا ~~أعداء لكم كبكر حذروهم، وهذا المعنى مذكور في قصة أخرى: يحكى أن رجلا من ~~بني العنبر كان أسيرا في بكر بن وائل، فسألهم رسولا إلى قومه فقالوا له: لا ~~ترسل إلا بحضرتنا، وكانوا أزمعوا غزو قومه، فتخوفوا أن ينذرهم، وذلك هو ما ~~أراد هو أيضا، فأتوه بعبد أسود فقال له: أبلغ قومي التحية وقل لهم: ليكرموا ~~فلان، يعني أسيرا من بكر كان عندهم، فإن قومه لي مكرمون، وقل لهم إن العرفج ~~قد أدبي، وقد شكت النساء. وأمرهم أن يعروا ناقتي الحمراء، فقد أطالوا ~~ركوبها، وأن يركبوا جملي الأصهب بآية ما أكلت معهم حيسا، واسألوا الحارث عن ~~خبري، فلما أبلغهم العبد الرسالة قالوا: جن الأعور، والله ما نعرف له ناقة ~~حمراء ولا جملا أصهب، ثم سرحوا العبد ودعوا الحارث فحدثوه بالحديث فقال: قد ~~أنذركم، أما قوله: العرفج قد أدبى فكناية عن الرجال وأنهم استلأموا أي ~~لبسوا الدروع للغزو، وقوله: شكت النساء أي اتخذن الشكاء للسفر، وهي جمع ~~شكوة، معروفة، والحيس أراد به الأخلاط من الناس المجتمعون للغزو، لأن الحيس ~~يجمع الأقط والسمن والتمر. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | فضل العلم # كنت في أعوام الستين وألف مرتحلا في طلب العلم، ms053 فدخلت قرية في أرض دكالة، ~~فرأيت فيها رجلا مسنا قد لازم المسجد منقطعا عن الناس، فجلست إليه مستحسنا ~~لحاله، وفي الحديث " إذا رأيتم الرجل قد أعطي زهدا في الدنيا وقلة منطق ~~فادنوا منه، فإنه يلقن الحكمة ". # فلما دنوت منه إذا هو يعظم العلم وأهله تعظيما بالغا، فازددت به عجبا، ~~فكنت أجلس بين يديه ويحدثني ويصبرني على الغربة، ويحضني على العلم رحمة ~~الله عليه، وأنشدني في شأن الغربة ملحونا: # أنا الغريب المتوح ... صابر على كل هانا # إلى نتجرح ما نقل اح ... في قلب من قطعت أنا # وفي نحو هذا يقول الشاعر: # إذا كنت في قوم عدا لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب # وإن حدثتك النفس أنك قادر ... على ما حوت أيدي الرجال فكذب # وقال الآخر: # لا يعدم المرء كنا يستقر به ... وبلغة بين أهليه وأحبابه # ومن نأى عنهم قلت مهابته ... كالليث يحقر لما غاب عن غابه # وقال الحريري: # إن الغريب الطويل الذيل ممتهن ... فكيف حال غريب ما له قوت # وأنشدني في مدح العلم ملحونا: # العلم شمعا منيرا ... يتناوله الأكياس # ما فوق منو ذخيرا ... يزول عن القلب الإحساس # وفضل العلم وشرفه أمهر أشهر من أن يذكر، وأوضح من أن ينكر، ويكفي في ذلك ~~النظر. # PageV01P028 # ومن غريب ما حكي أنه اتفق للفقيه الخليل الإمام ابن عرفة رضي الله عنه ~~وكان قد مرض فأصابه غشي قال: فجاءتني طائفتان: إحداهما عن يميني وجعلوا ~~يرجحون الإسلام، والأخرى عن يساري وجعلوا يرجحون الكفر، عياذا بالله تعالى. ~~قال: فأخذ هؤلاء يلقون شبه الكفار ويلهمني الله تعالى الجواب عنها بما كنت ~~عرفت من قواعد العقائد، فعلمت أن العلم ينفع صاحبه في الدنيا والآخرة. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | الانزعاج عن الوطن # خرجت في أعوام التسعين وألف من حضرة مراكش حرسها الله، وكنت إذ ذاك ~~منزعجا عن الوطن، مبايا للقطين والسكن، فلقيت أعرابيا من هوارة، وهم حي من ~~شبانة، فإذا هو قد انزعج عن وطنه في السوس الأقصى، فحدثني عن أحمد بن عبد ~~الله بن مبارك الوقاوي ms054 أنه كان هبت له ريح فحسده قومه وقالوا عنه وهو في ~~غربته حتى خرج عن وطنه إلى وداي السوس، قال: فجئته ذات مرة وهو في غربته، ~~فقال لي: أين العرب وأين القوالون؟ قال: فقلت: هم بحالهم، لم يزالوا ~~يقولون، قال ثم أنشد هو ملحونا: # إلى برك لي الزمان أركبت عليه ... ولى راد المولى نلقاه عراضا # برك لي مركوب فإني ضاري به ... ما نحسبش أيامي علي مغتاضا # نصبر لأحكام المولى حتى تتقاضا # في قوله: مغتاضا من الغيظ، وأبدل من الظاء " هنا " ضادا، وكان هذا من ~~عجيب الاتفاق، فإن هذا القول مناسب لأحوالنا معشر الثلاثة، أعني القائل ~~والراوي والسامع، وقوله: " نصبر لأحكام المولى حتى تتقاضا " هذا هو أدب ~~العبد، وهو الصبر لأحكام الله تعالى والسكون تحت مجاري الأقدار، قال ~~تعالى:) واصبر لحكم ربك ... (، ونحوه من نصوص الكتاب والسنة وأقوال أئمة ~~الدين لا يحصى. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | الحكم التكليفي والحكم التصريفي # واعلم أن الحكم حكمان حكم تكليفي وحكم تصريفي، وكلاهما يجب الإذعان له ~~والتسليم. # أما التكليفي فهو الوجوب والندب والتحريم والكراهة والإباحة التي وردت ~~بها الشريعة المطهرة. # وأما التصريفي فهو ما قدر على العبد من غير ذلك مما يرد عليه كالغنى ~~والفقر والعز والذل والصحة والمرض والسرور والحزن وغير ذلك. ومورد الأول ~~كلام الله تعالى أمرا ونهيا، ومورد الثاني قدرته تعالى إيجادا وإعداما على ~~وفق مشيئته وعلمه؛ وكما لا بد من قبول الأول وامتثاله فعلا وتركا وتلقيه ~~بالصبر على ما فيه من المشقة على النفس، وقد تضمحل أيضا دواعي النفس فيرتقي ~~العبد إلى الرضى والاستلذاذ، كذلك لا بد في الثاني من تلقي محبوبه بالشكر ~~ومكروهه بالصبر؛ وقد تضمحل أيضا دواعي النفس فيرتقي العبد إلى الرضى. # ثم إن كل شيء قدر على العبد فلا محالة يقدر له وقت يقع فيه لا يتقدمه ولا ~~يتأخر عنه، فمتى حان وقت شيء فهو بارز لا محالة خيرا كان أو شرا لا يمكن أن ~~لا يبرز ولا أن يبرز غيره في موضعه، فالبصير يستكن حتى ms055 ينقضي بانقضاء وقته ~~فيجمع بين راحة قلبه والأدب مع ربه، والجاهل يقلق منه أو يروم ظهور غيره ~~دونه فيصير أحمق الحمقاء، ولا يحصل إلا على الشقاء. # وقال صاحب " الحكم العطائية ": " ما ترك من الجهل شيئا من أراد أن يظهر ~~في الوقت غير ما أظهر الله فيه " وقالوا: الوقت سيف، وأنشدوا: # وكالسيف إن لاينته لان مسه ... وحداه إن خاشنته خشنان # ولله الأمر من قبل وبعد ### | النفس والشيطان # وأنشدني أبو البقاسم بن بوعتل الشباني ثم الزراري لبعض الأعراب ملحونا: # يا رأسي عيبك بان ... والى عيبو ما يصيب ايدسو # قالوا علة ابن آدم شيطان ... وإنا نقول علة ابن آدم نفسو # قبل لا يزيغ إبليس ... اش يكون ابليسو # فانظر إلى هذا الأعرابي كيف غاص على معنى كبير وهو أن نفس الإنسان سبب ~~هلاكه بإذن الله تعالى إلا من عصمه الله، وكيف وقع على حجة برهانية وقياس ~~منظوم في النفس، وتقريره أن يقول: لو كان كل زائغ إنما يزيغ بشيطان لكان ~~إبليس حين زاغ بإبليس آخر، والتالي باطل للزوم التسلسل فالمقدم مثله. # PageV01P029 # ونحو هذا في الاستدلال ما وقع للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أبطل العدوى ~~بمعنى أنه لا تأثير فيها لغير الله تعالى فقال له الأعرابي: ما بالنا نرى ~~الإبل تكون في الرمل كأنها الظباء، فيدخلها جمل أجرب فتجرب كلها، فقال له ~~صلى الله عليه وسلم: " فمن أعدى الأول "؟ أي لو كان جمل إنما يأتيه هذا ~~البلاء من آخر قبله لزم التسلسل، وهو باطل، فلا بد أن ينتهي الأمر إلى بعير ~~يصيبه البلاء من عند الله بلا سبب هذه العدوى فيعلم عند ذلك أن الله تعالى ~~هو الفاعل المختار، يفعل الشيء عند الشيء، وهو قادر أن يفعله بلا شيء ولا ~~عند شيء، سبحانه عما يشركون. # واعلم أن ما ذكره هذا الأعرابي في ملحونه من أن علة الإنسان نفسه صحيح، ~~وعزله الشيطان عن ذلك غير صحيح إن أراد أنه لا مدخل له، وإن أراد أنه غير ~~مستقل بالإضرار لمشاركة النفس له أو أن ضرر النفس ms056 هو الأعظم لأنها المباشرة ~~والشيطان متسبب فصحيح، وتقرير هذه الجملة باختصار: إن كلا من النفس ~~والشيطان مضر بالعبد فهما متظاهران على العبد كما قال " بعضهم " وقد ضم ~~إليهما الدنيا والهوى: # إني بليت بأربع يرمينني ... بالنبل عن قوس لها توتير # إبليس والدنيا ونفسي والهوى ... يا رب أنت على الخلاص قدير # وسبب ذلك أن الآدمي لما أبدعه الله تعالى بقدرته مؤتلفا من الأخلاط ذا ~~مزاج جعله سبحانه بباهر حكمته وسابق مشيئته مفتقرا عادة في بقاء وجوده ~~الشخصي إلى القوام وهو الغذاء بالطعام والشراب وفي بقاء وجوده النوعي إلى ~~التوالد بواسطة " النكاح، فطبع فيه عند ذلك شهوة الأكل وشهوة النكاح " و " ~~لو " لم يكن ذلك طبعا لافتقر إلى داع آخر فيتسلسل، أو يبقى فاترا عن ذلك ~~فيهلك شخصا أو نوعا، فسبحان المدبر الحكيم. # ثم لما كانت الشهوتان أعني الأكل والنكاح لا تحصلان إلا من مادة وهي ~~المال وبه يحصل المأكول، والنساء وبهن يحصل النكاح المؤدي إلى التناسل ~~المذكور، والنساء لا يحصلن إلا بالمال أيضا، طبع الله فيه حب المال وحب ~~النساء وكل ما يستعان به في ذلك الباب من صحة وقدرة وجاه، وذلك هو مجموع ~~الدنيا، فكانت الدنيا محبوبة طبعا للحكمة المذكورة، وكان ميل النفس إلى سيئ ~~من هذه المحبوبات بمقتضى الشهوتين المذكورتين، وهو المعبر عنه الهوى طبعا ~~في الإنسان، وكل ذلك في أصله رحمة من الله تعالى للإنسان كما ترى، إذ لولا ~~ذلك لم يستمر له وجود. # ثم جعل الله تعالى العبد متأثرا بالعوارض في بدنه وفي ماله وفي حريمه ~~ونحو ذلك فافتقر إلى احتماء عن ذلك ودفاع فطبع فيه الغضب وهو أيضا رحمة منه ~~تعالى، إذ لولا هو لم ينتهض للدفع عن نفسه ولا حريمه ولا ماله ولا جاره ولا ~~غير ذلك ولا لتغيير منكر ولا نحو ذلك. # ثم إن النفس لما كان فيها ذلك طبعا استعدت لأن تتقاضاه من كل وجه " طلبا ~~" لحصول المرام على التمام فتأكل مثلا وتبالغ ولا تقتصر على القدر المحتاج، ~~ولا تتنزه عن الزائد المضر، وتشرب ms057 كذلك وتنكح، ثم لا تبالي من أي وجه حصل ~~ذلك أمن مأذون فيه أم محرم، لأن سعيها طبعي لا شرعي، وكذا في غضبها ~~ودفاعها، فمتى تركت وذلك أضرت بالعبد عاجلا بحصول الأمراض وإتلاف الأموال ~~في الشهوات وانتهاك الأعراض والمروءات وكثرة اللجاج والعدوان والهلاك ~~والبوار، وآجلا بالتعريض لطول الحساب، وأليم العقاب، عند وجوب التكليف، ~~وهذه هي المضرة المنسوبة للنفس، فخلق الله تعالى العقل ليكون محتسبا عليها ~~حتى تكون فيما ذكر من الشهوة والغضب تابعة لإشارة العقل أخذا وتركا، وأودع ~~الله تعالى في العقل إدراك المصالح والمفاسد والمنافع والمضار حتى يعلم ما ~~يشير به أمرا ونهيا ليجري الأمر على السداد، فلا يقع قصور عن المراد، ولا ~~التعدي إلى ما يوجب الفساد. # ثم لما كان العقل أيضا معرضا للخطأ وللقصور عن كثير من المصالح وللجهل ~~بكثير من المدارك ولا سيما المغيبات لأن النقصان شأن المخلوق افتقر هو أيضا ~~إلى مؤيد إما إلهام من الله تعالى وإما عقل آخر أكمل كما في حال التربية ~~وتلقين الحكمة، وإما وحي سماوي وهو أكمل، فأنزلت الأحكام إليها عند أهل ~~الحق لا إلى العقل فصار العقل مؤيدا للشرع ومتأيدا به. # PageV01P030 # ثم إن إبليس اللعين عندما وقع له من الخزي والطرد مع صفي الله آدم عليه ~~السلام ما وقع صار عدوا له حسودا حقودا وكذا لذريته إلى يوم القيامة، قال ~~تعالى:) يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك (وقال تعالى: ") إن الشيطان لكم عدو ~~(وقال تعالى:) إنه لكم عدو مبين (" وقال تعالى:) إن الشيطان لكما عدو مبين ~~(إلى غير ذلك. فكان دأبه السعي في مضرة الآدمي كما يسعى كل عدو في مضرة ~~عدوه، ولم يجد إلى مضرته سبيلا أيسر ولا سببا أنجح من أن يأتيه من قبل ~~النفس وطريق الطبع فيزين له ما طبع من الشهوات، ويسول له كل قبيح، قال ~~تعالى:) الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء (فحصل اتفاق بين النفس ~~والشيطان على مضرة الآدمي، غير أن المقصد مختلف، فإن النفس لم تكن منها ~~المضرة عن قصد وعداوة، كيف ms058 ولا أحب إلى كل أحد من نفسه؟ بل جهلا وغلطا، ~~وذلك أنها أدركت ما في طبعها من الشهوات الحاضرة فاستحسنته، وظنت أن ذلك هو ~~كمال صاحبها إذا ناله، فجاء الشيطان فأغراها مما استحسنت، وزين لها ما ظنت، ~~فاعتقدته نصيحا، واتخذته خليلا، تلبي دعوته، وتجيب رغبته، فأتي الإنسان ~~منها، وتمكن منه عدوه من طريقها، فصارت من هذه الوجه عدوة بل أكبر الأعداء. # وأما الشيطان لعنه الله فهو يفعل ما يفعل عن عداوة وقصد إضرار، فإنه لما ~~خاب من رحمة الله وطرد عن بابه، نسأل الله العافية، أراد أن يسعى في خيبة ~~الآدمي وبعده عن الله وحرمانه من نعيم الجنة باتباع الدنيا وغرورها ~~والإكباب على شهواتها. # واعلم أن الشيطان لشدة عداوته للإنسان ليس له غرض في اتباع الإنسان ~~للشهوات وتمتعه باللذات، بل لو أمكنه أن يسعى في حرمانه دائما فلا ينال لذة ~~عاجلة ولا آجلة، ولا يحصل على منفعة في الدنيا ولا في الآخرة لكان ذلك هو ~~منيته ورغبته، وهو مقتضى العداوة وثمرة الحسد، إلا أنه لما لم يمكنه ذلك ~~لفرضان رحمة الله على عباده وسبوغ نعمه عليهم رأى أن يرتكب به أعظم الضررين ~~فيستزله عن أعظم الحظين بل الحظ الذي هو الحظ، وهو الأخروي، ويستهويه إلى ~~الحظ الدنيوي، ورأى أنه إذا خاب عن النفيس الباقي واستبدله بالخسيس الفاني ~~فقد خاب، والأمر كذلك. فإن ما في الدنيا لو كان نفيسا وهو بصدد الانقطاع لم ~~يلتفت إليه، فكيف وهو مع ذلك خسيس " مشوب " متكدر. بل لو كان نعيم الآخرة ~~النفيس ينقطع لوجب أن يلتفت إليه، إذ النفس إنما تجد النعمة ما دامت ~~متناولة لها، فإذا انقطعت عنها تكدرت كالصبي الراضع متى صرف الثدي عن فيه ~~صاح. # وما مثال النفس في ذلك إلا مثال المرأة في قوله صلى الله عليه وسلم: " ~~إنهن يكفرن العشير، وإنك لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئا ~~قالت ما رأيت منك خيرا قط ". فقد تحصل من هذا أن النفس مضرة بالإنسان من ~~وجهين: أحدهما " أنها " تميل ms059 طبعا إلى الشهوات وتخلد إلى الرعونات، الثاني ~~أنها مسلك الشيطان إلى الإنسان كما مر، وإن الشيطان مضر للإنسان أبدا ~~بوسوسته وتزيينه للنفس. # وهذه كلها أسباب جعلية اقتضتها الحكمة، والنافع والضار بالحقيقة هو الله ~~تعالى، وتبين أن النفس تابعة للشيطان في مضرة الإنسان سفها منها وغلطا، لا ~~عداوة، ولسان حالها ينشد قول القائل: # وخلتهم سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي ### | الخاطر النفساني والخاطر الشيطاني # ومن أجل ما ذكرنا بين النفس والشيطان من اختلاف الوجه، وتباين المقصد فرق ~~أئمة التصوف رضوان الله عليهم بين الخاطر النفساني والخاطر الشيطاني بعد ~~اشتراكهما في الحض على السوء في الجملة، وهو أن الخاطر إذا تقاضى معصية ~~مثلا بعينها فإن أصر على ذلك فهو نفساني، وإن جعل يتحول من معصية إلى أخرى ~~فهو شيطاني، ووجه ذلك أن النفس إنما تطلب المعصية بمقتضى طبعها فيها من حيث ~~أنها شهوة لا غير، فلا تريد أن تنفك عنها حتى تنالها بعينها. # وأما الشيطان فليس طلبه من الإنسان أن ينال شهوة ومتعة من حيث التنعم بها ~~فإنه عدو، بل من حيث إنها معصية موجبة للعقاب، فمتى دعاه إلى واحدة وتعسرت ~~أو تلكأ عليه فيها دعاه إلى أخرى لقيامها مقامها في المقصود، وهو حصول ~~الإثم واستحقاق النار، نعوذ بالله تعالى من شره. # PageV01P031 # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | الحقيقة والشريعة # خطر لي ذات ليلة بيت للملك الضليل امرئ القيس بن حجر فوجدته قد احتوى على ~~مقتضى الشريعة الظاهرة والباطنة، وتضمن كل ما تحصل عن دواوين أئمة الدين ~~وأقاويل الصوفية، فقضيت العجب من ذلك، وعلمت أن الله تعالى من باهر قدرته ~~وعجيب حكمته يبرز الحكمة على لسان من شاء وإن لم يكن من أهلها، كما قال بعض ~~السلف حين سمع بعض الولاة نطق بحكمة: خذوها من قلب خرب، وتبينت إشارة قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " الحكمة ضالة المؤمن " أي فحقه أن يتلقفها ممن وجدها ~~عنده، وإن لم يكن مرضيا كما يأخذ ضالته من الدنيا كذلك، وتبينت صدق قوله ~~صلى الله عليه وسلم: " إن ms060 من الشعر لحكمة "، وقول الحكماء الأولين: أنزلت ~~الحكمة على ثلاثة أعضاء في الجسد: على قلوب اليونان، وأيدي أهل الصين، ~~وألسنة العرب، والبيت المذكور هو قوله: # الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل # فالشطر الأول قد احتوى على الحقيقة كلها، وهي باطن الشريعة، فإن معناه أن ~~ما طلبته بالله فأنت منجح فيه. وهو كما قال في " الحكم العطائية ": " ما ~~تعسر مطلب أنت طالبه بنفسك " ومعلوم أنك لست تروم ذلك إلا وأنت تعرف الله ~~تعالى وأنه حق لا شريك له، وأنه هو الفاعل المدبر النافع الضار، ثم تنفي عن ~~نفسك وعن حولها وقوتها وتدبيرها واختيارها وتبغي بربك. وهذا هو سر ~~العبودية، وهو الكنز الذي يحوم حوله المريدون، ويعنو إليه السالكون، وهو ~~المشار إليه في قوله صلى الله عليه وسلم: " لا حول ولا قوة إلا بالله كنز ~~من كنوز الجنة "، وهذا هو كلية الأمر، ولا حاجة إلى التطويل. والشطر الثاني ~~قد تضمن الشريعة كلها، وهي ان البر خير ما تحمله العبد وادخره، أي والفجور ~~شر ما تحمله، ويدخل في البر بر العبد مع ربه بطاعته له قولا وفعلا ~~واعتقادا، وكذا مع من أوجب الله تعالى طاعته من نبي وأمير ومالك ووالد ~~ونحوهم، وبره مع الناس بالإحسان فعلا وقولا وخلقا، وهو مجموع ما يطلب شرعا ~~ولا حاجة إلى التطويل. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | أبيات الحكمة والتمثيل # واعلم أن البيت قد اشتمل على مثلثين مستقلين كما رأيت، فرأيت أن أستطرد ~~هنا من أبيات الحكمة والتمثيل نبذة صالحة يقع بها الإمتاع، ويحصل الانتفاع، ~~فمن ذلك قول لبيد: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل # واعلم أن هذا البيت مع كونه في غاية الحكمة وكونه قد شهد له الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بذلك كما ورد في الحديث: " أصدق كلمة قالها الشاعر قول ~~لبيد: ألا كل شيء ما خلا ### | .... # البيت "، يسأل عنه فيقال مثلا في المصراع الأول: إن معرفة الله تعالى ~~وشرعه ودينه وأنبياءه ونحو ذلك داخل فيما ms061 جعله باطلا وليس بباطل، وفي ~~الثاني: إن نعيم الآخرة غير زائل فيلزم انتقاض الكليتين. # والجواب عن الأول من وجهين: أحدهما أن المراد ما سوى الله تعالى وما ~~انضاف إليه، كما وقع في الحديث: " الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر ~~الله وما والاه وعالم أو متعلم " وهذا واضح، فإن صفات الله تعالى لا تدخل ~~في الباطل لانضيافها إلى الذات وشمول الاسم لها، فكذلك كل منضاف. # الثاني أن هذا كلام في الحقائق، ولا شك أن الله تعالى هو قديم واجب ~~الوجود، فهو حق ثابت، والعالم كله محدث، فهو باطل لا ثبوت له من ذاته لكن ~~بإثبات الله تعالى، وهذا الوجه أيضا واضح لا شبهة فيه، والموجودات كلها متى ~~اعتبرت إضافتها وتعلقها بالله تعالى كانت حقا به، وهي باطلة بحسب ذاتها ~~ومنها ما هو حق باعتبارين أعني بهذا التعلق وبإثبات الله له شرعا كما في ~~الوجه الأول، وهو مع ذلك باعتبار ذاته، ولا تنافي في شيء من ذلك، فافهم. # والجواب عن الثاني ثلاثة أوجه: الأول أن المراد نعيم الدنيا، لأنه هو ~~المعروف الشاهد، لا سيما في حق هذا القائل، فإنه كان حين قوله ذلك جاهليا، ~~لا ذكر للآخرة عنده، فإن قيل: من لك بأنه إذ ذاك جاهلي؟ ولعله قال هذا بعد ~~الإسلام، قلت: قد استفاض في شأنه أنه لم يقل بعد الإسلام إلا بيتا واحدا، ~~وهو قوله: # PageV01P032 # الحمد لله إذ لم يأتني أجلي ... حتى لبست من الإسلام سربالا # على أنه لو كان بعد الإسلام لكان إرادة الدنيوي في غاية الوضوح، إذ ~~المراد تهوين أمر الدنيا والتنفير عنها والتزهيد فيها كما وقع ذلك في كلام ~~كثير من أهل الإسلام. # الثاني أن يكون أيضا كلاما في الحقائق، فإن النعيم كله ممكن حادث، فهو ~~بصدد الزوال والفناء فعلا أو قوة، وما بقي منه إنما بقي بإبقاء الله تعالى ~~لا بذاته. # الثالث أن يراد أن كل نعيم ناله العبد وتنعم به فهو زائل عنه قطعا ~~بالشخص، وإنما تتجدد أمثاله، وهذا قدر مشترك بين الدنيوي والأخروي، قال ms062 ~~النبي صلى الله عليه وسلم في متاع الدنيا: " وإنما لك من مالك ما أكلت ~~فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت ". # وقال تعالى في نعيم الآخرة:) كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا قالوا هذا ~~الذي رزقنا من قبل (. وقول الحطيئة: # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس # وقول طرفة بن العبد: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # وكان صلى الله عليه وسلم ينشده أحيانا استحسانا فيقول: ويأتيك من لم ~~تزوده بالأخبار، ويقول: " هما سواء " أي التركيبان، يعني في المعنى، فيقول ~~أبو بكر رضي الله عنه: أشهد أنك رسول الله، قال تعالى:) وما علمناه الشعر ~~(وقول النابغة: # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث، أي الرجال المهذب؟ # وقول امرئ القيس: # وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب # " وأخذه أبو تمام فقال: # وضعيفة فإذا أصابت قدرة ... قتلت، كذلك قدرة الضعفاء # البيت من قصيدته التي مطلعها: # قدك اتئب أربيت في الغلواء ... كم تعذلون وأنتم سجرائي # والبيت شحره التبريزي بقوله: يقول: " الخمر على شدتها ضعيفة ليس لها بطش، ~~فإذا أكثرت منها قتلت ". وقوله: " كذلك قدرة الضعفاء يعني أن الضعيف يعمل ~~الشيء بفرق فهو لا يبقي مخافة أن يعطف عليه فلا يكون له فضل في المقاومة ". # وقول زهير: # ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم # وأخوات هذا البيت في ميميته مثله، وهي مشهورة لا نطيل بها. # غيره: # لذي الحلم قبل ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما # وقوله: # قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد # غيره: # العبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الملامه # وقول عبد الله بن معاوية: # فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا # وقول القطامي: # قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل # وقوله: # والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهي، ولأم المخطئ الهبل # وسبقه إلى الأول عدي بن زيد في قوله: # قد يدرك المبطئ من ms063 حظه ... والخير قد يسبق جهد الحريص # وقول عمرو بن براقة: # فما هداك إلى أرض كعالمها ... ولا أعانك في عزم كعزام # وقول عبد الله بن همام: # وساع مع السلطان ليس بحارس ... ومحترس من مثله وهو حارس # وقول عبيد بن الأبرص: # الخير يبقى وإن طال الزمان به ... والشر أخبث ما أوعيت في زاد # وقول حسان بن ثابت رضي الله عنه: # رب حلم أضاعه عدم الما ... ل وجهل غطى عليه النعيم # وزعموا أن حسان بينما هو في أطمه، وذلك في الجاهلية، إذ قام في جوف الليل ~~فصاح: يا للخزرج فجاءوا وقد فزعوا، فقالوا: ما لك يا ابن الفريعة فقال: بيت ~~قلته فخفت أن أموت قبل أن أصبح فيذهب ضيعة، خذوه عني، فقالوا: وما قلت؟ ~~فأنشد البيت المذكور. # وقول أبي ذؤيب: # والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع # وقول زهير: # وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وتغرس إلا في منابتها النخل # غيره: # أرى كل عود نابتا في أرومة ... أبى منبت العيدان أن يتغيرا # وقول بشار: # تأتي المقيم وما سعى حاجاته ... عدد الحصا ويخيب سعي الطالب # غيره: # PageV01P033 # متى ما تقد بالباطل الحق يأبه ... وإن قدت بالحق الرواسي تنقد # وقول عبيد: # من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب # غيره: # يفر جبان القوم عن أم نفسه ... ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه # " ويرزق معروف الجواد عدوه ... ويحرم معروف البخيل أقاربه " # فهذا كله ونحوه مشتمل على مثلين كبيت امرئ القيس، وقد يكون مثلا واحدا ~~لقول طرفة: # رأيت القوافي يتلجن موالجا ... تضايق عنها أن توالجها الإبر # " وهو معنى قول الأخطل: والقول ينفذ ما لا تنفذ الإبر ". # وقول علقمة: # إذا شاب رأس المرء أو قل ماله ... فليس له في ودهن نصيب # وهو لامرئ القيس في قوله: # أراهن لا يحببن من قل ماله ... ولا من رأين الشيب فيه وقوسا # ومنه قول الأعشى: # وأرى الغواني لا يواصلن امرءا ... فقد الشباب وقد يصلن الأمردا # وقول أبي تمام: # أشهى الرجال من النساء مواقعا ... من كان أشبههم بهن خدودا # وقول علقمة بن عبدة: ms064 # وكل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عديدهم بأثافي الدهر مرجوم # وكل حصن وإن طالت سلامته ... على دعائمه لا بد مهدوم # وقول الآخر: # " وما رزق الإنسان مثل منية ... أراحت من الدنيا ولم تخز في القبر " # وقول ابن حازم: # لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل # ومثله قول منصور النمري: # ما كنت أوفي شبابي حق غرته ... حتى مضى فإذا الدنيا له تبع # وقول امرئ القيس: # إذا المرء لم يخزن عليه لسانه ... فليس شيء سواه بخزان ونحوه: # إذا ضاق صدر المرء عن كتم سره ... فصدر الذي يستودع السر أضيق # وقوله: # إذا جاوز الاثنين سر فإنه ... يبث وإفشاء الحديث قمين # وقد قيل: الاثنان هنا الشفتان، وقول طرفة: # وإن لسان المرء ما لم يكن له ... حصاة على عوراته لدليل # الحصاة: العقل وهو إشارة إلى قول الحكماء: لسان العاقل من وراء عقله، ~~ولسان الأحمق على العكس، وقول الخنساء رحمها الله: # ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي # وقول الآخر: # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل # وغيره: # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند # غيره: # إذا لم تعرض عن الجهل والحنا ... أصبت حليما أو اصابك جاهل # غيره: # كل امرئ راجع يوما لشيمته ... وإن تخلق أخلاقا إلى حين # ونحوه: # ومن يبتدع ما ليس من سوس نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها # السوس والخيم: الطبيعة. # ونحوه: # إن التخلق يأتي دونه الخلق # وقد يكون المثل جزءا لبيت كهذا، ونحوه للنابغة: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مطلب # وقوله: # لمبلغك الواشي أغش وأكذب # وقول دريد: # متبذلا تبدو محاسنه ... يضع الهناء مواضع النقب # وقول الصلتان العبدي: # نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجات من عاش لا تنقضي # وقول الآخر: # تدس إلى العطار سلعة بيتها ... وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر # وقول زهير: # لهم في الذاهبين أروم صدق ... وكان لكل ذي حسب أروم # وقوله: # كذلك خيمهم ولكل قوم ... إذا مستهم الضراء خيم # وقول الآخر: # تسائل عن حصين كل ركب ms065 ... وعند جهينة الخبر اليقين # وهذه الأنواع لا يأتي عليها الحصر، وإنما أردنا بعضا من مختار ذلك ~~ومشهوره، وما تركناه أكثر، وقد يشتمل البيت على ثلاثة أمثال أو أربعة، وهو ~~قليل بالنسبة إلى غيره، فمن غير ذلك قول زهير: # وفي الحلم إذعان وفي العفو دربة ... وفي الصدق منجاة من الشر فاصدق # غيره: # العلم يجلو العمى، والجهل مهلكة ... واللاعب الرفل الأذيال مكذوب # وقول صالح: # كل آت لا بد آت وذو الجه ... ل معنى والهم والغم فضل # وقولي من قصيدة: # فلا تهتبل للحادثات ولا تثق ... بما وهبت يوما فموهوبها معرى # PageV01P034 # مقربها مقصى ومرفوعها لقى ... ومنهلها مظما ومكسوها معرى # وقولي فيها: # وإن أبصروا بالمملق اهتزأوا به ... ومدوا إليه طرفهم نظرا شزرا # وقالوا بغيض إن نأى ومتى دنا ... يقولون ثقيل مبرم " أدبر الفقرا " # فإن غاب لم يفقد، وإن عل لم يعد ... وإن مات لم يشهد، وإن ضاف لم يقرا # وهذا الباب لا ينحصر، وقد أودعنا منه " كتاب الأمثال والحكم " قدرا ~~صالحا، ولنقتصر على هذا القدر هنا خوفا من الملل. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | روايات المؤلف عن محمد الحاج الدلائي # حدثني الرئيس الأجل أبو عبد الله محمد الحاج بن محمد بن أبي بكر الدلائي ~~رحمه الله قال: لما نزلنا في طلعتنا إلى الحجاز بمصر المحروسة خرج للقائنا ~~الفقيه النبيه أبو العباس أحمد بن محمد المقري قال: وكنت أعرفه عند والدي ~~لم يشب، فوجدته قد شاب، فقلت له: شبت يا سيدي فاستضحك ثم قال: # شيبتني غرندل ويحار ... وبحار فيها اللبيب يحار # قال: وحدث أنهم كانوا ركبوا بحر سويس فهال بهم مدة من نحو ستة أشهر، وهم ~~يدورون دورانا، وأنه ألف في تلك المدة موضوعا في علم الهيئة وسارت به ~~البركان، فلما خرج من البحر وتصفحه وجد فيه الخطأ الفاحش، وقد فات تداركه، ~~وذلك مما وقع له من الهول. قال: وإذا هو قد خرج معه برجل ضرير البصر فقال: ~~هذا الضرير من أعاجيب الزمان في بديهة الشعر، فألق عليه أي بيت شئت يأت ~~عليه ارتجالا بما ms066 شئت من الشعر، ثم عهده به أن يقوله فلا يبقى شيء منه في ~~حفظه، فأتيتكم به لتشاهدوا من عجائب هذه البلاد ونوادرها وتذهبوا بخبر ذلك ~~إلى بلادكم قال: فاقترحوا مني بيتا يقول عليه، فحضر في لساني بيت ابن ~~الفارض: # سائق الأظعان يطوي البيد ... مسرعا عرج على كثبان طي # قال: فذكرته فاندفع على هذا الروي مع صعوبته حتى أتى بنحو مائة بيت ~~ارتجالا. # قلت وهذا غريب، فإن هذا القدر كله يعز وقوعه من العرب المطبوعين فكيف ~~بالمولدين؟ فكيف بآخر الزمان الذي غلبت فيه العجمة على الألسن؟ ولكن رب ~~الأولين والآخرين واحد، تبارك الله أحسن الخالقين! وحدثني أن الفقيه أبا ~~العباس المذكور كان أيام مقامه بمصر قد اتخذ رجلا عنده بنفقته وكسوته وما ~~يحتاج على أن يكون كلما أصبح ذهب يقتري البلد أسواقا ومساجد ورحابا وأزقة، ~~وكل ما رأى من أمر واقع أو سمع يريحه عليه بالليل فيقصه عليه. # قلت: وهذا اعتناء الأخبار والنوادر والتواريخ. # وقد كان نحو هذا لشيخ مشايخنا أبي عبد الله محمد العربي ابن أبي المحاسن ~~يوسف الفاسي، فكان من دأبه أنه متى لقي إنسانا يسأله من أي بلد هو؟ فإذا ~~أخبره قال: من عندكم من أهل العلم؟ من عندكم من أهل الصلاح؟ ومن الأعيان؟ ~~فإذا أخبره بشيء من ذلك كله سجله، وهذا الاعتناء بالأخبار والوقائع ~~والمساند ضعيف جدا في المغاربة، فغلب عليهم في باب العلم الاعتناء بالدراية ~~دون الرواية، وفيما سوى ذلك لا همة لهم. # وكان أبو عبد الله المذكور يذكر في كتابه " مرآة المحاسن " أنه كم في ~~المغرب من فاضل ضاع من قلة اعتنائهم، وهو كذلك. # وقد سألت شيخنا الأستاذ أبا عبد الله ابن ناصر رحمه الله ورضي عنه يوما ~~عن السند في بعض ما كنت آخذه عنه فقال لي: إنا لم تكن لنا رواية في هذا، ~~وما كنا نعتني بذلك. قال: وقد قضيت العجب من المشارقة واعتنائهم أمثال هذا ~~حتى إني لما دخلت مصر كان كل من يأخذ عني عهد الشاذلية يكتب الورد والرواية ~~والزمان والمكان ms067 الذي وقع فيه ذلك. ### | منافسة علماء مصر لأحمد المقري # PageV01P035 # رجعنا إلى الحديث الأول قال: ووجدت الفقيه أبا العباس المذكور قد وقع ~~بينه وبين طلبة العلم من أهل مصر شحناء عظيمة، وحدث أن سببها اتفاق غريب، ~~وهو أنه حضر ذات يوم سوق الكتب وهو إذ ذاك لم يعرف، فوقع في يده سفر من ~~تفسير غريب، ففتح على " تفسير " سورة النور. فإذا هو قد تعرض لمسألة فقهية ~~غريبة، وذكر فيها اختلافا وتفصيلا وتحقيقا، فحفظ ذلك كله على الفور، وكان ~~رجلا حافظا، ثم اتفق عن قريب أن اجتمع علماء البلد في دعوة وحضر معهم، فلما ~~استقر بهم المجلس إذا سائل في يده بطاقة يسأل عن تلك المسألة نفسها، فدفعت ~~للأول من أكابر أهل المجلس، فنظر فكأنه لم يحضره فيها ما يقول، فدفعها لمن ~~يليه، ثم دفعها الآخر للآخر وهكذا حتى بلغت أبا العباس المذكور، فلما ~~تناولها استدعى الدواة فكتب عليها الجواب بنحو ما حفظ، فجعلوا ينظرون إليه ~~متعجبين، فلما فرغ تعاطوها فقالوا: من ذكر هذا؟ فقال لهم: ذكره فلان في ~~تفسير سورة النور، فالتمسوا التفسير فإذا الأمر كما ذكر، فدخلهم من ذلك ما ~~هو شأن النفوس. # قلت: وليس هذا ببدع، فما زال هذا الجنس يتحاملون على من توسموا فيه شفوفا ~~عنيهم، أو مزاحمة في رتبة أو حظ إلا من عصمه الله، وقليل مثلهم. # كضرائر الحسناء قلن لوجهها ... حسدا وبغضا أنه لدميم. # وقد أفتى بعض الفقهاء أنه لا تقبل شهادة بعضهم على بعض لهذا المعنى، ولا ~~شك أنه " ليس " على العموم، ولكنه شائع معلوم. # فمن ذلك ما وقع للإمام سيبويه مع أهل الكوفة، وقصته مشهورة. # وما وقع لسيف الدين الآمدي مع أهل مصر، فإنه لما برز عليهم في العلوم ~~أنكروه ونسبوه إلى الأهواء، وكتبوا عليه رسما بذلك، فكانوا يدفعونه بعضهم ~~لبعض ليوقعوا فيه الشهادة على ذلك، فكانوا يشهدون حتى انتهى إلى بعض من ~~وفقه الله وعصمه فوقع تحت الشهادات. # حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه ... فالقوم أعداء له وخصوم # وقد تناهى به ذلك حتى ms068 خرج من مصر. # وما وقع للفقيه محمد بن تومرت المعروف بالمهدي إمام الموحدين، فإنه دخل ~~مدينة مراكش مقفله من المشرق، فحرك العلوم العقلية، وكانوا أهل بادية لا ~~يعرفون ذلك، فقالوا: هذا أدخل علينا علوم الفلاسفة، ووشوا به إلى اللمتوني ~~حتى كان من أمره ما كان. # و" مثله " ما وقع للإمام أبي الفضل بن النحوي حين دخل سجلماسة فجعل يدرس ~~أصول الدين وأصول الفقه، فمر به عبد الله بن بسام أحد رؤساء البلد فقال: ما ~~العلم الذي يدرسه هذا؟ فأخبروه، وكانوا قد اقتصروا على علم الرأي فقال: هذا ~~يريد أن يدخل علينا علوما لا نعرفها، وأمر بإخراجه، فقام أبو الفضل ثم قال ~~" له ": أمت العلم أماتك الله ههنا، قالوا: وكانت عادة أهل البلد أن يعقدوا ~~الأنكحة في المسجد، فاستحضروا ابن بسام لعقد نكاح صبيحة اليوم الثاني من ~~ذلك اليوم، فخرج سحرا وقعد في المكان المذكور، فمرت عليه جماعة من ملوانة ~~إحدى قبائل صنهاجة فقتلوه برماحهم، وارتحل أبو الفضل إلى مدينة فاس فتسلط ~~عليه القاضي ابن دبوس ولقي منه ما لقي من ابن بسام، فدعا عليه أيضا فهلك، ~~ولما رجع إلى وطنه القلعة واشتغل بالتقشف تسلط عليه ابن عصمة أيضا فقيه ~~البلد بالإذاية. # وهذا النوع أعني الفقهاء ولا سيما أرباب المناصب منهم كالقضاة لم يزالوا ~~متسلطين على أهل الدين كما وقع لهذا، وكما وقع للقاضي ابن الأسود مع الإمام ~~العارف أبي العباس بن العريف ولابن " أبي " البراء مع القطب الجامع أبي ~~الحسن الشاذلي وكلهم قد أخذهم الله بذنوبهم في الدنيا قبل الآخرة، نسأل ~~الله تعالى العصمة من اتباع الهوى، ونعوذ بالله أن نظلم أو نظلم، إنه ~~الحفيظ الرحيم. # PageV01P036 # وحدثني الحاج المذكور أيضا قال: دخلنا مكة شرفها الله فدخلت ذات يوم ~~المسجد الحرام فإذا هو غاص بأهله والناس مزدحمون فقلت: ما هذا؟ فقالوا: ~~جنازة ولد توفي للشيخ يوسف الوفائي وكان حاضرا في تلك الحجة، قال: وكنت ~~أعرفه، فجئت إليه لأعزيه في مصيبته، فاستأذنت عليه فأذن لي، فدخلت عليه وهو ~~مع أصحابه فإذا هو ms069 يتحدث وهو في غاية ما يكون من البسط والسرور، قال: فجلست ~~أمامه وقلت: أعظم الله أجرك فأنكر علي غاية الإنكار وقال: أمثلك يقول هذا؟ ~~وقد طالما كنت أتمنى أن يجعل الله " جسدي في هذه البقاع المشرفة، واليوم قد ~~جعل الله " بعضي فيها، فله الحمد وله الشكر، أو كلاما هذا معناه رحمة لله ~~ورضي عنه، " و " إنما أذكر مثل هذه القصة للاعتبار والائتساء. # وحدثنا أيضا قال: بتنا عند الفقيه الشيخ علي الأجهوري برسم زيارة، فبات ~~ليله على النظر في كتب العلم، وهو يشرب الدخان، فكان له صاحب بعمر له ~~الدواة حتى إذ فرغت عمر أخرى، ويرى حليته. # قال: وكان الشيخ إبراهيم اللقاني معاصره وبلديه يفتي بحرمته. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | قضاء الحاجات عند الصلحاء # وكان يحدثناعن أسلافه أن ثلاثة من صلحاء الغرب قد جرب عندهم قضاء ~~الحاجات: الشيخ عبد السلام بن مشيش، والشيخ أبو يعزى " يلنور " والشيخ أبو ~~سلهام، غير أنهم اختلفوا، فالأول في أمور الآخرة، والثالث في أمور الدنيا، ~~وأبو يعزي في الكل، نفعنا الله بهم وبأمثالهم. # وقد ذكر غيره كالشيخ زروق أن هؤلاء الثلاثة أبا يعزى وأبا العباس السبتي ~~وأبا مدين قد وقع الانتفاع بهم بعد الموت، وهذا بحسب ما اشتهر وانتشر، وإلا ~~فالانتفاع واقع بأولياء الله كثيرا في كل أرض. # وقد شاهدت المولى أدريس بن إدريس رضي الله عنه أيام مقامي بمدينة فاس ~~ترياقا في كل ما أنزل به من حاجة. # وحدثونا في درعة عن الشيخ سيدي أحمد بن إبراهيم أنه كان يقول لهم: إن ~~سيدي أبا القاسم الشيخ وهو معروف هنالك يقضى عنده ما يقضى عند الشيخ أبي ~~يعزى. # وحدثني بمدينة مراكش الفاضل أبو العباس أحمد بن أبي بكر الهشتوكي قال: ~~رأيت ذات ليلة فيها يرى النائم أني دخلت مقام الشيخ أبي عبد الله محمد بن ~~سليمان الجزولي، فإذا هو جالس وهو يقول، من كانت له إلى الله حاجة فليأتنا، ~~قال فلما أصبحت وكان أمير الوقت قد بعث إلى أهل المدينة أن يعطوا الرماة، ~~وشق ms070 عليهم ذلك كثيرا، وكان قوم قد ذهبوا إليه وعزموا أن يسعوا في إذايتي، ~~فجئت أليه فقلت: إنك قلت كذا، وها أنا ذا قد جئت في هاتين الحاجتين، قال: ~~فقضى الله الحاجتين معا. # وحدثني أيضا الأخ الصالح أبو عبد الله محمد بن أحمد الهشتوكي قال: بلغني ~~عن الفقيه سيدي عبد الواحد الشريف أنه حدث أصحابه فقال لهم: كنا خرجنا ونحن ~~نفر ثلاثة لزيارة الشيخ عبد الخالق بن ياسين الدغوغي، فلما كنا ببعض الطريق ~~قلنا: تعالوا فليذكر كل واحد منكم حاجته التي يريدها، قال: فأما أنا فقلت ~~لهم: إني أريد كرسي جامع المواسين، وأما الثاني فقال: أريد أن أتولى ~~الحكومة في البلد، وأما الثالث فقال: أريد محبة الله تعالى، قال: فزرنا، ~~فأما أنا وصاحبي فقد تولينا ما طلبنا، وأما الآخر فبخروجه من مقام الشيخ ~~تحرك وفغر فاه واستقبل البرية، فكان ذاك آخر العهد به، وقد قضى الله ~~الحاجات كلها. # وكانت أهلي أيام كنا بالزاوية البكرية قد تراخت عنها الولادة، فدخلها من ~~ذلك غم عظيم، فأصبحت ذات يوم فأخبرت أنها رأت أنها ذهبت إلى مقام سيدي أبي ~~علي الغجاتي، " فقالت فوجدته جالسا وأنا في غاية العطش " فإذا حوله عين ~~يرشح منها ماء قليل. لا يغني، فقلت: يا سيدي ما هذا؟ جئت إليك عطشى رجاء أن ~~أشرب، أفأرجع كما جئت؟ قال: لا، إن الماء ثم، انبشي يخرج، فقالت: فنبشت ~~بيدي فخرج الماء وشربت حتى رويت، وطلبت مني أن نزوره وأن نطعم عنده طعاما ~~ففعلنا، فولد ولدنا محمد الكبير أصلحه الله وأمتع به. # ولما نزلنا بالزاوية المرة الثانية مقفلنا من حضرة مراكش كانت لنا بنية ~~عجزت عن النهوض وهي في سن من يمشي، فظنناها مقعدة فذهب بها الخدم إليه ~~وزوروها فقامت بالفور على رجلها تمشي، وأمثال هذه الأمور لو تتبعنا منها ما ~~رأينا وما سمعنا لملأنا بها الدواوين. # PageV01P037 # نعم رأيت لبعضهم أن الولي إذا مات أنقطع تصرفه من الكون، وما يحصل لزائره ~~مثلا إنما يحصل له على يد قطب الوقت بحسب درجة ذلك الولي، والله ms071 تعالى ~~أعلم. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | الحرة تكفي وتغني # وكان أيضا رحمه الله كثيرا ما ينشدنا " لبعضهم ": # إذا لم يكن في منزل المرء حرة ... تدبر أمرا نابه فهو ضائع # وقوله في البيت حرة يحتمل أن يريد بها ضد الأمة لأن الحرائر مظنة العقل ~~والتجربة والغناء والكفاية، والظاهر أن المراد أخص " من ذلك " وهي الكاملة ~~الحرية، كما يقال لكامل الرجولية: فلان رجل، وذلك أن ليس كل حرة تكفي ~~وتغني، بل رب أمة لبيبة أقوم من حرة، فالمرأة الصالحة الكيسة الصينة هي ~~التي تراد. # وفي الحديث: " تنكح المرأة لدينها وجمالها ومالها، فاظفر بذات الدين " " ~~تربت يمينك ". # وفي الحديث أيضا: " الدنيا كلها متاع، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة ~~". # وفي الحديث: " إن المرأة الصالحة بين النساء كالغراب الأعصم بين الغربان ~~" وذلك لعزة من تستكمل المعتبر من الأوصاف، أو لعزة الدين فيهن، فإنهن ~~ناقصات عقل ودين. # وروي عن نبي الله داود أنه قال لابنه سليمان عليهما السلام: يا بني، إن ~~المرأة الصالحة كمثل التاج على رأس الملك، وإن المرأة السوء كالحمل الثقيل ~~على الشيخ الكبير. # وعن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه: النساء ثلاث: امرأة عاقلة مسلمة ~~عفيفة هينة لينة ودود ولود، تعين أهلها على الدهر، ولا تعين الدهر على ~~أهلها، وقليلا ما تجدها، وأخرى وعاء للولد لا تزيد على ذلك، وأخرى غل قمل ~~يجعله الله في عنق من يشاء، ثم إذ شاء أن ينزعه نزعه. # وقوله غل قمل تمثيل، وأصله أن الأسير مثلا يجعل عليه الغل فيبقى حتى إذا ~~طال قمل أي دخله القمل فيأكله القمل في عنقه ولا يمكنه أن يزيل القمل منه ~~ولا أن يزحزح الغل من محله ما لم " من " أصله، فيلقى من ذلك عذابا لازما، ~~وكذلك المرأة إذا كانت سيئة الأخلاق أو ذميمة الخلقة أو جمعتها فالرجل ~~يتأذى منها أذى عظيما لازما، ما لم يطلقها، فالمرأة إذا كانت جميلة حسنة ~~الشباب مليحة ألفها الطبع وشربتها النفس، فكان سيئها حسنا، وذنبها مغفورا ~~كما قال أبو فراس: # يعد علي الواشيات ms072 ذنوبه ... ومن أين للوجه المليح ذنوب # ولا بد مع ذلك من كفاية بيتها، فإذا جمعت الحسن والدين والكفاية فهي ~~الحرة المعدودة، والضالة المنشودة، وفي أمر النساء كلام يكثر، لا يفي به ~~إلا تصنيف مستقل، وهذا يكفي في هذا المحل. # " وكان يقول كثيرا: لا تواكل من لا يواكل، ولا تجالس من لا يجانس ". # وكان يقول في حديثه بما سمع ممن لقي: إن الولي الصالح سيدي عبد العزيز بن ~~عبد الحق الحرار المعروف بالتباع كان يقول لأصحابه، وهم سيدي سعيد بن عبد ~~المنعم المناني الحاحي، " وسيدي علي بن إبراهيم البوزيدي " وسيدي رحال ~~المعروف بالكوش: سعيد فقيهكم، وعابدكم، ورحال مجذوبكم، والغزواني سلطانكم، ~~نفعنا الله بجميعهم آمين. # وسمعته يحدث عن والده سيدي محمد بن أبي بكر أن شيخه سيدي محمد ابن أبي ~~القاسم المعروف بالشرقي التادلاوي كان وقع بينه وبين ولده سيدي الغزواني ~~كلام وعتاب إلى أن قال الولد: أنت ترزقني؟ فقال الشيخ نعم أنا أرزقك، فأعظم ~~الناس هذا الكلام، قال: فقال الوالد: لا شيء في هذا، فإن الشيخ هو القطب في ~~الوقت، والقطب تجري الأرزاق على يده، فصح بهذه الإضافة أن يكون رازقا. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | شيخ الدلاء ### | عند عبد الله بن حسون في سلا # PageV01P038 # وحدث عنه أيضا قال: قدمت على الوالي الصالح سيدي عبد الله بن حسون دفين ~~سلا، فقعدت إلى جنبه وقد مد رجليه، والأعراب يتساقطون عليه يقبلون يديه ~~ورجليه، قال: فخطر ببالي أنه كيف أطلق هذا الرجل نفسه للناس هكذا؟ فلم يتم ~~الخاطر إلا وقد قال: أيها الناس، رجل قيل له من مس لحمك لم تمسه النار، أو ~~لم تأكله النار، أو نحو هذا فيبخل بلحمه على المسلمين؟ قال: فلما سمع كلامه ~~وعلمت أنه خاطري تكلم تبت إلى الله تعالى في نفسي، فجعلت إذا مد إليه أحد ~~كاغدا وكان يكتب الحروز، تلقفته من يده، وناولته الشيخ وقبلت يده، " فإذا ~~كتبته أخذته منه وقبلت يده "، فيحصل لي في كل حرز تقبيلتان، قال: ورأيت ~~عنده أمورا أشكلت علي: منها ms073 أنه يؤتى بالثياب هدية وصدقة فيأمر بها فترمى ~~في بيت وتبقى كذلك يأكلها السوس. # ومنها أنه كل يوم يصبح عليه أهل الآلات فيضربون عليه. # قلت: أما الثياب فالذي يظهر في أمرها أنه إما غيبة حصلت للشيخ عنها، وليس ~~ذلك بمستنكر في أمثاله من المستهترين في ذكره، وإما خارج مخرج القلنسوة ~~التي رمى بها الإمام الشبلي في النار، ومائة الدينار التي رمى بها في دجلة. ~~وتأويل ذلك معروف عند أهل الطريق لا نطيل به. # " وأما أمر الآلات فإما أنه كان يستنكر من تلك الأصوات أسرارا ومعاني "، ~~ونظيره ما حكى الإمام أبو بكر بن العربي في سراج المريدين عن الشيخ أبي ~~الفضل الجوهري أنه بات بجواره ذات ليلة أصحاب الآلات فشغلوه عن ورده بما هم ~~عليه من لهوهم وباطلهم، فلما أصبح وجلس في مجلسه قال: إنه بات بجوارنا ~~البارحة قوم ملئوا مسامعنا علما وحكمة، قال أولهم: لي لي لي، فقال الآخر لي ~~ولك لي ولك، فقال الآخر كذا، ومثل ذلك بمتناظرين، وجعل يقرر ذلك حتى قضى ~~المجلس كله بأنواع من الحكم واللطائف والأسرار، وهذا من أعجب ما يتحف الله ~~به أولياءه، فقد غيبه الله عن صورتها الباطلة وأشهده سره الباطن فيها. # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # وإما أن ذلك يوافق حالة له جمالية تحصر في الوقت، ومن هذا المنبع يقع ~~الطرب وما يشهد من حالات أهل الوجد. # وإما أنه يكون قطبا فتناسبه النوبة الملوكية. # وقل لملوك الأرض تجهد جهدها ... فذا الملك ملك لا يباع ولا يهدى # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | محمد الشرقي شيخ تادلا # ونحو هذا ما يحكى عن سيدي محمد الشرقي التادلاوي وأنه لما وقع له الظهور ~~بعث إليه السلطان أحمد المنصور نفرا من خواصه يختبرون أمره، فأضمر كل واحد ~~منهم حاجة، فأحدهم قال: تركت جارية لي مريضة وأريد أن يخبرني بأمرها، وقال ~~الآخر: أشتهي خبزا خالصا ودلاعة وذلك في غير مكان وغير إبان، فلما انتهوا ~~إليه خرج إليهم في لباس رفيع فقال بعضهم: هذا ms074 لباس الملوك فكيف يكون هذا ~~وليا؟ فلما استقر المجلس بهم قال للمتكلم: أنا قطب وقتي، وهذا هو اللباس ~~اللائق بي أو نحو هذا، وأخبر الآخر عن جاريته وأنها عوفيت، وكان رجل قد خبأ ~~له دلاعة من الصيف، فأتاه بها ذلك اليوم، واستحضر خبزا على الوصف فقال ~~للمشتهي: تطلبت ما لا يكون فها هو ذا قد جاء الله به. # وحدث أيضا أن بعض الناس ممن كان مملقا دوام حياته ذهب إلى سيدي محمد ~~الشرقي المذكور فاشتكى إليه الفقر فقال له: اذهب فقد رفع الله عنك الفقر، ~~قال: فذكر ذلك للوالد رحمه الله يعني سيدي محمد ابن أبي بكر. فقال: كلام ~~الشيخ لا مطعن فيه، ولكن يا عجبا أين يذهب الفقر عن فلان؟ فهذا لا بد له من ~~مخرج، قال فلم يلبث ذلك الرجل أن مات عاجلا، فكان ذلك هو ارتفاع الفقر عنه ~~واستراحته منه. # قلت: ومن معنى هذه ما حدثوا عن بعض الصلحاء مراكش القرباء العهد أنه جاءه ~~إنسان فقال له: يا سيدي إن الصلاة تثقل علي، فعسى أن ترفعها عني فقال له " ~~على الفور " " قم " قد رفعها الله عنك، فلم يقم إلا مجنونا خارجا عن ~~التكليف، والله على كل شيء قدير. # وقد شهدت أنا بعض الناس ممن كان ذا رياسة ودنيا فنكب وذهب ماله كتب معي ~~كتابا إلى أستاذنا الإمام ابن ناصر رضي الله عنه يشكو عليه بما نابه وما ~~تخوف من العيلة والضيعة، فأجابه الأستاذ بكتاب وفيه: فلا تخشى الفقر، فاتفق ~~أن مات ذلك الرجل عن قريب، فكان ذلك راحته مما خاف. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | القاف المعقودة # PageV01P039 # حدثني الأديب الفاضل أبو عبد الله محمد بن المرابط الدلائي قال: كنت مع ~~والدي رحمه الله، وأظنه قال في درب الحجاز نزولا، فإذا بعجوز أعرابية مرت ~~بنا وقد رفعت عقيرتها وهي تقول: # حج الحجيج وناقتي معكولة ... يا رب يا مولاي حل عكالها # بقاف معقودة على ما هو لغة العرب اليوم، قال: فقام أبي يهرول وراءها عجبا ~~بما سمع من ms075 كلام العرب في غير زمانه. # والظاهر أنها أرادت بالناقة نفسها، وأنها لم تنشرح لهذا الأمر، أو أرادت ~~تمثيل حالها في عدم التحرك بحال الناقة المعقولة أو حال من ناقة معقولة. # ومثل هذه اللغة ما حدثني الفاضل أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم ~~الجزائري قال: حج بعض الأشراف فلما وقف على الروضة المشرفة على ساكنها ~~الصلاة والسلام قال: # إن كيل زرتم بما رجعتم به ... يا أكرم الرسل ما نكول؟ # بالقاف المعقودة، فسمع من الروضة بتلك اللغة: # كولوا رجعنا بكل خير ... واجتمع الفرع والأصول # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | الكسكسون والتداوي بالشيء المعتاد # وجدت في بعض التقاييد لبعضهم ما معناه: لو رأى أرسطو قدر البرنس في ~~اللباس، والكسكسون في الطعام، والحلق بالموسى، لاعترف للبربر بحكمة التدبير ~~الدنيوي وأن لهم قصب السبق في ذلك، انتهى. # وقد كتب الكسكسون بالنون على ما وجدته مكتوبا خلاف ما ينطق به الناس، ~~وبالنون، حدثنا الرئيس الأجل أبو عبد الله محمد الحاج المتقدم الذكر قال: ~~ذهب رجلان فاضلان من بلاد المغرب، وأظنه قال: أخوان، فدخلا بلاد الشام، ~~فمرض أحدهما وطال به المرض حتى يئسوا منه، فرأى الآخر النبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال له: أطعموه الكسكسون بهذه العبارة، قال: فاستصنعوه له فأكله ~~فبرئ، وهذا إما خصوصية لهذا الطعام، أو بذكره صلى الله عليه وسلم، فيثبت له ~~الشرف، ويستدرك بذلك ما قلته من كونه لم يأكله صلى الله عليه وسلم في ~~حياته، وإما من باب ما تقرر من أن دواء الجسم عادته. # قد دخلنا مدينة فاس - حرسها الله - عام تسع وسبعين وألف فأصابني إسهال ~~مفرط، وطال " بي " وكان الطبيب بعثني بأمري، فلم يترك دواء يستحسنه إلا ~~صنعه لي، فلما لم يفد ذلك أرسل في غيبة مني إلى عمالي يقول لهم: انظروا إن ~~كان " ثم " من الطعام ما يعتاده في بلده فأطعموه، فذكروا الأقط واصطنعوا ~~عليه طعاما فأكلته فعافاني الله تعالى. # وقد أصابني مرة أخرى ذلك فدخلت على السلطان رشيد ابن الشريف، وكان يكرمني ~~ويجلني، فرأى تغيرا في ms076 وجهي، فسألني فأخبرته فقال: وماذا صنعت من علاج؟ ~~فقلت له: إن الطبيب يصنع لي شراب الريحان، فتضاحك ثم قال: سبحان الله! ما ~~لنا ولشرب الريحان؟ وأين عهدناه؟ خذ سويق الشعير واخلطه بالماء فذلك دواؤه، ~~ثم ضحك فقال: هذه مثل قصة العمراني الشريف، بات في ملوية عند بني فلان فجعل ~~يقول: أعندكم شيء من شراب رمانتين؟ وهذا أعني التداوي بالشيء المعتاد، ولو ~~في الأعراق أمر شهير واضح، وقد ذكره ابن الحاج رضي الله عنه في " المدخل " ~~وذكر قصة الملك النصراني الذي مرض فأعيا الأطباء علاجه حتى جاء بعض أهل ~~الخبرة فسأل أمه وقال: إن أردت أن يعافى ابنك فاصدقيني عنه، فقالت: نعم، ~~كان أبوه عقيما، فلما خفت ذهاب ملكهم مكنت أعرابيا كان عندنا من نفسي، فهو ~~أبو الملك، فقال الرجل على الفور: علي بحوار فجيء به وذبح وشوي قدامه وهو ~~يشم رائحته، فكان ذلك بإذن الله تعالى سبب برئه. # وهذا من العجب، فإن هذا الملك الظاهر أنه ما أكل قط لحم الجمل، وإنما ~~العروق نزعته فكيف بمن اعتاد أكل الطعام وربا عليه جسمه. # PageV01P040 # ومن أظرف ما وقع في هذا ما حدثني به الطبيب المذكور، وهو الفاضل أبو عبد ~~الله محمد الدراق الفاسي، قال: " كنت " دخلت طنجة بقصد ملاقاة الأطباء ~~ورؤية الشخص الذي صوروه تعلم التشريح معاينة، قال: فكان بعض أطباء الروم ~~هنالك يعجب من أكلنا الكسكسون المذكور ويضحك منا ويقول: إنما تأكلون العجين ~~في بطونكم، قال: فبينما نحن كذلك إذ دخلت عليه يوما فوجدته عند رأس مريض ~~محموم شديد الحمى وهو يسقيه الخمر، قال: فقلت له: ما هذا الذي تصنع أنت؟ ~~وأي مناسبة بين الخمر والحمى والكل في غاية الحرارة؟ فقال: إنها لن تضره ~~لاعتياده لها، فإنه كان يرضعها من ثدي أمه، وهو طفل صغير، قال فقلت له: ~~سبحان الله! ونحن هكذا كنا نرضع ما تنكر من الكسكسون من ثدي أمهاتنا ونحن ~~صغار، فأي شيء يضرنا؟ فقال: صدقت، ولم يجد ما يقول. # ومن هذا المعنى اختلفت طباع الناس في الطعام باختلاف ms077 الإلف والعادة، فكل ~~يستمرئ ما يألفه من الطعام ويشتهيه ويعاف الآخر، قال صلى الله عليه وسلم في ~~الضب: " إنه ليس بأرض قومي فتجدني أعافه. فعلل ذلك بكونه ليس في أرضه. # ودخلت في أعوام الستين وألف مدينة مراكش عند رحلتي في طلب العلم وأن إذ ~~ذاك صغير السن، فخرجت يوما إلى الرحبة أنظر " إلى " المداحين، فوقفت على ~~رجل مسن عليه حلقة عظيمة، وإذا هو مشتغل بحكاية الأمور المضحكة " للناس ". ~~فكان أول ما قرع سمعي منه أن قال: اجتمع الفاسي والمراكشي والعربي والبربري ~~والدراوي فقالوا: تعالوا فليذكر كل منا ما يشتهي من الطعام، ثم ذكر ما ~~تمناه كل واحد بلغة بلده، وما يناسب بلده، ولا أدري أكان ذلك في الوجود أم ~~شيء قدره، وهو كذلك " يكون "، وحاصله أن الفاسي تمنى مرق الحمام، ولا يبغي ~~الزحام، والمراكشي تمنى الخالص واللحم الغنمي، والعربي تمنى البركوكش ~~بالحليب والزبد، والبربري تمنى عصيدة انلي وهو صنف من الذرة بالزيت، ~~والدراوي تمنى تمر الفقوس في تجمدرت وهو موضع بدرعة يكون فيه تمر فاخر، مع ~~حريرة أمه زهراء، وحاصله تمر جيد وحريرة. # ولو عرضت هذه الحريرة على العربي لم يشر بها إلا من فاقة، إذ لا يعتادها ~~مع الاختيار، ولو عرضت العصيدة على الفاسي لارتعدت فرائصه من رؤيتها، ~~وهكذا. # وأغرب شيء وقع في أمر الاعتياد ما حكي في جارية الملك الهندي مع الاسكندر ~~" فإن الاسكندر " لما دوخ الملوك واستولى على الأقاليم احتال بعض ملوك ~~الهند في هلاكه، وكانت عنده جارية بديعة الحسن كاملة الأوصاف، فجعل يغذيها ~~بالسموم، ويتلطف لها حتى اعتادت ذلك، ثم تناهت إلى أن تطبعت بذلك وصارت ~~مسمومة، فأهداها للإسكندر، وقصد بذلك أن يمسها فيهلك، وهذا غريب. # وقد ذكر الأطباء هذه الحكاية فاستغربوا شأنها، وقد ذكرنا في اختلاف ~~البلدان مع اختلاف طبائع الناس بها فيما مر ما يقرب من هذا المعنى ويرشحه. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | الدنيا وما فيها عرض زائل # من كلامهم: ما أدري أو ودع، وهو " مذكور " في قصر الزيارة، ونحوه قولهم: ~~ما ms078 سلم حتى ودع، وقال فيه الشاعر: # بابي من زارني مكتتما ... خائفا من كل حس جزعا # حذرا نم عليه نوره ... كيف يخفي الليل بدرا طلعا # رصد الخلوة حتى أمكنت ... ورعى السامر حتى هجعا # كابد الأهوال في زورته ... ثم ما سلم حتى ودعا # وقال العباس بن الأحنف: # سألونا عن حالنا كيف أنتم؟ ... فقرنا وداعهم بالسؤال # ما أناخوا حتى ارتحلنا فما نف ... رق بين النزول والترحال # وقال محمد بن أمية الكاتب: # يا فراقا أتى بعقب فراق ... واتفاقا جرى بغير اتفاق # حين حطت ركابهم لتلاق ... زفت العيس منهم لانطلاق # إن نفسي بالشام إذ أنت فيها ... ليس نفسي التي بالعراق # أشتهي أن ترى فؤادي فتدري ... كيف وجدي بكم وكيف احتراقي # وقال الحسين بن الضحاك: # بأبي زور تلفت له ... فتنفست عليه الصعدا # بينما أضحك مسرورا به ... إذ تقطعت عليه كمدا # وكنت خرجت ذات مرة لزيارة أقاربي فلقيت أختا لي، فبنفس ما سلمت علي جعلت ~~تبكي، فقلت لها: ما يبكيك؟ أليس هذا وقت سرور وفرح؟ فقالت: ذكرت يوم فراقك، ~~فقلت في ذلك: # PageV01P041 # ومحزونة بالبين طال بها الجوى ... علينا وشوق بالجوانح لداغ # تبيت وجفناها يباريهما الحيا ... وما تحت جنبيها من الفرش لداغ # إلى أن تسخى الدهر بالوصل بيننا ... ولاح ضياء للمسرات بزاغ # فلما انقضى التسليم ما بيننا بكت ... وفاض لها دمع من العين نشاغ # فقلت: ألم يإن السرور ولم يدر ... شراب للقيان الأحباء سواغ # فقلت: تذكرت الفراق غدا فذا ... لقلبي عن تلك المسرات صداغ # فيا لك من حزن يباري مسرة ... بسهمين كل في المناضل بلاغ # ويا لك من نعمى ببؤسي مشوبة ... كما شاب بالدم المور نساغ # بل الشر في الدنيا على المرء صائل ... لجوج عليه الدهر والخير رواغ # على أن لطف الله للعسر دامغ ... كما الحق منه للأباطيل دماغ # واعلم أن أمور الدنيا مشوبة خيرها بشرها، وحلوها بمرها، ثم هي متبدلة " ~~متغيرة " لا تكاد تثبت في حد، ولا تقف على مركز، وحكمة ذلك شيئان: أحدهما ~~أن الدنيا لما جعلت مقدمة للآخرة يقع فيها الاستعداد لدخول الجنة والنجاة ~~من ms079 النار جعلت مظهرا لما هنالك من نعيم وعذاب، ودالة عليه، ومذكرة له، ~~وقاضية بالترغيب والتنفيير، فلم تجعل خيرا محضا، وإلا نسي العذاب، ولا شرا ~~محضا، وإلا نسي النعيم، وأيضا جعلت دالة على أوصاف الرب المنشئ لها، ~~سبحانه، من جمال وجلال لتحصل المعرفة لعباده، وهذا كله كلام واسع الذيل لو ~~بسطناه، والإشارة تكفي. # الثاني أنها حادثة حادث ما فيها، وشأن الحادث أن يتبدل من عدم إلى وجود، ~~ومن وجود إلى عدم، ذاتا وصفة وحالا، ومكانا وزمانا، فلزم من ذلك التحول من ~~عز إلى ذل، ومن غنى إلى فقر، ومن ارتفاع إلى اتضاع ومن سرور إلى حزن، ومن ~~صحة إلى سقم، وبالعكس في الجميع إلى غير ذلك. # وفي الحديث: كانت العضباء، وهي ناقة للنبي صلى الله عليه وسلم، معروفة لا ~~تسبق، فجاء أعرابي على قعود فسبقها، فقالوا، سبقت العضباء، وشق ذلك على ~~المسلمين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إن الله لن يرفع شيئا من ~~الدنيا إلا وضعه ". # وقد جاء رجل إلى بعض الوزراء فقال له: إني رأيتك فيما يرى النائم طالعا ~~على رأس نخلة أو شجرة. ورأيت فلانا يعني وزيرا آخر كان يساميه في المرتبة ~~أنه شرع في الطلوع ولم يصل بعد إلى أعلاها، وأراد بذلك أن يبشر الوزير ~~ليستجديه فقال له الوزير، وكان ذا فطنة: يا أخي أذهب إلى فلان ليعطيك، فإنه ~~في الزيادة، وأما أنا فقد انتهيت، وليس بعده إلا الانحطاط. # وقد أذكرتني " هذه الحكاية " حكاية أبي عبد الله وزير المهدي، وكان ~~متمكنا في منزلته عنده، ثم إن الخليفة زاره في داره ذات مرة، وكانت زيارة ~~الخليفة لخواصه في عرفهم ليس فوقها درجة تطلب، فلما هم بالانصراف أخذ ~~الوزير يدفع له من نفائس الذخائر ما يليق بتجهيزه، ثم جعل يبكي، فقال ~~الخليفة: ما يبكيك؟ لقد علمت أن فيك بخلا تسميه حزما، فإن كان لك ما أعطيت ~~أعفيناك منه، فقال أبو عبد الله: والله ما بكيت للمال، وللهدايا كلها أحقر ~~شيء في حقك، ولكن علمت أن زيارتك لي درجة ليس ms080 فوقها درجة ترام، فأخاف الآن ~~من السقوط، فلما رأى ذلك أشفق وأعطاه من العهود والمواثيق أن لا يغدر به، ~~ولا يسمع فيه قول قائل ما اطمأن به، فلم يلبث إلا أياما يسيرة حتى سعوا ~~فيه، فنكب، وقصته مأثورة والعامة يقولون: # ثلاثة ليس لها أمان ... البحر والسلطان والزمان # وفي هذا المعنى الذي نحن فيه قيل: # توقى البدور النقص وهي آهلة ... ويدركها النقصان وهي كوامل # وإذا كانت الدنيا وما فيها عرضا زائلا لا ثبات له فلا ينبغي لعاقل أن ~~يتبجح بخيرها ولا أن يجزع من شرها، بل إذا كان حلوها تتوقع بعد المرارة ~~ومرها ترجى بعده الحلاوة فقد صار حلوها مرا " ومرها حلوا " وإذا كان ~~المفروح به لا يبقى فهو بصدد أن يكون محزونا عليه قل أو كثر، فكثرة الفرح ~~بها إذن مقدمة كثرة الحزن، فلا ينبغي أن يلتفت إليه. وقال الشاعر: # على قدر ما أولعت بالشيء حزنه ... ويصعب نزع السهم مهما تمكنا # وقال الآخر: # ومن سره أن لا يرى ما يسوءه ... فلا يتخذ شيئا يخاف له فقدا # فإن صلاح المرء يرجع كله ... فسادا إذ الإنسان جاز به الحدا # PageV01P042 # وفي " الحكم العطائية ": ليقل ما تفرح به يقل ما تحزن عليه وذكر شارحها ~~ابن عباد رضي الله عنه أنه حمل لبعض الملوك قدح من فيروزج مرصع بالجواهر لم ~~ير له نظير، ففرح الملك به فرحا شديدا، فقال لبعض الحكماء عنده: كيف ترى ~~هذا؟ فقال: أراه مصيبة وفقرا، قال: وكيف ذلك؟ قال: إن انكسر مصيبة " لا جبر ~~لها " وإن سرق صرت فقيرا إليه ولم تجد مثله، وقد كنت قبل أن يحمل إليك في ~~أمن من المصيبة والفقر، فاتفق أن انكسر القدح يوما فعظمت مصيبة الملك فيه ~~وقال: صدق الحكيم، ليته لم يحمل إلينا، وقال الشاعر: # ومن يحمد الدنيا لشيء يسره ... فسوف لعمري عن قريب يلومها # إذا أدبرت كانت على المرء حسرة ... وإن أقبلت كانت كثيرا همومها # وفي " الحكم " أيضا: إن أردت أن لا تعزل فلا تتول ولاية لا تدوم لك. وهذا ~~صادق في الولاية ms081 نفسها، ولذا قال صلى الله عليه وسلم فيها: " نعمت المرضعة ~~وبئست الفاطمة " وفي غيرها من كل ما يتناول الإنسان من الدنيا زائدا على ~~قدر الضرورة أو يصحبه من أهلها، فكل ذلك لا يخلو من علاقة بالنفس، ثم هو لا ~~يدوم إما أن تفارقه او يفارقك، فمآله إلى الحسرة والأسف. # وكنت في سفرتي إلى السوس الأقصى لقيني فقير من شبانه فصحبني أياما قلائل ~~وأنس بي، فلما بلغنا المحل ودعته فرأيته يبكي على فراقي، وسمعته يقول: لا ~~تعرف أحدا، ويكرر هذا الكلام، أي إذا كنت أيها العاقل تعلم أن الذي دخل في ~~قلبك سوف تفارقه فيتألم قلبك عليه فلا تسع في دخول أحد فيه بمعرفتك له، ولا ~~تعرف أحدا، واترك قلبك خاليا مستريحا. # رأى الأمر يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولا # وهذا كله واد واحد والكلام فيه يتسع. # نعم إن أمكنك أن تدخل في قلبك من لا يخشى عليه الزوال والهلاك والفناء ~~فافعل، وليس ذلك إلا الحق تعالى، فمن أحبه فهو جدير أن يدوم محبوبه، ومن ~~أنس به فهو جدير أن يدوم أنسه، ومن استعز به دام عزه، ومن استغنى به دام ~~غناه، كما قيل: # ليكن بربك عز نف ... سك يستقر ويثبت # وإن اعتززت بمن يمو ... ت فإن عزك ميت # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | المقامة الحافظة # دخلت مدينة فاس - حرسها الله تعالى - سنة تسع وسبعين وألف، إذ خربت ~~الزاوية البكرية، فأقبلت طلبة العلم للأخذ عني، وتخلفت جماعة من المشاهير، ~~وهم أو جهلهم محتاجون إلى المجلس، وكأنهم غلبهم ما هو المألوف من الطبع ~~الآدمي في أمثالهم، وكنت آنست ذلك فيهم، فاتفق أن خرجنا لزيارة صلحاء ~~الساحل، فلما انتهينا إلى مقام الشيخ أبي سلهام جلسنا على شاطئ البحر: # في عشي كأنما اختلسته ... من نعيم الفردوس نفحة لطف # قد قطفنا به جنى جنتي أن ... س وعلم أشهى اجتذاب وقطف # وارتضعنا ألذ من كأس وصل ... بعد هجر من ذي وداد وعطف # ولقد كان في الحشا جذوة الوجد فكان منه لذلك مطف # فحصل للنفس ارتياح ms082 وانبساط، وتجدد لها عزم ونشاط، فكتبت ارتجالا ما ~~صورته: حافظته لما انقدح في الفكرة من الشعر، أذكره بحسب ما اتفق غثا ~~وسمينا، " ورخيصا وثمينا " وجدا وهزلا، وصدقا وإزلا حتى إذا آن لمضروبه ~~الترويج، وبلغت بناته أوان التزويج، دفع الخالص الإبريز، وأحظيت الحسان ~~بالتبريز، وكان الردي أولى أن يكسر أو يعطل، والدميمة منه أحق أن توأد أو ~~تعضل، هذا وليت شعري، ماذا أكتب اليوم؟ وقد ضاع أكثر شعري: # ليالي كان القلب في موكب الهوى ... على متن يعبوب من اللهو سابق # وكان الشباب الغض فينان مورقا ... فكانت رياض الغي أزهى الحدائق # وللنفس إذ ذاك أقدر على القيل والقال، وأعرف بالسحر الحلال، فكنت إذ ذاك ~~أقول الفذ والنتفة والقصيدة عن نشاط إلى القول وارتياح ثم ادع ذلك يذهب ~~مدرج الرياح، ولم أستفق لتقييد، إلا وقد كدت أراهق التفنيد ويقصر من وسواس ~~النفس باطله، ويعرى أفراس الصبا ورواحله: # والقلب يرجو أن ترق شفاره ... وتطول في سبل الهدى أسفاره # ويبين عن شرك الغرور نواره ... وتلوح في رتب العلى أنواره # فيقل في سوق الصبا أوطاره ... ويشط عن وطن الهوى أقطاره # PageV01P043 # ولعمري إن النفس عند هذا أحق أن يجد في طلب الجد جدها، ويقف عند الأهم ~~حدها، فتبعد عن قول الشعر بمراحل، وعن سبل اللهو التي هي له أفراس ورواحل، ~~ولكن للنفس فرطات، ولا بد لها أحيانا من سقطات، فمن ذلك قولي: # ما أنصفت فاس ولا أعلامها ... علمي ولا عرفوا جلالة منصبي # لو أنصفوا لصبوا إلي كما صبا ... راعي سنين إلى الغمام الصيب # ثم اثبت في هذه الحافظة ما وقع لي من الشعر في ذلك العهد، وهو مجموع في ~~الديوان فلا حاجة إلى الإطالة به هنا، وإنما الغرض من ذكر هذين البيتين ~~الواقعين على السبب الذي ذكرناه قبل، وأظن أن البحتري وقع له شبه هذا الشعر ~~في ذم بغداد، ولكني لم أقف عليه بعد، ولم يطرق سمعي حين قلت ذلك وإنما رأيت ~~بعد ذلك أبا العلاء المعري أشار إلى ذلك منتقدا عليه حيث قال: # ذم الوليد ولم ms083 أذمم جواركم ... وقال ما أنصفت بغداد حوشيتا # فإن لقيت الوليد والنوى قذف ... يوم القيامة لم أعدمه تبكيتا # فلما رأيت هذا نبهت بهذا الكلام لئلا أنسب إلى الأخذ، فإن وقع شيء فمن ~~توافق الخواطر، وفي البيت الثاني تلميح إلى قول الأعرابي في حسن الحديث: # وحديثا كالقطر يسمعه ... راعي سنين تتابعت جدبا # فأصبح يرجو أن يكون حيا ... ويقول من فرح هيا ربا # وإنما استسهلت، وأستغفر الله، التمدح والافتخار لأن ذلك مباح في الشعر، ~~مسلوك في سائر الأعصار والأمصار. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | الحسد والحساد # وما ذكر من عدم الإنصاف سببه الكبر والحسد، وهما الداء العضال الذي هلك ~~به إبليس، نسأل الله العافية، وذلك معجون في طينة الآدمي ومبتلى به إلا من ~~طهره الله من أصفيائه، وقليل ما هم. # ولم يزل ذو الفضل محسودا، وكلما كثر الفضل كثر الحساد، فوجود الحساد دليل ~~على وجود الفضل، وعدمهم على عدمه، فإذا قيل للشخص: كثر الله حسادك كان دعاء ~~له، وإذا قيل: قلل الله حسادك كان دعاء عليه. # وقد أكثر الشعراء من هذا المعنى قال الكميت الأسدي: # إن يحسدونني فإني غير لائمهم ... قبلي من الناس أهل الفضل قد حسدوا # فدام لي ولهم ما بي وما بهم ... ومات أكثرنا غيظا بما يجد # أنا الذي يجدوني في صدورهم ... لا أرتقي صدرا منها ولا أرد # وأنشد أبو علي الحاتمي في " حلية المحاضرة " بدل البيت الأخير: # لا يبعد الله حسادي فإنهم ... أشر عندي من اللائي لهن الودد # والظاهر أن قوله: " أشر " تصحيف من الكاتب، وإنما هو: " أحب ". # وقال عروة بن أذينة: # لا يبعد الله حسادي وزادهم ... حتى يموتوا بداء غير مكنون # إني رأيتهم في كل منزلة ... أجل فقدا من اللائي أحبوني # وقال نصر بن سيار: # إني نشأت وحسادي ذوو عدد ... يا ذا المعارج لا تنقص لهم عددا # إن يحسدوني على ما بي وما بهم ... فمثل ما بي لعمري جر لي الحسدا # وقال معن بن زائدة: # إني حسدت فزاد الله في حسدي ... لا عاش من عاش يوما غير محسود ms084 # ما يحسد المرء إلا من فضائله ... بالعلم والظرف أو بالبأس والجود # وقال أبو نواس: # دعيني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيه الخصيب أمير # وقال الأول: # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا # محسدون على ما كان من كرم ... لا ينقص الله عنهم ماله حسدوا # وقال أبو تمام: # وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود # لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود # واعلم أن هذا الشعر ونحوه يخيل استحسان الحاسد واستحباب وجوده بل كثرته، ~~ولم يزل الناس يكرهونه ويتخوفون منه، ويستعيذون من شره، وقال تعالى) ومن شر ~~حاسد إذا حسد (فقد يقف القاصر على هذا فيحار، ولا يدري ما يختار، وفصل ~~القضية في ذلك أن وجود الحاسد، كما مر، دليل على وجود الفضل، وذلك لما عرف ~~أن الحسد هو حب زوال ما ظهر على الغير من خير، إما ديني أو دنيوي، حسي أو ~~معنوي، عاجل أو آجل، حقي أو ادعائي فلزم من وجود الحسد وجود الخير. # PageV01P044 # ثم إن الحاسد إذا أحب زوال الخير فهو لا محالة يسعى في زواله، أو في ~~إلحاق مضرة تذهب " بها " طلاوة ذلك الخير، ما لم يحجزه حاجز، وهذه مضرة ~~تتوقع من الحاسد، فالحاسد خبيث شرير مضر. # إذا علم هذا فمن استحب وجود الحاسد فلم يحبه لذاته، بل أحب ما يقارنه من ~~الخير، لا من حيث إنه محسود عليه به من حيث كونه خيرا، وإلا فيود الإنسان ~~أن لو أعطي الخير وأعفي من الحساد، فإن ذلك أهنأ لعيشه، وأروح لقلبه، وأبعد ~~له عن الأذاية والهول، ولم تجر حكمة الله تعالى غالبا بذلك، إذ نعم الدنيا ~~مشوبة بالنقم، وصفوها مشوب بكدر، فأمام كل عين قذى، وعلى كل خير أذى، فلما ~~لم يكن بد من وجود الحاسد غالبا، كان وجوده مبشرا بالخير معلما بالنعمة، ~~فيفرح بوجوده لذلك لا لذاته. # ومثاله في ذلك الذباب الواقع على الطعام، والفأر الناقب على المخزن ~~فإنهما دليلان على الخير من حيث ذلك، ms085 حتى إنه يكنى عن البيت الخالي عن ~~الخير بأنه لا تطور فيه فارة، فمن أحب وجود الذباب ووجود الفار فلم يحبهما ~~لذاتهما، فإنهما مؤذيان مكروهان، بل لما يقارنهما من الخير، ولو وجد ~~الإنسان الخير مع السلامة عنهما كان هو الغنم البارد البارد، ولم تجر بذلك ~~الحكمة. # وبلغني أن ناسا من الجند قدموا من بلاد السودان أيام السلطان أحمد ~~المنصور، وقاسوا في تلك الفيافي ما هو المعهود فيها من العناء وشظف العيش، ~~فلما لحقوا بقرية من قرى السوس الأقصى خرج منها نفر من اليهود، فحين بصر ~~بهم الجندي قال: مرحبا بوجوه الخير، فاليهود بغضاء عند كل مسلم، ومع ذلك ~~استبشر بهم الجندي التفاتا منه إلى النعمة التي تقارنهم، إذ لا يزايلون ~~غالبا الحاضرة، ومحل الخصب والرفاهية، وهكذا الحاسد. # وقد يكون في وجود الحاسد نعمة ولذة أخرى للمحسود إذا وقي شره، فإنه ينعم ~~هو والحاسد يحترق على عينيه، وهو يزداد ظهورا وشفوفا، فيلتذ باحتراقه ~~وإقصاره عنه وشفوفه عليه، ومن كره الحاسد فإنما كرهه لذاته، إذ هو منغص بما ~~يبدو من أقواله وأفعاله، ولما يتوقع من شره وضرره، ولا شك أنه محذور، ولذا ~~أمر بالتعوذ منه بالله تعالى، ولا دواء له هي مع الصبر أعلى ما يرى ويسمع، ~~وبذلك ينعكس على الحاسد البلاء فيموت غما، قال تعالى:) قل موتوا بغيظكم ~~(وقال الشاعر: # اصبر على مضض الحسو ... د فإن صبرك قاتله # فالنار تأكل نفسها ... إن لم تجد ما تأكله # فائدة: من ابتلي بالحسد لشخص فعلاجه بإذن الله أن يكلف نفسه السعي في ~~زيادة الخير على المحسود ولو بالدعاء له بذلك، فإنه إذ لازم ذلك ولو تكلفا ~~سيثيبه الله تعالى من فضله انسلال السخيمة من قبله وسلامة الصدر، فإن بقي ~~شيء فليغمه في صدره مع كراهته ولا يظهره ولا يسع في مقتضاه بقول ولا فعل ~~فذلك لغاية ما يطلب منه والله الموفق. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | كلمة الإخلاص ### | وتغالي فقهاء سجلماسة في فهمها وتفهيمها للعوام # كنت في أعوام السبعين وألف قصدت إلى زيارة ms086 شيخنا البركة، وقدوتنا في ~~السكون والحركة، أبي عبد الله محمد بن ناصر - سقى الله ثراه - فمررت ببلد ~~سجلماسة فوجدت فتنة ثارت بين الطلبة فيها في معنى كلمة الإخلاص، فكان بعض ~~الطلبة قرر فيها ما وقع في كلام الشيخ السنوسي من أن المنفي هو المثل ~~المقدر، فأنكر عليه بعض من لهم الرياسة في النوازل الفقهية، وفصل الأحكام ~~الشرعية، وليس لهم نفاذ في العلوم النظرية، وأخذوا بنحو ما أخذوا به الشيخ ~~الهبطي في مشاجرته المشهورة مع أهل عصره، حتى امتحنوه بالسياط، فجعلت أقرر ~~لأولئك المنكرين الكلمة بوجه يقرب بين المأخذين، ويصلح بين الخصمين، فلم ~~يفهموا ذلك، وصمموا على ما طرق أسماعهم من أن الهبطي أخطأ في هذه المسألة ~~وضل ضلالا مبينا، ثم وقعت هذه الفتنة " أيضا " بمدينة مراكش عن قريب " من ~~هذه " بين طلبتها حتى ضلل بعضهم بعضا، فمن " أجل " ذلك ألفت كتاب " مناهج ~~الخلاص، من كلمة الإخلاص "، كما نبهت على ذلك في خطبته، فجاء بحمد الله ~~كافيا في الغرض، شافيا للمرض. # PageV01P045 # ثم رجعت في زورة أخرى بعد هذه فمررت أيضا بسجلماسة فوجدت فتنة أبشع من ~~هذه وأشنع وقعت لهؤلاء مع عوام المسلمين " ثم مع المسلمين " كافة، عامة ~~وخاصة، وذلك أنهم نظروا في كلام من حرض من الأئمة على النظر في علم ~~التوحيد، وحذر من الجهل فيه ومن التقليد، فجعلوا يسألون " الناس " عما ~~يعتقدون، ويكلفونهم الجواب والإبانة عن الصواب، فربما عثروا على قاصر ~~العبارة عما في قلبه، أو متلجلج اللسان لدهش ناله، أو جاهل بشيء مما يقدح ~~في العقيدة أو يظنونه قادحا وإن لم يقدح، فيشنعون عليه الجهل والكفر، ثم ~~أشاعوا أن الفساد قد ظهر في عقائد الناس، وجعلوا يقررون العقائد للعوام، ~~فشاع عند الناس أن من لم يشتغل بالتوحيد على النمط الذي يقررون فهو كافر، ~~وشاع عندهم أن من لم يعرف معنى لا إله إلا الله أي النفي والإثبات على ~~التقرير الذي يقرره العلماء فهو كافر، فدخل من ذلك على عوام المسلمين أمر ~~عظيم، وهول كبير، فلما دخلت البلد جاءني الناس ms087 أفواجا يشتكون من هذا " ~~الأمر " وأن ليس كل أحد يبلغ إلى فهم تقارير العلماء فأقول لهم: إن الله ~~تعالى إنما تعبدكم باعتقاد الحق في أنفسكم، أفلا تشهدون أن الله تعالى حق ~~موجود؟ فيقولون: بلى، أفلا تعلمون أنه واحد في ملكه لا شريك له ولا إله معه ~~وكل معبود سواه باطل فيقولون: بلى، هذا كله يقين عندنا لا نشك فيه ولا ~~نرتاب، فأقول لهم هذا هو معنى كلمة الإخلاص المطلوب منكم اعتقاده، سواء ~~عرفتموه من لفظها أو لا، فإن الكلمة عربية، والأعجمي لا حظ له في دلالتها، ~~وإنما حسبه أن يترجم له مضمونها فيعتقده، وكذا العقائد كلها المطلوب منكم ~~اعتقادها بالمعنى، ولا يشترط فهم ألفاظها التي يعبر " بها " عنها في كتب ~~العلماء، ولا إدراك حدودها ورسومها التي تعرف بها. فإن فهم هذه العبارات ~~والإحاطة بهذه الحقائق والتقريرات علم آخر لم يكلف به العوام، فإذا أجبتهم ~~بذلك انطلقوا مسرورين حامدين شاكرين، ثم جاءني رئيس هذه الفتنة وسألني عن ~~مسائل في هذا المنحى فأجبته، ثم تقدمت إليه بالنصيحة وقلت له: أكثر النحل ~~وجل الطوائف الضالة إنما خرجت في هذا العلم، فإن أردت نفع الناس فقرر لهم ~~العقائد بالقدر الذي يبلغون، وحدث الناس بما يفهمون، كما في الحديث الكريم ~~ودع عنك هذه الامتحانات والتدقيقات والتشنيعات التي لم تجر بها سنة أهل ~~الدين في عصر من الأعصار، فإذا هو قد أشرب ذلك وتمكن فيه التظاهر به، وإذا ~~تمييزه قد نقص عما كنت أعرف منه قبل ذلك، نسأل الله العافية. فتمادى على ~~ذلك وأصفقت عليه العوام حتى سمعوا مقالته فيهم، وجعل يتغالى في تقرير ~~العقائد وبيان وجوه المخالفة ونحوها على التفصيل بما لا حاجة إليه حتى يقع ~~في ذكر ما هو سوء الأدب في حقه تعالى، وما لا يستطيع كل من في قلبه رائحة ~~من عظمة الله تعالى أن يفوه به، ويحضر مجلسه أوباش الأعراب من جراوة ~~ونحوها، فإذا رجعوا إلى قومهم ذهبوا بتلك المقالات وجعلوا يلقون على ~~أمثالهم من الرعاع الأسئلة من هذا المنحى فيقولون ms088 لهم: أين بات الله؟ وأين ~~يصبح؟ وأين يظل؟ وأين هو؟ " وكيف هو "؟ إلى ما هو أبشع من ذلك مما لا ~~أذكره، وقد نبهت على طرف من هذا المعنى في كتابي المذكور، ثم أشاعوا أن ~~عوام المسلمين لا تؤكل ذبائحهم ولا يناكحون مخافة أن يكونوا لم يعرفوا ~~التوحيد، فحدثني الفقيه المشارك الصالح أبو عبد الله مبارك بن محمد العنبري ~~الغرفي - رحمه الله - أن أعرابيا من هؤلاء الشيعة جاء مع قوم من بلد توات ~~فكانوا إذا طبخوا زادهم وفيه الخليع يمتنع من الأكل معهم ويقول: إن الجزار ~~الذي ذبح هذه البهيمة لا ندري أيعرف التوحيد أم لا؟ ولما دخل البلد جيء ~~بطعام عليه لحم وجماعة من الأشراف حضور فدعوه للأكل فأمتنع وقال: إن العبد ~~الذي ذبح تلك الذبيحة لا ندري أيعرف التوحيد أو لا؟ فقالوا له: ما ذبحها ~~عبد، وإنما ذبحها المولى فلان الشريف منهم فامتنع أيضا وبات طاويا، ثم لم ~~يقفوا في هذا بل انتهكوا حرمة عوام المسلمين ابتلاهم الله بانتهاك حرمة ~~خاصتهم أيضا، فتناولوا فقهاء وقتهم ووقعوا في أهل العلم والدين ومن هم على ~~سنن المهتدين، وضللوهم إذا لم يضللوا العامة، فوقع لهم قريب مما وقع ~~للكميلية من الروافض فإنهم كفروا الصحابة حيث لم يقدموا عليا - كرم الله ~~وجهه - ثم كفروا عليا حيث لم ينازعهم في حقه، وكان أهل البلد اتبعوني وأنا ~~في # PageV01P046 # الطريق سؤالا فيما هو من حكم الذبائح ونحوها في بطاقة فأجبتهم بما علم من ~~دين الإسلام أن كل من تشهد شهادة الحق فإنه تؤكل ذبيحته، وتحل مناكحته، ~~ويدفن في مقابر المسلمين ما لم يظهر منه ما يخالف ظاهره ونحو هذا الكلام، ~~فلما بلغ إلى أولئك قالوا: سبحان الله! كنا نعرف فلانا من العلماء، ثم هو ~~يقتصر على مثل هذا الكلام ويكتفي " به " فلم يقع كلامي منهم موقعا حيث ~~اقتصرت على الحاجة وما هو الحق ولم أتعد إلى ما يشتغلون به من الفضول ~~والضلال، وكانوا قبل هذه الفتنة تلمذوا لشيخنا الإمام ابن ناصر - رضي الله ~~عنه - وأخذوا عهده، ms089 فلما لم يشتغل بما اشتغلوا به أنكروا عليه حتى وقعوا ~~فيما يؤتى به إليه من الهدايا والصدقات، وفيما يذكره للفقراء من كلام ~~الإمام الثعالبي، فإنه كان يحكي بسنده إلى الثعالبي أنه قال: من رأى من ~~رآني إلى سبعة ضمنت له الجنة بشرط أن يقول كل لمن رأى أشهد أني رأيتك فيشهد ~~له. فكان الشيخ رضي الله عنه يذكر ذلك على طريق الترجية، ولئلا يفوت ~~المسلمين ذلك الخير إن حققه الله تعالى، فقالوا: هذا يوقع الناس في الأمن ~~وفي الإعراض عن تعلم التوحيد مع أنه لا وثوق به فإن أمور المنامات لا تنضبط ~~ولا يعول عليها، ثم برئوا من صحبته وكتبوا في ذلك كراسة، فقيض الله لها ~~الشاب اللبيب الفاضل أبا العباس أحمد بن محمد بن السيد الشريف الحسني - ~~رحمه الله ورحم سلفه - فتكلم عليها بما نقض أباطيلها عروة عروة، فلما انتهى ~~إلى براءتهم من الشيخ كتب عليها ما معناه: إن هذه السلسلة المباركة الفاضلة ~~يعني سلسلة الشيخ رضي الله عنه هي أمنع جنابا وأطهر ساحة من أن يبقى فيها ~~أمثالكم، فطهرها الله منكم، وقد اشتعلت فتنتهم حتى كادت تخرج إلى الآفاق ~~كلها، ثم أطفأها الله تعالى بفضله فجاء الطاعون عام تسعين وألف فأجتث ~~شجرتهم من فوق الأرض فلم يبقى لها قرار. # PageV01P047 # فائدة: أما السلسلة التي أشرنا إليها عن الإمام الثعالبي فإن شيخنا ~~الإمام ابن ناصر - رضي الله عنه - يحدث بها عن شيخه الفقيه الصالح سيدي علي ~~ابن يوسف الدرعي عن شيخه سيدي عبد الرحمن بن محمد من بني مهرة عن سيدي محمد ~~بن محمد بن ناصر من أهل الرقيبة عن سيدي عبد الكبير وهو جد سيدي عبد الرحمن ~~المذكور عن القطب الكبير سيدي عبد الرحمن الثعالبي أنه قال رضي الله عنه: ~~من رآني إلى سبعة ضمنت له الجنة، وفي سلسلة كل واحد يقول لصاحبه: أشهد أني ~~رأيتك، وأني رأيت والحمد لله الإمام ابن ناصر وأشهدته على ذلك، حققه الله ~~لنا وللإخوان آمين. # واعلم أن مثل هذا يذكر على طريق الرجاء ms090 كما أشرنا إليه، وهو أمر جائز لا ~~يمنعه عقل ولا شرع، وذلك أن فضل الله عظيم لا يحد بمقياس وأولياء الله ~~تعالى أبواب يخرج منها هذا الفضل، ولهم مكانة عند ربهم الكريم المتفضل، فأي ~~شيء يستبعد في أن يعطي بعضهم الشفاعة في قرنه أو أكثر، أو أن من مسه لم ~~تمسه النار كما في قصة ابن حسون، أو أن من رآه دخل الجنة، أو أن من رأى من ~~رآه، إلى سبعة أو أكثر، هذا كله قريب. # وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في خبره عن أويس القرني - رضي الله ~~عنه - أنه يشفع في مثل أو عدد ربيعة ومضر. # وحدثني الثقة أن نفرا من أصحاب ابن مبارك التستاوتي دخلوا على سيدي محمد ~~الشرقي فقال لهم: أيها الفقراء، ما الذي قال ابن مبارك؟ فقالوا له: قد قال: ~~أهل زماني محسوبون علي أو في ذمتي أو نحو ذلك، فقال سيدي محمد الشرقي: ~~اشهدوا علينا إنا من أهل زمان ابن مبارك، فانظر إلى هذا الإنصاف وهذا ~~التسليم، فكذا يجب التسليم لمن وقع منه شيء من هذا من أهل الصلاح والدين، ~~ويظن به الخير ويحصل الرجاء ولا يوجب ذلك أمنا من مكر الله والاستغناء عما ~~يجب تعلمه أو العمل به، بل التكليف باق بحاله، والخوف والرجاء بحالهما. # وقد شاع عند هذه الطائفة الغازية أن الشيخ قد أخذ من الله تعالى عهدا أن ~~لا يسوق إليه إلا المقبول، ولم يوجب لهم ذلك أمانا ولا غرورا إلا أن يشذ ~~جاهل فلا التفات إليه. # وأما الهدية من الأخ في الله فهي مباحة في الجملة، بل هي محسوبة في الفقه ~~من وجوه الحلال، فإن عرض عارض في المعطى أو في وجه الإعطاء فالآخذ أعرف بما ~~يأتي وما يذر. # ثم أحوال الصوفية في قبول الفتوح مختلفة تبعا لما اقتضته الواردات، ~~والتحفظ عن الآفات. وهي في كل من الأخذ والترك كما قال الأستاذ السري ~~للإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهما: احذر آفة الرد كما تحذر آفة الأخذ، ~~وكل من ms091 عرف بصحة العلم والعمل ومتانة الديانة كشيخنا المذكور فأمره موكول ~~إلى دينه، ولا سبيل إلى الانتقاد عليه، والله الموفق. # لله الأمر من قبل وبعد ### | العدوى والطيرة # كنت ذات مرة اشتريت رمكة من رجل صحراوي أسود شديد السواد، فظهر فيها عيب ~~وتعذر إثبات قدمه لترد، فأدى الأمر إلى موتها منه وتلف الثمن، فأقبل رجل من ~~قومي والمشترى منه عندي ونحن نتكلم في المسألة، فلما بصر بالمشترى منه قال: ~~سبحان الله؟ كنت أعجب من أين جاء هذا الخسران؟ فإذا أنت تعامل الغربان، ألم ~~تعلم أنا لا نعامل مثل هذا حتى إنا لا نزجر الكلب الأسود عنا إذا مر بنا ~~لئلا يقع خطاب منا أليه فكيف بغيره؟ وجعل يتأسف من خسران الثمن ومن معاملة ~~ذلك الشخص، وجعلت أنا أضحك من عظمة الدنيا في عينيه ومن تحكيمه الأمور ~~العادية، وكان قومنا - كما قال - يفرون من السواد فلا يلبسون ثوبا أسود ولا ~~يركبون فرسا أدهم وهكذا. # PageV01P048 # واعلم أن هذه الأمور العادية يضل فيها العامة والقاصرون من الخاصة، أما ~~العامة فإنهم إذا رأوا شيئا عند شيء نسبوه إلى ذلك الشيء وغفلوا عن الله ~~تعالى ولم يعلموا أن الله تعالى هو الفاعل وحده ولا تأثير لشيء من الكائنات ~~بحال، فوقعوا في الشرك وفاتهم التوحيد، وأما القاصرون من الخاصة المعتقدين ~~لانفراد المولى تعالى بالفعل وأن لا شريك له فإنهم يجرون على هذا المعنى ~~وينكرون حكمة الله تعالى في أرضه وسمائه، فإذا قيل لهم: إن هذا الشيء يكون ~~عند وجود هذا السبب قالوا: هذا لا معول عليه، فإن السبب لا تأثير له، ~~ووجوده وعدمه سواء. وهذا أيضا جهل عظيم، فإن الله تعالى كما أنه قادر مريد ~~لا شريك له كذلك هو حكيم يفعل أشياء عند أشياء ويرتب أسبابا ومسببات حكمة ~~منه تعالى ورفقا بعباده في تأنيس نفوسهم بالأسباب المشهودة، فإن افيمان ~~بالغيب وانتظاره عسير عليها وابتلاء لهم ليتيميز من انخرقت له الحجب فأبصر ~~الحق، ومن حجب بها فتاه في أودية الضلال. نسأل الله تعالى العافية. ألا ترى ~~إلى ما ms092 جعل تعالى لعامة الخلق من الشبع عند الأكل والري عند الشرب، والتدفي ~~عند اللبس، والراحة عند الركوب، واللذة المخصوصة عند الوقاع، وهكذا مما لا ~~يحصى، وكل ذلك يجوز من الله تعالى أن يخلقه بلا شيء. فهل ينكر أحد من ~~العقلاء هذه الحكمة فيقول مثلا: إن الطعام لكونه لا تأثير له وجوده وعدمه ~~سواء، ويستجهل من يأكل ليشبع، وكذا ما جعله الله تعالى من المنفعة في ~~الأدوية والعقاقير وما لها من الخواص، وألهم ذلك الأطباء وأهل التجاريب، ~~فهل ينكر أحد ذلك؟ وكذا ما نحن فيه من كل أمر جرت العادة بوجود شيء عنده ~~فلا ينكر بل يعتقد حكمة من الله تعالى مع صحة التوحيد، وهو أن لا ينسب إليه ~~أثرا أكثر من أن وجوده سبب لبروز القضاء الأزلي عنده لا به، فمن نسب إلى ~~شيء دون الله تعالى تأثيرا في وجود شيء أو عدمه فهو مشرك، ومن أنكر الحكمة ~~المودعة في قوالب الكائنات فهو جاهل أعمى البصيرة، ولو لم يكن إلا جموده عن ~~إدراك ما جرت به العادات وأفضحت به التجريبات لكان أمرا سهلا، ولكنه إنكار ~~لحكمة المولى سبحانه وبديع تصرفه في الكائنات الدال على إحاطة العلم ~~والمشيئة بالمصالح والمنافع والمضار وعظمة الملك، فهو ينظر بإحدى العينين ~~دون الأخرى، فمتى حكم التجريب مثلا بأن يوما من الأيام لا يسعد بحاجة من ~~سافر فيه أو تزوج أو أخذ في سبب من الأسباب أو أنه يسعد فلا نبادر إذا ~~سمعنا ذلك بإنكاره، ونقول قد أشرك مع الله تعالى، بل لا بأس بالاعتراف بذلك ~~واعتباره عادة مع سلامة العقيدة من نسبة التأثير لليوم أو غيره من سائر ~~الكائنات، والناس في نحو هذا ثلاثة: شخص يعتبره أخذا وتركا مع الغفلة عن ~~الله تعالى، إما مع نسبة التأثير إلى السبب وهم المشركون، وإما بلا نسبة ~~ولكن استغراقا في الركوب إلى الأسباب والالتفات إلى الأغيار، وهو من ~~الغافلين، وشخص لا يعتبره أصلا استغراقا في التوحيد والتوكل على الله تعالى ~~والفناء عن الأسباب لا إنكارا للحكمة، وهذا لا ms093 بأس به، وإذا صح توكله ~~وتجرده عن الأسباب فذلك سبب لنجاته بفضل الله تعالى من مقتضيات العادة حتى ~~إنه لو ألقم الحية رجله لم تضره، فإنه لما خرق العادة على نفسه بحسمها عن ~~المألوفات وتجريدها عن الرعونات خرق الله تعالى له العادة بإعفائه عن جري ~~العادات وما تقتضيه بإذن الله الأسباب الحادثات، وشخص يعتبر ذلك تأدبا مع ~~الله تعالى في مراعاة الحكمة الجارية مع صحة العقيدة وصحة التوكل على الله ~~تعالى عند الأسباب لا على الأسباب وهذا هو الكامل. # وكان صلى الله عليه وسلم يعالج ويستعمل الرقي وقد يكون من ذلك ما هو خفي ~~يكون اعتباره تعمقا في الأسباب فيترك، وجعل بعض الأئمة من هذا نهيه صلى ~~الله عليه وسلم الأمة عن الكي مع الاعتراف له بأنه سبب من الأسباب. # إذا علم هذا كله فكل ما ورد من نصوص الشريعة وأقوال أهل الدين وفعلهم ~~يتنزل على هذا، وبما قررنا يعرف عذر من اعتبر شيئا من ذلك وعذر من لم ~~يعتبر. # PageV01P049 # وفي الحديث: " لا عدوى ولا طيرة " فالحق عندنا في تأويله " أنه " إثبات ~~لانفراد المولى جل وعز بكل التأثير، وأن لا تأثير لشيء مما يتوهم العرب أنه ~~مؤثر، لا في باب العدوى ولا في باب الطيرة. لا انه نفي لما جرت العادة ~~بوجوده عند ذلك بإذن الله تعالى، وهذا هو الجمع بين التوحيد والحكمة، وهو ~~جمع بين الحقيقة والشريعة في المعنى، وقوله صلى الله عليه وسلم: " وفر من ~~المجذوم فرارك من الأسد " وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: " لا يوردن ممرض ~~على مصح " أي ذو الإبل المريضة على ذي الإبل الصحيحة يحتمل معنيين: أحدهما ~~" أنه " سد للذريعة بمعنى أنه ترك ذلك مخافة أن يقع شيء " بإذن الله " فيظن ~~من وقع له أو غيره أنه ناشئ عن ذلك السبب فيقع في الشرك، الثاني أنه إثبات ~~لما جرت به العادة من حكمة الله تعالى كما قررنا، فيعتبر ذلك شرعا ولو لم ~~يكن إلا تنزها عن تغيير القلوب وآية الناس. # وفي الحديث أيضا: " اطلبوا ms094 الخير عند حسان الوجوه " وهو يحتمل أمورا: ~~الأول: " اطلبوا الخير " عند الناس الحسان الوجوه فإن الخير مقرون بهم، ~~وهذا من نمط ما نحن فيه. # الثاني: اطلبوا الخير منهم فإنه يصدر عنهم الخير بإذن الله تعالى، إذ حسن ~~الخلق عنوان حسن الخلق كما تقرر في الفراسة الحكمية وهو قريب مما قبله. # الثالث: اطلبوا الخير عندهم ومنهم، فإن النفس تنبسط إليهم وتتمتع ~~برؤيتهم، وفي الحكمة: اعتمد بحوائجك إلى الصباح الوجوه، فإن حسن الصورة أول ~~نعمة تلقاك من الرجل. # الرابع: اطلبوا الخير أي الرزق عند الوجوه المستحسنة " شرعا " كالبيع ~~والتجارة والقراض والهبة والصدقة وسائر الوجوه الحلية دون السرقة والغصب ~~والخيانة ونحو ذلك. # وكان صلى الله عليه وسلم يقول: " إذا أبردتم إلي بريدا فأبردوه حسن الوجه ~~حسن الاسم " وهو أيضا يحتمل أنه لمجرد النظر أو لزائد على ذلك، ولهذا بعث ~~الله الأنبياء ولا سيما نبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم في أحسن ~~صورة. # وفي ترجمة الإمام الشافعي رضي الله عنه: كان يتجنب أهل العاهات والناقصين ~~خلقة، وكان يقول: احذروا الأعور " والأحول " " والأعرج " والأحدب، والأشقر، ~~والكوسج، وكل من به عاهة في بدنه فإن فيه التوى ومعاشرته عسيرة. # ومن غريب ما وقع له في ذلك أمران: الأول أنه حكى أنه بعث رجلا من أصحابه ~~ذات مرة ليشتري له نوعا من العنب معروفا، قال الرجل: فذهبت فلم أجده إلا ~~عند رجل من هذا الجنس، إما أشقر أو أزرق قال: فأتيته به، فلما طرحت الطبق ~~بين يدي الإمام قال: أين وجدت هذا؟ قلت: عند فلان، وكان يعرفه، فقال: أردد ~~إليه عنبه، قال: فقلت: يا أبا عبد الله، إن لم ترد أن تأكله أكله غيرك، ~~فقال: ما أحب أن تتم المعاملة بيننا وبينه، فانظر في هذا، ولا تظن أن ~~الإمام به حب الثمن يسترده ولا يتصدق بالعنب، كلا، فإن جوده قد طبق الآفاق، ~~وهو الذي وضع بين يديه عشرة آلاف خارج مكة، فكل من سلم عليه يعطيه حتى لم ~~يقم إلا وقد فرغت، وإنما الحامل له على ما ms095 قال ألا تتم المعاملة بينه ~~وبينه، والظاهر من القصة أن الرجل المبعوث قد اشترى العنب شراء بتا، وهو ~~العادة في مثل ذلك، ففسخ العقدة إن لم يكن فضلا من البائع إنما هو أن يدعي ~~أنه من مثل ذلك الشخص عيب، وهذا نهاية هذا الأمر، وليس بعجب، فقد حكي عن ~~بعض القضاة من السلف أنه رد فرسا على بائعه بشية قد عيبت فيه. # PageV01P050 # الثاني أنه حكي عنه أنه كان في بعض أسفاره مر برجل من هذا الجنس، فقام ~~الرجل إليه ورحب به ترحيبا بالغا، واستدعاه للنزول والتضييف بغاية ~~الاستحثاث، فنزل رضي الله عنه فبالغ الرجل في ضيافته وإكرامه مع غاية ~~التاديب معه وتبجيله والبر به، فلما رأى الإمام ذلك قال في نفسه: سبحان ~~الله! " مثل هذا " الخير لا يصدر عن مثل هذا الشخص بما تقرر الحكمة في ~~أمثاله، وهذا الإنسان ينقض علينا القاعدة، فاغتم لذلك وبات مغموما متحيرا ~~فلما أصبح وتهيأ للرحيل لم يشعر إلا وقد ناوله الرجل سجلا فيه مكتوب كل ما ~~أكل وكل ما انتفع به عنده، مقوما بقيمة مضاعفة وقال له: ادفع لي ما أكلت، ~~وإذا هو رجل صاحب مكر واحتيال على الناس بالضيافة ليتجر فيهم، فعند ذلك سري ~~عن الإمام رضي الله عنه وعلم أن القاعدة لم تنخرم، فوزن له ذلك عن طيب نفس ~~وسرور بصحة القاعدة، انظر الأمثال الحديثة. # ودخل الشعبي سوق الرقيق فقالوا له: هل من حاجة؟ فقال: حاجتي صورة حسنة ~~أتنعم بها، يلتذ بها قلبي، وتعينني على عبادة ربي، وكأنه يتذكر ما عنده ~~والتشويق إليه. وأدام " النظام " النظر إلى جارية حسنة فقال مولاها: لم؟ ~~فقال: ما لي لا أتأمل منها ما أحل الله، وفيه دليل على حكمة الله واشتياق ~~إلى ما وعد الله. # وقال الراجز: # ثلاثة تجلو عن القلب الحزن ... الماء والخضرة والوجه الحسن # وقال إسحاق الموصلي: # لا أشرب الراح إلا من يدي رشأ ... تقبيل راحته أشهى من الراح # ولا بد من التنبيه في هذا الباب لأمور: منها أن هذه الأسباب الحكمية ~~قسمان: قسم ms096 ظاهر، وهو ما يرجع إلى قوام الإنسان في معاشه غذاء ودواء، ~~مباشرة أو بواسطة قريبة أو بعيدة كما في التمثيل ببعضه، وقسم خفي، وهو ما ~~لم يصل إلى تلك المنزلة بذاته، وإن كان له بها مساس، فالأول لا ينكر على من ~~يتعاطاه لوضوحه، والثاني هو الذي يقع فيه الإنكار كما مر كل ذلك. # ومنها أن الأمر العادي كما أنه لا تأثير فيه إلا لله تعالى كذلك لا ~~ارتباط فيه عقلا، وإنما هو أمر يجعله الله تعالى وتستمر عادته تعالى به ~~اختيارا منه، ومتى أراد أن يخرقه خرقه، كما شوهد ذلك في منجزات الأنبياء، ~~وكرامات الأولياء، وسحرة السحرة، فكل ذلك خرق من الله تعالى لحكمة كما ~~أجراه أولا لحكمة: وقد أخرج أهل الحيرة السم القاتل للسيد خالد بن الوليد ~~رضي الله عنه طمعا منهم في أن يقتلوه، فلما علم به أخذه فسمى الله تعالى ~~وأكله، ولم يضره شيئا ولا يحصى كم من عابد بقي حيا بلا طعام ولا شراب. # ولما حاصر المعتصم عمورية نهاه المنجمون أن يتقدم لقتالهم في ذلك اليوم، ~~فلما بلغ ذلك بعض أهل الدين في عسكره دخل عليه فقال له: # دع النجوم لطرقي يعيش بها ... وقم لوقتك وانهض أيها الملك # إن النبي وأصحاب النبي نهوا ... عن النجوم وقد أبصرت ما ملكوا # فنهض إليهم لوقته ففتح عليه. # وأصل هذا ما في الحديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه إثر ~~سماء وقعت: " أتدرون ما قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: يقول الله ~~تعالى: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله وبرحمته ~~فذاك مؤمن بي وكافر بالكواكب. وأما من قال: مطرنا بنوء كذا فذاك كافر بي ~~مؤمن بالكواكب " وهذا هو الذي قررناه قبل من تحقيق التوحيد وليس فيه إنكار ~~العادة الجارية. # والنوء عند العرب أن يطلع نجم، وقيل: أن يغرب، وهو الأصح " فيقع وهكذا " ~~وقد أجرى الله تعالى عند طلوع النجوم وعند غروبها وعند اقتران بعضها ببعض ~~أمورا كثيرة في المملكة اختبارا منه ms097 تعالى، ونبه إليها من شاء من عباده ~~فحصل لهم علم الأنواء، وعلم الاقترانات وسائر علم التنجيم، وهي كلها عادات ~~جارية بإذن الله تعالى، والمتنبهون إليها لمعتبرون لها منهم من آمن ومنهم ~~من كفر، والمقياس الحديث السابق على ما مر من تفصيل أحوال الناس. # PageV01P051 # ومنها أنه قد يعد من هذا الباب ما ليس منه مما يرجع إلى مجرد تخيلات ~~ووساويس، ولم يظهر فيه حكمة منوطة ولا عادة صحيحة جارية، وأكثره يكون بتسلط ~~شياطين يعبثون بمن يتوهم ذلك، فلا يلتفت إلى هذا النوع بوجه من الوجوه، ولا ~~سيما إن أبطل سنة وعارض حكما شرعيا كالذي يقول: إني جربت أني متى أعرت أو ~~سلفت أو تصدقت أو أضفت ضيفا تصيبني مضرة، فهذه شيطانية. # وقد حكي عن بعض الناس أنهم ما يذبحون الضحية، وأنهم متى ذبحوها أصابتهم ~~مصيبة، فلما اعتادوا ذلك تركوها، فتمادوا على هذا الضلال حتى انتهى الأمر ~~إلى رجل منهم موفق فقال: والله لا أترك السنة ولأضحين، فلما ضحى يبست يده ~~اليمنى فقالوا: هذا الذي حذرناك، فقال: لا أبالي، فلما أتت الضحية من قابل ~~ضحى أيضا فيبست يده الأخرى، فلما ضحى الثالثة يبست رجله، ولما ضحى الرابعة ~~يبست رجله الأخرى، ولما ضحى الخامسة انطلق ولم يبق به بأس " وانقطعت تلك ~~العادة الباطلة " وتبين أنه شيطان يعبث بهم ويفسد عليهم دينهم. # لله الأمر من قبل ومن بعد. ### | تأملات المؤلف في النعيم والعذاب # كنت في هذه السفرة التي كتبت فيها هذه الأوراق سافرت زمن البرد، فلما ~~انفصلت منم البلد قلت: # أيا رب البرايا يا رحيم ... ويا مولى العطايا يا حفيظ # أجرنا من عذابك وامتحان ... تجيش النفس منه أو تفيظ # ومن وعثاء في سفر وسوء ... ومن صرد وسائر ما يغيظ # يقال فاظت نفسه إذا مات، والوعثاء بعين مهملة وثاء مثلثة المشقة، فلما ~~أمسينا وضعت بين أيدينا فاكهة الشتاء فنعمنا بها، فلما رأيت ذلك قلت: سبحان ~~الله من جعل رحمته في عذابه أي النار، وجعل عذابه في رحمته أي المطر، ثم ~~نظمت هذا المعنى فقلت: # سبحان ms098 من يقدر أن يرحما ... بما به يعذب المجرما # وأن يعذب بما يرحم ... العبد به يوما إذا أنعما # فظهر اقتداره واعتلى ... في كل أمر شأنه واستمى # وظهرت حكمته في الذي ... ركب في الدنيا وما أحكما # فمرها لم يخل من حلوها ... وحلوها قد أشرك العلقما # في أبيات أخرى أنسيتها الآن، وتقرير هذا المعنى من وجهين: أحدهما أن هذه ~~الأمور التي يباشرها الإنسان ذات وجهين: نافع وضار، ألا ترى أن النار مثلا ~~تدفئ من البرد وتحرق، والمطر مثلا ينبت الزرع والنوار، ويخلف المياه ~~الغزار، ولكن يخرب الديار، ويقطع المسافر عن التسيار، وهكذا، والحكمة في ~~ذلك التركيب المشار إليه في الدنيا لما مر من الدلالة على ما في الآخرة من ~~النعيم والعذاب والترغيب والترهيب وغير ذلك مما يطول تتبعه. # ثانيهما أن كل ما هو نافع فالله تعالى قادر أن يجعله ضارا وبالعكس، وذلك ~~لما تقرر في العقيدة من أن ما يوجد في هذه الحوادث من الفوائد والخواص ليس ~~ناشئا عنها لا باختيار ولا علة ولا طبع، بل عن الفاعل المختار تعالى بقدرته ~~ومشيئته، وليس ثم ارتباط عقلي، فيجوز وجود ذلك وعدمه، فلله تعالى أن يجعل ~~النار مثلا محرقة مرة، ثم يجعلها غير محرقة، وأن يجعل الخبز مثلا مقتاتا ثم ~~يجعله غير مقتات كالحجر، وهكذا، ولكن أجرى الله تعالى عادته بما وقع لما مر ~~من الحكمة وكثيرا ما يخرق ذلك وقد مر كل ذلك. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | انهزام الدلائيين في معركة بطن الرمان # PageV01P052 # كان الرئيس أبو عبد الله محمد الحاج بن محمد بن أبي بكر قد ملك المغرب ~~سنين عديدة، واتسع هو وأولاده واخوته وبنو عمه في الدنيا، فلما قام الشريف ~~السلطان رشيد بن الشريف ولقي جيوشهم ببطن الرمان فهزمهم وذلك أوائل المحرم ~~فاتح سنة تسع وسبعين وألف فدخلنا عليه وكان لم يحضر في المعركة لعجزه من ~~كبر سنه فإذا بالفل يدخلون فدخل عليه أولاده واخوته وأظهروا جزعا شديدا ~~وضيقا عظيما، فلما رأى منهم ذلك قال لهم: ما هذا؟ إن قال لكم ms099 حسبكم فحسبكم، ~~يريد الله تعالى، وهذا كلام عجيب، وإليه يساق الحديث، والمعنى: إن قال الله ~~تعالى لكم حسبكم من الدنيا فكفوا راضين مسلمين، والإشارة بهذه إلى أن الله ~~تعالى وضع في الدنيا مائدة لعباده وجعلها دولا كما قال تعالى: " وتلك ~~الأيام نداولها بين الناس " فكل من جلس على هذه المائدة وتناول منها ما قسم ~~له فلا بد أن يقام عنها بالموت أو العزل ليجلس غيره، ولا تدوم لأحد، بل لا ~~يقام عنها من أقيم غالبا إلا بمرارة وعنف، ولذا قال صلى الله عليه وسلم: " ~~في الولاية "؛ نعمت المرضعة وبئست الفاطمة ". # ثم من الناس من لم يشعر بهذا المعنى ولم يتنبه له، فهو يسعى إليها عجبا ~~بأوائل زبرجها وانخداعا بظاهر زينتها، كما قيل: # الحرب أول ما تكون فتية ... تسعى بزينتها لكل جهول # حتى إذا اشتعلت وشب ضرامها ... عادت عجوزا غير ذات حليل # شمطا تنكر لونها وتغيرت ... مكروهة للشم والتقبيل # ومن الناس من علم ذلك وتنبه له، ثم من هؤلاء من نفعه الله بعمله فأوجب له ~~أحوالا محموده إما قبل ولوجها بالزهد فيها والفرار عنها علما بغايتها دينا ~~وتقوى أو حزما في الدنيا، وأما بعد الولوج بالتعفف والعدل والإحسان والرفق ~~ومجانبة البغي والجور إما دينا وحذارا من المطالبة في الآخرة، وإما حزما ~~دنيويا وحذار من اختلالها واضمحلالها. # لله الأمر من قبل ومن بعد. ### | دوام الملك بالعدل واضمحلاله بالجور # وقد حكي عن فرعون - لعنه الله - أنه دخل عليه بعض أشياعه بمال عظيم فوضعه ~~بين يديه فقال له: من أين هذا؟ فأخبره أن بعض القرى من أعمالهم كان لهم ماء ~~فتبطل، وأنه قد أذن لهم في إحيائه وإجرائه على هذا المال، فقال له فرعون: ~~الماء ماؤهم وقد أجروه، ففيم يدفعون المال؟ هذا ظلم وجور، والملك لا يستقر ~~على الجور، فاردد إلى الناس أموالهم. # قال بعض أئمتنا: فانظروا، يا معشر المسلمين، هذا كافر لا يلتفت إلى الدار ~~الآخرة، ثم حافظ بالعدل على دنياه فقط، فكيف بمن يدعي الدين ثم لا يلتفت ~~إلى العدل ولا يحافظ ms100 على الدين ولا دنيا. # قلت: وقد قال الحكماء: إن الملك يستقر ويستقيم مع الكفر ولا يستقيم مع ~~الجور، والعلة فيه أن الملوك هم خلفاء الله تعالى على عباده مؤمنهم ~~وكافرهم، غير أن المؤمن خليفة في الطرفين، والكافر في الدنيا فقط، والملك ~~هو نظام العالم، والعدل " هو " روحه، فمتى ذهب العدل اختل النظام ووقع ~~الفساد في العالم، ولذلك قال أرسطوطاليس في " ضوابطه ": العالم بستان سياجه ~~أي حائطه الدولة، الدولة سلطان تحيا به السنة، السنة سياسة يسوسها الملك، ~~الملك راع يعضده الجيش الجيش أعوان يكفلهم المال، المال رزق تجمعه الرعية، ~~الرعية عبيد تعبدهم العدل، العدل مألوف وهو حياة العالم. # ومن كلام الفرس: لا ملك إلا برجال، ولا رجال إلا بمال، ولا مال إلا ~~بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل. # وقال الإمام علي - كرم الله وجهه -: الدين أس، والملك حارس، وما لا أس له ~~مهدوم. # وفي الحديث: " صنفان من أمتي إذا صلحا صلح الناس: الأمراء والعلماء ". # وقال أبو بكر - رضي الله عنه -: لا يصلح هذا الأمر إلا شدة في غير عنف، ~~ولين في غير ضعف. # وقال عمر - رضي الله عنه -:لا يقيم هذا الأمر إلا رجل يخاف الله في ~~الناس، ولا يخاف الناس في الله. # وقال عمرو بن العاص - رضي الله عنه -: إمام عادل خير من مطر وابل، وأسد ~~حطوم، خير من إمام ظلوم، وإمام ظلوم، خير من فتنة تدوم. # وفي أمثالهم: إذا رغب السلطان عن العدل، رغبت الرعية عن الطاعة. # PageV01P053 # ولم يزل الحازمون من أهل الدين يهربون منها، ولذا قال صلى الله عليه ~~وسلم: " إنا لا نولي أمرنا هذا من سأله أو من أراده " إما رعيا للغالب من ~~أنه لا يطلبه إلا شهواني أو مضيع للحزم، وإما استنانا ليتبع عند غلبة ~~الشهوة وضعف الديانة كأزمنتنا هذه. # وقال أبو عمر بن عبد البر: تكلم يوما معاوية - رضي الله عنه - فقال: أما ~~أبو بكر فهرب عنها وهربت عنه، وأما عمر فأقبلت إليه فهرب عنها، وأما عثمان ~~فأصاب منها وأصابت منه، وأما أنا فداستني ودستها، قال ms101 أبو عمر: أما علي ~~فأصابت منه ولم يصب منها، قلت إن أبا بكر هرب عنها من أول مرة، وقد قال يوم ~~السقيفة ووضع يديه على عمر وأبي عبيدة: ادفعوا أحد هذين الرجلين، قال عمر: ~~فلم أكره مما قال غيرها، فهما هاربان منها. # وقال عمر - رضي الله عنه - بعد ذلك في قصته مع أويس القرني من يأخذها بما ~~فيها؟ يا ليت عمر لم تلده أمه، وقال في آخر رمق: يا ليتني تخلصت منها كفافا ~~لا لي ولا علي، هذا مع استقامته وعدله الشهير، حتى صار يضرب به المثل في ~~متابعة الحق، وقد شهد له صلى الله عليه وسلم بذلك الحديث المشهور، وقال له ~~أيضا: " ما سلكت فجا إلا سلك الشيطان فجا غير فجك " فكيف يكون حال من لم ~~يبلغ أدنى من هذه المرتبة ولا قارب، وهو يتبجح بالولاية، ويستبشر بنيل ~~الدرجة بها عند الله تعالى. # وقال علي - كرم الله وجهه - يا بيضاء ويا صفراء غري غيري ولا تغريني. # وكل من تعرض لها من السلف فإما أنتهاصا لنصح المسلمين من نفسه بإقامة ~~الحق لئلا يضيع، وإما نزعة بشرية حركها سبب من الأسباب، أما على الثاني فلا ~~يقتدي به، وأما على الأول فيقتدي من بلغ مقامه في التمكين والقوة والنزاهة، ~~وفي مثل زمانه الصالح الذي لم يزل فيه الدين طريا، والحق جليا، والأعوان ~~عليه قائمين، وهيهات ذلك في آخر الزمان الذي غلب فيه حب الدنيا واستولى ~~سلطان الهوى على الناس، فلا ترى إلا حرصا على الجمع والمنع، ولا ترى إلا ~~نفاقا ومداهنة وملقا، فالمرء لا يعدل بالسلامة شيئا، ومن له بوجودها إن لم ~~يكن له من المولى تعالى لطفا ظاهر. # أنذر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بهذا الزمان، وحض فيه على تجنب أمور ~~العامة، وإيثار السلامة، فقال صلى الله عليه وسلم: " إذا رأيت شحا مطاعا، ~~وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك ". # ولله الأمر من قبل ومن بعد ### | وسواس المهدوية # فمن انتهض اليوم للانتصاب روما لإقامة الحق وإنصاف المظلوم ms102 من الظالم فهو ~~مغرور، ولعل ذلك لا يتأتى له كما ينبغي في بيته " فضلا عن قريته " فضلا عن ~~البلد، فضلا عن الإقليم، وقد يسمع فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~والقيام بمصالح المسلمين ودرجة الإمام العادل، وذلك كله حق، ولكن أين ~~يتأتى؟ فيتحرك المسكين لانتقاص الأجر والظفر بعلي الدرجات فلا يفطن إلا وقد ~~وقع به العشاء على سرحان، وربما حان فيمن حان، وقد يكون ذلك، وهو الأغلب، ~~دسيسة دنيوية، ونزعة شيطانية، وقد يقع في " بعض " هذه المهاوي بعض أبناء ~~الطريق يحسدهم الشيطان على باب الله والتفرغ للحضور بين يديه وتجنب المعاصي ~~التي هي أقرب شيء إلى الغفران برحمة الله، فلا يزال بهم حتى يضمهم إليه ~~ويجاوز بهم مزالق من كانوا يتبعونه إلى هاوية من يتبعهم كما قال الشاعر: # وكنت امرءا من جند إبليس فانتهى ... بي الأمر حتى صار إبليس من جندي # نسأل الله العافية، فيجد الواحد قوة إيمانية في قلبه أو حالة جمالية ~~واردة، فيوهمه ذلك أنه قوي على أن يصدع بالحق، وربما أوهمه ذلك أنه هو ~~الحقيق بذلك دون غيره، أو أنه هو المهدي المنتظر، فيتحرك على طمع أن ينقاد ~~له الأمر وينقاد له أبناء الزمان، ويحفر فيكدي، ولا يعيد ولا يبدي، ثم يصير ~~أشقر إن تقدم نحر، وإن تأخر عقر، فلا يسعه على زعمه إلا فتح أبواب ~~التأويلات والترخصات، وإسعاف الناس بعد أن قام ليتبعوه، ومن شأنك بهدم ~~الدين عوض ما قام ليبنيه، ويخفض الحق مكان ما انتهض ليعليه، فإياك وإياك. # إذا أرخى الخمول عليك ذيلا ... فنم في ظله ليلا طويلا # PageV01P054 # وقد رأينا في وقتنا هذا من استولت عليه هذه الوساويس حتى وقع في شبه صاحب ~~المانلخويا بحيث لو اطلع الناس على ما هو فيه رموه في المارستان، ولكن ستر ~~الله تعالى يغطي على عبيده. ### | مهدوية أحمد بن أبي محلى # وممن ابتلي بهذا قريبا أحمد بن عبد الله بن أبي محلى، وكان صاحب ابن ~~مبارك التستاوتي في الطريق حتى حصل له نصيب من الذوق، وألف فيها كتبا تدل ms103 ~~على ذلك، ثم نزعت به هذه النزعة، فحدثونا أنه في أول أمره كان معاشرا لابن ~~أبي بكر الدلائي المتقدم الذكر، وكان البلد إذ ذاك قد كثرت فيه المناكر ~~وشاعت، فقال لابن أبي بكر ذات ليلة: هل لك أن تخرج غدا إلى الناس فتأمر ~~بالمعروف وتنهى عن المنكر، فلم يساعفه لما رأى من تعذر ذلك لفساد الوقت ~~وتفاقم الشر، فلما أصبحا خرجا، فأما ابن أبي بكر فانطلق إلى ناحية النهر ~~فغسل ثيابه وأزال شعثه بالحلق، وأقام صلاته وأوراده في أوقاتها، وأما ابن ~~أبي محلى فتقدم لما هم به من الحسبة فوقع في شر وخصام أداه إلى فوات الصلاة ~~عن الوقت ولم يحصل على طائل، فلما اجتمعا بالليل قال له ابن أبي بكر: أما ~~أنا فقد قضيت مآربي، وحفظت ديني، وانقلبت في سلامة وصفاء، ومن أتى منكرا ~~فالله " هو " حسيبه أو نحو هذا، وأما أنت فانظر ما الذي وقعت فيه. ثم لم ~~ينته إلى أن ذهب إلى بلاد القبلة ودعا لنفسه وادعى أنه المهدي المنتظر، ~~وأنه بصدد الجهاد، فاستخف قلوب العوام واتبعوه، فدخل بلد سجلماسة وهزم عنه ~~والي الملوك السعدية واستولى عليه، ثم أخرجهم من درعة، ثم تبعهم إلى حضرة ~~مراكش، وفيها زيدان بن أحمد المنصور فهزمه. وأخرجه منها، وذهب فاستغاث بأهل ~~السوس الأقصى فخرجوا إلى ابن أبي محلى فقتلوه وهزموا عسكره شذر مذر فكان ~~آخر العهد به، ورجع زيدان إلى ملكه. وحدثونا أنه كان ذات يوم عند أستاذه ~~ابن مبارك قبل ذلك فورد عليه وارد حال فتحرك وجعل يقول: أنا سلطان، أنا ~~سلطان، فقال له الأستاذ: يا أحمد " هب أنك تكون سلطانا ") إنك لن تخرق ~~الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (. # وفي يوم آخر وقع للفقراء سماع فتحرك وجعل يقول: أنا سلطان، فتحرك فقير ~~أخر في ناحية وجعل يقول: ثلاث سنين غير ربع، وهذه هي مدة ملكه، " وقد رمزوا ~~له ذلك " فقالوا: قام طيشا، ومات كبشا، أي قام في تسعة عشر بعد ألف، ومات ~~في اثنين وعشرين بعدها. وزعموا أن إخوانه من ms104 الفقراء ذهبوا إليه حين دخل ~~مراكش برسم زيارته وتهنئته، فلما كانوا بين يديه أخذوا يهنئونه ويفرحون له ~~بما حاز من الملك، وفيهم رجل ساكت لا يتكلم، فقال: ما شأنك لا تتكلم؟ وألح ~~عليه في الكلام، فقال له الرجل: أنت اليوم سلطان، فإن أمنتني على أن أقول ~~الحق قلته، فقال له: أنت آمن فقل، فقال: إن الكرة التي يلعب بها يتبعها ~~المائتان وأكثر من خلفها، وينكسر الناس وينجرحون، وقد يموتون، ويكثر الصياح ~~والهول فإذا فتشت لم تجد " بداخلها " إلا شراويط أي خرقا بالية ملفوفة فلما ~~سمع ابن أبي محلى هذا المثال وفهمه بكى وقال: رمنا أن نحيي الدين فأتلفناه. # واعلم أن هذه الدعوى أعني دعوى الفاطمية بلوى قديمة كما أشار إلى ذلك بعض ~~الأئمة، وكان الشيعة ادعوا ذلك لزيد بن علي، فلما قام على هشام ظفر به يوسف ~~بن عمر فصلبه، فقال بعض شعراء بني مروان يخاطب الشيعة: # صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة ... ولم نر مهديا على الجذع يصلب # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | المهدي بن تومرت وأتباعه # PageV01P055 # وأول من تظاهر بهذا جدا ببلاد المغرب " فيما علمنا " يهدي الموحدين، وهو ~~أبو عبد الله محمد بن تومرت السوسي، وكان رجلا فقيها، له رحلة إلى المشرق ~~ولقي فيها المشايخ كالإمام الغزالي رضي الله عنه، فلما قفل إلى المغرب لقي ~~في طريقه عبد المؤمن بن علي قد ارتحل في طلب العلم وهو شاب صغير، وكان عنده ~~فيما يقال علم من علم الحدثان فلما بصر به توسم فيه أنه صاحب الأمر فقال ~~له: اذهب معي وأنا أعلمك ما تشاء من العلوم، فصحبه عبد المؤمن في دخوله إلى ~~المغرب، فلما وصلوا إلى حضرة مراكش - حرسها الله - وجدوا فيها آخر ~~المرابطين، ووجدوا أمورا مختلفة كما هو المعهود في أذناب الدول، فدخل ابن ~~تومرت وأظهر شيئا مما حمل من العلوم العقلية، فأنكر أهل البلد ذلك، وكانوا ~~إذ ذاك أهل بادية، فوشوا به إلى صاحب الوقت، فاستدعى وناظر حتى ظهر عليهم، ~~فخلى السلطان سبيله، وبقي في البلد، ms105 ثم جعل يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ~~وشاع ذلك، فأنهوا أمره ثانية إلى السلطان وأغروه به، فأمر بإخراجه فخرج إلى ~~تلك الجبال وجعل يدعو إلى الدين، وأقبل عليه الناس، ثم تظاهر بأنه هو ~~المهدي، فلما اجتمع إليه الناس حضهم على إعلاء الدين، وجهاد المفسدين، ~~فتقدم بهم إلى مراكش، وجرت بينهم وبين المرابطين حروب شديدة مات في خلالها ~~بعد أن أوصى بعبد المؤمن وهيأ الأمر له، فولي عبد المؤمن واستوسق الأمر له، ~~ولولده من بعده، وهم أتباع المهدي مع كل من يشايعهم في أنه هو المهدي من ~~الطائفة التومرتية، وقد أنكر الفقهاء عليهم ذلك وضللوهم، ولا شك في ضلالهم ~~في ذلك عند كل من يعترف بوجود المهدي في آخر الزمان. # وقد ألف بعد ذلك الجلال السيوطي كتابه: " العرف الوردي، في أخبار المهدي ~~" و " الكشف في مجاوزة هذه الأمة الألف " وبسط القول في ذلك بما فيه غنية ~~من أن المهدي متأخر حتى يكون في آخر الزمان لوقت خروج الدجال ونزول عيسى ~~ابن مريم عليه السلام، وأنه ليس هو ابن تومرت ولا أمثاله من كل من يدعي ذلك ~~إلى زماننا. # PageV01P056 # وكنت لا أحسب أن للطائفة التومرتية في دعواهم أزيد من مجرد الدعوى وتقليد ~~شيخهم " المذكور " فكان من غريب الاتفاق أني منذ نظرت في كتب التصوف وقع في ~~يدي كتابان في هذا العلم ينسبان لأبي زيد عبد الرحمن اللجائي، أحدهما " قطب ~~العارفين "، والآخر " شمائل الخصوص "، فكنت أستحسنهما مع العلم من نفسهما ~~أن مؤلفهما ليس من فحول العلماء، ولكن ما فيهما حسن المسلك، سهل المدرك، ~~فكنت أتمنى زيارة المؤلف لاعتقادي أنه من أهل الطريق، وكنت إذا ارتحلت ~~لزيارة الشيخ عبد السلام بن مشيش - رضي الله عنه - أسأل عنه فأجده بعيدا ~~عني حتى إذا كان الحصار على مدينة فاس - حرسها الله - حين قتلوا القائد ~~زيدان خرجت منها وأخذت على جبل بني زروال، فإذا بجبل لجاية قريبا مني، ~~فأجمعت زيارته وتركت الركب وانخزلت إليه في نفر من أصحابي، فصعدنا الجبل ~~إليه، وإذا هم يسمونه سيدي عبد الرحمن ms106 التراري فلما وصلنا إلى مقامه خرج ~~إلينا أولاده " فأنزلونا " وأكرموا مثوانا، فلما اطمأن بنا المنزل وزرنا ~~قالوا: هل لك في أن نخرج إليك كتب الشيخ لتراها، فقلت: نعم، فأخرجوا ~~الكتابين المذكورين، فلما رأيتهما سررت بهما واستدللت بذلك على أنه هو ذاك، ~~وأنه هو المؤلف لهما، وأخرجوا كتابا ثالثا مجلدا ضخما ففتحته فإذا هو يسميه ~~" المقصد الأسنى، في المهدي الأقنى "، فلما رأيت ذلك ظننت أنه يتكلم في ~~المهدي المنتظر على نحو ما تكلم عليه الأئمة وإذا هو يخرج أحاديث لعبد ~~الرزاق ويذكر حسابا يتضمن ظهوره إثر المائة الخامسة، وإذا هو يصفه ويذكر ~~أحواله، وإذا كلامه في ابن تومرت المذكور، وإذا هو من الطائفة التومرتية، ~~وذكر في أثناء الكتاب المذكور أنه امتحن على يد قضاة الوقت في ذلك حتى دعي ~~إلى فاس ثم إلى مراكش، وأنه أنقذه الله من المحنة ورجع إلى بلده سالما، ~~فلما رأيت ذلك استضحكت في نفسي وقلت كما قال أبو علي الفاسي حين وجد الياء ~~منقوطة: ضاعت خطواتنا، واستعجلت القيام، والخروج عن ذلك المقام، ولم أنتظر ~~ما يضعون من طعام، وتخلصت بالاعتذار، بأصحابي الذين خلفت بعدي في الدار، ~~ولما فصلنا عنهم تأملت فقلت: حصل العلم بأن هذا الرجل من تلك الطائفة، ~~والعلم بأن تلك الطائفة قد كان فيها من يحتج لدعواهم الباطلة من أهل العلم، ~~وهاتان فائدتان غريبتان، فلم تضع الخطوات مع أن الخطب سهل، والمجتهد مصيب ~~مأجور، أو مخطئ معذور. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | الرياسة والشهرة # وإذ قد ألممنا بذكر الرياسة والشهرة وضديهما، وذلك مما يبتلى به العام ~~والخاص مع إشكاله والتباسه إلا على البصير، فلنشر إلى شرح ذلك باختصار حتى ~~يكون الإنسان منه على محجة واضحة في رشده وغيه، واستقامته وانحرافه في ~~سعيه. # فاعلم أن في كل من الرياسة والشهرة وعدم ذلك شهوة للنفس ونفرة، ومصلحة في ~~الدين والدنيا أو مفسدة، فمن ألهم المصلحة في الرياسة أو في الشهرة وسلم من ~~المفسدة ومن الشهوة وأصاب الإمكان فقد حصل على الشرف في الدارين، وفي مثله ms107 ~~يقال: المؤمنون أو المتقون بخير فكيف بإمامهم! وإن لم يتوفر له ذلك فإن ~~أنفقت له المصلحة والإمكان أصبح كالسراج يضيء للناس وهو يحترق وفيه يقال: ~~إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وإن اتفقت له المفسدة والإمكان أصبح ~~من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وفي أمره ورد: " أن هذا الأمر يكون ~~نبوءة ثم خلافة ثم ملكا ثم عتوا وفسادا في الأرض "، وهو الموجود اليوم، ~~وكثير من الحمقى في زماننا يشتكون الجور ويطلبون العدل، ولم يدروا أن الجور ~~قد مضى مع الملوك بعدما مضى العدل مع الخلفاء، ولم يبق إلا الفساد، فيا ليت ~~الناس وقف لهم الأمر في الجور فيعيشوا، وإن لم ينفق له الإمكان فهو الفضيحة ~~إن أبدى صفحة عنقه، والغم والوسواس إن شرق بريقه. # أما إن لم يلهم المصلحة وإنما جمحت به الشهوة أو قصد المفسدة فلا سؤال ~~عليه. # PageV01P057 # أما شهوة الناس في الرياسة مثلا فواضحة لما مر غير مرة من تعشقها لصفات ~~الألوهية، ولذا يقال: دعوى فرعون الألوهية في ضمير كل أحد مع تعشق ما يتوهم ~~من ثمرات ذلك من التنعم والترفه والاحتواء على الدنيا وأهلها، ونفرتها عن ~~ذلك بتوقع ما فيه عادة من المتاعب والمعاطب وإيثار راحة القلب والبدن، ~~وتشتعل الشهوة وتتقوى بعلو الهمة في الدنيا وقوة الحرص وشهامة النفس وتضعف ~~بضعف ذلك، ومصلحة ذلك في الدنيا إطفاء الفتن، وإخماد الإحن، وقمع البغاة، ~~وإغاثة ملهوف، وإنصاف مظلوم، وتهدين السبل، كما قال عبد الله بن مبارك رضي ~~الله عنه: # لولا الخلافة لم تأمن لنا سبل ... وكان أضعفنا نهبا لأقوانا # وجباية الأموال وتحصينا وقسم الأرزاق على أهلها إلى غير ذلك، وفي الدين ~~إقامة الصلاة والزكاة والجهاد ونشر العلم وكفاية أهله ونحو ذلك. وفي مطلق ~~الشهرة في الدنيا السعي في مصالح الناس والمسادة بينهم وغير ذلك، وفي الدين ~~نصح المستنصحين، وتعليم المتعلمين، وهداية الضالين، وتربية المريدين، وغير ~~ذلك، وفي حديث الهداية يقول صلى الله عليه وسلم لعلي - كرم الله وجهه -: " ~~لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من ms108 حمر النعم ". والمفسدة في ذلك في ~~الجملة ظلم العباد، والسعي في الأرض بالفساد، وتضييع الحقوق، وإظهار ~~العقوق، وإضلال الناس، والتحريف والإلباس، وشهوة النفس في الخمول والضعة ~~إيثار الراحة والسلامة كما مر في مقابله: # وقائلة ما لي أراك مجانبا ... أمورا وفيها للتجارة مربح؟ # فقلت لها: ما لي بربحك حاجة ... فنحن أناس بالسلامة نفرح # ونفرتها عنها لعدم الحظ السابق، والمصلحة في ذلك بانتفاء المفسدة التي في ~~المقابل، وذلك كله واضح، فقد تبين ما هو حظ النفس فس البابين، فقد تدعو إلى ~~جانب موهمة أنها تريد استحصال مصلحته والتخلص من المفسدة في مقابله، وهي ~~إنما تريد حظها الطبيعي منه، والشيطان يحثها إلى ذلك طلبا لحصول المفسدة ~~التي فيه وفوات المصلحة التي في المقابل، وعلى البصير الحازم أن يزم نفسه ~~بزمام التقوى، ويزينها بميزان العدل، وينتقدها بسراج الهدى، ويصفيها من ~~بهرج الهوى. # فإذا دعته مثلا إلى طلب الرياسة والقيام بالأمر موهمة أنها تريد جمع ~~الكلمة ولإقامة الشريعة وبسط العدل وكف الظلم ونحو ذلك فلا ثق بها في هذه ~~الدعوى حتى يمتحنها فإنها تدعي أنها لم ترد متعة الدنيا وإنما طلبت استحصال ~~الأجر والدرجة عند الله تعالى فيكفيك في امتحانها شيئان: أحدهما أن تعاقدها ~~فيما تدعو إليه بأن تقوم فيه أشعث أغبر لا تنال مما يناله من دخل ذلك من ~~أهل الدنيا عادة من مطعوم ولا ملبوس ولا مركوب ولا منكوح ولا مسكون ولا ~~عظمة، وأنك تكون كواحد من الناس لا تتميز عنهم إلا بما تحملت من المشاق ~~والمتاعب والهموم في مصالحهم كما كان حال الخلفاء - رضي الله عنهم - حتى ~~إنك لو كنت في رفاهية قبل ذلك تركتها شغلا عنها كما كان فعل عمر بن عبد ~~العزيز - رضي الله عنه - فقد حكي أنه قبل الخلافة اشتريت له حلة بنحو ~~أربعين أو سبعين ألفا فجسها فقال: ما أحسنها لولا خشونة فيها! ولما ولي ~~الأمر اشتريت له حلة بنحو أربعة دوانق فجسها فقال: ما أحسنها لولا لينها! ~~فقيل له ما هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن نفسي ms109 ذواقة تواقة كلما ذاقت ~~مكانة تشوقت إلى غيرها، فلما حصلت الخلافة تاقت إلى ما عند الله تعالى، ~~وسمع البكاء يداره حين ولي، فدخل مسلمة بن عبد الملك إلى أخته فاطمة زوجة ~~أمير المؤمنين فسألها عن ذلك فأخبرته أن أمير المؤمنين دخل عليهن فقال: إني ~~قد شغلني عنكن ما نزل بي، يعني من الخلافة، فمن أحبت منكن أن تصبر على ذلك ~~فلتصبر - رضي الله عنه -، وجعلنا في حماه. # PageV01P058 # ولما انعقد له الأمر وكان قد تعب فيه هم بأن يقيل فذهب ليدخل الدار، فقال ~~له ابنه عبد الملك بن عمر - رضي الله عنهما -: ما تريد أن تفعل يا أبت؟ ~~فقال له: يا بني إني قد سهرت من هذا الهم، فأردت أن أصيب راحة، فقال له: ~~وأين حقوق الناس؟ فقال: يا بني إلى الظهر، فقال: يا أبت ومن لك بأن تعيش ~~إلى الظهر؟ فأخذه وقبل ما بين عينيه وقال: الحمد لله الذي خلق مني من ~~يعينني على ديني، فترك القيلولة، وخرج إلى الناس وقال: من كانت له مظلمة ~~فليأتنا، وجعل يرد على الناس ضياعهم وأموالهم وينصفهم مما وقع عليهم من ~~الظلم قبله. # هكذا هكذا وإلا فلا لا ... طرق الجد غير طرق المزاح # ومن هذا سئل إمامنا مالك - رضي الله عنه - من يقاتل عن الإمام؟ قال: إن ~~كان كعمر بن عبد العزيز فنعم، وإلا فدعه ينتقم الله من الظالم بالظالم حتى ~~ينتقم من الجميع. # فإذا عرضت على نفسك هذا الشرط فتنبه إليها، فإن انشرحت له بأول عارض فعسى ~~أن تصدق، وإن رأيت في أديمها انكماشا ما فهي كذابة تريد أن تتذرع بتسويلتها ~~الباطلة إلى اقتناص اللذات، والانهماك في الشهوات، ولا تغتر بانشراح يظهر ~~منها ثاني حال لأنه يكون متكلفا احتيالا. # الثاني أن تقدر أن لو ظهر غيرك في الوجود ممن يقوم بهذا الأمر مثل ما ~~ترجو أو أفضل هب تكتفي بذلك وتحمد الله تعالى على ما كفاك مئونة ما تريد أم ~~لا. فإن اكتفيت بذلك وعلمت أن المراد انتفاع المسلمين وصلاحهم، وقد حصل بلا ms110 ~~شك منك فقد تصدق، وإن وجدت نفسك مع ذلك مضرة على طلب ذلك متنكدة من فواته ~~فاعلم أنها كاذبة إنما تطلب حقها، فإن زعمت أنها إنما طلبت الفوز بدرجة ذلك ~~عند الله تعالى وإنما تنكدت من فواتها فاعرض عليها أنه لو حصل ذلك أو أرفع ~~منه وهي بين يدي الله تعالى في خلوتها مراقبة له لهجة بذكره سارحة في رياض ~~المعارف ليلا ونهارا هل تطلب هذه الخطة؟ فإن قالت إذن لا حاجة لي بها إذ ~~أصبت الغنيمة الباردة ووقعت على الدر النفيس فعسى أن تكون صادقة، وإن أصرت ~~على الطلب فهي كاذبة، هذا على أن دسائس النفس أدق شيء وأعمصه فقد تسخو ~~بالحظوظ الحسية كلها حتى تتوهم أنها صادقة وإنما تريد حظوظا معنوية مثل ~~الصيت والذكر في الدنيا على ما وقع للرهبان، نسأل الله السلامة من شرها. # ثم إن ألفيتها صادقة مع الامتحانات، وما أغرب وجود ذلك!، فانظر حينئذ في ~~الإمكان، فإن القيام بذلك متوقف عادة على أمور كالعقل والقوة والعدد والعدة ~~والمال والإخوان والأعوان، فإن تيسر ذلك فمن علامة الإذن التيسير، ولا يكاد ~~يتفق ذلك، ولا سيما فيما نحن فيه من آخر الزمان الذي قل خيره وكثر شره، وإن ~~اتفق فلا يكاد يتفق إلا بعد فتن ومفاسد لا يقوم بها ما يرجى من مصلحة، فلا ~~يصل إلى الطاعة على زعمه إلا بعد اقتحام معاص عظام، وما أشبهه حينئذ بما ~~شاع في ألسنة المتطببين من أنه لا يكون الرجل طبيبا حتى يعمل مقبرة، ولكن ~~الناس مبتلون مقودون بسلاسل القدر، لينتظم أمر الدنيا على حسب ما شاء ~~الحكيم العليم، نسأله سبحانه أن يصرفنا فيما فيه رضاه، وكذا ما نحن فيه، ~~وإن لم تر إمكانا أصلا أو لم تره على مقتضى المصلحة الشرعية فخل عنها، ~~واعلم أنك لست من أهلها. # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # ودع عمار العلى للمقدمين على ... ركوبها واقتنع منهن بالبلل # ولا تغتر بصلاح نيتك وتمنيك الخير وتظن أنك تعطى لا محالة ما تتمنى ms111 ~~فهيهات! # ما كل ما يتمنى المرء يدركه ... تجري الرياح بما لا تشتهي السفن # واعلم أنك متى رمت النهوض إلى هذا الأمر بلا عدته تكون كالمجبوب يروم أن ~~يتزوج ليولد له ولد صالح يدعو له أو ليكثر الأمة المحمدية بنسله، فهذا أحمق ~~مبين، وحسبه أن يحتسب على الله تعالى نيته الصالحة فعسى أن يعطى بها خيرا، ~~وفي الحديث: " نية المؤمن أبلغ من عمله " وفي الحديث: " من هم بحسنة فلم ~~يعملها كتبت له حسنة " وكذا أنت في هذا كله. # PageV01P059 # وانظر إلى الملك الذي أشرف على تل ونظر إلى جنوده تحته فأعجبوه، فتمنى أن ~~لو كان حاضرا مع النبي صلى الله عليه وسلم لينصره، فرحمه الله تعالى بفضله ~~على هذه النية، فانو أنت أيضا أن لو كانت لك قوة على إظهار الشريعة وإحياء ~~السنة وإخماد البدعة وحسم الباطل وإغاثة الملهوف ونصرة المظلوم وإقامة ~~ميزان العدل وإصلاح العباد والبلاد، فعسى أن تنال بهذه النية خيرا، وقف ~~هاهنا وطب نفسا عما وراءه، فلا تلج تلك المضايق ولا تتبع تلك الطرائق، وإذا ~~فهمت الدسيسة في هذا القسم فافهمها في غيره والله الموفق. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | الكشف والمكاشفة عند الصوفية # حدثنا شيخنا العلامة أبو بكر بن الحسن التطافي رحمه الله " قال: دخلت على ~~شيخنا العلامة أبي بكر بن الحسين التطافي رحمه الله " قال: دخلت على شيخنا ~~العلامة الزاهد أبي محمد عبد الله " بن علي " بن طاهر الحسني رضي الله عنه ~~يوما وهو إذ ذاك بقرية أولاد الحاج من بلد مضغرة فقال لي: إن بني يفوس وهم ~~قرية من الخنق وقع بينهم قتال قال: فقلت: يا سيدي أجاء أحد من هنالك؟ قال: ~~لا، ولكن أخبرني بذلك قلبي، وقلبي لا يكذب علي، فقد جربته، وكان بينه وبين ~~هؤلاء مرحلة، قال: فجاء الخبر بعد ذلك بوقوع الأمر كما أخبر به. # وقد رأيت أن أثبت في هذا المعنى كلاما تتميما للفائدة كما هو سبيل هذا ~~الكتاب كله، وأنا أبرأ إلى السامع من نفسي، فلا يتوهم أني من أهل ms112 هذا ~~المضمار وأني خبرت عن وجدان، وتكلمت عن ذوق، وبينت عن مشاهدة، كلا، وإنما ~~أقرر شيئا أتعقله فهما، أو شيئا وجدته في كتبهم مشروحا، ولا أدعي أنه ليس ~~في حكمة الله البالغة، وموهبته السابغة، أزيد من ذلك، بل أذكر ما انتهى ~~إليه فهمي فأقول: إن الغيب المدعى الاطلاع عليه، وهو ما لا يعلمه عامة ~~الناس قسمان: قسم متقرر في نفسه، وللعقول وصول إليه، وقد يدركه بعض العقول ~~دون بعض، وذلك كصفات الله تعالى وأسمائه، وحكمته في أرضه وسمائه، وأحكام ~~المعاد وغير ذلك، وكذا كل علم مستنبط في الأصول والفروع وغير ذلك، فهذا ~~اطلاع صحيح، ولكن لا يسمى في الاصطلاح كشفا، نعم هو الكشف الصحيح النافع، ~~وسنشير إليه آخر الترجمة إن شاء الله. # وقسم مرجعه الموهبة، و " لكن " لا مجال فيه للعقول، ويكون إما بلا تقدم ~~سبب يناسبه كحال مجذوب وهي الرؤيا المستغنية عن التعبير، وإما بمشاهدة ~~مثاله، وهي الرؤيا التي تعبر، وإما بسماع خطاب أو آية أو قراءتها ونحو ذلك، ~~ولا حاجة إلى بيان حقيقة الرؤيا لأن ذلك مستوفى في علم التعبير. # وأما الغيبة فأن يشاهد فيها شيء أيضا أو أمثاله أو يسمع الخطاب أو نحو ~~ذلك، وكون المشاهدة حينئذ بالعين الباصرة أو بعين القلب أمر محتمل، ولا ~~حاجة إلى التعرض لتحقيقه فإنه لا يتعلق به غرض. # وأما اليقظة فبأن يرى الشيء بعينه إن كان مما يرى أو أمثاله، أو يراه ~~بقلبه إما بأن يتجلى له كرؤية البصر أو يخطر فيه أنه كذا، أو يحدث به، وقد ~~يرى الشيء مكتوبا في اللوح المحفوظ أو في الصحف المستنسخة يقظة أو غيبة أو ~~مناما أو مكتوبا على صفحة جدار أو على جبين السائل أو غير ذلك، وقد يفهم ~~ذلك من صوت يسمعه أو فعل أو حال يراه لغيره أو لنفسه أو نحو ذلك، فهذا ~~النوع كله هو الذي يراد بالكشف والمكاشفة في عرف الناس، وقد يختص ذلك يختص ~~ذلك بالقسم الثاني والثالث أو بالثالث فقط. # ولما كان أمرا معشوقا للإنسان وذلك من ms113 وجهين: أحدهما من حيث كونه علما، ~~والعلم هو غذاء الروح، وكلما كان أغرب، كان أشهى وأعجب. # PageV01P060 # ثانيهما من حيث كونه غبيا، والعلم به من أوصاف الربوبية، والعبد مرتاح ~~إلى ذلك كارتياحه إلى القدرة والعلو، فكان للناس ولوع بذلك وتشوف إليه لما ~~ذكرنا وتشوف إلى من يظهر عليه شيء منه لاستلذاذ الغرائب، واستعظام العجائب، ~~واستنجاح المآرب، حتى إن العامة مطبقون على جعل ذلك آية لثبوت ولاية الولي ~~من غير تعريج على المستقيم منه والسقيم، وكذا صاحبه في نفسه، فنشأ من ذلك ~~كله لعوام المتوجهين شغف به وحرص عليه لأول قدم، فكثرت فيه الدعوى، وعمت به ~~البلوى، والتبست السبل بالمنهاج، وغطى على شمس الخصوصية دخان الاستدراج، ~~رأينا أن ننبه على وجوه الغلط في الأوجه السالفة بقدر ما حضر في الفكر ~~ليتأتى للإنسان التحرز من مغالطة نفسه ومغالطة غيره له، " والله أعلم " ~~وسمعت الشيخ أبا عبد الله ابن ناصر - رحمه الله - يقول: قال سيدي أحمد ابن ~~إبراهيم - رحمه الله -: لا تكونوا كذابين ولا يلعب بكم الكذابون. # فنقول: أما ما يكون من جهة المنام فيمكن الغلط فيه من جهات: منها أن لا ~~يضبط " أمور " نفسه، فإن أمور النوم قلما تنضبط، فيتوهم أنه رأى صورة الشيء ~~أو المثال الدال عليه أو خوطب به أو نحو ذلك والأمر خلافه. # ومنها أن يرى صورته لكونها حاضرة في خياله، فإن من أكثر تصور الشيء لشغفه ~~به أو لاستغرابه أو للخوف منه أو عليه ربما تخيله بذلك السبب، ولا حاصل ~~لذلك كما في قصة الذي بشر الملك بطول العمر وأنه بقي في عمره أربعون سنة ~~وأن أمارة ذلك أن يرى في الليلة القابلة كذا لصورة غريبة صورها له، فظل ~~الملك يقلب تلك الصورة في وهمه، فلما أمسى رآها فأصبح مصدقا بكلام ذلك ~~الشخص فنال الحظوة منه وهو كذاب، وما زال العامة يقولون: إن فلانا يحلم ~~بفلان أي لخوف منه أو لمحبته، فيكثر ذكره نهارا ويحلم به ليلا. # ومنها أن يرى مثالا فيعبره بذلك ويخطئ في العبارة ويبني على الخطأ، ms114 وقد ~~لا يذكر المنامة بل يقتصر على تفسيرها على زعمه إما حسن ظن بنفسه أن الأمر ~~هو ذلك، وإما إيهاما للناس " أنه " إنما أخبر عن مشاهدة لا عن منام ليعد من ~~الأولياء أهل الكشف، فإن المنامات لا تختص بهؤلاء بل تقع لسائر الناس حتى ~~الكفرة، ولذا وقع الحديث: " الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح ... وفي الحديث ~~أيضا: " إذا تقارب الزمان لم تكد رؤيا المؤمن تكذب ". # ومنها أن يسمع خطابا في منامه ولا يدري ممن سمعه فيبني عليه ظنا منه أنه ~~من الله تعالى أو من ثقة " من " عباده، وإنما هو شيطان يلعب به، وكذا قد ~~يكون كل ما ذكر شيطانيا، فقد صح أن " الرؤيا من الله والحلم من الشيطان ". # وقد يرى الشخص المخاطب فيظنه من أولياء الله أو فلانا بعينه منهم، وإنما ~~هو شيطان يتراءى به، وقد يسمعه من ولي من الأولياء ويبني عليه فيخرج " خطأ ~~" فإن الولي غير معصوم من مثل هذا، وإذا جاز على الولي الوقوع في هفوة من ~~كبار الذنوب عمدا بلا اضطرار فكيف بالخطأ؟ وسنذكر بعد وجوها من الخطأ في ~~الكشف، و " قد " يكون ذلك من الولي تصرفا في المملكة بتولية أو عزل أو نحو ~~ذلك فينقض عليه ذلك غيره من أهل الحل والعقد بعدما حمله السامع وتحدث به، ~~وقد يحضر أول كلام من مجلس الصالحين في أمر ثم يفوته آخره وهو بخلاف ما سمع ~~إلى غير ذلك. # واعلم أن مواقع صدق الرؤيا وشروط اعتبارها مشروحة في فنها، وإنما قصدنا ~~الإشارة إلى بعض ما يقع للناس مما ينبغي التحرز منه. # وأما ما يرجع إلى حال الغيبة فيمكن أيضا أن يقع فيها الخطأ بتلاعب الخيال ~~أو تلاعب الشيطان ترائيا وإلقاء، وقد تكون " غيبته " بوارد رباني أو ~~شيطاني، وذلك مشروح في محله عند أهله. # PageV01P061 # واعلم أنه في كل من المنام والغيبة يمكن أن يرى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، ثم يسمع في تلك الحالة كلاما يظنه من النبي صلى الله عليه وسلم سمعه، ~~وهو إنما سمعه من ناحية أخرى ms115 فيبني على ذلك ويغر من سمعه، وكون الشيطان لا ~~يتمثل به صلى الله عليه وسلم ألا يوجب امتناع أن يحضر الشيطان في ناحية، ~~ولا أن يتكلم هو أو إنسي آخر فيطرق ذلك أذن السامع وهو في حالته يعسر عليه ~~الضبط فيظنه ما ذكرنا، إذا فهمت هذا فمن حدثك بأمر سماعا من النبي صلى الله ~~عليه وسلم في النوم ونحوه فلا تعول عليه ولا بد، ولو كان المحدث صدوقا، بل ~~حتى يبرز، ثم أخلف ذلك فلا تحكم ولا بد بأن المحدث متحلم كاذب، بل قد يكون ~~صادقا في وقوع الرؤيا وإنما غلط فيما سمع فافهم، وما اشتهر في كلام الناس ~~من " أن " الرؤيا التي يحضر فيها النبي صلى الله عليه وسلم رؤيا حق لا حلم ~~يسلم في الرؤيا نفسها لا فيما وراء ذلك من كلام وخطاب مثلا، وإذا أمكن هذا ~~في جانب النبوءة ففي الأولياء أقرب وأولى. # وأما ما يكون في اليقظة فيمكن فيه أيضا الغلط في رؤية البصر بأن يكون ~~المرئي خيالا لا حاصل له كما يقع ذلك للمحموم وصاحب الميد وراكب البحر ~~ونحوهم، وفي رؤية القلب كذلك وفي الخاطر بأن يكون شيطانيا أو مجرد حديث نفس ~~أو قوة رجاء وظن أو نحو ذلك، إذا علمت هذا فأعلم أن الواجب على الإنسان في ~~حق نفسه أن لا يغتر وأن يتهم رأيه، وفي حق غيره أن لا ينخدع لكل مبطل ولا ~~يسيء الظن بكل مسلم، وفي هذا غموض لا يقوم به إلا اللبيب الموفق، ولا بد من ~~شرح هذا " كله " بعون الله وتوفيقه. # فأما الإنسان في خاصة نفسه ففي باب الرؤيا إن رأى ما يكره فليتعوذ بالله ~~كما جاء في السنة المطهرة وليقل: اللهم إني أعوذ بك من شر ما رأيت أن يضرني ~~في ديني ودنياي فإنها لن تضره، وإن رأى ما يحب فهي مبشرة، وفي الحديث: " ~~ذهبت النبوءة، وبقيت المبشرات " ومع ذلك لا يغتر لما ذكرنا قبل ولهذا يقال: ~~الرؤيا تسر ولا تغر. # وأما تحدثه فإن كان يتقي فيه فتنة ms116 أو غرورا أو عجبا لنفسه أو نحو ذلك ~~فليكتم ذلك ولا يلتفت إليه، وإن لم يكن به " بأس " لنفسه ولا لغيره ~~فليذكرها إن شاء " الله " بصورتها لا استغناء بمضمونها على زعمه، فإن خرجت ~~على المراد فذاك، وإلا بقي بريء الساحة، وقد يعرض ما يقتضي ذكرها كاستدعاء ~~أستاذه ذلك منه، وقد كان صلى الله عليه وسلم إذا أصبح يقول: " من رأى رؤيا ~~فليقصها " أو أن يكون في ذلك للإخوان سرور ومزيد، وكان الشيخ أبو مهدي ~~الدغدوغي - رحمه الله - يقول: لا تكتموا عن إخوانكم ما تشهدونه من الكرامات ~~فإن ذلك يحبب إليهم طاعة الله تعالى، غير أن هذا مزلقة للنفس، فالحذر ~~الحذر، والعاقل لا يعدل بالسلامة لنفسه شيئا. # وأما في باب الغيبة فلا اختيار له " في حالتها كما لا اختيار له " في ~~حالة النوم، ولكن بعد السكون يجب عليه أن يتحرز في حق نفسه وفي الإفشاء ~~للغير كما في النوم وأكثر لأنها ملعبة للشيطان إلا من عصم، وليتحرز قبل ذلك ~~من الوقوع في ذلك بتصحيح التقوى، وترك الدعوى، ومجانبة المخلطين والشاطحين ~~المدعين. # وقد نقل الأخ أبو العباس زروق - رضي الله عنه - أن من اعتاد من نفسه ~~الغيبة عند السماع أنه لا يحل له تعاطيه لأن حفظ العقل واجب، وبهذا تعلم ~~حال متفقرة الوقت في طلبهم الخمرة، وما مثالهم إلا مثال سفيه مسافر وبين ~~يديه قطاع ومعه خفير يحميه منهم فدسوا إليه من أغراه بقتل ذلك الخفير أو ~~طرده عن نفسه، وذلك ليستمكنوا منه بلا مدافع، ففعل ذلك أو سعى في فعله سفها ~~منه لقلة معرفته بمصالح نفسه ومكايد عدوه. # PageV01P062 # وهكذا المريد خفيره من تلبيس الشياطين عقله مع توفيق الله تعالى، فإذا ~~ذهب " عنه " استمكن منه وهو يطلب ذلك ويحرص عليه لأنه رأى أو سمع أهل ~~الشراب الصافي من أولياء الله تعالى ورأى ما يطلعون عليه من المغيبات وما ~~يدركون من الحقائق وما يتصرفون في المملكة من التصرف، وما يقع للخلق من ~~الإقبال عليهم والتنويه بهم، فيشتهي المسكين تلك الحالة لذلك ولا يدري ms117 أن ~~أولئك لم يكونوا أهل شهادات مثله، ولا نالوا ذلك بحولهم " واحتيالهم " ولا ~~قوتهم، ولا بالترهات التي يشتغل بها هو، وإنما اختصهم الله بموهبته وأهلهم ~~لحضرته من غير تدبير منهم ولا اختيار، ولو كان لهم اختيار لاختاروا البقاء ~~في خدمته وأن لا يغيبوا عنها لحظة، فإن أدب العبد وشرفه إنما هو في خدمة ~~مولاه لقيامه فيها بحق سيده لا بحظ نفسه، وما مثال من يطلب الخروج عن ذلك ~~بالوله والسكر إلا مثال عبد نصبه سيده لخدمته وهو يريد الإباق عنها أو يريد ~~أن يتركها اختيارا منه ليدخل إلى مجلس سيده، فما أحقه في الحالتين بالعصا ~~تأديبا أو طردا نسأل الله تعالى العافية، نعم ما مر من أنه لا ينبغي له ~~تعاطي السماع مثلا إنما هو ما دام اختياره معه، وأما المغلوب فلا حكم عليه، ~~وبهذا يجمع بين ما نذكر وبين ما يقع للصوفية في باب السماع وباب الوجد. # وبلغنا أن جماعة قدموا على سيدي محمد الشرقي التادلاوي المتقدم الذكر ~~فخرج إليهم وتحرك سماع فلم يشعروا به إلا وهو في وسطه يتواجد " و " ليس ~~عليه إلا القميص، قال بعض الجالسين لآخر سرا: هذا رجل خفيف، فإذا هو على ~~الفور تكلم على خواطرهم فقال: # الله الله يا الله ... الله الله يا لطيف # الحب يهز الرجال ... لا والله ماني خفيف # ومن هذا قول القطب العارف الشيخ أبى مدين رضي الله عنه: " حيث قال ": # فقل للذي ينهى عن الوجد أهله ... إذا لم تذق معنا شراب الهوى دعنا # " إلى أن قال ": # فإنا إذا طبنا وطابت عقولنا ... وخامرنا خمر العشيق تهتكنا # فلا تلم السكران في حال سكره ... فقد رفع التكليف في سكرنا عنا # والأبيات مشهورة، غير أن هذه الغلبة لا يتحققها الجهال ولا ينتظرونها، ~~نعم استدعاء حال يرجى عنه رقة القلب وانشراح الصدر وذهاب جساوة النفس ~~ورعونتها بلا زائد مع صحة القصد لا ينبغي أن ينكر، بل يلتحق بما أذن فيه ~~شرعا، بل حض عليه مما يفيد رقة القلب وخشوعا وتذكير الآخرة كحضور مجالس ~~الذكر وقراءة ms118 القرآن " بالتدبر " وزيارة القبور والمسح على رؤوس اليتامى ~~ونحو ذلك. # وقد انجر بنا الكلام إلى ما لا حاجة بنا إليه في هذا المحل لكثرة أبوابه ~~واتساع شعابه، فلنرجع على ما نحن فيه فنقول: وأما في حال اليقظة فليحذر ~~أيضا من الغلط في رؤيته كما مر وفي خاطره فلا يثق بكل ما يرد عليه في قلبه ~~" في نفسه " فضلا عن أن يخبر به الناس، وليفرض ذلك الوارد كأنه شخص مجهول ~~ورد عليه من سفر فأخبره بأمر وقع في بلد آخر فلا يثق به وهو لا يعرف صدقه ~~من كذبه، ولا يخبر أحدا بخبره حتى ينظر، ولو وثق به وحدث الناس بكلامه دخل ~~في مضمون: " كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع "، بل حتى ينظر " هل " صدق ~~ما أخبر به، ثم إن صدق فأخبره كرة أخرى فلا يثق به أيضا لأنه قد يتفق ~~للكاذب الصدق مرة أو أكثر، ثم إن صدق فأخبره أيضا فكذلك حتى يحصل " له " ~~اليقين بالتكرار والقرائن أنه صدوق، فعند ذلك يثق به فيقول: حدثني الثقة، ~~وهكذا خاطر القلب، وهيهات تحقق ذلك فيه بمجرد هذا، فإن الشخص في المثال ~~يكون معروفا بعينه، فإذا ثبت له وصف من الصدق عرف به، أما الخاطر القلبي ~~فمتى يعرف أن هذا الذي أخبره الآن هو الذي صدق قبله وهو يعلم أن القلب ~~ميدان للرباني والملكي والشيطاني والنفساني فلعل هذا شيطاني أو نفساني، نعم ~~إن كان من جنس من قال: كنت بوابا على قلبي ثلاثين أو أربعين سنة، فمتى تحرك ~~خاطر سوء صرفته عنه فعسى أن يثق بما حصل في قلبه، وكذا الله أعلم من ربه ~~أنه أعطى الخاطر أو تجريب صادق من أهله في قلبه كما مر أو مع ربه أنه يعلمه ~~بما يحدث في المملكة. # PageV01P063 # وقد روي أن امرأة من تلامذة الشيخ السري - رضي الله عنه - أرسلت ابنا لها ~~في حاجة فوقع في النهر وغرق، فبلغ الخبر إلى الشيخ قبلها " فقال للجنيد: قم ~~بنا إليها فأتياها فجعل الشيخ يكلمها في مقام ms119 الصبر " فقالت: ما أردت بهذا ~~يا أستاذ؟ فقال: إن ابنك من أمره كذا أي مات، فقالت: ابني؟ ما كان الله ~~ليفعل ذلك، ثم ذهبت تهرول إلى الماء فنادت يا فلان فقال: لبيك وخرج إليها ~~يسعى، فنظر السري إلى الجنيد وقال: ما هذا؟ فقال: إن أذن الشيخ تكلمت، قال: ~~تكلم، فقال: هذه امرأة محافظة على ما لله عليها، ومن شأن من كان كذلك أن لا ~~يحدث الله أمرا حتى يعلمه، فلما لم يعلمها الله علمت أنه لم يكن. # ولذا قال بعض المشايخ للتلامذة: أيكم إذا أراد الله أن يحدث شيئا في ~~المملكة أعلمه إياه؟ قالوا: لا أحد منا، فقال: ابكوا على قلوب لا تجد من ~~الله شيئا أو نحو ذلك، وقد شهد الذوق أنه ما يتفق ذلك عادة على استقامة إلا ~~بعد صفاء المداخل كلها، فيعم ما يتصل بمعدته من مطعوم، وبأذنه من مسموع ~~وبعينه من مرئي وبلسانه من مقول إلا كدرا، ولا يثق أيضا بما يقع له من ~~التجلي في باطنه، فإن كل ما سوى الأنبياء عليهم السلام معرضا للخطأ والغلط، ~~وقد يتجلى الشيء بتمامه وقد ينتقص. # وضرب " الإمام " حجة الإسلام في الإحياء لذلك مثلا وهو أن القلب في ~~مطالعته اللوح المحفوظ بواسطة التجلي يكون كما لو كان بينك وبين جدار أو ~~إنسان أو متاع ستر مرخى، فإذا انسدل لم تر شيئا من ذلك الجدار فترسله ولا ~~ترى الباقي أو ترسله قبل أن تبين ما رأيت وهكذا. # قلت: ومن ثم يقع لأهل الفراسة من الصالحين اختلال أو نقصان فيظن بهم ~~الكذب، وإنما يؤتون من عدم التجلي كما ذكرنا أو من غلط في فهم خطاب أو نحو ~~ذلك، وذلك مشهور. # وقد حدثونا عن صلحاء تادلا أنه لما قام على السلطان أحمد المنصور ابن ~~أخيه أو ابن عمه الناصر قال سيدي أحمد بن أبي القاسم الصومعي: إن الناصر ~~يدخل تادلا بمعنى دخول الملك، فلما بلغ الخبر إلى سيدي محمد الشرقي قال: ~~مسكين بابا أحمد رأى الناصر قد دخل تادلا فظنها الناصر يدخل، ms120 فكان الأمر ~~كذلك أنه هزم في نواحي تازا ثم قطع رأسه وجلب إلى مراكش فدخل تادلا في ~~طريقه. # وعن صلحاء سلا أن رجلا من رؤساء البحر جاء إلى سيدي علي أبي الشكاوي ~~فشاوره على السفر في البحر فقال له: لا تفعل، وإن فعلت فلا تربح مالك ~~ونفسك، وخرج من عنده فأتى سيدي عبد الله بن حسون فشاوره فقال له: سافر تسلم ~~وتغنم. فسافر فاتفق عند دخولهم البحر أن أسرهم الروم فذهبوا بهم إلى أن ~~لقوا بعض سفن المسلمين فوقع بينهم قتال فظهر المسلمون، فاستمكن هؤلاء من ~~سفينتهم التي أسرتهم فقبضوا عليها وغنموها ورجعوا سالمين غانمين، ومثل هذا ~~من أحوالهم كثير. # وقد ذكر الشيخ عبد الوهاب الشعراني أنه لا ينبغي لمن يطالع ألواح المحو ~~والإثبات أن يتكلم، وإنما يتكلم من يطالع اللوح بنفسه، وذلك لأن ما في ~~اللوح لا يتبدل بخلاف الصحف فإنه يقع فيها التبديل كما قال تعالى:) يمحو ~~الله ما يشاء ويثبت (فقد يخبر بما فيها ثم يمحوه الله تعالى فيختلف خبره ~~ويدخل وهنا على الخرقة وتهمة بالكذب والدعوى. # PageV01P064 # وذكر في صلحاء مصر في وقته أن فلانا منهم كان يتكلم عن اللوح فكان كل ما ~~يكون يحتفظ به، وفلانا كان يتكلم عن الألواح فكان ربما يخير بالشيء ولا ~~يقع، والظاهر أن حكاية الشيخ عبد القادر - رضي الله عنه - من هذا المعنى، ~~وذلك أن رجلا من التجار شاور بعض المشايخ وأظنه الشيخ الدباس على السفر ~~فقال له: لا تفعل فإنك إن سافرت تقتل وينهب مالك، فلقي الرجل الشيخ عبد ~~القادر فكلمه فقال له: سافر ولا بأس عليك، فسافر الرجل فلما كان ببعض ~~الطريق طرح بضاعته ثم قام فنسيها وتنحى إلى مكان آخر فنام فرأى في منامه أن ~~قد خرج عليهم اللصوص فقتلوه ونهبوا أموالهم، فاستيقظ مذعورا، وإذا به أثر ~~الدم كأنه أثر الطعنة التي رآها في منامه، ثم ذكر بضاعته فهرول إلى الموضع ~~الذي نسيها فيه فإذا هي سالمة، فأخذها ورجع إلى أهله سالما " بماله "، فلما ~~دخل لقي الشيخ الأول ms121 فقال له ذلك الشيخ: يا ولدي، الشيخ عبد القادر محبوب ~~طلب من الله تعالى كذا وكذا مدة أن يرد القتل مناما والنهب نسيانا " ففعل " ~~فهذه الحكاية مع عبارة هذا الشيخ إذا سمعها الجاهل يتوهم أن الله تعالى قضى ~~في أزله على هذا الشخص أن يقتل في هذه السفرة ويذهب ماله وأنه أطلع الشيخ ~~على ذلك فأخبر به ثم تبدل ذلك بدعاء الشيخ عبد القادر، وذلك باطل لا يكون، ~~فإن علم الله تعالى لا يتبدل، وما قضي في أزله وهو المعبر عنه باللوح ~~المحفوظ لا يتحول، وإنما ذلك يخرج على ما ذكرنا من المحو والإثبات، وهو أن ~~يظهر الله تعالى القتل والنهب ويطلع عليه الشيخ المذكور ويكون قد قضى في ~~علمه أن ذلك منام لا حقيقة، وأن دعاء عبد القادر منوط به، فلما دعا برز ما ~~علمه الله تعالى أن يكون وقضاه، وهو الصحيح، وإظهار المعنى الآخر يكون ~~لحكمة يعلمها الله تعالى كصدور الدعاء والتضرع من الشيخ عبد القادر في هذه ~~الصورة وظهور شفوف منزلته وحظوته عند ربه، وهكذا يفهم كل ما يشبه هذا مما ~~يقع من الكرامات أو المعجزات. # واعلم أن كل ما أشرنا إليه من التحذيرات " وقررنا من التحرزات " إنما هو ~~في حال المريدين وعوام المتوجهين المعرضين للغلط والزلق، وأما العارفون ~~الكاملون وإن كانوا أيضا غير معصومين ولا مستغنين عن التحفظ فلا حديث لنا ~~عنهم لأنهم أعرف بأحوالهم فيما يأتون ويذرون، وما يبدون وما يكتمون، وتوصية ~~أمثالنا لهم حماقة وسوء أدب. # وأما الإنسان في حق غيره فهو بين إحدى ثلاث: إما شيء يصدق به لمعرفته له ~~بالبصيرة أو تقليد من يثق به من أستاذ أو نحوه فيقبله، وإما شيء تنكره ~~الشريعة أو الحقيقة أو العقل فينكر بالشروط المقررة في إنكار المنكر في ~~الفقه وفي التصوف مع حسن الظن في الباطن، وإما شيء محتمل " فيسلم " لا ينكر ~~ولا يتبع، ولا تتم هذه الجملة إلا بسلامة الصدر للمسلمين وحسن الظن بهم ~~وتغافل عن مساويهم مع فطنة ويقظة ومعرفة بالزمان وأهله، والمؤمن ms122 كيس فطن ~~ثلثاه تغافل، ويقال: اللبيب العاقل هو الفطن المتغافل، أما الزمان فلا تسأل ~~عنه، وقد مر في الحديث: " صنفان إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: ~~الأمراء والعلماء " وقد فسدا معا وإلى الله المشتكى. # وكان الأمر يصلح بأئمة العدل، وفقه الفقهاء، وأدب الصحابة، وقد فسد هؤلاء ~~الثلاثة بالجور والمداهنة والبدعة ففسد الدين بهم أولا والدنيا ثانيا كما ~~قيل: # وهل أفسد الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها # وباعوا النفوس ولم يربحوا ... ولم تغل في البيع أثمانها # لقد وقع القوم في جيفة ... يبين لذي عقل إنتانها # وقيل: # يا معشر القراء يا ملح البلد ... ما يصلح الملح إذا الملح فسد؟ # والمراد بالقراء الفقهاء، وبهم يصلح ما فسد كما يصلح الطعام بالملح، فإذا ~~فسدوا تعذر الصلاح. # أما التصوف فقد كان شيخ الطائفة أبو القاسم الجنيد في زمانه يقول رضي ~~الله عنه: # أهل التصوف قد مضوا ... صار التصوف مخرقه # الأبيات المعروفة فما بالك بزماننا؟ فقد صارت هذه المخرقة مخرقة، ولم يزل ~~الخلق ينقص إلى الآن. # وقد قيل قبل هذا بزمان: دعوى عريضة، وضعف ظاهر، أما اليوم فالدعوى من ~~وراء حجاب. # PageV01P065 # وقد طرق أسماع العوام من قبل اليوم كلام أهل الصولة كفحول القادرية ~~والشاذلية - رضي الله عنهم - وكلام أرباب الأحوال في كل زمان فتعشقت النفوس ~~ذلك، وأذعن له الجمهور، وفاضوا بالتشبه بهم، فلما شئت أن تلقى جاهلا مسرفا ~~على نفسه لم يعرف بعد ظاهر الشريعة فضلا عن أن يعمل " به " فضلا عن أن يخلص ~~إلى الباطن فضلا عن أن يكون صاحب حال فضلا عن أن يكون صاحب مقام إلا وجدته ~~يصول ويقول، وينابذ المنقول والمعقول، وأكثر ذلك في أبناء الفقراء يريد ~~الواحد منهم أن يتحلى بحلية أبيه ويستتبع أتباعه بغير حق ولا حقيقة بل ~~لمجرد حطام الدنيا فيقول: خدام أبي " وزريبة أبي " ويضرب عليهم كمغرم ~~السلطان، ولا يقبل أن يحبوا أحدا في الله أو يعرفوه أو يقتدوا به غيره، ~~وإذا رأى من خرج يطلب دينه أو من يدله على الله تعالى يغضب عليه ويتوعده ms123 ~~بالهلاك في نفسه وماله وقد يقع " له " عليه شيء من المصائب بحكم القضاء ~~والابتلاء فيضيفه إلى نفسه فيزداد بذلك هو وأتباعه ضلالا، يخترق لهم من ~~الخرافات والأمور المعتادات ما يدعيه سيرة ودينا يستهويهم به ثم يضمن لهم ~~الجنة على مساوئ أعمالهم والشفاعة يوم الحشر فيقبض على لحمة ذراعه فيقول ~~للجاهل مثله: أنت من هذه اللحمة، فيكتفي ابتهال العوام بذلك ويبقون في ~~خدمته ولدا عن والد قائلين: نحن خدام الدار الفلانية، وفي زريبة فلان لا ~~نخرج عنها، وكذا وجدنا آبائنا، وهذا هو الضلال المبين، وهؤلاء قطاع العباد ~~عن الله وعن دينه داخلون في شبه ما قال النبي صلى الله عليه وسلم في ملوك ~~السوء وخصوصا " في " بني أمية، ففي الحديث: " إذا بلغ بنو أبي العاصي ~~ثلاثين رجلا اتخذوا عباد الله خولا ومال الله دولا ### | .... # الحديث ". ولم يعلم الجهال أنهم كيف يكونون من لحمة ذراعه بمجرد دعواه ~~إذا لم يجعلهم الله تعالى منها؟ وبعد أن يجعلهم كيف يغترون بذلك قبل أن ~~يعلموا أين مصير تلك اللحمة؟ ولعله النار، وماذا ينفعهم اجتماعهم في النار؟ ~~نعوذ بالله من البوار، قال تعالى:) ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في ~~العذاب مشتركون (فالناس عند الله ثلاثة: مقبول مقبول له، ومقبول غير مقبول ~~له، ومردود، فالمردود لم ينج بنفسه فكيف ينجو الناس على يده؟ والمقبول ~~لنفسه غايته نفسه، والمقبول له التكلم في الغير هو الذي يرجى الانتفاع به ~~بإذن الله تعالى، إما في العموم أو في الخصوص كثيرا أو قليلا، فهذا المدعي ~~الذي يتألى على الله ويغر عباده ما يدريه أي الثلاث هو؟ فإن كان مردودا فيا ~~ويله، وإن كان مقبولا في خاصة نفسه فما له وللناس؟ وإن كان مقبولا له ~~الشفاعة فلا يدري أفي كل هؤلاء أم في بعضهم أم في غيرهم؟ فحقه أن يدع الناس ~~ويبكي على نفسه حتى يرى أين هي، وإن قوي رجاؤه حينا في الله لنفسه أو لغيره ~~فليقل: إن قبلني الله وقبل لي، نسأل الله التوفيق. # وأما ما نحن فيه من ms124 ادعاء الاطلاع على الغيب والتظاهر بالكشف والتصرف في ~~الوجود فهو الكثير في زماننا في المنتسبين دعوى منهم وتشبعا بما لم يعطوا ~~إلا من عصمه الله وقليل ما هم، فمنهم من يستند إلى مجرد خيالات منامية ~~ويتأولها لنفسه ويحكم بها كما مر، ومنهم من يحكم ظنا وخرصا و " ثم " لا ~~يبالي بالفضيحة ولا ينتهي عن غيه، فإذا اتفق صدقه مرة اتخذ ذلك حجة واتخذه ~~له جهال العوام فيقولون والله لقد سمعنا منه كلاما حقا، فصاروا في ذلك ~~كأصحاب الكهان من جاهلية العرب، فقد أخبر صلى الله عليه وسلم عنهم بأن ~~الرئي من الجن يخطف الكلمة من الملك فيقرها في أذن وليه من الإنس ثم يخلط ~~معها مائة كذبة فيقول الناس: ألم يخبرنا يوم كذا بكذا فكان حقا للكلمة التي ~~تلقفها من الجني، وهكذا المذكورون. وترى الواحد منهم يخبر بأمر أو بعد قضاء ~~حاجة لوقت فإن اتفق صدق ذلك بمصادفة قوله للقضاء الأزلي تبجح بذلك ورعد على ~~الناس وبرق، وإن كذب اكفهر في وجوه الناس وتنكر، أو تغيب أياما حتى ينسى ~~ذلك فيعود إلى ترهاته، وما مثاله في ذلك إلا مثال امرأة أيم عندها عدة بنات ~~مشهورة بالملاحة ولكنهن بغايا فاسدات كما قال ذو الرمة: # على وجه مي مسحة من ملاحة ... وتحت الثياب العار لو كان باديا # PageV01P066 # فجعلت تنوه بذكرهن وتستميل إليهن قلوب السفهاء أمثالهن حتى اشتهر أن عند ~~فلانة البنات الحسان، فجاء مغرور فخطب إليها فأنكحته واحدة منهن فانقلب ~~جذلان لا يبالي ما أنفق ولا ما أهدى منشدا بلسان حاله: # ومن طلب الحسناء لم يغله المهر # وجعلت للدخول موعدا فلما دخل أخفق فأصبح بئسا خاسر الصفقة، وحين أحست ~~العجوز بذلك تنكرت وتعيبت حتى نسي ذلك فرجعت تذكر بناتها أيضا فيجيء أحمق ~~آخر خاطبا فإذا قال له النصحاء ويحك أليس لك فيما وقع لفلان مع هذه الفاجرة ~~عبرة؟ يقول من فرط شغفه بما سمع من الحسن: ذلك أمر قد يتفق، ولعله في تلك ~~البنت فقط لا في غيرها، فيتقدم ويقع له كما ms125 وقع للآخر، ثم يجيء مغرور آخر ~~لا علم له بما كان وهكذا إلى أن يتفق لواحد أن يجد الأمر كما يجب فتخرج ~~وتطيل لسانها وتقول: من عنده في الوجود مثل بناتي؟ ويقول الناس: والله إن ~~فلانا تزوج منها بنتا فوجدها كما يحب وتذهب تلك المساوي كلها في هذه الحسنة ~~الواحدة، فما أظرف هؤلاء الحمقى إذ يحكمون بأن الحسنات وإن قلت يذهبن ~~السيئات وإن كثرت، وهكذا الفقير المدعي يتظاهر بإخبارات وتصرفات هي حسنة ~~لذيذة عند العوام لموافقتها لشهواتهم وحاجاتهم وهي فاسدة لبطلانها ~~وانبنائها على غير أساس، فإذا ظهر كذبه في الواحدة قالوا: سبحان الفاعل لما ~~يشاء، والقادر يحنث عبد القادر، وبهذا أيضا يعتذر هو. # وكنت تحدثت مع بعض الأصحاب في هذا المنزع فقلت لهم: إن المدعين لا يدخلون ~~في الإسلام حتى يفتضحوا فاستعجبوا من ذلك وسألوا عن تأويله فقلت لهم: إن ~~المدعي حين تهيج له الظنون الكاذبة والوساويس الباطلة يحكم بوقوع أمور ولا ~~يذكر الله تعالى ولا يعرج على مشيته وسعة علمه وعظيم قهره، حتى إذا افتضح ~~ببطلان ما قال رجع إلى الحق وجعل يقول: الأمر أمر الله والحكم حكمه، وما ~~شاء كان وما لم يشأ لم يكن. # فهلا تلا حاميم قبل التقدم # ومنهم من يتظاهر بالوجد والسكر وأول ما يقول في ذلك، فإن كذب وليم يقول: ~~والله ما أدري " حين تكلمت " ما أقول، وما لي اختيار، ويظن أنه يتخلص بهذا ~~من الملامة، وهيهات ذلك! فإنه إن كان نطقه عن عمد فهو افتراء للكذب، وإلا ~~فالشيطان يلعب به ترقيصا وضربا واستنطاقا، وناهيك بها نقيصة. # ودخل ذات مرة علي الأديب الفاضل أبو عبد الله محمد الصالح بن المعطي وأنا ~~إذ ذاك بمدينة مراكش حرسها الله ومعه رجل أسود من ناحية المشرق، فتحدث ~~الأسود وقال: إنه من وادي العباس، وزعم أنه كان ذهب إلى بغداد زائرا للشيخ ~~عبد القادر رضي الله عنه، وأنه بقي في مقامه أياما، وأنه رآه فاستتابه ثم ~~أمره بالتوجه إلى شيخ من أهل الوقت في نهر تيرا يقال له ms126 أبو عبد الله، وأن ~~بين بغداد وبين ذلك البلد نحو عشرين مرحلة، كلها قفار معاطش لا يعمرها إلا ~~الحيات والثعابين، وأنه قال له: إنك ستبلغ في ثلاث ولا ترى بأسا، فبلغ في ~~ذلك سالما، وأنه بقي عند الشيخ الآخر أياما فرده إلى بغداد وبلغها في ذلك ~~أيضا، وأنه أمره الشيخ عبد القادر بالتوجه إلى بلاد المغرب لزيارة ~~الصالحين، فلما رأيت ذلك طمعت أن تكون له رائحة، وكانت لي حاجة فأردت ~~استنجاده فيها، فحركت الصالح وكانت تعتريه هزة فتحرك وصاح، فلما تحرك " ~~تحرك " ذلك الرجل وكثر اضطرابه وزعيقه " ثم " وعد بالحاجة لأمد قريب، وزعم ~~أن الشيخ عبد القادر أو الحاكم بذلك، فلم يلبث أن حل الأجل ولم يقع ذلك، ~~وروجع فلم يوجد عنده حاصل، فعلم أن الشيطان استفزه، فقلت للصالح ارتجالا ~~مطايبة ونصحا: # أين الذي قد قال يا صالح ... من هو عند زعمه صالح # وإذ بدا ما قاله زائفا ... فهو لعمري الكاذب الطالح # يلعب شيطان به جهرة ... فهو إلى وسواسه جانح # يحسبه القطب الذي يدعي ... والقطب لا يكذب يا صالح # أنصحه كي يقلع عن غيه ... فحسبه المنتهج # تقوى الإله واعتصام به ... في سنة والعمل الصالح # هذا لعمري غنية المغتني ... وذا لعمري التجر الرابح # يا أيها الناس اعلموا إنما ... عبد الإله الظافر الناجح # من يعبد المولى ويعنى بما ... يعنيه لا وان ولا مازح # ولا أخو دعوى ولا مفتر ... ولا بمرتع الهوى سارح # ولا عنود عن سبيل التقى ... يوما ولا عن الهدى جانح # PageV01P067 # والمرء لا يجني سوى غرسه ... غاد إليه كسبه رائح # وهو لما يعتض في نفسه ... من مأرب يقتاده كادح # والطبع ملاك زمام الفتى ... وسيره بسره بائح # والصدق سيف صارم حده ... كشاف كل معوص فاتح # وكل من أسر مكتومة ... فوجهها في وجهه لائح # إن تك نورا فهو منها مضي ... أو ظلمة فهو بها كالح # ومن يرم نيل المنى بالمنى ... فهو عن الفوز بها نازح # ومن يخم عنها ولا يقتحم ... أبوابها فهو امرؤ دالح # وما على المرء سوى جده ... وجهده وربه المانح # وقد ms127 انحصرت دعاويهم في الحدثان الكوائن ومآرب الناس، ولم يرتقوا إلى ما ~~فوق ذلك لجهلهم، فاشتغلوا بما يطلبه العوام من الأمور المذكورة، وذلك لو ~~فتح لهم دون ما فوقه لكان أمرا تافها لا يلتفت إليه ذو همة، فإن أولياء ~~الله تعالى يكشف لهم عن الذات والصفات والأسماء كشفا لا تبلغه العقول، وعن ~~ملكوت السماوات والأرض وعن العرش والكرسي والجنة والنار والملك والروح وغير ~~ذلك، فمن لم يبلغ ذلك واطلع على كون المسافر يقدم غدا " وفلان يتولى " ~~وفلان ينعزل، وفلان يتزوج ونحو ذلك وفرح به كان بمنزلة من دخل سوقا فيها ~~صيارفة الذهب والفضة والجوهر والياقوت الحرير وسائر البز والعبيد والخيل ~~والإبل " والبر " والأرز فوقع على بائع نبق فاشترى منه النبق وذهب " به " ~~فرحا وقال إنه قد تسوق " كما تسوق " الناس، ولا ريب أن ما ذهب به يفرح ~~الصبيان به ومن لا عقل له من النسوان، وكذلك الكوائن يفرح بها صبيان العقول ~~وكل من لم يبلغ مبلغ الرجال من عوام الناس. # ومنهم من يستخدم جنيا فيأتيه بخبر الناس وخبر من يرد عليه مثلا وما أتى ~~به من الهدية وما وقع له في الطريق فيخبر بذلك قبل مجيئه ويخبره إذا ورد ~~فلا يشك العوام أنه كشف رباني وأنه من أولياء الله، وقد يكون من أعداء ~~الله، كما أخبرونا عن رجل ممن تصدر للمشيخة والناس مقبلون عليه فأتى رجل ~~إلى مسجده فجلس في زاوية منه فإذا بالمرابط قد دخل فنظر يمينا وشمالا فلما ~~لم ير أحدا رفع ثوبه وجعل يبول في المسجد يمينا وشمالا حتى نجسه فحينئذ ~~خرجت جنية فمثلت بين يديه فقال لها: أي شيء جئتني به؟ فقالت: ذهبت إلى ~~قبيلة بني فلان فلم أزل حرضهم على الزيارة حتى اتفقوا وجمعوا من الهدية كذا ~~" وكذا " وهم خارجون يوم كذا، فخرج المرابط إلى مجلسه فقال: تهيئوا لبني ~~فلان فإنهم قادمون عليكم بهدية كذا، فلما قدموا قالوا: قد أخبرنا الشيخ بكم ~~وبما جئتم به منذ يوم كذا، فهذا - والعياذ بالله - كافر، والكرامات تحسب ~~له. # ومنهم ms128 من يستند إلى التنجيم وعلم الاقترانات وإلى خط الرمل أو نيروجات ~~أخرى تشبهه. # ومنهم من يحتال احتيالا فإذا قدم الوفود مثلا دس إليهم من يسألهم ~~فيقولون: قد اطلع الشيخ على أحوالنا، وقد يحتال في ساعته فينظر مثلا إلى من ~~بين يديه ثم يبتسم أو يحرك رأسه أو يقول: سبحان الله أو لا إله إلا الله ~~ويكون ذلك الشخص قد خطر له شيء فيقول: ما فعل الشيخ هذا إلا على ما في ~~قلبي، ويفهم من ذلك إما تعجبا وإما استحسانا، ويعده مطلعا على ذلك وهو لم ~~يطلع، وقد يتكلم على ما في خاطر السامع صريحا فلا يشك السامع في أنه كشف، ~~ويكون إنما خطر له ذلك اتفاقا حين خطر للآخر كما يقع الحافر على الحافر، ~~فتكلم عليه ولا اطلاع له، وقد يتكلم " بكلام " في غرض فيحمله السامع على ~~أنه إشارة إلى ما في قلبه أو حاجته وإنه كوشف بذلك، وأكثر ما يحكى من هذا ~~النوع في أهل الزمان إنما هو من أحد هذه المداخل احتيال من المتبوع أو جهل ~~من التابع، والعوام يستنطقون من لا ينطق ويفسدون من لم يفسد، فهم الشياطين ~~في زي المؤمنين، وما بالك بشيطان في زي محب، وإن استعذت منه عاداك، ووقع ~~فيك الغيب بالإذابة زيادة على ما فعل في الحضور، فهو شر من الشيطان الآخر ~~بكثير، فكن منهم على حذر كما قيل: # فخف أبناء جنسك واخش منهم ... كما تخشى الضراغم والسبنسى # وخالطهم وزايلهم حذارا ... وكن كالسامري إذا لمستا # PageV01P068 # واعلم أن أشرف ما يكاشف به العهد ما يرجع إلى معبوده تعالى من معرفته وما ~~له من الجلال والجمال ومن أسماء علية، وصفات سنية، كما مر، ثم ما يرجع إلى ~~حكمته في مملكته، ما يرجع إلى أحكامه من معرفة ما تعبد به عباده أصلا وفرعا ~~وكل علم يعين على ذلك. # وقد وقع في كلام الشيخ الصالح أبي عبد الله السنوسي - رضي الله عنه - حين ~~تكلم عن مذهب أهل السنة في أفعال الحيوان وأنهم أطلعهم الله تعالى على ~~المعنى ms129 الجامع بين الحقيقة والشريعة وجنبهم جانبي القدر والجبر ذلك فقال: ~~هذا هو الكشف الذي ينبغي أن يسمى كشفا لا ما يبتلى به الجاهلون من أحلام ~~شيطانية يتوهمونها كرامات، وهي استدراجات أو نحو هذا من الكلام، فهذه ~~الجملة كلها " كلما " يزداد فيها العبد ازداد كمالا لأنه أمر مطلوب منه ~~الاطلاع عليه فطلبه قرية، وحصوله درجة، ووجوده منفعة، وأما ما خرج عن هذا ~~من جزيئات الكون التي هي متعلقات القضاء والقدر ولا يتعلق بها حكم فليست ~~مطلوبة من العبد إذا أخفيت عنه، فأدبه أن لا يشتغل بها شغلا بالله تعالى ~~وبما لله تعالى عليه، فإن رزقه الله معرفته وشغله بما له عليه وغطى عنه ~~مملكته وتركه كذلك حتى يلقاه موفورا فقد أسبغ عليه النعمة، وحماه من جميع ~~موارد النقمة، وإن أطلعه على شيء من ذلك فليعلم أن ذلك لا جدوى له في باب ~~العبودية، وإنما فيه أمر واحد وهو أن الكرامة كلها في الجملة إن صحت دليل ~~على صدق من ظهرت عليه " وعلامة على الخصوصية " وتثبيت لقدم " من " أريد ~~تثبيته في الطريق مع ما ينضاف إلى ذلك من الشكر ومن الرجاء والخوف، وفيها ~~مع ذلك من المخاطرة خوف الركون والمساكنة لها والمكر، كما قيل إنها خدع من ~~الحق للمتوجهين ليقفوا على الحد الذي أريد بهم ولا يجاوزوا إلى مقام لم يكن ~~لهم، وذلك فيمن أريد بذلك، نسأل الله العافية، فحق العبد التسليم والاعتناء ~~بحقوق الله والإعراض عن حظوظه، وإن طلب شيئا من ذلك طلبه بإذن ليصير من ~~الحقوق، كما أنه أيضا لا يهرب منها إلا بأدب لئلا يصير الهرب من الحظوظ. # وهذا الكلام ربما يحتاج إلى تفسير غير أنا نقتصر فقد خرجنا أو كدنا نخرج ~~عما نحن فيه و " من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ". # واعلم أن ما ذكر من أحوال المدعين على وجه النصح لهم ولمن يغتر بهم إنما ~~أردنا تخليده في بطون الأوراق ليقع عليه الخواص أهل الأدب والفقه الذين ~~يضعون الهناء موضع النقب فيعطون كل ذي حق ms130 حقه مع حفظ الحرمة وإقامة حق ~~النسبة كما أشرنا إليه في صدر هذا الكلام، ولم نرد أن نفتح الباب لكل جامد ~~على الظاهر أو خبيث جريء على أهل النسبة مسقط للحرمة فيتخذ مثالب المنتسبين ~~إلى الله تعالى فاكهة ويمزق أديمهم في مجالس السفهاء حتى يدخل الوهن على ~~النسبة والطعن في الخرقة فيزري العريان باللابس، ويحترق الرطب باليابس. # وليعلم الجاهل الجمود أن " هذه الأمة المطهرة المشرفة كالمطر لا يدرى ~~أولها خير أم آخرها ". و " لا تزال طائفة منها ظاهرين على الحق لا يضرهم من ~~خالفهم " كما أخبر به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، ففي كل زمان ~~سادة، وفي كل قطر قادة، فكم من طالع في الدين كالشمس، وإن لم يبصره العمي ~~والعمش، وكم من محبوب يرفل في حلل الأنس والإدلال، ويرتضع كؤوس الجمال ~~والإجلال لو تحمل الشفاعة في قرنين قبيلا فقبيلا لكان ذلك في جنب حظوته من ~~مولاه قليلا وكم من ولي أرخى عليه الخمول ذيلا، وصار نهاره في أعين أبناء ~~الدهر ليلا، فأصبح من ضنائن الله بين أوليائه، يلعب بالدهر كما لعب الدهر ~~بأبنائه. # وقال أبو نواس: # تسترت من دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني # فلو تسأل الأيام عني ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني # وقال الآخر فيهم: # لله تحت قباب العز طائفة ... أخفاهم في رداء الفقر إجلالا # هم السلاطين في أطمار مسكنة ... جروا على فلك الخضراء أذيالا # غبر ملابسهم شم معاطسهم ... استعبدوا من ملوك الأرض أقيالا # هذي المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا # هذي المناقب لا ثوبان من عدن ... خيطا قميصا فعادا بعد أسمالا # PageV01P069 # والبيت الرابع لأمية بن أبي الصلت في سيف بن ذي يزن، وهو مشهور، وكم من ~~راكع ساجد، أو متورع زاهد، لا يدنيه الجاهل من ساحة المتقربين، لكونه لم ير ~~عليه سيما العارفين، ولا بهجة المحبين، ولم يدر أن الزهر ألوان، والتمر ~~صنوان وغير صنوان، والعبيد كلهم عبيد الخضرة، من مسك الكأس إلى مشتري ~~الخضرة، غير أنه لكل ms131 حد مرسوم) وما منا إلا وله مقام معلوم (، فعليك بحسن ~~الظن وسلامة الصدر للمسلمين، وحفظ الحرمة لأهل الدين، والتغافل في عين ~~الحذر، والتبصر فيما تأتي وما تذر، والله الموفق. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | إطعام الطعام في الزوايا # حدثني الأخ الصالح الفاضل أبو عبد الله محمد الصغير بن أبي عمرو المراكشي ~~رحمه الله ورحم سلفه قال: أخبرني الولي الصالح أبو عبد الله محمد بن أبي ~~بكر الدلائي أن شيخ المشايخ سيدي أحمد بن يوسف الراشدي الملياني لم يكن في ~~وقته يطعم في زاويته، فقالوا له في ذلك فقال: نحن أردنا انتفاع المسلمين، ~~فإذا قمت أنا وبناتي وتعبنا واحترقنا في طعام المريد الزائر فأي نفع يحصل ~~له؟ وفي المعنى أيضا كلام يتشعب، ونحن نختصر منه قدرا صالحا إن شاء الله ~~فنقول: إن الزاوية المشتهر اسمها اليوم عند أهل الطريق من إطعام الطعام ~~للوافدين والمساكين والملازمين على الدوام حتى صارت عند العوام كأنها من ~~الفروض أو الشروط لا يعلم لها من حيث خصوصها أصل، ولا يجري لها ذكر في ~~الكتاب ولا السنة، وإنما مرجعها إلى القرى وإكرام الضيف، ولا شك أنه مأمور ~~به، ففي الحديث: " من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه " ولكنه أمر ~~مشترك بين جميع المؤمنين، لا يختص بالصوفي ولا القدوة، وإن كان هؤلاء أحق ~~بمنازلة كل " خلق " محمود، وكان صلى الله عليه وسلم يقري الضيف ويحض أصحابه ~~على ذلك وربما ورد الضيوف فيذهب ببعضهم ويذهب أصحابه بالباقي ويقول: " من ~~كان عنده طعام واحد فليذهب بثان ومن كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث " ~~وهكذا، وكان عنده أصحاب الصفة: نحو أربعين رجل، وهم أضياف الإسلام، وكان ~~إذا أتته صدقة دفعها إليهم، وإذا أتته هدية أخذ منها معهم، وربما يدخل إلى ~~داره حتى إذا لم يجد شيئا دفع الضيف إلى غيره، ولا شك أن هذا كله يكون أصلا ~~للإطعام في الجملة من غير اختصاص بكيفية ولا بدوام ولا تعميم للناس مع أنه ~~صلى الله عليه وسلم اجتمعت له أحوال الظاهر ms132 والباطن والولاية والخلافة، فمن ~~حاله " الشريف " يستمد الموفق من كل صنف، ثم كان الخلفاء بعده يطعمون على ~~حسب سيرتهم المعلومة، ثم الملوك بعد ذلك. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | الزاوية والرباط # PageV01P070 # ولما ظهرت الصوفية لم يعرف من حالهم وجود هذه الزاوية والقيام بكل وارد ~~من الجنس وغير الجنس كما هو اليوم، بل كانوا - رضي الله عنهم - معنيين بما ~~يعنيهم، فمنهم المنقبض عن الناس شغلا بحاله، ومنهم المخالط ينتفع الناس منه ~~بعلومه ومعارفه وآدابه، وقد يكون منهم من يستقر بين أظهر الناس، ومنهم من ~~يكون سائحا إنما يلقى في الخلوات والفلوات، وقد يكون منهم من يكون أصحابه ~~هم الذين يقومون بمثونته، أو يسأل قدر قوته، فكان أبو جعفر الحداد، وهو من ~~أكابر المشايخ يخرج بين العشائين فيسأل من الديار حتى يحصل عل القدر ~~المحتاج في ليلته، فيرجع، قالوا: وكان له قدم في التوكل معروف، ولم يزر به ~~ذلك عند أحد، نعم تكون لهم رباطات فيكون فيها المتجردون من أصحابهم للعبادة ~~كشبه حال أهل الصفة وذكر اليافعي رحمه الله في ذلك حكاية عن الإمام " أبي ~~بكر " الشبلي - رضي الله عنه - قال: كان عنده في رباطه نحو أربعين مريدا ~~يعبدون ويعيشون بالفتوح، وأنه اتفق له ذات مرة أن يفتح عليهم بشيء، حتى ~~ضاقوا، فخرج الشيخ إليهم فحدثهم في مقام التوكل، وحضهم على الصبر، ثم ذهب ~~عنهم، فبقوا بعده أياما أخر لم يأتهم شيء، فلحقتهم الضرورة، فلما كان ذلك ~~خرج إليهم فقال لهم: إن الله تعالى أمرنا بالتوكل ورخص لنا الأسباب، ~~فتسببوا، ففعلوا ذلك، وخرج الواحد منهم، البلد وجعل يجول في الأسواق ~~والمجامع من غير أن يسأل أحدا وإنما يعرض نفسه لما يفتح الله تعالى من رزق، ~~فلم يفتح عليه بشيء حتى انتهى إلى طبيب نصراني قد حلق الناس عليه، وهو يصف ~~لهم الأدوية، فجلس بين يديه، ومد إليه يده ليجس نبضه بلا كلام، فجس الطبيب ~~يده فقال له: أنا أعرف مرضك وأعرف دواءه، ثم قال لغلام له: علي برطل من ~~الشواء، مع ms133 خبز وحلواء، فأحضر الغلام ذلك، فقال الطبيب للفقير: أنت جائع، ~~وهذا دواؤك، فقال الفقير: إن كنت صادقا فمن ورائي أربعون كلهم بهذا المرض، ~~فقال الطبيب لأصحابه: أحضروا من هذا الطعام ما يكفي أربعين، فأحضروا ذلك، ~~فأمر الطبيب من يحمله، وأمر الفقير أن يمشي معهم إلى أصحابه، فلما خرجوا ~~تبعهم الطبيب مستخفيا ليعلم أصدق الفقير أم لا؟ فأدخلوا ذلك إلى الرباط ~~واستدعوا الشيخ فخرج اليهم، فوضعوا الطعام بين يديه فقال: ما هذا؟ فقص عليه ~~الفقير القصة على وجهها فقال لهم: أفترضون أن تأكلوا طعام رجل من غير أن ~~تكافئوه؟ فقالوا: فكيف نكافئه يا أستاذ؟ فقال: تدعون له، فأخذوا في الدعاء ~~له، والطبيب في كل ذلك ينظر إليهم من طاق، فلما رأى صدق القول، ورأى حالهم ~~من المحافظة على الحقوق، وارتفاع هممهم مع غاية الحاجة من غير أن يتناولوا ~~الطعام قبل المكافأة ألقى الله تعالى الأيمان في قلبه، فدخل عليهم وقال ~~للشيخ: مد يدك، وتشهد شهادة الحق ودخل في صحبتهم فصار من الصوفية، ولله ~~الحمد، فأنظر أيها الناظر في حكمة المولى المتفضل كيف أمسك عن أوليائه ~~الرزق ليخرجوا إلى الخلق فيصطادوا هذا الولي الرومي حين حان أوان الوصال ~~والخروج من سجن القطيعة إلى حضرة مولاه، فسبحان من يقرب من يشاء، وهو ذو ~~الفضل العظيم، وإنما هي السابقة " وكل ميسر لما خلق له " فكم من ولي لله ~~تعالى في وسطه زنار، وكم من كافر يؤذن فوق المنار، نسأل الله تعالى السلامة ~~والعافية، ويظهر من القصة أن هؤلاء الفقراء يأتيهم الفتوح لرباطهم، لا أن " ~~الطعام " يخرج لهم من دار الشيخ كما جرى في عرف اليوم، بل قد أشركوا الشيخ ~~في طعامهم في هذه القصة. # PageV01P071 # وكان بعد ذلك الشيخ يوسف العجمي فيما حكى من سيرته يخرج الواحد من أصحابه ~~ويذهب بدابة معه فيسأل النهار كله إلى الليل وما أجتمع يأتي به إلى ~~الفقراء، وبذلك يعيشون، وصورة السؤال أن يقف بباب الدار والحانوت فيقول: ~~الله، ويمد بها صوته حتى يكاد يغشى عليه ويسقط، قالوا: وكانوا يتناوبون ms134 في ~~الخروج بينهم وبين الشيخ، يخرج الخارج يوما لأنفسهم ويوما للشيخ، فكان ~~الخارج لهم يأتي بالدابة موقرة لحما وخبزا وجبنا وبصلا وغير ذلك، وفي يوم ~~الشيخ إنما يأتي بكسيرات يأكلها فقير واحد فقالوا له في ذلك فقال: أنتم ~~بشريتكم باقية، فبينكم وبين الخلق ارتباط، فيعطونكم، وأنا بشريتي قد فنيت ~~حتى لا تكاد " ترى " فليس بيني وبين التجار والسوقة وأبناء الدنيا كبير ~~مجانسة " قالوا ": وكان يأمر بإغلاق باب الزاوية " طول النهار " لا يفتح ~~لأحد إلا للصلاة وإذا دق أحد يقول للنقيب: اذهب وانظر من شق الباب فإن كان ~~معه شيء من الفتوح للفقراء فافتح له، وإلا فهي زيارات فشارات فقال بعض ~~الناس في ذلك، فقال الشيخ: أعز ما عند الفقير وقته، وأعز ما عند أبناء ~~الدنيا مالهم، إن بذلوه لنا بذلنا لهم وقتنا. # وقد شاع اليوم إقامة الصوفية الزوايا بإطعام الطعام، ولا سيما في بلادنا ~~المغربية، وخصوصا في البوادي، وما يكون من فتوح يأتي إلى يد الشيخ، وهو ~~ينفق فيه على المجاورين والواردين، وهذا قد كان فيهم من قديم، ففي ترجمة ~~الشيخ أبي يعزى أن الناس " كانوا " يأتون إليه من كل بلد، فيطعمهم من عنده، ~~ويعلف دوابهم، وأن الفتوح كانت تأتيه من إخوانه في الله تعالى فينفقها على ~~زائريه وأن أهل القرى القريبة منه كانوا يضيفون الواصلين لزيارة أبي يعزى ~~ويتبركون بهم، فلما مات أبو يعزى ريء في النوم وهو يطير في الهواء فقيل له: ~~بم نلت ما نلت؟ فقال: بإطعام الطعام. # ويحكى عن الشيخ أبي محمد عبد الخالق بن ياسين الدغوغي أنه كان يقول: ~~طلبنا التوفيق زمانا فأخطأناه، فإذا هو في إطعام الطعام وقد اشتهر ذلك ~~اليوم حتى إن عوام البادية يرون ذلك كأنه شرط انتصب للزيارة أو تصدى ~~للمشيخة، ويعدون قوة ذلك وتيسره من كراماته، ولا يبالون بمن لم يروا ذلك ~~على يده، فوقع في ذلك منافع عظام وآفات جسام. # وأهل الزوايا مختلفون، منهم من يطعم الناس من مال أبيه أو من كد يمينه من ~~غير أن يدخل عليه ms135 فتوح أصلا، فهذا أقرب الناس إلى السلامة وأبعد عن الشبهة، ~~وهو منتفع بحصول الأجر فيما أنفق، وفي سد خلة المحتاج، وفي ترغيب الناس في ~~الخير بما يحصل لهم من الميل الطبيعي، وفي اجتماع أهل الخير عنده، وفي ~~تعاونهم على البر، وتعلم العلم والأدب والمعرفة وتربية الخير، وإحياء مراسم ~~الطريق، وتكثير سواد أهله، وغير ذلك من الوجوه المستحسنة، والمصالح ~~المتبينة، وينتفع الناس معه بما ذكر وبحسن الظن به وبالطريق وبأهلها ~~وبسلامتهم من كل ما يقابل ذلك من الآفات، إن كانت " لا " تأتيه الفتوح ~~فذاك، وإن كانت تأتيه ويردها فلا شك أنها حالة رفيعة، ولكن لا بد أن يحذر ~~آفة الرد كما يحذر آفة الأخذ، ولا سيما في الرد على إخوانه وأتباعه. # ومن الآفات المشاهدة اليوم في ذلك أن الشح عياذا بالله قد غلب على الناس ~~ولا سيما فيما هو لله خالصا، إذ لا باعث عليه من النفس، فتجد الفقير يثقل ~~عليه أن يتصدق بدرهم لمسكين محتاج ويتيم وأرملة، ويخف عليه أن يحمل الدينار ~~والدينارين إلى دار شيخه، وذلك إما لبواعث شهوانية كطلب الأعواض العاجلة أو ~~مساعفة الغير أو المراياة أو نحو ذلك، وإما تصريف من الله تعالى وتسخير في ~~هذا الوجه، ثم إن رد عليه شيخه ذلك وأغلق عليه بابه انغلقت عليه أبواب ~~الخير والنفقة، فبأي وجه يرتاض في صفة البخل حتى يتخلى منها؟ " أو " بمجرد ~~الموعظة والتذكير من شيخه من غير أن ينازلها بالفعل؟ وهيهات منه ذلك! وإذا ~~كان كذلك كان شيخه قد غشه في تربيته له ولو أنه قبض منه ذلك وأنفقه له في ~~وجوه الخير كان أعود عليه وأرجى لاعتياده ذلك في جهات أخرى، ولحصول نور ~~ينتفع به، نعم الأمر مخطر، والناس فيه ثلاثة: رجل طالب دنيا آكل بدينه، ~~يقبض لنفسه شهوة، فهذا فاسد مفسد، وربا أنتفع معه من أنفق لله تعالى " إن ~~الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ". # PageV01P072 # ورجل صادق في حاله، غير كامل في تصرفه، يخشى العطب في الأخذ، ويؤثر جانب ~~السلامة، فهذا سالم في نفسه، ms136 ولا ربح معه للناس من هذا الوجه. # ورجل كامل قد تضلع من العلم والحال، فهذا حقه الأخذ لحق الغير نصحا له ~~وإعانة له على الخير، اللهم إلا أن يعرض ما يمنع كاطلاعه على اختلاف قصد ~~المتصدق أو فساد في المال أو نحو ذلك. # وكان صلى الله عليه وسلم يقبل من أصحابه ما يأتون به من النفقة إعانة لهم ~~على الخير، وتزكية لهم عن الأخلاق المذمومة، ونفعا للمسلمين بما أنفقوا ~~وإلا فهو صلى الله عليه وسلم أغنى الخلق ظاهرا وباطنا، وقد عرض عليه أن ~~تجعل له الجبال ذهبا يتفق منها فلم يرض، وقد لا يقبل لعوارض، وقد قال صلى ~~الله عليه وسلم في آخر الأمر: " هممت ألا أقبل إلا من قرشي أو ثقفي أو دوسي ~~" والكامل من المشايخ له مدخل في ذلك. # ومنهم من يطعم من الفتوح أو من الأمرين، فإن استقام أخذه وتصرفه فهو ~~ينتفع بما مر في الأول، وإن كان لا يبلغ في أجر النفقة مبلغ من أنفق في كد ~~يمينه، وعرق جبينه، وبمعاونة الناس على الخير، وإدخال السرور عليهم في ~~الأخذ، وتربية أحوالهم المحمودة، وتزكيتهم من المذمومة، وبالسلامة من ~~الأنفة والاشتهار بالنزاهة المتوقع في الأول، وبتيسر رزقه في خلال ذلك ~~ليتفرغ للعباده، إلى غير ذلك من المنافع الدينية والدنيوية، وينتفع الناس ~~معه بما مر، والمنفقون بذلك مع حصول أجر ما أنفقوا، والتخلي والتحلي كما ~~مر، وغير ذلك، ومن سوى هذين الشخصين من كل من يستظهر بالخرقة ويتجر باللقمة ~~فلا عبرة له، وقد ينتقع المنفق كما مر إن سلم من أتباعه على زيغه والسقوط ~~في مهاوي بدعته، وهذا كله في الإطعام والإنفاق جملة. # وأما أكل المريد لطعام شيخه والنزول في مثواه وافتراش فراشه وغير ذلك من ~~الانتفاعات فقد يسلم في ذلك وقد يحصل له انتفاع زيادة على السلامة كحصول ~~بركة ونور في قلبه أو رحمة من الله تعالى بذلك، وقد جاءت امرأة من لكتاوة ~~إلى دار أشياخنا، وأظنه في حياة سيدي أحمد بن إبراهيم بقصد الزيارة فأكلت ~~من طعام ms137 الزاوية ثم رجعت إلى بلدها وبقيت أياما فماتت فريئت بعد موتها فقيل ~~له: ما فعل الله بك؟ فقالت: رحمني بالطعام الذي أكلت من الزاوية. # وقد يتضرر المريد بذلك من جهات منها أن يتشوف إلى ذلك أو إلى المزية فيه ~~فيفسد قصده، ويختل حاله، ومنها أن يستشعر شيخه منه أحيانا ثقلا في ذلك لما ~~يقتضيه الطبع البشري، فينفر منه، وفي ذلك ضرره، وقد تذهب زيارته وخدمته في ~~بطنه، وذلك هو الخسران المبين، ومن ذلك وقع ما ذكر في صدر هذه الترجمة ~~للشيخ أحمد بن يوسف من ترك الإطعام كما قال، وقد يدخل عليه في ذلك من ~~مزاحمة الإخوان والواردين الشغل والفتنة والشحناء والتدابر والتقاطع وغير ~~ذلك. # وقد حدثونا عن شيخ شيوخنا سيدي عبد الله بن حسين الرقي - رضي الله عنه - ~~أنه " كان " إذا ذهب مع الفقراء لزيارة شيخهم سيدي أحمد بن علي يأخذ معه ~~زادا تحت إبطه فإذا وصلوا إلى زاوية الشيخ انفرد عنهم ودخل المسجد واشتغل ~~بحاله واقتات من زاده فلا جرم " أن " كان هو الذي أنجح وأفلح. # هذا ولا يخلو شيء من مصالح وآفات، والمعصوم من عصمة الله، والموفق من ~~وفقه الله، والورع من ورعه الله، فلا يمكن الاعتراض على من أكل، ولا من ~~ترك، ولا من أطعم، ولا من ترك، ولا من اشتهر، ولا من اختفى، اللهم إلا " ~~على " من كان في تربيته على يده بوجهه، فمن عرف فليتبع، ومن جهل فليسلم، ~~والنصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باقية في محلها بشرطها. # وبلغني أن الفقيه الصالح سيدي الصغير ابن المنيار مر ذات مرة بسيدي محمد ~~بن أبي بكر الدلائي فأخرج إليه الطعام من الزاوية فلم يأكله فبلغ ذلك ابن ~~أبي بكر فذكر ذلك وكأنه اعتل بما يقع من خدمة الناس في الحصاد والدرس، فقال ~~له ابن أبي بكر: أيما أفضل أنت أم جدك؟ يعني سيدي علي بن إبراهيم، وقد جاءه ~~بنو موسى بسبعمائة منجل ليحصدوا، فلما رأى عددهم قال لهم: بخلتمونا يا بني ~~موسى، فقال له سيدي الصغير: ms138 جدي أعرف بحاله وأقدر على ما يفعل، وأنا أتصرف ~~بمقتضى حالي أو نحو هذا " من " الكلام. # وقد يكون للولي حال مع الله تعالى فيسأل الناس ويأخذ من الله تعالى لا من ~~الناس، ويتصرف بالله وفي الله، ولا يصح الاعتراض عليه لاستقامته. # PageV01P073 # وقد قيل للإمام الجنيد: إن النوري يسأل الناس فقال: دعوه في حاله، ولكن ~~هاتوا الميزان فوزن قدرا من الدراهم، ثم أخذ قبضة من الدراهم بغير وزن ~~فقذفها على الموزون وقال لصاحبه: اذهب بتلك المجموع " إليه " فلما باغ ~~النوري قال: " النوري ": " هات " الميزان، فوزن القدر الموزون ورده وأخذ ~~الباقي، فقال له الحامل: كنت عجبت من فعل الجنيد وأنه كيف خلط الموزون، فأي ~~فائدة للوزن؟ وفعلك هذا أعجب، فما هذا؟ فقال له النوري: إن الجنيد رجل ~~حكيم، وإنه أحب أن يأخذ الحبل بطرفيه، فوزن قدرا لنفسه وجعل الآخر لله ~~تعالى، ونحن قد أخذنا ما لله تعالى، فلما رجع الرسول إلى الجنيد بكى وقال: ~~أخذ ماله ورد علينا مالنا، فتبين بذلك أنه يأخذ ما لله من الله عن بصيره ~~صادقة فلا بأس " عليه " " بذلك " والله الموفق " و " المعين. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | ميل القلوب ونفرتها # كان بعض الطلبة من أصحابنا في قرية، وكانت القرية قرية سوء، وأهلها كذلك، ~~ثم إن بعض الأصحاب رام لوم ذلك الطالب على الاستقرار فيها فقال له: كيف ~~تبقى في تلك القرية وهي كيت وكيت يعدد عليه مساويها؟ فقال الطالب: أحمد ~~الله وأشكره، فلما قال ذلك استحمقه اللائم وازداد في الإنكار عليه وأنه كيف ~~يحمد على هذا، فقال له الطالب: قد رأيت كل ما ترون من مساويها، وعلمت منها ~~ما تعلمون أو أكثر، ومع ذلك فأجد قلبي غير نفور عنها " فأحمد الله تعالى إذ ~~قضى علي الاستقرار فيها ولم ينفر قلبي عنها " فلو أنه تعالى قضى علي وكرهها ~~لي وأنا لا أجد بدا منها بحكم القضاء فما ترون يكون عيشي عند ذلك؟ فلما قرر ~~هذا المعنى وجدوه معنى لطيفا تنبه إليه وسلموا له. # وشرح ذلك باختصار ms139 أن الله تعالى أودع في طبع الآدمي ميلا إلى شيء ونفورا ~~عن شيء، ويسمى الأول ملائما، إما حسيا كالشراب والطعام واللباس والنكاح " ~~في الجملة ونحو ذلك " وإما معنويا " كالعز " والجاه والراحة والصحة ~~والعافية ونحو ذلك، ويسمى الثاني منافرا إما حسيا أيضا كالعذرة والبول ~~والدم والميتة والشوك والجرح والضرب والسجن والقيد ونحو ذلك، وإما معنويا ~~كالذل والمهانة والعجز والضيم والغم والحزن ونحو ذلك. # ثم إن الأعيان الموجودة في الدنيا كالأموال المكتسبة وغيرها من الحيوانات ~~العجماوات والجمادات مثل الأمكنة والأزمنة والجهات والقرناء والأصحاب ونحو ~~ذلك منها ما يكون من القسم الأول ملائما لمقارنته للملائم كالأنعام لما ~~فيها من الأكل والشرب والركوب والحمل والزينة، والرباع لما فيها من ~~الاشتغال بأنواعه، والنساء في الجملة لما فيها من الاستمتاع، وسائر ~~الانتفاع، وعلى الخصوص فيمن وجد ذلك فيه حقيقة أو توهما، وكذا في سائر ما ~~ينفع له، ولذا قال تعالى:) زين للناس حب الشهوات من النساء (الخ. ومنها ما ~~يكون من القسم الثاني منافرا لمقارنته للمنافر كالسباع والحيات والعقارب ~~والأعداء ونحو ذلك، وكذا الأمكنة والأزمنة والجهات تكون ملائمة إذا كانت ~~ظرفا للملائم، ومنافرة إذا صارت ظرفا للمنافر، وهذا هو الأمر المعتاد، وقد ~~تخرق هذه العادة في شخص فيجعل في قلبه ميل إلى غير ملائم أو نفرة عن غير ~~المنافر إما بسبب كالسحر ونحوه، أو بمحض الحكم الأزلي، ولا بد أن يتوهمه في ~~نفسه ملائما في تلك الحالة أو منافرا، فلا تنتقض العادة الجارية، ثم إن ~~الله تعالى قدر على العبد قبل إيجاده " كل " ما يلقاه من هذه الأشياء، فإن ~~قدر عليه أن يلقى الملائم فعندما يلقاه ينعم من جهتين: إحداهما وجود ~~الانتفاع الذي فيه كما قررنا، والأخرى أنس قلبه به فيكون كما قال عمر بن ~~عبد العزيز - رضي الله عنه -: إذا وافق الحق الهوى فهو العسل والزبد، وإن ~~قدر عليه أن يلقى المنافر فهو عندما يلقاه يعذب من جهتين، وهما التضرر ~~الظاهر، والتألم الباطن بالكراهة، وهذان القسمان في الملائم والمنافر ~~الحقيقيين، وهما واضحان جالسان على المعتاد، ms140 ووراءهما أربعة أقسام فيما ~~يرجع إلى القلب من الميل والنفرة: الأول أن يقضى عليه بعدم ملاقاة اللائم ~~ولا يخلق في قلبه ميل إليه كحال المجانين أو يخلق له كراهيته. # PageV01P074 # الثاني أن يقضى عليه بملاقاة المنافر ولا تخلق في قلبه نفرة عنه أو يخلق ~~له الميل إلى الميل إليه، وفي كلا القسمين تقع السلامة من العذاب وإن لم ~~يحصل نعيم أو يحصل نعيم موهوم أو خسيس تابع لخسة عقل صاحبه أو ضعف حسه ~~كالصبي الذي يأكل التراب، ومن القسم الثاني قصة صاحب القرية المذكور. # الثالث أن يبتلى بالميل إلى شيء ومحبته بحكم القضاء ملائما أو غير ملائم ~~ولا يقضى له بملاقاته. # الرابع: أن يبتلى بالنفرة عن شيء وكراهته بحكم القضاء أو غير منافر ويقضى ~~عليه بملاقاته، وفي كلا القسمين يقع العذاب والمحنة بالنظر إلى الباطن، ~~وإلى الأول يشير المجنون في قوله: # قضى لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا # وكأنه يقول: لو قضاها لي أي الرب سبحانه بأن أتزوجها حين ابتلاني بحبها ~~لنعمت ولو لم يبتلني بحبها حين قضاها لغيري أن يتزوجها لاسترحت فلا أنا ~~بحصولها في يدي ولا أنا بخروجها من قلبي فهذا هو العذاب المبين، وإلى ~~القسمين معا يشير " الآخر في قوله ": # من لم يعش بين أقوام يسر بهم ... فعيشه أبدا هم وأحزان # وأخبث العيش ما للنفس فيه أذى ... خضر الجنان مع الأعداء نيران # وأطيب العيش ما للنفس فيه هوى ... سم الخياط مع الأحباب ميدان # وحاصله تحكيم القلب وأنه المرجع في النعيم والعذاب، ولا عبرة بالمحسوس ~~إلا بما فيه من التأدية إلى ما في القلب، وإلى هذا المعنى يشير الصوفية في ~~النعيم والعذاب الموعود في الدار الآخرة كما قال في الحكم: النعيم وإن ~~تنوعت مظاهره ... إنما هو لشهوده واقترابه، والعذاب وإن تنوعت مظاهره ... ~~إنما بوجود حجابه. فسبب العذاب وجود الحجاب. وإتمام النعيم بالنظر إلى وجهه ~~الكريم. # وإلى هذا المعنى يرجع كل ما يذكر من الحنين إلى الأوطان النائية، والبكاء ~~على المراسم الخالية، وذكر الأحباب النازحة، والأيام الصالحة، ومن ms141 مرارة ~~الفراق، ولوعة الاشتياق، وما قيل في ذلك يملأ الأرض، ويفوت الطول والعرض، ~~كقول الأول: # وكل مصيبات الزمان رأيتها ... سوى فرقة الأحباب هينة الخطب # وكتب المهدي وهو بمكة إلى الخيزران: # نحن في أفضل السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السرور # عيب ما نحن فيه يا أهل ودي ... أنكم غبتم ونحن حضور # فأجدوا المسير بل إن قدرتم ... أن تطيروا مع الرياح فطيروا # فأجابته: # قد أتانا الذي وصفت من الشو ... ق فكدنا وما فعلنا نطير # ليت أن الرياح كن يؤدي ... ن إليكم ما قد يجن الضمير # لم أزل صبة فإن كنت بعدي ... في سرور فدام ذاك السرور # وقال أبو تمام: # لو حار مرتاد المنية لم يجد ... إلا الفراق على النفوس دليلا # وقال أبو الطيب: # لولا مفارقة الأحباب ما وجدت ... لها المنايا إلى أرواحنا سبلا # " وقال أحمد بن رجاء الكاتب: أخذ مني تميم بن المعز جارية كنت أحبها ~~وتحبني فأحضرها ليلة في منادمته فنام فأخذت العود وغنت عليه صوتا حزينا من ~~قلب قريح وهو: # لا كان يوم الفراق يوما ... لم يبق للمقلتين نوما # شتت مني ومنك شملا ... فساء قوما وسر قوما # يا قوم من لي بوصل ريم ... يسومني في الغرام سوما # ما لامني الناس فيه إلا ... بكيت كيما أزاد لوما # فأفاق المعز مع فراغها ورأى دمعها يسيل فقال: ما شأنك؟ فأمسكت هيبة له، ~~فقال لها: إن صدقتني لأبلغنك أملك، فأخبرته بما كنا عليه فأحسن إليها وردها ~~إلي وألحقني بخاصة ندمائه، وقال ابن ميادة: # ألا ليت شعري هل يحلن أهلها ... وأهلك روضات ببطن اللوى خصرا # وهل تأتين الريح تدرج موهنا ... برياك تعروري بها بلدا قفرا # بريح خزامي الريح بات معانقا ... فروع الأقاح تهضب الطل والقطرا # ألا ليتني ألقاك يا أم جحدر ... قريبا فأما الصبر عنك فلا صبرا # وقال أبو العتاهية: # أمسى ببغداد ظبي لست أذكره ... إلا بكيت إذا ما ذكره خطرا # إن المح إذا شطت منازله ... عن الحبيب بكى أو حن أو ذكرا # وقال آخر: # أقول لصاحبي والعيس تخدي بنا بين المنيفة فالضمار # تمتع ms142 من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار # PageV01P075 # ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضه بعد القطار # وأهلك إذ يحلى الحي نجدا ... وأنت على زمانك غير # شهور ينقضين وما شعرنا ... بأنصاف لهن ولا # وقال الآخر: # سقى الله أياما لنا قد تتابعت ... وسقيا لعصر العامرية من عصر # ليالي أعطيت البطالة مقودي ... تمر الليالي والشهور لا أدري # وللإمام سليمان الكلاعي - رضي الله عنه -: # أحن إلى نجد ومن حل في نجد ... وماذا الذي يغني حنيني أو يجدي # وقد أوطنوها وادعين وخلفوا ... محبهم رهن الصبابة والوجد # وضاقت علي الأرض حتى كأنها ... وشاح بخصر أو سوار على زند # إلى الله أشكو ما ألاقي من الجوى ... وبعض الذي لاقيته من جوى يردي # فراق أخلاء وصد أحبة ... كأن صروف الدهر كانت على وعد # ليالي نجني الأنس من شجر المنى ... ونقطف زهر الوصل من شجر الصد # وقال الآخر: # إذا أشرف المكروب من رأس تلعة ... على شعب بوان أفاق من الكرب # وألهاه بطن كالحرير لطافة ... ومطرد يجري من البارد العذب # فيا لله يا ريح الجنوب تحملي ... إلى شعب بوان سلام فتى صب " # ولا ينحصر هذا الفن والاشتغال به يطيل. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | حنين المؤلف إلى الزاوية الدلائية # وكنت لما نزلت بخلفون على أم ربيع ذكرت من كان معنا في الزاوية الدلائية ~~من المعارف والأحباب، وكانوا يومئذ قد شرقوا لناحية تلمسان فقلت: # سلام على الأحباب غير مضيع ... لذي شرف ذكرا ولا لوضيع # سلام محب لا يزال أخا هوى ... إلى جلة قد شرقوا ونزوع # ومن يسأل الركبان عني فإنني ... حللت ببيتي حول أم ربيع # فألفيته يحكي زفيري زفيرة ... بقلب كقلبي بالفراق صديع # ويسعدني في عبرتي غير أنه ... يخالفني في مهبط وطلوع # فتجري إلى مهفى الجنوب دموعه ... وتجري إلى مهفى الشمال دموعي # ولما كنت بمدينة مراكش - حرسها الله تعالى - " سنة ثلاث وتسعين وألف " ~~وقد بقيت الأملاك في خلفون والكتب وما معها في مكناسة وبقيت العلائق في ~~جبال فازاز والقبيلة في ملوية " قلت ": # تشتت قلبي في البلاد فقسمة ... بمراكش ms143 منه على رجل طائر # وأخرى بخلفون وأخرى مقيمة ... بمكناسة الزيتون حول الدفاتر # وأخرى بفازاز وأخرى تجزأت ... بملوية الأنهار بين العشائر # وأخرى بذاك الغرب بين أحبتي ... بأهل البوادي منهم والحواضر # فيا رب فاجمعها فإنك قادر ... عليها وما غير الإله بقادر # ويا رب فأجعلها بأوطانها فما ... عبيدك للبنين المشت بصابر # لك الفضل والإحسان بدءا وآخرا ... وإني لما أوليتني جد شاكر # فمن بإنعام وجد لي بحاجتي ... ورفق بقلب للهموم مسامر # فمالي إلا بابك الرحب ملجأ ... وما طلب الحاجات منك بضائر # ومالي إلا جودك الجم شافع ... وحسبي بفيض منه أغزر وافر # وصفوتك المبعوث للناس رحمة ... بشيرا شفيعا مظهرا بالبشائر # صلاة وتسليم عليه مدى المدى ... وعترته والصحب أهل البصائر # وجرى يوما ذكر البيتين اللذين أنشدهما سيدنا بلال - رضي الله عنه - وهما ~~قوله: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل # وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل # فهاج لي إلى الأوطان اشتياق، فقلت نحو هذا المساق: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بسهب الشنين أو بسهب بني ورا # وهل تعبرن نهر العبيد ركائبي ... وهل تتركن دايا وأدواءها ورا # وهل أردن عسلوج يوما فأشربن ... مياها به يحكي رحيقا وكوثرا # وهل تمرحن حيلي بذروة آمنا ... وبطنانها من قبل أن يحفر الثرى # وهل أكحلن يوما جفوني بنظرة ... إلى الأرزات الفارعات فتبصرا # وهل أدفعن جيش الهموم ببسطة ... مع الحي في تلك الديار فتقصرا # ونهر العبيد " هو " وادي العبيد المعروف، ومدينة داي هي المعروفة اليوم ~~بالصومعة في تادلا، وإنما قال أدواؤها أي أمراضها لأنها كثيرة الأمراض ~~والوخم. # PageV01P076 # ومن غريب ما اتفق لي في هذا البلد أنني مررت به حين سافرت إلى ناحية ~~مراكش في طلب العلم فأصابتني الحمى منه، وذلك أول حمى أصابتني في عمري ثم ~~بقيت في تلك النواحي عدة سنين فلما رجعت ومررت به أصابتني أيضا، وكأنها ~~كانت تنتظرني، ولذا كان من جملة التمني أن أترك هذه البلدة وأمراضها ورائي ~~بالمجاوزة إلى وطني. # وكنا ذات مرة في بساتين خارج الحضرة المراكشية، ثم سرينا ms144 ليلة لقصد زيارة ~~بعض الصالحين وركبت فرسا، فما استويت " عنه " وبرد الليل وكنت أستحب السري ~~فانبسطت نفسي وتمنيت أن لو كنت على أعتق من ذلك الفرس، وذكرت الأوطان فقلت ~~ارتجالا أو شبه ارتجال: # يا سرية لو كنت أسريها على ... نهد أغر محجل يعبوب # ينساب من تحتي كأن ذميله ... جريان ماء في الصفا مصبوب # ما بين خلاد فخوخات إلى ... نهر الرمال فمقطع فجبوب # فإذا فصلت من السلام عليكم ... وهفت صبا في الجو ذات هبوب # فهناك تنشقني الحجاز وشيحه ... وتتم عرفا من شذا محبوب # صلى الإله عليه ما وكف الحيا ... في الروض من وبل ومن شؤبوب # وعلى الأماجد آله وصحابه ... ما حن محبوب إلى محبوب # يا رب أنت رجاؤنا في نيل ما ... نرجو فكن لعبيدك المربوب # لا رب نرجوه سواك أممكن ... وجدان آلهة لنا وربوب؟ # فامنن عليها واسقنا إنا لفي ... ظمأ على شحط النوى وذبوب # واجمع بصفوتك الأجلة شملنا ... مع اخوة ومعارف وحبوب # واختم لنا معهم بدين قيم ... يتعلق وتشوق مشبوب # فالدين والخرات أعود مقتنى ... أبدا لكل مشمر ملبوب # وجرى " يوما " ذكر قصيدة ابن الخطيب التي أولها: # سلا هل لديها من مخبرة خبر ... وهل أعشب الوادي ونم به الزهر # فسما أيضا شوق وحزن، وعاود الفؤاد ذكر الوطن والسكن فقلت: # شم برقها أعلى أجارع ذي أضا ... وكفت فأترعت الجداول والأضا # واحجب علي وميضه فلقد حشا ... وسط الحشا جمر الغضا لما أضا # فكأنه مذ لاح في تلك الربا ... ما بين أحشائي حسام منتضى # ما زال يذكرني معاهد جيرتي ... وعشيرتي ومعارفي مذ أومضا # " هذا على أن لست قط بمغفل ... لعهودهم ما حان منها أو مضى " # أم ساقها لجيوب ذروة سحرة ... فسقى بها قيصومها والعرمضا # وأدار فوق نجودها كاس الحيا ... وهنا فأصبح كل نشز مبرضا # " خلعت أكف السحب أردية الكلا ... ومطارف الزهر النضير على الفضا " # وأفاضت الغدران حتى عاقرت ... أيدي الروابي الشم جريال الفضا # ما شئت من روض تراه مذهبا ... فيها ومن روض تراه مفضضا # بلد صحبت العيش فيه أخضرا ... نضرا ووجه الدهر أبيضا # درت علي ms145 به الأماني حفلا ... وهمت علي غيوث بر فيضا # ولبست فضفاض النباهة سابغا ... وركبت صهوة كل فضل ريضا # وأسمت سرحي في المطايب ممرعا ... ورميت صيدي في المآرب معرضا # في فتية قد كان شربي فيهم ... صفو الوداد وكل خلق مرتضى # تخذوا المروءة والسماحة والندا ... والبر والإكرام دينا مقتضى # وتألفوا كالماء والصهباء في ... كأس وكل ذو سجايا ترتضى # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | الاعتزال عن الخلق طلبا للسلامة # حدثني الأخ الفاضل أبو عبد الله محمد بن مسعود العيسوي العرفاوي قال: ~~سافرت إلى بلاد القبلة ذات مرة فمررت بالمرابط الخير أبي عبد الله محمد بن ~~أبي بكر العياشي فدخلت لأزوره فلما قعد مني قريبا ثم أنشدني " متمثلا " قول ~~الشاعر: # جفوت أناسا كنت آلف وصلهم ... وما بالجفا عند الضرورة من باس # فلا تعذلوني في الجفاء فإنني ... وجدت جميع الشر في خلطة الناس # والمراد من الشعر ومن التمثل به الاعتزال عن الخلق طلبا للسلامة لا ما ~~يفهم من لفظ الجفاء، وفي الحديث: " خير الناس منزلة يوم القيامة رجل أخذ ~~بعنان فرسه في سبيل الله يخيف العدو ويخيفونه وفي رواية: حتى يموت أو يقتل ~~". والذي يليه رجل معتزل في شعب من الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ويعتزل ~~شرور الناس. # PageV01P077 # وعن أمير المؤمنين عمر - رضي الله عنه - قال: الطمع فقر، واليأس غنى، ~~والعزلة راحة من جليس السوء، وفريق الصدق خير من الوحدة. # وقال أبو الدرداء - رضي الله عنه -: كان الناس ورقا لا شوك فيه، وهم ~~اليوم شوك لا ورق فيه. # وقال بعض الأئمة: العزلة عن الناس توفي العرض، وتبقي الجلالة، وترفع ~~مئونة المكافأة في الحقوق اللازمة، وتستمر الفاقة. # وقد أولع الشعراء قديما وحديثا من هذا المعنى بالتبرم بالناس والاستيحاش ~~من الخلق وذم الزمان وأهله، فمن ذلك قول أبي العتاهية: # برمت بالناس وأخلاقهم ... فصرت أستأنس بالوحدة # ما أكثر الناس لعمري وما ... أقلهم في حاصل العده # ونحوه قول الآخر: # ما أكثر الناس بل ما أقلهم ... والله يعلم أني لم أقل فندا # إني أفتح عيني حين أفتحها ... على كثير ولكن ms146 لا أرى أحدا # وقول الآخر: # مخالط الناس في الدنيا على خطر ... وفي بلاء وصفو شيب بالكدر # كراكب البحر إن تسلم حشاشته ... فليس يسلم من خوف ومن حذر # وقول الآخر: # قد لزمت السكون من غير عي ... ألزمت الفراش من غير عله # وهجرت الإخوان لما أتاني ... عنهم كل خصلة مضمحله # وقول الآخر: # إن بني دهرنا أفاع ... ليس آمن ساورت طبيب # فلا يكن فيك بعد هذا ... لواحد منهم نصيب # وقول الآخر ويعزى للإمام الشافعي - رضي الله عنه -: # ليت السباع لنا كانت مجاورة ... وليتنا لا نرى مما نرى أحدا # إن السباع لتهدا في مرابضها ... والناس ليس بهاد شرهم أبدا # فاهرب بنفسك وأستأنس بوحدتها ... تعش سليما إذا ما كنت منفردا # وقول طرفة بن العبد: # كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه # كلهم أروع من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه # وقول امرئ القيس: # كذلك جدي ما أصاحب صاحبا ... من الناس إلا خانني وتغيرا # وقول الآخر: # وزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحبا بعد صاحب # فلم ترني الأيام خلا تسرني ... مباديه إلا خانني في العواقب # ولا قلت أرجوه لدفع ملمة ... من الدهر إلا كان إحدى المصائب # " وقال أبو فراس: # بمن يثق الإنسان فيما ينويه ... ومن أين للحر الكريم صحاب # وقد صار هذا الناس إلا أقلهم ... ذئابا على أجسادهن ثياب # وقال محمد بن تميم: # لك الخير كم صاحبت في الناس صاحبا ... فما نالني منه سوى الهم والعنا # وجربت أبناء الزمان فلم أجد ... فتى منهم عند المضيق ولا أنا # وقول الآخر: # دع الإخوان إن لم تلق منهم ... صفاء واستعن واستغن بالله # أليس المرء من ماء وطين ... وأي صفا لهاتيك الحبله # ومثله: # ومن يك أصله ماء وطينا ... بعيد من جبلته الصفاء # ونحوه: # لا تثق من آدمي ... في وداد بصفاء # كيف ترجو منه صفوا ... وهو من طين وماء # وقال أبو العلاء: # جربت أهلي وأصحابي فما تركت ... لي التجارب في ود امرئ غرضا # وقول أبي الطيب: # إذا ما الناس جربتهم لبيب ... فإني قد أكلتهم وذاقا # فلم أر ودهم إلا ms147 خداعا ... ولم أر دينهم إلا نفاقا # وأنشد أيضا: # ومن نكد الدنيا على الحر أن يرى ... عدوا له ما من صداقته بد # قيل إنه لما تنبأ قيل له: ما معجزتك؟ قال: قولي ... وأنشد البيت: وقول ~~الآخر: # تصفحت أبناء الزمان فلم أجد ... سوى من غدا واللؤم حشو ثيابه # فجردت من سيف القناعة مرهفا ... قطعت رجائي منهم بذبابه # فلا ذا يرني واقفا في طريقه ... ولا ذا يراني واقفا عند بابه # وقول الآخر: # أردت من الدنيا صديقا مؤاتيا ... وفيا بما أرضاه يرضى وينشرح # فإذ لم أجد أغضيت عن كل كائن ... وقلت لقلبي قد خلا الكون فاسترح # وقال غيره: # ألام على التفرد كل حين ... ولي فيما إلام عليه عذر # وكل أذى فمصبور عليه ... وليس على قرين السوء صبر # وقال محمد بن تميم: # من كان يرغب في حياة فؤاده ... وصفائه فلينأ عن هذا الورى # PageV01P078 # فالماء يصفو إن نأى فإذا دنا ... منهم تغير لونه وتكدرا # وقول الآخر: # كن من الناس جانبا ... وارض بالله صاحبا # قلب الناس كيف شئ ... ت تجدهم عقاربا # وأما أبو العلاء المعري فقد سلى نفسه عن عماه بقوله: # قالوا العمى منظر قبيح ... قلت بفقدانكم يهون # والله ما في الوجود شيء ... تأسى على فقده العيون " # وقال غيره: # الناس داء دفين لا دواء له ... تحير العقل فيهم فهو منذهل # إن كنت منبسطا رأوك مسخرة ... أو كنت منقبضا قالوا به ثقل # وإن تخالطهم قالوا به طمع ... وإن تجانبهم قالوا به ملل # وإن تعففت عن أبوابهم كرما ... قالوا غني وأن تسألهم بخلوا # ونحوه قول الآخر: # لا تعدن للزمان صديقا ... وأعد الزمان للأصدقاء # وقول الآخر: # ورب أخ ناديته لملمة ... فألفيته منها أجل وأعظما # وقول الآخر: # وإخوان اتخذتهم دروعا ... فكانوها ولكن للأعادي # وخلتهم سهاما صائبات ... فكانوها ولكن في فؤادي # وقالوا قد صفت منا قلوب ... لقد صدقوا ولكن من ودادي # وقالوا قد سعينا كل سعي ... لقد صدقوا ولكن في فسادي # وقال الآخر: # لقاء الناس ليس يفيد شيئا ... سوى الهذيان من قيل وقال # فأقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ العلم أو إصلاح ms148 حال # وقول الآخر: # لا تعرفن أحدا فلست بواجد ... أحدا أضر عليك ممن تعرف # وقول الآخر: # وما زلت مذ لاح المشيب بمفرقي ... أفتش عن هذا الورى وأكشف # فما إن عرفت الناس إلا ذممتهم ... جزى الله بالخيرات من لست أعرف # ومثله قول الآخر: # جزى الله بالخيرات من ليس بيننا ... ولا بينه ود ولا متعرف # فما نالني ضيم ولا مسني أذى ... من الناس إلا من فتى كنت أعرف # ويقال: كتب رجل من أهل الري على بابه جزى الله خيرا من لا يعرفنا ولا ~~نعرفه ولا جزى الله أصدقاءنا خيرا فإنا لم نؤت إلا منهم. # وينسب للإمام الغزالي - رضي الله عنه - أيام سياحته: # قد كنت عبدا والهوى مالكي ... فصرت حرا والهوى خادمي # وصرت بالوحدة مستأنسا ... من شر أصناف بني آدم # ما في اختلاط الناس خير ولا ... ذو الجهل في الأشياء كالعالم # يا لائمي في تركهم جاهلا ... عذري منقوش على خاتمي # قالوا وكان نقش خاتمه:) وما وجدنا لأكثرهم من عهد وإن وجدنا أكثرهم ~~لفاسقين (. # وقول الآخر: # من أحسن الظن بأعدائه ... تجرع الهم بلا # قال بعضهم: لو كنت ناظما لهذا البيت لقلت: من أحسن الظن بأحبابه ولا أقول ~~بأعدائه. # واعلم " أن تبرم " الناس بالناس واستيحاش بعضهم من بعض واستنقاص البعض ~~للبعض هو أن الإنسان لما فيه من سبعية مؤذ بالطبع من يلقاه إما بيده أو ~~بلسانه شتما أو نميمة أو غيبة، وكل من يتأذى منه يستوحش منه ويستنقصه، ولما ~~فيه من الشهوة يتقاضى حظوظه ويضايق عليها غيره لاتساع الشهوة وضيق الدنيا ~~فيثور البغض والحسد وسائر الشر، ثم قد يطمع أن يستحصل حظوظه أو بعضها من ~~الغير، والغير في شغل عنه بحظوظه فيستنقصه، ومن الأول ينشأ العجب بالغني ~~واحتقار الفقير، ومن الثاني ينشأ عدم الوفاء بالوعد والعهد، وذلك أن ~~الإنسان ليس له على التحقيق اختيار، أما باطنا فلأنه في قبضة الله تعالى، ~~وكيف يتأتى وفاء أو عقد أو حل للعبد دون سيده؟ وأما ظاهرا فلأنه أسير شهوته ~~وسمير نهمته، وقد قلت في وصف طباع الناس من قصيدة: ms149 # ألم تر أن الدهر حبلى أنية ... ولادتها يوما وإن لم تكن تدري # فمن منح تسلي ومن محن تسي ... نتائجها صغرى على المرء أو كبرى # ولا تأمنن أبناءه إن تحببوا ... إليك فمن يشبه أباه فقد برا # وكل بني دهر بأشباه دهرهم ... على ما قضى الله الحكيم وما أجرى # متى ما ارتجوا رغباء منك تقربوا ... إليك وأبدو خالص الود والبرا # وأخفوا ذميما كان فيك وأظهروا ... جميلا وقالوا ذو محاسن لا تمرى # فذلك أحرى أن يجلوا وينصتوا ... إليك رشادا كان قولك أو ثبرا # PageV01P079 # وإن لم يرجوا منك خيرا رأيتهم ... جفاء وإعراضا يولونك الظهرا # وينثون عنك المزريات وإن رأوا ... جميلا أعاروه الغشاوة والوقرا # فلا تصغ سمعا للذي ذم منهم ... ولا الذي أبدى الجميل وإن أطرى # فإن بني الدنيا عبيد هواهم ... على مركز الأهواء دورتهم طرا # وإن هواهم حيث ترتقب الغنى ... وليس هواهم حيث ترتقب الفقرا # إذا ما رأوا ذا الوفر لاذوا بذيله ... وإن لم ينالوا من سحائبه قطرا # وإن بصروا بالمملق اهتزءوا به ... ومدوا إليه طرفهم نظرا شزرا # وقالوا بغيض إن نأي ومتى دنا ... يقولوا ثقيل مبرم أدبر الفقيرا # فإن غاب لم يفقد، وإن عل لم يعد ... وإن مات لم يشهد وإن ضاف لم يقرا # وفي الله للمرء اللبيب كفاية ... عن الناس والمحروم من حرم الأجرا # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | ذم المعاصرين ومدح المتقدمين # واعلم أن هذا الطبع مركوز في طينة الآدمي منذ كان غير مخصوص بأهل زمان، ~~وإن كانت بعض الأزمنة يخصها الله بغير ما يكون في غيرها من خير أو شر " ~~لعارض " غير أن الناس لما دهتهم هذه الداهية من تأذي بعضهم ببعض وعدم الظفر ~~بالغرض من الغير جعل كل يستنقص أهل وقته لمشاهدة وعدم الجدوى فيهم ويمدح من ~~مضى، أما من لم يدركه فلتوهمه أنه على خلاف من رأى وأما من أدركه فلانقطاع ~~شره ووقوع الاستراحة منه مع بقاء بعض الجدوى في الوهم ونزوع النفس إلى ~~الإلف المألوف فلا تسمع إلا فسد الزمان وذهب الناس، فمن ذلك قول بشار: ms150 # فسد الزمان وساد فيه المقرف ... وجرى مع الطرف الحمار الموكف # وقول الآخر: # ألا ذهب التكرم والوفاء ... وباد رجاله وبقى الغثاء # وأسلمني الزمان إلى أناس ... كأمثال الذئاب لهم عواء # صديق كلما استغنيت عنهم ... وأعداء إذا نزل البلاء # أقول ولا ألام على مقالي ... على الإخوان كلهم العفاء # وقول الآخر: # ذهب الذين إذا رأوني مقبلا ... هشوا وقالوا مرحبا بالمقبل # وبقيت في خلف كأن حديثهم ... ولغ الكلاب تهارشت في منهل # وقول الآخر: # ذهب الذين أحبهم ... وبقيت فيمن لا أحبه # إذ لا يزال كريم قو ... م فيهم كلب يسبه # وقال منصور الفقيه: # يا زمانا ألبس الأح ... رار ذلا ومهانه # لست عندي بزمان ... إنما أنت زمانه # وقول الآخر: # مضى دهر السماح فلا سماح ... ولا يرجى لدى أحد فلاح # رأيت الناس قد مسخوا كلابا ... فليس لديهم إلا النباح # وأضحى الظرف عندهم قبيحا ... ولا والله إنهم القباح # سلام أهل ابليد عليكم ... فإن البين أوشكه الرواح # نروح فنستريح اليوم منكم ... ومن أمثالكم قد يستراح # إذا ما الحر هان بأرض قوم ... فليس عليه في هرب جناح # وقول الآخر: # مضى الجود والإحسان واجتث أهله ... وأحمد نيران الندى والمكارم # وصرت إلى ضرب من الناس آخر ... يرون العلى والمجد جمع الدراهم # كأنهم كانوا جميعا تعاقدوا ... على اللؤم والإمساك في صلب آدم # " وللإمام الشافعي - رضي الله عنه -: # صديق ليس ينفع يوم باس ... قريب من عدو في القياس # وما يبقى الصديق بكل عصر ... ولا الإخوان إلا للتآسي # عمرت الدنيا متلمسا بجهدي ... أخا ثقة فأكداني التماسي # تنكرت البلاد علي حتى ... كأن أناسها ليسوا بناس # وقال غيره: # هذا زمان تجاهل وتسامح ... وتغافل عن أهله فسد الورى # فإذا سمعت فكن كأنك ما سمع ... ت وإن رأيت فكن كأنك ما ترى # واجهد بنفسك في التخلص منهم ... فعساك تنجو إن نجوت وما أرى # أو لا فكن في قعر بيتك لا ترى ... إن كنت ترغب في النجاة وبالحرى # وقال أيضا: # عم الفساد جميع الناس ويحهم ... يا ليت شعري ماذا بعد ينتظر # إن وعدوا أخلفوا أو حدثوا كذبوا ... أو عهدوا غدروا أو ms151 خاصموا فجروا # أو ائتمنتهم خانوا فكن رجلا ... منهم على حذر قد ينفع الحذر # وقال غيره: # PageV01P080 # ما في زمانك هذا من تصاحبه ... ولا صديق إذ حان الزمان وفى # فعش فريدا ولا تركن إلى أحد ... فقد نصحتك نصحا بالغا وكفى # وقال الأرجاني: # تطلعت في يومي رخاء وشدة ... وناديت في الأحياء هل من مساعد # فلم أر فيما ساءني غير شامت ... ولم أر فيما سرني غير حاسد # وقال غيره: # خبرت بني الأيام طرا فلم أجد ... صديقا صدوقا مسعدا في النوائب # وأصفيتهم مني الوداد فقابلوا ... صفاء ودادي بالقذى والشوائب # وما اخترت منهم صاحبا وارتضيته ... وأحمدته في فعله والعواقب # وقال آخر: # نحن والله في زمان غشوم ... لو رأيناه في المنام فزعنا # أصبح الناس فيه من سوء حال ... حق من مات منهم أن يهنا " # وقول الآخر: # أنعى إليك خلال الخير قاطبة ... لم يبق منهن إلا دارس العلم # أنعى إليك مواساة الصديق وما ... قد كان يرعى من الأخلاق والذمم # أين الوفاء الذي قد كان يعرفه ... قوم لقوم وأين الحفظ للحرم # أين الجميل الذي قد كان يلبسه ... أهل الوفاء وأهل الفضل والكرم # أيسر وأنت صديق الناس كلهم ... ثم ابل سرهم في حالة العدم # فإن وجدت صديقا عند نائبة ... فلست من طرقات الحزم في أمم # لما أناخ علي الدهر كلكله ... وخانني كل ذي ود وذي رحم # ناديت ما فعل الأحرار كلهم ... أهل الندى والهدى والبعد في الهمم # قالوا حدا بهم ريب الزمان فسل ... أجداثهم عنهم تخبرك عن رمم # وقول لبيد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب # وتمثلت به أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - ثم قالت: وكيف لو أدرك ~~لبيد زماننا؟ فقال عروة: كيف لو أدركت عائشة زماننا؟ ولما بلغ ابن عباس قول ~~عائشة هذا قال: رحم الله لبيدا ورحم الله عائشة، لقد أصيب باليمن سهم في ~~خزائن عاد كأطول ما يكون من رماحكم هذه مفوق مريش مكتوب عليه: " هذا ": # ألا هل إلى أبيات منقطع اللوى ... لوى الرمل من قبل الممات معاد # بلاد بها كنا وكنا ms152 من أهلها ... إذ الناس ناس والبلاد بلاد # أي فهذا العادي " في زمانه " يستنقص زمانه ويشير إلى أن الناس الأفاضل قد ~~مضوا وأن الأرض تغيرت فكيف حال زمان لبيد ومن بعده كزمان عائشة. # وقد تحصل من هذا ما قررنا في صدر الكلام " من " أن الدنيا لم تزل هكذا، ~~والناس هم الناس مند خلقوا. " ولقد أحسن القائل: # قل لمن لا يرى المعاصر شيئا ... ويرى للأوائل التقديما # إن هذا القديم كان جديدا ... وسيبقى هذا الجديد قديما " # فالأكمل للإنسان التسليم بل الرضى بوقته فإنه بذلك يفوز بالأدب مع الله ~~تعالى الحكيم العليم الذي هو رب الأولين والآخرين ويفوز بشكره وحمده وبراحة ~~قلبه والسلامة من التشوف والتطلع وسلامة الصدر لأهل زمانه والقيام بحقوقهم ~~واعتقاد الخير في أهله والانتفاع بهم ورؤية المحاسن الوقتية والتغافل عن ~~المساوي وغير ذلك. # ولقد منح الله تعالى الصحابة الزمان الفاضل، فكانوا يذكرون ما مضى لهم في ~~الأزمنة السالفة من صنوف الشر من عبادة الأوثان وارتكاب القبائح والجهد ~~الجهيد فيحمدون الله تعالى ويشكرونه، وهكذا ينبغي للمؤمن أن ينظر إلى ما ~~منحه الله تعالى من الخير في زمانه دينا ودنيا وإلى ما أنجاه الله تعالى " ~~منه " من الشرور الحالية والماضية فيحمد الله على ذلك. # وقد جرت على لساني في هذا المعنى أبيات فقلت " مناقضا لما تقدم من ~~الأشعار ": # نحمد الله وقتنا وقت خير ... بذ ما قبله من الأوقات # غير وقت النبي صلى عليه ال ... له والصحب والتلاة الهداة # ديننا سالم من البدع العم ... ي وعشنا بطيب الأقوات # لم تكن كالشراة نغشى المعاصي ... لتفوز بالخلد في الغرفات # ضيعوا الدين بالمروق ودنيا ... هم بوقع الظبات في السبدات # لا ولا كالجبري والقدري النج ... س ولا سائر الجفاة الغواة # والذي قد نلقى من المر في الدن ... يا عسى أن نرقى به درجات # وبنو الدهر هم بنو الدهر قدما ... هم نبات ينمو بإثر # PageV01P081 # والطباع الطباع لست ترى في ... ها نبوا ولا اختلاف # ومن اختصه الإله بخير ... فهو فيه من دارج أو آت # نعم لا بأس بذكر الماضي من ms153 صلحاء الإخوان، والحنين إلى الأوطان، وإن ذلك ~~يعد من حسن العهد، وفي الحديث أنه صلى الله عليه وسلم دخلت عليه امرأة ~~فأكرمها وقال: " إنها كانت تأتينا أيام خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان ". # وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة، ~~وذلك من كثرة ما كان يذكرها صلى الله عليه وسلم. # وقيل لبعض الحكماء: بم تعرف وفاء الرجل وذمام عهده دون تجربة واختبار؟ ~~فقال بحنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وتلهفه على ما مضى من زمانه. # وعن الأصمعي قال: إذا أردت أن تعرف وفاء الرجل وذمام عهده فانظر إلى ~~حنينه إلى أوطانه، وتشوقه إلى إخوانه، وبكائه على ما مضى من زمانه وكان ~~سيدنا بلال - رضي الله عنه - ينشد: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بواد وحولي إذخر وجليل # وهل أردن يوما مياه مجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل # وقد تقدم شيء من هذا قبل. # وقال أبو العباس بن العريف - رضي الله عنه -: # ما زلت مذ سكنوا قلبي أصون لهم ... لحظي وسمعي ونطقي إذ هم أنسي # حلوا الفؤاد فما أندى ولو قطنوا ... صخرا لجاد بماء منه منبجس # وفي الحشا نزلوا والوهم يجرحهم ... فكيف قروا على أذكى من القبس # لأنهضن إلى حشري بحبهم ... لا بارك الله فيمن خانهم فنسي # " وقال غيره: # جسمي معي غير أن الروح عندكم ... فالجسم في غربة والروح في وطن # فليعجب الناس مني أن لي بدنا ... لا روح فيه ولي روح بلا بدن # وقال آخر: # راحوا فباتت راحتي من راحتي ... صفر وأضحى حبهم لي راحا # فتحوا على قلبي الهموم وأغلقوا ... باب السرور وضيعوا المفتاحا # وقال غيره: # يا راحلا وجميل الصبر يتبعه ... هل من سبيل إلى لقياك يتفق # ما أنصفتك جفوني وهي دامية ... ولا وفى لك قلبي وهو يحترق # وقال غيره: # ليكفكم ما فيكم من جوى ألقى ... فمهلا بنا مهلا ورفقا بنا رفقا # وحرمة ودي لا سئمت هواكم ... ولا رمت لي منه فكاكا ولا عتقا # سأزجر قلبا رام في الحب سلوة ... وأهجره إن لم ms154 يمت فيكم عشقا # وقال غيره: # ما ناح في أعلى الغصون الهزار ... إلا تشوقت لتلك الديار # ولا سرى من نحوكم بارق ... إلا وأجريت الدموع الغزار # وا أسفي أين زمان الحمى؟ ... وأين هاتيك الليالي القصار؟ # واحر قلبي فمتى نلتقي ... وتنطفي من داخل القلب نار # وأنظر الأحباب قد واصلوا ... ويأخذ الوصل من الهجر ثار # أقول للنفس ابشري باللقا ... قد واصل الحب وقر القرار " # وذكر في التشوف عن أبي شعيب السارية - رضي الله عنه - قال: كان إذا وقف ~~على قبر شيخه أبي علي المسطاسي يقول: أي رجل دفن هاهنا! ما رأيت مثله ~~وأنشد: # أسفا لأيام وإخوان مضوا ... ومنازل فارقتها مغلوبا # قلبت قلبي جمرة من بعدهم ... ولبست عيشي بعدهم مقلوبا # طالبت بعدهم الزمان بمثلهم ... فأجابني هيهات لا مطلوبا # وحكي أيضا عن أبي عمران الهسكوري الأسود أنه كان لا ترقأ له دمعة، فربما ~~سئل عن كثرة بكائه فيقول: إنما أبكي على فقد من أدركته من الإخوان في الله ~~عز وجل. # ويحكى أيضا عن أبي جعفر الأسود صاحب تاغزوت أنه كان يقول: أدركت ببلاد ~~تادلا ثلاثمائة وسبعين رجلا صالحا كلهم يزارون، وأنشد: # فآها من الربع الذي غير البلى ... وواها من القوم الذين تفرقوا # أصون تراب الأرض كانوا حلولها ... وأحذر من مري عليها وأفرق # ولم يبق عندي للهوى غير أنني ... إذا الركب مروا بي على الدار أشهق # PageV01P082 # تنبيه على حكم ما وقع من استنقاص الزمان واستنقاص أهله وسبهما يحسب النظر ~~الشرعي أصلا وفرعا: فأما الزمان ويقال أيضا الدهر فجرت عادة الشعراء وغيرهم ~~قديما وحديثا بالتشكي منه والتبرم به ونسبة الإذاية والجور إليه. وقد يكون ~~فيهم من يعتقد ظاهر ذلك " وهو مشرك، وقد يكون من لا يعتقد ذلك لكونه موحدا ~~" بل إما غفلة وجريا على أسلوب من قبله من التعبير وإما مجازا بطريق ~~المقارنة لما يقع فيه من الأحداث والكوائن، والفاعل هو الله تعالى، فلا ~~معنى حينئذ للتشكي منه ولا لسبه ولا استنقاصه فإن ذلك سوء أدب مع الله ~~تعالى من جهتين: إحداهما أنه هو المتصرف في الكل، ولذا ms155 ورد في الخبر: " لا ~~تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر " أي ما ترونه فالله تعالى هو فاعله. # ثانيهما أنه يجب على المؤمن اعتقاد كل ما برز في كل زمان من التصرفات ~~فذلك هو الصالح في ذلك الوقت الجاري على الحكمة سواء لاءم الطباع أو لا، ~~ومن اعتقد خلاف ذلك فهو جاهل بالله تعالى جاهل بحكمته وقدرته، ولو ولي وال ~~بلدة لم يتصرف فيها إلا بالحكمة والمصلحة إلا ما خرج عن علمه وطوقه، والله ~~تبارك وتعالى حكيم، قاهر فوق عباده، غالب على أمره لا يتعالى عن قدرته ~~مقدور، ولا يعزب عن علمه مثقال ذرة. # ثم الزمان بمعزل عن العيب والنقص، فإنما ذلك في الناس، وما يقع منهم أو ~~يقع لهم فهم أحق بالانتقاص كما قيل: # يقول أناس دهر سوء ليعذروا ... وهم عيبه عندي ولا عيب للدهر # وأما استنقاص أهل الزمان كما مر فلا شك أنه لا يحرم إذ لا يدخل في الغيبة ~~المحرمة حيث لا يكون التعيين. # وقد استشعر محيي الدين ابن العربي في رسالة القدس ذلك حيث وقع في متصوفة ~~زمانه فأجاب بنحو ذلك ونزع بما وقع لعائشة - رضي الله عنها - من ذم أهل ~~زمانها كما مر وغيرها من أهل الدين، ولكن الأولى الإمساك عن ذلك لما قررنا ~~قبل، ولأنه لا يكاد يحصل من ذلك طائل غير إتعاب المرء قلبه ولسانه وتعرضه ~~لمثل ذلك. # ومن ظن ممن يعاني الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظن عجزا # نعم ذكر ما يقع منهم من المناكر بالتنصيص بقصد الاحتراز مع الإنصاف كما ~~فعل أبو العباس زروق في النصح الأنفع، وفي عمدة المريد نافع مفيد غير أنه ~~صعب مفتقر إلى تحقيق في المدارك وتضلع في العلوم وتجربة تامة، فإن الأمور ~~قليل منها ما يكون أمرا حقيقيا يذم من كل وجه أو يمدح، وأكثرها إضافي ~~اعتباري يختلف باختلاف الأشخاص والمقاصد والأزمنة والأمكنة والأحوال فافهم. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | مداراة الناس صدقة # PageV01P083 # مما اتفق لي وينتظم في سلك الملح مع تضمن فائدة أني كنت خرجت ms156 من مدينة ~~فاس - حرسها الله تعالى - أيا مالحصار، وأتينا على جبل بني زروال، ومعي ~~جموع من الناس من طلبة وفقراء وتجار، فوافينا به رجلا من أهل محبتنا، فكان ~~ينصرف لي في أموري وفي أمور من معي من الناس يحسب تفقدهم وإنزالهم منازلهم. ~~وربما نتردد فيريد أن يكشف لي عن رأيه في ذلك فيدنو مني ويناجيني، وكان ~~ساقط الأسنان، لا يكاد يفهم كلامه، وكان مع ذلك كلام أهل تلك البلاد منغلقا ~~عنا لا نكاد نفهمه، ثم يخفت بصوته لئلا يسمعه من حضر، فيتكلم ولا أكاد أسمع ~~من كلامه حرفا واحدا، حتى إذا فرغ من حديثه رفع رأسه إلي وقال: هكذا يكون ~~الكلام مفصحا بها، فكنت في هذا أباسط أصحابي فأقول لهم: إن هذه الجملة ~~الأخيرة من كلامه وقع فيها حكم بطريق القصر، وهو موقوف على أشياء قبله لم ~~يحصل واحد منها، الأول سماع اللفظ فإنه مقدمة الفهم، الثاني معرفة الوضع ~~فإنه شرط، الثالث فهم الألفاظ مفردة، الرابع فهم التركيب، الخامس فهم ~~النسبة تصورا، السادس فهم الحكم مطلقا " أي من غير قصر " السابع فهمه ~~مقصورا، ثم إن الأخير أعني الحصر محتاج إلى دليل لأنه بسبيل المنع، ولم ~~يحصل شيء من ذلك كله، وما توقف على ما لم يحصل فهو غير حاصل، ثم إني مع ذلك ~~أستبشر عند حديثه، وربما أحرك رأسي موهما أني قد حصلته، وأني قد استصوبت ~~رأيه، وذلك أنه لم يمكني في الوقت غير ذلك، فإني إن راجعته ليبين لم يبين ~~إلا بخفية كما فعل أولا، فلا يحصل طائل، وقد علمت أن ليس في عدم تبين ~~مقاصده مهم يفوت، لأن كل ما ينحو إليه من الرأي ويتشوف إليه من المصلحة ~~فعندي بحمد الله ما يكفي فيه، فكنت أساهله وأتركه بحاله رفقا به وجبرا ~~لخاطره وتقللا من الشغب وعندي على هذا النحو مذهب، وأرى كثيرا من الناس ~~ينبون عنه، وللتنبيه عليه مع التلميح السابق سطرت هذه القصة، وذلك أني ~~أتغافل عما لا حاجة إليه، ولا أتتبع ما فيه تكلف ولا تدعو ms157 الضرورة إليه وإن ~~ذلك عندي هو أسلم وأبعد عما يخشى من ارتكاب الفضول أحيانا، وتجاوز الحد ~~أحيانا، وإحراج الصدر أحيانا واستثارة الشر أحيانا وأقرب إلى مكارم ~~الأخلاق، وأدخل في المداراة المطلوبة، وأبعد عن الملاحاة المذمومة. # وفي الحديث: " مداراة الناس صدقة " وفي حديث آخر: " رأس العقل بعد ~~الإيمان بالله التودد إلى الناس " وفي خبر آخر: " التودد إلى الناس نصف ~~العقل، وحسن التدبير نصف المعيشة، وما عال من اقتصد " وقال الشاعر: # ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب # ومن يتتبع جاهدا كل عثرة ... يجدها ولا يسلم له الدهر صاحب # وقال الآخر: # أغمض عيني عن صديقي تغافلا ... كأني لما يأتي من الأمر جاهل # وما بي جهل غير أن خليقتي ... تطيق احتمال الكره فيما تحاول # ونحوه قول الآخر: # أغمض للصديق عن المساوي ... مخافة أن أعيش بلا صديق # وقال غيره: # إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لا تلقى الذي لا تعاتبه # فعش واحدا أو صل أخاك فإنه ... مقارف ذنب مرة ومجتنبه # إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه؟ # ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها؟ ... كفى المرء نبلا أن تعد معايبه # وقال غيره: # إذا ما الصديق أسا مرة ... وقد كان فيما مضى مجلا # ذكرت المقدم من فعله ... فلم ينسني الآخر الأولا # وقال غيره: # وأغفر عوراء الكريم ادخاره ... وأعرض عن شتم اللئيم تكرما # وقال غيره: # احرص على حفظ القلوب من الأذى ... فرجوعها بعد التنافر يعسر # إن القلوب إذا تنافرت ودها ... مثل الزجاجة كسرها لا يجبر " # وعن أم المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - خلال المكارم عشر تكون في الرجل ~~ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في سيده، يقسمها الله لمن أحب: ~~صدق الحديث، ومداراة الناس، وصلة الرحم، وحفظ الأمانة، والتذمم للجار، ~~وإعطاء السائل، والمكافأة بالصنائع، وقرى الضيف، والوفاء بالعهد، ورأسهن ~~كلهن الحياء. # وقال الشاعر: # PageV01P084 # أحب مكارم الأخلاق جهدي ... وأكره أن أعيب وأن أعابا # وأصفح عن سباب الناس حلما ... وشر الناس من يهوى السبابا ms158 # ومن هاب الرجال تهيبوه ... ومن حقر الرجال فلن يهابا # وقال غيره: # ولقد أمر على اللئيم يسبني ... فأجوز ثم أقول: لا يعنيني # وقال غيره: # إن المكارم أخلاق مطهرة ... فالعقل أولها والدين ثانيها # والعلم ثالثها والحلم رابعها ... والجود خامسها والعرف ساديها # والبر سابعها والصبر ثامنها ... والشكر تاسعها واللين عاشيها # والنفس تعلم أني لا أصدقها ... ولست أرشد إلا حين أعصيها # والعين تعلم في عيني محدثها ... من كان من حزبها أو من أعاديها # وقال غيره: # اترك مكاشفة الصديق إذا ... غطى على هفواته ستر " # وفي الحكمة: اللبيب العاقل، هو الفطن المتغافل، وفي قوله تعالى:) عرف ~~بعضه وأعرض بعضه وأعرض عن بعض (مشرب في هذا المعنى، ويقال: ما استقضى كريم ~~قط، وفي الحديث: " لما أسري بي كان أول ما أمرني به ربي أن قال: إياك ~~وعبادة الأوثان، وشرب الخمر، وملاحاة الرجال " وفي حديث آخر: " احذروا جدال ~~كل مفتون، فإنه يلقن حجته إلى انقطاع مدته " وقال الشاعر: # إني محضتك يا كدام نصيحتي ... فاسمع لقول أب عليك شفيق # أما المزاحة والمراء فدعهما ... خلقان لا أرضاهما لصديق # وقال الآخر: # اترك مكاشفة الصديق إذا ... غطى على هفواته ستر # وهذا باب واسع مشهور، وفيما ذكرنا منه كفاية. # لله الأمر من قبل ومن بعد استقراء المؤلف لهجة ريفية من جملة ما اتفق لي ~~في هذه السفرة إلى جبال الزبيب وسفرات أخرى لزيارة الشيخ عبد السلام بن ~~مشيش رضي الله عنه أني سمعت لغة لأهل تلك الجبال: يكسرون آخر الموقوف عليا ~~استقراء فتتبعتها فوجدتها لها ضابط، وقد رأيت غيرهم من أهل الآفاق يسمعون ~~عنهم ذلك فيحكونه على غير وجه وينسبون إليهم ما لا يقولون جهلا منهم ~~بضوابطها، فإنهم لا يكسرون إلا الفتحة بعدها ألف، أما الألف المقصورة ~~كالدنيا، أو الممدودة كالسماء والطلباء والشرفاء، والأصلية كالماء، أو ~~المقلوبة عن هاء التأنيث في مجرى العرف كالبقرة والشجرة والصفحة فإن العوام ~~من غيرهم يقولون في الوقف على هذه: البقرا والشجرا بألف، وهؤلاء يكسرون ~~فيقولون: البقري والشجري وتنقلب الألف ياء، وهذا كله في الوقف فإن وصلوا ~~نطقوا ms159 بالألف كغيرهم، وإن لم يكن الفتح ولا الألف كالشجر والبقر مرادا به ~~الجنس وقفوا بالسكون كغيرهم، وأني لما تأملت ذلك من كلامهم وحققته في أقرب ~~مدة اتضح عندي معنى الاستقراء في نحو هذا بالمشاهدة، وعلمت كيف كان أئمة ~~العربية القدماء يستقرئون النحو واللغة من أفواه العرب ويضبطون لغة كل ~~قبيلة في ذلك، وتبين أن ذلك أمر صحيح بين، وللتنبيه على هذا حكيت هذه ~~القصة، فلا يقل جاهل: ما لنا ولهذه اللغة؟ فلتعرف أو لا تعرف، هذا مع أن ~~معرفة الشيء خير من جهله، فالجاهل بالشيء أعمى فيه وفي ظلمة عنه، والعالم ~~به بصير به وفي نور فيه،) وهل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات ~~والنور (والعلم ذخر يجده صاحبه عاجلا أو آجلا، وحجة ينتصر بها في الخطوب ~~أيضا. # لله الأمر من قبل ومن بعد. ### | مناظرة المؤلف لشيخه ### | المرابط الدلائي # ومما اتفق لي في هذا أني كنت قدمت في أعوام الستين وألف من رحلتي في طلب ~~العلم، وكنت إذ ذاك شابا، فدخلت الزاوية البكرية، فوجدت شيخنا أبا عبد الله ~~محمد بن محمد المرابط - رحمه الله - قد جمع خطبا وعظية وتقدم إلى أهل الوقت ~~في بلده ليكتبوا عليها تقريظا، فكتب كل ما قدر له من نثر ونظم، فلما رأيت ~~ذلك كتبت أنا أيضا فوقع في مكتوبي لفظة القطائف " اللطائف " فاعترض علي ~~ورام تبكيتي وقال: إنا لا نعرف القطائف إلا هذه المفروشات، فقلت له إن ~~القطائف هنا جمع قطيفة بمعنى مقطوفة، فقال: هو صحيح في اللغة ولكن الأدباء ~~لهم الاختيار وعندهم ألفاظ يستعملونها مخصوصة، فلا يرتكب عنده كل ما يقع في ~~اللغة، فقلت له حينئذ: هذا أبو محمد الحريري يقول في " مقاماته ": # PageV01P085 # فلا تعذلوني بعدما قد شرحته ... على أن منعتم في اقتطاف القطائف # على أن ما زودتم من فكاهة ... ألذ من الحلوى لدى كل عارف # فتلون وجهه - رحمه الله - وخجل ولم يراجعني بكلمة، فلولا معرفة المقامات ~~واستحضار هذا البيت لأخجلني عوض ما كنت أخجلته، والشيء يذكر بالشيء. # لله الأمر من قبل ومن ms160 بعد ### | تنقل المؤلف في طلب العلم بالجنوب # كنت أيام طلب العلم في بلاد القبلة " حتى " أخذت بطرف من العربية، فحدث ~~لي انتقال على ناحية مراكش، وذلك في دولة السلطان محمد الشيخ، فأخذت في ~~فنون أخرى كالأصول والمنطق والكلام، وتركت العربية، ثم إني دخلت السوس ~~الأقصى واتصلت بشيخنا أبي فارس عبد العزيز أحمد الرسموكي رحمه الله، فوجدت ~~أهل تلك البلاد يشتغلون بتصريف الأفعال ويستحضرون معها النصوص من الخلاصة ~~ونحوها، فحضرت معهم فإذا أبيات الخلاصة تشذ عن فكري لطول العهد بها، فلما ~~رأيت ذلك أحببت أن أحدث عهدا بها فقلت للطلبة: من أحب أن يسمع الخلاصة ~~فليأتني، فشرعنا فيها، وكنا نجلس إليها بعد العشاء الآخرة بساعة " أو أكثر ~~" فنقطع الليل كله في المجلس، وأنقل كل ما في شرح المرادي بأكمل التقرير ~~والتحرير، وختمناه في نحو شهر وعشر ليال، وفي الليلة التي ختمناها نمت ~~فرأيت فيما يرى النائم العذرة تخرج من جوفي على فمي كحالة القيء متصلة حتى ~~انفصلت عني فلما انتبهت وقع في فكري أن ذلك هو الجهل بذلك الكتاب أو ذلك ~~العلم خرج عني، فسرني ذلك، وفهمت من تصوير ذلك بصورة النجاسة أن الجهل قبيح ~~وأن العلم كله حسن محتاج " إليه "، فإنه إما مقصود لذاته فيما تعبد به ~~العبد، وإما معين على ذلك نوع إعانة، فمتى صلحت النية كان الجميع قربة ~~وعبادة، ولقد حدثونا عن بعض الفقهاء ممن كان يواصل أشياخنا رحم الله الجميع ~~وكان يدرس للطلبة الكتب المتداولة في الفقه والنحو والكلام وغير ذك من ~~الفنون أنه توفي وأنه ريء بعد موته وسئل عما فعل الله به فأخبر أنه أثيب ~~على كل كتاب من تلك الكتب بحمد الله، وذلك لصلاح نيته. # وقد كنت دخلت يوما على أستاذنا الإمام أبي عبد الله بن ناصر - رضي الله ~~عنه - وكان يوم جمعة فوجدته في روضة الأشياخ، وإذا هو يقرىء لأولاده " ~~ديوان الشعراء الستة " ويطرر على النسخة ما يحتاج من شرح الغريب ونحو ذلك، ~~فقلت في نفسي: هذا يوم الجمعة يعتني فيه بالإقبال على ms161 العباد لشفوف فضله، ~~وهذه الروضة موضع ذكر واعتبار، والشيخ - رضي الله عنه - أعرف، عنده النهاية ~~في كل ذلك، فعلمت أن ذلك إنما كان لصلاح النية وصحة الإخلاص وذهاب الهوى، ~~فكان كل ذلك عبادة أيا كان وفي أي موضع كان، ولهذا يقول أئمة الدين: إن ~~علامة من يأخذ في العلم لله تعالى أن " لو " قيل له غدا تموت لم يطرح ~~الكتاب من يده أي لكونه دخله بوجه صحيح، ولو كان أخذه فيه بالهوى لفر عند ~~الإحساس بالموت عنه إلى الصحيح، وهكذا في جميع التصرفات. # ولهذا كان بعض مشايخ الصوفية من ناحية العراق أخذ يبذر أرضا فمر به بعض ~~الأولياء طائرا في الهواء، وذلك في عشية ليلة عرفة فقال له الأول: إلى أين ~~تريد؟ فقال: إلى الحج، فهل لك فيه؟ فقال: إني نويت أن أحرث هذه الأرض، ~~وامتنع من الذهاب إلى الحج، وذلك لأنه دخل في هذا العمل بنية صحيحة فلم يكن ~~ليتركه، وفي الحديث الصحيح: " إنما الأعمال بالنيات ". وقال تعالى:) ولا ~~تبطلوا أعمالكم (وفي الحديث الآخر: " يغزو جيش الكعبة وفيهم أسواقهم ثم يخف ~~بهم ويبعثون يوم القيامة على نياتهم ". # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | تأخير الصلاة # حدثني الأخ الفاضل أبو الحسن علي بن أحمد الرماني قال: كان سيدي محمد ~~الشرقي التادلاوي يوما مع جماعة من إخوانه فحان وقت الصلاة فجاء المؤذن ~~يؤذنه بالصلاة فتغافل عنه، ثم رجع إليه ثانيا وثالثا، فلما ضاق الأمر ~~بالمؤذن شرع في إقامة الصلاة من غير إذن، فقال له الشيخ: ما أعجلك؟ إن ~~الصلاة تقضى أو تدرك، ومجلس الأخوان لا يقضى. # PageV01P086 # قلت: وهذا يذهب به العوام ويرتكبون ظاهره، وتأخير الصلاة عن وقتها لا ~~يجوز لشيء من الأشغال أو الفضائل إلا العجز، وما لا يجوز لا يفعله الولي ~~اللهم إلا مغلوبا بوارد، ولا يقتدي به في تلك الحالة مع أن الموفق محفوظ، ~~أما التأخير عن أول الوقت مثلا فقد يكون لأمر مهم أو فضيلة تربو، ومحل ~~العذر أو الترخص في السفر أو نحوه معلوم. # وحدثونا عن سيدي ms162 عبد الله بن " عمرو " المضغري أنه أرتحل إلى مليانة لقصد ~~ملاقاة الشيخ أبي العباس سيدي أحمد بن يوسف الراشدي والأخذ عنه، فوافى ~~البلد وقت صلاة العصر، وقد كان صلى، فلما انتهى إلى زاوية الشيخ سأل عنه ~~فقيل له: إنه لم يصل العصر " بعد " فأنكر ذلك وقال: إن هذا الرجل لم يحافظ ~~على أول الوقت، وانصرف عنه، وذهب إلى سيدي عبد العزيز القسمطيني فأخذ عنه - ~~نفع الله بالجميع -. # وقد صار ذلك التأخير الذي وقع للشيخ سببا لانصراف الآخر عنه حيث لم يسبق ~~القدر بأن يكون من أصحابه وإلا فللناس أعذار. # ومن الملح في تأخير الصلاة أن الفقيه أبا عبد الله محمد بن سودة قاضي ~~مدينة فاس - رحمه الله - كان يؤم بجامع القرويين وكان يؤخر صلاة الصبح ~~تأخيرا مفرطا، فحدثني بعض الأصحاب قال: لقيت صبيا من أهل فاس " إذ ذاك " ~~فسألته عن صلاة الصبح في القرويين هل أدركها؟ فقال لي: والله لا تمشي إليها ~~إلا بالمظلة، يعني التي تجعل على الرأس اتقاء الشمس، وهذا إفراط في ~~المبالغة. # ومما اتفق في هذا الإنكار ولكن في العكس، وهو التقديم ومزاحمة الوقت، ~~حدثونا عن الفقيه الصالح أبي عبد الله سيدي محمد بن سعيد الميرغتي أنه ورد ~~على شيخنا وأستاذنا ومفيدنا الإمام أبي عبد الله سيدي محمد بن ناصر الدرعي ~~- رحم الله الجميع ونفعنا بهم - فكان المؤذن إذا أذن " المغرب " ينكر عليه ~~ويقول له استعجلت: فلما أكثر في ذلك وانتهى الأمر إلى الشيخ خرج إليه فسار ~~معه إلى صومعة الجامع الكبير وذلك في عشي النهار، فجلسا بأعلى الصومعة ~~يتحدثان والمؤذن الذي كان ينكر عليه في مسجد الخلوة بعيدا عنهما بنحو مد ~~البصر، وبقيا في حديثهما حتى غربت الشمس وأقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار ~~من هاهنا فقال الشيخ للفقيه المذكور: أقد تبين الوقت؟ قال نعم، وبفور كلامه ~~قال مؤذن الخلوة: الله أكبر، وجعل يؤذن فعجب الفقيه من هذا الاتفاق الغريب، ~~وعلم أن الأذان كل يوم كان على الصحة، فلم يعد إلى الإنكار. # لله الأمر من قبل ms163 ومن بعد ### | أبو بكر الدلائي يكرم العكاكزة مداراة لهم # حدثني الأستاذ المقرئ الفاضل أبو عبد الله الشرقي بن أبي بكر عن والده ~~سيدي أي بكر أنه كان ذات مرة هربت العكاكزة أولاد عبد الحق بن المنزول من ~~بلادهم فنزلوا بساحته وهم جياع، ووجدوا زرع زاويته محصودا مجموعا فقال لهم: ~~ادرسوا وكلوا، فقام إليه ولده الكبير أبو عبد الله محمد ابن أبي بكر فأنكر ~~ذلك وقال: إن هؤلاء فساق أو كفار، ثم هم ظلام محاربون فكيف تعينهم وتبيح ~~لهم زرع المساكين؟ فقال أبوه: إني أريد أن أتخذ عندهم يدا فإذا استلبوا ~~مسكينا يوما " ما " وجاء إلي يشتكي كتبت إليهم كتابا فلا بد أن يراعوا هذا ~~الخبر فيردون عليه متاعه فأنا إنما فعلت هذا لحق المساكين. # قلت ولعل هذا هو نظر ولده المذكور في المسعود بن عبد الحق، فإنه كان ~~يدنيه حتى إنه كثيرا ما يكون أول داخل عليه وآخر خارج حتى إن الفقيه النحوي ~~الحافظ أبا عبد الله محمد بن أبي بكر الإسحاقي الجراني وكان ابن أبي بكر ~~يجفوه كان يقول: # وإنما دنياك بالسعود ... وإن شككت انظر إلى مسعود # وحدثونا عن مسعود هذا أنه " كان " يحضر مع الناس مجلس البخاري فاحتالوا ~~عليه يوما حتى أوقعوا نقطة مداد على رجله، فلما رجع من الغد لحظوها فإذا هي ~~بحالها فعلموا أنه لم يكن يصلي، أو يصلي بغير طهارة، وهذا الذي فعله ~~المرابط المذكور داخل في باب الرفق والمداراة. # PageV01P087 # ونحو منه ما حكى المواق في سنن المهتدين عن شيخه ابن سراج عن الشيخ ~~الزيات ببلش وكانت بيد بعض الرؤساء من الملوك النصريين وكان هذا الرئيس ~~يأتي حلقة الشيخ المذكور فيتزحزح له الشيخ ويرحب به فكان بعض الطلبة يجد في ~~نفسه من ذلك فبينا ذلك الطالب يجيء من قريته بشقص حرير في يده أخذه له شرط ~~فجاء إلى الشيخ وشكا له، فأمر الشيخ مؤذنا أتى الرئيس، فما كان أسرع " أن " ~~أتى الرئيس على الرئيس على عادته، وتزحزح له الشيخ وجلس، ثم بعد الفراغ من ~~المجلس ms164 وأراد القيام قال الشيخ: أنت أرسلت في هذا؟ وأخرج الحرير فقال: نعم، ~~هو لهذا الطالب " فقال الرئيس للطالب: خذ يا حبيبي متاعك وانصرف فقام الشيخ ~~" وقال لذلك الطالب: يا زبلح لمثل هذا " هو " ذلك التزحزح. # وحدث عن إمامنا مالك رضي الله عنه " أنه " قيل له: تترك الجماعة والجمعة ~~وإذا دعاك السلطان أسرعت إليه فقال: لو لم أفعل هذا لم تر بهذه البلدة سنة ~~قائمة. # ومن هذا القبيل ما كان فعل الإمام العلامة القاضي إسماعيل بن حماد، فقد ~~روي أنه دخل عليه عبدون صاعد الوزير، وكان نصرانيا، فقام له ورحب به ورأى ~~ممن حضر من العدول وغيرهم إنكارا لذلك فلما خرج قال لهم: قد رأيت إنكاركم، ~~وقد قال الله تعالى:) لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم ~~يخرجوكم من دياركم أن تبروهم (. وهذا الرجل يقضي حوائج المسلمين، وهو سفير ~~بيننا وبين المعتضد، وهذا من البر، فسكت الجماعة، وهذا كله داخل في أبواب ~~سد الذرائع وفتحها. # PageV01P088 # واعلم أن الذريعة هي المدخل إلى الشيء، فإن كان الشيء خيرا فحقها أن ~~تفتح، وإن كان شرا فحقها أن تسد، وتقرير هذا المعنى أن المراد السبب المفضي ~~إلى السبب إفضاء عاديا أو إفضاء عاديا كليا أو أكثريا أو حاليا بحيث إن من ~~سعى في استحصال الأول هو ساع في استحصال الثاني بالتبع، ثم الإفضاء إما أن ~~يكون ذهنيا فقط، كما في الفرضيات، أو خارجيا فقط، كما في الاتفاقيات، أو ~~ذهنيا خارجيا، وهو الأكثر، ومتى اعتبر مجرد الربط ولو جزئيا فالذهني أعم ~~مطلقا، ثم الطرفان قد يكونان جائزين نحو: لو جاءني زيد أكرمته، وقد يكونان ~~واجبين نحو: لو كان الله تعالى عالما كان حيا أي لكنه عالم فهو حي، وقد ~~يكونان مستحيلين عقلا نحو: لو وجد شريك لله تعالى لمانعه على الفعل، وهذان ~~المثالان معا من قسم ما هو ذهني فقط، لأنه لا تصح السببية الخارجية في شيء ~~من الواجب ولا المستحيل، وقد يكونان مستحيلين عادة نحو: لو وجدت في الأرض ~~جبال من ذهب ms165 لاستغنى الناس كلهم في الدنيا، ولو طار زيد إلى السماء لرأى ~~معمور الأرض كله في مرة، ثم الجائزان عقلا قد يكونان مطلوبين معا شرعا، إما ~~وجوبا أو ندبا، كفعل الطواف وفعل السعي بعده، وتلاوة القرآن وسجود التلاوة ~~معه، ونحو ذلك، ولا إشكال فيه، وقد يكون الثاني هو المطلوب بالذات، فيستتبع ~~الأول كقتل النفس قصاصا، فيستتبع ما تزهق به الروح من حز الرقبة ونحوه، ~~وذبح الضحية فيستتبع ما تحصل به الذكاة شرعا من قطع الحلقوم والأوداج، ~~ويعرف هذا القسم في أصول الفقه بالمقدمة، وعندهم فيه اختلاف مشهور، هنالك، ~~وقد ينعكس " الأمر " فيكون المطلوب شرعا هو الأول فقط كصلة الرحم المفضية ~~بإذن الله إلى سعة الرزق والبركة في العمر على ما ورد به الوعد الصادق، ~~وكالإسلام المفضي إلى سلامة الدماء والأموال، وكالإخلاص فيه المفضي إلى نور ~~الوجه وانبساط الروح، وهذا القسم داخل فيه العبادات كلها بحسب ما تفضي إليه ~~من الثواب عليها، غير أن ما كان من هذه الثمار دنيويا كالذي صدرنا به فيجب ~~ألا يقصد عند عمل العبادة، وإلا فات الإخلاص، وما كان أخرويا فلا بأس أن ~~يقصد في مقام الإسلام، وقد يكونان منهيين معا كتزوج الخامسة ووطئها وشراء ~~الخمر وشربها، فيتركان معا، وقد يكون الأولى مباحا بذاته شرعيا، والثاني ~~حراما، فيحرم الأول تبعا إذا اعتبر الإفضاء كبيع السيف من قاطع الطريق مع ~~العلم به وكبناء الدار لتكون ماخورا أو معصرة خمر، وغير ذلك مما يكثر، وهو ~~داخل في سد الذرائع المتفق عليه، فإن لم يكن الإفضاء معتبرا، وذلك عند كون ~~الأول مهما في نفسه، والثاني غير مقصود لم يمنع، كغرس الأعناب في الدنيا مع ~~أنه يؤدي إلى عصر الخمر وشربها، وكالخروج في ضروريات العيش ودخول الأسواق ~~مع أنه قد يؤدي إلى رؤية أجنبية أو وقوع في خصام أو قتال أو معاملة ممنوعة، ~~فهذا ونحوه من الذرائع التي لا يراعى سدها عند أحد، وقد يتعين شيء من ذلك ~~جزئيا فيجب أن يعطى حكما جزئيا، وقد يكون الأول حراما ويكون الثاني مباحا ms166 ~~في ذاته فيحرم أيضا إذا اعتبر الإفضاء كما حرم أصله. وذلك كمزاناة الرجل ~~المرأة على أن تسكنه دارها أو تتفق عليه، وكذا العكس إلا ما أباحته ~~الضرورة، ويكفي في هذا القسم ترك الأول امتثالا فيبطل الثاني وقد يكون ~~الأول خلاف الأولى، فإن أفضى فعله إلى مصلحة يضمحل فساده في جنبها أو تركه ~~إلى مفسدة يكون التحرز عنها أهم ارتكب لأجل ذلك لا لذاته، ومن الأول ما ~~صدرنا به هذه الترجمة من فعل القاضي إسماعيل مع النصراني، وكذا فعل المرابط ~~المذكور، وهذا في المعنى " فيه " جلب مصلحة ودرء مفسدة هي الشحناء والبغض ~~وما ينشأ عنه، ففيه فتح الذريعة من وجه، " وسدها من وجه "، ومن الثاني ~~مسألة الشيخ عز الدين حيث ترخص في القيام لأهل المناصب جبرا لقلوبهم، ~~وتوقيا من الشحناء والتدابر والتقاطع المنهي عنه، وفيه الاعتباران أيضا، ~~فالباب الواحد، وقد يكون الأول مطلوبا وجوبا أو ندبا في ذاته، ولكنه يفضي ~~إلى مفسدة ينهى عن ارتكابها فيترك، وذلك كالخروج لطلب الماء للطهارة المفضي ~~إلى تلف النفس بالسباع، أو المال بالسرقة ونحو ذلك مما لا يأتي عليه الحصر، ~~وتوجيهه أن درء المفسدة أهم من جلب المصلحة، أو الحكم الأول أعني الوجوب أو ~~الندب مقيد بالشرط في أصله، فإذا انتفى انتفى # PageV01P089 # والثاني يبحث فيه بأنه أي موجب لهذا التقيد فلا بد أن يرجع الأول إلى ~~الوجه الأول وهو أمر مجمل يتداوله الناس " أبدا " فلا بد من البحث عن وجهه ~~وأنه كيف كان درء المفسدة أهم، وفي تحريره طول، ويكفينا فهمه في المثال ~~المذكور فنقول: لو خرج للماء ليحافظ على الطهارة المائية فافترسه الأسد ~~ضاعت حياته وذهبت الصلاة، والطهارة مائية وترابية فعبادة الله التي يريد أن ~~يجودها أتلفها رأسا فكان الاكتفاء بطرف وهو التراب واتقاء المفسدة أولى من ~~جلب المصلحة المؤدي إلى ضياع الكل وهكذا في سائر الأنواع. # ولعلك تخرج بهذا التقرير عما يهجس في نفوس الجهلة عند سماع تلك الأحكام ~~من توهم أن النفوس والأموال والأعراض ونحوها مقصودة بالأثرة على دين الله ~~تعالة، كلا، ms167 وإنما ذلك " كله " محافظة على دين الله تعالى، فإنه لا بقاء له ~~مع هلاكها، فافهم. # وينخرط في هذا القسم ما منع من سب الكفار كفاحا حذارا من أن يسبوا الله ~~تعالى ودينه، قال تعالى:) ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله ~~عدوا بغير علم (والتقاسيم لا تنحصر فيما قررنا، ولكن فيما ذكرنا تنبيه على ~~ما ورائه. # واعلم أن كل ما تقرر فيها باعتبار الحكم الشرعي محافظة على التقوى يتقرر ~~نحوه باعتبار المحاسن العادية محافظة على المروءة، وذلك ملتحق بالدين أيضا ~~ولا حاجة إلى تتبع التفاصيل، والله الموفق. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | استحلاء الطاعات سموم قاتلة # حدثني بعض الفقراء عن شيخ له من أهل العصر المتصدر لصحبة المريدين أنه ~~بينما هو جالس في محله جاء فقير غريب، وأظنه قال: من " ناحية " السوس ~~الأقصى، فلما قرب منه تكلم لبعض من كان حاضرا بلسانه البربري فقال له: قل ~~لذلك " الرجل يعني " الشيخ المذكور: أما بقيت في الدنيا مصابيح يقتبس الضوء ~~منها؟ فبلغ الرجل لذلك الشيخ فقال الشيخ: قل له: قد بقيت، ولكن من جاء ~~يقتبس أتى بفتيلة مبلولة، فقال الفقير: قل له: ما معنى بللها؟ فقال الشيخ: ~~قل له: لا أقل من أن يطلب أو يترجى الولاية، فقال: فوضع الفقير يده على ~~جبهته ساعة ثم انصرف من هنالك، فلما رأيت الفقير الذي حدثني تبجح بهذا ~~الكلام الصادر من شيخه وجعله من التنبيهات المهمة للسالك، وكنت جاريته ~~كلاما في استحلاء الطاعة فقال: إن تلك الحلاوة علة، وعلمت أنه أيضا قد بنى ~~على ذلك وأنهم سمعوا نحو قول الواسطي رحمه الله: " استحلاء الطاعات سموم ~~قاتلة " فأردت أن أنبه على غلط يخشى في هذا الأمر، فأقول وبالله التوفيق: ~~إن كلا من الكلام الواقع للواسطي والواقع من هذا الشيخ صحيح في نفسه، وهو ~~تحقيق في بابه، وعند أربابه، أما إلقاؤه لعوام المتوجهين فغلط في التربية، ~~إما جهلا وقصورا، وإما تمويها وتظاهرا بالنهايات، أما حديث الولاية فمن ~~وجهين: # PageV01P090 # الأول أن التدريج معتبر عند الناس، ms168 وهو حكمة الله تعالى البالغة الجارية ~~في الناميات الحسيات والمعنويات، ثم ارتكاب أخف الضررين مطلوب شرعا، فلو ~~رأينا مثلا كافرا مضرا بالمسلمين وتعذر قطع ضرره بالسيف فإنا إذا أمكننا أن ~~نستنزله عن الضرر بسبب " من " موعظة أو مال أو حظ ما فعلنا ذلك، ورأيناه ~~إذا نزل عن ذلك أفضل من غيره، وإلى هذا الفضل إشارة حديث: " أسلمت على ما ~~سلف لك من خير " ولو أمكن أن نستدرجه إلى الإسلام ولو بحظ من دفع مال أو ~~إظهار حفاوة مثلا لفعلنا ذلك، وهو التأليف الذي جاءت به الشريعة، ورأيناه ~~إذا أسلم ولو مع شوب الحظ أفضل ممن بقي على الكفر المحض ولا نلزمه في هذه ~~الحالة الإخلاص وحقائق الإيمان لأنا نرجو أن سيعاشر المؤمنين ويعاين محاسن ~~الإسلام فلا يزال يتمكن ويصفو، وهكذا وقع لكثير ممن أسلم أولا رغبة في ~~المعاش واستحلاء للغنائم، أو هربا من الجلاء والسيف. # ثم إن المسلم إذا كان مسرفا على نفسه وأمكننا أن نستجره إلى ترك المعاصي ~~والتنزه عن الفسق فعلى هذا النمط ولو تاب إلى الله تعالى وأقلع عن الشهوات ~~الدنيوية طلبا لما أعد الله تعالى في الدار الآخرة من النعيم الذي لا ~~يوازيه نعيم الدنيا ولا يدانيه، وكان لا يجد من نفسه في الحال نزوعا عن ~~اللذائذ العاجلة إلا بما يمنيها به من اللذائذ التي هي أشرف وأنفس فإنا ~~نساعده على هذه العزمة ولا نذمه بأنه انتقل من حظ إلى حظ، ولا نطالبه ~~بارتفاع الهمة " إلى الحضرة " والتخلي عن الدارين، فإن هذا لم يكن بعد من ~~أهل هذا الشأن، وأن النفس لجوج مصرة على حظوظها الحسية، وإنما تنزل عنها ~~بالطمع فيما هو من جنسها وأشرف منها إلا من خصه الله تعالى. # وقد قال صاحب " القواعد ": " ما جبلت عليه النفوس فلا يصح انتفاؤه عنها، ~~بل ضعفه وقوته فيها، وتحويله عن مقصد لغيره، كالطمع لتعلق القلب بما عند ~~الله تعالى توكلا عليه ورجاء فيه والحرص على الدار الآخرة بدلا من الدنيا ~~... " إلى آخر كلامه فلو ألزمنا هذا عزل ms169 النفس عن الحظوظ وتجريد القلب ~~للحقيقة أوشك تحيص نفسه حيصة وهي لم تزل قوية، فيعود من حيث جاء، ولعلك ~~تفهم بهذا سر امتلاء كتاب الله تعالى بذكر الجنة وما فيها من الحور والقصور ~~والغلمان والأنهار، فإن الدعاء بمثل هذا هو مشرب النفس، وهو حال عامة ~~الخلق، والله تعالى أعلم بمصالح عباده. # ثم إذا ترفع المزيد عن هذه الحالة واشرأب إلى ما وصل إليه العارفون، ~~وانتهض لسلوك هذا المسلك والاشتغال بعمله من العزلة والصمت والجوع والسهر ~~فلو توسمنا فيه التشوف إلى حصول الوصول، أو الولاية، أو المعرفة، أو الفتح، ~~أو القرب، أو نحو ذلك فلا ينبغي أيضا أن نعالجه بالتحقيق ونطالبه بالعبودية ~~والفناء عن الأغيار من أول وهلة، بل نرخي له العنان حتى يتمكن في الرياضة ~~وتنقاد نفسه ويقشعر جلده وقلبه لذكر الله، فعند ذلك تسهل إشالته مع السابقة ~~والتوفيق إما على لسان شيخ ناصح أو أخ صالح أو بعض من ينصره الله به كما ~~وقع للشيخ أبي الحسن رضي الله عنه حيث قال: كنت أنا وصاحب لي في مغارة ~~نتعبد ونقول: غدا يفتح علينا، وهكذا وطال علينا الأمر، فبينما نحن كذلك ~~يوما دخل علينا رجل من باب المغارة فسلم ورددنا عليه ثم قلنا له: من أنت؟ ~~فقال: عبد الملك، فعلمنا أنه من أولياء الله، فقلنا له: كيف أنت؟ قال ~~كالمنكر علينا: كيف أنت؟ كيف أنت؟ كيف حال من يقول: غدا يفتح علي فلا فتح ~~ولا فلاح، ولا دين ولا دنيا، يا نفس لم لا تعبدين الله مخلصة له الدين، قال ~~الشيخ: فعلمنا من أين أتينا ورجعنا على أنفسنا باللوم، وقلت: يا نفس، أي ~~شيء أنت حتى تطلبي ما تطلبين أو كلاما هذا معناه، فقال فجاء الله تعالى ~~بالفتح أو موهبة من الله تعالى بلا واسطة سبب، وما ذلك على الله بعزيز. # وبالجملة فدواعي النفس صعبة الانفصال عن الإنسان، ومع ذلك فهي معينة في ~~بابها " إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر "، ومتى وافق الحق الهوى ~~فزبد وعسل. # PageV01P091 # ثم " إن " التجرد ms170 العام، والصفاء التام، عزيز الوجود، ومن ثم قال الشيخ ~~أبو العباس بن العريف رحمه الله: علق العباد بالأعمال، والمريدون بالأحوال، ~~والعارفون بالهمم، فالأعمال للجزاء، والأحوال للكرامات، والهمم للوصول، ~~والكل عمى وتلبيس، إلى أن قال: وإنما يبدو الحق عند اضمحلال الرسم، وما سوى ~~الله حجاب عنه، فهذا مقام التحقيق، ولكن لمن أهل له وبلغه، وليس للمرء أن ~~يلزم به المريد بأول قدم، ولا أن يطمع بحصوله لكل متوجه، ولا أن يطمع ~~بحصوله لكل متوجه، ولا أن لم يحصل له لم يحصل له فليس من أهل الطريق، " كلا ~~" لينفق ذو سعة من سعته، ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله. # والرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره، وما على العبد إلا ~~تعاطي الأسباب، وعلى الله فتح الباب، وهو موهبة وخصوصية من الحق لا تنال ~~بمقياس، فمن أراد الله تعالى توصيله طوى عنه مسائف نفسه، ومحا عنه وهمه، ~~فإذا هو عند ربه ومن أراد أن يماده في ميدان أوهامه بقي فيها بقاء بني ~~إسرائيل في التيه. # أما ترى إلى قول الشيخ عبد السلام بن مشيش في برد الرضا والتسليم: أخاف ~~أن تشغلني حلاوتهما عن الله تعالى: فنقول: نعم، ثم لو جرد عن تلك الحلاوة ~~لأوشك أن يشتغل بذلك التجريد عن الله تعالى ما دام يلاحظه، فإن كل ما سوى ~~الله حجاب عنه، ثم هكذا في التجريد عن التجرد والفناء عن الفناء إلى ما لا ~~يتناهى حتى يقطع الله تعالى ذلك بموهبته لمن اختصه من عباده. # وأما الوجه الثاني فإن هذا الكلام يوهم قلوب عوام المريدين أن الولاية لا ~~تطلب رأسا، وأن المريد متى طلب من الله تعالى أن يرزقه الولاية أو الفتح أو ~~المعرفة أو القرب أو الوصول أو نحوها، أو تشوف إلى شيء من ذلك فهو معلول ~~السلوك، أو هالك مقطوع، وهذا غلط وجهل، كيف والعبد مأذون له أبدا أن يسأل ~~مولاه ويطلبه في حوائجه من أدناها كشراك النعل فإنه إن لم ييسره لم يتيسر ~~إلى أعلاها كرضاه، فإذا ms171 طلب من مولاه أن يرزقه ما رزق أولياءه في الدنيا ~~والآخرة فأي حرج عليه في ذلك إذا وقف على حدود الأدب؟ وإنما حذر الناس من ~~العلل والصوارف، وذلك أن يكون الباعث له على الانتهاض إلى السلوك والاشتغال ~~بالعبادة إنما هو حصول الولاية مثلا، فإنه حينئذ يفوته الاخلاص في عبادته ~~فيفسد أمره، ويكون ما يرجو من الولاية مثلا شاغلا لفكره وسره عن الله ~~تعالى. # فأما من عرف الحق وأن العبد يعمل تعبدا والمولي يعطي تفضلا لا غير وانتهض ~~على ذلك الوجه يعبد الله تعالى امتثالا لأمره، وأداء لحق ربوبيته على باب ~~مولاه وسيده ورجاء للنيل من مائدته الموضوعة للخيار فلا بأس عليه، ولا مذمة ~~تلحقه، ولا علة تدخل عليه ما دام على هذه الحال. # PageV01P092 # نعم الناس في أمر الطلب والدعاء لا في هذه ولا في غيرها صنفان: " صنف " ~~يسلم ولا يطلب، " وصنف يطلب " وذلك " بسبب " اختلاف المشارب وتباين ~~الشهادات، فمن أشهده الله تعالى كونه عبدا مملوكا مكفولا بعين مولاه وفي ~~حياطته لم يبق له دعاء ولا طلب، بل التوكل والتسليم وانتظار القسمة ~~السابقة، وله في هذا مشارب، فقد يلاحظ حياطة المولى وكفالته فيستغني، وقد ~~يلاحظ انبرام القسمة وأن الدعاء لا يزيد فيها ولا ينقص فيمسك، وقد يلاحظ ~~علم الله تعالى وقدرته وجوده فيستحيي، إذ لا ينبه إلا غافل، ولا يستنهض إلا ~~عاجز ولا يستعطف إلا بخيل، إلى غير هذا من الواردات، وقد يلاحظ إساءته ~~وتقصيره في الخدمة فيستحيي أن يطلب، ومن أشهده الله تعالى " كونه " عبدا ~~فقيرا محتاجا إلى سيده لا يستغني عنه لحظة، وقد أذن له في رفع حوائجه إليه ~~فليس إلا الدعاء والطلب، وله في ذلك أيضا مشارب، فتارة يسترسل مع وصفه من ~~الافتقار واللجأ إلى مولاه، وتارة يرى تعاطي ذلك وإظهاره هو اللائق ~~بالعبودية، وتارة يلاحظ امتثال أمر الله تعالى حيث طلب من عباده أن يدعوه، ~~وذلك كله من غير التفات إلى حاجة تقضى ولا ثمرة غير ما حصل له من التعبد ~~والمناجاة والتذلل بين يدي الملك الجليل، ms172 وناهيك بذلك ثمرة " مع " ما يرجى ~~أن يستتبعه ذلك من رضوان الله تعالى، وهو نهاية السول وغاية المأمول، وهذا ~~كله لمعرفته بأن القسمة قد سبقت لا تزداد ولا تنقص، ومحال أن يكون الدعاء ~~اللاحق، سببا للعطاء السابق، فلم يبق إلا أن الدعاء عبادة وتأدب مع الرب ~~تعالى، والرب يفعل ما يشاء " ويحكم ما يريد "، وقد يلاحظ أن من جملة ما ~~يقضى ترتب بروز العطاء على الدعاء، وأن الاشتغال بالدعاء سبب كسائر الأسباب ~~فينتهض لإقامة الحكمة في تعاطي الأسباب وامتثال أمر الله تعالى في ذلك إذا ~~أقيم " فيه " وهذا الوجه هو الذي يظهر من أحوال من يتحرى أوقات الاستجابة ~~وأسبابها من الصالحين، والأوجه كلها حسنة لا يخرج المتلبس بشيء منها عن ~~الخصوصية، نسأل الله تعالى أن يمنحنا حسن الأدب بمنه. # ثم الداعي أيضا له حالتان، لأنه إما أن يشهد حال نفسه من الإساءة ~~والتقصير والخساسة الذاتية والذلة والمهانة فلا يدعو إلا بما يناسب ذلك من ~~العفو والمغفرة والنجاة من النار والإقالة واللطف ونحو ذلك، وفي هذه الحالة ~~قال القائل: تجرأت البارحة فسألت الجنة، وقال الآخر: سبحان الله متى خرجنا ~~من النار حتى نطلب الجنة، وإما أن يشهد وصف ربه من الكرم والجود والفضل، أو ~~يشهد أنه عبد للمالك العظيم، ويلاحظ نحو قوله صلى الله عليه وسلم: " إذا ~~سألتم الله فاستعظموا المسألة، فإن الله لا يتعاظمه شيء " فيدعو بما يناسب ~~ذلك من الجنة والدرجة العلية، والرضوان والمعرفة، والمحبة والقرب والولاية، ~~ونحو ذلك، ولا شك أن الحلة الأولى هي أنسب بالعبد في هذه الدار وأسلم له، ~~ولكنه بيد الله تعالى يتصرف ويتلون بحسب سابق المشيئة. # وأما الحلاوة فمن جهة ما ذكرنا من التدريج، فإنا نود أن لو وجد المسرف ~~حلاوة للطاعة وتبعها حتى يترك فسقه ويتمرن على العبادة، فعسى أن ينقله الله ~~إلى حالة أخرى أرفع، وقد تكلمنا فيما لسنا من أهله وتعدينا طورنا، فنستغفر ~~الله تعالى. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | تدبر العقل في أسرار الكون # اعلم أن الله جل أسمه ms173 بلطيف حكمته وبديع صنعته خلق العقل وجعل غذاءه ~~العلوم والمعارف، ويسر له الاستعداد من الموجودات قال تعالى:) إن في خلق ~~السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب (وقال تعالى:) ~~وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم (فما من شيء يبرز في الوجود من السماء ~~والأرض وما بينهما إلا ويمكن أن يكون للعقل فيه غذاء بحصول علم أو علوم، ~~ويختلف ذلك باختلاف العقول فطنة وجمودا أولا، وباختلاف مواهب الله تعالى ~~وفتوحه ثانيا، ويجري ذلك في الجواهر والأعراض وما لها من الكميات والكيفيات ~~والهيئات، فمن رزقه الله تعالى فطنة استفاد من الأمور ما يستغربه أهل ~~الجمود. # PageV01P093 # ومن هذا ما وقع للحكماء في البرهان وفي الفلسفة وفي الهندسة وفي أنواع ~~الصنائع والحرف وأصناف الحيل وضروب الغرائب في الأفعال والأقوال، ومن رزقه ~~الله تعالى فهما من لدنه ونورا كان أقوى وأكثر، حتى لا يكاد يطير طائر إلا ~~استفاد من طيرانه، أو يصر باب إلا استفاد من صريره، أو يتكلم متكلم إلا ~~استفاد من كلامه، ما لم يرده المتكلم ولم يخطر له ببال، وهذا مشهور عند أهل ~~الطريق من العارفين والمحبين والمريدين الصادقين رضي الله عنهم. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | تذوق الصوفية معاني الأبيات ### | والإشارات تأويلها حسب المقامات # وقد قال أبو نواس في ممدوحه: # تغطيت عن دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني # فلو تسأل الأيام عني ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني # فكان هذا مشربا عندهم في حق أهل كهف الإيواء من الأصفياء الأخفياء رضي ~~الله عنهم، وهو واضح. # وقال أيضا في الخمريات: # إذا العشرون من شعبان ولت ... فواصل شرب ليلك بالنهار # ولا تشرب بأقداح صغار ... فقد ضاق الزمان على الصغار # فصار عندهم موعظة في الإكثار من العمل الصالح والتشمير للتزود للمعاد، ~~ولا سيما عند إيناس قرب الأجل، وخشية فوات الأمل. وقال أيضا: # دع عنك لومي فإن اللوم إغراء ... وداوني بالتي كانت هي الداء # فصارت مشربا للمحبين أهل الشوق والذوق، رضي الله عنهم. # وفي مناقب الشيخ أبي الحسن الشاذلي رضي ms174 الله عنه، أنه في مسيره إلى ~~المشرق، وكان في محفته، فكان فتيان ذات يوم يمشيان تحته في ظلها ثم جعلا ~~يتحدثان، فقال أحدهما " للآخر ": يا فلان مالي أرى فلانا يسيء إليك وأنت ~~تتحمل منه؟ فقال له: والله ما كان ذلك مني إلا لأنه من بلدي فكنت كما قال ~~القائل: # رأى المجنون في البيداء كلبا ... فجلله من الإحسان ذيلا # فلاموه على ما كان منه ... وقالوا: لم أنلت الكلب نيلا # فقال: دعوا الملام فإن عيني ... رأته مرة في حي ليلى # فسمعه الشيخ فتواجد وجعل يقول: فقال: دعوا الملام ### | ..... # البيت. # ويكرره ثم خلع غفارته ورمى بها إلى الفتى المنشد فقال له: أنت أولى بها ~~يا بني. # وفي " لطائف المنن ": أنشد إنسان بحضرة الشيخ مكين الدين الأسمر - رضي ~~الله عنه - قول القائل: # لو كان لي بالراح يسعدني ... لما انتظرت لشرب الراح إفطارا # الراح شيء شريف أنت شاربه ... فاشرب ولو حملتك الراح أوزارا # فأنكر بعض الحاضرين على المنشد وقال له: لا يجوز إنشاد مثل هذا الشعر ~~فقال الشيخ للمنشد: أنشد فإن هذا - " يعني " المنكر - رجل محجوب. # وفي أبيات عبد الصمد بن المعذل المشهورة حيث يقول: # يا بديع الدل والغنج ... لك سلطان على المهج # إن بيتا أنت ساكنه ... غير محتاج إلى السرج # وجهك المأمول حجتنا ... يوم يأتي الناس بالحجج # مشرب عظيم لهم أيضا. # وقد سمع صوفي هذا البيت من جارية فتواجد وصاح ولم يزل كذلك حتى مات. # " ومن أجل ما يذكر في هذا الباب وأعذبه ما ذكره الشطيبي في " أذكاره " ~~قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل الصفة رضي الله عنهم ومعه ~~ابن عباس فوجدهم يناشدون الشعر فيما بينهم، فلما رأوه أمسكوا إجلالا له صلى ~~الله عليه وسلم، فلما استقر جالسا قال صلى الله عليه وسلم: هل فيكم من ~~ينشدنا شيئا من الشعر؟ قالوا: نعم يا رسول الله صلى الله عليك، ثم أنشأ ~~بعضهم: # في كل صبح وكل إشراق ... تبكي جفوني بدمع مشتاق # قد لسعت حية الهوى كبدي ... فلا طبيب لها ولا راق ms175 # إلا الحبيب الذي شغفت به ... فعنده رؤيتي ودرياقي # فتواجد صلى الله عليه وسلم حتى سقط رداؤه عن جسده فأعطاه أهل الصفة ~~وكانوا أربعين رجلا فقطعه عليهم أربعين قطعة صلى الله عليه وسلم ". # وهذا النوع لا يحصى، وفيه يطيب لهم السماع، ويقع الوجد عند الاستماع، ~~وإنما أردت أن ننبه فيه حيث انجذب الحديث إليه على معنى إيقاظا وإمتاعا. # فاعلم أن فهم المعنى عند سماع لفظ القائل يكون على وجهتين: أحدهما أن ~~يكون لدلالة اللفظ المسموع عليه في الخارج إما حقيقة وإما مجازا، إما لغة ~~وإما عرفا. # PageV01P094 # ثانيهما أن يكون كذلك في وهم السامع ولا حاصل له في الخارج، فتحصل ~~الفائدة بحسب ما طرق وهمه. # أما الوجه الثاني وهو بحسب الخارج في حكم السماع من غير اللفظ كصرير ~~الباب وصوت الطائر، مثاله ما ذكر التاج ابن عطاء الله أن ثلاثة نفر سمعوا " ~~صائحا " يقول: " يا سعتر بري " فسبق إلى فهم واحد منهم أن الصائح يقول " ~~اسع تر بري " " وفهم الآخر أنه يقول: " الساعة ترى بري " وفهم الآخر أنه ~~يقول: " يا سعة بري "، وكان سماع الثلاثة جميعا من الحق تعالى إلا أن كل ~~واحد منهم فهم على حسب حاله. # أما الأول فكان سالكا مبتدئا، فورد عليه الأمر بالسعي والجد مع ما يفيد ~~تنشيطه من الترجية برؤية البر بكسر الباء، وهو الإحسان والتفضل من الله ~~تعالى. # وأما الثاني فكان سالكا تطاول به السير، فورد عليه التنفيس والتبشير ~~برؤية البر الساعة. # وأما الثالث فكان واصلا " قد " شاهد الفضل فورد عليه الخطاب على وفق ~~شهوده بأن بر الله تعالى ما أوسعه! فهذه فهوم اختلفت وفصلت من إلقاء الله ~~تعالى عليها ما فهمت بسبب مجرد مناسبة ما في اللفظ المسموع وأن لم يكن طبقا ~~لها لا إفراد ولا تركيبا ولا حقيقة ولا مجازا، فإن القائل إنما أراد السعتر ~~المعروف البري بفتح الباء، أي غير البستاني، فسبحان اللطيف الخبير. # وأما الوجه الأول فهو الكثير المشهور، وذلك أن يسمع لفظ مشترك أريد به ~~معنى فيفهم معنى آخر من معانيه، ms176 أو حقيقة أريد به معناه فيفهم مجازه، وقد ~~يتعدد الفهم بحسب الاحتمال الواقع في التركيب وفي الضمائر ونحو ذلك. # ولا بد أن نورد من ذلك أمثلة يتضح بها ما قررنا ليكون مأخذا في هذا ~~الباب، ومصباحا يستضيء به ذوو الألباب. # فمن ذلك ما وردت عليه فهوم الناس قبلنا كما مر من الأبيات، فنشير إلى ~~مأخذ الفهم منه، ومن ذلك ما يسنح للخاطر الآن، فأما أبيات أبي نواس فهي ~~كلها واضحة في إشاراتها، وكذلك أبيات الفتى، فإن ليلى عبارة عن المحبوب " ~~عند " السامع إما خالقا وإما مخلوقا واحدا أو جماعة كأهل الله وطائفة ~~المحبين والمنتسبين، أو المصطفى صلى الله عليه وسلم، أو سنته، أو نحو ذلك ~~مما يخطر في البال، وأما أبيات مكين الدين فالراح فيها عند السامع هنا هي ~~الخمرة الربانية القلبية، وهي لطف من الله تعالى ونور يرد على القلب ~~فاستعاروا له اسم الخمر للشبه الواقع في اللذة والانفعال، وهو الصهباء " ~~أيضا " وبعد البيتين: # يا من يلوم على صهباء صافية ... خذ الجنان ودعني أسكن النارا # أي خذ جنان الشهوة وراحة النفس ودعني أسكن نار الشوق، فافهم، والأوزار ~~يفهم منها أعباء المحبة والشوق وما يتحمله أصحاب ذلك. # وقد وقع لي ذكر لهذا المعنى في أبيات من قصيدة طويلة وهي: # فلولا هوى نجد وطيب نسيمها ... وريح خزاماها إذا ساوق الفجرا # وعذب فرات سلسبيل سخت به ... أكف العوادي في حدائقها غمرا # مشمولة صهباء ما قط شابها ... براووقه الحاني ولا حلت القدرا # بها هامت الأرواح من قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنا وإذا نبلغ الحشرا # فكم ولهت فكر ابن عيسى ومالك ... وكم أطربت سهلا وكم شغلت بشرا # إذا ما تحساها الفتى لم يخف بها ... جناحا ولكن يرتجي عندها برا # تحمله الأوزار غير مذمم ... بأعبائها العظمى ولم يحمل الوزرا # وتبرد غلات الحشا وتشبها ... أوارا وتعطي الرشد والسفه الحجرا # وتورثه قبضا وبسطا وفرقة ... وجمعا ونسيانا وتورثه ذكرا # فلولا رجاء الفوز منا بشربة ... تداوي عقابيل الهوى والجوى المغرى # لكانت أكف البين تصدع بالجوى ... زجاجة أحشائي فلا ms177 أملك الجبرا # فكل ما في هذه الأبيات من ذكر الصهباء وكذا نجد وريح الخزامي والعذب ~~والفرات كل ذلك استعارات، وجرى الشعر على أسلوب العرب في الحنين إلى نجد ~~ومنابته، وهو ما ارتفع من بلادهم، وكل أحد نجده ما توجه إليه، وإن لا يرتفع ~~حسا فهو مرتفع معنى فافهم. # وأما أبيات ابن المعذل فالبيت فيها عند السامع هو القلب، والساكن فيه هو ~~الحق تعالى شهودا وحضورا. # PageV01P095 # وفي الحديث القدسي: " لم يسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن ~~". والوجه وجهه، والضمائر تعود اليه، وهاهنا مزلقة تقشعر منها الرؤوس، ~~وتشمئز النفوس. # حكى الإمام الرازي - رحمه الله - في كتاب " الإشارات في التعبير "، قال: ~~أخبرنا أحمد بن عمرو الصوفي بمكة - حرسها الله - قال: أخبرني أبو بكر ~~الطوسي، قال: قال عثمان الأحول تلميذ الخراز - رضي الله عنه -: بات عندي ~~أبو سعيد، فلما مضى بعض الليل صاح بي: يا عثمان، قم أسرج، فقمت وأسرجت، ~~فقال لي: ويحك رأيت الساعة كأني في الآخرة والقيامة قد قامت، فنوديت فوقفت ~~بين يدي الله تعالى وأنا أرتعد، لم يبق علي شعرة إلا وقد قامت، فقل " جل ~~وعلا ": أنت الذي تشير إلي في السماع وإلى سلمى وبثينة، لولا أني أعلم أنك ~~صادق في ذلك لعذبتك عذابا لم أعذب به أحد من العالمين، انتهى. فنعوذ بالله ~~من جسارة، تؤدي إلى خسارة. وقد وقع في هذا الخطر ابن الفارض، وابن سبعين ~~والششتري وأضرابهم، وهو باب ضنك، وللعبد في مطرح النعال، سعة عن جناب ~~الكبير المتعال. # وقد يكون السامع في فهمه أخف حالا من المعبر، فإن الفهم أقرب إلى الغلبة، ~~والتعبير أقرب إلى الاختبار، ومثال ما سنح في فكري مما حضر لي الآن قول ~~امرئ القيس: # " الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرجل # شرحه وقوله ": # أنا موضعين لحتم غيب ... ونسحر بالطعام والشراب # فإن هذه القطعة موعظة عظيمة في ذكر الآخرة والزهد في الدنيا وإن لم يقصد ~~نفس ذلك المعنى، ويزيد العاقل فيقول: هذا رجل دهري " كان " لا يؤمن بيوم ~~الحساب، قد مقت ms178 الدنيا لمجرد ما رأى من الانتقال عنها إلى الفناء، فكيف لا ~~يمقتها من يؤمن بالجنة وأن الدنيا لا تساوي شيئا إذا قيست إليها ولا تزن ~~عند الله جناح بعوضه، وان الاشتغال بها " يعوق " عن الملك العظيم، والنعيم ~~المقيم، ويعرض للحساب الشديد والعذاب الأليم، وقوله: # فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # فإن العابد يفهم منه أنه لو كان يسعى لمعيشة الدنيا الحسيسة الفانية ~~لكفاه أدنى شيء، ولكنه يسعى للملك العظيم، في دار النعيم، وهو المجد حقا، ~~فليس إلا الجد والاجتهاد، ومسامرة النوافل والأوراد، والعارف يفهم منه أنه ~~لو كان يسعى لمجرد التنعم في الجنة لكفاه إقامة الرسم الشرعي، والوقوف عند ~~الحد المرعي، ولكنه يسعى للوصول والنظرة، والحضور والحضرة، فليس إلا زيادة ~~الاعتناء بصفاء الأسرار، والفناء عن الأغيار، وقوله: # تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال # فإن المريد قد يفهم منه " أن " الضمير للحقيقة، وأهلها بيثرب وهم محمد ~~وأصحابه صلى الله عليه وسلم وعلى الصحابة أجمعين. وكون نيل ذلك من أذرعات ~~وهو موضع بالشام " مناسب، لأن الشام " مكان مرتفع باعتبار الغور، وليس يبلغ ~~السالك ذلك إلا بعد بلوغ المنزلة الرفيعة " من الاستقامة والطهارة ومن ~~الهمة " الرفيعة فإن العبد يفتح له على قدر همته وبنظره العالي يقرب الفتح ~~بإذن الله تعالى، بل النظر العالي وهو ما يكون إلى الحق دون شيء دونه هو ~~كلية الأمر وعماده، رزقنا الله منه قسطا وافرا بمنه آمين. # وقول عنترة: # وأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها # إني امرؤ سمح الخليقة ماجد ... لا أتبع النفس اللجوج هواها # فإن هذا في باب العفة والتحلي بمكارم الأخلاق في الجملة صريح، وباعتبار ~~الرياضة والمطلوب من التحلية والتخلية عند السالكين إشارة، وهي كافية في ~~المقصود، لأن مخالفة الهوى هو ملاك الأمر كله، ومثل هذا لا ينحصر في شعر ~~العرب " فقلما يخلو بيت أو أبيات من معنى أو معان فإن الحكمة قد أنزلت ms179 على ~~ألسنة العرب ". # وقد قال الله تعالى في الشعراء:) أنهم يقولون ما لا يفعلون (ومثل ذلك في ~~كلام المولدين، وقد تقدم من شعر أبي نواس، وفال أبو الطيب: # لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل # فإنه يفهم منه سوى مقصود الشاعر أمور: # PageV01P096 # منها أن المنازل من مظاهر الكائنات كلها، والقلوب قلوب أرباب الاعتبار ~~والاستبصار يقول إن لهذه الحوادث في قلوبهم منزلة من الحدوث والافتقار إلى ~~الفاعل المختار يتعرفون بها وجود الله تعالى وما له من الصفات " الجلية " ~~والأسماء العلية فهي مقفرة دائرة فانية، والقلوب عامرة منها بالتوحيد، أو ~~منزلة من التقلب في مظاهر التصريف يتعرفون منها ما لله تعالى من الجلال ~~والجمال والعظمة والكبرياء والقهر والبطش والفضل والرحمة والحلم، وبالجملة ~~فالكائنات مرتع لأرباب الاستدلال وأرباب الكمال و) قد علم كل أناس مشربهم ~~(، أو القلوب قلوب أهل الغفلة وحب الدنيا، فيقول إن لهذه الحوادث منزلة في ~~قلوبهم محبة لها وتعظيما، وقد أقفرت هي فلا تنفع ولا حاصل لها ولا بقاء، ~~وقلوبهم عامرة بها مفتونة بالنظر " إليها " والكدح عليها ويكون الكلام ~~تقبيحا للدنيا ونعيا على محبيها. # ومنها أن المنازل منازل السائرين في السلوك أو المقامات الواصلين، ~~والقلوب قلوب المتوجهين فيقول: إن لهذه المنازل أو المقامات في قلوبهم ~~مكانا من المحبة لها والاغتباط وحب الاقتداء بأهلها فيها، وقد أقفرت هي ~~بذهاب أهلها، بانتقاص الزمان، فإن الإمام الجنيد كان يقول في زمانه الفاضل: ~~إن هذا العلم قد طوي بساطه منذ زمان، وإنما يتكلم الناس في حواشيه، أو ~~كلاما بمعناه، فما بالك بزمان كل من يسمع هذا الشعر إلى يوم القيامة، أو ~~القلوب عامرة بالمحبة والاشتياق من سماع أخبارها ومطالعها في الدفاتر، أو ~~عامرة بالمعارف والأسرار من مطالعتها وسماعها، فإنه عند ذكر الصالحين تتنزل ~~الرحمة في القلوب، أو من الاقتداء بما فيها والنسج على منوالها، وهو ظاهر، ~~وقد يفهم من المنازل مواضعهم التي كانوا يتعبدون فيها من المساجد والرباطات ~~" والخلوات " والبراري التي دفنوا فيها والتقرير على حسب ما قبله، وكنت ~~أشرت ms180 إلى شيء من هذا الغرض في أبيات من قصيدة طويلة، وهي: # يا قمري البان نح حزنا على زمن ... مضى بقوم من الأبرار أمجاد # وسل بنعمان عنهم بعد خيف منى ... وبالمحصب يوم الهيد والهاد # واهتف بلبنان بعد القدس مصطرخا ... وباللكام نداء الهائم الصادي # ولا تدع غائرا من كل أودية ... ولا تدع شامخا من كل أطواد # فتلك أوطان أحبابي وإن نزحوا ... عن مقلي فهم بالقلب شهادي # فإن ظفرت بمن يهديك نحوهم ... فقد ظفرت بكنز غير نفاذ # وإن شممت شذا أخبارهم عبقا ... أبهى من النور في بطحاء مقلاد # فتلك غنية نفس عاقها قدر ... أن تدرك المنية العظمى بتشهاد # وقد اتفقت لبيت أبي الطيب المذكور حكاية لطيفة تذكر في " باب " الأذكياء، ~~وهي أن أبا العلاء المعري كان يعتني بشعر المتنبي، ويستجيده، حتى حكي عنه ~~أنه قال: أنا الذي يعني أبو الطيب بقوله: # أنا الذي ينظر الأعمى إلى أدبي # ثم إنه حضر يوما مجلس الأمير فتكلم الأمير حتى وقع في أبي الطيب وغض منه ~~بعض الغض، فأراد المعري أن ينافح عن أبي الطيب فقال: أيها الأمير يكفيك من ~~أبي الطيب قوله: # لك يا منازل في القلوب منازل ... أقفرت أنت وهن منك أواهل # ففطن الأمير وقال لأصحابه: أتدرون ما يقول الأعمى؟ إنه يشير إلى قوله في ~~أثناء هذه القصيدة: # وإذا أتتك مذمتي من ناقص ... فهي الشهادة لي بأني كامل # خذوا برجله، فجر أبو العلاء حتى خرج، فأنظر إلى لطافة هذه الأذهان، وكيف ~~تلطف هذا بالإشارة، وكيف وقع عليها الآخر؟ ونحوها ما وقع للكسائي، وكان ~~وعده الرشيد صلة ثم غفل عنه، فاتفق أن سايره يوما إلى أن مروا بموضع فقال: ~~يا أمير هذا منزل عاتكة الذي يقول فيه الشاعر: # يا بيت عاتكة التي أتعزل ... حذر العدا وبه الفؤاد موكل # فتعجب الرشيد من مفاتحة الكسائي له بالكلام، ولم يكن ذلك أدبا مع الملوك، ~~ثم نظر فإذا هو يشير إلى قول الشاعر في أثناء القصيدة: # وأراك تفعل ما تقول وبعضهم ... مذق الحديث يقول ما لا يفعل # ففهم ذلك وأمر ms181 له بالصلة. # لله الأمر من قبل ومن بعد. ### | انتقاد أحد القضاة للمؤلف والرد عليه # PageV01P097 # خطر لي الآن كلام فأردت أن أنبه عليه " و " على طرف منه فإن شرحه يطيل ~~وذلك أنا بعد وفاة الأستاذ المحقق السني أبي عبد الله بن ناصر رضي الله عنه ~~لم نزل نسعى في نفع الناس بتعليم ما يحتاجون من دينهم وما يحتاجون من أوراد ~~النوافل والأذكار التي يتزودون بها لمعادهم ويتحببون بها ويتقربون إلى ربهم ~~عاملين في ذلك على وجه المؤاخاة والمعاونة على البر والنصيحة، على وجه ~~المشيخة، وعلى وجه التعليم والإرشاد لا على وجه التربية، ثم أنه جرى من ذلك ~~ما عادته أن يجري من كلام منكر أو متنصح، فأخبرني بعض أصحابي أنه جرى كلام ~~بينه وبين " بعض " القضاة المتصدرين للدرس فتكلم له القاضي في شأني وقال له ~~على وجه النصيحة فيما زعم: ما ألجأ فلانا إلى تلقين الأوراد؟ فهل رأيتم ~~مريدا بشروط الإرادة قط؟ فلما حدثني بذلك قلت له: هلا قلت له: أما أنا لم ~~نر مريدا كذلك " فهو كذلك " وكيف نراه إلا أن يتداركنا الله برحمته؟ وقد ~~كان الشيخ أبو العباس زروق يحكي عن شيخه أبي العباس أحمد ابن عقبة الخضرمي ~~رضي الله عنهما أنه كان يقول " لهم ": لو فتشتم من أقصى مشارق الأرض إلى ~~أقصى مغاربها على مريد صادق في أحواله لم تجدوه فكيف بالعارف الكامل؟ ومع ~~ذلك فانتقاص الزمان وانتقاص أهله لا يوجب انقطاع الدين ولا ارتفاع النصيحة، ~~فإن هذا النقص سار في الدين وفي العقول وفي الأقوات وفي الإمامة الكبرى ~~والصغرى وفي النصيحة وغير ذلك، وهو قضاء جار أخبر به الصادق المصدوق صلى ~~الله عليه وسلم قبل كونه في الأحاديث الكثيرة، وإليه يشير القائل: # هذا الزمان الذي كنا نحاذره ... في قول كعب وفي قول ابن مسعود # إن دام هذا ولم يحدث له غير ... لم يبك ميت ولم يفرح بمولود # هذا ويا ليته دام، فإنه لا يزيد الأمر إلا شدة والخير إلا إدبارا حتى ~~ينقرض انقراضا غير أن المعتبر في ms182 كل زمان ما هو فيه، وحكم الله تعالى جار ~~في كل بحسب حاله، والدين مستمر، والحق ظاهر حتى يأتي أمر الله. # ثم يلزمك أيها الناصح في هذا مثل ما يلزمنا، وما كان جوابك هو جوابنا، ~~فإنك تصدرت للتعليم فهل رأيت بعينيك متعلما على شروط التعليم المعتبرة؟ أو ~~هل رأيت في نفسك شروط المعلم؟ " فلا بد أن تعرض على نفسك شروط المعلم " ~~وعلى من يجلس إليك شروط المتعلم، فإن تجد ذلك صحيحا ظاهرا أو باطنا فتصدر، ~~وإن وجدته مختلا فكيف يحل لك أن تتصدر، وارتفاع الشرط يوجب ارتفاع المشروط، ~~وقد قال صلى الله عليه وسلم: " لا تؤتوا الحكمة غير أهلها فتظلموها " فإن ~~أجاب بأنه ارتكب أخف الضررين أو أن العلم أمنع جانبا من أن يصل إلى غير ~~أهله أو نحو ذلك فهو جوابنا بعينه، والله الموفق المسئول أن يتجاوز عنا ~~بعفوه ويتغمدنا برحمته إنه ولي ذلك والقادر عليه. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | باب في ### | ملح من الأدب # رأيت أن ألم بملح من الأدب تثمينا للكتاب، وامتناعا لذوي الألباب، فإن ~~النفس ملول والأذن مجاجة، وفي التلون والانتقال تطييب لها وتنشيط كما قيل: # لا يصلح النفس إن كانت مدبرة ... إلا التنقل من حال إلى حال # وذلك كله مما يصلح للمحاضرات ويوافق شرط الكتاب، ويعد من الآداب. # وقد قال الحسن بن سهل: الآداب عشرة: ثلاثة شهرجانية وهي ضرب العود، ولعب ~~الشطرنج، والصوالج، وثلاثة أنوشروانية، وهي: الطب، والهندسة، والفروسية، ~~وثلاثة عربية، وهي: الشعر والنسب وأيام الناس، والعاشرة مقطعات الحديث ~~والسمر وما يتعاطاه الناس بينهم في المجالس، وهذا عام. # وقال ابن مسعود رضي الله عنه: القلوب تمل كما تمل الأبدان فابتغوا لها ~~طرائف الحكمة. # وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: إني لأستجم نفسي من الباطل ليكون أقوى ~~لها على الحق، وقال الشاعر: # عجبا ممن تناهت حاله ... وكفاه الله ذلات الطلب # كيف لا يقسم شطري عمره ... بين حالين نعيم وأدب # مرة جدا وأخرى لعبا ... فإذا ما غسق الليل انتصب # فقضى الدنيا نهارا حقه ... وقضى لله ms183 ليلا ما يجب # PageV01P098 # وفي هذا إشارة إلى ما روي في حكمة آل داود عليه السلام: لا ينبغي للعاقل ~~أن يخلي نفسه من أربع: عدة لمعاد، وإصلاح لمعاش، وفكر يقف به على ما يصلحه ~~مما يفسده، ولذة في غير محرم يستعين بها على الحالات الثلاث. وكان صلى الله ~~عليه وسلم يمزح ولا يقول إلا حقا، وكان أصحابه يتناشدون ويفيضون في الأنساب ~~وأيام الناس ولا ينكر عليهم، وذلك كله مشهور. # وقيل لسعيد بن المسيب: إن قوما من " أهل " العراق لا يرون إنشاد الشعر ~~فقال: نسكوا نسكا أعجميا. # وقيل لابن سيرين: إن قوما يرون إنشاد الشعر ينقض الوضوء فأنشد: # لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزا ... ولو رضيت رمح أسته لاستقرت # ثم قام يصلي، وقيل بل أنشد: # نبئت أن فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول # وقيل لأبي السائب المخزومي: أترى أحدا لا يشتهي النسيب فقال: أما من كان ~~يؤمن بالله واليوم الآخر فلا. # وكان فضلاء هذه الأمة يروون الشعر ويقولونه أما النبي صلى الله عليه وسلم ~~فقد كان مصروفا عنه قول الشعر سدا للذريعة، وتنزيها عن النقيصة، ونفيا ~~للتهمة، قال الله تعالى:) وما علمناه الشعر وما ينبغي له (وأما غيره صلى ~~الله عليه وسلم فلا محذور عليه في إنشاد الشعر رواية وقولا، فإن الشعر من ~~جملة الكلام، نعم إذا كثر ذلك حتى ألهاه عن ذكر الله فهو مذموم، ولا خصوصية ~~في هذا الشعر. # فمما يروى لأبي بكر رضي الله عنه قوله: # تعدون قتلى في الحرام عظيمة ... وأعظم منه لو يرى الرشد راشد # صدودكم عما يقول محمد ... وكفر به والله راء وشاهد # سقينا من ابن الحضرمي رماحنا ... بنخلة لما أوقد الحرب واقد # ومما يروي لعمر رضي الله عنه قوله: # لا شيء مما ترى تبقى بشاشته ... إلا الإله ويودي المال والولد # لم تغن عن هرمز يوما خزانته ... والخلد قد حاولت عاد فما خلدوا # ولا سليمان إذ تجري الرياح له ... والجن والإنس فيما بينها ترد # أين الملوك التي كانت نوافلها ... من كل أوب إليها وافد ms184 يفد # حوض هنلك مورد بلا كذب ... لا بد من ورده يوما كما وردوا # ومما يروى لعثمان رضي الله عنه قوله: # تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار # تبقى عواقب سوء من مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار # ومما ينسب إلى علي كرم الله وجهه: # محمد النبي أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمي # وجعفر الذي يمسي ويضحي ... يطير مع الملائكة ابن أمي # وبنت محمد سكني وعرسي ... منوط لحمها بدمي ولحمي # وسبطا أحمد ولداي منها ... فمن هذا له سهم كسهمي # سبقتكم إلى الإسلام طرا ... غلاما ما بلغت حلمي # وصليت الصلاة وكنت ردءا ... فمن ذا يدعي يوما كيومي # وأوجب لي الولاء معا عليكم ... رسول الله يوم غدير خم # وغدير خم بضم الخاء موضع بين الحرمين. # ومن شعره أيضا وقيل: لم يثبت عنه غيره: # تلكم قريش تمناني لتقتلني ... فلا وربث ما بروا ولا ظفروا # فإن هلكت فرهن ذمتي لهم ... بذات ودقين لا يعفو لها أثر # وذات ودقين الداهية. # ومما يروى لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قوله: # إن كنت تعلم أن الله يا عمر ... يرى ويسمع ما تأتي وما تذر # وأنت غفلة عن ذاك تركب ما ... عنه نهاك فأين الخوف والحذر # فانظر لنفسك يا مسكين في مهل ... ما دام ينفعك التفكير والنظر # قف بالمقابر وانظر إن وقفت بها ... لله درك ماذا تستر الحفر # ففيهم لك يا مغرور موعظة ... وفيهم لك يا مغرور معتبر # فهؤلاء الأئمة المقتدى بأقوالهم وأفعالهم " وأحوالهم ". # وقد وقع ذلك لأكابر العلماء من أهل الدين كثيرا شهيرا، ومنهم من كان غزير ~~المادة في الشعر مديد الباع فيه كعبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود ~~أحد الفقهاء السبعة بالمدينة حتى كان ابن المسيب إذا لقيه يقول له: مرحبا ~~بالفقيه الشاعر فيقول عبيد الله: لا بد للمصدور أن ينفث، فمن قوله: # كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم ... ولامك أقوام ولومهم ظلم # PageV01P099 # ونم عليك الكاشحون وقبلهم ... عليك الهوى قد نم لو ينفع النم # وزادك إغراء بها طول ms185 بخلها ... عليك وأبلى لحم أعظمك الهم # وأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة ... على أثر هند أو كمن سقي السم # وكأنه أراد: من سقيه السم فحذف الضمير. # ووردت امرأة جميلة مع ابن " لها " صغير " المدينة " فخطبت وكان ممن خطبها ~~عبيد الله فقال فيها معرضا ببراعة الفقهاء السبعة: # أحبك حبا لا يحبك مثله ... قريب ولا في العالمين بعيد # أحبك حبا لو علمت ببعضه ... لجدت ولم يصعب عليك شديد # أحبك يا أم الوليد متيمي ... شهيدي أبو بكر وذاك شهيد # ويعلم وجدي قاسم بن محمد ... وعروة ما ألقى بكم وسعيد # ويعلم ما أخفي سليمان كله ... وخارجه يبدي بنا ويعيد # متى تسألي عما أقول تخبري ... فللحب عندي طارف وتليد # ويحكى أنه لقيه بعد هذا سعيد بن المسيب يوما فقال له: أما إنك قد أمنت أن ~~تسألنا، ولو سألتنا ما شهدنا لك بزور، وهذا من فكاهة أهل الحجاز ولطافتهم ~~رضي الله عنهم. # وكان الإمام الشافعي - رضي الله عنه - وهو القائل مخبرا عن غزارة عنصره ~~في ذلك: # ولولا الشعر بالفقهاء يزري ... لكنت اليوم أشعر من لبيد # فمن قوله: # ماذا يخبر ضيف بيتك أهله؟ ... إن سيل: كيف مراده ومعاجه؟ # أيقول جاورت الفرات ولم أنل ... رفدا إليه وقد طغت أمواجه # ورقيت في درج العلى فتضاءلت ... عما أريد شعاره وفجاجه # ولتخبرن خصاصتي بتملقي ... والماء يخبر عن قذاه # عندي يواقيت القريض ودره ... وعلي إكليل الكلام وتاجه # تربي على روض الربى أزهاره ... ويرق في نادي الندى ديباجه # والشاعر المنطيق أسود سالخ ... والشعر منه لعابه ومجاجه # وعداوة الشعراء داء معضل ... ولقد يهون على الكريم علاجه # والظاهر أنه قال هذا قبل اشتغاله بالفقه، فأنه لم يشتغل به حتى الآن في ~~البادية وتوسع في العربية والشعر. # ويحكى عن أبي القاسم بن الأزرق الشاعر أنه قال: جئت الشافعي يوما فقلت: ~~يا أبا عبد الله لك الفقه تفوز بفوائده، ولنا الشعر، فأردت مداخلتنا فيه، ~~فأما أفردتنا الشعر، وإما أشركتنا في الفقه، وقد أتيت بأبيات إن أتيت ~~بمثلها تبت عن الشعر، وإن عجزت تبت عنه، فقال: هات، فأنشدته: # ما ms186 همتي إلا مقارعة العدا ... خلق الزمان وهمتي لم تخلق # والناس أعينهم إلى سلب الفتى ... لا يسألون عن الحجا والأولق # لكن من رزق الحجا حرم الغنى ... هذان مفترقان أي تفرق # لو كان بالحيل الغنى لوجدتني ... بنجوم أقطار السماء تعلقي # فقال الشافعي: أنا أقول خيرا منه وأنشد مرتجلا: # إن الذي رزق اليسار ولم ينل ... حمدا ولا أجرا لغير موفق # فالجد يدني كل شيء شاسع ... والجد يفتح كل باب مغلق # فإذا سمعت بأن مجدودا حوى ... عودا فأثمر في يديه فحقق # وإذا سمعت بأن محروما أتى ... ماء ليشربه فغاص فصدق # وأحق خلق الله بالهم امرؤ ... ذو همة يبلى برزق ضيق # ومن الدليل على القضاء وكونه ... بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق # وقال أبو سعيد المكي: سمعت الشافعي رضي الله عنه ينشد: # رأيت نفسي تتوق إلى مصر ... ومن دونها عرض المهامه والفقر # ووالله ما أدري أللفقر والغنى ... أقاد إليها أم أقاد إلى قبري # وكان ينشد رضي الله عنه: # يا لهف نفسي على مال أفرقه ... على الفريقين من أهل المروآت # إن اعتذاري إلى من جاء يسألني ... ما ليس عندي لمن إحدى المصيبات # وقال يونس بن عبد الأعلى: كان الشافعي يتمثل: # إذا أصبحت عندك قوت يوم ... فخل الهم عني يا سعيد # ولم تخطر هموم غد ببالي ... لأن غدا له رزق جديد # أسلم إن أراد الله أمرا ... وأترك ما أريد لما يريد # توفي رضي الله عنه بمصر آخر يوم من رجب سنة سبع ومائتين، قال الربيع: لما ~~دفناه رأينا هلال شعبان، وعاش أربعا وخمسين سنة. # PageV01P100 # وكان القاضي عبد الوهاب بن نصر الفقيه المالكي رضي الله عنه، وفيه يقول ~~أبو العلاء المعري حين مر بهم متوجها إلى مصر: # والمالكي ابن نصر زار في سفر ... بلادنا فحمدنا النأي والسفرا # إذا تكلم أحيا مالكا جدلا ... وينشر الملك الضليل إن شعرا # فمن قوله يتغزل ويوري بالمسائل الفقهية: # ونائمة قبلتها فتنبهت ... فقالت: تعالوا فاطلبوا اللص بالحد # فقلت لها: إني لثمتك غاصبا ... وما حكموا في غاصب بسوى الرد # خديها وكفي لي عن إثم ظلامتي ... وإن ms187 أنت لم ترضي فألف من العد # فقالت: قصاص يشهد العقل أنه ... على كبد الجاني ألذ من الشهد # فباتت يميني وهي هسيان خصها ... وباتت يساري وهي واسطة العقد # وقالت: ألم أخبر بأنك زاهد ... فقلت لها: ما زلت أزهد في الزهد # وينسب إليه قوله: # تملكت يا مهجتي مهجتي ... وأسهرت يا ناظري ناظري # وما كان ذا أملي يا ملول ... ولا خطر الهجر في خاطري # فجد بالوصال فدتك النفوس ... فلست على الهجر بالقادر # أيا غائبا حاضرا في الفؤاد ... سلام على الغائب الحاضر # " وله أيضا رحمه الله: # يلومونني أن بعت بالرخص منزلي ... ولم يعلموا جارا هناك ينغص # فقلت لهم: كفوا الملام فإنما ... بجيرانها تغلو الديار وترخص " # ولفقهاء العدوة من ذلك ما يطلع بدرا لائحا، ويسطع زهرا فائحا، وتتهاداه ~~الحور، وتتحلى منه النحور، وتتبع ذلك يطيل، ونلم من ذلك بالقليل، إذ لا بد ~~لهذا الكتاب، أن يأخذ من كل لباب، فمن ذلك قول الفقيه القاضي أبي الوليد ~~الباجي رحمه الله في معنى الزهد: # إذا كنت أعلم علما يقينا ... بأن جميع حياتي كساعة # فلم لا أكون ضنينا بها ... وأجعلها في صلاح وطاعة # ومن ذلك قول محمد بن سماك صاحب الأحكام يصف الروض: # الروض مخضر الربى متجمل ... للناظرين بأجمل الألوان # فكأنما بسطت هناك سوارها ... خود زهت بقلائد العقيان # وكأنما فتحت هناك نوافج ... من مسكة عجنت بصرف البان # والطير يسجع في الغصون كأنه ... نقر القيان جثت على العيدان # والماء مطرد يسيل عبابه ... كسلاسل من فضة وجمان # بهجات حسن أكملت فكأنما ... حسن اليقين وبهجة الإيمان # وللفقيه أبي محمد عبد الله بن السيد البطليوسي في الزهد: # أمرت إلهي بالمكارم كلها ... ولم ترضها إلا وأنت لها أهل # فقلت: اصفحوا عمن أساء إليكم ... وعوذوا بحلم منكم إن بدا جهل # فهل لجهول خاف صعب ذنوبه ... لديك أمان منك أو جانب سهل # وله يصف فرسا: # وأدهم من آل الوجيه ولاحق ... له ليل لون والصباح حجول # تحير ماء الحسن فوق أديمه ... فلولا التهاب الحضر ظل يسيل # كأن هلال الفطر لاح بوجهه ... فأعيينا شوقا إليه تميل # كأن ms188 الرياح العاصفات تقله ... إذا ابتل منه محزم وقليل # وللحافظ أبي بكر بن عطية رحمه الله يحذر من خلط الزمان: # كن بذئب صائد مستوحشا ... فإن أبصرت إنسانا ففر # إنما الإنسان بحر ماله ... ساحل فأحذره إياك الغرر # واجعل الناس كشخص واحد ... ثم كن من ذلك الشخص حذر # وله يعاتب بعض إخوانه: # وكنت أظن جبال رضوى ... تزول وأن ودك لا يزول # ولكن الأمور لها اضطراب ... وأحوال ابن آدم تستحيل # فإن يك بيننا وصل جميل ... وإلا فليكن هجر جميل # ولابنه الحافظ عبد الحق رحمه الله يصف الزمان وأهله: # داء الزمان وأهله ... داء يعز له العلاج # أطلعت في ظلماته ... ودا كما سطع السراج # لصحابة أعيا ثقا ... في من قناتهم اعوجاج # أخلاقهم ماء صفا ... مرأى ومطعمه أجاج # كالدر ما لم تختبر ... فإذا اختبرت فهم زجاج # وللفقيه القاضي عياض بن موسى اليحصبي رضي الله عنه من شعره: # إذا ما نشرت بساط انبساط ... فعنه فديتك فاطو المزاحا # فإن المزاح كما قد حكى ... أولوا العلم قبل عن الحلم زاحا # وله عند ارتحاله من قرطبة رحمه الله: # PageV01P101 # أقول وقد جد ارتحالي وغردت ... حداتي ورنت للفراق ركائبي # وقد غمصت من كثرة الدمع مقلتي ... وصارت هواء من فؤادي ترائبي # ولم تبق إلا وقفة تستحثها ... وداعي للأحباب لا للحبائب # رعى الله جيرانا بقرطبة العلى ... وسقى رباها بالعهاد السواكب # وحيا زمانا بينهم قد ألفته ... طليق المحيا مستلان الجوانب # أحبابنا في الله فيها تذكروا ... معاهد جار أو مودة صاحب # غدوت بهم من برهم واحتفائهم ... كأني في أهلي وبين أقاربي # وله برد الله ضريحه في الوداع: # يا من ترحل عني غير مكترث ... لكنه للضنى والسقم أوصى بي # تركتني مستهام القلب ذا حرق ... أخا جوى وتباريح وأوصاب # فلم أذق من لذيذ العيش بعدكم ... إلا جنى حنظل في الطعم أو صاب # أراقب النجم في جنح الدجى سهرا ... كأنني راقب للنجم أو صابي # وللأديب أبي الوليد محمد بن عبد الله بن زيدون رحمة الله عليه: # ودع الصبر محب ودعك ... حافظ من سره ما استودعك # يقرع السن على أن لم ms189 يكن ... زاد في تلك الخطا إذ شيعك # يا أخا البدر سناء وسنا ... حفظ الله زمانا أطلعك # إن يطل بعدك ليلي فلكم ... بت أشكو قصر الليل معك # يا قمرا أطلعه المغرب ... قد ضاق بي حبك المذهب # ألزمتني الذنب الذي جئته ... صدقت فاصفح أيها المذنب # وإنما أغرب ما مر بي ... أن عذابي بك مستغرب " # وتتبع ذلك يطيل ويخرج عن الغرض. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | نبذة مختارة من مختار الشعر # وهذه نبذة مختارة من شعر العرب، فمن ذلك في الأمثال، وقد تقدمت جملة منها ~~في الكتاب: ففي الحض على الاتفاق والتوكل على الله تعالى قول جميل: # كلوا اليوم من رزق الإله ابشروا ... فإن على الرحمن رزقكم غدا # وفي تكذيب الكهانة وزجر الطير قول لبيد: # لعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ... ولا زاجرت الطير ما الله صانع # وفي اليأس من إصلاح الأولاد مع فساد الآباء قول الفرزدق: # ترجي ربيع أن تجيء صغارها ... بخير، وقد أعيا ربيعا كبارها # وفي تلهف المعدم على قصوره عن فعل الخير قول خالد بن علقمة: # وقد يقصر القل الفتى دون همه ... وقد كان لولا القل طلاع أنجد # وفي الجنوح إلى الجبن قول النهشل بن حري: # فلو أن لي نفسين كنت مقاتلا ... بإحداهما حتى نموت وأسلما # ونحو هذا قول حبيب بن عوف حين قال له المهلب " بن أبي صفرة " أكرر على ~~القوم: # يقول لي الأمير بغير علم ... تقدم حين جد به المراس # فما لي أن أطلعتك من حياة ... وما لي غير هذا الرأس رأس # " وقول أبي دلامة وقد ليم على الفرار: # ألا لا تلمني في الفرار فإنني ... أخاف على فخارتي أن تحطما # فلو أنني أبتاع في السوق مثلها ... وحقك ما باليت أن أتقدما # وقال المبرد: حدثني عجل بن أبي دلف أن ابن أبي فتن مدح أباه بقوله موريا: # ما لي وما لك قد كلفتني شططا ... حمل السلام وقول الدار عين قف # أمن رجال المنايا خلتني رجلا ... أمسي وأصبح مشتاقا إلى التلف؟ # تمشي المنون إلى غيري فأكرهها ... فكيف أسعى إليها بارز ms190 الكتف؟ # أم قد حسبت سواد الليل شجعني ... أو أن قلبي في جنبي أبي دلف؟ # فبلغ الشعر أبا دلف فبعث إليه بأربعة آلاف دينار، فأخذها وأغلق عليه ~~الدار، ولا عليه فيمن قعد أو طار، فقال المبرد: هذا كالذي دخل على قوم ~~يشربون فسقاه بعضهم من غير الشراب الذي يشربون استحقارا له فقال: # نبيذان في مجلس واحد ... لإيثار مثر على مقتر # فلو كنت تفعل فعل الكرام ... فعلت كفعل أبي البحتري # تتبع إخوانه في البلاد ... فأغنى المقل عن المكثر # فاتصل قوله بأبي البختري فوصله بألف دينار ولم يره ". وفي الحض على ~~اقتناء العمل الصالح قول الأخطل: # وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ... ذخرا يكون كصالح الأعمال # وفي اليأس من تلافي ما فسد قول رجل من عمان: # والثوب إن أنهج فيه البلى ... أعيا على ذي الحيلة الراقع # PageV01P102 # وفي مجاملة العدو وإعداده لأعدى منه قول مرداس الأسدي: # وذوي ضباب مظهرين عداوة ... وغر بصدور معاودي الإفناد # ناسيتهم بغضاءهم ووفرتهم ... وهم إذا حسب الصديق أعاد # كيما أعدهم لأبعد منهم ... ولقد يجاء إلى ذوي الأحقاد # وفي حفظ المال وتثميره قول الملتمس: # قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد # وحفظ المال أيسر من بغاه ... وسير في البلاد بغير زاد # وفي تبليغ العدو قول عروة بن الورد: # ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح # ليبلغ عذرا أو يصيب رغيبة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح # وفي معنى قولهم: القريب من تقرب - أي بورده - " لا " من تنسب قول الأعشى: # لا تطلبن الود من متباعد ... ولا تنأ من ذي بغضة إن تقربا # فإن القريب من يقرب نفسه ... لعمر أبيك الخير لا من تنسيا # وفي الحض على الصبر في المواطن قول عمرو بن الإطنابة: # أبت لي همتي وأبى بلائي ... وأخذ الحمد بالثمن الربيح # وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح # وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي # لأدفع عن مآثر صالحات ... وأحمي بعد عن عرض صحيح # وقد حكي عن معاوية رضي الله عنه أنه قال: ms191 دعوت بفرسي يوم صفين لأتصرف ~~لاشتداد الأمر فما نفعني إلا أبيات عمرو المذكورة ذكرتها فصبرت. # ونحوها " قول " قطري بن الفجاءة: # أقول لها وقد طارت شعاعا ... من الأبطال: ويحك لن تراعي # فصبرا في مجال الموت صبرا ... فما نيل الخلود بمستطاع # سبيل الموت غاية كالترجي ... وداعيه لأهل الأرض داع # وما للمرء خير في حياة ... إذا ما عد من سقط المتاع # وفيمن يسعى لما فيه هلاكه ولا يعلم قول الآخر: # وكم من طالب يسعى لأمر ... وفيه هلاكه لو كان يدري # ومثله قول الآخر: # وكم طالب أمرا وفيه حمامه ... وسائرة تسعى إلى ما يضيرها # ومثله قول الآخر: # كم شارب عسلا فيه منيته ... وكم تقلد سيفا من به ذبحا # ومثله قول أبي العتاهية: # وقد يهلك الإنسان من باب أمنه ... وينجو بإذن الله من حيث يحذر # ومن المعنى قول عدي بن أبي الصلت: # تجري الأمور على حكم القضاء، وفي ... طي الحوادث محبوب ومكروه # فربما سرني ما بت أحذره ... وربما ساءني ما بت أرجوه " # وفي التشكي من فناء الأهل والأحبة قول ابن هرمة: # ما أظن الزمان يا أم عمرو ... تاركا إن هلكت من يبكيني # ويقال: إنه حين مات لم ير أحد خلف جنازته، وإنما رفعها عبيد له. # وفي احتقار " السفيه " واللئيم وما يصدر منه قول الآخر: # وما كل كلب نابح يستفزني ... ولا كلما طن الذباب أراع # ونحوه في التنبيه على كثرتهم وأنه لا ينبغي الاحتفال بهم قول الآخر: # لو كل كلب عوى ألقت حجرا ... لأصبح الصخر مثقالا بدينار # وقول الآخر: # أو كلما طن الذباب زجرته ... إن الذباب إذن علي كريم # آخر: # اذهب فأنت طليق عرضك إنه ... عرض عززت به وأنت ذليل # آخر: # نجا بك عرضك منجى الذباب ... حمته مقاذيره أن ينالا # وفي فعل الحاسدين من نشر المساوي ودفن المحاسن " قول " الآخر: # إن يسمعوا الخير يخفوه وإن سمعوا ... سرا أذيع وإن لم يسمعوا كذبوا # ونحوه قول الآخر: # صم إذا سمعوا خيرا ذكرت به ... وإن ذكرت بسوء عندهم أذنوا # وفي بيع ما يضمن به عند الحاجة قول الآخر: # وقد ms192 تخرج الحاجات يا أم مالك ... كرائم من رب بهن ضنين # " وقال أبو علي الحداد: # قالت: وأبدت صفحة ... كالشمس من تحت القناع # بعت الدفاتر، وهي آ ... خر ما يباع من المتاع # لا تعجبي مما رأي ... ت فنحن في زمن الضياع # ونحو ذلك قول ابن الحاجب لما ورد مصر: # يا أهل مصر وجدت أيديكم ... عن بسطها للنوال منقبضه # لما عدمت الغذا بأرضكم ... أكلت كتبي كأنني أرضه # وصرت لما حللت واديكم ... كجملة في الكلام معترضه " # وفي قساوة القلب قول مهلهل بن ربيعة: # PageV01P103 # يبكي عليتا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ أكبادا من # وفي اتباع ما تيسر، وترك ما تعسر، قول الأعشى: # إذا حاجة ولتك لا تستطيعها ... فخذ طرفا من غيرها حين تسبق # ونحوه قول عمرو بن معد يكرب: # إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع # وقد سبق إليه امرؤ القيس في قوله: # وخير ما رمت ما ينال # وفي التحذير من فعل السوء مخافة قول عمرو بن كلثوم: # ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا # أي فنعاقبه، فسمى المجازاة على الجهل جهلا كقوله تعالى:) الله يستهزئ بهم ~~(. # وفي التشكي من قلة الإخوان الصادقين قول امرؤ القيس: # إذا قلت: هذا صاحب قد رضيته ... وقرت به العينان بدلت آخرا # كذلك جدي ما أصاحب صاحبا ... من الناس إلا خانني وتغيرا # وأخذ الشعراء هذا المعنى كثيرا كقول الأندلسي: # وزهدني في الناس معرفتي بهم ... وطول اختباري صاحبا بعد صاحب # فلم ترني الأيام خلا تسرني ... مباديه إلا ساءني في العواقب # ولا قلت: أرجوه لدفع ملمة ... من الدهر إلا كان إحدى المصائب # وذكر عن ابن العباس النيسابوري أنه قال: لو صحت صلاة بغير قراءة القرآن ~~لصحت بهذا البيت: # أتمنى على الزمان محالا ... أن ترى مقلتاي وجنة حر # ويحكى أن علوية غنى بين يدي المأمون بن الرشيد - رحمهم الله -: # وإني مشتاق إلى ظل صاحب ... يروق ويصفو إن كدرت عليه # يوافقني في كل أمر أرومه ... ويغفر ذنبي إن أسأت إليه # فقال المأمون: أعطوني هذا الصاحب وخذوا نصف الخلافة، والشعر ms193 لأبي ~~العتاهية. # ولابن حمديس من قصيدة: # فلا ترج من دنياك خيرا وإن يكن ... فما هو إلا مثل ظل سحاب # وما الحزم كل الحزم إلا اجتنابها ... وأشقى الورى من تصطفي وتحابي # ولغيره: # وإخوان وثقت بهم فأضحى ... أذاهم يعتريني كل حين # فلما أن أسأت الظن كفوا ... فيا عجباه من ظن يقيني # طرفة: # كل خليل كنت خاللته ... لا ترك الله له واضحه # كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحة! # غيره: # وكنت أخي بإخاء الزمان ... فلما انقضى صرت حربا عوانا # وكنت أعدك للنائبات ... فهم أن أطلب منك الأمانا # غيره: # فلا تغتر من خل ببشر ... ولا يتودد عند التلاقي # فكم نبت نضير راق حسنا ... عيانا وهو مر في المذاق # غيره: # كان ما كان وانقضى ومضى ... وقد طويت بساطا كنت ناشره # لما رأيتك لا تبقي على أحد ... فكيف أحسد بعدي من تعاشره # وقال سعيد بن حميد من أبيات: # وما أنت إلا كالزمان تلونت ... نوائب من أحداثه وأمور # فإن قل إنصاف الزمان وعدله ... فمن ذا على جور الزمان يجير؟ # وقال جحظة: # ضاقت علي وجوه الرأي في نفر ... يلقون بالجحد والكفران إحساني # قلب الطرف تصعيدا ومنحدرا ... فما أقابل إنساني بإنسان # وقال: # وإذا جفاني صاحب ... لم أستجر ما دمت قطعه # وتركته مثل القب ... ر أزورها في كل جمعة " # وفي التفجع على الشباب قول حميد بن ثور الهلالي: # ليالي أبصار الغواني وسمعها ... إلي وإذ ريحي لهن جنوب # وإذا شعري ضاف ولوني مذهب ... وإذا لي في ألبابهن نصيب # فلا يبعد الله الشباب وقولنا ... إذا ما صبونا صبوة سنتوب # وقال أبو الفضل المكيالي بل ابن الرومي: # يمضي الشباب ويبقى من لبانته ... شجو على النفس لا ينفك يشجيها # ما كان لي دون إعجاب النساء به ... والنفس أوجب إعجابا لما فيها # وقال قتادة في قوله تعالى) وجاءكم النذير (يعني الشيب. # وقال المهلبي: # صبغت الرأس ختلا للغواني ... كما غطى على الرب المريب # أعلل مرة وأساء أخرى ... ولا تحصى من الكبر العيوب # أسوف توبتي خمسين حولا ... وظني أن مثلي لا يتوب # يقوم بالثقاف العود لدنا ms194 ... ولا يتقوم العود الصليب # وكان مالك بن دينار يقول: ما أشد فطام الكبير، وقال آخر: # PageV01P104 # دعي لومي ومعتبي أماما ... فإني لم أعود أن ألاما # وكيف ملامتي إذ شاب رأسي ... على خلق نشأت به غلاما # وقال محمود للوراق في الخضاض: # يا خاضب الشيب الذي ... في كل ثالثة يعود # وله بديهة لوعة ... مكروها أبدا عتيد # فدع المشيب كما أرا ... د فلن يعود كما تريد # وقال أيضا في ذلك: # يا خاضب الشيبة نح فقدها ... فإنما تدرجها في كفن # أما تراها منذ عاينتها ... تزيد في الرأس بنقص البدن # وحكى أن أبا الأسود الدؤلي دخل على عبيد الله بن زياد فقال له عبيد الله ~~يهزأ به: يا أبا الأسود، إنك لجميل، فلو تعقلت تميمة؟؟ فقال أبو الأسود: # أفنى الشباب الذي أفنيت جدته ... كر الجديدين من آت ومنطلق # لم يتركا لي في طول اختلافهما ... شيئا أخاف عليه لذعة الحدق " # ونحوه قول محمد بن حازم: # لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل # وقول منصور النمري: # ما كنت أوفى شبابي حق عزته ... حتى مضى فإذا الدنيا له تبع # " وقال ابن الخطيب: # لما علاني الشيب قال صواحبي ... لا تبتغي خلا بثوب أشهب # فصبغته خوف الصدود فقلن لي: ... هذا رواية أصبغ عن أشهب # وقال غيره: # نظرت إلي بطرف من لم يعدل ... لما تمكن طرفها من مقتلي # لما رأت شيبا ألم بمفرقي ... صدت صدود بجانب متحمل # فجعلت أطلب وصلها بتملق ... والشيب يغمزها بأن لا تفعلي # وقال غيره: # أناخ الشيب ضيفا لم أرده ... ولكن لا أطيق له مردا # رداء للردى فيه الدليل ... تردى من به يوما تردى # وقال غيره: # حل المشيب بعارضي ومفارقي ... بئس القرين أراه غير مفارقي # رحل الشباب فقلت: قف لي ساعة ... حتى أودع قال: إنك لاحقي # ويحكى أن أبا دلف دخل على المأمون وعنده جارية فغمزها عليه فقالت له: شبت ~~يا أبا دلف، فأعرض عنها، فقال له المأمون: ألا تجيبها؟ فأطرق ساعة ثم رفع ~~رأسه وقال: # تهزأت إذا رأت شيبي فقلت لها: ... لا تهزئي من يطل ms195 عمر به يشب # شيب الرجال لهم زين ومكرمة ... وشيبكن لكن العار فاكتئبي # فينا لكن وإن شيب بدا أرب ... وليس فيكن بعد الشيب من أرب # غيره: # لا تخطون إلى خطء ولا خطأ ... من بعد ما الشيب في فوديك قد وخطأ # فأي عذر لمن شابت مفارقه ... إذا جرى في ميادين الهوى وخطا # وقيل: ظهور الشيب في الناصية كرم، وفي القفا لؤم، وفي الهامة وقار، وفي ~~الفودين شرف، وفي الصدغين شح، وفي الشاربين فحش ". # وهذا الباب لا يأتي عليه الحصر، فلنقتصر على هذا القدر. # واعلم أنه لا يزال علماء الأدب من لدن أدبرت العرب يختلفون في مقالة ~~العرب بحسب اختيار الأجود منه والأصدق والأفخر أو نحو ذلك فنورد جملة مما ~~وقع لهم في ذلك إمتاعا والله الموفق. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | أشعر بيت قالته العرب # حدثوا في حديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول على المنبر: " أشعر بيت قالته العرب قول دريد ابن الصمة: # قليل التشكي للمصيبات ذاكر ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد # وقيل: قول أبي ذؤيب: # والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع # وقيل: قول زهير: # فلما وردن المساء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيعم # وقيل: قول الآخر: # صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه ... فلما علاه قال للباطل ابعد # وقيل: قول لبيد: # وأكذب النفس إذا حدثتها ... إن صدق النفس يزري بالأمل # وقيل: قول امرؤ القيس: # ألا يا لهف هند إثر قوم ... هم كانوا الشفاء فلم يصابوا # وقاهم جدهم ببني أبيهم ... وبالأشقين ما كان العقاب # وأفلتهن علباء جريضا ... ولو أدركنه صفر الوطاب # وقيل: بل قوله: # الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرحل # وقوله أيضا: # وإنك لم يفخر عليك كفاخر ... ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب # لله الأمر من قبل ومن بعد # PageV01P105 ### | أحسن بيت قالته العرب # وأحسن بيت قالته العرب قول كعب بن زهير في النبي صلى الله عليه وسلم: # تحمله الناقة الأدماء معتجرا ... بالبرد كالبدر جلي ليلة ms196 الظلم # وفي عطافيه أو أثناء بردته ... ما يعلم الله من دين ومن كرم # وقيل: قول الآخر من الخزانة فيه صلى الله عليه وسلم: # فشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد # وقيل: أحسن ما قالته العرب قول التميمي: # ما كلف الله نفسا فوق طاقتها ... ولا تجود يد إلا بما تجد # وقول المرقش: # ومن يلق خيرا يحمد الناس أمره ... ومن يغو لا يعدم على الغي لائما # وقول الآخر: # ألا عائذ بالله من عدم الغنى ... ومن رغب يوما إلى غير راغب # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | أصدق بيت قالته العرب # وأصدق بيت قالته العرب قول الشاعر: # وما حملت ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد # وقيل: قول أبي ذؤيب: # والنفس راغبة إذا رغبتها ... وإذا ترد إلى قليل تقنع # وقيل: قول الحطيئة: # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس # وقول طرفة: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # " وكان صلى الله عليه وسلم يذكره ويقول: " ويأتيك بالأخبار من لم تزوده ~~بالأخبار ". ويقول عليه السلام: التركيب أو المعنى واحد، فيقول أبو بكر رضي ~~الله عنه: أشهد أنك رسول الله، وقد قال الله تعالى:) وما علمناه الشعر (رجع ~~". # وقيل: قول امرئ القيس: # الله أنجح ما طلبت به ... والبر خير حقيبة الرجل # واعلم أن هذا الخلاف في هذه الأبيات وكذا في هذه التراجم ليس اختلاف ~~تناقض، فإنها كلها صحيحة، وإنما ذلك أن كلا يتكلم بما عرف أو بما حضر في ~~فكره فافهم. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | أكذب بيت قالته العرب # أكذب بيت قالته العرب قول الأعشى: # لو أسندت ميتا إلى صدرها ... عاش ولم ينقل إلى قابر # حتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبا للميت الناشر # وقيل: قول مهلهل: # فلولا الريح أسمع من بنجد ... صليل البيض تقرع بالذكور # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | أنصف بيت قالته العرب # أنصف بيت قالته العرب قول سيدنا حسان رضي الله عنه: # أتهجوه ولست له بكفء ms197 ... فشركما لخيركما الفداء # ومن ذلك قول الآخر: # بكل قرارة منا ومنهم ... بنان فتى وجمجمة فليق # فأشبعنا الضباع وأشبعوها ... فراحت كلها تئق تفوق # قتلنا الفارس الوضاح منهم ... كأن فروع لمته العذوق # أبكينا نساءهم وأبكوا ... نساء ما يسوغ لهن ريق # وقول الآخر: # نطاعنهم نستودع البيض فيهم ... ويستودعونا السمهري المقوما # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | أفخر بيت قالته العرب # أفخر بيت قالته العرب قول " الشاعر وينسب " لحسان في النبي صلى الله عليه ~~وسلم: # له همم لا منتهى لكبارها ... وهمته الصغرى أجل من الدهر # له راحة لو أن معشار جودها ... على البر كان البر أندى من البحر # و" قيل ": قول امرئ القيس: # ولو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليل من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # وقيل: قول الفرزدق: # ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا # ونحوه قول جرير: # إذا غضبت عليك بنو تميم ... وجدت الناس كلهم غضابا # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | أمدح بيت قالته العرب # أمدح بيت قالته العرب قول الخنساء رحمها الله: # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # وقيل: قول زهير: # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك معطيه الذي أنت سائله # وقيل: قول جرير: # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح # وقيل: قول الأخطل: # شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # وقيل: قول حسان رضي الله عنه في بني جفنة: # PageV01P106 # يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل # وقيل: قول الأعشى: # فتى لو ينادي الشمس ألقت قناعها ... أو القمر الساري لألقى المقالدا # قوله: ينادي الشمس أي يجالسها في ندي. # وقيل: قول أبي الطمحان القيني: # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه ### | أهجى بيت قالته العرب # أهجى بيت قالته العرب قول الأعشى: # تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم غرثى يبتن خمائصا # وقيل: قول الأخطل: # قوم إذا نبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم: بولي على النار ms198 # فتمسك البول بخلا أن تجود به ... فما تبول لهم إلا بمقدار # وقيل: قول حسان رضي الله عنه: # لا بأس بالقوم من طول ومن قصر ... جسم البغال وأحلام العصافير # وقيل: قول زياد الأعجم: # قالوا: الأشاقر تهجوني فقلت لهم: ... ما كنت أحسبهم كانوا ولا خلقوا # " وقيل: قول أوس: # لعمرك ما تبلى سرابيل عامر ... من اللؤم ما دامت عليها جلودها # وقيل: قول الطرماح: # تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت سبل المكارم ضلت # وقيل: قول الفرزدق: # أنتم قرارة كل معدن سوأة ... ولكل سائلة تسيل قرار # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | أشجع بيت قالته العرب # أشعر بيت قالته العرب قول العباس بن مرداس: # أشد على الكتيبة لا أبالي ... أحتفي كان فيها أم سواها # وقيل: قول عنترة: # وإني لدى الحرب العوان موكل ... بتقديم نفس لا أريد بقاءها # وقيل قوله: # إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي إذا نزلوا بضنك المنزل # وقيل قول الآخر: # دعوت بني قحافة فاستجابوا ... فقلت: ردوا فقد طاب الورود # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | أشعر بيت في وصف الجبان # أشعر بيت قيل في وصف الجبان قول جرير: # ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليكم ورجالا # وقيل قول الشاعر: # طليق الله لم يمنن عليه ... أبو داود وابن أبي كبير # ولا الحجاج عيني بنت ماء ... تقلب طرفها حذر الصقور # نصب عيني على الذم. # ومن هذا قول الطرماح: # ولو أن برغوثا على ظهر قملة ... يكر على صفي تميم لولت # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | أشعر بيت قيل في الاستحقار # أشعر بيت قيل في الاستحقار قول الحطيئة: # فمن أنتم إنا نسينا من أنتم ... وريحكم من أي ريح الأعاصر # وأنتم ألى جئتم مع البقل والدبى ... فطار وهذا شخصكم غير طائر # أي الذين جئتم مع البقل والدبى جمع دباة بفتحتين. # وقيل: قول جرير: # فإنك لو رأيت عبيد تيم ... وتيما قلت: أيهم العبيد؟ # ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود # وقيل: قول الطرماح: # لو كان يخفى على الرحمان من أحد ... من خلقه ms199 خفيت عنه بنو أسد # " ولما قتل جعفر بن يحيى البرمكي بكى عليه أبو نؤاس فقيل له: أتبكيه وقد ~~هجوته؟ فقال: ذلك لركوب الهوى بالله " كذا " بلغه أني قلت: # ولست وإن أطنبت في وصف جعفر ... بأول إنسان خرا في ثيابه # فكتب: يدفع إليه عشرة آلاف درهم يغسل بها ثيابه. # وقال ابن الأعرابي: أهجى بيت قال المحدثون قول محمد بن وهب في محمد بن ~~هشام: # لم يند كفاك من بذل النوال كما ... لم يند سيفك، مذ قلدته، بدم # وقال الصفي الحلي: # إني مدحتك كي أجيد قريحتي ... وعلمت أن المدح فيك يضيع # لكن رأيت المسك عند فساده ... يدنوه من بيت الخلا فيضوع # وقال آخر: # إذا رمت هجوا من فلان تصدني ... خلائق سوء عنه لا تتزحزح # تجاوز قدر المدح حتى كأنه ... بأقبح ما يهجى به الناس يمدح # وقال غيره في مأنوف: # رأينا للئيم جدار أنف ... يضاهي في تشامخه الجبالا # تصدر للهلال لكي يراه ... ولولا أنفه لرأى الهلالا # ويلتحق كثير من الهجاء بهذا الباب كقول جرير: # لو أن تغلب جمعت أحسابها ... يوم التفاخر لم تزن مثقالا # وكقوله فيها: # والتغلبي إذا تنحنح للقرى ... حك أسته وتمثل الأمثالا # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | أكرم بيت قالته العرب # PageV01P107 # أكرم بيت قالته العرب قول طرفة: # وأعسر أحيانا فتشتد عسرتي ... وأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي # وقيل: قول كثير: # إذ قل مالي زاد عرضي كرامة ... علي ولم أتبع دقيق المطامع # وقيل: قول عنترة: # ولقد أبيت على الطوى وأظله ... حتى أنال به كريم المأكل # وقيل: قول كعب بن مالك رضي الله عنه: # نسود ذا المال القليل إذا بدت ... مروءته فينا وإن كان معدما # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | ### | باب # في ### | نبذة من كلام الأذكياء # وهذه نبذة من كلام الأذكياء، وإنما نعني بها ما شأنه أن يصدر عن ذكي سواء ~~صدر عنه أو غيره، وللناظر العاقل في كليهما اعتبار، فإن كل ما هو حكمة أو ~~صواب من القول فهو ثمرة العقل عادة، فإن صدر عن العاقل دل على حكمة الله ~~تعالى ms200 الباهرة في ترتيب المسببات على أسبابها، ونبه على شرف العقل وشرف من ~~اتصف به من الخلق، وإن صدر عن غير العاقل دل على مشيئة الله تعالى واختياره ~~في أن يفعل ما شاء وأنه هو الخالق للحكمة والصواب على ألسنة العقلاء من غير ~~تأثير للعقل فيها ولا ربط عقلي بينه وبينها بل عنده لا به، فتبارك الله رب ~~العالمين، فيدخل في هذا ما يقع للحكماء، وما يندرج عن غيرهم كالصبيان ~~والنساء وجفاة الأعراب، وتدخل الأجوبة المسكتة ونحو ذلك. # فمن ذلك ما ورد عن حكماء العرب وبعضه ينسب حديثا: لا حليم إلا ذو عثرة ~~ولا حكيم إلا ذو تجربة. # خير المقال ما صدقه الفعال. # رأس الدين، صحة اليقين. # كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم. # جانب مودة الحسود، وإن زعم أنه ودود. # إذا جهل عليك الحمق فالبس له سلاح الرفق. # لكل شيء آفة، فآفة العلم النسيان، وآفة العبادة الرياء، وآفة الحياء ~~الضعف، وآفة اللب العجب، وآفة الظرف الصلف، وآفة الجود السرف، وآفة الجمال ~~التيه، وآفة السؤدد الكبر، وآفة الحلم الذل. # ويقال أيضا: آفة الحلم السفه، وآفة الحديث الكذب، وآفة العبادة الفترة، ~~وآفة الشجاعة البغي، وآفة السماحة المن، وآفة الدين الهوى، وآفة الحسب ~~الفخر. # والمراد بالصلف هنا مجاوزة الحد تكبرا. # مؤمل النفع من اللئام، كزارع البذر في الحمام. # صحبة الفاسق شين، وصحبة الفاضل زين. # من جرى في ميدان أمله، عثر في عنان أجله. # من لم يصبر على البلاء، لم يرض بالقضاء. # فقد الصبر، أعظم من حوائج الدهر. # إذا حزن الفؤاد، ذهب الرقاد. # الجليس الصالح، كالمسك النافح. # الحسود مغتاظ على من لا ذنب له. # من الآفات، كثرة الالتفات. # من أشد العذاب، فراق الأحباب. # كلب شاكر، خير من صديق غادر. # إذا جاء القدر، عمى البصر. # العيال، سوس المال. # إذا صدق العيان، لم يحتج إلى برهان. # شفاء الصدور، في التسليم للمقدور. # الحق ثقيل، وطالبه قليل. # كثرة العتاب، داعية الاجتناب. # من سعى إليك، سعى عليك. # مدح الغائب تعريض بالحاضر. # من تفرغ للشر يطلبه، أتيح له من يغلبه. # من ms201 أمل أحدا هابه، ومن قصر عن شيء عابه. # رب أخ لم تلده لك أمك. # لا يضر السحاب، نباح الكلاب. # وفي معناه قول حسان رضي الله عنه: # ما أبالي أنب بالحزن تيس ... أم لحاني بظهر غيب لئيم # وقول الآخر: # ما يضر البحر أمسى زاخرا ... أن رمى فيه غلام يحجر # وقول الآخر: # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع # وقول الآخر: # تهددني لتقتلني نمير ... متى قتلت نمير من هجاها # وقيل: مما يعين على العدل اصطناع من يؤثر التقى، واطراح من يقبل الرشا، ~~واستكفاء من يعدل في القضية، واستخلاص من يشفق على الرعية، فإنه ما عدل من ~~جار وزيره، ولا صلح من فسد مشيره. # وقيل: آفة الملوك سوء السيرة، وآفة الوزراء خبث السريرة، وآفة الجند ~~مفارقة القادة، وآفة الرعية مفارقة الطاعة، وآفة الزعماء ضعف السياسة، وآفة ~~العلماء حب الرياسة، وآفة القضاة شدة الطمع، وآفة الشهود قلة الورع. # وقيل: أربعة لا يزول معها ملك: حفظ الدين، واستكفاء الأمين، وتقديم ~~الحزم، وإمضاء العزم. # وأربعة لا يثبت معها ملك: غش الوزير، وسوء التدبير، وخبث النية، وظلم ~~الرعية. # PageV01P108 # وأربعة لا تستغني عن أربعة: الرعية عن السياسة، والجيش عن القادة، والرأي ~~عن الاستشارة، والعزم عن الاستخارة. # وأربعة لا بقاء لها: مال يجمع من حرام، وحال تعهد من الأيام، ورأي يعرى ~~من العقل، وملك يخلو من العدل. # وأربعة تولد المحبة: حسن البشر، وبذل البر، وقصد الوفاق، وترك النفاق. # وأربعة من علامات الكرم: بذل الندى، وكف الأذى، وتعجيل المثوبة وتأخير ~~العقوبة. # وأربعة من علامات اللؤم: إفشاء السر، واعتقاد الغدر، وتجنب الأخيار، ~~وإساءة الجوار. # وأربعة من علامات الإيمان: حسن العفاف، والرضى بالكفاف، وحفظ اللسان، ~~ومحبة الإخوان. # وأربعة من علامات النفاق: قلة الديانة، وكثرة الخيانة، وغش الصديق، ونقض ~~المواثيق. # وأربعة تزال بأربعة: النعمة بالكفران، والقوة بالعداون، والدولة ~~بالإغفال، والحظوة بالإدلال. # وأربعة يترقى بها إلى أربعة: العقل الرياسة، والرأي إلى السياسة، والعلم ~~إلى التصدير، والحلم إلى التوقير. # وأربعة تؤدي إلى أربعة: الصمت إلى السلامة، والبر إلى الكرامة، والجود ~~إلى السيادة، ms202 والشكر إلى الزيادة. # وأربعة تدل على وفور العقل: حب العلم، وحسن العلم، وصحة الجواب، وكثرة ~~الصواب. # وأربعة تدل على نقصان العقل: الجهل بالأعادي، والأمن للعوادي، والجفوة ~~للإخوان، والجرأة على السلطان. # وأربعة لا تتم إلا بأربعة: العلم بالحجا، والدين بالتقى، والعمال ~~بالنيات، والموالاة بإخلاص الطويات. # وقال حكيم آخر: ثلاث لا يستصلح فسادهن بشيء من الحيلة: العداوة بين ~~الأقارب، وتحاسد الأكفاء، والركاكة في العقول. # وثلاث لا يستفاد صلاحهن بنوع من المكر: العبادة من العلماء، والقناعة من ~~المستبصرين، والسخاء في ذوي الأخطار. # وثلاثة لا يشبع منها: الحياة، والعافية، والمال. # وثلاثة لا يستغني عنها السلطان: وزير حسن التدبير، ومستشار نصيح، وصاحب ~~بريد صدوق. # وثلاث هي قوام العالم: عدل الأمراء، وصلاح العلماء، وانقياد الرعية ~~للرؤساء. # ومن مشاهير الحكماء القدماء لقمان الحكيم، وقد ذكره الله تعالى وذكر " ~~بعض " ما قال لابنه، وقال له رجل: ما الذي بلغ بك ما أرى؟ فقال: ما ذاك؟ ~~فقال: وطئ الناس بساطك ورضوا بقولك، فقال: يا أخي إن صنعت ما أقول لك كنت ~~كذلك، ثم قال: غضي بصري، وكفي لساني، وعفة مطمعي، وحفظ فرجي، وقيامي بعهدي، ~~ووفائي بوعدي، وإكرام ضيفي، وحفظ جاري، وترك ما لا يعنيني هو الذي صيرني ~~كما ترى. # ومن حكيم كلامه لابنه: يا بني. جالس العلماء وزاحمهم بركبتيك فإن الله ~~تعالى يحيي القلوب الميتة بالعلم كما يحيي الأرض الميتة بوابل المطر. # وقوله: من لم يملك لسانه يندم، ومن لم يتق الشتم يشتم، ومن صاحب قرين ~~السوء لم يسلم. # وقال قائل لأكثم بن صيفي حكيم العرب: ما السؤدد؟ قال: اصطناع العشيرة، ~~واحتمال الجريرة، قال: فما الشرف؟ قال: كف الأذى، وبذل الندى، قال: فما ~~المجد؛ قال: حمل المغارم، وبناء المكارم، قال: فما الكرم؟ قال: صدق الإخاء، ~~في الشدة والرخاء، قال: فما العز؟ قال: شدة العضد، وكثرة العدد، قال: فما ~~السماحة؟ قال: بذل النائل، وحب السائل، قال: فما الغنى؟ قال: الرضا بما ~~يكفي، وقلة التمني، قال: فما الرأي؟ قال: لب تعينه تجربة. # ومن كلامه أيضا: من وفى بالعهد، فاز بالحمد، ومن ms203 اصطنع قوما، انتفع بهم ~~يوما، ومن فسدت بطانته كان كمن غص بالماء، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن حدث ~~من لا يفقه كان كمن قدم مائدة لأهل القبور، ومن قطع عليك الحديث فلا تحدثه، ~~إذ ليس بصاحب أدب، ومن عرف بالصدق قبل كذبه، ومن عرف بالكذب لم يقبل صدقه، ~~ومن غضب بلا شيء رضي بلا شيء، ومن أظهر محاسنه ودفن مساويه كمل عقل، ومن ~~غلب هواه عقله افتضح، ومن استشار عدوه في صديقه أمر بقطيعته، ومن فرح بكذب ~~الناس في الثناء عليه بان لهم حمقه، ومصادقة الكرام غنيمة، ومصادقة اللئام ~~ندامة، وعدة الكريم نقد، وعدة اللئيم تسويف. # PageV01P109 # ومن كلام بزرجمهر الفارسي: نصحني النصحاء، ووعظني الوعاظ، فلم يعظني أحد ~~مثل شيمتي، ولا نصحني مثل فكري، واستضأت بنور الشمس وضوء النهار، فلم ~~أستضيء بشيء أضوأ من نور قلبي، وكنت عبد الأحرار والعبيد، فلم يملكني أحد ~~ولا قهرني مثل هواي، وعاداني العداء فلم أر أعدى إلي من نفسي، وزاحمتني ~~المضايق، فلم يزاحمني مثل الخلق السوء، ووقعت في المضار العظيمة، فلم أقع ~~في أضر من لساني، ومشيت على الجمر ووطئت على الرمضاء، فلم أر نارا أحر من ~~غضبي إذا تمكن مني، وطلبني الطلاب فلم يدركني مثل إساءتي، وفكرت في الداء ~~القاتل ومن أين يأتيني فوجدته من معصية ربي، والتمست الراحة لنفسي فلم أجد ~~شيئا أروح لها من ترك ما لا يعنيها، وركبت البحر، وعاينت الأهوال، فلم أر ~~هولا أعظم من الوقوف بين يدي سلطان جائر، وتوحشت في البراري والجبال، فلم ~~أر أوحش من قرين السوء، وعالجت السباع فغلبتها، وغلبني صاحب الخلق السوء، ~~وأكلت الطيب، وشربت المسكر، وعانقت الحسان، وركبت الجياد، فلم أجد شيئا ألذ ~~من العافية والأمن، وأكلت الصبر وشربت المر، فلم أر شيئا أمر من الفقر، ~~وشاهدت الزحوف، وعاينت الحتوف، وضارعت الأقران، فلم أر أغلب من المرأة ~~السوء، وعالجت الأثقال، ونقلت الصخر، فلم أر حملا أثقل من الدين، ونظرت ~~فيما يذل العزيز، ويسكر القوي، ويضع الشريف، فلم أر أذل من ذي فاقة ms204 وذي ~~حاجة، ورشقت بالنشاب وشددت في الوثاق، وضربت بعمد الحديد، فلم يهدمني مثل ~~ما هدمني الهم والحزن، واصطنعت الأخدان وانتخبت الأقوام للعدة والشدة ~~والنائبة، فلم أر شيئا خيرا من التكرم عندهم، وطلبت الغنى من وجوهه، فلم أر ~~غنى أغنى من القناعة، وتصدقت بالذخائر، فلم أر أنفع من رد ضال إلى الهدى، ~~ورأيت الذل في الغربة والوحدة، فلم أر أذل من مقاساة جار السوء، وشيدت ~~البنيان لأعتز به وأذكر فلم أر شرفا أرفع من اصطناع المعروف، ولبست الملابس ~~الفاخرة، فلم ألبس مثل الصلاح، وطلبت أحسن الأشياء عند الناس فلم أجد شيئا ~~أحسن من حسن الخلق، وسررت بعطايا الملوك وجوائزهم، فلم أسر بشيء أعظم من ~~الخلاص منهم. # ولما قتله كسرى أنوشروان لرغبته عن دين المجوسية وانتقاله إلى دين عيسى ~~عليه السلام وجدوا في منطقته رقعة فيها ثلاث كلمات وهي: إذا كان القدر حقا ~~فالحرص باطل، وإذا كان الغدر في الناس طبيعة فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان ~~الموت بكل الناس نازلا فالطمأنينة إلى الدنيا حمق. # ويقال: إن المهلب لما توسم النجابة في ابنه يزيد وهو صغير أراد أن ~~يختبره، فقال له: يا بني ما أشد البلاء؟ قال: يا أبت معاداة العقلاء، ثم ~~قال: اقلني قال: قد أقلتك فقل: فقال: أشد البلاء تأمير اللؤماء على ~~الكرماء. ثم قال: أقلني قال: قد أقلتك فقل: فقال: أشد البلاء معاداة ~~العقلاء ومسألة البخلاء وتأمر اللؤماء على الكرماء، فقال المهلب: والله يا ~~بني ما يسرني بقولك مقول لقمان، ولا يعدل عندي بقاءك ملك سليمان. # وكان زياد وهو من ذوي السياسة يقول: أوصيكم بثلاثة: العالم والشيخ ~~والشريف، فوالله لا أوتي بوضيع سب شريفا، أو شاب وثب بشيخ، أو جاهل امتهن ~~عالما، إلا عاقبت وبالغت. # وفي الأجوبة: أمر عليه الصلاة والسلام أن تضرب عنق عقبة بن أبي معيط ~~فقال: من للصبية يا محمد؟ قال: النار. # وقال الصديق رضي الله عنه لرجل قال له: لأشتمنك شتما يدخل معك في قبرك: ~~معك والله يدخل لا معي. # وقال عثمان بن عفان رضي ms205 الله عنه لعامر بن عبد القيس العنبري ورآه ~~أعرابيا: يا أعرابي أين ربك؟ قال: بالمرصاد. # وقال رجل لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: أين كان ربنا قبل أن يخلق ~~السماوات والأرض؟ فقال علي: أين سؤال عن المكان وكان الله ولا مكان. # وكان الأعمش يقول: احذروا الجواب، فإن عمروا بن العاصي قال لعدي بن حاتم: ~~متى فقئت عينك يا أبا طريف؟ فقال: يوم طعنت في أستك وأنت مول يعني يوم ~~صفين. # ودخل معن بن زائدة على المنصور فقال: كبر سنك يا معن فقال: في طاعتك يا ~~أمير المؤمنين، قال: وإنك مع ذلك لجلد، قال: على أعدائك يا أمير المؤمنين، ~~قال: وإن فيك لبقية، قال: هي لك يا أمير المؤمنين. # وقال معاوية لابن عباس رضي الله عنهم، وقد كف بصره: أنتم يا بني هاشم ~~تصابون في أبصاركم، فقال: وأنتم يا بني أمية تصابون في بصائركم. # PageV01P110 # وقال ابن " أبي " الزناد لابن شبرم في مناظرة: من عندنا خرج العلم، فقال ~~ابن شبرمة: نعم ثم لم يعد إليكم. # وقال عمر بن الخطاب لأبي مريم السلولي: والله لا أحبك حتى تحب الأرض الدم ~~قال: أفتمنعني حقا؟ قال: لا، قال: فلا بأس، إنما يأسف على الحب النساء. # وقال الحجاج لرجل من الخوارج: إني لأبغضكم فقال الخارجي: أدخل الله أشدنا ~~بغضا لصاحبه الجنة. # وقال رجل لعمرو بن العاصي: لأتفرغن لك، فقال: حينئذ تقع في الشغل. # وقال عبد الملك بن مروان لبثينة صاحبة جميل: ما رجا منك جميل حين أحلك؟ ~~فقالت له: ما رجت منك الأمة حين ملكتك أمرها. # وقال لثابت بن عبد الله: زعم عبد الله بن هلال أنك أشبه الناس بإبليس، ~~قال: صدق، ما ينكر أن يكون سيد الإنس يشبه سيد الجن؟ وقال معاوية لرجل من ~~أهل اليمن: ما كان أحمق قومك حين قالوا) ربنا باعد بين أسفارنا (وكان ~~اجتماع الشمل خيرا لهم، فقال اليماني: يا أمير المؤمنين: قومك أحمق حين ~~قالوا:) اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ~~(ولم ms206 يقولوا: فاهدنا له. # وقال الرشيد لشريك القاضي: يا شريك آية في كتاب والله ليس لك ولا لقومك ~~فيها شيء قوله تعالى:) وإنه لذكر لك ولقومك (فقال: يا أمير المؤمنين وآية ~~أخرى ليس لي ولا لقومي فيها شيء قوله تعالى:) وكذب به قومك وهو الحق (". # وقدم على عمر بن عبد العزيز فتيان فقالوا: توفي أبونا وترك مالا عند عمنا ~~حميد، فأمر بإحضاره وقال له: أنت القائل؟: # حميد الذي أمج داره ... أخو الخمر ذو الشيبة الأصلع # أتاه المشيب على شربها ... وكان كريما فما ينزع # قال: نعم، قال: أما إذ أقررت فسأجدك قال: هيهات، ألم تسمع قوله تعالى:) ~~والشعراء يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون وأنهم يقولون ما لا ~~يفعلون (قال: أفلت ثم قال: يا حميد، لقد كان أبوك رجلا صالحا وأنت رجل سوء، ~~قال: هؤلاء يزعمون أن أباهم توفي وترك عندك مالا، قال: نعم، وأنا أنفق ~~عليهم من مالي ثم أحضر المال بخواتيم أبيهم، فقال عمر: ما أحد أحق أن يكون ~~عنده منك، قال: لا يعود إلي بعد أن خرج مني، وأمج بفتحتين موضع. # ويروى عن الأصمعي أنه قال: أتى شهر رمضان وأنا بمكة، فخرجت إلى الطائف ~~لأصوم به فرارا من حر مكة، فلقيني أعرابي فقلت له: أين تريد؟ قال: أريد هذا ~~البلد المبارك " لأصوم فيه هذا الشهر المبارك " فقلت له: أما تخاف الحر؟ ~~قال: من الحر أفر. # ونحو هذا ما يحكى عن الربيع بن خثيم رضي الله عنه وقد صلى ليلة حتى أصبح. ~~فقال له رجل: أتعبت نفسك فقال: راحتها أطلب. # ونحوه قول عروة بن الورد: # تقول سليمى: لو أقمت بأرضنا ... لم تدر أني للمقام أطوف # وقول الآخر: # سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا ... وتسكب عيناي الدموع لتجمدا # وقول أبي تمام: # أألفة النحيب كم افتراق ... أجد فكان داعية اجتماع # وليست فرحة الأوبات إلا ... لموقوف على ترح الوداع # وقال مسلمة بن عبد الملك يوما لنصيب الشاعر: أمدحت فلانا لرجل من أهله؟ ~~قال: قد فعلت، قال: أوحرمك؟ قال: قد فعل، قال: ms207 فهلا هجوته؟ قال: لم أفعل ~~لأني أحق بالهجاء منه إذ رأيته موضعا لمدحي، فأعجب ذلك مسلمة فقال له: ~~سلني، قال: لا أفعل، قال: ولم؟ قال: لأن كفك بالعطية أجود من لساني ~~بالمسألة، فوهب له ألف دينار. # PageV01P111 # ولما فتح قتيبة بن مسلم سمرقند ظفر بأثاث وآلات لم ير مثلها، وأراد أن ~~يري الناس عظيم ما ظفر، فأمر بدار ففرشت وفيها قدور ترتقى بالسلالم، فإذا ~~بالحضين بن المنذر الرقاشي قد أقبل والناس جلوس على مراتبهم، والحصين شيخ ~~كبير، فلما رآه عبد الله بن مسلم قال لقتيبة: ائذن لي في معابثته، فقال له: ~~لا ترده فإنه خبيث الجواب، فأبى عبد الله إلا أن يعابثه، وكان عبد الله ~~يضعف، وكان قد تسور حائطا إلى امرأة قبل ذلك، فأقبل على الحضين فقال له: ~~أمن الباب دخلت يا أبا ساسان، قال: أجل، أسن عمك عن تسور الحيطان. قال: ~~أرأيت هذه القدور؟ قال: هي أعظم من أن لا ترى، قال: ما أحسب بكر بن وائل ~~رأى مثلها قط، قال: أجل، ولا عيلان، ولو كان رآها لسمي شبعان ولم يسم ~~عيلان. فقال عبد الله: يا أبا ساسان أتعرف الذي يقول: # عزلنا وأمرنا وبكر بن وائل ... تجر خصاها تيتغي من تحالف # قال: أعرف هذا وأعرف الذي يقول: # وخيبة من يخيب على غني ... وباهلة بن أعصر والركاب يريد يا خيبة من يخيب. ~~قال: أفتعرف الذي يقول: # كأن فقاح الأزد حول ابن مسمع ... إذا عرقت أفواه بكر بن وائل # قال أعرف هذا وأعرف الذي يقول: # قوم قتيبة أمهم وأبوهم ... لولا قتيبة أصبحوا في مجهل # وقبل هذا البيت: # إن كنت ترجو ان تنال رغيبة ... في دار باهلة بن أعصر فارحل # قال: أما الشعر فأراك ترويه، فهل تقرأ من القرآن شيء؟ فقال: أقرأ منه ~~الأكثر الأطيب:) هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا ~~(فأغضبه فقال: والله لقد بلغني أن امرأة الحضين حملت إليه وهي حبلى من ~~غيره، فما تحرك الشيخ عن هيئته الأولى ثم قال على رسله: وما يكون؟ ms208 تلد ~~غلاما على فراشي فيقال: بن الحضين كما يقال: عبد الله بن مسلم. # ودخل المعتصم على خاقان يعوده في مرض، فقال للفتح ابنه وهو صبي: أيما ~~أحسن داري أم داركم؟ فقال: يا أمير المؤمنين أما ما دمت في دارنا فهي أحسن، ~~ويروى أنه قال له: الدار التي أنت فيها أحسن يعني دارهم. # وقيل لرجل من الجند: أراك تكره الخروج إلى العدو، فقال: إني لأكره أن ~~يأتيني الموت في بيتي، فكيف أسافر إليه؟ ولما قتل عبد الملك عمرو بن سعيد ~~بقيت أخته آمنة عند الوليد، فلما هلك عبد الملك سعى بها ساع إلى الوليد ~~وأنها لم تبك على عبد الملك كما بكت نظائرها، فذكر لها الوليد ذلك فقالت: ~~صدق القائل إن كنت قائلة ماذا أقول؟ يا ليته بقي حتى يقتل لي أخا آخر كعمرو ~~بن سعيد. # ويلتحق بهذا الباب ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال: لما أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على القبائل خرج وأنا معه وأبو بكر ~~معنا، فأتينا مجلسا فقلنا: من القوم؟ فقالوا: من ربيعة، فقال: أبو بكر: من ~~هامتها أم لهازمها؟ فقالوا: من هامتها العظمى، فقال: وأي هامتها العظمى؟ ~~قالوا: ذهل الأكبر، قال: فمنكم عوف الذي كان يقال فيه: " لا حر ووادي عوف " ~~قالوا: لا، قال: فمنكم بسطام منتهى الأحياء؟ قالوا: لا، قال: فمنكم المزدلف ~~صاحب العمامة؟ قالوا: لا، قال: فمنكم حسان بن ربيعة حامي الذمار؟ قالوا: ~~لا، قال: فمنكم الحوفزان قاتل الملوك؟ قالوا: لا، قال: فأنتم أخوال الملوك ~~من كندة؟ قالوا: لا، قال: فأنتم أصهار الملوك من لحم؟ قالوا: لا، قال: لستم ~~ذهل الأكبر، أنتم ذهل الأصغر، فقام إليه أعرابي منهم وقال: # إن على سائلنا أن نسأله ... والعبء لا تعرفه أو تحمله # PageV01P112 # يا هذا سألتنا فلم نكتمك، فمن أنت؟ قال: من قريش، قال: بخ بخ أهل الشرف ~~والرياسة، فمن أي قريش أنت؟ قال: من تيم ابن مرة، قال: أمكنت الرامي من ~~ثغرتك، فمنكم قصي الذي جمع الله به القبائل ms209 من فهر؟ قال: لا، قال: فمنكم ~~هاشم الذي هشم الثريد لقومه؟ قال: لا، قال: فمنكم شيبة الحمد مطعم الطير؟ ~~قال: لا، قال: فلكم الإفاضة؟ قال: لا، قال: فلكم الندوة؟ قال: لا، قال: ~~فلكم الحجابة؟ قال: لا، قال: فلكم السقاية؟ قال: لا، ثم اجتذب أبو بكر زمام ~~طاقته وانصرف عنه، فقال له: أيم الله، لو تلبثت لأخبرتك أنك من زمعات قريش ~~أو ما أنا بدغفل فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال علي: فقلت: يا ~~أبا بكر حصلت من الأعرابي على باقعة، قال: أجل إن فوق كل طامة طامة، ~~والبلاء موكل بالمنطق. # وكان عتبة بن أبي سفيان عاملا على المدينة فولى رجلا من أهله على الطائف، ~~ثم إنه ظلم رجلا من الأزد وأخذ له غنما، فجاء إلى المدينة مشتكيا ودخل على ~~عتبة فأنشأ يقول: # أمرت من كان مظلوما ليأتيكم ... فقد أتاك غريب الدار مظلوم # وذكر ما فعل به العامل وأكثر، فقال له عتبة: إنك أعرابي جاف، والله ما ~~أحسبك تعرف كم تصلي في كل يوم وليلة، فقال الأعرابي: أرأيتك إن أنبأتك عن ~~ذلك أن تجعل لي أن أسألك عن مسألة؟ قال: نعم، فقال الأعرابي: # إن الصلاة أربع وأربع # ثم ثلاث بعدهن أربع # ثم صلاة الفجر لا تضيع # قال صدقت فسل، فقال: كم فقار ظهرك قال: لا ادري، قال: فتحكم بين الناس ~~وأنت تجهل هذا من نفسك، فقال عتبة: ردوا عليه غنيمته. # ولما ظهر المهلب بن أبي صفرة على الخوارج أرسل كعب " قال عنه الأصفهاني ~~في " أغانيه " " 14: 284 ": " كعب بن معدان الأشقري، والأشاقر قبيلة من ~~الأزد، شاعر، فارس، خطيب، معدود في الشجعان، من أصحاب المهلب والمذكورين في ~~حروب الأزارقة " " ابن معدان الأشقري ومرة بن تليد الأزدي إلى الحجاج ~~ليعلماه بالفتح فلما طلعا عليه تقدم كعب فأنشد: # يا حفص إني عداني عنكم السفر ... وقد سهرت فأردى نومي السهر # فقال له الحجاج: أشاعر أم خطيب؟ فقال: كلاهما، ثم أنشده القصيدة، ثم أقبل ~~عليه فقال: خبرني عن " بني " المهلب فقال: المغيرة فارسهم وسيدهم، وكفى ms210 ~~بيزيد فارسا شجاعا، وجوادهم وسحبهم قبيصة، ولا يستحيي الشجاع أن يفر من ~~مدرك، وعبد الملك سم ناقع وحبيب موت ذعاف، ومحمد ليث غاب، وكفى بالفضل ~~نجدة، قال: فكيف خلفت جماعة الناس؟ قال: قد خلفتهم بخير، قد أدركوا ما ~~أملوا، وأمنوا ما خافوا، قال: فكيف كان بنو المهلب فيهم؟ قال: كانوا حماة ~~للسرح نهارا، فإذا أليلوا ففرسان للبيات، قال: فأيهم كان انجد؟ قال: كانوا ~~كالحلقة المفرغة لا يدرى أين طرفها، قال: فكيف كنتم أنتم وعدوكم؟ قال: كنا ~~إذا أخذنا عفونا " واخذوا عفوهم يئسنا منهم "، وإذا اجتهدوا واجتهدنا طمعنا ~~فيهم، فقال الحجاج:) إن العاقبة للمتقين (كيف أفلتكم قطري؟ قال: كادنا ببعض ~~ما كنا نكيده، قال: فهلا اتبعتموه؟ قال: كان الحد عندنا آثر من الفل، قال: ~~كيف كان لكم المهلب وكنتم له؟ قال: كان لنا منه شفقة الوالد، وله منا بر ~~الولد، قال: فكيف اغتباط الناس؟ قال: فشا فيهم الأمن، وشملهم النقل قال: ~~أكنت أعددت لي هذا الجواب؟ قال: لا يعلم الغيب إلا الله، قال: هكذا والله ~~يكون الرجال، المهلب كان أعلم بك حين وجهك. # وفي " نوادر القالي " أن الحجاج قال له: كيف كان محاربة المهلب للقوم؟ ~~قال: كان إذا وجد الفرصة سار كما يسور الليث، وإذا دهمته الطحمة راغ كما ~~يروغ الثعلب، وإذا ماده القوم صبر صبر الدهر، وانه قال له: كيف أفلتكم ~~قطري؟ قال: كادنا ببعض ما كدناه به، والأجل أحصن جنة، وأنفذ عدة، قال: وكيف ~~اتبعتم عبد ربه وتركتموه؟ قال: آثرنا الحد على الفل، وكانت سلامة الجند أحب ~~إلينا من شجب العدو. # ولما مات سعيد بن العاصي قال معاوية لابنه عمرو بن سعيد وهو صبي صغير: ~~إلى من أوصى بك أبوك يا غلام؟ فقال: يا أمير المؤمنين إن أبي أوصاني ولم ~~يوص بي. # PageV01P113 # وقال معاوية لابنه يزيد وهو ابن تسع سنين: في أي سورة أنت يا بني؟ وكان ~~في سورة القتال، فكره أن يذكرها فقال: أنا في السورة التي تلي:) إنا فتحنا ~~لك فتحا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم ms211 من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ~~ويهديك صراطا مستقيما وينصرك الله نصرا عزيزا (يا أمير المؤمنين، فقال ~~معاوية: هذه السورة تليها سورتان، وهي بينهما، ففي أيتهما أنت؟ قال: في ~~السورة التي فيها:) والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد ~~وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيآتهم وأصلح بالهم (فتمثل معاوية حينئذ بقول ~~الشاعر: # ملوك وأبناء الملوك وسادة ... تفلق عنها بيضة الطائر الصقر # متى تلق منهم ناشئا في شبابه ... تجده على آثار والده يجري # ولما أصاب أهل البوادي القحط أيام هشام بن عبد الملك وفدت عليه رؤساء ~~القبائل وفيهم صبي صغير في رأسه ذؤابة، وعليه بردة يمنية فأنكر هشام حضوره ~~وقال للحاجب: ما يشاء أحد أن يصل إلينا إلا وصل حتى الصبيان، فقال الصبي: ~~يا أمير المؤمنين إن دخولي لم ينقصك، ولكن شرفني، وإن هؤلاء قدموا لأمر ~~فهابوك دونه، وإن الكلام نشر والسكوت طي لا يعرف إلا بنشره، فأعجب هشاما ~~كلامه " فقال له: " انشر لا أم لك فقال: يا أمير المؤمنين أصابتنا سنون ~~ثلاث، فسنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم، وفي يدكم نصول ~~أموال، فإن كانت لله ففرقوها على عباده، وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم؟ ~~وإن كانت لكم فتصدقوا بها عليهم، فإن الله يجزي المتصدقين، ولا يضيع أجر ~~المحسنين، فقال هشام: ما ترك لنا الغلام في واحدة من الثلاث عذرا، وأمر ~~بمائة ألف درهم " ففرقت في البادية وأمر للغلام بمائة ألف درهم " فقال: ~~ارددها في جائزة العرب، فما لي بها حاجة في خاصة نفسي دون سائر المسلمين، ~~فكان في هذه أعجب. # ولما استخلف عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه جاءته الوفود، فحين دخل عليه ~~وفد أهل الحجاز أراد غلام منهم أن يتكلم فقال له عمر: يا غلام، يتكلم من هو ~~أسن منك، فقال الغلام: يا أمير المؤمنين، إنما المرء بأصغريه: قلبه ولسانه، ~~فإذا منح الله عبده لسانا لافظا، وقلبا حافظا، فقد أجاد " له " الاختيار، ~~ولو أن الأمور بالسن لكان هنا من هو أحق ms212 بمجلسك منك، فقال له: صدقت فتكلم، ~~فهذا هو السحر الحلال، فقال: يا أمير المؤمنين، نحن وفد التهنئة، لا وفد ~~المرزئة، لم تقدمنا إليك رغبة ولا رهبة، لأنا قد أمنا في أيامك ما خفناه، ~~وأدركنا ما طلبناه، وفي رواية: أما الرغبة فقد أوصلها لنا فضلك، وأما ~~الرهبة فقد أمننا منها عدلك، فتهلل وجه عمر عند ثناء الغلام عليه، وسأل عن ~~سن الغلام فقيل: عشر سنين ثم كأن عمر خاف العجب فأقبل على الغلام وقال: ~~عظنا يرحمك الله: فقال: يا أمير المؤمنين، لا يغلبن جهل القوم بك معرفتك ~~بنفسك، فأجهل الناس مضن ترك يقين ما عنده لظن ما عند الناس، وإن قوما خدعهم ~~الثناء، وغرهم الشكر، فزلت أقدامهم فهووا في النار، أعاذك الله يا أمير ~~المؤمنين أن تكون منهم، وألحقك بصالح سلف هذه الأمة، فجعل عمر يبكي حتى خيف ~~عليه. # ودخل الأحنف بن قيس على معاوية فقال له معاوية: ما الشيء الملفف في ~~البجاد؟ قال: السخينة يا أمير المؤمنين، أشار معاوية إلى قول الشاعر يهجو ~~بني تميم بحب الطعام: # إذا ما مات ميت من ... وسرك أن يعيش فجئ بزاد # بخبز أو بلحم أو ... أو الشيء الملفف في البجاد # وأصل ذلك أن عمرو بن هند لما حلف ليحرقن من بني تميم مائة في ثأره أخذهم ~~فجعل يلقيهم في النار، حتى بقي له واحد من العدة، فإذا برجل تميمي من ~~البراجم قد ذهب في حاجة فشم روائح المحترقين فقال: هذا شواء اتخذه الملك، ~~فمال إليه، فلما وقف عليه قال له: من أنت؟ قال: برجمي، فقال الملك: " إن ~~الشقي وافد البراجم " وأمر به فقذف في النار تكميلا للعدد، فمن ذلك عيرت ~~العرب تميما بحب الطعام، وقال الشاعر: # ألا أبلغ لديك بني تميم ... بآية ما يحبون الطعاما # وأشار الأحنف بذكر السخينة، وهي حساء رقيق كانت قريش تتخذه في الشدة ~~ويعيرون به. # PageV01P114 # ومن هذا المعنى ما وقف رجل من فقعس على الفرزدق فقال له الفرزدق: أين ~~تركت القنان؟ فقال: تركته يسامي أو يقابل لصافا وهما جبلان معروفان، ms213 الأول ~~منهما هو الواقع في قول زهير: # جعلن القنان عن يمين وحزنه ... ومن بالقنان من محل ومحرم # والثاني هو الواقع في قول: # بمصطحبات من لصاف وثبرة ... يزرن إلالا سيرهن التدافع # وإلال هو جبل عرفة، فعرض الفرزدق بالفقعس مشيرا إلى قول الشاعر فيهم: # ضمن القنان لفقعس سوآتها ... إن القنان بفقعس # وأشار الفقعسي بذكر لصاف إلى قول الآخر في تميم: # وإذا ترك من تميم خصلة ... فلما يسوءك من تميم أكثر # قد كنت أحسبهم أسود خفية ... فإذا لصاف تبيض فيه الحمر # والحمر على وزن صرد، وتشدد ميمه وهو اللائق في البيت طائر شبههم به في ~~الضعف والجبن. # وقال بعضهم: كنت عند جسر بغداد فإذا بفتاة حسناء قد مرت، فجاء فتى من ~~الجانب الآخر، فلما رآها قال: يرحم الله علي بن الجهم، فقالت: ويرحم الله ~~أبا العلاء المعري، ثم انطلق كل لحاجته، ولم يقف قال: فتبعت المرأة وقلت ~~لها: لئن لم تخبريني بما جرى بينكما لأفضحنك، فقالت: لا شيء إلا أنه أشار ~~إلى قول علي بن الجهم: # عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الخوى من حيث أدري ولا أدري # فأشرت أنا إلى قول المعري: # فيا دارها بالحزن إن مزارها ... قريب ولكن دون ذلك أهوال # وتقدم نحو هذا في قصة المعري وقصة الكسائي. # ومن هذا القبيل في ذكاء العقول ولطافة الأفهام ما يحكى أن المعتمد بن ~~عباد خرج يوما هو ووزيره أبو بكر بن عمه فمرا بالرحبة فإذا بامرأة بذية بين ~~الرجال، فقال المعتمد: " الجيارين " فقال ابن عمار: نعم يا سيدي " ~~والحباسين " فالأول يقول: " الحيا زين " والثاني يقول: " والحنا شين " وصحف ~~كل تعمية على العامة واتكالا على فهم صاحبه. # وهذا ال ### | باب # لا يأتي عليه الحصر، وما ورد فيه من الشعر أكثر وأكثر، وقد قيل: أنزلت ~~الحكمة على ألسنة العرب، وما ذلك إلا في شعرها، وقال صلى الله عليه وسلم: " ~~إن من الشعر لحكمة " وتقدمت جملة من ذلك في الأمثال، وسيأتي شيء منه في ~~الوصايا والمواعظ إن شاء الله. # لله الأمر من قبل ومن بعد ms214 # باب ### | نبذة في أبيات المعاني والألغاز العربية # وهذه نبذة من أبيات المعاني والألغاز العربية، وأتبعناها للحكم والأجوبة ~~المسكتة للمناسبة الظاهرة، فإن الكل منشؤه الذكاء والفطنة، والألغاز وإن ~~كانت كما قال المحققون " من " صنعة البطالين لا نريد أن نخلي الكتاب من شيء ~~عنها لقصد التفنن والإحماض و " قد " تقدم شيء من أبيات المعاني " في الكتاب ~~" ومن ذلك في الأنواء قول بعض السدوسيين: # إذا القوس وترها أيد ... رمى فأصاب الكلى والذرا # يريد أن القوس أعني قوس قزح إذا وترها أي أقامها ونصبها على ما هي أيد أي ~~قوي، وهو الموكل بها، أو الفاعل المختار سبحانه رمى بالغيث فأصاب بالشحم ~~كلى الأنعام وذراها. # وفي صفة السيف قول الآخر: # وكنت إذا الإبريق أقعى على استه ... وظن نديم الشر أن ليس راويا # كررت عليه الكأس حتى كأنما ... يرى بالذي أسقيه منه الأفاعيا # الإبريق السيف لأنه يسقي الموت، وإقعاؤه على استه أن يأخذ بقائمه عند ~~إرادة الضرب، ونديم الشر العدو، والكأس كأس الشر. # وفي صفة الظل قول الآخر: # وصاحب غير ذي ظل ولا نفس ... هيجته بسواء البيد، فاهتاجا # يريد بالصاحب ظله، فإنه لا ظل له، ولا نفس، وقد حركه بمشيئته فتحرك. # ونحوه قول الآخر: # وثنية جاوزتها بثنية ... حرف يعارضها ثني أدهم # فالثنية الأولى ثنية بالجبل، والثانية الناقة التي ذلك سنها، والثني ~~الآخر ظلها، وهو أدهم أي أسود. # وفي اللصوصية قول الآخر: # تعيرني ترك الرماية خلتي ... وما كل من يرمي الوحوش ينالها # فإلا أصادف غرة الوحش أقتنص ... من الإنسيات العظام جفالها # أي إن لم أقتنص الوحش أسرق من الغنم العظام الجفال أي الصوف. # وقول الآخر: # توخى بها مجرى سهيل وخلفه ... من الشام أعلام تطول وتقصر # فلما رأى أن النطاف تعذرت ... رأى أن ذا الكلبين لا يتعذر # PageV01P115 # هذا لص طرد إبلا فتوخى أي قصد بها مجرى سهيل، وهو اليمن، وترك الشام ~~وأعلامه أي جباله خلفه تطول وتقصر في السراب فلما رأى أن النطاف أي المياه ~~تعذرت في طريقه رأى أن ذا الكلبين أي سيفه، والكلبان مسماران في قائمه، ms215 لا ~~يتعذر فينحر ويفتظ الكرش فيشرب ما فيه: وقول الآخر: # إنا وجدنا طرد الهوامل ... خيرا من التأنان والمسائل # وعدة العام وعام قابل ... ملقوحة في بطن ناب حامل # يقول: إن سرقة الإبل الهوامل " أي " التي لا راعي معها خير لنا من الأنين ~~والتشكي وسؤال الناس، فهذا يردنا، وهذا بالعطاء في العام أو القابل جنينا ~~في بطن أمه. # وقول الآخر: # عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذا عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير # درى الله إني للأنيس لمبغض ... ويقليه مني شاهد وضمير # وإني لأستحيي من الله أن أرى ... أطوف بحبل ليس فيه بعير # وأن أسأل المرء اللئيم بعيره ... وبعران ربي في البلاد كثير # هذا لص يستوحش من الناس لئلا يقبض، ثم زعم أنه يستحيي أن يأتي بحبل يسأل ~~من يعطيه بعيرا فيربطه به، وأن يسأل البخلاء وإبل الله كثيرة يسرقها. # وقول الآخر: # أيا بارح الجوزاء مالك لا ترى ... عيالك قد أمسوا مراميل جوعا # البارح الريح الشديدة تهب في القيظ، فهو يطلبها فإذا سرق الإبل عفت أثره ~~فلا يدرك، وجعل عياله عيالا للريح لأنه يعولها به. # ومثله قول الآخر: # جزى الجوزاء عنا الله خيرا ... فقد أغنت عن الحبل الجذيم # أي أغنتنا بريحها فنأخذ ما شئنا ولا ندرك ولم نحتج إلى حبل جذيم أي مقطوع ~~نأتي به صاحبا يعطينا فيه بعيرا. # وقول الآخر: # ألا يا جارتا بأباض إني ... رأيت الريح خيرا منك جارا # تغذينا إذا هبت علينا ... وتملأ وجه ناظركم غبارا # أباض كغراب قرية باليمامة ويقال: لم ير أطول من نخيلها فيقول هذا اللص ~~لجاريته بها: إن الريح خير منكما، وذلك أنه يسرق التمر فإذا هبت الريح ~~أسقطته له، وأعمت أربابه، فلا يرونه حتى يقضي منه أربه. # وقول الآخر: # خليلي لا تستعجلا وتبينا ... بوادي حبوني هل لهن زوال # ولا تيأسا من رحمة الله وادعوا ... بوادي حبونى أن تهب شمال # أي فتعفي الأثر وتعمي عيون الرعاة فيأخذوا حاجتهم. # وفي " الأيام والليالي " قول الآخر: # مطايا يقربن البعيد وإن نأى ... وينقلن أشلاء الكريم إلى القبر # " وقبله: # سرينا وأدلجنا وصارت ركابنا ms216 ... تمر بنا في غير بر ولا بحر # وما هي إلا ليلة ثم يومها ... وحول إلى حول وشهر إلى شهر # وينكحن أزواج الغيور عدوه ... ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر " # وقول الآخر: # سبع رواحل ما ينخن من الوجى ... شوم تشاف بسبعة زهر # متواصلات لا الدءوب يملها ... باق تعاقبها مدى الدهر # سبع أي ليال، شوم أي سود، وسبعة زهر أي أيام. # وفي التعبير على أخذ الدية وترك القيام بالثأر قول الآخر: # غدا ورداؤه لهق حجير ... ورحت أجر ثوبي أرجوان # كلانا اختار فانظر كيف تبقى ... أحاديث الرجال على الزمان # أي غدا حجير يعني أخاه، ورداؤه لهق أي أبيض لم يقتل قاتليه، ورحت أنا ~~بثوب أرجوان أي أحمر لقيامي بالثأر. # وقول الآخر: # إذا صب ما في الوطب فاعلم بأنه ... دم الشيخ فاشرب من دم الشيخ أو دعا # أي إذا تركت ثأرك في أبيك وأخذت الإبل فمتى صببت لبنا من الشكوة فهو دم ~~أبيك تشربه. # وقول الآخر: # عقوا بسهم فلم يشعر به أحد ... ثم استفاءوا وقالوا حبذا الوضح # الوضح اللبن وعقوا رموا بسهم يقال له العقيقة، وكانوا إذا كان لهم ثأر ~~وجنحوا إلى الصلح يأخذون سهما فيقولون: بيننا وبين إلهنا علامة، وهي أن ~~نرمي هذا السهم، فإن رجع مضرجا بالدم فهو يأمرنا " بالقيام بالثأر، وإن رجع ~~نقيا فهو يأمرنا " بأخذ الدية، ثم يرمون به إلى السماء، ولا يرجع أبدا إلا ~~نقيا فعيرهم الشاعر بفعل ذلك. # وفي ضد ذلك قول الآخر: # يطأ الطريق بيوتهم بعياله ... والنار تحجب والوجوه تذال # لا يشربون دماءهم بأكفهم ... إن الدماء الغاليات تكال # PageV01P116 # يقول: إنهم كرام مقار فهم ينزلون على الطريق لأبناء السبيل، وهم عيال ~~الطريق، وذلك في حال الشدة، حيث تحجب النار لئلا يراها الطارق، وتذال ~~الوجوه أي امتهان، ثم أخبر أنهم لا يأخذون الدية فيشربون الألبان عوض ~~دمائهم، فإن الدماء الغالية على أهلها تكال أي تجازى كيل الصاع بالصاع ولا ~~تذهب هدرا بالديات. # وقول الآخر: # ألا لله ما مردى حروب ... حواه بين حضنيه الظليم # وقد قامت عليه مها رماح ... حواسر ms217 ما ننام ولا تنيم # الظليم القبر المحفور في غير موضع الحفر، فهو مظلوم أي فهذا الفتى قد ~~حواه القبر وقامت عليه النساء حواسر يندبنه، وشبههن في صفائهن أو في سعة ~~عيونهن بمها رماح، ورماح كغراب موضع، والعرب ما يندبون القتيل حتى يؤخذ ~~بثأره، فالندب كناية عن ذلك. # ومثله قول قيس بن زهير: # من كان مسرورا بقتل مالك ... فليأت نسوتنا بوجه نهار # يجد النساء حواسرا يندبنه ... بالليل قبل تبلج الأسحار # أي فيعلم أنا قد ثأرنا به. # وفي الشيب والكبر " قوله ": # ولما رأيت النسر عز ابن دأية ... وعشعش في وكريه جاشت له نفسي # النسر الشيب وابن دأية الغراب وهو الشاب وعزه غلبه. # وقول الآخر: # أعار أبو زيد يميني سلاحه ... وحد سلاح الدهر للصخر كالم # وكنت إذا ما الكلب أنكر أهله ... أفدى وحين الكلب جذلان نائم # أبو زيد كنية الكبر، ويحتمل الدهر، وسلاحه العصا، وإنكار الكلب أهله عند ~~لبس السلاح فيفدى لإقدامه على الحرب وهو شاب، ووقت نوم الكلب وجذله أن تموت ~~الماشية من الهزال فيشبع منها، ولهذا قالوا في المثل السائر: نعم كلب ببؤس ~~أهله. # وقول الآخر: # أبا مالك إن الغواني هجرنني ... أبا مالك إني أظنك دائبا # أبو مالك هو الكبر لأنه يملك صاحبه. # وقول الآخر: # بئس قرينا لامرئ سالك ... أم عبيد وأبو مالك # أم عبيد الصحراء، وأبو مالك الكبر. # وأما الألغاز ففي الدرهم قوله: # ومعشوق يرقص كل يوم ... ترى في وجهه أبدا كلاما # إذا فارقته أجداك خيرا ... ولا يجدي عليك إذا أقاما # وفي القلم قول الآخر: # عجبت لذي سنين في الماء نبته ... له أثر في كل مصر ومعمر # وقول الآخر: # وبيت بعلياء الفلاة بنيته ... بأسمر مشقوق الخياشم يرعف # يصف بيت شعر عمله في الصحراء وكتبه بالقلم. # " وقال آخر: # وما ميت ذو طعم عند رأسه ... متى ذاق من ذاك الطعام تكلما # فلا هو في الأحياء حي فيتقى ... ولا هو في الأموات ميت فيرحما # غيره: # ما رأت عيني عجيبا ... كيراعي في الدواة # غائصا يستخرج الدر ... ببحر الظلمات " # وفي الهلال قول الآخر: # ومولود شهر ms218 كان فيه شبابه ... وفي شهره أودى وأدركه الكبر # غيره: # فما وليد ربا في غير مولده ... وعاد فيه قديم السن قد نحلا # وفيه وزيادة: # ألا رب مولود وليس له أب ... وذي ولد لم يلده أبوان # وذي شامة سوداء في حر وجهه ... مجللة لا تنقضي لأوان # ويكمل في خمس وتسع شبابه ... ويهرم في سبع معا وثمان " # وفي مصراعي الباب قول الآخر: # عجبت لمحرومين من كل لذة ... يبيتان طول الليل يعتنقان # إذا أمسيا كانا على الناس مرصدا ... وعند طلوع الشمس يفترقان # ولقي عبيد الأبرص أمرأ القيس فقال له: ألا أساجلك؟ فقال: بلى، فقال عبيد: # ما حية ميتة أحيت بموتها ... درداء ما أنبتت نابا وأضراسا # فقال أمرؤ القيس: # تلك الشعيرة تحنى في سنابلها ... فأضعفت بعد نبت الزرع أكداسا # فقال عبيد: # ما السود والبيض والأسماء واحدة ... ما يستطيع لهن الناس إمساسا # فقال امرؤ القيس: # تلك السحاب إذا الرحمان هيجها ... بث النطاف بماء المزن أنفاسا # فقال عبيد: # ما قاطعات بلادا لا أنيس بها ... إذا ابتكرن سرى كنسن أكناسا # فقال امرؤ القيس: # تلك الرياح إذا هبت عواصفها ... كفى بأذيالها للتراب كناسا # وقال عبيد: # ما ذات حكم بلا سمع ولا بصر ... ولا لسان فصيح يعجب الناسا # فقال امرؤ القيس: # PageV01P117 # تلك الموازين والرحمان أنزلها ... رب البرية بين الناس مقياسا # وقال عبيد: # ما مدلجات على هول ركائبها ... يقطعن بعد النوى يسرا وامراسا # فقال امرؤ القيس: # تلك النجوم إذا حانت مطالعها ... شبهتها في ظلام الليل أقباسا # وقال عبيد: # ما قاطعات بلاد الله في طلق ... إذا استبقن ولا يرجعن قرطاسا # فقال امرؤ القيس: # تلك الأماني يتركن الفتى ملكا ... دون السماع ولم ترفع له راسا # فعجب عبيد من بداهة أمرئ القيس وقال له: ما أرى أحدا يخوض تيارك. قالوا: ~~فكان امرؤ القيس مدلا بنفسه لا يرى لشاعر فضلا حتى لقي التوأم اليشكري، ~~فتنازعا الشعر، فقال له امرؤ القيس: إن كنت شاعرا كما تزعم فملط أنصاف ما ~~أقول، فقال له: قل: فقال امرؤ القيس: # أحار ترى بريقا هب وهنا # فقال التوأم: # كنار مجوس تستعر ms219 استعارا # فقال امرؤ القيس: # أرقت ونام أبو شريح # فقال التوأم: # إذا ما قلت قد هدأ استطارا # فقال امرؤ القيس: كأن هزيزه بوراء غيب فقال التوأم: # عشار وله لاقت عشارا # فقال امرؤ القيس: # فلما أن دنا لقفا أضاخ # فقال التوأم: # وهت أعجاز ريقه فحارا # فقال امرؤ القيس: # فلم يترك بذات السر ظبيا # فقال التوأم: # ولم يترك بجلتها حمارا # فبهت امرؤ القيس مما راى من بداهة اليشكري، وأقسم ألا ينازع الشعر أحدا. # واجتع الطرماح بذي الرمة فقال له: هل نتساجل، فقال: قل، فقال ذو الرمة: # فماذا زينة قد زينوه ... لغير زيادة ولغير عيد # فقال الطرماح: # هو الميت المكفن في ثياب ... يلف بها إلى القبر الجديد # وقال ذو الرمة: # وبنيان شديد الأيد عال ... بلا مدر أقل ولا عمود # فقال الطرماح: # فتلك سماؤنا خلقت ظلالا ... بناها الله ذو العرش المجيد # وقال ذو الرمة: # وحسناء المناظر كل يوم ... لها وجه يضرب بالحديد # فقال الطرماح: # هو الورق التي في الكير تجلى ... تخلص بالمطارق والوقود # وهذا الباب لا ينحصر، وإنما أشرنا إلى شيء مما وقع للعرب ليعلم أنهم ~~يتنبهون لمثل ذلك، وما وقع بعدهم في كل زمان إلى اليوم أكثر وأكثر. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | باب في ### | نبذة من المضحكات والملح # باب - وهذه نبذة في المضحكات وكل ما تنبسط به النفس من الملح، واعلم أن ~~هذا النوع هو للعقل فاكهة، كما أن الحكمة السابقة هي غذاؤه وقوامه، فلا بد ~~من كل منهما في استصلاح العقول وإزالة جساوتها وتنمية ذكائها، غير أن الملح ~~تكون بقدر الحاجة كالملح للطعام، وإلى ذلك أشار القائل: # أفسد طبعك المكدود بالجد راحة ... تفره وعلله بشيء من المزح # ولكن إذا أعطيته المزح فليكن ... بمقدار ما يعطى الطعام من الملح # وقال ابن عباس رضي الله عنه: إذا مللتم فأحمضوا إي إذا مللتم من الجد ~~فخذوا في شيء من الهزل، وقالوا: الانبساط بين أهل المروءة يسقط الحشمة، ~~ويؤكد الحرمة، ويفتق البديهة، ويشحذ الطبيعة، وقال آخر: من كمال المرء ~~مفاكهة إخوانه، إذ ممازحة الكريم تزيد ms220 في وده وتديم إخاءه، وقال الشاعر " ~~في ذلك ": # ممازحة الكريم تزيد ودا ... إذا كانت تضاف إلى الملاحة # فمازح من تحب وتصطفيه ... فمزحك مع صديقك فيه راحة # ولا بد أن يكون ذلك على قدر، ومع أهله، وإلا كان سخفا ومجلبة لكل سوء، ~~ولذلك قال عمر رضي الله عنه: من كثر ضحكه استخف " به " وذهب بهاؤه، وقال ~~سعيد بن العاصي: لا تمازح الشريف " فيحقد " ولا الدنيء فيجترئ، وقال جعفر ~~بن محمد: إياكم والمزاح فإنه يذهب بنور الوجه، وقال الشاعر: # الكبر ذل والتواضع رفعة ... والمزح والضحك الكثير سقوط # والحرص فقر والقناعة عزة ... واليأس من صنع الإله قنوط # غيره: # وإياك إياك المزاح فإنه ... يجري عليك الطفل والرجل النذلا # ويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورثه من بعد عزته ذلا # فهذا كله من الإفراط ومع ممازحة الأنذال أو مفاتحة النذل من فوقه من ~~الأشراف بالمزاح، فإنه إنما يحسن بين الأكفاء والله الموفق. # PageV01P118 # قال عبد الرحمان بن " أبي " الزناد لأشعب الطامع: أنت شيخ مسن، فهل تروي ~~شيئا من الحديث قال: نعم، حدثني عكرمة عن ابن عباس أنه عليه الصلاة والسلام ~~قال: خصلتان من حافظ عليهما دخل الجنة قال: قلت: فما هما؟ قال: نسي عكرمة ~~إحداهما ونسيت أنا الأخرى. # وكان أشعب هذا يغشى سالم بن عبد الله بن عمر رضي الله عنهم، فخرج سالم ~~يوما إلى حائط له بأهله ومعهم طعام، فتبعهم أشعب ودق الباب فلم يفتح له ~~فتسور الحائط فأشرف على سالم فقال له سالم: أما تستحيي؟ تطلع على بناتي؟ ~~فقال أشعب:) لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (فقال له: ~~اخرج وبعث إليه بطعام فأكله وانصرف. # وتداعى قوم من بني راسب وقوم من الطفاوة إلى زياد زياد في غلام وأقام كل ~~بينة، فأشكل الأمر على زياد، فقام سعد الرابية اليربوعي فقال: أيها الأمير، ~~قد تبين لي في هذا الكلام وجه الحكم فولنيه، فقال: ما هو؟ فقال: يطرح في ~~النهر، فإن طفا فوق الماء فهو للطفاوة، وإن رسب في الماء فهو لبني ms221 راسب، ~~فنهض زيد وذهب وقد علاه الضحك، ثم أرسل إلى سعد فقال: ألم أنهك أن تمازح في ~~مجلسي قال: أصلحك الله حضرني أمر خفت " أن أنساه ". # ودخل رجل على الشعبي وامرأته معه فقال: أيكما الشعبي؟ فقال الشعبي: هذه، ~~وأشار إلى المرأة، فقال: ما تقول في رجل شتمني في أول " يوم من " رمضان ~~أيؤجر على ذلك أم لا؟ فقال الشعبي: أما إن قال لك: يا أحمق فأرجو أن يكون ~~له في ذلك الأجر العظيم. # وأهدى رجل إلى الحجاج تينا في غير إبانه فجلس على الباب ينتظر الجائزة، ~~فإذا بقوم جلبوا ليقتلوا، فلما بلغوا الباب هرب واحد منهم، فخاف الموكل بهم ~~على نفسه، فأخذ صاحب التين فيهم، فلما قدموا للقتل قال: أيها الأمير، هؤلاء ~~يذنبون وأنا لا ذنب لي، فقال له الحجاج: ألست منهم؟ فقال: لا، أنا " الذي " ~~جئت بالتين، فبحث الحجاج على ذلك فوجده صادقا فقال له: أخفناك مع إحسانك ~~إلينا، تمن علي، فقال له الرجل: تعطيني ربع دينار، فقال: ما تصنع به؟ قال: ~~أشتري به فأسا فأقطع هذه الشجرة التي كانت سبب معرفتي بك، فضحك الحجاج وأمر ~~له بصلة سنية. # ومات للحجاج بعض من يعز عليه فقال لمن بحضرته: ليت إنسانا يعزيني بما ~~يسليني، فقال رجل من أهل الشام كان أرسله عبد الملك إليه: أنا أسليك قال: ~~قل، فقال: كل خليل سوف يفارق خليله بموت أو يقتل أو يصلب أو يقع من أعلى ~~البيت أو يقع في بئر أو يكون شيء آخر لا نعرفه، فقال الحجاج: قد سليتني ~~والله عن مصيبتي بأعظم منها في توجيه أمير المؤمنين رسولا مثلك. # ودخل إسماعيل بن يسار يوما على الغمر بن يزيد بن عبد الملك بعد أن حجبه ~~ساعة ثم أذن له، فجعل إسماعيل يبكي، فقال له الغمر: ما يبكيك؟ فقال: وكيف ~~لا أبكي وأنا على مروانيتي ومروانية أبوي أحجب عنك؟ وجعل الغمر يعتذر له ~~وهو يبكي فما سكت حتى وصله بمال، فلما انصرف تبعه رجل فقال له: أي مروانية ~~كانت لك ولأبويك؟ فقال: ms222 بغضنا إياهم، امرأته طالق إن لم تكن أمه تلعن مروان ~~وآله كل يوم مكان التسبيح، وإن لم يكن أبوه حضره الموت فقيل له: قل: لا إله ~~إلا الله فقال: لعن الله مروان تقربا بذلك إلى الله تعالى وإقامة له مقام ~~التوحيد. # ودخل أبو دلامة على المهدي فقال له: # إني رأيتك في المنا ... م وأنت تعطيني خياره # مملوءة بدراهم ... وعليك تفسير العبارة # فقال له: هات خيارة تملأ لك، فخرج وأتى بقرعة فقال له: أنت رأيت الخيارة ~~وهذه قرعة فقال: أم الدلامي طالق إن كنت رأيت إلا قرعة، ولكني نسيت فما ~~ذكرتها حتى رأيتها في السوق، فضحك المهدي وأمر له بخمسة آلاف درهم. # وجلس بشار يوما مع الناس على باب المهدي ينتظرون الإذن، فقال بعض موالي ~~المهدي لمن حضر: ما عندكم في قوله تعالى:) وأوحى ربك إلى النحل (ما المراد ~~بالنحل؟ فقال بشار: النحل التي يعرفها الناس، فقال: هيهات يا أبا معاذ! ~~النحل هنا بنو هاشم، وقوله:) يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء ~~للناس (هي أنواع العلوم. فقال له بشار: جعل الله طعامك وشرابك وشفاءك ما ~~يخرج من بطون بني هاشم، فغضب وشتم بشارا. وبلغ الخبر المهدي فدعاهما ~~فسألهما عن القصة، فأخبره بشار بها فضحك حتى أمسك على بطنه. # PageV01P119 # وسأل أبو العيناء بعض الوزراء أن يكتب له كتابا إلى عامل له في رجل يطلب ~~تسريحه فكتب إليه، فلما خرج قال: أخشى أن يكون كصحيفة المتلمس، ففتحه فإذا ~~فيه: أما بعد فقد سألنا من لا نوجب حقه في رجل لا نعرفه، فإن فعلت خيرا لم ~~نشكرك، وإن فعلت شرا لم نلمك، فرجع به إلى الوزير وقال له: ما هذا الذي ~~كتبت أيها الوزير؟ فقال: تلك علامة بيني وبين العامل إذا أراد قضاء حاجة ~~إنسان، فإن السؤال كثير، فقال أبو العيناء: لعن الله الوزير، وقطع يديه ~~ورجليه، وأعمى عينيه، وأصم أذنيه، فقال الوزير: ما هذا الدعاء؟ فقال: هذه ~~علامة بيني وبين ربي إذا أردت أن يستجيب لي في قضاء حاجة إنسان. # وأتى ms223 رجل إلى النخاس فقال له: اطلب لي حمارا ليس بالصغير المحتقر، ولا ~~الكبير المسرف، إن خلا له الطريق تدفق، وإن كثر الزحام ترفق، وإن قللت علفه ~~صبر، وإن أكثرته شكر، وإن ركبته هام، وإن ركبه غيري نام، لا يصادم السواري، ~~ولا يدخل تحت البواري فقال له النخاس: يا عبد الله، اصبر، فإن مسخ الله ~~القاضي حمارا أصبت لك حاجتك إن شاء الله. # ومثل هذا ما روي أن رجلا أراد شراء فرس فقال له النخاس: صف لي بغيتك منه، ~~فقال: أريده حسن القميص، جيد الفصوص وثيق القصب نقي العصب، يشير بأذنيه، ~~ويشرف برأسه ويخطر بيديه، ويدحو برجليه، كأنه مرج في لجة، أو سيل في حدور ~~أو منحط من جبل، فقال له النخاس: نعم كذلك كان صلوات الله عليه وسلامه ~~فقال: إنما وصفت لك فرسا، " فقال ": والله ما كنت أحسب إلا أنك تذكر صفة ~~نبي من الأنبياء. # وأخذ بعض الشطار فحمل إلى الكاتب ليسجل نعته، فأغلق عينه اليمنى فكتب ~~الكاتب: أعور العين اليمنى، فلما علم الشاطر أنه قد كتب ذلك فتح اليمنى ~~وأغلق اليسرى، فلما نظر إليه الكاتب توهم أنه غلط فمحا اليمنى وكتب اليسرى، ~~فأغلق الشاطر اليمنى وفتح اليسرى، فنظر الكاتب إليه " فقال: لعن الله ~~الشيطان، أفسدت ما كان صحيحا، فكتب اليمنى فأغلق الشاطر اليسرى، فتحير ~~الكاتب " ولم يدر ما يفعل فكتب: أعور من أي عينيه شاء. # وأخذ قوم محاربون فقدموا لتضرب أعناقهم فقال واحد منهم: والله ما كنت إلا ~~أغني لهم، فقيل له: فغن إذن فلم يجر على لسانه غير قول القائل: # عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن مقتد # فقيل له: صدقت وضربت عنقه. # وذكرت الشيعة عند بعض شيوخ الإباضية قالوا: مخالفونا من أهل القبلة كفار، ~~ومرتكب الكبيرة موحد غير مؤمن بناء على أن الأعمال داخلة في الإيمان، ~~وكفروا عليا رضي الله عنه وأكثر الصحابة ". # في ح: " أول كلمة " بالتنكير فأنكرهم وسبهم جدا فقيل له في ذلك فقال: إن ~~الشين أول الكلمة إنما توجد في مسخوط ms224 مثل شؤم وشر وشيطان وشح وشغب وشرك ~~وشتم وشين وشوك وشوصة وشكوى وشنآن قلت: وليس كما قال، بل هذا كثير، وضده ~~وهو المحبوب أيضا كثير، مثل شهد وشبع وشرب وشكر وشرف وشاب وشرع وشكد وشحم ~~وشورى وشفاعة وشفقة وشغفر وشفاء، وفي أسمائه تعالى: الشكور الشهيد. # وخطب عتاب بن ورقاء الرياحي يوما فقال وهو على المنبر: أقول لكم كما قال ~~الله في كتابه: # ليس شيء على المنون بباق ... غير وجه المسبح الخلاق # فقيل له: أيها الأمير هذا قول عدي بن زيد فقال: ليقله من شاء فنعم القول ~~هو. # وأتي يوما بامرأة من الخوارج فقال لها: يا عدوة الله ما حملك على الخروج ~~أما سمعت الله يقول: # كتب القتل والقتال علينا ... وعلى الغانيات جر الذيول # فقالت: جهلك بكتاب الله يا عدو الله حملني على الخروج عليك وعلى أئمتك. # ومثل هذا ما خطب علي بن زياد الأيادي فقال: أقول لكم مثل قول الرجل ~~الصالح:) ما أريكم إلا ما أرى وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (فقيل له: إنما ~~قاله فرعون، فقال: يقوله من فاله فقد أحسن فيه. # وكان رجل يكثر مجالسة أبي يوسف ويطيل الصمت، فقال له يوما ألا تسأل؟ قال: ~~بلى، متى يفطر الصائم؟ قال: إذا غربت الشمس، قال فإن لم تغرب إلى نصف ~~الليل؟ فضحك أبو يوسف وتمثل بقول الشاعر: # عجبت إزراء الغبي بنفسه ... وصمت الذي قد كان بالعلم أعلما # وفي الصمت ستر للغبي وإنما ... صحيفة لب المرء أن يتكلما # PageV01P120 # ومثل هذا ما روي أن شابا كان يكثر مجالسة الأحنف ولا يتكلم، فأعجب الأحنف ~~ذلك منه، ثم خلت الحلقة يوما فقال له الأحنف: يا ابن أخي مالك لا تتكلم؟ ~~فقال: يا عم أرأيت لو أن رجلا سقط من شرفة هذا المسجد أيضره شيء؟ فقال ~~الأحنف: ليتنا تركناك يا ابن أخي مستورا ثم أنشد متمثلا: # وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... ولم يبق إلا صورة اللحم والدم # وروي عن الجاحظ قال: عبرت على ms225 معلم كتاب فدخلت إليه فرحب بي وأجلسني معه ~~فذاكرته في القرآن فإذا هو ماهر فيه، وكذا في العربية واللغة والشعر كما هو ~~عارف، فقوي عزمي على تمزيق " دفتر المعلمين " وجعلت أختلف إليه فأتيت يوما ~~فوجدت الكتاب مغلقا، فسألت عنه فقيل: مات له ميت، فذهبه لأعزيه، فدققت ~~الباب وخرجت جارية فقال: ما تريد؟ فقلت: أريد مولاك، فقالت: هو جالس وحده ~~في العزاء ما يأذن لأحد فقلت: قولي له: صديقك فلان فدخلت فقالت: ادخل فدخلت ~~فقلت له: أعظم الله أجرك) لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة (وهذا سبيل ~~لا بد منه، فعليك بالصبر، ثم قلت: هذا الميت ولدك؟ فقال: لا، قلت: والدك؟ ~~قال: لا، قلت أخوك؟ قال: لا، قلت: فمن؟ قال: حبيبتي، فقلت في نفسي: هذا ~~أوان المناحس، ثم قلت: سبحان الله! النساء كثير، وتجد أحسن منها، فقال: ~~وكأني رأيتها فقلت في نفسي: وهذه منحسة ثانية، ثم قلت: وكيف عشقت من لم ~~تره؟ فقال: كنت في الطارمة فسمعت مغنيا يقول: # يا أم عمرو جزاك الله مغفرة ... ردي علي فؤادي أينما كانا # " لا تأخذين فؤادي تلعبين به ... فكيف يلعب بالإنسان إنسانا ". # فقلت في نفسي: أولا أن أم عمرو ما في الدنيا مثلها ما قيل فيها هذا ~~الشعر، فعلقها قلبي، ثم بعد أيام مر بي ذلك الرجل " أو غيره " وهو يقول: # إذا ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار # فعلمت أنها ماتت فحزنت عليها، وجلست للعزاء منذ ثلاثة أيام، قال الجاحظ: ~~فعاد عزمي إلى إبقاء " الدفتر " بأم عمرو. # وعن بعضهم قال: لقيت شيخا من الأعراب فرجوت أن يكون يقول الشعر أو يرويه ~~فسألته فقال: أما الرواية فلم أسمع من أروي عنه، وأما القول فلم أقل قط إلا ~~بيتا واحدا، فقلت: وهذا خير، أروي عنك هذا البيت فتحصل به رواية شعرك فما ~~هو؟ فقال: # سقيا ورعيا وزيتونا ومغفرة ... قتلتم الشيخ عثمان بن عفان # قال الراوي: فجعلت أتأمله، فقال الشيخ: لعلك تتأمل في فهم معناه " قلت: ~~نعم، قال: أنا قلته منذ سبعين ms226 سنة وأنا أفكر في معناه " فما فهمته، فكيف ~~تطمع به أنت في ساعة واحدة. # " وقال أحمد بن عمار: عملت شعرا لا معنى له ولا قافية، وقلت لسعيد بن ~~حميد: روه فلانا صديقا لنا من الطالبيين، وكان جلدا شهما، معه تغفيل، وقل ~~له: ينشده شجاع بن القاسم كاتب المستعين كأنه يمدحه به، وضل له على ذلك صلة ~~وهو: # شجاع لجاع كاتب لاتب معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل # خبيص لبيص مستمر مقدم ... كثير أثير ذو شمال مهذب # فطين أطين آمر لك زاجرا ... حصيف لصيف حين يجبر يعلم # بليغ لبيغ كلما شئت قلته ... لديه وإن تسكن من القول يسكن # أديب أبيب فيه عقل وحكمة ... عليم بشعري حين أنشد يشهد # كريم أريم قالص متباسل ... إذا جئته قدما إلى البذل يسمح # فحفظه الطالبي ولقي شجاعا ونحن نسايره فقال: أعزك الله، ليس الشعر من ~~صناعتي، ولكنك أحسنت إلي وإلى أهلي، فتكلفت أبياتا مدحتك بها، فإن رأيت أن ~~تسمعها مني، قال: قد أغناك الله من ذلك بشرفك ومودتك، فقال: بلى تتفضل ~~بسماعها، وأنشده الأبيات، فلما فرغ شكره على ذلك، ودخل إلى المستعين فأخرج ~~له عشرة آلاف درهم، وأجرى له ألف درهم في كل شهر، فجائنا الطالبي شاكرا: ~~أنتما أوصلتما هذا. # وتزوج رجل امرأة حمقاء فغاب عنها مدة فلما قدم وضمها الفراش سألها عما ~~حدث في غيبته فأنشأت تقول: # ما مسني بعدك من إنسي ... غير غلام واحد قيسي # ورجل آخر من بلي ... وثالث جا من بني عدي # ورابع أيضا أتى من طي ... وخمسة جاءوا مع العشي # وسبعة كانوا على الطوي ... غر كرام من بني علي # PageV01P121 # وآخرين معملي المطي ... من بين كوفي ومن بصري # ومن تهامي ومن نجدي ... ما فيهم من ليس بالمرضي # فقام بضربها فصاحت فأجتمع الناس فقال لهم: لولا أني قمت أضربها لعدت علي ~~أهل عرفات ومنى. # وكان بشار إذا أعوزنه القافية أو المعنى يدخل في شعره أشياء لا حقيقة لها ~~تكميلا لشعره، فمن ذلك أنه أنشد شعرا فقال فيه: # غني للغريض يا ابن قنان ms227 # فقيل له: من ابن قنان هذا؟ فإنا لا نعرفه في المغنين، فقال: وما عليكم ~~منه؟ ألكم قبله دين تطالبونه به؟ أو ثأر تريدون أن تدركوه منه؟ أو كفلت لكم ~~به فإذا غاب طلبتموني؟ فقالوا: ليس بيننا وبينه شيء من هذا، ولكنا أردنا أن ~~نعرفه، فقال: هذا رجل يغني لي ولا يخرج من بيتي، فقالوا له: إلى متى؟ فقال ~~من يوم ولد إلى يوم يموت، فتفرقوا عنه متضاحكين. # وقال بعضهم: شربنا يوما عند عبد الصمد بن علي عم المنصور، وكان يغنينا ~~الدارمي المكي، وكان حلو ظريفا، فنعس عبد الصمد وعطس الدارمي عطسة هائلة ~~فوثب عبد الصمد مرعوبا وغضب غضبا شديدا وقال: يا ابن الفاعلة، إنما أردت أن ~~تفزعني، قال: لا والله ولكن هذا عطاسي، فقال: والله لأقبنك أو تأتيني ببينة ~~على ذلك، ووكل به غلمانه، فخرج ولا يدري أين يذهب، فلقيه رجل يعرفه من أهل ~~مكة، فسأله عن أمره فأخبره فقال له: أنا أشهد لك، ومضى معه حتى دخل على عبد ~~الصمد فقال له: بم تشهد لهذا؟ فقال: رأيته عطس عطسة سقط منها ضرسه، وتطاير ~~نصف لحيته، فضحك عبد الصمد وقال: خلوا سبيله. # وقال الماوردي: كنت بمجلس درسي بالبصرة فدخل علي شيخ مسن قد ناهز ~~الثمانين أو جاوزها وقال لي: قصدتك بمسألة اخترتك لها فقلت: وما هي؟ وظننت ~~أنه يسأل عن حادثة نزلت به، فقال: أخبرني عن طالع إبليس وطالع آدم من ~~النجوم ما هو، فان هذين لعظيم شأنهما لا يسأل عنها إلا علماء الدين، فعجبت ~~وعجب من في مجلسي من سؤاله وبادر إليه واحد منهم بالإنكار والاستخفاف، ~~فكففتهم، وقلت: هذا لا يقتنع مع ما ظهر من حاله إلا بجواب مثله، فأقبلت ~~عليه وقلت: يا هذا إن النجمين يزعمون أن نجوم الناس لا تعرف إلا بمعرفة ~~مواليدهم، فإن ظفرنا بمن يعرف وقت ميلادهما أخبرناك بالطالع، فقال جزاك ~~الله خيرا، وانصرف مسرورا، فلما كان بعد أيام عاد إلي وقال: ما وجدت إلى ~~وقتي هذا من يعرف مولدهما. # وكان المأمون يوما جالسا مع ms228 ندمائه مشرفا على دجلة يتذاكرون أخبار الناس، ~~فقال المأمون: ما طالت لحية إنسان إلا نقص من عقله بقدر ذلك، فلم يسلم له ~~أصحابه ذلك، فبينما هم في ذلك رأوا رجلا كبير اللحية حسن الهيئة والثياب، ~~فقال المأمون: علي به، فلما وقف بين يديه سلم، فأجلسه المأمون، وقال له: ما ~~أسمك؟ قال: أبو حمدونة، فقال: وما كنيتك؟ قال: علوبة، فضحك المأمون وأقبل ~~على جلسائه فغمزهم عليه، ثم قال: ما صنعتك قال: فقيه أجيد الشرح للمسائل، ~~فقال: نسأل عن مسألة، فقال: سل عما بدا لك، قال: فما تقول فيمن أشترى شاة ~~فلما قبضها خرجت من أستها بعرة فقأت عين رجل، على من تجب دية العين؟ على ~~البائع أم على المشتري؟ فنكت بإصبعه الأرض طويلا ثم قال: دية العين على ~~البائع قال: ولم؟ قال: لأنه باع ولم يشترط أن في أستها منجنيقا، فضحك ~~المأمون ومن معه، ثم أنشأ يقول: # ما أحد طلت له لحية ... فزادت اللحية في هيئته # إلا وما نقص من عقله ... أكثر مما زاد في لحيته # ويؤيد هذا ما روي أن معاوية كان مع أصحابه فمر بهم رجل طويل اللحية فقال ~~معاوية: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم في طول اللحية، فقال ~~عمرو بن العاصي: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " اعتبروا عقل ~~الرجل في ثلاث: طول لحيته، وكنيته، ونقش خاتمه "، فلما جاءهم الرجل قال ~~معاوية: ما نقش خاتمك:) وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد (. قال: وما ~~كنيتك؟ قال: أبو الكوكب الدري، فقال معاوية: كمل الرجل، ولهذا قال عليه ~~السلام: " من سعادة المرء خفة لحيته ". # وروي أن أعرابيين اختصما إلى شيخ حيهما، فقال أحدهما للآخر: إنك والله ما ~~تحفظ آية من كتاب الله، فقال الآخر: والله إني لقارئ، فقال له الشيخ: اقرأ ~~علي، فقال كأنه يقرأ: # علق القلب ربابا ... بعدما شابت وشابا # PageV01P122 # إن دين الحب فرض ... لا ترى فيه ارتيابا # فقال الشيخ لخصمه: والله لقد قرأها كما أنزلت، فقال خصمه: والله يا سيدي ~~ما تعلمها ms229 إلا البارحة. # ويشبه هذا ما ذكر أن رجلا سمع رجلا ينشد: # فلا تقبل لغانية يمينا ... ولو حلفت برب العالمينا # فقال: أشكل علي موضعها في) إنا فتحنا لك فتحا مبينا (. # وذكر أن أعرابيا تقدم إلى القاضي سوار في أمر فلم يجد عنده ما يحب، ~~فاجتهد فلم يظفر بحاجته، قال: فقال الأعرابي وفي يده عصا: # رأيت رؤيا ثم عبرتها ... وكنت للأحلام عبارا # بأنني أخبط في ليلتي ... كلبا فكان الكلب سوارا # ثم انحنى على سوار بالعصا حتى منع منه قال: فما عاقبة سوار. # ويروى أن ضيفا نزل بالحطيئة وهو يرعى غنما له وفي يده عصا فقال له الضيف: ~~يا راعي الغنم، فأومأ الحطيئة بعصاه وقال: عجراء من سلم، فقال الرجل: إني ~~ضيف فقال: للضيفان أعددتها. # وروي أن ناسكا من بني الهجيم بن عمرو بن تميم كان يقول في قصصه: اللهم ~~اغفر للعرب خاصة، وللموالي عامة، فأما العجم فهم عبيدك، والأمر إليك. # ونظر يزيد بن مزيد الشيباني إلى رجل ذي لحية عظيمة وقد تلففت على صدره، ~~وإذا هو خاضب فقال: إنك من لحيتك في مئونة فقال: أجل، ولذلك أقول: # لها درهم للدهن في كل جمعة ... وآخر للحناء يبتدران # ولولا نوال من يريد بن مزيد ... لصوت في حافاتها الجلمان # ونظر أعرابي إلى رجل جيد الكدنة أي الشحم يعني سمينا فقال: يا هذا، إني ~~لأرى عليك قطيفة محكمة من نسج أضراسك. # ويروى أن جارية لهمام بن مرة بن ذهل بن شيبان قالت له يوما: # أهمام بن مرة حن قلبي ... إلى اللائي يكن مع الرجال # فقال: يا فساق، أردت صفيحة ماضية فقالت: # أهمام بن مرة حن قلبي ... إلى صلعاء مشرفة القذال # فقال: يا فجار، أردت بيضة حضينة فقالت: # أهمام بن مرة حن قلبي ... إلى أير أسد به مبالي # وكان بشار يقول: لم تقل امرأة شعر قط إلا تبين فيه الضعف، فقيل له: أو ~~كذلك الخنساء؟ قال: تلك كان لها أربع خصى. # وقال المبرد: حدثني شيخ من الأزد عن رجل منهم أنه كان يطوف بالبيت وهو ~~يدعو لأبيه ms230 فقيل له: ألا تدعو لأمك فقال: إنها تميمية. وسمع رجل يطوف ~~بالبيت وهو يدعو لأمه ولا يذكر أباه، فعوتب فقال: هذه ضعيفة وأبي يحتال ~~لنفسه. # وقال بعض المحدثين: # ولا أكتم الأسرار لكن أنمها ... ولا أترك الأسرار تغلي على قلبي # وإن أحق الناس بالسخف لامرؤ ... تقلبه الأسرار جنبا إلى جنب # وقال الآخر: # وأمنع جارتي من كل خير ... وأمشي بالنميمة بين صحبي " # ورأى طفيلي رجلا اشترى سمكا كثيرا مطبوخا، وحمله على رأس أمه له إلى ~~داره، فتبعه، فلما رأى الرجل الطفيلي بادر فأدخل الأمة ودخل وأغلق الباب، ~~فتسور الطفيلي فأشرف عليهم، فقال له الرجل: أما تتقي الله تطلع على محارم ~~الناس؟ فقال:) لقد علمت ما لنا في بناتك من حق وإنك لتعلم ما نريد (فضحك ~~الرجل وقال له: انزل إلى الباب يفتح لك، فنزل، فعمد الرجل إلى كبار السمك ~~فجعلها في زاوية البيت وترك الصغار، فلما دخل الطفيلي ورآها علم القصة، ~~فأجال بصره في البيت فرأى الإناء في زاوية البيت مغطى، فعلم أن حاجته فيه، ~~فجعل يأخذ من تلك الصغار السمكة فيقطع رأسها " بعنف " ويقربه من أذنه ويصغي ~~إليه ثم يطرحه، فقال له الرجل: ما هذا الذي تصنع؟ فقال له: اعلم أن أبي كان ~~يسافر في البحر، فغرق وأكلته الحيتان، فقلت: اليوم أدرك ثأري، فإذا بهذه ~~الحيتان تقول لي: إنا عند غرق أبيك لم نكن خلقنا بعد، وإن التي أكلت لحم ~~أبيك في الإناء الذي في زاوية البيت، فضحك الرجل واستظرفه، وآتاه بالإناء ~~الذي فيه الكبار، فأكل حتى قضى حاجته. # " وأتى طفيلي وليمة فاقتحم وأخذ مجلسه مع الناس، فأنكر عليه صاحب الدار ~~وقال: لو صبرت حتى يؤذن لك لكان أحسن لأدبك فقال: إنما اتخذت البيوت ليدخل ~~فيها، والموائد ليؤكل عليها، والشحنة قطيعة، وإطراحها صلة، وجاء في الآثار: ~~صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، ثم اجمع فيها خلالا، أحصل مجالسا، ~~وآكل موانسا، وأبسط رب الدار وإن كان عابسا، وأنشد: # PageV01P123 # كل يوم أدور في عرصة الدا ... ر أشم القتار شم الذباب # فإذا ms231 ما رأيت آثار عرس ... أو دخانا أو دعوة الأصحاب # لم أعرج دون التقحم لا أن هب شتما ولكزة البواب # مستهينا بمن دخلت عليه ... غير مستأذن ولا هياب # فتراني ألف بالرغم منهم ... كل ما قدموه لف العقاب # ذاك أهنا من التكلف والغر ... م وشتم البقال والقصاب # وعن آدم الطويل قال: دخل حانوتي غريب يأكل شيئا من طعام أتى به، فرآه ~~طفيلي فجاء ليدخل فرددته وقلت له: ما أكثر ما تتردد إلينا، فقال الغريب ~~الذي في الحانوت: لعله كما قال الشاعر: # لو طبخت قدر بمطمورة ... أو في ذرى قصر بأعلى الثغور # وكنت بالصين لوافيتها ... يا عالم الغيب بما في الصدور " # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | طفيل بن دلال الهلالي رأس الطفيليين # واعلم أن الطفيلي، وهو من يغشى الناس ابتغاء الأكل من غير استدعاء ولا ~~سؤال، منسوب إلى طفيل بن دلال الهلالي، وكان بالكوفة، فكان إذا سمع بطعام ~~أتاه من غير أن يدعى إليه، فما فاته عرس قط، فقيل له: طفيل الأعراس، فكان ~~كل من فعل فعله ينسب إليه فيقال: طفيلي. # ويقال: إنه لما حضرته الوفاة دعا ابنه عبد الحميد ليعهد إليه بهذه الحرفة ~~فقال له: يا بني إذا دخلت عرسا فلا تلتفت التفات المريب، وتخير المجلس، فإن ~~كان العرس كثير الزحام فمر وانه، وامض لشأنك، ولا تنظر في وجوه الناس ليظن ~~أهل الرجل أنك من أهل المرأة ويظن أهل المرأة أنك من أهل الرجل، فإن كان ~~البواب فظا وقاحا فابدأ به ومره وانهه من غير عنف ثم أنشد يقول: # لا تجزعن من القري ... ب ولا من الرجل البعيد # وادخل كأنك طابخ ... بيديك مغرفة الثريد # متدليا فوق الطعا ... م تدلي البازي الصيود # لتلف ما فوق الموا ... ئد كلها لف الفهود # واطرح حياءك إنما ... وجه المطفل من حديد # وعليك بالفالوذجا ... ت فإنها بيت القصيد # حتى إذا أحرزتها ... ودعونهم هل من مزيد؟ # والعرس لا يخلو من ال ... لوزينج الرطب العتيد # فإذا أتيت به حوي ... ت محاسن الجام الجديد # ثم أغمي عليه عند ذكر اللوزينج ms232 فأفاق بعد ساعة فقال: # وتنقلن على الموا ... ئد مثل شيطان مريد # فإذا انتقلت عبثت بال ... كعك المجفف والقديد # واعلم بأنك إن قبل ... ت نعمت يا عبد الحميد # وقال بنان الطفيل: دخلت البصرة فإذا فيها عريف للطفيليين يكسوهم ويرشدهم ~~إلى الأعمال، ويقاسمهم، فجئته فكساني وصرفني معهم فأزللت شيئا كثيرا، ~~والزلة عندهم ما يفضل في الولائم، فأخذ النصف وأعطاني النصف، ثم حضرت عرسا ~~جليلا فأخذت زلة فلقيني رجل فاشتراها مني بدينار وكتمته، فلما جئت دعا ~~العريف جماعة منهم فقال لهم: إن هذا البغدادي قد خان، وظن أني لا أعلم ما ~~فعل، فاصفعوه وعرفوه قال: فصفعني الأول منهم وشم يدي فقال: أكل مضيرة، ~~وصفعني الثاني وشم يدي فقال: أكل بقيلة، وهكذا حتى ذكروا كل ما أكلت ثم ~~صفعني آخر فقال: هاهو ذا، فدفعته إليهم، وجردني من الثياب التي أعطاني ~~وقال: اخرج، يا خائن، في غير حفظ الله، فخرجت متوجها إلى بغداد، وأقسمت أن ~~لا أقيم ببلد طفيليته يعلمون الغيب. # وبنان هذا هو الذي قيل له: ما تحفظ من القرآن فقال: كنت حفظته ثم نسيته ~~إلا آية واحدة، قيل: وما هي؟ قال:) وإذ قال موسى لفتاه (إلى قوله:) آتنا ~~غداءنا (فقيل له: وهل تحفظ من الشعر شيئا؟ فقال: بيتا واحدا وهو: # تزوركم لا نكافيكم بجفوتكم ... إن الكريم إذا لم يستزر زارا # وقال الشاعر: # الماء في دار عثمان له ثمن ... والخبز أيضا له شأن من الشان # عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمن ... لكنه يشتهي حمدا بمجان # والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... ما لم يروا عنده آثار إحسان # وقال آخر: # على الماء في داره زحمة ... وفيها على الخبز سفك الدما # أضاف أناسا إلى داره ... فنزههم في نجوم السما # وبالجوع قطع أمعاءهم ... ) وإن يستغيثوا يغاثوا بما ( # وقال غيره: # يا داخلا في داره خارجا ... من غير ما معنى ولا فائده # PageV01P124 # قد جن أضيافك من جوعهم ... فاقرأ عليهم سورة المائده " # ومن الملح القديمة ما يحكى عن نبي الله سليمان عليه السلام أنه وعدته ~~الهدهد وهو في ساحل البحر ms233 أن تضيفه هو وجنوده أجمعين، فلما كان الوقت جاءت ~~بجرادة فرمت بها في البحر ثم قالت لهم: دونكم، فمن فاته اللحم فليشرب ~~المرق، فضحكوا من ذلك حولا كاملا. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | ### | باب # في ### | ذكر شيء من أخبار الثقلاء # اعلم أن الثقلاء أشد الخلق ضررا على العقلاء، وأثقل من رواسي الجبال على ~~قلوب النبلاء، قيل لجالينوس: لم صار الرجل الثقيل أثقل من الحمل الثقيل؟ ~~فقال: لأن ثقله على القلب دون الجوارح، والحمل الثقيل يستعين القلب عليه ~~بالجوارح، وكان أبو هريرة - رضي الله عنه - إذا استثقل رجلا يقول: اللهم ~~اغفر لنا وأرحنا منه، وقال الأعمش: من فاتته ركعتا الفجر فليلعن الثقلاء، ~~ونقش على خاتمه: يا مقيت أبرمت فقم، فإذا استثقل جليسا ناوله إياه، وربما ~~أنشد: # وما الفيل تحمله ميتا ... بأثقل من بعض جلاسنا # وقال له رجل: مم عمشت عيناك؟ فقال: من النظر إلى الثقلاء أمثالك، وقال ~~جالينوس: لكل شيء حمى وحمى الروح النظر إلى الثقيل. وكان حماد بن زيد إذا ~~استثقل جليسا قال:) ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون (وكان يجلس إلى معمر ~~بن المثنى رجل ثقيل اسمه زنباع، فسأل رجل يوما معمرا عن معنى الزنبعة في ~~كلام العرب فقال: التثاقل، ولذلك سمي جليسنا هذا به. # وقال أبو العتاهية لابن له ثقيل: يا بني أنت والله ثقيل الظل، مظلم ~~الهوا، خامد النسيم، بارد حامض منتن. # وقال زياد بن عبد الله: قيل للشافعي: هل يمرض الروح قال: نعم من ظل ~~الثقلاء قال: فمررت به يوما وهو بين ثقيلين فقلت: كيف الروح؟ فقال في ~~النزع. وقال سهل بن هارون: من ثقل عليك بنفسه، وأغم عليك بحديثه، فأعره ~~عينا عمياء، وأذنا صماء. وكان بعض الظرفاء إذ رأى ثقيلا يقول: قد جاءكم ~~الجبل، فإذا جلس قال: قد وقع عليكم، وقيل لظريف له ثلاثة بنين ثقلاء: أي ~~بنيك أثقل؟ قال: ليس بعد الكبير أثقل من الصغير إلا الأوسط. # وكان يلم ببشار ثقيل اسمه أبو سفيان، فسئل عنه فقال: لا أدري كيف لم تحمل ~~الأمانة ms234 أرض حملته، ولا كيف احتاجت إلى الجبال بعدما أقلته، كأن قربه أيام ~~المصائب، وليالي النوائب، وكأن عشرته فقد الحبائب، وسوء العواقب، ثم أنشد: # ربما يثقل الجليس وإن كا ... ن خفيفا في كفة الميزان # ولقد قلت حين وتد في البيت ... ثقيل أربى على ثهلان # كيف لا تحمل الأمانة أرض؟ ... حملت فوقها أبا سفيان # وكان له صديق يستثقل، اسمه هلال، فقال لبشار يوما يمازحه: يا أبا معاذ، ~~إن الله لم يذهب بصر أحد إلا عوضه منه شيئا، فما عوضك؟ قال: الطويل العريض، ~~قال: وما هو؟ قال: أن لا أراك ولا أرى أمثالك من الثقلاء ثم قال: يا هلال، ~~تطيعني في نصيحة أخصك بها؟ قال: نعم، قال: إنك كنت تسرق الحمير زمانا، ثم ~~تبت وصرت رافضيا، فعد، والله، إلى سرقة الحمير، فهي والله، خير لك من ~~الرفض، وفي هلال هذا يقول بشار: # وكيف يخف لي بصري وسمعي ... وحولي عسكران من الثقال # قعودا عند دسكرتي وداري ... كأن لهم علي فضول مال # إذا ما شئت جالسني هلال ... وأي الناس أثقل من هلال؟ # وقال الحمدوي: بعث إلي أحمد بن حرب المهلبي في غداة غيم فأتيته وعنده ~~عجاب المغنية، فلما أكلنا أخذنا في الشراب والغناء، فمرت لنا أطيب ساعة ~~فقال ابن حرب: اللهم اكفنا ثقيلا ينغص، فما تم قوله حتى دق الباب ففتح فدخل ~~رجل آدم ضخم، فلم يدر كيف يسلم، ولا بم يتكلم، وخطا فعثر في قدح فكسره، ~~فلما رأيت ما حل بنا أخذت القلم والقرطاس وكتبت: # كدر الله عيش من كدر العي ... ش وقد كان صافيا مستطابا # جاءنا والسماء تهطل بالغي ... ث وقد طابق السماع الشرابا # كسر الكأس وهي كالكوكب الدر ... ي ضمت من المدام لعابا # قلت لما رميت منه بما أكس ... ره والدهر ما أفاد أصابا # عجل الله نقمة لابن حرب ... تدع الدار بعد شهر خرابا # PageV01P125 # وألقيتها إلى ابن حرب فلما قرأها قال: ويحك ألا نفست؟ فقلت: بعد حول ~~فقلت: ما أردت أن أقول: إلا بعد يوم، ولكني خفت أن تصيبني معكما الصيحة، ~~ففطن ms235 الثقيل فنهض، فقال لي ابن حرب: آذيته، فقلت: هو آذاني أولا، والبادي ~~أظلم، ثم قال: لعمري لئن أساء في قدومه وإقدامه، لقد أحسن في نهوضه وقيامه. # واستأذن بعض الثقلاء على ابن المبارك فلم يأذن له، فكتب إليه ذلك الثقيل: # هل لذي حاجة إليك سبيل؟ ... لا طويل قعوده بل قليل # فأجابه ابن المبارك: # أنت يا صاحب الكتاب ثقيل ... وقليل من الثقيل طويل # وذكر ثقيل عند بعض الأذكياء فقال: هو ثقيل السكون، بغيض الحركة، كثير ~~الشؤم، قليل البركة، كأنه ثقل الدين، ووجع العين، وما أحقه بقول القائل: # ثقيل يطالهنا من أمم ... إذا سره رغم أنفي ألم # لنظرته وخزة في القلوب ... كوخز المحاجم في الملتزم # أقول له إذ أتى لا أتى ... ولا حملته إلينا قدم: # عدمت خيالك لا من عمى ... وسمع كلامك لا من صمم # ووصف آخر ثقيلا فقال: هو بين الجفن والعين قذاة، وبين القدم والنعل حصاة، ~~ما أشبه طلعته إلا بوقت الفراق، أو كتاب الطلاق، أو طلعة الرقيب، أو موت ~~الحبيب: # مشتمل بالبغض لا تنثني ... إليه طوعا لحظة الرامق # يظل في مجلسنا قاعدا ... أثقل من واش على عاشق # وذكر عند العباس بن الحسن العلوي ثقيل يسمى أبا عمار فقال: ما الحمام على ~~الأضرار، وحلول الدين على الإقتار، وشدة السقم في الأسفار، بأثقل على النفس ~~من طلعة أبي عمار، وأنشد: # تحمل منه الأرض أضعاف ما ... يحمله الحوت من الأرض # وقال بعضهم في صفة ثقيل: هو أثقل من داء بلا علة، وأبغض من خراج بلا غلة، ~~قد خرج عن حد الاعتدال، وذهب من ذات اليمين إلى ذات الشمال، يحكي ثقل ~~الحديث المعاد، على القلوب والأكباد، وإذا نظرت إلى مشيته أنشدت: # ثقيل براه الله أثقل من برا ... ففي كل قلب بغضة منه كامنه # مشى فدعا من ثقله الحوت ربه ... وقال: إلهي، زيدت الحوت ثامنه # وقول أبي عمار بل عبد الله بن خلف في صفة ثقيل: # وثقيل أشد من ثقل المو ... ت ومن شدة العذاب الأليم # لو عصت ربها الجحيم لما كا ... ن سواه عقوبة ms236 للجحيم # ولابن عطاء الصنهاجي: # ليس من الناس ولكنه ... يحسبه الناس من الناس # أثقل في أنفس أصحابه ... من جبل راس على راس # وقال آخر وبالغ: # يا رحمة الله على آدم ... رحمة من عم ومن خصصا # لو كان يدري أنه خارج ... مثلك من إحليله لاختصى # وقال آخر مثله: # لو كان آدم عالما غيبا بأن ... ستكون من أولاده فيما غبر # لأبان حقا بالطلاق ثلاثة ... وأبى لأجلك أن يكون أبا البشر # وقول الآخر، ويقال: إنها ما قرئت على ثقيل إلا ارتحل: # يا مبرما أهدى حمل ... خذ وارتجل ألف جمل # قال: وما أحملها ... قلت: زبيب وعسل # قال: ومن يقودها؟ ... قلت له: ألف بطل # قال: وما سلاحهم؟ ... قلت: سيوف وأسل # قال: وما لباسهم؟ ... قلت: حلي وحلل # فقال: ملك لي إذن؟ ... قلت: نعم إن ترتحل # قال: فهل أبرمتكم؟ ... قلت له: الأمر جلل # قال: وهل أثقلتكم؟ ... قلت له: فوق الثقل # وقال البهاء المهلبي: # وجاهل طال به عنائي ... لازمني وذاك من شقائي # كأنه الأشهر من أسمائي ... أخرق ذو بصيرة عمياء # لا يعرف المدح من الهجاء ... أفعاله الكل بلا استواء # أقبح من وعد بلا وفاء ... ومن زوال النعمة الحسناء # أبغض للعين من الأقذاء ... أثقل من شماتة الأعداء # فهو إذا رأته عين الرائي ... أبو معاذ وأخو الخنساء # ومطيع بن إياس قال: # قل لعباس أجبنا ... يا ثقيل الثقلاء # أنت في الصيف سموم ... وجليد في الشتاء # وللصاحب بن عباد: # تزلزلت الأرض زلزالها ... وأخرجت الأرض أثقالها # مشى ذا الثقيل على ظهرها ... فماجت وقيل: انظروا ما لها # وقال آخر: # إذا جلس الثقيل إليك يوما ... أتتك عقوبة من كل باب # PageV01P126 # فهل لك يا ثقيل إلى خصال ... تنال ببعضها كرم المآب # إلى مالي فتأخذه جميعا ... أحل لديك من ماء السحاب # وتنثف لحيتي وتدق أنفي ... وما في في من ضرس وناب # على أن لا أراك ولا تراني ... على حال إلى شيب الغراب # وقال أبو نواس في الرقيب: # لسهم الجرح في فؤادي ... وذاك الجرح من عين الرقيب # يوكل ناظريه بنا ويحكي ... مكان الحافظين على الذنوب # ولو سقط الرقيب من ms237 الثريا ... لصب على محب أو حبيب # ولو عمي الرقيب بغير شك ... لأبصر قلبه ما في القلوب # وله: # لاحظته فبسما ... وخلا المكان فسلما # وبدا الرقيب فقلت: لا ... سلم الرقيب من العمى # ولابن المعتز: # قد دنت الشمس للمغيب ... وحان شوقي إلى الحبيب # طوبى لمن عاش عشر يوم ... له حبيب بلا رقيب # قيل لأبي الحارث جميز: ما تشتهي قال: القضاء على أعين الرقباء وألسن ~~الوشاة وأكباد الحساد. # وقال القاضي عمر بن الوردي: # لي شهوتان أحب جمعهما ... لو كانت الشهوات مضمونه # أعناق عدائي " مدققة " ... ومفاصل الرقباء " مدفونه " # وقال غيره: # قال لي عودي غداة رأوني ... ما الذي تشتهيه واجتهدوا بي # قلت مقلى فيه لسان وشاة ... قطعوه فيه بصنع عجيب # وأضيفت إليه كبد حسود ... فقئت فوقها عيون الرقيب # آخر: # عندي لكم يوم التواصل دعوة ... يا معشر الندماء والجلساء # أشوي قلوب الحاسدين بها وأل ... سنة الوشاة وأعين الرقباء # وقال جحظة: # يا لفظة النعي بموت الخليل ... يا وقفة التوديع بين الحمول # يا شربة اليارج يا أجرة ال ... منزل يا وجه العدو الثقيل # يا نهضة المحبوب عن غضبة ... يا نعمة قد أذنت بالرحيل # ويا طبيبا قد أتى باكرا ... على أخي السقيم بماء البقول # ويا كتابا جاء من مخلف ... للوعد مملوءا بعذر طويل # يا بكرة الثكلى إلى حفرة ... مستودع فيها عزيز الثكول # يا ردة الحاجب عن قسوة ... يا نكسة من بعد برء العليل # يا طلعة النعش ويا منزلا ... أقفر من بعد الأنيس الخليل # يا شوكة في قدم رخصة ... ليس إلى إخراجها من سبيل # وجحظة هذا من ولد يحيى بن خالد بن برمك، واسمه أحمد بن جعفر وسماه ابن ~~المعتز جحظة لجحوظة في عينيه، وكان قبيح الوجه طيب الغناء، وفيه يقول ابن ~~الرومي: # نبئت جحظة يستعير جحوظه ... من فيل شطرنج ومن سرطان # يا رحمة لمنادميه تحملوا ... ألم العيون للذة الآذان " # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | ### | باب # ### | نبذة في الأوليات # وهذه نبذة في الأوليات مما علق بفكري في: أول نبي ورسول آدم عليه السلام، ~~وهو أول من بنى، وأول من ms238 الحرث والحياكة وأمور النساء والنسل مما يكثر عده، ~~أول قاتل قابيل، أول مقتول هابيل، أول رسول إلى أهل الأرض أي كل من في ~~الأرض من الناس المختلفين نوح عليه السلام، وبما ذكرنا يظهر الفرق بينه ~~وبين آدم، فإن آدم أرسل إلى أولاده، وهم وإن كثروا بنو رجل واحد، وهو أول ~~من عمل السفينة، وأول من هلك قومه بعصيانه. # أول من ظهر فيه سواد الخلقة الكوش بن حام، وهو جد السودان، وقيل إنهم ~~إنما اسودوا من حرارة بلدهم. # أول ملك قام في الأرض كيومرث " قيل " وهو ابن آدم لصلبه. # أول من سخرت له الخيل إسماعيل بن إبراهيم - عليهما السلام - وقيل: إنه ~~أعطيها آدم قبل ذلك. # أول من بنى الكعبة إبراهيم - عليه السلام - وقيل: أول من بناها شيت بن ~~آدم. # أول من نطق بالعبرانية إسحاق بن إبراهيم - عليهما السلام -. # أول من بنى بالآجر فرعون - لعنه الله -. # أول من جمع العروبة وهي الجمعة كعب بن لؤي أحد أجداده صلى الله عليه ~~وسلم. # أول من خضب بالسواد من العرب عبد المطلب بن هاشم. # أول من اتخذ العود للغناء لامك والد نوح - عليه السلام -. # أول امرأة ثقبت أذناها وخفضت وجرت ذيلها هاجر أم إسماعيل - عليه السلام ~~-. # أول من قال القريض والرجز يعرب بن قحطان. # أول جزية وقعت في الأرض أخذها أولاد حام من أولاد يافث ثم أجلاهم أعني ~~أولاد حام إلى بلاد المغرب يعرب المذكور. # PageV01P127 # أول من تتوج من ملوك العرب سبأ. # أول من سقف البيوت بالخشب المنشور أميم وكان ملكا أبا قبيلة. # قال المعري: # يراه بنو الدهر الأخير بحاله ... كما أبصرته جرهم وأميم # أول من كسا البيت الحرام بالديباج الحجاج، وقيل: عبد الله بن الزبير، ~~وقيل: قتيلة بنت جناب أم العباس بن عبد المطلب. # أول ميت بعد الهجرة وأول من صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأول من ~~دفن بالبقيع أسعد بن زرارة - رضي الله عنه - وقيل أول منه إلى الموت كلثوم ~~بن الهدم. # أول من قال أما بعد قس بن ساعدة الإيادي، ms239 وقيل غيره وقال القائل: # " جرى الخلف " أما بعد " من كان بادئا ... بها عد أقوام وداوود أقرب # ويعقوب أيوب الصبور ونافع ... وقس وسحبان وكعب ويعرب " # أول سورة أنزلت:) اقرأ باسم ربك (وقيل:) يا أيها المدثر (وأولية الأولى ~~بحسب النبوءة والثانية بحسب الرسالة. # أول من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم من الرجال " الصرحاء " أبو بكر ~~الصديق ولذلك سمي صديقا - رضي الله عنه - ومن النساء خديجة، ومن الموالي ~~زيد بن حارثة، ومن الغلمان علي - رضي الله عنه وعن جميعهم -. # أول جمعة صليت في المدينة قبل الهجرة صلاها المصعب بن عمير وأصحابه - رضي ~~الله عنهم -. # أول جمعة صليت في غير المدينة في جواثى: قرية بالبحرين. # وأول من رمى بسهم في سبيل الله سعد بن أبي وقاص الزهري - رضي الله عنه -. # أول غنيمة حصلت عبر عمرو بن الحضرمي، وهو أول مقتول على الكفر. # أول متبارزين في الجهاد حمزة وعلي وعبيدة مع أقرانهم من المشركين، وهم ~~عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة، وقيل إنه فيهم نزلت:) هذان ~~خصمان اختصموا في ربهم (. # أول مولود في الإسلام عبد الله بن الزبير - رضي الله عنهما -. # أول الخلفاء في هذه الملة أبو بكر - رضي الله عنه -. # أول الملوك فيها معاوية - رضي الله عنه -. # أول من كتب بالعربية إسماعيل - عليه السلام -. # أول من أدخل الكتاب العربي على أرض الحجاز حرب بن أمية وقيل: سفيان بن ~~أمية. # أول من جمع القرآن في الصحف أبو بكر. # أول من جمعه في المصاحف عثمان - رضي الله عنه -. # أول من تكلم في فن الإعراب أمير المؤمنين علي. # أول من جمع الحديث إمامنا مالك - رضي الله عنه -. # أول من هذب علم أصول الدين وحصله أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري - رضي ~~الله عنه -. # أول من اتخذ ركاب السرج من حديد المهلب بن أبي صفرة. # أول من أدخل علوم الأوائل في هذه الملة المأمون العباسي. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | باب ### | نبذة من المواعظ والوصايا # وهذه نبذة من المواعظ والوصايا، فمن ذلك ما ms240 يروى حديثا نحو قوله صلى الله ~~عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس ~~على أموالهم وأنفسهم، والمهاجر من هاجر الخطايا والذنوب والمجاهد من جاهد ~~نفسه في طاعة الله تعالى ". # وقوله عليه السلام لعبد الله بن عمر: " اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل ~~هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك ~~". # وقوله: " ما ينتظر أحدكم إلا غنى مطغيا، أو فقرا منسيا، أو مرضا مفسدا، ~~أو هرما منفدا أو موتا مجهزا، أو الدجال، والدجال شر غائب " ينتظر " أو ~~الساعة والساعة أدهى وأمر ". # وقوله: " عش ما شئت فإنك ميت، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، اعمل ما شئت، ~~فإنك ملاقيه ". # وقوله صلى الله عليه وسلم: " ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في ~~أيدي الناس يحبك الناس ". # وقوله: " ليس للإنسان من ماله إلا ما أكل فأفنى، أو لبس فأبلى، أو تصدق ~~فأمضى ". # ومن كلام الصديق رضي الله عنه: " الموت أهون ما بعده وأشد ما قبله ". # وقوله: " ثلاثة من كن فيه كن عليه: البغي والنكث والمكر ". # وقوله: # PageV01P128 # " إن الله تعالى قرن وعده بوعيده ليكون العبد راغبا راهبا ". # ومن كلام الفاروق رضي الله عنه يخاطب ابنه عبد الله: " أما بعد، فإن من ~~اتقى الله وقاه، ومن توكل عليه كفاه، ومن شكر له زاده، ومن استقرضه جزاه، ~~فاجعل التقوى عماد قلبك، وجلاء بصرك، فإنه لا عمل لمن لا نية له، ولا أجر ~~لمن لا حسبة له، ولا جديد لمن لا خلق له ". # وقوله في بعض خطبه: " أيها الناس، حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، فإنه ~~أيسر لحسابكم، وزنوا أعمالكم قبل أن توزن عليكم، وتجهزوا للعرض الأكبر يوم ~~تعرضون لا تخفى منكم خافية ". # ومن كلام علي كرم الله وجهه في بعض وصاياه: " لا تكن ممن يرجو الآخرة ~~بغير عمل، ويؤخر التوبة لطول الأمل، ويقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل ~~بعمل الراغبين، إن أعطي لم يشبع، وإن منع لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي، ~~ويبتغي الزيادة فيما بقي، ms241 ينهى ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، يحب الصالحين ~~ولا يعمل معهم، ويبغض المسيئين وهو منهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم ~~على ما يكره الموت بسببه، إن مرض ظل نادما، وإن صح أمن لاهيا، يعجب بنفسه ~~إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلي، تغلبه نفسه على ما يظن، و " لا " يغلبها على ما ~~يتيقن، ولا يثق بما ضمن له، ولا يعمل بما فرض عليه، إن استغنى بطر وفتن، ~~وإن افتقر قنط وحزن، يخاف الموت، ولا يبادر الفوت، يطاع فيعصي، ويستوفي ولا ~~يوفي ". # وقوله أيضا يخاطب سلمان رضي الله عنهما: " إنما مثل الدنيا كمثل الحية، ~~لين مسها، قاتل سمها، فأعرض عما يعجبك فيها لقلة ما يصحبك منها، ودع عنك ~~همومها لما أيقنت به من فراقها، وكن أسر ما تكون فيها أحذر ما تكون لها، ~~فإن صاحبها كلما اطمأن فيها إلى سرور، أشخصه عنه مكروه، وإن ركن منها إلى ~~إيناس، أزاله عنه إيحاش ". ### | طائفة من الحكم # " وجمع بعضهم حكمه رضي الله عنه على حروف المعجم. ### | حرف الألف # إيمان الرجل يعرف بإيمانه. # أخوك من واساك بالشدة. # إظهار الغنى من الشكر. # أداء الدين من الدين. # أدب المرء خير من مذهبه. # أدب عيالك تنتفع بهم. # إخوان هذا الزمان جواسيس العيوب. # أحسن إلى المسيء تفسده. # إخفاء الشدائد من المروءة. # آفة الإنسان، من اللسان. # الإسراف مذموم إلا في البر. # العلم يرفع الوضيع. # الإنسان، عبد الإحسان. # العاقل يترك ما يحب فيستغني عن علاج ما يكره. # الناس نيام فإذا ما ماتوا انتبهوا. # النصح بين الملأ تقريع. # إذا تم العقل نقص الكلام. # أكبر الأعداء أخفاهم مكيدة. # الحرمان مع الحرص. # الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له. # السعيد من وعظ بغيره. # الإحسان، يقطع اللسان. # الشرف بالعقل والأدب، لا بالأصل والحسب. # إذا أفلستم فأقرضوا الله بالصدقة. # إذا حل القدر، بطل الحذر. # إذا قدرت على عدوك فاجعل العفو شكرا لقدرتك عليه. # الناس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم. # المرء مخبوء تحت طي لسانه، لا تحت طيلسانه. # الجزع عند البلاء تمام المحنة. # المرء عدو ما جهله. # إعادة الاعتذار ms242 تذكير للذنوب. # الشفيع جناح الطالب. # أحسن المكارم الجود. # أفضل المعرفة معرفة الإنسان نفسه. # أحسن العدل نصرة المظلوم. # أفضل الناس السخي المؤمن. # السامع للغيبة أحد المغتابين. # الأدب صورة العقل. # القلب إذا كره عمي. # العداوة شغل شاغل. # الراحة مع اليأس. # أكرم الأدب حسن الخلق. # أكبر الفقر الحمق. # أوحش الوحشة العجب. # أغنى الغنى العقل. # احذروا نفار النعم فما كل شارد بمردود. # أكثر مصارع العقول تحت بروق الأطماع. # الطامع في وثاق الذل. # إذا وصلت إليكم أطراف النعم فلا تنفروها أقصاها بقلة الشكر. ### | حرف الباء # الفقير مستسهل الفقر لنفسه، يعيش في الدنيا عيش الفقراء ويحاسب في الآخرة ~~حساب الأغنياء. # بشر مال البخيل بحادث أو وارث. # بشر نفسك بالظفر مع الصبر. # بالبر، يتعبد الحر. # بر الوالدين سلف. # بع الدنيا بالآخرة تربح. # بكاء المرء من خشية الله قرة عين. # باكر تسعد. # باكر السبت والخميس تغنم. # بركة العمر في حسن العمل. # بشاشة الوجه عطية ثانية. # بلاء الإنسان، من اللسان. # برك لا تبطله بالمنة. ### | حرف التاء # PageV01P129 # توكل على الله يكفك تأخير الإساءة من الإقبال. # تدارك في آخر عمرك ما فاتك في أوله. # تكاسل المرء في الصلاة من ضعف الإيمان. # تفاءل بالخير تنله. # تأكيد المودة في الحرمة. # تغافل عن المكروه تظفر بترك الذنوب. # تزاحم الأيدي على الطعام بركة. # تواضع المرء بكرمه. # توقير الأكابر من الأدب. ### | حرف الثاء # ثلاث مهلكات: بخل وهوى وعجب. # ثلث الإيمان حياء، وثلثه عقل، وثلثه جود. # ثلمة الدين موت العلماء. # ثلمة الحرص لا يسدها إلا التراب. # ثني " كذا " إحسانك بالاعتذار. # ثوب السلامة لا يبلى. # ثبات الملك في العدل. # ثواب الآخرة خير من نعيم الدنيا. # ثبات النفس بالعدل " كذا ". # ثبات الروح بالغنى " كذا ". # ثناء الرجل على معطيه مستزيد " كذا ". # ثلاث خصال من لم تكن فيه لا خير فيه: دين يرشده، أو حياء يردعه، أو خوف ~~يمنعه. # ثلاث من السعادة: سلامة الدين، وسلامة البدن، وسلامة الدنيا. ### | حرف الجيم # جد ما تجد. # جهد المقل كثير. # جمال المرء في الحلم. # جليس السوء شيطان. # جولة الباطل ساعة، وجولة الحق إلى الساعة. # جودة ms243 الكلام في الاختصار. # جليس الخير غنيمة. # جليس المرء مثله. # جالس الفقراء تزدد شكرا. # جد بالكثير واقنع بالقليل. ### | حرف الحاء # حلم المرء عونه. # حسن الخلق غنيمة. # حلي الرجال الأدب، وحلي النساء الذهب. # حدة المرء تهلكه. # حرفة المرء كنزه. # حياء المرء ستره. # حرقة الأولاد، محرقة الأكباد. # حرم الوفاء على من لا أصل له. # حموضات الكلام، خير من حموضات الطعام. ### | حرف الخاء # خف الله تأمن غيره. # خالف نفسك تسترح. # خير الأصحاب من يدللك على الخير. # خليل المرء دليل عقله. # خوف الله يجلي القلوب. # خلو القلب خير من إملاء " كذا " الكيس. # خلوص الود، من حسن العهد. # خير النساء الولود الودود. # خير المال ما أنفق في سبيل الله. # خابت صفقة من باع الدين بالدنيا. ### | حرف الدال # دوام السرور بر الإخوان. # دولة الأرذال، آفة الرجال. # دار من جفاك تخجله. # دواء القلب الرضا بالمقدور. # دار الظالمين خراب. # دينار البخيل حجر. # دولة الملوك العدل. # دم على كظم الغيظ تحمد عاقبتك. ### | حرف الذال # ذم الشيء من الاشتغال به. # ذنب واحد كثير وألف حسنة قليلة. # ذكر الأولياء ينزل الرحمات. # ذكر الظالمين في طغيانهم. # ذل المرء في الطمع. # ذليل الفقر عند الله عزيز. # ذكر الشباب حسرة. # ذكر الموت جلاء القلب. # ذكر الثناء خسارة "؟ ". ### | حرف الراء # راع أباك يراعك ابنك. # رتبة العلم أعلى الرتب. # رزقك يطلبك فاسترح. # راع النفس عند غلبات الحمق. # رؤية الحبيب جلاء العين. # رفاهية العيش في الأمن. # رسول الموت الولادة. # رواية الحديث نسبة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. # رفيق المرء دليل عقله. # راع الحق عند غلبات النفس. # رعونات النفس تتبعها " كذا ". ### | حرف الزاي # زر المرء على قد إكرامه لك. # زيارة الضعفاء من التواضع. # زيارة الحبيب تطري المحبة " كذا ". # زوايا الدنيا مشحونة بالرزايا. # زلة العالم كبيرة. # زينة الباطن خير من زينة الظاهر. # زهد الغامي مضلة. # زن الرجال بموازينهم. # زحمة الصالحين رحمة. # زوال العلم بموت العلماء. # زكاة السلطان إغاثة الملهوف. # زيارة المحبوب تزيد المحبة. ### | حرف السين # سرورك بالدنيا غرور. # سيرة المرء تنبئ عن سريرته. # سلامة الإنسان، في حفظ اللسان. ms244 # سادة الأمة الفقهاء. # سوء الخلق وحشة لا خلاص منها. # سكرة الأحياء سوء الخلق. # سلاح الضعفاء الشكاية. ### | حرف الشين # شيبك ناعيك. # شرط الألفة، ترك الكلفة. # شفاء الجنان، قراءة القرآن. # شر الناس من تتقيه الناس خوفا من شره. # شحيح غني أفقر من فقير سخي. # شر الأمور أقربها من الشر. # شمر في طلب الجنة. # شح الغني عقوبة. # شمة " كذا " من المعرفة خير من كثير من العلم. ### | حرف الصاد # صدق المرء نجاته. # صحة البدن الصوم. # صاحب الأخيار تأمن من الأشرار. # صلاح الدين في الورع، وفساده في الطمع. # صبرك يورثك الظفر. # صلاح البدن في السكون. # PageV01P130 # صلاة الليل بهاء في النهار. # صلاح الإنسان، في حفظ اللسان. # صمت الجاهل يستره. # صل الأرحام يكثر حشمك. # صحبة الأحمق عذاب الروح. # صحبة الأشرار، توجب سوء الظن بالأخيار. ### | حرف الضاد # ضل من عاشر الأشرار. # ضل من باع الدين بالدنيا. # ضرب اللسان، أشد من ضرب السنان. # ضاقت الدنيا على المتباغضين. # ضمن الله رزق كل أحد. # ضرب الحبيب أوجع. # ضياء القلب من أكل الحلال. # ضيق القلب أشد من ضيق اليد. # ضاق صدر من ضاقت يده. # ضادوا الشر بالخير. ### | حرف الطاء # طاب وقت من وثق بالله تعالى. # طال عمر من قصر أمله. # طلب الأدب، خير من طلب الذهب. # طوبى لمن رزق العافية. # طول العمر مع العافية من خلع الأنبياء عليهم السلام. # طال عمر من قصر تعبه. # طوبى لمن لا أهل له. # طاعة العدو هلاك. # طاعة الله غنيمة. # طلاق الدنيا مهر الجنة. ### | حرف الظاء # ظلم الظالم يقوده إلى الهلاك. # ظمأ المال أشد من ظمأ الماء. # ظلم المرء يصرعه. # ظلامة المظلوم لا تضيع. # ظل الأعوج أعوج. # ظل السلطان كظل الله. # ظلمة الظالم تظلم الإيمان. # ظل الظالم قصير. # ظل الكريم فسيح. # ظل الملوك " كذا " أسهل من ذلال الرعية " كذا ". ### | حرف العين # عش قانعا تكن ملكا. # عيب الكلام تطويله. # عاقبة الظلم وخيمة. # عدو عاقل خير من صديق أحمق. # علو الهمة من الإيمان. # عز من قنع. # عسر المرء مقدمة اليسر. # عليك بالحفظ دون الجمع من الكتب. # عقوبة الظالم سرعة ms245 الموت. ### | حرف الغين # غضب الجاهل في قوله، وغضب العاقل في فعله. # غشك من أسخطك بالباطل " كذا ". # غنم من سلم. # غلت قدور المتوكلين. # غمرة الموت أهون من مجالسة من لا تهوى. # غاب حظ من عاب نفسه. # غضبك من الحق مقبحة. # غدرك من دلك على الإساءة. # غشك من أرضاك بالباطل. # غنيمة المؤمن وجدان الحكمة. ### | حرف الفاء # فاز من ظفر بالدين. # فخر المرء بفضله، أفضل من فخره بأصله. # فاز من سلم من شر نفسه. # فسدت نعمة من كفرها. # فعل المرء يدل على أصله. # فرع الشيء يخبر عن أصله. # فكاك المرء بالصدقة. ### | حرف القاف # قول المرء مخبر عما في قلبه. # قول الحق من الدين. # قوة القلب من صحة الإيمان. # قاتل الحريص حرصه. # قرب الأشرار مضرة. # قسوة القلب من الشبع. # قلب الأحمق في فمه، ولسان العاقل في قلبه. # قيمة كل امرئ ما يحسنه. # قرين المرء دليل دينه. # قدر في العمل، تنج من الزلل. # قدر المرء ما يهمه. ### | حرف الكاف # كلام الله دواء للقلب. # كفاك من عيوب الدنيا أن لا تبقى. # كفاك هما علمك بالموت. # كمال الجود الاعتذار معه. # كفى الحسود حسده. # كمال الحلم في الحلم. # كفى بالشيب ناعيا. # كفى بالسلامة داء. # كثرة الإلحاح توجب المنع. # كفران النعمة يزيلها. # كلام الرجل ميزان عقله. # كل قانع غني. # كل حريص فقير. # كفى بالظفر شفيعا للمذنب. # كثرة الوفاق نفاق. # كثرة الخلاف شقاق. # كافر سخي أرجى للجنة من مسلم شحيح. ### | حرف اللام # ليس للحسود راحة. # لين قلبك تحب. # لبس الشهرة من الرعونة. # لكل عداوة مصلحة إلا عداوة الحسد. # ليس الشيب من العمر. # لين الكلام قيد القلوب. # ليس لسلطان العلم زوال. # لكل ظالم انتقام. # لسانك يقتضيك ما عودته. # لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا. # لكل مقام مقال. ### | حرف الميم # من علت همته طالت همومه. # من كتم سره، ملك أمره، ومن كثر كلامه كثر ملامه. # من طلب شيئا وجد وجد، ومن قرع بابا وألح ولج. # مهلك المرء حدة طبعه. # ما هلك امرؤ عرف نفسه. # من عذب لسانه، كثر أخوانه. # من عرف نفسه ms246 فقد عرف ربه. # من طلب ما لا يعنيه فاته ما يغنيه " كذا ". # من كثر مزاحه لم يخل من حقد عليه واستخفاف به. # من نظر اعتبر. # من أوتي في عجلته " كذا " قل حياؤه وبذ " كذا " لسانه. # من لانت أسافله صلبت أعاليه. # من كثر فكره في العواقب لم يشجع. # من أبدى صحيفته للحق هلك. # من جرى في عنان أمله، عثر بأجله. # ما أضمر أحد شيئا إلا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه. # من أحب قوما حشر معهم. # مجلس العلم روضة من الجنة. # ما ندم من سكت. # PageV01P131 # مجلس الكرام حصون الكلام. # منقبة المرء تحت لسانه. # مجالسة الأحداث مفسدة الدين. # مشرب العذب مزدحم. # مصاحبة الأشرار ركوب البحر. ### | حرف النون # نور المؤمن قيام الليل. # نسيان الموت صدأ القلب. # نور قلبك بالصلاة في ظلم الليل. # نصرة الإنسان في الصدق. # نفاق المرء ذلة. # نعمة الجاهل كروضة في مزبلة. # نور مشيبك لا تظلمه بالمعصية. # نار الحرقة أشد من نار جهنم. # نعيت إليك نفسك، حين شاب رأسك. # نم آمنا تكن سالما في أمهد الفرش. # نضرة الوجه في التصدق. # نيل المنى، في الغنى. ### | حرف الهاء # همة السعيد آخرته، وهمة الشقي دنياه. # هلاك المرء في العجب. # هموم المرء بقدر همته. # هلك الحريص وهو لا يعلم. # هيهات من نصيحة العدو. # هربك من نفسك أشد من هربك من الأسد. # همة المرء قيمته. # هات ما عندك تعرف به. ### | حرف الواو # وهم المرء بقدر همه. # وعد الكريم نقد. # ولاية الأحمق سريعة الزوال. # وضع الإحسان في غير محله ظلم. # وزر صدقة المنان أعظم من أجره. # وحدة المرء خير من جليس السوء. # والاك من لم يعادك. # واساك من تغافل عنك. # ويل للحسود من حسده. # ولي الطفل مرزوق. ### | حرف لام ألف # لا دين لمن لا مروءة له. # لا فقر للعاقل. # لا راحة للحاسد. # لا غم للقانع. # لا وفاء للمرأة. # لا كرامة للكاذب. # لا حرمة للفاسق. # لا ظفر مع البغي. # لا صواب لمن ترك المشورة. # لا كرم أعز من التقوى. # لا داء أعيا من الجهل. # لا مرض أعيا من ms247 قلة العقل. # لا راحة لملول. # لا عقل لمن لا أدب له. # لا علم لمن لا بصيرة له. # لا بصيرة لمن لا فكر له. # لا خير في علوم الكذابين. # لا أعز من القانع ولا أذل من الطامع. # لا تنظر إلى من قال وانظر إلى ما قال. # لا يرفع الشح. # لا صحة مع النهم. # لا شرف مع سوء الأدب. # لا ثناء مع الكبر. # لا زيادة مع الزراعة " كذا ". # لا راحة للملوك. # لا شرف أعلى من الإسلام. # لا معقل أحسن من الورع. # لا شفيع أنجح من التوبة. # لا لباس أجمل من السلامة. # لا أيمان لمن لا إيمان له. # لا غنى لمن لا فضل له. # لا حياء لحريص. # لا شفيع كالودود الناصح. ### | حرف الياء # يأتيك ما قدر لك. # يطلبك رزقك كما تطلبه. # يبلغ الإنسان بالصدق منازل الكبار. # يسود المرء قومه بالإحسان. # يسود المرء بمصاحبة السعيد. # يشقى الرجل بمصاحبة السفيه. # يزيد في العمر الصدقة. # يأمن الخائف إذا وصل إلى ما خافه. # يأمن القلب راحة النفس " كذا ". # يسعد الرجل بمصاحبة السعيد ". # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | الرغيف والذهب # وروي عن نبي الله عيسى على نبينا وعليه الصلاة والسلام أنه خرج هو وصاحب ~~له في سياحة فأصابهما الجوع وقد مرا بقرية فقال لصاحبه: انطلق فاطلب لنا ~~طعاما بهذه القرية، وقام هو يصلي، فانطلق الرجل وأتى بثلاثة أرغفة، فوجده ~~مشغولا فأكل رغيفا، فلما انصرف عيسى عليه السلام قال له: أين الرغيف ~~الثالث؟ فقال: ما كان إلا رغيفان. فانطلقا حتى مرا بظباء فدعا - عليه ~~السلام - ظبيا منها فذكاه وأكلا منه، ثم قال له: قم بإذن الله الذي يحيي ~~الموتى، فقام يشتد فقال الرجل: سبحان الله! فقال عيسى: بالذي أراك هذه ~~الآية من صاحب الرغيف الثالث؟ قال ما كان إلا إثنان، فانطلقا فمرا بنهر ~~عظيم فأخذ بيده فمر به على الماء حتى قطع، فقال الرجل سبحان الله؟ فقال ~~عيسى: بالذي أراك هذه الآية من صاحب الرغيف الثالث؟ قال: ما كان إلا إثنان، ~~فانطلقا حتى أتيا قرية خربة وإذا بثلاث ms248 لبنات من ذهب. فقال الرجل: هذا مال، ~~فقال عيسى عليه السلام: واحدة لي وواحدة لك وواحدة لصاحب الرغيف الثالث. ~~فقال الرجل: أنا صاحبه، فقال عيسى: هي لك كلها وفارقه، فأقام عليها ليس معه ~~من يحملها له، فمر به ثلاثة نفر فقتلوه وأخذوا اللبنات، فقال اثنان منهم ~~للواحد: انطلق إلى القرية فائتنا بطعام، اتفق الاثنان على قتله إذا رجع، ~~وأتى هو بالطعام فوضع فيه سما ليموتا فيختص بالمال، فلما جاء قتلاه وأكلا ~~الطعام فماتا، فمر بهم عيسى - عليه السلام - وهم حول المال كلهم صرعى فقال: ~~هكذا تفعل الدنيا بأهلها، وتركهم. # PageV01P132 # وروي عنه " أيضا " عليه السلام أنه مر وهو في جمع من أصحابه بزرع قد أفرك ~~فقال أصحابه: يا نبي الله، نحن جياع، فأوحى الله تعالى إليه أن ائذن لهم في ~~قوتهم، فأذن لهم، فدخلوا " الزرع " يفركون ويأكلون، فبينما هم كذلك جاء ~~صاحب الزرع فقال: بإذن من تأكلون يا هؤلاء زرعي، وأرضي ورثتها عن آبائي، ~~فدعا عيسى عليه السلام تعالى فبعث الله كل من ملك تلك الأرض من ولد آدم ~~عليه السلام، فإذا عند كل سنبلة رجل أو امرأة يقول: أرضي ورثتها عن آبائي، ~~ففزع الرجل منهم، وكان قد بلغه أمر عيسى وهو لا يعرفه، فقال: معذرة إليك يا ~~رسول الله، إني لم أعرفك فزرعي ومالي لك حلال، فبكى عيسى عليه السلام وقال: ~~ويحك هؤلاء كلهم ورثوا هذه الأرض وعمروها وارتحلوا عنها، وأنت مرتحل وبهم ~~لاحق، ويحك ليس لك أرض ولا مال. # ولما دخل أبو الدرداء الشام قال: يا أهل الشام: اسمعوا قول أخ ناصح، مالي ~~أراكم تبنون ما لا تسكنون، وتجمعون ما لا تأكلون، إن الذين كانوا قبلكم ~~بنوا مشيدا، وأملوا بعيدا، وجمعوا كثيرا، وشيدوا قصورا، فأصبح أملهم غرورا، ~~وجمعهم ثبورا، ومساكنهم قبورا. # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | عدي بن زيد والأمير النعمان # وكان عدي بن زيد العبادي ممن تنضر ودان بدين المسيح، وكانت له حظوة عند ~~النعمان بن امرئ القيس، فحضر عنده يوما والنعمان في أحسن زي في مجلسه ms249 مع ~~ندمائه فلما شرب وطرب قال لعدي: كيف ترى هذا النعيم الذي نحن فيه يا أبا ~~زيد؟ فقال: إنه حسن لو كان لا ينفد، ومسرة لو كانت تدوم، فقال: أو كل ما ~~أرى إلى نفاد؟ قال: نعم، أبيت اللعن، فقال النعمان: وأي خير فيما يفنى؟ ~~فلما رأى عدي ذلك منه طمع في ارعوائه، فجعل يعظه، فلما خرج سايره، فمروا ~~بمقبرة فقال أيها الملك أتدري ما تقول هذه القبور؟ قال: لا، قال: إنها ~~تقول: # أيها الركب المخبون ... وعلى الأرض المجدون # مثلما أنتم كنا ... وكما نحن تكونون # فظهر على النعمان انكسار. # ثم إنهم مروا بشجرات متناوحات بينها عين جارية فقال عدي: أتدري ما تقول ~~هذه الشجرات أبيت اللعن؟ قال: لا، قال: إنها تقول: # من رآنا فليحدث نفسه ... أنه موف على قرن زوال # وصروف الدهر لا يبقى لها ... ولما تأتي به صم الجبال # رب ركب قد أناخوا حولنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال # والأباريق عليها فدم ... وعتاق الخيل تردي بالجلال # عمروا دهرا بعيش حسن ... آمني دهرهم غير عجال # ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر يودي بالرجال # وكذاك الدهر يرقى بالفتى ... في طلاب العيش حالا بعد حال # فوقع كلامه منه أحسن موقع فقال له: ائتني عند السحر، فإن عندي أمرا أطلعك ~~عليه، فأتاه فوجده قد لبس مسحا وأخذ أهبة السياحة فودعه وذهب، ولم يعلم له ~~بعد ذلك خبر، وذكر أنه قال له: قد علمت أن القبور لا تتكلم، والشجرة لا ~~تتكلم، وإنما أردت موعظتي، ففيم النجاة؟ فقال له عدي: تترك عبادة الأوثان ~~وتدين بدين المسيح عليه السلام، فننصر النعمان حينئذ: وفي معنى هذا قول ~~شاعر قديم: # يا أيها الناس سيروا إن قصدكم ... أن تصبحوا ذات يوم لا تسيرونا # حثوا المطايا وأرخوا من أزمتها ... قبل الممات وقضوا ما تقضونا # كنا أناسا كما كنتم فغيرنا ... دهر فأنتم كما كنا تكونونا # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | من شعر أبي العتاهية ### | في الزهد والمواعظ # ودخل أبو العتاهية على الرشيد حين بنى قصره، وزخرف مجلسه، واجتمع إليه ~~خواصه، ms250 فقال له: صف لنا ما نحن فيه من الدنيا فقال: # عش ما بدا لك آمنا ... في ظل شاهقة القصور # فقال الرشيد: أحسنت، ثم ماذا؟ فقال: # يسعى إليك بما اشتهي ... ت لدى الرواح وفي البكور # فقال: حسن، ثم ماذا؟ فقال: # فإذا النفوس تقعقعت ... في ضيق حشرجة الصدور # فهناك تعلم موقنا ... ما كنت إلا في غرور # فبكى الرشيد بكاء شديدا حتى رحم، فقال له الفضل بن يحيى: بعث إليك ~~المؤمنين لتسره فأحزنته، فقال له الرشيد: دعه فإنه رآنا في عمى فكره أن ~~يزيدنا عمى: # ألا نحن في اللديا قليل بقاؤها ... سريع تعديها وشيك فناؤها # PageV01P133 # تزود من الدنيا التقى والنهى فقد ... تنكرت الدنيا وحان انقضاؤها # ترق من الدنيا إلى أي غاية ... سموت إليها فالمنايا انتهاؤها # ومن كلفته النفس فوق كفافها ... فما ينقضي حتى الممات عناؤها # وقوله: # ألا إنما الدنيا متاع غرور ... ودار صعود مرة وحدور # كأني بيوم ما أخذت تأهبا ... له في رواح عاجل وبكور # كفى عبرة أن الحوادث لم تزل ... تصير أهل الملك أهل قبور # خليلي كم من ميت قد حضرته ... ولكنني لم أنتفع بحضور # ومن لم يزده الدهر ما عاش عبرة ... فذاك الذي لا يستنير بنور # وقوله أيضا: # إني سألت القبر ما فعلت ... بعدي وجوه فيك منعفره # فأجابني: صيرت ريحهم ... تؤذيك بعد روائح عطره # وأكلت أجسادا منعمة ... كان النعيم يزينها نضره # لم أبق غير جماجم عريت ... بيض تلوح وأعظم نخره # وقوله أيضا: # تفكر قبل أن تندم ... فإنك ميت فاعلم # ولا تغتر بالدنيا ... فإن صحيحها يسقم # وإن جديدها يبلى ... وإن شبابها يهرم # وإن نعيمها يفنى ... فترك نعيمها أحزم # ومن هذا الذي يبقى ... عل الحدثان أو يسلم # رأيت الناس اتباعا إلا ما ... نوى في الخير أو قدم # وقوله: # إياك أعني يا ابن آدم فاستمع ... ودع الركون إلى الحياة فتنتفع # لو كان عمرك ألف حول كامل ... لم تذهب الأيام حتى تنقطع # إن المنية لا تزال ملحة ... حتى تستت كل شمل مجتمع # فاجعل لنفسك عدة للقاء من ... لو قد أتاك رسوله لم تمتنع # يا أيها ms251 المرء المضيع دينه ... إحراز دينك خير شيء تصطنع # فامهد لنفسك صالحا تجزى به ... وانظر لنفسك أي أمر تتبع # واعلم بأن جميع ما قدمته ... عند الإله موفر " لك " لم يضع # " وله أيضا: # كم يكون الشتاء ثم المصيف ... وربيع يمضي ويأتي خريف # وانتقال من الحرور إلى الظ ... ل وسيف الردى عليك منيف # يا قليل البقاء في هذه الدا ... ر إلى كم يغرك التسويف # عجبا لامرئ يذل لذي دن ... يا ويكفيه كل يوم رغيف # وقال أحمد بن علي بن مروان: دخلت مع إسماعيل بن سويد العنبري على أبي ~~العتاهية وهو يجود بنفسه ويقول: # يا نفس قد مثلت حا ... لي هذه لك منذ حين # وشككت أني ناصح ... لك فاشتملت على الظنون # فتأملي ضعف الحرا ... ك ونجلتي بعد السكون # وتيقني أن الذي ... بك من علامات المنون # ومن شعر محمود الوراق: # إن جيشا إلى الممات مصيره ... لحقيق ألا يدوم سروره # وسرور يكون آخره المو ... ت سواء طويله وقصيره # وقوله: # أبقيت مالك ميراثا لوارثه ... يا ليت شعري ما أبقى لك المال # القوم بعدك في حال تسرهم ... فكيف بعدهم صارت بك الحال # ملوا البكاء فما يبكيك من أحد ... واستحكم القيل في الميراث والقال # مالت بهم عنك دنيا أقبلت لهم ... وأدبرت عنك، والأيام أحوال # " من ذلك قول بعضهم: # زيادة المرء في دنياه نقصان ... وربحه دون محض الدين خسران # وكل وجدان حظ لا ثبات له ... فإن معناه في التحقيق فقدان # يا عامرا لخراب الدهر مجتهدا ... بالله هل لخراب الدهر عمران # ويا حريصا على الأموال يجمعها ... نسيت أن سرور المال أحزان # دع الركون إلى الدنيا وزخرفها ... فصفوها كدر والوصل هجران # وأرع سمعك أمثالا أفصلها ... كما يفصل ياقوت ومرجان # أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم ... فطالما استعبد الإنسان إحسان # وكن على الدهر معوانا لذي أمل ... يرجو نداك فإن الحر معوان # من جاد بالمال مال الناس قاطبة ... إليه والمال للإنسان فتان # من كان للخير مناعا فليس له ... عند الخليقة إخوان وأخدان # لا تخدشن بمطل وجه عارفة ... فالبر يخدشه مطل مليان # يا خادم الجسم كم ms252 تسعى لخدمته ... أتطلب الربح فيما فيه خسران # PageV01P134 # أقبل على النفس واستكمل فضائلها ... فأنت بالنفس لا بالجسم إنسان # من يتق الله يحمد في عواقبه ... ويكفه شر من عزوا ومن هانوا # حسب الفتى عقله خلا يعاشره ... إذا تجافاه أصحاب وأعوان # لا تستشر غير شخص حازم فطن ... قد استوى منه إسرار وإعلان # فللتدابير فرسان إذا ركضوا ... فيها أبروا كما للحرب فرسان # وللأمور مواقيت مقدرة ... وكل أمر له حد وميزان # من رافق الرفق في كل الحوادث لم ... يندم عليه ولم يذممه إنسان # ولا تكن عاجلا في الأمر تطلبه ... فليس يحمد قبل النضج بحران # وذو القناعة راض في معيشته ... وصاحب الحرص إن أثرى فغضبان # كفى من العيش ما قد سد من رمق ... ففيه للحر إن حققت غنيان # هما رضيعا لبان حكمة وتقى ... وساكنا وطن مال وطغيان # من مد طرفا بفرط الجهل نحو هوى ... أغضى عن الحق يوما وهو خزيان # من استشار صروف الدهر قام له ... على حقيقة طبع الدهر برهان # من عاشر الناس لاقى منهم نصبا ... لأن طبعهم بغي وعدوان # ومن يفتش عن الإخوان مجتهدا ... فجعل إخوان هذا الدهر خوان # من يزرع الشر يحصد في عواقبه ... ندامة ولحصد الزرع إبان # من استنام إلى الأشرار نام وفي ... قميصه منهم صل وثعبان # من سالم الناس يسلم من غوائلهم ... وعاش وهو قرير العين جذلان # من كان للعقل سلطان عليه غدا ... وما على نفسه للحرص سلطان # وإن أساء مسيء فليكن لك في ... عروض زلته صفح وغفران # إذا نبا بكريم موطن فله ... وراءه في بسيط الأرض أوطان # لا تحسبن سرورا دائما أبدا ... من سره زمن ساءته أزمان # يا ظالما فرحا بالعز ساعده ... إن كنت في سنة فالدهر يقظان # يا أيها العالم المرضي سيرته ... أبشر فأنت بغير الماء ريان # ويا أخل الجهل لو أصبحت في لجج ... فأنت ما بينها لا شك ظمآن # دع التكاسل في الخيرات تطلبها ... فليس يسعد بالخيرات كسلان # صن حر وجهك لا تهتك غلائله ... فكل حر لحر الوجه صوان # لا تحسب الناس طبعا واحدا فلهم ... غرائز لست تحصيها ms253 وألوان # ما كل ماء كصداء لوارده ... نعم ولا كل نبت فهو سعدان # من استعان بغير الله في طلب ... فإن ناصره عجز وخذلان # واشدد يديك بحبل الله معتصما ... فإنه الركن إن خانتك أركان # لا ظل للمرء يغني عن تقى ورضا ... وإن أظلته أوراق وأفنان # سحبان من غير مال باقل حصر ... وباقل في ثراء المال سحبان # والناس أعوان من والته دولته ... وهم عليه إذا خانته أعوان # يا رافلا في الشباب الوحف منتشيا ... من كأسه هل أصاب الرشد نشوان # لا تغترر بشباب ناعم خضل ... فكم تقدم قبل الشيب شبان # ويا أخا الشيب لو ناصحت نفسك لم ... يكن لمثلك في الأشراف إخوان # هب الشبيبة تبدي عذر صاحبها ... ما بال شيبك يستهويه شيطان # كل الذنوب فإن الله يغفرها ... إن شيع المرء إخلاص وإيمان # وكل كسر فإن الله يسبره ... وما لكسر قناة الدين جبران # أحسن إذا كان إمكان لقدرة ... فلا يدوم على الإنسان إمكان # فالروض يزدان بالأنوار فاغمة ... والحر بالعدل والإحسان يزدان # خذها سوائر أمثال مهذبة ... فيها لمن يبتغي التبيان تبيان # ما ضر حسانها والطبع صائغها ... أن لم يصغها قريع الشعر حسان # وذيل عليها بعضهم فقال: # وكن لسنة خير الخلق متبعا ... فإنها لنجاة العبد عنوان # فهو الذي شملت للعبد أنعمه ... وعمهم منه في الدارين إحسان # جبينه قمر، قد زانه خفر، ... وثغره درر غر ومرجان # والبدر يخجل من أنوار طلعه ... والشمس من حسنه الوضاح تزدان # ومذ أتى أبصرت عمي القلوب به ... سبل الهدى ووعت للحق آذان # به توسلنا في محو زلتنا ... لربنا إنه ذو الجود منان # PageV01P135 # يا رب صل عليه ما همى مطر ... فأينعت منه أوراق وأغصان # وابعث إليه سلاما زاكيا عطرا ... والآل والصحب لا تفنيه أزمان # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | القصيدة الزينبية # ومن ذلك القصيدة الزينبية: # صرمت حبالك بعد وصلك زينب ... والدهر فيه تغير وتقلب # نشرت ذوائبها التي تزهو بها ... سودا ورأسك كالثغامة أشيب # واستنفرت لما رأتك وطالما ... كانت تحن إلى لقاك وترغب # وكذاك وصل الغانيات فإنه ... آل ببلقعة وبرق خلب # فدع الصبا فلقد ms254 عداك زمانه ... وازهد فعمرك مر منه الأطيب # ذهب الشباب فما له من عودة ... وأتى المشيب فأين منه المهرب؟ # دع عنك ما قد كان في زمن الصبا ... واذكر ذنوبك وابكها يا مذنب # واذكر مناقشة الحساب فإنه ... لا بد يحصى ما جنيت ويكتب # لم ينسه الملكان حين نسيته ... بل أثبتاه وأنت لاه تلعب # وألوح فيك وديعة أودعتها ... ستردها بالرغم منك وتسلب # وغرور دنياك التي تسعى لها ... دار حقيقتها متاع يذهب # والليل فاعلم والنهار كلاهما ... أنفاسنا فيه تعد وتحسب # وجميع ما حصلته وجمعته ... حقا يقينا بعد موتك ينهب # تبا لدار لا يدون نعيمها ... ومشيدها عما قليل يخرب # فاسمع أخي وصية أولاكها ... بر نصوح للأنام مجرب # " أهدى النصيحة فاتعظ بمقاله ... فهو التقي اللوذعي الأدرب " # صحب الزمان وأهله مستبصرا ... ورأى الأمور بما تثوب وتعقب # لا تأمن الدهر الخئون فإنه ... ما زال قدما للرجال يؤدب # وعواقب الأيام في غصاتها ... مضض يذل لها الأعز الأنجب # فعليك تقوى الله فالزمها تفز ... إن التقي هو البهي الأهيب # واعمل بطاعته تنل منه الرضا ... إن المطيع لربه لمقرب # واقنع ففي بعض القناعة راحة ... واليأس عما فات فهو المطلب # فإذا طمعت لبست ثوب مذلة ... فبذا اكتسى ثوب المذلة أشعب # وتوق من غدر النساء خيانة ... فجميعهن مكايد لك تنصب # لا تأمن الأنثى حياتك إنها ... كالأفعوان يراع منه الأنيب # تغري بلين حديثها وكلامها ... فإذا سطت فهي الصقيل الأشطب # وابدأ عدوك بالتحية ولتكن ... منه زمانك خائفا تترقب # واحذره إن لاقيته متبسما ... فالليث يبدو نابه إذ يغضب # إن العدو وإن تقادم عهده ... فالحقد باق في الصدور مغيب # وإذا الصديق لقيته متلونا ... فهو العدو وحقه يتجنب # لا خير في ود امرئ متملق ... حلو اللسان وقلبه يتلهب # يلقاك يحلف أنه بك واثق ... وإذا توارى عنك فهو العقرب # يعطيك من طرف السان حلاوة ... ويروغ عنك كما يروغ # وصل الكرام ولو رموك بجفوة ... فالصفح عنهم والتجاوز أصوب # فاختر قرينك واصطفيه مواتيا ... إن القرين إلى المقارن ينسب # إن الغني من الرجال مكرم ... وتراه يرجى ما لديه ويرهب # فأخفض جناحك للأقارب كلهم ms255 ... بتذلل واغفر لهم إن أذنبوا # وذر الذنوب ولا يكن لك صاحبا ... إن الكذوب يشين حرا يصحب # والفقر شين في الرجال وإنه ... حقا يهون به الشريف الأنسب # وزن الكلام إذا نطقت ولا تكن ... ثرثارة في كل ناد تخطب # وتوق من عثراته من زلة ... فالمرء يسلم باللسان ويعطب # والسر فاكتمه ولا تنطق به ... " فهو الأسير لديك إذ لا ينشب # واحرص على حفظ القلوب من الأذى ... فرجوعها بعد التنافر يصعب # إن القلوب إذا تنافر ودها " ... شبه الزجاجة كسرها لا يشعب # وكذاك سر المرء إن لم يطوه ... نشرته ألسنة تزيد وتكذب # لا تحرصن فالحرص ليس بزائد ... في الرزق بل يشقى الحريص ويتعب # ويظل ملهوفا يروم تحيلا ... والرزق ليس بحيلة يستجلب # كم عاجز بالناس يأتي رزقه ... رغدا ويحرم كيس ويخيب # وارع الأمانة، والخيانة فاجتنب ... واعدل ولا تظلم بطيب المكسب # PageV01P136 # وإذا أصابتك نكبة فاصبر لها ... من ذا رأيت مسلما لا ينكب # وإذا رميت من الزمان بريبة ... أو نالك الأمر الأشد الأصعب # فاضرع لربك إنه أدنى لمن ... يدعوه من حبل الوريد وأقرب # كن ما استطعت من الأنام بمعزل ... إن القليل من الورى من تصحب # واحذر مصاحبة اللئيم فإنها ... تعدي كما يعدي الصحيح الأجرب # واحذر من المظلوم سهما صائبا ... واعلم بأن دعاءه لا يحجب # وإذا رأيت الرزق عز ببلدة ... وخشيت فيها أن يضيق المكسب # فارحل فأرض الله واسعة الفلا ... طولا وعرضا شرقها والمغرب # " فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي ... فالنصح أغلى ما يباع ويوهب " # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | تائية المقرئ في المواعظ # وللعلامة المقرئ رحمه الله: # إلى كم تماد في غرور وغفلة؟ ... وكم هكذا نوم؟ متى يوم يقظة؟ # لقد ظاع عمر ساعة منه تشترى ... بملء السما والأرض أية ضيعة # أتنفق هذا في هوى هذه التي ... أبى الله أن تسوى جناح بعوضة # وترضى من العيش السعيد تعيشه ... مع الملأ الأعلى يعيش البهيمة # أيا درة بين المزابل ألقيت ... وجوهرة بيعت بأبخس قيمة # أفان بباق تشتريه سفاهة؟ ... وسخطا برضوان ونارا بجنة؟ # أأنت صديق أم عدو لنفسه ... فإنك ترميها بكل مصيبة ms256 # ولو فعل الأعدا بنفسك بعض ما ... فعلت لمستهم لها بعض رحمة # لقد بعتها ... حزني عليك رخيصة وكانت بهذا منك غير حقيقة # فويك استقل لا تفضحنها بمشهد ... من الخلق إن كنت ابن أم كريمة # فبين يديها موقف وصحيفة ... تقاد عليها كل مثقال ذرة # كلفت بها دنيا كثير غرورها ... تعامل من في نصحها بالخديعة # إذا أقبلت ولت وإن هي أحسنت ... أساءت وإن صفت فثق بالكدورة # ولو نلت منها مال قارون لم تنل ... سوى لقمة في فيك منه وخرقة # وهبك ملكت الملك فيها ألم تكن ... لتنزعه من فيك أيدي المنايا # فدعها وأهليها وفر وخذ كذا ... بنفسك عنها فهي كل الغنيمة # ولا تغتبط منها بفرحة ساعة ... تعود بأحزان عليك طويلة # فعيشك فيها ألف عام وينقضي ... كعيشك فيها بعض يوم وليلة # عليك بما يجري عليك من التقى ... فإنك في سهو عظيم وغفلة # مجالس ذكر الله يلهيك أن ترى ... بها ذاكرا لله ضعف العقيدة # إذا شرعوا فيها تجمشت قائما ... قيامك ذا قل لي إلى أي لعنة # وإن كان لهوا أو أحاديث ريبة ... وثبت وثوب الليث نحو الفريسة # تصلي بلا قلب صلاة بمثلها ... يكون الفتى مستوجبا للعقوبة # تظل وقد تمستها غير عالم ... تزيد احتياطا ركعة بعد ركعة # فخيحك تدري من تناجيه معرضا ... وبين يدي من تنحني غير مخبت # تجاطبه إياك نعبد مقبلا ... على غيره فيها لغير ضرورة # ولو رد من ناجاك للغير طرفه ... تميزت من غيظ عليه وغيرة # أما تستحي من مالك الملك أن يرى ... صدودك عنه يا قليل المروءة # صلاة أقيمت يعلم الله أنها ... بفعلك هذا طاعة كالخطيئة # وأقبح منها أن تدل بفعلها ... كمن قلد المدلول بعد صنيعة # وأن يعتريك العجب أيضا بكونها ... على ما حوته من رياء وسمعة # ذنوبك في الطاعات وهي كثيرة ... إذا عددت تغنيك عن كل زلة # سبيلك أن تستغفر الله بعدها ... وأن تتلافى الذنب منها بتوبة # فيا عاملا للنار جسمك لين ... فجربه تمرينا بحر الظهيرة # وجربه في لسع الزنابير تجتني ... على نهش حيات هناك عظيمة # فإن كنت لا تقوى فويلك ما الذي ms257 ... دعاك إلى إسخاط رب البرية # تعامله بالمنكرات عشية ... وتصبح في أثواب نسك وعفة # فأنت على ما أنت أجرا لدى الورى ... بما فيك من جهل وخبث السريرة # تقول مع العصيان ربي غافر ... صدقت ولكن غافر بالمشيئة # وربك رزاق كما هو غافر ... فلم لم تصدق فيهما بالسوية # PageV01P137 # فإنك ترجو العفو من غير توبة ... ولست ترجي الرزق إلا بحيلة # على أنه بالرزق كفل نفسه ... لكل ولم يكفل لكل بجنة # فلم ترض إلا السعي فيما كفيته ... وإهمال ما كلفته من وظيفة # تسيء به ظنا وتحسن تارة ... على قدر ما يعطي الهوى في القضية # إلهي لا تواخذن "؟ " بذنوبنا ... ولا تخزنا وانظر إلينا برحمة # إلهي اهدنا فيمن هديت وخذ بنا ... إلى الحق نهجا سواء الطريقة # وكن شغلنا في كل شغل وهمنا ... وبغيتنا عن كل هم وبغية # وصل صلاة لا تناهى على الذي ... جعلت به مسكا ختام النبوءة # وآل وصحب أجمعين وتابع ... وتابعهم من كل إنس وجنة " # لله الأمر من قبل ومن بعد ### | خاتمة # في ذكر جماعة من شيوخ العلم والتصوف لقيهم المؤلف أسرد من حضر الآن في ~~فكري ممن لقيت وتبركت به ممن اتسم بالخير و " اشتهر " بالصلاح تبركا بهم، ~~فإنه " قد " قيل: تنزل الرحمة عند ذكر الصالحين، " وقال القائل: # اسرد حديث الصالحين وسمهم ... فبذكرهم تنزل الرحمات # واحضر مجالسهم تنل بركاتهم ... وقبورهم زرها إذا ما ماتوا # ولم أتعرض لأحوالهم لأن ذلك يطول، والكتاب غير موضوع له، فاكتفيت بذكر ~~أسمائهم. # فمنهم " من " الطائفة الغازية بسجلماسة سيدي أحمد بن أبي القاسم ابن ~~مولود " الجاوزي السجلماسي " زرته مرارا، وأبوه أبو القاسم من مشاهير أصحاب ~~شيخ " مشايخنا " " سيدي " أبي القاسم الغازي، وجده سيدي مولود من أصحاب شيخ ~~الطوائف المغربية أبي العباس سيدي أحمد بن يوسف " الراشيدي الملياني وسيدي ~~عبد الكريم ابن أحمد بن يوسف " زرته " أيضا " مرارا وأبوه هو ابن أخي الشيخ ~~أبي القاسم الغازي وأحد أصحابه، وسيدي البكري ابن أحمد بن أبي القاسم بن ~~مولود المتقدم، وسيدي مبارك بن محمد الغرفي العنبري، وشيخنا الأستاذ سيدي ~~أحمد الدراوي. # وبدرعة أستاذنا ms258 ومفيدنا الإمام الهمام بحر الشريعة والحقيقة، وسراج ~~الطريقة، أبو عبد الله سيدي محمد بن ناصر، وشيخه سيدي عبد الله بن حسن ~~الرقي، وشيخه سيدي أحمد بن علي الحاجي، وشيخه سيدي أبو القاسم الغازي، ~~وجماهة من أصحاب الشيخ ومن أولاده يطول ذكرهم: فمنهم خليفته سيدي أحمد بن ~~محمد بن ناصر، وأخوه " الشيخ " سيدي الحسين بن محمد بن ناصر، وسيدي منصور ~~أحد أولاد الشيخ سيدي أحمد بن علي، ومنهم " سيدي " أحمد بن عبد الصادق ~~الرتبي، ومنهم سيدي أبو طاهر بن عبد الله بن أبي بكر السجلماسي، ومنهم ~~المولى أبو عبد الله سيدي محمد بن عبد الله بن علي بن طاهر الحسني المعروف ~~بابن علي، وكنت عقدت معه عقد المحبة الخاصة، وكتبت إليه في شأن ذلك من ~~الزاوية البكرية كتابا وفيه: # يا ابن الكرام الصيد من فهر ... أولي المعالي السادة الزهر # من بيتهم يعلو الثريا ومن ... حذوا نعالا رقعة البدر # ومن صفوا قدما وصوفوا على ... كل الورى في سالف الدهر # هذا سلام الله يغدوكم ... على مطايا الشوق من صدري # شيعته من صفو ودي لكم ... بنسمة طيبة النشر # أبهى وأذكى من نسيم سرى ... سحيرة من جانب الشحر # في روضه غناء يزهو بها ... غب الندى مؤتلق الزهر # سلام من لم يختلل قلبه ... لكم سوى ود بلا غمر # رأس صفي لم يشب محضه ... صرف ولا أزرى به مزر # فإن يكن هجر فمما جنت ... نفسي، ولكن عنده عذري # إن جزاء الحب حب كما ... قد قاله الشبلي أبو بكر # PageV01P138 # ومنهم العالم العلامة المولى أبو محمد سيدي عبد الهادي بن عبد الله بن ~~علي بن طاهر الحسني أخو المذكور قبله وأكبر منه سنا وعلما. " ومنهم شيخنا ~~أبو بكر بن الحسن التطافي " ومنهم شيخنا أبو عبد الله " سيدي " محمد بن ~~محمد المرابط الدلائي. ومنهم شيخنا أبو محمد سيدي عبد القادر بن علي ~~الفاسي. ومنهم شيخنا أبو عبد الله سيدي محمد بن سعيد السوسي المرغتي، ~~وأخونا في الله سيدي عبد الله الشريف المصمودي، ومحبتنا سيدي أحمد بن محمد ~~اليماني، وصاحبه أخونا ms259 " في الله " سيدي أحمد ابن محمد الأندلسي، والأستاذ ~~سيدي عبد الرحمان بن القاضي، والحاج عبد العزيز الفلالي، " وسيدي " علي بن ~~محمد الشريف " وسيدي عبد الله بن إبراهيم الفلالي " وسيدي عبد الله بن ~~إبراهيم الفاسي وسيدي أحمد بن إبراهيم العطار الأندلسي وسيدي إسماعيل بن ~~سعيد الدكالي وسيدي شعيب بن علي العباس وسيدي محمد بن أحمد الهشتوكي وسيدي ~~منصور الدرهي التيرستي والحاج الحسين الدرعي وسيدي محمد بن عبد الله ~~الزولتي وسيدي محمد بن عبد الله أحشوي، وسيدي محمد بن الشيخ الوفراوي ~~والثلاثة من درعة. وسيدي عبد الله بن محمد العياشي، وسيدي علي بن عبد ~~الرحمان الدرعي، وسيدي علي بن موسى السوسي، وسيدي محمد " بن موسى " الشيخ ~~الزعري، وسيدي عبد الله بن أحمد بن رحال، وسيدي محمد بن موسى، وسيدي أبو ~~جمعة بن مسعود، وسيدي سعيد بن عبد القادر الرجراجيون، وسيدي الوافي بن ~~إبراهيم، وسيدي الصغير بن المنيار وابن عمه سيدي البصري، والفقيه سيدي محمد ~~بن سعيد السملالي " السوسي " وسيدي محمد بن عبد القادر الونجلي، وسيدي أبو ~~القاسم بن موسى، وسيدي محمد بن أبي بكر العياشي، وعائشة العدوية والحاج ~~أحمد العجل، والأستاذ الطاهر الشريف. # انتهى بحمد الله تعالى وحسن عونه من خط المصنف بواسطتين عند العصر يوم ~~الاثنين السابع والعشرين من رجب الفرد سنة إحدى وخمسين ومائة وألف، وصلى ~~الله على سيدنا ومولانا محمد خاتم النبيين وإمام المرسلين وعلى آله وصحبه ~~أجمعين عدد ما في علم الله صلاة وسلاما تامين دائمين بدوام ملك الله. ~~PageV01P139 ms260