######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : الدواء النافع ¶ المؤلف : ¶ المحقق : ¶ الناشر : (مؤسسة الإمام زيد بن علي(ع) الثقافية) #META# cat: الشبه جاهزة #META# seal: #META# bkid: 348 #META# الكتاب: الدواء النافع #META# bkord: 327 #META# idx: 1 #META# iso: الدواء النافع #META# الناشر: (مؤسسة الإمام زيد بن علي(ع) الثقافية) #META# comp: 1 #META# bk: الدواء النافع #META# max: 23 #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# # بسم الرحمن الرحيم # الحمد لله والصلاة والسلام على سيد الأنام وآله وسلم. # اللهم صلي على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ~~إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم إنك حميد مجيد، وترحم على محمد وعلى آل محمد كما ترحمت على إبراهيم ~~وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وتحنن على محمد وعلى آل محمد كما تحننت على ~~إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وسلم على محمد وعلى آل محمد كما ~~سلمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. # سئل الفقير إلى الله تعالى يحيى بن أحمد بن عواض الشاطبي وفقه الله تعالى ~~عن غيبة الذمي المحافظ على قوانين عهده ودينه أيجوز أم لا؟ فأجاب بان من ~~العلماء من يقول بجوازها، قال: ويمكن أن يؤخذ لهم ذلك من قول الله تعالى ~~مخاطبا للمؤمنين بقوله: {ولا يغتب بعضكم بعضا}[الحجرات:12] ومن قول رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم حين سأله بعض المسلمين عن الغيبة فقال: ((أن ~~تذكر أخاك بما يكرهه، فإن كان فيه فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته)) ~~ومن جواز غيبة الفاسق مع كونه مسلما، ومن ..............العماء نقص الغيبة ~~للوضوء بأن تكون لمسلم. # قال: ومن العلماء من يقول بتحريمها لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من ~~سمع ذميا فله النار)). # ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((إلا من ظلم معاهد أو انتقصه أو كلفه ~~فوق طاقته، أو أخذ منه بغير طيبة من نفسه فأنا خصمه يوم القيامة)). PageV01P002 # ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من آذى ذميا فأنا خصمهن ومن كبت خصمه ~~خصمته يوم القيامة)) أخرجه الخطيب في التاريخ عن ابن مسعود. # ولقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من قذف ذميا حد له يوم القيامة بسياط ~~من نار)) أخرجه الطبراني في الكبير، عن واثلة. # قلت: ولأن الذمة جعلت من حرمة قبره من الثرى إلى الثريا، وأوجبت تكفينه ~~ودفنه، وحرمت ذمته وماله وعرضه من الأذى، فكما ms01 لا تجوز أذيته لا تجوز ~~غيبته، إذ فيها أذية، فلم يجز الشرع انتقاصه إلا بالأمور التي عقدت الذمة ~~عليها، وما.............بالجواز لا يقاوم ما دل على الحظر، مع أن قوله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((أن تذكر اخاك)) جواب لسؤال وقع من مسلم. # قال في الإمداد: وغيبة الذمي حرام بخلاف الحربي، انتهى. وخرج مخرج الغلب، ~~واحترز به من الفاسق. # فإن قلتك كيف منعت الذمة عرض الذمي ولم يمنع الإسلام زاده الله علوا عرض ~~الفاسق؟ # قلت: قد علل صلى الله عليه وآله وسلم حل ذكر الفاسق بما فيه بالحذر منه، ~~حيث قال: ((اذكروا الفاسق بما فيه كي يحذره الناس)) لن كونه مسلما مظنة ~~للاغترار بظاهر إسلامه، ولا اغترار بالذمي. # فإن قلت: التحذير من الفاسق لأمر يقتضي نقص دينه وما كان كذلك فذكره به ~~ليس بغيبة كما سيأتي؟ # قلت: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((اذكروا الفاسق بما فيه)) عام في كل ~~ذكره بما فيه مما ينقص دينه ومما لا، على أنه قد جعل للكافر الملي حيث قبلت ~~شهادته على مثله، مزية على فاسق الخارجة حيث لم تقبل شهادته. # فإن قلت: قد لعن الله الكافرين ومن جاز لعنه جازت غيبته؟ # قلت: ذكر بعض المحققين أن للعن الكافر أو الفاسق ثلاث مراتب، فبوصف أعم ~~كلعنة الله على الكفرة والفسقة، وبوصف أخص منه كلعنة الله على اليهود ~~والزناة يجوز اللعن. PageV01P003 # وأما لعن شخص معين فلا يجوز من غير معصوم إلا مقيدا بها، بأن يقال: لعنه ~~الله إن مات كافرا أو فاسقا، لقوله تعالى: {إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار ~~أولئك عليهم لعنة الله}[البقرة:161] لأنه ربما يسلم أو يتوب، فكيف يحكم ~~بأنه ملعون، أي مبعد من الله، وربما يموت مقربا عند الله؛ لأن الأحوال ~~تتقلب على الأعيان. # قلت: ذكر الفاسق بما فيه من نقص يختص به كالتقصير لا يجب لزوال المقتضى ~~وهو الحذر منه، وأما بما فيه تحذير فلا يعد بقاء الأمر فيه للوجوب على ظاهره. # فإن قلت: مجروح العدالة الذي لم تبلغ معصيته الفسق هل ms02 يلحق بالفاسق في حل ~~غيبته كما لحق به في أنه لا يؤم ولا يحكم، أو بالمؤمن في عدم الحل كما لحق ~~به في حل صرف الزكاة إليه، وفي غسله وتكفينه والصلاة عليه؟ # قلت: الظاهر عدم الحل إلا بما فيه تحذير. # اعلم أن الغيبة من أعظم آفات اللسان، وقلما سلم من خطرها إنسان، وقد تكلم ~~العلماء رضي الله عنهم في حقيقة الغيبة المحرمة وفي ذمها، وفي الأشياء ~~الحاملة عليها، وفي الدواء الذي يمنع من وقوعها، وفي التخلص من إثمها، وفي ~~الأعذار المرخصة فيها، فهذه ستة مباحث. PageV01P004 ### || CHECK [البحث الأول في حقيقة الغيبة] # البحث الأول في حقيقتها # وهي أن تذكر غائبا معينا متسترا بما فيه من النقص مما يكرهه لو بلغه ~~لنقصه بما لا ينقص دينه، سواء كان نقصا في بدنه ونسبه، أو معنته أو خلقه، ~~أو فعله أو ثوبه، أو غيره مما يتعلق به، كالقصير والنبطي والأسكافي، وكثير ~~الكلامن وطويل الأكمام، وذي الفرس المكسور، والدار المهجور، فإن ذكرت ذلك ~~لا لنقصه بل لتعريفه كالأعمس للمحدث المعروف، أو لنقص غير متسترا أو غير ~~معين، محو ما بال أقوام يفعلون كذا، كما كان صلى الله عليه وآله وسلم يقول ~~ذلك، والمقصود واحد بعينه، فذلك جائز، فإن ذكرت بذلك حاضراص فتحريمه لكونه ~~أذية لا غيبة. # وأما ذكر الغائب بما ليس فيه فذلك بهتان، وهو أشد من الغيبة، قيل: لأن ~~فيه جمعا بينها وبين الكذب. # قلت: الغيبة والكذب لا يجتمعان، إذ الغيبة ذكر الغائب بما فيه فهي خبر ~~صادق، وقيل: لأن فيه جمعا بين النميمة والكذب. # قلت: لا نميمة إذ هي إفشاء السر، وهتك السرت عما يكره كسنه. # قلت: ولو قيل إن وجه الشدة هو أن الباهت يحتاج إلى التخلص في ثلاثة مواضع ~~يتوب إلى الله تعالى، ويتحلل من بهته، ويعلم من تكلم عندهم بأنه كاذب فيما ~~قال على فلان لكان أولى. # فإن قلت: كيف كان البهتان أشد من الغيبةن وقد ورد أيضا أن الغيبة أشد من ~~الزنا، فجعل الزنا أخف الثلاثة والبهتان أشدها فالغيبة ms03 وسطها؟ PageV01P005 # قلت: زيادة الشدة باعتبار تعدد وجوه التخلص كما أشار إليه قوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((إياكم والغيبة، فإن الغيبة أشد من الزنا، قيل: وكيف ذاك ~~يا رسول الله؟ قال: إن الرجل يزني ثم يتوب فيتوب الله عليه، وإن صاحب ~~الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه)) فلما كان التخلص يحصل في الزنا بأمر ~~واحد وهو التوبة، كان التخلص منه أخف من الغيبة التي لا تخلص منها إلا ~~بأمرين التوبة والاعتذار، وكان البهتان أشد من الغيبة لما كان التخلص منه ~~لا يحصل إلا بثىثة، بالتوبة والاعتذار، وإعلام من تكلم عندهم بأنه كان ~~كاذباص فيما قال على فلان، فزيادة الشدة باعتبار الخروج من الذنب لا ~~باعتبار اقتحام الذنب، والزنا أشد تحريما، ولذا شرع الحد على فاعله، وأجمع ~~على كبره. # قال ابن أبي الحديد: وفي الصحاح المجمع على صحتها أنه صلى الله عليه وآله ~~وسلم مر بقبرين جديدين فقال: ((إنهما ليعذبان وما يعذبان لكبير، أما أحدهما ~~فكان يغتاب الناس، وأمما الآخر فكان لا يتنزه من البول)) فصرح بأن الغيبة ~~ليست بكبيرة، وقيل: بل هي كبيرة؛ لأن في خبر ابن عباس بعد: وما يعذبان في ~~كبير بلى إنه كبير، قالوا: ومعنى وما يعذبان في كبير أي في أمر يكبر عليهما ~~أو يشق لو أرادا وهو التنزه وترك الغيبةن ولم يرد أن المعصية ليست بكبيرة، ~~وأن الذنب فيها هين سهل، ولذا استدرك بقوله: ((بلى إنه كبير)). # وأهل مذهبنا لا يعدون الغيبة ولا النميمة من الكبائر؛ لأن الكبيرة تقتضي ~~فسق مرتكبها، ولا إفساق إلا بقاطع من السمع والحادي لا يفيد القطع، والله أعلم. PageV01P006 # واعلم أن الغيبة ليست مقصورة على اللسان، بل كلما عرفت به صاحبك نقص أخيك ~~فهو غيبة، سواء كان بلسان أو قلم، فمن هجن في مصنفه على شخص معين فهو غيبة ~~أو إشارة، ومنه ما روي عن عائشة أنها قالت: دخلت على امرأة فلما ولت أومأت ~~بيدي إنها قصيرة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((قد اغتبتيها)) أو فعل ~~كأن يمشي ms04 متعارجا كما يمشي شخص معين، أو غمز أو تعريض، كالحولقة ~~والاسترجاع، وكأن يذكر صفات شخص تعريضا بانتفائها من شخص آخر، بل قد قيل: ~~إن أشد الغيبة غيبة القراء المرائين وهو أن يذكر عندهم إنسان فيقول قائلهم: ~~الحمد لله الذي لم يبتلنا بكذان وقصده أن يفهم الغير غيبة ذلك الشخص، فيخرج ~~الغيبة مخرج الحمد، ووصل من ذلك غيبة المسلم، والزنا وإظهار الغيبة للبعض ~~وهو مرتطم فيها، وكذلك لقد ساءني ما يذكر به فلان، نسأل الله أن يتداركه ~~ويكون كاذبا في دعوى أنه ساءه، وفي إظهار الدعاء له، ولو قصد الدعاء ~~لأخفاه، ولو ساءه لساءه إظهار ما يكرهه ذلك الإنسانن وكذلك قد تقدم مدخ من ~~يريد غيبته فيقول: ما كان أحسن أحوال فلان، ما كان يقصر في العادات ولكن ~~اعتراه فتور، وابتلي بما ابتلي به كلنا، وهو قلة الصير، فذكر مقصوده ونفسه ~~أن يذم غيره وأن يمدح نفسه بالتشبه بالصالحين في ذم أنفسهم فيكون مغتابا ~~ومرائيا، ومزكيا نفسه، فيجمع بين ثلاث معاصي، وهو نظر يجهله أنه من ~~الصالحين المتعففين عن الغيبة. # ثم اعلم أن الإصغاء إلى الغيبة على سبيل التعجب كالغيبة، بل أشد إذا كان ~~يظهر التعجب ليزيد نشاطه فيها، فكأنه يستخرجها منه بذلك، وإذا كان السامع ~~الساكت شريك المغتاب فما ظنك بالمجتهد في حصول الغيبة، والباعث على ~~الاستزادة منه؟ PageV01P007 # وروي أنه صلى الله عليه وآله وسلم سمع شخصا يقول لآخر: إن فلانا لنؤم، ~~فأخرج صلى الله عليه وآله وسلم خبزا فطلبا منه إداما فقال: ((قد ائتدمتما، ~~قالا: لا نعلمه، قال: بل ما أكلتما من لحم صاحبكما)) فجمع بينهما في الإثم، ~~وقد كان أحدهما قائلا والآخر سامعا، وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((المستمع احد المغتابين)). # ثم اعلم أن الغيبة كما لا تكون بالجوارح وبالإصغاء إليه فقد تكون على ما ~~ذكر بعض المحققين بالقلب، وهو سوء الظن، فإنه حرام مثل سوء القول، فكما ليس ~~لك ان تحدث غيرك بلسانك بمساوئ الغير فليس لك أن تحدث نفسك، وتسيء بأخيك ~~وتظن به سوءا، ms05 فإن بعض الظن إثم، فإما الخواطر وحوادص النفس فمعفو. ### || AUTO البحث الثاني في ذكر بعض ما ورد في ذم الغيبة # فمن ذلك قول الله سبحانه: {ولا يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم ~~أخيه ميتا فكرهتموه واتقوا الله إن الله تواب رحيم}[الحجرات:12] فنبه ~~سبحانه على كراهيتها بالنهي وبالتشبيه بأكل الميتة، وبالكراهة. # وقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ((إياكم والغيبة، فإن الغيبة أشد من ~~الزنا)) كما مر. # وخطب صلى الله عليه وآله وسلم حتى أسمع العواتق في بيوتها فقال: ((يا ~~نعشر من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا ~~عوراتهم، فإن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته، ومن تتبع الله عورته فضحه ~~في جوف بيته)). # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما صام من ظل يأكل لحوم الناس، وإن الله ~~يبغض أهل بيت اللحم الذين يغتابون الناس)). PageV01P008 # وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: ((من خزن الله لسانه ستر الله عورته، ومن كف ~~غضبه كف الله عنه غضبه)) وقال الله تعالى لموسى صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((من مات تائبا من الغيبة فهو آخر من يدخل الجنة، ومن مات مصرا عليها فهو ~~أول من يدخل النار)). # وعن عيسى صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((لو أتيتم على رجل نائم قد كشفت ~~الريح عن بعض عورته أكنتم تسترون عليه؟ قالوا: نعم، قال: بل أنتم تكشفون ~~البقية، قالوا: سبحان الله، كيف نكشف البقية؟ قال: أليس يذكر عندك الرجل ~~فتذكرونه بأسوأ ما فيه فأنتم تكشفون بقية الثوي عن عورته)). # وعنه أيضا انه مر على جيفة كلب فقال بعض أصحابهك ما أشد نتنه، فقال عيسى ~~صلى الله عليه وآله وسلم: ((ما أشد بياض أسنانه)) كأنه ناهم عن غيبة الكلب، ~~ونبههم على أنه لا ينبغي أن يذكر من كل شيء إلا أحسنه. PageV01P009 # ويحكى أن بعض النبياء صلوات الله عليهم كان سعيدا بما يرى في المنام، فرأى ~~ليلة أنه قيل له: إذا اصبحت فأول شيء يستقبلك كله، والثاني: اكتمه، ~~والثالث: أقبله، والرابع: ms06 لا...........، والخامس: اهرب منه، فلما أصبح ~~استقبل جبلا أسود عظيما فتحير، ثم قال: قد أمرني ربي أن آكل، ولا يأمرني ~~بما لا أطيق، فلما عزم على اكله ومشى إليه ليأكله ودنا منه صغر، فلما انتهى ~~إليه وجده لقمة أحلى من العسل فأكله وحمد الله، ومضى فاستقبل طستا من ذهب، ~~وقال: أمرت أن أكتمه فحفر في الأرض ودفنه فالتفت فإذا الطست فوق الأرض، ~~فرجع مرتين أو ثلاثا وهو يدفنه يم ثجده فوق الأرض، فقال: قد فعلت ما أمرت، ~~ومضى فاستقبله طائر حلقه بازي يريد أخذه، فقال البازيك يا نبي الله إني ~~جائع ولي من الغداة في طلب هذا الصيد فلا تؤيسني من رزق ربي، فقال في نفسه: ~~قد أمرت أن أقبل الثالث وقد قبلته، وأمرت أن لا أؤنس الرابع فرى له بقطعة ~~لحم فأخذها وعزم، ثم أرسل الطائر ومضى فرى الخامس جيفة منتنة فهرب منها، ~~فلما أمسى قال: يا رب قد فعلت ما أمرت، فبين لي ما كان من أمر هذه الأشياء، ~~فرى في منامه أنه قيل له: أما الأول الذي اكلته فهو الغضب يكون في أول ~~الأمر مثل الجبل وفي آخره إذا صبرت وكظمت الغيظ أحلى من العسل، وفي الصير ~~هو إحدى الخمس التي وصى بها الوصي صلوات الله وسلامه عليه حيث قال: أوصيكم ~~بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل لكانت لذلك أهلا، لا يرجون أحدكم إلا ربه، ~~ولا يخافن إلا ذنبه، ولا يستحين أحد منكم إذا سئل عما لم يعلم أن يقول لا ~~أعلم، ولا يستحين أحد منكم إذا لم يعلم الشي ان يتعلمه، وبالصبر فإن الصير ~~من الإيمان كالرأس من الجسد، لا خير في جسد لا رأس معه، ولا خير في إيمان ~~لا صبر معه، انتهى. PageV01P010 # واختار بعض العلماء من أربعمائة كتاب أربع كلمات وهي: يا ابن آدم اجعل ~~طاعتك لله بقدر حاجتك إليه، واجعل جرأتك على المعاصي بقدر صبرك على النار، ~~واجعل عملك للآخرة بقدر إقامتك فيها، واجعل حياك من الله بقدر اطلاعه عليك. # وأما الثاني فهو ms07 من عمل خيرا وإن كتمه فإنه يظهر. # وأما الثالث فمن ائتمنك بأمانة فلا تخنه. # وأما الرابع فإذا سألك إنسان حاجة فاجتهد في قضائها وإن كنت محتاجا إليها. # وأما الخامس وهو الجيفة المنتنة فهو الغيبة، فاهرب من الذين يغتابون ~~الناتس، انتهى. # وعن علي عليه السلام: (الغيبة جهد العاجز). # وسمع الحسين بن علي عليهما السلام رجلا يغتاب آخر فقال: إياك والغيبة، ~~فإنها إدام كلاب الناس. # وعن ابن عباس رضي الله عنه: ما الأسد الضاري على فريسته بأسرع من الدني ~~في عرض السري. # وعنه: الغيبة إدام كلاب النار. # وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه: هاجت ريح منتنة على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم فقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((إن أناسا من ~~المنافقين قد اغتابوا أناسا من المسلمين)). والحكمة أنه كان يتبين نتنها ~~على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا تتبين في عهدنا أن الغيبة ~~قد كثرت وامتلأت الأنوف منها، فلم تتبين الرائحة، كرجل دخل دارا لدباغين ~~فلم يقدر على القرار فيها لشدة الرائحة، وأهل تلك الدار يأكلون ويشربون ولا ~~تتبين لهم الرائحة لامتلاء أنوفهم منها، كذلك أمر العيبة في عصرنا. # وكان ابن مسعود إذا أمر بمجلس من المجالس يقول: توضو، فإن بعض ما انتم ~~فيه شيء من الحدث. # وعن الحسن البصري: ذم الرجل في السر مدح له في العلانية. # وقيل لبعض العرب: من السيد فيكم؟ قال: الذي إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر ~~اغتبناه. PageV01P011 # وعن مجاهد أنه قال: إن لابن آدم جلساء من الملائكة، فإذا ذكر أحدهم أخاه ~~بخير قالت الملائكة: ولك مثله، وإن ذكره بسوء قالت: يا ابن آدم كشفت ~~المستور عليه عورته، ارجع إلى نفسك واحمد الله الذي ستر عليك عورتك. # وعن عبد الله بن المبارك انه قال لسفيان: ما أبعد جيفة من الغيبة ما ~~سمعته يغتاب عدوا قط؟ قال: هووالله أعقل من أن يسلط على حسناته ما يذهبها. # قال عبد الله بن المبارك: لو كنت مغتابا لأحد لأغتبت والدتي؛ لأنها أحق ~~بحسناتي. ms08 # وقال أبو أمامة الباهلي: إن العبد يعطى كتابه يوم القيامة فيرى فيه حسنات ~~لم يكن عملها فيقول: يا رب أنى لي هذا؟ فيقول: ((هذا مما اغتابك الناس وأنت ~~لا تشعر)). # وقال رجل من بني إسرائيل: اللهم ليس لي ما أتصدق به، فأيما مسلم أصاب ~~عرضي فهو عليه صدقة، فأوحى الله إلى نبي زمانه أني قد غفرت له. # وقيل لإسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة: أي اللحوم أطيب؟ قال: لحوم الناس، ~~هي والله أطيب من الدجاج، والدراج يعني الغيبة. # وقيل لشاعر أنعم عليه بعض الرؤساء: ما صنع بك فلان؟ فقال: ما وفيت نعمته ~~بإسائته منعي لذة الثلب، وحلاوة الشكوى. # وعن بعضهم: الورع في النطق أشد منه في الذهب والفضة؛ لأنك إذا استودعك ~~أخوك مالا لم تحدثك نفسك بخيانة فيه، وقد استودعك عرضه وأنت تغتابه ولا تبالي. # وعن إبراهيم بن ادهم أنه أضافه ناس فلما قعدوا على الطعام قال رجل: إن ~~فلانا لم يجيء، فقال آخر: إن فلانا ثقيل، فقال إبراهيم: إنما فعل بي هذا ~~بطني حتى شهدت طعاما أغتيب فيه مسلم، فخرج ولم يأكل ثلاثة أيام، وأضاف هو ~~ناساص فلما قعدوا على الطعام جعلوا يتناولون رجلا فقال إبراهيم: إن الذين ~~كانوا قبلنا يأكلون الخبز قبل اللحم، وأنتم بدأتم باللحم قبل الخبز. # وقيل لرجل يغتاب: إنك تملي على حافظيك فانظر ماذا تقول. PageV01P012 # وقال رجل لعمرو بن عبيد: إن فلانا لم يزل أمس يذكرك ويقول: عمرو الضال، ~~فقال له عمرو: والله يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل حين نقلت إلينا حديثه، ~~ولا رعيت حقي حين أبلغتني عن أخي ما أكرهه، اعلم أن الموت يعمنا، والبعث ~~يحشرنا، والقيامة تجمعنا، والله يحكم بيننا. # واغتاب سفيان بن الحسين رجلا عند إياس بن معاوية فقال: هل غزوت الروم؟ ~~قال: لان قال: هل غزوت الترك؟ قال: لا، قال: سلم منك الروم والترك ولم يسلم ~~منك أخوك المسلم، قال: فلم أغتب بعد ذلك أحدا. # وكان بعضهم إذا ذكر عنده ميت بسوء يقول: كفوا عن اشتراء الثرى. # وعن كعب ms09 الأحبار: أعظم الناس خطيئة المثلث، وهو الذي يسعى بأخيه فيهلك ~~نفسه وأخاه وسلطانه، فدع الأسرار تحت الأستار. # وما أحسن ما قاله نجم آل الرسول القاسم بن إبراهيم سلام الله عليه: يابني ~~اصحب من صحبت بالستر لعورته، ولا تطل معاتبته إذا هفا، ولا جفوته إذا جفا، ~~ولا تأخذه بالغاية القصوى، فإن زل فأقله، وإن قصر فاحتمله، وإن تمرد عن ~~التوبة فعليك أن تحذر منه. ### || AUTO البحث الثالث في الأسباب الحاملة على الغيبة # وقد ذكر منها أمورا: # الأول: شفاء الغيظ، فمن غضب على شخص بسبب تشفا عند أن يهيج غضبه بذكر ~~مساوئ أخيه. # الثاني: موافقة الندماء، فإنهم إذا اجتمعوا وتفاكهوا بذكر الأعراض رأى ~~أنه لو أنكر وقطع المجلس استقلوه ونفروا فيساعدهم، ويرى ذلك من حسن ~~المعاشرة، ويظن أنه يجامل في الصحبة، وقد يغضب رفقاه، فيحتاج أن يغضب ~~لغضبهم إظهارا للمشاركة في الضراء والسراء، فيخوض معهم في ذكر العيوب. # الثالث: أن يستشعر من إنسان أنه سيذمه عند بعض الرؤساء ويشهد عليه بشهادة ~~فيبادر قبل ان يفتح حاله فيطعن فيه إثر شهادته عليه، وقد يبتدي بذكر ما فيه ~~صادقا ثم يكذب عليه، فيروج كذبه بالصدق الأول. # الرابع: المباهاة وحب الرئاسة، مثل أن يقول كلام فلان ركيك، ومعرفته ~~بالفن الفلاني ناقصة، وغرضه إظهار فضله عليه. PageV01P013 # الخامس: الحسد وإسقاط قدر من يمدحه الناس بذكر مساويه؛ لأنه يشق عليه ذكر ~~ثناء الناس عليه، ولا يجد سبيلا إلى سد باب الثناء عليه إلا بذكر عيوبه، ~~وكثيرا ما يكون الحسد من القرابة والجيران والشركاء، كما قيل لبعضهم: ما ~~بال فلان يغتابك وينقصك؟ قال: لأنه شريكي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي ~~في الصفة. # السادس: اللعب والهزل، والمطايبة وترجية الوقت بالضحك والسخرية، فيذكر ~~غيره بما يضحك الحاضرين على سبيل الهزؤ. ### || AUTO البحث الرابع فيما يعالج به من وقوع الغيبة # وذلك بأن يعلم أن ذلك يعرضه لسخط الله، ويحبط حسناته، فإنها تنتقل يوم ~~القيامة إلى من اغتابه عوضا عما هتكه من عرضه، فمهما صدق العبد بما ورد في ~~الغيبة من الوعيد ms10 لم ينطق به لسانه خوفا من ذلك، وينعفه أن ينظر في نفسه، ~~فإن لم يجد بها عيباص فليشكر الله على ذلك، وإن وجد بها عيبا اشتغل بعيب ~~نفسه، ويذكر: ((طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس)) فيقبح منه ان يترك نفسه ~~ويذم غيره. # وعن المسيح عليه السلام: لا تنظروا في عيوب الناس كالأرباب، وانظروا في ~~عيوبكم كالعبيد، ينظر أحدكم القذى في عين أخيه ولا ينظر الجذع في عينه، ~~مثلكم مثل القبور المجصصة بروق ظاهرها وباطنها فيها ما فيها، وقد نظم ذلك ~~من قال: # أهملت نفسك في هواك ولمتني ... لو كنت تنصف لمت نفسك دوني # ما بال عينك لا ترى أقذاءها ... وترى الخفي من القذى بجفوني # وأتى إلى علي عليه السلام رجل استوجب الحد، فقال: إذا اختلط الظلام ~~فاتوني بالشهود متعممين، فلما حضروا للشهادة قال: أنشد الله رجلا مثل هذا ~~الحد إلا انصرف فانصرفوا جميعا. # ولبعضهم: # لا تفشين مساوئ الناس ما ستروا ... فيكشف الله سترا من مساويكا # واذكر محاسن ما فيهم إذا ذكروا ... ولا تعب أحدا منهم بما فيكا # ولآخر: # أرى عيوب العالمين ولا أرى ... عيبي خصوصا وهو مني أقرب # كالطرف يستحلي الوجوه ووجهه ... أدنا إليه وهو عنه مغيب PageV01P014 وفي بعض الكتب المتقدمة: يا ابن آدم لك مخلاتان مخلاة خلفك ومخلاة أمامك، ~~ففي التي خلفك عيوبك، وفي التي أمامك عيوب غيرك، فلو نظرت في التي خلفك ~~شغلتك عن التي أمامك. # وقال حكيم لحكيم: والله إني لأحبك في الله، فقال له الآخر: لو علمت مني ~~ما علمت من نفسي لأبغضتني في الله، فقال له الأول: لو علمت منك ما علمته من ~~نفسك لكان فيما أعلم من نفسي شغلا عما أعلم من نفسك. ### || AUTO البحث الخامس فيما يقع به التخلص للمغتاب والسامع من إثم الغيبة # أما المغتاب فعليه مع التوبة أن يستحل ممن نقصه إن كان الغيبة قد بلغته ~~لما مر، وإن لم يكن قد بلغته لم يحتج إلى الاستحلال منه، بل قد قيل: إنه لا ~~يجوز إعلامه لما فيه من إدخال الحرج ms11 في صدره. # وأما السامع للغيبة فعليه أن ينكر بلسانه، فإن خاف فبقلبه، وإن قدر على ~~القيام أو قطع الكلام فعليه ذلك، فإن قال بلسانه أسكت وهو مريد للغيبة فذلك نفاق. # قال بعض العلماء: إن الغيبة على أربعة أوجه، كفر حيث اغتاب مسلما، فقيل ~~له: لا تغتب، فيقول مستحلا هذا ليس بغيبة، وإنه صادق في ذلك فقد استحل ما ~~حرم الله، ونفاق حيث اغتاب مسلما ولم يسمه عند من يعرف أنه يريد فلانا فهو ~~يغتابه ويرى من نفسه أنه متورع، ومعصية حيث اغتاب شخصا مسلما معينا، غير ~~مستحل لها، ومباح حيث اغتاب فاسقا معلنا بفسقه، بل مأجور إن اغتابه ليحذر ~~منه الناس. PageV01P015 ### || AUTO البحث السادس في الأعذار المرخصة في الغيبة # وهي خمسة: # الأول: التظلم، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: ((لي الواحد يحل عرضه ~~وعقوبته فللمظلوم أن ينسب من ظلمه عند الولاة إلى الظلم إذ لا يمكنه ~~استيفاء حقه إلا بذلك)). # الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصي كما روي أن عمر مر على ~~عثمان فسلم عليه فلم يرد عليه، فذكر ذلك لأبي بكر فجاء ليصلح بينهما، ولم ~~يكن ذلك غيبة عندهم. # الثالث: الاستيفاء، لما روي أن هندا قالت للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني ما يكفيني فأخذ من غير علمه، قال: ((خذي ~~ما يكفيك وولدك بالمعروف)) ولم يزجرها عن ذكرها له بالشح والظلم إذ كان ~~قصدها الاستيفاء. # الرابعك التحذير، فمن أراد أن يشتري رقيقا وأنت تعرف فيه عيبا مطعنا، ~~وكذلك المستشار في في نحو التزويج وإيداع الأمانة له أن يذكر ما يعرف لقصد ~~النصح للمستشير، لا لقصد الوقيعة. # الخامس: التعريق، فلا إثم على من ذكر إنسانا معروفا باسم يكشف عن عيبه، ~~كالأعمش والأعرج لضرورة التعريف كما مر. PageV01P016 ### || AUTO خاتمة # آفات اللسان كبيرة، وقد ذكر منها الكذب والنميمة، والسب واللعنن والسخرية ~~والاستهزاءن والخصام والتقعر في الكلام، والمراء والجدال، وإفشاء السر، ~~والخوض في الباطل، وفيما لا يغني، وتكليم كل من المتعادين بما يوافقه، ~~والسؤال عن ms12 الأغلوطات، والمدح في بعض المواضع، والنجاة من ذلك بالصمت، وقد ~~قيل: إنه المراد بالحكمة في قوله تعالى لداؤد: {وآتيناه الحكمة} إلا عن المهم. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((من صمت نجا)) وقال: ((إن لسان المؤمن من ~~وراء قلبه، فإذا أراد أن يتكلم بشيء تدبره بقلبه، ثم أمضى بلسانه، وإن لسان ~~المنافق أمام قلبه، فإذا هم بالشيء أمضاه بلسانه ولم يتدبره بقلبه، فمن ~~تأنى أصاب أو كاد، ومن عجل أخطأ أو كاد كما في الخبر، ولتحفظ الأناة من ~~التواني، فقد قال الحكماء: احفظ عشرا من عشر، احفظ........ من التواني، ~~وإسراعك من العجلة، وسخاك من التبذير، واقتصادك من التقتير، وإقدامك من ~~الهوج، وتحررك من الجبن، ونزاهتك من الكبر، وتواضعك من الدناءة، وأنسك من ~~الاغترار، وكتمانك من النسيان. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((الصمت حكم وقاتل فاعله)) وقال: ((من وقي ~~شر فنقبه ودندبه ولقلقه فقد وقي القنقب البطن والذبذب الفرج والقلق اللسان، ~~وقال: كفف لسانك إلا من خير. PageV01P017 # وقال سليمان بن داود صلوات الله عليهما: إن كان الكلام من فضة فالصمت من ذهب. # وفي حكم آل داؤد حق على العاقل أن يكون عارفا بزمانه، حافظا للسانه، ~~مقبلا على شأنه. # وقيل لعيسى عليه السلام: دلنا على عمل ندخل به الجنة؟ قال: لاتنطقوا ~~أبدا، فقالوا: لا نستطيع ذلك، قال: فلا تنطقوا إلا بخير. # وتكلم جماعة عند معاوية والأحنف ساكت، فقيل له: مالك لا تتكلم يا أبا ~~بحر؟ قال: أخشى الله إن كذبت، وأخشاكم إن صدقت. # ويزداد قبح هذه الآفات بازدياد فضل الزمان والمكان والغيبة ونحوها في ~~الأوقات الفاضلة كرمضان، وأوقات الصلاة، وفي الأماكن الفاضلة أشد قبحا، ولا ~~سيما في المساجد، ولهذا لا يجوز فيها من المباحات إلا أمور مخصوصة. # وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((جنبوا مساجدكم أسواقكم، وإقامة حدودكم، ~~ورفع أصواتكم، ومجانينكم وصبيانكم، وسل سيوفكم، وبيعكم وشرائكم، وقال: إنما ~~بنيت المساجد لذكر الله وأحكامه)). # وقال لرجل ينشد ضالته في المسجد: ((لا وجدتها، إنما بنيت المساجد لذكر ~~الله)) فكيف والعياذ بالله بمن يتخذ ms13 المساجد أسواقا للأعراض، ومطابخ ~~للأغراض. # وإذ قد وقع الفراغ من تطهير الظاهر باجتناب آفات اللسان التي هي من ظاهر ~~افثم، فلنختم الكلام بتطهير الباطن باجتناب آفات الجنان التي هي من باطن ~~الإثم من نحو الكبر والعجب، والرياء، والمباهاة والمكاثرة، والحسد والغل، ~~وسوء الظن، وموالاة الأشرار، ومعاداة الأخيار، وحب الحمد بما لا يفعل، ~~والحمية والمداهنة، وحب الدنيا الذي هو رأس كل خطيئة كما قال، ومنه الفرح ~~الملهي، والجبن بالقلب، والبخل بالمال، والسرف والاقتار، والجزع عند ~~المصيبة، وما يتفرع من هذه الآفات. PageV01P018 # قال بعض الزهاد: أعظم هذه الآفات حب الدنيا كما في الخبر، وحبها ما بعدك عن ~~مراد الله، وعن الأفضل مما تريده من الطاعات، ودواء إخراجها من القلب ~~بمعرفة آفاتها، ولم يرد التكليف بإزالة شهوتها من القلب، بل بالصبر عنها ~~حتى يرجع المشتهى مكروهان والوصول إلى ذلك بأمور ثلاثة: بالصبر على القيام ~~بالواجبات، واجتناب المقبحات، وعلى ما أتاك من الامتحان من الله تعالى، وعن ~~الخلق وبالزهد في الشهوات، ثم في الحلال، وبالمواضبة على الندم على كل قبيح ~~لقبحه، وعلى كل إخلال بواجب..............، وعلى العزم أن لا تعود إلى شيء ~~من ذلك، وعلى اللجا إلى الله والرجاء لكرمه، وعلى شكره في كل حال، وذكره ~~بالقلب واللسان، قاصدا بكل ما فعلته أنه لكل وجه حسن يريده الله على الوجه ~~الذي تريد. PageV01P019 # نعم قيل موانع الخيرات ارتكاب الشهوات، وتأثير الملذات، وتطويل الأمل، ~~والاشتغال ..............العمل، فمن سلم من هذه الأربعة فقد هدي إلى صراط ~~مستقيم، ولولا أن السؤال ورد في الغيبة لكان ذكر الآفات القلبية بالتقديم ~~أولا؛ لأن القلب أشرف الأعضاء، إذ به يحصل التفكر في عجائب صنع الله الذي ~~أتقن كل شيء، ويكفيك أيها الإنسان تفكرك فيك {وفي أنفسكم أفلا ~~تبصرون}[الذاريات:21] فقد جمع فيك العالم الأكبر، ولبعض العارفين: يا خلاصة ~~الوجود فيك كل موجود، ضحكك كالرعود، وتبسمك كالبرق ودمعك كالمطر، وعقلك في ~~القلب كالشمس، ورجلام في رسوخها كالجبال، ورأسك ~~كالسمرات،.............السبعة كالكواكب السبعة السيارات، ويديك كالأرض، ~~وعقلك في القلب كالسلطان، وبين يديهالخدم والأعوان، وهي الجوارح، ms14 فإذا خطر ~~فيك خاطر الحركة قامت له الأعوان من السمع والبصر واليد والرجل واللسان ~~والعين زائد، والسمع صاحب خير، واللسان ترجمان، واليد حارس يرد ما يرد من ~~الآفات، والقدم مطية ومركب، والفكر جاسوس للقلب، وظهرك يضاهي جانب الدنيا ~~الخراب، ووجهك يضاهي جانبها العمران، وجعلت العين في الرأس لتكون مشرفة على ~~جميع العضاء، كالطليعة للعسكر، وجعلت في كهف حراسة لها، وتوقيرا لضوئها ~~باجتماع شعاعها، والقت من سبع طبقات كالقشور المتراكبة لو فسدت واحد فسد ~~البصر، وجعل لها أهداب لتدفع ما يطير إليها، ولتعدل الضوء بسواده، وخلق ~~الأنف ليخص فيه الريح المستنشق لترويح الرئة والدماغ والفم، وعاء الكلام ~~واللسان عضو النطق، وآلة لتقليب الطعام المخضوع، والمضغ يقع في جانبي الفم ~~حراسة لأداة النطق، واللسان حاكم إليه تمييز الذوق، وتقطيع الصوت، وإخراج ~~الحروف، والشفة غطاء الفم والأسنان وتحبس اللعاب، وعون على الكلام، وجمال ~~في الصورة، واللهاة باب موصد على مخرج الصوت تقدره، والأسنان تقطع لحدتها، ~~والنياب تكسر، والأضراس تطحن لعرضها، وخص الفك الأسفل بالتحريك PageV01P020 صيانة للأعلى عنه لاشتماله على الأعضاء الشريفة، وعين الماء تنبع من تحت ~~اللسان لبل الطعام وإلا لم يمص يابس، وجعلت الأذن صدفا معوجا لتحبس الصوت ~~لمجمعه، وجعل ماؤها مرا لتندفع الحشرات عنها، وماء العين مالحا لأنها شحمة ~~لولا ذلك لذابت، وما الفم عذبا لتطييب طعم المطعم، وجعل فيه القوى الأربع ~~الحادية وإلا لما اشتهى الطعام، والماسكة وإلا لخرج كما دخل، ألا ترى أن ~~المثانة قربة ماء مفتوح رأسها على الدوام حتى عند المنام، وفمها إلى أسفل، ~~ومع ذلك لا يخرج ماؤها، والهاظمة وإلا لما هظم الطعام، ألا ترى أن الإنسان ~~يأكل الأشياء الشديدة ويخرج كما ترى، ولولا الدافعة لما خرجت فضلة الطعام، ~~وذلك لأن الكبد طباخ وقسام، فيقسم ويعطي الصافي الخالص جميع العروق، ويترك ~~النخالة التي لا تصلح لها فتخرجها الدافعة إلى السبيلين، وجعلت الأصابع ~~دقيقة لتعمل الأشياء اللطيفة كالكتابة والصناعة، وجعل الكف قعرى ليحفظ ما ~~جعل فيها، والأصابع عظام شتى لتحوي على قعرى الكف بالقبض كالقفل للإحراز، ~~ولم ms15 يخل عن العظام لتكون أفعالها قوية، ولم تكن عظما واحدا لئلا يعسر ~~إقفالها، وجعلت عظام قواعدها أغلظ من رؤسها لتحس المناسبة بين الحامل ~~والمحمول، ولم فيها مخ ولا تجويف لتكون أقوى على القبض والحركة، وجعلت ~~الإبهام كالضامة على ما تقبض، وجعل القلب قوي الذات، كثير الحجب ليكون أبعد ~~من الآفات، وفي وسط الصدر؛ لأنه أعدل الأماكن، وجسمك مركب من اثني عشر ~~وصلا، وله مائتان وثمانية وأربعون عظما، وثلاثمائة وستون عرقا، والعظام ~~تمسك الجسد والعثب واللحم بشدة، والعروق تسقيه، والجسم مركب من تسع طبقات ~~لو اختل أحدها بطل نظامه، الشعر ثم الجلد، ثم الشحم ثم العروق، ثم اللحم ثم ~~الدم، ثم العصب ثم العظم، ثم المخ، ومن العظام أساس للبدن، فقارة الصلب ~~يبني عليها الجسد وأمنها كالمجن، مثل عظيم النافوخ،..........جعل حية ~~للدماغ وهو من عظائم متخلخلة، وله ثلاثة PageV01P021 ذرود..................الدماغ بالتحلل، ثم لكل يد واحد وأربعون عظما، للكف ~~خمسة وثلاثون، والساعد عظمان، والعضد عظم واحدة، والتراقي ثلاثة، وكذلك ~~اليد الأخرى، ولكل رجل ثلاثة وأربعون عظما، للقدم منها خمسة وثلاثون، ~~وللساق عظمان، وللركبة ثلاثة، والورك عظمان، وللصلب من الفقار ثمانية عشر ~~من تحت الرقبة إلى عجب الذنبن وهذا العجب من العجائب أول ما يخلق وآخر ما ~~يخلق، ولكل جنب تسعة أضلع، وللرقبة ثمانية أعظم، وللرأس ستة وثلاثون، ~~الأسنان من ذلك اثنتان وثلاثون، وطول الأمعى خمسة أذرع. # ثم فيك شبه من جميع الحيوان، ملكي ينفع ولا يضر من نحو العقل والحلم، ~~والعلم والكرم، والتقوى والتواضعن وسبعي تضر ولا تنفع من نحو الكبر والصولن ~~والغضب والحسد، وبهيمي كالأنعام من الأكل والشرب، والكسل، وشيطاني من الحيل ~~والمكر والتلبيس، وفيك كبر إبليس وحسد قابيل، وعتو عاد وتمرد نمرود، ~~واستطالة فرعون، وبغي قارون، ووقاحة هامان، وهوى بلعام، ورعونة الطاووس، ~~وحرض الغراب، وشره الكلب، وحملة الخنزير، وروغان الثعلب، وبلادة الحمار، ~~ودناءة الجعل، وعقوق الضب، وحقد الجمل، ..........الفرس، ووثوب الفهد، ~~وصولة الأسد، وشر الحية ومكر الفارة، وعبث القرد، فرض نفسك وجاهدها لتغطي ~~عيوبها، ففيك عبرة {إن في ذلك لعبرة لأولي ms16 الأبصار}[آل عمران:13]. PageV01P022 # وينبغي أن نختم الكلام بعد التحذير من تلك الآفات بذكر ما يعتمد فعله من ~~محاسن الشمائل والصفات، من التوبة والإخلاص، واليقين والتقوى، والصبر ~~والرضى، والقناعة والزهد، والتوكل والتفويض، وحسن الظن وحسن الخلق، وكظم ~~الغيظ والعفو، وكف الأذى والرفق، وشكر المنعم والشفقة على الخلق، والحب لله ~~ولرسوله وللمؤمنين، والنصيحة لله ولرسوله، ولأئمة المسلمين ولعامتهم، ~~وإفشاء السلام وإطعام الطعام، والمجازاة على الإحسان والمواساة، والسعي في ~~قضاء حوائج الأنام، وصلة الأرحام، وبذل الجاه في الشفاعات، والتحبب إلى ~~الأقارب والجيران، والوفاء بحقوق الإخوان، بحسب الإمكان، فقد قال صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((للمسلم على أخيه ثلاثون حقا لا براءة له منها ~~إلا..........والعفو له يغفر زلته ويرحم عترته، ويستر عورته ويقبل.....، ~~ويقبل معذرته ويرد غيبته، ويديم نصيحته ويحفظ حلته، ويرعى ذمته ويعود ~~مرضته، ويشهد منيته ويجيب دعوته، ويقبل هديته ويكافئ صلته، ويشكر نعمته ~~ويحسن نصرته، ويحفظ حليلته ويقضي حاجته، ويتبع مسألته ويشمت عطسته، ويرشد ~~ضالته ويرد سلامه، ويبر إنعامه ويصدق أقسامه، يواليه ولا يعاديه، وينصره ~~ظالما ومظلوما، فأما نصرته ظالما فيرده عن ظلمه، وأما نصرته مظلوما فيعينه ~~على آخذ حقه، ولا يسلمه ولا يخذله، ويحب له من الخير ما يحب لنفسه، ويكره ~~له من الشر ما يكره لنفسه، إن أحدكم ليدع من حقوق أخيه شيئا فيطالبه به يوم ~~القيامة فيقضي له عليه)). # اللهم يا من لا يحويه مكان، ولا يخلفه زمان، ولا يشغله شأن عن شأن، صل ~~وسلم على محمد وعلى آل محمد، وأعذنا من آفات اللسان والجنان، ومن شر النفس ~~والهوى والشيطان، واسكنا ووالدينا وأولادنا وإخواننا من المؤمنين والمؤمنات ~~برحمتك التي وسعت كل شيء غرف الجنان، واجعلنا جميعا ممن قلت فيه: {وأما من ~~خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، فإن الجنة هي المأوى}. PageV01P023 ms17