######OpenITI# #META# bkid: 17747 #META# bk: البدر التمام شرح بلوغ المرام #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب: البدر التمام شرح بلوغ المرام #META# المؤلف: الحسين بن محمد بن سعيد اللاعي، المعروف بالمغربي (المتوفى: 1119 ه) #META# المحقق: علي بن عبد الله الزبن #META# الناشر: دار هجر #META# الطبعة: الأولى #META# digitization_comments: [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع] #META# عدد الأجزاء: 10 #META# inf: None #META# auth: الحسين بن محمد المغربي #META# authinf: المغربي (1048 - 1119 ه = 1638 - 1707 م). الحسين بن محمد بن سعيد اللاعي، المعروف بالمغربي: قاضي صنعاء، ومحدثها. توفي بالروضة (من أعمالها). له (البدر التمام في شرح بلوغ المرام - خ) [ثم طبع] جزآن في مجلد ضخم، في خزانة الرباط (420 كتاني) وفي جامعة الرياض (228 صفحة) ورسالة في حديث (أخرجوا اليهود من جزيرة العرب). نقلا عن: «الأعلام» للزركلي #META# tafseernam: None #META# islamshort: 0 #META# onum: 17747 #META# over: 2 #META# seal: 01505679 #META# oauth: 2796 #META# bver: 1 #META# pdf: 1 #META# oauthver: 1 #META# vername: None #META# cat: شروح الحديث #META# lng: الحسين بن محمد بن سعيد اللاعي، المعروف بالمغربي #META# higrid: 1119 #META# ad: 1119 #META# aseal: 19CE4DD2 #META# blnk: None #META# pdfcs: 1 #META# shrtcs: None #META# ScrapeDate: 2019-10-16 #META# ScrapeURL: http://shamela.ws/index.php/book/17747 #META#Header#End# ### | CHECK [مقدمة المصنف] # بسم الله الحمن الرحيم # وبه نستعين (أ) # الحمد لله الذي أوضح المحجة إلى معالم الاسلام، وأنار لعباده طرق الحلال ~~والحرام، وهداهم بسنة نبيه محمد -عليه أفضل الصلاة والسلام- إلى ما أوصلهم ~~به من بلوغ غاية المرام، وعرفهم به من العلم بكيفية استنباط الأحكام، ~~واصطفى لتحمل شرعه الأغر صفوة من عترة (¬1) نبيه الكرام، وصحابته ذوي PageV01P003 # الإجلال والاحترام، ومن تبعهم بإحسان، المقتفين الأعلام فذادوا عن موارد ~~سنته (أ) ما كاد يغشاها من ظلم (ب) حشو الكلام. # وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة [لأجلها أرسل الله رسله ~~فأوضح بها معالم الإسلام، وأنزل كتبه وشرع شريعته فهدى بها طرائق الحل ~~والحرام] (ج)، أنجو بها من هول اليوم الجامع، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ~~النبي الأمي المختص بالكلم الجوامع والألفاظ النيرة الدوامغ اللوامع، ~~المؤيد بالدلائل القواطع، والبراهين السواطع، الذي تشنفت بحديثه المسامع، ~~وتزينت بإملائه المجامع، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الساطعة أنوارهم ~~في أشرف المطالع، المقتفين لأثره فلا يحوم حول ذلك قاطع، الذين جعلهم نجوما ~~يهتدى بهم في معالم الهدى، ومصابيح يكشف بهم ظلم الشك عن من اقتدى، فهم ~~وسائل النجاة في المشتبهات، المشار إلى رفع قدرهم يقول الله عز من قائل: ~~{يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات} (¬1) صلاة دائمة ~~متصلة البركات. PageV01P004 # وبعد: فإنه لما كان العلم أشرف (أ) ما تحلي في الوجود، وأعز ما أنعم الله ~~به على عباده من الجود نوه سبحانه بفضل من تحمله بأن جعلهم شاهدين على ~~وحدانيته مذعنين بجلاله وفردانيته وأفردهم بحصر خشيته عليهم وكفى لهم فخرا ~~بتخصيصهم بحميد ذكره وأورثهم المقام العالي لأنبيائه وأفضل نذره، وكان أفضل ~~(ب) ذلك وأولاه بهذا المقام هو العلم المقتبس من مشكاة النبوة التي لا يطفأ ~~نورها ولا يأفل بدورها وشموسها، وكان ذلك العلم الشريف يحتاج المنتفع به ~~إلى تمييز الصحيح من السقيم وسلوك طريق الاعتبار ليكون العمل به جاريا على ~~السنن المستقيم وهذه طريقة عزب نيلها، وبعد تحصيلها، وتقاعدت الهمم العوالي ~~عن ms0001 أن تشتري من سوقها لانتشار طريقها وتفرد بذلك أفراد من نحارير العلماء، ~~وفرسان الحفاظ اللآثار النبوية النبلاء الفهماء، واختلفت طرائقهم في تدوين ~~ذلك فبين مطول ومقتصر ومخلص ومختصر على اختلاف المقاصد وتباين المطالب ~~واعتبار كل قاصد وطالب، وكان من أعظم المؤلفات في ذلك "التلخيص الحبير" ~~(¬1) المعلق على شرح الرافعي الكبير للحافظ العلامة شهاب الدين أحمد بن علي ~~العسقلاني الشهير بابن حجر فهو نسيج وحده، وفريد عصره، ثم أتبع على ذلك ~~المنوال مختصره "بلوغ المرام في أدلة الأحكام" (¬2) صغير الحجم عظيم القدر، ~~فلقد أجاد فيه وأفاد، ووقف (ج) الآخذ منه على كمال (د) PageV01P005 # المراد من استكماله (أ) أدلة الأحكام في جميع أبواب الفقه وأصول المسائل ~~التي يمكن اللبيب أن يرد إليها أكثر الفروع في كل باب ويجتنى كل ثمرة ~~تستطاب، ولكنه التزم في الإشارة إلى نقد الحديث الإجمال دون التوضيح، ~~واكتفى بإطلاق لفظ صحيح وحسن وضعيف أو نحو ذلك عن إفادة التصريح من بيان ~~الوجه ولو بطريق التلويح وكان ذلك غير كامل بما يطلب من الإفادة ولا واف ~~بما قصد من الإجادة. # قصدت إكمال الانتفاع به وبيان أسباب (ب) ما أشار إلى تعليله وتحسينه ~~وتضعيفه وانقطاعه وإرساله على الطريقة المعتبرة عند أهل الحديث والأصول (ج ~~بوضع شرح يتضمن جميع ذلك ج)، ولم آل جهدا في استيفاء هذا المطلب ليكون ~~الناظر فيه على بصيرة لا يحتاج معه إلى غيره ثم تبيين ما يفهم من الحديث من ~~الأحكام منطوقا ومفهوما ومن ذهب إلى ذلك من أحبار الأمة من الصحابة ~~والتابعين والأئمة المجتهدين من جميع المذاهب، والسلوك معهم طريق الإنصاف ~~غير محام على مذهب ولا متحامل أحد من الأمة، سلامة عن العدول إلى سيء ~~المذهب، وأضفت إلى ذلك بيان حال من روى الحديث وما يتعلق بذلك من المولد ~~والوفاة وتوجيه ما يحتاج إليه إعراب اللفظ المشكل وشرح الغريب، وانجر ~~الكلام إلى فوائد كثيرة لا يعرف قدرها إلا المطلع على شروح كتب الحديث، ومن ~~الله أستمد التوفيق وأن ينفع به ويجعله خالصا لوجهه الكريم وهو ms0002 حسبنا ونعم ~~الوكيل. # ... # وأذكر (د) إسنادي لهذا المختصر إلى مؤلفه -أعاد الله من بركته- فأخبرني ~~به شيخي المحدث العلامة الغرة في وجه العلماء الأعلام العلامة عبد العزيز ~~بن محمد بن عبد العزيز بن تقي الدين التغري الحبيشي (¬1) -نسبة إلى "حبيشة" ~~(¬2) PageV01P006 # قريب من رداع من بلاد مذحج-[حفظه الله تعالى ووسع في مدته ونفع بعلومه] ~~(أ) مناولة قال: # أخبرني به شيخي الفقيه العلامة الورع الزاهد إبراهيم بن عبد الله بن ~~جعمان (¬1) -رحمه الله تعالى- قراءة مني له بجميعه في مدينة "زبيد" (¬2)، ~~قال أخبرني الفقيه العلامة مفتي الأنام محمد بن إبراهيم بن جعمان (¬3)، قال: # أخبرني به شيخ الإسلام إبراهيم بن محمد بن جعمان (¬4)، قال: أخبرنا به ~~السيد الطاهر بن حسين (ب) الأهدل (¬5)، قال: أخبرنا به الشيخ العلامة عبد ~~الرحمن بن علي الديبع (¬6)، قال: أخبرنا به شيخنا الحافظ السخاوي (¬7) عن ~~مؤلفه شيخ الإسلام أحمد بن (ج) حجر العسقلاني -رحمه الله-. PageV01P007 # قال المصنف -رحمه الله ورضي عنه-: (الحمد لله)، افتتح هذا المختصر بالحمد ~~بعد التسمية اقتداء بالكلام (أ) المجيد، وابتداء بخير الكلام، وامتثالا لما ~~ندب إليه الشارع - صلى الله عليه وسلم - في حديثي الابتداء بالبسملة ~~والتحميد (¬1). # والحمد في اللغة: هو الوصف بالجميل الاختيارى. # وفي الاصطلاح: هو الفعل الدال على تعظيم المنعم من حيث أنه منعم، واصلة ~~كانت النعمة أو غير واصلة، وبين المعنيين عموم وخصوص (ب من وجهه ب) (¬2). # والمدح في اللغة والاصطلاح: هو الوصف بالجميل اختياريا كان أو غيره، ~~فالنسبة بينهما عموم وخصوص مطلق (¬3) (ج) بالنسبة إلى (د) الحد الأول (3)، ~~وعلى (ه) الثاني من وجه) (و). # وقد قيل: إن المدح يخص الاختيارى، فيساوي الحمد. PageV01P008 # والشكر في اللغة: بمعنى الحمد الاصطلاحي، وفي الاصطلاح: هو صرف العبد ~~جميع ما أعطي في الجهة التي أعطي لأجلها، كصرف النظر في مطالعة المصنوعات ~~للاستدلال على وجود الصانع، ومعرفة آثار صنعته، وتصرفات حكمته، ونحو ذلك في ~~السمع وغيره من الحواس الباطنة والظاهرة (أ)، والتقرب إليه بإفاضة ما أفيض ~~عليه من النعم الدنيوية في جهات مرضاته، فحينئذ الحمد والشكر ليستا (ب) ~~عبارة عن ms0003 قول القائل: "الحمد لله"، "الشكر لله"، وإنما ذلك (ج) اللفظان ~~فردان من أفرادهما إذ قد حصل بهما استعمال اللسان في النطق بما خلقت له من ~~الذكر لله تعالى. # والحمد مصدر حذف فعله لسده مسده وكان أصله النصب، ولكنه عدل إلى الرفع ~~للدلالة على الدوام والثبات، والمصدر دال على الماهية والحقيقة دون ~~الأفراد، وعرف باللام لتعيينها، وأفاد حصر المبتدأ في الخبر أن هذه الماهية ~~مختصة بالكون لله تعالى، فلا يشذ فرد من أفرادها عن ذلك، إذ الماهية موجودة ~~بوجود الفرد. # واللام في "لله": للاختصاص، ففي هذا التركيب دلالتان (د) على اختصاص ~~الحمد بالله، إحداهما: تقديم المبتدأ المعرف، وهو يدل على الاختصاص الثبوتي ~~بمعونة (¬1) المقام، والثاني: هو لام الجر، وهو يدل على الاختصاص الإثباتي ~~(¬2)، وبينهما فرق واضح، فإنه لا يلزم من الثاني القصر بخلاف الأول. PageV01P009 # ويرد على اختصاص الحمد هنا بالله تعالى الحمد المتعلق بغير الله فإن ذلك ~~شائع لغة وشرعا. ويجاب عنه بأنه راجع إلى الله تعالى باعتبار أنه المقدر ~~على الصفات التي تعلق الحمد لأجلها بالمحمود والممكن منها، وهذا صحيح ~~الاعتبار (لا) (¬1) على مذهب الاعتزال وغيره، أو أن المحصور هو الحمد ~~الكامل الذي لا يتطرق إليه نقصان، ولا خفي في أن ذلك لا يكون لغير الله. # و"الله" علم (¬2) لذات (أ) الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، وخصه من ~~بين الأسماء الحسنى للدلالة على أن استحقاقه للحمد لوجهين، ذاتي وإنعامي ~~بخلاف غيره من الأسماء الحسنى، فإنه يوهم أن تعلق الحمد إنما هو لأجل معنى ذلك. # (على نعمه الظاهرة والباطنة قديما وحديثا)، "النعم" جمع نعمة، والمقصود ~~هو الاستغراق إذ الإضافة في معنى اللام، وجعل الحمد متعلقا بالمنعم به، لأن ~~الحمد على الإنعام إنما يكون من حيث وقوعه عليها (وكان (ب) تعلقه بها أولى، ~~وإضافة النعم ليستفاد منه الاستغراق، فحصل الحمد على كل فرد من أفرادها، ~~فلا (ج) يلزم منه إحصاء النعم، فيكون في الظاهر مخالفا لقوله تعالى: {وإن ~~تعدوا نعمة الله لا تحصوها} (¬3) لأنه لا يلزم من ذكرها لصيغة الاستغراق ~~العد، فتأمل) (د). ms0004 PageV01P010 # و "الظاهرة": المدركة بالحواس، و "الباطنة": المعقولة، أو "الظاهرة": ما ~~تعرف، و "الباطنة": ما لا تعرف. # و"القديم": ما تقدم زمانه على الزمان الحاضر، و "الحديث" ما حضر زمانه. ~~ويحتمل أن يريد بالقديم من النعمة: ما تقدم على الأسلاف فهي نعمة على ~~الأخلاف، كما قال الله تعالى: {يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت ~~عليكم ....} (¬1) الآية مع أن النعمة بالإنجاء على السلف ولكنها نعمة على ~~الخلف، إذ الخلف هم أثر تلك النعمة. # و"الحديث": ما كان على الحامد في نفسه. # (والصلاة والسلام على نبيه ورسوله محمد)، عطف الصلاة على الحمد، وذلك ~~لأنه لما كان الكمالات العلمية والعملية وصلت إلى العبد من الله تعالى ~~-بواسطة صاحب الشرع فوجب المقابلة لهذه النعمة بالثناء عليه - صلى الله ~~عليه وسلم -، وكان العلم في باب الثناء الذي أمرنا به هو الصلاة والسلام، ~~فأتى بهما جميعا امتثالا لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه ~~وسلموا تسليما} (¬2)، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل كلام لا يذكر ~~الله فيه، ولا يصلى علي فيه فهو أقطع أكتع ممحوق من كل بركة" (¬3). # والصلاة من الله بمعنى الرحمة كذا في "الصحاح" (¬4)، والسلام: الأمان، أي ~~السلامة من النار والأمان منها. # وقال القشيرى: "الصلاة" من الله تعالى لمن دون النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رحمة وللنبي- صلى الله عليه وسلم - تشريف وزيادة تكرمة، وفي معنى ~~"السلام عليه" ثلاثة وجوه: PageV01P011 # أحدها: السلامة لك ومعك، الثاني: السلام على حفظك ورعايتك متول له كفيل ~~به، فيكون اسما لله تعالى (¬1)، الثالث: أن السلام بمعنى المسالمة ~~والانقياد. # وفي شرح المشارق (¬2): إن الصلاة على النبي عبارة عن طلب الوسيلة له التي ~~أمرنا بها، وأما الرحمة والمغفرة فهر تحصيل الحاصل، وطلب الوسيلة وإن كان ~~موعودا به، ولكنه يجوز أن يكون ذلك مشروطا بشروط من جملتها الدعاء، فلذلك ~~حرض عليه وخص من بين صفاته المادحة النبي والرسول، لأنهما أفضل الصفات له، ~~وبسببهما فضل على سائر الخلق. # و"النبي" مشتق من الإنباء الذي هو الإخبار (¬3)، فيكون أصله الهمز، ويجوز ~~التخفيف، وإنما كره النبي - صلى الله عليه ms0005 وسلم - قول الأعرابي "يا نبيء ~~الله" بالهمز (¬4)، لأنه لما كان في ذلك ما يوهم أنه من "نبأ" يعني خرج من ~~أرض إلى أرض، فيكون في ذلك ظنز للمنافقين الذين كانوا يحبون إطلاق اللفظ ~~المحتمل مثل "راعنا" في نحوه فنهاه النبي - صلى الله عليه وسلم - عنه لذلك. # ويجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - مأخوذا من النبوة بمعنى ~~الرفعة (¬5)، وكلا المعنيين قويمان. # والنبي في لسان الشرع عبارة عن: إنسان أنزل عليه شريعة من عند الله تعالى ~~بطريق الوحي، فإذا أمر بتبليغها إلى الغير سمي رصولا، كذا في "شواهد ~~النبوة". PageV01P012 # وفي "شرح العقائد العضدية" (¬1) للشيخ جلال الدين الدواني: "النبي إنسان ~~بعثه الله إلى الخلق لتبليغ ما أوحاه الله إليه، و "الرسول" قد يستعمل ~~مرادفا له، وقد يختص بمن هو صاحب كتاب فيكون أخص من النبي. # وفي "أنوار التنزيل": "الرسول" من بعثه الله تعالى بشريعة محددة يدعو ~~الناس إليها والنبي يعمه ومن بعثه لتقرير شرع سابق كأنبياء بنى إسرائيل ~~الذين كانوا بين موسى وعيسى، فالنبي على الحدود هذه (أ) أعم من الرسول. # وعطف الرسول على النبي من عطف بعض الصفات على بعض وهو جائز. و "محمد" هو ~~العلم له - صلى الله عليه وسلم - عطف بيان من النبي، وهو علم ملحوظ فيه ~~أصله، وهو اتصاف المذكور (ب) بالمحامد الكثيرة، ويجوز ملاحظة المعنى الوصفي ~~مع العلم كما قال: # وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد (¬2) # (وآله وصحبه الذين ساروا في نصرة دينه سيرا حثيثا) "الآل": أصله أهل ~~بدليل تصغيره بأهيل، ولا يستعمل إلا فيما شرف غالبا. # وفي معنى "الآل" أقوال: جميع الأمة، أو بنو هاشم وبنو (ج) المطلب، أو أهل ~~بيته وذريته، رجح النووي في "شرح مسلم" (¬3) الأول لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - لما سئل عنه فقال: PageV01P013 # "آلي كل تقي" (¬1)، وفي رواية الطبراني: "آل محمد كل تقي"، [وروي هذا من ~~حديث علي، ومن حديث أنس، وفي أسانيدها ضعف. # قال الحليمي: المراد كل تقي من قرابته (¬2). # قال البيهقي: ومن الأدلة على أن ms0006 الآل هم القرابة حديث الأضحية: "اللهم ~~تقبل من محمد، وآل محمد، ومن أمة محمد" أخرجه مسلم (¬3)، وكذلك (أ) ما ~~سيأتي (ب). PageV01P014 # في الزكاة: "لا يحل لآل محمد منها شيء" (أ)] (¬1) وفي معنى أنهم جميع ~~الأمة قول أبي طالب (¬2): # وانصر على آل الصليب ... وعابديه اليوم آلك # ف "آل الصليب" المراد به: أتباع الصليب، وهذا هو اختيار الأزهري (¬3) ~~وغيره من المحققين، ورجح الأكثرون الثاني. # وذهب جماعة من أئمة أهل البيت إلى أن المراد بهم ذرية النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - (¬4). # و"الصحب" اسم جمع لصاحب، وقد اختلف (ب) في تحقيق معنى الصحابي فقيل: من ~~طالت مجالسته للنبي - صلى الله عليه وسلم - متبعا لشرعه، والاتباع على أحد ~~وجهين: إما في حياته -وهو رأي أكثر أهل هذا القول- أو في حياته وبعد وفاته، ~~وهو رأي أقلهم، لأن هذا الاسم يفيد التعظيم ولا يستحقه من بدل بعده. # والظاهر هو الأول، ويدل على هذا القول ما أخرجه ابن الصلاح عن موسى ~~السبلاني قال: أتيت أنس بن مالك فقلت: هل بقي من أصحاب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أحد غيرك؟ # قال: "بقي ناس من الأعراب قد رأوه، أما من صحبه فلا" (¬5). PageV01P015 # وقيل: من طالت مجالسته متبعا له مع الرواية، ذهب إلى هذا القاضي عبد الله ~~بن زيد. # وذهب ابن المسيب إلى أنه من أقام معه سنة، أو غزا غزوة أو غزوتين (¬1). # وقال بعض أهل الحديث وبعض الفقهاء: هو من رأى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- مع إسلامه (¬2)، وهذا القول يتأيد بقوله: - صلى الله عليه وسلم -: "طوبى ~~لمن راني، أو رأى من رآني" (¬3)، فلا يبعد أن يكون رؤية النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - محصلة من الفوائد وجميل العوائد الكثير الطيب الذي يستحق ~~صاحبها الشرف الكبير والفضل العميم. # [واختار المصنف -رحمه الله تعالى- لفظ: "من لقى" دون "من رآني"، لعموم ~~اللقاء للأعمى. # قال: "وكان مؤمنا ومات على الإسلام، ولو تخللت ردة" لإطباق المحدثين على ~~عد الأشعث بن قيس (¬4) ونحوه ممن وقع منه ذلك، وأما من لقيه غير مؤمن PageV01P016 # وأسلم بعد موته ms0007 فخارج عن العد أخذا من مفهوم: "وكان مؤمنا" (¬1)، وعلى ~~الأرجح دخول الجن للقطع ببعثه إليهم، وهم مكلفون، فمن عرف اسمه منهم لم ~~يتردد في عده من الصحابة، ولم يرتضه ابن الأثير (¬2) بلا استناد منه إلى حجة. # وأما الملانكة فيتوقف عدهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، وفيه خلاف، وقد ~~نقل بعضهم الإجماع على ثبوته (¬3)، وعكس (أ) بعضهم. # وأما من رآه بعد موته قبل دفنه فالراجح أنه غير صحابي، وكذلك من كشف له ~~(¬4) عنه من الأولياء ورآه يقظة كرامة لانقطاع أحكام الحياة وإن كان - صلى ~~الله عليه وسلم - حيا في قبره (¬5)، وكذا من رآه مناما] (ب). # والسير مجاز عن الجد في أعلى معالم الدين، وإضافة النصرة إلى الدين مجاز، ~~والحقيقة إضافتها إلى صاحب الدين، والظاهر أن (لفظ) (ج) الصحبة تسمية تدل ~~على النصرة، وأما الجمع بينهما فلا يظهر له توجيه إلا بتكلف. و"سيرا" منتصب ~~على أنه مفعول مطلق ذكر لبيان النوع بالصفة له "بحثيث". PageV01P017 # (وعلى أتباعهم الذين ورثوا علمهم، والعلماء ورثة الأنبياء وأكرم بهم ~~وارثا وموروثا) # الأتباع: جمع تابع، وفاعل تجمع على أفعال كما صرح بذلك الزمخشري في قوله ~~تعالى: {وتوفنا مع الأبرار} (¬1) قال: "جمع بر أو بار" (¬2)، وكذا في قوله: ~~{ويوم يقوم الأشهاد} (¬3)، والجوهري (¬4) أنكر أن يجمع فاعل على أفعال، ~~وقال: "إن الأصحاب جع صحب بالكسر تخفيف صاحب، كنمر وأنمار"، ولكنه لا يكون ~~حجة على الزمخشري، فإن الزمخشري صرح بأن "الصحاح" مشحون بالخطأ. # ووراثة الأتباع لعلم الآل والأصحاب لأنهم الذين نقلوه عنهم وتلقوه حتى ~~صار كأنه ميراث. # وقوله: "والعلماء ورثة الأنبياء"، اقتباس من الحديث وهو قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "العلماء ورثة الأنبياء" (¬5) رواه أبو الدرداء، أخرجه عنه ~~أحمد وأبو داود والترمذي وابن حبان، وضعفه الدارقطني في "العلل"، وهو مضطرب ~~الإسناد قاله المنذري (¬6)، وقد ذكره البخاري في صحيحه بغير إسناد (¬7). # و"أكرم" فعل تعجب، و "بهم" إما فاعل والباء زائدة عند سيبويه أو مفعول به ~~عند الأخفش (¬8)، وفي "أكرم" ضمير الفاعل، "ووارثا" (أ) "وموروثا" من باب ~~اللف والنشر، "وارثا" عائد إلى العلماء ms0008 و "الموروث" إلى الأنبياء. PageV01P018 # (أما بعد)، "أما من أدوات الشرط بمعنى مهما،، و "بعد" ظرف زمان مقطوع عن ~~الإضافة مبني على الضم، نائب مناب شرط "أما"، وهو جزء من الجزاء قدم لما ~~حذف الشرط كراهة أن يلي الفاء الداخلة على الجزاء إما بعد حذف شرطها ~~والعامل فيها ما بعد الفاء أو (أ) الشرط المقدر، أو إما لنيابتها عن الفعل ~~أقوال (¬1). # (فهذا مختصر)، "هذا" إشارة إلى الألفاظ المرتبة في الذهن أو المعاني ~~كذلك، والمشار (ب) إليه ذهني على كل من التقديرين مطلقا سواء كان وضع هذه ~~الديباجة قبل التأليف أو بعده إذ لا وجود للألفاظ ولا للمعاني في الخارج. # (يشتمل على أصول الأدلة الحديثية للأحكام الشرعية)، الاشتمال: الاحتواء ~~والتضمن والانطواء بمعنى واحد، والأصول: جمع أصل، وهو ما ينبني عليه غيره، ~~وإضافة الأصول إلى الأدلة بيانية لأن الأصول هي الأدلة، و"الحديثية" منسوبة ~~إلى الحديث لأن الأصول عام فالصفة للتخصيص، و "للأحكام" متعلق بالأدلة، ~~"والشرعية" منسوبة إلى الشرع، ووصف الأحكام بها لتتميز عن العقلية. # (حررته تحريرا بالغا)، التحرير: تهذيب الكلام وتنقيحه. # (ليصير من يحفظه من بين أقرانه نابغا) الأقران: جمع قرن وهو نظير الشخص ~~(¬2)، والنابغ: الخارج عن نظرائه لزيادته عليهم. # (ويستعين به الطالب المبتديء، ولا يستغني عنه الراغب المنتهي، وقد بينت ~~عقيب كل حديث من خرجه من الأئمة -لإرادة نصح الأمة- فالمراد PageV01P019 # بالسبعة: أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه، ~~وبالستة: من عدا أحمد، وبالخمسة: من عدا البخاري ومسلما. # وقد أقول: "الأربعة وأحمد"، وبالأربعة: من عدا الثلاثة الأول، وبالثلاثة: ~~من عداهم والأخير، وبالمتفق: البخاري ومسلم، وقد لا أذكر معهما غيرهما، وما ~~عدا ذلك فهو مبين. # وسميته "بلوغ المرام من أدلة الأحكام". والله أسأل أن لا يجعل ما علمناه ~~علينا وبالا، وأن يرزقنا العمل بما يرضيه سبحانه وتعالى). # ذكر المصنف -رحمه الله تعالى- اصطلاحه في ذكر أئمة الحديث، ولا مشاحة في ~~الاصطلاح، فلكل (أ) أن يبتدئ له اصطلاحا فيما أراد وضعه مما يقرب معه ~~الكلام ويتيسر له فيه النظام. # ويحسن ذكر تراجم الأئمة المذكورين، ms0009 وإن كانت أحوالهم مشهورة، وقد أودعت ~~تراجمهم الكتب المطولة والمختصرة. # فأحمد هو أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال الشيباني (¬1)، ~~الإمام، البارع، المجمع على إمامته وجلالته وورعه وزهادته ووفور علمه ~~وسيادته، رحل إلى الحجاز والشام واليمن وغيرها، وعمن سفيان بن عيينة ~~وأقرانه، وروى عنه جماعة من شيوخه وخلائق آخرون لا يخصون، منهم البخاري ~~ومسلم (¬2)، وكثر ثناء الأئمة عليه: قال أبو زرعة (¬3): كان كتبه اثني عشر ~~حملا وكان PageV01P020 # يحفظها على ظهر قلبه، وكان يحفظ ألف ألف حديث، فقيل لأبي زرعة: ما يدريك؟ ~~قال: ذاكرته وأخذت عليه الأبواب (¬1). # وقال إبراهيم الحربي (¬2): كأن الله جمع له علم الأولين والآخرين من كل ~~صنف يقول ما شاء ويترك ما شاء (¬3). # قال الشافعي: خرجت من بغداد (أ)، وما خلفت بها أتقى ولا أزهد ولا أورع ~~ولا أعلم منه. # وامتحن المحنة المشهورة على يدي القاضي أحمد بن أبي (¬4) دؤاد في أيام ~~المأمون، كتب المأمون إلى نائبه ببغداد -وهو إسحاق بن إبراهيم الخزاعي (ب) ~~(¬5) - في سنة ثمان عشرة ومائتين، وحمل أحمد إلى "طوس" ومحمد بن نوح، ومات ~~المأمون وأحمد محبوس، ومات محمد بن نوح، ودفنه أحمد، ثم بويع المعتصم، ~~وأحضر أحمد إلى بغداد مقيدا، وحبس في حبس العامة نحوا من ثلاثين شهرا، ~~والناس يقرأون عليه، وبلغت القيود أربعة عشر قيدا، وكان له تكة يرفع بها ~~القيود إذا مشى، ودعي في بعض الأيام إلى حضرة المعتصم، وألان المعتصم معه ~~القول، فأغلظ أحمد القول، فأمر بضربه وحبسه، فضرب PageV01P021 # بالسياط حتى ذهب عقله، ثم أفاق وقد زالت القيود عنه، وكان مدة امتحانه ~~وحبسه ثمانية وعشرين شهرا (¬1)، ومن كراماته الباهرة أن تكة لباسه انقطعت ~~فتحرك لباسه إلى النزول إلى عانته، فحرك شفتيه (أ) فارتفع وثبت، ولم يظهر ~~شيء من عورته. وروى أنه دعا وقال: "اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأ العرش، ~~إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترا". # وأصاب بعض من ضربه البرص. # وروي أن جملة ضاربيه مائة وخمسون رجلا، وفضائله كثيرة، وأنواره مشهورة. # ولد في ms0010 شهر ربيع الأول سنة أربع وستين ومائة، وتوفي سنة إحدى وأربعين ~~ومائتين -على الأصح المشهور- في خلافة المتوكل بمدينة السلام، ودفن بباب ~~حرب في الجانب الغربي، وصلى عليه محمد بن طاهر، وحضر جنازته خلق كثير لم ير ~~مثل ذلك اليوم ولا في جنازة أحد ممن سلف. # واختلفوا في عدد المصلين، ومن جملة ما قيل: إن الأرض التي وقعت الصلاة ~~فيها مسحت فوسعت ستمائة ألف وأكثر سوى ما كان في الأطراف والسفن (¬2)، ~~وقيل: كانوا ألف ألف وثلاثمائة ألف. # قال أبو زرعة: بلغني أن المتوكل أمر أن تمسح الأرض التي وقف عليها الناس، ~~للصلاة على أحمد، فبلغ مقام ألفي ألف وخمسمائة ألف (¬3). PageV01P022 # وعن بعض جيران أحمد أنه أسلم يوم موته من اليهود والنصارى والمجوس عشرون ~~ألفا، وقد استبعد الذهبي (¬1) هذه الحكاية من حيث تفرد الراوي والقضية من ~~حقها أن تشتهر، والله أعلم. # وكان قبره ظاهرا ببغداد (أ) يتبرك به فطمسته الروافض (¬2) لما استولوا ~~عليها، ثم أعاد ذلك السلطان سليمان، وروي أنه كشف القبر فرئي وهو (ب) على ~~كيفيته حتى كفنه لم يتغير، وهو الآن مزور رحمة الله تعالى عليه (ج). # وله -رحمه الله- المسند الكبير أعظم المسانيد وأحسنها وضعا وانتقاء (د)، ~~فإنه لم يدخل فيه إلا ما يحتج به مع كونه انتقاه من أكثر من سبعمائة ألف ~~حديث وخمسين ألف حديث، وقال: "ما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فارجعوا فيه إلى المسند، فإن وجدتموه وإلا فليس بحجة". # وبالغ بعضهم فأطلق الصحة على كل ما فيه، وأما ابن الجوزي فأدخل كثيرا ~~منها في "موضوعاته"، وتعقبه بعضهم في بعضها وفي سائرها شيخ الإسلام ابن حجر ~~(¬3) وحقق نفي الوضع عن جميع أحاديثه، وأنه أحسن انتقاء وتحريرا من الكتب ~~التي لم يلتزم مصنفوها الصحة في جميعها كالموطأ والسنن الأربع، وليست ~~الأحاديث PageV01P023 # الزائدة على الصحيحين بأكثر ضعفا من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود ~~والترمذي، وبالجملة فمن (أ) أزاد الاحتجاج بحديث من غير الصحاح لا سيما سنن ~~ابن ماجه ومصنف ابن أبي شيبة ms0011 وعبد الرزاق، فإن كان أهلا للنقد والتصحيح وجب ~~عليه ذلك، كان لم يكن كذلك فإن كان قد صحيح أو حسن أمن هو أهل له فله أن ~~يقلده، وإلا فلا يحل له أن يقدم على الاحتجاج به، إذ لم يأمن أن يحتج بما ~~لا يحل الاحتجاج به، وبهذا السبب أحال جماعة من المتأخرين الاجتهاد المطلق ~~لتعسر التصحيح، والتقليد في التصحيح يخرجه عن المقصد وهو الاجتهاد ولم ~~يتيسر في الأعصار المتأخرة إلا ترجيح بعض المذاهب على بعض بالنظر إلى قوة ~~الدلالة أو إلى كثرة من صحيح أو جلالته، والواجب الرجوع إلى الظن القوي ~~بحسب الإمكان. # البخاري (¬1) هو الإمام المجتهد أمير المؤمنين في الحديث أبو عبد الله ~~محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن (ب) الأحنف بن بردزبه-[بموحدة ~~مفتوحة فراء مهملة ساكنة فدال مهملة مكسورة فزاي معجمة ساكنة (ج) فموحدة ~~مفتوحة] (د) الجعفي مولاهم، الحافظ الكبير، حبر الاسلام. # كان جده المغيرة مجوسيا فأسلم على يد اليمان الجعفي، وهذا هو سبب الولاء ~~على قول من يثبت ولاء الموالاة بالإسلام. # و"الجعفي" نسبة إلى جعف بن سعد العشيرة إلى قبيلة من اليمن من مذحج، ووهم ~~من قال إنه اسم بلد ولعله توهم ذلك من قول ياقوت (¬2) في "معجمه": "إنه ~~مخلاف باليمن نسبة لقبيلة من مذحج بينه وبين صنعاء اثنان وأربعون فرسخا" ~~انتهى. PageV01P024 # وأما جده المغيرة فقال المصنف (¬1) -رحمه الله تعالى:- لم أقف على شيء من ~~أخباره. # وأما أبوه إسماعيل فكان من العلماء العاملين، وروى عن حماد بن زيد، ~~ومالك، وصحب ابن المبارك، وروى عنه العراقيون (¬2)، قال: لا أعلم في جميع ~~مالي درهما من شبهة (¬3)، توفي وولده صغير، فنشأ في حجر والدته، ثم عمي، ~~فرأت إبراهيم الخليل -على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام- قائلا لها: "قد ~~رد الله على ابنك بصره بكثرة دعائك له" فأصبح وقد رد الله عليه بصره (¬4)، ~~وله نحو عشر سنين بعد خروجه من المكتب. # ورد على بعض مشايخه غلطا وهو في أحد عشرة سنة فأصلح كتابه من حفظ البخاري (¬5). # وبلغ ست عشرة سنة وقد ms0012 حفظ كثيرا من كتب الحديث فصنف "التاريخ الكبير" ~~وغيره وهو في ثمان عشرة سنة عند قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الليالي المقمرة، وكتبوا عنه الحديث، ثم رحل، واتسع في الرحلة فاجتمع بأكثر ~~مشايخ الحديث بعد أن سمع الكثير ببلده "بخارى" أعظم مدن ما وراء النهر، ~~وسمع من أصحاب الشافعي كالزعفراني وأبي ثور، ولم يرو في "صحيحه" عن الشافعي ~~(أ)، وذكره في موضعين في "صحيحه" (¬6). PageV01P025 # وألف الصحيح بعد أن رأى أنه واقف بين يدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وبيده مروحة يذب عنه، فعبر له معبر بأنه يذب الكذب، قال: وما وضع فيه حديثا ~~إلا بعد الغسل وصلاة ركعتين استخارة، وأخرجه من زهاء ستمائة ألف حديث، ~~وألفه بمكة، قال: "وما أدخلت فيه إلا صحيحا، وأحفظ مائة ألف حديث صحيح ~~ومائتي ألف حديث غير صحيح" أي (أ): باعتبار طرقها الكثيرة مع عده المكرر ~~والموقوف وآثار الصحابة والتابعين وغيرهم وفتاويهم مما كان السلف يطلقون ~~عليه حديثا، وهذا التأويل متعين، إذ مجموع الموجود بأيدي الناس اليوم لا ~~يساوى ثلث هذا العدد. # وكان أئمة الحديث يصححون كتبهم من حفظه وهو شاب، وسأله أهل "بلخ" الإملاء ~~عليهم، فأملى (ب) ألف حديث عن ألف شيخ (¬1)، والامتحان له في "سمرقند" بخلط ~~الأسانيد بعضها في بعض، وكذا في "بغداد" (ج) بمائة حديث قلبوا متونها ~~وأسانيدها مشهور (¬2). # وامتحن أيضا عند مقدمه من "نيسابور" إلى "بخارى"، وذلك أنه لما علم أهل ~~"بخارى" بمقدمه قال لهم رئيسهم محمد بن يحيى الذهلي: "إني مستقبله فمن أراد ~~فليستقبله" فاستقبله هو وعامة علمائها، وقد كان قال لهم: "لا تسألوه عن شيء ~~من الكلام فلعله يجيب بما نخالفه فيه فتقع الفتنة بيننا وبينه، فيشمت بنا ~~كل مبتدع"، فلم يكن بأسرع من أن سئل عن اللفظ بالقرآن هل هو مخلوق؟ فقال: ~~"أفعالنا مخلوقة، وألفاظنا من أفعالنا"، وهذا كلامه -رحمه الله تعالى- متفق ~~عليه بين الأشعرية والمعتزلة، وإنما الخلاف فيه للكرامية وبعض PageV01P026 # الحنابلة القائلين بقدم الألفاظ والعبارات، فقال الذهلي: "القرآن كلام ~~الله غير مخلوق، ومن زعم أن ms0013 لفظي بالقرآن مخلوق فهو مبتدع لا يجلس إلينا، ~~ولا نكلم أحدا بعد هذا ممن يذهب إلى محمد بن إسماعيل"، فانقطع الناس عنه ~~إلا مسلما، ورد إلى الذهلي ما كان كتبه عنه لأنه ظهر له أن الحق مع البخاري ~~وأن الذهلي حاسد متعصب. # ثم قال الذهلي: "لا يساكنني محمد بن إسماعيل في البلد"، فخرج خائفا على ~~نفسه منها (¬1). # وتوفي -رحمه الله تعالى- بخرنتك -بخاء معجمة مفتوحة على الأشهر أو ~~مكسورة، بعدها راء ساكنة مهملة (¬2)، بعدها نون ساكنة- وهي على فرسخين من ~~"سمرقند"، وقيل ثلاثة أيام، وسبب قدومه إليها أن أهل سمرقند طلبوا وصوله ~~إلى بلدهم، فوصل إلى هذه البلدة فبلغه وقوع فتنة فيما بينهم وأن بعضهم يريد ~~وصوله وبعضهم كره ذلك، فبقي في هذا المحل حتى يتجلى له الأمر وكان له ~~أقرباء فيه، فأقام أياما، فمرض ثم وصل إليه رسول أهل سمرقند يطلبون وصوله، ~~فتهيأ للركوب، ولبس خفيه وتعمم، فلما مشى قدر عشرين خطوة إلى الدابة ~~ليركبها، قال: أرسلوني قد ضعفت، فأرسلوه، فدعا بدعوات ثم اضطجع فقضي، فسال ~~منه عرق كثير لا يوصف وما سكن منه العرق حتى أدرج في أكفانه. # وقيل: ضجر ليلة فدعا بعد أن فرغ من صلاة الليل فقال: "اللهم قد ضاقت علي ~~الأرض بما رحبت فاقبضني إليك"، فمات في ذلك الشهر وقت العشاء ليلة السبت ~~ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين ومائتين عن اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر ~~يوما، لأنه ولد يوم الجمعة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ~~ومائة. PageV01P027 # وفاح من قبره عقيب دفنه رائحة عظيمة جدا (أ) كالمسك أو أقوى، ودامت ~~أياما، وانثال الناس على قبره يأخذون من ترابه لشدة رائحته التي لا يجدون ~~مثلها عندهم، وتسمى البلد بخرنتك -وكان اسمه غير ذلك- لضيقه بالزائرين، لأن ~~معنى "خرنتك" بالفارسية: الضيق. # ولم يعقب البخاري أحدا من الأولاد، وقد رزقه الله ما هو أعظم وأجل من ~~تخليف الولد الصالح من شهرة "صحيحه" وانتفاع الأمة به في جميع أقطار ~~الإسلام. # مسلم (¬1): هو الإمام مسلم بن الحجاج بن ms0014 مسلم بن كوشاذ، القشيري من بني ~~(¬2) قشير قبيلة من العرب معروفة، أحد أئمة أعلام هذا الشأن، وكبار ~~المبرزين فيه، والرحالين في طلبه إلى أئمة الأقطار، المجمع على تقدمه فيه ~~على أهل عصره كما شهد له بذلك إماما وقهما حفظا وورعا وحديثا أبو زرعة وأبو حاتم. # سمع من مشايخ البخاري وغيرهم كأحمد، وروى عنه جماعة من كبار أئمة عصره ~~وحفاظه، ومنهم مساويه درجة كأبي حاتم الرازي والترمذي وابن خزيمة، وله ~~المؤلفات الجليلة الكبيرة لا سيما "صحيحه" الذي امتن الله به على المسلمين ~~وأبقى له به الثناء الحسن الجميل إلى يوم الدين، فإن من اطلع على ما أودعه ~~في أسانيده وترتيبه وحسن سياقه وبديع طريقته من نفائس التحقيق وأنواع الورع ~~التام والاحتياط والتحري في الرواية وتلخيص الطرق واختصارها متفرقة وكثرة ~~اطلاعه، علم أنه إمام لا يلحق، وفارس لا يسبق. PageV01P028 # قال: صنفت "المسند الصحيح" من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة، ولما قدم ~~البخاري نيسابور آخر مرة لازمه مسلم وأكثر التردد إليه، ومن ثم حذا حذوه في ~~"صحيحه" (¬1)، وكان هذا مراد الدارقطني بقوله: "لولا البخاري ما ذهب مسلم ~~ولا جاء". # ولد سنة أربع ومائتين، وتوفي -رحمه الله- عشية يوم الأحد لأربع بقين من ~~شهر رجب سنة إحدى وستين ومائتين، ودفن يوم الاثنين بنيسابور وقبره بها ~~مشهور، يزار يتبرك به. # ويذكر في سبب موته: أنه عقد له المجلس للإملاء فذكر له حديث فلم (أ) ~~يعرفه فانصرف إلى منزله، فقدمت له سلة تمر فكان يطلب الحديث ويأخذ تمرة ~~تمرة، فأصبح وقد فني التمر ووجد الحديث، وكان ذلك سبب موته (¬2)، ولذا قال ~~ابن الصلاح (ب): "كانت وفاته بسبب غريب نشأ من غمرة فكرية علمية". # أبو داود (¬3): هو سليمان بن الأشعث بن بشير بن شداد بن عمرو بن عمران، ~~السجستاني -بفتح [السين] (ج) وبكسر الجيم (د) - و "سجستان" (¬4) اسم ~~للولاية التي قصبتها زرنج التي أبو داود منها وهي قرب "كرمان" إلى ناحية ~~الهند. PageV01P029 # وهو أحد أئمة المسلمين والحفاظ والجهابذة المكثرين الذين يعتمد عليهم، ~~ويرجع إليهم (أ). # قال بعضهم: هو تالي ms0015 الشيخين في علمهما وفضلهما، سكن البصرة، وروى سننه ~~ببغداد فأخذها أهلها عنه، وعرضه على أحمد فاستجاده واستحسنه (¬1). # وقال الخلال: لم يسبقه أحد في زمنه إلى معرفته بتخرج العلم (¬2) وقيل في ~~حقة: ألين له الحديث كما ألين الحديد لداود - عليه السلام (¬3) -، سمع من ~~أحمد والقعنبي وسليمان بن حرب وقتيبة وغيرهم (¬4). # وروى عنه خلائق كالترمذي والنسائي (¬5). # قال: كتبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسمائة ألف حديث، انتخبت ~~منها ما ضمنته كتاب "السنن"، وأحاديثه أربعة آلاف حديث وثمان مائة (ب) ليس ~~فيها حديث أجمع الناس على تركه (¬6). # قال القاضي: كتاب الله أصل الإسلام، وكتاب أبي داود (¬7). # قال الخطابي: هو أحسن وضعا وأكثر فقها من الصحيحين (¬8). PageV01P030 # وقال ابن الأعرابي (¬1): من عنده كتاب الله وسنن أبي داود لم يحتج إلى ~~شيء معهما من العلم". # ومن ثم صرح حجة الإسلام الغزالي (¬2) باكتفاء المجتهد به في أحاديث ~~الأحكام، وتبعه أئمة الشافعية على ذلك، وبمثله صرح الإمام المهدي -رحمه ~~الله تعالى- في "الغيث" (¬3). # وقال النووي: "ينبغي للمشتغل بالفقه وبغيره الاعتناء به وبمعرفته المعرفة ~~التامة، فإن معظم أحاديث الأحكام التي يحتج بها فيه مع سهولة تناوله، ~~وتلخيص أحاديثه، وبراعة مصنفه، واعتنائه بتهذيبه". انتهى. # وبلغ من شدة الورع أنه كان له كم واسع وكم ضيق، فقيل له في ذلك فقال: ~~الواسع للكتب، والضيق لا أحتاج إليه. # ولد سنة اثنتين ومائتين (أوتوفي (ب) سنة خمس وسبعين ومائتين أ). # وذكر جماعة أنه شافعي، وكان سبب ذلك أخذه عن أصحاب الشافعي، والظاهر أنه ~~حنبلي (¬4). والله أعلم. # الترمذي (¬5): هو أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة بن موسى بن PageV01P031 # الضحاك، السلمي، الترمذي -بتثليث الفوقية، وكسر الميم أو ضمها كلها، مع ~~إعجام الذال نسبة إلى مدينة قديمة على طرف جيحون نهر بلخ. # وهو الإمام الحجة الثقة الحافظ المتقن، أخذ عن البخاري وغيره، وروى عن ~~شيوخ البخاري، وتخرج بالبخاري، في روى عنه في "جامعه" حديثا واحدا، وهو: ~~"يا علي لا يحل لأحد يجنب (أ) في هذا المسجد غيري وغيرك" (¬1). وحسنه ~~واستغربه. # قال -رحمه الله تعالى-: "عرضت ms0016 كتابي هذا -أي كتاب السنن المسمى بالجامع- ~~على علماء الحجاز والعراق وخراسان فرضوا به، ومن كان في بيته فكأنما في ~~بيته نبي يتكلم" (¬2). # مات الترمذي بترمذ أواخر رجب سنة سبع وستين ومائتين (¬3). # النسائي (¬4): هو أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار، ~~الخراساني، أحد الأئمة الحفاظ العلماء الفقهاء، بل أحد أئمة الدنيا في ~~الحديث، سمع كثير من مشايخ الشيخين البخاري ومسلم، ومن أبي داود وآخرين ~~ببلاد كثيرة وأقاليم مختلفة، واتسع أخذه ورحلته (ب) حتى قال الذهبي والتاج ~~السبكي: إنه كان أحفظ من مسلم صاحب "الصحيح" (¬5)، وسننه أقل السنن بعد ~~الصحيح حديثا PageV01P032 # ضعيفا ولذا قال ابن رشيد (¬1): إنه أبدع الكتب المصنفة في السنن تصنيفا ~~وأحسنها ترصيفا، وهو جامع بين طريقتي (أ) البخاري ومسلم، مع حفظ كثير من ~~بيان العلل حتى ذهب جماعة من الحفاظ إلى أن كل ما فيه صحيح. # قلت: ولعل هذا في "المجتبى من السنن الكبرى"، كما يفهمه اقتراح أصحابه ~~عليه أن يختار لهم الصحيح منها، والله أعلم. # مات -رحمه الله تعالى- بالرملة، ودفن ببيت المقدس، وقيل: أوصى أن يحمل ~~إلى مكة فحمل إليها، ودفن بين الصفا والمروة عن ثمانية وثمانين سنة كما ~~قاله (ب) الذهبي وغيره (¬2)، وكأنه بناه على قول النسائي عن نفسه: "يشبه أن ~~يكون مولدى سنة خمس عشرة ومائتين"، كان موته (يوم الإثنين لثلاث عشرة خلت) ~~(ج) من شهر ضفر سنة ثلاث وثلاثمائة. # وحكي في سبب موته أنه لما قدم إلى دمشق سئل عن معاوية ففضل عليا -رضي ~~الله عنه- عليه (د) فذكر له من يريد تفضيل معاوية على علي شيئا من فضائل ~~معاوية، قال لهم منكرا عليهم: "ألا يرضى معاوية أن يكون رأسا برأس حتى يفضل"! # وقوله: "رأسا برأس" من باب التنزل مع الخصم، وإلا فإجماع (5) أهل السنة ~~أن عليا هو الأفضل. PageV01P033 # فأخرجوه من المسجد وداسوه بالأرجل حتى أشرف على الموت، فحمل إلى "الرملة" ~~ومات بها (¬1). و "نسا" بفتح النون والسين المهملة من كور "نيسابور"، وقيل: ~~من أرض فارس (¬2)، والنسبة (أ) إليها نسائي بهمزة الألف، ms0017 ويقال: نسوي، وهو ~~القياس، (وفي القاموس: نسا: مقصور -بلد بفارس وقرية بسرخس وبكرمان وبهمذان) ~~(¬3) (ب). # ابن ماجه (¬4): هو أبو عبد الله محمد بن يزيد بن عبد الله بن ماجه، ~~القزويني، مولى ربيعة بن عبد الله، الإمام، الحافظ، أحد الأعلام، صاحب ~~"السنن" التي يكفيها شرفا أنها جعلت من الكتب الستة والسنن الأربع بعد ~~الصحيحين بعد أن كان المكمل لذلك هو موطأ الإمام (ج) مالك، مع كونها شارحة ~~عما حرص عليها أصحاب (د) الكتب الخمسة من المقاصد التي يعتبرها المحدث، ~~وفيها أحاديث ضعيفة كثيرة بل فيها أحاديث منكرة، ونقل عن الحافظ المزي أن ~~الغالب فيما انفرد به الضغف (¬5)، ولذا جرى كثير من القدماء على إضافة ~~"الموطأ" إلى الخمسة، قال الحفاظ (ه): PageV01P034 # وأول من أضافه (أ) إلى الخمسة أبو الفضل ابن طاهر في "الأطراف"، وكذا في ~~"شروط الأئمة الستة"، ثم الحافظ (¬1) عبد العني في كتابه (ب) في أسماء ~~الرجال الذي هذبه الحافظ المزي، وسبب تقديم هؤلاء لها على الموطأ كثرة ~~زوائدها على الخمسة بخلاف الموطأ. # قال ابن كثير: "كتاب مفيد قوي (ج) التبويب في الفقه". # رحل ابن ماجه فطاف البلاد حتى سمع أصحاب مالك والليث، وروى عنه خلق كثير ~~منهم أبو الحسن القطان وغيره. توفي يوم الثلاثاء لثمان بقين من رمضان سنة ~~ثلاث -أو خمس- وسبعين ومائتين، ومولده سنة تسع ومائتين. # واعلم أن المصنف -رحمه الله تعالى- ذكر مصطحات أهل الحديث في وصف الحديث ~~بالصحة والحسن والضعف ونحو ذلك، وهذه الاصطلاحات مستوفاة في علوم الحديب ~~ولنذكر شرح معانيها على وجه الاختصار: # فاعلم أن هذا التقسيم إنما هو في الخبر الآحادي (¬2)، وأما المتواتر فهو ~~المعبر عنه بلفظه، (من غير تقييد) (د)، وهو المفيد للعلم، ومن شرطه أن يكون ~~الخبر به عددا كثيرا تحيل العادة تواطؤهم على الكذب، رووا ذلك عن مثلهم من ~~الابتداء إلى الانتهاء، وكان مستند انتهائه الحس، فمتى أفاد العلم كان ذلك ~~هو المعبر عنه بالتواتري، وما عدا هذا فهو آحادي. PageV01P035 # وهو ينقسم إلى: مشهور: ويسمى "المستفيض" (¬1) -وهو ما زاد رواته على ~~اثنين (¬2). # وإلى ms0018 عزيز: وهو ما رواه اثنان عن مثلهما، ويسمى (أ) بذلك لقلة وجوده، ~~وليس بشرط للصحيح خلافا لأبي علي الجبائي (¬3)، فقال: "هو شرط للصحيح". # وإلى غريب: وهو ما تفرد بروايته شخص واحد في أي موضع وقع التفرد به من ~~السند (¬4)، فإن كان التفرد في أصل السند فهو الفرد المطلق (¬5)، وإن لم ~~يكن فهو الفرد النسبي (¬6). # وإلى صحيح: وهو ما نقله عدل، تام الضبط (ب)، متصل السند، غير معلل ولا ~~شاذ، وهو الصحيح لذاته (¬7). # فإن خف الضبط فهو الحسن لذاته (¬8)، وإذا كثرت طرقه حكم له بالصحة. PageV01P036 # فما وقع في عبارة الترمذي من قوله: "حسن صحيح" فهو متأول إما بأنه نردد ~~في الناقل هل اجتمعت فيه شروط الصحة أو شرط الحسن؟ وهو بتقدير العاطف لأن ~~حقه حسن أو صحيح، أو باعتبار إسنادين يكون أحدهما له شرط الصحيح والثاني له ~~شرط الحسن، والأول متعين فيما له إسناد واحد فقط (¬1). # وإلى ضعيف: وهو ما اختل فيه شرط الصحيح والحسن. # وله ستة أسباب: # أحدها: عدم الاتصال، ثانيها: عدم عدالة الرجال، ثالثها: عدم سلامتهم من ~~كثرة الخطأ والغفلة، رابعها: عدم مجيئه من وجه آخر حيث كان في الإسناد ~~مستور لم يعرف أهليته وليس متهما بالكذب، وخامسها: الشذوذ، وسادسها: العلة (¬2). # وقد دخل في الضعيف (¬3) المعلق: وهو أن يحذف من أول السند واحد أو أكثر، ~~ويكون ذلك بتصرف من المصنف، وهو على أقسام: إما بأن يقول: "قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -"، أو يذكر الصحابي ويحذف من دونه، أو يذكر (أ) مع ~~الصحابي التابعي، أو يحذف من حدثه ويذكر من فوقه حيث لم يكن ذلك تدليسا، ~~وإلا فمدلس. PageV01P037 # وإن كان الحذف من آخر السند بأن يكون من بعد التابعي فهو مرسل. # ومن أقسام المرسل: المعضل: بأن يكون الساقط اثنين فصاعدا مع التوالي. # والمنقطع: إذا كان اثنين مع عدم التوالي (¬1). # ودخل في الضعيف (¬2) ما كان الطعن فيه لكذب الراوي، أو تهمته بذلك، أو ~~فحش غلطه، أو غفلته، أو فسقه، أو وهمه، أو مخالفته للثقات، أو جهالته، أو ~~بدعته أو ms0019 سوء حفظه. # والأول يختص "بالموضوع"، والثاني "المتروك"، والثالث "المنكر" -على رأي ~~من لا يشترط في المنكر نحالفة من هو أحفظ منه-، وكذا الرابع والخامس يطلق ~~عليهما اسم "المنكر" [وهو "الشاذ": وهو أن يخالف الراوي من هو أحفظ وأضبط ~~فيكون ما تفرد به شاذا مردودا، وإن تفرد الحافظ الضابط ولم يكن مخالفا لمن ~~هو أحفظ منه كان ذلك مقبولا، وإن لم يكن موثوقا بحفظه وإتقانه لما (أ) ~~انفرد به لم يكن صحيحا، وهو دائر بين الحسن إذا كان حفظه قريبا من درجة ~~الحافظ، وإن كان بعيدا من ذلك كان من قبيل الشاذ المنكر كذا حققه ابن ~~الصلاح] (ب) (¬3). # والقسم السادس: إن اطلع على الوهم بالقرائن وجمع الطرق خص باسم "المعلل"، ~~وقد يقال: "المعلول" والأول أولى، إذ هو من علله، قال PageV01P038 # الزين: "والأجود في تسميته: المعل (¬1)، وأكثر عباراتهم في الفعل أنهم ~~يقولون: أعله فلان بكذا وقياسه: معل وهو المعروف في اللغة (أ)، قال ~~الجوهري: لا أعلك الله (¬2)، أي: لا أصابك بعلة، قال صاحب "المحكم": اللهم ~~إلا أن يكون على ما ذهب إليه سيبويه من قولهم: مجنون ومسلول من أنهما جاءا ~~على جتته وسللته، ولم يستعملا في الكلام (ب) أو استغني عنهما بأفعلت (¬3) " ~~انتهى، وأما علله (¬4) فإنما يستعمله أهل اللغة بمعنى ألهاه بالشيء وشغله، ~~من تعليل الصبي بالطعام. # "والعلة" (¬5): عبارة عن أسباب خفية غامضة طرأت على الحديث فأثرت فيه ~~وقدحت، وهي من أغمض أنواع علوم الحديث وأدقها ولا يقوم بذلك إلا من رزقه ~~الله تعالى فهما ثاقبا، وحفظا واسعا، ومعرفة تامة بمراتب الرواة، وملكة ~~قوية بالأسانيد والمتون (¬6)، ولهذا لم يتكلم فيه إلا القليل من أهل هذا ~~الشأن كعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، والبخاري، ويعقوب بن شيبة (ج)، وأبي ~~حاتم، وأبي زرعة، والدارقطني حتى قال بعضهم: إن المحدث المتقن يجس النبض في ~~الحديث فيدرك منشأ علته. PageV01P039 # مثال ذلك ما قال الحاكم في "علوم الحديث": حدثنا أبو العباس محمد بن ~~يعقوب ثنا محمد بن إسحاق الصغاني نا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج ms0020 عن ~~موسى بن عقبة عن سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - "من جلس مجلسا كثر فيه لغطه فقال قبل أن يقوم: سبحانك ~~اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك، إلا غفر له ما كان في ~~مجلسه ذلك". # وله علة قادحة: حدثني أبو نصر أحمد بن محمد الوراق: قال: سمعت أبا حامد ~~أحمد بن حمدون القصار يقول: "سمعت مسلم بن الحجاج وجاء إلى محمد بن إسماعيل ~~البخاري فقبل (أ) عينيه وقال: دعني حتى أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد ~~المحدثين وطبيب الحديث في علله، حدثك محمد بن سلام ثنا مخلد بن يزيد ~~الحراني أنا ابن جريج عن موسى عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في كفارة المجلس فما علته؟ قال محمد بن إسماعيل: ~~هذا حديث مليح، ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه ~~معلول، حدثنا به موسى بن إسماعيل ثنا وهيب ثنا سهيل عن عون عن عبد الله". # قوله: "قال محمد بن إسماعيل" هذا أولى، فإنه لا يذكر لموسى بن عقبة سماعا ~~من سهيل. انتهى (¬1). # قال علي بن المديني (¬2): "الباب إذا لم تجمع طرقه لم يتبين خطؤه". # والعلة تكون في الإسناد -وهو الأغلب-، وفي المتن. ثم العلة في الإسناد قد ~~تقدح في المتن كالإعلال بالارسال، وقد لا تقدح كالإعلال بوهم الراوي في اسم ~~أحد رجال الإسناد مع ثبوت الإسناد عن الثقات على الصواب من غير رواية ذلك PageV01P040 # الذي وهم، وقد يطلقون المعل على ما اختل راويه من حيث الفسق وذلك موجود ~~في كتب العلل. # والقسم السابع: مخالفة الثقات (¬1)، وهي إن كانت بتغيير سياق الإسناد ~~فيسمى مدرج الإسناد وذلك بأن يروي الحديث جماعة بأسانيد مختلفة فيرويه عنهم ~~راو ويجمع الكل على إسناد واحد من تلك الأسانيد ولا يبين الاختلاف (أ). # أو يكون المتن عند راو إلا طرفا منه فإنه عنده بإسناد آخر فيرويه راو عنه ~~تاما بالإسناد الأول ms0021 ونحو ذلك وإن كان مدمجا موقوفا من كلام الصحابة أو من ~~بعدهم بمرفوع من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسمى مدرج المتن. # وإن كانت الخالفة بتقديم أو تأخير في السند كأن يقول: "مرة بن كعب" في ~~"كعب ابن مرة"، أو في المتن كأن يقول في حديث السبعة: " ... حتى لا تعلم ~~يمينه ما تنفق شماله" (¬2). كما وقع له لبعض الرواة، وأصل الحديث: " ... ~~حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه" فيسمى: "المقلوب". # وإن كانت المخالفة بزيادة راو في الإسناد المتصل المصرح فيه بالسماع ~~فيسمى "المزيد" (¬3). PageV01P041 # وإن كانت الخالفة بإبدال الراوي براو آخر ولا مرجح لاحدى الروايتين على ~~الأخرى فيسمى: "مضطرب (أالإسناد"، وقد يكون الإبدال في المتن فيسمى "أيضا": ~~مضطرب (أ) المتن (¬1). # وقد يقع الإبدال لقصد الامتحان كما وقع في امتحان البخاري (¬2). # وإن كانت المخالفة بتغيير حرف أو حروف مع بقاء سورة الخط في السياق، فإن ~~كان بالنسبة إلى اللفظ فيسمى: "المصحف"، وإن كان بالنسبة إلى الشكل فيسمى: ~~"المحرف" (¬3). # القسم الثامن: جهالة الراوي، وهي إما بأن يذكر بنعت غير ما اشتهر به ~~لغرض، أو بأن يكون مقلا من رواية الحديث فلا يكثر الأخذ عنه (¬4)، أو بأن ~~يبهمه الراوي اختصارا، وهذا الذي أبهمه الراوي لا يقبل ولو صرح بعدالته بأن ~~يقول: "أخبرني الثقة"، لأنه قد يكون ثقة عنده مجروحا عند غيره (¬5). # فإن سمى الراوي وانفرد (ب) واحد بالرواية عنه فيسمى: "مجهول العين" (¬6)، ~~وإن روى عنه اثنان فصاعدا ولم يوثق فيسمى: "مجهول الحال" (¬7) وهو ~~"المستور"، وهذا القسم موقوف على البحث عنه، فلا يقبل ولا يرد إلا بعد ~~استبانة حاله. # القسم التاسع: بدعة الراوي، وهي إما بمكفر (ج)، فقيل: يقبل مطلقا (د)، PageV01P042 # وقيل: إن كان لا يعتقد حل الكذب لنصرة مقالته والمعتمد أن من أنكر أمرا ~~متواترا معلوما من الشرع بالضرورة أو اعتقد عكسه فإنه لا يقبل، لأنه يصير ~~حكمه حكم كافر التصريح. # وأما من كان كفره من حيث التأويل لما طرأ عليه من خطأ النظر في الأدلة، ~~فإنه يقبل مهما كان مستكملا لشرط الرواية ms0022 من الضبط والعدالة، وإن كانت ~~بمفسق فقيل: يرد مطلقا (¬1)، وقيل؛ يقبل مطلقا، إلا إن اعتقد (أ) حل الكذب ~~(¬2)، وقيل: يقبل من لم يكن داعية إلى بدعته. # والأولى أن من عرف من حاله الأمانة وصدق اللهجة وأن المذهب لا يحمله على ~~محبة ترويج الباطل وتقويته بما ليس بحق فإنه يقبل (¬3)، وإلا رد. # وقال الجوزجاني (¬4) شيخ النسائي: "إن من لم يكن داعية إلى بدعته (ب) ~~يقبل إذا لم يكن ما رواه مقويا لبدعته" (¬5). # العاشر: سوء حفظ الراوي، فإن كان لازما له في جميع حالاته فإنه يسمى ~~بالشاذ على رأي بعض المحدثين، وإن كان سوء الحفظ طارئا عليه سمى: PageV01P043 # "بالمختلط" فهذه كلها أقسام للضعيف وليست كلها مردودة، بل قد يصير بعضها ~~مرتقيا إلى مرتبة الحسن مع المتابعة له بمعتبر (أ)، وذلك كسوء الحفظ، ~~والمرسل، والمستور، ونحو ذلك (¬1). # وأعلم أنه يسمى (ب) بالمرفوع ما انتهى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وما اقتصر فيه على الصحابي يسمى بالموقوف، وما اقتصر فيه على التابعي يسمى ~~(ج) بالمقطوع وكذا من دون التابعي، وقد يقال للأخيرين: أثر. # وفي هذا المذكور كفاية في معرفة اصطلاح أهل الحديث فيما يتعلق بهذا ~~المختصر. # فائدة: يجوز للناظر في علم الحديث العمل بما ذكره الأئمة الملتزمون ~~للصحيح، وذلك كالصحيحين فإنهما التزما أن يذكرا ما صح عندهما، وقد تلقتهما ~~الأمة بالقبول فأفاد ما فيهما العلم الاستدلالي، وكذا المصنفات المختصة ~~بجمع الصحيح فقط كصحيح أبي بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، وصحيح أبي حاتم ~~محمد بن حبان البستي المسمى: "بالتقاسيم والأنواع"، وكتاب "المستدرك على ~~الصحيحين" لأبي عبد الله محمد الحاكم (¬2) وكذلك ما يوجد من المستخرجات على ~~الصحيحين (¬3) من زيادة أو تتمة لمحذوف، فهو محكوم بصحته. PageV01P044 # وأما السنن الأربع والموطأ والمسانيد مما لم يلتزم مصنفوها التصحيح فإن ~~كان مما بين صحته أو حسنه فيها فلا كلام في جواز العمل به، وما أطلق من ذلك ~~فإن كان الناظر متأهلا للبحث وجب عليه ذلك، كان لم يكن (أ) ولا وجد أحدا من ~~الأئمة (ب) قد نص فيه ms0023 بتصحيح لم يجز له الاحتجاج لئلا يقع في الباطل ولا يشعر. # وقد بين أبو داود ما في كتابه من الصحيح وما يقاربه، والضعيف، وما سكت ~~عنه فهو "صالح" (¬1)، وكذا الترمذي فإنه بين (ج الصحيح والحسن ج) والضعيف ~~وما سكت عنه يحتاج إلى بحث، وكذا مسند الإمام أحمد فإن ما سكت عنه صالح ~~للاحتجاج به (¬2)، والله أعلم. PageV01P045 ### | AUTO كتاب الطهارة ### || AUTO باب المياه # بدأ بالطهارة كما فعله غيره من المصنفين في الأحكام الشرعية اهتماما ~~بالأمور الدينية وتقديما لها على المصالح الدنيوية، ولما في الصحيحين عن ~~عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"بني الإسلام على خمس (أ): شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، ~~وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج" (¬1)، فرتبوها على هذا ~~الترتيب المتين، وقدموا الظهارة لأنها مفتاح الصلاة التي هي عماد الدين، ~~وهي بالماء أصل وبالتراب فرع فقامت أحكام المياه، ولم يذكر أحاديث ~~الشهادتين، لأن مبنى الإسلام عليهما (¬2)، والكتاب إنما هو في محض الأحكام ~~بعد تقرر الإيمان. # "والكتاب" مصدر كتب كتابا وكتابة، ومادة "كتب" دالة على معنى الجمع ~~والضم، ومنه الكتيبة والكتابة، استعملوا ذلك فيما يجمع أشياء من الأبواب ~~والفصول الجامعة للمسائل. # والضم فيه (ب) بالنسبة إلى المكتوب من الحروف حقيقة، وبالنسبة إلى ~~المعاني مجاز (¬3). # "والطهارة": مصدر طهر يطهر، وهو لازم، فهي الوصف القائم بالفاعل شاملة ~~للمعنى القائم بالذات المتجردة (ج) عن الحدث والنجس أو عن أحدهما، PageV01P047 # ويجوز أن يكون مصدر المفعول، وهو الأثر الحاصل عن الفاعل القائم ~~بالمفعول، ويجوز أن يكون اسم مصدر طهر تطهيرا وطهارة مثل: كلم تكليما ~~وكلاما. # ومعناها لغة: النظافة والنزاهة عن الأقذار (¬1)، وشرعا: على الأول -وهو ~~مصدر اللازم-: صفة حكمية تثبت لموصوفها جواز الصلاة به أو فيه أو له، ~~فالأولان الطهارة من النجس والأخير الطهارة من الحدث. # وعلى الثاني -وهو كونها اسم مصدر المتعدي (أ) -: استعمال المطهرين أو ~~أحدهما على الصفة المشروعة في إزالة النجس والحدث. # وعليهما جميعا: عدم حدث أو نجس يرفعه ms0024 أو بالأصالة أو ما في حكمه. # فيشمل الأول: ما رفع منه الحدث بعد كونه كالوضوء من الحدث والغسل من ~~الجنابة وما كان طاهرا من الحدث بالأصالة كمن بلغ طاهرا من الجنابة. # ويشمل الثاني: ما رفعت منه النجاسة بعد كونها، رما كان طاهرا قبل طروء ~~النجاسة. # وقوله: "أو ما في حكمه" أي: حكم الحدث، يدخل فيه تجديد الوضوء والغسل ~~المسنون والمندوب. # والمعنى الثاني أنسب بالبحث إذ (ب) الفقيه إنما يبحث عن أحوال أعمال ~~المكلفين من الوجوب وغيره لا عن صفات الذوات القائمة بها (¬2). # "والباب" في اللغة: ما يدخل منه إلى غيره، واستعماله هنا مجاز في عنوان PageV01P048 # الجملة من المسائل المتناسبة (أ) المعاني كما جرت به عادة العراقيين، ~~ويعبر عنه أيضا بالفصل كما في غالب كتب الخراسانيين. # "والمياه": جمع ماء، والماء جنس يقع على القليل والكثير، وجمعه هنا ~~للدلالة على اختلاف أنواعه حتى إن بعض أنواعه مجمع على تطهيره -وهو ما عدا ~~ماء البحر-، والخلاف في ماء البحر لابن عمرو وابن عمر، حجة الجمهور حديث ~~الباب وهو: # 1 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في البحر: "هو الطهور ماؤه، والحل ميتته" (¬1). # أخرجه الأربعة وابن أبي شيبة واللفظ له، وصححه ابن خزيمة والترمذي. # أبو هريرة هو أول من كني بهذه الكنية، واختلف في اسمه واسم أبيه على نحو ~~من ثلاثين قولا، وأصحها: عبد الرحمن بن صخر. قال ابن عبد البر: وهو الذي ~~تسكن إليه النفس في اسمه في الإسلام (¬2). وبه قال محمد بن إسحاق والحاكم ~~أبو أحمد (¬3)، PageV01P049 # وعلى هذا اعتمدت طائفة صنفت في الأسماء والكنى. # وكني بأبي هريرة لأنه كانت له في صغره هرة صغيرة يلعب بها. # وهو أكثر الصحابة رواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1)، وذكر (¬2) ~~الحافظ بقي بن مخلد الأندلسي في "مسنده" لأبي هريرة خمسة آلاف حديث ~~وثلاثمائة (1) وأربعة وسبعين (5) حديثا، وليس لأحد من الصحابة هذا القدر ~~ولا ما يقاربه. # قال الشافعي: أبو هريرة أحفظ من روى الحديث في دهره (¬3). # وكان ينزل ms0025 بالمدينة، وبذي الحليفة، وله فيها دار. # مات بالمدينة سنة تسع وخمسين وهو ابن ثمان وسبعين سنة (¬4)، ودفن ~~بالبقيع، وماتت [عائشة] (ج) قبله بقليل وهو الذي صلى عليها. # وقيل: إنه مات سنة سبع وخمسين، وقيل: ثمان، والصحيح الأول. # قال أبو نعيم: كان عريف أهل الصفة، وأشهر من سكنها (¬5). # هذا الحديث [وقع في جواب سؤال، ولفظ أبي داود (¬6): أن المغيرة سمع أبا ~~هريرة يقول: "سأل رجل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول ~~الله: إنا نركب (د) البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به ~~عطشنا، أفنتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "هو ~~الطهور ماؤه والحل ميتته". PageV01P050 # وكأنه شك في جواز الطهارة بماء البحر من أجل ملوحته فسأل عنه. # وهو] (أ) أصل عظيم في الطهارة حتى قال الشافعي -كما رواه الحميدي-: إن ~~فيه نصف علم الطهارة (¬1). # * الحديث أيضا أخرجه ابن حبان في "صحيحه"، وابن الجارود في "المنتقى"، ~~والحاكم في "المستدرك"، والدارقطني، والبيهقي في "سننهما" (¬2)، وصححه ~~البخاري -كما حكاه عنه الترمذي (¬3) -، وحكم ابن عبد البر بأن الأمة تلقته ~~بالقبول (¬4)، ورجح ابن منده صحته، وصححه ابن المنذر، وأبو محمد البغوي (¬5). # وقال الشافعي: في إسناده من لا أعرف (¬6) (ب)، ومدار إسناده على صفوان (ج ~~ابن سليم (¬7) عن سعيد بن سلمة عن المغيرة بن أبي بردة عن أو هريرة، ورواه ~~مالك وأبو أويس عن صفوان ج) (¬8) # والجهالة محتملة إن أراد الشافعي أنه لا يعرف سعيد بن سلمة (¬9) أو ~~المغيرة أو PageV01P051 # كلاهما، وقد تعقب الشافعي بأن سعيد بن سلمة لم ينفرد به بل (أ) قد شاركه ~~في الرواية يحيى بن سعيد الأنصاري، إلا أنه اختلف عليه فيه، والمغيرة (¬1) ~~قال أبو داود: إنه معروف، وقال ابن عبد البر (¬2): وجدت اسمه في مغازي موسى ~~بن نصير (ب) موسى بن عقبة (ج)، ووثقه (د) النسائي. # وتابع صفوان في الرواية عن سعيد بن سلمة الجلاح (¬3) أبو (ه) كثير. رواه ~~عنه الليث بن سعد وعمر بن الحارث (و) وغيرهما. # وأخرجه أحمد والحاكم والبيهقي (¬4) من طريق ms0026 الليث عن أبي هريرة بسياق أتم ~~جواب عن سؤال صياد. # * وفي الباب عن جابر بن عبد الله رواه أحمد، وابن ماجه، وابن حبان، ~~والدارقطني، والحاكم (¬5). # قال أبو علي بن السكن (¬6): حديث جابر أصح ما روي في هذا الباب. PageV01P052 # وعن ابن عباس رواه الدارقطني والحاكم من حديث موسى بن سلمة عن ابن عباس ~~(¬1) مرفوعا بلفظ: "ماء البحر طهور " (أ)، ورواته ثقات (ب، لكن صحح ~~الدارقطني وقفه (¬2). # وعن ابن الفراسي ب). # أخرجه ابن ماجه (¬3) من حديث يحيى بن بكير بلفظ حديث أبي هريرة. # قال الترمذي عن البخاري أن ابن الفراسي ليس له صحبة، وأبوه صحابي فهو ~~مرسل (¬4)، وقد رواه البيهقي (¬5) من حديث يحيى بن بكير عن الفراسي نفسه، ~~ولكنه مرسل على رأي البخاري لأن راويه عنه ابن مخشي، وليس على شرط البخاري. # وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده مرفوعا بلفظ: "ميتة البحر حلال، وماؤه ~~طهور"، أخرجه الدارقطني (¬6) والحاكم، وفيه المثنى، وهو ضعيف (¬7). # ووقع في رواية الحاكم "الأوزاعي" وهو غير محفوظ. # وعن علي - رضي الله عنه - من طريق أهل البيت أخرجه الدارقطني والحاكم، ~~وفي إسناده من لا يعرف (¬8). PageV01P053 # وعن ابن عمر بلفظ: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن ماءه طهور، ~~وميتته (أ) حل". أخرجه الدارقطني (1). # ومن حديث أبي بكر - رضي الله عنه - أخرجه الدارقطني (2)، وفي إسناده عبد ~~العزيز بن أبي ثابت، وهو ضعيف (¬3)، وصحح الدارقطني وقفه، وكذا ابن حبان في ~~"الضعفاء" (¬4). # وعن أنس رواه الدارقطني أيضا (¬5)، وفي إسناده أبان بن أبي عياش (¬6)، ~~وهو متروك (¬7). # * والطهور: بفتح الطاء على فعول -صفة، تطلق على المطهر، وبالضم مصدر، ~~وقال سيبويه: إنه بالفتح لهما. # * وظاهر الحديث يدل على أن ماء البحر طاهر مطهر، لا يخرج عن الطهورية ~~بحال، ولكنه مخصص بما سيأتي. PageV01P054 # واحتج من لم يقل بطهوريته بما روي موقوفا (أ) عن ابن عمر (ب: "ماء البحر ~~لا يجزيء من وضوء ولا جنابة، إن تحت البحر نارا ثم ماء ثم نارا .. حتى عد ~~سبعة أبحر وسبع أنيار". # ورواه أبو داود عن ابن عمر ب) ms0027 قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا يركب (ج) البحر إلا حاج أو معتمر، أو غاز في سبيل الله، فإن تحت ~~البحر نارا، وتحت النار بحرا" (¬1) (د). # ورواه سعيد بن منصور أيضا في "سننه". # ولكن ذلك لا يعارض حديث الباب لقوته بكثرة طرقه حتى روى الترمذي عن ~~البخاري أنه قال بصحته -وإن لم يخرجه في "الصحيح"-، وأيضا فإن محل ~~الاستشهاد غير مرفوع، والمرفوع آخره. # * وقوله: "والحل ميتته" فيه دلالة على حل ميتة (ه) البحري على أي صفة ~~كانت ومن أي نوع (و)، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. # [وتعريف الخبر باللام الجنسية في "الطهور" لا تفيد حصر الطهورية (ز) عليه ~~حتى يفهم أنه لا يتطهر بغيره لأنه لم يقصد به الحصر، وإنما وقع جواب لمن شك ~~في الطهور به، فأثبت له (ح) الطهورية، وأما "الحل ميتته" فيمكن استفادة ~~الحصر منه لأنه لا يحل (ت) ميتة البري إلا الجراد، والله أعلم] (ى). PageV01P055 # 2 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن الماء طهور، لا ينجسه شيء". # أخرجه الثلاثة، وصححه أحمد (¬1). # * أبو سعيد الخدري: هو سعد بن مالك بن سنان، الخزرجي، الأنصاري، اشتهر ~~بكنيته، كان من الحفاظ المكثرين العلماء الفضلاء العقلاء، أول مشاهده ~~الخندق، وعرض على النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد وهو ابن ثلاث عشرة ~~سنة فرده النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال (أ): "فلما رجع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - خرجنا نلتقيه، فنظر إلي فقال: سعد بن مالك؟ قلت: نعم بأبي ~~وأمي (ب)، فدنوت فقبلت ركبته، فقال: "قد آجرك الله في أبيك " وكان قتل ~~يومئذ شهيدا". # وغزا أبو سعيد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - اثنتي عشرة (ج) غزوة، ~~وروى عنه جماعة من الصحابة والتابعين، مات سنة أربع وسبعين، ودفن في ~~البقيع، وله أربع وثمانون سنة (¬2). PageV01P056 # "الحديث مختصر من حديث بئر بضاعة، وهو قيل: يا رسول الله أنتوضأ من بئر ~~بضاعة؟ وهي بئر يلقى فيها الحيض ولحوم الكلاب ms0028 والنتن، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء" هذا لفظ الترمذي (¬1)، ~~وقال: حديث حسن غريب (¬2). # وقد أعله الدارقطني (¬3) بالاختلاف على ابن إسحاق وغيره، وقال في آخر ~~الكلام عليه: وأحسنها إسنادا رواية الوليد بن كثير عن محمد بن كعب يعني عن ~~(أ) عبد الله بن عبد الرحمن بن رافع عن أبي سعيد. # وأعله ابن القطان بجهالة راويه عن أبي سعيد واختلاف الرواة في اسمه واسم ~~أبيه. قال: وله طريق (ب) أحسن من هذه ذكرها قاسم بن أصبغ في "مصنفه" (¬4) ~~بلفظ الترمذي إلا أنه قال: "الماء لا ينجسه شيء". # وقال ابن منده في حديث أبي سعيد: هذا إسناد مشهور، وهو في سنن النسائي ~~(¬5) بلفظ: "مررت بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتوضأ من بئر بضاعة ~~فقلت: أنتوضأ منها، وهي (ج) يطرح فيها ما يكره من النتن؟ فقال: "الماء لا ~~ينجسه شيء" (¬6). PageV01P057 # * ظاهر الحديث يدل على أن الماء لا يتنجس مهما كان يطلق عليه اسم الماء ~~المطلق، ولو (أ) تغير أوصافه بالنجاسة وإن قل، إلا أنه قام الاجماع (¬1) ~~على نجاسة ما تغير أوصافه بالنجاسة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا إن ~~تغير ريحه أو لونه أو طعمه" (ب) بنجاسة تحدث فيه؛ سيأتي في حديث أبي أمامة ~~(¬2)، والخلاف فيما عدا ذلك، فذهب القاسم والإمام يحيى وجماعة (¬3) -وهو ~~مذهب مالك والغزالي (¬4) - إلى أنه لا ينجس بما لاقاه من النجاسة وإن كان ~~الماء قليلا إذا لم يتغير عملا بهذا الحديث (¬5). # وذهب (¬6) الهادي (¬7) والمؤيد (¬8) وأبو طالب (¬9) والناصر (¬10) وجماعة ~~إلى أنه ينجس القليل بملاقاة النجاسة وإن لم تتغير أوصافه إذ القليل حده ما ~~يظن (ج) PageV01P058 # المستعمل للماء استعمال النجاسة باستعماله، والمستعمل له قد استعمل جزءا ~~من النجاسة، وقد قال الله تعالى: {والرجز فاهجر (5)} [المدثر: 5] (¬1)، ~~ولخبر الاستيقاظ (¬2) , لقوله: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم" (¬3) كما ~~سيأتي، ولأنه تعارض فيه جهة حظر وجهة إباحة فترجح جاتب الحظر، ولحديث ~~القلتين (¬4) كما سيأتي. # فالحديث وإن كان عاما فهو مخصص يخرج عنه الماء القليل بما ذكرنا من ms0029 ~~الأدلة. # وفرع على هذا القول السادة، وهم (أ) المؤيد، وأبو طالب، وأبو العباس ~~(¬5): أن النجاسة إذا كان جرمها مرجودا في ماء كثير فهو محكوم بنجاسة ~~ملاصقها وملاصق الملاصق، وذلك لأن الملاصق ينحل إليه جزء من النجاسة ~~وملاصقه كذلك فمستعمله غير هاجر للرجز (ب)، وهو تخريج قوي ارتضاه الإمام ~~المهدي على مقتضى أصل الهادوية (¬6)، وقياسا منهم على الغسلات الثلاث، ~~وسيأتي الكلام في اعتبارها، ولكن يلزم في ملاصق ملاصق ملاصق النجاسة المعبر ~~عنه عندهم بالمجاور الثالث أن يكون طاهرا غير مطهر على أصل من يقول في ماء ~~الغسلة الثالثة PageV01P059 # كذلك، إلا أنه يمكن الفرق بين المجاور الثالث والغسلة الثالثة بأنها لما ~~رفعت حكما زال عنها حكم الطهورية بخلاف المجاور الثالث فإنه لم يرفع حكما ~~فبقى على أصل الطهورية، والقائلون بعدم نجاسة الكثير إذا لم يتغير اختلفوا ~~في تحديده، فذهب أبو طالب والمؤيد إلى أن الكثير ما لم يظن استعمال النجاسة ~~باستعمال الماء تحقيقا أو تقديرا والقليل ما عداه، والوجه في ذلك أنه لا ~~يتحقق هجران النجس (أ) المأمور به في الآية والمستنبط من حديث الاستيقاظ ~~وحديث البول في الماء الراكد إلا بذلك. # واختلفت الحكاية عن الهادي، فحكى في "شرح الإبانة" عن الهادي، وأطلقه ~~القاضي زيد للمذهب أن الكثير ما لا تستوعبه القوافل الكبار شربا (ب) ~~وطهورا، والقليل عكس ذلك، ونظره الإمام المهدي (¬1) بأن في ذلك جهالة، فإنه ~~لا يدري كم يغترفون (ج) يعني لشربهم في الطريق، وهل شربهم قبل الاغتراف أو بعده. # وعن الأمير الحسين الهادي أن حده ستة أذرع عرضا ومثلها عمقا، ولعل مستند ~~ذلك ما ورد في بئر بضاعة أن عرضها ستة أذرع. قال أبو داود: سمعت قتيبة بن ~~سعيد قال: سألت قيم بئر بضاعة عن عمقها، فقلت: أكثر ما يكون فيها الماء؟ ~~قال: إلى العانة، قلت: فإذا نقص؟ قال: دون العورة. قال أبو داود: "قدرت بئر ~~بضاعة بردائي مددته عليها ثم ذرعته فإذا عرضها ستة أذرع، PageV01P060 # وسألت الذي فتح لي باب البستان فأدخلني (أ) هل غير بناؤها عما كانت ms0030 عليه؟ ~~فقال: لا، ورأيت فيها ماء متغير اللون" (¬1). # ولكن هذا أثبت الذرع من جهة العرض فقط (1). # وقال المنصور بالله والناصر والشافعي (¬2): إن الكثير قلتان من قلال ~~"هجر"، القلتان: خمسمائة رطل (¬3) بالعراقي. # قال الغزالي: أو ذراع وربع طولا ومثله عرضا ومثله عمقا بالذراع الهاشمي (¬4). # وعن النووي (ب): بذراع اليد، وهو شبران باليد، وفي المستدير ذراع عرضا ~~والعمق ذراعان. # و (ج) قال ابن أبي شريف: وروى ابن جريج عن الشافعي أنه قال: رأيت PageV01P061 # قلال "هجر"، والقلة منها تسع قربتين، أو قربتين وشيئا، فاحتاط الشافعي ~~وحسب الشيء نصفا إذ لو كان فوقه لقال ثلاث قرب إلا شيئا، فإنه عادة أهل ~~اللسان فيكون خمس قرب والقربة من قرب مكة وهي التي عناها ابن جريج لا تزيد ~~غالبا على مائة رطل بغدادي. # قال: وسيأتي في الزكاة أن رطل بغداد على ما رجح الرافعي مائة وثلاثون ~~درهما، وعلى ما رجح النووي (أ) مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم. # ومستندهم ما أخرجه الشافعي، وأحمد، والأربعة، وابن خزيمة، وابن حبان، ~~والحاكم، والدارقطني، والبيهقي من حديث عبد الله بن عبد الله بن عمر عن ~~أبيه -واللفظ لأبي داود-: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الماء ~~وما ينوبه من السباع والدواب فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ~~كان الماء. قلتين لم يحمل الخبث" (¬1). # ولفظ الحاكم: "فقال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء". # وفي رواية لأبي داود وابن ماجه: "فإنه لا ينجس". # قال الحاكم: صحيح على شرطهما، وقد احتجا بجميع رواته. PageV01P062 # وقال ابن منده: إسناده (أ) على شرط مسلم، ومداره على الوليد بن كثير ~~(¬1)، فقيل: عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير (¬2)، وقيل: عنه عن محمد بن ~~عباد (ب) بن جعفر (¬3)، وتارة: عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر (¬4)، ~~وتارة: عن عبد الله بن عبد الله بن عمر (¬5) فهذا الحديث ظاهر في المدعي ~~واعترض بأن سنده مضطرب لاختلافهم في راويه (ج) واضطراب متنه، إذ قد روي ~~"قلة" و "قلتين" و "ثلاث قلال" و "أربعين ms0031 قلة"، ومعارض بحديث أبي سعيد ~~المار، وبحديث (د) ابن عباس: "إن الماء لا يجنب". # وأجيب عنه بأن الاضطراب في الراوي ليس اضطرابا قادحا، فإنه على تقدير أن ~~يكون الجميع محفوظا انتقال من ثقة إلى ثقة، والتحقيق أنه عند الوليد بن ~~كثير عن محمد بن عباد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن عمر ~~المصغر (¬6)، PageV01P063 # قال الحافظ المصنف: "ومن رواه على غير هذا الوجه فقد وهم" (¬1). # وأما اضطراب المتن فكذلك إذا ثبت التخيير بين قلة أو قلتين،؛ حكاه الإمام ~~المهدي في "البحر" (¬2)، أو كما رواه أحمد والدارقطني إذا كان الماء قدر ~~قلتين أو ثلاث (¬3). # وفي رواية للدارقطني وابن عدي والعقيلي: "إذا بلغ الماء قلة فإنه لا يحمل ~~الخبث" (¬4) فإن ذلك لا يضر إذ التخيير (أ) بين قلتين أو ثلاث أثبت أن ما ~~دون القلتين فهو قليل، والقلتين أو الثلاث كثير، وأما حديث: "قلة واحدة" ~~فلم يصح، وقيل: موضوع. # وأما المعارضة بحديث أبي سعيد، وحديث ابن عباس فالجمع ممكن بأنهما عامان ~~بالنظر إلى القدر، وهذا خاص، والعمل بالخاص فيما تناوله، وبالعام فيما بقى، ~~فمفهوم العدد يقضي بأن ما دون القلتين (ب) يحمل الخبث أو ينجس، PageV01P064 # فيخصص عموم قوله: "إن الماء طهور لا ينجسه شيء"، بأنه إذا لم يكن دون ~~قلتين (أ)، وحديث القلتين أيضا بحديث الاستثناء، فأمكن الجمع بين الأخبار ~~من دون تعارض، فكان العمل به أرجح. # وقالت الحنفية (¬1): الكثير ما إذا حرك جانبه لم يتحرك الآخر .. قال ~~بعضهم: باليدين، وبعضهم: بالاغتسال (¬2). # وفي "مجمع البحرين ": ويقدر (ب) بعشرة أذرع طولا ومثلها عرضا وعمقا بما ~~لا ينجس (ج) بالعرف (¬3) [واستدلوا على ذلك بقوله (د): "لا يبولن أحدكم في ~~الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه" (ه)، وفي رواية: "لا يغتسل أحدكم ~~في الماء الدائم، وهو جنب" متفق عليه (¬4) فإن الصيغة صيغة عموم، فظاهر ~~الحديث أن الماء إذا وقعت فيه النجاسة صار نجسا، إلا أنهم خصصوا هذا الحديث ~~بالماء المستبحر لقيام الإجماع أن النجاسة لا تؤثر فيه، وما ذكر ms0032 لاحق ~~بالمستبحر فكان (و) حدا للكثير الذي لا تغيره النجاسة] (ز). PageV01P065 # واعتذر الطحاوي لم من الحنفية عن العمل بحديث القلتين -مع اعترافه بصحته ~~(¬1) - بأن القلة في العرف تطلق على الكبيرة والصغيرة كالجرة، ولم يثبت في ~~الحديث تقديرهما (¬2)، فيكون مجملا. # وقواه ابن دقيق العيد، [واعتذر عن (أ) حديث بئر بضاعة (¬3) بما رواه (ب) ~~عن (أ) الواقدي (¬4): أنها كانت سبخا تجرى ثم أطال في ذلك، وقد خالفه ~~البلاذري في "تاريخه" فقال: عن إبراهيم بن عباد عن الواقدي قال: "تكون بئر ~~بضاعة سبعا في سبع، وعيونها كثيرة، وهي لا تنزح". # ورد عليه بأنا لا نسلم الإجمال بل الظاهر أنه أراد القلة] (ج) [الكبيرة] ~~(د) إذ لو أراد الصغيرة لم يذكر العدد واكتفى عنه بجرة كبيرة بمقدار ~~صغيرتين، ويرجع إلى العرف في معرفة الكبيرة عند أهل الحجاز إذ الظاهر أن ~~الشارع إنما خاطب الصحابة بما يفهمون وترك التحديد توسعة. PageV01P066 # وقد ورد أيضا من حديث ابن عمر: "إذا بلغ الماء قلتين من قلال هجر" (¬1)، ~~وفي إسناده المغيرة بن صقلاب (¬2) وهو منكر الحديث. # ويؤيده من جهة النظر صحة التقدير بقلال "هجر" (¬3) أنه أكثر استعمال ~~العرب لها في أسفارهم وورد أيضا في حديث المعراج (¬4) التشبيه بها فدل على ~~أنها مشهورة متبادرة عند الإطلاق. # وورد الاعتذار الثاني بالمعارضة بما رواه أبو داود أنها (أ) غير جارية، ~~وأن قدرها عرضا ستة أذرع، وماؤها متغير، وبما ذكره البلاذري، وهذا الذي مر ~~من الخلاف في الماء الراكد. # وأما الجاري فالإمام يحيى (¬5) وغيره: هو كالراكد في التنجيس، إذ لم تفصل ~~أدلة تنجيس القليل، وقال المنصور بالله وأحد قولي الشافعي (¬6): الجري ~~كالكثرة لنفوذه عن النجاسة وعدم استقراره، فلا يتلوث بها بخلاف الراكد، ~~ولاستنجاء السلف في الأنهار القليلة، والراكد الفائض كالجاري على الأصح، ~~ويحتج على طهارته برواية في صحيح مسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم ~~الذي لا يجري ثم يغتسل منه" (¬7)، فإن مفهوم الصفة يقضي بأن الراكد الجاري ~~غير داخل في النهي، وما ذاك إلا لعدم تنجيسه. PageV01P067 # • فائدة ذكرها بعض الأفاضل (¬1) في قوله ms0033 في حديث بئر بضاعة: "وهي بئر ~~يطرح فيها (أ) الحيض ولحوم الكلاب والنتن" وهي قد يظن بعض الناس إذا سمع ~~هذا الحديث أن هذا كان منهم عادة وأنهم كانوا يأتون هذا الفعل قصدا وتعمدا، ~~وهذا ما لا يجوز أن يظن بذمي بل وثني فضلا عن مسلم، فكيف يظن بأهل ذلك ~~الزمان الذين هم في أعلى طبقات التحرز من (ب) المآثم والبعد عن الشبه ~~والمظالم، والماء ببلادهم أعز، والحاجة إليه أمس، وقد لعن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: من تغوط في موارد الماء ومشارعه (¬2) فكيف بمن اتخذ عيون ~~الماء ومنابعه رصدا للأنجاس ومطرحا للأقذار، وإنما كان ذلك من أجل أن هذه ~~البئر موضعها في حدود من الأرض، وكان السيول كانت تكسح هذه الأقذار من ~~الطرق والأفنية وتحملها وتلقيها فيها وكان الماء لكثرته لا يؤثر فيه وقوع ~~هذه الأشياء ولا يغيره فسألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن شأنها ~~ليعلموا حكمها في الطهارة والنجاسة فكان (ج) من جوابه لهم أن الماء ... ~~الحديث. انتهى. PageV01P068 # 3 - وعن أبي أمامة الباهلي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # "إن الماء لا ينجسه شيء، إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه". # أخرجه ابن ماجه (¬1)، وضعفه أبو حاتم (¬2). # وللبيهقي: "الماء طهور، إلا إن تغير ريحه أو طعمه أو لونه بنجاسة تحدث ~~فيه" (¬3). # أبو أمامة: هو صدي -بضم الصاد المهملة وفتح الدال وتشديد الياء، وقد جاء ~~في رواية: الصدي بالتعريف- ابن عجلان، الباهلي. # واختلف في نسبه وآبائه مع الاتفاق على كنيته واسمه واسم أبيه وأنه باهلي، ~~سكن مصر، ثم انتقل إلى حمص، ومات بها. # وهو من المكثرين في الرواية، وأكثر حديثه في الشاميين (أ). روى عنه سليم ~~بن عامر (ب) -بضم السين- ومحمد بن زياد، وخالد بن معدان، وسليمان بن حبيب ~~المحاربي. # مات سنة ست وثمانين، وقيل سنة إحدى وثمانين، وله إحدى وتسعون سنة. # وهو آخر من مات من الصحابة بالشام (¬4)، وقيل: إن آخر من مات منهم بالشام ~~عبد الله بن بسر (¬5) (¬6). PageV01P069 # * الحديث أخرجه ابن ماجه والطبراني ms0034 من حديث أبي أمامة، وأخرجه الدارقطني ~~(¬1) من حديث ثوبان، وهؤ مضعف برشدين بن سعد المصرى، وهو متروك. قال ابن ~~يونس: "كان رجلا صالحا أدركته غفلة الصالحين، فخلط قوله الحديث". وقال أبو ~~زرعة (¬2): "كان رجلا صالحا سيئ الحفظ". قال الدارقطني: "ولا يثبت هذا ~~الحديث". # وقال الشافعي: "ما قلت من أنه إذا تغير طعم الماء أو ريحه أو لونه كان ~~نجسا يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجه لا يثبت أهل الحديث ~~مثله، وهو قول العامة لا أعلم بينهم خلافا" (¬3). # و (أ) قال النووي: اتفق المحدثون على تضعيفه (¬4). # وقال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن الماء القليل والكثير إذا وقعت فيه ~~نجاسة فغيرت له طعما أو لونا أو ريحا فهو نجس (¬5). # فالشافعي رجع إلى العمل بالإجماع دون الحديث (¬6)، ولكنه رواه البيهقي ~~(¬7) موصولا من طريق عطية بن بقية عن أبيه عن ثور عن راشد بن سعد عن أبي أمامة. # ورواه الطحاوي والدارقطني (¬8) من طريق راشد بن سعد مرسلا بلفظ: "إن ~~الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه أو طعمه"، وزاد الطحاوي: "أو ~~لونه". PageV01P070 # وصحح أبو حاتم (¬1) إرساله. # وليس هذا الاستثناء الذي هو موضع الحجة في حديث "بئر بضاعةكما توهمه ~~الرافعي (¬2) والغزالي، وليس هو أيضا في سنن أبي داود كما توهمه ابن الرفعة ~~فنسبه إليها. # * الحديث يدل على أنه لا ينجس من الماء إلا المتغير، وهو عام لما عدا ~~المتغير سواء كان قليلا أو كثيرا، راكدا أو جاريا، ولكن ذلك مخصص بحديث ~~القلتين، وحديث الاستيقاظ الآتي. فيخص من ذلك العموم القليل، وكل من ~~العلماء على أصله في تحديد القليل، ويبقى الكثير على ظاهر الحديث. # والكلام قد مضى لما تحقيق (أ) القليل والكثير اختلاف العلماء في الماء ~~فلا نعيده. # 4 - وعن ابن عمر (ب) رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث". # وفي لفظ آخر: "لم ينجس". # أخرجه الأربعة، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم (ج) (¬3). # * عبد الله بن عمر: هو ms0035 أبو عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب، ~~القرشي، العدوي، أسلم مع أبيه بمكة وهو صغير، وقيل: إنه أسلم قبل أبيه PageV01P071 # ولم يصح، ولم يشهد بدرا، واختلفوا في شهوده أحدا، والصحيح أن أول مشاهده ~~الخندق، وقيل: إنه استصغر يوم بدر، وأجازه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يوم أحد. # وروي عن نافع أنه رده يوم أحد لأنه كان له أربع عشرة سنة، وشهد ما بعد ~~الخندق من المشاهد. # ولد قبل الوحي بسنة، ومات بمكة سنة ثلاث وسبعين بعد قتل ابن الزبير ~~بثلاثة أشهر، وقيل: بستة أشهر، ودفن بذي طوى (¬1) بمقبرة المهاجرين -وقيل: ~~دفن بفخ (¬2) - وله أربع وثمانون سنة، وقيل: ست وثمانون سنة. # روى عنه خلق كثير منهم ابناه سالم وحمزة، ونافع مولاه، والقاسم بن محمد، ~~وعروة بن الزبير، وخلق سواهم (¬3). # * والكلام على الحديث بالنظر إلى طريقه وإلى متنه قد مر ما فيه كفاية. # ولفظ الحاكم: "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء (¬4) أصرح في المقصود من ~~حديث أبي داود (¬5) "لم يحمل الخبث" لاحتمال قوله: لا يحمل الخبث" أنه لا ~~يحتمل وقوع الخبث فينجسه وإن كان يفيد أنه لا يتنجس (أ) ما زاد على القلتين ~~وإن قل لمفهوم (ب) العدد، ولكن رواية الحاكم مفسرة للمراد، صريحة في موضع ~~الاحتجاج. PageV01P072 # و " الخبث" -بفتحتين- النجس، ومنه الحديث: "نهى عن كل دواء خبيث كالخمر" (¬1). # وخبثه من جهتين أحدهما النجاسة والأخرى الحرام، والخبيث قد يطلق على ~~الحرام كقوله: "مهر البغي خبيث " (¬2)، وقد يطلق على المكروه كقوله: "كسب ~~الحجام خبيث" (¬3)، وعلى كريه الطعم (¬4) والرائحة كقوله: "من أكل من ~~الشجرة الخبيثة ... "، وعلى الثقيل كقوله: "فأصبح يوما وهو خبيث النفس" ~~(¬5) أي ثقيلها، ومنه الحديث: "لا يقولن أحدكم خبثت نفسي" (¬6) أي: ثقلت، ~~وقد يطلق على غير ذلك- ذكره في النهاية (¬7). # 5 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب". أخرجه مسلم (¬8). # وللبخاري: "لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه" ~~(¬9). ولمسلم: " ... منه " (¬10). # ولأبي ms0036 داود: "ولا يغتسل فيه من الجنابة" (¬11). # * [وفي رواية الأصيلي (¬12) عن الأعرج: "لا يبولن في الماء الدائم"، و ~~(أ) كذا PageV01P073 # رواه شعيب، ووافقه ابن عيينة فيما رواه الشافعي [عنه] (أ) عن أبي الزناد، ~~وكذا أخرجه الإسماعيلي، ورواه أكثر أصحاب ابن عيينة عنه عن أبي الزناد عن ~~موسى بن أبي عثمان عن أبيه عن أبي هريرة. # ومن هذا الوجه أخرجه النسائي، وكذا (ب) أخرجه أحمد (¬1) من طريق الثوري ~~عن أبي الزناد، والطحاوي (¬2) من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه ~~(ج)، والطريقان معا صحيحان، ولأبي الزناد فيه شيخان، ولفظهما في سياق ~~البخاري مختلف] (د). # * "الماء الدائم": هو الراكد، [أي: الساكن، يقال: دوم الطائر تدويما (¬3) ~~إذا صف جناحه في الهواء فلم يحركهما] (5). # وقوله: "الذي لا يجري" تفسير للدائم وإيضاح لمعناه، ويحتمل أنه احترز به ~~عن راكد لا يجري بعضه كالبرك ونحوها، وأما الذي يجرى بعضه فإن حكمه حكم ~~الجارى على الصحيح، وقد تقدم. PageV01P074 # وفي إعراب قوله: "ثم يغتسل" مرفوعا، كما روي الحديث على أنه خبر مبتدأ ~~محذوف (أ) أي: ثم أنت تغتسل، وكذلك على رواية "ويغتسل" إلا أنه جملة حالية ~~على الأخير. # قال في "البدر" (¬1): وهي الرواية الصحيحة. # وروى النووي عن شيخه ابن مالك أنه يجوز أيضا جزمه عطفا على موضع: ~~"يبولن"، ونصبه بإضمار "أن" وإعطاء "ثم" حكم الواو، إلا أن وجه النصب يقضي ~~بأن المنهي عنه إنما هو الجمع بينهما دون إفراد أحدهما، ولم يقل به أحد، بل ~~البول منهي عنه سواء أراد الاغتسال منه (ب) فيه ومنه (¬2) والله أعلم. # [وفيه: نظر إذ يجوز (ج) أن يستفاد (د) النهي عن الجمع من هذا اللفظ (¬3)، ~~والنهي عن الإفراد من حديث آخر كرواية مسلم أنه نهى عن البول في (ه) الماء ~~الراكد ونهى عن الاغتسال في الماء الدائم وهو (¬4) جنب (ه)] (و). PageV01P075 # وهذا النهي في الماء الكثير للكراهة، وفي الماء القليل للتحريم، وأما حكم ~~الماء الراكد وتنجيسه بالبول أو منعه من التطهير بالاغتسال فيه (أ) للجنابة ~~ففيه التفصيل، وهو أنه إن (ب) كان ms0037 كثيرا ولم تتغير أوصافه بالبول وكل على ~~أصله في الكثرة فهو طاهر، وهو مخصص لهذا العموم، وإن كان قليلا كذلك فهو ~~باق على حكم النهي ومزال عنه الطهارة والتطهير، وللعلماء تفصيل في البول في ~~الماء وهو: إن كان الماء كثيرا جاريا لم يحرم البول لمفهوم الحديث، ولكن ~~الأولى اجتنابه، وإن كان قليلا جاريا فقد قال جماعة من الشافعية يكره، ~~والأولى التحريم إذا كان ينجسه أو يقذره -وهو الأظهر من مذهب الشافعي (¬1) ~~- لأن فيه إفسادا للانتفاع (ج) به وتغريرا للغير باستعماله. # وإن كان كثيرا راكدا فقال جماعة من الشافعية، وبه صرح الإمام المهدي في ~~"الغيث" أنه يكره، إلا أن الإمام قال بالكراهة إذا كان قاصدا لا إذا عرض، ~~وهو فيها فلا كراهة، ولو قيل بالتحريم لكان أظهر وأوفق لظاهر النهي إذ فيه ~~تقدير للماء وإفساد له على غيره ومضاره للمسلمين، وقد شاع لعن من فعل ذلك و ~~(د) ما ذلك (د) إلا لتحريم الفعل. وأما الراكد القليل فقال جماعة من ~~الشافعية بالكراهة للبول فيه والصحيح التحريم للحديث، ولأنه ينجسه ويتلفه ~~على غيره ويقذره. # ويلحق بالبول ما في معناه كالتغوط وسائر المستقذرات، إذ المعنى معقول وهو ~~الاستقذار فيحمل على البول ما شاركه فيه جزما (¬2)، وأحمد بن حنبل خص PageV01P076 # الحكم بالبول عملا بظاهر اللفظ فينجس الماء بالبول وإن كان كثيرا (¬1)، ~~بخلاف ما عداه من النجاسات، والقياس دليل عليه، وداود الظاهري (¬2) خص ~~الحكم بالبول بشرط أن يكون فيه لا إذا كان في إناء ثم صبه فيه أو بال بقرب ~~الماء حتى وصل إليه، وهو جمود منه على ظاهر العبارة، ووقوف على صريح ~~الدلالة، وهو (أ) مخالف لإجماع العلماء. # وأما الاغتسال وهو جنب في الماء الدائم فقال جماعة من العلماء: إنه يكره ~~الاغتسال في الماء الراكد قليلا كان أو كثيرا، وكذا يكره الاغتسال في العين ~~الجارية: قال الشافعي -رحمه الله- في البويطي: "أكره للرجل أن يغتسل في ~~البئر معينة كانت أو دائمة، وفي الماء الراكد الذي لا يجري، قال الشافعي: ~~وسواء قليل الراكد وكثيره (ب) أكره ms0038 الاغتسال فيه". هذا نصه، وهو محمول على ~~كراهة التنزيه لا التحريم. # وأما حكم الماء وإزالته للجنابة فإن كل الماء كثيرا (¬3) (ب) فهو باق على ~~التطهير، وهذا الحديث مخصوص (ج) بالكثير مخرج عنه حكمه، وإن كان قليلا ~~وانغمس (د) فيه فإنه يجزئه الاغتسال لأن البدن كالعضو الواحد في الغسل ~~(¬4)، PageV01P077 # ويدل عليه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وعصره لشعره، وغسله بما ~~انفصل عنه اللمعة التي نسي غسلها (¬1)، ولا يجزئ غيره لأنه قد صار مستعملا ~~طاهرا غير (أ) مطهر، فعلى هذا لو انغمس فيه اثنان دفعة واحدة من دون تخلل ~~زمان بين استعماليهما (ب) أجزأهما جميعا (¬2). # وحكم الوضوء في الماء الراكد حكم الغسل، وقد ورد مصرحا به في رواية: "لا ~~يبولن أحدكم في الماء الدائم ثم يتوضأ فيه" (¬3) (ج)، والغسل والوضوء ~~مستويان في العلة -وهو قصد التقرب إلى الله سبحانه- فلا يكون بالمستقذرات. # واستدل بعض الحنفية (¬4) على تنجيس الماء المستعمل لأن البول ينجس الماء، ~~فكذلك الاغتسال، وقد نهي عنهما معا، وهو للتحريم فيدل على النجاسة فيهما، ~~ورد بأنها (د) دلالة اقتران (ه) (¬5)، وعلى تقدير تسليمها فلا يلزم ~~التسوية، فيكون النهي (و) عن البول لئلا ينجسه، وعن الاغتسال فيه لئلا ~~يسلبه الطهورية. PageV01P078 # ويزيد ذلك وضوحا قوله -في رواية مسلم-: "كيف يفعل يا أبا هريرة؟ قال: ~~يتناوله تناولا" (¬1)، فدل على أن المنع من الانغماس فيه لئلا يصير مستعملا ~~فيمتنع على الغير الانتفاع به والصحابي أعلم بورود الخطاب من غيره، وهذا من ~~أقوى الأدلة على أن المستعمل غير طهور. # 6 - وعن رجل صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: # "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تغتسل المرأة بفضل الرجل، أو ~~الرجل بفضل المرأة، وليعترفا جميعا". # أخرجه أبو داود والنسائي، وإسناده صحيح (¬2). # * الحديث من رواية داود بن عبد الله عن حميد الحميري، قال: لقيت رجلا صحب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أربع سنين، كما صحب أبو هريرة قال: "نهى .. " ~~الحديث، هذا لفظ أبي داود. # قال (ب) الحافظ في "الفتح" (¬3): رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعله ms0039 على حجة ~~قوية (ج) ودعوى البيهقي (¬4) أنه في معنى المرسل مردودة لأن إيهام الصحابي ~~لا يضر، وقد صرح التابعي بأنه لقيه، ودعوى ابن حزم أن داود راويه عن حميد PageV01P079 # ابن عبد الرحمن هو ابن يزيد الأودي (أ) -وهو ضعيف- مردودة، فإنه ابن عبد ~~الله الأودي (¬1)، وهو ثقة، وقد صرح باسم أبيه أبو داود وغيره، ولعل ما ~~ذكره ابن حزم هو الذي أوهم الإمام المهدي - عليه السلام - حيث قال في ~~"البحر" بعد ذكر الحديث: "إذ راويه ضعيف، وأسنده إلى مجهول" (¬2). # والحديث له شاهد من حديث الحكم بن عمرو الغفاري -وهو الأقرع- أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور (ب) المرأة. أخرجه أبو ~~داود (¬3). # قال أبو داود: الذي تفرد به البصريون من هذا الحديث قوله: "نهى أن يغتسل ~~الرجل بفضل المرأة"، وحديث الحكم أخرجه أصحاب السنن وحسنه الترمذي، وصححه ~~ابن حبان (¬4)، وأغرب النووي فقال: اتفق الحفاظ على تضعيفه (¬5). # والحديث يدل على أنه لا يتطهر بفضل طهور المرأة، وهو معارض بما سيأتي، ~~ووجه الجمع يذكر إن شاء الله تعالى (¬6). PageV01P080 # 7 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يغتسل بفضل ميمون". أخرجه مسلم (¬1). # ولأصحاب السنن: "اغتسل بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - في جفنة، ~~فجاء ليغتسل مها فقالت له: إني كنت جنبا، فقال: "إن الماء لا يجنب". وصححه ~~الترمذي وابن خزيمة (¬2). # * [عبد الله بن العباس بن عبد المطلب، ابن عم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأمه لبابة -بضم اللام وتخفيف الباء- بنت الحارت أخت ميمونة زوج ~~النبي- صلى الله عليه وسلم -، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وتوفي النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وله ثلاث عشرة سنة -وقيل: خمس عشرة، وقيل: عشر- وذلك ~~قبل خروج بنى هاشم من الشعب، وقيل ولد قبل الهجرة بسنتين. # كان حبر هذه الأمة وعالمها، دعا له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحكمة ~~والفقه والتأويل (¬3)، ورأى جبريل مرتين، وكف بصره في آخر عمره، وغزا ~~إفريقية مع عبد الله بن أبي سرح (¬4) في سنة ms0040 سبع وعشرين. مات في الطائف سنة ~~ثمان وستين في آخر أيام ابن الزبير وهو ابن سبعين سنة -أو إحدى وسبعين-، ~~وصلى عليه محمد بن الحنفية، وكان أبيض، طويلا، مشربا صفرة، جسيما، PageV01P081 # وسيما، صبيح الوجه، له وفرة، يخضب بالحناء، قدم مصر] (أ) (¬1). # * حديث مسلم أعله قوم لتردد وقع من رواية عمرو بن دينار حيث قال (¬2): # " علمي والذي يخطر على بالي أن أبا الشعثاء أخبرني ... " فذكر الحديث. # وقد ورد من طريق أخرى بلا تردد، لكن راويها غير ضابط، وقد خولف، والمحفوظ ~~ما أخرجه الشيخان بلفظ: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وميمونة كانا ~~يغتسلان من إناء واحد" (¬3). # وأخرج أصحاب السنن، والدارقطني (ب، وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وغيرهما ~~من حديث ابن عباس عن ميمونة قالت: "أجنبت (ج) ب) فاغتسلت من جفنة، ففضلت ~~فيها فضلة فجاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يغتسل منه، فقلت له، فقال: ~~"الماء ليس عليه جنابة"، واغتسل منه". لفظ الدارقطني (¬4). # ولفظ أبي داود: "بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -"، وقال: "إن ~~الماء لا يجنب" (¬5)، وقد أعله قوم بسماك بن حرب (¬6) راويه عن عكرمة، لأنه ~~كان يقبل التلقين، لكن رواه (عنه) (د) شعبة (¬7)، وهو لا يحمل عن مشايخه ~~إلا صحيح حديثهم (¬8). PageV01P082 # وأخرج أبو داود من حديث عائشة قالت: "كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من إناء واحد ونحن جنبان " (¬1). ومن حديث أم صبية (¬2) ~~الجهنية (أ) قالت: "اختلفت يدي ويد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الوضوء من إناء واحد"، ومن حديث مالك عن نافع عن ابن عمر قال: "كان الرجال ~~والنساء يتوضأون في زمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬3) - قال ~~مسدد: من الإناء الواحد جميعا"، ومن حديث نافع عن عبد الله بن عمر قال: ~~"كنا نتوضأ نحن والنساء ونغتسل من إناء واحد على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -" (¬4). # فحديث ميمونة وحديث بعض الأزواج معارضان لحديث (ب) النهي المتقدم (¬5) إذ ~~دلالتهما صحيحة صريحة على جواز التطهر (ج) بفضل المرأة. # * وفي قوله: "إن الماء لا ms0041 يجنب" [هو من أجنب ويقال (د): أجنب الرجل يجنب، ~~ولا يقال: أجنبت] (ه). PageV01P083 # فيه إيماء إلى جواز العكس وهو تطهر المرأة بفضل الرجل، وفي ذلك خلاف، ~~فنقل الطحاوي والقرطبي (¬1) والنووي (¬2) (الاتفاق على جواز اغتسال الرجل ~~والمرأة من الإناء الواحد، وفيه نظر لما حكاه ابن المنذر عن أبي هريرة (أ) ~~- رضي الله عنه - أنه كان ينهى عنه، وكذا حكاه ابن عبد البر (¬3) عن قوم، ~~وهذا الحديث حجة عليهم، ونقل النووي (¬4) أيضا الاتفاق على جواز وضوء ~~المرأة بفضل الرجل دون العكس، وفيه نظر أيضا (¬5)، ثبت الخلاف فيه الطحاوي؛ ~~وثبت عن ابن عمر والشعبي والأوزاعي المنع، لكن مقيدا بما إذا كانت حائضا (¬6). # وأما عكسه فصح عن عبد الله بن سرجس (ب) الصحابي وسعيد بن المسيب والحسن ~~البصري (¬7) أنهم منعوا التطهر بفضل المرأة، وبه قال أحمد وإسحاق (¬8)، لكن ~~قيداه بما دخلت فيه لأن أحاديث الباب ظاهرة في الجواز. # ونقل الميموني عن أحمد أن الأحاديث واردة في منع التطهر بفضل المرأة وفي ~~جواز ذلك مضطربة، قال: لكن صح عن (ج) عدة من الصحابة المنع فيما إذا دخلت ~~فيه، وعورض بصحة الجواز عن عدة من الصحابة منهم ابن عباس، والله أعلم. PageV01P084 # وطريق الجمع بين الأحاديث هو أن تحمل أحاديث النهي على ما تساقط من ~~الأعضاء لكونه قد صار مستعملا، والجواز على ما بقي من الماء، وبذلك جمع ~~الخطابي (¬1)، وأحسن منه أن يحمل النهي على التنزيه بقرينة أحاديث الجواز ~~جمعا بين الأدلة (¬2)، والله سبحانه أعلم. # * فائدة: في حديث توضئ الرجال والنساء من إناء واحد ظاهره أنهم كانوا ~~يتناولون الماء في حالة واحدة، فقيل: معناه أن الرجال والنساء كانوا ~~يتوضأون جميعا في موضع واحد (أ) هؤلاء على حدة وهؤلاء على حدة. وحديث: "من ~~إناء واحد" يدفعه. # وحكي عن سحنون (¬3) -من المالكية- أن معناه كان الرجال (ب) يتوضأون ~~ويذهبون ثم يأتي النساء فيتوضأن، وهو خلاف الظاهر من حديث البخاري (¬4) عن ~~ابن عمر أنه قال: "كان الرجال والنساء يتوضأون في زمان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - جميعا"، ومن حديث السنن ms0042 في زيادة مسدد فإن "جميعا" يقتضي ~~الاجتماع. # قال أهل اللغة: الجمع ضد التفرق (¬5)، ووحدة الإناء أيضا مصرحا به (ج) في ~~صحيح ابن خزيمة عن ابن عمر أنه أبصر النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~يتطهرون والنساء معهم من إناء واحد كلهم يتطهر (د) منه (¬6). PageV01P085 # والأولى أن يقال: إن الاجتماع كان قبل نزول الحجاب، وأما بعده فيختص ~~بالزوجات والمحارم (¬1)، والله أعلم. # 8 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات أولاهن ~~بالتراب". # أخرجه مسلم، وفي لفظ له: "فليرقه". وللترمذي: "أخراهن، أو أولاهن ~~بالتراب" (¬2). # * الأمر بالإراقة رواها مسلم من طريق الأعمش. قال النسائي (¬3): لم يذكر ~~"فليرقه" غير علي بن مسهر، وكذا قال ابن منده: [قال الحافظ (¬4) -رحمه ~~الله-: قلت: (أ) قد ورد بالإراقة -أيضا- من طريق عطاء عن أبي هريرة مرفوعا، ~~أخرجه ابن عدي (¬5) لكن في رفعه نظر، والصحيح أنه موقوف] (ب)، والدارقطني ~~[أخرجه من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة موقوفا، ~~وإسناده صحيح] (ج) وقال: "رواته كلهم ثقات" (¬6)، PageV01P086 # قال ابن عبد البر: لا أعلم أحدا أفتى بأن غسلة التراب غير الغسلات السبع ~~بالماء غير الحسن البصري، وقد أفتى بذلك أحمد بن حنبل (¬1)، وروي عن مالك. # * ولفظ "طهور": الأشهر فيه ضم الطاء، ويقال: بفتحها لغتان. # وقوله: "ولغ": قال أهل اللغة: يقال: ولغ الكلب في الاناء يلغ -بفتح اللام ~~فيهما- ولوغا -بضم [الواو] (أ) واللام- ولغا -بفتحها وسكون اللام-، وقد حكى ~~في المضارع كسر اللام (ب) إذا شرب بأطراف لسانه قال أبو زيد: يقال ولغ ~~الكلب شرابنا وفي شرابنا ومن شرابنا (¬2). قال أبو مثنى المدني: وأكثر ما ~~يكون الولوغ في السباع، وقال القاضي أبو بكر بن العربي (¬3): الولوغ للسباع ~~والكلاب كالشرب لبني آدم. [وقال ثعلب: هو أن يدخل لسانه في الماء وغيره من ~~كل مائع فيحركه، زاد ابن درستويه: شرب أو لم يشرب،. وقال مكي: فإن كان غير ~~مائع يقال: لعقه] (ج). # * والحديث ms0043 فيه دلالة ظاهرة على نجاسة الكلب من حيث الأمر بالغسل ~~والإراقة، فإنه لو كان طاهرا لما أمر بغسل الإناء ولم يؤمر بالإراقة إذ في ~~ذلك إتلاف مال و (د) إضاعة، وقد ثبت النهي عن ذلك فدل على النجاسة، وأصرح ~~كان ذلك رواية: "طهور إناء أحمدكم" فإن الطهارة تكون من حدث أو نجس، وليس ~~هنا حدث فتعين النجس. PageV01P087 # وأخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" (¬1) ولفظه في "الصحيحين" (¬2) من رواية ~~مالك "إذا شرب"، وروي عنه: "إذا ولغ"، وهو لفظ أصحاب أبي الزناد -أو ~~أكثرهم- لأنه وقع في رواية الجوزقي (¬3) من رواية ورقاء بن عمرو عن أبي ~~الزناد بلفظ: "إذا شرب"، وكذا في عوالي أبي الشيخ. # قال البيهقي (¬4): ذكر التراب لم يروه ثقة عن أبي هريرة غير ابن سيرين، ~~وتعقبه (¬5) الحافظ المصنف بأن الدارقطني أخرجه عن أبي رافع عنه (¬6)، ~~والبيهقي (¬7) أيضا أخرجه عن قتادة عنه، لكن قال: "إن كان معاذ حفظه فهو ~~حسن" فأشار إلى تعليله. # ورواه الدارقطني (¬8) من طريق الحسن عن أبي هريرة، لكنه لم يسمع منه على الأصح. # وروى مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث مطرف بن عبد الله [عن ~~عبد الله بن مغفل] (أ) قال في آخره: "فاغسلوه سبعا، وعفروه الثامنة ~~بالتراب" لفظ مسلم، ولم يخرجه البخاري (¬9). PageV01P088 # فإن قيل: المراد الطهارة اللغوية، فالجواب: إن حمل اللفظ على حقيقته ~~الشرعية مقدم على اللغوية، ويدل أيضا على نجاسة ما ولغ فيه سواء كان شرابا ~~أو غيره إذ قد ورد الأمر بالإراقة في رواية صحيحة على وجه العموم، [وخص ~~مالك في قيل له ذلك بالماء، وأن الطعام إذا ولغ فيه لا يجتنب ولا يراق ~~(¬1)] (أ)، وهو ظاهر في نجاسة فيه، ومقيس عليه سائر بدنه، وذلك أنه إذا ثبت ~~نجاسة لعابه، ولعابه جزء من فيه، إذ هو عرق فيه ففمه نجس، إذ العرق جزء ~~متحلب من البدن فكذلك بقية بدنه، إذ فيه أشرف ما فيه، إلا أنه يرد عليه بأن ~~ذلك يحتمل (ب) أن النجاسة في لعابه وفيه إنما هو (ج) بسبب استعماله للنجاسة ms0044 ~~بحسب الأغلب، وعلق الحكم بالنظر إلى أغلب أحواله من أكله للنجاسات ومباشرته ~~لها فلا يدل على نجاسة العين، والقول بنجاسة الكلب مذهب الهادي والمؤيد ~~بالله (د) وأبي طالب وأبي حنيفة (¬2)، والخلاف في ذلك لمالك (¬3) وداود ~~والزهري لما روي عن مالك أن جميع الحيوانات طاهرة مأكولة إلا أربعة معروفة، ~~ولم يصرح بجواز أكله، [وعن مالك رواية أنه نجس، لكن الماء لا ينجس إلا ~~بالتغير فلا (ه) يجب التسبيع للنجاسة بل للتعبد (¬4)] (و). # وخرج المؤيد بالله طهارته أيضا للقاسم، لأنه (ذكر في النيروسي (¬5) طهارة PageV01P089 # سؤره، وهو على أحد قولي القاسم أ)، وأما أبو طالب فحمل طهارة سؤره على ~~أحد قولي القاسم أن الماء لا ينجس ما لم يتغير أحد أوصافه، وفي سؤره عند ~~مالك (¬1) ثلاثة أقوال: طهارته، ونجاسته، وطهارة سؤر (ب) المأذون في اتخاذه ~~دون غيره، والرابع عن عبد الملك ابن الماجشون المالكي أنه يفرق بين الحضري ~~والبدوي فيقول بطهارة البدوي، وحمل مالك (¬2) هذا الأمر على التعبد، ورجحه ~~بعض أصحابه بذكر السبع لأنه لو كان للنجاسة لاكتفى بما دون السبع إذ نجاسته ~~لا تزيد على العذرة. # ويجاب عنه بأن أصل الحكم -و (ج) هو الأمر بالغسل- معقول المعنى ممكن ~~التعليل، والأصل في الأحكام التعليل فيحمل على الأعم الأغلب، والتعبد إنما ~~هو في العدد فقط (¬3). # والحديث دليل على وجوب السبع الغسلات، وهو قول الشافعي، ومالك، وابن حنبل ~~(¬4)، (د (وقال به ابن عباس، وعروة بن الزبير، ومحمد بن سيرين، وطاووس، ~~وعمرو بن دينار، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وداود، والطبري) ~~د)، والخلاف في ذلك لغيرهم من أئمة (ه) أهل البيت عليهم السلام، والحنفية ~~(¬5) فقالوا: لا فرق بين الكلب وغيره من سائر النجاسات، PageV01P090 # وحملوا حديث السبع على الندب، [ورواية عن مالك (¬1) أيضا أن السبع (أ) ~~للندب] (ب) واحتجوا على ذلك بما رواه الطحاوي والدارقطني موقوفا على أبي ~~هريرة أنه يغسل من ولوغه ثلاث مرات (¬2)، وهو الراوي للغسل سبعا (ج)، وهو ~~مناسب لأصل بعض الحنفية من وجوب العمل بتأويل الراوي وتخصيصه ونسخه، قالوا: ~~لأنك إما أن ms0045 تحسن الظن بالراوي أو لا، وعلى الأول يجب الحمل على ما حمله، ~~وعلى الثاني يمتنع العمل بروايته. # ولا يناسب أصول الأئمة -عليهم السلام-[مع أن الرواية عنه معارضة برواية ~~أنه أفتى بالغسل سبعا وهي أرجح من الأولى، فإنها من رواية حماد بن زيد عن ~~أيوب عن ابن سيرين عنه (¬3)، وهذا أصح الأسانيد (¬4)، والأولى من رواية عبد ~~الملك بن أبي سليمان عن عطاء عنه، وهو دون الأول في القوة بكثير] (د) إلا ~~أنه قد ورد في حديث أبي هريرة مرفوعا: أنه قال - صلى الله عليه وسلم - في ~~الكلب يلغ في الإناء: "يغسل ثلاثا، أو خمسا أو سبعا " (¬5) فالحديث يدل على ~~عدم تعين PageV01P091 # السبع إذ لو (أ) كانت متعينة لما خير إلا أنه ضعف الحديث بأنه من رواية ~~عبد الوهاب بن الضحاك (¬1) -أحد الضعفاء- عن إسماعيل بن عياش عن (¬2) هشام ~~بن عروة ورواية إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة (¬3). # * وفيه دلالة على وجوب التتريب، و (ب) المقصود عند الشافعي وأصحابه حصول ~~التتريب في مرة من المرات، ولا فرق بين أن يخلط الماء بالتراب حتى يتكدر، ~~أو يطرح الماء على التراب، أو التراب على الماء، أو يأخذ الماء المتكدر من ~~موضع فيغسل به. # وأما مسح موضع النجاسة بالتراب فلا يجزئ إلا أن يمسح بالتراب ويتبعه ~~الماء والتراب باق. # ولم يوجب مالك (¬4) التراب لأنه لم يثبت في روايته وإنما هو في رواية ابن سيرين. # وقد أورد على الرواية التي فيها ذكر التراب الاضطراب من كونها أولاهن أو PageV01P092 # أخراهن أو إحداهن أو السابعة أو الثامنة والاضطراب قادح فيجب الاطراح ~~لها، وأجيب عنه بأن الاضطراب إنما يكون قادحا مع استواء الروايات، وأما إذا ~~رجح بعضها عمل به واطرح ما سواه، ورواية "أولاهن" أرجح، فإنه رواها عن محمد ~~بن سيرين ثلاثة: هشام بن حسان (¬1)، وحبيب بن الشهيد، وأيوب السختياني، ~~وأخرجها مسلم في صحيحه من رواية هشام فيترجح بأمرين: كثرة الرواة (أ) وتخرج ~~أحد الشيخين (ب) لها، وهما من وجوه الترجيح عند التعارض (¬2). # وأما رواية: "أخراهن" -بالخاء والراء- فلا توجد منفردة مسندة في ms0046 شيء من ~~كتب الحديث، إلا أن ابن عبد البر ذكر في "التمهيد" أنه رواها خلاس عن أبي ~~هريرة، إلا أنها رويت (ج) مضمومة مع "أولاهن" (¬3) , وأما رواية "السابعة ~~بالتراب" فهي وإن كانت بمعناها فإنه تفرد بها عن محمد بن سيرين قتادة، ~~وانفرد بها أبو داود (¬4)، وقد اختلف فيها على قتادة فقال أبان عنه هكذا، ~~وفي رواية أبي داود (¬5): وقال سعيد بن بشير عند: "الأولى بالتراب" فوافق ~~(د) الجماعة، رواه كذلك الدارقطني في "سننه" (¬6) والبيهقي من طريقه، وهذا ~~يقتضى PageV01P093 # ترجيح رواية "أولاهن" لموافقة الجماعة , وأما رواية "إحداهن" بالحاء ~~المهملة والدال فليست في شيء من الكتب الستة، وإنما رواها البزار (¬1)، وهي ~~لا تعارض إذ هو يجب حمل المطلق على المقيد. # وأما رواية: "أولاهن أو أخراهن" فقد رواها الشافعي والبيهقي (¬2) من ~~طريقه بإسناد صحيح، وفيه بحث وذلك أن (أ) قوله: "أولاهن أو أخراهن" (ب) لا ~~يخلو من أن يكون مجموعة من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو هو شك من ~~بعض الرواة، فإن كانت (ج) مجموعة من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وآله -فهو دال على التخيير بينهما، وترجح (د) حينئذ ما نص عليه الشافعي من ~~التقييد بها وذلك لأن من جمع بينهما معه زيادة علم على من اقتصر على الأولى ~~أو السابعة لأن كلا منهم حفظ مرة فاقتصر عليها وحفظ هذا الجمع بين الأولى ~~والأخرى، فكان أولى، وإن كان ذلك شكا من بعض الرواة فالتعارض قائم ويرجع ~~إلى الترجيح، فترجح (ه) "الأولى"كما تقدم. # ومما يدل على أن ذلك شك من بعض الرواة لا من كلام الشارع قول الترمذي في ~~روايتين: "أولاهن، أو قال: أخراهن بالتراب" فهذا يدل على أن بعض الرواة شك ~~فيه، فيترجح حينئذ (و) تعيين "الأولى". # ولها شاهد أيضا من رواية خلاس (¬3) عن أبي هريرة. PageV01P094 # وقوله في رواية مسلم (¬1): "وعفروه الثامنة بالتراب" وارد على الشافعي، ~~ومن اقتصر على السبع فإنه يدل دلالة صريحة على وجوب الثامنة. قيل: ولم يقل ~~به إلا الحسن البصري (¬2)، وقد تقصى عنه النووي بأن ms0047 المراد اغسلوه سبعا ~~واحدة منهن بتراب مع الماء فكأن (أ) التراب قائم مقام غسلة فسميت ثامنة ~~(¬3)، وفيه تكلف لا يخفى. # [وأجيب أيضا بأن أبا هريرة لم يرو الثامنة وهو أحفظ من روح الحديث في ~~دهره فروايته أولى: وفيه بأن حديث عبد الله بن مغفل صحيح (¬4) قال ابن ~~منده: "مجمع على صحته، وهي (ب) زيادة ثقة (ج) مقبولة"، وقد ألزم الطحاوي ~~الشافعية بذلك (¬5)، وأيضا فقال (د) الشافعي في حديث التتريب لم أقف على ~~صحته (¬6)، وهذا لا ينفع أصحابه الذين وقفوا على صحته، وأيضا يجوز أن يكون ~~محمولا على من نسي استعمال التراب حتى فعل السبع فإنه يجب عليه الثامنة. PageV01P095 # ويؤيد هذا الجواب بما في رواية أبي هريرة: "فإن لم تعفروه في إحداهن ~~فعفروه الثامنة" وهذا جواب قوي، والله أعلم] (أ). # وظاهر الحديث يدل على تعين (ب) التراب ولا يقوم مقامه الإشنان والصابون، ~~وفي قول للشافعي أنه يقوم مقامه غيره (¬1) إذ الغرض إنما هو المبالغة في ~~الإزالة، واعترض بأن التنصيص على ذلك معنى يعقل لا يوجد في غيره، وهو الجمع ~~بين مطهرين فلا يقاس عليه غيره. # * ولو ولغ كلبان أو أكثر في إناء واحد [أو كلب مرات] (ج) فللشافعية ثلاثة ~~أوجه (¬2) الأول: أنه (د) يكفي للجميع سبع مرات، وهو الصحيح. # الثاني: يجب لكل ولغة سبع. # الثالث: يكفي لولغات الكلب الواحد سبع، ويجب لكل كلب سبع. # * ولو كانت نجاسة الكلب مرئية ولم تزل إلا بعد ست غسلات مثلا فهل تجب ~~زيادة سبع بعد ذلك؟ # لأصحاب الشافعي ثلاثة أوجه: الأصح أنه يحسب ما زالت به العين واحدة، وإذا ~~أصاب الماء الذي ولغ فيه الكلب شيئا وجب تسبيع ذلك الذي أصابه وتتريبه ~~(¬3)، وإذا ولغ في إناء فيه طعام جامد ألقي ما أصابه وما حوله وانتفع PageV01P096 # بالباقي كما في الفأرة تموت في السمن الجامد، (أوفي قول للشافعي (¬1) (ب) ~~أن الخنزير كالكلب في ذلك وقول له إنه (ج) كسائر النجسة، وهو القوي (أ)، ~~[والمشهور عن المالكية (¬2) التفرقة بين الماء والطعام، فيراق الماء ويغسل ~~الإناء والطعام يؤكل ثم ms0048 يغسل الإناء تعبدا لأن في إراقة الطعام إضاعة مال، ~~وهو محرم إجماعا] (د) فيخص حديث الإراقة (¬3). # * فائدة: في حديث عبد الله بن مغفل الذي رواه مسلم قال: أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بقتل الكلاب، ثم قال: "ما بالهم وبال الكلاب"؟ ثم رخص في ~~كلب الصيد وكلب الغنم، وقال: "و (ه) إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعا، ~~وعفروه الثامنة بالتراب" (¬4) فهذا نهي عن اقتنائها، وقد اتفق على أنه يحرم ~~اقتناء الكلب لغير حاجة مثل أن يقتنى كلبا إعجابا بصورته وللمفاخرة، فهذا ~~حرام بلا خلاف. # وأما الحاجة التي يجوز الاقتناء لها فقد ورد في الحديث الترخيص في كلب PageV01P097 # الصيد، وكلب الغنم (¬1)، وفي الرواية الأخرى: "وكلب الزرع"، وهذا جائز ~~بلا خلاف، واختلف في الاقتناء لحراسة الدور، واقتناء الجرو ليعلم، فمنهم ~~(أ) من حرمه لأن الرخصة إنما وردت في الثلاثة المتقدمة، ومنهم من أباحه وهو ~~الأصح لأنه في معناها. # واختلف أيضا فيمن اقتنى كلب صيد (ب) وهو لا يصيد. # وأما قتل غير العقور غير المستثنى فقال إمام الحرمين أبو المعالي: إن ~~الأمر بقتلها منسوخ. قال: وقد صح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~بقتل الكلاب (ج) مرة ثم صح أنه نهى عن قتلها، قال: واستقر الشرع عليه (د) ~~على التفصيل الذي ذكرنا. قال: وأمر بقتل الأسود البهيم وكان هذا في ~~الابتداء، وهو الآن منسوخ (¬2)، هذا كلامه (ه). # 9 - وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ~~في هرة: # "إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم". # أخرجه الأربعة، وصححه الترمذي وابن خزيمة (¬3). PageV01P098 # *أبو قتادة: هو الحارث بن ربعي الأنصاري، وقد اختلف في اسمه، فأكثر ما ~~ذكر، وقيل: النعمان بن عمر بن بلذمة، وقيل: عمر بن ربعي بن بلذمة، ~~الأنصاري، السلمي. # فارس رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، غلبت عليه الكنية. # "وربعي" بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد الياء. # "ويلذمة": بفتح الباء الموحدة وسكون اللام وفتح الذال المهملة، ويقال: ~~بضم الباء والذال، ms0049 ويقال: بضمها (أ)، وبالذال المعجمة. # اختلف في شهوده (ب) بدرا، وشهد أحدا، وما بعدها من المشاهد. # روى عنه ابنه عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو سلمة بن عبد الرحمن. # مات بالدينة سنة أربع وخمسين -وقيل: بل مات في خلافة علي بن أبي طالب ~~بالكوفة، وكان شهد معه مشاهده كلها- وهو ابن سبعين سنة، وصلى عليه علي فكبر ~~عليه (ج) سبعا (¬1). # * والحديث أخرجه مالك، والشافعي، وأحمد، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني، ~~والبيهقي (¬2). PageV01P099 # قال مالك: عن إسحاق بن أبي طلحة عن حميدة بنت أبي عبيدة عن خالتها كبشة ~~بنت كعب بن مالك -وكانت تحت ابن أبي قتادة-: أنها أخبرتها أن أبا قتادة دخل ~~عليها فسكبت له وضوءا، فجاءت هرة تشرب منه فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت ~~كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجيين يا ابنة أخي؟ قالت: قلت: نعم! # فقال (أ) إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنها ليست بنجس، ~~إنها من الطوافين عليكم والطوافات" (ب). # ورواه الباقون من حديث مالك، ورواه الشافعي عن الثقة عن يحيى بن أبي كثير ~~عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه. # ورواه أبو يعلى من طريق حسين المعلم عن إسحاق بن أبي طلحة عن أم يحيى ~~امرأته عن خالتها -ابنة كعب بن مالك- فذكره. # تابعه همام عن إسحاق بن أبي طلحة. أخرجه البيهقي. قال ابن أبي حاتم: ~~"سألت أبي وأبا زرعة عنها فقالا: هي حميدة تكنى أم يحيى" (¬1). # وصححه البخاري، والترمذي، والعقيلي، والدارقطني (¬2)، وساق له في ~~"الأفراد" طريقا غير طريق إسحاق فروى من طريق الدراوردي عن أسيد (ج) PageV01P100 # ابن أبي أسيد عن أبيه (أ) أن أبا قتادة -وساق الحديث. # وأعله ابن منده بأن حميدة (¬1) وخالتها كبشة مجهولتان، ولم يعرف لهما إلا ~~هذا الحديث، وتعقب بأن لحميدة حديثا آخر في تشميت، العاطس رواه أبو داود ~~(¬2)، ولها ثالث رواه أبو نعيم في "المعرفة". # وأما كبشة (¬3) فقيل إنها صحابية، فلا تضر الجهالة، والله أعلم. # وقال ابن دقيق العيد (¬4): لعل من صححه (ب) اعتمد على تخرج مالك فإنه قد ~~صح ms0050 عنه أنه لا يخرج إلا عن ثقة، فإن اكتفى بهذا وإلا فالقول (ج) ما قاله ~~ابن منده، وروى ابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" من حديث جابر قال: "كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصغى الإناء للسنور فيلغ فيه ثم يتوضأ من ~~فضله" (د). # و (ه) رواه الدارقطني من طريق أبي يوسف القاضي عن عبد ربه بن سعيد ~~المقبري من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تمر به ~~الهرة فيصغي لها الإناء فتشرب ثم يتوضأ بفضلها" (¬5). # وعبد ربه (¬6) هو عبد الله متفق على ضعفه، واختلف عليه فيه، وقد خرج حديث ~~عائشة من ست طرق غير المذكورة، وفي الكل مقال. PageV01P101 # * والحديث (أ) دليل على طهارة الهرة وطهارة سؤرها، وهو مذهب الهادي - ~~عليه السلام - والشافعي (¬1). # وقال أبو حنيفة (¬2): بل نجس كالسبع، لكن خفف فيه فكره سؤره، ولعل مستنده ~~ما تقدم في حديث القلتين من أنه سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~الماء وما ينوبه من السباع والدواب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء" فأفهم الحديث أن دون القلتين تنجسه ~~السباع، وإن كان أبو حنيفة لا يعتبر التحديد بالقلتين فهو إنما تركه للنظر ~~فيهما وما يرجعان إليه من الجهالة. # وقد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن الهرة سبع في حديث أحمد ~~والدارقطني والحاكم والبيهقي (¬3). من حديث عيسى بن المسيب (¬4) عن أبي ~~زرعة عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يأتي دار قوم ~~من الأنصار ودونهم دار لا يأتيها، فشق عليهم ذلك، فقالوا: يا رسول الله ~~تأتي دار فلان ولا تأتي دارنا! فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن في ~~داركم كلبا". # قالوا: فإن في دارهم سنورا. # فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "السنور سبع". PageV01P102 # وفيه مقال. فأطلق على الهرة اسم السبع. # والجواب عنه أولا بأنه معارض بحديث الباب في الهرة، فهي مخرجة من عموم ~~نجاسة السبع على تسليم صحة الاحتجاج به مع أن ms0051 نجاسة السبع معارض (أ) بما ~~أخرجه الشافعي وعبد الرزاق عن إبراهيم بن أبي يحيى عن داود ابن لحصين عن ~~أبيه عن جابر قال: قيل: يا رسول الله أنتوضأ بما أفضلت الحمر؟ # فقال: "نعم، وبما أفضلت السباع" (¬1). # فهو صريح في طهارتها جميعا الهرة وغيرها، مع أن حديث القلتين المتقدم ~~يحتمل أن تنجيس السباع لما دونها ليس لأجل سؤرهما (ب) وإنما هو لما هو مظنة ~~أن (ج) يلقيان فيه من الأزبال والأبوال، والكلام إنما هو في طهارة السؤر والفم. # والحديث يدل على طهارة سؤرها وإن باشرت نجسا، ولا يعتبر البقاء ليلة أو ~~يوما على الخلاف في ذلك، وهو -أحد قولي (د) الشافعي (¬2)، ومذهب الهادي- ~~عليه السلام -وأبي حنيفة لا بد من (ه) جرى الريق في فيها (و)، فيطهر بذلك ~~لجدته وتعذر غيره إذ هو الممكن في حقها (¬3). PageV01P103 # قال المؤيد بالله (¬1): وتعلم جدته بمضي ليلة، لاستدعاء السكون جري ~~الريق، وقال أبو مضر (¬2) تخريجا: ويوم مع الليلة، إذ لا يخلو من الريق ~~حينئذ، [وقال المهدي أحمد بن الحسين ورواية عن القاسم: بمضي ساعة حكاه ~~الفقيه علي. # وقال المنصور: يطهر فمها بزوال عين النجاسة من دم] أو غيره، وحكاه أيضا ~~عن القاسم. قال الإمام يحيى: التحديد بالمدة إنما هو تقريب، والاعتبار ~~بغلبة الظن بجري الريق ثلاثا] (أ): # والوجه في اعتبار ذلك هو أن الفم إذا باشر النجاسة فلا بد من بقاء أجزاء ~~النجاسة في الفم، وقد قام الدليل على أن عين (ب) النجاسة تنجس ما لاقاها ~~فلا بد من مزيل لها من فم الهرة والمزيل إنما هو الريق -إذ غيره لا يحيط ~~بجوانب الفم- فكان اعتباره لازما، وهو مقيد لإطلاق طهارة سؤرها، فقياس ~~النجاسة التي في فمها على سائر النجاسات من باب قياس المساواة، واعتبار ~~الريق في حقها دون سائر النجاسات لأنه الممكن دون ما عداه، وجري الريق في ~~فمها هو المعتبر، وإنما اليوم والليلة مظنة جري الريق فقط. وقال الشافعي ~~(¬3) -في أحد قوليه- لا يطهر إلا بأن يراها تشرب من ماء كثير، أو تغيب مدة ~~يغلب في ms0052 الظن حصول ذلك (¬4)، ورده المؤيد بالله - عليه السلام - بأن الماء ~~لا يبلغ حيث بلغت (ج) النجاسة لأنها دارت في غلاصمها (¬5) بخلاف الماء ~~فإنها تأخذه بطرف لسانها، وترمي به إلى حلقها. PageV01P104 # واختلف العلماء هل يقاس سائر الأفواه على في الهرة (أ) فنفاه نفاة ~~القياس، ومثبتوه اختلفوا فقال (ب) الحقيني (¬1): يقاس عليها ما شاركها في ~~الطواف ومشقة غسل الفم كالسخال والأطفال لا الكبار من الآدميين والبهائم ~~والسباع؛ لأن الآدمي الكبير لا مشقة عليه في الغسل وما عداه من المذكور ~~لعدم الطواف (¬2). # ومذهب الهادي (¬3) - عليه السلام - والمؤيد بالله، وادعى في "الكافي" ~~الإجماع عليه أنه يلحق بالهرة كل حيوان طاهر لأنه - عليه السلام - علل ذلك ~~بعدم النجاسة، وعلل عدم النجاسة بالطواف، فيلحق به ما شارك (ج) في ذلك، ~~والقياس على ما خالف القياس إذا عقل المعنى صحيح (د) عند أبي طالب ~~والجمهور، والمؤيد بالله وإن كان لا يقول به فإنه يوافق في الحكم هنا؛ لأنه ~~من باب النص لما نص على العلة، وليس من باب القياس عنده، فتطهر الأفواه ~~جميعها (ه) بالريق والتجديد على الخلاف (¬4). PageV01P105 # * فائدة: في قوله: "إنها (أ) من الطوافين"، ذلك (أ) من باب الاستعارة ~~شبهها بخدم البيت ومن يطوف على أهله للخدمة ومعالجة المهنة كقوله تعالى: ~~{طوافون عليكم بعضكم على بعض} (¬1) يعني الخدم والمماليك. # * فائدة أخرى: في قوله: "تنوبه" هو بالنون أي ترد عليه نوبة بعد أخرى، ~~وحكى الدارقطني (¬2) أن ابن المبارك صحفه وقال: تثوبه بالثاء المثلثة. # 10 - وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: # "جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد فزجره الناس، فنهاهم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فلما قضى بوله أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب ~~من ماء فأهريق عليه". # متفق عليه (¬3). # * أنس بن مالك: هو أبو حمزة -بالحاء المهملة والزاي- ابن النضر -بفتح ~~النون وسكون الضاد المعجمة، الأنصاري، النجاري، الخزرجي، خادم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، أمه أم سليم بنت ملحان، قدم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -[المدينة] (ب) وهو ابن عشر سنين -وقيل: ابن ms0053 تسع، وقيل: ثمان-، وخدم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عشر سنين -وقيل: خدمه لما خرج إلى خيبر-، ~~وانتقل إلى "البصرة" في خلافة عمر ليفقه الناس بها، وهو آخر من مات بالبصرة ~~من الصحابة سنة إحدى وتسعين -وقيل: اثنتين، وقيل: ثلاث- وله من العمر مائة ~~وثلاث سنين، أو (ج) سنة أو (د) سنتان، وقيل: تسع وتسعون سنة. PageV01P106 # قال ابن عبد البر (¬1): وهو أصح ما قيل، فقال (أ) إنه ولد له مائة ولد، ~~وقيل: ثمانون منهم ثمانية وسبعون ذكرا وابنتان (ب): حفصة، وأم عمرو، روى ~~عنه الزهري وابن سيرين وقتادة وثابت وحميد وجماعة من أولاده وأولاد أولاده ~~وخلق كثير من التابعين (¬2). # * الحديث متفق عليه من حديث أنس، ورواه البخاري من حديث أبي هريرة، وعند ~~الترمذي من حديث ابن عيينة، في أوله أنه صلى (ج) ثم قال: "اللهم ارحمني ~~ومحمدا، ولا ترحم معنا أحدا، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لقد ~~تحجرت واسعا (¬3)، فلم يلبث أن بال في المسجد". # وقد روى ابن ماجه (¬4) (د وابن حبان الحديث تاما من طريق محمد بن عمرو عن ~~أبي سلمة عن أبي هريرة. # وكذا رواه ابن ماجه (د) أيضا مبن حديث واثلة بن الأسقع (¬5)، وأخرجه أبو ~~موسى المديني (¬6) في "الصحابة" من طريق محمد بن عمرو بن عطاء عن PageV01P107 # سليمان بن يسار قال (أ): "اطلع ذو الخويصرة اليماني -وكان رجلا (ب ~~جافيا." فذكره تاما بمعناه وزيادة، وهو مرسل، وفي إسناده أيضا مبهم، ~~واستفيد منه ب) تسمية الأعرابي، و (ج) قال التاريخي إنه الأقرع، ونقل عن ~~أبي الحسين بن فارس أنه عيينة بن حصن، والعلم عند الله سبحانه (¬1). # * والأعرابي: واحد الأعراب، وهو من سكن (د) البادية كانوا عربا (ه) أو ~~عجما (¬2). # وطائفة المسجد: ناحيته، والطائفة: القطعة من الشيء. # والذنوب: قال الخليل: الدلو ملأى ماء، وقال ابن فارس: الدلو العظيمة، ~~وقال ابن السكيت: فيها ماء قريب من المليء (¬3)، ولا يقال لها (و) وهي ~~فارغة ذنوب. # وزيادة "من ماء": للبيان؛ لأن الذنوب مشترك بينه وبين الفرس الطويل. # وفي رواية "سجلا" بفتح ms0054 (ز) المهملة وسكون الجيم (¬4). قال أبو حاتم ~~السجستاني: هو الدلو ملأى، ولا يقال لها ذلك وهي فارغة، وقال ابن دريد: PageV01P108 # السجل: دلو واسعة. و (أ) في الصحاح: الدلو (ب) الضخمة (¬1). # وقوله: "فأهريق" (ج)، وفي رواية "فهريق" (ج) والهاء بدل من الهمزة، ويجوز ~~اجتلاب (د) همزة أخرى بعد الإبدال أو يحكم بزيادة الهاء ويجوز في "أهريق" ~~(ه) فتح الهاء لكونها عوضا عن همزة مفتوحة، ونقل عن سيبويه أنه قال: أهراق ~~يهريق، مثل اسطاع يسطيع (و) بسكون الهاء. # قال الجوهري: ويجوز أن يكون أصله "أأراق" -بهمزتين- فأبدلت الهمزة ~~الثانية هاء للخفة، وجزم ثعلب بأن "أهريق" بفتح الهاء (¬2). # * وفي الحديث دلالة على أن الأرض يجب في تطهيرها الماء كغيرها من ~~المتنجسات، وهو مذهب العترة والشافعي (¬3) ومالك. # وقيل: تطهر بالشمس والريح للصلاة والتيمم. # وقال أبو حنيفة (¬4): بل هما مطهران، فإنهما يحيلان الشيء عن طباعه، ~~فتأثيرهما في إزالة النجاسة أعظم من تأثير الماء، فإذا كان الماء مطهرا ~~فهما مثله في التطهير. # وقال الخراسانيون (¬5) من أصحاب الشافعي: بل الظل مطهر. PageV01P109 # والجواب أن الحديث لم يذكر فيه إلا الماء وبالقياس على سائر المتنجسات ~~إلا ما خصه دليل. # قالت الحنفية: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ذكاة الأرض يبسها" (¬1)، ~~وأجيب بأن هذا لا أصل له في الحديث المرفوع، وقد ذكرة ابن أبي شيبة (¬2) ~~موقوفا على محمد بن على الباقر - رضي الله عنهما -، ورواه عبد الرزاق عن ~~أبي قلابة من قوله: بلفظ: "جفوف الأرض طهورها" (¬3) وصب الماء مطهر للأرض ~~الرخوة إجماعا، وأما الصلبة فعند المؤيد بالله والشافعي هي كذلك (¬4)، ~~ومذهب الهادوية أنه لا بد من غسلها، وظاهر الحديث مع المؤيد بالله ~~والشافعي، إلا أنه يجاب عنه (أ) بأن أرض المدينة رخوة فمسجد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كذلك، ولا يقاس عليه الصلبة لعدم تخلل الماء لأجزاء الأرض ~~فالحكم فيها كغيرها من المتنجسات. # ويستدل به أيضا بأنه لا يتوقف طهارتها على النضوب، واختار هذا الإمام ~~المهدي في "البحر" (¬5)، قال الإمام: وذكر (ب) أصحابنا للمذهب أنه لا بد من ~~النضوب، وعن بعضهم أنه ms0055 لا بد من الجفاف. قال الموفق في "المغني" (¬6): ~~الأولى (ج) الحكم بالطهارة مطلقا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يشترط في الصب على بول الأعرابي شيئا. # واشترطت الحنفية إلقاء التراب وحفرها، كذا رواه الإمام المهدي في PageV01P110 # "البحر"، والنووى في "شرح مسلم" (¬1)، قال الحافظ المصنف (¬2) -رحمه ~~الله-: والمذكور في كتب الحنفية (¬3) التفصيل بين إذا كانت رخوة بحيث ~~يتخللها الماء حتى يغمرها، فهذه لا تحتاج إلى حفر، وبين إذا كانت صلبة فلا ~~بد من حفرها وإلقاء التراب لأن الماء لم يغمر أعلاها وأسفلها، واحتجوا على ~~ذلك بحديث جاء من ثلاث طرق أحدها موصول عن ابن مسعود أخرجه الطحاوي (¬4)، ~~لكن إسناده ضعيف، قاله أحمد وغيره، والآخران مرسلان أخرج أحدهما أبو داود ~~من طريق عبد الله بن معقل بن مقرن التابعي (¬5)، والآخر (¬6) سعيد ابن ~~منصور من طريق طاوس ورواتهما ثقات. # وأخرجه الدارقطني أيضا من حديث عبد الله بن معقل قال: قام أعرابي إلى ~~زاوية من زوايا المسجد فبال فيها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"خذوا ما بال عليه من التراب فألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء" (¬7). # قال أبو داود: روي (أ) مرفوعا -يعني موصولا-، ولا يصح. PageV01P111 # قال المصنف في "التلخيص" (¬1): وله إسنادان موصولان، أحدهما عن ابن مسعود ~~وثانيهما عن واثلة بن الأسقع (¬2)، وفيهما مقال، فليرجع إليه، وبالجملة فهو ~~لازم لمن قبل المرسل العمل به كالمؤيد، وأما الشافعي فلا يلزمه (أ) لأنه لا ~~يقبل إلا مراسيل كبار التابعين بشرط أن يكون ممن إذا سمى لا يسمى إلا ثقة، ~~وذلك مفقود في المرسلين المذكورين. # قال النووي (¬3) -رحمه الله تعالى-: وفي الحديث أحكام: فمنها: # إثبات نجاسة بول الآدمي -وهو مجمع عليه- كبيرا كان أو صغيرا، إلا أن ~~الصغير يكفي فيه النضح على تفصيل. # واحترام المسجد وتنزيهه عن الأقذار، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قرر الصحابة على الإنكار، وإنما أمرهم بالرفق. # وأن الأرض تطهر بصب الماء عليها. # وأن غسالة النجاسة طاهرة (ب) وفيها خلاف بين العلماء. # والرفق بالجاهل، وعدم التعنيف والإيذاء. # ودفع أعظم المضرتين بأخفهما؛ لأنه لو ms0056 قطع عليه بوله لأضر به، وكان يحصل ~~(ج) من إقامته مع ما قد [حصل] (د) من تنجيس المسجد تنجيس بدنه وثيابه ~~ومواضع من المسجد. PageV01P112 # وقوله - صلى الله عليه وسلم - في تمام الحديث: "إن هذه المساجد لا تصلح، ~~لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله تعالى وقراءة القرآن" (¬1) ~~أو كما قال. # وفيه: صيانة المساجد وتنزيهها عن الأقذار، والقذى، والبصاق، ورفع ~~الأصوات، والخصومات، والبيع، والشراء، وسائر العقود، وما في معنى ذلك. # وفي هذا مسائل، وهي (¬2): # أجمع المسلمون على جواز الجلوس في المسجد للتحدث، فإن كان جلوسه لعبادة ~~من اعتكاف أو قراءة علم أو سماع موعظة أو انتظار صلاة أو نحو ذلك كان ~~مستحبا، ولو لم يكن شيء من ذلك كان مباحا، وقال بعض أصحابنا: إنه مكروه، ~~وهو ضعيف (2). # ويجوز النوم في المسجد، نص عليه الشافعي في "الأم"، قال ابن المنذر في ~~(¬3) "الأشراف": رخص في النوم في المسجد: ابن المسيب والحسن وعطاء ~~والشافعي. # وقال ابن عباس: "لا تتخذوه مرقدا"، وروي (أ) عنه: "لا بأس في النوم (ب) ~~إذا كان لصلاة" (ج). # وقال الأوزاعي: يكره، وقال مالك: لا بأس به للغرباء، ولا أرى ذلك للحاضر. PageV01P113 # وقال أحمد: إن كان مسافرا أو شبهه فلا بأس، وإن اتخذه مقيلا أو مبيتا ~~فلا، وهذا قول إسحاق (¬1). # واحتج من جوزه (¬2) بنوم علي - رضي الله عنه -، وابن عمر، وأهل الصفة، ~~والمرأة صاحبة الوشاح، والعرنيين، وثمامة بن أثال، وصفوان بن أمية، وغيرهم ~~وأحاديثهم مشهورة في الصحيح. # ويجوز أن يمكن الكافر من دخوله (أ) [المسجد] (ب) بإذن المسلمين لا من غير إذنهم. # وقال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء في المسجد (¬3) إلا ~~أن يبل المكان ويتأذى منه الناس، فإنه مكروه. # ونقل الإمام أبو الحسن (¬4) ابن بطال هذا عن ابن عمر وابن عباس وعطاء ~~وطاوس والنخعي وابن القاسم المالكي وأكثر أهل العلم، وعن ابن سيرين ومالك ~~وسحنون أنهم كرهوه تنزيها للمسجد (¬5). # وقال جماعة من أصحابنا (¬6): يكره إدخال البهائم والصبيان والمجانين ~~الذين لا PageV01P114 # يميزون المسجد لغير حاجة ms0057 مقصودة لأنه لا يؤمن تنجيسهم المسجد، ولا يحرم ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف على بعير (¬1) وفعل ذلك بيانا للجواز ~~فلا يعارض الكراهة. # ويحرم إدخال النجاسة السجد، ومن في بدنه (أ) نجاسة وخاف تنجيس المسجد حرم ~~عليه الدخول، فإن فصد في المسجد في غير إناء فحرام، وإن قطر دمه في إناء ~~فمكروه، والبول كذلك. # ويجوز الاستلقاء في المسجد، ومد الرجل، وتشبيك الأصابع للأحاديث الصحيحة ~~الواردة في ذلك من فعل الرسول - صلى الله عليه وسلم - (¬2). # ويستحب استحبابا مؤكدا كنس المسجد وتنظيفه للأحاديث الواردة (¬3) فيه ~~(ب). انتهى (¬4). # 11 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أحلت لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالجراد والحوت، وأما ~~الدمان فالطحال والكبد". # أخرجه أحمد وابن ماجه، وفيه ضعف (¬5). PageV01P115 # * ضعف (أ) بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم (¬1) عن أبيه عن ابن عمر، قال ~~أحمد: حديثه هذا منكر، وقال البيهقي (¬2): رفع هذا الحديث أولاد زيد بن ~~أسلم: عبد الله وعبد الرحمن وأسامة، وقد ضعفهم ابن معين وابن المديني، وكان ~~أحمد يوثق عبد الله (¬3). # قال المصنف -رحمه الله-: وقد رواه الدارقطني وابن عدي من رواية عبد الله ~~بن زيد بن أسلم، قال ابن عدي: الحديث يدور على هؤلاء الثلاثة، وقد تابعهم ~~شخص أضعف منهم، وهو أبو هاشم كثير بن عبد الله الأبلي (¬4). # أخرجه (ب) ابن مردويه في تفسير سورة الأنعام من طريقه عن زيد بن أسلم ~~بلفظ قريب من حديث الكتاب. # ورواه المسور بن الصلت (¬5) -أيضا- عن زيد بن أسلم لكنه خالف في إسناده ~~قال: عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد مرفوعا أخرجه الخطيب، ذكره الدارقطي في ~~"العلل"، والمسور كذاب. PageV01P116 # وقد روي موقوفا رواه الدارقطني من رواية سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم ~~قال: وهو أصح، وكذا صحح الوقف أبو زرعة وأبو حاتم (¬1)، ولكن الوقف في مثل ~~هذا في حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي: "أحل لنا كذا"، وحرم علينا كذا"، مثل ~~قوله: "أمرنا" و "نهينا" (¬2)، فقام الاحتجاج بالحديث بإحدى المرفوعتين ~~والموقوفة ms0058 (¬3). # والحديث يدل على حل ما ذكر فيه من الجراد وغيره على أي حال وجد، فلا ~~يعتبر في الجراد شيء سواء مات حتف أنفه أو بسبب، وهذا قول الجمهور من أهل ~~البيت -عليهم السلام- والشافعي وأبي حنيفة (¬4)، وقال الناصر والإمام أحمد ~~بن الحسين ومالك وأحمد بن حنبل (¬5): لا يحل منها إلا ما كان موته بسبب ~~آدمي بأن (أ) يقطع بعضه (ب) أو يسلق أو يلقي في النار حيا أو يشوى، فإن مات ~~حتف أنفه أو في وعاء حرم. # وروى في "البحر" عن مالك: أنه لا بد من قطف (ج) (¬6) رؤسها وإلا حرمت، ~~والحديث حجة عليهم. PageV01P117 # وأما السمك فيحل منه ما كان موته بسبب آدمي، أو جزر الماء، أو قذفه، أو ~~نضوبه لا ما كان طافيا، وهذا مذهب الهادي والجمهور من أهل البيت (¬1) ~~-عليهم السلام-. # وقال (أ) الشافعي: يحل الطافي، وهو مروي عن أبي بكر، والحجة له على ذلك ~~عموم قوله: "والحل ميتته"، "وميتتان" قلنا: مخصوص بحديث جابر - رضي الله ~~عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما ألقاه البحر أو جزر عنه فكلوا ~~(ب)، وما مات فيه فطفا فلا تأكلوه" أخرجه أبو داود (¬2) وأحمد، وروي مثل ~~ذلك عن علي - عليه السلام -. # قال النووي (¬3): حديث جابر ضعيف باتفاق أئمة الحديث، لا يجوز الاحتجاج ~~به ولو لم يعارضه شيء، كيف وهو معارض، مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قررهم على أكل العنبرة (¬4) وطلب أن يأكل منها، وأكل ولم يعلم بأي سبب ~~ماتت، فدل على جواز أكله إذا (ج) وجد ميتا، ولا يقال: أنهم أكلوه لأجل ~~الاضطرار إذ لا ضرورة في أكل النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وما مات من حر الماء أو برده أو يقتل بعضه بعضا فإنه يحرم أكله على قول ~~الهادي والقاسم وأحد قولي المؤيد بالله (¬5)، إذ هو كالطافي لعدم تصيده. PageV01P118 # وعن الناصر، وأحد قولي المؤيد بالله (¬1)، وأبي حنيفة، والشافعي، وقال به ~~جماهير من الصحابة كأبي بكر الصديق، ومن التابعين كأبي ثور، وعطاء، ومكحول، ~~والنخعي ومالك، وأحمد، وداود أنه يحل لعموم: ms0059 "الحل ميتته"، "وميتتان"، ~~وأجيب بأنه مخصص بالقياس على الطافي، وقد عرفت ما فيه. # وأما الطحال -بوزن كتاب- فإنه حلال إجماعا للحديث، مكروه أكله عند الهادي ~~(¬2) والناصر لما روي عن علي (¬3) - عليه السلام - أنه لقمة الشيطان، وهو ~~توقيف، ومعنى لقمة الشيطان: أنه يسر بأكله. ذكره في "الغيث"، وقال (¬4) ~~القاسم: لا يكره للحديث. قال (¬5) في "البحر": لا ينافي الكراهة. # وأما الكبد فلا خلاف أنها تحل وأنها غير مكروهة. # 12 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه ثم لينزعه فإن في أحد ~~جناحيه داء، وفي الآخر شفاء". أخرجه البخاري وأبو داود وزاد: "وإنه يتقي ~~بجناحه الذي فيه الداء". # لفظ البخاري (¬6) من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا وقع الذباب في إناء أحدم فليغمسه كله، ثم ~~ليطرحه، فإن في (أ) أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء". ولفظ أبي داود (¬7) عن ~~أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: PageV01P119 # "إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه، فإن في أحد جناحيه داء، وفي ~~الآخر دواء، وإنه يتقي بجناحه الذي فيه الداء، فليغمسه كله. # و (أ) رواه ابن خزيمة وابن حبان بزيادة في (ب) آخره: "ثم لينزعه". # ورواه ابن ماجه والدارمي أيضا، ورواه ابن السكن بلفظ: "إذا وقع الذباب في ~~إناء أحدكم فليمقله، فإن في أحد جناحيه دواء، وفي الآخر داء"، أو قال "سما". # ورواه ابن ماجه وأحمد (¬1) من حديث سعيد بن خالد عن أبي سلمة عن أبي سعيد ~~الخدري بلفظ: "في أحد جناحي الذباب سم، وفي الآخر شفاء، فإذا وقع في الطعام ~~فامقلوه فيه فإنه يقدم السم ويؤخر الشفاء" (ج). ورواه النسائي والبيهقي ~~وابن حبان أيضا بنحوه (¬2). # وروى عن ثمامة عن أنس، والصحيح عن أبي ثمامة عن أبي هريرة، قالة ابن أبي ~~حاتم (¬3) عن أبيه وأبي زرعة، وقال الدارقطني: رواه عبد الله بن المثنى عن ~~ثمامة عن أنس، ورواه حماد بن سلمة ms0060 عن ثمامة عن أبي هريرة، والقولان ~~محتملان. # قال المصنف (¬4) -رحمه الله تعالى- وروى عن قتادة عن أنس عن كعب PageV01P120 # الأحبار، أخرجه ابن أبي خيثمة في تاريخه الكبير في باب من حدث من الصحابة ~~عن التابعين، وإسناده صحيح. # ورواه الدارمي من طريق ثمامة عن أبي هريرة وقال: الصواب طريق عبيد (أ) بن ~~حنين عن أبي هريرة (¬1). # قال: وحديث عبد الله بن (¬2) المثنى رواه البزار والطبراني في الأوسط. # والحديث يدل على أن ميتة "ما لا دم له طاهرة"، إذ لم يفصل بين أن يموت أو ~~يعيش وقد ورد مصرحا به في حديث الطعام الذي وجد فيه - صلى الله عليه وسلم - ~~خنفسا وذبابا ميتين فأمر بإلقائهما والتسمية عليه (¬3) والأكل منه. # ويدل على أنه يغمس الذباب وإن هلك بالغمس، والمعنى المناسب أنه صار عقورا ~~ضارا، فيحل قتله لا سيما لدفع الضرر الذي هو واقع بسببه. # وأنه يحرم أكل الحيوان المستخبث عند النفوس، إذ (ب) أمر بطرحه وكذلك يقاس ~~عليه دود (ج) الفاكهة والطعام المسوس، وإن هلكت باستعمال ذلك. # ورواية: "إناء أحدكم" أعم وأشمل من رواية "شراب" و "طعام". # وقوله: "امقلوه"، أي اغمسوه. قاله أبو عبيدة. # وحديث سلمان أشمل، وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا ~~سلمان كل طعام PageV01P121 # وشراب وقعت فيه دابة ليس لها دم، فماتت فهو حلال، أكله وشربه ووضوءه"، ~~وفيه مقال (¬1). # 13 - وعن أبي واقد الليثي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ما قطع من البهيمة، وهي حية، فهو ميتة". أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه ~~واللفظ له (¬2). # أبو واقد: اسمه الحارث بن عوف الليثي، وقد اختلف في اسمه ونسبه، فقيل: ~~الحارث بن مالك، وقيل: عوف بن الحارث بن أسيد من بنى عامر بن ليث، قديم ~~الإسلام. قيل: إنه شهد بدرا، وكان معه لواء بني ليث وضمرة وسعد بني بكر يوم ~~الفتح، وقيل: من مسلمة الفتح، والأول أصح. عداده من أهل المدينة، وجاور مكة ~~سنة، ومات بها سنة ثمان وستين، وقيل: سنة خمس وستين، وهو ابن خمس وسبعين ~~سنة، ms0061 وقيل: ابن خمس وثمانين، ودفن بفخ. # روي عنه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبو مرة مولي عقيل بن أبي طالب ~~(¬3). PageV01P122 # واقد: بكسر القاف والدال المهملة. # الحديث قال في البدر المنير (¬1): إنه قاعدة عطمة من قواعد الأحكام. وهو ~~مروي من أربع طرق عن أبي سعيد، وعن أبي واقد، وعن ابن عمر، وعن تميم الداري ~~فأخرجه (أ) الحاكم من حديث أبي سعيد الخدري (¬2): أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - سئل عن جباب أسنمة الإبل وأليات الغنم، فقال: ما قطع من حي فهو ~~ميت. وذكر الدارقطني (¬3) علته، وقال: المرسل أصح، ورواه الدارمي وأحمد ~~والترمذي وأبو داود والحاكم من حديث أبي واقد. # قال: "قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وآله وسلم المدينة، وبها ناس ~~(ب) يعمدون إلى أليات الغنم وأسنمة الإبل (فيجبونها) (ج)، فقال: ما قطع من ~~البهيمة، وهي حية، فهو ميتة. لفظ أحمد (¬4) ولفظ أبي داود، ولم يذكر القصة. # ورواه ابن ماجه والبزار والطبراني في "الأوسط" من حديث ابن عمر (¬5) ~~واختلف في هذا الإسناد على زيد بن أسلم، فقال البزار (¬6) بعد أن أخرجه من ~~طريق المسور بن الصلت عن زيد عن عطاء عن أبي سعيد الخدري: تفرد به ابن ~~الصلت، وخالفه سليمان بن بلال فقال: عن زيد عن عطاء مرسلا، كذا قال، وكذا ~~قال الدارقطني (¬7)، وقد وصله الحاكم تقدم، ورواه معمر عن زيد بن PageV01P123 # أسلم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا، وتابع المسور وغره عليه: ~~خارجة بن مصعب، أخرجه ابن عدي في الكامل (¬1)، وأبو نعيم في الحلية (¬2)، ~~وقال الدارقطني: المرسل أشبه بالصواب (¬3)، وله طريق أخرى عن ابن عمر ~~أخرجها الطبراني (¬4) في "الأوسط"، وفيه عاصم بن عمر (¬5)، وهو ضعيف ولفظه ~~قيل: يا رسول الله إن ناسا يجبون أليات الغنم، وهي أحياء، فقال: ما أخذ من ~~البهمة، وهي حية، فهو ميتة. # وهو يدل على أن ما قطع من الحي فهو نجس، إذ الميتة كذلك، وهو عام مخصوص ~~بما أبين من ما ميتته (أ) طاهرة كالجراد والسمك وما لا دم له، ms0062 إذ ذلك ~~المبان ملحق بالميت منه و (ب) مشبه به فلا يخالفه في الحكم. قال الإمام ~~يحيى: ومن باين الحي المشيمة، وفي شرح الإرشاد: والمشيمة لها حكم ميتة ما ~~انفصلت عنه، قياسا على الجزء المقطوع فهي طاهرة من الآدمي نجسة من غيره. انتهى. # وفي قوله قياسا على الجزء المقطوع دلالة على أنها ليست باين حي، ويفهم ~~منه (ج) أن الحياة لا تحلها، ويدل على ذلك قوله في متن الإرشاد: ومبان حي ~~ومشيمته، والعطف يدل ظاهرا على المغايرة، واختار هذا في شرح الأثمار (¬6) PageV01P124 # لابن بهران وقال في موضع: فرع: والمشيمة والمضغة والعلقة جميعها نجس ~~مطلقا على المختار للمذهب، وحكى في "الزهور" عن "الانتصار": في العلقة ~~والمضغة وجهين: الطهارة كالكبد، قال: وهذا (أ) هو المختار، لخروجهما عن صفة ~~الدم، ولا كدم الحيض، ومخصوص أيضا بما أبين من الصيد بضربة قاتلة، ولحقه ~~موته، (وما أبين من السمك، وما أبين من المذكى قبل موته) (ب)، فإنه طاهر ~~(اشتمل باب المياه على ثلاثة عشر حديثا) (ج). PageV01P125 ### || AUTO باب الآنية # 14 - عن حذيفة بن اليمان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافهما، ~~فإنها لهم في الدينا، ولكم في الآخرة" (¬1) متفق عليه. # هو أبو عبد الله حذيفة بن اليمان، واسم اليمان حسيل مصغرا، وقيل: حسل ~~بكسر الحاء المهملة وسكون السين ولقب باليمان لأنه أصاب في قومه دما فهرب ~~إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان لأنه حالف اليمانية ~~يعنون الأنصار، وهو عبسى بالعين المهملة والباء الموحدة والسين المهملة. # شهد حذيفة وأبوه أحدا وهو صاحب سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وهاجر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أبيه أيام بدر ولم يشهدها. روى ~~عنه عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وأبو الدرداء وغيرهم من الصحابة رضي ~~الله عنهم والتابعين مات بالمدائن، وبها قبره -سنة خمس وثلاثين، وقيل: سنة ~~ست وثلاثين، بعد قتل عثمان بأربعين ليلة (¬2). # قال ابن منده: ms0063 وهذا الحديث مجمع على صحته، وهو صريح في تحريم الشرب في ~~آنية الذهب والفضة والأكل في صحافهما، والصحاف (أ): جمع صحفة وهي دون ~~القصعة. PageV01P127 # قال الجوهري: قال الكسائي: أعظم القصاع الجفنة، ثم القصعة تليها، تشبع ~~العشرة، ثم الصحفة، تشبع الخمسة، ثم المئكلة، تشبع الرجلين والثلاثة ثم ~~الصحيفة تشبع الرجل (¬1). # (ويلحق بالأكل والشرب سائر الانتفاعات. قال النووي (¬2): قال أصاحبنا: ~~انعقد الإجماع على تحريم الأكل والشرب وسائر الاستعمالات في إناء ذهب أو ~~فضة إلا رواية عن داود في تحريم الشرب فقط ولعله لم يبلغه حديث تحريم ~~الأكل، وقول قديم للشافعي والعراقيين، فقال بالكراهة دون التحريم وقد رجع ~~عنه وتأوله أيضا صاحب التقريب ولم يحمله على ظاهره فثبتت صحة دعوى الإجماع ~~(¬3) على ذلك) (أ)، ويلحق بالذهب والفضة ما شابهها (ب) في نفاسة القدر ~~كالجواهر واليواقيت (¬4)، (واختلف أصحاب الشافعي في ذلك فقال النووي: الأصح ~~عند بعض أصحاب الشافعي عدم جواز استعمالها) (ج) (¬5)، لا ما ارتفع PageV01P128 # قدره لأجل الصنعة فقط، كما يتخذ من الزجاج والصفر ونحوهما فإنه يجوز ~~استعماله إجماعا (أ)، واختلف العلماء ما (ب) العلة المناسبة في ذلك؟ فقيل: ~~هي الخيلاء، فعلى هذا إذا طلي الفضة برصاص أو نحاس زال سبب التحريم، وحل ~~استعماله، وقيل: العين (¬1)، فلا يحل المذكور لأن العين باقية، وأما ~~المذهبة، والمفضضة، فإن كان الذهب والفضة مستهلكين بأن يكونا مموهين لا ~~يمكن فصلهما فإنه: يجوز استعماله (¬2) وإن كان غير مستهلك حرم، إن عم ~~الإناء إجماعا لأنه مستعمل للذهب والفضة، وأما إذا لم يعمه فكذلك عند أهل ~~البيت -عليهم السلام-وهو قول الشافعي وأبي يوسف، وقال أبو حنيفة: يجوز ~~الشرب من القدح المغشى بالفضة ونحوها (¬3) إذا كان الشارب لا يضع فاه على ~~الفضة، إذ المقصود هو الإناء والحلية تابعة. قلنا: لم يفصل الدليل، قال ~~الإمام يحيى: وأما ضبة الإناء فيجوز إجماعا ما لم تكثر، وسيأتي حديث أنس في ~~قدح النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ولا فرق في تحريم ذلك في حق الرجال والنساء، وإن حلت الحلية للنساء، ولعل ~~الحلية مخصوصة في حق النساء ms0064 لحاجتهن إلى ذلك لما تجلب من الرغبة إليهن فلا ~~يقاس الاستعمال عليها، إذ دليل التحريم شامل، والقياس غير صحيح (¬4). PageV01P129 # والضمير في قوله: لهم في الدنيا للكفار، أي إنما يحصل لهم ذلك في الدنيا، ~~وأما الآخرة فليس لهم فيها نصيب، وأما المسلمون (أ) فلهم في الجنة "ما لا ~~عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" (¬1)، وليس في ذلك حجة لمن ~~يقول: الكفار غير مخاطبين بالشريعة، فإنه ليس المقصود منه إلا ما ذكر. ~~والله سبحانه أعلم. # 15 - وعن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم". متفق عليه (¬2). # هي أم المؤمنين هند بنت أبي أمية، واسم أبي أمية: سهيل بن المغيرة بن عبد ~~الله بن عمر بن مخزوم، وأمها عاتكة بنت عامر، ويقال: إن اسم أم سلمة رملة، ~~وليس بشيء، كانت قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - تحت أبي سلمة بن عبد ~~الأسد، وهي وزوجها أول من هاجر إلى الحبشة، ويقال: إنها أول ظعينة هاجرت ~~إلى المدينة وولدت بأرض الحبشة زينب (¬3)، وولدت له بعد ذلك سلمة وعمر ~~ودرة، PageV01P130 # ومات أبو سلمة سنة أربع، وقيل: سنة ثلاث، فتزوجها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في ليال بقين من شوال من السنة التي مات فيها أبو سلمة، وماتت سنة ~~تسع وخمسين، وقيل: اثنتين وستين، والأول أصح، ودفنت بالبقيع (أ)، وصلى ~~عليها أبو هريرة، وقيل: سعيد بن زيد، وكان عمرها أربعا وثمانين سنة. روي ~~عنها ابن عباس وعائشة وزينب ابنتها وعمر ابنها وابن المسيب وخلق سواهم من ~~الصحابة والتابعين (¬1). # والحديث متفق عليه باللفظ المذكور، ورواه أيضا مسلم (¬2) بلفظ: إن الذي ~~يأكل ويشرب في آنية الفضة والذهب عن أبي بكر بن أبي شيبة، والوليد بن شجاع ~~عن علي بن مسهر، تفرد بهذه الزيادة علي بن مسهر (¬3)، وفي رواية الطبراني ~~عنه (¬4)، إلا أن يتوب. وفي الباب عن عائشة رواه الدارقطني في (ج) العلل من ~~طريق شعبة والثوري، وحديث شعبة ms0065 في الجعديات (¬5) وصحيح أبي عوانة بلفظ: ~~الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في جوفه نارا. وفيه مقال. # وقوله: يجرجر (د)، بكسر الجيم الأخيرة أي يحدر فيه فيجعل الشرب والجرع ~~جرجرة، وهي (ه) صوت وقوع الماء في الجوف. قال (و) الزمخشري (¬6) يروي PageV01P131 # برفع النار (أ)، والأكثر النصب وهذا مجاز؛ لأن نار جهنم على الحقيقة لا ~~تجرجر في جوفه، والجرجرة صوت البعير عند الضجر (¬1)، ولكنه جعل صوت جرع ~~الإنسان للماء في هذه الأواني الخصوصة لوقوع النهى عنها واستحقاق العقاب ~~عليها كجرجرة نار جهنم في بطنه من طريق المجاز. هذا وجه الرفع، وذكر الفعل ~~وإن كان مسندا إلى النار وهي مؤنث لوقوع (ب) الفصل وكونها غير حقيقي ~~التأنيث، وأما وجه النصب فالفاعل ضمير الشارب (ج) والنار مفعوله. وجرجر ~~فلان الماء إذا جرعه (د جرعا متواترا، له صوت، والمعنى: كأنما يجرع نار ~~جهنم. قال النووي (¬2): والنصب د) هو الصحيح المشهور الذي عليه الشارحون، ~~وأهل الغريب واللغة، وجزم به الأزهري وآخرون من المحققين، ورجحه الخطابي ~~والزجاج، وتؤيده الرواية إنما يجرجر في جوفه نارا (¬3)، ويسمى المشروب نارا ~~لأنه يؤول إليها، وأما جهنم -أعاذنا الله منها ومن كل بلاء- فقال الواحدي: ~~قال يونس وأكثر النحويين: هي عجمية لا تنصرف للتأنيث والعلمية، وسميت بذلك ~~(ه) لبعد قعرها، يقال (و): بئر جهنام، إذا كانت عميقة القعر وقيل: مشتقة من ~~الجهومة، وهي الغلظ، سميت به لغلظ أمرها في العذاب (¬4). PageV01P132 # قيل: والحديث إخبار عن الكفار من ملوك العجم وغيرهم الذين عادتهم فعل ~~ذلك، وقيل: المراد النهي عن ذلك، وأن من ارتكب هذا النهي عنه استوجب هذا ~~العقاب. # فائدة: قال النووي: قال أصحابنا: فإن ابتلي الإنسان بطعام في إناء ذهب أو ~~فضة فليخرج الطعام إلى إناء آخر، ويأكل منه فإن لم يجد آخر فليجعله على ~~رغيف إن أمكن، وإذا ابتلي بقارورة فيها دهن فليصب في يده اليسرى ثم يصبه ~~إلى اليمنى ويدهن به (¬1). # قالوا: ويحرم تزيين الأماكن بآنية الذهب والفضة، أما إذا اضطر إلى ~~استعمال إناء فلم يجد إلا ذهبا أو فضة ms0066 فله استعماله بلا خلاف كالميتة ~~للمضطر. # وأما اتخاذ الآنية من دون استعمال فللشافعي وأصحابه فيه خلاف، الأصح ~~التحريم (¬2) والشافي الكراهة (¬3). انتهى كلامه. # والمختار لمذهب الأئمة -عليهم السلام- جواز التجمل بها. قال في شرح ~~الأثمار: وهو أحد قولي الشافعي. # 16 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إذا دبغ الإهاب فقد طهر" أخرجه مسلم (¬4). # وعند الأربعة: أيما إهاب دبغ (أ). . PageV01P133 # الحديث بهذا اللفظ رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد عن (أ) ~~سفيان، وروى مسلم (¬1) أيضا حديث ابن عباس بألفاظ أخر غير هذا المصدر، وروى ~~البخاري من حديث سودة قالت: ماتت لنا شاة فدبغنا مسمكها ثم مازلنا ننتبذ ~~فيه حتى صارت شنا (¬2). # ولم يخرج البخاري لسودة سوى هذا الحديث، ولم يخرج لها مسلم شيئا، ورواه ~~النسائي وأحمد بلفظ مر بشاة لميمونة (¬3)، ورواه البزار (¬4) بلفظ: ماتت ~~شاة لميمونة فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ألا استمتعتم بإهابها؟ فإن ~~دباغ الأديم طهوره. وسيأتي. # وفي الباب عن أم سلمة رواه الطبراني في الأوسط والدارقطني (¬5)، وفي ~~إسناده فرج بن فضالة وهو ضعيف (¬6)، وفي تاريخ نيسابور للحاكم من طريق ~~مغيرة عن الشعبي عن ابن عباس: مر النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله ~~وسلم بشاة ميتة لأم سلمة أو لسودة فذكر الحديث. # وأما حديث: أيما إهاب دبغ فقد طهر. فرواه الشافعي (¬7) عن ابن عيينة عن PageV01P134 # زيد بن أسلم عن ابن وعلة عن ابن العباس: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول هذا، وكذا (أ) رواه الترمذي في جامعه عن قتيبة عن سفيان و (ب) ~~قال: حسن صحيح (¬1) ورواه ابن حبان بلفظ قتيبة وله شاهد من حديث ابن عمر ~~رواه الدارقطني (¬2) بإسناد على شرط الصحة، وقال: إنه حسن، وآخر من حديث ~~جابر رواه الخطيب (¬3) في تلخيص المتشابه. # الحديث يدل على أن الدباغ مطهر لجلد الميتة نص في السبب وهو (ج) الشاة ~~الكعنية أو نوع (د) الشاة على الخلاف المعروف، وظاهر فيما عداها، وهذا مروي ~~عن علي - عليه ms0067 السلام - وابن مسعود، وهو مذهب الشافعي (¬4) وأبي حنيفة ~~واستثنى الشافعي الكلب والخنزير والمتولد من أحدهما وغيره، وقال (ه) في ~~(¬5) البحر له (و): في الآدمي وجهان، (وإنما استثنى الخنزير لقوله تعالى: ~~{فإنه رجس} (¬6)، والضمير عائد إلى المضاف إليه، إذ هو أقرب ولا مانع منه، ~~وقاس الكلب عليه بجامع النجاسة، ووافق أبو حنيفة (¬7) في الخنزير. قال: ~~لأنه لا جلد له، والآدمي إذ لا يجوز الانتفاع بجلده) (ز) ويطهر بالدباغ ~~ظاهر الجلد وباطنه، PageV01P135 # ويجوز استعماله في الأشياء المائعة واليابسة ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره. # المذهب الثاني: أن الدباغ لا يطهر شيئا من الجلود وهو قول أكثر العترة، ~~ورواية عن أحمد وعن مالك، وهو مروي عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله ~~وعائشة، وحجتهم ما أخرجه الشافعي في سنن حرملة وأحمد، والبخاري في تاريخه ~~والأربعة والدارقطني والبيهقي وابن حبان (¬1) عن عبد الله بن عكيم قال: ~~أتانا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل موته: ألا تنتفعوا من ~~الميتة بإهاب ولا عصب، وفي رواية الشافعي وأحمد وأبي داود قبل موته بشهر ~~(¬2)، وفي رواية لأحمد بشهر أو شهرين، قال الترمذي (¬3) حسن وكان أحمد يذهب ~~إليه ويقول: هذا آخر الأمر، ثم تركه لما اضطربوا في إسناده لما قيل عن ابن ~~عكيم عن أشياخ من جهينة. قال ابن حبان (¬4): بل ابن عكيم شهد كتاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وسمع مشايخ جهينة يقولون ذلك، وقد ذكر الاضطراب في ~~رواية ابن عدي والطبراني من حديث (¬5) شبيب بن سعيد عن الحكم عن عبد الرحمن ~~بن أبي ليلى عنه، و (أ) في رواية أبي داود (¬6) عن عبد الرحمن: أنه انطلق ~~هو وأناس معه إلى عبد الله بن عكيم، فدخلوا وقعدت على الباب، فخرجوا إلي ~~وأخبروني أن عبد الله بن عكيم أخبرهم الحديث (¬7)، PageV01P136 # فاضطرب في سماع عبد الرحمن ولكنه إذا ثبت (أ) رواية السماع حمل على أنه ~~سمع منه بعد ذلك. فهذا الحديث يدل على تحريم الانتفاع من الميتة بالإهاب ~~والعصب، وهو إذا كان متأخرا فهو ناسخ للحديث الأول، وإن ms0068 لم يعلم تأخره فقد ~~عارض ووجب الترجيح، وهذا أرجح لما فيه من التاريخ، ولأن فيه حظرا (ب)، ~~والأول مبيح، والحظر مرجح على الإباحة. وأجيب بأنه لا يقوي على النسخ ~~والمعارضة. أما الأول فلأن حديث الدباغ أصح فإنه مما اتفق عليه الشيخان، ~~وروي من طرق متعددة حتى عد فيه (ج) خمسة عشر حديثا: عن ابن عباس حديثان، ~~وعن أم سلمة ثلاث، وعن أنس حديثان وعن سلمة ابن المحبق وعائشة والمغيرة ~~وأبي أمامة وابن مسعود وسفيان (د) وثابت وجابر وأثران (ه) عن سودة وابن ~~مسعود، ورواية التاريخ معلة، فقد رواها خالد الحذاء وخالفه شعبة، وهو أحفظ ~~منه، وشيخهما واحد، فلا يقوي على النسخ، (وأيضا فإن النسخ يتوقف على أن PageV01P137 # يكون الناسخ آخر الأمر، ولم يدل شيء من الرواية أن حديث ابن عكيم كان آخر ~~الأمر والتاريخ بما ذكر لا يقضي بذلك بل قد) (أ) روي عن علي - عليه السلام ~~- أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ينتفع (ب) من الميتة ~~بإهاب ولا عصب"، فلما كان من الغد خرجت أنا وهو فإذا نحن بسخلة مطروحة على ~~الطريق، فقال: "ما كان على أهل هذه لو انتفعوا بإهابها؟ " فقلت: يا رسول ~~الله أين قولك بالأمس؟ فقال: "ينتفع منها بالشيء". رواه في أصول الأحكام ~~فإنه يقضي أن (ج) الإباحة آخر الأمر عكس ما احتج به أهل القول الآخر، فثبت ~~عدم صحة النسخ، وأما المعارضة على فرض جهل التاريخ فهي ممنوعة (د لعدم ~~الاستواء د) لما تقدم، وهذا على القول بأن العام المتأخر ناسخ للخاص ~~المتقدم، وأما على القول بأن الخاص المتقدم مخصص (ه) للعام، وإن تأخر، ~~فالأمر ظاهر، فإنه يبني العام على الخاص على جميع (و) التقادير، فأحاديث ~~الدباغ خاصة، وحديث ابن عكيم عام، فهو معمول به فيما لم يدبغ، فخرج (ز) عنه ~~ما قد (ز) دبغ. # وأيضا فقد روي عن النضر بن شميل: أن الإهاب اسم لما لم يدبغ (¬1)، وبعد ~~الدبغ يقال له: شن وقربة، والجوهري جزم به (¬2)، وقال ابن شاهين (¬3): لما ms0069 PageV01P138 # احتمل الأمرين، وجاء قوله: أيما إهاب دبغ (أفقد طهر أ) فحملناه على ما لم ~~يدبغ جمعنا بين الحديثين. # والمذهب الثالث: يطهر بالدباغ (ب) جلد مأكول اللحم ولا يطهر غيره، وهو ~~مذهب الأوزاعي وابن المبارك وأبي ثور وإسحاق بن راهويه، ولعل ذلك بناء على ~~قصر العام الوارد على السبب على سببه، والسبب الشاة، فكان ذلك فيها، وقيس ~~سائر المأكولات عليها، والصحيح خلافه. # والمذهب الرابع: يطهر الجميع بالدبغ (ج) إلا الخنزير، وهو مذهب أبي ~~حنيفة، وقد تقدم دليله (¬1). # والمذهب الخامس: يطهر الجميع، إلا أنه يطهر ظاهره دون باطنه فيستعمل في ~~اليابسات دون المائعات ويصلي عليه (د)، ولا يصلي فيه، وهذا هو المشهور عن ~~مالك (¬2) في حكاية أصحابه عنه، (وجمع بين الأحاديث بهذا التأويل، لما ~~تعارضت) (ه). # والمذهب السادس: يطهر الجميع ظاهرا وباطنا وهو مذهب داود وأهل الظاهر ~~وحكي عن أبي يوسف لعموم الحديث. PageV01P139 # والمذهب السابع: ينتفع بجلود الميتة وإن لم يدبغ ظاهرا وباطنا، وهو مذهب ~~الزهري، وحجته قوله - صلى الله عليه وسلم - لما مر بشاة ميتة فقال: "هلا ~~استمتعتم بإهابها" قالوا: إنها ميتة، قال: "إنما حرم أكلها". # أخرجه البخاري (¬1) من رواية الزهري عن ابن عباس وأخرج من حديث سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس: مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعنز ميتة فقال: "ما ~~على أهلها لو انتفعوا بإهابها" (¬2)؟ والجواب عنه بأن هذا مطلق وحديث ~~الدباغ مقيد والواجب حمل المطلق على المقيد. # والإهاب ككتاب يجمع على أهب بضم الهمزة والهاء بفتحهما لغتان، ويقال: طهر ~~الشيء وطهر بفتح الهاء وضمها لغتان الفتح أفصح، ذكره النووي (¬3) (أقال ~~أصحابنا: ولا يجوز استعمال جلد الميتة قبل الدبغ في الأشياء الرطبة، ويجوز ~~في اليابسة على كراهة. انتهى أ). # 17 - وعن سلمة بن المحبق - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "دباغ جلود الميتة طهورها". صححه ابن حبان (¬4). # هو أبو سنان سلمة بن المحبق، ويقال: سلمة بن ربيعة بن المحبق بضم الميم ~~وفتح الحاء المهملة وتشديد الباء (ب) المكسورة والقاف، وأصحاب الحديث PageV01P140 # يفتحون الباء، ms0070 واسم المحبق، صخر بن عتبة، ويقال (أ): عتيبة بن الحارث، ~~وعتبة بالعين المهملة المضمومة فالتاء المنقوطة اثنتين من أعلى الساكنة ~~والباء الموحدة وعتيبة مصغرها وسلمة هذلي يعد في البصريين روى عنه ابنه ~~سنان ولسنان صحبة (¬1)، روى عنه الحسن البصري وقبيصة بفتح القاف وكسر الباء ~~الموحدة والصاد المهملة ابن حريث مصغرا وبالحاء المهملة والراء المهملة ~~والياء المنقوطة من أسفل اثنتين والثاء المثلثة (¬2). # الحديث روي بألفاظ متعددة فلفظ ابن حبان على ما رواه المصنف -رحمه الله ~~تعالى- في التلخيص من حديث عائشة: دباغ جلود الميتة طهورها (¬3)، وفي ~~الطبراني (¬4) من حديث المغيرة بن شعبة وزيد بن ثابت وأبي أمامة وابن عمر ~~بلفظ: جلود الميتة دباغها طهورها، وحديث ابن عمر أيضا عند ابن شاهين (¬5)، ~~وحديث زيد بن ثابت في تاريخ (¬6) نيسابور، وفي الكنى للحاكم أبي أحمد في ~~ترجمة أبي سهيل، (ب وفي البيهقي عن هذيل بن شرحبيل عن بعض أزواج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، أم سلمة أو غيرها (¬7) وفي الدارقطني (¬8) ب) عن أم ~~سلمة بلفظ: إن PageV01P141 # دباغها يحل كما يحل خل الخمر، وفيه الفرج بن فضالة، وهو ضعيف (¬1)، وعن ~~أنس وجابر وابن مسعود ذكرها أبو القاسم ابن منده في مستخرجه، وفي لفظ أحمد ~~وأبي داود والنسائي والبيهقي وابن حبان عن سلمة ابن المحبق بلفظ: دباغ ~~الأديم ذكاته، وفي لفظ: دباغها ذكاتها (أ) وفي لفظ: دباغها طهورها، وفي ~~لفظ: ذكاتها دباغها، وفي لفظ: ذكاة الأديم دباغه (¬2)، وإسناده صحيح، وإن ~~كان أحمد أعله بعدم معرفة (¬3) الجون (ب) راويه، وقد عرفه علي بن المديني وغيره. # وفي الباب أيضا من حديث ابن عباس في مسلم (¬4) بلفظ دباغه طهوره، وفيه ~~قصة سؤال ابن وعلة لابن عباس، وفي لفظ الدارقطني (¬5) وابن شاهين عن ابن ~~عباس: دباغ كل إهاب طهوره، وفي رواية الدولابي (¬6) بعد سؤال (ج) ابن عباس ~~عن الفراء تصنع من جلود الميتة فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: "ذكاة كل مسك دباغه" ورواه البزار والطبراني والبيهقي من حديث عطاء ~~عن ابن عباس في شاة ميمونة، فقال ms0071 - صلى الله عليه وسلم -: "فإن دباغ الأديم ~~طهوره" (¬7)، وفيه ابن عطاء PageV01P142 # عن أبيه (¬1)، وهو ضعيف، عند (أ) يحيى بن معين وأبي زرعة ومن حديث ابن ~~عباس في سياق آخر عند أحمد وابن خزيمة والحاكم والبيهقي (¬2)، من طريق سالم ~~ابن أبي الجعد (ب) عن أخيه عن ابن عباس فقال: دباغه (ج) يزيل خبثه أو نجسه ~~أو رجسه، وإسناده صحيح، قاله الحاكم والبيهقي. # وفي (د) قوله: دباغ الأديم ذكاته ونحوه يريد أن الدباغ في التطهير بمنزلة ~~تذكية الشاة في الإحلال لأن (ه) الذبح يطهرها ويحل أكلها، فهو من باب ~~التشبيه البليغ أو (و) الاستعارة على ما اختاره المحقق سعد الدين ~~التفتازاني (¬3). # 18 - وعن ميمونة - رضي الله عنها - قالت: "مر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بشاة يجرونها، فقال: لو أخذتم إهابها، فقالوا: إنها ميتة، فقال: ~~يطهرها الماء والقرظ*" أخرجه أبو داود والنسائي (¬4). PageV01P143 # هي أم المؤمنين ميمونة بنت الحارث الهلالية العامرية، وأمها هند بنت عوف ~~بن زهير من حمير، وقيل من كنانة، ويقال: إن اسمها كان برة فسماها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: ميمونة، تزوجها في الجاهلية مسعود بن عمر الثقفي، ~~وفارقها، وتزوجها أيضا أبو رهم (أ) بن عبد العزى، وتوفي عنها فتزوجها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في ذي القعدة سنة سبع في عمرة القضية بسرف على ~~عشرة أميال من مكة، وماتت في ذلك المكان الذي تزوجها فيه بسرف سنة إحدى ~~وستين، وقيل: إحدى وخمسين، وقيل: ثلاث وستين، وقيل: ست وستين، وقيل: غير ~~ذلك، وصلى عليها ابن عباس، وهي أخت أم الفضل امرأة العباس وأخت أسماء بنت ~~عميس (¬1)، قيل: لم يتزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - بعدها. روى عنها ~~ابن عباس ويزيد بن الأصم وعبد الله بن شداد بن الهاد وكريب وعطاء بن يسار (¬2). # الحديث رواه أيضا مالك من حديث ميمونة، وصححه ابن السكن والحاكم (¬3). ~~وفي الباب عن ابن عباس مرفوعا أخرجه الدارقطني: أليس في الماء والقرظ ما ~~يطهرها (¬4)؟ وأما رواية أليس في الشب والقرظ والماء ما يطهرها؟ فقال (ب) ~~النووي ms0072 في الخلاصة (¬5): هو بهذا اللفظ باطل لا أصل له، وقال في شرح المهذب ~~(¬6): ذكر الشب إنما هو من كلام الشافعي. قال (ج) الأزهري (¬7): هو PageV01P144 # بالباء الموحدة من الجواهر التي جعلها الله تعالى في الأبيض تشبه الزاج، ~~وقال غيره بالمثلثة. قال الجوهري (¬1): نبت طيب الرائحة مر الطعم يدبغ به. ~~قال النووي (¬2) في شرح مسلم: يجوز الدباغ بكل شيء ينشف فضلات الجلد ~~ويطيبه، ويمنع من ورود الفساد عليه كالشب والقرظ وقشور الرمان وغير ذلك من ~~الأدوية الطاهرة، ولا يحصل بالشمس عندنا، وقال أصحاب (¬3) أبي حنيفة: يحصل ~~ولو (أ) بالتراب والرماد والملح على الأصح وبالأدوية (ب) النجسة كزرق ~~الحمام، والشب المتنجس فيه وجهان أصحهما حصوله، ويجب غسله بعد الفراغ على ~~أحد احتمالين، وفي الاحتياج إلى الماء وجهان (¬4). قال (ج) أصحابنا: ولا ~~يفتقر الدباغ إلى فعل فاعل، فلو أطارت الريح جلد ميتة فوقع في مدبغة طهر ~~وإذا (د) دبغ جاز الانتفاع به بلا خلاف، وفي بيعه قولان للشافعي أصحهما ~~يجوز، وفي أكله ثلاثة أوجه أو أقوال أصحها: لا يجوز (ه والثاني: يجوز ه) ~~والثالث: يجوز جلد المأكول لحمه دون غيره، ومع القول بأن شعر الميتة نجس ~~فلا يطهر الشعر بالدبغ على الأصح، والأشهر من قولي الشافعي: قال أصحابنا ~~ولا يجوز استعمال جلد الميتة قبل الدبغ في الأشياء الرطبة ويجوز في اليابسة ~~على كراهة. انتهي. PageV01P145 # 19 - وعن أبي ثعلبة الخشني - رضي الله عنه - قال: "قلت يا رسول الله إلا ~~بأرض قوم أهل كتاب أفناكل في آنيتهم؟ قال: لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا ~~غيرها فاغسلوها وكلوا فيها" متفق عليه (¬1). # هو جرهم (¬2) بضم الجيم وضم (أ) الهاء ابن ناشب بالنون وكسر الشين ~~المعجمة والباء الموحدة، الخشني بضم الخاء المعجمة وفتح الشين المعجمة ~~وبالنون، وقيل: جرثوم بضم الجيم وضم الثاء المثلثة، وقيل: ابن ناشم، وقيل ~~ابن لاشر (ب)، وقيل: بل اسمه عمرو بن حرقوم، وقيل غير ذلك، اشتهر بكنيته، ~~بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - بيعة الرضوان وضرب له بسهم يوم خيبر، ~~وأرسله إلى قومه فأسلموا، ms0073 نزل الشام، ومات بها سنة خمس وسبعين وقيل: مات ~~زمن معاوية. قال ابن عبد البر: وهو الأكثر. روى عنه أبو (ج) إدريس الخولاني ~~وجبير بن نفير ومكحول. # الحديث فيه دلالة على نجاسة آنية أهل الكتاب وأن رطوبتهم نجسة، إذ أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - باجتنابها ثم رخص بشرط عدم وجدان الغير ~~وغسلها (د "وهو دليل من قال (ه) بنجاسة الكافر مطلقا، وهو مذهب الهادي ~~والقاسم والناصر ومالك (¬3) وهو موافق لظاهر (و) قوله تعالى (د) {إنما ~~المشركون نجس} (¬4) PageV01P146 # ومذهب الباقر (¬1) والمؤيد بالله وأبي حنيفة والشافعي (¬2) والإمام يحيى ~~وجماعة (أن رطوباتهم طاهرة كغيرهم) (أ)، قالوا: لقوله تعالى: {وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم} (¬3)، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ من ~~مزادة المشركة (¬4). # وعن جابر - رضي الله عنه - قال: كنا نغزو مع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم، فنصيب في آنية المشركين وأسقيتهم (فنستمتع بها) (ب)، ولا يعيب ~~ذلك علينا. رواه أحمد وأبو داود (¬5). # وعن أنس أن يهوديا دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى خبز شعير وإهالة ~~سنخة فأجابه. رواه أحمد (¬6)، الإهالة (¬7)، الودس (ج). # وعن عمر الوضوء من جرة نصرانية (¬8) (د)، قال في البحر (¬9): والأولى ~~الاستدلال بأنه لو حرمت رطوبتهم لاستفاض نقل توقيهم لقلة المسلمين حينئذ، ~~وأكثر مستعملاتهم لا تخلو منها ملبوسا ومطعوما، والعادة في مثل ذلك تقتضي ~~الاستفاضة. انتهى. PageV01P147 # وحديث أبي ثعلبة ليس على ظاهره وإنما هو محمول على كراهة (أ) الأكل في ~~آنيتهم، للاستقذار إذ لو كان لأجل النجاسة لم يجعله مشروطا بعدم وجدان ~~الغير إذ الإناء المتنجس بعد إزالة نجاسته هو وما لم يتنجس على سواء، وإنما ~~ذلك للاستقذار فهو كالأكل في المحجمة المغسولة، وأيضا فإن الحديث في رواية ~~أبي داود وأحمد، واللفظ لأبي داود: أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: إنا نجاور أهل الكتاب، وهم يطبخون في قدورهم الخنزير، ويشربون في ~~آنيتهم الخمر، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "إن وجدتم غيرها ~~فكلوا فيها واشربوا" (ب)، وإن لم تجدوا غيرها ms0074 فارحضوها (ج) بالماء، وكلوا ~~واشربوا (¬1)، فالأمر بالاجتناب والغسل إنما هو لما يقع فيها من النجاسة، ~~ليس لأجل رطوبتهم، والمطلق يحمل على المقيد فبطل الاحتجاج به، وأما قوله ~~تعالى: {إنما المشركون نجس} فمعناه ذوو (د) نجس لأن معهم الشرك الذي بمنزلة ~~النجس، ولأنهم لا يتطهرون ولا يغتسلون ولا يتجنبون النجاسات، فهي ملابسة ~~لهم، ولذلك كان نتيجته قوله تعالى: {فلا يقربوا المسجد الحرام} (¬2) أي لا ~~يحجوا ولا يعتمروا ووجب (ه) المصير إلى هذا للجمع بين هذه الآية وآية ~~المائدة وهي أصرح في المقصود وأما الاحتجاج على الطهارة بحديث جابر ففيه ~~نظر، إذ ذلك بعد الاستيلاء، وبعد الاستيلاء غير محل النزاع. # قال في المنتقى: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى المنع من استعمال آنية الكفار PageV01P148 # حتى تغسل إذا كانوا ممن لا تباح ذبيحته، وكذلك من كان من النصارى بموضع ~~متظاهر فيه بأكل لحم الخنزير متمكنا منه، أو يذبح بالسن والظفر ونحو ذلك، ~~وأنه لا بأس بآنية من سواهم جمعا بذلك بين الأحاديث، واستحب بعضهم غسل الكل ~~لحديث الحسن بن علي - رضي الله عنهما - قال: حفظت من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك". رواه أحمد والنسائي والترمذي ~~وصححه (¬1). انتهى. # 20 - وعن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وأصحابه توضأوا من مزادة امرأة مشركة (¬2). متفق عليه في حديث طويل. # هو أبو نجيد بضم النون وكسر الجيم والياء الساكنة والدال المهمنة عمران ~~بن حصين بن عبيد الخزاعي الكعبي، أسلم عام خيبر، وسكن البصرة إلى أن مات ~~بها سنة اثنتين وخمسين، وقيل: سنة ثلاث، وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، ~~أسلم هو وأبوه روى عنه أبو رجاء العطاردي ومطرف بن عبد الله زرارة بن أبي ~~أوفى" (¬3). # تقدم الكلام على فقه الحديث. # 21 - وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - أن قدح النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة. أخرجه البخاري (¬4). PageV01P149 # وحكى البيهقي (¬1) عن موسى بن هارون أو غيره أن الذي ms0075 جعل السلسلة هو أنس ~~لأن لفظه، فجعلت مكان الشعب سلسلة. وجزم بذلك ابن الصلاح. # وقال المصنف (¬2) -رحمه الله تعالى- وفيه نظر لأن في الخبر عند البخاري ~~عن عاصم الأحول قال: رأيت قدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند أنس بن ~~مالك، فكان قد انصدع فسلسه بفضة. قال (أ): وهو قدح جيد عريض نضار. قال أنس: ~~لقد سقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في هذا القدح أكثر من كذا وكذا، ~~قال: وقال ابن سيرين: إنه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها ~~حلقة من ذهب أو فضة، فقال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فتركه. هذا لفظ البخاري (¬3)، وهو يحتمل أن يكون الضمير ~~في فسلسله (ب) بفضة عائد إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم (¬4)، ويحتمل ~~أن يكون عائد إلى أنس (¬5) كما ذكر البيهقي، وجزم به ابن الصلاح إلا أن آخر ~~الحديث يدل على تعين الأول فإنه لما قال له أبو طلحة: لا تغيرن شيئا صنعه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فتركه تصريح بأن القدح لم يتغير عن (ج) ~~موضوعه الأول الذي كان عليه مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي المواهب ~~اللدنية: كان للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قدح مضبب بسلسلة من فضة في ~~ثلاثة مواضع (¬6) وهو يؤيد الأول. PageV01P150 # والحديث يدل على جواز تضبيب الإناء بالفضة، وهو مجمع على جواز ذلك، ~~والشعب: الصدع والشق، والسلسلة مصدر بفتح الفاء: اتصال الشيء بالشئ، ~~(وبالكسر المتخذ لذلك) (¬1) (أ)، والنضار بضم النون خشب للأواني ويكسر ~~(¬2)، ومنه كان منبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # (اشتمل باب الآنية على ثمانية أحاديث) (ب). PageV01P151 ### || AUTO باب إزالة النجاسة وبيانها # 22 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه- قال: "سئل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الخمر تتخذ خلا؟ قال: لا " أخرجه مسلم والترمذي (¬1) وقال: ~~حسن صحيح. # الحديث يدل على أنه لا يجوز أن يتخذ الخمر خلا واتخاذها هو علاجها حتى ~~تصير خلا، وهذا ms0076 مذهب العترة عليهم السلام والشافعي (¬2)، ولأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نهى أبا طلحة لما مسألة عن أيتام ورثوا خمرا، فقال له (أ) ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: "أرقها"، أو قال (ب): ألا أجعلها لهم خلا؟ ~~قال: لا، أخرجه أبو داود والترمذي (¬3) فإن فعل ذلك لم تطهر، ولم تحل عند ~~الهادي والقاسم والشافعي (¬4) وأصحابه للنهي المذكور وهذا إذا كان العلاج ~~بوضع شيء فيها (ج)، وأما إذا كان علاجها (د) بنقلها من الظل إلى الشمس أو ~~العكس فلأصحاب الشافعي PageV01P153 # وجهان أصحهما أنها تطهر (¬1)، وكذا في شرح الأثمار لابن بهران، وفي شرح ~~الفتح أن ذلك علاج فلا تطهر على المذهب، وعند المؤيد بالله (¬2) أنها تطهر ~~بالعلاج، وإن كان حراما للاستحالة، وقال أبو حنيفة (¬3): بل يحل العلاج ~~وتطهر وهو مذهب الأوزاعي والليث لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أم ~~سلمة في تطهير الدباغ لجلود الميتة إن دباغها تحل كما يحل خل الخمر رواه ~~الدارقطني (¬4). # وأجيب أولا بضعف الحديث فإن فيه الفرج بن (¬5) فضالة، وهو ضعيف، وثانيا ~~بأنه (أ) متأول بما تخللت بنفسها من دون علاج (ب، جمعا بين الأحاديث. # قال النووي (¬6) -رحمه الله تعالى- وقد أجمعوا على (ج) أنها إذا تخللت ~~بنفسها من دون علاج (طهرت، وقد حكى عن سحنون (¬7) المالكى أنها لا تطهر، ~~"فإن صح عنه فهو محجوج بإجماع من قبله. انتهى. # وقال الإمام المهدي في (¬8) البحر: بل كثير من أصحابنا أنها لا تطهر د)، ~~كان تخللت بنفسها من دون علاج، ومنهم الإمام أحمد بن سليمان، وعن مالك في ~~تخليل الخمر ثلاث روايات أصحها عنه: أن التخليل حرام فلو خللها عصى PageV01P154 # وطهرت، والثانية: حرام ولا تطهر، والثالثة: حلال وتطهر (¬1). # 23 - وعنه - رضي الله عنه قال: لما كان يوم خيبر أمر رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أبا طلحة فنادى: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ~~فإنها رجس متفق عليه (¬2). # وحديث أنس في البخاري: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاءه جاء ~~فقال: أكلت الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أكلت ms0077 الحمر، ثم جاءه جاء فقال: أفنيت ~~الحمر فأمر مناديا فنادى في الناس: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر ~~الأهلية فإنها رجس فأكفئت القدور وإنها لتفور باللحم (¬3). # وعن ابن عمر مثله (¬4) وعن علي قال: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~المتعة عام خيبر، وعن لحوم الحمر الإنسية (¬5). # وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عام خيبر عن لحوم الحمر (أورخص في لحوم الخيل (¬6). # وعن ابن أو أوفى والبراء قالا: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم ~~الحمر أ) (¬7). PageV01P155 # وعن أبي ثعلبة قال: حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لحوم حمر (أ) ~~الأهلية (¬1)، أخرجها (ب) البخاري، وأخرج الترمذي (¬2) عن أبي هريرة ~~والعرباض بن سارية وأبو داود والنسائي عن خالد بن الوليد وعمرو بن شعيب عن ~~أبيه بن جدة (¬3) وأبو داود والبيهقي من حديث المقدام بن معد يكرب مثله ~~(¬4) ورواه الدارمي من طريق مجاهد عن ابن عباس قال: نهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية (¬5)، وفي رواية لمسلم ~~(¬6) قال:. هريقوها واكسروها، فقال رجل: يا رسول الله لو نهريقها ونغسلها، ~~قال: أو ذاك، وفي رواية (¬7) لمسلم: ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس أو ~~نجس فأكفئت القدور بما فيها. # والحديث يدل على تحريمها وقد اختلف العلماء في المسألة، فقال الجماهير من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم تحريم لحومها لهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة، ~~وقال ابن عباس: ليست بحرام. # وفي الصحيحين (¬8) من رواية الشعبي عن ابن عباس: لا أدري أنهي عنها من ~~أجل أنها كانت حمولة الناس أو حرمة. PageV01P156 # وفي البخاري عن عمرو بن دينار: قلت لجابر بن زيد: يزعمون أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الأهلية، فقال: قد كان يقول ذلك الحكم ~~بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة. ولكن أبي ذلك البحر (¬1). # وعن مالك ثلاث روايات أشهرها أنها مكروهة (أ) كراهة تنزيه شديدة، والثاني ~~حرام، والثالث مباحة (ب)، وحجته عموم قوله تعالى: {قل لا أجد} الآية (¬2) ~~وابن ms0078 عباس تلاها جوابا عمن مسألة عن تحريمها، أخرجه البخاري (¬3)، وأيضا ~~فإن أبا داود (¬4) أخرج عن غالب بن الحر قال: أصابتنا سنة فلم يكن في مالي ~~شيء أطعم أهلي إلا شيء من حمر، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حرم لحوم الحمر الأهلية، فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقلت يا رسول ~~الله أصابتنا السنة، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، وإنك حرمت ~~لحوم (ج) الحمر الأهلية، فقال: "أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من ~~أجل جوال القرية"، يعني بالجوال التي تأكل الجلة، وهي العذرة. وأجيب بأن ~~الآية مخصصة بالأحاديث الصحيحة المتقدمة. # وهذا الحديث مضطرب مختلف الإسناد شديد الاختلاف وإن صح حمل على الأكل ~~منها في حال الاضطرار. والله أعلم. # وفي قوله: اكسروها، وقال رجل: أو نغسلها: هذا صريح في نجاستها PageV01P157 # وتحريمها (أوقوله في الرواية الأخرى: فإنها رجس أو نجس صريح أيضا ويدل ~~على غسل ما أصابته النجاسة أ)، ولا يجب التسبيع إذ أطلق الغسل. وقال أحمد ~~في أشهر الروايتين عنه: إنه يجب التسبيع (¬1)، وفي الأمر بكسرها يحتمل أنه ~~كان بوحي أو باجتهاد ثم نسخ، وتعين الغسل، ولا يجوز الكسر إذ هو إضاعة مال. # وفيه دلالة على أنه إذا غسل الإناء فلا بأس باستعماله، والله أعلم. # والإنسية بسكون النون مع فتح الهمزة وكسرها والإنسي: الأنس من كل شيء. # وقوله: ينهيانكم، يرد عليه كيف جمع في الضمير مع نهيه - صلى الله عليه ~~وسلم - لثابت بن قيس في قوله: ومن يعصهما (¬2) إلا أن تكون هذه حكاية لقول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لا من قول أبي طلحة وذلك غير ممتنع منه إنما ~~يمتنع وقوع ذلك من غيره، وقد ورد أيضا في البخاري من أن يكون الله ورسوله ~~أحب إليه مما سواهما (¬3) وذكر معنى هذا الزركشي (ب) في شرح البخاري. ~~(وسيأتي تمام الكلام عليه في كتاب البيوع إن شاء الله تعالى) (ج). # 24 - وعن عمرو بن خارجة - رضي الله عنه - قال: "خطبنا رسول الله - صلى ~~الله عليه ms0079 وسلم - بمنى، وهو على راحلته، ولعابها يسيل على كتفي" أخرجه أحمد ~~والترمذي. وصححه (¬4). PageV01P158 # هو عمرو بن خارجة بن المنتفق (¬1) بضم الميم والنون الساكنة والتاء فوقها ~~نقطان المفتوحة وكسر الفاء وبعدها قاف، الأنصاري حليف أبي سفيان، عداده في ~~أهل الشام، روى عنه عبد الرحمن بن غنم بفتح الغين المعجمة وسكون النون، ~~وشهر بن حوشب بفتح الشين المعجمة وسكون الهاء حوشب بفتح الحاء المهملة ~~وسكون الواو بالشين المعجمة والباء الموحدة. # والحديث يدل على أن لعاب ما يؤكل لحمه طاهر والظاهر أنه إجماع (¬2) ~~واللعاب بضم أوله ما سال من الفم. # 25 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ويغسل المني، ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر ~~الغسل فيه". متفق عليه (¬3). # ولمسلم: "لقد كنت أفركه من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فركا ~~فيصلي فيه" (¬4) وفي لفظ له: "لقد (أ) كنت أحكه يابسا بظفري من ثوبه" (¬5). PageV01P159 # أخرجه البخاري من خمس طرق من حديث سليمان بن يسار عن عائشة بألفاظ ~~مختلفة، وفي جميعها أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وفي بعضها (1): وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء. وفي أخرى (2) فيخرج ~~إلى الصلاة، كان بقع الماء في ثوبه. وفي أخرى (3): وأثر الغسل فيه بقع ~~الماء. وفي أخرى (4) أنها كانت تغسل المني من ثوب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ثم أراه فيه بقعة أو بقعا والظاهر عود الضمير إلى المنى، ~~وجعله البخاري في باب إذا غسل الجنابة ولم يذهب أثرها (¬5)، ولم يذكر ~~البخاري الفرك في شيء من المرفوع وإنما جعله ترجمة باب، وقال البزار في ~~حديث البخاري: إن مداره على سليمان بن يسار وهو لم يسمع من عائشة وقد سبقه ~~إلى ذلك الشافعي في الأم (¬6) حكاه عن غيره، وزاد (أ) أن عمرو بن ميمون ~~الراوي عن سليمان بن يسار غلط في رفعه، وإنما (ب) هو من فتوى سليمان انتهى. # وقد تبين من تصحيح البخاري وموافقة مسلم له على ms0080 تصحيحه صحة سماع سليمان ~~منها، وأن رفعه صحيح، وليس بين فتواه وروايته تناف (¬7). # وروى البيهقي والدارقطني وابن خزيمة وابن الجوزي (¬8) من حديث محارب بن ~~دثار عن عائشة قالت: "ربما حتته من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو يصلي" لفظ PageV01P160 # الدارقطني، ولفظ ابن خزيمة: أنها كانت تحت المني من ثوب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وهو يصلي (¬1)، ورواه ابن حبان أيضا ولابن حبان من حديث ~~الأسود بن يزيد عن عائشة قالت: لقد رأيتني أفرك المني من ثوب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، وهو يصلي (¬2)، ورجاله رجال الصحيح. # الحديث يدل على وقوع الغسل أو الحت أو الفرك للمني، وهل ذلك على سبيل ~~الوجوب أو على جهة الندب؟ لم يصرح في الحديث بشيء من ذلك، واختلف العلماء ~~في مني الآدمي، فمذهب (أ) العترة عليهم السلام وأبي حنيفة وأصحابه ومالك ~~ورواية عن أحمد (¬3) أنه نجس، ودليلهم على ذلك روايات الغسل وحديث عمار: ~~"إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمني والدم والقيء" (¬4)، وتأخير عمر ~~الصلاة عن أول وقتها حتى وجد الماء وغسل ثوبه من الاحتلام (¬5)، وقياسا على ~~سائر الفضلات المستقذرة من البول والغائط، لانصبابها الجميع إلى مقر، ~~وانحلالها عن الغذاء، ولأن الأحداث الموجبة للطهارة (ب) نجسة، المني منها، PageV01P161 # ولأنه يجري مجرى البول، فتعين لغسله الماء عند العترة ومالك، كغيره من ~~النجاسات، وقول حديث الفرك بأنه مع مخالطة الماء، وحت عائشة له من ثوب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لعله لم يشعر به أو لأن منيه طاهر وهو من ~~الخصائص، وعند أبي حنيفة يغسل بالماء الرطب، ويحت اليابس منه عملا ~~بالحديثين كما في ذلك النقل (أ) من النجاسة (¬1)، ومذهب الشافعي (¬2) ~~وأصحاب الحديث، وهو رواية عن علي عليه السلام وسعد بن أبي وقاص وابن عمر ~~وعائشة وداود وأحمد (¬3) في أصح الروايتين عنه أنه طاهر ودليله على ذلك ~~حديث ابن عباس قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المني يصيب ~~الثوب، قال (ب) "إنما هو بمنزلة المخاط والبزاق والبصاق"، وقال: "إنما ~~يكفيك ms0081 أن تمسحه بخرقة أو إذخرة" أخرجه الدارقطني والبيهقي (¬4) من طريق ~~إسحاق الأزرق، ورواه الطحاوي (¬5) من حديث خبيب بن أبي عمرو عن سعيد بن ~~جبير عن ابن عباس أيضا، ورواه البيهقي من طريق عطاء عن ابن عباس PageV01P162 # موقوفا. قال البيهقي: الموقوف هو الصحيح، فتشبيهه بالخاط والبزاق دليل ~~الطهارة كما أنهما طاهران، وأما الأمر بمسحه بالخرقة أو الإذخرة فيحتمل أن ~~ذلك لأجل إزالة الدرن المستكره بقاؤه في ثوب الصلاة، وقد يعارض بأن حديث ~~الغسل والفرك أصح وأشهر، ولأنهما من (أ) رواية الصحيحين وهما أرجح: (وفي ~~رواية ابن خزيمة (¬1) عن عائشة كان (ب) يسلت المنى من ثوبه بعرق الإذخر، ثم ~~يصلي فيه) (ج)، ويجاب عن ذلك بأنه لم يكن فيهما أمر من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لها بذلك وإنما ذلك حكاية فعل منها أو من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وهذا قول صريح في الطهارة ويرد ذلك بأنه قد ورد الأمر في ~~رواية أنه قال لعائشة في المني: "اغسليه رطبا وافركيه يابسا" (¬2)، ويجاب ~~عنه بأن ابن الجوزي قال في التحقيق: هذا الحديث لا يعرف بهذا السياق (¬3) ~~وإنما نقل إنها هي (د) كانت تفعل ذلك كما تقدم. # قال المصنف -رحمه الله تعالى-: أما الحت فقد ورد الأمر به في رواية صحيحة ~~لما أجنب ضيف كان عند عائشة فغسل الثوب من الجنابة، فقالت عائشة - رضي الله ~~عنها -: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا بحته (¬4). وأما حديث ~~عمار فقد قيل عليه: إنه تفرد به ثابت بن حماد (¬5) عن علي بن زيد بن PageV01P163 # جدعان (¬1)، وثابت ضعفه البزاز في مسنده وابن عدي في الكامل والدارقطني ~~والبيهقي والعقيلي في الضعفاء وأبو نعيم في المعرفة (¬2) إلا أبا يعلى فإنه ~~أورد الحديث ولم يضعفه (¬3) واتهمه الأزدي بالوضع، وقال هبة الله الطبري: ~~أجمعوا على ترك حديثه، وقال البزار (¬4): لا يعلم لثابت إلا هذا الحديث، ~~وقال الطبراني: تفرد به ثابت بن حماد، ولا يروى عن عمار إلا بهذا (أ) ~~الإسناد، وقال البيهقي (¬5): هذا حديث باطل، إنما رواه ثابت بن حماد، ms0082 وهو متهم. # قال المصنف (¬6) -رحمه الله-: ورواه البزار والطبراني من طريق إبراهيم بن ~~زكريا العجلي عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد، لكن إبراهيم ضعيف، وقد غلط ~~فيه إنما يرويه ثابت بن حماد. # وأما غسل عمر فليس بحجة، لأن للاجتهاد في مثل هذا الحكم مسرحا، فلا يكون ~~توقيفا. # وأما القياس على سائر المستقذرات، فلا قياس مع النص. # وأما تأويل الفرك بأنه مع الماء (¬7)، فهو خلاف الظاهر، وكون النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يشعر به حتى دخل في الصلاة فهو بعيد. PageV01P164 # وأما كونه من الخصائص، فهو قريب إلا أنه يبعده أنه عن جماع وقد اختلط ~~بمني المرأة، فلم يستقم كونه منه وحده حتى يكون من الخصائص، وقد أجيب عنه ~~بأنه يجوز أن يكون عن احتلام، وهو جائز عليه - صلى الله عليه وسلم -، ولا ~~نسلم أنه إنما يكون من تلعب الشيطان، وقد أجير منه فإنه قد يكون من فيضان ~~الشهوة واستحكامها، أو أنه قد وقع منه (أ) مقدمات جماع، فسقط من المني شيء ~~على الثوب، ويرد على من عدا أبي حنيفة تعارض حديث الفرك وحديث الغسل، ويجاب ~~على (ب) أصل من قال بنجاسته بأن الغسل مع الرطوبة كاف، وأما إذا كان يابسا ~~فالفرك لتزول العين ثم الغسل قياسا على سائر النجاسات ولم يكن في الحديث ~~حصر على الفرك حتى يدفع القياس. # وأما على من قال بطهارته فيقول: الغسل للندب لأجل التنظيف وليس للوجوب ~~واستدل بعض الشافعية على (طهارة) (ج) رطوبة فرج المرأة بالفرك. # قال: ومن قال إن المني لا يسلم من المذي فيتنجس به لم يصب، لأن الشهوة ~~إذا اشتدت خرج النبي دون المذي والبول كحالة الاحتلام (¬1)، وحكي عن بعض ~~الشافعية أنه قال بنجاسة مني المرأة دون الرجل، وبعضهم بأن المجتمع من ~~المرأة والرجل نجس، وهو قول شاذ وعلى القول بطهارته في حل أكله وجهان (¬2)، PageV01P165 # أحدهما لا يحل لأنه مستقذر فهو داخل في جملة الخبائث المحرمة والثاني أنه ~~يحل، وهو ضعيف، وأما مني سائر الحيوانات غير الآدمي فالكلب والخنزير ~~والمتولد ms0083 من أحدهما نجس بلا خلاف، وما عداها (أ) فعند الشافعي ثلاثة أوجه، ~~أصحها أنها كلها طاهرة من مأكول اللحم وغيره، والثاني نجسة، والثالث (ب) من ~~مأكول اللحم طاهر وغيره نجس (¬1). # 26 - وعن أبي السمح - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام" أخرجه أبو داود ~~والنسائي وصححه الحاكم (¬2). # هو إياد خادم النبي - صلى الله عليه وسلم - بكسر الهمزة وتخفيف الياء ~~تحتها نقطتان، روى عنه محل بضم الميم وكسر الحاء المهملة وتشديد اللام، ~~يقال: إنه ضل ولا يدرى أين مات (¬3). PageV01P166 # الحديث وأخرجه أيضا البزار وابن ماجه وابن خزيمة من حديث أبي السمح قال: ~~كنت أخدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأتي بحسن أو حسين فبال على ~~صدره فجئت أغسله، فقال: "يغسل .. " الحديث. قال البزار وأبو زرعة: ليس لأبي ~~السمح غيره، ولا أعرف اسمه. وقال البخاري: حديث حسن، ورواه أحمد وأبو داود ~~وابن خزيمة وابن ماجه والحاكم من حديث لبابة بنت الحارث (¬1) قالت: كان ~~الحسين، وذكرت القصة وقال في آخره: إنما يغسل في بول الأنثى، وينضح من بول ~~الذكر. ورواه الحاكم والطبراني (¬2) من حديثهما (1) مطولا، وروى أحمد وأبو ~~داود والترمذي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من حديث علي ابن أبي ~~طالب (¬3) - رضي الله عنه (ب) - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~بول الرضيع: "ينضح بول الغلام، ويغسل بول الجارية". # قال قتادة (¬4) راويه (ج): هذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسلا، لفظ الترمذي ~~وقال (¬5): حسن، رفعه هشام، ووقفه سعيد. # قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وإسناده صحيح إلا أنه اختلف في رفعه ووقفه ~~و (د) في وصله وإرساله، وقد رجح البخاري صحته وكذا الدارقطني وقال PageV01P167 # البزار: تفرد برفعه معاذ بن هشام عن أبيه (¬1). # وفي الباب غير ذلك من حديث عمرو بن شعيب (¬2) وآثار عن أم سلمة (¬3) وعن ~~أنس (¬4) وعن امرأة من أهل البيت. قال حسين (أ) بن علي أو ابن حسين بن علي ~~عليهما السلام: حدثتنا امرأة من ms0084 أهلنا رواه أحمد بن منيع في مسنده وعن ابن ~~عمر وابن عباس وفي أحاديث أكثر هؤلاء أن صاحب القصة حسن أو حسين وفي حديث ~~عائشة وفي رواية الدارقطني أن ابن الزبير بال على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - .. الحديث (¬5) (¬6) وفي البخاري: أتى بصبي إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فبال على ثوبه، فدعا بماء فنضحه، ولم يغسله (¬7). ~~وفي الطبراني من حديث الحسن البصري عن أمه أن الحسن أو الحسين بال على بطن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .. الحديث (¬8)، وفي المصنف وصحيح ابن ~~حبان عن ابن شهاب مضت السنة أن يرش بؤل من لم يأكل الطعام من الصبيان (¬9). # وروى الدارقطني من حديث عكرمة عن ابن عباس قال: أصاب ثوب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - PageV01P168 # أو جلده بول صبي، وهو صغير، فصب عليه من الماء بقدر ما كان البول. ~~وإسناده ضعيف (¬1). # الحديث فيه دلالة على التفرقة بين بول الصبي وبول (أ) الصبية، وأنه يجب ~~فيهما استعمال الماء، وإنما التفرقة في كيفية الاستعمال وهو يدل على نجاسته ~~مطلقا، (ب (وقد اختلف العلماء في النجاسة وفي حكم التطهير، أما النجاسة ~~فمذهب العترة والجمهور من العلماء أنه نجس مطلقا) (ب) (ج)، قال داود ~~الظاهري بطهارة (د) بول الصبي) (ه)، وقال الطحاوي: قال قوم بطهارة بول ~~الصبي قبل الطعام (¬2) وكذا جزم به (و) ابن عبد البر (¬3) وابن بطال ومن ~~تبعهما عن الشافعية وأحمد وغيرهما ولم تعرف ذلك الشافعية ولا الحنابلة. قال ~~النووي (¬4): هذه حكاية باطلة انتهى. PageV01P169 # وأما التفرقة في التطهير بينهما فقالت العترة وأبو حنيفة، وهو المشهور عن ~~مالك (¬1) وأهل الكوفة هما على سواء فيغسلان جميعا، قال الإمام المهدي في ~~البحر بحديث عمار فإنه أطلق (أ) البول وقياس على سائر النجاسات، والرش هو ~~غسل خفيف، قال: وأما حديث النضح فلم (ب) يصح قلت: الرش انتهى إلى النضح فإن ~~الرش هو تنقيط الماء فانتهى إلى النضح فلا تخالف بين الروايتين. ثم قال ~~الإمام: قلت وفيه نظر، إذ ظاهر الخبر الفرق ولكن يقال: لا يبنى ms0085 العام على ~~الخاص إلا حيث قارن أو تأخر ومع اللبس الترجيح، وخبر عمار أرجح لظهوره، هذا ~~كلامه في البحر (¬2)، (وهذا مبني علي أن العام المتأخر ناسخ للخاص المتقدم ~~كما ذهب إليه جماعة من قدماء أهل البيت والحنفية (¬3)، وأما على ما ذهب ~~إليه المتأخرون من الأئمة والشافعي وغيرهم (ج) من المحققين (د) أن الخاص ~~المتقدم يخصص العام المتأخر فلا يستقيم فتأمل (¬4)) (ه) وقالت الشافعية ~~(¬5) في أصح وجوه ثلاثة: إنه يكتفى في بول الصبي بالنضح دون الصبية، وهو ~~قول علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - وعطاء والحسن والزهري وأحمد وإسحاق ~~وابن وهب وغيرهم، ورواه الوليد بن مسلم عن مالك، وقال أصحابه: هي رواية ~~شاذة. PageV01P170 # 27 - وعن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنهما - "أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال في دم الحيض يصيب الثوب: "تحته ثم تقرصه بالماء، ثم تنضجه، ~~ثم تصلي فيه" متفق عليه (¬1). # هي أسماء بنت أبي بكر الصديق وتسمى ذات النطاقين، لأنها شقت نطاقها ليلة ~~خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا (¬2)، فجعلت واحدا شدادا لسفرته، ~~والآخر عصابا لقربته، وقيل: جعلت النصف الثاني نطاقا لها، وهي أم عبد الله ~~بن الزبير ابن العوام أسلمت بمكة قديما، قيل: أسلمت بعد سبعة عضر إنسانا، ~~وبايعت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتزوجها الزبير بمكة، ثم طلقها ~~بالمدينة، ويقال إن ابنها عبد الله وقف يوما بالباب فلما جاءه الزبير ليدخل ~~البيت منعه فسأله عن ذلك فقال: ما أدعك تدخل حتى تطلق أمي، فامتنع عليه ~~وأبي إلا طلاقها، فسأله عن السبب فقال: مثلي لا يكون له أم، توطأ، أو كما ~~قال، فطلقها الزبير (¬3)، وبقيت عند ابنها إلى أن قتل، وهي أكبر من عائشة ~~بعشر سنين، وماتت بعد أن قتل ابنها بعشرة أيام، وقيل: بعشرين يوما وقيل: ~~ببضع وعشرين يوما بعد ما أنزل ابنها من الخشبة، ولها مائة سنة، وذلك سنة ~~ثلاث وسبعين بمكة، ولم يقع لها سن ولم ينكر من PageV01P171 # عقلها شيء، وكانت قد أضرت، روى عنها ابنها عبد الله وعروة وعبد ms0086 الله بن ~~عباس وغيرهم (¬1). # الحديث في الصحيحين أن أسماء قالت: جاءت امرأة إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الخ .. وظاهر اللفظ أن السائل غيرها، وأخرج الشافعي (¬2) عن أسماء ~~قالت: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال النووي (¬3): إن هذا ~~الإسناد الذي فيه تعيين أن السائلة أسماء ضعيف وقد تبع ابن الصلاح وجماعة، ~~وليس كذلك بل هو إسناد صحيح (¬4) ولا يبعد أن يبهم الراوي اسم نفسه، وذكر ~~الشيخ تقي الدين في الإمام (¬5) من رواية محمد بن إسحاق بن يسار أن أسماء ~~قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وسألته امرأة عن دم الحيض ~~يصيب ثوبها، فقال: "اغسليه". # ورواه ابن ماجه بلفظ "اقرضيه واغسليه وصلي فيه" (¬6) .. ولابن أبي شيبة ~~(¬7) اقرصيه بالماء واغسليه وصلي فيه". # وروى أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم ~~قيس بنت محصن أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن دم الحيضة (أ) ~~يصيب الثوب، PageV01P172 # فقال: "حكيه بصلع، واغسليه بماء وسدر" (¬1) وقال ابن القطان: إسناده في ~~غاية الصحة، ولا أعلم له علة (¬2). # وقوله: (أبصلع بفتح الصاد المهملة وإسكان اللام ثم عين مهملة وهو الحجر، ~~ووقع أ) في بعض المواضع بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام. قال ابن دقيق ~~العيد: ولعله وهم (¬3) (ب) وقوله:. تحته بالفتح وضم المهملة وتشديد المثناة ~~الفوقانية أي تحكه، وكذا رواه ابن خزيمة والمراد بذلك إزالة عينه، وقوله: ~~ثم تقرصه، بالفتح وإسكان القاف وضم الراء والصاد المهملتين (ج)، كذا في ~~رواية الشيخين، وحكى القاضي عياض وغيره (¬4) فيه الضم وفتح القاف وتشديد ~~الراء المكسورة أي تدلك موضغ الدم بأطراف أصابعها ليتحلل بذلك ويخرج ما ~~تشربه (د) الثوب منه، وقوله: (ه) وتنضحه، بفتح الضاد المعجمة أي تغسله. قال ~~الخطابي (¬5). PageV01P173 # وقال القرطبي: المراد به الرش لأن غسل الدم استفيد من قوله: تقرصه بالماء ~~وأما النضح فهو لما شكت فيه من الثوب (¬1)، وعلى هذا فالضمير في قوله: ~~تنضحه للثوب، ويلزم تفكيك الضمائر فالأولى الأول. # والحديث فيه دلالة على أن النجاسات إنما تزال بالماء ms0087 دون غيره من ~~المائعات، لأن جميع النجاسات بمثابة الدم ولا فرق بينه وبينها إجماعا، ولا ~~يقال: هو مفهوم لقب لا يعمل به عند اكثر، لأنا نقول لما ذكر في بيان حكم ~~وقوع الدم في الثوب، واقتصر عليه دل على أنه لا غيره، إذ لو كان غيره لوجب ~~البيان، ولكنه ورد في حديث عائشة: ما كان لإحدانا إلا ثوب واحد تحيض فيه، ~~فإذا أصابه شيء من دم الحيض قالت بريقها، فمضغته بظفرها (¬2)، ولأبي داود: ~~(بلته) (أ) بريقها. فلو كان الريق لا يطهر لزاد النجاسة، ولعله يقال: هذا ~~لا يعارض فإنه موقوف وذلك مرفوع والمرفوع أحق بالاعتبار. # 28 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قالت خولة: يا رسول الله، فإن ~~لم يذهب الدم؟ قال "يكفيك الماء، ولا يضرك أثره"، أخرجه الترمذي وسنده ضعيف (¬3). # وأخرج أحمد وأبو داود في (ب) طريق ابن الأعرابي والبيهقي (¬4) عن خولة ~~بنت PageV01P174 # يسار قالت: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - عن دم الحيض، فقال: ~~"اغسليه"، فقلت: اغسله فيبقى أثره، فقال: - صلى الله عليه وسلم -: "الماء ~~يكفيك ولا يضرك أثره" وفيه ابن لهيعة" (¬1). # قال إبراهيم الحربي (أ): لم يسمع بخولة (ب) بنت يسار إلا في هذا الحديث، ~~ورواه الطبراني (¬2) في الكبير من حديث خولة بنت حكيم، وإسناده أضعف من ~~الأول، وأخرج الدارمي (¬3) موقوفا على (ج) عائشة أنها قالت: "إذا غسلت ~~المرأة الدم فلم يذهب، فلتغيره بصفرة أو زعفران، ورواه أبو داود (¬4) بلفظ: ~~قلت لعائشة في دم الحيض يصيب الثوب قالت: تغسله فإن لم يذهب أثره فلتغيره ~~بشيء من صفرة (د). # والحديث يدل على (ه) أنه يكفي في إزالة النجاسة الماء، ولا يجب استعمال ~~شيء آخر من الحواد وهو مذهب المؤيد بالله وأبي طالب (¬5) والناصر والمنصور PageV01P175 # وأكثر أصحاب أبي حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي، وذهب الهادي والشافعي إلى ~~وجوب استعمال الحاد الذي يعتاد فعله في البلد وميلها (أ)، قال في البحر ~~(¬1): لقولة - صلى الله عليه وسلم - "ثم اقرصيه"، وقوله: "أمطه عنك ~~باذخرة"، ولمطابقته المقصود من الطهارة، وهو أن يكون المصلي ms0088 على أكمل هيئة ~~وأحسن زينة. اه، وقد عرفت أن ما ذكر لا يفيد المطلوب فإن القرص إنما هو ~~فركه بالأصابع، والإماطة بالإذخرة إنما هو دليل لمن (ب) قال: المني طاهر ~~فإنه اكتفى بإماطته من دون غسل فالقول الأول أظهر، واتفقوا على أنه يعفى ~~عما بقي بعد استعمال الحاد، وأن أثر (ج) المتنجس لا يجب استعمال الحاد له، ~~وأن التغيير (د) للأثر بالصفرة إنما هو ندب إلا عند داود فيجب لظاهر أمر عائشة. # (اشتمل باب إزالة النجاسة على سبعة أحاديث) (ه). PageV01P176 ### || AUTO باب الوضوء # 29 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء" أخرجه مالك ~~وأحمد والنسائي وصححه ابن خزيمة وذكره البخاري تعليقا (¬1). # الحديث متفق عليه من حديث أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، رواه ~~البخاري من حديث مالك (¬2)، ومسلم من حديث ابن عيينة (¬3) وهذا لفظه، ~~كلاهما عنه. قال ابن مندة: وإسناده مجمع على صحته، وقال النووي: غلط بعض ~~الكبار فزعم أن البخاري لم يخرجه (¬4)، وهو في الموطأ موقوف على أبي هريرة ~~(¬5)، ورفعه (أ) عن مالك الشافعي. # وفي الباب عن زيد بن خالد رواه الترمذي وأبو داود (¬6)، وعن علي (¬7) ~~رواه PageV01P177 # أحمد، وعن أم حبيبة (¬1) رواه أحمد أيضا، وعن عبد الله بن عمرو وسهل بن ~~سعد وجابر وأنس رواها (أ) أبو نعيم في كتاب السواك وإسناد (ب) بعضها حسن، ~~وعن ابن الزبير رواه الطبراني (¬2)، وعن ابن عمر (¬3) وجعفر بن أبي طالب ~~رواهما الطبراني أيضا. # ولفظ السواك بكسر السين، قال أهل اللغة: يطلق على الفعل وعلى الآلة وذكر ~~صاحب المحكم (¬4) أنه يذكر ويؤنث، يقال: ساك فمه يسوكه سوكا، فإن قلت: ~~استاك لم تذكر الفم، وجمع السواك: سوك ككتاب وكتب، وقيل إن السواك مأخوذ من ~~ساك إذا دلك، وقيل: من جاءت الإبل تتساوك أي تتمايل هزالا، وهو في اصطلاح ~~العلماء: استعمال عود أو نحوه في الأسنان ليذهب الصفرة وغيرها، والسواك سنة ~~وليس بواجب إجماعا (¬5)، وقد حكي ms0089 الخلاف عن داود فقال واجب (¬6)، ولا تفسد ~~(الصلاة) (ج) بتركه، وعن إسحاق بن راهويه (¬7) فقال: واجب وتفسد الصلاة ~~بتركه عمدا، وقد أنكرت الرواية عنهما (¬8). أو مسبوقان بالإجماع، فلا ~~اعتداد (د). PageV01P178 # والحديث صريح في عدم الوجوب، وقوله: لأمرتهم، أي أمر إيجاب، وهو دليل ~~أيضا على أن الأمر حقيقة في الوجوب، إذ السواك مسنون إجماعا وما ورد من ~~الأمر به فهو محمول على الندب كحديث (أ) أبي أمامة (¬1) مرفوعا: تسوكوا فإن ~~السواك مطهرة (ب) للفم. # أخرجه ابن ماجه وفيه علي بن يزيد الألهاني (¬2)، وهو ضعيف جدا، وحديث ~~العباس مرفوعا: "تدخلون علي قلحا (¬3)، استاكوا". # رواه البزار (¬4) في مسنده، وروى (ج) أحمد في مسنده من حديث تمام عن ~~العباس بلفظ: "ما لي أراكم تأتوني قلحا؟ استاكوا" (¬5). رواه البيهقي في ~~سننه من حديث ابن عباس: "عليك بالسواك فإنه مطهرة للفم" (¬6). وفيها أبو ~~علي الصيقل وهو مجهول، قاله ابن السكن وغيره. # وحديث ابن عباس تفرد به الخليل بن قرة، وهو منكر الحديث، كما قال ~~البخاري. # واعلم أن السواك يستحب في جميع الأوقات، ويشتد استحبابه في خمسة PageV01P179 # أوقات أحدها: عند الصلاة سواء كان متطهرا بماء أو تراب أو غير متطهر كمن ~~لم يجد ماء ولا ترابا. الثاني: (أعند الوضوء، الثالث أ): عند قراءة القرآن. ~~الرابع عند الاستيقاظ من النوم. الخامس: عند تغير الفم، وتغيره يكون بأشياء ~~منها: ترك الأكل والشرب، ومنها: أهل ما له رائحة كريهة، ومنها: طول السكوت، ~~ومنها: كثرة الكلام. ومذهب الشافعي (¬1) أن السواك يكره للصائم بعد زوال ~~الشمس لئلا تزول رائحة الخلوف المستحبة، ويستحب أن يستاك بعود من أراك، ~~وبأي شيء استاك مما يزيل التغيير (ب) كالخرقة الخشنة والسعد والأشنان، ~~والإصبع إن كانت لينة لم يحصل بها السواك، وإن كانت خشنة ففيها ثلاثة أوجه ~~للشافعية، المشهور: لا تجزئ، والثاي تجزئ، والثالث تجزئ إن لم يجد غيرها، ~~والمستحب أن يستاك بعود متوسط لا شديد اليبس يجرح ولا رطب لا يزيل، ويستاك ~~عرضا لا طول لئلا يدمي لحم أسنانه، وأن يمر السواك أيضا على طرف أسنانه ms0090 ~~وكرسي أضراسه، وسقف حلقه إمرارا لطيفا، وأن يبدأ في سواكه بالجانب الأيمن ~~من فمه، ولا بأس باستعمال سواك غيره بإذنه، وأن يعود الصبي السواك ليعتاده. # وفي الحديث دليل على جواز الاجتهاد (¬2) للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فيما لم يرد فيه نص من PageV01P180 # الله تعالى، وهذا مذهب أكثر الفقهاء وأصحاب الأصول، وفيه بيان ما كان ~~النبي (أ) - صلى الله عليه وسلم - عليه من الرفق بأمته (ب)، وفيه دليل على ~~فضيلة السواك عند كل صلاة، وفي رواية مسلم: "عند كل صلاة" (¬1) فإن قيل: من ~~أين أخذ سنيته، وحديث الباب إنما مفهومه رفع وجوبه خشية المشقة ورفع الوجوب ~~أعم من السنة؟ قلت: لما دل الحديث على ما ذكر، وعلم (ج) مواظبة (د) النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وأن ذلك ليس خاصا به كان مع ذلك مشروعا في (حقنا) ~~للتأسي به، وقد ارتفع الوجوب، فتعين الندب والسنة لأنه صار عادة وطريقة منه ~~- صلى الله عليه وسلم - والله سبحانه أعلم (¬2). وأيضا فلما في تلك ~~الأحاديث من الأمر كان كان فيها ضعف (ز) فبعضها مقو للبعض. # وحديث أبي أيوب: أربع من سنن المرسلين، (الحناء) (ح) والسواك والتعطر ~~والنكاح. رواه أحمد والترمذي (¬3)، ورواه ابن أبي خيثمة وغيره من PageV01P181 # حديث مليح بن عبد الله عن أبيه عن (¬1) جده نحوه، ورواه الطبراني (¬2) من ~~حديث ابن عباس وحديث عائشة (¬3) عشر من الفطرة فذكر فيها السواك. رواه ~~مسلم، وأبو داود من حديث عمار (¬4)، وحديث أبي هريرة: الطهارات أربع فذكر ~~فيها (أ) السواك. رواه (ب) البزار ورواه الطبراني (¬5) من حديث أبي ~~الدرداء، وحديث أم سلمة (¬6): ما زال جبريل - عليه السلام - يوصينى بالسواك ~~حتى خشيت أن يدردني (¬7). رواه الطبراني والبيهقي، ورواه ابن ماجه من حديث ~~أبي أمامة (¬8)، ورواه الطبراني (¬9) من حديث سهل بن سعد، ورواه أبو نعيم ~~من حديث جبير بن مطعم وأبو الطفيل وأنس والمطلب بن عبد الله ورواه أحمد ~~(¬10) من طريق ابن عباس ورواه ابن السكن من حديث عائشة، وحديث عائشة (¬11): ~~فضل الصلاة التي يستاك لها على التي لا يستاك لها ms0091 بسبعين ضعفا. رواه أحمد ~~وابن خزيمة والحاكم والدراقطني، وغيرهم، وغر ذلك من الأحاديث فهي قاضية ~~بشرعيته، وإن أفهم بعضها الوجوب فهو مدفوع بحديث الباب فبقى (ج) السنية. PageV01P182 # فائدة: ورد في تعيين ما يستاك به حديث وفد عبد القيس: فأمر لنا بأراك ~~وقال: استاكوا بهذا (¬1)، وذكر البخاري في تاريخه (¬2) نحوا من هذا في ~~قصتهم وفي مسند أبي يعلى من حديث ابن مسعود قال: "كنت أجتني لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - سواكا بن أراك" (¬3)، وروى أبو نعيم في معرفة الصحابة ~~من ترجمة أبي زيد الغافقي (أ) رفعه "الأسوكة ثلاثة: أراك، فإن لم يكن (ب) ~~أراك فعنم أو بطم" (¬4)، قال راويه: العنم: الزيتون (¬5)، وروى الطبراني من ~~حديث معاذ رفعه: "نعم السواك الزيتون من شجرة مباركة يطيب الفم ويذهب ~~الحفر، وهو سواكي وسواك الأنبياء قبلي" (¬6)، وسواك عبد الرحمن بن أبي بكر ~~الذي شق للنبي - صلى الله عليه وسلم - في مرضه، وقع في البخاري "أنه كان ~~جريدة رطبة" (¬7)، ووقع في المستدرك "أنه أراك رطب" (¬8)، ونهى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن السواك بعود الريحان، وقال: "إنه يحرك عرق الجذام"، ~~ذكره ابن أبي شامة في مسنده، وهو مرسل ضعيف (¬9)، وورد في الاستياك بالإصبع ~~من حديث أنس: يجزئ من السواك الأصابع. PageV01P183 # رواه ابن عدي والدارقطني والبيهقي (¬1)، ومن حديث علي (¬2) -رضي الله ~~عنه- أنه دعا بكوز من ماء، فغسل وجهه وكفيه ثلاثا وتمضمض فأدخل بعض أصابعه ~~في فيه رواه أحمد، وقريب منه من حديث عثمان (¬3). رواه أبو عبيد في كتاب ~~الطهور، وروى (أ) الطبراني في الأوسط (¬4) من حديث عائشة، قلت: يا رسول ~~الله الرجل يذهب فوه، أيستاك؟ قال: نعم. قلت: كيف يصنع؟ قال: يدخل إصبعه في ~~فيه. وفيه الوليد بن مسلم، ضعفه ابن حبان (¬5). قال في البدر المنير (¬6): ~~قد ذكر في السواك زيادة على مائة حديث فواعجبا لسنة يأتي فيها الأحاديث ~~الكثيرة ثم يهملها كثير من الناس بل كثير من الفقهاء، فهذه خيبة عظيمة. قال ~~ابن دقيق العيد: السر في استحباب السواك عند القيام إلى الصلاة أنا مأمورون ms0092 ~~في كل حالة من أحوال التقرب إلى الله تعالى أن نكون في حال كمال PageV01P184 # ونظافة إظهارا لشرف العبادة (¬1)، وقد روى البزار (¬2) في مسنده من حديث ~~علي ابن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن العبد إذا تسوك ثم قام يصلي قام الملك خلفه، فيستمع (أ) ~~لقراءته، فيدنو منه، أو كلمة نحوها، حتى يضع فاه على فيه فما يخرج من فيه ~~شيء إلا صار في جوف الملك فطهروا أفواهكم (ب) للقرآن". ورجاله رجال الصحيح، ~~وفيه فضيل بن سليمان النميري وهو كان أخرج (ج) له البخاري ووثقه ابن حبان ~~فقد ضعفه الجمهور (¬3). # 30 - وعن حمران أن عثمان - رضي الله عنه - دعا بوضوء، فغسل كفيه ثلاث ~~مرات ثم مضمض واستنشق واستنثر، ثم غسل وجهه ثلاث مرات، ثم غسل يده اليمنى ~~إلى المرفق ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك، ثم مسح برأسه، ثم غسل رجله ~~اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم اليسرى مثل ذلك ثم قال: "رأيت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - توضأ (د) نحو وضوئي هذا" متفق عليه (¬4). PageV01P185 # وتمام الحديث: فقال: "من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيهما ~~نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه". # هو حمران بضم الحاء وسكون الميم والراء المهملة، ابن أبان بفتح الهمزة ~~وفتح الباء الموحدة وهو ابن عم صهيب بن سنان من سبي عين التمر، سباه خالد ~~بن الوليد فوجده غلاما كيسا أحمر فوجهه إلى عثمان (¬1) فأعتقه، صحيح ~~الحديث، حديثه عند أهل المدينة. روى عن عثمان بن عفان وروى عنه عروة بن ~~الزبير ومحمد بن المنكدر وزيد بن أسلم. # الوضوء بفتح الواو اسم الماء وبضمها (أ) الفعل على الأكثر وحكى في كل ~~منهما الاطراد وهو مشتق من الوضاءة لأن المصلي يتنظف به فيصير وضيئا، وهو ~~يحتمل أن يكون اسما للماء المعد للوضوء فلا يصلح احتجاج القائل بأن الماء ~~المستعمل طاهر بحديث جابر "فصب علي من وضوئه" (¬2) وأن يكون اسما للماء ~~الذي وقع به الفعل وهو ما ms0093 انفصل عن الأعضاء فيصلح الاحتجاج بالحديث ~~المذكور. # قوله: فغسل كفيه، هذا دليل على أن غسلهما في الوضوء سنة (¬3) وهو كذلك ~~باتفاق العلماء، وقوله ثم مضمض، ثم: مشعرة بالترتيب على حقيقة وضعها ~~والمضمضة مشعرة بالتحريك (¬4)، ومنه مضمض النعاس في عينيه، واستعملت هنا ~~لتحريك الماء في الفم، وقيل: المضمضة أن تجعل الماء في الفم، PageV01P186 # ثم تمجه، فعلى هذا لو ابتلع لم يفعل المضمضة، وعند أصحاب الشافعي (¬1) ~~كمالها أن يجعل الماء في فيه، ثم يديره فيه، ثم يمجه، وأقلها أن يجعل الماء ~~في فيه ولا يشترط إدارته على المشهور عندهم وعند بعضهم يشترط. وأما ~~الاستنشاق فهو إيصال الماء إلى داخل الأنف وجذبه بالنفس إلى أقصاه، ويستحب ~~المبالغة فيهما إلا أن يكون صائما والاستنثار: قال جمهور (أ) أهل اللغة ~~والفقهاء والمحدثين هو إخراج الماء من الأنف بعد الاستنشاق (¬2)، وقال ابن ~~الأعرابي وابن قتيبة (¬3) هو الاستنشاق، والصواب الأول بدليل العطف، وهو ~~مأخوذ من النثرة وهي طرف الأنف، وقال الخطابي (¬4) وغيره هي الأنف واهور ~~الأول. قال الأزهري (¬5) روى سلمة عن الفراء أنه يقال: نثر الرجل وانتثر ~~واستنثر (ب) إذا حرك النثرة في الطهارة، ولا كراهة في اجتذاب الماء من دون ~~إعانة اليد وقد حكي عن مالك الكراهة لكونه يشبه فعل الدابة والمستحب أن ~~يكون باليسرى (¬6) بوب عليه النسائي (¬7) وأخرجه مقيدا بها من حديث علي. ~~وقوله: ثم غسل وجهه، الوجه: مشتق من المواجهة، والفقهاء اعتبروا هذا ~~الاشتقاق وبنوا عليه أحكاما. # وقوله: ثلاثا، يفيد استحباب هذا العدد في كل ما ذكر فيه (ج)، وقوله: إلى PageV01P187 # المرافق، المرفق فيه ثلاث لغات: بكسر الميم وفتح الفاء، وبفتح الميم وكسر ~~الفاء كمسجد، وبفتح الميم والفاء كمطلع، وإلى موضوعة للانتهاء، وقد تستعمل ~~بمعنى مع ولكن بين (أأن المراد بها في الآية (¬1) الثاني فعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في حديث جابر "كان يدير الماء على أ) مرفقيه (¬2) " أخرجه ~~الدارقطني بسند ضعيف، وأخرج بسند حسن من حديث عثمان في صفة الوضوء: "فغسل ~~يديه إلى المرفقين حتى مسح أطراف العضدين" (¬3) وفي البزار (¬4) والطبراني ~~من ms0094 حديث وائل بن حجر في صفة الوضوء، وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق، وفي ~~الطحاوي والطبراني من حديث ثعلبة بن عباد عن أبيه مرفوعا، ثم غسل ذراعيه ~~حتى يسيل الماء على مرفقيه (¬5). فهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضا، قال إسحاق ~~بن (¬6) راهويه. إلى في الآية يحتمل أن يكون بمعنى الغاية وأن تكون بمعنى ~~مع، فبينت السنة أنها بمعنى مع قال الشافعي في الأم: "لا أعلم مخالفا في ~~إيجاب دخول المرفقين في الوضوء" (¬7)، وقد خالف في ذلك زفر (¬8) وهو محجوج ~~على هذا بالإجماع قبله PageV01P188 # وكذا من قال بقوله من أهل الظاهر، ولم يثبت مثل ذلك عن مالك صريحا، وإنما ~~حكى عنه أشهب كلاما محتملا (¬1) وقال الزمخشرى (¬2): لفظ "إلى" يفيد معنى ~~الغاية مطلقا فأما دخولها في الحكم وخروجها فأمر يدور مع الدليل، فقوله ~~تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} (¬3) دليل عدم الدخول (أ) النهي عن ~~الوصال، وقول القائل: حفظت القرآن عن (ب) أوله إلى آخره، دليل الدخول كون ~~كلامه مسوقا لحفظ جميع القرآن وقوله تعالى: {إلى المرافق}، لا دليل فيه على ~~أحد الأمرين، قال: فأخذ العلماء بالاحتياط، ووقف زفر مع المتيقن انتهى (¬4) (¬5). # وقوله: ثم مسح برأسه، قال القرطبي: الباء للتعدية يجوز حذفها وإثباتها ~~كقولك (ج): مسحت رأس اليتيم، ومسحت برأسه، وقيل (د) دخلت الباء لتفيد معنى ~~آخر وهو أن الغسل لغة يقتضي مغسولا به والمسح لغة لا يقتضي ممسوحا به (ه) ~~فلو قال: وامسحوا رؤوسكم لأجزأ المسح باليد بغير ماء، فكأنه قال: وامسحوا ~~برؤوسكم الماء وهو من باب القلب، والأصل: وامسحوا رؤوسكم بالماء، والظاهر ~~أنه يجب مسح الرأس جميعه إذ هو اسم للكل، وقال الشافعي (¬6): احتمل قوله ~~تعالى: {وامسحوا برؤوسكم} جميع الرأس أو بعضه، PageV01P189 # ودلت السنة أن بعضه يجزئ والفرق بينه وبين قوله تعالى: فامسحوا بوجوهكم ~~في آية التيمم أن المسح فيه بدل عن الغسل (أ) ومسح الرأس أصل وافترقا، ولا ~~يرد كون مسح الخف بدلا عن غسل الرجل لأن الرخصة فيه ثبتت بالإجماع، والسنة ~~هو ما رواه الشافعي من حديث عطاء "أن رسول ms0095 الله - صلى الله عليه وسلم - ~~توضأ فحسر العمامة عن رأسه ومسح مقدم رأسه" (¬1)، وهو مرسل، لكنه اعتضد ~~بمجيئه من وجه آخر موصولا، أخرجه أبو داود من حديث أنس (¬2)، وفي سنده أبو ~~معقل، لا يعرف حاله، فقد اعتضد كل من المرسل والموصول بالآخر، وحصلت (ب) ~~القوة من الصورة المجموعة (¬3)، وهذه قاعدة للشافعي في العمل بالمرسل (¬4). # وفي الباب أيضا عن عثمان في صفة الوضوء قال: ومسح مقدم رأسه. أخرجه سعيد ~~بن منصور، وفيه خالد بن يزيد بن أبي مالك (¬5)، مختلف فيه، وصح عن ابن عمر ~~الاكتفاء ببعض الرأس قاله ابن المنذر وغيره (¬6)، ولم ينكر عليه أحد من ~~الصحابة، والحديث يدل على عدم تكرير المسح. # وقوله: ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين، وقوله: إلى الكعبين مثلما تقدم ~~في PageV01P190 # إلى (أ) المرفقين، والمشهور أن الكعب هو العظم الناشز عند ملتقى (ب) ~~الساق والقدم، وحكى محمد بن الحسن (¬1) عن أبي حنيفة أنه العظم الذي في ظهر ~~القدم عند معقد الشراك، وروي عن ابن القاسم عن مالك مثله، والأول هو الصحيح ~~الذي يعرفه أهل اللغة، وقد أكثر المتقدمون الرد على من زعم ذلك، ومن أوضح ~~الأدلة على ذلك حديث النعمان بن بشير الصحيح في صفة الصف في الصلاة "فرأيت ~~الرجل منا يلزق كعبه بكعب صاحبه" (¬2). # وقوله: نحو وضوئي ولم يقل مثل وضوئي، لأن حقيقة مماثلته - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يقدر (ج) عليها غيره. # وقوله: لا يحدث فيهما (د) نفسه (ه)، المراد به لا يحدث بشيء من أمور ~~الدنيا، وما لا يتعلق بالصلاة، ولو عرض له حديث فأعرض عنه بمجرد عروضه عفي ~~عن ذلك، وحصلت له هذه الفضيلة إن شاء الله تعالى، لأن هذا ليس من تكليفه، ~~وقد عفي لهذه الأمة عن الخواطر التي تعرض ولا تستقر، وقد أشار إليه بقوله: ~~يحدث إذ هو في معنى يفعل التحديث ولا يكون ذلك إلا مع قصد واعتمال ذكره ~~النووي (¬3). PageV01P191 # قال المصنف (¬1) -رحمه الله- قد ثبت التعبير بمثل (أ) في رواية البخاري ~~(¬2) في الرقاق ولمسلم (¬3) أيضا في حديث حمران من ms0096 طريق زيد بن أسلم وعلى ~~هذا فالتعبير بنحو (ب من تصرف الرواة لأنها تستعمل بمعنى ب) مثل مجازا ~~ولأدن مثل وإن كانت تقتضي المساواة ظاهرا لكنها تطلق على الغالب فبهذا ~~تلتئم الروايتان ويكون المتروك بحيث لا يخل بالمقصود انتهى. والله أعلم) (ج). # وفي الحديث دلالة على استحباب الصلاة بعد الوضوء، وأن هذا من أسبابها ~~ولذلك لا يكره في الأوقات المكروهة عند الشافعي (¬4)، وتحصل الفضيلة بصلاة ~~الفريضة ونحوها، كما تحصل تحية المسجد بها. # والحديث قد صرح فيه بأكمل حالات الوضوء من الترتيب والتثليث فيما عدا ~~المضمضة والاستنشاق ومسح الرأس وتعميم الأعضاء بإفاضة الماء عليها ورتب على ~~ذلك هذه الفضيلة (د المذكورة في تمام الحديث د) وظاهره أنه إذا لم يكن على ~~الصفة المذكورة لم يستحق الفضيلة المذكورة، وأما أنه لا يحصل الوضوء الذي ~~تجزئ به الصلاة المطلقة إلا بهذه الكيفية فلا، وفي ذلك تفصيل. # أما الترتيب ففيه خلف الحنفية (¬5)، وأما التثليث فغير واجب إجماعا وقد PageV01P192 # صرح بذلك في الأحاديث الصحيحة من وضوئه مرتين ومرة (أ) وبعضها بالتثليث، ~~والبعض بخلاف ذلك (¬1)، وأما المضمضة والاستنشاق فقال بوجوبهما (ب) الهادي ~~والقاسم والمؤيد بالله (¬2) في الوضوء والغسل، قالوا: لأنهما من الوجه وقد ~~ثبت الأمر بهما بإسناد صحيح أخرجه أبو داود في السنن قال في آخر الحديث: ~~وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما (¬3)، وقال في رواية ابن جريج بهذا ~~الحديث: "إذا توضأت فتمضمض" (¬4) وقال الناصر والشافعي (¬5): إنهما سنة، ~~قالا لقوله: "عصر من سنن المرسلين" (¬6) قلنا: لم يرد السنة الاصطلاحية ~~وإنما أراد بها الطريقة والعادة، ولقوله للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" ~~(¬7) فأحاله على الآية، وليس فيها ذكر الاستنشاق، وأجيب بأنه يحتمل أن يراد ~~بالأمر ما هو أعم من آية الوضوء فقد أمر الله باتباع نبيه، ولم يحك أحد ممن ~~وصف وضوءه على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق بل ولا المضمضة، وهذا قاض ~~بالوجوب (ويرد على الجواب أن في رواية لأبي داود (¬8) والدارقطني: "لا تتم ~~صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله (ج) فيغسل وجهه ويديه إلى ms0097 ~~المرفقين ويمسح برأسه PageV01P193 # ورجليه إلى الكعبين وقد ذكره ابن حزم في المحلى) (¬1) (أ) وذكر ابن ~~المنذر أن الشافعي لم يحتج إلا بكونه لم يعلم خلافا في أن تاركهما لا يعيد، ~~وهذا دليل فقهي (¬2)، فإنه لا يحفظ ذلك عن أحد من الصحابة ولا التابعين إلا ~~عن عطاء (¬3)، وثبت عنه أنه رجع عن إيجابه الإعادة، ذكره ابن المنذر ولم ~~يذكر في هذه الرواية عددا وقد ورد في رواية سفيان عن أبي الزناد ولفظه ~~"وإذا استنثر فليستنثر وترا"، أخرجه الحميدي (¬4) في مسنده عنه، وأصله ~~لمسلم وفي حديث أبي هريرة "فليستنثر ثلاثا، فإن الشيطان يبيت على خيشومه ~~(¬5)، (وأخرج أبو داود من حديث المقدام بن معد يكرب الكندي قال: "أتي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثا ثم تمضمض واستنشق ~~ثلاثا" (¬6) الحديث. وذكر أبو داود التثليث فيهما في أحاديث متعددة، فليرجع ~~إلى السنن (¬7)) (ب) وأما مسح الرأس فليس في شيء من الصحيحين ذكر عدد ~~للمسح، وبه قال أكثر العلماء (¬8)، وقال الشافعي (¬9) يستحب التثليث في ~~المسح كما في الغسل، واستدل PageV01P194 # بظاهر رواية لمسلم (¬1) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثا، ~~وأجيب بأنه مجمل تبين في الروايات الصحيحة أن المسح لم يتكرر فيحمل على ~~الغالب أو يختص بالمغسول. # قال أبو داود في السنن: أحاديث الصحاح كلها تدل على أن مسح الرأس مرة ~~واحدة (¬2) وبأن المسح مبني على التخفيف فلا يقاس على الغسل، وبأن العدد لو ~~اعتبر في المسح لصار في سورة الغسل وبالغ أبو عبيد وقال (أ): لا نعلم أحدا ~~من السلف استحب تثليث مسح (ب) الرأس إلا إبراهيم التيمي" (¬3)، وفيه نظر، ~~فقد نقل عن أنس وعطاء وغيرهما (¬4)، وقد روى أبو داود (¬5) من وجهين صحيح ~~أحدهما ابن خزيمة وغيره في حديث عثمان بتثليث الرأس، والزيادة مقبولة من ~~الثقة) (ج) (¬6). # فائدة: قوله غفر له ما تقدم من ذنبه، ظاهر الحديث تعم الكبائر لكن ~~العلماء خصوه بالصغائر لوروده مقيدا باستثناء الكبائر في غير هذه الرواية، ~~وهو في حق من له كبائر وصغائر، ومن ليس ms0098 له إلا صغائر كفرتها، ووقع في رواية ~~البخاري في الرقاق (¬7) في آخر هذا الحديث: قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- "لا تغتروا" أي فتستكثروا PageV01P195 # من الأعمال السيئة بناء على أن الصلاة تكفرها، فإن الصلاة التي تكفر بها ~~(أ) الخطايا هي التي يقبل الله، وأنى للعبد بالاطلاع على ذلك! # 31 - وعن علي - رضي الله عنه - في. صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "ومسح برأسه واحدة" .. أخرجه أبو داود (¬1). # (هو أمير المؤمنين أبو الحسن وأبو تراب علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب ~~عبد مناف، عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأمه فاطمة بنت أسد بن ~~هاشم، أسلمت وهاجرت، وهو أول من أسلم من الذكور في أكثر الأقوال، وقد اختلف ~~في سنه يومئذ، فقيل: كان له خمس عشرة سنة، وقيل: ست عشرة، وقيل: أربع عشرة، ~~وقيل: ثلاث عشرة، وقيل ثمان سنين، وقيل سبع سنين، وقيل عشر سنين؛ شهد مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - المشاهد كلها إلا تبوك، فاستخلفه على ~~المدينة، وقال له في ذلك: "ألا ترضى (ب) أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى" ~~(¬2) كان آدم شديد الأدمة عظيم العينين أقرب إلى القصر من الطول ذا بطن ~~كثير الشعر عظيم اللحية أصلع أبيض الرأس واللحية لم يصفه أحد بالخضاب إلا ~~نادرا، استخلف يوم قتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة ~~خمس وثلاثين، وضربه عبد الرحمن بن ملجم (ج) المرادي بالكوفة صبيحة الجمعة ~~لسبع عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة أربعين، ومات بعد ثلاث من ضربته، ~~وقيل: PageV01P196 # ضرب ليلة إحدى وعشرين، ومات ليلة الأحد، وقيل: يوم الأحد وغسله ابناه ~~الحسن والحسين وعبد الله بن جعفر، وصلى عليه الحسن ودفن سحرا، وله من العمر ~~ثلاث وستون (أ) وقيل: خمس وستون سنة (ب) وقيل: سبع، وقيل: ثمان وخمسون ~~وكانت خلافته أربع سنين وتسعة أشهر وأياما (بر) روى عنه بنوه الحسن والحسين ~~ومحمد، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر، وابن المسيب وأبو عبد الرحمن ~~السلمي، ms0099 وزيد بن وهب، وخلق كثير من الصحابة والتابعين (¬1)) (د). # وأخرجه النسائي والترمذي بإسناد صحيح بل قال الترمذي: "إنه أصح شيء في ~~الباب" (¬2) وأخرجه أبو داود (¬3) من ست طرق وفي بعض طرقه لم يذكر المضمضة ~~والاستنشاق وفي بعضها: ومسح على رأسه حتى الماء يقطر، وقد تقدم الكلام في ~~فقه الحديث. # 32 - وعن عبد الله بن زيد بن عاصم - رضي الله عنه - في صفة الوضوء، قال: ~~"ومسح - صلى الله عليه وسلم - برأسه، فأقبل بيديه وأدبر" متفق عليه. # وفي لفظ: "بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما إلى المكان ~~الذي بدأ منه" (¬4). PageV01P197 # هو أبو محمد عبد الله بن زيد بن عاصم بن عمرو الأنصاري المازني من بني ~~مازن بن النجار، شهد أحدا ولم يشهد بدرا وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب وشاركه ~~وحشي، وقتل عبد الله يوم الحرة سنة ثلاث وستين. روى عنه عباد بن تميم وهو ~~ابن أخيه، وابن المسيب، وهذا هو غير عبد الله بن زيد بن عبد ربه الذي سيأتي ~~حديثه في رؤيا الأذان، وقد غلط الحفاظ سفيان بن عيينة لما قال: هو هو (¬1). # وقوله في الحديث: ومسح برأسه، فأقبل بيديه وأدبر، هذا مستحب باتفاق ~~العلماء فإنه طريق إلى استيعاب الرأس، ووصول الماء إلى جميع أصول (أ) شعره، ~~وهذا إنما يستحب لمن كان له شعر، أما من لا شعر على رأسه لا يستحب له الرد، ~~إذ لا فائدة فيه ولو رد (ب) في هذه الحالة لم يحسب الرد مسحة ثانية، لأن ~~الماء صار مستعملا بالنسبة إلى ما سوى تلك المسحة. # وقوله: بدأ بمقدم رأسه، ظاهر البخاري أنه من الحديث، وليس مدرجا من كلام ~~مالك ففيه حجة على من قال: السنة أن يبدأ بمؤخر رأسه، (ج أخذا من ظاهر قوله ~~أقبل وأدبر فإن الإقبال باليد إذا كان مقدما يكون من مؤخر الرأس ج)، ويرد PageV01P198 # عليه أن الواو لا تقتضي الترتيب، وقد ذكر البخاري في رواية سليمان بن ~~بلال (أ) "وأدبر بيده وأقبل" (¬1) فلم يكن في ظاهره حجة، لأن الإقبال ms0100 ~~والإدبار من الأمور الإضافية، ولم يعين (ب) ما أقبل إليه ولا ما أدبر عنه، ~~ومخرج الطريقين متحد فهما بمعنى واحد وعينت رواية (¬2) مالك البداءة ~~بالمقدم، فيحمل قوله: أقبل على أنه من تسميته الفعل، ببدائة أي بدأ بقبل ~~الرأس، وقيل في توجيهه غير ذلك وأصرح من ذلك ما أخرجه أبو داود من حديث ~~المقدام"، قال: فلما بلغ مسح رأسه وضع كفيه على مقدم رأسه فأمرهما حتى بلغ ~~القفا ثم ردهما إلى المكان الذي بدأ منه" (¬3). # 33 - وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - في صفة الوضوء، قال: "ثم ~~مسح برأسه، وأدخل إصبعيه السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه" ~~أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن خزيمة (¬4). PageV01P199 # (هو أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو محمد عبد الله بن عمرو بن العاص بن وائل ~~السهمي القرشي (أ) يلتقى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في كعب بن لؤي، ~~أسلم قبل أبيه، وكان أبوه أكبر منه بثلاث عشرة سنة، وقيل: اثنتي عشرة سنة، ~~وكان عابدا عالما حافظا قرأ الكتب واستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~أن يكتب حديثه (¬1)، فأذن له وقال: يا رسول الله: أكتب كل ما أسمع منك في ~~الرضا والغضب؟ قال: نعم، فإني لا أقول إلا حقا" (¬2)، وقد اختلف في وفاته، ~~فقيل: مات ليالي الحرة في (ب) ذي الحجة سنة ثلاث وستين، وقيل: سنة ثلاث ~~وسبعين وقيل: مات بفلسطين من سنة خمس وستين، وقيل: مات بمكة سنة سبع وستين، ~~وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، وقيل: مات بالطائف سنة خمس وخمسين، وقيل: مات ~~بمصر سنة خمس وستين (ج) روى عنه مسروق وسعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد ~~الرحمن وعروة بن الزبير وحميد بن عبد الرحمن وخلق كثير سواهم) (¬3) (د). # الحديث يدل على مسح الأذنين في الوضوء، وقد ورد ذلك في أحاديث كثيرة PageV01P200 # كحديث عمرو بن أمية: أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح في وضوئه ~~رأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما، وأدخل أصبعيه في صماخي أذنيه" (¬1) وكحديث ~~المقدام ابن معد يكرب بمثله ms0101 أخرجه أبو داود والطحاوي، وإسناده حسن. # وفي الباب عن الربيع بنت معوذ (¬2)، أخرجه أبو داود، وعن أنس (¬3) عند ~~الدارقطني، والحكام، ومن حديث عبد الله بن زيد في صفة وضوء رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه توضأ فمسح أذنيه بماء غير الماء الذي مسح به الرأس ~~(أ)، أخرجه الحاكم بإسناد ظاهره الصحة (¬4)، وأخرجه البيهقي بلفظ فأخذ ~~لأذنيه ماء خلال الماء الذي أخذ لرأسه وقال: هذا إسناد (¬5) صحيح لكن ذكر ~~الشيخ تقي الدين بن PageV01P201 # دقيق العيد في الإمام (1) أنه رأى في رواية ابن المقبري عن ابن (أ) قتيبة ~~عن حرملة الراوي في إسناد الحاكم ولفظه: ومسح رأسه بماء غير فضل يديه (ب) ~~لم يذكر الأذنين. # • قال المصنف (2) -رحمه الله-: وهو كذا في صحيح ابن حبان (¬3) عن ابن ~~أسلم عن حرملة، وكذا رواه الترمذي عن علي بن خشرم عن ابن وهب (¬4)، وقال ~~عبد الحق: ورد الأمر بتجديد الماء للأذنين من حديث نمران بن جارية عن أبيه ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتعقبه ابن القطان (¬5) بأن الذي في ~~رواية ابن (ج) جارية بلفظ: "خذ (د) للرأس ماء جديدا". رواه الترمذي ~~والطبراني (¬6)، وفي الموطأ عن نافع عن ابن عمر "أنه كان إذا توضأ يأخذ (5) ~~الماء بإصبعيه لأذنيه (¬7)، وأخرجه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عباس: ~~"ثم غرف غرفة فمسح PageV01P202 # برأسه وأذنيه، وأدخلهما بالسبابتين وخالفت بإبهاميه إلى ظاهر أذنيه فمسح ~~ظاهرهما وباطنهما" (¬1)، ولفظ النسائي: "ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما ~~وباطنهما (بالسباحتين) (أ) وظاهرهما بإبهاميه" (¬2) وكذا في ابن ماجه ~~والبيهقي. # وأخرج أبو داود من حديث الربيع "فمسح برأسه ومسح ما أقبل منه وأدبر، ~~وصدغيه وأذنيه مرة واحدة" (¬3) ومن حديثها أيضا "مسح برأسه (ب) من فضل ما ~~كان في يده" (¬4) ومن حديث ابن عباس (¬5): ومسح برأسه وأذنيه مسحة واحدة، ~~ومن حديث عثمان "فمسح برأسه وأذنيه فغسل بطونهما وظهورهما مرة واحدة" (¬6) ~~ومن حديث علي "فأخذ بهما (ج) حفنة من ماء، فضرب بها على وجهه، ثم ألقم ~~إبهاميه ما أقبل من أذنيه، وقال: أخذ قبضة من ماء ms0102 فصبها على ناصيته، فتركها ~~تسير على وجهه، وقال: ثم مسح رأسه وظهور أذنيه" (¬7). الحديث. ومن حديث أبي ~~أمامة ذكر وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان يمسح المأقين، قال (د): ~~وقال: "الأذنان من الرأس" (¬8) قال سليمان بن حرب: PageV01P203 # يقولها (أ) أبو أمامة قال قتيبة: قال حماد (ب): لا أدرى هو (ج) من قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أو من أبي أمامة يعني قصة الأذنين (د)، أخرج ~~المذكور أبو داود، وحديث الأذنين من الرأس قد روي من طرق، وفي جميعها مقال ~~وأكثر هذه الروايات بأن مسح الأذنين ببقية ماء الرأس، وهو مذهب الأكثر، وبه ~~قال أبو حنيفة ومالك وأحمد، وقال الشافعي: يؤخذ لهما ماء جديد. قال أصحابه: ~~وكأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يعزل من كل يد إصبعين يمسح بهما الأذنين ~~(¬1)، وهذا خلاف الظاهر إلا أن (ه) يقال: إن ما تقدم من حديث عبد الله بن ~~زيد فيه زيادة (¬2)، فتقبل ويقرب معه التأويل، وسائر الأحاديث غير معارضة ~~له لأنه إنما ذكر فيهما (و) مسح رأسه وأذنيه مجملا غير مبين أنه بماء واحد، ~~وهذا فيه زيادة بيان فالعمل به أولى. والله أعلم. # وقوله في الحديث (ز): السباحتين: السباحة والمسبحة هي الإصبع التي تلي ~~الإبهام سميت بذلك لأنها يشار بها عند التسبيح، وهي السبابة أيضا والمأقين، ~~المأق (¬3) طرف العين مما يلي الأنف، وإنما كان يمسحهما، لأن العين قلما ~~تخلو من شيء ترميه من كحل ورمص غيره. PageV01P204 # 34 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاثا، فإن الشيطان يبيت على ~~خيشومه" متفق عليه" (¬1). # وله: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ~~ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده". متفق عليه. وهذا لفظ مسلم (¬2). # الحديث فيه دلالة على وجوب الاستنثار، وهو دليل من قال بوجوبه دون ~~المضمضة كأحمد وإسحاق وأبي عبيد وأبي ثور، وقد تقدم الكلام عليهما (أ)، وفي ~~أن الاستنثار هو في معني الاستنشاق (¬3)، وظاهر ms0103 هذا وجوبه عند القيام ~~مطلقا، والظاهر أنه لم يقل به أحد ولكنه مقيد في رواية البخاري في بدء ~~الخلق: "إذا استيقظ أحدكم من منامه فتوضأ فليستنثر ثلاثا فإن الشيطان يبيت ~~على خيشومه" (¬4). وعلى هذا فالمراد الأمر به عند إرادة الوضوء، والحكمة ~~فيه (ب) PageV01P205 # التنظيف لما (أ) فيه من المعونة على القراءة لأنه (ب) بتنقية مجري النفس ~~تصح مخارج الحروف ويزداد للمستيقظ طرد الشيطان، والخيشوم (¬1) أعلى الأنف ~~وقيل: هو الأنف كله، وقيل: هي عظام رقاق لينة في أقصى الأنف بينه وبين ~~الدماغ، وقيل: غير ذلك. قال القاضي (¬2) عياض (ج) يحتمل أن يكون على حقيقته ~~فإن الأنف أحد منافذ الجسم التي يتوصل إلى القلب منها بالاشتمام، وليس من ~~منافذ الجسم ما ليس عليه غلق سواه وسوى الأذنين. وفي الحديث "إن الشيطان لا ~~يفتح غلقا" (¬3) وجاء (د) في التثاؤب الأمر بكظمه من أجل دخول الشيطان ~~حينئذ في الفم. قال: ويحتمل أن تكون على الاستعارة فإن ما ينعقد من الغبار ~~ورطوبة الخياشيم قذارة توافق الشيطان (¬4) والله أعلم. # وقوله: إذا استيقظ أحدكم. . الحديث: ظاهر هذا وجوب غسل اليد وأنه يحرم ~~غمسها في الإناء، وقد قال بهذا الظاهر أحمد (¬5) بن حنبل، وخص الحكم بنوم ~~الليل لقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده". # وفي رواية عنه: الاستحباب في نوم النهار، لأن حقيقة المبيت تكون في ~~الليل، وفي رواية لأبي داود ساق مسلم إسنادها (¬6): إذا قام أحدكم من ~~الليل، وكذا PageV01P206 # الترمذي (¬1) من وجه آخر صحيح، ولأبي عوانة في رواية (¬2) ساق مسلم ~~إسنادها أيضا: إذا قام أحدكم للوضوء حين يصبح"، لكن التعليل يقتضي إلحاق ~~نوم النهار بنوم الليل وإنما خص نوم الليل بالذكر للغلبة. قال في شرح ~~المسند (¬3): يمكن أن تكون الكراهة في نوم الليل أشد لأن احتمال ملامسة ~~النجاسة أقرب لطوله عادة وقال الجمهور (¬4): بل الأمر محمول على الندب كما ~~في رواية فليغتسل (أ)، والنهي على الكراهة كما في رواية الكتاب، والقرينة ~~لهم على هذا الحمل التعليل بأمر يقتضي الشك لأن الشك لا يقتضي وجوبا (ب) في ~~هذا ms0104 الحكم استصحابا لأصل الطهارة (¬5)، واستدل أبو عوانة على عدم الوجوب ~~بوضوئه - صلى الله عليه وسلم - من الشن المعلق بعد قيامه من النوم (ج) في ~~حديث ابن عباس (¬6)، وتعقب بأن قوله: أحدكم يقتضي اختصاصه بغيره (د) - صلى ~~الله عليه وسلم -، وأجيب بأنه صح عنه - صلى الله عليه وسلم - غسل يديه قبل ~~إدخالهما في الإناء حال اليقظة، فاستحبابه بعد (ه) النوم (ج) أولى، ويكون ~~تركه PageV01P207 # بيانا للجواز، وهذا في حق المستيقظ، وأما من أراد الوضوء من غير نوم ~~فالغسل مستحب لما مر في صفة وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1)، ولا ~~يكره الترك لعدم ورود (أ) النهي فيه، وإن كان قد روي عن أبي هريرة "أنه كان ~~يفعله ولا يرى تركه" (¬2) واتفقوا على أنه لو غمس يده لم يضر الماء (¬3). ~~وقال إسحاق وداود والطبري (¬4): بل يتنجس للأمر بإراقته في رواية أخرجها ~~ابن عدي ولكنه حديث ضعيف (¬5)، ولا تزول الكراهة عند الجمهور بأقل من ثلاث ~~غسلات للتصريح بها في رواية مسلم، وإن كانت رواية مالك أخرجها البخاري: ~~"فليغسل يده قبل أن يدخلها". من دون ذكر عدد، وحديث "لا يغمس": أبين في ~~المراد من حديث: "لا يدخل"، فإن مطلق الإدخال لا يترتب (ب) عليه كراهة كما ~~إذا كان الإناء واسعا واغترف منه بآلة من دون أن يلامس (ج) الماء. # وقوله: في الإناء، المراد به إناء الوضوء، وكذا قد ورد التصريح بالوضوء ~~في رواية البخاري، قال (د): في وضوئه (¬6)، أي الإناء الذي أعد للوضوء ~~ويلتحق (ه) به إناء الغسل وسائر الآنية استحبابا من دون كراهة، وخرج بذكر PageV01P208 # الإناء البرك والحياض التي لا تفسد بغمس اليد فيها على تقدير نجاستها فلا ~~يتناولها النهي. # وقوله: "فإنه لا يدري أين باتت يده"، فيه إشارة إلى أن العلة احتمال ~~النجاسة، فيحمل عليه من شك في يده ولو كان مستيقظا بجامع الاحتمال ويقتضي ~~أن من علم أين باتت يده، كمن لف عليها خرقة فاستيقظ وهي على حالها أن لا ~~كراهة وإن كان (أ) غسلها مستحبا كما في المستيقظ، ومن قال ms0105 بأن الأمر للتعبد ~~(¬1) فلا يفرق بين شاك ومتيقن. # وقوله: "أين باتت لده"، يعني من جسده، قال الشافعي (¬2): كانوا يستجمرون ~~وبلادهم حارة فربما عرق أحدهم إذا نام فيحتمل أن تطوف يده على المحل أو (ب) ~~على بثرة أو دم حيوان أو قذر غير ذلك. # وفي الحديث الأخذ بالوثيقة، والعمل بالاحتياط في العبادة. والكناية عما ~~يستحيى منه إذا حصل الإفهام بها، وغسل النجاسة ثلاثا استحبابا لأنه أمر ~~بالتثليث عند توهمها فعند تيقنها أولى، واستدل به على التفرقة بين ورود ~~الماء على النجاسة، وورود النجاسة على الماء وهو ظاهر (¬3)، وعلى أن ~~النجاسة تؤثر في الماء وهو صحيح وإن لم يتغير، وقد استنبط (ج) قوم منه ~~فوائد منها: أن موضع الاستنجاء مخصوص بالرخصة في جواز الصلاة مع بقاء أثر ~~النجاسة عليه. قاله (د) الخطابي (¬4): ومنها: إيجاب الوضوء من النوم. قاله ~~ابن عبد البر (¬5): ومنها: PageV01P209 # تقوية من يقول بالوضوء من مس الذكر، حكاه أبو عوانة في صحيحه عن ابن ~~عيينة. ومنها: أن القليل مستعمل بإدخال اليد فيه لمن أراد الوضوء، قاله ~~الخفاف صاحب الخصال من الشافعية (¬1). # 35 - وعن لقيط بن صبرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أسبغ الوضوء، وخلل بين الأصابع، وبالغ في الاستنشاق إلا أن ~~تكون صائما" أخرجه الأربعة وصححه ابن خزيمة (¬2). # ولأبي داود في رواية: "إذا توضأت فمضمض" (¬3). # هو لقيط (أ) بفتح اللام وكسر القاف، ابن صبرة بفتح الصاد الهملة وكسر ~~الباء الموحدة ابن عبد الله بن المنتفق بضم الميم وسكون النون وفتح التاء ~~الفوقية وكسر الفاء وبعدها قاف، كنيته: أبو رزين صحابي مشهور عداده في أهل ~~الطائف، هكذا نسبه غير واحد من الأئمة، ومنهم من يجعل (ب) لقيط بن عامر غير ~~لقيط بن صبرة وليس بشيء، وعامر هذا المنتسب إليه هو (ج) أبو المنتفق. روي ~~عنه ابنه عاصم وابن عمر وعمرو بن أوس ووكيع بن عديس، ورزين بفتح الراء وكسر ~~الزاي وبالياء بعدها نون (¬4). PageV01P210 # الحديث أخرجوه وأحمد والشافعي وابن الجارود وابن حبان والحاكم والبيهقي ~~من طريق ms0106 إسماعيل بن كثير المكي عن عاصم بن لقيط بن صبرة عن أبيه مطولا ~~ومختصرا، قال الخلال: عن أبي داود عن أحمد: عاصم لم يسمع منه بكثير رواية. انتهى. # ويقال: لم يرو عنه غير إسماعيل وليس بشيء، لأن روى عنه غيره وصححه ~~الترمذي والبغوي وابن القطان، وهذا اللفظ عندهم من رواية وكيع عن الثوري عن ~~إسماعيل بن كثير عن عاصم، وروى الدولابي (¬1) في حديث الثوري من (أ) جمعه، ~~من طريق ابن مهدي عن الثوري ولفظه: "وبالغ في المضمضة والاستنشاق إلا أن ~~تكون صائما". # وقوله: أسبغ الوضوء، (الإسباغ في اللغة الإتمام) (ب)، والمراد بالإسباغ: ~~الإيفاء واستكمال الأعضاء والحرص على أن يتوضأ على وجه يصح عند جميع ~~العلماء، ولا يترخص بالاختلاف، ويغسلها ثلاثا، وهذا أتم الوضوء، وقد أجمع ~~(¬2) العلماء على كراهة الزيادة على الثلاث، فلو شك: هل غسل ثلاثا أو ~~اثنتين جعل ذلك اثنتين، وأتي بثالثة إذ الأصل عدم الغسل، وهذا هو الصواب ~~الذي قاله الجماهير من العلماء،. وقال الشيخ (¬3) أبو محمد الجويني: يجعل ~~ذلك ثلاثا، ولا يزيد عليها مخافة (ج) من ارتكاب البدعة، (وقد روى ابن ~~المنذر بإسناد صحيح أن "ابن عمر كان يغسل رجليه في الوضوء سبع PageV01P211 # مرات" (¬1) (أ) وكأنه بالغ فيهما دون غيرهما لأنهما محل الأوساخ غالبا، ~~لاعتيادهم المشي حفاة. والله أعلم) (ب). # وقوله: وخلل بين الأصابع، ظاهره أصابع اليدين والرجلين جميعا وقد ورد ~~مصرحا به في حديث ابن عباس: "إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك" (¬2). قال ~~الرافعي (¬3) رواه الترمذي. وقال المصنف (¬4) -رحمه الله تعالى- ورواه أيضا ~~أحمد وابن ماجه والحاكم (¬5) وفيه صالح مولى التوأمة، وهو ضعيف، ولكن حسنه ~~البخاري لأنه من رواية موسى بن عقبة عن صالح، وسماع (ج) موسى منه قبل أن ~~يختلط (¬6). # وكيفية تخليل أصابع الرجلين أن يخلل بيده اليسرى بالخنصر منها ويبدأ ~~بأسفل الأصابع، وقد روى ذلك أبو داود (¬7) والترمذي من حديث المستورد بن ~~شداد قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ يدلك أصابع ~~رجليه بخنصره"، وفي PageV01P212 # رواية لابن ماجه (¬1): يخلل بدل يدلك، وفي ms0107 إسناده ابن لهيعة (¬2) لكن ~~تابعه الليث بن سعد وعمرو (أ) بن الحارث أخرجه البيهقي وأبو بكر الدولابي ~~والدارقطني في غرائب مالك من طريق ابن وهب عن الثلاثة (¬3)، وأما كونها ~~اليد اليسرى فقال الغزالي (ب) في الوسيط (¬4) (ج) مستندهم القياس على ~~الاستنجاء. وفي الباب حديث عثمان أنه خلل أصابع قدميه ثلاثا، وقال: "رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل كما فعلت" (¬5) رواه الدارقطني. # وقوله: "وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائما"، وإنما كره ذلك للصائم ~~خشية أن ينزل إلى حلقه ما يفطره. وفيه دلالة على أن المبالغة ليست بواجبة، ~~إذ لو كانت واجبة لوجب عليه التحرز ولم يجز له ترك المبالغة وقوله: في ~~رواية أبي داود: "إذا توضأت فمضمض" (¬6)، فيه دلالة على وجوب المضمضة، وأما ~~المبالغة فلا، ولذلك قال الماوردي: إن المبالغة فيها غير مشروعة لأنه لم ~~يرد فيه الخبر ولكن رواية الدولابي المذكورة واردة عليه، وأما الوجوب ففيه ~~دلالة على وجوبهما (د) وفي ذلك خلاف والناس على أربعة مذاهب، وقد تقدم ذكر ~~الخلاف في وجوبهما في الغسل والوضوء وعدمه، هذان مذهبان والثالث أنهما PageV01P213 # واجبان في الغسل دون الوضوء وهو مذهب أبي حنيفة وأصحابه وسفيان الثوري، ~~والمذهب الرابع وجوب الاستنشاق فيهما دون المضمضة فهي سنة فيهما، وهو مذهب ~~أبي ثور وأبي عبيد وداود الظاهري وأبي بكر بن المنذر ورواية عن أحمد واتفق ~~الفقهاء الثلاثة وجماعة على أنه يكفي في غسل الأعضاء في الوضوء والغسل ~~جريان الماء على الأعضاء ولا يشترط الدلك. وقال أكثر الأئمة من أهل البيت ~~علهم السلام ومالك والمزني بل يشترط الدلك. وقال المؤيد بالله: قوة جرى ~~الماء كالدلك (¬1). # 36 - وعن عثمان - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كان ~~يخلل لحيته في الوضوء" أخرجه الترمذي وصححه ابن خزيمة (¬2). # (هو أبو عبد الله وأبو عمرو عثمان بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد ~~شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب الأموي القرشي، يقال: كان يكنى في الجاهلية ~~أبا عمرو فلما ولدت له رقية ms0108 بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - عبد الله ~~اكتنى به، وأمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، أسلمت، وكان ~~إسلام عثمان في أول الإسلام على يد أبي بكر قبل دخول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - دار الأرقم وهاجر إلى الحبشة الهجرتين، ولم يشهد بدرا لأنه تخلف ~~يمرض رقية بنت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وضرب له النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فيها بسهم، ولم يشهد بالحديبية (أ) بيعة الرضوان لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بعثه إلى مكة في أمر الصلح، فلما كانت البيعة ضرب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يده على يده PageV01P214 # وقال: هذه لعثمان (¬1)، ويسمى ذا النورين لجمعه بين بنتي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - رقية وأم كلثوم، استخلف أول يوم من المحرم سنة أربع ~~وعشرين، وقتل: يوم الجمعة لثماني عشرة خلت (أ) من ذي الحجة (ب)، سنة خمس ~~وثلاثين، وقيل: لثلاث عشرة خلت منه، وقيل: لثلاث بقين. قتله الأسود التجيبي ~~بضم التاء فوقها نقطتان وكسر الجيم وسكون الياء بعدها باء موحدة من أهل ~~مصر، وقيل: غيره، ودفن ليلة السبت بالبقيع، وقيل: إن قبره خارج البقيع في ~~أقصاه وله اثنتان وثمانون سنة، وقيل: ثمان وثمانون، وقيل: تسعون وصلى عليه ~~حكيم بن حزام، وقيل: الزبير، وقيل: جبير بن مطعم، وكانت خلافته اثنتي عشرة ~~سنة إلا أياما. روى عنه ابن الزبير، وأنس بن مالك وزيد (ج) بن خالد الجهني ~~وأبان ابنه وحمران مولاه ومروان بن الحكم وأبو عبد الرحمن السلمي وغيرهم) ~~(¬2) (د). # وأخرجه الحاكم والدارقطني وابن حبان من رواية عامر بن شقيق عن شقيق (ه) ~~بن سلمة عن عثمان. وعامر قال البخاري: حديثه حسن، وقال الحاكم: لا نعلم فيه ~~طعنا بوجه من الوجوه. كذا قال. وقد ضعفه يحيى بن معين (¬3) وأورد له الحاكم ~~شواهد عن أنس وعائشة وعلي وعمار. PageV01P215 # قال (أ) المصنف -رحمه الله تعالى-: وفيه أيضا عن أم سلمة وأبي أيوب وأبي ~~أمامة وابن عمر وجابر وجرير (ب) وابن أبي أوفى وابن عباس وعبد ms0109 الله بن ~~عكيرة وأبي الدرداء. وقد تكلم على جميعها إلا حديث عائشة واستوفى ما عليها ~~في التلخيص (¬1) فليرجع إليه. # وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ليس في تخليل اللحية شيء صحيح، وقال ابن ~~أبي حاتم عن أبيه: لا يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تخليل ~~اللحية شيء، وأخرج ابن ماجه والدارقطني والبيهقي وصححه ابن السكن من حديث ~~الأوزاعي عن عبد الواحد بن قيس عن نافع عن ابن عمر قال: "كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ عرك عارضيه بعض العرك ثم يشبك لحيته ~~بأصابعه" (¬2)، وقد علل بالإرسال والوقف (¬3)، وعبد الواحد مختلف فيه (¬4). PageV01P216 # وهذا الحديث يدل على مشروعية تخليل اللحية، ولا خلاف فيه. وأما الوجوب ~~فقد اختلف فيه، فمذهب العترة وأبي ثور والظاهرية والحسن بن صالح أنه واجب ~~كقبل نباتها. قال في البحر: لقوله - صلى الله عليه وسلم - من حديث أنس: ~~"خلل لحيتك" (¬1)، ولفظه: قال: "أتاني جبريل فقال: إذا توضأت فخلل لحيتك". ~~وروي عن علي - عليه السلام -: "ما بال أقوام يغسلون وجوههم قبل أن تنبت ~~اللحية، فإذا نبتت اللحى ضيعوا الوضوء". حكاهما في أصول الأحكام وأخرج أبو ~~داود حديث أنس (¬2) وفي إسناده الوليد بن زوران (أ) (¬3)، وهو مجهول الحال، ~~ولفظه "كان إذا توضأ أخد كفا من ماء (ب) فأدخله تحت حنكه فخلل به (ج) لحيته ~~وقال: هكذا أمرني ربي" وله طرق أخرى ضعيفة (¬4). وذهب الفريقان إلى أنه غير ~~واجب، لحديث وضوئه - صلى الله عليه وسلم - في رواية ابن عباس: "ثم أخذ أخرى ~~فجمع بها يديه ثم غسل وجهه" (¬5) والغرفة الواحدة لا تصل باطن الشعر ~~الكثيف. وأجيب بأن حديث أنس فيه زيادة وهي معمول بها. والحق أن ذلك مع صحة ~~الرواية صحيح وقد عرفت ما فيها والله أعلم. # 37 - وعن عبد الله بن زيد - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أتي بثلثي مد فجعل يدلك ذراعيه. أخرجه أحمد وصححه ابن خزيمة (¬6). PageV01P217 # وأخرج أبو داود والنسائي بإسناد حسن من حديث أم عمارة الأنصارية (أن ~~النبي ms0110 - صلى الله عليه وسلم - "توضأ (أ) بإناء فيه قدر (ب) ثلثي مد" (¬1) ~~ورواه البيهقي من حديث عبد الله بن زيد. # وروي البيهقي من طريق ابن عدي وضعفه من حديث أبي أمامة أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - توضأ (ب) بنصف مد (¬2) ورواه البيهقي (¬3) أيضا بلفظ بقسط ~~من ماء. وهو ضعيف أيضا، والقسط: نصف مد. # في هذا المذكور رد على ابن شعبان (¬4) من المالكية حيث قال: "لا يجزئ أقل ~~من مد في الوضوء وصاع في الغسل لحديث أنس المتفق عليه" (¬5) وحكي مثل قوله ~~عن محمد بن الحسن من الحنفية قال صاحب التقريب (ج): وذكر أصحابنا في كتب ~~الفقه حديثا آخر أنه توضأ بثلث مد وحديثا آخر "أنه توضأ بما لا يلت الثري" ~~(¬6) ولا أصل (¬7) لهما. وقد عرفت من اختلاف هذه PageV01P218 # الأحاديث وإمكان الجمع بينها أن ذلك إنما هو تقريب لا تحديد وأن الجميع ~~يقضي بعدم الإسراف في الوضوء والتخفيف، وذلك يختلف باختلاف الأوقات ~~والأشخاص ونعومة الجسم (أ) وقشافته وعظمه وصغره وقال ابن عبد السلام (¬1) ~~(ب) الاقتصار في ذلك القدر المروي لمن كان حجم جسمه كبدن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وإلا اعتبرت النسبة زيادة ونقصانا وهو حسن، ووافقه في الإقليد، ~~وقد روي عن تقي الدين السبكي أنه توضأ بثمانية عشر (¬2) درهما وهو أوقية ~~ونصف، والمستحب الاقتصار على ذلك لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "سيأتي ~~أقوام يستقلون هذا، فمن رغب في سنتي وتمسك بعث معي في حظيرة القدس" (¬3). # والحديث غريب، ولكنه (ج) في بعض الأجزاء من رواية أم سعد كذا حكاه ~~الدميري (د) في شرح (ه) المنهاج (¬4). وحظيرة القدس (¬5) بالظاء المشالة ~~(¬6) الجنة وسيأتي الكلام في تحقيق المد في حديث أنس (و) قريبا إن شاء الله ~~تعالى (¬7). PageV01P219 # 38 - وعنه - رضي الله عنه - أنه "رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يأخذ ~~لأذنيه ماء خلاف الماء الذي أخذه لرأسه" أخرجه البيهقي (¬1). # وهو عند مسلم من هذا الوجه بلفظ: "ومسح برأسه بماء غير فضل يديه، وهو ~~المحفوظ". # الضمير في عنه عائد إلى عبد الله (أ) بن ms0111 زيد بن عاصم. # وقد تقدم الكلام على هذا الحديث في الحديث الخامس وهو حديث عبد الله بن ~~عمرو فليرجع إليه. # 39 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين من أثر الوضوء، ~~فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل" متفق عليه واللفظ لمسلم (¬2). # قوله: إن أمتي، المراد بالأمة هنا أمة الإجابة وهم المسلمون، وقد يطلق ~~أمة محمد ويراد بها الدعوة، وليست مرادة هنا، ويأتون أي إلى المحشر أو إلى ~~الحوض ويدل عليه الرواية بأنه يذاد (¬3) بعضهم عنه، وفي رواية للبخاري ~~يدعون بضم أوله، أي ينادون أو يسمون. وغرا بضم المعجمة وتشديد الراء جمع ~~(ب) أغر أي PageV01P220 # ذو غرة وأصل الغرة (¬1) لمعة بيضاء تكون في جبهة الفرس ثم استعملت في ~~الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد بها هنا: النور الكائن في وجوه أمة ~~محمد - صلى الله عليه وسلم -. وغرا منصوب على الحالية، وعلى رواية يدعون ~~يحتمل المفعولية: أي أنهم إذا نودوا على رؤوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف ~~وكانوا على هذه الصفة، ومحجلين بالمهملة والجيم من التحجيل (¬2) وهو بياض ~~يكون في ثلاث قوائم من قوائم الفرس وأصله من الحجل بكسر المهملة وهو ~~الخلخال والمراد به هنا (أ) النور. # واستدل الحليمي بهذا الحديث على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة وفيه نظر، ~~لأنه ثبت عند البخاري في قصة سارة (¬3) عليها السلام مع الملك الذي أعطاها ~~هاجر، "أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي". وفي قصة جريج ~~(¬4) الراهب أيضا، "أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام". فالظاهر أن الذي ~~اختصت به هذه الأمة هو (ب) الغرة والتحجيل لا أصل الوضوء. وقد صرح بذلك في ~~رواية لمسلم عن أبي هريرة مرفوعا قال: "سيما ليست لأحد غيركم" (¬5)، وله من ~~حديث حذيفة نحوه (¬6) والسيما بكسر السين المهملة: العلامة، وقد اعترض (ج) ~~على الحليمي بحديث: "هذا وضوئي ووضوء PageV01P221 # الأنبياء (أ) قبلي" (¬1) وهو حديث ضعيف لا تقوم به الحجة (ب) ولاحتمال أن ~~يكون ms0112 الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة ومن آثار الوضوء ~~بفتح الواو لأنه الماء ويجوز الضم عند البعض كما تقدم. # وقوله: فليفعل، أي فليطل الغرة والتحجيل واقتصر على أحدهما لدلالته على ~~الآخر نحو {سرابيل تقيكم الحر} (¬2)، واقتصر على ذكر الغرة وهي مؤنثة دون ~~التحجيل وهو مذكر لأن محل الغرة أشرف الأعضاء وأول ما يقع عليه النظر من ~~الإنسان. على أن في رواية مسلم من طريق عمارة بن غزية ذكر الأمرين ولفظه: ~~"فليطل غرته وتحجيله" (¬3). وقال ابن بطال (¬4): كنى أبو هريرة بالغرة عن ~~(ج) التحجيل لأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله، وفيما قال نظر لأن ~~الإطالة ممكنة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلا، ونقل الرافعي عن ~~بعضهم أن الغرة تطلق على كل من الغرة والتحجيل، ثم أن ظاهره أنه بقية ~~الحديث، (أي قوله: فمن استطاع. . الحديث) (د)، لكن رواه أحمد من طريق فليح ~~عن نعيم (¬5)، وفي آخره قال نعيم: لا أدري قوله: من استطاع إلى آخره من قول ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -أو من قول أبي هريرة غير رواية نعيم هذه والله ~~أعلم. PageV01P222 # واختلف العلماء في القدر المستحب من التطويل في التحجيل فقيل إلى المنكب ~~والركبة، وقد ثبت عن أبي هريرة رواية ورأيا (¬1) وعن ابن عمر (¬2) من فعله. ~~أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد بإسناد حسن. وقيل: المستحب الزيادة إلى نصف ~~العضد والساق، وقيل إلى فوق ذلك و (أ) قال ابن بطال (¬3) وطائفة من ~~المالكية لا تستحب الزيادة على الكعب والمرفق، لقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "من زاد على هذا فقد أساء وظلم" (¬4)، وكلامهم معترض من وجوه، ورواية ~~مسلم صريحة في الاستحباب فلا تعارض بالاحتمال. وأما دعواهم اتفاق (ب) ~~العلماء على خلاف مذهب أبي هريرة في ذلك فهي مردودة بما نقلناه (ص) عن ابن ~~عمر وقد صرح باستحبابه جماعة من السلف وأكثر الشافعية (¬5) والحنفية، وأما ~~تأويلهم الإطالة المطلوبة بالمداومة على الوضوء فمعترض بأن الراوي أدرى ~~بمعنى ما روي، "كيف وقد صرح برفعه إلى الشارع ms0113 - صلى الله عليه وسلم - (د) ~~في الحديث (ه) يعني ما ترجم له من فضل الوضوء" (¬6). لأن (و) الفضل الحاصل ~~بالغرة والتحجيل من آثار الزيادة على PageV01P223 # لواجب فكيف الظن بالواجب وقد وردت فيه أحاديث صحيحة صريحة أخرجها مسلم وغيره. # 40 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله" متفق عليه (¬1). # قوله (أ): يعجبه التيمن، قيل: إنه كان يحب الفأل الحسن، إذ أصحاب اليمين ~~أهل الجنة. وزاد البخاري في كتاب الصلاة عن شعبة (¬2): "ما استطاع" فنبه ~~على المحافظة في ذلك ما لم يمنع مانع. # وقوله: في تنعله: أي لبس نعله، وترجله: أي ترجيل شعره: وهو تسريحه ودهنه. ~~قال في المشارق (¬3): رجل شعره إذا مشطه بماء أو دهن ليلين ويرسل الثائر ~~ويمد المنقبض. زاد أبو داود (¬4) عن مسلم بن إبراهيم عن شعبة: وسواكه. # وقوله: وفي شأنه كله: ثبت بالواو في رواية أبي الوقت (ب). قال الشيخ تقي ~~الدين بن دقيق العيد (¬5): هو عام مخصوص، لأن دخول الخلاء والخروج PageV01P224 # من المسجد ونحوهما يبدأ فيهما باليسار، وقد يعترض (أ) عليه بأن التأكيد ~~بكل يقتضي بقاء التعميم ودفع التجوز عن البعض، ويمكن أن يقال: حقيقة الشأن ~~ما كان فعلا مقصودا، وما يستحب فيه التياسر (ب) ليس من الأفعال المقصودة بل ~~هي: إما متروك أو إما غير مقصودة، وهذا على تقدير ثبوت الواو، وأما على ~~تقدير حذفها، وهي رواية الأكثر للبخاري، فالجار متعلق بيعجبه، أي يعجبه ~~التيمن (ج) في شأنه كله، التيمن (د في تنعله د) إلى آخره أي لا يترك ذلك ~~سفرا ولا حضرا ولا فراغا ولا شغلا ونحو ذلك، وقال الطيبي: هو بدل مما قبله، ~~بدل الكل من الكل لأنه لما ذكر الترجل لتعلقه بالرأس، التنعل لتعلقه ~~بالرجل، والطهور لكونه مفتاح أبواب العبادة فكأنه نبه على جميع الأعضاء فصح ~~البدل. انتهى. ووقع في رواية لمسلم (5) بتقديم (في شأنه كله) (¬1)، وفي ~~البخاري في الأطعمة من طريق عبد الله بن المبارك عن شعبة أن ms0114 أشعث شيخه كان ~~يحدث به تارة مقتصرا على قوله: في شأنه كله، وتارة على قوله: في تنعله إلى ~~آخره (¬2)، وزاد الإسماعيلي (¬3) من طريق غندر عن شعبة أن عائشة كانت تجمله ~~تارة وتبينه أخرى، فعلى هذا يكون أصل الحديث ما ذكر من التنعل وغيره، ~~ويؤيده رواية مسلم من طريق أبي الأحوص (¬4)، وابن ماجه (¬5) من طريق عمرو ~~بن عبيد كلاهما PageV01P225 # عن أشعث بدون قوله في شأنه كله، وكأن الرواية المقتصرة على قوله: في شأنه ~~كله من الرواية بالمعنى، ووقع في رواية لمسلم: في طهوره ونعله، بفتح النون ~~وإسكان العين أي هيئة نعله وفي رواية ابن ماهان في مسلم: ونعله بفتح العين ~~(¬1). وفي الحديث استحباب البداءة بشق الرأس الأيمن في الترجل والغسل ~~والحلق. وقد ثبت البداءة بالأيمن في الحلق أيضا في البخاري (¬2). # وفي البخاري أيضا إزالة النعل باليسرى (¬3) وفيه "البداءة باليمنى في ~~الوضوء (أ)، وبالشق الأيمن في الغسل" (¬4)، واستدل أيضا به على استحباب ~~الصلاة عن يمين (ب) الإمام وفي ميمنة المسجد، وفي الأكل والشرب باليمين، ~~وقد أورده البخاري في هذه المواضع كلها. قال النووي: قاعدة الشرع المستمرة ~~البداءة باليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين، ما كان يضدها استحب ~~فيه التياسر. قال: وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين في الوضوء سنة، من ~~خالفها فاته الفضل وتم وضوءه انتهى (¬5). وفي دعوى الإجماع نظر، إذ خالف في ~~ذلك العترة والإمامية (¬6) فقالوا: يجب الترتيب بينهما، وقد نسب المرتضي ~~ذلك إلى الشافعي (¬7) وهو غلط، والحجة على (ج) وجوب الترتيب بينهما أنه لم ~~ينقل عن أحد PageV01P226 # ممن روى وضوء النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رآه توضأ معكوسا أو مقدم ~~اليسرى على اليمني، وفي بعض الروايات أن تلك الصفة وقعت منه بيانا لآية ~~الوضوء فلا يقال: إن ذلك عمل بالأفضل وليس بواجب. وأجيب بأن الآية أجمل ~~فيها اليدان والرجلان ولم يبين، وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~للأعرابي: "توضأ كما أمرك الله" (¬1) فهو قرينة على حمل الفعل على الوجه ~~المستحب ولا خلاف في الاستحباب، ولقول علي ms0115 - رضي الله عنه - "ما أبالي ~~بيميني (أ) بدأت أم بشمالي إذا أكملت الوضوء" (¬2) أخرجه الدارقطني. وكذا ~~في أصول الأحكام. قلت ذلك (ب) معارض بالحديث الآتي: "ابدأوا بميامنكم" (¬3) ~~وهو لم يتكلم عليه بما يقدح، وهو أرجح مما ذكر، فالواجب المصير إليه، وفيه ~~بيان للآية (ج)، وقد نسب العمراني في البيان القول بوجوب ترتيبها إلى ~~الفقهاء السبعة. # قال المصنف (¬4): وهو تصحيف من الشيعة، وفي كلام الرافعي (¬5) (د) لما ~~يوهم أن أحمد قال بوجوبه، ولا نعرف ذلك عنه، بل قال الشيخ الموفق في ~~المغني: لا نعلم في عدم الوجوب خلافا (¬6) والله أعلم. PageV01P227 # 41 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - "إذا توضأتم فأبدأوأ بميامنكم" أخرجه الأربعة وصححه ابن خزيمة (¬1). # وأخرجه (أ) أحمد وابن حبان والبيهقي (ب) (ج)، كلهم من طريق زهير عن ~~الأعمش وعن أبي صالح عنه، زاد ابن حبان والبيهقي والطبراني (ج): "وإذا ~~لبستم". قال ابن دقيق العيد: هو حقيق بأن يصحح وللنسائي والترمذي من حديث ~~أبي هريرة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا لبس قميصا بدأ ~~بميامنه" وقد تقدم الكلام على فقه الحديث قريبا. # 42 - وعن المغيرة بن شعبة أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "توضأ فمسح ~~بناصيته وعلى العمامة والحفين". أخرجه مسلم (¬2). # هو أبو عبد (¬3) الله، وقيل: أبو عيسى المغيرة بن شعبة بن أبي عامر ~~الثقفي، أسلم عام الخندق، وقدم مهاجرا، وقيل: أول مشاهده الحديبية، نزل ~~الكوفة PageV01P228 # ومات بها سنة خمسين وهو ابن سبعين سنة، وهو أميرها لمعاوية بن أبي سفيان. # روى عنه من أولاده: عروة وحمزة ومولاه وراد وأبو بردة بن أبي موسى. # والحديث أخرجه مسلم من رواية حمزة بن المغيرة بن شعبة ولم يخرجه البخاري (¬1). # قال المصنف (¬2) -رحمه الله تعالى- ووهم (أ) المنذري فعزاه إلى (ب ~~المتفق، وتبع في ذلك ابن الجوزي (¬3) فوهم، وقد تعقبه ابن عبد الهادي، وصرح ~~ب) عبد الحق في الجمع بين الصحيحين بأنه من أفراد مسلم. انتهى. # وأقول: لعل من جعله من المتفق هو بالنطر إلى ms0116 الاتفاق في متن الحديث دون ~~إسناده، فقد أخرج البخاري من حديث عمرو بن أمية عن أبيه: رأيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يمسح على عمامته وخفيه. من رواية الأوزاعي. قال البخاري: ~~وتابعه معمر وعن يحيى عن أبي سلمة عن عمرو: رأيت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يمسح على عمامته وخفيه (¬4). # وفي الحديث دلالة على جواز الاقتصار على مسح (¬5) الناصية، وقد قال به ~~زيد بن علي - عليه السلام - وأبو حنيفة (¬6)، واختلف العلماء (¬7) في معنى ~~المسح على PageV01P229 # العمامة فقيل: إنه كمل (أ) عليها بعد مسح الناصية كما في رواية مسلم، ~~وإلى عدم الاقتصار على المسح عليها ذهب الجمهور. وقال الخطابي (¬1): فرض ~~الله مسح الرأس. # والحديث في مسح العمامة محتمل التأويل فلا يترك المتيقن للمحتمل، قال: ~~وقياسه على مسح الخف بعيد لأنه يشق نزعه بخلافها، وتعقب بأن الذين أجازوا ~~الاقتصار على مسح العمامة شرطوا فيه المشقة في نزعها كما في الخف، وطريقه ~~أن تكون محكمة (ب) كعمائم العرب، وقالوا: عضو يسقط فرضه في التيمم فجاز ~~المسح على حائله كالقدمين، وقالوا: الآية لا تنفي ذلك ولا سيما عند من يحمل ~~المشترك على (معنييه بحمل (ج) اللفظ على) (د) حقيقته ومجازه لأن من قال: ~~قبلت رأس فلان يصدق ولو كان على حائل، وإلى هذا ذهب الأوزاعي والثوري في ~~رواية عنه وأحمد وأبو إسحاق وأبو ثور والطبري وابن خزيمة وابن المنذر ~~وغيرهم، وقال: ثبت ذلك عن أبي بكر وعمر وقد صح أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "إن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا" (¬2) والله أعلم. انتهى ~~كلامه (¬3). # قال المصنف (¬4) -رحمه الله تعالى- وحديث المغيرة ذكر البزار أنه رواه عن ~~ستين رجلا. قال: وقد (ه) لخصت مقاصد طرقه الصحيحة في هذه القطعة وسيأتي ~~الكلام إن شاء الله تعالى في المسح على الخفين. PageV01P230 # 43 - وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - في صفة حج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال - صلى الله عليه وسلم -: "أبدأوا بما بدأ الله به" أخرجه ~~النسائي (¬1). # هكذا بلفظ، الأمر، وهو عند ms0117 مسلم بلفظ الخبر. # هو أبو عبد الله جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام بالحاء المهملة والراء ~~المهملة المفتوحتين الأنصاري السلمي، من مشاهير الصحابة، وأحد المكثرين من ~~الرواية (أ) عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، شهد هو وأبوه العقبة ~~الثانية ولم يشهد الأولى وشهد بدرا. وقيل لم يشهدها وشهد بعدها مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ثماني عشرة غزوة. وقدم الشام ومصر، وأبوه أحد النقباء ~~الاثني عشر، وكف بصر جابر في (ب) آخر عمره. روى عنه أبو (ج) سلمة بن عبد ~~الرحمن ومحمد بن علي الباقر وعطاء بن أبي رباح وأبو الزبير فأكثر ومحمد بن ~~المنكدر وخلق سواهم كثير. مات بالدينة سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة سبع ~~وسبعين وقيل: سنة ثمان وسبعين، وصلى عليه أبان بن عثمان (د) وهو أميرها وله ~~أربع وتسعون سنة، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة في قول (¬2). PageV01P231 # الحديث رواه مسلم (¬1) بطوله في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~(أ): "ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ {إن الصفا والمروة ~~من شعائر الله} (¬2) أبدأ بما بدأ الله به" بلفظ الخبر الفعل المضارع فبدأ ~~بالصفا لأن الله تعالى قدمه في التنزيل فقال: {إن الصفا والمروة. . .} ~~الآية. وذكره (ب) المصنف هنا لأن اللفظ عام والعموم لا يقصر على سببه كما ~~هو المعمول به عند الجمهور، فآية الوضوء مندرجة في ذلك العموم فيجب البداءة ~~بما بدأ الله به فيها من تقديم الوجه إلى آخره، وهذا حجة الجمهور (¬3) على ~~القول بوجوب الترتيب في الوضوء، فعلى رواية الأمر، الوجوب ظاهر، وعلى رواية ~~الخبر فلأن الظاهر من فعله - صلى الله عليه وسلم - هو بيان المناسك وقد ~~قال: "خذوا عني مناسككم" (¬4) فالظاهر (ج) إنما هو بيان الواجب لا بيان ~~الأفضل والله أعلم. وذهب جماعة منهم أبو حنيفة (¬5) وأصحابه وابن مسعود ~~(¬6) -ومالك وغيرهم إلى (د) أن الترتيب ليس بواجب لرواية ابن عباس: "أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ فغسل وجهه ويديه ثم رجليه ثم ms0118 مسح رأسه ~~بفضل وضوئه" (¬7) هكذا في الانتصار، وروت الربيع بنت معوذ "أنه مسح رأسه ~~بفضل PageV01P232 # وضوئه" (¬1) قلنا: حجتنا أقوى وأصرح، ولعله مسح تبركا بآخر الوضوء أو ~~تسوية لناصيته، قالوا كالغسل. قلنا: الجسد كالعضو الواحد. # 44 - وعنه - رضي الله عنه - قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا ~~توضأ أدار الماء على مرفقيه"، أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف (¬2) # وأخرجه البيهقي أيضا كلاهما من حديث القاسم بن محمد بن عبد الله بن محمد ~~(أ) بن عقيل عن جده عن جابر بلفظ "يدير الماء على المرفق" (¬3) والقاسم ~~(¬4) متروك عند أبي حاتم، وقال أبو زرعة (ب): منكر الحديث، وكذا ضعفه (ج ~~أحمد وابن معين وانفرد ابن حبان بذكره في الثقات (¬5)، ولم يلتفت إليه في ~~ذلك وقد صرح بضعف ج) هذا الحديث المنذري وابن الجوزي وابن الصلاح والنووي ~~وغيرهم (¬6). # قال المصنف (¬7) رحمه الله -ويغني عنه ما رواه مسلم من حديث أبي هريرة PageV01P233 # أنه توضأ حتى أشرع في العضد ثم قال: "هكذا رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - توضأ" (¬1). # وتقدم الكلام على هذا الحكم في حديث عثمان فليرجع إليه. # 45 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه". أخرجه أحمد أبو داود وابن ~~ماجه بإسناد ضعيف" (¬2). # وللترمذي عن سعيد بن زيد وأبي سعيد نحوه (¬3). قال أحمد: لا يثبت فيه شيء (¬4). # حديث أبي هريرة أخرجوه من طريق محمد بن موسى المخزومي عن يعقوب بن سلمة، ~~(أعن أبيه (أ) عن أبي هريرة بلفظ: "لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن ~~لم يذكر اسم الله عليه" ورواه الحاكم من هذا الوجه إلا أنه قال: يعقوب بن ~~أبي سلمة وادعى أنه الماجشون فصحح الحديث لذلك (¬5) فوهم. # قال المصنف -رحمه الله-: والصواب أنه الليثي بإسقاط أبي، قال PageV01P234 # البخاري: لا يعرف له سماع من أبيه ولا لأبيه من أبي هريرة (¬1)، وأبوه ~~ذكره ابن حبان في الثقات و (أ). قال: ربما أخطأ (¬2). وهذه عبارة عن ضعفه، ~~فإنه ms0119 قليل الحديث جدا (¬3) ولم يرو عنه سوى ولده (¬4) فإذا كان يخطئ مع قلة ~~ما روى فكيف يوصف بكونه ثقة؟ وله طريق أخرى عند الدارقطني والبيهقي (¬5) من ~~طريق محمود بن محمد الظفري، وهي ضعيفة (ب) أيضا بمحمود (¬6) وشيخه أيضا ~~أيوب بن النجار. # وقد ورد الأمر بذلك من حديث أبي هريرة، ففي الأوسط للطبراني من طريق علي ~~بن ثابت عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "يا أبا هريرة إذا توضأت فقل: بسم الله، والحمد لله فإن حفظتك لا ~~تزال تكتب لك الحسنات حتى تحدث من ذلك الوضوء" (¬7). قال: تفرد به عمرو بن ~~أبي سلمة عن إبراهيم بن محمد (¬8) عنه وسنده واه، وفيه أيضا من طريق الأعرج ~~عن PageV01P235 # أبي هريرة رفعه (¬1) "إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء ~~حتى يغسلها، ويسمي قبل أن يدخلها". تفرد بهذه الزيادة عبد الله بن محمد بن ~~يحيى بن عروة (¬2) وهو متروك عن هشام بن عروة عن أبي الزناد عنه. # وأما حديث سعيد بن زيد فرواه الترمذي والبزار وأحمد وابن ماجه ~~والدارقطني، والعقيلي والحاكم (¬3) من طريق عبد الرحمن بن حرملة عن أبي ~~ثفال عن رباح بن عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حويطب عن جدته عن أبيها قال: ~~سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: فذكره، لفظ الترمذي قال: وقال ~~محمد: أحسن شيء في هذا الباب حديث رباح (¬4) ولكنه ضعيف (¬5). قال أبو حاتم ~~وأبو زرعة: أبو ثفال ورباح (أ) مجهولان (¬6)، وزاد (ب) القطان أن جدة رباح ~~أيضا لا يعرف اسمها ولا حالها (¬7) كذا قال: فأما هي فقد عرف اسمها من ~~رواية الحاكم (¬8)، قال: حدثتني جدتي أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو أنها ~~سمعت PageV01P236 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأسقط منه ذكر أبيها، وكذا البيهقي ~~(¬1)، وأما حالها فقد ذكرت في الصحابة (¬2)، وإن لم يثبت لها صحبة فمثلها ~~لا يسأل عن حالها، وأما أبو (أ) ثفال فروى عنه جماعة (¬3)، وقال البخاري: ~~في حديثه نظر وهذه ms0120 عادة فيمن يضعفه وذكره ابن حبان في الثقات (¬4) إلا أنه ~~قال: لست بالمعتمد على ما تفرد به، وكأنه لا يوثقه، وأما رباح فمجهول فتبين ~~ضعف الطريق. # وأما حديث أبي سعيد فقد أخرجه الترمذي (¬5) وغيره من طريق كثير بن زيد عن ~~ربيح بن عبد الرحمن بن أبي سعيد بلفظ حديث الباب. قال ابن معين: كثير (¬6) ~~بن زيد ليس بالقوي، وقال أبو زرعة: صدوق فيه لين، وقال أبو حاتم: صالح ~~الحديث، ليس بالقوي، يكتب حديثه، وربيح قال أبو حاتم: شيخ، وقال الترمذي ~~(¬7) عن البخاري: منكر الحديث، وقال أحمد: ليس بالمعروف (¬8)، وقال ~~المروزي: لم يصححه أحمد، وقال: ليس فيه شيء يثبت، فهذه الطريق موضع اجتهاد ~~في الترجيح. PageV01P237 # وقد روي أيضا من حديث عائشة وسهل بن سعد وأبي سبرة وأم سبرة وعلي وأنس ~~(¬1) وفي الجميع مقال، ولكن هذه الروايات يقوي بعضها بعضا فلا تخلو عن قوة، ~~ولذا قال ابن أبي شيبة (¬2): ثبت لنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قاله. وقال البزار: لكنه مؤول ومعناه: أنه لا فضل لوضوء من لم يذكر اسم ~~الله، لا على أنه لا يجوز وضوء من لم يسم. # والحديث يدل على اعتبار التسمية في الوضوء وأنه لا يصح من دونها، وقد ~~اختلف في ذلك بعد الاتفاق على مشروعيتها فمذهب العترة أنها فرض على الذاكر ~~فقط والظاهرية (¬3) وأحد قولي ابن حنبل بل وعلى الناسي فالظاهرية لظاهر هذا ~~حديث (أ) الباب والعترة له في حق العامد وعدم الشرطية في حق الناسي لحديث ~~أبي هريرة قال: سمعته - صلى الله عليه وسلم - يقول (ب): "من ذكر الله في ~~أول وضوئه طهر جسده، وإذا لم يذكر اسم الله لم يطهر منه إلا موضع الوضوء". ~~أخرجه الدارقطني والبيهقي (¬4) (ج)، وهو ضعيف (بمرادس (¬5) بن محمد) (د) ~~وبمحمد بن أبان (¬6) ورواه الدارقطني والبيهقي (ج) من حديث ابن مسعود ~~بزيادة: "فإذا فرغ من طهوره فليشهد" (5) أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ~~ورسوله، فإذا قال ذلك فتحت له أبواب السماء" (¬7). وفيه يحيى بن هاشم (و) ~~السمسار وهو ms0121 PageV01P238 # متروك (¬1). قال الإمام في البحر (¬2): فجمعنا بين الحديثين فحملنا ~~الحديث الأول على العامد، وهذا على الناسي وذهبت الحنفية والشافعية وربيعة ~~ومالك وأحد قولي الهادي - عليه السلام - (¬3) إلى أنها سنة استدلالا بحديث ~~أبي هريرة الأخير، وقد عرفت ما فيه. وأقوى منه قوله في حديث الأعرابي: ~~"توضأ كما أمرك الله" (¬4)، ولم يذكر التسمية، وقد مر، وتأولوا حديث الباب ~~بالوضوء الكامل، وإذا عرفت ما تأولناه في الخبرين فالأول أرجح لكثرة ~~المتابعات، وتقوية الطرق بعضها بعضا. والحديث الثاني ليس في قوته وأيضا ~~فإنه إذا تعارض الموجب وغيره، يرجح الموجب على المختار، والأول موجب لها، ~~والثاني غير موجب، فيترجح العمل بالأول. وأما حديث "توضأ كما أمرك الله" ~~فإن هذا مثبت لزيادة كحديث المضمضة، والنظر إنما هو في صحة القدر الذي يجب ~~معه العمل فيعمل به، ولكنه قد روى الرافعي (¬5) زيادة في حديث الباب: لا ~~وضوء كامل. فمع وجود هذه الزيادة وفرض صحتها فلا حجة فيه إلا أنه قال ~~المصنف -رحمه الله تعالى- لم يره هكذا (¬6) بهذا اللفظ، والله سبحانه أعلم. # 46 - وعن طلحة بن مصرف - رضي الله عنه - عن أبيه عن جده قال: "رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يفصل بين المضمضة والاستنشاق" أخرجه أبو داود ~~بإسناد ضعيف (¬7). PageV01P239 # هو أبو محمد -ويقال أبو عبد الله- طلحة بن مصرف بن كعب بن عمرو (¬1) ~~-ويقال: ابن عمرو بن كعب- اليامي الهمداني الكوفي أحد الأعلام الأثبات من ~~التابعين، روى عن عبد الله بن أبي أوفى وأنس بن مالك، روى عنه ابنه محمد ~~وأبو إسحاق السبيعي وشعبة، وهو ممن فات الثوري من أئمة الكوفة. مات سنة ~~اثنتى عشرة ومائة. مصرف بضم الميم وفتح الصاد المهملة وكسر الراء المشددة ~~والفاء، واليامي بالياء تحتها نقطتان، والسبيعي بفتح السين المهملة وكسر ~~الباء الموحدة والعين المهملة. # والحديث ضعيف بليث بن أبي سليم، وهو ضعيف، وقال ابن حبان: كان يقلب ~~الأسانيد ويرفع المراسيل، ويأتي عن الثقات بما ليس من حديثهم. تركه يحيى بن ~~القطان وابن مهدي وابن معين وأحمد بن حنبل، وقال النووي في تهذيب الأسماء: ms0122 ~~اتفق العلماء على ضعفه (¬2). # وللحديث علة أخرى ذكرها أبو داود عن أحمد قال: كان ابن عيينة ينكره ~~ويقول: إيش بهذا طلحة بن مصرف عن أبيه عن جده، وكذا حكى عثمان الدارمي عن ~~علي بن المديني، وزاد (أ): سألت عبد الرحمن بن مهدي عن اسم جده فقال: عمرو ~~بن كعب أو كعب بن عمرو (ب)، كانت له صحبة، وقال الدوري عن ابن معين: ~~المحدثون يقولون: إن جد طلحة رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأهل بيته ~~يقولون: ليست له صحبة (¬3). وقال الخلال عن أبي داود: سمعت رجلا من PageV01P240 # ولد طلحة يقول: إن لجده صحبة، وقال ابن أبي حاتم في العلل: سألت أبي عنه ~~فلم يثبته، وقال: إن طلحة هذا يقال: إنه رجل من الأنصار، ومنهم من يقول: ~~طلحة بن مصرف (أقال: ولو كان طلحة بن مصرف أ) لم يختلف فيه (¬1) وقال ابن ~~القطان: علة الخبر عندي الجهل محال مصرف بن عمرو ووالد طلحة، وصرح بأنه ~~طلحة بن مصرف بن السكن وابن مردويه في كتاب "أولاد المحدثين" ويعقوب بن ~~سفيان في تاريخه وابن أبي خيثمة أيضا. # والحديث يدل على أنه يندب الفصل بين المضمضة والاستنشاق بأن يؤخذ لكل ~~منهما ماء، وقد ذهب إلى ذلك الناصر وأحد. قولي الشافعي (¬2) وروي مثل ذلك ~~من حديث علي وعثمان من طريق أبي وائل شقيق بن سلمة قال: شهدت عليا وعثمان ~~توضئا ثلاثا ثلاثا، وأفردا المضمضة والاستنشاق ثم قالا: "هكذا رأينا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - توضأ" رواه أبو علي بن السكن في صحاحه، وذهب ~~الهادي والشافعي (¬3) إلى أن الجمع بينهما أفضل، وذلك لما روي في صفة وضوء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ففي مسند أحمد عن علي - رضي الله عنه - أنه ~~دعا بماء فغسل وجهه وكفيه ثلاثا وتمضمض فأدخل بعض أصابعه في فيه واستنشق ~~ثلاثا" (¬4) وفي ابن ماجه أصرح من هذا بلفظ "فمضمض واستنشق ثلاثا من كف ~~واحد" (¬5) وأخرج أبو داود حديث الجمع عن علي رضي الله عنه من ست طرق (¬6)، PageV01P241 # وأخرج أبو داود من ms0123 حديث عثمان: "ثم أدخلها في الإناء فتمضمض ثلاثا ~~واستنثر ثلاثا" (¬1) وحديث عثمان متفق عليه، وحديث عبد الله بن زيد بن عاصم ~~المتفق عليه وسيأتي، وفي رواية لابن حبان "ثلاث مرات من ثلاث حفنات"، وفي ~~لفظ للبخاري "ثلاث مرات من غرفة واحدة" (¬2). وفي الباب عن ابن عباس "وجمع ~~بين المضمضة والاستنشاق" رواه الدارمي وابن حبان والحاكم (¬3)، والجواب عن ~~رواية طلحة بن مصرف بأن فيها ما سمعت، ومعارضة بما ذكر قال الإمام المهدي ~~في البحر (¬4) قلت: والحق ما ذكره الإمام يحيى أنه مخير فكلاهما (أ) سنة ~~ثابتة. والله أعلم. وقد عرفت من بعض ما ذكر في الجمع أن الظاهر أن تثليثهما ~~بغرفة واحدة، فلا وجه لاستبعاد الإمام المهدي لذلك في الغيث مع وروده (¬5). # 47 - (وعن علي - رضي الله عنه - في صفة الوضوء": "ثم تمضمض - صلى الله ~~عليه وسلم - واستنثر ثلاثا يمضمض وينثر من الكف الذي يأخذ منه الماء" أخرجه ~~أبو PageV01P242 # داود والنسائي (¬1) تقدم الكلام على فقه (أ) الحديث) (ب). # 48 - وعن عبد الله بن زيد بن عاصم (ج) - رضي الله عنه (د) - في صفة ~~الوضوء: "ثم أدخل - صلى الله عليه وسلم - يده فمضمض واستنشق من كف واحدة ~~يفعل ذلك ثلاثا" متفق عليه (¬2). # هو عبد الله بن زيد بن عاصم وقد تقدم الكلام عليه. # والحديث يدل على أن الأفضل جمع المضمضة والاستنشاق بماء واحد، وهذا صريح ~~في هذه الرواية، وهي لفظ مسلم، وفي لفظ للبخاري (ه) "فتمضمض واستنشق ثلاثا ~~بثلاث غرفات" وفي رواية لهما: "من ثلاث غرفات"، والكلام عليه قد تقدم (¬3). # 49 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رجلا وفي قدمه مثل الظفر، لم يصبه الماء، فقال: ارجع فأحسن وضوءك" أخرجه ~~أبو داود والنسائي (¬4). # الحديث أخرجه أبو داود من طريق ابن وهب عن جرير بن حازم وقال: ليس PageV01P243 # هذا الحديث بمعروف عن جرير بن حازم، ولم يروه إلا ابن وهب (¬1)، (أوأخرج ~~من حديث عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحوه قال: "ارجع فأحسن وضوءك" (¬2). # وهو أ) ms0124 في صحيح مسلم من حديث جابر عن عمر وأبهم المتوضئ ولفظه: فقال: ~~"ارجع فأحسن وضوءك" قال البزار (¬3): لا نعلم أحدا أسنده عن عمر إلا من هذا ~~الوجه. قال أبو الفضل الهروي: إنما يعرف هذا من حديث ابن لهيعة، ورفعه خطأ، ~~فقد رواه الأعمش عن أبي سفيان عن جابر عن عمر موقوفا، وكذا روى (ب) هشيم عن ~~عبد الملك عن عطاء عن عبيد بن عمير نحوه في قصة موقوفة. وقال الدارقطني: ~~"تفرد به جرير بن حازم عن قتادة، وهو ثقة" (¬4). # وأخرجه أبو داود (¬5) من طريق خالد بن معدان عن بعض أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يصلي، وفي ظهر ~~قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء، فأمره - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يعيد الوضوء والصلاة قال الأثرم: قلت لأحمد بن حنبل: هذا إسناد جيد قال: ~~نعم. وأعله الترمذي بأن بقية قال عن يحيى: وبقية مدلس لا يزول ضعفه إلا ~~بالتصريح بالتحديث والسماع، لكن في المستدرك (¬6) تصريح بذلك، فزال الضعف، ~~وأخرج في المستدرك نحوه عن PageV01P244 # بعض أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأجمل النووي (¬1) القول في هذا ~~فقال في شرح المهذب: هو حديث ضعيف الإسناد، وفي إطلاقه نظر لما عرفت من الطرق. # والحديث دليل على وجوب استيعاب جميع أعضاء الوضوء نصا في الرجل وقياسا ~~فيما عداها، وذهب إلى (أ) ذلك الجمهور، والخلاف لأبي حنيفة فقال: يعفى في ~~الوضوء عن قدر الدرهم وفي التيمم عن قدر ربع العضو، هكذا حكى الخلاف الإمام ~~الهدي في البحر (¬2)، والنووي صرح في شرح مسلم بالاتفاق على أنه لا يعفى عن ~~شيء في الوضوء (¬3). قال: وفي التيمم ثلاث روايات عن أبي حنيفة، إحداها (ب) ~~يعفى عن أقل (ج النصف، الثانية أقل من ج) الدرهم، الثالثة: من الربع فما ~~دونه. هكذا حكى الخلاف (¬4) والله أعلم. # ودليل الجمهور ما مر ذكره، ولعل مستنده على رواية أقل من الدرهم حديث ~~خالد بن معدان (¬5)، وهو لا يدل على ذلك، إذ ليس فيه تصريح بأن ms0125 ما دونه ~~يعفى عنه، وقد استدل بالحديث على وجوب الموالاة في الوضوء، حيث قال: أحسن ~~وضوءك، وأصرح منه أمره أن يعيد الوضوء، ولم يقل اغسل ما تركت، ويجاب عنه: ~~أما حديث أحسن وضوءك فإن من الإحسان الاستكمال PageV01P245 # فلا دلالة على ذلك، وأما الأمر بالإعادة فلأنه يحتمل أنه أراد التشديد ~~عليه في الإنكار والتنبيه على أن من ترك شيئا فكأنه تارك للكل، وفيه ما فيه ~~(¬1). . # وفي الحديث أيضا أن الجاهل والناسي حكمهما في الترك حكم العامد، وفيه ~~تعليم الجاهل بالرفق. # وفي قوله: مثل الظفر، الظفر فيه لغات أجودها بضم الظاء والفاء، وبه جاء ~~القرآن العزيز (¬2)، ويجوز إسكان الفاء، وبكسر الظاء مع إسكان الفاء ~~وكسرهما، وقريء بهما في الشواذ، ويقال أيضا أظفور ويجمع الظفر على أظفار ~~جمع الجمع أظافير (¬3). # 50 - وعنه - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يتوضأ بالمد ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد" متفق عليه (¬4). # المد رطل وثلث بالبغدادي، والصاع أربعة أمداد، وأبو حنيفة (¬5) يخالف في ~~هذا المقدار، ولما جاء أبو يوسف (¬6) إلى المدينة وتناظر مع (أ) مالك في ~~المسألة استدل مالك بصيعان أولاد المهاجرين والأنصار الذين أخذوها من ~~آبائهم، فرجع إليه أبو يوسف. PageV01P246 # وقيل: المد والصاع في الوضوء غير المذكور في الزكاة وهو أن المد رطلان ~~والصاع ثمانية أرطال، لما روى البخاري عن عائشة "أنها كانت تغتسل هي والنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - من إناء واحد يقال له: الفرق" (¬1) بفتح الراء، وهو ~~إناء يسع ستة عشر رطلا، وأما سكون الراء فيسع مائة وعشرين رطلا. كذا نقله ~~ابن الصباغ عن الشافعي (¬2) رحمه الله تعالى. # وظاهر حديث أنس أنه لم يطلع على أنه زاد على خمسة أمداد لأنه جعلها ~~النهاية، والظاهر أن ذلك تقريب لا تحديد، ويدل عليه ما في (أ) رواية أبي ~~داود والنسائي بإسناد حسن من حديث أم عمارة الأنصارية: "أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - توضأ بإناء فيه قدر ثلثي مد" (¬3) ورواه البيهقي (¬4) من ~~حديث عبد الله بن زيد، (ب والأولى الحمل على استحباب ms0126 ذلك القدر فإن ب) أكثر ~~من قدر وضوءه - صلى الله عليه وسلم - من الصحابة قدرهما بذلك، ففي مسلم عن ~~سفينة مثله (¬5)، ولأحمد وأبي داود بإسناد صحيح عن جابر (¬6) مثله، وفي ~~الباب عن عائشة وأم سلمة مثله (ج) وابن عباس وابن عمر وغيرهم وأشار إلى ذلك ~~البخاري في أول كتاب الوضوء بقوله: وكره أهل العلم الإسراف فيه، وأن ~~يجاوزوا فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬7). PageV01P247 # فائدة: الصاع يذكر ويؤنث، ويقال أيضا صوع وصواع، وأمداد جمع مد وهو مذكر، ~~وقال بعضهم: جمع مداد، ويؤول عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "سبحان ~~الله مداد كلماته"، والمشهور مثل عددها وهذا مثال يراد به التقريب لأن ~~الكلمات لا تدخل في الكيل والوزن وإنما تدخل في العدد. # 51 - وعن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فتحت له أبواب الجنة" ~~أخرجه مسلم (¬1) والترمذي وزاد: "اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من ~~المتطهرين". # عمر بن الخطاب هو أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزي بن رباح بن ~~عبد الله بن قرظ بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، يجتمع مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في كعب وكذلك مع أبي بكر. أسلم سنة ست من النبوة وقيل: سنة خمس ~~بعد أربعين رجلا وإحدى عشرة امرأة، ويقال به تمت الأربعون وظهر الإسلام يوم ~~إسلامه وسمي الفاروق لذلك وشهد المشاهد كلها مع النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، كان أبيض تعلوه حمرة وقيل: آدم طوالا أصلع شديد حمرة العينين في عارضه ~~خفة، أعسر يسر يعني يعمل بيديه جميعا يخضب بالحناء والكتم، طعنه أبو لؤلؤة ~~غلام المغيرة بن شعبة مصدر الحاج بالمدينة يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي ~~الحجة سنة ثلاث وعشرين، ودفن يوم الأحد غرة المحرم سنة أربع وعشرين وله من ~~العمر ثلاث وستون سنة (أ)، وقيل: ms0127 تسع وخمسون، وقيل: ثمان وخمسون وقيل: ست PageV01P248 # وخمسون، وقيل: إحدى وستون، وكانت خلافته عشر سنين ونصفا وصلى عليه صهيب ~~ودفن إلى جانب أبي بكر الصديق رضي الله عنهما. روى عنه أبو بكر وباقي ~~العشرة وابنه عبد الله وأبو هريرة وابن عباس وابن الزبير وأنس بن مالك ~~وعلقمة بن وقاص الليثي ومالك بن أوس بن الحدثان وغيرهم من الصحابة ~~والتابعين (¬1). # الحديث أخرجه مسلم وأبو داود وابن حبان لأن حديث عقبة بن عامر (¬2) عن ~~عمر، وأخرجه الترمذي من وجه آخر عن عمر وزاد فيه: "اللهم اجعلني من ~~التوابين" (¬3) الحديث قال: وفي إسناده اضطراب، ولا يصح فيه كثير شيء. # قال المصنف -رحمه الله تعالى-: ورواية مسلم سالمة من هذا الاعتراض ~~والزيادة التي عنده رواها البزار والطبراني في الأوسط (¬4) من طريق ثوبان، ~~ولفظه: "من دعا بوضوء فتوضأ فساعة فرغ من وضوئه يقول: أشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من ~~المتطهرين". ورواه ابن ماجه من حديث أنس (¬5)، وروى النسائي في عمل اليوم ~~والليلة (¬6)، والحاكم في المستدرك من حديث أبي سعيد الخدري بلفظ من توضأ ~~فقال: "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك، ~~كتب في رق، ثم طبع بطابع فلم يكسر إلى (أ) يوم القيامة". واختلف في PageV01P249 # وقفه ورفعه، وصحح النسائي الموقوف وضعف الحازمي الرواية المرفوعة لأن ~~الطبراني قال في الأوسط (¬1) لم يرفعه عن شعبة إلا يحيى بن كثير. # وفي الحديث دلالة على استحباب هذا الذكر عقيب الوضوء. قال (¬2) النووي: ~~قال أصحابنا: وتستحب هذه الأذكار عقيب الغسل أيضا. والله أعلم. # (عدة أحاديث باب الوضوء أربعة وعشرون حديثا) (أ). PageV01P250 ### || AUTO باب المسح على الخفين # 52 - عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: كنت مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فتوضأ، فأهويت لأنزع خفيه، فقال: دعهما، فإني أدخلتهما ~~طاهرتين، فمسح عليهما (¬1). متفق عليه. # وللأربعة عنه إلا النسائي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح أعلى ~~الخف وأسفله (¬2). وفي إسناده ضعف. # حديث المغيرة ms0128 أخرجه الشيخان واللفظ المصدر للبخاري، ورواه أبو داود بلفظ: ~~(دع الخفين) وذكر البزار أنه روى عن المغيرة من نحو (أ) ستين طريقا وذكر ~~ابن منده مبها خمسة وأربعين طريقا ورواه الشافعي (¬3) بلفظ: "قلت: يا رسول ~~الله أمسح (ب) على الخفين؟ قال: نعم، إذا (ج) أدخلتهما (د) وهما طاهرتان". PageV01P251 # وقوله: كنت إلخ .. ذكر أن ذلك كان في سفر وصرح به البخاري، وفي المغازي ~~أنه كان في غزوة تبوك (¬1)، تردد في ذلك من بعض رواته، ولمالك وأحمد وأبي ~~داود من طريق عباد بن زياد عن عروة عن المغيرة أنه كان في غزوة تبوك بلا ~~تردد وأن ذلك كان عند صلاة الفجر (¬2). # وقوله: فتوضأ (¬3)، أي بالكيفية المعتبرة لا أنه غسل (أ) رجليه، وقد صرح ~~بذلك البخاري، وذكر أنه كان عليه جبة شامية (¬4)، ولأبي داود من جباب الشام ~~(¬5)، وزاد أحمد: "تمضمض واستنشق ثلاث مرات، فذهب يخرج يديه من كميه فكانا ~~ضيقين فأخرجهما من تحت الجبة" (¬6). ولمسلم من وجه أي "وألقى الجبة على ~~منكبه" (¬7) ولأحمد: "فغسل يده اليمنى ثلاث مرات" (¬8) وللبخاري: "ومسح ~~برأسه" (¬9). # وقوله: فأهويت أي: مددت يدي، قال الأصمعي: أهويت بالشيء إذا أومأت به، ~~وقال غيره: أهويت أي: قصدت الهوي من القيام إلى القعود وقيل: الإهواء ~~الإمالة. PageV01P252 # قال ابن بطال: وفيه خدمة العالم، وأن للخادم أن يقصد إلى ما يعرف من عادة ~~مخدومه قبل أن يأمره. # وفيه الفهم عن الإشارة ورد الجواب عن ما يفهم عنها، لقوله: "دعهما" ~~وقوله: أدخلتما، أي القدمين طاهرتين. كذا للأكثر (أ). وفي رواية: وهما ~~طاهرتان (¬1) ولأبي داود: "فإني أدخلت القدمين الخفين وهما طاهرتان" (¬2). ~~وللحميدي (¬3) في مسنده: قلت: يا رسول الله أيمسح أحدنا على خفيه؟ قال: نعم ~~إذا أدخلتهما وهما طاهرتان (¬4). # وهذا الحديث يدل على جواز الاكتفاء بالسح على الخفين في السفر (¬5) إذ ~~القصة فيه، والعلماء مختلفون في ذلك، فقال به خلق كثير من الصحابة ومن ~~بعدهم، فمن الصحابة: علي رضي الله عنه في رواية، وسعد بن أبي وقاص وبلال ~~وعمرو بن أمية الضمري وصفوان بن عسال وحذيفة وبريدة وخزيمة ms0129 بن ثابت وأبو ~~بكرة وسهل بن سعد وأسامة بن زيد وسلمان وجرير البجلي والمغيرة بن شعبة وعمر ~~في رواية، وابنه وابن عباس وأبو حنيفة والشافعي وغيرهم، فعمر وابنه وعائشة، ~~والليث أطلقوا ذلك من دون تحديد بزمان، وعلي وابن عباس وابن PageV01P253 # مسعود وعطاء والنخعي والثوري وشريح وأبو حنيفة والشافعي (¬1) وقتوا ~~باليوم والليلة في الحضر والثلاث في السفر، وعن مالك يجزيء في السفر لا ~~الحضر، وعنه العكس، وعنه مطلقا، وعنه لا يجزيء مطلقا (¬2)، والقائلون بذلك ~~جوزوا المسح على الخف؛ وهو نعل من أدم يغطي الكعبين، والجرموق: وهو خف كبير ~~يلبس فوق خف صغير، والجورب: وهو فوق الجرموق يغطي الكعبين أيضا دون النعل ~~وهي تكون دون الكعاب. وله شرطان عندهم، أحدهما أن يلبس الخف على طهارة ~~تامة، فلو غسل رجله اليمنى ثم أدخلها الخف قبل أن يغسل الثانية لم يعتد ~~بهذا اللبس لعدم التمام والمستحاضة لا يعتد بلبسها لضعف طهارتها (¬3). # الثاني: كون الخف ساترا، قويا، مانعا لنفوذ الماء، غير مخرم، فلا يمسح ~~على ما لم يستر العقبين لما مر، ولا على مخرق يبدو منه محل الفرض، ولا ~~منسوج، إذ لا يمنع الماء، ولا مغصوب، لوجوب نزعه. # ثم اختلفوا في كيفية المسح، فذهب ابن أبي وقاص وعمر بن عبد العزيز ~~والزهري وابن المبارك والشافعي وغيرهم إلى أنه (1) يغمس يديه في الماء، ثم ~~يضع باطن كفه اليسرى تحت عقب الخف، وكفه اليمنى على أطراف أصابعه (¬4)، ثم ~~يمر اليمنى إلى ساقه واليسرى إلى أطراف أصابعه. PageV01P254 # وذهب الثوري والنخعي (¬1) وأبو حنيفة وأحمد إلى أن المستحب مسح أعلى الخف ~~دون أسفله. قال الشافعي (¬2): ويجزيء ما أتى به بيده أو بعضها أو خشبة أو ~~خرقة، وسواء مسح منه قليلا أو كثيرا، وقال أبو (¬3) حنيفة: لا يجزيء إلا ~~(أ) قدر ثلاث أصابع بثلاث. # وقال زفر (¬4): لا يجزيء إلا قدر ثلاث أصابع ولو بإصبع. # وقال أحمد (¬5): لا يجزئ إلا إذا مسح أكثره وعن الشافعي (¬6): ويمسح على ~~عقب الخف، وقال المزني: ذلك غير مسنون وحجة هؤلاء حديث المغيرة وغيره من ~~أحاديث الباب ms0130 المذكورة في هذا وكثير غير ذك، قال الإمام أحمد: فيه أربعون ~~حديثا عن الصحابة مرفوعة. قال ابن أبي حاتم: فيه عن أحد وأربعين، وقال ابن ~~عبد البر في الاستذكار (¬7): روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - المسح ~~على الخفين نحو أربعين من الصحابة. # ونقل ابن المنذر (¬8) عن الحسن البصري قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أنه (ب) كان يمسح على الخفين وذكر أبو القاسم ~~ابن منده أسماء من رواه في "تذكرته" فبلغ ثمانين صحابيا، وسرد الترمذي (¬9) ~~منهم جماعة، PageV01P255 # والبيهقي في "سننه" (¬1) جماعة، وقال ابن عبد البر (¬2): بعد أن سرد منهم ~~جماعة: لم يرو غيرهم منهم خلافا إلا الشيء الذي لم يثبت. # وذهب العترة جميعا والإمامية والخوارج وأبو بكر بن داود (¬3) إلى أنه لا ~~يجزيء، قالوا: لقوله تعالى {وأرجلكم إلى الكعبين} فعينت الآية مباشرة ~~الرجلين بالماء، وما تقدم في باب الوضوء من حكاية وضوئه وتعليمه وكثير من ~~الأحاديث الصحيحة. # قالوا: وإثبات المسح على الخفين منسوخ بآية المائدة، ويدل على النسخ قصة ~~عمار مع سعد واستشهاد عمر لثمانية عشر رجلا من الصحابة يثبتون رؤية (أ) ~~المسح، واستشهاد علي رضي الله عنه لاثنين وعشرين رجلا من الصحابة بأن المسح ~~كان قبل نزول (ب) المائدة (¬4). روى ذلك في "الشفا" قال ابن بهران: ولم أر ~~هذه القصة في شيء من كتب الحديث. # وقال ابن عباس: ما مسح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعدها (¬5). PageV01P256 # وروي عن علي: سبق الكتاب الخفين (¬1) أي عليهما في الحكم، وأجيب عن ذلك ~~بأنه (أ) لا تنافي بين الآية والمسح، وذلك لأن الآية مطلقة أو عامة بالنظر ~~إلى حالة لبس الخف وعدمها، فهو في قوة اغسلوا أرجلكم مع خف وغيره فيكون ~~عاما أو في قوة و (ب) اغسلوا أرجلكم غير مقيد بوقت أو حال، يعني صالحا ~~للحال المعين وغيره (ج)، وأحاديث المسح إما مخصصة أو مقيدة للإطلاق، وهو ~~بالنظر إلى حال لبس الخف مع شرائط وزمان مخصوص. ورواية: إنه قبل المائدة ~~معارض بمثله، وهو حديث جرير ms0131 بن عبد الله البجلي قال: .. ثم توضأ ومسح على ~~خفيه، حتى قال جرير لمن سأله: أقبل المائدة أو بعدها؟ قال: وهل أسلمت إلا ~~بعد المائدة (¬2)؟. # وأيضا فإن قصة المسح في غزوة تبوك (¬3)، وآية المائدة (د) في غزوة ~~المريسيع وهي متقدمة باتفاق، والذي نزل في يوم (ه) عرفة من (و) سورة ~~المائدة في حج النبي - صلى الله عليه وسلم - هو قوله تعالى: {اليوم أكملت ~~لكم دينكم} (¬4) الآية وإسلام جرير كان في سنة عشر من شهر رمضان من تلك ~~السنة. PageV01P257 # واعلم أن مقتضى مذهب من يبني (أ) العام على الخاص مطلقا، (وهو مذهب بعض ~~الشافعية) (ب)، أو من يقول: إن الخاص مخصص للعام سواء تقدم أو تأخر بوقت لا ~~يتسع للعمل وهو المؤيد بالله كما صرح به في شرح التجريد والسيد محمد بن ~~إبراهيم والفقيه سليمان بن ناصر وعبد الله بن زيد، وبه قال الشافعي وأبو ~~الحسين والرازي وبعض الظاهرية هو العمل بحديث المسح سواء كانت آية المائدة ~~متقدمة أو متأخرة، إما تخصيصا كما في حالة تأخر الآية أو نسخا كما إذا كانت ~~الآية متقدمة، وقد مضى الوقت الذي أمكن فيه، ولا يقال إنه نسخ للمعلوم ~~بالمظنون إذ الآية على ما قد عرفت باعتبار عموم الأحوال عامة، ودلالة ~~العموم ظنية، فهو نسخ بعض الأفراد الذي تناوله العام، وهو حال (ج) لبس ~~الخفين في السفر على الشريطة المتقدمة أو في الحضر كذلك، وأما من يقول بأن ~~(د) العام المتأخر (ه) ناسخ للخاص المتقدم فيفترق الحال عنده بين أن تكون ~~(و) المائدة متقدمة أو متأخرة، وهو مذهب جمهور الزيدية والحنفية وبعض ~~الشافعية فمع (ز) صحة تقدم المائدة على ما قيل وتأخر رخصة الخفين فالعمل به ~~صحيح، وعلى فرض تقدمه يكون العمل بالآية متيقنا، ومع جهل التاريخ يتوقف في ~~ذلك فيرجع إلى العمل بالآية إذ هو المقطوع به، إلا أنه يلزم على مقتضى ما ~~ذهب إليه أبو طالب والشيخ الحسن الرصاص من أنه مع جهل التاريخ يعمل بالخاص، ~~أن يعمل على احتمال جهل التاريخ بحديث ms0132 مسح الخفين. قال المنصور بالله: ~~وبقول أبي طالب PageV01P258 # قال به (أ) كثير من الفقهاء والمتكلمين وقال البرماوي (ب) هذا القول ~~المتقدم أنه مذهب الشافعي وأصحابه والحنابلة. وبه قال القاضي عبد الجبار ~~وأبو الحسين وبعض الحنفية. وقال ابن حجر في فتح الباري (¬1) نقل ابن المنذر ~~عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفين عن الصحابة اختلاف، لأن كل من ~~روي عنه إنكاره فقد روي عنه إثباته. وقال ابن عبد البر: لا أعلم روي عن أحد ~~من السلف إنكاره إلا عن مالك (¬2)، مع أن الرواية الصحيحة عنه مصرحة ~~بإثباته، وقد أشار الشافعي في الأم (¬3) إلى إنكار ذلك على (ج) المالكية، ~~والمعروف المستقر عندهم الآن قولان: الجواز مطلقا، ثانيهما (د) للمسافر دون ~~المقيم، وهذا الثاني مقتضى ما في المدونة (¬4) وبه جزم ابن الحاجب وصحح ~~الباجي (¬5) الأول، ونقله عن ابن وهب وعن ابن نافع في المبسوطة (ه) نحوه، ~~وإن مالكا إنما كان يتوقف منه في خاصة نفسه مع إفتائه بالجواز، وهذا مثل ما ~~صح عن أبي أيوب الصحابي (¬6). انتهى. # وقال في التلخيص (¬7) نقلا عن ابن عبد البر، لم يرو (و) خلاف إلا الشيء ~~الذي PageV01P259 # لم يثبت عن عائشة وابن عباس وأبي هريرة. # قلت (¬1): قال أحمد: لا يصح حديث أبي هريرة في إنكار المسح، وهو باطل، ~~وروى الدارقطني من حديث عائشة إثبات المسح على الخفين (¬2) ويؤيد ذلك حديث ~~شريح بن (¬3) هانئ في سؤاله إياها عن ذلك فقالت له: سل ابن أبي طالب، وفي ~~رواية إنها قالت: لا علم لي بذلك، وأما ما أخرجه ابن أبي شيبة (¬4) عن حاتم ~~بن إسماعيل عن جعفر (¬5) بن محمد عن أبيه قال: قال علي: سبق الكتاب الخفين، ~~فهو منقطع لأن جعفرا (أ) لم يدرك عليا، وأما ما روي محمد ابن (ب) مهاجر عن ~~إسماعيل بن أبي أويس عن إبراهيم بن إسماعيل عن داود بن الحصين عن القاسم عن ~~عائشة قالت: لأن أقطع رجلي أحب إلي (د) أن أمسح على الخفين، فهو باطل عنها، ~~قال ابن حبان: محمد بن مهاجر ms0133 (د) كان يضع الحديث (¬6). وأغرب ربيعة فيما ~~حكاه الآجري عن أبي داود قال: جاء زيد بن أسلم فقال: أمسح على الجوربين؟ # فقال ربيعة: ما صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الجوربين ~~فكيف على خرقتين؟ وقوله: في رواية الأربعة (¬7) عنه (5) أن النبي صلى (و) ~~الله عليه وسلم مسح أعلى PageV01P260 # الخف وأسفله وفي إسناده ضعف، روي الحديث من طريق ثور بن يزيد عن رجاء بن ~~حيوة عن كاتب المغيرة عن المغيرة، وفي رواية ابن ماجة عن كاتب المغيرة: قال ~~الأثرم عن أحمد أنه (أ) كان يضعفه ويقول: ذكرته لعبد الرحمن بن مهدي فقال: ~~عن ابن المبارك عن ثور حدثت عن رجاء عن كاتب المغيرة -ولم يذكر المغيرة ~~(¬1)، فالعلة فيه من وجهين (¬2). # قال المصنف (¬3) -رحمه الله تعالى- بعد أن ساق كلام جماعة في تضعيفه: وقع ~~في سنن الدارقظني (¬4) ما يوهم رفع العلة، وهي: حدثنا عبد الله بن محمد بن ~~عبد العزيز حدثنا داود بن رشيد عن الوليد بن مسلم عن ثور بن يزيد حدثنا ~~رجاء بن حيوة فذكره. # فهذا ظاهره أن ثورا سمعه من رجاء لم فتزول العلة، ولكن رواه أحمد بن عبيد ~~(ب) الصفار في مسنده عن أحمد بن يحيى الحلواني عن داود بن رشيد فقال: عن ~~رجاء ولم يقل حدثنا رجاء، فهذا اختلاف على داود يمنع من القول بصحة، وصله ~~مع ما تقدم من كلام الأئمة. انتهى. # والحديث حجة من يقول: إنه يمسح أعلى الخف وأسفله وقد تقدم ذلك. # 53 - وعن علي - رضي الله عنه - قال: لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف ~~أولى بالمسح من أعلاه، وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على ~~ظاهر خفيه. أخرجه أبو داود بإسناد حسن (¬5). PageV01P261 # قال المصنف -رحمه الله تعالى- في التلخيص: إسناده صحيح (¬1). # والحديث يدل على أن شرعية مسح الخف ليست من العمل بالرأي والقياس، وإنما ~~هي توقيفية، لا تظهر لها مناسبة إلا مجرد التخفيف والتيسير فيوقف منه على ~~ما شرع، وقد شرع المسح على ظاهر الخفين، وهذا معارض بما ms0134 تقدم من رواية حديث ~~المغيرة. وفيه ما تقدم. # وقد روي أيضا عن ابن عمر أنه كان يمسح أعلى الخف وأسفله، كذا رواه ~~الشافعي والبيهقي (¬2). # 54 - وعن صفوان بن عسال - رضي الله عنه - قال: "كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يأمرنا إذا كنا سفرا أن لا ننزع أخفافنا ثلاثة أيام ولياليهن، ~~إلا من جنابة، ولكن من غائط وبول ونوم". أخرجه النسائي والترمذي واللفظ له ~~وابن خزيمة وصححاه (¬3). # هو صفوان بن عسال بفتح العين المهملة وتشديد السين المهملة وباللام، ابن ~~الربض -بفتح الراء المهملة وفتح الباء الموحدة وبالضاد المعجمة- ابن زاهر ~~الرادي، سكن الكوفة وحديثه فيهم، يقال: إن عبد الله (¬4) بن مسعود روى PageV01P262 # عنه وروى عنه زر بن حبيش وعبد الله بن سلمة (¬1). # الحديث رواه أيضا الشافعي وأحمد وابن ماجه وابن حبان والدارقطني ~~والبيهقي. وقال الترمذي (¬2) عن البخاري: حديث حسن. وصححه الترمذي (¬3) ~~والخطابي ومداره عندهم على عاصم بن أبي النجود (¬4) عن زر بن حبيش عنه، ~~وذكره ابن منده (¬5) أبو القاسم أنه رواه عن عاصم أكثر من أربعين نفسا ~~وتابع عاصما عليه عبد الوهاب بن بخت وإسماعيل بن أبي خالد وطلحة بن مصرف ~~والمنهال بن عمرو ومحمد بن سوقه وذكر جماعة معه، ومراده أصل الحديث لأنه ~~طويل مشتمل على التوبة والمرء مع من أحب، وغير ذلك لكن حديث طلحة عند ~~الطبراني (¬6) بإسناد لا بأس به وقد روى الطبراني (¬7) أيضا حديث المسح من ~~طريق عبد الكريم بن (أ) أمية عن (ب) حبيب بن أبي ثابت عن زر، وعبد الكريم ~~(¬8) ضعيف، ورواه من طريق أبي روق عن أبي الغريف عن صفوان بن عسال ولفظه: ~~"ليمسح أحدم إذا كان مسافرا على خفيه إذا أدخلهما طاهرين (ج) ثلاثة أيام ~~ولياليهن، وليمسح المقيم يوما وليلة" (¬9). PageV01P263 # ووقع في الطبراني (¬1) زيادة في آخر هذا المتن وهي قوله: "أو ريح". ولكن ~~قال: إن وكيعا تفرد بها عن مسعر بن عاصم. # وفي الحديث دلالة على توقيت المسح بالثلاثة الأيام وعلى اشتراط السفر، ~~وقد تقدم حكاية المذاهب. # وفيه دلالة على أنه يختص بالوضوء دون ms0135 الغسل، وهو مجمع على ذلك، وظاهر لفظ ~~الأمر الوجوب ولكن الإجماع يصرفه عن مقتضاه فيحمل على الإباحة أو الندب ~~ولذلك اختلف العلماء القائلون به أيهما أفضل المسح على الخفين أو غسل ~~القدمين. # قال المصنف -رحمه الله- عن ابن المنذر: والذي اختاره أن المسح أفضل (¬2) ~~وقال الشيخ محيي الدين (¬3): صرح جمع من الأصحاب أن الغسل أفضل بشرط أن لا ~~يترك المسح رغبة عن السنة كما قالوه في تفضيل القصر على الإتمام. وقد صرح ~~جمع من الحفاظ بأن المسح على الخفين متواتر (¬4). انتهى كلام الحافظ ~~المصنف. # 55 - وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: جعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوما وليلة للمقيم، يعني في ~~المسح على الحفين. أخرجه مسلم (¬5). PageV01P264 # وأخرجه أبو داود والترمذي (¬1) وابن حبان من حديث شريح بن هانيء قال: ~~أتيت عائشة أسألها عن المسح على (أ) الخفين، فقالت: عليك بابن أبي طالب ~~فاسأله، فإنه كان يسافر مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فسألناه، ~~فقال: جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ~~ويوما وليلة للمقيم. # وفي الحديث دلالة ظاهرة لمذهب الجمهور كالشافعي وأبي حنيفة وأحمد ومن ~~بعدهم من العلماء وجماهير الصحابة والتابعين في توقيته (ب) بما ذكر، ورد ~~على ما روى عن مالك، وهو قول (ج) قديم للشافعي من جوازه بلا توقيت، وسيأتي ~~حجة ذلك إن شاء الله تعالى. # 56 - وعن ثوبان - رضي الله عنه - قال: "بعث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سرية فأمرهم أن يمسحوا على العصائب -يعني العمائم- والتساخين -يعني ~~الخفاف رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم (¬2). # هو أبو عبد الله، ويقال: أبو عبد الرحمن ثوبان بفتح الثاء وبالباء ~~الموحدة ابن PageV01P265 # بجدد بضم الباء الموحدة وسكون الجيم وضم الدال المهملة الأولى وقيل (أ) ~~ابن جحدر بفتح الجيم وسكون الحاء المهملة من السراة، وهي موضع بين مكة ~~واليمن، وقيل: إنه من حمير أصابه سبي"، فاشتراه رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فأعتقه، ولم يزل معه سفرا وحضرا إلى أن ms0136 توفي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فخرج إلى الشام، فنزل الرملة، ثم انتقل إلى حمص، وتوفي بها سنة ~~أربع وخمسين. روى عنه شداد (ب) وجبير ابن نفير وأبو الأشعث الصنعاني (¬1) (ج). # (د ولفظ أبي داود (¬2) قال: "بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سرية ~~فأصابهم البرد فلما قدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرهم أن ~~يمسحوا على العصائب والتساخين" د). # والحديث يدل على شرعية المسح على الخفين والعمائم ولكنه كما ذكر من حكاية ~~أبي داود مشروط بالعذر فإن إصابة البرد المذكورة (ه) في القصة مناسبة ~~للترخيص فيظهر من تعليق الحكم بها باعتبارها لكنه في الخفين قد تبين الكلام ~~والخلاف، وفي المسح على العمائم تقدم الكلام على ذلك من غير عذر وأما مع ~~العذر وهو خشية الضرر فلا كلام في الجواز. # 57 - وعن عمر - رضي الله عنه - موقوفا، وأنس مرفوعا: "إذا توضأ أحدكم ~~ولبس خفيه فليمسح عليهما، وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة" ~~أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه (¬3). PageV01P266 # الحديث مطلق في الترخيص ولم يوقت ولم يشرط السفر ولا غيره، ولكنه مقيد كا ~~تقدم من التوقيت واشتراط الطهارة قبل اللبس فتنبه. # 58 - وعن أبي بكرة - رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه ~~رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه ~~أن يمسح عليهما. أخرجه الدارقطني وصححه ابن خزيمة (¬1). # هو أبو بكرة نفيع بن الحارث بضم النون وفتح الفاء وسكون الياء، وقيل: ابن ~~مسروح بفتح الميم وسكون السين المهملة وضم الراء وبالحاء المهملة، وقيل: بل ~~كان عبدا للحارث بن كلدة الثقفي، فاستلحقه وغلبت عليه كنيته، وأمه اسمها ~~سمية أمة للحارث بن كلدة وهي أم زياد الذي استلحقه معاوية بأبيه، ويقال: إن ~~أبا بكرة تدلى يوم الطائف ببكرة من بعض نواحي الطائف وأسلم، فكناه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بأبي بكرة وأعتقه فهو من مواليه، ونزل البصرة ومات ~~بها سنة PageV01P267 # تسع وأربعين، وقيل سنة (أ) إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين. # روى عنه ابناه ms0137 عبد الرحمن، ومسلم، وربعي بن خراش، والأحنف بن قيس، ~~وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، والحسن البصري، وقيل: إن الحسن لم يدركه (¬1). # وأخرجه أيضا ابن حبان، وابن الجارود، والشافعي، وابن أبي شيبة، والبيهقي، ~~والترمذي في العلل المفرد، وصححه الخطابي أيضا، ونقل البيهقي (¬2) أن ~~الشافعي صححه في سنن حرملة. (ب (والحديث حكمه واضح. # وقوله: إذا تطهر فلبس خفيه يعني إذا لبسهما وهو طاهر، فلم يخلعهما عند ~~إرادة الوضوء الثاني، كما تقدم اشتراط ذلك) ب). # 59 - وعن أبي بن عمارة - رضي الله عنه - أنه قال: يا رسول الله أمسح على ~~الخفين؟ قال: نعم، قال: يوما؟ قال: نعم. قال (ج): ويومين؟ قال: نعم. قال: ~~وثلاثة أيام (د)؟ قال نعم .. وما شئت. أخرجه أبو داود وقال: ليس بالقوي ~~(¬3). PageV01P268 # هو أبي بن عمارة بكسر العين المهملة وهو المشهور، وضمها، الأنصاري، صلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت أبيه عمارة القبلتين، أدخله أبو رزعة ~~في مسند البصريين (أ)، له عنده حديث واحد، وهو مضطرب الإسناد، ولم يذكره ~~البخاري في التاريخ، وهو غير مشهور. # روى عنه أيوب بن قطن وعبادة بن نسي (¬1). # وأخرجه ابن ماجه والدارقطني والحاكم في المستدرك، وضعفه البخاري فقال: لا ~~يصح. وقال أبو داود: اختلف في إسناده، وليس بالقوي (¬2)، وقال أبو زرعة ~~الدمشقي عن أحمد: رجاله لا يعرفون (¬3)، وقاد أبو الفتح الأزدي: حديثه ليس ~~بالقائم، وقال ابن حبان: لست أعتمد على إسناد خبره، وقال الدارقطني: لا ~~يثبت (¬4) وقد اختلف فيه على يحيى (¬5) بن أيوب اختلافا كثيرا، وقال ابن ~~عبد البر: لا يثبت، وليس له إسناد (ب) قائم (¬6)، وبالغ ابن الجوزي (¬7) PageV01P269 # فذكره في الموضوعات وقد ذهب إلى العمل بهذا الحديث مالك في المشهور وقول ~~قديم للشافعي فيمسح بلا توقيت (¬1) وقد عرفت ما في الحديث من الضعف فلا ~~يقوى على تخصيص عموم الآية، ولا على معارضة مفهوم أحاديت التوقيت والله ~~سبحانه أعلم. # (اشتمل هذا الباب على ثمانية أحاديث) (أ). # آخر الجزء الأول، ويتلوه إن شاء الله الجزء الثاني وأوله: باب نواقض الوضوء # والحمد لله رب ms0138 العالمين PageV01P270 # البدر التمام شرح بلوغ المرام # للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي # (1048 ه- 1119 ه) # تحقيق # علي بن عبد الله الزبن # عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية # قدم له # فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان # رئيس مجلس القضاء الأعلى # الجزء الثاني PageV02P001 # البدر التمام شرح بلوغ المرام PageV02P003 # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة الأولى # 1414 - ه = 1994 م PageV02P004 ### || AUTO باب نواقض الوضوء # 60 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: # "كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على عهده ينتظرون العشاء ~~حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون". أخرجه أبو داود، وصححه الدارقطني، ~~وأصله في مسلم (¬1). # وأخرج الترمذي من (أ) حديث شعبة: "لقد رأيت أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يوقظون للصلاة حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطا، ثم يقومون فيصلون ~~ولا يتوضؤون". # قال ابن المبارك: "هذا عندنا وهم جلوس" (¬2). # قال البيهقي (¬3): وعلى هذا حمله عبد الرحمن بن مهدي والشافعي. # وقال ابن القطان: هذا الحديث سياقه في مسلم يحتمل أن ينزل على نوم الجالس ~~وعلى ذلك نزله أكثر الناس، لكن فيه زيادة على ذلك رواها يحيى القطان عن ~~شعبة عن قتادة عن أنس، قال: PageV02P005 # "كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينتظرون الصلاة فيضعون ~~جنوبهم فمنهم من ينام ثم يقوم إلى الصلاة" (¬1). رواها قاسم بن أصبغ عن ~~محمد بن عبد السلام (أ) الخشني عن بندار عن محمد بن بشار -عنه (ب) وقال ابن ~~دقيق العيد: يحمل (ج) هذا على النوم الخفيف، لكن يعارضه رواية الترمذي (¬2) ~~(د) التي فيها ذكر الغطيط. قال: وروى هذا الحديث أحمد بن حنبل عن يحيى ~~القطان بسنده، وليس فيه: "يضعون جنوبهم"، وكذا أخرجه الترمذي (¬3) عن بندار ~~بدونها، وكذا أخرجه البيهقي (¬4) من طريق تمتام (ه) عن بندار، ورواه البزار ~~والخلال من طريق عبد الأعلى عن سعيد (و) عن قتادة، وفيه: "فيضعون (ز) ~~جنوبهم" (¬5). # وقال أحمد بن حنبل: لم ينقل (ح) شعبة قط: "وكانوا يضطجعون". # وقال (ط): وقال هشام: "كانوا ينعسون". PageV02P006 # قال الخلال: قلت لأحمد ms0139 في حديث سعيد (أ): كانوا يضعون (ب)، فتبسم فقال: ~~هذا ثمرة "يضعون جنوبهم". # والحديث يدل على أن ميلان الرأس لأجل النوم لا ينقض (ج) الوضوء، وهذا هو ~~حد الخفقة، ولكن حديث الترمذي فيه زيادة على ذلك القدر وهو قوله: "لأحدهم ~~غطيطا" فإن الغطيط والإيقاظ إنما يكون من النوم المستغرق، وقد اختلف ~~العلماء (¬1) في ذلك على مذاهب: # أحدها: أن النوم لا ينقض الوضوء على أي حال كان، وهذا محكي عن أبي موسى ~~الأشعري، وسعيد بن المسيب، وأبي بجلز، وحميد الأعرج، وظاهر حديث الترمذي ~~ويحيى القطان حجة لهم. والتأويل بنوم القاعد خلاف الظاهر. # الثاني: أن النوم ينقض الوضوء بكل حال، وهو مذهب الحسن البصري، وأبي عبيد ~~القاسم بن سلام، وإسحاق بن راهويه، وهو قول غريب للشافعي (¬2). # قال ابن المنذر: وبه أقول، وروى معناه (د) عن ابن عباس وأنس وأبي هريرة ~~-رضي الله عنهم- قالوا: لعموم حديث صفوان (¬3) بن عسال الذي صححه ابن خزيمة ~~وغيره ففيه: "إلا من غائط أو بول أو نوم" فسوى بينها (ه) في الحكم. # المذهب الثالث: أن كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لا ينقص بحال، PageV02P007 # وهذا مذهب الزهري وربيعة والأوزاعي ومالك (¬1) وأحمد في إحدى الروايتين ~~عنه، قالوا: لأن النوم ليس بناقض بنفسه، وإنما هو مظنة الحدث، وحجتهم ما ~~تقدم من حديث أنس فإنه محمول على القليل، وروى في "أصول الأحكام" أيضا (أ) ~~عن عائشة أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "من استجمع نوما ... "، ~~والاستجماع هو المبالغة في النوم، إذ هو مأخوذ من قولهم: "استجمع الفرس ~~جريا" إذا بالغ. # وفي "التلخيص" (¬2) منسوبا إلى البيهقي من رواية أبي هريرة: "من استحق ~~النوم وجب عليه الوضوء"، وقال البيهقي: لا يصح رفعه، [وفسر الراوي استحق ~~النوم قال: هو أن يضع جنبه، كذا في سنن البيهقي (¬3)] (ب) وما رواه في ~~"الشفاء" من حديث علي - رضي الله عنه - ونوم مضطجع يؤيد ذلك، فإن نوم ~~المضطجع في الأغلب لا يكون إلا كثيرا مبالغا فيه. # المذهب الرابع: أنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين كالراكع (ج) ms0140 ~~والساجد والقائم والقاعد لا ينتقض (د) وضوءه سواء كان في الصلاة أو لم يكن، ~~فإن نام مضطجعا أو على قفاه انتقض، وهذا مذهب أبي حنيفة وداود وقول غريب ~~للشافعي (¬4)، هكذا حكى مذهب أبي حنيفة النووي (¬5) في "شرح مسلم" وفي ~~"البحر" (¬6) في تحقيق مذهب أبي حنيفة، قال زيد بن علي وأبو حنيفة: PageV02P008 # لا ينقض (أ) في الصلاة لقوله: "إذا نام العبد في سجوده باهى الله به ~~الملائكة يقول: عبدي روحه عندى وجسده ساجد بين يدي" (¬1). رواه البيهقي ~~وغيره، وقد ضعف. # المذهب الخامس: أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، وروى هذا عن أحمد ~~(¬2) بن حنبل ولعل وجهة الحديث المذكور وقاس الركوع على السجود. # المذهب السادس: أنه لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال، وينقض خارج الصلاة، ~~وهو قول ضعيف للشافعي (¬3)، ولعل وجهة الحديث، وقيس باقي أفعال الصلاة على ~~السجود (ب). # المذهب السابع: أنه إذا نام جالسا ممكنا مقعدته من الأرض لم ينتقض، وإلا ~~انتقض سواء قل أو كثر سواء كان في الصلاة أو خارجها، وهذا مذهب الشافعي، ~~لأن النوم إنما هو مظنة الحدث، فإذا كان على هذه الكيفية لم يكن مظنة، ~~والأصل بقاء الطهارة، وإذا كان على خلافها فهو مظنة خروج الريح، واستدل على ~~ذلك بما رواه أبو داود وغيره من حديث علي - رضي الله عنه-: "العين (ب) وكاء ~~السه، فمن نام فليتوضأ" (¬4) حسنه المنذري وغيره، وفيه بقية PageV02P009 # ابن الوليد (¬1) وقد عنعنه، وهو مدلس، فإذا قال: عن "فليس بحجة". # قال الشافعي: معناه أن النوم مظنة لخروج شيء من غير شعور به (أ) فالنوم ~~ناقض لا لعينه، بل لكونه مظنة لذلك. # والسه (¬2): بالسين المهملة والهاء هي الدبر. # والوكاء: بالكسر والمد هو ما يربط به الخريطة وغيرها. # وحمل الشافعي ما مر من الحديث على نوم الممكن مقعدته جمعا بينها (ب) وبين ~~حديث "العينان وكاء السه" ونحوه، ومذهب الهادوية (¬3) يعفى الخفقتان ولو ~~توالتا، ولا يعفى عن الخفقات المتواليات، والخفقة (¬4): هي ميلان الرأس من ~~النعاس، وحد الخفقة أن لا يستقر رأسه من الميل حتى يستيقظ، ms0141 ومن لم يمل رأسه ~~عفي له عن قدر خفقة وهي ميل الرأس فقط حتى يصل (ج) ذقنه صدره قياسا على نوم ~~الخفقة ويحملون الأحاديث المتقدمة على النعاس الذي لا يزول معه التمييز. # واتفقوا على أن زوال العقل بالجنون والإغماء والسكر بالخمر أو (د) ~~النبيذ، أو (و) البنج، أو (ه) الدواء ينقض الوضوء سواء قل أو كثر سواء كان ~~ممكن PageV02P010 # المقعدة أو غير ممكنها. والله أعلم. # قيل: وكان من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم ~~مضطجعا لحديث ابن عباس: " .. حتى سمعت غطيطه، ثم صلى ولم يتوضأ" (¬1)، ~~والسر في ذلك أنه (أ) لا ينام قلبه - صلى الله عليه وسلم - وإن نامت عينه ~~فهو في حكم اليقظان والله أعلم. # قال الشافعي (¬2): لا ينتقض الوضوء بالنعاس، وهو السنة، وينتقض بالنوم. # قالوا: وعلامة النوم أن فيه غلبة على العقل، وسقوط حاسة البصر وغيرها من ~~الحواس، وأما النعاس فلا يغلب على العقل وإنما تفتر عنه الحواس من غير ~~سقوطها. # ولو شك هل نام أو نعس فلا وضوء عليه، ويستحب أن يتوضأ إذا شك هل نام ~~ممكنا مقعدته أم لا، وكذلك إذا نام جالسا وزالتا أليتاه أو إحداهما عن ~~الأرض، فإن (ب) زالت قبل الانتباه انتقض وضوؤه لأنه مضى عليه لحظة وهو نائم ~~غير ممكن المقعدة، وإن زالت بعد الانتباه أو معه أو شك في وقت زوالها لم ~~ينتقض وضؤوه، ولو نام ممكنا مقعدته من الأرض مستندا إلى حائط لم ينتقض ~~وضوؤه، سواء كان بحيث لو وقع (ج) الحائط لسقط أو لم يكن. # لو نام محتبيا ففيه ثلاثة أوجه لأصحاب الشافعي: أحدها: (د) لا ينتقض ~~كالمتربع، الثاني: ينتقض كالمضطجع، الثالث: إن كان نحيف البدن بحيث لا PageV02P011 # تنطبق (أ) أليتاه على الأرض انتقض وإن كان لحيم (ب) البدن تنطبق (ج) ~~أليتاه لم ينتقض، كذا حققه النووي في شرح مسلم (¬1). # 61 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: # "جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالت: يا ~~رسول الله إني: امرأة ms0142 أستحاض فلا أطهر، أفأدع الصلاة؟ تال: لا إنما ذلك ~~عرق، وليس بحيض، فإذا أقبلت حيضتك فدعي الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم ~~ثم صلي". متفق عليه (¬2). # وللبخاري: "ثم توضئي لكل صلاة" وأشار مسلم إلى أنه (د) حذفها عمدا. # هي فاطمة بنت أبي حبيش (¬3) -بضم الحاء المهملة، وفتح الباء الموحدة ~~وسكون الياء والشين المعجمة- ابن المطلب، القرشية الأسدية، وهي التي ~~استحيضت. # [واسم أبي حبيش قيس، وليست فاطمة بنت قيس المطلقة بائنا] (ه). # روى عنها عروة بن الزبير -وقيل: عروة عن عائشة عنها وأم سلمة- وهي زوجة ~~عبد الله بن جحش. PageV02P012 # • قوله: في الحديث "استحاض" الاستحاضة: جريان الدم من فرج المرأة في (أ) ~~غير أوانه. # • وقولها: "أفأدع الصلاة؟ قال: لا"، فيه دلالة على أن المستحاضة تصلي ~~أبدا إلا في الزمن المحكوم بأنه حيض، وهذا مجمع عليه. # • وقوله: "إنما ذلك عرق"، [ذلك: بكسر الكاف خطاب للمؤنث] (ب)، والعرق: ~~بكسر العين المهملة وسكون الراء، ويسمى ذلك العرق "العاذل" بكسر الذال ~~وبالعين المهملة، وفيه إشارة إلى الفرق بينه وبين الحيض بالنظر إلى المخرج، ~~فإن الحيض يخرج من قعر رحم المرأة. وأما ما وقع كثيرا في كتب الفقه: "إنما ~~ذلك عرق انقطع أو انفجر" فهي (ج) زيادة لا تعرف في الحديث وإن كان لها معنى صحيح. # • وقوله: "فإذا أقبلت إلحيضة"، قال النووي: يجوز في الحيضة الفتح والكسر ~~(¬1) وقال المصنف (¬2) -رحمه الله تعالى- الذي في روايتنا الفتح. # • وقوله: "وإذا (د) أدبرت فاغسلي عنك الدم ثم صلي"، المراد بالإدبار: ~~انقطاع الحيض، وقوله: ثم صلي: أي بعد الغسل، وقد صرح به البخاري من طريق ~~أبي أسامة عن هشام بن عروة في هذا الحديث قال في آخره: "ثم اغتسلي وصلي" ~~(¬3) ولم يذكر غسل الدم، وهذا الاختلاف واقع بين أصحاب هشام، منهم من ذكر ~~غسل الدم ولم يذكر الاغتسال، ومنهم من ذكر الاغتسال ولم يذكر غسل الدم، ~~وكلهم أحاديثهم في الصحيحين، فيحمل على PageV02P013 # أن كل فريق اختصر أحد الأمرين (أ) لوضوحه عنده. # وفيه اختلاف ثالث من رواية أبي معاوية وهو بزيادة: "ثم توضئي لكل ms0143 صلاة" ~~(¬1)، وليست مدرجة كما وهم بعضهم، إذ لو كانت كذلك لقال: ثم تتوضأ بلفظ ~~الخبر، ولم يأت به بلفظ الأمر فهو قرينة على أنه من تمام الحديث (¬2). # وكذلك وهم من قال: إنها موقوفة على عروة، بل هي بالإسناد المذكور في أول ~~الحديث، وحصل الوهم من قول البخاري: "وقال" -أي: هشام ابن عروة-: "وقال ~~أبي" بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة، أي عروة بن الزبير، فادعى بعضهم أن هذا ~~تعليق، وليس بصواب بل هو بالإسناد المذكور عن محمد عن (ب) أبي معاوية عن ~~هشام، وقد بين ذلك الترمذي (¬3) في روايته. # ولم ينفرد أبو معاوية بذلك فقد رواه من طريق حماد بن زيد عن هشام، وادعى ~~أن حمادا تفرد بهذه الرواية، وأومأ مسلم أيضا إلى ذلك، [قال مسلم: "في حديث ~~حماد بن زيد زيادة حرف تركنا ذكره" (¬4). قال القاضي عياض (¬5): "الحرف ~~الذي تركه: قوله: "اغسلي عنك الدم وتوضئي"، ذكر هذه الزيادة النسائي وغيره ~~وأسقطها مسلم، لأنها مما انفرد به حماد. قال النسائي (¬6): لا نعلم أحدا ~~قال: "وتوضئي" في الحديث غير حماد، يعني PageV02P014 # والله أعلم- في حديث هشام، وقد روى أبو داود وغيره ذكر الوضوء من رواية ~~عدي بن ثابت وحبيب بن أبي ثابت وأيوب بن أبي مسكين، قال أبو داود (¬1): ~~وكلها ضعيفة، والله أعلم] (أ)، وليس (ب) كذلك فقد رواها الدارمي من طريق ~~حماد بن سلمة (¬2) والسراج من طريق يحيى بن سليم: كلاهما عن هشام. # * وفي الحديث دلالة على أن المستحاضة إذا ميزت أيام الحيض من أيام ~~الاستحاضة تعمل على ذلك، فإن تعليق الحكم بالإقبال والإدبار يقضي بمعرفتهما ~~(ج)، وهي لا تعرفهما إلا بعلامة مميزة، إما عادة أو صفة الدم، (فإذا انقضى ~~الحيض اغتسلت منه وصار دم الاستحاضة في حكم الحدث، فصرح بالحديث بالوضوء ~~لكل صلاة، وبهذا قال الجمهور (¬3)، وعند الهادوية والحنفية (¬4) أن الوضوء ~~متعلق بوقت الصلاة، فلها أن تصلي به الفريضة الحاضرة وما شاءت من النوافل ~~وتجمع بين فريضتين على وجه الجواز عند من يجيز ذلك أو لعذره، وتأولوا لفظ ~~الحديث بأنه على تقدير ms0144 (ه) مضاف وهو (و) لوقت كل صلاة). # فإن كانت مميزة بالصفة، وإقبالها (ز) بدون الدم الأسود وإدبارها إدبار PageV02P015 # ما (أ) هو بصفة الحيض وإن كانت معتادة ردت إلى العادة فإقبالها (ب) وجود ~~الدم في أول أيام العادة وإدبارها انقضاء أيام العادة، وقد ورد في حديث ~~فاطمة هذه ما يقتضي الرد إلى التمييز. # وحمل قوله: "فإذا أقبلت الحيضة" على الحيضة المألوفة التي هي بصفة الدم ~~المعتاد، وأقوى الروايات في الرد إلى التمييز (ج) الرواية التي فيها: "دم ~~الحيض أسود يعرف" وسيأتي، وأما الرد إلى أيام العادة فقد صرح يها في رواية ~~لحديث فاطمة: "ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي ~~(د) وصلي" (¬1)، وسيأتي من حديث أم حبيبة. # وهذه الرواية استدل بها من يرى الرد إلى أيام العادة سواء كانت مميزة ~~بالصفة للدم أم لا، وهو اختيار الهادوية وأبي حنيفة (¬2) وأحد قولي ~~الشافعي، قالوا: لأن عدم الاستفصال في قضايا الأحوال ينزل منزلة عموم ~~الأقوال، لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسألها هل الدم يتميز (ه) أم لا؟ # والجواب عنه بأن ذلك إنما يتم لو لم يثبت الرجوع إلى صفة الدم، فبعد (ر) ~~ثبوته يجب الجمع بين الروايتين فيعمل بهما، وأيضا فباحتمال أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إنما ترك (ز) السؤال لمعرفته بحال السائل (ح)، وهو من ~~مجاز الحذف، ولا يجوز إلا مع PageV02P016 # القرينة، ولعله يستأنس لذلك التقدير بما سيأتي في (أ) حديث حمنة، وهو ~~قوله: "فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر ثم تغتسلي (ب) حين تطهرين ~~وتصلين الظهر والعصر جميعا، ثم تؤخرين المغرب ... " إلخ (¬1)، فإن فيه ذكر ~~الجمع، وإن كان المصرح في الحديث إنما هو بالغسل إلا أن الغسل لما كان على ~~جهة الاستحباب -وقد أشار فيه إلى أن الصلاتين يكفي لهما هذا الغسل وهو ~~مشروط بالقوة عليه- فمفهومه: فإذا لم تقو عليه تركته، وصلت الصلاتين، ولم ~~يأمرها بإعادة الوضوء، فدل على أن الوضوء (ج) للوقت لا للصلاة. # وعند المالكية (¬2) يستحب لها الوضوء لكل صلاة، ms0145 ولا يجب إلا بحدث (د) ~~آخر، وقال (¬3) أحمد وإسحاق: إن اغتسلت لكل صلاة فهو أحوط. # * واعلم أن المستحاضة يجوز لزوجها وطوها في حال جريان الدم عند جمهور ~~(¬4) العلماء، وحكاه ابن المنذر في "الإشراف" عن ابن عباس، وابن المسيب، ~~والحسن البصري، وعطاء، وسعيد بن جبير، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وبكر ~~بن عبد الله المزني، والأوزاعي، والثوري، ومالك، وإسحاق، وأبي ثور. PageV02P017 # قال ابن المنذر: وبه أقول، قال: وروينا عن عائشة رضي الله عنها أنها ~~قالت: "لا يأتيها زوجها" (¬1)، وبه قال النخعي والحكم، وكرهه ابن سيرين، ~~وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يطول ذلك بها، وفي رواية عنه: أنه لا يجوز ~~وطؤها إلا أن يخاف زوجها العنت، والمختار قول الجمهور. # وقد روى عكرمة عن حمنة بنت جحش: "أنها كانت مستحاضة، وكان زوجها يجامعها" ~~(¬2)، رواه أبو داود والبيهقي وغيرهما بهذا اللفظ بإسناد حسن، وقال البخاري ~~في "صحيحه": قال ابن عباس: "المستحاضة يأتيها زوجها إذا صلت، الصلاة أعظم" (¬3). # ولأن المستحاضة كالطاهر (أ) في الصلاة والصوم وغيرهما، وكذا في الجماع، ~~ولأن التحريم إنما يثبت بالشرع ولم يرد الشرع بتحريمه، وأما في سائر ~~العبادات فهي كالطاهر إجماعا. # والمستحاضة تؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث والنجس فتغسل فرجها قبل الوضوء ~~أو قبل التيمم وتحشو فرجها بقطنة أو خرقة دفعا للنجاسة وتقليلا لها، فإن ~~كان دمها قليلا يندفع بذلك فلا شيء عليها غيره، وإن لم يندفع بذلك شدت مع ~~ذلك على فرجها وتلجمت، وهو أن تشد على وسطها خرقة أو خيطا أو نحوه على صورة ~~التكة، وتأخذ خرقة أخرى مشقوقة الطرفين، فتدخلها بين فخذيها PageV02P018 # وأليتيها (أ) وتشد الطرفين بالخرقة التي في وسطها إحديهما (ب) قدامها عند ~~سرتها والأخرى خلفها، وتحكم ذلك الشد وتلصق هذه الخرقة المشدودة بين ~~الفخدين بالقطنة التي في الفرج إلصاقا جيدا، وهذا الفعل يسمى تلجما ~~واستثفارا وتعصيبا (ج)، وهذا واجب عند الناصر والشافعية (¬1)، إلا إذا تأذت ~~بالشد وأحرقها الدم فلا يلزمها ذلك، وإلا إذا كانت صائمة (عند الشافعية) ~~(د) فتترك الحشو في النهار، وتكتفي بالشد وتتوضأ ms0146 عقيب (ه) الشد والتلجم، ~~فإن تأخر ذلك وتراخى الوضوء ففي صحة (و) الوضوء وجهان، الأصح عند الشافعية ~~أنه لا يصح. # وإذا خرج الدم بعد ذلك من غير تفريط لم تبطل طهارتها ولا صلاتها، وتصلي ~~بعد الفرض ما شاءت من النوافل، وإن (ز) كان خروجه لتقصير منها بطلت ~~طهارتها. # وقال الفقيه يوسف بن عثمان: الأصح بمذهب الهادي أن الشد ونحوه غير واجب ~~عليها، والأول أولى، إذ الواجب تقليل النجاسة والبعد منها ما أمكن، وإذا ~~أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم. # والمستحاضة ليس لها أن تتوضأ قبل دخول وقت الصلاة عند (¬2) الجمهور، PageV02P019 # إذ طهارتها ضرورية فلا تجوز قبل وقت الحاجة، وقال أبو حنيفة (¬1): يجوز، ~~قال أصحاب الشافعي: وإذا توضأت بادرت إلى الصلاة عقيب طهارتها، وإن أخرت ~~(أ) بأن توضأت في (ب) أول الوقت وصلت في وسطه، إن كان ذلك للاشتغال بأعمال ~~الصلاة كستر العورة والاجتهاد في القبلة ونحو ذلك جاز على الصحيح المشهور، ~~ووجه ضعيف أنه تبطل طهارتها (ج). # وأما إذا أخرت لغير عذر، ففيه ثلاثة أوجه، أصحها: لا يجوز وتبطل طهارتها، ~~والثاني: يجوز ولا تبطل طهارتها (ج) ولها أن تصلي بها ولو بعد خروج الوقت، ~~والثالث: لها التأخير ما لم يخرج وقت الفريضة، وإن خرج الوقت (د) فليس لها ~~أن تصلي بتلك الطهارة، ولها أن تصلي بعد الفريضة ما شاءت من النوافل على ~~أصح الوجهين عندهم (¬2). # 62 - وعن علي - رضي الله عنه - قال: "كنت رجلا مذاء، فأمرت المقداد أن ~~يسأل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسأله، فقال: فيه الوضوء" (¬3). متفق ~~عليه، واللفظ للبخاري. PageV02P020 # أخرجه بهذا اللفظ من حديث مسدد عن محمد بن الحنفية عن علي - رضي الله عنه ~~-، وأخرجه من حديث أبي الوليد عن أبي عبد الرحمن عن علي بلفظ: "فأمرت ~~رجلا"، وزيادة: "لمكان ابنته". ثم قال: "توضأ، واغسل ذكرك" (¬1). # * والمذاء، صيغة مبالغة من المذي، يقال: مذى يمذي مثل مضى يمضي ثلاثيا، ~~ويقال أيضا: أمذى يمذي بوزن أعطى يعطي رباعيا. # وفي المذي لغات أفصحها: بفتح الميم وسكون الذال المعجمة وتخفيف الياء، ms0147 ثم ~~بكسر الذال وتشديد الياء، وهو ماء أبيض رقيق لزج يخرج عند الملاعبة، أو ~~تذكر الجماع أو بإرادته، وقد لا يحس بخروجه. # والرجل: هو المقداد. # وفي قوله: "لمكان ابنته" أدب في ترك مواجهة الأصهار بذكر ما يتعلق بجماع ~~المرأة، ورعاية حسن الأدب في ترك ما يستحيا منه عرفا. # * واعلم أنه قد (أ) وقع اختلاف في السائل من هو، فأطبق أصحاب المسانيد ~~والأطراف على إيراد هذا الحديث في مسند علي، والظاهر أن السؤال وقع من PageV02P021 # المقداد وعلي حاضر، وعلى هذا ففي رواية: "توضأ"، الخطاب للمقداد أو (أ) ~~لعلي أو لمبهم إذا كان سؤال المقداد لمبهم، ويدل على حضور علي أنه لولا ذلك ~~لذكره أهل المسانيد في مسند المقداد، وأيضا. فإن في رواية النسائي (ر) عن ~~علي: "فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله" (و)، فسأله (¬1)، ووقع في رواية لأبي ~~داود والنسائي (ب). (د) وابن خزيمة بزيادة: " ... فجعلت أغتسل منه في ~~الشتاء حتى تشقق ظهري (¬2)، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تفعل"، ~~ولأبي داود أيضا أنه سأل بنفسه (¬3). وللنسائي أنه أمر عمارا (¬4)، وجمع ~~ابن حبان (¬5) بين (ه) هذا الاختلاف: أنه أمر عمارا وأمر أيضا المقداد ثم ~~سأل بنفسه، ويخدش في الأخير حديث الاستحياء، [وهو قوله: "فاستحييت (و) أن ~~أسأل رسول الله"، وهو متفق عليه، وفي الموطأ (¬6) أيضا] (ز). # وأحسن منه أن نسبة السؤال إليه مجاز لكونه آمرا. # وأما أمرهما فهو ممكن، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق (¬7): # أنه تذاكر علي والمقداد وعمار (ح) المذي فذكر الحديث، وصحح PageV02P022 # ابن بشكوال أن السائل منهما هو المقداد، وعلى هذا فنسبة السؤال أيضا على ~~(أ) عمار مجاز لكونه مأمورا به. # والحديث يدل على أن المذي لا يوجب الغسل، وهو إجماع (¬1)، وعلى أنه يوجب ~~الوضوء كالبول، وليس في تقديم "توضأ" على قوله: "واغسل ذكرك" دليل (ب) على ~~أنه يجوز تقديم الوضوء ثم غسله من بعد إذ العطف بالواو وهي لا تقتضي ~~الترتيب، فيرد ذلك إلى غيره من الدلائل، فأما على من جعل مس الذكر ناقضا ~~فالأمر ظاهر أنه ms0148 يتعين التقديم إلا إذا مسه بآلة فيحمل على الأولوية (ج). # وأما على أصل من قال: إنه يجب تقديم غسل نجاسته (د) توجيه على الوضوء ~~فكذلك، وغسل الذكر يحتمل أنه محل الخروج فلا يجب مجاوزة الخرج إذ المقتضي ~~له إنما هو الخارج، وعلى هذا الجمهور، ويؤيده ما عند الإسماعيلي في رواية: ~~فقال: "توضأ فاغسله" (5)، فأعاد الضمير على الذي، وذهب (و) بعض الحنابلة ~~وبعض المالكية (¬2) إلى وجوب استيعاب غسله عملا بظاهر الحديث، [ويؤيده ما ~~عند أحمد وأبي داود (¬3): "يغسل ذكره، وأنثييه ويتوضأ". # وعن عبد الله بن سعد قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن (ز) ~~الماء يكون بعد الماء؟ فقال: "ذاك الذي، وكل فحل يمذي فيغسل (ح) من ذلك ~~فرجك PageV02P023 # وأنثييك، وتوضأ وضوءك للصلاة" (¬1). رواه أبو داود] (أ). # واختلفوا هل المعنى معقول أو هو حكم تعبدي، وعلى الثاني تجب النية فيه عندهم. # وقال الطحاوي (¬2): الأمر بغسله كله ليتقلص فيبطل خروجه كما في الضرع إذا ~~غسل بالماء البارد يتفرق اللبن إلى داخل الضرع فينقطع خروجه، واستدل ~~بالحديث على تعين الماء دود الأحجار عند (ب) من يقول بكفايتها. # وبنى على هذا النووي في "شرح مسلم" (¬3)، وصحح في باقي كتبه الاكتفاء ~~بالأحجار قياسا له على البول، وحمل الحديث على الاستحباب، أو على أنه خرج ~~مخرج الغالب، وهو المشهور عند الشافعية. # واستدل به أيضا على نجاسة المذي وهو ظاهر. # واستدل به أيضا على وجوب الوضوء على من به سلس البول، (¬4) لأن في الحديث ~~صيغة المبالغة، ورده ابن دقيق العيد بأن الكثرة التي في الحديث ناشئة عن ~~غلبة الشهوة مع صحة الجسد بخلاف السلس فإنه ينشأ عن علة في الجسد، وأجيب ~~عنه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل فدل على عموم الحكم، والله ~~سبحانه أعلم. PageV02P024 # 63 - وعن عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل ~~بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ. # أخرجه أحمد، وضعفه البخاري. # وأخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه (¬1). # قال الترمذي (¬2): سمعت محمد بن إسماعيل ms0149 البخاري يضعف هذا الحديث. # وأبو داود (¬3) أخرجه من طريق إبراهيم التيمي (¬4) عن عائشة، قال: "هو ~~مرسل لأن إبراهيم لم يسمع من عائشة شيئا"، وقال النسائي: "ليس في هذا الباب ~~حديث أحسن منه، ولكنه مرسل" وأخرجاه أيضا من حديث عروة عن عائشة، وقالا: ~~قال يحيى القطان في هذا الحديث: وحديث المستحاضة "تصلي وإن قطر الدم على ~~الحصير" أنهما شبه (أ) لا شيء (¬5)، وضعف الترمذي أيضا (ب) كلا الطريقين. # ورواه الشافعي (¬6) من طريق معبد بن نباته عن محمد بن عمرو بن عطاء عن PageV02P025 # عائشة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه كان يقبل ولا يتوضأ"، قال ~~الشافعي: ولا أعرف حال معبد، فإن كان ثقة فالحجة فيما روى عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. # قال المصنف (¬1) -: رحمه الله تعالى-: روي من عشرة أوجه عن عائشة، أوردها ~~البيهقي في "الخلافيات" (¬2)، وضعفها، قال ابن حزم (¬3): لا يصح في الباب ~~شيء، وإن صح فهو محمول على ما كان عليه الأمر قبل نزول الوضوء من اللمس. # * والحديث فيه دلالة على أن لمس المرأة وتقبيلها لا ينقض الوضوء، والخلاف ~~في ذلك واقع، فروي عن علي وابن عباس وعطاء وطاووس والعترة جميعا أن لمس بشر ~~من لا (أ) يحرم نكاحه عليه (ب) لا ينقض الوضوء، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف ~~(¬4) إلى ذلك إلا إذا تباشر الفرجان وانتشر وإن لم يمذ. # وذهب ابن مسعود وابن عمر والزهري (¬5) والشافعي وأصحابه وزيد بن أسلم ~~وغيرهم إلى أن ذلك ناقض، قالوا: لقوله تعالى: {أو لامستم النساء} (¬6). # واللمس حقيقة في اليد، وأيضا فيوضح بقاءه على معناه قراءة {أو لامستم ~~النساء} (¬7) فإنها ظاهرة في مجرد لمس الرجل من دون أن يكون من المرأة PageV02P026 # فعل، وهذا يتحقق (أ) في بقائه على معناه الحقيقي فقراءة "لامستم" كذلك إذ ~~الأصل اتفاق معنى القراءتين. # وأجيب عن ذلك بأنه يصرف عن بقاء اللفظ عن معناه الحقيقي القرينة، فيحمل ~~على المجاز، والمجازي هنا هو حمل الملامسة على الجماع، واللمس كذلك، ~~والقرينة على ذلك حديث عائشة الذكور. # وأجيب بأن حديث عائشة لا ms0150 يقوى على معارضة ظاهر الآية، إذ قد عرفت ما فيه. # وأجيب عن القدح فيه أن بعض طرقه قدح فيها (ب) بالإرسال فقط والمرسل يعمل ~~به بالشرط المعروف وأيضا فإن الضعف منجبر بما ورد فيه من الروايات، وبما ~~أخرجه البخاري في كتاب "الصلاة" من اعتراض عائشة - رضي الله عنها - في ~~قبلته - صلى الله عليه وسلم - وغمزه لقدميها (ج)، قالت: "فإذا سجد غمزني، ~~فقبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما"، قالت: "والبيوت يومئذ ليس فيها مصابيح" (¬1). # فإنه يدل على أن اللمس ليس بناقض. # قال المصنف -رحمه الله- في "الفتح" (¬2): يحتمل أنه لسها بحائل، أو على ~~أن ذلك خاص به. انتهى. وهو خلاف الظاهر. # واحتجوا أيضا وأبو حنيفة بحديث معاذ، وهو أنه جاء رجل فقال: يا رسول الله ~~إني صادفت امرأة في هذا البستان فقضيت منها ما يقضى الرجل من امرأته ما خلا ~~الجماع، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "توضأ وضوءا حسنا واركع ركعتين" {إن ~~الحسنات PageV02P027 # يذهبن السيئات} (¬1) (¬2). # ويجاب عنه بأن ذلك الأمر لأجل المعصية، وقد ورد أن الوضوء والصلاة (أ) ~~يكفران الذنب، أو لأن الغالب مع تلك الحال المذي. # وقال مالك: إن لمس لشهوة نقض إذ الشهوة العلة في ذلك (¬3)، وقال داود: لا ~~ينتقض إلا إذا تعمد لرفع الخطأ (¬4)، قلنا: ذلك من باب تعليق الحكم بسببه، ~~فلا فرق بين العمد والخطأ. # وللشافعي في الملموس قولان: لا يضر للمس عائشة أخمصه - صلى الله عليه ~~وسلم - في الصلاة ولم يقطعها (¬5)، وينقض كالجماع (¬6). البغداديون: والشعر ~~ونحوه، وما قد قطع لا ينقض. الخراسانيون: قولان فيهما، وفي المحرم قولان: ~~فإن كانت حلالا من قبل كأم الزوجة نقضت، وقيل: قولان، وفي الميتة والتي لا ~~تشتهى لصغر أو كبر قولان، ولا نقض مع الحائل عنه إلا بشهوة (ب)، ومذهب ~~مالك: إن رقة (¬7) الحائل ولمس الخنثى لا ينقض، فإن لمس رجلا (ج) وامرأة ~~توضأ PageV02P028 # لا هما. (¬1). # * فائدة: "بعض النساء" المبهم هو مفسر في (أ) حديث عروة، قال عروة: فقلت ~~لها: "من هي إلا أنت. فضحكت". أخرجه أبو داود (¬2). # 64 - وعن أبي هريرة - رضي ms0151 الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه أخرج منه شيء أم لا؟ فلا ~~يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا" أخرجه مسلم. # وللترمذي وأبي داود نحو ذلك (¬3). # * وقوله: "حتى يسمع .. " إلخ، معناه: يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع ~~والشم بإجماع المسلمين. # وهذا الحديث أصل من أصول الاسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه وهي: أن ~~الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ ~~عليها، فإذا شك في الحدث لم يضر ذلك سواء كان داخل الصلاة أو خارجها، وهذا ~~مذهب الجماهير (¬4). PageV02P029 # وحكي عن مالك روايتان: إحداهما: أنه يلزمه (أ) الوضوء إن كان شكه خارج ~~الصلاة ولا يلزمه إن كان في الصلاة، والثاني: يلزمه بكل حال. # وحكى الرواية الأولى عن الحسن البصري وهو وجه شاذ، ويحكى (ب) عن بعض ~~الشافعية. # وهذا إذا عرض الشك، وهو احتمال الأمرين من غير ترجيح، فإن رجح طرف العارض ~~صار ظنا، وهو أيضا كذلك، والخلاف في ذلك للمؤيد بالله (¬1) فإنه يعمل بالظن ~~الغالب في الانتقال عن الأصل تحليلا وتحريما إجراء (ج) له مجرى العلم، وكذا ~~إذا تيقن الحدث، فإنه لا يعمل بما يطرأ له من شك إزالته أو ظنه إلا عند ~~المؤيد بالله في الأخير، وأما إذا تيقن أنه وجد منه حدث وطهارة مثلا بعد ~~طلوع الشمس ولم يعرف السابق فهما، فإن كان لا يعرف حاله قبل طلوع الشمس ~~لزمه الوضوء، وإن عرف حاله قال النووي (¬2) فيه أوجه لأصحابنا أشهرها ~~عندهم: أنه يكون بضد ما كان قبل طلوع الشمس فإن كان قبلها محدثا فهو الآن ~~متطهر، وإن كان قبلها متطهرا فهو الآن محدث، والثاني وهو (د) الأصح عند ~~جماعات (ه) المحققين أنه يلزمه الوضوء بكل حال، والثالث: يبنى على غالب ~~ظنه، والرابع: يكون: كان قبل طلوع الشمس، ولا تأثير للأمرين الواقعين بعد ~~طلوعها، وهذا الوجه غلط صريح وبطلانه أظهر من أن يستدل عليه، وإنما ذكرته ~~لأنبه عليه. انتهى (¬3). PageV02P030 # 65 - وعن ms0152 طلق بن علي - رضي الله عنه - قال: "قال رجل: مسست ذكري، أو قال: ~~الرجل يمس ذكره (أفي الصلاة أ) عليه وضوء؟ # فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا، إنما هو بضعة منك" أخرجه ~~الخمسة، وصححه ابن حبان (¬1)، وقال ابن المديني (¬2): هو أحسن من حديث بسرة. # * هو أبو علي طلق بن علي بن طلق بن عمرو، ويقال: طلق بن علي بن قيس بن ~~عمرو بن عبد الله الحنفي السحيمي اليمامي، وطلق: بفتح الطاء المهملة وسكون ~~اللام، وسحيم: بضم السين المهملة وفتح الحاء المهملة، روى عنه ابنه قيس (¬3). # والحديث رواه (ب) أيضا أحمد (¬4) والدارقطني، وقال الطحاوي: إسناده ~~مستقيم غير مضطرب، وصححه الطبراني وابن حزم (¬5)، وضعفه الشافعي، وأبو PageV02P031 # حاتم، وأبو زرعة، والدارقطني، والبيهقي، وابن الجوزي (¬1). # وقوله: "بضعة" (أ) بفتح الباء الموحدة وسكون الضاد المعجمة، وفي رواية: ~~"حذوة" بكسر الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة، وهي (ب) ما قطع من اللحم ~~طولا، وقيل الصواب حذيه بالياء المثناة من تحت كما في "النهاية" (¬2). # 66 - وعن بسرة بنت صفوان - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من مس ذكره فليتوضأ" أخرجه الخمسة، وصححه الترمذي وابن حبان، ~~وقال البخاري في غير "صحيحه" (ج): هو أصح شيء في هذا الباب (¬3). # هي: بنت صفوان بن نوفل بن أسد بن عبد العزى القرشية (د) الأسدية، وهي بنت ~~أخي ورقة بن نوفل، وقيل في نسبها غير ذلك، وبسرة بضم الباء وسكون السين ~~المهملة، روى عنها عبد الله بن عمر، ومروان بن الحكم، وابن المسيب (¬4). PageV02P032 # الحديث رواه (أ) أيضا الشافعي عن مالك، ورواه أحمد وابن خزيمة والحاكم ~~وابن الجارود وصححه الترمذي، وصححه أحمد في رواية أبي داود (¬1)، وقال ~~الدارقطني: صحيح ثابت (¬2) وصححه أيضا يحيى بن معين فيما حكاه ابن عبد ~~البر، وأبو حامد بن الشرقي (ب) والبيهقي والحازمي ولكن الحديث فيه مقال من ~~جهتين، إحداهما: أن رواية عروة لهذا (ج) من طريق مروان، ومروان متكلم فيه ~~(¬3)، وقد (د) قيل إن مروان حدث به عروة فاستراب في ذلك عروة، فأرسل ms0153 مروان ~~رجلا من حرسه إلى بسرة، فعاد إليه بأنها ذكرت ذلك، وهذا أيضا لا يفيد فإن ~~ذلك الحرسي مجهول. # وثانيا: إن هشام بن عروة (¬4) راويه عن أبيه لم يسمع هذا الحديث من أبيه ~~إنما أخذه عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وكذا قال النسائي إن هشاما ~~لم يسمع هذا من أبيه. # و (ه) أجيب عن الجهة الأولى بأن عروة سمعه من مروان قبل خروجه على أخيه، ~~وجرحه إنما هو بذلك، وفيه نظر. PageV02P033 # وبأن عروة سمعه من بسرة كما جزم به ابن خزيمة وغير واحد من الأئمة، وفي ~~صحيح ابن خزيمة وابن حبان: قال عروة: فذهبت إلى بسرة فسألتها فصدقته (¬1)، ~~واستدل على ذلك برواية جماعة من الأئمة له عن هشام بن عروة عن أبيه عن ~~مروان عن بسرة، قال عروة: ثم (أ) لقيت بسرة فصدقته، وبمثل هذا أجاب ~~الدارقطني. # وعن الثانية بأن (ب) هشاما سمعه أيضا من أبيه بغير واسطة. # قال الطبراني بعد أن ساق إسناده: قال يحيى: فسألت هشاما فقال: "أخبرني ~~أبي" (¬2)، وكذا الحاكم عن هشام: "حدثني أبي"، وكذا في مسند أحمد: "حدثني ~~أبي" (¬3). وطريق الجمع أنه سمعه من أبي بكر عن أبيه، ثم سمعه من أبيه فحدث ~~به من كلا الطريقين، وهاتان الجهتان غير قادحتين مع ما سمعت (¬4). # وقد ذهب إلى العمل بهذا جماعة من الصحابة والتابعين، ومن الفقهاء: ~~الشافعي وأحمد ومالك في المشهور (¬5)، فقالوا: إن مس الذكر ينقض لهذا ~~الحديث وغيره، وكذا المرأة مس فرجها ينقض لحديث عائشة في ذلك (¬6). PageV02P034 # وذهب إلى خلاف ذلك جماعة من الصحابة والتابعين، وروي عن العترة جميعا ~~والحنفية (¬1)، وهو المروي عن علي -كرم الله وجهه- ودليلهم على ذلك حديث ~~طلق بن علي المتقدم، وغيره. # قالوا: وحديث بسرة غير صحيح لما تقدم فيه من المقال، وقد عرفت ما فيه. # وأجيب عنه بأن حديث بسرة وإن لم يخرج في الصحيحين فرجاله قد أخرجا لهم (¬2). # وقال الإسماعيلي: كان يلزم البخاري إخراجه لأنه على شرطه، فإنه قد احتج ~~بمثله، وأيضا فإن له شواهد، ففي الباب ms0154 أحاديث كثيرة فقد روي عن جابر، وأبى ~~هريرة، وعبد الله بن عمر (أ)، وزيد بن خالد، وسعد بن أبي وقاص، وأم حبيبة، ~~وعائشة، وأم سلمة، وابن عباس، وابن عمرو (ب)، وطلق بن علي، والنعمان بن ~~بشير، وأنس، وأبي بن كعب، ومعاوية بن حيدة، وقبيصة، وأروى بنت أنيس وكل هذه ~~الأحاديث مخرجة والروايات تقوي بعضها بعضا. PageV02P035 # قالوا: معارض بحديث طلق بن علي وما روي عن علي - رضي الله عنه -: "ما ~~أبالي أنفي مسست أم أذني أم ذكري"، حكاه في "أصول الأحكام" و "الشفاء". وفي ~~"التلخيص" نحوه عن عائشة رفعته (¬1) فيتوقف عن (أ) العمل به، ويرجع إلى ~~الأصل. والأصل أنه لا نقض. # وأجيب بأن ذلك مع عدم المرجح وعدم النسخ، وقد ادعى أنه منسوخ ابن حبان ~~والطبراني وابن العربي والحازمي وآخرون (¬2)، وبين ذلك ابن حبان وغيره، ~~وأثبت الحازمي القول بالنسخ بأن وفود طلق بن علي إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان في ابتداء الهجرة وقت عمارة المسجد، وبسرة وأبو هريرة وابن عمرو ~~متأخرو الإسلام، ويؤيد هذا أن طلقا المذكور روى أيضا: "من مس فرجه فليتوضأ" (¬3). # قال الطبراني (¬4): يشبه أن يكون سمع الحديث الأول من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل هذا ثم سمع هذا بعد فوافق حديث بسرة. # قال الطبراني (¬5): روى هذا الحديث -يعني حديث طلق في النقض- حماد بن ~~محمد عن أيوب بن عتبة وهما عندي صحيحان، وقد تعقب عليه بأن حماد بن محمد ~~هذا ضعيف، ويقال له الفزاري، ذكره الذهبي في "الميزان" ولم يذكر أحدا وثقه، ~~وذكر عن صالح بن محمد الحافظ أنه ضعيف، وليس من رجال أحد الكتب الستة (¬6)، ~~ومع هذا فقد خالفه عن أيوب بن عتبة جماعة [وأيوب بن PageV02P036 # عتبة مختلف فيه، وهو إلى الضعف أقرب] (أ) (¬1) فتبين من هذا أن طلقا روى ~~الناسخ والمنسوخ، وأيضا فإنه قد ورد النهي عن مس الذكر باليمين فكيف يشبه ~~سائر الجسد، وهو لا ينهى عن مس شيء فيه باليمين؟ ما (ب) ذلك إلا لحكمة غاب ~~عنا معرفتها فكان طريق الاحتياط ترك ms0155 المس وإعادة الوضوء. # وقد روي عن مالك القول بندب الوضوء من ذلك (¬2)، وكأنه لما تعارض عليه ~~الأمران فرجع إلى الاحتياط ندبا والأصل عدم النقض. # [واعلم أن في دعوى النسخ وإثباته بما ذكر نظر فإنه يجوز أن طلقا سمعه بعد ~~إسلام أبي هريرة فيحتمل أن يكون الأمر بالعكس وأنه لا يتم إلا إذا علم أن ~~طلقا توفي قبل إسلام أبي هريرة، ومع رواية طلق للأمرين فكذلك لا يتم إلا ~~بمعرفة المتقدم وإلا وجب الترجيح] (ج)، والله أعلم. # 67 - عن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: # "من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي، فلينصرف فليتوضأ، ثم ليبن على ~~صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم". أخرجه ابن ماجه، وضعفه أحمد وغيره (¬3). PageV02P037 # الحديث أعله غير واحد بأنه من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج ورواية ~~إسماعيل عن الحجازيين ضعيفة (¬1)، وقد خالفه الحفاظ من أصحاب ابن جريج، ~~[وهم: محمد بن عبد الله الأنصاري وأبو (أ) عاصم النبيل وعبد الرزاق وعبد ~~الوهاب بن عطاء وغيرهم] (ب) فرووه [عن ابن جريج] (ج) عن أبيه عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مرسلا (¬2)، وصحح هذه الطريق المرسلة: (د) محمد بن ~~يحيى الذهلي والدارقطني. في "العلل" وأبو حاتم (¬3) وقال: رواية إسماعيل ~~خطأ [فوصلة (ه) بذكر عائشة وابن أبي مليكة] (و)، وقال ابن معين: حديث ضعيف ~~(¬4)، وقال ابن عدي (¬5): رواه إسماعيل مرة، وقال مرة: عن ابن جريج عن أبيه ~~[عبد العزيز] (ز) عن عائشة وكلاهما ضعيف (ح)، وقال أحمد (¬6): الصواب عن ~~ابن جريج عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا، ورواه PageV02P038 # الدارقطني (¬1) من حديث إسماعيل بن عياش أيضا عن عطاء بن (أ) عجلان (¬2) ~~وعباد بن كثير (¬3) عن ابن (ب) أبي مليكة عائشة، وقال بعده: عطاء وعباد ~~ضعيفان. وقال البيهقي: الصواب إرساله (¬4)، وقد رفعه أيضا سليمان بن أرقم ~~عن ابن أبي مليكة (¬5)، وهو متروك. # * وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أصابه قيء"، فيه دلاله على أن القيء ~~ينقض الوضوء وفي ذلك ms0156 خلاف، فذهب أكثر (ج) العترة وأبو حنيفة (¬6) وأصحابه ~~إلى أنه ينقض الوضوء لهذا الحديث وغيره، ولكن بشرط (د) أن يكون من المعدة ~~(ه وأن يكون ملء الفم دفعة، فأما (و) كونه من المعدة فلأن القيء إنما هو ~~لما خرج من المعدة ه)، وأما اشتراط أن يكون ملء الفم دفعة واحدة فلأنه قد ~~ورد التقييد بذلك في قوله (ز): "قيء ذارع ودسعة (¬7) تملأ الفم"، وهذا مطلق ~~والمطلق يحمل على المقيد. PageV02P039 # وعمل زيد بن علي بإطلاقه فأوجب الوضوء من قليله لإطلاق الحديث. # والجواب ما (أ) عرفت، واستثنى أبو حنيفة ومحمد البلغم (¬1) قالا: لصقالته ~~وعدم اختلاطه بالنجاسة. # والجواب: الحديث مطلق وذلك التعليل غير مقيد. # وذهب الناصر والباقر والصادق والشافعي ومالك (ب) أن ذلك (¬2) غير ناقض ~~مطلقا لما روي عن ثوبان (قال: قلت) (ج): يا رسول الله أيجب الوضوء من ~~القيء؟ قال: "لو كان واجبا لوجدته في كتاب الله" حكاه في "الانتصار" (¬3) ~~والجواب أن ذلك مفهوم والأول منطوق وهو أقوى، والقيء معتبر (د) فيه ذلك ~~الاشتراط ولو كان دما اعتبارا بالمحل (ه)، وعن المنصور بالله أنه كالدم ~~اعتبارا بصفته، وعنه أنه كالدم في التنجيس وكالقيء في النقض. # ودل على أن الرعاف ناقض للوضوء، ويقاس عليه الدم الخارج من سائر الجسد ~~ولكنه بشرط أن يكون دما سائلا بأن يقطر أو يكون قدر الشعيرة من PageV02P040 # موضع واحد في وقت واحد إلى ما يمكن تطهيره، لظاهر قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أو دم سائل". # وعن المؤيد بالله أن السائل هو ما جاوز المحل عند خروجه وإن قل فإن منع ~~السيلان بقطنة نقض عنده إذا جاوز المحل، وعلى مقتضى قول الهادوية أنه لا ~~ينقض إلا إذا كان بحيث لو لم يمنع لسال، وهذا هو المراد بقولهم: "أو" ~~تقديرا، وهذا ما لم يخرج من السبيلين، فإن خرج منهما كان له حكم المحل، ~~خلاف الإمام يحيى، وكون الدم ناقضا هو قول القاسمية وأبي حنيفة وصاحبيه ~~وأحمد (¬1) وإسحاق، والخلاف في ذلك لزيد بن علي والشافعي ومالك والناصر ~~وجماعة من الصحابة والتابعين ms0157 (¬2) فقالوا: إن خروج الدم غير ناقض، لحديث ~~أنس الآتي (¬3)، وفيه مقال، وقد أيد بآثار عن ابن عمر وابن عباس وابن أبي ~~أوفى، وأبي هريرة، وجابر، وبقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا وضوء إلا من ~~صوت أو ريح" (¬4). أخرجه أحمد والترمذي وصححه، وأحمد والطبراني (¬5) من ~~حديث السائب بن خباب بلفظ: "لا وضوء إلا من ريح أو سماع". والجواب (أعن ذلك ~~بأن حديث الباب قول وحديث أنس حكاية فعل، والقول أقوى، وأما حديث "لا وضوء" ~~فهو عام مخصوص، والله سبحانه أعلم. PageV02P041 # * "أو قلس": هو بفتح القاف واللام، ويروى سكونها (أ)، قال الخليل بن (ب) ~~أحمد: هو ما خرج من الحلق ملء الفم أو دونه، وليس بقيء، وإن عاد فهو القيء. # وقال ابن بهران في شرحه على "الأثمار": القلس هو المراد بالدسعة في ~~الخبر، وهو قوله (¬1) - صلى الله عليه وسلم -: "دسعة تملأ الفم"، وفي ~~"نهاية ابن الأثير" (¬2) من قاء أو قلس فليتوضأ، [القلس ما خرج من الجوف ~~ملء الفم أو دونه وليس بقيء، فإن عاد فهو القيء] (ج). # * والمذي قد تقدم الكلام فيه (¬3). # * قوله: "ثم ليبن على صلاته. . ." إلخ، فيه دلالة على أن الصلاة لا تفسد ~~إذا سبقه الحدث ولم يتعمد خروجه، فإن تعمد خروجه فإجماع على أنه ناقض، وهذا ~~القول ذهب إليه أبو حنيفة وصاحباه، ومالك. # وروي (¬4) عن زيد بن علي وقديم قولي الشافعي ذكره في "المهذب"، ولكن بشرط ~~ألا يفعل شيئا يفسد الصلاة، والحلاف في ذلك للهادي والناصر والشافعي في ~~أخير (د) قوليه، فقالوا: إن الحدث (ه) يوجب استئنافها لحديث علي بن طلق ~~وسيأتي (¬5) (و) قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إذا فسا أحدكم في ~~الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة" هذه رواية أبي داود، وروي عن علي - ~~رضي PageV02P042 # الله عنه - أنه (أ) قال: "من رعف -وهو في صلاته- فلينصرف وليتوضأ، ~~وليستأنف الصلاة"، وعن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي صلى الله عليه ~~وسلم أنه قال: "إذا قاء أحدكم في صلاته أو رعف فلينصرف وليتوضأ". حكى هذين ~~الحديثين في "أصول الأحكام" (¬1)، وهذه ms0158 الأحاديث متعارضة من الجانبين، ومع ~~ذلك يرجع إلى الترجيع، وحديث استئناف الصلاة أرجح لأنه مثبت حكم استئناف ~~الصلاة، والآخر ناف، ولأن فيه زيادة تشديد وهي (ب) أرجح. # 68 - وعن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - "أن رجلا سأل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت. # قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال نعم" أخرجه مسلم (¬2). # * هو أبو عبد الله -ويقال أبو خالد- جابر بن سمرة بن جنادة العامري ~~السوائي -بضم السين المهملة وتخفيف الواو- نسبة إلى سواء -بضم السين ~~المهملة والواو المفتوحة المخففة وبعدها ألف وبعد الألف همزة مفتوحة- من ~~أجداده، وجابر ابن أخت سعد بن أبي وقاص، وأمه خالدة (ج)، نزل الكوفة ومات ~~بها سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة (د) ست وستين (¬3). روى عنه سماك بن حرب، ~~وعامر الشعبي، وحصين (ه) بن عبد الرحمن. PageV02P043 # * والحديث روى نحوه أبو داود والترمذي وابن ماجه (¬1) وغيرهم من حديث ~~البراء بن عازب. قال (أ) - صلى الله عليه وسلم -: "توضؤوا من لحوم الإبل، ~~ولا توضؤوا من لحوم الغنم" قال ابن خزيمة في "صحيحه": لم أر خلافا بين ~~علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح (ب) من جهة النقل لعدالة ناقليه (¬2). # * والحديثان فيهما دلالة على أن أكل لحوم الإبل يوجب استئناف الوضوء، وقد ~~ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل، وإسحاق ابن راهويه ويحيى بن يحيى وأبو بكر بن ~~المنذر وابن خزيمة، وهو قول قديم للشافعي (¬3)، واختاره الحافظ البيهقي، ~~وحكي عن أصحاب الحديث مطلقا، وحكي عن الشافعي أنه قال: إن صح الحديث في ~~لحوم الإبل قلت به، قال البيهقي: قد صح فيه حديثان: حديث جابر وحديث ~~البراء. # وذهب الجماهير من العلماء إلى أنه لا ينقض، ومنهم الخلفاء الأربعة وابن ~~مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو ~~أمامه وجماهير التابعين ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابهم، وهو المروي عن ~~العترة عليهم السلام (¬4). قالوا: والحديثان منسوخان بحديث ترك الوضوء مما PageV02P044 # مست النار (¬1). قال النووي (¬2): ودعوى النسخ باطل لأن هذا الحديث ~~الأخير عام ms0159 وذلك خاص، والخاص مقدم على العام. ويجاب عنه بأن ذلك وارد على ~~قول من يقول: إن العام المتأخر مخصص بالخاص المتقدم كما هو مذهب الشافعي، ~~وأما على قول من يقول إنه ناسخ فهو مستقيم دعوى النسخ (¬3). # وأقرب ما يستروح له من تقوية النسخ موافقة الخلفاء الأربعة وأكابر ~~الصحابة والتابعين، وأظهر من ذلك ما رواه في "الشفاء" عن علي - رضي الله ~~عنه - قال: اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم العشر الأواخر من شهر رمضان ~~المعظم، فلما نادى بلال بالمغرب أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بكتف ~~جزور مشوية، فأمر بلالا فكف هنيهة، فأكل - عليه السلام - وأكلنا، ثم دعا ~~بلبن إبل قد مذق له (أ)، فشرب وشربنا، ثم دعا بالغسل فغسل يده من غمر اللحم ~~ومضمض فاه ثم تقدم فصلى بنا ولم يحدث طهورا. # والجزور اسم لما يجزر (ب) من الإبل والبقر ولعله في الإبل أظهر. وقد أول PageV02P045 # حديث الوضوء (أ) من لحم الإبل بأنه يحتمل (ب) أن يراد الوضوء اللغوي، وهو ~~غسل اليد بقرينة الأكل لشدة الزهومة في لحوم (ج) الإبل وليس حدثا في نفسه ~~(¬1)، والله أعلم، وقد عده الدميري مستحبا فذكره في "شرح المنهاج" من جملة ~~الأنواع التي يستحب الوضوء بعدها. # 69 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ". # أخرجه أحمد، والنسائي، والترمذي و (5) حسنه، وقال أحمد: لا يصح في هذا ~~الباب شيء. (¬2) # أخرجه أحمد والبيهقي من رواية ابن أبي ذئب عن صالح مولى التوأمة عن أبي ~~هريرة وصالح ضعيف (¬3)، وأخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث عبد العزيز PageV02P046 # ابن المختار وابن حبان. من رواية حماد بن سلمة كلاهما عن سهيل بن أبي ~~صالح (¬1) عن أبيه عن أبي هريرة، وهذا الحديث حسنه الترمذي وصححه ابن حبان ~~(¬2)، وقد خرج هذا الحديث من طرق كثيرة يمكن تصحيح بعضها وأقل مراتبها ~~الحسن حتى ذكر الماوردي أن بعض أصحاب الحديث خرج لهذا مائة وعشرين طريقا ~~(¬3)، وإنما أجاب أحمد عن ms0160 هذا بأنه منسوخ وكذا أبو داود، ودليل النسخ ما ~~رواه البيهقي (¬4) عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، إن ميتكم لمؤمن طاهر (أ) وليس ~~بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم"، وضعفه البيهقي بأبي شيبة (¬5)، وأبو شيبة ~~المذكور في إسناد هذا الحديث -هو إبراهيم بن أبي بكر بن أبي شيبة- احتج به ~~النسائي، ووثقه الناس، ومن فوقه من رجال إسناد الحديث، احتج بهم البخاري، ~~وقد يجعل هذا الحديث قرينة على حمل الأمر بالغسل والوضوء على الندب، أو ~~الراد بالغسل للأيدي كما صرح به في هذا، ويدل على (ب) الندب ما أخرجه عبد ~~الله بن أحمد عن ابن عمر (¬6): "كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل، ومنا من لا ~~يغتسل". # قال المصنف (¬7) -رحمه الله-: وهذا إسناد صحيح، وهو أحسن ما جمع به بين ~~مختلف هذه الأحاديث وسيأتي زيادة (ج) تحقيق في باب الغسل. PageV02P047 # 70 - وعن عبد الله بن أبي بكر (¬1) - رضي الله عنهما -: "إن في الكتاب ~~الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم: أن لا يمس ~~القرآن إلا طاهر". # رواه مالك مرسلا، ووصله النسائي وابن حبان، وهو معلول (¬2). # هو عبد الله بن أبي بكر الصديق القرشي التيمي شهد الطائف مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فرمي بسهم، رماه أبو محجن الثقفي فبرئ ثم انتقض عليه ~~فمات منه في أول خلافة أبيه في شوال سنة إحدى عشرة وكان أسلم قديما ولم ~~يسمع له بمشهد إلا شهوده الفتح وحنينا والطائف (¬3). # الحديث رواه أبو داود في "المراسيل" (¬4) عن ابن شهاب، فال: قرأت في كتاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران. . .، ~~وهو الكتاب الطويل المشتمل على ذكر الديات، ووصله النسائي وابن حبان ~~والحاكم والبيهقي (¬5) وفي الإسناد سليمان بن داود قال: حدثني الزهري عن ~~أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، وسليمان بن داود هذا متفق ~~على تركه، كذا قال ابن ms0161 حزم (¬6)، ونقل عن أحمد أنه قال: أرجو أن يكون صحيحا ~~(¬7)، قال: PageV02P048 # وهو من رواية سليمان بن داود (¬1) الخولاني، وهو ثقة، والذي قال إنه ~~سليمان بن داود (¬2) اليمامي الذي هو ضعيف فقد وهم، وكلا الرجلين يروي عن ~~الزهري، قال: وقد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا أبو زرعة وأبو حاتم ~~وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ (¬3)، وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور ~~جماعة من الأئمة لا من حيث الإسناد بل من حيث الشهرة، فقال الشافعي في ~~"رسالته" (¬4): لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم أنه كتاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، (أوقال ابن عبد البر أ) أشبه المتواتر (ب) لتلقي ~~الناس له بالقبول والمعرفة، وقال يعقوب بن (ج) سفيان (¬5): لا أعلم كتابا ~~أصح من هذا الكتاب، فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين ~~يرجعون إليه، ويدعون رأيهم، وقال الحاكم (¬6): قد شهد عمر بن عبد العزيز ~~وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب ثم ساق ذلك بسنده إليهما. # وفي الباب من حديث حكيم بن حزام: "لا يمس المصحف إلا طاهر" (¬7)، PageV02P049 # وفي إسناده سويد أبو (أ) حاتم (¬1)، وهو ضعيف، ومن حديث ابن عمر (¬2) ~~رواه الدارقطني والطبراني، وإسناده لا بأس به، وذكر الأثرم أن أحمد احتج به ~~وغير ذلك، وفي الكل مقال: إلا أنه يقوي بعض الأحاديث بعضا. # والنهي يدل (ب) على أنه لا يجوز لمس المصحف لمن ليس بطاهر بأن يكون ~~محدثا، فإن كان بالحدث الأكبر فإجماع إلا ما يروى عن داود، وإن كان بالحدث ~~الأصغر فمذهب العترة إلا الإمام يحيى وبعض الفقهاء أن ذلك جائز (ج) وأكثر ~~الفقهاء والإمام يحيى لا يجوز، قالوا لقوله تعالى: {لا يمسه إلا المطهرون ~~(79)} (¬3) ولما تقدم من الحديث (¬4)، وأجيب عن الآية بأن الضمير عائد إلى ~~المكنون من (د) اللوح المحفوظ، وهو كذلك لا يمسه إلا الملائكة المطهرون، ~~والحديث متأول بالطهارة من الحدث الأكبر، والقرينة على ذلك قياس اللمس على ~~التلاوة ودخول المسجد ومتنجس البدن، والله أعلم. # 71 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول ms0162 الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يذكر الله على كل أحيانه" رواه مسلم وعلقه البخاري (¬5). PageV02P050 # هذا الحديث أصل في جواز ذكر الله تعالى بالتسبيح والتهليل والتكبير ~~والتحميد وشبهها من الأذكار في حال الجنابة والحدث، وهذا جائز بإجماع ~~المسلمين، واختلف العلماء في جواز القراءة للقرآن (أ) للجنب والحائض، ~~والجمهور على تحريم ذلك، ولا فرق بين آية وبعض آية، ويجوز أن يجريا القرآن ~~على قلوبهما، وأن ينظرا في المصحف، ويستحب لهما التسمية في الغسل، وكذا على ~~الطعام ونحوه. # (ب ووقولها: "على كل أحيانه". (ج مخصوص بما (د) سوى المواضع التي يكره ~~الذكر فيها كحال البول ب) والغائط والجماع، ويكون الراد بكل ج) أحيانه أي ~~المعظم كحال الطهارة والحدث والقيام والقعود ونحو ذلك. # 72 - وعن أنس - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - احتجم ~~وصلى ولم يتوضأ". أخرجه الدارقطني (¬1) ولينه؛ لأن في إسناده صالح بن مقاتل ~~(¬2)، وقال: إنه ليس بالقوي. PageV02P051 # وذكره (أ) النووي في فصل الضعيف. # وفي الباب: أن الدم لا ينقض عن ابن عمر، وعن ابن عباس، وعن ابن أبي أوفى، ~~وعن أبي هريرة موقوفا، وعن جابر (¬1) وهي كلها مخرجة موصولة إلا حديث جابر ~~فعلقه البخاري ووصله غيره، والكلام تقدم على هذا قريبا. # 73 - وعن معاوية قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "العين وكاء ~~السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء"، رواه أحمد والطبراني (¬2) وزاد: ~~"ومن نام فليتوضأ" (¬3) وهذه الزيادة في هذا الحديث عند أبي داود من حديث ~~علي دون قوله: استطلق الوكاء وفي كلا الإسنادين ضعف. # ولأبي داود عن ابن عباس - رضي الله عنهما - مرفوعا: "إنما الوضوء على من ~~نام مضطجعا" (¬4) وفي إسناده ضعف أيضا. # هو أبو عبد الرحمن معاوية بن أبي سفيان، واسم أبي سفيان صخر بن حرب بن ~~أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، وأمه هند بنت عتبة بن ربيعة ~~ابن عبد شمس، كان هو وأبوه من مسلمة الفتح، ثم من المؤلفة قلوبهم، قيل: PageV02P052 # إنه ممن كتب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - الوحي، ms0163 وقال الذهبي (¬1): ~~إنما كتب كتبا للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيما بينه وبين العرب، تولى ~~الشام بعد أخيه يزيد في زمن عمر ولم يزل بها متوليا حاكما إلى أن مات، وذلك ~~أربعون سنة، ومات سنة ستين في رجب بدمشق وله ثمان وسبعون سنة، وقيل: ست ~~وثمانون سنة (¬2). # ضعف (أإسناد الأول ببقية (¬3) عن أبي بكر بن أبي مريم (¬4)، وهو ضعيف أ)، ~~وإسناد الثاني (¬5) ببقية عن الوضين بن عطاء (¬6)، قال الجوزجاني (¬7): ~~واهي، وقال ابن أبي حاتم (¬8): سألت أبي عن هذين الحديثين فقال: ليسا ~~بقويين، وقال أحمد: حديث علي أثبت من حديث معاوية في هذا الباب، وحسن ~~المنذري وابن الصلاح والنووي حديث علي (¬9)، وقال الحاكم في "علوم الحديث" ~~(¬10): لم يقل فيه: "ومن نام فليتوضأ" غير إبراهيم بن موسى الرازي، وهو ~~ثقة، كذا قال وقد تابعه غيره (¬11). PageV02P053 # والسه بفتح السين المهملة وكسر الهاء في هذا الحديث، وهي الدبر، وفي ~~الديوان: السه (أ) الاست، وأصلها سته فحذفت العين اعتباطا، وترد في ~~التصغير، جعل اليقظة كالوكاء للقربة، وهو الخيط الذي يشد به فوها، والكلام ~~(ب) تقدم على فقه الحديث في أول الباب فارجع إليه. # 74 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: قال: "يأتي أحدكم الشيطان في صلاته (ج)، فينفخ في مقعدته، فيخيل إليه ~~أنه أحدث، ولم يحدث، فإذا وجد ذلك فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، أو يجد ريحا" ~~أخرجه البزار (¬1)، وأصله في الصحيحين من حديث عبد الله بن زيد (¬2). # ولمسلم عن أبي هريرة - رضي الله عنه - نحوه (¬3). # وللحاكم عن أبي سعيد مرفوعا: "إذا جاء أحدكم الشيطان فقال: إنك (د) ~~أحدثت، فليقل كذبت" (¬4) وأخرجه ابن حبان بلفظ: ". . فليقل في نفسه. ." (¬5). # حديث ابن عباس أخرجه البزار، وفي إسناده أبو أويس (¬6)، ولكن تابعه ~~الدراوردي عند البيهقي، وحديث عبد الله بن زيد في الصحيحين، وهو عبد الله ~~بن زيد بن عاصم، وحديث أبي هريرة تقدم في هذا الباب، وحديث أبي سعيد PageV02P054 # أخرجه الحاكم من طريق عياض بن عبد الله عنه أن رسول الله ms0164 - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "إذا جاء. ." الحديث، بزيادة بعد قوله "كذبت": إلا ما وجد ريحا ~~بأنفه أو سمع صوتا بأذنه". وهو عند أحمد بلفظ: "إن الشيطان ليأتي أحدكم في ~~صلاته فيأخذ شعرة من دبره فيمدها فيرى أنه أحدث، فلا ينصرف حتى يسمع صوتا" ~~(¬1) وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان (¬2)، والكلام على فقه (أ) الحديث ~~تقدم في هذا الباب فارجع إليه. # [اشتمل الباب على خمسة عشر حديثا] (ب). PageV02P055 ### || AUTO باب قضاء الحاجة # [الحاجة كناية عن خروج البول أو الغائط، وهو مأخوذ من قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - "إذا قعد أحدكم لحاجته. ."، وعبارة الفقهاء لهذا الباب: ~~الاستطابة، والمحدثين التخلي والتبرز] (أ). # 75 - عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا دخل، الخلاء وضع خاتمه" أخرجه الأربعة وهو معلول (¬1). # أعل بأنه من رواية همام عن ابن جريج عن الزهري عن أنس، ورواته ثقات لكن ~~لم يخرج الشيخان من رواية همام عن ابن جريج، وابن جريج قيل: لم يسمعه من ~~الزهري، وإنما رواه عن زياد بن سعد (ب) عن الزهري بلفظ آخر [وهو أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - اتخذ خاتما من ورق (ج ثم ألقاه ج) والوهم فيه من ~~همام، كذا قال أبو داود (¬2)، وهمام (¬3) هو ابن يحيى بن دينار الأزدي ~~العوذي مولاهم، البصري، وإن كان قد (د) تكلم فيه فقد اتفق الشيخان على ~~الاحتجاح بحديثه، وقال ابن # معين: ثقة صالح، وقال أحمد: ثبت في كل المشايخ] (ه). وقد رواه مع همام مع PageV02P057 # ذلك مرفوعا يحيى بن الضرير البجلي ويحيى بن المتوكل أخرجهما الحاكم ~~والدارقطني (¬1)، وقد رواه عمر (أ) بن عاصم وهو من الثقات عن همام موقوفا ~~على أنس (ب)، وأخرج له البيهقي شاهدا وأشار إلى ضعفه، ورجاله ثقات، ورواه ~~الحاكم أيضا، ولفظه: أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لبس خاتما نقشه محمد ~~رسول الله، وكان إذا دخل الخلاء وضعه (¬2). # وقوله: "إذا دخل الخلاء" أي (ج) أراد دخوله، والخلاء بالمد هو المكان ~~الخالي، ms0165 كانوا يقصدونه لقضاء الحاجة ثم كثر حتى تجوز به في غير ذلك. # والحديث يدل على أنه (د) يبعد عنه عند قضاء الحاجة ما فيه ذكر الله، أو ~~ذكر نبي أو شيء من القرآن. # وعن بعضهم: أنه يحرم إدخال المصحف الخلاء لغير ضرورة. # قيل: فلو غفل عن تنحية ما فيه شيء من ذلك حتى اشتغل بقضاء الحاجة غيبه ~~وضم (ه) كفه عليه، أو جعله في فيه أو عمامة، قيل فلو تختم في يساره بما فيه ~~شيء مما تقدم وجب نزعه عند الاستنجاء خشية تنجيسه، وهذا إذا كان اللفظ ~~مقصودا به الذكر، فأما لو كان اللفظ مما يصح إطلاقه على غير الله سبحانه ~~مثل لفظ كريم وعزيز وأراد به غير الله لم يكره استصحابه نظرا إلى المقصود ~~والله أعلم، وهذا هو المشهور عند العلماء، وعن المنصور بالله أنه لا يندب ~~نزع الخاتم الذي فيه ذكر الله ونحوه لتأديته إلى ضياعه، وقد نهي عن إضاعة ~~المال، وهذا الحديث يرد عليه. PageV02P058 # 76 - وعنه - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا دخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث" أخرجه السبعة (¬1). # قوله: "إذا دخل" (أ): أي إذا أراد الدخول، وقد صرح بهذا البخاري في ~~"الأدب المفرد" (¬2) من حديث أنس قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا أراد أن يدخل الخلاء قال": فذكر مثل حديث الباب، وهذا في الأمكنة ~~المعدة لذلك بقرينة الدخول، ولهذا قال ابن بطال: رواية "إذا أتى" أعم ~~لشمولها، وهل يختص هذا الذكر بالأمكنة المعدة لذلك لكونها حضرة الشياطين ~~كما ورد في حديث زيد بن أرقم (¬3) في السنن أو يشمل؟ الأصح أنه يشمل ما لم ~~يشرع في قضاء الحاجة، ووقت هذا الذكر إن كان في الأمكنة المعدة لذلك قبل ~~الدخول، وفي غيرها في أول الشروع كتشمير (ب) ثيابه، وهذا مذهب الجمهور (¬4) ~~وأما من يستعيذ بقلبه أو بلسانه على مذهب مالك من أنه لا يكره الذكر عند ~~قضاء الحاجة، فلا فرق. PageV02P059 # والخبث بضم المعجمة والموحدة كذا ms0166 في الرواية، وقال الخطابي (¬1): إنه لا ~~يجوز غيره، وتعقب بأنه يجوز إسكان الموحدة كما في نظائره من التخفيف. # قال النووي (¬2): وقد صرح جماعة من أهل المعرفة بأن الباء هنا ساكنة ~~منهم: أبو عبيد (أ) القاسم بن سلام (¬3) والخبث: جمع خبيث، والخبائث: جمع ~~خبيثة يريد ذكران (ب) الشياطين وإناثهم، ويحتمل على سكون الباء كما قال ابن ~~الأعرابي أنه بمعني المكروه، فإن كان من الكلام (ج) فهو الشتم وإن كان من ~~الملل فهو الكفر، وإن كان من الطعام فهو الحرام، وإن كان من الشراب فهو ~~الضار (¬4)، وعلى هذا فالمراد بالخبائث المعاصي أو مطلق الأفعال المذمومة ~~ليحصل التناسب (¬5)، ولهذا وقع في رواية الترمذي (¬6) وغيره: "أعوذ بالله ~~من الخبث والخبائث"، أو "الخبث والخبائث" هكذ على الشك، الأول بإسكان ~~الباء، والثاني بضمها. # وكان - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ إظهارا للعبودية، ويجهر بها للتعليم، ~~وقد روى المعمري (¬7) هذا الحديث من طريق عبد العزيز بن المختار عن عبد ~~العزيز بن صهيب بلفظ الأمر قال: "إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله، أعوذ ~~بالله من الخبث والخبائث". وإسناده على شرط مسلم وفيه زيادة تسمية، قال ~~المصنف -رحمه الله تعالى- في "الفتح" (¬8): ولم أرها في غير هذه الرواية. PageV02P060 # 77 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يدخل الخلاء، فأكل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء وعنزة، فيستنجي بالماء" ~~متفق عليه (¬1). # المراد بالخلاء هنا الفضاء لقرينة العنزة (¬2)، ولأن خدمته في البيوت ~~كانت تختص بأهله. # [والغلام هو (أ) المترعرع، وقيل إلى حد السبع السنين، وقيل إلى حد ~~الالتحاء، وبعد ذلك مجاز] (ب). # والإداوة -بكسر الهمزة-:- إناء صغير من جلد يتخذ للماء كالسطيحة ونحوها، ~~وجمعها إداوى. # والعنزة بفتح العين والزاي، وهي عصا طويلة في أسفلها زج، ويقال: رمح قصير ~~(¬3) وإنما كان يستصحبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه كان إذا ~~توضأ صلى فيحتاج إلى نصبها بين يديه سترة. # ويفهم من تبويب البخاري (¬4) أنها كانت تحمل ليستتر بها عند قضاء الحاجة، ~~وذلك أنه يمكن أن يضع عليها الثوب فيستتر، ms0167 أو يكون إشارة إلى من يروم ~~المرور بقربه، ويحتمل أنه (ج) إنما استصحبها لنبش الأرض الصلبة، أو لمنع ما ~~يعرض من هوام الأرض لكونه - صلى الله عليه وسلم - كان يبعد عند قضاء ~~الحاجة. PageV02P061 # وفي الحديث جواز استخدام الرجل الفاضل بعض أصحابه، واستحباب الاستنجاء ~~بالماء ورجحانه على الحجر، والذي عليه الجماهير (¬1) من السلف والخلف أن ~~الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيستعمل الحجر أولا لتخف النجاسة، فإن ~~اقتصر على أحدهما فالماء أفضل، حيث لم يرد الصلاة، فإن أرادها فخلاف في ~~وجوب الماء، وروي عن سعيد بن المسيب كراهة الاستنجاء بالماء (¬2) فقيل لأنه ~~مطعوم، وروى عنه أنه قال: "إنما الماء للنساء"، ويؤول بأنه لعله فهم من ~~السائل الغلو في ذلك. # واستدل بعضهم بهذا على أن التوضؤ من الأواني دون المشارع والمسالك أفضل، ~~إذ لم يتوضأ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا منها، ورد بأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم يعدل إلى الأواني عند وجودها، إذ لم ينقل ذلك (أ)، فلا دلالة. # [والغلام المبهم في هذا الحديث في البخاري ما يشعر بأنه ابن مسعود فإنه ~~أورد هذا بعد ذكر (ب) حديث أبي الدرداء في شأن ابن مسعود (¬3)، وقد يطلق ~~الغلام على غير الصغير مجازا ويؤيده أنه قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لابن مسعود: "إنك (ج) لغلام معلم" (¬4)، وفي رواية الإسماعيلي: "غلام من ~~الأنصار" (¬5) فلعلها (د) من تصرف الراوي للرواية الأخري: "غلاما منا" (¬6) ~~وهي محتملة PageV02P062 # للتأويل، أي من الصحابة أو (أ) من خدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ويحتمل أن يكون ذلك الغلام هو أبو هريرة (¬1) فإنه كان يحمل ذلك مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وجابر بن عبد الله فعل ذلك (¬2)، فيحتمل ذلك وهو ~~أنصاري أيضا. والله أعلم] (ب). # 78 - وعن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: قال لي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "خذ الإداوة فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته" متفق عليه (¬3). # (ج في الحديث دلالة على استحباب التباعد لقضاء الحاجة عن الناس والاستتار ~~عن أعين الناظرين ج). ms0168 # 79 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "اتقوا اللاعنيين (د)، الذي يتخلى في طريق الناس، أو في ظلهم" رواه ~~مسلم (¬4). # وزاد أبو داود عن معاذ: "والموارد" [ولفظه: اتقوا الملاعن الثلاثة: ~~البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل] (ه) (¬5). PageV02P063 # ولأحمد عن ابن عباس: "أو نقع ماء". وفيهما ضعف (¬1). # وأخرج الطبراني (¬2) النهي عن تحت الأشجار المثمرة وضفة النهر الجاري من ~~حديث ابن عمر بسند ضعيف. # في رواية مسلم: "اتقوا اللعانين، قالوا: وما اللعانان يا رسول الله؟ قال: ~~الذي. . ." (أ) الحديث، ومعني اللعان: أي صاحب اللعن فهو للنسبة أي الذي ~~ينسب إلى اللعن. والمراد أن الناس يلعنونهما في العادة، ووقع في رواية أبي ~~داود "اللاعنين" كما في الأصل بصيغة التثنية (ب). # قال الخطابي (¬3): المراد باللعانين: الآمرين الجالبين للعن الحاملين ~~الناس (ج)، عليه، والداعيين إليه، وذلك أن من فعلهما لعن وشتم، يعني عادة ~~الناس لعنه، فهو سبب (د)، فإسناد اللعن إليهما من المجاز العقلي، قال: وقد ~~يكون اللاعن بمعنى الملعون أي الملعون فاعلهما (¬4)، فهو كذلك من المجاز ~~العقلي. # وقوله: "الذي يتخلى في طريق الناس"، أي يتغوط في موضع يمر به الناس، [وفي ~~الحديث حذف مضاف، والتقدير: تخلى الذي يتخلى] (ه)، PageV02P064 # ووجه النهي: لما فيه من إيذاء المسلمين بتنجيس من يمر به ونتنه ~~واستقذاره. # والمراد بالظل هنا: مستظل الناس الذي اتخذود مقيلا ومناخا ينزلونه ~~ويقعدون فيه، وليس كل ظل يحرم القعود تحته، فقد قعد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - تحت حايش النخل لحاجته (¬1)، وله ظل بلا شك. # وحديث معاذ بزيادة: "الموارد" وهي جمع مورد، وهو الموضع الذي يأتيه ~~الناس، من رأس عين أو نهر لشرب الماء أو التوضؤ وفيه ذكر قارعة الطريق، ~~والمراد: الطريق الواسع الذي يقرعه الناس بأرجلهم، أي يدقونه ويمرون عليه (¬2). # وقد صححه ابن السكن والحاكم (¬3)، واعترض عليهما في ذلك بأن أبا سعيد ~~الحميري (¬4) راويه (أعن معاذ أ) لم يسمع منه، ولا يعرف بغير هذا الإسناد، ~~قاله (ب) ابن القطان. # وحديث أحمد عن ابن عباس ضعفه ms0169 لأجل ابن لهيعة (¬5)، والراوي عن ابن عباس ~~متهم أيضا. # [ونقع الماء المراد به: الماء المجتمع، كذا في النهاية] (¬6) (ج). PageV02P065 # وحديث الطبراني (¬1) ضعفه بفرات (أ) بن السائب (¬2) -راويه عن ميمون بن ~~مهران- وهو متروك قاله البخاري وغيره (¬3). # [وقوله فيه: وضفة (ب النهر: ضفة ب) بفتح الضاد المعجمة وكسرها جانب النهر ~~كذا ذكره في القاموس] (¬4) (ج). # والحديث يدل على تحريم ذلك الفعل في المواضع المذكورة، وفي ذلك تفصيل ~~معروف في كتب الفروع (¬5). # 80 - وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- "إذا تغوط الرجلان فليتوارى كل واحد منهما عن صاحبه، ولا يتحدثا، فإن ~~الله يمقت على ذلك". رواه وصححه ابن السكن وابن القطان (¬6)، وهو معلول ~~(¬7). PageV02P066 # وأخرج أبو داود وابن ماجه (¬1) من حديث أبي سعيد قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما ~~يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك". PageV02P067 # والحديث يدل علي وجوب ستر العورة، وقوله (أ) "ولا يتحدثا": نهي عن ~~التحديث (ب) وتعليله بالمقت إظهارا لعلة النهي. # المقت: أشد البغض (¬1)، ومعناه إعلام العباد بأن الفعل قبيح من فاعله ~~يستحق عليه الذم والعقاب، ولكنه حمل هنا (ج) على ترك الأحسن استعارة لأن ~~فاعل القبيح تارك للأحسن، والقرينة على هذا الحمل (د) الإجماع على أن ~~الكلام غير محرم في هذا الحال (ه)، كذا ذكره الإمام المهدي في "الغيث"، قيل ~~فإن عطس حمد بقلبه، قيل: وقراءة (و) القرآن حال قضاء الحاجة مكروهة كسائر ~~أنواع الكلام، وقيل: يحرم حال خروج الخارج، فأما قبله أو بعده فيحتمل (ز)، ~~واللائق بالتعظيم المنع. # 81 - وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يتمسح من الخلاء بيمينه، ~~ولا يتنفس في الإناء". متفق عليه، واللفظ لمسلم (¬2). PageV02P068 # الحديث يدل على النهي عن مس الذكر باليمين (أ)، وهو نهي تنزيه لا تحريم. # وقوله: "ولا يتمسح من الخلاء بيمينه"، الخلاء بالمد هو الغائط، وليس في ~~ذلك الذكر دلالة ms0170 على أن البول يخالف ذلك بل هما سواء، وقد أجمع العلماء على ~~أنه منهي عن الاستنجاء باليمين، والجمهور على أنه نهى تنزيه، وذهب أهل ~~الظاهر إلى أنه حرام (¬1)، وأشار إليه جماعة من الشافعية (¬2)، ويستحب أن ~~لا يستعين باليمين في شيء من أمور الاستنجاء إلا لعذر، وإذا استنجى بماء ~~صبه باليمنى (ب) ومسح باليسرى وإن كان بحجر فإن كان في الدبر مسح بيساره ~~(ج) وإن كان في القبل وأمكنه وضع الحجر على الأبيض، أو بين قدميه (د) بحيث ~~يتأتى مسحه أمسك الذكر بيساره ومسحه على الحجر، وإن لم يمكنه ذلك، واضطر ~~إلى حمل الحجر حمله بيمينه، وأمسك الذكر بيساره ومسح بها، ولا يحرك اليمنى، ~~هذا هو الصواب، وقال بعض الشافعية: يأخذ الحجر بيساره، والذكر بيمينه ويمسح ~~ويحرك اليسرى وهذا ليس بصحيح لأنه يمس الذكر بيمينه من غير ضرورة. # وفي هذا تنبيه على إكرام اليمين وتشريفها وصيانتها عن الأقذار (¬3). # وقوله: ولا يتنفس في الإناء (¬4)، المراد: لا يتنفس إلى داخل الإناء، ~~وأما PageV02P069 # التنفس ثلاثا خارج الإناء فسنة معروفة (¬1). قال العلماء: والنهي عن ~~التنفس في الإناء هو على طريق (أ) الأدب مخافة من تقذيره ونتنه وسقوط شيء ~~من الفم والأنف فيه ونحو ذلك فيفسده على غيره، والله أعلم. # 82 - وعن سلمان - رضي الله عنه - قال: "لقد نهانا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو أن نستنجي باليمين، أو أن ~~نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار، أو أن نستنجي برجيع أو عظم". رواه مسلم (¬2). # وللسبعة من حديث أبي أيوب (¬3): "لا تستقبلوا القبلة بغائط أو بول، ولكن ~~شرقوا أو غربوا". # هو أبو عبد الله سلمان الفارسس، ويقال له: سلمان الخير، مولى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، أصله من فارس من رامهرمز -وقيل من أصبهان-، من بلد ~~يقال لها: جي، سافر لطلب الدين فتنصر، وقرأ الكتب، ووقع في يد قوم من ~~العرب، فباعوه من (ب) يهود، وكوتب فأعانه (ج) النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وقيل اشتراه بشرط العتق، أسلم لما قدم ms0171 النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~المدينة، وأول مشاهده الخندق (د) منعه الرق (ه عما تقدم ه)، وقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لما اختصم فيه المهاجرون والأنصار في عمل الخندق PageV02P070 # كل يقول هو منه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سلمان منا أهل ~~البيت" (¬1). # ولاه عمر المدائن وكان من المعمرين، قيل: عاش مائتين وخمسين سنة، وقيل ~~ثلاثمائة وخمسين سنة، وكان يأكل من عمل يده، ويتصدق بعطائه، مات بالمدينة ~~سنة خمس وثلاثين، وقيل سنة اثنتين وثلاثين (¬2)، وقيل: مات في زمن عمر، ~~والأول أكثر. روى عنه أبو هريرة وأنس بن مالك وغيرهما. # قوله في الحديث "بغائط" بالباء، ووقع أيضا في نسخ مسلم باللام، قال ~~النووي (¬3): كذا ضبطناه، وأصل الغائط: المطمئن من الأرض، ثم صار عبارة عن ~~الخارج المعروف من دبر الآدمي (¬4). # والحديث يدل على النهي عن استقبال القبلة بما ذكر، وقد اختلف العلماء في ~~ذلك على أقوال خمسة (أ). # الأول: أن النهي للتنزيه فيكون مكروها، وهو قول (¬5) القاسم، وأشار إليه ~~في الأحكام وحصله القاضي زيد لمذهب الهادي - عليه السلام -، قال: ولا فرق ~~بين الصحاري والعمران (ب) والاستقبال والاستدبار، قالوا: وردت أحاديث النهي ~~كحديث (ج) أبي هريرة: "فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروهما" (¬6) رواه مسلم PageV02P071 # ونحوه، من رواية أبي داود والنسائي وله شواهد أيضا، وورد ما يدل علي ~~الإباحة كحديث جابر: "ثم رأيته قبل موته بعام مستقبل (أ) القبلة" (¬1) رواه ~~أحمد والبزار وأبو داود والترمذي وابن ماجه، وغيرهم، واللفظ لابن حبان، ~~وكحديث ابن عمر: "رقيت السطح مرة فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا ~~على لبنتين مستقبلا بيت المقدس مستدبر القبلة" (¬2) متفق عليه، و (ب) له ~~طرق كحديث عائشة: "حولوا بمقعدتي إلى القبلة" رواه ابن ماجه وإسناده حسن ~~(¬3)، ورواه أحمد في مسنده فجمع بين الأحاديث بالحمل على الكراهة بل وفي ~~متون (ج) هذه ما يدل على أنها ناسخة للتحريم كحديث جابر وحديث عائشة. # القول الثاني: لأبي طالب والمنتخب، وهو قول الناصر (¬4)، ورواية عن أبي PageV02P072 # حنيفة أنه محرم فيهما، ودليلهم أحاديث النهي، وحملوا أحاديث الإباحة ms0172 أنها لعذر. # القول الثالث: لربيعة شيخ مالك وداود الظاهري، وتبعهما الأمير الحسين أنه ~~مباح فيهما قالوا: وردت أحاديث النهي ثم نسخت فبقيت (أ) الإباحة وهو قول ~~قوي (¬1)، مع ما عرفت من الإشعار بالنسخ. # القول الرابع: أنه يحرم (ب) في الصحاري دون العمران (¬2)، وهو مذهب مالك ~~والشافعي وهو مروي عن ابن عباس وعبد الله (ج) بن عمر والشعبي وإسحاق بن ~~راهويه وأحمد بن حنبل في إحدى روايتين عنه، ورواه أبو الفوارس تحصيلا لأبي ~~العباس، قالوا: وردت أحاديث الإباحة في العمران فحملت عليها، وبقي الصحراء ~~على التحريم، وفي حديث ابن عمر عن مروان الأصفر قال: رأيت ابن عمر أناخ ~~راحلته مستقبل القبلة، ثم جلس يبول إليها، فقلت: يا أبا عبد الرحمن: أليس ~~قد نهي عن هذا؟ فقال: بلى إنما نهي (د) عن ذلك في الفضاء، فإذا كان بينك ~~وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس. رواه أبو داود وغيره (¬3) والجمع بين ~~الأحاديث ما أمكن هو الواجب، وفرقوا أيضا بين الصحراء والعمران من حيث ~~المعنى بأنه يلحق المشقة في البنيان في تكليفه ترك القبلة بخلاف الصحراء، ~~واعترض بأن علة النهي إنما هي الحرمة، وهي حاصلة فيهما ولو كان العمران ~~حائلا كافيا في ذلك لجاز في الصحراء (ه) إذ لا تخلو من جبال وموانع، والفرق ~~المذكور يكفي في الجواب. PageV02P073 # القول الخامس: إنه يحرم الاستقبال فيهما، ويجوز الاستدبار فيهما، وهو ~~إحدى (أ) روايتين عن أبي حنيفة وأحمد (¬1)، ولعل حجتهم حديث سلمان (¬2) من ~~الاقتصار على الاستقبال فيهما، وهو مردود لورود النهي فيهما والإباحة فيهما ~~بهذه (ب) الأقوال الخمسة (ج) وأما تأويل حديث ابن عمر بأنه (د) مخصوص ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم - فلا وجه له، لحديث عائشة، وعموم آية التأسي ~~إلا فيما (ه) صرح بالخصوصية، وفي مذهب الشافعي في جواز ذلك في العمران ~~مشروط بأن (و) يكون قريبا من جدار أو (ز) نحوه، بأن لا يكون بينهما زائد ~~على ثلاثة أذرع وأن يكون الحائل مرتفعا بحيث يستر أسافل الإنسان، وقدروه ~~بآخرة الرحل وهو نحو ثلثي ذراع إلا ms0173 إذا كان في بيت بني لذلك فلا شرط، فإذا ~~كان في الصحراء وتستر بشيء على الشرط المذكور زال التحريم، وهذا هو المشهور ~~عند الشافعية (¬3) (ح)، ولا فرق في الحائل بأن (ط) يكون حيوانا أو جمادا أو ~~وهدة، ولو أرخى ذيله قبالة القبلة أجزأ عندهم على المشهور، وهذه الأقوال في ~~الكعبة وأما بيت المقدس PageV02P074 # فالظاهر من مذهب العترة (¬1) وصرح به المنصور بالله والإمام يحيى ~~والغزالي أنه كالكعبة، وقالوا لنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن استقبال ~~القبلتين بغائط أو بول. [أخرجه أبو داود (¬2) وغيره، وهو حديث ضعيف لأن فيه ~~راويا مجهول الحال] (أ) ونسخ الاستقبال للصلاة لا يبطل الحرمة، وقال ~~الناصر: إنه غير منهي عنه، ومثله في "الشامل"، وبيان العمراني، وقال (ب) ~~أصحاب الشافعي: النهي عن استقبال بيت (ج) المقدس حين كان قبلة لكن جمعهما ~~الراوي، أو ذلك في حق أهل المدينة لأنه يؤدي إلى استدبار الكعبة (¬3)، وصرح ~~النووي في شرح مسلم بالكراهة (¬4). # فرع: يجوز الجماع مستقبل القبلة في الصحراء والبنيان (د)، وهو المختار ~~عند الشافعية (¬5) ومذهب أبي حنيفة وأحمد وداود، واختلف (ه) فيه أصحاب ~~مالك، فجوزه (و) ابن القاسم وكرهه ابن حبيب، وظاهر مذهب العترة أنه يكره، ~~وكذا الاستنجاء وإخراج الريح والفصد والحجامة والصواب الجواز، إذ التحريم ~~والكراهة إنما يثبتان بدليل شرعي ولم يرد نهي عن ذلك (¬6). PageV02P075 # وقوله: "أو (أ) أن تستنجي باليمين" (ب)، تقدم الكلام فيه. # وقوله: "أو (ج) أن يستنجي بأقل من ثلاثة أحجار" (د) يدل على أنه يجب ~~الاستنجاء بثلاثة أحجار، وهذه المسألة فيها خلاف عند العلماء، فمذهب (5) ~~الهادي وغيره من الأئمة أن الاستجمار لا يجب إلا على المتيمم، أو من خشي ~~تعدي الرطوبة ولم تزل النجاسة بالماء، وفي غير هذه الحال (و) الاستجمار (ز ~~مندوب لا واجب، والاستنجاء بالماء لإزالة النجاسة لأجل الصلاة واجب، ويدل ~~على عدم وجوب الاستجمار ز) ما تقدم من حديث أنس وحديث المغيرة (¬1)، وما ~~سيأتي من حديث أهل قباء (¬2) على بعض رواياته من ذكر الماء من دون الحجارة ~~(ح) وعلى القول بندبيته فالعدد ms0174 (ط) وكونه وترا مندوب أيضا، وذهب (ى) ~~الشافعي إلى أنه مخير (ك) بين الماء والحجارة وأيهما فعل في الاستنجاء ~~أجزأه (¬3) فإذا استنجى بالحجر فلا بد من إزالة عين النجاسة، وثلاث مسحات، PageV02P076 # ولو زالت النجاسة بدونها، وبه قال أحمد وإسحاق ابن راهويه وأبو ثور، وقال ~~مالك (¬1) وداود: إذا حصل الإنقاء بدون الثلاث أجزأ، ولو كانت الحجر لها ~~ثلاثة أركان ومسح بكل ركن أجزأ، ويجب التثليث في القبل والدبر، فتكون ستة ~~أحجار أو حجر له ستة أحرف، وإذا لم يحصل الإنقاء بالثلاثة وجب (أ) الزيادة ~~على ذلك حتى ينقى، ويستحب الإيتار، ويقوم غير الحجر مما يشابهه في الإنقاء ~~مقامه، خلافا لبعض الظاهرية (¬2) (ب) تمسكا بظاهر الدليل، وأجيب بأن ذكرها ~~إنما هو لكونها (ج) الغالب المتيسر ويدل على ذلك (د) نهيه عن العظم والبعر ~~والرجيع، ولو كان الحجر متعينا لنهى عما سواه، فيجوز الاستنجاء بكل جماد ~~طاهر منق لا حرمة له. # وقوله: "أو أن يستنجي برجيع أو عظم"، نبه - صلى الله عليه وسلم - بذكر ~~الرجيع على أنه لا يجزئ بالنجس، فإن الرجيع هو الروث، وأما العظم فلكونه ~~طعاما للجن، وقد نبه به (ه) على جنس المطعومات، وكذا الحمم لحديث أبي داود: ~~"انه أمتك أن يستنجوا بعظم أو روثة أو حممة، فإن الله جعل لنا فيها رزقا" ~~(¬3)، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وورد (و) في كيفيته ما رواه الدارقطني وحسنه من حديث أبي بن (ز) عباس بن PageV02P077 # سهل بن سعد عن أبيه عن جده (أقال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الاستطابة فقال أ): "أولا يجد أحدكم ثلاثة أحجار، حجرين (ب) للصفحتين، ~~وحجرا " للمسربة " (¬1) (ج)، ضعفه غير الدارقطني. # المسربة (¬2): بسين مهملة وراء مضمومة أو مفتوحة: مجرى الحدث من الدبر. # وفي قوله: "ولكن شرقوا أو غربوا"، المراد في حق من لم تكن قبلته إلى جهة ~~المشرق أو المغرب كأهل المدينة، وأما من كان قبلته إلى هذا السمت فإنه ~~ينحرف إلى الجنوب أو الشمال. # فائدة: نقل ابن التين عن مالك أنه أنكر ms0175 أن يكون النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - استنجى بالماء (¬3)، وادعى الأصيلي متعقبا على البخاري أن قوله في ~~حديث أنس: "يستنجي بالماء" أنه من قول أبي الوليد أحد الرواة عن شعبة، وقد ~~رواه سليمان بن حرب عن شعبة فلم يذكرها، قال: فيحتمل أن يكون إعداد الماء ~~لوضوئه، وقيل: إن قوله " يستنجي بالماء" مدرج من (د) قول عطاء الراوي عن ~~أنس فيكون مرسلا فلا حجة فيه. PageV02P078 # وأجيب عن ذلك بأن البخاري أخرج من طريق روح بن القاسم عن عطاء ابن أبي ~~ميمونة: "إذا تبرز أتيته بماء فيغسل به" (¬1) ومسلما من طريق خالد الحذاء ~~عن عطاء عن أنس: ". . . فخرج علينا، وقد استنجى بالماء" (¬2). # وأخرج البخاري من طريق محمد بن جعفر عن شعبة فقال: ". . . يستنجي بالماء" ~~(¬3) والإسماعيلي من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة: "فانطلقت أنا وغلام من ~~الأنصار معنا إداوة فيها ماء يستنجى منها (1) النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-" (¬4) فإن هذه الروايات تدل على أنه من قول أنس، وأنها تثبت أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وقع منه الاستنجاء بالماء. # 83 - وعن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من أتى الغائط فليستتر" رواه أبو داود (¬5). # وعنها: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا خرج من الغائط قال: ~~غفرانك" أخرجه الخمسة وصححه الحاكم وأبو حاتم (¬6). PageV02P079 # [الحديث الأول نسبه في السنن إلى أبي هريرة، وكذا في التلخيص، وقال: ~~مداره على أبي سعيد الحبراني الحمصي (¬1)، وفيه اختلاف، وقيل: إنه صحابي، ~~ولا يصح، والراوي عنه حصين الحبراني (¬2)، وهو مجهول، وقال أبو زرعة (¬3): ~~شيخ، وذكره ابن حبان في الثقات (¬4)، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في ~~العلل] (أ). # قوله: "فليستتر"، أمر بالاستتار (ب) ما أمكن حتى لا يكون قعوده حيث تقع ~~عليه أبصار الناظرين أو تهب عليه الريح فيصيبه البلل فتتلوث ثيابه وبدنه، ~~وتمام الحديث: "فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبا من رمل فليستدبره، فإن ~~الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم، ومن فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" ومعنى ~~قوله: "فإن الشيطان" إلخ: ms0176 إن الشيطان يحضر الرجل إذا قضى حاجته؛ لأن الرجل ~~في هذا الوقت لا يذكر الله تعالى، فإذا خلا الرجل من ذكر الله تعالى يحضره ~~الشيطان، ويأمره بالسوء، فكذلك عند قضاء الحاجة يأمره بكشف العورة، وبالبول ~~في الموضع الصلب ومستقبل الرج ليصيبه رشاش البول، وكل ذلك لعب الشيطان ببني ~~آدم، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمته بستر العورة مخالفة للشيطان ~~لأنه إذا لم يستر (ج) يمكن الشيطان من وسوسته إلى الغير للنظر إلى مقعده ~~(د). PageV02P080 # وقوله: "غفرانك": الغفران مصدر كالمغفرة منصوب بتقدير أسأل غفرانك (أأو ~~أطلب (ب) مفعولا به، ويحتمل أنه مفعول مطلق، أي اغفر غفرانك أ). # قيل: إنه أستغفر من ترك ذكر الله تعالى وقت الخلاء، فإنه كان يذكر الله ~~على كل أحواله إلا حال قضاء الحاجة، فجعل هجران الذكر في تلك الحال تقصيرا، ~~وعده على نفسه ذنبا فتدارك بالاستغفار. # وقيل: معناه التوبة من تقصيره في شكر نعمته التي أنعم الله بها عليه، ~~فأطعمه، ثم هضمه، ثم سهل خروج الأذى منه، فرأى شكره قاصرا عن بلوغ حق (ج) ~~هذه النعم ففزع إلى الاستغفار منه، وهذا أنسب ليوافق حديث أنس قال: "كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من الخلاء قال: الحمد الله الذي ~~أذهب عني الأذى وعافاني" (¬1) (د) رواه ابن ماجه فإن فيه الحمد على هذه ~~النعمة العظمى، وما ورد في وصف نوح عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى: {إنه ~~كان عبدا شكورا} (¬2) وكان من جملة شكره أن يقول بعد الغائط: "الحمد لله ~~الذي أذهب عني الأذى ولو شاء لحبسه في". # 84 - وعن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "أتى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين، ولم أجد ثالثا، ~~فأتيته بروثة PageV02P081 # فأخذهما، وألقى الروثة، وقال: إنها ركس" أخرجه البخاري (¬1). # زاد أحمد والدارقطني: "ائتني بغيرها" (¬2). # الحديث أخرجه البخاري وبين أن إسناده صحيح متصل، وفيه رد على من زعم أن ~~فيه تدليسا خفيا، فليرجع إلى الصحيح وشرحه "الفتح" (¬3). # والحديث استدل به الطحاوي (¬4) على ms0177 عدم اشتراط الثلاثة، قال: لأنه لو كان ~~مشترطا (أ) لطلب ثالثا، وغفل -رحمه الله- عن هذه الزيادة من طريق أحمد في ~~"مسنده" (¬5) أخرجها من طريق معمر عن أبي إسحاق عن علقمة عن PageV02P082 # ابن مسعود وتابع معمرا أيضا عليها أبو شيبة الواسطي (¬1)، وهو ضعيف أخرجه ~~الدارقطني (¬2) وتابعهما أيضا عمار بن زريق أحد الثقات عن أبي إسحاق (¬3)، ~~وقد قيل إن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة، لكن أثبت سماعه لهذا الحديث منه ~~الكرابيسي، وعلى تقدير أن يكون أرسله، فالمرسل حجة عند قوم، وعند الشافعي ~~(أ) إذا اعتضد، وفي استدلاله أيضا نظر لاحتمال أن يكون اكتفى بالأمر الأول ~~في طلب الثلاثة، أو اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث (¬4) وقال أبو الحسين ابن ~~القصار المالكي: روي أنه أتاه بثالث لكن (ب) لا يصح ولو صح فقد اكتفى ~~بالثلاثة في الموضعين، ففي كل موضع أقل من ثلاثة، وفيه نظر لجواز أنه لم ~~يكن الخارج إلا من سبيل واحد، أو اكتفى في القبل بمسحه في الأرض، أو مسح من ~~(ج) كل منهما بطرفين [وزاد ابن خزيمة (¬5) في رواية له لهذا الحديث: "إنها ~~كانت روثة حمار" ونقل التيمي: أن الروث مختص بما يكون بن الخيل والبغال ~~والحمير] (¬6) (د). PageV02P083 # وقوله: إنها ركس، بكسر الراء وإسكان الكاف، قيل: لغة في (أ) رجس. وفي بعض ~~نسخ البخاري: "رجس"، وكذا في رواية ابن ماجه، وابن خزيمة، وقيل: "الركس": ~~الرجيع لأنه رد من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة (¬1)، أو من حالة الطعام ~~إلى حالة الروث (¬2)، وفي رواية الترمذي: "ركس: يعني نجسا"، وهو يؤيد الأول ~~(ب) وقال النسائي، وقد أغرب: "الركس: طعام الجن" وهو بعيد من الإشكال (¬3). # 85 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: "أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى أن يستنجى بعظم أو روث، وقال: إنهما لا يطهران" رواه الدارقطني ~~وصححه (¬4). # ورواه أيضا ابن خزيمة بهذا اللفظ، ورواه البخاري في باب الطهارة بلفظ: ~~"ولا تأتني بعظم ولا روث" (¬5)، وزاد في باب البعث (ج) في هذا الحديث أن ~~أبا هريرة قال له لما ms0178 أن فرغ: ما بال العظم والروث؟ قال: "هي من طعام الجن" ~~(¬6) PageV02P084 # وأخرجه البيهقي (¬1) مطولا، وهو عند مسلم من حديث ابن مسعود (¬2)، وكذلك ~~عند أبي داود، والدارقطني (أ) والنسائي والحاكم من طريق عنه، وهو مشهور ~~بجميع طرقه. # وفي الباب عن الزبير بن العوام رواه الطبراني بسند ضعيف (¬3). # وعن سليمان (ب)، رواه مسلم (¬4)، وعن جابر كذلك بلفظ أن يتمسح بعظم أو ~~بعر (¬5). # وعن رويفع رواه أبو داود والنسائي (¬6). # وعن سهل بن حنيف رواه أحمد وإسناده واه (¬7) وعن رجل من الصحابة رواه ~~الدارقطني، وزاد فيه: "أو جلد". وقال: لا يصح ذكر الجلد فيه (¬8). # والحديث فيه تصريح بأنه لا يجزئ الاستجمار بالعظم والروث لقوله: "إنهما ~~(ج) لا يطهران"، قيل: والعلة في ذلك أن العظم لزج لا يكاد يتماسك فيقلع ~~النجاسة، وينشف البلة، وقيل: لأنه (د) لا يكاد يعرى من بقية دسم قد PageV02P085 # علق به، ونوع العظم قد يتأتى فيه الأكل لبني آدم لأن الرخو الرقيق منه قد ~~يتمشمش في حال الرفاهة، والغليظ الصلب منه يدق ويستف عند المجاعة والشدة ~~وقد حرم الاستنجاء بالمطعوم، وثالثهما: كونه طعام الجن، وأما الروث فلأنه ~~نجس لا يزيل النجاسة، بل يزيدها، وإما لأنه طعام دواب الجن. قال الحافظ أبو ~~نعيم في "دلائل النبوة" (¬1): إن الجن سألوا هدية منه - صلى الله عليه وسلم ~~- فأعطاهم العظم والروث، فالعظم لهم والروث لدوابهم فإذا لا يستنجى بهما، ~~وإما لأنه طعام للجن أنفسهم: روى أبو عبد الله الحاكم في "الدلائل": أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لابن مسعود ليلة الجن: "أولئك جن ~~نصيبين جاؤوني (أفسألوني الزاد" (أفمتعتهم بالعظم والروث فقال: وما يغني ~~عنهم ذلك يا رسول الله؟ قال: "إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي ~~كان عليه يوم أخذ، ولا وجدوا روثا إلا وجدوا فيه حبه (ب) الذي كان يوم أكل، ~~فلا يستنجي أحد لا بعظم ولا روث" (¬2). # وفي الحديث رد على من زعم أن الاستنجاء بهما يجزئ مع الكراهة، وعلى كون ~~العلة هي أنهما (ج) من طعام الجن يلتحق ms0179 بهما (د) جميع المطعومات التي ~~للآدميين قياسا من باب الأولى، وكذا مطعوم سائر الحيوانات وكذا المحترمات ~~ككتب "الهداية" وأوراقها، ومن قال: علة النهي عن الروث النجاسة ألحق به كل ~~نجس ومتنجس وعن العظم لكونه لا ينقي ألحق به ما في معناه كالزجاج الأملس. PageV02P086 # 86 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب القبر منه" رواه الدارقطني (¬1). # وللحاكم: "أكثر عذاب القبر من البول" وهو صحيح الإسناد (¬2). # والحديث صححه أيضا (أ) ابن خزيمة. # والاستنزاه: الابتعاد مأخوذ من التنزه وهو البعد. # وقوله: "فإن عامة عذاب" (ب)، عامة الشيء: معظمه، أي أكثر أسباب عذاب ~~القبر هو ذلك، وهو يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية، واستدل ~~ابن بطال بهذا الحديث وبحديث الصحيحين: "مر بقبرين، فقال: إنهما يعذبان، ~~وما يعذبان في كبير ... " الحديث (¬3). # على أن التعذيب لا يختص بالكبائر، بل قد يقع على الصغائر، قال: لأن PageV02P087 # الاحتراز من البول لم يرد فيه وعيد يعنى قبل هذه القصة، وتعقب بأنه (أ) ~~ورد في تمام قصة القبرين في الصحيحين أيضا، بلى (ب) كان أحدهما لا يستنزه ~~من بوله أي بلى إنه كبير، وقد صرح بهذا التفسير البخاري (¬1) في الأدب من ~~الحديث، ولم يخرجها مسلم فهو (ج) كبير، فالتعذيب مختص بالكبائر، وقد اختلف ~~في قوله: "وما يعذبان في كبير" ثم قيل: بلى إنه لكبير، فقيل: إنه قال ذلك ~~معتقدا أنه [ليس بكبير] (د) ثم أوحي إليه بأنه كبير، فاستدرك ذلك. # ورد بأنه يستلزم النسخ في الخبر، وهو لا يجوز، وأجيب بأن النسخ إنما هو ~~الإخبار بذلك لا لمضمونه (ه)، وفيه نظر، إذ ذلك للمضمون. # وقيل: إنه ليس بكبير في الصورة وهو كبير في الذنب، وقيل: ليس بكبير في ~~اعتقادهما أو في اعتقاد الخاطبين، وهو عند الله كبير، كقوله تعالى: ~~{وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} (¬2). # وقيل: ليس بكبير في مشقة الاحتراز (¬3) (و، وهذا جزم به البغوي (¬4) ~~ورجحه ابن دقيق العيد وجماعة. # وقيل: ليس بكبير ms0180 لمجرده (ز)، وإنما و) صار كبيرا بالمواظبة عليه، ويدل ~~على ذلك: "كان" والمضارع، وقيل غير ذلك. PageV02P088 # والحديث يدل على وجوب التحرز (أ) من مماسة البول، وإلا لما عذب على ذلك، ~~ويدل على أن من ترك البول في مخرجه ولم يستنج إنه كذلك، وقد روى البخاري: ~~"لا يستبرئ" أي لا يستفرغ البول جهده بعد فراغه منه فيخرج منه بعد وضوئه، ~~واختلفوا في إزالة النجاسة فقال مالك (¬1): إزالتها ليس بفرض، وقال أبو ~~حنيفة (¬2): إزالتها فرض، ما زاد على مقدار الدرهم. # واحتج من أوجب الإزالة مطلقا بأنه - صلى الله عليه وسلم - أخبر بأن عذاب ~~القبر بسبب البول وذلك وعيد، واعتذر لمالك عنه بأنه يحتمل أنه عذب (ب) فيه ~~لأنه كان يدع البول يسيل عليه، فيصلي بغير طهور، لأن الوضوء لا يصح مع ~~وجوده، ويحتمل أنه يفعله على عمد لغير عذر ومن ترك سنة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لغير عذر فهو آثم. # وفي الحديث دلالة على إثبات عذاب القبر (¬3)، والتحذير من ملابسة البول، ~~ويلتحق (ج) به غيره من النجاسات في البدن والثوب ولو لغير الصلاة. # فائدة: القبران كانا بالمدينة، ووقع شك من جرير فقال: "أو بمكة"، والأول ~~هو الأصح، ولم يعرف اسم المقبورين ولا أحدهما، والقاهر أن ترك التسمية على ~~عمد (د) من الزواة لقصد الستر عليهما وهو مستحسن، وينبغي أن لا يبالغ في ~~الفحص عن تسمية من وقع في حقه ما يذم به، وقد جزم أبو موسى المديني أنهما ~~كافران، واحتج بما رواه من حديث جابر بسند فيه ابن لهيعة أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - PageV02P089 # مر على قبرين من بني النجار، هلكا في الجاهلية، فسمعهما يعذبان في البول ~~والنميمة. قال أبو موسى: هذا وإن كان ليس بقوي لكن معناه صحيح، لأنهما لو ~~كانا مسلمين لما كان لشفاعته إلى أن تيبس الجريدتان معنى، ولأطلق الشفاعة، ~~ولكنه لما رآهما يعذبان أدركته الرحمة واللطف، وما تعود من المواهب العامة ~~أن يشفع لهما إلى المدة المذكورة، وجزم ابن الغطار (¬1) في شرح العمدة ~~بأنهما كانا مسلمين. ms0181 # (أقال المصنف رحمه الله (¬2): أما هذا حديث الباب فالظاهر أنهما كانا ~~مسلمين أ) ففي رواية ابن ماجه: "مر بقبرين جديدين" (¬3)، وفي حديث أبي ~~أمامة عند أحمد: أنه - صلى الله عليه وسلم - مر بالبقيع فقال: "من دفنتم ~~اليوم ها هنا"؟ (¬4) فهذا يدل على أنهما كانا مسلمين، وفي رواية أبي بكرة ~~عند أحمد: "بلى، وما يعذبان إلا في الغيبة والبول" (¬5)، وما حكاه القرطبي ~~في "التذكرة" (¬6) وضعفه عن بعضهم أن أحدهما سعد بن معاذ، وهو قول باطل، لا ~~ينبغي ذكره إلا مقرونا ببيانه، ويدل على بطلان ذلك أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حضر دفن سعد بن معاذ (¬7)، وإنما ذكرت هذه الفائدة ذبا عن هذا ~~السيد الذي سماه النبي - صلى الله عليه وسلم -: سيدا، فقال: "قوموا إلى ~~سيدكم" (¬8)، وقال ["إن عرش الرحمن اهتز لموته" إلى غير ذلك] (¬9) ولعل PageV02P090 # الواهم هذا وهم لما ورد في ضمة القبر، وأنه لو سلم منها أحد لسلم منها ~~سعد بن معاذ وذكر شدتها، وأنها سئلت امرأته فقالت: "كان لا يستنزه من ~~البول" فتوهم من ذلك، والله سبحانه أعلم. # 87 - وعن سراقة بن مالك - رضي الله عنه - قال: "علمنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في الخلاء أن نقعد على اليسرى وننصب اليمنى" رواه البيهقي ~~بسند ضعيف (¬1). # هو أبو سفيان سراقة بن مالك بن جعشم (¬2) -بضم الجيم وسكون العين المهملة ~~وضم الشين المعجمة- المدلجي، الكناني يعد في أهل المدينة، وهو الذي ألبسه ~~عمر سواري كسرى بوعد النبي - صلى الله عليه وسلم - له، روى عنه ابنه (أ) ~~محمد وجابر بن عبد الله وابن عباس وابن المسيب وطاوس وعطاء، مات سنة أربع ~~وعشرين، وقيل: إنه مات بعد عثمان. # والحديث أخرجه الطبراني والبيهقي من طريق رجل من بني مدلج عن أبيه قال: ~~"مر بنا سراقة بن مالك .. " فذكره. قال الحازمي: لا يعلم في الباب غيره، ~~وفي إسناده من لا يعرف، وادعى ابن الرفعة في "المطلب" أن في الباب عن أنس، ~~والله أعلم. # قيل: والحكمة في ذلك أنه أعون على خروج الخارج إذ المعدة ms0182 في الجانب ~~الأيسر، وقيل: ليكون معتمدا على اليسرى، ويقل مع ذلك استعمال اليمين ~~لتشريفها. PageV02P091 # 88 - وعن عيسى بن يزداد - (أعن أبيه أ) قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إذا بال أحدكم فلينثر ذكره ثلاث مرات" رواه ابن ماجه بسند ~~ضعيف (¬1). # هو عيسى بن يزداد (ب)، قيل: إنه بباء موحدة وراء مهملة ودالين مهملتين (ج ~~بينهما ألف، وقد وجد في ضبطه بالقلم بياء باثنتين من أسفل وزاي معجمة ~~ودالين مهملتين ج) ورواه أحمد في " مسنده"، والبيهقي، وابن قانع، وأبو نعيم ~~في "المعرفة"، وأبو داود في "المراسيل"، والعقيلي في "الضعفاء" (¬2) كلهم ~~من رواية عيسى بن يزداد (د)، ويقال ابن أزداد بن فساءة (ه) اليماني عن أبيه. # وفي رواية: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا بال نثر ذكره ~~ثلاثا". # ويزداد: قال أبو حاتم: حديثه مرسل، وقال في "العلل" (¬3): لا صحبة PageV02P092 # له وبعض الناس يدخله في المسند، وقال ابن حبان في الثقات (¬1): يزداد ~~يقال: إن له صحبة، ذكره البخاري (¬2) وقال: لا يصح، وابن عدي في التابعين ~~(¬3)، وقال ابن معين: لا يعرف عيسى ولا أبوه، وقال العقيلي (¬4): لا نتابعه ~~عليه، ولا يعرف إلا به، وقال النووي في "شرح المهذب" (¬5): اتفقوا على أنه ضعيف. # والحكمة في ذلك المذكور في الحديث ليحصل الظن بأنه لم يبق في الخرج ما ~~يخاف من خروجه، ومعني هذا في الصحيحين في حديث القبرين من رواية ابن عساكر ~~"كان لا يستبرئ من بوله" (¬6) بموحدة ساكنة، أي لا يستفرغ البول جهده بعد ~~فراغه منه، فيخرج منه بعد وضوئه وقد أوجب بعضهم الاستبراء بحديث القبرين ~~وهذا (أ) المذكور أيضا في الباب شاهد. قال في: "النهاية" (¬7) الاستبراء ~~الذي يذكر مع الاستنجاء في الطهور هو أن يستفرغ بقية البول، وينقي موضعه ~~ومجراه حتى يبرأ منه أي يبينه عنهما، كما يبرئ من الدين والمرض. وعده ~~الإمام شرف الدين في الأثمار من المندوبات. # 89 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سأل أهل قباء، فقالوا: إنا نتبع الحجارة الماء" ms0183 رواه البزار (¬8) بسند ضعيف ~~وأصله في PageV02P093 # أبي داود والترمذي، وصححه ابن خزيمة من حديث أبي هريرة بدون ذكر الحجارة (¬1). # قال البزار (¬2): لا نعلم أحدا رواه عن الزهري إلا محمد بن عبد العزيز، ~~ولا عنه إلا ابنه. انتهى. ومحمد بن عبد العزيز (¬3) ضعفه أبو حاتم فقال: ~~ليس له ولأخويه عمران وعبد الله حديث مستقيم، وعبد الله بن شبيب (¬4) راويه ~~عنه ضعيف أيضا. # وقد روى الحاكم أصل هذا الحديث عن ابن عباس (¬5)، وليس فيه إلا ذكر ~~الاستنجاء بالماء حسب، قال النووي: المعروف أنهم يستنجون بالماء فقط (¬6)، ~~وبهذا قال ابن الرفعة (¬7) والمحب الطبري، وقد روي نحو هذا من طرق متعددة، ~~وفي الكل مقال مستوفى في "التلخيص" (¬8). # وفي الحديث دلالة على جواز الاكتفاء بالحجارة، فإن ذلك الفعل (¬9) كان PageV02P094 # خاصا بأهل قباء ولذلك. أثني عليهم، فلو كان واجبا لشاركهم الغير فيه. ~~والله سبحانه (أ) أعلم. # [وقباء -بضم القاف ممدود (ب) -: مذكر مصروف هذا هو الصحيح، وفيه لغة مؤنث ~~غير مصروف وأخرى مقصور. # اشتمل هذا (ج) الباب على خمسة عشر حديثا] (د). PageV02P095 ### || AUTO باب الغسل وحكم الجنب # 90 - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "الماء من الماء" رواه مسلم وأصله في البخاري (¬1). # الغسل بضم الغين اسم للاغتسال (أ)، وقيل: إذا أريد به الماء فهو مضموم، ~~وأما المصدر فيجوز فيه الضم (ب) والفتح، حكاه ابن سيده وغيره، وقيل: المصدر ~~بالفتح والاغتسال بالضم، وقيل: الغسل بالفتح فعل المغتسل، وبالضم الماء ~~الذي يغتسل به، وبالكسر ما يجعل مع الماء كالأشنان (¬2). # وحقيقة الغسل: جريان الماء على الأعضاء، واختلف في وجوب الدلك فأوجبه ~~الهادي والمؤيد وأبو طالب وغيرهم من الأئمة، ونقل عن مالك (¬3) والمزني، ~~واحتج ابن بطال بالإجماع على إمرار اليد على أعضاء الوضوء عند غسلها، فيجب ~~ذلك في الغسل قياسا لعدم الفرق بينهما، وأجيب بأن من لم يوجب الدلك أجازوا ~~غمس اليد في الماء للمتوضئ (ج) من غير إمرار، فبطل PageV02P097 # الإجماع، وانتفت الملازمة، وذهب أبو حنيفة (¬1) والشافعي -وهو قول ~~الأكثر- إلى عدم ms0184 وجوبه، وقال الناصر ومحمد بن الحسن ورواه في "الزوائد" عن ~~زيد بن علي: أن جري الماء على الأعضاء في الغسل غير واجب، وإنما الواجب ~~الإمساس بالماء، وفرقوا بين الغسل والمسح، أن المسح لا يجب فيه الاستيعاب، ~~والغسل يجب فيه استيعاب البدن. # وحديث "الماء من الماء" رواه مسلم في قصة عتبان بن مالك (¬2)، والبخاري ~~ذكر القصة وفيها "إذا أعجلت أو قحطت فعليك الوضوء" (¬3) ولم يذكر الماء من ~~الماء، ورواه أبو داود وابن خزيمة (¬4) وابن حبان بلفظ الباب، ورواه أحمد ~~والنسائي وابن ماجه والطبراني من حديث أبي أيوب (¬5)، ورواه أحمد (¬6) من ~~حديث رافع بن خديج، ومن حديث عتبان بن مالك (¬7)، والطحاوي (¬8) من حديث ~~أبي هريرة، وابن شاهين في "ناسخه" من حديث أنس، وقد جمع طرقه الحازمي (¬9)، ~~وقبله ابن شاهين. # والحديث يدل بمفهوم الحصر أنه لا يجب الغسل إلا من الإنزال فقط، والإجماع ~~منعقد في هذه الأعصار على ترك العمل بذلك المفهوم، وأنه يجب الغسل من ~~التقاء الختانين وإن لم ينزل، بعد وقوع الخلاف من جماعة من PageV02P098 # الصحابة، فروي عن عثمان أنه (أ) يتوضأ كما يتوضأ للصلاة، ويغسل ذكره، ~~وقال: سمعته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1). وقال زيد بن خالد ~~الجهني: فسألت (ب) عن ذلك علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وطلحة بن عبيد ~~الله وأبى بن كعب -رضي الله عنهم- فأمروه بذلك. وروي عن أبي أيوب (¬2) أنه ~~سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذلك، وروي مثل ذلك من حديث أبي بن ~~كعب. أخرج ذلك كله في "صحيح البخاري"، وذهب الجمهور من العلماء إلى أن ما ~~دل عليه حديث الباب منسوخ بحديث أبي هريرة الآتي، وحديث عائشة: "فعلته أنا ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - فاغتسلنا" (¬3)، ويدل على النسخ ما رواه ~~أحمد وغيره من طريق الزهري عن سهل بن سعد: حدثني أبي بن كعب: أن الفتيا ~~التي كانوا يقولون: الماء من الماء رخصة كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - رخص بها في أول الإسلام، ثم أمر بالاغتسال بعد ms0185 (¬4). صححه ابن خزيمة ~~وابن حبان، وقال الإسماعيلي: هو صحيح على شرط البخاري، وله علة من حيث ~~الاختلاف في كون الزهري سمعه من سهل بن سعد (¬5)، وقد أخرجه أبو داود وابن ~~خزيمة أيضا من طريق أبي حازم عن PageV02P099 # سهل (¬1)، ولهذا الإسناد أيضا علة أخرى ذكرها ابن أبي حاتم (¬2) (أ)، وفي ~~الجملة هو صالح لأن يحتج به، وهو صريح في النسخ على أن حديث الغسل وإن لم ~~ينزل أرجح لأنه منطوق، وروى ابن أبي شيبة وغيره عن ابن عباس (¬3) أنه حمل ~~حديث "الماء من الماء" على ما يقع في حال المنام من رؤية الجماع، [وقال ~~البخاري: الغسل أحوط (¬4)، واستشكله ابن العربي (¬5) وقال: إيجاب الغسل ~~أطبق عليه الصحابة ومن بعدهم، وما خالف فيه (ب) إلا داود ولا عبرة بخلافه، ~~وقال: يحتمل أنه أراد "أحوط" أي: في الدين، وتعقب ابن العربي بدعوى إجماع ~~الصحابة بأنه قال به جماعة من الصحابة، ومن التابعين الأعمش، وتبعه عياض، ~~وقد ثبت الخلاف بعد الصحابة عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وفي سنن أبي داود ~~(¬6) عن عطاء أنه قال: لا تطيب نفسي إذا لم أنزل حتى اغتسل من أجل اختلاف ~~الناس (¬7). وقال الشافعي: فخالفنا (ج) بعض أهل ناحيتنا -يعني: من الحجاز- ~~فقالوا: لا يجب الغسل حتى ينزل (¬8) فتقرر أن الخلاف كان بين PageV02P100 # الصحابة والتابعين ومن بعدهم (¬1) والله أعلم] (أ). # وفي قوله: "الماء من الماء" فيه من البديع الجناس التام، والمراد بالماء ~~الأول الغسل، والثاني المني. # 91 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغسل" متفق عليه (¬2). # زاد مسلم: "وإن لم ينزل". # الضمير في "جلس" عائد إلى الرجل، وفي "شعبها" (ب) "وجهدها" البارز إلى ~~المرأة، والمستكن إلى الرجل، وجاز الضمير وإن لم يسبق المرجع للعلم به، وقد ~~وقع مصرحا به في رواية لابن المنذر من وجه آخر عن أبي هريرة قال: "إذا غشى ~~الرجل امرأته فقعد بين شعبها الأربع ... " الحديث. # والشعب: جمع شعبة، وهي القطعة ms0186 من الشيء، قيل: المراد بها هنا: يداها ~~ورجلاها، وقيل: رجلاها وفخذاها، وقيل: ساقاها وفخذاها، وقيل: فخذاها ~~وإسكتاها وقيل: فخذاها وشفراها، وقيل: نواحي فرجها الأربع. # قال الأزهري (¬3): الإسكتان: ناحيتا الفرج والشفران طرفا الناحيتين، PageV02P101 # ورجح القاضي عياض (¬1) الأخير، واختار ابن دقيق العيد (¬2)، قال (أ): ~~لأنه الأقرب إلى الحقيقة، أو هو حقيقة في الجلوس وهو كناية عن الجماع ~~فاكتفى به عن التصريح. # وجهد: بفتح الجيم والهاء (¬3)، يقال: جهد وأجهد أي بلغ المشقة، قيل: ~~معناه كدها بحركته وبلغ جهده في العمل بها. ولمسلم رواية "ثم اجتهد" (¬4). ~~ورواه أبو داود عن قتادة بلفظ: "وألزق الختان بالختان" (¬5) وهذا يدل على ~~أن الجهد هنا كناية عن معالجة الجماع. # قال النووي (¬6): معنى الحديث أن إيجاب الغسل لا يتوقف على الإنزال، ~~وتعقب بأنه يحتمل أن يراد بالجهد غايته وهو الإنزال، ولكن رواية مسلم "وإن ~~لم ينزل" تدفع التعقب، والزيادة رواها أيضا ابن أبي خيثمة في "تاريخه" عن ~~عفان: ثنا (ب) همام و (ج) أبان قال: ثنا قتادة- به، وزاد في آخره: "أنزل أو ~~لم ينزل"، وكذا رواه الدارقطني وصححه (¬7)، وذكره أبو داود الطيالسي عن ~~حماد بن سلمة عن قتادة (¬8). PageV02P102 # 92 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل قال: "تغتسل". متفق عليه. # زاد مسلم: فقالت أم سلمة: وهل يكون هذا؟ قال: "نعم، فمن أين يكون الشبه؟ ~~" (¬1). # الحديث اتفق الشيخان على إخراجه من طرق: عن أم سلمة، وعن عائشة، وعن أنس، ~~ووقع أن أم سلمة التي راجعت أم سليم السائلة، وفي رواية عائشة قال النووي: ~~يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة جميعا أنكرتا على أم سليم (¬2)، وهو جمع حسن، ~~وقال في "شرح المهذب": يجمع بين الروايات (أ): بأن أنسا وعائشة وأم سلمة ~~حضروا القصة (¬3) والذي (ب) يظهر أن أنسا لم يحضر القصة، وإنما تلقاها (ج) ~~من أمه أم سليم، وروى أحمد من حديث ابن عمر (¬4) نحو هذه القصة وإنما تلقى ~~ذلك ابن عمر من (د) أم سليم أو ms0187 غيرها، وقد سألت عن هذه المسألة أيضا خولة ~~بنت حكيم عند أحمد والنسائي وابن ماجه (¬5) وسهلة بنت PageV02P103 # سهيل عند الطبراني (¬1) وبسرة بنت صفوان عند ابن أبي شيبة (¬2). # والمراد في الحديث: ترى ما يرى الرجل، المراد: إنزال الماء عند رؤيا ~~الجماع وقد صرح بهذا في رواية البخاري قال: "نعم إذا رأت الماء" -أي المني- ~~بعد الاستيقاظ (¬3). # وفي الحديث رد على من زعم أن ماء المرأة لا يبرز، في رواية: "هن شقائق ~~الرجال" (¬4) ما يدل دلالة صريحة على أن ذلك غالب من حال النساء كالرجال ~~وإنما يمنعهن من إظهاره (أ) الحياء. # وقوله: فمن أين يكون الشبه؟ بمعناه: أن الولد متولد من (ب) ماء الرجل ~~وماء المرأة فأيهما غلب كان الشبه له، ويقال: شبه وشبه لغتان مشهورتان، ~~إحديهما بكسر المعجمة وسكون الموحدة وثانيتهما بفتحهما. # 93 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يغتسل من أربع: من الجنابة، ويوم الجمعة، ومن الحجامة، ومن غسل الميت" ~~رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة (¬5). PageV02P104 # ورواه أحمد والبيهقي، وفي إسناده مصعب بن شيبة، وفيه مقال، وضعفه أبو ~~زرعة وأحمد والبخاري. # والحديث يدل على شرعية الغسل في الأربعة الأحوال. الجنابة: الأمر ظاهر ~~فيه، وأما الجمعة فقد (أ) وقع الخلاف في وقته وحكمه، أما وقته (ب) فهو من ~~طلوع الفجر إلى عصر ذلك اليوم، لأنه مشروع لليوم، ولم يشرع بعد العصر ~~للإجماع على أنه لا يشرع بعد خروج وقف صلاة (ج) الجمعة، ذكره في "زوائد (د) ~~الإبانة"، وعند الشافعي (¬1) أنه مشروع للصلاة فلا يشرع بعدها، وفي ظواهر ~~الأحاديث ما يشعر بالأول، وأما حكمه فقال أئمة أهل البيت والفريقان: إنه ~~مسنون، وعن داود وبعض أصحاب الحديث ورواية (¬2) عن مالك أنه واجب لقوله: ~~غسل (ه) الجمعة واجب، وسيأتي (¬3)، قلنا: معارض بقوله "ومن توضأ فبها ~~ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" (¬4)، فيحمل قوله واجب بأنه متأكد الشرعية، ~~حتى أشبه الواجب. # وأما من الحجامة فكذلك هو سنة، وقد روي عن علي - رضي الله عنه -: الغسل ~~من الحجامة سنة وإن تطهرت أجزأك ms0188 (¬5). PageV02P105 # وأما من غسل الميت فهذا يدل على الشرعية، وقوله (أ) - صلى الله عليه وسلم ~~-: "من غسل ميتا فليغتسل" (1) أخرجه أحمد والبيقهي من حديث أبي هريرة، ~~وأخرجه أيضا الترمذي وابن ماجه من طريق أخرى عن أبي هريرة، وابن حبان من ~~طريق أخرى عنه، وأبو داود وأحمد من أخرى عنه، وقد خرج من طرق (ب) كثيرة ~~بعضها موقوف حتى قيل: إن له مائة وعشرين طريقا، وفي الكل مقال [يدل على ~~وجوبه] (ج)، ولكنه قيل: بأن (د) الأمر به منسوخ وأجاب به أحمد وجزم به أبو ~~دواد، ويدل على ذلك حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه، إن ميتكم يموت طاهرا وليس ~~بنجس، فحسبكم (ه) أن تغسلوا أيديكم" (2) أخرجه البيهقي وضعفه، والأولى أن ~~الإسناد حسن، ويجمع بينه وبين حديث أبي هريرة بأن يحمل الأمر على الندب، أو ~~المراد غسل الأيدي، ويدل عليه حديث ابن عمر: "كنا نغسل الميت فمنا من ~~يغتسل، ومنا من لا يغتسل (3) أخرجه الخطيب من طريق عبد الله بن أحمد بن ~~حنبل، واختلف الفقهاء في ذلك، فمذهب الهادي (¬4) وأحد قولي الناصر، وأحد ~~قولي الشافعي، إنه سنة لما مر، وذهب أبو حنيفة (¬5) وأصحابه وهو قول المؤيد ~~بالله وأحد قولي الشافعي لا يستحب ذلك لحديث ابن عباس المار، والجواب بأنه ~~(و) معارض بحديث أبي هريرة و (ز) الجمع بالتأويل أولى، PageV02P106 # وعن علي وأبي هريرة وهو أحد قولي الناصر: أنه واجب لحديث أبي هريرة، ~~قلنا: محمول على الندب للجمع بينه وبين حديث ابن عباس، ويؤيد ذلك ما أخرجه ~~في "الموطأ" أن أسماء بنت عميس، امرأة أبي بكر غسلته حين توفي ثم خرجت (أ) ~~فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: إني صائمة، وإن هذا اليوم شديد البرد، ~~فهل [علي] (ب) من غسل؟ قالوا: لا (¬1) مع أنه وارد في حديث أبي هريرة "ومن ~~حمله فليتوضأ" فكان يلزم من العمل به أن يوجبوا الوضوء على من حمله، وهم لا ~~يقولون به بل يحملونه على ms0189 الوضوء اللغوي، وهو غسل اليد والله أعلم. # 94 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - في قصة ثمامة بن أثال عندما أسلم ~~وأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يغتسل. رواه عبد الرزاق، وأصله متفق ~~عليه (¬2). # والحديث يدل على شرعية الغسل بعد الإسلام، وسواء كان قد أصابته جنابة في ~~حال الكفر (ج أولا، واختلف العلماء في ذلك، فمذهب (د) الهادي وجماعة من ~~الأئمة أنه إذا كان قد أجنب في حال كفره ج) وجب عليه الغسل -وإن كان قد ~~اغتسل- لعدم صحة الغسل منه، وعند أبي (¬3) حنيفة أنه إذا كان قد غتسل حال PageV02P107 # كفره لم يجب عليه إعادة الغسل، وعن المنصور والشافعي (¬1): أنه لا يجب ~~الغسل على الكافر بعد إسلامه من جنابة أصابته قبل إسلامه، لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "الإسلام يجب ما قبله" (¬2)، وأما إذا لم يكن قد أجنب فمذهب ~~الهادي أول يستحب الغسل (أ) له (ب). # وقال الشافعي (¬3): أحب أن يغتسل، فإن لم يكن جنبا أجزأه أن يتوضأ. # وفي قوله: أجزأه (ج) يحتمل مع (د) استحباب الاغتسال، ومع الإجناب يكون ~~الاستحباب آكد، وذهب أحمد (¬4) إلى وجوب الغسل عليه مطلقا، وظاهر الحديث ~~معه وكذلك ما أخرجه أبو داود من حديث قيس بن عاصم قال: أتيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر (¬5). وأخرجه ~~الترمذي والنسائي بنحوه، وظاهر الأمر الإيجاب، ولذلك قال مالك: لم يبلغنا ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - أحدا إذا أسلم بالغسل، فلو بلغه لقال به. PageV02P108 # [وفي الصحيحين لم يذكر أنه - صلى الله عليه وسلم - أمره. بالاغتسال، ~~وإنما فيهما أنه اغتسل] (أ). # فائدة: ثمامة بضم الثاء وتخفيف الميمين، وأثال بضم الهمزة وتخفيف الثاء ~~المثلثة وباللام، وهو ثمامة بن أثال بن النعمان الحنفي سيد أهل اليمامة ~~(¬1)، وكان أسر فأطلقه النبي - صلى الله عليه وسلم - فمضى وغسل ثيابه ~~واغتسل ثم أتى (ب) النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم وحسن إسلامه. روى ~~عنه أبو هريرة وابن عباس. # 95 - وعن أبي أبي سعيد (ج) - رضي الله عنه - أن ms0190 رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: غسل الجمعة واجب على كل محتلم". أخرجه السبعة (¬2). # تقدم الكلام في حكمه، وحينئذ فمن أوجب الغسل قال بظاهره، ومن لم يوجبه ~~قال: "واجب" مجاز عن تأكد شرعيته. # وفي قوله: "محتلم" أي بالغ، وذكر الاحتلام لغلبته. # 96 - وعن سمرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" رواه الخمسة ~~وحسنه الترمذي (¬3). PageV02P109 # هو أبو سعيد -ويقال: أبو عبد الله، ويقال: أبو سليمان، ويقال: أبو محمد، ~~ويقال: أبو عبد الرحمن- سمرة بن جندب الفزاري حليف الأنصار، نزل الكوفة، ~~وولي البصرة، وعداده في البصريين، وكان يستخلفه (أ) زياد على الكوفة ستة ~~أشهر وعلى البصرة ستة أشهر، فلما مات زياد، وكان في البصرة، فأقره معاوية ~~عليها عاما ثم عزله، وكان شديدا على الحرورية، وهو من الحفاظ المكثرين. روى ~~عنه ابنه سليمان وعمران بن الحصين والحسن البصري والشعبي وعلي بن ربيعة. ~~مات بالبصرة آخر سنة تسع وخمسين، وقيل: ثمان وقيل: ستين. # والحديث حسن عند الترمذي، وقال في "الإمام": من يحمل رواية الحسن (¬1) عن ~~سمرة على الاتصال يصحح هذا الحديث. PageV02P110 # قال المصنف -رحمه الله (¬1) -: وهو مذهب علي بن المديني كما نقله عنه ~~البخاري والترمذي والحاكم وغيرهم، وقيل: لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وهو ~~قول البزار، وقيل: لم يسمع منه شيئا، وإنما حدث من (أ) كتابه، وقد روى عن ~~أبي هريرة وعن أنس وعن جابر وعن ابن عباس وعن أبي سعيد، وفي الكل ضعف، ~~بينها في "التلخيص". # وقوله: "فبها ونعمت"، معناه فبالسنة أخذ، ونعمت السنة (¬2) قاله الأصمعي، ~~وحكاه الخطابي (¬3) أيضا قال: إنما أنث لإضمار السنة، وقال غيره: ونعمت ~~الخصلة، وقيل: ونعمت الرخصة لأن السنة الغسل، وقال بعضهم: فبالفريضة أخذ، ~~ونعمت الفريضة. # والحديث فيه تصريح بعدم وجوب غسل الجمعة، وإنما هو متأكد (ب)، ويقويه ~~حديث مسلم "من توضأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة، فاستمع وأنصت (ج)، غفر له ~~ما بين الجمعة إلى الجمعة وزيادة ثلاثة أيام" (¬4) والله أعلم. # 97 ms0191 - وعن علي - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبا"، رواه أحمد والأربعة وهذا لفظ الترمذي ~~وحسنه، وصححه ابن حبان (¬5). PageV02P111 # وحكم الترمذي بصحته وابن السكن وعبد الحق والبغوي في شرح السنة (¬1)، ~~وروى عن ابن خزيمة بإسناده عن شعبة قال: هذا الحديث ثلث رأس مالي (¬2)، ~~وقال الدارقطني: قال شعبة: ما أحدث بحديث أحسن منه (¬3)، وقال الشافعي في ~~سنن حرملة (¬4): إن كان هذا الحديث ثابتا ففيه دلالة على تحريم القرآن على ~~الجنب، وقال في جماع كتاب الطهور: أهل الحديث لا يثبتونه. قال البيهقي: ~~إنما قال ذلك لأن عبد الله بن سلمة (¬5) راويه كان قد تغير وإنما روى هذا ~~الحديث بعد ما كبر، قاله شعبة، وقال الخطابي (¬6): كان أحمد يوهن هذا ~~الحديث وقال النووي في الخلاصة (¬7): خالف الترمذي الأكثرون فضعفوا هذا ~~الحديث، وروى الدارقطني عن علي موقوفا: "اقرأوا القرآن ما لم يصب أحدكم ~~جنابة، فإذا أصابته فلا، ولا حرفا" (¬8). PageV02P112 # وهذا يعضد الحديث، لكن قال ابن خزيمة (¬1): لا حجة في الحديث لن منع ~~الجنب من القراءة لأنه ليس فيه نهي، وإنما هي (أ) حكاية فعل، ولم يبين ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه إنما امتنع من ذلك لأجل الجنابة، وذكر ~~البخاري عن ابن عباس أنه لم ير بالقراءة للجنب بأسا (¬2). # والحديث يدل على منع قراءة القرآن للجنب فإنه يفهم منه أنه كان دأبه - ~~صلى الله عليه وسلم - تعليم القرآن والإرشاد للعباد، ويمتنع منه حال ~~الجنابة فما ذاك إلا لتحريم القراءة عليه، وإلا لما ترك الواجب عليه من ~~التعليم، وفي بعض روايات الحديث عن علي (¬3): "لم يكن يحجب [النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن القرآن شيء سوى الجنابة] " (ب) وفي رواية (ج) ~~"تحجزوهما" أصرح في الدلالة على المقصود، وهو مخصوص بما روي من حديث ابن ~~عباس (¬4): "لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال (د): بسم الله، اللهم جنبنا ~~الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فقضى بينهما ولد، لم يضره (ه) "فإن ~~التسمية هي من القرآن، وإن كان ms0192 يحتمل التأويل بأنه إذا (و) أراد، ولكن ~~يدفعه ما رواه ابن أبي شيبة (¬5): وكان إذا غشي أهله فأنزل قال: اللهم لا ~~تجعل للشيطان فيما رزقتني نصيبا، فإنه يدل أن الذكر في أثناء الجماع، وإن ~~وقع الاختلاف في كيفيته، والخلاف في هذا تقدم حكايته. PageV02P113 # 98 - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إذا أتى أحدم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما (أ) ~~وضوءا". رواه مسلم (¬1). زاد الحاكم: "فإنه أنشط للعود" (¬2). # وللأربعة عن عائشة - رضي الله عنها - كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- ينام، وهو جنب، من غير أن يمس ماء" (¬3). وهو معلول. # والحديث يدل على شرعية الوضوء للجنب إذا أراد العود إلى الجماع. # والحديث الثاني يدل على جواز النوم بعد الجنابة من غير أن يمس ماء، وفي ~~الصحيحين أحاديث تخالفه (¬4)، وحاصل الأحاديث الواردة فيهما (ب) أنه يتوضأ ~~ويغسل فرجه لقصد النوم والأكل والشرب والجماع إذا لم يغتسل، واختلف العلماء ~~هل ذلك واجب أو غير واجب؟ فذهب الجمهور من العلماء (¬5) إلى أن PageV02P114 # ذلك غير واجب (أ)، قالوا: يدل على عدم الوجوب حديث عائشة المذكور (ب) # وحديث طوافه على نسائه بغسل واحد (¬1)، فإن ذلك يدل على الجواز، ولكن ~~الغسل مستحب. ونقل الطحاوي (¬2) عن أبي يوسف عدم الاستحباب قال: لحديث "من ~~غير أن يمس ماء"، وتعقب بأن الحفاظ قالوا: إن أبا إسحاق غلط فيه، أو أنه ~~(ج) لبيان الجواز كما تقدم، ويتأكد الاستحباب إذا عاود امرأة غير من كان ~~جامعها وذهب ابن حبيب من أصحاب مالك وداود الظاهري (¬3)، وقواه ابن العربي ~~(¬4)، إلى وجوبه، وبوب عليه أبو عوانة في صحيحه (¬5) إيجاب الوضوء على ~~الجنب إذا أراد النوم، ولكن أبا عوانة وابن خزيمة استدلا على عدم وجوب ~~الوضوء بعد ذلك بحديث ابن عباس مرفوعا "إنما أمرت بالوضوء إذا قمت إلى ~~الصلاة" (¬6) وحجة الظاهري ما ورد في الصحيحين وغيرهما من الأمر بالوضوء، ~~وفي بعضها بصيغة الشرط فاقتضى الوجوب، والجواب أنه ورد ما يدل على عدم ~~الوجوب. والواجب ms0193 الجمع بين الأدلة ما أمكن، فحمل على الاستحباب لذلك ~~واختلفوا أيضا هل يتوضأ الوضوء الشرعي الكامل؟ أو مطلق التنظيف، فالجمهور ~~على الأول، وقد ورد مصرحا به في رواية مسلم: "توضأ وضوءه للصلاة" (¬7) وذهب ~~الطحاوي (¬8) إلى الثاني، واحتج بأن ابن عمر راوي PageV02P115 # الحديث، وهو صاحب القصة، كان يتوضأ، وهو جنب، ولا يغسل رجليه (¬1)، وهو ~~معارض بأنه قد ثبت من روايته تقييد الوضوء "بأنه كان كوضوء الصلاة" (أ) ~~(¬2)، ولعلة (ب) ترك غسل رجليه لعذر. # والحكمة في الوضوء أن فيه تخفيف الحدث برفع الجنابة عن الأعضاء، وقد ورد ~~ذلك فيما رواه ابن أبي شيبة (¬3) بسند رجاله ثقات عن شداد بن أوس الصحابي ~~قال: إذا أجنب أحدكم من الليل، ثم أراد أن ينام، فليتوضأ، فإنه نصف غسل ~~الجنابة، (ج وقيل ليبيت على إحدى (د) الطهارتين، فعلى هذا يقوم التيمم ~~مقامه ج) وقد روى البيهقي بإسناد حسن عن عائشة "أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا أجنب، فأراد أن ينام، توضأ أو تيمم" (¬4)، ويحتمل أن يكون التيمم ~~عند تعسر وجود الماء، وقيل: الحكمة فيه أنه ينشط إلى العود، وقد صرح به في ~~رواية الحاكم (¬5)، وقيل (ه) أنشط إلى الغسل، ونص الشافعي على أن الحائض ~~ليس عليها ذلك إلا (و) إذا انقطع دمها. # وفي الحديث دلالة على أن غسل الجنابة ليس على الفور، وإنما يتضيق عند ~~القيام PageV02P116 # إلى الصلاة، واستحباب التنظيف عند النوم، قال ابن الجوزي: والحكمة فيه أن ~~الملائكة تبعد عن الوسخ والريح الكريهة، بخلاف الشياطين فإنها تقرب من ذلك. ~~والله أعلم (¬1). # وقوله في (أ) حديث عائشة (¬2): وهو معلول [أخرجوه (ب) من حديت الأسود عن ~~(ج) عائشة (د). قال أحمد: إنه ليس بصحيح، وقال أبو داود (¬3): وهم، وقال ~~يزيد بن هارون: هو خطأ، وأخرج مسلم الحديث دون قوله: ولا يمس ماء، وكأنه ~~حذفها عمدا لأنه عللها في كتاب التمييز (¬4)، وقد بين المصنف في التلخيص ~~(¬5) وجه العلة بأنه من رواية أبي إسحق] (ه عن الأسود عن عائشة وقد قال ابن ~~مغور: أجمع المحدثون أنه خطأ من ms0194 أبي إسحق] ه)، كذا قال مع أن البيهقي قد ~~صححه (¬6)، وقال: إن أبا إسحق قد بين سماعه من الأسود في رواية زهير عنه، ~~وجمع بينهما ابن سريج، وقال الدارقطني في العلل: يشبه أن يكون الخبران ~~صحيحين (وقاله (ز) بعض أهل العلم، وقال الترمذي: يرون أن هذا غلط من أبي ~~إسحق وعلى تقدير صحته و) فيحتمل (ح) أن المراد لا يمس ماء للغسل، ويؤيده PageV02P117 # رواية عبد الرحمن بن الأسود عن أبيه عند أحمد بلفظ: "كان يجنب من الليل، ~~ثم يتوضأ وضوءه (أ) للصلاة، حتى يصبح، ولا يمس ماء" (¬1) أو كان يفعل ~~الأمرين لبيان الجواز، وبهذا جمع ابن قتيبة في اختلاف الحديث (¬2) ويؤيده ~~(ب) ما رواه هشيم بن عبد الملك عن عطاء عن عائشة مثل رواية أبي إسحق عن ~~الأسود وما رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما (¬3) عن ابن عمر: أنه سأل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: أينام أحدنا وهو جنب؟ قال: "نعم، ويتوضأ إن ~~شاء" وأصله في الصحيحين (¬4) دون قوله: "إن شاء". # 99 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا اغتسل من الجنابة يبدأ فيغسل يديه، ثم يفرغ بيمينه على شماله، ~~فيغسل فرجه، ثم يتوضأ ثم يأخذ الماء، فيدخل أصابعه في أصول الشعر، ثم حفن ~~على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر جسده، ثم غسل رجليه متفق عليه (¬5)، ~~واللفظ لمسلم ولهما (¬6) من حديث ميمونة: "ثم أفرغ على فرجه وغسله بشماله، ~~ثم ضرب بها الأرض"، وفي رواية "فمسحها بالتراب" وفي آخره: "ثم أتيته ~~بالمنديل فرده" وفيه: "وجعل ينفض الماء بيده". PageV02P118 # [قوله: إذا اغتسل، أي شرع في الفعل (أ)، ومن في: الجنابة سببية] (ب) ~~وقوله: يبدأ فيغسل يديه، أي يغسلهما قبل إدخالهما في الإناء، وقد ورد مصرحا ~~به في رواية (¬1). # وغسل الفرج ظاهره مطلق الغسل فيكفي مرة وهذا المعنى يفهم من حديث ميمونة ~~أظهر (¬2)، إذ ضرب الأرض بيده لأجل إزالة الرائحة من اليد، ولم يذكر أنه ~~أعاد غسل الفرج بعد ذلك مع أنه إذا ms0195 كانت الرائحة في اليد فهي باقية أيضا في ~~الفرج (¬3)، وهذا ما يفهم من الحديث، ويدل أيضا على (ج) أن الماء الذي تطهر ~~به محل النجاسة طاهر مطهر. # وعلى صحة تشريك النية للغسلة التي تزيل النجاسة برفعها الحدث، وهي مسألة ~~(د) خلاف، صحح النووي (¬4) جواز ذلك. # وقد استدل بهذا على نجاسة المني، إذ دلك اليد بالأرض لإزالته ويحتمل أن ~~يكون ذلك للتنظيف، [ويستدل به على أن بقاء رائحة النجاسة بعد غسل المحل PageV02P119 # لا يضر، (أ)، واستدل البخاري (¬1) بهذا على أن الواجب في غسل الجنابة مرة واحدة. # وقوله: ثم يتوضأ، أي يغسل أعضاء الوضوء وقد ورد به مصرحا (ب) في رواية ~~البخاري كما يتوضأ في الصلاة (¬2)، وهذا يحتمل أن يكون الابتداء بالوضوء ~~قبل الغسل بنية مستقلة بحيث يجب غسل أعضاء الوضوء مع بقية الجسد، ويحتمل أن ~~يكتفي بغسلها في الوضوء عن إعادته، وعلى هذا فيحتاج إلى نية غسل الجنابة في ~~أول جزء، وإنما قدم غسل أعضاء الوضوء تشريفا لها، ولتحصل له صورة الطهارتين ~~الصغرى والكبرى، وقد اختلف العلماء في دخول الطهارة الصغرى تحت الكبرى، وفي ~~إجزاء الوضوء قبل إزالة الحدث الأكبر، فذهب أكثر العترة وأحد أقوال (ج) ~~الشافعي وأبو ثور (¬3) وداود إلى أنه لا يدخل الوضوء في الغسل بل يجبان، ~~وذهب زيد بن علي وقول للشافعي (¬4) ورواية عن أبي حنيفة إلى أنهما ~~يتداخلان، فيجزئ الغسل مرة وإن لم يرتب، ونقل ابن بطال الإجماع (¬5) (د) ~~على ذلك، وقول للشافعي: إذا توضأ مرتبا، ثم غسل ما بقي أجزأ لهما، وقول له: ~~إن سبقت الجنابة تداخلا لطروء الأصغر لا العكس حجة القول الأول واجبان: ~~تغاير سببهما وصفتهما فلم يتداخلا، وروي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: PageV02P120 # من اغتسل من جنابة ثم حضرت الصلاة فليتوضأ (¬1). وكان (أ) رضي الله عنه ~~يفعله، وروى الهادي (ب في الإحكام ب) عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أعاد وضوءا بعد اغتساله من الجنابة (¬2) رواه في الشفاء، وأجيب ~~بالعارضة بحديث (ج) عائشة وميمونة، فإنهما لم تذكرا ms0196 إعادة وضوء، وأورد عليه ~~بأن ذلك يدل على أنه يكفي (د) في رفع الجنابة ما وصفتاه من فعله لا أنه ~~يغني عن الوضوء لعدم ذكر الصلاة بعده ودفع (ه) بما في سنن أبي داود من حديث ~~عائشة: كان يغتسل ويصلي الركعتين وصلاة الغداة، ولا يمس ماء (¬3) وحديث ~~الأحكام لا يعارض ذلك لجواز حصول (و) ناقض بعد الغسل، وهذه المعارضة هي حجة ~~المذهب الثاني، ومسألة إجزاء الوضوء قبل إزالة الحدث الأكبر، الخلاف فيها ~~(ز) ذهب الهادي (¬4) والقاسم إلى أنه لا يجزئ إذ لا يقع إلا على ظاهر البدن ~~من الحدث، وذهب الناصر وأبو ثور إلى أنه يجب تقديم الوضوء على الغسل لقوله ~~تعالى: {إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا} (ح) (¬5) فأوجب الوضوء عند إرادة ~~القيام إلى الصلاة ولم يفصل، والفاء تقتضي التعقيب من دون تراخ، ولا تنافي ~~بينهما، وذهب المؤيد PageV02P121 # بالله والإمام يحيى إلى أنه مخير، قالوا: عارض مفهوم الآية قول علي - رضي ~~الله عنه - المتقدم، فرجع إلى التخيير. # وقوله: ثم يدخل أصابعه في أصول الشعر، أي شعر رأسه، ويدل عليه رواية ~~البيهقي (¬1) "يخلل بها شق رأسه الأيمن، فيتتبع (أ) بها أصول الشعر ثم يفعل ~~بشق رأسه الأيسر كذلك" وقال القاضي عياض: احتج به بعضهم على تخليل شعر ~~اللحية في الغسل، إما لعموم الشعر، وإما بالقياس على شعر الرأس، وفائدة ~~التخليل ليصل الماء إلى الشعر والبشر وهذا التخليل غير واجب اتفاقا إلا إذا ~~كان الشعر متلبدا بحيث لا يصل الماء إلى أصوله (ب). # وقوله: ثم حفن (¬2) على رأسه، وفي رواية للبخاري (¬3) ثلاث غرفات، وفيه ~~دلالة على استحباب التثليث في الغسل، قال النووي (¬4): ولا نعلم فيه خلافا ~~إلا ما تفرد به الماوردي فإنه قال: لا يستحب التكرار في الغسل: [والحفنة، ~~ملء الكفين جميعا، وفي رواية الطبري ثلاث حفنات (ج) ملء كفيه (¬5)، وإن كان ~~رواية الأكثرين لصحيح مسلم ملء كفه (¬6) فالإفراد للجنس لا ينافي الكثرة، ~~وهذه الرواية مفسرة للمراد] (د). PageV02P122 # وقوله: ثم أفاض، الإفاضة: الإسالة (¬1)، وقد استدل به على عدم وجوب الدلك ~~وقال الماوردي ms0197 (أ) لا حجة في ذلك، فإن أفاض بمعنى غسل (ب)، والخلاف قائم في ~~حقيقة الغسل، وقال القاضي عياض (¬2): لم يأت في شيء من الروايات في وصف (ج) ~~الغسل ذكر التكرار. # قال المصنف -رحمه الله تعالى (¬3) -: بل ورد ذلك من طريق صحيحة أخرجها ~~النسائي والبيهقي من رواية أبي سلمة عن عائشة (¬4): أنها وصفت غسل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من الجنابة .. الحديث وفيه: "تمضمض ثلاثا، ويستنشق ~~ثلاثا، ويغسل وجهه ثلاثا، ويديه ثلاثا، ثم يفيض على رأسه ثلاثا" وقوله: ~~"على سائر جسده"، يدل على أنه لم يعد غسل أعضاء الوضوء، وقوله: "ثم غسل ~~رجليه" (¬5)، يدل على تأخير غسل الرجلين (د وأن الوضوء الأول بدون غسل ~~الرجلين د)، وهذه رواية مسلم لحديث عائشة من رواية أبي معاوية عن هشام، وقد ~~تفرد بها أبو معاوية دون أصحاب هشام، قال البيهقي (¬6): غريبة صحيحة (ه). # قال المصنف -رحمه الله تعالى (¬7) -: في رواية أبي معاوية (¬8) عن هشام PageV02P123 # مقال: نعم له شاهد من رواية أبي سلمة عن عائشة: أخرجه أبو داود الطيالسي ~~(¬1)، وفيه: "فإذا فرغ غسل رجليه" وسائر الرواة لحديث عائشة لم يذكروا غسل ~~الرجلين بعد ذلك (¬2) ولكن (أ) هذا محتمل (ب) أن يكون أعاد غسل الرجلين بعد ~~أن كان غسلهما في الوضوء فيوافق رواية البخاري لحديث عائشة فإن فيه: يتوضأ ~~كما يتوضأ للصلاة، ثم قال: ثم يفيض الماء على جلده كله (ج) والشافعي اختار ~~(¬3) إكمال الوضوء قبل الغسل، وأبو حنيفة (¬4) اختار تأخير غسل الرجلين وفي ~~كتب مالك (¬5) له أو لبعض أصحابه فرق بين أن يكون الموضع وسخا فيؤخر غسلهما ~~لئلا يحصل إسراف في الماء [بإعادة غسلهما] (د) وبين أن يكون طاهرا فيقدم ~~غسلهما (¬6)، وقد أخذ من هذا جواز التفريق بين أعضاء الطهارة (¬7). PageV02P124 # وقوله في حديث ميمونة: ثم أتيته بالمنديل فرده، هو بكسر الميم وهو معروف، ~~قال ابن فارس (¬1): لعله مأخوذ من الندل وهو النقل، وقال غيره: هو مأخوذ من ~~الندل وهو الوسخ لأنه يندل به، ويقال: تندلت بالمنديل، وقال الجوهري (¬2): ~~ويقال أيضا: تمندلت به، وأنكره الكسائي. # وفي ms0198 رده دلالة على استحباب ترك تنشيف الأعضاء وفي ذلك خمسة أوجه، أشهرها: ~~أن المستحب تركه ولا يقال فعله مكروه، والثاني: أنه مكروه، والثالث: أنه ~~مباح يستوي فعله وتركه، وهذا اختاره النووي (¬3)، قال (أ): لأن المنع ~~والاستحباب يحتاج إلى دليل واضح، والرابع: أنه يستحب لا فيه من الاحتراز عن ~~الأوساخ، والخامس: يكره في الصيف دون الشتاء، وهذه الوجوه لأصحاب الشافعي ~~(¬4)، وللصحابة (ب) والتابعين ثلاثة أقوال، الأول: أنه لا بأس به في الوضوء ~~والغسل، وهو قول أنس بن مالك ومالك (¬5) والثوري، والثاني (ج): أنه مكروه ~~فيهما، وهو قول ابن عمر وابن أبي ليلى، والثالث: يكره في الوضوء دون الغسل، ~~وهو قول ابن عباس. # والوارد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ترك التنشيف هذا، وحديث في ~~الصحيح: أنه - صلى الله عليه وسلم - "اغتسل، وخرج ورأسه يقطر ماء" (¬6) ~~وأما فعل التنشيف فقد رواه جماعة من الصحابة، لكن قال الترمذي: لا يصح في ~~هذا الباب شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV02P125 # وقوله: "وجعل ينفض الماء بيده"، فيه دلالة على أن النفض لا بأس به، وفيه ~~وجوه أحدها: أن المستحب تركه ولا يقال إنه مكروه (أ، والثاني أنه مكروه أ)، ~~والثالث أنه مباح يستوي فعله وتركه، وقد ورد في إباحته هذا الحديث، وفي ~~النهي عنه قوله: "لا تنفضوا أيديكم، فإنها مراوح الشيطان" (¬1)، وهو ضعيف ~~لا يقاوم هذا الصحيح. # 100 - وعن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: قلت يا رسول الله: إني امرأة ~~أشد شعر رأسي، أفأنقضه لغسل الجنابة؟ وفي رواية: والحيضة؟ فقال: "لا إنما ~~يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات". رواه مسلم (¬2). الحديث. # قوله: أشد شعر -لفظ مسلم أشد ضفر رأسي، وكأن المصنف رواه بالمعني (¬3)، ~~وضفر بفتح الضاد وإسكان الفاء، وهذا هو المشهور عند المحدثين والفقهاء ~~وغيرهم ومعناه أحكم فتل شعري. وقال الإمام ابن بري (¬4)، [وهو ابن مالك] ~~(ب) في الجزء الذي صنفه في لحن الفقهاء: من ذلك قولهم في حديث أم PageV02P126 # سلمة: أشد ضفر رأسي، يقولونه بفتح الضاد وإسكان الفاء، وصوابه ضم ms0199 (أ) ~~الضاد والفاء جمع ضفيرة كسفينة وسفن، قال النووي -رحمه الله-: وهذا الذي ~~أنكره ليس بصحيح، بل الصواب جواز الأمرين ولكل منهما وجه صحيح، ولكن يترجح ~~الأول لأنه المسموع في الروايات الثابتة المتصلة. # وقوله: "أفأنقضه .. " إلى آخره، فيه دليل على أنه لا يجب عليها نقض ~~الشعر، وظاهر الحديث وإن لم يصل الماء إلى باطنه، وسواء كان اجتماعه ~~باختيارها أو بغير اختيارها والحكمة في ذلك التيسير عليها، لما في ذلك من ~~الحرج، وفي المسألة أقوال: ذهبت (ب) الهادوية وهو مذهب الحسن البصري (¬1) ~~وطاوس إلى أنه لا يجب النقض في الجنابة دون الحيض والنفاس، فيجب فيهما ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم - لعائشة "انقضي شعرك، واغتسلي" (¬2) وأجيب بأن ~~ذلك معارض بحديث (ج) أم سلمة (¬3)، وهذا ممكن، حمل الأمر على الندب فيجب ~~الصير إلى التأويل جمعا بين الحديثين، وحديث أم سلمة لا يحتمل مثل هذا، ~~وذهب الجمهور من PageV02P127 # الشافعية (¬1) وغيرهم والإمام يحيى إلى أنه لا يجب نقض الشعر مطلقا بشرط ~~أن يصل الماء إلى باطن الشعر، فيبله وإلا وجب النقض، لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - "بلوا الشعر" (¬2) ولم يفرق، قالوا: وحديث أم سلمة محمول على أنه ~~عرف (أ) خفة شعرها وكان (ب) الماء يصل إلى جميعه، ويمكن الجواب بأن حديث أم ~~سلمة خاص ببعض أحوال الشعر وهو ما كان مشدودا، وحديث "بلوا"، عام للشعر ~~سواء كان مشدودا أو منشورا، والواجب العمل بالخاص فيما تناوله، وبالعام ~~فيما بقي، [مع أنه فيه مقالا] (¬3) (ج) وحكى عن النخعي (¬4) وجوب النقض بكل ~~حال، لقوله: بلوا وقد عرفت الجواب عنه، وذهب أبو يوسف إلى أنه يجب في ~~الجنابة دون الحيض، قال: إذ هي من الكتاب، لا الحيض إذ هو من السنة، ~~ولتأكيد الجنابة بقوله: بلوا، والجواب عنه حديث أم سلمة. # وقوله: "تحثي على رأسك ثلاث حثيات"، هي (د) بمعنى الحفنات، والحفنة (ه) ~~ملء الكفين من أي شيء كان، ويقال: حثيت وحثوت (و) بالواو والياء لغتان ~~مشهورتان. # 101 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ms0200 ~~وسلم -: PageV02P128 # "إني لا أحل المسجد لحائض، ولا جنب". رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة (¬1). # أخرجه أبو داود من حديث جسرة (¬2) عن عائشة، وفيه قصة، وابن ماجه (¬3) ~~والطبراني من حديث (أ) جسرة عن أم سلمة، وحديث الطبراني (¬4) أتم، وقال أبو ~~زرعة الصحيح حديث جسرة عن عائشة، وضعف هذا الحديث بأنه من رواية أفلت ابن ~~خليفة (¬5)، وهو مجهول الحال، وقد ذكر ابن الرفعة أنه متروك، ورد عليه بأن ~~أحمد قال: لا أرى به بأسا، وقد صححه ابن خزيمة وحسنه ابن القطان. # والحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز للحائض والجنب دخول المسجد بكل حال ~~وهو مذهب الأكثر، وقال داود والمزني: أنه يجوز لهما ذلك قياسا على العبور، ~~وأجيب بأن الأصل ممنوع، وإن سلم فالعبور خصصته الآية (¬6)، وبقي ما عداه ~~داخلا تحت مفهوم الحديث، وذهب أحمد (¬7) وإسحاق إلى أنه يجوز للجنب إن غسل PageV02P129 # ما يباشر به المسجد لا الحائض، فتمنع للتنجيس، الجواب: الحديث لم يفصل (¬1). # وذهب العترة أيضا وأبو حنيفة (¬2) وأصحابه ومالك إلى أنه لا يجوز أن يعبر ~~للحديث، وكالحائض، وذهب ابن مسعود وابن عباس والشافعي وأصحابه إلى جواز ذلك ~~(¬3)، قالوا: لقوله تعالى إلا عابري سبيل (¬4) وأراد مواضع الصلاة (¬5) ~~بدليل الاستثناء، وأجيب (¬6) بأن الآية محمولة على من أجنب في المسجد، فإنه ~~يخرج منه للغسل، أو على أن معنى عابري سبيل مسافرين وفقدتم الماء، فتيمموا ~~لفقدان الماء (¬7)، وذكر السفر لأنه غالب فقد الماء فيه، وإن كان ذلك الحكم ~~يجري في الحضر عند عدم الماء، أو يحمل (أ) على أن الطريق إلى الماء إنما هي ~~في المسجد أو كان الماء في المسجد، ذكره الزمخشري وهو يجوز من دون (ب) تيمم ~~عند الحنيفة في الأخيرين والله أعلم. # 102 - وعنها - رضي الله عنها - قالت: كنت أغتسل أنا ورسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في إناء واحد، تختلف أيدينا فيه من الجنابة. متفق عليه (¬8). # زاد ابن حبان: وتلتقى. PageV02P130 # الحديث يدل (أ) على جواز اجتماع المرأة والرجل في الاغتسال من إناء واحد، ~~وقد تقدم ما في هذه المادة من ms0201 الكلام، ومحل هذا الحديث اللائق به في باب ~~المياه. والله أعلم. # 103 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر وأنقوا البشر". رواه أبو ~~داود والترمذي وضعفاه (¬1). # ولأحمد (¬2) عن عائشة نحوه، وفيه راو مجهول. # الحديث ضعفاه لأنه من رواية الحارث بن وجيه (¬3)، قال أبو داود: حديثه ~~منكر، وهو ضعيف، وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث الحارث، وهو شيخ ~~ليس بذاك وقال الدارقطني: إنما يروى هذا عن مالك بن دينار عن الحسن مرسلا، ~~ورواه سعيد بن منصور عن هشيم، عن يونس، عن الحسن قال: نبئت أن رسول الله ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فذكره، ورواه أبان العطار (ب) عن قتادة (¬4) ~~عن الحسن عن أبي هريرة من قوله، وقال الشافعي: هذا الحديث ليس بثابت، وقال ~~البيهقي (¬5): أنكره أهل العلم بالحديث، البخاري (¬6) وأبو داود وغيرهما، PageV02P131 # وفي الباب عن أبي (أ) أيوب رواه ابن ماجه من حديث فيه: من أداء الأمانة ~~غسل الجنابة فإن تحت كل شعرة جنابة (¬1)، وإسناده ضعيف (¬2)، وعن علي ~~مرفوعا: "من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها فعل به كذا (ب) وكذا (¬3) ~~الحديث، وإسناده صحيح، فإنه من رواية عطاء بن السائب، وقد سمع منه حماد بن ~~سلمة (¬4) قبل الاختلاط، أخرجه أبو داود وابن ماجه من حديث حماد، لكن قيل: ~~إن الصواب وقفه على علي رضي الله عنه. # وفي الحديث دلالة على أنه يجب غسل جميع البدن في الجنابة ولا يعفي عن شيء ~~منه والظاهر أنه إجماع إلا المضمضة والاستنشاق ففيهما خلاف الناصر والشافعي ~~(¬5) وأصحابه ومالك، قالوا: لقوله في حديث أم سلمة: إنما يكفيك أن تحثي .. ~~الحديث، ولم يذكرهما، قلنا: أنقوا البشر، والبشر عام، ومن جزئياته بشرة ~~الفم والأنف، وقد قال ثعلب: البشرة هي الجلدة التي تقي اللحم من الأذى فبين ~~عموم البشر، وأجيب بأن الحديث ضعيف، فلا يقاوم حديث مسلم المتقدم، ويجاب ~~بأن له شاهدا وهو ما تقدم من حديث يتوضأ وضوءه للصلاة، والأحاديث منتشرة ms0202 ~~بأن وضوءه للصلاة كان بالمضمضة والاستنشاق ويؤيد أيضا بحديث (ج) علي - رضي ~~الله عنه - فإنه صريح في التعميم، PageV02P132 # وبحديث (أ) عائشة - رضي الله عنها - "كان إذا اغتسل من الجنابة تمضمض ~~واستنشق" أخرجه النسائي (¬1)، وعن (ب) ابن عباس عن خالته ميمونة قالت: ~~"وضعت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - غسلا فتمضمض" أخرجه البخاري ومسلم ~~وأبو داود (¬2)، فعرفت بمجموع ذلك أنه يجب غسل الفم والأنف. والله سبحانه أعلم. # قال سفيان بن عيينة: المراد بقوله: وأنقوا البشر، غسل الفرج وتنظيفه، كني ~~عنه بالبشرة. قال ابن وهب: ما رأيت أعلم بتفسير الأحاديث من ابن عيينة. ~~ذكره في شرح الترمذي. # [اشتمل الباب على خمسة عشر حديثا] (ج). PageV02P133 ### || AUTO باب التيمم # [التيمم في اللغة: القصد، قال امرؤ القيس: # تيممتها من أذرعات .. البيت (¬1)، أي قصدتها. # وفي الشرع: القصد إلى الصعيد لمسح (أ) الوجه واليدين بنية استباحة الصلاة ~~ونحوها (¬2)، وقال ابن السكيت: {فتيمموا}: أي اقصدوا، ثم كثر استعماله حتى ~~صار التيمم: مسح الوجه واليدين بالتراب. انتهى. # فعلى هذا: هو مجاز لغوي، وعلى الأول حقيقة شرعية. # واختلف في التيمم هل هو عزيمة أو رخصة؟ وفصل بعضهم بأنه لعدم الماء عزيمة ~~وللعذر رخصة] (ب). # 104 - عن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض ~~مسجدا وطهورا، فأيما رجل (ج) أدركته الصلاة فليصل ... " (¬3). وذكر الحديث. PageV02P135 # وفي حديث حذيفة - رضي الله عنه - عند مسلم: "وجعلت تربتها لنا طهورا، إذا ~~لم نجد الماء" (¬1). # وعن علي - رضي الله عنه - عند أحمد: "وجعل التراب لي طهورا" (¬2). # * الحديث متفق عليه، وتمامه: "وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، ~~وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة". # قاله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك كما بينه البخاري من رواية ~~عمرو بن شعيب (¬3). # * وقوله: "أعطيت خمسا": من لا يثبت مفهوم العدد لا إشكال عليه بأنه قد ~~ورد غير ذلك، ومن أثبته ترد عليه، وطريق الجمع أن يقال: ms0203 لعله اطلع أولا على ~~بعض ما اختص به فذكره، ثم اطلع على غيره من بعد، أو المفهوم غير مقصود هنا ~~بقرينة ذكر غيره (أ) وقد ورد غير هذه الخمس كما في حديث أبي هريرة عند ~~مسلم: "فضلت على الأنبياء بست" (¬4) ولم يذكر الشفاعة، وزاد خصلتين وهما: ~~"وأعطيت جوامع الكلم، وختم بي (ب) النبيون". ولمسلم من حديث (¬5) حذيفة: ~~"فضلت على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة"، وذكر خصلة الأرض، ~~قال: "وذكر خصلة أخرى أبهمها"، وقد بينها ابن خزيمة والنسائي (¬6) وهي: ~~"وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة PageV02P136 # من كنز تحت العرش"، يشير إلى ما حطه الله تعالى عن أمته من الإصر، وتحمل ~~ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان. # ولأحمد من حديث علي - رضي الله عنه -: "أعطيت أربعا لم يعطهن أحد من ~~أنبياء الله: أعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم" (¬1) ~~وذكر خصلة التراب فصارت الخصال اثنتي عشرة. # وقد نظم بعضهم الخمس المذكورة في حديث جابر فقال: # جاء بالخمس ثم خص بخمس ... بعد سبع عددن (أ) للتلاء (ب) # فله الأرض مسجد وطهور ... لمصل وعاجز عن ماء # وأحلت له الغنائم يمضي ... حكمه في التنفيل والاصطفاء # وعموم النعت الذي خصه منه ... بما (ج) شاء ألطف اللطفاء (¬2) # وله في غد بكبرى الشفاعات ... مقام يشفي من الأصداء # (نصرة الله في (د) مسيرة شهر ... يقذف الرعب منه (ه) في قلوب العداء (و) # وقلت في نظم السبع المذكورة: # هذه الخمس واحفظ السبع تحظى ... بسنى الجلال للكملاء (¬3) # فهو للرسل أجمعين ختام ... ولكلم جوامع الأنباء # ومقام الصلاة خص بصف ... كصفوف الملائك الأمناء PageV02P137 # وبآي كنزن من ذخر العرش ... خواتيم (أ) السورة الزهراء # ثم سماه أحمد في ... معنييه لأحمد الأسماء # وبإعطائه المفاتيح للأرض ... سما قدره عن (ب) الأدباء # وبتفضيلنا على أمم الرسل ... رحمة منه أرحم الرحماء # [هذه السبع ثم ضم إليها ... بعدها ما روي تفز بولاء # فبإعطائه اللواء لواء الحمد ... كذا كوثر لسقي الماء # ثم شيطانه بإسلامه (ج) خص ... وغفران (د) ذنبه بالوفاء # ثم بعض يقول ستون قد ms0204 خص (د) ... بها الله سيد الأمناء # ولبعض نيف مع (ه) مائتين ... وبها فضله على الأنبياء] (¬1) (و) # وقد ورد غير ذلك، ففي (ز) حديث البزار عن أبي هريرة رفعه (¬2): "فضلت على ~~الأنبياء بست: غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجعلت أمتي خير الأم، ~~وأعطيت الكوثر، وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة تحته آدم فمن ~~دونه"، وذكر ثنتين مما تقدم، وله من حديث ابن عباس (¬3) رفعه: "فضلت على ~~الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرا فأعانني الله عليه فأسلم"، قال: PageV02P138 # ونسيت الأخرى. # وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب "شرف المصطفى": إن الخصائص ستون. ~~قال السيوطي (¬1): ثم لما صنفت كتاب "المعجزات (أ) والخصائص" تتبعتها فزادت ~~على المائتين، وظاهر الحديث يدل على أن كل خصلة من هذه لم تكن لأحد قبله. # * فقوله (ب): "مسيرة (ج) شهر"، نصب على أنه مفعول فيه بتقدير في، وفي ~~حديث أحمد عن أبي أمامة "يقذف في قلوب أعدائي" (¬2)، وفي الطبراني عن ابن ~~عباس (د) بالرعب على عدوه (ه) مسيرة شهرين (¬3)، وأخرج عن السائب بن يزيد ~~مرفوعا: "نصرت بالرعب شهرا أمامي، وشهرا (و) خلفي" (¬4)، وهو جامع بين حديث ~~شهر وشهرين، وإنما جعل الغاية الشهر لأنه لم يكن بينه وبين (ز) أحد من ~~أعدائه أكثر منه وهذه الخصوصية (ح) حاصلة له، وإن لم يكن معه عسكر، وهل هي ~~حاصلة لأمته؟ فيه احتمال (¬5). PageV02P139 # * وقوله: "وجعلت لي الأرض مسجدا": أي موضع سجود، لا يختص السجود منها ~~بموضع دون غيره، ويحتمل أن يراد بالمسجد المسجد المبني للصلاة فيكون الكلام ~~تشبيها بليغا، وهذه لم تكن لغيره كما صرح به في رواية عمرو بن شعيب بلفظ: ~~"وكان من قبلي إنما كانوا يصلون في كنائسهم"، وفي حديث البزار من حديث ابن ~~عباس نحو حديث الباب، وفيه: "ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ ~~محرابه"، وبهذا (أ) الوارد يندفع ما قيل: إن الخصوصية مجموع الأمرين: مسجدا ~~وطهورا، قال: لأن عيسى كان يسبح ويصلي حيث أدركته وما قيل: إن من قبله أبيح ~~لهم الصلاة في أماكن ms0205 يتيقنون طهارتها، بخلاف هذه الأمة فإن لهم أن يصلوا ~~(ب) فيما لا يتيقنون نجاسته. # وقوله: "وطهورا"، يحتمل أن يكون معنى (ج) الطهور (د) الطاهر في نفسه، ~~ولكنه لا يبقى (ه) فيه معنى الخصوصية، إذ (و) هي طاهرة (ز) له ولغيره، ~~ويحتمل أن يكون (د) معناه أنه مطهر (ح) لغيره، وهذا هو المراد، ويؤيده حديث ~~ابن المنذر وابن الجارود بإسناد صحيح عن أنس مرفوعا: "جعلت لي الأرض طيبة، ~~مسجدا وطهورا" (¬1)، ومعنى "طيبة": طاهرة فلو كان طهورا بذلك المعنى لكان ~~تكريرا. # * ويفهم من الحديث أن التيمم يرفع الحدث كالماء لاشتراكهما في هذا PageV02P140 # الوصف، وعلى أن التيمم جائز بجميع (أ) أجزاء الأرض، وفي رواية أبي أمامة ~~بقوله: "وجعلت لي الأرض كلها ولأمتي مسجدا وطهورا" (¬1)، وقد يدفع ذلك ~~برواية مسلم: "وجعلت تربتها طهورا" (¬2). ويجاب عنه بأن ذكر حكم بعض ما ~~تناوله العام لا يخصص كما هو المختار، والمفهوم مفهوم (ب) لقب لا يعمل به. # وقد يجاب بأن الحديث عند مسلم من حديث حذيفة: "وجعلت لنا (ج) الأرض كلها ~~مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء" (¬3) فوقع التعميم ~~والتأكيد بكلها في جعلها مسجدا دون المعطوف، فدل على عدم التعميم في ~~المعطوف، وإلا لكان العطف على نسق واحد، ويجاب عنه بما تقدم، [إلا أنه يدفع ~~بقوله تعالى: {فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه} (¬4) قال الزمخشري (¬5): فإن ~~قلت: لا يفهم أحد من العرب من قول القائل مسحت برأسي من الدهن أو غيره إلا ~~معنى التبعيض، قلت: هو كما تقول، والإذعان للحق خير من الراء. انتهى] (د). # * وقوله: "فأيما رجل": "أي" شرطية، وهي في محل رفع على أنها مبتدأ، ولفظ ~~"ما" زائدة للتأكيد، وهي للعموم. PageV02P141 # * وقوله: "فليصل"، هذا هو الجزاء، والمعنى: على كل حال، وإن لم يكن ~~متوضئا ولم يجد المسجد، والمراد: فليصل بالتيمم. وحديث جابر مختصر (أ)، ~~ويدل على ذلك رواية أبي أمامة عند البيهقي: "فأيما رجل من أمتي أتى (ب) ~~الصلاة فلم يجد ماء؛ وجد الأرض طهورا ومسجدا" (¬1) وعند أحمد: "فعنده طهوره ~~ومسجده" (ج) (¬2). # * وقوله: "وأحلت ms0206 لي الغنائم"، وفي رواية الكشميهني: "المغانم"، وهي رواية ~~مسلم (¬3)، قال الخطابي (¬4): كان من تقدم على ضربين: منهم من لم يؤدن له ~~في الجهاد، فلم يكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له (د) فيه، لكن إذا غنموا ~~شيئا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته، وقيل: المعنى أحل لي التصرف ~~فيها بالتنفيل والاصطفاء والصرف في الغانمين، كما قال تعالى {قل الأنفال ~~لله والرسول} (¬5). # * قوله: "وأعطيت الشفاعة": الشفاعة (ه) الأخروية الثابتة له (و) - صلى ~~الله عليه وسلم - ستة PageV02P142 # أنواع، بعضها مختلف فيه، وبعضها متفق عليه، وبعضها مختص به، وبعضها غير ~~مختص. فالأولى (أ): الشفاعة العظمى في إراحة الناس من طول القيام في المحشر ~~وهذه مختصة به كما ورد التصريح بذلك (¬1)، ولا خلاف فيها. # والثانية: الشفاعة في إدخال قوم الجنة من دون حساب، وهذه أيضا قد وردت ~~(ب) لنبينا - صلى الله عليه وسلم - ولا أعلم الاختصاص فيها أو (ج) عدمه (¬2). # والثالثة: الشفاعة لقوم (د) قد استوجبوا النار فيشفع في عدم دخولهم، ~~وفيها الخلاف، والظاهر أنها غير مختصة عند من أثبتها. # والرابعة: الشفاعة لقوم دخلوا النار فيشفع في خروجهم (ه)، وهي مختلف فيها ~~والقائلون بها يقولون هي غير مختصة لورودها في حق الملائكة والأنبياء ~~والمؤمنين والأطفال. # والخامسة: الشفاعة في زيادة الدرجات لمن في الجنة، وهذه متفق عليها، ~~ولعلها غير مختصة. # والسادسة: ذكرها القرطبي وهي: الشفاعة لعمه أبي طالب في التخفيف عنه (و) ~~كما في حديث مسلم "لعله تنفعه شافعتي، فيجعل في ضحضاح من نار PageV02P143 # يبلغ كعبه يغلي منه دماغه" (¬1)، وفي حديث العباس "لولا أنا لكان في ~~الدرك الأسفل من النار" (¬2) والضحضاح الماء القليل استعير للنار وشبهت به ~~في القلة، وهذه مختصة به - صلى الله عليه وسلم -. # والسابعة: الشفاعة لمن مات بالمدينة (أ) أخرجه الترمذي (¬3) وصححه. # والثامنة: في التجاوز (ب) عن جماعة من صلحاء المؤمنين في تقصيرهم في ~~العبادة ذكرها القزويني في العروة الوثقى. # والتاسعة: شفاعته لمن صبر على لأواء المدينة (¬4). # والعاشرة: شفاعته لفتح باب الجنة، رواه مسلم (¬5). # والحادية عشرة: شفاعته لمن زاره (¬6)، رواه ms0207 ابن خزيمة في صحيحه عن ابن ~~عمر (¬7). PageV02P144 # والثانية عشرة: شفاعته لمن أجاب المؤذن، وصلى عليه، لما في الصحيحين من ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "حلت له شفاعتي" (¬1) (أ) قال ابن دقيق ~~العيد: والظاهر أن (ب) المعنى في الحديث هي الشفاعة الأولى، إذ هي مختصة، ~~ولعله قد كان سبق من النبي - صلى الله عليه وسلم - الإخبار بها، فقصد ~~المعهود فيكون العهد خارجيا، وأقول: لعله يحمل على الاستغراق، ومجموع ذلك ~~مختص به - صلى الله عليه وسلم -، ولا حاجة إلى التكلف المذكور. # وقوله: و (ج) كان النبي يبعث ... " إلح، فيه تصريح باختصاصه بذلك دون ~~سائر الأنبياء، وقد يرد أن نوحا كان بعد الطوفان مبعوثا إلى أهل الأرض، ~~لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنا به، وقد كان مرسلا إليهم، ويدفع بأن ذلك لم ~~يكن في بعثته، وإنما اتفق بالحادث، وقول أهل الموقف: أنت أول رسول إلى أهل ~~الأرض (¬2) ليس المراد عموم البعثة بل أولية الرسالة إلى أهل الأرض، وهو ~~صادق بالنسبة إلى البعض، وقال ابن دقيق العيد (¬3): يجوز أن تكون شريعته ~~عامة بالنسبة إلى التوحيد، وإن كانت خاصة بالنسبة إلى فروع الدين، ولذلك عم ~~الهلاك، ويحتمل أن عدم عمومها عدم بقائها بعده لنسخها بالشرائع بعدها، وأما ~~عموم بعثة نبينا - صلى الله عليه وسلم - فهي ببقائها إلى يوم القيامة. قال ~~الداودي: المختص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - مجموع (د) الخمس لا كل ~~واحدة منها، فلا يرد ذلك، وقد غفل، فإن في هذه الخصوصية الأخيرة تصريح ~~بالاختصاص فالوجه أحد ما قيل. PageV02P145 # وفي هذا الحديث من الفوائد: مشروعية تعديد نعم الله، وإلقاء العلم قبل ~~السؤال، وأن الأصل في الأرض الطهارة، وأن الصلاة لا تختص بالمسجد المبنى ~~(أ) لذلك، وحديث "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" ضعيف أخرجه الدارقطني ~~من حديث جابر (¬1)، وقال صاحب المبسوط (ب) من الحنفية: فيه إظهار كرامة ~~الآدمي، قال: لأن آدم خلق من ماء وتراب وهما طهوران. # 105 - وعن عمار بن ياسر - رضي الله عنهما - قال: "بعثني رسول الله - صلى ~~الله عليه ms0208 وسلم - في حاجة، فأجنبت، فلم أجد الماء (ج)، فتمرغت في الصعيد ~~كما تتمرغ الدابة، ثم أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت ذلك له، ~~فقال: إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا، ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة، ~~ثم مسح الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه" متفق عليه. واللفظ لمسلم (¬2). # وفي (د) رواية للبخاري: "وضرب بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه ~~وكفيه" (¬3). # هو أبو اليقظان عمار بن ياسر (¬4) بن مالك العنسي مولى بني مخزوم ~~وحليفهم، حالف ياسر بعد قدومه من اليمن وسكونه في مكة (ه) أبا حذيفة بن ~~المغيرة بن مخزوم، فزوجه أمة له يقال لها: سمية، فولدت (و) عمارا، فأعتقه PageV02P146 # أبو حذيفة، فهو مولى لأبي حذيفة، أسلم عمار قديما وعذب في مكة، وأحرق ~~بالنار، وكان يمر النبي - صلى الله عليه وسلم - به، فيمر يده عليه ويقول: ~~"يا نار كوني بردا وسلاما على عمار كما كنت على إبراهيم" (¬1)، وهاجر إلى ~~الحبشة وإلى المدينة وصلى إلى القبلتين، وهو من (أ) الأولين وشهد بدرا ~~والمشاهد كلها، وأبلى فيها بلاء حسنا وسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الطيب والطيب، قتل بصفين مع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - سنة سبع ~~وثلاثين، وهو ابن ثلاث وتسعين سنة روى عنه علي بن أبي طالب وابن عباس، ومن ~~أولاده محمد وأبو عبيدة. # قوله: فأجنبت، أي صرت جنبا، يقال: أجنب، أي صار (ب)، ولا يقال: اجتنب (ج) ~~بصيغة المجهول، وإن وقع في كتب الفقهاء (د) كذا بينه شراح الحديث. # وقوله: فتمرغت، و (ه) في رواية للبخاري (¬2) فتمعكت، المعنى واحد، [أي ~~تقلبت، وكأن عمارا استعمل القياس، وهو أنه لما كان نائبا عن الغسل فحقه أن ~~يعم] (و). # وقوله: "إنما يكفيك"، فيه دلالة على أن هذه هي الصفة المشروعة، وأنه ~~الواجب المجزئ، ودل على أنه يكفي ضربة واحدة، وأنه يكفي من (ز) اليد (ح) PageV02P147 # الكفان والراحتان، حيث قال: مسح الشمال على اليمين وظاهر الكفين، وأفهم ~~أن الترتيب بين اليدين والوجه غير واجب، وإن كان هذا اللفظ ms0209 محتملا، وقد ~~عطفه في رواية للبخاري (أ) ثم، فقال: "ثم مسح وجهه" (¬1) بعد أن ذكر حكم ~~الكفين، وفي رواية أيضا لأبي داود ولفظه (ب): "ضرب بشماله على يمينه" (¬2)، ~~وبيمينه على شماله على الكفين ثم مسح وجهه. وفي رواية للإسماعيلي ما هو ~~أصرح من (ج) ذلك ولفظه: "إنما يكفيك أن تضرب بيدك على الأرض، ثم تنفضها، ثم ~~تمسح بيمينك على شمالك وبشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك" (¬3). # ودل الحديث أيضا على أن التيمم مشروع في حق من أجنب، وفي هذه الأطراف ~~الأربعة خلاف، فالطرف الأول، وهو أنه يكفي ضربة واحدة ذهب إليه: عطاء ~~ومكحول والأوزاعي وأحمد وإسحق وابن المنذر، ونقله عن جمهور العلماء (¬4)، ~~وقال به عامة أهل الحديث (¬5)، وأشار إلى القول به البخاري (¬6)، ورواه في ~~البحر عن الصادق والإمامية (¬7)، وحجتهم هذا الحديث، وذهب إلى أنه لا يكفي ~~الضربة الواحدة، وأنه لا بد من ضربتين: علي بن أبي طالب وعبد الله بن عمر ~~والحسن البصري والشعبي وسالم بن عبد الله وسفيان الثوري وجمهور العترة ~~ومالك وأبو حنيفة وأصحاب الرأي والشافعي وغيرهم (¬8)، قالوا: لحديث PageV02P148 # ضربتان (¬1) وسيأتي من (أ) حديث ابن عمر وغيره، وحديث عمار أنكر عليه عمر ~~روايته وابن مسعود لم يعمل به، وأجيب بأن حديث عمار أصح ما ورد في صفة (ب) ~~التيمم، ومثله حديث أبي جهم (ج) (¬2) ولم يذكر فيه زيادة على أنه أتى ~~الجدار فمسح بوجهه (د) ويديه والظاهر (ه) أنه فعل واحد وما عداهما فضعيف أو ~~مختلف في رفعه (و) ووقفه، والراجح وقفه، وإنكار عمر لا يقدح فلعله نسي ~~القصة (¬3)، وأما ابن مسعود فقد روي عنده الرجوع إلى الحديث (¬4)، وغاية ~~الأمر أن ما زاد على الضربة الواحدة فغير واجب. # وفي قوله: "يكفيك" إيماء إلى أنه الواجب الذي لا يجزئ دونه، وروي عن ابن ~~سيرين أنه لا يجزيء أقل من ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة لكفيه، وضربة ~~لذراعيه (¬5) والله أعلم. # الطرف الثاني: أنه يكفي (ز) من اليد الكفان والراحتان، وفي المسألة أقوال PageV02P149 # فالأول ما في الحديث وقد ذهب إليه ms0210 أحمد بن حنبل وإسحق وابن جرير وابن ~~المنذر وابن خزيمة، ونقله ابن الجهم عن مالك (¬1)، ونقله الخطابي عن أصحاب ~~الحديث (¬2)، وقال النووي: رواه أبو ثور وغيره عن الشافعي في القديم (¬3)، ~~ورواه في البحر عن علي والصادق والناصر وغيرهم (¬4)، وأشار البخاري إلى قوة ~~(أ) القول (¬5) به، قالوا: لحديث عمار في الصحيحين، وقد ورد من حديث عمار ~~في السنن بذكر المرفقين (¬6)، وفي رواية "إلى نصف الدراع"، وفي رواية ["إلى ~~المناكب، ومن بطون أيديهم] (ب)، إلى الآباط"، إلا أن في رواية المرفقين، ~~وكذا نصف الذراع مقالا (ج)، وأما رواية الآباط فقال الشافعي وغيره: إن كان ~~ذلك وقع بأمر النبي صلى الله عليه وسلم فكل تيمم صح للنبي صلى الله عليه ~~وسلم بعده فهو ناسخ له، وإن كان بغير أمره فالحجة فيما أمر به، ولكن رواية ~~الصحيحين تتقوى بأن عمارا كان يفتي بذلك بعد النبي صلى الله عليه وسلم، ~~وراوي الحديث أعرف بالمراد منه من غيره، ولا سيما الصحابي المجتهد. # القول الثاني: أنه يجب مسح (د) اليدين مع المرفقين، وهو قول القاسم PageV02P150 # والهادي والمؤيد بالله وأبي طالب، والفريقين (¬1) قالوا: لحديث ابن عمر ~~الآتي، وفيه: "لليدين إلى المرفقين"، وقياسا على الوضوء، وقد يجاب عنه بأن ~~حديث ابن عمر الأصح فيه الوقف، وللاجتهاد فيه مسرح، فلا حجة، وأما القياس ~~على الوضوء فهو قياس خالفه النص، فلا يصح، وهو (أ) أيضا معارض بالقياس على ~~القطع في السرقة (¬2). # القول الثالث: للزهري، أنه يجب المسح إلى المنكبين لأن ذلك اسم لليد (¬3) ~~إذا أطلقت ولحديث عمار: إلى الآباط، والجواب أن حديث عمار أقوى في بيان ~~الواجب من اليد، ورواية الآباط قد عرفت ما فيها، وقد روي عن ابن سيرين أنه ~~يجب مسح الذراعين، وقد حكى عن بعض أن الواجب أربع أصابع فقط، والله سبحانه أعلم. # (الطرف الثالث: وهو أن الترتيب بين الوجه واليدين غير معتبر وإن تيمم ~~اليدين قبل الوجه، والقائل به (ب) من قال: إن التيمم ضربة واحدة كما هو ~~صريح حديث عمار كما تقدم والعطف في الآية الكريمة ms0211 بالواو فلا يعارض الحديث، ~~والخلاف في ذلك لمن أوجب ضربتين كما تقدم) (ج). # (الطرف الرابع: هو (د) أن التيمم كاف في حق الجنب، ويقاس عليه PageV02P151 # الحائض والنفساء، ولم يخالف فيه أحد من (أ) السلف والخلف إلا ما جاء عن ~~عمر وعبد الله بن مسعود وحكي مثله (ب) عن إبراهيم النخعي، وقيل: إن عمر ~~وابن مسعود رجعا عنه، وأما (ج) كونه يرفع الجنابة فالعتزة وأكثر الفقهاء لا ~~يرفعها، لقوله في حديث (د) عمرو بن العاص: "صليت وأنت جنب" (¬1)، وقال داود ~~وبعض المالكية وبعض الشافعية: بل يرفع (و) لقوله: وطهورا، وقد تقدم (¬2) ~~(ز). PageV02P152 # وفي قوله: ثم ضرب بيديه (أ) فيه دلالة على أن المشروع هو الضرب وأما وضع ~~التراب فذهب الهادي والناصر إلى أنه لا يجزئ (ب) (¬1)، وقال الشافعي: بل ~~وضع التراب وكذا الذرور يجزئ، لحديث ابن عمر (¬2): وضع يده على الحائط. في رواية. # [وفي رواية (ج): ضرب بيده على الحائط، أخرجه أبو داود (¬3)] (د). # وحديث عمار فيه دلالة على الإجزاء، إذ عمار تمعك في التراب، ولم يأمره ~~النبي صلى الله عليه وسلم بالإعادة (ه)، وإنما قال له: "يكفيك"، فهو يدل ~~على أن هذا الواجب لا أن (و) غيره لا يجزئ، وقال الإمام يحيى: لو معك وجهه ~~ويديه أجزأ لحصول المقصود، ولحديث عمار. # وقوله: "ونفخ فيهما"، وفي رواية "أدناهما من فيه"، وفي رواية "تفل ~~فيهما"، والتفل دون البزاق، والنفث دونه، وهو يدل على تخفيف التراب، وقال ~~الهادي والشافعي: النفخ مندوب لهذا، وقال الناصر: لا يندب، إذ في حديث عمار ~~لم ينفضوا من التراب شيئا، ويجاب بأنه لا ينفي الندب الوارد، وقال الإمام ~~يحيى: إن كثر التراب نفخ، وإلا فلا جمعا بين الروايتين. # وقد يستدل به (ز) على جواز التيمم بالصخر، وما ليس عليه تراب، وفيه PageV02P153 # ما تقدم (أ). # 106 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "التيمم ضربتان، ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين" (ب) رواه ~~الدارقطني (ج) وصحح الأئمة وقفه (¬1). # أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي ms0212 من حديث علي بن ظبيان عن (د) عبيد الله ~~بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال الدارقطني: وقفه (ه) يحيى القطان وهشيم ~~وغيرهما، وهو الصواب، ثم رواه من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر مرفوعا (و)، ~~قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وعلي بن ظبيان ضعيف ضعفه القطان وابن معين ~~وغير واحد. # وأخرجه أبو داود بسند ضعيف مداره على محمد بن ثابت، وقد ضعفه ابن PageV02P154 # معين وأبو حاتم والبخاري وأحمد. قال أحمد والبخاري: ينكر عليه حديث ~~التيمم هذا، قال البخاري: خالفه أيوب وعبيد الله والناس وقفوه على ابن عمر. ~~وقال الخطابي (أ): محمد بن ثابت ضعيف (¬1)، ورواه الدارقطني من طريق سالم ~~عن ابن عمر مرفوعا، لكن فيه سليمان بن أرقم (¬2)، وهو متروك، قال (ب) ~~البيهقي: رواه معمر وغيره عن الزهري مرفوعا (¬3)، هو الصحيح، ومن طريق ~~سليمان بن أبي داود الحراني (¬4)، وهو متروك أيضا عن سالم ونافع جميعا عن ~~ابن عمر مرفوعا بلفظ: "في التيمم ضربتان، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى ~~المرافق" (¬5)، (ج) قال أبو زرعة: حديث باطل، وقد ورد تثنية الضرب من حديث ~~جابر (¬6)، وإسناده لا بأس به، وصوب (د) الدارقطني وقفه، وحديث أسلع بن ~~شريك أخرجه الطبراني والدارقطني وفيه الربيع بن بدر (¬7)، وهو ضعيف، وعن ~~أبي أمامة رواه الطبراني وإسناده ضعيف أيضا (¬8)، ورواه البزار PageV02P155 # وابن عدي (¬1) من حديث عائشة مرفوعا، تفرد به الحريش عن ابن أبي مليكة ~~عنها، قال أبو حاتم: حديث منكر، والحريش شيخ لا يحتج بحديثه، [وفي الكاشف: ~~الحريش بن الخريت (أ): واه، روى عن ابن أبي مليكة] (ب). # وعن عمار قال: كنت في القوم حين نزلت الرخصة فأمرنا فضربنا واحدة للوجه ~~ثم ضربة أخرى لليدين إلى المرفقين. رواه البزار (¬2). # 107 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "والصعيد وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا (ج) وجد ~~الماء فليتق الله (د)، وليمسه بشرته" رواه البزار وصححه ابن القطان، لكن ~~صوب الدارقطني إرساله (¬3). # وللترمذي (¬4) عن أبي ذر ms0213 نحوه، وصححه الحاكم أيضا، وأخرج حديث أبي ذر أبو ~~داود وأصحاب السنن من رواية خالد الحذاء، إلا أن لفظ الترمذي: PageV02P156 # "طهور المسلم"، ولكن في روايته اختلاف على (أ) أبي قلابة (ب) ورواه ابن ~~حبان والحاكم من طريق خالد الحذاء، وصححه أيضا أبو حاتم ومدار (ج) طريق ~~خالد على عمرو بن بجدان (¬1)، وقد وثقه العجلي، وغفل ابن القطان فقال: إنه مجهول. # قوله: والصعيد، الصعيد عند الأكثرين هو التراب، وقال الزجاج: الصعيد هو ~~وجه الأرض ترابا كان أو غيره (¬2)، وإن كان صخرا لا تراب عليه، لو ضرب ~~التيمم يده عليه ومسح لكان ذلك طهوره، وهو مذهب أبي حنيفة (¬3)، ولكن قوله ~~تعالى: {منه} (¬4)، والظاهر من لفظ من (د) هو التبعيض، وهو لا يتأتى في ~~الصخر (ه)، يقتضي أن المراد به التراب، وجوابهم بأن من لابتداء الغاية ~~متعسف لا يتبادر إليه كما لا يتبادر في قولك (و) مسحت من الدهن ومن الماء. # وقوله: وضوء المسلم، فيه إرشاد إلى أنه يرفع الحدث كالوضوء، وقد مر ~~الكلام فيه. PageV02P157 # وقوله: "وإن لمن يجد الماء .. " إلخ ذكر العشر للمبالغة لأنه بحسب الأغلب ~~لا يكاد يعدم الماء (أ) ذلك القدر. # وقوله: "فإذا وجد الماء" إلخ .. فيه إرشاد إلى أنه يجب عليه الإعادة، ~~فأما في الوقت فهو قول الأكثر، وعن أبي حنيفة والشافعي أنه لا يلزمه ~~الإعادة رأسا، وأما بعد الوقت فذلك لا يجب إجماعا (¬1) في غير المتيمم (ب) ~~في الحضر، وأما هو فإذا وجد الماء بعد الوقت، وكان لعذر العدم ففيه خلاف ~~الشافعي (ج) والمؤيد بالله لكونه من الأعذار النادرة، وهذا إذا لم يكن ثم ~~نجاسة على المتيمم، وأما إذا كان نجاسة فقال النووي في شرح مسلم (¬2): إذا ~~جامع الرجل زوجته، وكانا عادمين للماء، فيغسلان فرجيهما ويتيممان ويصليان، ~~ويجزئهما التيمم، ولا إعادة عليهما، فإن لم يغسل الرجل فرجه، وما أصابه من ~~المرأة، وصلى بالتيمم على حاله، فإن قلنا: رطوبة فرج المرأة نجسة لزمه ~~إعادة الصلاة، وإلا فلا يلزمه الإعادة، وأما إذا كان على بعض أعضاء المحدث ~~نجاسة فأراد التيمم ms0214 بدلا عنها فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه لا يجوز، ~~وقال أحمد (¬3): يجوز (د) أن يتيمم PageV02P158 # إذا كان على ثوبه، واختلف أصحابه في وجوب إعادة هذه الصلاة، وقال ابن ~~المنذر: كان الثوري (أ) والأوزاعي وأبو ثور يقولون: يمسح موضع النجاسة ~~بتراب ويصلي، والله أعلم (¬1) انتهى. # وقوله: ولمسه بشرته، أي ليتوضأ به (ب). # 108 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: خرج رجلان في سفر، ~~فحضرت الصلاة، وليس معهما ماء، فتيمما صعيدا طيبا، فصليا، ثم وجدا الماء في ~~الوقت فأعاد أحدهما الصلاة والوضوء، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فذكرا ذلك له، فقال للذي لم يعد: "أصبت السنة، وأجزأتك ~~صلاتك"، وقال للآخر: "لك الأجر (ج) مرتين" رواه أبو داود والنسائي (¬2). # الحديث فيه مقال من حيث الإرسال والوصل، فرواه النسائي مسندا ومرسلا. # ورواه الدارقطني موصولا، ثم قال (¬3): تفرد به عبد الله بن نافع عن الليث ~~عن بكر (د) بن سوادة عن عطاء عنه موصولا، وخالفه ابن المبارك فأرسله، PageV02P159 # وكذا قال الطبراني في الأوسط ثم (أ) لم يروه متصلا إلا عبد الله بن نافع، ~~تفرد به المسيبي (ب) [بتشديد الياء نسبة إلى جده المسيب المخزومي شيخ مسلم] ~~(ج) عنه، وقال موسى بن هارون فيما حكاه محمد بن عبد الملك بن أيمن عنه: ~~رفعه وهم من ابن نافع، وقال أبو داود: رواه غيره عن الليث عن عميرة بن أبي ~~ناجية عن بكر (د) عن عطاء مرسلا، وهذه (ه) الطريق رواها ابن السكن في صحيحه ~~من طريق أبي الوليد الطيالسي عن الليث عن عمرو بن الحارث وعميرة بن أبي ~~ناجية جميعا عن بكر (و) موصولا، وله شاهد من حديث ابن عباس أخرجه إسحق في ~~مسنده (¬1): "أن النبي صلى الله عليه وسلم بال ثم تيمم فقيل له: إن الماء ~~قريب منك قال (ز) فلعلي لا أبلغه"، والله أعلم. # والحديث يدل على أنه لا تجب الإعادة في الوقت بعد الفراغ من الصلاة، وهو ~~مذهب أبي حنيفة والشافعي والإمام (¬2) يحيى، وذهب الأكثر، وهو ms0215 قول الهادي ~~(¬3) والمؤيد بالله وأبي طالب إلى وجوب الإعادة في الوقت، لإطلاق قوله: ~~"فإذا وجد الماء .... " الحديث، ولقوله: {إذا قمتم إلى الصلاة PageV02P160 # فاغسلوا} (¬1) .. والخطاب متوجه مع بقاء الوقت وقد أمكن التأدية في ~~وقتها، وأجيب بأن حديث: "فإذا وجد الماء .. " إلخ مطلق فيمن وجد بعد الوقت، ~~ومن وجد (أ) قبل خروجه وحال الصلاة وبعدها. # وهذا مقيد صريح فيمن (ب) وجد في الوقت فيحمل المطلق على المقيد كما هو ~~الواجب، وأيضا فإنه لم يتعرض فيه لإعادة الصلاة وإنما ذكر فيه إمساس ~~البشرة. # واحتج الإمام يحيى على عدم وجوب الإعادة بقوله: "لا ظهران في يوم" (¬2)، ~~ولتأديتها صحيحة، ويجاب عنه بأنه ظهر واحد، فإن الأول انكشف فساده، وبأن ~~الصحة بطلت بالوجود لتجدد الخطاب، وأجاب الإمام المهدي في "البحر" (¬3) عن ~~جانب الأكثر بأن الحديث محمول على أنهما وجدا بعد الوقت، وهذا التأويل ~~باطل، إذ الحديث مصرح بأنهما وجدا في الوقت. # [وقوله: "أصبت السنة": أي الشريعة الواجبة، والسنة تطلق على السيرة ~~محمودة كانت أو مذمومة. وقوله: "وأجزأتك صلاتك": أي كفتك عبادتك عن القضاء، ~~والإجزاء (ج) عبارة عن كون الفعل مسقطا لوجوب إعادة العبادة. # وقوله: "لك الأجر مرتين": أي حظان من الأجر] (د). # 109 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - في قوله عز وجل: {وإن PageV02P161 # كنتم مرضى أو على سفر}. قال: إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله ~~تعالى، والقروح، فيجنب، فيخاف أن يموت إذا اغتسل تيمم (¬1). # رواه الدارقطني موقوفا، ورفعه البزار، وصححه ابن خزيمة والحاكم. # الحديث رواه الدارقطني من طريق عطاء بن السائب عن سعيد عن ابن عباس ~~موقوفا، ورفعه البزار وابن خزيمة والحاكم والبيهقي من طريقه مرفوعا، وقال ~~البزار: لا نعلم رفعه كذا عن عطاء من الثقات إلا جريرا، وذكر ابن عدي عن ~~ابن معين (¬2) أن جريرا سمع من عطاء بعد الاختلاط. # الحديث فيه دلالة على شرعية التيمم في حق الجنب وقد تقدم ذكر الخلاف فيه، ~~وذكر فيه سببا وهو خوف التلف، وأما لخشية الضرر، فالعترة ومالك وأبو حنيفة ~~وأحد قولي الشافعي كذلك (¬3)، {وإن كنتم ms0216 مرضى} (¬4) ولم يفصل، وأحد قولي ~~الشافعي وأحمد (¬5): إن لم يخش التلف فكالصحيح. # قلنا: الجرح ألحقه بخائف التلف، وأما المرض الذي (أ) يأمن معه الضرر فلا ~~يبيح التيمم لخفة الجرح، وقد ذهب إلى هذا العترة والحنفية والشافعية (¬6) ~~وأحمد، وقال داود ومالك والمنصور: يبيح (¬7)، لظاهر قوله تعالى: {وإن كنتم PageV02P162 # مرضى} (¬1) .. وهو معارض ب {إذا قمتم إلى الصلاة} (¬2) .. ولا حرج في ~~ذلك، "وإذا أمرتم (أ) بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (¬3)، وهو مستطاع، وأما ~~شين الخلقة فالفاحش منه كالضرر (ب لا اليسير ب) كأثر الجدري والجرب] (ج) ~~وأما لعذر العدم فكذلك. والله أعلم. # 110 - وعن علي رضي الله عنه قال: انكسرت إحدى زندي، فسألت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فأمرني أن أمسح على الجبائر رواه ابن ماجه بسند واه جدا (¬4). # الحديث رواه ابن ماجه والدارقطني من حديث عمرو بن خالد (¬5)، [وفيه مقال] ~~(د) ورواه الدارقطني والبيهقي من طريقين آخرين أوهى منه. # وقال الشافعي في الأم والمختصر: لو (ه) عرفت إسناده بالصحة لقلت به، وهذا ~~مما أستخير الله فيه. # وتكلم فيه أحمد وأغلظ، وأنكره (و) يحيى بن معين وقال: إن كان معمر PageV02P163 # حدث بهذا من حديث عبد الرزاق فهو حلال الدم (¬1). # وفي الباب عن ابن عمر رواه الدارقطني (¬2)، وقال: لا يصح إسناده، وفي ~~إسناده أبو عمارة محمد بن أحمد وهو ضعيف جدا. # وقال البيهقي (¬3): لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب ~~شيء، وأصح ما فيه حديث عطاء يعني الآتي عن جابر (¬4). # وقال النووي (¬5): اتفق الحفاظ على ضعف حديث علي. # والحديث يدل على وجوب المسح على الجبيرة (¬6) ولا يحلها، وقد ذهب إلى هذا ~~المؤيد بالله، وأحد قولي الهادي وعن أبي حنيفة، وذهب إليه الفقهاء السبعة ~~فمن بعدهم، وقال به الشافعي، لكن بشرط أن توضع على طهر كما في الخفين، وأن ~~لا يكون تحتها من الصحيح إلا مما لا بد منه، وإلا وجب نزعها إن أمكن، فإن ~~لم يمكن مسح عليها (أ) للضرورة، ووجب القضاء (¬7). # والمسح المذكور إنما هو بالماء لا بالتراب ms0217 لأنه ضعيف. # (ب قالوا لهذا الحديث: وهو وإن كان واهي الإسناد فهو معتضد ب) بما يأتي PageV02P164 # من حديث جابر (¬1)، وبحديث (أ) ابن عمر، "وهو أنه توضأ، وكفه معصوبة، ~~فمسح عليها وعلى العصابة وغسل ما سوى ذلك" (¬2)، ولأنه عضو تعذر مسه فمسح ~~ما فوقه كشعر الرأس، والمسح جزء من الغسل، فلا (ب) يسقط بتعذر الدلك كالصب، ~~وذهب أبو العباس وأبو طالب وهو أحد قولي الهادي (¬3)، وعن أبي حنيفة (¬4) ~~إلى أنه لا يمسح ولا يحل بل يسقط كعبادة تعذرت (ج) ولأن الجبيرة كعضو آخر، ~~وآية الوضوء لم تناول المسح، والجواب أن النص يبطل ذلك، وأما إذا خشى من حل ~~الجبيرة سيلان الدم فقط فقال الحقيني: إنه لا يمسح ولا يحل بل يترك ذلك، إذ ~~خلل البعض أخف من خلل الكل، وقال المؤيد بالله (¬5) والإمام يحيى: العضو ~~قطعي ونقض الدم للوضوء ظني فيجب الحل. # 111 - عن جابر - رضي الله عنه - في الرجل الذي شج فاغتسل فمات: "إنما كان ~~يكفيه أن يتيمم، ويعصب على جرحه خرقة ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده". # رواه أبو داود بسند فيه ضعف، وفيه اختلاف على (د) رواته (¬6). PageV02P165 # الحديث أخرجه أبو داود من حديث الزبير (¬1) بن خريق (أ) عن عطاء عن جابر. ~~قال ابن أبي داود تفرد به الزبير (ب). وكذا قال الدارقطني (¬2): قال: و (ج) ~~ليس بالقوي، وخالفه الأوزاعي فرواه عن عطاء عن ابن عباس. # قال المصنف رحمه الله (¬3) -: وهو الصواب. # ورواه أبو داود من حديث الأوزاعي قال: بلغني عن عطاء عن ابن عباس (¬4)، ~~ورواه الحاكم (¬5) من حديث الأوزاعي: حدثني عطاء، وقال الدارقطني: اختلف ~~فيه عن الأوزاعي. والصواب: أن الأوزاعي أرسل آخره عن عطاء (¬6)، وهي (د) ~~رواية ابن ماجه (¬7). وقال أبو زرعة وأبو حاتم: سمعه الأوزاعي من إسماعيل ~~بن مسلم عن عطاء، ونقل ابن السكن عن أبي داود أن حديث الزبير بن خريق (ه) ~~أصح من حديث الأوزاعي، إلا أنه لم يقع في رواية عطاء هذة عن ابن عباس ذكر ~~للتيمم فيه، فثبت أن الزبير بن خريق (و) ms0218 تفرد بسياقه. نبه على ذلك ابن ~~القطان (¬8)، ولم يقع في رواية عطاء أيضا ذكر المسح PageV02P166 # على الجبيرة، فهو أيضا من أفراد الزبير بن خريق. # والحديث بهذه الرواية يدل على أنه يجمع بين التيمم والمسح والغسل، ولعله ~~يحمل على (أ) أن أعضاء التيمم جريحة والشج كما ذكر في غيرها، فالمسح عليها ~~بالماء لذلك وسائر الأعضاء صحيحة فيغسلها، (ويدل على شرعية التيمم في حق ~~واجد الماء، فإنه صرح بالجمع). # وذهب طاوس إلى أنه لا يشرع (ب)، لقوله تعالى: {وإن كنتم مرضى أو على سفر ~~أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم (ج) تجدوا ماء} (¬1) فشرط ~~العدم مع المرض. # والجواب [أن] (د) هذا الحديث، وحديث عمرو، ومفهوم الشرط إنما يعمل به مع ~~عدم المعارض، وقد وجد] (5) والله سبحانه أعلم. # 112 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: من السنة أن لا يصلي الرجل ~~بالتيمم إلا صلاة واحدة، تم يتيمم للصلاة الأخرى. # رواه الدارقطني بإسناد ضعيف جدا (¬2). # الحديث أخرجه الدارقطني والبيهقي من طريق الحسن بن عمارة (¬3) عن الحكم ~~عن مجاهد عنه والحسن ضعيف جدا. وفي الباب موقوفا (و) عن علي وابن عمر وعمرو ~~بن العاص. PageV02P167 # أما علي فرواه الدارقطني (¬1)، وفيه حجاج بن أرطأة (¬2)، والحارث الأعور (¬3). # وأما ابن عمر فرواه البيهقي (¬4) عن الحاكم من طريق عامر الأحول عن نافع ~~عن ابن عمر. قال: يتيمم لكل صلاة وإن لم يحدث، قال البيهقي: هو أصح ما في ~~الباب. قال: ولا نعلم له مخالفا من الصحابة. # وأما عمرو بن العاص فرواه الدارقطني (¬5) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن ~~قتادة أن عمرو بن العاص كان يتيمم لكل صلاة، وبه (أ) كان يفتي قتادة، وهذا ~~فيه إرسال شديد بين قتادة وعمرو. # والحديث يدل على أن التيمم لا يكفي لصلاتين دلالة صريحة، إذ قوله: من ~~السنة متبادر منه سنة النبي صلى الله عليه وسلم كما هو المختار، وهو وإن ~~كان إسناده ضعيفا، فقد تأيد بما روي في الباب كما تقدم، ولقوله تعالى: {إذا ~~قمتم ...} فظاهرها الوجوب لكل ms0219 صلاة، وخص الوضوء بالإجماع وفعل النبي PageV02P168 # صلى الله عليه وسلم في سفر الفتح فبقي التيمم، وقد ذهب إلى هذا الهادي ~~والقاسم والمؤيد وأبو طالب وزيد بن علي وأحد قولي الناصر والشافعي وغيرهم ~~من الصحابة والتابعين (¬1)، وذهب الإمام يحيى وأحد قولي الناصر وأبو حنيفة ~~وأصحابه والحسن بن صالح (¬2) إلى أنه يصلي بالتيمم الواحد ما شاء كالوضوء، ~~وكالنوافل، ولعموم الأخبار والآية. # والجواب: أن الوضوء يرفع الحدث، والنوافل مخفف حكمها، فتصلى على الرحلة ~~ونحو ذلك، والعموم مخصص بما ذكرنا (أ) وقال أبو ثور: تصح به الفريضتان ~~المجتمعتان لأن الجمع يصيرهما كالواحدة (¬3). # والجواب: أن (ب) ذلك غير معتبر إذ العبرة بتغايرهما ذاتا لا وقتا. [اشتمل ~~هذا الباب على عشرة أحاديث] (ج). PageV02P169 ### || AUTO باب الحيض # الحيض معناه لغة: السيلان، وهو اسم لخروج الدم من الفرج في الحيوانات على ~~أي صفة كان من آدمية أو غيرها (¬1)، حتى قالوا: حاضت الأرنب إذا خرج من ~~فرجها الدم، وقد يسمون ما يخرج من الشجر من الصمغ الأحمر حيضا. فيقولون ~~حاضت السمرة: إذا خرج منها ذلك. # وفي الشرع (¬2): الدم وما في حكمه الخارج من رحم المرأة في وقت مخصوص. # [قال أهل اللغة: يقال: حاضت المرأة تحيض حيضا ومحيضا ومحاضا فهي حائض بلا ~~هاء، وحكى الجوهري عن الفراء: حائضة بالهاء، ويقال: حاضت وتحيضت ودرست ~~وطمثت وعركت وضحكت ونفست كله بمعنى واحد، وزيد: أكبرت وأعصرت بمعنى حاضت (¬3). # 113 - وعن عائشة] (أ) - رضي الله عنها - "أن فاطمة بنت أبي حبيش كانت ~~تستحاض، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: إن دم الحيض دم أسود يعرف، ~~فإذا كان ذلك فأمسكي عن الملاة، فإذا كان الآخر فتوضئي وصلي". # رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (¬4) واستنكره PageV02P171 # أبو حاتم (¬1). # وفي (أ) حديث أسماء بنت عميس عند أبي داود (¬2): "ولتجلسن في مركن. فإذا ~~رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلا واحدا، وتغتسل (ب) للمغرب ~~والعشاء غسلا واحدا، وللفجر غسلا، وتتوضأ فيما بين ذلك". # هي فاطمة بنت أبي حبيش بضم الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وسكون ms0220 الياء ~~وبالشين المعجمة ابن المطلب بن أسد بن عبد العزى القرشية الأسدية. # روى عنها عروة بن الزبير، وقيل: عروة عن عائشة عنها، وأم سلمة، وهي زوجة ~~عبد الله بن جحش (¬3). # وأسماء بنت عميس (¬4) خثعمية، وفي نسبها اختلاف كثير. هاجرت إلى أرض ~~الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فولدت هناك محمدا وعبد الله وعونا، ثم ~~هاجرت إلى المدينة، فلما قتل جعفر تزوجها أبو بكر فولدت له محمدا، فلما مات ~~أبو بكر الصديق (ج) تزوجها علي بن أبي طالب فولدت له يحيى. # روى عنها ابنها (د) عبد الله بن جعفر وعمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس ~~وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن شداد. PageV02P172 # وعميس بضم العين المهملة وفتح الميم وسكون الياء وبالسين المهملة: # قوله: تستحاض، الاستحاضة: جريان الدم من فرج المرأة في غير أوانه وهو ~~يخرج من عرق يسمى العاذل بالعين المهملة وكسر الذال المعجمة، "العرق الذي ~~يسيل منه في أدنى الرحم دون قعره. # قالوا: ودم الحيض يخرج من قعر الرحم. # الحديث الأول فيه دلالة على أنه يعتبر (أالتمييز بصفة الدم، بقوله: "دم ~~أسود يعرف" أي تعرفه النساء، وقد ذهب أ) إلى هذا الناصر والشافعي (¬1) في ~~حق المبتدأة. # وقوله في حديث أسماء: "لتجلس في مركن": هو بكسر الميم الإجانة التي تغسل ~~فيها الثياب، والميم زائدة وهي التي تخص الآلات. وقوله صفرة أي صفرة الشمس، ~~وفي نسخة صفارة، أي إذا زالت الشمس، وقربت من العصر حتى ترى فوق الماء من ~~شعاع (ب) الشمس شبه صفارة لأن شعاعها يتغير ويقل فيضرب إلى صفرة. # [وأسماء بنت عميس سألت النبي صلى الله عليه وسلم، وقالت: إن فاطمة بنت ~~أبي حبيش استحيضت منذ كذا وكذا فلم تصل. فقال صلى الله عليه وسلم: "سبحان ~~الله إن هذا من الشيطان، لتجلسن ... " الحديث. وقد جاء في حديث عائشة (¬2) ~~في شأن أم حبيبة بنت جحش كانت (ب) تغتسل في مركن في (د) حجرة أختها زينب ~~بنت جحش حتى تعلو حمرة الدم الماء، والمراد به أنها (ه) تجلس في PageV02P173 # مركن ms0221 وتصب عليها الماء فيختلط الماء المتساقط عنها بالدم، (أفيحمر الماء ~~أ) ثم أنه لا بد أنها تتنظف بعد ذلك عن تلك الغسالة المتغيرة. وهذا (ب) لا ~~ينافي تفسير صفرة فوق الماء بصفرة الشمس، لأنها بالنظر إلى جمع الصلاتين في ~~(ج) آخر الوقت، وهذا معنى آخر مذكور في هذه الرواية] (د) وفي هذه الرواية ~~(ه) الأمر بالاغتسال للصلاة. وفي حديث حمنة (¬1) الآتي وهو مروي عن ابن عمر ~~وابن الزبير وعطاء بن أبي رباح، فقالوا: يجب عليها الاغتسال لكل صلاة، وروي ~~هذا أيضا عن علي (و) وابن عباس، وروي عن عائشة أنها قالت: تغتسل كل يوم ~~غسلا واحدا وعن ابن المسيب والحسن قالا: تغتسل من صلاة الظهر إلى صلاة ~~الظهر (ز) دائما. # [وقد بوب أبو داود (¬2) لهذه الأقوال في السنن، وذكر الأحاديث الواردة في ~~ذلك] (ح) وذهب الجمهور (¬3) إلى أنه لا يجب عليها، وإنما يجب عليها عند ~~إقبال الطهر، قالوا: لأن الأصل عدم الوجوب فلا يجب إلا ما ورد الشرع ~~بإيجابه، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أمرها بالغسل إلا مرة ~~واحدة عند انقطاع حيضها، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا أقبلت الحيضة ~~فدعي الصلاة وإذا أدبرت فاغتسلي" (¬4). PageV02P174 # وفي حديث أم حبيبة الآتي (¬1) وإنما ذكر فيه أنها كانت تغتسل لكل صلاة، ~~ولم يأمرها بذلك، وهذا لا يقتضي إلا ما ذكر. وأما الأحاديث الواردة في سنن ~~أبي داود والبيهقي وغيرهما (أ) أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها بالغسل ~~فليس فيها شيء ثابت. # وقد بين البيهقي ضعفها (¬2)، والصحيح ما في الصحيحين من حديث أم حبيبة ~~المذكور قال الشافعي رحمه الله تعالى (¬3): إنما أمرها رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أن تغتسل وتصلي وليس فيه أنه أمرها أن تغتسل لكل صلاة. قال: ولا ~~أشك إن شاء الله أن غسلها كان تطوعا غير ما أمرت به وذلك واسع لها. هذا ~~كلام الشافعي بلفظه، وكذلك قاله (ب) شيخه سفيان بن عيينة والليث بن سعد ~~وغيرهما، وعباراتهم (ج) متقاربة. والله أعلم. انتهى. [وقال ms0222 الطحاوي (¬4): ~~حديث أم حبيبة منسوخ بحديث فاطمة بنت أبي حبيش، أي لأن فيه الأمر بالوضوء ~~لكل صلاة لا الغسل. والجمع بين الحديثين (د بحمل الأمر د) في حديث فاطمة ~~على الندب أولى. والله أعلم] (ه). # 114 - وعن حمنة بنت جحش قالت: كنت أستحاض حيضة كبيرة شديدة، فأتيت النبي ~~صلى الله عليه وسلم أستفتيه. فقال: "إنما هي ركضة من PageV02P175 # الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة ثم اغتسلي (أفإذا استنقأت فصلي أربعة ~~وعشرين أو ثلاثة وعشرين، وصومي وصلي أ) فإن ذلك يجزئك، فكذلك فافعلي كما ~~تحيض النساء، فإن قويت على أن تؤخري الظهر وتعجلي العصر، ثم تغتسلي حين ~~تطهرين، وتصلين الظهر (ب) والعصر جميعا، ثم تؤخرين المغرب والعشاء، ثم ~~تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، (ج وتغتسلين مع الصبح. قال: وهو (د) ~~أعجب [الأمرين] (5) (ه) إلي" (¬1). # رواه الخمسة ج) إلا النسائي وصححه الترمذي (¬2)، وحسنه البخاري. # حمنة بنت جحش بفتح الحاء المهملة وسكون الميم وبالنون (و)، أخت زينب زوج ~~النبي صلى الله عليه وسلم الأسدية من أسد خزيمة، والصحيح أن هذا اسمها. ~~وقيل إن اسمها حبيبة أو أم حبيبة، وكانت تحت مصعب بن عمير فقتل (ز) عنها ~~يوم أحد، فتزوجها طلحة ابن عبيد الله. وروى عنها ابنها عمران بن طلحة. ~~وكانت تستحاض هي وأختها أم (ح) حبيبة (¬3). PageV02P176 # الحديث أخرجه أيضا أحمد وابن ماجه والدارقطني والحاكم من طريق عبد الله ~~بن محمد بن عقيل (¬1) عن إبراهيم بن محمد بن طلحة عن عمه عمران بن طلحة عن ~~أمه حمنة بنت جحش. # قال البيهقي: تفرد به ابن عقيل، وهو مختلف في الاحتجاج به (¬2) و (أ) قال ~~ابن منده: لا يصح بوجه من الوجوه، لأنهم أجمعوا على ترك حديث ابن عقيل (¬3) ~~كذا قال. وتعقبه ابن دقيق العيد (¬4)، واستنكر منه هذا الإطلاق. # قال المصنف -رحمه الله- (¬5): لكن ظهر لي أن مراد ابن منده بذلك من خرج ~~الصحيح، وهو كذلك. # وقال ابن أبي حاتم (¬6): سألت أبي عنه فوهنه، ولم يقو إسناده (¬7). # قوله: إنما هي ركضة، الركض: الضرب بالرجل، والمعنى إن الشيطان ms0223 قد وجد ~~طريقا إلى التلبيس (ب) عليها في أمر دينها وطهرها وصلاتها، حتى أنساها PageV02P177 # ذلك عادتها، وصار (أ) في التقدير كأنها ركضة. قاله كذا في النهاية (¬1)، وإطلاق # الركضة على التلبيس مجاز لأن التلبيس (ب) فعل غير حسي من أفعاله، وقد حصل # أثر التلبيس فشبه بالركض الذي هو فعل حسي له أثر قوي مبالغة في تحقيق ~~الأثر، وخص الركض من بين الأفعال للدلالة على الاستحكام، وأنه لا مدافعة من ~~المفعول. وقوله: "ستة أيام أو سبعة" ليس للتخيير ولا للشك من الراوي، وإنما ~~هو لما كان العددان هما (ج) الغالب ردها إلى الأوفق منهما، بعادات (د) ~~النساء المماثلات لها في السن المشاركات لها في المزاج بسبب القرابة ~~والمسكن. وقوله: قال (ه) وهو أعجب (و) إلي (ز) من كلام النبي صلى الله عليه ~~وسلم وقال أبو داود (¬2) وفي رواية عمرو (ح) بن ثابت (¬3) قال: قالت حمنة: ~~فقلت هذا أعجب الأمرين إلي، ولكن هذا عمرو رافضي، رجل سوء. # واعلم أن الحديث المذكور يدل بظاهره (ط) على أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أمرها بعادة النساء في الحيض والطهر، وأن الأمر بالاغتسال إنما ناطه ~~بقوتها، فكان (ي) قرينة على أنه رخصة، وليس بعزيمة في حقها، ويدل على ذلك ~~ما في PageV02P178 # صدر هذا الحديث "آمرك بأمرين أيهما صنعت أجزى عنك من الآخر". # 115 - وعن عائشة - رضي الله عنها - أن أم حبيبة بنت جحش شكت إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم الدم، فقال: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم ~~اغتسلي. فكانت تغتسل لكل صلاة" (¬1). # رواه مسلم وفي رواية للبخاري: "وتوضئي لكل صلاة" (¬2). # وهي لأبي داود وغيره (أ) من وجه آخر. # هي أم حبيبة بنت جحش الأسدية (¬3). قال الدارقطني: قال إبراهيم الحربي: ~~الصحيح أنها أم حبيب بلا هاء واسمها حبيبة. قال الدارقطني: قول (ب) الحربي ~~صحيح، وكان من أعلم الناس بهذا الشأن. # قال غيره: وقد روي عن عمرة عن عائشة أن أم حبيب. وقال أبو علي الغساني: ~~الصحيح أن اسمها حبيبة. قال: وكذلك (ج) قال الحميدي ms0224 عن سفيان PageV02P179 # و (أ) قال ابن الأثير (¬1): يقال لها أم حبيبة، وقيل أم حييب، والأول (ب) ~~أكثر، وكانت مستحاضة، قال: وأهل السير يقولون: المستحاضة أختها حمنة، قال ~~ابن عبد البر (¬2): الصحيح أنهما كانتا تستحاضان (ج) و (د) كانت تحت عبد ~~الرحمن بن عوف، ووقع في الموطأ (¬3) أن زينب بنت جحش هي زوج عبد الرحمن، ~~فقيل: وهم (¬4)، وقيل: بل صواب، وأن اسمها زينب (ه) وكنيتها أم حبيبة، ولا ~~ينافيه أن اسم أختها أم المؤمنين ذلك لأنه لم يكن اسمها الأصلي، وإنما ~~اسمها برة، فغيره (و) النبي صلى الله عليه وسلم، وفي أسباب النزول ذلك ~~(¬5)، وأن تغييره بعد زواجه بها، فسماها النبي صلى الله عليه وسلم باسم ~~أختها لكون أختها غلب عليها أم حبيبة فأمن اللبس، ولم ينفرد الموطأ بتسمية ~~أم حبيبة زينب، فقد روى أبو داود الطيالسي في مسنده (¬6) عن (ابن) (ز) أبي ~~ذئب الحديث فقال: إن زينب بنت جحش. # والحديث يدل على أن المستحاضة إذا كانت (ح) لها عادة رجعت إليها، ثم PageV02P180 # تغتسل بعد مضيها وقوله: فكانت تغتسل لكل صلاة تقدم الكلام عليه. وقوله: ~~وفي رواية للبخاري (¬1) إلخ (أ) وقوله: وهي لأبي داود إلخ رواه أبو داود ~~(ب) عن عبد الصمد عن سليمان بن كثير قال: "توضئي (ج) لكل صلاة" (د) قال أبو ~~داود: وهذا وهم من عبد الصمد والقول فيه قول أبي الوليد (¬2). # واعلم أن المستحاضة لها أحكام مفصلة في كتب الفقه مستوفاة، والأحاديث ~~الواردة فيها مختلفة مضطربة، ففي حديث فاطمة بنت قيس ما يدل على أنه يعتبر ~~التمييز بصفة الدم مطلقا، كما في حديث الباب من غير استفصال لما هي عليه من ~~كونها مبتدأة أو معتادة ذاكرة لعادتها (ه أو ناسية ه)، وفي حديثها عند مسلم ~~والبخاري: "فإذا أقبلت حيضتك فدعى الصلاة، وإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم، ثم ~~صلي" (¬3)، وهذا على دلالة على أن المعتادة ترجع إلى عادتها، ولا يعتبر ~~بصفة الدم (و). [إلا أنه يمكن الجمع بين الحديثين بأن المراد بقوله: فإذا ~~أقبلت حيضتك التي (ز) تميزت ms0225 لك بصفة الدم فيكون التمييز بصفة الدم] (ح). # وحديث حمنة فيه دلالة على أنها ترجع إلى الحالة الأغلبية للنساء مطلقا، ~~ولعله يقرب تأويله بأنها مبتدأة لم تثبت لها عادة، إذ رجوعها إلى ما تعودته ~~أغلب موافقة للظن من رجوعها إلى عادة غيرها، وفي صدر حديثها ما يدل على أنه ~~يجب PageV02P181 # عليها دفع الدم بما أمكن، حيث قال لها: "أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم، ~~قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فتلجمي، قالت: هو أكثر من ذلك، قال: فاتخذي ~~ثوبا، قالت: هو أكثر من ذلك إنما أثج ثجا". الحديث. # والتلجم هو: شد الفرج بثوب (¬1)، وهو مثل الاستثفار (أوقد تقدم في نواقض ~~(¬2) الوضوء أ). # قال النووي في "شرح مسلم" (¬3): "تؤمر بالاحتياط في طهارة الحدث وطهارة ~~النجس فتغسل فرجها قبل الوضوء وقبل التيمم وتحشو فرجها بقطنة أو خرقة دفعا ~~للنجاسة وتقليلا لها، وإن لم يندفع بذلك شدت مع ذلك على فرجها أو تلجمت وهو ~~أن تشد على وسطها خرقة أو خيطا ونحوه على صورة التكة وتأخذ وسطها إحداهما ~~قدامها عند سرتها والأخرى خلفها وتحكم ذلك الشد وتلصق هذه الخرقة المشدودة ~~بين الفخذين بالقطة التي في الفرج إلصاقا جيدا، وهذا الفعل يسمى "تلجما" و ~~"استثفارا" و "تعصيبا". # قال أصحابنا: "وهذا الشد والتلجم واجبان إلا أن تتأذى من الدم أو تكون ~~صائمة فتترك الحشو في النهار خلفا. قالوا: ويجب تقديم الشد والتلجم على ~~الوضوء، وتتوضأ عقيب الشد من غير إهمال (¬4). فإن شدت وتلجمت وأخرت الوضوء ~~وتطاول الزمان ففي صحة وضوئها وجهان الأصح أنه لا يصح. وإذا زالت العصابة ~~عن موضعها أو ظهر الدم على جوانب العصابة وجب التجديد وإلا ففيها وجهان ~~لأصحابنا. أصحهما وجوب التجديد كما يجب تجديد الوضوء" انتهى كلامه. # ومثل هذا ذكره الإمام يحيى. # ثم اعلم أن المستحاضة لا تصلي بطهارة واحدة أكثر من فريضة واحدة وما شاءت ~~من النوافل عند الشافعي. PageV02P182 # وحكي عن عروة بن الزبير، وسفيان الثوري، وأحمد، وأبي ثور بما تقدم في ~~رواية البخاري: "وتوضئي لكل صلاة"، وفي حديث أسماء: ms0226 "وتتوضئين فيما بين ~~ذلك". ولأنها طهارة ضرورية لاستمرار الحدث فتقتصر، وذهب العترة وأبو حنيفة ~~إلى أن طهارتها مقدرة بالوقت فلها أن تجمع بين فريضتين تأدية وما شاءت من ~~القضاء والنفل، واحتج الإمام المهدي في "البحر" على ذلك بقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم في حديث فاطمة: "توضئي لوقت لكل صلاة"، وقد عرفت أن الرواية ~~"وتوضئي لكل صلاة بدون ذكر الوقت" قال المصنف -رحمه الله تعالى- في ~~"الفتح": وعلى قولهم المراد بقوله "لكل صلاة" لوقت كل صلاة فيكون من مجاز ~~الحذف ويحتاج إلى دليل. وعند المالكية يستحب لها الوضوء لكل صلاة ولا يجب ~~إلا بحدث آخر. # ثم اعلم أن المستحاضة لها أحكام الطاهر في معظم الأحوال فيجوز لزوجها ~~وطؤها عند الجمهور، وحكاه ابن المنذر في "الإشراف" عن ابن عباس وابن المسيب ~~والحسن البصري وعطاء وسعيد بن جبير وقتادة وحماد بن أبي سليمان وبكر بن عبد ~~الله المزني والأوزاعي والثوري ومالك وإسحاق وأبي ثور. # قال ابن المنذر: وبه أقول. # قال: ورويناه عن عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: "لا يأتيها زوجها"، ~~وبه قال النخعي والحكم. وكرهه ابن سيرين، وقال أحمد: لا يأتيها إلا أن يطول ~~ذلك بها، وفي رواية عنه أنه لا يجوز وطؤها إلا أن يخاف زوجها العنت. # والمختار ما قدمناه عن الجمهور، والدليل عليه ما روى عكرمة عن حمنة بنت ~~جحش أنها كانت مستحاضة وكان زوجها يجامعها، رواه أبو داود بإسناد حسن. # وقال البخاري في "صحيحه": قال ابن عباس: "المستحاضة يأتيها زوجها إذا ~~صلت، الصلاة أعظم". PageV02P183 # ولأن المستحاضة كالطاهر في الصلاة والصوم وغيرهما فكذا في الجماع، ولأن ~~التحريم إنما يثبت بالشرع ولم يثبت شرع بتحريمه. # فائدة: النسوة المستحاضات في زمنه صلى الله عليه وسلم عشر: بنات جحش ~~الثلاث، زينب أم المؤمنين، وحمنة، وأم حبيبة زوج عبد الرحمن ابن عوف، وسودة ~~بنت زمعة ذكرها العلاء بن المسيب عن الحكم عن أبي جعفر محمد بن علي بن ~~الحسين، وذكره أبو داود تعليقا (¬1)، وذكر البيهقي (¬2) أن (أ) ابن خزيمة ~~أخرجه موصولا، وهو مرسل، لأن أبا ms0227 جعفر تابعس ولم يذكر من حدثه به، وأم ~~سلمة. قال المصنف -رحمه الله تعالى (¬3) -: قرأت في السنن لسعيد بن منصور: ~~ثنا إسماعيل بن إبراهيم. ثنا خالد هو الحذاء عن عكرمة: أن امرأة من أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم كانت معتكفة وهي مستحاضة، قال وحدثنا به خالد (ب) ~~مرة أخرى عن عكرمة أن أم سلمة كانت عاكفة وهي مستحاضة، وربما جعلت الطست ~~تحتها، وأسماء بنت عميس، حكاه الدارقطني (¬4) من رواية سهيل (ج) بن أبي ~~صالح عن الزهري عن عروة عنها. قال المصنف -رحمه الله-: وهو عند أبي داود ~~على التردد (¬5)، هل هو عن (د) أسماء أو فاطمة بنت أبي PageV02P184 # حبيش، وسهلة (أ) بنت سهيل ذكرها أبو داود أيضا (¬1)، وأسماء بنت مرشد ~~ذكرها البيهقي وغيره (¬2)، وبادية بنت غيلان ذكرها ابن منده، وفاطمة بنت ~~أبي حبيش وحديثها في الصحيحين، وهي بنت قيس لأن اسم أبى حبيش قيس، فهؤلاء عشر. # وقد روى البيهقي (ج) أن زينب بنت أم سلمة استحيضت، ولكنها كانت صغيرة في ~~زمنه صلى الله عليه وسلم لأنه دخل على أمها في السنة الثالثة وزينب ترضع. # وقيل إن رملة بنت أبي سفيان زوج النبي صلى الله عليه وسلم (د) استحيضت ~~وأنها المبهمة في البخاري (¬3). والله أعلم. # 116 - وعن أم عطية - رضي الله عنها - قالت: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة ~~بعد الطهر شيئا". # رواه البخاري وأبو داود واللفظ له (¬4). PageV02P185 # أم عطية (¬1) هي نسيبة بضم النون وفتح السين المهملة وسكون (أ) الياء ~~وفتح الباء الموحدة بنت كعب، وقيل بنت الحارث، الأنصارية بايعت النبي صلى ~~الله عليه وسلم روى عنها إسماعيل بن عبد الرحمن بن عطية ومحمد بن سيرين ~~وأخته حفصة، وعبد الملك (ب) بن عمير وعلي بن الأرقم، وكانت من كبار ~~الصحابيات، وكانت تغزو كثيرا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فتمرض ~~المرضى، وتداوي الجرحى (ج) قدمت البصرة، وحصل حديثها عندهم. # والحديث يدل على أن [الكدرة، وهي كلون الماء الكدر الوسخ] (د)، والصفرة، ~~وهو الماء الذي تراه المرأة كالصديد يعلوه اصفرار، إذا ms0228 رئي بعد الطهر لا ~~يعد حيضا لأن قولها كنا: أي في زمن النبي صلى الله عليه وسلم مع علمه بذك، ~~وهو يعطي حكم المرفوع، وبهذا قال البخاري، وجزم الحام وغيره بذك خلافا ~~للخطب (¬2). والمراد بالطهر تمام الحيض، واختلفوا بما يعرف به تمامه، فقيل: ~~يعرف بالجفوف وهو أن يخرج ما تحتشى به جافا، وقيل: بالقصة البيضاء، وإليه ~~ميل البخاري (¬3). وروي عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت للنساء: لا ~~تعجلن حتى ترين القصة البيضاء (¬4) تريد بذك الطهر، وهي القصة (¬5) بفتح ~~القاف وتشديد الصاد المهملة شبهت الرطوبة النقية الصافية بالحيض، [وقيل: ~~القصة شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد انقطاع الدم PageV02P186 # كله] (أ). وإذا انقطع عنها الدم وقت عادتها عاملت نفسها معاملة الطاهر ~~وإن لم تر ذلك. # واختلف العلماء في حكم الصفرة والكدرة والحمرة ونحوها (ب) مما ليس بدم ~~أسود غليظ محتذم، فذهب زيد بن علي والهادي والمؤيد بالله وأبو طالب (¬1) ~~وأبو حنيفة (¬2) ومحمد ومالك (¬3) وجماعة ورواية عن القاسم، وعن الناصر وعن ~~الشافعي (¬4) أنها حيض وقت إمكانه مطلقا، سواء توسطها الأسود أم لا، وبعده ~~أو قبله في وقت العادة أو في غيرها. قالوا: لأنه أذى، ولقوله تعالى: {حتى ~~يطهرن} (¬5). ولقوله لحمنة: "واستنقيت فصلي" (¬6) وعن القاسم ليس بحيض إذا ~~توسطه الأسود (ج)، لقوله في حديث فاطمة: "إذا رأيت الدم الأسود فأمسكي عن ~~الصلاة حتى إذا كان الصفرة فتوضئي وصلي فإنه دم عرق" (¬7) وحديث أم عطية ~~المذكور، وعن الشافعي (¬8) وهو مذهب أبى يوسف أنها حيض بعد الدم إذ هما من ~~آثاره لا قبله وعن الشافعي (¬9) إن رأتهما قبل العادة فحيض وإلا فلا. # 117 - وعن أنس - رضي الله عنه -: "أن اليهود كانوا إذا حاضت PageV02P187 # المرأة لم يؤاكلوها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: اصنعوا كل شيء إلا ~~النكاح". رواه مسلم (¬1). # الحديث فيه دلالة على أنه يجوز مؤاكلة الحائض وملامستها ومضاجعتها ~~ومباشرتها إلا النكاح، والمراد به الوطء مجازا من إطلاق السبب على المسبب. # واتفق العلماء على تحريم الوطء فمن فعله عالما عصى، ومن استحله كفر لأنه ~~محرم بنص ms0229 القرآن (¬2)، ولا يرتفع التحريم إلا بقطع الدم والاغتسال عند ~~الأكثر. # وقوله: "اصنعوا كل شيء": يعني من المضاجعة والمؤاكلة ونحوها، وهو تفسير ~~للآية (أ) إذ (ب) الحديث المذكور مختصر. والحديث تمامه في مسلم قال: "إن ~~اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوهن في البيوت. ~~فسأل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - النبي فأنزل الله تعالى: ~~{ويسألونك عن المحيض قل هو أذى} الآية (¬3). فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا ~~الرجل (ج أن يدع ج) من أمرنا شيئا إلا خالفنا فيه. فجاء أسيد بن حضير وعباد ~~بن بشر فقالا (د): يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا فلا نجامعهن، ~~فتغير وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أن قد وجد عليهما مخرجا ~~فاستقبلتهما هدية من لبن إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأرسل في ~~آثارهما، فسقاهما فعرفا أنه لم يجد عليهما. انتهى. PageV02P188 # وقوله: ولم يجامعوهن في البيوت: أي لم يخالطوهن ولم يساكنوهن في بيت ~~واحد. وقوله: فسأل (أأصحاب النبي أ) صلى الله عليه وسلم: هل تجانبوهن في ~~الأكل والشرب ونحوهما كما فعلت اليهود؟ فأنزل الله الآية. وقوله {ويسألونك ~~عن المحيض} (¬1) أي عن حكم زمان الحيض (ب) {قل هو أذى} أي قذر نجس يتأذى ~~أزواجهن بمجامعتهن في ذلك الوقت فاعتزلوا أي ابعدوا منهن في المحيض (ج) أي ~~في مكان الحيض وهو الفرج يعني الحيض أذى يتأذى الزوج من مجامعتها فقط، وليس ~~أذى في سائر الأعضاء حتى يخرجها الزوج من فراشه ومجلسه، ويترك مؤاكلتها ~~كفعل اليهود. # 118 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يأمرني فأتزر فيباشرني وأنا حائض". متفق عليه (¬2). # الحديث فيه دلالة على جواز مباشرة الحائض، وقد تقدم في الحديث الأول، إلا ~~أنه زاد هنا الاتزار فأفهم أن مباشرته فيما دون الإزار، ولكنه لا يدل على ~~الوجوب بل على الاستحباب، لا سيما مع عموم الحديث الأول، وأمر ms0230 بها بالإتزار ~~اتقاء عن موضع الأذى، والمباشرة أريد بها المفهوم من ظاهر اللفظ، وهو ~~الإفضاء بالبشرتين دون الكناية عن الجماع، والمعنى أنه كان يدخل معي في ~~اللحاف فتمس بشرته بشرتي. PageV02P189 # واعلم أن مباشرة الحائض على ضربين: ضرب مجمع على جوازه إلا ما يحكى عن ~~عبيدة السلماني (¬1) من أنه لا يباشر شيئا منها بشيء منه، لكنه شاذ منكر ~~غير معروف ولا مقبول مسبوق بالإجماع محجوج بالأحاديث الصحيحة. والضرب ~~الثاني فيما داخل الإزار وهو ما بين السرة والركبة في غير الفرجين، فذهب ~~الهادي ومالك (¬2) ومحمد أن ذلك جائز غير مكروه، وقال القاسم (¬3) إن ذلك ~~مكروه، وقال أبو حنيفة وأحد قولي الشافعي (¬4) أن ذلك محظور. والقول الأول ~~أقوى، لقوله: "اصنعوا كل شيء إلا النكاح" وقد عرفت توجيه اقتصار النبي صلى ~~الله عليه وسلم، وممن ذهب إليه من السلف عكرمة ومجاهد والشعبي والنخعي ~~والحكم والثوري والأوزاعي وأحمد بن حنبل وأصبغ وإسحق بن راهويه وأبو ثور ~~وابن المنذر وداود (¬5)، وممن ذهب إلى التحريم من السلف سعيد بن المسيب ~~وشريح وطاوس وعطاء وسليمان بن يسار وقتادة، وقول لأصحاب الشافعي إن كان ~~المباشر يضبط نفسه عن الفرج ويثق من نفسه باجتنابه إما لضعف شهوته، وإما ~~لشدة ورعه جاز وإلا فلا. وهذا وجه حسن. وهذا هو الذي أشارت إليه عائشة - ~~رضي الله عنها - حيث قالت: "وأيكم (أ) يملك إربه" (¬6). # 119 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلم في ~~الذي يأتي امرأته وهي حائض، قال: "يتصدق بدينار أو نصف دينار" رواه الخمسة ~~وصححه الحاكم وابن القطان ورجح غيرهما وقفه (¬7). PageV02P190 # الحديث فيه أربع روايات: فرواية "يتصدق بدينار. إن جامع (أفي إقبال الدم، ~~وبنصفه إن جامع في أ) إدباره". # ورواية "إذا وطئها في إقبال الدم فدينار، وإن وطئها في إدبار الدم بعد ~~انقطاعه وقبل الغسل فعليه نصف دينار". # وفي رواية "إذا وقع بأهله وهي حائض، إن كان دما أحمر فليتصدق بدينار وإن ~~كان أصفر فليتصدق بنصف دينار". # ورواية "من أتى حائضا فليتصدق بدينار أو نصف دينار". ms0231 # وهذه الروايات الأربع مدارها على عبد الكريم بن أمية (¬1)، وهو مجمع على ~~تركه، إلا أنه توبع في بعضها، وأعلت الطرق كلها بالاضطراب إلا الرابعة، فكل ~~رواتها مخرج لهم في الصحيح وقد استوفى الكلام على تفصيل ما فيها في ~~"التلخيص" فليرجع إليه (ب). PageV02P191 # والحديث يدل على وجوب الكفارة، برقد قال بذلك الحسن البصري (1) وسعيد، ~~وهي عتق رقبة [لأنه وطء يحرم (أ) فأشبه المجامع في رمضان] (ب)، وروي أيضا ~~عن ابن عباس، وقيل: دينار ونصف دينار على اختلاف بينهم في الحال (2) الذي ~~يجب فيه الدينار أو نصف الدينار، وذهب مالك والجديد من قولي الشافعي وأبو ~~حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين عنه وجماهير السلف أنه لا كفارة عليه (¬3). ~~قال الشافعي في أحكام القرآن: لو كان هذا الحديث ثابتا لأخذنا به. انتهى. # قال المصنف -رحمه الله تعالى-: الاضطراب في إسناد هذا الحديث ومتنه PageV02P192 # كثير جدا، و (أ) قال الخطابي (¬1): قال أكثر أهل العلم: لا شيء عليه، ~~وزعموا أن هذا الحديث مرسل أو موقوف على ابن عباس، قال: والأصح أنه متصل ~~مرفوع، لكن الذمم بريئة إلا أن تقوم الحجة بشغلها، وقال ابن عبد البر (¬2): ~~حجة من لم يوجب اضطراب هذا الحديث، وإن الذمة على البراءة، ولا يجب أن يثبت ~~فيها شيء لمسكين ولا غيره إلا بدليل لا مدفع فيه ولا مطعن عليه، وذلك معدوم ~~في هذه المسألة. # وقد أمعن ابن القطان (ب) القول في تصحيح هذا الحديث، والجواب عن (ج) طرق ~~الطعن فيه بما يراجع منه، وأقر ابن دقيق العيد (¬3) تصحيح ابن القطان وقواه ~~(د) في الإمام وهو (ه) الصواب، فكم من حديث قد احتجوا به فيه من الاختلاف ~~أكثر من هذا وفي هذا رد على النووي في دعواه في شرح المهذب والتنقيح ~~والخلاصة (¬4) أن الأئمة كلهم خالفوا الحاكم في تصحيحه وأن الحق أنه ضعيف ~~باتفاقهم، وتبع النووي في ذلك ابن الصلاح والله أعلم. # 120 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "أليس إذا حاضت المرأة لم ms0232 تصل، ولم تصم؟ " متفق عليه (¬5) في ~~حديث تمامه: "فذلك من نقصان دينها". ورواه (و) مسلم من PageV02P193 # حديث ابن عمر بلفظ: "تمكث الليالي ما تصلى، وتفطر في شهر رمضان، فهذا ~~نقصان دينها" (¬1)، ومن (أ) حديث أبي هريرة كذلك (¬2)، وفي المستدرك (¬3) ~~من حديث ابن مسعود نحوه، ولفظه: "فإن إحداكن تفعل ما شاء الله من يوم وليلة ~~فلا تسجد لله سجدة". # وفي الحديث دلالة على (ب) أن الحائض لا تجب عليها الصلاة والصوم إذ خروج ~~اللفظ مخرج الإخبار عن الحالة التي بنيت عليها الحائض، واستقر أمرها عليه، ~~وهذا أمر مجمع عليه في أنهما لا يجبان (ج) عليها في حال الحيض، وأنه لا يجب ~~عليها قضاء الصلاة إلا عند الخوارج (¬4)، وفي أن الصوم يجب قضاؤه عليها، ~~قال العلماء: والفرق بينهما أن الصلاة كثيرة متكررة فيشق قضاؤها، بخلاف ~~الصوم فإنه يجب (د) في السنة مرة، واختلف العلماء في أن القضاء هل هو بأمر ~~محدد أو بأمر الأداء؟ والصحيح أنه بأمر محدد وهو حديث عائشة "كنا نحيض مع ~~النبي صلى الله عليه وسلم ولا يأمرنا به" (¬5). أخرجه البخاري. # [وفي إحدى روايات مسلم (¬6): "كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء PageV02P194 # الصلاة" (أوفي رواية للترمذي والدارمي: "فيأمرنا بقضاء الصوم ولا يأمرنا ~~بقضاء الصلاة"أ) (¬1) وقال: حسن] (ب). # 121 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: لما جئنا سرف حضت، فقال النبي ~~صلى الله عليه وسلم: "افعلي ما يفعل الحاج، غير أن لا تطوفي بالبيت حتى ~~تطهري" متفق عليه (¬2) في حديث. # سرف (¬3): بفتح السين المهملة وكسر الراء، وهو ما بين مكة والمدينة بقرب ~~مكة على أميال منها، قيل: ستة، وقيل: سبعة، وقيل: تسعة (ج)، وقيل: عشرة، ~~وقيل: اثنا عشر ميلا. # وفي الحديث دلالة على أن الحائض والنفساء والجنب والمحدث يصح منهم جميع ~~أفعال الحج وأقواله وهيئاته إلا الطواف وركعتيه، وهذا مجمع عليه واختلف في ~~علة عدم صحة الطواف، فمن اشترط في الطواف الطهارة قال: العلة عدم الطهارة، ~~ومن لم يشترط كأبي حنيفة وداود قالوا: العلة كونها ممنوعة من اللبث في ~~المسجد ms0233 (¬4) والله أعلم. PageV02P195 # والحديث لفظه في البخاري: قالت: "خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم لا ~~نذكر إلا الحج، فلما جئنا سرف طمثت، فدخل النبي صلى الله عليه وسلم وأنا ~~أبكي فقال: ما يبكيك؟ قلت: لوددت والله أني لم أحج العام، قال: لعلك نفست، ~~قلت: نعم، قال فإن ذلك شيء كتبه الله (أ) علي بنات آدم، فافعلي ما يفعل ~~الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري". # 122 - وعن معاذ - رضي الله عنه - أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم: ما ~~يحل للرجل من امرأته وهي حائض؟ قال: "ما فوق الإزار"، رواه أبو داود وضعفه (¬1). # هو أبو عبد الرحمن معاذ بن جبل الأنصاري الخزرجي الجشمي، أحد السبعين ~~الذين شهدوا العقبة من الأنصار، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه ~~وبين عبد الله بن مسعود، وقيل: جعفر بن أبي طالب، شهد بدرا وما بعدها من ~~المشاهد، وبعثه (ب) إلى اليمن قاضيا ومعلما، وجعل إليه قبض الصدقات من PageV02P196 # العمال باليمن. روى عنه: عمر، وابن عمر وابن عباس وابن عمرو وأنس وغيرهم، ~~وكان إسلامه وهو ابن ثمان عشرة سنة في قول، استعمله عمر على الشام بعد أبي ~~عبيدة فمات من عامه ذلك في (أ) طاعون عمواس سنة ثماني عشرة، وقيل سبع عشرة ~~وله ثمان وثلاثون سنة وقيل: ثلاث أو أربع وثلاثون، وقيل غير ذلك (¬1). # الحديث ضعفه أبو داود، وقال: ليس بالقوي ببقية عن سعيد بن عبد الله ~~الأغطش، (ب ورواه الطبراني (¬2) من رواية إسماعيل بن عياش عن سعيد بن عبد ~~الله الخزاعي، فإن كان هو الأغطش ب) فقد توبع (¬3). # والحديث فيه دلالة على أنه يحرم مباشرة محل الإزار، وهو ما بين السرة ~~وتحت الركبة (ج)، إذ الإزار مجاز عن ذلك، وهو معارض بحديث: "اصنعوا كل شيء ~~إلا النكاح" (¬4)، وقد عرفت ما فيه، وتقدم الكلام على فقه الحديث والخلاف ~~في ذلك. # 123 - وعن أم سلمة - رضي الله عنها - "كانت النفساء تقعد في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بعد نفاسها أربعين". رواه الخمسة ms0234 إلا النسائي، ~~واللفظ لأبي داود وفي لفظ له: "ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء PageV02P197 # صلاة النفاس "وصححه الحاكم (¬1)، أخرجوه من حديث أبي سهل كثير بين زياد ~~عن مسة الأزدية، وله ألفاظ وفيه من الزيادة: "وكنا نطلي وجوهنا بالورس ~~والزعفران من الكلف". # وأبو سهل (¬2) وثقه البخاري وابن معين، وضعفه ابن حبان، ومسة مجهولة ~~الحال (¬3). قال الدارقطني: لا تقوم بها حجة، وقال ابن القطان: لا يعرف ~~حالها وأغرب ابن حبان فضعفه (1) بكثير بن زياد فلم يصب (¬4)، وقال النووي ~~(¬5): قول جماعة من مصنفي الفقهاء إن هذا الحديث ضعيف مردود عليهم، وله ~~شاهد، أخرجه ابن ماجه من طريق سلام عن أنس: "أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقت للنفساء أربعين يوما إلا أن ترى الطهر قبل ذلك" (¬6) قال: لم يروه ~~عن حميد غير سلام، وهو ضعيف، ورواه PageV02P198 # عبد الرزاق (¬1) من وجه آخر عن أنس موقوفا، وروى الحاكم (أ) من حديث ~~الحسن عن (ب) عثمان بن أبي العاص قال: "وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~للنساء في نفاسهن أربعين يوما" (¬2) قال: صحيح إن سلم (من) (ج) أبي بلال ~~الأشعري (¬3). # (د قال المصنف -رحمه الله-: وقد ضعفه الدارقطني، والحسن (¬4) عن عثمان د) ~~بن أبي العاص (¬5) منقطع والمشهور عن عثمان موقوف عليه (¬6). # النفاس: هو الدم الخارج عقيب الولادة، واشتقاقه من تنفس الرحم بالدم، أو ~~خروج النفس وهو الولد، يقال: نفست المرأة ونفست بضم النون، وفتحها إذا ولدت ~~فهي نفساء (ه بضم النون وفتح الفاء والمد، وهي صاحبة النفاس، ويقال في ~~الحيض نفست بفتح النون ه) لا غير (¬7) والفاء مكسورة في الكل، PageV02P199 # وكله مأخوذ من النفس بسكون الفاء، وهو الدم، ويسمى الولد نفسا، لأن قوام ~~الحيوانات كلها بالدم. وحكمه حكم الحيض غالبا. # والحديث يدل على أن النفاس أربعون يوما فما زاد عليها فليس بنفاس، وأما ~~دون الأربعين إذا انقطع الدم فبدلالة حديث أنس: "إلا أن تري الطهر" فأفهم ~~أن التوقيت بذلك إنما هو مع استمرار الدم، فإذا انقطع الدم، أو لم تر الدم ~~رأسا ms0235 فلا يلزمها ذلك الحكم، والقول بذلك للأكثر وعن إسماعيل وموسى ابني ~~جعفر وعن الشافعي: بل أكثره سبعون يوما، إذ هو أكثر ما وجد (¬1) والعنبري ~~وأحد أقوال (أ) الشافعي وعن (¬2) مالك: بل ستون يوما لمثل (ب) ذلك التعليل ~~وقيل: بل خمسون لذلك، وقالت الإمامية (¬3): بل نيف وعشرون، وهم محجوجون ~~بالنص. وإذا تخلل الأربعين وقت طهر كامل لا ترى فيه الدم فما بعده حيض عند ~~الهادوية والمؤيد وأبي طالب والإمام يحيى وأحد أقوال الشافعي (¬4)، وعند ~~أبي حنيفة والشافعي (¬5): بل هو والطهر نفاس كالنقاء المتوسط للحيض، قلنا: ~~النقاء ليس بطهر تام، ولقوله صلى الله عليه وسلم: "إلا أن تري الطهر" ~~فاقتضى ارتفاع النفاس به. وعند زيد بن علي: إذا لم تر الدم، أو رأته عقيب ~~الولادة، وانقطع تنتظر ثلاثة قروء، فذات الست ثمانية عشر يوما، وقس عليه إذ ~~(د) جعل PageV02P200 # في العدة كثلاثة قروء. قلنا: يدفعه قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا طهرت ~~المرأة حين تضع صلت" (¬1)، وعند أبي حنيفة وأبي يوسف: بل أحد عشر يوما إذ ~~هو أقل الموجود، وعند بعضهم بل ثلاثة أيام لذلك (أ). # (عدة (ب) أحاديث الباب اثنا عشر حديث) (ج). PageV02P201 ### | AUTO كتاب الصلاة ### || AUTO باب المواقيت # اختلف العلماء في أصل تسمية هذه العبادة بالصلاة، فقيل: [إنها منقولة من] ~~(أ) الدعاء لاشتمالها عليه، وهذا قول جماهير أهل العربية والفقهاء وغيرهم، ~~وقيل: لأنها ثانية (ب) لشهادة التوحيد كالمصلي من السابق في (ج) خيل ~~الحلبة، وقيل: من الصلوين، وهما عرقان من الردف، وقيل: هما عظمان ينحنيان ~~في الركوع والسجود، قالوا: ولهذا كتبت الصلاة بالواو في المصحف، وقيل غير ~~ذلك (¬1). # والمواقيت جمع ميقات وهو مفعال من الوقت وهو القدر المحدود للفعل من ~~الزمان والمكان (¬2). # 124 - عن عبد الله بن (عمرو) (د) - رضي الله عنهما - أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم قال: "وقت الظهر: إذا زالت الشمس، وكان ظل الرجل كطوله، ما لم ~~يحضر العصر، ووقت العصر: ما لم تصفر الشمس، ووقت صلاة المغرب: ما لم يغب ~~الشفق، ووقت صلاة العشاء إلى نصف ms0236 الليل الأوسط، PageV02P203 # ووقت صلاة الصبح، من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس" رواه مسلم (¬1) وله من ~~حديث بريدة في العصر: "والشمس بيضاء نقية" (¬2) ومن حديث أبي موسى: "والشمس ~~مرتفعة" (¬3) زوال الشمس ميلها إلى جهة المغرب. وقوله: "وكان ظل الرجل ~~كطوله" عطف على زالت (¬4). # والحديث يدل على أن ابتداء وقت الظهر الزوال وأنها لا تجزئ قبله إذ (أ) ~~لم ينقل أنه صلى قبله، وهذا هو الذي استقر عليه الإجماع، وكان فيه خلاف ~~قديم عن بعض الصحابة أنه جوز صلاة الظهر قبيل الزوال، وعن أحمد وإسحق في ~~الجمعة: وآخره مصير ظل الشيء كمثله، ولكن هل أول ذلك انتهاء الظهر أو وقت ~~متسع للظهر، اللفظ محتمل، فقال الهادي وأحد قولي القاسم ومالك وطائفة (¬5) ~~من العلماء: إذا صار ظل الشيء مثله دخل وقت العصر ولم يخرج وقت الظهر بل ~~يبقى قدر أربع ركعات صالحا للظهر والعصر أداء، ويدل على ذلك حديث صلاة ~~جبريل في اليوم الأول "صلى به العصر حين صار ظل الشيء مثله، وفي اليوم ~~الثاني صلى به الظهر حين كان ظله مثله، وصلى به العصر حين كان ظله مثليه" ~~(¬6) فالحديث يدل على أن ذلك المقدار مشترك بين الفريضتين، PageV02P204 # وذهب الشافعي (¬1) إلى أن ذلك الوقت مختص بالعصر، والحديث محمول على أن ~~قوله وكان ظل الرجل كطوله: بيان أن أول ذلك حد لآخر وقت الظهر فيكون تحققه ~~ابتداء للعصر، وقوله: "ما لم يحضر وقت (أ) العصر" بيان وزيادة تقرير أنه ~~ليس بين الظهر والعصر وقت مشترك، وحديث جبريل مؤول بأن (ب) قوله: "وصلى بي ~~الظهر في اليوم الثاني حين كان ظله مثله" يعني فرغ من صلاة الظهر ذلك ~~الوقت، وصلاة العصر فيه في اليوم الأول أي شرع في الصلاة، ولا يخفى بعده ~~(إلا أنه يقوي هذا التأويل أنه على إثبات الوقت المشترك، يكون انتهاء الظهر ~~مجهولا، إذ مقدار أربع ركعات غير محدودة إذ القراءة فيها واستيفاء الأركان ~~غير متعين، فلا يحصل بيان حدود الأوقات. وعلى قول الشافعي يتم بيانها (¬2) ~~والله أعلم) (ج). # وقوله: "ووقت ms0237 العصر ما لم تصفر الشمس": فيه بيان وقت العصر، وأنه ممتد ~~إلى تلك الغاية، وهذا يضعف مذهب أبي حنيفة أن أول العصر المثلان (¬3)، وقول ~~الإصطخري (¬4) أنه إذا صار ظل الشيء مثليه كان العصر قضاء (¬5) (¬6)، PageV02P205 # ويدل على أنها بعد الاصفرار قضاء، كما ذهب إليه أبو حنيفة (¬1)، وقال ~~الجمهور: إن العصر وقته ممتد إلى بقية تسع ركعة لحديث (أ): "من أدرك ركعة ~~من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (¬2). # وقوله: ووقت (ب) صلاة المغرب ما لم يغب الشفق (¬3)، فيه دلالة على أن وقت ~~المغرب ممتد إلى أن يغيب الشفق الأحمر، وهو قول الهادي والقاسم وجماعة ~~(¬4)، وذهب الشافعي إلى (¬5) أنه ليس لها إلا وقت واحد، وهو عقيب غروب ~~الشمس بقدر ما يتطهر ويستر عورته ويؤذن ويقيم، فإن أخر الدخول في الصلاة عن ~~هذا الوقت أثم، وصارت قضاء، واحتج على ذلك بحديث جبريل فإنه صلى في اليومين ~~المغرب في وقت واحد، وأجيب عنه (ج) بثلاثة أوجه، أحدها: أنه اقتصر على بيان ~~وقت الاختيار والأفضل، ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جار في كل الصلوات سوى ~~الظهر والعصر (د)، والثاني: أنه متقدم في أول الأمر بمكة، والأحاديث ~~بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة، فوجب ~~اعتمادها، والثالث: أن هذه الأحاديث أصح إسنادا من حديث بيان جبريل فوجب ~~تقديمها (ه) (¬6). PageV02P206 # وقوله: ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل يدل على أن (أ) امتداد العشاء إلى ~~تلك الغاية، وأن ما بعدها ليس بوقت، وقد ذهب إلى هذا الإصطخري، وقال: إن ~~بعد النصف يكون قضاء (¬1)، وخالفه الجمهور وقالوا: إن الوقت ممتد إلى إدراك ~~ركعة قبل طلوع الفجر، قالوا: لحديث أبي قتادة أخرجه مسلم "ليس في النوم ~~تفريط (إنما التفريط) (ب) على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة ~~الأخرى" (¬2) (والحديث محمول على الوقت (ج) الاختياري، وذهب إلى هذا ~~الشافعي (¬3) في أحد قوليه وذهب الهادي والقاسم (¬4) وغيرهم إلى أن (د) ~~اختيار العشاء إلى ثلث الليل، قالوا لحديث جبريل، وأجيب بأن هذا أصح، ~~فيتعين العمل ms0238 به. والله أعلم) (ه). # وقوله: "ووقت صلاة الصبح من طلوع .. " إلخ فيه دلالة على امتداد الصلاة ~~في ذلك الوقت إلى طلوع الشمس، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وخالف الإصطخري ~~(¬5)، فقال: امتداده إلى الإسفار، وبعده قضاء قال لحديث جبريل فإنه (و) ~~صلاها (ز) في اليوم الثاني حين أسفر، وقال: الوقت ما بين هذين PageV02P207 # الوقتين، والجواب عنه الوجوه الثلاثة التي مرت. # وقوله: "والشمس بيضاء نقية" أي: خالصة عن الصفرة، وقوله: "مرتفعة" أي لم ~~تضيف للغروب. # واعلم أن للعصر خمسة أوقات: وقت فضيلة، واختيار، وجواز بلا كراهية، وجواز ~~مع كراهية، ووقت عذر. فأما وقت الفضيلة فأول وقتها، و (أ) وقت الاختيار ~~يمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه، ووقت الجواز إلى الاصفرار، ووقت الجواز ~~مع الكراهة حال الاصفرار إلى الغروب، ووقت العذر هو وقت الظهر في حق من ~~يجمع بين العصر والظهر لسفر أو نحوه. ويكون العصر في هذه الأوقات الخمسة ~~أداء فإذا فاتت كلها بغروب الشمس صارت قضاء، والعشاء مثل ذلك والله أعلم (ب). # 125 - وعن أبي برزة الأسلمي - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة، والشمس ~~حية، وكان يستحب أن يؤخر من العشاء، وكان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها، ~~وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجك جليسه، ويقرأ بالستين إلى ~~المائة. متفق عليه (¬1). وعندهما من حديث جابر (¬2): PageV02P208 # "والعشاء أحيانا وأحيانا، إذا رآهم اجتمعوا عجل، وإذا رآهم ابطأوا أخر، ~~والصبح كان النبي صلى الله عليه وسلم يصليها بغلس". # ولمسلم من حديث أبي موسى: "فأقام الفجر حين انشق الفجر والثاني لا يكاد ~~يعرف بعضهم بعضا" (¬1). # أبو برزة (¬2): نضلة بن عبيد بن الحارث، وقيل: نضلة بن عبد الله، وقيل: ~~عبد الله بن نضلة بن سلامان بن أسلم الأسلمي، و (أ) في نسبه خلاف، أسلم ~~قديما، وشهد فتح مكة، وهو الذي قتل عبد الله بن خطل، ولم يزل يغزو مع رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حتى قبض، فتحول ms0239 ونزل البصرة، ثم غزا خراسان، ومات ~~بمرو وهو الأشهر، وقيل: مات بالبصرة (ب)، وقيل: مات بالمفازة (ج) بين ~~سجستان وهراة سنة (د ستين، وقيل د): سنة أربع وستين، وروى عنه المغيرة ~~والحسن البصري وسعيد بن جمهان والأزرق بن قيس، وبرزة بفتح الباء الموحدة ~~وسكون الراء وفتح الزاي، ونضلة بفتح النون وسكون الضاد المعجمة، وجمهان: ~~بضم الجيم وسكون الميم وبالنون. # قوله في الحديث: "إلى رحله" بفتح الراء وسكون المهملة، وفي أقصى المدينة ~~صفة للرحل، وقوله: "والشمس حية" أي: بيضاء. قال: قال الزين ابن المنير: ~~المراد بحياتها: قوة أثرها حرارة ولونا وشعاعا وإنارة وذلك (ه) لا يكون بعد ~~مصير الظل مثليه (¬3). وفي سنن أبي داود عن خيثمة أحد التابعين قال: PageV02P209 # حياتهما: أن يجد حرها (¬1)، وهذا يقضي بالاهتمام والمبادرة بصلاة العصر ~~في أول وقتها، إذ لا يمكن أن يذهب الذاهب ميلين أو ثلاثة، والشمس لم تتغير ~~(أ) بصفرة أو نحوها إلا إذا صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ولا يكاد ~~يحصل هذا إلا في الأيام الطويلة، وقوله: "وكان يستحب أن يؤخر من العشاء": ~~أي من وقت العشاء، قال ابن دقيق العيد (¬2): فيه دليل على استحباب التأخير ~~قليلا لأن التبعيض يدل عليه، وتعقب بأنه بعض (ب) مطلق لا دلالة فيه على قلة ~~ولا كثرة. وقوله: "و (ج) كان يكره النوم قبلها، والحديث بعدها": أما كراهة ~~النوم فلخشية أن يستغرق النوم فيفوت جمع الوقت أو اختياره (¬3) وأما الحديث ~~بعدها فرعاية أن ينام مكفر (د) الخطيئة بصلاة العشاء (¬4)، وهذا مخصوص ~~بالحديث الذي فيه مصلحة من مصالح الدين كما روي عن عمر قال: "كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يسمر عند أبي بكر الليلة كذلك (ه) في الأمر من أمر ~~المسلمين، وأنا معه" (¬5) رواه أحمد والترمذي، وكحديث ابن عباس في بيت ~~ميمونة: "فتحدث النبي صلى الله عليه وسلم PageV02P210 # مع (أ) أهله، ثم رقد". رواه (¬1) مسلم. "وكان ينفتل أي يلتفت إلى ~~المأمومين أو ينصرف من الصلاة"، وصلاة الغداة: الصبح، وفيه: أنه لا كراهة ~~في تسمية ms0240 الصبح بذلك وفي (ح) قوله "حين يعرف الرجل جليسه": دلالة على ~~التعجيل بصلاة الصبح لأن ابتداء معرفة الانسان وجه جليسه يكون في أواخر ~~الغلس (¬2)، ومن المعلوم من عادته صلى الله عليه وسلم ترتيل القراءة (ج)، ~~وتعديل الأركان، فمقتضى ذلك أنه كان يدخل فيها مغلسا، ولا يعارض حديث عائشة ~~"في وصف النساء المنصرفات من صلاة الصبح لا يعرفن من الغلس" (¬3) إذ المراد ~~لا يعرفن وهن متلفعات مع بعد، وهذا في معرفة الجليس. وقوله بالستين إلى ~~المائة: أي من الآي وقدرها في رواية للطبراني (د): "بسورة الحاقة ونحوها" ~~(¬4) وفي رواية (ه) ما بين الستين إلى المائة. وقوله: "والعشاء أحيانا" ~~الأحيان: جمع حين وهو اسم مبهم يقع على القليل والكثير من الزمان على ~~المشهور (¬5)، والحديث يدل على أن العادة مختلفة باختلاف أحوال المجتمعين ~~للجماعة كما صرح (و) به، وأن الصلاة تأخيرها لأجل إدراك الجماعة أولى. قال ~~ابن دقيق العيد: إذا تعارض في شخص أمران، أحدهما: أن يقدم الصلاة في أول ~~الوقت منفردا، أو يؤخرها في الجماعة، أيهما أفضل؟ الأقرب عندي أن التأخير ~~أفضل. وهذا الحديث يدل عليه (¬6). PageV02P211 # قال المصنف -رحمه الله- في "الفتح" (¬1): بل وفي رواية: "إذا كثر الناس ~~(أ) عجل، وإذا قلوا أخر" أن التأخير أفضل لانتظار من تكثر بهم الجماعة (ب)، ~~ولا يخفى (ج) أن محل ذلك إذا لم يفحش التأخير، ولم يشق على الحاضرين. # وقوله: "والصبح بغلس": تقدم الكلام في ذلك. وقوله: ولمسلم إلى آخره: تقدم ~~الكلام (د) فيه أيضا. # 126 - وعن رافع بن خديج - رضي الله عنه - قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي ~~صلى الله عليه وسلم، فينصرف أحدنا وإنه ليبصر مواقع نبله" متفق عليه (¬2). # هو أبو عبد الله رافع بن خديج، ويقال أبو خديج بن رافع الخزرجي (ه) ~~الحارثي الأنصاري الأوسي (¬3)، من أهل المدينة، لم يشهد بدرا لصغره، وشهد ~~أحدا، والخندق وأكثر المشاهد، وأصابه سهم يوم أحد فقال له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: PageV02P212 # "أنا أشهد لك يوم القيامة" (¬1) وانتقضت جراحته (أ) زمن عبد الملك بن ~~مروان فمات ms0241 سنة ثلاث وسبعين، وقيل: أربع وسبعين بالمدينة، وله ست وثمانون ~~سنة، وقيل زمن معاوية. روى عنه ابنه عبد الرحمن وابن عمر ومحمود بن لبيد ~~والسائب بن يزيد وحنظلة بن قيس وعطاء بن صهيب مولاه والشعبي ومجاهد. # خديج بالخاء المعجمة المفتوحة وكسر الدال المهملة وبالجيم. # وقوله: "مواقع نبله": بفتح النون وسكون الباء الموحدة (ب): أي المواضع ~~التي تصل إليها سهامه إذا رمى بها، والنبل هي السهام العربية وهي مؤنثة لا ~~واحد لها من لفظها، قاله ابن سيده: وقيل واحدها نبلة مثل تمر وتمرة. # والحديث يدل على شرعية المبادرة بالمغرب في أول وقتها، بحيث إن الفراغ ~~منها يقع والضوء باق. # 127 - عن عائشة رضي الله عنها - قالت: "أعتم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم (ج) ذات ليلة بالعشاء حتى ذهب عامة الليل، ثم خرج فصلى، وقال: إنه ~~لوقتها لولا أن أشق على أمتي" رواه مسلم (¬2). PageV02P213 # "عامة الليل": كثير منه، وليس المراد أكثره، ولا بد من هذا التأويل ~~لقوله: "وإنه لوقتها"، فلا يجوز أن يراد به ما زاد على النصف لأنه لم يقل ~~أحد من العلماء: إن تأخيرها إلى بعد نصف الليل (أ) أفضل، وقوله: "إنه ~~لوقتها" أي وقتها المختار والأفضل، ففيه دلالة على أن تأخيرها إلى ذلك ~~أفضل، وإن كان الغالب منه تقديمها، وإنما كان الغالب التقديم مخافة المشقة ~~على الأمة، ومعناه -والله أعلم- أنه خشي أن يواظبوا عليها فتفرض عليهم، أو ~~يتوهموا إيجابه فلهذا تركه، كما ترك صلاة التراويح وعلل تركها لخشية (ب) ~~افتراضها والعجز عنها. # وللعلماء مذهبان مشهوران في أن الأفضل التقديم أو التأخير، فمن فضل ~~التأخير احتج بهذا، ومن فضل التقديم احتج بأنه الغالب المعتاد. قال ~~الخطابي: وإنما استحب تأخيرها لتطول (ج) مدة الانتظار للصلاة ومنتظر الصلاة ~~في صلاة (¬1). # 128 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة، فإن شدة الحر من فيح جهنم" متفق ~~عليه (¬2). # قوله: "إذا اشتد" أصله اشتدد أدغمت الدال الأولى في الثانية، ومفهومه PageV02P214 # أنه إذا ms0242 لم يشتد لم يبرد بالصلاة (¬1)، وكذا في أيام البرد بالأولى، ~~وقوله: "فأبردوا" بالهمزة المفتوحة المقطوعة، وكسر الراء أي أخروا إلى أن ~~يبرد الوقت، يقال: أبرد، إذا دخل في وقت البرد كأظهر: إذا دخل في الظهيرة، ~~ومثله في المكان أنجد وأتهم: إذا دخل في نجد وتهامة. # والحديث يدل على شرعية تأخير الظهر في اليوم الحار حتى يبرد النهار، ~~والأمر محمول على الاستحباب، وقيل للإرشاد، وقيل للوجوب، حكاه القاضي عياض ~~وغيره، وقال جمهور العلماء: إنه يستحب الإبراد وتأخير الظهر في شدة الحر ~~إلى أن يبرد الوقت وينكسر الوهج، وخصه بعضهم بالجماعة، فأما المنفرد ~~فالتعجيل في حقه أفضل، وهو قول أكثر المالكية (¬2)، والشافعي لكن خصه أيضا ~~بالبلد الحار (¬3)، وقيد الجماعة بما إذا كانوا ينتابون مسجدا من بعد، فلو ~~كانوا مجتمعين أو كانوا يمشون في كن (¬4) فالأفضل في حقهم التعجيل، ~~والمشهور عن أحمد (¬5) التسوية من غير تخصيص ولا قيد، وهو قول إسحق ~~والكوفيين (أ) (¬6) وابن المنذر، وذهب بعضهم إلى أن تعجيل الظهر أفضل ~~مطلقا، وقال معنى "أبردوا": صلوا في أول الوقت أخذا من برد النهار وهو ~~أوله، وهو تأويل بعيد، ويرده قوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم" وذهب الهادي ~~والقاسم PageV02P215 # وغيرهما إلى أن أفضل الوقت أوله مطلقا (أ) في الظهر وغيره، قالوا ~~للأحاديث الدالة على أفضلية أول الوقت (¬1)، وبأن الصلاة أيضا أكثر مشقة ~~(¬2)، فتكون أفضل، ولحديث خباب: "شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا: أي لم يزل شكوانا" وهو حديث صحيح. ~~رواه مسلم (¬3). # وأجيب عنه بأنه محمول على أنهم طلبوا تأخيرا زائدا على (ب) وقت الإبراد ~~وهو زوال حر الرمضاء، وذلك قد يستلزم خروج الوقت، فلذلك لم يجبهم، أو أنه ~~منسوخ بأحاديث الإبراد فإنها متأخرة عنه (¬4)، واستدل الطحاوي (¬5) للنسخ ~~بحديث المغيرة ابن شعبة قال: "كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~الظهر بالهاجرة، ثم قال لنا: أبردوا بالصلاة" الحديث، وهو حديث رجاله ثقات، ~~رواه أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان (¬6)، ونقل الخلال" عن ms0243 أحمد أنه قال: ~~هذا آخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وجمع بعضهم بأن الإبراد ~~رخصة والتعجيل أفضل (¬7)، وهو قول من قال: إنه أمر إرشاد، وعكس بعضهم فقال: ~~الإبراد أفضل و (تأول) (ج) حديث خباب بقوله: فلم يشكنا أي لم يحوجنا إلى ~~شكوى، بل أذن لنا في الإبراد، كما حكى عن ثعلب PageV02P216 # بعيد ويرده زيادة في الخبر رواها ابن المنذر، وقال: "إذا زالت الشمس ~~فصلوا" (¬1) وأجيب عن أحاديث أفضلية أول (أ) الوقت أنها عامة أو مطلقة ~~والأمر بالإيراد خاص، وأما التعليل بالشقة فمدفوع (ب) بأن الأخف قد يكون ~~أفضل كالقصر في السفر (ج وقوله: "فإن شدة الحر من فيح جهنم" تعليل لشرعية ~~الإبراد والحكمة في ذلك قبل دفع المشقة ج) لكونها (د) قد تسلب (ه) الخشوع، ~~وهذا (و) أظهر، وقيل لأنها الحالة التي ينشر فيها العذاب. # قال الزين (¬2) ابن المنير: لأن وقت ظهور أثر الغضب لا ينجع فيه الطلب ~~إلا ممن أذن له فيه، ولذلك قال: "أقصر عن الصلاة عند استواء الشمس، فإنها ~~ساعة تسجر فيها جهنم" رواه مسلم (¬3)، ويمكن أن يقال تسجر جهنم: سبب فيحها ~~وفيحها سبب وجود شدة الحر وهو مظنة الشقة التي هي مظنة سلب الخشوع فناسب أن ~~لا يقبل فيها لكن يرد عليه أن (ز) تسجرها مستمر في جميع السنة والإبراد ~~مختص بشدة الحر (ح منهما متغايران، فحكمة الإبراد دفع المشقة وحكمة الترك ~~وقت تسجرها (ط) ح) لكونه وقت ظهور أثر الغضب، وفيح جهنم (¬4) أي من سعة PageV02P217 # انتشارها وتنفسها، ومنه مكان أفيح: أي متسع، وهذا (أ) كناية عن شدة ~~إسعارها، وظاهره أن مثار (ب) وهج الحر في الأرض من فيح جهنم حقيقة. # وقيل: هو تشبيه أي كأنه نار جهنم في الحر (والأول) (ج) أولى، يؤيده حديث: ~~"اشتكت النار إلى ربها فأذن لها بنفسين" (¬1). # 129 - عن رافع بن خديج - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "أصبحوا بالصبح، فإنه أعظم لأجوركم" رواه الخمسة وصححه الترمذي ~~وابن حبان، وهذا لفظ أبي داود، ms0244 وروي "أسفروا بالصبح .. " الحديث (¬2). # احتجت به الحنفية على استحباب تأخير الفجر إلى الإسفار (¬3)، وأجيب عنه ~~بأن المعنى به تحقيق طلوع الفجر. قال الترمذي: قال الشافعي وأحمد وإسحق: ~~معناه: أن يضح الفجر فلا يشك فيه. قال: ولم يرو أن المعنى تأخير الصلاة ~~(¬4). يقال: وضح الفجر يضح (¬5): إذا أضاء، ويرده رواية ابن أبي شيبة وإسحق ~~وغيرهما بلفظ: "ثوب بصلاة الصبح يا بلال، حتى ينظر القوم (د) PageV02P218 # مواقع نبلهم من الإسفار" (¬1) لكن روى الحاكم من حديث عائشة قالت: # "ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصلاة (أ) لوقتها الآخر حتى قبضه ~~الله تعالى" (¬2). # 130 - عن أبى هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ~~ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" متفق عليه (¬3). # ولمسلم عن عائشة (¬4) نحوه وقال: "سجدة" بدل "ركعة"، ثم قال: والسجدة ~~إنما هي الركعة. PageV02P219 # الإدراك: الوصول إلى الشيء. وظاهره أنه يكتفي بذلك، (أوليس ذلك مرادا ~~بالإجماع (¬1)، فلا بد من الحمل على أنه إذا (ب) أتى بما بقي، وهذا قول ~~الجمهور، وقد صرح بذلك أ) في رواية الدراوردي عن زيد بن أسلم أخرجه البيهقي ~~من وجهين ولفظه: "من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس (ج وركعة بعد أن ~~تطلع الشمس ج) فقد أدرك الصلاة" (¬2)، وأصرح منه رواية أبي (د) غسان محمد ~~بن مطرف عن زيد بن أسلم عن عطاء هو ابن يسار عن أبي هريرة بلفظ: "من صلى ~~ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس ثم صلى (ه) ما بقي بعد غروب الشمس لم يفته ~~العصر، وقال مثل ذلك في الصبح" (¬3)، والنسائي من وجه آخر: "من أدرك (وركعة ~~من و) الصلاة فقد أدرك الصلاة كلها إلا أنه يقضي (ز) ما فاته" (¬4). ~~وللبيهقي من وجه آخر: "من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليصل ~~إليها أخرى" (¬5). # والخلاف في ذلك لأبي حنيفة فقال: لا يصح الفجر بإدراك ms0245 ركعة (¬6)؛ لأنها PageV02P220 # تصادف الوقت المنهى عنه، والصلاة عنده لا تصح في ذلك الوقت لا نفلا ولا ~~فرضا، واحتج على ذلك بالأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة عند طلوع الشمس، ~~وادعى بعضهم أن أحاديث النهي ناسخة لهذا الحديث، وهي دعوى تحتاج إلى دليل ~~(¬1)، وأنه لا يصار إلى النسخ بالاحتمال، والجمع بين الحديثين ممكن بأن ~~تحمل أحاديث (أ) النهي على ما لا سبب له من النوافل، ولا شك أن التخصيص ~~أولى من النسخ (¬2). # ومفهوم الحديث أن من أدرك أقل من ركعة لا يكون مدركا للوقت، قال بعضهم: ~~ويكون ما أدركه من الوقت أداء وبعده قضاء، وقيل كذلك إلا أنه يلتحق بالأداء ~~حكما، والمختار أن الكل أداء، وذلك من فضل الله تعالى. ونقل بعضهم الاتفاق ~~على أنه لا يجوز لمن ليس له عذر تأخير الصلاة حتى لا يبقى منها إلا هذا ~~القدر (¬3). # وهذا الحديث في العصر والفجر، وأما العشاء فلعله يتفق على صحة ما أدرك ~~منها ركعة لعدم مصادفة الوقت المنهى عنه، ولعموم حديث النسائي المار وترجم ~~البخاري فقال: من أدرك من الصلاة ركعة، وساق الحديث بلفظ: من أدرك ركعة PageV02P221 # من الصلاة فقد أدرك الصلاة" (¬1) وقد رواه مسلم من رواية عبيد الله ~~العمري (¬2) عن الزهري وأحال به على حديث مالك، وأخرجه البيهقي (¬3) وغيره ~~من الوجه الذي أخرجه مسلم. # وقوله (أ): "وقال سجدة" بدل ركعة رواية مسلم (¬4) لهذه من حديث عائشة ~~انفرد بها عن البخاري، ورواه البخاري بلفظ: "سجدة" من حديث أبي سلمة عن أبي ~~هريرة: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته" ~~(¬5)، وقد رواه الإسماعيلي من طريق حسين بن محمد عن شيبان (ب) بلفظ: "من ~~أدرك منكم ركعة" (¬6)، فدل على أن الاختلاف في اللفظ وقع من الرواة (ج)، ~~والرواية من طريق مالك بلفظ ركعة لم يختلف على راويها في ذلك فكان عليها ~~الاعتماد. قال الخطابي (¬7): المراد بالسجدة الركعة بركوعها وسجودها، ~~والركعة إنما يكون (د) تمامها سجودها فسميت على هذا المعنى سجدة انتهى. # وقد روى البيهقي (¬8) هذا الحديث ms0246 (ه) من طريق محمد بن الحسين بن أبي PageV02P222 # الحسين عن الفضيل بن دكين وهو أبو نعيم (¬1) شيخ البخاري بلفظ: "إذا أدرك ~~أحدكم أول سجدة من صلاة العصر" فسرت (أ) المراد. # وقوله: "والسجدة إنما هي الركعة"، ظاهره أنه من تمام الحديث و (ب) قال ~~المحب الطبري في "الإحكام": يحتمل إدراج هذه اللفظة الأخيرة. # 131 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد ~~العصر حتى تغيب الشمس" متفق عليه (¬2)، ولفظ مسلم: "لا صلاة بعد صلاة ~~الفجر". وله عن عقبة بن عامر (¬3): "ثلاث ساعات كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس ~~بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، وحين تضيف الشمس ~~للغروب". والحكم الثاني عند الشافعي من حديث أبي PageV02P223 # هريرة بسند ضعيف وزاد: "إلا يوم الجمعة" (¬1). وكذا لأبي داود عن أبي ~~قتادة (¬2) نحوه. # قوله: "لا صلاة بعد الصبح" المنفي حينئذ هي الصلاة الشرعية لا الفعل ~~الحسي والنفي في معنى النهي، والمعنى لا تصلوا و (أ) قوله: "بعد الصبح": أي ~~بعد صلاة الصبح وقد صرح في مسلم بلفظ صلاة و (ب) كذا بعد العصر أي: بعد ~~صلاة العصر. # والحديث يدل على كراهة الصلاة (¬3) في الوقتين المذكورين، وفيه خلاف، ~~فذهب الشافعي والمؤيد بالله (¬4) إلى أنه يكره من الصلاة ما لا سبب له، ولا ~~يكره ما له سبب، (ج قالوا: لصلاته صلى الله عليه وسلم راتبة الظهر بعد ~~العصر كما سيأتي، وهي لها سبب فدل على أن ما له سبب ج) لا كراهة فيه جمعا PageV02P224 # بين الحديثين، وذهب أبو حنيفة إلى كراهة ذلك مطلقا (¬1)، لعموم الحديث ~~وذهب الهادي والقاسم إلى أن الصلاة في الوقتين لا تكره مطلقا، لصلاة النبي ~~صلى الله عليه وسلم نافلة الظهر بعد العصر (¬2)، "وتقريره لقيس وقد (أ) رآه ~~يصلي بعد صلاة الفجر نافلة الفجر" (¬3) واستقرب في "البحر" قول المؤيد ~~بالله ms0247 والشافعي جمعا بين الأدلة (¬4). وحكى أبو الفتح اليعمري (¬5) عن ~~جماعة من السلف أنهم قالوا: إن النهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر إنما ~~هو إعلام بأنهما لا يتطوع بعدهما، ولم يقصد الوقت بالنهي كما قصد به وقت ~~الطلوع ووقت الغروب، ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن عن ~~علي (¬6) -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصلوا بعد ~~الصبح ولا بعد العصر إلا أن تكون الشمس نقية" -وفي رواية: "مرتفعة"، فدل ~~على أن المراد بالبعدية ليس على عمومه وإنما المراد وقت الطلوع ووقت الغروب ~~وما قاربهما، ويدل عليه حديث ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~(ب): "لا يتحرى أحدكم فيصلي عند طلوع الشمس ولا عند غروبها" (¬7) أخرجه ~~البخاري، وحديث عائشة: "ما ترك السجدتين بعد العصر عندي PageV02P225 # قط" (¬1) وفي الرواية الأخرى: "لم يكن يدعهما سرا ولا علانية" (¬2) وفي ~~الرواية الأخيرة: "ما كان يأتيني في يومي بعد العصر إلا صلى ركعتين" (¬3)، ~~وقولها: "والذي ذهب به ما تركهما حتى لقي الله" (¬4). وأجاب من أطلق ~~الكراهة بأن فعله هذا يدل على جواز استدراك ما فات من الرواتب من غير ~~كراهة، ومواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك من خصائصه، ويدل عليه رواية ~~ذكوان مولى عائشة "أنها حدثته أنه (أ) صلى الله عليه وسلم كان يصلي بعد ~~العصر وينهى عنها، ويواصل وينهى عن الوصال" (¬5). رواه أبو داود، وفي رواية ~~أبي سلمة عن عائشة في نحو (ب هذه القصة وفي آخرها: "وكان إذا صلى صلاة ~~أثبتها" رواه مسلم (¬6). # قال البيهقي (¬7): الذي اختص به ب) المداومة على ذلك، لا أصل القضاء، ~~وأما ما روي عن ذكوان عن أم سلمة في هذه القصة أنها قالت: فقلت يا رسول ~~الله: أنقضيها إذا فاتتنا؟ فقال صلى الله عليه وسلم "لا" (¬8) فهي رواية ~~ضعيفة لا تقوم بها حجة. PageV02P226 # قال المصنف -رحمه الله-: أخرجها الظحاوي (¬1) واحتج (أ) بها على أن ذلك ~~كان من خصائصه (¬2)، وفيه ما فيه، ورواية الترمذي: "أنه صلى الله عليه ms0248 وسلم ~~صلاهما بعد العصر لما فاتتا ولم يعد" (¬3) معارضة بما مضى عن عائشة رضي ~~الله عنها، وكذا ما روي عن أم سلمة: "صلاهما في بيته مرة واحدة" (¬4) وفي ~~رواية عنها: "لم أره يصليهما قبل ولا بعد"، وكذا "إنكار ابن عباس لصلاته ~~لهما" (¬5) فحديث عائشة مثبت ولأنه لما كان يصليهما في بيته فلم يطلع على ~~ذلك، ولذلك قالت عائشة: "وكان (ب) لا يصليهما في المسجد مخافة أن يثقل على ~~أمته" (¬6)، وضرب عمر الناس على الصلاة بعد العصر (¬7) إنما هو خشية مصادفة ~~آخر الوقت كما روى عبد الرزاق عن زيد بن خالد (ج) أن عمر رآه وهو خليفة ركع ~~بعد العصر فضربه فذكر الحديث، وفيه: فقال (د) عمر: يا زيد لولا أني أخشى أن ~~يتخذهما (ه) الناس سلما إلى الصلاة حتى الليل لم أضرب PageV02P227 # فيهما (¬1) وفي رواية عن عمر: ولكني أخاف (أ) أن يأتي بعدم قوم يصلون ما ~~بين العصر إلى الغروب حتى يمروا بالساعة التي نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن يصلى فيها (¬2). # وقوله: في حديث عقبة: "أن (ب) نقبر" بضم الباء وكسرها، وقوله: "بازغة" ~~(¬3) أي ظاهرة، وقوله: "حتى ترتفع" (ج) قد ورد مفسرا في رواية بارتفاعها ~~قدر رمح (¬4) وقوله: "وحين يقوم قائم الظهيرة": أي قيام الشمس وقت الزوال ~~من قولهم (د): قامت به دابته (¬5) وقفت، والشمس إذا بلغت وسط السماء أبطأت ~~حركة الظل إلى أن تزول، فيتخيل الناظر المتأمل أنها وقفت وهي سائرة، وقوله: ~~"و (ه) حين تضيف (و) " بفتح التاء الفوقية وفتح الضاد المعجمة وتشديد الياء ~~أي تميل للغروب. # والحديث يدل على ظاهر النهي على تحريم الصلاة في الثلاثة الأوقات فرضا، ~~ونفلا، إذ النهي للتحريم حقيقة، وكذا قبر الموتى، واختلف العلماء في ذلك ~~بعد PageV02P228 # إجماعهم على الكراهة (¬1) فقال الإمام المهدي: ظاهر كلام أهل المذهب أن ~~الكراهة للتنزيه لا للتحريم، وقال أبو جعفر: بل للتحريم، (ثم قال الإمام ~~المهدي: وكلام أهل المذهب ليس على ظاهره (أ) بل مرادهم ما قاله أبو جعفر، ~~وصرح الفقيه علي بأنها للحضر وجعله ms0249 لمذهب الهادوية (ب)، ثم اختلفوا هل ذلك ~~يختص (بالنفل) (ج) أو يشمل الفرض والنفل؟ والفرض هل التأدية أو القضاء؟ ~~فذهب الهادي والقاسم والشافعي ومالك (¬2): # أن الفرض لا يكره فالقضاء لقوله صلى الله عليه وسلم "من نام عن صلاته" ~~(¬3). الحديث. والأداء لقوله: "من أدرك ركعة من العصر ومن أدرك ركعة من ~~الفجر" (¬4) فبقي النفل داخلا تحت حكم الكراهة، وصلاة الجنازة على مقتضى ~~قول الهادوية لأنها مشبهة للنفل إذ لا وقت لها مضروب، حكمها حكم النافلة، ~~(وابن المنير (د) وتبعه النووي (¬5) وادعى أن الجنازة لا تكره (ه) ~~بالإجماع، ولبعض الحنفية تفرقة بين أن يكون سببها وهو حضور الجنازة في وقت ~~الكراهة (وفلا تكره، وبين أن يكون حضورها قبل ذلك الوقت وتؤخر فتكره) (ز) ~~وذهب و) PageV02P229 # زيد بن علي والمؤيد (¬1) والداعي والإمام يحيى إلى شمول النهي للقضاء في ~~تلك الأوقات، قالوا: لأن دليل المنع لم يفصل (أ) "ولما نام النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن الفجر انتظر استقلال الشمس ثم صلي" (¬2) قال المؤيد والامام ~~يحيى (¬3): وفي قضاء الرواتب في الوقت المكروه الخلاف كما (ب) في الفرض، ~~قال أبو طالب (¬4): بل الهادي يكرهها فيه، وذهبت الحنفية إلى أنه لا يجوز ~~القضاء في الوقت المكروه، قالوا: لأنه فات كاملا فلا يؤدى ناقصا، وأما ~~التأدية فقال أبو حنيفة: من أدرك ركعة قبل طلوع الشمس من الفجر تبطل صلاته ~~لئلا يؤديها في الوقت المكروه (¬5)، وقال أبو يوسف (¬6) يبقى كما هو حتى ~~يرتفع الوقت المكروه لحظر الفعل والترك بخلاف العصر إذا صلى ركعة قبل غروب ~~الشمس ثم غربت فإن صلاته تصح لأن سبب الوجوب هو الجزء القائم من الوقت وذلك ~~الجزء القائم من الوقت ناقص لأنه أخر وقت العصر فقد أداها كما وجبت والباقي ~~يصليها في وقت المغرب، وليس بوقت كراهة. ولو شرع في التطوع في الأوقات ~~الثلاثة، قال في النهاية (¬7): للحنفية: يجب قطعها وقضاؤها في وقت مباح في ~~ظاهر الرواية، وقيل الأفضل قطعها (ج ولو مضى فيها خرج عما وجب عليه بالشروع ~~ولا يجب سواه فإن قطعها ms0250 ج) وأداها (د) في وقت مكروه كما إذا دخل في التطوع ~~عند قيام PageV02P230 # الظهيرة ثم أفسده وقضاه عند الغروب أجزأه عندنا خلافا لزفر (¬1) لنا إنه ~~لو أتمها في الوقت المكروه جاز لأنه أداها كما التزم، فكذا إذا قضاها في ~~الوقت المكروه لأن القضاء مثل الأداء. انتهى. # وقوله: والحكم الثاني إلخ .. المراد بالحكم الثاني النهي عن الصلاة في ~~الثلاثة الأوقات (¬2)، رواه الشافعي من حديث أبي هريرة عن إبراهيم بن محمد ~~بن أبي يحيى عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن سعيد عن أبي هريرة (¬3)، ~~وإسحاق وإبراهيم ضعيفان، ورواه البيهقي من طريقين فيهما متروك وله شواهد. # وحديث أبي قتادة (¬4): "كره النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة نصف النهار ~~إلا يوم الجمعة". وقال: "إن جهنم تسجر إلا يوم الجمعة". رواه أبو داود (¬5) ~~وقال: إنه مرسل (¬6) وفيه ليث بن أبي سليم (¬7) وهو ضعيف، وقال PageV02P231 # الأثرم: قدم أحمد جابر الجعفي عليه في صحة الحديث (¬1)، قال صاحب الإمام ~~(أ): وقوى الشافعي ذلك لما رواه عن ثعلبة بن (أبي) (ب) مالك عن عامة أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا يصلون نصف النهار يوم الجمعة (¬2)، ~~(ولأنه صلى الله عليه وسلم استحب التبكير إليها، ثم رغب في الصلاة إلى خروج ~~الإمام (ج) من غير تخصيص ولا استثناء) (د) (واستثنى الشافعي والمنصور بالله ~~حرم مكة كما سيأتي قريبا إن شاء الله) (ه) وكذا ما له سبب، (وذلك لأن ~~الأدلة الطالبة) (و) لها عامة في الأوقات خاصة بتلك الصلاة وأحاديث النهي ~~بالعكس، وترجحت (ز) الأولى بأنه لم يدخلها التخصيص، وأحاديث النهي دخلها ~~التخصيص بالفائتة لقوله: "من نام عن صلاة .. " الحديث، وقال مالك: لا تكره ~~النافلة وقت الاستواء (¬3) قال: ما (ج) أدركت أهل الفضل إلا وهم يجتهدون ~~ويصلون نصف النهار (¬4) وقد روى أيضا حديث الصنابحي في الموطأ ولفظه: "ثم ~~إذا استوت قارنها ثم إذا زالت فارقها " وفي PageV02P232 # آخره (أ): ونهى عن الصلاة في تلك الساعات (¬1)، وهو حديث مرسل مع قوة ~~رجاله، قال ابن عبد البر: فإما أنه لم ms0251 يصح عنده، وإما أنه (ب) رده بالعمل ~~الذي ذكره (¬2). انتهى. # قال المصنف في "فتح الباري" (¬3): فائدة: فرق بعضهم بين حكمة النهي عن ~~الصلاة بعد العصر والصبح، وعن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، فقال: ~~يكره في الحالتين الأوليين (ج) ويحرم في الحالتين الآخرتين (د)، وممن قال ~~بذلك: محمد بن سيرين (¬4) ومحمد بن جرير الطبري واحتج بما ثبت "أنه صلى ~~الله عليه وسلم صلى بعد العصر" (¬5) فدل على أنه لا يحرم وكأنه يحمل فعله ~~على بيان الجواز، وروي عن ابن عمر تحريم الصلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ~~وإباحتها بعد العصر حتى تصفر، وبه قال ابن حزم (¬6)، واحتج بحديث علي رضي ~~الله عنه "أنه صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة بعد العصر إلا والشمس ~~مرتفعة" (¬7). رواه أبو داود بإسناد صحيح قوي، والمشهور إطلاق الكراهة في ~~الجميع فقيل: تحريم وقيل: تنزيه، والله أعلم. انتهى. PageV02P233 # فائدة: قال في "النهاية": الأوقات التي تكره فيها الصلاة اثنا عشر: ~~فثلاثة منها تكره الصلاة فيها لمعنى في (أ) الوقت وهي وقت الطلوع ووقت ~~الغروب والاستواء، وتسعة أوقات لمعنى في غير الوقت، وتأثيرها في النوافل ~~وما في معنى النوافل ولا تأثير لها في الفرائض، وهي بعد طلوع الفجر، وبعد ~~صلاة الفجر قبل طلوع الشمس، وبعد صلاة العصر قبل التغير، وبعد الغروب قبل ~~صلاة المغرب، وعند الخطبة يوم الجمعة، وعند الإقامة يوم الجمعة، وعند خطبة ~~العيدين، وعند خطبة الكسوف، وعند خطبة الاستسقاء. انتهى. وهذا بناء على أن ~~الكسوف فيه خطبة، وليس ذلك بمشهور (ب والله أعلم ب). # 132 - وعن جبير بن مطعم - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت، وصلى أية ~~ساعة شاء من ليل أو نهار" رواه الخمسة وصححه الترمذي (ج وابن حبان. ج) (¬1). # جبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء ابن مطعم بضم الميم وسكون ~~الطاء وكسر العين المهملة هو أبو محمد جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن PageV02P234 # عبد ms0252 مناف القرشي النوفلي، ويقال كنيته: أبو أمية، وقيل (أ) أبو عدي، أسلم ~~قبل الفتح ونزل المدينة ومات بها سنة أربع وخمسين، وقيل سبع وخمسين، وقيل ~~تسع وخمسين (ب) (روى) (ج) عنه ابناه نافع ومحمد وسليمان بن صرد وغيرهم، ~~وكان من أنسب قريش لقريش وقيل: إنما أخذ ذلك من أبي بكر (¬1). # الحديث أخرجه أيضا الشافعي وأحمد وابن خزيمة والدارقطني والحاكم من حديث ~~أبي الزبير عن عبد الله بن باباه عن جبير، ورواه الدارقطني من وجهين آخرين ~~عن نافع بن جبير عن أبيه (¬2)، وهو معلول فإن (د) (المحفوظ) (5) أنه عن (و) ~~عبد الله المذكور لا عن نافع، وأخرجه الدارقطني (¬3) أيضا من حديث ابن عباس ~~من رواية مجاهد عنه ورواه الطبراني (¬4) من رواية عطاء عن ابن عباس، ورواه ~~أبو نعيم في تاريخ أصبهان، والخطيب في (¬5) التلخيص من طريق عامر بن عبيد ~~عن أبي الزبير عن علي بن عبد الله بن العباس، وهو معلول، وروى ابن عدي من ~~طريق سعيد بن أبي راشد عن عطاء عن أبي هريرة (¬6). PageV02P235 # والحديث فيه دلالة على أن الطواف مشروع في جميع الأوقات والصلاة أيضا في ~~مكة لا تكره في أية ساعة كانت ومن جملة تلك (أ) الأوقات التي تقدم النهي عن ~~الصلاة فيها، وهذا الحديث معارض بما مر لما في هذا، وما عارضه من العموم ~~والخصوص من وجه، والجمهور قالوا بإطلاق الكراهة ترجيحا لجانب الكراهة ~~ولثبوت الأحاديث الواردة في الأوقات المذكورة في الصحيحين وغيرهما، ~~والشافعي والمنصور بالله رجحا (ب) العمل بهذا ووجه الترجيح ما مر في ~~المسألة الأولى فارجع إليه. قال المحاملي في "المقنع": الأولى أن لا تفعل ~~خروجا من الخلاف وتأول بعض المانعين (ج) الصلاة المذكورة في هذا الحديث ~~بركعتي الطواف (د) وهو بعيد لرواية ابن حبان في صحيحه: "يا بني عبد المطلب ~~إن كان (لكم) (ه) من الأمر شيء فلا أعرفن أحدا منكم أن يمنع من يصلي عند ~~البيت أية ساعة شاء من ليل أو نهار" (¬1)، ولأصحاب الشافعي احتمال الإباحة ~~في نفس البلد دون باقي الحرم ms0253 أو الإباحة في المسجد فقط. # 133 - وعن ابن عمر -رضي الله عنهما - عن (و) النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "الشفق الحمرة " رواه الدارقطني (¬2) وصحح ابن خزيمة (¬3) وغيره PageV02P236 # وقفه. تمام الحديث "فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة". وأخرجه ابن عساكر من ~~حديث أبي حذافة عن مالك وقد ذكر الحاكم (¬1) في المدخل حديث أبي حذافة ~~وجعله مثالا لما رفعه المخرجون من الموقوفات، وأخرج ابن خزيمة في صحيحه من ~~حديث عبد الله بن عمر مرفوعا (¬2): "ووقت (أ) صلاة المغرب إلى أن تذهب حمرة ~~(ب) الشفق". # الحديث قال (¬3): وتفرد محمد بن يزيد بلفظة (ج) "حمرة"، وإنما قال أصحاب ~~شعبة فيه: نور الشفق مكان حمرة الشفق. # قال المصنف -رحمه الله-: محمد بن يزيد: صدوق (¬4)، وقال البيهقي: روي هذا ~~الحديث عن عمر وعلي وابن عباس وعبادة بن الصامت وشداد بن أوس وأبي هريرة ~~ولا يصح فيه شيء (¬5). # والحديث فيه دلالة على غاية وقت المغرب وهو غيبوبة الحمرة، وهو قول ~~الأكثر (¬6) وفي الجديد (د) للشافعي (¬7): ينقضى بمضى قدر وضوء أي وكذا ~~تيمم أو غسل أو طهارة جنب وستر عورة، وكذا تعمم وتقمص وارتداء وأذان وإقامة ~~وخمس ركعات، والمراد بالخمس المغرب وسنتها واستثنى مقدار الذكورات PageV02P237 # للضرورة، واعتبر القفال (¬1) في كل إنسان فعل نفسه المعتاد (¬2)، وقيل: ~~وركعتان قبلها أيضا، واستحب أبو بكر البيضاوي أربعا بعدها، فيعتبر على هذا ~~سبع (أ)، وقيل: يكتفي بقدر ثلاث فقط ويعتبر أيضا قدر لقمة يكسر بها الجوع. ~~كذا في الروضة وشرح المهذب والوسيط، وكذا زمن الاجتهاد في القبلة وحجة ~~الشافعي على ذلك أن جبريل صلى المغرب في اليومين في وقت واحد (¬3)، ورد بأن ~~جبريل إنما بين الوقت المختار ولم يستوعب وهذا جار في كل الصلوات سوى الظهر ~~أو (ب) أنه متقدم في أول الأمر بمكة، وهذه الأحاديث بامتداد المغرب إلى ~~غروب الشفق متأخرة في أواخر الأمر بالمدينة، فوجب اعتمادها، أو أن هذه ~~الأحاديث أصبح إسنادا من حديث بيان جبريل فوجب تقديمها، والعمل باللفظ أولى ~~عند التعارض، وقد تقدم التصريح بوقت المغرب في حديث عبد ms0254 الله بن عمر. # وقوله: "فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة ": أريد (ج) بالصلاة العشاء، وقد ورد ~~مصرحا به في حديث أبي هريرة، وأن أول وقت العشاء حين يغيب الشفق، ويحتمل أن ~~يريد بالصلاة المغرب والوجوب بمعنى السقوط أي سقطت الصلاة، ويكون ذلك ~~متمسكا بمن يقول: إن آخر وقت المغرب ذلك، وما بعده قضاء. والله أعلم. PageV02P238 # 134 - عن ابن عباس -رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "الفجر فجران: فجر يحرم الطعام وتحل فيه الصلاة، وفجر تحرم فيه ~~الصلاة، أي صلاة الصبح، ويحل فيه الطعام". رواه ابن خزيمة والحاكم وصححاه (¬1). # وللحاكم في حديث جابر نحوه، وزاد في الذي يحرم الطعام: "إنه يذهب مستطيلا ~~في الأفق، وفي الآخر: إنه كذنب السرحان" (¬2). # حديث ابن عباس: قال الدارقطني: لم يرفعه غير أبي أحمد (أ) الزبيري عن ~~الثوري عن ابن جريج، ووقفه الفريابي (ب) وغيره عن الثوري، ووقفه أصحاب ابن ~~جريج (ج) عنه أيضا (¬3). # وحديث جابر رواه الحاكم من حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن جابر ~~بلفظ "الفجر فجران فأما الذي يكون كذنب السرحان فلا يحل الصلاة ولا يحرم ~~الطعام وأما الذي يذهب مستطيلا في الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام" ~~(¬4) و (د) رواه الأزهري في كتاب معرفة وقت الصبح من حديث ابن عباس موقوفا PageV02P239 # بلفظ: "ليس الفجر الذي يستطيل في السماء، ولكن الفجر الذي ينتبز (أ) على ~~وجوه الرجال" (¬1) قال البيهقي (¬2): روي (ب) موصولا ومرسلا، والمرسل أصح، ~~والمرسل الذي أشار إليه أخرجه أبو داود في المراسيل والدارقطني (¬3) من ~~حديث محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال، وغلط (¬4) من زعم أنه من رواية ثوبان مولى النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وروي نحو هذا من حديث سمرة أخرجه الترمذي (¬5)، ومن حديث أنس مختصرا ~~أخرجه الطحاوي (¬6)، ومن حديث ابن (ج) مسعود أخرجه في الصحيحين (¬7)، ومن ~~حديث (د) قيس بن طلق (¬8) أخرجه أبو داود والترمذي والدارقطني، من حديث عبد ~~الرحمن بن (عايش) (ه) أخرجه ms0255 الدارقطني (¬9). # وقوله: "مستطيلا" أي ممتدا، فسره في رواية البخاري بزيادة: "مد يده عن ~~يمينه ويساره" (¬10)، وقوله كذنب السرحان: وهو الذئب (¬11). PageV02P240 # 135 - وعن ابن مسعود -رضي الله عنه - قال: قال لي سول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "أفضل الأعمال الصلاة في أول وقتها " رواه الترمذي والحاكم (¬1) ~~وصححاه (أ) وأصله في الصحيحين أخرجه البخاري بلفظ: قال: "سألت النبي صلى ~~الله عليه وسلم: أي العمل أحب إلى الله؟ قال: الصلاة على وقتها، قال: ثم ~~أي؟ قال: بر الوالدين، قال: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله. قال: حدثني ~~بهن، ولو استزدته لزادني" (¬2). # والحديث يدل على أن الصلاة أفضل الأعمال، وقد عورض ذلك بحديث أبي هريرة: ~~"أفضل الأعمال إيمان بالله" (¬3) وفي حديث آخر: "أحسن الأعمال الحج " (¬4) ~~وغير ذلك من الأحاديث الواردة في أفضل (ب) الأعمال، والتوفيق بين (ج) هذه ~~الأحاديث أن يكون التفضيل باعتبار ما ذكر في الجواب، فالصلاة في هذا الجواب ~~أفضل من الأمرين المذكورين لا أنها أفضل الأعمال على PageV02P241 # الإطلاق، وكذا فيما كان على هذه الكيفية، أو أنه أجاب كل سائل بما هو ~~الغرض من سؤاله والأليق بحاله، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم أن غرض ابن ~~مسعود معرفة فضل الصلاة، أو أجاب كل سائل بما يحتاج إليه، أو اختلف ~~باختلافت الأوقات بأن يكون العمل في ذلك الوقت أفضل منه في غيره، فقد كان ~~الجهاد في أول الإسلام أفضل الأعمال لأنه الوسيلة إلى القيام بها، والتمكن ~~من أدائها. # وقد تضافرت النصوص على أن الصلاة أفضل من الصدقة، ومع ذلك ففي وقت مواساة ~~المضطر تكون الصدقة أفضل، أو أن أفضل ليس للزيادة، بل المراد به الفضل ~~المطلق، أو المراد من أفضل، فحذفت "من" وهي مرادة. # وأجيب عن خصوص معارضته لحديث أفضلية الإيمان بأن المراد بالأعمال هنا ~~أعمال الجوارح، والإيمان من أعمال القلوب، وأجيب عن تفضيله على الجهاد هنا ~~بأن المراد بالجهاد هنا ما ليس بفرض عين لأنه (أ) يتوقف على إذن الوالدين ~~فيكون برهما مقدما عليه، [وقال ابن بزيزة: الذي يقتضيه النظر تقديم ms0256 (ب) ~~الجهاد على جميع أعمال البدن لأن فيه بذل النفس، إلا أن الصبر على المحافظة ~~على الصلاة وأدائها في أوقاتها والمحافظة على بر الوالدين لازم دائم فلا ~~(ج) يصبر على مراقبة (د) أمر الله فيه (ه) إلا الصديقون] (و). # وقوله: "الصلاة في أول وقتها". من رواية علي بن حفص (¬1) تفرد بهما من PageV02P242 # بين أصحاب شعبة وكلهم قالوا: على وقتها، وهو شيخ صدوق من رجال مسلم، قال ~~الدارقطني: ما أحسبه حفظه لأنه كبر وتغير حفظه. # قال المصنف (¬1) -رحمه الله- ورواه (أ) الحسين بن علي المعمري في اليوم ~~والليلة عن أبي موسى محمد بن المثنى عن غندر عن شعبة كذلك، قال الدارقطني: ~~تفرد به المعمري (ب) كذلك فقد رواه أصحاب أبي موسى عنه بلفظ: على وقتها، ثم ~~أخرجه الدارقطني عن المحاملي عن أبي موسى كرواية الجماعة، وكذا (ج) رواه ~~أصحاب غندر عنه، والظاهر أن المعمري وهم فيه؛ لأنه كان يحدث من حفظه وقد ~~أطلق النووي في شرح (¬2) المهذب أن رواية: "في أول وقتها" ضعيفة. انتهى. ~~لكن لها طرق أخرى أخرجها (د) ابن خزيمة في صحيحه والحاكم (¬3) وغيرهما من ~~طريق عثمان بن عمر عن مالك بن مغول عن الوليد، وتفرد عثمان بذلك، والمعروف ~~عن مالك بن مغول كرواية الجماعة كذا. أخرجه البخاري (¬4) وغيره، وكأن (ه) ~~من رواها كذلك ظن أن المعنى واحد، ويمكن أن يكون أخذه من لفظة "على" لأنها ~~تقتضي الاستعلاء على جميع الوقت فتعين أوله، قال القرطبي (¬5) وغيره في ~~رواية: لوقتها اللام للاستقبال مثل: (فطلقوهن لعدتهن) (¬6) وقيل للابتداء ~~كقوله: (أقم الصلاة لدلوك الشمس ((¬7) وقيل PageV02P243 # بمعنى (أ): في أي في (ب) وقتها. # وقوله " على وقتها": قيل على بمعنى اللام ففيه ما تقدم، وقيل (أتى بعلى) ~~(ج) لإرادة الاستعلاء على الوقت، وفائدته تحقيق دخول الوقت ليقع الأداء ~~فيه. والله أعلم. # 136 - عن أبي محذورة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أول الوقت: رضوان ~~الله، وأوسطه: رحمة الله، وآخره: عفو الله" أخرجه الدارقطني بسند ضعيف جدا (¬1). # وللترمذي من حديث ابن عمر نحوه دون الأوسط ms0257 وهو ضعيف أيضا (¬2). # هو أبو محذورة (¬3) بفتح الميم وسكون الحاء المهملة وضم الذال المعجمة ~~سمرة بن معير بكسر الميم وسكون العين المهملة وفتح الياء تحتها نقطتان من ~~أسفل وبالراء، وقيل اسمه أوس بن معير (د) وقيل: سلمان بن سمرة، ويقال: سلمة ~~بن معير (ه)، والأول أصح، وهو مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة، قال ~~ابن عبد البر (¬4): اتفق الزبير وعمه مصعب ومحمد بن إسحاق على أن اسم أبي ~~محذورة أوس. وهؤلاء أعلم بطريق أنساب قريش، مات بمكة سنة تسع (و) PageV02P244 # وخمسين، وقيل: تسع وسبعين ولم يهاجر، ولم يزل مقيما بمكة حتى مات. روى ~~عنه: ابنه عبد الملك وعبد الله بن (محيريز) (أ) وابن أبي مليكة (¬1). # الحديث أخرجه الدارقطني وفي إسناده إبراهيم بن زكريا العجلي (¬2)، وهو ~~متهم (ب)، وقال البيهقي (ج) في الترغيب والترهيب: ذكر أوسط الوقت لا أعرفه ~~إلا من هذه الرواية (¬3). قال: ويروى عن أبي بكر الصديق أنه لما سمع هذا ~~الحديث قال: "رضوان الله (د) أحب إلينا (ه) من عفوه". # وحديث ابن عمر أخرجه الترمذي والدارقطني من حديث يعقوب بن الوليد PageV02P245 # المديني عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر به، ويعقوب (¬1) قال أحمد ~~بن حنبل: كان من الكذابين (أ)، وكذبه ابن معين، قال النسائي: متروك (¬2)، ~~وقال ابن حبان: كان يضع الحديث وما روى هذا الحديث غيره (¬3)، وقال: الحمل ~~فيه عليه، وقال البيهقي (¬4): يعقوب كذبه سائر الحفاظ ونسبوه إلى الوضع، ~~وقال ابن عدي: كان ابن حماد يقول في هذا الحديث عبيد الله مصغرا قال: وهو ~~باطل إن قيل فيه عبد الله أو عبيد الله، وتعقب ابن القطان على عبد الحق ~~تضعيفه (ب): هذا الحديث لعبد الله العمري وترك تعليله بيعقوب (¬5)، وفي ~~الباب عن جابر (ج) وعلي بن أبي طالب وابن عباس وأنس، وكلها ضعيفة (¬6) إلا ~~الرواية عن علي فإنها من رواية موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين عن ~~أبيه عن جده عن علي، قال البيهقي (¬7): إسناده فيما (د) أظن أصح ما ms0258 روي في ~~هذا الباب مع أنه معلول، فإن المحفوظ روايته عن جعفر بن محمد عن أبيه ~~موقوفا، وقال الحاكم: PageV02P246 # لم أحفظه عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجه يصح ولا (أ) أحد من ~~الصحابة، وإنما الرواية فيه عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (¬1)، قال (ب) ~~الميموني: قال أحمد: لا أعرف فيه شيئا يثبت. # 137 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~قال: "لا صلاة بعد الفجر إلا سجدتين" أخرجه الخمسة إلا النسائي (¬2). # وفي رواية عبد الرزاق: "لا صلاة بعد طلوع الفجر إلا ركعتي الفجر" (¬3). # ومثله للدارقطني عن ابن عمرو بن العاص (¬4). # وأخرج حديث ابن عمر أحمد والدارقطني من حديث ابن (ج) علقمة بن يسار مولى ~~ابن عمر، وفيه قصة، قال الترمذي: غريب لا يعرف إلا من حديث قدامة بن موسى (¬5). # قال المصنف -رحمه الله (¬6) -: وقد اختلف في اسم شيخه، فقيل: أيوب بن PageV02P247 # حصين وقيل محمد (أ) بن حصين (¬1)، وهو مجهول (ب)، وأخرج أبو يعلى (¬2) ~~والطبراني من وجهين آخرين (ج) نحوه عن ابن عمر، ورواه ابن عدي (¬3) في ~~ترجمة محمد بن الحارث من روايته عن محمد بن عبد الرحمن البيلماني (د) عن ~~أبيه عن ابن عمر. # وحديث ابن عمرو في رواية الدارقطني في سنده الإفريقي (¬4)، ورواه ~~الطبراني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وفي سنده: رواد (ه) (¬5) بن ~~الجراح، ورواه البيهقي (¬6) من حديث سعيد بن المسيب مرسلا وقال: روي موصولا ~~عن PageV02P248 # أبي هريرة ولا يصح، ورواه موصولا الطبراني (¬1) وابن عدي، وسنده ضعيف، ~~والمرسل أصح. # والحديث يدل على كراهية النافلة بعد الفجر قبل صلاة الفجر ما عدا ركعتي ~~الفجر، إذ المنفي هو الصلاة المعتبرة شرعا، والنافلة المندوبة ما كانت ~~معتبرة بصفتها فلزم الكراهة (أ)، وإن كان لا صلاة في معنى النهي أي لا ~~تصلوا كان دلالته (ب) على الكراهة أظهر، قال الترمذي: أجمع أهل العلم على ~~كراهة أن يصلي الرجل بعد الفجر إلا ركعتي الفجر (¬2). # قال المصنف (¬3) رحمه الله: دعوى الترمذي ms0259 الإجماع عجيب، فإن الخلاف فيه ~~مشهور حكاه ابن المنذر وغيره، وقال الحسن البصري: لا بأس به (¬4)، وكان ~~مالك يرى أن يفعله من فاتته صلاة (ج) بالليل (¬5) وقد أطنب في ذلك محمد بن ~~نصر في "قيام الليل" (¬6) ولعل الحكمة في الكراهة لما يلزم من تأخير ~~الفريضة، وقد ثبت أن أفضل العمل الصلاة في أول وقتها. # 138 - وعن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: "صلى رسول الله صلى PageV02P249 # الله عليه وسلم العصر ثم دخل بيتي فصلى ركعتين فسألته فقال: شغلت عن ~~ركعتين بعد الظهر، وصليتهما الآن، قلت: أفنقضيهما إذا فاتتا؟ قال: لا" ~~أخرجه أحمد (¬1). # ولأبي داود عن عائشة - رضي الله عنها - بمعناه (¬2) تقدم الكلام فيه (¬3). # عدة (أ) أحاديث (ب) الصلاة سبعة وعشرون حديثا. PageV02P250 ### || AUTO باب الأذان # الأذان لغة: الإعلام. قال الله تعالى: (وأذان من الله ورسوله) (¬1) أي ~~إعلام واشتقاقه من الأذن بفتحتين وهو (أ) الاستماع (¬2)، وشرعا (¬3): ~~الإعلام بوقت الصلاة بألفاظ مخصوصة، قال القرطبي وغيره (¬4): الأذان على ~~قلة ألفاظه مشتمل على مسائل العقيدة، لأنه بدأ بالأكبرية وهو يتضمن وجود ~~الله وكماله، ثم ثنى بالتوحيد ونفي الشركاء، ثم بإثبات الرسالة لمحمد صلى ~~الله عليه وسلم، ثم دعاء إلى الطاعة المخصوصة عقيب الشهادة بالرسالة، لأنها ~~لا تعرف إلا من جهة الرسول، ثم دعا إلى الفلاح، وهو البقاء الدائم، وفيه ~~الإشارة (ب) إلى المعاد ثم أعاد ما أعاد توكيدا، ويحصل من الأذان الإعلام ~~بدخول الوقت، والدعاء إلى الجماعة، وإظهار شرائع الإسلام، والحكمة في ~~اختيار القول له دون الفعل سهولة القول وتيسره لكل أحد في كل زمان ومكان، ~~واختلف أي أفضل الأذان أو الإمامة (¬5)؟ ثالثها: أن من علم من نفسه الوفاء ~~بحقوق الإمامة فهي أفضل PageV02P251 # وإلا فالأذان، وفي كلام الشافعي (¬1) ما يومئ إليه، واختلف أيضا في الجمع ~~بينهما، فقيل: يكره، وفي البيهقي مرفوعا من حديث جابر النهي (¬2) عن ذلك ~~لكن سنده ضعيف وصح عن عمر: لو أطيق الأذان مع الخليفي لأذنت (¬3). رواه ~~سعيد بن منصور وغيره، وقيل: هو خلاف الأولى، وقيل: يستحب، وصححه النووي (¬4). # 139 - عن عبد الله ms0260 بن زيد بن عبد ربه قال: طاف بي وأنا نائم رجل فقال: ~~تقول الله أكبر الله أكبر فذكر الأذان بتربيع التكبير بغير ترجيع، والإقامة ~~فرادى إلا قد قامت الصلاة، قال: فلما أصبحت أتيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقال: "إنها لرؤيا حق". الحديث أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الترمذي ~~وابن خزيمة (¬5). PageV02P252 # وزاد أحمد في آخره قصة قول بلال في أذان الفجر: "الصلاة خير من النوم" ~~(¬1) ولابن خزيمة عن أنس قال: من السنة إذا قال المؤذن في الفجر حي على ~~الفلاح قال: الصلاة خير من النوم (¬2). # هو أبو محمد عبد الله بن زيد (¬3) بن ثعلبة بن عبد ربه الأنصاري الخزرجي، ~~وقيل: ليس في نسبه ثعلبة، وإنما ثعلبة أخو زيد وهما ابنا عبد ربه، شهد عبد ~~الله العقبة، وبدرا والمشاهد (أ) بعدها، وهو الذي أري الأذان في النوم سنة ~~إحدى من الهجرة بعد بناء المسجد، وكانت معه راية بني الحارث بن الخزرج يوم ~~الفتح عداده في أهل المدينة، ومات بها سنة اثنتين وثلاثين وهو ابن أربع ~~وستين سنة، وصلى عليه عثمان، وله ولأبويه صحبة. # روى عنه ابنه محمد وسعيد بن المسيب وابن أبي ليلى الحديث، وأخرجه (ب) ~~أيضا ابن حبان والبيهقي كلهم (¬4) من حديث يعقوب بن إبراهيم بن سعيد عن ~~أبيه عن ابن إسحاق، حدثني محمد بن إبراهيم التيمي عن محمد بن عبد الله بن ~~زيد حدثني أبي قال: لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بعمل الناقوس ليضرب ~~به للناس لجمع الصلاة طاف بي الحديث، وفيه أن عمر جاء فقال: قد رأيت مثل ما ~~رأى، ورواه أحمد (¬5) والحاكم (¬6) من وجه آخر عن سعيد بن المسيب عن عبد ~~الله بن PageV02P253 # زيد (أوقال الحاكم: هذا أمثل الروايات في قصة عبد الله بن زيد لأن سعيد ~~بن المسيب قد سمع من عبد الله بن زيد أ) ورواه يونس ومعمر وشعيب وابن إسحاق ~~عن الزهري. قال: وأما أخبار (¬1) الكوفيين في (ب) هذه القصة فمدارها على ~~حديث عبد الرحمن بن أبي ليلى واختلف عليه فمنهم ms0261 من قال: عن معاذ بن جبل، ~~ومنهم من قال: عن عبد الله بن زيد، ومنهم من قال غير ذلك، وأما طريق ولد ~~(¬2) عبد الله بن زيد فغير مستقيمة الإسناد، وكذا (ج) قال الحاكم، وقد صحح ~~الطريق الأولى من رواية محمد بن عبد الله بن زيد عن أبيه البخاري فيما حكاه ~~الترمذي في "العلل" عنه، وقال محمد بن يحيى الذهلي ليس في أخبار عبد الله ~~بن زيد أصح من حديث محمد بن إسحاق عن محمد بن إبراهيم التيمي يعني (د) هذا، ~~لأن محمدا قد سمع من أبيه عبد الله، وابن أبي ليلى لم يسمع من عبد الله ~~(¬3)، وقال ابن خزيمة (¬4) في "صحيحه": هذا حديث صحيح ثابت من جهة النقل ~~لأن (¬5) محمدا سمع من أبيه، وابن إسحاق سمع من التيمي، وليس هذا PageV02P254 # مما دلسه، وأخرج (أ) أبو داود وأحمد الحديث من حديث محمد بن إبراهيم عن ~~محمد بن عبد الله بن زيد بن عبد ربه. # والحديث يدل على مشروعية تربيع (¬1) التكبير، وقد قال به (ب) الناصر ~~والمؤيد والإمام يحيى وأبو حنيفة والشافعي ومحمد (¬2)، وحجتهم هذا الحديث، ~~وقد اختلفت فيه الرواية بالتثنية والتربيع والمشهور فيه التربيع (¬3)، ~~وكذلك الحديث الآتي عن أبي محذورة اختلف فيه، فوقع في صحيح مسلم (ج) ~~بالتثنية وفي غيره من سائر الأصول بالتربيع قال القاضي عياض ووقع في بعض ~~طرق الفارسي في صحيح مسلم (ج) أربع مرات (¬4)، وذهب الهادي والقاسم (د) ~~ومالك وأبو يوسف وجمهور العلماء (¬5) إلى تثنية التبكير لحديث أبي محذورة ~~هذا وقد عرفت ما فيه، PageV02P255 # وبأنه عمل أهل المدينة فإنهم أعرف بالسنن، ولما روى عبد الرزاق ~~والدارقطني والطحاوي من حديث الأسود بن يزيد "أن بلالا كان يثني الأذان ~~ويثني الإقامة" (¬1) وروى الحاكم والبيهقي في "االخلافيات" والطحاوي (¬2) ~~من رواية سويد بن غفلة (¬3) أن بلالا كان يثني الأذان والإقامة، وادعى ~~الحاكم فيه الانقطاع، ولكن في (أ) رواية الطحاوي (¬4): سمعت بلالا، ويؤيد ~~ذلك ما رواه ابن أبي شيبة عن جبر (ب) بن علي عن شيخ يقال له الحفص عن أبيه ~~عن ms0262 جده وهو سعد القرظ (¬5) قال: "أذن بلال حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم" ثم أذن لأبي بكر في حياته، ولم يؤذن لعمر (¬6) وفي مسند الشاميين من ~~طريق جنادة بن أبي أمية عن بلال أنه كان يجعل الأذان والإقامة مثنى مثنى ~~وإسناده ضعيف (¬7) وأجيب بأن في رواية الربيع (ج) زيادة، والزيادة من الثقة ~~مقبولة، وبالتربيع عمل أهل مكة وهم مجمع المسلمين في المواسم وغيرها، ولم ~~ينكر ذلك أحد من الصحابة وغيرهم والله أعلم. PageV02P256 # وقوله: "بغير ترجيع"، الترجيع: هو ذكر الشهادتين سرا قبل الجهر (¬1)، كذا ~~قال الرافعي وكلامه يقتضي أنه اسم للمجموع من السر والجهر، وتبعه في الروضة ~~(¬2) لكن صرح في شرح المهذب وفي التحقيق، والدقائق، والتحرير، أنه اسم ~~للأول، وفي شرح مسلم أنه اسم للثاني، قال: هو العود إلى الشهادتين مرتين ~~برفع الصوت بعد قولهما مرتين بخفض الصوت (¬3) وفي هذا دلالة على أن الترجيع ~~غير مشروع، وقد ذهب إلى هذا الهادي والناصر وأبو حنيفة وأصحابه (¬4)، وذهب ~~مالك والشافعي وأحمد (¬5) وجمهور العلماء إلى أنه مشروع لحديث أبي محذورة ~~الآتي، وفيه زيادة على حديث عبد الله بن زيد، وزيادة الثقة مقبولة، وهو ~~أيضا متأخر فإنه في سنة ثمان وحديث عبد الله في أول الأمر وانضم أيضا إليه ~~(أ) عمل أهل مكة والمدينة وسائر الأمصار (ب)، واختلف القائلون به هل هو ركن ~~(¬6) لا يصح الأذان إلا به، أم هو سنة يصح من دونه مع فوات الفضيلة، فيه ~~وجهان: والأصح عندهم الثاني، وذهب جماعة من المحدثين وغيرهم إلى التخيير في ~~فعله وتركه (¬7)، وقوله: "والإقامة فرادى إلا قد قامت PageV02P257 # الصلاة": فيه دلالة على إفراد الإقامة، والظاهر من لفظ الحديث (أ) أن ~~ألفاظ الإقامة جميعها مفردة إلا المستثنى، وهذا قول شاذ للشافعي، وتفرد قد ~~قامت الصلاة أيضا (¬1)، والقول المشهور الذي تظاهرت غليه نصوص الشافعي وبه ~~قال أحمد وجمهور (¬2) العلماء بتثنية (ب) التكبير في أول الإقامة وآخرها، ~~وتثنية الإقامة، وإفراد ما عداهما، قالوا: والتكبير (ج) وإن كان بالتثنية ~~فصورته صورة المفرد بالنسبة إلى الأذان، ولذلك إنه استحب ms0263 (د) للمؤذن أن ~~يقول كل تكبيرتين بنفس واحد (ه) فيقول في الأذان: الله أكبر. الله أكبر. ~~بنفس واحد، ثم يقول: الله أكبر. الله أكبر. بنفس واحد. # فهو في الإقامة مفرد بالنسبة إلى ذلك (¬3)، وثمة معنى مناسب لإفراد ~~الإقامة، وهو إنها لإعلام الحاضرين فلا حاجة إلى التكرير بخلاف الأذان فإنه ~~لإعلام الغائبين فاحتيج إلى التكرير، وقالوا: ولهذا يكون رفع الصوت (و) في ~~الأذان، وخفضه في الإقامة، وكرر لفظ "قد قامت الصلاة" لأنه مقصود الإقامة، ~~وذهب الهادوية وأبو حنيفة (¬4) إلى تثنية الإقامة كالأذان لما روي عن بلال ~~(¬5)، وقد تقدم، والتثنية PageV02P258 # زيادة، وزيادة العدل مقبولة وذهب مالك إلى إفراد "قد قامت الصلاة"، وهذا ~~الحديث يرد عليه. وقوله في أذان الفجر "الصلاة خير من النوم" إلخ فيه دلالة ~~على مشروعية ذلك في أذان الفجر، وهو المسمى بالتثويب (¬1) من ثاب إذا رجع، ~~لأن في ذلك رجوعا إلى الدعاء إلى الصلاة، أي: اليقظة للصلاة خير من النوم ~~أي الراحة التي تعتاضونها في الآجل خير من النوم، وقد ذهب إلى هذا الشافعي ~~في الفجر خاصة (¬2)، وعن الحسن بن صالح (¬3): بل (أ) والعشاء، وعن أبي ~~يوسف: لكل (¬4) صلاة وحجة الشافعي على ذلك ما ذكر، وروى ابن ماجه من حديث ~~ابن المسيب: أنه قال بلال: الصلاة خير من النوم مرتين فأقره في تأذين الفجر ~~فثبت الأمر على ذلك (¬5)، وفيه انقطاع (¬6) مع ثقة رجاله، وذكره ابن السكن ~~من طريق أخرى عن بلال وهي في الطبراني من طريق الزهري عن حفص بن عمر عن ~~بلال، وهو منقطع (¬7) أيضا، ورواه البيهقي في المعرفة من هذا الوجه، وروى ~~ابن ماجه (¬8) في حديث عبد الله بن زيد، قال في آخره: "وزاد (ب) بلال في ~~نداء صلاة الصبح: "الصلاة خير من النوم" فأقرها رسول الله PageV02P259 # صلى الله عليه وسلم"، وفي إسناده ضعف جدا (¬1)، وللتثويب طريق أخرى عن ~~ابن عمر رواها السراج والطبراني والبيهقي من حديث ابن عجلان عن نافع عن ابن ~~عمر قال: "كان الأذان الأول بعد حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين" ms0264 ~~(¬2) وسنده حسن، ورواه أبو داود من حديث أبي محذورة (¬3) من طريقين في ~~أحدهما مقال، ورواه (أ) النسائي من وجه آخر عن أبي جعفر عن أبي سليمان عن ~~أبي محذورة وصححه ابن خزيمة من هذه الطريق ومن طريق ابن جريج، وذهب الهادي ~~إلى أنه بدعة ابتدع في خلافة عمر، قال في "البحر" (¬4): ويدل على ذلك إنكار ~~(¬5) على وابن عمر (¬6) له، سلمنا فأمره به PageV02P260 # إشعار في حال لا شرعا جمعا بين الآثار. انتهى. يعني أن ذلك مشعر بالصلاة ~~لمن كان نائما كما يشعر بالصلاة بقولنا (أ): الصلاة جامعة. والله أعلم. # * فائدة: وردت أحاديث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة، منها ~~للطبراني من طريق سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: "لما أسري بالنبي ~~صلى الله عليه وسلم أوحى الله إليه الأذان، فنزل به فعلمه بلالا" (¬1) وفي ~~إسناده طلحة بن زيد وهو (¬2) متروك، وللدارقطني في الأفراد (ب) من حديث ~~أنس: "أن جبريل أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالأذان حين فرضت الصلاة" ~~(¬3)، وإسناده ضعيف أيضا ولابن مردويه من حديث عائشة مرفوعا: "لما أسري بي ~~أذن جبريل فظنت الملائكة أنه يصلي بهم، فقدمني فصليت" وفيه من لا يعرف ~~(¬4)، وللبزار وغيره من حديث علي قال: "لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان ~~أتاه جبريل بدابة يقال لها "البراق" فركبها ... " فذكر الحديث، وفيه إذ خرج ~~ملك من الحجاب فقال: "الله أكبر الله أكبر، وفي آخره ثم أخذ الملك بيده فأم ~~بأهل السماء" (¬5)، وفي PageV02P261 # إسناده زياد بن المنذر أبو الجارود (¬1)، وهو متروك أيضا، ويمكن على ~~تقدير الصحة أن يحمل على تعدد الإسراء فيكون ذلك وقع بالمدينة، وأما قول ~~القرطبي (¬2) من كونه سمعه ليلة الإسراء أن يكون مشروعا في حقه، ففيه نظر ~~لقوله في أوله: "لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان" وكذا قول المحب ~~الطبري بحمل الأذان ليلة الإسراء على المعنى اللغوي وهو الإعلام، ففيه نظر ~~أيضا لتصريحه بكيفيته المشروعة فيه. والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث، ~~وقد جزم ابن المنذر ms0265 بأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلي بغير أذان منذ فرضت ~~الصلاة بمكة إلى أن هاجر وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد ~~الله بن عمر وعبد الله بن زيد (¬3)، وقد حاول السهيلي (¬4) الجمع فقال: إن ~~النبي صلى الله عليه وسلم سمعه فوق سبع سماوات وهو أقوى من الوحي، فلما ~~أريد الإعلام بالوقت رأى الصحابي المنام، فقصها فوافقت ما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم سمعه، فقال: "إنها لرؤيا حق" (¬5) وعلم حينئذ أن مراد الله ~~تعالى بما رآه في السماء أن يكون منه في الأرض، وقوي ذلك بموافقة عمر لأن ~~السكينة تنطق على لسانه، والحكمة في إعلام غير النبي صلى الله عليه وسلم به ~~(أ) لما فيه من رفع ذكر النبي والتنويه بفضله، حيث كان على لسان غيره ليكون ~~(ب) أقوى لأمره وأفخر لشأنه (¬6). انتهى. ويؤخذ وجه الحكمة في تقوية ذلك ~~برؤيا عمر ويكون خبرهما PageV02P262 # على صورة الشهادة، ويؤخذ من رواية لفظها: "سبقك بها بلال": أن بلالا رأى ~~كذلك، إلا أنه يمكن حملها بأنه سبق بالمباشرة بالأذان، ومن أغرب ما وقع في ~~بدء الأذان ما رواه أبو الشيخ بسند مجهول عن عبد الله بن الزبير قال: "أخذ ~~الأذان من أذان إبراهيم (وأذن في الناس بالحج) (¬1) قال: فأذن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم" (¬2)، وما رواه أبو نعيم في الحلية بسند فيه مجاهيل: ~~"أن جبريل نادى بالأذان لآدم حين أهبط من الجنة" (¬3). # 940 - وعن أبي محذورة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم علمه ~~الأذان فذكر فيه الترجيع. أخرجه مسلم (¬4) ولكن ذكر التكبير في أوله مرتين ~~فقط. ورواه الخمسة فذكروه مربعا. # تقدم الكلام فيما يتعلق بالحديث. # 141 - وعن أنس - رضي الله عنه قال: "أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر ~~الإقامة، إلا الإقامة، يعني: قوله "قد قامت الصلاة" متفق عليه، ولم PageV02P263 # يذكر مسلم الاستثناء (¬1). # وللنسائي: "أمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا" (¬2). # الحديث فيه دلالة على وجوب الأذان والإقامة، إذ الظاهر أن الآمر له هو ~~(أ) ms0266 النبي صلى الله عليه وسلم كما هو المتبادر من العبارة، وقد وقع في ~~رواية عطاء "أمر بلالا" ورواية النسائي أصرح بالمراد. قال الحاكم (¬3): صرح ~~برفعه إمام الحديث بلا مدافعة ولم يتفرد به فقد أخرجه أبو عوانة (¬4) من ~~طريق عبدان المروزي يرفعه، ويحيى بن معين كلاهما عن عبد الوهاب، وطريق يحيى ~~عند الدارقطني (¬5) أيضا ولم يتفرد به (ب) عبد الوهاب، وقد رواه البلاذري ~~(¬6) من طريق أبي شهاب الخياط عن أبي قلابة، ووقوع الأذان عقيب المشاورة في ~~أمر النداء قرينة على أن الآمر بذلك هو النبي صلى الله عليه وسلم وحديث ~~مالك بن PageV02P264 # الحويرث (¬1) الآتي: "فليؤذن أحدكم" بصيغة الأمر، ظاهر في الوجوب وقد ذهب ~~إلى ذلك أكثر العترة وطاوس ومالك وأحمد والإصطخري والأوزاعي وداود وابن ~~المنذر، وحكي عن محمد بن الحسن (¬2) وقيل واجب في الجمعة فقط (¬3)، وقيل: ~~فرض كفاية (¬4)، وذهب الفريقان [وزيد بن علي والناصر إلى أنهما سنة وأبو ~~طالب] (¬5) (أ) إلى أن الإقامة سنة (ب) لحديث المسيء صلاته الآتي، فإنه لم ~~يذكر له الأذان والإقامة (¬6)، قال الزين ابن المنير: منشأ الاختلاف أن ~~مبدأ الأذان لما كان عن مشورة أوقعها النبي صلى الله عليه وسلم بين أصحابه ~~حتى استقر برؤيا بعضهم فأقره كان ذلك بالمندوبات أشبه ثم لما واظب على ~~تقريره، ولم ينقل أنه تركه ولا رخص في تركه كان ذلك بالواجبات أشبه، قال ~~ولما لم تفصح الآثار الواردة فيه بالوجوب أعرض البخاري عن التصريح بحكم ~~الأذان (¬7)، وأثبت مشروعيته وسلم من الاعتراض وتقدم الكلام على بقية أحكام ~~الحديث. # 142 - وعن أبي جحيفة - رضي الله عنه - قال: "رأيت بلالا يؤذن، وأتتبع فاه ~~هاهنا وهاهنا، وإصبعاه في أذنيه" رواه أحمد والترمذي وصححه (¬8). PageV02P265 # ولابن ماجه: "وجعل إصبعيه في أذنيه" (¬1). # ولأبي داود (¬2): "لوى عنقه لما بلغ حي على الصلاة يمينا وشمالا ولم ~~يستدر". وأصله في الصحيحين (¬3). # هو أبو جحيفة وهب بن عبد الله وقيل: ابن وهب بن مسلم بن جنادة السوائي ~~العامري نزل الكوفة، وكان من صغار الصحابة (أ)، ذكر أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم ms0267 توفي، ولم يبلغ الحلم، ولكنه سمع منه وروى عنه، وكان جعله علي بن أبي ~~طالب -رضي الله عنه- على بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهده كلها، ومات ~~بالكوفة سنة أربع وسبعين -روى عنه ابنه عون وأبو إسحاق السبيعي وعلي بن ~~الأقمر والحكم بن عتيبة وعبد الله بن شريك. # جحيفة بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وبالفاء، والسوار بضم السين (ب) ~~المهملة وتخفيف الواو وبهمزة بعد (ج) الألف (¬4). # حديث الترمذي نحوه في البخاري من حديث عون بن أبي جحيفة عن أبيه أنه رأى ~~بلالا يؤذن فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا بالأذان (¬5) انتهى. والحديث رواه ~~الحاكم بألفاظ زائدة، وقال: قد أخرجاه إلا أنهما لم يذكرا فيه إدخال ~~الإصبعين في الأذنين (¬6) والاستدارة وهو صحيح على شرطهما، ورواه ابن PageV02P266 # خزيمة (¬1) بلفظ: "رأيت بلالا يؤذن يتتبع بفيه (أ) يميل رأسه يمينا ~~وشمالا" ورواه من طريق أخرى فيه: ووضع الإصبعين في الأذنين، وكذا رواه أبو ~~عوانة في صحيحه (¬2) وأبو نعيم في مستخرجه وعنده: "رأى بلالا يؤذن ويدور، ~~وإصبعاه في أذنيه"، وكذا رواه البزار، وقال البيهقي (¬3): الاستدارة لم ترد ~~من طريق صحيحة لأن مدارها على سفيان الثوري، وهو لم يسمعه من عون إنما رواه ~~عن رجل عنه والرجل يتوهم أنه الحجاج، والحجاج غير صحيح (ب). قال ووهم عبد ~~الرزاق (ج) في إدراجه ثم بين ذلك، وقد وردت (د) الاستدارة من وجه آخر أخرجه ~~أبو الشيخ في كتاب الأذان (5) من طريق حماد وهشيم جميعا عن عون، والطبراني ~~(¬4) من طريق إدريس الأودي عنه وفي الأفراد للدارقطني عن بلال "أمرنا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إذا أذنا وأقمنا أن لا نزيل أقدامنا عن مواضعها" ~~إسناده ضعيف. PageV02P267 # قوله: وأتتبع فاه أي: أنظر إلى فيه متتبعا له من التتبع. وفاه: مفعول به ~~وهاهنا وهاهنا ظرفا مكان والمراد بهما جهتا اليمين والشمال، والمراد ~~الالتفات إلى جهة اليمين والشمال عند الحيعلتين، ويدل على تعيين ذلك رواية ~~مسلم وهي أتم، حيث قال: "فجعلت أتتبع فاه هاهنا وهاهنا يمينا وشمالا يقول ~~حي على الصلاة حي على الفلاح" ms0268 (¬1) (أوبوب عليه ابن خزيمة (¬2) انحراف ~~المؤذن عند قوله حي على الصلاة حي على الفلاح أ) بفمه لا ببدنه كله، قال: ~~وإنما يمكن الانحراف بالفم بانحراف الوجه، وقوله: وإصبعاه في أذنيه يدل على ~~مشروعية ذلك، وقد أخرج (ب) ابن ماجه. والحاكم من طريق سعد القرظ (ج) "أن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أمر بلالا أن يجعل إصبعيه في أذنيه" (¬3)، وفي ~~إسناده ضعف. قال العلماء: وفي ذلك فائدتان إحديهما (د) أنه أرفع لصوته ~~وثانيهما أنه علامة للمؤذن ليعرف من يراه على (ه) بعد أو من كان به صمم أنه ~~يؤذن، قال الترمذي: واستحسنه الأوزاعي في الإقامة (¬4)، والإصبع مجاز عن ~~الإنملة، ولم يرد تعيين الإصبع التي يستحب وضعها وجزم النووي بأنها ~~المسبحة، وقوله (و): ولم يستدر فيه دلالة على أن التفات المؤذن إنما هو ~~بالوجه، والقدمان ثابتان، وقد عرفت الكلام فيهما، ويمكن الجمع بين الأدلة ~~على إثباتها وعلى نفيها: بأن من أثبتها عنى استدارة الوجه PageV02P268 # والرأس، ومن نفاها عنى استدارة الجسد (أ) كله، وقال ابن بطال (¬1) ومن ~~تبعه: يستدير بجميع البدن كما في رواية: ويدور. قال ابن دقيق العيد: فيه ~~دليل (ب) على استدارة المؤذن للإسماع عند التلفظ بالحيعلتين، واختلف هل ~~يستدير ببدنه كله أو بوجهه فقط، وقدماه قارتان، مستقبل القبلة واختلف أيضا ~~هل يستدير في الحيعلتين الأولتين مرة وفي (ج) الثانيتين مرة، أو يقول: حي ~~على الصلاة عن يمينه، ثم حي على الصلاة عن شماله، وكذا في الأخرى، قال: و ~~(د) رجح الثاني لأنه يكون لكل جهة نصيب منهما. قال: والأول أقرب إلى لفظ ~~الحديث، وفي المغني عن أحمد (¬2): لا يدور إلا إن كان على منارة بقصد إسماع ~~أهل الجهتين (¬3) (¬4) والله أعلم. # 143 - وعن أبي محذورة -رضي الله عنه - "أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أعجبه صوته فعلمه الأذان" رواه ابن خزيمة (¬5) وصححه من طريق ابن جريج، ~~ورواه النسائي (¬6) عن أبي جعفر عن أبي سليمان عن أبي محذورة، وصححه أيضا PageV02P269 # ابن خزيمة (¬1) رواه أبو داود (¬2) وابن حبان مطولا من حديثه بزيادة: ~~"الصلاة ms0269 خير من النوم" مرتين بعد حي على الفلاح، وفيه محمد بن عبد الملك بن ~~أبي محذورة (¬3) وهو غير معروف الحال، والحارث (¬4) بن عبيد، وفيه مقال: ~~"وتأذينه بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم الفجر يوم حنين وهو غلام". # وفي الحديث دلالة على استحسان (أ) صوت المؤذن. # 144 - وعن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: "صليت مع النبي صلى الله ~~عليه وسلم العيدين غير مرة، ولا مرتين، بغير أذان ولا إقامة" رواه مسلم (¬5). # ونحوه في المتفق عن ابن عباس وغيره (¬6). PageV02P270 # هو أبو عبد الله ويقال: أبو خالد جابر بن سمرة بن جنادة بضم الجيم وتخفيف ~~النون وبالدال المهملة العامري السوائي بضم السين منسوب إلى (سواء) (أ) بضم ~~السين المهملة وتخفيف الواو وسكون الألف وبعدها همزة مفتوحة. اسم جده ابن ~~أخت سعد بن أبي وقاص وأمه خالدة بنت أبي وقاص نزل الكوفة ومات بها سنة أربع ~~وسبعين وقيل: سنة ست وستين. روى عنه: سماك بن حرب وعامر الشعبي وحصين بن ~~عبد الرحمن (¬1). # وأخرج البخاري نحوه من حديث ابن عباس وجابر بن عبد الله (¬2). # وفي الحديث دلالة على أنه لا يشرع التأذين والإقامة فيهما (ب) وهو قريب ~~من الإجماع وإن روى خلاف ذلك (عن ابن الزبير (¬3) وعمر بن عبد العزيز ~~ومعاوية (¬4) قياسا على الجمعة. قلنا هذا الخلاف) (ج) مسبوق بالإجماع إذ لم ~~يعهد من النبي صلى الله عليه وسلم ولا من الخلفاء الراشدين بعده، وتبعه ~~أيضا الإجماع على ذلك فهو إجماع آلاف، قيل: وإنما خصت الصلوات الخمس بهما ~~تمييزا لها عن غيرها من سائر الصلوات وإظهارا لشرفها، ولو دعا النبي صلى ~~الله عليه وسلم إليها بقوله: "حي على الصلاة"، ومعناه الأمر، لوجب (د) ~~الإجابة إليها بناء على ظاهر الأمر، وخرجت عن كونها سنة وهو مستقيم في ~~العيدين على القول بعدم وجوبهما، ويستحب أن يقال في الدعاء إلى صلاة ~~العيدين وغيرهما مما لا يشرع فيه الأذان غير الجنازة، الصلاة جامعة، ~~بنصبهما. PageV02P271 # 145 - وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - في الحديث الطويل في ms0270 نومهم عن ~~الصلاة: "ثم أذن بلال، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يصنع كل ~~يوم" رواه مسلم (¬1). # وله عن جابر: "أن النبي صلى الله عليه وسلم (أ) أتى المزدلفة فصلى بها ~~المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين" (¬2). # وله عن ابن عمر: "جمع بين المغرب والعشاء بإقامة واحدة" (¬3) زاد أبو ~~داود "لكل صلاة". # وفي رواية له: "ولم يناد في واحدة منهما" (¬4). # حديث أبي قتادة متفق عليه في قصة نومهم (¬5) عن الصلاة، وفي حديث (ب) PageV02P272 # أبي هريرة عند مسلم ما يدل على أن القصة كانت بخيبر (¬1) وبذلك صرح ابن ~~إسحاق (¬2) وغيره من أهل المغازي، وقالوا: إن ذلك كان حين قفوله من خيبر، ~~وقال ابن عبد البر: هو الصحيح (¬3)، وقيل: مرجعه من حنين، وفي حديث ابن ~~مسعود أن ذلك كان عام الحديبية (¬4)، وفي حديث عطاء بن يسار مرسلا أن ذلك ~~في غزوة تبوك (¬5)، قال ابن عبد البر (¬6): أحسبه وهما، وقال الأصيلي (¬7): ~~لم يعرض ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم إلا مرة، وقال ابن الحصار (¬8): (أ) ~~هي ثلاث نوازل مختلفة. قال النووي في شرح (¬9) مسلم: ظاهر الأحاديث أن ~~العارض له مرتان. # وقوله (ب): ثم أذن بلال فيه دلالة علي شرعية الأذان في القضاء وعلى القول ~~بوجوبه في الأداء، فكذلك القضاء، إذ هذه الصفة المذكورة هي كصفة الأداء، ~~والإجماع على أنه لا يجب الأذان في القضاء، واختلف في شرعيته فيه، فذهب ~~الهادي والقاسم وأبو حنيفة وأحمد وأبو ثور والقديم من قولي الشافعي (¬10). ~~إلى أنه: يشرع (ج) في القضاء الأذان والإقامة لأمره صلى الله عليه وسلم ~~لبلال PageV02P273 # بذلك (أ) في قضاء الفجر في رواية أبي قتادة المذكورة، والأخير من قولي ~~الشافعي (¬1) أنه يقيم للفائتة من غير أذان كرواية أبي هريرة بحديث النوم ~~عند مسلم قال: "وأمر بلالا بالإقامة فأقام الصلاة ولم يذكر الأذان" (¬2) ~~وكذا في قضائه يوم الخندق للأربع من حديث أبي سعيد (¬3)، فذكر الإقامة فيها ~~ولم يذكر الأذان (ب)، ويجاب عنه بأن في رواية أبي قتادة إثبات للأذان، ~~وفيما عداها نفي والمثبت زاد ms0271 علما على النافي، وعدم الذكر في الرواية لا ~~يدل أيضا على عدم الفعل في نفس الأمر فكانت أرجح، (وإن كانت فوائت لم يؤذن ~~لغير الأولى قطعا، وفيه وجه حكاه ابن كج) (ج). # وقوله: "فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم" إلخ لفظ الحديث في مسلم: ~~"فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعتين ثم صلى الغداة فصنع (د) ما كان ~~(يصنع) (ه) كل يوم. # فيه دلالة على استحباب قضاء السنة الراتبة لأن الظاهر أن هاتين (و) ~~الركعتين اللتين قبل الغداة هما سنة الصبح، وقوله: "كما كان يصنع فيه" ~~إشارة إلى أن صفة الفائتة كالمؤداة أنه يفعل فيها ما يفعل في المؤداة فيقنت ~~(ز) في الصبح وهو PageV02P274 # لا خلاف فيه عند من يثبته (أ)، ويجهر فيها ولو قضيت بالنهار، وأصح وجهي ~~أصحاب الشافعي: أنه يسر فيها (¬1). # وقوله في حديث جابر: "فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين" يدل ~~على شرعية الأذان في جمع (ب) التأخير، إذ هو كذلك في مزدلفة وهو قول الأكثر ~~وأحد قولي الشافعي (¬2) لا أذان (ج) في التأخير لأيهما، وقال أبو حنيفة ~~(¬3): ولا إقامة للعشاء في مزدلفة. # وقوله في حديث ابن عمر: "جمع بين المغرب والعشاء بإقامة واحدة": ظاهره ~~حجة للثوري فإنه قال: "فصلى (د) المغرب والعشاء في مزدلفة بإقامة واحدة". # وفي زيادة أبي داود: "لكل صلاة". دلالة على أنه لا يكفي إقامة واحدة بل ~~لا بد من إقامتين. # وقوله: في رواية له، أي لأبي داود: "ولم يناد في واحدة منهما": دليل لما ~~ذهب إليه الشافعي وأحمد في قول أنه يصلي كل واحدة منهما بإقامة بلا أذان ~~(¬4)، وهو محكي عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر. # وطريق الجمع بين هذه الروايات: ترجيح رواية جابر بالأذان الواحد ~~والإقامتين إذ هو مثبت ومن عداه ناف والمثبت مقدم على النافي (¬5) والله ~~أعلم. PageV02P275 # 146 - وعن ابن عمر وعائشة -رضي الله عنهما- قالا (أ): قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: "إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى ينادي (ب ابن ms0272 أم ~~مكتوم، وكان رجلا أعمى لا ينادي ب) حتى يقال له: (ج) أصبحت أصبحت" متفق ~~عليه وفي آخره إدراج (¬1). # قوله: "إن بلالا يؤذن بليل": ظاهر هذا الحديث الإطلاق في وقت الليل ولم ~~يعين كونه قريبا من الفجر، وقد ورد عند البخاري (¬2) في رواية القاسم: "لم ~~يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا" وفي هذا تقييد لما أطلق من سائر ~~الروايات، والقاسم وإن كان تابعيا لم يدرك القصة فقد ثبت عند النسائي من ~~(¬3) رواية (د) حفص بن غياث. وعن الطحاوي من رواية يحيى القطان (¬4) كلاهما ~~عن عبد الله بن عمر عن القاسم عن عائشة فذكر الحديث، قالت: "ولم يكن بينهما ~~إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا". PageV02P276 # (وكان يؤذن في بيت مرتفع، كما أخرجه أبو داود من حديث عروة عن امرأة من ~~بني النجار قالت: "كان بيتي من أطول بيت حول المسجد، كان بلال يؤذن عليه، ~~فيأتي السحر فيجلس على ظهر البيت ينظر إلى الفجر (أوإذا رآه أ) تمطأ، ثم ~~قال: اللهم إني أحمدك وأستيعنك (ب) على قريش (ج) أن يقيموا دينك، قالت: ثم ~~يؤذن، قالت: والله ما علمته كان تركها ليلة واحدة هذه الكلمات (¬1) (د). # وفي الحديث دليل (ه) على شرعية الأذان في الليل، وقال به الجمهور (¬2) ~~واختلفوا في أي وقت يشرع، فالمشهور من النصف الأخير (وونصر هذا القول ~~النووي، وتأول ما خالفه ذكر ذلك في شرح مسلم (¬3) وقال الجويني: للسبع ~~الأخير و) في الشتاء، وفي الصيف لنصف السبع. # وقال المسعودي: بوقت (ز) السحر وهو أحد الأوجه لمذهب الشافعي. # واختاره السبكي (¬4) في شرح المنهاج، وحكى تصحيحه (ح) عن القاضي (4) PageV02P277 # حسين والمتولي، قال: وقطع به البغوي، واستغربه ابن دقيق العيد في شرح ~~العمدة قال: لأنه لا يكون فائدة لإخبار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ~~"يؤذن بليل" إلا إذا كان الوقت مشتبها محتملا لدخول الفجر، قال: وهذا يدل ~~على تقارب وقت أذان بلال ووقت الفجر (¬1)، وذهب صاحب العدة (¬2) (أ) إلى أن ~~وقته الليل جميعه، وكان مستنده إطلاق لفظ بليل، وقيل: ms0273 بعد آخر اختيار ~~العشاء. ثم اختلفوا هل يكفي ذلك الأذان أولا؟ فذهب مالك والشافعي وأحمد ~~وأصحابهم إلى أنه يكفي، وخالف ابن خزيمة وابن المنذر وطائفة من أهل الحديث ~~(¬3)، وقال به الغزالي (¬4) في "الإحياء" وأيده بعضهم، بأنه لم يرد في شيء ~~من الحديث ما يدل على الاكتفاء، وتعقب بأنه قد ورد عن البخاري من حديث ابن ~~مسعود (¬5) (ب) ذكر حديث بلال وحده من دون أن يذكر معه أذان آخر. # وأجيب بأن هذا حديث ابن عمر وعائشة (¬6) يشعر بعدم الاكتفاء، ويتأيد ~~الاكتفاء بحديث زياد بن الحارث عند أبي داود فإن فيه "أنه أذن قبل الفجر ~~بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه استأذنه في الإقامة فمنعه إلى أن طلع ~~الفجر، فأمره (ج) فأقام". لكن في إسناده ضعف (¬7). PageV02P278 # وخالف في شرعية الأذان في الليل جماعة منهم الهادي، والقاسم، والناصر، ~~وزيد بن علي، وأبو حنيفة، ومحمد، والثوري (¬1) قالوا: لقوله صلى الله عليه ~~وسلم لبلال: "لا تؤذن حتى يتبين لك الفجر كذا ومد يديه عرضا" أخرجه أبو ~~داود (¬2). # وأخرج أيضا من حديث ابن عمر: أن بلالا أذن قبل طلوع الفجر فأمره النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يرجع فينادي "ألا إن العبد نام" (¬3) ورواه أيضا في ~~الجامع الكافي. # قالوا: فهذه الرواية معارضة لحجة الجمهور، وهي أيضا محتملة للتأويل (¬4) ~~وهو أن النداء قبل الفجر لم يكن بألفاظ الأذان وإنما هو كما يفعل الآن أو ~~أنهما كانا يقصدان الأذان لطلوع الفجر، فيخطئه بلال ويصيبه ابن أم مكتوم. # وأجيب عن الأول بأن الأذان إذا أطلق فهو حقيقة في النداء المعروف وحمله ~~على خلافه لغير دليل غير مقبول، مع الاتفاق بأن ما يفعل الآن محدث وعن ~~الثاني أنه (أ) لو كان كذلك ما أقره النبي صلى الله عليه وسلم مؤذنا واعتمد ~~عليه أو كان يقع ذلك نادرا وظاهر الرواية الاعتياد، والمعارضة غير مسلمة إذ ~~روايتنا أقوى، وبأن حديث: "ألا إن العبد نام" (¬5)، قال ابن المديني، وأحمد ~~بن حنبل، والبخاري، والذهلي، وأبو حاتم، وأبو داود، والترمذي، والأثرم، PageV02P279 # والدارقطني أن حمادا ms0274 أخطأ في رفعه (¬1) وأن لم الصواب وقفه على عمر بن ~~الخطاب، وأنه هو الذي وقع له ذلك مع مؤذنه وأن حمادا انفرد برفعه لكنه قد ~~(أ) وجد له متابع. أخرجه البيهقي (¬2) من طريق سعيد بن زربي (¬3) وهو بفتح ~~الزاي وسكون الراء بعدها باء موحدة ثم ياء كياء النسب فرواه عن أيوب موصولا ~~لكن سعيد ضعيف ورواه عبد الرزاق (¬4) عن معمر عن أيوب أيضا لكن أعضله فلم ~~يذكر نافعا ولا ابن عمر، وله طريق أخرى عن نافع عن الدارقطني (¬5) وغيره ~~اختلف في رفعها، ووقفها أيضا من طريق أخرى مرسلة (ب من طريق يونس بن عبيد ~~وغيره عن حميد بن هلال وأخرى من طريق سعيد عن قتادة مرسلة ب) ووصلها أبو ~~يوسف (¬6) عن سعيد بذكر أنس، وهذه طرق (ج) يقوي بعضها بعضا. # وقوله: "فكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم" هذا تمام الحديث. # وقوله: "وكان رجلا أعمى" .. إلخ: مدرج في لفظ البخاري .. بزيادة قال: PageV02P280 # "وكان رجلا" (¬1) فاعل قال: هو ابن عمر، وقد قيل من كلام ابن شهاب كذا عن ~~القعنبي عند الدارقطني، وأبي الشيخ وأبي نعيم والبيهقي (¬2) كلهم عن ~~القعنبي فيكون في (أ) رواية البخاري إدراج. # وقوله "أصبحت، أصبحت": أي دخلت في الصباح. الحديث يدل على أن أذان ابن أم ~~مكتوم غاية الأكل والشرب، وهو يدل ظاهرا أنه كان يؤذن بعد تحقق (ب) دخول ~~الفجر بعد قول الناس له أصبحت، فيقتضي جواز الأكل بعد دخول الفجر، وقد قال ~~به شذوذ كالأعمش (¬3)، وقد ورد في رواية الربيع (¬4)، "ولم يكن يؤذن حتى ~~يقول له الناس حين ينظرون إلى بزوغ الفجر أذن". # وفي لفظ للبخاري (ج) في الصيام من كلام النبي صلى الله عليه وسلم: "حتى ~~يؤذن ابن أم مكتوم فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر" (¬5) ويمكن أن يقال: أن ~~قولهم "أصبحت" ليس في معنى دخلت في الصباح بل بمعنى قاربت الصباح، وأنهم ~~يقولون ذلك عند آخر جزء من أجزاء (د) الليل، وأذانه يقع في أول جزء (ه) من ~~طلوع الفجر، أو أنه كان له ms0275 حارسا للفجر فينبهه بذلك عند أول جزء من أجزاء ~~الفجر، وقد روى أبو قرة (و) من حديث ابن عمر فيه: "وكان ابن أم PageV02P281 # مكتوم يتوخى الفجر (أ) فلا يخطئه" (¬1)، وفي الحديث دلالة على جواز اتخاذ ~~مؤذنين في مسجد واحد ويؤذن واحد بعد واحد، وأما أذان اثنين معا فمنع منه ~~قوم وقالوا: أول من أحدثه (ب) بنو أمية (¬2)، وقال الشافعي: لا يكره إلا أن ~~حصل من ذلك تشويش (ج) (¬3) وأما أكثر فليس في الحديث تعرض له (¬4)، ونص ~~الشافعي: ولا يضر، وإن أذن أكثر من اثنين، وعلى جواز تقليد المؤذن الأعمى ~~والبصير وعلى جواز تقليد الواحد وعلى أن ما بعد الفجر من حكم النهار، وعلى ~~جواز الأكل مع الشك في طلوع الفجر، لأن الأصل بقاء الليل وعلى جواز ~~الاعتماد على الصوت في الرواية إذا عرفه وإن لم يشاهد الراوي وعلى جواز ذكر ~~الرجل بما فيه من العاهة إذا كان القصد التعريف ونحوه وجواز نسبته إلى أمه ~~إذا اشهر بذلك واحتيج إليه. # فائدة: قد روي من طرق بعكس هذه الرواية: "إذا أذن عمرو يعني ابن أم مكتوم ~~فلا يغرنكم، وإذا أذن بلال فلا يطعمن أحد (د): أخرجه في صحيح ابن حبان (¬5) ~~من طريقين وأحمد بن حنبل (¬6) واستيفاء الكلام عليه في فتح الباري فارجع ~~إليه (¬7). PageV02P282 # 147 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن بلالا أذن قبل الفجر فأمره ~~النبي صلي الله علية وسلم أن يرجع فينادى: "ألا إن العبد نام" رواه أبو ~~داود وضعفه (¬1). # قوله: "نام" أي سها وغفل، أو أن غلبة النوم على عينه منعته من تبين ~~الفجر، تقدم الكلام على الحديث مستوفى. # 148 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم "إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن". متفق عليه (¬2). # وللبخاري عن معاوية (¬3). # ولمسلم عن عمر في فضل القول كما يقول المؤذن كلمة كلمة سوى الحيعلتين ~~فيقول: لا حول ولا قوة إلا بالله (¬4). PageV02P283 # حديث أبي سعيد اختلف على الزهري في إسناده وعلى مالك أيضا، ms0276 لكنه اختلاف ~~لا يقدح في صحته، فرواه عبد الرحمن (¬1) بن إسحق عن الزهري عن سعيد عن أبي ~~هريرة أخرجه النسائي وابن ماجه (¬2) وقال أحمد بن صالح وأبو حاتم وأبو داود ~~والترمذي: حديث مالك ومن تابعه أصح (¬3)، ورواه يحيى (أ) القطان عن مالك عن ~~الزهري عن السائب بن يزيد، أخرجه مسدد في مسنده عنه، وقال (ب) الدارقطني: ~~إنه خطأ والصواب الرواية الأولى. # وقوله: "إذا سمعتم": ظاهره تقييد القول بالسماع فلو رأى المؤذن على ~~المنارة ولم يسمع لبعد أو صمم لا تشرع له الإجابة (¬4). # وقوله: "المؤذن" من تمام الحديث، وليس بمدرج توهمه بعضهم (¬5)، وتبعه ~~صاحب العمدة (¬6) فأسقطها، لاتفاق الروايات في الصحيحين والموطأ على ~~إثباتها (¬7). PageV02P284 # قوله: "مثل ما يقول" فيه إشعار بالمتابعة بعد كل كلمة مثل كلمتها، ويؤيد ~~هذا بما رواه النسائي من حديث أم حبيبة "أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول ~~كما يقول المؤذن حتى يسكت"، فلو لم يجاوبه حتى فرغ استحب له التدارك، إن لم ~~يطل الفصل، وظاهره ولو أذن بعده مؤذن آخر أجابه لتعدد السبب، كذا قال ابن ~~عبد السلام، قال: وإجابة الأول ثم فضل إلا في الصبح والجمعة فهما سواء ~~لأنهما مشروعان (¬1) فظاهر: مثل ما يقول أنه مثل الكلمة لا في الهيئة من ~~رفع الصوت، ولأن المؤذن يراد (أ) منه الإعلام فاحتاج إلى الرفع بخلاف ~~المجيب، وظاهره لا يكفي إمراره على الخاطر إذ ليس بقول، (وظاهره الإجابة من ~~كل أحد على كل حال من تطهر وحدث وجنابة وحيض) (ب)، ويستثنى منه حال الجماع ~~وحال الخلاء لكراهة الذكر فيهما وأما حال الصلاة: فمن منع من الأذكار ~~الخارجة عن أذكارها منع من ذلك، ويحكم بالتخصيص لهذا العموم والتعارض حاصل، ~~ويتعسر الترجيح ومن يجيز ذلك، فبعضهم قال: يجيبه عملا بإطلاق الحديث، وقيل ~~يؤخر الإجابة حتى يفرغ من الصلاة، لأن في الصلاة شغلا، وقيل: يجيب إلا في ~~الحيعلتين لأنهما كالخطاب للآدميين والباقي من ذكر الله، وعلى هذا فيجيب ~~(ج) بالحولقة لأنها ذكر، وقال ابن عبد ابسلام: لا يجيب، وهو يقرأ الفاتحة، ~~بناء ms0277 على وجوب موالاتها وإلا أجاب، وعلى قوله: إذا فعل استأنف قراءة ~~الفاتحة، (وقيل يجيب (د) في النافلة لا في الفريضة) (ه). PageV02P285 # والمشهور في مذهب الشافعية كراهة الإجابة في الصلاة (¬1) وهو يحتاج إلى ~~دليل، ولا دليل على ذلك، وإن أجاب بالحيعلة بطلت على المشهور عندهم ونص ~~الشافعي في الأم (¬2) على عدم الفساد. # وظاهر الحديث وجوب القول، للأمر، وبه قالت الحنفية وأهل الظاهر وابن وهب ~~وقوم من السلف (¬3)، وذهب الجمهور (¬4)، إلى عدم الوجوب واستدلوا بحديث ~~أخرجه مسلم وغيره: "أنه صلى الله عليه وسلم حمع مؤذنا فلما كبر قال: على ~~الفطرة، فلما تشهد (أ) قال: خرج من النار" (¬5) فدل (ب) قوله صلى الله عليه ~~وسلم غير ما قال المؤذن على أن الأمر للاستحباب. وتعقب بأنه لم يصرح في ~~الرواية بأنه لم يقل مثل قوله، فيجوز أن يكون قد قال مثل قوله، ولم ينقله ~~الراوي اكتفاء بالعادة (ج) ونقل الزائد. # وقوله: وللبخاري عن معاوية: أخرج البخاري حديث معاوية من طريقين: إحداهما ~~عن عيسى بن طلحة (¬6) أنه سمع معاوية المؤذن يوما فقال بمثله إلى قوله: ~~وأشهد أن محمدا رسول الله، والطريق الأخرى (¬7) من حديث يحيى قال: حدثني ~~بعض إخواننا أنه قال -أي معاوية: لما قال المؤذن حي على الصلاة قال: لا حول PageV02P286 # ولا قوة إلا بالله، وقال: "هكذا سمعنا نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول". # وفي البخاري إشارة إلى أن الحديث في الطريق الأولى مختصر فإنه قال في ~~الطريق الثانية: حدثنا هشام عن يحيى نحوه، فأشار بنحوه إلى أن الحديثين ~~متقاربان. # قال المصنف [- رحمه الله تعالى: وقد وقع لنا هذا الحديث من الطريق الأولى ~~تاما منها للإسماعيلي] (¬1)، وساق الإسناد الذي في البخاري حتى قال: حدثنا ~~عيسى بن طلحة قال: "دخلنا يوما على معاوية فنادى مناد بالصلاة فقال: الله ~~أكبر الله أكبر، فقال معاوية: الله أكبر الله أكبر، فقال: أشهد أن لا إله ~~إلا الله، فقال معاوية: وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: أشهد أن محمدا ~~رسول الله فقال معاوية: وأنا أشهد أن محمدا ms0278 رسول الله". # قال يحيى (أ): فحدثني (ب) صاحب لنا أنه لما قال "حي على الصلاة" قال: "لا ~~حول ولا قوة إلا بالله"، ثم قال: "هكذا سمعنا نبيكم صلى الله عليه وسلم". # والصاحب المبهم: قال المصنف يغلب على ظني أنه علقمة بن وقاص إن كان يحيى ~~بن أبي كثير (ج) أدركه وإلا فأحد ابنيه (د) عبد الله بن علقمة أو عمر (¬2) ~~بن علقمة لأنه وقع ذكر علقمة في هذا الحديث بغير هذا الإسناد، في (ه) رواية ~~الطبراني (¬3) وذكر عبد الله بن علقمة بن وقاص عن أبيه في رواية للنسائي ~~(و) وابن PageV02P287 # خزيمة (¬1)، وأخرج البخاري (¬2) من حديث أبي أمامة أسعد بن سهل قال: ~~"سمعت معاوية وهو جالس على المنبر حتى أذن المؤذن فساق المتابعة فلما قال ~~المؤذن: أشهد أن لا إله إلا الله قال معاوية: "وأنا"، قال: "أشهد أن محمدا ~~رسول الله" قال معاوية: "وأنا"، فلما انقضى التأذين قال: "يا أيها الناس ~~إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر حين أذن المؤذن يقول مثل ~~ما سمعتم من مقالتي". # وفي حديث أبي داود عن عائشة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان (أ) إذا ~~سمع المؤذن يتشهد (ب) قال: وأنا وأنا" (¬3). # وقوله: ولمسلم عن عمر في فضل القول قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم "إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر فقال أحدكم .. ثم ساق الألفاظ ~~كلمة كلمة ثم قال: "خالصا من قلبه دخل الجنة" (¬4) و (ج) أخرجه أبو داود. # وهذا الحديث فيه دلالة على أنه يجيب بالحولقة (¬5) لا مثل لفظ المؤذن، ~~وإطلاق حديث أبي سعيد الإجابة بمثل قوله فبينهما تعارض وطريق الجمع العمل ~~بهما جميعا فيقول مثل قوله، ما عدا حي على الصلاة حي على الفلاح فيقول ~~بدلهما PageV02P288 # لا حول ولا قوة إلا بالله وهذا جمع بين العام والخاص، وهكذا استدل به ابن ~~(¬1) خزيمة وهو المشهور عند الجمهور، وقال ابن المنذر (¬2): بل يحتمل أن ~~يكون ذلك من الاختلاف المخير بين القولين، ووجه عند الحنابلة (¬3) الجمع ~~بينهما، (ولا ms0279 وجه له) (أ) إذ الروايتان جميعا على خلاف ذلك، وأيضا من حيث ~~المعنى، إن معنى حي: طلب الإقبال فلا يناسب من السامع (ب) أن يطلب الإقبال ~~أيضا، بل لما قال لهم تعالوا إلى ما فيه الفلاح والفوز والنجاة وإصابة ~~الخير، أو كما قال الطيبي (¬4): معنى الحيعلتين: هلم بوجهك وسريرتك إلى ~~الهدى عاجلا والفوز بالنعيم آجلا، فناسب أن يقول هذا أمر عظيم لا أستطع مع ~~ضعفي القيام به إلا إذا وفقني الله تعالى بحوله وقوته، ويمكن أن يقال (ج): ~~المناسبة تحصل بالجمع لأن المجيب قد امتثل الأمر بإعادة اللفظ ويمكن أن ~~يزداد استيقاظا وإسراعا إلى القيام إلى الصلاة إذا تكرر على سمعه الدعاء ~~إليها من المؤذن ومن نفسه، ويقرب من ذلك الخلاف في قول المأموم: سمع الله ~~لمن حمده، وقد ورد في اعتبار المناسبة ما نقل عبد الرزاق عن ابن جريج (¬5) ~~قال: "حدثت أن الناس كانوا ينصتون للمؤذن إنصاتهم للقرآن، فلا يقول شيئا ~~إلا قالوا مثله حتى إذا قال: حي على PageV02P289 # الصلاة، قالوا: لا حول ولا قوة إلا بالله، وإذا قال: حي على الفلاح، ~~قالوا: ما شاء الله" انتهى. # وإلى هذا صار بعض الحنفية (¬1)، وروى ابن أبي شيبة (¬2) مثله عن عثمان، ~~وروي عن سعيد بن جبير قال: يقول في جواب الحيعلة: "سمعنا وأطعنا". # وقد روى في الإجابة غير ذلك، قيل: لا يجيبه إلا في التشهدين فقط، وقيل ~~هما والتكبير، وقيل: يضيف إلى ذلك الحولقة، دون ما في آخره، وقيل: مهما أتى ~~بما بدل على التوحيد والإخلاص كفاه، وهو اختيار الطحاوي (¬3). # واختلف في الاجابة في الترجيع، وإذا ثوب المؤذن في الأذان (أ) قال (ب) في ~~جوابه: "صدقت وبررت"، وهي اسم فعل في معنى الأمر مبنى على الفتح يعدى بعلى ~~بمعنى أقبل، وفي إعراب (ج) لا حول ولا قوة إلا بالله خمسة أوجه مشهورة (¬4) ~~قال الهروي: قال. أبو الهيثم (¬5): الحول: الحركة أي لا حركة ولا استطاعة ~~إلا بمشيئة الله، وكذا قال ثعلب وآخرون، وقيل لا حول في دفع شر ولا قوة في ~~تحصيل ms0280 أجر إلا بالله، وقيل إلا حول عن معصية الله إلا بعصمته ولا قوة على ~~طاعته إلا بمعونته، وحكي هذا عن ابن مسعود، وحكى الجوهري (¬6) لغة عربية ~~ضعيفة أنه يقال: لا حيل ولا قوة إلا بالله، بالياء، PageV02P290 # والحول والحيل بمعنى، ويقال في التعبير عن قولهم: لا حول ولا قوة إلا ~~بالله: الحوقلة هكذا، قاله الأزهري (¬1) والأكثرون وقال الجوهري: الحولقة، ~~فعلى الأول: الحاء هي من حول والقاف من القوة واللام من اسم الله، وعلى ~~الثاني: الحاء واللام من الحول والقاف من القوة، ومثلها الحيعلة والبسملة ~~والحمدلة والهيللة والسبحلة (¬2). # 149 - وعن عثمان بن أبي العاص رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله اجعلني ~~إمام قومي، فقال: "أنت إمامهم، واقتد بأضعفهم واتخذ مؤذنا لا يأخذ علي ~~أذانه أجرا". أخرجه الخمسة وحسنه الترمذي وصححه الحاكم (¬3). # هو أبو عبد الله عثمان بن أبي العاص بن بشر الثقفي، استعمله النبي صلى ~~الله عليه وسلم على الطائف فلم يزل عليها حياة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وخلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر ثم عزله عمر وولاه عمان ~~والبحرين، وكان وفد على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد ثقيف وهو ~~أحدثهم سنا، وله سبع وعشرون سنة، وذلك سنة عشر، وسكن البصرة ومات بها سنة ~~إحدى وخمسين، ولما مات النبي صلى الله عليه وسلم عزمت ثقيف على الردة، فقال ~~لهم: يا معشر ثقيف كنتم آخر الناس إسلاما فلا تكونوا أولهم ردة فامتنعوا من ~~الردة. روى عنه الحسن البصري، وسعيد بن المسيب وموسى بن طلحة ونافع بن جبير ~~(¬4). PageV02P291 # قوله: (أ) "أنت إمامهم" فيه دلالة على جواز طلب الإمامة في الخير إذ ~~المقصود إمامة الصلاة كما قال الله تعالى: {واجعلنا للمتقين إماما} (¬1) ~~وليس من طلب الرئاسة المكروهة فإن تلك هي الرئاسة المتعلقة بأعمال الدنيا ~~التي لا يعان من طلبها، وكان من حقها ألا يعطاها من طلب، قوله: "واقتد ~~بأضعفهم" فيه دلالة على شرعية التخفيف في الصلاة يقال: أضعف الرجل فهو مضعف ~~إذا ضعفت دابته، ومنه قول عمر: ms0281 "المضعف أمير على أصحابه يعني في السفر، ~~وكذلك في الصلاة، فالإمام شرع (ب) له مراعاة حال الضعيف في الصلاة كما في ~~حديث معاذ وغيره، وقوله "لا يأخذ على أذانه أجرا": فيه دلالة على المنع من ~~أخذ الأجرة على التأذين، وفيه خلاف، فالشافعي (¬2) قال بالكراهة مع الجواز؛ ~~لأن منفعته للغير كبناء المساجد والقناطر، وقال الهادي والقاسم والناصر ~~وأبو حنيفة (¬3): تحرم الأجرة على الأذان والإقامة إذا شرطها (ج) وإن تعذر ~~إلا بها لهذا الحديث، وقال الإمام المهدي: والأقرب جوازها على تأذين في ~~مكان مخصوص إذ ليست على الأذان حينئذ بل على ملازمة المكان كأجرة الرصد ~~(¬4)، وقال الرافعي (¬5) الاستئجار على الأذان فيه أوجه: أصحها يجوز مطلقا ~~يعني من كل أحد، والثاني لا يجوز مطلقا، والثالث يجوز للإمام ومن أذن له، ~~ولا يجوز للآحاد (د). انتهى. وليس في الحديث ما يدل على التحريم فتأمل. ~~والله أعلم. PageV02P292 # 150 - وعن مالك بن الحويرث - رضي الله عنه - قال: قال لنا النبي صلى الله ~~عليه وسلم: "فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم". أخرجه السبعة (¬1). # هو أبو سليمان مالك بن الحويرث (¬2) بضم الحاء المهملة وفتح الواو وسكون ~~الياء وكسر الراء وبالثاء المثلثة بن أشيم بفتح الهمزة وسكون الشين المعجمة ~~وفتح الياء تحتها نقطان، الليثي، وفي نسبه إلى ليث خلاف، ويقال: مالك بن ~~الحارث وقيل: ابن حويرثة، وفد على النبي صلى الله عليه وسلم، وأقام عنده ~~عشرين ليلة وسكن البصرة، روى عنه ابنه عبد الله وأبو قلابة وأبو عطة وسلمة ~~الجرمي، مات سنة أربع وتسعين بالبصرة (¬3). # الحديث أخرجه البخاري من حديث أبي قلابة عن مالك بن الحويرث قال: "أتيت ~~النبي صلى الله عليه وسلم في نفر من قومي فأقمنا عنده عشرين ليلة، وكان ~~رحيما رفيقا فلما رأى شوقنا إلى أهلنا (أ) قال: ارجعوا فكونوا فيهم وعلموهم ~~وصلوا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدم وليؤمكم أكبركم" (¬4) زاد في رواية ~~إسماعيل بن علية عن أيوب: "وصلوا كما رأيتموني" (¬5)، وظاهر قوله: فإذا ~~حضرت الصلاة أن ذلك بعد وصولهم إلى أهلهم، وفي قوله: "فليؤذن ms0282 لكم PageV02P293 # أحدكم": فيه دلالة على الحث على الأذان ويستدل به على الوجوب لاقتضاء ~~صيغة الأمر له، وفي تمام الحديث "وليؤمكم أكبركم". فيه دلالة على تقديم ~~الأكبر في الإمامة، وهذا مع الاستواء في سائر الخصال، لأنهم هاجروا جميعا ~~وأسلموا جميعا وصحبوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولازموه عشرين ليلة ~~واستووا في الأخذ عنه فلم يبق ما يقدم به إلا السن، وقد يستدل به على ~~أفضلية الإمامة على التأذين لأنه قال (أ) يؤذن (ب) أحدكم وخص الإمامة ~~بالأكبر، ومن قال بتفضيل الأذان قال: إنما خص الإمامة بالأكبر لأن الأذان ~~لا يحتاج إلى كثير علم، وإنما المعظم فيه الإعلام بالوقت والإسماع بخلاف ~~الإمامة. # 151 - وعن جابر - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~لبلال: "إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت فاحدر، واجعل بين أذانك وإقامتك مقدار ~~ما يفرغ الآكل من أكله" الحديث رواه الترمذي وضعفه (¬1). # وله عن أبي هريرة (¬2) - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~قال: "لا يؤذن إلا متوضيء". وضعفه أيضا. # وله عن زياد بن الحارث (¬3) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ~~أذن فهو يقيم" وضعفه أيضا. PageV02P294 # ولأبي داود في (أ) حديث عبد الله بن زيد أنه قال: أنا رأيته، وأنا كنت ~~أريده، قال: "فأقم أنت" (¬1). وفيه ضعف. # حديث جابر تمامه: "والشارب من شربه، والمعتصر إذا دخل لقضاء الحاجة، ولا ~~تقوموا حتى تروني" قال الترمذي: لا نعرفه إلا من حديث عبد المنعم، وإسناده ~~مجهول، وأخرجه الحاكم أيضا، وله شاهد من حديث أبي هريرة ومن حديث سلمان ~~أخرجهما أبو الشيخ (¬2) ومن حديث أبي بن كعب (¬3) أخرجه عبد الله بن أحمد ~~بن حنبل في زيادات المسند، وكلها واهية، وقال الحاكم: ليس في إسناده مطعون ~~غير عمر بن فايد (¬4). # قال المصنف (¬5) -رحمه الله- بل في إسناده عبد المنعم (¬6) صاحب السقا ~~(ب) وهو كاف في تضعيف الحديث. # وقوله: "لا يؤذن إلا متوضئ"، وضعفه الترمذي بالانقطاع (¬7) إذ هو PageV02P295 # عن الزهري عن أبي هريرة، والراوي (¬1) له عن الزهري ضعيف، ms0283 ورواه الترمذي ~~من رواية يونس عن الزهري عنه مرفوعا، وهذا أصح، ورواه أبو الشيخ في كتاب ~~الأذان له من حديث ابن عباس بلفظ: "إن الأذان متصل بالصلاة، فلا يؤذن أحدكم ~~إلا وهو طاهر". # وقوله: "من أذن فهو يقيم" (أ)، وضعفه أيضا، ضعفه الترمذي بأنه إنما يعرف ~~من حديث الإفريقي (¬2)، وقد ضعفه القطان (¬3) وغيره، وقال: رأيت محمد بن ~~إسماعيل يقوى أمره، ويقول: هو مقارب الحديث، قال: والعمل علي هذا عند أكثر ~~أهل العلم (¬4). # وحديث عبد الله بن زيد ضعف بمحمد بن عمر، فإن أبا داود الطيالسي بينه ~~بأنه الواقفي وهو ضعيف (¬5)، واختلف عليه فيه فقيل: عن محمد بن عبد الله، ~~وقيل: عبد الله بن محمد، قال ابن عبد البر: إسناده حسن (ب) من حديث ~~الإفريقي (ج). PageV02P296 # قوله "فترسل": ترسل فلان في كلامه ومشيته: إذا لم يعجل وهو الترتيل بمعنى ~~واحد، وفي قوله: إذا أذنت فترسل: دلالة على أن ذلك هو المشروع فيه لأن ~~المقصود به (أ) الإعلام البليغ وهو يزداد بذلك، بخلاف الإقامة، فإن الإعلام ~~بها خاص لمن في المسجد مريد للصلاة فكان الحدر بها أنسب، والحدر: الإسراع، ~~ليفرغ منها إلى المقصود الذي هو الصلاة، (وقوله) (ب): "واجعل بين أذانك ~~وإقامتك" إلح: فيه دلالة على مشروعية الفصل بينهما وقد أشار إلى ذلك ~~البخاري فترجم باب كم بين الأذان والإقامة (¬1)، ولكن التقدير لم يثبت ~~فلذلك لم يذكر الحديث، وقال ابن بطال: لاحد لذلك غير تمكن دخول الوقت ~~واجتماع المصلين (¬2)، ولم يختلف العلماء في التطوع بين الأذان والإقامة ~~إلا في المغرب وقد أخرج البخاري في ذلك (¬3). # وقوله في حديث أبي هريرة: "لا يؤذن إلا متوضئ" فيه دلالة على اشتراط ~~الوضوء في الأذان والطهارة من الحدث الأكبر مندرجة تحت ذلك (ج) وفيه خلاف، ~~فمذهب الهادي والقاسم والناصر وأبو حنيفة وغيرهم أنه لا يصح أذان الجنب ~~لحديث أبي هريرة، وقال الشافعي: إن أذانه يصح (¬4)، وأما الطهارة من الحدث ~~الأصغر (¬5) فلا تشترط فيصح من المحدث، وعند الأكثر قالوا: قياسا على PageV02P297 # قراءة القرآن وعند أحمد وإسحق والإمام ms0284 أحمد بن الحسين، لا يعتد (¬1) ~~بأذانه، قالوا لحديث أبي هريرة. # ويجاب عنه بأن الحديث ضعيف لما فيه من الانقطاع، وصحح الترمذي من طريق ~~أخرى وقفه على الزهري، وأما الإقامة فالأكثر على اشتراط الوضوء في صحتها، ~~قالوا إذ (أ) لم يؤثر خلاف ذلك على عهده صلى الله عليه وسلم، وعند أبي ~~العباس والشافعي يكره فقط، وعند أبي حنيفة لا كراهة ورواية عنه كالشافعي (¬2). # وقوله: "من أذن فهو يقيم" فيه دلالة على أن الإقامة حق له فلا تصح (ب) من ~~غيره أن يتولاها وهو قول الأكثر للحديث وذهب أصحاب أبي حنيفة (¬3) إلى أنه ~~يجوز من الغير كالخطبتين والصلاة والحديث ضعفه أبو حاتم وابن حبان، و (ج) ~~قال الترمذي، إنما يعرف من حديث الإفريقي (¬4) وقد ضعفه القطان وغيره وقال ~~البخاري: هو مقارب الحديث. # وقوله في (د) حديث عبد الله بن زيد: "أنا رأيته وأنا كنت أريده" إلخ. فيه ~~دلالة على ما ذهب إليه أصحاب أبي حنيفة من أنه يصح أن يتولى الإقامة غير ~~المؤذن (¬5)، فإن المؤذن هو بلال، فإن في الرواية: فقال: ألقه على بلال، ~~قال: PageV02P298 # فألقاه على بلال، قال: فأذن بلال (قوله) (أ): فألقاه على بلال: ليس ~~المقصود به التأذين وإنما هو تعليم ألفاظه وقد أمره النبي صلى الله عليه ~~وسلم بأن يقيم هو. # 152 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "المؤذن أملك بالأذان، والإمام أملك بالإقامة" رواه ابن عدي وضعفه (¬1). # وللبيهقي نحوه عن علي - رضي الله عنه - من قوله. # الحديث أخرجه ابن عدي في ترجمة شريك القاضي من روايته عن الأعمش عن أبي ~~صالح عن أبي هريرة، تفرد به شريك، وقال البيهقي: ليس بمحفوظ، ورواه أبو ~~الشيخ (¬2) من طريق أبي (ب) الجوزاء عن ابن عمه وفيه معارك (¬3) وهو ضعيف. # قوله: "المؤذن أملك بالأذان" يعني أن ابتداء وقت الأذان موكول إلى المؤذن ~~لأنه أمين على الوقت، والإمام أملك بالإقامة: فيه دلالة على أنه لا يقيم ~~إلا بعد إشارة الإمام بذلك، وفي قوله صلى الله ms0285 عليه وسلم: "إذا أقيمت ~~الصلاة فلا تقوموا حتى تروني" (¬4) أي خرجت: أخرجه البخاري (ج) دلالة على ~~أن للمقيم أن يقيم PageV02P299 # وإن لم يحضر الإمام فإقامته غير متوقفة على إذنه (¬1)، وأما تعيين وقت ~~قيام المؤتمين فقال مالك في الموطأ (¬2): لم أسمع في قيام الناس حين تقام ~~(أ) الصلاة بحد محدود إلا أني أرى ذلك على طاقة الناس فإن فيهم الثقيل ~~والخفيف، وذهب الأكثرون إلى أن الإمام إن كان معهم في المسجد لم يقوموا حتى ~~تفرغ الاقامة، وعن أنس أنه كان يقوم إذا قال المؤذن: قد قامت الصلاة، رواه ~~ابن المنذر وغيره، وكذا رواه سعيد بن منصور من طريق أبي إسحق عن أصحاب عبد ~~الله وعن سعيد بن المسيب، قال: إذا قال المؤذن: الله أكبر، وجب القيام، ~~وإذا قال: حي على الصلاة عدلت الصفوف، وإذا قال: لا إله إلا الله كبر ~~الإمام، وعن أبي حنيفة: يقومون إذا قال حي على الفلاح، فإذا قال: قد قامت ~~الصلاة كبر الإمام، وأما إذا لم يكن الإمام معهم في المسجد فذهب الجمهور ~~إلى أنهم لا يقومون حتى يروه، وخالف من ذكرنا على التفصيل الأول، والحديث ~~حجة عليهم. وهذا الحديث معارض بحديث جابر بن (¬3) سمرة أن بلالا كان لا ~~يقيم حتى يخرج النبي صلى الله عليه وسلم، ويجمع بينهما أن بلالا كان يراقب ~~خروج النبي صلى الله عليه وسلم فلأول ما يراه شرع في الإقامة قبل أن يراه ~~غالب الناس ثم إذا رأوه قاموا، فلا يقوم في مقامه حتى تعتدل صفوفهم، وشهد ~~(ب) له ما رواه عبد الرزاق عن ابن جرير عن ابن شهاب: "أن الناس كانوا ساعة ~~يقول المؤذن: الله أكبر يقومون إلى الصلاة"، فلا يأتي النبي صلى الله عليه ~~وسلم مقامه حتى تعتدل PageV02P300 # الصفوف" (¬1) وقد ورد من حديث أبي هريرة أنهم كانوا يعدلون الصفوف قبل ~~خروجه صلى الله عليه وسلم، ذكره في مستخرج أبي نعيم، وفي صحيح (¬2) مسلم، ~~وفي سنن أبي داود ولعله يقال وقوع مثل ذلك، فيه دلالة على الجواز أو أن (أ) ~~فعلهم ms0286 ذلك كان سببا للنهي المذكور وقد صرح بهذا في حديث أبي قتادة (¬3) ~~أنهم كانوا يقومون ساعة تقام الصلاة ولو لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم ~~فنهاهم عن ذلك لاحتمال أن يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم ~~انتظاره (¬4). # 153 - وعن أنس رضي الله عنه - "لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة" رواه ~~النسائي وصححه ابن خزيمة (¬5). # وظاهر الحديث أن الدعاء الطلق لا يرد وقد ورد في تعيين ما يدعى به ما في ~~حديث مسلم من رواية عبد الله بن عمر وبلفظ: "قولوا مثل ما يقول ثم صلوا علي ~~ثم سلوا الله لي الوسيلة" (¬6)، وما أخرج أبو داود والبخاري من حديث جابر PageV02P301 # قال: قال رسول الله صلى اللة عليه وسلم من قال حين يسمع النداء: "اللهم ~~رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه ~~مقاما محمودا الذي وعدته، إلا حلت له شفاعتي يوم القيامة" (¬1). # زاد البيهقي من طريق محمد بن (عوف) (أ) عن علي بن عبد الله بن عباس: ~~"اللهم إني أسألك بحق هذه الدعوة التامة" (¬2)، والمراد بالدعوة التامة ~~دعوة التوحيد لأن الشركة نقص، أو لأنها (ب) لا يدخلها تغيير ولا تبديل، أو ~~لأنها هي التامة حقيقة وما سواها معرض للفساد أو لأنها متضمنة أتم القول، ~~وهو لا إله إلا الله، وقيل: هي من أول الأذان إلى قوله محمدا رسول (¬3) ~~الله، والحيعلة الصلاة القائمة، أو المراد بالصلاة القائمة المدعو إليها ~~وهو أظهر، والوسيلة هي ما يتقرب به إلى الكبير، والمراد بها المنزلة العلية ~~(ج) وقد ورد ذلك في حديث ابن عمر عن مسلم بلفظ: "فإنها منزلة في الجنة لا ~~تنبغي إلا لعبد من عباد الله" (¬4) ونحوه للبزار، والفضيلة: المرتبة ~~الزائدة على سائر الخلق، أو (د) المراد بها منزلة أخرى غير الوسيلة، ومقاما ~~محمودا نصب على المفعولية أي ابعثه فأقمه مقاما محمودا بتقدير أقمه، أو على ~~تضمين ابعث معنى أقم، أو نصب على المصدر (¬5) بتقدير بعثه مقاما محمودا، ~~قال النووي (د): ثبتت الرواية بالتنكير، PageV02P302 # والتنكير للتعظيم أي ms0287 مقاما أي مقام (أ) محمود لكل إنسان، وقد روى النسائي ~~وابن خزيمة وابن حبان والطحاوي والطبراني في الدعاء والبيهقي، بالتعريف ~~(¬1)، وهو الشفاعة على قول الأكثر، أو (ب) إجلاسه على العرش أو الكرسي، وفي ~~قوله حلت له شفاعتي مناسبة لأن يراد به الشفاعة أو المراد به ما يحصل له في ~~ذلك المقام من إلباسه الحلة الخضراء وتقديمه للثناء على الله تعالى بين يدي ~~الساعة والشفاعة (ج) ووقع ما يدل على ذلك في صحيح ابن حبان من (د) حديث كعب ~~بن مالك (¬2)، وقوله "الذي وعدته": إشارة إلى ما في قوله تعالى: {عسى أن ~~يبعثك ربك مقاما محمودا} (¬3) والوصول على رواية التنكير بدل أو خبر مبتدأ ~~محذوف أو نصب بتقدير أعني، وعلى رواية التعريف نعت للمقام المحمود، وقوله: ~~"حلت له شفاعتي" أي استحقت ووجبت أو نزلت عليه، يقال: حل يحل أي نزل، ~~واللام بمعنى على، وورد عند أذان المغرب خصوصا ما أخرجه أبو داود (¬4) من ~~حديث أم سلمة قالت: "علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن PageV02P303 # أقول عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك وإدبار نهارك وأصوات دعاتك. ~~فاغفر لي"، ويستحب أن يقول السامع بعد قوله وأنا أشهد أن محمدا رسول الله، ~~صلى الله عليه وسلم، رضيت بالله ربا وبمحمد رسولا وبالإسلام دينا (¬1)، ~~(ويقول بعد التثويب، صدقت وبررت (¬2)، وادعى ابن الرفعة وروده في الحديث، ~~وهو غريب) (أ)، ويندب أيضا لمن سمع المقيم أن يقول مثل قوله كما في الأذان ~~ويقول عند قوله: قد قامت الصلاة: أقامها الله وأدامها، لما أخرجه (ب) أبو ~~داود عن أبي أمامة أو بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم "أن بلالا أخذ في ~~الإقامة فلما أن قال: قد قامت الصلاة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~أقامها الله وأدامها" (¬3) وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان، ~~ويندب أن يكون المؤذن غير الإمام لأن ذلك المأثور على عهد النبي صلى الله ~~عليه وسلم والصحابة وأن يصلي بين الأذان والإقامة ركعتان لقوله، صلى الله ~~عليه وسلم: ms0288 "بين كل أذانين صلاة" (¬4) وأن يقول عقيب ركعتي الفجر: "اللهم ~~رب جبريل وميكائيل وإسرافيل ومحمد النبي صلى الله عليه وسلم أعوذ بك من ~~عذاب النار" ثلاث مرات لورود ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما حكاه ~~النووي في الأذكار عن كتاب ابن السني (¬5). PageV02P304 # فائدة: قال القاضي عياض -رحمه الله- واعلم أن الأذان كلمة جامعة لعقيدة ~~الإيمان مشتملة على نوعية من العقليات والسمعيات فأوله إثبات الذات وما ~~يستحقه من الكمال والتنزيه عن أضدادهما، وذلك لقوله: الله أكبر، وهذه ~~اللفظة مع اختصار لفظها دالة على ما ذكرناه، ثم صرح بإثبات الوحدانية ونفى ~~ضدها من الشركة المستحيلة في حقه سبحانه وتعالى، وهذه عمدة الإيمان ~~والتوحيد المقدمة على كل وظائف الدين، ثم صرح بإثبات النبوة والشهادة ~~بالرسالة لنبينا، صلى الله عليه وسلم، وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة ~~بالوحدانية، وموضعها بعد التوحيد لأنها من باب الأفعال الجائزة الوقوع، ~~وتلك المقدمات من باب الواجبات وبعد هذه القواعد كملت القواعد العقليات ~~فيما يجب ويستحيل ويجوز في حقه سبحانه وتعالى ثم دعا إلى ما دعا إليه من ~~العبادات، فدعاهم إلى الصلاة وعقبها بعد إثبات النبوة، لأن معرفة وجوبها من ~~جهة النبي صلى الله عليه وسلم، لا من جهة العقل، ثم دعا إلى الفلاح وهو ~~الفوز والبقاء في النعيم المقيم، وفيه إشعار بأمور الآخرة من البعث والجزاء ~~وهو آخر تراجم عقائد الإسلام، ثم كرر ذلك بإقامة الصلاة الإعلام بالشروع ~~فيها وهو متضمن لتأكيد الإيمان، وليدخل المصلي فيها على بينة من أمره، ~~وبصيرة من إيمانه ويستشعر عظيم (أ) ما دخل فيه، وعظمة حق من يعبده، وجزيل ~~ثوابه (¬1)، هذا كلامه. # فائدة أخرى: لم يذكر المصنف شيئا مما ورد في: حي على خير العمل، وأذكر في ~~ذلك ما اطلعت عليه، وفي إثباتها خلاف فالعترة وأحد قولي الشافعي أنها من ~~الأذان (¬2) وذهبت الفقهاء إلى أنها ليست من الأذان، حجة القول الأول ما ~~أخرجه المؤيد بالله في شرح التجريد من رواية الطحاوي عن عبد الملك بن أبي PageV02P305 # محذورة عن أبي محذورة قال: "علمني رسول ms0289 الله صلى الله عليه وسلم الأذان ~~كما تؤذنون الآن وذكر منها: حي على (أ) العمل (¬1)، وذكر نحو هذا المحب ~~الطبري في كتاب الأحكام الكبير عن أبي أمامة بن سهل البدري وذكره عنه سعيد ~~بن منصور في سننه، وما أخرجه البيهقي (¬2) في سننه الكبرى عن نافع قال: ~~"كان ابن عمر يكبر في النداء ثلاثا ويشهد ثلاثا وكان أحيانا إذا قال: حي ~~على الفلاح، قال على أثرها: حي على خير العمل" قال البيهقي (¬3): ورواه ~~عبيد الله بن عمر عن نافع، وقال كان ابن عمر ربما زاد في أذانه: حي على خير ~~العمل ورواه الليث بن سعد عن نافع قال: "كان ابن عمر (لا) (ب) يؤذن في ~~سفره، وكان يقيم: حي على الصلاة، حي على الفلاح، وأحيانا حي على خير العمل ~~(¬4) ورواه محمد بن سيرين عن ابن عمر، وكذا رواه نسير بن زعلوق عن ابن عمر، ~~وروي ذلك عن أبي أمامة (ج) وأخرج أيضا (¬5) عن علي بن الحسين أنه كان يقول ~~في أذانه قال: حي على الفلاح، قال: حي على خير العمل، ويقول هو الأذان ~~الأول انتهى. # وأخرج ابن أبي شيبة (¬6) أن علي بن الحسين كان يؤذن فإذا بلغ حي على PageV02P306 # الفلاح قال: حي على خير العمل ويقول: هو الأذان الأول وأنه أذان (أ) رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقال الهادي (¬1) في الأحكام: وقد صح لنا أن حي ~~على خير العمل كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذن بها، ولم ~~تطرح إلا في زمن (ب) عمر، فإنه أمر بطرحها، وقال أخاف أن يتكل الناس على ~~ذلك، وفي كتاب السنام أن الأذان شرع بحي على خير العمل لأنه اتفق على ~~الأذان به يوم الخندق ولأنه دعا إلى الصلاة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: ~~"خير أعمالكم الصلاة" (¬2) انتهى. ولكن الهادي قال في الأحكام (¬3) بعد ~~هذا: إنها خير الأعمال بعد الجهاد، وهذا التأويل لا يناسب مذهبه في ~~إثباتها، وحكي في شرح الموطأ أن عمر والحسن والحسين وبلالا وجماعة أذنوا ~~بها، وفي ms0290 جامع آل محمد ما لفظه: قال الحسن بن يحيى أجمع آل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن يقولوا في الأذان والإقامة: حي على خير العمل ولم يزل ~~النبي صلى الله عليه وسلم يؤذن بحي على خير العمل حتى قبضه الله إليه وكان ~~يؤذن بها في زمن (ج) أبي بكر، فلما ولي عمر قال: دعوا حي على خير العمل لا ~~يشتغل الناس عن الجهاد فكان أول من تركها، ولم يذكر القاسم ومحمد حي على ~~خير العمل، في الأذان ولا في الإقامة بل روى محمد بأسانيده عن علي بن ~~الحسين ومحمد بن علي ويحيى بن زيد أنهم كانوا يقولون في الأذان: حي على خير ~~العمل. انتهى. # حجة الفقهاء الأحاديث المروية في ابتداء شرعية الأذان وغيرها من الصحيحين ~~وغيرهما من الأصول الستة وغيرها، ولم يذكر فيها حي على خير العمل، وفيما PageV02P307 # تقدم من الروايات بذكر الأذان الأول إشارة إلى أنه كان في أول الأمر ثم ~~نسخ وأمر عمر بتركه، ولم ينكر وإجماع (أ) العترة غير مسلم لما سبق من خلاف ~~القاسم، وأجيب عن حمل الأول أنه الأول في صدر الإسلام، ثم نسخ لصحة أن يراد ~~بالأول الأول (ب) قبل ترك عمر له، وأمر عمر بتركه اجتهاد وليس بحجة. والله أعلم. # عدة أحاديث الباب ستة وعشرون حديثا. PageV02P308 ### || AUTO باب شروط الصلاة # الشروط جمع شرط والشرط لغة العلامة ومنه أشراط الساعة أي علاماتها. وفي ~~اصطلاح الفقهاء ما يلزم من عدمه عدم حكم أو سبب. # 154 - عن علي بن طلق قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ~~فسا أحدكم في الصلاة، فلينصرف، وليتوضأ، وليعد الصلاة" رواه الخمسة وصححه ~~ابن حبان (¬1). # (هو علي بن طلق الحنفي اليمامي، روى عنه سلم بن سلام، وهو من أهل اليمامة ~~وحديثه فيهم، قال ابن عبد البر: أظنه والد طلق بن علي الحنفي، ومال أحمد ~~والبخاري (¬2): إلى أن طلق بن علي، وعلي بن طلق اسم لذات واحدة (¬3)) (أ) ~~الحديث. # وأخرجه أحمد أيضا وابن حبان، وقال ابن حبان: لم يقل ms0291 فيه: "وليعد صلاته" ~~إلا جرير بن عبد الحميد، وأعله ابن القطان بمسلم بن سلام PageV02P309 # الحنفي (¬1)، وهو لا يعرف وقال الترمذي قال البخاري (أ): ولا أعلم لعلي ~~بن طلق غير هذا الحديث الواحد (¬2). # وفي الحديث دلالة على كون الفساء ناقضا للوضوء، وهو مجمع عليه والمراد به ~~(ب) الريح الخارج من الدبر من غير صوت، ولذلك عطف عليه ما فيه صوت في حديث ~~أبي هريرة لما قيل له: "ما الحدث؟ فقال: فساء أو ضراط" (¬3) ويدل على كونه ~~مبطلا للصلاة يوجب استئنافها وقد قال بهذا الهادي، والناصر، والشافعي (¬4) ~~في أحد قوليه كما تقدم في نواقض الوضوء، والخلاف في ذلك لأبي حنيفة وغيره ~~كما تقدم لما مر من حديث عائشة (¬5) ولكنه لم يذكر في حديث عائشة (ج) الريح ~~ولكنه ذكر ما هو أغلظ منه كالمذي ولم يبطل الصلاة فهذا بالأولى، فالحديثان ~~متعارضان والجواب ترجيح (د) هذا لأنه مثبت لاستئناف الصلاة وذلك ناف (¬6) ~~والله أعلم. PageV02P310 # 155 - وعن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" رواه الخمسة إلا النسائي وصححه ابن ~~خزيمة (¬1). # الحديث أخرجه أحمد والحاكم، وأعله الدارقطني (أ) وقال: إن وقفه أشبه ~~وأعله الحاكم بالإرسال، ورواه الطبراني في الصغير والأوسط من حديث أبي ~~قتادة بلفظ: "لا يقبل الله من امرأة صلاة حتى تواري زينتها ولا من جارية ~~بلغت الحيض حتى تختمر" (¬2). # قوله: "لا يقبل" المراد بالقبول هنا ما يرادف الصحة وهو الإجزاء وحقيقة ~~القبول ثمرة وقوع الطاعة مجزية رافعة لما في الذمة، ولما كان الإتيان ~~بشروطها مظنة الإجزاء الذي القبول ثمرته عبر عنه بالقبول مجازا وقد يطلق ~~القبول ويراد كون العبادة بحيث يترتب عليها الثواب وهو بهذا المعنى لا يلزم ~~من نفيه نفي الصحة كما في قوله: "من أتى عرافا لم تقبل له صلاة" (¬3) ~~ونحوه، وقوله "صلاة حائض": المراد بالحائض من بلغت سن الحيض والقصود هنا ~~البلوغ الشرعي سواء (¬4) كان بالحيض أو بغيره، ولعله اعتبر الأغلب إذ به ~~يكون البلوغ في الأغلب، وقوله: "إلا ms0292 بخمار": فيه دلالة على أنه يجب على ~~المرأة ستر الرأس والعنق PageV02P311 # ونحوه، مما يقع عليه الخمار، وكذلك سائر بدنها لقوله تعالى: {إلا ما ظهر ~~منها} (¬1)، وفسر بموضع الكحل والخاتم وهو الوجه والكفين (¬2)، وما عداه ~~فهو عورة، فدل على وجوب الستر مطلقا في الصلاة وغيرها وقد ذهب إلى هذا ~~الهادي ورواية عن القاسم وأحد قولي الشافعي وعن أبي حنيفة ومالك (¬3)، وعن ~~القاسم وعن (أ) أبي حنيفة (¬4)، وهو قول الثوري، أن القدمين وموضع الخلخال ~~ليس بعورة، وذهب أحمد وتخرج السيدين (¬5) و (ب) داود الظاهري إلى أن جميعها ~~عورة إلا الوجه (¬6) قالوا للإجماع على كشفه للإحرام والشهادة، وذهب بعض ~~أصحاب الشافعي أن جميعها عورة من غير استثناء (¬7)، قالوا لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "النساء عي وعورات" (¬8) ولم يفصل، ورد عليهم بتفسير ابن عباس ~~لقوله {إلا ما ظهر منها} بما مر (ج) ولقوله، - صلى الله عليه وسلم -، فيما ~~أخرجه أبو داود عن أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها سألت ~~النبي، - صلى الله عليه وسلم - "أتصلى المرأة في درع وخمار عليها إزار؟ ~~قال: إذا كان الدرع سابغا يغطى ظهور قدميها" (¬9) قال أبو داود: ورواه ~~جماعة موقوفا على أم سلمة منهم مالك، وقد أعله عبد الحق لذلك، ورجح وقفه. PageV02P312 # قال المصنف (¬1): وهو الصواب. # وحكم الخنثى (¬2) حكم المرأة تغليبا لجانب الحظر، وأما الأمة فهي كالرجل ~~وهي مخصوصة من عموم هذه الأحاديث بما روي عن أبي موسى أنه تكلم على المنبر ~~وقال: "لا أعرف أحدا أراد أن يشتري أمة فينظر ما بين السرة والركبة، لا ~~يفعل ذلك أحد إلا عاقبته" (¬3) ولم ينكر عليه، فدل على أن ما عدا ذلك يجوز ~~النظر إليه فهو ليس بعورة وقال بعض أصحاب الشافعي (¬4): بل يجب ستر ما عدا ~~موضع (أ) التقليب للبيع وهي الذراعان والساقان والرأس للحاجة، وقال بعض ~~أصحاب الشافعي: بل هي كالحرة (¬5) إلا الرأس لإنكار عمر ستره (¬6)، ولم ينكر. # والجواب بما (ب) روي عن أبي موسى: ومن لم ينفذ عتقها حكمها حكم الأمة ~~لبقاء الرقبة وعن ابن ms0293 سيرين: أم الولد كالحرة (¬7) لحصول سب العتق، قلنا لم ~~ينفذ فهي كالدبرة. والله أعلم. PageV02P313 # 156 - وعن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~له: "إن كان الثوب واسعا فالتحف به -يعني في الصلاة". ولمسلم: "فخالف بين ~~أطرافه وإن كان ضيقا فاتزر به" متفق عليه (¬1). # ولهما في حديث أبي هريرة: "لا يصلي أحدم في الثوب الواحد ليس على عاتقه ~~منه شيء" (¬2). # قوله: إن كان (الثوب) (أ) واسعا فالتحف به: الالتحاف في معنى الارتداء ~~وهو أن يتزر بأحد طرفي الثوب ويرتدي بالطرف الآخر، وقوله: يعني في الصلاة ~~أخذ التقييد من كون الحديث واردا (ب) في قصة صلاته مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فإن في القصة: "فوجدته يصلي، وعلي ثوب واحد، فاشتملت به وصليت ~~إلى جانبه فلما انصرف قال: ما السرى يا جابر فأخبرته بحاجتي، فلما فرغت، ~~قال: ما هذا الاشتمال الذي رأيت؟ قلت: كان ثوب، قال: فإن كان واسعا فالتحف ~~به وإن كان ضيقا فاتزر به" (¬3) وقوله "فخالف بين أطرافه": المخالفة بين ~~الأطراف مراد بها الخالفة بين الطرفين وهي لا تتيسر إلا بجعل شيء منه على ~~العاتق، وقد صرح بذكر الطرفين في رواية أحمد من طريق معمر عن يحيى: ~~"فليخالف بين طرفيه على عاتقيه" (¬4). PageV02P314 # وقوله: لا يصلي أحدكم: قال ابن الأثير هو كذا في الصحيحين بإثبات الياء ~~على أن لا للنفي وهو في معنى النهي، ويحتمل أن لا للنهي وهو مجزوم بحذف ~~الياء تقديرا، وقد رواه الدارقطني في غرائب مالك من طريق الشافعي عن مالك ~~بلفظ: "لا يصل" مجزوما ومن طريق عبد الوهاب بن عطاء بلفظ: "لا يصلين" ~~بزيادة نون التوكيد، ورواه الإسماعيلي من طريق الثوري عن أبي الزناد بلفظ ~~نهي، وقوله "و (أ) ليس على عاتقه منه شيء" (¬1) زاد مسلم من طريق ابن عيينة ~~عن أبي الزناد لفظ: "منه"، وهي محذوفة في البخاري، والمراد: لا يتزر في ~~وسطه ويشد طرفي الثوب في حقويه، بل يتوشح بهما على عاتقيه فيحصل الستر، ~~لجزء من أعالي البدن. # والحديث فيه ms0294 دلالة على الأمر بالالتحاف إذا كان الثوب واسعا، وحمل ~~الجمهور الأمر على الندب، والنهي في الرواية الأخرى على التنزيه، (ب) قال ~~الكرماني: (¬2) الإجماع منعقد على جواز تركه وهو منقوض بما روي عن أحمد ~~(¬3): أنها لا تصح (ج) صلاة (د) من قدر على ذلك فتركه فقد جعله من الشرائط، ~~وفي رواية عنه: تصح الصلاة ويأثم فجعله واجبا مستقلا وكلام الترمذي (¬4) ~~يدل على ثبوت الخلاف، ونقل الشيخ تقي الدين (¬5) السبكي وجوب ذلك عن نص ~~الشافعي واختاره، لكن المعروف في كتب الشافعية خلافه، واستدل الخطابي على ~~عدم PageV02P315 # الوجوب بأنه - صلى الله عليه وسلم - صلي في ثوب واحد كان أحد طرفيه على ~~نسائه (¬1) وهي نائمة، قال: ومعلوم أن الطرف الذي هو لابسه من الثوب غير ~~متسع لأن يتزر به (أ) ويفضل منه ما كان لعاتقه، وفيه نظر، وجنح البخاري إلى ~~أنه يجب إذا كان الثوب واسعا، وإذا كان ضيقا لم يجب شيء منه على العاتق وهو ~~اختيار ابن المنذر (¬2). # فائدة: السفر الذي ورد في حديث (¬3) جابر هو في غزوة بواط (¬4) بضم ~~الموحدة وتخفيف الواو وهي من (ب) أول مغازيه - صلى الله عليه وسلم -. # فائدة أخرى: كان الخلاف في منع جواز الصلاة في الثوب الواحد قديما، روى ~~ابن أبي شيبة (¬5) عن ابن مسعود قال: لا يصلين في ثوب واحد وان كان، أوسع ~~ما بين السماء إلى الأرض، ونسب ابن بطال (¬6) ذلك لابن عمر ثم قال لم يتابع ~~عليه، ثم استقر الأمر على الجواز. PageV02P316 # 157 - عن أم سلمة - رضي الله عنها - أنها سألت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: أتصلي المرأة في درع وخمار بغير إزار؟ ذال: "إذا كان الدرع سابغا ~~يغطي ظهور قدميها" أخرجه أبو داود، وصحح الأئمة وقفه (¬1). # الحديث رواه ممالك وغيره (موقوفا) (أ). # قال المصنف -رحمه الله-: وهو الصواب. # تقدم الكلام فيه في الكلام على حديث عائشة قريبا. # 158 - وعن عامر بن ربيعة قال: كنا النبي - صلى الله عليه وسلم - في ليلة ~~ظلمة، فأشكلت علينا القبلة، فصلينا فلما طلعت الشمس (ب) إذا نحن صلينا ms0295 إلى ~~غير القبلة، فنزلت {فأينما تولوا فثم وجه الله} أخرجه الترمذي وضعفه (¬2). # هو أبو عبد الله عامر بن ربيعة بن مالك العنزي (¬3)، وفي نسبه خلاف، وهو PageV02P317 # حليف بني عدي بن كعب ولذلك يقال له العدوي، هاجر الهجرتين، وشهد المشاهد ~~كلها وأسلم قديما. # روى عنه ابنه عبد الله وابن عمر وابن الزبير، مات سنة اثنتين وثلاثين، ~~وقيل سنة ثلاث، وقيل سنة خمس. # والعنزي: بفتح العين المهملة وسكون النون وبالزاي نسبة إلى (أعنز (ب) بن ~~وائل أخي بكر بن أ) وائل وتغلب، وعدد العنزيين في الأرض قليل، وقال علي بن ~~المديني: عامر بن ربيعة بن عنز بفتح النون، والأول عندهم أصح، ومنهم من ~~نسبه إلى مذحج من اليمن، ولم يختلفوا أنه حليف للخطاب بن نفيل لأنه تبناه. # والحديث مضعف بأشعث بن سعيد السمان (¬1) وهو يضعف (ج) في الحديث، وقد ذهب ~~أكثر أهل العلم إليه، وابن حزم (¬2) ذكره من حديث عبد الله بن عامر بن ~~ربيعة، والحديث إنما هو عن عامر، وكذا رواه أحمد (¬3)، والطبراني ثم (د) ~~أعله بعاصم بن عبيد الله، وما نقله (5) الترمذي أولى، فإن عاصم بن عبيد ~~الله (¬4) هذا، قد قال العجلي (¬5): ثقة لا بأس به، ولا أعلم من وثق الأول، ~~وقال ابن معين (¬6): بلغني عن مالك أنه قال: عجبا من شعبة هذا الذي ينتقي ~~الرجال PageV02P318 # وهو يحدث عن عاصم ولكنه يقال لمالك: لا تتعجب من شعبة فإنك قد رويت عنه ~~في "الموطأ" (¬1). # والحديث فيه دلالة على أن من صلى مع لبس القبلة أجزأته الصلاة، وسواء كان ~~صلاته مع التحري والنظر في الأمارات أو بدون ذلك، وسواء انكشف له الخطأ في ~~الوقت أو بعده، ومثل هذا ما رواه الطبراني من حديث معاذ بن جبل قال: "صلينا ~~مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في يوم غيم في سفر إلى غير القبلة ~~فلما قضى الصلاة تجلت الشمس فقلنا: يا رسول الله صلينا إلى غير القبلة، ~~فقال: قد رفعت صلاتكم بحقها إلى الله عز وجل" (¬2)، وفي إسناده هذا أبو ~~عبلة (أ) والد ms0296 إبراهيم، ذكره ابن حبان في "الثقات" (¬3)، واسمه شمر بن يقظان. # وقد ذهب إلى ظاهر هذا الحديث وعمومه أبو حنيفة (¬4)، ورواه ابن أبي شبية ~~عن ابن المسيب وعطاء والشعبي وغيرهم، وهو قول الكوفية فيما عدا من صلى بغير ~~تحرى وتيقن الخطأ فإنه حكى في "البحر" الإجماع (¬5) على وجوب الإعادة عليه ~~فيكون عموم الحديث مخصصا بالإجماع، وذهب الهادي (¬6) والقاسم ومالك والزهري ~~إلى أنه لا يجب الإعادة على من صلى بتحري وانكشف له الخطأ وقد خرج الوقت، ~~وأما إذا تيقن الخطأ والوقت باق وجب عليه الإعادة، قالوا: PageV02P319 # لتوجه الخطاب مع بقاء الوقت فإن لم يتيقن فلا، إذ لا يأمن الخطأ في الآخر ~~(أ) فإن خرج الوقت فلا إعادة للحديث، واشترط التحري إذ الواجب عليه تيقن ~~الاستقبال، فإن تعذر اليقين فعل ما يمكنه من التحري، فإن قصر فهو غير معذور ~~إلا إذا تيقن الإصابة. # وذهب الشافعي (¬1) إلى وجوب الإعادة عليه في الوقت وبعده، ولعل الوجه في ~~ذلك أن الاستقبال واجب قطعي، وحديث السرية (¬2) قد عرفت ما فيه، ولكنه يدفع ~~بتقويه بحديث معاذ بل هو كاف في الاحتجاج به والإطلاق في الحديثين وارد ~~عليهم والتقييد بما ذكر من الإجماع. والله أعلم. # 159 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" رواه الترمذي، وقواه البخاري (¬3). # الحديث رواه الترمذي وقال: "حسن صحيح"، ورواه الحاكم من طريق شعيب بن ~~أيوب عن عبد الله بن نمير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، وذكره ~~الدارقطني (¬4) في "العلل" فقال: الصواب عن نافع عن عبد الله بن عمر PageV02P320 # عن عمر، وزاد رزين: "إذا استقبلت البيت ولم تره"، وقال الترمذي (¬1): وقد ~~روي هذا الحديث عن غير واحد من الصحابة منهم: عمر وعلي وابن عباس، وقال ابن ~~عمر: "إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن شمالك فما بينهما قبلة إذا ~~استقبلت القبلة" (¬2). انتهى. وفي "الموطأ" (¬3) نحوه. # وهذا الحديث - (أأي قول ابن عمر أ) - في حق من كان في جهات ms0297 المدينة كما ~~لا يخفى، وكذلك حديث الأصل إنما يكون في حق بعض أهل الجهات كأهل اليمن ~~والمدينة. # وفي الحديث دلالة على أن المقصود الجهة لا العين في حق من تعذر عليه ~~الرؤية ونحوها، وقد ذهب إلى هذا أبو العباس وأبو طالب والكرخي وأحد قولي ~~أصحاب الشافعي ورواية لأبي حنيفة لهذا الحديث (¬4). # ولأنه لو كان المقصود العين للزم بطلان صلاة بعض من كان في صف طويل وهو ~~من زاد على مقدار عرض الكعبة، وذهب زيد بن على والناصر وأحد قولي الشافعي ~~(¬5) ورواية عن أبي حنيفة أن المقصود هو عين الكعبة لقوله تعالى: {فول وجهك ~~شطر المسجد الحرام} (¬6)، وقياسا على من كان يمكنه اليقين للعين، وما ذكر ~~من الإلزام مدفوع إذ الحرم الصغير مع البعد منه يمتد وكلما ازداد بعده (ب) ~~زاد امتداده وهذا مدرك والله أعلم (¬7). PageV02P321 # 160 - وعن عامرو بن ربيعة رضي الله عنه قال: "رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي على راحلته حيث توجهت به"، متفق عليه. زاد البخاري "يومئ ~~برأسه، ولم يكن يصنعه في المكتوبة" (¬1). # ولأبي داود من حديث أنس: "كان إذا سافر فأراد أن يتطوع استقبل بناقته ~~القبلة فكبر ثم صلى حيث كان وجه ركابه" وإسناده حسن (¬2). # الحديث أخرجه البخاري من حديث عامر بن ربيعة بلفظ: "كان يسبح على ~~الراحلة"، وأخرجه من حديث ابن عمر: "كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه، ~~ويومئ برأسه قبل أي وجه توجه ويوتر عليها، غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة" ~~(¬3)، وللبخاري من وجه آخر: "كان يسبح على ظهر راحلته حيث كان وجهه ويومئ ~~برأسه" (¬4)، وللبخاري من حديث آخر نحوه وفيه: "فإذا أراد الفريضة نزل ~~فاستقبل القبلة" (¬5). # وأخرج الشافعي نحوه من حديث جابر بلفظ: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي وهو على راحلته النوافل" (¬6)، ورواه ابن خزيمة من حديث محمد ~~بن بكر عن بن جريج مثل سياقه وزاد: "ولكنه يخفض السجدتين من الركعة يومئ ~~إيماءة (¬7)، ولابن حبان نحوه. PageV02P322 # وحديث أنس أخرجه أبو داود من حديث الجارود بن أبي ms0298 سبرة حدثني أنس، وصححه ~~ابن السكن. # وفي الحديث تصريح بصحة صلاة المتنفل على الراحلة وإن فاته الاستقبال، وفي ~~حديث أنس زيادة: "وهو الاستقبال عند التكبيرة " وفي رواية البخاري أيضا ~~زيادة: "وهو أن يومئ برأسه إيماء" (¬1)، وظاهره (أ) سواء كان على راحلته ~~رحل أو لا، وأنه لا يسجد على ظهرها ولو كان الرحل حائلا، ويكون إيماؤه ~~لسجوده أخفض من إيمائه لركوعه فصلا بينهما ما أمكن، وظاهره سواء كان السفر ~~قصيرا أم طويلا، إلا أن في رواية رزين لحديث جابر زيادة: "في سفر القصر". # وقد ذهب إلى هذا مالك (¬2)، وهو محكي عن الشافعي، وذهب إليه الإمام يحيى ~~قال: وفي الحاضر وجهان المختار أنه لا يجوز، و (ب) قال أبو سعيد الإصطخري ~~(¬3) من أضحاب الشافعي أنه يجوز في البلد، وهو مروي عن أنس بن مالك -من ~~فعله- وأبى يوسف (¬4). # [وحد بعض الشافعية السفر القصير بالميل، وبعضه بأن يخرج إلى مكان لا ~~يلزمه فيه الجمعة لعدم سماع النداء] (ج). PageV02P323 # فظاهر الحديث اشتراط الركوب، فلا يعفى عن الماشي الاستقبال (¬1)، وذهب ~~الشافعي إلى جواز مثل صلاة الراكب للماشي، واختاره الإمام المهدي والإمام ~~شرف الدين، ووجهه القياس على الراكب بجامع التيسير (أ) للمتطوع وفي قوله ~~"حيث توجهت به"، وقوله "حيث كان وجه ركابه": دلالة على أنه لا يعفى له عدم ~~الاستقبال إلا إذا لم يعدل عن مقصده كأنه جعل مقصده بدلا عن توجه القبلة، ~~فلو توجه إلى غير المقصد فقال أصحاب الشافعي: إن كان ذلك إلى القبلة جاز، ~~وإلا فلا. # ومن جوز مثل ذلك للماشي فقيل إن حكمه حكم الراكب وقيل: بل (ب) يلزمه ~~الاستقبال في ركوعه وسجوده وإتمامهما، ولا يمشي إلا في قيامه وتشهده، وفي ~~جواز المشي عند الاعتدال من الركوع وجهان لا في الجلوس بين السجدتين إذ لا ~~يمكن المشي إلا بالقيام وهو غير جائز بينهما، وظاهره أنه يتم الصلاة ولو ~~دخل إلى بلده، لأن دخوله صحيح، ولعله يعفى له من الأفعال ما يحتاج إليه في ~~حال سيره وسوق دابته، والله أعلم. # [ولا يختص ذلك بالراحلة ms0299 لأنه قد صح عنه كما في رواية مسلم أنه صلى على ~~حماره] (ج) (¬2)، وفيما ذكره (د) من الأحاديث تقييد الصلاة بالنافلة، وقد ~~ورد في PageV02P324 # رواية الترمذي والنسائي أنه عليه الصلاة والسلام انتهى إلى مضيق هو ~~وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم، فحضرت ~~الصلاة فأمر المؤذن فأذن وأقام ثم تقدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على راحلته فصلى بهم يومئ إيماء فجعل السجود أخفض من الركوع (¬1). قال ~~الترمذي: حديث غريب تفرد به عمر بن الرماح (أ)، وثبت ذلك عن أنس من فعله، ~~وصححه عبد الحق، وحسنه النووي، وضعفه البيهقي (¬2). # وقد ذهب بعضهم إلى أن الفريضة تصح على الراحلة إذا كان مستقبل القبلة (ب) ~~في هودج (¬3). # (ج) ولو كانت سائرة كالسفينة (د) فإنها تصح الصلاة فيها بالإجماع (¬4). # وأما إذا كان مستقبل القبلة وهو في هودج (ج) والراحلة واقفة فالصحيح في ~~مذهب الشافعي (¬5) صحة الصلاة، ولعل الحديث يحمل علي لحوق الضرر من ~~استقرارهم للإجماع على أن الفريضة لا تصح من دون استقلال واستكمال، ويعارض ~~هذا ما ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - "أوتر على الراحلة" (¬6) والوتر ~~واجب عليه. PageV02P325 # والجواب: بأن الذي لا يصح إنما هو الواجب على جميع المكلفين فيه ما فيه ~~والله أعلم. # وعند الشافعية (¬1) صحة صلاة الفريضة أيضا على الأرجوحة المشدودة ~~بالحبال، وما كان محمولا على الرحال من السرير إذا كانوا واقفين، فإن ساروا ~~بالسرير فوجهان. # وقوله: "يسبح" في الحديث المراد به: يصلي النافلة، والسبحة بضم السين ~~وإسكان الباء النافلة [أطلق عليها مجازا من إطلاق اللازم على الملزوم، لأن ~~التسبيح حقيقة قول الرجل: سبحان الله، ومعناه التنزيه لله، والصلاة المخلصة ~~لازمها التنزيه أو (أ) العلاقة الجزئية والكلية فإن "سبحان الله" جزء من ~~(ب) الصلاة، لأن الصلاة الشرعية ذات أذكار وأركان و "سبحان الله" من ~~أذكارها] (ج). # 161 - عن أبي سعيد - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" رواه الترمذي، وله علة (¬2). # الحديث فيه اختلاف في وصله ms0300 وإرساله فرواه حماد موصولا عن عمرو بن يحيى PageV02P326 # عن أبيه عن أبي سعيد، ورواه الثوري مرسلا عن عمرو بن يحيى عن أبيه عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورواية الثوري أصح وأثبت، وقال الدارقطني: ~~المرسل المحفوظ، وقال الشافعي: وجدته عن ابن عيينة موصولا ومرسلا، ورجح ~~البيهقي المرسل (¬1)، وقال النووي في "الخلاصة": هو ضعيف، وقال صاحب ~~"الإمام": حاصل ما علل به الإرسال، ولم يصب ابن دحية (¬2) حيث قال: هذا لا ~~يصح من طريق من الطرق، وأخرجه أيضا أحمد وأبو داود وابن ماجه وابن خزيمة ~~وابن حبان والحاكم. # والحديث فيه دلالة على أن الأرض كلها تصح فيها الصلاة ما عدا المقبرة ~~والحمام، فأما المقبرة -[وهي مثلثة الباء وكمكنسة على مفعلة بكسر اليم] ~~(1)، وهو المحل الذي يدفن فيه الموتى- فهو لا يصح فيه الصلاة (¬3)، وظاهره ~~سواء كان على القبر أو بين PageV02P327 # القبر (أ) والقبر (ب)، سواء كان قبر مؤمن أو كافر، فالمؤمن تكرمة له ~~والكافر بعدا من خبثه، وقد ذهب إلى هذا المنصور بالله وداود وصاحب "اللمع" ~~وغيرهم للحديث، وذهب أبو طالب وأبو العباس والشافعي إلى أنها تصح إن لم ~~يعلم انتباشها، فإن علم انتباشها لم تصح الصلاة فيها لاختلاطها بما تفتت من ~~عظام الموتى ولحومهم، قالوا: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أينما أدركتك ~~الصلاة فصل" (¬1)، والجواب: الحديث عام مخصوص. # وأما الحمام فذهب أحمد بن حنبل إلى العمل بظاهر الحديث فلا تصح عنده ~~الصلاة فيه وعلى سطحه أيضا (¬2)، وذهب الجمهور إلى صحتها مع طهارته ولكن مع ~~كراهة، قالوا: لقوله: "أينما أدركتك الصلاة فصل"، وحديث النهي محمول على ~~أنه نجس والنجاسة هي علة النهي، وقيل: بل علة النهي أنها مجتمع الشياطين ~~فتكره الصلاة فيه (ج) والظاهر مع أحمد، والله أعلم. # 162 - عن ابن عمر - رضي الله عنهما - "نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يصلى في سبع مواطن: المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، ~~والحمام، ومعاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله تعالى" رواه لم الترمذي وضعفه ~~(¬3). PageV02P328 # ضعفه الترمذي براو (¬1) في سنده، وأخرجه ابن ماجه، وفي طريقه ms0301 عبد الله بن ~~عمر (¬2) العمري وهو ضعيف أيضا، وصححه ابن السكن وإمام الحرمين، وقد روي في ~~هذ الحديث: "بطن الوادي" بدل "المقبرة" وهي زيادة باطلة لا تعرف (¬3). # والحديث فيه دلالة على عدم صحة الصلاة في هذه السبع المذكورة فالمزبلة ~~والمجزرة لما فيهما من النجاسة، إذ المزبلة هي موضع إلقاء الزبل وهي لا ~~تخلو من النجاسة، والمجزرة هي المحل الذي ينحر (أ) فيها الجزور وتذبح فيها ~~البقر والغنم وهي كذلك فالنهي تعلق بهما بناء على الأغلب، والمزبلة من زبل ~~بفتح الباء أي أصلح الأرض بالزبل (¬4)، والمجزرة من جزر وهما مكانان على ~~مفعلة بفتح العين شاذان من حيث لحاق (ب) التاء بهما. # والمقبرة والحمام تقدم الكلام عليهما. # وقارعة الطريق وهي حافة الطريق (¬5) ووسطه، واختلف في العلة المانعة من ~~الصلاة فيهما، فقيل: للنجاسة فتصح إن لم تكن فيها (ب) نجاسة، وقيل: لحق ~~الغير (¬6) فلا تصح الصلاة فيها سواء كانت واسعة أو ضيقة لعموم النهي، وقد PageV02P329 # ذهب إلى هذا أبو طالب، وقيل: إن ذلك مقيد بما إذا كانت تضر الغير، لا في ~~الواسعة التي لا تضر وقد ذهب إلى هذا المؤيد بالله والمنصور بالله. # ومعاطن الإبل: هي مباركها حول الماء، وقد صرح بالعلة في رواية البراء ~~بقوله: "فإنها من الشياطين" أخرجه أبو داود (¬1). # [وقد ورد في رواية: "مبارك الإبل"، وفي رواية "أعطان الإبل" (¬2)، وفي ~~رواية "مناخ الإبل" (¬3)، وفي رواية "مرابد الإبل" (¬4) وهي أعم من "معاطن" ~~لشمولها، ووقع في مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر (¬5) "أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يصلي في مرابد الغنم ولا يصلي في مرابد الإبل والبقر" ~~وسنده ضعيف (¬6)، ولو ثبت لأفاد أن (أ) حكم البقر حكم الإبل] (ب)، ولعل ~~الحكمة في ذلك لتعريض الصلاة للفساد لما يحصل عند تفرقها، والله أعلم. # وظهر بيت الله الحرام متأول بما إذا [كان على] (ج) طرف بأن يخرج حرمته عن ~~هوائها، فإن لم يطرف صحت عند المؤيد (د) بالله (¬7) وأبي طالب سواء كان PageV02P330 # مستقبلا جزءا منتصبا أم لا، وذهب الشافعي (¬1) إلى ms0302 أنها تصح بشرط أن ~~يستقبل من بنائها قدر ثلثي ذراع ليكون مستقبلا شطر المسجد الحرام، وعند أبي ~~حنيفة (¬2) لا يشترط ذلك كقول المؤيد. # واعلم أن التقييد في هذه المذكورات بما ذكر دل عليه الجمع بين هذا وحديث: ~~"أينما أدركتك الصلاة فصل"، [وبعض الأئمة جعله قرينة لحمل الكراهة على ~~التنزيه] (أ) وهو محل نظر لا سيما على القول بالعمل بالخاص مطلقا فتنبه، ~~والله أعلم. # 163 - عن أبي مرثد الغنوي - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يقول: "لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها" رواه مسلم (¬3). # هو مرثد -بفتح الميم وسكون الراء وفتح الثاء المثلثة- ابن أبي مرثد ~~الغنوي -بفتح الغين المعجمة وفتح النون-، واسم أبي مرثد: كناز -بفتح الكاف ~~وتشديد النون والزاي- ابن حصن، وقيل: ابن حصين، شهد بدرا هو وأبوه، وكانا ~~حليفين لحمزة بن عبد المطلب، وشهدا أحدا، وآخى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بينه وبين أوس بن الصامت، وقتل يوم غزوة الرجيع شهيدا في حياة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، (¬4). PageV02P331 # الحديث فيه دلالة على منع استقبال القبر بالصلاة وقد تقدم الكلام في ~~الصلاة في المقبرة ومنع الجلوس عليها، وفي ذلك أحاديت منها حديث جابر في ~~منع وطء القبر (¬1)، وحديث أبي هريرة: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ~~ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبر" أخرجه مسلم (¬2)، عن مالك ~~(¬3) أنه لا يكره القعود عليها، ونحوه: قال: وإنما النهي عن القعود لقضاء ~~الحاجة، وفي الموطأ عن علي "إنه كان يتوسد القبور ويضطجع عليها" (¬4)، وفي ~~البخاري أن ابن عمر كان يجلس على القبور (¬5)، وفيه عن يزيد بن ثابت أخي ~~زيد بن ثابت نحوه (¬6). قال: وإنما كره ذلك لمن أحدث عليها. # 164 - عن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا جاء أحدكم المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه أذى (أأو قذرا أ) ~~فليمسحه وليصل فيهما" (¬7) أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. # وأخرج الحديث أحمد والحاكم وابن حبان، ms0303 ولفظ الحديث قال: "بينا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يصلي بأصحابه في نعليه إذ خلعهما فوضعهما عن يساره ~~فلما رأى ذلك PageV02P332 # أصحابه ألقوا نعالهم فلما قضى صلاته قال: ما حملكم على خلع نعالكم؟ ~~قالوا: رأيناك خلعت (أ) فخلعنا، فقال: إن جبريل أتاني فأخبرني أن فيهما ~~قذرا (ب فإذا جاء أحدكم" الحديث ب). # واختلف في وصله وإرساله، ورجح أبو حاتم في "العلل" الموصول (¬1)، ورواه ~~الحاكم أيضا من حديث أنس (¬2) وابن مسعود (¬3)، ورواه الدارقطني من حديث ~~ابن عباس (¬4) وعبد الله بن الشخير (¬5) وإسنادهما ضعيفان، ورواه البزار من ~~حديث أبي هريرة (¬6)، وإسناده ضعيف معلول أيضا. # (ج) في الحديث دلالة على أن مسح النعال من النجاسة مطهر له إذ القذر ~~والأذى الظاهر منهما هو النجاسة سواء كانت النجاسة رطبة أو جافة. # وعلى أن المصلي إذا دخل في الصلاة وهو متلبس بنجاسة ناسيا ثم ذكر في ~~أثناء الصلاة وجب عليه الإزالة والبناء على صلاته، وقد قال بالطرف الأول ~~أبو حنيفة وأبو يوسف (¬7) وهو قول قديم للشافعي، ولحديث أبي هريرة الآتي، ~~وروى PageV02P333 # ذلك الأمير الحسين في "الشفا" عن القاسم (1) والباقر، وذهب الأكثر من ~~العلماء إلى أن ذلك لا يكفي في النجاسة الرطبة وإن زالت العين به قياسا على ~~الثوب المتنجس، وذهب محمد وأكثر العترة (2) والأخير من قولي الشافعي (¬3) ~~إلى أن ذلك لا يكفي في الجافة والرطبة قياسا على سائر المتننجسات والحديث ~~متأول [بأن المراد] (أ) بالقذر ما لا نجاسة فيه كالمخاط والبصاق ولكن رواية ~~"أذى أو قذرا" كما في الحديث هنا وفي رواية: "خبثا" وهي أصرح بدفع ذلك ~~التأويل. # ويجاب عن القياس بالتخصيص بالحديث، والحديث (ح) وإن لم يتفق على تصحيحه ~~فهو لا يقصر عن صحة العمل به ولا سيما مع ما يعضده من الشواهد، والله أعلم. # وأما الطرف الثاني (¬4) فقد قال به أبو العباس لكن بشرط أن لا يفعل ركنا ~~من أركان الصلاة وهو متلبس بالنجاسة وكذا في كشف العورة عنده قياسا على ~~النجاسة، وقال به أيضا أبو حنيفة والمنصور بالله. # وفي الحديث فوائد ms0304 منها: أن الاتساء بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~أفعاله واجب كما في أقواله. PageV02P334 # وفيه من الأدب أن المصلي إذا صلى وحده فخلع (أ) نعليه (ب) وضعهما عن ~~يساره فإذا كان معه غيره في الصف وكان عن يمينه وعن يساره ناس فإنه يضعهما ~~بين رجليه. # وفيه أن الفعل اليسير لا يقطع الصلاة. # 165 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا وطيء أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب" أخرجه أبو داود، وصححه ~~ابن حبان. # وأخرجه ابن السكن والحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة (¬1)، وهو معلول ~~اختلف فيه على (ج) الأوزاعي [فقال في رواية العباس بن الوليد عنه: أنبئت أن ~~سعيد بن أبي سعيد المقبري حدث عن أبيه عن أبي هريرة، وفي محمد بن كثير عنه ~~قال: عن ابن عجلان عن سعيد المقبري عن أبيه عن أبي هريرة، كذا في "سنن ~~البيهقي" ولفظه "بنعليه" عوض عن (د) "خفيه"، ولفظه "خفيه" (ه) في "سنن أبي ~~داود"، (و)، وسنده ضعيف. PageV02P335 # وروى عنه - صلى الله عليه وسلم - من طريق عائشة أيضا أخرجه أبو داود ~~(¬1)، وساقه ابن عدي في "الكامل" في ترجمة عبد الله بن سمعان (¬2)، وفي ابن ~~ماجه من وجه آخر عن أبي هريرة مرفوعا: "الطرق يطهر بعضها بعضا" (¬3) ~~وإسناده ضعيف (¬4). # وفي الباب حديث أم سلمة: "يطهره ما بعده" رواه الأربعة (¬5)، وفي الباب ~~أيضا عن أنس رواه البيهقي في "الخلافيات" وسنده ضعيف (¬6). # وأخرج البيهقي عن امرأة من بني عبد الأشهل قالت: قلت: يا رسول الله: إن ~~بيني وبين المسجد طريقا منتنة فكيف نفعل إذا مطرنا؟ فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: أليس بعدها طريق هي أطيب منها؟ # قلت: بلى. فقال: هذه بهذه. # وأخرج عن ابن العلاء عن أبيه عن جده قال: أقبلت مع علي ابن أبي طالب - ~~رضي الله عنه - إلى الجمعة وهو ماش فحال بينه وبين المسجد حوض ماء وطين ~~فخلع نعله وسراويله، قال: قلت: هات يا أمير المؤمنين أحمله عنك. # قال: لا يحاص. فلما جاوز ms0305 لبس نعله وسراويله ثم صلى بالناس ولم يغسل رجليه. # الكلام في فقه الحديث تقدم في الذي قبله. PageV02P336 # 166 - عن معاوية بن الحكم - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما هو ~~التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" رواه مسلم (¬1). # هو معاوية بن الحكم السلمي (¬2) كان ينزل المدينة وسكن في بني سليم، ~~وعداده في أهل الحجاز. روى عنه ابنه كثير وعطاء بن يسار وأبو سلمة ابن عبد ~~الرحمن، وقد روى عنه مالك في "موطئه" هذا الحديث (¬3) وسماه عمر بن الحكم ~~وهو وهم (¬4)، وليس في الصحابة من يقال له عمر بن الحكم، وإنما عمر بن ~~الحكم من التابعين، مات سنة سبع عشرة ومائة. # وأخرج الحديث أبو داود (أوالنسائي وابن حبان والبيهقي. في الحديث دلالة ~~على أن الذي يصلح في الصلاة أ) إنما هو التسبيح إلى آخره، وكذلك نحوه مثل ~~سائر أذكار الصلاة المشتهر كونها من الأركان (ب)، ومعناه لا يصلح فيها شيء ~~من كلام الناس ومخاطباتهم بقرينة ما نهى عنه في القصة، وهو تشميته للعاطس، ~~فيتضمن الحديث أن الكلام أي التكليم للغير عمدا مفسد للصلاة سواء كان لحاجة PageV02P337 # أو غيرها، وسواء كان لمصلحة الصلاة أو غيرها، فإذا احتاج إلى تنبيه الغير ~~كداخل (أ) أو نحوه فسيأتي في حديث أبي هريرة (¬1) بيان (ب) ما يفعل، وقد ~~ذهب إلى هذا جمهور العلماء (ج) من الخلف والسلف، وقول مالك وأبي حنيفة ~~وأحمد والشافعي، والظاهر أنه إجماع (¬2). # ويدل الحديث على أن كلام الجاهل لتحريمه لا يفسد صلاته إذ لم يأمره النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بالإعادة، ومثله الناسي إذا تكلم بكلام قليل (¬3) ~~عند مالك وأحمد والشافعي والجمهور، فإن كثر كلام الناسي فوجهان لأصحاب ~~الشافعي أصحهما تبطل صلاته، قالوا: للحديث في حق الجاهل، ولقوله: "رفع عن ~~أمتي" (د) ... الحديث (¬4)، ولخبر ذي اليدين الآتي. # وقال أبو حنيفة والكوفيون والهادوية (¬5): بل يفسد كلام الناسي، قالوا: ~~لهذا الحديث وغيره، وعدم حكاية الأمر بإعادة الصلاة لا يستلزم القول ~~بصحتها، ms0306 غاية الأمر أنه لم ينقل فيرجع إلى غيره من الأدلة كأمره المسئ ~~بالإعادة لاختلال أركانها، وحديث ذي اليدين منسوخ فإنه قد قيل إنه وقع قبل ~~النهي. PageV02P338 # ويجاب عنه بأن تحريم الكلام متقدم (أ) على القصة مع أن راويه (ب) أبو ~~هريرة وهو متأخر الإسلام. والله أعلم. # (ج وفي الحديث دلالة على أن تكبيرة الإحرام من الصلاة (د) ركن من ~~أركانها.)، وهو مذهب الهادي والشافعي والجمهور (¬1) خلافا للمؤيد بالله ~~وأبي حنيفة فهي عندهما ليست منها بل هي شرط خارج عنها متقدم. # 167 - وعن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: "إن كنا لنتكلم في الصلاة ~~على عهد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته حتى ~~نزلت: {حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين}. فأمرنا ~~بالسكوت ونهينا عن الكلام". متفق عليه، واللفظ لمسلم (¬2). # في الحديث دلالة أنه كان التكليم في الصلاة مباحا في صدر الإسلام ثم نسخ، ~~ونزول الآية دليل على أن معنى قوله تعالى: {وقوموا لله قانتين} (¬3) أي ~~ذاكرين الله سبحانه، أو ساكتين عن الخطاب، ولفظ القنوت محتمل، وله معان ~~إحدى عشرة جمعها زين الدين العراقي في قوله (¬4): PageV02P339 # ولفظ القنوت أعدد معانيه تجد ... مزيدا على عشر معاني مرضية # وعاء خشوع والعبادة طاعة ... إقامتها إقرارنا بالعبودية # سكوت صلاة والقيام وطوله ... كذاك دوام الطاعة الرائح أهنيه (¬1) # وهو مجمع على تحريم ذلك في الصلاة وأنه مفسد إذا كان عامدا عالما لغير ~~حاجة الصلاة، وقد عرفت تفصيل القيود فيما حكى. # 168 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "التسبيح للرجال والتصفيق للنساء" متفق عليه، زاد مسلم: "في ~~الصلاة" (¬2). # اتفقا عليه مختصرا من حديث أبي هريرة بلفظ: "إنما التسبيح ... " (¬3) ~~الحديث، وأخرجا من حديث سهل بن سعد نحوه في (أ) حديث طويل (¬4)، وفي رواية: ~~"إذا نابكم أمر فلتسبح الرجال ولتصفح النساء" (¬5) والتصفيح هو التصفيق. # وفي الحديث دلالة على أنه مشروع لمن نابه في الصلاة أمر كتنبيه الإمام أو ~~مار أو من يريد منه أمرا وهو لا ms0307 يدري أنه يصلي فينبه على أنه يصلي إن كان ~~رجلا أو يقول: "سبحان الله"، وقد ورد في لفظ للبخاري هذا اللفظ (¬6) وأطلق ~~في PageV02P340 # سائر الألفاظ، وإن كان (أ) امرأة فالتصفيق (¬1)، قال أبو داود: قال عيسى ~~بن أيوب: "التصفيح للنساء أن تضرب بإصبعين من يمينها على كفها اليسرى" ~~(¬2)، وقد ذهب إلى هذا الشافعي وأبو يوسف (¬3) مطلقا [وأحمد وإسحاق ~~والأوزاعي وأبو ثور، وجمهور العلماء من السلف والخلف] (ب) والمؤيد بالله ~~والإمام يحيى ورواية عن أبي حنيفة في حق المؤتم (¬4)، وذهب أبو حنيفة (¬5) ~~ومحمد أن ذلك مفسد (ج) سواء كان فتحا أو جوابا لا إذا قصد به الإعلام بأنه ~~في الصلاة، فلا تبطل يدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: "يا علي لا ~~تفتح على الإمام في الصلاة" أخرجه أبو داود (¬6). # وقال أبو داود: وأبو إسحاق لم يسمع من الحارث إلا أربعة أحاديث ليس هذا ~~منها (¬7)، وحديث أبي هريرة (¬8) ونحوه لعله قبل نسخ الكلام ومع جهل ~~التاريخ فدليل تحريم الكلام أرجح للحظر، والجواب بأن هذا لا يستقيم على ~~القول بناء العام على الخاص (د) مطلقا ولا على قول من يحكم بتخصيص العام ~~سواء تقدم الخاص أو تأخر، وحمل أبو حنيفة ومحمد (¬9) حديث أبي هريرة بما ~~إذا كان PageV02P341 # القصد به الإعلام بأنه في الصلاة وهما محتاجان لدليل على ذلك، وحملا حديث ~~سهل في قوله: "من نابه شيء في صلاته" على نائب مخصوص وهو إرادة الإعلام ~~بأنه في الصلاة، والأصل عدم هذا التخصيص لأنه عام لكونه يكره في سياق ~~الشرط، فيتناول النائم الذي يحتاج معه إلى الجواب، والذي يحتاج إلى الإعلام ~~فحمله على أحدهما من غير دليل لا يمكن المصير إليه، كيف والواقعة التي هي ~~سبب الحديث لم يكن القصد فيها الاعلام بأنه في الصلاة، وإنما كان القصد ~~تنبيه الصديق رضي الله عنه بحضور النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد اتفقوا ~~على أن السبب لا يجوز إخراجه، وعن أحمد (¬1) رواية مثل قول أبي حنيفة. # وكون المشروع للرجال التسبيح وللنساء التصفيق هل هو على سبيل ms0308 الإيجاب أو ~~(أ) الاستحباب أو الإباحة؟ قال شارح "التقريب" (¬2): الذي ذكره أصحابنا ~~ومنهم الرافعي والنووي أنه سنة، وحكاه عن الأصحاب ثم قال بعد كلام: والحق ~~انقسام التنبيه في الصلاة إلى ما هو واجب ومندوب ومباح بحسب ما يقتضيه الحال. # 169 - عن مطرف بن عبد الله بن الشخير عن أبيه - رضي الله عنهما - قال: ~~"رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي، وفي صدره أزيز كأزيز المرجل ~~من البكاء". أخرجه الخمسة إلا ابن ماجه، وصححه ابن حبان (¬3). PageV02P342 # هو أبو عبد الله مطرف -بضم الميم وفتح الطاء المهملة وتشديد الراء ~~المكسورة وبالفاء- ابن عبد الله بن الشخير -بكسر الشين المعجمة وكسر الخاء ~~المعجمة المشددة- العامري البصري. روى عن أبي ذر وعثمان بن أبي العاص، روى ~~عنه أخوه يزيد وعلي بن زيد وقتادة مات بعد سنة سبع وثمانين (¬1). # الحديث صححه أيضا ابن خزيمة والحاكم، ووهم من زعم أن مسلما أخرجه (¬2)، ~~ومثله الرواية عن عمر: "أنه قرأ في صلاة الصبح سورة يوسف حتى بلغ إلى قوله: ~~{إنما أشكو بثي وحزني إلى الله} فسمع نشيجه". # أخرجه البخاري (¬3) مقطوعا، ووصله سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن إسماعيل ~~بن محمد بن سعد سمع عبد الله بن شداد هذا، وأخرجه ابن المنذر من طريق عبيد ~~بن عمير عن عمر (¬4). # والأزيز: بفتح الألف بعدها زاي ثم تحتانية ساكنة ثم زاي أيضا هو صوت القدر. # و (أ) المرجل: بكسر الميم وسكون المهملة (ب) وفتح الجيم القدر إذا غلت، ~~وفي لفظ: "كأزيز الرحى" (¬5). # والنشيج: بفتح النون وكسر المعجمة وآخره جيم قال ابن فارس (¬6): نشج PageV02P343 # الباكي ينشج نشيجا إذا غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب، وقال الهروي ~~(¬1): النشيج صوت (أ) معه ترجيع كما يردد الصبي بكاءه في صدره، وفي ~~"المحكم" (ب): هو أشد البكاء. # وفي الحديث دلالة على أن صدور مثل ذلك لا يضر الصلاة، وقاس الناصر ~~والشافعي (¬2) الأنين عليه، قالا لأنه من جنس الأزيز، واستضعفه (ج) الإمام ~~المهدي (¬3). # 170 - وعن علي - رضي الله عنه - قال: "كان لي من رسول الله - صلى ms0309 الله ~~عليه وسلم - مدخلان، فكنت إذا أتيته وهو يصلي يتنحنح لي" (د) رواه النسائي ~~وابن ماجه (¬4)؛ أخرجه النسائي من حديث أبى بكرة عن عياش عن مغيرة، وبهذا ~~اللفظ يتنحنح، وكذا ابن ماجه، وصححه ابن السكن، وأخرج النسائي من حديث جرير ~~عن مغيرة عن الحارث العكلي عن عبد الله بن نجي عن علي بلفظ: "فسبح" (ه) ~~مكان "تنحنح" (¬5)، وقال البيهقي (¬6): هذا مختلف في إسناده ومتنه، وقال: ~~"ومداره على عبد الله بن نجي" (¬7). PageV02P344 # قال المصنف -رحمه الله-: واختلف عليه فقيل: عنه عن علي، وقال يحيى بن ~~معين: لم يسمعه عبد الله بن علي بينه وبين علي أبوه (¬1). # والحديث فيه دلالة على أن التنحنح لا يفسد الصلاة على رواية الأصل، وقد ~~ذهب إلى هذا الناصر والشافعي (¬2) للحديث المذكور وظاهره سواء كان لإصلاح ~~الصلاة أم لا، ورواية عن الناصر أن ذلك لا يفسد إذا كان لحاجة الصلاة (¬3)، ~~وذهب إلى هذا المنصور بالله، وذهب الهادوية وغيرهم إلى أنه يفسد الصلاة إذا ~~كان بحرفين فصاعدا إلحاقا له بالكلام المفسد. والحديث مضطرب كما عرفت، ~~والله أعلم. # 171: وعن ابن عمر - رضي الله عنهما -: "قلت لبلال: كيف رأيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يرد عليهم حين يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول هكذا: ~~وبسط كفه". أخرجه أبو داود والترمذي وصححه (¬4). # وأخرجه أيضا أحمد والنسائي وابن ماجه وابن حبان. PageV02P345 # وأصل الحديث: "خرج رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، إلى قباء يصلي ~~فيه، فجاءت الأنصار وسلموا عليه، فقلت لبلال: كيف رأيت رسول الله، - صلى ~~الله عليه وسلم -، يرد عليهم حين كانوا، يسلمون عليه وهو يصلي؟ قال: يقول ~~هكذا وبسط كفه". # ورواه أحمد وابن حبان والحاكم أيضا من حديث ابن عمر أنه سأل صهيبا عن ذلك ~~بدل بلال، وذكر الترمذي أن الحديثين جميعا صحيحان (¬1). # في الحديث دلالة على أن المصلي لا يرد السلام نطقا (أ)، وإنما يشير إلى ~~ذلك، وفي حديث جابر أخرجه مسلم قال: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بعثني لحاجته ثم أدركته وهو يصلي، فسلمت عليه فأشار إلي ms0310 فلما -فرغ دعاني ~~وقال: إنك سلمت" (¬2) ففي هذا الحديث زيادة اعتذار المصلي إلى المسلم بعد ~~الرد بالإشارة، وحديث ابن مسعود لم يذكر فيه إشارة وإنما قال: "إن في ~~الصلاة شغلا" (¬3)، وقد اختلف العلماء في رد السلام من المصلي، فذهب (ب) ~~الشافعي والأكثرون (¬4) -قال القاضي عياض (¬5): وبه قال جماعة من العلماء- ~~أنه يرد السلام في الصلاة نطقا، منهم أبو هريرة وجابر والحسن وسعيد بن ~~المسيب وقتادة وإسحق، وقيل: يرد في نفسه، وقال عطاء والنخعي والثوري: يرد ~~بعد السلام من الصلاة، وقال أبو حنيفة (¬6): لا يرد بلفظ ولا إشارة، قال ~~عمر بن عبد العزيز ومالك (¬7) وأصحابه: يرد إشارة ولا يرد نطقا. PageV02P346 # وفي هذا الحديث دلالة على أنه يرد إشارة ولا يرد نطقا، ولعل ذلك استحباب، ~~ويدل عليه حديث ابن مسعود وقوله: "إن في الصلاة شغلا"، وبهذا يحصل الجمع ~~بين الروايات. # وأما ابتداء السلام على المصلي فمذهب الشافعي (¬1) (أ) أنه لا يسلم عليه ~~فإن سلم [لم] (ب) يستحق جوابا، وعن مالك روايتان (¬2) إحداهما كراهة السلام ~~والثانية (ج) جوازه. # ويدل الحديث على أن الأفعال اليسيرة لا تكره في الصلاة إذا احتيج إليها. # 172 - وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها" ~~متفق عليه (¬3)، ولمسلم: "وهو يؤم الناس في المسجد". # في الحديث دلالة على أن حمل المصلي حيوانا آدميا أو غيره في الصلاة لا ~~يضرها، وسواء كان ذلك لضرورة أو غيرها (د)، وسواء كان في صلاة فريضة أو ~~غيرها، وسواء كان منفردا أو إماما إذ قد صرح في رواية مسلم بكونه (5) ~~إماما، وإذا جاز ذلك في حال الإمامة جاز في غيرها بالطريق الأولى إذ هي ~~أرفع حالا. PageV02P347 # وقد ذهب إلى هذا الشافعي وغيره من الأئمة (¬1)، والخلاف في ذلك للمالكية ~~(¬2) فقالوا: لا يجوز ذلك في الفريضة، وتأولوا الحديث بأن ذلك في النافلة، ~~ورواية مسلم (¬3) تدفع ذلك التأويل إذ الظاهر في الائتمام به إنما هو في ~~الفريضة، وبعض المالكية رد ms0311 ذلك بأنه منسوخ (¬4)، وبعضهم أنه خاص بالنبي، - ~~صلى الله عليه وسلم -، وبعضهم أن ذلك لضرورة (¬5)، والخطابي (¬6) بأن ذلك ~~بغير فعله، وإنما كانت أمامة تعلق به بغير تعمد منه لحملها، قال: لأن في ~~حمله لها ووضعه شغلا عن الصلاة مع أنه قد خلع الخميصة التي لها أعلام لما ~~شغلته أعلامها وتركها فكيف يفعل في الصلاة هذا الفعل؟ وهذا باطل بصريح ~~الرواية بقوله: "فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها"، وحمل الإسناد على المجاز ~~بعيد، وفي رواية غير مسلم "فخرج علينا حاملا أمامة وصلى" وذكر الحديث (¬7). # وأما ترك الخميصة فهي (أ) إشغال للقلب بلا فائدة، وحمل أمامة لا يسلم أنه ~~شغل للقلب وإن سلم [فلعل في تركها شغلا أعظم لما يحصل من بكائها. # وأيضا فإن] (ب) فيه فوائد وتمهيد قواعد شرعية منها التواضع مع الصبيان ~~والضعفة ورحمتهم وملاطفتهم والعناية بما فيه مسرتهم. PageV02P348 # ومنها أن مثل ذلك الفعل لا يضر الصلاة. # ومنها أن (أ) الظاهر في ثياب من لا يحترز من النجاسة هي الطهارة كالأطفال ~~والمجانين وكذا أبدانهم، والدلائل الشرعية متضافرة بذلك وهو محتمل الحكم ~~بطهارتها بعد زوال عين النجاسة والجفاف كما أن ذلك مجمع عليه في المولود من ~~الآدميين أنه لا يجب غسله بعد الولادة وقياسا على ذلك سائر حالات الصبيان ~~الذين لا يعقلون التنزه من النجاسة، والمجانين لما في ذلك من الحرج والمشقة ~~عليهم وعلينا، وقد ذهب إلى ذلك المنصور بالله أو (ب) أن ذلك محكوم بنجاسته ~~لكنه معفو عنه للحرج والمشقة. # وأمامة -بضم الهمزة- بنت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~وأبوها أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد الشمس (¬1)، وقد قيل: إنه ~~من ربيعة والأصح الأول، تزوجها علي بن أبي طالب بعد خالتها فاطمة رضي الله ~~عنهم، أمرته بذلك فاطمة، زوجها منه الزبير بن العوام، أوصاه أبوها بها. # 173 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "اقتلوا الأسودين في الصلاة الحية والعقرب" أخرجه الأربعة، وصححه ~~ابن حبان (¬2). # وأخرجه أحمد والحاكم ms0312 أيضا من حديث ضمضم بن حوس عن أبي هريرة. PageV02P349 # وعن ابن عباس مرفوعا نحوه (أ) رواه الحاكم (¬1) وإسناده ضعيف. # وفي صحيح مسلم (¬2). له شاهد من حديث زيد بن جبير عن ابن عمر عن إحدى ~~نسوة النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور ~~والفأرة والعقرب والحدياء والغراب والحية، وقال: في الصلاة". # وعند أبي داود بإسناد منقطع عن رجل من بنى عدي بن كعب أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - # قال لهم: "إذا وجد أحدكم عقربا وهو يصلي فليقتلها بنعله اليسرى" (¬3). # في الحديث دلالة على شرعية قتل الأسودين إذ الأمر إن لم يكن للوجوب ~~فالأقرب فيه الندب، وحمله على الإباحة بعيد لما في المذكورين من الضرر ~~للمصلي أو لغيره وإذا فعل ذلك في الصلاة، فظاهر الحديث أن ذلك لا يضر ~~الصلاة سواء حصل ذلك بفعل يسير أو كثير، وإن كان في قوله: "فليقتلها بنعله ~~اليسرى" في حديث أبي داود ما يشير إلى أن يفعل ذلك بفعل يسير ولعله وإن ~~أمكن في العقرب فهو لا يمكن في الحية، وقد ذهب إلى ظاهر الحديث أبو حنيفة ~~(¬4) وأصحابه، وقالت الهادوية (¬5): تفسد الصلاة بقتل الحية لكثرة ذلك، ~~وتأولوا الحديث بالخروج من الصلاة قياسا على سائر الأفعال الكثيرة التي ~~تدعو إليها الحاجة وتعرض وهو يصلي كإنقاذ غريق ونحوه، فإنه يخرج لفعل ذلك، ~~وقال الناصر (¬6) PageV02P350 # والإمام يحيى: إن كان الفعل كثيرا أفسد وإلا فلا تفسد وذلك كالضربة (أ) ~~والضربتين وهو قول المنصور بالله والشافعي (¬1) وفي الرواية عن الناصر إن ~~كان في أول الوقت فكما ذكر، وإن كان في آخر الوقت لم يفسد ولو احتاج إلى ~~فعل كثير أو احتاج إلى استدبار القبلة، والحديث حجة لأبي حنيفة، وكذلك غير ~~الأسودين كما ذكر في حديث ابن عمر وقياسا على الأسودين والله أعلم، وإطلاق ~~الأسودين على الحية والعقرب من باب التغليب. # عدة (ب) أحاديث الباب ستة وعشرون حديثا. PageV02P351 ### || AUTO باب سترة المصلي # 174 - عن أبي جهيم بن الحارث قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لو ms0313 يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيرا ~~له من أن يمر بين يديه". متفق عليه، واللفظ للبخاري (¬1)، ووقع في البزار ~~(¬2) من وجه آخر "أربعين خريفا". # هو أبو جهيم (¬3) -بضم الجيم وفتح الهاء، وسكون الياء- عبد الله بن جهيم ~~فيما ذكره وكيع، وقيل هو عبد الله بن الحارث بن الصمة الأنصاري، له حديثان ~~أحدهما هذا والآخر في السلام على من يبول (¬4)، أخرجه البخاري ومسلم ونسبه ~~أبو داود فقال: أبو جهيم بن الحارث بن الصمة ولم يذكر اسمه (¬5)، وابن عبد ~~البر (¬6) قال: راوي حديث السترة هو عبد الله بن جهيم، وراوي حديث السلام ~~هو عبد الله بن الحارث ويقال له أبو جهيم وابن جهيم، وابن منده قال: اسمه ~~عبد الله بن جهيم ويقال: عبد الله بن الحارث فجعلهما واحدا وروى الحديث ~~عنه، وقال مسلم في "كتاب الكنى" (¬7): قال أبو الجهيم بن الحارث بن الصمة ~~الأنصاري، قال: وقال وكيع: اسمه عبد الله بن جهيم، والله أعلم. PageV02P353 # الحديث فيه دلالة على تحريم المرور بين يدي المصلي فإن المعنى أن المار ~~لو علم مقدار الإثم الذي يلحقه من مروره بين يدي المصلي لاختار أن يقف ~~المدة المذكورة حتى لا يلحقه ذلك الإثم. # قال المصنف -رحمه الله-: ومقتضى ذلك أن يعد في الكبائر، وهو صريح في ~~تحريم المرور، ويقاس عليه القعود والاضطجاع ونحو ذلك بجامع شغله المصلي ~~(¬1) بذلك (أ)، وظاهره عموم كل مصل سواء كان فرضا أو نفلا، إماما أو مأموما ~~أو منفردا، وخصه بعض المالكية (¬2) بالإمام والمنفرد لا المؤتم، إذ سترة ~~إمامه سترة له والتعليل غير مناسب إذ السترة إنما تفيد رفع الحرج عن المصلي ~~لا عن المار (ب). # وقوله (¬3): "بين يدي المصلي" أي أمامه بالقرب وعبر باليدين لكون أكثر ~~الشغل يقع بهما، واختلف في مقدار ذلك فقيل إذا مر بينه وبين مقدار سجوده، ~~وقيل: بينه وبين قدر ثلاثة أذرع، وقيل: بينه وبين قدر رمية بحجر. # وقوله: "ماذا عليه من الإثم" لم تقع هذه اللفظة إلا في رواية الكشميهني ms0314 ~~"من الإثم"، وليست هذه من رواية غيره، والحديث في "الموطأ" بدونها. PageV02P354 # قال المصنف (¬1): قال ابن عبد البر: لم يختلف على مالك في شيء منه، وكذا ~~رواه باقي الستة وأصحاب المسانيد والمستخرجات بدونها، ولم أرها في شيء من ~~الروايات مطلقا، لكن في "مصنف ابن أبي شيبة" (¬2): "يعني من الإثم"، فيحتمل ~~أن تكون ذكرت في أصل البخاري حاشية فظنها الكشميهني أصلا لأنه لم يكن من ~~أهل العلم ولا من الحفاظ، وقد عزاها المحب الطبري في "الأحكام" (¬3) ~~للبخاري وأطلق فعيب عليه ذلك وعلى صاحب "العمدة" (¬4) في إيهامه أنها (أ) ~~من الصحيحين، وقال ابن الصلاح (¬5): ليس "من (ب) الإثم" في الحديث صريحا، ~~وقال النووي في "شرح المهذب" (¬6): وفي رواية رويناها في "الأربعين" لعبد ~~القادر الرهاوي: "ماذا عليه من الإثم". # وقوله: "لكان أن يقف" جواب لو، وليس بمحذوف كما زعمه الكرماني (¬7)، ~~وقال: تقديره: لوقف أربعين لكان خيرا له، "وخير" منصوب خبر كان في رواية ~~المصنف للبخاري، وفي رواية الترمذي بالرفع على أنها اسم كان، وفيه كون ~~الخبر معرفة والاسم نكرة، وهو قليل، ويحتمل أن يكون في كان ضمير الشأن. PageV02P355 # وفي زيادة البزار (¬1) تعيين (أ) المبهم في الحديث، وفي سياق البخاري ~~دلالة على أن الإبهام لشك الراوي قال: قال أبو النضر: "لا أدري أربعين يوما ~~أو شهرا أو سنة" (¬2)، وفي ابن ماجه (¬3) وابن حبان من حديث أبي هريرة: ~~"لكان (أأن يقف مائة عام خيرا له من الخطوة التي خطاها"، وفي هذه الرواية ~~إشعار بأن ذكر أ) الأربعين لمجرد المبالغة لا لتحقيق خصوص عدد، وجنح ~~الطحاوي (¬4) إلى أن التقييد بالمائة متأخر عن التقييد بالأربعين زيادة في ~~تعظيم الإثم على المار. # فائدة: وقع في رواية أبي العباس السراج من طريق الضحاك بن عثمان عن أبي ~~النضر: "لو يعلم المار بين يدي المصلي والمصلى" فحمله بعضهم على ما إذا قصر ~~المصلي في دفع المار، أو بأن صلى في شارع، ويحتمل أن يكون قوله "والمصلى" ~~بفتح اللام أي بين يدي المصلي من داخل سترته وهذا أظهر، والله أعلم. PageV02P356 # 175 - وعن ms0315 عائشة - رضي الله عنها - قالت: "سئل رسول الله، - صلى الله ~~عليه وسلم -، في غزوة تبوك عن سترة المصلي فقال: مثل مؤخرة الرحل" أخرجه ~~مسلم (¬1). # المؤخرة: بضم الميم وهمزة ساكنة وكسر الخاء ويقال: بفتح الخاء مع فتح ~~الهمزة وتشديد الخاء (أ) ومع إسكان الهمزة وتخفيف الخاء، ويقال "آخرة ~~الرحل" بهمزة ممدودة وكسر الخاء فهذه أربع لغات، وهي العود الذي في آخر ~~الرحل (¬2). # وهذا الحديث تضمن بيان أن أقل السترة مثل مؤخرة الرحل، وهي قدر عظم ~~الذراع وهي ثلثا ذراع، ويحصل بأي شيء أقامه بين يديه سواء غلظ أو رق كما ~~سيأتي في قوله: (ب) "ولو بسهم". # وشرط مالك أن يكون مثل غلظ الرمح (¬3) ويكون بين المصلي وبين السترة قدر ~~ممر الشاة، وقيل أكثر من ذلك، ثلاثة أذرع لحديث بلال: "أن النبي، - صلى ~~الله عليه وسلم -، صلى في الكعبة وبينه وبين الجدار ثلاثة أذرع" (¬4) وجمع ~~الداودي بأن أقله ممر الشاة وأكثره ثلاثة أذرع، وجمع بعضهم بأن الأول في ~~حال القيام والقعود والثاني في حال الركوع والسجود، وقال ابن الصلاح: قدروا ~~ممر الشاة بثلاثة أذرع (¬5). PageV02P357 # قال المصنف (¬1) -رحمه الله تعالى-: ولا يخفى ما فيه. # وقال البغوي (¬2): استحب أهل العلم الدنو من السترة بحيث يكون بينه ~~وبينها قدر إمكان السجود وكذلك بين الصفوف، وقد ورد الأمر بالدنو منها. # وفيه بيان الحكمة في ذلك وهو ما رواه أبو داود وغيره من حديث سهل بن أبي ~~حثمة مرفوعا: "إذا صلى أحدكم إلى سترة فليدن منها، لا يقطع الشيطان عليه ~~(أ) صلاته" (¬3). # 176 - وعن سبرة بن معبد الجهني - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "ليستتر أحدكم في الصلاة لو بسهم" أخرجه الحاكم (¬4). # هو أبو ثرية (¬5) -بضم الثاء المثلثة وفتح الراء وتشديد الياء تحتها ~~نقطتان، ويقال بفتح الثاء وكسر الراء، والأول أكثر -سبرة بن معبد- ويقال ~~(ب): ابن عوسجة- الجهني، سكن المدينة وهو والد الربيع بن سبرة، روى عنه ~~الربيع، وعداد في المصريين، و (ج) سبرة: بفتح السين وسكون الباء الموحدة. PageV02P358 # الحديث دل على الأمر ms0316 بالسترة في الصلاة، وهو محمول على الندب بقرينة ما ~~ذكر في سائر الأحاديث أنه لا يقطع الصلاة شيء مع السترة، وقطعها مع عدم ~~السترة. # وقوله: "ولو بسهم" فيه دلالة على أنه تجزئ السترة سواء غلظت أو رقت (¬1). # قال العلماء الحكمة في السترة كف البصر عما وراءه ومنع من يجتاز بقربه ~~(¬2)، والمستحب أن يجعل السترة عن يمينه أو (أ) شماله ولا يصمد إليها، ~~والله أعلم. # 177 - عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله، - صلى الله عليه ~~وسلم -: "يقطع صلاة المرء المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل: ~~المرأة والحمار والكلب الأسود ... " الحديث، وفيه: "الكلب الأسود شيطان" ~~أخرجه مسلم (¬3). # وله عن أبي هريرة نحوه دون الكلب (¬4). PageV02P359 # ولأبي داود والنسائي عن ابن عباس (¬1) نحوه دون آخره، وقيد المرأة ~~بالحائض. هو جندب -بضم الجيم وسكون النون وضم الدال المهملة وفتحها أيضا- ~~(أابن جنادة -بضم الجيم وتخفيف النون أ)، ويقال: جندب بن السكن- بن كعب بن ~~سفيان بن عبيد بن حرام، ويقال: عبيد بن الوقيعة بن حرام بن غفار الغفاري ~~(¬2)، وفي نسبه واسمه اختلاف كثير، وهو من أعلام الصحابة وزهادهم ~~والمهاجرين، وهو أول من حيا النبي - صلى الله عليه وسلم - بتحية الإسلام" ~~(¬3)، وأسلم قديما بمكة يقال: كان خامسا في الإسلام، ثم انصرف إلى قومه ~~فأقام فيهم إلى أن قدم المدينة على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~الخندق، ثم سكن الربذة إلى أن مات بها سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان، ~~وصلى عليه ابن مسعود، ويقال: إن ابن مسعود مات بعده بعشرة أيام وكان أبو ذر ~~يتعبد قبل مبعث النبي، - صلى الله عليه وسلم -، روى عنه ابن عباس وأنس بن ~~مالك وعبادة بن الصامت وزيد بن وهب وأبو إدريس الخولاني وقيس بن أبي حازم ~~وخلق سواهم. # الحديت فيه دلالة على أن الصلاة يقطعها هذه المذكورات إذا لم يكن ثم ~~سترة، والقطع ظاهر في إبطال الصلاة، وقد ذهب إلى أن هذه المذكورات تقطعها ~~جماعة، وقال عطاء (¬4): تقطعها المرأة والكلب الأسود دون الحمار (ب)، ms0317 وقال ~~أحمد (¬5): يقطعها الكلب الأسود، وفي قلبي من الحمار شيء. # وذهب الجمهور (¬6) إلى أنه لا يقطعها شيء، وتأولوا هذا الحديث بأن المراد PageV02P360 # بالقطع نقص الصلاة لشغل القلب بهذه الأشياء، وليس المراد إبطالها، وبعضهم ~~(¬1) ذهب إلى أن هذا منسوخ بحديث أبي سعيد: "لا يقطع الصلاة شيء" وسيأتي، ~~وهذا غير مرضي لأن النسخ لا يصار إليه إلا حيث تعذر الجمع بين الحديثين ~~وعلم التاريخ، وهما مفقودان، إذ الجمع بالتأويل المذكور ممكن ولا تاريخ ~~هنا، وأيضا لا يستقيم على القول ببناء العام على الخاص إذ (أ) على القول به ~~هذا الحديث المذكور في الكتاب خاص بأن هذه المذكورات تقطع، وحديث أبي سعيد ~~عام والعمل بالخاص فيما يتأوله مع أنه سيأتي بيان ضعف ذلك (¬2). # ووجه قول أحمد أنه ورد حديث اعتراض عائشة (¬3) في قبلة النبي، - صلى الله ~~عليه وسلم -، وهو يصلي وإذا سجد غمزها فقبضت رجليها، وإذا قام بسطتهما، وفي ~~الحمار حديث ابن عباس بمروره راكبا على الحمار بين يدي الصف، والنبي، - صلى ~~الله عليه وسلم -، يصلي بهم في منى (¬4)، ولم يأمر النبي، - صلى الله عليه ~~وسلم -، بإعادة الصلاة ولا سأل أحد من الصحابة النبي، - صلى الله عليه وسلم ~~-، في ذلك، وإنما لم يجزم بالقول بعدم القطع في حق الحمار لاحتمال أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لم يشعر بذلك وإن سترة الإمام سترة للمأموم، وبقي ~~الحديث في الكلب الأسود غير معارض فوجب العمل به. # ولعل وجه قول عطاء بأن المرأة والكلب يقطعانها دون الحمار حديث ابن عباس ~~في حق الحمار ولعله قول في اعتراض عائشة أن ذلك في نفل وهو يغتفر فيه من ~~النقص ما لا يغتفر في الفرض، أو أن ذلك حكاية فعل الغمز ولم يحك أنه (ب) ~~اجتزأ بما اعترضت فيه، ولعله أعاد ذلك. والله أعلم. PageV02P361 # [أو أنه يغتفر اعتراض الراقد ما لا يغتفر في القاعد والماشي لقلة تشويشه ~~دونهما، وفي رواية النسائي (¬1) عن عائشة لحديثها في اعتراضها في قبلة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فأكره أن أقوم فأمر بين يديه ms0318 فأنسل ~~انسلالا" فظهر أنها كرهت القيام بين يديه دون الاعتراض والله أعلم] (أ). # وقد ورد أنه يقطع الصلاة الكلب والمرأة والحمار واليهودي والنصراني ~~والمجوسي والخنزير وهو ضعيف (¬2). # 178 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله، - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره (ب) من الناس وأراد أحد أن ~~يجتاز بين يديه فليدفعه فإن أبى فليقاتله، فإنما هو شيطان" متفق عليه (¬3). # وفي رواية: "فإن معه القرين" (¬4). PageV02P362 # الحديث يدل بحسب مفهومه أنه إذا لم يستتر المصلي بشئ فليس له أن يدفع ~~المار هذا الدفع لتقصيره، وكذا إذا تباعد عن السترة، وقد نص على هذا بعض ~~الشافعية (¬1). # وقوله: "فليدفعه" وفي رواية لمسلم: "فليدفع في نحره" (¬2) قال القرطبي ~~(¬3): أي بالإشارة ولطيف المنع. # وقوله: "فليقاتله": أي يزيد في دفعه الثاني أشد من الأول. قال: وأجمعوا ~~على أنه لا يلزمه أن يقاتله بالسلاح لمخالفة ذلك قاعدة الصلاة من الإقبال ~~عليها والاشتغال بها والخشوع فيها. انتهى. # وأطلق جماعة من الشافعية (¬4) إلى أن له أن يقاتله حقيقة، واستبعد ابن ~~العربي (¬5) ذلك في "القبس" وقال: المراد بالمقاتلة المدافعة، وقال الباجي: ~~المراد بالمقاتلة (¬6): اللعن والتعنيف، وتعقب بأن الكلام يفسد الصلاة ~~بخلاف الفعل اليسير، وأجيب بأنه إنما يفسد إذا كان مخاطبا وهو يأتي به هنا ~~على جهة الدعاء، لكن فعل أبي سعيد مع الشاب الذي دفعه وهو راوي الحديث ~~قرينة أن المقاتلة على ظاهرها بالفعل لا بالقول، وقد روى الإسماعيلي في هذا ~~الحديث: " ... فإن أبى فليجعل يده في صدره وليدفعه" (¬7). ونقل البيهقي عن ~~الشافعي (أأن المقاتلة مراد بها دفع أشد من الدفع الأول، قال أصحاب الشافعي ~~(¬8): يرده أ) بأسهل الوجوه PageV02P363 # فإن أبى فبأشد ولو أدى إلى قتله ولا شيء عليه، لأن الشارع أباح له ~~مقاتلته فلا ضمان عليه كمقاتلة الصائل. ونقل عياض (¬1) الخلاف عندهم في ~~وجوب الدية في هذه الحالة، ونقل ابن بطال (¬2) وغيره كالقاضي عياض الاتفاق ~~على أنه لا يجوز له المشي من مكانه ليدفعه ولا العمل الكثير في مدافعته لأن ~~ذلك أشد ms0319 في إبطال الصلاة من المرور، وذهب الجمهور (¬3) أنه إذا مر ولم ~~يدفعه فلا ينبغي له أن يرده لأن فيه إعادة للمرور، وروى ابن أبي شيبة عن ~~ابن مسعود أن له ذلك (¬4)، ويمكن حمله على ما إذا رده فامتنع وتمادى لا حيث ~~يقصر المصلي في الرد، قال النووي (¬5): ولا أعلم أحدا من الفقهاء قال بوجوب ~~هذا الدفع بل صرح أصحابنا بأنه مندوب. # قال المصنف -رحمه الله (¬6) -: قد صرح بوجوبه أهل الظاهر، وكأن النووي لم ~~يطلع على خلافهم أو لم يعتد به. انتهى (¬7). # وقوله "إنما هو شيطان": أي: فعله فعل الشيطان من التشويش على المصلي. # وفي الحديث دلالة على جواز إطلاق هذا اللفظ على من فتن في الدين كما قال ~~تعالى: {شياطين الإنس والجن} (¬8) والظاهر أنه من باب التشبيه البليغ لأن ~~الشيطان حقيقة في المتمرد من الجن، ويحتمل أن يكون المعنى: فإنما الحامل له PageV02P364 # على ذلك الشيطان، ويدل على هذا ما وقع في رواية الإسماعيلى: "فإن معه ~~الشيطان" (¬1)، ورواية مسلم: "فإن معه القرين" (¬2). واستنبط ابن أبي حمزة ~~من هذا أن الأمر بالمقاتلة المراد به المدافعة اللطيفة، لأن مقاتلة الشيطان ~~إنما هي بالاستعاذة منه. # واختلف في الحكمة المقتضية للأمر بالمدافعة، فقيل: إنها (أ) لدفع الإثم ~~عن المار، وقيل لخلل يقع في الصلاة، والأخير أرجح (¬3) إذ اشتغال المصلي ~~بصلاته أهم من دفعه الإثم عن غيره، وقد روى ابن أبي شيبة (¬4) عن ابن ~~مسعود: إن المرور بين يدي المصلي يقطع نصف صلاته، وروى أبو نعيم عن عمر: ~~"لو يعلم المصلي ما ينقص من صلاته بالمرور بين يديه ما صلى إلا إلى شيء ~~ستره (ح) من الناس". والأثران يؤيدان الأخير ولهما حكم الرفع، والله أعلم. # 179 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئا، فإن لم يجد فلينصب عصا، فإن ~~لم يكن فليخط خطا، ثم لا يضره من مر بين يديه" أخرجه أحمد وابن ماجه، وصححه ~~ابن حبان (¬5)، ولم يصب من زعم أنه مضطرب ms0320 بل هو حسن. # الزاعم بأنه مضطرب ابن الصلاح حيث أورده مثالا للمضطرب (¬6). PageV02P365 # قال المصنف -رحمه الله (¬1) -: وقد نوزع في ذلك كما بينته في "النكت" ~~(¬2)، وقد ذكره الشافعي في القديم، وأخرجه أبو داود والبيهقي وصححه أحمد ~~وابن المديني فيما نقله ابن عبد البر (¬3) في "الاستذكار"، وأشار إلى ضعفه ~~سفيان بن عيينة (¬4) والشافعي (¬5) والبغوي (¬6) وغيرهم، وقال الشافعي (¬7) ~~في البويطي: ولا يخط المصلي بين يديه خطا إلا أن يكون في ذلك حديث ثابت، ~~وكذا قال في "سنن حرملة"، ورواه المزني في المتوسط عن الشافعي وهو من ~~الجديد فلا اختصاص له بالقديم. # والحديث يدل على أن السترة تجزئ من أي شيء، وقد ورد في الصحيحين من حديث ~~ابن عمر (¬8) "أن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، كان يعرض راحلته فيصلي ~~إليها" أي: ينيخها بالعرض من القبلة حتى تكون معترضة بينه وبين من يمر بين يديه. # وفي ذلك الحديث قلت: أفرأيت إذا هبت الركاب، أي قامت والركاب جمع لا واحد ~~له من لفظه، وإنما واحده راحلة. قال: كان يأخذ الرحل فيعد له فيصلي إلى ~~آخرته وقد تقدم ذلك. PageV02P366 # (أقال أصحاب الشافعي (¬1): وإذا لم يجد العصا جمع أحجارا أو ترابا أو ~~متاعه، فإن لم يكن شيء من ذلك خط خطا، والخط قال أبو داود (¬2) (ب): سمعت ~~أحمد بن حنبل سئل عن الخط غير مرة فقال: هكذا يعني عرضا مثل الهلال، قال ~~أبو داود: وسمعت مسددا قال: قال أبو داود: الخط بالطول [أي يكون مستقيما أ) ~~بين يديه إلى القبلة، قال النووي (¬3): المختار في كيفيته (ج) ما قاله ~~الشيخ أبو إسحاق أنه إلى القبلة، لقوله (د في الحديث د) تلقاء وجهه، واختار ~~في "التهذيب" أن يكون من المشرق إلى المغرب كالجنازة] (ه). # وقوله: "ثم (و) لا يضره من مر بين يديه" لفعله ما شرع له من الإعلام بأنه ~~مصلي (ز) بخلاف ما إذا قصر في ذلك، وقد تقدم معنى الضرر وأنه يرجع إلى نقص ~~صلاة المصلي، وهذا إذا كان منفردا، أو إماما، وأما إذا كان مؤتما فسترة ~~الإمام ms0321 سترة له، وقد بوب البخاري وأبو داود (¬4) لذلك وأورد بعده حديث ابن ~~عباس (¬5) وحماره في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - في منى. قال القاضي ~~عياض (¬6): الاتفاق على أن المأمومين يصلون إلى سترة لكن اختلفوا هل سترتهم ~~سترة الإمام أم سترتهم الإمام نفسه. انتهى. PageV02P367 # قال المصنف -رحمه الله (¬1) -: وفيه نظر لما رواه عبد الرزاق عن الحكم بن ~~عمرو الغفاري الصحابي "أنه صلى بأصحابه في سفر (أ)، وبين يديه سترة، فمرت ~~حمير بين يدي أصحابه فأعاد لهم الصلاة" (¬2)، وفي رواية (ب له أنه قال ب): ~~"إنها لم تقطع صلاتي ولكن قطعت صلاتكم" (¬3) فهذا يعكر على ما نقل من ~~الاتفاق، وقد ورد (ج في حديث مرفوع ج) عن أنس أخرجه الطبراني في "الأوسط" ~~(¬4) من طريق سويد بن عبد العزيز عن عاصم عن أنس مرفوعا: "سترة الإمام سترة ~~لمن خلفه"، وقال: تفرد به سويد عن عاصم وسويد ضعيف عندهم، وورد أيضا في ~~حديث موقوف على ابن عمر أخرجه عبد الرزاق (¬5) ويظهر (د) أثر الخلاف الذي ~~نقله القاضي عياض فيما لو مر بين يدي الإمام أحد فعلى قول من يقول: إن سترة ~~الإمام سترة من خلفه يضر صلاته وصلاتهم معا وعلى قول من يقول: إن الإمام ~~نفسه سترة من خلفه يضر صلاته ولا يضر صلاتهم. # واعلم أن ظاهر الحديث وما كان عليه، - صلى الله عليه وسلم -، واستمرت ~~عادته في الصلاة إلى السترة سواء كان في فضاء أو غيره فثبت أنه كان، - صلى ~~الله عليه وسلم -: إذا صلى إلى الجدار جعل بينه وبينه قدر (ه) ممر الشاة ~~(¬6) ولم يكن يتباعد منه بل أمرنا بالقرب من السترة، وكان إذا صلى إلى عود ~~أو عمود أو شجرة جعله على جانبه الأيمن أو PageV02P368 # الأيسر ولم يصمد له صمدا، وكان يركز الحربة في السفر والبرية فيصلي إليها ~~فتكون سترته، وكان يعرض راحلته فيصلي إليها، وكان يأخذ الرحل فيعدله فيصلي ~~إلى آخرته، وأمر المصلي أن يستتر ولو بسهم أو عصا، فإن لم يجد فليخط خطا، ~~وقاس بعض الشافعية (¬1) علي ما ms0322 ذكر بسط المصلى بجامع إشعار المار، والحكمة ~~في اعتبار ذلك هو منع المار (أمن المرور أ) بينه وبين قبلته وقد مر تفصيل ~~ذلك، والله أعلم. # 180 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله، - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا يقطع الصلاة شيء وادرأ ما استطعت" أخرجه أبو داود ~~وفي سنده ضعف (¬2). # وأخرج نحوه أيضا الدارقطني من حديث أنس (¬3) وأبي أمامة (¬4)، وأخرج أيضا ~~الطبراني من حديث جابر (¬5)، وفي إسناده ضعف، وترجم البخاري (¬6): من قال ~~لا يقطع الصلاة شيء وأورد هذه الجملة من قول الزهري، ورواها مالك في ~~"الموطأ" (¬7) عن الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه من قوله، ~~ورواها سعيد بن منصور بإسناد صحيح عن علي وعثمان وغيرهما موقوفا. # الكلام تقدم على فقه الحديث والجمع بينه وبين معارضه. # عدة (ب) أحاديث الباب اثنا عشر حديثا. PageV02P369 ### || CHECK باب الحث على الخشوع في الصلاة # باب الحث على الخشوع (أ) في الصلاة # قال: الخشوع تارة يكون من قبل القلب كالخشية، وتارة يكون من قبل البدن ~~كالسكون، وقيل لا بد من اعتبارها، حكاه الفخر الرازي في تفسيره، ويدل على ~~أنه من عمل القلب حديث علي - رضي الله عنه: "الخشوع في القلب" (¬1) أخرجه ~~الحاكم، وأما حديث: "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه" ففيه إشارة إلى أن الظاهر ~~عنوان الباطن (أ). # 181 - عن أبي هريرة - رضي الله عمه- قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يصلي الرجل مختصرا" متفق عليه، واللفظ لمسلم (¬2)، ومعناه: أن ~~يجعل يده على خاصرته. # وفي البخاري عن عائشة أن ذلك فعل (ب) اليهود (¬3). # تفسير الاختصار بما ذكره المصنف عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة ~~والغريب والمحدثين (¬4)، وبه قال أصحاب الشافعي، وقال الهروي (¬5): قيل: هو PageV02P371 # الذي يأخذ بيده عصا يتوكأ عليها، وقيل (¬1): أن يختصر السورة يقرأ من ~~آخرها آية أو آيتين، وقيل: أن يحذف منهما ولا يمد قيامها وركوعها وسجودها ~~وحدودها، والصحيح ما ذكره المصنف. # والحكمة في النهي عنه قيل: لأنه فعل اليهود (¬2)، وقيل: فعل الشيطان، ~~وقيل: لأن ms0323 إبليس هبط من الجنة كذلك (¬3)، وقيل: إنه فعل المتكبرين (¬4)، ~~(¬5) والله أعلم. # 182 - وعن أنس - رضي الله عنه - أن رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال: "إذا قدم العشاء فابدووا به قبل أن تصلوا المغرب". متفق عليه (¬6). # الحديث ورد في هذه الرواية بالتصريح بالمغرب، وورد في غيره من الروايات ~~بإطلاق لفظ الصلاة، قال ابن دقيق العيد (¬7): فيحمل المطلق على المقيد ~~والحديث يفسر بعضه بعضا، وقد ورد في رواية صحيحة: "إذا وضع العشاء وأحدكم ~~صائم ... " (¬8) فلا ينبغي أن تحمل الأحاديث المطلقة على هذه الرواية PageV02P372 # فإن الحكمة في ذلك هو دفع ما يحصل من تشويش الخاطر المفضي إلى ترك الخشوع ~~في الصلاة وقد يكون الجائع غير الصائم أشوق إلى الأكل من الصائم، والأولى ~~حمل المطلق على إطلاقه، وذكر الخاص الموافق لا يقتضي تقييدا ولا تخصيصا، ~~والجمهور حملوا الأمر على الندب، ثم اختلفوا فمنهم من قيده بمن كان محتاجا ~~إلى الأكل وهو المشهور عند الشافعية (¬1)، وزاد الغزالي قيدا وهو إذا خشي ~~فساد المأكول، وحمله ابن حزم والظاهرية على الوجوب (¬2)، وقالوا: تبطل ~~الصلاة إذا قدمها، ومنهم من اختار البداءة بالطعام إذا كان خفيفا، نقله ابن ~~المنذر عن مالك (¬3)، وفصل أصحابه فقالوا: يبدأ بالصلاة إن لم تكن النفس ~~متعلقة بالأكل أو (أ) كان لا يشغله عن صلاته، وإن كان ذلك يشغله بدأ ~~بالطعام واستحب له الإعادة. # ويلحق باشتغال النفس بالطعام اشتغالها بغير ذلك من سائر مقاصدها فيندب ~~تقديم ذلك، وهذا إذا كان في الوقت سعة، فإن ضاق صلى على حاله محافظة على ~~حرمة الوقت، ولا يجوز التأخير، وحكى المتولي وجها أنه يبدأ بالأكل وإن خرج ~~الوقت؛ لأن مقصود الصلاة الخشوع فلا (ب) يفوته، كذا ذكره النووي (¬4)، وهذا ~~إنما يجيئ على قول من يوجب الخشوع في الصلاة، وفي قولهم أيضا نظر لأن ~~المفسدتين إذا تعارضتا اقتصر على أخفهما، (ج) فخروج الوقت أشد من ترك ~~الخشوع بدليل صلاة الخوف والغريق وغير ذلك، وإذا صلى لمحافظة الوقت صحت مع ~~الكراهة، ويستحب الإعادة عند الجمهور (¬5). PageV02P373 # واستدل بالحديث على أن الجماعة ms0324 ليست بواجبة، وفيه نظر لأن بعض من أوجب ~~الجماعة كابن حبان (¬1) جعل حضور الطعام عذرا، في ترك الجماعة، فلا دليل ~~فيه حينئذ على إسقاط الوجوب. # وظاهر قوله "فابدؤوا" في حق من لم يكن قد أكل شيئا وأما من قد شرع في ~~الأكل فلا يتمادى فيه. وقد استدل به بعض الشافعية على ذلك، وقد أخرج ~~البخاري (¬2) عن ابن عمر "أنه كان إذا حضر عشاؤه وسمع الإقامة وقراءة ~~الإمام لم يقم حتى يفرغ"، ورواه ابن حبان (¬3) عن نافع أن ابن عمر كان يصلي ~~المغرب إذا غابت الشمس وكان أحيانا يلقاه وهو صائم فيقدم له عشاءه وقد نودي ~~للصلاة ثم تقام وهو يسمع، فلا يترك عشاءه، ولا يعجل حتى يقضي عشاءه ثم يخرج ~~فيصلي، وروى سعيد بن منصور (¬4) وابن أبي شيبة بإسناد حسن عن أبي هريرة ~~وابن عباس: أنهما كانا يأكلان طعاما، وفي التنور شواء، فأراد المؤذن أن ~~يقيم الصلاة فقال له ابن عباس: "لا تعجل لا نقوم، وفي أنفسنا منه شيء". وفي ~~رواية ابن أبي شيبة (¬5): "لئلا يعرض لنا في صلاتنا"، وله (¬6) عن الحسن PageV02P374 # ابن علي قال: "العشاء قبل الصلاة يذهب النفس اللوامة". وفي هذا كله إشارة ~~إلى أن العلة في ذلك (أ) تشوق النفس إلى الطعام فيدار الحكم معها وجودا ~~وعدما بالنظر إلى البداية بالطعام والتمام إلا في حق من منعه (ب) الشرع من ~~الأكل كالصائم فلا يكره له ذلك؛ إذ الممتنع شرعا لا تشوق النفس إليه لكن ~~يستحب له الانتقال، إذا شغله، إلى غير ذلك المكان. # 183 - وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا قام أحدكم في الصلاة فلا يمسح الحصى فإن الرحمة تواجهه". رواه ~~الخمسة بإسناد صحيح، وزاد أحمد: "واحدة أودع" (¬1). # وفي الصحيح عن معيقيب نحوه بغير تعليل (¬2). PageV02P375 # حديث معيقيب متفق عليه في الرجل و (أ) يسوي التراب حيث يسجد فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "إن كنت فاعلا فواحدة"، أي: إن كنت لا بد أن تسوي ~~فسو مرة واحدة. # وقوله: ms0325 "فلا تمسح الحصا" المراد بمسح الحصا اللعب به وتسويته ليسجد عليه ~~وذلك مما يشغل القلب. # وقوله: "فإن الرحمة" إلخ يعني الرحمة تقبل عليه وتنزل فلا يليق اللعب ~~بالحصى وغيره مما تغشاه الرحمة وتواجهه والله أعلم. # [ومعيقيب (¬1) بضم الميم وفتح العين المهملة: وسكون الياء تحتها نقطتان ~~وكسر القاف بعدها ياء أخرى ساكنة بعدها باء موحدة، وهو معيقيب بن أبي فاطمة ~~الدوسي مولى سعيد بن أبي العاص، وقيل حليف لآل سعيد شهد بدرا وكان أسلم ~~قديما بمكة وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وأقام بها حتى قدم على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بالمدينة وكان على خاتم النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، واستعمله أبو بكر وعمر على بيت المال. روى عنه ابنه محمد وابن ابنه إياس ~~بن الحارث وأبو سلمة بن عبد الرحمن، مات سنة أربعين، وقيل في آخر خلافة ~~عثمان] (ب). # 184 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سألت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، عن الالتفات في الصلاة، فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة ~~العبد" رواه البخاري (¬2). PageV02P376 # وللترمذي وصححه (¬1): "إياك والالتفات في الصلاة فإنه هلكة، فإن كان لا ~~بد ففي التطوع". # الحديث فيه دلالة على كراهة الالتفات، وهو إجماع (¬2)، و (أ) لكن الجمهور ~~على أنها للتنزيه والمراد به الالتفات الذي لم يبلغ إلى استدبار القبلة ~~بصدره أو عنقه كله، وسبب الكراهة يحتمل أن يكون لنقص الخشوع كما أراده ~~المصنف بإيراده في هذا الباب أو لترك استقبال القبلة ببعض البدن، أو لما ~~فيه من الإعراض عن التوجه إلى الله تعالى. كما أشار إلى ذلك فيما أخرجه ~~أحمد وابن خزيمة من حديث أبي ذر، رفعه: "لا يزال الله مقبلا على العبد في ~~صلاته ما لم يلتفت، فإذا صرف وجهه انصرف" (¬3)، وأخرجه أيضا أبو داود ~~والنسائي (¬4). # وقوله: "اختلاس" أي اختطاف بسرعة، وفي النهاية (¬5): اختلاس افتعال من ~~الخلسة وهو ما يؤخذ سلبا مكابرة. وقال غيره: المختلس الذي يخطف من غير غلبة ~~ويهرب ولو مع معاينة المالك له، والناهب يأخذ بقوة، والسارق يأخذ في خفية ms0326 ~~(ب). PageV02P377 # ونسبه إلى الشيطان مجازا عقليا، لما كان الالتفات سبب ما يوسوس به ~~الشيطان من أخطار الأسباب المفضية إلى التفات المصلي، وأطلق على ذلك ~~الالتفات اسم الاختلاس مبالغة في تشبيهه بالاختطاف بسرعة، وقيل: أسند إلى ~~الشيطان لأن فيه انقطاعا عن ملاحظة التوجه إلى الحق سبحانه. # وقال الطيبي (¬1): سماه اختلاسا تصويرا لقبح تلك الفعلة بالمختلس لأن ~~المصلي يقبل على الرب تعالى والشيطان مرتصد له ينتظر فوات ذلك عليه، فإذا ~~التفت اغتنم الشيطان الفرصة فيسلبه تلك الحالة. # وقوله: "يختلسه" بالضمير في رواية الكشميهني (¬2)، وهي رواية أبي داود ~~(¬3) عن مسدد شيخ البخاري وفي سائر الروايات بحذف الضمير. # وقوله: "فإنه هلكة" أطلق اسم الهلكة عليه مبالغة لما فيه من طاعة الشيطان ~~والإعراض عن التوجه إلى الرحمن. # 185 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إذا كان أحدكم في الصلاة فإنه يناجي ربه فلا يبصقن بين يديه ولا عن ~~يمينه ولكن عن شماله تحت قدمه" متفق عليه (¬4). وفي رواية: "أو تحت قدمه" (¬5). # قوله: "إذا كان أحدكم في الصلاة" ورد في رواية التقييد بالصلاة وفي غيرها ~~أورده البخاري (¬6) من طريق ابن شهاب من حديث أبي هريرة، ومن PageV02P378 # طريق قتادة (¬1) من حديث أنس أيضا (أ) مطلق من التقييد بكونه في الصلاة. ~~ولعله بحمل المطلق على القيد والتعليل بقوله: "فإنه يناجي ربه" يدل على ذلك ~~في حق القبلة، وأما في حق اليمين فقد علل في حديث أبي هريرة المطلق فإن على ~~يمينه ملكا (¬2)، وظاهره الإطلاق، وورود المقيد المطابق للمطلق لا يدل على ~~التقييد، وقد جزم النووي (¬3) بالمنع في كل حالة (ب) داخل الصلاة وخارجها، ~~سواء كان في المسجد أم في غيره، ونقل عن مالك (¬4) أنه قال: لا بأس به خارج ~~الصلاة، ويشهد للإطلاق ما رواه عبد الرزاق (¬5) وغيره عن ابن مسعود: أنه ~~كره أن يبصق عن يمينه وليس في الصلاة، وعن معاذ بن جبل قال: ما بصقت عن ~~يميني منذ أسلمت (¬6)، وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى ابنه عنه مطلقا (¬7). # وقوله: ms0327 "فإنه يناجي ربه" وفي البخاري زيادة: "وإن ربه بينه وبين القبلة" ~~(¬8) بواو العطف في رواية الحموي والمستملي، وبالشك في رواية الأكثر (¬9)، ~~والمناجاة من العبد مراد بها حقيقة النجوى ومن قبل الرب لازم ذلك فيكون ~~مجازا، والمراد إقباله عليه بالرحمة والرضوان. # وأما قوله: "فإن ربه بينه وبين القبلة" فمعناه أن توجهه إلى القبلة مفض PageV02P379 # بالقصد منه إلى ربه، فصار في التقدير كأن مقصوده بينه وبين قبلته، وقيل: ~~هو على حذف مضاف أي عظمة الله أو ثواب الله (¬1)، وقال ابن عبد البر: هو ~~كلام خرج مخرج التعظيم لشأن القبلة. # وقد أفهم الحديث أن البصاق إلى القبلة حرام سواء كان في المسجد أم غيره، ~~وسواء كان في الصلاة أم غيرها، ويؤيده ما في صحيحي ابن خزيمة وابن حبان من ~~حديث حذيفة مرفوعا: "من تفل تجاه القبلة جاء يوم القيامة وتفله بين عينيه" ~~(¬2)، وفي رواية لابن خزيمة من حديث ابن عمر مرفوعا: "يبعث صاحب النخامة في ~~القبلة يوم القيامة، وهي في وجهه" (¬3)، ولأبي داود وابن حبان من حديث ~~السائب بن خلاد أن رجلا أم قوما فبصق (أ) في القبلة، فلما فرغ قال رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم: "لا يصلي لكم ... " الحديث، وفيه أنه قال له ~~(ب): "إنك (ح) آذيت الله ورسوله" (¬4). # وقوله: "فلا يبصقن بين يديه" أي قبلته، يقال: بصق وبزق لغتان مشهورتان، ~~والبصاق والبزاق (¬5) من الفم، وقد يقال: بساق، لغة قليلة. # وعدها جماعة خطأ (¬6). # والنخامة و (د) هي النخاعة من الصدر (¬7)، يقال: تنخع وتنخم. PageV02P380 # وقوله: "ولكن عن يساره أو تحت قدمه" وهذا إذا كان في غير المسجد، وأما ~~إذا كان في المسجد فلا يبصق إلا في ثوبه لقوله: "البصاق في المسجد خطيئة" ~~(¬1)، وقد أورد البخاري في بعض روايات حديث أنس: "ثم أخذ طرف ردائه فبصق ~~فيه ثم رد بعضه على بعض، فقال: أو يفعل هكذا" (¬2). # فائدة: قد تقدم تعليل النهي بالبصق عن اليمين بأن على يمينه ملكا فيقال: ~~واليسار عليها ملك وهو الموكل بالسيئات. وأجيب باحتمال اختصاص ذلك بملك ~~اليمين تشريفا له ms0328 وتكريما، هكذا قاله جماعة من القدماء، وأجاب بعض ~~المتأخرين بأن الصلاة أم الحسنات البدنية فلا دخل لكاتب السيئات فيها، ~~ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة. من حديث حذيفة موقوفا في هذا الحديث قال: ~~"ولا عن يمينه (أفإن عن يمينه أ) كاتب الحسنات" (¬3)، وفي الطبراني من حديث ~~أبي أمامة في هذا الحديث: "فإنه يقوم بين يدي الله وملكه عن يمينه وقرينه ~~عن يساره" (¬4) انتهى. # فالتفل حينئذ إنما يقع على القرين وهو الشيطان، ولعل ملك اليسار حينئذ ~~يكون بحيث لا يصيبه شيء من ذلك، أو أنه يتحول في الصلاة إلى اليمين. والله أعلم. # 186 - وعنه - رضي الله عنه - قال: "كان قرام لعائشة - رضي الله عنها - ~~سترت به جانب بيتها فقال النبي، صلى الله عليه وسلم: "أميطي عنا قرامك هذا، ~~فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي" رواه البخاري (¬5). PageV02P381 # واتفقا على حديثها في قصة أنبجانية أبي جهم وفيه: "فإنها ألهتني عن ~~صلاتي" (¬1). # "القرام" بكسر القاف وتخفيف الراء: ستر رقيق من صوف ذو ألوان (¬2). # وقوله: "أميطي": أزيلي. # وقوله: "تصاوير" روي بحذف الضمير. # قال المصنف -رحمه الله (¬3): كذا في روايتنا، ورواه الباقون بإثبات ~~الضمير كما في الأصل فيكون الضمير في قوله: "فإنه" ضمير الشأن على حذف ضمير ~~"تصاوير"، وعلى إثبات الضمير فيكون ضمير "فإنه" عائد إلى القرام. # وقوله: "تعرض" بفتح أوله وكسر الراء: أي تلوح، وللإسماعيلي (¬4) تعرض ~~بفتح العين وتشديد الراء وأصله: تتعرض. # وفي الحديث دلالة على أن الصلاة لا تفسد بذلك؛ لأنه، صلى الله عليه وسلم، ~~لم يقطعها ولم يعدها. # وقوله: "في قصة أنبجانية" (¬5): بفتح الهمزة وسكون النون وكسر الموحدة ~~وتخفيف الجيم وبعد النون ياء النسبة: كساء غليظ لا علم له، وقال ثعلب: يجوز ~~فتح همزته وكسرها، وكذا الموحدة يقال: كبش أنبجاني: إذا كان ملتفا كثير ~~الصوف، وكساء أنبجاني كذلك، وأنكر أبو موسى المديني على من زعم أنه منسوب ~~إلى "منبج" البلد المعروف بالشام، قال صاحب "الصحاح" (¬6): PageV02P382 # إذا نسبت (أ) إلى منبج فتحت الباء فقلت كساء منبجاني، وقال أبو حاتم ~~السجستاني: لا ms0329 يقال كساء أنبجاني وإنما يقال: منبجاني، قال: وهذا مما يخطئ ~~فيه العامة، وتعقبه أبو موسى فقال: الصواب أن هذه النسبة إلى موضع يقال له: ~~"أنبجان". # وأبو جهم (¬1) هو (ب) عبيد -ويقال عامر- بن حذيفة العدوي صحابي مشهور، ~~[أسلم عام الفتح، وكان مقدما في قريش معظما في مشيخة قريش، عالما بالأنساب، ~~معمرا، حضر بناء الكعبة مع قريش مع عبد الله بن الزبير، وهو أحد الأربعة ~~الذين دفنوا عثمان] (ج). # والحديث عن عائشة "أن النبي، صلى الله عليه رسلم، صلى في خميصة لها ~~أعلام، فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي ~~جهم وائتوني بأنبجانية أبي جهم، فإنها ألهتني آنفا عن صلاتي" (¬2)، وقال ~~هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قال النبي، صلى الله عليه وسلم: "كنت أنظر ~~إلى علمها، وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني" (¬3) والخميصة: كساء مربع له ~~علمان (¬4) وهي بفتح المعجمة وكسر اليم وفتح الصاد الهملة، وإنما خصه، صلى ~~الله عليه وسلم، بإرسال الخميصة لأنه كان أهداها له كما رواه مالك في ~~"الموطأ" من طريق أخرى عن عائشة قالت: "أهدى أبو جهم بن حذيفة إلى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم خميصة لها علم، فشهد فيها الصلاة، فلما انصرف قال: PageV02P383 # ردي هذه الخميصة إلى أبي جهم" (¬1) ولأبي داود من طريق أخرى: "وأخذ كرديا ~~لأبي جهم فقيل: يا رسول الله الخميصة كانت خيرا من الكردي" (¬2). # قال ابن بطال (¬3): إنما طلب منه ثوبا غيرها ليعلمه أنه لم يرد عديه ~~هديته استخفافا به، قال (أ): وفيه أن الواهب إذا ردت عليه عطيته من غير أن ~~يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها من غير كراهة. # وقوله: "ألهتني" أي: شغلتني، يقال لهي بالكسر: إذا غفل: ولها بالفتح: إذا ~~لعب (¬4). # وقوله: "آنفا" أي: قريبا، مأخوذ من انتياف الشيء أي ابتدائه (¬5). # وقوله: "عن صلاتي" أي: كمال الحضور فيها، وفي بعض طرق الحديث ما يدل على ~~أنه لم يقع الإلهاء لأنه قال: "وأخاف"، وكما تقدم في رواية هشام "فأخاف"، ~~ويمكن الجمع بينهما بأن ms0330 الإلهاء وقع في الصلاة الواقعة والخوف في الصلاة ~~المستقبلة [أو أن معنى ألهتني: كادت تلهيني فإطلاق حقيقة الإلهاء عليه ~~مبالغة في القرب (ب) لا لتحقق الإلهاء] (ج). # وفي الحديت الدلالة على مبادرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مصالح ~~الصلاة، ونفي ما لعله يخدش فيها، ويدل على كراهية ما شغل (د) عن الصلاة من ~~الإمتاع والنقوش، ونحوها. PageV02P384 # وفيه قبول الهدية من الأصحاب والإرسال إليهم والطلب منهم. # و (أ) قال الطيبي (¬1): فيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيرا في ~~القلوب الطاهرة والنفوس الزكية، يعني: فضلا عما دونها. # وفي هذا الحديت دلالة على أن الاستملاء من الكتابة لا يفسد الصلاة ~~واستثبات المكتوب كذلك إذ الأنبجانية وتعرض التصاوير لا تشغله إلا وقد ~~استثبت ما فيها، والله أعلم. # 187 - وعن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - قال: قال، رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لينتهين قوم يرفعون أبصارهم إلى السماء في الصلاة أولا ترجع ~~إليهم" رواه مسلم (¬2). # [قوله: "لينتهين": في رواية المستملي والحموي للبخاري (¬3) بضم الياء ~~وسكون النون وبفتح المثناة والهاء والياء وتشديد النون على البناء للمفعول ~~والنون للتأكيد، وللباقين بفتح أوله وسكون النون وضم الهاء على البناء ~~للفاعل وهو الضمير المحذوف. # "وقوم" فاعل أيضا على لغة أكلوني البراغيث] (ب)، وفي رواية "أو لتخطفن ~~أبصارهم". PageV02P385 # في الحديث النهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك، [وعلى هذا فهو حرام، وقال ~~ابن حزم: تبطل به الصلاة (¬1)، وقيل المعنى: إنه يخشى على الأبصار من ~~الأنوار التي تنزل على المصلي، وفي قصة قراءة أسيد بن (أ) حضير (¬2) ما يدل ~~على ذلك أشار إلى هذا المعنى الداودي] (ب)، وقد قيل إنه مجمع على أنه منهي ~~عن ذلك في الصلاة. قال القاضي عياض (¬3): واختلفوا في غير الصلاة في الدعاء ~~فكرهه شريح وآخرون وجوزه الأكثرون، وقالوا إن السماء قبلة الدعاء كما أن ~~الكعبة قبلة الصلاة فلا يكره رفع الأبصار إليها كما لا يكره رفع اليد ~~بالدعاء قال الله تعالى {وفي السماء رزقكم} (¬4) (ج). # 188 - وله عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "سمعت ms0331 رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، يقول: لا صلاة بحضرة طعام، ولا وهو يدافعه الأخبثان" (¬5). # تقدم الكلام في حضور الطعام. # وقوله: "ولا وهو يدافعه الأخبثان": فيه دلالة على أن ذلك مع المدافعة لا ~~إذا كان يجد في نفسه ثقل ذلك ولا يحتاج إلى دفع خارج فلا كراهة، والمراد ~~بالأخبثين البول والغائط، ويلحق بهما ما كان شاغلا عن الصلاة وعن كمال PageV02P386 # الخشوع وحضور القلب، وهو محمول على كراهة التنزيه دون الحصر مع استكماله ~~لواجب الصلاة، فقوله: "لا صلاة" متوجه إلى نفي الكمال والأفضل، إذ ذات ~~الصلاة غير منفية لإمكان وقوعها، وتقديم إزالة الخبث إذا كان الوقت فيه ~~سعة، فإن ضاق الوقت وأمكن تأدية الصلاة وجب تقديمها كما تقدم في حضور ~~الطعام (أ)، والله أعلم. # 189 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~"التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليكظم ما استطاع" رواه مسلم ~~والترمذي (¬1) وزاد: "في الصلاة". # قوله: "التثاؤب" مصدر تثاءب الرجل، وتثاوب على وزن تفاعل إذا فتح فاه من ~~غلبة النوم أو الغفلة أو كثرة امتلاء البطن، وكل ذلك غير مرضي، فلأجل هذا ~~كره التثاؤب، ومن وجد ذلك في نفسه فليكظمه أي (ب) وأضيف إلى الشيطان لما ~~يوثر من الغفلة والكسل عن الطاعة التي يرضاها الشيطان، ولعل الشيطان وسوسه، ~~وتنشيطا لحضور ذلك، قد أشار إلى هذا في تمام الحديث (¬2) في رواية مسلم ~~بقوله: "فإن الشيطان يدخل". # وقوله: "فليكظم" الكظم المنع والإمساك. PageV02P387 # وزاد: "في الصلاة" ظاهره أنها زيادة للترمذي، وهي أيضا في البخاري، وتمام ~~رواية البخاري: "ولا تقل (أ) ها فإنما ذلكم من (ب) الشيطان يضحك منه" (¬1)، ~~والضمير في "منه" عائد إلى الحالة المعبر عنها بقوله "ها"، وزيادة "في ~~الصلاة" لا تنافي النهي عن تلك الحالة مطلقا، لموافقة الطلق والمقيد في ~~الحكم فلا تقييد حينئذ، والله أعلم. # عدد أحاديث الباب: أربعة عشر حديثا. PageV02P388 ### || AUTO باب المساجد # 190 - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "أمر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ببناء المساجد في الدور وأن ms0332 تنظف وتطيب" رواه أحمد وأبو داود والترمذي ~~وصحح إرساله (¬1). # المساجد جمع مسجد بفتح العين وكسرها، وقال سيبويه: إذا قصدت بالمسجد ~~المكان المخصوص الذي على هيئة مخصوصة يقع فيه السجود فهو بالكسر لا غير؛ ~~لأنه أخرجته عما يكون عليه اسم المكان، وإن قصدت به موضع السجود وموضع وقوع ~~الجبهة في الأبيض فهو بالفتح لأنه جاري على الفعل وفعله فعل يفعل وحق ~~المكان منه على مفعل بالفتح لا غير. # والدور جمع دار، والدار لغة: العامر المسكون والغامر المتروك، وهي مأخوذة ~~من الاستدارة لأنهم كانوا يخطون بطرف رماحهم قدر ما يريدون أن يتخذوه مسكنا ~~ويدورون حوله. # والظاهر أن الأمر محمول على الندب لقرينة وهو قوله: "أيضا أدركت الصلاة ~~فصل" (¬2) "ولا صلاة لجار المسجد" (¬3) وغير ذلك ولعله إجماع. # 191 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله PageV02P389 # عليه وسلم: "قاتل الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" متفق عليه ~~(¬1)، وزاد مسلم: "والنصارى" (¬2). # ولهما من حديث عائشة: "كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره ~~مسجدا"، وفيه: "أولئك شرار الخلق" (¬3). # الحديث أخرجه البخاري بأسانيد مختلفة في أبواب متعددة، ومعنى "قاتل" أي: ~~قتلهم الله، أو المعنى: لعن، فإنه قد ورد بذلك (¬4) اللفظ. # واتخاذ القبور مساجد أعم من أن يكون بمعنى الصلاة إليها كما هو الظاهر، ~~أو بمعنى الصلاة عليها، وقد أورد مسلم من طريق أبي يزيد الغنوي مرفوعا: "لا ~~تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها أو عليها" (¬5)، وليس على شرط البخاري، ~~فلذلك أشار إليه في ترجمة باب (¬6). # وقوله: "اتخذوا": جملة استئنافية بيان لسبب اللعن كأنه قيل: ما سبب ~~لعنهم؟ فأجيب بقوله: اتخذوا، وزاد (أ) مسلم قوله: "والنصارى" وقد (ب) ~~استشكل ذكر النصارى فيه لأن اليهود لهم أنبياء بخلاف النصارى، فليس بين ~~عيسى وبين نبينا صلى الله عليه وسلم PageV02P390 # نبي، وليس له قبر أو لأن أنبياء اليهود كموسى وهرون وغيرهما أنبياء ~~للنصارى، وإنما شريعة عيسى ناسخة لبعض شريعة موسى صلى الله عليه وسلم ~~أجمعين. # وأجيب أنه كان فيهم أنبياء غير مرسلين كالحواريين ومريم ms0333 -في قول-، والجمع ~~في قوله "أنبيائهم" للمجموع من اليهود والنصارى، أو المراد الأنبياء وكبار ~~أتباعهم، فاكتفى بذكر الأنبياء، ويؤيده قوله في رواية مسلم من طريق جندب: ~~"كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد" (¬1) ولهذا (أ) لما أفرد ~~النصارى كما في حديث عائشة قال: "إذا مات في الرجل الصالح" (¬2) ولما أفرد ~~اليهود كما في حديث أبي هريرة قال: "أنبيائهم" (¬3)، أو المراد بالاتخاذ ~~أعم من أن يكون ابتداعا أو اتباعا، فاليهود ابتدعت والنصارى اتبعت، ولا ريب ~~أن النصارى تعظم قبور كثير من الأنبياء الذين يعظمهم اليهود. # وحديث عائشة أخرجه البخاري (¬4) بألفاظ في بعضها أن أم حبيبة وأم سلمة ~~ذكرتا كنيسة رأيتها بالحبشة فيها تصاوير، فذكرتا ذلك للنبي صلى الله عليه ~~وسلم فقال: "إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا ~~وصوروا فيه تلك الصورة وأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة"، وهذا ~~القول كان في مرض النبي صلى الله عاجه وسلم الذي مات منه قبل أن يتوفى ~~بخمس. أخرجه مسلم (¬5) وزاد فيه: "فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ~~ذلك"، وهذا يدل على أن هذا النهي ثابت غير منسوخ وإنما صور الصورة أوائلهم ~~ليتأنسوا برؤية تلك PageV02P391 # الصورة ويتذكروا أحوالهم الصالحة فيجتهدون كاجتهادهم ثم خلف من بعدهم ~~خلوف جهلوا مرادهم، وسوس (أ) لهم الشيطان أن آباءم كانوا يعبدون هذه الصورة ~~يعظمونها فيعبدونها، فحذر النبي صلى الله عليه وسلم عن مثل ذلك سدا للذريعة ~~المؤدية إلى ذلك. # وفي الحديث دليل على تحريم التصوير، وحمل بعضهم الوعيد على من كان في ذلك ~~الزمان لقرب العهد بعبادة الأوثان وأما الآن فلاث وقد رد ابن دقيق العيد ~~على ذلك أحسن رد (¬1). # وقال البيضاوي (¬2): لما كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور الأنبياء ~~تعظيما لشأنهم، ويجعلونها قبلة يتوجهون في الصلاة نحوها، واتخذوها أوثانا ~~لعنهم ومنع المسلمين من ذلك، فأما من اتخذ مسجدا في جوار صالح وقصد التبرك ~~بالقرب منه لا لتعظيم له ولا التوجه نحوه فلا يدخل في ذلك الوعيد (¬3)، ~~وظاهر الأحاديث في النهي عن اتخاذ المساجد ms0334 على القبور غير معلل بما ذكروا، ~~إنما النهي مطلق، ولعل الحكمة في ذلك النهي سدا للذريعة، وبعدا عن التشبه ~~بعبدة الأوثان التي تعظم الجمادات التي لا تسمع ولا تنفع (ب ولا تشفع ب) ~~ولا تدفع ولما في إنفاق المال في ذلك من العبث والتبذير الخالي عن النفع ~~بالكلية، وفي حديث ابن عباس تصريح بالنهي، وهو ما أحرجه أبو داود والترمذي ~~والنسائي عن ابن (ج) عباس قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات ~~القبور والمتخذين عليها PageV02P392 # المساجد والسرج" (¬1)، والله سبحانه أعلم. # 192 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "بعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم خيلا فجاءت برجل فربطوه بسارية من سواري المسجد. . ." الحديث متفق ~~عليه (¬2). # قوله: "خيلا" أي: فرسانا، والرجل التي أتت به هو ثمامة بن أثال، صرح بذلك ~~في الصحيحين وغيرهما. # وقوله: "فربطوه" فيه دلالة على أن الربط لم يكن بأمر النبي صلى الله عليه ~~وسلم ولكن النبي صلى الله عليه وسلم قرر ذلك؛ لأن في القصة أنه كان يمر به ~~ثلاثة أيام وكان (1) يقول له: ما عندك يا ثمامة؟ ففي هذا تصرج بأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم قرر ذلك الفعل، ففيه دلالة على جواز ربط الأسير بالمسجد ~~وإن كان كافرا، وأن ذلك مخصوص لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما المسجد ~~لذكر الله والطاعة" (¬3). # ويدل على جواز دخول الكافر المسجد، وقد ذهب إلى هذا المؤيد بالله وأبو ~~حنيفة (¬4) لهذا ولإدخاله صلى الله عليه وسلم وفد ثقيف (¬5)، ويقاس بقية ~~المساجد PageV02P393 # على مسجده صلى الله عليه وسلم ولو المسجد الحرام، وأما قوله تعالى {فلا ~~يقربوا المسجد الحرام} (¬1) فالمراد: لا يمكنون من الحج والعمرة كما ورد في ~~القصة التي بعث النبي صلى الله عليه وسلم بآيات براءة إلى مكة، وقوله: "فلا ~~يحجن بعد هذا العام مشرك". # وقال الشافعي (¬2): يجوز دخول الكافر المساجد إلا المسجد الحرام بإذن ~~المسلم، سواء كان مشركا أو كتابيا، وذهب الهادي والناصر ومالك وعمر بن عبد ~~العزيز وقتادة والإمام يحيى (¬3) إلى أنه لا يجوز دخول ms0335 الكافر مطلقا إلى ~~المسجد سواء كان المسجد الحرام أو غيره، قالوا لقوله تعالى {فلا يقربوا ~~المسجد الحرام}، وقوله {أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين} (¬4) ~~ويجاب عن الآية الأولى بما عرفت وعن الآية الثانية (¬5) بأن ذلك في حق من ~~استولى عليها، وصار له الحكمة والمنعة كما وقع في سبب نزول الآية الكريمة ~~أنها نزلت في شأن النصارى، واستيلائهم على بيت المقدس وتخريبه، وإلقاء ~~الأذى والأزبال فيه، أو أنها نزلت في شأن قريش ومنعهم رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم عام الحديبية عن العمرة، وأما مجرد دخوله من دون استيلاء وتخريب ~~ومنع فمن أين يفهم ذلك والأحاديث موضحة لهذا المعنى أشد إيضاح (أ)؟ # وفي الحديث دلالة أيضا على جواز الربط للأسير وحبسه والاستيثاق منه والمن ~~عليه كما وقع في تمام القصة. PageV02P394 # 193 - عنه - رضي الله عنه - "أن عمر رضي الله عنه مر بحسان ينشد في ~~المسجد فلحظ إليه فقال: قد كنت أنشد وفيه من هو خير منك" متفق عليه (¬1). # يريد بالخير: النبي صلى الله عليه وسلم، وأنه أنشد الشعر في المسجد لما ~~قال له النبي صلى الله عليه وسلم: "يا حسان، أجب عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم"، وقد أشار البخاري في باب بدء الخلق في رواية هذه القصة عن سعيد ~~بن المسيب أن قوله صلى الله عليه وسلم: "أجب" كان في المسجد، وأنه أنشد فيه ~~ما أجاب به المشركين. # وإيراده للقصة في كتاب الصلاة من حديث أبي سلمة (¬2) مجردة عن ذكر المسجد ~~لا ينافيه، وقد أورده في باب الشعر في المسجد (¬3)، ولعل البخاري اختصر ~~القصة في كتاب الصلاة لإيرادها في موضع آخر. # (أ) وفي الحديث دلالة على جواز إنشاد الشعر في المساجد (ب)، وقد ورد ما ~~يعارض ذلك وهو ما أخرجه ابن خزيمة وصححه والترمذي وحسنه من حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تناشد ~~الأشعار في المساجد" (¬4) وفي هذا المعنى عدة أحاديث وإن كان PageV02P395 # في إسنادها مقال، ms0336 وطريق الجمع أن يحمل النهي على تناشد أشعار الجاهلية ~~والمبطلين وما لم يكن فيه غرض صحيح والمأذون ما سلم من ذلك. # وقيل: المأذون فيه مشروط بأن لا يكون ذلك مما يتشاغل من في المسجد به، ~~وأدعى أبو عبد الملك البوني (¬1) بأن أحاديث الإذن منسوخة بأحاديث النهي، ~~ولم يوافق على ذلك، والله أعلم. # 194 - عنه - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ~~سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم ~~تبن لهذا" رواه مسلم (¬2). # قوله "ينشد": بفتح الياء وضم الشين من نشد بفتح النون والشين المعجمة ~~يقال: نشدت الدابة إذا طلبتها ويقال: أنشدت أي عرفتها. # قوله: (أ "ضالة" يقال بالهاء للذكر والأنثى والجمع ضوال، مثل: دابة ~~ودواب، والضالة مخصوصة بالحيوان ويقال: لغير الحيوان ضائع ولقطة أ)، PageV02P396 # والجواب عليه بلا ردها الله عليك عقوبة له لما ارتكب من العمل الذي لا ~~يجوز في المسجد. # وقوله: "فإن المساجد لم تبن لهذا" معناه: أنها لم تبن إلا لذكر الله ~~تعالى والصلاة والعلم والمذاكرة في الخير ونحوها. # قال القاضي عياض (¬1): وفيه دليل على منع عمل الصنائع في المساجد قال ~~فيه: قال بعض شيوخنا: إنما يمتنع في المساجد عمل الصناعة التي يختص نفعها ~~بالآحاد ويكتسب به ويتخذ متجرا، فأما الصنائع التي يشمل نفعها المسلمين في ~~دينهم، كمبايعة وإصلاح آلات الجهاد (أ) ومما لا امتهان (ب) للمسجد في عمله ~~فلا بأس به (¬2) قال: وحكى بعضهم في تعليم الصبيان فيها خلافا (¬3)، [وعلل ~~بعض المالكية كراهة تعليم الصبيان في المساجد وقال: إنه من باب البيع، وهذا ~~إذا كان بأجرة، فإن كان بغير أجرة منع أيضا من وجه آخر، وهو أن الصبيان لا ~~يتحرزون من القذر والوسخ فيؤدي ذلك إلي عدم تنظيف المسجد، وقد أمر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بتنظيفها وقال: "جنبوا مساجدكم صبيانكم. . ." ~~(¬4)] (ج). # وفي الحديث دلالة على أن إنشاد الضالة لا يجوز في السجد، ويلحق به ما في PageV02P397 # معناه من البيع والشراء والإجارة ونحوها في ms0337 (أ) العقود، وكراهة رفع الصوت ~~في المسجد، قال مالك وجماعة من العلماء (¬1): يكره رفع الصوت في المسجد ~~بالعلم وغيره، وأجاز أبو حنيفة (¬2) ومحمد بن مسلم من أصحاب مالك رفع الصوت ~~بالعلم والخصومة وغير ذلك مما يحتاج إليه الناس لأنه مجمعهم ولابد لهم منه. # 195 - عنه - رضي الله عنه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا ~~رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك". رواه ~~النسائي والترمذي وحسنه (¬3). # في الحديث دلالة على أن البيع والشراء لا يجوزان في المساجد وقد تقدم ~~تعليل ذلك في الحديث الذي قبله، وقال الماوردي: اختلفوا في جواز ذلك في ~~المسجد مع اتفاقهم على صحة العقد لو وقع. # 196 - وعن حكيم بن حزام - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: "لا تقام الحدود في المساجد ولا يستقاد فيها". رواه أحمد وأبو ~~داود بسند ضعيف (¬4). PageV02P398 # هو أبو خالد حكيم بن حزام -بكسر الحاء المهملة وبالزاي- بن خويلد، ابن ~~أخي خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، ولد في الكعبة قبل الفيل بثلاثة عشر سنة، ~~وكان من أشراف قريش ووجوهها في الجاهلية والإسلام، وتأخر إسلامه إلى عام ~~الفتح، وهو من مسلمة الفتح هو وبنوه عبد الله وخالد ويحيى وهشام وكلهم صحب ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ومات بالمدينة في داره سنة أربع وخمسين، وقيل ~~ثمان وخمسين وله مائة وعشرون سنة ستون في الجاهلية وستون في الإسلام، كان ~~عاقلا، سريا، فاضلا، تقيا، حسن إسلامه بعد أن كان من المؤلفة قلوبهم، أعتق ~~في الجاهلية مائة رقبة، وحمل على مائة بعير، وكان مع المشركين يوم بدر فنجا ~~من القتل، وكان إذا حلف بعد أن أسلم قال: "لا والذي نجاني يوم بدر"، روى ~~عنه عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وموسى بن طلحة (¬1). # الحديث رواه أيضا الحاكم وابن السكن وأحمد بن حنبل والدارقطني والبيهقي. # قال المصنف -رحمه الله تعالى- في "التلخيص" (¬2): ولا بأس بإسناده، # ورواه البزار (¬3) من حديث جبير بن مطعم وفيه الواقدي (¬4). # ورواه ابن ماجه (¬5) من ms0338 حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: "نهي أن ~~يجلد الحد في المسجد" (أ) وفيه ابن لهيعة (¬6)، ورواه الترمذي وابن ماجه PageV02P399 # من حديث ابن عباس (¬1) وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف (¬2). # والحديث فيه دلالة على النهي عن فعل ما ذكر في المسجد لما تقدم أن ~~المساجد إنما هي للذكر وما يتبعه، وهو إخبار في معنى الإنشاء لامتناع ~~الحقيقة، فوجب الحمل على المجاز وظاهر النهي التحريم إذ هو حقيقة ولا مقتضى ~~لصرفه عن ظاهره، والله أعلم. # 197 - وعن عائشة - رضي الله عنه - قالت: "أصيب سعد يوم الحندق فضرب عليه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد، ليعوده من قرب" متفق عليه (¬3). # وهو سعد بن معاذ (¬4) أصابه رجل من قريش، قال ابن الكلبي: اسم هذا الرجل ~~حبان -بكسر الحاء المهملة- ابن أبي قيس بن علقمة ويقال له: ابن العرقة ~~-بعين مهملة مفتوحة ثم راء مكسورة ثم قاف- وهي أمه، واسمها قلابة -بقاف ~~مكسورة وبباء موحدة- بنت سعيد بن سهيل وهو من بني عبد مناف بن الحارث وسميت ~~بالعرقة لطيب ريحها، وكنيتها أم فاطمة. رماه في الأكحل وهو عرق معروف، قال ~~الخليل: إذا قطع في اليد لم يرق (أ) الدم، وهو عرق الحياة في كل عضو منه ~~شعبة. PageV02P400 # وقوله: "فضرب عليه" إلخ: فيه دلالة على جواز النوم في المسجد وجواز مكث ~~المريض فيه وإن كان جريحا وفي ذلك فضيلة ظاهرة لسعد رضي الله عنه. # 198 - وعنها - رضي الله عنه - قالت: "رأيت رسول صلى الله عليه وسلم ~~يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون في المسجد. . ." الحديث، متفق عليه (¬1). # قولها: "يسترني" يدل على أن ذلك كان بعد نزول الحجاب، ويدل على جواز نظر ~~المرأة إلى الرجل، وأجيب بأن ذلك قبل بلوغ عائشة، وهو مردود بالستر، وقولها ~~في تمام الحديث في رواية الزهري: "فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن ~~الحريصة على اللهو" (¬2) وفي رواية أبي سلمة: "فقلت يا رسول الله. لا تعجل. ~~فقال لي ثم قال: حسبك قلت: لا تعجل، قالت: وما بي حب النظر ms0339 إليهم، ولكن ~~أحببت أن تنظر النساء مقامه لي ومكاني منه" (¬3). # وظاهر هذا أنها حينئذ شابة، وأجيب بأن ذلك منسوخ بحديث: "أفعمياوتان ~~أنتما؟ " (¬4) ويجاب بأن هذا مختلف فيه لا يقاوم هذا الحديث، وأيضا فإنه ~~مؤيد بظاهر قوله تعالى: {وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن} (¬5) فإن الظاهر ~~أن "من" للتبعيض فيكون الغض عند خشية الفتنة PageV02P401 # والنظر إلى المحاسن والجواز فيما عدا ذلك، وأيضا فتظاهر الأخبار بخروج ~~النساء في عصره صلى الله عليه وسلم إلى المسجد وحضور الصلاة والخروج إلى ~~الجبانة، وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة وإلقاء حليهن في ثوب بلال ~~(¬1). ويبعد مع تلك الأحوال عدم رؤيتهن للرجال وإنما أمرن بإدناء الجلابيب ~~وإجماع المسلمين خلف عن سلف بعدم منع النساء من الخروج لقضاء ما يحتجن له ~~من البيع والشراء والتحاكم. # قال القاضي عياض (¬2): وفيه جواز نظر النساء إلى الرجال الأجانب لأنه ~~إنما يكره لهن النظر إلى المحاسن والاستلذاذ لذلك، وقال النووي (¬3): النظر ~~بشهوة وعند خشية الفتنة حرام اتفاقا، وأما بغير شهوة فالأصح أنه يحرم. ~~وأجاب عن هذا الحديث بأنه يحتمل أن يكون ذلك قبل بلوغ عائشة وقد عرفت ~~الجواب عنه، قال: وكانت تنظر إلى لعبهم بحرابهم لا إلى وجوههم وأبدانهم، ~~وإن وقع بلا قصد إن أمكن أن تصرفه في الحال. انتهى. وقد عرفت بعد هذا ~~وقولها: "وأنا أنظر إلى الحبشة يلعبون" وقع في رواية البخاري في موضع (¬4): ~~"وكان يوم عيد يلعب فيه السودان بالدرق (¬5) والحراب" في رواية عروة عن ~~عائشة، ووقع في رواية الزهري في البخاري في موضع: "والحبشة يلعبون في ~~المسجد" (¬6) ووصلها مسلم: "بحرابهم"، ولمسلم من رواية هشام عن أبيه: "جاء ~~حبش يلعبون في المسجد" (¬7) قال المحب الطبري (¬8): هذا السياق يشعر بأن ~~عادتهم ذلك في كل عيد، ووقع في رواية ابن حبان (¬9): "لما قدم وفد الحبشة ~~قاموا PageV02P402 # يلعبون في المسجد"، وهو يشعر بأن الترخيص لهم في ذلك بحال القدوم، ولا ~~تنافي بينهما لاحتمال أن يكون قدومهم صادف يوم عيد، وكان من عادتهم اللعب ~~في الأعياد يفعلون ذلك كعادتهم ثم صاروا يلعبون ms0340 في كل عيد، ويؤيده ما رواه ~~أبو داود عن أنس: "لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة جاء الحبش ~~بحرابهم" (¬1) ولا شك أن يوم قدومه كان أعظم عندهم من يوم العيد. # وفي الحديث دلالة على جواز مثل ذلك اللعب في المسجد إذا كان في يوم من ~~أيام المسرة التي شرع للمسلمين إظهار المسرة والتلبس بشعار النعمة، وحكى ~~ابن التين عن أبي الحسن اللخمي أن اللعب بالحراب في المسجد منسوخ بالقرآن ~~والسنة، أما القرآن فقوله تعالى {في بيوت أذن الله أن ترفع} (¬2) وأما ~~بالسنة فحديث: "جنبوا صبيانكم مساجدكم. . ." (¬3) الحديث، وتعقب بأن الحديث ~~ضعيف وليس فيه ولا في الآية تصريح بما ادعاه ولا عرف التاريخ فيثبت النسخ. # وحكى بعض المالكية عن مالك أن لعبهم كان خارج المسجد وكانت عائشة في ~~المسجد، وهذا لا يثبت عن مالك فإنه خلاف ما صرح به في طرق هذا الحديث، وفي ~~بعضها أن عمر أنكر عليهم لعبهم في المسجد فقال له صلى الله عليه وسلم: ~~"دعهم" (¬4) من (أ) طريق أبي الزناد وعن عروة عن عائشة أنه، صلى الله عليه ~~وسلم، قال: "لتعلم يهود (ب) أن في ديننا فسحة وأني بعثت بحنيفية سمحة" ~~(¬5)، وكأن عمر بنى على الأصل من تنزيه المساجد فبين له النبي صلى الله PageV02P403 # عليه وسلم أن التعمق والتشديد ينافي قاعدة شريعته، صلى الله عليه وسلم، ~~من التسهيل والتيسير، وهذا يدفع جواب الطبري بأنه يغتفر للحبش ما لا يغتفر ~~لغيرهم فيقرر (أ) حيث ورد ويدفع قول من قال: إن اللعب بالحراب ليس لعبا ~~مجردا بل فيه تدريب الشجعان على مواقع الحروب والاستعداد للعدو ففي ذلك من ~~المصلحة التي تجمع عامة المسلمين ويحتاج إليها إقامة الدين فيجوز في ~~المسجد. # وفي الحديث دلالة على جواز النظر إلى اللهو المباح، وفيه حسن خلقه، صلى ~~الله عليه وسلم، مع أهله وكرم معاشرته، وفضل عائشة وعظم محلها عنده. # فائدة في ستره صلى الله عليه وسلم لها (ب): فوقع في البخاري في بعض ~~ألفاظه "سترني بردائه" (¬1)، وفي بعض ألفاظه: "فأقامني وراءه ms0341 خدي على خده" ~~(¬2) أي متلاصقين، وفي بعضها: "فوضعت رأسي علي منكبه" (¬3)، وفي رواية: ~~"فوضعت ذقني على عاتقه وأسندت وجهي إلى خده" (¬4)، وفي رواية: "أنظر بين ~~أذنه وعاتقه" (ج) (¬5) وقد استنبط من هذه الألفاظ أنها كانت مستترة بقيامها ~~خلف النبي، صلى الله عليه وسلم، وأن مثل ذلك يكفي في الستر إذا قام مقام ~~الرداء، ويجاب عنه بأن الستر بالرداء متعين لأن القصة واحدة، وقد وقع ~~التعيين في بعض الألفاظ بالساتر فتحمل بقية الألفاظ عليه، والله أعلم. # 199 - وعنها - رضي الله عنها "أن وليدة سوداء كان لها خباء في المسجد، PageV02P404 # فكانت تأتيني فتحدث عندي. . ." الحديث، متفق عليه (¬1). # وسياق الحديت في البخاري: عن عائشة أن وليدة كانت سوداء لحي من العرب ~~فأعتقوها فكانت معهم، قالت: فخرجت صبية لهم عليها وشاح أحمر من سيور، قالت: ~~فوضعته -أو وقع (أ) منها- فمرت حدياة وهو ملقى فحسبته لحما فخطفته، قالت: ~~فالتمسوه فلم يجدوه، قالت: فاتهموني به، قالت: وطفقوا (ب) يفتشون حتى فتشوا ~~قبلها، قالت: والله إني لقائمة معهم إذ مرت الحدياة فألقته فوقع بينهم، ~~قالت: فقلت للذي اتهمتموني (ج) به: زعمتم وأنا منه بريئة -وهو ذا هو قالت: ~~فجاءت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلمت، قالت عائشة: فكان (د) لها ~~خباء في المسجد أو حفش، قالت: فكانت تأتيني فتحدث عندي قالت: فلا تجلس عندي ~~مجلسا إلا قالت: # ويوم الوشاح من تعاجيب ربنا ... ألا إنه من بلدة الكفر نجاني # قالت عائشة: فقلت لها: ما شأنك لا تقعدين معي إلا قلت هذا؟ # قالت: (ه) فحدثتني بهذا الحديث. # قولها (و) "وليدة": الوليدة هي أمة (ز)، وهي في الأصل لها ساعة تولد، قال PageV02P405 # ابن سيده: ثم أطلق على الأمة وإن كانت كبيرة. # والخباء -بكسر الخاء المعجمة بعدها موحدة وبالمد- الخيمة من وبر أو غيره، ~~وعن أبي عبيدة: لا تكون من شعر، وفي البخاري: أو حفش -وهو بكسر المهملة ~~وبعدها فاء ساكنة وشين معجمة- البيت الصغير القريب السمك (¬1)، مأخوذ من ~~الانخفاش وهو الانضمام، وأصله الوعاء الذي تضع المرأة فيه غزلها. # وقولها: "فتحدث" ms0342 بلفظ المضارع بحذف إحدى التائين. # وفي الحديث دلالة على إباحة المبيت والمقيل في المسجد لمن لا سكن له من ~~المسلمين رجلا كان أو امرأة عند أمن الفتنة، وإباحة (أ) استظلاله بالخيمة ~~ونحوها. # وفي تمام القصة دلالة على الخروج من البلد الذي تحصل للمرء فيه المحنة، ~~ويتحول إلى ما هو خير منه. # وفيه: فضل الهجرة من دار الكفر وإجابة دعوة المظلوم ولو كان كافرا لأن في ~~السياق إسلامها كان بعد قدومها المدينة، والله أعلم. # فائدة: (ب) قال المصنف -رحمه الله (¬2) -: لم أقف على اسم المرأة، ولا ~~على اسم القبيلة التي كانت لهم، ولا على اسم الصبية صاحبة الوشاح، والبيت ~~الذي كانت تنشده عروضه من الضرب الأول من الطويل وأجزاؤه ثمانية ووزنه: ~~فعولن مفاعيلن أربع مرات (ج) لكن دخل البيت المذكور القبض وهو حذف الخامس PageV02P406 # الساكن في ثاني جزء منه فإن أشبعت حركة الحاء من الوشاح صار سالما أو ~~قلت: ويوم وشاح بالتنوين صار القبض في أول جزء من البيت وهو أخف من الأول، ~~واستعمال القبض في الجزء الثاني وكذا في السادس في أشعار العرب كثير جدا ~~نادر في أشعار المولدين (¬1). # 200 - عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~"البصاق في المسجد خطيئة وكفارتها دفنها" متفق عليه (¬2). # وفي لفط للبخاري: "البزاق" ولمسلم "التفل" (¬3). # والتفل -بالمثناة من فوق-: أخف من البزاق، والنفث بمثلثة آخره: أخف منه. # وفي الحديث دلالة على أن ذلك في المسجد خطيئة، والدفن مكفر لها، وهو ~~معارض بحديث "فليبصق عن يساره أو تحت قدمه" (¬4)، وظاهره سواء كان في ~~المسجد أو في غيره، قال النووي (¬5): هما عمومان تعارضا (أ) ولكن العموم ~~الثاني مخصوص بما إذا لم يكن في المسجد ويبقى عموم الخطئة إذا كان في ~~المسجد من دون تخصيص، وقال القاضي عياض (¬6): إنما يكون البصاق في المسجد ~~خطيئة إذا لم يدفنه وأما من أراد دفنه فلا. # وذهب إلى هذا ابن مكي في التنقيب والقرطبي في "المفهم" (¬7) وغيرهما، PageV02P407 # ويشهد لهم ما رواه أحمد بإسناد حسن (¬1) من ms0343 حديث سعد بن أبي وقاص مرفوعا ~~قال: "فمن تنخم في المسجد فليغيب (أ) نخامته أن يصيب جلد مؤمن أو ثوبه ~~فتؤذيه". # وأوضح منه ما رواه أحمد أيضا والطبراني بإسناد حسن (¬2) من حديث أبي ~~أمامة مرفوعا قال: "فمن تنخع في المسجد فلم يدفنه فسيئة، وإن دفنه فحسنة" ~~فلم يجعله سيئة إلا بقيد عدم الدفن، ونحوه حديث أبي ذر عند مسلم مرفوعا ~~قال: "ووجدت في مساوئ أعمال أمتي النخاعة تكون في المسجد لا تدفن" (¬3). # وروى سعيد بن منصور عن أبي عبيدة بن الجراح أنه تنخم في المسجد ليلة فنسي ~~أن يدفنها حتى رجع إلى منزله أخذ شعلة من نار ثم جاء فطلبها حتى دفنها ثم ~~قال: "الحمد لله الذي لم يكتب علي خطيئة الليلة" (¬4)، فدل على أن الخطيئة ~~مختص عن تركها. # وعند أبي داود من حديث عبد الله بن الشخير "أنه صلى مع النبي، صلى الله ~~عليه وسلم، فبصق تحت قدمه اليسرى ثم دلكه بنعله" (¬5) إسناده صحيح، وأصله ~~في مسلم، والظاهر أن ذلك كان في المسجد. # قال النووي (¬6): قال الجمهور: والمراد بدفنها في تراب المسجد ورمله PageV02P408 # وحصائه، وحكى الروياني (¬1) أن المراد بدفنها: إخراجها من المسجد، وهو ~~بعيد، والظاهر أن (أ) الخطيئة وقوع البزاق في المسجد (ب سواء كان الفاعل ~~داخل المسجد أو من خارج المسجد إلى داخله، والله أعلم ب). # (ج وأما حديث: "إن المسجد ج) لينزوي من النخامة كما تنزوي الجلدة من ~~النار" (¬2)، لم (د) أقف على من خرجه، وبمعناه رواه في "الأمالي" عن علي ~~رضي الله عنه فلا يدل على تحريم التنخم في المسجد، أو يحمل على عدم دفنها ~~فيوافق الأحاديث الصحيحة، والله أعلم. # [فائدة: ورد في القملة إذا وجدها وهو ما رواه الطبراني في "الأوسط" عن ~~مالك عن عامر قال: "رأيت معاذ بن جبل يقتل القملة والبراغيث في المسجد" ~~(¬3)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"إذا وجد أحدكم القملة في المسجد فليدفنها"، وزاد "وليمطها عنه" (¬4)، وروي ~~في الكبير والبزار بسند رجاله ms0344 موثقون عن رجل من الأنصار أن رسول الله، صلى ~~الله عليه وسلم، قال: "إذا وجد أحدكم القملة فليصرها في ثوبه ولا يلقها في ~~المسجد" (¬5)] (ه). PageV02P409 # 201 - وعنه - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ~~تقوم الساعة حتى يتباهى الناس في المساجد" أخرجه الخمسة إلا الترمذي، وصححه ~~ابن خزيمة (¬1). # [وأورده البخاري (¬2) تعليقا عن أنس فقال: وقال أنس: "يتباهون" بفتح الهاء. # قال المصنف: وهذا التعليق رويناه موصولا في مسند أبي يعلى وصحيح ابن ~~خزيمة من طريق أبي قلابة أن أنسا قال: سمعته يقول: "يأتي على أمتي زمان ~~يتباهون بالمساجد ثم لا يعمرونها إلا قليلا" (¬3) والمراد بعمارتها قليلا ~~هو عمارتها بالذكر والصلاة] (أ) التباهي في المساجد بأن يقول واحد منهم ~~مسجدي أحسن من مسجدك زينة وعلوا وغير ذلك. # [وذلك بأن يتفاخروا في إحداث بناء (ب) المساجد وقد جاء في رواية أنه في ~~حسن بنائها وفي رواية البخاري يتباهون بها أي تنقيش المساجد وكثرتها] (ج). PageV02P410 # 202 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "ما أمرت بتشييد المساجد". أخرجه أبو داود (¬1)، وصححه ابن حبان (¬2). # تمام حديث ابن عباس قال: "لتزخرفنها كما زخرفت اليهود والنصارى"، والمراد ~~بالتشييد: هو رفع البناء وتزيينه بالشيد وهو الجص، وظاهر هذين الحديثين ~~الكراهة إن لم يكن في تمام رواية ابن عباس التشبه باليهود والنصارى دلالة ~~على التحريم، وظاهره سواء كان المحراب وحده أو جميع المسجد، وقال أبو طالب ~~(¬3): لا كراهة في تزيين المحراب لعمل السلف من غير نكير، وقال المنصور ~~بالله إنه يجوز في جميع المسجد، وقال أبو مضر: يجوز من بذر المسجد، قال ~~الإمام المهدي في "البحر" (¬4): فأما تزيين الحرمين فلم يكن برأي ذي حل ~~وعقد ولا سكوت رضي، وفي تخريبه إضاعة، فلم يغير أحد من بعد ما قد وضع، ~~ومثله ذكر الإمام يحيى، قال (أ): وإنما فعلها أهل الدول الجائرة من غير ~~مؤاذنة لأحد من أهل الفضل، وسكت المسلمون والعلماء من غير رضي. # وحديث ابن عباس أورده ms0345 البخاري تعليقا فقال (ب): وقال ابن عباس: ~~"لتزخرفنها. ." الحديث (¬5)، ولم يذكر البخاري المرفوع وهو قوله: "ما أمرت" ~~إلخ للخلاف على يزيد بن الأصم (¬6) في وصله وإرساله، وقد توهم الطيبي (¬7) ~~أن قوله: "لتزخرفنها"، من تمام الحديث، وأنه بكسر اللام تعليل لما PageV02P411 # قبله، وليس كذلك وإنما هو بفتح اللام وهو (أ) جواب قسم. # وأخرج البخاري عن نافع أن عبد الله بن عمر أخبره أن المسجد كان على عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنيا باللبن وسقفه الجريد، وعمده خشب النخل ~~فلم يزد فيه أبو بكر شيئا وزاد فيه عمر وبناه على بنيانه (ب) في عهد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم باللبن والجريد، وأعاد عمده خشبا، ثم غيره عثمان ~~فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جداره بالحجارة المنقوشة والقصة، وجعل عمده من ~~حجارة منقوشة وسقفه بالساج" (¬1). # والقصة بفتح القاف وتشديد الصاد المهملة وهي الجص بلغة أهل الحجاز، وقال ~~الخطابي (¬2): يشبه الجص وليست به. # والساج نوع من الخشب معروف، يؤتى به من (ج) الهند. # قال ابن بطال (¬3) وغيره: وهذا يدل على أن السنة في بنيان المسجد القصد ~~وترك الغلو في تحسينه، فقد كان عمر مع كثرة الفتوح في أيامه وسعة المال ~~عنده لم يغير المسجد عما كان عليه، وإنما احتاج إلى تجديده لأن جريد النخل ~~قد نخر في أيامه، ثم قال عند عمارته: "أكن الناس من المطر وإياك أن تحمر أو ~~تصفر فيفتن الناس" (¬4) ثم كان عثمان والمال في زمانه أكثر فحسنه بما لا ~~يقتضي الزخرفة، ومع ذلك فقد (د) أنكر بعض الصحابة عليه، وأول من زخرف PageV02P412 # المساجد الوليد بن عبد الملك بن مروان وذلك في أواخر عصر الصحابة، وسكت ~~كثير من أهل العلم عن إنكار ذلك خوفا من الفتنة، ورخص في ذلك بعضهم، وهو ~~قول أبي حنيفة (¬1) إذا وقع ذلك على سبيل التعظيم للمساجد ولم يقع الصرف ~~على ذلك من بيت المال. # وقال ابن المنير (¬2): لما شيد الناس بيوتهم وزخرفوها ناسب أن يصنع ذلك ~~بالمساجد صونا لها عن الاستهانة، وهو مستقيم إذا ms0346 كانت العلة فيه هو ترك ~~الرفاهية، وأما إذا كانت العلة هو شغله بال المصلي فالعلة مستمرة (¬3). # 203 - عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~"عرضت علي أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من المسجد" رواه أبو داود، ~~والترمذي، واستغربه، وصححه ابن خزيمة (¬4). PageV02P413 # القذى -بالقاف والذال المعجمة مقصور: جمع قذاة (أ)، وجمع الجمع أقذية، ~~قال أهل اللغة: القذى في العين والشراب ما سقط فيه، ثم استعمل في كل شيء ~~يقع في البيت وغيره إذا كان يسيرا. # وفي الحديت دلالة على أن ذلك مما يؤجر عليه المسلم وإن قل وحقر. # [وفيه ترغيب في تنظيف المساجد مما يحصل فيها من القمامات القليلة أنها ~~تكتب في أجورهم، وتعرض على نبيهم صلى الله عليه وسلم، وإذا كتب هذا القليل ~~وعرض فيكتب الكبير ويعرض من باب الأولى، ففيه تنبيه بالأدنى على الأعلى، ~~وبالطاهر على النجس، والحسنات على قدر الأعمال، وينبغي لمن أخرج قذاة من ~~المسجد أو أذى من طريق أن يقول عند أخذها لإزالتها: لا إله إلا الله، ليجمع ~~بين أدنى شعب الإيمان وأعلاها وهي كلمة التوحيد، وبين الأفعال والأقوال، ~~وإن جمع القلب مع اللسان كان أكمل] (ب). # 204 - وعن أبي قتادة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين". متفق عليه (¬1). # فيه دلالة على أن الصلاة مأمور بها لأن النبي عن الشيء أمر بالضد أو ~~يقتضيه، والجمهور على أن ذلك أمر ندب، والقرينة على ذلك قوله، صلى الله ~~عليه وسلم، للذي رآه يتخطى: "اجلس فقد آذيت" (¬2) ولم يأمره PageV02P414 # بصلاة (أ)، وكذلك مثل قوله، صلى الله عليه وسلم: "أفلح إن صدق" (¬1) لمن ~~قال: لا أزيد على ذلك، [وكذا ما أخرجه ابن أبي شيبة عن الدراوردي عن زيد بن ~~أسلم قال: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون المسجد ثم ~~يخرجون ولا يصلون" (¬2)، وروى حماد بن زيد قال: إذا دخلت المسجد فصل فيه، ~~فإن لم تصل فيه ms0347 فاذكر الله تعالى، وهذا مثل ما قاله الغزالي -رحمه الله- ~~وغيره: إن داخل المسجد إذا كان على غير وضوء يقول: سبحان الله والحمد لله ~~ولا إله إلا الله والله أكبر] (ب). # ونقل ابن بطال (¬3) عن أهل الظاهر أن الأمر على وضعه وهو الوجوب وابن حزم ~~(¬4) (ج) صرح بمثل قول الجمهور. # وظاهر الحديث أن ذلك مشروع في جميع الأوقات لا يختص منه وقت الكراهة ~~لإطلاق اللفظ، ولكنه قد عارضه عموم كراهة الصلاة في الأوقات المخصوصة لمن ~~دخل المسجد وغيره، فذهب جمع إلى تخصيص النهي وتعميم هذا الأمر وهو الأصح ~~عند الشافعية (¬5)، وذهب جمع إلى عكسه وهو قول الحنفية والمالكية (¬6). PageV02P415 # وظاهر الحديث أن ذلك مشروع قبل أن يجلس فإن خالف وجلس فصرح جماعة بأنه لا ~~يشرع له التدارك (¬1)، وفيه نظر لما رواه ابن حبان في "صحيحه" من حديث أبي ~~ذر أنه دخل المسجد فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "أركعت ركعتين؟ " ~~قال: لا، قال: "قم فاركعهما" (¬2) وترجم عليه ابن حبان أن تحية المسجد لا ~~تفوت بالجلوس، وكذلك ما سيأتي من قصة سليك الغطفاني (¬3). # وقال المحب الطبراني (¬4): يحتمل أن يقال: وقتها قبل الجلوس وقت فضيلة، ~~وبعده وقت جواز، أو يقال: وقتهما قبله أداء وبعده قضاء، ويحتمل أن ~~مشروعيتهما بعد الجلوس على ما إذا لم يطل الفصل، وقد أخرج ابن أبي شيبة ~~حديث أبي قتادة من وجه آخر: "أعطوا المساجد حقها، قيل: وما حقها؟ قال: ~~ركعتين قبل أن تجلس" (¬5). # [وبقي الكلام فيمن يكثر تردده إلى المسجد (¬6) ويتكرر هل تتكرر عليه ~~التحية؟ قال بعضهم: لا، وقاسه على الحطابين والفكاهين المترددين إلى مكة في ~~سقوط الإحرام عليهم. والحديث يدل على تكرار التحية بتكرار الدخول، قلت: ~~والقول بالتكرار أولى (¬7)، وهل يدخل في ذلك من دخل المسجد ولم يجلس؟ ظاهر ~~قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل. . ." إلخ أنه يدخل في عمومه المجتاز، ~~ونازع في ذلك ابن دقيق العيد (¬8) لظاهر قوله، صلى الله عليه وسلم: "فلا ~~يجلس حتى يصلي ركعتين" لأنه علق النهي عن الجلوس بالصلاة فإذا لم ms0348 يكن جلوس ~~انتفى النهي، وقيل: وفيه نظر لأن الجلوس بخصوصه ليس هو PageV02P416 # المقصود بالتعليق عليه، بل المقصود هو الحصول في بقعته كما نبه عليه إمام ~~الحرمين، والنهي عن الجلوس إنما ذكر للتنبيه على أنه لا يشتغل بشيء غير ~~صلاة ركعتين كما في نظيره وهي تحية البيت الحرام أو المسجد الطواف بالبيت ~~فإنه معلق (أ) بالحصول بالحرم (ب) لا بالجلوس. # قال البرماوي: ويدل على ذلك أنه لو دخل ونام أو استمر قائما فإنه يكره له ~~ذلك حتى يصلي، وحديث أبي داود يصرح بهذا فإنه أخرج الحديث بلفظ: "إذا جاء ~~أحدكم. . ." إلخ، وفي رواية أخرى للحديث بزيادة: "ثم ليقعد بعد إن شاء أو ~~ليذهب لحاجته" أخرجها أبو داود] (ج). # وقوله: "ركعتين" لا مفهوم له في جانب الكثرة، واختلف في جانب العلة ~~والصحيح اعتباره، فلا تتأدى هذه السنة بأقل من ركعتين، وقد أخرج من عموم ~~المسجد المسجد الحرام فتحيته الطواف وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم ~~يصل قبلها ولا بعدها وقد يرد على ذلك أنه لم يصلها في مسجد. قلت: ولعله ~~يجاب بأنه، صلى الله عليه وسلم، صلى العيد عقب وصوله قبل أن يجلس والمنهي ~~عنه إنما هو الجلوس قبل الصلاة، وأما إذا اشتغل بصلاة ولو كانت فرضا فقد ~~أجزته عن التحية. وقد أخرج مسلم وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان من ~~رواية عمرو بن دينار عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة: "إذا أقيمت الصلاة فلا ~~صلاة إلا المكتوبة" (¬1) وأورده البخاري ترجمة (¬2)، ولعل ذلك منه لما ~~اختلف PageV02P417 # على عمرو بن دينار في رفعه ووقفه. # [فائدة: ويستحب لمن دخل المسجد أن يدعو بالدعاء المأثور وذلك ما رواه أبو ~~داود عن عبد الملك بن سعيد بن سويد قال: سمعت أبا سعيد أو أبا أسيد ~~الأنصاري يقول: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "إذا دخل أحدكم المسجد ~~فليسلم على النبي صلى الله عليه وسلم ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، ~~وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك" (¬1). # وقد ورد في ms0349 صفة الصلاة على النبي، صلى الله عليه وسلم، عند الدخول عن أنس ~~من رواية ابن السني: "كان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، إذا دخل المسجد ~~قال: بسم الله اللهم صلى على محمد، وإذا خرج قال: بسم الله اللهم صل على ~~محمد"، وروى ابن مردويه (أ) السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم عند ~~دخول المسجد والخروج منه، وزاد في الموضع السلام على رسول الله اللهم صلى ~~على محمد وعلى (ب) آل محمد] (ج). # (د عدد أحاديث الباب ستة عشر حديثا د). # آخر الجزء الثاني، ويتلوه إن شاء الله الجزء الثالث # وأوله: باب صفة الصلاة # والحمد لله رب العالمين PageV02P418 # البدر التمام شرح بلوغ المرام # للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي # (1048 ه- 1119 ه) # تحقيق # علي بن عبد الله الزبن # عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية # قدم له # فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان # رئيس مجلس القضاء الأعلى # الجزء الثالث PageV03P001 # البدر التمام شرح بلوغ المرام PageV03P003 # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة الأولى # 1424 - ه = 2003 م PageV03P004 ### || AUTO باب صفة الصلاة # 205 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال: "إذا قمت إلى الصلاه فأسبغ الوضوء، ثم استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ ما ~~تيسر معك من القرآن، ثم اركع حتى تطمئن راكعا، ثم ارفع حتى تعتدل قائما، ثم ~~اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم افعل ذلك في صلاتك كلها". أخرجه السبعة (¬1) ~~واللفظ للبخاري (¬2). # ولابن ماجه بإسناد مسلم: "حتى تطمئن قائما" (¬3) ومثله في حديث رفاعة عند ~~أحمد وابن حبان (¬4). # وفي لفظ لأحمد: "فأقم صلبك حتى ترجع العظام" (¬5). # وللنسائي وأبي داود (¬6) من حديث رفاعة بن رافع: "إنها لن (أ) تتم صلاة PageV03P005 # أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، ثم يكبر الله ويحمده ويثنى ~~عليه" وفيها: "فإن كان معك قرآن فاقرأ (أ)، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله" (¬1). # ولأبي داود: "ثم اقرأ بأم الكتاب (ب). وبما شاء الله" (¬2). # ولابن حبان: "ثم بما شئت" (¬3). # الحديث أخرجه البخاري في مواضع فمنها ms0350 ما هو مختصر ذكر الوضوء، وهو في باب ~~صفة الصلاة ويذكر في الوضوء، في باب الاستئذان من رواية ابن نمير (¬4) بلفظ ~~"فأسبغ الوضوء"، وفي رواية يحيى بن علي (¬5): "فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد ~~وأقم"، وأخرجه النسائي (¬6) من رواية إسحاق بن أبي طلحة: "إنها لن تتم صلاة ~~أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ~~ويمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين، ثم يكبر الله ويحمده ويمجده" وعند أبي ~~داود (¬7) بدل "يمجده" "ويثني عليه". PageV03P006 # وفي هذا دلالة على [وجوب] (أ) إسباغ الوضوء، فإن كان المراد به إكمال ~~الأعضاء فهو على ظاهره، وإن كان المراد به تثليث الأعضاء مع الإكمال فلعله ~~(ب) يحمل تمام الصلاة على إكمال الفضيلة لا على الأجر أو يتعين حمل الإسباغ ~~على إكمال الأعضاء، ويدل عليه الرواية الأخرى بقوله: "كما أمرك الله" (¬1)، ~~وتفصيل المأمور به ليس فيه التثليث، ويدل التفصيل أيضا على عدم وجوب ~~المضمضة والاستنشاق، ويصح أن يكون هذا قرينة على حمل الأمر بهما على الندب. # وقوله: "ثم استقبل القبلة": فيه دلالة على وجوب ذلك، وهو مجمع عليه، وقد ~~تقدم تفصيل ذلك (¬2) وعفوه عن الراكب. # وقوله: "فكبر": فيه دلالة على استفتاح الصلاة بالتكبير وتعين ذلك اللفظ، ~~ويدل على تعين هذا اللفظ (ج) رواية الطبراني لحديث رفاعة بلفظ: "ثم يقول: ~~الله أكبر (¬3) وحديث أبي حميد أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة وابن حبان: ~~"إذا قام إلى الصلاة اعتدل قائما ورفع يديه ثم قال: الله أكبر" (¬4) وروى ~~البزار بإسناد صحيح على شرط مسلم عن علي رضي الله عنه قال: "إن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كان إذا قام إلى الصلاة قال: الله أكبر" (¬5)، وأخرج PageV03P007 # أحمد والنسائي من (أ) طريق واسع بن حبان أنه سأل ابن عمر رضي الله عنه عن ~~صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "الله أكبر كلما وضع ورفع" ~~(¬1) فهذه فيها بيان للمراد من قوله "فكبر"، وأن المراد اللفظ لا الإتيان ~~بما فيه معنى التكبير، وهذا (ب) قول الجمهور (¬2) وأبي يوسف ms0351 (¬3) وعن ~~الحنفية وزيد بن علي أنه يجزئ كل لفظ يفيد التعظيم كالتسبيح (¬4)، وقال ~~أحمد بن يحيى وأبو العباس (¬5) وأبو طالب: أنه يجزئ كل ما فيه صيغة التفضيل ~~نحو: "الله أجل وأعظم"، ونحو ذلك، وقال أبو طالب (¬6): وكذا التهليل، ~~والحجة لقول (ج) الجمهور ما مر [وهو اتباع (د) اللفظ، وظاهره تعين التكبير ~~ويتأيد ذلك بأن العبادات محل التعبدات (ه) ويكثر ذلك فيها، والاحتياط فيها ~~الاتباع (و)، وأيضا فإن الخصوص قد يكون مطلوبا أعني خصوص التعظيم بلفظ: ~~"الله أكبر" لأن رتب هذه الألفاظ مختلفة. كما تدل عليه الأحاديث، فقد لا ~~تتأتى مرتبة بما يقصد من أخري كما أنا نفهم أن الركوع المقصود منه التعظيم ~~والخضوع، فلو أقام غيره مقامه خضوعا لم PageV03P008 # يكتف به، وكما أنه شرع (أ) التكبير عند القيام والسجود، ولا يقوم غيره ~~مقامه من التسبيح والتحميد] (ب). # واختلف العلماء في تكبيرة الإحرام فقال الجمهور: إنها ركن (¬1)، وقيل: ~~شرط، وهو عند الحنفية (¬2)، ووجه عند الشافعية، وقيل: سنة، وقال ابن ~~المنذر: لم يقل به أحد غير الزهري (¬3). ونقله غيره عن سعيد بن المسيب ~~والأوزاعي ومالك، ولم يثبت عن أحد منهم تصريحا وإنما قالوا فيمن أدرك ~~الإمام راكعا: تجزئه تكبيرة الركوع، ونقله الكرخي من الحنفية عن ابن علية ~~وأبي بكر الأصم (ج). # وقوله "ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن": فيه دلالة على وجوب قراءة القرآن ~~في الصلاة سواء كان الفاتحة أو غيرها، ولا تتعين الفاتحة، وقد ذهب إلى هذا ~~أبو حنيفة وأصحابه (¬4)، فتجزئ عنده آية، وعن أبي يوسف ومحمد: آية طويلة، ~~أو ثلاث آيات، وأجاب من أوجب الفاتحة (¬5) بأن قوله "ما تيسر" وإن أفهم ما ~~ذكره وهو كذلك في رواية أبي هريرة، ولم PageV03P009 # يختلف الرواة فيه (أ) فقد ورد في حديث رفاعة مختلف بألفاظ ففي رواية ~~إسحاق: "ويقرأ ما تيسر من القرآن مما علمه الله" (¬1)، وفي رواية يحيى بن ~~علي (¬2): "فإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا فاحمد الله تعالى وكبره وهلله". ~~وفي رواية محمد بن عمرو عند أبي داودة "ثم اقرأ بأم ms0352 القرآن وبما شاء الله ~~تعالى" (¬3)، ولأحمد وابن حبان من هذا الوجه (ب) "ثم اقرأ بأم القرآن ثم ~~اقرأ بما شئت" وترجم له ابن حبان (¬4): "باب فرض المصلي فاتحة الكتاب في كل ~~ركعة"، فمع هذه الرواية المصرحة بأم القرآن: ثم اقرأ بما شئت يحمل ما تيسر ~~علي الفاتحة، وكانت هي (ج) المتيسرة لحفظ المسلمين لها فهي المتيسرة أو أنه ~~عرف من حال الرجل أنه لا يحفظ الفاتحة، ومن كان كذلك وهو يحفظ غيرها فله أن ~~يقرأه، أو أن ذلك منسوخ بحديث تعيين الفاتحة أو أن المراد ما تيسر فيما زاد ~~على الفاتحة، ولعل الرواي ذهل عن ذكر الفاتحة، ويؤيد هذا برواية أحمد وابن ~~حبان، وأيضا فإن في هذه الرواية زيادة وهي غير (د) معارضة مع الجمع بين ~~الأمرين، وهذا أرجح. # ويؤخذ من الحديث أنه لا يجب على من لم يحسن القراءة والتعلم وإن أمكنه بل ~~يعدل إلي التسبيح ونحوه. PageV03P010 # وأنه لا يتعين منه قدر مخصوص ولا لفظ مخصوص، وقد ورد في تعيين اللفظ حديث ~~عبد الله بن أبي أوفى (¬1) قال: جاء رجل إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا فعلمني ما يجزئ منه، قال: "قل ~~سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله العلي العظيم" ولكن لا دلالة فيه على أنه يتعين ذلك إذ هو مقيد موافق ~~لمطلق ولا (أ) دلالة على التقييد بمفهوم ولا منطوق والله أعلم. # وقوله: "ثم اركع حتى تطمئن راكعا": فيه دلالة على وجوب الركوع وعلى وجوب ~~الطمأنينة في الركوع لأن قوله: "حتى تطمئن" إنما هو صفة الركوع المتمكن، ~~فلا يتوهم المغايرة من الغاية، وفي رواية أحمد لهذا الحديث: "فإذا ركعت ~~فاجعل راحتيك على ركبتيك، وامدد ظهرك ومكن ركوعك" (¬2) وفي رواية إسحاق بن ~~طلحة: "ثم يكبر فيركع حتى تطمئن مفاصله وتسترخي (¬3). # وقوله: "ثم ارفع حتى تعتدل قائما" فيه دلالة على وجوب الرفع وعلى وجوب ~~الانتصاب قائما، وأما الطمأنينة في حال القيام ms0353 فقال إمام الحرمين: في القلب ~~من وجوبها شيء؛ لأنها لم تذكر في حديث المسيء صلاته PageV03P011 # وكأنه لم يقف على ما صح فيها، ففي رواية ابن نمير عند ابن ماجه: "حتى ~~تطمئن قائما" (¬1) من رواية ابن أبي شيبة عنه وهو على شرط مسلم، وكذا أخرجه ~~إسحاق ابن راهوية في "مسنده" عن أبي أسامة وهو في "مستخرج أبي نعيم" من ~~طريقه، وكذا أخرجه السراج عن يوسف بن موسى أحد شيوخ البخاري عن أبي أسامة ~~فهو على شرط البخاري أيضا، ومثله في حديث رفاعة عند أحمد وابن حبان، وفي ~~لفظ لأحمد: "أقم صلبك حتى ترجع العظام إلى مفاصلها" (¬2) والخلاف في الرفع ~~لأبي حنيفة (¬3) فقال: الواجب هو الركوع فقط لقوله تعالى: {اركعوا}، ~~والجواب ما ثبت في الحديث. # وقوله: "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا": فيه دلالة على وجوب السجود والطمأنينة ~~فيه (أ) وفي رواية إسحاق بن طلحة: "ثم يكبر ويسجد حتى يمكن وجهه أو جبهته ~~حتى تطمئن مفاصله وتسترخي" (¬4) وهو مجمع على وجوب السجود (¬5)، والخلاف في ~~الطمأنينة لأبي حنيفة (¬6) قال: لقوله تعالى: {اركعوا واسجدوا} (¬7) ولم ~~يوجب ما زاد على ذلك، والجواب ما ثبت في الحديث. # وقوله: "ثم ارفع حتى تطمئن جالسا": وفي رواية إسحاق: "ثم يكبر PageV03P012 # فيرفع رأسه حتى يستوى قاعدا على مقعدته ويقيم صلبه" (¬1)، وفي رواية محمد ~~بن عمرو: "فإذا رفعت رأسك فاجلس على فخذك اليسرى" (¬2): فيه دلالة على وجوب ~~الرفع وعلى الطمأنينة في حال الرفع، وقال أبو حنيفة: (¬3) يكتفي بأدنى رفع ~~ولو مقدار حد السيف، وقال مالك: يكون أقرب إلى الجلوس، وفي قوله "تجلس على ~~فخذك اليسرى": دلالة على أن هيئته افتراش اليسرى ونصب اليمنى، والخلاف فيه ~~لأحد قولي الشافعي أنه يقعد على رؤوس أصابعه (¬4). # وقوله "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل كذلك في صلاتك كلها": دليل على ~~أنه لا يقعد للاستراحة حيث لا قعود للتشهد، ولكنه قد وقع في رواية ابن نمير ~~ذكره البخاري في باب الاستئذان بعد السجود (أ) الثاني "ثم ارفع حتى تطمئن ~~جالسا"، ولكن البخاري أشار إلى أن ms0354 هذه PageV03P013 # الزيادة وهم، فإنه عقبه بأن قال: قال أبو أسامة (¬1) في الاخير "حتى ~~تستوي قائما" ولكنه إذا كان ذلك اللفظ محفوظا فيحمل على القعود للتشهد، ~~ويدل عليه أن في رواية إسحاق: "فإذا جلست في وسط الصلاة فاطمئن جالسا ثم ~~افترش فخذك اليسرى ثم تشهد" (¬2)، فذكر جلوس التشهد لكن رواه إسحاق ابن ~~راهوية في "مسنده" عن أبي أسامة كما قال ابن نمير بلفظ " ثم اسجد حتى تطمئن ~~ساجدا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اقعد حتى ~~تطمئن قاعدا، ثم افعل ذلك في كل ركعة" (¬3). # وأخرجه البيهقي من طريقه قال: وكذا قال إسحاق ابن راهويه عن أبي أسامة، ~~والصحيح رواية عبيد الله بن سعيد أبي قلابة ويوسف بن موسى عن أبي أسامة، ~~بلفظ "ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تستوي قائما" ثم ساقه من (أ) ~~طريق يوسف بن موسى كذلك. # واعلم أنه تكرر من العلماء الاستدلال بهذا الحديث على وجوب ما ذكر فيه، ~~وعلى عدم وجوب ما لم يذكر أنها الوجوب فللأمر بذلك، وأما عدمه فلكون المقام ~~مقام تعليم الواجب في الصلاة فلو لم يذكر بعض ما يجب (ب) لكان فيه تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة وهو لا يجوز بالإجماع، فإذا حصرت ألفاظ هذا الحديث ~~الصحيحة أخذ منها بالزائد ثم إن عارض الوجوب أو عدمه دليل أقوي منه عمل به، ~~وإن جاءت صيغة أمر بشيء لم PageV03P014 # يذكر في هذا الحديث احتمل أن يكون هذا الحديث قرينة على حمل الصيغة على ~~الندب واحتمل البقاء على الظاهر فيحتاج إلى مرجح (أ) للعمل به، وقد ذكرنا ~~الزيادات الواردة في طرق هذا الحديث. # واعلم أن من الواجبات المتفق عليها ولم تذكر في هذا الحديث: النية (¬1) ~~والقعود الأخير (¬2)، ومن المختلف فيه التشهد الأخير (¬3). والصلاة على ~~النبي، - صلى الله عليه وسلم - فيه، السلام في آخر الصلاة (¬4). # واستدل بهذا الحديث على وجوب الطمأنينة في أركان الصلاة، وبه قال الجمهور ~~(¬5) واشتهر عن الحنفية (¬6) أن الطمأنينة سنة، وصرح بذلك كثير من مصنفيهم ~~قالوا: لأن ms0355 هذا الحديث خبر آحاد، وفيه زيادة على النص وهو قوله تعالى: ~~{اركعوا واسجدوا} (¬7) وهما حاصلان بغير طمأنينة والطمأنينة زيادة والزيادة ~~على المتواتر بالآحاد لا تعتبر، وعورض بأن ذلك ليس زيادة بل بيان للمراد ~~بالسجود والركوع، وأنه مخالف للسجود اللغوي، وهو وضع الجبهة على الأرض ~~مطلقا وكذا الركوع مجرد انحناء الظهر (ب) فبينت السنة أن المأمور به في ~~الصلاة ما كان على هذه الكيفية المخصوصة من التمكن، ويؤيده أن الآية ~~الكريمة إنما نزلت بعد ثبوت كون PageV03P015 # النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ويركع ويسجد ولم يثبت أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - فعل ذلك بغير طمأنينة. # وأما الطحاوي (¬1)، فظاهر كلامه موافقة الحنفية للجمهور في الوجوب، فإنه ~~ترجم: "مقدار الركوع والسجود" ثم ذكر حديث أبي داود في قول: "سبحان ربي ~~العظيم" ثلاثا في الركوع وذلك أدناه، قال: فذهب قوم إلى أن هذا مقدار ~~الركوع والسجود لا يجزئ أدنى منه. قال: وخالفهم آخرون فقالوا: إذا استوى ~~راكعا، واطمأن ساجدا أجزأ (أ)، ثم قال: وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد. # فائدة: الرجل الذي علمه النبي - صلى الله عليه وسلم - اسمه: خلاد بن رافع ~~جد علي بن يحيى راوي الحديث، وصرح ابن أبي شيبة (¬2) باسمه في روايته لحديث ~~رفاعة، وفي رواية الترمذي (¬3): "جاء رجل كالبدوي" لا ينافي ذلك لأنه شبه ~~بالبدوي؛ لأنه أخف صلاته، ووقع في رواية النسائي (¬4) أنه صلى ركعتين وفيه ~~إشعار بأن الصلاة نفل ولعلها تحية المسجد، وفي الرواية المذكورة: "وقد كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يرمقه في صلاته" زاد في رواية إسحاق بن طلحة ~~(¬5) ولا يدري ما يعيب منها (ب) [ووقع في رواية رفاعة بن رافع عند PageV03P016 # ابن أبي شيبة (¬1) في هذه القصة: دخل رجل فصلى صلاة خفيفة لم يتم ركوعها ~~ولا سجودها، وأشار في البخاري إلى هذا في (أ) ترجمة الباب فقال: باب أمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي لا يتم ركوعه بالإعادة ثم أورد الحديث] ~~(¬2) (ب) و (ج) يؤخذ منها أن الدخول في النافلة يوجب إتمامها ويحتمل ms0356 أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - عرف من حاله أنه لا يعرف استكمال الصلاة من حيث هي ~~فعرفه كيفية الصلاة وإن لم يكن المقصود إلزامه بتأدية تلك النافلة ويحتمل ~~أنها صلاة فرض، وفيه ما عرفت والحديث بكماله وقد اشتمل على فوائد وآداب فمن ~~أراد استيفاء ذلك فليرجع إلى شروح الحديث. # 206 - وعن أبي حميد الساعدي - رضي الله عنه - قال: "رأيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه، وإذا ركع أمكن يديه من ~~ركبتيه ثم هصر ظهره، فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه، فإذا سجد ~~وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة، وإذا ~~جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب اليمنى وإذا جلس في الركعة ~~الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته" أخرجه البخاري (¬3). PageV03P017 # هو أبو حميد عبد الرحمن بن سعد -ويقال: عبد الرحمن بن عمرو (أ) بن سعد ~~الأنصاري الخزرجي الساعدي، منسوب إلى ساعدة (¬1) وهو أبو الخزرج المدني غلب ~~عليه كنيته. # روي عنه جابر بن عبد الله والعباس بن سهل وعروة بن الزبير، وخارجة بن زيد ~~بن ثابت، ومحمد بن عمرو (ب) بن عطاء، مات في آخر ولاية معاوية (¬2). # و (ج) الحديث روي عن أبي حميد قولا وروي عنه فعلا. أراه صلاة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، والجمع بين الروايتين ممكن بالقول وبالفعل. # قوله: "إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه": زاد ابن إسحاق: "ثم قرأ بعض ~~القرآن" ونحوه لعبد الحميد، فيه دلالة على أن ذلك من أفعال الصلاة، وأنه ~~مقارن للتكبيرة وهو موافق لحديث (د) وائل بن حجر (¬3) عند أبي دود (ه) رفع ~~يديه مع التكبيرة، والمعية تقتضي أنه ينتهي بانتهائها، وهو PageV03P018 # الذي صححه النووي في شرح المهذب (¬1)، نقله عن نص الشافعي، وهو المرجح ~~عند المالكية (¬2)، وصحح في الروضة (¬3) تبعا لأصلها أنه لا حد لانتهائه. # وقد ورد تقديم الرفع على التكبير وعكسه أخرجهما مسلم فأخرج من حديث ابن ~~شهاب لفظ (أ) رفع يديه ثم كبر (¬4)، وفي ms0357 حديث مالك بن الحويرث: "كبر ثم رفع ~~يديه" (¬5)، وذهب إلى تقديم الرفع على التكبير صاحب "الهداية" (¬6) من (ب) ~~الحنفية قال: لأن الرفع نفي صفة الكبرياء عن غير الله تعالى، والتكبير ~~إثبات ذلك له والنفي سابق على الإثبات كما في كلمة الشهادة. وهذا منه بناء ~~على أن هذه (ج) الحكمة في الرفع، وقال غيره: الحكمة في الجمع بين التكبير ~~والرفع في افتتاح الصلاة أن يراه الأصم ويسمعه الأعمى، وقيل معنى الرفع: ~~الإشارة إلى طرح الدنيا والإقبال بكليته على العبادة، وقيل إلى الاستسلام ~~والانقياد ليناسب فعله قوله: "الله أكبر" وقيل: إلى استعظام ما دخل فيه، ~~وقيل: إلى تمام (د) PageV03P019 # القيام، وقيل: إلى رفع الحجاب بين العبد والمعبود، وقيل: ليستقبل بجميع بدنه. # قال القرطبي (¬1): هذا أنسبها. # وقال الربيع قلت: للشافعي: ما معنى رفع اليدين؟ قال: تعظيم الله واتباع ~~سنة نبيه - صلى الله عليه وسلم -. # ونقل ابن عبد البر (¬2) أنه قال: رفع اليدين من زينة الصلاة. # وعن عقبة بن عامر قال: "لكل رفع عشر حسنات وكل (أ) إصبع حسنة"، ولم يقل ~~أحد بتقديم التكبير على الرفع (¬3) واختلف العلماء في حكم الرفع فقال ~~النووي (¬4): أجمعت الأمة على استحبابه، وهو منقوض بأن داود وأحمد بن سيار ~~(ب) قالا بوجوبه ونقله القرطبي (¬5) في أوائل تفسيره عن بعض المالكية، وهو ~~مقتضي قول ابن خزيمة أنه ركن، واحتج له بمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، على فعله، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي". # [وقال بالوجوب أيضا الأوزاعي والحميدي شيخ البخاري، وحكاه القاضي حسين عن ~~الإمام أحمد (¬6). PageV03P020 # وقال ابن عبد البر: كل من نقل عنه الإيجاب لا يبطل الصلاة بتركه، إلا في ~~رواية عن الأوزاعي والحميدي، ونقل بعض (¬1) الحنفية عن الإمام أبي حنيفة ~~أنه يأثم تاركه] (أ)، وقد تؤول قول النووي بأنه أراد إجماع من سلف قبل ~~المخالفين، أو أن الاستحباب لا ينافي الوجوب. # وقال ابن عبد البر: أجمع العلماء على جواز رفع اليدين عند افتتاح الصلاة، ~~وهو منقوض بما تقدم والجواب كما تقدم. # قال المصنف رحمه الله تعالى (¬2) -: ونقل ms0358 العبدري عن الزيدية أنه لا يرفع ~~(ب)، قال: وفي رواية عن مالك أنه لا يستحب، نقله صاحب: "التبصرة" منهم، ~~وحكاه (ج) الباجي عن كثير من متقدميهم، انتهى كلامه. # وأقول: وفي حكايته عن الزيدية الجميع نظر فإن القول بعدم الرفع إنما هو ~~للهادي ورواية عن القاسم (¬3)، وقال زيد بن علي (¬4) والمؤيد بالله ورواية ~~عن القاسم، والناصر والإمام يحيى: يستحب رفع اليدين للافتتاح، واحتج ~~القائلون به بهذا الحديث وغيره من سائر الأحاديث الواردة في ذلك من الطرق ~~الصحيحة المعتبرة، حتى قال المصنف رحمه الله (¬5): عددت من روى PageV03P021 # رفع اليدين في ابتداء الصلاة خمسين صحابيا، منهم العشرة المشهود لهم ~~بالجنة. # وروى البيهقي عن الحاكم قال: لا نعلم سنة اتفق على روايتها عن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - الخلفاء الأربعة، ثم العشرة الشهود لهم بالجنة فمن ~~بعدهم من أكابر الصحابة على تفرقهم في البلاد (أ) الشاسعة غير هذه السنة. # قال البيهقي: هو كما قال أستاذنا أبو عبد الله. # وقد صنف السبكي في ذلك كتابا ونسب إلى الزيدية إنكار ذلك وفيه ما عرفت، ~~وقد رواه أبو خالد الواسطي في مجموع عن (ب) زيد بن علي، ورواه محمد بن ~~منصور في أمالي أحمد بن عيسى من حديث أنس ومن حديث وائل بن حجر، ورواه أيضا ~~عن القاسم واحتج المانعون للرفع بحديث جابر بن سمرة أخرجه مسلم قال: "خرج ~~علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما لي أراكم رافعي أيديكم ~~كأنها أذناب (ج) خيل شمس اسكنوا في الصلاة" (¬1). # [وشمس: جمع شموس وهي النفور من الدواب التي لا تستقر لشغبه وحدته، كذا في ~~"النهاية" (¬2)، وقال النووي في "شرح مسلم" (¬3) شمس: بإسكان الميم وضمها ~~-وهي التي لا تستقر بل تضطرب وتتحرك بأذنابها PageV03P022 # وأرجلها] (أ) فدل الحديث على النهي عن ذلك فكان ناسخا لما ثبت من الرفع. # وأجاب الأولون بأن أصل هذا الحديث الذي أخرجه مسلم (¬1) قال: "كنا إذا ~~صلينا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا: السلام عليكم ورحمة الله، ~~السلام عليكم ورحمة الله، وأشار بيده ms0359 إلى الجانبين فقال لهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - "علام تومئون بأيديكم كانها أذناب خيل شمس، إنما يكفي ~~أحدكم أن يضع يده على فخذه ثم يسلم على أخيه من عن يمين ومن عن شمال". # وفي رواية: "إذا سلم أحدكم فليلتفت إلى صاحبه ولا يومئ بيديه" (¬2). # وقال ابن حبان: تقدم (ب) ذكر الخبر المقتضي للقصة المتقدمة المختصرة بأن ~~القوم إنما أمروا بالسكون في الصلاة عند الإشارة بالتسليم دون الرفع الثابت ~~عند الركوع، ثم رواه (ج) كنحو رواية مسلم. # قال البخاري (¬3): من احتج بحديث جابر بن سمرة على منع الرفع عند الركوع ~~فليس له حظ من العلم، هذا مشهور، لا خلاف، إنما كان في حال التشهد. # وأجاب الإمام المهدي في "البحر" (¬4) عن هذا قال: وحملهم إياه على PageV03P023 # الإشارة عند التسليم بعيد إذ قال "أيديكم" ولم يقل "أصابعكم" ولضعف ~~التشبيه معه انتهى (¬1). # وهو يريد أن تشبيه الأيدي بأذناب الخيل الشمس في حال الإشارة وقت السلام ~~ضعيف لبعد المشابهة، بخلاف رفعها عند التكبير فهو ظاهر وجه الشبه، وهو محل ~~تأمل، والله أعلم. # وقوله: "حذو منكبيه" -بفتح الحاء المهملة وسكون الذال المعجمة أي: ~~مقابلها، والمنكب مجمع عظم العضد والكتف (¬2)، وبهذا أخذ الشافعي (¬3) ~~والجمهور، وذهب الحنفية (¬4) إلى أنه ترفع حتى تحاذي بهما فروع أذنيه لحديث ~~مالك بن الحويرث الآتي (¬5)، وعند أبي داود من حديث وائل بن حجر بلفظ: "حتى ~~حاذتا أذنيه" (¬6)، ورجح الأول بكون إسناده أصح، وروي أبو ثور عن الشافعي ~~أنه جمع بينهما، فقال: يحاذي بظهر كفيه المنكبين وبأطراف أنامله الأذنين ~~(¬7)، ويؤيده رواية أخرى عن وائل عند أبي داود: "حتى كانت حيال منكبيه ~~وحاذي بإبهاميه أذنيه" (¬8)، وبهذا قال المتأخرون من المالكية فيما حكاه ~~ابن سابق في "الجواهر"، لكن روي مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يرفع يديه ~~حذو منكبيه في الافتتاح PageV03P024 # وفي غيره دون ذلك (¬1) أخرجه أبو داود (¬2). # ويعارضه قول ابن جريج: قلت لنافع: كان ابن عمر يجعل الأولى أرفعهما؟ قال: ~~لا (¬3)، ذكره أبو داود أيضا، وقال: لم يذكر رفعهما دون ذلك غير ms0360 مالك فيما ~~أعلم، والله أعلم. # فائدة: لم يرد ما يدل على التفرقة في الرفع بين الرجل والمرأة، وعند ~~الحنفية (¬4): يرفع الرجل إلى الأذنين والمرأة إلى المنكبين لأنه أستر لها (¬5). # وقوله "أمكن يديه من ركبتيه" في رواية أبي داود "كأنه قابض عليهما" (¬6) ~~وهذا تفسير الإمكان. # وقوله "ثم هصر ظهره" (¬7) بالهاء والصاد المهملة المفتوحتين "أي ثناه في ~~استواء من غير تقويس ذكره الخطابي (¬8)، وفي رواية الكشميهني "ثم حنى" ~~-بالحاء المهملة والنون وهو بمعناه، وفي رواية عيسى: "غير مقنع رأسه ولا ~~مصوبه" ونحوه (¬9) لعبد الحميد ولأبي داود في رواية ابن لهيعة عن يزيد بن ~~أبي حبيب، "وفرج بين أصابعه" (¬10). PageV03P025 # وقوله: "فإذا رفع رأسه استوى": زاد عيسى عند أبي داود فقال: "سمع الله ~~لمن حمده اللهم ربنا لك الحمد، ورفع يديه" (¬1) ونحوه لعبد الحميد وزاد ~~"حتى يحاذي بهما منكبيه معتدلا" (¬2). # وقوله: "حتى يعود كل فقار مكانه": الفقار (¬3) -بفتح الفاء والقاف- جمع ~~فقارة وهي عظام الظهر وهي العظام التي يقال لها خرز الظهر، قاله الفراء، ~~وقال ابن سيده (¬4): هي من الكاهل إلى العجب، وحكى ثعلب عن نوادر ابن ~~الأعرابي "أن عدتها سبع"، وفي أمالي الزجاج: أصولها سبع غير التوابع، وعن ~~الأصمعي: هي خمس وعشرون؛ سبع في العنق وخمس في الصلب وبقيتها في أطراف ~~الأضلاع. # وحكى في: "المطالع" أنه وقع في رواية الأصيلي: بفتح الفاء وكسرها، ولابن ~~السكن بكسرها، والصواب بفتحها. # (أقال المصنف -رحمه الله (¬5) وفي روايتنا قفار بتقديم القاف على الفاء ~~وكذا للأصيلي، وعند الباقين بتقديم الفاء كرواية يحيى بن بكير، لكن ذكر ~~صاحب "المطالع" أنهم كسروا الفاء، وجزم جماعة من الأئمة بأن تقديم القاف ~~تصحيف، وقال ابن المنير: لم يتبين لي وجهه (أ) انتهى. PageV03P026 # والمراد بذلك كمال الاعتدال تفسره رواية هشيم عن عبد الحميد: ثم يمكث ~~قائما حتى يقع كل عظم موقعه (¬1). # وقوله "غير مفترش": أي لهما، ولابن حبان: "غير مفترش ذراعيه" وهي مفسرة. # وقوله "ولا قابضهما": أي بأن يضمهما إليه. # وقوله: "فإذا جلس في الركعتين": أي في الأوليين ليتشهد. # وقوله "وإذا (أ) جلس في ms0361 الركعة الأخيرة" إلخ فيه دلالة قوية للشافعي (¬2) ~~ومن يقول بقوله إن هيئة الجلوس في التشهد الأول مغايرة لهيئة الجلوس في ~~الأخير، وخالف في ذلك المالكية والحنفية (¬3) فقالوا: يسوي بينهما، لكن قال ~~المالكية: يتورك فيهما كما جاء في التشهد الأخير، ويقاس عليه الأوسط، وعكسه ~~الآخرون، وهو قول الهادي (¬4) والقاسم والمؤيد بالله وزيد بن علي لثبوت ذلك ~~في الأوسط، قالوا: وتوركه - صلى الله عليه وسلم - في الأخير بيان للجواز ~~لطوله، [والتورك: هو أن يفضي بوركه إلى الأرض وينصب رجله اليمنى] (ب) (¬5). # وقد قيل في حكمه المغايرة بينهما أنه أقرب إلى عدم اشتباه عدد PageV03P027 # الركعات، ولأن الأول تعقبه حركة بخلاف الثاني، ولأن المسبوق إذا رآه علم ~~قدر ما سبق به، واستدل به الشافعي على أن حكم تشهد صلاة الصبح حكم الأخير ~~لعموم قوله "الركعة الاخيرة" (¬1)، واختلف فيه قول أحمد، والمشهور عنه ~~اختصاص التورك بما فيه تشهدان. # 207 - وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال: "وجهت وجهي" إلى قوله "من ~~المسلمين، اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت، أنت ربي وأنا عبدك" إلى آخره". ~~رواه مسلم (¬2). # وفي رواية له أن ذلك في صلاة الليل (¬3). # تمامه: "ظلمت نفسي، واعترفت بذنبي، فاغفر لي ذنوبي جميعا، إنه لا يغفر ~~الذنوب إلا أنت، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني ~~سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت، لبيك، وسعديك، والخير كله في يديك، والشر ~~ليس إليك، أنا بك وإليك، تباركت وتعاليت، أستغفرك وأتوب إليك". PageV03P028 # وإذا ركع قال: "اللهم لك ركعت وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي، وبصري، ~~ومخي، وعظم، وعصبي". # وإذا رفع رأسه قال: "اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء والأرض (أ)، ~~ملء ما شئت من شيء بعد". # وإذا سجد قال: "اللهم لك سجدت، ولك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه ~~وصوره، وشق سمعه وبصره فتبارك الله أحسن الخالقين". # ثم يكون (ب) آخر ما يقول بين التشهد ms0362 والتسليم: اللهم اغفر لي ما قدمت وما ~~أخرت وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم ~~وأنت المؤخر لا إله إلا أنت. # وروى هذا الحديث أحمد والترمذي وصححه. # معنى "وجهت وجهي": قصدت بعبادتي. # "وفطر السموات والأرض" أي (ج): ابتدأ خلقهما من غير مثال سابق، وجمع ~~"السموات" ووحد "الأرض" في هذا وفي غيره، قيل لأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أسري به ووطئها بقدميه، وأما الأرض فلم يطأ بقدمه (د) إلا العليا ~~فشرفت بذلك، أو (ه) لأن "السموات" محل الملائكة ولم يثبت في سائر الأرضين ~~مثل ذلك ولذلك كانت السموات أفضل. وقد قيل إن الأرضين PageV03P029 # السبع لها سكن فروى البيهقي (¬1) عن أبي الضحى عن ابن عباس أنه قال: في ~~قوله {ومن الأرض مثلهن} (¬2) قال: "سبع أرضين في كل أرض نبي كنبيكم وآدم ~~كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيساكم" (أ). # ثم قال: إسناد هذا الحديث عن ابن عباس صحيح، غير أني لا أعلم لأبي الضحى ~~متابعا. # و"حنيفا": قال الأكثرون معناه مائلا إلى الدين الحق وهو الإسلام، والحنف ~~(ب): الميل ويكون في الخير والشر، وقيل المراد بالحنيف هنا المستقيم، قاله ~~الأزهري وغيره. # وقال أبو عبيد: الحنيفية عند العرب: من كان على دين إبراهيم. # وقوله "وما أنا من المشركين" بيان للحنيف وإيضاح لعناه، والمشرك يطلق على ~~كل كافر من عابد وثن وغيره. # وقوله (ج): "إن صلاتي ونسكي": النسك: العبادة (¬3) وكل ما يتقرب به إلى ~~الله تعالى، وهو من عطف العام على الخاص، والنسيكة في PageV03P030 # الأصل: الفضة المذابة المصفاة من كل خلط. # وقوله: "ومحياي ومماتي": أي حياتي، ويجوز فتح الياء وإسكانها، والأكثر ~~على فتح ياء "محياي". # وقوله "لله": اللام لام الملك والاختصاص، وكلاهما مراد هنا. # وقوله "رب العالمين": في معنى الرب (¬1) أربعة أقوال: المالك والسيد ~~والمدبر والمربي (أ)، فعلى الأولين هو صفة ذات، وعلى الأخيرين صفة فعل ومتى ~~دخلت عليه اللام اختص بالله سبحانه [وقد أطلق على غيره نادرا مع القرينة ~~كقول ابن حلزة: # وهو الرب والشهيد على يو ms0363 ... م الحيارين والبلاء بلاء (¬2)] (ب) # "والعالمين": جمع عالم، والعالم مشتق من العلم وهو اسم لجميع المخلوقات ~~يعني أنه يصح إطلاقه على جميع (ج) الأجناس، فيقال: عالم الملك وعالم الإنس ~~وعالم الجن وعالم الأفلاك وعالم النبات إذا كان المراد بعالم ما يعلم به ~~الخالق. # وإن كان المراد به من يعلم كان مختصا بالملك والثقلين، ويتناول غيرهم على ~~جهة الاستتباع. # وقيل: عنى به هنا الإنس وحدهم لأن كل واحد منهم يشتمل على PageV03P031 # نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر والأعراض يعلم بها الصانع، ولذلك ~~(أ) رود عن علي، رضي الله عنه: (¬1). # أتحسب أنك جرم صغير ... وفيك انطوى العالم (ب) الأكبر # وقال الله تعالى: {وفي أنفسكم أفلا تبصرون} (¬2). # وأما جمعه مع القول بشموله في حال التعريف فلدلالته (ج) على أن القصد إلى ~~الإفراد دون الحقيقة. # وقوله: "لا شريك له": تأكيد لقوله: و (د) "لله رب العالمين" المفهوم منه ~~معنى الاختصاص. # وقوله: "وأنا أول المسلمين" أي من هذه الأمة، وفي رواية لمسلم: "وأنا من ~~المسلمين" (¬3). # وقوله "اللهم أنت الملك" أي القادر على كل شيء المالك لجميع المخلوقات. # وقوله "ظلمت نفسي": اعتراف بالتقصير، قدمه على سؤال المغفرة أدبا. # وقوله: "اهدني": أي: أرشدني ووفقني للتخلق بها. # وقوله: "سيئها": أي: قبيحها (ه). PageV03P032 # وقوله: "لبيك" مصدر مثنى مضاف من لب بالمكان أي أقام، أو من ألب ومعناه، ~~أنا مقيم على طاعتك وامتثال أمرك إقامة متكررة، أو من اللباب أي: الخالص؛ ~~أي مخلص في عبادتك وتوجهي إليك، أو بمعنى اتجاهي وقصدي إليك. # وقوله "سعديك" ومعناه أي أسعد أمرك وأتبعه إسعادا متكررا، وهو كذلك مصدر ~~مثنى مضاف. # وقوله: "الخير كله في يديك، والشر ليس إليك": ومعناه: أن الفواضل والآلاء ~~كلها من إنعامك على عبادك، والمزيد ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، كله بيديك ~~والشر ليس إليك، قال الخليل بن أحمد والنضر بن شميل وإسحاق بن راهويه ويحيى ~~بن معين وأبو بكر بن خزيمة والأزهري (أ) وغيرهم: معناه: لا يتقرب به إليك. # وقال المزني كما حكاه عنه الشيخ أبو حامد ms0364 معناه: لا يضاف إليك على جهة ~~الانفراد، فلا يقال: يا خالق القردة والخنازير، ولا يا رب الشر. وإن كان هو ~~خالق كل شيء، وإنما يدخل على جهة العموم (ب) بأن يقال خالق كل شيء. # وقيل معناه: والشر لا يصعد إليك، وإنما يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح. # وقيل: معناه: والشر ليس مضافا ومعدودا، ومنتهيا نسبته إليك، كما يقال: ~~"فلان إلى بني فلان" إذا كان عداده فيهم، ويحتمل أن يكون معناه: والشر ليس ~~إليك؛ أي ليس ما أوجدته شرا بل كل ما فعلته PageV03P033 # وأوجدته فهو خير، وكون فيه مضرة للغير ليس هو بشر باعتبار عاقبته ~~المحمودة وما تضمن من الحكمة البالغة. # وقوله: "أنا بك وإليك": أي التجائي إليك وانتمائي إليك وتوفيقي بك. # وقوله: "تباركت": أي استحققت الثناء، أو معناه: ثبت الخير عندك. # وقوله: "ملء السموات" إلخ .. بكسر اليم، وهو منصوب صفة مصدر (أ)، محذوف، ~~ويجوز رفعه خبرا لمبتدأ محذوف، والأظهر النصب ومعناه: حمدا لو كان أجساما ~~لملأ السموات والأرض لعظمه، وهو من باب الاستعارة بالكناية شبه الحمد ~~الصادر منه الكبير بالأجسام المتكاثرة المالئة للسموات والأرض فاستغنى عن ~~ذكر ما يدل على ذلك، بما يلزم تلك الأجسام وهو شغل الحيز الوسيع. # وقوله "سجد وجهي": يحتمل أن يراد به الذات، ويحتمل أن يراد به حقيقة ~~الوجه، فيستدل به على الوجه الأخير على أن الأذنين من الوجه. # وقوله: "أحسن الخالقين": أي: المقدرين أو المصورين. # وقوله "أنت المقدم": أي: تقدم من شئت بطاعتك وغيرها وتؤخر من شئت عن ذلك ~~كما تقتضيه حكمتك. # وهذا الحديث يدل على أنه يستحب الاستفتاح بهذا وسائر ما ذكر في أركان ~~الصلاة، ورواية أن ذلك في صلاة الليل لا ينافي الاستحباب مطلقا، والله أعلم. # 208 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله إذا كبر في ~~الصلاة سكت هنيهة قبل أن يقرأ. فسألته فقال: أقول: اللهم PageV03P034 # باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب. اللهم نقني من ~~خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء ms0365 ~~والثلج والبرد" متفق عليه (¬1). # قوله "سكت" المراد بالسكوت هنا هو ترك الجهر بالقراءة. # وقوله: "هنيهة" هكذا في رواية الكشميهني (¬2) للبخاري، وهي رواية إسحاق ~~والحميدي في مسنديهما (أ) عن جرير والهاء مقلوبة من الياء وأصلها هنية ~~تصغير هيوة (ب)، اجتمعت الواو والياء، والياء ساكنة فقلبت الواو إليها ~~فقيل: هنية وهي الثابتة عند الأكثر، وذكر عياض (¬3) والقرطبي أن أكثر ~~الرواة قالوه بالهمز، وقال النووي (¬4): الهمزة خطأ. # وقوله " باعد": المراد بالمباعدة: محو ما حصل منها والعصمة عما PageV03P035 # سيأتي منها، وهو مجاز عن (أ) عدم اجتماعه بالخطايا كعدم اجتماع الشرق ~~والغرب إذ الاجتماع حقيقة إنما هو بين أجسام، كما في المشبه به، والمراد أن ~~لا يبقي لها منه اقتراب بالكلية، وأعاد "بين" في المعطوف لئلا تعطف على ~~الضمير المجرور من دون إعادة الخافض. # وقوله "نقني": مجاز عن زوال الذنوب ومحو أثرها، ولما كان الدنس في الثوب ~~الأبيض أظهر من غيره وقع التشبيه به. # وقوله: "بالماء والثلج والبرد" قال الخطابي (¬1) ذكر الثلج والبرد ~~تأكيدا، ولأنهما ماءان لم تستعملهما الأيدي ولم يمتهنهما الاستعمال. وقال ~~ابن دقيق العيد (¬2): عبر بذلك عن عامة المحو، فإن الثوب الذي تتكرر عليه ~~ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء. قال: ويحتمل أن يكون المراد أن كل ~~واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة يقع بها المحو، وكأنه كقوله تعالى: {واعف ~~عنا واغفر لنا وارحمنا} (¬3). # و (ب) قال الطيبي (¬4): المراد من ذكر الثلج والبرد بعد الماء شمول ~~الرحمة والمغفرة بعد العفو، لإطفاء حرارة عذاب النار التي هي في غاية ~~الحرارة، ومنه قولهم: برد الله مضجعه؛ أي رحمه الله ووقاه عذاب النار، ~~انتهى. PageV03P036 # ويؤيده ورود وصف الماء بالبرودة في حديث عبد الله بن أبي أوفى. عند مسلم ~~(¬1) وكأنه جعل الخطايا بمنزلة جهنم، لكونها مسببة عنها فعبر عن إطفاء ~~حرارتها بالغسل وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه (¬2). # وقال التوربشتي (¬3): خص هذه الثلاثة بالذكر لأنها منزلة من السماء. # وقال الكرماني (¬4): يحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة ~~الثلاثة، فالمباعدة ms0366 للمستقبل والتنفية للحال والغسل للماضي انتهى. وكان ~~تقديم المستقبل للاهتمام بدفع ما سيأتي قبل رفع ما حصل. # وفي الحديث دلالة علي مشروعية السكوت للمصلي، ونقل ابن بطال (¬5) عن ~~الشافعي أن سبب هذه السكتة للإمام أن يقرأ المأموم الفاتحة، ودفعه بأنه لو ~~كان كذلك لقال في الجواب: أسكت ليقرأ من خلفي والنقل هو غير معروف عن ~~الشافعي ولا عن أصحابه، إلا أن الغزالي قال في "الإحياء" (¬6): إن المأموم ~~يقرأ الفاتحة إذا اشتغل الإمام بدعاء الافتتاح، وقال PageV03P037 # المتولي (1) أنه يكره تقديم المأموم قراءة الفاتحة على الإمام، ووجه (أ) ~~أن فراغ المأموم من قراءة الفاتحة قبل الإمام يبطل صلاته (2)، والمعروف عن ~~الشافعي أن المأموم يقرؤها في سكتة الإمام بين الفاتحة والسورة. # وفي الحديث دلالة على مشروعية (ب) الدعاء بين التكبير والقراءة خلافا ~~للمشهور عن مالك (¬3)، وقد ورد فيه الحديث المتقدم عن علي رضي الله عنه، ~~وقد أخرجه الشافعي وابن خزيمة وغيرهما بلفظ "إذا صلى المكتوبة .. " (¬4)، ~~واعتمده الشافعي في "الأم" (¬5). # ثم هذا الدعاء صدر منه - صلى الله عليه وسلم - على سبيل المبالغة في ~~إظهار العبودية، وقيل قاله على سبيل التعليم لأمته، واعترض بأنه لو أراد ~~ذلك لجهر به، وأجيب بأنه قد ورد الأمر بذلك في حديث سمرة عند البزار (¬6). # وفيه (ج) ما كان الصحابة عليه من المحافظة على تتبع أحوال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في حركاته وسكناته وإسراره وإعلانه حتى حفظ الله تعالى ~~بهم الدين، PageV03P038 # وهذا حديث أبي هريرة أصح ما ورد في هذا. # 209 - وعن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يقول: "سبحانك اللهم وبحمدك ~~تبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك" رواه مسلم بسند منقطع، والدارقطني ~~موصولا وهو موقوف (¬1). # ونحوه عن أبي سعيد مرفوعا عند الخمسة وفيه: "وكان يقول: بعد التكبير ~~"أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، من همزه ونفثه ونفخه". # حديث عمر (أرواه مسلم أ) موقوفا بإسناد منقطع، وقال الحاكم، قد صح ذلك ~~(¬2) عن عمر. # وقال في "الهدي" (¬3): إنه صح عن عمر أنه كان يستفتح به في مقام النبي ms0367 - ~~صلى الله عليه وسلم - ويجهر به ويعلمه الناس، وهو بهذا (ب) الوجه في حكم ~~المرفوع، ولذا قال الإمام أحمد (¬4): أما أنا فأذهب إلى ما روي عن عمر، ولو ~~أن رجلا استفتح ببعض ما روي كان حسنا، وهو أيضا في "صحيح ابن خزيمة" (¬5) و ~~(ج) أخرجه أبو داود والحاكم من حديث عائشة مرفوعا قالت: "كان النبي PageV03P039 # - صلى الله عليه وسلم - إذا استفتح الصلاة قال: "سبحانك ... " (¬1) ~~الحديث، ورجال إسناده ثقات، وبه انقطاع (¬2)، وأعله أبو داود (¬3)، وقال ~~الدارقطني (¬4): ليس بالقوي، ورواه الترمذي وابن ماجة (¬5) من طريق حارثة ~~بن أبي الرجال عن عمرة عن عائشة، وحارثة (¬6) ضعيف، وروى الطبراني (¬7) ~~نحوه عن عطاء عن عائشة، وحديث أبي سعيد رواه أيضا أحمد والحاكم (¬8)، وفيه ~~بعد (أ) قوله: "لا إله غيرك" (ب) "ولا إله إلا الله ثلاثا، ثم يقول "الله ~~أكبر" ثلاثا ثم يقول: "أعوذ ... " إلى آخره. # قال الترمذي (¬9) حديث أبي سعيد أشهر حديث في الباب، وقد (ج) PageV03P040 # تكلم في إسناده، وقال أحمد (¬1): لا يصح هذا الحديث، وقال ابن خزيمة ~~(¬2): لا أعلم في الافتتاح "سبحانك اللهم " خبرا ثابتا عند أهل المعرفة ~~بالحديث، وأحسن أسانيده حديث أبي سعيد، ثم قال (أ): لا نعلم أحدا ولا سمعنا ~~به استعمل هذا الحديث على وجهه. # وروى أحمد (¬3) من حديث أبي أمامة، نحوه وفيه: "أعوذ بالله من الشيطان ~~الرجيم". وفي إسناده من لم يسم، وروى ابن ماجة وابن خزيمة (¬4) من حديث ابن ~~مسعود أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "اللهم إني أعوذ بك من ~~الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفثه. ورواه الحاكم (¬5) بلفظ: "كان إذا دخل ~~في الصلاة"، وعن أنس نحوه رواه الدارقطني (¬6)، وفيه الحسين بن علي بن ~~الأسود، وفيه مقال، وله طريق أخرى ذكرها ابن أبي حاتم في "العلل" وضعفها. PageV03P041 # والحديث يدل على مشروعية افتتاح الصلاة بما ذكر فيه، وقد ذهب إليه أحمد ~~وأبو حنيفة (¬1) وسفيان الثوري، وإسحاق ابن راهويه وغيرهم، وظاهره عدم ~~الجمع بينه وبين: "وجهت وجهي" الذي قد مر، وقد ورد الجمع بينهما في حديث ~~ابن عمر، ms0368 رواه الطبراني (¬2) في "الكبير"، وفي روايته (أ) عبد الله بن عامر ~~الأسلمي (¬3) عن محمد (ب) بن المنكدر، وهو ضعيف (¬4)، وفيه عن جابر أخرجه ~~البيهقي (¬5) بسند جيد ولكنه من رواية ابن المنكدر (¬6)، وقد اختلف عليه ~~فيه، وفيه عن علي رضي الله عنه. # وقوله "من نفخه" وهو بالخاء المعجمة قال عمر رضي الله عنه (¬7): نفخه ~~الكبر، ونفثه الشعر، وهمزة المؤتة والمراد بها الجنون، ولعل الشعر المراد ~~به ما لا يجوز من الهجاء، ونحوه، والله أعلم. # 210 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وكان إذا ~~ركع لم PageV03P042 # يشخص رأسه، ولم يصوبه ولكن بين ذلك، وكان إذا رفع من الركوع لم يسجد حتى ~~يستوى [قائما] وكان إذا رفع رأسه من السجدة لم يسجد حتى يستوي] (أ) جالسا، ~~وكان يقول في كل ركعتين التحية، وكان يفرش رجله اليسرى وينصب اليمنى، وكان ~~ينهى عن عقبة الشيطان وينهى أن يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع، وكان يختم ~~الصلاة بالتسليم". # أخرجه مسلم وله علة (¬1). # العلة فيه أنه رواه مسلم من رواية أبي الجوزاء عنها، وقال ابن عبد البر: ~~هو مرسل لم يسمع أبو الجوزاء من (ب) عائشة، ورواه أبو نعيم في "الحلية" ~~(¬2) في ترجمة أبي الجوزاء ولفظه: "إذا دخل في الصلاة قال: الله أكبر" لكن ~~في إسناده أبان بن أبي عياش (ج) (¬3) وهو متروك. # وقولها: "بالتكبير": فيه دلالة على تعين (د) التكبير، وقد تقدم الخلاف ~~فيه. PageV03P043 # وقودها "والقراءة بالحمد لله" (أ): هو برفع الدال على الحكاية يستدل به ~~من يقول أن البسملة (¬1) ليست من الفاتحة، وهو قول أنس وأبي وغيرهما (ب) ~~ومالك وأبي حنيفة والثوري والأوزاعي وقراء المدينة والبصرة والشام، والجواب ~~عنه بأن قولها: "الحمد لله رب العالمين" قصد به اسم سورة الفاتحة، فالمعنى ~~(ج) أنه يبدأ (د) بهذه السورة، لا بغيرها من السور، كما تقول "قرأت سورة ~~البقرة" أي (ه): السورة التي يذكر فيها، تسميته السورة بذلك لما كانت ~~البقرة مذكورة فيها، كذلك ms0369 الفاتحة سميت بالحمد لله لما كان (و) مذكورا فيها. # ويجاب عنه بأنه لو كان كذلك لقالت بالحمد إذ هو المشهور في اسم (ز) ~~الفاتحة، وأما ذكر الآية كاملة فلا يظهر فيما ذكر. PageV03P044 # [وهو مدفوع بأنه قد ثبت في "صحيح البخاري": "ألا أعلمك بأفضل سورة فذكر ~~الحديث" (¬1)، وفيه قال: الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني .. "، ~~فسمى (أ) السورة بالآية (ب) كاملة] (ج) ويحتمل أنه لم يجهر بها فذكرت ما ~~يجهر به كما سيأتي في حديث أنس. # وقولها "لم يشخص" (¬2): أي يرفعه. "ويصوبه": هو بضم الياء وفتح الصاد ~~المهملة وكسر الواو المشددة، لم يخفضه خفضا بليغا بل بين الرفع والخفض وهو ~~التسوية. # وقولها: "حتى يستوي قائما" فيه دلالة على وجوب الاعتدال. # وقولها "حتى يستوي جالسا": فيه دلالة على وجوب الاعتدال بين السجدتين. # وقولها "في كل ركعتين التحية": فيه دلالة لأحمد بن حنبل ومن وافقه من ~~فقهاء أصحاب الحديث أن التشهد الأول والأخير واجبان (¬3)، وقال مالك وأبو ~~حنيفة والأكثرون: هما سنتان ليسا بواجبين (د) (¬4)، وقال الشافعي وهو قول ~~(ه) الهادي: الأول سنة (¬5) والثاني واجب. PageV03P045 # احتج أحمد بهذا الحديث مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صلى أحدكم ~~فليقل: التحيات لله" (¬1)، والأمر للوجوب، واحتج أبو حنيفة والأكثر (أ) بأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ترك التشهد الأول وجبره بسجود السهو، ولو وجب ~~لم يصح جبره كالركوع وغيره من الأركان. قالوا: وإذا ثبت هذا في الأول ~~فالأخير مثله، (ب) لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلمه الأعرابي حين ~~علمه فروض الصلاة. # حجة القول الثالث ما ورد في قول ابن مسعود -كما سيأتي من رواية النسائي- ~~(¬2): "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد .. " إلخ فصرح فيه بالفرض. وبوب ~~له النسائي في "سننه": باب فرض التشهد وعدم وجوب التشهد الأول بسجوده (ج) - ~~صلى الله عليه وسلم - لما تركه فدل على عدم وجوبه. # وقولها " وكان يفرش .. " إلخ: ومعناه يجلس مفترشا، ظاهره في جميع جلساته، ~~ففيه (د) دلالة لقول من يقول بذلك وهو أبو حنيفة ومن وافقه، وقال ms0370 مالك: ~~يجلس متوركا في جميع الجلسات، وقال الشافعي مثل قول أبي حنيفة (¬3) إلا ~~الجلوس للتشهد الأخير فمثل قول مالك (ه)، قال النووي (¬4): وجلوس المرأة ~~كالرجل، والنفل كالفرض، وهذا مذهب مالك والشافعي والجمهور (¬5). PageV03P046 # وحكى القاضي عياض عن بعض السلف أنه سنة المرأة التربع (¬1)، وعن بعضهم: ~~التربع في النافلة، والصواب الأول. # ثم هذه الهيئة مسنونة فلو جلس في الجميع مفترشا أو متوركا أو متربعا أو ~~مقعيا أو مادا رجليه صحت صلاته انتهى (¬2). # ولعل وجه ذلك عدم تعليمه - صلى الله عليه وسلم - ذلك (أ) للمسيء صلاته، ~~والله أعلم. # وقولها "عن عقبة الشيطان" (¬3) فسرت بأن يفرش (ب) قدميه ويجلس بإليتيه ~~على عقبيه، [وقيل أن يلصق الرجل إليتيه بالأرض، وينصب ساقيه وفخذيه ويضع ~~يديه على الأرض كما يقعي الكلب] (ج)، وقد سمى ذلك الإقعاء، وهي بضم العين، ~~وفي رواية أخرى لمسلم (¬4) "عقب" بفتح العين وكسر القاف، وحكى القاضي عياض ~~(¬5) عن بعضهم ضم العين أيضا وضعفه. # وقولها "أن يفترش الرجل ... " إلخ: افتراش الذراعين هو بسطهما على الأرض، ~~والمراد بالسبع هنا هو الكلب، وقد ورد ذلك مصرحا به في رواية مسلم (¬6). # وقولها: "يختم الصلاة بالتسليم": فيه دلالة على شرعية التسليم، وقد PageV03P047 # احتج به على الوجوب وهو لا يظهر إلا مع قرينة قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- "تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم" (¬1) فإن ظاهر هذا أنه جزء من ~~الصلاة كالتكبير، فهو واجب، وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف (¬2) ~~وقال أبو حنيفة (¬3) والثوري والأوزاعي هو سنة لو تركه صحت صلاته، بدليل ~~أنه لم يعلمه الأعرابي، وليس في هذا الحديث دلالة على القدر من التسليم، ~~وسيأتي (أ) (¬4). # 211 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "كان يرفع يديه حذو منكبيه إذا افتتح الصلاة، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع ~~رأسه من الركوع" متفق عليه (¬5). PageV03P048 # وفي حديث أبي حميد (¬1) عند أبي داود: يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه. ~~ثم يكبر". # ولمسلم عن مالك بن الحويرث نحو حديث ابن عمر لكن قال: حتى يحاذي بهما ~~فروع أذنيه" ms0371 (¬2). # تقدم الكلام في الرفع عند افتتاح الصلاة، وفي قوله "فإذا (أ) كبر للركوع ~~.. " إلخ، فيه دلالة على شرعية ذلك في الحالين جميعا (¬3)، وقد ذهب إلى هذا ~~الشافعي، واختلفت الرواية عن مالك. # قال ابن عبد الحكم (¬4): لم يرو أحد عن مالك ترك الرفع فيها إلا ابن ~~القاسم، وقال محمد بن نصر المروزي (¬5): أجمع (ب) علماء الأمصار على ~~مشروعية ذلك، إلا أهل الكوفة (¬6)، والخلاف فيه للحنفية .. فقالوا: إنه لا PageV03P049 # يشرع، بل قال بعض الحنفية (¬1): إنه يبطل الصلاة، ونسب بعض متأخري ~~المغاربة فاعله إلى البدعة (¬2)، واحتجوا على ذلك برواية مجاهد أنه صلى خلف ~~ابن عمر فلم يره يفعل ذلك (¬3)، وبما أخرجه أبو داود من حديث ابن مسعود ~~(¬4) أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يرفع يديه عند الافتتاح ثم ~~لا يعود. # وأجيب بالطعن في إسناد (أ) الأول لأن فيه أبا بكر بن عياش (¬5) وقد ساء ~~حفظه، وأيضا فقد أثبت نافع وسالم ذلك من فعل ابن عمر (¬6)، وهما مثبتان، ~~وهو ناف، وأيضا فإن ترك ذلك مثبتا (ب) لجواز ذلك لأنه لم يكن يراه واجبا، ~~وحديث ابن مسعود رده الشافعي بأنه لم يثبت (¬7)، قال ولو ثبتا لكان في ~~رواية ابن عمر إثباتا وهذا نفي، وهي أقدم، والطحاوي احتج بما ذكر على من ~~يقول بوجوب الرفع، كالأوزاعي وبعض أهل الظاهر وهو PageV03P050 # مستقيم، وقد بالغ البخاري في مصنفه في إثبات الرفع، وحكى فيه عن الحسن ~~وحميد بن هلال أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانوا يفعلون ذلك، قال ~~البخاري: ولم يستثن الحسن أحدا، ونقل عن شيخه علي بن المديني قال: حق على ~~المسلمين أن يرفعوا أيديهم عند الركوع والرفع منه لحديث ابن عمر هذا، وذكره ~~في "جزء (أ) رفع اليدين (1) وزاد: وكان علي أعلم أهل زمانه، وقال فيه: من ~~زعم أنه بدعة فقد طعن في الصحابة فإنه لم يثبت عن أحد منهم تركه (2)، وذكر ~~البخاري أيضا أنه رواه سبعة عشر رجلا من الصحابة، وذكر الحاكم وابن منده ~~ممن رواه العشرة المبشرة بالجنة. # قال المصنف -رحمه الله تعالى ms0372 (¬3) - وذكر شيخنا أبو الفضل أنه تتبع من ~~رواه من الصحابة فبلغوا خمسين رجلا. # وفي قوله "وإذا كبر" أي: عند ابتداء الركوع، وفي حديث مالك بن الحويرث: ~~"إذا أراد أن يركع رفع يديه". # وقوله: "إذا رفع رأسه من الركوع": أي: إذا أراد ان يرفع، ويؤيده راواية ~~أبي داود: "ثم إذا أراد أن يرفع صلبه رفعهما" (¬4) ومقتضاه أنه يبتدئ رفع ~~يديه عند ابتداء القيام من الركوع ويتأول رواية أحمد: "وبعدما يرفع رأسه PageV03P051 # من الركوع (¬1) بأن معناه بعدما يشرع في الرفع. # وقوله "حتى يحاذي بهما .. " إلخ تقدم الكلام في ذلك. # 212 - وعن وائل بن حجر - رضي الله عنه - قال: "صليت مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره". أخرجه ابن ~~خزيمة (¬2). # هو أبو (أ) هنيدة -بضم الهاء وفتح النون وائل بن حجر بن ربيعة الحضرمي، ~~كان قيلا من أقيال حضرموت وكان أبوه من ملوكهم، وفد على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ويقال إنه بشر به النبي - صلى الله عليه وسلم - أصحابه قبل ~~قدومه وقال: يأتيكم وائل بن حجر من أرض بعيدة من حضرموت طائعا راغبا في ~~الله -عز وجل-، PageV03P052 # وفي رسوله، وهو بقية أبناء الملوك". فلما دخل على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - رحب به وأدناه من نفسه وبسط له رداءه فأجلسه عليه، وقال: "اللهم ~~بارك في وائل وولده وولد ولده (¬1)، واستعمله على الأقيال من حضرموت. # قال في النبلاء (¬2): روى له الجماعة إلا البخاري، والظاهر أنه عاش إلى ~~زمن معاوية وبايع له، وقيل: قتل بصفين مع علي، رضي الله عنه. انتهى. # وذكر القاسم بن إبراهيم - رحمة الله عليه - أنه كان يكتب بأسرار علي إلى ~~معاوية، وهو الذي شهد على حجر بن عدي أنه نزع يده من الطاعة، فكتب زياد ~~بذلك إلى معاوية فقتله معاوية والله أعلم. # روى عنه ابناه علقمة وعبد الجبار وكليب بن شهاب وعبد الرحمن اليحصبي (¬3). # حديث وائل (أ) أخرجه أبو داود والنسائي بلفظ: "ثم وضع يده اليمنى على كفه ~~اليسرى والرسغ من (ب) ms0373 الساعد"، وأصله في مسلم (¬4) بدون "والرسغ من ~~الساعد"، والرسغ بضم الراء وسكون السين المهملة بعدها معجمة هو المفصل بين ~~الساعد والكف، وأخرجه البزار أيضا، وفيه: "عند صدره"، في محل "على صدره" ~~وقد أخرجه محمد بن منصور في PageV03P053 # "علوم آل محمد" المعروف "بأمالي أحمد بن عيسى" في باب التغليس بالفجر. # وفي الحديث دلالة على مشروعية الوضع المذكور في الصلاة، وقد ذهب إلى هذا ~~زيد بن علي (¬1) وأحمد بن عيسى، والحنفية والشافعية، ومحله فوق السرة عند ~~الشافعية (¬2) وتحتها عند الحنفية (¬3)، وحجة الحنفية ما في زيادات ~~"المسند" من حديث (¬4) علي رضي الله عنه. أنه وضعهما تحت السرة، وإسناده ~~ضعيف (¬5)، وحجة الشافعية حديث الباب المذكور بقوله "على صدره"، وفي ~~الرواية الآخرة "عند صدره" متقاربتان في تعيين المحل المذكور (¬6). # وذهب القاسية والناصرية (¬7) إلى أن ذلك غير مشروع وتبطل به الصلاة (¬8) ~~عند الهادي والقاسم وأبي طالب، قالوا: لأنه فعل كثير، وعند المؤيد والإمام ~~يحيى: لا تبطل به الصلاة وإنما يكره، قالوا: إذ لا دليل PageV03P054 # على بطلان الصلاة به، وحجتهم حديث جابر بن سمرة (¬1): "ما لي أراكم رافعي ~~أيديكم" قالوا: هو ناسخ لرفع الأيدي. وقوله. "لو خشع قلبه لخشعت جوارحه" ~~(¬2) وقوله تعالى: {الذين هم في صلاتهم خاشعون} (¬3) وحركة الأيدي تنافي ~~الخشوع. # والقول بالنسخ لا يكاد يتم مع ما عرفت من سبب ورود قوله: "ما لي أراكم" ~~فيما مر، وقولهم: إنه ينافي الخشوع غير مسلم، بل قال العلماء: الحكمة في ~~هذه الهيئة أنه صفة السائل الذليل وهو أمنع من العبث وأقرب إلى الخشوع. # ومن اللطائف (¬4) قول بعضهم: القلب موضع النية، والعادة أن من أحرز على ~~حفظ شيء جعل يديه (أ) عليه. # وقال ابن عبد البر (¬5): لم يأت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه ~~خلاف وهو قول جمهور الصحابة والتابعين، وقال: وهو الذي ذكره مالك في ~~"الموطأ" (¬6)، ولم يحك ابن المنذر وغيره عن مالك غيره، وروى ابن (ب) ~~القاسم عن مالك PageV03P055 # الإرسال وصار إليه أكثر أصحابه (¬1) وعنه التفرقة بين الفريضة والنافلة. ~~[فكرهها في الفرض، وأجازها في النفل] (أ). ms0374 # ومنهم من كره الإمساك، ونقل ابن الحاجب أن ذلك حيث يمسك معتمدا لقصد ~~الراحة، ويؤيد ما ادعاه ابن عبد البر (ب) ما أخرجه البخاري عن أبي حازم عن ~~سهل بن سعد قال: "كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه ~~اليسرى في الصلاة (¬2) قال أبو حازم: لا أعلمه إلا ينمى ذلك إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. # وظاهر (ج) قوله "يؤمرون" أن الآمر هو النبي - صلى الله عليه وسلم - وأن ~~ذلك لعموم من كان حاضرا، وأمكن أمره. وأردف البخاري باب الخشوع (¬3) لهذا ~~الذي رفعه لعله ردا (د) على من يقول إنه ينافي الخشوع بناء منه على أن ذلك ~~من الخشوع. والله أعلم. # وردد الإمام الهدي في "البحر" الكلام في هذه المسألة فقال: أما فعله - ~~صلى الله عليه وسلم - فلعله لعذر لاحتماله (¬4)، وأما الخبر فإن صح فقوي، ~~ثم قال: PageV03P056 # وتركه أحوط، ولا يخفى عليك ما في هذا الكلام، والله أعلم. # 213 - وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" متفق عليه (¬1). # وفي رواية لابن حبان والدارقطني: "لا تجزئ، صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة ~~الكتاب" (¬2). # وفي أخرى لأحمد وأبي داود والترمذي (أ) وابن حبان: "لعلكم تقرؤون خلف ~~إمامكم؟ قلنا: نعم، قال: لا تفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم ~~يقرأ بها" (¬3). # هو أبو الوليد عبادة بن الصامت بن قيس الخزرجي الأنصاري السالمي كان ~~نقيبا وشهد العقبة الأولى، والثانية، والثالثة (¬4)، وآخى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - PageV03P057 # بينه وبين أبي مرثد الغنوي، وشهد بدرا والمشاهد كلها، ثم وجهه عمر إلى ~~الشام قاضيا ومعلما فأقام بحمص ثم انتقل إلى فلسطين، ومات بها في الرملة، ~~وقيل: بيت المقدس سنة أربع وثلاثين وهو ابن اثنتين وسبعين سنة، روي عنه أنس ~~بن مالك وجابر بن (أ) عبد الله وفضالة بن عبيد والمقداد وغيرهم من الصحابة ~~والتابعين، وقيل إنه أقام إلى زمن معاوية. # وعبادة بضم العين المهملة والباء الموحدة المخففة ms0375 والدال المهملة (¬1). # قوله: "لا صلاة" إلخ: ظاهره نفي ذات الصلاة لمن لم يقرأ؛ لأن المراد هنا ~~(ب) الصلاة الشرعية، وهي مركبة من أقوال وأفعال. والمركب ينتفي بانتفاء ~~جميع أجزائه وبانتفاء البعض، ولا حاجة إلى تقدير يكون هو النفي من الكمال ~~أو الإجزاء لأن التقدير إنما يكون عند تعذر نفي الذات كما هو المعنى ~~الحقيقي. # إلا أن هذا الحديث قد (ج) رواه الإسماعيلي بالإسناد الذي لحديث الكتاب من ~~طريق العباس بن الوليد القرشي -أحد شيوخ البخاري- عن سفيان بلفط: "لا تجزئ ~~صلاة لا يقرأ فيها بفاتحة الكتاب" (¬2)، وتابعه على ذلك زياد بن أيوب (¬3) ~~-أحد الأثبات- أخرجه الدارقطني (¬4). PageV03P058 # وله شاهد من طريق العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعا بهذا ~~اللفظ أخرجه ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما (¬1)، ولأحمد من طريق عبد الله بن ~~سوادة القشيري عن رجل عن أبيه مرفوعا: "لا تقبل صلاة لا يقرأ فيها بأم ~~الكتاب" (¬2) فهذه الألفاظ يمكن أن تجعل مفسرة للنفي المذكور أنه متوجه إلى ~~مقدر وهو الإجزاء والقبول وهو مجاز مشهور قريب من نفي الحقيقة متبادر من اللفظ. # وفي الحديث دلالة على وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة وتعينها، وقد ذهب إلى ~~هذا الهادي وأتباعه وزيد بن علي والناصر وغيرهم من أهل البيت والشافعي ~~ومالك (¬3)، وخالف في الطرف الأول نفاة الأذكار فقالوا: لا تجب الفاتحة ولا ~~غيرها، قالوا: لقوله تعالي: {اركعوا واسجدوا} ولم يذكرها، والجواب قوله: ~~{فاقرءوا ما تيسر من القرآن} والأحاديث الواردة في ذلك. # وخالف في الطرف الثاني: أبو حنيفة وأصحابه (¬4) فيكفي عنده آية واحدة ~~طويلة كانت أو قصيرة، وقال أبو يوسف ومحمد: آية طويلة أو ثلاث آيات قصار، ~~قالوا لقوله تعالي: {فاقرءوا ما تيسر من القرآن} ولحديث تعليم (أ) المسئ ~~صلاته بقوله: "ثم اقرأ ما تيسر" (ب) والجواب أن في PageV03P059 # هذه الأحاديث تتعين الفاتحة، ونحوها بيان القدر الواجب من المتيسر، وحديث ~~المسئ، قد ورد في بعض ألفاظه ذكر الفاتحة (¬1) فلا حجة فيه. # [واعلم أن الحنفية (¬2) إنما نفوا كون الفاتحة شرطا في الصلاة، وأما ~~الوجوب فإنهم ms0376 قائلون به، قالوا: لأن وجوبها إنما ثبت بالسنة والذي لا تتم ~~الصلاة إلا به فرض، والفرض عندهم لا يثبت بما يزيد على القرآن] (¬3) (أ). # وظاهر هذا الحديث وجوب الفاتحة، وهو محتمل لتكررها في كل ركعة أو يكفي ~~قراءتها في ركعة، إلا أنه قد زاد الحميدي (¬4) في رواية هذا الحديث عن ~~سفيان لفظ "فيها" فقال: "لمن لم يقرأ فيها" هكذا في "مسنده"، وهكذا رواه ~~سفيان بن يعقوب عن الحميدي، أخرجه البيهقي (¬5)، وكذا لابن أبي عمر عند ~~الإسماعيلي، ولقتيبة وعثمان بن أبي شيبة عند أبي نعيم في "المستخرج": فإن ~~كانت الركعة الواحدة تسمى PageV03P060 # صلاة فبهذه الزيادة يتقرر وجوب قراءتها في كل ركعة، وقد ذهب إلى هذا ~~الشافعي واختاره الإمام شرف الدين، ويتأيد ذلك بما ورد في حديث المسئ صلاته ~~وهو قوله: "وافعل ذلك في صلاتك كلها" بعد أن علمه صلاة ركعة، فإنه قد سمى ~~كل ركعة صلاة وقد أمره بالقراءة في الركعة الأولى، فتكون القراءة مأمور بها ~~في سائر الركعات (¬1)، وفي رواية لأحمد وابن حبان: "ثم افعل ذلك في كل ~~ركعة" (¬2) والخلاف في ذلك للهادي (¬3) وأتباعه فقالوا: تكفي قراءتها مرة ~~واحدة في جملة الصلاة مفرقة أو في ركعة. # وقال بهذا أيضا من السلف: الحسن البصري (¬4) رواه عنه ابن المنذر بإسناد ~~حسن، قالوا: لأن الصلاة اسم لمجموع الفريضة بدليل قوله "خمس صلوات كتبهن ~~الله على العباد" (¬5) وغير ذلك، فإطلاق الصلاة على الركعة الواحدة يكون ~~مجازا وقال زيد بن علي والناصر: إن الواجب قراءة الفاتحة فقط في الركعتين ~~الأوليين (¬6). # وفي قوله "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم .. " إلخ: في الحديث دلالة على النهي ~~عن قراءة ما عدا الفاتحة بعد الإمام، وأنه لا بد من قراءة PageV03P061 # "الفاتحة، وظاهره سواء كانت الصلاة سرية أم (أ) جهرية، وقد ذهب إلى هذا ~~الشافعي (¬1) فقال بوجوب الفاتحة ولو كانت الصلاة جهرية سواء سمع قراءة ~~الإمام أو لا، وهو صريح الحديث المذكور (¬2)، وظاهر مذهب الشافعي أنه يقرأ ~~الفاتحة المأموم سواء قرأ الفاتحة في حال قراءة الإمام أو في حالة سكوته ~~(¬3)، ويشرع للإمام ms0377 السكوت بعد القراءة ليقرأ المؤتم [فإن ركع الإمام قبل ~~تمام المؤتم فوجهان أحدهما: يتابعه ويسقط عن المأموم باقيها، والثاني: ذكره ~~صاحب "التهذيب" وقطع به وصححه النووي (¬4) أنه لا يسقط بل عليه أن يتمها ~~ويلحق الإمام ما لم يسبقه بأكثر من ثلاثة أركان. فإن زاد على الثلاثة ~~فوجهان: أحدهما: يعزل صلاته، وأصحهما يستمر على المتابعة ويجري على أثره، ~~والأصح أنه يوافقه فيما هو فيه ثم يقضي ما فاته بعد سلام الإمام، ذكر هذا ~~في الروضة" (¬5) (ب). # وقد روى عبد الرزاق عن سعيد بن جبير قال: لا بد من أم القرآن، ولكن من ~~مضى من الأمة كان الإمام يسكت ساعة قدر ما يقرأ المأموم بأم القرآن (¬6). ~~انتهى. PageV03P062 # فإن لم يسكت الإمام كان له القراءة وله تمام الفاتحة ولو سبقه الإمام ~~بالركوع فهو عذر في التأخر، والخلاف في قراءة المأموم لمن عدا الشافعي على ~~جهة الجملة والتفصيل، قالت الحنفية (¬1): لا يقرأ المأموم لا في سرية، ولا ~~جهرية: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى خلف الإمام فقراءة الإمام له ~~قراءة" (¬2) وهو حديث ضعيف عند الحفاظ وقد استوعب طرقه وعلله الدارقطني وغيره. # وقال الهادي والقاسم وزيد بن علي وأحمد وأحد قولي الشافعي ومالك وغيرهم ~~(¬3): لا يقرأ المأموم في الجهرية، قالوا لقوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن ~~فاستمعوا له وأنصتوا} (¬4) والحديث: "فإذا قرأ فأنصتوا"، وهو (أ) حديث ~~صحيح، أخرجه مسلم (¬5)، ويجاب عن ذلك بأنه مخصوص بحديث "لا تفعلوا إلا بأم ~~الكتاب" والعمل به لازم لخصوصه لا مدفع له [وقول الإمام المهدي في "البحر" ~~أنه معارض بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما لي أنازع القرآن" ويجاب عنه ~~بأنه لا يعارضه علي القول بأن العام يبنى على الخاص مطلقا وعلى قول من ~~يقول: إن العام المتأخر يكون ناسخا للخاص المتقدم فمع جهل التاريخ يحصل ~~التعارض مع أن حديث "ما لي أنازع" ورد في حديث PageV03P063 # عبادة بلفظ: "ما لي أنازع القرآن، فلا تقرءوا بشيء إذا جهر الإمام ~~القراءة" وفي بعض ألفاظه: "فلا تفعلوا إلا بأم القرآن" وبأنه لا صلاة ms0378 لن لم ~~يقرأ بها، وفي بعض ألفاظه: "فلا يقرأن أحد منكم إذا جهر الإمام القراءة" ~~فتحمل الروايات في غير المطلقة على هذه الرواية فهي قضية واحدة وإنما بعض ~~الرواة حفظ الحديث بكماله فرواه وبعضهم لعله نسي التمام وحفط أصل الحديث ~~فاقتصر عليه أو بعثه حامل على الاستشهاد بأول الحديث وأحال معرفته على علم ~~السامع لكون الفاتحة قراءتها معروفة لا نزاع فيها فلا تعارض حينئذ رأسا ~~ومثل هذا واقع في كثير من الروايات والحمل على تعدد القضية بعيد] (أ). وعلى ~~قول هؤلاء فإذا (ب) قرأ المأموم فسدت صلاته لأن النهي يقتضي فساد العبادة، ~~وقال المؤيد: لا تفسد. # فائدة: حديث عبادة فيه زائد في رواية معمر عن الزهري (ج) لفظ: "فصاعدا" ~~أخرجه النسائي (¬1) وغيره، واستدل به على وجوب قدر زائد على الفاتحة، وقال ~~البخاري في جزء القراءة" (¬2): وهو نطر قوله (د) "تقطع اليد في ربع دينار ~~فصاعدا" (¬3) يعني إنما هو لدفع توهم حصر الحكم على الفاتحة PageV03P064 # وادعى ابن حبان والقرطبي (¬1) وغيرهما الإجماع على عدم وجوب قدر زائد ~~عليها، وفيه نظر (¬2) كثوبته عن بعض الصحابة وغيرهم فيما حكاه ابن المنذر، ~~وقال به الهادي (¬3) وأتباعه من الأئمة فأخرج (أ) البخاري من حديث أبي ~~هريرة: "وإن لم تزد على أم القرآن أجزأت" (¬4)، ولابن خزيمة من حديث ابن ~~عباس: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قام فصلى ركعتين لم يقرأ فيهما إلا ~~بفاتحة الكتاب" (¬5)، وفي حديث المسيء (ب) من رواية أبي داود "ثم اقرأ بأم ~~القرآن وبما شاء الله أن تقرأ" (¬6) وهذه الروايات يؤخذ من مجموعها عدم ~~وجوب ما زاد على الفاتحة، وفي قوله: "وبما شاء الله" فيه إيماء إلى عدم ~~الوجوب؛ لأن القراءة مقيدة بالمشيئة، ومفهومها إذا لم تحصل المشيئة فلا ~~قراءة عليك (ج) والله أعلم. # 214 - وعن أنس -رضي الله عنه- "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ~~وعمر PageV03P065 # كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين" متفق عليه (¬1). زاد مسلم ~~"لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم في أول قراءة ولا في آخرها" (¬2). # وفي رواية ms0379 لأحمد والنسائي وابن خزيمة: "لا يجهرون ببسم الله الرحمن ~~الرحيم" (¬3)، وفي أخرى لابن خزيمة "كانوا يسرون" (¬4). # وعلى هذا يحمل النفي في رواية مسلم خلافا لمن أعلها. # قوله "كانوا يفتتحون بالحمد لله" بضم الدال وقد تقدم الكلام على هذا. # وقوله: زاد مسلم الحديث: حديث مسلم من طريق الأوزاعي عن قتادة، والعلة ~~فيه أنه رواه الأوزاعي عنه مكاتبة (¬5)، وقد ردت هذه العلة بأن الأوزاعي لم ~~ينفرد به فقد رواه أبو يعلى (¬6) عن أحمد الدورقي (أ) والسراج PageV03P066 # عن يعقوب الدورقي وعبد الله بن أحمد بن عبد الله السلمي ثلاثتهم عن أبي ~~داود الطيالسي (¬1) عن شعبة، وكذلك القدح فيه من تدليس قتادة فإن ذلك زائل ~~بتصريحه بالسماع من أنس، قال شعبة (¬2): قلت لقتادة: سمعته من أنس، قال: ~~نحن سألناه، فزال تدليس احتمال الإرسال منه، وظاهر هذه الرواية حجة لمن لم ~~يثبت البسملة آية من الفاتحة، ولا من غيرها فإن قوله في أول قراءة أراد به ~~أول قراءة الفاتحة. # وقوله: "ولا في آخرها" مراد به بآخر قراءة الفاتحة عند الشروع في السورة ~~وهو مؤول عند من أثبتها برواية ابن خزيمة (¬3) وأن المراد به إنما هو ترك ~~الجهر بها، ويقولونها سرا فلا ينتهض دليلا لهم، ورواية "لا يجهرون" رواه ~~سعيد بن أبي عروبة عند (أ) النسائي، وابن حبان، وهمام عند الدارقطني، ~~وشيبان عند الطحاوي، وابن حبان وشعبة أيضا من طريق وكيع عنه عند أحمد ~~أربعتهم عن قتادة (¬4) ولا يقال هذا اضطراب من قتادة لأنه قد رواه جماعة من ~~أصحاب أنس عنه كذلك، فرواه البخاري في "جزء القراءة" (¬5) والسراج وأبو ~~عوانة في "صحيحه" (¬6) من طريق إسحاق بن أبي طلحة. والسراج من طريق ثابت ~~البناني، والبخاري فيه من طريق مالك بن دينار كلهم عن أنس باللفظ الأول، ~~رواه الطبراني في الأوسط (¬7) من طريق PageV03P067 # إسحاق أيضا، وابن خزيمة (¬1) من طريق ثابت أيضا، والنسائي (¬2) من طريق ~~منصور بن زاذان، وابن حبان من طريق أبي قلابة، والطبراني من طريق أبي ~~نعامة، كلهم عن أنس باللفظ الثاني للجهر. # وطريق الجمع بين هذه ms0380 الروايات حمل نفي القراءة على نفي السماع ونفي ~~السماع على نفي الجهر، ويؤيد هذا التأويل رواية ابن خزيمة (¬3): "كانوا ~~يسرون" وكذلك رواية منصور بن زاذان: "فلم يسمعنا قراءة بسم الله الرحمن ~~الرحيم"، وإذا تقرر أن محصل (أ) حديث أنس نفي الجهر بالبسملة فمتى وجدت ~~رواية فيها إثبات الجهر قدمت على نفيه لا لمجرد تقديم المثبت على النافي؛ ~~لأن أنسا يبعد جدا أن يصحب النبي - صلى الله عليه وسلم - مدة عشر سنين ~~ويصحب الثلاثة الخلفاء مدة خمس (ب) وعشرين سنة فلا (ج) يسمع منهم الجهر بها ~~في صلاة حتى يقدم المثبت عليه وهذه تكون طريقة النفي على هذه الكيفية تفيد ~~العلم اليقين، فلا يقدم (د) الإثبات عليها، بل يكون أنس اعترف بأنه لا يحفظ ~~هذا الحكم، كأنه لبعد عهده به لم يذكر منه الجزم بالافتتاح بالحمد لله ~~جهرا، فلم يستحضر الجهر بالبسملة (¬4)، فيتعين الأخذ بحديث من أثبت ذلك. PageV03P068 # واعلم أنه اختلفت الروايات المتكثرة من كلا الجانبين (أ) وظاهرها ~~التباين، وقد أشار إلى الجمع بينهما القرطبي وأحسن قال بعد ذكر الأحاديث من ~~الجانبين (أ): وقد روى عن سعيد بن جبير قال: "كان المشركون يحضرون المسجد، ~~فإذا قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قالوا: هذا محمد يذكر رحمن ~~اليمامة -يعنون مسيلمة- فأمر أن يخافت ببسم الله الرحمن الرحيم ونزلت: {ولا ~~تجهر بصلاتك ولا تخافت بها} (¬1) قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله (¬2): ~~فبقى ذلك إلى يومنا هذا على ذلك الرسم، [وبقيت المخافتة في صلاة النهار وإن ~~زالت العلة] (ب) انتهى. # وقريب منه (ج) ما ذكره ابن القيم في "الهدي" (¬3) قال: كان يجهر ببسم ~~الله الرحمن الرحيم تارة، ويخفيها أكثر مما جهر بها، ولا ريب أنه لم يكن ~~يجهر بها دائما في كل يوم وليلة، خمس مرات أبدا حضرا وسفرا ويخفى ذلك على ~~خلفائه الراشدين وعلى جمهور أصحابه وأهل بلده في الأعصار الفاضلة، هذا من ~~أمحل المحال حتى (د) يحتاج إلى التشبث فيه بألفاظ مجملة وأحاديث واهية، ~~"فصحيح تلك الأحاديث غير صريح، وصريحها غير صحيح". ms0381 انتهى. PageV03P069 # وأقول والله أعلم: لعل أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - اختلفت فمتى ~~حضر الصلاة من يريد الطعن والتشبث بظاهر ما سمع من المعاندين أخفى قراءة ~~البسملة، ومتى زال ذلك الشائع أظهرها، وهذا أنسب بالجمع بين رواية النافي ~~والمثبت؛ لأنه لو أديم أحدهما في بعض المدة بعد أن قد فعل خلافه ما خفي على ~~الملازمين لتلك الحضرة الشريفة، والله أعلم. # واعلم أن كثيرا من الأئمة احتج على كون البسملة ليست بآية من الفاتحة ~~بعدم قراءتها واشتهر ذلك، ولم أر من رده، وذلك لا يصح، فإن من روى أنه لم ~~يقرأها أو يجهر بها لم يتعرض لكونها آية أو غير آية ولعلها آية ولم يقرأها، ~~ويكون عدم قراءتها مبينا لأن يقرأ من الفاتحة ما عداها فبينهما فرق، فتنبه ~~لذلك، والله سبحانه أعلم. # تنبيه: وقع في رواية الصنف هنا في رواية أنس ذكر أبي بكر وعمر دون عثمان ~~وقد وقع ذكر عثمان في رواية عمر بن مرزوق عن شعبة عند البخاري في "جزء ~~القراءة" (¬1) وكذا في رواية حجاج بن محمد عن شعبة عند أبي عوانة (¬2)، وهو ~~في رواية شيبان وهشام والأوزاعي وقد أشرنا إلى روايتهم فتنبه. # 215 - وعن نعيم المجمر قال: (صليت وراء أبي هريرة - رضي الله عنه - فقرأ ~~بسم الله الرحمن الرحيم. ثم قرأ بأم القرآن حتى إذا بلغ PageV03P070 # "ولا الضالين" قال: آمين. ويقول كما سجد وإذا قام من الجلوس: "الله أكبر" ~~ثم يقول إذا سلم "والذي نفسي بيده، إني لأشبهكم صلاة برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -" رواه النسائي وابن خزيمة (¬1). # هو أبو عبد الله نعيم بن عبد الله المجمر -بضم النون وفتح المهملة مصغر- ~~والمجمر -بضم الميم وسكون الجيم وكسر الميم وبالراء -مولى عمر بن الخطاب، ~~سمع أبا هريرة، روى عنه ابنه محمد ومالك بن أنس، وسمى المجمر لما ذكر سعيد ~~بن منصور عن نعيم بن عبد الله المجمر أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه أمر ~~أن يجمر مسجد المدينة كل جمعة حين ينتصف النهار (¬2). PageV03P071 # الحديث ذكره البخاري تعليقا، ms0382 وأخرجه أيضا السراج وابن حبان وغيرهم من ~~طريق سعيد بن أبي هلال عن نعيم، وبوب عليه النسائي (¬1) الجهر ببسم الله ~~الرحمن الرحيم، وهو أصح حديث ورد في ذلك. # وقوله: "قال آمين" فيه دلالة على مشروعيتها للإمام وهو قول الحنفية ~~والشافعية (¬2) وعن مالك (¬3): يقولها المأموم فقط وعنه يسرها الإمام. # وهذا الحديث حجة عليه وفيه دلالة على أن التكبير مشروع عند إرادة السجود ~~وعند الانتهاض للقيام وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى. # وقوله "ثم يقول": نفهم من هذا أنه حكاية لصلاة متكررة اعتادها أبو هريرة ~~فمتى فرغ قال ذلك. # وقوله "أشبهكم" ظاهره أن المشابهة بجميع ما ذكر فيها، ويحتمل أن تتم ~~المشابهة بالموافقة ولو في الأكثر. والله أعلم. # 216 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه ~~وسلم-: "إذ قرأتم الفاتحة فاقرؤوا بسم الله الرحمن الرحيم، فإنها إحدى ~~آياتها". # رواه الدارقطني وصوب وقفه (¬4). # وعنه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا فرغ من قرأة أم ~~القرآن رفع صوته وقال: آمين" رواه الدارقطني وحسنه، والحاكم وصححه (¬5). PageV03P072 # ولأبي داود والترمذي من حديث وائل بن حجر نحوه (¬1). # الحديث أخرجه الدارقطني من رواية أبي بكر الحنفي عن عبد الحميد بن جعفر ~~قال: أخبرني نوح بن أبي بلال عن سعيد المقبري عن أبي هريرة رفعه، وأخرجه ~~أيضا عن أبي بكر الحنفي قال: لقيت نوحا فحدثني به ولم يرفعه، فرفعه نوح ~~تارة ووقفه أخرى، وصحح غير واحد من الأئمة وقفه على رفعه (¬2)، فأعله (أ) ~~ابن القطان (¬3) بهذا التردد، وتكلم فيه ابن الجوزي (¬4) من أجل عبد الحميد ~~بن جعفر (ب) فإن فيه مقالا (¬5)، ولكن قد رواه أبو بكر عن نوح بغير واسطة ~~عبد الحميد (ب) في طريق الوقف ولذلك صوب الدارقطني وقفه ولكن مثل هذا ~~الموقوف في حكم المرفوع إذ لا مدخل للاجتهاد فيه (¬6). # وقد رواه البيهقي من طريق أخرى ترجع إلى عبد الحميد بن جعفر بالإسناد ~~المذكور بلفظ: "إنه كان يقول الحمد لله رب العالمين سبع آيات PageV03P073 # إحداهن بسم الله الرحمن ms0383 الرحيم، وهي السبع المثاني، وهي أم القرآن، وهي ~~فاتحة الكتاب" (¬1)، وروى الدارقطني (¬2) من طريق أخرى عن أبي هريرة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - "أنه كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح ببسم ~~الله الرحمن الرحيم" (¬3) قال أبو هريرة: هي الآية السابعة. # في الحديث دلالة على وجوب قراءة بسم الله الرحمن الرحيم مع قراءة ~~الفاتحة، وتحقيق أنها إحدى آياتها وليست بآية مستقلة، وقد ذهب إلى هذا ~~جمهور السلف والعترة جميعا والشافعي وقراء مكة والكوفة (¬4)، وقال محمد بن ~~كعب وابن المسيب: هي آية من الفاتحة فقط، قيل: إن منها بعض آية من غيرها، ~~وقال أحمد وداود (¬5) ورازي الحنفية: آية مستقلة منزلة بين كل سورتين، وقد ~~تقدم بقية الأقوال فيها. # وهذا الحديث لا ينافيه ما مر من عدم سماعها أو ترك الجهر بها. # إذ مدلوله الأمر بقراءتها من غير تعرض للجهر أو الإسرار. # وقوله "وعنه قال: كان .. إلخ" (أ) الحديث أخرجه الدارقطني والحاكم من ~~طريق الزبيدي، وقال الدارقطني: إسناده (ب) حسن، وقال الحاكم: PageV03P074 # إسناده صحيح على شرطهما، وقال البيهقي: حسن صحيح (¬1). # وحديث وائل أخرجوه (¬2) عن طريق الثوري بلفظ: "صليت خلف رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فلما قال: ولا الضالين، قال آمين ومد بها صوته". # ورواه أيضا ابن ماجه من طريق أخرى عنه بلفظ: "قال آمين فسمعناها منه". # ورواه أحمد والدارقطني من هذه الطريق بلفظ: "مد بها صوته". # وقال الترمذي في "جامعه" (¬3) رواه شعبة فقال: "وخفض بها صوته" قال: ~~وسمعت محمدا -يعني البخاري- يقول: حديث سفيان يعني الثوري أصح، وأخطأ فيه ~~شعبة (¬4). # (أ) في الحديث دلالة على أن الإمام يشرع له قول "آمين" بعد قراءة الفاتحة ~~جهرا في الجهرية، وقد ذهب إلى هذا الشافعي (¬5)، وقال أبو حنيفة بل يسر ~~الإمام في الجهرية (¬6) وعن مالك في رواية (ب) أبي القاسم أن الإمام PageV03P075 # لا يقولها، ورواية عنه كأبي حنيفة (¬1) " وهذا الحديث لم يكن فيه تعرض ~~لحكم المؤتم والمنفرد في التأمين، وقد وليس البخاري من حديث أبي هريرة أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: ms0384 "إذا أمن الإمام فأمنوا فإنه من ~~وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" (¬2). # وأخرج من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال: "إذا ~~قال الإمام: غير المغضوب عليهم ولا الضالين فقولوا: آمين، فإنه من وافق ~~قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" (¬3) وذكر تعليقا (¬4): أمن ابن ~~الزبير ومن وراءه حتى إن للمسجد للجة، وكان أبو هريرة ينادي الإمام لا ~~تفتني بآمين (¬5). # وقال نافع: كان ابن عمر لا يدعه ويحضهم (¬6)، وسمعت منه في ذلك خبرا. # وأخرج أيضا عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ~~قال أحدكم "آمين" وقالت الملائكة في السماء "آمين" فوافقت إحداهما الأخرى، ~~غفر له ما تقدم من ذنبه" (¬7). # ففي هذه الأحاديث دلالة على شرعية ذلك للمؤتم والمنفرد، والحديث PageV03P076 # الأخير للقارئ مطلقا في الصلاة أو في غيرها، وفي بعض هذه الألفاظ (أ) ما ~~يدل على أن تأمين المأموم (¬1) يتأخر عن تأمين الإمام لأنه رتبه عليه ~~بالفاء وقد (ب) ذهب الجمهور (¬2) إلى أن المشروع المقارنة، قال الشيخ محمد ~~الجويني (¬3) لا تستحب مقارنة الإمام في شيء من الصلاة غيره، وتأويل ~~الجمهور الرواية المذكورة بأن المعنى إذا أراد أن يقول آمين، وحمل الجمهور ~~(¬4) هذا الأمر على الندب، وحكى ابن بزيزة عن بعض أهل العلم وجوبه على ~~المأموم عملا بظاهر الأمر، قال: وأوجبه الظاهرية على كل مصل (¬5)، وظاهره ~~أنه يؤمن المأموم ولو كان مشغولا بقراءة الفاتحة، وبه قال أكثر الشافعية، ~~ثم اختلفوا هل تنقطع به موالاة الفاتحة على وجهين أصحهما (¬6): لا تنقطع ~~لأنه مأمور بذلك لمصلحة الصلاة بخلاف الأمر الذي لا يتعلق بها كتشميت ~~العاطس (¬7) والخلاف في شرعية التأمين في الصلاة للعترة جميعا كذا رواية ~~الإمام المهدي في "البحر" (¬8) وفي "جامع آل محمد" رواه أحمد بن عيسى عن ~~علي -رضي الله عنه- عند القول بالجهر ببسم الله الرحمن الرحيم، ونقل في ~~"البيان" عن أحمد بن عيسى PageV03P077 # القول به، ففي نسبة الإمام المهدي ذلك إلى الجميع فيها نظر فقالوا: إنه ~~بدعة ms0385 لقوله - صلى الله عليه وسلم - لمن شمت العاطس في الصلاة "لا يصلح فيها ~~شيء من كلام الناس" (¬1) قال الإمام المهدي: والراوي لفعله وائل بن حجر ~~(¬2) وهو ضعيف الرواية، قال: سلمنا. فمعارض بقوله "لا يصلح فيها شيء من ~~كلام الناس" ومن جوزه جوز الدعاء، والتشميت دعاء، وقد أنكر عليه. انتهى. # وقد علمت أن ذلك قد ثبت من غير رواية وائل على فرض صحة ضعفه (¬3)، ~~والمعارضة غير صحيحة لما عرفت من أن معناه من تكليم الناس كما مر، ولو كان ~~معناه ما ذكر فهذا خاص وذلك عام، والتلازم الذي ذكره غير صحيح إذ غاية ~~الأمران هذا يصير من جملة أذكار الصلاة التي من غير القرآن ثابتة بدليلها، ~~وإلا لزم قصر الصلاة على فهمه من حديث السلمي ألا يتكلم في الصلاة إلا ~~بقرآن، فما قال في ثبوت سائر الأذكار قيل في هذا والأمر واضح. # ولفظ "آمين" (¬4) هي بالمد والتخفيف في جميع الروايات وعن جميع القراء، ~~وحكى أبو نصر عن حمزة والكسائي الإمالة، وفيها ثلاث لغات أخرى شاذة؛ القصر ~~حكاه ثعلب وأنشد له شاه"، وأنكره ابن درستويه PageV03P078 # وطعن في الشاهد بأنه لضرورة الشعر، وحكى عياض (¬1) ومن تبعه عن ثعلب أنه ~~إنما أجازه في الشعر خاصة. # والتشديد مع المد والقصر وخطأهما جماعة من أهل اللغة. # وآمين من أسماء الأفعال مثل صه للسكوت، ويفتح في الوصل لأنها مبنية ~~بالاتفاق، ولم يكسر لثقل الكسرة بعد الياء مثل كيف، ومعناها: اللهم استجيب، ~~وقيل: كذلك يكون، وقيل معناه: اللهم آمنا بخير، وقيل: درجة في الجنة تجب ~~لقائلها، وقيل: لمن استجيب له كما استجيب للملائكة (¬2)، وقيل: هو اسم من ~~أسماء الله تعالى، رواه عبد الرزاق (¬3) عن أبي هريرة بإسناد ضعيف، وعن ~~هلال بن يساف (أ) التابعي مثله (¬4) وقال: من مد وشدد معناها (ب) قاصدين ~~إليك، ونقل ذلك عن جعفر الصادق. # وقال: من قصر وشدد هي كلمة عبرانية أوسريانية، وعند أبي داود (¬5) من ~~حديث أبي زهير النميري الصحابي أن آمين مثل الطابع على الصحيفة ثم ذكر قوله ~~- صلى الله عليه وسلم ms0386 - "إن ختم بآمين فقد أوجب، والمستحب الاقتصار على ~~التأمين. وقد أخرج البيهقي (¬6) حديث وائل قال: - صلى الله عليه وسلم - ولا ~~الضالين رب PageV03P079 # اغفر لي آمين، وفي إسناده أبو بكر النهشلي (أ) وهو ضعيف (¬1)، وفي "الأم" ~~للشافعي (¬2): فإن قال: آمين رب العالمين كان حسنا، ونقله النووي من زوائده ~~في "الروضة" (¬3). # 217 - وعن عبد الله بن أبي أوفى -رضي الله عنه- قال: "جاء رجل إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: إني لا أستطيع أن آخذ من القرآن شيئا، فعلمني ~~ما يجزئني، فقال: "قل سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله ~~أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". # الحديث رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، والدارقطني، ~~والحاكم (¬4). # هو أبو إبراهيم، ويقال: أبو محمد، ويقال أبو معاوية، واسم أبي أوفى: ~~علقمة بن قيس بن خالد بن الحارث بن أبي أسيد الأسلمي، شهد الحديبية؛ PageV03P080 # وخيبر وما بعدها من المشاهد ولم يزل بالمدينة حتى قبض النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ثم تحول إلى الكوفة، وهو آخر من مات من الصحابة بالكوفة سنة ~~سبع وثمانين، وقيل سنة ست، وكان قد كف بصره، وكان من أصحاب الشجرة، روى عنه ~~الشعبي وإسماعيل بن أبي خالد وعمرو بن مرة. # وأسيد بفتح الهمزة وكسر السين المهملة (¬1). # الحديث أخرجوه من حدثنا إبراهيم بن إسماعيل السكسكي (¬2) وهو من رجال ~~البخاري، وقد عيب على البخاري إخراج حديثه، وضعفه النسائي (¬3)، وقال ابن ~~القطان: ضعفه قوم فلم يأتوا بحجة، وذكره النووي في "الخلاصة" (¬4) في فصل ~~الضعيف، وقال في "شرح المهذب" (¬5): رواه أبو داود والنسائي بإسناد ضعيف، ~~وكان سببه كلامهم في إبراهيم وقد قال ابن عدي (¬6) لم أجد له حديثا منكر ~~المتن، وقد رواه الطبراني (أ) وابن حبان في "صحيحه" (¬7) أيضا من طريق طلحة ~~بن مصرف (ب) عن ابن أبي أوفى، وفي إسناده الفضل بن موفق (¬8) ضعفه أبو ~~حاتم. PageV03P081 # والحديث فيه دلالة على أن ذلك المذكور يقوم مقام القراءة لمن لا يحسنها، ~~وظاهره أنه يكفي قوله مرة واحدة، ولعله بالقياس على ms0387 قراءة الفاتحة أن ~~الخلاف في تكريره في كل ركعة، أو أنه لا يجب تكريره كما تقدم في الفاتحة. # وتقدم تمام الكلام في هذه المادة في حديث أبي هريرة تعليم المسئ صلاته (¬1). # 218 - وعن أبي قتادة -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي بنا، فيقرأ في الظهر والعصر في الركعتين الأوليين بفاتحة ~~الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانا، ويطول الركعة الأولى، ويقرأ في ~~الآخرتين بفاتحة الكتاب" متفق عليه (¬2). # قوله: "الأوليين" بياءين تثنية أولى، وكذا (أ) آخرتين تثنية أخرى. # في الحديث دلالة على شرعية قراءة الفاتحة في كل ركعة وقراءة السورة في ~~الركعتين الأوليين. # وفيه دلالة على قراءة سورة كاملة وإن قصرت أفضل من قراءة قدرها PageV03P082 # من سورة طويلة (¬1)، إذ لفظ كان يفعل تدل بحسب الأغلب على الدوام أو ~~الغالب. # وقوله "ويسمعنا الآية أحيانا": فيه دلالة على أن الإسرار في السرية ليس ~~بواجب وأنه لا يجب سجود السهو على من فعل ذلك، وسواء قلنا كان يفعل ذلك ~~عمدا لبيان الجواز أو بغير قصد للاستغراق في التدبر. # وقوله: "أحيانا" يدل على تكرر ذلك منه. # وقد أخرج النسائي (¬2) من حديث البراء: "كنا نصلي خلف النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - الظهر فنسمع منه الآية بعد الآية من سورة لقمان (أ) ~~والذاريات"، ولابن خزيمة (¬3) من حديث أنس نحوه ولكن قال: {سبح اسم ربك ~~الأعلى} و {هل أتاك حديث الغاشية}. # وقوله "ويطول الركعة الأولى": ونحوه لأبي داود وابن خزيمة (¬4) ومن رواية ~~عبد الرزاق عن عطاء قال: "إني لأحب أن يطول الإمام الركعة الأولى من كل ~~صلاة حتى يكثر الناس في الأولى، ويقصر في الثانية" وروى عبد الرزاق (¬5) في ~~آخر حديث أبي (ب) قتادة: "فظننا أنه يريد بذلك أن PageV03P083 # يدرك الناس الركعة الأولى". # في الحديث دلالة على استحباب التطويل للركعة الأولى وظاهره التطويل ~~بالقراءة وادعى ابن حبان أن الطول إنما هو بترتيل القراءة فيها مع استواء ~~المقروء، وقد روي مسلم من حديث حفصة: "كان يرتل السورة حتى تكون أطول من ~~أطول منها" (¬1) ويؤخذ من هذا ms0388 أن للإمام تطويل ركن الركوع ليلحق به المأموم ~~(¬2)، وقد ذكر البخاري (¬3) في "جزء القراءة" (أ) ما معناه أنه لم يرد عن ~~أحد من السلف في انتظار الداخل (ب) في الركوع شيء والله أعلم. # [وعن أبي حنيفة (¬4): يطول في أولى (ب) الصبح خاصة، وذهب بعض الأئمة إلى ~~استحباب تطويل الأولى من الصبح دائما وغيرها إن كان يرجى كثرة المأمومين، ~~وصلاته في أول الوقت وإلا فلا] (د). # وقال: من يستحب استواء الركعتين في القراءة: إنما طالت الأولى PageV03P084 # بدعاء الافتتاح والتعوذ، وأما في القراءة فهما سواء، ويدل عليه حديث أبي ~~سعيد الآتي: وقال البيهقي (¬1) في الجمع بين أحاديث المسألة يطول في الأولى ~~إن كان منتظرا أحدا وإلا فيسوي بين الأولين. # وقوله "ويقرأ في الآخريين بفاتحة الكتاب": ظاهره من غير زيادة عليهما، ~~وكذا الثالثة من المغرب حكمها كذلك، وإن كان مالك قد أخرج في الموطأ (¬2) ~~من طريق الصنابحي أنه سمع أبا بكر يقرأ فيها: {ربنا لا تزغ قلوبنا} (¬3) ~~الآية، وللشافعي قولان في استحباب قراءة السورة في الآخريين (¬4). # وفي الحديث دلالة على جواز الإخبار بما يفيد الظن والعمل به وإلا فالصلاة ~~السرية لا طريق إلى معرفة قراءة السورة فيها يفيد اليقين بذلك، وإنما ذلك ~~بما يظهر من شاهد الحال مع قرينة سماع الآية والآيتين من السورة. والقول ~~بأن ذلك يجوز أن يكون مأخوذا من إخبار النبي -صلى الله عليه وسلم- يفيد مع ~~"كان" التي تفيد الدوام أو الأغلبية، وفي حديث أبي سعيد الآتي: (¬5) دلالة ~~على ما قلنا، وكذلك في جواب خباب بن الأرت لمن سأله عن قراءة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في صلاة الظهر والعصر، بأي شيء كنتم تعلمون قراءته؟ قال: ~~باضطراب لحيته (¬6) والله أعلم. # 219 - وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "كنا نحزر PageV03P085 # قيام رسول الله (أ) - صلى الله عليه وسلم - في الظهر والعصر، فحزرنا ~~قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قدر: آلم تنزيل .. السجدة، وفي ~~الآخريين قدر النصف من ذلك، وفي الأوليين من العصر قدر الآخريين من الظهر، ~~والآخريين على النصف من ms0389 ذلك" رواه مسلم (¬1). # نحزر بضم الزاي وبعدها مهملة وهو بمعنى الخرص والتقدير (¬2)، وفي رواية ~~لابن ماجه (¬3) أن الحازرين لذلك ثلاثون رجلا من الصحابة. # وفيه دلالة على استواء الركعتين الأوليين واستواء الآخريين، وعلى تطويل ~~الظهر أكثر من العصر، وقد عرفت ما مر، قال النووي (¬4): قال العلماء: السنة ~~أن يقرأ في الصبح والظهر بطوال المفصل، ويكون الصبح أطول، وفي العشاء ~~والعصر بأوساطه، وفي المغرب بقصاره، قالوا: والحكمة في إطالة الصبح والظهر: ~~أنهما في وقت غفلة بالنوم في آخر الليل وفي القائلة، فطولتا (ب) ليدركهما ~~المتأخر بغفلة ونحوها، والعصر ليست كذلك بل إنها تفعل (ج) في وقت تعقب أهل ~~الأعمال فخففت عن ذلك، والمغرب لضيق الوقت فاحتيج إلى زيادة تخفيفها لذلك ~~ولحاجة الناس إلى PageV03P086 # عشاء صائمهم وضيفهم، والعشاء في وقت غلبة النوم والنعاس ولكن وقتها واسع ~~فأشبهت العصر. انتهى، وهذا الذي ذكروه هو مضمون الحديث الآتي. # وأقول: إن الأحاديث في هذه المادة مختلفة لا يوقف منها، على الضابط ~~المذكور فإنه قد ورد عنه - صلى الله عليه وسلم - أن صلاة الظهر تقام ويذهب ~~الذاهب إلى البقيع فيقضي حاجته، ثم يأتي أهله فيتوضأ ويدرك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في الركعة الأولى مما يطيلها (¬1). وقد ورد في صلاة العصر ~~أنها على النصف من صلاة الظهر إذا طالت الظهر ومثلها إذا قصرت (¬2). وقد ~~روى أنه قرأ في المغرب ب: {المص} (¬3) (أ) وأنه قرأ فيها ب {الصافات} وأنه ~~قرأ فيها ب {حم} الدخان (¬4) (أ) وأنه قرأ فيها {سبح اسم ربك الأعلي} (¬5) ~~وأنه قرأ فيها ب {التين والزيتون} (¬6)، وأنه قرأ فيها بالمعوذتين، وأنه ~~قرأ فيها ب {المرسلات} (¬7)، وأنه كان يقرأ فيها بقصار المفصل (¬8). وهي ~~كلها آثار صحاح، وأما المداومة على قصار المفصل في المغرب فإنما هو فعل ~~مروان. و (ب) لهذا أنكر عليه يزيد بن ثابت، وقال له: "ما لك تقرأ بقصار ~~المفصل؟ " PageV03P087 # وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ في الغرب بطولى الطوليين ~~(¬1) وهي الأعراف [والطولى الأخرى الأنعام، يريد بواحدة من الطوليين] (أ). # وقد أخرج ms0390 النسائي "أنه فرق الأعراف في ركعتي المغرب (¬2)، وقد قرأ في ~~العشاء {بالتين والزيتون} (¬3) ووقت لعاذ فيها "بالشمس وضحاها" (¬4)، و ~~{سبح اسم ربك الأعلى} و {والليل إذا يغشى} ونحوها"، وقد أخرج النسائي من ~~حديث ابن عمر: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمرنا بالتخفيف، ويؤمنا ~~بالصافات" (¬5) فالصافات بيان للتخفيف المأمور به. # والجمع بين هذه الروايات أنه وقع الجميع من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأنه كان يختلف باختلاف الأوقات والأشغال والنشاط والفتور والإقبال في ~~الصلاة بالقلوب والإدبار، والله أعلم. # وقوله و (ب) "في الآخريين على النصف من ذلك": احتج به الشافعي (¬6) على ~~قراءة سورة في الركعتين الآخريين، وهو مأخذ قريب، إذ من البعيد سكوته - صلى ~~الله عليه وسلم - عن الذكر في الصلاة، والقول بترتيل قراءة الفاتحة فيهما ~~محتمل بعيد، والله أعلم. PageV03P088 # 220 - وعن سليمان بن يسار -رضي الله عنه- قال: "كان فلان يطيل الأوليين ~~من (أ) الظهر ويخفف العصر، ويقرأ في المغرب بقصار المفصل، وفي العشاء ~~بوسطه، وفي الصبح بطواله". # فقال أبو هريرة: "ما صليت وراء أحد أشبه صلاة برسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من هذا" أخرجه النسائي بإسناد صحيح (¬1). # هو أبو أيوب -ويقال: أبو عبد الرحمن، ويقال: أبو عبد الله- سليمان بن ~~يسار -بفتح الياء التحتانية وتخفيف السين المهملة- مولى ميمونة زوج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وأخو عطاء بن يسار، من أهل المدينة، وكبار التابعين، ~~كان فقيها فاضلا ثقة عابدا ورعا حجة، وهو أحد الفقهاء السبعة، قال الحسن بن ~~محمد: سليمان بن يسار أفهم عندنا من سعيد بن المسيب ولم يقل أعلم ولا أفقه، ~~روى عن ابن عباس وأبي هريرة (ب) وأم سلمة، روى عنه الزهري (ب) ويحيى بن ~~سعيد الأنصاري وغيرهما من الأعلام، مات سنة سبع ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين ~~سنة (¬2). # وقوله: "كان فلان": قال في "شرح السنة": هو رجل كان أميرا PageV03P089 # على المدينة، وقيل اسمه عمر بن سلمة بن نفيع البصري إمام بني خزيم ~~بالبصرة، وكنيته أبو يزيد، وليس هو بعمر بن عبد العزيز كما قاله التوربشتي؛ ~~لأن ms0391 ولادة عمر بن العزيز كانت بعد وفاة أبي هريرة. # في الحديث دلالة على أن هذه الصفة كانت عادة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أو قريبا منها، وقد عرفت ما فيه (أ) في الحديث الذي قبله. # 221 - وعن جبير بن مطعم -رضي الله عنه- قال: "سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطور" متفق عليه (¬1). # في الحديث دلالة على أن المغرب لا يختص بقراءة قصار المفصل، وقد تقدم ~~الكلام في ذلك. # 222 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقرأ في صلاة الفجر يوم الجمعة: {الم تنزيل} .. السجدة و {هل أتى ~~على الإنسان} متفق عليه (¬2). # وللطبراني من حديث ابن مسعود: "يديم ذلك". # في الحديث دلالة على أن قراءة السورتين في فجر الجمعة مندوبة PageV03P090 # لا سيما رواية الطبراني، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (¬1): السر في ~~قراءتهما في فجر الجمعة؛ لأنها تضمنتا ما كان و (أ) يكون في يومهما، فإنهما ~~اشتملتا على خلق آدم وعلى ذكر المعاد وحشر العباد، وذلك يكون يوم الجمعة ~~ففي قراءتهما تذكير للأمة بما كان فيه ويكون، والله أعلم. # 223 - وعن حذيفة -رضي الله عنه- قال: "صليت مع النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فما مرت به آية رحمة إلا وقف عندها يسأل، ولا آية عذاب إلا تعوذ ~~منها .. " أخرجه الخمسة وحسنه الترمذي (¬2). # في الحديث دلالة على أنه ينبغي للمصلي تدبر القرآن، وترتيل آياته، ~~والانزجار عند الزواجر، والاشتياق لما أعده من الرحمة والزلفى في اليوم ~~الآخر، وأن هذا من تمام خشوع الصلاة، والله أعلم. # 224 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "ألا وإني نهيت؛ أن أقرأ القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الركوع ~~فعظموا فيه الرب وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقمن أن يستجاب لكم .. " ~~رواه PageV03P091 # مسلم (¬1). # قوله: "نهيت" فيه دلالة على أن ذلك منهي عنه، فلو فعل ذلك فقد ارتكب ~~النهي، وظاهر النهي التحريم، إلا إذا دل دليل بخلافه، وقد (أ) اختلف ~~العلماء فيما إذا ms0392 قرأ شيئا من القرآن فيهما، فعند الهادوية وغيرهم، أنه لا ~~تفسد الصلاة إذا كان قليلا مطلقا، بأن كان كثيرا أفسد إذا كان عمدا، ويجب ~~سجود السهو [في القليل مطلقا، وفي الكثير إذا كان سهوا] (ب)، (ج وعند ~~الشافعية (¬2) كذلك ج) في غير الفاتحة يكره ولا تفسد الصلاة، وظاهره سواء ~~كان كثيرا أو قليلا إذا كان عمدا، وفي الفاتحة وجهان: أحدهما لا تبطل بها ~~الصلاة كغيرها (¬3)، والثاني تحرم وتبطل الصلاة، وإن (د) كان سهوا فلا ~~كراهة وسجد للسهو عند الشافعي. # وقوله: "وأما الركوع فعظموا فيه الرب ": المراد بالتعظيم هو قول: "سبحان ~~ربي العظيم" كما رواه مسلم (¬4) في حديث حذيفة: "فجعل يقول: سبحان ربي ~~العظيم ثم قال: سمع الله لمن حمده ثم سجد فجعل PageV03P092 # يقول: سبحان ربي الأعلى"، وظاهره وجوب التسبيح في الركوع، وقد ذهب إلى ~~هذا أحمد وطائفة من أئمة الحديث (¬1)، وخالف في ذلك الجمهور وحملوا الأمر ~~على الاستحباب لحديث المسئ صلاته، فإنه لم يعلمه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - تسبيح الركوع ولو كان واجبا لأمر به، وظاهر حديث حذيفة، وإطلاق ~~قوله: "فعظموا فيه الرب" أن المرة الواحدة يحصل بها المأمور به، وقد أخرج ~~أبو داود من حديث عون بن عبد الله عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "إذا ركع أحدكم فليقل: ثلاث مرات: "سبحان ربي ~~العظيم"، وذلك أدناه وإذا سجد فليقل: "سبحان ربي الأعلى" ثلاثا، وذلك ~~أدناه" (¬2) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، وقال أبو داود (¬3)، فيه ~~إرسال؛ لأن عونا (¬4) لم يدرك ابن مسعود، وكذا قال البخاري في "تاريخه" ~~(¬5)، وكذا الترمذي (¬6)، ففيه دلالة على أن المرة الواحدة [غير كافية] ~~(أ)، ولا سيما مع قوله: "وذلك أدناه" وأما حمله على الندب فهو مثل الحديث الأول. # وفي قوله (ب): "فاجتهدوا في الدعاء" فيه دلالة على قرب المصلي من المعبود ~~جل وعلا لما في ذلك من الخضوع والاستكانة، وقد اختلف PageV03P093 # العلماء في الأفضل من السجود أو القيام في الصلاة على ثلاثة أقوال (¬1): ~~الأول أن السجود وتكثير ms0393 الركوع والسجود أفضل حكاه الترمذي والبغوي عن جماعة ~~وروي عن ابن عمر في السجود. # والثاني: أن القيام أفضل، ذهب إليه الشافعي وجماعة لحديث مسلم "أفضل ~~الصلاة طول القنوت" (¬2) ولأن ذكره قراءة القرآن، وهو أفضل من التسبيح، ~~ولأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يطول القيام بئر من تطويل السجود. # والثالث: أنهما سواء، وتوقف أحمد، وقال إسحاق ابن راهويه: أما في النهار ~~فتكثير (أ) الركوع والسجود أفضل، وأما في الليل فالقيام، وذلك لأن صلاة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في الليل قد وصفت (ب) بطول القيام (¬3). # واعلم أنه يجمع بين الدعاء والتسبيح للأحاديث الواردة في ذلك. # وقوله: "فقمن": وهو بفتح القاف وكسر اليم وفتحهما لغتان مشهورتان فمن فتح ~~فهو عنده مصدر لا يثنى ولا يجمع، ومن كسر فهو صفة، وفيه لغة ثالثة: "قمين" ~~(ج) بزيادة ياء وفتح القاف وكسر اليم ومعناه: حقيق وجدير. PageV03P094 # 225 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: في ركوعه وسجوده: "سبحانك اللهم وبحمدك، اللهم اغفر لي". # متفق عليه (¬1). # الحديث ورد بألفاظ، ففي لفظ كما في الأصل، وفي لفظ قالت: "ما صلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بعد أن نزلت (أ) عليه،: {إذا جاء نصر الله والفتح} ~~إلا يقول: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي" (¬2)، وثبت في رواية بحذف ~~الواو وفي كثير من الروايات بإثباتها. # فيه دلالة على قول ذلك في الركوع والسجود، وهو لا ينافي الحديث الذي قد ~~مر وهو: "أما الركوع فعظموا فيه الرب"؛ لأن ذلك يدل على أنه محل للتعظيم ~~(ب)، وهذه الزيادة مفهومة من هذا الحديث فيجمع بين الروايتين جميعا بالجمع ~~بين مدلوليهما مع أن في قوله: "فاجتهدوا فيه بالدعاء" يدل بمفهومه أن غيره ~~لا يجتهد فيه، وأما اليسير من الدعاء فلا يضر، إذ معنى الاجتهاد هو الإكثار منه. # وقوله: "سبحانك" منصوب على المصدرية بتقدير "أسبحك" ومعنى التسبيح ~~التنزيه والتقديس من النقص. PageV03P095 # وقوله: "وبحمدك": يحتمل أن تكون الواو للعطف، والمعطوف متعلق "بحمدك" ~~والتقدير: وألتبس (أ) بحمدك والمعنى وأحمدك ms0394 (ب) يحتمل أن تكون للحال ~~والمعنى أسبحك وأنا ألتبس بحمدك أي في حال كوني ملتبسا بحمدك، وهذا هو ~~الأنسب لما روي عن عائشة - رضي الله عنها - في تمام رواية الحديث: "يتأول ~~القرآن" (¬1)، أي يتأول قوله سبحانه: {فسبح بحمد ربك} (¬2)، وعلى رواية حذف ~~الواو يحتمل أيضا الحال، ويحتمل أن تكون الباء للسببية ويناسبه أيضا ما روي ~~عن عائشة "بحمدك لا بحمد غيرك" أي وقع هذا بسبب حمد الله أي بفضله وإحسانه ~~فعبر عنهما بالحمد لأنهما مسببان عنه. # وقوله: "اللهم اغفر لي" لموافقة قوله: {واستغفره} وفي هذا دلالة على سرعة ~~(ج) امتثاله - صلى الله عليه وسلم - لما أمر به وقيامه بحق العبودية وكمال ~~معرفته بعظمة الربوبية، زاده الله شرفا وفضلا وقد غفر له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر. # 226 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا قام إلى الصلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع ~~الله لمن حمده"، حين يرفع صلبه من الركوع، ثم يقول وهو قائم: ربنا ولك ~~الحمد، ثم يكبر حين يهوي ساجدا، ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ~~ثم يكبر حين يرفع، ثم يفعل ذلك في الصلاة كلها، ويكبر حين PageV03P096 # يقوم من الثنتين بعد الجلوس". متفق عليه (¬1). # قوله (أ) "يكبر حين يقوم" أي حين يقوم إلى الصلاة، وظاهره أن التكبير ~~مقارن لحال القيام، والقيام هو الانتصاب واستواء القامة فلا يجزئه أن يكبر ~~وهو على غير حال القيام، كما إذا أهوى إلى الركوع أو نحوه، وهذا التكبير ~~واجب وقد دل على وجوبه ما تقدم في حديث المسيء صلاته (ب). # وقوله: "ثم يكبر حين يركع .. " إلخ، فيه دلالة على شرعية التكبير في كل ~~خفض ورفع، وهذا مجمع عليه في هذه الأعصار، وقد كان وقع فيه خلاف في زمن أبي ~~هريرة (¬2) فكان (ج) بعضهم لا يرى التكبير إلا في افتتاح الصلاة، وبعضهم ~~يزيد عليه بعض ما في هذا الحديث، ولعلهم لم يبلغهم PageV03P097 # فعل النبي - صلى الله ms0395 عليه وسلم - لذلك قال أبو هريرة لما فعل مثل هذا ~~المروي في صلاته فلما انصرف قال: والله إني لأشبهكم صلاة برسول الله (¬1) ~~واستقر العمل على ما في هذا الحديث (أ) في كل صلاة ثنائية إحدي عشرة ~~تكبيرة، وهي تكبيرة الإحرام وخمس في كل ركعة، وفي الثلاثية سبع عشرة وهي ~~تكبيرة الإحرام وتكبيرة القيام من التشهد الأول، وخمس في كل ركعة، وفي ~~الرباعية ثنتان وعشرون ففي المكتوبات الخمس: أربع وتسعون تكبيرة، وظاهره ~~فعله - صلى الله عليه وسلم - ومداومته على ذلك يدل على وجوبه. # وقد ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه (¬2)، والجمهور (¬3) ~~على خلاف ذلك، قالوا لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يعلم ذلك المسئ ~~صلاته وإنما علمه تكبيرة الإحرام، وهو موضع بيان للواجب، ولا يجوز التأخير ~~عن وقت الحاجة. # وظاهر قوله: "يكبر حين" كذا: أنه يقارن التكبير (ب) هذه الحركات فيشرع في ~~التكبير عند ابتدائه للركن ويمده حتى يتم الحركة لذلك، وهذا مذهب كافة ~~العلماء، إلا ما روي عن عمر بن عبد العزيز، وبه قال مالك (¬4): إنه لا يكبر ~~للقيام من الركعتين حتى يستوي قائما. PageV03P098 # وقوله: ثم يقول حين يرفع صلبه من الركوع: "سمع الله لمن حمده"، ويقول وهو ~~قائم: "ربنا ولك الحمد" ظاهره أنه يقول ذلك كل مصل، إذ هو حكاية لمطلق صلاة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وإن كان يحتمل أن ذلك حكايته لصلاة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - إذ الصلاة المتبادر منها الصلاة الواجبة، والغالب على ~~صلاته الجماعة وهو الإمام فيها، وأيضا في رواية لمسلم من فعل أبي هريرة وهو ~~إمام بالمدينة في أيام مروان (¬1) حكاية ذلك وقال: والله إني لأشبهكم صلاة ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولكن ذلك لا يكدر هذا الظاهر لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬2)، وظاهر الأمر إطلاق ~~المشابهة لكل مصل يصلي كصلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ذهب إلى ~~هذا الشافعي (¬3)، وذهب الهادي (¬4) والقاسم وأبو حنيفة ورواية عن الناصر ~~أن التسميع للإمام ms0396 والمنفرد، والحمد للمؤتم، قالوا لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد ~~فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه" (¬5). # وذهب أبو يوسف ومحمد إلى أنه يجمع بينهما الإمام والمنفرد (¬6)، ويأتي PageV03P099 # بالتحميد المؤتم [قال في "شرح القدوري" وذكر الجخندي هذه المسألة وقال: ~~هو قول أصحابنا جميعا] (أ) جمعا بين الحديثين حكاية فعله وقوله، وقد عرف أن ~~قوله: "إذا قال الإمام سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا لك الحمد" لا ينفي ~~قول المؤتم: "سمع الله لمن حمده"، وإنما دلالته على أن قول المؤتم: "ربنا ~~لك الحمد"، يكون عقيب قول (ب) الإمام: "سمع الله لمن حمده"، والواقع في ~~التصوير ذلك لأن الإمام يقول التسميع في حال انتقاله والمأموم يقول التحميد ~~في حال اعتداله، واستفيد الجمع بينهما من الحديث الأول. # وادعى الطحاوي (¬1) وابن عبد البر (¬2) الإجماع على كون المنفرد يجمع ~~بينهما وجعل (ج) الحجة جمع الإمام بينهما لاتحاد حكم الإمام والمنفرد. # ومعنى "سمع الله لمن حمده": أجاب، ومعناه أن من حمد الله متعرضا لثوابه ~~استجاب الله له وأعطاه ما تعرض له، فناسب بعده أن يقول: "ربنا لك الحمد". # وإثبات الواو ثبت في (د) طرق كثيرة، وفي بعضهما بحذف الواو (ه). PageV03P100 # قال النووي (¬1): المختار أن لا ترجيح لأحدهما على الآخر. قال ابن دقيق ~~العيد: زيادة الواو تدل على تقدير استحب بعد قوله: "ربنا" بناء منه على أن ~~الواو عاطفة، وقال أيضا النووي في "شرح المهذب" (¬2): يحتمل أنها عاطفة على ~~محذوف (أ): ربنا أطعناك وحمدناك ولك الحمد. # وذكر ابن السكن في "صحيحه" (¬3) عن أحمد بن حنبل أنه قال: من قال: ربنا ~~ولك الحمد، ومن قال: اللهم ربنا قال: لك الحمد. # قال الأصمعي: سألت أبا عمرو بن العلاء عن الواو في قوله: "ربنا ولك ~~الحمد" فقال: هي زائدة، ويحتمل أن تكون واو الحال (¬4)، والله أعلم. # 227 - وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا رفع رأسه ms0397 من الركوع قال: "اللهم ربنا لك الحمد ملء السموات ~~والأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، ~~وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا ~~الجد منك الجد". رواه مسلم (¬5). PageV03P101 # في الحديث دلالة على شرعية هذا الذكر في الاعتدال، وتطويل هذا الركن، ~~وظاهره: لكل مصل. # وقوله: "ملء" بنصب الهمزة نصب على الصدرية ويجوز الرفع، ورجع ابن خالويه ~~النصب، وحكى عن الزجاج وجوب الرفع، ورفعه على خبرية مبتدأ محذوف، ومعناه ~~المبالغة في كثرة الحمد حتى ولو كان أجساما لملأ السموات والأرض، # "وأهل": منصوب على النداء أو الاختصاص، والنصب هو الأشهر، ويجوز رفعه على ~~خبرية مبتدأ محذوف. و"الثناء" الوصف الجميل والمدح. # "والمجد: العظمة ونهاية الشرف، وهذا اللفظ هو المشهور في رواية مسلم وقال ~~القاضي (¬1) عياض: وقع في رواية ابن ماهان: "أهل الثناء والحمد". # وقوله: "أحق" بالهمزة كذا في رواية مسلم وغيره. # و"كلنا": بالواو كذلك، ووقع في كتب الفقهاء: "حق ما قال العبد كلنا" .. ~~بحذف الهمزة والواو، والمعنى الصحيح (¬2). وتوجيه هذا علي الرواية الأولى ~~أن "أحق" مبتدأ وخبره: " [اللهم] (أ) لا مانع لما أعطت"، "وكلنا" .. جملة ~~اعتراضية من مبتدأ وخبر، وعلى الرواية الثانية حق: مبتدأ، وخبره كلنا لك عبد. # وقوله: "لا مانع لما أعطيت": جملة مستأنفة، وفي هذا دلالة واضحة PageV03P102 # على أفضلية هذا الذكر، وقد تضمن التفويض إلى الله، والإذعان له، ~~والاعتراف بوحدانيته، والتصريح بأن لا حول ولا قوة إلا به وأن الأمر كله ~~له، والحث على الزهادة في الدنيا، والإقبال على الأعمال الصالحة. # وقوله: "ذا الجد": المشهور فتح الجيم (¬1)، وقال ابن عبد البر: منهم من ~~بقاه بالكسر، وقال (أ) أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: هو بالفتح قال: وقاله ~~الشيباني بالكسر، قال: وهذا خلاف ما عرفه أهل النقل. قال ولا نعلم من قاله ~~غيره ومعناه بفتح الجيم: الحظ والغنى والعظمة والسلطان، لا ينفعه حظه ~~وينجيه منك وإنما ينجيه العمل الصالح، وعلى رواية الكسر وإن ضعف -فمعناه ~~الاجتهاد أي لا ms0398 ينفعه اجتهاده، وإنما تنفعه رحمتك، وقيل: المراد السعي ~~التام في الحرص على الدنيا وقيل: معناه الإسراع في الهرب (ب أي لا ينفع ذا ~~الإسراع في الهرب ب) منك هربه فإنه في قبضتك وسلطانك (¬2). # 228 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، على الجبهة -وأشار بيده إلى ~~أنفه- واليدين والركبتين وأطراف القدمين" متفق عليه (¬3). PageV03P103 # قوله: "أمرت": هذه إحدى روايات البخاري، وفي رواية له: "أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -"، و (1) في رواية له: "أمرنا" (2) على البناء للمفعول فيهما. # (أ) قوله: "أعظم" وفي رواية للبخاري: "أعضاء" (¬3): قال ابن دقيق العيد ~~(¬4) سمى كل عضو عظما باعتبار الجملة وإن اشتمل كل واحد على عظام، ويكون من ~~باب تسمية الكل باسم البعض. # وقوله: "على الجبهة"، وأشار إلى أنفه، ولفظ البخاري: "وأشار بيده على ~~أنفه": كأنه ضمن أشار معنى أمر بتشديد الراء فلذلك عداه بعلى ولفظ المحكي ~~هنا هي (ب) في بعض النسخ من رواية كريمة (¬5)، وفي النسائي (¬6) بعد حكاية ~~هذا الحديث: قال ابن طاوس: ووضع يده علي جبهته وأمرها على أنفه، وقال: هذا ~~واجب، فهذه رواية مفسرة قال القرطبي (¬7): وهذا يدل على أن الجبهة الأصل في ~~السجود، والأنف تبع. # وقال ابن دقيق العيد (¬8): قيل معناه أنهما جعلا كعضو واحد وإلا لكانت ~~الأعضاء ثمانية. PageV03P104 # قوله: "واليدين": المراد بهما الكفين، وقد وقع بلفظ "الكفين" في رواية ~~حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عند مسلم (¬1). # وقوله: "وأطراف القدمين": وقع بهذا اللفظ في رواية للبخاري (¬2) عن ابن ~~طاوس، وقع بلفظ آخر: "والرجلين" (¬3)، والرواية الأولى مبينة للمراد، ~~والمراد من هذا أن يجعل قدميه قائمتين على بطون أصابعهما، وعقباه مرتفعان ~~فيستقبل بظهور قدميه القبلة، وقد ورد في حديث أبي حميد في صفة السجود هذا ~~(¬4)، ومن ثم قيل: إنه يندب ضم الأصابع في السجود لأنها لو انفرجت انحرفت ~~رؤوس بعضها عن القبلة. # والحديث فيه دلالة على وجوب السجود على ما ذكر فيه، إذ (أ) الأمر حقيقة ~~في الوجوب وما ms0399 وجب عليه - صلى الله عليه وسلم - وجب على أمته إلا الخاص به ~~- صلى الله عليه وسلم - وقد ذهب إلى هذا العترة وأحد قولي الشافعي (¬5)، ~~وذهب أبو حنيفة واحد قولي الشافعي وأكثر الفقهاء (¬6) إلى أن الواجب الجبهة ~~فقط، قالوا: لقوله في حديث تعليم المسئ صلاته: "ويمكن جبهته"، فكان قرينة ~~على PageV03P105 # حمل الأمر على غير الوجوب، وكذا قوله: "سجد وجهي" ويجاب عنه بأن هذا ~~الاحتجاج يتوقف على تقدم هذا الحديث على تعليم المسئ صلاته ليكون قرينة، ~~وأما لو فرض تأخره ففي هذا زيادة شرع ويمكن أن تتأخر شرعية وجوب ما ذكره ~~فمع جهل التاريخ ترجع العمل بالموجب لزيادة الاحتياط مع احتمال أن يكون قد ~~علمه جميع ما ذكر في هذا الحديث، ونسي الراوي ولم يذكر إلا الجبهة. # ويدل الحديث على وجوب السجود على الأنف، وإشارته إليها عند ذكر الجبهة ~~فيه دلالة على أنهما في حكم العضو الواحد بين ذلك بالفعل، وقد ذهب إلى هذا ~~النخعي وسعيد بن المسيب، وأحمد وإسحاق (¬1). # وأجاب من لم يوجب ذلك بذكر السبعة إذ لو قيل بوجوبهما لكانت الأعضاء ~~ثمانية، ولا يخفى عليك الجواب عنه مما ذكر، وظاهره وجوب السجود على العضو ~~جميعه، ولا يكفي بعض ذلك. # وفي الجبهة يضع منها على الأرض ما أمكنه بدليل "ويمكن جبهته"، وظاهره أنه ~~لا يجب كشف شيء من هذه الأعضاء؛ لأن مسمى السجود يحصل بوصفها (أ) دون ~~كشفها، ولا خلاف أن كشف الركبتين غير واجب لا يحذر من كشف العورة، واختلف ~~في غيرها فذهب الهادي والقاسم والشافعي إلى أنه لا يجب كشف شيء من السبعة، ~~وذهب الناصر والمرتضى وأبو طالب وأحد قولي الشافعي إلى أنه لا يجب في غير ~~الجبهة (¬2). PageV03P106 # واعلم أنه قد ورد في هذا الباب حديث خباب بن الأرت: "شكونا إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - حر الرمضاء في جباهنا وأكفنا فلم يشكنا" (¬1) رواه ~~الحاكم في "الأربعين" له من حديث ابن وهب، ورواه البيهقي أيضا من هذا ~~الوجه، ومن طريق زكريا بن أبي زائدة (¬2)، وأخرجه (أ) مسلم (¬3) بغير ms0400 لفظ: ~~"حر" وبغير لفظ "جباهنا وأكفنا" وهو معار ضبحديث أنس: "فإذا لم يستطع أحدنا ~~أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه" (¬4)، وهو يدل على أنهم عند ~~الحاجة يتقون الحر وعند السعة يباشرون الأرض بجباههم، فيمكن حمل الحديث بأن ~~الشكاية إنما كانت لأجل تأخير الصلاة حتى يبرد الحر لا لأجل السجود على ~~الحائل، إذ لو كان كذلك لأمرهم بالحائل المنفصل كما كان يصلي على الخمرة. # وعلق البخاري (¬5) عن الحسن: "كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يسجدون وأيديهم في ثيابهم، ويسجد الرجل منهم على عمامته"، ووصله البيهقي ~~(¬6) وقال: هذا أصح ما في السجود موقوفا على الصحابة، وأخرج أبو داود في ~~"المراسيل" (¬7): أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا يسجد على ~~جبهته وقد اعتم على جبهته فحسر عن جبهته، وعن عياض بن عبد الله PageV03P107 # قال: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلا يسجد على كور العمامة ~~فأومأ بيده ارفع عمامتك" (¬1). # وقد رويت أحاديث أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يسجد على كور عمامته من ~~حديث ابن عباس، أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (¬2) في (أ) ترجمة إبراهيم بن ~~أدهم، وفي إسناده ضعف، ومن حديث ابن أبي أوفى أخرجه الطبراني في "الأوسط" ~~(¬3) وفيه فائد أبو الورقاء (¬4)، وهو ضعيف، ومن حديث جابر أخرجه ابن عدي ~~في "الكامل" (¬5) وفيه عمرو بن شمر (¬6) وجابر الجعفي (¬7)، وهما متروكان، ~~ومن حديث أنس أخرجه في "علل أبي حاتم" (¬8)، وفيه حسان بن سياه (¬9) وهو ~~ضعيف، وقال أبو حاتم: هذا حديث منكر (¬10)، PageV03P108 # ورواه عبد الرزاق (¬1) عن عبد الله بن محرز عن سليمان بن موسى عن مكحول ~~مرسلا، وعن يزيد بن الأصم أنه سمع أبا هريرة يقول: "كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يسجد على كور عمامته". قال ابن أبي حاتم: هذا حديث باطل (¬2). # وقال البيهقي (¬3) بعد ذكر هذه الأحاديث: أحاديث (أ) كان يسجد على كور ~~عمامته لا يثبت منها شيء يعني مرفوعا، وحكي عن الأوزاعي أنه قال: كانت ~~عمائم القوم صغارا البتة وكان السجود على ms0401 كورها لا يمنع من وصول الجبهة إلى الأرض. # 229 - وعن ابن بحينة -رضي الله عنه- "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا صلى فرج بين يديه حتى يبدو بياض إبطيه". متفق عليه (¬4). # هو عبد الله بن مالك بن بحينة -بضم الباء الموحدة وفتح الحاء المهملة ~~وسكون الياء تحتها نقطتان وبعدها نون- هي أمه، وأبوه (ب): مالك بن القشب ~~الأزدي، وقيل: هي أم أبيه مالك، والأول أصح، وهي بنت الحارث بن عبد المطلب ~~بن عبد مناف بن قصي، مات في ولاية معاوية ما PageV03P109 # بين سنة أربع وخمسين و (أ) ثمان وخمسين (¬1). # قوله: "فرج بين يديه": أي نحي كل يد عن الجنب الذي (ب) تليها. # واختلف ما الحكمة في ذلك؟ فقال القرطبي (¬2): الحكمة في استحباب هذه ~~الهيئة في السجود أنه يخفف بها اعتماده على وجهه، ولا تتأثر أنفه ولا ~~جبهته، ولا يتأذى بملاقاة الأرض، وقال غيره: هو (ج) أشبه بالتواضع وأبلغ في ~~تمكين الجبهة والأنف من الأرض مع مغايرته لهيئة الكسلان. # وقال ابن المنير (¬3): الحكمة في ذلك أن يظهر كل عضو بنفسه ويتميز حتى ~~يكون الإنسان الواحد في سجوده كأنه عدد، ومقتضى هذا أن يستقل كل عضو بنفسه ~~ولا يعتمد بعض الأعضاء على بعض، وقد ورد هذا المعنى مصرحا فيما أخرجه ~~الطبراني (¬4) وغيره من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف أنه قال: "لا تفترش ~~افتراش السبع، واعتمد على راحتيك، وأبد إصبعيك، فإذا فعلت ذلك سجد كل عضو ~~منك". PageV03P110 # وظاهر هذا الحديث وجوب هذه الكيفية، وفي حديث ميمونة أيضا عند مسلم (¬1): ~~"كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجافي بيديه، فلو أن بهيمة أرادت أن تمر ~~لمرت"، ولكنه قد أخرج أبو داود (¬2) ما يدل على أن ذلك مستحب من حديث أبي ~~هريرة: "شكا أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - له مشقة السجود عليهم إذا ~~تفرجوا، فقال: استعينوا بالركب" وترجم له الرخصة (أ) في ذلك، أي في ترك ~~التفريج. # قال ابن عجلان أحد رواته: وذلك أن يضع مرفقيه على ركبتيه إذا أطال ~~السجود. # وفي قوله: "حتى يبدو ms0402 بياض إبطيه": أخذ منه ابن التين أنه لم يكن عليه - ~~صلى الله عليه وسلم - قميص، وتعقب بأنه يجوز أن يكون القميص واسع الكمين ~~فتدرك منهما الإبطان. وقد روي الترمذي في "الشمائل" (¬3) عن أم سلمة أنه ~~كان أحب الثياب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - القميص. # ويحتمل أنه أراد بياض إبطيه لو لم يكن عليهما ساتر وهو بعيد. # [ويحتمل رؤية بياض إبطيه في بعض الحالات وهو إذا لم يكن لابسا القميص، ~~ومع لبسه على ذلك القدر بحيث لولا القميص لرآه الرائي] (ب). PageV03P111 # واستدل بهذا على أنه لم يكن شعر بإبطيه، ولكنه قد حكى المحب الطبري في ~~الاستسقاء من "الأحكام" له أن من خصائصه - صلى الله عليه وسلم - أن إبطه لم ~~يكن متغير اللون بخلاف غيره (¬1). # وظاهر إطلاق هذه الرواية أن التفريج في السجود والركوع، ولكن البخاري ذكر ~~الحديث في المناقب (¬2) وقيده بالسجود، والمطلق يحمل على المقيد. # 230 - وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إذا سجدت فضع كفيك وارفع مرفقيك" رواه مسلم (¬3). # هو أبو عمارة -وقيل: أبو عمرو، (أوقيل أبو عمر أ)، وقيل: أبو الطفيل ~~والأشهر الأول- البراء -بفتح الباء الموحدة والراء (ب) - ابن عازب بن ~~الحارث الأوسي، الأنصاري، الحارثي. أول مشهد شهده الخندق لأنه استصغر قبل ~~ذلك من الشاهد، نزل الكوفة، وافتتح الري سنة أربع وعشرين PageV03P112 # في قول، وشهد مع علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - الجمل وصفين ~~والنهروان، ومات بالكوفة أيام مصعب بن الزبير. روى عنه أبو جحيفة وعبد الله ~~بن يزيد الأنصاري، وبنوه الربيع ويزيد وعبيد، وأبو إسحاق السبيعي بفتح ~~السين (¬1). # الحديث يدل على شرعية هذه الهيئة في الصلاة. وهذا أدب متفق على استحبابه، ~~فلو تركه كان مسيئا مرتكبا لنهي التنزيه، وصلاته صحيحة. # قال العلماء، والحكمة من هذا أنه أشبه بالتواضع، وأبلغ في تمكين الجبهة ~~والأنف من الأرض، وأبعد من هيئات الكسالي، فإن المنبسط يشبه الكلب، ويشعر ~~حاله (أ)، بالتهاون بالصلاة وقلة الاعتناء بها والإقبال عليها، والله أعلم. # وهذا في حق ms0403 الرجل، والمرأة تخالفه في ذلك، فقد أخرج أبو داود في ~~"مراسيله" (¬2) عن يزيد (ب) بن أبي حبيب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مر على امرأتين تصليان فقال: إذا سجدتما فضما بعض اللحم إلى الأرض فإن ~~المرأة ليست في ذلك كالرجل. # قال البيهقي: وهذا المرسل أحسن من موصولين فيه [يعني من حديثين موصولين ~~ضعفهما البيهقي وذكرهما في "سننه الكبرى"] (ج). PageV03P113 # 231 - وعن وائل بن حجر - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان إذا ركع فرج بين أصابعه وإذا سجد ضم أصابعه" رواه الحاكم (¬1). # تفريج الأصابع في الركوع رواه أبو داود من حديث أبي حميد "أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يمسك راحتيه على ركبتيه كالقابض عليهما ويفرج بين أصابعه" (¬2). # وحديث وائل أخرجه أيضا ابن خزيمة وابن حبان. # ولعل الحكمة في الضم في حال السجود لتكون متوجهة إلى سمت القبلة، والله أعلم. # 232 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي متربعا" رواه النسائي، وصححه ابن خزيمة (¬3). PageV03P114 # الحديث أخرجه النسائي من رواية أبي داود الحفري (¬1) وقال: لا أعلم أحدا ~~رواه غيره ولا أحسبه إلا خطأ، وقد رواه ابن خزيمة والبيهقي من طريق محمد بن ~~سعيد بن الأصبهاني بمتابعة أبي داود، فلا خطأ فيه. # وروى البيهقي (¬2) من طريق ابن عيينة عن ابن عجلان عن عامر بن عبد الله ~~بن الزبير عن أبيه: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو هكذا: ~~ووضع يديه على ركبتيه وهو متربع جالس". ورواه البيهقي (¬3) عن حميد، رأيت ~~أنسا يصلي متربعا على فراشه وعلقه البخاري (¬4). # والحديث فيه دلالة على كيفية قعود العليل إذا صلى من قعود، إذ الحديث ~~وارد في ذلك وهو في صلاته - صلى الله عليه وسلم - لما سقط عن (¬5) فرسه ~~فانفكت قدمه فصلى متربعا، والتربع في الجلوس خلاف الإقعاء والجثو (¬6)، وقد ~~ذهب إلى العمل بظاهر الحديث في جلوس المريض الهادوية والإمام يحيى. قالوا: ~~وصفة التربع أن يجعل باطن القدم اليمنى تحت الفخذ اليسرى، وباطن اليسرى تحت ms0404 ~~اليمنى مطمئنا، وكفاه على ركبتيه مفرقا أنامله كالراكع. # وذهب زفر وأحد قولي الشافعي إلى أنه يقعد مفترشا اليسرى ناصبا لليمنى ~~قالوا لأنه قعود العبادة، والتربع إنما هو للعادة، وذهب محمد وعن أبي حنيفة ~~أنه يقعد كيف شاء، إذ هي حالة ضرورية فيوكل إلى رأيه PageV03P115 # وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنه يقعد واضعا ركبته اليسرى على الأرض وينصب ~~اليمنى ويفضي بمقعدته إلى الأرض، وقد عرفت من تفسير معنى التربع لغة ~~احتماله لهذه الأقوال، ولا يجزئ الإقعاء ولا الجثو على هذا، وقال في ~~"البحر" (¬1): إنه لا يجزئ الإقعاء للنهي. # 233 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يقول بين السجدتين "اللهم اغفر لي وارحمني واهدني وعافني وارزقني" رواه ~~الأربعة إلا النسائي واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم (¬2). # ورواه الترمذي بلفظ: "واجبرني" بدل "ارحمني" ولم يقل "وعافني". # وجمع ابن ماجه بين "ارحمني"، و"اجبرني"، ولم يقل "اهدني" ولا "عافني". # وجمع الحاكم بينها (أ) إلا أنه لم يقل "وعافني"، وفيه كامل أبو العلاء ~~وهو مختلف فيه (¬3). PageV03P116 # 234 - وعن مالك بن الحويرث - رضي الله عنه - "أنه رأى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي، فإذا كان في وتر من صلاته لم ينهض حتى يستوي قاعدا" رواه ~~البخاري (¬1). # وفي لفظ للبخارى (¬2) (أفإذا رفع رأسه من السجدة الثانية جلس، واعتمد على ~~الأرض ثم قام" أ)، وللبخاري (¬3) من حديث أبي هريرة في قصة المسئ صلاته: ~~"ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم ارفع حتى تطمئن جالسا"، وفي رواية أخرى له: ~~"حتى تطمئن قائما" (¬4) وهو أشبه. # وأخرج أبو داود (¬5) في وصف أبي حميد الساعدي لصلاة، النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في عشرة من أصحابه، فقال: "ثم أهوي ساجدا، ثم ثنى رجله، وقعد ~~حتى [رجع] (ب) كل عضو في موضعه ثم نهض"، وأخرجه الترمذي (¬6). # ولا التفات إلى إنكار الطحاوي لهذه القعدة في حديث أبي حميد لما PageV03P117 # سمعت من رواية أبي داود والترمذي، وكذلك إنكار النووي (¬1) أن يكون في ~~حديث المسئ صلاته لما سمعت عند البخاري، وهو ذكر ذلك ms0405 في باب الاستئذان، إلا ~~أنه قال عقيب الرواية: قال أبو أسامة في الأخير: "حتى تستوي قائما". ويمكن ~~أن يحمل إن كان محفوظا على الجلوس للتشهد (¬2). انتهى كلامه، فشكك البخاري ~~رواية ابن نمير لمخالفة أبي أسامة بقوله: "إن كان محفوظا"، لكن رواه إسحاق ~~بن راهويه في "مسنده" عن أبي أسامة كما قال ابن نمير بلفظ: "ثم اسجد حتى ~~تطمئن ساجدا، ثم اقعد حتى تطمئن قاعدا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا، ثم اقعد ~~حتى تطمئن قاعدا ثم افعل ذلك في كل ركعة" (¬3)، وأخرجه البيهقي من طريقه ~~كذلك (¬4). # وقد ذهب إلى شرعية قعدة الاستراحة الشافعي على المشهور (¬5)، وعلى غير ~~المشهور عنه لا تسن، وذهب العترة وأبو حنيفة ومالك وأحمد وإسحاق وغير ~~المشهور عن الشافعي أنه لا يقعد في الركعة الثانية للاستراحة، قالوا: لحديث ~~وائل بن حجر وهو أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفع رأسه من PageV03P118 # السجدتين استوى قائما، أخرجه البزار في "مسنده" (¬1) وقد ذكره النووي في ~~"الخلاصة" في فصل الضعيف (¬2)، وبيض له المنذري في الكلام على "المهذب"، ~~وأخرج الطبراني (¬3) عن معاذ في أثناء حديث طويل أنه كان يمكن جبهته وأنفه ~~من الأرض ثم يقوم كأنه السهم، وفي إسناده الخصيب بن جحدر، وقد كذبه شعبة ~~ويحيى القطان، وأخرج أبو داود (¬4) من حديث وائل: "وإذا نهض نهض (أ) على ~~ركبتيه واعتمد على فخذيه". # وروي ابن المنذر (¬5) من حديث النعمان بن أبي عياش قال: "دركت غير واحد ~~من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان إذا رفع رأسه من السجدة في أول ~~ركعة وفي الثالثة قام كما هو ولم يجلس". PageV03P119 # وحديث القعدة يحتمل أن تكون لضعف عرض له، وهذا الاحتمال لا يستقيم ردا ~~على ما ورد في تعليم المسئ صلاته. [وأما قيامه بعد التشهد (أ) الأوسط فذكر ~~في "الهدي النبوي" (¬1) أنه - صلى الله عليه وسلم - كان ينهض مكبرا على ~~صدور قدميه وعلى ركبتيه معتمدا على فخذيه] (ب)، والله أعلم. # 235 - وعن أنس - رضي الله عنه - "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ms0406 - ~~قنت شهرا بعد الركوع يدعو على أحياء من العرب، ثم تركه" متفق عليه (¬2). # ولأحمد والدارقطني نحوه من وجه آخر وزاد: "فأما (ج) في الصبح فلم يزل ~~يقنت حتى فارق الدنيا" (¬3). # وعنه رضي الله عنه: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يقنت إلا ~~إذا دعا لقوم أو دعا على قوم" صححه ابن خزيمة (¬4). # حديث أنس، قد روى مختصرا كما في رواية الصحيحين المتفق عليها، وهي من ~~رواية عاصم الأحول، ولفظه في البخاري قال: سألت أنس بن مالك عن القنوت ~~فقال: قد كان القنوت، قلت: قبل الركوع أو بعده؟ PageV03P120 # قال: قبله، قال: فإن فلانا أخبرني عنك أنك قلت بعد الركوع، فقال: كذب، ~~إنما قنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد الركوع شهرا، أراه كان بعث ~~قوما يقال لهم القراء زهاء سبعين رجلا إلى قوم من المشركين دون أولئك، وكان ~~بينهم وبين رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عهد فقنت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - شهرا يدعو عليهم" (¬1). # ورواية الدارقطني (¬2) هي من حديث عبيد الله (أ) بن موسى عن أبي جعفر ~~الرازي عن الربيع بن أنس عن أنس، ومن طريق عبد الرزاق (¬3) وأبي نعيم (¬4) ~~عن أبي جعفر مختصرا، وأحمد رواه عن عبد الرزاق (¬5)، ورواه أيضا البيهقي ~~(¬6) من حديث عبد الله بن موسى وأبي نعيم (ب)، وصححه الحاكم في كتاب ~~"القنوت". # وأبو جعفر الرازي (¬7) قال أحمد: ليس بالقوي، وقال ابن معين: ثقة لكنه ~~يخطئ ولكنه قد وجد (ج) لهذا شاهد من رواية الحسن بن سفيان عن جعفر بن مهران ~~عن عبد الوارث عن عمرو عن الحسن عن أنس قال: "صليت مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلم يزل يقنت في صلاة الغذاة حتى فارقته، PageV03P121 # وخلف أبي بكر كذلك، وخلف عمر كذلك (¬1). # وقد ضعفت هذه الطريق بعمرو بن عبيد (¬2). # ويعارض هذا ما رواه الخطيب من طريق قيس بن الربيع عن عاصم بن سليمان قال: ~~قلت لأنس: إن قوما يزعمون أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يزل يقنت في ~~الفجر، ms0407 فقال: كذبوا إنما قنت شهرا واحدا يدعو على أحياء من أحياء المشركين. # وقيس (¬3) وإن كان ضعيفا لكنه لم يتهم بكذب، وحديث ابن خزيمة (¬4) من ~~طريق سعيد عن (أ) قتادة عن أنس، فهذه الروايات عن أنس مضطربة كما ترى، وقد ~~روى البيهقي (¬5) عن عبد الرحمن بن مهدي بسند صحيح الجمع بين روايات أنس ~~المضطربة بأن المنفي هو الدعاء على الكفار في القنوت، وهذا هو المؤقت ~~بالشهر، والمستمر هو مطلق الدعاء وقال في "الهدي النبوي" (¬6): أحاديث أنس ~~كلها صحاح يصدق بعضها بعضا ولا PageV03P122 # تناقض، والقنوت الذي ذكره قبل الركوع غير الذي ذكره بعده، والذي وقته غير ~~الذي أطلقه، فالذي ذكره قبل الركوع هو إطالة القيام للقراءة الذي قال فيه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل الصلاة (أ) طول القيام" (¬1)، والذي ~~ذكره بعده هو إطالة القيام للدعاء، ففعله شهرا يدعو على قوم ويدعوا لقوم ~~(ب)، ثم استمر يطيل هذا الذكر للدعاء والثناء إلى أن فارق الدنيا كما في ~~"الصحيحين" عن ثابت عن أنس قال: "إني لا آلو أن أصلي لكم صلاة كما كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بنا، فكان أنس يصنع شيئا لا أراكم ~~تصنعوه، كان إذا رفع رأسه من الركوع انتصب قائما حتى يقول القائل: قد نسى ~~وإذا رفع رأسه من السجدة مكث حتى يقول القائل: قد نسى" (¬2) فهذا هو القنوت ~~الذي ما زال عليه حتى فارق الدنيا ومعلوم أنه لم يكن يسكت في مثل هذا ~~الوقوف الطويل، بل كان يثني على ربه ويمجده ويدعوه، وهذا هو غير القنوت ~~المؤقت لشهر (ج) فإن ذلك دعاء على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان، ودعاء ~~للمستضعفين الذين كانوا بمكة، وأما تخصيص هذا بالفجر فبحسب سؤال السائل، ~~فإنه إنما سأله عن قنوت الفجر فأجابه عما سأله عنه، وأيضا فإنه كان يطيل ~~صلاة الفجر دون سائر الصلوات، إلا أنه صار في لسان الفقهاء وأكثر الناس أن ~~القنوت هو الدعاء بقول "اللهم اهدني .. " إلخ فحصل الوهم في قوله إنه لم ~~يزل (د) يقنت إلا PageV03P123 # أنه ms0408 حافظ على هذا الدعاء فحصل الخلاف في أن هذا هل هو ثابت أم لا؟ ويدل ~~على أن هذا مراد (أ) أنس ما رواه سلمان بن حارث ثنا أبو هلال ثنا حنظلة ~~إمام مسجد قتادة -قلت: هو السدوسي- قال: اختلفت أنا وقتادة في القنوت في ~~صلاة الصبح، فقال قتادة: قبل الركوع، وقلت أنا: بعد الركوع. فأتينا أنس بن ~~مالك فذكرنا له ذلك فقال: "أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة ~~الفجر فكبر وركع ورفع رأسه ثم سجد ثم قام في الثانية فكبر وركع ثم رفع رأسه ~~وقام ساعة ثم وقع ساجدا" (¬1) فبين هذا أن مراده بالقنوت هو القيام بعد ~~الركوع فاتفقت أحاديثه كلها، وبالله التوفيق (¬2). انتهى. # وقد صحح الحاكم حديث ابن أبي فديك عن عبد الله بن سعيد القبري عن أبيه عن ~~أبي هريرة قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من ~~الركوع من صلاة الصبح في الركعة الثانية، يرفع يديه فيدعو بهذا الدعاء: ~~"اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي ~~فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت (ب، إنك (ج) تقضي ولا يقضى عليك ب) إنه لا يذل ~~من واليت، تباركت ربنا وتعاليت" (¬3) ولكن عبد الله ضعيف لا تقوم بحديثه ~~حجة (¬4)، وروى الطبراني في "الأوسط" (¬5) من PageV03P124 # حديث بريدة نحوه، وفي إسناده مقال أيضا. # وقد صح من حديث أبي هريرة أنه قال: "والله لأنا أقربكم صلاة برسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -"، فكان أبو هريرة يقنت في الركعة الأخيرة من صلاة ~~الصبح، بعد ما يقول سمع الله لمن حمده، فيدعو للمؤمنين، ويلعن الكافرين ~~(¬1)، فهو (أ) يقوي ذلك. # ومن تأمل هذه الروايات علم أن له أصلا في الجملة، وأنه ثابت عند حدوث ~~نازلة وموسع في شأنه عند غيرها غير حتم، وهو غير واجب إجماعا، وذهب جماعة ~~من السلف والخلف إلى أنه مسنون، منهم علي وأبو بكر وعمر وعثمان، وهو مذهب ~~الهادي والقاسم وزيد بن علي والناصر والمؤيد والشافعي ومالك والنخعي وابن ~~أبي ليلى والحسن ms0409 بن صالح (¬2) وروي عن العبادلة (¬3) وأبي الدرداء، وإليه ~~ذهب أبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه منهي عنه في الفجر. # 236 - وعن سعد (ب) بن طارق الأشجعي قال: قلت: لأبي يا أبت إنك قد صليت ~~خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر وعثمان وعلى أفكانوا ~~(ج) PageV03P125 # يقنتون في الفجر؟ قال (أ): أي بني محدث. رواه الخمسة إلا أبا داود (¬1). # الحديث إسناده حسن، وهو معارض بما أخرجه البيهقي (¬2) من طريق العوام بن ~~حمزة قال: سألت أبا عثمان عن القنوت في الصبح، فقال: بعد الركوع، فقلت عمن؟ ~~فقال: عن أبي بكر وعمر وعثمان. # ومن طريق قتادة (¬3) عن الحسن عن أبي رافع أن عمر كان يقنت في الصبح، ومن ~~طريق حماد (¬4) عن إبراهيم عن الأسود قال: "صليت خلف عمر في الحضر والسفر ~~فما كان يقنت إلا في صلاة الفجر". # وروي أيضا (¬5) بسند صحيح عن عبد الله بن معقل عن مقرن المزني قال: قنت ~~على - رضي الله عنه - في الفجر. # ورواه الشافعي أيضا. PageV03P126 # ومما عرفت في الحديث الأول يمكن الجمع بين هذا بالتوسعة في الأمر، وأنه ~~قد فعل ذلك وترك. والله أعلم. # 237 - وعن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - قال: علمني رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كلمات أقولهن في قنوت الوتر. # اللهم اهدني فيمن (أ) هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك ~~لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذل من ~~واليت تباركت ربنا وتعاليت" رواه الخمسة (¬1). # وزاد الطبراني: والبيهقي: "ولا يعز من عاديت" (¬2). # زاد النسائي من وجه آخر في آخره: "وصلى الله على النبي" (¬3). PageV03P127 # وللبيهقي عن ابن عباس - رضي الله عنه -: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يعلمنا دعاء ندعو به في القنوت في صلاة الصبح"، وفي سنده ضعف (¬1). # الحديث في قوله "قنوت الوتر" هذه تفرد بها أبو إسحاق عن يزيد بن أبي مريم ~~وتبعه ابناه يونس وإسرائيل. كذا قال ابن خزيمة وابن حبان، وقد رواه شعبة ~~فلم يذكر فيه ms0410 القنوت ولا الوتر، وإنما قال: كان يعلمنا هذا الدعاء، وهو ~~أحفظ، وكذا رواه الدولابي في "الذرية الطاهرة" والطبراني في "الكبير" (¬2) ~~من طريق الحسن بن عبد الله عن يزيد بن أبي مريم عن أبي الجوزاء أنه قال: ~~"وكلمات علمنيهن ... ". فذكرهن. # قال يزيد: فدخلت على محمد بن علي في الشعب فحدثته، فقال: "صدق أبو ~~الجوزاء، هن كلمات علمناهن نقولهن في القنوت". # وقد رواه البيهقي من طريق قال في بعضها: قال يزيد بن أبي مريم فذكر ذلك ~~لابن الحنفية فقال: "إنه للدعاء الذي كان أبي يدعو به في صلاة الفجر". # ورواه البيهقي (¬3) من طريق أخرى عن يزيد بن أبي مريم: سمعت ابن الحنفية ~~وابن عباس يقولان: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقنت في صلاة الصبح ~~وفي وتر الليل بهؤلاء الكلمات" [وفي إسناده عبد الرحمن بن هرمز يحتاج إلى PageV03P128 # الكشف عن حاله (¬1) (أ) (ب). # وروي من طريق أخرى عن ابن جريج (¬2) بلفظ: "فعلمنا دعاء ندعو به في ~~القنوت في صلاة". # ورواه مخلد (ج) بن زيد عن ابن جريج فقال (د): في قنوت الوتر. # وقوله: وفي إسناده ضعف لما عرفت من المقال في عبد الرحمن بن هرمز، وقد ~~وقع شك في هذا الحديث في الحسن أو الحسين (¬3)، وأحمد بن حنبل أخرجه في ~~"المسند" (¬4) عن الحسين من غير تردد، والتردد وقع من أبي إسحاق، والأصح ~~أنه من رواية الحسن كما في رواية يونس عن يزيد ابن أبي مريم، ورواية شعبة ~~عنه (¬5). PageV03P129 # قال المصنف -رحمه الله تعالى- (¬1): وقد وقع لنا عاليا متصلا بالسماع، ~~وساق إسناده إلى الحسن بن علي قال: "علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كلمات أقولهن في قنوت الوتر، اللهم اهدني .. " الحديث. # والحديث فيه دلالة على شرعية القنوت في الوتر، وهو مجمع عليه في النصف ~~الأخير من رمضان، وذهب العترة وأبو حنيفة وأحمد والتبريزي من أصحاب ~~الشافعي، وكذا في غيره، وذهب الشافعي ومالك إلى أنه لا يشرع إلا فيه إذ كان ~~أبي لا يقنت في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان، وكان عمر ms0411 يلعن الكفرة ~~في الوتر في النصف الأخير من رمضان، والجواب ثبوت ذلك في الأحاديث، والعمل ~~بها هو الواجب والله أعلم (¬2). # 238 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا سجد أحدكم، فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه" ~~أخرجه الثلاثة (¬3). PageV03P130 # وهو أقوى من حديث وائل: "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سجد وضع ~~ركبتيه قبل يديه"، أخرجه الأربعة (¬1) فإن للأول شاهدا، من حديث ابن عمر ~~(¬2) صححه ابن خزيمة وذكره البخاري، معلقا موقوفا (¬3). # حديث أبي هريرة: أخرجه أصحاب السنن، وقد علله البخاري والترمذي ~~والدارقطني قال البخاري (¬4): محمد بن عبد الله لا يتابع عليه، وقال: لا ~~أدري سمع من أبي الزناد أم لا (¬5)، وقال الترمذي (¬6): غريب لا نعرفه من ~~حديث أبي الزناد إلا من هذا الوجه. PageV03P131 # وقال الدارقطني: تفرد به (¬1) الدراوردي عن محمد بن عبد الله بن الحسن ~~العلوي عن أبي الزناد وقد ذكر النسائي عن قتيبة: ثنا عبد الله بن نافع عن ~~محمد بن عبد الله بن حسن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "يعمد (أ) أحدكم في صلاته فيبرك كما يبرك الجمل" ولم يزد. # وقال ابن أبي داود: ثنا يوسف بن عدي ثنا فضيل عن عبد الله بن سعيد عن جده ~~عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سجد بدأ بركبتيه قبل ~~يديه" (¬2). # وقوله: "وهو أقوى .. " إلخ (¬3): الشاهد الذي علقه البخاري قول البخاري ~~قال نافع: "كان ابن عمر يضع يديه قبل ركبتيه" (¬4)، وأخرج أصبغ بن الفرج عن ~~الدراوردي عن عبد الله عن نافع عن ابن عمر أنه كان يضع يديه قبل ركبتيه ~~ويقول: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعل ذلك" رواه الحاكم في ~~"المستدرك" (¬5) من طريق محمد بن سلمة عن الدراوردي، وقال: على شرط مسلم. # وأخرج ابن خزيمة في "صحيحه" (¬6) من حديث مصعب بن سعد عن PageV03P132 # أبيه قال: "كنا نضع اليدين قبل الركبتين، فأمرنا بالركبتين قبل اليدين". ms0412 # وحديث وائل أخرجه أصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة وابن السكن في صحاحهم ~~من طريق شريك عن عاصم عن كليب عن أبيه، قال البخاري والترمذي وابن أبي داود ~~والبيهقي (¬1): تفرد به شريك، قال البيهقي (¬2): وإنما تابعه همام بن عاصم ~~(أعن أبيه مرسلا. # وقال الترمذي: رواه همام عن عاصم أ) مرسلا. # وقال الحازمي (¬3): رواية من أرسله أصح، وقد تعقب على الترمذي بأن هماما ~~رواه عن شقيق عن عاصم عن أبيه مرسلا، ورواه همام أيضا عن محمد بن جحادة عن ~~عبد الجبار بن وائل عن أبيه موصولا، وهذه الطريق في "سنن أبي داود" (¬4) ~~إلا أن عبد الجبار لم يسمع من أبيه (¬5). # وله شاهد من طريق حفص بن غياث عن عاصم الأحول عن أنس قال: "رأيت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - انحط بالتكبير حتى سبقت ركبتاه يديه". أخرجه ~~الدارقطني والحاكم والبيهقي (¬6)، وقال الحاكم: هو على شرطهما، قال PageV03P133 # البيهقي: تفرد به العلاء بن العطار، والعلاء مجهول (¬1). والحديث فيه ~~دلالة على الهيئة المذكورة بتقديم اليدين على الركبتين عند الانحطاط للسجود ~~وظاهر الحديث الوجوب، للنهي بقوله: "فلا يبرك"، والأمر بقوله: "وليضع"، ~~والظاهر أنه لم يقل به أحد فتعين حمل ذلك على الندب، ولعله قد يجعل حديث ~~تعليم المسئ صلاته قرينة على ذلك. # واختلفت أقوال السلف والخلف في العمل، فذهب العترة ورواية عن مالك (¬2) ~~والأوزاعي إلى العمل بحديث أبي هريرة حتى قال الأوزاعي (¬3): أدركنا الناس ~~يضعون أيديهم قبل ركبهم. # وقال ابن أبي داود (أ) (¬4) هو قول أصحاب الحديث، وذهب الحنفية والشافعية ~~(¬5) ورواية عن مالك إلى العمل بحديث وائل بن حجر، وهو مروي عن عمر أخرجه ~~عبد الرزاق (¬6) وعن ابن مسعود، أخرجه الطحاوي (¬7)، وقال به إبراهيم ~~النخعي ومسلم بن يسار والثوري وأحمد وإسحاق وأهل الكوفة. # وروي عن مالك وأحمد (¬8) التخيير، وهو قول الناصر ورواية عن مالك. PageV03P134 # وقال النووي (¬1): لا يظهر ترجيح أحد المذهبين على الآخر، احتج أهل القول ~~الأول بحديث أبي هريرة ورجح على حديث وائل بما ذكره المصنف (¬2)، واحتج أهل ~~القول الثاني بحديث وائل، وأجابوا عن حديث ms0413 أبي هريرة بأنه مضطرب إذ قد روى ~~عنه الأمران وادعى بعض المحققين (¬3) بأن فيه قلبا من الراوي في قوله: ~~"وليضع يديه قبل ركبتيه" بأن "وليضع ركبتيه قبل يديه" قال: ويدل عليه أول ~~الحديث وهو قوله "فلا يبرك كما يبرك البعير" فإن المعروف من بروك البعير هو ~~تقديم اليدين على الرجلين، وقد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - الأمر ~~بمخالفة سائر الحيوانات في هيئات الصلاة فنهى عن التفات كالتفات الثعلب، ~~وافتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع ~~الأيدي كأذناب خيل شمس. # وتأويل أهل القول الثاني بأن البعير يبرك على ركبتي يديه مردود (¬4) بأن ~~ذلك غير متعارف، وإن الركب إنما هي في الأرجل لا في اليد وبعضهم أجاب ~~بالقول بالنسخ، وفي الحديث الذي أخرجه ابن خزيمة (¬5) دلالة على PageV03P135 # ذلك، وحديث وائل له شاهد وإن كان في إسناده المقال الذي عرفت لكنه لا ~~يزيد على المقال الذي في حديث أبي هريرة، وفي تمام حديث وائل: "وإذا نهض ~~-أي من السجدة الثانية أو الأولى- رفع يديه قبل ركبتيه" أخرجه أبو داود ~~والبيهقي (¬1). # وقد استدل بهذا أحمد بن حنبل على أنه (¬2) إذا نهض للقيام بعد سجدتيه نهض ~~على صدور قدميه معتمدا على ركبتيه بيديه رافعا يديه قبل ركبتيه، قال القاضي ~~(¬3) في (أ) أصحابه: إنه لا يختلف (ب) قوله: إنه لا يعتمد على الأرض سواء ~~قلنا يجلس للاستراحة أو لا يجلس، وجاء في لفظ في "سنن أبي داود" (¬4) لحديث ~~وائل: "إذا نهض على ركبتيه واعتمد "أي بيديه على فخذيه. وذهب (ج) الهادوية ~~إلى أن من هيئة القيام أن يقدم رفع ركبتيه ويعتمد بيديه على الأرض، وقال ~~الفقيه على الوشلي من الهادوية: إنه إذا قعد للاستراحة فسدت الصلاة لأنها ~~زيادة ركن، وقال الفقيه يحيى: لا تفسد، وهو المفهوم من كلام شرح القاضي ~~زيد، والله أعلم. # 239 - وعن ابن عمر - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~"كان إذا PageV03P136 # قعد للتشهد، وضع يده اليسرى على ركبته اليسرى، واليمنى على اليمنى، وعقد ~~ثلاثا ms0414 وخمسين، وأشار بإصبعه السبابة". رواه مسلم (¬1). # وفي رواية له: "وقبض أصابعه كلها وأشار بالتي تلي الإبهام" (¬2). # وضع اليد على الركبتين وارد في هذه الرواية، وللطبراني في "الأوسط": "كان ~~إذا جلس في الصلاة للتشهد نصب يديه على ركبتيه". # وفي رواية للدارقطني (¬3): "وضع يده اليمنى على فخذه اليمنى، وألقم كفه ~~اليسرى ركبته. والمراد بالإلقام هو عطف (أ) الأصابع على الركبة. # وفي الحديث دلالة على استحباب وضع اليدين على الركبتين (¬4)، وهو مجمع ~~عليه، وقد ذهب إلى عطف أصابع اليسرى على الركبة بعضهم عملا بالرواية ~~المذكورة، وكأن الحكمة في هذه الهيئة منع اليد من العبث. # وقوله: "وعقد ثلاثا وخمسين": وصورة عقد ذلك عند أهل الحساب: أن يضع طرف ~~الخنصر على البنصر، وليس ذلك مرادا، بل المراد أنه يضع الخنصر على الراحة ~~ويكون على الصورة التي يسميها الحساب تسعة وخمسين، ولعله في الحديث تقدير ~~لفظ قريبا من ثلاثة وخمسين. PageV03P137 # وقوله: "وقبض أصابعه كلها .. " إلخ: تحمل الروايتان على أنه فعلهما في وقتين. # وقوله: "وأشار بالتي تلي الإبهام" فيدل على استحباب ذلك، ويشير عند قوله ~~"إلا الله" من الشهادة بمسبحته اليمنى لا غير، موجهة إلى القبلة، وينوي ~~بالإشارة (أ) التوحيد، والإخلاص لله، ولذلك "نهى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من أشار بإصبعين وقال له: أحد" (¬1)، وفي حديث وائل بن حجر (¬2): ~~أنه يحرك إصبعه ولا يشير بها وهي ساكنة. # وعارضه حديث ابن الزبير عند أبي داود: "أنه يشير بإصبعه إذا دعا ولا ~~يحركها" (¬3) ولكن رواية وائل مثبتة وهذه نافية (¬4)، مع أن مسلما لم يذكر ~~في روايته هذه الزيادة. وقد ذكر حديث وائل أبو حاتم في "صحيحه". # 240 - وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "التفت إلينا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله ~~والصلاة والطيبات، السلام عليك أيها النبي، ورحمة الله وبركاته، السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ~~وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم ليتخير من الدعاء PageV03P138 # أعجبه إليه فيدعو" ms0415 متفق عليه، واللفظ للبخاري (¬1). # وللنسائي: "كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد" (¬2). # ولأحمد (¬3): "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمه التشهد وأمره أن ~~يعلمه الناس". # ولمسلم عن ابن عباس - رضي الله عنه -: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يعلمنا التشهد، التحيات المباركات، الصلوات الطيبات لله .. إلى ~~آخره" (¬4). # حديث ابن مسعود متفق على صحته وثبوته، وأكثر الروايات فيه بتعريف السلام ~~في الموضعين، ووقع في رواية للنسائي بتنكير: "سلام (أ) علينا" (¬5)، وفي ~~رواية للطبراني (¬6): "سلام عليكم"، بالتنكير. قال PageV03P139 # الترمذي (¬1): وهو أصح حديث روي في التشهد، والعمل عليه عند أكثر أهل العلم. # وقال (أ) البزار (¬2): أصح حديث في التشهد عندي حديث ابن مسعود روي عنه ~~من نيف وعشرين طريقا، ولا نعلم روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~التشهد أثبت منه ولا أصح (ب) إسنادا، ولا أشهر رجالا ولا أشد تضافرا لكثرة ~~الأسانيد والطرق. # وقال مسلم: إنما أجمع الناس على تشهد ابن مسعود لأن أصحابه لا يخالف ~~بعضهم بعضا، وغيره قد اختلف أصحابه. # وقال محمد بن يحيى الذهلي: هو أصح ما روي في التشهد. # وحديث النسائي وقوله: "قبل أن يفرض علينا": أخرجه من طريق ابن عيينة قال ~~ابن عبد البر في "الاستذكار": تفرد ابن عيينة بذلك (¬3)، وأخرج مثله ~~الدارقطني، والبيهقي وصححاه (¬4). # وحديث ابن عباس (¬5): أخرجه مسلم والشافعي والترمذي والدارقطني وابن ماجه ~~من طريق طاوس عنه بلفظ: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعلمنا ~~التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن" ووقع في رواية الشافعي (¬6) تنكير ~~السلام في PageV03P140 # الموضعين، وكذا عند الترمذي وأما رواية مسلم فهي بالتعريف فيهما، وكذا ~~إحدى روايتي الدارقطني، وفي "صحيح ابن حبان" تعريف الأول وتنكير الثاني، ~~وعكسه الطبراني (¬1). وقد روى حديث التشهد ستة وعشرون صحابيا بألفاظ مختلفة ~~(¬2)، فقد روي من حديث ابن مسعود وابن عباس وجابر وأبي موسى وعائشة وسمرة ~~بن جندب وعلى وابن الزبير ومعاوية وسليمان وأبي حميد وعن أبي بكر موقوفا ~~ومرفوعا، وعن عمر كذلك، وابن عمر والحسين بن علي وطلحة بن عبد الله وأنس ~~وأبي ms0416 هريرة وأبي سعيد والفضل بن عباس وأم سلمة وحذيفة والمطلب بن ربيعة ~~وابن أبي أوفى هي مختلفة، فبعضها صحيح وبعضها حسن وبعضها ضعيف (¬3). # والحديث فيه دلالة على وجوب التشهد لقوله: "فليقل"، ولمواظبته - صلى الله ~~عليه وسلم - على ذلك وقد قال "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬4). # وقد ذهب إلى وجوبه عمر وابن مسعود والهادي والقاسم وأبو حنيفة وأحد قولي ~~الشافعي (¬5)، وذهب علي - رضي الله عنه - والثوري ومالك (¬6) إلى أنه غير ~~واجب، قالوا لقوله تعالى: {اركعوا واسجدوا} ولعدم تعليمه المسئ صلاته. # وأجيب بأنه ورد بصيغة الأمر في السنة، وظاهره الوجوب، ورده بعض PageV03P141 # المالكية بأن (أ) التسبيح في الركوع والسجود كذلك وردا بصيغة الأمر ولم ~~يجبا، وأجيب بأن الإجماع هنا صرف الأمر عن الوجوب إلى الندب، وفيه نظر فإنه ~~لا إجماع على عدم وجوبه. إذ قد (ب) قال بوجوبه أحمد (¬1) وغيره من أهل ~~الظاهر. # واختلفوا في الواجب من ألفاظ التشهد فنقل الطحاوي عن بعض العلماء القول ~~بوجوب تشهد عمر - رضي الله عنه - قالوا: لأن عمر علمه الناس على المنبر ولم ~~ينكر عليه (¬2)، [ولفظه نحو تشهد ابن عباس، إلا أنه قال "الزاكيات" بدل ~~"المباركات"، وفيه زيادة "ليسم الله في أوله"، وقد ضعفت الزيادة (¬3) ورجح ~~الحافظ عدمها (ج). # وذهب جماعة من محدثي الشافعية كابن المنذر إلى اختيار تشهد ابن مسعود، ~~وذهب ابن خزيمة وغيره إلى عدم الترجيح، ونقل جماعة من PageV03P142 # العلماء الاتفاق على جواز التشهد بكل ما ثبت، وقال الإمام المهدي في ~~"البحر" (¬1). والأفضل الأخذ بأحد المأثور (أ) عن علي وزيد بن علي وابن ~~مسعود، والمعروف عند الحنفية أنه واجب (¬2) غير فرض، وقالا الشافعي: هو ~~فرض، لكن قال: لو لم يزد رجل على قوله: "التحيات لله سلام عليك أيها النبي ~~.. " إلخ كرهت له ذلك ولم أر عليه إعادة الصلاة، هذا لفظه في "الأم" (¬3)، ~~وقال الشافعي (¬4) بعد أن أخرج حديث ابن عباس: رويت أحاديث في التشهد ~~مختلفة فكان هذا أحب إلى لأنه أكملها، وقال في موضع آخر لما سئل عن اختياره ~~تشهد ابن عباس: لما رأيته واسعا ms0417 وسمعته عن ابن عباس صحيحا (¬5) كان عندي ~~أجمع وأكثر لفظا من غيره، فأخذت به غير معنف لمن يأخذ بغيره مما صح، ورجحه ~~بعضهم لكونه مناسبا للفظ القرآن في قوله: {تحية من عند الله مباركة طيبة} (¬6). # * شرح ألفاظ التشهد: التحيات: جمع تحية، ومعناها السلام، وقيل: النقاء، ~~وقيل: العظمة، وقيل: السلامة من الآفات والنقص، وقيل: الملك، وقيل: الكلام ~~الذي يحيا به الملك. # وقال ابن قتيبة: لم يكن يحيا إلا الملك، وكان لكل ملك تحية تخصه PageV03P143 # فلهذا جمعت فكان المعنى: التحيات التي كان يعظم بها الملوك المستحق لها ~~هو الله، والمعنى أنواع التعظيم له. # والصلوات: قيل: المراد الخمس، أو ما هو أعم من ذلك من الفرض والنفل ~~والعبادات كلها أو الدعوات كلها أو الرحمة. # وقيل: التحيات: العبادات القولية، والصلوات: العبادات الفعلية والطيبات: ~~العبادات المالية. # والطيباب: أي ما طاب من الكلام، وحسن أن يثني به على الله، أو ذكر الله، ~~أو الأقوال الصالحة، أو الأعمال الصالحة، أو ما هو أعم من ذلك وطيبها كونها ~~كاملة خالصة عن الشوائب. # والتحيات: مبتدأ خبره "لله"، والصلوات والطيبات عطف على المبتدأ، أو أن ~~الصلوات مبتدأ والخبر محذوف. والطيبات معطوف عليها، أو يقدر لها خبر أيضا ~~ويكون من عطف الجمل، ورجح ابن مالك هذا الأخير قال: لأن على رواية حذف ~~الواو "الصلوات" صفة للتحيات، ولو عطف عليه عطف الصفة على موصوفها. # وقوله: "السلام عليك" بإثبات اللام في جميع روايات حديث ابن مسعود، ~~واللام فيه (أ) إما للعهد، والمعنى: السلام الذي يوجه إلى الرسل والأنبياء ~~عليك، وكذلك السلام الذي وجه إلى الأمم السالفة علينا، أو أنه للإشارة (ب) ~~إلى السلام الذي عين في قوله: {وسلام على عباده الذين PageV03P144 # اصطفى} (¬1) (أأو للجنس، والمعنى: إن حقيقة السلام الذي يعرفه كل أحد أ)، ~~وأفردوه - صلى الله عليه وسلم - بالذكر لشرفه ومزيد حقه عليهم، ثم خصصوا ~~أنفسهم ثم عمموا السلام على الصالحين للإعلام بأن الدعاء للمؤمنين ينبغي أن ~~يكون شاملا لهم. # والسلام بمعنى السلامة كالمقام بمعنى المقامة، أو أنه من أسماء الله ~~تعالى بمعنى ms0418 المسلم، أو المعني أنه سالم من كل عيب وآفة ونقص وفساد ويكون ~~المعنى على الأول: السلامة من المكاره عليك وعلينا، وعلى الثاني: أي اسم ~~السلام عليك، كأنه برك عليه بالاسم، ولا يقال أنه يلزم خطابه - عليه السلام ~~-، وهو منهي عن الخطاب في الصلاة لأن ذلك مخصوص به، وخوطب به - صلى الله ~~عليه وسلم - وأن كان المقام بالنسبة إلينا (ب هو مقام الغيبة، ففي حياته - ~~صلى الله عليه وسلم - لمن علمهم الأمر ظاهر، بالنسبة (ج) إلينا ب) من وجهة ~~أن المصلين لما استفتحوا باب الملكوت بالتحيات أذن لهم بالدخول في حرم الحي ~~الذي لا يموت، فقرت أعينهم بالمناجاة فنبهوا على أن ذلك بواسطة نبي الرحمة ~~وبركة متابعته، فالتفتوا فإذا الحبيب حاضر، فأقبلوا عليه قائلين: السلام ~~عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته (د) كما ذكره الطيبي. # وقد ورد في حديث ابن مسعود وفي "صحيح البخاري" (¬2) في باب PageV03P145 # الاستئذان بعد أن ساق حديث التشهد قال: "وهو بين ظهرانينا، فلما قبض ~~قلنا: السلام يعني (أ) على النبي"، وأخرجه أبو عوانة وغيره (¬1) إلى أبي ~~نعيم شيخ البخاري بلفظ: "فلما قبض قلنا: السلام على النبي" وأخرج عبد ~~الرزاق (¬2) أن الصحابة لما مات النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا: ~~السلام على النبي، وهو بإسناد صحيح. # وقد روي (ب) عن ابن مسعود (¬3) بإسناد ضعيف أنه لما قال له ابن عباس: ~~إنما كنا نقول: السلام عليك أيها النبي إذا كان حيا، قال ابن مسعود: "هكذا ~~علمنا، وهكذا نعلم" ولكن العمل على الأول. # وذكر هنا بلفظ النبي ليجمع له بين وصفي النبوة والرسالة في أول التشهد ~~وآخره، وقدم وصف النبوة لأنها كذلك تقدمت في الخارج. # وقوله: "ورحمة الله": أي إحسانه (¬4)، "وبركاته" أي زيادته من كل خير. # وقوله: "السلام علينا": فيه دلالة على استحباب تقديم النفس في الدعاء، ~~وفي الحديث أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ذكر أحدا فدعا له بدأ ~~بنفسه، وكذا PageV03P146 # حكى (أ) الله تعالى عن نوح وإبراهيم عليهما السلام. # وقوله: "عباد الله الصالحين" (¬1): الأشهر في تفسير الصالح ms0419 أنه القائم ~~(ب) بما يجب عليه من حقوق الله تعالى وحقوق عباده، وتتفاوت درجاته، وهذا ~~لفظ شامل للملائكة والأنبياء ومن عداهم. # وقوله: "أشهد أن لا إله إلا الله": زاد ابن أبي شيبة من رواية أبي عبيدة ~~(¬2) عن أبيه: "وحده لا شريك له" (¬3) وسنده ضعيف، لكن ثبتت هذه الزيادة في ~~(ج) حديث أبي موسى عند مسلم (¬4)، وفي حديث عائشة الموقوف في "الموطأ" ~~(¬5)، وفي حديث ابن عمر عند الدارقطني (¬6)، "إلا (د أن سنده ضعيف وفي "سنن ~~أبي داود" قال ابن عمر: "زدت فيها وحده لا شريك له" د)، وظاهره الوقف. PageV03P147 # وقوله: (أ) "وأشهد أن محمدا عبده ورسوله": لم تختلف الطرق عن ابن مسعود ~~في هذا اللفظ، وفي حديث ابن عباس عند مسلم: "وأشهد أن محمدا رسول الله"، ~~ومنهم من حذف (ب): "وأشهد"، ورواه ابن ماجه (¬1) بلفظ ابن مسعود. # وقوله: "ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه": زاد أبو داود: "فيدعو به" (¬2) ~~ونحوه. للنسائي (¬3) من وجه آخر بلفظ: "فليدع به"، ولإسحاق بن عيسى عن ~~الأعمش "ثم ليتخير من الدعاء ما أحب"، وفي رواية منصور عند البخاري في ~~الدعوات (¬4): "من الثناء ما شاء"، وفي مسلم: (¬5) من المسألة. # ويستدل به على جواز الدعاء في الصلاة (ج لما اختار المصلي من أمر الدنيا ~~والآخرة بل ويدل على وجوب الدعاء، فإن التخيير بين أفراد المدعو به لا ~~يقتضي عدم وجوب أصل الدعاء، وقد ذهب إلى هذا أبو هريرة فإنه أمر ابنه ~~بإعادة الصلاة ج) لما لم يتعوذ من الأربع التي سيأتي ذكرها (¬6)، وبه قال ~~بعض أهل الظاهر، وقال ابن حزم (¬7): ويجب أيضا في التشهد الأول، PageV03P148 # وقال ابن المنذر: لولا قوله: "ليتخير" لقلت بوجوب الاستعاذة، وقد عرفت ~~أنه لا مأخذ له. # وحمل من لم يقل بالوجوب الأمر على الندب (أ)، ويحتاج إلى دليل، وادعى ~~بعضهم الإجماع على عدم الوجوب، وقد عرفت ما فيه. # وقال ابن بطال: خالف في ذلك النخعي وطاوس وأبو حنيفة فقال: لا يدعو في ~~الصلاة إلا بما يوجد في القرآن (¬1)، وبعضهم روى الخلاف بأنه لا يدعو ms0420 إلا ~~بما كان مأثورا. # وقال ابن سيرين: لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الآخرة. # وقال بعض الشافعية: لا يدعو بما يفتح من أمور الدنيا، وبعضهم (¬2) لا ~~يخرج إلى أوصاف المسؤول، بأن يذكر مثلا زوجة ويصفها بأوصافها. # وأخرج سعيد بن منصور من حديث ابن مسعود: "يعلمنا (ب) التشهد في الصلاة" ~~يعني ابن مسعود ثم يقول: "إذا فرغ أحدكم من التشهد فليقل: اللهم إني أسألك ~~من الخير كله ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله ما اعلمت منه ~~وما لم أعلم، اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبادك الصالحون، وأعوذ بك من ~~شر ما استعاذ منه عبادك PageV03P149 # الصالحون، {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة} .. الآية (¬1) ~~قال: ويقول "ولم يدع نبي ولا صالح بشيء إلا دخل في هذا الدعاء". # فائدة: قال الرافعي: المنقول أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول ~~في تشهده: "أشهد أني رسول الله". قال في "المقاصد" (¬2): قال شيخنا في ~~تلخيص تخريجه: ولا أصل لذلك كذلك، بل ألفاظ التشهد متواترة عنه - صلى الله ~~عليه وسلم - وأنه كان يقول: "أشهد أن محمدا رسول الله وعبده ورسوله" (أ). ~~وللأربعة (¬3) من حديث ابن مسعود في خطبة الحاجة: "وأشهد أن محمدا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - نعم (ب) في البخاري عن سلمة بن الأكوع: "لما ~~جفت أزواد القوم" فذكر الحديث في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ~~قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" (¬4) وله شاهد عند مسلم. # 241 - وعن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - قال: "سمع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - رجلا يدعو في صلاته، لم يمجد الله تعالى، ولم يصل على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: عجل هذا، ثم دعاه فقال: إذا صلى أحدكم ~~فليبدأ بتحميد ربه والثناء عليه، ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ثم يدعو بما شاء" رواه أحمد، والثلاثة. وصححه الترمذي، وابن حبان، والحاكم ~~(¬5). PageV03P150 # هو أبو محمد فضالة (¬1) -بفتح الفاء وبالضاد المعجمة- وعبيد ms0421 -بضم العين ~~المهملة- ابن نافذ -بالنون والفاء والذال المعجمة- الأنصاري العمري الأوسي، ~~أول مشاهده أحد، ثم شهد ما بعدها، وبايع تحت الشجرة، ثم انتقل إلى الشام، ~~وسكن دمشق، وقضى بها لمعاوية زمن (أ) خروجه إلى صفين، ومات بها في عهد ~~معاوية، وقيل مات سنة تسع وستين، وقيل سنة ثلاث وخمسين، وهو أصح: روي عنه ~~ميسرة مولاة، وإسماعيل بن عبد الله وحنش السبائي. # الحديث فيه دلالة على وجوب ما ذكر من التمجيد (ب) والثناء والصلاة على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم الدعاء بما شاء، وهو موافق في المعنى ~~لتشهد ابن مسعود وغيره. فإن ذلك متضمن للتمجيد (ج) والثناء، وهذا مجمل، ~~وذلك مبين للمراد. # وسيأتي الكلام في الصلاة فيما بعده. # وفي قوله: "عجل": دلالة على أن المسألة ينبغي أن تقدمها الوسيلة، وأن ذلك ~~من حق السائل أن يتلطف في نيل ما أراده، ويقدم بين يدي مسألته ما يكون فيه ~~استعطاف المسؤول ليكون أدخل في قضاء بغيته، لإدراك أمنيته. PageV03P151 # 242 - وعن أبي مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال بشير بن سعد يا ~~رسول الله: "أمرنا الله أن نصلي عليك فكيف نصلي عليك؟ ". # فسكت، ثم قال: "قولوا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على ~~إبراهيم [وعلى آل إبراهيم] (أ) وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على ~~آل إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد. والسلام كما علمتم" رواه مسلم (¬1). # وزاد ابن خزيمة فيه "فكيف نصلي عليك إذا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ " (¬2). # هو أبو مسعود عقبة بن عمرو بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي البدري النجاري شهد ~~العقبة الثانية، وكان أصغر من شهدها، ولم يشهد بدرا عند PageV03P152 # جمهور العلماء بالسير وقيل: إنه شهدها، والأول أصح وإنما نسب إلى ماء بدر ~~لأنه نزله فنسب إليه، سكن الكوفة، ومات في خلافة علي بن أبي طالب وقيل: في ~~سنة إحدى أو اثنتين وأربعين. روى عنه ابنه بشير وعبد الله بن زيد الأنصاري ~~ومحمد بن عبد الله بن زيد وعمرو بن ميمون وأبو وائل شقيق بن ms0422 سلمة (¬1). # وبشير بن سعد (¬2) هو أبو النعمان (أ) بشير بن سعد بن ثعلبة الأنصاري ~~الخزرجي، والد النعمان بن بشير، شهد العقبة وبدرا والمشاهد بعدها، ويقال: ~~إنه أول من بايع أبا بكر الصديق يوم السقيفة من الأنصار. روى عنه ابنه ~~النعمان، وجابر بن عبد الله، عداده في أهل المدينة، قتل مع خالد بن الوليد ~~بعين التمر في خلافة أبي بكر. # والحديث أخرجه أبو داود والنسائي. # وزيادة ابن خزيمة أخرجها أيضا ابن حبان والدارقطني والحاكم. # وفي الباب عن أبي سعيد رواه البخاري (¬3)، وعن طلحة رواه النسائي (¬4)، ~~وعن سهل بن سعد رواه الطبراني (¬5)، وعن زيد بن خارجة رواه أحمد والنسائي ~~(¬6) وعن كعب بن عجرة متفق عليه (¬7) وعن أبي حميد الساعدي متفق عليه أيضا ~~(¬8). PageV03P153 # والحديث فيه دلالة على وجوب الصلاة عليه على جهة الإطلاق بصيغة الأمر وهو ~~"قولوا"، وهي ظاهرة في الوجوب فقال الأكثر: إنها تجب في العمر مرة واحدة ~~(¬1)، وقيل: تجب كلما ذكر، واختاره الطحاوي (¬2) من الحنفية، والحليمي من ~~الشافعية، وقيل: تجب في الصلاة فقط وقد ذهب إلى هذا جماعة من السلف والأئمة ~~والشافعي وإسحاق (¬3)، والقول بأن الشافعي مسبوق بالإجماع على عدم وجوبها ~~غير صحيح (¬4)، ويحتج على وجوبها على جهة الإطلاق بقوله تعالى: {صلوا عليه} ~~(¬5) وهو أمر مطلق يقتضي الوجوب في الجملة ويحصل الامتثال بحصول فرد، ~~والقائل بوجوبها على جهة التخصيص لا بد له من دليل خاص ينضم إلى ذلك، ~~فالقائل بوجوبها كلما ذكر فهو لقوله - صلى الله عليه وسلم -: البخيل من ~~ذكرت عنده فلم يصل علي" (¬6) وقوله: "رغم أنف من ذكرت عنده فلم يصل" (¬7) PageV03P154 # فوصفه بالبخيل يقتضي أنه ترك إخراج ما يجب إخراجه، والموجب لها في الصلاة ~~يتم له ذلك بإنضمام الرواية الأخرى وهي قوله: "إذا نحن صلينا عليك في ~~صلاتنا ... " وقد أخرجها أبو حاتم وابن خزيمة في "صحيحيهما"، ومن لم يوجبها ~~في الصلاة يحتج عليه بتعليم ابن مسعود وابن عباس التشهد وتعليم عمر الناس ~~وهو على المنبر، وتعليم المسيء صلاته، ويجاب عن ذلك بأن هذا مثبت والمثبت مقدم. # ويدل الحديث أيضا ms0423 على وجوب الصلاة (¬1) على الآل، وقد قال به الهادي ~~والقاسم وأحمد بن حنبل وبعض أصحاب الشافعي، وذهب الناصر والشافعي وأبو ~~حنيفة وأصحابه إلي أنها سنة فقط، وادعى النووي (¬2) وغيره الإجماع على ذلك، ~~قالوا: وهو قرينة على حمل الأمر على الندب دون الوجوب. وقال في "البحر" ~~(¬3): قياسا على الأذان [يعني أنه ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم ~~يذكر معه الآل] (أ). # قلنا: لا قياس مع النص. # وأما تمام الصلاة فقوله: "كما صليت" إلى آخره فسنة لا حتم. # قال في "البحر" (¬4): إذ لا دليل على الوجوب، ويقال عليه: بل الدليل ~~قائم، وهو ما احتج به على وجوبها على الآل وهو ذكر ذلك في هذا الحديث، وقد ~~ذهب إلى وجوب ذلك بعض أصحاب الشافعي (¬5) في أحد احتمالين. PageV03P155 # والآل قيل: هم بنو هاشم، وذهب إليه الإمام يحيى، وذهب الشافعي إلى أنهم ~~بنو هاشم وبنو المطلب (أ). # وذهب الأزهري وغيره من المحققين -[وذهب جماعة من أئمة أهل البيت إلى أنهم ~~ذريته، وقد تقدم الكلام فيه] (¬1) (ب) قال النووي: وهو أظهرها- أنهم أهل ~~دينه لقوله تعالى: {أدخلوا آل فرعون أشد العذاب} (¬2). # وقيل: إنه ذاته، ونسب إلى الحسن البصري لأنه كان يقول: "اللهم صل على ~~محمد"، ولا يذكر آله ويتركه إلا والمراد به (ج) ذاته. # وقد اشتهر سؤال وارد على هذا وهو أن قوله "كما صليت" للتشبيه، والمشبه ~~دون المشبه به، ويجاب عن ذلك بأن التشبيه لا يقتضي ذلك لازما فإن الغرض منه ~~قد يكون لبيان حال المشبه كما في تشبيه ثوب بآخر في السواد فإنه قد يكون ~~المشبه في هذه الحال أقوى، وكذا في بيان المقدار فإن المشبه قد يكون مساويا ~~للمشبه به، وهذا يكون من الأول، فإنه لما قد (د) علم وشاع عن جميع أهل ~~الملل في الأعصار المتعاقبة والأوقات الحالية (ه) ما اختص به إبراهيم وآله ~~عليه أفضل الصلوات (و) والسلام من الخصائص PageV03P156 # الرحمانية والمقامات العالية، وتسليم ملائكة الرحمن وترحمهم عليه وعلى ~~آله فقيل: هذه الصلاة على محمد وآله لها الحد العلي من التعظيم ms0424 والترحم ~~الذي قد عهد وسلف مع إبراهيم وآله، فهو غير منظور فيها إلى جانب زيادة أو ~~نقص، وإنما المقصود أن لها من نوع الإجلال والتعظيم الحظ الأوفر كما فعل في ~~حق إبراهيم، واشتهر من تقرر (أ) تعظيمه واختصاصه بشرائف التكريم (ب) هذا ما ~~يظهر لي في الجواب عن السؤال، وقد أجيب (ج) بخمسة أجوبة: # أولها: أن التشبيه وقع لأصل الصلاة بأصل الصلاة لا القدر بالقدر. # الثاني: أن التشبيه وقع في الصلاة على الآل لا على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # الثالث: المشبه مجموع (د) الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بمجموع الصلاة على إبراهيم وآله وفي آل إبراهيم معظم الأنبياء. # الرابع: أن هذه الصلاة متكررة في حق النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنظر ~~إلى كل مصل، فباعتبار مجموع الأفراد هي أعظم وأوفر أضعافا مضاعفة، وإن كان ~~باعتبار الفرد هي مساوية أو ناقصة. # الخامس: أن السؤال في الصلاة إنما هو زائد على القدر الذي قد كان ثبت له ~~- صلى الله عليه وسلم -، وانضم إليه ما سألناه من الصلاة المساوية أو ناقصة ~~فبانضمامه (ه) إلى ما قد ثبت في جانب (و) نبينا - صلى الله عليه وسلم - ~~أعظم قدرا وأوفر أفرادا. # والعالمين: جمع عالم. PageV03P157 # [وقوله (أ): "بارك"، البركة: الزيادة والنماء من الخير] (ب)، وفي تحقيق ~~معناه خلاف. # وقوله: "إنك حميد": صيغة مبالغة فعيل بمعنى مفعول يستوي فيه المذكر ~~والمؤنث، أي: محمود بمحامدك اللائقة بعظمتك بلسان المقال والحال والمعنى ~~أنك مستحق لجميع المحامد، وهو تعليل لطلب الصلاة منه لأنك محمود ومن جملة ~~محامدك إفاضتك أنواع العنايات ومزيد البركات على من فعل الحسنى وتقرب إليك ~~بامتثال ما أمرته (ج) وندبت إليه. # ويحتمل أن يكون "حميد" فعيل بمعنى فاعل أي أنك حامد لمن يستحق أن يحمد ~~ومن حمدك لمحمد وآله إظهار شرفه والثناء عليه باستجابة دعاء من دعاك ~~بإعطائه ذلك وهذا أنسب هنا. # ومجيد: مبالغة ماجد، والمجد الشرف. # وفي قوله: "والسلام كما علمتم": بفتح العين وكسر اللام المخففة، ومنهم من ~~رواه بضم العين وتشديد اللام ms0425 والمفعول الثاني محذوف أي علمتموه، والمعنى أن ~~صفة السلام كما علمتم في التشهد وهو السلام عليكم" (د). # 243 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: اللهم إني أعوذ ~~بك من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر PageV03P158 # فتنة المسيح الدجال". متفق عليه (¬1). # وفي رواية مسلم: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الأخير" (¬2). # الحديث فيه دلالة على شرعية الاستعاذة المذكورة بعد التشهد، وإطلاق ~~الرواية الأولى يدل على (أ) "أنها في التشهدين (¬3)، وأفرط ابن حزم (¬4) ~~فقال بوجوبها في التشهد الأول أيضا، ولكن الرواية التي لمسلم مبينة لما ~~أطلق في هذا بأن ذلك في التشهد الأخير وأن محلها بعد التشهد قبل الدعاء ~~بدلالة التعقيب بالفاء للتشهد، فيكون الدعاء المتخير بعدها وقبل السلام، ~~وهذه الاستعاذة ظاهر الأمر وجوبها، وقد ذهب إلى ذلك بعض أهل الظاهر، ويروى ~~عن طاوس (¬5) ما يدل على ذلك فإن من رواية عبد الرزاق بإسناد صحيح أنه سأل ~~ابنه (ب): هل قالها بعد التشهد؟ فقال: لا، فأمره أن يعيد الصلاة، وادعى ~~بعضهم الإجماع على أن ذلك مندوب، ولا يصح مع ما قد عرفت. PageV03P159 # وفي قوله: "فليستعذ بالله" يدل على أنه يأتي من الألفاظ بما (ب) يفيد ~~ذلك، وقد اقتصر على ذلك في رواية البخاري، ولكنه قد بين ذلك في رواية مسلم ~~بقوله: "فليقل: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم" إلخ. # وقوله: "من عذاب القبر" فيه دلالة على ثبوت ذلك خلافا لمن أنكره من ~~المعتزلة والأحاديث متضافرة على ثبوته (¬1). وقوله: "فتنة المحيا": قيل: ~~أراد بفتنة المحيا: ما يعرض للإنسان مدة حياته من الافتتان بالدنيا ~~والشهوات والجهالات، وأعظمها -والعياذ بالله- أمر الخاتمة عند الموت، وقيل: ~~هي الابتلاء مع زوال الصبر، وفتنة الممات قيل: أريد بها (ج) الفتنة عند ~~الموت أضيفت إليه لقربها منه. # ويجوز أن يراد بها فتنة القبر، وقيل: أراد بها السؤال مع الحيرة. # وقد أخرج البخاري من حديث أسماء (¬2) "إنكم تفتنون في قبوركم ms0426 مثل -أو ~~قريبا من- فتنة الدجال" ولا يكون متكررا على هذا من عذاب القبر لأن العذاب ~~مرتب على ذلك. وقد أخرج الحكيم الترمذي في "نوادر PageV03P160 # الأصول" (¬1) أن الميت إذا سئل: من ربك؟ تراءى له الشيطان فيشير إلى ~~نفسه، أي (أ) أنا ربك، فلهذا ورد سؤال التثبيت له حين يسأل. # ثم أخرج بسند جيد إلى عمرو بن مرة: "كانوا يستحبون إذا وضع الميت في قبره ~~أن يقولوا: اللهم أعذه من الشيطان". # وقوله: "فتنة المسيح الدجال": قال (ب) أهل اللغة: الفتنة: الامتحان ~~والاختبار، وقد يطلق على القتل والإحراق والتهمة وغير ذلك، والمسيح: بفتح ~~الميم وتخفيف السين المهملة (ج) المكسورة وآخره حاء مهملة ويطلق (د) على ~~الدجال وعلى عيسى لكن إذا أريد الدجال قيد، وقال أبو داود في "السنن": ~~المسيح مثقل الدجال، ومخفف عيسى (¬2). # وقد نقل الفربري (¬3) أن التشديد والتخفيف ثابت ويطلق على عيسى - عليه ~~السلام - وعلى الدجال. # وقال الجوهري: من قاله بالتخفيف فلمسحه الأرض، وبالتشديد فلكونه ممسوح ~~العين وهذا في الدجال، وقد حكي عن بعضهم أنه بالخاء المعجمة، PageV03P161 # ونسب إلى التصحيف. # وقيل في تلقيب الدجال بذلك لأنه ممسوح العين، وقيل: لأن أحد شقي وجهه خلق ~~(أ) ممسوحا عين فيه، ولا حاجب، وقيل: لأنه يمسح الأرض إذا خرج، وأما عيسى ~~فقيل: سمي بذلك لأنه خرج من بطن أمه ممسوحا بالدهن، وقيل: لأن زكريا مسحه ~~وقيل: لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، وقيل: لأنه مسح الأرض بسياحته، ~~وقيل: لأن رجله كانت لا أخمص لها، وقيل: هو بالعبرانية ماسحا فعرب السيح ~~وذكر الشيرازي صاحب "القاموس" أنه جمع في سبب تسميه عيسى بذلك خمسين قولا ~~أوردها في "المشارق" (¬1) وقيل: المسيح الصديق (¬2). # 244 - وعن أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أنه قال لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: علمني دعاء أدعو به في صلاتي فقال: قل اللهم إني ظلمت ~~نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني ~~إنك أنت الغفور الرحيم" متفق عليه (¬3). # الحديث فيه دلالة على شرعية هذا الدعاء ms0427 في الصلاة على الإطلاق من دون ~~تعيين محل له، ولعله يختار بعد التشهد لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"فليتخير من PageV03P162 # الدعاء" (¬1) وأشار البخاري (¬2) إلى هذا بإيراد باب ما يتخير من الدعاء ~~بعد التشهد بعد ذكر هذا الحديث. # وقوله: "ظلمت نفسي"، أي بملابسته (أ) ما يوجب العقوبة أو ينقص الحظ، وفيه ~~دلالة على أن الإنسان لا يعرى عن تقصير ولو كان صديقا. # وقوله: "ولا يغفر الذنوب إلا أنت": فيه إقرار بالوحدانية، واستجلاب ~~للمغفرة كقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} (¬3) .. الآية. # وقوله: "ولا يغفر الذنوب إلا أنت": فيه إقرار بالوحدانية، واستجلاب ~~للمغفرة كقوله تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم} .. الآية. # وقوله: "مغفرة من عندك": تنكير "مغفرة" فيه إشعار بأنها مغفرة عظيمة لا ~~يدرك كنهها، ووصفها بأنها من عنده سبحانه لتعظيمها، لأن ما يكون من عند ~~الله لا يحيط به وصف، أو أن تنكيرها للنوعية، والمعنى مغفرة يتفضل بها لا ~~يقتضيها سبب من العبد من عمل حسن ولا غيره. # وقوله: "إنك أنت الغفور الرحيم": هما صفتان ذكرتا ختما للكلام على جهة ~~المقابلة لما تقدم، فالغفور مقابل لقوله: "اغفر لي"، والرحيم مقابل لقوله ~~"ارحمني". # وفي الحديث من الفوائد أيضا استحباب طلب التعليم من العالم خصوصا في ~~الدعوات المطلوب فيها جوامع الكلم. PageV03P163 # 245 - وعن وائل بن حجر -رضي الله عنه- قال: "صليت مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فكان يسلم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وعن ~~شماله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته". رواه أبو داود بإسناد صحيح (¬1). # (أ) الحديث أخرجه أبو داود من رواية علقمة بن وائل عن أبيه، والمصنف رحمه ~~الله نسبه في التلخيص (¬2) (ب) إلى عبد الجبار بن وائل، قال: ولم يسمع من ~~أبيه، وليس كذلك كما عرفت. # وقد روى الحديث في التسليمتين جميعا خمسة عشر صحابيا هم: عبد الله بن ~~مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وسهل بن سعد الساعدي، ووائل بن حجر، وأبو موسى ~~الأشعري، وحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر، وعبد الله بن عمر، وجابر ms0428 بن ~~سمرة، والبراء بن عازب، وأبو مالك الأشعري، وطلق بن علي، وأوس بن أوس (ج)، ~~وأبو رمثة، وعدي بن PageV03P164 # عميرة، والمغيرة بن شعبة، وواثلة بن الأسقع، ويعقوب بن الحصين (¬1) أخرجت ~~أحاديثهم بأسانيد مختلفة، منها صحيح ومنها حسن ومنها ضعيف ومنها متروك ~~ولكنها بدون زيادة: "وبركاته" إلا رواية ابن مسعود عند ابن ماجه (¬2). # وعند أبي داود من رواية وائل كما ذكره المصنف فلا يسمع قول ابن الصلاح ~~(¬3) أن هذه الزيادة ليست في شيء من كتب الحديث إلا في رواية وائل بن حجر. # الحديث فيه دلالة أن التسليم كان عادة النبي (أ) - صلى الله عليه وسلم - ~~في الصلاة، تسليمتين باللفظ المذكور، وظاهره يقتضي الوجوب، لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬4)، ولقوله: "تحريمها ~~التكبير وتحليلها التسليم" (¬5). PageV03P165 # أخرجه أصحاب السنن بسند صحيح، وقد ذهب إلى وجوبه أكثر العترة (¬1) ~~والشافعي ونسبه النووي (¬2) إلى جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم. # وذهب أبو حنيفة (¬3) والناصر إلى أنه سنة، وتوقف البخاري في ذلك فبوب على ~~ذلك في الصحيح بباب التسليم ولم يبين (أ) حكمه (¬4) وكأنه لم يقو له الدليل ~~على وجوبه، وحجتهما على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمرو ~~(ب) "إذا رفع الإمام رأسه من السجدة وقعد ثم أحدث قبل أن يسلم فقد تمت ~~صلاته" (¬5)، فدل (ج) على أن التسليم ليس بركن واجب، وإلا لوجب الإعادة مع ~~الحدث قبل تأديته، كما أنه إذا أحدث قبل إكمال (د) السجود وجب عليه ~~الإعادة، ولحديث تعليم المسيء صلاته، ولقوله: {اركعوا واسجدوا} (¬6) فلا ~~يجب ما عداهما إلا بدليل موجب، وفعله - صلى الله عليه وسلم - بيان للأكمل. PageV03P166 # ويجاب عنه بأن حديث ابن عمرو ضعيف باتفاق الحفاظ (¬1)، وحديث (أ) التعليم ~~والآية الكريمة لا ينافيان الوجوب لغيرهما للزيادة، وهي مقبولة، وكون فعله ~~بيانا للأكمل غير مسلم لأن الظاهر الوجوب إلا فيما دل دليل خاص على عدم ~~وجوبه لكون فعله بيانا لما أجمل في آية الصلاة. # ودل الحديث على أن التسليم على اليمين واليسار، وقد ذهب إلى وجوب ms0429 ذلك ~~الهادي والقاسم وزيد بن علي وأحمد والحسن بن صالح لحديث الباب وغيره (¬2). ~~وذهب الشافعي (¬3) إلى أن الواجب تسليمة واحدة والثانية مسنونة، قال النووي ~~(¬4) أجمع العلماء (ب) الذين يعتد بهم على أنه لا يجب إلا تسليمة، فإن سلم ~~واحدة استحب له أن يسلمها تلقاء وجهه، وإن سلم تسليمتين جعل الأولي عن ~~يمينه، والثانية عن يساره. ولعل حجة الشافعي في وجوب واحدة حديث عائشة: ~~"كان يسلم تسليمة واحدة، السلام عليكم يرفع بها صوته حتى يوقظنا" (¬5)، وهو ~~معلول (¬6). وأخرج ابن حبان في "صحيحه" من حديثها: "كان إذا أوتر أوتر بتسع PageV03P167 # ركعات لم يقعد إلا في الثامنة، فيحمد الله ويذكره ثم يدعو ثم ينهض ولا ~~يسلم، ثم يصلي التاسعة فيجلس ويذكر الله ويدعوه ثم يسلم تسليمة، ثم يصلي ~~ركعتين وهو جالس" (¬1)، وإسناده على شرط مسلم. # ويجاب عنه بأنه لا يعارض حجة القول الأول للزيادة، والقول بالإجماع غير ~~صحيح مع ما عرفت من الخلاف. # وذهب مالك (¬2) إلى أن المسنون: تسليمة واحدة فقط لحديث عائشة المذكور ~~وحديث سعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان يسلم في الصلاة تسليمة ~~واحدة". # قال ابن عبد البر (¬3): وهو وهم، فإن المحفوظ من حديث سعد (أ) قال: "رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم عن يمينه وعن شماله، حتى كأني أنظر ~~إلى صفحة جهة خده" (¬4). # قال: وقد روي مثل هذا من حديثا أنس (¬5) وهو التسليم مرة واحدة. # ولكنه من طريق أيوب السختياني عن أنس، وهو لم يسمع من أنس عندهم PageV03P168 # شيئا، وقد روي مرسلا عن الحسن (¬1) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا ~~بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة. # قال: وليس مع القائلين بالتسليمة الواحدة غير عمل أهل المدينة، قالوا: ~~وهو عمل (أ) قد توارثوه كابرا عن كابر، ومثله يصح الاحتجاج به لوقوعه في كل ~~يوم مرارا، وأنت خبير بأن هذا لا يتم إلا على القول بحجية عمل أهل المدينة، ~~وقد دل على بطلانه في علم الأصول (¬2). # وذهب عبد الله بن موسى بن جعفر (¬3) إلى أنه يسلم ثلاث ms0430 تسليمات: يمينا ~~وشمالا وتلقاء وجهه جمعا بين الروايات، وقيل: واحدة في المسجد الصغير مع ~~قلة الأصوات، وإلا فاثنتان يمينا وشمالا جمعا بين الروايات. # وحديث الباب يدل على أنه تشرع زيادة: "بركاته"، ولم أر من قال بوجوب ذلك ~~إلا ما روي عن الإمام يحيى أنه قال: فإن زاد وبركاته ورضوانه وكرامته أجزأ، ~~إذ هو زيادة فضيلة، هذا قوله (¬4)، وقد عرفت أن هذه الزيادة لم ترد في ~~رواية وإنما الوارد (ب) "وبركاته" فقط. # فالحديث (ج) يدل على أن تلك من لفظ السلام المعتبر في الصلاة إن لم يقم ~~إجماع بخلافه، والله أعلم. PageV03P169 # وفي قوله: "عن يمينه وعن شماله": إنه يقول ذلك منحرفا إلى جهة اليمين ~~والشمال وحد الانحراف أن يرى من خلفه بياض خده كما في حديث سعد: "حتى كأني ~~أنظر إلى صفحة خده". # 246 - وعن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه- "أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ~~له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا ~~معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد" متفق عليه (¬1). # قوله: "دبر" بضم الدال وهو المشهور في اللغة، والمعروف في الروايات، وقال ~~أبو عمرو في كتابه "اليواقيت": دبر كل شيء بفتح الدال آخر أوقاته، من ~~الصلاة وغيرها قال: هذا هو المعروف في اللغة، ويقال لجارحة بالضم. # وقال ابن الأعرابي: هو بضم الدال لآخر أوقات الشيء، ولم يذكر الجوهري ~~وغيره غير الضم، وفي "القاموس" (¬2): الدبر بالضم وبضمتين نقيض القبل، ومن ~~كل شيء عقبه ومؤخره، وقال في الدبر: محركة الدال والباء بالفتح الصلاة في ~~آخر وقتها، وتسكن الباء ولا تقل بضمتين فإنه من لحن المحدثين، انتهى. فهو ~~يفهم أنه قد استعمل بالفتح في معنى آخر وقت الشيء، ولكنه غير مناسب في ~~الحديث هنا. PageV03P170 # وقوله: "له الملك وله الحمد": زاد الطبراني (¬1) من طريق أخرى عن ~~المغيرة: "يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير" ورواته موثقون، وثبت ms0431 ~~مثله عن البزار من حديث عبد الرحمن بن عوف بسند صحيح (¬2) لكن في القول: ~~إذا أصبح وإذا أمسى. # وقوله: "اللهم لا مانع لما أعطيت": يعني أن من قضيت له برزق فلا مانع من ~~وصوله إليه، ولا معطي لما منعت من قضيت له بحرمان فلا معطي له. # وقوله: "و (أ) لا ينفع ذا الجد منك الجد": وهو بفتح الجيم، قال الخطابي ~~(¬3): الجد: الغنى، ويقال: الحظ، وقال البخاري (¬4) في تفسيره عن الحسن: ~~الجد: الغنى، وقع في رواية كريمة: قال الحسن: الجد، غناؤه، [فالمعنى (ب): ~~لا ينفعه ولا ينجيه حظه في الدنيا بالمال والولد أو (ج) العظمة والسلطان، ~~وإنما ينجيه فضلك ورحمتك] (د). # ومنك قال الخطابي: هي بمعنى بدل، قال الشاعر: PageV03P171 # فليت لنا من ماء زمزم شربة # أي بدل ماء زمزم، وفي الصحاح (¬1)، بمعنى عند، أي لا ينفع ذا الغنى ~~غناؤه، إنما ينفعه العمل الصالح. # وقال ابن دقيق العيد (¬2): ينفع مضمن معنى: يمنع، وما قاربه (أفيتعلق منك به أ). # وقال القرطبي (¬3): حكى عن أبي (ب) عمرو أنه روى الجد بالكسر وقال: لا ~~ينفع ذا الاجتهاد اجتهاده، وأنكره الطبري، ووجه الإنكار أن الاجتهاد في ~~العبادة نافع لأن الله قد دعا إلى ذلك ووعد عليه الأجر، وقيل: إنه لا يكون ~~نافعا إلا إذا قرنه القبول، وهو فضل من الله ورحمة على وفق قوله: "لا يدخل ~~أحد منكم الجنة بعمله" (¬4). # والحديث يدل على استحباب هذا الذكر عقيب الصلاة لا اشتمل عليه من ألفاظ ~~التوحيد، ونسبة الأمر كله إلى الله تعالى والمنع والإعطاء وتمام القدرة. # فائدة: وقد ورد زيادة: "ولا راد لما قضيت"، وهي في مسند عبد ابن (ج) حميد ~~من رواية معمر عن عبد اللك بن عمير بهذا الإسناد لكن PageV03P172 # حذف قوله: "ولا معطي لما منعت"، ووقع عند الطبراني تاما من وجه (¬1). # 247 - وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- "أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يتعوذ بهن دبر كل صلاة. اللهم إني أعوذ بك من البخل، وأعوذ بك ~~من الجبن، وأعوذ بك من ms0432 أن أرد إلى أرذل العمر، وأعوذ بك من فتنة الدنيا، ~~وأعوذ بك من عذاب القبر" رواه البخاري (¬2). # البخل: بضم الخاء الموحدة وإسكان المعجمة. والبخل بضمهما (أ)، وكجبل ولحم ~~وعنق ضد الكرم، ولعل المقصود منه هنا هو منع ما يجب إخراجه من المال شرعا ~~أو عادة. # والجبن: بضم الجيم وسكون الباء ولضمها أيضا: المهابة للأشياء والتأخر عن ~~فعلها، يقال: منه جبان كسحاب لمن قام به المعنى، والمتعوذ منه هو التأخر عن ~~الإقدام بالنفس إلى الجهاد الواجب، والرد إلى أرذل العمر هو أن يبلغ إلى ~~الهرم والخرف حتى يعود كهيئته الأولى في أوان الطفولة ضعيف البنية، سخيف ~~العقل، قليل الفهم. # وفتنة الدنيا: هي الافتتان بزخارفها وشهواتها حتى يلهى عن القيام بأداء ~~ما خلق له العبد من العبادة، وهذا (ب) هو المطابق لقوله تعالى: {إنما PageV03P173 # أموالكم وأولادكم فتنة} (¬1) ويصح أن يراد بها ما تقدم في فتنة المحيا. # وأما عذاب القبر فقد تقدم الكلام فيه واختصاص هذه المذكورات بالاستعاذة ~~منها إذ غالب الهلاك للإنسان بسببها، نعوذ بالله من ذلك. # 248 - وعن ثوبان -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا انصرف من صلاته، استغفر الله ثلاثا وقال: اللهم أنت السلام ومنك ~~السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". رواه مسلم (¬2). # قوله: "انصرف من صلاته" أي سلم منها، وفي الاستغفار بعد الصلاة إشارة إلى ~~ما يحصل للعبد فيها من الوسوسة والخواطر، وأنه لا يفي بالحق الواجب عليه ~~فيشرع له الاستغفار عن التقصير، وأن الإنسان لما يقض ما أمره. # 249 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، قال: "من سبح الله دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين، وحمد الله ثلاثا وثلاثين، ~~وكبر الله ثلاثا وثلاثين فتلك تسع وتسعون، وقال تمام المائة: لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت ~~خطاياه ولو كانت مثل زبد البحر". رواه مسلم (¬3). PageV03P174 # وفي رواية لمسلم أخرى أن التكبير أربع وثلاثون (¬1). # وهي زيادة من ثقة فينبغي ms0433 الجمع بين الروايات لينال الفضل. # 250 - وعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "أوصيك يا معاذ: لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك ~~وشكرك وحسن عبادتك". # رواه أحمد وأبو داود والنسائي بسند قوي (¬2). # قوله: "لا تدعن" نهي من ودع كوضع بمعنى ترك، وقد هجر استعمال ماضيه ~~استغناء عنه بترك (¬3)، وقد استعمل في الشعر، وقرئ قوله تعالى شاذا: (ما ~~ودعك) (¬4) وهي قراءة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو نهي إرشاد، ~~ويحتمل أن يكون للتحريم خصوطا في حقه، وسؤاله لهذه الثلاث الخصال لشرفها، ~~واستلزامها لجميع الخيرات والبركات في الدنيا والآخرة ولا يكمل PageV03P175 # فعل ذلك إلا بإعانة الله وتيسيره العبد للخير، كما أردف العبادة ~~بالاستعانة في فاتحة الكتاب الكريم. # 251 - وعن أبي أمامة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا ~~الموت". رواه النسائي، وصححه ابن حبان. # وزاد فيه الطبراني: و {قل هو الله أحد} (¬1). # هو أبو أمامة أياس بن ثعلبة الحارثي الأنصاري من بني حارثة بن الحارث بن ~~الخزرج، وقيل: اسمه ثعلبة، وقيل: سهل، وقيل: عبد الله. # قال ابن عبد البر (¬2): و (أ) لا يصح فيه غير إياس بن ثعلبة ولم يسمه ~~البخاري، ولا سماه مسلم في "كتاب الكنى" (¬3) لم يشهد بدرا لأنه أقام يمرض ~~أمه بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - روي عنه ابنه عبد الله ومحمود بن ~~لبيد، وعبد الله بن كعب بن مالك (¬4). # الحديث قد ورد نحوه من حديث علي -رضي الله عنه- بزيادة: "ومن قرأها حين ~~يأخذ مضجعه أمنه الله على داره ودار جاره وأهل دويرات حوله". رواه البيهقي ~~في "شعب الإيمان" وقال: إسناده ضعيف (¬5). PageV03P176 # وقوله: "لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت": هو على تقدير مضاف محذوف، ~~والمعنى: عدم الموت حذف لانسياق المعنى إليه واختصت آية الكرسي بالفضيلة ~~لما جمعت من أصول الأسماء والصفات من الإلهية والوحدانية والحياة والعلم ~~والملك ms0434 والقدرة والإرادة، وهذه السبعة هي أصول الأسماء والصفات، وقل هو ~~الله أحد متمحضة لذكر صفات الرب تبارك وتعالى. # 252 - وعن مالك بن الحويرث - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - "صلوا كما رأيتموني أصلي" رواه البخاري (¬1). # هذا الحديث أصل عظيم في بيان ما أجمل في الأمر بالصلاة في القرآن وفي ~~السنة، وفيه دلالة على وجوب التأسي بفعله في الصلاة، فما حافظ عليه ~~والأفعال والأذكار فالظاهر وجوب التأسي به، إلا لمخصص يخرجه، والكاف في ~~قوله "كما" للتشبيه، و"ما" يحتمل أن تكون موصولة صفة الصلاة (أ) المقدرة، ~~والمعنى: صلوا كالصلاة التي رأيتموني أصليها ولما كان مستند معرفة كيفية ~~صلاته هي الرؤية صرح بها لكونها من الأفعال المرئية، ويحتمل أن تكون مصدرية ~~داخلة على أصلي وبوسيط الرؤية، للدلالة على أن الطريق إلى معرفة الكيفية هي ~~الرؤية، والله أعلم. PageV03P177 # 253 - وعن عمران بن حصين - رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "صل قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب وإلا ~~فأومئ". # الحديث أخرجه البخاري والنسائي، وزاد: "فإن لم تستطع فمستلق لا يكلف الله ~~نفسا إلا وسعها" (¬1)، واستدركه الحاكم فوهم، ولم يخرج البخاري قوله: "وإلا ~~فأوم"، ولكنه ترجم الباب بقوله: "باب صلاة القاعد بالإيماء" (¬2). # قال ابن رشيد (¬3): مطابقة الحديث للترجمة من جهة أن من صلى على جنب فقد ~~احتاج إلى الإيماء، وليس ذلك بلازم، وقد روي الإيماء من حديث علي -رضي الله ~~عنه- وأخرجه الدارقطني بلفظ: "فإن لم يستطع أن يسجد أومأ وجعل سجوده أخفض ~~من ركوعه، فإن لم يستطع PageV03P178 # يصلي قاعدا صلى على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، فإن لم يستطع أن يصلي على ~~جنبه الأيمن صلى مستلقيا، رجليه مما يلي القبلة (¬1)، وفي إسناده ضعيف ~~ومتروك [والضعيف هو (أ) حسين بن زيد بن علي (¬2)، قال ابن عدي (¬3): وجدت ~~في حديثه بعض النكرة، وأرجو أنه لا بأس به، قيل: وهو مجمع على إمامته عند ~~العترة، والمتروك هو الحسن بن الحسين العرني] (¬4) (ب). # وقال المصنف -رحمه الله (¬5) - إنه لم ms0435 يقع في الحديث ذكر للإيماء وإنما ~~أورده الرافعي (¬6) ولكنه ورد في حديث جابر: "إن استطعت وإلا فأومئ إيماء، ~~واجعل سجودك أخفض من ركوعك". أخرجه البزار (¬7) والبيهقي في "المعرفة"، ~~وقال البزار: وقد سئل عنه أبو حاتم فقال: الصواب عن جابر موقوفا، ورفعه خطأ ~~(¬8)، وقد روي أيضا من حديث ابن عمر (¬9) وابن PageV03P179 # عباس (¬1)، وفي إسنادهما ضعف. # والحديث يدل على أنه لا يصلي قاعدا إلا لعذر (¬2)، وهو عدم الاستطاعة، ~~ويلحق به ما إذا خشي ضررا، ولقوله: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} (¬3)، ~~وكذا قوله: "فإن لم تستطع فعلى جنب" [وقوله في حديث الطبراني: "فإن نالته ~~مشقة فجالسا، فإن نالته مشقة فنائما"، أي مضطجعا] (أ)، وفي هذا حجة على من ~~قال: إن العاجز عن القعود في الصلاة تسقط عنه، وقد حكاه الغزالي عن أبي ~~حنيفة (¬4)، وهو لا يوجد في كتب الحنفية وعذر عمران بن حصين هو كما صرح به ~~في البخاري أنه كان مبسورا (¬5) -بالباء الموحدة (ب) - في رواية وهو من به ~~ورم في باطن المقعدة، وفي رواية بالنون وهو من به قرحة فاسدة، وأما التألم ~~فلا يبيح ذلك عند الجمهور (¬6) خلافا للمنصور بالله وقواه الإمام المهدي ~~لدين الله، PageV03P180 # والتقييد بعدم الاستطاعة، وقوله: "وإن نالته مشقة" يرد عليه، وعند ~~الشافعية (¬1) المعتبر في عدم الاستطاعة وجود المشقة الشديدة، أو خوف زيادة ~~المرض أو الهلاك، قالوا: ومن المشقة الشديدة دوران الرأس في حق راكب ~~السفينة، وخوف الغرق لو صلى قائما، وفيمن يخاف على نفسه من عدو لو صلى ~~قائما فيه وجهان عندهم الأصح عذر (¬2) [واختار إمام الحرمين (¬3) في ضبط ~~العجز عن القيام أن تلحقه مشقة به تذهب خشوعه] (أ). # وقوله: "فإن لم يستطع فقاعدا: لم يبين في الحديث هيئة القعود [الذي هو ~~بدل عن فرض القيام] (ب)، فيؤخذ من إطلاقه جوازه على أي صفة شاء المصلي ~~(¬4)، وهو مقتضى كلام الشافعي والبويطي، وذهب الهادي والمؤيد (¬5) والقاسم ~~إلى أنه يتربع واضعا ليديه على ركبتيه، ومثله عن أبي حنيفة (¬6)، وعنه كقول ~~الشافعي، وذهب زيد بن علي والناصر والمنصور ms0436 إلى أنه مثل قعود التشهد، قيل: ~~والخلاف إنما هو في الأفضل (¬7). # قال المصنف -رحمه الله تعالى- في "فتح الباري" (¬8): وقد اختلف في ~~الأفضل، فعن الأئمة الثلاثة، يصلي متربعا، وقيل: يجلس مفترشا، PageV03P181 # وهو موافق لقول الشافعي في "مختصر المزني"، وصححه الرافعي (¬1)، ومن ~~تبعه، وقيل: متوركا، وفي كل منها أحاديث. # وقوله: "فعلى جنب": الكلام في الاستطاعة هنا كما مر خلافا لإمام الحرمين، ~~والجنب ورد في هذه الرواية مطلقا، وفي حديث علي -رضي الله عنه- عند ~~الدارقطني (¬2) على جنبه الأيمن مستقبل القبلة بوجهه وهو حجة للجمهور (أ) ~~أنه يكون على هذه الصفة كتوجيه (ب) الميت في القبر المتفق عليه وذهب الهادي ~~وبعض الشافعية، ورواية عن الحنفية (¬3) أنه يستلقي على ظهره ويجعل رجليه ~~إلى القبلة، وحجتهم على ذلك ما روي في إحدي روايات حديث (ج) الأنصاري (¬4) ~~الذي شبكته الريح حيث قال فيها: "إن استطعتم أن تجلسوه فأجلسوه (د) وإلا ~~فوجهوه إلى القبلة". قالوا: ولا توجيه كامل إلا إذا كان ذلك. # ووقع الخلاف أيضا في توجيه المحتضر، وقد تقدم في رواية حديث علي أن هذا ~~بعد تعذر الكون على الجنب. # ويؤخذ من الحديث أنه لا يجب شيء بعد تعذر الإيماء على الجنب. وعن الشافعي ~~والمؤيد بالله: يجب الإيماء بالعينين والحاجبين (¬5)، وعن PageV03P182 # زفر (¬1): الإيماء بالقلب، وقيل: يجب إمرار القرآن والذكر على اللسان ثم ~~على القلب، لكن جميع ذلك لم يذكر في الحديث، وكذا قوله تعالى: {الذين ~~يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} (¬2) ولكن عدم الذكر لا ينفي الوجوب ~~بدليل آخر، وقد ثبت وجوب الصلاة على الإطلاق. قال - صلى الله عليه وسلم - ~~"إذا أمرتم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (¬3)، فإن استطاع شيئا مما يفعل في ~~الصلاة فهو واجب عليه إذ هو مستطاعه من الصلاة. # 254 - وعن جابر - رضي الله عنه- "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لمريض صلى على وسادة فرمى بها، وقال: صل على الأرض إن استطعت، وإلا فأومئ ~~إيماء واجعل سجودك أخفض من ركوعك". # رواه البيهقي بسند قوي، ولكن صح أبو حاتم وقفه (¬4). # الحديث أخرجه البيهقي في ms0437 "المعرفة" من طريق سفيان الثوري، وفي الحديث بعد ~~"فرمى بها": "فأخذ عودا ليصلي عليه، فأخذه فرمي به، وقال ... " إلخ. # وقال البزار (¬5): لا نعرف أحدا رواه عن الثوري غير أبي بكر الحنفي، PageV03P183 # وقد سئل عنه أبو حاتم (¬1) فقال: الصواب عن جابر موقوفا، ورفعه خطأ، قيل ~~له: فإن أبا أسامة قد روى عن الثوري هذا الحديث مرفوعا، فقال (أ): ليس ~~بشيء، ولكنه قد روى الطبراني من حديث طارق بن شهاب عن ابن عمر قال: "عاد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مريضا ... " (¬2)، فذكره وفي إسناده ضعف. # والحديث يدل على أنه لا يصح منه أن يتخذ له ما يسجد عليه حيث لم يمكنه ~~الوصول إلى الأرض. # وفي قوله: "واجعل سجودك أخفض من ركوعك" ليتم الفصل فيما بينهما وذلك حيث ~~استطاع ذلك، ولم يذكر في الحديث كون الإيماء لهما من قعود أو من قيام ولا ~~بد من تفصيل في ذلك، وهو أنه إن تعذر عليه القيام مع تعذر السجود أومأ ~~للركوع والسجود من قعود، وزاد في خفض السجود، وإن أمكنه القيام والقعود، ~~وتعذر عليه الركوع والسجود أو الركوع فقط فإنه يجب عليه أن يومئ للركوع من ~~قيام ويسجد أو يومئ للسجود من قعود، وعند المؤيد بالله (¬3) أن يومئ لهما ~~جميعا من قيام، ويقعد للتشهد، وعند أبي يوسف (¬4) ومحمد يومئ لهما كليهما ~~من قعود ويقوم للقراءة وعند أبي حنيفة أنه يسقط عنه القيام ويصلي قاعدا، ~~فإن صلى قائما جاز، وإن تعذر عليه القعود أومأ لهما (ب) من قيام، وزاد في PageV03P184 # خفض السجود، ويدل على هذه الأطراف قوله: "فأتوا منه ما استطعتم"، والله أعلم. # [أحاديث الباب خمسة وأربعون حديثا] (أ). PageV03P185 ### || AUTO باب سجود السهو وغيره # 255 - عن عبد الله بن بحينة - رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى بهم الظهر، فقام في الركعتين الأوليين، ولم يجلس، فقام الناس ~~معه حتى إذا قضى الصلاة، وانتظر الناس تسليمه، كبر وهو جالس، وسجد سجدتين ~~قبل أن يسلم ثم سلم". أخرجه السبعة (¬1)، وهذا لفظ البخاري، وفي رواية مسلم ms0438 ~~(¬2): "يكبر في كل سجدة وهو جالس، ويسجد الناس معه، فكان ما نسي من ~~الجلوس". # هو أبو محمد عبد الله بن مالك بن القشب -بكسر القاف وسكون الشين المعجمة ~~وبالباء الموحدة- الأزدي، من أزد شنوءة -بفتح الشين وضم النون وسكون الواو ~~بعدها همزة مفتوحة-، وأمه اسمها بحينة -بضم الباء الموحدة، وفتح الحاء ~~المهملة، وسكون الياء تحتها نقطتان وبعدها نون- بنت الحارث بن عبد المطلب ~~بن عبد مناف، وقيل: إن بحينة اسم أم أبيه. والأول أصح، وهو حليف لبني ~~المطلب بن عبد مناف. # وروى عنه ابنه علي، وحفص بن عاصم وعبد الرحمن الأعرج. مات في ولاية ~~معاوية ما بين سنة أربع وخمسين وثمان وخمسين (¬3). PageV03P187 # الحديث فيه دلالة على أن ترك التشهد الأوسط يجبره سجود السهو، والظاهر من ~~هذا الوجوب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا (أ) كما رأيتموني أصلي" ~~(¬1)، وقد استدل به بعضهم على أن التشهد الأوسط غير واجب (¬2) إذ لو كان ~~واجبا لما أغنى عنه السجود إذ حق الواجب أن يفعل بنفسه، وفيه تأمل إذ يمكن ~~أن يقال: إن هذا مخصوص بأن يغني عنه السجود إذا ترك سهوا، [وهو قول أحمد بن ~~حنبل أن التشهد واجب وهو مخصوص بأن سد عنه السجود] (¬3) (ب). # وفي قوله: "كبر": دلالة على أنه يحرم بالتكبير لسجود السهو، وفي رواية ~~مسلم "يكبر في كل سجدة" دلالة على شرعية تكبير النفل، وأما عدم وجوبه فكما ~~تقدم في تكبير الصلاة. # وفيه دلالة على أن محل سجود السهو مثل هذا السهو قبل التسليم، وسيأتي ما ~~يخالفه والكلام عليه إن شاء الله تعالى. # وفي رواية مسلم دلالة على متابعة المأموم للإمام في السجود وأن ذلك كاف. # وفي الحديث دلالة على وجوب متابعة الإمام، وأن ترك ما هذا حاله، إذ النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أقرهم على متابعته مع تركهم التشهد عمدا. # واعلم أن في هذه الأطراف المدلول عليها خلافا مع تفاصيل، أما PageV03P188 # وجوب السجود فذهب الهادي (¬1) أنه واجب في الفرض، مستحب في النفل إذ لا ~~يزيد الشيء على أصله. # وعن الناصر والشافعي ms0439 (¬2) أنه سنة في الفرض والنفل، قيل: وهو ظاهر كلام ~~القاسم، وعن القاسم والمؤيد بالله وأبي طالب أنه فرض في الفرض والنفل، وهو ~~قول أبي حنيفة (¬3). # وفي الإحرام له بالتكبير الإجماع إذا كان قبل التسليم، والخلاف إذا كان ~~فعلهما بعد التسليم فقولان عند أصحاب الشافعي، والصحيح أنه يحرم له ~~بالتكبير من دون تسليم. # 256 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "صلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- إحدى صلاتي العشي ركعتين، ثم سلم، ثم قام إلى خشبة في مقدم المسجد، فوضع ~~يده عليها، وفي القوم أبو بكر وعمر، فهابا أن يكلماه، وخرج سرعان الناس ~~فقالوا: أقصرت الصلاة؟ ورجل يدعوه النبي - صلى الله عليه وسلم - "ذا ~~اليدين" فقال: يا رسول الله: أنسيت أم قصرت الصلاة؟ فقال: لم أنس، ولم ~~تقصر، قال: بلى قد نسيت، فصلى ركعتين، ثم سلم ثم كبر فسجد مثل سجوده أو ~~أطول ثم رفع رأسه وكبر". متفق عليه، واللفظ للبخاري (¬4). PageV03P189 # وفي رواية لمسلم: "صلاة العصر" (¬1). # ولأبي داود (¬2) قال: "أصدق ذو اليدين؟ فأومئوا: أي نعم". وهي في ~~الصحيحين (¬3) لكن بلفظ: "فقالوا"، وفي رواية له (¬4): "ولم يسجد حتى يقنه ~~الله ذلك". # الحديث متفق عليه من رواية محمد بن سيرين عن أبي هريرة، وقد أخرج من طرق كثيرة. # قال الحافظ المصنف -رحمه الله-: وقد جمع طرقه الحافظ صلاح الدين العلائي ~~وتكلم عليه كلاما شافيا في جزء مفرد (¬5). # واعلم أن الكلام في سهوه - صلى الله عليه وسلم - وفيما يتعلق بهذا الحديث ~~يطول ويتشعب من مباحث كلاميه وأصلية وفرعية، ولنأخذ في بعض من ذلك. # أما وقوع السهو منه - صلى الله عليه وسلم - فاختلف العلماء في جواز السهو ~~على الأنبياء (أفي أحكام أ) الشرع فالأكثر على جواز ذلك ووقوعه (¬6) ولكن ~~لا يقرون عليه (ب). [وذهب الأكثرون إلى أنه لا بد أن ينبه عليه على الفور ~~متصلا PageV03P190 # بالحادثة ولا يقع فيه تأخير، وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته، واختاره إمام ~~الحرمين] (¬1) (أ). # ودليل الوقوع هذه الأحاديث في سهوه، [وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إنما أنا بشر مثلكم أنسى ms0440 كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني" (¬2)] (ب). # ومنع قوم من ذلك فقالوا: لا يجوز عليه السهو [في الأفعال البلاغية ~~والعبادات] (ج)، وإنما يتعمد صورة النسيان، واحتجوا بالحديث الضعيف: "إني ~~لا أنسى ولكن أنسى لأسن (د) ". وقد ذكره مالك بلاغا في "الموطأ" (¬3)، وهو ~~أحد الأحاديث الأربعة التي تكلم عليها في "الموطأ"، وهو مردود عليهم بما قد ~~ثبت من الأحاديث الصحيحة من الفعل والقول، ولا وجه للتكلف الذي ارتكبوه (ه) ~~(وفأجابوا (ز) عن الظواهر الواردة في ذلك، وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق ~~الإسفراييني و). PageV03P191 # قال النووي (¬1): والصحيح الأول فإن السهو لا يناقض النبوة، وإذا لم يقر ~~عليه لم يحصل منه مفسدة، بل يحصل فيه فائدة وهو بيان أحكام الناسي وتقرير ~~الأحكام. # وادعى القاضي عياض (¬2) الإجماع على امتناع السهو عنه في الأقوال ~~البلاغية، قال: وجوز قوم ذلك فيما لا يتعلق بالأحكام ولا أخبار القيامة، ~~وما يتعلق بها ولا يضاف إلى وحي، إذ لا مفسدة فيه، والحق الذي لا شك فيه ~~ترجيح قول من منع ذلك على الأنبياء في كل خبر من الأخبار كما لم يجيزوا ~~عليهم الخلف (أ) في خبر لا عن قصد ولا عن سهو، ولا في صحة ولا مرض ولا رضى ~~ولا غضب. # ويؤخذ من الحديث قاعدة أن الواحد إذا أخبر بوقوع حادثة في محضر مما ~~يستنكر وتقضي العادة بنقلها أنه لا يقبل وحده، فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يصدقه وحده بل طلب من غيره تصديقه. # وقوله: "إحدى صلاتي العشي": تردد من محمد بن سيرين بعد أن كان سماها له ~~(ب) أبو هريرة كما في رواية البخاري (¬3) فيما بين الظهر والعصر، وفي رواية ~~مسلم: صلاة العصر (¬4)، في رواية له أخرى (¬5)، والظاهر PageV03P192 # أنهما قضيتان متعددتان، وفي رواية عمران بن حصين: "سلم في ثلاث ركعات من ~~العصر ثم دخل منزله فقام إليه رجل يقال له الخرباق". # فيحمل حديث عمران أنها قصة ثالثة (¬1). والله أعلم. # وقوله: "إحدى صلاتي العشي": هو بفتح العين المهملة وكسر الشين المعجمة ~~وتشديد الياء، وقال الأزهري: العشي عند الغروب ms0441 ما بين زوال الشمس وغروبها. # وقوله: "خشبة": وفي رواية مسلم (¬2) "أتى جذعا وهو الخشبة". # وسرعان: بفتح السين والراء وهو الذي قاله الجمهور من أهل اللغة والحديث ~~وهم المسرعون إلي الخروج، ونقل القاضي أبو بكر (¬3) عن بعضهم إسكان الراء. ~~قال: وضبطه الأصيلي في البخاري (¬4) بضم السين وإسكان الراء جمع سريع كقفيز ~~وقفزان [وفي "معالم السنن" (¬5) (أ): وسكون الراء، PageV03P193 # وحكى القرطبي (¬1) عن الخطابي (¬2) تخطئة الكسر في غير المعالم] (أ). # وقصرت: بضم القاف وكسر الصاد (¬3)، وروي بفتح القاف وضم الصاد وكلاهما ~~صحيح، والأول أشهر وأفصح (¬4). # وذا اليدين: كذا في رواية البخاري (¬5)، وفي رواية (¬6): "رجل من بني ~~سليم"، وفي رواية: "رجل يقال له الخرباق وكان في يده طول" (¬7)، وفي رواية: ~~"رجل سبط (ب) اليدين" (¬8). # قال النووي (¬9): هو رجل واحد، واسمه الخرباق بن عمرو بكسر الخاء المعجمة ~~والباء الموحدة، وآخره قاف، ولقبه "ذو اليدين" لطول كان في يديه وهو معنى ~~"سبط اليدين"، وقال ابن منده: "ذو اليدين" رجل من أهل وادي القرى يقال له: ~~الخرباق، أسلم في آخر زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV03P194 # والسهو كان بعد أحد، وقد شهده أبو هريرة، وأبو هريرة شهد من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أربع سنين، وذو اليدين هو من بني سليم، قال: ووهم ~~الزهري (¬1) فجعل مكان ذي اليدين "ذا الشمالين"، وهو من أهل مكة قتل يوم ~~بدر قبل سهو النبي - صلى الله عليه وسلم - بست سنين، وهو من خزاعة، ذكره ~~ابن إسحاق في: "السيرة" (¬2) حليف بني أمية. # وقال ابن عبد البر في "التمهيد": وأما قول الزهري في حديث السهو أن ~~المتكلم ذو الشمالين فلم يتابع عليه وقد اضطرب في حديث ذي اليدين اضطرابا ~~أوجب عند أهل العلم بالحديث تركه من روايته خاصة. ثم ذكر طرقه وبين ~~اختلافها في المتن والإسناد (أ). قال: وإن كان إماما في هذا PageV03P195 # الشأن فالغلط لا يسلم منه بشر والكمال لله، وكل أحد يؤخذ من قوله ويترك ~~إلا النبي - صلى الله عليه وسلم -. انتهى مختصرا (¬1). # وقوله: "لم أنس ولم تقصر": وفي رواية ms0442 مسلم: "كل ذلك لم يكن" (¬2) قد يورد ~~على هذا أنه يلزم الكذب فإن في الواقع أحدهما. وأجيب بأنه إخبار عما في ~~الواقع بحسب ظنه فكأنه قال: لم يكن ذلك في الواقع بحسب ظني، وهو مطابق ~~للواقع حينئذ، ومثله قوله تعالى حكاية عن زكريا: {يرثني} (¬3)، على قراءة ~~الجزم (¬4) فإنه في معنى إن تهب لي يرثني وهو مطابق للواقع بحسب ظنه ولا ~~كذب فيه. # وقوله: "فصلى ركعتين .. إلخ"، فيه دلالة على أن نية الخروج من الصلاة ~~وقطعها إذا كانت بناء على ظن التمام لا يوجب بطلانها ولو بتسليمتين، وفيه ~~خلاف الهادوية، وأن كلام الناسي لا يبطل الصلاة وكذا من ظن التمام، و (أ) ~~بهذا قال جمهور العلماء من السلف والخلف (¬5)، وهو قول ابن عباس وعبد الله ~~بن الزبير وأخيه عروة وعطاء والحسن والشعبي وقتادة والأوزاعي ومالك ~~والشافعي وأحمد وجميع المحدثين، وبهذا قال الناصر، وقال أبو حنيفة وأصحابه ~~(¬6) والثوري: يبطل الصلاة الكلام ناسيا أو PageV03P196 # جاهلا، وكذا رواه السيد يحيى من مذهب الهادي (¬1) وهو قول زيد بن علي ~~والمؤيد بالله قالوا: لحديث ابن مسعود (¬2) (أوزيد بن أرقم (¬3) أ)، وهو: ~~أن لا تتكلموا في الصلاة، وأن ذلك ناسخ لهذا الحديث. # و (ب) أجيب بأن حديث ابن مسعود كان بمكة قبل الهجرة بعد عوده من هجرته ~~إلى (ج) الحبشة (¬4) -وقد تقدم- فلا يصح أن يكون ناسخا لهذا المتأخر، و (د) ~~حديث زيد بن أرقم ليس فيه ما يدل على أنه بعد هذه القصة، فيجوز أن يكون لم ~~وقع ذلك قبلها، ويحتمل أن زيدا لم يكن قد بلغه النهي المتقدم، وأنه كان ~~يتكلم في الصلاة لأنه من صغار الصحابة إلى حين نزول الآية، وهو لم يخبر عن ~~جماعة المسلمين. # وأحسن من هذا كله أن هذه القصة تدل على شيء خاص وهو كلام الناسي، ومن ظن ~~تمام الصلاة، وحديث ابن مسعود وابن أرقم عموما، والجمع ممكن بالعمل بالخاص ~~فيما تناوله، والعام فيما بقي، لا سيما على طريقة من يبني العام على الخاص ~~مطلقا، وهو الأقوى والأرجح إذ (ه) إعمال ms0443 الدليلين هو الواجب مهما أمكن، ~~والله أعلم. PageV03P197 # ويدل على أن الكلام العمد لإصلاح الصلاة لا يفسدها (¬1) كما في رواية ~~الصحيحين (أقالوا: وكما في قول ذي اليدين للنبي - صلى الله عليه وسلم - فإن ~~ذلك كلام عمد لإصلاح الصلاة، وقد روى ابن القاسم (¬2) عن مالك أن الإمام لو ~~تكلم بما تكلم به النبي - صلى الله عليه وسلم - من الاستفسار والسؤال عند ~~الشك وإجابة المأموم أن الصلاة لا تفسد. وقد أجيب عن هذا بأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - تكلم معتقدا للتمام، والصحابة مجوزين للنسخ، فقد ظنوا ~~حينئذ التمام فلا ينتهض دليلا على ذلك. # وأما جواب الصحابة على النبي - صلى الله عليه وسلم - فهو إنه إجابة له ~~وهي واجبة ولو كانت في الصلاة، ويدل على أن الأفعال الكثيرة (ب) التي ليست ~~من جنس الصلاة إذا وقعت سهوا أو مع ظن التمام لا تبطل الصلاة فإن في رواية: ~~"أنه خرج إلى منزله" (¬3) وفي رواية: "يجر رداءه مغضبا"، ورواية: "قام إلى ~~خشبة فوضع يده عليها" (¬4)، وكذلك خروج سرعان، فإنها أفعال كثيرة قطعا، وقد ~~ذهب إلى هذا الشافعي رحمه الله (¬5) ويدل على صحة البناء على الصلاة بعد ~~السلام سهوا أو ظنا للتمام، والجمهور عليه. PageV03P198 # وذهب سحنون (¬1) من المالكية إلى أن ذلك إنما هو فيما كان على ركعتين لا ~~إذا كان على ركعة أو ثلاث بناء منه أن ذلك لا يقاس عليه لكونه مخالفا ~~للقياس، ولا يسلم له ذلك، وأيضا فالعلة معقولة، والفرع مساو للأصل فيصح ~~القياس كما ذهب إليه كثير وإن كان مخالفا للقياس، ويدل على أنه يصح البناء ~~على الصلاة، وإن طال زمان الفصل بينهما ما لم ينتقض وضوؤه، وقد روي هذا عن ~~ربيعة، ونسب إلى مالك، وليس بمشهور عنه. # وقد روي في هذه القصة أنه خرج - صلى الله عليه وسلم - إلى منزله والأكثر ~~على تخصيص هذا بالزمن القريب، واختلفوا في حده فقيل: بمقدار فعل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وقيل: (أ) ما يعد في العرف قريبا، وقيل: بمقدار ركعة، وقيل: # بمقدار الصلاة، والوجه الأول، ms0444 ويدل على أنه يجبر ذلك سجود السهو وجوبا ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني ... " (¬2)، ويدل على ~~أنه سجدتان، وعلى أنه يحرم له بالتكبير، وعلى أنه في آخر الصلاة ولذلك ~~فائدة على قول من يجعله قبل التسليم، وهو أنه لو صلى قاصرا وهو في سفينة ~~فسجد للسهو ووصلت به السفينة قبل التسليم أو نوى الإقامة فإنه لا يعتد به، ~~ويدل على أن السجود لا يتعدد لتعدد أسباب السهو، وأنه لا سهو على المؤتمين، ~~وعلى أن السجود بعد السلام. وقد اختلفت الأدلة وسيأتي تحقيق هذا إن شاء ~~الله تعالى. # 257 - وعن عمران بن الحصين -رضي الله عنه- "أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى بهم فسها، فسجد سجدتين، ثم تشهد، ثم سلم". رواه أبو داود ~~والترمذي حسنه، الحاكم وصححه (¬3). PageV03P199 # الحديث فيه دلالة على أنه يسجد عقيب الصلاة إذ الفاء في قوله: "فسجد" تدل ~~على ذلك، وفيه تصريح بلفظ التشهد، ولم يقل أحد بوجوبه، والظاهر أن ذلك ~~لتكثر الأخبار على عدم التشهد. # ولفظ "تشهد" يحتمل أنه أتى بالشهادتين إذ هو من المتبادر من الإطلاق، وقد ~~قال به بعضهم، ويحتمل أن يراد به أحد التشهدين المعهودين في الصلاة، وقد ~~قال زيد بن علي: إنه التشهد الأوسط، واللفظ محتمل (أ)، والله أعلم. # وقوله: "ثم سلم": فيه دلالة على شرعية التسليم، قال النووي (¬1): PageV03P200 # واختلفوا في ما إذا فعلهما بعد التسليم هل يحرم [أي يكبر للإحرام] (أ) ~~ويتشهد ويسلم؟ والصحيح في مذهبنا أنه يسلم ولا يتشهد، وهكذا الصحيح عندنا ~~في سجود التلاوة أنه يسلم ولا يتشهد كصلاة الجنازة، وقال مالك (¬1): يتشهد ~~ويسلم في السجود بعد السلام. # واختلف قوله هل يجهر بسلامهما كسائر الصلوات أم لا؟ وقد ثبت السلام إذا ~~فعلتا بعد السلام في حديث ابن مسعود وحديث ذي اليدين، ولم يثبت في التشهد ~~(ب) حديث. انتهى. # ويرد عليه أنه قد ثبت في التشهد هذا الحديث (¬2)، [وإن كان قوله "يتشهد ~~ثم يسلم" قال أبو داود: إنه تفرد به البصريون، ولكن مع ثقة الراوي فالعمل ~~به صحيح، والله ms0445 أعلم] (ج). # 258 - وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: "قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى؟ أثلاثا أم أربعا؟ ~~فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد (د) سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان ~~صلى خمسا شفعن صلاته، وإن كان صلى تماما كانت ترغيما للشيطان". رواه مسلم ~~(¬3). PageV03P201 # الحديث فيه دلالة على أن الشاك في الصلاة يجب عليه البناء على المتيقن ~~ويجب عليه أن يسجد سجدتين، وفي هذا خلاف بين العلماء، فذهب إلى هذا مالك ~~والشافعي وأحمد (¬1) والجمهور، وذهب الهادوية، وهو مروي عن الشعبي ~~والأوزاعي وكثير من السلف إلى وجوب الإعادة عليه حتى يستيقن (¬2). # وعن بعضهم: يجب عليه الإعادة ثلاث مرات فإذا شك في الرابعة فلا إعادة ~~عليه، وظاهر الحديث. والخلاف في الشاك من غير تفرقه إلى كونه مبتلى بالشك ~~أو مبتدأ به، وقد ذهب الهادوية (¬3) إلى التفرقة بينهما فقالوا في المبتدأ: ~~إنه يجب عليه الإعادة، وفي المبتلى أنه يتحرى بالنظر في الأمارات فإن حصل ~~له ظن بالتمام أو بالنقصان عمل به، وإن كان النظر في الأمارات لا يحصل له ~~ظنا بحسب العادة فإنه يبني على الأقل كما في هذا الحديث، وإن (أ) كان عادته ~~أن يفيده النظر الظن ولكن لم يفده في هذه (ب) الحال وجب عليه أيضا الإعادة، ~~وهذا التفصيل يرد عليه هذا الحديث الصحيح. PageV03P202 # [وفي هذا الحديث، وحديث ذي اليدين، وحديث "إذا شك أحدكم أخرج منه شيء أم ~~لا فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا (¬1) " حجة لقاعدة كلية ~~ذهبت إليها الهادوية والشافعي وجمهور العلماء، وهو قول مالك بإعمال حكم ~~الاستصحاب (¬2) وإلغاء الشك العارض وأنه لا يزال إلا بيقين، وأن الاستصحاب ~~حجة معمول بها، وخالف فيه أكثر الحنفية وجمهور المتكلمين (¬3)] (أ). # وقوله: "فإن صلى خمسا شفعن صلاته" (ب): يعني أن السجدتين هما ركنا ركعة ~~فكأنه (ج) قد فعل ركعة سادسة فتكون الزيادة المفعولة والسجدتان في حكم ~~ركعتين نافلة له زائدة على الفرض الواجب. # وقوله: "إن ms0446 كان صلى تماما كانتا ترغيما للشيطان": وإنما كانتا ترغيما له ~~لأن قصده بالتلبيس على المصلي إبطال صلاته وإذهاب فضيلة عمله، فشرعيتها ~~وفعلهما زيادة ثواب له، فعاد على قصد الشيطان بالنقص. # [ويتفرع على هذا أنه لو زال شكه وتردد (د) قبل السلام وعرف أن PageV03P203 # الركعة الأخيرة هي الرابعة حقا، وأنه ما زاد شيئا هل يسجد للسهو؟ قال ~~الشيخ أبو علي والمؤيد بالله (¬1): يسجد لأن تلك الركعة أديت على التردد ~~وضعف النية، فزوال التردد بعد ذلك لا يغني عن الجبر، والذي جنح إليه إمام ~~الحرمين (¬2) وقطع به شيخه والمنصور بالله لا يسجد لزوال التردد، ويحتج ~~لأبي علي بما رواه أبو داود (¬3) عن زيد بن أسلم أنه قال: إن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "إذا شك أحدكم في صلاته فإن استيقن أن قد صلى ثلاثا ~~فليقم فليتم ركعة بسجودها ثم يجلس فيتشهد فإذا فرغ فلم يبق إلا أن يسلم ~~فليسجد سجدتين، وهو جالس، ثم يسلم" وسيأتي في شرح حديث ابن مسعود مثل هذا ~~(¬4) والله أعلم] (أ). # 259 - وعن ابن مسعود -رضي الله عنه- قال: "صلى رسول - صلى الله عليه وسلم ~~-، فلما سلم قيل له: يا رسول الله أحدث في الصلاة شيء؟ قال: وما ذاك؟ ~~قالوا: صليت كذا، قال: فثنى رجليه (ب) واستقبل القبلة، فسجد سجدتين ثم سلم، ~~ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إنه لو حدث في الصلاة شيء أنبأتكم به، ولكن إنما ~~أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت (ج) فذكروني، فإذا شك أحدكم في ~~صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه ثم PageV03P204 # ليسجد سجدتين". متفق عليه (¬1). # وفي رواية للبخاري (أ): "فليتم عليه ثم ليسجد سجدتين" (¬2). # ولمسلم: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد سجدتي السهو بعد السلام ~~والكلام" (¬3). # ولأحمد وأبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن جعفر مرفوعا: "من شك في ~~صلاته فليسجد سجدتين بعد ما يسلم". وصححه ابن خزيمة (¬4). PageV03P205 # حديث ابن مسعود هذا وقع في زيادته - صلى الله عليه وسلم - الركعة الخامسة ~~وظاهر الحديث أنهم تابعوه - صلى الله عليه وسلم - في ms0447 الزيادة، وفيه دلالة ~~على أن متابعة المؤتم للإمام مع تجويزه أن يكون المتابع فيه واجبا لا يفسد ~~الصلاة، فإن قولهم أحدث في الصلاة شيء يقتضي حصول الشك في أن ما فعله واجب ~~عمدا أو أنه سهو ولم يأمرهم بإعادة الصلاة، وفي فعله بعد أن سلم وتكلم دليل ~~على أن محله بعد السلام، ولكن يحتمل أن يجوز ذلك إذا كان تنبهه لموجبه بعد ~~أن قد (أ) سلم فقط، كما هو مذهب داود وأحمد (¬1) ولم يذكر فيه تكبيرا ~~للافتتاح وذكر فيه التسليم، ولكن عدم ذكر ذلك لا يدل على نفي الحكم مع وجود ~~ما قد دل على إثباته. # وفي قوله: "إنه لو حدث شيء أنبأتكم به": دليل على أنه لا يجوز تأخير ~~البيان عن وقت الحاجة كما هو المذهب الراجح (¬2). # وفي قوله: "أنسى" (ب) دليل على ثبوت النسيان له، وقد تقدم. PageV03P206 # وفي قوله: "فليتحر الصواب": فيه (أ) دليل على أنه يعمل بالظن في ذلك من ~~غير تفرقة بين الشك في الركعة والركن، وقد ذهب إلى (¬1) هذا الناصر، وإن لم ~~يحصل له ظن بنى على الأقل عنده، وفي رواية عنه: يعمل في الأولتين باليقين ~~وفي الآخرتين كما تقدم له (ب) وهو قول الإمامية (¬2)، والمؤيد بالله (¬3) ~~والمنصور ذهبا (ج) إلى قريب منه، وهو أنه يعمل بظنه مطلقا في الركعة وفي ~~الركن فإن لم يحصل له ظن أعاد الصلاة إن كان مبتدأ بالشك، وبنى المبتلى على الأقل. # وقوله: "فليتم عليه": أي ليبن على الصواب الذي أفاده التحري من التمام ~~للصلاة، أو الحكم بكمالها. # وقوله: "ثم ليسجد" فيه دلالة على أنه (د) يسجد وإن لم يحصل منه فعل زائد ~~على النظر والفكر في تمام الصلاة، أو نقصانها وذلك لما اعترى الصلاة من ~~النقصان بسبب الوسوسة، والاشتغال عنها. # وفي رواية البخاري "أنه يسلم ثم يسجد"، وكذا رواية مسلم "أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - سجد بعد السلام والكلام"، والمراد بالكلام خطابه لأصحابه (ه) ~~وإجابته لما نبهوه عليه من السهو، وكذلك حديث عبد الله بن جعفر. PageV03P207 # وقوله: ثنى [رجليه": ms0448 بالتثنية وفي رواية مسلم، وفي رواية أبي داود ~~والنسائي وابن حبان وابن ماجه: رجله بالإفراد وهي الأولى، ومعنى ثنى رجله: ~~صرفها عن حالها التي كانت عليها] (أ). # واعلم أن الأحاديث اختلفت في محل سجود السهو، واختلفت أقوال الأئمة بسبب ~~ذلك، قال الإمام أبو عبد الله المازري (¬1) أحاديث الباب خمسة: حديث أبي ~~هريرة فيمن شك فلم يذكركم، وفيه أنه سجد (ب) سجدتين، ولم يذكر موضعهما، ~~وحديث أبي سعيد: من شك، وفيه أنه سجد سجدتين قبل أن يسلم، وحديث ابن مسعود ~~وفيه القيام إلى خامسة (ج) وأنه سجد بعد السلام، وحديث ذي اليدين: وفيه أنه ~~سجد بعد السلام، وحديث ابن بحينة: وفيه السجود قبل السلام. # واختلف العلماء في كيفية الأخذ بهذه الأحاديث فقال داود: لا يقاس عليها، ~~بل تستعمل في مواضعها على ما جاءت، وقال أحمد كقول داود (د) في هذه الصلوات ~~خاصة، وخالف في غيرها، وقال: يسجد فيما سواها قبل السلام لكل سهو. # فأما الذين قالوا بالقياس فاختلفوا فقال بعضهم: هو مخير في كل سهو إن شاء ~~سجد بعد السلام وإن شاء قبله في الزيادة والنقص، وقال أبو حنيفة: الأصل هو ~~السجود بعد السلام، وتأول باقي (ه) الأحاديث عليه. PageV03P208 # وقال الشافعي: الأصل هو السجود قبل السلام، ورد بقية الأحاديث إليه. # وقال مالك: إن كان السهو زيادة سجد بعد السلام، وإن كان نقصانا فقبله. # قال الشافعي: نص في حديث أبي سعيد مع تجويز الزيادة على السجود قبل ~~السلام، والمجوز في حكم الموجود، ويتأول حديث ابن مسعود في القيام إلى ~~الخامسة والسجود بعد السلام على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يعلمه إلا ~~بعد أن سلم. وحديث ذي اليدين بأنه لتجويز أنه - صلى الله عليه وسلم - سها ~~عن السجود قبل السلام، ولم يذكره إلا من بعد فتداركه، هذا كلام المازري ~~(¬1)، ولكنه لا يتم بهذا الجمع بل الظاهر أن الشافعي (¬2) قال بالنسخ لما ~~بعد التسليم، فإنه قال: قد روينا قولنا عن أبي سعيد الخدري وعبد الرحمن بن ~~عوف ومعاوية بن أبي سفيان وكلهم يروون ms0449 أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد ~~فيهما (أ) جميعا قبل السلام، ثم روى حديث ابن بحينة من طريق مالك، ثم (ب) ~~قال الشافعي: وفي هذا نقصان، وفي حديث أبي سعيد زيادة، فتبين بذلك أنه سجد ~~فيهما جميعا قبل السلام، وقال في القديم: أخبرنا مطرف بن مازن عن معمر عن PageV03P209 # الزهري قال: "سجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجدتي السهو قبل ~~السلام وبعده"، وآخر الأمرين قبل السلام، ثم أكده الشافعي برواية معاوية بن ~~أبي سفيان ["أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجدهما قبل السلام"] (¬1) (أ) ~~وصحبته متأخرة، وقد ذهب إلى مثل قوله من السلف أبو هريرة ومكحول والزهري ~~ويحيى بن سعيد الأنصاري وربيعة بن عبد الرحمن والأوزاعي وأهل الشام والليث ~~بن سعد. # وطريق الإنصاف أن الأحاديث الواردة في ذلك قولا وفعلا فيها نوع تعارض ~~وتقدم بعضها وتأخر البعض (ب) صحيحة موصولة (ج حتى يستقيم القول بالنسخ ج) ~~غير ثابت برواية، فالأولى الحمل على التوسع (د) في جواز الأمرين وقد قال ~~الشافعي في القديم من سجد السهو بعد السلام تشهد ثم سلم، ومن سجد قبل ~~السلام أجزأه التشهد الأول، وهذا يدل على أنه يقول بجواز الأمرين، وقد روى ~~أحمد بن إسحاق القاضي عن أبيه قال: أخبرنا الشافعي وذكر حديث ذي اليدين ~~قال: وسجدهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الزيادة بعد التسليم، ~~وفي النقصان قبل التسليم، فذهبنا إلى ذلك في الحديثين جميعا، وهذا مثل قول ~~مالك وأبي ثور وجماعة من أهل الحجاز، وقوله في حديث عبد الله بن جعفر ~~"بعدما يسلم فيه تصريح بأن محل PageV03P210 # السجود بعد التسليم كما هو مروي عن علي وسعد بن أبي وقاص وعبد الله بن ~~مسعود وعمار بن ياسر وعبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعن الحسن ~~وإبراهيم والنخعي وعبد الرحمن ابن أبي ليلى والثوري والحسن بن صالح وأهل ~~الكوفة، ولكن في سبب الشك في الصلاة كما في حديث ابن مسعود ومعارض أيضا ~~لحديث أبي سعيد أيضا فالمرجع إلى ما ذكر من ms0450 التخيير، والله أعلم (¬1). # 260 - وعن المغيرة بن شعبة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "إذا شك أحدكم فقام في الركعتين فاستتم قائما، فليمض وليسجد ~~سجدتين، فإن لم يستتم قائما فليجلس، ولا سهو عليه". رواه أبو داود وابن ~~ماجه والدارقطني بسند ضعيف (¬2). # الحديث بهذا السياق أخرجه الدارقطني، وأخرجه أبو داود، وابن ماجه، ~~والدارقطني، والبيهقي بلفظ: "إذا قام الإمام في الركعتين، فإن ذكر قبل أن ~~يستوي قائما فليجلس، وإن استوى قائما فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو (¬3)، ~~ولابن ماجه: "إذا قام الإمام من الركعتين فلم يستتم قائما فليجلس، فإذا ~~استتم قائما فلا يجلس ويسجد سجدتي السهو" (¬4). PageV03P211 # والحديث مداره على جابر الجعفي (¬1): وهو ضعيف (أوقد قال أبو داود (¬2): ~~ليس في كتابي عن جابر الجعفي أ) إلا هذا الحديث. # وفي الحديث دلالة على أن السجود إنما هو لفوات التشهد الأوسط لا لفعل ~~القيام لقوله: "ولا سهو عليه"، وقد ذهب إلى هذا النخعي وعلقمة والأسود وأحد ~~قولي الشافعي (¬3)، وذهب أهل البيت عليهم السلام (¬4) وأحمد بن حنبل إلى ~~أنه يسجد للسهو قالوا لحديث أنس وهو أنه - صلى الله عليه وسلم -، تحرك ~~للقيام في الركعتين الأخيرتين من العصر على جهة السهو فسبحوا له، فقعد ثم ~~سجد للسهو، قال الإمام المهدي (¬5): والعمل به أرجح لثقة راويه وهو أنس، ~~ولأن فيه زيادة، وحديث أنس أخرجه البيهقي (¬6)، والدارقطني في "العلل" من ~~فعله موقوفا عليه وفي بعض طرقه أنه قال: هذه السنة (¬7) ولا يخفى عليك أن ~~دلالة حديث المغيرة أقوى من حيث الرفع أيضا، وحديث ابن عمر: "لا سهو إلا في ~~قيام عن جلوس أو جلوس عن قيام"، PageV03P212 # أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي (¬1)، وفيه ضعف أيضا محتمل لا يؤيد أي ~~المذهبين، إلا أنه قد وردت أحاديث كثيرة في الترخيص في الفعل القليل، ~~وحكاية أفعال صدرت منه - صلى الله عليه وسلم -[ومن غيره مع علمه بذلك] (أ)، ~~ولم يأمر بسجود ولم يحك عنه فعل ذلك فيها يؤيد حديث المغيرة، والله أعلم. # 261 - وعن عمر -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله ms0451 عليه وسلم - قال: "ليس ~~على من خلف الإمام سهو، فإن سها الإمام فعليه وعلى من خلفه". رواه البزار ~~والبيهقي بسند ضعيف (¬2). # وأخرجه الدارقطني وفي إسناده خارجة بن مصعب، وهو ضعيف، وفي الباب عن ابن ~~عباس، رواه ابن عدي في ترجمة عمر بن عمرو العسقلاني، وهو متروك (¬3). PageV03P213 # والحديث فيه دلالة على أنه لا يجب على المؤتم (أ) سجود للسهو إذا سها في ~~صلاته وإنما يجب عليه إذا سها الإمام فقط، وقد ذهب إلي هذا زيد بن علي ~~والناصر والمؤيد بالله والإمام يحيى والحنفية والشافعية (1)، وذهب الهادي ~~ورواية عن مكحول (2) أنه يسجد لسهوه لعموم أدلة موجبات السجود، والظاهر ~~العموم في حق الإمام والمؤتم والمنفرد. # قلت: لو قوي الحديث لكان الرجوع إليه هو الواجب إذ هو خاص في حق المؤتم، ~~فإن سها الإمام والمؤتم فعلى قول الهادي يجب عليه سجودان، ويقدم ما لسهو ~~الإمام، وفي اللاحق وجهان للإمام (ب) يحيى أصحهما تقدمه لسبق وجوبه، والله أعلم. # 262 - وعن ثوبان -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لكل سهو سجدتان بعدما يسلم". رواه أبو داود وابن ماجه بسند ضعيف (¬3). # الحديث تفرد بوصله عمرو بن عثمان (¬4) من حديث عبد الرحمن بن جبير نفير ~~عن أبيه عن ثوبان، وغيره من الرواة قالوا: عن عبد الرحمن بن PageV03P214 # جبير بن نفير عن ثوبان وحديثهم الجميع مداره على ابن عياش، كذا أعله أبو ~~داود (¬1). # [ابن عياش اسمه إسماعيل (¬2)، ضعفه النسائي (¬3)، وجماعة، قال ابن حبان ~~(¬4) لا يحتج به. # (أ) قال العلائي: وفي هذا التعليق نظر، فقد وثقه يحيى بن معين (¬5) ~~ويعقوب بن سفيان وجماعة، وقال يزيد بن هارون ما رأيت أحفظ من إسماعيل بن ~~عياش وقال أحمد بن حنبل والبخاري: إذا حدث عن أهل بلده -يعني الشاميين- ~~فصحيح وإذا حدث عن غيرهم فقيه نظر، ولذلك قال يحيى بن معين في روايته: ليس ~~به بأس في أهل الشام، وقال دحيم: PageV03P215 # هو في أهل الشام غاية. وهذا الحديث من روايته في الشاميين فتضعيف أبي ~~داود فيه نظر. # والحديث يدل: على أن ms0452 جميع السهو في أركان الصلاة في جانب الزيادة ~~والنقصان يوجب سجود السهو، وقد ذهب إلى ظاهر الحديث ابن أبي ليلى كما حكاه ~~عنه النووي في "شرح مسلم" (¬1)، وحكى ابن المنذر (¬2) عن الأوزاعي: أنه إذا ~~سها سهوين سجد أربع سجدات، والذي حكاه أبو الطيب (¬3) عن الأوزاعي: أنه إن ~~(أ) كان السهو زيادة أو نقصان كفاه سجدتان، وإن كان أحدهما زيادة والآخر ~~نقصان سجد أربع سجدات، وحكى الماوردي عن الأوزاعي تفصيلا آخر أنه إن كان ~~السهو من جنس واحد قامت السجدتان عن جميعه، وإن كان (ب) من جنسين كان لكل ~~سهو سجدتان، وقاس ذلك على المحرم أنه إذا كرر اللبس لم يتعدد عليه الدم (ج ~~وإن لبس وتطيب تعدد عليه الدم ج) وذهب الجمهور من العلماء (¬4) أنه لا ~~يتعدد السجود وإن تعدد مقتضيه لحديث ذي اليدين، فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - تكلم ومشى ناسيا ولم يسجد إلا سجدتين. والله أعلم] (د). PageV03P216 # 263 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "سجدنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في: {إذا السماء انشقت} و {اقرأ باسم ربك الذي خلق} (أ) رواه ~~مسلم (¬1). # الحديث فيه دلالة على شرعية سجود التلاوة، وفي ذكره في السورتين رد على ~~من قال إنه لا سجود في آيات المفصل وهو مالك (¬2) محتجا بما في مسلم من ~~حديث زيد بن ثابت: أنه قرأ على النبي - صلى الله عليه وسلم -: {والنجم إذا ~~هوى} فلم يسجد (¬3) وسيأتي، وبحديث ابن عباس: أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة، وهو ضعيف الإسناد (¬4). # ويجاب بأن حديث زيد ترك السجود دلالة على عدم الوجوب، وحديث ابن عباس ~~عرفت ما فيه مع أن إسلام أبي هريرة بالمدينة، [وأيضا فحديثه (ب) مثبت، ~~وحديث ابن عباس ناف] (ج). PageV03P217 # واعلم أنه قد أجمع العلماء على شرعية سجود التلاوة، واختلفوا في الوجوب، ~~وفي مواضع السجود، فذهب الجمهور (¬1) إلى أنه سنة، وقال أبو حنيفة (¬2): ~~إنه واجب ليس بفرض بناء على التفوقة بين الفرض والواجب، وهو ms0453 سنة للقارئ ~~والمستمع، قال العلماء (¬3): إذا سجد المستمع لقراءة غيره وهما في غير صلاة ~~لم يرتبط به بل له أن يرفع قبله وله أن يطول السجود بعده، وله أن يسجد وإن ~~لم يسجد القارئ، وسواء كان القارئ متطهرا أو محدثا، أو امرأة أو صبيا. # ولأصحاب الشافعي (¬4) وجه ضعيف: أنه لا يسجد لقراءة الصبي والمحدث ~~والكافر، والصحيح الأول. # وأما مواضع السجود فذهب الشافعي إلى أنه يسجد فيما عدا المفصل فتكون ~~حينئذ أحد عشر موضعا [في قوله القديم (¬5)، وفي الجديد أربع عشرة سجدة، وعد ~~منها الثلاث في الفصل، ولم يعد سجدة "ص" لأنها عنده شكر لحديث ابن عباس: ~~"سجدها داود توبة، ونسجدها شكرا" رواه النسائي مرسلا (¬6) ويقوى إرساله ~~برواية في البخاري، أنه - عليه السلام - سجدها مرة على المنبر (¬7)، ورواه ~~أبو داود (¬8)، وابن حبان وصححه، و (أ) الحاكم، ولكنها تستحب في غير ~~الصلاة] (ب). PageV03P218 # وقال أبو حنيفة والهادوية (¬1) في أربعة عشر إلا أن أبا حنيفة لم يعد في ~~سورة الحج إلا سجدة، واعتبر سجدة (أ) "ص"، والهادوية العكس، وقال أحمد وابن ~~سريج من أصحاب الشافعي وطائفة (¬2): في خمس عشرة فأثبتوا في الحج السجدتين، ~~وفي "ص" أيضا، ومواضع السجدات معروفة. # واعلم أنه يشترط في الساجد أن يكون بصفة المصلي من الطهارة والستر (¬3)، ~~وقال البخاري (¬4): "وكان ابن عمر يسجد على غير وضوء"، كذا في رواية الأكثر ~~للبخاري، وفي رواية الأصيلي بحذف غير والأول أولى (¬5)، فقد روى ابن أبي ~~شيبة مسندا، قال: "كان ابن عمر ينزل عن راحلته، فيهريق الماء ثم يركب فيقرأ ~~السجدة فيسجد وما يتوضأ (¬6)، وقد أخرج البيهقي عن ابن عمر بإسناد (ب) صحيح ~~قال: "لا يسجد الرجل إلا وهو طاهر (¬7). PageV03P219 # والجمع بينهما بأنه أراد الطهارة الكبرى، ولم يوافق ابن عمر على جواز ~~السجود بلا وضوء إلا الشعبى أخرجه ابن أبي شيبة (أ) عنه بسند صحيح (¬1). # وظاهر أحاديث السجود كما صار إليه ابن عمر إذ لم يؤمر المستمعون لقراءة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بالطهارة، ومن البعيد أن يكونوا الجميع على ~~وضوء، [وقد ذهب ms0454 إلى ما روي عن ابن عمر أبو طالب والمنصور بالله (¬2)، وهكذا ~~الخلاف في طهارة اللباس والمصلي (ب) ويتفقون في (ج) اشتراط ستر العورة ~~والاستقبال مع الإمكان] (د). والله أعلم. # 264 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "ص ليست من عزائم السجود وقد ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسجد فيها". رواه البخاري (¬3). # وعنه: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد بالنجم". رواه البخاري (¬4). # وقوله: "عزائم السجود": العزيمة: فعيلة من العزم وهو عقد القلب على الشيء ~~وفي اصطلاح الأصوليين (¬5): ما شرع من الأحكام ابتداء، PageV03P220 # والمراد هنا أنه لم يرد فيها صيغة أمر ولا نهي، ولا تحريض ولا تحضيض، ولا ~~حث وإنما وردت بصيغة الإخبار عن داود - عليه السلام - وفعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ابتداء اقتداء بداود لقوله تعالى: {فبهداهم اقتده} (¬1)، ~~كذا أخرجه البخاري عن ابن عباس (¬2). # وفيه دلالة على أن المسنونات والمندوبات بعضها قد يكون آكد من بعض، وقد ~~روي ابن المنذر وغيره (¬3) عن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- بإسناد حسن ~~أن العزائم: {حم} و {اقرأ} و {النجم} و {الم (1) تنزيل}. # وكذا ثبت عن ابن عباس في الثلاثة الأخر. # وقيل: {الأعراف} و {سبحان} و {حم} و {الم} أخرجه ابن أبي شيبة (¬4). # [وقال مالك في "الموطأ": الأمر عندنا أن عزائم سجود القرآن إحدى عشرة ~~سجدة، ليس في المفصل منها شيء (¬5). # وقال أصحابه (¬6): أولها خاتمة الأعراف، وثانيها في الرعد عند قوله ~~تعالى: {بالغدو والآصال}، وثالثها في النحل عند قوله تعالى: {ويفعلون ما ~~يؤمرون}، ورابعها في بني إسرائيل عند قوله تعالى: {ويزيدهم خشوعا}، وخامسها ~~في مريم عند قوله تعالى: {خروا سجدا PageV03P221 # وبكيا} (أ)، وسادسها الأولى من الحج عند قوله تعالى: {إن الله يفعل ما ~~يشاء} (ب)، وسابعها (ج) في الفرقان عند قوله تعالى (د): {وزادهم نفورا}، ~~وثامنها (ه) في النمل عند قوله تعالى (و): {رب العرش العظيم}، وتاسعها (ز) ~~في: الم تنزيل: {وهم لا يستكبرون} وعاشرها في "ص": {وخر راكعا وأناب} ~~والحادي عشر في {حم} فصلت عند قوله تعالى: {إن ms0455 كنتم إياه تعبدون}، وقيل: ~~{وهم لا يسأمون} ومن عدها أربعة عشر زاد ثلاثا منها في المفصل، في "النجم" ~~وفي سورة "الانشقاق" عند قوله تعالى: {وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون} أو ~~آخر السورة ذكره ابن التين في "شرح البخاري"، وذكر الوجهين ابن الحاجب في ~~"مختصره". # ومن عدها خمسة عشر زاد سجدة "ص" عند قوله: {وأناب}. وقيل: {مآب}. # وعن النقاش أن عند أبي حنيفة (ح) ويمان بن رباب سجدة عند قوله تعالى: ~~{فسبح بحمد ربك وكن من الشاكرين} م وهذا غريب، وقد حكاه القرطبي (¬1) (ط). PageV03P222 # 265 - وعن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: "قرأت على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - النجم فلم يسجد فيها". متفق عليه (¬1). # الحديث فيه دلالة على عدم السجود في هذه السورة، وقد احتج به مالك على ~~أنه لا سجود في المفصل، وقد تقدم الكلام فيه. # 266 - وعن خالد بن معدان -رضي الله عنه- قال: فصلت سورة الحج بسجدتين. ~~رواه أبو داود في "المراسيل" (¬2). # ورواه أحمد والترمذي موصولا من حديث عقبة بن عامر وزاد: "فمن لم يسجدهما ~~فلا يقرأها" (أ). وسنده ضعيف (¬3). # وهو أبو عبد الله خالد بن معدان -بفتح الميم وسكون العين وتخفيف الدال ~~المهملة- الشامي الكلاعي -بفتح الكاف- تابعي من أهل حمص، وقال: لقيت سبعين ~~رجلا من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان من ثقات الشاميين، مات ~~بالطرسوس سنة أربع ومائة، وقيل: سنة ثلاث (¬4). PageV03P223 # حديث عقبة بن عامر أخرجه أيضا الدارقطني والبيهقي والحاكم، وفي إسناده ~~ابن لهيعة، وهو ضعيف (¬1)، وقيل: إنه تفرد به أيضا. # وأيده الحاكم (¬2) بأن الرواية صحت فيه من قول عمر وابنه وابن مسعود وابن ~~عباس وأبي الدرداء وأبي موسى وعمار ثم ساقها موقوفة عليهم، وأكده البيهقي ~~بما رواه في "المعرفة" من طريق خالد بن معدان. # وفي الحديث رد على أبي حنيفة (¬3) وداود وعطاء الخراساني القائلين بأنه ~~لا سجدة في الآخرة (أ) من "الحج". # وفي قوله: "فمن لم يسجدهما فلا يقرأها"، تأكيد لشرعية السجود فيهما، فأما ~~(ب) على القول بالوجوب فلأنه مع القراءة تسبب لترك الواجب ms0456 فكان المندوب ~~ذريعة لترك الواجب، وأما على القول بعدمه فلأنه لما ترك السنة بسبب فعل ~~المندوب وكان (ج) الأليق الاعتناء بالسنون وأن لا يتركه فالأحسن أن لا يقرأ ~~السورة ويحمل النهي على (د) التنزيه، والله أعلم. # 267 - وعن عمر -رضي الله عنه- قال: "يا أيها الناس: إنا نمر بالسجود فمن ~~سجد فقد أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه". رواه البخاري (¬4). PageV03P224 # وعنه وفيه: "إن الله لم يفرض السجود إلا أن نشاء". وهو في "الموطأ" (¬1). # في الأثر دلالة صريحة على عدم وجوب سجود التلاوة لقوله: "فلا إثم عليه". # وأما قوله: "إن الله لم يفرض السجود": فقد احتج به بعض الحنفية على أنه ~~واجب غير فرض، وفيه نظر، إذ ذاك اصطلاح محدد للفقهاء لم يكن في زمن (أ) ~~الصحابة، ويدل على خلاف هذه الرواية (ب) الأولى. # واستدل بقوله "إلا أن نشاء" بأنه إذا شرع في السجود وجب عليه إتمامه إذ ~~هو مخرج من بعض حالات عدم فرضية السجود. وأجيب بأنه استثناء منقطع، ~~والمعنى: ولكن ذلك موكول إلى مشيئتنا. # وهذا الأثر صدر من عمر (ج وهو يخطب ج) وفيه من الفوائد: # أن للخطيب أن يقرأ القرآن في الخطبة، وأنه إذا مر بسجدة تلاوة أن ينزل ~~إلى الأرض، فيسجد إذا لم يتمكن من السجود على المنبر كما وقع من عمر في ~~القصة التي حكاها البخاري، وأن ذلك لا يقطع الخطبة، وقد فعل عمر هذه ~~الأفعال مع حضور الصحابة ولم ينكر عليه أحد، وفي هذا رد على مالك حيث قال: ~~لا يسجد وهو يخطب (¬2). والله أعلم. # 268 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقرأ PageV03P225 # علينا القرآن فإذا مر بالسجدة كبر وسجد وسجدنا" رواه أبو داود بسند فيه ~~لين (¬1). # الحديث من رواية عبد الله -المكبر- العمري، وهو ضعيف (¬2)، وأخرجه الحاكم ~~(¬3) من رواية عبيد الله -المصغر- العمري، وهو ثقة، يقال: إنه على شرط ~~الشيخين، وأصله في الصحيحين (¬4) من حديث ابن عمر بلفظ آخر. # في الحديت زيادة: "كبر" تدل على أن التكبير مشروع. قال عبد ms0457 الرزاق: وكان ~~الثوري يعجبه هذا الحديث، قال أبو داود (¬5): [يعجبه] لأنه كبر (أ)، وقد ~~ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعي فقالوا: بتكبيرة واحدة للافتتاح (¬6)، وكذا ~~أبو طالب (¬7) لكنه قال: وتكبيرة أخرى للنقل. ولا دليل على ذلك، وقال بعض ~~أصحاب الشافعي (¬8): ويتشهد أيضا ويسلم كالصلاة، وبعضهم PageV03P226 # قال: يسلم قياسا للتحليل على التحريم ولا يتشهد، ولا دليل على ذلك. # واعلم أنه وقع الإجماع على شرعية سجود التلاوة مطلقا، وسواء كان القارئ ~~والمستمع في حال الصلاة أو غير مصل، إلا أنه إذا كان مصليا فرضا فإنها تؤخر ~~إلى بعد الصلاة عند الهادي والقاسم والناصر (¬1) والمؤيد بالله قالوا: ~~لأنها زيادة على الصلاة فتفسدها ولما رواه نافع عن ابن عمر أنه قال: "كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقرأ علينا السورة في غير الصلاة، فيسجد ~~ونسجد (أ) معه". [أخرجه أبو داود (¬2). # وقوله: "في غير الصلاة": وقعت في رواية ابن نمير] (ب) قالوا: فقوله: "في ~~غير الصلاة": يدل على أنه لم يكن يسجد في الصلاة إذا قرأ فيها ما كان يسجد ~~فيه خارج الصلاة، (ج إذ لولا ذلك لكان لا معنى لقوله: "في غير الصلاة". ذكر ~~هذا في "الشفاء" وإلا أن تكون الصلاة ج) نافلة، فإنه يسجد فيها، قالوا: ~~لتخفيف النافلة، ولأنه يجوز الزيادة فيها، وذهب الجمهور من العلماء إلى أنه ~~مشروع في الصلاة ولو كانت (د) الصلاة فرطا لحديث أبي هريرة: "أنه سجد في ~~{إذا السماء انشقت} خلف أبي القاسم" (¬3)، وظاهر سياق القصة أن ذلك في ~~الصلاة، أخرجه أبو داود (¬4)، وكذا في "صحيح أبي عوانة" من رواية يزيد بن ~~هارون عن PageV03P227 # سليمان التيمي (¬1)، وعموم الشرعية شامل لجميع الأوقات. # والجواب عن حجة الأولين أن هذه ثبتت (أ) بالدليل فلا تفسدها، وعن الحديث ~~بأنه عمل بمفهوم الصفة وهو قوله: "في غير الصلاة" ومفهومه (ب)، وأما في ~~الصلاة فلا. والمفهوم مطرح مع وجود ما هو أقوى منه وهو حكاية فعل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وفي هذا رد على مالك (¬2) حيث كره قراءة آية السجدة ~~في الصلاة ms0458 مطلقا كما نقل عنه أو في السرية فقط دون الجهرية كما نقل عنه ~~أيضا وعن بعض الحنفية (¬3)، وقد أخرج أبو داود والطحاوي والحاكم من حديث ~~ابن عمر - رضي الله عنهما -: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجد في ~~الظهر فرأى أصحابه أنه قرأ آية السجدة فسجدها" (¬4). # واعلم أنه ورد في الذكر في سجود القرآن بالليل: "وسجد وجهي للذي خلقه ~~وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته" أخرجه أحمد وأصحاب السنن والدارقطني ~~والحاكم (ج) والبيهقي وصححه ابن (د) السكن (¬5)، وزاد في آخره "ثلاثا"، ~~وزاد الحاكم في آخره PageV03P228 # {فتبارك (أ) الله أحسن الخالقين}، وفي حديث ابن عباس أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يقول في سجود القرآن: "اللهم اكتب لي بها عندك أجرا، واجعلها لي ~~عندك ذخرا، وضع عني بها وزرا، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود" (¬1). # 269 - وعن أبي بكرة -رضي الله عنه- "أن النبي (ب) - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا جاءه أمر يسره خر ساجدا لله"، رواه الخمسة إلا النسائي (¬2). # [الحديث قال الترمذي: غريب، وهو من رواية بكار بن عبد العزيز بن أبي بكرة ~~(¬3) عن أبيه عني جده، وبكار ضعفه العقيلي وغيره، قال ابن معين: صالح ~~الحديث (¬4)، ولابن ماجه عن أنس، وفي سنده ضعف واضطراب، ولكن لهذا المعنى ~~شواهد كثيرة (¬5)] (ج). PageV03P229 # في الحديث دلالة على شرعية سجدة الشكر، وقد ذهب إليه العترة والشافعي ~~(¬1) وأحمد خلافا لمالك، ورواية عن أبي حنيفة فقالا: تكره إذ لم يؤثر عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - مع ترادف النعم عليه، واندفاع الضار، ورواية ~~عن أبي حنيفة بأنه لا كراهة فيها، ولا ندب لذلك (¬2)، وأجيب بأن ذلك قد أثر ~~بهذا الحديث المذكور (أ) وغيره (ب) كما سيأتي، ولقوله - صلى الله عليه وسلم ~~- في سجدة {ص} "هي لنا شكر ولداود توبة" (¬3). # وشرط السجود الطهارة (¬4) كالصلاة عند أبي العباس والمؤيد، وتيمم المحدث ~~عند النخعي، وبعض أصحاب الشافعي قال: بل يتوضأ، وقيل: الحائض تومئ برأسها ~~(ج) وقال أبو طالب والإمام يحيى: لا تشترط الطهارة إذ ليس بصلاة وللحرج ms0459 ~~لتكرره بكثرة (د) النعم (¬5)، وهذا هو الظاهر من الآثار إذ لم يؤثر إحداث ~~الوضوء عند إرادة السجود، ولا حصل الأمر به، وليس بصلاة حقيقة حتى يتناوله ~~(ه) أدلة اشتراط الطهارة للصلاة، ولم يذكر في الحديث أنه كبر، بل الظاهر ~~منه أنه لم يكبر، فإن قوله "خر ساجدا" PageV03P230 # عقيب قوله: "إذا جاءه" وكذلك في سائر الأحاديث، يدل على أنه لم يشتغل ~~بغير السجود. # واختار الإمام المهدي في البحر أنه يكبر (1)، ذكره بغير مستند، قال أبو ~~طالب (2): ويستقبل القبلة. قال الإمام يحيى (3): ولا يسجد للشكر في الصلاة ~~قولا واحدا، إذ ليس من توابعها، ومقتضى الشرعية له عند حدوث نعمة أو دفع ~~مكروه أن يفعل ذلك في الصلاة كسجود التلاوة ويكون ذلك مخصصا لعموم النهي عن ~~الزيادة في الصلاة (¬4)، والله أعلم. # 270 - وعن عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه- قال: سجد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فأطال السجود ثم رفع رأسه، وقال: "إن جبريل أتاني فبشرني، ~~فسجدت لله شكرا". رواه أحمد وصححه الحاكم. # وأخرجه البزار وابن أبي عاصم في "فضل الصلاة على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -" والعقيلي في "الضعفاء" (¬5). PageV03P231 # قال البيهقي (¬1): وفي الباب عن جابر وابن عمر وأنس وجرير وأبي جحيفة. # والبشارة أنه من صلى عليه مرة صلى الله عليه عشرا. أخرج ذلك من ذكر (¬2). # 271 - وعن البراء بن عازب -رضي الله عنه- "أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بعث عليا إلى اليمن .. فذكر الحديث، وقال: فكتب علي بإسلامهم، فلما قرأ ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكتاب خر ساجدا". رواه البيهقي، وأصله ~~في البخاري (¬3). # أخرجه البخاري وصححه. # والمبعوث بإسلامهم هم: همدان، وقد روي عن علي -رضي الله عنه- أنه سجد لما ~~وجد ذا الثدية في القتلى، وفي حديث توبة كعب بن مالك أنه خر ساجدا لما جاءه ~~البشير (¬4). # [اشتمل هذا الباب على ستة وعشرين حديثا] (أ). PageV03P232 ### || AUTO باب صلاة التطوع # 272 - عن ربيعة بن كعب الأسلمي -رضي الله عنه- قال: قال لي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "سل. فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، ms0460 فقال: أو غير ~~ذلك؟ قلت: هو ذاك. قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود". رواه مسلم (¬1). # هو أبو فراس (¬2) -بكسر الفاء والسين المهملة- ربيعة بن كعب الأسلمي، من ~~أسلم، معدود في أهل المدينة من أهل الصفة، كان خادما لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - صحبه قديما وكان يلزمه سفرا وحضرا وكان ينزل على بريد من ~~المدينة، مات سنة ثلاث وستين بعد الحرة. روى عنه أبو سلمة بن عبد الرحمن ~~وحنظلة بن علي ومحمود بن عمر وابن عطاء وأبو عمران الجوني بفتح الجيم وسكون ~~الواو وبالنون. # في الحديث دلالة على فضيلة السجود، وأنه يستعان به على تنزيه النفس من ~~الصفات الذميمة، وتحليتها بكريم الأخلاق، فيناسب بذلك القرب والمرافقة لمن ~~هو على خلق كريم، وفي هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أقرب ما ~~يكون العبد من ربه وهو ساجد" (¬3). PageV03P233 # 273 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "حفظت من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد ~~المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل الصبح". متفق ~~عليه (¬1). # وفي رواية لهما: "وركعتين بعد الجمعة في بيته" (¬2). # ولمسلم: "كان إذا طلع الفجر لا (أ) يصلى إلا ركعتين خفيفتين" (¬3). # في الحديث دلالة على فضيلة التطوع في الأوقات المذكورة بما ذكر. # وقوله: في بيته" دلالة على أن فعل النافلة في البيت أفضل [وفي حديث مسلم ~~دلالة على المبادرة بهما في أول طلوع الفجر وتخفيفهم أو (ب) هو مذهب مالك ~~والشافعي (¬4) والجمهور، وقال بعض السلف: لا بأس بإطالتهما، ولعله أراد ~~أنها ليست بمحرمة، وحكى الطحاوي (¬5) عن قوم أنه لا قراءة فيهما، وهو غلط، ~~فإن في حديث عائشة: "حتى أني أقول: PageV03P234 # هل قرأ فيهما بأم القرآن" (¬1). # وقد يستدل به من يقول: تكره النافلة من طلوع (أ) الفجر، ولأصحاب الشافعي ~~ثلاثة أوجه (¬2): أحدها هذا، والثاني: الكراهة بعد صلاة سنة الصبح، ~~والثالث: الكراهة بعد صلاة الصبح، ولا مأخذ في هذا الحديث والله أعلم] (ب). # 274 - وعن عائشة - رضي الله عنها - "أن النبي ms0461 - صلى الله عليه وسلم - كان ~~لا يدع أربعا قبل الظهر وركعتين قبل الغداة". رواه البخاري (¬3). # وعنها قالت: "لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - على شيء من النوافل ~~أشد تعاهدا منه على ركعتي الفجر". متفق عليه (¬4). # ولمسلم: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها" (¬5). # قولها: "على شيء من النوافل" إلى آخره، فيه دلالة على فضلهما، وأنهما سنة ~~ليستا بواجبتين، وبه قال جمهور العلماء، وحكى القاضي (¬6) PageV03P235 # عن الحسن البصري وجوبهما، وقد يستدل به على أنهما أفضل من الوتر، ولا ~~دلالة في ذلك، لأن الوتر كان واجبا عليه - صلى الله عليه وسلم - فلم يكن ~~داخلا في عموم النوافل إذ ليس بنافلة في حقه. # وفي قوله: "خير من الدنيا وما فيها": أي (أ) متاع الدنيا. # 275 - وعن أم حبيبة أم المؤمنين - رضي الله عنها - قالت: سمعت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يقول: "من صلى اثنتي عشرة ركعة في يوم وليلة، بنى ~~له بهن بيت في الجنة" رواه مسلم (¬1). # وفي رواية: "تطوعا" (¬2) وللترمذي نحوه وزاد: "أربعا قبل الظهر وركعتين ~~بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر" (¬3). # وللخمسة عنها (ب): "من حافظ على أربع قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله ~~تعالى على النار" (¬4). PageV03P236 # الحديث قال الترمذي: حسن (¬1)، وصححه ابن حبان (¬2)، وخالف ابن القطان ~~فأعله (¬3) وحكى أبو حاتم عن أبي الوليد الطيالسي أنه أنكر هذا الحديث، ~~والعلة فيه أنه من رواية مكحول (¬4) عن عنبسة بن أبي سفيان (¬5)، ومكحول لم ~~يسمع منه كما ذكره أبو زرعة وهشام (أوأبو عبد الرحمن النسائي، لكن صححه ~~الترمذي (¬6) من حديث أبي عبد الرحمن القاسم بن عبد الرحمن أ) صاحب أبي ~~أمامة. قاله (ب) المنذري] (ج). # [وقد روي الحديث بروايات فيها: "حرم الله لحمه على النار" (¬7)، وفي ~~رواية: "حرم على النار" (¬8). # وفي رواية: "لم تمسه النار" (¬9). # وفي رواية: قال: لما نزل بعنبسة بن أبي سفيان جعل يتضور (¬10) فقيل PageV03P237 # له فقال (أ): أما إني سمعت أم حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~تحدث عن النبي - صلى الله ms0462 عليه وسلم - أنه "من ركع أربع ركعات قبل الظهر، ~~وأربعا بعدها حرم الله لحمه على النار فما تركتهن منذ سمعتهن" (¬1). # وفي رواية عن محمد بن أبي سفيان قال: "لما نزل به الموت أخذه أمر شديد ~~فقال: حدثتني أختي أم حبيبة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه الله على النار" (¬2). # وأخرج أبو داود عن أبي أيوب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"أربع قبل الظهر ليس فيهن تسليم" (¬3) وفي إسناده عبيدة بن معتب (¬4) تكلم ~~فيه يحيى بن سعيد، وقال ابن عدي (¬5): هو مع ضعفه يكتب حديثه، وذكر الغزالي ~~(ب) حديثا في صلاة الزوال، قال العراقي: ذكره عبد الملك بن حبيب بلاغا عن ~~ابن مسعود عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى أربع ركعات بعد زوال ~~الشمس يحسن قراءتهن وركوعهن وسجودهن، صلى معه سبعون ألف ملك يستغفرون له ~~حتى الليل" (¬6). PageV03P238 # وفي الطبراني الكبير (أ) عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إذا استوى النهار خرج إلى بعض حيطان المدينة، ~~وقد يسر له فيها طهور، فإذا زالت الشمس عند كبد السماء قدر شراك، قام يصلي ~~أربع ركعات، لم يتشهد بينهن، ويسلم (ب) في آخر الأربع ثم يقوم، فقال (ج) ~~ابن عباس: يا رسول الله ما هذه الصلاة التي تصليها ولا نصليها؟ فقال: يا ~~ابن عباس من صلاهن من أمتي فقد أحيا ليله بساعة (د) تفتح أبواب السماء، ~~ويستجاب فيها الدعاء" (¬1)، وكان إذا فاتته هذه الصلاة قبل الظهر صلاها بعدها. # وفي السنن عن عائشة رضي الله عنها: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا لم يصل أربعا قبل الظهر صلاهن بعدها" (¬2)] (ه). # 276 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "رحم الله امرءا صلى لله أربعا قبل العصر". رواه أحمد وأبو ~~داود والترمذي وحسنه وابن خزيمة وصححه (¬3). PageV03P239 # وعن عبد الله بن مغفل المزني ms0463 -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "صلوا قبل المغرب، صلوا قبل المغرب ثم قال في الثالثة: لمن ~~شاء، كراهية أن يتخذها الناس سنة" رواه البخاري (¬1). # وفي رواية لابن حبان: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى قبل المغرب ~~ركعتين" (¬2). # ولمسلم عن أنس -رضي الله عنه-: "كنا نصلي ركعتين بعد غروب الشمس وكان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يرانا، فلم يأمرنا، ولم ينهنا" (أ) (¬3). # هذه الأحاديث فيها دلالة على ما ذكر من فضيلة هذه الرواتب، ولم يذكر في ~~الصحيحين في (ب) النافلة قبل العصر شيء، وقد وردت فيها الأحاديث الحسان من ~~غيرهما. # واعلم أن جمهور العلماء على استحباب ما ذكر، إلا في الركعتين قبل المغرب ~~فالخلاف في استحبابهما. # وظاهر هذه الأحاديث التوسعة فيها، وأنه لا كراهة فيها، ولا زيادة ندب ~~للتأدية في الوقت المخصوص كغيرها (ب). واختلاف الأحاديث في أعداد الرواتب ~~المذكورة فيه دلالة على التوسعة، وأن من اقتصر على الأقل فقد فعل أصل ~~السنة، ومن فعل الأكثر فقد استكمل الأجر، وزادت له PageV03P240 # الفضيلة، ومن توسط في الأمر أخذ قسطه من الحظ. # 277 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يخفف الركعتين اللتين قبل صلاة الصبح، حتى إني أقول (أ): أقرأ بأم ~~(ب) الكتاب"؟. متفق عليه (¬1). # فيه دلالة على تخفيف القراءة فيهما، وقد تقدم، [وذهب جمهور الحنفية (¬2) ~~إلى إطالة القراءة فيهما، ونقل عن النخعي، وأورد البيهقي فيه حديثا من مرسل ~~سعيد بن جبير، وفي سنده راو لم يسم، وخص ذلك بمن فاته شيء من قراءته في ~~صلاة الليل، ونقل ذلك عن أبي حنيفة، وأخرجه ابن أبي شيبة بسند صحيح عن ~~الحسن البصري (¬3). # والحكمة في تخفيف القراءة فيهما لأنه ورد أن المؤمن يخفف عليه الحساب يوم ~~القيامة حتى يكون كعدد ركعتي الفجر، فاستحب تخفيفهما رجاء أن يكون له ذلك، ~~وقيل: لمزاحمة الإقامة، لأنه كان لا يصليهما حتى يأتيه المؤذن، وكان يغلس ~~بصلاة الصبح] (ج). # 278 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله ms0464 عليه وسلم - ~~"قرأ في PageV03P241 # ركعتي الفجر {قل يا أيها الكافرون} و {قل هو الله أحد} رواه مسلم (¬1). # وفي رواية لمسلم: قرأ الآيتين: {قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا} و {قل ~~ياأهل الكتاب تعالوا} (¬2). # وفي هذا دليل (أ) لمذهب الجمهور من أنه يقرأ فيهما بعد الفاتحة سورة، ~~ويستحب أن تكون هاتان السورتان أو الآيتان، وكلاهما سنة، وقال مالك وجمهور ~~أصحابه: (¬3) لا يقرأ غير الفاتحة، وقال بعض السلف: لا يقرأ شيئا كما سبق، ~~وكلاهما خلاف هذه السنة التي لا معارض لها. # وفي السورتين مناسبة كاملة لما يفتتح به المصلي أول يومه؛ فإن {قل هو ~~الله أحد}: إخلاص الاعتقاد و {قل يا أيها الكافرون}: إخلاص للأعمال، وكذلك ~~الآيتان. والله أعلم. # 279 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا صلى ركعتي الفجر اضطجع على شقه الأيمن" رواه البخاري (¬4). PageV03P242 # الحديث وقع الاختلاف فيه بين أصحاب [الزهرى] (أ) فرواه عقيل ويونس وشعيب ~~وابن أبي ذئب (ب) والأوزاعي، وغيرهم كما صدر. # ورواه مالك عن الزهري عن عروة عن عائشة: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي من الليل إحدى عشرة ركعة يوتر فيها (ج) بواحدة، فإذا فرغ منها ~~اضطجع على شقه الأيمن حتى يأتيه المؤذن فيصلي ركعتين خفيفتين (¬1)، فذكر ~~مالك أن اضطجاعه كان قبل ركعتي الفجر، [وذهب إلى هذا القاضي عياض (د)] وفي ~~حديث الجماعة أنه اضطجع بعدهما (¬2). # قال ابن تيمية: فحكم العلماء أن مالكا أخطأ، وأصاب غيره (¬3). # واعلم أن العلماء في حكم هذه الضجعة ما بين مفرط ومفرط ومتوسط، فأفرط ~~جماعة من أهل الظاهر منهم ابن حزم ومن تابعه فقالوا بوجوبها وأبطلوا الصلاة ~~بتركها، [فقال ابن حزم (¬4): ومن لم يقدر على الاضطجاع على الأيمن فإنه ~~يومئ، ولا يضطجع على الأيسر] (ه)، وذلك لفعله - صلى الله عليه وسلم - ~~المذكور، ولحديث أبي هريرة أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صلى أحدكم PageV03P243 # الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن" (¬1) قال الترمذي: ~~حديت حسن صحيح غريب، وقد ذكر عبد الرزاق في ms0465 "المصنف" (¬2) عن معمر عن أيوب ~~عن ابن سيرين أن أبا موسى ورافع بن خديج وأنس بن مالك رضي الله عنهم كانوا ~~يضطجعون بعد ركعتي الفجر، ويأمرون بذلك، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: ~~الحديث ليس بصحيح، لأنه تفرد به عبد الواحد (أ) بن زياد (¬3)، وفي حفظه ~~مقال (¬4). # قال المصنف -رحمه الله- والحق أنه تقوم به الحجة. PageV03P244 # وفرط جماعة فقالوا بكراهتها، واحتجوا بآثار الصحابة، كما أخرج عبد الرزاق ~~(¬1) عن ابن عمر أنه كان لا يفعل ذلك، وقال (أ). كفى بالتسليم، وروي عنه ~~أنه كان يحصب من فعلها. # وذكر ابن أبي شيبة عن أبي الصديق الناجي أن ابن عمر رأى قوما قد اضطجعوا ~~بعد ركعتي الفجر فأرسل إليهم فنهاهم، فقالوا: نريد بذلك السنة؟ فقال ابن ~~عمر: ارجع إليهم فأخبرهم أنها بدعة (¬2). # وقال أبو مجلز: سألت ابن عمر عنها فقال: يلعب بكم الشيطان (¬3) وقال ابن ~~مسعود: ما بال الرجل إذا صلى الركعتين يتمعك كما يتمعك الحمار إذا تمعك (¬4). # وتوسط فيها طائفة منهم مالك وغيره فلم يروا بها بأسا لمن فعلها راحة ~~وكرهوها لمن فعلها استنانا. ومنهم من قال: استحسانها (¬5) على الإطلاق، ~~سواء استراح بها أم لا. # وروي عن أحمد أنه قال: روته عائشة، وأنكره ابن عمر، وقال أحمد: لما سئل ~~عنه: ما أفعله وإن فعله رجل فحسن (¬6)، وبوب البخاري (¬7) لمن تحدث بعد ~~الركعتين ولم يضطجع وأشار بهذه الترجمة إلى أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لم PageV03P245 # يداوم عليها، وبهذا احتج الأئمة على حمل الأمر في حديث أبي هريرة علي عدم ~~الوجوب، وجزم ابن العربي (¬1) بأن فعلها إنما يكون للاستراحة والنشاط لصلاة ~~الفريضة، فلا تكون حينئذ إلا للمتهجد وشهد له ما أخرجه عبد الرزاق (¬2) أن ~~عائشة كانت تقول: "إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يضطجع لسنة ولكنه ~~كان يدأب ليلته [فيضطجع] (أ) "ليستريح"، وفي إسناده راو لم يسم. # وقيل: إن فائدتها الفصل بين ركعتي الفجر وصلاة الصبح، وعلى هذا فلا ~~اختصاص ومن ثم قال الشافعي: تتأدى السنة بكل ما يحصل به الفصل من مشي وكلام ms0466 ~~وغيره حكاه البيهقي (¬3). # وقال النووي (¬4): المختار أنه سنة لظاهر حديث أبي هريرة (ب وقد قال أبو ~~هريرة ب)، راوي الحديث: إن الفصل بالمشي إلى المسجد لا يكفي، وأقول هذا ~~الأولى (ج)، وترك النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الأوقات إنما هو ~~لبيان عدم الوجوب، ولا وجه لرد ما روي من الفعل والقول. # قال المصنف -رحمه الله - (¬5) وذهب بعض إلى استحبابها في البيت دون ~~المسجد، وهو محكي عن ابن عمر، وقواه بعض شيوخنا، فإنه لم PageV03P246 # ينقل عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه فعله (أ) في المسجد، وصح عن ~~ابن عمر أنه كان يحصب من فعله في المسجد. أخرجه ابن أبي شيبة (¬1) انتهى. # وأقول: مع ما عرفت من إطلاق الدليل (ب) فلا وجه للتقييد. # وفي اضطجاعه على شقه الأيمن سر وهو أن القلب معلق في الجانب الأيسر فإذا ~~نام الرجل على الجانب الأيسر استثقل نوما؛ لأنه يكون في دعة واستراحة فيثقل ~~نومه، فإذا نام على شقه الأيمن، فإنه يقلق ولا يستغرق في النوم لقلق القلب، ~~وطلبه مستقره وميله إليه، ولهذا استحب (ج) الأطباء النوم على الجانب الأيسر ~~لكمال الراحة، وطيب المنام، وصاحب الشرع يستحب النوم على الجانب الأيمن ~~لئلا يثقل في (د) نومه فينام عن قيام الليل، فالنوم على الجانب الأيمن أنفع ~~للقلب وعلى الجانب الأيسر أنفع للبدن. [ويكون وجهه إلى القبلة مع قبالة ~~بدنه على الشق الأيمن كاستقبال الميت في اللحد لئلا يخلو بدنه عن التوجه ~~إلى القبلة] (ه). # 280 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا صلى أحدكم الركعتين قبل صلاة الصبح فليضطجع على جنبه الأيمن" PageV03P247 # رواه أحمد والتومذي وأبو داود وصححه (¬1) (أ). # تقدم الكلام في الحديث. # 281 - وعن ابن عمر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشى أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر ~~له ما قد صلى". متفق عليه (¬2). # وللخمسة وصححه ابن حبان: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى". # وقال النسائي: هذا ms0467 خطأ (¬3). PageV03P248 # الحديث من رواية ابن عمر رواه (أ) عنه طاوس ونافع وغيرهما بدون ذكر ~~النهار، وتفرد بذكر النهار علي بن عبد الله البارقي الأزدي (¬1) عن ابن ~~عمر، وكان يحيى بن معين يضعف حديثه ولا يحتج به ويقول: إن نافعا وعبد الله ~~بن دينار وغيرهما رووه بدون ذكر النهار. وقال أيضا: ومن الأزدي حتى أقبل ~~حديثه، وادعى يحيى بن سعيد أن ابن عمر كان يتطوع في النهار بأربع، فلو كانت ~~الرواية صحيحة عنه لما خالفها. # وقال الدارقطني في "العلل": ذكر النهار وهم. # قال الخطابي (¬2): هي زيادة من ثقة فتقبل. وقال البيهقي (¬3): هذا حديث ~~صحيح، وقال: البارقي احتج به مسلم، والزيادة من الثقة مقبولة، وقد صححه ~~البخاري (¬4) لما سئل عنه، ثم روى ذلك بسنده إليه، قال: وقد روي عن محمد بن ~~سيرين عن ابن عمر موقوفا بأسانيد كلهم ثقات. # في الحديث دلالة على أن المشروع في صلاة الليل أن يسلم المتطوع على ~~ركعتين. # وفي قوله: "مثنى مثنى" إشارة إلى أن من أراد تكرار النافلة سلم على كل ~~اثنين، وقد ذهب إلى هذا جمهور العلماء (¬5)، إلا أن مالكا قال: لا PageV03P249 # يجوز الزيادة على ركعتين. قال: لأن مفهوم الحديث الحصر، فهو في قوة: ما ~~صلاة الليل إلا مثنى مثنى، لأن تعريف المبتدئ قد يفيد ذلك بحسب الأغلب. ~~وأجاب الجمهور المجوزون الزيادة أنه وقع ذلك جوابا لمن سأل عن صلاة الليل ~~كما يدل عليه أول الحديث، فلا دلالة حينئذ، وبما صح عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه كان يصلي ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس (¬1)، وفي ~~الصحيحين حديث عائشة أنه كان يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن، وسيأتي (¬2). ~~وحديث أبي أيوب الآتي: "من أحب أن يوتر بخمس .. " (¬3) وهو حجة على أبي ~~حنيفة حيث قال: الأفضل أن يصلي أربعا أربعا، وإن شاء ركعتين، وإن شاء ستا (¬4). # وقوله: "إذا خشى أحدكم .. " إلخ: فيه دلالة على أن الوتر في الليل مشروع ~~فإذا لم يكن قد صلى وتر، وخشى طلوع الفجر أوتر بركعة. # وفيه دلالة على صحة ms0468 الإحرام بركعة. # وفي زيادة ذكر النهار يدل على أن الأفضل في نافلة النهار أيضا أن تكون ~~ركعتين وفيه خلاف أبي حنيفة (¬5) وصاحبيه، فقالوا (أ): يخير بين أن يصلى ~~ركعتين ركعتين أو أربعا أربعا ولا يزيد على ذلك، وقد أخرج في البخاري (¬6) ~~ثمانية أحاديث في صلاة النهار ركعتين. PageV03P250 # 282 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل". أخرجه مسلم (¬1). # فيه دلالة ظاهرة على فضل (أ) النافلة بالليل. # 283 - وعن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "الوتر حق على كل مسلم، من أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن ~~أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل". رواه الأربعة ~~إلا الترمذي (¬2) وصححه ابن حبان، ورجع النسائي وقفه (¬3). # وكذا صح أبو حاتم والذهلي والدارقطني في "العلل" والبيهقي وغير واحد ~~وقفه. PageV03P251 # قال المصنف رحمه الله: وهو الصواب (¬1). # وفي رواية الدارقطني (أ): "الوتر حق واجب فمن شاء فليوتر بثلاث" (¬2). # وحكى مجد الدين بن تيمية (¬3) عن ابن المنذر في حديث أبي أيوب: "الوتر حق ~~وليس بواجب". # الحديث فيه دلالة علي وجوب الوتر: "حق على كل مسلم"، إذ معنى الحق هو ~~الثابت، والظاهر من الثبوت هو اللزوم، فيكون واجبا إذا لا لزوم إلا للواجب. ~~وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة (¬4) والحسن بن زياد، ورواية أيضا عن أبي حنيفة ~~أنه فرض، وكذا عن زفر، وقد روي عن أبي حنيفة عدم الوجوب، وذهب إلى خلاف هذا ~~العترة ومالك والشافعي (¬5)، وصاحبا أبي حنيفة والجمهور فقالوا: إنه ليس ~~بواجب لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خمس في اليوم والليلة" (¬6)، ولقول ~~علي: "الوتر ليس بحتم" (¬7)، وسيأتي، ولقوله: PageV03P252 # "ثلاث هن علي فرائض ولكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الضحى" (¬1)، وفي ~~رواية أحمد (¬2): "وركعتا الفجر" بدل "ركعتا الضحى"، وفي رواية لابن عدي ~~(¬3): "وركعتا الفجر" بدل (أ) "النحر". # والحديث وإن كان ضعيفا (¬4) فله متابعات يتأيد بها. # ولقوله "فمن أحب": فإنه دليل عدم الوجوب، ولما في حديث ابن ms0469 عمر: "كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي في السفر على راحلته حيث توجهت به يومئ ~~إيماء صلاة الليل إلا الفرائض، ويوتر على راحلته" أخرجه البخاري (¬5)، ~~فالإيتار على الراحلة والإخراج من حكم الفرائض دليل (ب) عدم الوجوب، وحديث ~~أبي أيوب الأصح وقفه فلا تقوم به حجة واضحة، ويمكن حمله وكذلك حمل ما أشبهه ~~من الأحاديث الواردة بصيغة الأمر -على تأكيد سنيته، وأنه من السنن التي ~~ينبغي المحافظة عليها جمعا بين الأدلة. وفي قوله: "فمن أحب أن يوتر ... " ~~إلخ: ظاهره التخيير بين هذه الأعداد في إحراز فضيلة أصل السنة، وإن كان ~~الأكثر أكثر أجرم، ويدل على أنه يفعل ما ذكر من الخمس والثلاث موصولا ~~وسيأتي في حديث عائشة: "يوتر من ذلك بخمس لا يجلس في شيء إلا في آخرها" ~~(¬6) [وإذا أوتر بثلاث PageV03P253 # فله الفصل والوصل والفصل أفضل لرواية (أ) ابن حبان في "صحيحه" (¬1) عن ~~ابن عمر - رضي الله عنهما -: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفصل ~~بين الشفع والوتر"، وفي "شرح المهذب" أنه يكره الوصل (¬2) لأن أحاديث الفصل ~~أكثر ولأنه أكثر عملا، إذ يزيد بالسلام ثم التكبير والنية وغيرها. # وقيل: الوصل أفضل (ب)، خروجا من خلاف الهادوية وأبي حنيفة (¬3) فإنه لا ~~يصح المفصول عندهم، وقال السبكي: الوصل مكروه، لأن الدارقطني روى حديثا ~~رجاله ثقات: "لا تشبهوا بصلاة المغرب" (¬4) قال الرافعي (¬5): وفي وجه ~~الاقتصار على تشهد واحد أولى فرقا بين صلاة المغرب والوتر، وسيأتي زيادة ~~تحقيق لهذا إن شاء الله تعالى (¬6)] (ج). # وفي قوله: "ومن أحب أن يوتر بواحدة .. ": ظاهره الاقتصار على ركعة واحدة، ~~وقد روي مثل ذلك عن جماعة من الصحابة فأخرج محمد بن نصر وغيره بإسناد صحيح ~~عن السائب بن يزيد، أن عثمان -رضي الله عنه- قرأ القرآن ليلة في ركعة لم ~~يصل غيرها (¬7)، وأخرج البخاري (¬8) أن معاوية PageV03P254 # أوتر بركعة، وأن ابن عباس استصوبه. # وقد ذهب إلى هذا الشافعي [(أوقيل شرط الإيتار (ب) بركعة سبق نفل بعد ~~العشاء سواء كانت راتبة العشاء أو غيرها من النوافل المطلقة ليوتر ما تقدمه ms0470 (¬1). # وإطلاق هذا الحديث وغيره من الأحاديث، وفعل عثمان يرد عليه، وأطنب ~~الشافعي في "الأم" (¬2) في الرد على قائله. قال الأوزاعي: والظاهر اعتبار ~~كون النفل السابق إذنا فلو قضى فائتة أو غيرها من الفرائض بعد العشاء ~~فكالعدم فيما يظهر. قال: ولم أره منقولا] (ج) أ). # 284 - وعن علي - رضي الله عنه - (د) قال: "ليس الوتر بحتم كهيئة ~~المكتوبة، ولكن سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". رواه النسائي، ~~والترمذي وحسنه و (ه) الحاكم وصححه (¬3). PageV03P255 # في الحديث دلالة على عدم وجوب الوتر، وقد تقدم. # وفي قوله: "ولكن سنة سنها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ": إفهام بأن ~~ذلك اعتياد منه - صلى الله عليه وسلم - لذلك الفعل وأنه باختيار منه ~~واجتهاده. # والسنة: العادة والطريقة. # 285 - وعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه- "أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قام شهر رمضان، ثم انتظروه من القابلة، فلم يخرج، وقال إني ~~خشيت أن يكتب عليكم الوتر". رواه ابن حبان (¬1). # الحديث أخرجه أبو داود من حديث عائشة ولفظه: "أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى في المسجد، فصلى بصلاثه ناس، ثم صلى من القابلة فكثر الناس، ثم ~~اجتمعوا من الليلة الثالثة فلم يخرج إليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم ولم يمنعني من الخروج إلا أني خشيت أن ~~يفرض عليكم، وذلك في رمضان". فيدل على أنه صلى بهم ليلتين، وحديث PageV03P256 # الكتاب أنه صلى بهم ليلة واحدة، [وفي رواية أحمد (¬1) أنه صلى بهم ثلاث ~~ليال، وغص المسجد بأهله في (أ) الليلة الرابعة] (ب). # وفي قوله: "خشيت أن يكتب عليكم الوتر": فيه دلالة على عدم وجوب الوتر ~~مطلقا، وإن كان ذلك الصنع في شهر رمضان، والله أعلم. # 286 - وعن خارجة بن حذافة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن الله أمدكم بصلاة هي خير لكم من حمر النعم، قلنا: وما هي ~~يا رسول الله؟ قال: الوتر ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر". رواه الخمسة ms0471 ~~إلا النسائي وصححه الحاكم (¬2). # وروى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نحوه. # هو خارجة بن حذافة -بضم الحاء المهملة وبالذال المعجمة والفاء- القرشي ~~العدوي: كان يعدل بألف فارس، وروي أن عمرو بن العاص استمد من عمر بثلاثة ~~آلاف فارس فأمده بثلاثة، وهم خارجة بن حذافة، والزبير بن العوام، والمقداد ~~بن الأسود، ولي خارجة القضاء بمصر لعمرو بن العاص، وقيل كان علىي شرطته، ~~وعداده في أهل مصر، قتله الخارجي ظنا منه أنه عمرو بن العاص حين تعاقد ~~الثلاثة على قتل عمرو ومعاوية وعلي -رضي الله عنهم- وسبقت الشهادة لعلي ~~-رضي الله عنه، PageV03P257 # وكرم وجهه- (أ)، ويقال: (ب) إنه قتل خارجة رجل من بني العنبر بن عمرو بن ~~تميم، وقيل: مولى لبني العنبر، وكان قتله في سنة أربعين، وروى عنه عبد الله ~~بن أبي مرة (¬1). # [والحديث ضعفه البخاري (¬2) بعدم سماع رواية بعضهم من بعض وقال: ابن حبان ~~إسناده منقطع ومتن باطل] (¬3) (ج). PageV03P258 # في الحديث إفهام بعدم وجوب الوتر إذ الإمداد (¬1) هو الزيادة لما يقوي ~~المديد عليه، يقال: مد الجيش وأمده إذا زاده وألحق به ما يقويه (أ) ويكثره، ~~ومد الدواة وأمدها زادها ما يصلحها، ومددت السراج والأرض إذا أصلحتها ~~بالزيت والسماد، والنوافل هي تكميل للفرائض، إن عرض فيها نقص كما ثبت في ~~الحديث في "سنن أبي داود" وغيرها. # وقوله "خير لكم من حمر النعم": خصها بالذكر لأنها الأشرف عند أربابها. # وفي قوله: (ما بين صلاة العشاء ..) إلخ: تنبيه على وقتها، وأن الفاعل لها ~~في أي ساعة من ذلك الوقت قد أجزأه ذلك وفعل بالسنة. # 287 - وعن عبد الله بن بريدة عن أبيه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "الوتر حق، فمن لم يوتر فليس منا" أخرجه أبو داود ~~(¬2) بسند لين، وصححه الحاكم، وله شاهد ضعيف عن أبي هريرة عند أحمد (¬3). # هو أبو سهل عبد الله بن بريدة (¬4) -بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون ~~الياء تحتها نقطتان وبالدال المهملة- ابن الحصيب -بضم الحاء المهملة وفتح ~~الصاد المهملة وسكون الياء تحتها ms0472 نقطتان وبالباء الموحدة- PageV03P259 # الأسلمي، قاضي مرو، تابعي من مشاهير التابعين وثقاتهم. سمع أباه وسمرة بن ~~جندب، وعمران بن حصين، وعبد الله بن مغفل. روى عنه ابنه سهل، وحسين المكتب، ~~وعبد الله بن مسلم المروزي الأسلمي. مات بمرو، له عند المراوزة حديث كثير. # الحديث فيه عبد الله (أ) بن عبد الله العتكي (¬1) يكنى أبا المنيب، ضعفه ~~البخاري والنسائي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، ووثقه يحيى بن معين. # والشاهد الذي له (ب) من حديث أبي هريرة رواه أحمد بلفظ: "من لم يوتر فليس ~~منا"، وفيه الخليل بن مرة (¬2)، وهو منكر الحديث، وفي الإسناد انقطاع بين ~~معاوية بن قرة وأبي هريرة كما قال أحمد (¬3). # ظاهر قوله "فليس منا": أي متصل بنا، يعني من أهل طريقتنا وملتنا يدل على ~~وجوب الوتر، ولكنه يحمل علي المبالغة في تأكد (ج) سنيته حتى يلحق بالواجب ~~بقرينة ما تدل على عدم الوجوب كما تقدم، والله أعلم. # 288 - وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "ما كان رسول الله PageV03P260 # - صلى الله عليه وسلم - يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، ~~يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن ~~وطولهن، ثم يصلي ثلاثا. قالت عائشة رضي الله عنها: فقلت يا رسول الله: ~~أتنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة إن عيني تنامان، ولا ينام قلبي". متفق ~~عليه (¬1). # وفي رواية لهما عنها: "كان يصلي من الليل عشر ركعات، ويوتر بسجدة ويركع ~~ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة ركعة" (¬2). # وعنها قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ثلاث ~~عشرة ركعة، يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلا في آخرها" (¬3). # وعنها قالت: من كل الليل قد أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فانتهى وتره إلى السحر". متفق عليه (¬4). # قولها: "ما كان يزيد في رمضان .. " إلخ: فيه دلالة على أن صلاته - صلى ~~الله عليه وسلم - كانت متساوية في جميع السنة. # واعلم أن حديث عائشة - رضي الله عنها - لصفة صلاته - صلى الله عليه ms0473 وسلم ~~- اختلف PageV03P261 # في العدد لركعاته وكيفيتها، حتى إن بعضهم (¬1) نسب حديثها إلى الاضطراب، ~~وهذا إنما يتم لو كان إخبارها عن وقت واحد، وليس كذلك بل ما روته فهو محمول ~~على أوقات متعددة وأحوال مختلفة بحسب النشاط وبيان الجواز، فقد روي ما ذكر ~~هنا وقد روي من حديث مسروق: "سبع وتسع وإحدى عشرة سوى ركعتي الفجر" (¬2)، ~~وفي رواية مسلم من هذا الوجه: "كان صلاته عشر ركعات، ويوتر بسجدة، ويركع ~~ركعتي الفجر، فتلك ثلاث عشرة" (¬3)، ورواية: "يصلي من الليل ثلاث عشرة"، ~~وفيها زيادة: "ثم يصلي إذا سمع النداء بالصبح ركعتين خفيفتين" (¬4) يدل على ~~أن صلاته ثلاث عشرة ركعة في الليل، وهي رواية الزهري (¬5) عن عروة عن ~~عائشة، فيحتمل أنها أضافت (أ) إلى الإحدى عشرة ما كان يفتتح به صلاته من ~~الركعتين الخفيفتين، وقد ثبت هذا في "صحيح مسلم" (¬6)، ويدل على هذا ما ذكر ~~في الرواية: "يصلي أربعا"، ثم قالت: "ويصلي (ب) أربعا"، فلم يتعرض لركعتي ~~الافتتاح في هذه الرواية، وتعرض لها في رواية PageV03P262 # الزهري والزيادة من الحفاظ مقبولة، والجمع بين الروايات هو الواجب مهما ~~أمكن (أ) وأيضا ويتأول ما قد ثبت أنه كان يصلي بعد الوتر ركعتين بأنهما ~~ركعتا الفجر، ويؤيد هذا المذكور ما وقع عند أحمد وأبي داود من رواية عبد ~~الله بن [أبي] (ب) قيس: "كان يوتر بأربع وثلاث وست، وثلاث وثمان، وثلاث ~~وعشر، ولم يكن يوتر بأكثر من ثلاث عشرة ولا أنقص من سبع" (¬1). # قال الحافظ المصنف (¬2) -رحمه الله-: وهذا أوضح ما وقفت عليه من ذلك ~~ويجمع به بين ما اختلف. والله أعلم. # [وقولها "فلا تسأل عن حسنهن وطولهن": يعني في غاية من كمال الحسن والطول ~~مستغنيات بظهور حسنهن وطولهن عن السؤال"] (ج). # وقولها: "من كل الليل .. " إلى آخره: فيه دلالة على التوسعة في وقت ~~الوتر، وانتهاء وتره إلى السحر لا يلزم منه أنه لا يصح الوتر قبيل (د) طلوع ~~الفجر إذ لا دلالة على ذلك. # واعلم أن الحكمة في عدم الزيادة على إحدى عشرة أن التهجد والوتر مختص ms0474 ~~بصلاة الليل. # وفرائض النهار، الظهر أربع، والعصر أربع، والمغرب ثلاث وهي وتر النهار، ~~فناسب أن يكون صلاة الليل كصلاة النهار في العدد، وأما مناسبة ثلاث عشرة ~~فإذا ضم ركعتا الفجر إلى صلاة النهار. والله أعلم. PageV03P263 # 289 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "يا عبد الله لا تكن مثل فلان، كان يقوم من (أ) ~~الليل فترك قيام الليل". متفق عليه (¬1). # قوله "مثل فلان": يحتمل أن تكون الكناية عنه بفلان، وقع من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - للستر عليه، ويحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قد سماه باسمه، وكان الستر من عبد الله. # وفيه دلالة على أن أحب العمل أدومه، والله أعلم. # 290 - وعن علي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "أوتروا يا أهل القرآن، فإن الله وتر يحب الوتر" رواه الخمسة وصححه ابن ~~خزيمة (¬2). PageV03P264 # المراد بأهل القرآن: المؤمنون الذين صدقوا القرآن، وخاصة من يتولى بحفظه ~~وتلاوته ومراعاة حدوده وأحكامه. # وقوله: "فإن الله وتر". قال في "النهاية" (¬1): أي واحد في ذاته لا يقبل ~~الانقسام ولا التجزئة واحد في صفاته لا شبه له ولا مثل، واحد في أفعاله لا ~~شريك له ولا معين. # وقوله: "ويحب الوتر". أي يثيب عليه ويقبل من عامله، وقال القاضي: كلما ~~ناسب الشيء أدنى مناسبة كان أحب إليه مما لم تكن له تلك المناسبة. # 291 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا". متفق عليه (¬2). # قد استدل به من يوجب (أ) الوتر، وهو متأول بما تقدم. # 292 - وعن طلق بن علي -رضي الله عنه- سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "لا وتران في ليلة" رواه أحمد والثلاثة، وصححه ابن حبان (ب) ~~(¬3). PageV03P265 # أخرجوه من حديث قيس بن طلق عن أبيه، وقال الترمذي: حسن، وقال عبد الحق ~~وغيره بصحته، وأصل الحديث في "سنن أبي داود"، قال قيس: زارنا طلق بن علي في ~~يوم ms0475 من رمضان، وأمسى عندنا، وأفطر، ثم قام تلك الليلة، وأوتر بنا ثم انحدر ~~إلى مسجده فصلى بأصحابه حتى إذا بقي الوتر قدم رجلا فقال: أوتر بأصحابك، ~~فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: لا وتران في ليلة". # الحديث يدل على أن من أوتر في الليل فلا ينقض وتره (¬1) إذا صلى بعد ذلك ~~شفعا، ولا يحتاج إلى إعادة وتر، وقد اختلف السلف في ذلك في موضعين: أحدهما ~~في مشروعية ركعتين بعد الوتر عن جلوس، والثاني من أوتر ثم أراد أن يتنفل في ~~الليل هل يكتفى بوتره الأول ويتنفل ما شاء أو يشفع وتره بركعة، ثم يتنفل، ~~ثم إذا فعل هل يحتاج إلى وتر آخر أو لا؟ أما الأول فوقع عند مسلم (¬2): ~~"كان يصلى ركعتين بعد الوتر وهو جالس" وقد ذهب إليه بعض أهل العلم، وجعلوا ~~الأمر في قوله: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترا"، مختصا بمن (أ) أوتر آخر ~~الليل، وأجاب من لم PageV03P266 # يقل بذلك بأن الركعتين هما ركعتا الفجر. وأجاب النووي بأن فعله لهما ~~لبيان جواز النفل بعد الوتر والصلاة قاعدا (¬1). # وأما الثاني وهو عدم نقض الوتر فقد ذهب إليه جمهور السلف (¬2)، وقد روي ~~عن عبد الله بن عمر أنه كان ينقض الوتر، فيوتر من أول الليل، فإذا قام ~~يتهجد صلى ركعة يشفع بها تلك، ثم يوتر من آخر الليل، أخرجه الشافعي (¬3) عن ~~مالك عن نافع بهذا وروى محمد بن نصر (¬4) من طريق أخرى أنه سئل (أ) ابن عمر ~~عن ذلك فقال: إذا كنت لا تخاف الصبح ولا النوم (ب) فاشفع، ثم صل ما بدا لك ~~ثم أوتر، وإلا فصل على وترك الذي كنت أوترت، ومن طريق أخرى عن ابن عمر أنه ~~سئل عن ذلك فقال: "أما أنا فأصلي مثنى فإذا انصرفت ركعت واحدة"، فقيل (ب): ~~أرأيت إن أوترت قبل أن أنام ثم قمت من الليل فشفعت حتى أصبح؟ قال: "ليس ~~بذلك بأس". # وهذا فيه دلالة على صحة صلاة ركعة واحدة (د)، وقد قال به الشافعي PageV03P267 # والجمهور (¬1)، ومنع منه ms0476 الهادي وغيره من أهل البيت والحنفية (¬2). # 293 - وعن أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: "كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يوتر بسبح اسم ربك الأعلى وقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد". # رواه أحمد وأبو داود والنسائي وزاد: "ولا يسلم إلا في آخرهن" (¬3). # ولأبي داود والترمذي نحوه عن عائشة وفيه: "كل سورة في ركعة، وفي الأخيرة ~~قل هو الله أحد والمعوذتين" (¬4). # حديث عائشة في إسناده لين لأن فيه خصيف (¬5) الجزري (أ)، ورواه PageV03P268 # الدارقطني وابن حبان والحاكم (¬1) من حديث يحيى بن سعيد عن عمرة عن ~~عائشة، وتفرد به يحيى بن أيوب عنه، وفيه مقال، ولكنه صدوق (¬2)، وقال ~~العقيلي (¬3): إسناده صالح ولكن حديث أبي بن كعب -وهو مروي عن ابن عباس ~~(¬4) بإسقاط المعوذتين- أصح، وقال ابن الجوزي: أنكر أحمد ويحيى بن معين ~~زيادة المعوذتين وروى ابن السكن في "صحيحه" له شاهدا من حديث عبد الله بن ~~سرجس بإسناد غريب. # في الحديث دلالة على شرعية الوتر بثلاث لا على تعين ذلك، لما قد ثبت من ~~الأحاديث كما تقدم، وذهب الهادي والقاسم وغيرهما من الأئمة والحنفية إلى ~~تعين الوتر في الثلاث بهذا الحديث وأنها تصلى أيضا موصولة (¬5)، قالوا: ~~ولأن الصحابة أجمعوا على أن الوتر بثلاث موصولة جائز واختلفوا فيما عداه، ~~فالأخذ به أخذ بالإجماع. ورد عليهم بأن الإجماع غير صحيح بما أخرجه محمد بن ~~نصر من حديث أبي هريرة مرفوعا وموقوفا لا توتروا بثلاث لتشبهوا بصلاة ~~المغرب" (¬6) وقد صححه الحاكم (¬7) من طريق عبد الله بن الفضل، وإسناده على ~~شرط الشيخين، PageV03P269 # وقد صح ابن حبان والحاكم (¬1) من طريق مقسم عن ابن عباس وعائشة كراهية ~~الوتر بثلاث، وأخرج النسائي عن سليمان بن يسار أنه كره الثلاث في الوتر، ~~وقال: لا يشبه التطوع الفريضة، فهذه الآثار تقدح في الإجماع. # واعلم أنه قد يجاب عن مشابهتها للمغرب بأن يصلي ثلاثا يتشهد بتشهد واحد ~~في آخرها [كما أخرج أحمد والنسائي والبيهقي والحاكم من رواية عائشة (¬2)، ~~ولفظ أحمد: "كان يوتر بثلاث لا يفصل بينهن"، ولفظ الحاكم: "لا يقعد إلا ms0477 في ~~آخرهن"] (أ) وكما روى محمد بن نصر من طريق الحسن أن عمر كان ينهض في ~~الثالثة من الوتر بالتكبير (¬3). ومن طريق المسور بن مخرمة: أن عمر أوتر ~~بثلاث لم يسلم إلا في آخرهن. ومن طريق ابن طاوس عن أبيه: أنه كان يوتر ~~بثلاث لا يقعد بينهن، ولعل من روي عنه من الصحابة أنه قعد بين الثلاث لم ~~يبلغه النهي، وهم ابن مسعود وأنس وأبو العالية كما أخرجه محمد بن نصر (¬4) عنهم. # [وأما ما رواه الدارقطني عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "وتر الليل ثلاث كوتر النهار، صلاة المغرب" فقد قال الدارقطني ~~(¬5): تفرد به PageV03P270 # يحيى وهو ضعيف، وقال البيهقي: الصحيح وقفه على ابن مسعود، وأخرجه ~~الدارقطني (¬1) من حديث عائشة، وفيه إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف) (أ). ~~والله أعلم. # 294 - وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "أوتروا قبل أن تصبحوا". رواه مسلم (¬2). # ولابن حبان: "من أدرك الصبح، ولم يوتر، فلا وتر له" (¬3). # وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من نام عن الوتر أو ~~نسيه فليصل إذا أصبح أو ذكر". رواه الخمسة إلا النسائي (¬4). # في قوله: "أوتروا قبل أن تصبحوا": دلالة على أن وقت الوتر قبل الإصباح. # وقوله: "فلا وتر له": دليل على خروج الوقت، وأما أنه لا يصح قضاؤه فلا، ~~إذ المقصود (ب) المبالغة في تركه متعمدا، وأنه قد فاتته السنة PageV03P271 # العظمى حتى إنه لا يمكنه تداركه، وقد حكى ابن المنذر عن جماعة من السلف ~~أن الذي يخرج بالفجر وقته الاختياري ويبقى وقت الضرورة إلى قيام صلاة الصبح ~~وحكاه القرطبي (¬1) عن مالك والشافعي وأحمد ولكنه قول قديم للشافعي، وقال ~~ابن قدامة (¬2): لا ينبغي لأحد أن يتعمد ترك الوتر حتى يصبح، واختلف السلف ~~في مشروعية قضائه، فقال الأكثر: لا يقضى (¬3)، وقال الأوزاعي وسفيان ~~الثوري: إنه يقضى ولو بعد صلاة الفجر، وهو ظاهر قوله: "إذا أصبح أو ذكر" ~~وذهب إلى هذا أهل الرأي أيضا وجماعة من الأئمة. ms0478 # [قال ابن التين: اختلف في الوتر في (أ) سبعة أشياء (¬4): في وجوبه وعدده ~~واشتراط النية واختصاصه بقراءة واشتراط شفع قبله وأخر وقته، وصلاته في ~~السفر على الدابة. زاد المصنف -رحمه الله تعالى (¬5) -: وفي قضائه، والقنوت ~~فيه، ومحل القنوت منه، وما يقال فيه، وفصله، ووصله، وهل يسن ركعتان بعده، ~~وجوازه قاعدا في (ب) أول وقته، وكونه أفضل من الرواتب] (ج). PageV03P272 # واعلم إنهم أجمعوا على أن وقت الوتر (¬1) ممتد من مغيب الشفق بعد صلاة ~~العشاء إلى طلوع الفجر، ونقل ابن المنذر عن بعضهم أنه يدخل بدخول وقت ~~العشاء، وللخلاف فائدة فيمن صلى العشاء وبان أنه على غير طهارة، ثم صلى ~~الوتر، وقد تطهر، وكذا فيمن قد ظن أنه صلى العشاء، فصلى الوتر، ثم بان له ~~عدم الصلاة فإنه يجزئه على هذا القول دون الأول، والله أعلم. # 295 - وعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "من خاف أن لا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم آخره ~~فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل". رواه مسلم (¬2). # في الحديث دلالة على أنه ينبغي الاحتياط في أداء الطاعات، ولذلك إنه إذا ~~خاف فوات الوتر أداه في أول الوقت، وإن وثق من نفسه بالقيام آخر الليل كان ~~التأخير أفضل، وقد روي اختلاف الحالين عن جماعة من الصحابة - رضي الله عنهم. # وقوله: "فإن الصلاة آخر الليل مشهودة": أي تشهدها ملائكة الليل والنهار، ~~ويشهدها كثير من المصلين في العادة. # 296 - [وعن ابن عمر -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إذا طلع الفجر فقد ذهب كل صلاة الليل، والوتر، فأوتروا قبل طلوع الفجر". PageV03P273 # رواه الترمذي (¬1). # تقدم الكلام في هذا الحكم، وتأويل الحديث] (أ). # 297 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يصلي الضحى أربعا، ويزيد ما شاء الله". رواه مسلم (¬2). # وله عنها: "أنها سئلت: هل كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~الضحى؟ قالت: لا، إلا أن يجيء من ms0479 مغيبه" (¬3). # وبه عنها: "ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي سبحة الضحى ~~قط، وإني لأسبحها" (¬4). # اعلم أن ظاهر الروايات عن عائشة - رضي الله عنها - مختلفة متنافية في ~~دلالتها على شرعية صلاة الضحى، وعدم ذلك، وقد جمع بينهما بأن قولها: كان ~~يصلي الضحى أربعا ويزيد ما شاء الله يدل على وقوع ذلك منه، ولا يلزم منه ~~المداومة لأن كان لا يدل على ذلك كما هو PageV03P274 # الصحيح ولا يلزم منه رؤيتها لذلك الفعل، بل يجوز أن يكون ثبت لها برواية. # وقوله: "لا إلا أن يجيئ من مغيبه": مطابق للإثبات المطلق في الحديث ~~الأول، فالوقت الذي فعل فيه في الرواية محمول على أنه الوقت الذي جاء فيه ~~من مغيبه. # [ومغيبه بفتح الميم وكسر المعجمة وتنوين آخره أي من غيبة من السفر] (أ). # وقولها: "ما رأيت رسول الله .. " إلخ: لا ينافى ذلك لما ذكرنا أنه يجوز ~~أن يكون ذلك ثبت لها بالرواية دون الرؤية، ويحتمل أيضا أن يكون فعلها في ~~وقت المجيء من مغيبه وقع بمشاهدتها، والوقت الذي نفت فيه الرؤية وأثبتت فيه ~~الفعل لم يكن بمشاهدتها وإنما هو ثبت بالنقل، ويكون في ترك المداومة منه ~~على (ب) الفعل تخفيف لأمته خشية أن تفرض عليهم (¬1)، ولا بعد في عدم رؤيتها ~~لفعله، فإن ذلك الوقت ليس من الأوقات التي تعتاد الخلوة فيه بالنساء، وأيضا ~~فإنما كان لها يوم من تسعة أيام. # وأما ما صح عن ابن عمر أنها بدعة (¬2) فمحمول على أن صلاتها في المساجد ~~وإظهارها كما كانوا يفعلونه بدعة، أو يريد بدعة المواظبة عليها في PageV03P275 # حقنا كما في حديث أبي هريرة وأبي الدرداء (¬1). # وفي قولها: "أربعا ويزيد ما شاء الله": دليل على عدم الاقتصار على حد ~~معلوم، فإن الصلاة خير موضوع، وأقلها ركعتان، وأكملها ثمان ركعات، وأوسطها ~~أربع ركعات أو ست وسيأتي في حديث أنس اثنتا عشرة ركعة (¬2). # وقولها: "سبحة": بضم السين وإسكان الباء الموحدة، أي نافلة الضحى. # وقولها: "أسبحها": بالباء الموحدة، كذا في رواية مسلم وهو التسبيح، أي ~~أفعلها وفي "الموطأ" ms0480 (¬3) "لأستحبها" بالتاء المثناة من فوق من الاستحباب ~~قال القرطبي (¬4): والأول أولى. # واعلم أنه وقع الاختلاف (أ) في المواظبة عليها وعدمه، الظاهر الأول لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "أحب الأعمال إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن ~~قل"، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة: "أوصاني (ب) خليلي بثلاث .. " ~~الحديث، PageV03P276 # وذهب طائفة إلى الثاني لما ورد من حديث عائشة من عدم المحافظة عليها. # والجواب عنه: أن ذلك لخشية أن تفرض وقد زال ذلك في حقنا، والله أعلم. # وقيل في حديث أبي هريرة: إنما كان التوصية له بالمحافظة عليها، لما علم ~~من حاله من عدم قيام الليل لاشتغاله بحفظ العلم، فكانت الضحى في حكم ~~الجائزة لما فاته من فضل صلاة الليل، والله أعلم. # 298 - وعن زيد بن أرقم -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "صلاة الأوابين ترمض الفصال". رواه الترمذي (¬1). # قوله: "الأوابين": جمع أواب (أ)، الأواب: وهو الراجع إلى الله تعالى بترك ~~المعاصي، وفعل الخيرات. # وقوله: "ترمض" بفتع الميم، من رمضت (¬2) بكسر الميم: أي تحترق من الرمضاء ~~وهو شدة حر الأرض، من وقع الشمس على الرمل وغيره، أي إذا وجد الفصيل حر ~~الشمس، وذلك يكون عند ارتفاع الشمس، وتأثيرها الحر في الرمل. # وفي هذا إثبات لشرعية النافلة في الوقت المذكور، ولا يلزم منه نفي صلاة ~~الضحى كما يدل عليه أول الحديث، وهو أنه رأى قوما يصلون من الضحى فقال: ~~"لقد علموا أن الصلاة في غير هذه الساعة أفضل. إن PageV03P277 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال .. " الحديث، لأنه إنما أراد أن ~~الأفضل أن لا يبادر بها بعد ارتفاع الشمس، وإنما يؤخر حتى ترتفع الشمس ~~ويزداد حرها [وقد تقدم ذكر هذه الصلاة في هذا الباب] (أ) والله أعلم. # والفصيل: ولد الناقة، سمي بذلك لأنه يفصل عن أمه (¬1). # 299 - وعن أنس -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "من صلى الضحى اثنتي عشرة ركعة بنى الله قصرا في الجنة". رواه الترمذي ~~واستغربه (¬2). # قال المصنف -رحمه الله-: وإسناده ضعيف ms0481 (¬3)، وفي الباب عن أبي ذر رواه ~~البيهقي (¬4) وعن أبي الدرداء رواه الطبراني (¬5)، وإسنادهما ضعيفان. # في الحديث دلالة على أنها تنتهي إلى هذا العدد لإحراز هذه الفضيلة، ولكن ~~الحديث ضعيف، إلا أنه قد يستشهد له بحديث أم حبيبة في مسلم (¬6): "ما من ~~عبد مسلم يصلي في يوم ثنتي عشرة ركعة تطوعا غير PageV03P278 # فريضة، إلا بنى الله له بيتا في الجنة". # وأما كون الضحى لا يكون أكثر فلا يدل عليه. # 300 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "دخل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بيتي فصلى الضحى ثماني ركعات". رواه ابن حبان في "صحيحه" (¬1). # في الحديث دلالة على وقوع ذلك العدد المعين منه - صلى الله عليه وسلم - ~~وقد عرفت الجمع بين الإثبات والنفي في رواية عائشة، وهذا لا يدل على أنها ~~رأت منه (أ) الصلاة بل يجوز أن يكون ذلك ثبت لها برواية، ولا بعد (ب) في ~~ذلك وإن كان في بيتها لجواز غفلتها في ذلك الوقت فلا منافاة، والجمع ما ~~أمكن هو الواجب، والله أعلم. # [اشتمل هذا الباب على سبعة وأربعين حديثا] (ج). PageV03P279 ### || AUTO باب صلاة الجماعة والإمامة # 301 - عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة". متفق ~~عليه (¬1). # ولهما عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: "بخمسة وعشرين جزءا" (¬2). # وكذا للبخاري عن أبي سعيد -رضي الله عنه- وقال: "درجة" (¬3). # قوله: "صلاة الفذ": هو بالفاء والذال المعجمة الفرد: يقال: فذ الرجل من ~~أصحابه إذا بقي وحده (¬4). # وقوله: "سبع (أ) وعشرين درجة": إلخ، قال الترمذي (¬5): عامة من رواه ~~قالوا: "خمسا وعشرين" إلا ابن عمر فإنه قال: "سبعا وعشرين"، وعنه PageV03P281 # رواية كالباقين (¬1)، وهم: أبو سعيد وأبو هريرة وابن مسعود وأنس وعائشة ~~وصهيب ومعاذ وعبد الله بن زيد وزيد بن ثابت ولأبي بن كعب: أربع أو خمس على ~~الشك (¬2)، ولمسلم عن ابن عمر (¬3): "بضع وعشرين" فقيل الخمس أرجح لكثرة ~~رواتها، وقيل: السبع لأنها زيادة من عدل حافظ، وقيل: يجمع ms0482 بأنه (أ) أعلم ~~أولا بالخمس، ثم أخبر بزيادة الفضل، وتعقب بأنه يحتاج إلى التاريخ وبأن ~~دخول النسخ في الفضائل مختلف فيه، وقد يقال: إن مفهوم العدد في قوله: "خمس" ~~غير معمول به لظهور التصريح بالزيادة، فالخمس لا ينافي السبع لدخولها تحت ~~مفهومها، وقيل: تحمل السبع على المصلي في المسجد والخمس على غيره، وقيل ~~السبع على بعيد المسجد والخمس على قريبه، وقيل: السبع على الجهرية والخمس ~~على السرية. PageV03P282 # قال المصنف (¬1) -رحمه الله-: وهذا أوجهها. # ثم الحكمة في هذا العدد الخاص لا تدرك حقيقتها، بل هي من علوم النبوة ~~التي تقصر علوم الأولياء عن الوصول إليها وقد خاض الأئمة في إبداء مناسبات ~~لذلك، ومن لطيفها قول البلقيني: لما كان أقل الجماعة غالبا ثلاثة (أحتى ~~تتحقق صلاة كل واحد في جماعة، وكل منهم أتي بحسنة والحسنة بعشرة، يحصل أ) ~~من جميع ما أتوا به ثلاثون فاقتصر في الحديث على الفضل الزائد وهو سبعة ~~وعشرون دون الثلاثة التي هي أصل ذلك. # وقال ابن الجوزي: خاض قوم في تعيين الأسباب المقتضية للدرجات المذكورة. # قال الحافظ المصنف -رحمه الله-: وقد نقحتها (ب) (¬2) وهذبتها، فأولها: ~~إجابة المؤذن بنية الصلاة في الجماعة، و (ج التبكير إليها في أول الوقت، ~~والمشي إلى المسجد بالسكينة (د)، ودخول المسجد داعيا ج)، وصلاة التحية عند ~~دخوله كل ذلك بنية الصلاة في الجماعة، وانتظار الجماعة، وصلاة الملائكة ~~عليه، وشهادتهم له، وإجابة الإقامة، والسلامة من PageV03P283 # الشيطان حين يفر عند الإقامة، والوقوف منتظرا إحرام الإمام، وإدراك ~~تكبيرة الإحرام معه، وتسوية الصفوف، وسد فرجها، وجواب الإمام عند قوله: ~~"سمع الله لمن حمده"، والأمن من السهو غالبا، وتنبيه الإمام إذا سها، وحصول ~~الخشوع والسلامة مما يلهي غالبا وتحسين الهيئة غالبا، واحتفاف الملائكة به، ~~والتدرب على تجويد القراءة، وتعلم الأركان والأبعاض، وإظهار شعار الإسلام، ~~وإرغام الشيطان بالاجتماع على العبادة، والتعاون على الطاعة، ونشاط ~~المتكاسل، والسلامة من صفة النفاق، ومن إساءة الظن به أنه ترك الصلاة، ونية ~~رد السلام على الإمام، والانتفاع باجتماعهم على الدعاء والذكر، وعود بركة ~~الكامل ms0483 على الناقص، وقيام نظام الألفة بين الجيران، وحصول تعاهدهم في أوقات ~~الصلاة، فهذه خمس (أ) وعشرون خصلة ورد في كل منها أمر أو ترغيب، وبقي أمران ~~يختصان (ب) بالجهرية وهما: الإنصات عند قراءة الإمام والاستماع لها، ~~والتأمين عند تأمينه ليوافق تأمين الملائكة، وبهذا يترجح (ج) أن رواية ~~السبع تختص بالجهرية (¬1). # وقوله "درجة"، وفي رواية: "جزء" (¬2)، وقد ورد في رواية: "ضعفا" (¬3)، PageV03P284 # وفي رواية: "خمسا وعشرين من صلاة الفذ"، وفي رواية: "أفضل من خمس وعشرين ~~صلاة يصليها وحده"، المراد من ذلك أنه يحصل له بالصلاة في جماعة مثل ثواب ~~ما لو صلى تلك الصلاة بعينها منفرد، سبعا وعشرين مرة، ويؤيد هذا أن في ~~رواية أحمد: "أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده كلها مثل صلاته" (¬1)، ~~وزاد أبو داود وابن حبان: "فإن صلاها في فلاة فأتم ركوعها وسجودها بلغت ~~خمسين صلاة" (¬2). # قال المصنف -رحمه الله- وكأن السر في ذلك أن الجماعة لا تتأكد في حق ~~المسافر لوجود المشقة، واستشكل بأنه يلزم عليه زيادة ثواب المندوب على ~~الواجب، ويجاب بأن الثواب مرتب على الفرض وصفته من (أ) صلاة الجماعة فلا ~~يلزم من ذلك ما ذكر. # وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن عباس (¬3) قال: "فضل صلاة (ب) الجماعة على ~~صلاة المنفرد خمس وعشرون (ج) درجة فإن كانوا أكثر فعلى عددهم في المسجد، ~~فقال رجل: وإن كانوا عشرة آلاف، قال: نعم"، وهذا موقوف له حكم الرفع (د). PageV03P285 # . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . PageV03P286 # 302 - عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "والذي نفسي بيده، لقد هممت أن آمر بحطب فيحتطب، ثم آمر بالصلاة فيؤذن ~~لها، ثم آمر رجلا فيؤم الناس، ثم أخالف إلى رجال لا يشهدون الصلاة: فأحرق ~~عليهم بيوتهم، والذي نفسي بيده، لو يعلم أحدهم أنه يجد عرقا سمينا، أو ~~مرماتين حسنتين لشهد العشاء". متفق عليه، واللفظ للبخاري (¬1). # [قوله "آمر": بالمد، أصله أأمر بهمزتين الأولى مفتوحة والثانية ساكنة ~~فخففت الهمزة بقلبها ألفا من جنس حركة ما قبلها] (أ). # قوله: "أخالف": في الصحاح خالف إلى فلان ms0484 أي أتاه إذا غاب عنه. # وقوله: "فأحرق": هو بالتشديد للراء منصوب، هذه الرواية المشهورة، قال ~~البرماوي: ويروى بالتخفيف وقال ابن الأثير في "شرح مسند الشافعي": التشديد ~~هو الأكثر في الرواية؛ لأنه يدل على التكثير والمبالغة في الفعل، وزيادة: ~~"عليهم" تدل على أن التحريق يكون لأبدانهم (¬2)، ولو كان المراد تحريق ~~البيوت فقط لحذفها. PageV03P287 # وقوله: "عرقا": بفتح (¬1) المهملة وسكون الراء ثم القاف، هو العظم إذا ~~كان عليه لحم فإن لم يكن عليه لحم فعراق. قاله الخليل، وقال الأصمعي: العرق ~~قطعة لحم، وقال الأزهري: هو واحد العراق بالضم، وهي العظام الذي يؤخذ منها ~~(أ) هبر اللحم، ويبقى عليها لحم رقيق فيكسر ويطبخ. # وقوله: "مرماتين": تثنية مرماة بكسر الميم بوزن منساة، وفتحها لغة، ما ~~بين ضلعي الشاة من اللحم (¬2)، [وإنما وصف العرق بالسمن والمرماتين بالحسن ~~ليكون ثم باعث نفساني على تحصيلهما] (ب) (ج، وقيل: سهم يرمى (د به الرجل ~~فيجوز سبقه، وهو بعيد هنا ج) (¬3). # واعلم أنه قد قيل: إن هذه الصلاة المذكورة د) في الحديث هي صلاة الجمعة ~~ونصر هذا الوجه الذهبي (¬4)، ولكن في آخر هذا الحديث ما يدل على أنه ~~العشاء، وفي رواية مسلم: "يعني العشاء"، وفي رواية لهما (¬5) ما يومئ إلى ~~أنها العشاء والفجر، وقد ورد في رواية في صدر الحديث (¬6): أنه أخر العشاء ~~ليلة فخرج فوجد الناس قليلا فغضب"، فذكر الحديث، وفي PageV03P288 # رواية لابن حبان (¬1): "يعني الصلاتين العشاء والغداة"، وفي رواية عند ~~أحمد (¬2) التصريح بتعيين العشاء، وهذا في رواية أبي هريرة، وفي سائر ~~الروايات عن أبي هريرة (¬3) الإبهام إلا في رواية شاذة من طريق معمر عن ~~جعفر بن برقان (أ) فقال: "الجمعة". أخرجه عبد الرزاق عنه والبيهقي (¬4) من ~~طريقه وأشار إلى ضعفها وشذوذها فإن سائر الرواة عن جعفر بالإبهام، وإلا أنه ~~قد روى مسلم (¬5) حديث ابن مسعود، وفيه الجزم بالجمعة، إلا أن مخرجه مغاير ~~لحديث أبي هريرة، فيحمل على أنه في واقعة أخرى فلا تنافي بينهما، وقد أشار ~~إلى هذا (ب) النووي (¬6) والمحب الطبري، وقد أخرج ابن خزيمة والحاكم وأحمد ms0485 ~~(¬7) عن ابن أم مكتوم: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استقبل الناس ~~في صلاة العشاء فقال: لقد هممت أن آتي (ج) هؤلاء الذين يتخلفون عن الصلاة ~~فأحرق عليهم بيوتهم"، فقام ابن أم مكتوم فقال: يا رسول الله قد علمت ما بي، ~~وليس لي قائد، زاد أحمد: "إن بيني وبين PageV03P289 # المسجد شجرا ونخلا، ولا أقدر على قائد كل ساعة. قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: أتسمع الإقامة؟ قال: نعم، قال: فاحضرها، ولم يرخص له". ولابن ~~حبان من حديث جابر قال: تسمع الأذان؟ قال: نعم. قال: فأتها ولو حبوا" (¬1) ~~[(أ) زاد الطبراني (¬2) "على يديه ورجليه"، وفي رواية عن أحمد وأبي يعلى ~~(¬3): "ولو حبوا أو زحفا"] (ب). # والحديث فيه دلالة على تأكيد شرعية الجماعة، وأن التارك لها مستحق ~~للعقوبة المتبالغة المنتهية إلى الإحراق بالنار. # واعلم أن العلماء يختلفون في حكم الجماعة، فذهب عطاء والأوزاعي وأحمد ~~وجماعة من محدثي الشافعية كأبي ثور وابن خزيمة وابن المنذر وابن حبان وأبو ~~العباس من أهل البيت والظاهرية إلى أنها فرض عين (¬4)، وبالغ داود (¬5) ومن ~~معه فجعلها شرطا في صحة الصلاة، وهو مبني قوله على أن ما كان واجبا في ~~الصلاة فهو شرط فيها، وهو غير مسلم (ج) لأن الشرطية حكم لا بد لها من دليل، ~~ولذلك خالف أحمد (د) ومن تبعه، وقالوا: إنها واجبة غير شرط وذهب جمهور ~~المتقدمين من أصحاب PageV03P290 # الشافعي وكثير من الحنفية والمالكية وهو تحصيل أبي العباس لمذهب الهادي، ~~وهو ظاهر نص الشافعي أنها فرض كفاية (¬1)، وذهب المؤيد بالله وأبو حنيفة ~~وصاحباه، وهو قول زيد بن علي والناصر وكثير من العلماء إلى أنها سنة مؤكدة (¬2). # احتج (أ) القائل بوجوبها بحديث الباب، فإن العقوبة المتبالغة إنما تكون ~~على ترك الفرائض ولغيره (ب) من الأحاديث وهي كثيرة جدا، ولذلك أطلق البخاري ~~الوجوب عليها، وبوب به وقال: "باب وجوب صلاة الجماعة" (¬3) وهو أعم من كونه ~~فرض عين أو فرض كفاية، والحديث المذكور أظهر في كونها فرض عين لأنها لو ~~كانت فرض كفاية لكان قد سقط وجوبها ms0486 بفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن ~~معه إن كان يجوز (ج) أن يقال: يؤخذ من هذا أنه (د) يعاقب تارك (5) فرض ~~الكفاية، فإن كان على اعتياد تركه أو لأجل الاستخفاف به فهو قريب لكنه غير ~~ظاهر من لفظ الحديث لأنه إن كان في حقهم، وقد عرفوا لم يكن لاستخلاف النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لغيره ومخالفته إلى بيوتهم فائدة إذ يمكن معاقبتهم ~~في غير ذلك الوقت. # وإن كان مطلق الترك كما هو المفهوم من الحديث هو المقتضي للعقوبة PageV03P291 # لم يفترق الحال بين فرض الكفاية وفرض العين حينئذ. # وأما الاعتراض بأن التحريق بالنار غير مشروع في العقوبة، وقد نهي عنه، ~~فيجاب عنه بأن هذا خصوص وذاك عموم، فيجمع بينهما بأن هذا عقوبة تارك ~~الجماعة مخصص من العموم كما خصص عقوبة الزاني المحصن بالرجم، وإن كان السيف ~~أحسن، وقد قال: "فأحسنوا القتلة". # واحتج القائلون بالسنية أولا: بما أخذ من ظاهر هذا الحديث من تركه - صلى ~~الله عليه وسلم - الجماعة ومخالفته إلى بيوت المذكورين، وهو غير تام لجواز ~~أن يقال: يجوز ترك واجب لأداء واجب أكمل منه، أو أنه يصليها (أ) جماعة بعد ذلك. # وثانيا بما يظهر من قوله: "صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ" فقد اشتركا ~~في الفضيلة وبقوله في الحديث الآتى: "إذا صليتما في رحالكما" (¬1) فأثبت ~~لهما إدراك الصلاة في الرحال وبما تقدم من تعليم المسيء صلاته (¬2). # وأجابوا عن الحديث المذكور وغيره بأجوبة منها: أنها لو كانت شرطا في صحة ~~الصلاة لبين (ب) ذلك عند الوعيد بالتحريق لأنه وقت البيان، كذا قاله ابن ~~بطال (¬3). PageV03P292 # وقد يجاب عنه بأنه قد بين ذلك بالدلالة على وجوب الحضور وهو كاف في ~~البيان. # ومظنها أن الخبر ورد مبالغة للزجر ولا تراد حقيقته، ويجاب عنه بأن هذا ~~يحتاج إلى دليل، ويجاب عنه: التوسعة للبعض في ذلك. # ومنها أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما هم ولم يفعل ذلك، كذا قاله القاضي ~~والنووي (¬1)، وأجاب ابن دقيق العيد (¬2) عن ذلك بأنه لا يهم إلا بما يجوز ~~فعله له ms0487 لو فعله، وتركه يجوز إما لأنهم انزجروا بذلك أو لغيره، كما ورد في ~~حديث أحمد (¬3) عن أبي هريرة بلفظ: "لولا ما في البيوت من النساء والذرية ~~لأقمت الصلاة وأمرت فتياني يحرقون .. " الحديث. # ومنها: أن ذلك في حق قوم تركوا الصلاة رأسا مطلقا لا الجماعة، ويجاب عنه ~~بأن في رواية مسلم (¬4): "لا يشهدون الصلاة"، أي لا يحضرون، وفي رواية أحمد ~~(¬5): "لا يشهدون العشاء في الجمع"، أي: في الجماعة، وفي حديث ابن ماجه عن ~~أسامة بن زيد مرفوعا: "لينتهين رجال عن تركهم الجماعات أو لأحرقن بيوتهم" (¬6). # ومنها: أن الحديث ورد في الحث على مخالفة فعل أهل النفاق والتحذير من ~~التشبه بهم لا لخصوص (أ) ترك الجماعة، ذكره الزين ابن المنير (¬7). PageV03P293 # ومنها: أن الحديث ورد في حق المنافقين، ويجاب عنه باستبعاد تأديب ~~المنافقين على ترك الجماعة والعفو عنهم في أعظم من ذلك، وهو النفاق. # وقد يجاب عنه بأنه - صلى الله عليه وسلم - كان مخيرا في عقوبة المنافقين ~~فيجوز أن يترك عقوبتهم على النفاق لما كان ذلك أمرا خفيا لا يطلع عليه بحسب ~~الأغلب، وترك الصلاة أمر ظاهر فهم بعقوبتهم عليه لما فيه من إظهار مباينة ~~المسلمين. # ومنها: أنه يجوز أن تكون الجماعة واجبة في صدر الإسلام، لأجل سد باب ~~التخلف عن الصلاة على المنافقين ثم نسخ، حكاه عياض عن بعضهم (¬1). # وقال الحافظ المصنف -رحمه الله تعالى- (¬2): الأظهر أن ذلك لرد في حق ~~المنافقين لقوله: "ليس صلاة فقل على المنافقين من العشاء والفجر" أخرجه ~~البخاري (¬3)، لكن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الاعتقاد، يدل عليه ما ~~في رواية أبي داود (¬4): "ثم آتي قوما يصلون في بيوتهم ليست بهم علة"، لأن ~~الكافر لا يصلي في بيته، وإنما يصلى رياء وسمعة فإذا خلا في بيته كان كما ~~قال تعالى: {إنما نحن مستهزئون} (¬5) كذا أفاده القرطبي (¬6) انتهى. PageV03P294 # وقال أيضا: وعلى تقدير أن يكون المراد بالنفاق نفاق الكفر لا يدل على عدم ~~الوجوب أيضا لأنه يتضمن أن ترك الجماعة من صفات المنافقين، وقد نهينا عن ~~التشبه بهم. # وسياق الحديث ms0488 يدل على الوجوب من جهة البالغة في ذم من تخلف عنها، قال ~~الطيبي (¬1): خروج المؤمن من هذا الوعيد ليس من جهة أنهم إذا سمعوا النداء ~~جاز لهم التخلف عن الجماعة، بل من جهة أن التخلف ليس من شأنهم، بل هو من ~~صفات المنافقين، ويدل عليه قول ابن مسعود: "ولقد رأيتنا ما يتخلف عن ~~الجماعة إلا منافق" رواه مسلم (¬2). انتهى كلامه. # قال المصنف (¬3): فظهر (أ) من هذا أن المراد به (ب) نفاق المعصية، فعلى ~~هذا الذي خرج من الوعيد هو المؤمن الكامل لا العاصي الذي يجوز إطلاق النفاق ~~عليه مجازا للجمع بين الروايات، والله أعلم. # وفي الحديث من الفوائد: تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة، ومناسبة ~~قولهم في الأمر بالمعروف ولا يخشى إن كفى اللين. # ومنها جواز العقوبة بالمال، وقد استدل به من قال بذلك من المالكية (¬4) ~~وغيرهم، وقد يقال عليه: إنه يجوز أن يكون حيث كان لا يتمكن من PageV03P295 # عقوبتهم لاختفائهم في البيوت إلا بذلك. # ومنها: أنه يجوز أخذ صاحب الجريمة على غرة منه لهمه - صلى الله عليه وسلم ~~- بأن يبغتهم في وقت لا يظنون أنه يطرقهم فيه. # ومنها: أنه يجوز إعدام محل المعصية كما هو مذهب مالك، وقد قيل: إنه منسوخ ~~كما قيل في العقوبة بالمال. # وقد استدل به ابن العربي وغيره على مشروعية قتل تارك الصلاة متهاونا بها، ~~وذلك لأنهم إذا استحقوا التحريق لترك صفة من صفاتها خارجة عنها سواء كانت ~~واجبة أو مسنونة كان تاركها (أ) أصلا أولى بالعقوبة، وإن كان قد يقال عليه ~~إنه لا يلزم من التهديد بالتحريق القتل لأنه يمكن الفرار عنه أو الإخماد له ~~بعد حصول المقصود منه من الزجر والإرهاب (¬1). # 303 - وعنه -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء، وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما ~~لأتوهما ولو حبوا". متفق عليه (¬2). # وعنه رضي الله عنه- قال: "أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - رجل أعمى ~~فقال: يا رسول الله، ليس لي قائد يقودني إلى المسجد، فرخص له ms0489 (ب)، فلما ولى ~~دعاه PageV03P296 # فقال: هل تسمع النداء بالصلاة؟ قال، نعم قال: فأجب (أ) ". رواه مسلم (¬1). # قوله: "أثقل الصلاة" .. إلخ: لعل وجه ثقلها (ب) عليهم هو أنه لما كانت ~~هاتان الصلاتان مظنة اجتماع المؤمنين كاملي الإيمان لعدم ما يشغلهم عن ~~الحضور من الاكتساب، وكان التخلف عنهما إنما هو لمحض الكسل وعدم الباعث على ~~الحضور من رجاء الثواب، وخوف العقاب، فيخشى (ج) من تخلف عنهما (د) أن لا ~~يقام له عذر ويسجل عليه بمخالفة سره علانيته، ويظهر على ظلام نفاقه، فكانتا ~~أثقل من سائر الصلوات اللاتي (ه) يقام لها العذر في التخلف عنها لما فيها ~~من الأشغال (و)، أما العصران فظاهر وأما المغرب فلأنها بحسب الأغلب وقت ~~رجوع الحراثة والتجارة في الأغلب إلى بيوتهم لا سيما للصائم مع ضيق وقتها، ~~وبهذا (ز) يظهر عدم صحة احتجاج موجبي الجماعة في الصلوات على الإطلاق. PageV03P297 # [أو لأنه لما كثر الداعي إلى تركهما (أ) لأن العشاء وقت السكون والراحة ~~والإيواء إلى البيوت والاجتماع بالزوجة والولد. # وأما وقت الفجر فلأنه وقت لذة النوم، فإن (ب) كان في زمن (ج) البرد ففي ~~وقت شدة لبعد العهد بالشمس لطول الليل، وإن كان في زمن الحر فهو وقت البرد ~~والراحة لبعد العهد بالشمس أيضا] (د)، وأيضا في الاجتماع في الوقتين انتظام ~~الألفة بين المتجاورين في (ه) طرفي النهار، وليختموا النهار بالاجتماع على ~~الطاعة ويفتتحوه كذلك. # وقوله: "ولو (و) يعلمون ما فيهما" أي من الفضيلة والخير، ثم لم يستطعوا ~~الإتيان إليهما إلا حبوا لأتوهما -[أي أتوا المسجد الذي يصليان فيه] (ز)، ~~والحبو (¬1) هو من حبو الصبي على يديه ورجليه، وقيل: هو الزحف على الركب، ~~وقيل: على الإست، وفيه حث بليغ على حضورهما. # وقوله في حديث مسلم: "أتى رجل أعمى": هو ابن أم مكتوم، وقد تقدم قريبا ~~(¬2). PageV03P298 # وقوله: "فرخص له": وقوله بعد: "فأجب" يحتمل أن يكون الترخيص اجتهادا منه ~~- صلى الله عليه وسلم - ثم رجع عن اجتهاده فقال له: "أجب"، ويحتمل أن يكون ~~ذلك بوحي ثم نسخ ولكنه لا يصح على ms0490 قول من يشترط إمكان العمل، ويحتمل أن ~~يكون الترخيص الأول مطلقا عن التقييد، ثم قيد الترخيص من بعد بمفهوم قوله: ~~هل تسمع النداء؟ فإن مفهومه أنه إذا لم يسمع النداء كان ذلك له (أ) عذرا، ~~وإذا سمعه لم يكن له عذر عن الحضور. # ويمكن أن يعلل بأنه لو وسع العذر لمن يسمع (ب) النداء لتعلل الناس ~~بالأعذار فبطل فائدة النداء للصلاة، وذهب شعار الإسلام. # ويمكن أن يدعي الوجوب أو تأكد السنية لمن كان بهذه المثابة، حيث لم ~~يصادمه إجماع، وسيأتي (ج في الحديث ج) ما يؤيده قريبا. # ويحتمل أن يكون الترخيص للعذر ثابتا وأمره بالإجابة أمر ندب حثا له على ~~إحراز الفضل لعلمه - صلى الله عليه وسلم - بسبقه إلى الإيمان ورسوخ قدمه ~~فيه وإن المشقة تغتفر بالنسبة إلى ما يجد في قلبه من الروح في الحضور. # 304 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من سمع النداء فلم يأت الصلاة، فلا صلاة له إلا من عذر". رواه ابن ~~ماجه والدارقطني وابن حبان والحاكم، وإسناده على شرط مسلم لكن رجع PageV03P299 # بعضهم وقفه (¬1). # الحديث أخرج من طريق شعبة (أموقوفا ومرفوعا، والوقوف منه بزيادة: "إلا من ~~عذر (ب) " قال الحاكم: وقفه عند أكثر أصحاب شعبة أ)، وأخرج له شواهد من ~~حديث أبي موسى الأشعري بلفظ: "من سمع النداء فارغا صحيحا فلم يجب فلا صلاة ~~له" (¬2) أخرج له من ثلاث طرق بعضها موقوف، وبعضها مرفوع، قال البيهقي: ~~الموقوف (ج) أصح. # وروى العقيلي في الضعفاء من حديث جابر (¬3). # ورواه ابن عدي من حديث أبي هريرة وضعفه (¬4). PageV03P300 # وأخرج حديث ابن عباس أبو داود بزيادة: "قالوا: وما العذر؟ قال: خوف أو ~~مرض لم يقبل الله منه الصلاة التي صلى"، بإسناد ضعيف (¬1). # الحديث فيه دلالة على تأكد الجماعة، وظاهره حجة لمن يقول إنها فرض عين، ~~ويتأول من يقول بأنها سنة قوله: "فلا صلاة له": يعني (ألا صلاة أ) كاملة ~~ولكنه نزل نفي الكمال منزلة نفي الذات مبالغة في ذلك. # وقوله: "إلا من ms0491 عذر": قد فسر العذر في رواية أبي داود بالخوف والمرض، وقد ~~يلحق بذلك ما فيه مشقة من سائر الأعذار، وقد ورد الرخصة في المطر والريح ~~الباردة، وفي حق من أكل من ذوات الروائح الكريهة، لقوله: "فلا يقربن ~~مسجدنا" (¬2) وكان (ب) ذلك عذرا له، وإن احتمل أن يكون نهيا عن قربانها لما ~~لزم من أكلها فوات الفريضة، والله أعلم. # 305 - وعن يزيد بن الأسود -رضي الله عنه- "أنه صلى مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - صلاة الصبح، فلما صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا هو برجلين لم يصليا فدعا بهما، فجيء بهما ترعد فرائصهما، فقال لهما: ما ~~منعكما أن تصليا معنا. # قالا: قد صلينا في رحالنا. # قال: فلا تفعلا، إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتم الإمام ولم يصل، PageV03P301 # فصليا معه، فإنه لكما نافلة". # رواه أحمد واللفظ له، والثلاثة، وصححه الترمذي، وابن حبان (¬1). # هو أبو جابر يزيد بن الأسود السوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو ~~بالمد، ويقال: الخزاعي، ويقال: العامري، روى عنه ابنه جابر، وعداده في أهل ~~الطائف، وحديثه في الكوفيين (¬2). # الحديث رووه من طريق يعلى بن عطاء بن جابر بن يزيد بن الأسود عن أبيه، ~~قال الشافعي في القديم (¬3): إسناده مجهول، قال البيهقي: لأن يزيد بن ~~الأسود ليس له راو غير ابنه جابر، ولا لابنه جابر غير راو واحد، وهو يعلى. # قال الحافظ المصنف -رحمه الله-: يعلى (¬4) من رجال مسلم، وجابر (¬5) وثقه ~~النسائي وغيره، وقد وجدنا لجابر راويا غير يعلى (أ) أخرجه ابن منده، وهو ~~عبد الملك بن عمير بن جابر. PageV03P302 # وفي الباب عن أبي ذر عند مسلم (¬1)، وعن يزيد بن عامر في "سنن أبي داود" ~~(¬2)، وعن محجن رواه مالك والنسائي (¬3)، وهذا حديث يزيد بن الأسود وقع في ~~مسجد الخيف في حجة الوداع. # وفيه دلالة على شرعية الصلاة مع الإمام إذا وجده يصلي وإن كان قد صلى، ~~[وظاهره ولو صلى في رحله جماعة، لأنه - صلى الله عليه وسلم - أطلق الأمر ~~ولم يستفسر] (أ) وتكون هذه الصلاة نافلة والأولى فريضة ms0492 كما صرح به في ~~الحديث. # وظاهره (ب) أنه لا يحتاج إلى نية رفض الأولى، وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي ~~والمؤيد وأبو حنيفة والناصر والمنصور، وهو قول الشافعي (¬4)، وذهب الهادي ~~ومالك (¬5) وقول للشافعي (¬6) إلى أن (ج) الثانية هي الفريضة والأولى تكون ~~النافلة (د)، قالوا: لحديث يزيد بن عامر أخرجه أبو داود (¬7) قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إذا جئت الصلاة فوجدت الناس يصلون فصل معهم، وإن كنت PageV03P303 # قد صليت، تكن لك نافلة وهذه مكتوبة". # وأجيب بأن هذا الحديث فيه ضعف (¬1)، صرح بضعفه النووي. وقال البيهقي ~~(¬2): هو مخالف لحديث (أ) يزيد بن الأسود وهو أصح، ورواه الدارقطني (¬3) ~~بلفظ: "وليجعل التي صلى في بيته نافلة". قال الدارقطني: هي رواية ضعيفة شاذة. # وقول ثالث للشافعي (¬4) أنه يحتسب الله بأيهما شاء لقول ابن عمر لمن سأله ~~عن ذلك: "أوذلك إليك؟ إنما ذلك إلى الله عز وجل، يجعل أيتهما شاء" .. أخرجه ~~"الموطأ" (¬5)، وعلى القول الثاني: لا بد من نية الرفض للأولى بعد دخوله في ~~الثانية، وقيل: بشرط (ب) فراغه من الثانية (ج) صحيحة. # وظاهر الحديث شمول الإعادة للصلوات كلها ولو قد صليت جماعة، وقد ذهب إلى ~~هذا الشافعي (¬6)، وقال أبو حنيفة (¬7): لا تعاد إلا الظهر والعشاء أما ~~الصبح والعصر فلا، للنهي عن الصلاة بعدهما، وأما المغرب فلأنه وتر النهار ~~فلو أعادها صارت شفعا. PageV03P304 # قال مالك (¬1): إن كان قد صلاها في جماعة لم يعدها، وإن كان قد صلاها ~~منفردا (أ) أعادها في جماعة إلا المغرب. # وقال النخعي والأوزاعي: يعيد إلا المغرب والصبح (¬2)، والحديث كما قد ~~عرفت لم يخص (ب) شيئا من ذلك، وقد ورد الإعادة أيضا في حق من صلى جماعة ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -في حق من دخل المسجد وقد صلوا-: "ألا رجل ~~يتصدق على هذا فيصلي معه" رواه الترمذي وابن حبان والحاكم والبيهقي (¬3). # تنبيه: روى أبو داود والنسائي وابن حبان من حديث سليمان بن يسار عن ابن ~~عمر يرفعه "لا تصلوا صلاة في يوم مرتين" (¬4). ظاهره يخالف هذا، وقد يجاب ~~عنه بأن ذلك ms0493 إذا صلى منفردا ثم أعادها منفردا، وهذا يختص بقيام الجماعة ~~جمعا بين الروايات (¬5). # وقوله: "ترعد فرائصهما" (ج) [بضم أوله وفتح ثالثه وقوله] (د) "فرائصهما" ~~(¬6): جمع فريصة وهي اللحمة التي بين جنب الدابة وكتفها، PageV03P305 # والرعدة: الاضطراب، يقال للإنسان إذا دخله الرعب وأخذ منه الفزع: أرعدت ~~فريصته، وهي منبض القلب، وفرائص العنق: أوداجه، [وسبب ارتعاد فرائصهما لما ~~اجتمع في النبي - صلى الله عليه وسلم - من الهيبة العظيمة والحرمة الجسيمة ~~لكل من رآه مع كثرة تواضعه] (أ). # 306 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إنما جعل الإمائم ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، ولا تكبروا حتى ~~يكبر، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن ~~حمده" فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى ~~يسجد، وإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعين". ~~رواه أبو داود (¬1)، وهذا لفظه، وأصله (ب) في الصحيحين. # قوله: "إنما جعل الإمام ليؤتم به": يعني جعل الإمام مقصورا على الاتصاف ~~بكونه مؤتما به. لا يتجاوزه إلى مخالفته. والائتمام هو الاقتداء والاتباع، ~~والمعنى من هذا أنه جعل الإمام إماما ليقتدي به ويتبع، ومن شأن التابع أن ~~لا يسبق متبوعه، ولا يساويه، ولا يتقدم عليه في موقفه، بل يراقب أحواله ~~ويأتي على أثره بنحو فعله، ومقتضى ذلك أن لا يخالفه في شيء من PageV03P306 # الأحوال. # وقد فصلها بقوله: "فإذا كبر" .. إلخ، ويقاس ما لم يذكر مثل التسليم على ~~ما ذكر، وهذه المذكورات (أ) وإن وجبت المتابعة للإمام فيها -فليس التقدم ~~مطلقا فيها (ب) مفسد للصلاة، وذلك أنه ليس كل (ج) واجب فتركه مفسد، إذ ~~الفساد حكم شرعي لا يثبت إلا بدليل، وقد صرح - صلى الله عليه وسلم - ~~باستحقاق العقوبة لمن رفع رأسه قبل الإمام أن يحول الله رأسه رأس حمار. ~~أخرجه البخاري (¬1)، ولم يأمر بالإعادة إلا التكبير فإنه لا يصح أن يدخل ~~بها قبل الإمام إذ هي عنوان الدخول في الجماعة مع الإمام، والتسليم لأن ~~الانفصال ms0494 من الجماعة به، فيكون خارجا قبل الإمام، والخلاف للحنفية (¬2) ~~فقالوا: يكفي فيه المقارنة. وظاهر الحديث حجة للشافعية في أن مخالفة المؤتم ~~للإمام في غير ذلك لا تضر، وذلك كما إذا بان للمؤتم أن الإمام جنب أو محدث ~~أو عليه نجاسة، أو اختلفت نيتهما أو فرضهما، وقيد الرافعي (¬3) في "المحرر" ~~النجاسة بالخفية، وفي النجاسة الظاهرة احتمال للإمام. PageV03P307 # وقال بعض أصحاب الشافعي (¬1): إنما يصح الاقتداء به إذا لم يعلم هو بحدث ~~نفسه فإن علم ففيه قولان، أما إذا علم المأموم بحدث الإمام ثم نسيه فاقتدي ~~به فعليه الإعادة لتفريطه، وأما إذا ظهر أن الإمام كافر (¬2) أو امرأة أو ~~خنثى (¬3) أو مجنون (¬4) فإنها تجب الإعادة خلافا للمزني في الكافر، وصح ~~البغوي وجماعة أنه إن كان يسر الكفر لم تجب الإعادة، وهو قوي، وإلا تعذر ~~الائتمام لعدم أمن ذلك. [وهذا مروي عن علي وعمر وابن عباس وابن عمر، وذهب ~~إليه أحمد وأبو ثور والبصري والنخعي (أ) والإمام يحيى، والخلاف فيه للفقهاء ~~ولأبي حنيفة وأصحابه (ب) والشعبي وابن سيرين] (ج). # وقوله: "إذا قال سمع الله لمن حمده .. " إلخ: دلالة على جواب المؤتم ~~بقوله: "اللهم ربنا لك الحمد"، وقع هكذا في رواية لأبي هريرة (¬5) بحذف ~~الواو، وفي رواية أخرى الجمع بين اللهم وبين الواو لأبي هريرة (¬6) (د ~~أيضا، أخرجها البخاري، وفي رواية حذف "اللهم" وزيادة الواو في قوله: ولك ~~الحمد (¬7)، ورواية حذفها (¬8) لأبي هريرة د)، وفي رواية عائشة وأنس (¬9) ~~زيادة PageV03P308 # الواو (أ)، أخرج الجميع البخاري في مواضع، وقد رجحت زيادة الواو (ب) بأن ~~فيها معنى زائدا لكونها عاطفة على محذوف تقديره، ربنا استجب لنا، أو ربنا ~~أطعنا ولك الحمد، ورجح بعضهم حذفها لأن التقدير خلاف الظاهر، وقال النووي ~~(¬1): قد ثبتت الرواية بالوجهين جميعا فهما جائزان بغير ترجيح، وكذلك زيادة ~~"اللهم" ثبت (ج) الوجهان، وكلاهما جائزان، والزيادة أرجح لأن فيها ما لم ~~يكن في حذفها وفي ثبوتها تكرير النداء كأنه قال: يا الله يا ربنا. # وفي الحديث دلالة أن الإمام يقول: "سمع الله لمن حمده" والمؤتم: "اللهم ms0495 ~~ربنا لك الحمد". # واحتج به من قال: لا يجمع الإمام ولا المؤتم (د) بين اللفظين، وقد ذهب ~~إلى هذا الهادي والقاسم وأبو حنيفة، ورواية (ه) عن الناصر. # وفي حق المنفرد والإمام التسميع فقط، وذهب أبو يوسف ومحمد أنه يجمع ~~بينهما الإمام والمنفرد، ويسمع (و) المؤتم لحديث أبي هريرة أنه كان يقول - ~~صلى الله عليه وسلم - الأمرين جميعا، وظاهره أنه يفعل ذلك في حال إمامته ~~وفي حال انفراده، وصلاته مؤتما نادرة. PageV03P309 # وذهب الإمام يحيى والنووي والأوزاعي بل يجمع الإمام والمنفرد ويحمد ~~المؤتم لحديث أبي هريرة المذكور في الكتاب فإن مفهوم: "فقولوا: اللهم ربنا ~~.. " ألا يقول المؤتم إلا ذلك. # وذهب الشافعي إلى أنه يجمع بينهما المصلي مطلقا ويكمل: ب: "ملء السماوات ~~وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد"، ويزيد المنفرد: "أهل ~~الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا ~~معطي لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد". دليله ما أخرجه مسلم (¬1) من ~~حديث ابن أبي أوفى "أنه كان - صلى الله عليه وسلم - إذا رفع رأسه من الركوع ~~قال: "سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا ولك الحمد، ملء السماوات، وملء الأرض، ~~وملء ما شئت من شيء بعد"، وإذا (أ) قد ثبت جمعه - صلى الله عليه وسلم - ~~لذلك فالظاهر عموم الأحوال، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬2)، ولا ~~حجة في سائر الروايات على الاقتصار إذا عدم الذكر في اللفظ لا يدل على عدم ~~الشرعية، فقوله: "إذا قال: سمع الله لمن حمده" لا يدل على نفي قول الإمام: ~~ربنا لك الحمد، وقوله: "فقولوا: "اللهم ربنا" لا يدل على نفي قول المؤتم: ~~سمع الله لمن حمده، وفي حكاية هذا الفعل زيادة وهي مقبولة لأن القول غير ~~معارض لها، وقد روى ابن المنذر هذا القول في "الإشراف" عن عطاء وابن سيرين ~~وغيرهما، فلا يثبت ما نقل عنه أن الشافعي انفرد بذلك فيكون قوله: "سمع الله ~~لمن حمده" عند رفع رأسه وقوله: "ربنا لك الحمد" عند انتصابه، ms0496 ومعنى PageV03P310 # سمع الله لمن حمده، أن من حمده متعرضا لثوابه (¬1) استجاب الله له، ~~وأعطاه ما تعرض له. # وقوله: "فصلوا قعودا أجمعين": هكذا روي بالنصب في رواية أبي هريرة في ~~"السنن" (¬2)، وهي أيضا في رواية أبي ذر اللؤلؤي بالرفع، وفي "صحيح ~~البخاري" أيضا من رواية همام (¬3)، وسائر الروايات "أجمعون" على ما هو ~~الأكثر في اللغة والرفع على التأكد لضمير الفاعل في قوله: "صلوا"، والنصب ~~على الحال. # وقد أجازه الشلوبين في المثنى، وهو جمعاوين، والفراء في الواحد المؤنث ~~ولعله يقاس عليه الجمع، ويحتمل أن يكون تأكيد الضمير منصوب مقدر وهو أعينكم ~~وهو بعيد. # وفي الحديث دلالة على أنه يصح أن يصلي من يطق القيام خلف من لا يطيقه ~~ويتابع في القعود، وعلله في حديث جابر بالبعد عن فعل الأعاجم، وهو قوله: ~~"إن كدتم آنفا تفعلون فعل فارس والروم يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا ~~تفعلوا" (¬4). # وقد ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل (¬5) وإسحاق بن راهويه، وذهب PageV03P311 # العترة ومالك ومحمد (¬1) إلى أنه لا يصح أن يصلي القائم خلف القاعد ~~لقوله: "لا تختلفوا على إمامكم ولا تتابعوه في القعود" (¬2) لقدرتهم على ~~القيام فلا عذر لهم. # وذهب الشافعي (¬3) وزفر إلى أنه يصح أن يصلي القائم خلف القاعد ولا ~~يتابعه في القعود، قال: لصلاة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في مرض ~~موته قياما حين خرج وأبو بكر قد افتتح الصلاة فقعد يسار أبي بكر (¬4) فكان ~~ذلك ناسخا لأمره - صلى الله عليه وسلم - لهم بالجلوس في حديث أبي هريرة، ~~فإن ذلك في صلاته قاعدا لما سقط عن فرسه، وانفكت قدمه. وكذا حديث جابر وأنس ~~(¬5) وغيرهم، وكان هذا آخر الأمرين فتعين العمل به، كذا قرره الشافعي ونقله ~~جابر عن شيخه الحميدي (¬6) وهو تلميذ الشافعي. PageV03P312 # وأجيب عن هذا بوجوه: منها: [أن هذا فيما قد كان افتتح في الصلاة قائما، ~~وحديث أبي هريرة فيما كان الإمام قاعدا من أول الصلاة] (أ). # منها: أن الأحاديث التي وردت في أمرهم بالجلوس لم يختلف في صحتها، ولا في ~~سياقها، وأما صلاته - صلى ms0497 الله عليه وسلم - في مرضه، فقد اختلف فيها هل كان ~~إماما أو مأموما، وهذا عن ابن خزيمة (¬1). # منها: أنه يحمل الأمر بالجلوس على أنه للندب وتقرير القيام قرينة على ~~ذلك، فيكون حينئذ هذا الجمع بين الروايتين خارجا عن المذهبين جميعا، لأنه ~~يقتضي التخيير للمؤتم بين القيام والقعود. # منها: أن مثل هذا الحديث مروي عن جماعة من الصحابة، فروي عبد الرزاق ~~بإسناد صحيح عن قيس بن قهد -بفتح القاف وسكون الهاء- الأنصاري أن إماما لهم ~~اشتكى على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "وكان يؤمنا، وهو ~~جالس، ونحن جلوس" (¬2). # وروى ابن المنذر بإسناد صحيح عن أسيد بن حضير أنه كان يؤم قومه فاشتكى ~~فخرج إليهم بعد شكواه فأمروه أن يصلي بهم، فقال: إني لا أستطيع أن أصلي ~~قائما فاقعدوا فقعدوا، فصلى بهم قاعدا، وهم قعود (¬3). # وروى أبو داود من وجه آخر عن أسيد بن حضير أنه قال: يا رسول الله إن PageV03P313 # إمامنا مريض، قال - صلى الله عليه وسلم -: "إذا صلى قاعدا فصلوا قعودا"، ~~وفي إسناده انقطاع (¬1). # وروى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن جابر أنه اشتكى فحضرت الصلاة، فصلى بهم ~~جالسا وصلوا معه جلوسا. # وعن أبي هريرة أنه أفتى بذلك، وإسناده أيضا (أ) صحيح. # وقال ابن المنذر: ومما يزيد الحديث قوة عمل الصحابي بوفق ما روى، ثم قال: ~~ولا نحفظ عن أحد من الصحابة خلاف ذلك، ثم قال: ولا نسلم أن الصحابة في مرضه ~~- صلى الله عليه وسلم - صلوا بعده (ب) قياما، إذ لم يكن في الرواية تصريح بذلك. # وأجيب عن هذا الأخير بما أخرجه عبد الرزاق في "مصنفه" عن ابن جريج: ~~أخبرني عطاء -فذكر الحديث ولفظه: "فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - قاعدا ~~وجعل أبا بكر وراءه بينه وبين الناس، وصلى الناس وراءه قياما" (¬2)، وهذا ~~مرسل (¬3)، ووقع أيضا في مرسل عطاء المذكور متصلا به بعد قوله: وصلى الناس ~~وراءه قياما فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو استقبلت من أمري ما ~~استدبرت ما صليتم إلا قعودا، فصلوا صلاة إمامكم ms0498 ما كان، إن صلى قائما فصلوا ~~قياما، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا" (¬4). PageV03P314 # وهذا السياق لا يناسب ما ذهب إليه الشافعي، وهو يناسب (أ) التخيير الذي ~~قد سبق إشارة إليه، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والإمام (1) يحيى إلى مثل قول ~~أحمد. قالوا: إلا أن مقتضى القياس خلافه، وهو المنع للنقصان، والاستحسان ~~يرجحه لصحة الحديث. # قال الإمام المهدي -رحمه الله- في "البحر" (2) ردا (ب) على أحمد وغيره: ~~قلت: قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤمن أحدكم بعدي قاعدا قوما قياما". ~~انتهى (¬3). # [وفي هذا دلالة على أنه كان خاصا بالنبي - صلى الله عليه وسلم -] (ب)، ~~ويتأيد أيضا بفعل الخلفاء وأنهم لم يؤم أحد منهم قاعدا، وإن كان النسخ لا ~~يمكن بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فمثابرتهم على ذلك تشهد بصحة نهيه ~~عن إمامة القاعد بعده. # ويجاب عن الحديث بأنه ضعيف أخرجه الدارقطني والبيهقي من حديث جابر الجعفي ~~عن الشعبي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مرسل، وجابر (¬4) ضعيف جدا، ~~قال الشافعي (¬5): قد علم من احتج به أنه لا حجة فيه لأنه مرسل، ومن رواية ~~رجل يرغب أهل العلم عن الرواية عنه -يعني جابرا الجعفي- والذي احتج به هو ~~محمد بن الحسن، وروي أيضا من رواية PageV03P315 # عبد الملك بن حبيب عن من أخبره عن مجالد عن الشعبي، ومجالد ضعيف، وفيه من ~~لم يسم فلا يصح الاحتجاج به لا سيما مع معارضة الأحاديث الصحيحة (¬1). # 307 - وعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- "أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - رأى في أصحابه تأخرا، فقال: تقدموا فائتموا بي، وليأتم بكم من ~~بعدكم". رواه مسلم (¬2). # قوله: "فائتموا بي": أي اقتدوا بأفعالي، "وليأتم بكم من بعدكم": أي يقتدي ~~من بعدكم مستدلين على أفعالي بأفعالكم. # فالحديث يدل على جواز اعتماد المأموم (أ) في متابعة الإمام الذي لا يراه ~~ولا يسمعه على مبلغ عنه، وفي الأمر بذلك دلالة على يد استحباب التقدم في ~~الصف الأول وكراهة البعد عن تعرف أحوال الإمام، وفي تمام الحديث: "لا يزال ~~قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله". ms0499 # وفي الصف الأول أحاديث كثيرة، والله أعلم. # 308 - وعن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: "احتجر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - حجرة بخصفة (ب)، فصلى فيها، فتتبع إليه رجال، وجاءوا يصلون PageV03P316 # بصلاته ... " الحديث. وفيه: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". ~~متفق عليه (¬1). # قوله: "احتجر": هو بالراء، أي اتخذ مثل الحجرة من الخصف، وهو الحصير وهي ~~رواية الأكثر للبخاري، وبالزاي في رواية الكشميهني (¬2)، أي اتخذ حاجزا ~~بينه وبين غيره، وقد فعل ذلك - صلى الله عليه وسلم - في المسجد موضعا حوط ~~(أ) عليه بالحصير ليستره ولا يمر بين يديه مار ليكون أوفر (ب) لخشوعه وفراغ قلبه. # وفيه دلالة على جواز مثل ذلك الفعل في المسجد إذا لم يكن فيه تضييق (ج) ~~على المصلين لأنه كان يفعله بالليل ويبسطه بالنهار وكما (د) في رواية مسلم ~~(¬3)، ولم يتخذه دائما، ثم تركه بعد لهذا السبب دائما وصلى في بيته. PageV03P317 # وقوله: "فتتبع" (أ): من التتبع وهو الطلب، والمعنى: طلبوا موضعه فاجتمعوا ~~إليه، وفي رواية البخاري: "فثار إليه" (¬1). # وقوله: "وجاءوا يصلون بصلاته": وفي رواية البخاري (¬2): "فصلى فيها ~~ليالي"، فصلى بصلاته ناس من أصحابه فلما علم بهم جعل يقعد فخرج إليهم فقال: ~~"قد عرفت الذي رأيت من صفكم، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل الصلاة ~~صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة". هذا لفظه، وفي مسلم ما يؤدي هذا المعنى ~~وفيه أنهم حصبوا الباب (¬3) أي رموه بالحصباء وهي الجار (ب) الصغار تنبيها ~~له، وظنا منهم أنه نام أو سها. # وقوله: "أفضل صلاة المرء" إلخ: هذا عام في جميع النوافل شامل لرواتب ~~الفرائض وغيرها، ويستثنى من هذا النوافل التي شرع فيها الجماعة كالكسوف ~~والاستسقاء، وكذا التراويح على الأصح لزوال المانع من خشية أن تفرض. # 309 - وعن جابر -رضي الله عنه- قال: صلى معاذ بأصحابه العشاء فطول عليهم ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أتريد أن تكون يا معاذ فتانا؟ إذا ~~أممت الناس فاقرأ: بالشمس وضحاها، وسبح اسم ربك الأعلى، واقرأ باسم ربك، ~~والليل إذا يغشى". متفق عليه. PageV03P318 # واللفظ ms0500 لمسلم (¬1). # ولفظ الحديث في البخاري قال: "أقبل رجل بناضحين وقد جنح الليل فوافق ~~معاذا يصلي فترك ناضحيه (¬2)، وأقبل إلى معاذ فقرأ سورة البقرة والنساء، ~~فانطلق الرجل، وبلغه أن معاذا نال منه، فأتي النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فشكا إليه (أ) معاذا فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: أفتان أنت؟ أو ~~فاتن أنت؟ -ثلاث مرات- فلولا صليت بسبح اسم ربك الأعلى، والشمس وضحاها، ~~والليل إذا يغشى، فإنه يصلي وراءك الكبير والضعيف وذو الحاجة". # وفي رواية له للبخاري: "أن معاذ بن جبل كان يصلي مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، ثم يرجع فيؤم قومه" (¬3). # وفي رواية له: "فصلى العشاء فقرأ بالبقرة فانصرف الرجل" (¬4). # الحديث فيه دلالة على كراهة تطويل الإمام في الصلاة، واستحباب التوسط ~~والقراءة بنحو ما ذكر. # وقوله: "أفتان": مبالغة في الزجر له لما يلزم منه من ترك الناس السنن ~~وتنفيرهم عن الانضمام في الجماعات، ولذلك صرح في قصة من شكا PageV03P319 # منه تطويل صلاة الصبح بقوله: "إن منكم منفرين" (¬1). # [ويدل عليه ما أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" من حديث عمر قال: "لا ~~تبغضوا الله تعالى إلى عباده، يكون أحدكم إماما فيطول على القوم الصلاة حتى ~~يبغض عليهم ما هم فيه". # وقال الداودي (¬2): يحتمل أن يريد بفتان أي معذب لهم (أبالتطويل] (ب)، ~~وهذا محمول على كراهة المؤتمين للإطالة بدليل أنه قد صح عنه - صلى الله ~~عليه وسلم - أ) أنه قرأ الأعراف في المغرب (¬3) وغيرها، وكان مقدار قيامه ~~في صلاة الظهر الستين الآية. وذلك يختلف باختلاف الأوقات والمأمومين (ج) ~~والإمام. # وفي ألفاظ (د) الحديث اختلاف، ولعله من تصرف الناقلين اعتمادا على جواز ~~الرواية بالمعنى. # والرجل الذي كره صلاة معاذ في رواية أبي داود الطيالسى والبزار (¬4) هو ~~حزم بن أبي بن كعب، وكذا في "سنن أبي داود" (¬5) إلا أنه وقع عنده أنها ~~صلاة المغرب وسماه ابن شاهين: خازما، أخرجه من طريق ابن لهيعة، PageV03P320 # وفي رواية أحمد والنسائي وأبي يعلى وابن السكن (¬1) بإسناد صحيح عن أنس ~~أنه حرام براء بعدها ألف، وظن بعضهم أنه حرام بن ms0501 ملحان خال أنس، وبهذا جزم ~~الخطيب في "المبهمات" (¬2)، ويحتمل أن يكون تصحف (أ) من حزم فلا مخالفة ~~حينئذ، وابن عبد البر ذكر في "الصحابة" حرام بن أبي بن كعب (¬3) وذكر له ~~هذه القصة وعزا تسميته إلى هذه الرواية عن أنس. # قال المصنف -رحمه الله (¬4) -: ولم أقف على تسمية أبيه في هذه الرواية ~~وكأنه بنى على أن اسمه تصحف، والأب واحد سماه جابر، ولم يسمه أنس، ووقع في ~~رواية لأحمد (¬5) أن اسمه: سليم من بني سلمة، ورواه البزار من وجه آخر عن ~~جابر وسماه: "سليما" أيضا، ووقع عند ابن حزم (¬6) من هذه طريق البزار أن ~~اسمه "سلم" بفتح أوله وسكون اللام، وكأنه تصحيف، وجمع بعضهم بأنهما ~~واقعتان، وأيد ذلك بالاختلاف في الصلاة هل هي (ب) المغرب أو العشاء، ~~والاختلاف في السورة هل هي PageV03P321 # البقرة؟ أو اقتربت؟ وفي الاختلاف في عذر الرجل، هل هو لأجل أنه جاء من ~~عمل وهو تعبان، أو لكونه أراد أن يسقي نخله إذ ذاك، أو لكونه خاف علي الماء ~~في النخل، وأورد على هذا أن معاذا لو سبق له نهي لما عاد إلى ما نهي عنه، ~~وأجيب عنه بأنه نهي عن البقرة أولا فقرأ بعد ذلك باقتربت، أو أن النهي لما ~~يخشى من التنفير لمن هو قريب العهد بالإسلام ثم لما اطمأنت نفوسهم ظن معاذ ~~زوال المانع، ففعل مثل ذلك لما سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ في ~~المغرب بالطور. # وفي الحديث دلالة على صحة صلاة الفترض خلف المتنفل إذ يستبعد أن يصلي ~~معاذ بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نافلة ويترك فرضه. [وأصرح منه ~~ما رواه عبد الرزاق والشافعي والطحاوي والدارقطني وغيرهم (¬1) من طريق ابن ~~جريج عن عمرو بن دينار عن جابر في حديث الباب، زاد: "هي له تطوع"، وهو حديث ~~صحيح ورجاله رجال الصحيح، والأصل أن ما كان موصولا بالحديث فهو منه، ~~والظاهر أن هذه الزيادة من قول جابر وكان أعلم بالله وأخشى أن يقول مثل هذا ~~إلا بعلم (¬2)] (أ). # وكذلك جواز الخروج ms0502 من صلاة الجماعة للعذر كما وقع في رواية الشافعي عن ~~ابن عيينة في هذا الحديث: "فتنحى رجل من خلفه فصلى وحده" (¬3)، وإن كان هذا ~~محتملا، وقد جوز الخروج عن الائتمام من PageV03P322 # دون قطع الصلاة المؤيد بالله والإمام يحيى والشافعي وغيرهم، وفي أكثر ~~روايات الحديث أنه قطع الصلاة بتسليم، وصلى وحده (¬1). # فيدل (أ) أيضا على أنه يجوز قطع الصلاة واستئنافها للعذر. # وقوله في لفظ البخاري: "إن معاذا نال منه" قد فسره في رواية قال: "إنه ~~منافق" (¬2)، وفي رواية قال: "أنافقت يا فلان؟ قال: لا والله، ولآتين رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فلأخبرنه" (¬3)، وفي هذه الرواية أن الرجل هو ~~الذي اشتكى PageV03P323 # من معاذ، وفي رواية النسائي (¬1) فقال معاذ: "لئن أصبحت لأذكرن ذلك للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له فأرسل إليه فقال: ما حملك على الذي ~~صنعت؟ فقال: يا رسول الله عملت على ناضح لي .. " فذكر الحديث، وكأن معاذا ~~سبقه بالشكوى، فلما أرسل له جاء فاشتكى من معاذ". والله أعلم. # 310 - وعن عائشة - رضي الله عنها - في قصة صلاة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بالناس، وهو مريض قالت: "فجاء حتى جلس عن يسار أبي بكر، وكان ~~يصلي بالناس جالسا، وأبو بكر قائما يقتدي أبو بكر بصلاة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر". متفق عليه (¬2). # قوله "عن يسار أبي بكر": فيه دلالة على أنه يجوز أن يقف الواحد على يمين ~~الإمام وإن حضر معه غيره، وإدارة ابن عباس (¬3) وجابر مع جناد (أ) بن صخر ~~لا يدل على أن جنب الإمام لا يصح الوقوف فيه إذ ذاك لينضم مع غيره، فلا ~~يبقى الثاني منفردا، وهنا زال المانع، ويحمل على أن ثم مقتضيا هنا: إما ~~التبليغ، أو لكونه إماما في أول الصلاة، أو أن إمامته باقية، أو لكون الصف ~~قد ضاق، أو لغير ذلك من المحتملات، ومع عدم الدليل على أنه فعل لواحد (ب) ~~منها، فالظاهر الجواز على الإطلاق. # وقوله "وكان يصلي بالناس .. " إلخ تقدم الكلام على ذلك ms0503 [قريبا في PageV03P324 # حديث "إنما جعل الإمام .. " إلى آخره] (أ). # وقوله "يقتدى أبو بكر .. " إلخ فيه احتمال أن يكون ذلك الاقتداء على جهة ~~الائتمام، فيكون أبو بكر إماما ومأموما، وفيه احتمال أن أبا بكر إنما كان ~~مبلغا وليس بإمام. # واعلم أنه وقع الاختلاف في حديث عائشة هذا وفي غيره هل كان النبي إماما ~~أو مأموما؟ فأخرج أبو داود الطيالسي (¬1) كما أخرج عنه البخاري (¬2) (ب ~~بعضه: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - المقدم بين يدي أبي بكر"، ~~وأخرج عنه ابن خزيمة في "صحيحه" (¬3) عن محمد بن بشار عند ب) أبي داود ~~الطيالسي بسنده هذا عن عائشة قالت: "من الناس من يقول كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - المقدم، ومن الناس من يقول كان أبو بكر المقدم بين يدي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -". # ورواه مسلم بن إبراهيم عن شعبة بلفظ: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى خلف أبي بكر". أخرجه ابن المنذر، ووقع في رواية مسروق عنها اختلاف، ~~فأخرجه ابن حبان من رواية عاصم عن شقيق (ج بلفظ: "كان أبو بكر يصلي بصلاته، ~~والناس يصلون بصلاة أبي بكر" (¬4)، وأخرجه الترمذي والنسائي وابن خزيمة من ~~رواية شعبة عن نعيم بن أبي هند عن شقيق ج) PageV03P325 # عنه بلفظ: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى خلف أبي بكر" (¬1)، ~~وظاهر رواية محمد بن بشار أن عائشة لم تشاهد الهيئة المذكورة، لكن تضافرت ~~الروايات عنها بالجزم بما يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان هو ~~الإمام في تلك الصلاة، منها رواية موسى بن أبي عائشة: "فجعل أبو بكر يصلي ~~بصلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، والناس يصلون بصلاة أبي بكر" (¬2)، ~~وهذه رواية زائدة (أ) بن قدامة عن موسى، وخالفه شعبة فرواه بلفظ: "أن أبا ~~بكر صلى بالناس ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصف خلفه" (¬3) فمن ~~العلماء من سلك الترجيح، فقدم الرواية التي فيها "أن أبا بكر كان مأموما" ~~للجزم بها، ولأن أبا معاوية أحفظ في حديث الأعمش من ms0504 غيره. # ومنهم من عكس ذلك ورجع أنه كان إماما وتمسك بقول أبي بكر: "ما كان لابن ~~أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ". أخرجه ~~البخاري. # ومنهم من حمل القصة على التعدد، ويؤيده حديث ابن عباس (¬4)، وفيه: "أن ~~أبا بكر كان مأموما". أخرجه البخاري، وحديث أنس فيه أن PageV03P326 # أبا بكر كان إماما. أخرجه الترمذي وغيره بلفظ: "آخر صلاة صلاها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - خلف أبي بكر في ثوب" (¬1)، فهذا الاختلاف يقتضي تعدد القصة. # ثم اعلم أن الظاهر من تسويتها اقتداء أبي بكر، واقتداء الناس به هو ~~الائتمام. وأن أبا بكر كان مأموما (أ) إماما، وقد بوب البخاري في "صحيحه" ~~على ذلك فقال: (ب) باب الرجل يأتم بالإمام ويأتم الناس بالمأموم (¬2). قال ~~ابن بطال (¬3): هذا يوافق قول مسروق والشعبي أن الصفوف يؤم بعضها بعضا ~~خلافا للجمهور. # (ج) قال المصنف -رحمه الله (¬4) -: وليس المراد أنهم يأتمون بهم في ~~التبليغ فقط كما فهمه بعضهم، بل الخلاف معنوي لأن الشعبي قال فيمن أحرم قبل ~~أن يرفع الصف الذي يليه رءوسهم من الركعة: إنه أدركها ولو كان الإمام رفع ~~قبل ذلك، لأن بعضهم لبعض أئمة. انتهى. # فهذا يدل على أنه يرى أنهم يتحملون عن بعضهم بعضا ما يتحمله PageV03P327 # الإمام، ويؤيد هذا القول قوله - صلى الله عليه وسلم -: "تقدموا فائتموا ~~بي، وليأتم بكم من بعدكم" (¬1). # وفي حديث أبي بكر أنه كان يسمعهم التكبير في رواية مسلم (¬2)، فيه دلالة ~~على جواز رفع الصوت بالتكبير ليسمعه الناس ويتبعونه، وأنه يجوز للمقتدي ~~اتباع صوت المكبر. وهذا مذهبنا (¬3) ومذهب الجمهور، ونقلوا فيه الإجماع، ~~والإجماع غير صحيح. فقد نقل القاضي عياض عن مذهبهم أن منهم من يبطل صلاة ~~المقتدي، ومنهم من لم يبطلها، ومنهم من قال: إن أذن الإمام في الإسماع صح ~~الاقتداء به وإلا فلا، ومنهم من أبطل صلاة المسمع، ومنهم من صححها، ومنهم ~~من شرط إذن الإمام، ومنهم من قال: إن تكلف صوتا بطلت صلاته وصلاة من ارتبط ~~بصلاته، وكل هذا ضعيف، والصحيح جواز ms0505 ذلك كله، وصحة صلاة المسمع والسامع، ~~ولا يعتبر إذن الإمام. # 311 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إذا أم أحدكم الناس فليخفف، فإن فيهم الصغير والكبير، والضعيف وذا ~~الحاجة فإذا صلى وحده فليصل كيف شاء". متفق عليه (¬4). PageV03P328 # وقوله: "فليصل كيف شاء": أي مخففا أو مطولا، وفيه دلالة على جواز تطويل ~~المنفرد بالصلاة في جميع الأركان من القيام والركوع والسجود والاعتدال، ~~وظاهره: ولو خشي خروج الوقت، وقد صحح هذا بعض الشافعية، ولكنه يعارضه حينئذ ~~قوله في حديث [أبي] (أ) قتادة: "إنما التفريط أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت ~~الأخرى" أخرجه مسلم (¬1)، فإذا تعارضت مصلحة المبالغة في الكمال بالتطويل ~~ومفسدة إيقاع الصلاة في غير وقتها كانت مراعاة ترك المفسدة أولى. # 312 - وعن عمرو بن سلمة -رضي الله عنه- قال (ب): قال أبي: جئتكم من عند ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حقا، قال: "فإذا حضرت الصلاة فليؤذن ~~أحدكم وليؤمكم أكثركم فرآنا". قال: فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآنا مني، ~~فقدموني وأنا ابن ست أو سبع سنين. رواه البخاري وأبو داود والنسائي (¬2). # هو أبو يزيد -من الزيادة، قاله البخاري (¬3)، وقال مسلم بن الحجاج وغيره ~~(¬4): بريد بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء تحتها نقطتان PageV03P329 # وبالدال المهملة- عمرو بن سلمة -بكسر اللام- بن نقيع -بضم النون وفتح ~~القاف وسكون الياء- الجرمي، (أقاله ابن منده، وقال ابن عبد البر (¬1): سلمة ~~بن قيس الجرمي، وقال ابن ماكولا: عمرو بن سلمة بن لأي -بفتح اللام وسكون ~~الهمزة وبالياء- الجرمي، أدرك زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان يؤم ~~قومه على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان أقرأهم للقرآن، وقيل: ~~إنه قدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع أبيه، ولم يختلف في قدوم ~~أبيه، نزل عمرو البصرة روي عنه أبو قلابة وعاصم (ب) الأحول وأبو الزبير ~~المكي (¬2). # في الحديث دلالة على أن الأكثر قرآنا أحق بالإمامة كما في الحديث الذي بعده. # [وفي الحديث دلالة على (ج) أفضلية الإمامة على الأذان (¬3)، (د ومن قال ms0506 ~~د) بتفضيل الأذان (ه) قال: إنما أطلق هنا، وقال: "أحدكم" لأن الأذان لا ~~يحتاج إلى كثير علم، وأعظم مقصوده الإعلام بالوقت] (و) فقط، وتقديمه وهو في ~~ست أو سبع فيه دلالة لما ذهب (ز) إليه الحسن البصري والشافعي PageV03P330 # وإسحاق في أنه لا كراهة في إمامة المميز (¬1)، وكرهها مالك (¬2) والثوري ~~[والشعبي والأوزاعي] (أ)، وعن أبي حنيفة، وأحمد روايتان (¬3)، والمشهور ~~عنهما الإجزاء في النوافل دون الفرائض (¬4)، ومنع من ذلك الهادي والناصر ~~والمؤيد بالله (¬5). قالوا قياسا على المجنون، ولا حجة في قصة عمرو لأنه لم ~~يرو أن ذلك بأمر من النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا تقرير، ويحتمل أن ~~يكون أمهم في نافلة، وأجيب بأن وقوع مثل ذلك في زمن الوحي لا يكاد يقع لأحد ~~من الصحابة التقرير على ما لا يجوز فعله، وبهذا استدل أبو سعيد وجابر على ~~جواز العزل بأنهم كانوا يعزلون والقرآن ينزل (¬6)، والوفد الذين قدموا عمرا ~~كانوا جماعة من الصحابة. قال ابن حزم (¬7): ولا يعلم لهم في ذلك مخالف، ~~واحتمال أن تكون نافلة تبعده القصة بعد تعليمهم أوقات الصلاة وفي رواية ~~لأبي داود: قال عمرو: "فما شهدت مشهدا في جرم إلا كنت إمامهم" (¬8) وهذا ~~يعم الفرائض والنوافل، وعلى القول بصحة إمامة المتنفل PageV03P331 # بالمفترض فإمامة (أ) الصبي جائزة إذ هي من هذا القبيل. # وقوله: "حقا": منصوب على صفة الصدر المحذوف أي إرسالا حقا أو أنه مصدر ~~مؤكد للجملة المتضمنة إذ هو في قوة: هو رسول الله حقا، فهو مصدر مؤكد لغيره. # 313 - وعن أبي مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم ~~بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء ~~فأقدمهم سلما، وفي رواية: "سنا، ولا يؤمن الرجل في سلطانه، ولا يقعد في ~~بيته على تكرمته إلا بإذنه" رواه مسلم (¬1). # ولابن ماجه (¬2) من حديث جابر -رضي الله عنه-: "ولا تؤمن امرأة رجلا، ولا ~~أعرابي مهاجرا، ولا فاجر مؤمنا". وإسناده واه. PageV03P332 # قوله: ms0507 "أقرؤهم": أي أكثرهم حفظا للقرآن، ويحتمل أن يراد به أحسن (أ) ~~تأدية، و (ب) كما في قوله "أقرأكم" إلخ، (ج) فيه دلالة على تقديم الأقرأ ~~على الأفقه، وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وبعض أصحاب الشافعي (¬1)، وقال مالك ~~والشافعي وأصحابهما وهو قول الهادوية (¬2): أنه (د) يقدم الأفقه على ~~الأقرأ، لأن الذي (ه) يحتاج إليه من القراءة مضبوط والذي يحتاج إليه من ~~الفقه غير مضبوط، وقد تعرض في الصلاة أمور لا يقدر على مراعاة مقتضاها إلا ~~كامل الفقه، قالوا: ولهذا قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر على ~~غيره مع قوله: "أقرؤكم أبي" (¬3). # والحديث خرج على ما كان عليه حال الصحابة من أن الأقرأ هو الأفقه، وقد ~~قال ابن مسعود: "ما كنا نتجاوز عشر آيات حتى نعرف حكمها وأمرها ونهيها" ~~(¬4) ولكن قوله: "فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة" يبعد هذا ~~الجواب، فإنه دليل على تقديم الأقرأ مطلقا، PageV03P333 # [ولعله يقال: إن الأكثر حفظا للقرآن هو القدم لكونه أفقه بما نزل به ~~الوحي، فإن استويا قدم الأعلم بالسنة؛ لأنه انضم إلى فقه القرآن فقه السنة ~~فقد صار أكثر فقهما، والله أعلم. # وفي رواية الطبراني (¬1) عن مرثد الغنوي: "إن سركم أن تقبل صلاتكم ~~فليؤمكم علماؤكم فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين ربكم"] (أ). # (ب) قوله: "فأقدمهم هجرة": وهذا شامل لمن تقدمت هجرته سواء كان في زمن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بعده كمن يهاجر من دار كفر إلى دار إسلام ~~(ج)، وأما قوله: "لا هجرة بعد الفتح" (¬2)، فالمقصود من مكة إلى المدينة، ~~لاستوائهما في كونهما صارا داري إسلام (¬3) ولعله يقال: وكذا أولاد ~~المهاجرين فلهم حكم سلفهم في التقديم. # وقوله: "فأقدمهم سلما": أي إسلاما يعني من تقدم إسلامه مقدم على من تأخر ~~عنه، وكذا رواية "سنا" أي الأكبر في السن [أي في الإسلام فمن تقدم إسلامه ~~فهو أولى، وإن كان أصغر في السن ممن تأخر إسلامه، قال البغوي (¬4): وكذا من ~~كان إسلام أحد آبائه قبل إسلام آباء الآخر يكون أولى، ومن أسلم بنفسه فهو ms0508 ~~أولى ممن أسلم بإسلام أحد أبويه إذا كان إسلام PageV03P334 # المسلم بنفسه قبل بلوغ من أسلم بإسلام أحد أبويه، (أإذا كان إسلام المسلم ~~بنفسه قبل بلوغ من أسلم بإسلام أحد أبويه أ)، وإنما كان من أسلم بنفسه أولى ~~لأنه اكتسب الفضيلة بنفسه] (ب). # وقوله: "ولا يؤم المرء في سلطانه": فيه دلالة على تقديم ذي الولاية على ~~غيره، وظاهره وإن كان غيره أفقه منه ونحوه، وهذا خاص، وأول الحديث عام ~~فالبناء صحيح، ويلحق بالسلطان (ب) صاحب البيت وإمام المسجد المعتاد، لأنه ~~متصرف (د) في ذلك، فهو لاحق بالسلطان المتصرف، قال أصحاب الشافعي (¬1): ~~ويستحب لصاحب البيت أن يأذن لمن هو أفضل منه. # وقوله: "على تكرمته": هو بفتح التاء وكسر الراء، الفراش ونحوه مما يبسط ~~لصاحب المنزل ويختص به. # وحديث ابن ماجه إسناده واه بأنه من رواية عبد الملك بن حبيب وهو متهم ~~بسرقة الحديث وتخليط الأسانيد (¬2). PageV03P335 # وفيه دلالة على أن المرأة لا تؤم الرجل (¬1). وقد ذهب إلى هذا العترة ~~والحنفية والشافعية وغيرهم، وأجاز المزني وأبو ثور إمامة المرأة (¬2)، ~~وظاهر الرواية الإطلاق في الفرائض والنوافل، والطبري (¬3) أجاز إمامتها في ~~التراويح إذا لم يحضر من يحفظ القرآن، ولعل حجتهم ما سيأتي من حديث أم ورقة ~~(¬4)، ويحمل النهي على التنزيه ضد الاستحباب. # وقوله: "ولا أعرابي مهاجرا" (¬5): ظاهره أنها لا تصح صلاة المهاجر مؤتما ~~بالأعرابي الذي لم يهاجر، على فرض صحة الحديث، إلا أن يمنع إجماع حمل النهي ~~على الكراهة ضد الاستحباب. # وقوله: "ولا فاجر مؤمنا": كذلك فيه دلالة على أنه لا تصح إمامة الفاسق، ~~وقد ذهب إلى هذا العترة ومالك وجعفر بن ميسر (أ) (¬6) وجعفر بن حرب، وذهب ~~الحنفية (¬7) والشافعية والمعتزلة (ب) وغيرهم إلى صحة إمامة PageV03P336 # الفاسق ودليلهم ما سيأتي من حديث ابن عمر (¬1)، وكذلك حديث أبي هريرة: ~~"والصلاة واجبة عليكم خلف كل مسلم برا كان أو فاجرا وإن عمل الكبائر" رواه ~~أبو داود، والدارقطني (¬2) وهو (أ) منقطع من حديث (ب) مكحول، وله طريق أخرى ~~(¬3) عند ابن حبان (ج) في "الضعفاء" من حديث عبد الله بن ms0509 محمد، وعبد الله ~~متروك، ورواه الدارقطني (¬4) من حديث الحارث عن علي، ومن حديث علقمة (¬5) ~~والأسود عن عبد الله، ومن حديث مكحول أيضا عن واثلة (¬6)، ومن حديث أبي ~~الدرداء (¬7) من طرق كلها واهية جدا، قال العقيلي (¬8): ليس في هذا المتن ~~إسناد يثبت، ونقل PageV03P337 # ابن الجوزي (¬1) عن أحمد أنه سئل عنه فقال: ما سمعنا بهذا. قال الدارقطني ~~(¬2): ليس فيها شيء يثبت وللبيهقي في هذا الباب أحاديث ضعيفة غاية الضعف، ~~وأصح ما فيه حديث مكحول عن أبي هريرة على إرساله، وقال أبو أحمد الحاكم: ~~هذا حديث منكر (¬3)، ولكن الحديث المانع من الصلاة هو أيضا غير صحيح، وقد ~~عارضته (أ) هذه الأحاديث وهي متأيدة بالكثرة وأنها مقررة للأصل وهو الصحة، ~~وعموم أحاديث الأمر بالجماعة، والمأمور بها الجميع من البر والفاجر، وقد ~~أخرج البخاري صلاة ابن عمر خلف الحجاج (¬4)، وكذا أخرج البخاري في "تاريخه" ~~(¬5) عن عبد الكريم البكاء أنه قال: "أدركت عشرة من أصحاب محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - كلهم يصلي خلف أئمة الجور"، ويؤيده أيضا حديث مسلم: "كيف أنت ~~إذا كان عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟. # قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصل، فإنها ~~لك نافلة (¬6) " فإن الظاهر من حال من اعتاد إمامة الصلاة وأخرها عن وقتها ~~الخروج عن الحق والتنكب عن سنن الشريعة ويحمل PageV03P338 # حديث النهي على الكراهة ضد الاستحباب كما في المعطوف عليه القريب، وإن ~~كان في ذلك جمع بين الحقيقة والمجاز كما في إمامة المرأة بالرجل. والله أعلم. # 314 - وعن أنس -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"رصوا صفوفكم، وقاربوا بينها، وحاذوا بالأعناق" رواه أبو داود والنسائي ~~وصححه ابن حبان. # تمام الحديث "فوالذي نفسي بيده إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها ~~الحذف" (¬1). # ورص الصف مأخوذ من رص البناء. [والمراد المبالغة في الازدحام حتى لا تبقى ~~فرجة يدخل الشيطان منها (أ) وفي رواية الطبراني (¬2) عن علي رضي الله عنه: ~~"استووا وتماسوا" (ب قال شريح: تماسوا ب) يعني ms0510 ازدحموا في الصلاة] (ب)، ~~والمقاربة بين الصفوف هو ألا يبعد الصف الثاني عن الصف الذي قبله، [والحكمة ~~في الأمر بالمقاربة ليشاهد كل صف أفعال (د) إمامه من الانتفالات وغيرها ~~وليكونوا أقرب إلى الإمام ليسمعوا قراءته] (ه). PageV03P339 # والمراد بمحاذاة الأعناق أن لا يقف أحدهم في مكان أرفع من غيره ولا عبرة ~~بالأعناق أنفسها إذ ليس للطويل أن يوطئ عنقه ليحاذي عنق غيره. # وقوله في: تمام الحديث: "كانها الحذف" بفتح الحاء المهملة والذال المعجمة ~~هي صغار الغنم السود، الضمير في "كأنها" راجع إلى نفس مضاف إلى الشيطان أي ~~جعل نفسه شاة أو ماعزة كأنها الحذف، أو أنث باعتبار الخبر. # 315 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، ~~وشرها أولها" رواه مسلم (¬1). # فيه دلالة على (أ) فضيلة الصف الأول، وفيه أحاديث كثيرة، وإنما كان شرها ~~آخرها لما فيه من النكص عن إحراز الفضائل، ولأنه "لا يزال العبد يتأخر حتى ~~يؤخره الله" (¬2) كما في حديث مسلم، وإنما كان خير صفوف النساء آخرها لأنهن ~~إذا كانت صلاتهن مع الرجال بعدن عن PageV03P340 # مخالطة الرجال ورؤيتهم، وتعلق القلب بهم عند رؤية حركاتهم وسماع كلامهم، ~~ونحو ذلك، فذم صفهن الأول لذلك، وفيه دلالة على جواز اصطفاف النساء صفوفا، ~~وظاهره وسواء كانت صلاتهن مع الرجال أو مع امرأة، إلا أن التعليل ينتفي ~~فيما إذا كانت إمامتهن امرأة، والشرية والخيرية باعتبار كثرة الثواب وقلته. # وقد قيل: في تأويل الصف الأول أنه الذي يتقدم من أول الصلاة، وهو قول باطل. # 316 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "صليت مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ذات ليلة، فقمت عن يساره، فأخذ رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - برأسي من ورائي، فجعلني عن يمينه" متفق عليه (¬1). # قيام ابن عباس وصلاته مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو في صلاة الليل. # وقوله: "فقمت (أ) عن يساره" إلخ، فيه دلالة على صحة صلاة المتنفل ~~بالمتنفل، [وعلى ms0511 أن الجماعة تنعقد بصبي مميز، وعلى أنه يصح الائتمام بمن لم ~~ينو الإمامة، ويحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نوى الإمامة عند ~~دخوله معه (¬2)، PageV03P341 # ففيه دلالة على صحة النية المتوسطة في الصلاة] (أ) وعلى أن موقف الواحد ~~مع الإمام على اليمين بدليل الإدارة، إذ لو كان موقفا للمؤتم لما فعل ذلك ~~الفعل في الصلاة، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من العلماء (¬1)، والخلاف في ذلك ~~للنخعي فقال: "إذا كان الإمام وواحد قام الواحد خلف الإمام، فإن ركع الإمام ~~قبل أن يجيء أحد قام عن يمينه" (¬2) أخرجه سعيد ابن منصور ووجه بأن الإمامة ~~مظنة الاجتماع، فاعتبرت في موقف المأموم حتى يظهر خلاف ذلك، وهو حسن، لكنه ~~مخالف للنص، وقد روى سعيد بن منصور عنه قال: "ربما قمت خلف الأسود وحدي حتى ~~يجيء المؤذن" (¬3)، ففيه دلالة على أنه إذا ظنا قويا انضمام الغير. # ولكنه لا دلالة في الحديث أنها تفسد صلاة من كان على اليسار بل قد يستدل ~~(ب) على الصحة، إذ النبي - صلى الله عليه وسلم - قرره على أول صلاته وقد ~~ذهب إلى هذا الجمهور، والخلاف لأحمد بن حنبل (¬4) والهادوية، ولهم أن ~~يقولوا: الوقوف علي اليسار جائز للعذر، والجهل عذر. # وذهب سعيد بن السيب (¬5) (ج) أن موقف المأموم الواحد يكون عن يسار PageV03P342 # الإمام ولم يتابع على ذلك، وفي إدارته من ورائه دلالة على أنه لا يتقدم ~~المؤتم على الإمام خلافا لمالك (¬1)، فجوز تقدمه [وفيه دلالة على أن الإمام ~~إذا اطلع على مخالفة من المأموم يرشده إليها، وأن العمل اليسير لا تبطل ~~الصلاة به ولا يوجب سجود السهو] (أ). # وقوله: "فجعلني عن يمينه": يحتمل المساواة ويحتمل التقدم (ب) قليلا ~~والتأخر إلا أن في بعض ألفاظ الحديث: "فقمت إلى جنبه" (¬2)، وظاهره ~~المساواة، وعن ابن جريج قال: قلت لعطاء: الرجل يصلي مع الرجل أين يكون منه؟ ~~قال: إلى شقه، قلت: أيحاذيه حتى يصف معه لا يفوت أحدهما الآخر؟ قال: نعم. ~~قلت: أيجب (ج) أن لا يبعد حتى لا تكون بينهما فرجة؟ قال: نعم (¬3). # وفي ms0512 "الموطأ" عن عبيد الله بن عتبة بن مسعود قال: "دخلت على عمر بن ~~الخطاب -رضي الله عنه- بالهاجرة، فوجدته يسبح فقمت وراءه، فقربني حتى جعلني ~~حذاءه عن يمينه" (¬4). PageV03P343 # وعن بعض أصحاب الشافعي: يستحب أن يقف المأموم دونه قليلا. # 317 - وعن أنس -رضي الله عنه- قال: "صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فقمت ويتيم خلفه، وأم سليم خلفنا" متفق عليه، واللفظ للبخاري (¬1). # قوله: "فقمت ويتيم" (أ): اليتيم هو ضميره بن أبي ضميرة (¬2) (ب) جد حسين ~~بن عبد الله بن ضميرة (ج)، وقد وقع (¬3) عند ابن فتحون (د) فيما رواه عن ~~ابن السكن بسنده: صليت أنا وسليم بسين مهملة ولام مصغرا، ووقع في "ذيل ~~الاستيعاب" لابن فتحون (5) سليم مكبرا ولعله تصحف عليه يتيم، وأم سليم (¬4) ~~هي أم أنس بن مالك واسمها مليكة مصغرا. # [قوله: "ويتيم": معطوف على التاء ضمير الفاعل من دون تأكيده PageV03P344 # بضمير منفصل، كما هو مذهب الكوفيين] (¬1) (أ). # وفيه دلالة على أن صلاة المتنفل بمتنفل صحيحة. # وأن فعل الصلاة للتعليم أو التبرك كما هو ظاهر القصة مشروع. # وأن صف الاثنين خلف الإمام، وهو قول الجمهور (¬2) خلافا لمن قال من ~~الكوفيين (¬3): إنهما يقفان عن يمينه ويساره محتجين بفعل ابن مسعود كما ~~أخرجه عنه أبو داود وغيره: أنه أقام علقمة عن يمينه والأسود عن يساره (¬4). ~~وأجاب عنه ابن سيرين أن ذلك قد كان لضيق المكان، رواه الطحاوي (¬5). # وأن الصغير المميز معتد بوقوفه مع المصلي داخل في حكم الجماعة والاصطفاف ~~[إذ الظاهر من لفظه: "يتيم" هو الصغير قال في "البحر" (¬6): قلت يحتمل بلوغ ~~اليتيم فاستصحب الاسم] (ب). PageV03P345 # وأن المرأة لا تصف مع الرجل (أ)، ولعل المناسبة في ذلك لما (ب) يخشى بحسب ~~الأغلب من الافتتان، وأن انفرادها في صف خير لها فلو صفت مع الرجال (ج) ~~أجزأت صلاتها عند الجمهور (¬1)، وعند الهادوية (¬2) أنها تفسد عليها وعلى ~~من خلفها وفي صفها، إن علموا، قالوا: والوجه في ذلك أنه لما أخرها - صلى ~~الله عليه وسلم - في هذه القصة دل على أنه (د) ليس موقفها مع الرجال ms0513 فهو ~~منهي عن ذلك الموقف، ولقول ابن مسعود: "أخروهن من حيث أخرهن الله" (¬3)، ~~والأمر يقتضي الوجوب، وقوله: "من حيث" معناه ظرف المكان، ولا مكان يجب ~~تأخرهن فيه إلا مكان الصلاة، وذهب أبو حنيفة إلى فساد صلاة الرجل دون ~~المرأة وهو عجيب. # وأنت خبير بأن في هذه القصة تعريف مقام المرأة وهو محتمل لوجوبه أو لكونه ~~أولى، ولا دليل على الفساد بوجه. # [وفيه دليل (ه) على أن المرأة لا تؤم الرجل، فإنه إذا كان مقامها متأخرا ~~في الجماعة امتنع تقدمها إمامة للرجال] (و)، والله أعلم. PageV03P346 # 318 - وعن أبي بكرة -رضي الله عنه- أنه انتهى إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو راكع، فركع قبل أن يصل إلى الصف، فقال له (أ) النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "زادك الله حرصا، ولا تعد". رواه البخاري، وزاد أبو داود: ~~"فركع دون الصف ثم مشى إلى الصف" (¬1). # في الحديث دلالة على أن اللاحق إذا خشى فوات بعض الجماعة قبل أن ينضم أن ~~له الدخول في الجماعة ثم ينضم بحسب إمكانه، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يأمره بإعادة الصلاة، بل قال له: "زادك الله حرصا"، والمراد بالحرص ~~المحافظة على استكمال الطاعات وعدم المسامحة بترك بعضها -وإن قل- بل ولو ~~حصل معه ترك مندوب. # وبقي الكلام في قوله: "ولا تعد": فقيل: إنه نهاه عن العود إلى الإحرام ~~خارج الصف، فإن حمل النهي على التحريم ناقضه صدر الحديث، وإن حمل النهي على ~~الكراهة بقرينة أوله استقام معناه، ولكن ابن حبان أنكر أن يكون هذا معنى ~~الحديث وقال: أراد لا تعد في إبطاء المجيء إلى الصلاة. وقال ابن القطان ~~الفاسي تبعا للمهلب بن أبي صفرة: (¬2) معناه: لا تعد إلى دخولك في الصف ~~وأنت راكع، فإنها (ب) PageV03P347 # كمشية البهائم، ويؤيده رواية حماد بن سلمة في "مصنفه" (¬1) عن الأعلم عن ~~الحسن عن ابن أبي بكرة: "أنه دخل المسجد ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي، وقد ركع، فركع ثم دخل الصف وهو راكع، فلما انصرف النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: ms0514 "أيكم دخل في الصف، وهو راكع؟ فقال له أبو بكرة: أنا، ~~فقال: زادك الله حرصا ولا تعد". # [وما رواه ابن أبي شيبة عن أبي هريرة بإسناد صحيح عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: إذا أتى أحدكم إلى الصف، فلا يركع دون الصف، ولا يكبر ~~حتى يأخذ مقامه (أ) من الصف] (ب). # ولكنه يعارض هذا ما أخرجه الطبراني (¬2) عن عطاء: أنه سمع ابن الزبير على ~~المنبر يقول: "إذا دخل أحدكم المسجد والناس ركوع، فليركع حين يدخل ثم يدب ~~راكعا حتى يدخل في الصف"، قال: "ذلك السنة"، قال عطاء: "وقد رأيته يصنع ذلك". # وقال الطبراني: تفرد به ابن وهب، [وقد روي عن زيد بن ثابت وابن PageV03P348 # مسعود وأبي لبابة وسعيد بن جبير (¬1) أنهم فعلوا ذلك] (أ). # وقيل معناه: ولا تعد إلى إتيان الصلاة مسرعا، واحتج له بما رواه ابن ~~السكن في "صحيحه" بلفظ: "أقيمت الصلاة فانطلقت أسعى حتى دخلت في الصف، فلما ~~قضى الصلاة قال: من الساعى آنفا؟ قال أبو بكرة: فقلت: أنا، فقال: زادك الله ~~حرصا، ولا تعد"، وهذا قريب. # 319 - وعن وابصة بن معبد -رضي الله عنه- "أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - رأى رجلا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة". رواه أحمد ~~وأبو داود والترمذي، وحسنه، وصححه ابن حبان (¬2). # وله عن طلق: "لا صلاة لمنفرد خلف الصف" (¬3). # وزاد الطبراني في حديث وابصة: "ألا دخلت معهم، أو (ب) اجتررت رجلا" (¬4). PageV03P349 # هو أبو شداد وابصة -بكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة- وقيل: أبو ~~قرصافة -بالقاف المكسورة والصاد المهملة والفاء- وقيل: أبو سالم بن معبد بن ~~مالك من بني أسد بن خزيمة الأسدي. [وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في عشرة من بني أسد سنة تسع فأسلموا، ورده إلى بلاده. فقال أبو راشد: ما ~~أتيته إلا وجدت الصحف بين يديه، ثم] (أ) نزل الكوفة ثم تحول إلى الجزيرة، ~~ومات بالرقة، روى عنه زياد بن أبي الجعد (¬1). # في الحديث دلالة على (ب) بطلان صلاة من صلى (ج) خلف الصف وحده لغير عذر. ms0515 ~~وقد قال ببطلانها النخعي وحماد بن أبي سليمان وابن أبي ليلى ووكيع وأحمد. ~~(¬2) وكان الشافعي يضعف هذا الحديث. ويقول في القديم: لو ثبت لقلت به (د)، ~~وقال البيهقي: الاختيار أن يتوقى ذلك لثبوت الخبر المذكور، وقال: من قال ~~بعدم البطلان عارضه حديث أبي بكرة، ولم يأمره بالإعادة، مع أنه أتى ببعض ~~الصلاة خلف الصف، فيحمل الأمر بالإعادة على جهة الندب مبالغة في المحافظة ~~على الأولى كما تقدم في أمر من بقي فيه لعة في رجله بغير وضوء، أمره بإعادة ~~الوضوء كاملا والأولى الجمع بين الحديثين، بأن حديث أبي بكرة فيما فعل ~~لعذر، وهو خشية الفوات مع انضمامه بقدر الإمكان، وهذا لغير عذر وفي جميع ~~الصلاة، والله أعلم. PageV03P350 # وحديث طلق ظاهر في عدم الصحة، ويحتمل أن يتوجه النفي إلى نفي الكمال ~~والفضيلة، وحديث الطبراني فيه السري بن إسماعيل (¬1)، وهو متروك، وأخرجه ~~أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (¬2) من طريق أخرى في ترجمة ابن عبد ربه (أ) ~~البغدادى، وفيه قيس بن الربيع (¬3)، وهو ضعيف، وأخرج أبو داود في ~~"المراسيل" (¬4) من رواية مقاتل بن حيان مرفوعا: "إن جاء رجل فلم يجد أحد، ~~فليختلج إليه رجلا من الصف، فليقم معه، فما أعظم أجر المختلج". وأخرج ~~الطبراني في "الأوسط" من حديث ابن عباس: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر الآتي وقد تمت الصفوف بأن يجتذب إليه رجلا يقيمه إلى جنبه" وإسناده واه (¬5). # 320 - وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إذا سمعتم الإقامة فامشوا إلى الصلاة، وعليكم السكينة والوقار، ولا ~~تسرعوا PageV03P351 # فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا". متفق عليه، واللفظ للبخاري (¬1). # قوله: "إذا سمعتم الإقامة": وقع في حديث [أبي] (أ) قتادة: "إذا أتيتم ~~الصلاة" (¬2)، ولا مخالفة بين الروايتين في المعنى؛ لأنه إذا كان مأمورا ~~بالمشي مع سماع الإقامة وخشية الفوات فبالأولى أن يؤمر به مع الإتيان إلى ~~الصلاة قبل سماع الإقامة وتجويز الإدراك. # وقوله: "وعليكم السكينة": بحذف الباء كذا في رواية الأكثر للبخاري، وفي ~~رواية (¬3) أبي ذر بزيادة الباء، وعلى ms0516 حذف الباء فقد (ب) ضبط القرطبي (¬4) ~~رواية مسلم بالنصب مفعولا لعليكم، وضبطها النووي (¬5) بالرفع على أنها ~~مبتدأ، "وعليكم" خبره، وهي جملة حالية. # واستشكل بعضهم دخول الباء لأن "عليكم" يتعدي بنفسه، إذ هو بمعنى خذ أو ~~ألزم. ولكنها قد ثبتت زيادة الباء في أحاديث صحيحة PageV03P352 # كحديث: "عليكم برخصة الله" (¬1)، "وعليه بالصوم" (¬2)، و"عليك بالمرأة" ~~(¬3)، وغير ذلك، ولها محمل صحيح في العربية وهي الحمل على الزيادة في مفعول ~~"عليكم"، وهو وإن كان يتعدى بنفسه لكنه لضعفه في العمل فيعمد (أ) بحرف ~~عادته إيصال الفعل اللازم إلى مفعوله. # "والسكينة والوقار": قال القاضي عياض: (¬4) هما بمعنى واحد، وذكر الثاني ~~تأكيدا للأول، وقال النووي (¬5): الظاهر أن بينهما فرقا وأن السكينة التأني ~~في الحركات واجتناب العبث، والوقار في الهيئة كغض الطرف وخفض الصوت، وعدم ~~الالتفات. # [وقيل: السكينة في القلب، والوقار في الأفعال (ب)] (ج). # وقوله: "ولا تسرعوا": فيه زيادة تأكيد للأمر بالمشي وما تبعه، وفي عدم ~~الإسراع أيضا فضيلة تكثير الخطا، وهو معنى مقصود لذاته وردت فيه أحاديث ~~كحديث جابر عند مسلم (¬6): "إن بكل خطوة درجة"، ولأبي داود (¬7) من طريق ~~سعيد بن المسيب مرفوعا: "وإذا توضأ أحدكم فأحسن PageV03P353 # الوضوء ثم خرج إلى المسجد، لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ~~ولم يضع قدمه اليسرى إلا حط عنه سيئة، فإن أتى السجد فصلى في جماعة غفر له، ~~فإن أتى وقد صلوا بعضا وبقي بعض، فصلى ما أدرك، وأتم ما بقي، كان كذلك، وإن ~~أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة، كان كذلك". # ويؤخذ من الحديث أنه ينبغي ترك فضيلة إذا كان يحصل في تركها إدراك فضيلة ~~غيرها، وقد نبه في رواية مسلم على الحكمة في شرعية هذا الأدب، قال في آخر ~~حديث أبي هريرة: "فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة" (¬1)، أي ~~أنه في حكم المصلي فينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلي اعتماده، واجتناب ما ~~ينبغي للمصلي اجتنابه. # وقوله: "فما أدركتم": جواب شرط محذوف، أي إذا فعلتم ما أمرتم به من ترك ~~الإسراع ونحوه ms0517 فما أدركتم فصلوا: فيه دلالة على أنه يدرك فضيلة الجماعة إذا ~~دخل مع الإمام في أي جزء من جزاء الصلاة، ولو دون ركعة، وهو قول الجمهور ~~(¬2)، وذهب جماعة إلى أنه لا يدرك الجماعة بأقل من ركعة، لقوله: "من أدرك ~~ركعة من الصلاة فقد أدركها"، وفي الجمعة أيضا كما سيأتي اشتراط إدراك ركعة، ~~فيقاس سائر الصلوات عليها. # وقد يجاب عنه بأن ذلك في الأوقات لا في الجماعة، والجمعة مخصوصة، وهذا ~~دليل الخصوص، وهو محتمل. PageV03P354 # واستدل بهذا الحديث على صحة الدخول مع الإمام في أي حالة وجده عليها، وقد ~~أخرج ابن أبي شيبة عن رجل من الأنصار مرفوعا: "من وجدني راكعا أو قائما أو ~~ساجدا فليكن معي على حالتي التي أنا عليها" (¬1). # وقوله: "وما فاتكم فأتموا": أكثر الروايات ب "أتموا" فإنها الصحيحة في ~~رواية الزهري لحديث أبي هريرة، وكذا في رواية مسلم عن (أ) طريق عبد الرزاق ~~وأقل الروايات بلفظ: "فاقضوا"، فأخرج أحمد (¬2) من حديث أبي هريرة: ~~"فاقضوا"، وأخرج أبو داود كذلك (¬3) قال (¬4): ووقعت في رواية أبي رافع عن ~~أبي هريرة قال: وكذا قال ابن سيرين عن أبي هريرة: "وليقض"، وقد روي من حديث ~~أبي قتادة، كذلك رواية الجمهور: "فأتموا"، ووقع لمعاوية بن هشام عن شيبان: ~~"فاقضوا" (¬5)، وفي رواية ابن سيرين عند مسلم بلفظ: "صل ما أدركت واقض ما ~~سبقك" (¬6) والمعنى من الإتمام: الإكمال، وأما القضاء فقد يطلق على معنى ~~أدى الشيء كقوله: {فإذا قضيت الصلاة} (¬7) فإذا حمل على هذا المعنى فلا ~~مغايرة بين الروايتين، وقد يطلق على أداء (ب الفائت وهو ب) الغالب، ويرد PageV03P355 # أيضا لمعان أخر، والأولى جعلهما (أ) بمعنى واحد، لأن مخرج الحديث واحد، ~~فإذا اختلف في بعض ألفاظه وأمكن ردها إلى معنى واحد كان أولى. # وقد استدل به من قال: إن ما أدركه مع الإمام آخر صلاته، وهو أبو حنيفة ~~ومالك (¬1) وزيد بن علي وغيرهم، وذهب الجمهور (¬2) إلى أن (ب) ما أدركه أول ~~صلاته، بدليل أن تكبيرة الإحرام إنما تكون في أول الصلاة، وأنه في آخر ~~صلاته يتشهد ms0518 التشهد الأخير قبل التسليم اتفاقا، وقول ابن بطال (¬3): إنه ما ~~تشهد إلا لأجل السلام، لأن السلام يحتاج إلى سبق تشهد، ليس بالجواب الناهض. # وقال الجمهور من العلماء القائلين بأن ما أدرك هي أول صلاته: إنه يقضي ~~مثل الذي فاته من قراءة السورة مع أم القرآن في الرباعية، لكن لم يستحبوا ~~له إعادة الجهر في الركعتين الباقيتين، والحجة على ذلك ما أخرجه البيهقي: ~~"ما أدركت مع الإمام فهو أول صلاتك واقض ما سبقك به من القرآن" (¬4)، وعن ~~إسحق والمزني: لا تقرأ إلا أم القرآن فقط. وهو القياس. # واستدل بالحديث على أن من أدرك الإمام راكعا لم تحسب تلك الركعة للأمر ~~بإتمام ما فاته لأنه فاته القيام والقراءة فيه، وهو قول أبي هريرة PageV03P356 # وجماعة، بل حكاه البخاري في "القراءة خلف الإمام" (¬1)، عن كل من ذهب إلى ~~وجوب القراءة خلف الإمام، واختاره ابن خزيمة والصبيعي وغيرهما من محدثي ~~الشافعية، وقواه الشيخ تقي الدين السبكي من المتأخرين (¬2)، وحجة الجمهور ~~حديث أبي بكرة حيث ركع دون الصف ولم يأمره بقضاء قراءة ولا غيرها (¬3). ~~والله أعلم. # 321 - وعن أبي بن كعب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى ~~من صلاته مع الرجك، وما كان أكثر فهو أحب إلى الله عز وجل". رواه أبو داود ~~والنسائي وصححه ابن حبان. # وأخرجه أيضا ابن ماجه، وصححه ابن السكن والعقيلي والحاكم (¬4)، وذكر ~~الاختلاف فيه، وبسط ذلك، وقال النووي (¬5): أشار ابن المديني إلى PageV03P357 # صحته، وعبد الله بن أبي بصير (¬1) راويه عن أبي العبدي قيل: لا يعرف لأنه ~~ما روى عنه غير أبي إسحاق السبيعي، لكن أخرجه الحاكم (¬2) من رواية العيزار ~~بن حريث عنه، فارتفعت جهالة عينه. # وأخرجه البزار والطبراني (¬3) ولفظه: "صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه ~~أزكى عند الله من صلاة أربعة تترى، وصلاة أربعة يؤم أحدهم هو أزكى عند الله ~~من صلاة ثمانية تترى، وصلاة ثمانية يؤم أحدهم أزكى عند الله من صلاة مائة تترى". # قوله ms0519 "أزكى": أي أفضل، وقد وقع في رواية بلفظ: "أفضل" فهي مفسرة. # وفي الحديث دلالة على أن أقل عدد صلاة الجماعة إمام ومأموم، وهو موافق ~~لما أخرجه ابن ماجه من حديث أبي موسى: "اثنان فما فوقهما جماعة" (¬4)، ~~ورواه البيهقي (¬5) أيضا من حديث أنس وفيهما ضعيف، PageV03P358 # وبوب عليه البخاري: باب الاثنين فما فوقهما جماعة (¬1)، واستدل له بحديث ~~مالك بن الحويرث: "إذا حضرت الصلاة فأذنا، ثم أقيما ثم ليؤمكما أكبركما" (¬2). # قال النووي في "الخلاصة": ويستدل فيه أيضا بالإجماع، وفي دعواه الإجماع ~~نظر، فقد حكى ابن الرفعة في "الكفاية" خلافا في أن أقل الجماعة ثلاثة هو ~~ضعيف، وحكاه ابن بطال في "شرح البخاري" (¬3) عن الحسن البصري. # 322 - وعن أم ورقة - رضي الله عنها - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمرها أن تؤم أهل دارها" رواه أبو داود، وصححه ابن خزيمة (¬4). # هي: أم ورقة بنت نوفل الأنصارية، وقيل: بنت عبد الله بن الحارث بن عويمر، ~~وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزورها، ويسميها "الشهيدة"، وكانت ~~قد جمعت القرآن وكانت تؤم أهل دارها، روى عنها عبد الرحمن بن خلاد، لها ذكر ~~في صلاة الجماعة (¬5). PageV03P359 # وأخرج الحديث الدارقطني والحاكم، وأصل الحديث أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لما غزا بدرا قالت: يا رسول الله: "أتأذن لي في الغزو معك؟ .. " ~~الحديث وأمرها أن تؤم أهل دارها، وجعل لها مؤذنا يؤذن لها وكان لها غلام ~~وجارية دبرتهما، قال عبد الرحمن: (أفأنا رأيت أ) مؤذنها شيخا كبيرا، وفي ~~الحديث، أن الغلام والجارية قاما إليها بالليل، فعماها بقطيفة لها حتى ~~ماتت، وذهبا، فأصبح عمر فقام في الناس فقال: من عنده من علم هذين؟ أو: من ~~رآهما فليجئ بهما، فأمر بهما فصلبا، فكانا أول مصلوب بالمدينة. # وظاهر الحديث أن المرأة كانت تؤم بالمؤذن والغلام والجارية، فإنهم أهل ~~دارها، ولم يذهب إلى صحة ذلك إلا أبو ثور والمزني والطبري (¬1). والله أعلم. # [وقال الدارقطني: إنما أذن لها تؤم نساء أهل دارها] (ب). # 323 - وعن أنس - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه ms0520 وسلم - استخلف ~~ابن أم PageV03P360 # مكتوم يؤم الناس، وهو أعمى". رواه أحمد وأبو داود (¬1)، ونحوه لابن حبان ~~عن عائشة (¬2) - رضي الله عنها - استخلفه النبي - صلى الله عليه وسلم -، في ~~رواية لأبي داود: "مرتين" (¬3). # واستخلافه في بعض غزوات النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة وغيرها، ~~قيل: إلا القضاء، والظاهر العموم، فإن الإمارة خصوصا في عصر الصحابة شاملة ~~للقضاء، [ويدل عليه ما أخرجه الطبراني من حديث ابن عباس: "أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - استخلف ابن أم مكتوم على الصلاة وغيرها (¬4) "، وإسناده ~~حسن] (أ)، وقد عد مرات الاستخلاف له فانتهت إلى ثلاثة عشرة. ذكره في ~~"الخلاصة" (¬5). # وفي الحديث دلالة على صحة الصلاة خلف الأعمى، وأن (ب) لا كراهة في ذلك. # 324 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله PageV03P361 # - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا على من قال: لا إله إلا الله، وصلوا خلف ~~من قال: لا إله إلا الله". رواه الدارقطني بإسناد ضعيف (¬1). # الحديث في إسناده عثمان بن عبد الرحمن عن عطاء عن ابن عمر (¬2)، كذبه ~~يحيى بن معين، وطريق أخرى عن نافع عن ابن عمر (¬3)، وفي إسناده خالد بن ~~إسماعيل عن العمري به، وخالد متروك، وأخرج أيضا من طريقين ضعيفين (¬4). قال ~~في "البدر المنير" (¬5): هذا الحديث من جميع طرقه لا يثبت. # في الحديث دلالة على أنه تجب الصلاة على من قال لا إله إلا الله، وظاهره ~~عموم كل قائل وإن لم يأت بالواجبات ويجتنب الفواحش، وقد ذهب إلى هذا زيد بن ~~علي وأحمد بن عيسى، وهو قول أبي حنيفة والشافعي، إلا أن أبا حنيفة وصاحبيه ~~استثنوا الباغي وقاطع الطريق، PageV03P362 # وللشافعي أقوال أحدها الموافقة في قاطع الطريق إذا صلب، ودليل وجوب ~~الصلاة عموم هذا الحديث وحديث: "من قتل نفسه بمشاقص" (¬1)، فإنه قال: "أما ~~أنا فلا أصلي عليه"، ولم ينههم عن الصلاة عليه، وعموم دليل (أ) وجوب صلاة ~~الجنازة، فالمخصص يحتاج إلى دليل، ولعل وجه تخصيص أبي حنيفة والشافعي لمن ~~ذكر. أما أبو حنيفة فيقول: إنهما غير محقوني الدم، فلا حرمة ms0521 لهما، والصلاة ~~إنما هي لرعاية حرمة الإسلام، فأشبها الكافي الحربي، وبقي ما عداهما على ~~العموم، وأما الشافعي فلعله يقول: شرعت الصلاة لحرمة الذات التي تواري ~~بالدفن إكراما لها، ولما كان ذلك مصلوبا غير مكرم بالدفن خصص من عموم ~~الصلاة. # وذهب الهادي وغيره من أتباعه وغيرهم إلى أنه لا يصلى على الفاسق، قالوا: ~~قياسا على الكافر، وتد منع من الصلاة عليه بقوله: {ولا تصل على أحد منهم} ~~(ب) (¬2)، والحديث ضعيف، وقد يجاب بأن القياس غير معتبر مع ورود حديث صاحب ~~المشاقص. # والحديث المذكور -وإن كان ضعيفا- فهو متأيد بعموم دليل (ج) شرعية صلاة ~~الجنازة، ومثل هذا كاف في الشرعية. # وقوله: "صلوا خلف من قال لا إله إلا الله": تقدم الكلام عليه (¬3). PageV03P363 # 325 - وعن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- "إذا أتى أحدكم الصلاة، والإمام على حال، فليصنع كما يصنع الإمام". رواه ~~الترمذي بإسناد ضعيف (¬1). # أخرجه الترمذي من حديث على ومعاذ، وفيه ضعف وانقطاع (¬2)، وقال: لا نعلم ~~أحدا أسنده إلا من هذا الوجه، وأخرجه أيضا أبو داود وأحمد (¬3) من حديث ابن ~~أبي ليلى عن معاذ، وفي آخره. فقال: -يعني معاذا- "لا أجده، -يعني النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - على حال أبدا إلا كنت عليها، ثم قضيت ما سبقني"، قال: ~~فجاء وقد سبقه (أ) النبي - صلى الله عليه وسلم - ببعضها، قال: فقمت معه، ~~قال: فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاته، قام (ب) يقضي، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا". وعبد ~~الرحمن لم يسمع من معاذ (¬4) لأن معاذا قديم الوفاة، ولكن أبو داود أخرجه ~~من وجه آخر (¬5) PageV03P364 # عن عبد الرحمن بن أبي ليلى: حدثنا أصحابنا: "أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -" فذكر الحديث، وفيه: فقال معاذ: "لا أراه على حال إلا كنت ~~عليها .. " الحديث .. وبهذا يندفع توهم الانقطاع، إذ الظاهر أن الراوي لعبد ~~الرحمن غير معاذ من سائر الصحابة، وحكى عبد الرحمن ما قاله معاذ كما روى له ~~من شهد ms0522 القصة. # وفي الحديث دلالة على صحة دخول اللاحق مع الإمام في أي جزء من أجزاء ~~الصلاة، بل على شرعية ذلك، إذ الأمر أقل مراتبه الندب، والظاهر أنه متفق ~~على ذلك إذا كان الإمام قائما أو راكعا. [وأنه يعتد به إلا ما روي عن أبي ~~هريرة وهو موقوف عليه أنه لا يعتد بالركوع، ومن قال بقوله كما تقدم قريبا ~~(¬1)] (أ)، وإن (ب) كان ساجدا أو قاعدا (ج) فذهب إلى هذا أبو حنيفة ~~والشافعي (¬2). ويقعد بقعود الإمام، ويسجد بسجوده، ولا يعتد بذلك. # وذهب المؤيد بالله (¬3) إلى أنه يكبر من قيام وينتظر الإمام قائما، ولا ~~يقرأ، وقال المنصور بالله (¬4): وإن قرأ جاز، وقال الحقيني (¬5): ذكر ~~المؤيد بالله الجائز والأفضل أن يقعد معه كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي، ~~وفي معنى هذا الحديث ما تقدم قريبا من حديث ابن أبي شيبة: "من وجدني راكعا ~~أو قائما أو ساجدا فليكن معي على حالتي التي أنا عليها" (¬6)، وأخرج ابن PageV03P365 # خزيمة مرفوعا من حديث أبي هريرة: "إذا جئتم ونحن سجود، فاسجدوا، ولا ~~تعدوها شيئا، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة" (¬1). وأخرج أيضا في ~~"صحيحه" مرفوعا عن أبي هريرة: "من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدركها قبل أن ~~يقيم الإمام صلبه" (¬2)، وترجم له: ذكر الوقت الذي يكون فيه المأموم مدركا ~~للركعة إذا ركع إمامه، فعرفت من هذا أنه لا وجه لما ذهب إليه المؤيد، وذهب ~~الهادوية إلى أنه إذا أدركه ساجدا أو قاعدا ندب له المتابعة ولا يحرم ~~بالصلاة، ومتى قام الإمام ابتدأ معه الصلاة بالتكبير، قالوا: لقوله لمن ~~أدرك السجدة: "ولا تعدوها شيئا"، ويجاب عن ذلك بأن الحديث إنما يدل على عدم ~~الاعتداد، وأما الدخول بالتكبير وعدم إعادته فصريح في ذلك فلا وجه له، ~~والله أعلم. # [اشتمل (أ) الباب على ثلاثة وثلاثين حديثا] (ب). PageV03P366 ### || AUTO باب صلاة المسافر والمريض # 326 - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "أول ما فرضت الصلاة ركعتين، ~~فأقرت صلاة السفر، وأتمت صلاة الحضر". متفق عليه (¬1). # وللبخاري: "ثم هاجر ففرضت أربعا وأقرت صلاة السفر ms0523 على الأول" (¬2). زاد ~~أحمد: "إلا المغرب، فإنها وتر النهار، وإلا الصبح، فإنها تطول فيها ~~القراءة". # قوله: "أول ما فرضت .. ". إلخ: فرضت ظاهر في أن المعنى بالفرض هو الإيجاب ~~أي أوجبت، فيكون فيه دلالة على وجوب القصر على المسافر، كما ذهب إليه ~~الهادوية والحنفية (¬3). ومن السلف على وعمر رضي الله عنهما (أ) وغيرهم من ~~الأئمة، ويحتمل أن معناه: قدرت، فلا دلالة حينئذ، وقد ذهب إلى عدم الوجوب ~~عائشة وعثمان ورواية عن ابن عباس والشافعي (ب وغيرهم من الأئمة وقالوا: ب) ~~إن القصر رخصة والتمام كذلك مستويان، وقول للشافعي أن القصر رخصة والتمام ~~أفضل، وهو مذهب PageV03P367 # الناصر، وقول ثالث (أ) للشافعي (¬1) أن القصر أفضل، وهو الصحيح عند ~~الشافعية (¬2) ويتأولون حديث عائشة بما تقدم، أو أن المراد أنه فرض لمن ~~أراد القصر، واستدلوا على ما ذهبوا إليه بما ثبت في "صحيح مسلم" (¬3) وغيره ~~أن الصحابة -رضي الله عنهم- كانوا يسافرون مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فمنهم القاصر، ومنهم المتم، ومنهم الصائم، ومنهم المفطر، لا يعيب ~~بعضهم على بعض، وبأن عثمان كان يتم، وكذلك عائشة، وغيرها (¬4)، وهو ظاهر ~~قول الله تعالى: {فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة} (¬5). # وفي زيادة أحمد: "إلا المغرب" دلالة على أن المغرب على أصل شرعيتها لا ~~تتغير، وكونها وتر النهار يعني أن صلاة النهار كانت شفعا، والمغرب آخرها ~~لوقوعها عقيب آخر جزء من النهار، فهي وتر لصلاة النهار، كما أنه شرع لصلاة ~~الليل الوتر، والوتر محبوب لله تعالى كما تقدم في الحديث: "إن الله وتر يحب ~~الوتر". # وقوله: "وإلا الصبح فإنها تطول فيها القراءة": يعني أنه لا تغيير لصلاة ~~الفجر، بل هي في الحضر والسفر ركعتان مشروع فيها تطويل PageV03P368 # القراءة، ولذلك عبر عنها بقرآن الفجر لما كانت القراءة فعظم أركانها لطول ~~زمنها فيها (أ). فعمر عنها بها من إطلاق الجزء الأعظم على جميع الشيء. ~~والله أعلم. # فائدة: قال الدميري: رخص السفر أربع يختص بالطويل، وهي المسح على الخف، ~~والقصر، والجمع، والفطر (¬1)، وأربع تجوز في القصير والطويل: أكل الميتة، ms0524 ~~والتنفل على الراحلة، وإسقاط الصلاة بالتيمم، وترك الجمعة. # وفي المهمات زيادة على ذلك، والأصل في مطلق الرخصة ما روى مسلم عن عائشة ~~(¬2) قال: "رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أمر فنفر عنه ناس، ~~فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فغضب حتى بان الغضب في وجهه ثم قال: ~~ما بال أقوام يرغبون عما رخص لهم، فوالله لأنا أعلمهم بالله، وأشدهم له ~~خشية". انتهى. # 327 - وعن عائشة - رضي الله عنها - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقصر في السفر ويتم، ويصوم ويفطر". رواه الدارقطني (¬3) ورواته ثقات إلا ~~أنه معلول. PageV03P369 # والمحفوظ عن عائشة - رضي الله عنها - من فعلها وقالت (أ): "إنه لا يشق ~~علي" أخرجه البيهقي (¬1) [يعني فعلها ذلك مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وتقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك كما في رواية عبد الرحمن بن ~~الأسود عن عائشة] (ب). # و (ج) أخرجه الدارقطني من حديث عطاء عن عائشة، ولفظه: "تتم وتصوم" ~~بالمثناة من فوق، وقد استنكره أحمد، فإن عروة ذكر أنها كانت تتم، وأنها ~~تأولت ما تأول عثمان. [وتأويلها أنها قالت لعروة: يا ابن أختي (د) إنه لا ~~يشق علي] (5)، كما في "الصحيح" فلو كان (و) عندها عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، رواية لم يقل عروة عنها تأولت (ز)، وقد ثبت في الصحيحين خلاف ذلك، ~~وأخرج أيضا الدارقطني والنسائي والبيهقي من حديث العلاء بن زهير عن عبد ~~الرحمن بن الأسود عن عائشة: "أنها اعتمرت مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: "يا رسول الله بأبي أنت ~~وأمي، أتممت وقصرت، وأفطرت وصمت، فقال: أحسنت يا عائشة"، وما عاب علي" ~~(¬2). PageV03P370 # وفي رواية الدارقطني: "في عمرة في رمضان" واستنكر ذلك، فإنه - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يعتمر في رمضان، وفيه اختلاف في اتصاله. قال الدارقطني ~~(¬1): عبد الرحمن أدرك عائشة ودخل عليها، وهو مراهق. # قال المصنف (¬2) -رحمه الله- وهو كما قال ففي "تاريخ البخاري" (¬3) وغيره ~~ما يشهد لذلك، وقال أبو حاتم ms0525 (¬4): أدخل عليها وهو صغير، ولم يسمع منها، ~~قلت: ادعى ابن أبي شيبة والطحاوي ثبوت سماعه منها، وفي رواية الدارقطني عن ~~عبد الرحمن عن أبيه عن عائشة. قال أبو بكر PageV03P371 # النيسابوري: من قال فيه عن أبيه فقد أخطأ، واختلف قول الدارقطني فيه، ~~فقال في "السنن" (¬1): إسناده حسن، وقال في "العلل": المرسل أشبه. والعلاء ~~بن زهير، قال الذهبي في "الميزان": (¬2) وثقه ابن معين، وقال ابن حبان ~~(¬3): كان ممن يروي عن الثقات ما لا يشبهه حديث الأثبات (أ) انتهى. فبطل ~~الاحتجاج به فيما لم يوافق الأثبات (أ)، وبطل بهذا ادعاء ابن حزم، جهالة ~~العلاء، فقد عرف عينا وحالا. # الحديث فيه دلالة على استواء الأمرين، من قصر الصلاة وإتمامها، والإفطار ~~والصوم كما هو (ب) أحد أقوال الشافعي، وقد مر. # 328 - وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن الله يحب أن تؤتى رخصه، كما يكره أن تؤتى معصيته" رواه أحمد، ~~وصححه ابن خزيمة وابن حبان (¬4). PageV03P372 # وفي رواية: "كما يحب أن تؤتى عزائمه" (¬1). # قوله: "إن الله يحب": المحبة من الله (¬2) يراد بها رضاه بفعل العبد، ~~والكراهة عدم ذللك، والرخصة، مراد بها ما سهله لعباده ووسعه عند الشدة من ~~ترك بعض الواجبات، أو (أ) إباحة بعض المحرمات، وفي اصطلاح أهل الأصول: ما ~~شرع من الأحكام لعذر، والعزيمة، مقابل بالمعنيين، وجمع بين الرخصة والمعصية ~~هنا لما كان في كل واحد منهما ترك طاعة. # 329 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال -أو فراسخ- صلى ركعتين". رواه مسلم (¬3). # وعنه قال: "خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى ~~مكة، وكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة". متفق عليه، واللفظ ~~للبخاري (¬4). PageV03P373 # قوله: "إذا خرج": ظاهره في أنه إذا كان قصده مسافرة، هذا القدر، لا أنه ~~إذا أراد السفر الطويل، فلا يقصر إلا بعد هذه المسافة. # وقوله: "ثلاثة أميال أو فراسخ": الشك من شعبة وليس التخيير في أصل ~~الحديث، ms0526 والميل (¬1): هو المحل المتسع من الأرض، مأخوذ من ميل النظر لأنه ~~يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه، وبهذا حده الجوهري، وقيل: حده أن ~~ينظر إلى الشخص في أرض مستويه فلا يدري أهو رجل أم امرأة أو غير ذلك، وقال ~~النووي: هو ستة آلاف ذراع، والذراع أربعة وعشرون إصبعا معترضة متعادلة، ~~والإصبع ست شعيرات معترضة متعادلة، وتيل: هو اثنا عشر ألف قدم بقدم ~~الإنسان، وقيل: هو أربعة آلاف ذراع، وقيل: بل ثلاثة آلاف ذراع، وقيل: ~~وخمسمائة، وبنى على هذا ابن عبد البر، وقيل: هو ألفا ذراع، وقيل: ألف خطوة ~~للجمل، وقيل: ثلاثة آلاف ذراع بالذراع الهاشمي (¬2)، وهو اثنان وثلاثون ~~إصبعا وهو ذراع الهادي، وهو الذراع العمري المعمول عليه في صنعاء وبلادها ~~في تاريخ سنة تسعين وألف سنة. # والفرسخ: ثلاثة أميال، وهو فارسي معرب، وقد ذهب إلي العمل بظاهر هذا ~~الحديث أهل الظاهر فقالوا: يقصر في ثلاثة أميال، ورد عليهم بأنه مشكوك فيه ~~فلا يحتج به وهو مستقيم في أنه لا يحتج به في الثلاثة الأميال، PageV03P374 # وأما الثلاثة الفراسخ فيصح العمل به فيها، والظاهر أنه لم يذهب إلى ذلك ~~أحد، إذ الأميال داخلة فيها فيؤخذ بالأكثر احتياطا إذ هو المتيقن، وهذا ~~الحديث أصرح شيء في التحديد، [وأصرح منه (أ) ما روى سعيد بن منصور عن أبي ~~سعيد قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سافر فرسخا يقصر ~~الصلاة" (¬1)] (ب). # واعم أنه انتشر الخلاف بين العلماء في السافة التي يجوز القصر فيها، فحكى ~~ابن المنذر وغيره نحوا من عشرين قولا، وأقل ما قيل في ذلك [ما روى ابن أبي ~~شيبة (¬2) عن محارب يقول: سمعت ابن عمر يقول: "لو خرجت ميلا لقصرت الصلاة"، ~~وإسناده صحيح، وقد روى هذا في "البحر"، (¬3) عن داود، ويلحق به] (ج) ما ذهب ~~إليه أهل الظاهر، ويلحق به ما ذهب إليه الباقر والصادق وأحمد بن عيسى ~~والهادي والقاسم (¬4) أنه يقصر في مسافة بريد فصاعدا، قالوا: لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - في رواية أبي هريرة: "لا يحل ms0527 لامرأة تسافر بريدا إلا ~~ومعها محرم" أخرجه أبو داود (¬5)، وفي رواية PageV03P375 # البخاري "يوما وليلة" (¬1) فسمى البريد سفرا. # قال في "البحر" (¬2): ولقصره - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من مكة إلى ~~عرفات وهو بريد، وهذا فيه نظر، إذ مكة ليس (أ) ابتداء سفره فلا حجة فيه. # وقال أبو حنيفة (¬3): أربعة وعشرون فرسخا، لقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~في رواية ابن عمر: "لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر فوق ~~ثلاثة أيام إلا مع محرم" أخرجه البخاري (¬4)، وسير الإبل في كل يوم ثمانية ~~فراسخ، وقال الشافعي (¬5): ستة وأربعون ميلا، وقدرها أربعة برد لحديث ابن ~~عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقصروا الصلاة في أقل ~~من أربعة برد من مكة إلى عسفان" وسيأتي (¬6). # وأخرج البيهقي (¬7) بإسناد صحيح أن ابن عمر وابن عباس كانا يصليان ركعتين ~~ويفطران في أربعة برد فما فوق، وروى الشافعي (¬8) بإسناد صحيح عن ابن عباس، ~~أنه سئل أتقصر الصلاة إلى عرفة؟ يعني: من مكة، PageV03P376 # فقال (أ): "لا ولكن إلى عسفان، وإلى جدة وإلى الطائف"، وهذه الأمكنة كل ~~واحد منها بينه وبين مكة أربعة برد فما فوقها، وذكر هذا البخاري (¬1) في ~~"صحيحه" تعليقا بصيغة الجزم، والظاهر أنه توقيف. # وذهب زيد بن علي (¬2) والناصر والنفس الزكية والداعي والمؤيد وأبو طالب ~~والثوري والنخعي أن القصر لا يكون إلا في مسافة ثلاثة أيام بسير (ب) الإبل ~~والأقدام، لقوله: "لا يحل .. " الحديث المتقدم، وهو موافق لقول أبي حنيفة، ~~وذهب البخاري على ما تعطيه عبارته في "الصحيح" أن أقل السفر يوم وليلة، ~~قال: وسمى (ج) النبي - صلى الله عليه وسلم - السفر يوما وليلة (¬3)، وهذا ~~إشارة منه إلى ما رواه من حديث أبي هريرة (¬4) في ذلك، ولكنه قد روب في ~~حديث أبي هريرة ثلاثة أيام (¬5)، كما رواه أيضا من حديث ابن عمر. # وقوله: "خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -": هو في حجة الوداع، ~~ولم يرد عنه - صلى الله عليه وسلم - فيها (د) ما يخالف ذلك. PageV03P377 # وقوله: "ركعتين ركعتين": الثاني ms0528 منهما تأكيد لفظي، ولكنه تأكيد لازم عند ~~قصد (أ) قسمة شيء على عدد أو نحوه يؤتى (ب) بالمقسوم عليه متكررا. # [تنيبه: اختلف في معنى الفرسخ: فقيل السكون (¬1) ذكره ابن سيده، وقيل: ~~السعة، وقيل: المكان الذي لا فرجة فيه، وقيل: الشيء الطويل] (ج). # 330 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "أقام النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، تسعة عشر يوما يقصر"، (د) وفي لفظ بمكة تسعة عشر يوما" (د) رواه ~~البخاري (¬2). PageV03P378 # وفي رواية لأبي داود: "سبع عشرة"، وفي أخرى: "خمس عشرة" (¬1). # وله عن عمران بن حصين (¬2): "ثماني عشرة"، وله عن جابر (¬3): "أقام بتبوك ~~عشرين يوما يقصر". # ورواته ثقات، إلا أنه اختلف في وصله. # قوله: "تسعة عشر يوما"، وقع في لفظ البخاري: "سبعة عشر" بتقديم السين على ~~الباء، وأكثر الرواة بتقديم التاء المنقوطة باثنتين من أعلى، وفي رواية أبي ~~داود: "سبعة عشر" بتقديم السين أيضا، وقد جمع البيهقي (¬4) بين هذا ~~الاختلاف بأن قال: تسع عشرة عدا يومي الدخول والخروج، ومن قال: "سبع عشرة" ~~حذفهما، ومن قال: "ثماني عشرة" عد أحدهما وأسقط الآخر، ورواية "خمس عشرة" ~~تحمل على أن PageV03P379 # الراوي ظن أن الأصل سبعة عشر وأسقط يوم الدخول والخروج، ولكن رواية "تسعة ~~عشر" بالتاء المنقوطة باثنتين من أعلى أرجح الروايات، وبها أخذ إسحاق بن ~~راهويه (¬1)، وهي أكثر ما وردت به الروايات، وأخذ الثوري (أ) وأهل الكوفة ~~برواية "خمس عشرة" لكونها أقل ما ورد، وأخذ الشافعي برواية عمران بن حصين، ~~فما زاد على العدد المذكور عنده في حق من لم يعزم على الإقامة، فإنه يتم ~~فيه الصلاة، ومن عزم على الإقامة فأربعة أيام يجب فيها التمام عنده، قال ~~لنهيه - صلى الله عليه وسلم - المهاجر من الإقامة في مكة زائدا على ثلاثة ~~أيام، فما ذاك إلا أنه يسمي مقيما فيما زاد عليها، ورجح رواية عمران بن ~~حصين، لسلامتها عن الاختلاف عليه، فإنه لم يرو عنه إلا بلفظ (ب): "ثماني ~~عشرة" وهي وإن كانت من رواية علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف، ولكن الترمذي ~~حسن ms0529 حديثه هذا لشواهده، ولفظ حديث عمران قال: "غزوت مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وشهدت معه الفتح، فأقام بمكة ثماني عشرة لا يصلي إلا ~~ركعتين، يقول: يا أهل البلد صلو أربعا فإنا قوم سفر"، [وقع في رواية أبي ~~داود: "ثمان عشرة" قال في "شرح ابن رسلان"، بفتح النون والتاء، آخره ~~للتركيب] (ج). # واعلم أن الأئمة اختلفوا في قدر مدة الإقامة التي يتم المسافر الصلاة إذا ~~عزم عليها، فذهب ابن عباس والعترة والإمامية (¬2) إلى أن أقل مدة الإقامة PageV03P380 # عشرة أيام، قالوا: لقول علي - رضي الله عنه: "إذا أقمت عشرا فأتم الصلاة" ~~(¬1) [وهو توقيف، وذهب أبو حنيفة (¬2) إلى أن أقلها خمسة عشر يوما لما] (أ) ~~روى عن ابن عباس وابن عمر -رضي الله عنهم أنهما قالا: "إذا قدمت بلدة، وأنت ~~مسافر وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة ليلة فأكمل الصلاة" (¬3). # وذهب عثمان بن عفان - رضي الله عنه - والشافعي (¬4) ومالك وأبو ثور إلى ~~أن أقلها أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج، قالوا: لمنعه - صلى الله ~~عليه وسلم - المهاجرين بعد قضاء النسك أن يزيدوا على ثلاثة أيام في مكة ~~(¬5)، فدل على أن الأربعة الأيام يصير بها مقيما، وذهب النخعي إلى أن أقلها ~~اثنا عشر يوما، وربيعة زاد ليلة على اليوم، والبصري قال: يصير مقيما بدخول ~~البلد، وعائشة بوضع الرحل، وهذه الأقوال الأخيرة لا مستند لها (¬6). # وهذا الكلام في حق من عزم على الإقامة، وأما من لم يعزم على PageV03P381 # الإقامة وتردد، ففيه الأقوال المتقدمة، وهي مختلفة على حسب اختلاف ~~الروايات في مدة قصره - صلى الله عليه وسلم -، في مكة، وقد عرفت اختلاف ~~الروايات فيها. # وذهب الهادي والقاسم والإمامية إلى أن من لم يعزم علي السفر لا يزال يقصر ~~إلى شهر، قالوا: لقول علي - رضي الله عنه - في رواية جعفر الصادق عنه. أنه ~~قال في الذي يقول: "اليوم أخرج، غدا أخرج" أنه يقصر الصلاة شهرا (¬1). # وذهب الإمام يحيى (¬2) وهو قول أبي حنيفة وأصحابه و (أ) قول للشافعي: ~~يقصر أبدا إذ الأصل السفر، ولفعل (ب) ابن ms0530 عمر فإنه أقام بأذربيجان ستة أشهر ~~يقصر الصلاة مع التردد (¬3)، وروي عن أنس بن مالك أنه أقام بنيسابور سنة أو ~~سنتين يقصر الصلاة (¬4)، وعن جماعة من الصحابة أنهم أقاموا في "رامهرمز" ~~(¬5) (ج) تسعة أشهر يقصرون الصلاة. # وللشافعي قول: إنه يتم بعد أربع، وعنه سبعة عشر يوما وقد تقدم قول له في ~~ثمانية عشر كما في حديث عمران بن حصين، ويرد على كثير من هذه الأقوال ~~إقامته - صلى الله عليه وسلم - بتبوك عشرين يوما يقصر، ولا دليل في المدة PageV03P382 # التي قصر فيها على نفي القصر فيما زاد عليها، فيظهر رجحان ما ذهب إليه ~~الإمام يحيى، فإنه لا يسمى مقيما في المدة وإن طالت، وما روى من الآثار عن ~~الصحابة -رضي الله عنهم- فللاجتهاد منها مسرح فلا يحمل على التوقيف إذ يمكن ~~النظر، واختلاف الآراء في أنه مع المدة، هل يسمى في العرف مسافرا فيجري ~~عليه حكمه أو لا يسمى فيجري عليه حكم المقيم [ويؤيد هذا ما أخرجه البيهقي ~~في "السنن" (¬1) عن ابن عباس: "أن النبي، أقام بخيبر أربعين يوما يقصر (أ)، ~~ثم قال: تفرد به الحسن بن عمارة (¬2) وهو غير محتج به] (ب)، وحديث جابر ~~وصله معمر، فرواه عن يحيى بن أبي كثير عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان عن ~~جابر، قال أبو داود (¬3): غير معمر لا يسنده، وأعله الدارقطني في "العلل" ~~بالإرسال والانقطاع، فإن علي بن المبارك وغيره من الحفاظ رووه عن يحيى بن ~~أبي كثير عن ابن ثوبان مرسلا، ورواه الأوزاعي (¬4) عن يحيى عن أنس فقال: ~~بضع عشرة. # قال المصنف (¬5) -رحمه الله-: وقد أخرجه البيهقي (¬6) من حديث جابر بلفظ: ~~"بضع عشرة"، والله أعلم (¬7). PageV03P383 # 331 - وعن أنس - رضي الله عنه -: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم نزل فجمع بينهما، ~~فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب" متفق عليه (¬1). # وفي رواية الحاكم في "الأربعين" بإسناد الصحيح: "على الظهر والعصر ثم ركب". # ولأبي نعيم في "مستخرج ms0531 مسلم": "كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر ~~والعصر جميعا، ثم ارتحل". # قوله: "إذا ارتحل": أي سافر، وقوله: "تزيغ": بزاي معجمة وغين معجمة، أي ~~تميل، وذلك بعد أن قام الفيء، وقوله: "ثم نزل فجمع بينهما": فيه دلالة على ~~جواز جمع التأخير للمسافر وفي قوله: "صلى الظهر" هكذا الحديث المتفق عليه: ~~أن الصلاة إنما هي الظهر فقط، وأنه لا يصلي العصر في وقت الظهر، وفي زيادة ~~الحاكم وأبي نعيم ورواية مسلم: "أنه كان يجمع بينهما تقديما". # واعلم أنه ورد في جمع التقديم عن ابن عباس عند أحمد والدارقطني والبيهقي ~~(¬2) إلا أن في إسناده ضعيفا (¬3)، والترمذي حسنه بكثرة المتابعة، PageV03P384 # وعن معاذ (¬1) عند أحمد وأبي داود والترمذي وابن حبان والحاكم والدارقطني ~~والبيهقي في غزوة تبوك في الظهر والعصر والمغرب والعشاء، قال الترمذي: حسن ~~غريب (¬2)، تفرد به قتيبة، والمعروف عند أهل العلم حديث معاذ، ليس فيه جمع ~~التقديم (¬3). # وقال أبو سعيد بن يونس: لم يحدث بهذا الحديث إلا قتيبة، ويقال: إنه غلط ~~فيه، فغير بعض الأسماء، وإن موضع يزيد بن أبي حبيب، أبو الزبير. # وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (¬4) عن أبيه: لا أعرفه من حديث يزيد، ~~والذي عندي: أنه دخل له حديث في حديث، وأطنب الحاكم في "علوم الحديث" (¬5) ~~في بيان علة هذا بما حاصله أن البخاري سأل قتيبة: مع من كتبته؟ فقال: مع ~~(أ) خالد المدائني، قال البخاري: كان خالد PageV03P385 # المدائني يدخل على الشيوخ، يعني يدخل في روايتهم ما ليس منه-. # وله طريق أخرى عند أبي داود (¬1) وفيها هشام بن سعد (أ)، وهو لين الحديث، ~~وقد خالف أوثق الناس وهو الليث بن سعد. # وعن علي - رضي الله عنه - عند الدارقطني (¬2) عن ابن عقدة بسند له من ~~حديث علي بن الحسن عن آبائه، وفي إسناده المنذر القابوسي (¬3)، وهو ضعيف. # وروى عبد الله بن أحمد (¬4) في "زيادات المسند" بإسناد آخر عن علي - رضي ~~الله عنه - أنه كان يفعل ذلك. # وعن أنس - رضي الله عنه - عند الإسماعيلي والبيهقي (¬5) من حديث إسحاق بن ~~راهويه، ms0532 وإسناده صحيح قاله النووي (¬6). # قال المصنف (¬7) -رحمه الله-: وفي ذهني أن أبا داود أنكره على إسحاق، ~~ولكن له متابع رواه الحاكم في "الأربعين" له بإسناد الصحيحين وزاد عليهما ~~بتقديم العصر، قال: "فإن زاغت الشمس قبل أن يرتحل صلى الظهر والعصر"، قال ~~المصنف: وهي زيادة غريبة صحيحة PageV03P386 # الإسناد، وقد صححه المنذري من هذا الوجه، والعلائي، وتعجب من الحاكم كونه ~~لم يورده في "المستدرك" (¬1). # وله طريق أخرى رواها الطبراني (¬2) في "الأوسط". # وقال بجواز جمع التقديم في السفر: العترة وابن عباس وابن عمر وجمع من ~~الصحابة ومالك وأحمد والشافعي (¬3)، وسواء في ذلك الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء وسواء كان مجدا له السير أو نازلا، وقيل: إنه مختص بالسائر دون ~~النازل، وهو قول ابن حبيب. # ويرد عليه ما في "الموطأ" (¬4) من حديث معاذ: "أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - آخر الصلاة في غزوة تبوك، ثم خرج فصلى الظهر والعصر جميعا، ثم دخل، ~~ثم خرج". # ومثل هذا لا يكون إلا وهو نازل. وإن كان قد تأوله بعضهم أنه دخل، أي ~~الطريق مسافرا، ثم خرج أي عن الطريق للصلاة. # وعن الشافعية (¬5): أن ترك الجمع أفضل وعن مالك في رواية أنه مكروه، ~~وقيل: يختص بمن له عذر. حكي عن الأوزاعي، وقيل: يجوز جمع التأخير دون ~~التقديم، وهو مروي عن مالك (¬6) وأحمد واختاره ابن حزم، وذهب النخعي والحسن ~~وأبو حنيفة وصاحباه والناصر وأحد قولي ابن سيرين PageV03P387 # إلى أنه لا يجوز الجمع للسفر (¬1)، وأجابوا في الأحاديث الواردة في ذلك ~~بأن المراد بالجمع الذي وقع منه - صلى الله عليه وسلم -هو الجمع الصوري، ~~وهو أنه أخر المغرب مثلا إلى آخر وقتها وقدم العشاء إلى أول وقتها، وكذلك ~~الظهر والعصر، وهذا وإن تمشى لهم في تأويل جمع التأخير لم يتمشى في تأويل ~~جمع التقديم كما عرفت من ثبوته (¬2). # واعلم أنه قد ورد في الجمع في [الحضر] (أ) مطلقا ما أخرجه الشيخان (¬3) ~~من حديث ابن عباس "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جمع بالمدينة من غير ~~خوف ولا سفر" قال مالك (¬4): أري ذلك ms0533 في مطر، ولمسلم: "جمع بين الظهر ~~والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر"، وقيل لابن ~~عباس: ما أراد إلى ذلك؟ قال: "أراد أن لا يحرج أمته"، وفي رواية للطبراني ~~(¬5): جمع بالمدينة من غير علة، قيل له: ما أراد بذلك؟ قال: التوسيع على ~~أمته. PageV03P388 # وقد أخذ بهذا الظاهر وجوز (أ) الجمع بين الصلاتين في الحضر تقديما ~~وتأخيرا لغير عذر الإمامية وأحد قولي الناصر وأحد قولي المنصور بالله ~~والمهدي والمتوكل (¬1)، وهو مروي عن علي رضي الله عنه وعن زيد وعن الهادي ~~لم إلا أن المنصوص للهادي في "الأحكام": أنه إنما يجوز الجمع تقديما ~~وتأخيرا لمن كان مسافرا أو معذورا أو مشغولا بطاعة أو بشيء (ب) من أمر ~~الله، أو مرض أو خوف، قال: فله أن يجمع بين الظهر والعصر بعد زوال الشمس ~~إلى غروبها، وبين المغرب والعشاء بعد غروب الشمس إلى طلوع الفجر، وحكي ~~الهادي هذا عن جده القاسم، وخرج له السيد أبو طالب أن المشغول ببعض ~~المباحات له الجمع أيضا قياسا على المسافر، فإن السفر قد يكون مباحا, وجاز ~~معه الجمع، قال: وكذلك المستحاضة ونحوها [وجوز أحمد بن حنبل وإسحاق الجمع ~~للمريض (¬2) مطلقا، واختاره بعض الشافعية، والمشهور عند الشافعي وأصحابه ~~المنع (¬3) وعند الشافعية يجوز الجمع للمطر في وقت الأولى (¬4)، ولا يجوز ~~في وقت الثانية على الأصح لعدم الوثوق بالبقاء بشرط (أ) وجوده (د) عند ~~الإحرام بالأولى، PageV03P389 # والفراغ منها، وافتتاح الثانية، ويجوز ذلك لمن يمشي إلى الجماعة في غير ~~كن بحيث يلحقه بلل المطر. # وقال به الجمهور في الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وخصه مالك بالمغرب ~~والعشاء ذكره النووي (¬1)] (أ). # واحتج الهادي على ذلك بأدلة منها حديث ابن عباس في جمع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في السفر، لروي عن ابن عمر مثل ذلك إذا جد به السير، ورواه عن ~~فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهذا كلامه في "الأحكام"، وفي ~~"المنتخب" احتج بقوله تعالى: {قم الليل إلا قليلا ..} (¬2) إلى آخر الآيات، ~~وذكر أن هذه الآيات في صلاة الفريضة، ms0534 قال: بقرينة اقترانها بالزكاة، وأخرج ~~عن عبد الرزاق (¬3) عن ابن جريج عن عطاء قال: لا تفوت صلاة النهار: الظهر ~~والعصر حتى الليل، ولا تفوت صلاة (ب) المغرب والعشاء حتى النهار، ولا يفوت ~~الصبح حتى تطلع الشمس. # قال: وروى عبد الرزاق (¬4) عن ابن جريج قال: كان يقول: لا يفوت وقت الظهر ~~والعصر حتى الليل، ولا يفوت المغرب والعشاء حتى الفجر، ولا يفوت الصبح حتى ~~تطلع الشمس. إلى أن قال: فهذه أخبار صحيحة موافقة لكتاب الله، ثم قال: وهذا ~~قول ثابت وهو قول جدي القاسم، قال: والدليل على ثباته: "أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - جمع بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء الآخرة بالمدينة، ~~من غير سفر ولا خوف ولا مطر"، ثم PageV03P390 # روى حديث ابن عباس في الجمع بالمدينة من أربع طرق (¬1)، ورواه (أ) عن ابن ~~عمر من طريق عمرو بن شعيب عن ابن عمر، وروي من فعل ابن عباس، ومن فعل أهل ~~المدينة الجمع بين المغرب والعشاء في الليلة المطيرة لا يغير ذلك عليهم. # وظاهر هذا الاحتجاج جواز الجمع من غير عذر واحتجاج القاسم قريب من هذا ~~إلا أنه قال: إن هذه الأوقات لمن صلى وحده، أو كانت به علة أو شغل من ~~الأمور والأمراض مشغلة، قال: وأما أوقات المساجد لعامريها واجتماع أهلها ~~فيها فآخره فيما ذكر للظهر من أن يصير ظل كل شيء مثله، وللعصر من أن يصير ~~ظل كل شيء مثليه، ذكر هذا في كتاب "صلاة يوم وليلة"، وروي عنه في "الوافي" ~~أنه قال: صلوا كما تصلي العامة في المساجد، فإن أوقاتها مثل ما يصلون وكلما ~~عجل فهو أفضل، وذكر في الفرائض والسنن ما لفظه: ليس للناس تأخيرها متعمدين، ~~ولسنا لمن فعل ذلك إذا لم يكن معتلا بحامدين. انتهى. # وروي عن الهادي مثل هذا وأنه لما بلغه أن أهل طبرستان لا يصلون العشاءين ~~إلا قرب الصبح أنكر عليهم ولم يرخص في ذلك إلا لعذر أو علة، وروي هذا عن ~~جده القاسم، ولا يخفى عليك خصوص الدعوى وعموم الاحتجاج من ms0535 وجه [وأن جمع ~~التقديم لم يكن في شيء من ذلك له مستروح، وغاية الأمر التأخير، ويحتمل أن ~~يكون ذلك مسقطا للقضاء PageV03P391 # لخروج الوقت وإن أثم المؤخر] وقريب مما ذهب إليه الهادي ما ذهب إليه ابن ~~سيرين وربيعة وابن المنذر (¬1) والقفال الكبير وحكاه الخطابي عن جماعة من ~~أصحاب الحديث، إلا أنهم قالوا: يجوز الجمع في الحضر للحاجة مطلقا. لكن بشرط ~~أن لا يتخذه عادة، وهو أقرب إلى ظاهر حديث ابن عباس فإنه إنما رواه في صلاة ~~يوم واحد ثمانيا جميعا وسبعا جميعا، وذهب أكثر الأمة إلى أنه لا يجوز الجمع ~~في الحضر لما تقدم من الأحاديث المبينة لأوقات الصلاة، ولما تواتر من ~~محافظة النبي - صلى الله عليه وسلم - على أوقاتها حتى قال ابن مسعود: "ما ~~رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلي صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين، ~~وجمع بين المغرب والعشاء، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها (¬2)، وحديث ابن ~~عباس لا يصح الاحتجاج به، إذ الجمع محتمل لثلاثة معان: إما جمع تقديم، أو ~~تأخير، أو صوري، لا يصح حمله على جميعها، إذ هو في صلاة يوم واحد كما هو ~~ظاهر في رواية مسلم، وتعيين واحد منها تحكم فوجب العدول عنه إلى ما هو ~~الواجب من البقاء على عموم حديث الأوقات في حق (أ) المعذور وغيره، وتخصيص ~~المسافر لثبوت المخصص PageV03P392 # بجمع، وهذا هو الجواب الحاسم، وأما ما روي من الآثار عن التابعين ~~والصحابة فغير حجة، إذ للاجتهاد في ذلك مسرح. # وقد ذهب العلماء إلى تأويل حديث ابن عباس، فبعضهم قال: يجوز أن يكون ذلك ~~لأجل المرض، وهو مدفوع بأنه لو كان كذلك لما صلى معه، إلا من كان كذلك، ~~وسياق الرواية أنهم صلوا جميعا، وقد يجاب عنه بأن ذلك يجوز إذا كان الإمام ~~معذورا أن يصلي معه من لا عذر له كما ورد في صلاتهم قعودا بعده مع عدم العذر. # وبعضهم: أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم مثلا فبان أن وقت ~~العصر دخل فصلاها، وكذلك في المغرب والعشاء إذا ms0536 كان وقت المغرب ممتدا كما ~~هو الصحيح. # وبعضهم تأوله بالجمع الصوري بأن يكون أخر الظهر إلى آخر وقتها، وعجل ~~العصر في أول وقتها، وكذلك المغرب والعشاء، واستحسن هذا القرطبي (¬1) ~~ورجحه، وجزم به ابن الماجشون (¬2) والطحاوي، وقواه ابن سيد الناس (¬3) بما ~~أخرجه الشيخان عن عمرو بن دينار، فذكر الحديث. قال: فقلت: يا أبا الشعثاء ~~أظنه أخر الظهر، وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل PageV03P393 # العشاء قال: "وأنا أظنه" (¬1)، قال ابن سيد الناس: وراوي هذا الحديث أدري ~~بالمراد من غيره، وإن كان أبو الشعثاء لم يجزم بذلك، فقد روى عنه أن ذلك ~~لعذر المطر، وأقول: إنه يتعين هذا التأويل، فإنه صرح به النسائي (¬2) في ~~أصل حديث ابن عباس ولفظه: قال: "صليت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالمدينة ثمانيا جميعا، وسبعا جميعا، وأخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب ~~وعجل العشاء. # والعجب من النووي كيف ضعف (¬3) هذا التأويل وغفل عن متن الحديث المروي، ~~والمطلق في رواية يحمل (أ) على المقيد إذا كان في قصة واحدة، [والقول بأن ~~قوله: أراد أن لا يحرج أمته يضعف الجمع الصوري لوجود الحرج فيه مدفوع بأن ~~في ذلك تيسير أمر التوقيت، إذ يكفي للصلاتين تأهب واحد، وقصد واحد إلى ~~المسجد، ووضوء واحد، بحسب الأغلب بخلاف الوقتين، فالحرج لا شك فيه أخف ~~(¬4)] (ب). # وأما قياس الحاضر على المسافر كما تقدم عن أبي طالب فيخدش فيه PageV03P394 # أن العلة في الأصل هو السفر وهو غير موجود في الفرع. وإلا لزم مثله في ~~القصر والفطر. # واعلم أن هذا الذي أوردناه هو معظم ما في الباب، فجمع التقديم فيه خطر ~~عظيم كمن صلى الصلاة قبل دخول وقتها، فيكون حاله (أ) كما قال الله سبحانه: ~~{وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ..} الآية (¬1) من ابتدائها، وهذه المتقدمة ~~لا دلالة لها عليه بمنطوق، ولا مفهوم عموم، ولا خصوص، ولها دلالة على جواز ~~جمع التأخير، والخطر فيه أهون إذ المصلي فيه إما مؤد أو قاض فقد سقط عنه ~~الطلب (ب) وإن عصى بالتأخير. # 332 - وعن معاذ قال: ""خرجنا مع ms0537 رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة ~~تبوك، وكان يصلي الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا". رواه مسلم (¬2). # أخرجه مسلم عن معاذ، وأخرج مثله (¬3) عن ابن عباس، وقال فيه: قال سعيد بن ~~جبير فقلت لابن عباس: ما حمله على ذلك؟ قال: "أراد أن لا يحرج أمته". PageV03P395 # وهذا الحديث حمل فيه الجمع على [جمع] (أ) التأخير، وأما رواية جمع ~~التقديم فيه، فقد سبق ما عليه، والله أعلم. # 333 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا تقصروا الصلاة في أقل من أربعة برد، من مكة إلى عسفان". ~~رواه الدارقطني (¬1) بإسناد ضعيف، والصحيح أنه موقوف، كذا أخرجه ابن خزيمة. # وأخرجه الطبراني أيضا وهو من رواية عبد الوهاب بن مجاهد (¬2)، وهو متروك، ~~نسبه الثوري إلى الكذب، وقال الأزدي: لا تحل الرواية عنه، وهو منقطع أيضا، ~~لأنه لم يسمع من أبيه، ورواه أيضا عنه إسماعيل بن عياش (¬3) وروايته عن ~~الحجازيين ضعيفه. # وأما من قول ابن عباس فإسناده صحيح، وقد تقدم، وهذا المذكور في الحديث ~~ذهب إليه الشافعي كما تقدم (¬4). PageV03P396 # 334 - وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "خير أمتي الذين إذا أساءوا استغفروا، وإذا سافروا قصروا وأفطروا". ~~أخرجه الطبراني في "الأوسط" بإسناد ضعيف، وهو في مرسل سعيد بن المسيب عند ~~البيهقي مختصرا (¬1). # في الحديث دلالة على أن المعصية التي لم يصر عليها العبد لا تخرجه عن ~~الخير وأن القصر والإفطار غير واجبين وأنهما أفضل للمسافر، ولعله يحمل ذلك ~~على امتثال ما شرع وتلقيه بالتسليم والانقياد من دون تعمق وتشديد، والله أعلم. # 335 - (أ) وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "رأيت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي متربعا". رواه النسائي، وصححه الحاكم (¬2). # الحديث محله في باب صفة الصلاة، ولكن المصنف -رحمه الله- أعاد من ذلك ~~الباب حديث عمران بن حصين وحديث جابر وهما في آخر باب صفة الصلاة، وأتبعهما ~~هذا الحديث ولم يتقدم، والحديث وارد في صفة قعود المصلي إذا كان له ms0538 عذر عن ~~القيام. # وفيه الخلاف الذي مر في ذلك الباب، فارجع إليه، والله أعلم. # [اشتمل (ب) الباب على اثنين وعشرين حديثا]. PageV03P397 ### || AUTO باب الجمعة # 336 - عن عبد الله بن عمر وأبي هريرة -رضي الله عنهم- أنهما سمعا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول على أعواد منبره: "لينتهين أقوام عن ~~ودعهم الجمعات، أو ليختمن الله على قلوبهم، ثم ليكونن (أ) من الغافلين". ~~رواه مسلم (¬1). # قوله: "على أعواد منبره" عمل له - صلى الله عليه وسلم - المنبر في سنة ~~سبع، وقيل: في سنة ثمان، وقيل: إنه كان قبل ذلك يخطب على منبر من طين، ~~والمشهور أنه كان يخطب على جذع أو يستند إليه، فلما كبر فعل له المنبر من ~~طرفاء الغابة، أرسل - صلى الله عليه وسلم - إلى امرأة من الأنصار تأمر ~~غلامها بذلك، ولم يكن نجار في المدينة غيره، واسمه ميمون، وهذا هو الأصح، ~~وقيل: اسمه إبراهيم (¬2)، وقيل: باقول -بموحدة وقاف مضمومة ولام- كذا رواه ~~عبد الرزاق وأبو نعيم (¬3) [وقيل: باقوم] (ب) أبدل اللام بالميم- وقيل: ~~صباح -بضم الصاد المهملة بعدها باء (ج) موحدة بعدها حاء مهملة- وقيل: هو ~~قبيصة PageV03P399 # المخزومي مولاهم، وقيل: كلاب مولى العباس، وقيل: تميم الداري، وقيل اسم ~~الغلام: مينا، ولكنه يحتمل (أ) أن مينا اسم زوج المرأة، لأنه وقع في ~~الرواية: غلام لامرأة من الأنصار من بني سلمة، أو بني ساعدة، امرأة لرجل ~~منهم يقال له: مينا، وقد روي أن زوج المرأة سعد بن عبادة، وقد روي: أن ~~الصانع رجل رومي (¬1)، ويحتمل أن المراد به تميم الداري، لأنه كان كثير ~~السفر إلى الروم، فلا يكون قولا مستقلا. # فصنع المنبر ثلاث درج، ولم يزل عليه حتى زاده مروان في خلافة معاوية ست ~~درجات من أسفله، وسبب ذلك أن معاوية كتب إليه أن يحمله إليه إلى دمشق (¬2)، ~~فأمر به فقلع، فأظلمت المدينة، فخرج مروان فخطب فقال: إنما أمرني أمير ~~المؤمنين أن أرفعه، ففعل ذلك وقال: إنما زدت عليه لما كثر الناس (¬3)، ~~واستمر على ذلك إلى أن حرق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة، فاحترق، ms0539 ~~ثم جدده المظفر، صاحب اليمن سنة ست وخمسين وستمائة منبرا، ثم أرسل الظاهر ~~(ب) بعد عشر سنين PageV03P400 # منبرا، فأرسل منبر الظفر (¬1)، ولم يزل ذلك إلى سنة ست وعشرين وثمانمائة ~~فأرسل المؤيد صاحب اليمن منبرا، وكان قد أرسل منبرا إلى مكة سنة ثمان عشرة. # وقوله: "عن ودعهم": أي تركهم، مصدر ودع، واستعمال ودع الماضي متروك ~~استغناء عنه بترك، وأما متصرفاته فمستعملة. # [والجمعات: جمع جمعة بضم الميم وفيها الإسكان والفتح مثل همزة، ولمزة، ~~ووجهه أنها تجمع الناس ويكثرون، وسمي اليوم بذلك لاجتماع الناس فيه، وكان ~~في الجاهلية يسمى "العروبة"] (أ). # وقوله: {أو ليختمن الله على قلوبهم} الختم معناه الاستيثاق من الشيء بضرب ~~الخاتم عليه (ب) كتما له، وتغطية له، لئلا يتوصل إليه، ولا يطلع عليه، وهو ~~في معنى الطبع والتغشية والإقفال إلا أن الختم أيسر من الطبع، والطبع أيسر ~~من الإقفال، والإقفال أشدها (ج). PageV03P401 # وإسناده إلى الله هنا، وفي قوله تعالى: {ختم الله على قلوبهم} (¬1) فيه ~~وجوه: فعند المعتزلة هو مجاز لأنه لا ختم من الله تعالى على الحقيقة، وإنما ~~شبهت القلوب بسبب إعراضهم (أ) عن الحق واستكبارهم عن قبوله، وعدم نفوذ الحق ~~إليها بالأشياء التي استوثق عليها بالختم فلا ينفذ إلى باطنها شيء، وثم ~~وجوه أخر. # وقيل: الختم عبارة عن خلق الكفر في قلوبهم، وهو قول أكثر متكلمي ~~الأشعرية. # وقيل: هو الشهادة عليهم. # وقيل: علامة جعلها الله تعالى في قلوبهم لتعرف بها الملائكة من تمدح ومن ~~تذم (¬2). # والحديث فيه دلالة على وجوب الجمعة، وأنه فرض عين، وهو مجمع على وجوبها ~~على الإطلاق (¬3)، والأكثر أنها فرض عين، وقال في "معالم السنن": (¬4) إنها ~~فرض كفاية عن (ب) أكثر الفقهاء، وفي "البحر" (¬5) PageV03P402 # نسب القول هذا إلى بعض أصحاب الشافعي قال: وغلطه أصحابه (¬1)، والبعض هو ~~الطبري، [وعن مالك أنها سنة ذكره في "نهاية المجتهد"] (أ) (¬2). # 337 - وعن سلمة بن الأكوع - رضي الله عنه - قال: "كنا نصلي مع رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - الجمعة، ثم ننصرف، وليس للحيطان ظل يستظل به" متفق ~~عليه، واللفظ للبخاري ms0540 (¬3). # وفي لفظ مسلم: "كنا نجمع معه إذا زالت الشمس ثم نرجع نتتبع الفيء" (¬4). # في الحديث دلالة على المبادرة بالصلاة في أول زوال الشمس بدليل قوله: ~~"وليس للحيطان ظل يستظل به" فيتوجه النفي إلى القيد الزائد وهو PageV03P403 # الظل المستظل به، لا نفي أصل الظل، وذلك لأن الجدران كانت في ذلك العصر ~~لا سمو فيها، فلا يستظل بظلها إلا بعد توسط الوقت، فلا يفهم منه ولا من ~~الحديث المذكور بعده أنهم كانوا يصلون قبل الزوال، وهذا التأويل متعين عند ~~الجمهور القائلين بأن وقت الجمعة هو وقت الظهر، والخلاف في ذلك للإمام أحمد ~~(¬1)، وإسحاق فقالا: تصح إقامة الجمعة قبل الزوال، واختلف أصحاب أحمد فقال ~~بعضهم: أول وقتها وقت صلاة العيد، وقال بعضهم: الساعة السادسة، وجوز مالك ~~الخطبة قبل الزوال دون الصلاة، وحجتهم ظاهر هذا الحديث وما بعده، وأصرح منه ~~ما أخرجه أحمد ومسلم (¬2) من حديث جابر رضي الله عنه: "أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حتى تزول الشمس"، ~~يعني النواضح وعن عبد الله بن سيدان السلمي قال: شهدت الجمعة مع أبي بكر، ~~وكانت خطبته وصلاته قبل نصف النهار، ثم شهدتها مع عمر، فكانت (أ) صلاته ~~وخطبته إلى أن أقول: انتصف النهار، ثم شهدتها مع عثمان فكان (ب) صلاته ~~وخطبته إلى أن أقول: زال النهار، PageV03P404 # فما رأيت أحدا عاب ذلك ولا أنكره، رواه الدارقطني (¬1) والإمام أحمد في ~~رواية ابنه عبد الله، قال: وكذلك روي عن ابن مسعود وجابر وسعيد ومعاوية ~~أنهم صلوا قبل الزوال، ودلالة هذا على مذهب الإمام أحمد واضحة، ولا يعارض ~~ذلك الحديث المذكور (أ) المتأول بل هذا يدفع التأويل وأيضا فيضعف التأويل ~~أن صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - مع قراءة سورة الجمعة والمنافقين، ~~وخطبته لو كانت بعد الزوال لما انصرفوا، إلا والظل يستظل به، وقد ذهب سورة ~~الشمس وشدة الحر، والله أعلم. # [واستدل الإمام أحمد بهذا الحديث على صحة صلاة الظهر قبل الزوال] (ب) (¬2). # 338 - وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه ms0541 - قال: "ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا ~~بعد الجمعة". متفق عليه، واللفظ لمسلم (¬3)، وفي رواية: "في عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -" (¬4). PageV03P405 # هو (أ) أبو العباس سهل بن سعد بن مالك بن خالد الخزرجي الساعدي الأنصاري، ~~قيل: كان اسمه حزنا، فسماه النبي - صلى الله عليه وسلم - سهلا. مات النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وله خمس عشرة سنة، ومات بالمدينة سنة إحدى وتسعين ~~(ب)، وقيل: سنة ثمان وثمانين، وهو آخر من مات من الصحابة بالمدينة، روى عنه ~~ابنه العباس والزهري وأبو حازم (ج) سلمة بن دينار (¬1). # [قوله: نقيل بفتح النون من: قال، يقيل، قيلا: إذا نام نصف النهار (¬2)] (د). # في الحديث دلالة على المبادرة لحضور (ه) الجمعة في (و) أول وقتها، وأنهم ~~كانوا يؤخرون الغداء والقيلولة خشية الاشتغال بذلك عن إدراكها، وهو ظاهر. # 339 - وعن جابر - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يخطب قائما فجاءت عير من الشام، فانفتل الناس إليها، حتى لم يبق إلا اثنا ~~عشر رجلا". رواه مسلم (¬3). PageV03P406 # وفي رواية (¬1): أنا فيهم، وأبو بكر، وعمر، وفي رواية له (أ "فيهم أبو ~~بكر وعمر" (¬2)، وفي رواية له أ): "فأنزلت هذه الآية التي في الجمعة: {وإذا ~~رأوا تجارة (ب) ..} إلى آخرها" (¬3)، وفي رواية للبخاري ومسلم: (ج "بينا ~~نحن نصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ج) إذ أقبلت عير" (¬4). # والمراد بالصلاة انتظارها في حال الخطبة، وفي رواية لمسلم: (د "إذ أقبلت ~~سويقة" (¬5)، تصغير: سوق، والمراد بها العير المذكور، لأن العير الإبل التي ~~تحمل د) الطعام أو التجارة وسميت سوقا لأن البضائع تساق إلى الأسواق بذلك ~~لقيام الناس فيها على سوقهم (ه). # وفي قوله: "كان يخطب قائما": دلالة على أن المشروع في الخطبة هو القيام ~~للخطيب وقد استدل مالك بقوله: "إلا اثنا عشر رجلا" بأن أقل ما تنعقد به ~~الجمعة اثني عشر رجلا (¬6)، ولا دلالة على نفي انعقادها بدون ذلك، وأما ~~أنها تصح بذلك القدر ففيه دلالة، وإن كان لقائل أن يقول: PageV03P407 # فرق بين ابتدائها وطروء ما ms0542 ينقض العدد وقد دخل فيها، وقال القاضي عياض: ~~ذكر أبو داود في "مراسيله" (¬1) أن خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - التي ~~انفضوا عنها إنما كانت بعد صلاة الجمعة (¬2)، وظنوا أنه لا شيء عليهم في ~~الانفضاض عن الخطبة، وأنه قبل هذه القضية إنما كان يصلي قبل الخطبة. # قال القاضي: وهذا أشبه بحال الصحابة، والمظنون بهم ما كانوا يدعون الصلاة ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنهم ظنوا جواز (أالانصراف بعد انقضاء ~~الصلاة، قال: وقد أنكر بعض العلماء كون النبي - صلى الله عليه وسلم - أ) ~~خطب بعد صلاة الجمعة، والله أعلم، وفي كون جابر والشيخين من الباقين منقبة عظيمة. # 340 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - "من أدرك ركعة من صلاة الجمعة وغيرها، فليضف إليها أخرى، وقد ~~تمت صلاته" رواه النسائي وابن ماجه والدارقطني، واللفظ له (¬3)، وإسناده ~~صحيح، لكن قوى أبو حاتم (¬4) إرساله. # الحديث أخرجوه من حديث بقية: حدثني يونس بن يزيد عن الزهري عن سالم عن ~~أبيه ... الحديث (¬5). PageV03P408 # قوله: "وقد تمت صلاته": وفي لفظ (أ): "وقد أدرك الصلاة"، قال ابن (¬1) ~~أبي داود والدارقطني: تفرد به بقية عن يونس، و (ب) قال ابن أبي حاتم في ~~"العلل" عن أبيه: هذا خطأ في المتن والإسناد، وإنما هو عن الزهري عن أبي ~~سلمة عن أبي هريرة مرفوعا: "من أدرك صلاة ركعة فقد أدركها" (¬2). # وأما قوله: "من صلاة الجمعة": فوهم (¬3)، وقد أخرج الحديث من ثلاثة عشر ~~طريقا عن أبي هريرة (¬4) ومن ثلاث طرق عن ابن عمر وفي جميعها مقال. PageV03P409 # و (أ) في الحديث دلالة على ان الجمعة تصح من اللاحق وإن لم يدرك شيئا من ~~الخطبة، وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي والمؤيد بالله وأبو حنيفة والشافعي ~~(¬1)، وذهب الهادوية إلى أن إدراك شيء من الخطبة شرط لا تصح الجمعة بدونه، ~~والحديث هذا حجة عليهم، وإن كان فيه مقال و (ب) لكن كثرة (الطرق) (ج) بعضها ~~تؤيد بعضا فتقوى، بل الحاكم أخرجه من ثلاث طرق من حديث ms0543 أبي هريرة، وقال ~~فيها: على شرط الشيخين (¬2). # 341 - وعن جابر بن سمرة - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يخطب قائما، ثم يجلس، ثم يقوم فيخطب قائما، فمن أنبأك أنه كان يخطب ~~جالسا فقد كذب". أخرجه مسلم (¬3). # الحديث فيه دلالة على شرعية القيام حال الخطبتين، والفصل بينهما بالقعود ~~وإنكار الراوي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب جالسا، والظاهر أن هذا ~~مجمع عليه، واختلف العلماء في حكمه، فذهب أبو حنيفة (¬4) إلى أن القيام سنة ~~والقعود بينهما كذلك، وقريب من هذا ما ذهب إليه أبو العباس على PageV03P410 # أصل الهادي، وإن كان مصرحا بأنهما مندوبان (أ)، والمندوب دون المسنون في ~~التأكد، واحتج على ذلك بحديث أبي سعيد الخدري، أخرجه البخاري: "أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله" (¬1) فدل على ~~عدم وجوبه. # وذهب مالك (¬2) إلى أن القيام واجب وإن تركه أساء وصحت الخطبة، وفي رواية ~~ابن الماجشون عنه: أن الخطبة لا تكون إلا من قيام لمن أطاقه، وإليه ذهب ~~الشافعي (¬3)، وقواه الإمام يحيى، وهو مروي عن زيد بن علي والناصر والمنصور ~~بالله، وروي أيضا عن الهادي (¬4)، وكذا (ب الكلام في ب) القعود بين ~~الخطبتين واحتجوا على ذلك بمواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - (ج) على ~~ذلك حتى قال جابر: "فمن أنبأك .. " إلخ، وبما روي "أن كعب بن عجرة لما دخل ~~المسجد وعبد الرحمن بن أم الحكم يخطب قاعدا فأنكره عليه، وتلا، {وتركوك ~~قائما} (¬5)، وفي رواية ابن خزيمة "ما رأيت كاليوم قط، إمام يؤم المسلمين ~~يخطب وهو جالس" يقول ذلك مرتين، وأخرج ابن أبي شيبة (¬6) عن طاوس: "خطب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قائما وأبو بكر وعمر PageV03P411 # وعثمان، وأول من جلس على المنبر معاوية"، وأخرج ابن أبي شيبة (¬1) عن ~~الشعبي: "أن معاوية إنما خطب جالسا لما كثر شحم بطنه ولحمه"، وهذا دلالة ~~على العذر، وهو مع العذر في حكم المتفق على جواز القعود في الخطبة، وترك ~~القعود بين الخطبتين. # وأجاب الشافعي ومن ذهب إلى ms0544 مقالته عن حديث أبي سعيد بأن قعود النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - على المنبر في غير الجمعة، وعن صلاة كعب بن عجرة، وقد ~~أنكر بأن ذلك لخشية الفتنة، ولكنه يقال: لا كلام في دلالة ذلك على أصل ~~الشرعية وأما الوجوب وكونه شرطا في صحتها، فلا دلالة من اللفظ إلا أنه قد ~~ينضم إليه دليل وجوب التأسي به - صلى الله عليه وسلم - وقد قال: "صلوا كما ~~رأيتموني أصلي" (¬2) وفعله في الجمعة من الخطبتين بهيئتهما وأقوالهما، ~~وتقديمهما على الصلاة مبين لآية الجمعة فما واظب عليه فهو واجب، وما لم ~~يواظب عليه كان في الترك دليل على عدم الوجوب، فإن صح حديث أبي سعيد في ~~قعوده أنه كان في خطبة الجمعة كان الأقوى القول الأول. وإن لم يثبت ذلك ~~فالقول الثاني، والله أعلم. # فائدة: روى سعيد بن منصور عن الحسن قال: "أول من استراح في الخطبة يوم ~~الجمعة عثمان، كان إذا أعيا جلس، ولم يتكلم حتى يقوم، وأول من خطب جالسا ~~معاوية (¬3)، وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة: "أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأبا بكر وعمر كانوا يخطبون يوم الجمعة قياما حتى شق PageV03P412 # على عثمان القيام فكان يخطب قائما ثم يجلس فلما كان معاوية خطب الأولى ~~جالسا والأخرى قائما" (¬1). # 342 - وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا خطب احمرت عيناه، وعلا صوته، واشتد غضبه حتى كأنه ~~منذر جيش يقول: صبحكم ومساكم، ويقول: أما بعد فإن خير الحديث كتاب الله، ~~وخير الهدي هدي محمد، وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة". رواه مسلم (¬2). # وفي رواية له: "كانت خطبة النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الجمعة: يحمد ~~الله تعالى، ويثني عليه، ثم يقول على إثر ذلك، وقد علا صوته" (¬3). # وفي رواية له: "من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له" (¬4). # وللنسائي: "و (أ) كل ضلالة في النار" (¬5). # في الحديث دلالة على عظيم (ب) شأن مقام الخطبة، وأن ذلك مما يهول ~~المتكلم، ms0545 ويعلنه الحال حتي يظهر في خلقه وخلقه، فإن احمرار العينين وعلو ~~الصوت: إنما يكونان عند اشتداد الأمر. PageV03P413 # وفي قوله: "يقول": الضمير عائد إلى منذر الجيش، وقوله: "صبحكم (أ) " ~~الفاعل ضمير العدو المنذر منه أي أتاكم وقت الصباح، ومساكم كذلك. # وقوله: "خير الهدي هدي محمد": قال النووي (¬1): ضبطناه في مسلم بضم الهاء ~~وفتح الدال فيهما، وبفتح الهاء وسكون الدال فيهما، وكذا ذكره جماعة، وقال ~~القاضي عياض (¬2): روينا في مسلم بالضم، وفي غيره بالفتح، وبالفتح (ب) ذكره ~~الهروي، وفسره الهروي (¬3) على رواية الفتح بالطريق أي: أحسن الطرق طريق ~~محمد، وأما على رواية الضم فمعناه الدلالة والإرشاد ولفظ: "الهدي" له ~~معنيان مستعملان في القرآن أحدهما: بمعنى الدلالة والإرشاد وهو الذي يضاف ~~إلى الرسل (ج، وإلى القرآن ج): قال الله تعالى: {وإنك لتهدي إلى صراط} (د) ~~(¬4) {إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم} (¬5) وقد يضاف إلى الله تعالى ~~كقوله: {وهديناه النجدين} (¬6) {وأما ثمود فهديناهم} (¬7)، والثاني: بمعنى PageV03P414 # الإيصال إلى المطلب، وهو المسند إلى الله تعالى وحده، وهو بمعنى اللطف ~~والتوفيق والعصمة والتأييد كقوله: {إنك لا تهدي (أمن أحببت أ) ولكن الله ~~يهدي من يشاء} (¬1). # قوله: (ب) شر الأمور محدثاتها": المراد بالمحدثات هو (ج) ما لم يكن ثابتا ~~بشرع من الله سبحانه، ولا من رسوله. # وقوله: (د) كل بدعة ضلالة": البدعة في اللغة (¬2): هو ما عمل على غير ~~مثال سابق، والمراد به هنا هو ما عمل من دون أن تسبق له شرعية من كتاب أو ~~سنة، وأما ما ثبت بالقياس أو الاجتهاد أو الإجماع. فهو راجع إلى ذلك ~~باعتبار مأخذه فلا يكون بدعة، قال العلماء: البدعة خمسة أقسام (¬3): واجبة ~~كحفظ (ه) العلوم بالتدوين، والرد على الملاحدة بإقامة الأدلة، ومندوبة ~~كبناء المدارس والربط، ومباحة كالتوسعة في ألوان الأطعمة وفاخر الثياب، ~~ومحرمة ومكروهة وهما ظاهران (*). PageV03P415 # فقوله (أ) وكل بدعة ضلالة" عام مخصوص كما قال عمر - رضي الله عنه - في ~~التراويح: "نعمت البدعة" (¬1). # وفي الحديث دلالة أيضا على أنه يستحب للخطيب أن يفخم الخطبة ويرفع بها ~~صوته، ويجزل كلامه، ms0546 ويكون مطابقا للفصل الذي تكلم به (ب) من ترغيب وترهيب. # ويدل على استحباب قول: "أما بعد" في خطب الوعظ والجمعة والعيد وخطب الكتب ~~المصنفة، وقد عقد البخاري (¬2) بابا في استحبابه، وذكر فيه جملة من ~~الأحاديث، [وقد جمع الروايات التي ذكر فيها (ج) "أما بعد" الحافظ عبد ~~القادر الرهاوي (¬3) فأخرجها (د) عن اثنين وثلاثين صحابيا، أخرج منها عن ~~المسور بن مخرمة: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خطب قال: أما بعد" ~~(¬4)، ورجاله ثقات، و (ه) ظاهره المواظبة على ذلك] (و). # واختلف العلماء في أول من تكلم به، فقيل داود صلى الله على نبينا PageV03P416 # وعليه وسلم (¬1)، وقيل يعرب بن قحطان (¬2)، وقيل: قس بن ساعدة، وقال كثير ~~من المفسرين: إنه فصل الخطاب (¬3). # وفي قوله: "يحمد الله ويثني عليه": دلالة على شرعية الحمد والثناء، ~~وظاهره أنه كان يلازم ذلك في جميع خطبه، والظاهر أن الأمر كذلك، فإنه لم ~~يكن يخطب خطبة إلا افتتحها بحمد الله، ويتشهد (أ) فيها بكلمتي الشهادة، ~~ويذكر فيه نفسه باسمه العلم، وقد ثبت أنه قال: "كل خطبة ليس فيها تشهد فهي ~~كاليد الجذماء" (¬4)، وفي "دلائل النبوة" للبيهقي من حديث أبي هريرة مرفوعا ~~حكاه (ب) عن الله" و (ج) جعلت أمتك لا يجوز لهم خطبة حتى يشهدوا أنك عبدي ~~ورسولي" وشرع الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن كل عبادة افتقرت ~~إلى ذكر الله تعالى افتقرت إلى ذكر رسوله كالأذان والصلاة. # وروي عنه (¬5) - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يذكر معالم الشرائع في ~~الخطبة، والجنة والنار والمعاد، ويأمر بتقوى الله، ويحذر من موارد غضبه، ~~ويرغب في موجبات رضاه، وقد ورد قراءة آية في حديث مسلم: "كان لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - خطبتان PageV03P417 # يجلس بينهما يقرأ القرآن ويذكر الناس" (¬1)، وظاهر (أ) محافظته - صلى ~~الله عليه وسلم - على ما ذكر في الخطبة وجوب ذلك لأن فعله بيان لما أجمل في ~~آية (ب) الجمعة، وقد قال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (¬2)، وقد ذهب إلى هذا ~~الشافعي و (ج) الإمام يحيى (¬3) وأبو طالب. ms0547 ويجب الدعاء للإمام أيضا لعمل ~~المسلمين به (3)، وكذلك الدعاء لنفسه وللمؤمنين [قال الإمام يحيى (¬4): ~~وأقل ما يجب: الحمد لله والصلاة على نبيه، أطيعوا الله يرحمكم الله ويقرأ ~~آية] (د). # وقالت الهادوية: لا يجب إلا الحمد والصلاة على النبي وآله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في الخطبتين جميعا. # وقال أبو حنيفة: يجزئه: سبحان الله ولا إله إلا الله (¬5). وقال أبو يوسف ~~ورواية عن مالك: لا يجزئ إلا ما يسمى خطبة (¬6). # 343 - وعن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - قال: سمعت: رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: "إن طول صلاة الرجل، وقصر خطبته مئنة من فقهه" رواه PageV03P418 # مسلم (¬1). # قوله "مئنة" بفتح الميم ثم همزة مكسورة ثم نون مشددة .. أي مما يعرف به ~~فقه الرجل، وكل شيء دل على شيء فهو مئنة له (أ) وحقيقتها أنها مفعلة من ~~معنى أن الشيء للتحقيق غير مشتقة من لفظها، لأن الحروف لا يشتق منها، وإنما ~~ضمنت حروفها دلالة على أن معناها فيها ولو قيل: إنها اشتقت من لفظها بعد ما ~~جعلت اسما لكان قولا (ب)، ومن أغرب ما قيل فيها: إن الهمزة بدل من ظاء ~~المظنة كذا في "النهاية" (¬2)، وعلى هذا فالميم زائدة، وقد صرح بزيادتها ~~الأزهري. # قال الهروي (¬3): وغلط أبو عبيدة فجعل الميم أصلية. وإنما كان قصر الخطبة ~~علامة لفقه الرجل، لأن الفقيه هو المطلع على حقائق المعاني وجوامع الألفاظ، ~~يتمكن من التعبير بالعبارة الجامعة الجزلة المفيدة، ولذلك كان من تمام ~~رواية هذا الحديث: "فأطيلوا الصلاة، وأقصروا الخطبة، وإن من البيان لسحرا"، ~~فشبه الكلام العامل في القلوب الجاذب للعقول بالسحر لأجل ما اشتمل عليه من ~~الجزالة، وتناسق الدلالة، وإفادته المعاني الكثيرة، ووقوعه في مجازه من ~~الترغيب والترهيب ونحو ذلك، ولا PageV03P419 # يقدر عليه إلا من فقه بالمعاني وجمع شتاتها، وناسب دلالتها فيتمكن حينئذ ~~من الإتيان بالكلمات الجوامع، ومطالع المعاني السواطع وكان ذلك من خصائصه - ~~صلى الله عليه وسلم - فكان (أ) أفصح من نطق بالضاد، وأبرع من أوتي فصل ~~الخطاب. # والمراد بطول الصلاة هنا، هو الطول ms0548 غير المنهي عنه، وهو ما اقتفي فيه ~~بالسنة النبوية، وقد ثبت عنه قراءة (ب) سورة الجمعة والمنافقين في صلاة ~~الجمعة (¬1)، وذلك هو طول بالنسبة إلى الخطبة وكان غير تطويل منهي عنه. ~~والله سبحانه أعلم. # 344 - وعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان - رضي الله عنها - قالت: "ما ~~أخذت {ق والقرآن المجيد} إلا عن لسان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقرؤها كل جمعة على المنبر إذا خطب الناس" رواه مسلم (¬2). # أم هشام (¬3): صحابية [من الأنصار، لا يعرف اسمها، وفي رواية أبي داود: ~~أم هشام بنت الحارث، ولمسلم: بنت حارثة (¬4) بالحاء المهملة، أخت عمرة بنت ~~عبد الرحمن لأمها، الأنصارية النجارية، بايعت بيعة الرضوان، PageV03P420 # وروت عنها أختها عمرة] (أ) روى عنها عبد الرحمن بن سعد وحبيب بن عبد ~~الرحمن وعمرة بنت عبد الرحمن. في الحديث دلالة على شرعية قراءة السورة في ~~الخطبة في كل جمعة، بل وجوبها، قال العلماء (¬1): سبب اختيار {ق} أنها ~~مشتملة على ذكر البعث والموت والمواعظ الشديدة والزواجر الأكيدة وفيه دلالة ~~لقراءة شيء من القرآن في الخطبة كما سبق، إلا أنه لا قام الإجماع على عدم ~~وجوب قراءة السورة المذكورة ولا بعضها في الخطبة، فيحمل مواظبته - صلى الله ~~عليه وسلم - عليها (ب) على اختياره لما هو الأحسن في الوعظ والتذكير، ولذلك ~~قال في خطبته: "خير الحديث كتاب الله" (¬2). # وفيه دلالة على لزوم الخطبة للوعظ [وقد روى ابن ماجه (¬3) عن أبي بن كعب، ~~رضي الله عنه: أنه - صلى الله عليه وسلم - قرأ في يوم الجمعة "تبارك" وهو ~~قائم يذكر (ج) بأيام الله، وفي رواية لسعيد بن منصور والشافعي (¬4) عن عمر ~~- رضي الله عنه - "أنه كان يقرأ في الخطبة {إذا الشمس كورت} ويقطع عند ~~قوله: {ما أحضرت}، وفي إسناده (¬5) انقطاع، ولا يعارض هذا حديث أم هشام إذ ~~يمكن حمل قولها: "في كل جمعة" على الجمع] (د) PageV03P421 # [التي حضرتها، وقراءة {تبارك} فيما لم تحضر، ويحتمل أنه كان - صلى الله ~~عليه وسلم - يجمع بين السورتين، واقتصر الراوي على بعض ما سمع. # وقال شارح ms0549 "المصابيح": أرادت بقاف أول السورة لا جميعها فلم يقرأها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في الخطبة، وهذا يحتاج إلى نقل (¬1) والله ~~سبحانه أعلم] (أ). # 345 - وعن ابن عباس - رضي الله. عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - "من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كمثل الحمار يحمل ~~أسفارا، والذي يقول له: أنصت ليس له جمعة" رواه أحمد بإسناد لا بأس به (¬2). # وهو تفسير حديث أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين (¬3) مرفوعا: "إذا ~~قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت". # حديث أحمد له شاهد قوي في "جامع حماد" مرسل عن ابن عمر موقوفا (¬4). # وقوله: "من تكلم يوم الجمعة، والإمام يخطب": فيه دلالة على أن PageV03P422 # خطبة غير الجمعة ليست مثلها، وفي قوله: "والإمام يخطب": دلالة على أن ذلك ~~النهي يختص بحال الخطبة وفيه رد على من قال: إنه منهي عن الكلام (¬1) من ~~حين خروج الإمام، ولا شك في أفضلية ترك الكلام في ذلك الوقت. # وأما الكلام عند الجلوس بين الخطبتين (¬2) فقد حكى فيه قولان: أحدهما: ~~أنه غير خاطب فيحمل الكلام، والثاني: أن وقته يسير فهو شبه السكوت للتنفس ~~فهو في حكم الخاطب (¬3). # وتشبيهه بالحمار يحمل أسفارا لما فاته الانتفاع بأبلغ نافع، وقد تكلف ~~وأتعب نفسه في الحضور للجمعة (أ) والمشبه به كذلك فاته الانتفاع بأبلغ نافع ~~مع تحمل التعب في استصحابه. # وفي قوله: "والذي يقول له: أنصت ليس له جمعة": متأول بأنه حرم فضيلة ~~الجمعة لا نفيها بالكلية، ويدل على هذا تأويل ما رواه أبو داود وابن خزيمة ~~(¬4) من حديث عبد الله بن عمر: "ومن لغا وتخطى رقاب الناس كانت له ظهرا". ~~قال ابن وهب أحد رواته: معناه: أجزأته الصلاة وحرم فضيلة الجمعة. PageV03P423 # والإجماع أيضا على (أ) أنه قد سقط (ب) عنه الفرض، وقد احتج بهذا الحديث ~~من ذهب إلى حرمة التكلم (ج) في حال الخطبة، وهم الهادي والناصر وأبو حنيفة ~~ومالك ورواية عن أحمد ورواية عن الشافعي (¬1). فإن تشبيهه بالمشبه به ~~المستنكر وملاحظة وجه الشبه ms0550 المذكور (د) يدل على القبح، وكذلك نسبته إلى ~~فوات الفضيلة الحاصلة بالجمعة ما زال إلا لما يلحق المتكلم من الوزر الذي ~~يقاوم الفضيلة فيصير محيطا لها. # وذهب القاسم بن إبراهيم (¬2) وابنه والمرتضي بن الهادي ومحمد بن الحسن ~~وأحد قولي أحمد وأحد قولي الشافعي، ورواية عن أحمد، وعن الشافعي التفرقة ~~بين من سمع الخطبة (¬3) ومن لم يسمعها، [وعبارة الشافعي (¬4): فإذا أجاب ~~على أحد لم أر بأسا إذا لم يفهمه عنه بالإيماء، يدل على أنه يجوز الكلام ~~جوابا إذا لم يفهم بالإشارة] (ه)، وبعض الشافعية (¬5) أوجب الإنصات على من ~~تنعقد بهم الجمعة، وهم أربعون لا PageV03P424 # على من زاد على ذلك، فجعله كفرض الكفاية، نقل ابن عبد البر (¬1) الإجماع ~~على وجوب الإنصات على من سمع خطبة الجمعة إلا عن قليل من التابعين، وروي عن ~~الشعبي، وناس قليل أنهم كانوا يتكلمون إلا في وقت قراءة الإمام في الخطبة ~~خاصة، قال: وفعلهم في ذلك مردود وأحسن ما يقال: إنه لم يبلغهم الحديث، ~~ودليل من جوز الخفيف من الكلام تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - السائل ~~له عن الساعة، فأجاب عليه ولم ينكر عليه التكلم، ومن خص ذلك بالسامع لها ~~بقول علي - رضي الله عنه -: "ومن دنا، ولم ينصت، كان عليه كفلان من الوزر". # وبعضهم قال: إنه يجوز التكلم إذا انتهى الخطيب إلى ما لم يشرع في الخطبة ~~مثل الدعاء للسلطان، بل جزم صاحب "التهذيب" من الشافعية إلى أنه مكروه وقال ~~النووي (¬2): إن ذلك إذا جاوز الحد وأوغل في الثناء وإلا فالدعاء لولاة ~~الأمر مطلوب. انتهى. ونقل صاحب "المغني" من الشافعية الاتفاق على جواز ~~الكلام في الخطبة، الذي يجوز في الصلاة، كتحذير الضرير من الوقوع في بئر و ~~(أ) نحوه. # وقوله: "إذا قلت لصحابك .. " إلخ: فيه دلالة على تأكيد النهي عن الكلام، ~~لأنه إذا عد من اللغو الأمر بالمعروف فبالأولى (ب) غيره، فعلى هذا PageV03P425 # يجب عليه أن يأمره بالإشارة إن أمكن ذلك والصاحب مراد به المخاطب، وخصه ~~لأنه الأغلب والأمر بالإنصات قيل المراد به السكوت عن ms0551 مكالمة الناس، فيلزم ~~من هذا جواز الذكر وقراءة القرآن، والظاهر أن النهي شامل للجميع، ومن فرق ~~فعليه الدليل (أويرد عليه أ) مثل جواب التحية، ومثل الصلاة على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عند سماع ذكره عند من يقول بوجوب ذلك على ما هو الأقوى، ~~فإنه قد تعارض عموم النهي هنا وعموم الوجوب فيهما، وتخصيص أحدهما لعموم ~~الآخر تحكم من دون مرجح. # وقوله: "فقد لغوت": اللغو الكلام الذي لا أصل له، قال الأخفش: من الباطل ~~وشبهه، وقال ابن عرفة: اللغو السقط من القول، وقيل: الميل عن الصواب، وقيل: ~~الإثم، وقال الزين بن المنير: اتفقت أقوال المفسرين على أن اللغو ما لا ~~يحسن، وقال الهروي: هو في معنى اللغة، والصواب التقييد. وقال النضر بن ~~شميل: معنى لغوت حنثت من الأمر (¬1)، وقيل: بطلت فضيلة جمعتك، وقيل (ب): ~~صارت جمعتك ظهرا، وأقوال أهل اللغة متقاربة في هذا، والقول الآخر أظهر كما ~~تقدم شاهده (¬2)، والله أعلم. # 346 - وعن جابر - رضي الله عنه - قال: "دخل رجل يوم الجمعة والنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يخطب، فقال: صليت؟ قال: لا، قال: فقم، فصل ركعتين" متفق ~~عليه (¬3). PageV03P426 # قوله: "دخل رجل": هو سليك -بضم السين (أ) المهملة مصغرا- ابن هدبة، وقيل: ~~ابن عمرو الغطفاني -بفتح المعجمة ثم الطاء المهملة بعدها فاء من غطفان-، ~~هكذا سماه في رواية لمسلم (¬1)، وفي رواية الطبراني (¬2) من رواية منصور بن ~~الأسود أنه: النعمان بن قوفل، وقد روى البخاري (¬3) من طريق أبي صالح مثل ~~هذه القصة مع أبي ذر، وفي إسناده ابن لهيعة (¬4)، ولكن المشهور عن أبي ذر ~~أنه جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو جالس في المسجد، أخرجه ابن ~~حبان (¬5) وغيره. وفي رواية الدارقطني (¬6) رجل من قيس، وهو يحتمل أن يكون ~~هو سليك لأن غطفان من قيس [وسماه ابن بشكوال (ب) في "المبهمات": أبو هدبة، ~~وهو يحتمل أن يكون كنية سليك] (ج)، PageV03P427 # ويحتمل تعدد الواقعة في سليك وغيره (¬1). # وقوله: "صليت": بحذف الهمزة للأكثر من رواة البخاري، وقد ثبتت في رواية ~~كريمة والمستملي (¬2). # وقوله: "صل ms0552 ركعتين": في رواية مسلم: قال له: "أصليت ركعتين؟ " قال: لا. ~~قال: قم فأدركهما" (¬3)، وفي رواية له: "قم فاركع ركعتين، وتجوز فيهما" ~~(¬4)، وقد أخرجه أبو قرة (¬5): "فاركع ركعتين خفيفتين". وترجم البخاري بذلك ~~فقال: باب من جاء والإمام يخطب صلى ركعتين خفيفتين (¬6) (أ). # وفي الحديث دلالة على أن ركعتي تحية المسجد تفعلان في حال الخطبة، وأن ~~شرعيتهما ثابتة في تلك الحال، وقد ذهب إلى هذا القاسم والمرتضى والشافعي ~~وأحمد وإسحاق وفقهاء المحدثين، وهو محكي عن الحسن البصري وغيره من ~~المتقدمين. # ويتجوز المصلي ليتفرغ إلى استماع الخطبة (¬7)، قيل: إلا أنه يخص من PageV03P428 # ذلك (¬1) إذا كان الإمام في آخر الخطبة بحيث لا يسمع المصلي بعد فراغه ~~شيئا من الخطبة، وهو متجه من حيث المناسبة وإن لم يقم عليه دليل يخصه، وذهب ~~مالك والليث وأبو حنيفة والثوري وجمهور السلف من الصحابة والتابعين (¬2)، ~~وهو مذهب الهادي، ومروي عن علي وعمر وعثمان (¬3) -رضي الله عنهم- إلى أنه ~~لا يصلي في ذلك الوقت، وحجتهم قوله تعالى: {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له ~~وأنصتوا} (¬4)، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أن يقول لصاحبه: أنصت ~~مع أنه أمر بمعروف، وما رواه الطبراني من حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - ~~رفعه: "إذا دخل أحدكم المسجد، والإمام على المنبر، فلا صلاة ولا كلام حتى ~~يفرغ الإمام (¬5). # واحتجت المالكية (¬6) بإطباق أهل المدينة خلفا عن سلف عن منع النافلة وقت ~~الخطبة واحتج (أ) الطحاوي بما (ب) روي أن عبد الله بن صفوان دخل PageV03P429 # المسجد وابن الزبير يخطب فاستلم الركن وسلم عليه، ثم جلس، ولم ينكر عليه ~~ابن الزبير (¬1)، وكذا يحتج بإنكار عمر على عثمان التأخر وعدم الغسل، ولم ~~ينكر عليه ترك الصلاة (¬2). # وقصة سليك (¬3) أجابوا عنها بأجوبة أحد عشر أولها: أنه (أ) يجوز أن يكون ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - سكت عن الخطبة حتى فرغ من صلاته، وقد أجيب ~~عنه بأن (ب) قطع الخطبة لا يجوز لأجل الداخل. # الثاني: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خاطب سليكا فهو في تلك ~~الحال غير خطب فجاز ms0553 له أن يصلي، كذا قاله ابن العربي (¬4). وهو باطل لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أتم خطابه رجع إلى خطبته، فصلاته (ج) ~~وقت الخطبة. # الثالث: أن دخوله والنبي - صلى الله عليه وسلم - قاعد على المنبر قبل أن ~~يخطب، وقد وقع عند مسلم من رواية الليث: "والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قاعد على المنبر (¬5) ويجاب عنه بأن القعود الذي في الحديث لم يدل على أنه ~~قبل الخطبة، وهو يحتمل (د) أن يكون القعود الذي بين الخطبتين وهو يسير لا ~~يفرغ من الصلاة إلا وقد فعل شيئا من الخطبة، ويحتمل أن الراوي تجوز بالقعود ~~على الاستقرار، فإن سائر الروايات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حال ~~الخطبة. PageV03P430 # الرابع: أن هذه القصة قبل تحريم الكلام في الصلاة، ويجاب عنه بأن تحريم ~~الكلام متقدم في أول الهجرة أو قبلها كما مضى تحقيقه، وسليك متأخر الإسلام. # الخامس: أن الأوقات التي نهى عن الصلاة فيها يستوي في ذلك من كان خارج ~~المسجد وداخله فيقاس عليه التنفل حال الخطبة، فلا يجوز لمن أتى من خارج كما ~~لا يجوز لمن كان داخل المسجد، ويجاب عنه بأنه قياس مصادم للنص فلا يقبل. # السادس: أنه لا تحية إذا جاء والإمام يصلي، فكذلك إذا جاء وهو يخطب، ~~ويجاب عنه بمثل ما أجيب به عن الخامس، وأيضا فليست الخطبة كالصلاة من كل ~~وجه، وأيضا فإن التحية إنما شرعت لئلا يقعد قبل أن يصلي وإذا كان الإمام في ~~حال الصلاة فهو مستغن عن التحية بالدخول معه في الصلاة. # السابع: قيل: اتفقوا على سقوط التحية على الإمام مع كونه يجلس على المنبر ~~فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى، ويجاب عنه بمثل ما تقدم قبله. # الثامن: قيل: يجوز أن يكون المأمور به صلاة فاتت عليه كذا قاله بعض ~~الحنفية قال: ولعله - صلى الله عليه وسلم - كوشف عن ذلك، وإنما استفهمه ~~ملاطفة له. قال: ولو أراد التحية لما استفهمه لأنه قد شاهد دخوله. ويجاب ~~عنه باستبعاد ما ذكر مع أن في رواية مسلم: ms0554 "أصليت الركعتين" (¬1)، ~~والمتبادر من التعريف العهد ولا عهد إلا للتحية وأما الاستفهام فيحمل أنه ~~أراد أن يقرر عليه ما لم يفعل ليكون الأمر له آكد. PageV03P431 # التاسع: أن الخطبة التي وقعت في القصة يجوز أن تكون لغير الجمعة، ويجاب ~~عنه بأن الرواية كما عرفت مصرحة بنفي الاحتمال. # العاشر: يحتمل الخصوصية لسليك، وذلك أنه لما أراد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يتصدقوا عليه، فعرفهم في ذلك الوقت بحاله ليشاهدوا ما عليه من ~~أثر الضر، ويجاب عنه بأنا لا نسلم أن ذلك هو العلة بل يجوز أن يكون جزء علة ~~والمؤثر في الحقيقة غيره، إذ ثبت أنه دخل في الجمعة الثانية، وقد كان تصدق ~~عليه بثوبين في الجمعة الأولى فتصدق بأحدهما فأمره النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بالصلاة وفي الجمعة الثالثة (أ) كذلك. أخرجه أحمد وابن حبان (¬1). # الحادي عشر: لا نسلم أنهما ركعتا التحية إذ قد جلس وهما يفوتان بالجلوس ~~ويجاب عنه بأن النووي حكى عن المحققين أن فواتها بالجلوس في حق العامد لا ~~الناسي والجاهل (¬2) وهذا محمول في المرة الأولى على الجهل وفي المرتين ~~الأخريين على النسيان، [وقد تقدم زيادة بحث في باب المساجد] (ب). # وأجيب عن حجة المانعين: أما عن الآية فإنها واردة في قراءة القرآن لا في ~~الخطبة، وإن سلم فعموم مخصوص بهذا الخاص، والمصلي أيضا يجوز أن يقال في ~~حقه: إنه ينصت إذا كان المراد بالإنصات هو الإنصات عن PageV03P432 # كلام غيره، وأما حديث الطبراني عن ابن عمر فقوله: "لا صلاة" (¬1) عموم ~~مخصوص بالركعتين التحية، والعمل بدليلهما أرجح، لأنه ثبت ذلك في الصحيحين ~~وغيرهما، قال النووي: وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جاء أحدكم يوم ~~الجمعة والإمام يخطب، فليركع ركعتين، وليتجوز فيهما لا، هذا نص لا يتطرق ~~إليه تأويل، ولا أظن عالما يبلغه هذا اللفظ صحيحا فيخالفه (¬2). # وأما احتجاج المالكية بإجماع أهل المدينة فغير صحيح بما أخرجه الترمذي ~~وابن خزيمة وصححاه (أ) أن أبا سعيد الخدري أتى ومروان يخطب فصلاهما، فأراد ~~حرس مروان أن يمنعوه فأبى حتى صلاهما ثم ms0555 قال: ما كنت لأدعهما بعد أن سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بهما (¬3). # وأما ما روي عن الصحابة من المنع فهو محمول على النافلة لمن كان داخل ~~المسجد. # وأما عدم الإنكار على عبد الله بن صفوان فإنما فيه دلالة على جواز ~~تركهما، ولا يدل على الوجوب، وأيضا فالمسجد الحرام قد قيل: إن تحيته هو ~~استلام الركن فقط، وقد فعل ذلك. # وفي الحديث دلالة على أنه يجوز للخطيب أن يقطع الخطبة باليسير من الكلام، ~~وقد يقال: أما مثل هذا الكلام الذي صدر من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فهو من جملة الأوامر والدلالة على الفضائل الذي شرعت الخطبة له فلا دلالة، ~~على الوجه العام، والله أعلم. PageV03P433 # 347 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يقرأ في صلاة الجمعة سورة الجمعة والمنافقين". رواه مسلم (¬1). # وله عن النعمان بن بشير - رضي الله عنه - كان "يقرأ في العيدين وفي ~~الجمعة ب: {سبح اسم ربك الأعلى} و {هل أتاك حديث الغاشية} (¬2). # إنما خص القراءة بالسورتين، أما الجمعة فلاشتمالها على وجوب الجمعة وغير ~~ذلك من أحكامها وعلى الحث على التوكل والذكر، وبيان الفضيلة التي تضمنتها ~~بعثة الرسول - صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك، وسورة المنافقين لتوبيخ خاص ~~بهم وتنبيههم على التوبة لأنه أكثر اجتماعهم في ذلك الموقف، وفي قراءة سبح ~~والغاشية تنبيه بأن ذلك غير لازم، والسورتان فيهما من مقاصد السورتين ~~الأوليين، وقد ورد في العيد أيضا أنه كان يقرأ بقاف، واقتربت. # 348 - وعن زيد بن أرقم - رضي الله عنه - قال: "صلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - العيد، ثم رخص في الجمعة فقال: من شاء أن يصلي فليصل". رواه الخمسة ~~إلا الترمذي وصححه ابن خزيمة (¬3). PageV03P434 # وصححه أيضا علي بن المديني في الباب عن ابن الزبير من حديث عطاء، أنه فعل ~~ذلك، وأنه سأل ابن عباس عنه فقال: "أصاب السنة". # أخرجه أبو داود والنسائي والحاكم (¬1). # وعن أبي هريرة أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "قد اجتمع في يومكم هذا ms0556 ~~عيدان فمن شاء أجزأه عن الجمعة وإنا مجمعون". أخرجه أبو داود، وابن ماجه ~~والحاكم (¬2) من حديث أبي صالح، وفي إسناده بقية (¬3)، وصحح الدارقطني ~~إرساله، وكذا الإمام أحمد (¬4)، رواه البيهقي (¬5) مقيدا بيا أهل العوالي، ~~وإسناده ضعيف، وقد وقع عند ابن ماجه (¬6) عن ابن عباس وهو وهم نبه عليه هو ~~(¬7)، ورواه أيضا من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف (¬8) ورواه PageV03P435 # الطبراني أيضا عن ابن عمر (¬1)، ورواه البخاري من قول عثمان (¬2)، ورواه ~~الحاكم من قول عمر بن الخطاب. # في الحديث دلالة على أن صلاة الجمعة بعد صلاة العيد تصير رخصة يجوز فعلها ~~ويجوز تركها، وهذا مخصوص بمن صلى العيد دون من لم يصل لظاهر الرواية، وقد ~~ذهب إلى هذا الهادي والناصر والمؤيد وأبو طالب إلا الإمام ونصاب الجمعة، ~~وذهب أكثر الفقهاء وأحد قولي الشافعي إلى أنها لا تصير رخصة، قالوا: لأن ~~دليل وجوبها عام لجميع الأيام وما ذكر من الأحاديث والآثار فقد عرفت ما في ~~أسانيدها، فلا يقوى على تخصيص الدليل الصحيح إلا أن الشافعي خص من كان خارج ~~المصر محتجا بما روي عن عثمان بترخيصه لأهل العوالي (¬3)، وقد عرفت أنه روي ~~في الحديث أيضا من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وذهب عطاء إلى أنها يسقط فرضها عن الجميع، وهو ظاهر قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من شاء أن يصلي فليصل" (¬4)، وبفعل (أ) ابن الزبير (¬5) فإنه صلى ~~بهم في PageV03P436 # يوم عيد في يوم جمعة أول النهار، قال عطاء: ثم رحنا إلى الجمعة فلم يخرج ~~إلينا فصلينا وحدانا وكان ابن عباس بالطائف، فلما قدم ذكرنا ذلك فقال: ~~"أصاب السنة". # وعنده أيضا يسقط فرض الظهر ولا يصلي إلا العصر، وفي روايته عن ابن الزبير ~~أخرجها أبو داود (¬1) قال (أ): قال ابن الزبير: "عيدان اجتمعا في يوم واحد ~~فجمعهما جميعا فصلاهما ركعتين بكرة لم يزد عليهما حتى صلى العصر. # وعلى القول بأن الجمعة أصل في يومها، والظهر بدل، فهو يقتضي صحة هذا ~~القول، لأنه إذا سقط وجوب الأصل مع إمكان أدائه سقط البدل. # وظاهر الحديث أيضا ms0557 حيث رخص لهم في الجمعة، ولم يأمرهم بصلاة الظهر مع ~~تقرر إسقاط الجمعة للظهر يدل على صحة هذا القول، والله أعلم. # 349 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - "إذا صلى أحدكم الجمعة فليصل بعدها أربعا". رواه مسلم (¬2). # في الحديث دلالة على شرعية صلاة أربع ركعات بعد الجمعة، والأمر PageV03P437 # بذلك دليل على تأكيد الشرعية، ولم يحمل على الوجوب لما وقع في لفظ الحديث ~~في رواية ابن الصباح: "من كان مصليا بعد الجمعة فليصل أربعا" (¬1) أخرجه ~~مسلم وأبو داود، فدل على أن ذلك ليس بواجب، والأربع أفضل من اثنتين لوقوع ~~الأمر بذلك وكثرة فعله - صلى الله عليه وسلم - لذلك، وقد ثبت من فعله - صلى ~~الله عليه وسلم - صلاة ركعتين بعد الجمعة (¬2). # وفيه دلالة على توسعة الأمر وأن الفضيلة تحصل بذلك. # 350 - وعن السائب بن يزيد أن معاوية قال له: "إذا صليت الجمعة فلا تصلها ~~بصلاة حتى تتكلم أو تخرج، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرنا بذلك ~~ألا نوصل صلاة بصلاة حتى نتكلم أو نخرج". رواه مسلم (¬3). # هو أبو يزيد السائب بن يزيد الكندي (¬4)، وقيل: الليثي، وقيل: الكناني، ~~وقيل: الأزدي وقيل: الهذلي، وقيل: هو حليف بني أمية أو بني عبد شمس، ولد في ~~السنة الثانية من الهجرة، حضر حجة الوداع مع أبيه وهو ابن سبع سنين، روي ~~عنه الزهري ومحمد بن يوسف، ومات سنة ثمانين، وقيل: سنة ست وثمانين، وقيل: ~~سنة إحدى وسبعين. # فيه دلالة على شرعية فصل النافلة من الفريضة، وأن الفصل يحصل بالتكلم أو ~~الانتقال إلى موضع آخر، [وقد ورد مصرحا به في رواية الشافعي: "حتى يتكلم أو ~~يتقدم". قال في "شرح ابن رسلان": يعني إلى مكان] (أ) PageV03P438 # [آخر بحيث يكون انتقاله ثلاث خطوات متواليات] (أ) ولعل الحكمة في ذلك ~~لئلا تشتبه النافلة بالفرض ولذلك أنه قد ورد أن ذلك هلكة، وقد ذكر العلماء ~~في أنه يستحب التحول للنافلة عن موضع الفريضة إلى موضع آخر، وأفضله التحول ~~إلى بيته [لحديث مسلم: ms0558 "إذا قضى أحدكم صلاته في مسجده فليجعل لبيته من (ب) ~~صلاته" (¬1)] (ج)، وإلا في موضع آخر من المسجد أو غيره ليكثر مواضع سجوده. # 351 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من اغتسل ثم أتى الجمعة، فصلى ما قدر له، ثم أنصت حتى يفرغ ~~الإمام من خطبته، ثم يصلي معه، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وفضل ~~ثلاثة أيام". رواه مسلم (¬2). # قوله: "من اغتسل يوم الجمعة": وفي رواية أخرى لمسلم (¬3): "من توضأ فأحسن ~~الوضوء ثم أتى الجمعة"، وهذه الرواية الأخرى مبينة أن غسل يوم الجمعة ليس بواجب. # وقوله: "فصلى ما قدر له" فيه دلالة على أن الصلاة قبل خروج الإمام ~~مستحبة، وهو مذهب الجمهور، وقوله "ما قدر له": فيه دلالة على أن النافلة لا ~~حد لها يقف عليه. PageV03P439 # وقوله: "ثم أنصت": من الإنصات، هكذا في أكثر نسخ مسلم، وفي بعض النسخ ~~المعتمدة (¬1): "انتصت" (أ) بزيادة تاء فوقانية بعد النون، وهي لغة صحيحة، ~~قال الأزهري: يقال: أنصت، ونصت ثلاث لغات، والإنصات السكوت، وهو غير ~~الاستماع إذ هو الإصغاء، ولذا قال تعالى: {فاستمعوا له وأنصتوا} (¬2) وقد ~~تقدم حكم الإنصات (¬3). # وقوله: "حتى يفرغ الإمام من خطبته": في النسخ لصحيح (ب) مسلم بحذف لفظ ~~"الإمام"، والضمير عائد إليه للعلم به وإن لم يكن مذكورا، وفي "حتى" دلالة ~~في أن الكلام لا يكون بعد الخطبة قبل الصلاة. # وفي قوله: "غفر له ما بينه وبين الجمعة": والمعنى ما بين صلاة الجمعة، ~~وخطبتها إلى مثل ذلك الوقت من الجمعة الثانية حتى يكون سبعة أيام بلا زيادة ~~ولا نقصان، أي: غفر له الخطايا الكائنة فيما بين .. إلخ ف "ما" مراد بها ~~صفة للوقت المقدر حذف الموصوف وأقيم الموصول مقامه. # وقوله: "فضل ثلاثة": معطوف على موصوف "ما" فهو (ج) منصوب على الظرف، يعني ~~ويضم إلى السبعة الأيام ثلاثة أيام حتى تكون عشرة أيام (¬4). PageV03P440 # 352 - وعنه - رضي الله عنه - "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر ~~يوم الجمعة، فقال: "فيه ساعة ms0559 لا يوافقها عبد مسلم، وهو قائم يصلي، يسأل ~~الله، عز وجل، شيئا إلا أعطاه [إياه] (أ) وأشار بيده يقللها". متفق عليه (¬1). # وفي رواية لمسلم: "هي ساعة خفيفة" (¬2). # قوله: "فيه ساعة": ورد في هذه الرواية إبهام الساعة، وسيأتي تعيينها. # وقوله: "وهو قائم": جملة حالية من عند مسلم، أو صفة والواو لتأكيد لصوق ~~الصفة بالموصوف و "يصلي" خبر ثان و "يسأل" ثالث، ومعنى "قائم"، مقيم للصلاة ~~متلبس بأركانها لا بمعنى حالة القيام فقط، وهذه الجملة ثبتت" (ب) في رواية ~~جماعة من الحفاظ وسقطت في رواية جماعة، وحكى أبو محمد بن السيد عن محمد بن ~~وضاح (ج): أنه كان يأمر بحذفها من الحديث، ولعله استشكل الصلاة إذا كان ~~وقتها (د) من بعد العصر بعد ثبوت كراهة الصلاة في ذلك الوقت، وكذا إذا كان ~~وقتها من جلوس الخطيب على المنبر إلى انصرافه من الصلاة، وقد تؤولت الصلاة ~~(ه) بالانتظار لها، والمنتظر للصلاة في صلاة كما ورد في الحديث. فارتفع ~~الإشكال. PageV03P441 # وقوله: "وأشار بيده يقللها": قد بين المشير في رواية أبي مصعب (¬1) عن ~~مالك: "فأشار رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"، وقيل: المشير (¬2) (سلمة ~~بن علقمة وأنه وضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر يبين قلتها، وقيل: إن ~~الواضع هو بشر (أ) بن الفضل راويه عن سلمة (¬3). # والسؤال ورد مطلقا في هذه الرواية ومقيدا في رواية لمسلم: "يسأل الله ~~خيرا" (¬4)، وعند ابن ماجه من حديث أبي لبابة (ب): "ما لم يسأل الله إثما" ~~(¬5)، وعند أحمد من حديث سعد بن عبادة (¬6): "ما لم يسأل إثما أو قطعة ~~رحم"، وقطيعة الرحم من عطف الخاص على العام. # 353 - وعن أبي بردة عن أبيه - رضي الله عنه -: "سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن يقضي الصلاة". ~~رواه مسلم (¬7). ورجح الدارقطني أنه من قول أبي بردة (¬8). PageV03P442 # وفي حديث عبد الله بن سلام عند ابن ماجه (¬1)، وجابر عند أبي داود ~~والنسائي (¬2): "إنها ما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس"، وقد اختلف فيها ~~على ms0560 أكثر من أربعين قولا أمليتها في شرح البخاري (¬3). # أبو بردة -بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وبالدال المهملة- هو: ~~عامر بن عبد الله بن قيس -وعبد الله هو أبو موسى الأشعري- أحد التابعين ~~المشهورين المكثرين سمع أباه وعليا وابن عمر وغيرهم. روي عنه الشعبي وأبو ~~إسحاق السبيعي، كان على قضاء الكوفة (¬4) بعد شريح فعزله الحجاج (¬5). # وعبد الله بن سلام هو أبو يوسف عبد الله بن سلام بن الحارث من بني قينقاع ~~الإسرائيلي من ولد يوسف بن يعقوب عليهما السلام وكان حليفا لبني عوف بن ~~الخزرج، وكان اسمه الحصين فسماه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV03P443 # عبد الله، وهو أحد الأحبار، وأحد من شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالجنة (¬1)، روى عنه ابناه يوسف ومحمد، وأنس بن مالك وغيرهم. مات بالمدينة ~~سنة ثلاث وأربعين (¬2). # وسلام بتخفيف اللام (¬3). قال المبرد: لم يكن في العرب سلام بالتخفيف ~~غيره، وزاد غيره: سلام بن مشكم، والمعروف فيه بالتشديد. # وقينقاع: (¬4) بفتح القافين وسكون الياء تحتها نقطتان من أسفل وضم (أ) ~~النون وبالعين المهملة. # قوله: "وقد اختلف فيها" .. إلخ. ذكر المصنف -رحمه الله- في "فتح الباري" ~~(¬5) ثلاثة وأربعين قولا، وها أنا أذكرها على وجه الإيجاز مستوفيا لما في ~~الكتاب: # الأول: أنها قد رفعت وهو محكي عن بعض الصحابة، وأخرج عبد الرزاق (¬6) عن ~~عبد الله بن يحنس مولى معاوية (¬7) قال: قلت لأبي هريرة: PageV03P444 # "إنهم زعموا أن الساعة في يوم الجمعة التي يستجاب فيها الدعاء قد رفعت، ~~فقال: كذب من قال ذلك. قلت: فهي في (أ) كل جمعة؟ قال: نعم". إسناد قوي. # الثاني: أنها موجودة في جمعة واحدة في كل سنة قاله كعب الأحبار، ورد عليه ~~أبو هريرة، فرجع، رواه (ب) مالك في "الموطأ" وأصحاب السنن (¬1). # الثالث: أنها مخفية في جميع اليوم كما أخفيت ليلة القدر في العشر، وهذا ~~القول قاله جمع من العلماء كالرافعي وصاحب المغني (¬2) (ج)، فإنهم قالوا: ~~يستحب إكثار الدعاء في يوم الجمعة رجاء أن يصادف ساعة الإجابة، وأخرج ابن ~~خزيمة (¬3): أن أبا سعيد سأل النبي - صلى الله ms0561 عليه وسلم -، عنها فقال: ~~"لقد أعلمتها ثم أنسيتها كما أنسيت ليلة القدر". وروى عبد الرزاق (¬4): أن ~~الزهري قال: لم أسمع فيها بشيء، إلا أن كعب الأحبار قال: لو أن إنسانا دعا ~~في جمعة أول النهار وفي الثانية بعد ذلك الوقت إلى وقت معلوم حتى يأتي على ~~آخر النهار لأتى عليها. PageV03P445 # وهذا يدل على عدم التعيين، ويحتج لهذا القول بالقياس على إخفاء ليلة ~~القدر والاسم الأعظم، والحكمة في ذلك بعث العباد على الاجتهاد في الطلب، ~~واستيعاب الوقت بالعبادة. # الرابع: أنها تنتقل في يوم الجمعة ولا يلزم ساعة معينة (أ) لا ظاهرة ولا ~~مخفية. قال الغزالي: هذا أشبه الأقوال (¬1)، وجزم به ابن عساكر وغيره، وقال ~~المحب الطبري: إنه الأظهر. # الخامس: إذا أذن المؤذن لصلاة الغداة، ذكره أبو الفضل في "شرح الترمذي" ~~وسراج الدين بن الملقن في شرحه على البخاري، وروياه عن ابن أبي شيبة (¬2) ~~عن عائشة، وقد رواه الروياني في "مسنده" عنها، وأطلق الصلاة، ورواه ابن ~~المنذر فقيده بصلاة الجمعة. # السادس: من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس رواه ابن عساكر عن أبي هريرة ~~وعبارة بعضهم: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس. # السابع: مثله، وزاد من العصر إلى المغرب، أخرجه سعيد بن منصور عن أبي ~~هريرة، وفيه ليث بن أبي سليم (¬3)، وهو ضعيف، واختلف عليه فيه أيضا. # الثامن: مثله، وما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن يكبر، رواه ~~[حميد] (ب) بن زنجويه في "الترغيب" له من طريق عطاء عن أبي هريرة PageV03P446 # قال: "التمسوا الساعة التي يجاب فيها الدعاء يوم الجمعة في هذه الأوقات ~~الثلاثة". # [التاسع: أنها أول ساعة بعد طلوع الشمس، حكاه الجيلي في شرح التنبيه"، ~~وتبعه المحب الطبري في شرحه. # العاشر: أنها (أ)] عند طلوع الشمس حكاه الغزالي في "الإحياء" (¬1)، وقال ~~الزين بن المنير في شرحه: هي ما بين أن ترتفع الشمس بشبر إلى ذراع وعزاه ~~لأبي ذر. # الحادي عشر: أنها آخر الساعة الثالثة من النهار، حكاه صاحب "المغني" (¬2) ~~(ب) وهو في "مسند الإمام أحمد" من طريق علي بن أبي ms0562 (ج) طلحة عن أبي هريرة ~~مرفوعا: "يوم الجمعة فيه طبعت (د) طينة آدم وفي آخر ثلاث ساعات منه، من دعا ~~الله فيه استجيب له" (¬3)، وفي إسناده فرج بن فضالة (¬4)، وهو ضعيف، وعلي ~~(¬5) لم يسمع من أبي هريرة، وقال المحب الطبري: هو يحتمل أمرين أحدهما ما ~~ذكره، وثانيهما أن يكون في آخر PageV03P447 # كل ساعة من الثلاث ساعة إجابة فيكون (أ) قد تجوز بإطلاق الساعة على بعض ~~الساعة. # الثاني عشر: من الزوال إلى أن يصير الظل نصف ذراع حكاه المحب الطبري (ب ~~في "الأحكام" ب). # الثالث عشر: مثله إلا أنه قال: "إلى أن يصير الظل ذراعا" حكاه عياض ~~والقرطبي والنووي) (ج) (¬1). # الرابع عشر: بعد الزوال بشبر إلي ذراع، وقد روي عن أبي ذر بإسناد قوي. # الخامس عشر: إذا زالت الشمس، حكاه ابن المنذر عن أبي العالية، ورووا نحوه ~~في أثناء حديث عن علي، وروي عبد الرزاق (¬2) من طريق الحسن أنه كان يتحراها ~~عند الزوال، وروي ابن عساكر من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة قال: ~~"كانوا يرون الساعة المستجاب فيها الدعاء إذا زالت الشمس، وكان مأخذهم أن ~~ذلك وقت اجتماع الملائكة، وابتداء وقت دخول الجمعة وابتداء الأذان، ونحو ذلك. # السادس عشر: إذا أذن المؤذن لصلاة الجمعة. وهذا يغاير (د) الذي قبله ~~لتقييده بالأذان وإن تأخر عن الزوال، ويتعين أن يراد به الأذان الذي بين ~~يدي الخطيب. PageV03P448 # السابع عشر: من الزوال إلى أن يدخل الرجل في الصلاة، ذكره ابن المنذر عن ~~أبي السوار العدوي، وحكاه ابن الصباغ إلى أن يدخل الإمام. # الثامن عشر: من الزوال إلى خروج الإمام، حكاه القاضي أبو بكر الطبري. # التاسع عشر: من الزوال إلى غروب الشمس، حكاه أبو العباس أحمد بن علي ~~كشاسب (أ) الدزماري (ب) بزاي ساكنة وراء مهملة قبل ياء النسب (ج)، في نكته ~~على التنبيه (د) عن الحسن، ونقله ابن الملقن، وكان الدزماري (¬1) في عصر ~~ابن الصلاح. # العشرون: ما بين خروج الإمام إلى أن تقام الصلاة، رواه ابن المنذر عن الحسن. # الحادي والعشرون. عند خروج ms0563 الإمام، رواه حميد بن زنجويه، في كتاب ~~"الترغيب" عن الحسن أن رجلا مر به وهو ينعس في ذلك الوقت. # الثاني والعشرون: ما بين خروج الإمام إلى أن تنقضي الصلاة، رواه ابن جرير ~~عن الشعبي. # الثالث والعشرون: ما بين أن يحرم البيع إلى أن يحل، رواه سعيد بن منصور ~~وابن المنذر عن الشعبي (¬2)، قوله أيضا. قال ابن المنير: وجهه PageV03P449 # أنه أخص أوقات الجمعة بدليل حرمة البيع فيه. # الرابع والعشرون: ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، رواه حميد ابن زنجويه ~~عن ابن عباس (أ) وحكاه في "شرح السنة" عنه (¬1). # الخامس والعشرون: "ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي ~~الصلاة" رواه مسلم وأبو داود (¬2) عن أبي بردة بن أبي موسى لما سأله ابن ~~عمر فقال: (ب) سمعت أبي يقول (ج): سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول ... : فذكره، وهذا يمكن أن يتحد بما قبله. # السادس والعشرون: عند التأذين، وعند تذكير الإمام وعند الإقامة، رواه ~~حميد بن زنجويه عن عوف بن مالك الأشجعي قوله. # السابع والعشرون: مثله لكن قال: إذا أذن، وإذا رقى المنبر، وإذا أقيمت ~~الصلاة، رواه ابن أبي شيبة (¬3) وابن المنذر عن أبي أمامة الصحابي. قوله: ~~ولا شك في وقت النداء. أنه وقت إجابة في سائر الأوقات فيتأكد (د) ذلك في ~~يوم الجمعة. # الثامن والعشرون: من حين يفتتح الإمام الخطبة حتى يفرغها، رواه PageV03P450 # ابن عبد البر عن ابن عمر مرفوعا وإسناده ضعيف. # التاسع والعشرون: إذا بلغ الخطيب المنبر وأخذ في الخطبة، حكاه الغزالى في ~~"الإحياء" (¬1). # الثلاثون: عند الجلوس بين الخطبتين، حكاه الطيبي عن بعض شراح "المصابيح". # الحادي والثلاثون: عند جلوس الإمام على المنبر، رواه ابن أبي شيبة وحميد ~~بن زنجويه وابن خزيمة (¬2) وابن المنذر بإسناد صحيح إلى أبي إسحاق عن أبي ~~بردة قوله، وحكاه الغزالي (¬3) قولا بلفظ: "إذا قام الناس إلى الصلاة". # الثاني والثلاثون: حين تقوم الصلاة حتى يقوم الإمام في مقامه، حكاه ابن ~~المنذر عن الحسن أيضا، ورواه الطبراني (¬4) من حديث ميمونة بنت سعد نحوه ~~مرفوعا بإسناد ms0564 ضعيف. # الثالث والثلاثون: من إقامة الصلاة إلى تمام الصلاة، رواه الترمذي وابن ~~ماجه من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو عن أبيه عن جده مرفوعا وفيه قالوا: ~~أية ساعة يا رسول الله؟ قال - صلى الله عليه وسلم -: "حين تقام الصلاة إلى PageV03P451 # الانصراف منها" (¬1)، وقد ضعف كثير (¬2)، ورواه البيهقي في "الشعب" (¬3) ~~من هذا الوجه بلفظ: "ما بين أن ينزل الإمام من المنبر إلى أن تنقضي ~~الصلاة"، ورواه ابن أبي شيبة (¬4) من طريق مغيرة عن واصل الأحدب عن أبي ~~بردة قوله، وإسناده قوي، وفيه (أ) أن ابن عمر استحسن عن ابن سيرين منه، ~~وبارك عليه ومسح على رأسه، ورواه ابن جرير وسعيد بن منصور عن ابن سيرين. # الرابع والثلاثون: هي الساعة التي كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ~~فيها الجمعة، رواه ابن عساكر بإسناد صحيح عن ابن سيرين وخص في هذا الوقت ~~الذي كان يصلي فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن - صلى الله عليه وسلم ~~- لا يختار إلا أفضل الأوقات وأشرف الحالات. # الخامس والثلاثون: من صلاة العصر إلى غروب الشمس، رواه ابن جرير من طريق ~~ابن عباس مرفوعا، ومن طريق أبي سعيد مرفوعا بلفظ: "والتمسوها بعد العصر" ~~(¬5)، وذكر ابن عبد البر (¬6) أن الزيادة مدرجة من PageV03P452 # قول أبي سلمة راويه، ورواه ابن منده وزاد: "أغفل ما يكون الناس" ورواه ~~أبو نعيم في "الحلية" (¬1) عن عبد الله مثل حديث ابن عباس، ورواه الترمذي ~~(¬2) عن أنس مرفوعا بلفظ: "بعد العصر إلى غيبوبة الشمس"، وإسناده ضعيف (¬3). # السادس والثلاثون: في صلاة العصر، رواه عبد الرزاق (¬4) عن عمر (أ) بن ذر ~~عن يحيى بن إسحاق بن أبي طلحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا وفيه قصة. # السابع والثلاثون: بعد العصر إلى آخر وقت الاختيار، حكاه الغزالي في ~~"الإحياء" (¬5). # الثامن والثلاثون: بعد العصر (¬6) كما تقدم عن أبي سعيد مطلقا، ورواه ~~أحمد وابن عساكر عن أبي هريرة وأبي سعيد مرفوعا وهي بعد العصر، وروى ابن ~~المنذر عن مجاهد مثله. ورواه ابن خزيمة (¬7) من طريق إبراهيم بن ms0565 ميسرة عن ~~رجل (ب) أرسله عمر بن أوس إلى أبي هريرة فذكر مثله، PageV03P453 # قال: وسمعته عن الحكم عن ابن عباس مثله، ورواه أبو بكر المروزي من طريق ~~الثوري وشعبة جميعا عن يونس بن حبان. قال الثوري: عن عطاء، وقال الشعبي عن ~~أبيه عن أبي هريرة. مثله، وقال عبد الرزاق (¬1) أخبرنا معمر عن ابن طاوس عن ~~أبيه أنه كان يتحراها بعد العصر، وعن ابن جريج عن بعض أهل العلم قال: لا ~~أعلمه إلا عن ابن عباس مئله، فقيل له: لا صلاة بعد العصر؟ قال: بلى لأن من ~~كان في مصلاه لم يقم منه فهو في صلاة (¬2). # التاسع والثلاثون: من وسط النهار إلى قرب آخر النهار كما تقدم أول الباب ~~عن سلمة بن علقمة. # الأربعون: من حين تصفر الشمس إلى أن تغيب، رواه عبد الرزاق عن طاوس قوله (¬3). # الحادي والأربعون: آخر ساعة بعد العصر، رواه أبو داود والنسائي والحاكم ~~(¬4) بإسناد حسن عن أبي أسامة عن جابر مرفوعا، وفي أوله: "إن النهار اثنتا ~~عشرة ساعة" رواه مالك وأصحاب السنن وابن خزيمة وابن حبان من طريق محمد بن ~~إبراهيم عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن عبد الله بن سلام قوله (¬5)، وفيه ~~مناظرة أبي هريرة له في ذلك. PageV03P454 # واحتج عبد الله بن سلام أن منتظر الصلاة في صلاة. وروى ابن جريج من طريق ~~العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن كعب الأحبار قوله. # وقال عبد الرزاق (¬1): أخبرنا ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة أنه سمع أبا ~~سلمة يقول: حدثنا عبد الله بن عامر فذكر مثله وروى البزار (¬2) وابن جريج ~~من طريق محمد بن عمر عن أبي سلمة عن أبي هريرة وأبي سعيد، فذكر الحديث، ~~وفيه: قال أبو سلمة: فلقيت عبد الله بن سلام فذكرت ذلك له (أ) ولم يعرض ~~بذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - بل قال: "النهار اثنتا عشرة ساعة وإنها ~~لفي آخر ساعة من النهار". # ولابن ماجه (¬3) من طريق أبي النضر عن أبي سلمة عن عبد الله بن سلام ms0566 قال: ~~قلت ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس: إنا لنجد في كتاب الله أن في ~~الجمعة ساعة فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أو بعض ساعة". ~~الحديث. قلت: أي الساعة؟ (ب) فذكرها، وهذا يحتمل أن يكون القائل: "قلت": ~~عبد الله بن سلام، فيكون مرفوعا، ويحتمل أن يكون أبا سلمة فيكون موقوفا، ~~(ج) الأرجح لتصريحه في رواية يحيى بن أبي كثير (¬4) بأن عبد الله بن سلام ~~لم يذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - في الجواب. PageV03P455 # الثاني والأربعون: من حين يغرب قرص الشمس -أو من حين يدلي قرص الشمس ~~للغروب- إلى أن يتكامل غروبها، رواه الطبراني في "الأوسط" والدارقطني في ~~"العلل"، والبيهقي في "الشعب" "وفضائل الأوقات" (أ) من طريق (¬1): زيد بن ~~علي بن الحسين بن علي: حدثتني مرجانة مولاة فاطمة بنت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قالت حدثتني فاطمة - رضي الله عنها - عن أبيها - صلى الله عليه ~~وسلم - وذكر (ب) الحديث وفيه: قلت: للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أي ساعة ~~هي؟ قال: "إذا تدلى قرص الشمس للغروب"، وكانت فاطمة - رضي الله عنها - إذا ~~كان يوم الجمعة أرسلت غلاما لها يقال له زيد ينظر لها الشمس، فإذا أخبرها ~~أنها (ج) تدلت للغروب أقبلت على الدعاء إلى أن يغيب. # وفي إسناده اختلاف على زيد بن علي، وفي بعض رواته من لا يعرف حاله، وقد ~~أخرجه ابن راهويه في "مسنده" (¬2) من طريق سعيد بن رشيد عن زيد بن علي عن ~~فاطمة، رضي الله عنها، ولم يذكر مرجانة وقال فيه: "إذا تدلت الشمس للغروب"، ~~فقال فيه: تقول للغلام يقال له زيد اصعد على الضراب إذا تدلت الشمس للغروب ~~فأخبرني، والباقي نحوه، وفي آخره: ثم تصلي، يعني المغرب. # [الثالث والأربعون: أنها وقت قراءة الإمام الفاتحة في صلاة] (د) PageV03P456 # [الجمعة إلى أن يقول آمين. ذكره ابن الجزري في "عدة الحصن"] (أ). # فهذا جميع ما ذكر، وليست كلها متغايرة من كل وجه، بل كثير منها يمكن أن ~~يتحد مع غيره. # وقال ابن المنير: يحسن جميع الأقوال، وقد ms0567 ذكر عشرة أقوال من هذه تبعا ~~لابن بطال (¬1). قال: فتكون ساعة الإجابة واحدة منها، لا يعينها فيصادفها ~~من اجتهد في الدعاء في جميعها. # قال المصنف -رحمه الله تعالى - (¬2): وليس المراد من أكثرها أنه يستوعب ~~جميع الوقت الذي عين، بل المعنى أنها تكون في أثنائه لقوله: "فيما مضى: ~~"يقللها"، وقوله: "وهي ساعة خفيفة" وفائدة ذكر الوقت أنها تنتقل فيه، فيكون ~~ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلا وانتهاء الصلاة، ولا شك أن أرجح الأقوال ~~المذكورة حديث أبي موسى وحديث عبد الله بن سلام. # قال المحب الطبري: أصح الأحاديث فيها (ب) حديث أبي موسى، وأشهر الأقوال ~~فيها قول عبد الله بن سلام وما عداهما إما موافق لها أو لأحدهما. أو ضعيف ~~(ج) الإسناد أو موقوف استند قائله إلى اجتهاد ولا يعارضها حديث أبي سعيد في ~~كونه - صلى الله عليه وسلم - أنسيها بعد أن علمها لاحتمال أن يكون PageV03P457 # سمعا ذلك قبل أن أنسى، أشار إلى ذلك البيهقي وغيره، ورجح مسلم على ما روى ~~عنه البيهقي (¬1) حديث أبي موسى وقال: هو أجود شيء في هذا الباب وأصحه، ~~وقال به البيهقي وابن العربي (¬2) وجماعة، وقال القرطبي: هو نص في موضع ~~الخلاف فلا يلتفت إلى غيره، وقال النووي (¬3) (أ): هو الصحيح بل الصواب، ~~ورجح أحمد قول عبد الله بن سلام حكاه عنه الترمذي (¬4)، وقال أحمد (4): ~~أكثر الأحاديث على ذلك، وقال ابن عبد البر (¬5): أثبت شيء في هذا الباب. ~~وروى سعيد بن منصور بإسناد صحيح إلى أبي سلمة (ب بن عبد الرحمن ب) أن ناسا ~~من الصحابة اجتمعوا فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا ولم يختلفوا أنها آخر ~~ساعة من يوم الجمعة (¬6). # ورجحه إسحاق، ومن المالكية الطرطوشي، وحكى العلائي أن شيخه الزملكاني ~~-شيخ الشافعية في وقته- كان يختاره، ويحكيه عن نص PageV03P458 # الشافعي (¬1)، وأجابوا عن كونه ليس في الصحيحين بأن الترجيح بما في ~~الصحيحين أو (أ) أحدهما إنما هو حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ، كحديث أبي ~~موسى هذا فإنه أعل بالانقطاع والاضطراب، أما الانقطاع فلأن (ب) في إسناده ~~مخرمة بن بكير ms0568 (¬2)، ولم يسمع من أبيه، وقد صرح أيضا بأنه لم يسمع من أبيه ~~فلا يكون على شرط مسلم، وأما الاضطراب فإن راوية (ج) كأبي إسحاق وما قبل ~~الأحدب ومعاوية بن قرة وغيرهم أخرجوه عن أبي بردة من قوله، وهؤلاء من أهل ~~الكوفة، وأبو بردة كوفي، فهم أعلم بحديثه من بكير، فلو كان عند أبي بردة ~~مرفوعا لم يقفوه عليه، وبهذا جزم الدارقطني بأن الموقوف هو الصواب (¬3)، ~~وجمع ابن PageV03P459 # القيم في "الهدي" (¬1) بين الروايتين بأن الساعة منحصرة في أحد الوقتين، ~~وسبقه إلى تجويز هذا الإمام أحمد، وهو أولى في (أ) طريق الجمع، والحكمة في ~~إبهامها وإبهام ليلة القدر بعث الدواعي على الإكثار من الصلاة والدعاء ولو ~~بينت لاتكل الناس على ذلك وتركوا ما عداها. # وفي الحديث دلالة على فضل يوم الجمعة لاختصاصه بساعة الإجابة. # 354 - وعن جابر - رضي الله عنه - قال: "مضت السنة أن في كل أربعين فصاعدا ~~جمعة". رواه الدارقطني بإسناد ضعيف. # وأخرجه البيهقي أيضا ولفظه: "في كل ثلاثة إمام، وفي كل أربعين فما فوقها ~~جمعة وأضحى وفطر" (¬2). # ووجه الضعف أنه من (ب) رواية عبد العزيز بن عبد الرحمن عن (ج) خصيف عن ~~عطاء عن جابر وعبد العزيز: قال أحمد (¬3): اضرب على أحاديثه فإنها كذب أو ~~موضوعة، وقال النسائي (¬4): ليس بثقة. وقال الدارقطني (¬5): منكر الحديث، ~~وكان ابن حبان لا يجوز أن يحتج به (¬6)، PageV03P460 # وقال البيهقي (¬1): هذا الحديث لا يحتج بمثله، وعبد العزيز قرشي يقال له: ~~البالسي. # وفي الباب أحاديث لا أصل لها، منها حديث أبي الدرداء "إذا بلغ أربعين ~~رجلا فعليهم الجمعة"، قال في البدر (¬2): لم أر من خرجه بعد البحث عنه. # وحديث أبي أمامة: "لا جمعة إلا بأربعين" (¬3) والذي روى البيهقي ~~والطبراني من حديثه: "على خمسين جمعة ليس فيما دون ذلك" (¬4)، زاد الطبراني ~~في "الأوسط": "ولا تجب على من دون ذلك"، وفي إسناده جعفر بن الزبير (¬5) ~~وهو متروك، قال شعبة: كذب جعفر على النبي PageV03P461 # - صلى الله عليه وسلم - أربعمائة حديث. وهياج بن بسطام (¬1) وهو متروك ~~أيضا، وفي طريق البيهقي (¬2) النقاش ms0569 المفسر، وهو واه أيضا (¬3) وحديث أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - جمع بالمدينة ولم يجمع بأقل من أربعين هكذا حكاه ~~الرافعي (¬4). # والذي رواه البيهقي من حديث ابن مسعود قال: "جمعنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، ونحن أربعون رجلا -وفي رواية: نحوا من أربعين- فقال: "إنكم ~~منصورون" .. (¬5) الحديث. وهذا غير متعلق بالجمعة، وقد أخرج أبو داود وابن ~~حبان (¬6) وغيرهما في تجميع أسعد بن زرارة قبل قدوم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، و (أ) كانوا أربعين، وإسناده حسن. # وفي الحديث دلالة على وجوب الجمعة على الأربعين فصاعدا، إذ قوله: "مضت ~~السنة" في حكم المرفوع إذ المراد بها سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وعلى أنها لا تجب فيما دون الأربعين بمفهوم العدد، إذ معنى قوله: "في كل ~~أربعين جمعة" أي ثابتة، وثبوتها يقضي بوجوبها، إذ هو المتبادر، وقد PageV03P462 # ذهب إلى هذا عمر بن عبد العزيز والشافعي. # وفي كون الإمام أحدهم وجهان للشافعي (¬1)، قال الإمام يحيى: أصحهما أنه ~~أحدهم، وذهب أبو حنيفة والمؤيد وأبو طالب إلى أن أقل ما تنعقد بهم (أ) ~~الجمعة ثلاثة مع الإمام (¬2) فلا تجب إذا (ب) لم يكمل هذا النصاب، قالوا: ~~لقوله تعالى: {فاسعوا} (¬3) فالخطاب لجماعة بعد النداء للجمعة، وأقل الجمع ~~ثلالة فدل على وجوب السعي من الجماعة (ج) الجمعة بعد النداء لها والنداء لا ~~بد له من (د) مناد، ويصح أن يقوم النداء بإمامها، فكانوا ثلاثة مع الإمام ~~ولا دليل على اشتراط ما زاد على ذلك، وأيضا فإن الجمعة شعار، وهو لا يحصل ~~الشعار إلا بجماعة، وأيضا التزامه - صلى الله عليه وسلم - لصلاتها مع جماعة ~~يختلف عددهم قلة وكثرة كشف عن عدم وجوب (ه) اشتراط مرتبة معينة فوجب ~~الاقتصار على ظاهر الآية، [وما روى من حديث أم عبد الله الدوسية مرفوعا: ~~"الجمعة واجبة على كل قرية فيها إمام وإن لم يكونوا إلا أربعة"، وفي رواية: ~~"وإن لم يكونوا] (و) PageV03P463 # [إلا ثلاثة رابعهم إمامهم". ورواه الدارقطني وابن عدي وضعفاه] (أ) (¬1) ~~وذهب أبو العباس، وهو مذهب أبي ثور و (ب) النخعي ms0570 وأبي يوسف وأهل الظاهر ~~والحسن بن يحيى وابن السيب، [وقد روي عن الشافعي في القديم] (ج) أنها تصح ~~باثنين مع الإمام (¬2) إذ (د) هم جماعة والإمام داخل في الخطاب بقوله (ه): ~~{فاسعوا}، وأجيب بأن النداء قبل السعي والأمر بالسعي بعد النداء إلا لجماعة ~~والاثنان ليسا (و) بجمع حقيقة، ولعلهم يقولون: إنه ليس المراد بترتيب السعي ~~على النداء أنه لا يجب السعي إلا بعد النداء وإلا لزم أن لا يجب على ~~المنادي أن ينادي فلا يجب عليهم السعي، باب المراد إمكان وقوعه، وهو يمكن ~~وقوعه بحضور الثلاثة وينادي أحدهم، وفيها أقوال غير ما تقدم بلغت إلى خمسة ~~عشر قولا: هذه ثلاثة، والرابع: PageV03P464 # تصح من الواحد نقله ابن حزم (¬1)، الخامس: اثنان كالجماعة (1)، وهو مروي ~~عن النخعي وأهل الظاهر، السادس: سبعة، وهو مروي عن عكرمة (¬2)، والسابع: ~~ستة (¬3) وهو يروي عن ربيعة (أالثامن: اثنا عشر وهو كذلك مروي عن ربيعة أ) ~~(¬4)، ولعل حجته ما روي "أنهم انفضوا عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ولم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا" أخرجه البخاري (¬5)، فدل على انعقادها بهم، ~~إذ لولا ذلك لبطلت الجمعة، وأجيب عنه بأنه يجوز أن يكون مشترطا أكثر من ذلك ~~في ابتداء الدخول ولا يجب استمراره، [وقد سبق قريبا] (ب)، وقد أخرج أيضا ~~الدارقطني بإسناد ضعيف أن الباقين معه أربعون رجلا (¬6)، التاسع: مثله من ~~غير الإمام وهو مروي عن إسحاق (¬7) ولعل حجته مثل ما قبله وهي فيه أظهر، ~~العاشر: عشرون في رواية ابن حبيب عن مالك (¬8)، الحادي عشر ثلاثون كذلك ~~(¬9). الثاني عشر: خمسون عند أحمد (¬10). PageV03P465 # الثالث عشر: ثمانون حكاه المازري، الرابع عشر: جمع كثير بغير قيد. # الخامس عشر: أحد قوله الشافعي في الأربعين أنهم من غير الإمام. والذي نقل ~~من حال النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصليها في جمع (أ) كثير غير ~~موقوف على عدد، يدل على أن المعتبر هو الجمع الذي يحصل به الشعار، ولا يكون ~~إلا في كثرة يغيظ (ب) بها المنافق ويكبت بها الجاحد، ويسر بها المصدق، ms0571 ~~والآية الكريمة دالة (ج) على أمر الجماعة (د) بعد حضور مناديها ومقيمها، ~~ومن المعلوم أنه كان في ذلك الزمان المنادي غير مقيمها فلو وقف على أقل ما ~~دلت عليه الآية الكريمة لم يبعد، والله أعلم. # 355 - وعن سمرة بن جندب - رضي الله عنه -: "أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يستغفر للمؤمنين والمؤمنات كل جمعة" رواه البزار بإسناد لين (¬1). # في الحديث دلالة على شرعية الاستغفار للمؤمنين والمؤمنات في الخطبة، وقد ~~قال الإمام يحيى وأبو طالب (¬2) بوجوب الدعاء لنفسه وللمؤمنين، ولعلهم ~~يقولون مواظبته - صلى الله عليه وسلم - على ذلك كما يفهم من قوله: PageV03P466 # "كان يستغفر". . . يدل على ذلك، وقال غيرهم (¬1): يندب ذلك، ولا يجب إذ ~~لا دليل (أ) على الوجوب، والأول أظهر. # 356 - وعن جابر بن سمرة - رضي الله عنه -: "أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم كان في الخطبة يقرأ آيات من القرآن يذكر الناس" رواه أبو داود وأصله ~~في مسلم (¬2). # وعن طارق بن شهاب - رضي الله عنه - "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة إلا أربعة: مملوك، وامرأة، وصبي، ~~ومريض" رواه أبو داود (¬3) وقال: لم يسمع طارق من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # و (ب) أخرجه الحاكم من رواية طارق المذكور (ج) عن أبي موسى. # طارق بن شهاب (¬4): هو أبو عبد الله طارق بن شهاب بن عبد شمس PageV03P467 # الأحمسي البجلي الكوفي، أدرك الجاهلية، ورأى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وليس له منه سماع (¬1) إلا شاذا، وغزا في خلافة أبي بكر ثلاثا وثلاثين أو ~~أربعا وثلاثين بين (أغزوة وسرية، ومات سنة اثنتين وثمانين. روى عنه قيس بن ~~مسلم وعلقمة بن مرثد وإسماعيل بن أبي خالد. # والحديث صححه غير واحد (¬2). # وفي الباب عن تميم الداري (¬3) ومولى آل الزبير (¬4) رواها البيهقي، وخرج ~~حديث تميم العقيلي والحاكم أيضا بإسناد ضعيف، وأخرج الطبراني من (ب) حديث ~~أبي هريرة مرفوعا: "خمسة لا جمعة عليهم: المرأة والمسافر والعبد والصبي ~~وأهل البادية". وأخرج حديث أبي هريرة في "مجمع ms0572 الزوائد" (¬5)، وقال فيه ~~إبراهيم بن حماد (¬6) ضعفه الدارقطني، وذكر PageV03P468 # في "النهاية" (¬1) أن البادية تختص بأهل العمد والخيام دون أهل القرى ~~والمدن، وفي "شرح العمدة": أن حكم أهل القرى حكم أهل البادية. # ذكره في حديث: "لا يبع حاضر لباد" (¬2)، وأخرج الدارقطني والبيهقي من ~~حديث جابر: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا امرأة أو ~~مسافرا أو عبدا أو مريضا" (¬3) إسناده ابن لهيعة (¬4) عن معاذ بن محمد ~~الأنصاري (¬5) وهما ضعيفان، وأخرج ابن خزيمة من حديث أم عطية: "نهينا عن ~~اتباع الجنائز ولا جمعة علينا" (¬6). # في الحديث دلالة على أن الجمعة فرض عين على كل مسلم، وأنها لا تجب على ~~الأربعة المذكورين في الحديث، أما الصبي فمتفق عليه. وأما المملوك (¬7) ~~فكذلك إلا عن داود فقال بوجوبها عليه لعموم التكليف، قلنا: خصه الدليل من ~~السنة كما عرفت، والأحاديث وإن كان في كل منها مقال فهي يقوي بعضها بعضا ~~وإلا عن الحسن البصري (¬8) فقال: يجب PageV03P469 # على المكاتب وعلى ذي الضريبة لشبههما (أ) بالحر، وأجيب عنه بعموم المملوك ~~وهو محتمل للتخصيص (ب) بالقياس المذكور. وأما المرأة فكذلك مجمع على عدم ~~وجوبها عليها (¬1)، وإنما قال الشافعي: إنه مستحب للعجائز حضورها بإذن ~~الزوج لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله" ~~(¬2) وإن روي عنه في "البحر" (¬3) القول بالوجوب عليهن فهو خلاف ما هو مصرح ~~به في كتب أصحابه. # وأما المريض فكذلك لا يجب عليه حضور الجمعة إذا كان يزداد الضرر عليه ~~بالمسير إليها (¬4)، وبالوقوف قدرها، وقال الإمام يحيى وأبو حنيفة (¬5): ~~وفي حكمه الأعمى ولو وجد قائدا للحرج (ج)، وقال الشافعي وأبو يوسف (¬6) ~~ومحمد: إن وجد قائدا وجبت (د) لعموم التكليف وعدم العذر، وفي حكمه المقعد ~~إذا وجد من يحمله. # وقال بعض أصحاب الشافعي (¬7): وإن لم يجد القائد إن (ه) أمكنه بالعصا، ~~وهو قوي. # وفي حديث أبي هريرة زيادة المسافر، والمسافر يحتمل أن يراد به من هو PageV03P470 # مباشر للسفر في حاله، فيجب على من نزل بمقدار الصلاة على هذا، وقد ذهب ~~إلى هذا الهادي ms0573 والقاسم وأبو العباس، وهو مذهب الزهري والنخعي (¬1). # ويحتمل أن يراد بالمسافر ما له حكم المسافر فيدخل فيه من كان نازلا وقت ~~إقامتها، فلا تجب عليه الجمعة، وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي والناصر والباقر ~~والإمام يحيى (¬2) والفقهاء. قال الإمام المهدي في "البحر" في الاحتجاج ~~للأول والرد على الثاني. قلت: شدد (أ) الجمعة في ترك الاشتغال لقوله: ~~{وذروا البيع} (¬3) فشددنا على الواقف أخذا من ذلك دون السائر للحرج. انتهى. # والأولى في الاحتجاج أن الحديث خصص المسافر من عموم {فاسعوا}، ولكن ~~المسافر يراد به من كان مباشرا للسفر تخصيصا له بالعلة المناسبة وهو الحرج. ~~ولا حرج في الأغلب إلا في حق المباشر دون النازل، إذ هو والمقيم سواء في ~~عدم اشتغال السفر. والله أعلم. # 357 - وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ليس على مسافر جمعة" رواه الطبراني بإسناد ضعيف (¬4). PageV03P471 # تقدم الكلام فيه. # 358 - وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا استوى على المنبر استقبلناه بوجوهنا". رواه الترمذي ~~(¬1) بإسناد ضعيف. # وله شاهد من حديث البراء عند ابن خزيمة. # قال الترمذي: لا يصح في هذا الباب شيء [وضعفه بمحمد بن الفضل بن (أ) عطية ~~(¬2)، وقد تفرد به، وضعفه الدارقطني وابن عدي وغيرهما (¬3). ورواه ابن ماجه ~~(¬4) من (ب) حديث عدي بن (ج) ثابت عن أبيه، وقال: أرجو أن يكون متصلا، كذا ~~قال، ووالد عدي لا صحبة له إلا أن يراد جده، أبو أبيه فله صحبة على رأي بعض ~~الحفاظ من المتأخرين] (د). PageV03P472 # وفي الحديث دلالة على أن استقبال الناس للخطيب مواجهين له عادة مستمرة لا ~~يعرف خلافها، وهو في حكم المجمع عليه، إلا ما روي عن سعيد بن المسيب والحسن ~~شيئا محتملا، وقد جزم أبو الطيب الطبري من الشافعية بوجوبه، وعند الهادوية ~~احتمالان فيما إذا تقدم بعض المستمعين على الإمام ولم يواجهوه، يصح أو لا ~~يصح؟ والإمام شرف الدين، نص على أنه يجب على العدد الذي ms0574 تنعقد بهم الجمعة ~~المواجهة دون غيرهم. قالوا: لإجماع السلف والخلف على ذلك. والله أعلم. # 359 - وعن الحكم بن حزن - رضي الله عنه -: "شهدنا الجمعة مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقام متوكئا على عصا أو قوس". رواه أبو داود (¬1). # هو الحكم بن حزن الكلفي (¬2) -بضم الكاف وسكون اللام وبالفاء- من كلفة ~~هوازن (¬3) وقيل: إنه من كلفة تميم (¬4). قال الحازمي: أظنه وهما، وحديثه ~~عند أهل الحجاز، وقال ابن عبد البر (¬5): ليس له إلا حديث واحد. روى عنه ~~سعيد بن رزيق -بضم الراء وفتح الزاي، وبالقاف-. # الحديث أخرجه أيضا أحمد، وأول الحديث: "وفدت إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - سابع سبعة أو تاسع تسعة فدخلنا عليه، فقلنا: يا رسول الله، ~~زرناك، فادع الله لنا بخير، فأمر لنا بشيء من التمر. ." الحديث، وفيه ~~"شهدنا PageV03P473 # الجمعة معه فقام متوكئا على عصا أو قوس، فحمد الله وأثنى عليه كلمات ~~خفيفات" وإسناده حسن، فيه شهاب بن خراش (¬1). وقد اختلف فيه، والأكثر وثقوه ~~(أ)، وقد صححه ابن السكن وابن خزيمة، وله شاهد من حديث البراء بن عازب رواه ~~أبو داود بلفظ: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطي يوم العيد قوسا فخطب ~~عليه" (¬2) وطوله أحمد والطبراني وصححه ابن السكن. # وفي الباب عن ابن عباس (¬3) والزبير رواهما أبو الشيخ ابن حبان (ب) في ~~كتاب "أخلاق النبي - صلى الله عليه وسلم - " له حديث أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يعتمد على عنزته (ج) اعتمادا. رواه الشافعي (¬4) عن ~~إبراهيم عن (د) ليث بن أبي سليم عن عطاء مرسلا، وليث ضعيف (¬5). العنزة: ~~مثل نصف الرمح أو أكبر، وفيها سنان مثل سنان الرمح. PageV03P474 # في الحديث دلالة على أنه يندب للخطيب الاعتماد على سيف أو نحوه وقت ~~الخطبة وكأن العلة في ذلك أن فيه ربطا لجأشه، وليشغل يديه عن العبث، فإن لم ~~يكن له ما يعتمد عليه أرسل يديه أو وضع اليمين على الشمال أو على جانبي ~~المنبر (¬1) ويكره دق المنبر بالسيف عند الصعود إذ لم يؤثر فهو بدعة (¬2). # اشتمل (أ) الباب ms0575 على اثنين وعشرين حديثا. PageV03P475 ### || AUTO باب صلاة الخوف # 360 - عن صالح بن خوات عمن صلى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~ذات الرقاع صلاة الخوف: "أن طائفة صلت معة، وطائفة وجاه العدو، فصلى بالذين ~~معه ركعة، ثم ثبت قائما، وأتموا لأنفسهم، ثم انصرفوا، وصفوا وجاه العدو ~~وجاءت الطائفة الأخرى فصلى بهم الركعة التي بقيت، ثم ثبت جالسا وأتموا ~~لأنفسهم ثم سلم بهم". متفق عليه (¬1) وهذا لفظ مسلم، ووقع في "المعرفة" ~~لابن منده عن صالح بن خوات عن أبيه. # هو صالح بن خوات -بفتح الخاء المعجمة وتشديد الواو بالتاء فوقها نقطتان- ~~بن جبير -بضم الجيم وفتح الباء الموحدة- بن النعمان الأنصاري المدني، تابعي ~~مشهور، عزيز الحديث، سمع أباه وسهل بن أبي حثمة (أ)، روى عنه يزيد بن رومان ~~والقاسم بن محمد، حديثه عند أهل المدينة (¬2). # جمهور الأئمة على بقاء شرعية صلاة الخوف كما صلاها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - (¬3) و (ب نقل عن أبي يوسف (¬4) والمزني أن صلاتهما مخصوصة (ج) ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ب). PageV03P477 # ومن صلى معه أخذ بظاهر قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم} الآية (¬1) (أ)، ~~فالشرط كونه معهم، فإذا انتفى الشرط انتفى المشروط. # والجواب عنهم عموم التأسي بصلاته - صلى الله عليه وسلم - وإذ قد فعلها ~~بعده جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، كعلي - رضي الله عنه - ليلة الهرير ~~(¬2)، وحذيفة بطبرستان (¬3)، وأبي موسى الأشعري (¬4). # وقوله: "عمن صلى" هو سهل بن أبي حثمة (ب)، وقد صرح به البخاري (¬5). # وذات الرقاع (¬6): هي غزوة غزاها النبي - صلى الله عليه وسلم - بنفسه في ~~شهر جمادي الأولى من السنة الرابعة -وقيل: في المحرم- وهي غزوة نجد، وخرج ~~يريد محارب و (ج) بني ثعلبة بن سعد بن غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر ~~وقيل عثمان -وخرج في أربعمائة من أصحابه- وقيل: سبعمائة - PageV03P478 # فلقي جمعا من غطفان (أ) فتوافقوا، ولم يكن بينهم قتال إلا أنه صلى بهم ~~صلاة الخوف. # وسميت ذات الرقاع لأنها نقبت أقدامهم حتى قال أبو موسى (¬1): إنها سقطت ~~أظفاره فلفوا على أرجلهم الخرق فسميت غزوة ms0576 (ب) ذات الرقاع لا عصبوه على ~~أرجلهم من الخرق، وقيل: إن في ذلك المحل جبلا مختلف ألوان أحجاره كالرقاع ~~المختلفة. # وكانت قبل الخندق على ما ذكره ابن إسحاق (¬2) وغيره من أهل السير، وقد ~~استشكل ذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصلها بالخندق، فلو كانت ~~قد شرعت لصلاها، وأيضا (¬3) فإن في السنن ومسند أحمد والشافعي أنهم حبسوه ~~عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء، فصلاهن جميعا، وذلك قبل نزول صلاة ~~الخوف. والخندق سنة خمس. PageV03P479 # قال في "الهدي النبوي" (¬1): والأظهر أن أول صلاة صلاها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، بعسفان، وهو بعد خيبر فتكون ذات الرقاع بعد ذلك، وفي قصة ~~الصلاة بعسفان ما يدل على ذلك، وقد يحتج بعدم (أ) صلاته لها في الخندق على ~~فرض تقدم شرعيتها بذات الرقاع من يقول إنها لا تصلي في الحضر، وظاهر ما حكي ~~في هذه الرواية: أن صفتها أن يصلي الإمام في الصلاة الثانية بطائفة ركعة ~~كاملة، ثم يتمون لأنفسهم، وتأتي الطائفة الباقية فيصلون مع الإمام ركعة ثم ~~يتمون لأنفسهم والإمام منتظر، ثم يسلم بهم، وقد ذهب إلى هذا جماعة من ~~الصحابة: على وابن عباس وابن مسعود وابن عمر (¬2) وزيد وأبو موسي وسهل بن ~~أبي حثمة والهادي والقاسم والمؤيد وأبو العباس والشافعي (¬3) إلا أنه اشترط ~~أن يكون العدو في غير جهة القبلة وإن كانت الصلاة ثلاثية انتظر الإمام في ~~المغرب متشهدا، ويتم بالطائفة الأخرى الركعة الثالثة، وكذلك في الرباعية ~~على قول الأكثر في أنها تصلي في الحضر ينتظر متشهدا التشهد الأوسط، وفي ~~مذهب مالك قول: إنه ينتظر قائما في الثالثة، وظاهر مذهب مالك في هذه ~~الأطراف أن الإمام يسلم وتتم الطائفة بعد تسليم الإمام، وظاهر القرآن مطابق ~~لما دل عليه الحديث الشريف، فإن قوله: {فليصلوا معك} أي بقية الصلاة التي ~~بقيت من صلاتك، وظاهره (ب) المصاحبة له في جميع صلاته، ومن جملة الصلاة ~~السلام فإذا سلم قبلهم لم يصلوا معه بقية صلاته إلا أن PageV03P480 # يقول قائل: إن السلام ليس من أجزاء الصلاة، وهو ms0577 قول ضعيف، وهذه الكيفية ~~هي أقرب إلى (أ) موافقة المعتاد من الصلاة في تقليل الأفعال المنافية ~~للصلاة والمتابعة للإمام. # 361 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "غزوت مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قبل نجد فوازينا العدو فصاففناهم، فقام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فصلى بهم فقامت طائفة معه، وأقبلت طائفة على العدو، وركع ~~بمن ركع معه، وسجد سجدتين ثم انصرفوا فكان الطائفة التي لم تصل فجاءوا فركع ~~بهم ركعة، وسجد سجدتين". متفق عليه، وهذا لفظ البخاري (¬1). # قوله: "قبل نجد": هو بكسر القاف وفتح الباء الموحدة أي جهة نجد، ونجد كل ~~ما ارتفع من بلاد العرب (¬2). # وقوله: "فوازينا العدو": وهو بالزاي وبعدها ياء مثناة من تحت أي قابلنا، ~~وقد أنكر الجوهري أن يقال: وازيت، وإنما هو (ب) آزيت بهمزة بعدها ألف ولكنه ~~يحتمل أن يكون وازيت منه ولكنها قلبت الهمزة واوا. PageV03P481 # وقوله: "فصلى بنا": لفظ البخاري "فصلى لنا" (¬1)، قال المصنف في شرحه ~~(¬2): أي لأجلنا. # وقوله: "فقامت طائفة": الطائفة: تطلق على القليل والكثير حتى على الواحد ~~حتى لو كانوا ثلاثة، جاز للإمام أن يصلي بواحد، والثالث يحرس ثم يصلي مع ~~الإمام وهذا أقل ما تحصل به جماعة الخوف. # وقوله: "مكان الطائفة التي لم تصل": "مكان" منصوب على الظرفية بتقدير ~~فعل، أي قاموا في مكان. وفي رواية مالك (¬3): ثم استأخروا مكان الذين لم يصلوا. # وقوله: "وركع بهم ركعة وسجد سجدتين": تمام الحديث في البخاري: "ثم سلم ~~فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين". وهذا لم تختلف فيه ~~الرواية عن ابن عمر، وظاهره أنهم أتموا في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا ~~على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى وإلا استلزم أن تضيع الحراسة ولقاء ~~الإمام وحده. وقد ورد هذا مصرحا به في حديث ابن مسعود أخرجه أبو داود (¬4) ~~بقوله: "ثم سلم وقام هؤلاء -أي الطائفة الثانية- فصلوا (أ) لأنفسهم ركعة، ~~ثم سلموا، ثم ذهبوا ورجع أولئك إلى PageV03P482 # مقامهم فصلوا (أ) لأنفسهم ركعة ثم سلموا"، وظاهره أن الطائفة الثانية ~~والت ms0578 بين ركعتيها ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها، ووقع في الرافعي (¬1) تبعا ~~لغيره من كتب الفقه، أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت ~~وجاءت الطائفة الأولى فأتموا ركعة ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا، ~~ولم يكن في جميع طرق الحديث ما يدل على هذا (¬2)، وقد ذهب إلى هذه الكيفية ~~المذكورة في هذا الحديث أبو حنيفة ومحمد ورواية عن أبي يوسف (¬3). # 362 - وعن جابر - رضي الله عنه - قال: "شهدت مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - صلاة الخوف، فصفنا صفين، صف خلف رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - والعدو بيننا وبين القبلة، فكبر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وكبرنا جميعا، ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ~~ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو، فلما ~~قضى السجود وقام الصف الذي يليه. . .". فذكر الحديث (¬4). # وفي رواية: "ثم سجد وسجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني ثم ~~تأخر الصف الأول وتقدم الصف الثاني. .". فذكر PageV03P483 # مثله (¬1) وفي آخره: "ثم سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلمنا ~~جميعا". رواه مسلم (¬2). # ولأبي داود (¬3) عن أبي عياش الزرقي مثله، وزاد: "إنها كانت بعسفان"، ~~وللنسائي من وجه آخر عن جابر (¬4) "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~بطائفة من أصحابه ركعتين ثم سلم، ثم صلى بآخرين ركعتين ثم سلم". ومثله لأبي ~~داود عن أبي بكرة (¬5). PageV03P484 # قوله: "فذكر الحديث": تمامه "انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا ثم تقدم ~~الصف المؤخر وتأخر الصف المقدم، ثم ركع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وركعنا معه جميعا ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا ثم انحدر بالسجود ~~والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر ~~العدو. فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - السجود والصف الذي يليه ~~انحدر المؤخر بالسجود فسجدوا ثم سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - وسلمنا ~~جميعا". # قال جابر: كما يصنع حرسكم هؤلاء بأمرائكم. ذكره مسلم بتمامه، وذكر ~~البخاري طرفا منه (¬1). # والحديث ms0579 فيه دلالة على أن العدو إذا كان في جهة القبلة فهو يخالف ما إذا ~~لم يكن كذلك وهو أنه يمكن الحراسة مع دخولهم جميعا في الصلاة، وذلك أن ~~الحاجة إلى الحراسة إنما تكون في حال السجود فقط فيتابعون الإمام في القيام ~~والركوع ويحرس الصف المؤخر في حال السجدتين بأن يتركوا المتابعة للإمام، ثم ~~يسجدون (أ) عند قيام الصف الأول، ويتقدم الصف (ب) المؤخر إلى محل الصف ~~المقدم ويتأخر المقدم ليتابع المؤخر الإمام في السجدتين الأخيرتين (ج) فيصح ~~مع كل من الصفين المتابعة (د) في سجدتين. # وقد ذهب إلى هذه الكيفية الشافعي رحمه الله تعالى، إلا أنه نص الشافعي ~~(¬2) إلى أنه يسجد في الركعة الأولى مع الإمام الصف المؤخر وهو PageV03P485 # خلاف نص الحديث، فقال بعض أصحابه: لعله سها أو لم يبلغه الحديث، وجماعة ~~من العراقيين بنوا على الصحيح على أن المشهور عن الشافعي أن الحدىث إذا صح ~~يذهب إليه ويترك قوله (¬1)، والغزالى بنى على نص الشافعي، وادعى بعضهم أن ~~في الحديث رواية توافق نص الشافعي، ورجح بعضهم بمناسبة عقلية وهو أن الصف ~~الأول يكون جنة لمن خلفه، وهو أقرب إلى الحراسة، وظاهر الحديث يدل على ~~اشتراك الطائفتين في الحراسة، فلو انفردت بها إحداهما فعند أصحاب الشافعي ~~خلاف في صحة صلاتهم. # ويدل الحديث أن الحراسة إنما هي في حال السجود فقط دون حال الركوع، لأن ~~الركوع لا يمتنع معه إدراك أحوال العدو، وعند بعض أصحاب الشافعي أنه يحرس ~~في الركوع أيضا، وهذه الكيفية لا توافق ظاهر الآية وصلاة جابر مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في غزوة ذات الرقاع كما أشار إليه البخاري (¬2)، وفي ~~رواية أبي عياش (¬3) أن هذه الصلاة كانت بعسفان، ويمكن الجمع بينهما بأنها ~~وقعت كذلك في الموضعين جميعا ولا يخالف الرواية الأولى عن صالح بن خوات ~~لاختلاف الأحوال فيمكن وقوع الصفتين. وصلاة ابن عمر كذلك في غزوة ذات ~~الرقاع في صلاة العصر أيضا، نبه عليه البخاري (¬4). PageV03P486 # و (أ) في رواية النسائي (¬1) عن جابر أنه صلى بكل طائفة ركعتين، وأخرجها ms0580 ~~أبو داود (¬2) عن جابر أيضا كانت هذه الصلاة ببطن نخل. وقد ذهب إلى العمل ~~بهذا الحسن البصري، وادعى الطحاوي (¬3) أن هذا منسوخ بناء منه على أنه لا ~~(ب) يصح أن يصلي المفترض خلف المتنفل، ولا دليل على النسخ (ج). # قال أبو داود (¬4): وكذلك في صلاة المغرب يصلي الإمام ست ركعات والقوم ~~ثلاث ثلاث، وقال بهذه الكيفية الشافعي رحمه الله. # 363 - وعن حذيفة - رضي الله عنه "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى في ~~الخوف بهؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة ولم يقضوا". رواه أحمد وأبو داود والنسائي ~~وصححه ابن حبان (¬5). PageV03P487 # ومثله: عن ابن خزيمة (¬1) عن ابن عباس هذه الصلاة صلاها حذيفة بطبرستان، ~~وكان الأمير سعيد بن (أ) العاص قال: أيكم صلى مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - صلاة الخوف؟ فقال (ب) حذيفة: أنا، فصلى بهم هذه الصلاة. # وأخرج أبو داود (¬2) هذه عن ابن عباس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وعن أبي هريرة وعن أبي موسى وعن جابر كلهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلا أن في بعض الروايات عن بعض الرواة أنه قال: "وقضوا ركعة أخرى". # وأخرجه أبو داود (¬3) عن ابن عمر وعن زيد بن ثابت، قال زيد: فكانت للقوم ~~ركعة ركعة وللنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين (¬4). # وأخرج عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "فرض الله الصلاة على لسان ~~نبيكم - عليه السلام - في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين وفي الخوف ركعة" ~~(¬5)، وهذا قال به عطاء وطاوس والحسن ومجاهد والحكم وقتادة في أنه يصلي هذه ~~الصلاة في شدة الخوف ركعة واحدة يومئ إيماء، وكان PageV03P488 # إسحاق بن راهويه يقول: عند (أ) المسايفة (¬1) تجزئك ركعة واحدة تومئ لها ~~إيماء، فإن لم تقدر فسجدة فإن لم تقدر فتكبيرة لأنها ذكر الله تعالى. # وقد تأول هذا سائر العلماء القائلين بأن صلاة الخوف لا ينقص عددها ولكن ~~يصلي على حسب المكان، بأن (ب) المراد [أنها تكون] (ج) ركعة مع الإمام ولكنه ~~لا يتم هذا التأويل إلا في بعض ألفاظ الحديث دون بعض. # 364 ms0581 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "صلاة الخوف ركعة على أي وجه كان" رواه البزار بإسناد ضعيف (¬2). # وعبه مرفوعا: "ليس في صلاة الخوف سهو" أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف (¬3). # هذه الصلاة روي أنه صلاها - صلى الله عليه وسلم - بذي قرد أخرجه النسائي ~~(¬4) وقال PageV03P489 # الشافعي (¬1): روى حديث لا يثبت. قال المصنف رحمه الله: (¬2) وقد صححه ~~ابن حبان (¬3) وغيره. # وهذا الحديث فيه دلالة على أن المفروض في صلاة الخوف ركعة واحدة في حق ~~الإمام والمؤتم [وقد قال به الثوري وإسحاق ومن تبعهما. وقال به أبو هريرة ~~وأبو موسى وغير واحد من التابعين وقد تقدم مثل هذا (¬4)، وتأويل الجمهور ~~له، ووجه التأويل ما روي من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - كما تقدم] ~~(أ) أنه صلى ركعتين ولا تتم الجماعة بهم إلا إذا كان على هذه الكيفية. # واعلم أن المذكور في هذا الكتاب خمس كيفيات وفي "سنن أبي داود" ثمان ~~كيفيات هذه الخمس وثلاث غيرها (¬5). # قال المصنف -رحمه الله تعالى- في "فتح الباري" (¬6): وقد ورد في كيفية ~~صلاة الخوف صفات كثيرة، ورجح ابن عبد البر الكيفية الواردة في حديث ابن عمر ~~لقوة الإسناد وموافقة الأصول في أن المأموم لا تتم صلاته (ب) قبل الإمام، ~~وعن أحمد ثبت في صلاة الخوف ستة أحاديث أو سبعة أيها فعل المرء فهو جائز، ~~ومال إلى ترجيح ما ورد في حديث صالح PageV03P490 # ابن خوات، ومال إلى ترجيحه (أ) الشافعي (¬1)، وسوى بينهما إسحاق بن ~~راهويه، وله قال الطبري وغير واحد منهم ابن المنذر، وسرد ثمانية أوجه. وكذا ~~ابن حبان في "صحيحه" وزاد تاسعا و (ب) قال ابن حزم (¬2): صح فيها أربعة عشر ~~وجها وبينها في جزء مفرد، وقال ابن العربي (¬3): فيها روايات كثيرة (ج) ~~أصحها ستة عشر رواية مختلفة ولم يبينها، وقال النووي (نحوه) في "شرح مسلم" ~~(¬4) ولم يبينها أيضا، وقد بينها شيخنا الحافظ أبو الفضل في "شرح الترمذي" ~~(¬5)، وزاد وجها آخر فصارت سبعة عشر وجها لكن يمكن أن تتداخل (د). # قال صاحب ms0582 الهدى (¬6): وبلغها بعضهم أكثر، وهؤلاء كلما رأوا اختلاف الرواة ~~في قصة جعلوها وجها من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد صلاها عشر ~~مرات، وقال ابن العربي: صلاها أربعا وعشرين مرة (5)، وقال الخطابي (¬7): ~~صلاها النبي - صلى الله عليه وسلم - في أيام مختلفة بأشكال متباينة يتحرى ~~ما هو الأحوط PageV03P491 # للصلاة والأبلغ للحراسة فهي على اختلاف صورها متفقة المعنى (¬1) انتهى كلامه. # وقوله: "ليس في صلاة الخوف سهو": فيه دلالة على أنه لا يشرع سجود سهو في ~~صلاة الخوف. والظاهر أنه لم يذهب إلى هذا أحد من العلماء، والله أعلم. # واعلم أنه قد شرط في صلاة الخوف شروطا منها: # السفير فاشترطه جماعة (¬2) قالوا: لقوله تعالى: {وإذا ضربتم في الأرض} ~~الآية (¬3) ولأنه لم يصلها النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحضر والخلاف ~~في ذلك لزيد بن علي (¬4) والناصر والإمام يحيى والحنفية والشافعية قالوا: ~~لقوله تعالى: {وإذا كنت فيهم}. . الآية (¬5)، وظاهره الإطلاق، وهذا مبني ~~على أن قوله تعالى: {وإذا كنت فيهم} معطوف على قوله: {وإذا ضربتم في الأرض} ~~فهو غير داخل في التقييد بالضرب في الأرض، وأهل القول الأول لعلهم يجعلونه ~~مقيدا بالشرط فيكون التقدير: "وإذا كنت فيهم مع هذه الحالة التي هي الضرب ~~في الأرض". والقرينة على التقييد هي أنه في سياق الصلاة المقصورة المشروطة ~~بالخوف من الذين كفروا، والمذكور بعد قوله: وإذا كنت فيهم بيان الاحتراز مع ~~الخوف ولذلك قال جماعة من الصحابة: إن القصر في حال الأمن إنما أخذ من ~~السنة لا من الآية، وأما عدم صلاته PageV03P492 # لها - صلى الله عليه وسلم - في حال الإقامة (أ) فلأن المخافة إنما وقعت ~~في الخندق حتى فاتت الصلاة، وهي لم تكن قد شرعت في ذلك اليوم كما تقدم. # ومنها: آخر الوقت، فاشترط ذلك الهادي والقاسم وأبو العباس (¬1) قالوا: ~~لأنها بدل عن صلاة الأمن فلا تجزئ إلا عند اليأس من المبدل وهي قاعدة لهم، ~~وقال الناصر والمؤيد بالله والإمام يحيى والحنفية والشافعية: بل يصح في أول ~~الوقت، قالوا لعموم أدلة الأوقات، وعلى الأول إذا حصل الأمن، ms0583 وقد (ب) فعلت، ~~وفي الوقت ما يسع الصلاة وجبت الإعادة، وعلى القول الثاني لا تجب الإعادة. # ومنها: حمل السلاح حال الصلاة، فاشترطه (ج) داود الظاهري (¬2) فلا تصح ~~الصلاة إلا بحمله، ولا دلالة في الآية على كونه شرطا، وأوجبه الناصر ~~والشافعي والإمام يحيى للأمر به في الآية (¬3)، قالوا: وإنما يجب من السلاح ~~ما يحصل به المقصود من الحراسة، وهو ما يمكن به المدافعة للعدو، بشرط أن ~~يكون ظاهرا يدفع به عن نفسه كالسيف والشفرة، ويستحب ما يدفع به عن الغير ~~كالقوس (د) والنشاب، ويحرم النجس، PageV03P493 # ويكره ما يشغل لثقله كالدرع، وأما الرمح والسنان، فإذا لم (أ) يتأذ به ~~غيره فلا كراهة، وإلا كره. وقالت الهادوية وأبو حنيفة (¬1) وأصحابه: أنه يندب. # ومنها: أنه (ب) لا يكون القتال محرما سواء كان واجبا عينا أو كفاية، ~~والظاهر أنه مجمع عليه. # ومنها: أن يكون مصليها مطلوبا للعدو لا إذا كان طالبا، لأنه يمكنه أن ~~يصلي صلاة كاملة مع كونه طالبا فلا حاجة للحراسة إلا أن يهجم عليه عدوه، ~~صلاها لأنه قد صار مطلوبا في تلك الحال، وكذا إذا كان طالبا له لخشية أن ~~(ج) يكر عليه في المستقبل. # فائدة: صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة الخوف في ثلاث غزوات، ببطن ~~نخل وعسفان، وذات الرقاع (د)، وقد جمعها بعضهم بقوله: # ببطن نحل وعسفان وقبلهما ... ذات الرقاع صلاة الخوف قد فعلت # وأما كيفية الفعل فقد تقدم الخلاف فيها (ه). # آخر الجزء الثالث، ويتلوه إن شاء الله الجزء الثالث وأوله: باب صلاة ~~العيدين والحمد لله رب العالمين PageV03P494 # البدر التمام شرح بلوغ المرام # للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي # (1048 ه- 1119 ه) # تحقيق # علي بن عبد الله الزبن # عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية # قدم له # فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان # رئيس مجلس القضاء الأعلى # الجزء الرابع PageV04P001 # البدر التمام شرح بلوغ المرام PageV04P003 # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة الأولى # 1424 - ه = 2003 م PageV04P004 ### || AUTO باب صلاة العيدين # [سمى العيد عيدا (¬1) لعوده وتكرره وقيل: لعود السرور فيه، ms0584 وقيل: تفاؤلا ~~بعوده على من أدركه كما سميت القافلة حين خروجها تفاؤلا بقفولها سالمة وهو ~~رجوعها] (أ). # 365 - عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- "الفطر يوم يفطر الناس، والأضحى يوم يضحى الناس". رواه الترمذي (¬2). # الحديث فيه دلالة على أنه يعتبر في ثبوت العيد موافقة (ب) الناس، وأن PageV04P005 # المنفرد بمعرفة يوم العيد بالرؤية يجب عليه موافقة غيره ويلزمه حكمهم في ~~الصلاة والإفطار والتضحية (أ)، وقد أخرج الترمذي (¬1) مثل هذا الحديث عن ~~أبي هريرة، وقال: حسن (¬2)، ويوافقه في المعنى حديث ابن عباس (¬3) لما قال ~~له كريب: إنه صام أهل الشام ومعاوية وهو رأى الهلال ليلة الجمعة بالشام، ~~وقدم المدينة في آخر الشهر، وأخبر ابن عباس بذلك، مقال ابن عباس: لكنا ~~رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين أو نراه. قال: فقلت: أو ~~لا تكتفي برؤية معاوية؟ فقال (ب): لا، هكذا أمرنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. وقد ذهب إلى هذا محمد بن الحسن الشيباني، وقال. إنه يتعين ~~عليه حكم الناس، وإن خالف ما تيقنه، وكذلك في الحج [وكذا قال الحسن: يصوم ~~مع الناس ويفطر في أول الشهر إذا انفرد بالرؤية، وحكى في نهاية المجتهد مثل ~~هذا عن عطاء (¬4)، (ج) وقد ورد أيضا: "وعرفتكم يوم تعرفون" (¬5)، والخلاف ~~في هذا للجمهور وقالوا: إنه يتعين عليه حكم نفسه فيما تيقنه، PageV04P006 # ويحمل الحديث على عدم معرفته لما (أ) يخالف الناس فإنه إذا انكشف من بعد ~~الخطأ فقد أجزأه ما فعل. قالوا: وتتأخر (الأيام) (ب) في حق من التبس عليه ~~وعمل بالأصل، وهو بقاء الأيام في أعمال الحج والأضحية، وحديث ابن عباس ~~يحتمل أن ذلك لاختلاف المطالع في الشام والحجاز، أو أنه لما كان المخبر له ~~واحدا، لم يكتف بشهادته، أو أن المراد بالحديث أن هذا لا يعتبر فيه حقيقة ~~الأمر وأن اليوم الذي يفطر فيه الناس بالطريق المجوزة له شرعا من الشهادة ~~أو نحوها يثبت له ذلك الحكم، وإن انكشف الخطأ، وأما من تيقن فهو مخصوص ms0585 من ~~هذا الحكم إذا فعل بمقتضى علمه وخالفه الناس، فلا يتم الاحتجاج به. والله أعلم. # 366 - وعن أبي عمير (ج) - رضي الله عنه - عن عمومة له من الصحابة: "أن ~~ركبا جاءوا فشهدوا بأنهم (د) رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يفطروا وإذا أصحوا يغدوا إلى مصلاهم". رواه أحمد وأبو داود ~~(¬1) وهذا لفظه، وإسناده صحيح. PageV04P007 # هو أبو عمير بن أنس بن مالك الأنصارى، يقال: إن اسمه عبد الله، وهو معدود ~~في صغار التابعين. روى عنه جعفر بن إياس اليشكري، وعمر بعد أبيه أنس زمانا ~~طويلا (¬1). # والحديث أخرجه أيضا (أ) النسائي وابن ماجه وصححه ابن المنذر وابن السكن ~~وابن حزم (¬2) ورواه ابن حبان (¬3) في صحيحه عن أنس: أن عمومة له. وهو وهم. ~~قاله (ب) أبو حاتم (¬4) في "العلل". وعلق الشافعي (¬5) القول به على صحة ~~الحديث، فقال ابن عبد البر: أبو عمير مجهول. كذا قال. وقد عرفه من صحح له. ~~وترجم الخطابي (¬6) في شرح السنن: باب (ج) إذا لم يخرج الإمام للعيد يومه. ~~ثم ذكر الحديث بإسناده. # وفي الحديث دلالة على أن صلاة العيد تصلى في اليوم الثاني حيث انكشف ~~العيد بعد خروج وقت الصلاة، وقد ذهب إلى هذا من السلف الأوزاعي (¬7) ~~والثوري وأحمد وإسحاق. وظاهر الحديث الإطلاق بالنظر إلى PageV04P008 # وقت الصلاة، وأنه وإن كان وقتها باقيا حيث لم يكن ذلك معلوما من أول ~~اليوم، وذهب إلى العمل به، ولكن بني على أنه لم يعلم إلا وقد خرج الوقت، ~~وأن الصلاة تكون قضاء (¬1)، الهادي والقاسم والمؤيد وأبو طالب وأبو حنيفة ~~وأبو يوسف ومحمد وقول للشافعي وأنها تقضى في اليوم الثاني فقط في الوقت ~~الذي تؤدى فيه في يومها. قال أبو طالب: بشرط أن يترك للبس كما ورد في ~~الحديث، وغير أبي طالب يعمم العذر سواء كان اللبس أو غيره كالمطر مثلا، وهو ~~مصرح به في كتب الحنفية قياسا لسائر الأعذار على اللبس، وكأن أبا طالب ~~يقول: قضاؤها وارد على خلاف القياس، لأن مثل هذه الصلاة التي شرعت في يوم ms0586 ~~معين (ألسبب معين أ) حقها أن لا تقضى كصلاة الجمعة والكسوف والاستسقاء ~~وغيرها، إلا أنه ورد هذا الدليل في هذه الصلاة، فلا يقاس عليها غيرها، وهو ~~يذهب إلى أن المعدول (ب) عن سنن القياس لا يقاس عليه وإن ظهرت العلة، ~~والجمهور PageV04P009 # يذهبون إلى صحة القياس، ولذلك صح لهم إطلاق العذر هنا، ولكن الحديث لا ~~(أ) يدل على كونها قضاء، بل الظاهر أنها أداء، ويتأيد (¬1) الظاهر بحديث ~~الباب المتقدم، وذهب مالك وقول للشافعي إلى أنها لا تقضى في يومها، ~~وكالكسوف، وللشافعي قول: أنها تقضى إلى الشهر، وقول آخر أنها تقضى إلى ~~الأبد. وفي "عجالة المنهاج" للشافعية تفصيل، وهو أنه إذا شهدوا يوم ~~الثلاثين قبل الزوال برؤية الهلال الليلة الماضية أفطرنا وصلينا العيد ~~لبقاء الوقت، وقيد الرافعي (¬2) ذلك بما إذا بقي من الوقت ما يمكن جمع ~~الناس فيه، وإقامة الصلاة، وإن شهدوا بعد الغروب لم تقبل الشهادة، أي في ~~صلاة العيد خاصة، أو بين الزوال والغروب أفطرنا وفاتت الصلاة لخروج وقتها ~~بالزوال، وشرع (ب) قضاؤها لمن شاء في الأظهر أي في باقي اليوم، وضحوة العيد ~~(ج) وبعده متى اتفق، كالفرائض إذا فاتت لا يتيقن وقت قضائها، والثاني: لا ~~يجوز تأخيرها عن الحادي والثلاثين؛ لجواز كونه عيدا بأن يخرج الشهر كاملا ~~بخلاف ما بعده من الأيام. # وقيل في قول (د): تصلى من الغد أداء؛ لأن الغلط في الهلال كثير فلا يفوت ~~به هذا الشعار العظيم، يؤيده صحة الوقوف في العاشر غلطا، ثم قال: واعلم أن ~~القضاء واجب إذا قلنا: إنها فرض كفاية ولم تفعل في PageV04P010 # ذلك الوضع كما نبه عليه ابن عجيل وصاحب المعين (أ). انتهى. وهذا يخالف ما ~~نقله الإمام يحيى عن الشافعي أنه إذا انكشف ليلة الحادي والثاني قضيت فيه ~~قولا واحدا للشافعي لقوله: "فطركم يوم تفطرون" بخلاف ما لو انكشف بعد ~~الزوال يوم الثلاثين ففيه الأقوال التي مرت له. # وعيد الأضحى كالفطر في ذلك وحكى في شرح (القدوري) (ب) عن الكرخي للحنفية: ~~أنهم إذا تركوها لغير عذر صلوها في اليوم ms0587 (ج) الثاني وأساءوا فإن لم يصلوها ~~في اليوم الثاني حتى زالت الشمس صلوها في اليوم الثالث، فإن لم يصلوها فيه ~~حتى زالت الشمس سقطت سواء كان لعذر أو لغير عذر إلا أنه مسئ في التأخير ~~لغير عذر، وإن كان لعذر لم يلحقهم الإساءة، وعن الشافعي يصلي في الغد أو ~~بعد الغد، وعن الناصر يستحب فعلها وأطلق. واعلم: أن الدليل (د) هذا إنما ~~ورد في عيد الإفطار والأضحى مقيس عليه، وورد في تركها لعذر اللبس فقط، ~~وسائر الأعذار مقيس عليها (ه) وورد في التأدية في اليوم الثاني وظاهره أنها ~~آداء، وإذا بنى على أنها أداء لم يمكن أن يقاس عليها سائر الأعذار لقيام ~~الإجماع (و) أن تارك العبادة المؤقتة حتى يخرج وقتها متعمدا، وإن كان لعذر ~~غير النوم والسهو PageV04P011 # إذا أداها بعد الوقت أنه قاض وليس بمؤد، وثبوت القضاء لها هنا، وإن احتج ~~عليه بالقياس (أ) على سائر الواجبات المؤقتة إذا تركت عمدا فهو غير صحيح، ~~لأن ذلك إنما ثبت بالقياس على النائم والساهي، والنائم والساهي محتمل أن ~~يكون وقت تأدية لهما، فإثبات قضاء صلاة العيد لا يخلو عن (ب) نظر. والله أعلم. # 367 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات". أخرجه البخاري (¬1). # وفي رواية معلقة، ووصلها أحمد: "يأكلهن أفرادا" (¬2). # (ج قوله: "لا يغدو يوم الفطر". أي يخرج إلى المصلى وقت الغداة، وقوله في ~~الرواية الأخرى: "يأكلهن أفرادا" ج). وقد أخرج البخاري في تاريخه وابن حبان ~~والحاكم من رواية عتبة بن حميد عنه بلفظ: "ما خرج يوم فطر حتى يأكل تمرات ~~ثلاثا أو خمسا أو سبعا أو أقل من ذلك أو أكثر وترا" (¬3). PageV04P012 # والحديث يدل على مداومته - صلى الله عليه وسلم - على ذلك. قال (¬1) ~~المهلب: الحكمة في الأكل قبل الصلاة أن لا يظن ظان لزوم الصوم حتى يصلي ~~العيد فكأنه أراد سد هذه الذريعة، وقيل: لما وقع وجوب الفطر عقيب وجوب ~~الصوم استحب تعجيل الفطر مبادرة إلى امتثال ms0588 أمر الله تعالى. وقيل: لأن ~~الشيطان الذي يحبس في رمضان لا يطلق إلا بعد الصلاة فاستحب الإفطار قبل ~~الصلاة ليكون في ذلك الوقت سالما من وسوسته، وقال ابن قدامة (¬2): لا نعلم ~~في استحباب تعجيل الأكل في هذا اليوم قبل الصلاة خلافا، وقد روى ابن أبي ~~شيبة (¬3) عن ابن مسعود التخيير فيه، وعن النخعي (¬4) أيضا مثله، والحكمة ~~في استحباب التمر فيه لما في الحلو من تقوية النظر الذي يضعفه الصوم، ولأن ~~الحلو مما يوافق الإيمان ويعبر به المنام ويرق القلب، ولذلك ورد الأمر ~~بالإفطار به دائما في حديث سلمان (¬5). # أخرجه الترمذي: "إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر، فإنه بركة، فإن لم يجد ~~فليفطر على ماء فإنه طهو". وأما جعلهن وترا فللإشارة (أ) إلى الوحدانية، ~~وكذلك كان يفعل - صلى الله عليه وسلم - في جميع أموره. PageV04P013 # 368 - وعن ابن بريدة عن أبيه رضي الله عنه قال: "كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يخرج يوم الفطر حتي يطعم ولا يطعم يوم الأضحى حتى ~~يصلي". رواه أحمد والترمذي وصححه ابن حبان (¬1). # بريدة بضم الباء الموحدة وفتح الراء وسكون الياء تحتها نقطتان وبالدال ~~المهملة -هو بريدة (أ) بن حصيب -بضم الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة ~~وبالياء تحتها نقطتان وبعدها الباء الموحدة- ابن عبد الله بن الحارث ~~الأسلمي يكنى أبا عبد الله، وقيل: أبا سهيل، وقيل: أبا الحصيب. وقيل: أبا ~~ساسان والمشهور أبا عبد الله، أسلم قبل بدر ولم يشهدها، وشهد الحديبية وكان ~~ممن بايع بيعة الرضوان، لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر هجرته - ~~صلى الله عليه وسلم - بالغميم، ومعه من قومه زهاء ثمانين بيتا فأسلموا، ثم ~~رجع إلى بلاد قومه وقد تعلم PageV04P014 # من القرآن شيئا، ثم قدم بعد أحد فشهد المشاهد، وسكن المدينة، ثم تحول إلى ~~البصرة، ثم خرج منها غازيا في أيام يزيد إلى خراسان فمات بمرو، وبقي ولده ~~بها (أ) (ب) (¬1) روى (ج) عنه ابناه: عبد الله وسليمان. # الحديث أخرجه أيضا ابن ماجه والدارقطني والحاكم والبيهقي وصححه ابن ~~القطان وفي رواية ms0589 البيهقي زيادة: "وكان إذا رجع أكل من كبد أضحيته" (¬2). ~~قال الترمذي (¬3): وفي الباب عن علي وعن أنس، ولكن حديث علي (¬4) إسناده ~~غير محفوظ، وحديث أنس، وقال المصنف -رحمه الله تعالى-: لم أره (¬5) عن أنس، ~~وإنما أخرجه الطبراني (¬6) عن ابن عباس، ورواه الترمذي (¬7) أيضا عن ابن ~~عمر، وضعفه، ورواه البزار (¬8) عن أبي سعيد PageV04P015 # وذكره الشافعي (¬1) مرسلا عن صفوان بن سليم وسعيد بن المسيب وموقوفا على ~~عروة. والحديث فيه دلالة على شرعية تقديم الأكل في عيد الفطر على الصلاة ~~وتأخيره في عيد الأضحى إلى بعد الصلاة، والحكمة في تأخير الأكل في يوم ~~الأضحى هو أنه لما كان إظهار كرامة الله تعالى للعباد بشرعية نحر الأضاحي، ~~وكان (أ) الأهم أن يبتدئ، بأكلها ويشكر الله تعالى على ما أنعم به (ب) عليه ~~من شرعية النسكية الجامعة لخير (ج) الدنيا وثواب الآخرة. # 369 - وعن أم عطية - رضي الله عنها - قالت: "أمرنا أن نخرج العواتق ~~والحيض في العيدين، يشهدن الخير ودعوة المسلمين، ويعتزل (د) الحيض المصلى" ~~متفق عليه (¬2). PageV04P016 # العواتق: البنات الأبكار (أ) البالغات المقاربات للبلوغ (ب)، وسمين عواتق ~~لأنهن أعتقن أنفسهن عن أن يخرجن في مهن أهلهن، وقيل: المقاربات أن يزوجن ~~(ج) فيملكن أنفسهن عن (د) أهلهن، والحيض أعم من العواتق من وجه. # وشهود الخير هو الدخول في فضيلة الصلاة. # واعتزال الحيض المصلى لعدم أهليتهن للصلاة فلا يداخلن صفوف الصلاة. # وفي الحديث دلالة على الأمر بإخراجهن، والأمر ظاهر في الوجوب: وقد اختلف ~~السلف فيه، فنقل عياض (¬1) وجوبه عن أبي بكر وعلي وعمر -رضي الله عنهم- ~~وأخرج ابن أبي شيبة (¬2) عن أبي بكر: والأحق على كل ذات نطاق الخروج إلى ~~العيدين، وقد ورد هذا مرفوعا بإسناد لا بأس به أخرجه أحمد وأبو يعلى (¬3) ~~وابن المنذر من طريق امرأة منه (ه) عبد القيس عن أخت عبد الله بن رواحة، ~~والمرأة لم تسم، والأخت اسمها عمرة، صحابية. PageV04P017 # و (أ) قوله هذا يحتمل الوجوب ويحتمل تأكيد الاستحباب، وروى (ب) ابن أبي ~~شيبة (¬1) عن ابن عمر - رضي الله عنه - أنه كان يخرج ms0590 إلى العيدين من استطاع ~~من أهله، وهذا ليس صريحا في الوجوب، بل قد روي عن ابن عمر (¬2) المنع، ~~فلعله يحمل على حالين، ويؤيد الوجوب ما أخرجه ابن ماجه والبيهقي من حديث ~~ابن عباس: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج نساءه وبناته في ~~العيدين" (¬3) فدلالته على استمرار العادة ظاهر في الوجوب، وظاهره شمول من ~~كان لها هيئة من النساء ومن لا هيئة لها، وإذا كان في الشواب فالعجائز ~~بالأولى، ومنهم من حمله على الندب، وجزم بذلك الجرجاني (¬4) من الشافعية ~~وأبو حامد (¬5) من الحنابلة، ونص الشافعي (¬6) في الأم يقضى باستثناء ذوات ~~الهيئات، فإنه قال: "وأحب شهود العجائز وغير ذوات الهيئات من النساء ~~الصلاة، وأنا لشهودهن الأعياد أشد استحبابا" (¬7)، وقال الطحاوي: إن ذلك ~~كان في صدر الإسلام، ونسخ بعد ذلك، قال: للاحتياج إلى خروجهن لتكثير السواد ~~فيكون فيه إرهاب للعدو، وتعقب بأن PageV04P018 # النسخ لا يثبت بمجرد الدعوى والاحتمال، وأيضا فإن ابن عباس (¬1) روى ~~خروجهن كما في الصحيح، وشهده، وهو صغير، وكان ذلك بعد فتح مكة (¬2)، ولا ~~حاجة إليهن لقوة الإسلام حينئذ، وأيضا فإن في حديث أم عطية معللا بشهود ~~الخير ودعوة المسلمين (أ) رجاء لنيلهن بركة ذلك وقد أفتت به أم عطية بعد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بمدة كما أخرجه البخاري (¬3)، ولم يثبت عن ~~أحد من الصحابة مخالفتها في ذلك، وما روى عن عائشة: "لو رأى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ما أحدث النساء لمنعهن المساجد" (¬4)، لا يدل على تحريم ~~خروجهن ولا على نسخ ذلك بل على بقاء الحكم، وأقول: إن في لفظ حديث أم عطية ~~قرينة على حمل الأمر على الندب وهو قوله: "يشهدن الخير ودعوة المسلمين"، إذ ~~لو كان واجبا لما علل بذلك، ولكان خروجهن لأداء الواجب عليهن وامتثال ~~الأمر. والله أعلم. # 370 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة". متفق عليه (¬5). PageV04P019 # في الحديث دلالة على أن تأخير الخطبة هو السنة التي داوم ms0591 (أ) عليها النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - واقتدى به فيها الخليفتان واستمرا على ذلك، وظاهر ~~المحافظة على التقديم للصلاة وعلى فعل (ب) الخطبة بعدها وجوب ذلك، ولكن ~~الظاهر أنه إجماع على عدم وجوب الخطبتين، وعلى أنه إذا قدمتا لم يشرع ~~إعادتهما، وإن فعل خلاف السنة، وقد قيل: إن عمر - رضي الله عنه - قد فعل ~~الخطبة قبل الصلاة. واعترض الرواية عياض. و (ج) قال: لا يصح ولكنه مدفوع ~~بأن عبد الرزاق وابن أبي شيبة (¬1) روياه جميعا عن ابن عيينة عن يحيى بن ~~سعيد الأنصاري عن يوسف بن عبد الله بن سلام. وهذا إسناد صحيح ولكنه معارض ~~برواية ابن عمر هذه، وبما أخرج أيضا البخاري عن ابن عباس (¬2)، ويمكن ~~التوفيق بأن ذلك وقع من عمر نادرا، وقد روى التقديم للخطبة عن عثمان. أخرج ~~ابن المنذر (¬3) بإسناد صحيح إلى الحسن البصري قال: أول من خطب قبل الصلاة ~~عثمان، ثم صلى بعد ذلك قبل الخطبة ثم رأى ناسا لم يدركوا الصلاة فقدم ~~الخطبة، فكان الحامل له على تقديم الخطبة النظر في مصلحة المسلمين لإدراكهم ~~الصلاة والسبب في PageV04P020 # ذلك: أنه لما اتسع المسلمون في المدينة وتباعدت ديارهم فكان في المبادرة ~~بالصلاة عقيب خروج الإمام تسبيب لفوات الصلاة على من تأخر خروجه عن خروج ~~الإمام فإذا قدم الخطبة حصلت المهلة والانتظار لمن لم يبادر بالخروج، وفي ~~هذا ملمح لعدم وجوب الخطبة إذ لم يبال بعدم إدراكها. # [والصريح في ذلك ما أخرجه النسائي وابن ماجه وأبو داود من حديث عبد الله ~~بن السائب قال: "شهدت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العيد فلما قضى ~~الصلاة قال: إنا نخطب فمن أحب أن يجلس للخطبة فليجلس، ومن أحب أن يذهب ~~فليذهب" (¬1)] (أ). وفي حديث أبي سعيد الخدري كما أخرجه البخاري (¬2) ما ~~يدل على أن أول من خطب قبل الصلاة مروان، فإنه قال بعد أن ساق ما كان (ب) ~~يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم -: فلم يزل الناس على ذلك حتى خرجت مع ~~مروان، وهو أمير المدينة، في أضحى أو ms0592 فطر فلما أتينا المصلى إذا منبر بناه ~~كثير بن الصلت، فإذا مروان يريد أن يرتقيه قبل أن يصلي فجبذت بثوبه فجبذني ~~فارتفع فخطب قبل الصلاة فقلت له: غيرتم والله، فقال: أبا سعيد قد ذهب ما ~~تعلم، فقلت: ما أعلم والله خير، فقال: إن الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد ~~الصلاة فجعلتها (ج) قبل الصلاة. PageV04P021 # وقد أخرج الشافعي (¬1) من حديث عبد الله بن يزيد: حتى قدم معاوية فقدم ~~الخطبة، ففيه دلالة على أن معاوية الذي قدم، وروى ابن المنذر (¬2) عن ابن ~~سيرين: أن أول من فعل ذلك زياد بالبصرة، ويمكن التوفيق بينها (أ) بأن عثمان ~~فعل ذلك لا على جهة المداومة، وإنما هو منظور فيه إلى مصلحة المسلمين وأن ~~معاوية فعل ذلك وداوم عليه، واقتدى به أميراه لغرض لهم في ذلك من مدح بعض ~~الناس، وذم بعض وفهموا من الناس، اجتناب الخطبة، وتنزههم عن سماع ما لم ~~ينبغ استماعه مما خولف به السنة. # 371 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى يوم العيد ركعتين لم يصل قبلها ولا بعدها. أخرجه السبعة (¬3). # وعنه: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى العيد بلا أذان ولا إقامة" ~~أخرجه أبو داود (¬4) وأصله في البخاري. PageV04P022 # في الحديث دلالة على أن صلاة العيد ركعتان فقط، وهو إجماع (¬1) لمن صلاها ~~مع الإمام في الجبانة، وأما إذا فاتته صلاة الإمام وصلى وحده فكذلك على قول ~~الأكثر، وذهب أحمد والثوري إلى أنه يصلي أربعا (¬2)، وأخرج سعيد بن منصور ~~عن ابن مسعود: "من فاته صلاة العيد مع الإمام فليصل أربعا" وهو إسناد صحيح، ~~وقال إسحاق: إن صلاها في الجبانة فركعتين وإلا فأربعا. وقال أبو حنيفة ~~(¬3): إذا قضى صلاة العيد فهم مخير بين اثنين أو (أ) أربعا، [والقضاء غير ~~لازم، وإنما خيره لأن صلاة العيد قائمة مقام صلاة الضحى إلا أن شرائطها ~~كشرائط الجمعة، فإذا فاتت لعدم الشرائط صلى صلاة الضحى، فخير بين ركعتين أو ~~أربع، ودليل قيامها مقام الضحى أنها لا تصلى الضحى قبلها، والضحى ms0593 غير ~~واجبة، فكانت (ب) مع فوات الشرائط غير واجبة، وفي حديث ابن مسعود أنه يقرأ ~~في الأولى بسبح (ج) اسم ربك الأعلى، والثانية والشمس، والثالثة والليل، ~~والرابعة والضحى. رواه في المحيط، كذا (د) في شرح القدوري] (ه). # واعلم أن صلاة العيدين مجمع على شرعيتها، واختلف في حكمها، PageV04P023 # فذهب الهادي وأبو حنيفة إلى أنها واجبة فرض عين (¬1)، ويدل على ذلك ما ~~ذكر (أ) في هذه الأحاديث من محافظته - صلى الله عليه وسلم - على ذلك، ~~والخلفاء من بعده، ودليل التأسي قائم، وأيضا فإن في حديث الركب الذي مر: ~~"وإذا أصبحوا يغدوا إلى مصلاهم" (¬2) بعد ذكر الأمر في أوله، وظاهر الأمر ~~الوجوب وأيضا فقوله (ب) تعالى: {فصل لربك وانحر} (¬3) على بعض الوجوه أن ~~المراد صلاة عيد الأضحى وهو أمر وقوله تعالى: {قد أفلح من تزكى (14) وذكر ~~اسم ربه فصلى (15)} (¬4) كما هو عند كثير من السلف أن المراد به إخراج زكاة ~~الفطر وصلاة عيد الفطر، وذهب أبو طالب وأحد قولي الشافعي والإصطخري وأحمد ~~(¬5) إلى أنها فرض كفاية، إذ هي شعار وهو يسقط بقيام البعض به كالجهاد، ~~وذهب زيد بن علي والناصر والإمام يحيى والمؤيد وأحد قولي الشافعي وأكثر ~~أصحاب الشافعي (¬6) إلى أنها سنة مؤكدة، ومواظبته - صلى الله عليه وسلم - ~~لتأكيد السنية في ذلك. قالوا: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "خمس صلوات PageV04P024 # كتبهن الله على العباد" (¬1) فهو قرينة على ذلك، ويجاب عنه بأن الاحتجاج ~~بمفهوم العدد، وهو محتمل أن يكون المفهوم خرج مخرج الغالب، وهو أنه لما كان ~~ذلك هو الأغلب في الأوقات، وكان العيد وقوعه في وقت يسير من السنة، فلا ~~يعمل بالمفهوم وهو أنه عارضه ما هو أقوي منه ما (أ) تقدم، وهو يطرح مع ذلك. ~~والله أعلم. # و (ب) قوله: (ج) ولم يصل قبلها ولا بعدها، فيه دلالة على أنها لم تشرع ~~(¬2) النافلة قبل صلاة العيد ولا بعدها؛ لأنه إذا لم يصل - صلى الله عليه ~~وسلم - دل على أنه غير مشروع في حقه إذ لو كان مشروعا لفعله، ومع قيام دليل ~~التأسي ms0594 فحكمنا حكمه، ولكنه لم يكن في هذه الرواية ما يدل على مواظبته الترك ~~وإنما حكى صلاة وقع فيها هذه الصورة المذكورة [وفيما سيأتي حديث أبي سعيد ~~يدل على مواظبته على الترك] (د)، (ه وقد اختلف في حكم هذا، فذكر ابن المنذر ~~عن أحمد (¬3) أنه قال: الكوفيون يصلون بعدها لا قبلها (و) (ه)، والبصريون ~~يصلون قبلها لا بعدها، والمدنيون لا قبلها ولا بعدها، PageV04P025 # وبالأول قال الأوزاعي والثوري والحنفية (¬1)، وبالثاني قال الحسن البصري ~~وجماعة، وبالثالث قال الزهري وابن جريج (¬2)، وأحمد، ومالك (¬3) منع في ~~المصلى، وعنه في المسجد روايتان، وقال الشافعي في الأم، ونقله البيهقي عنه ~~في المعرفة بعد أن روى حديث الباب ما نصه: وأحب للإمام ألا يتنفل قبلها ولا ~~بعدها وأما المأموم فمخالف له (¬4) في ذلك، ثم بسط الكلام في ذلك، وقال ~~الرافعي (¬5): يكره للإمام التنفل قبل العيد وبعدها، وقيده في البويطي في ~~المصلى، وجرى على ذلك الصيمري فقال: لا بأس بالنافلة قبلها وبعدها مطلقا ~~إلا للإمام في موضع الصلاة، وهذا يؤيده ما أخرجه ابن ماجه (¬6) بإسناد حسن ~~من حديث أبي سعيد الآتي: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يصلي قبل ~~العيد شيئا، وإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين" وقد صححه (أ) الحاكم (¬7)، وفي ~~هذا دليل المواظبة على الترك وبهذا قال إسحاق، ونقل بعض المالكية (¬8) ~~الإجماع على أن الإمام لا يتنفل في المصلى، وهذا جميعه يدل على أن صلاة ~~العيد ليس لها سنة لأنه لم يثبت PageV04P026 # فعل ذلك لا قبلها ولا بعدها خلافا لمن قاسها على الجمعة فأثبت لها سنة ~~وبقي الاحتمال إذا صليت في المسجد، وقعد في المسجد قبل أن تقام هل يصلي ~~تحية المسجد لقيام دليلها؟ أو لا يصليها لخصوص كونه قبل صلاة العيد، وحينئذ ~~تعارض الدليلان ويحتاج إلى الترجيح. والله أعلم. # [وقوله بلا أذان ولا إقامة، فيه دلالة على عدم شرعيتها، وأن فعل ذلك محدث ~~بدعة، وروى ابن أبي شيبة (¬1) بإسناد صحيح عن سعيد بن المسيب أن أول من ~~أحدث الأذان لصلاة العيد معاوية، وروى الشافعي ms0595 (¬2) عن الثقة عن الزهري ~~مثله وزاد، وأخذ به الحجاج حين أمر على المدينة، وروى ابن (1) المنذر عن ~~حصين بن عبد الرحمن قال: أول من أحدثه زياد بالبصرة، وقال الداودي (¬3): ~~أول من أحدثه مروان، وقال ابن حبيب (1): أول من أحدثه عبد الله بن الزبير، ~~وأقام أيضا، وفيه ما تقدم، وقد روى الشافعي (¬4) عن الثقة عن الزهري قال: ~~"كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر المؤذن في العيدين فيقول: ~~الصلاة جماعة"، وهذا مرسل يعضد بالقياس على صلاة الكسوف لثبوت ذلك كما ~~سيأتي إن شاء الله، قال الشافعي: أحب أن يقول: الصلاة، أو الصلاة جامعة، ~~وإن قال: هلموا إلى الصلاة لم أكرهه، وإن قال: حي على] (أ) PageV04P027 # [الصلاة أو غيرها من ألفاظ الأذان كرهت (أ) ذلك (¬1). والله أعلم (ب)] (ج). # 372 - وعن أبي سعيد - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لا يصلي قبل العيد شيئا، فإذا رجع إلى منزله صلى ركعتين". رواه ~~ابن ماجه بإسناد حسن (¬2). # وعنه قال: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يخرج يوم الفطر والأضحى إلى ~~المصلى وأول شيء يبدأ به الصلاة ثم ينصرف، فيقوم مقابل الناس، والناس على ~~صفوفهم فيعظهم ويأمرهم". متفق عليه (¬3). # حديث أبي سعيد الأول أخرجه الحاكم وأحمد، وروى الترمذي عن ابن عمر (¬4) ~~نحوه وصحه، وهو عند أحمد والحاكم، وله طريق أخرى عند PageV04P028 # الطبراني في الأوسط لكن فيه جابر الجعفي وهو متروك (¬1)، وأخرج البزار ~~(¬2) من حديث الوليد بن سريع عن علي في قصة له "أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يصل قبلها (أ) ولا بعدها، فمن شاء فعل، ومن شاء ترك". وأخرج أحمد ~~من حديث عبد الله بن عمر (¬3) مرفوعا: "لا صلاة يوم العيد قبلها ولا بعدها" ~~وهذا الحديث الأخير صريح في منع الصلاة مطلقا قبل العيد سواء كان في المصلى ~~أو في غيره، وفي حق الإمام وغيره، وقد أخرج البيهقي (¬4) عن جماعة منهم أنس ~~أنهم كانوا يصلون يوم العيد قبل خروج الإمام. # والحديث الثاني فيه دلالة على شرعية الخروج ms0596 إلى المصلى، والمتبادر منه هو ~~الخروج إلى موضع آخر غير مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو كذلك فإن ~~(ب) مصلاه - صلى الله عليه وسلم - معروف، بينه وبين باب المسجد ألف ذراع، ~~قال عمر بن (شبة) (ج) في أخبار المدينة (¬5). # وقوله: "أول شيء يبدأ (د) به الصلاة"، فيه دلالة على تقديم (ه) الصلاة PageV04P029 # على الخطبة وعلى أنه لم يشتغل بتقديم نافلة، وقد تقدم ذلك، وقوله: "ثم ~~ينصرف" إلخ وفي رواية ابن حبان "ثم ينصرف إلى الناس قائما في مصلاه"، ولابن ~~خزيمة (¬1) في رواية مختصرة: "خطب يوم عيد على رجليه" (أ) هذا كله مشعر ~~بأنه لم يكن في المصلى في زمانه منبر، وفي تمام القصة التي ذكرها البخاري ~~في حديث أبي سعيد أن أول من اتخذ المنبر في المصلى مروان، وقد وقع في ~~المدونة لمالك (¬2)، (ورواه عمر بن شبة (¬3) عن أبي (ب) عساكر عنه قال: أول ~~من خطب الناس في المصلى على منبر عثمان بن عفان كلمهم (ج) على منبر من طين ~~بناه كثير بن الصلت، وهذا معضل، وما في الصحيحين أصح، ويحتمل أن يكون عثمان ~~فعل ذلك مرة، ثم تركه حتى أعاده مروان، ولم يطلع على ذلك أبو سعيد، وإنما ~~اختص كثير بن الصلت بالبناء له لكون داره كانت مجاورة للمصلى، وهو تابعي ~~كبير (¬4)، ولد في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقدم المدينة هو ~~(د) وإخوته بعده فسكنها وكان اسمه قليلا فسماه عمر كثيرا وقد صح سماعه من ~~عمر PageV04P030 # وغيره وكان له شرف وذكر، وهو ابن أخي حمد (أ) بفتح الحاء وسكون الميم أو ~~فتحها، أحد ملوك كندة الذين قتلوا (ب) في الردة، وقد ذكر أباه في الصحابة ~~ابن منده وفي صحة ذلك نظر. # وقوله: "فيعظهم (ب) ويأمرهم"، تفصيل لحال (د) الخطبة فإنها مشتملة على ذلك. # 373 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال نبي الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "التكبير في الفطر سبع في الأولى، وخمس في الأخيرة والقراءة ~~بعدهما كلتيهما". أخرجه أبو داود ms0597 (¬1). # ونقل الترمذي (¬2) عن البخاري تصحيحه. PageV04P031 # وهو أبو إبراهيم عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص ~~السهمي، سمع أباه وابن المسيب وطاوسا، روى عنه الزهري وداود ابن أبي هند ~~وأيوب وابن جريج وعطاء بن أبي رباح ويحيى بن سعيد وعمرو ابن دينار، ولم ~~يخرج البخاري ومسلم حديثه في صحيحيهما (أ)؛ لأن الضمير في أبيه وجده إن كان ~~عائدا إليه كان المعنى أن أباه شعيبا روى عن جده محمد أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: كذا، مثلا فيكون مرسلا لأن جده محمدا لم يدرك النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وإن كان الضمير الذي في أبيه عائدا إلى عمرو ~~والضمير في جده عائدا إلى شعيب فيراد أن شعيبا روى عن جده عبد الله فشعيب ~~لم يدرك جده عبد الله، فلهذه العلة لم يخرجاه في صحيحيهما (ب). وقال الذهبي ~~(¬1): قد ثبت سماع شعيب من جده عبد الله وعن (ج) معاوية وابن عباس وابن عمر ~~ثم قال بعد حكاية اختلاف السلف والخلف في قبول روايته: وقد احتج به أرباب ~~السنن الأربعة وابن خزيمة وابن حبان في بعض الصور والحاكم (¬2). والحديث ~~أخرجه أحمد وعلي بن PageV04P032 # المديني وصححاه وقد رووه أيضا من حديث عائشة (¬1) وفيه ابن لهيعة (¬2) ~~وضعفه البخاري كما حكاه عنه الترمذي وفيه أيضا اضطراب (¬3) عن ابن لهيعة، ~~وأخرجه ابن ماجه (¬4) من حديث سعد (أ) القرظ وذكره (ب) ابن أبي حاتم في ~~العلل (¬5) عن أبي واقد الليثي، وقال عن أبيه: إنه باطل. ورواه البزار (¬6) ~~من حديث عبد الرحمن بن عوف، وصح الدارقطني (¬7) إرساله ورواه البيهقي (¬8) ~~عن ابن عباس وهو ضعيف، ورواه الدارقطني والبزار من حديث ابن عمر (¬9) مثله، ~~وفيه فرج بن فضالة (¬10) وهو ضعيف، قال أبو PageV04P033 # حاتم: هو خطأ (¬1)، وأخرجه الترمذي وابن ماجه والدارقطني وابن عدي ~~والبيهقي من حديث كثير بن عبد الله بن عمرو (¬2) بن عوف عن أبيه عن جده، ~~وكثير (¬3) ضعيف، قال الشافعي: ركن من أركان الكذب. وقال ابن حبان: له نسخة ~~موضوعة عن أبيه عن جده، ms0598 وقد قال البخاري والترمذي (¬4): إنه أصح شيء في هذا ~~الباب، وأنكر جماعة تحسينه على الترمذي وروى العقيلي (¬5) عن أحمد أنه قال: ~~ليس يروى في التكبير في العيدين حديث صحيح، وقال الحاكم (¬6): الطرق إلى ~~عائشة وابن عمرو وعبد الله بن عمر (أ)، طريق عمرو بن شعيب (ب وأبي هريرة هي ~~من طريق ابن لهيعة ب) فاسدة. # وفي الباب عن أبي جعفر عن علي (¬7) موقوفا ورواه عبد الرزاق عن ابن عباس ~~(¬8) موقوفا، ورواه ابن أبي شيبة (¬9)، وقال ابن رشد (¬10): إنما صاروا إلى PageV04P034 # الأخذ بأقاويل الصحابة في هذه المسألة لأنه لم يثبت فيها عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - شيء (¬1). # والحديث فيه في لالة على شرعية التكبير في صلاة العيدين، وأنه في الركعة ~~الأولى يكبر سبعا، وفي (أ) الثانية يكبر خمسا، والحديث يحتمل أن السبع ~~بتكبيرة الافتتاح فيكون المختص به العيد ستا في الأولى أو من دونها، ~~والظاهر أنها من دون تكبيرة الافتتاح؛ لأن تكبيرة الافتتاح قد علم حالها، ~~وأنها معتبرة في جميع الصلوات، فلا يحتاج إلى التعريف بها، وإنما المحتاج ~~إلى التعريف هو ما عداها، وقد ذهب إلى هذا علي وأبو بكر وعمر وابن عمر وأبو ~~هريرة وعائشة وزيد بن علي والهادي والقاسم والشافعي والنخعي وأحمد وإسحاق ~~وأبو يوسف ومحمد، وكلامهم محتمل (ب) في أن تكبيرة الافتتاح منها أو من ~~غيرها (¬2) وقال أبو طالب (¬3) وأبو العباس: من غير تكبيرة الافتتاح، وهو ~~وجه عند أصحاب الشافعي، وفي المنتخب عن الهادي (3) PageV04P035 # أنها بتكبيرة الافتتاح. كذا رواه في الانتصار، وهو الذي حصله المؤيد ~~لمذهب الهادي، ومثله عن زيد بن علي، والحديث كما عرفت من الاحتمال، وقال ~~المؤيد بالله: خمس في الأولى وأربع في الثانية، قال: لقول علي - رضي الله ~~عنه - في رواية زيد بن علي، وذهب الثوري وأبو حنيفة (¬1) إلى أنها ثلاث في ~~الأولى، وثلاث في الثانية، وذهب مالك إلى أنها ست (¬2) في الأولى وخمس في ~~الثانية، وذهب ابن مسعود وسعيد بن العاص إلى أنه كالجنازة أربع تكبيرات. ~~روى سعيد بن العاص قال: سألت ms0599 أبا موسى وحذيفة: كيف كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يكبر في الأضحى والفطر؟ فقال أبو موسى: كان (أ) يكبر ~~أربعا كتكبيره على الجنازة، فقال حذيفة: صدق، فقال (ب) أبو موسى: وكذلك كنت ~~أكبر في البصرة حيث كنت عليهم. أخرجه أبو داود (¬3)، والأرجح الصير إلى ما ~~دل عليه الحديث فإنه وإن كان جميع طرقه واهية، ولكنها (ج) يقوي بعضها بعضا. PageV04P036 # وقوله: "والقراءة بعدهما كلتيهما"، فيه دلالة على أن محل التكبير قبل ~~القراءة في الركعتين جميعا، وقد ذهب إلى هذا الشافعي ومالك عملا بهذا ~~الحديث وذهب الهادي والمؤيد وأبو طالب إلى أنه يقدم القراءة على التكبير في ~~الركعتين جميعا، واحتج له في البحر (¬1). قال: لرواية ابن عمر ولفعل علي - ~~رضي الله عنه - والظاهر أنه وهم، فإنه لم يكن عن أحد منهما ما يدل على ذلك ~~وإنما الرواية عنهما في عدد التكبير كما عرفت، وفي رواية زيد بن علي عن علي ~~- رضي الله عنه - كما في مذهب الشافعي ومالك، وذهب القاسم والناصر وأبو ~~حنيفة (¬2) إلى أنه يقدم التكبير في الركعة الأولى، ويؤخره في الثانية ~~ليوالي بين القراءتين لرواية ابن مسعود لذلك عن (¬3) النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حكاها في الانتصار، والأقوى هو المذهب الأول لما عرفت، وظاهر ما دل ~~عليه الحديث في صفتها من التكبير أنه لا يجوز النقصان عن ذلك لقوله: ~~"التكبير" إلخ. . فإن فيه تعريف صفتها، ومفهوم العدد يقضي أنه لا يزيد على ~~ذلك ولا ينقص، فمن أخل بشيء من ذلك فقد أخل بركن، فيجب عليه الإعادة سواء ~~كان تركه عمدا أو سهوا إلا أنه إذا ترك شيئا من التكبير سهوا وذكره في ~~الصلاة رجع لتمامه، وألغى ما تخلل على مقتضى (¬4) القواعد، وإن كان بعد ~~تمام الصلاة أعادها في الوقت، وقال الشافعي: إنه لا يعيد الصلاة ولا يسجد ~~للسهو؛ لأن PageV04P037 # التكبيرات عنده لا فرضا ولا بعضا من الفرض (¬1) وإنما يكره أترك التكبير ~~أو ترك بعضه، وكذلك الزيادة، وإن نسي فعله قبل القراءة حتى يشرع (أ) في ~~القراءة فإن فعله ms0600 في الجديد وفي القديم يكبر ما لم يركع لبقاء القيام، وهو ~~محله، فإن رجع بعد (ب) الركوع لفعل التكبير فجزم الرافعي (¬2) ببطلان صلاته ~~مع العلم لا مع الجهل فيعذر، (ج) هكذا في عجالة المحتاج إلى المنهاج، (د) ~~وقال أبو حنيفة: لا يعيد ويسجد للسهو وإذا أتى المؤتم، وقد كبر الإمام شيئا ~~من التكبير، فقالوا: إنه يتحمل ما فعله مما فات اللاحق، ولا يظهر وجه هذا ~~القول، وإذا اختلف مذهب الإمام والمؤتم في التكبير فإنه يفعل المؤتم ما ترك ~~الإمام. وأما العكس لو فعل الإمام زائدا على ما يعتقد فعله المؤتم متابعته ~~(5) لئلا يخالف إمامه (و) والله أعلم. # 374 - وعن أبي واقد الليثي - رضي الله عنه - قال: "كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV04P038 # يقرأ في الأضحى والفطر (أ) بقاف، واقتربت". أخرجه مسلم (¬1). # هو أبو واقد بكسر القاف والدال (المهملة) (ب)، اسمه الحارث بن عوف ~~الليثي، وقيل: الحارث بن مالك، وقيل: عوف بن الحارث بن أسيد بفتح الهمزة ~~وكسر السين المهملة، وهو قديم الإسلام قيل: إنه شهد بدر، وكان معه لواء بني ~~ليث وضمرة وسعد بني (ج) بكر يوم الفتح، وقيل: إنه من مسلمة الفتح، والأول ~~أصح. عداده في (د) أهل المدينة، وجاور بمكة سنة ومات بها سنة ثمان وستين، ~~وقيل: خمس وستين، وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: ابن خمس وثمانين، ودفن (ه) ~~بفخ وهو بالفاء والخاء المعجمتين. روى عنه عبيد الله (و) بن عبد الله بن ~~عتبة وأبو مرة مولى عقيل بن أبي طالب (¬2). # وفي الحديث دلالة على أن قراءة السورتين في ركعتي العيد سنة، وفي PageV04P039 # رواية أيضا لمسلم (¬1): "بسبح، والغاشية"، ويجمع بأنه وقع ذلك جميعه ~~فيكون المصلي مخيرا، وقد ذهب إلى سنية ذلك الشافعي ومالك (¬2)، وقالت ~~الهادوية وأبو حنيفة (¬3) وأصحابه: إن ذلك غير متعين، بل يقرأ ما شاء من ~~السور قياسا على سائر الصلاة، والرجوع إلى ما فعله - صلى الله عليه وسلم - ~~إن لم يكن واجبا، فأقل الأحوال الندب، ومع المواظبة السنية [وإنما اختصت ~~قراءته بهما (أ) لما فيهما ms0601 من ذكر النشور وشبهه بخروج الناس إلى العيد كما ~~يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (¬4)، والخروج إلى المصلى لرجاء ~~الغفران والسرور، فالعيد كالصدر (¬5) بالمحشر إلى الجنة مغفور، لهم وفي ~~سماعه لهما دليل على جهر القراءة فيهما ولا خلاف في ذلك] (ب). # 375 - وعن جابر - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا كان يوم العيد خالف الطريق". أخرجه البخاري (¬6). # ولأبي داود عن ابن عمر نحوه (¬7). PageV04P040 # قوله: "إذا كان يوم العيد"، لفظ كان تامة لا تحتاج إلى خبر، أي إذا وقع ~~يوم العيد. وقوله: "خالف الطريق"، يعني أن يعود من مصلاه في طريق غير ~~الطريق التي أتاها عند ذهابه إليه. [وقد ورد تعيين الطريقين عند ابن ماجه ~~من طريق أبي رافع (¬1) عن أبيه عن جده: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان إذا خرج إلى العيدين سلك على دار سعد بن أبي وقاص، ثم على أصحاب ~~الفساطيط ثم انصرف من طريق بني زريق، ثم يخرج على دار عمار بن ياسر ودار ~~أبي هريرة إلى البلاط] (أ) قال الترمذي (¬2): أخذ بهذا بعض أهل العلم، ~~واستحبه للإمام وبه يقول الشافعي انتهى. وقد قال به أكثر أهل العلم، ويكون ~~ذلك مشروعا للإمام (ب) والمأموم، والذي في "الأم" للشافعي (¬3) رحمه الله: ~~يستحب للإمام والمأموم، وقد اختلف في المعنى المناسب لتعليل المخالفة. # قال المصنف (¬4) -رحمه الله-: اجتمع لي منها أكثر من عشرين قولا PageV04P041 # وها أنا أذكرها ملخصا لذلك مبينا لا في بعضها من البعد عن المناسبة. # فمن ذلك أنه فعل المخالفة لتشهد له الطريقان، وهو محتمل للحقيقة أو ~~المجاز عن ساكنهما من الجن أو الملك، وقيل: ليسوي بينهما في مزيد الفضل ~~بمروره أو بالتبرك به لشم رائحة المسك من الطريق التي مر بها لأنه كان يعرف ~~بذلك، وقيل: لأن طريقه إلى المصلى كانت على اليمين فلو رجع منها لرجع إلى ~~جهة الشمال فرجع من غيرها وهذا مستقيم إذا (أ) لم يكن في المعدول عنها مرجع ~~آخر، وقيل: لإظهار ذكر الله تعالى ms0602 فيهما، وقيل: ليغيظ المنافقين واليهود، ~~وقيل: ليرهبهم بكثرة من معه، ورجحه ابن بطال (¬1)، وقيل: حذرا من كيد ~~الطائفتين أو إحداهما، وفيه بعد إذ لا يستقيم هذا إلا إذا كان لا يعتاد ~~طريقا معينا وقد ورد خلاف ذلك كما في رواية الشافعي (¬2) من طريق المطلب بن ~~عبد الله بن حنطب مرسلا: "أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يغدو يوم العيد ~~إلى المصلى من الطريق الأعظم، ويرجع من الطريق الآخر، وقيل: ليعمهم بالسرور ~~به والتبرك بمروره برؤيته والانتفاع به في قضاء حوائجهم في الاستفتاء أو ~~التعليم أو الاسترشاد أو الصدقة أو السلام عليهم أو غير ذلك وقيل: ليزور ~~أقاربه الأحياء والأموات، وقيل: ليصل رحمه، وقيل: للتفاؤل بتغير الحال إلى ~~المغفرة والرضى، وقيل: كان في ذهابه يتصدق فإذا رجع كره أن يسأل ولم يبق ~~معه شيء، وهذا لا يستقيم على تعيين الطريق، وقيل: لتخفيف الزحام، وهذا رجحه ~~الشيخ أبو حامد PageV04P042 # وأيده المحب الطبري بما رواه البيهقي من حديث ابن عمر فقال: "ليسع ~~الناس"، وتعقب بأنه ضعيف، وبأن قوله: "ليسع الناس"، يحتمل أنه يسعهم ببركته ~~وفضله فلا يفيد المطلوب، وقيل: كان يمشي في الذهاب في الطريق الأبعد ليكثر ~~له الثواب بتكثير الخطا إلى الجماعة، ويعود في الطريق الأقرب لفوات الحامل ~~على تكثير الخطا، وهذا اختيار الرافعي، وتعقب بأن الخطا تكتب في العود أيضا ~~كما ثبت في حديث أبي بن كعب (¬1) عند الترمذي وغيره، وقيل: إن الملائكة تقف ~~في الطرقات، فأراد أن تشهد له ملائكة الطريقين، وقيل: فعل ذلك اقتداء بقول ~~يعقوب: {لا تدخلوا من باب واحد} (¬2) حذرا من العين، وعمم صاحب الهدي (¬3) ~~فقال (أ): إنه فعل ذلك لجميع الاحتمالات القريبة التي يمكن اعتبارها، والله أعلم. # 376 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "قدم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - المدينة، ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: "قد أبدلكم الله خيرا منها ~~يوم الأضحى، ويوم الفطر". أخرجه أبو داود والنسائي بإسناد صحيح (¬4). PageV04P043 # في الحديث دلالة على أن السرور وإظهار النشاط والحبور في العيدين مندوب، ~~وأن ذلك ms0603 من الشريعة التي شرعها الله لعباده، إذ في إبدال عيدي الجاهلية ~~بالعيدين المذكورين دلالة على أنه يفعل في العيدين المشروعين مثلما تفعله ~~الجاهلية في أعيادها، وإنما خالفهم في تعيين الوقتين، وأما التوسعة على ~~العيال في أيام الأعياد بما يحصل لهم به من بسط النفس وترويح البدن من كلف ~~العبادة، وأن الإعراض عن ذلك أولى، فهو مشروع، [ولكنه قد شرع للمسلمين ~~فيهما (أ) إظهار تكبير الله وتحميده ظهورا شائعا يغيظ المشركين، وقيل: ~~إنهما يقعان شكرا على ما أنعم به من أداء العبادات التي في وقتهما (ب)، ~~فعيد الفطر يشكر لله (ج) تعالى على تمام صوم شهر رمضان، وعيد الأضحى شكر له ~~(د) على العبادات الواقعة في العشر، وأعظمها إقامة وظيفة الحج] (5)، وقد ~~استنبط بعضهم كراهة الفرح في أعياد المشركين والتشبه بهم وبالغ الشيخ ~~الكبير أبو حفص النسفي من الحنفية، وقال: من أهدى فيه بيضة (و) إلى مشرك ~~تعظيما لليوم فقد كفر بالله تعالى (¬1). PageV04P044 # 377 - وعن علي - رضي الله عنه - قال: "من السنة أن تخرج إلى العيد ~~ماشيا". رواه الترمذي وحسنه (¬1). ورواه الترمذي من حديث الحارث الأعور ~~(¬2)، وروى البيهقي (¬3) وابن حبان في الضعفاء نحوه من حديث ابن عمر ~~مرفوعا، وللبزاز (¬4) عن سعد نحوه، وروى سعيد بن منصور عن الزهري مرسلا ~~(¬5) أنه - صلى الله عليه وسلم - ما ركب في عيد ولا جنازة، وقال الشافعي ~~(¬6): بلغنا عن الزهري فذكره، وروى ابن ماجه (¬7) من حديث أبي رافع وسعد ~~القرظ وابن عمر أنه كان يخرج إلى العيد ماشيا ريرجع ماشيا. # في الحديث دلالة على شرعية المشي في هذا الشعار العظيم، فحديث على - رضي ~~الله عنه - في الخروج فقط وفي هذا حديث ابن ماجه في PageV04P045 # الخروج والعود، والبخاري (¬1) رحمه الله تعالى بوب في الصحيح على (المشي) ~~(أ) والركوب فقال: باب المشي والركوب إلى العيد. فسوى بين الأمرين ولعله ~~لما رأى من عدم صحة الحديث فرجع إلى الأصل من التوسعة، وبعضهم قال: لعل ~~البخاري استنبط من حديث جابر أن النبي، - صلى الله عليه وسلم - توكأ على يد ~~بلال، ms0604 والاتكاء فيه ارتفاق واستراحة من التعب فقاس الركوب عليه عند ~~الاحتياج إليه للاستراحة (¬2)، والله أعلم. # 378 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - "أنهم أصابهم مطر في يوم عيد، فصلى ~~بهم النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاة العيد في المسجد". رواه أبو داود ~~(¬3) بإسناد لين. الحديث في إسناده رجل من القرويين لم يسم، وقد سماه ~~الربيع بن سليمان المؤذن في رواية عيسى بن عبد الأعلى بن أبي فروة، وأخرجه ~~أيضا ابن ماجه والحاكم بإسناد ضعيف، وقال الشافعي (¬4) في الأم: بلغنا أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج في العيدين إلى المصلى ~~بالمدينة، وكذا من بعده إلا من عذر مطر أو نحوه، وكذا عامة أهل البلدان إلا ~~أهل مكة ثم أشار إلى أن سبب ذلك سعة المسجد، وضيق أطراف مكة، قال: فلو عمر PageV04P046 # بلد، وكان مسجد أهله يسعهم في الأعياد لم أر أن يخرجوا، فإن لم يسعهم ~~كرهت الصلاة. فيه، فكلامه يقضي بأن (أ) العلة في الخروج هو أن المطلوب عموم ~~الاجتماع، ولذا أمر - صلى الله عليه وسلم - بإخراج العواتق وذوات الخدور، ~~فإذا حصل في المسجد فهو أفضل، وإن لم يحصل خرج إلى الصحراء، ولذلك إن مسجد ~~مكة لما كان واسعا لم يخرج منه لسعته، وضيق أطراف مكة، وذهب -إلى مثل ما ~~أشار إليه الشافعي- الإمام يحيى (¬1) وجماعة، وقالوا: الصلاة في المسجد ~~أفضل، وذهب العترة ومالك (¬2) إلى أن الخروج إلى الجبان أفضل، وحجتهم ~~محافظته - صلى الله عليه وسلم - على ذلك وما صلى في المسجد إلا لعذر فدل ~~المحافظة إلى أن ذلك هو الأفضل لأنه لا يحافظ إلا على ما كان أولى، وقول ~~علي - رضي الله عنه - فإنه روي أنه خرج إلى الجبان في يوم عيد، وقال: "لولا ~~السنة لصليت في المسجد" (¬3) واستخلف من يصلي بضعفة الناس في المسجد. ~~قالوا: فإن كان في الجبان مسجد مكشوف فهي فيه أفضل، وإن كان مسقوفا ففيه ~~تردد هل وافق الأفضل أم لا؟ والله أعلم. # فائدة: اشتهر في السير أن أول عيد شرع في الإسلام عيد ms0605 الفطر، وأنه في ~~السنة الثانية من الهجرة، واستقراء الأحاديث والروايات يدل على أنه لم PageV04P047 # يترك - صلى الله عليه وسلم - صلاة العيد حتى فارق الدنيا، إلا أن في حديث ~~جابر (¬1) الطويل في ذكر أعمال حجته - صلى الله عليه وسلم - وذكر رمي جمرة ~~العقبة ثم أتى النحر فنحر ولم يذكر الصلاة حتى جزم (¬2) الرافعي (أ) بأنه ~~لم يصل في منى، وقد ذكر ابن حزم (¬3) أنه صلاها في حجة الوداع، واستنكر ~~عليه ذلك. # فائدة أخرى: التكبير في العيدين مشروع إجماعا إلا عن النخعي فالتكبير في ~~يوم الفطر، قال الناصر: إنه واجب لقوله تعالى: {ولتكملوا العدة ولتكبروا ~~الله على ما هداكم} (¬4) والأكثر على أنه سنة (¬5)، وهو من خروج الإمام من ~~بيته للصلاة إلى ابتداء الخطبة عند الأكثر، قال البيهقي (¬6): وقد روي من ~~وجهين مرفوعين ضعيفين أحدهما عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يخرج في العيد مع الفضل بن عباس وعبد الله والعباس وعلي وجعفر والحسن ~~والحسين وأسامة بن زيد وزيد بن حارثة وأيمن ابن أم أيمن، رافعا صوته ~~بالتكبير والتهليل، فيأخذ طريق الحدادين حتى يأتي PageV04P048 # المصلى، وإذا فرغ رجع على الحدادين يعني يأتي منزله (¬1)، والثاني أنه ~~كان يكبر يوم الفطر حين يخرج من بيته حتى يأتي المصلى. قال: وهذه أضعفهما ~~(¬2)، وهذه رواها الحاكم في مستدركه وقال: (¬3) هذا حديث غريب الإسناد ~~والمتن، غير أن الشيخين لم يحتجا بالمؤمري ولا بالبلقاوي. قال: وهذه السنة ~~تداولها أئمة الحديث. قال: وقد صحت به الرواية عن ابن عمر (¬4) وغيره من ~~الصحابة، وأخرج البيهقي (¬5) موقوفا على ابن عمر أنه كان يكبر ليلة الفطر ~~حتى يغدو إلى المصلى، وقال: ذكر الليلة فيه غريب. قال: وهذا الموقوف صحيح. ~~وذهب الناصر (¬6) إلى أنه من مغرب أول ليلة من شوال إلى عصر يومها خلف كل ~~صلاة، وذهب الشافعي (¬7) إلى أنه من PageV04P049 # الغروب إلى خروج الإمام للاشتغال بأهبة الصلاة، وعنه حتى يصلي، وعنه حتى ~~يفرغ من الخطبة، ولا يختص فعله بتعدي فعل الصلوات، إذ لا دليل، وقيل: بل ~~عقيب الصلوات. # وصفته ms0606 تكبيرات أربع (أ) يتوسطهما (ب) تهليل ثم لله الحمد والحمد لله، وفي ~~فضائل الأوقات للبيهقي بإسناد إلى أبي عثمان النهدي قال: كان سلمان الفارسي ~~- رضي الله عنه - يعلمنا التكبير يقول: كبروا: الله أكبر الله أكبر الله ~~أكبر كبيرا، أو قال: كثيرا. اللهم أنت أعلى وأجل من أن يكون لك صاحبة، أو ~~يكون لك ولد، أو يكون لك شريك في الملك، أو يكون لك ولي من الذل، وكبره ~~تكبيرا، اللهم اغفر لنا، اللهم ارحمنا. ولا فضل له على تكبير الأضحى ~~لاستواء دليلهما، وأما تكبير عيد الأضحى، فقال بوجوبه الناصر (¬1) كذلك ~~لقوله تعالى: {واذكروا الله في أيام معدودات} (¬2) وقوله تعالى: {كذلك ~~سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم} (¬3) وقال بوجوبه المنصور بالله ~~[والمؤيد وأبو حنيفة ويرد عليهم بأن قوله تعالى: {واذكروا الله في أيام ~~معدودات} إنما يدل على مطلق الذكر وهو يتحقق بأي ذكر صدر، ولكنه يحمل الأمر ~~على الإرشاد لأنه لو كان واجبا لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين ما ~~يجب منه من الكيفية والكمية كتبيين PageV04P050 # سائر المجملات مما أريد به الوجوب، واختلاف المفسرين من الصحابة ~~والتابعين في أنه المراد به الذكر العام في أي ساعة من النهار والليل أو ~~بعد الصلوات أو بعد رمي الجمار وهو أنسب بسياق الآية وكذا قوله {ولتكبروا ~~الله على ما هداكم} فإن الظاهر من التكبير ها هنا هو التعظيم والثناء ويدل ~~عليه التعدية بعلى أي لتثنوا على ما هداكم والتفسير: تكبير التشريق لكونه ~~مما يتحقق به الثناء، ويجاب عنه بمثل ما أجيب عن الآية الأولى ويدل على ~~شرعية تكبير التشريق بخصوصيته بل وعلى سنيته ما توارثه المسلمون خلفا عن ~~سلف ووردت به الآثار عن الصحابة ولها حكم الرفع كما نسمعه الآن] (أ). # وذهب الجمهور (¬1) إلى أنه سنة مؤكدة، وظاهر الآية الكريمة والآثار ~~الواردة عن الصحابة أن ذلك لا يختص بوقت دون وقت بل عقيب الصلاة وغير ذلك ~~من الأوقات، وفيه اختلاف بين العلماء (¬2) في مواضع فمنهم من خص التكبير ~~على أعقاب الصلوات، وقد ذهب ms0607 إلى هذا علي وابن عمر والعترة والثوري وأحمد ~~وإسحاق وأبو يوسف ومحمد وقول للشافعي، ومنهم من خص ذلك بالصلوات المكتوبة ~~دون النوافل، ومنهم من خصه بالرجال دون النساء وبالجماعة دون المنفرد، ~~وبالمؤداة دون المقضية، وبالمقيم دون PageV04P051 # المسافر، وبالمصر دون القرية. وللعلماء أيضا اختلاف في ابتدائه وانتهائه. ~~قيل: من صبح يوم عرفة، وقيل: من ظهره، وقيل: من عصره، وقيل: من صبح يوم ~~النحر، وقيل: من ظهره. وقيل: في الانتهاء: إلى ظهر يوم النحر، وقيل: إلى ~~عصره، وقيل إلى ظهر ثانيه، وقيل: إلى آخر أيام التشريق، وقيل: إلى ظهره، ~~وقيل: إلى عصره، وقد (أ) روى البيهقي الثاني في الانتهاء عن أصحاب ابن ~~مسعود، ولم يثبت في ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث، وأصح (ب) ما ~~ورد عن الصحابة قول علي وابن مسعود: أنه من صبح يوم عرفة إلى آخر أيام منى. ~~أخرجهما ابن المنذر، وأما صفته فأصح ما ورد فيه ما رواه عبد الرزاق بسند ~~صحيح عن سلمان قال: كبروا: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر كبيرا، وأخرجه ~~جعفر الفريابي في كتاب العيدين (¬1) من طريق يزيد (ج) بن أبي زياد عن سعيد ~~بن جبير ومجاهد وعبد الرحمن بن أبي ليلى، وقول للشافعي (¬2)، وزادوا: ولله ~~الحمد. وقيل: يكبر ثلاثا ويزيد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلخ، ~~وقيل: يكبر ثنتين بعدهما: لا إله إلا الله والله أكبر، ولله الحمد، جاء ذلك ~~عن عمر وعن PageV04P052 # ابن مسعود، وله قال أحمد (¬1) وإسحاق، وروى هذا الأخير عن ابن عباس، ~~واختاره الهادي في الأحكام، واستحسن (¬2) بعده: والحمد لله كثيرا، وسبحان ~~الله بكرة وأصيلا، وذكر في المنتخب (¬3) واختاره أبو طالب أن يكبر أربع ~~تكبيرات يتوسطهما (أ) تهليل، ثم لله الحمد، والحمد لله، ورواه زيد بن علي ~~(ب عن علي ب) - رضي الله عنه -، وعن المؤيد تكبير واحد بعد التهليل، وعن ~~أبي حنيفة (¬4) بحذف: والحمد لله. واستحسن الهادي أن يزيد: على ما هدانا ~~وأحل لنا من بهيمة الأنعام، وزاد المؤيد: وأولانا. وقال أبو العباس: يجمع ms0608 ~~بين الاستحسانين. وروي في مهذب الشافعي (¬5) (ج) أنه يكبر بلا فصل كفعله - ~~صلى الله عليه وسلم - حين صعد الصفا وما زاد من ذكر فحسن، وروي أنه قال - ~~صلى الله عليه وسلم - (¬6) بعد أن كبر ثلاثا: "الله أكبر كبيرا، والحمد لله ~~كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، ~~مخلصين له الدين ولو كره الكافرون، لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر ~~عبده وهزم الأحزاب وحده، لا إله إلا الله والله أكبر". # واعلم أنه ورد الأمر (ج) بالذكر في الأيام المعلومات والمعدودات، PageV04P053 # واختلف العلماء هل هما متحدان أم مختلفان؟ فروي عن ابن عباس أن الأيام ~~المعدودات أيام التشريق، والأيام المعلومات أيام العشر، ذكره البخاري (¬1) ~~تعليقا، ووصله عبد بن حميد، وأخرج ابن مردويه عن ابن عباس أن الأيام ~~المعلومات التي قبل أيام التروية، ويوم التروية، ويوم عرفة، والمعدودات ~~أيام التشريق، وإسناده صحيح (¬2)، وظاهره إدخال يوم العيد في أيام التشريق. ~~وقد روي ابن أبي شيبة من وجه آخر عن ابن عباس أن المعلومات يوم النحر ~~وثلاثة أيام بعده، ورجع الطحاوي هذا لقوله تعالى: {ويذكروا اسم الله في ~~أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} (¬3) فإنها تشعر بأن المراد ~~أيام النحر. انتهى. وهذا لا يمنع تسميته أيام العشر معلومات ولا أيام ~~التشريق معدودات، بل تسمية أيام التشريق معدودات متفق عليه لقوله تعالى: ~~{واذكروا الله في أيام معدودات} (¬4) وقد ذكر البخاري (¬5) عن أبي هريرة ~~وابن عمر تعليقا أنهما كانا يخرجان إلي السوق في أيام العشر يكبران ويكبر ~~الناس بتكبيرهما، وذكره البيهقي والبغوي (¬6) كذلك. قال الطحاوي: كان ~~مشايخنا يقولون بذلك، أي التكبير في أيام العشر. # عدة (أ) أحاديث العيد ستة عشر حديثا ورواية معلقة. PageV04P054 ### || AUTO باب صلاة الكسوف # 379 - عن المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه - قال: انكسفت الشمس على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم مات (أ) إبراهيم، فقال الناس: انكسفت ~~الشمس لموت إبراهيم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الشمس ~~والقمر آيتان من ms0609 آيات الله لا تنكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتموهما ~~فادعوا الله، وصلوا حتى تنكشف". متفق عليه (¬1). # وفي رواية للبخاري (¬2): "تنجلي"، وللبخاري من حديث أبي بكرة (¬3): ~~"فصلوا وادعوا حتى ينكشف ما بكم". # قوله: "انكسفت الشمس": (ب يقال: انكسفت ب) وكسفت بفتح الكاف والسين (ج) ~~وبضم الكاف (د وكسر السين د) نادر وخسفت بفتح الخاء وضمها (ه وكسر السين ه) ~~أيضا وانخسفت (¬4). واختلف العلماء في أن PageV04P055 # اللفظين يستعملان جميعا في الشمس و (أ) القمر أو لا، فقال البخاري (¬1): ~~باب هل يقول كسفت الشمس أو خسفت؟ وقال الله تعالى: {وخسف القمر (8)} (¬2) ~~(ب) هذه لفظه فظاهره (ج) التردد في ذلك في حق الشمس والجزم في حق القمر ~~بالخسوف، والأحاديث التي أوردها في الباب بإطلاق لفظ الكسوف في الشمس على ~~انفراد نسبته إليها، ولفظ خسفت أيضا إليها (د) في حديث ابن عمر (¬3): "خسفت ~~الشمس" يدل دلالة واضحة على استعمال الكسوف والخسوف في حق الشمس، والخسوف ~~في حق القمر واستعمالهما مقرونا بينهما في حق الشمس والقمر في قوله: ~~"ينكسفان وينخسفان"، وأما ورود الكسوف منسوبا إلى القمر على جهة الانفراد ~~فلم أره في شيء من الأحاديث وقد أخرج سعيد بن منصور عن ابن عيينة عن الزهري ~~عن عروة موقوفا: "لا تقولوا كسفت (ه) الشمس PageV04P056 # ولكن قولوا: (حسنت) (أ). وأخرجه أيضا مسلم (¬1) عن يحيى بن يحيى عنه، ~~ولكنه معارض بما ثبت في الروايات الصحيحة من قوله: "ينخسفان"، والمشهور في ~~استعمال الفقهاء الكسوف للشمس والخسوف للقمر، واختاره ثعلب، وذكر الجوهري ~~أنه (¬2) أفصح، وقيل: يتعين ذلك، وحكى عياض (¬3) عن بعضهم عكسه، وغلط ~~لثبوته في القمر في القرآن، وقيل: يقال بهما في كل منهما، وبه جاءت ~~الأحاديث. ولا شك أن مدلول الكسوف لغة غير مدلول الخسوف فإن الكسوف التغير ~~إلى سواد والخسوف النقصان أو الذل، فإذا قيل: في الشمس كسفت أو خسفت، فقد ~~حصل فيها التغيير والنقصان وكذلك الخسوف فيستقيم ذلك المعنى في حق الشمس ~~والقمر ولا يلزم من صحة الاستعمال لملاحظة المعنى الترادف، وقيل: بالكاف في ~~الابتداء وبالخاء في ms0610 الانتهاء وقيل: بالكاف لذهاب جميع الضوء، وبالخاء ~~لبعضه، وقيل: بالخاء لذهاب كل اللون وبالكاف (لتغيره) (ب) (¬4). # وقوله: "يوم مات إبراهيم"، يعني ابن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ذكر ~~جمهور أهل PageV04P057 # السير (¬1) أنه مات في السنة العاشرة من الهجرة، قال أبو داود: في (أربيع ~~الأول يوم الثلاثاء لعشر خلون منه، وقيل: في أ) رمضان، وقيل: في ذي الحجة، ~~والأكثر أن وفاته في عاشر الشهر، وقيل: في رابعه، وقيل في رابع عشرة (¬2) ~~ولا يصح كونه في ذي الحجة في (ب) السنة العاشرة (ج لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان إذ ذاك بمكة وقد ثبت أنه شهد وفاته، وكانت ج) بالمدينة بلا PageV04P058 # خلاف، ثم قيل: إنه مات سنة سبع. فإن ثبت صح ذلك وقد اعترض أيضا بأنه في ~~سنة تسع كان بالحديبية، وأجيب بأنه رجع منها في آخر ذي القعدة فلعلها كانت ~~في أواخر الشهر، وتوفي وهو في ستة عشر شهر وثمانية أيام، وقيل: سنة وعشرة ~~أشهر وستة أيام وحمل على سرير صغير (أ) وصلى عليه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بالبقيع وقال: "ندفنه عند سلفنا عثمان بن مظعون" (¬1)، وروي عن ~~عائشة - رضي الله عنه -: "أنه دفنه (ب ولم يصل عليه" فيحمل أنه ب) لم يصل ~~عليه في جماعة بل صلى عليه وحده، وأمر أصحابه أن يصلوا عليه، وروى (ج) أن ~~الذي غسله أبو بردة [وروى الفضل بن عباس: ونزل قبره أسامة بن زيد والفضل، ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - واقف على شفير القبر، ورش (¬2) قبره، وعلم ~~بعلامة، وهو (¬3) أول قبر يرش] (¬4) وأخرج ابن ماجه عن ابن عباس: لما مات ~~إبراهيم ابن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه صلى عليه وقال: "إن له مرضعا ~~في الجنة، ولو عاش لكان صديقا نبيا، ولو عاش لأعتقت أخواله من القبط، وما ~~استرق قبطي" (¬5)، وفي سنده أبو شيبة إبراهيم بن PageV04P059 # عثمان الواسطي (¬1)، وهو ضعيف، قال: "وكان إبراهيم قد ملأ المهد ولو بقي ~~لكان نبيا (¬2) وأخرج البخاري من حديث عبد الله بن أبي أوفى: "ولو قضي بعد ms0611 ~~محمد بنبي (أ) عاش ابنه إبراهيم ولكن لا نبي بعده" (¬3) وأخرج أحمد (¬4) ~~عنه نحوه، وأخرج الطبراني (¬5) عن أنس نحوه، وقد أنكر النووي (¬6) في تهذيب ~~الأسماء واللغات هذه الجملة الشرطية، وكذا ابن عبد البر (¬7) من حيث تجويز ~~نبوته بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن ذلك يلزم منه أن لا يكون خاتم ~~النبيين، ولا يلزم ما ذكر إذ المحذور إنما هو تجويز كون الشيء واقعا متحققا ~~في (نفس) (ب) الأمر، لا فرض الوقوع، والفرق واضح. # وقولهم: انكسفت لموت إبراهيم. وذلك لأنه لما كان كسوفها (في العاشر أو في ~~الرابع كما تقدم وكذا يوم قتل الحسين بن علي - رضي الله عنهما - فإنه كما ~~رواه البيهقي (¬8) في يوم (ج) عاشوراء وكسفت الشمس حتى بدت الكواكب نصف ~~النهار، وهذا) (د) مخالف لا تقررت عليه قاعدة PageV04P060 # ذلك عند علماء الهيئة، فإنهم يزعمون أن ذلك لا يكاد يتفق لعدم حصول ~~الأسباب المفضية (أ) إلى كسوفهما عندهم فقالوا: إنما ذلك لأجل هذا (ب) ~~الفادح العظيم، فرد عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقوله (ب): "إنهما ~~آيتان"، أي علامتان من العلامات الدالة على وحدانية الله تعالى وقدرته أو ~~على تخويف العباد من بأسه وسطوته، ويؤيده قوله تعالى: {وما نرسل بالآيات ~~إلا تخويفا} (¬1) وقوله في رواية: "يخوف الله بهما عباده". # وقوله: "ولا لحياته"، فائدته الاحتراس عن توهم من يتوهم أنه إذا لم يكن ~~ذلك سببا في العدم فيجوز أن يكون سببا للوجود (د) فعمم الأمرين جميعا. # وقوله: "فإذا رأيتموهما" بصيغة التثنية في رواية الكشميهني (¬2) للبخاري، ~~وفي رواية الأكثر بصيغة ضمير المؤنث المفرد، فعلى التثنية أي كسوف كل واحد ~~منهما في وقته لاستحالة الاجتماع عادة، وإن جاز ذلك بالنظر إلى القدرة ~~الإلهية وعلى رواية الإفراد أي الآية، وقد وقع في رواية ابن المنذر (¬3): ~~"حتى ينجلي كسوف أيهما انكسف" وهو أصرح. # وقوله: "فادعوا الله وصلوا حتى ينكشف"، في الأمر دلالة على PageV04P061 # مشروعية ذلك، وهو مجمع عليه والأمر محمول عند الجمهور على الندب المؤكد، ~~فهي سنة مؤكدة (¬1) عندهم، ولعل القرينة على ذلك ms0612 ما تقدم مرارا من حديث: ~~"خمس كتبهن الله" (¬2)، وغير ذلك مما فيه دلالة على حصر الواجبات، فما ~~عداها محمول الأمر على الندب، وصرح أبو عوانة (¬3) في صحيحه بوجوبها، وحكى ~~أيضا عن مالك أنه أجراها مجرى الجمعة، ونقل الزين بن المنير عن أبي حنيفة ~~أنه أوجبها وكذا نقل بعض مصنفي الحنفية (¬4) أنها واجبة. # وقوله: "حتى ينكشف ما بكم" فيه دلالة على استغراق ذلك الوقت جميعه ~~بالصلاة والدعاء (أ)، وأنه تفوت الصلاة بالانجلاء، فعلى هذا إذا انجلت وهو ~~في الصلاة لم يتمها بل يقتصر على ما قد فعل، وفي رواية لمسلم (¬5) "فسلم ~~(ب)، وقد انجلت" فدل على أنه يصح التمام للصلاة، وإن كان قد حصل الانجلاء، ~~ويتأيد هذا بالقياس على سائر الصلوات، فإنه يصح تقييدها بركعة كما تقدم، ~~فإذا قد (ج) فعل ركعة منها أتمها والله أعلم. # [وفي الحديث دلالة على أن فعلها يتقيد بحصول السبب في أي وقت PageV04P062 # كان من أوقات النهار وذهب إلى هذا الجمهور (¬1)، واستثنى الحنفية أوقات ~~الكراهة، وهو المشهور من مذهب أحمد (¬2) وعن المالكية (¬3) من الوقت الذي ~~تحل فيه النافلة إلى الزوال، وفي رواية إلى صلاة العصر. # قال المصنف (¬4) -رحمه الله- ولم أقف على شيء من الطرق أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - صلاها وقت الضحى، ولكن ذلك وقع اتفاقا، فلا يدل على منع ما ~~عداه، واتفقت جميع الروايات إلى أنه - صلى الله عليه وسلم - بادر إليها ~~عقيب وقوع السبب (أ)] ومعنى الرواية الأخرى (ب) للبخاري ظاهر بما ذكرناه (ج). # 380 - وعن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~"جهر في صلاة الكسوف بقراءته، فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات" (¬5) ~~متفق عليه (د وهذا لفظ مسلم د). PageV04P063 # وفي رواية له: "فبعث مناديا ينادي: الصلاة جامعة" (¬1). # قوله: "جهر في صلاة الكسوف"، فيه دلالة على شرعية الجهر في الكسوف، وهذا ~~يحتمل (أ) أن يكون في القمر أو في الشمس، إلا أنه لم يرد لفظ الكسوف مسندا ~~إلى القمر على جهة الخصوص، فهو متبادر إلى كسوف الشمس، إلا أن ms0613 لفظ هذا ~~الحديث في البخاري: "جهر النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخسوف ~~بقراءته، ثم قالت في آخره: ثم يعاود القراءة في صلاة الكسوف" (¬2) فجمع في ~~هذا اللفظ بين لفظ الخسوف والكسوف ولكنه مصرح بإسناده إلى الشمس في رواية ~~الأوزاعي (¬3) وغيره ولفظه: "إن الشمس خسفت على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ". . الحديث، ولكنه لم يذكر فيه الجهر بالقراءة، وقد أخرج أحمد ~~(¬4) الحديث بلفظ "خسفت الشمس"، وقال: "ثم قرأ فجهر بالقراءة". الحديث وكذا ~~في مسند أبي داود الطيالسي (¬5): "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جهر ~~بالقراءة في صلاة الكسوف"، وقد أخرج الجهر أيضا الترمذي والطحاوي ~~والدارقطني (¬6) وهي طرق يقوي بعضها بعضا، فيفيد مجموعها الجزم بذلك، وقد ~~ورد الجهر فيها عن PageV04P064 # علي - رضي الله عنه - مرفوعا. أخرجه ابن خزيمة (¬1) وغيره، وقد اختلف ~~العلماء في الجهر والإسرار فيهما، فذهب الهادي (¬2) ومالك إلى أنه يخير ~~المصلي بين الجهر والإسرار، قالوا: لثبوت الأمرين عنه - صلى الله عليه وسلم ~~- فأما الجهر فالحديث (أ) عن عائشة وغيرها، وأما الإسرار فلحديث ابن عباس ~~(¬3)، "قام قياما طويلا نحوا من سورة البقرة" فلو جهر بالقراءة لم يقدره ~~بما ذكر، والاعتراض على ذلك باحتمال أنه كان بعيدا مدفوع بما رواه الشافعي ~~(¬4) تعليقا عن ابن عباس أنه صلى بجنب النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~الكسوف فلم يسمع منه حرفا، ووصله البيهقي (¬5) من ثلاث طرق أسانيدها واهية ~~وكذلك حديث سمرة عند ابن خزيمة، والترمذي (¬6) "ولم يسمع له PageV04P065 # صوتا، وذهب الأئمة الثلاثة إلى أنه يسر في الشمس (¬1)، ويجهر في القمر، ~~وهو متأيد بالقياس على الصلوات الخمس وما تقدم من الدلالة يرد عليهم وذهب ~~صاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق وابن خزيمة وابن المنذر وغيرهما (أ) من محدثي ~~الشافعية وابن العربي من المالكية إلى الجهر فيهما جميعا وهو متأيد بالقياس ~~على الجمعة والعيدين إذ هي صلاة مشروع فيها الجماعة والخطبة والجواب عنهم ~~بما تقدم في المذهب الثاني. # وقوله: "فصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات"، يعني أنه ركع في كل ~~ركعة ركوعين، ms0614 فيه دلالة على الصفة المذكورة، وقد ذهب إليه ابن عباس وعثمان ~~والشافعي وأحمد ومالك، وسيأتي تمام ذكر المذاهب. # وقوله: "وبعث مناديا" فيه دلالة على شرعية الإعلام للاجتماع لها. # وقوله: "الصلاة جامعة" بالنصب فالصلاة (ب) مفعولية فعل محذوف أي احضروا ~~الصلاة، وجامعة على الحال، ويجوز رفعها على أن الصلاة PageV04P066 # مبتدأ وجامعة خبر، أي ذات جماعة، أو أن الإسناد إليها مجاز عقلي، لما ~~كانت سببا للجمع فنسب (أ) إليها، ويجوز رفع جامعة على الوضعية لكون اللام ~~في الصلاة للجنس، والخبر محذوف أي احضروها، ويجوز أيضا نصب جامعة على ~~الحال، والخبر مقدر. # 381 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "انخسفت الشمس على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فصلى فقام قياما طويلا نحوا من قراءة سورة ~~البقرة، ثم ركع ركوعا طويلا، ثم رفع فقام قياما طويلا، وهو دون القيام ~~الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم سجد ثم قام قياما ~~طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون الركوع الأول، ثم ~~رفع فقام قياما طويلا، وهو دون القيام الأول، ثم ركع ركوعا طويلا وهو دون ~~الركوع الأول، ثم سجد ثم انصرف، وقد تجلت الشمس فخطب الناس". متفق عليه ~~(¬1) واللفظ للبخاري. PageV04P067 # وفي رواية لمسلم (¬1): "صلى حين كسفت الشمس ثماني ركعات (أ) في أربع ~~سجدات". # [وعن علي -رضي الله عنه- مثل ذلك. # وله عن جابر: "صلى ست ركعات (ب) بأربع سجدات" (¬2). # ولأبي داود عن أبي بن كعب - رضي الله عنه -: "صلى فركع خمس ركعات وسجد ~~سجدتين وفعل في الثانية مثل ذلك] (ج) (¬3). # قوله: "فصلى": ظاهر الفاء التعقيب من دون تراخ وأنها وقعت الصلاة عقيب ~~الانخساف واستدل بهذا السياق بعضهم على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يحافظ على الوضوء ولذا وقع منه الصلاة عقيب الانخساف، وهو غير PageV04P068 # مستقيم، فإن (أ) في رواية ابن عباس (¬1) لهذا الحديث: "أنها خسفت فخرج ~~إلى المسجد فصف الناس" وهذا يدل على أن في السياق الأول حذفا، وهو صريح في ~~التراخي، فيجوز أن يكون ms0615 توضأ بعد الانخساف في بيته ثم خرج. # وقوله: "نحوا من قراءة سورة البقرة"، فيه دلالة على أنه أسر بالقراءة كما تقدم. # وقوله: "ركوعا طويلا"، فيه دلالة على شرعية ذلك. # قال المصنف (¬2) -رحمه الله تعالى-: لم أر في شيء من الطرق بيان ما قال ~~فيه، إلا أن العلماء اتفقوا على أنه لا قراءة فيه وإنما المشروع فيه الذكر ~~من تسبيح وتكبير ونحوهما. # وقوله: "وهو دون الركوع الأول ثم سجد"، فيه دلالة على أن القيام الذي ~~يعقبه السجود لا تطويل فيه، وقد وقع في رواية مسلم (¬3) لحديث جابر: "أنه ~~أطال ذلك"، ولكنه قال النووي (¬4): إنها رواية شاذة تفرد بها أبو الزبير ~~مخالفة، فلا يعمل بها، ونقل القاضي (¬5) إجماع العلماء أنه لا يطول ~~الاعتدال الذي يلي السجود، وقد تؤول هذه الرواية بأنه أراد بالإطالة هو ~~زيادة الطمأنينة لا الإطالة التي تقرب من الإطالة فيما قبله (¬6)، PageV04P069 # وقوله: "ثم سجد"، لم (أ) يذكر في هذه الرواية طول السجود وقد استدل به ~~بعض المالكية على عدم إطالته، وأن الذي شرع فيه التطويل إنما هو ما شرع ~~تكريره، وهو قياس في مقابلة النص وبعضهم ناسب ذلك بأن القيام والركوع مع ~~إطالتهما يمكن المصلي تعرف حال الشمس من الانخساف والانجلاء، وأما السجود ~~فلا يمكن معه ذلك فلا تشرع فيه الإطالة، وأيضا فإن في السجود تسترخي ~~الأعضاء فيؤدي إلى النوم، وهذا مردود بثبوت الأحاديث الصحيحة بتطويله، فقد ~~أورده (¬1) مسلم والبخاري (ب (عن أبي موسى وعبد الله بن عمرو، ومسلم من ~~حديث جابر، وقد ذكره الشافعي فيما حكاه عنه الترمذي (¬2) وكذا في كتاب ~~البويطي، وأخرجه أبو داود والنسائي (¬3) من حديث سمرة: "كأطول ما سجدنا في ~~صلاة قط"، وفي رواية مسلم (¬4) لحديث جابر بلفظ: "وسجوده نحو من ركوعه". ~~وقد PageV04P070 # ذهب إلى هذا أحمد وإسحاق (¬1) وأحد قولي الشافعي، وبه جزم أهل (¬2) العلم ~~بالحديث من أصحابه، واختاره ابن سريج ثم النووي (¬3)، وتعقب صاحب المهذب في ~~قوله: إنه لم ينقل في خبر ولم يقل به الشافعي، ورد عليه في الأمرين، وأن ~~الشافعي نص عليه ms0616 في البويطي، ولفظه: "ثم سجد سجدتين طويلتين يقيم في كل ~~سجدة نحوا مما قام في ركوعه" (¬4)، ووقع في رواية مسلم لحديث جابر "إطالة ~~الاعتدال بين السجودين" (¬5) وقد أخرجه أبو داود والنسائي (¬6) وإسناده ~~صحيح، لأنه من رواية شعبة (¬7) عن PageV04P071 # عطاء بن السائب، وقد سمع منه قبل الاختلاط، قال المصنف (أ) رحمه الله: و ~~(ب) لم أقف على تطويل الجلوس بين السجدتين في شيء من الطرق إلا في هذا، ~~ونقل الغزالي (¬1) الاتفاق على عدم إطالته، وهو مردود بما عرفت. # وقوله: "ثم قام قياما طويلا" إلخ، فيه دلالة على إطالة القيام في الركعة ~~الثانية، ولكنه دون القيام في الركعة الأولى، وقد ورد في رواية أبي داود ~~(¬2) عن عروة أنه نحو من آل عمران، وهذا يدل على أن القيام الأول في الركعة ~~الثانية هو دون القيام الأول في الركعة الأولى، وقال ابن بطال: (¬3) لا ~~خلاف أن الركعة الأولى بقيامها وركوعها تكون أطول من الركعة الثانية ~~بقيامها وركوعها، وقال النووي (¬4): اتفقوا على أن القيام الثاني وركوعه ~~أقصر من القيام الأول وركوعه، واختلفوا في القيام الأول من الثانية وركوعه ~~هل هما أقصر من القيام الثاني من الأولى وركوعه أو يكونان (ج) سواء، قيل: ~~وسبب هذا (د) الخلاف فهم معنى قوله: "وهو دون القيام الأول"، هل المراد به ~~الأول من الثانية؟ أو يرجع إلى الجميع PageV04P072 # فيكون كل قيام دون الذي قبله. # وقوله: "ثم انصرف": أي من الصلاة، "وقد تجلت الشمس" وفي رواية ابن شهاب ~~(¬1): "وانجلت الشمس قبل أن ينصرف"، وللنسائي (¬2): "ثم تشهد وسلم فخطب ~~الناس .. " وقوله: "فخطب الناس" فيه دلالة على شرعية الخطبة، وقد ذهب إلى ~~استحباب الخطبة: الشافعي (¬3) وإسحاق وأكثر أصحاب الحديث، قال ابن قدامة ~~(¬4): لم يبلغنا عن أحمد ذلك. وقال صاحب الهداية (¬5) من الحنفية: ليس في ~~الكسوف خطبة لأنه (أ) لم ينقل، وتعقب بأن الأحاديث مصرحة بالخطبة، والمشهور ~~عند المالكية (¬6) أنه لا خطبة، مع أن مالكا (¬7) روى الحديث، وفيه ذكر ~~الخطبة، وتأوله بعضهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقصد بها الخطبة ~~بخصوصها وإنما ms0617 على من اعتقد أن الكسوف يكون بسبب موت أحد، وتعقب هذا بأن في ~~رواية البخاري (¬8): "فحمد الله وأثنى عليه"، وفي رواية (¬9) زيادة: "وشهد ~~أنه PageV04P073 # عبده ورسوله" وفي سياق البخاري (¬1) زيادة: "لذكر أحوال الجنة والنار ~~وغير ذلك"، وهذه من مقاصد الخطبة، وبعضهم قال: إنه لم يرد أنه صعد المنبر ~~فدل على عدم الخطبة، ويجاب عنه بأن المنبر ليس بشرط، وأيضا فعدم الذكر لا ~~يدل على عدم الكون. # وقوله في رواية مسلم: "ثماني ركعات (أ) في أربع سجدات"، فيه دلالة على أن ~~الركوع أربعة في كل ركعة، وقد ذهب إلى هذا (¬2). # وقوله في رواية جابر: "ستة ركوعات بأربع سجدات"، فيه دلالة على أن الركوع ~~ثلاثة في كل ركعة، وقد ذهب إلى هذا (حذيفة، كذا في البحر (¬3)) (ب). # وقوله في رواية أبي بن كعب: "فركع خمس ركعات" إلخ، فيه دلالة على أن ~~الركوع خمسة في كل ركعة وقد ذهب إلى هذا جماعة أهل البيت (¬4) ما عدا ~~الباقر. قال في اللمع: لا يختلفون في هذه الصفة، وقد روي من حديث سمرة ~~والنعمان بن بشير وعبد الله بن عمرو: "أنه - صلى الله عليه وسلم - PageV04P074 # صلاها ركعتين كل ركعة بركوع" (¬1)، وفي حديث قبيصة الهلالي (¬2) عنه - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من ~~المكتوبة". وروى هذه الأحاديث أحمد والنسائي، وعن الحسن البصري (¬3) قال: ~~خسف القمر وابن عباس أمير على البصرة، فخرج فصلى بنا ركعتين، في كل ركعة ~~ركعتين (أ) ثم ركع، وقال: إنما صليت كما رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يصلي. رواه الشافعي في مسنده، وهو مروي أيضا عن ابن PageV04P075 # الزبير: أنه صلى كصلاة الفجر، فقيل لعروة بن الزبير: إن أخاك يوم كسفت ~~الشمس بالمدينة لم يزد على ركعتين مثل (أ) الصبح، قال: أجل لأنه أخطأ السنة ~~(¬1). وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة (¬2) والثوري والنخعي، ورواه في شرح ~~الإبانة عن الباقر قال ابن عبد البر: أصح ما في هذا الباب رواية ركوعين في ~~كل ركعة. قال: وما عدا هذا معلل ms0618 ضعيف. # وقد حاول جماعة الجمع بين هذه الروايات المختلفة فقالوا: وقع من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - جميع ذلك باعتبار اختلاف حال الكسوف في سرعة الانجلاء ~~وبطئه وتوسطه، واعترض بأن هذا (ب) لا يعلم في أول الحال، ولا في الركعة ~~الأولى، وقد اتفقت الروايات أن عدد الركوع في الركعتين سواء، وهذا يدل على ~~أنه مقصود في نفسه من أول الأمر، وقال جماعة من العلماء منهم إسحاق بن ~~راهويه وابن جرير وابن المنذر: أن فعله لجميع ذلك يدل على توسعة الأمر ~~وبيان الجواز لذلك وهذا أقرب (¬3) والله أعلم. # 382 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "ما هبت ريح قط إلا جثا ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على ركبتيه، وقال: اللهم اجعلها رحمة ولا ~~تجعلها عذابا". رواه الشافعي والطبراني (¬4). PageV04P076 # وعنه: "أنه صلى في زلزلة ست ركعات (أ) وأربع سجدات، وقال: هكذا صلاة ~~الآيات". رواه البيهقي (¬1). # وذكر الشافعي عن علي - رضي الله عنه - مثله دون آخره. # أخرج الشافعي الأول في "الأم" قال: أخبرني من لا أتهم عن العلاء بن راشد ~~(¬2) عن عكرمة عنه به، والطبرانى وأبو يعلى من طريق حسين بن قيس عن عكرمة. # والثاني: أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن الحارث عنه: أنه (ب) في ~~زلزلة بالبصرة فأطال، فذكره إلى أن قال: فصارت صلاته ست ركعات (ج) وأربع ~~سجدات ثم قال هكذا صلاة الآيات، لرواه ابن أبي شيبة (¬3) مختصرا من هذا ~~الوجه أن ابن عباس صلى بهم في زلزلة كانت أربع سجدات ركع فيها ستا. # وقوله: وذكر الشافعي إلخ (د) أخرجه البيهقي في السنن والمعرفة بسنده إلى ~~الشافعي فيما بلغه عن عباد عن (ه) عاصم الأحول عن قزعة عن علي - رضي الله ~~عنه - أنه صلى في زلزلة ست ركعات في أربع سجدات PageV04P077 # خمس ركعات (أ) وسجدتين في الركعة (ب) الأولى، وركعة (ج) وسجدتين في ~~الركعة (د) الثانية، قال الشافعي: ولو ثبت هذا عن علي لقلت به، وهم يثبتونه ~~ولا يأخذون به. # وقول: دون آخره، وهو قوله: "وقال: هكذا صلاة الآيات". ms0619 # قوله: "ما هبت ريح قط"، الريح: اسم جنس صادق على ما يأتي بالرحمة، وما ~~يأتي بالعذاب، وقد ورد هذا مصرحا به في حديث أبي هريرة مرفوعا: "الريح من ~~روح الله تأتي بالرحمة وبالعذاب، فلا تسبوها" (¬1)، ويجمع على رياح في ~~الكثرة، وقد يرد على هذا أن في تمام حديث ابن عباس: "اللهم اجعلها رياحا ~~ولا تجعلها ريحا"، وهو يدل على المغايرة وأن الريح المفرد يختص بالعذاب، ~~والجمع بالرحمة، قال ابن عباس (¬2): في كتاب الله تعالى: {إنا أرسلنا عليهم ~~ريحا صرصرا} (¬3)، و {أرسلنا عليهم الريح العقيم (ه)} (¬4)، {وأرسلنا PageV04P078 # الرياح لواقح} (¬1) وأرسلنا {الرياح مبشرات} (¬2)، رواه الشافعي والبيهقي ~~في الدعوات الكبير (أ)، وقد أجيب عن ذلك بأن المعنى لا تهلكنا بهذه الريح، ~~فإنهم لو أهلكوا بهذه الريح لم تهب بعدها عليهم ريح أخرى فتكون ريحا لا ~~رياح، وقيل: لأنه يلقح السحاب الرياح الكثيرة فيكثر مطرها، وأما لو كانت ~~واحدة فلا تلقح، ولا تنزل المطر أو ينزل قليلا وقوله: "قط" مبني على الضم: ~~ظرف زمان ماض يقع بعد النفي كثيرا. # وقوله: "إلا جثا" الجثي (ب): القعود على الركبتين (¬3) وهي قعدة مخافة لا ~~يفعلها المطمئن (ج) بالقعود بحسب الأغلب وهو جملة حالية واقعة بعد ~~الاستغناء بها عن الواو وعن قد لتضمنها معنى الجزاء لما قبلها للزومها لما ~~قبلها أي إن هبت ريح جثا. # وقوله: "أنه صلى" إلخ، فيه دلالة على شرعية الصلاة والتجميع بها أيضا لأن ~~الظاهر من اللفظ أنه صلى بهم، وقد ذهب إلى هذا القاسم فقال: يصلي للإفزاع ~~كصلاة الكسوف قياسا على الكسوف في الفزع، وإن شاء المصلي فركعتان ووافق (د) ~~على ذلك أحمد بن حنبل (¬4) وأبو ثور، ولكن كالكسوف فقط، وذهب الشافعي (¬5) ~~وتبعه الإمام يحيى إلى أنه لا PageV04P079 # يشرع فيها التجميع، وحجته ما مر من عدم الصحة، ولو صح له لقال له به، ~~وأما صلاة المنفرد فحسن، قال الشافعي: وإنما تركنا ذلك لأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يأمر بالتجميع في الصلاة إلا في الكسوفين، ولأن عمر (¬1) لم ~~يأمر بالصلاة عند وقوع ذلك، ms0620 انتهى. # وقد روى أبو داود عن ابن عباس مرفوعا: "إذا رأيتم آية فاسجدوا" (¬2)، ~~وقوله: "فاسجدوا" يحتمل أنه أراد السجود الفرد (أ) أو عبر به عن صلوا (ب). # واعلم أن هذا الوارد في هذه الصلوات (ج) لم يرو (د) مثله في صلاة الكسوف ~~عن أحد فإن جميع ما تقدم في الكسوف أن الركوع في الركعتين على سواء. والله أعلم. # [عدة (ه) أحاديث هذا الباب ثلاثة عشر حديثا] (و). PageV04P080 ### || AUTO باب صلاة الاستسقاء # [الاستسقاء مصدر وهو طلب سقي الماء من الغير للنفس أو للغير، وشرعا (¬1) ~~طلبه من الله تعالى عند حصول الجدب على وجه مخصوص. وله أنواع أدناها مجرد ~~الدعاء وأوسطها الدعاء خلف الصلوات وفي خطبة الجمعة وأفضلها الاستسقاء ~~بصلاة ركعتين] (أ). # 383 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: "خرج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - متواضعا مبتذلا متخشعا مترسلا متضرعا، فصلى ركعتين كما يصلي في ~~العيد ولم يخطب خطبكم (ب) هذه" (¬2). رواه الخمسة وصححه الترمذي وأبو عوانة ~~وابن حبان، وأخرجه أيضا الحاكم، والدارقطني، والبيهقي، كلهم من حديث هشام ~~بن إسحاق بن كنانة عن أبيه (¬3) عن ابن عباس وبعضهم يزيد على بعض. PageV04P081 # قوله: "خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - "، أي إلى المصلى. # وقوله: "مبتذلا"، أي لابسا ثياب البذلة والمراد به ترك الزينة والتهيوء ~~بالهيئة الحسنة على وجه التواضع. # وقوله: "مترسلا"، أي متأنيا، يقال (أ): ترسل الرجل في كلامه ومشيته، إذا ~~لم يعجل. # والتضرع، إظهار الضراعة وهو التذلل عند طلب الحاجة. # وقوله: "فصلى ركعتين"، ظاهره أن الصلاة عقيب الخروج، وأنه لم يتقدم ~~الصلاة خطبة ولا دعاء، وسيأتي ما يخالف هذا وهو يدل على أنه مشروع في ~~الاستسقاء صلاة ركعتين، وهو مروي عن علي - رضي الله عنه - وقال به الناصر ~~والمؤيد والإمام يحيى ومالك وأبو يوسف ومحمد والزهري والنخعي (¬1). وأنه لا ~~صفة لهما زائدة على ذلك، قالوا (ب): لما روي في خبر عباد بن تميم، أخرجه ~~البخاري (¬2) "أنه صلى بهم ركعتين"، وكذا في خبر عائشة (¬3) الآتي وذهب ~~الشافعي وجماعة (¬4) من السلف ورواية عن أبي ms0621 يوسف ومحمد: بل ركعتان كصلاة ~~العيد في تكبيرها وقراءتها وهو المنصوص (¬5) للشافعي، وقيل: يقرأ في ~~الثانية: {إنا أرسلنا PageV04P082 # نوحا} لمناسبتها، وفي الأولى: ق، والوجه في ذلك حديث ابن عباس كما يصلي ~~في (أ) العيد، والظاهر منه الموافقة في العدد والصفة، والأولون يتأولون هذا ~~بأن المراد التشبيه في العدد لا في الصفة بقرينة ما ورد من إطلاق الركعتين، ~~ولا دلالة على ذلك فتنبه إذ ذلك مطلق ومقيد، فالعمل بهما صحيح، (بل قد أخرج ~~الدارقطني (¬1) من حديث ابن عباس "أنه يكبر فيهما (ب) سبعا وخمسا كالعيد، ~~ويقرأ فيها بسبح، وهل أتاك" وفي إسناده (¬2) مقال، ولكنه متأيد برواية ابن ~~عباس: كما يصلي في العيد) (ج)، وقال أبو حنيفة (¬3): أنه لا يصلي في ~~الاستسقاء، وإنما هو بالدعاء فقط إذ ثبت عند ذلك كما أخرجه أبو داود ~~والترمذي (¬4) من حديث آبى اللحم PageV04P083 # "أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستسقي عند أحجار الزيت قريبا من ~~الزوراء فرآه قائما يدعو يستسقي رافعا يديه قبل وجهه لا يجاوز بهما رأسه" ~~وأخرج أبو عوانة في صحيحه من زياداته عن عامر بن خارجة "أن قوما شكوا إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قحط المطر فقال: "اجثوا على الركب ثم قولوا: ~~يا رب يا رب" الحديث (¬1) .. والجواب عليه بأنه قد ثبت صلاة الركعتين، ~~وتركها في بعض الأحوال (أ) لبيان عدم الوجوب، وقد ثبت عن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في الاستسقاء ثلاث كيفيات: الأولى: الدعاء المجرد كما في ~~حديث (ب آبى اللحم، وهي أدناها، الثانية: وهي أوسطها، الدعاء خلف الصلوات ~~كما سيأتي من حديث ب) أنس (¬2) خلف الجمعة، والثالثة: وهي أعلاه، الصلاة ~~كما في حديث ابن عباس وغيره. # وقوله: "ولم يخطب خطبكم (ج) هذه"، احتج بهذا من لم يثبت الخطبة في ~~الاستسقاء وهو الهادي والمؤيد (¬3) وذهب الناصر وأبو يوسف ومحمد (¬4) إلى ~~أنه يخطب قبلها كالجمعة، لحديث عائشة الآتي (¬5)، وكذا عن ابن عباس (¬6) في ~~رواية أبي داود، وذهب الشافعي (¬7) والجماهير من PageV04P084 # العلماء: أن الخطبة بعد الصلاة، وقد ثبت هذا في ms0622 حديث أبى هريرة "أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الاستسقاء فصلى ركعتين ثم خطب" أخرجه ~~أحمد وابن ماجه وأبو عوانة والبيهقي بأتم من (¬1) هذا. قال البيهقي: تفرد ~~به النعمان بن راشد (¬2)، وقال في الخلافيات (¬3): رواته ثقات، ويؤخذ أيضا ~~من تشبيهها بصلاة العيد، ويجاب عن ظاهر حديث عائشة رضي الله عنها وغيره أن ~~الذي بدأ به هو الدعاء فعبر بعضهم عن الدعاء بالخطبة، واقتصر على الرواية، ~~ولم يرد الخطبة بعدها، والراوي لتقديم الصلاة على الخطبة اقتصر على ذلك، ~~ولم يرد الدعاء قبلها وهذا جمع بين الروايات ويحمل إنكار ابن عباس للخطبة ~~بأنه لعله أنكر زيادة في الخطبة لم تكن في خطبته - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو متبادر من قوله: "ولم يخطب خطبكم (أ) هذه" فالمنكر هو تعيين المفعول لا ~~نفس الفعل، إذ لو أراد ذلك لقال: ولم يخطب، (وقد ذهب إلى تقديم الصلاة ~~الجمهور (¬4)، والخلاف في ذلك لجماعة من الصحابة (¬5)، ونسب أيضا إلى ابن ~~الزبير بتقديم الخطبة، وقال ابن (ب) المنذر: وصرح PageV04P085 # الشيخ أبو حامد (¬1) الاختلاف في الاستحباب (أ) لا في الجواز (ب) ~~(والمشهور عند الأكثر خطبتان كالعيد (ج)، ويستفتح الخطبة الأولى بالاستغفار ~~على قول الشافعي (¬2)، وقول آخر بالتكبير كالعيد (¬3) ثم يحمد الله سبحانه، ~~ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويوصي بتقوى الله ويكثر الاسغفار، ~~ويدعو بالمأثور وهو: "اللهم اسقنا غيثا مغيثا هنيئا مريئا مريعا غدقا مجللا ~~سحا طبقا دائما، اللهم اسقنا الغيث ولا تجعلنا من القانطين، اللهم إنا ~~نستغفرك إنك كنت غفارا، فأرسل السماء علينا مدرارا" (¬4) ويستقبل القبلة ~~بعد صدر الخطبة الثانية، ويدعو، فإذا فرغ من الدعاء استقبل الناس في باقي ~~الخطبة، وقال أستغفر الله لي ولكم ويبالغ في الدعاء سرا وجهرا (د). # قوله "غيثا" الغيث المطر ويسمي النبات غيثا تسمية له باسم سببه. مغيثا ~~بضم الميم وهو المنقذ من الشدة، المريئا بفتح الميم وبالمد والهمزة المحمود ~~العاقبة وقيل المنمي للحيوان بغير ضرر "مريئا" وفتحها فمن ضم الميم كسر ~~الراء وياء بنقطتين من تحت وهو الذي ms0623 يأتي بالريع وهو الزيادة مأخوذ من ~~المراعة وهو الخصب ومن فتح الميم كان اسم مفعول أصله PageV04P086 # مربوع كمهيب ومعناه يخصب نافع "ويروى" بضم الميم وسكون الراء وكسر ~~الموحدة. من قولهم: أربع الربيع يربع إذا أكل الربيع ويروى بضم الميم مع ~~كسر المثناة من فوق من قولهم أرتع المطر إذا أنبت ما يرتع فيه الماشية. # واعلم أن هذه الصلاة لا وقت لها معين، وقد حكى ابن المنذر الخلاف في ~~وقتها وأنها عند البعض تفعل في وقت صلاة العيد فقط وقد فهمه من قوله: ~~كالعيد فعم بالتشبيه جميع أحكامها، والأرجح الأول، إذ قد خالفتها بأنها لا ~~تختص بيوم معين، ونقل ابن قدامة الإجماع (¬1) بأنها لا تصلى في وقت ~~الكراهة، وأفاد ابن حبان بأن خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى ~~للاستسقاء كان في شهر رمضان سنة ست من الهجرة. # 384 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "شكا الناس إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قحوط المطر، فأمر بمنبر فوضع له في المصلى، ووعد الناس ~~يوما يخرجون فيه، فخرج حين بدا حاجب الشمس فقعد على المنبر، فكبر وحمد ~~الله، ثم قال: "إنكم شكوتم جدب دياركم، وقد أمركم الله أن تدعوه، ووعدكم أن ~~يستجيب لكم"، ثم قال: الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم ~~الدين، لا إله إلا الله يفعل ما يريد، اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت ~~الغني ونحن الفقراء. أنزل علينا الغيث، واجعل ما أنزلت قوة وبلاغا إلى حين، ~~ثم رفع يديه فلم يزل حتى رئي بياض إبطيه ثم حول إلى الناس ظهره، وقلب ~~رداءه، وهو PageV04P087 # رافع يديه، ثم أقبل على الناس، ونزل فصلى ركعتين، فأنشأ الله سبحانه ~~سحابة، فرعدت وبرقت ثم أمطرت". رواه أبو داود (¬1) وقال: غريب، وإسناده ~~جيد. وقصة التحويل في الصحيح من حديث عبد الله بن زيد: "فتوجه إلى القبلة ~~يدعو، ثم صلى ركعتين جهر فيهما بالقراءة" (¬2). # وللدارقطني من مرسل أبي جعفر الباقر: "وحول رداءه ليتحول القحط" (¬3). # وأخرج حديث عائشة أيضا أبو عوانة وابن ms0624 حبان والحاكم وقال: على شرط ~~البخاري وصححه أبو علي بن السكن. # قوله: "قحوط المطر"، مصدر كالقحط، وقوله: "فأمر بمنبر" فيه دلالة PageV04P088 # على أنه يستحب صعود المنبر للدعاء. وقوله: "ووعد الناس يوما يخرجون فيه"، ~~فيه دلالة على استحباب مواعدة الإمام للناس بالخروج، قالوا: ندب (أ) تقديم ~~الأمر برد الظلامات في المال والدم والاستحلال في العرض، والصلح بين ~~المتهاجرين، والصدقة والعتق، وصيام ثلاثة أيام متوالية (¬1) ثم يخرجون في ~~اليوم الرابع (صباحا) (ب)، والخروج بلا زينة ولا طيب إلا الغسل والسواك، ~~وتقديم من حضر من فضلاء أهل البيت ثم من غيرهم، وإخراج المشايخ والصبيان ~~لآثار وردت في جميع ذلك على الانفراد، ولم يرد في خصوص الخروج إلى ~~الاستسقاء، وتخرج البهائم، لقصة قوم يونس، والنملة مع سليمان - عليه السلام ~~-، ويخرج أهل الذمة (¬2)، ويعتزلون مجتمع المسلمين إذ هم من المرتزقين، ~~[وهم مقررون على العصيان بخلاف عصاة المسلمين] (ج) ومتى حضروا للصلاة نودي ~~لها بالصلاة جامعة من غير أذان ولا إقامة. # وقوله: (د) "فخرج حين بدا حاجب الشمس"، المراد به حين بدا شعاعها سمي ~~حاجبا لأنه يحجب جرم الشمس عن الإدراك. PageV04P089 # (وقوله: "وقد أمركم الله أن تدعوه" إلخ، في قوله: {ادعوني أستجب لكم} ~~(¬1) قال الشافعي (¬2): ينبغي أن يكون من دعائه في هذه الحالة (أ): "اللهم ~~أنت أمرتنا بدعائك ووعدتنا إجابتك وقد دعوناك كما أمرتنا فأجبنا كما وعدتنا ~~اللهم فامنن علينا بمغفرة ما قارفنا وإجابتك لسقيانا (ب) سعة في أرزاقنا". # وقوله: "مالك يوم الدين"، في رواية أبي داود لهذا الحديث بحذف الألف، ~~قال: قال ابن رسلان في شرحه: هذه قراءة أهل المدينة بحذف الألف، وهذا ~~الحديث حجة لهم، وهي قراءة الجمهور، ولأنه أمدح وليوافق الابتداء الاختتام (ج). # وقوله في آخر الدعاء "وبلاغا إلى حين"، البلاغ ما يبلغ به ويتوصل به إلى ~~الشيء المطلوب (¬3)، بمعنى اجعل الخير المنزل سببا لقوتنا، ومده لنا مدا ~~طويلا، وهذا يؤيد (د) ما تقدم أن الذي بدأ به إنما هو الدعاء، وإنما سماه ~~بعض الرواة خطبة. # وقوله: "ورفع يديه"، فيه دلالة على شرعية ms0625 الرفع لليدين عند الدعاء، ولكنه ~~في الاستسقاء رفعا بليغا حتى يساوي بهما وجهه لا يجاوز PageV04P090 # بهما رأسه كما أخرجه أبو داود في حديث آبى اللحم فقد (أ) ثبت الرفع ~~لليدين في غير الاستسقاء (¬1) في عدة أحاديث، وقد ذكر جملة منها البخاري ~~(ب)، في كتاب الدعوات (¬2)، وصنف المنذري في ذلك جزءا. # (قال النووي: وقد جمعت فيها (ج) نحوا من ثلاثين حديثا من الصحيحين أو ~~أحدهما، وذكرتها في أواخر باب صفة الصلاة في شرح المهذب) (¬3) (د). وهذا ~~جمع بين نفى أنس لرفع اليدين في غير الاستسقاء، وهذه الأحاديث المثبتة فلا تعارض. # وقوله: "حتى رئي بياض إبطيه"، فيعد دلالة على المبالغة في الرفع، وقد ~~تقدم الكلام في بياض الإبط. # وقوله: "ثم حول إلى الناس ظهره"، يعني استقبل القبلة. وقوله: "وقلب ~~رداءه"، وقع في هذه الرواية بلفظ (ه) "القلب" وفي غيرها بلفظ PageV04P091 # "التحويل"، والمعنى واحد منهما، وقد ورد في صفة القلب أخرجه البخاري (¬1) ~~عن المسعودي، وإن لم يكن (¬2) على شرطه جعل اليمين على الشمال وزاد فيه ابن ~~ماجه وابن خزيمة (¬3) "والشمال على اليمين"، وفي رواية أبي (أ) داود (¬4): ~~فجعل (ب) عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وعطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ~~وفي رواية لأبي داود "استسقى وعليه خيمصة PageV04P092 # سوداء فأراد أن يأخذ بأسفلها، فيجعله (أ) أعلاها، فلما ثقلت عليه قلبها ~~على عاتقه" (¬1) واختار الشافعي في الجديد (ب) تنكيس (¬2) الرداء وهو الذي ~~هم به النبي - صلى الله عليه وسلم - وذهب الهادي والناصر والمؤيد إلى أنه ~~يفعل ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - من التحويل دون ما هم به. وقال ~~الغزالي: أو (ح) الظاهر باطنا، وذهب أبو حنيفة (¬3) وبعض المالكية إلى أنه ~~لا يستحب، وهو محجوج بما ثبت، ويحول الناس مع الإمام (¬4) عند الجمهور، ~~ويشهد له ما رواه أحمد (¬5) من طريق عن عباد بن (د) تميم بلفظ: وحول الناس ~~معه، وقال الليث وأبو يوسف (ه): إن التحويل يختص بالإمام، واستثنى ابن ~~الماجشون النساء فقال: لا يستحب في حقهن. وهو حسن، ثم الظاهر أن قلب الرداء ~~حين ms0626 استقبل القبلة. ولمسلم (¬6) "أنه لما أراد أن يدعو استقبل القبلة، وحول ~~رداءه"، ومثله في البخاري، وللبخاري (¬7) أيضا في خبر عباد: "فقام فدعا ~~الله قائما، ثم توجه قبل القبلة وحول رداءه". PageV04P093 # وقوله: "وصلى ركعتين"، فيه دلالة على أنها ركعتان فقط كالحديث الأول، وهو ~~قول الجمهور والخلاف للهادي (¬1) فقال: هي أربع بتسليمتين، وعن القاسم ~~متصلات بتسليمة واحدة ووجهه أنه ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - استسقى في ~~صلاة الجمعة في قصة الأعرابي كما سيأتي (¬2) والجمعة منزلة منزلة أربع ~~ركعات بالخطبتين ولا يخفى ما في هذا مع ما ثبت من فعل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وقوله: "وقصة التحويل، في الصحيح من حديث عبد الله بن زيد" وقد سبقت ~~إشارة إليه إذ هو رواية عباد عن عمه عبد الله بن زيد المازني، وليس هو صاحب ~~الأذان كما (¬3) وهم ابن عيينة، إذ قد سبق أنه (¬4) لم يكن له إلا حديث ~~الأذان فقط. # وقوله: "جهر فيهما بالقراءة" استنبط من هذا بعضهم أنها لا تصلى إلا في ~~النهار إذ لو كانت تصلى في الليل لأسر فيها نهارا وجهر فيها ليلا. # وقوله: "وللدارقطني من مرسل جعفر بن محمد وقد وصله أيضا الدارقطني ~~والحاكم، فأخرجاه عن جعفر بن محمد" عن أبيه محمد، وهو لقي جابرا وروى عنه ~~ولكن الدارقطني خرج إرساله: "وحول رداءه ليتحول القحط"، المراد أنه فعل ذلك ~~تفاؤلا بتحول القحط، وذكره أيضا إسحاق بن راهويه في مسنده من قول وكيع، وفي ~~(أ) الطوالات للطبراني من PageV04P094 # حديث أنس (أ) بلفظ: "وقلب رداءه لكي ينقلب القحط إلى الخصب"، واعترض ذلك ~~ابن العربي (¬1) وقال: إن من شرط الفأل أن لا يقصد (ب) إليه، قال: وإنما ~~التحويل أمارة بينه وبين ربه، قيل له: حول رداءك ليتحول حالك، وتعقب بأن ~~هذا يحتاج أيضا إلى نقل، وبعضهم علل التحويل قال: ليكون أثبت على عاتقه عند ~~رفع يديه، وهذا ضعيف جدا. # فائدة: ذكر الواقدي (¬2) أن طول ردائه - صلى الله عليه وسلم - ستة أذرع ~~في ثلاثة أذرع وطول إزاره أربعة أذرع وشبر في ذارعين ms0627 وشبر، وكان يلبسهما في ~~الجمعة والعيدين (¬3) (ج). # 385 - وعن أنس - رضي الله عنه -: "أن رجلا دخل المسجد يوم الجمعة والنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قائم، يخطب، فقال: يا رسول الله هلكت الأموال ~~وانقطعت السبل، فادع الله يغيثنا، فرفع يديه، ثم قال: "اللهم أغثنا" (د). ~~وذكر (5) الحديث، وفيه الدعاء بإمساكها". متفق عليه (¬4). PageV04P095 # قوله: "أن رجلا دخل المسجد"، قال المصنف (¬1) -رحمه الله-: لم أقف على ~~تسميته في حديث أنس، وقد وقع في رواية (أ) سؤال أبي سفيان (¬2) الأموي ~~لذلك، وكعب (¬3) بن مرة، وخارجة بن حصين بن حذيفة (¬4) وقد وقع في (ب) هذه ~~القصة من قول أنس أعرابيا من البدو، والظاهر أن ذلك جميعه واقع في قصص ~~مختلفة فإن قوله: "يا رسول الله" يدل على أنه كان مسلما، فيبعد (ج) أن يكون ~~أبو سفيان ذلك إذ (د) لم يكن قد أسلم حين سأل من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ذلك. # وقوله: "هلكت الأموال"، أراد به الحيوان من الخيل ونحوه (ه)، وقد ورد في ~~رواية البخاري (¬5): "هلك الكراع" بضم الكاف، وهو الخيل وغيرها وفي رواية ~~(¬6) أيضا: "هلكت الماشية .. هلكت العيال، هلكت (و) الناس" والمراد بالهلاك ~~هنا عدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المقصودة بحبس المطر. PageV04P096 # وقوله: "وانقطعت السبل"، وفي رواية: "وتقطعت السبل" (¬1)، وفي رواية: ~~(¬2) "واحمرت الشجر"، وفي رواية لأحمد (¬3): "ومحلت الأرض"، وهذه الألفاظ ~~يحتمل أن يكون قالها جميعا (أ)، فاقتصر البعض من الرواة على البعض، ويحتمل ~~أن ذلك من الرواية بالمعنى، والمراد بانقطاع السبل (ب) هو عدم السفر لضعف ~~الإبل بسبب عدم القوت، أو أنه لما نفد ما عند الناس من الطعام أو قل فلا ~~يجدون ما يحملونه إلى الأسواق. # واحمرار الشجر كناية عن يبس ورقها لعدم الماء أو عدم الورق فيبقي العود محمرا. # وقوله: "فادع الله يغيثنا" يحتمل فتح حرف المضارعة على أنه من غاث، وهو ~~إما من الغيث أو الغوث. قال ابن القطاع: غاث الله عباده غيثا وغياثا سقاهم ~~المطر، وأغاثهم أجاب دعاءهم، ويقال: غاث وأغاث بمعنى، والرباعي أعلى. قال ~~ابن ms0628 دريد: الأصل غاثه الله يغوثه غوثا واستعمل إغاثة، ويحتمل ضمه على أنه ~~من الإغاثة، ويرجح هذا (¬4) قوله: "اللهم أغثنا"، وقوله: "يغيثنا"، ورد في ~~رواية بإثبات حرف العلة على أنه مرفوع استئنافا أي فهو يغيثنا ووقع في ~~رواية "أن يغيثنا" منصوب بأن، PageV04P097 # وفي رواية "يغثنا" مجزوم جواب الأمر، وجميع هذا من ألفاظ (أ) البخاري (¬1). # وقوله: "فرفع يديه" تقدم الكلام في كيفية الرفع، ووقع في بعض روايات ~~البخاري (¬2)، ورفع الناس أيديهم. # وقوله: "فقال اللهم أغثنا"، وفي لفظ للبخاري (¬3) (ب) اسقنا. ووقع في بعض ~~رواياته إعادته (ج) مرتين (¬4)، وفي بعضها (¬5) ثلاثا، والأخذ بالزيادة ~~أولى، وقد ثبت في البخاري "أنه كان إذا دعا دعا ثلاثا". # وقوله: "وفيه الدعاء بإمساكها"، وهو في الصحيحين (¬6)، فيه دلالة على أنه ~~يدعى لرفع المطر إذا كثر كما يدعى لحصوله إذا قل. # 386 - وعن أنس - رضي الله عنه -: "أن عمر - رضي الله عنه - "كان إذا ~~قحطوا استسقى بالعباس بن عبد الطلب، وقال: اللهم إنا كنا نستسقي إليك نبينا ~~فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون". رواه البخاري (¬7). PageV04P098 # قوله: إذا قحطوا -بضم القاف وكسر المهملة- أي أصابهم القحط، وقد بين ~~الزبير بن بكار في الأنساب صفة ما دعا به العباس في هذه، والوقت الذي وقع ~~فيه ذلك فأخرج بإسناده: "أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لا ~~ينزل بلاء إلا بذنب ولم (أ) يكشف إلا بتوبة، وقد توجه بي القوم إليك لمكاني ~~من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقنا الغيث، ~~فأرخت السماء مثل الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس". # وأخرج أيضا من طريق داود بن عطاء عن زيد بن أسلم عن ابن عمر قال: "استسقى ~~عمر بن الخطاب عام الرمادة بالعباس بن عبد المطلب، وذكر الحديث وفيه، فخطب ~~الناس عمر، فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يرى للعباس ما ~~يرى الولد للوالد فاقتدوا أيها الناس برسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~عمه عباس واتخذوه وسيلة إلى الله تعالى، وفيه "فما برحوا حتى ms0629 سقاهم الله" ~~(¬1). وأخرج البارزي من طريق هشام أن عام الرمادة كان سنة ثمان عشرة، وكان ~~ابتداؤه مصدر الحاج منها ودام تسعة أشهر، والرمادة بفتح الراء وتخفيف الميم ~~سمي العام بها لما حصل من شدة الجدب، فاغبرت الأرض جدا من عدم (ب) المطر، ~~وفي هذه القصة دلالة على استحباب الاستشفاع PageV04P099 # بأهل الخير والصلاح وأهل بيت (أ) النبوة، وفيه إظهار فضيلة العباس وفضيلة ~~عمر وتواضعه ومعرفته بحق أهل بيت النبي صلى الله عليه وعليهم وسلم. # 387 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "أصابنا ونحن مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مطر، قال: فحسر ثوبه حتى أصابه من المطر، وقال: إنه حديث ~~عهد بربه". رواه مسلم (¬1). # قوله: "حسر": أي كشف بعض بدنه، ومعنى "حديث عهد بربه" أي بتكوين ربه ~~إياه. يعني أن المطر رحمة، وهي قريبة العهد بخلق الله تعالى فيتبرك بها، ~~فيه دلالة على أن ذلك يستحب عند نزول المطر، وفيه دلالة على أنه ينبغي لمن ~~رأى شيئا لا يعرفه ممن يؤخذ منه الخير والحكمة أن يسأل عنه؛ ليعلمه فيعمل به. # 388 - وعن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا رأى المطر قال: "اللهم صيبا نافعا" أخرجاه (¬2). # أخرج الحديث البخاري ومسلم فالضمير في أخرجاه (ب لهما وذكرهما متكرر في ~~الكتاب فالعود (ج) إليه متقدم وإن كان دأب المصنف فيما هذا حاله ب) أن ~~يقول: متفق عليه. PageV04P100 # وقوله: "صيبا" منصوب بفعل مقدر أي اجعله صيبا. وهو من صاب المطر إذا وقع. # وقوله: "نافعا"، صفة للصيب (أ) تحرز به عن الصيب الضار. # 389 - وعن سعد - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دعا في ~~الاستسقاء: "اللهم جللنا سحابا كثيفا قصيفا دلوقا ضحوكا، تمطرنا منه رذاذا ~~قطقطا سجلا، يا ذا الجلال والإكرام". رواه أبو عوانة في صحيحه (¬1). # قوله: "جللنا" بالجيم بصيغة الأمر من التجليل، والمراد به تعميم الأرض ~~بالمطر والسحاب المجلل هو الذي يعم الأرض بالمطر، والكثيف هو السحاب ~~المتكاثف المتراكم، والقصيف هو ما كان رعده ms0630 شديد الصوت وهو من أمارات قوة ~~المطر يقال: ريح قاصف أي شديد. (ب ورعد قاصف أي شديد الصوت، والدلوق بالدال ~~المهملة والقاف- شديد الدفعة ب) مفاجئة المطر، يقال: دلق السيل على القوم ~~أي هجم، و (ج) اندلقت الخيل وعارد دلق، والضحوك فعول مفتوح الفاء أي سحاب ~~ذات برق (¬2)، قال ابن الأعرابي: الضاحك من السحاب مثل العارض إلا أنه إذا ~~برق قيل: PageV04P101 # ضحك، والرذاذ ما كان قطره دون الطش وفوق القطقط وما كان أكبر من الطش ~~يقال له: البغش والقطقط بكسر القافين، والسجل مصدر سجلت الماء سجلا إذا ~~صببته صبا، وصف به السحاب، مبالغة في كثرة ما يصب منها الماء حتى صارت نفس ~~المصدر ويحتمل أنها وصفت بالسجل الذي هو الدلو الملأى من الماء كأنه قال: ~~سحابة ملأى من الماء كالسجل. # 390 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: "أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "خرج سليمان - عليه السلام -، ليستسقي، فرأى نملة مستلقية على ~~ظهرها رافعة قوائمها إلى السماء، تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا (أ) ~~غنى عن سقياك، فقال: ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم". رواه أحمد وصححه ~~الحاكم (¬1). # لفظ الحاكم: "خرج نبي من الأنبياء يستسقي .. " الحديث و (ب) رواه الطحاوي ~~من طريق منها من حديث أبي الصديق الناجي، وأخرجه ابن PageV04P102 # ماجه (¬1) من حديث ابن عمر في أثناء حديث: "لولا البهائم لم تمطروا". # فيه دلالة على إخراج البهائم في الاستسقاء، وفيه دلالة أن لها إدراكا ~~فيما يتعلق بمعرفة الله سبحانه، وأنها ملهمة إلى ذكر الله، وقد روي في ذلك ~~أحاديث كثيرة وقصص صحيحة، وظواهر في (أ) كتاب الله منيرة ولا ملجئ إلى ~~التأويل، ولا يهتدي إلى ذلك إلا ذو بصيرة بالأسرار خبير. # 391 - وعن أنس - رضي الله عنه - أن "النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء". أخرجه مسلم (¬2). # فيه دلالة لما ذكره جماعة من العلماءأن السنة في كل دعاء لرفع بلاء ~~كالقحط وغيره وإن يرفع يديه ويجعل ظهر كفيه إلى السماء، وإذا دعا لسؤال شيء ms0631 ~~وتحصيله جعل بطن كفيه إلى السماء، وقد صرح بها (ب) في الحديث (ج)، أخرج ~~أحمد (¬3) من حديث خلاد بن السائب عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان إذا سأل جعل باطن كفيه إليه وإذا استعاذ جعل ظاهرهما PageV04P103 # إليه وفيه ابن لهيعة (¬1)، ويجمع بين هذا وبين حديث ابن عباس، وإن كان ~~ضعيفا: "سلوا الله ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها" (¬2)، بأن هذا مخصوص ~~بما كان لسؤال شيء لا لدفع بلاء. وقد فسر قوله تعالى: {ويدعوننا رغبا ~~ورهبا} (¬3) أن الرغب بالبطون والرهب بالظهور، والله أعلم. # [عدة (أ) أحاديث الاستسقاء أحد عشر حديثا] (ب). PageV04P104 ### || AUTO باب اللباس # 392 - عن أبي عامر (أ) الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير". رواه ~~أبو داود وأصله في البخاري (وفي (ب) تمامه قال: "يمسخ منهم آخرون قردة ~~وخنازير إلى يوم القيامة". لفظ أبي داود) (ج) (¬1). # قوله: "ليكونن من أمتي" فيه دلالة على أن استحلال المحرمات لا يخرجه عن ~~كونه من الأمة ولكنه يحتمل أن يريد به أمة الدعوة (د) دون الإجابة، فلا يدل ~~على ذلك، ولكن الظاهر الأول. # وقوله: "يستحلون الخز" هو بالخاء المعجمة والزاي كذلك وهو الذي نص عليه ~~الحميدي وابن الأثير (¬2) في هذا الحديث، وهو ضرب من ثياب الإبريسم معروف ~~وذكره أبو موسى (¬3) في باب الحاء المهملة والراء المهملة، وقال: الحر ~~-بتخفيف الراء- الفرج، وأصله حرح بكسر الحاء وسكون الراء وجمعه أحراح، ~~ومنهم من شدد الراء (يعني في حر لا في حرح فهي ساكنة) (ه) وليس بجيد. قال ~~في النهاية (¬4): والمشهور في هذا الحديث PageV04P105 # على اختلاف طرقه هو الأول (¬1) ولعل ما ذكره أبو موسى جاء في حديث آخر. ~~(ولعله قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أول دينكم نبوة ورحمة، ثم ملك أعفر، ~~ثم ملك وجبروت، فيستحل فيه الحر (¬2) والحرير". قال البيهقي (أ): الحر بكسر ~~الحاء وهو الزنا (ب) قال الأسيري: هكذا رواه الثقات الحفاظ بالراء) (ج) وهو ~~حافظ عارف بما روى وشرح ولا يتهم، ms0632 والله أعلم. # وقوله: "والحرير" من عطف العام على الخاص إذا كان الخز (¬3) المراد به ~~الخالص من الحرير كما عرفت وإن كان ثياب الخز (د) مرادا بها المنسوج من ~~الخز والصوف كما فسر به بعضهم هذا الحديث فهما متغايران، لأن الخز المراد ~~به ما كان مخلوطا من الحرير والصوف، والحرير يراد به الخالص منه، وهذا عام ~~في التحريم ولا بد من تخصيصه بما يحل منه، وهو ما PageV04P106 # سيأتي في حديث عمر (¬1)، وكذا غير الخالص إذا كان الحرير هو الأقل. # والحديث فيه دلالة على تحريم ما ذكر -وهو مذهب الجماهير- على الرجال دون ~~النساء. وحكى (أ) القاضي عياض عن قوم إباحته، وصرح الإمام المهدي بالخلاف ~~في إباحته ونسبه إلى ابن علية، وقال: إنه انعقد الإجماع بعده على التحريم، ~~(وقال أبو داود: عشرون نفسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقل ~~أو أكثر لبسوا الحرير منهم أنس والبراء بن عازب) (ب) (¬2) وعن ابن الزبير ~~تحريمه (¬3) على الرجال والنساء وكأنه لم يبلغه الحديث المخصص للنساء ~~الآتي، وأخرج مسلم عنه أنه خطب فقال: لا تلبسوا نساءكم الحرير، فإني سمعت ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا تلبسوا الحرير". فدل على أنه أخذ بالعموم ولم يبلغه الخصوص، وانعقد ~~الإجماع (¬4) بعد ابن الزبير على الحل للنساء، (وكذلك الصبيان من الذكور ~~يحرم إلباسهم الحرير كالرجال عند الأكثر قالوا: لعموم قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "حرام على ذكور أمتي" (¬5) ولشق (¬6) عمر قميص إسماعيل بن عبد ~~الرحمن (ج) لما دخل عليه وعليه قميص من حرير PageV04P107 # وسواران من ذهب فشق القميص وفك السوارين وقال: اذهب إلى أمك. وقال محمد ~~بن الحسن: يجوز ذلك. وقال أصحاب (¬1) الشافعي: يجوز لباسهم الحل والحرير في ~~يوم العيد؛ لأنه لا تكليف عليهم، وفي جواز لباسهم ذلك في باقي السنة ثلاثة ~~أوجه: أصحها جوازه، والثاني: تحريمه، والثالث: يحرم بعد سن التمييز) (أ). # 393 - وعن حذيفة - رضي الله عنه - قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن نشرب ms0633 في آنية الذهب والفضة، وأن نأكل فيها، وعن لبس الحرير ~~والديباج (ب)، وأن نجلس عليه" (ج. رواه البخاري (¬2). # في الحديث دلالة على تحريم الشرب فيما ذكر، وقد تقدم الكلام في باب ~~الآنية. # وقوله: "والديباج" ما غلظ من ثياب: الحرير، وقوله: "أن نجلس عليه" ج) فيه ~~دلالة على تحريم الجلوس على الحرير، وهو قول (د) الجمهور، وقال به عمر وأبو ~~عبيدة وسعد بن أبي وقاص، وهذ الحديث حجة واضحة، وهو متفق على صحته، والخلاف ~~في ذلك للقاسم وأبي طالب والمنصور وأبي حنيفة وأصحابه (¬3)، فقالوا (ه) ~~يجوز افتراشه إذ هو موضع إهانة، وقياسا PageV04P108 # على الوسائد المحشوة قزا، وقال به ابن عباس وأنس وهذا التعليل لا يعارض ~~النهي المذكور. والله أعلم. # 394 - وعن عمر - رضي الله عنه - قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين (أ) أو ثلاث أو أربع". متفق عليه ~~واللفظ لمسلم (¬1). # قوله: "إلا موضع إصبعين" (ب) إلخ، فيه دلالة على أن ذلك معفو، (وهذا مذهب ~~الجمهور، وعن مالك في رواية (¬2) منعه، وعن بعض أصحابه رواية بإباحة العلم ~~في الثوب بقدر أربع أصابع بل قالوا: يجوز العلم ولو كثر) (ج) وسواء كان ~~منسوجا في الثوب أو ملصقا، ويقاس عليه الاستعمال والجلوس وفي كلام الهادوية ~~مقصور على الثلاث الأصابع، وهذا الحديث صريح في الأربع (د)، والعمل به هو ~~الواجب. والله أعلم. # 395 - وعن أنس - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص ~~لعبد الرحمن بن عوف والزبير في قميص الحرير في سفر من حكة كانت PageV04P109 # بهما". متفق عليه (¬1). # وفي رواية "أنهما شكوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - القمل فرخص ~~لهما في (قميص) (أ) الحرير في غزاة لهما". # في الحديث دلالة على أنه يجوز لبس الحرير للضرورة المذكورة (ب) وهو مذهب ~~الجمهور (¬2)، ويقاس عليها غيرها من الحاجات كعدم وجود اللباس، والخلاف في ~~ذلك لمالك، فقال: لا يجوز، والحديث حجة عليه. # وقوله: "في سفر"، هو لبيان الحال الذي كانا عليه لا للتقييد فيجوز ذلك ms0634 ~~وإن كان في الحضر وقد فهم بعض الشافعية (¬3) أن ذلك قيد في الترخيص فقال: ~~لا يجوز إلا في السفر، وهو ضعيف. # وقوله: "لحكة" هو بكسر المهملة وتشديد الكاف وهو الجرب ونحوه، وناسب ~~الحرير لما فيه من البرودة. # 396 - وعن علي - رضي الله عنه - قال: "كساني النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- حلة سيراء، فخرجت فيها فرأيت الغضب في وجهه فشققتها بين نسائي". PageV04P110 # متفق عليه. وهذا (اللفظ) (أ) لمسلم (¬1). # قوله: "حلة"، الحلة (ب) بضم المهملة، قال أهل اللغة (¬2): لا تكون إلا ~~ثوبان وتكون غالبا إزارا ورداء، والسيراء فعلاء بكسر المهملة ثم ياء مثناة ~~من تحت مفتوحة ثم راء مهملة ثم ألف ممدودة، وهو صفة الحلة فتكون الحلة ~~بالتنوين، وقد روي بإضافة الحلة إلى السيراء وهما وجهان مشهوران، المحققون ~~ومتقنو العربية يختارون الإضافة، قال سيبويه (¬3): (ب) لم يأت فعلاء (صفة، ~~وإنما أتى اسما) (د) وأكثر المحدثين يقولون: حلة. قال الخطابي (¬4): في حلة ~~سيراء، كما قالوا: ناقة عشراء، وهي برود مضلعة بالقز، كذا فسرها في سنن أبي ~~داود، وكذا قالها الخليل، والأصمعي وآخرون، قالوا كأنها شبهت خطوطها ~~بالسيور، وقيل: في مختلفة الألوان، وقيل: هي وشي من حرير، وقيل: إنها حرير ~~محض، وهذا هو الأنسب بالحديث المتعين هنا، لأن المختلط من حرير وغيره، لا ~~يحرم إلا أن يكون الحرير أكثر PageV04P111 # وزنا، ويدل عليه ما أخرجه أبو داود (¬1) عن ابن عباس قال: "إنما نهى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن الثوب المصمت من الحرير، فأما العلم من ~~الحرير، وسدى الثوب فلا بأس به". # وقوله: "فشققتها بين نسائي"، في رواية لمسلم (¬2) فقال: شقه خمرا بين ~~الفواطم وهو تفسير "نسائي" في هذه الرواية، وهو كما قال الجمهور ثلاث: ~~فاطمة بنت (¬3) النبي - صلى الله عليه وسلم - وفاطمة بنت (¬4) أسد أم علي - ~~رضي الله عنها - وهي أول هاشمية ولدت هاشميا، وفاطمة بنت حمزة (¬5) - رضي ~~الله عنها - وذكر الحافظ (¬6) عبد الغني أنهن أربع، قال القاضي عياض (¬7): ~~يشبه أن تكون الرابعة فاطمة (¬8) بنت شيبة بن ربيعة امرأة عقيل بن أبي طالب ms0635 ~~لاختصاصها بعلي - رضي الله عنه - وقربها إليه بالمصاهرة، وهي من المبايعات ~~شهدت حنينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفاطمة بنت أسد كذلك. ~~الصحيح أنها من المهاجرات خلافا لمن زعم أنها ماتت قبل الهجرة. # وفي هذا الحديث دلالة على التحريم، إذ لا يرى الغضب في وجهه - صلى الله ~~عليه وسلم - لأجل ذلك إلا وهو منكر. PageV04P112 # 397 - وعن أبي موسى - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "أحل الذهب والحرير لإناث أمتي، وحرم على ذكورهم". رواه أحمد ~~والنسائي والترمذي وصححه (¬1). # أخرجه الترمذي من طريق سعيد بن أبي هند (¬2) عن أبي موسى الأشعري وأعله ~~أبو حاتم بأنه لم يلقه، وكذا ابن حبان في صحيحه (¬3) قال: سعيد بن أبي هند ~~عن أبي موسى معلول لا يصح، وأما ابن حزم (أ) فصححه، وقد روي من ثمان طرق ~~غير هذه الطريق عن علي وعن عقبة بن عامر وعن عمر وعن ابن عمرو (ب) وعن زيد ~~بن أرقم وعن واثلة وعن ابن عباس، وجميع طرقه (¬4) فيها مقال، ولكن بعضها ~~يتأيد بالبعض. # و (ج) الحديث فيه دلالة على تحريم ذلك على الذكور، والحل للإناث، PageV04P113 # وفيه رد على ما ذهب إليه ابن الزبير من التحريم مطلقا والتخصيص لعمومه ~~بما تقدم. والله أعلم. # 398 - وعن عمران بن حصين - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "إن الله يحب إذا أنعم على عبد نعمة أن يرى أثر نعمته عليه". ~~رواه البيهقي (¬1) وأخرج الترمذي (¬2) نحوه عن عمرو بن شعيب (أ) عن أبيه عن ~~جده، وأخرج النسائي (¬3) عن أبي الأحوص عن أبيه، وفيه: "فإذا آتاك الله ~~مالا فلير أثر نعمة الله عليك وكرامته (ب) "، والمعنى أن الله تعالى إذا ~~أنعم على العبد ينبغي له أن يظهر نعمه في حقه فيلبس ما يناسب حاله فإنه شكر ~~فعلي وأيضا فإن المحتاج إذا رأى عليه آثار الغنى قصده. # 399 - عن علي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"نهى عن لبس القسي والمعصفر". ms0636 رواه مسلم (¬4). PageV04P114 # قوله: "القسي" هي (أ) ثياب مضلعة يؤتى بها من مصر (ب والشام فيها شية، ~~هكذا رواية مسلم، وأما رواية البخاري (¬1) فيها حرير أمثال الأترج. قال أهل ~~اللغة (¬2) وغريب الحديث: هي ثياب مضلعة بالحرير تعمل بالقس بفتح القاف وهو ~~موضع من بلاد مصر ب) على جانب البحر قريب من تنيس. وقيل: هي ثياب كتان ~~مخلوطة بحرير، وقيل: هي ثياب من القز وأصله القزي بالزاي منسوب إلى القز ~~وهو رديء الحرير فأبدل من الزاي سين. # وفيه دليل على تحريمه إذ النهي حقيقة في التحريم إلا أنه إن كان حريره ~~أكثر أو جميعه، فالنهي (ج) على حقيقته، وإلا فالنهي للكراهة للتنزيه، ~~للقرينة. # وقوله: "والمعصفر" وهو المصبوغ بالعصفر، فيه دلالة على تحريم لبس الثوب ~~المصبوغ بالعصفر (د)، وقد ذهب إلى هذا العترة على ما حكاه في البحر (¬3). ~~ودليله واضح وذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى إباحة ~~المعصفر، وبه قال الشافعي (¬4) وأبو حنيفة ومالك لكنه PageV04P115 # قال: غيرها أفضل منها. وفي رواية عنه أنه أجاز لباسها (أ) في البيوت ~~وأفنية الدور، وكرهه في المحافل والأسواق وغيرها، وقال جماعة من العلماء: ~~هو مكروه كراهة تنزيه قالوا: لأنه - صلى الله عليه وسلم - "لبس حلة حمراء" ~~(¬1). وفي الصحيحين عن ابن عمر (¬2): "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يصبغ بالصفرة"، وقال الخطابي (¬3): النهي (ب) إنما هو عما صبغ من الثياب ~~بعد النسج، فأما ما صبغ غزله ثم نسج فلا، وبعضهم على أن النهي إنما هو في ~~حق المحرم، والبيهقي قال في كتابه معرفة السنن: نهى الشافعي الرجل عن ~~المزعفر وأباح المعصفر، قال الشافعي: وإنما رخصت في المعصفر لأن أحدا لم ~~يحك عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عنه إلا ما قال علي رضي الله ~~عنه: نهانى ولا أقول نهاكم (¬4)، قال البيهقي: وقد جاءت أحاديث تدل على أن ~~النهي على العموم ثم ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الآتي ثم أحاديث ~~ثم قال: ولو بلغت هذه الأحاديث الشافعي -رحمه الله تعالى- لقال بها ms0637 إن شاء ~~الله تعالى. ثم ذكر بإسناده ما صح عن الشافعي أنه قال: إذا صح حديث النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - خلاف قولي فاعملوا بالحديث ودعوا قولي، وفي رواية: PageV04P116 # فهو مذهبى. قال البيهقي: قال الشافعي: وأنهى الرجل الحلال بكل حال أن ~~يتزعفر قال: وآمره إذا تزعفر أن يغسله. # 400 - وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: "رأى علي النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ثوبين معصفرين فقال: أمك أمرتك بهذا؟ ". رواه مسلم (¬1). # الحديث أخرجه مسلم بهذا اللفظ، وتمامه قلت: (أأغسلهما) (أ) يا رسول الله؟ ~~قال: "بل احرقهما". # وفي رواية: "إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسهما" وأخرجه النسائي وأبو ~~داود (¬2). # قوله: "أمك أمرتك بهذا" معناه: أن هذا من لباس النساء وزينتهن وأخلاقهن. ~~وأما الأمر بإحراقهما، فقيل: هو عقوبة، وتغليظ لزجره وزجر غيره عن مثل هذا ~~الفعل، ولهذا نظائر في السنة مثل أمر المرأة التي PageV04P117 # لعنت الناقة بإرسالها. وأمر (عائشة بشراء بريرة مع شرطهم للولاء) (أ) ثم ~~(ب) أنكر اشتراط الولاء، ونحو ذلك. # 401 - عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - "أنها أخرجت جبة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج". رواه أبو ~~داود (¬1). وأصله في مسلم، وزاد: "كانت عند عائشة رضي الله عنها حتى قبضت ~~فقبضتها أسماء، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبسها، فنحن نغسلها ~~للمرضى يستشفى بها". وزاد البخاري في الأدب المفرد: "وكان يلبسها للوفد ~~والجمعة". # قوله: "إنها أخرجت" إلخ، في مسلم إنها فعلت ذلك لابن عمر لما بلغها أنه ~~يحرم العلم في الثوب، وقال: إنه سمع عمر يقول: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "إنما يلبس الحرير من لا خلاق له" (¬2) قال: فخفت أن ~~يكون العلم منه فأخرجت له جبة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: "مكفوفة الجيب" إلخ يعني أنه جعل لجيبها كفة بضم الكاف، وهي ما ~~يكف به جوانبها ويعطف عليها. ويكون ذلك في الذيل وفي الفرجين وفي الكمين ~~والجيب، والكفة من الديباج وهي محمولة PageV04P118 # على ms0638 أنه أربع أصابع أو دونها (أو فوقها إذا لم يكن مصمتا) (أ) جمعا بين ~~الأدلة. # وفيه دلالة على جواز مثل ذلك من الحرير، وجواز لباس الجبة وما له فرجان ~~وأن لا كراهة في ذلك. # وقولها: (ب) "يستشفى بها" فيه دلالة على أنه لا كراهة في الاستشفاء، ~~بآثار النبي - صلى الله عليه وسلم - وما لامس جسمه الشريف. # وقوله: "وكان يلبسها للوفد والجمعة"، فيه دلالة على استحباب لباس الزينة ~~الجائز عند اجتماع الناس ووفود من لم يكن قد عرف من قبل ذلك. والله أعلم. # فائدة: ذكر في المواهب اللدنية أنه كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ثلاث جباب يلبسهن، جبة في الحرب، وجبة سندس أخضر، وجبة طيالسة (ج) وعمامة ~~يقال لها: السحاب وأخرى سوداء، ورداء، وكان له منطقة من أديم فيها ثلاث حلق ~~من فضة والإبزيم من فضة (د والطرف من فضة د). # فائدة أخرى: ذكر في الهداية شرح الإرشاد أنه يستثنى من لبس الحرير ما عمت ~~به البلوى من خلع الملوك الحرير أو ما أكبره (ه) وزنا منه على العلماء ~~والقضاة، فقد نقل الماوردي جوازه لأن زمنه يسير، وخرج على أن أمر الإمام ~~إكراه، ويشهد للجواز إلباس عمر - رضي الله عنه - سراقة PageV04P119 # سواري كسرى، وقد يمنع بأن فعل عمر لإظهار معجزة من معجزات النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لأنه قال له حين فتح مكة، وكان أشعر وقد حسر عن ذراعيه: ~~"كأني بك وقد سورت سوار كسرى" ويجوز للرجل والخنثى الجلوس على حرير بسط ~~عليه ثوب قطن، ويجوز خياط الثوب بالحرير ولبس (¬1) ما خيط به، ويحل منه خيط ~~السبحة قاله في المجموع (¬2). قال الزركشي: ويقاس به لبقة الدواة، قال ~~الفوران: ويجوز منه كيس المصحف للرجل والخنثى قال: ويكره لباس الثياب ~~الحسنة (أ) لغير غرض شرعي، نقله النووي عن المتولي والروياني واختار في ~~المجموع (¬3) ما اقتضاه كلام غيرهما من أنه خلاف السنة، ويحرم على الرجل ~~إطالة العدبة طولا فاحشا، وإرسال الثوب على الكعبين للخيلاء (¬4)، ويكره ~~ذلك لغير الخيلاء، وله لبس العمامة بعدبة ودونها ms0639 ويسن (ب) أن تكون العدبة ~~بين الكتفين ويستحب (¬5) تقصير الكم لحديث أسماء بنت زيد "كان كم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إلى الرسغ". رواه أبو داود والترمذي (¬6) وحسنه، ~~قال الزركشي: وينبغي طي الثياب. وفيه أحاديث لكن بأسانيد ضعيفة رواها ~~الطبراني وغيره. PageV04P120 # ويجوز بلا كراهة لبس القميص والقباء والفرجية مزرورا وغير مزرور إذا لم ~~تبد العورة، ذكره في المجموع (¬1)، قال ابن عبد السلام (¬2): وإفراط توسعة ~~الثياب والأكمام بدعة وسرف، ولا بأس بلبس العلماء شعار، ليعرفوا بذلك ~~فيسألوا ويأمروا فيطاعوا. انتهى. # (عدة (أ) أحاديث اللباس اثنا عشر حديثا) (ب). PageV04P121 ### | AUTO كتاب الجنائز # الجنائز بفتح الجيم جمع جنازة بالفتح والكسر، (أقال ابن قتيبة: الكسر ~~أفصح أ) مشتقة من جنز إذا ستر، ذكره ابن فارس وغيره، والمضارع (ب) يجنز ~~بكسر النون ويقال للميت جنازة بالفتح، وبالكسر للنعش إذا كان عليه ميت، ~~ويقال عكسه، ذكره صاحب المطالع (¬1). # 402 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - "أكثروا من ذكر هاذم اللذات، الموت" (¬2). رواه الترمذي والنسائي ~~(صححه ابن حبان) (ج)، وأخرجه أحمد وابن ماجه (د) والحاكم وابن السكن وابن ~~طاهر كلهم عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة وأعله الدارقطني ~~بالإرسال (¬3). PageV04P123 # وفي الباب عن أنس عند البزار (¬1) بزيادة، وصححه ابن السكن. وقال أبو ~~حاتم في العلل (¬2): لا أصل له، وعن عمر ذكره ابن (¬3) طاهر في تخريج ~~أحاديث الشهاب، وفيه من لا يعرف، وهو (أ) في الحلية (¬4) (ب) في ترجمة ~~مالك، وذكره البغوي (¬5) عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه مرسلا. # وقوله: "هاذم" ذكر (ج) السهيلي (¬6) في الروض أن الرواية فيه بالذال ~~المعجمة. قال في البدر (¬7): ليس إلا، ومعناه القاطع، وأما بالمهملة فمعناه ~~المزيل للشيء، وليس ذلك مرادا هنا، هذا كلامه، وهو محتمل (د) الصحة كما لا يخفى. # وفي الحديث دلالة على أنه ينبغي للإنسان أن لا يخلي عن ذكره (ه) أعظم ~~المواعظ وهو الموت. وقد نبه على فائدة ذلك في تمام الحديث وهو PageV04P124 # قوله: ms0640 "فإنكم لا تذكرونه في كثير إلا قلله ولا قليل إلا كثره" (¬1)، وفي ~~رواية الديلمي عن أبي هريرة: "أكثروا ذكر الموت فما من عبد أكثر ذكره إلا ~~أحيا الله قلبه وهون عليه الموت"، وفي لفظ ابن حبان والبيهقي في شعب ~~الإيمان (¬2) "أكثروا ذكر هاذم اللذات، فإنه ما ذكره عبد قط وهو في ضيق إلا ~~وسعه عليه، ولا ذكره وهو (أ)، في سعة إلا ضيقه" (¬3)، وفي حديث أنس عند ابن ~~لال في مكارم الأخلاق: "أكثروا ذكر الموت، فإن ذلك تمحيص للذنوب وتزهيد في ~~الدنيا" (¬4) الموت: القيامة، وعند البزار (¬5): "أكثروا ذكر هاذم اللذات، ~~فإنه ما ذكره أحد في ضيق من العيش إلا وسعه عليه، ولا في سعة إلا ضيقه"، ~~وعند ابن أبي الدنيا (¬6): "أكثروا ذكر الموت، فإنه يمحو الذنوب ويزهد في ~~الدنيا فإن ذكرتموه عند الغني هدمه وإن ذكرتموه عند الفقر أرضاكم بعيشكم". # 403 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر ينزل به، فإن كان لا بد متمنيا فليقل: اللهم PageV04P125 # أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي". متفق ~~عليه (¬1). # في الحديث دلالة على النهي عن تمني الموت لأجل الضر النازل من مرض أو ~~محنة من عدو أو فاقة أو نحو ذلك من مشاق الدنيا، لما في ذلك من الجزع، وعدم ~~الصبر على القضاء وفيه إظهار عدم الرضى، وظاهر التقييد بقوله: "لضر نزل ~~به"، وأما إذا كان المتمني لغير ذلك فليس بداخل في النهي بأن يخاف على نفسه ~~الفتنة في الدين أو محبة إدراك فضيلة كتمني الشهادة كما وقع مثل ذلك من عبد ~~الله بن رواحة وغيره من السلف وكما في قصة مريم عليها السلام، وقولها: ~~{ياليتني مت قبل هذا} (¬2)، فإن التمني منها -صلوات الله وسلامه عليها- ~~إنما هو لمثل هذا الأمر الخوف من كفر من كفر وشقاوة من شقي بسببها (أ). # وقوله: "فإن كان لا بد متمنيا" (ب)، يعني أنه إذا ضاق ذرعه وعظم جزعه حتى ~~عظم عليه ms0641 مجاهدة نفسه بالتصبير لها فليقل: اللهم إلخ .. وفي (ج) هذا القول ~~رجوع إلى التفويض لأمر الله سبحانه وسؤاله له ما كان PageV04P126 # أحمد عاقبة لدينه ودنياه من الموت والحياة والأفضل هو الصبر، وكان هذا ~~رخصة في حقه والظاهر أن النهي للتحريم إذا كان ذلك لعدم الرضى بالقضاء. ~~والله أعلم. # 404 - وعن بريدة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"المؤمن يموت بعرق الجبين". رواه الثلاثة وصححه ابن حبان (¬1). # وأخرجه أحمد وابن ماجه والروياني ومالك والباوردي (أ) وأبو نعيم في ~~الحلية والبيهقي في شعب الإيمان والضياء المقدسي، وأخرجه من حديث ابن مسعود ~~الطبراني في الأوسط (¬2). # قوله: "بعرق"، بفتح العين والراء المهملتين، وفيه وجهان أحدهما ما يكابده ~~من شدة السياق التي يعرق دونها جبينه أي يشدد عليه تمحيصا لبقية ذنوبه. ~~والثاني أنه كناية عن كد المؤمن في طلب الحلال، وتضييقه على نفسه بالصوم ~~والصلاة حتى يلقى الله تعالى فيكون الجار والمجرور في محل النصب على الحال، ~~(والمعنى على الأول أن حالة الموت وخروج PageV04P127 # الروح شديدة عليه، فهو صفة لكيفية الموت وشدته على المؤمن) (أ)، والمعنى ~~على الثاني أنه يدركه الموت في حال كونه على هذه الحال الشديدة التي يعرق ~~منها الجبين فهو صفة للحال الذي يفاجئه الموت عليها (¬1) والله أعلم. # 405 - وعن أبي سعيد - رضي الله عنه - وأبي هريرة - رضي الله عنه - قالا: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقنوا موتاكم: لا إله إلا الله". ~~رواه مسلم (¬2) والأربعة، وهذا لفظ مسلم، وفي لفظ أبي داود زيادة قول: "لا ~~إله إلا الله"، وأخرجه ابن (¬3) حبان بزيادة: "فمن كان آخر كلامه لا إله ~~إلا الله دخل الجنة يوما من الدهر وإن أصابه ما أصابه قبل ذلك"، وعزاه ابن ~~الجوزي في جامع المسانيد إلى البخاري وغلط في ذلك، والمحب الطبري جعله من ~~المتفق عليه، وليس كذلك. وأخرجه أبو القاسم القشيري في أماليه من طريق ابن ~~سيرين عن أبي هريرة مرفوعا بلفظ: "إذا ثقلت مرضاكم فلا تملوهم قول لا إله ~~إلا الله، ولكن ms0642 لقنوهم فإنه لم يختم به لمنافق قط"، وقال: غريب، وفيه محمد ~~بن الفضل بن عطية (¬4) وهو متروك، وفي الباب PageV04P128 # عن عائشة أخرجه النسائي (¬1) بلفظ: "هلكاكم" بدل "موتاكم"، وعن عبد الله ~~بن جعفر بلفظ: "لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم، ~~الحمد لله رب العالمين" قالوا: يا رسول الله كيف للأحياء؟ قال: "أجود ~~وأجود" رواه ابن ماجه (¬2)، وعن جابر في الدعاء (¬3) للطبراني والضعفاء ~~للعقيلي وعن عروة بن مسعود الثقفي رواه العقيلي (¬4) بإسناد ضعيف، ثم قال: ~~روي في الباب أحاديث (أصحاح من غير واحد من الصحابة ورواه ابن أبي الدنيا ~~عن حذيفة بلفظ: "لقنوا موتاكم أ) لا إله إلا الله فإنها تهدم ما قبلها من ~~الخطايا"، وروي فيه أيضا عن عمر وعثمان وابن مسعود وأنس وغيرهم وعن ابن ~~عباس (¬5) وابن مسعود (¬6) رواهما الطبراني وروي فيه أيضا من حديث (¬7) ~~عطاء بن السائب عن أبيه عن جده بلفظ: "من لقن عند الموت شهادة أن لا إله ~~إلا الله دخل الجنة" (¬8). PageV04P129 # قوله: "لقنوا موتاكم"، المراد بالتلقين هو تذكيره هذا اللفظ الجليل، ~~والمراد بالموتى من حضره الموت وأشرف عليه تسمية له بما يصير إليه مع قرب ~~المصير إليه والحكمة في التلقين ليقولها فيكون آخر كلامه ليدركه فضيلة ~~قوله: - صلى الله عليه وسلم - "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل ~~الجنة" (¬1)، والأمر بهذا التلقين للندب، كذا ذكر (أ) العلماء وأجمعوا على ~~هذا التلقين، وكرهوا الإكثار عليه، والموالاة لئلا يضجر وتضيق حاله ويشتد ~~كربه فيكره ذلك بقلبه ويتكلم بما لا يليق، قالوا: وإذا تكلم مرة أخرى فيعاد ~~التعريض له ليكون آخر كلامه. # وفي الحديث دلالة على أنه يندب الحضور عند المحتضر لتذكيره وتأنيسه ~~وإغماض عينيه والقيام بحقوقه، وهذا مجمع عليه. # 406 - وعن معقل بن يسار - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "اقرءوا على موتاكم يس". رواه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان ~~وأخرجه ابن ماجه والحاكم (¬2)، وأعله ابن القطان بالاضطراب (¬3) وبالوقف PageV04P130 # وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه راويه عن ms0643 معقل بن يسار، ونقل أبو بكر بن ~~العربي عن الدارقطني أنه قال: هذا حديث ضعيف، الإسناد، مجهول المتن ولا يصح ~~في الباب حديث، وقال أحمد في مسنده (¬1): حدثنا صفوان قال: كانت المشيخة ~~يقولون: إذا قرأت يعني: يس عند الميت خفف عنه بها، وأسنده صاحب الفردوس عن ~~أبي الدرداء وأبي ذر قالا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من ~~ميت يموت فيقرأ عنده يس إلا هون الله عليه"، وفي الباب عن أبي ذر (أ) أخرجه ~~أبو الشيخ في فضائل القرآن، وأخرج أبو بكر المروزي في كتاب الجنائز عن أبي ~~الشعثاء صاحب ابن عباس أنه يستحب قراءة سورة الرعد (¬2)، وزاد فإن ذلك ~~تخفيف عن الميت، وفيه أيضا عن الشعبي قال: كانت الأنصار يستحبون أن يقرءوا ~~عند الميت سورة البقرة، وأخرج المستغفري في فضائل القرآن أثر أبي الشعثاء (¬3). # وقوله: "فاقرءوا على موتاكم"، أراد به من حضرته الوفاة كذا ذكر (ب) ابن ~~حبان (¬4) في صحيحه، فقال: أراد به من حضرته المنية، لا أن الميت (ج) يقرأ ~~عليه كذلك. ورده المحب الطبري في الأحكام وغيره. وقال: إن قراءة يس تنفع ~~المحتضر والميت .. # 407 - وعن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: دخل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على أبي سلمة، وقد شق بصره، فأغمضه، ثم قال: "إن الروح إذا PageV04P131 # قبض تبعه البصر، فضج ناس من أهله فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير، ~~فإن الملائكة تؤمن على ما تقولون، ثم قال: اللهم اغفر لأبي سلمة، وارفع ~~درجته في المهديين، وأفسح له في قبره ونور له فيه، واخلفه في عقبه". رواه ~~مسلم (¬1). # قوله: "وقد شق بصره" بفتح الشين المعجمة مبني للمعلوم بلا خلاف وبصره ~~مرفوع فاعل شق هكذا ضبط الحديث، قال النووي (¬2): وهو المشهور، قال وضبطه ~~بعضهم بالفتح وهو صحيح أيضا، قال صاحب الأفعال: يقال: شق بصر الميت، ومعناه ~~شخص و (أ) قال ابن السكيت في الإصلاح والجوهري حكاية عن ابن السكيت: يقال ~~شق بصر الميت ولا يقال: شق الميت بصره، وهو الذي حضره ms0644 الموت، وصار ينظر إلى ~~الشيء لا يرتد إليه طرفه (¬3). # وقوله: "فاغمضه"، دليل على استحباب إغماض الميت وأجمع المسلمون (¬4) على ~~ذلك قالوا: والحكمة فيه أن لا يقبح منظره لو ترك إغماضه. # وقوله: "تبعه البصر"، معناه إذا خرج الروح من الجسد تبعه البصر PageV04P132 # ناظرا أين يذهب وفي الروح لغتان: التذكير والتأنيث. # وهذا الحديث دليل للتذكير، وفيه دليل لقول من قال: إن الروح أجسام لطيفة ~~متحللة في البدن وتذهب الحياة من الجسد بذهابها، وليس عرضا كما قاله آخرون ~~(ولا دما كما قاله آخرون، وفيه كلام متشعب للمتكلمين قال (أ) القاضي عياض: ~~وفيه أن الموت ليس نافيا (ب) وإعدام تام، وإنما هو انتقال وتغير حال وإعدام ~~للجسد دون الروح إلا ما استثنى من عجب الذنب، قال: وفيه حجة لمن يقول: ~~الروح والنفس بمعنى (¬1)) (ج). # وقوله: "ثم قال اللهم اغفر" إلخ فيه استحباب الدعاء للميت عند موته ~~ولأهله وورثته بأمور الآخرة والدنيا، وفيه دلالة على المذهب المختار من ~~إثبات حالة (¬2) الميت في القبر من تنعيم أو تعذيب. # 408 - وعن عائشة - رضي الله عنها -: "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- حين توفي سجي ببرد حبرة". متفق عليه (¬3). # وعنها: أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - قبل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد موته. رواه البخاري (¬4). PageV04P133 # قوله: "سجي": أي غطي، "البرد" (¬1) يجوز إضافته إلى الحبرة ووصفه بها ~~والحبرة ما كان له أعلام، وهي أحب اللباس كانت إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وقولها: إنه قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد موته، فيه دلالة على ~~أنه يجوز تقبيل الميت، وفي دخوله بعد التسجية، فيه مناسبة أيضا لما قالوا. ~~وهو مروي عن النخعي، ينبغي أن لا يطلع عليه إلا الغاسل له ومن يليه لئلا ~~يطلع على ما يكره الاطلاع عليه من حال الميت. # 409 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه - عن (أ) النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه". رواه أحمد والترمذي وحسنه (¬2). # في الحديث دلالة على الاهتمام بقضاء الدين، وأن ms0645 الميت لا يخلو عن ~~الامتحان به حتى يقضي عنه، وظاهره: ولو أوصى. والله أعلم. # 410 - وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال في الذي سقط عن راحلته، أو قال: وقصته فمات: "اغسلوه بماء وسدر، PageV04P134 # وكفنوه في ثوبين". متفق عليه (¬1). # لفظ البخاري قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته فوقصته أو قال: ~~فأوقصته. قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ~~ثوبين ولا تحنطوه ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" (¬2) وله ~~ألفاظ أخر ولم يقع في البخاري التردد في سقط أو قال: وقصته في جميع ألفاظه، ~~وإنما الشك في وقصته أو أوقصته، وفي لفظ (¬3): "أقصعته أو أقعصته"، وفي لفظ ~~(¬4): قال أيوب: "فوقصته" وقال عمرو: "فأقصعته". # قوله: "وقصته": الوقص (¬5) كسر العنق، وفاعل وقصته ضمير يعود إلى مصدر ~~أسقطته وهو السقطة مؤنث، ويجوز أن يعود إلى الراحلة (¬6) فإن كانت الراحلة ~~أصابته بعد سقوطه فالإسناد إليها حقيقة، وإلى السقطة مجاز وإن لم يكن كذلك، ~~كان الأمر بالعكس ووقصته هو المعروف عند أهل اللغة وأوقص شاذ، وأما أقصعته ~~(أ) فهو من القصع (ب) الذي هو PageV04P135 # الهشم مع قصع (أ) القملة إذا هشمها (¬1)، وقيل: هو خاص بكسر العظم فيكون ~~مستعارا هنا لكسر العنق، إن لم يكن الكسر لها كسرا للعظم وإلا فحقيقة، وأما ~~أقعصته بتقديم العين على الصاد فهو القتل في الحال ومنه قعاص الغنم، وهو موتها. # وقوله: "اغسلوه بماء وسدر" فيه دلالة على وجوب غسل الميت، وأن الماء ~~والسدر كاف في مطلق الغسل، ولم يذكر في هذا اللفظ ترك الحنوط وهو ثابت في ~~رواية للبخاري (ب) (¬2) لهذا الحديث بلفظ: "ولا تحنطوه، ولا تخمروا رأسه ~~فإنه يبعث ملبيا" فيه دلالة على أن حكم الإحرام باق في حقه بدليل ترك الطيب ~~وتخمير الرأس والتعليل بأنه يبعث ملبيا، والخلاف في ذلك للحنفية، وبعض ~~المالكية (¬3) فقالوا: إنه ينقطع حكم الإحرام بالموت، والحديث ورد في قضية ~~معينة (شهادة له) (ج) بأن (د) حجته مقبولة حتى بعث ملبيا ms0646 وإلا فلو كان لأجل ~~بقاء الإحرام لقال بعد قوله: إنه يبعث ملبيا لأنه محرم. # وأيضا فإنه سبحانه وتعالى يقول: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى (39)} (¬4)، ~~وقد انقطع سعيه وعمله بموته، لقوله - صلى الله عليه وسلم - إذا مات الإنسان PageV04P136 # انقطع عمله إلا من ثلاث .. ". الحديث (¬1)، وليس هذا منها. # وأجيب عن ذلك: # بأنه حكم تعبدي ورد النص به، وكونه في قضية معينة لا يمنع الإلحاق (أ) ~~بعد إظهار التعليل، وهو كونه يبعث ملبيا، وبعثه ملبيا ملازم للإحرام إذ ~~التلبية بن خواصه والإحرام موجود في غيره من سائر من مات محرما فيكون حكمة ~~حكمه في البعث ملبيا. # وأما كونه شهادة بأن حجته مقبولة فذاك غير مسلم، إذ الإحرام ونحوه من ~~الأفعال المتعلقة بالإنسان المفضية إلى تحصيل الفضيلة نظرا إلى ظاهر ~~الاتصاف بها وكونها مشروطة بالقبول أمر آخر غير الحكم التكليفي بدليل قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "زملوهم بدمائهم وكلومهم فإنهم يبعثون" (¬2) ~~الحديث، وهذا بالنظر إلى ظاهر الأسباب، وإلا فليس كل شهيد له هذه الفضيلة ~~كما ذلك واضح، واستدل بعضهم بأنه لو كان إحرامه باقيا لوجب أن تكمل له ~~المناسك، ولا قائل به، وأجيب بأن ذلك ورد على خلاف الأصل، فيقتصر به على ~~مورد النص، وقد يجاب عنه بأن ذلك ملتزم وهو صحة التكميل، ولكنه يشترط ~~الوصية، ولعله لم يوص كما هو ظاهر القصة، وأما الداودي فاعتذر عن مالك بأنه ~~لم يبلغه هذا الحديث. # وقوله: "وكفنوه في ثوبين"، ظاهر هذا اللفظ: عدم لزوم تكفين المحرم في ~~ثيابه التي مات بها، ولكن البخاري أورد الحديث في الحج PageV04P137 # بلفظ: "في ثوبيه" (¬1)، و (أ) للنسائي (¬2) "في ثوبيه اللذين أحرم ~~فيهما"، والظاهر أنه لا قائل (ب) بتعيين ثياب المحرم، ولعله يفرق بينه وبين ~~الشهيد أن في ثياب الشهيد أثر الدم فتركت (ج) عليه بخلاف المحرم، و (د) قال ~~المحب الطبري: إنما لم يزده ثوبا ثالثا تكرمة له كما في الشهيد، (وفيه ~~دلالة على أن الكفن من رأس المال لعدم استفصاله - صلى الله عليه وسلم - هل ~~عليه دين يستغرق ms0647 ماله أم لا) (ه). # وفي تمام الحديث، وهو "أنه يبعث ملبيا" دلالة على أن من شرع في عمل طاعة ~~ثم حال بينه وبين إتمامها الموت رجي له أن يكتبه الله تعالى في الآخرة من ~~أهل ذلك العمل. # 411 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "لما أرادوا غسل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قالوا: والله ما ندري نجرد رسول - صلى الله عليه وسلم - ~~كما نجرد موتانا أم لا". الحديث رواه أحمد وأبو داود (¬3). PageV04P138 # تمام الحديث: "فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم، ثم كلمهم مكلم من ~~ناحية البيت لا يدرون من هو، اغسلوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه ~~ثيابه". # وفي رواية لابن حبان: (وكان) (أ) "الذي أجلسه في حجره علي بن أبي طالب ~~(¬1) رضي الله عنه". # وروى الحاكم: عن عبد الله بن الحارث قال: "غسل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على وعلى يد علي خرقة فغسله، فأدخل يده تحت القميص فغسله، والقميص ~~عليه". وروي ذلك الشافعي (¬2) عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه، وفي هذه ~~القصة علم من أعلام النبوة ودلالة على أنه - صلى الله عليه وسلم - ليس ~~كغيره من الموتى في التلبس بالنجاسة وإلا لتنجس القميص - صلى الله عليه ~~وسلم - (ب). # 412 - وعن أم عطية - رضي الله عنها - قالت (ج): دخل علينا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ونحن نغسل ابنته، فقال: "اغسلنها ثلاثا، أو خمسا، أو أكثر ~~من ذلك، إن رأيتن ذلك بماء وسدر، واجعلن في الأخيرة كافورا، أو شيئا من ~~كافور (فإذا فرغتن فآذنني) (د)، فلما فرغنا آذناه، فألقى إلينا حقوه، فقال ~~(ه) أشعرنها إياه" (¬3). متفق عليه. PageV04P139 # وفي رواية: "أبدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها" (¬1). # وفي لفظ البخاري: "فضفرنا شعرها ثلاثة قرون، فألقيناه خلفها" (¬2). # قوله: ونحن نغسل ابنته، ظاهره أنه دخل وقد شرعن في الغسل، وفي رواية ~~للبخاري حين توفيت ابنته، وفي رواية للنسائي بلفظ: فأرسل إلينا فقال: ~~اغسلنها، ويجمع بين الروايات (أنه) دخل حين شرع النسوة في الغسل ولا ينافي ~~الإرسال لهن وأما لفظ: "حين توفيت" فهو غير ms0648 مناف للروايتين جميعا، والبنت ~~لم يقع في البخاري تسميتها، وقد سماها مسلم (¬3) بلفظ: لما ماتت زينب (أ) ~~وهي زوج أبي العاص بن الربيع والدة أمامة، وحكى الطبري (¬4) في الذيل أن ~~وفاتها كانت سنة ثمان، ولكنه جزم الداودي بأن البنت المذكورة إنما هي أم ~~كلثوم زوج عثمان، وقد أخرج مثل ذلك ابن ماجه (¬5) عن أبي بكر بن أبي شيبة ~~بلفظ: دخل علينا، PageV04P140 # ونحن نغسل ابنته أم كلثوم وإسناده على شرط الشيخين، وقد أيد (بروايات) ~~(أ) فمنها لابن بشكوال من طريق الأوزاعي عن محمد بن سيرين عن أم عطية قالت: ~~كنت فيمن غسل أم كلثوم، وروى الدولابي (¬1) في الذرية الطاهرة بإسناده: أن ~~أم عطية كانت ممن غسل أم كلثوم، ويمكن الجمع بأن أم عطية حضرتهما جميعا ~~لأنها كانت غاسلة (¬2) الميتات، وحضر (ب) معها في الغسل غيرها، قال المصنف ~~(¬3) -رحمه الله تعالى- منهن: أسماء بنت عميس، رواه في الذرية الطاهرة ~~(¬4)، قالت: ومعنا صفية بنت عبد المطلب، وروي أبو داود (¬5) من حديث ليلى ~~بنت قانف بقاف ونون. قالت: كنت ممن غسلها وروى الطبراني من حديث أم سليم ~~أنها ممن حضر. # وقوله: "اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر" إلخ، ظاهر الأمر بالغسل ثلاثا ~~إلخ أنه يجب ذلك العدد والظاهر الإجماع من العلماء على إجزاء الغسلة ~~الواحدة المستكملة لجميع البدن كما هو المشهور فلعله يحمل الأمر PageV04P141 # على الندب، وأما وجوب أصل الغسل (أفهو معلوم بدليل آخر، فإن (ب) غسل ~~ابنته كان بعد ثمان من الهجرة، وقد علم وجوب (ب) أصل الغسل أ) فلا يرد ~~الإشكال بأنه يلزم في اللفظ الجمع بين الحقيقة والمجاز، وقد روي عن ~~الكوفيين (¬1) وأهل الظاهر والمزني إيجاب الثلاث، وقالوا: إن خرج منه شيء ~~بعد ذلك يغسل موضعه، ولا يعاد غسل الميت، وهو مخالف لظاهر (د) الحديث، ~~وأخرج عبد الرزاق (¬2) عن الحسن قال: يغسل ثلاثا، فإن خرج منه شيء غسل ما ~~خرج، ولم يزد على الثلاث. # وقوله: "أو خمسا"، أو هنا للترتيب لا للتخيير، قال النووي (¬3) معناه: ~~اغسلنها وترا وليكن ثلاثا، والواجب واحدة فقط، ms0649 والثلاث مندوب، ولا تشرع ~~الزيادة على الثلاث إذا لم يحتج إلى ذلك، وهو حيث لم يخرج (ه) من فرجه بول ~~أو غائط قبل التكفين فإن احتجتن (و) إلى زيادة فخمسا. # وقوله: "أو أكثر من ذلك" هو بكسر الكاف من ذلك إذ الخطاب لمؤنث ظاهره ~~إطلاق الأكثر وقد فسر في روايات فقوله: (ز) أو "سبعا" بدل PageV04P142 # "أو أكثر من ذلك" وبه قال أحمد (¬1): وكره الزيادة على السبع، وقال ابن ~~(¬2) عبد البر: لا أعلم أحدا قال بمجاوزة (أ) السبع، قال (¬3) عن ابن سيرين ~~فرأينا (ب) أن أكثر من ذلك سبع، وقال الماوردي (¬4): إن الزيادة على السبع ~~سرف، وقال ابن المنذر: بلغني أن جسد الميت يسترخي بالماء فلا أحب الزيادة ~~على ذلك، ولكنه مشكل بما وقع في رواية لأبي داود (¬5) بقوله: "أو سبعا أو ~~أكثر من ذلك" فإن ظاهر هذه الرواية وجوب ما زاد على السبع إذا احتيج إلى ذلك. # وقوله: "إن رأيتن" ذلك تفويض إلى اجتهادهن بحسب الحاجة لا التشهي، وقال ~~ابن المنذر حكاية عن بعضهم: يحتمل أن يرجع (ج) الشرط إلى الأعداد المذكورة، ~~ويحتمل أن يكون معناه: إن رأيتن أن تفعلن ذلك وإلا فالأنقى يكفى (د). # وقوله: "بماء وسدر"، فيه دلالة على أن الماء لا يضره ما اختلط به PageV04P143 # من المغيرات الطاهرة مما لم يسلب اسم الماء المطلق، وهذا مبني على أن غسل ~~الميت للتطهير، وأن السدر يوضع مع الماء كما هو ظاهر الحديث، وأما إذا كان ~~صفته أن يطلى جسد الميت بالسدر، ثم يغسل بعد ذلك بالماء القراح فلا يرد ~~عليه شيء قالوا: والفائدة في السدر أنه يلين جسد الميت. # و (أ) قوله: واجعلن في الأخيرة كافورا أو شيئا من كافور، هو شك من الراوي ~~في أي اللفظتين واللفظ الأول هو في معنى الثاني لكونه نكرة فهو يصدق بأقل ~~شيء وقد وقع في رواية للبخاري (¬1) (ب) بالجزم بالشق الأول و (ج) ظاهره أنه ~~يجعل الكافور أيضا في الماء، ولا يضر الماء تغيره به، وبه قال الجمهور، ~~وقال النخعي والكوفيون (¬2): إنما ms0650 يجعل الكافور في الحنوط بعد انتهاء الغسل ~~والتجفيف، وهو خلاف الظاهر، قيل: والحكمة في الكافور أنه يطيب رائحة الموضع ~~لأجل من حضر من الملائكة، وخاصيته في تصليب جسد الميت، وطرد الهوام عنه (د) ~~وردع ما يتحلل من الفضلات، ومنع إسراع الفساد إليه، وهو أقوى الروائح ~~الطيبة في ذلك، والظاهر أنه لا يقوم غيره مقامه في مجموع هذه الخاصية، فإن ~~عدم فعل غيره إحراز البعض ما يفعل له. # وقوله: "فآذنني"، أي أعلمنني. PageV04P144 # وقوله: "فلما فرغنا" بصيغة المتكلم، وقد وقع للأصيلي (¬1) فلما فرغن (أ) ~~بضمير الغائبات. # وقوله: "فأعطانا حقوه" بفتح المهملة، ويجوز الكسر لغة (ب) هذيل بعدها قاف ~~ساكنة والمراد به (ج) الإزار هنا مجاز، تسمية للحال باسم المحل إذ معناه ~~الحقيقي معقد الإزار. # وقولة: "أشعرنها إياه" أي اجعلنه شعارها، والشعار هو الثوب الذي يلي ~~الجسد، والغرض مباشرة جسدها لما باشر جسده الكريم من غير فاصل، وفيه دلالة ~~على التبرك بآثار الصالحين (¬2)، وإن كان بين الآثار وأثره (د) بون بعيد، ~~وفيه دلالة على جواز تكفين المرأة بثوب الرجل. # وقوله: "ابدأن" من البداية والميامن مراد بها ما يلي الجانب الأيمن أعم ~~من أعضاء الوضوء وغيرها. # وقوله: "ومواضع الوضوء" المراد به أن يقدم في غسل الميت غسل أعضاء الوضوء ~~منه (ه) كما يندب ذلك للمغتسل، وفي هذا رد على أبي قلابة حيث قال: يبدأ ~~بالرأس ثم باللحية، والمناسبة بتقديم أعضاء الوضوء ليكون على الميت أثر ~~تجديد سمية (و) المؤمنين في ظهور أثر الغرة والتحجيل. PageV04P145 # وظاهر قوله: "ومواضع الوضوء" أنه يستكمل الأعضاء ومن جملتها المضمضة ~~والاستنشاق (¬1)، وفيه رد على الحنفية حيث قالوا: لا يستحب ذلك حتى وضوؤه ~~غير مستحب عندهم، والظاهر أنه إذا غسلت هذه الأعضاء على هيئة الوضوء لا ~~يعاد غسلها مع غسل سائر البدن كما هو ظاهر الحديث. # وقوله: "فضفرنا شعرها ثلاثة قرون"، ظاهر السياق أن الضفر لم يكن بأمر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكنه من البعيد أن يفعل ذلك بغير تعريف لها، ~~مع تعليم النبي - صلى الله عليه وسلم - كيفية الغسل. ms0651 # (قال المصنف (¬2) وقد رواه سعيد بن منصور بلفظ الأمر قالت: قال: (أ) ~~"اغسلنها وترا"، واجعلن شعرها ضفائر"، وفي صحيح ابن حبان (¬3) "اغسلنها ~~ثلاثا أو خمسا أو سبعا واجعلن لها ثلاثة قرون") (ب)، والقرون المراد بها ~~هنا الضفائر (وقال ابن القاسم: لا أعرف الظفر (ج)، بل يلف، وعن الأوزاعي ~~والحنفية (¬4): يرسل شعر المرأة خلفها وعلى وجهها مفرقا، والحجة عليهم ما ~~عرفت) (د). PageV04P146 # والقرن هو الجانب وقد صرح في بعض ألفاظ البخاري ناصيتها وقرنيها فقوله ~~(أ) في الرواية الأخرى: "ثلاثة قرون" من تغليب القرنين على الناحية فسمي ~~ذلك ثلاثة قرون، والظفر هذا بعد نقض شعر الرأس وغسله، ثم ظفره من بعد، وهو ~~مصرح به في البخاري (¬1) وقوله وألقيناه (ب) خلفها، فيه دلالة على جعل ~~الضفائر خلف المرأة وقد أغرب ابن دقيق العيد (¬2) حيث قال: وزاد بعض ~~الشافعية أن يجعل الثلاثة القرون خلف ظهرها، وأورد فيه حديثا غريبا، ولم ~~يتنبه على أن ذلك في البخاري، وقد توبع راويها عليها. # قال المصنف (¬3) -رحمه الله- في الفتح: وفي حديث أم عطية من الفوائد: ~~تعليم الإمام من لا علم له بالأمر الذي يقع وتفويضه إليه إذا كان أهلا لذلك ~~بعد أن ينبهه على علة الحكم. # قال: واستدل به على أن الغسل من غسل الميت ليس بواجب لأنه لم يعلم أم ~~عطية بذلك، وفيه نظر لاحتمال أن يكون شرع بعد هذه الوقعة. # وقال الخطابي (¬4): لا أعلم أحد، قال بوجوبه، وكأنه ما درى أن الشافعي ~~علق القول به على صحة الحديث، والخلاف فيه ثابت عند المالكية (¬5)، وصار ~~إليه بعض الشافعية (¬6) أيضا. PageV04P147 # وقال ابن بريدة: الظاهر أنه مستحب (أ) والحكمة فيه تتعلق (ب) بالميت، لأن ~~الغاسل إذا علم أنه سيغتسل لم يتحفظ من شيء يصيبه من أثر الغسل، فيبالغ في ~~تنظيف الميت، وهو مطمئن (ب)، ويحتمل أن يتعلق بالغاسل ليكون عند فراغه على ~~يقين من طهارة جسده، والعلة أن يكون أصابه من رشاش ونحوه، انتهى. # 413 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كفن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في ms0652 ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة". متفق ~~عليه (¬1). # قوله: كفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ثلاثة أثواب، فيه دلالة ~~على شرعية الثلاثة الأثواب، وأنها أفضل، إذ لا يختار لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلا ما هو الأفضل، قال الترمذي (¬2): وتكفينه - صلى الله عليه ~~وسلم - في ثلاثة أثواب بيض أصبح ما ورد في كفنه، وقد أخرج أبو داود (¬3): ~~"أنه كفن في ثوبين وبرد حبرة" من حديث جابر PageV04P148 # وإسناده حسن، ولكنه معارض بما أخرجه مسلم والترمذي من حديث عائشة (¬1) ~~أنهم نزعوها عنه، وأخرج عبد الرزاق (¬2) أنه لف في برد حبرة جفف فيه ثم نزع ~~عنه. (أوذهب الحنفية (¬3) إلى أنه الأفضل (ب) احتجاجا بما روى، وقد عرفت ~~الجواب عنه أ). وقد أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبزار (¬4) عن علي: أنه كفن ~~في سبعة أثواب، وهو من رواية عبد الله بن محمد بن عقيل (¬5) عن ابن الحنفية ~~عن علي، وابن عقيل سئ الحفظ يصلح حديثه للمتابعات، وأما إذا انفرد فلا ~~(يحسن) (ب)، وأما إذا خالف فلا يقبل (¬6). # قال المصنف (¬7) رحمه الله -: وقد روى الحاكم (¬8) من حديث أيوب عن نافع ~~عن ابن عمر ما يعضد رواية ابن عقيل، وقد ذهب إلى هذا PageV04P149 # الهادي (¬1) فقال: إن الكفن المشروع ينتهي إلى سبعة محتجا بهذا ولكنه إن ~~صح عن علي فالمرجع إليه لأنه المباشر لتكفين النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ولا لمعارضة (أ) له أيضا من حديث (ب) عائشة إذ يجوز أن تكون عائشة اطلعت ~~على الثلاثة السحولية، ثم زيد عليها بعد ذلك من غير أن تطلع عليه، وقد ردت ~~عائشة (¬2) على من قال: إنه (ج) كفن في برد حبرة فقالت: قد أتي بالبرد ~~ولكنهم ردوه، وعلى من قال: إن من جملة أكفانه حلة فقالت، إنما اشتبه على ~~الناس وإنما اشتريت ليكفن فيها فتركت (¬3)، والحلة ثوبان. # واعلم أن الواجب من الكفن أن يستر جميع جسد الميت، فإن قصر عن ستر ~~الجميع، قدم الصورة فما فاض على ذلك ستر به من ms0653 ناحية الرأس، وجعل على ~~الرجلين حشيش كفعله - صلى الله عليه وسلم - في عمه (¬4) حمزة. ومصعب بن ~~عمير (¬5) - رضي الله عنهما -، فإن أريد الزيادة على الكفن الواحد فالمندوب ~~أن يكون وترا، ويجوز التكفين باثنين كما أمر به - صلى الله عليه وسلم - في ~~حق المحرم، ويحتمل الاقتصار عليهما، بأن يكون لعدم غيرهما، أو لكونهما ثوبي ~~إحرامه، والثلاثة أفضل، كما روي في كفنه - صلى الله عليه وسلم - والثلاثة PageV04P150 # الأكفان هي: مئزر ودرجان، (وفي طبقات ابن سعد (¬1) عن الشعبي إزار ورداء ~~ولفافة) (أ) ولا عمامة فيها (ب) اتفاقا، ولا قميص فيها كما روت عائشة، وذهب ~~إلى هذا الهادي (¬2) والشافعي، وقال زيد بن علي والمؤيد وأبو حنيفة: بل ~~قميص غير مخيط لرواية زيد بن علي في كفنه - صلى الله عليه وسلم - إنه كفن ~~في ثلاثة أثواب قميص غير مخيط، وإزار يبلغ من سرته إلى ركبتيه، ولفافة لف ~~بها من قرنه إلى قدمه، فإن زيد على ذلك فالخمسة مستحبة أيضا عند الهادي، ~~لأمره - صلى الله عليه وسلم - بتكفين ابنته، وهي قميص وعمامة وثلاثة دروج، ~~وللمرأة: إزار وخمار وثلاثة دروج لتكفين ابنته - صلى الله عليه وسلم -. # وقال الهادي في المنتخب: بل قميص ومئزر وثلاثة دروج، وقال الإمام يحيى ~~والمؤيد: لا استحباب في الخمسة وإنما أمر بها - صلى الله عليه وسلم - بيانا ~~للجواز، (ج) قال الإمام الهدي: والظاهر خلافه، وإلا لزم فيما زاد على ~~الواحد أن يكون بيانا للجواز، و (د) قال الإمام يحيى: وأما السبعة فغير ~~مشروعة إجماعا، وفي جوازها خلاف، قال هو وغيره، ويكره للسرف (ه)، وإذا لم ~~يؤثر. قال الإمام المهدي: وهو قوي (¬3) انتهى. PageV04P151 # وقد عرفت الرواية في تكفينه - صلى الله عليه وسلم - وكيفية السبعة، قميص ~~وعمامة ومئزر وأربعة دروج إذ لا تكرار إلا فيها، وفي حق المرأة خمار عوض ~~العمامة وتكفين الخنثى كالمرأة. # وقوله: "بيض"، فيه دلالة على استحباب التكفين في الأبيض، وسيأتي الأمر به ~~وسيأتي الخلاف للحنفية، فإنهم قالوا: يستحب أن يكون فيها ثوب حبرة. لما روي ~~في تكفينه - صلى الله عليه وسلم ms0654 - وقد عرفت الجواب عنه، أو (أ) لأنها كانت ~~أحب اللباس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما أخرجه الشيخان (¬1)، ~~(ولما أخرجه أبو داود (¬2) من حديث جابر (ب) بإسناد حسن: "إذا توفي أحدكم ~~فوجد شيئا، فليكفن في ثوب حبرة") (ج)، ولا معارضة لذلك بالأمر الذي سيأتي، ~~إذ يجوز (د) أن يقال: إنها من الثياب البيض؛ لأنه الغالب فيها، فإنها ثوب ~~أبيض فيه خطوط. # وقوله: سحولية بضم المهملتين، وآخره لام نسبة إلى سحول (ه) قرية باليمن ~~(¬3) قال الأزهري: بالفتح المدينة، وبالضم الثياب، وقيل النسب (و) PageV04P152 # إلى القرية بالضم وأما بالفتح فنسبة إلى القصار لأنه يسحل الثياب أي ~~ينقيها (¬1). # وقوله: من كرسف بضم الكاف والمهملة بينهما راء ساكنة، هو القطن، ووقع في ~~رواية البيهقي: (¬2) "سحولية جدد". # وقوله: ليس (أ) فيها قميص ولا عمامة. حجة لمن قال: لا يجعل في الثلاثة ~~قميص، والقائلون بالقميص (ب) في الثلاثة أجابوا عن ذلك بوجوه، المراد نفي ~~وجود الأمرين معا لا القميص وحده، أو أن الثلاثة خارجة عن القميص والعمامة، ~~فالمعنى أن (ج) الثلاثة هي مما عداهما وإن كانا موجودين وهذا بعيد جدا، أو ~~ليس فيها قميص جديد مجتلب للتكفين وأما قميصه الملبوس فهو موجود أو ليس ~~فيها القميص الذي غسل فيه (د) أو ليس فيها مكفوف الأطراف، ولا يخفى بعد هذه ~~الوجوه والأولى أن يقال: إن التكفين بالقميص وعدمه كلاهما سواء مستحبان ~~(¬3)، "فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كفن عبد الله بن أبي المنافق في ~~قميصه" أخرجه البخاري (¬4) وهو لا يفعل - صلى الله عليه وسلم - إلا PageV04P153 # ما هو أحسن (أ) لا سيما في مثل هذا الحال، ولذا بوب البخاري (¬1) للأمرين ~~جميعا وظاهر لباس النبي - صلى الله عليه وسلم - قميصه أن قميص الميت كقميص ~~الحي مكفوفا مزرورا، وقد استحب هذا محمد بن سيرين (¬2)، أخرجه البيهقي في ~~الخلافيات وفي هذا رد على من قال: إنه لا يسوغ القميص إلا إذا كان أطرافه ~~غير مكفوفة، (ب والله أعلم ب). # 414 - وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: "لما توفي ms0655 عبد الله بن أبي جاء ~~ابنه إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: أعطني قميصك أكفنه فيه ~~فأعطاه". متفق عليه (¬3). # فيه دلالة على أن القميص المكفوف مشروع التكفين فيه وظاهر هذا أنه طلب من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك قبل أن يكفن، وفي حديث جابر أخرجه ~~البخاري (¬4) أيضا "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى بعد ما دفن عبد ~~الله بن أبي فأخرجه (ب) من حفرته ووضعه على ركبتيه فنفث في فيه من ريقه ~~وألبسه قميصه" أن ذلك من بعد وقد جمع بينهما أن معنى قوله: "فأعطاه" في ~~حديث ابن PageV04P154 # عمر أي أجابه إلى ما سأل عدة له فأطلق عليها اسم العطية لما آل إليه ~~ليحقق صدق الوعد، وفي قول جابر بعدما دفن أي دليل في حفرته أو أن المراد في ~~حديث جابر الواقع بعد إخراجه من حفرته هو النفث وأما القميص فقد كان ألبس، ~~والجمع بينهما لا يدل على وقوعهما معا وفي مثل هذه القصة أعطى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قميصه لتكفين عبد الله بن أبي أعظم دلالة على تحقيق ما ~~وصفه الله تعالى من الخلق الكريم، وسجاحة (أ) أخلاقه وتلطفه وبره بالخلق ~~أجمعين - صلى الله عليه وسلم - (ب) ما ذكره الذاكرون وغفل عن ذكره ~~الغافلون. # 415 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~(ب) قال "البسوا من ثيابكم البياض فإنها من (د) خير ثيابكم وكفنوا فيها ~~موتاكم". رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه الترمذي (¬1). # الحديث هذا لم يخرجه البخاري وكأنه لم يثبت على شرطه وإنما أورد في هذا ~~حديث عائشة في تكفينه - صلى الله عليه وسلم - الذي قد مر ولهذا الحديث شاهد PageV04P155 # قوي من حديث سمرة بن جندب أخرجوه وإسناده صحيح (¬1). # في الحديث دلالة على استحباب أن يكون الكفن بالثياب البيض، وقد عرفت فيما ~~تقدم خلاف الحنفية في استحباب الحبرة، والجواب عنه تقدم، وما أخرجه ابن عدي ~~من حديث ابن عباس "أنه - صلى الله عليه وسلم - كفن في قطيفة حمراء" (¬2)، ~~ففي ms0656 إسناده قيس بن الربيع، وهو ضعيف (¬3)، وكأنه اشتبه عليه بحديث "جعل في ~~قبره قطيفة حمراء" (¬4) فإنه روي بالإسناد المذكور بعينه (أ) كذا ذكر ~~المصنف في التلخيص (¬5). # 416 - وعن جابر - رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه". رواه مسلم (¬6). PageV04P156 # وعنه: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يجمع الرجلين من قتلى أحد في ~~ثوب واحد ثم يقول: "أيهم أكثر أخذا للقرآن فيقدمه في اللحد، ولم يغسلوا ولم ~~يصل عليهم". رواه البخاري (¬1). # في الأمر بإحسان الكفن دلالة على اختيار ما كان أحسن في الذات وفي صفة ~~الثوب، وفي كيفية وضع الثياب على الميت. فأما حسن الذات فينبغي أن يكون على ~~وجه لا يعد من المغالاة كما سيأتي النهي عنها وأما صفة الثوب فقد بين ذلك ~~حديث ابن العباس المتقدم قبل هذا، وأما كيفية التكفين، فإذا وضع على ~~الكيفية التي مرت فهو من إحسان الكفن، وقد ورد في الباب أحاديث منها ما ~~أخرجه الديلمي عن جابر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أحسنوا كفن موتاكم ~~فإنهم يتباهون ويتزاورون بها في قبورهم" (¬2) وأخرج أيضا من حديث أم سلمة ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أحسنوا الكفن ولا تؤذوا موتاكم بعويل ولا ~~بتزكية ولا بتأخير وصية، ولا بقطيعة، وعجلوا بقضاء دينه واعدلوا عن جيران ~~السوء وإذا حفرتم فأعمقوا وأوسعوا" (¬3). # وقوله: "في ثوب واحد" فيه دلالة على أنه يجوز مثل ذلك عند PageV04P157 # الضرورة، وهو إما (أ) يجمعهما في ثوب أو يقطع (ب) الثوب الواحد بينهما، ~~والظاهر أن الأول لم يقل به أحد من العلماء أنه يجوز مثل ذلك على وجه تلتقي ~~بشرتا الميتين حتى إن جماعة من شراح الحديث تأولوا الثوب بالقبر، وقالوا: ~~هو مجاز عن القبر بجامع الستر وهو مدفوع بما في تمام الحديث من قول جابر: ~~فكفن أبي وعمي في نمرة واحدة، فهذا صريح بأن الثوب في معناه الحقيقي ويدفع ~~أيضا الاعتراض بأن هذا من المكاتعة المنهي عنها، فإن (ج) المكاتعة إنما ~~تنهى عنها لمظنة الشهوة في ms0657 الحي، وهي منتفية في الميت، إلا أن الظاهر أن ~~الاحتمال الثاني أولى فإن في تقطيع الثوب بينهما وتقديم ستر العورة وأينما ~~بلغ فيما (د) زاد عليها غنية، كما فعل في حمزة -رضي الله عنه-. # وقوله: "أيهم أكثر أخذا" إلخ، فيه دلالة على استحباب تقديم من كثر حفظه ~~للقرآن لكونه أفضل، (ويقاس أيضا (ه) سائر جهات الفضل عليه، وفيه دلالة على ~~جواز (و) جمع جماعة في قبر للضرورة) (ز) وقد صرح (ح) البخاري (¬1) بالجمع ~~بين الرجلين، وبوب في الرجلين والثلاثة PageV04P158 # وكأنه لم يكن على شرطه ذكر الثلاثة، وقد وقع في رواية عبد الرزاق (¬1): ~~وكان يدفن الرجلين والثلاثة في قبر واحد، وروى مثله أصحاب السنن (¬2)، ~~قالوا: ويحجز بين الاثنين بتراب أو نحوه وكذا المرأتين، وأما الرجل والمرأة ~~فروى عبد الرزاق عن واثلة بن الأسقع "أنه كان يدفن بالرجل (أ) والمرأة في ~~القبر الواحد، فيقدم الرجل، وتجعل المرأة وراءه (¬3)، وكأنه كان يجعل ~~بينهما حائلا من تراب لا سيما إذا كانا أجنبيين. والله أعلم (ب). # وفي قوله: "ولم يغسلوا ولم يصل عليهم" فيه دلالة على أنه لا يغسل الشهيد، ~~وقد ذهب إلى هذا أبو طالب (¬4) وتحصيله لمذهب الهادي، وقال: إن جرح في ~~المعركة بما يقتله يقينا أو قتل في المصر ظلما أو مدافعا عن نفس أو مال أو ~~غرق لهرب أو نحوه فإنه لا يغسل، وذهب إلى ذلك الشافعي ومالك وأبو حنيفة ~~(¬5) وصاحباه إلى أنه لا يغسل الشهيد، وفي مذهب الشافعي (¬6) تفصيل في ذلك ~~فقالوا: الشهيد هو من مات في قتال الكفار بسببه أي بسبب القتال، أو وجد ~~قتيلا عند انكشاف الحرب ولم PageV04P159 # يعلم سبب موته، سواء كان عليه أثر (أ) أم لم يكن، وخالف القفال في هذا ~~الطرف وهو أنه إذا لم يدر أقتل أو مات حتف أنفه، فليس بشهيد (ب)، قالوا: ~~فإن مات بعد انقضائه وقطع بموته من تلك الجراحة، وبقي فيه بعد انقضاء الحرب ~~حياة مستقرة أو في قتال البغاة فغير شهيد في الأظهر، أما في الأولى فلأنه ~~عاش بعد انقضاء ms0658 الحرب فأشبه ما لو مات حتف أنفه، وأما في الثانية فلأنه ~~قتيل مسلم فأشبه ما لو قتله في غير القتال، والثاني أنه شهيد فيهما، أما في ~~الأولى فلأنه مات بجرح وجد فيه فأشبه ما لو مات قبل انقضائه، وأما في ~~الثانية فكان (ب) لقتول في معترك الكفار. انتهى تفصيلهم، وفي مذهب الحنفية ~~تفصيل غير هذا، فقالوا (د): الشهيد من قتله المشركون سواء كان قتل مباشرة ~~أو تسبيبا (ه) بحديد أو غيره بعد أن يكون القتل منسوبا إليهم، وذلك بأن ~~يشاهد قتله أو يكون فيه جراحه أو خروج دم من موضع غير معتاد (و) لخروجه ~~كالعين والأذن، أو قتله أهل البغي وقطاع الطريق وسواء كان قتله بالمباشرة ~~أو التسبيب (¬1) وأما إذا نفر فرس المسلم من دابة العدو من غير تنفير منهم ~~أو من رايات العدو أو المسلمون إذا ألقو أنفسهم في الخندق (ز) أو في السور ~~هربا من الكفار حتي ماتوا لم يكونوا شهداء، وهذا أصله محمد بن الحسن (ح) ~~الشيباني وقال PageV04P160 # أبو يوسف (¬1): بل يكون شهيدا وإن لم ينسب إليهم، كما إذا نقب الجدار ~~فسقط عليه أو سقط عن دابته في الحمل عليهم فإنه يكون شهيدا، ولو انفلتت ~~دابة المشرك وليس عليها، ولا لها سائق ولا قائد فأوطأت مسلما في القتال ~~فقتلته غسل عند أبي حنيفة ومحمد لأن قتله غير مضاف إلى العدو، ولا يغسل عند ~~أبي يوسف لأنه صار قتيلا في قتال أهل (أ) الحرب. # وحجة القائلين بأنه (ب) لا يغسل واضحة، وهو عدم غسله - صلى الله عليه ~~وسلم - لقتلى أحد، ولأن الشهيد حي عند ربه بنص الكتاب العزيز، ولذلك سمي ~~شهيدا لأنه حي عند الله حاضر، وقد قيل في التسمية غير هذا وهو أن الملائكة ~~يشهدون موته فهو فعيل بمعنى مفعول أو أنه مشهود له بالجنة (ج) لأنه صبر ~~لنصرة دين الله حتى قتل، والخلاف في ذلك لابن المسيب (¬2) حكاه عنه ابن ~~المنذر قال: لأن كل ميت نجس فيجب غسله. وبه قال الحسن البصري (¬3) ورواه ~~ابن أبي شيبة ms0659 (¬4) عنهما، وحكى أيضا عن ابن سريج من الشافعية (¬5). # وقوله: "ولم يصل عليهم" في رواية للبخاري (د) بفتح اللام (¬6) على PageV04P161 # صيغة المجهول والمعنى: أنه لم يفعل ذلك بنفسه، ولا أمر غيره بذلك، وفي ~~رواية أخرى له بكسر اللام على صيغة المعلوم فيه دلالة على أنه لا يصلي على ~~شهيد كما لا يغسل، وقد ذهب إلى هذا الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق (¬1) لأنه - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يصل على شهداء أحد، كما أخرجه البخاري. # وأخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وطوله والحاكم عن أنس بن مالك (¬2)، وقد ~~أعله البخاري (¬3) وقال: إنه غلط، فيه أسامة بن زيد فقال: عن الزهري عن أنس ~~حكاه الترمذي، (ولأن الصلاة دعاء واستغفار للميت والشهيد حي مغفور له لما ~~ثبت "أن السيف محاء للذنوب" (¬4)، فهو مستغن عن الدعاء له) (أ)، وذهب غيرهم ~~إلى أن الشهيد يصلى عليه، واحتجوا على ذلك بجملة أحاديث فمنها (ب) ما أخرجه ~~الحاكم (¬5) من حديث جابر PageV04P162 # "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على حمزة بعد أن فقده فأخبره رجل ~~أنه رآه عند شجيرات" وفي إسناده أبو حماد (¬1) الحنفي وهو متروك، وأخرج ~~النسائي (¬2) عن شداد بن الهاد "أن رجلا من الأعراب جاء إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فآمن به واتبعه"، وفي الحديث "أنه استشهد فصلى عليه - صلى ~~الله عليه وسلم -" وأخرج البخاري (¬3) وغيره (عن عقبة بن عامر أنه - صلى ~~الله عليه وسلم -) (أ) صلى على قتلى أحد بعد ثمان سنين، وفي رواية ابن حبان ~~(¬4) "ثم دخل بيته ولم يخرج حتى قبضه الله" وروى ابن إسحاق (¬5) من حديث ~~ابن عباس قال: "أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بحمزة فسجي ببردة ثم ~~صلى عليه وكبر سبع تكبيرات ثم أتى بالقتلى فيوضعون إلى حمزة فيصلي عليهم ~~وعليه معهم حتى صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة"، وفي إسناده مبهم، قال السهيلي ~~(¬6): إن كان الذي (ب) أبهمه ابن إسحاق هو الحسن بن عمارة فهو ضعيف (¬7)، ~~وإلا فهو مجهول لا (ج) حجة فيه، انتهى. PageV04P163 # وأخرج أبو داود في المراسيل (¬1) عن ms0660 أبي مالك الغطفاني "أنه صلى على قتلى ~~أحد عشرة عشرة في كل عشرة حمزة حتى صلى عليه سبعين صلاة" ورجاله ثقات، وقد ~~أعله الشافعي (¬2) بأنه متدافع لأن الشهداء كانوا سبعين فإذا أتى بهم عشرة ~~عشرة يكون قد صلى سبع صلوات فكيف تكون سبعين قال: وإن أراد التكبير فتكون ~~ثمانية وعشرين تكبيرة لا سبعين، وأجيب بأن المراد أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- صلى على سبعين نفسا وحمزة معهم كلهم، قال أبو نعيم الأصبهاني: يحتمل أن ~~يكون حديث أنه صلى على أهل أحد بعد ثمان سنين ناسخا لحديث جابر، وأجاب ~~المانعون للصلاة بأن حديث ترك الصلاة أصح من الإثبات، وقد أطنب الشافعي في ~~الرد، فقال في الأم: (¬3) جاءت الأخبار كأنها عيان من وجوه متواترة إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يصل على قتلى أحد، وما روي أنه صلى ~~وكبر على حمزة سبعين تكبيرة لا يصح، وقد كان (أ) ينبغي لمن عارض هذه ~~الأحاديث الصحيحة أن يستحى على نفسه، وحديث عقبة بن عامر وقع في نفس الحديث ~~أن ذلك كان بعد ثمان سنين، يعني والخالف يقول: لا يصلى على القبر إذا طالت ~~المدة، قال: فكأنه - صلى الله عليه وسلم - دعا لهم واستغفر لهم حين علم قرب ~~أجله، ودعا لهم بذلك، ولا يدل ذلك على نسخ الحكم الثابت. انتهى. # واعلم أن الخلاف في منع الصلاة الأظهر أنه على جهة الحتم (¬4) وفيه PageV04P164 # وجه أن ذلك على جهة الاستحباب، وهو المنقول عن الحنابلة (¬1)، قال بعض ~~الحنابلة (¬2) عن أحمد: الصلاة على الشهيد أجود، وإن لم يصلوا عليه أجزأ. # واعلم أن الشهيد الذي لا يصلى عليه عند الشافعية (¬3) هو شامل للمرأة ~~والرجل الصغير والكبير، الحر والعبد، وهو خلاف ما عند الهادوية في الغسل ~~فقالوا: لا يثبت الحكم إلا لشهيد مكلف ذكر حر، وكأنهم نظروا إلى أن الدليل ~~إنما ورد في حق شهداء (أ) أحد وهم بهذه الصفة، ومن عدا المتصف بالصفة ~~فالجهاد في حقه غير واجب فلا يقاس عليهم لوجود الفارق، وهو وجوب القتال ~~وشرعيته، وعدم ms0661 ذلك (وبعضهم قال: يغسل العبد، ولا تغسل المرأة، وبعضهم قال: ~~تغسل المرأة والعبد إذا احتيج إليهما في الجهاد) (ب) والله أعلم. # 417 - وعن علي - رضي الله عنه - (ج) -: "سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: لا تغالوا في الكفن فإنه يسلب سريعا". رواه أبو داود (¬4). PageV04P165 # الحديث من رواية الشعبي عن علي، وفي إسناده عمرو بن (هاشم) (أ) (¬1) ~~الجنبي مختلف فيه، وفيه انقطاع بين الشعبي (¬2) وعلي لأن الدارقطني قال: ~~إنه لم يسمع منه (ب) سوى حديث واحد. # في الحديث دلالة على المنع من المغالاة، وهي (ج) مأخوذة من الغلاء وهو ~~(د) زيادة ثمن الكفن وذلك إنما يكون لرفعته وعظم الجودة، وقد عرفت الجمع ~~بين هذا وبين الأمر بإحسان الكفن. والله أعلم. # 418 - وعن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لها: "لو مت قبلي لغسلتك" الحديث رواه أحمد وابن ماجه وصححه ابن حبان (¬3). PageV04P166 # فيه دلالة على أن للرجل أن يغسل (أ) زوجته، وهو قول الجمهور، والخلاف في ~~ذلك لأبي حنيفة وأصحابه (¬1)، فقالوا: لا يغسلها بخلاف العكس لارتفاع ~~النكاح ولا عدة عليه. والحديث يرد عليهم. # 419 - عن أسماء بنت عميس - رضي الله عنها -: "أن فاطمة - رضي الله عنها - ~~أوصت أن يغسلها علي رضي الله عنه". رواه الدارقطني (¬2). # هذا مثل الأول، وأما غسل المرأة زوجها فكذلك ويحتج عليه بقول عائشة (¬3): ~~"لو استقبلنا من أمرنا ما استدبرنا ما غسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- غير نسائه". أخرجه أبو داود وصححه الحاكم (ووصية أبي بكر لزوجته أسماء ~~بنت عميس أن تغسله (¬4) واستعانت بعبد الرحمن بن عوف لضعفها عن PageV04P167 # ذلك. رواه البيهقي، ولم يذكر أحد ذلك (أ) وقد قال بهذا الجمهور، والخلاف ~~في ذلك للإمام أحمد (¬1) فقال: لا تغسله لبطلان النكاح بينهما والجواب عنه ~~ما ذكر. # 420 - وعن بريدة "في قصة الغامدية التي أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~برجمها في الزنا قال: ثم (ب) أمر بها فصلي عليها ودفنت". رواه مسلم (¬2). # في الحديث دلالة على أن المقتول بحد يصلى ms0662 عليه ولم يصرح في الرواية أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - هو الذي صلى عليها (¬3)، ولعله أمر غيره، ~~ولذلك قال مالك (¬4) وغيره: إن الإمام يجتنب الصلاة على مقتول في حد، وإن ~~الفضلاء لا يصلون على الفساق زجرا لهم وعن الزهري (¬5) لا يصلى على ~~المرجوم، ويصلى على المقتول في قصاص، وقال أبو حنيفة (¬6): لا يصلى PageV04P168 # على محارب ولا على (أ) قتلى الفئة الباغية وقال قتادة (¬1): لا يصلى على ~~ولد الزنا وعن الحسن (¬2): لا يصلى على النفساء تموت من زنا ولا على ولدها، ~~وقال القاضي أبو بكر بن العربي: مذهب العلماء كافة الصلاة على كل مسلم ~~ومحدود ومرجوم وقاتل نفسه وولد الزنا. والله أعلم. # 421 - وعن جابر بن سمرة قال: "أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل قتل ~~نفسه بمشاقص فلم يصل عليه"، رواه مسلم (¬3). # في الحديث دلالة على أن من قتل نفسه فإنه لا يصلى عليه، وهذا نص، وهو حجة ~~لقول من (ب) قال: لا يصلى على الفاسق لأنه من أهل النار، وقد ذهب إلى هذا ~~عمر بن عبد العزيز (¬4) والأوزاعي، وقال الحسن والنخعي وقتادة ومالك ~~والشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء (¬5) إنه يصلى عليه، وأجابوا عن هذا ~~الحديث بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصل عليه بنفسه زجرا للناس عن ~~مثلة فعله، وصلت عليه الصحابة وهذا كما ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الصلاة على من مات وعليه دين في أول الأمر وأمرهم بالصلاة على صاحبهم. PageV04P169 # والمشاقص جمع مشقص بكسر الميم وفتح القاف (¬1). # 422 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - "في قصة المرأة التي كانت تقم ~~المسجد، فسأل عنها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: دلوني على قبرها، ~~فدلوة فصلى عليها". متفق عليه وزاد مسلم: ثم قال: "إن هذه القبور مملوءة ~~ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم" (¬2). # قوله: "في قصة المرأة" جزم المصنف -رحمه الله تعالى- أن القصة هذه مع ~~امرأة وفي البخاري (¬3) أن رجلا أسود أو امرأة سوداء، الشك من ثابت في ~~الرواية، وصرح البخاري (¬4) عنه في ms0663 رواية قال: ولا أراه إلا امرأة، وجزم ~~ابن خزيمة من طريق أخري عن أبي هريرة فقال: امرأة سوداء، ورواه أيضا ~~البيهقي (¬5) بإسناد حسن وسماها أم محجن، وأفاد أن الذي أجاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن سؤاله عنها هو أبو بكر الصديق - رضي الله عنه - وذكر ~~ابن منده في الصحابة خرقاء اسم امرأة سوداء كانت تقم المسجد وقع ذكرها في ~~حديث حماد بن زيد عن ثابت عن أنس وذكرها ابن حبان في PageV04P170 # الصحابة بدون ذكر السند فإن كان محفوظا فهذا اسمها وكنيتها أم محجن (¬1). # وقوله: (أ) "تقم" بقاف مضمومة أي تجمع القمامة وهي الكناسة، وفي البخاري ~~بدل قوله "فسأل عنها النبي - صلى الله عليه وسلم -" فقال: "ما فعل ذلك ~~الإنسان؟ فقالوا مات يا رسول الله، قال (ب): أفلا أذنتموني؟ فقالوا: إنه ~~كان كذا وكذا، قال (ج): فحقروا شأنه، قال: فدلوني على قبره، فأتى قبره، ~~فصلى عليه" (¬2)، ولم يخرج البخاري زيادة مسلم لأنها مدرجة في هذا الإسناد، ~~وهي من مراسيل ثابت، بين ذلك غير واحد من أصحاب حماد بن زيد. # قال المصنف (¬3) -رحمه الله-: وقد أوضحت ذلك بدلائل في كتاب بيان المدرج. # قال البيهقي (¬4): يغلب على الظن أن هذه الزيادة من مراسيل ثابت كما قال ~~أحمد. PageV04P171 # والحديث فيه دلالة على أن الصلاة تصح بعد الدفن للميت، وظاهره ولو قد ~~وقعت الصلاة، إلا أن هذا يمكن الأخذ منه أنه حيث صلى من ليس أولى بالصلاة، ~~مع إمكان صلاة الأولى، كما في صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - لا سيما ~~مع قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يصلي أحد على موتاكم ما دمت فيكم" ~~(¬1) إلا أنه يعكر عليه صلاته - صلى الله عليه وسلم - على البراء بن معرور ~~(¬2) مع أنه مات، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في مكة قبل الهجرة، وكان ~~بعد موته بشهر، وقد ذهب إلى صحة الصلاة بعد الدفن: الناصر والنخعي والشافعي ~~وأحمد وأبو حنيفة ومالك وابن سيرين إلا أن كلامهم حيث لم يكن قد صلي عليه ~~(¬3) قالوا: لأنها فرض فلا تسقط ms0664 بالدفن، ولما ورد، وظاهر مذهب الشافعي ~~مطلقا سواء (أ) قد صلى عليه أم لا في أن الصلاة مشروعة لأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - لما أتى القبر المذكور صفهم خلفه وكبر عليه أربعا. # قال ابن حبان (¬4) في ترك إنكاره - صلى الله عليه وسلم - (ب) على من صلى ~~معه على القبر بيان جواز ذلك لغيره، وأنه ليس من خصائصه، وتعقب بأن الذي ~~يقع PageV04P172 # بالتبعية لا ينتهض (أ) دليلا، وفي المدة التي شرع فيها الصلاة بعد الدفن ~~(ب) أربعة أوجه ذكرها في المهذب (¬1)، قيل: إلى شهر كصلاته - صلى الله عليه ~~وسلم - على أم سعد (¬2) وعلى البراء، وقيل: إلى أن يبلى الميت، لأنه إذا ~~بلي لم يبق ما يصلى عليه، وقيل: يصلى عليه من كان من أهل الصلاة عند موته ~~لا من ولد أو بلغ بعد ذلك، وقيل: يصلى عليه أبدا لأن القصد الدعاء وهو جائز ~~في كل وقت (¬3)، وقال أبو طالب (¬4): وهو تحصيله لمذهب الهادي أنه لا صلاة ~~بعد الدفن لقوله - صلى الله عليه وسلم -: لا صلاة إلىبها (¬5) ويجاب عنه ~~بأن هذا لا يقوى على معارضة الأحاديث الله من صلاته - صلى الله عليه وسلم - ~~فمنها ما مر، ومنها صلاته على الغلام الأنصاري لما دفن ليلا، ولم يشعر - ~~صلى الله عليه وسلم - بموته أخرجه في الصحيحين، وأنه صلى عليه في البارحة، ~~وفي الدارقطني بعد ما دفن بثلاث ليال (¬6)، وفي الطبراني بليلتين، وقد أخرج ~~هذه القصة من حديث ابن عباس، قال: وصلى معهم، وفي الباب عن أنس أخرجه ~~البزار وفي الموطأ (¬7) عن سهل نحو حديث أبي هريرة، وعند أحمد والنسائي من PageV04P173 # حديث زيد (¬1) بن ثابت نحوه، وعن أبي سعيد (¬2) عن ابن ماجه، وفيه ابن ~~لهيعة (¬3)، وعن عقبة بن عامر عند البخاري (¬4) وعن عمران بن الحصين عند ~~الطبراني في الأوسط، وعنده أيضا عن ابن عمر وعن عمر وابن عوف وعن عبد الله ~~بن عامر (¬5) بن ربيعة عند النسائي، وما احتج به منقوض بالصلاة (على) (أ) ~~الميت قبل الدفن، ومتأول أيضا بأن المراد استقبال الميت فيما عدا ms0665 صلاة ~~الجنازة كما نهى من (ب) الصلاة على القبر والله أعلم. # وفي الحديث دلالة على ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من مكارم ~~الأخلاق وحسن معاملته ورأفته على المؤمنين الجميع، الشريف منهم والوضيع، ~~وأنه ينبغي للإنسان السؤال عن من قد عرفه وصحبه، وأن الدعاء وسائر القرب ~~تنفع الميت. # 423 - وعن حذيفة - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~ينهى عن النعي" رواه أحمد والترمذي وحسنه (¬6). PageV04P174 # قوله: "كان ينهى عن النعي" (¬1) وهو فعيل يراد به المصدر هنا، وقد يقال ~~على الميت نعي وفيه دلالة على تحريم النعي، لأن النهي ظاهر فيه، والمراد به ~~ما كان الجاهلية تصنعه، كانوا يرسلون من يعلن بخبر موت الميت على أبواب ~~الدور والأسواق، قال سعيد بن منصور (¬2): أخبرنا ابن علية عن ابن عون قال: ~~قلت لإبراهيم: أكانوا يكرهون النعي؟ (أ) قال: نعم. قال ابن عون: كانوا إذا ~~توفي الرجل ركب رجل دابته ثم صالح في الناس أنعي فلانا، وبه - (ب أي ~~الإسناد ب) - إلى ابن عون قال: قال (ج) ابن سيرين (¬3): لا أعلم بأسا أن ~~يؤذن الرجل صديقه وحميمه، وحاصله: أن محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد ~~على ذلك فلا، وقد كان بعض السلف شدد في ذلك حتى كان حذيفة إذا مات له الميت ~~يقول: "لا تؤذنوا به أحدا إني أخاف أن يكون نعيا، إني سمعت (د) رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بأذني هاتين ينهى عن النعي". أخرجه الترمذي وابن ~~ماجه. قال ابن العربي (¬4): يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات: الأولى: ~~إعلام الأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سنة. الثانية: دعوة الجمع الكبير PageV04P175 # للمفاخرة، فهذا يكره. الثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يحرم. # 424 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نعى النجاشي في اليوم الذي مات فيه، وخرج بهم إلى المصلى فصف بهم وكبر عليه ~~أربعا". متفق عليه (¬1). # النجاشي (¬2) بفتح النون وتخفيف الجيم وبعد الألف شين معجمة ثم ياء كياء ~~النسب مشددة وقيل: مخففة، ms0666 ورجحه الصنعاني، وهو علم لمن ملك الحبشة، وحكى ~~المطرزي تشديد الجيم عن بعضهم، وهو خطأ، (واسمه أصحمة (¬3) بفتح الهمزة ~~وسكون الصاد المهملة وفتح الحاء المهملة، وقع هكذا في رواية المستملي (¬4) ~~للبخاري وقال يزيد عن سليم أصحمة (أ)، وتابعه عبد الصمد وقال المصنف (4) ~~-رحمه الله تعالى-: وهكذا وقع في جميع الطرق التي اتصلت لنا من البخاري، ~~يعني: أصحمة بتقديم الحاء على الميم وقع في مصنف ابن أبي شيبة (¬5) عن ~~يزيد: صحمة بغير ألف PageV04P176 # بالمهملتين وسكون الحاء (¬1)، وحكى الإسماعيلي أن في رواية عبد الصمد أنه ~~أصخمة (1) بخاء معجمة وإثبات الألف. قال: وهو (أ) غلط، وحكى (¬2) الكرماني ~~أصحبة بالباء الموحدة عن بعض النسخ) (ب). # وقوله: "في اليوم الذي مات فيه". هذا علم من أعلام النبوة ومعجزة واضحة، ~~لبعد ما بين المدينة والحبشة (ج). # وقوله: " (د) خرج بهم إلى (ه) المصلى"، يحتمل أنه يريد مصلى العيد ويحتمل ~~أن (و) يريد موضعا معدا لصلاة (ز) الجنازة ببقيع الغرقد غير مصلى العيد، ~~والأول أظهر وفي خروجه إلى (ح) المصلى احتج به الحنفية على كراهة (صلاة) ~~(ط) الجنازة في المسجد، ولا يصح الاحتجاج به لأنه لم يكن فيه صيغة نهي، ~~ولأن الذي كرهوه إنما هو دخول الميت إلى المسجد، والظاهر أنه إنما خرج قصد، ~~لتكثير الجمع الذين يصلون عليه، ولإشاعة كونه مات على الإسلام. PageV04P177 # وقوله: "فصف بهم" في رواية عن جابر ذكرها البخاري (¬1) تعليقا ووصلها ~~النسائي (¬2) أنه كان في الصف الثاني. # وفيه دلالة على أن تكثير الصفوف في الجماعة على الجنازة مشروع وإن أمكن ~~الصف الواحد كما في القضاء. # وفي هذه القصة دلالة على شرعية صلاة الجنازة على الغائب مطلقا، وقد قال ~~بذلك الشافعي وأحمد وجمهور السلف (¬3)، حتى قال ابن حزم (¬4): لم يأت عن ~~أحد من الصحابة منعه، وذهب إلي منع الصلاة على الغائب العترة وأبو حنيفة ~~وأصحابه (¬5) ومالك مطلقا، وعن بعض أهل العلم: يجوز في اليوم الذي يموت (أ) ~~فيه الميت أو ما قرب منه، لا إذا طالت المدة، وحكاه ابن عبد البر، وقال ابن ~~حبان ms0667 (¬6): إنما يجوز ذلك إذا كان الميت في جهة القبلة، قال المحب الطبري: ~~لم أر ذلك لغيره ووجه التفصيل في القولين جميعا الجمود على قصة النجاشي ~~(ب)، واحتج في البحر للمانعين مطلقا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~يصلي أحد على موتاكم ما دمت فيكم" (¬7) وقال (ج): PageV04P178 # فلو أجيزت على الغائب لم يصل عنه غيره - صلى الله عليه وسلم - يعني أنه ~~لم يصل على أحد من الغائبين غير النجاشي، فلو كانت تصح على الغائب لصلى على ~~غيره من الغائبين. يعني: والمراد أن ذلك خاص في قصة النجاشي، والجواب عنه ~~بأن هذه الحكاية مثبتة للصلاة على الغائب، وغاية الأمر أنه لم يرو غيرها ~~بأن لكونه لم يجمع بهم إلا فيها، ويحتمل أنه كان يصلي منفردا أو أن ذلك في ~~حق من قد صلي عليه إنما هو على وجه الندب لسقوط الواجب ومن أين أن غير ~~النجاشي من الغائبين لم يكن قد صلى عليهم، وخص النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بإظهار هذه (أ) الشرعية في هذه القصة تعظيما وتنويها لشأنه. # والحديث محمول في نهي الغير عن الصلاة على الميت في حق من كان حاضرا في ~~المدينة كما هو الظاهر المتبادر، وبعض المانعين قال: إنه كشف للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى رآه فيكون حاضرا عنده ويكفي المؤتمين حضوره بين يدي ~~الإمام، وقد روى هذا الواحدي في أسباب النزول (¬1) عن ابن عباس بغير، ~~إسناد، ولابن حبان (¬2) من حديث عمران بن حصين: فقاموا وصفوا خلفه وهم لا ~~يظنون إلا أن جنازة بين يديه، أخرجه من طريق الأوزاعي، ولأبي عوانة (ب) من ~~طريق أبان وغيره، فصلينا خلفه ونحن لا نرى إلا أن الجنازة قدامنا. ويجاب ~~عنه بأن هذا على جهة التظنن، وهو لا يدفع PageV04P179 # ما هو الظاهر المحسوس، وقد ورد مثل هذه القصة في حق معاوية بن معاوية ~~الليثي، مات بالمدينة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - في تبوك. فأخبره ~~جبريل، فصلى عليه، أخرجه ابن عبد البر في الاستيعاب (¬1) وأخرج أيضا من ~~حديث أبي أمامة الباهلي (¬2) مثل ms0668 هذه القصة في حق معاوية بن مقرن و (أ) ~~أخرج أيضا عن أنس في ترجمة معاوية بن معاوية المزني، ثم قال بعد ذلك: ~~أسانيد هذه الأحاديث ليست بالقوية، ولو أنها في الأحكام لم يكن في شيء منها ~~حجة، ومعاوية بن مقرن المزني وإخوته النعمان وسويد ومعقل وسائرهم كانوا ~~سبعة معروفين في الصحابة مذكورين في كبارهم وأما معاوية بن معاوية فلا ~~أعرفه بغير ما ذكر في هذه الترجمة (¬3). # وقال المصنف (¬4) -رحمه الله- في الفتح: وقد ذكرت في ترجمة الصحابة أن ~~خبر معاوية بن معاوية الليثي قوي بالنظر إلى مجموع طرقه (¬5). # وقوله "وكبر عليه أربعا"، فيه دلالة (ب) على شرعية التكبير على هذا العدد ~~وهو مذهب الجمهور من العلماء وسيأتي مزيد كلام على هذه المسألة. PageV04P180 # 425 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - (أ): سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "ما من رجل يموت يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا ~~يشركون بالله شيئا، إلا شفعهم الله فيه". رواه مسلم (¬1). # في الحديث دلالة على فضيلة تكثير الجماعة على الميت وأن شفاعة المؤمن ~~نافعة مقبولة عند الله تعالى. (وفي رواية: "ما من ميت يصلي عليه أمة من ~~المسلمين يبلغون كلهم مائة (يشفعون) (ب) له (ج) إلا شفعوا فيه " (¬2)) (د). ~~وفي رواية: "ثلاثة صفوف" (¬3)، رواه أصحاب السنن. قال القاضي: قيل هذه ~~الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك فأجاب كل واحد عن سؤاله. هذا ~~كلام القاضي (¬4)، ويحتمل أن يكون أخبر بقبول شفاعة كل واحد من هذه ~~الأعداد، ولا تنافي بينها (ه)، إذ مفهوم (و) العدد مطرح به مع وجود النص ~~فحينئذ جميع الأحاديث معمول بها وتحصل الشفاعة بأقلها (¬5)، والله أعلم. PageV04P181 # 426 - وعن سمرة بن جندب قال: "صليت وراء النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~على امرأة ماتت في نفاسها فقام وسطها". متفق عليه (¬1). # قوله "على امرأة ماتت في نفاسها"، يحتمل قوله "في نفاسها" أنها ماتت مدة ~~النفاس أو أنها ماتت بسبب النفاس، فيحتمل على (أ) الأخير أنها ماتت من (ب) ~~النفاس، وقد خرج الجنين، أو ms0669 ماتت، والجنين في بطنها لما (ج) يخرج، وقد وقع ~~في بعض طرق الحديث أنها ماتت وهي حامل فيكون مفسرا لما أبهم في هذه ~~الرواية، ووصف كونها نفاسا لا مدخل له في الحكم المذكور من القيام (د) ~~وسطها، وإن كان ابن رشيد حكى عن ابن المرابط أن ذلك لينال جنينها حظا من ~~استقبال النبي - صلى الله عليه وسلم - بناء على أنها ماتت حاملا (¬2). # وفيه دلالة على أن النفاس وإن كان لها حكم الشهادة، والشهيد لا يصلى عليه ~~فهي يصلى عليها لأن لها حكم الشهادة في أحكام الآخرة فقط. # وقوله "فقام وسطها"، فيه دلالة على أن ذلك المقام مشروع ولكن PageV04P182 # هذا على جهة الاستحباب، وأما الوجوب، فالواجب استقبال جزء من الميت رجلا ~~كان أم امرأة. واختلف العلماء في حكم الاستقبال في حق الرجل والمرأة، فذهب ~~أبو حنيفة (¬1) أنهما سواء ففي رواية عنه أنه يستقبل ووسطها لهذا الحديث، ~~وفي رواية عنه حذاء صدرها وعنه عند رأس الرجل ووسطها، وذهب الهادي (¬2) إلى ~~أنه يستقبل الإمام سرة الرجل، وثدي المرأة لفعل علي (¬3) - رضي الله عنه - ~~وهو توقيف. # قال أبو طالب (¬4): وهو رأي (أ) أهل البيت لا يختلفون فيه، وقال القاسم ~~(¬5): صدرها وبينه وبين السرة من الرجل، إذ روي قيامه - صلى الله عليه وسلم ~~- عند وسطها (ب) ولا بد من المخالفة (ج) بين الرجل والمرأة، وذهب الشافعي ~~(¬6) إلى أنه يقف حذاء رأس الرجل وعجيزتها لما أخرجه أبو داود والترمذي ~~(¬7) عن أنس بن مالك أنه صلى على رجل فقام عند رأسه وصلى على امرأة فقام ~~عند عجيزتها، فقال (د) له العلاء بن زياد: أهكذا كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يفعل؟ قال: نعم. # وذهب مالك (¬8) إلى أنه يستقبل الرأس من الرجل والمرأة من غير تفرقة. PageV04P183 # 427 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "والله لقد صلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على ابني بيضاء في السجد". رواه مسلم (¬1). # قالت عائشة - رضي الله عنها - جوابا لما أنكر عليها صلاتها علي سعد بن ~~أبي وقاص في المسجد، فقالت: ms0670 "ما أسرع ما نسي الناس، والله لقد صلى رسول ~~الله ... " الحديث. # ففيه (أ) دلالة على ما ذهب إليه الجمهور، ومنهم الشافعي (¬2) (ب) وأحمد ~~وإسحاق أنه: لا كراهة ولا منع لصحة الصلاة في المسجد، وذهب أبو حنيفة ومالك ~~(¬3) على المشهور عنه إلى أنها لا تصح في المسجد، واحتجا على ذلك بخروجه - ~~صلى الله عليه وسلم - إلى المصلى في الصلاة على النجاشي، وبما (ج) أخرجه ~~أبو داود: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له" (¬4) PageV04P184 # وأجيب عن ذلك بأن خروجه - صلى الله عليه وسلم - يحتمل أن يكون لإظهار ~~فضيلة المصلى عليه بتكثير الجماعة عليه، وإشاعة موته، ولما في ذلك من ~~المعجزة الواضحة التي يغيظ بها الجاحدين، ويكبت بها الحاسدين والمنافقين، ~~ويزيد المؤمنين بها إيمانا، وأيضا فإن الظاهر أن الممنوع إنما هو إدخال ~~الميت المسجد (أ) لا مجرد الصلاة، ولم يكن في الصلاة على النجاشي ذلك، وعلة ~~ذلك إما خشية تنجيس المسجد، أو لكون الميت نجسا لا يطهر بالغسل، وذلك منتف، ~~وعن الحديث بأنه ضعيف نص أحمد على ضعفه لتفرد صالح مولي التوأمة به وهو ~~ضعيف، وبأنه (ب) في رواية النسخ المشهورة (ج) من نسخ أبي داود: "فلا شيء ~~عليه". وعلى رواية اللام (د) فهي قد جاءت بمعنى "على" (¬1) مثل قوله تعالى: ~~{ويخرون للأذقان} (¬2)، {وإن أسأتم فلها} (¬3)، وذهبت (ه) الهادوية (¬4) ~~إلى كراهة إدخال الميت للعلتين المذكورتين، والكراهة للتنزيه. # ويمكن الاحتجاج على طهارة الميت بحديث عائشة إذ لو كان الميت نجسا لجنب ~~المسجد. # وادعى بعضهم بأن (و) عمل الصحابة استمر على ترك الإنكار لإدخال PageV04P185 # الميت المسجد، ولأن عائشة لما ردت على المنكرين من الصحابة سلموا (أ) لها ~~ذلك، فدل على أنها حفظت ما نسوه, وقد روى ابن أبي شيبة (¬1) وغيره أن عمر ~~صلى على أبي بكر في المسجد، وأن صهيبا صلى على عمر في المسجد (¬2)، زاد في ~~رواية: "ووضعت الجنازة تجاه المنبر"، وهذا يقتضي الإجماع على جواز ذلك (¬3). # وأيضا فإن في ظاهر رواية ابن عمر لصلاته - صلى الله عليه وسلم - على ~~النجاشي في ms0671 المصلى أن "المصلى" موضع مخصوص يصلى فيه كما كان للعيد، وقد ثبت ~~أن ذلك المصلى يمنع منه ما يمنع من المسجد كما تقدم في اعتزال الحيض المصلى ~~في العيد، فالظاهر ما ذهب إليه الشافعي والجمهور، وأما ردهم لحديث عائشة ~~بأنه يجوز أن تكون جنازة سهل وسهيل خارج المسجد، وصلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من داخل، فهو بعيد لا سيما مع رد عائشة على من أنكر إدخالها ~~جنازة سعد، والله أعلم. # فائدة: ابنا البيضاء اسمهما سهل (¬4) وسهيل (¬5) أبوهما وهب بن ربيعة بن ~~هلال قرشي، كنية سهيل: أبو موسى، وقيل: أبو أمية، أسلم سهيل قديما وهاجر ~~إلى الحبشة الهجرتين، وشهد بدرا والمشاهد كلها، روى عنه PageV04P186 # عبد الله بن أنيس وأنس بن مالك، مات في حياة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بعد رجوعه من تبوك سنة تسع ولا عقب له. # وسهل ممن كان أظهر إسلامه بمكة وقيل: إنه كان يكتم إسلامه بمكة وخرج مع ~~المشركين إلى بدر، فأسر يومئذ فشهد له عبد الله بن مسعود أنه رآه في مكة ~~يصلي فخلى عنه، مات بالمدينة وصلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~المسجد، وأمهما البيضاء واسمها دعد، والله أعلم. # 428 - وعن عبد الرحمن بن أبي ليلي: قال: "كان زيد بن أرقم يكبر على ~~جنائزنا أربعا، وأنه كبر على جنازة خمسا، فسأله فقال: كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يكبرها". رواه مسلم والأربعة (¬1). # وعن علي - رضي الله عنه - "أنه كبر على سهل بن حنيف ستا، وقال: إنه بدري" ~~رواه سعيد بن منصور، وأصله في البخاري (¬2). # عن جابر: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبر على جنائزنا أربعا ~~ويقرأ بفاتحة (أ) الكتاب في التكبيرة (ب) الأولى". رواه الشافعي بإسناد ~~ضعيف (¬3). PageV04P187 # عبد الرحمن بن أبي ليلى (¬1): كنيته أبو عيسى، أبو ليلى اسمه: يسار ~~ويقال: داود بن بلال الأنصاري، ويسار بفتح الياء تحتها نقطتان، وتخفيف ~~السين المهملة، ولد عبد الرحمن لست سنين بقيت من خلافة عمر وقتل بدجيل، ~~وقيل: غرق بنهر البصرة، وقيل: فقد ms0672 بدير الجماجم سنة ثلاث وثمانين في وقعة ~~ابن الأشعث وقيل سنة إحدى وثمانين، وقيل: سنة اثنتين وثمانين، حديثه في ~~الكوفيين، سمع أباه وعلي بن أبي طالب وعثمان بن عفان وسهل بن حنيف وأبا ~~أيوب الأنصاري وزيد بن أرقم والبراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان وكعب (أ) بن ~~عجرة وأبا الدرداء وغيرهم، سمع منه الشعبي ومجاهد وعبد الملك بن عمير وعمرو ~~بن مرة وابن سيرين وعمرو بن ميمون ويزيد بن أبي زياد وخلق سواهم كثير، وهم ~~في الطبقة الأولى من تابعي الكوفيين. # وقوله في حديث علي: "على سهل بن حنيف" (¬2) هو بالسين المهملة المفتوحة ~~وإسكان الهاء، وحنيف بضم الحاء المهملة وفتح النون وسكون الياء وبالفاء، ~~كنيته سهل أبو سعد، وقيل: أبو سعيد، وقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو الوليد، ~~وقيل: أبو ثابت، أوسي أنصاري، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها، وثبت مع النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - يوم أحد، وصحب عليا بعد النبي واستخلفه علي على ~~المدينة ثم (ب) ولاه فارس، روى عنه ابنه أبو أمامة وعبيد PageV04P188 # ابن السياف، مات بالكوفة سنة ثمان وثلاثين، وصلى عليه علي - رضي الله عنه. # (أ) علم أنها وردت أحاديث مختلفة في عدد تكبير الجنازة، فحديث زيد بن ~~أرقم هذا المذكور هنا في تكبير الأربع، وأخرج عنه ابن عبد البر أنه كبر على ~~أبي شريحة الغفاري أربعا، وأخرج الحاكم في المستدرك (¬1) عن أبي أمامة بن ~~سهل بن حنيف أنه أخبره رجال من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~السنة في الجنازة أن يكبر الإمام ثم (ب) يصلى على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ويخلص الدعاء في التكبيرات الثلاث ثم يسلم تسليما خفيفا، والسنة أن ~~يفعل من وراءه مثله، قال الزهري: سمعه ابن المسيب منه فلم ينكره لمحمد بن ~~سويد فقال: وأنا سمعت الضحاك بن قيس يحدث عن حبيب بن سلمة في صلاة صلاها ~~على الميت مثل الذي حدثنا أبو أمامة، وروى الحاكم (¬2) من حديث أنس: "كبرت ~~الملائكة على آدم أربعا" وأخرج الحاكم (¬3) من حديث ابن ms0673 عباس "آخر ما كبر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجنائز أربعا" وقال الحاكم: ليس هذا ~~من شرط الكتاب، ورواه البيهقي، وقال: تفرد (ج) به PageV04P189 # النضر بن عبد الرحمن، وهو ضعيف (¬1). وروي هذا اللفظ من وجوه أخر كلها ~~ضعيفة (¬2)، عن ابن عباس (¬3) من طريق محمد بن معاوية النيسابوري (¬4)، وقد ~~قال فيه أحمد: روى أحاديث موضوعة هذا منها، ومن طريق محمد بن زياد الطحان ~~(¬5)، وقال فيه أحمد: كان يضع الحديث، وعن ابن عمر من طريق ابن شاهين (¬6) ~~وفيها زافر بن سليمان عن أبي العلاء وقد خالفه غيره (¬7)، ومن طريق الحارث ~~بن أبي أسامة، وأخرج البيهقي (¬8) عن (أ) سعيد بن المسيب أن عمر قال: كل ~~ذلك قد كان (ب) أربعا أو خمسا، فاجتمعنا على أربع، ورواه أيضا ابن (ج) ~~المنذر من طريق أخرى، وروى البيهقي (¬9) أيضا (د) عن أبي وائل قال: "كانوا ~~يكبرون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعا وخمسا وستا وسبعا، ~~فجمع عمر أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبر كل رجل منهم بما ~~رأى فجمعهم عمر على أربع تكبيرات. PageV04P190 # ومن طريق إبراهيم النخعي (¬1): اجتمع أصحاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في بيت ابن مسعود، فاجتمعوا على أن (أ) التكبير على الجنازة أربع، ~~روي بسنده إلى الشعبي (¬2) صلى ابن عمر على زيد بن عمر وأمه أم كلثوم بنت ~~علي فكبر أربعا، وخلفه ابن عباس والحسين بن علي وابن الحنفية بن علي، قال: ~~وممن (¬3) روينا عنه الأربع ابن مسعود وأبو هريرة وعقبة بن عامر والبراء بن ~~عازب وزيد بن ثابت وغيرهم، وأخرج ابن عبد البر عن علي خيثمة "كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يكبر على الجنائز أربعا وخمسا وسبعا وثمانيا حتى جاء ~~موت النجاشي، فخرج إلى المصلى وصف الناس وراءه وكبر عليه أربعا، ثم ثبت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على أربع حتى توفاه الله عز وجل"، وأخرج ابن ~~أبي شيبة والطحاوي والدارقطني (¬4) من طريق عبد خير قال: كان على يكبر على ~~أهل بدر ستا ms0674 وعلى الصحابة خمسا وعلى سائر المسلمين أربعا. # وحديث جابر المذكور هنا في الأصل أخرجه الشافعي، وفي إسناده محمد بن عقيل ~~(¬5)، وروى الطبراني في الأوسط (¬6) من طريق ابن لهيعة عن جابر مرفوعا: ~~"صلوا على موتاكم بالليل والنهار والصغير والكبير PageV04P191 # والدنئ والأمير أربعا" تفرد (أ) به عمرو بن هشام عن ابن (ب) لهيعة (¬1). # وفي الصحيحين عن ابن عباس (¬2) بلفظ "صلى على قبر وكبر أربعا". # وأخرج ابن ماجه (¬3) عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~صلى على الجنازة فكبر أربعا، قال ابن أبي داود (¬4): ليس في الباب أصح منه. # وورد في الخمس التكبيرات ما تضمنه (ج) الأحاديث التي مرت، فذهب إلي ~~الاقتصار على الأربع الجمهور من السلف والخلف و (د) منهم: الفقهاء الأربعة ~~(¬5) ورواية عن زيد بن علي، وذهب إلى زيادة التكبيرة الخامسة العترة جميعا ~~كما رواه في البحر (¬6)، وهو منقوض بالرواية عن على - رضي الله عنه - (ه) ~~وزيد بن علي، ورواه أيضا عن أبي ذر وزيد بن أرقم وقد عرفت حديث زيد بن أرقم ~~أنه فعل الأمرين جميعا وظاهره التخيير والسعة في الأمر، وروي فيه أيضا عن ~~محمد ابن الحنفية وابن أبي ليلى، ورواه في المبسوط للحنفية عن أبي يوسف ~~محتجين بحديث زيد بن أرقم، ولا حجة فيه كما عرفت، وبما (و) روي عن علي أنه ~~كبر على فاطمة PageV04P192 # رضي الله عنها خمسا (¬1)، وعن الحسن أنه كبر على أبيه - رضي الله عنهما - ~~خمسا، وعن ابن الحنفية أنه كبر على ابن عباس - رضي الله عنهم - خمسا، ~~ورواية أربع متأولة بأنها ما عدا تكبيرة الافتتاح، وهو بعيد. # (وقد روي مثل هذا التأويل عن أنس لما كبر ثلاثا قال: أو ليس التكبير ~~ثلاثا؟ فقيل له: يا أبا حمزة التكبير أربع، قال: أجل غير أن واحدة هي ~~افتتاح الصلاة (¬2) رواه ابن عليه مسندا) (أ) وروي في البحر (¬3) عن ابن ~~مسعود أن التكبير تسع وسبع وخمس وأربع، قال: فكبروا ما كبر الإمام، ورفعه ~~(¬4) إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وروي عن أنس وابن عباس ms0675 أن التكبير ~~ثلاث، وأجاب عن ذلك بأنه اجتهاد (ب) لهما، وقد أخرج عبد الرزاق (¬5) أن ~~أنسا انصرف ناسيا فقيل له: فعاد وصف بهم وكبر الرابعة. # ويمكن الجمع بين الروايتين بأن الراوي للثلاث لعله اختصر في الرواية أو ~~لم يطلع على التتميم المذكور. # وأقول: لو قيل بتوسعة الأمر فيما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~فعله لكان أولى، وهذا يفهم من حديث زيد بن أرقم. والله أعلم. PageV04P193 # 429 - وعن طلحة بن عبد الله قال: "صليت خلف ابن عباس - رضي الله عنه - ~~على جنازة فقرأ فاتحة الكتاب، فقال: لتعلموا أنها سنة". رواه البخاري (¬1)، ~~وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه والنسائي جميعا بلفظ: فأخذت بيده فسألته عن ذلك ~~فقال: نعم يا ابن أخي إنه حق وسنة، وللحاكم بلفظ: "فسألته، فقلت: يقرأ (أ) ~~فقال: نعم إنه حق وسنة". وأخرج الترمذي بلفظ: فقال: إنه من السنة أو من ~~تمام السنة. # وأخرج النسائي (¬2) أيضا من طريق أخرى بلفظ: فقرأ بفاتحة الكتاب وسورة ~~وجهر حتى أسمعنا، فلما فرغ أخذت بيده، فسألته فقال: سنة وحق. # وللحاكم من طريق ابن عجلان، أنه سمع سعيد بن أبي سعيد يقول: صلى ابن عباس ~~على جنازة فجهر بالحمد ثم قال: إنما جهرت لتعلموا أنها (ب) سنة (¬3). # وأخرج الحاكم (¬4) أيضا من طريق شرحبيل بن [سعد] (ج) عن ابن PageV04P194 # عباس أنه صلى على جنازة بالأبواء فكبر ثم قرأ الفاتحة رافعا صوته، ثم صلى ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: اللهم عبدك وابن عبدك، أصبح ~~فقيرا إلى رحمتك وأنت غني عن عذابه، إن كان زاكيا فزكه، وإن كان مخطئا ~~فاغفر له، اللهم لا تحرمنا أجره ولا تضلنا بعده، ثم كبر ثلاث تكبيرات (أ) ~~ثم انصرف فقال: أيها الناس: إني لم أقرأ عليها جهرا إلا لتعلموا أنها سنة، ~~ثم قال الحاكم: شرحبيل لم يحتج به الشيخان، وإنما أخرجه لأنه مفسر للطريق ~~المتقدمة (ب) انتهى. وشرحبيل (¬1) مختلف في توثيقه، وقد روى الترمذي (¬2) ~~عن ابن عباس "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قرأ على الجنازة ms0676 بفاتحة ~~الكتاب" قال: ولا يصح هذا، والصحيح عن ابن عباس، قوله من السنة، ولكنه في ~~حكم المرفوع عند المحققين من أهل الأصول، وقد تقدم رفع القراءة من حديث جابر. # وروى ابن ماجه (¬3) من حديث أم شريك قالت: أمرنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن نقرأ على الجنازة بفاتحة الكتاب، وفي إسناده ضعف (¬4) يسير. PageV04P195 # والحديث يدل على مشروعية قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بل على الوجوب، ~~فإن (أ) في قول ابن عباس: من السنة، يدل على الوجوب إذ السنة المراد بها ~~الطريقة المألوفة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في وقوعها في غير الواجب ~~إنما هو في عرف الفقهاء. # وقوله: "حق" أي ثابت يؤكد ذلك، وأما حديث أم شريك فظاهر في الوجوب، إذ ~~قولها: أمرنا حقيقة في الوجوب، وقد ذهب إلى وجوبها الشافعي (¬1) وأحمد ~~وغيرهما من السلف والخلف، وذهب أبو حنيفة وأصحابه ومالك وجماعة الكوفيين ~~إلى عدم مشروعية (¬2) القراءة، قالوا: لقول ابن مسعود (¬3): لم يؤقت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قراءة في صلاة الجنازة، بل قال: كبر إذا كبر ~~الإمام واختر من أطيب الكلام ما شئت. رواه في الانتصار (¬4)، وذهب الهادي ~~(¬5) والقاسم والمؤيد إلى أن القراءة سنة، قالوا: لقول ابن عباس: سنة، وقد ~~عرفت الجواب عنه، وأيضا فإنهم متفقون على أنها صلاة، وصحة حديث: "لا صلاة ~~إلا بفاتحة الكتاب" (¬6) فهي مندرجة تحت ذلك العموم، وإخراجها يحتاج إلى ~~دليل، وأما حديث ابن PageV04P196 # مسعود إذا ثبت (¬1)، فهو ناف، وما تقدم مثبت، والمثبت أولى كما عرفت. # وفي حديث شرحبيل دلالة على صحة الجمع بين القراءة (¬2) والدعاء وقد ذهب ~~إلى هذا الهادي والقاسم، وذهب (أ) الشافعي وأحمد (¬3) وإسحاق وداود ومن ~~الصحابة ابن الزبير أنه لا يجمع بين القراءة والدعاء، وإنما يقرأ الفاتحة ~~حتما بعد التكبيرة الأولى، ثم يكبر ويصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~حتما لقوله: "لا صلاة لمن لم (ب) يصل على نبيه" (¬4)، ثم يدعو، ثم يكبر، ثم ~~يدعو للميت حتما لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فأخلصوا له الدعاء" (¬5) ~~والله أعلم. ms0677 # 430 - وعن عوف بن مالك - رضي الله عنه - قال: "صلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على جنازة فحفظت من دعائه: اللهم اغفر له، وارحمه، وعافه، واعف ~~عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من ~~الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس، وأبدله دارا خيرا من داره، وأهلا ~~خيرا من أهله، وأدخله الجنة وقه فتنة القبر، PageV04P197 # وعذاب النار". رواه مسلم (¬1). # وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا صلى على جنازة يقول: اللهم اغفر لحينا وميتنا، وشاهدنا وغائبنا، ~~وصغيرنا وكبيرنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام ~~ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده". ~~(¬2) رواه مسلم والأربعة. # وعنه: أن النبي (أ) - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا صليتم على الميت ~~فأخلصوا له الدعاء" رواه أبو داود، وصححه ابن حبان (2). PageV04P198 # قوله: "فحفظت من دعائه" يحتمل أنه مسألة فأخبره بما دعا، فلا ينافي ما ~~صرح به الفقهاء من أنه يندب الإسرار به، وبعضهم فصل فقال: يسر في النهار ~~ويجهر في الليل، ويحتمل أنه جهر بذلك ليعلمهم الدعاء كما فعل ابن عباس، ~~ويحتمل أن يقال بتوسعة الأمر وأنه يسوغ الجهر والإسرار، ولعل هذا أولى. # واعلم أنه لا يتعين في الدعاء لفظ مخصوص، وقد نبه عليه في قوله (أ): ~~فأخلصوا (ب) له (ج) الدعاء، واتباع ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم -أولى، ~~وأصح الوارد حديث (د) عوف بن مالك (¬1) وكذا حديث أبي هريرة، قال الحاكم ~~أبو عبد الله (¬2): حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم، وقد وقع في ألفاظ ~~الوارد بعض اختلاف، ففي رواية (¬3) لمسلم: "وقه فتنة القبر وعذاب القبر"، ~~وكذا وقع في رواية أبي داود (¬4) " فأحيه على الإيمان وتوفه على الإسلام"، ~~والمشهور في معظم كتب الحديث كما في الأصل، وفي سنن أبي داود (¬5) عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة على PageV04P199 # الجنازة: "اللهم أنت ربها، وأنت خلقتها، وأنت ms0678 هديتها للإسلام وأنت قبضت ~~روحها، وأنت أعلم بسرها وعلانيتها، جئنا شفعاء له فاغفر له". # وفي سنن أبي داود (¬1) وابن ماجه عن واثلة بن الأسقع - رضي الله عنه - ~~قال: "صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على رجل من المسلمين، ~~فسمعته يقول: اللهم إن فلان ابن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، فقه فتنة القبر ~~(أ) وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد، اللهم فأغفر له، وارحمه، فإنك ~~أنت الغفور الرحيم". واختار الشافعي (¬2) -رحمه الله تعالى- من مجموع هذه ~~الأحاديث وغيرها فقال: يقول: اللهم هذا عبدك وابن عبدك خرج من روح الدنيا ~~وسعتها، ومحبوبها وأحباؤه (ب) فيها إلى ظلمة القبر، وما هو لاقيه، كان يشهد ~~أن لا إله إلا أنت وأن محمدا عبدك ورسولك، وأنت أعلم به، اللهم (ج) نزل بك ~~وأنت خير منزول به، وأصبح فقيرا إلى رحمتك، وأنت غني عن عذابه، وقد جئناك ~~راغبين إليك شفعاء له، اللهم إن كان محسنا فزد في إحسانه، وإن كان مسيئا ~~فتجاوز عنه، ولقه برحمتك ورضاك، وقه فتنة القبر وعذابه، وأفسح له في قبره، ~~وجاف الأرض عن جنبيه، ولقه برحمتك (د) الأمن من عذابك حتى تبعثه PageV04P200 # إلى جنتك برحمتك (أ) يا أرحم الراحمين، هذا نص الشافعي في مختصر (¬1) ~~المزني، وبعد التكبيرة الرابعة لا يجب فيها ذكر عنده ولكن يستحب ما نص عليه ~~في كتاب (¬2) البويطي قال: ويقول بعد الرابعة: اللهم لا تحرمنا أجره، ولا ~~تفتنا بعده. وقال أبو علي بن (ب) أبي (¬3) هريرة من أصحاب الشافعي: كان ~~المتقدمون يقولون في الرابعة: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة ~~حسنة وقنا عذاب النار. قال (¬4): وليس ذلك محكيا عن الشافعي. قال النووي ~~(¬5) في الأذكار: ويحتج للدعاء في الرابعة بما رويناه في السنن الكبير ~~للبيهقي عن عبد الله بن (¬6) أبي أوفى - رضي الله عنه - أنه كبر على جنازة ~~ابنة له أربع تكبيرات، فقام (ب) بعد الرابعة بقدر ما بين التكبيرتين يستغفر ~~لها ويدعو، ثم قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع هذا"، وفي ~~رواية كبر ms0679 أربعا فسكت (د) ساعة حتى ظننت أنه سيكبر خمسا ثم سلم عن يمينه ~~وعن شماله، فلما انصرف قلنا له: ما هذا؟ فقال: إني لا أزيدكم على ما رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصنع، وهكذا صنع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV04P201 # قال الحاكم أبو عبد الله: هذا حديث (¬1) صحيح. انتهى، وعند الهادي (¬2) ~~والقاسم -رحمة الله عليهما- يندب (أ) الجمع بين القراءة والذكر فيكبر ~~الأولى ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، ~~يحيي ويميت، وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على كل شيء قدير، ثم يقرأ ~~الفاتحة، ثم يكبر الثانية فيقول: اللهم صل على محمد عبدك ورسولك وخيرتك من ~~خلقك وعلى آل بيته الطيبين الأطهار، الصادقين الأبرار الذين أذهب الله عنهم ~~الرجس، وطهرهم تطهيرا. كما صليت على إبراهيم و (ب) آل إبراهيم إنك حميد ~~مجيد، ثم يقرأ الإخلاص، ثم يكبر الثالثة فيقول: اللهم صل على ملائكتك ~~المقربين، اللهم شرف بنيانهم وعظم أمرهم، اللهم صل على أنبيائك المرسلين ~~اللهم أحسن (ج) جزاءهم، وارفع عندك درجاتهم، اللهم شفع محمدا في أمته ~~واجعلنا ممن تشفعه فيه، اللهم اجعلنا في زمرته، وأدخلنا في شفاعته، واجعل ~~مأوانا الجنة، ثم يقرأ سورة العلق ثم يكبر الرابعة فيقول: سبحان من سبحت له ~~السماوات والأرضون، سبحان ربنا الأعلى، سبحانه وتعالى، اللهم هذا عبدك وابن ~~عبديك، وقد صار إليك، وقد أتيناك مستشفعين له سائلين له المغفرة فاغفر له ~~ذنوبه وتجاوز عن سيئاته وألحقه بنبيه محمد - صلى الله عليه وسلم - اللهم ~~وسع PageV04P202 # عليه قبره وأفسح (أ) له أمره، وأذقه عفوك ورحمتك، يا أكرم الأكرمين (ب)، ~~اللهم ارزقنا حسن الاستعداد لمثل يومه ولا تفتنا بعده واجعل خير أعمالنا ~~خواتيمها، وخير أيامنا يوم نلقاك (ج)، ثم يكبر الخامسة ثم يسلم (¬1). # قال الهادي (¬2): وإذا اضطر المصلي بالصلاة على فاسق لعنه فيها، وإذا صلي ~~علي ملتبس الحال قال في الدعاء: اللهم إن كان محسنا فزده إحسانا (د)، وإن ~~كان مسيئا فأنت (ه) أولى بالعفو عنه. # وإن ms0680 كان الميت طفلا صغيرا قال (و) اللهم اجعله لنا، ولوالديه ذخرا وسلفا ~~وفرطا وأجرا. # 431 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "أسرعوا بالجنازة، فإن تكن صالحة تقدمونها إليه، وإن تك (ز) سوى ذلك ~~فشر تضعونه عن رقابكم". متفق عليه (¬3). PageV04P203 # قوله: "أسرعوا بالجنازة" (أ)، يحتمل الإسراع بتجهيزها ولا يناسبه قوله ~~"فإن تكن .. " إلخ ويحتمل الإسراع عند الحمل لها، وهو الأنسب، إلا أن الوجه ~~الأول يناسبه حديث ابن عمر: "إذا مات أحدكم فلا تحبسوه، وأسرعوا به إلى ~~قبره" (¬1)، أخرجه الطبراني بإسناد حسن، وحديث حصين بن وحوج مرفوعا: "لا ~~ينبغي لجيفة مسلم أن تبقى بين ظهراني أهلها" أخرجه أبو داود (¬2) إلا أنه ~~لا تنافي بين الأمر (ب) بالشيئين، وإن كان أحدهما أخص، والأمر هنا للندب ~~بلا خلاف بين العلماء (¬3) إلا ابن حزم (¬4) فقال بوجوبه، والمراد بالإسراع ~~هنا المشي الشديد، وهو دون الخبب، كذا قالت (ج) الحنفية (¬5)، وعن الشافعي ~~(¬6) المراد به ما فوق المشي المعتاد، والحاصل، أنه يستحب الإسراع بحيث لا ~~ينتهى إلى شدة يخاف معها حدوث مفسدة بالميت أو مشقة على الحامل (د). # والضمير في قوله: "فإن تكن صالحة" (عائد) (ه) إلى الجثة المحمولة، PageV04P204 # إذا كانت الجنازة مرادا بها النعش، وإن كانت مرادا بها الميت فالضمير ~~إليها، وهو الظاهر لعدم الحاجة إلى ارتكاب التجوز في الخير، وخير خبر مبتدأ ~~محذوف أي فهو خير، أو مبتدأ محذوف الخبر، أي فلها (أ) خير. # و (ب) قوله: "تقدمونها إليه"، وفي رواية: "تقدمونه (¬1) إليها"، فعلى ~~الوجه الأول الظاهر عود ضمير (ج) تقدمونها إلى الجنازة، والضمير في إليه ~~إلى الخير، ويحتمل أن يكون الضمير المؤنث عائدا إلى الخير بتأويل الحسنة، ~~فتطابق الروايتان حينئذ (¬2). # والحديت فيه دلالة على شرعية المسارعة إلى تجهيز الميت ودفنه وهو مخصوص ~~بمن لم يتحقق موتهم، كالمفلوج والمطعون والمسبوق (د) فينبغي التثبت في ~~أمرهم وعدم الإسراع، ويتركوا حتى يمضي يوما وليلة (¬3)، ويتحقق موتهم، ~~ويؤخذ من الحديث ترك مصاحبة أهل البطالة وغير الصالحين. # 432 - وعنه - رضي الله عنه - قال: ms0681 قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من شهد الجنازة حتى يصلى عليها فله قيراط ومن شهدها حتى تدفن فله ~~قيراطان". قيل: وما القيراطان؟ قال: "مثل الجبلين العظيمين". متفق PageV04P205 # عليه (¬1). # ولمسلم: "حتى توضع في اللحد" (¬2). # وللبخاري: "من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معه حتى يصلى عليها ~~ويفرغ من دفنها فإنه يرجع بقيراطين، كل قيراط مثل (أ) أحد" (¬3). # قوله: "من شهد الجنازة"، المراد بالشهود هو الحضور معها، وظاهر الحضور ~~معها من ابتداء الخروج بها، وهذا مصرح به في رواية لمسلم (¬4) بلفظ: "من ~~خرج مع جنازة من بيتها، ثم تبعها حتى تدفن كان له قيراطان من أجر، كل قيراط ~~مثل أحد ومن صلى عليها ثم رجع كان له (ب) قيراط". # وقوله: "حتى يصلى عليها"، لفظ عليها ثابت في رواية (¬5) الكشميهني ~~للبخاري، وهو كذلك عند مسلم (¬6)، وللبيهقي (¬7) أيضا بإسناده PageV04P206 # عن أحمد بن شبيب شيخ البخاري، وفي سائر الرواية للبخاري بحذف "عليها" ~~وفتح اللام في "يصلى"، ووقع في رواية البعض بكسر اللام والظاهر أن هذه تفسر ~~إطلاق صيغة المجهول، وأنه لا يستحق الأجر من شهد ولم يصل، وإن صلى غيره أو ~~صلى ولم يتبع. # قال المصنف (¬1) -رحمه الله تعالى-: والذي يظهر لي أنه يحصل الأجر لمن ~~صلى وإن لم يتبع لأن ذلك وسيلة إلى الصلاة، لكن يكون قيراط من صلى فقط دون ~~قيراط من شيع مثلا وصلى، ويدل عليه ما علقه البخاري (¬2) عن زيد بن ثابت: ~~"إذا صليت فقد (قضيت) (أ) الذي عليك. ووصله (ب سعيد بن (¬3) منصور من طريق ~~عروة عنه بلفظ: "إذا صليت على جنازة فقد قضيت ما عليك" ووصله ب) ابن أبي ~~(¬4) شيبة من هذا الوجه بلفظ: "إذا صليتم على الجنازة فقد قضيتم ما عليكم، ~~فخلوا بينها وبين أهلها"، وكذا أخرجه عبد الرزاق (¬5) بلفظ الإفراد ومعناه: ~~فقد قضيت حق الميت، فإن أردت الاتباع فلك زيادة أجر، وعلق البخاري (¬6) قول ~~حميد بن هلال: ما علمنا على الجنازة إذنا، ولكن من صلى ثم رجع فله قيراط، ~~ولم يرو هذا موصولا، وفي هذا ms0682 رد على ما ذهب إليه مالك (¬7) PageV04P207 # كما حكي عنه أنه لا ينصرف التابع للجنازة حتى يستأذن أهل الميت، محتجا ~~بما أخرجه عبد الرزاق (1) من طريق عمرو بن شعيب عن أبي هريرة قال: أميران ~~وليسا بأميرين: الرجل يكون مع الجنازة يصلي عليها فليس له أن يرجع حتى ~~يستأذن وليها (أ) ... الحديث، وهو منقطع موقوف، وروى عبد الرزاق (2) مثله ~~من قول إبراهيم، وأخرجه ابن أبي (¬3) شيبة عن المسور من فعله أيضا، وقد ورد ~~مثله مرفوعا من حديث جابر، أخرجه البزار بإسناد فيه مقال، وأخرجه العقيلي ~~(¬4) في الضعفاء من حديث أبي هريرة مرفوعا بإسناد ضعيف، وروى أحمد من طريق ~~عبد الله بن هرمز عن أبي هريرة مرفوعا "من تبع جنازة فحمل وحثا في قبرها ~~وقعد حتى يؤذن له رجع بقيراطين"، وإسناده (¬5) ضعيف، والذي عليه معظم أهل ~~الفتوى أنه لا يحتاج إلى إذن. # وقوله: "فله قيراط ": القيراط بكسر القاف، قال الجوهري (¬6): أصله قراط ~~بتشديد الراء لأن جمعه قراريط، فأبدل من أحد حرفي المضعف ياء، وقال: ~~والقيراط نصف دانق، والدانق سدس درهم، فعلى هذا القيراط PageV04P208 # جزء من اثني عشر جزءا من الدرهم (أ). وأما صاحب النهاية (¬1) فقال: ~~القيراط جزء من أجزاء الدينار، وهو نصف عشره في أكثر البلاد، وفي الشام جزء ~~من أربعة وعشرين جزءا، ونقل ابن الجوزي (¬2) عن ابن عقيل أنه كان يقول: ~~القيراط نصف سدس درهم أو نصف عشر دينار. وذكر القيراط هنا على جهة التمثيل ~~بما يعرف من أحوال تقدير الموزونات، ولما كان وزن الأعمال في الآخرة بما لا ~~يعلم حقيقته (ب) إلا الله تعالى، ولم يمكن (ج) تعريفنا ذلك إلا بتشبيهه ما ~~(د) نعرفه من أحوال المقادير فشبه بالقيراط، وكان القيراط حقيرا قدره فنبه ~~على تعظيم الأمر بقوله في رواية: "أصغرهما مثل أحد"، وكان جبل أحد من أعظم ~~جبال المدينة المشرفة ومن الجبال المحبوبة إليهم، فشبه به، فعرف من ذلك ~~تعظيم الأمر وأن مقدار الثواب والزلفى في الآخرة لا طريق لنا إلى معرفتهما ~~(ه) بحقيقته كما قال تعالى: {فلا تعلم نفس ms0683 ما أخفي لهم من قرة أعين} (¬3) ~~وقال تعالى: {وأتوا به متشابها} (¬4). PageV04P209 # وقوله: "حتى يدفن"، ظاهره وقوع مطلق الدفن، وإن لم يفرغ من جميع الأعمال ~~وفي رواية مسلم (¬1): "حتى يوضع في اللحد"، ظاهره مثل هذا، ولكنه في ~~الرواية الأخرى لمسلم (¬2): "حتى يفرغ من دفنها"، ففيها تفسير لما أطلق في غيرها. # وقوله: "قيل وما القيراطان؟ " لم يبين في هذه الرواية القائل من هو؟ وقد ~~بين (أ) القائل (ب) أبو عوانة (¬3) من طريق أبي مزاحم عن أبي هريرة، ولفظه: ~~قلت: يا رسول الله، وما القيراط؟ ووقع عند مسلم (¬4) أيضا أن أبا حازم أيضا ~~سأل أبا هريرة عن ذلك. # وقوله: "مثل الجبلين العظيمين"، قد بين عظم الجبل بتشبيهه في الرواية ~~الأخيرة بأحد، كأنها رواية بالمعنى، ووقع في رواية النسائي (¬5) "فله ~~قيراطان من الأجر كل واحد منهما أعظم من أحد". وفي رواية لمسلم (¬6): ~~"أصغرهما مثل أحد" وفي رواية ابن ماجه (¬7) عن أبي بن كعب: القيراط أعظم من ~~أحد. هذا كأنه أشار إلى الجبل عند ذكر الحديث، وعند ابن PageV04P210 # عدي عن (¬1) واثلة: "كتب له قيراطان من أجر أخفهما في يوم القيامة ميزانه ~~أثقل من جبل أحد". # والحديث من فوائده الترغيب في شهود الميت، والقيام بأمره، والحض على ~~الاجتماع له، والتنبيه على عظيم فضل الله وتكريمه للمسلم في تكثير ثواب من ~~يتولاه بعد موته، وفيه تقدير الأعمال بالميزان، وهو إما تقريب للأفهام وإما ~~على حقيقته. # واعلم أن ظاهر قوله: "فله قيراطان" يقضي بأن أحدهما هو الذي كان لمن ~~انصرف قبل الدفن، وأن المنتظر للدفن يزاد له قيراط مع ذلك القيراط الأول، ~~وهذا هو المفهوم من سائر الروايات، وإن كان بعض القدماء جزم بأن القيراطين ~~من غير القيراط الأول وحكاه ابن الزين عن القاضي أبي الوليد. # فائدة: روى هذا الحديث اثنا عشر صحابيا، وهم عائشة وأبو هريرة وحديثهما ~~في البخاري (¬2) وثوبان عند مسلم (¬3) والبراء وعبد الله بن مغفل عند ~~النسائي (¬4)، وأبو سعيد عند أحمد (¬5)، وابن مسعود عند أبي عوانة، وأسانيد ~~هؤلاء صحاح، وأبي بن كعب عند ابن ماجه ms0684 (¬6)، وابن عباس عند البيهقي في ~~الشعب وأنس عند الطبراني (¬7) في الأوسط وواثلة ابن PageV04P211 # الأسقع عند ابن عدي (¬1) وحفصة عند حميد بن زنجويه في فضائل الأعمال وفي ~~كل من أسانيد هؤلاء الخمسة ضعف. # 433 - وعن سالم عن أبيه "أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأبا بكر ~~وعمر وهم (أ) يمشون أمام الجنازة". رواه الخمسة، وصححه ابن حبان، وأعله ~~النسائي وطائفة بالإرسال (¬2). # هو أبو عبد الله، ويقال: أبو عمرو، سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب ~~القرشي العدوي المدني أحد فقهاء المدينة، من سادات التابعين وعلمائهم ~~وثقاتهم. روى عن أبيه وغيره، (ب) روى عنه الزهري ونافع، مات سنة ست ومائة. # الحديث أخرجه الخمسة وابن حبان والبيهقي من حديث ابن عيينة عن الزهري عن ~~سالم عن أبيه به (ج)، قال أحمد: إنما هو عن الزهري مرسل، وحديث سالم إنما ~~هو موقوف على ابن عمر من فعله، وحديث ابن عيينة وهم. قال الترمذي (¬3): أهل ~~الحديث يرون المرسل أصح، قاله ابن PageV04P212 # المبارك. قال: وروى معمر ويونس ومالك عن الزهري: "أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يمشي أمام الجنازة" (¬1)، قال الزهري: وأخبرني سالم أن ~~أباه كان يمشي أمام الجنازة (¬2)، وكذا أخرجه (أ) أحمد (¬3) عن ابن شهاب عن ~~سالم عن ابن عمر من فعله، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبو ~~بكر وعمر يمشون أمامها، وقال عبد الله بن أحمد: قال أبي ما معناه: القائل ~~-وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هو الزهري، وأخرجه (¬4) ابن ~~حبان في صحيحه عن الزهري عن سالم أن عبد الله بن عمر كان يمشي بين يديها، ~~وأبو بكر وعمر (ب) وعثمان، قال الزهري وكذلك السنة، وقد ذكر الدارقطني (¬5) ~~في "العلل" اختلافا كبيرا فيه عن الزهري، قال: والصحيح قول من قال: عن ~~الزهري عن سالم عن أبيه أنه كان يمشي، قال: وقد مشى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وأبو بكر وعمر، واختار البيهقي (¬6) ترجيح الموصول لأنه من ~~رواية ابن عيينة وهو ثقة حافظ، وعن علي ms0685 بن (¬7) المديني قال: قلت لابن ~~عيينة: يا أبا محمد خالفك الناس في هذا الحديث، فقال: استيقن الزهري حديثه ~~مرارا، لست أحصيه، يعيده ويبديه من فيه عن سالم عن أبيه. PageV04P213 # قال المصنف (¬1) -رحمه الله-: وهذا لا ينفي عنه الوهم لأنه ضبط أنه سمعه ~~منه عن سالم عن أبيه، والأمر كذلك إلا أن فيه إدراجا، ولعل الزهري أدمجه إذ ~~حدث به ابن عيينة، وفصله (أ) لغيره، وقد أوضحته في المدرج بأتم من هذا، ~~وجزم أيضا بصحته (ب) ابن المنذر وابن حزم (¬2)، وقد ر وي عن يونس عن الزهري ~~عن أنس مثله، أخرجه الترمذي (¬3) وقال: سألت عنه البخاري، وقال: هذا خطأ ~~أخطأ فيه محمد بن بكر. # والحديث فيه دلالة على أن المشي أمام الجنازة أفضل لأنه الذي ورد (ج) من ~~فعله - صلى الله عليه وسلم - وفعل الشيخين من بعده، وقد ذهب إليه الجمهور ~~(¬4) والشافعي وذهب أنس (¬5) بن مالك إلى أنه يمشي بين يديها، وخلفها وعن ~~يمينها وعن شمالها علقه البخاري (¬6) وقد وصله عبد الوهاب بن عطاء (¬7) ~~الخفاف في كتاب الجنائز. # قال المصنف (¬8) -رحمه الله-: ورويناه عاليا في رباعيات أبي بكر الشافعي ~~وأخرجه ابن أبي شيبة (¬9) موصولا وكذا عبد الرزاق، وظاهر (د) أثر PageV04P214 # أنس التوسعة في الأمر على المشيعين، وعدم التزامهم جهة معينة، وذلك لما ~~علم من تفاوت أحوالهم في المشي، وقضية الإسراع بالجنائز أن لا يلزموا بمكان ~~واحد يمشون فيه لئلا يشق على بعضهم، وذهب العترة (¬1) وأبو حنيفة وأصحابه ~~إلى أن المشي خلفها أفضل لما رواه محمد بن طاوس عن أبيه أنه قال: "ما مشى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى مات إلا خلف الجنازة" (¬2) وروى سعيد ~~بن منصور وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبزى عن علي قال: المشي خلفها أفضل ~~من المشي أمامها كفضل صلاة الجماعة على صلاة الفذ (¬3). إسناده حسن (¬4) ~~وهو موقوف له حكم المرفوع، لكن حكى الأثرم عن أحمد أنه تكلم في إسناده وذهب ~~الثوري إلى أن الماشي حيث يشاء، والراكب خلفها لما أخرجه أصحاب السنن وصححه ~~ابن ms0686 حبان والحاكم من حديث المغيرة (¬5) بن شعبة مرفوعا: الراكب خلف الجنازة ~~والماشي حيث شاء منها. PageV04P215 # وعن النخعي (¬1): إن كان في الجنازة نساء مشى أمامها وإلا فخلفها. والله أعلم. # 434 - وعن أم عطية قالت: "نهينا عن اتباع الجنائز، ولم يعزم علينا". متفق ~~عليه (¬2). # قوله: "نهينا" بعدم ذكر الفاعل، ذهب الشيخان وجمهور المحدثين وجمهور أهل ~~الأصول إلى أن قول الصحابي: أمرنا بكذا أو (أ) نهينا عن كذا له حكم ~~المرفوع، إذ الظاهر من ذلك أن الآمر والناهي هو النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وفي هذا المحل بخصوصه متعين ذلك إذ قد أخرجه البخاري (¬3) في باب الحيض ~~عنها: "نهانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" وهذا من أم عطية مرسل لعدم ~~سماعها ذلك من النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رواه الطبراني (¬4) عنها ~~قالت: "لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة جمع النساء في بيت، ~~ثم بعث إلينا عمر فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليكن بعثني ~~(ب) لأبايعكن على أن لا تسرقن .. " الحديث. وفي آخره: "وأمرنا PageV04P216 # أن (أ) نخرج في العيدين العواتق ونهانا أن نخرج في جنازة"، وظاهر هذا ~~النهي أنها فهمت منه الكراهة دون التحريم، وله قال جمهور أهل العلم، وقال ~~به (¬1) مالك وأهل المدينة، وقال المهلب: في حديث أم عطية دلالة على أن ~~النهي من النبي - صلى الله عليه وسلم - على درجات، ويدل على الجواز ما ~~أخرجه ابن أبي (¬2) شيبة عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- كان في جنازة فرأى عمر امرأة فصاح بها. فقال: "دعها يا عمر" .. الحديث ~~وأخرجه ابن (¬3) ماجه والنسائي من طريق ابن أبي شيبة. وأخرجاه من طريق ~~أخرى، ورجالها ثقات، وتأوله الداودي (¬4) وقال: نهينا عن اتباع الجنائز أي ~~(ب) إلى المقابر ولم يعزم علينا أي أن لا (ج) نأتي أهل الميت فنعزيهم ~~ونترحم على ميتهم من غير أن نتبع جنازته. انتهى. وفي آخر هذا التفصيل من ~~سياق هذا الحديث بعد، وإن كان مثل هذا في حديث عبد الله بن ms0687 عمر (¬5): أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى فاطمة مقبلة، فقال: "من أين جئت؟ " PageV04P217 # فقالت: ترحمت على أهل هذا الميت بميتهم، فقال: "و (أ) لعلك بلغت معهم ~~الكدى"، قالت لا .. الحديث، وفي (آخر الحديث) (ب) الوعيد على ذلك، أخرجه ~~أحمد والحاكم وغيرهما فأنكر عليه, بلوغ الكدى، وهو بضم الكاف وتخفيف ~~(المهملة) وبالمقصورة (ج) وهي القابر، ولم ينكر عليها التعزية. وقال المحب ~~الطبري: يحتمل أن يكون المراد بقولها: ولم يعزم علينا (د). أي كما عزم على ~~الرجال بترغيبهم في اتباعها بحصول (ه) القيراط، ونحو ذلك، والأول أظهر. # 435 - وعن أبي سعيد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "إذا رأيتم الجنازة فقوموا، فمن تبعها فلا يجلس حتى توضع". متفق ~~عليه (¬1). الحديث فيه دلالة علي الأمر بالقيام للجنازة إذا مرت بالمكلف، ~~وإن لم يكن قاصدا لتشييعها، وظاهره العموم لجنازة المؤمن وغيره، وقد أخرج ~~البخاري (¬2) قيامه - صلى الله عليه وسلم - لجنازة يهودي مرت به، وتعليله ~~ذلك بالموت (و) فزع (¬3)، PageV04P218 # وفي رواية: "أليست نفسا" وأخرج الحاكم (¬1) قوله: "إنما قمنا للملائكة"، ~~وأخرج أحمد والحاكم (¬2) وابن حبان: "إنما يقومون إعظاما للذي يقبض ~~النفوس"، وفي لفظ ابن حبان: "إعظاما للذي يقبض الأرواح" (¬3)، وهذا لا ~~ينافي التعليل الأول بأن الموت فزع، فإن تعظيم القائمين بأمر الموت إعظام للموت. # وقد اختلف العلماء في القيام للجنازة فذهب الشافعي (¬4) وغيره إلى أنه ~~غير واجب، وقال: هذا الأمر إما أن يكون منسوخا أو أنه قام لعلة، وأيهما كان ~~فقد ثبت أنه تركه بعد فعله، والحجة في الآخر من أمره والقعود أحب إلى. ~~انتهى. وأشار بالترك إلى حديث على رضي الله عنه: "أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- قام للجنازة ثم قعد". أخرجه مسلم (¬5)، قال البيضاوي (¬6): وهذا محتمل ~~(أ) أن يكون قام للجنازة ثم قعد بعد أن جاوزته وبعدت عنه، ويحتمل أن يكون ~~المراد أنه كان يقوم في وقت ثم ترك القيام أصلا، فيكون الترك قرينة على أن ~~الأمر للندب فلا يحمل (ب) على النسخ. PageV04P219 # وقد يتأيد احتمال النسخ (أبما ms0688 رواه البيهقي (¬1) في حديث علي: أنه أشار ~~إلى قوم قاموا أن يجلسوا، ثم حدثهم أ) فالحديث (ب). قال عياض (¬2): ذهب جمع ~~من السلف إلى أن الأمر بالقيام منسوخ بحديث علي، وتعقبه النووي (¬3) بأن ~~النسخ لا يصار إليه إلا إذا تعذر الجمع، وهو هنا ممكن، قال: والمختار أنه ~~مستحب، وبه قال المتولي. انتهى. # وأما حديث عبادة بن الصامت قال (ب): "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقوم لجنازة فمر به حبر من اليهود فقال: هكذا نفعل. فقال: اجلسوا وخالفوهم" ~~(¬4) أخرجه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي وابن ماجه والبزار والبيهقي، فلا ~~يعارض هذا الحديث الصحيح، فهو ضعيف، في إسناده بشر بن رافع (¬5) وهو ليس ~~بالقوي، وقال البزار: تفرد به بشر، وهو بين الحديث، وذهب ابن حبيب وابن ~~الماجشون (¬6) من المالكية إلى أن جلوسه لبيان الجواز، فمن جلس (د) في سعة، ~~ومن قام فله أجر. PageV04P220 # و (أ) قوله: "ومن (ب) تبعها فلا يجلس حتى توضع"، في هذه الرواية إطلاق ~~الوضع، وقد روي هذا الحديث من حديث عامر (¬1) بن ربيعة، ووقع الاختلاف على ~~سهيل بن أبي صالح في روايته، فرواه الثوري بلفظ: "حتى توضع بالأرض" (ج) ~~ورواه أبو (د) معاوية عن سهيل قال فيه: "حتى توضع في اللحد". قال أبو داود: ~~وسفيان الثوري أحفظ من أبي معاوية (¬2)، وجنح (¬3) البخاري إلى ترجيح رواية ~~أبي سفيان، فبوب عليه: باب من تبع جنازة فلا يقعد حتى توضع عن مناكب ~~الرجال، فإن قعد أمر بالقيام، وقد اختلف العلماء الفقهاء (¬4) في ذلك فقال ~~أكثر الصحابة والتابعين باستحبابه كما نقله ابن المنذر، وهو قول الأوزاعي ~~وإسحاق وأحمد ومحمد بن الحسن ورواه البيهقي من طريق ابن حازم الأشجعي عن ~~أبي هريرة وغيرهما: أن القائم مثل الحامل في الأجر. قال الشعبي والنخعي: ~~يكره القعود قبل أن توضع، وقال بعض السلف: يجب القيام، واحتج له برواية ~~سعيد عن أبي هريرة وأبي سعيد. قال: "ما رأينا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - شهد جنازة قط فجلس حتى توضع". أخرجه النسائي (¬5). PageV04P221 # 436 - وعن أبي إسحاق: ms0689 "أن عبد الله بن يزيد (أ) أدخل الميت من قبل رجلي ~~القبر، وقال: هذا من السنة". أخرجه أبو داود (¬1). # هو أبو إسحاق عمرو بن (ب) عبد الله السبيعي، بفتح السين المهملة وكسر ~~الباء الموحدة وبالعين المهملة، الهمداني، الكوفي، رأى عليا وابن عباس ~~وأسامة بن زيد وابن عمر وسمع البراء بن عازب وزيد بن أرقم، روى عنه منصور ~~والأعمش وشعبة والثوري، وهو تابعي مشهور كثير الرواية، ولد لسنتين من خلافة ~~عثمان ومات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل: سنة سبع وعشرين (¬2). # الحديث فيه دلالة على أن المشروع سل الميت من مؤخر القبر، بأن يوضع رأس ~~الميت في ناحية مؤخر القبر، وهو محل الرجل، ولذلك قال: "من قبل رجلي القبر" ~~أي موضع الرجلين فأطلق الحال على المحل، وقد ذهب إلى هذا الهادي (¬3) ~~والناصر والمؤيد والشافعي وأحمد، لهذا، ولما روي عن علي - رضي الله عنه ~~قال: "صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على جنازة رجل من ولد عبد ~~المطلب فأمر بالسرير فوضع من قبل رجلي اللحد أمر به PageV04P222 # فسل سلا، ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: "ضعوه في حفرته لجنبه الأيمن ~~مستقبل القبلة، وقولوا بالله وعلى ملة رسول الله (أ) لا تكبوه لوجهه ولا ~~تلقوه لقفاه، ثم قولوا: اللهم لقنه حجته، وأصعد (ب) بروحه، ولقه منك ~~رضوانا" (¬1)، وقد روى الشافعي (¬2) عن الثقة مرفوعا إلى ابن عباس "أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - سل من قبل رأسه"، وكذا في شرح الهداية من ~~حديث ابن عمر، [وقال أبو حنيفة (¬3): بل من جهة القبلة معرضا، إذ هو أيسر ~~والجواب عنه أن إيثار السنة أولى] (ب). # 437 - وعن ابن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~قال: "إذا وضعتم موتاكم في القبور فقولوا: بسم الله، وعلى ملة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -". أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان ~~وأعله الدارقطني بالوقف (¬4). PageV04P223 # الحديث رجع الدارقطني وقبله النسائي وقفه على ابن عمر، وقد رواه ابن حبان ~~من حديث قتادة مرفوعا، وقد أخرجه من ms0690 حديث بن عمر ابن ماجه بإسناد (¬1) ضعيف ~~وعن عبد الرحمن بن العلاء (أ) بن اللجلاج عن أبيه قال: قال: قال لي ~~اللجلاج: يا بني إذا مت فألحدني، فإذا وضعتني في لحدي، فقل: بسم الله، وعلى ~~ملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم شن (ب) علي التراب شنا، ثم اقرأ ~~عند رأسي بفاتحة البقرة وخاتمتها، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول ذلك (¬2). وأخرج الطبراني من (ج) حديث البياض رفعه، الميت إذا ~~وضح في قبره فليقل الذين يضعونه حين يوضع في اللحد بسم الله وبالله، وعلى ~~ملة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. رواه الحاكم (¬3)، وأخرج عن أبي ~~(¬4) أمامة أيضا PageV04P224 # والبيهقي وسنده ضعيف (¬1)، ولفظه: لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله في ~~القبر قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ~~ومنها نخرجكم تارة أخرى} بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -" واستحسن الشافعي (¬2) رحمه الله أن يقول الذين ~~يدخلون الميت القبر: إللهم سلمه إليك الأشحاء من ولده وأهله وقرابته ~~وإخوانه وفارق ما كان يحب قربه وجرج من سعة الدنيا والحياة إلى ظلمة القبر ~~وضيقه ونزل بك وأنت خير منزول به فإن عاقبته فبذنبه، وإن عفوت عنه فأنت أهل ~~العفو، وأنت غني عن عذابه، وهو فقير إلى رحمتك، اللهم اشكر حسنته واغفر ~~سيئته، وأعذه من عذاب القبر، واجمع له برحمتك (أ) الغابرين، وارفعه في ~~عليين، وعد عليه بفضل رحمتك يا أرحم الراحمين. # 438 - وعن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "كسر عظم الميت ككسره حيا". رواه أبو داود بإسناد على شرط مسلم (¬3) PageV04P225 # وزاد ابن ماجه من حديث أم سلمة: "في الإثم" (¬1) فيه دلالة على وجوب ~~احترام الميت كما يحترم الحي. وفي زيادة قوله: "من الإثم" رافع (أ) لما ~~يفهم من عموم التشبيه من وجوب الضمان، وأن ذلك الحكم إنما هو لأجل ما يتضمن ~~من إهانة الميت وعدم المبالاة به، فاستحق الإثم دون الضمان، ms0691 والله أعلم. # 439 - وعن سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - قال: "الحدوا لي لحدا، ~~وانصبوا على اللبن نصبا كما صنع برسول (ب) الله - صلى الله عليه وسلم -". ~~رواه (¬2) مسلم وللبيهقي (¬3) عن جابر نحوه وزاد: "ورفع قبره على الأض قدر ~~شبر". وصحه ابن حبان. ولمسلم عنه: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يجصص القبر وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه" (¬4). # حديث سعد قاله لما قيل له: ألا نتخذ لك شيئا كأنه الصندوق من الخشب؟ ~~فقال: بل اصنعوا. فذكره. # وحديث جابر أخرجه البيهقي من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عنه (ج) وفيه ~~"ورفع قبره ... " لخ. PageV04P226 # وقوله: "الحدوا" هو بوصل الهمزة وفتح الحاء، ويجوز القطع وكسر الحاء ~~يقال: لحد يلحد كذهب يذهب، وألحد يلحد إذا حفر اللحد، واللحد بفتح اللام ~~وضمها وهو الحفر تحت الجانب القبلي من القبر. وقوله: "كما صنع برسول الله ~~(أ) - صلى الله عليه وسلم -" فيه دلالة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ألحد له، وقد ورد أيضا من حديث ابن عمر عند أحمد (¬1)، وفيه عبد الله (¬2) ~~العمرى، وعند ابن أبي شيبة (¬3) من طريق مالك وزيادة (ب) ولأبي بكر وعمر، ~~ومن حديث جابر عند ابن شاهين في الناسخ، ومن حديث بريدة عند ابن عدي (¬4) ~~في الكامل، ومن حديث أنس (¬5) عند أحمد وابن ماجه، وإسناده حسن، أنه كان ~~بالمدينة رجلان، رجل يلحد ورجل يشق، فبعث الصحابة في طلبهما، وقالوا: أيهما ~~جاء أولا عمل عمله لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فجاء الذي يلحد فلحد ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومثله من حديث ابن عباس (¬6) عند أحمد ~~والترمذي، وبين أن الذي كان يضرح هو أبو عبيدة وأن (ج) الذي كان يلحد هو ~~أبو طلحة الأنصاري، وفي إسناده ضعف، وفي حديثه PageV04P227 # أيضا أن أبا عبيدة كان يضرح لأهل مكة وأبو طلحة (أ) يلحد لأهل المدينة، ~~والضرح هو الشق في وسط القبر، وقد روي من حديث عائشة أيضا قبل مثل حديث ~~(¬1) أنس عند ابن ماجه، وإسناده ضعيف (¬2). # وفيه دلالة ms0692 على أن اللحد أفضل إلا إذا دعت إليه الحاجة كأن يكون في الأرض ~~رخاوة فلا بأس بالشق. [أو كان عدد اللبن التي نصبت عليه في قبره تسع لبنات ~~كذا ذكره السهيلي] (¬3) (ب). # وقوله: "ورفع قبره على الأرض قدر شبر" أخرجه (¬4) البيهقي وابن حبان من ~~حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر، ورواه البيهقي (¬5) من وجه آخر مرسلا ~~ليس فيه جابر. وفي الباب من حديث القاسم بن محمد قال: دخلت على عائشة - رضي ~~الله عنها - فقلت: يا أماه، اكشفي لي عن قبر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وصاحبيه، فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة، ولا لاطية مبطوحة ببطحاء ~~العرصة الحمراء أخرجه أبو داود (¬6) والحاكم. وزاد: ورأيت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - مقدما، وأبو بكر رأسه بين كتفي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وعمر PageV04P228 # رأسه عند رجل (أ) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأخرج أبو داود (¬1) ~~في المراسيل من حديث صالح بن أبي صالح قال: رأيت قبر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - شبرا أو نحو شبر. ولا يعارض هذا ما (ب) أخرجه البخاري (¬2) من ~~حديث سفيان التمار: أنه رأى قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مسنما أي ~~مرتفعا بأن يجعل كهيئة السنام، ورواه ابن أبي شيبة (¬3)، وزاد: وكذا قبر ~~أبي بكر وقبر عمر، لإمكان الجمع بما قال البيهقي (¬4): إنه كان أولا سطحا ~~كما قال القاسم ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد بن عبد الملك أصلح فجعل مسنما. # فائدة: روي أنه - صلى الله عليه وسلم - دفنه علي والعباس وأسامة وغسلوه. ~~كذلك أخرجه أبو داود من حديث الشعبي قال: وحدثني مرحب أنهم أدخلوا معهم عبد ~~الرحمن بن عوف كأني أنظر إليهم أربعة، وفي رواية البيهقي (¬5) عن علي - رضي ~~الله عنه - أربعة: علي والعباس والفضل وصالح، وهو شقران، وفي رواية ابن ~~حبان في صحيحه عن ابن عباس: العباس وعلي والفضل وسوى لحده رجل من الأنصار، ~~وهو الذي سوى لحود الأنصار يوم بدر (¬6). وفي رواية ابن ماجه (¬7) والبيهقي ms0693 ~~من حديث ابن عباس، علي والفضل وقثم PageV04P229 # وشقران، ونزل معهم خولي، ويجمع بين الروايات بأن كل واحد روى ما رأى، فمن ~~نقص أراد به أول الأمر ومن زاد أراد به آخر الأمر. # وكان وفاته - صلى الله عليه وسلم - يوم الاثنين (¬1) عند أن زاغت الشمس ~~لاثنتي عشرة ليلة خلت من ربيع الأول، ودفن يوم الثلاثاء، كما أخرجه مالك في ~~الموطأ (¬2)، وقال جماعة: ليلة الأربعاء. # وقوله: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يجصص القبر .. " إلخ، ~~التجصيص هو التقصيص بالقاف، والقصة (¬3) بفتح القاف والصاد المهملة ~~المشددة، والحديث فيه دلالة على النهي عن التجصيص للقبر والبناء عليه (أ) ~~والقعود عليه، وهذا مذهب جمهور (ب) العلماء ومنهم الشافعي (¬4)، إلا أنهم ~~حملوا PageV04P230 # النهي عن التجصيص والبناء، على التنزيه، والنهي عن القعود على التحريم، ~~وفيه جمع بين الحقيقة والمجازه وحمل مالك (¬1) القعود هنا على قضاء الحدث ~~وهو مردود بالرواية الأخرى في قوله: "لا تجلسوا على القبور": رواها مسلم ~~(¬2)، وكذا قوله: "لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير ~~من أن يجلس على قبر" (¬3) فهذا ظاهر في الجلوس ولا يكنى بالجلوس عن قضاء ~~الحاجة كما يكنى بالقعود، ويقاس على الجلوس الاستناد إليه والاتكاء عليه، ~~والعلة في ذلك هو احترام قبر المسلم. # والتجصيص للقبر مكروه صرح بذلك أصحاب الشافعي (¬4) وغيرهم، وأما البناء ~~على القبر فإن كان في مقبرة مسبلة، وشغلت العمارة فوق ما يشغل محل الدفن ~~فلا كلام في تحريم ذلك، وإن لم تشغل أو كان في الملك أو المباح فقال الإمام ~~(¬5) يحيى: إنه لا بأس بذلك. وباتخاذ القباب على الفضلاء لإجماع المسلمين ~~(¬6) على وضع ذلك، وقال الشافعي في الأم (¬7): رأيت الأئمة بمكة يأمرون ~~بهدم ما يبنى، وقال أيضا (¬8): أكره أن يعظم PageV04P231 # مخلوق حتى يجعل قبره مسجدا مخافة الفتنة، وفي الباب أحاديث عن أبي هريرة ~~(¬1) أن (أ) النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "قاتل الله اليهود اتخذوا ~~قبور أنبيائهم مساجد" متفق عليه، وعن ابن عباس (¬2) -رضي الله عنه- قال: ~~"لعن رسول الله - صلى الله عليه ms0694 وسلم - زائرات القبور والمتخذين عليها ~~المساجد والسرج". رواه أبو داود والترمذي والنسائي، وفي لفظ للترمذي (¬3) ~~(ب): "نهي أن تجصص القبور، وأن يكتب عليها، وأن يبنى عليها وأن توطأ"، وفي ~~لفظ للنسائي (¬4): "نهى أن يبنى على القبر أو يزاد عليه أو يجصص أو يكتب ~~عليه"، وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في مرضه الذي لم يقم منه: "لعن الله اليهود والنصاري اتخذوا قبور ~~أنبيائهم مساجد". لولا ذلك أبرز قبره غير أنه خشي أو خشى أن يتخذ مسجدا. ~~أخرجه (¬5) البخاري. وظاهر هذه الأخبار المقترنة باللعن والتشبيه بالوثن في ~~قوله: "لا تتخذوا قبري وثنا يعبد من دون الله"، التحريم للعمارة والتزيين ~~(ج) والتجصيص ووضع الصندوق المزخرف ووضع الستائر على القبر وعلى سمائه، ~~والتمسح (د) بجدار القبر، وأن ذلك قد يفضي مع بعد العهد وفشو الجهل إلى ما ~~كان عليه الأم السابقة من عبادة الأوثان، فكان (ه) في المنع من ذلك بالكلية ~~قطع لهذه PageV04P232 # الذريعة المفضية إلى الفساد، وهو المناسب للحكم المعتبر في شرع الأحكام، ~~من جلب المصالح ودفع المفاسد سواء كانت بنفسها، أو باعتبار ما تفضي إليه، ~~والله أعلم. # 440 - وعن عامر بن ربيعة: "أن النبي، - صلى الله عليه وسلم - صلى على ~~عثمان بن مظعون وأتى القبر فحثى عليه ثلاث حثيات وهو قائم". رواه الدارقطني ~~(¬1) وأخرجه البزار أيضا ولفظه: "رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - حين ~~دفن عثمان بن مظعون صلى عليه، وكبر عليه أربعا، وحثى على قبره بيديه ثلاث ~~حثيات من التراب وهو قائم عند رأسه (¬2) "، وزاد البزار: "فأمر فرش عليه ~~الماء"، وقد روي الشافعي (¬3) من حديث إبراهيم بن محمد عن جعفر بن محمد عن ~~أبيه مرسلا، وروى أبو داود في المراسيل (¬4): أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - "حثى في (أ) قبر ثلاثا"، وهو من طريق أبي المنذر قال أبو حاتم (¬5) ~~فيه: هو مجهول، وقد ورد في الحثي على القبر أيضا عن أبي أمامة قال: توفي ~~رجل فلم يصب له حسنة إلا ثلاث حثيات حثاها ms0695 على قبر فغفرت (ب) له ذنوبه ~~(¬6)، وروى أبو PageV04P233 # الشيخ في مكارم الأخلاق عن أبي هريرة مرفوعا: "من حثى على مسلم احتسابا ~~كتب له بكل ثراة حسنة" (¬1)، إسناده ضعيف، وروى ابن ماجه من حديث أبي هريرة ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حثى من قبل الرأس ثلاثا (¬2) " وقال ~~أبو حاتم في العلل (¬3): هذا حديث باطل. # في الحديث دلالة على شرعية الحثي على القبر وهو يكون باليدين جميعا، ~~ويستحب أن يقول عند ذلك: منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ~~ذكره أصحاب الشافعي (¬4). وروي عن علي (¬5) - رضي الله عنه - أنه يقول: ~~"اللهم إيمانا بك وتصديقا برسلك، وإيقانا ببعثك، هذا ما وعد الله ورسوله ~~وصدق الله ورسوله". # 441 - وعن عثمان - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، إذا فرغ من دفن الميت، وقف عليه، وقال: استغفروا لأخيكم، وسلوا (أ) ~~له التثبيت فإنه الآن يسأل". رواه أبو داود وصحه الحاكم (¬6). PageV04P234 # في الحديث دلالة على أن الميت ينفعه الاستغفار والدعاء (أ) له، وأنه ~~ينتفع بما فعله (ب) الحي له، وأن له في القبر حياة يدرك بها ما يفعله الحي، ~~وقد ورد بهذا أحاديث صحيحة. # وقوله: "وسلوا (ج) له التثبيت فإنه الآن يسأل"، فيه دلالة على ثبوت سؤال ~~منكر ونكير (د) في القبر، وقد وردت به صحاح الأحاديث، واتفقت على قدر ~~مشترك، وإن اختلف في تفصيل السؤال والجواب وأخرجه البخاري في عدة مواضع في ~~كتابه بأسانيد متعددة، فمنها من (ه) حديث أنس (¬1) أنه حدثهم أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: "إن العبد إذا وضع في قبره، وتولى عنه أصحابه ~~إنه ليسمع قرع نعالهم" زاد مسلم (¬2): "إذا انصرفوا أتاه (و) ملكان" زاد ~~ابن حبان والترمذي (¬3) من حديث أبي هريرة "أزرقان أسودان، يقال لأحدهما: ~~المنكر والآخر النكير" زاد الطبراني (¬4) في الأوسط: "أعينهما (ز) مثل قدور ~~النحاس، وأنيابهما مثل صياصي البقر (¬5) وأصواتهما مثل الرعد"، زاد عبد ~~الرزاق (¬6): "يحفران بأنيابهما ويطآن في أشعارهما، معهما مرزبة لو اجتمع ~~عليها أهل أمتي لم يقلوها"، ms0696 وزاد ابن الجوزي في PageV04P235 # الموضوعات (¬1): "أن فيهم درومان وهو كبيرهم، وذكر بعض الفقهاء (¬2) أن ~~اسم اللذين يسألان المذنب منكر ونكير، وأن اسم اللذين لا يسألان المطيع بشر ~~وبشير فيقعدانه"، زاد البخاري في حديث البراء "فتعاد روحه في جسده" (¬3)، ~~وزاد ابن حبان (¬4): "فإذا كان مؤمنا كانت الصلاة عند رأسه، والزكاة عند ~~(أ) يمينه، والصوم عن شماله، وفعل المعروف من قبل رجليه، فيقال: له اجلس ~~فيجلس، وقد مثلت له الشمس عند الغروب" (ب) زاد ابن ماجه: "فيجلس ويمسح ~~عينيه، ويقول: دعوني أصلي فيقولان: ما كنت تقول في هذا الرجل لمحمد" زاد ~~أبو داود (¬5): "ما كنت تعبد؟ فإن الله هداه قال: كنت أعبد الله، فيقال له: ~~ما كنت تقول (ج) في هذا الرجل؟ ولأحمد من حديث عائشة (¬6): ما هذا الرجل ~~الذي كان فيكم؟ (فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله" (د) ولأحمد ~~من حديث أبي سعيد (¬7): "فإن كان مؤمنا قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا عبده PageV04P236 # ورسوله، فيقال له: صدقت، فلا يسأل عن شيء غيرها". وفي حديث أسماء (¬1) ~~بنت أبي بكر عند البخاري: "فأما المؤمن أو الموقن فيقول: محمد رسول الله ~~جاءنا بالبينات والهدى فأجبنا، وآمنا، واتبعناه، فيقال له. نم صالحا" وفي ~~حديث أبي (¬2) سعيد عند سعيد بن منصور" فيقال له: نم نومة عروس، فيكون في ~~أحلى نومة نامها أحد حتى يبعث" وللترمذي (¬3) في حديث أبي هريرة: "ويقال ~~له: نم فينام نومة العروس الذي لا يوقظه إلا أحب أهله حتى يبعثه الله من ~~مضجعه ذلك" ولابن ماجه، وابن حبان من حديث أبي هريرة (¬4) وأحمد من حديث ~~عائشة (¬5): "ويقال له: على اليقين كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله، ~~فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد (أ) أبدلك الله مقعدا من الجنة ~~فيراهما جميعا" وفي رواية أبي داود: (¬6) "فيقال له: هذا بيتك كان في ~~النار، ولكن الله عز وجل عصمك ورحمك، فأبدلك به بيتا في الجنة، فيقول: ~~دعوني حتى أذهب فأبشر أهلي، فيقال له: اسكن". وفي حديث أبي ms0697 سعيد عند أحمد ~~(¬7): "كان هذا منزلك لو كفرت بربك". ولابن ماجه كان حديث أبي هريرة (¬8) ~~بإسناد PageV04P237 # صحيح: "فيقال له: هل رأيت الله؟ فيقول: ما ينبغي لأحد أن يرى الله، فتفرج ~~له فرجة قبل النار فينظر إليها يحطم بعضها بعضا، فيقول: انظر إلى ما وقاك ~~الله". وللبخاري عن (¬1) أبي هريرة - رضي الله عنه -: "لا يدخل الجنة أحد ~~إلا أري مقعده من النار لو أساء ليزداد شكرا"، وذكر عكسه قال قتادة (¬2) ~~وذكر لنا أنه يفسح له في قبره. زاد (¬3) مسلم من طريق شيبان عن قتادة: ~~"سبعون ذراعا ويملأ عليه خضرا إلى يوم يبعثون". وفي حديث أبي سعيد عند أحمد ~~(¬4): "ويفسح له في قبره". ومن حديث أبي هريرة عند الترمذي وابن حبان (¬5) ~~فيفسح له في قبره سبعون ذراعا زاد ابن حبان "في سبعين ذاراعا"، وزاد من وجه ~~آخر عن أبي هريرة (¬6): "ويرحب له في قبره سبعون ذراعا، وينور له كالقمر ~~ليلة البدر" وفي حديث البراء (¬7) الطويل: "فينادي مناد (أ) من السماء: أن ~~صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وافتحوا له بابا في الجنة، وألبسوه من الجنة ~~قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له فيها مد بصره" زاد ابن حبان (¬8) من ~~وجه آخر عن أبي هريرة "فيزداد غبطة وسرورا، فيعاد الجلد إلى ما بدئ منه، ~~ويجعل روحه في نسيم طائر PageV04P238 # تعلق في شجر الجنة، وأما المنافق والكافر (أ) " وفي رواية للبخاري (¬1): ~~وأما الكافر، أو المنافق بالشك. وفي رواية أبي داود: "إن الكافر إذا وضع"، ~~وكذا لابن حبان (¬2) من حديث أبي هريرة، وكذا في حديث البراء (¬3) الطويل، ~~وفي حديث أبي سعيد (¬4) عند أحمد: "وإن كان كافرا، أو منافقا" بالشك. وله ~~من حديث أسماء (¬5): "فإن كان فاجرا أو كافرا". وفي الصحيحين (¬6) من ~~حديثها: "وأما المنافق والمرتاب". ومن حديث جابر عن عبد الرزاق وحديث أبي ~~هريرة عند الترمذي (¬7): "وأما المنافق". وفي حديث عائشة عند أحمد وأبي ~~هريرة (¬8) عند ابن ماجه (ب): "وأما الرجل السوء"، وللطبراني من حديث أبي ~~هريرة (¬9) "وإن كان من أهل الشك"، فاختلفت هذه الروايات، وهي ms0698 مجتمعة على ~~أن كلا من الكافر والمنافق يسأل. وفيه رد على من زعم أن السؤال إنما يقع ~~على من يدعى الإيمان إن (ج) محقا وإن PageV04P239 # مبطلا ومستندهم في ذلك ما رواه عبد الرزاق (¬1) من طريق عبيد بن عمير أحد ~~كبار التابعين -قال: إنما يفتن رجلان- مؤمن ومنافق، وأما الكافر فلا يسأل ~~عن محمد ولا يعرفه، وهو موقوف، والأحاديث الماضية على أن الكافر يسأل ~~مرفوعة مع كثرة طرقها الصحيحة، فهي أولى بالقبول، وجزم الحكيم الترمذي (¬2) ~~بأن الكافر يسأل، واختلف في الطفل غير الخير، فجزم القرطبي في التذكرة (¬3) ~~بأنه يسأل، وهو منقول عن الحنفية، وجزم غير واحد من الشافعية بأنه لا يسأل، ~~ولذلك (أ) قالوا: لا يستحب أن يلقن (¬4)، واختلف أيضا في النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - هل يسأل؟، وأما الملك فلا نعرف أن أحدا قال: إنه يسأل، والذي ~~يظهر أنه لا يسأل؛ لأن السؤال إنما يكون لمن يفتن، قال ابن عبد البر (¬5): ~~الآثار تدل على أن الفتنة لمن كان من أهل القبلة، ورد عليه ابن القيم في ~~كتاب الروح (¬6) بقوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت} (¬7) ~~الآية، وفي حديث أنس (¬8) في البخاري" PageV04P240 # "وأما المنافق والكافر" بواو العطف وفي حديث أبي سعيد (¬1): "فإن كان ~~مؤمنا" فذكره (أ) وفيه: "وإن كان كافرا"، وفي حديث البراء "وإن الكافر إذا ~~كان في انقطاع من الدنيا" فذكره فيه "فيأتيه منكر ونكير .. " الحديث، أخرجه ~~(¬2) أحمد: "فيقول: لا أدري"، وفي حديث البراء (¬3) زيادة: "فيقول: هاه هاه ~~لا أدري، فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولون له: ما ~~دينك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري، فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ ~~فيقول: هاه هاه لا أدري"، وهو أتم الأحاديث سياقا (¬4). # "كنت أقول ما يقول الناس"، وفي حديث أسماء (¬5): "سمعت الناس يقولون شيئا ~~فقلته". وكذا في أكثر الأحاديث. "فيقال: لا دريت ولا تليت" (¬6)، ومعنى ~~تليت: تلوت من تلوت القرآن فأبدلت الواو ياء تباعا (ب)، والمعنى: لا فهمت ~~ولا اتبعت من يفهم، ووقع عند أحمد (¬7) من حديث ms0699 أبي سعيد: "لا دريث ولا ~~اهتديت" وفي مرسل عبيد بن عمير عند عبد الرزاق (¬8): "لا دريت ولا أفلحت، ~~ويضرب بمطارق من حديد ضربة"، PageV04P241 # وقع في رواية للبخاري (¬1) بلفظ الإفراد، ويمكن الجمع بأنه عبر عن المفرد ~~بالجمع، إيذانا بأن كلا من أجزائها مطرقة من المطارق، مبالغة. وفي حديث ~~(¬2) البراء زيادة: "لو ضرب بها جبل لصار ترابا، فيصيح صيحة يسمعها من يليه ~~غير الثقلين". وفي حديث (أ) البراء (¬3): "يسمعها ما بين المشرق والمغرب"، ~~وفي حديث أبي سعيد (¬4) عند أحمد: "يسمعه خلق الله كلهم غير الثقلين"، ~~وظاهر هذا شمول الحيوان والجماد، إلا أنه ورد في حديث أبي هريرة (¬5) عند ~~البزار (ب): "يسمعه كل دابة إلا الثقلين" ففيه التقييد لما أطلق ويسمى الجن ~~والإنس بالثقل لثقلهم على الأرض، والحكمة في عدم إسماعهما: إخفاء الله ~~أحوال الآخرة عن المكلفين إلا من شاء إبقاء عليهم ولسر (ج) التكليف. # واعلم أنه (د) قد وردت أحاديث تدل على اختصاص هذه الأمة بالمسألة، وأن أم ~~الأنبياء المتقدمين لا يكون لهم هذا الامتحان، وهو ما في حديث زيد بن ثابت ~~أن هذه (ه) تبتلى في قبورها، أخرجه مسلم (¬6)، ومثله عند PageV04P242 # أحمد (¬1) من حديث أبي سعيد ومن حديث عائشة (¬2): "و (أ) أما فتنة القبر، ~~فبي يفتنون، وعني يسألون" وجزم بهذا الحكيم الترمذي (¬3) وقال: السر فيه أن ~~الأم السالفة كانت تأتيهم الرسل، فإن أطاعوا فذاك، وإن أبوا (ب) اعتزلوهم، ~~وعوجلوا بالعذاب، فلما أرسل الله محمدا رحمة للعالمين أمسك عنهم العذاب ~~وقبل الإسلام ممن أظهره سواء أخلصه أم لا، فلما ماتوا قيض الله لهم فتاني ~~القبور لتستخرج سرهم بالسؤال، وليميز الله الخبيث من الطيب ويثبت الله ~~الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله ~~الظالمين. وجنح ابن القيم (¬4) إلى عموم المسألة، وقال: ليس في الأحاديث ما ~~يدل على الاختصاص، وإنما أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بكيفية (ج) ~~امتحانهم لا باختصاصهم، قال: والذي يظهر أن كل نبي مع أمته كذلك، فيعذب ~~كفارهم في قبورهم بعد سؤالهم كما يعذبون في الآخرة ms0700 بعد سؤالهم وإقامة الحجة ~~عليهم وحكى في مسألة الأطفال (¬5) احتمالا، والظاهر أن ذلك لايمتنع في حق ~~الخير (د) دون غيره وقد PageV04P243 # خالف في إثبات المسألة في القبر بعض العلماء، وقال: إنه يلزم من ذلك ~~الحياة في القبر، فيكون الإنسان قد أحيي ثلاث مرات، وأميت ثلاث مرات، وهو ~~خلاف قوله تعالى: {قالوا (أ) ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين} (¬1) ~~والجواب: بأن (ب) الحياة في القبر ليست حياة مستقرة تقوم فيها الروح بالبدن ~~بالتصرف والتدبير ويحتاج فيها إلى ما يحتاج إليه الحي فلم يعد حينئذ، وأريد ~~بما في الآية الحياة المعتد بها الكاملة المقصودة، وهذه إنما قصدت لمجرد ~~الامتحان، (كما أحيي خلق لكثير (ج) من الأنبياء لمساءلتهم لهم عن أشياء ثم ~~عادوا موتى) (د). # وفي الحديث الذي ذكرناه (ه) في كيفية المسألة دلالة على إثبات عذاب القبر ~~فهذا (و) في حق الكافر وحديث: "وما يعذبان في كبير" (¬2) يدل أيضا علي ~~تعذيب من شاء الله تعالى ذلك في حقه من الموحدين، وقد ثبت ذلك في أحاديث ~~كثيرة، منها عن أبي هريرة وابن عباس وأبي أيوب وسعد وزيد بن الأرقم وأم ~~خالد في الصحيحين أو أحدهما، وعن جابر عند ابن ماجه وأبي سعيد عند ابن ~~مردويه، وعمر وعبد الرحمن وعبد الله بن عمرو عند أبي داود، وابن مسعود عند ~~الطحاوي، وأبي بكرة عند النسائي، PageV04P244 # وأسماء بنت زيد عند النسائي أيضا و (أ) أم ميسرة عند ابن أبي شيبة ~~وغيرهم. # 442 - وعن ضمرة بن حبيب -أحد التابعين- قال: "كانوا يستحبون إذا سوي على ~~الميت قبره، وانصرف الناس عنه، أن يقال عند قبره: يا فلان قل: لا إله إلا ~~الله، ثلاث مرات. يا فلان قل: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد". رواه ~~سعيد بن منصور موقوفا. # وللطبراني نحوه من حديث أبي أمامة مرفوعا موصولا (¬1). # ضمرة بن حبيب الحمصي (ب) تابعي ثقة، روي عن شداد بن أوس وأبي أمامة ~~وجماعة. # قوله: كانوا يستحبون، ظاهره أن المستحب لذلك الصحابة الذين أدرك عصرهم ~~وأن ذلك سنة مألوفة غير متحتمة، بل مختار ms0701 موسع في تركه (¬2). # وحديث أبي أمامة رواه سعيد الأزدي وقد بيض له أبو حاتم، ولكن له شواهد ~~ولفظه: قال أبو أمامة: إذا أنا مت فاصنعوا بي كما أمرنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن نصنع بموتانا، أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: "إذا مات أحد من إخوانكم فسويتم التراب على قبره، فليقم أحدكم على ~~رأس قبره، ثم ليقل: يا فلان ابن فلانة فإنه يسمعه، ولا يجيب، ثم يقول: يا ~~فلان ابن فلانة، فإنه يستوي قاعدا، ثم يقول: يا فلان ابن فلانة فإنه يقول: ~~أرشدنا يرحمك الله، ولكن لا تشعرون، فليقل: اذكر ما خرجت عليه من PageV04P245 # الدنيا، شهادة أن لا (أ) إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأنك رضيت ~~بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن إماما، فإن منكرا ونكيرا ~~يأخذ كل واحد منهما بيد صاحبه، ويقول: انطلق بنا، ما يقعدنا عند من قد لقن ~~حجته؟ فقال رجل: يا رسول الله! فإن لم يعرف أمه؟ قال (ب) ينسبه إلى أمه ~~حواء (ج يا فلان ابن حواء ج) " وهذا الحديث إسناده صالح، وقد قواه (¬1) ~~الضياء في أحكامه وأخرجه عبد العزيز من الحنابلة في الشافعي، وهو أيضا ~~متأيد بحديث عثمان الذي، فإن قوله: "سلوا (د) له التثبيت"، إشارة إلى هذا ~~المعنى، وأخرج (ه) أيضا الطبراني (¬2) من حديث الحكم بن الحارث السلمي أنه ~~قال لهم: إذا دفنتموني، ورششتم على قبري الماء فقوموا على قبري واستقبلوا ~~القبلة وادعوا لي، وقد تقدم في دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~الدفن (¬3)، أنه قام إلى (و) جانب القبر، ثم قال: "اللهم جاف الأرض عن ~~جنبيها، وصعد روحها، ولقها منك رضوانا". # وفي صحيح مسلم (¬4) أن عمرو بن العاص قال لهم: إذا دفنتموني PageV04P246 # أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها حتى أستأنس بكم، وأعلم ~~ماذا أراجع رسل (أ) ربي. # و (ب) قال الأثرم: قلت لأحمد: هذا الذي يصنعونه إذا دفن (ب) الميت، يقف ~~الرجل ويقول (د): يا فلان ابن فلانة .. قال (ه): ما ms0702 رأيت أحدا يفعله إلا ~~أهل الشام حين مات أبو المغيرة يروي فيه عن أبي بكر بن أبي مريم عن أشياخهم ~~أنهم كانوا يفعلونه، وكان إسماعيل بن عياش يشير (و) إلى حديث أبي أمامة ~~(¬1)، وقد ذهب إلى العمل بهذا أصحاب الشافعي (¬2)، فصرح في عجالة المنهاج ~~بقوله: ويسن أن يقف جماعة بعد دفنه عند قبره ساعة يسألون له التثبيت ~~للاتباع ويستحب تلقينه عند دفنه أيضا. # والظاهر أن الوقوف مجمع على شرعيته، والتلقين فيه خلاف. # 443 - وعن بريدة بن الحصيب الأسلمي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "نهيتكم عن زيارة القبور، فزوروها". رواه مسلم (¬3). PageV04P247 # زاد الترمذي: "فإنها تذكر الآخرة". # زاد ابن ماجه من حديث ابن مسعود: "وتزهد في الدنيا" (¬1). # وفي الباب أيضا عن أبي هريرة (¬2) رواه مسلم بلفظ: "استأذنت ربي أن أزور ~~قبر أمي فأذن لي، فزوروا القبور، فإنها تذكركم الموت". ورواه الحاكم وابن ~~ماجه مختصرا وعن ابن مسعود رواه ابن ماجه، والحاكم، وعن أبي سعيد (¬3) رواه ~~الشافعي وأحمد، والحاكم ولفظه "فإنها عبرة"، ولفظ الحاكم: "كنت نهيتكم عن ~~زيارة القبور، ثم بدا لي أنها ترق القلب، وتدمع العين، وتذكر الآخرة ~~فزوروها، ولا تقولوا: هجرا"، وعن علي بن أبي طالب رواه أحمد (¬4)، وعن ~~عائشة: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رخص في زيارة القبور" رواه ابن ~~ماجه (¬5). # الحديث فيه دلالة على استحباب زيارة القبور للرجال، لأن الخطاب لهم، ~~والظاهر أنه مجمع عليه (¬6)، وأن الأمر ليس للوجوب، وهذا الحديث من ~~الأحاديث التي جمعت بين الناسخ والمنسوخ، وفي قصة زيارته - صلى الله عليه ~~وسلم - PageV04P248 # لقبر أمه دلالة على تأكيد (أ) زيارة الوالدين في الحياة وبعد الوفاة، ولو ~~كانا كافرين، وأن ذلك من المصاحبة لهما في الدنيا معروفا، ولذلك منع (ب) ~~الاستغفار لهما. # وفي قوله: "فإنها (ج) تذكر الآخرة" إشعار بأن الحكمة في شرعية الزيارة ~~إنما هو الاعتبار والاستبصار بمثل من خلا قبله. # وقوله: "وتزهد في الدنيا كذلك"، فإن من علم بحقيقة الأمر استقرب مفاجأة ~~الرحلة عن الدنيا فرفضها، ولم يطمئن إلى شيء من زينتها ms0703 ومتاعها الحقير. # 444 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: "أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لعن زائرات القبور". أخرجه الترمذي، وصححه ابن حبان، وأخرجه أحمد ~~وابن ماجه (¬1). # وفي الباب أيضا من حديث حسان (¬2) رواه أحمد وابن ماجه (د والحاكم، ومن ~~(ه) حديث ابن عباس (¬3) رواه أحمد وأصحاب السنن والبزار وابن حبان د) ~~والحاكم. PageV04P249 # والحديث يدل على تحريم زيارة النساء للقبور، وفي ذلك ثلاثة أقوال: ~~التحريم عليهن لهذا، والإباحة، والكراهة، ولعله يحمل هذا (أ) على صحة ~~زيارتها المتعرض (ب) لفعل محرم، كمن تبرجت بالزينة، أو ناحت على القبر، أو ~~أنه منسوخ، ويدل على ذلك ما أخرجه مسلم عن عائشة (¬1) قالت: كيف أقول يا ~~رسول؟ تعني إذا زارت القبور، قال: "قولي: السلام على أهل الديار (من ~~المؤمنين والمسلمين) (ج) ويرحم الله المتقدمين منا والمتأخرين، وإنا إن شاء ~~الله بكم للاحقون"، وما أخرجه الحاكم (¬2) من حديث علي بن الحسين - رضي ~~الله عنه -: أن فاطمة - رضي الله عنها - بنت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كانت تزور قبر عمها حمزة كل جمعة، فتصلي وتبكي عنده وعموم قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من زار قبر أبويه أو أحدهما في كل جمعة غفر له، وكتب برا" ~~رواه البيهقي في شعب الإيمان (¬3) مرسلا، وكذا الحديث الأول، "كنت نهيتكم"، ~~فإنه كان كان الخطاب لمذكرين فهو كثير ما يغلب على الإناث بقرينة، والله ~~أعلم. PageV04P250 # 445 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "لعن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - النائحة والمستمعة" أخرجه أبو داود (¬1). # وعن أم عطية قالت: "أخذ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا ~~ننوح" متفق عليه (¬2). # النوح: هو رفع الصوت بتعديد شمائل الميت ومعاظم أفعاله. # وقول أم عطية: أخذ علينا .. إلخ (أ) كان الأخذ في وقت المبايعة للإسلام. # وفي الحديث دلالة على تحريم النياحة والاستماع لها، إذ اللعن إنما يكون ~~على فعل محرم، وفي الباب أحاديث عن ابن مسعود قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق ms0704 الجيوب، ودعا بدعوى ~~الجاهلية" متفق عليه (¬3). وفي أبي بردة قال: أغمى على أبي موسى، فأقبلت ~~امرأته أم عبد الله تصيح برنة، ثم أفاق فقال. ألم تعلمي -وكان يحدثها-: أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أنا بريء ممن حلق وصلق وخرق" PageV04P251 # متفق عليه (¬1). وعن أبي مالك الأشعري (¬2) قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "أربع في أمتي من الجاهلية لا يتركونهن: الفخر في ~~الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة" (أوقال: ~~النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ~~ودرع أ) من جرب (ب أي عصب ب)، وقد عورض هذا النهي بما أخرجه أحمد وابن ماجه ~~وصححه الحاكم من طريق أسامة بن زيد عن نافع عن ابن عمر (¬3): أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - مر بنساء بني عبد الأشهل يبكين هلكاهن يوم أحد ~~فقال: "لكن حمزة لا بواكي له" فجاء نساء الأنصار يبكين حمزة فاستيقظ رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ثم قال: "مروهن فلينتقلن ولا يبكين على هالك ~~بعد اليوم"، وله شاهد أخرجه عبد الرزاق (¬4) من طريق عكرمة، وأخرج النسائي ~~(¬5) عن أبي هريرة قال: مات ميت من آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فاجتمع النساء يبكين عليه، فقام عمر ينهاهن ويطردهن، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "دعهن يا عمر فإن العين دامعة، والقلب مصاب، والعهد ~~قريب" والميت هي زينب صرح به PageV04P252 # في حديث ابن عباس قال (أ): ماتت زينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فبكت النساء فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخره رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بيده وقال: "مهلا يا عمر" ثم قال (ب): "إياكن ونعيق الشيطان"، ثم ~~قال: "إنه مهما كان من العين ومن القلب فمن الله عز وجل، ومن الرحمة، وما ~~كان من اليد ومن اللسان فمن الشيطان" رواه أحمد (¬1)، والنعيق في الأصل: من ~~نعق الراعي بالغنم إذا دعاها لتعود إليه. فهذا فيه دليل على جواز البكاء، ~~وظاهره ولو كان على جهة النياحة، ms0705 وهو ظاهر في قصة حمزة رضي الله عنه ولكن ~~فيه دلالة على الخصوص فلا معارضة، وحديث أبي هريرة منسوخ بالنهي عنه، كما ~~في حديث عائشة (¬2) - رضي الله عنها - قالت: لما جاء النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قتل ابن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس يعرف فيه الحزن، وأنا أنظر من ~~صاير (ج) الباب -يعني شق الباب- فأتاه رجل فقال: إن نساء جعفر -وذكر ~~بكاءهن- فأمره أن ينهاهن فذهب، ثم أتاه (د) الثانية لم يطعنه (ه فقال: ~~إنهضن ه)، فأتاه الثالثة (و) قال: والله غلبتنا يا رسول الله فزعمت أنه ~~قال: "فأحث (ز) في أفواههن التراب"، فقلت: أرغم الله أنفك إن لم تفعل ما ~~أمرك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم تترك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - من العناء. متفق عليه. وهذا PageV04P253 # في قصة موته، وهي في شهر جمادي سنة ثمان وهو متأخر، فيكون ناسخا، ولكن ~~موت زينب أيضا في أول سنة ثمان، ولعله يقال: إن النهي هذا ظاهره الكراهة؛ ~~إذ لو كان للتحريم لبادر النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى إزالة (ذلك ~~المنكر) (أ)، ولم يرخص له في الثلاث المرات، ولكن الكراهة شديدة حسما ~~لذريعة (ب) إظهار الجزع، وعدم الرضا بالقضاء، والله سبحانه أعلم. # وقد أشار إلى ذلك البخاري (¬1) فقال: باب ما يكره من النياحة، وظاهر "من" ~~التبعيض وأورد بعده: وقال عمر (1): دعهن يبكين على أبي سليمان -يعني خالدا- ~~ما لم يكن نقع أو لقلقة. والنقع: التراب على الرأس، واللقلقة: الصوت. # وأخرج أيضا من حديث عبد الله بن عمر (¬2): "إن الله (ج) لا يعذب بدمع ~~العين، ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا، وأشار إلى لسانه، أو يرحم (¬3)، ~~فقوله: يعذب أو يرحم" يحتمل أنه للتنويع بمعنى يعذب ببعض ويرحم بنوع فلا ~~يعذب به، ونقل ابن قدامة (¬4) عن أحمد أن بعض النياحة لا يحرم، ويزيده (د) ~~بيانا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ~~ودعا بدعوى الجاهلية"، وهي النياحة بالويل ونحوه، ولا يكون منهم ذلك إلا ~~سخطا بالقضاء. PageV04P254 # 446 ms0706 - وعن عمر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"الميت يعذب في قبره بما نيح عليه" متفق عليه (¬1). # ولهما نحوه عن المغيرة بن شعبة (¬2). # الحديث أخرجه أيضا (أ) الشيخان من حديث ابن عمر (¬3) بلفظ: "إن الميت ~~ليعذب ببكاء أهله عليه" ولمسلم أن ابن عمر قال لحفصة: أما علمت أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "المعول عليه يعذب في القبر" زاد ابن ~~حبان (¬4): وقالت بلى، والمعول -بضم الميم وسكون العين وكسر الواو- اسم ~~فاعل من أعول يعول: إذا رفع صوته بالبكاء، وهو العويل، ومن شدده أخطأ. # وحديث المغيرة بلفظ: "من نيح عليه فإنه يعذب بما نيح عليه (ب يوم ~~القيامة" لفظ مسلم (¬5). ولفظ البخاري (¬6): "من نيح عليه يعذب بما نيح ~~عليه ب)، وأخرج البزار (¬7) من حديث عائشة عن أبي بكر: سمعت PageV04P255 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الميت ينضخ عليه بالحميم ببكاء ~~الحي عليه"، وفي إسناده ابن زبالة (¬1)، قال البزار: لين الحديث وكذبه غيره. # وأخرج (أ) أحمد (¬2) من طريق موسى بن أبي موسى الأشعري عن أبيه مرفوعا: ~~"الميت يعذب ببكاء الحي إذا (ب) قالت الجماعة. واعضداه، وأناصراه وأكاسياه ~~.. جبذ الميت وقيل له: أنت كذلك؟ " ولابن ماجه (¬3) نحوه، ورواه الترمذي ~~بلفظ: "ما من ميت يموت فيقوم (ج) باكيهم: في الترمذي فيقون باكيه فيقول: ~~واجبلاه! واسنداه! ونحوه -إلا ويلزمه ملكان يلهزانه أهكذا أنت؟ " (¬4) ~~ورواه الحاكم وصححه، وشاهده في الصحيحين (¬5) عن النعمان بن بشير قال: أغمى ~~على عبد الله بن رواحة، فجعلت أخته تبكي وتقول: واجبلاه، واكذا، واكذ فلما ~~أفاق قال: ما قلت شيئا إلا قيل لي: أنت كذا؟ فلما مات لم تبك عليه. PageV04P256 # في الحديث دلالة على أن الميت يلحقه العذاب في القبر بسبب النياحة، وقد ~~استشكل هذا (أالحكم جماعة من السلف والخلف حتى قال عمران بن الحصين (¬1) في ~~جواب من اعترض وقال كيف يعذب ببكاء الحي؟ فقال عمران: قد قاله رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. # أخرجه ابن عبد البر من طريق ابن سيرين، ومعناه أنه قد ms0707 صح عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فوجب الإيمان به، وصح عن عائشة (¬2) إنكار ذلك على ~~عمر وابنه عبد الله محتجة بقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (¬3)، ~~وكذلك ابن عباس، وقال بعد الإنكار على ابن عمر: {وأنه هو أضحك وأبكى} (¬4)، ~~وقال أبو هريرة: "تالله لئن انطلق (رجل) (ب) مجاهد في سبيل الله فاستشهد: ~~فعمدت امرأته سفها وجهلا، فبكت عليه ليعذبن هذا الشهيد بذنب هذه السفيهة"؟ ~~(¬5) فتأول هذا الحديث جماعة بتأويلات أولها: قال البخاري (¬6) قول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه. إذا كان النوح من ~~سنته (ب) لقول الله تعالى: {قوا أنفسكم وأهليكم نارا} (¬7) وقال PageV04P257 # النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كلكم راع مسئول عن رعيته" (¬1) فإذا لم ~~يكن من سنته فهو كما قالت عائشة: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (¬2) وهو كقوله ~~تعالى: {وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء} (¬3) ثم استشهد يقول ~~النبي (أ) - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن آدم ~~الأول كفل (ب) من دمها، وذلك أنه أول من سن القتل (¬4). انتهى. وأراد ~~البخاري إثبات أن الإنسان قد يعذب بفعل (ج) غيره إذا كان له فيه تسبيب فمن ~~أثبات فهو ناظر إلى التسبيب، ومن نفى فمراده حيث لم يكن منه تسبيب، فمراده ~~فيما نحن فيه أن الميت إذا كان من عادته النياحة بأن يكون آمرا لغيره بأن ~~يفعل ذلك أو فاهما من الغير أنه يفعل ذلك ولم ينهه فقد تسبب في ذلك، وهو ~~تأويل حسن. # ثانيها: أن المعنى أنه يعذب مقارنا لابتداء بكاء أهله عليه، وذلك عقيب ~~دفنه وهذا في حق من يستحق العذاب، وهو تأويل عائشة، أن الحديث ورد في حق ~~يهودية وأخرج مسلم (¬5) من حديث عائشة: إنما قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إنه ليعذب بمعصيته أو بذنبه، كان أهله ليبكون عليه الآن"، فالأول ~~مبني على أن الحديث ورد في شخص معين، والثاني في سبب (د) معين، وفي رواية ~~ابن عباس عن ms0708 عائشة "إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء PageV04P258 # أهله عليه"، والإشكال وارد أيضا على هذه الرواية ولا يصح الجواب، بأن ~~البكاء لا يكون سببا في ابتداء العذاب، ويكون سببا في زيادته إذ لا فرق ~~بينهما من حيث إنه عذب بذنب غيره والآية واردة عليه. # ثالثها: بأنه متأول بما إذا أوصى أهله بذلك وهو أخص من جواب البخاري وقد ~~قال به المزني وإبراهيم الحربي وجماعة من الشافعية وغيرهم حتى قال أبو ~~الليث (¬1) السمرقندي: إنه قول عامة أهل العلم، وكذا نقله النووي (¬2) (أ) ~~عن الجمهور، قالوا: وكان معروفا للقدماء الوصية به حتى قال طرفة بن العبد: # إذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي على الجيب يا ابنة (ب) معبد (¬3) # ويعترض هذا بأن التعذيب يكون لأجل الوصية كان لم يبكوا عليه، وظاهر ~~الحديث أنه لا يكون التعذيب إلا عند الامتثال، ويجاب عنه بأنه ليس في ~~الحديث حصر وإنما ذكر حالة الامتثال التي هي أغلب أحوال الوصية. # رابعا: أنه يلحقه العذاب إذا لم ينه أهله ويزجرهم عن البكاء وهو قول داود ~~وطائفة، وذهب إليه ابن المرابط (¬4) قال: لأنه إذا لم يوص بترك البكاء ~~ويزجرهم عنه وقد علم من حالهم أنهم يفعلون ذلك، فقد قصر في ترك PageV04P259 # الإنكار فاستحق العقاب (أ) على فعله. # (ب) خامسها: أنه يعذب بالأفعال التي يناح بها لأنهم يمدحونه لرئاسته التي ~~جاد (ج) فيها، وشجاعته التي صرفها في غير طاعة الله، وجوده الذي لم يضعه في ~~الحق، فأهله يبكون عليه بهذه المفاخر وهي سبب لعقابه، وذهب إلي هذا ابن حزم ~~واستقواه (د) الإسماعيلي. # سادسها: أن المراد (د) بالتعذيب هو توبيخ الملائكة له إذا قيل: واعضداه ~~ونحوه كما تقدم في حديث أبي موسى ومن قصة النعمان بن بشير. # سابعها: أن المراد بالتعذيب تألم الميت بما يقع، ومن قصة النعمان أهله من ~~النياحة وغيرها، وأن ذلك يعرض على الميت، كما أخرج الطبراني من حديث أبي ~~هريرة أن أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم، ثم ساقه بإسناد صحيح، ~~ويسشتهد لهذا بحديث قيلة -بفتح القاف ms0709 وسكون الياء منقوطة باثنتين من أسفل- ~~بنت مخرمة -بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة- قالت: قلت يا رسول الله قد ~~ولدته فقاتل معك يوم الردة ثم أصابته الحمى فمات وترك علي البكاء. # فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحباه ~~في الدنيا معروفا فإذا مات استرجع؟! فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي ~~فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم". PageV04P260 # وهذا طرف من حديث حسن الإسناد أخرجه ابن أبي خيثمة وابن أبي شيبة ~~والطبراني وغيرهم، وأخرج أبو داود أطرافا منه، وذهب إلى هذا أبو جعفر ~~الطبري من المتقدمين، ورجحه ابن المرابط وعياض، ونصره ابن تيمية وجماعة من ~~المتأخرين. # قال المصنف -رحمه الله تعالى:- ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات بأنها ~~على اختلاف الأشخاص بأن يقال مثلا من كانت طريقته النوح فمشي أهله على ~~طريقته أو بالغ فأوصاهم بذلك عذب بصنيعه، ومن كان ظالما فذكرت أفعاله ~~الجائرة في (أ) النياحة عذب بها، ومن كان يعرف من أهله النياحة وأهمل نهيهم ~~عنها، فإن كان راضيا بذلك التحق (ب) بالأول، كان كان غير راض عذب بالتوبيخ ~~كيف أهمل النهي، ومن سلم من ذلك كله واحتاط فنهى أهله عن ذلك ثم فعلوه ~~وخالفوه كان تعذيبه مرادا به تألمه (ج) لما يراه منهم من مخالفة أمره، ~~وإقدامهم على معصية ربهم. انتهى. # وحكى الكرماني (¬1) تفصيلا آخر وحسنه، وهو التفرقة بين حال البرزخ وحال ~~يوم القيامة، فيحمل قوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (¬2) على يوم ~~القيامة. وهذا الحديث وما أشبهه على البرزخ وأن أعمال البرزخ PageV04P261 # تلحق بأعمال الدنيا، وقد جرى التعذيب في (أ) الدنيا بذنب الغير، وإليه ~~الإشارة (ب) بقوله تعالى: {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} ~~(¬1) فإنها دالة على جواز وقوع التعذيب بالدنيا بسبب ذنب الغير. انتهى. # وأقول: إن هذا هو الذي ينبغي ترجيحه، فإن الأحاديث الواردة في انتفاع ~~الميت بعمل غيره في البرزخ متواترة من حيث المعنى وندب الله سبحانه وتعالى ~~الاستغفار لمن سلف من المؤمنين: {والذين جاءوا من بعدهم ms0710 يقولون ربنا اغفر ~~لنا ولإخواننا} " (¬2) (ج) وقال نوح: {رب اغفر لي ولوالدي} (¬3) {ويستغفرون ~~للذين آمنوا} (¬4) وما شرع ذلك إلا لنفعه، وإلا كان عبثا. # وأيضا للقبر حالة يتألم بها المؤمن كما ثبت في ضمة القبر في حق سعد بن ~~معاذ (¬5)، وابنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬6) وروعة نكير ومنكر، ~~وغير ذلك مما PageV04P262 # نسأل الله تعالى الملاطفة منها برحمته، مع قوله تعالى في مواضع كثيرة من ~~القرآن {لا خوف عليهم ولا هم يحزنون} (¬1) وفي ذلك دلالة على أن حال البرزخ ~~يتمم للمرء ما فاته من أعمال الخير فيه، إذا كان له سبب كما في الثلاث التي ~~لا تنقطع من عمل ابن آدم ويجوز أن يكون ما أصاب المؤمن فيه من الامتحان ~~مكفرا عنه من السيئات، وزيادة في الدرجات كما في حالة الأمراض والأعراض ~~والقحط والشدائد فإن أصابها (أ) بسبب الفساد بما كسبت أيدي الناس وهي زيادة ~~في حسنة المؤمن، والله أعلم بحقيقة الحال ونسأله التجاوز عما لا يطابق ~~مراده من المقال. # 447 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "شهدت بنتا لرسول الله (ب) - صلى ~~الله عليه وسلم - تدفن، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس عند القبر، ~~فرأيت عينيه تدمعان". رواه البخاري (¬2). # تمام الحديث: قال: فقال: "هل منكم رجل لم يقارف الليلة"، فقال أبو طلحة: ~~أنا، قال (ج): "فأنزل"، قال: فنزل في قبرها. # البنت هي أم كلثوم (د زوج عثمان، رواه الواقدي بالإسناد (ه) (د) الذي PageV04P263 # (أفي البخاري أخرجه ابن سعد في الطبقات (¬1) في ترجمة أم كلثوم أ)، وكذا ~~الدولابي في الذرية الطاهرة وكذا رواه الطبري والطحاوي (¬2) وأخرج (ب) ~~البخاري في التاريخ، والحاكم (¬3) في المستدرك من رواية حماد بن سلمة عن ~~ثابت عن أنس أنها رقية، قال البخاري: ما أدري ما هذا؟ فإن رقية ماتت، ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - ببدر لم يشهدها، وأغرب الخطابي فقال: هذه ~~البنت كانت لبعض بنات النبي - صلى الله عليه وسلم - فنسبت إليه. # الحديث فيه دلالة على جواز البكاء بعد الموت على الميت، (وحكي عن الشافعي ms0711 ~~(¬4) كراهته لحديث (ج) الموطأ (¬5): "فإذا وجبت فلا تبكين باكية" (د يعني ~~إذا ماتت د)، وهو محمول على الأولوية، أو المراد رفع الصوت، أو ذلك مخصوص ~~بالنساء، لأنه قد يفضي بكاؤهن إلى النياحة المنهي عنها والله أعلم (ه). # وفي تمام الحديث: " (وهل منكم رجل و) لم يقارف"، وهو بقاف PageV04P264 # وفاء، زاد ابن المبارك عن فليح أراد يعني الذنب، وذكره البخاري (¬1) في ~~باب من يدخل قبر المرأة تعليقا، ووصله الإسماعيلي (¬2)، وكذا أخرجه أحمد ~~عنه (¬3)، وقيل: معناه لم يجامع تلك الليلة، وله جزم ابن حزم (¬4)، وقال: ~~معاذ الله أن يتبجح أبو طلحة عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأنه ~~(أ) لم يذنب تلك الليلة انتهى، ويقويه أن في رواية ثابت المذكورة بلفظ: "لا ~~يدخل القبر أحد قارف أهله البارحة"، فتنحى عثمان، وحكي عن الطحاوي (¬5) أنه ~~قال: "لم أقارف" تصحيف، والصواب "لم يقاول"، أي لم ينازع غيره الكلام، ~~لأنهم كانوا يكرهون الحديث بعد العشاء، وتعقب بأنه تغليظ للثقة بغير مستند، ~~وكأنه استبعد أن يقع من عثمان ذلك لحرصه على موافقة المخاطر الشريف، وأجيب ~~عنه باحتمال أن مرض المرأة طال، واحتاج عثمان إلى المواقعة، ولم يكن مجوزا ~~لموتها في تلك الليلة، فإن كثيرا من المرضى يفاجئهم الموت مع ظهور قرائن ~~العافية، وليس في الخبر ما يدل على أنه واقع بعد الموت ولا حين احتضارها، ~~والله أعلم بحقيقة الحال. # وفي هذا دلالة على صدق لهجة عثمان وتحريه مواقع الصدق وعلى اختيار من كان ~~بعيدا من اللذة لمثل هذه الأمور، وحكي عن (ب) ابن حبيب (¬6): أن السر في ~~ذلك أن عثمان قد كان جامع بعض جواريه في PageV04P265 # تلك الليلة، فتلطف النبي - صلى الله عليه وسلم - في منعه من (أ) نزول ~~القبر تأديبا له. انتهى، ولعله يقال: إن في ذلك من الحكمة (ب) لما في ذلك ~~من عدم الوفاء بما خص (ج) به من التكريم بزواجه السيدتين الطاهرتين ~~المطهرتين، ومن (د) حق من خص بذلك إمحاضهما بالمودة وعدم الالتفات إلى من ~~سواهما شكر، (ه) منه (للنعمة) (و) ms0712 وهذا ما فهمته، والله أعلم، ويدل الحديث ~~على جواز مباشرة الأجانب للمرأة في القبر بحائل الكفن وإن لم تدع إلى ذلك ~~ضرورة وقد صرح بذلك المنصور بالله عبد الله بن حمزة. # وفيه دلالة على الوقوف على شفير القبر عند الدفن. # 448 - وعن جابر - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لا تدفنوا موتاكم بالليل إلا أن تضطروا". أخرجه ابن ماجه (¬1) وأصله في ~~مسلم لكن قال: "زجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلي عليه" (¬2) وأخرج الحديث ~~ابن حبان. # وفيه دلالة على كراهة الدفن ليلا، وظاهره الإطلاق، وقد ذهب إلى PageV04P266 # هذا الحسن البصري، وعلل بأن ملائكة (¬1) النهار أرأف من ملائكة الليل ~~وروي في ذلك حديث والله أعلم بصحته. # وقوله: "إلا أن تضطروا"، وذلك كمن خاف على الميت أن يتغير جسده أو من سبع ~~أو خاف على نفسه، وذلك يقع من أسباب كثيرة. # وحديث مسلم بالتقييد المذكور يشعر بأن العلة في النهي هو عدم الصلاة، ~~ولفظ مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خطب يوما فذكر رجلا من أصحابه ~~قبض وكفن في كفن غير طائل وقبر ليلا، وزجر أن يقبر الرجل بالليل حتى يصلى ~~عليه، إلا أن يضطر إنسان (أ) إلى ذلك، فظاهره أن النهي إنما هو حيث كان ~~مظنة حصول التقصير في حق الميت من ترك (ب) الصلاة أو عدم إحسان الكفن، وفي ~~قوله: "حتى يصلى عليه" هو بضم الياء وكسر اللام مسند إلى الضمير المستكن ~~العائد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يفهم أنه إذا كان يحصل في ترك ~~الميت إلى النهار كثرة المصلين أو حضور من يرجى استجابة دعائه للميت حسن ~~تأخيره، وعلى هذا فيؤخر، ولو في النهار، ولا يعجل الدفن مع ذلك، ويدل على ~~ذلك دفن الصحابة لأبي بكر كما أخرجه البخاري (¬2) عن عكانشة، لابن أبي شيبة ~~(¬3) من حديث القاسم بن محمد قال: دفن أبو بكر ليلا، ومن حديث عبيد بن ~~السباق (¬4) أن عمر دفن أبا بكر بعد العشاء الآخرة، وصح أن عليا دفن فاطمة ms0713 ~~(¬5) ليلا. # 449 - وعن عبد الله بن جعفر - رضي الله عنه - قال: "لما جاء بني PageV04P267 # جعفر حين قتل، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - اصنعوا لأهل جعفر طعاما، ~~فقد أتاهم ما يشغلهم". أخرجه الخمسة إلا النسائي (¬1). # في الحديث دلالة على شرعية إيناس أهل الميت، والقيام بما يمونهم مدة ~~اشتغال خواطرهم، وشدة (أ) موجدتهم على ميتهم، وعلى كراهة ما يعتاد الناس من ~~إطعام أهل الميت لغيرهم الطعام، وتحمل ثقيل (ب) الأغرام، وروي أن جابر (ج) ~~بن عبد الله البجلي قال: كنا نعد الاجتماع إلى (د) أهل الميت، وصنيعة (ه) ~~الطعام بعد دفنه من النياحة. # أخرجه أحمد وابن ماجه (¬2)، وكذلك (و) يحرم ما يعتاد من عقر الحيوان PageV04P268 # عند القبر لورود النهي عنه أخرج (أ) أبو داود وأحمد من حديث أنس (¬1) - ~~رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا عقر في الإسلام" ~~قال عبد الرزاق (¬2): كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة، قال الخطابي ~~(¬3): كان أهل الجاهلية يعقرون الإبل على قبر الرجل الجواد (ب) يقولون: ~~نخازيه على فعله لأنه كان يعقرها في حياته، فيطعمها الأضياف، فنحن نعقرها ~~عند قبره حتى تأكلها السباع والطير فيكون مطعما بعد مماته كما كان مطعما في ~~حياته. قال: ومنهم من كان يذهب في ذلك إلى أنه إذا عقرت راحلة عند قبره حشر ~~في القيامة راكبا، ومن لم يعقر عنده (ج) حشر راجلا، وكان هذا على مذهب من ~~يرى منهم المبعث بعد الموت (¬4). # 450 - وعن سليمان بن بريدة عن أبيه قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر: السلام على أهل الديار من المؤمنين ~~والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، أسأل الله لنا ولكم العافية". ~~رواه مسلم (¬5). PageV04P269 # هو سليمان بن بريدة الأسلمي (¬1)، روي عن أبيه وعمران بن حصين، وعنه ~~علقمة وغيره مات سنة خمس عشرة ومائة، وبريدة بضم الباء الموحدة - مصغرا. # وأخرجه مسلم (¬2) أيضا من حديث عائشة بلفظ: قالت: كيف أقول يا رسول الله، ~~تعني، في زيارة القبور؟ قال: "قولي: السلام ms0714 على أهل الديار .. إلخ" .. وفيه ~~زيادة: "ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين (أ) وإنا إن شاء الله ... " ~~وفي رواية أيضا (ب) عنها: قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلما ~~كان ليلتها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخرج من آخر الليل إلى ~~البقيع، فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدا مؤجلون، ~~وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد". # في الحديث دلالة على استحباب زيارة القبور، وفي حديث عائشة (¬3) خصوصا ~~(ج) أنه لا كراهة في حق النساء، وفي ذلك خلاف للعلماء (د)، ولأصحاب الشافعي ~~(¬4) ثلاثة أوجه أحدها التحريم، لحديث "لعن الله زوارات (ه) القبور" الذي ~~قد مر، والثاني يكره والثالث يباح. PageV04P270 # وقوله: "السلام" بالتعريف والتقديم على الخبر دلالة على استواء الحال (أ) ~~في السلام على الأحياء والأموات، وهو خلاف ما كان عليه الجاهلية من قولهم. # عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما (¬1) # وقوله: "على أهل الديار" أراد أهل (ب) المقابر وتسميتها بالديار صحيح، إذ ~~الدار (ج) في اللغة تقع على الربع المسكون وعلى الخراب غير (د) المأهول. # وقوله "من المؤمنين والمسلمين" من عطف بعض الصفات على بعض، والموصوف ~~واحد، وفيه من الفائدة التنبيه، على فضيلة الوصفين اللذين استوجبوا بهما ~~المودة والدعاء، والتقييد بالمشيئة على سبيل التبرك، امتثال قول الله ~~تعالى: {ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله} (¬2). # وقيل: المشيئة عائدة إلى مثل تلك المنزلة التي نالوها بسبب الإيمان. # وفي سؤاله - صلى الله عليه وسلم - العافية دلالة على أن العافية هي أعظم ~~المسائل التي تفرد بالسؤال، ويهتم بشأنها، والعافية للميت هي سلامته عن ألم ~~العقاب، وما يخشى عليه من مناقشة الحساب. PageV04P271 # وفي الرواية الأخرى من حديث عائشة في قوله: "وأتاكم ما توعدون" ظاهره ~~مشكل فإن الواو لا تصلح أن تكون عاطفة؛ لأن ما قبلها هو السلام وهو جملة ~~إنشائية دعائية لا يصلح عطف الأخبار عليه، فهي حالية بتقدير "قد". # والذي وعدوا به هو الموت وما ms0715 بعده. # وقوله: "غدا مؤجلون"، لفظ مؤجلون بصيغة (أ) اسم المفعول كما هو الظاهر ~~وهو مرفوع خبر لمبتدأ محذوف، والمعنى: (ب) أنتم مؤجلون غدا، والغد (ج) هو ~~يوم القيامة، يعني أن يوم القيامة لما قد أتاهم، وأن الذي أتاهم ما (د) ~~تقدمه من أهوال الموت وبقي التأجيل ليوم القيامة، وهي جملة حالية أيضا حذف ~~منه الواو الحالية لكونه قد صار في صورة المفرد (ه) لما حذف المبتدأ، هذا ~~ما ظهر لي في توجيهه والله أعلم. # وفي دعائه لأهل بقيع الغرقد، بالمغفرة دلالة على شرعية الدعاء لعموم ~~الموتى من غير اشتراط استحقاق للدعاء (و) واستثنى من كان ظالما من الدعاء. # 451 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: مر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بقبور المدينة، فأقبل عليهم بوجهه، فقال: "السلام عليكم يا أهل ~~القبور، يغفر (ز) الله لنا ولكم، وأنتم سلفنا ونحن بالأثر" (¬1). رواه ~~الترمذي وقال: حسن. PageV04P272 # هذا الحديث قد علم ما يتعلق به مما قبله. # 452 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا تسبوا الأموات، فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا" رواه البخاري (¬1). # وروي الترمذي عن المغيرة نحوه، لكن قال: "فتؤذوا الأحياء" (¬2). # الحديث فيه دلالة على تحريم سب الأموات، وظاهره العموم في حق المسلم ~~والكافر، والظاهر أن ذلك مخصوص بمن عدا الكافر، وبعض المؤمنين، فأما الكافر ~~فيدل على ذلك ما حكاه الله سبحانه وتعالى من قصص عاد وثمود وفرعون ~~وأضرابهم، وأما بعض المسلمين فمخصوص بما ثبت (أ) في حق من أثنى عليه شرا، ~~ومن أثنى عليه خيرا، وقال - صلى الله عليه وسلم - في ذلك: "أنتم شهداء ~~الله" (¬3) والظاهر أن ذلك في حق مسلم، (وقد أخرج الحاكم (¬4) أنهم قالوا: ~~كان يحب الله ورسوله ويعمل بطاعة الله، ويسعى فيها وللآخر بئس (ب) المرء ~~كان، لقد كان فظا غليظا، وهذا ظاهر أنه في حق مسلم (ج)) (د) وقال القرطبي ~~(¬5): في (ه) الكلام على حديث "وجبت" PageV04P273 # يحتمل أجوبة: # الأول: أن الذي كان يحدث عنه بالشر كان ms0716 مستظهرا به، فيكون من باب لا غيبة ~~لفاسق أو كان منافقا. # ثانيهما: يحمل النهي على ما بعد الدفن، والجواز على ما قبله ليتعظ به من يسمعه. # ثالثها: يكون النهي العام متأخرا، فيكون ناسخا وهذا مبني على أن العام ~~المتأخر ناسخ للخاص المتقدم، وهي مسألة خلاف بين أهل الأصول. # وقال ابن رشيد (¬1): إن سب الكافر يحرم إذا تأذي به الحي المسلم، وهذا ~~التقييد كما في رواية الترمذي، ويحل إذا لم يحصل به الأذية، وأما المسلم ~~فيحرم إلا إذا دعت الضرورة كأن يكون فيه مصلحة للميت، إذا أريد تخليصه من ~~مظلمة وقعت منه فإنه يحسن بل يجب، ولو اقتضى ذلك سبه، وقال ابن بطال (¬2): ~~إن سب الميت كالغيبة، فإن كان معلنا جاز، وإن كان مستترا لم يجز. # وقد روي عن عائشة (¬3) رضي الله عنها أنها كانت تلعن يزيد بن قيس الأرجي ~~فلما قيل لها: إنه قد مات استغفرت، وهو قد كان أرسله إليها، علي - رضي الله ~~عنه - يوم الجمل برسالة (أ) فلم ترد عليه، فبلغها أنه عاب عليها ذلك فكانت ~~تلعنه. PageV04P274 # و (أ) قد أشار البخاري (¬1) إلى أن (ب) هو سب بعض (ج) الأموات، بقوله (د) ~~في الترجمة: باب ما ينهى (ه) من سب الأموات، فأتى بمن التي هي ظاهرة في ~~التبعيض. # وأقول: الحكم بالعموم أولى، وهو محمول على مجرد جري السب على اللسان ~~انتقاصا للمسبوب، وحطأ من قدره، وترفعا بنفسه (لغير مقصد جائز) (ر)، وما ~~ورد في القرآن فإنما هو للاتعاظ والتحذير، أن يصيب السامعين مثل ما (ز) ~~أصاب من مضى وفي التعليل بقوله: "فإنهم قد أفضوا"؛ أي وصلوا إلى ما عملوا ~~من خير وشر دلالة على ذلك، فإن مفهومه أنه لا فائدة في مجرد إجراء ذلك على ~~اللسان، والاشتغال بما لا يغني كمن فضول الكلام، وما فعل لمقصد صحيح فهو ~~بخلاف ذلك. # فائدة: اختلف العلماء في وصول ثواب قراءة القرآن وغيرها إلى الميت، ~~فالمشهور من مذهب الشافعي -رحمه الله - (ح وجماعة من أصحابه ح) إلى (ط أنه ~~لا يصل، وذهب ms0717 أحمد بن حنبل (¬2) وجماعة من العلماء ومن أصحاب الشافعي ط) ~~إلى أنه يصل كذا ذكره النووي في الأذكار. PageV04P275 # وفي رمز الحقائق شرح الكنز أن للإنسان أن يجعل ثواب عمله لغيره صلاة كان ~~أو صوما أو حجا أو صدقة أو قراءة القرآن أو ذكر (أ) إلى غير ذلك من جميع ~~أنواع البر، وكذلك يصل إلى الميت وينفعه عند أهل السنة. # وقالت المعتزلة: ليس له ذلك، ولا يصل إليه، لقوله تعالى: {وأن ليس ~~للإنسان إلا ما سعى} (¬1). # وقال مالك والشافعي (¬2): يجوز ذلك في الصدقة والعبادة المالية وفي الحج، ~~ولا يجوز في غيره من الطاعات كالصلاة والصوم وقراءة القرآن وغيره، ولنا ما ~~روي: أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: يا رسول الله إنه كان ~~لي أبوان أبرهما في حال حياتهما، فكيف لي ببرهما بعد موتهما؟ فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "إن من البر بعد البر أن تصلي لهما مع صلاتك، وأن ~~تصوم لهما مع صيامك" رواه الدارقطني (¬3) وما رواه معقل بن يسار أنه قال: ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "اقرءوا على موتاكم سورة يس" (¬4) ~~رواه أبو داود، وحديث تضحيته عن نفسه بكبش وعن أمته بكبش متفق عليه (¬5). # وفي هذا إشارة منه - صلى الله عليه وسلم - إلى أن الإنسان ينفعه (ب) عمل ~~غيره، والآية منسوخة بقوله تعالى: {والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم} (¬6) ~~الآية. PageV04P276 # وقيل: الإنسان أريد به الكافر، وأما المؤمن فله ما سعى آخره وقيل: (أ) ~~ليس له من طريق العدل، وله من طريق الفضل، وقيل: اللام بمعنى على كما في ~~قوله تعالى: {ولهم اللعنة} (¬1) أي: وعليهم. انتهى كلامه. قال النووي في ~~الأذكار (¬2): و (ب) الاختيار أن يقول القارئ بعد قراءته: اللهم أوصل ثواب ~~ما قرأته إلى فلان انتهى. و (ج) قال ابن الصلاح: أنها إهداء (د) القرآن ~~للميت ففيه خلاف بين الفقهاء، والذي عليه عمل أكثر الناس تجويز ذلك وينبغي ~~أن يقول إذا أراد ذلك: اللهم أوصل ثواب ما قرأته لفلان ولمن يريد، فيجعله ~~دعاء، ولا يختلف في ms0718 ذلك القريب والبعيد، وفي شرح المنهاج لابن البجوي: إلى ~~الميت عندنا ثواب القراءة على المشهور و (ه) المختار الوصول إذا سأل الله ~~تعالى إيصال ثواب قراءته للميت، وينبغي الجزم به لأنه دعاء، فإذا جاز ~~الدعاء للميت بما ليس للداعي فلأن يجوز بما هو له أولى، ويبقى الأمر فيه ~~موقوفا علي استجابة (و) الدعاء، وهذا المعنى لا يختص بالقراءة بل يجري في ~~سائر الأعمال، والظاهر أن الدعاء متفق عليه أنه ينفع الميت والحي، القريب ~~والبعيد، بوصية وغيرها، وعلى ذلك أحاديث كثيرة، بل كان أفضل الدعاء أن PageV04P277 # يدعو لأخيه بظهر الغيب، وأما سائر أنواع القرب فقد دلت على أكثرها أحاديث ~~صحيحة، وظاهرها من دون وصية بل صريح في بعضها كحديث أم سعد (¬1) وسقايته ~~عنها وكحديث (أ) المحرم عن أخيه شبرمة، ولم يستفصل - صلى الله عليه وسلم -: ~~وهل قد حج شبرمة؟ وهل أوصى؟ وهل هو ميت؟. وفي الإعتاق وقراءة القرآن، وفي ~~ذلك الكثير الطيب ويقاس ما (ب) لم يرد فيه نص على ما ورد، إذ الجامع موجود ~~ولا وجه للاقتصار، والله سبحانه أعلم. # (ج عدة أحاديث كتاب الجنائز أحد وسبعون حديثا ج). PageV04P278 ### | AUTO كتاب الزكاة # الزكاة في اللغة (¬1) بمعنى النماء، يقال: زكي الزرع إذا نمي، وبمعنى. ~~التطهر (أ) كقوله تعالى: {قد أفلح من تزكى} (¬2). (ب وهي في الشرع ب): ~~إعطاء جزء مالي معين من النصاب الحولي إلى فقير ونحوه، وهو غير منعكس لعدم ~~شموله زكاة ما أخرجت الأرض، فحدها حينئذ: إعطاء جزء مالي معين عند حصول ~~موجبه (¬3)، والمناسبة بين المعنى اللغوي والشرعي: أن إخراج ذلك الجزء سبب ~~للنماء في المال، أو (ج) أن الأجر ينمو بسبب إخراجها، أو أن متعلقها ~~الأموال ذوات النماء كالتجارة والزراعة، وفيها طهارة للنفس من رذيلة البخل، ~~وتطهير من الذنوب. # وهي الركن الثالث من أركان الإسلام التي بني عليها، ووجوبها معلوم من ~~الدين ضرورة، فيكفر منكرها ويحارب كما فعل الصديق - رضي الله عنه -، وقد ~~تطلق الزكاة على الصدقة الواجبة والمندوبة والنفقة والعفو والحق. # واعلم أنه اختلف في أي سنة ms0719 فرضت الزكاة وقد ذهب الأكثر إلى أنها فرضت بعد ~~الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان، أشار إليه النووي في ~~باب السير من "الروضة"، وجزم ابن الأثير في "التاريخ" PageV04P279 # بأن ذلك كان في التاسعة (¬1)، وفيه نظر، فإن الزكاة ذكرت في حديث ضمام بن ~~ثعلبة في قوله: أنشدك آلله أمرك أن تأخذ هذه الزكاة الصدقة (أ) من أغنيائنا ~~فتقسمها على فقرائنا (¬2)؟، وكان قدومه في سنة خمس، وفي حديث وفد عبد ~~القيس، وفي عدة أحاديث متقدمة على ذلك التاريخ، وقوي بعضهم ما ذهب إليه ابن ~~الأثير بما وقع في قصة ثعلبة بن حاطب المطولة، فإن فيها: لما أنزلت آية ~~الصدقة، بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - عاملا، فقال: ما هذه إلا جزية أو ~~أخت الجزية (¬3)، والجزية إنما وجبت في التاسعة فتكون الزكاة في التاسعة، ~~لكنه حديث ضعيف لا يحتج به (¬4). # وذهب ابن خزيمة في صحيحه (¬5) أن فرضها كان قبل الهجرة، واحتج بما أخرجه ~~من حديث أم سلمة في قصة هجرتهم إلى الحبشة، وفيها أن جعفر بن أبي طالب قال ~~للنجاشي في جملة ما أخبره به عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ويأمرنا ~~بالصلاة والزكاة والصيام (¬6) " انتهى. # ولكنه يعترض عليه بأن هذا الإخبار يحتمل أن يكون في وقت متأخر، PageV04P280 # لأن جعفر بن أبي طالب أقام بالحبشة إلى سنة ست، والظاهر أنه بلغه فرضية ~~ما ذكر لأن الأخبار كانت تتصل بهم، وقوله: "يأمرنا" بصيغة المتكلم صادق ~~باعتبار أنه بعض الأمة المأمورين، ويدل على ذلك أن الصلوات الخمس لم تكن ~~فرضت في وقت هجرتهم ولا صيام رمضان، فإن (أ) آية الصيام مدنية بلا خلاف، ~~وهو متقدم على فرض الزكاة يدل عليه ما ثبت عند أحمد وابن خزيمة أيضا ~~والنسائي وابن ماجة والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال: "وأمرنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، بصدقة الفطر، قبل أن تنزل الزكاة ثم نزلت ~~فريضة الزكاة فلم يأمرنا ولم ينهنا، ونحن نفعله" (¬1). إسناده صحيح، ورجاله ~~رجال الصحيح، إلا أبا عمار الراوي له ms0720 عن قيس بن سعد، وهو كوفي اسمه: عريب ~~-بالمهملة المفتوحة- ابن حميد، وقد وثقه أحمد وابن معين (¬2). # 453 - عن (ب) ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بعث معاذا إلى اليمن، فذكر الحديث وفيه أن الله افترض عليهم صدقة في ~~أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد في فقرائهم. # متفق عليه واللفظ للبخاري (¬3). PageV04P281 # الحديث أخرجه البخاري ولفطه: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ~~بعث معاذا إلى (أ) اليمن قال: إنك تقدم على قوم أهل كتاب فليكن أول ما ~~تدعوهم إليه عبادة الله، فإذا عرفوا الله عز وجل، فأخبرهم أن الله قد فرض ~~عليهم خمس صلوات في يومهم وليلتهم، فإذا فعلوا فأخبرهم أن الله قد فرض ~~عليهم زكاة من أموالهم وترد على فقرائهم، فإذا أطاعوا بها فخذ منهم وتوق ~~كرائم أموال الناس". # الحديث فيه دلالة علي فرضية الزكاة، وأنها حق واجب في المال، وفي قوله: ~~"تؤخذ من الأغنياء" دلالة على أن أمر الأخذ إلى العامل من قبل الإمام أو ~~الإمام نفسه، إذ لا خصوصية لأخذ آحاد الناس لها، وقد بين المراد ببعث ~~السعاة، وخص الفقراء بالذكر؛ لأن الفقير معتبر في أكثر مصارف الزكاة، ولأن ~~العامل ليس الصرف إليه مقصودا بالشرعية لها، وإنما كان بالعرض والمؤلف ليس ~~يلازم في جميع الأحوال، وإنما هو علي فرض الحاجة إلى التأليف، ومن عداهما ~~فالفقر معتبر فيه (¬1)، ولعله يراد بالفقير هنا من يحل الصرف إليه، فيدخل ~~فيه المسكين عند من يقول المسكين أعلى حالا من الفقير، وأما من قال بالعكس ~~أو قال بالاستواء فالأمر في ذلك واضح، وبعث معاذ إلى اليمن كان في سنة ثمان ~~بعد الفتح (¬2)، وأقام معاذ باليمن إلى خلافة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه -. # 454 - وعن أنس - رضي الله عنه - أن أبا بكر الصديق - رضي الله عنه - كتب ~~له "هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على PageV04P282 # المسلمين، فالتي أمر الله بها رسوله: # في أربع وعشرين في (أ) الإبل فما دونها الغنم (¬1) في كل خمس ms0721 شاة، فإذا ~~بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين" ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم يكن فابن ~~لبون ذكر، فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى، ~~فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين ففيها حقة طروقه الجمل، فإذا بلغت واحدا ~~(¬2) وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة، فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ~~ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلي عشرين ومائة ففيها حقتان ~~طروقتا الجمل، فإذا زادت على عشرين ومائة (ب) ففي كل أربعين بنت لبون، وفي ~~كل خمسين حقة، ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن ~~يشاء ربها. # وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا كانت أربعين إلى عشرين ومائة شاة شاة، ~~فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان، فإذا زادت على مائتين ~~إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة، ~~فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة شاة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ~~ربها، ولا يجمع بين مفترق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من (ج) ~~خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يخرج في الصدقة هرمة ولا ذات ~~عوار PageV04P283 # ولا تيس إلا أن يشاء المصدق. # وفي الرقة ربع العشر، فإن لم يكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن ~~يشاء ربها، ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة وليس عنده جذعة وعنده حقة ~~فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهما، ~~ومن بلغت عنده صدقة الحقة وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه ~~المصدق عشرين درهما أو شاتين". رواه البخاري (¬1). # هذا الكتاب كتبه أبو بكر (أ) لأنس لما وجهه إلى البحرين عاملا عليها (ب)، ~~وهي اسم لإقليم مشهور (¬2) يشتمل على مدن معروفة قاعدتها "هجر"، وهو علم ~~مفرد بلفظ المثنى، والنسبة إليه بحراني، وافتتح الكتاب ببسم الله الرحمن ~~الرحيم، وهو يستدل به على إثبات البسملة في أول الكتب، وعلى أنه يكفي ذلك ~~من دون ms0722 ذكر الحمد. # وقوله: "هذه فريضة الصدقة": أي نسخة فريضة حذف المضاف للعلم به، فيه اسم ~~الصدقة تطلق على الزكاة، وقد منع ذلك بعض الحنفية. # وقوله: "التي فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" فيه دلالة على أن ~~الحديث مرفوع غير موقوف، ومعني "فرض" أوجب أو شرع، والمعنى أنه فعل ذلك ~~بأمر الله له، وقيل معناه: قدره لأن وجوب الزكاة بنص القرآن، PageV04P284 # وتقدير النبي - صلى الله عليه وسلم - لبيان الأنواع والأجناس والقدر ~~الخرج بيان لما أجمل في القرآن. # ومعنى الفرض في الأصل: قطع الشيء الصلب، ثم استعمل في التقدير لكونه ~~مقتطعا من الشيء الذي يقدر منه، وقد يرد بمعنى البيان كقوله تعالى: {قد فرض ~~الله لكم تحلة أيمانكم} (¬1)، وبمعنى الإنزال كقوله تعالى: {إن الذي فرض ~~عليك القرآن} (¬2) أي أنزل، وبمعنى الحل كقوله تعالى: {ما كان على النبي من ~~حرج فيما فرض الله له} (¬3)، ومعنى التقدير لازم في ذلك جميعه، وقال الراغب ~~(¬4): كل شيء ورد في القرآن فرض على فلان فهو بمعنى الإلزام (¬5) وما عدي ~~باللام فهو بمعنى لم يحرم عليه، وذكر أن الإلزام معنى قوله تعالى: {إن الذي ~~فرض عليك القرآن} أي: أوجب عليك العمل، وهذا يؤيد قول الجمهور أن الفرض ~~مرادف للوجوب (¬6). # وفي قوله "على المسلمين": استدل به علي أن الكافر ليس مخاطبا بذلك، ويرد ~~بأن (أ) المراد بذلك كونها لا تصح منه، لا أنه لا يعاقب عليها PageV04P285 # وهو محل النزاع. # وقوله: "والتي أمر الله بها رسوله" وقع هكذا في كثير من نسخ البخاري، ~~ووقع في بعض منها بحذف "بها"، وفي لفظ البخاري زيادة "فمن سئلها على وجهها ~~فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعطه" (¬1) أي من سئل علي هذه الكيفية المثبتة ~~في هذا الحديث فليعطها العامل، ومن سئل أكثر منها فلا يعطى العامل، وذلك ~~لأن حق العامل أن يكون أمينا، والسائل للزائد قد خان، وفي هذا دلالة على أن ~~ولاية القبض إلى العامل إلا أنه إذا خان لم يجب على رب المال التسليم إليه ~~فيتولى إخراجه (أ)، وهذا ظاهر في ms0723 أنه طلب الزيادة من غير تأويل له في ~~أخذها، فأما (ب) مع التأويل فلا يفهم منه المنع، فلا يعارضه ما أخرجه مسلم ~~من حديث جرير مرفوعا: "أرضوا مصدقيكم" (¬2) قاله مجيبا لمن قال له من ~~الإعراب: إن ناسا من المصدقين يأتوننا فيظلموننا، وأخرج أبو داود عن جابر ~~بن عتيك مرفوعا: "سيأتيكم ركب (¬3) مبغضون، فإذا أتوكم فرحبوا بهم وخلوا ~~بينهم وبين ما يبتغون، فإن عدلوا فلأنفسهم، وإن ظلموا فعليها، وأرضوهم فإن ~~تمام زكاتكم رضاهم، وليدعوا لكم" (¬4). وعند الطبراني في الأوسط من حديث ~~سعد بن أبي وقاص مرفوعا: "ادفعوا إليهم ما PageV04P286 # صلوا الخمس" (¬1). # وعند أحمد والحارث وابن (¬2) وهب من حديث أنس قال: "أتى رجل من بني تميم ~~فقال: يا رسول الله: إذا أديت الزكاة إلى رسولك فقد برئت منها إلى الله ~~ورسوله؟ قال: نعم ولك أجرها، وإثمها على من بدلها" (¬3). # فهو محمول على أن العامل له تأويل في أخذ ذلك، أو مع خشية وقوع منكر أعظم ~~من ذلك، والله أعلم. # وقوله: "في أربع وعشرين من الإبل فما دونها" خبر مقدم، و"الغنم" مبتدأ ~~مؤخر، وقدم الخبر هنا لأن الغرض بيان المقادير التي يجب فيها الزكاة، ~~والزكاة إنما تجب بعد وجود النصاب فحسن التقديم، وفي رواية الأكثر بزيادة ~~"من" في "الغنم"، وفي توجيه إعرابه خفاء، ووجهه أن المبتدأ محذوف، والتقدير ~~الزكاة في أربع وعشرين، حذف المبتدأ وبقي متعلقه دالا عليه لقرينة المقام، ~~و "من الغنم" بيان للزكاة. # وقوله: "في كل خمس شاة" الجملة خبر المبتدأ الأول، والعائد مستغني عنه ~~لاتحاد جزء الخبر وهو "شاة" بالمبتدأ وهو "الزكاة"، وظاهره أن هذا هو (¬4) ~~الواجب متعين فلا يجزئ إخراج بنت مخاض عن أربع وعشرين، وهو قول مالك وأحمد، ~~وقال الشافعي والجمهور يجزئه (¬5) PageV04P287 # لأنه يجزئ عن خمس وعشرين. فما دونها أولى، ولأن (أ) الأصل أن يجب من جنس ~~المال، وإنما عدل عثه رفقا بالمالك، فإذا أحب الأصل أجزأه، فإن (ب) كانت ~~قيمة البعير مثلا دون قيمة أربع شياه ففيه خلاف عند الشافعية وغيرهم، ~~والأقيس أنه لا يجزئ. # وفي قوله: ms0724 "في أربع وعشرين ونحوه" يدل على أن الوقص (¬1) متعلق به ~~الوجوب، وهو قول للشافعي في البويطي (ج)، وبه قال محمد وزفر، وذهب أبو ~~حنيفة، وهو على أصل مذهب الهادي، وقول للشافعي أنه لا يتعلق به الوجوب، (د ~~وسيأتي قريبا حديث معاذ أنه لا يتعلق بها الوجوب د). # وفائدة الخلاف: لو تلفت واحدة من ست إبل بعد أن حال الحول قبل إمكان ~~الأداء فإنه تجب واحدة كاملة على القول بعدم تعلق الوجوب بها، وعلى القول ~~الثاني تجب خمسة أسداس، وهذا بناء على أن إمكان الأداء شرط في الضمان لا في ~~الوجوب. # وقوله: "فإذا بلغت خمسا وعشرين" إلخ: ذهب إلى هذا الجمهور، وقد روي عن ~~علي - رضي الله عنه - أنه يجب في الخمس (ه) والعشرين خمس شياه، فإذا (و) ~~صارت ستا وعشرين كان فيها بنت مخاض أخرجه PageV04P288 # ابن أبي شيبة وغيره (أموقوفا ومرفوعا أ) والبيهقي أخرج الموقوف (¬1) (ب)، ~~وإسناد المرفوع ضعيف (¬2). وأخرج المرفوع ابن جريج وصححه (2). # وقوله: "إلى ست وثلاثين" ظاهره أنه لا يجب شيء في الوقص (¬3) خلافا ~~للحنفية، فقالت: يستأنف الفريضة فيجب في كل خمس من الإبل شاة مضافة إلى بنت الخاض. # وقوله: "بنت مخاض أنثى" زاد حماد بن سلمة في روايته: "فإن لم يكن بنت ~~مخاض فابن لبون ذكر"، ولفظ "أنثى" و "ذكر" للتأكيد، أو لتنبيه رب المال ~~ليطيب نفسا بالزيادة، وقيل احترز بذلك عن الخنثى وفيه بعد (ج). # ولفظ "إلى" في قوله: "إلي خمس وثلاثين" ونحوها داخل ما بعدها في حكم ما ~~قبلها لقرينة ما بعده (د). PageV04P289 # وقوله: "إذا بلغت يعني ستا وأربعين" (أ) بزيادة يعني وزادها البخاري ~~للتنبيه على أنه مزيد، أو شك أحد رواته فيه، فلم يجزم بأنها من لفظ الحديث. # وقوله: "فإذا زادت على عشرين ومائة" أي واحدة فصاعدا ففي كل أربعين بنت ~~لبون، وفي كل خمسين حقة، ذهب إلى هذا الجمهور من أهل الحجاز والقاسم في ~~"الأحكام" (¬1) فيجب حينئذ في مائة وإحدى وعشرين ثلاث بنات لبون، وذهب ابن ~~مسعود والنخعي وحماد والمؤيد وأبو طالب وأبو ms0725 العباس (¬2) إلى أن الفريضة ~~تستأنف إذا زادت واحدة على مائة وعشرين فيجب في الخمس شاة، وعلى ما تقدم (ب ~~يعني في كل خمس شاة إلى خمس وعشرين ب) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وما ~~زاد على ذلك (ج) استؤنفت الفريضة" (¬3) أخرجه الترمذي (د)، والعمل به أرجح ~~لأنه موجب للزكاة، "وفي حديث أنس إسقاط لزكاة ما زاد (ه) على ذلك حتى يبلغ ~~الزائد (¬4) PageV04P290 # أربعين أو خمسين، والموجب إذا عارضه مسقط فهو راجح (أ)، وذهب أبو حنيفة ~~إلى مثل القول الثاني إلى مائة وخمس وأربعين ثم فيما زاد روايتان كالقول ~~الثاني وكالقول الأول، وذهب مالك إلى أن في إحدى وعشرين ومائة ثلاث بنات ~~لبون إلى ثلاثين ومائة، وفيها ابنتا لبون وحقة كالقول الأول لخبر سالم بن ~~عبد الله بن عمر عن نسخة الكتاب الذي كتبه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- في الصدقة وكان عند آل عمر (¬1) وانتسخه منهم عمر بن عبد العزيز، أخرجه ~~أبو داود (¬2)، ولا يخفى عليك أن الأرجح هو الأول لأن ذلك مما أخرجه ~~البخاري، وعمل به أبو بكر الصديق في أيام وفرة (ب) الصحابة واجتماعهم، وهذا ~~جهة ترجيح. # وفي قوله: "إلا أن يشاء ربها" المعنى في ذلك أنه ليس على صاحبها صدقة ~~واجبة مع إيكاله إلى مشيئته، فليست من الصدقة الواجبة، لأن الواجب ليس ~~واقعا على الاختيار والمشيئة، فيكون ذلك استثناء منقطعا لأن الصدقة المسوق ~~التفصيل فيها هي الواجبة، ولعل ذكر ذلك لدفع وهم ينشأ من قوله: "فليس فيها ~~صدقة" أن المنفي مطلق الصدقة لاحتمال اللفظ له، وإن كان غير مقصود. # وقوله: "فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة" مقتضاه أنه لا تجب ~~الشاة الرابعة حتى تفي أربعمائة، وهذا قول الجمهور، قالوا: وفائدة ذكر ~~الثلاثمائة لبيان النصاب الذي بعده لكون ما قبله مختلفا فيه، وعن PageV04P291 # بعض الكوفيين كالحسن بن صالح، ورواية عن أحمد: إذا زادت عن الثلاثمائة ~~واحدة وجب الأربع. # وقوله: "لا (أ) يجمع بين مفترق"، وفي لفظ "متفرق" الجمع بين المفترق قال ~~مالك في "الموطأ": معناه ms0726 أن يكون ثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة يجب على ~~كل واحد منهم الزكاة فيجمعونها حتى لا تجب عليهم كلهم إلا شاة (¬1) انتهى. # والتفريق بين المجتمع أن الخليطين يكون لكل واحد منهما مائة شاة (ب وإحدى ~~وعشرون ب) شاة (¬2) فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فإذا طلبهما المصدق فرقا ~~غنمهما فلم يكن على كل واحد منهما إلا شاة واحدة، فنهوا عن ذلك (¬3). # قال ابن الأثير (¬4): فهذا الذي سمعت في ذلك، وقال الخطابي: قال الشافعي ~~(¬5): الخطاب في هذا للمصدق ولرب المال، قال: والخشية خشيتان، خشية الساعي ~~أن تقل الصدقة، وخشية رب المال أن يقل ماله، فأمر كل واحد منهما أن لا يحدث ~~في المال شيئا من الجمع والتفرقة خشية الصدقة. PageV04P292 # وقوله: "وما كان من خليطين" إلخ: اختلف في تفسير الخليط فعند أبي حنيفة ~~والعترة (¬1) ومالك هما الشريكان ولا يجب عليهما إلا إذا كان ملك كل واحد ~~منهما نصابا، وفي البخاري تعليقا (¬2) ما لفظه وقال سفيان: "لا يجب عليه ~~حتى يتم لهذا أربعون شاة ولهذا أربعون شاة"، ورد هذا ابن جرير بأنه إذا كان ~~لا يجب في حال الاجتماع إلا ما يجب في حال الانفراد تخلوا. # فائدة بيان هذا الحكم بقوله "وما كان من خليطين" إلخ، وأن المتبادر أن ~~الواجب حينئذ غير ما يجب على تقدير (أ) الانفراد، وقال الشافعي وأحمد ~~وأصحاب الحديث: إن الخليط هو المجتمع ماشيتهما في المسرح (ب) والمبيت ~~والحوض والفحل فيجب الزكاة فيها (¬3)، ولو كان مال أحدهما دون النصاب (ج) ~~ويؤيد ذلك ما في "جامع سفيان الثوري" عن نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر: ~~"ما كان من خليطين فإنهما يتراجعان" (¬4). PageV04P293 # قلت: ما معنى الخليطين؟ قال: إذا كان المراح والراعي واحدا، والدلو ~~واحدا، وهذا هو الظاهر من الحديث ولا مدفع له، ولا ينافيه (أ) حديث: "ليس ~~فيما دون خمس ذود صدقة" (¬1) ونحوه، فإن اعتبار النصاب حاصل، ولكن في هذا ~~الحديث دلالة على أن النصاب في هذه الحال لا يشترط أن تكون لمالك واحد، ~~واعتذر بعضهم عن الحنفية بأن ms0727 هذا الحديث لم يبلغهم (¬2) والله أعلم. # ومعنى قوله: "يتراجعان بالسوية" هو أنه لو كان لواحد مثلا عشرون متميزة ~~ولآخر مثلها فأخذ المصدق واحدة من مال أحد (ب) الشريكين فإنه يرجع على ~~خليطه بقيمة نصف شاة، وعلى هذا القياس. # وقوله: "ولا يخرج في الصدقة هرمة" بفتح الهاء وكسر الراء: الكبيرة التي ~~سقطت أسنانها (¬3). # وقوله: "ولا ذات عوار" (¬4) بفتح العين المهملة، و (ج) بضمها وقيل PageV04P294 # بالفتح للعين المهملة أي: معيبة العين، وبضمها عور العين. # واختلف في تحقيق القدر الذي يمنع إخراجها، والأكثر على أنه ما ثبت به ~~الرد في البيع، وقيل ما يمنع الإخراج في الأضحية، ويدخل في العيب المرض، ~~وكذا الذكورة بالنسبة للأنوثة، والصغير سنا بالنسبة إلى ما هو أكبر منه. # وقوله: "إلا أن يشاء المصدق" اختلف في ضبطه، والأكثر على أنه بالتشديد، ~~وأصله المتصدق فأدغمت التاء بعد قلبها صادا، والمراد به المالك، وهو اختيار ~~أبي عبيدة، والاستثناء راجع إلى الآخر وهو التيس، وذلك أنه إذا لم يكن معدا ~~للإنزاء فهو من الخيار، وللمالك أن يخرج الأفضل، ويحتمل عوده إلى الجميع، ~~ويفهم منه أن للمالك إذا رأى الصلاح في إخراج الهرمة أو ذات العوار (أبأن ~~تكون سمينة قيمتها أكثر من الوسط الواجب إخراجها، وقد قال بهذا أ) بعض ~~المفرعين على أصل الهادي، وبعضهم قال: لا يخرجها وإن زادت قيمتها فيتعين ~~الاستثناء إلى الأخير، ومنهم من ضبطه بالتخفيف، والمراد به الساعي، فيدل ~~على أن له الاجتهاد ونظر الأصلح للفقراء، وأنه كالوكيل لهم فتقيد مشيئته ~~بالمصلحة، وهذا قول الشافعي في البويطي، فيعود الاستثناء إلى الجميع كما هو ~~الواجب في مثله، ولفظ الشافعي (¬1): ولا يؤخذ ذات عور ولا تيس ولا هرمة إلا ~~أن يرى المصدق أن ذلك أفضل للمساكين فيأخذه على النظر، انتهى، وهذا إذا ~~كانت الغنم مختلفة، فلو كانت معيبة أو تيوسا أجزأه أن يخرج واحدة منها، وعن ~~المالكية يلزمه أن يشتري شاة مجزئة PageV04P295 # تمسكا بظاهر الحديث، وفي رواية عنهم كالأول. # وقوله: "وفي الرقة" هي بكسر الراء وتخفيف القاف هي الفضة الخالصة سواء ms0728 ~~كانت مضروبة أولا، وقيل أصلها ورق فحذفت الواو وعوضت الهاء (¬1) وأطلق على ~~الجميع بخلاف الورق (¬2)، وقد قيل إن هذا الدليل إنما ورد في زكاة الفضة، ~~والذهب مقيس عليها مقوم بالفضة، وهذا قول الزهري، وخالفه الجمهور، وسيأتي ~~في حديث علي - رضي الله عنه - النص على الذهب أيضا. # وقوله "وإن لم (أ) أي الرقة - إلا تسعين ومائة" يوهم أنها زادت على ~~التسعين ومائة قبل بلوغ المائتين (¬3) أن فيها صدقة، وليس كذلك، وإنما ذكر ~~التسعين لأنه آخر عقد قبل المائة، والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه ~~العقود كالعشرات. والمئين والألوف، فذكر التسعين لذلك. # وقوله: "إلا أن تتطوع" يعني متبرعا. # وقوله: "فإنها تقبل منه الحقة ويجعل معها شاتين إن استيسرتا أو عشرين ~~درهما" إلخ: فيه دلالة على أن ذلك القدر هو جبر التفاوت ما بين السنين ~~المذكورين، وفي العكس كذلك، وكذلك الحكم في سائر الأسنان، وقد ذهب إلى هذا ~~الشافعي فقال، التفاوت بين كل سنين كما ذكر في الحديث، وذهبت الهادوية إلى ~~أن الواجب إنما هو زيادة فضل القيمة من رب المال، أو رد الفضل من المصدق، ~~ويرجع في ذلك إلى PageV04P296 # التقويم، قالوا: بدليل أنه قد ورد في رواية: عشرة دراهم أو شاة ما ذلك ~~إلا لأن التقويم يختلف باختلاف الزمان والمكان فور ما ذكرنا بالتقويم ما ~~بينهما فيجب الرجوع إلى التقويم في ذلك، وقد أشار إلى مثل هذا البخاري (¬1) ~~فإنه أورد حديث أبي بكر في باب أخذ العرض (¬2) في الزكاة، وذكر في ذلك قول ~~معاذ لأهل اليمن: "إيتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان الشعير ~~والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة ~~(¬3)، ورد الجمهور ذلك بأنه لو كان القصد ما ذكرتم لم ننظر إلى ما بين ~~السنين في القيمة، وتقدير القيمة يزيد تارة وينقص أخرى في الأمكنة ~~والأزمنة، وما ذكره الشارع ظاهر في أن ذلك لا يزيد ولا ينقص، قال الخطابي ~~(¬4): يشبه أن يكون الشارع جعل الشاتين والعشرين درهما تقديرا في الجبران ~~لئلا يكل الأمر إلى اجتهاد ms0729 الساعي لأنه يأخذها على المياه (أ) حيث لا حاكم ~~ولا مقوم غالبا، وضبطه بقياس يرفع التنازع كالصاع في المصراة والغرة في ~~الجنين، والله أعلم. # وذهب زيد بن علي إلى أن ما بين كل سنين شاة أو عشرة دراهم، وذهب أبو ~~حنيفة إلى أنه إذا تعذر الواجب رجع إلى القيمة فقط. # فائدة: بنت المخاض من الإبل وابن المخاض -بفتح الميم والمعجمة المخففة ~~وآخره معجمة-: ما استكمل السنة الأولى ودخل في الثانية إلى PageV04P297 # آخرها، سمي بذلك لأن أمه من المخاض أي الحوامل، و "المخاض" اسم للحوامل ~~لا واحد له من لفظه. # وبنت اللبون وابن اللبون: "ما استكمل السنة الثانية ودخل في الثالثة إلى ~~تمامها، سمى بذلك لأن أمه ذات لبن. # والحقة والحق بكسر الحاء وتشديد القاف، والجمع الحقاق بالكسر والتخفيف. # وطروقة الفحل: -بفتح أوله- أي: مطروقة، وهي فعولة بمعنى مفعولة كحلوبة ~~بمعنى محلوبة، وذلك ما استكمل السنة الثالثة ودخل في الرابعة إلى تمامها، ~~سمي بذلك لاستحقاقه أن يحمل عليه أو تركبه الفحل، ولذلك قيل طروقة الفحل أي ~~يطرقها. # والجذعة والجذع -بفتح الجيم والذال-: ما استكمل الرابعة ودخل في الخامسة ~~إلى آخرها. # والثني من الإبل: ما دخل في السادسة وألقى ثنيته فإذا دخل في السابعة ~~فربع، وفي الثامنة سدس، وفي التاسعة بازل، وفي العاشرة مخلف بضم الميم ~~والخاء المعجمة الساكنة وكسر اللام. # 445 - وعن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بعثه إلى اليمن فأمره أن يأخذ من كل ثلاثين بقرة تبيعا أو تبيعة، ومن كل ~~أربعين مسنة، ومن كل حالم دينارا أو عدله معافر. # رواه الخمسة واللفظ لأحمد، وحسنه الترمذي وأشار إلى اختلاف في وصله، ~~وصححه ابن حبان والحاكم (¬1). PageV04P298 # حديث معاذ أخرجه أبو داود والنسائي عن أبي وائل عن معاذ، وأخرجه باقي ~~أصحاب السنن وابن حبان والدارقطني والحاكم من رواية أبي وائل عن مسروق عنه، ~~ورجح الترمذي (¬1) والدارقطني في العلل الرواية المرسلة، وقد اعترضت رواية ~~الاتصال بأن مسروقا لم يلق معاذا كذا قال ابن عبد الحق (¬2)، وأجيب عنه ms0730 بأن ~~ابن عبد البر (¬3) قال: إن الإسناد متصل، وذلك لأن مسروقا همداني النسب من ~~وادعة يماني الدار (¬4) وقد كان في أيام معاذ باليمن واللقاء ممكن بينهما، ~~فهو محكوم له بالاتصال على رأي الجمهور، وقد أخرجه مالك عن طاوس عن معاذ ~~(¬5)، وقد قال الشافعي: إن طاوسا عالم بأمر معاذ وإن لم يلقه لكثرة من لقيه ~~ممن أدرك معاذا، وهذا مما لا أعلم من أحد فيه خلافا (¬6)، انتهى. وقد رواه ~~الدارقطني من طريق طاوس عن ابن عباس (¬7) وهو موصول، إلا أن في طريقه ~~المسعودي وقد اختلط (¬8)، وتفرد بوصله عنه بقية بن الوليد (¬9)، وقال ابن ~~عبد الحق (¬10) ليس في زكاة البقر حديث متفق على صحته، يعني في النصب، وقال ~~ابن جرير الطبري (¬11): صح الإجماع المتيقن المقطوع به الذي لا اختلاف PageV04P299 # فيه أن في كل خمسين بقرة بقرة، فوجب الأخذ بهذا وما دون ذلك مختلف فيه، ~~ولا نص في إيجابه، وتعقبه صاحب "الإمام" (¬1) بحديث عمرو بن حزم الطويل في ~~الديات وغيرها، فإن فيه: "في كل ثلاثين باقورة (¬2) تبيع جذع أو جذعة، وفي ~~كل أربعين باقورة بقرة" (¬3)، وقال ابن عبد البر في "الاستذكار" (¬4): لا ~~خلاف بين العلماء أن السنة في زكاة البقر على ما في حديث معاذ هذا، وأنه ~~النصاب مجمع عليه فيها. # والحديث فيه دلالة على وجوب الزكاة في البقر، وهو مجمع عليه. # وفي قوله: "من كل ثلاثين بقرة" إلخ: دلالة على أنه لا يجب شيء فيما دون ~~الثلاثين، وهو قول العترة (¬5) والفقهاء، وروى في ذلك عن ابن مسعود أنه قال ~~- صلى الله عليه وسلم -: "ليس فيما دون ثلاثين من البقر شيء" ذكره في ~~الشفاء (¬6)، وهو متأيد بمفهوم العدد في حديث معاذ، والخلاف في ذلك للزهري ~~(¬7) فقال: يجب في الخمس شاة كالإبل، وأجيب بأن النصب لا تثبت بالقياس، ~~سلمنا فالنص مانع (¬8). PageV04P300 # وفي قوله: "تبيع أو تبيعة" فيه دليل على التخيير في ذلك، وفي المسنة ~~ظاهره أنه لا (أ) يجزئ المسن، وهو كذلك لأن النص ورد به (ب) إلا أنه أخرج ~~الطبراني عن ابن عباس ms0731 مرفوعا "ليس في البقر العوامل صدقة" (¬1)، لكن في ~~ثلاثين تبيع أو تبيعة، وفي كل أربعين مسنة أو مسنا" (ج) وصرح بذكر المسن ~~صاحب "المحيط" وصاحب "مصباح الشريعة" (د)، ولا شيء في الأوقاص لما روي أن ~~معاذا لما أتى بما دون النصب فيها فأبى أن يأخذ منه شيئا وقال: "لم نسمع ~~فيه من النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا حتى ألقاه"، فتوفى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قبل أن يقدم معاذ، أخرجه مالك في الموطأ (¬2) وهو ~~الصحيح، وإن كان البزار قد روي أن معاذا لما قدم من اليمن سأل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عن الأوقاص، فقال: "ليس فيها شيء" (¬3). وعن أبي حنيفة أن ~~فيما بين الأربعين والستين يجب ربع مسنة، وفي "ملتقى الأبحر" عن أبي حنيفة: ~~أنه يجب في ذلك. قسطة من المسنة، والجواب عنه الحديث. # وفي (ه) قوله: "وعن كل حالم" يعني محتلم، هكذا أخرجه أبو PageV04P301 # داود مفسرا في رواية، "أو عدله (*) من المعافر" هي ثياب تكون باليمن (1)، ~~هذا لفظ أبي داود من رواية أبي وائل عن معاذ (2)، وفي رواية مسروق عنه من ~~دون تفسير فيهما (¬3)، والمراد به الجزية ممن لم يسلم، كما يدل عليه سياق ~~الحديث. # والمعافر (¬4): بالعين المهملة حي من همدان، لا ينصرف في معروف ولا نكرة ~~لأنه جاء على مثال ما لا ينصرف من الجمع، وإليهم تنسب (أ) الثياب ~~المعافرية، يقولون "ثوب معافري". # وفي قوله "وأشار إلى اختلاف في وصلة": هو كما عرفت، من عدم لقاء طاووس ~~ومسروق لمعاذ، فهو غير موصول، وبروايته عن ابن عباس يكون موصولا، والله أعلم. # 456 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "تؤخذ صدقات المسلمين على مياههم" رواه أحمد (¬5). # ولأبي داود: "ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم" (¬6). # في الحديث دلالة على أن المصدق هو الذي يأتي إلى رب المال، فيأخذ صدقته ~~من المحل الذي يكون فيه المال، ورواية أحمد خاصة بالأنعام، ورواية أبي داود ~~عامة لجميع الصدقات. PageV04P302 # وحديث عمرو بن ms0732 شعيب في رواية أبي داود والنسائي بلفظ: "لا جلب ولا جنب، ~~ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم" (¬1). # قال ابن إسحاق: معنى "لا جلب": أن تصدق الماشية في موضعها، ولا تجلب إلى ~~المصدق، ومعنى "لا جنب": أن يكون المصدق بأقصى مواضع أصحاب الصدقة فيجنب ~~إليه، فنهوا عن ذلك. # وفسره مالك (¬2) بالسباق في خيل الحلبة فقال: معنى "الجلب" أن يجلب الفرس ~~في السباق فيحرك وراءه الشيء يستحث به فيسبق، و"الجنب" أن يجنب مع الفرس ~~الذي سابق به فرسا آخر حتى إذا دنا تحول الراكب على الفرس المجنوب فيسبق، ~~ويدل على هذا التفسير أن في رواية عمران بن حصين: "لا جلب ولا جنب في ~~الرهان" (¬3)، وهذا التفسير أقرب لأنه على الوجه الأول يكون من عطف العام ~~على الخاص، وهو وإن كان له من وجه فهو بعيد لخفاء النكتة المقتضية للإجناب، ~~والله أعلم. # 457 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة". رواه البخاري، ~~ولمسلم: "ليس في العبد إلا صدقة الفطر" (¬4). # في الحديث دلالة على عدم وجوب الصدقة في العبد والفرس، وهو مجمع عليه في ~~العبد المعد للخدمة، والفرس المعدة للركوب، وأما الخيل المعدة للنتاج ~~فالخلاف فيها لأبي حنيفة وزفر إذا كانت لغير الغزو وكانت PageV04P303 # إناثا وذكورا سائمة، وفي الإناث المنفردة روايتان (¬1) أيضا، الأصح عدم ~~الوجوب لعدم التناسل بخلاف السوائم الثلاث فإن ذكورها وإن لم يكن فيها ~~التناسل إلا أنه يحصل فيها نمو بالسمن للأكل، بخلاف الخيل عند أبي حنيفة، ~~فهي لا تحل عنده، والقائل بحلها أبو يوسف ومحمد، وهما لا يوجبان الزكاة، ~~وهذا هو الأصح من مذهب أبي حنيفة (¬2)، وإن روي في القدوري اشتراط اختلاطها ~~بالذكور والإناث، والواجب في عينها، ويؤخذ من قيمتها (أ) أربعون دينارا كما ~~كان في عصرهم، واحتج أبو حنيفة بقوله عليه الصلاة والسلام "في كل فرس سائمة ~~دينار أو عشرة دراهم" أخرجه الدارقطني والبيهقي وضعفاه والخطيب عن جابر ~~(¬3)، وتأول حديث أبي هريرة بأن المراد بالفرس ms0733 التي لا صدقة فيها هي المعدة ~~للركوب، وهي لا يجب فيها بالإجماع، قال: بقرينة اقترانها بالعبد المعد ~~للخدمة، بدليل استثناء صدقة الفطر في حقه، وأجاب الجمهور بضعف الحديث الذي ~~احتج به وقوة حديث النفي، فلا يعارضه ولو كان عموما، وله أن يجيب بأن ~~الحديث متأيد بما روي أن عمر - رضي الله عنه - كتب إلى أبي عبيدة يأمره أن ~~يأخذ من الخيل السائمة من كل فرس دينارا أو عشرة PageV04P304 # دراهم، ووقعت هذه الحادثة في زمن مروان فشاور الصحابة في ذلك فروى أبو ~~هريرة الحديث: "ليس على الرجل في عبده ولا فرسه صدقة" (¬1)، فقال مروان ~~لزيد بن ثابث: ما تقول يا أبا سعيد؟ فقال أبو هريرة: عجبا من مروان أحدثه ~~بحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يقول: ما تقول يا أبا سعيد؟ ~~فقال زيد: صدق رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، إنما أراد به فرس الغازي ~~(¬2)، فأما من تاجر يطلب نسلها ففيها الصدقة، فقال: كم؟ قال: في كل فرس ~~دينار أو عشرة دراهم. # فهذا يدل على شيوع ذلك في أيام الصحابة، وعلى صحة تأويل أبي حنيفة لحديث ~~أبي هريرة. # واعلم أن ظاهر هذا الاحتجاج أنه يجب في الفرس ولو كانت واحدة، وأنه لا ~~يشترط منها أن يبلغ إلى أربعين، ولعل اعتبار الأربعين إنما هو لإخراج واحدة ~~منها (واعلم أيضا أن أبا حنيفة يقول: إنه لا يأخذ الإمام زكاتها قهرا لأن ~~زكاتها لا تجب في عينها) (أ) بخلاف زكاة السائمة فإنها جزء من عينها ~~وللإمام فيه حق الأخذ، وذهب أهل الظاهر إلى العمل بظاهر حديث أبي هريرة، ~~وأنها لا تجب الزكاة في الخيل ولو كانت للتجارة، وأجيب بأن زكاة التجارة ~~واجبة بالإجماع كما نقله ابن المنذر وغيره (¬3)، فهو مخصوص (ب) لعموم النفي ~~الذي في الحديث، والله أعلم. PageV04P305 # 458 - وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "في كل سائمة إبل في أربعين بنت لبون، لا تفرق إبل عن حسابها، من ~~أعطاها مؤتجرا بها ms0734 فله أجرها، ومن منعها فإنا آخذوها وشطر ماله؛ عزمة من ~~عزمات ربنا، لا يحل لآل محمد منها شيء" رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، ~~وصححه الحاكم (¬1)، وعلق الشافعي القول به على ثبوته (¬2). # بهز -بفتح الباء الموحدة وسكون الهاء وبالزاي- ابن حكيم بن معاوية بن ~~حيدة -بفتح الحاء المهملة وسكون الياء تحتها نقطتان وفتح الدال- القشيري ~~-بضم القاف وفتح الشين المعجمة-، وقد اختلف العلماء فيه، فقال يحيى بن معين ~~في هذه الترجمة: إسناد صحيح إذا كان من دون بهز، وقال أبو حاتم: هو شيخ ~~يكتب حديثه ولا يحتج به (¬3)، وقال الشافعي (¬4): ليس حجة، وهذا الحديث لا ~~يثبته أهل العلم بالحديث، ولو ثبت لقلنا به، وكان قال به في القديم -يعني ~~تجوز العقوبة بالمال- ثم رجع، ورأى العقوبة فيه بغير أخذ المال. # وسئل عنه أحمد فقال: ما أدري وجهه، فسئل عن إسناده فقال: صالح الإسناد ~~(¬5)، وقال ابن حبان (¬6): كان يخطئ كثيرا يعني بهز ولولا PageV04P306 # هذا الحديث لأدخلته في الثقات، وهو ممن أستخير الله (أ) فيه، وقال ابن ~~عدي (¬1): لم أر له حديثا منكرا، وقال ابن الطلاع في أوائل الأحكام: بهز ~~مجهول، وقال ابن حزم: غير مشهور بالعدالة، وهو خطأ منهما، وقد وثقه خلق من ~~الأئمة. # قال المصنف -رحمه الله تعالى (¬2) -: وقد استوفيت الكلام فيه في "تلخيص ~~التهذيب"، وقال الذهبي (¬3): ما تركه عالم قط، وقد تكلم فيه بأنه كان يلعب ~~بالشطرنج، قال ابن القطان: وليس ذلك بضائر له فإن استباحته مسألة فقهية ~~مشتهرة. # قوله "لا تفرق إبل عن حسابها": معناه أن المالك لا يفرق ملكه عن ملك غيره ~~حيث كانا خليطين كما تقدم في الحديث الأول، كأن يكون خمس من الإبل بين ~~شريكين فاقتسماها لئلا يجب عليهما الزكاة. # وقوله "مؤتجرا": أي طالبا للأجر. # وقوله "فإنا آخذوها" إلى آخره: فيه دلالة على أن الزكاة يأخذها الإمام ~~قهرا إذا منعها رب المال، والظاهر أنه مجمع عليه (¬4) وأن نية الإمام تكفي ~~في أخذ الزكاة وإن فات ربها الأجر فقد سقط عنه الفرض الواجب. # وقوله "وشطر ماله": معطوف على الضمير المنكوب ms0735 في قوله "آخذوها" والشطر ~~مراد به البعض، ظاهره أن الإمام يعاقبه بأخذ جزء من PageV04P307 # المال عقوبة له، وفيه دلالة على جواز العقوبة بالمال، وقد ذهب إلى ذلك ~~الشافعي في القديم ثم رجع عنه (¬1)، وقال: إنه منسوخ وإن ذلك كان في صدر ~~الإسلام العقوبة بالمال جائزة، وقال: إن الناسخ له حديث ناقة البراء أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم عليه بضمان ما أفسدت من دون عقوبة، ورد ~~عليه النووي (¬2) بأن الذي ادعوه بأن العقوبة بالمال في صدر الإسلام غير ~~ثابت ولا معروف، ودعوى النسخ على فرض صحته غير مقبولة مع الجهل بالتاريخ. # قال المصنف -رحمه الله تعالى (¬3) -: والجواب عن الاحتجاج بالحديث ما ~~أجاب به إبراهيم الحربي، فإنه قال في سياق هذا المتن: وهم الراوي في قوله: ~~"وشطر ماله"، وإنما هو فإنا آخذوها من شطر ماله، أي: يجعل ماله شطرين ~~ويتخير عليه المصدق ويأخذ الصدقة من خير الشطرين عقوبة لمنعه الزكاة، فأما ~~ما لا يلزمه فلا، نقله ابن الجوزي في "جامع المسانيد" عن الحربي، والله ~~الموفق. انتهى. # وأنا أقول هذا الجواب لا يجدي، فإنه إذا تخير المصدق وأخذ من خير الشطرين ~~فقد أخذ زيادة على الواجب، وهي عقوبة مالية، فقد حصل العقوبة بالمال التي ~~فر منها. # وقد ورد العقوبة بالمال في قضايا متعددة منها قصة المددي الذي أغلظ ~~الكلام لأجله عوف بن مالك على خالد بن الوليد لما أخذ سلبه، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "لا يرد عليه" أخرجه مسلم (¬4)، وكذا من سرق من PageV04P308 # التمر المعلق على الشجر وخرج به فيما لا يوجب القطع فإنه أوجب عليه ~~الغرامة والعقوبة (¬1)، وفسرت العقوبة بمضاعفة الغرامة، أخرجه أبو داود ~~والنسائي وصححه الحاكم، وكذلك تحريقه، - صلى الله عليه وسلم -، متاع الغال ~~عقوبة له، وجرى على ذلك الخليفتان أبو بكر وعمر، رضي الله عنهما (¬2)، وهو ~~مما يدل على عدم النسخ. # وقوله "عزمة": يجوز فيه الرفع خبر لمبتدأ محذوف، والنصب على المصدر، وهو ~~مصدر مؤكد لنفسه مثل: له علي ألف درهم، اعترافا بفعل يدل عليه الجملة ms0736 التي ~~قبله، وهي: فإنا آخذوها ألقائمة مقام الفعل المحذوف وجوبا، ومعنى العزيمة ~~في اللغة: الجد في الأمر، يعني أن أخذ ذلك واجب مفروض من الأحكام التي حكم ~~بها الله على عباده كالجهاد ونحوه، لم يوسع في ذلك على الأئمة في الترك ~~والمساهلة، أو لم يوسع على المكلفين وسهل لهم ذلك حتى يتوقف أخذها على ~~اختيارهم، وعزائم الله فرائضه على العباد كذا في "القاموس" (¬3). # وقوله "لا يحل" إلخ: سيأتي الكلام في ذلك إن شاء الله تعالى قريبا. # 459 - وعن علي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك ~~شيء حتى تكون لك عشرون دينارا وحال عليها الحول PageV04P309 # ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك، وليس في المال زكاة حتى يحول عليه ~~الحول" رواه أبو داود (¬1)، وهو حسن، وقد اختلف في رفعه. # وللترمذي عن ابن عمر - رضي الله عنه -: "من استفاد مالا فلا زكاة عليه ~~حتى يحول عليه الحول" (¬2) والراجح وقفه. # أخرج حديث علي: أبو داود عن الحارث الأعور وعاصم بن ضمرة كلاهما مرفوعا ~~إلا قوله: "فما زاد فبحساب ذلك" قال: فلا أدري أعلي يقول "فبحساب ذلك" أو ~~يرفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلا قوله "وليس في مال زكاة" ~~إلخ، فقال أبو داود: إلا أن جريرا قال ابن وهب يزيد في الحديث عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول"، وظاهره أنه ~~اختلف فيه (أ). # الحديث فيه دلالة على اعتبار النصاب في وجوب الزكاة، وأن نصاب الفضة ما ~~ذكر في مائتي درهم (¬3)، وهو مجمع عليه، وظاهره أنه لا بد أن يكون ذلك ~~القدر خالصا من الفضة، فما كمل بالغش لم يجب فيه الزكاة PageV04P310 # ولو كان الغش يسيرا، وهو قول الأكثر، وذهب المؤيد بالله (¬1) والإمام ~~يحيى إلى أنه إذا كان الغش يسيرا يتعامل به فلا يضره، وفسره الإمام يحيى ~~بالعشر فما دون، قال لأنه لا تخلو الفضة في الأغلب ms0737 عن ذلك، وفي "البحر" ~~(¬2) رواية عن أبي حنيفة أنه يعفي في الغش عن النصف فما دون، وعن السرخسي ~~من الشافعية (¬3) حكاية وجه في مذهبهم: أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدرا ~~لو ضم إليه قيمة الغش من النحاس مثلا لبلغ نصابا فإن الزكاة تجب فيه، وهو ~~منقول عن الحنفية، وظاهر مفهوم العدد وهو متأيد بحديث النفي الذي سيأتي ~~وغيره أنه إذا نقص عن ذلك القدر وإن قل النقص أنه لا يجب فيه الزكاة، ونقل ~~عن بعض المالكية، وفي البحر (¬4) نسبه إلى مالك أنه يعفى عن النقص اليسير ~~كالحبة والحبتين فتجب الزكاة حينئذ، والمراد بالدرهم ما بلغ قدر الدرهم من ~~الفضة سواء كان مضروبا أو غير مضروب، وحصل الإجماع أن العشرة الدراهم مقدار ~~سبعة مثاقيل، فالدرهم سبعة أعشار المثقال. # قال أبو عبيد: إن الدرهم لم يكن معلوم القدر حتى جاء عبد الملك بن مروان ~~فجمع العلماء فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل، قال عياض (¬5): وهذا يلزم ~~منه أن يكون - صلى الله عليه وسلم - أحال نصاب الزكاة على أمر مجهول، وهو ~~مشكل، والصواب أن معنى ذلك أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام وكانت ~~مختلفة في الوزن بالنسبة إلى العدد، فعشرة مثلا وزن PageV04P311 # عشرة، وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأي على نقش الكتابة العربية ويصير ~~وزنها وزنا واحدا، وفي البحر (¬1): كانت الدراهم بعضها عشرة وزن خمسة ~~دنانير، وبعضها عشرة وزن ستة، وبعضها عشرة وزن عشرة، فأخذوا من كل عشرة ~~ثلثها فصارت العشرة الدراهم وزن سبعة مثاقيل، أو وزن ثلث مجموع العشرات ~~أربعمائة وعشرون شعيرة وذلك وزن سبعة مثاقيل، قال: ولا ضربة للإسلام في ~~عهده - صلى الله عليه وسلم - بل ضرب الجاهلية وهي المقصودة في الخطاب ~~بالدرهم والدينار، وكان المسلمون يردونها إلى التبر وهو غير المضروب ~~ويتعاملون بها وكان لهم نصف الأوقية معيارا وهو عشرون درهما ويسمي نشا كما ~~في حديث عائشة (¬2)، وكذلك النواة وهي ثمن الأوقية خمسة دراهم، فيردون ما ~~وصلهم من الضرب الكسروية والقيصرية إلى هذا الوزن، وأول من ضرب الدينار في ms0738 ~~الإسلام عبد الله بن الزبير، والدرهم عبد الملك برأي علي بن الحسين -رضي ~~الله عنهم-، انتهى (¬3). # قال المصنف -رحمه الله تعالى (¬4): ولم يخالف في أن نصاب الفضة مائتا ~~درهم تبلغ مائة وأربعين مثقالا من الفضة الخالصة إلا ابن حبيب الأندلسي ~~فإنه قال: إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم، وذكر ابن عبد البر اختلافا في ~~الوزن بالنسبة لدراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلدان، وبعضهم اعتبر ~~النصاب بالعدد لا بالوزن، قال: وهو خارق للإجماع، وأقول: إن صح الإجماع فهو ~~دليل على ما ذكر من اعتبار الوزن وإلا فكان الظاهر ما ذكره مع ثبوت اختلاف ~~قدرها في زمنه - صلى الله عليه وسلم - وإطلاقه لذلك مع علمه بالاختلاف وأن ~~كثيرا من الإعراب من أهل البوادي لم PageV04P312 # يعرف الوزن ولا يهتدي عند الإطلاق إلى ذلك والله أعلم. # وقوله: "حتى يكون ذلك عشرون دينارا" المراد بالدينار (¬1): المثقال وهو ~~ستون شعيرة من الشعير الموافق للعادة أي لا يخالف المعتاد في الخفة والثقل، ~~وهذا بناء على أن المراد به الشعير المتبادر عند الإطلاق، وقال ابن الخليل ~~وأبو مضر: المراد به وزنات عند أهل الصوغ يسمى شعائر قيل: وهي حب الشكلم، ~~وكان عهده - صلى الله عليه وسلم - المثقال عشرين قيراطا عراقيا، والقيراط ~~ثلاث شعيرات، وهذا مخالف لاصطلاح أهل الفرائض في القيراط، فهو عندهم ربع ~~السدس جزء من أربعة وعشرين، واعتبار نصاب الذهب بالعشرين الدينار هو قول ~~الأكثر، وقد روى عن الحسن البصري (¬2) أن نصاب الذهب أربعون، قال: لأنه إذا ~~كان عشرين استفتح المال المزكى بالكسر، فيكون زكاته نصف دينار بخلاف ما إذا ~~كان أربعين كان زكاته دينارا، وقد روي عنه مثل قول الأكثر (¬3)، ونصابه ~~معتبر في نفسه، فإن نقص عن ذلك ولو قل النقص لم يجب فيه شيء، وذهب طاوس ~~(¬4) إلى أنه يعتبر في نصابه التقويم بالفضة، فما بلغ منه ما يقوم بمائتي ~~درهم وجب فيه الزكاة، وهو بناء على أنه لم يثبت له نصاب في عينه، ولكنه قد ~~ثبت فالنص أولى، وعن مالك أنه لا يضر النقصان اليسير ms0739 كما تقدم في الفضة، ~~وقدر ذلك بالحبة والحبتين، وعنه أن ذلك لا يضر إذا نقص في بعض الموازين دون ~~بعض، فإن نقص في جميعها ضره (أ). # وفي قوله: "حتى يحول عليه الحول" وحديث ابن عمر [وكذلك PageV04P313 # أخرج الدارقطني من حديث أنس مرفوعا "ليس في المال زكاة حتى يحول عليه ~~الحول" وحديث ابن عمر] رفعه أيضا الدارقطني (¬1) والحاكم فيه دلالة على أن ~~الزكاة لا تجب حتى يمضي على المال في ملك المالك الحول، وهو قول الأكثر، ~~وذهب ابن عباس وابن مسعود والناصر وداود والصادق والباقر أنه يجب على ~~المالك إذا استفاد المال أن يزكيه في الحال لعموم قوله: "في الرقة ربع ~~العشر"، والجواب أنه مقيد بهذه الأحاديث والضعف فيها منجبر بكثرتها ~~وبالآثار الواردة عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، والله أعلم. # 460 - وعن علي - رضي الله عنه - قال: "ليس في البقر العوامل صدقة" رواه ~~أبو داود والدارقطني والراجح وقفه أيضا (¬2). # الحديث قال البيهقي (¬3): رواه النفيلي عن زهير بالشك في وقفه أو رفعه، ~~ورواه أبو بدر عن زهير مرفوعا، ورواه غير زهير عن أبي إسحاق موقوفا. انتهى. # وهو عند أبي داود وابن حبان عن عاصم عن علي، وصححه ابن القطان بناء على ~~توثيق عاصم بن ضمرة (¬4) عدم التعليل بالرفع والوقف. # وقد روي مثله من حديث عمر، أخرجه البيهقي وابن عدي، ومن حديث ابن عباس ~~أخرجه الدارقطني (¬5) بإسناد ضعيف (¬6) ومن حديث جابر PageV04P314 # بلفظ "ليس في المثيرة صدقة"، وفي رواية: "مثيرة الأرض" (¬1)، وضعف ~~البيهقي (¬2) إسناده، وصححه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (¬3)، إلا ~~أنه قال "الإبل" بدل "البقر"، وإسناده ضعيف (¬4). # والحديث فيه دلالة على أنه لا يجب في البقر العوامل شيء، وظاهره سواء ~~أسمت أو لم تسم إذا كانت عاملة، وقد ذهب إلى هذا الشافعي في أحد قوليه، وهو ~~الصحيح لمذهبه (¬5)، والقاضي زيد وصاحب اللمع، وذهب الإمام يحيى وحكاه ~~لمذهب الهادي والشافعي في أحد قوليه، والجويني (¬6) إلى أنه تجب الزكاة [في ~~العاملة السائمة لقول علي - رضي الله عنه - فإذا رعت وجبت ms0740 (¬7)، وذهب مالك ~~(¬8) وربيعة إلى وجوب الزكاة] في المواشي، وإن لم تكن سائمة بأن تكون ~~معلوقة لعموم قوله: "في كل أربعين من الغنم" الحديث، "وفي ثلاثين من البقر" ~~الحديث (¬9)، "وفي خمس من الإبل" الحديث (9)، والجواب بأن ذلك عموم، وهذا ~~خصوص، والعمل بالخاص فيما تناوله هو الواجب. # وإذا اختلف في العلف والسوم فمذهب الهادي والشافعي (¬10) أن العبرة ~~بالأغلب، إذ هو كالكل في أكثر الأحكام، واعتبر الإمام المهدي معه ذلك طرفي ~~الحول، فلا بد أن يسام في أكثر الوسط مع طرفي الحول قياسا PageV04P315 # على كمال النصاب، وللشافعي (¬1) قولان؛ أحدهما يسقط بعلف ثلاثة أيام إذ ~~لا تصبر في مثلها، والثاني إن نوى جعلها معلوفة سقطت بمرة كنية القنية. # 461 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "من ولي يتيما له مال فليتجر له ولا يتركه حتى ~~تأكله الصدقة" رواه الترمذي والدارقطني (¬2)، وإسناده ضعيف وله شاهد مرسل ~~عند الشافعي، في إسناد الحديث المثنى بن الصباح وهو ضعيف (¬3)، وقد قال ~~الترمذي (¬4): إنما يروى من هذا الوجه. # وقد روي عن عمرو بن شعيب عن عمر بن الخطاب موقوفا عليه، انتهى. # وقال مهنا (¬5): سألت أحمد عنه فقال: ليس بصحيح يرويه المثنى عن عمرو، ~~ورواه الدارقطني (¬6) من حديا أبي إسحاق الشيياني أيضا عن عمرو بن شعيب، ~~لكن رواية مندل بن علي وهو ضعيف (¬7)، ومن حديث العرزمي عن عمرو (¬8)، ~~والعرزمي ضعيف متروك (¬9)، ورواه ابن عدي (¬10) PageV04P316 # من طريق عبد الله بن علي، وهو الإفريقي وهو ضعيف (¬1)، وقال الدارقطني في ~~"العلل" رواه حسين المعلم عن مكحول عن عمرو بن شعيب عن سعيد بن المسيب عن ~~عمر، ورواه ابن عيينة عن عمرو بن دينار عن عمرو بن شعيب عن عمر، ولم يذكر ~~ابن المسيب، وهو الذي عناه الترمذي، والمرسل الذي رواه الشافعي (أ)، وهو ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ابتغوا في أموال اليتامى لا تأكلها الزكاة" ~~(¬2)، وقد أخرجه الشافعي عن عبد المجيد بن أبي رواد عن ابن جريج عن يوسف ms0741 بن ~~ماهك به مرسلا، وقد أكده الشافعي بعموم الأحاديث الصحيحة في إيجاب الزكاة ~~مطلقا (¬3)، وقد روى مثله عن أنس مرفوعا، أخرجه الطبراني في "الأوسط" (¬4)، ~~وقد روى مثله الشافعي عن ابن عمر موقوفا (¬5)، وأخرج أيضا مالك في الموطأ ~~عن القاسم بن محمد قاسم: "كانت عائشة تليني وأخا لي يتيما في حجرها، وكانت ~~تخرج من أموالها الزكاة" (¬6)، وهو مروي أيضا عن علي - رضي الله عنه - من ~~طرق، أخرجها البيهقي وابن عبد البر (¬7). PageV04P317 # والحديث فيه دلالة على وجوب الزكاة في مال الصبي، وأنه كمال المكلف، ولكن ~~الواجب على وليه الإخراج لهذا ولعموم أدلة الزكاة، كقوله "في الرقة ربع ~~العشر" (¬1) ونحوه، وقد ذهب إلى هذا طوائف من الصحابة كعلي وعمر وابن عمر ~~وعائشة (¬2)، ومن التابعين كابن أبي ليلى، ومن بعدهم كالثوري والنخغي، ومن ~~الأئمة كالهادي والمؤيد والشافعي وغيرهم (2)، وذهب ابن عباس وزيد بن علي ~~والناصر والصادق وأبو حنيفة وأصحابه وابن شبرمة إلى أنه يلزمهم العشر (¬3) ~~لعموم دليله لا غيره لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع القلم ... " ~~الحديث (¬4)، وذهب ابن مسعود (¬5) إلى أنه لا يخرج الولي بنفسه من مال ~~الصبي، قال فيما أخرجه البيهقي عنه: "من ولي مال يتيم فليحص عليه السنين، ~~فإذا دفع إليه ماله أخبره بما فيه من الزكاة، فإن شاء زكي وإن شاء ترك" ~~(¬6) وأعله الشافعي بالانقطاع (¬7)، وبأن راويه ليث بن أبي سليم، وهو ليس ~~بحافظ، وقد روي مثله عن ابن عباس (¬8)، وفي إسناده ابن لهيعة (¬9). PageV04P318 # وفي قوله "حتى تأكله الصدقة": دلالة على أن الزكاة لا تتعلق بالعين حتى ~~تمنع وجوب الزكاة بنقصان النصاب، وإن كان ذلك يحتمل التأويل بأنه يصدق بأكل ~~البعض منه مجازا، والله أعلم. # 462 - وعن عبد الله بن أبي أوفى قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا أتاه قوم بصدقتهم قال: "اللهم صل عليهم". متفق عليه (¬1)، لفظ ~~البخاري قال: "اللهم صل على آل فلان، فأتاه أبي بصدقته فقال: اللهم صل على ~~آل أبي أوفى" (¬2). # في الحديث دلالة على أنه مشروع من قابض الزكاة الدعاء لمؤتيها، وظاهر ms0742 هذا ~~أن عادة النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت بذكر لفظ الصلاة، وهو مؤيد ~~بقوله تعالى: {وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم} (¬3) ولكنه غير متعين ذلك اللفظ ~~لما أخرجه النسائي من حديث وائل بن حجر (¬4) أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~قال في رجل بعثه ساعيا في الزكاة: "اللهم بارك فيه وفي إبله" وترجم البخاري ~~في ذلك باب صلاة الإمام ودعائه لصاحب الصدقة (¬5)، وكأنه أراد الإشارة إلى ~~ما ورد في الحديث. # وقد استدل بعض أهل الظاهر بهذا على وجوب الدعاء من الإمام، وآخذ الصدقة، ~~وحكى وجها لبعض الشافعية، وأجيب بأنه لو كان واجبا لعلمه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - السعاة، ولأن سائر ما يأخذه الإمام من الكفارات وغيرها لا يجب ~~عليه فيها الدعاء، وكذلك الزكاة، وأما الأمر في الآية PageV04P319 # الكريمة فيحتمل أن يكون إيجابا على الرسول - صلى الله عليه وسلم - خاصا ~~به لكون صلاته سكن لهم. # واستدل أيضا بجواز الصلاة على غير الأنبياء، وكرهه مالك والجمهور، وقال ~~جماعة من العلماء: يدعو آخذ الصدقة للمتصدق بهذا الدعاء لهذا الحديث، وأجاب ~~الخطابي (¬1) بأن أصل الصلاة الدعاء إلا أنه يختلف بحسب المدعو له، فصلاة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - على أمته دعاء لهم بالمغفرة، وصلاة أمته عليه ~~دعاء له بزيادة القربة والزلفى، ولذلك كان لا يليق بغيره، انتهى. # وفي قوله "اللهم صل على آل أبي أوفى": مراد بالآل النفس، لأن الآل يطلق ~~على ذات الشيء كقوله "لقد أوتي مزمارا من مزامير آل داود" (¬2)، وقيل: لا ~~يقال ذلك إلا في حق الرجل الجليل القدر. # 463 - وعن علي - رضي الله عنه - أن العباس - رضي الله عنه - سأل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - "في تعجيل صدقته قبل أن تحل، فرخص له في ذلك" رواه ~~الترمذي والحاكم (¬3). # الحديث أخرجه أحمد وأصحاب السنن والحاكم والدارقطني والبيهقي من حديث ~~الحجاج بن دينار عن الحكم بن عيينه عن جحية بن عدي عن PageV04P320 # علي، وذكر الدارقطني الاختلاف فيه على الحكم، ورجح رواية منصور عن الحسن ~~بن مسلم بن يناق عن النبي - صلى ms0743 الله عليه وسلم - مرسلا، وكذا رجحه أبو ~~داود (¬1)، وقال البيهقي (¬2): قال الشافعي: روي عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه تسلف صدقة مال العباس قبل أن يحل، ولا أدري أثبت أم لا، قال ~~البيهقي: عنى بذلك هذا الحديث، وهو معتضد بحديث أبي البختري عن على - رضي ~~الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنا كنا احتجنا فأسلفنا ~~العباس صدقة عامين" (¬3)، رجاله ثقات إلا أن فيه انقطاعا (¬4). # وقد ورد هذا المعنى بألفاظ مختلفة، ومجموعها يدل على أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قبض من العباس زكاة عامين، واختلفت الرواية هل هو استسلاف من ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أو تقديم من العباس ابتداء، ولعلهما واقعتان جميعا. # والحديث فيه دلالة على صحة تعجيل الزكاة قبل أن يحل وقت وجوبها، وقد ذهب ~~إلى هذا الهادي والقاسم والمؤيد بالله والحنفية والشافعية (¬5)، إلا أن ذلك ~~مخصوص بالمالك، ولا يصح التعجيل من المتصرف بالوصاية أو الولاية، ولعل وجه ~~ذلك أن فيه تبرعا بالإخراج قبل وجوبه، وذلك إنما هو للمالك، ولأنه يجوز ~~ذهاب المال قبل وجوب الإخراج. قال المؤيد بالله (¬6): والتعجيل أفضل، وقد ~~صح عن أبي هريرة أنه كان يقبض زكاة الفطر في رمضان (¬7) مع أن وقت وجوبها ~~هو يوم PageV04P321 # العيد، وكذا صح عن ابن عمر أنهم كانوا يخرجونها قبل يوم العيد باليوم ~~واليومين (¬1)، وذهب الناصر ومالك وربيعة وداود وأبو عبيد بن الحارث إلى ~~أنه لا يجزئ التعجيل لا تقدم من حديث الترمذي حتى يحول عليه الحول (¬2). # والجواب عنه بأن المراد به أنه لا وجوب حتى يحول عليه الحول، وهو لا ينفي ~~جواز التعجيل، قالوا: ولأن ذلك كالعبادة قبل الوقت، والجواب عنه بأن ~~العبادة قبل الوقت لا يحصل سبب وجوبها، وهنا قد حصل سبب الوجوب وهو ملك ~~النصاب، وحول الحول إنما هو شرط للوجوب، وفرق بين التقديم على السبب ~~والتقديم على الشرط كالحج، فإن وجوبه مشروط بالاستطاعة، وهو يصح فعله ~~قبلها، وفرق أيضا حديث العباس، وقال الإسفرائيني (¬3): لا يصح لعامين، وهو ~~مردود بحديث العباس، ولا ms0744 يصح التعجيل قبل ملك النصاب لعدم حصول سبب الوجوب، ~~واعتبر الحنفية والشافعية كمال النصاب آخر الحول الذي وقع فيه التعجيل، ولو ~~كان وقت التعجيل ناقصا ولا يكمل النصاب بالمعجل إلى الفقر أو لا يزكي إذ هو ~~تمليك لهم، وذهب الشافعي وأصحابه إلى أنه يحتسب به، قال: لأن التعجيل رفق ~~بالمساكين، وهذا ينافيه لتفويتها عليهم فلزم الاحتساب به، وأما المصدق ~~فاتفاق أن التعجيل إليه ليس بتمليك. # 464 - وعن جابر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "ليس فيما دون خمس أواقي من الورق صدقة، وليس فيما دون خمس ذود من ~~الإبل صدقة، وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة" PageV04P322 # رواه مسلم (¬1)، وله من حديث أبي سعيد "ليس فيما دون خمسة أو ساق من تمر ~~ولا من حب صدقة" (¬2). # وأصل حديث أبي سعيد متفق عليه (¬3). # قوله: "ليس فيما دون خمس أواقي" هكذا وقع في رواية لمسلم بإثبات الياء، ~~وفي باقي روايته "أواق" بحذفها، وكلاهما صحيح، قال أهل اللغة: الأوقية بضم ~~الهمزة وتشديد الياء وجمعها أواقي بتشديد الياء وتخفيفها (أ (وأواق بحذفها. ~~قال ابن السكيت في "الإصلاح": كل ما كان من هذا النوع واحده مشدد خافي جمعه ~~التشديد التخفيف) أ) كالأوقية والأواقي والسري والسراوي والتحتية والعلية ~~والأثفبة ونظائرها، وأنكر جمهورهم أن يقال في الواحدة، وفيه بحذف الهمزة، ~~وحكى اللحياني جوازها بفتح الواو، وجمعها وقايا. # والأوقية: أربعون درهما كما تقدم. # الورق: بفتح الواو وكسرها وكسر الراء وإسكانها والمراد به الفضة مطلقا، ~~وقيل هو حقيقة في المضروب، ولا يطلق على غيره إلا مجازا، وقد تقدم ما يتعلق ~~بذلك من الفقه. # والذود (¬4): بفتح الذال المعجمة وسكون الواو ما بين الثلاث إلى العشر ~~[من الإبل لا واحد له من لفظه، وإنما يقال في الواحد بعير، وقال الجمهور: ~~هو من الثلاث إلى العشر]، قال أبو عبيد (¬5): ما بين ثلاث إلى PageV04P323 # تسع مختص بالإناث، وأنكر ابن قتيبة أن يقال خمس ذود كما لا يقال خمس ثوب ~~وغلط بأن هذا اللفظ شائع في الحديث الصحيح، ms0745 مسموع من العرب، موجود في كتب ~~اللغة، وليس هو جمع لمفرد بخلاف الأثواب، وقال أبو حاتم السجستاني: تركوا ~~القياس في الجمع فقالوا: خمس ذود لخمس من الإبل، وثلاث ذود لثلاث من الإبل، ~~وأربع ذود وعشر ذود على غير قياس، كما قالوا ثلاثمائة ونحوه (¬1)، وقد روي ~~في الحديث بتنوين خمس وإتباع ذود على الصفة، ورواية الجمهور بالإضافة، وهو ~~المشهور. # ولفظ ذود مؤنث ولذلك أنث له اسم العدد، نص عليه سيبويه وقال: وليس باسم ~~كسر عليه مؤنث. # فائدة: قال الأصمعي: الذود ما بين الثلاث إلى العشر، والصبه خمس أو ست، ~~وفي القاموس (¬2) بالضم وهي السرية من الخيل والإبل والغنم أو ما بين ~~العشرة إلى الأربعين، إذ هي من الإبل ما دون المائة، والصرمة ما بين العشر ~~إلى العشرين، وفي القاموس (¬3): الصرمة بالكسر ما ما بين العشرين إلى ~~الثلاثين، والعكرة: ما بين العشرين إلى الثلاثين، وفي القاموس (¬4)، ~~العكرة: القطعة من الإبل، والهجمة: ما بين الستين إلى السبعين، وفي القاموس ~~(¬5): الهجمة من الإبل: ما لها أربعون إلى ما زاد أو ما بين السبعين إلى ~~المائة أو إلى دونها، والهنيدة مائة، وفي القاموس (¬6): الهنيدة اسم للمائة ~~من الإبل أو لما فوقها ودونها أو للمائتين PageV04P324 # كهيدة، والخطر نحو مائتين، وفي القاموس (¬1): الخطر بكسر الخاء: الإبل ~~الكثير أو أربعون أو مائتان أو ألف منها، والعرج: من خمسمائة إلى ألف، وفي ~~القاموس (¬2): العرج القطيع من الإبل نحو الثمانين أو منها إلى التسعين أو ~~مائة وخمسون وفوقها، أو من خمسمائة إلى ألف، والجمع أعراج وعروج، وقال أبو ~~عبيدة وغيره: الصرمة من العشر إلى الأربعين (¬3). # وقوله "أوساق": جمع وسق بكسر الواو وفتحها، والمراد به ستون صاعا كل صاع ~~خمسة أرطال وثلث بالبغدادي، وفي رطل بغداد أقوال أظهرها أنه مائة درهم ~~وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم، وقيل: مائة وثمانية وعشرون درهما، ~~وقيل مائة وثلاثون، والخمسة الأوسق ألف وستمائة رطل بالبغدادي (¬4)، وقد ~~ذهب إلى تقديره بالوزن زيد بن علي والناصر والمؤيد وأبو حنيفة والشافعي ~~ومالك (¬5)، قالوا لاتفاق أهل المدينة على تقديره ms0746 به، وهم أعرف. # وذهب الهادي والقاسم إلى أنه يقدر بالكيل لظاهر الخبر، والوزن في المدينة ~~إنما أمر به هارون حين تناظر أبو يوسف ومالك وأحضروا صيعانهم التي روي أنها ~~عهده، - صلى الله عليه وسلم -، فالصاع حينئذ أربعة أمداد بمده - صلى الله ~~عليه وسلم -، والجمهور على أن مده - صلى الله عليه وسلم - رطل وثلث وزيادة ~~يسيرة بالبغدادي، وهو PageV04P325 # الذي رجع إليه أبو يوسف حين ناظره مالك بشهادة أهل المدينة، وكان أبو ~~حنيفة يقول: إن المد رطلان والصاع ثمانية أرطال. # واختلف هل هذا التقدير تقريب أو تحديد؟ فيه وجهان لأصحاب الشافعي، وفائدة ~~الخلاف أنه على وجه التقريب تجب الزكاة وإن نقص قليلا، وعلى وجه التحديد لا ~~تجب، وهذا الحديث مخصص لعموم: "فيما سقت السماء العشر" (¬1) فلا تجب الزكاة ~~فيما دون ذلك، وقد ذهب إلى هذا الجمهور منهم على وابن عمر وجابر والهادي ~~والقاسم والمؤيد والشافعي وأبو يوسف ومحمد والثوري (¬2)، وذهب زيد بن علي ~~والنخعي وابن عباس وأبو حنيفة إلى العمل (¬3) لعموم قوله: "فيما سقت السماء ~~العشر" فتجب الزكاة فيما قل وكثر وتخصيصه بحديث الأوساق ممنوع، وذلك أن ~~حديث العموم مشهور، له حكم المعلوم عندهم، وحديث الأوساق ظني فلا يقوى على ~~تخصيصه. # وقد حكى أبو الحسين والرازي عن الشيخ أبي الحسن الكرخي أن المبين إذا كان ~~لفظا معلوما وجب كون بيانه مثله وإلا لم يقبل، ولهذا لم يقبل خبر الأوساق ~~مع قوله لا فيما سقت السماء العشر". انتهى. # وهذا بناء منهم على أن دلالة العموم على ما تحته من الأفراد قطعية، وهو ~~ممنوع، ولكن لا يتم العمل بالتخصيص إلا إذا كان خبر الأوساق متأخرا، وأما ~~إذا كان متقدما فيستقيم ذلك على أصل الشافعي ومن قال بقوله من بناء العام ~~على الخاص مطلقا، وأما على قول الجمهور من أن العام المتأخر ناسخ للخاص ~~المتقدم فلا ينم العمل به، بل العمل بالعام على تقدير تأخره أو التوقف مع ~~جهل التاريخ والرجوع إلى غيره إن وجد. PageV04P326 # وذهب الناصر إلى العمل بحديث الأوساق في التمر والزبيب والبر ms0747 والشعير ~~والعمل بعموم: "فيما سقت السماء العشر" في غير ذلك جمعا بين الأدلة، ويجاب ~~عنه بأن النص على ما ذكر لا يقتضي الوقوف عليه مع إثبات حجية القياس، فلا ~~وجه لذلك، والله أعلم. # 465 - وعن سالم بن عبد الله عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "فيما سقت السماء والعيون أو كان عثريا العشر، وفيما سقي بالنضح نصف ~~العشر" رواه البخاري (¬1)، ولأبي داود أيضا "العشر، وفيما سقي بالسواني أو ~~النضح نصف العشر" (¬2). # المراد بما سقت السماء هو ما كان من المطر أو الثلج أو البرد أو الطل ~~والعيون، وهي الأنهار الجارية التي يسقى منها بإساحة الماء من غير اغتراف ~~منه بآلة، والعثري بفتح العين المهملة وفتح الثاء وكسر الراء المهملة ~~وتشديد الياء المنقوطة من أسفل بنقطتين (¬3)، وحكى ابن الأعرابي تشديد ~~الثاء المثلثة، ورده ثعلب، وحكى ابن عديس في "المثلث" منه ضم أوله وإسكان ~~ثانيه (¬4)، واختلف في معناه، فقيل هو الذي يشرب بعروقه لأنه عثر على الماء ~~قاله الخطابي، وهو ما كان الماء قريبا من وجه الأرض فيغرس فتصل العروق إلى ~~الماء فتستغني عن السقي. # وقيل العثري هو الماء المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه ماء المطر في PageV04P327 # وقيل العثري هو الماء المستنقع في بركة ونحوها يصب إليه ماء المطر في ساق ~~تساق إليه، وسمى بذلك لأن الماء تتغير فيها، وقال أبو عبيد (¬1): إن العثري ~~ما سقت السماء، والظاهر هو الأول بقرينة مغايرة العطف، وقال بعضهم: العشري ~~هو الذي لا حمل له، ولا يصح هذا لأن ما لا حمل له لا زكاة فيه. # والنضح بفتح النون وسكون الضاد المعجمة بعدها مهملة، والمراد به ما سقي ~~بالسانية، وهي رواية مسلم، والمراد بها الإبل التي يستقى عليها، والبقر ~~وغيرها مثلها في الحكم، وعطف النضح على السواني في رواية أبي داود يدل على ~~أن النضح ما كان بآلة غير السواني، والحكم في ذلك واحد لأن المقصود ~~الاحتياج إلى تعب، ومن أوله في السقي. # والبعل بفتح الباء الموحدة وضم المهملة: وهو النخل الذي ms0748 يشرب بعروقه ~~(¬2)، وظاهر الحديث أنه يجب العشر فيما يسقي بما ذكر، ونصف العشر فبالنضح ~~حيث كان جميعه، وأما إذا كان بعض السقي من السني وبعضه من غيره وجب الزكاة ~~بالتقسيط، وقال المؤيد وأبو طالب وأحمد بن حنبل: العبرة بالأكثر، وهو قول ~~الثوري وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي (¬3)، والقول الثاني يؤخذ بالتقسيط ~~(¬4)، وعن ابن القاسم صاحب مالك العبرة بما تم به الزرع وانتهى ولو كان ~~أقل، وعلى القول بالتقسيط إذا استوى أو التبس فنصفان إذ لا مخصص، واختلف في ~~التقسيط فقيل حسب العرامة، وهو ظاهر اللمع، وقيل يعتبر بالأوراد وهو أحد ~~قولي الشافعي. PageV04P328 # 466 - وعن أبي موسى الأشعري ومعاذ بن جبل - رضي الله عنهما - أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال لهما: "لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف ~~الأربعة: الشعير والحنطة والزبيب والتمر" رواه الطبراني والحاكم (¬1). # وللدارقطني عن معاذ: "فأما القثاء والبطيخ والرمان والقصب فقد عفا عنه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" وإسناده ضعيف. # الحديث الأول: أخرجه الحاكم من حديث أبي بردة عن أبي موسى ومعاذ حين ~~بعثهما النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، ~~قال البيهقي (¬2): رواته ثقات وهو متصل، وروى الطبراني من حديث موسى بن ~~طلحة عن عمر: "إنما سن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة في هذه ~~الأربعة" فذكرها وهو مرسل (¬3) رواية موسى عن عمر كذا قال أبو زرعة، وروي ~~ابن ماجه والدارقطني (¬4) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "إنما سن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الزكاة في الحنطة والشعير والتمر ~~والزبيب" زاد ابن ماجه: "والذرة"، وفي إسنادهما محمد بن عبد الله PageV04P329 # العرزمي، وهو متروك (¬1)، وروى البيهقي (¬2) من طريق مجاهد قال: "لم تكن ~~الصدقة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا في خمسة" فذكرها، ومن طريق ~~الحسن قال: "لم يفرض النبي - صلى الله عليه وسلم - الصدقة إلا في عشرة" ~~(¬3) فذكر الخمسة المذكورة والإبل والبقر والغنم والذهب والفضة. وعن الشعبي ~~(¬4): "كتب رسول الله - صلى الله عليه ms0749 وسلم - إلى أهل اليمن إنما الصدقة في ~~الحنطة والشعير والتمر والزبيب" قال البيهقي (¬5): هذه المراسيل طرقها ~~مختلفة، هي تؤكد بعضها بعضا. # والحديث الثاني: أخرجه الدارقطني والبيهقي (¬6) من حديث إسحاق بن يحيى بن ~~طلحة عن عمه موسى بن طلحة عن معاذ، وفيه انقطاع لأن موسى لم يسمع من معاذ، ~~كذا قال أبو زرعة (¬7)، وكذا قال ابن عبد البر: إنه لم يدرك معاذا ولا ~~لقيه، وفي هذا رد على الحاكم حيث قال (¬8): موسى تابعي كبير لا ينكر أنه ~~لقي معاذا. # والحديث فيه دلالة على أنه لا تجب الزكاة فيما عدا الأربعة المذكورة، وقد ~~ذهب إلى هذا الحسن البصري والحسن بن صالح والثوري والشعبي وابن سيرين ~~ورواية أيضا عن أحمد (¬9)، وذهب الشافعي (¬10) إلى أنها تجب الزكاة في هذه ~~وما شابهها في الاقتيات اختيارا كالذرة والحمص لورود النص فيما ذكر، وشمول ~~العلة لغيرها، وهي الاقتيات والادخار وعظم المنافع فيها، واحترزنا ~~بالاختيار عما كان يقتات في الاضطرار كحب PageV04P330 # الغاسول (¬1) ونحوه فإنه ليس في معنى ما ورد به النص، وقال في القديم: ~~تجب الزكاة في الرسون والزعفران والورس والقرطم والعلس لآثار وردت في ذلك، ~~وحكى الرافعي قولين في اللوز والبلوط، وقال أبو يوسف: تجب فيما جرى فيه ~~النقير والرطل فقط، وقال محمد كذلك إلا الحناء، وذهب الهادي والقاسم إلى ~~أنها تجب في كل خارج لعموم الآية، وهي قوله تعالى: {ومما أخرجنا لكم من ~~الأرض} (¬2)، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فيما سقت السماء العشر" (¬3)، ~~ونحوه إلا الحشيش والحطب (¬4) لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الناس شركاء ~~في ثلاث" (¬5)، والحطب مقيس على الكلأ. # وقال أبو حنيفة بمثله إلا أنه استثنى السعف والتين، والحديث وارد على ~~الجميع، والظاهر مع من قال به، والمخالفون دفعوا ذلك، والشافعي رجع إلى ~~القياس وحكم بتخصيصه لعموم حديث معاذ وأبي موسى وهو صحيح، وقريب منه أبو ~~يوسف ومحمد ولكنهما يجعلان العلة كثرة الاحتياج إلى ذلك فكان مظنة التبادر ~~من لفظ العموم لا القياس، والهادي والقاسم رجحا العمل بعموم الآية والحديث، ~~والحديث المخصص ضعيف، قال الإمام ms0750 المهدي في "البحر" (¬6): لنا عموم الأدلة ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس في الخضروات صدقة" (¬7) ضعيف السند ~~فأسقطه البخاري وضعفه PageV04P331 # الترمذي، سلمنا فأراد ما لم يبلغ النصاب. انتهى. # وقد يجاب عن تضعيف الحديث بأن إسقاط البخاري له لا يقتضي ضعفه، وتضعيف ~~الترمذي له إنما هو سبب إرسال موسى بن طلحة، فإنه رواه عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وهو تابعي ولكن الإرسال غير قادح عند كثير من الأئمة منهم ~~الإمام المهدي إذا عرف من حال الراوي أنه لا يرسل إلا عن عدل، وقد رواه ~~البيهقي من حديث موسى بن طلحة قال: عندنا كتاب معاذ (¬1)، مع أنه وصله ~~الدارقطني (¬2) فرواه عن موسى بن طلحة عن أبيه مرفوعا، وقد روي من حديث على ~~مرفوعا أخرجه الدارقطني بسند ضعيف (¬3)، وعن محمد بن جحش أخرجه الدارقطني ~~(¬4) وفيه عبد الله بن شبيب، قيل: إنه يسرق الحديث (¬5)، وعن عائشة أخرجه ~~الدارقطني (¬6) وفيه صالح بن موسى وفيه ضعف (¬7)، وعن علي وعمر موقوفا ~~أخرجها البيهقي (¬8)، فهذه الروايات تقوي بعضها بعضا فيصلح للاحتجاج. PageV04P332 # 467 - وعن سهل بن أبي حثمة قال: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا خرصتم فخذوا ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" رواه الخمسة ~~إلا ابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم (¬1). # الحديث في إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار (¬2) (أ) الراوي عن سهل، ~~وقد قال البزار (¬3): إنه تفرد به، وقال ابن القطان (¬4): لا يعرف حاله. # قال الحاكم (¬5): "وله شاهد متفق على صحته أن عمر بن الخطاب أمر به" انتهى. # عن عمر أنه كان يقول للخراص: "دع لهم قدر ما يأكلون وقدر ما يقع" أخرجه ~~عبد الرزاق وابن أبي شيبة وأبو عبيد في "الأموال" والبيهقي (¬6). # وأخرج ابن عبد البر (¬7) عن جابر مرفوعا: "خففوا في الخرص فإن في المال ~~العرية والواطئة والآكلة" (¬8) الحديث. وفي النهاية (¬9) أنه قال للخراص: ~~"احتاطوا لأهل الأموال في النائية والواطئة" (¬10) الواطئة المارة والسابلة PageV04P333 # سموا بذلك لوطئهم الطريق، يقول استظهروا لهم في الخرص لما ينوبهم وينزل ~~بهم من الضيفان، وقيل: الواطئة ms0751 سقاطة التمر تقع فتوطأ بالأقدام فهي فاعلة ~~بمعنى مفعولة، وقيل هي من الوطايا جمع وطيئة وهي تجري مجرى العرية سميت ~~بذلك لأن صاحبها وطأها لأهله أي ذللها ومهدها فهي لا تدخل في الخرص، ومنه ~~حديث القدر وآثار موطوءة أي مسلوك عليها بما سبق من خير أو شر. انتهى. # وقد اختلف في معنى هذا فقال ابن حبان: له معنيان أحدهما أن يترك الثلث أو ~~الربع من العشر، وثانيهما أن يترك ذلك من نفس الثمر قبل أن يعشر، وقال ~~الشافعي: معناه أن يدع ثلث الزكاة أو ربعها ليفرقها هو بنفسه على أقاربه ~~وجيرانه، وقيل: يدع له ولأهله قدر ما يأكلون ولا يخرص، ومقتضى هذا أنه إذا ~~احتاج وأهله إلى الجميع أن يترك الجميع، وقد حكاه المنذري كذلك في حواشيه. # والأولى الرجوع في تفسير الحديث إلى ما صرحت به رواية جابر، وهو التخفيف ~~في الخرص فيترك من العشر بقدر الربع أو الثلث، فإن الأمور المذكورة قد لا ~~تدرك الحصاد، فلا تجب فيها الزكاة، والأثمار لا تخلو في الأغلب عن ذلك. # 468 - وعن عتاب بن أسيد قال: "أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يخرص العنب كما يخرص النخل وتؤخذ زكاته زبيبا" رواه الخمسة وفيه انقطاع ~~(¬1). PageV04P334 # وأخرج الحديث الدارقطني وابن حبان أيضا، والانقطاع من حيث إنه رواية سعيد ~~بن السيب عن عتاب، وقد قال أبو داود: إنه لم يسمع منه (¬1)، وقال ابن قانع: ~~لم يدركه، وقال المنذري: إن مولد سعيد في خلافة عمر، وعتاب مات في اليوم ~~الذي مات فيه أبو بكر، وقال بمثله ابن عبد البر (¬2)، وقد رواه الدارقطني ~~بسند فيه الواقدي عن سعيد بن المسيب عن المسور بن مخرمة عن عتاب بن أسيد ~~(¬3)، وقال أبو حاتم: الصحيح عن سعيد بن المسيب أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر عتابا مرسل، وهذه رواية عن الزهري (¬4)، قال النووي: هو وإن كان ~~مرسلا فهو معتضد بقول الأئمة (¬5). # والحديث فيه دلالة على وجوب خرص العنب والتمر لأن قول الراوي "أمر" مفهم ~~لوقوع ما يدل على ms0752 الأمر من النبي - صلى الله عليه وسلم -، والأمر ظاهر في ~~الوجوب، وقد ذهب إلى الوجوب الشافعي في أحد قوليه (¬6)، قال الإمام المهدي: ~~لا دليل على الوجوب (¬7)، ويجاب عنه بأن الدليل ما عرفت، وذهب الهادوية ~~والشافعي في أحد قوليه إلى أنه مندوب (¬8) قالوا: للمصلحة في ذلك، وقال أبو ~~حنيفة: لا يجوز لأنه رجم بالغيب، ويجاب عنه بأنه عمل بالظن، ورد الأمر به، ~~قال القاسم والهادي والمؤيد وأبو PageV04P335 # طالب (1): وثمرته أمن الخيانة من رب المال، ولذلك يجب البينة في دعوى ~~النقص بعد الخرص، ومطالبة المصدق بقدر ما خرصه للفقر أو جواز انتفاع المالك ~~بالأكل والانتفاع. # وقال المنصور والشافعي: ومن فوائده التضمين لرب المال قدر الزكاة فيضمنه ~~ولو تلف بغالب، كما لو تلف بعد إمكان الأداء (2)، قال الإمام المهدي (3): ~~لا دليل على التضمين، ويجاب عنه بأن في قصة عبد الله بن رواحة أنه ضمن أهل ~~خيبر بعد أن خرص عليهم (¬4) ولم ينكر عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ولا بد من لفظ التضمين وقبول المضمن لذلك، وإلا لم يضمن. # وقال ابن المنذر (¬5): أجمع من يحفظ عنه العلم أن الخروص إذا أصابته ~~جائحة قبل الجذاذ فلا ضمان (أ). # ويكفي خارص واحد عند العترة وأحد قولي الشافعي كعبد الله بن رواحة وعتاب ~~بن أسيد وأحد قولي الشافعي لا بد من عدلين كتقويم جزاء الصيد (¬6)، والجواب ~~أنه لا قياس مع النص. # (ولا بد أن يكون عدلا، لأن الفاسق غير مأمون، عارفا بالخرص) (ب). # والحديث وارد في العنب والتمر ويقاس عليه غيره، وهو ما كان يمكن ضبطه ~~وإحاطة النظر به. PageV04P336 # وعن أبي جعفر وابن (أ) أبي الفوارس أن ذلك يقصر على ورود النص، وقد قال ~~به شريح وبعض أهل الظاهر، ومذهب الهادوية والشافعية (¬1) أنه لا خرص في ~~الزرع لتعذر ضبطه لاستتاره بالقشر، وذهب الإمام يحيى إلى أنه يجوز للمصلحة ~~كالعنب، قال الإمام المهدي (¬2): العنب ممكن الضبط لظهوره فافترقا، وإذا ~~ادعى المالك أنه نقص المخروص، فإن كان ذلك بسبب يمكن إقامة البينة عليه ~~وجبت عليه البينة، وإلا صدق ms0753 مع يمينه وفي عجالة المنهاج ما لفظه: "ولو ادعى ~~هلاك الخروص بسبب خفي كسرقة أو ظاهر كالنهب والبرد عرف صدقه بيمينه" أي في ~~دعوى التلف بذلك السبب (¬3)، واليمين مستحبة على الأصح (¬4)، فإن لم يعرف ~~الظاهر طولب ببينة على الصحيح لإمكانها ثم يصدق بيمينه في الهلاك له أي ~~بذلك السبب والثاني: لا يطالب بها بل القول قوله بيمينه لأنه مؤتمن شرعا، ~~فإن اقتصر على دعوى الهلاك من غير تعرض لسبب فالمفهوم من كلامهم قبوله مع ~~اليمين، ولو ادعى حيف الخارص أو غلطه بما يبعد لم يقبل. # أو محتمل -بفتح الميم- قبل في الأصح لما نبه عليه من التعليل، والثاني: ~~لا يعدم تحققه. # وقوله: "وتؤخذ زكاته زبيبا" هذا فيما كان يعتبر فيه الترتيب، وأما ما كان ~~لا يعتبر فيه ذلك وإنما يؤخذ رطبا فالظاهر أن له حكم الخضراوات، والله ~~أعلم. PageV04P337 # 469 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن امرأة أتت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان من ذهب، فقال لها: ~~أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة ~~بسوارين من نار؟ فألقتهما". رواه الثلاثة (¬1) وإسناده قوي، وصححه الحاكم ~~من حديث عائشة - رضي الله عنها - (¬2). # 470 - وعن أم سلمة: "أنها كانت تلبس أوضاحا من ذهب فقالت: يا رسول الله ~~أكنز هو؟ قال: إذا أديت زكاته فليس بكنز" رواه أبو داود والدارقطني وصححه ~~الحاكم (¬3). # الحديث أخرجه أبو داود من حديث حسين المعلم وهو ثقة عن عمرو، فجزم ~~الترمذي بأنه لا يعرف إلا من حديث ابن لهيعة غير صحيح (¬4). # وحديث عائشة أخرجه الحاكم والدارقطني والبيهقي: "أنها دخلت على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فرأى في يدي فتخات من ورق فقال: ما هذا يا عائشة؟ ~~فقالت صغتهن أتزين بهن لك يا رسول الله قال: أتؤدين زكاتهن؟ قالت: لا قال: ~~هو حسبك من النار .. " وإسناده على شرط الصحيح. # وفي الباب (أ) عن عمر أخرج ابن أبي شيبة والبيهقي " أنه كتب عمر PageV04P338 # إلى أبي موسى ms0754 أن مر (أ) من قبلك من نساء المسلمين أن يصدقن من حليهن" ~~(¬1) وهو مرسل قاله البخاري (¬2)، وقد أنكر الحسن ذلك فيما رواه ابن أبي ~~شيبة قال: لا نعلم أحدا من الخلفاء قال في الحلي زكاة (¬3). # وعن ابن عباس أخرجه ابن المنذر والبيهقي، وقال الشافى: لا أدري أثبت عنه أم لا. # وعن ابن مسعود أخرجه ابن المنذر والطبراني والبيهقي أن امرأته سألته على ~~حلي لها، فقال: إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة، قالت: أضعها في بني أخ لي ~~في حجري؟ قال: نعم (¬4). # والحديث فيه دلالة على وجوب الزكاة في الحلي من ذهب أو فضة، وقد ذهب إلى ~~هذا العترة والثوري والنخعي والزهري وأبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي ~~(¬5)، لهذه الأحاديث وعموم قوله تعالى: {والذين يكنزون ...} (¬6) الآية. # وذهب الحسن البصري والشعبي ومالك وأحمد وإسحاق والشافعي (¬7) إلى أنها لا ~~تجب الزكاة في الحلي لما أخرجه الدارقطني من حديث جابر: "ليس في الحلي ~~زكاة" (¬8) وفي إسناده أبو حمزة وهو ضعيف، وهو PageV04P339 # متقوي بآثار: أخرج مالك عن ابن عمر أنه كان يحلي بناته وجواريه بالذهب ~~فلا يخرج منه الزكاة (¬1). # وأخرج مالك والشافعي عنه عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة "أنها ~~كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي فلا تخرج منه الزكاة" (¬2). # وعن جابر أخرج الشافعي أنه سأله رجل عن زكاته فقال: "زكاته عاريته" (¬3) ~~ورواه البيهقي أيضا، وروى الدارقطني عن أنس وأسماء بنت أبي بكر مثل ذلك (¬4). # وقوله: في الحديث "مسكتان" بكسر الميم وتحريك السين بالفتح مثنى مسكة، ~~وهي أسورة من ذبل أو عاج، فإذا كانت من غير ذلك أضيفت إلى ما هي منه، فيقال ~~من ذهب أو فضة أو نحوهما. # والأوضاح: حلي من الدراهم الصحاح أو الفضة. # 471 - وعن سمرة بن جندب - رضي الله عنه - قال: "كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نعده للبيع" رواه أبو داود ~~(¬5)، وإسناده لين، وأخرجه الدارقطني والبزار، وهو من حديث سليمان بن سمرة، ~~وفي إسناده جهالة (¬6). PageV04P340 # والحديث يدل ms0755 على أنه إذا نوى المالك بشيء من ماله البيع أو كان من ~~ابتدائه معدودا لذلك صار للتجارة، فتجب فيه الزكاة، وهو المتبادر من قوله ~~"نعده للبيع"، وقد ذهب إلى هذا الأخير العترة وأكثر الفقهاء (¬1)، واشترطوا ~~أن يكون ابتداء الملك بالاختيار، وهو يتبادر من قوله "نعده"، وذهب أحمد ~~وإسحاق والكرابيسي إلى أنه يصير للتجارة إذا نوى به البيع (¬2)، وإن لم يكن ~~كذلك قالوا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لكل امرئ ما نوى" ولكنه عام ~~والحديث المذكور خاص، والله أعلم. # 472 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "وفي الركاز الخمس" متفق عليه (¬3). # الركاز: عند أهل الحجاز كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وعند أهل ~~العراق المعادن، والقولان تحتملهما اللغة لأن كلا منهما مركوز في الأرض أي: ~~ثابت، يقال: ركزه يركزه ركزا إذا دفنه، وأركز الرجل إذا وجد الركاز، ~~والركاز وهو بكسر الراء وتخفيف الكاف وبعده زاي (¬4)، وصرح مالك كما رواه ~~عنه أبو عبيد في كتاب "الأموال" (¬5)، وهو دفين الجاهلية بكسر الدال وسكون ~~الفاء، قال: وأما المعدن فإنه بمنزلة الزرع تؤخذ منه الزكاة كما تؤخذ من ~~الزرع حين يحصد، ومثله قال الشافعي كما أخرج البيهقي في "المعرفة" من طريق ~~الربيع قال الشافعي (¬6): PageV04P341 # والركاز الذي فيه الخمس دفن الجاهلية ما وجد في غير ملك لأحد. # وقال الحسن البصري: "ما كان من ركاز في أرض الحرب ففيه الخمس، وما كان في ~~أرض المسلم ففيه الزكاة" أخرجه البخاري تعليقا (¬1)، قال ابن المنذر: لا ~~أعلم أحدا فرق هذه التفرقة غير الحسن، وقال أبو حنيفة: الركاز المعدن، ~~وإليه ذهب الثوري، واختاره المهدي، واحتج له بقول العرب: أركز الرجل إذا ~~أصاب ركازا، وهي قطع من الذهب تخرج من المعادن، وقول مالك والشافعي هو ~~الأولى هنا بقرينة العطف على المعدن، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"العجماء جبار، والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس". # واعلم أن في الركاز على القولين الخلاف في قدر ما يؤخذ واعتبار الحول ~~والنصاب وعين ما تجب فيه ذلك، فعلى ms0756 القول بأنه المعادن ذهب القاسم والهادي ~~وأحد قولي الشافعي إلى وجوب الخمس في كل معدن (¬2)، لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "الركاز ما نبت مع الأرض" أخرجه البيهقي عن أبي هريرة (¬3)، ~~واستثنى المؤيد بالله الملح والنفط، والقار (¬4)، لقوله، - صلى الله عليه ~~وسلم -: "الركاز الذهب والفضة". # [جوابا لسؤال من قال: ما الركاز يا رسول الله (أ)؟] # فخرجت الثلاثة، ولأنها ماء منعقد ولا خمس في الماء. # ويرد عليه أن قوله: "ما نبت مع الأرض" تعمها، وأحد قولي PageV04P342 # الشافعي لا تجب فيما عدا الذهب والفضة للحديث، ويجاب عنه بأن الحديث ~~أخرجه البيهقي. # [وفي إسناده عبد الله بن سعيد (¬1)، وتابعه حبان بن علي، وعبد الله ~~متروك، وحبان ضعيف] (أ). # وقال أبو حنيفة (¬2): لا يجب إلا في المنطبع فيخرج الكحل ونحوه لتخصيصه ~~الذهب والفضة فقيس المنطبع، وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه (2) إلى أنه لا ~~يعتبر النصاب لعموم الدليل، وذهب الشافعي وأصحابه، ومالك، وأحمد، وإسحاق ~~إلى اعتبار النصاب قالوا: لقوله، - صلى الله عليه وسلم -،: "ليس فيما دون ~~خمس أواق صدقة" ولم يفصل. # والجواب بأن الظاهر من الصدقة هو الزكاة فلا يتناول الخمس، وهو محل ~~احتمال إذ الخمس له حكم الزكاة في كونه واجبا لمصرف مخصوص فلا تعد في تناول ~~الصدقة له، وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه والزهري وقول للشافعي إلى أن ~~الواجب في المعدن الخمس لقوله: "وفي الركاز الخمس"، وذهب أحمد وإسحاق وقول ~~للشافعي إلى وجوب ربع العشر قالوا: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وفي ~~الرقة ربع العشر" ولم يفصل، ويقاس غيرها عليها، [ولحديث بلال بن الحارث ~~الآتي قريبا، والجواب] (ب) مثل الطرف الأول ولا يعتبر الحول عند العترة ~~وأبي حنيفة وأحد قولي الشافعي إذ PageV04P343 # لم يفصل الدليل، مالك وأحد قولي الشافعي يعتبر لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول" والجواب مثل ما مر ولا يعتبر ~~إسلام الواجد عند العترة وأبي حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي وذهب مالك ~~وأحد قولي الشافعي والعراقيون والثوري والأوزاعي بل حكمه حكم الزكاة، ~~فيشترط الإسلام إذ ms0757 هو واجب في نام كالزرع والجواب بأنه لم يزرع فكان غنيمة ~~كالفيء. # وعلى كون المراد بالركاز الدفين ففيه تفصيل وخلاف، فذهبت الهادوية إلى ~~أنه إن وجد في دار الإسلام فلقطة، وقال أبو حنيفة: إن وجد في دار فلصاحبها ~~ولا خمس إذ هو أحق حيث لم يكن ضربه الإسلام بل جهل حالها، أو كان ضربه كفر ~~وملكه الإمام عقيب الفتح، وإن كان في دار الحرب فغنيمة. # وعند أبي حنيفة لا خمس فيه لأنه وجده في موضع لم يظهر عليه المسلمون ولم ~~يزحفوا عليه بخيل ولا ركاب. # وعند الشافعي إن كان في موات دار الحرب فغنيمة ولا خمس، وعنه يخمس ~~والباقي له ولجيش الإمام، وعند الهادوية وعن الشافعي أن آلة الذهب والفضة ~~إن وجدت فكالركاز، وعنه بل لقطة، وأما المنبوذ على وجه الأرض فله حكم الدار مطلقا. # 473 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال في كنز وجده رجل في خربة: "إن وجدته في قرية مسكونة فعرفه، وإن ~~وجدته في قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز الخمس" أخرجه ابن ماجه بإسناد ~~حسن (¬1). PageV04P344 # وأخرج نحوه الشافعي عن عمرو بن شعيب بلفظ إن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال في كنز وجده رجل في خربة جاهلية: "إن وجدته في قرية مسكونة أو طريق ~~ميتاء فعرفه، فإن وجدته في خربة جاهلية أو قرية غير مسكونة ففيه وفي الركاز ~~الخمس". # وأخرجه أبو داود أيضا، وأخرجه النسائي والحاكم والبيهقي، وأخرج سعيد بن ~~منصور عن علي "أن رجلا وجد ركازا، فأداه به فأخذ علي منه الخمس وأعطى بقيته ~~للذي وجده". رواه من وجه آخر عن الشعبي وكذلك ابن أبي شيبة. # الحديث فيه دلالة على بعض ما تقدم في التفصيل، والظاهر في الخربة في عصر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن المالك في الأصل كافر، والقرية المسكونة ~~الظاهر فيها إسلام أهلها أو دخولهم في الذمة فيحمل على ذلك، والقرية غير ~~المسكونة محمولة على أنها من مساكن الحربيين، والله أعلم، والطريق ms0758 الميتاء: ~~بكسر الميم هي المسلوكة بالاستطراق (¬1). # 474 - وعن بلال بن الحارث أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أخذ من ~~المعادن القبلية الصدقة" رواه أبو داود (¬2). # هو أبو عبد الرحمن: بلال بن الحارث بن عصم -بضم العين وسكون الصاد ~~المهملتين- المزني، وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - في وفد مزينة PageV04P345 # سنة خمس من الهجرة وسكن بالأشعر وراء المدينة، وكان أحد من يحمل ألوية ~~مزينة يوم الفتح، روى عنه ابنه الحارث وعلقمة بن وقاص، مات سنة ستين، وله ~~ثمانون سنة (¬1). # الحديث رواه أبو داود، والطبراني، والحاكم، والبيهقي موصولا، ورواه مالك ~~في "الموطأ" عن ربيعة عن غير واحد من علمائهم أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أقطع بلال بن الحارث المزني المعادن القبلية، وأخذ منها الزكاة دون الخمس، ~~وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا تؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم. # قال الشافعي بعد أن روى حديث مالك (¬2): "ليس هذا مما يثبته أهل الحديث، ~~ولم تكن فيه رواية عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلا إقطاعه، وأما ~~الزكاة في المعادن دون الخمس فليست مروية عن النبي - صلى الله عليه وسلم -". # قال البيهقي: هو كما قال الشافعي في رواية مالك، وقد روي عن الدراوردي عن ~~ربيعة موصولا (¬3)، ثم أخرجه عن الحاكم، والحاكم أخرجه في المستدرك (¬4)، ~~وكذا ذكره ابن عبد البر من رواية الدراوردي. # قال: ورواه أبو سبرة المديني عن مطرف عن مالك عن محمد بن عمرو عن علقمة ~~عن أبيه عن بلال موصولا، لكن لم يتابع عليه، قال: وقد رواه أبو أويس عن ~~كثير بن عبد الله عن أبيه عن جده، وعن ثور بن يزيد بن عكرمة عن ابن عباس، ~~وقد أخرجه أبو داود أيضا (¬5) عن أبي أويس من الطريقين بلفظ: "أقطع بلال بن ~~الحارث المعادن القبلية جليسها وغورتها"، PageV04P346 # وفي لفظ: "جلسها وغورها"، وحيث يصلح الزرع من قدس، ولم يعطه حق مسلم، ~~وكتب له بذلك كتابا، انتهى. # والقبلية منسوبة إلى "قبل" -بفتح القاف والباء- وهو موضع من ناحية الفرع ~~-بضم الفاء وسكون الراء وبالعين المهملة- قرية ms0759 بين مكة والمدينة على نحو من ~~أربع مراحل من المدينة (¬1). # وجلسها منسوب إلى "جلس" -بفتح الجيم وسكون اللام- وهو ما ارتفع من الأرض، ~~والغوري منسوب إلى "الغور" -بفتح الغين المعجمة وسكون الواو وهو ما انخفض (¬2). # والحديث يدل على وجوب الصدقة في المعادن، فعلى رواية الصدقة يحتمل أن ~~يريد بها الزكاة كما هو المتبادر من لفظ الصدقة، وتفسره الرواية الأخرى في ~~لفظ مالك، ويحتمل أن يريد به الخمس، وقد ذهب إلى الأول أحمد وإسحاق وقول ~~الشافعي كما تقدم، وذهب غيرهم إلى وجوب الخمس (ألقوله: "وفي الركاز الخصم" ~~أ)، وهو محتمل الدفين كما تقدم فلا يكون حجة، والله أعلم. # [عدة أحاديث كتاب الزكاة سبعة وعشرون حديثا] (ب). PageV04P347 ### || AUTO باب صدقة الفطر # إضافة الصدقة [إلى الفطر (أ)]، لأن الفطر بمعنى الإفطار وهو سببها، ويدل ~~عليه أنه قد وقع في بعض ألفاظ البخاري "زكاة الفطر" من رمضان (¬1)، وقال ~~ابن قتيبة: المراد بصدقة الفطر صدقة النفوس مأخوذة من الفطرة التي هي أصل ~~الخلقة، والأول أظهر. # 475 - عن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: "فرض رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا من شعير على العبد والحر والذكر ~~والأنثى والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدي قبل خروج الناس إلى ~~الصلاة" متفق عليه (¬2). # ولابن عدي والدارقطني بإسناد ضعيف (¬3): "اغنوهم عن الطواف في هذا اليوم" (¬4). # الحديث فيه دلالة على وجوب الفطر، فإن "فرض" عند جمهور السلف والخلف ~~معناه ألزم وأوجب، وهو غالب في استعمال الشرع لهذا المعنى، قال إسحاق بن ~~راهويه: "هي واجبة بالإجماع" (¬5)، وقال بعض أهل العراق وبعض أصحاب مالك ~~وبعض أصحاب الشافعي وداود في آخر PageV04P349 # أمره: إنها سنة وليسب بواجبة (¬1)، وقالوا: معنى "فرض" قدر، فلا يدل على ~~الوجوب، ويجاب بأن الظاهر منه الوجوب لا سيما مع قوله: "على العبد ... " ~~إلخ، وقوله: "زكاة الفطر". # وقال أبو حنيفة: هي واجبة غير فرض بناء على التفرقة بينهما عنده، وقال ~~إبراهيم بن علية والأصم أن وجوبها منسوخ، واستدل لهما بما رواه النسائي ~~وغيره ms0760 عن قيس بن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: "أمرنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة لم ~~يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله" (¬2)، وأجيب بأن في إسناده راويا مجهولا (¬3) ~~كما تقدم في أول الزكاة، ولا دلالة فيه على النسخ؛ لأن قوله: "لم يأمرنا ~~ولم ينهنا" لا يدل على ذلك، فإنه ربما ترك ذلك اعتمادا على الأمر الأول، ~~ولأنه قد علم أن شرعيته فريضة مستقلة لا يلزم منه نسخ ما تقدمها من ~~الفرائض، وأيضا فهي داخلة في عموم قوله تعالى: {وآتوا الزكاة} (¬4) ومن ~~جملتها زكاة الفطر، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سماها كذلك، وقال ~~الله تعالى: {قد أفلح من تزكى} (¬5) فإن كثيرا من السلف فسر التزكية بزكاة ~~الفطر وإن كانت السورة مكية ولم يكن في مكة بفروض لا زكاة ولا غيرها فهو قد ~~يتقدم نزول الحكم على سببه، [وقد فرض صوم رمضان بعد ما حولت الكعبة بشهر ~~على رأس ثمانية عشر شهرا PageV04P350 # من الهجرة، وأمر في هذه السنة بزكاة الفطر، وذلك قبل أن تفرض الزكاة في ~~الأموال، أخرجه ابن سعد في "الطبقات" (¬1) (أ). # وقوله: "صاعا من تمر أو صاعا من شعير": انتصب الصاع على التمييز، أو بدل ~~من "زكاة" بيان لها، ولم تختلف الطرق عن ابن عمر في الاقتصار على هذين ~~الشيئين إلا ما أخرجه أبو داود والنسائي من حديثه فزاد فيه: "السلت ~~والزبيب" (¬2). # والسلت بضم السين وسكون اللام بعدها تاء (ب) مثناة وهو نوع من الشعير ~~(¬3)، ولكن حكم مسلم على عبد العزيز بن أبي رواد بالوهم فيه (¬4). # وقوله: "على العبد والحر ... " إلخ: ظاهره وجوبها على من ذكر، وأن الوجوب ~~يتعلق بالعبد نفسه، وقد جنح إلى هذا البخاري (¬5)، وإليه ذهب داود الظاهري ~~(¬6) وقال: إنه يجب على السيد أن يمكن عبده من الاكتساب لها، كما يجب عليه ~~أن يمكنه من الصلاة، وخالفه أصحابه والناس، وللشافعية وجهان (¬7) هل يتعلق ~~أصل الوجوب بالعبد ويتحملها عنه السيد أو يجب ابتداء على السيد؟، وكذلك ~~المرأة إذا ms0761 كانت مزوجة، فقال النووي وأبو حنيفة وابن المنذر: إنها تجب ~~عليها، وقال مالك والشافعي والليث وأحمد وإسحاق أنها تجب على الزوج إلحاقا ~~لها بالنفقة. PageV04P351 # ويرد عليهم أنهم قالوا إن أعسر وجبت عليها، وكذلك إذا كانت الزوجة أمة ~~كانت على سيدها بخلاف النفقة. # وقالوا: لا يخرج عن زوجته الكافرة مع أن النفقة عليه. # وذهبت الهادوية إلى أن أصل الوجوب على الزوجة، وإنما تحملها الزوج فإذا ~~أخرجت عن نفسها أجزأ أو أعسر أو تمرد وجبت عليها، قالوا: وكذلك القريب الذي ~~يلزم نفقته، والإمام يحيى ظاهر قوله مثل قول مالك والشافعي، وحجتهم قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "أدوا صدقة الفطر عمن تمونون" أخرجه الدارقطني ~~والبيهقي من طريق الضحاك عن ابن عمر (¬1)، ورواه الدارقطني من حديث علي ~~(¬2)، وإسناده ضعيف وفيه إرسال، ورواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن جعفر ~~بن محمد عن أبيه مرسلا (¬3). # وقوله: "والصغير والكبير": ظاهره وجوبها على هذا في مال الصغير وإلا فعلي ~~من تلزمه نفقته، وهذا قول الجمهور، وعند الهادوية وهو قول محمد بن الحسن ~~أنها على الأب مطلقا فإن كان الأب معسرا [لا يمكنه التكسب] (أ) والولد ~~الصغير موسرا أخرج عن نفسه من مال ابنه الصغير، وفي إخراجه عن ولده الصغير ~~احتمالان، وأما عند محمد بن الحسن فهي ساقطة عن الصغير، وعن الحسن البصري ~~وسعيد بن المسيب لا تجب الفطرة إلا على صائم، ويستدل لها بما سيأتي من حديث ~~ابن عباس أنها طهرة للصائم. PageV04P352 # وأجيب بأن ذكر التطهير خرج مخرج الغالب، ونقل ابن المنذر الاجماع على ~~أنها لا تجب في حق الجنين (¬1)، قال: وكان أحمد يستحبه. # ونقل بعض الحنابلة عنه رواية بالإيجاب، وبه قال ابن حزم (¬2)، لكن قيده ~~بمائة وعشرين يوما من يوم حمل أمه به، وظاهر الحديث أنها تجب على الفقير ~~والغني وهو مصرح به فيما أخرجه البيهقي (¬3) عن ثعلبة بن عبد الله -أو عبد ~~الله بن ثعلبة- مرفوعا: "أدوا صاعا من قمح عن كل إنسان ذكر أو أنثى أو صغير ~~أو كبير أو غني أو فقير حر أو ms0762 مملوك" فأما الغني فيزكيه الله، (أوأما ~~الفقير أ) فيرد عليه أكثر مما أعطى. # وعن الحنفية -وإليه ذهب المنصور بالله- أنها لا تجب إلا على من ملك ~~نصابا، ويحتج لذلك بقوله: "لا صدقة إلا عن ظهر غنى" (¬4)، وقال الشافعي ~~(¬5): تجب على من ملك فاضلا عن قوت يومه ومن تلزمه نفقته. # وذهب الهادي والمؤيد بالله إلى أنها لا تجب إلا إذا ملك قوت عشرة أيام ~~والفطرة فاضلة عن ذلك، قالوا: لأن العشرة الأيام قد اعتبرت في أحكام كثيرة ~~وفي عدم اعتبارها حرج ومشقة فصح ذلك (¬6). # وقوله: "من المسلمين": اتفقت الرواة عن مالك من حديث ابن عمر على زيادة ~~هذه الكلمة إلا قتيبة بن سعيد فرواه عن مالك بدونها، وقال ابن PageV04P353 # الصلاح وغيره: إن مالكا تفرد بها، وليس كذلك فقد رواها عمر بن نافع عن ~~أبيه، وكذا أخرجه مسلم من طريق الضحاك بن عثمان عن نافع بها (¬1)، وأخرجه ~~أبو داود عن عبد الله العمري عن نافع بلفظ "على كل مسلم" (¬2)، وقد بسط ~~الكلام في "فتح الباري" في اختلاف الرواة في إثباتها، فارجع إليه (¬3). # وزيادة التقييد بالإسلام فيها دلالة على أنها لا تجب على الكافر أن ~~يخرجها عن نفسه، وهو إجماع، وأما إذا كان الخرج عنه كافرا والخرج مسلما مثل ~~الزوج المسلم عن الكافرة أو الأب الكافر والولد مسلم، أو كان العكس، نقل ~~ابن النذر الإجماع على اشتراط إسلام المخرج والمخرج عنه، وظاهر الحديث يقضي ~~بهذا، فإنه جمع فيه بين من يخرج ومن يخرج عنه، ووصفهم بالإسلإم، [وتأويل ~~الطحاوي بأنه صفة للسادة الخرجين بعيد (أ)]، وقد روى ابن إسحاق عن نافع أن ~~ابن عمر كان يخرج عن أهل بيته حرهم وعبدهم صغيرهم وكبيرهم مسلمهم وكافرهم ~~من الرقيق، قال ابن المنذر: وابن عمر راوي الحديث، وقد كان يخرج عن عبده ~~الكافر، وهو أعرف بمراد الحديث (¬4). # وتعقب بأنه يحتمل أنه كان يخرجها تطوعا ولا مانع منه، [وذهب الكوفيون ~~وإسحاق وبعض السلف إلى أنه يجب على المسلم إخراجها عن عبده الكافر، ومستنده ~~فعل ابن عمر] (ب)، والحديث عام ms0763 لأهل الحضر والبدو، وإليه ذهب الجمهور، ~~وخالف في ذلك الزهري وربيعة والليث في PageV04P354 # قولهم إن زكاة الفطر تختص بالحاضر دون البادي. # وقوله: "وأمرهم .. " إلخ: يدل على أن المبادرة بها هو الأولى، وأنه يكره ~~تأخيرها عن الصلاة، وذهب ابن حزم (¬1) إلى ظاهر الحديث وأنه لا يجوز ~~تأخيرها إلى بعد الصلاة، وأجيب عنه بقوله: "ومن أخرها فهي صدقة من الصدقات" ~~ولا صحة للجواب. # وقوله: "فهي صدقة"! يدل على فوات زكاة الفطر وأنها قد خرجت على ماهيتها، ~~وكذلك الجواب بقوله: "اغنوهم عن الطواف في هذا اليوم" لا يدل على ذلك إذ ~~بملكهم لها في أول اليوم مغن عن الطلب في سائر اليوم، ولزومها مؤقت إجماعا، ~~فذهب القاسم والهادي والناصر والمؤيد بالله وأبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي ~~الشافعي وعن مالك أنه من فجر أول شوال لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"اغنوهم عن الطواف في هذا اليوم"، وذهب الثوري وأحمد وإسحاق والشافعي. # وعن مالك بل من غروب آخر يوم رمضان لقوله: "طهرة للصائم" (¬2) وقوله: ~~"زكاة الفطر" فأضافها إلى الفطر، والفطر حصل بذلك، والأولى أن ذلك محتمل ~~مبني على تفسير الفطر، فإن أريد به المعتاد وهو عدم الصوم فهو من الغروب، ~~وإن أريد به الفطر الطارئ به (أ) وهو وجوب الإفطار فهو من عند طلوع الفجر. # وقال ابن دقيق العيد: إضافة الزكاة إلى الفطر لا يدل على تعيين وقت ~~الوجوب، بل يطلب من دليل آخر (¬3). # [وذهب المسعودي إلى أنها لا تجب إلا بمضي الوقتين جميعا أخذا PageV04P355 # بالدليلين. وفائدة الخلاف فيمن ولد أو مات] (أ)، واختلف العلماء في ~~تقديمها على يوم الفطر، فذهب القاسم والهادي وأبو طالب إلى جواز التعجيل عن ~~البدن الموجود ولو إلى عامين كزكاة المال، وقال الشافعي: بل يجوز في رمضان ~~لا قبله لأن لها سببين هما الصوم والإفطار، فلا يتقدمها كالنصاب والحول، ~~والجواب بأن وجود البدن كالنصاب، والمال كالحول. # وذهب أحمد إلى أنها لا تتقدم على وقت وجوبها إلا ما يغتفر كيوم أو يومين ~~إذ لا يعد تقديما في العادة، وهو مروي أيضا ms0764 عن ابن عمر. # وذهب الحسن بن زياد والناصر ومالك إلى أنه (ب) لا يجوز مطلقا كالصلاة قبل ~~الوقت ولا التأخير عنه كالصلاة. # والجواب بأن ردها إلى الزكاة أقرب من ردها إلى الصلاة، قال الإمام يحيى: ~~ولإجماع السلف على جواز التقديم، [وقد أخرج ابن خزيمة عن ابن عمر أنه كان ~~يقدم على الفطر بيومين أو ثلاثة (¬1)، وأخرجه الشافعي عنه، وقال: هذا حسن ~~وأنا أستحبه، وفي قصة أبي هريرة، وإمساكه الشيطان ثلاث ليال لسرقته منها ~~دلالة (ج) على التقديم. # وقد أخرجه البخاري في الوكالة] (د) (¬2) وإن اختلفوا في مقداره. # وقوله: "أغنوهم" الحديث: أخرجه الدارقطني والبيهقي من رواية أبي معشر عن ~~نافع عن ابن عمر، وأبو معشر ضعيف (¬3) وهو متأيد بما PageV04P356 # أخرجه ابن سعد في "الطبقات" من حديث أبي سعيد، وقال في آخره: "أغنوهم ~~-يعني المساكين- عن طواف هذا اليوم" (¬1). # 476 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "كنا نعطيها في زمان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - صاعا من طعام أو صاعا من تمر أو صاعا من شعير ~~أو صاعا من زبيب" متفق عليه (¬2). # وفي رواية "أو صاعا من أقط" (¬3) قال أبو سعيد: "أما أنا فلا أزال أخرجه ~~كما كنت أخرجه في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" ولأبي داود: "لا ~~أخرج أبدا إلا صاعا" (¬4). # قوله: "كنا نعطيها" إلخ: هذا له حكم المرفوع لأضافته إلى زمن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ففيه إشعار باطلاعه على ذلك وتقريره له في مثل هذه الصورة ~~التي كانت توضع عنده وتجمع بأمره وتفرق بأمره، والطعام قيل المراد به هنا ~~بعض أنواعه وهو الحنطة، فهو عام أريد به خاص بقرينة عطف ما ذكر عليه، ~~وتعينت الحنطة لأنها أشهر أنواع الطعام وأفضلها، فلو لم تكن المرادة لذكرها ~~عند التفصيل ذكره الخطابي (¬5)، وقال هو وغيره: إن لفظ الطعام يستعمل في ~~الحنطة عند الإطلاق حتى إذا قيل: اذهب إلى سوق الطعام فهم منه القمح، وإذا ~~غلب العرف على معنى نزل اللفظ عليه. # وقال ابن المنذر: إنما أجمل أولا ثم فصل ms0765 ثم احتج عليه باللفظ الآخر الذي ~~روي به حديث أبي سعيد، وقد أخرجه البخاري أيضا ولفظه: "كنا PageV04P357 # خرج صاعا من طعام، وكان طعامنا الشعير والزبيب والأقط والتمر" (¬1). # فدل على أن الحنطة غير مذكورة. وأخرج البخاري نحوه من طريق أخرى عن عياض، ~~وقال فيه: "ولا يخرج غيره"، وقال: وفي قوله: "ولما جاء معاوية وجاء بالسمرا ~~... " (¬2) دليل على أنها لم تكن قوتا لهم قبل هذا، فدل على أنها لم تكن ~~كثيرة ولا قوتا فكيف يتوهم أنهم أخرجوا ما لم يكن موجودا، انتهى كلامه. # وقد ذكرت الحنطة في حديثه عند ابن خزيمة والحاكم في صحيحيهما بلفظ: "صاع ~~تمر أو صاع حنطة أو صاع شعير أو صاع أقط، فقال له رجل أو مدين من قمح؟ ~~فقال: لا، تلك قيمة معاوية لا أقبلها ولا أعمل بها" (¬3)، قال ابن خزيمة: ~~ذكر الحنطة وهم، ولا أدري ممن هو، وكذا قال أبو داود (¬4): "ذكر الحنطة غير ~~محفوظ، وذكر أن معاوية بن هشام روى في هذا الحديث عن سفيان نصف صاع من بر ~~وهو وهم (¬5)، وأن ابن عياض حدث به عن ابن عجلان عن عياض فزاد فيه: "أو صاع ~~من دقيق" وأنهم أنكروا عليه فتركه، قال: وذكر الدقيق وهم من ابن عيينة (¬6). # وقال ابن المنذر (¬7): لا تعلم في القمح خبرا ثابتا عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يعتمد عليه، ولم يكن البر بالمدينة في ذلك الوقت إلا الشيء ~~اليسير منه، فلما كثر في أيام الصحابة رأوا أن نصف صاع منه يقوم مقام صاع ~~من PageV04P358 # الشعير وهم الأئمة فغير جائز أن يعدل عن قولهم إلا إلى قول مثلهم، ثم ~~أسند عن عثمان وعلى وأبي هريرة وجابر وابن عباس وابن الزبير وأمه أسماء بنت ~~أبي بكر بأسانيد صحيحة أنهم رأوا أن في زكاة الفطر نصف صاع من قمح (¬1) ~~انتهى. وقد أفهمت عبارته دعوى الإجماع على ذلك، وقد عرفت خلاف أبي سعيد ~~وكذلك ابن عمر، فلا إجماع في المسألة خلافا للطحاوي، ولعل أبا سعيد اجتهد ~~فرأى أن المقصود إخراج مقدار الصاع من ms0766 تلك الأشياء أو من غيرها فلم يسوغ أن ~~يكون المخرج أقل منه وغيره وإلى أن الحنطة لما كانت قيمتها غالية وأن النصف ~~منها يقوم مقام الكامل من غيرها اجتهد في ذلك، فاعتبر النصف بناء على ~~التقويم ولكنه غير منضبط، لأنه يلزم أن يختلف ذلك باختلاف الأزمان، وفعل ~~ابن عباس في البصرة وأمره بنصف صاع من تمر إلى أن أتى علي - رضي الله عنه - ~~ورأى رخص أسعارهم قال: اجعلوها صاعا من كل (¬2)، فدل على أنه كان ينظر إلى ~~القيمة في ذلك. # [وقد أخرج الحاكم من حديث ابن عباس أو مدان من قمح] (أ) (¬3) والحديث فيه ~~دلالة على أنها صاع كامل نصا في المذكورات وقياسا فيما عداها مما يقتات، ~~وهو إجماع إلا في البر، وأما البر فذهب جماعة من الصحابة والتابعين ~~والفقهاء إلى أنه مثل غيره، وذهب جماعة من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى ~~أنها نصف صاع، وقد عرفت ما فيه كفاية، PageV04P359 # ويجزئ الدقيق عند زيد بن علي والهادي والحنفية لعموم قوله: "صاعا من ~~شعير" ونحوه فإنه يصدق عليه ذلك، وذهب الناصر والشافعي إلى أنه لا يجزئ إلا ~~تقويما إذ الأمر إنما هو بأصله، وأيضا فالدقيق ينقص، وأجيب بأنه قد أمر - ~~صلى الله عليه وسلم - بالدقيق كما تقدم، وأجيب بأن ابن عيينة نسب إلى الوهم بذكره. # وقوله. "أو أقط": فيه دلالة على إجزائه، وظاهره العموم في حق من يعتاده ~~ومن لا يعتاد كغيره أولا، وجنح البخاري إلى أنه غير مجزئ مع وجدان غيره ~~(¬1)، كما ذهب إليه أحمد، وحملوا الحديث على أن من أخرجه كأن يعتاده ولم ~~يجد غيره، وفيه خلاف عند الشافعية، وزعم الماوردي أنه يختص بأهل البادية، ~~وأما الحاضر فلا يجزئ عنه بلا خلاف، وتعقبه النووي في "شرح المهذب" بأن ~~الخلاف في الجميع (¬2)، واختار الإمام المهدي (¬3) لمذهب الهادوية أجزأ ~~الأقط والحليب لا المخيض والسمن إلا تقويما. # 477 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "فرض رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - زكاة الفطر طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين، فمن ~~أداها ms0767 قبل الصلاة فهي زكاة مقبولة، ومن أداها بعد الصلاة فهي صدقة من ~~الصدقات" رواه أبو داود وابن ماجه وصحه الحاكم (¬4). # وأخرج الحديث الدارقطني، وقد تقدم الكلام على ما يتضمنه. PageV04P360 # وفي قوله: "طعمة للمساكين": فيه دلالة على أن مصرفها مختص بالمساكين دون ~~سائر الأصناف الثمانية، وقد ذهب إلى هذا الهادي والقاسم وأبو طالب (¬1)، ~~وفي الحقيقة أن الخارج منها إنما هو التأليف لأنهم يعتبرون في ما عدا ~~العامل الفقر، والظاهر أن العالم يجوز أن يعطى منها لأن ذلك في مقابلة عمل ~~لا لأجل سد الخلة، فالظاهر الإجماع عليه، وقال المنصور بالله (¬2): إنها ~~كالزكاة في الثمانية، قال الإمام المهدي (¬3): وهو قوي لعموم قوله تعالى: ~~{إنما الصدقات} (¬4). الآية، وهي من جملتها وذكر البعض لا يلزم منه ~~التخصيص، وقد ورد مثله في الزكاة في حديث معاذ: "أمرت أن آخذها من أغنيائكم ~~وأردها في فقرائكم" (¬5). # وفي قوله: "طهرة الصائم" إلخ: دلالة على أن بعض المعاصي تكفرها الأعمال ~~الصالحة من دون احتياج إلى توبة، وقد ورد في الحديث شطر صالح في أمور ~~متفرقة يدل على هذا، والله أعلم. # [عدة أحاديث صدقة الفطر ستة أحاديث]. PageV04P361 ### || AUTO باب صدقة التطوع # 478 - عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله ... " فذكر الحديث، وفيه: ~~"ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه". متفق عليه (¬1). # الحديث لفظه في البخاري: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: ~~الإمام العادل، وشاب نشأ في عبادة ربه، ورجل قلبه معلق (أ) بالمساجد، ~~ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وتفرقا عليه، ورجل طلبته ذات منصب وجمال ~~فقال: إني أخاف الله ورجل تصدق أخفى حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه ورجل ~~ذكر الله -عز وجل- خاليا ففاضت عيناه". # قوله: "سبعة ... " إلخ: ظاهر مفهوم العدد أن الحكم وهو الإظلال يختص بمن ~~ذكر، ولكنه غير مراد لورود غيرهم فأبلغها المصنف (¬2) - رحمه الله تعالى - ~~بتتبع الأحاديث إلى ثمانية وعشرين. # قال ms0768 الأسيوطي: وزدت عليه بالتتبع إلى أن بلغت سبعين وقد أفردتها بتأليف ~~بأسانيدها وشواهدها، ثم لخصته في كراسة سميتها "بزوغ الخلال في الخصال ~~المقتضية للظلال" وقد أوردتها منظومة في "شرح الموطأ" PageV04P363 # انتهى كلامه. وقد نظم الإمام أبو شامة السبعة بقوله: # أتانا حديث في الصحيحين سبعة ... يظلهم الله الكريم بظله # محب، عفيف، ناشيء، متصدق ... مصل، وباك، والإمام بعدله # وذيل ذلك المصنف سبعة (أ) فقال: # وزد سبعة إظلال: غاز، وعونه ... وإنظار ذي عسر، وتخفيف حمله # وإرفاد ذي غرم، وعون مكاتب ... وتاجر صدق في المقال وفعله # وقد زاد على ذلك في تضمين لسبعة وسبعة، قال: وقد أفردته في جزء "معرفة ~~الخصال الموصلة إلى الظلال". # أضاف الظل إلى الله -سبحانه- إضافة تشريف كما قيل بيت الله. # والظل هو حقيقة في المانع من وصول الشمس، وقيل: المراد بالظل الحماية ~~والكنف، كما يقال في ظل فلان، وذهب إلى هذا عيسى بن دينار. # وقيل: المراد بالظل عرشه، ويدل عليه حديث سلمان عند سعيد بن منصور ~~بإسناده: "سبعة يظلهم الله في ظل عرشه .. " فذكر الحديث، وهو مستلزم كونهم ~~في كف الله وحمايته وكرامته، وهذا مستلزم كونها في كنف وكرامته، وهذا أرجح، ~~وله جزم القرطبي، وقيل: المراد به الجنة وهو غير صحيح، فإنه قد ورد في ~~رواية ابن المبارك تقييد ذلك بيوم القيامة، وظل الجنة إنما يحصل بعد ~~الاستقرار فيها، وظل الجنة يشترك فيه كل من دخلها .. فلا اختصاص بالسبعة، ~~والسياق يدل على الاستئثار بذلك لأجل الخلال المذكورة. # وبدأ بالإمام العادل لعموم النفع به، والعادل اسم فاعل من العدل، وبعض ~~الرواة عن مالك رواه (¬1) بلفظ "العدل" وهو أبلغ، والمراد بالإمام PageV04P364 # صاحب الولاية العظمى، ويلتحق به كل من ولي شيئا من أمور المسلمين فعدل ~~فيه ويدل على هذا حديث مسلم: "المقسطون عند الله على منابر من نور عن يمين ~~الرحمن، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا عليه" (¬1). # وفسر العادل بأنه الذي يتبع أمر الله تعالى بوضع كل شيء في موضعه بغير ~~إفراط ولا تفريط، وخص الشاب لكونه مظنة غلبة الشهوة لما ms0769 فيه من قوة الباعث ~~على متابعة الهوى، وأن ملازمة العبادة مع ذلك أشد وأدل على غلبة التقوى، ~~وزاد حماد: "حتى توفي على ذلك" (¬2)، وفي حديث سلمان: "أفنى شبابه ونشاطه ~~في عبادة الله تعالى" (¬3)، والمعلق في المساجد كذا في لفظ من التعليق شبه ~~بالقنديل ونحوه الكائن في المسجد مجاز عن طول الملازمة، وفي قوله: "متعلق" ~~من العلاقة وهي شدة المحبة، وفي رواية سلمان زيادة "من حبها" وقوله: ~~"تحابا" بتشديد الباء، وأصله تحاببا أي: اشتركا في جنس المحبة، أحب كل ~~منهما صاحبه حقيقة لا إظهارا فقط، ومعنى اجتمعا عليه وتفرقا، أنهما داما ~~على المحبة الدينية ولم يغيرها عارض دنيوي، وسواء اجتمعت أبدانهما حقيقة أم ~~لا، وقوله: "ورجل طلبته ذات منصب وجمال" الظاهر أن المراد دعته إلى ~~الفاحشة، وبه جزم القرطبي، وقال بعضهم: يحتمل أنها دعته إلى التزويج فخاف ~~أن يشتغل عن العبادة بالافتتان بها، أو خاف أن لا يقوم بحقها لشغله ~~بالعبادة عن التكسب بما يليق بها، والأول أظهر بدليل الكناية بقوله: "إلى ~~نفسها" فإنه يكنى به عن الفاحشة، ولو كان المراد PageV04P365 # بالتزويج لصرح به ولم يكن عنه. # وقوله "إني أخاف الله": الظاهر أنه قال ذلك بلسان حاله، ويحتمل القول ~~الحقيقي اعتذارا إلى المرأة، أو أنه قاله بقلبه. # وقوله: "تصدق أخفى": بلفظ الماضى حالا بتقدير "قد"، والرواية لمالك، وقد ~~وقع في رواية الأصيلي "إخفاء": بلفظ المصدر بكسر الهمزة ممدودا على أنه ~~مصدر أو نعت لمصدر محذوف، ويحتمل أن يكون حالا بمعنى مخفيا. # وقوله: "لا تعلم شماله" الخ: المراد بذلك المبالغة في التشبيه، استعارة ~~عن الإخفاء وكتمان الصدقة وتبعيدها عن مظان الرياء، وقد صرح بذلك في رواية ~~حماد: "تصدق بصدقة فكأنما أخفى يمينه عن شماله"، ويحتمل أن يكون من مجاز ~~الحذف، والتقدير: حتى لا يعلم من على شماله من الناس، ولا وجه لجعل الشمال ~~مجازا عن النفس، إطلاقا للجزء على الكل كما فسر به بعضهم. # وقوله: "ذكر الله خاليا" يحتمل أن يواد به الذكر اللساني أو الذكر القلبي ~~أي: يتذكر الله يقلبه خاليا ms0770 عن الخلق، لأنه يكون (أ) أبعد عن الرياء، ~~والمراد خاليا عن الالتفات إلى غير الله تعالى ولو كان في خلاء، ويؤيده ~~رواية البيهقي. "ذكر الله بين يديه"، ويؤيد الأول رواية ابن المبارك وحماد ~~بن زيد: "ذكر الله في خلاء" أي في أي موضع خال، وهو الظاهر. # وقوله: "ففاضت عيناه": أي: فاضت الدموع من عينيه، وأسند (ب) الفيض إلى ~~العين مبالغة، كأنما هي التي فاضت. PageV04P366 # وذكر الرجال هنا لا مفهوم له بل النساء تشارك (أ) فيما يصح اعتباره في ~~حقهن، فالإمام العادل إذا أريد الإمامة الكبرى لا يصح في حق النساء، وإن ~~أريد ما هو أعم صح في حقهن بعض الاعتبارات، وملازمة المسجد كذلك لا تعتبر ~~في حق النساء لأن صلاتها في بيتها أفضل، ويصح اعتبار دعاء الرجل ذو المنصب ~~والجمال للمرأة وامتناعها منه للخشية، وقد استوفيت الكلام على السبعة، وإن ~~كان المذكور في الأصل إنما هو البعض لما في ذلك من الفوائد. # 479 - وعن عقبة بن عامر قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "كل امرئ في ظل صدقته حتى يفصل بين الناس" رواه ابن حبان والحاكم (¬1). # الحديث فيه دلالة على فضل الصدقة وكون المرء في ظلها، إما مجاز عن (ب) ~~مدافعتها عنه أهوال القيامة، أو أن ذلك على حقيقته، وإن الصدقة تأتي ~~أعيانها يوم القيامة فيظله عن حر الموقف، والله أعلم. # 480 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري كساه الله من خضر الجنة، ~~وأيما مسلم أطعم مسلما على جوع أطعمه الله من ثمار الجنة، وأيما مسلم سقى ~~مسلما على ظمأ سقاه الله من الرحيق المختوم" رواه أبو PageV04P367 # داود، وفي إسناده لين (¬1). # قوله: "من خضر الجنة" من إقامة الصفة وهو الخفر مقام الموصوف وهو الثياب ~~أي من ثيابها الخضر. # وقوله: "من الرحيق" أي من الشراب الخالص الذي لا غش فيه، والمختوم الذي ~~يختم أوانيه، وهو عبارة عن نفاستها، وقيل: إن المراد منه أن ms0771 آخر ما يجدون ~~منه في الطعم رائحة المسك من قولهم: ختمت الكتاب أي: انتهيت إلى آخره. # وفي الحديث دلالة على أن الجزاء من جنس الابتداء. # 481 - وعن حكيم بن حزام في النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اليد ~~العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن ~~يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله" متفق عليه واللفظ للبخاري (¬2). # اختلف في تفسير (أ) اليد العليا فقال أبو داود: قال الأكثر عن حماد بن ~~زيد: هي المنفقة (¬3)، وعند النسائي من حديث طارق المحاربي: "يد المعطي ~~العليا" (¬4)، ومثله عن ثعلبة بن زهدم لابن أبي شيبة والبزار (¬5)، PageV04P368 # وللطبراني بإسناد صحيح عن حكيم بن حزام مرفوعا: "يد الله فوق يد المعطي، ~~ويد المعطي فوق المعطى، ويد المعطى أسفل الأيدي" (¬1)، وله من حديث عدي ~~الجذامي مرفوعا مثله (¬2)، ولابن خزيمة من حديث أبي الأحوص عوف بن مالك عن ~~أبيه مرفوعا: "الأيدي ثلاثة، فيد الله العليا، ويد المعطي التي تليها، ويد ~~السائل السفلى" (¬3). # ولأحمد والبزار من حديث عطية السعدي: "اليد المعطية هي العليا، والسائلة ~~هي السفلى" (¬4). # فهذه الأحاديث متظافرة على التفسير المذكور، وهو قول الجمهور، وقد روى ~~مسدد (أ) في "مسنده" عن حماد بلفظ: "المتعففة" بالعين وفاءين وقد تابعه على ~~ذلك أبو الربيع الزهراني، وقد اختلف على نافع في ذلك، فقال موسى بن عقبة: ~~"المتعففة"، ورواية مالك: "المنفقة"، قال ابن عبد البر: رواية مالك أولى، ~~واليد السفلى قيل: هي الآخذة سواء كان بسؤال أو بغير سؤال، وقد أباه قوم ~~وقالوا: إن الصدقة تقع في يد الله أولا قبل يد المتصدق عليه، قال ابن ~~العربي: التحقيق أن السفلى يد السائل، وأما يد الآخذ فلا، لأن يد الله هي ~~المعطية ويد الله هي الآخذة وكلتاهما (ب) عليا وكلتاهما يمين، انتهى. PageV04P369 # وفيه نظر لأن الكلام إنما هو في يد المعطي، والمعطي من الآدميين، والنسبة ~~إلى الله تعالى وكون يده المعطية إنما هو مجاز (¬1) لكونه المالك لكل شيء ~~المسخر للمعطي، وكون يده الآخذة باعتبار القبول، وفسر بعضهم ms0772 اليد العليا ~~بيد المتعفف ولو بعد أن تمد إليه يد المعطي مثلا، وعلوها معنوي، وبعضهم هي ~~يد الآخذ بغير سؤال. # قال ابن حبان (¬2): اليد المتصدقة أفضل من السائلة لا الآخذة بغير سؤال، ~~وقال الحسن البصري: "اليد العليا المعطية والسفلى المانعة"، وآخرون من ~~المتصوفة قالوا (أ): إن اليد الآخذة أفضل من المعطية مطلقا، وقال ابن ~~قتيبة: وقد حكي ذلك عن قوم، ثم قال: "وما أرى هؤلاء إلا قوما استطابوا ~~السؤال فهم يحتجون للدناءة". قال المصنف -رحمه الله تعالى (¬3) -: "وقرأت ~~في مطلع الفوائد للعلامة جمال الدين بن نباتة قال: "اليد العليا هي ~~النعمة"، والمعنى أن العطية الجزيلة خير من العطية القليلة، قال: وهذا حث ~~على التكارم بأوجز لفظ فلو أراد إعطاء ألف فصرفه في واحد لظهر عليه أثر ~~العطية خير من صرفه في ألف واحد". # وقد عرفت في تفسير الحديث من الروايات الصحيحة ما تضمحل عنده هذه ~~التمحلات، ويؤيد ذلك ما أخرج إسحاق في "مسنده" أن حكيم بن حزام قال: يا ~~رسول الله ما اليد العليا؟، قال: التي تعطي ولا تأخذ" فقوله: "ولا تأخذ" ~~صريح في أن الآخذة ليست بعليا، والله أعلم. # وقوله: "وابدأ بمن تعول": فيه دلالة على تقديمه نفقة نفسه PageV04P370 # وعياله لأنها منحصرة فيه بخلاف نفقة غيرهم، وفيه الابتداء بالأهم فالأهم. # وقوله: "وخير الصدقة" إلخ: يعني أن أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها ~~مستغنيا بما بقي معه، وتقديره: أفضل الصدقة ما أبقي المتصدق من ماله ما ~~يستظهر به على مصالحه وحوائجه لأن المتصدق بجميع ماله يندم غالبا ويود إذا ~~احتاج أنه لم يتصدق بخلاف من بقي بعدها مستغنيا، فإنه لا يندم عليها، بل ~~يسر بها، [والظهر قال الخطابي: ورد في مثل هذا اتساعا في الكلام، وقال ~~البغوي: المراد به ما يستظهر به على النوائب تنوبه، ونحوه قولهم: ركب متن ~~السلامة، وقيل بمن للسبية والظهر زائد أي خير الصدقة ما كان سببها غنى] ~~(أ)، وقد اختلف العلماء في الصدقة بجميع ماله، وقيل إن زاد على النصف ترد ~~جميعها، وهو مروي عن ms0773 عمر بن الخطاب (¬1) - رضي الله عنه - فإنه رد على ~~غيلان الثقفي قسمة ماله، وقيل: ينفذ من الثلث، وهو مذهب أهل الشام، وقيل: ~~إن زاد على النصف ردت الزيادة، وهو محكي من مكحول، قال أبو جعفر الطبري ~~(ب): ومع جوازه فالمستحب أن لا يفعله وأن يقتصر على الثلث، وقد أخرج أبو ~~داود وصححه الحاكم عن عمر قال: "أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~نتصدق فوافق ذلك مالا عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يوما، فجئت ~~بنصف مالي، وأبو بكر بكل ما عنده، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: ~~يا أبا بكر ما أبقيت لأهلك؟ قال: أبقيت الله ورسوله (¬2)، PageV04P371 # ويجمع بين الأحاديث بأن من تصدق بماله كله وكان صبورا على الإضافة ولا ~~عيال له أو له عيال يصبرون فلا كلام في حسن ذلك، ويدل عليه قوله تعالى: ~~{ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة} (¬1) {ويطعمون الطعام على حبه} ~~(¬2)، ومن لم يكن بهذه المثابة فهو مكروه له. # وقوله: "ومن يستعفف": يعني عن المسألة، ومن يستغن بما عنده من المال وإن ~~كان دون ما يسد خلته والله أعلم. # 482 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "قيل: يا رسول الله، أي ~~الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل وابدأ بمن تعول" أخرجه أحمد وأبو داود وصححه ~~ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (¬3). # قوله: "جهد: هو بالضم والفتح، فالضم: الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة ~~وقيل: المبالغة والغاية، وقيل هما لغتان لمعنى، وهو مرفوع على أنه خبر ~~مبتدأ محذوف، وقد عرف الجمع بين هذا وبين ما تقدم. # 483 - وعنه - رضي الله عنه - قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"تصدقوا" فقال رجل يا رسول الله: عندي دينار، قال: "تصدق به على نفسك"، ~~قال: عندي آخر، قال: "تصدق به على ولدك"، [قال: عندي آخر، قال: "تصدق به ~~على زوجتك" [(أ)، قال: عندي آخر، قال: PageV04P372 # "تصدق به على خادمك"، قال: عندي آخر، قال: "أنت أبصر" رواه أبو داود ~~والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم وأخرجه الشافعي وأحمد (¬1). # قال ms0774 ابن حزم: اختلف يحيى القطان والثوري، فقدم يحيى الزوجة على الولد، ~~وقدم سفيان الولد على الزوجة، فينبغي أن لا يقدم أحدهما على الآخر بل ~~يكونان سواء، لأنه قد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا تكلم ~~تكلم ثلاثا، فيحتمل أن يكون في إعادته إياه قدم الولد مرة، ومرة قدم الزوجة ~~فصارا سواء. # قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وفي صحيح مسلم (¬2) من رواية جابر تقدم ~~الأهل على الولد من غير تردد، فيمكن أن ترجح إحدى الروايتين. # والحديث يدل على تقديم النفس بالقيام ثم من ذكر بعد، وذكر مثل هذا ~~الترتيب في مهذب الشافعي (¬3)، وبنى عليه الإمام المهدي في "الأزهار" في ~~باب الفطرة، وذكر في "الانتصار" والفقيه أحسن (أ) في "التذكرة " تقديم ~~الزوجة ثم العبد ثم الولد الصغير، وروى في "الانتصار" الحديث في النفقة على ~~هذا الترتيب. # قال الإمام المهدي في "الغيث": فأخذ أهل المذهب من ترتيب النفقة في هذا ~~الحديث ترتيب الفطرة، قال: وفي المأخذ ضعف عندي والأقرب PageV04P373 # ما قاله المنصور بالله أنه إذا لم يملك له ولعوله جميعا قوت عشرة أيام ~~سقطت الفطرة عنه وعنهم لأنه ولو قدر أنه يكفيه وحده فليس له أن يستبد به ~~دونهم فكأنه لم يملك نفسه قوت عشرة أيام، انتهى كلامه. # وأقول: إن الحديث لا دلالة له (أ) على النفقة الواجبة وأنما ذلك فيما زاد ~~عليها من البر والصلة، وإلا فلو (ب) كان كما ذكر لما أمره أن ينفق الدينار ~~على نفسه، وظاهره وأن يكفيه أياما، وليس كذلك فإنه يجب المشاركة في ذلك، ~~وقد قال تعالى: {ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله} (¬1). والله أعلم. # 484 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت، ~~ولزوجها أجره بما كسب، وللخازن مثل ذلك، لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا" متفق ~~عليه (¬2). # والحديث فيه دلالة على أن للمرأة أن تتصدق من الطعام الذي قد صار لها فيه ~~تصرف ms0775 بصنعته اللزوج، ومن تعلق به بشرط أن لا يكون ذلك مضرا بنفقتهم. # قال ابن العربي (¬3): وقد اختلف السلف في ذلك فمنهم من أجازه PageV04P374 # لكن في الشيء اليسير الذي لا يؤبه له ولا يظهر به النقصان، ومنهم من حمله ~~على ما إذا أذن الزوج ولو بطريق الإجمال، وهو اختيار البخاري، ولذلك ترجم ~~الباب الذي أورد فيه هذا الحديث "باب من أمر خادمه بالصدقة ولم يناول ~~بنفسه" (¬1)، وحصل الترجمة في حكم التقييد الحديث المذكور، [ويدل عليه ما ~~أخرجه الترمذي عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لا تنفق المرأة من بيت زوجها إلا بإذنه، قيل: يا رسول الله، ولا الطعام؟ ~~قال: ذلك أفضل أموالنا"] (أ) (¬2). # ومنهم من قال: المراد بنفقة المرأة والعبد والخازن النفقة على عيال صاحب ~~المال في مصالحه، وهو بعيد من لفظ الحديث، ومنهم من فرق بين المرأة ~~والخادم، فقال: المرأة لها حق في مال الزوج والنظر في بيتها فجاز لها أن ~~تتصدق بخلاف الخادم، فليس له تصرف في متاع مولاه، فيشترط الإذن فيه، ويرد ~~عليه بأن المرأة ليس لها التصرف إلا في القدر الذي تستحقه، وظاهره أنهم ~~سواء في الأجر، ويحتمل أن يكون المراد بالمثل حصول الأجر في الجملة، وإن ~~كان الكاسب أوفر إلا أنه في حديث أبي هريرة بلفظ: "فلها نصف أجره" يشعر ~~بالتساوي. # 485 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: "جاءت زينب امرأة ابن ~~مسعود قالت: يا رسول الله إنك أمرت اليوم بالصدقة، وكان عندى حلي لي فأردت ~~أن أتصدق به فزعم ابن مسعود أنه وولده أحق من تصدقت به عليهم، فقال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: صدق ابن مسعود، PageV04P375 # زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم" رواه البخاري (¬1). # قوله: "جاءت زينب": هي بنت معاوية، ويقال: بنت عبد الله بن معاوية بن ~~عتاب الثقفية، ويقال لها أيضا رائطة، ووقع ذلك في صحيح ابن حبان (¬2) في ~~نحو هذه القصة، ويقال: هما ثنتان عند الأكثر، وجزم به ابن سعد (¬3)، وقال ~~الكلاباذي: بل هي ms0776 زينب، وجزم به الطحاوي أيضا وقال: لا نعلم أن لابن مسعود ~~امرأة في عصر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - غيرها (¬4). # الحديث فيه دلالة على أن الصدقة على من كان أقرب إلى المتصدق أفضل وأولى، ~~وظاهر هذا الحديث أن الصدقة هنا هي صدقة تطوع لا وجوب، وساقه البخاري من ~~حديث عمرو بن الحارث في ترجمة باب الزكاة على الزوج والأيتام في الحجر ~~(¬5)، فيدل سياقه على أنه في الصدقة الواجبة، واحتمل أن يكون ذلك في قصة ~~واحدة، وأن يكون قصتان، واستدل بهذا على جواز دفع المرأة زكاتها إلى زوجها، ~~وهو قول الجمهور، وعن أبي حنيفة أنه لا يجزئ لقوله تعالى: {مودة ورحمة} ~~(¬6)، فأشبهت الأب، والجواب النص، وفي قوله "وولده" ظاهره أنه يجري صرفها ~~إلى الولد، وقد ادعى في "البحر" وابن المنذر الإجماع بأنه لا يجوز صرفها ~~إلى الولد، وأجيب عن الحديث بأن ذلك في غير الصدقة الواجبة أو أن الصرف ~~إنما هو إلى الزوج وهو المنفق على أولاده، أو أن PageV04P376 # الأولاد للزوج ولم يكونوا لها، ووقع في غير هذه الرواية: "على زوجها ~~وأيتام في حجرها" (¬1) وهم أولاد أخيها والله أعلم. # 486 - وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة ~~لحم" متفق عليه (¬2). # الحديث فيه دلالة على قبح المسألة. # وفي قوله: "ما يزال": [إشارة] (أ) إلى كثرة السؤال، وأن المسألة تؤثر في ~~الوجه فلا يزال اللحم ينقص مع المسألة حتى ينتهي إلى ذهابه بالكلية، وظاهر ~~الحديث أن السؤال مطلقا على هذه الكيفية، وقد ورد التخصيص للبعض كما سيأتي ~~ولذا إن البخاري ترجم الباب بباب "من سأل (ب) مكثرا" (¬3) يعني: من سأل (ب) ~~وهو غني لأجل تكثر ماله وأما من سأل (ب) وهو مضطر فهو مباح فلا يعاقب عليه. # والمزعة (¬4) -بضم الميم وحكي كسرها وسكون الزاي ثم مهملة- أي قطعة، وقد ~~ضبطه بعضهم بفتح الميم والزاي. PageV04P377 # قال المصنف -رحمه الله (¬1) - "والذي أحفظه عن المحدثين الضم، ms0777 قال ~~الخطابي (¬2): يحتمل أن يكون المراد أنه يأتي ساقطا أي لا قدر له ولا جاه ~~أو يعذب في وجهه حتى يسقط لحمه لمشاكلة العقوبة في مواضع الجناية من ~~الأعضاء لكونه أذل وجهه بالسؤال، وأنه يبعث ووجهه عظم فيكون ذلك شعاره الذي ~~يعرف به". # ويؤيد الأول ما أخرجه الطبراني والبزار من حديث مسعود بن عمرو مرفوعا: ~~"لا يزال العبد يسأل وهو غني حتى يجلو وجهه، فلا يكون له عند الله وجه" (¬3). # وقال ابن أبي جمرة: معناه أنه ليس في وجهه من الحسن شيء، لأن حسن الوجه ~~هو بما فيه من اللحم، ومال المهلب إلى حمله على ظاهره، وإلى أن السر فيه أن ~~الشمس تدنو يوم القيامة فإذا جاء لا لحم بوجهه كانت أذية الشمس له أكثر من غيره. # 487 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من سأل الناس أموالهم تكثرا فإنما يسأل جمرا فليستقل أو ~~ليستكثر" رواه مسلم (¬4). # قوله: "فإنما يسأل جمرا": قال القاضي ابن العربي: معناه أنه يعاقب ~~بالنار، ويحتمل أن يكون على ظاهره، وأن الذي يأخذه يصير جمرا يكوى به كما ~~ثبت في مانع الزكاة. # 488 - وعن الزبير بن العوام - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - PageV04P378 # قال: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها، فيكف بها ~~وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" رواه البخاري (¬1). # الحديث فيه دلالة على قبح السؤال وحسن الاكتساب، ولو امتهن نفسه في طلب ~~الرزق وارتكب المشقة، وذلك لما يدخل على السائل من ذل السؤال، ومن ذل الرد ~~إذا لم يعطوه، ولما يدخل على صاحب المال من الضيق في ماله إن أعطي كل سائل، ~~وقد اختلفت الشافعية في القادر على الكسب على وجهين أصحهما أنه حرام لظاهر ~~الأحاديث، والثاني أنه حلال مع الكراهة بثلاثة شروط: أن لا يذل نفسه، ولا ~~يلح في السؤال، ولا يؤذي المسئول، فإن فقد أحدها فهو حرام بالاتفاق. # 489 - وعن سمرة بن جندب - رضي ms0778 الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "المسألة كد يكد بها الرجل وجهه إلا أن يسأل الرجل سلطانا أو ~~في أمر لا بد منه" رواه الترمذي، وصححه (¬2). # والمسألة: أي السؤال من الناس أموالهم. # والكد: هو الخدش وهو الأثر، وفي رواية "كدوح" (¬3) بضم الكاف جمع كدح، ~~وكل أمر من خدش أو عض فهو كدح. # وقوله: "إلا أن يسأل الرجل ذا سلطان": يعني يعطيه ما يستحقه من بيت المال ~~فهو خارج عن مذمة السؤال لأن السائل لم يسأل إلا ما يستحقه، والسلطان ليس ~~له منة عليه. PageV04P379 # وقوله: "لا بد منه": وذلك كالسؤال في الأمور التي أبيح السؤال فيها. (أ) ~~[عدة أحاديث صدقة التطوع أحد عشر حديثا] (أ). PageV04P380 ### || AUTO باب قسمة الصدقات # 490 - عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -:- "لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة، لعامل عليها، أو رجل ~~اشتراها بماله، أو غارم، أو غاز في سبيل الله، أو مسكين تصدق عليه منها ~~فأهدى منها لغني". رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم، وأعل ~~بالإرسال (¬1). # أخرجوه عن عطاء بن يسار عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في رواية الحاكم ~~وأبي داود ومالك، وفي رواية أحمد وأبي داود وابن ماجه والبزار وعبد بن حميد ~~وأبي يعلى والبيهقي عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد. # قوله: "لا تحل الصدقة لغني" اختلف في تحقيق الغنى المانع من أخذ الصدقة ~~فأشار البخاري إلى أن ذلك هو الكافي لصاحبه القائم بمصالحه وقال بعد إيراده ~~لقوله تعالى: {لا يسألون الناس إلحافا} (¬2)، "وكم الغني" (¬3)، وقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: "ولا يجد غنى يغنيه" (¬4)، لقول الله تعالى: ~~{للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضربا في الأرض} (¬5) فأشار ~~إلى ذلك لأن ذلك غني يغنيه أي يقوم بحاجته، وفي PageV04P381 # قوله: {لا يستطيعون ضربا في الأرض} لأنهم إذا استطاعوا ضربا في الأرض ~~لتحصيل ما يقوم بهم فقد ملكوا نوعا من الغنى، وقد أخرج الترمذي من حديث ابن ~~مسعود: ms0779 "قيل يا رسول الله: وما يغنيه؟ قال خمسون درهما أو قيمتها من الذهب" ~~(¬1). وفي إسناده حكيم بن جبير وهو ضعيف (¬2)، وقد روي من حديث شيخه زبيد ~~أبو عبد الرحمن، ولكن أحمد جزم بأن رواية زبيد موقوفة (¬3)، وفي حديث أبي ~~سعيد عند النسائي: "من سأل وله أوقية فقد ألحف" (¬4). # وأخرج أبو داود: "من سأل منكم وله أوقية أو عدلها فقد سأل إلحافا" (¬5). # وأخرج من حديث سهل بن الحنظلية قال: قال رسول الله: "من سأل -وعنده ما ~~يغنيه- فإنما يستكثر من النار، فقالوا: يا رسول الله وما يغنيه؟ قال: قدر ~~ما يغديه ويعشيه" (¬6)، وصححه ابن حبان (¬7). # قال الترمذي (¬8) في حديث ابن مسعود: والعمل على هذا عند بعض أصحابنا ~~كالثوري وابن المبارك وأحمد وإسحاق، قال: ووسع قوم في ذلك فقالوا: إذا كان ~~عنده خمسون درهما أو أكثر وهو محتاج، فله أن يأخذ PageV04P382 # من الزكاة، وهو قول الشافعي وغيره من أهل العلم، قال الشافعي: فيكون ~~الرجل غنيا بالدرهم مع الكسب، ولا يغنيه الألف مع ضعفه في نفسه وكثرة ~~عياله، والظاهر أن التحديد بالخمسين إنما هو باعتبار حال الوقت، وأن ~~الخمسين يجد صاحبها بها سدادا من عوز، وإلا فإنها قد تكون الخمسين باعتبار ~~كثرة المؤنة وغلاء السعر في حق صاحب ذلك في حكم الدرهم الواحد، ولا شك أن ~~جانب المناسبة والحكمة في شرعية الزكاة تقضي بعدم الوقوف على قدر معين، ~~وإنما ذلك باعتبار الكفاية، ويفسر هذا المعنى حديث أبي هريرة وغيره، وذهب ~~الهادي والمؤيد والأزرقي والإمام يحيى وأبو حنيفة إلى أن الغنى هو ملك ~~النصاب، وسواء كان النصاب من الذهب أو الفضة أو ما يقوم بذلك، وذهب الحقيني ~~والأزرقي (1) -تخريجا على أصل الهادي- وأبو طالب بأن من كان معه من العروض ~~ما يساوي النصاب فإنه لا يصير بذلك غنيا لا سيما ذا العول، قال الإمام ~~المهدي (2): بل هو غني لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أوقية أو عدلها" ~~فجعل العرض في تحريم المسألة كالنقد، وذهب المرتضي وأبو طالب إلى أن: من ~~كان لا يكفيه غلة أرضه للسنة وإن ms0780 قومت نصابا فإنه فقير تحل له الزكاة، وذهب ~~بعضهم على ما حكاه الخطابي (¬3) أن حد الغنى من وجد ما يغديه ويعشيه على ~~ظاهر حديث سهل بن الحنظلية، وقد تأوله بعضهم بأن الغنى ما يغديه ويعشيه على ~~الدوام، وذهب أبو عبيد بن سلام (¬4) إلى أن حد الغنى أربعون درهما لقوله: ~~"من سأل وله أوقية" وهي أربعون درهما، والظاهر أن ذلك إنما هو في حل السؤال ~~لا في حل الصدقة من PageV04P383 # غير سؤال، فالظاهر قول الشافعي، ويقرب منه قول الهادي وأبي حنيفة. # وفي قوله: "أو غاز في سبيل الله" يفهم منه أن الغازي له أن يتجهز في غزوه ~~من الزكاة وإن كان غنيا، لأنه ساع في سبيل الله، ويلحق به من كان قائما ~~بمصلحة عامة من مصالح المسلمين؛ كالقضاء والإفتاء والتدريس أي أنه له الأخذ ~~من الزكاة فيما يقوم به مدة القيام بالمصلحة وإن كان غنيا، والله أعلم. # قال الطبري (¬1): في حديث عمر - رضي الله عنه - الآتي دليل واضح على أن ~~من شغل بشيء من أعمال المسلمين أخذ الرزق على عمله، انتهى. # وذكر ابن المنذر (¬2) أن زيد بن ثابت كان يأخذ الأجر على القضاء، واحتج ~~أبو عبيد في جواز ذلك بما فرض الله للعاملين على الصدقة وجعل لهم منها حقا ~~لقيامهم وسعيهم فيها، وهذا الذي ذكره هو الذي أشار إليه البخاري حيث قال: ~~"باب رزق الحاكم والعاملين عليها" (¬3). # والمراد بالرزق: ما يرتبه الإمام من بيت المال لمن يقوم بمصالح المسلمين. # وقال المطرزي (¬4): الرزق ما يخرجه الإمام كل شهر للمرتزقة من بيت المال، ~~والعطاء ما يخرجه كل عام. # وقول البخاري: "والعاملين عليها": يحتمل أن يريد العاملين على الصدقات، ~~وعطفه على أجر الحاكم فيكون المراد أن الحاكم يرزقه مثل رزق العامل من ~~الصدقة بقدر عمله، ويحتمل أن يريد العاملين على PageV04P384 # الحكومات وإن لم يجر لها ذكر؛ لأن ذلك مدلول عليه بذكر الحاكم ويؤيد ~~الاستدلال على جواز أخذ الرزق بآية الصدقات، وهم من جملة المستحقين لها ~~لعطفهم على الفقراء والمساكين بعد قوله: {إنما الصدقات} (¬1). # قال ms0781 الطبري: ذهب الجمهور على جواز أخذ القاضي الأجرة على الحكم لكونه ~~يشغله الحكم عن القيام بمصالحه، غير أن طائفة من السلف كرهت ذلك ولم يحرموه ~~مع ذلك، وقال أبو علي الكرابيسي: لا بأس للقاضي أن يأخذ الرزق على القضاء ~~عند أهل العلم قاطبة من الصحابة ومن بعدهم، وهو قول فقهاء الأمصار، لا أعلم ~~بينهم خلافا، وقد كره ذلك قوم منهم مسروق، ولا أعلم أحدا منهم حرمه. # قال المهلب: وجه الكراهة أنه في الأصل محمول على الاحتساب لقوله تعالى: ~~{قل لا أسألكم عليه أجرا} (¬2) فأرادوا أن يجري الأمر فيه على الأصل الذي ~~وضعه الله لنبيه، ولئلا يدخل فيه من لا يستحقه فيتحيل على أموال الناس. # وقال غيره: أخذ الرزق على القضاء إذا كانت جهة الآخذ من الحلال جائز ~~إجماعا، ومن تركه إنما تركه تورعا، وأما إذا كانت هناك شبهة فالأولى الترك ~~جزما، يحرم إذا كان المال يؤخذ لبيت المال من غير وجهه، واختلف إذا كان ~~الغالب حراما. # وأما من غير بيت المال ففي جواز الأخذ من المتحاكمين خلاف، ومن أجازه شرط ~~فيه شروطا، وقد حسن القول بالجواز إلى إلغاء الشروط، وفشا ذلك في هذه ~~الأعصار بحيث لا يبالي من أي جهة كان، والله المستعان. PageV04P385 # واستشهد البخاري على ذلك فقال: "وكان شريح يأخذ على القضاء أجرا". # وهو شريح بن الحارث بن قيس النخعي الكوفي قاضي الكوفة، ولاه عمر ثم قضى ~~لمن بعده بالكوفة دهرا طويلا، وله مع علي أخبار في ذلك، وهو ثقة مخضرم؛ ~~أدرك الجاهلية والإسلام، ويقال: إن له صحبة، مات قبل الثمانية وقد جاوز ~~المائة (¬1). # وقد وصله عبد الرزاق وسعيد بن منصور من طريق مجالد عن الشعبي بلفظ: "كان ~~مسروق لا يأخذ على القضاء أجرا، وكان شريح يأخذ"، وقال: وقالت عائشة - رضي ~~الله عنها -: يأكل الوصي بقدر عمله، ووصله ابن أبي شيبة عن عائشة في قوله ~~تعالى: {ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف} (¬2)، ثم قال: "وأكل أبو بكر وعمر". # أما أثر أبي بكر فوصله ابن أبي شيبة عن عائشة قالت: "لما ms0782 استخلف أبو بكر ~~قال: قد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وقد شغلت بأمر ~~المسلمين .... " الحديث، إلى أن قال: "فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، ~~ويحترف للمسلمين فيه". # ومنه أن عمر - رضي الله عنه - لما ولي أكل هو وأهله من المال، واحترف في ~~مال نفسه. PageV04P386 # وأما أثر عمر فوصله ابن أبي شيبة وابن سعد (¬1) من طريق حارثة بن مضرب ~~-بضم الميم وفتح الضاد المعجمة وتشديد الراء بعدها موحدة- قال: قال عمر: ~~"إني أنزلت نفسي من مال الله منزلة قيم اليتيم إن استغنيت عنه تركت، وإن ~~افتقرت إليه أكلت بالمعروف"، وسنده صحيح. # وأخرج بسند صحيح (¬2) عن الأحنف قال: "كنا بباب عمر ... " .. فذكر قصة ~~وفيها: فقال عمر: "أنا أخبركم بما أستحل ما أحج عليه وأعتمر وحلتي الشتاء ~~والقيظ وقوتي وقوت عيالي كرجل من قريش ليس بأعلاهم ولا أسفلهم". # ورخص الشافعي وأكثر أهل العلم في ذلك، وعن أحمد: لا يعجبني، وإن كان ~~فيقدر عمله مثل ولي اليتيم، واتفقوا على أنه لا يجوز الاستئجار عليه، وهذا ~~يؤيد ما ذكرناه أن قوله: "أو غاز في سبيل الله" باعتبار المعنى المناسب ~~لذلك، أنه يشمل من كان فيه مصلحة عامة، والله أعلم. # 491 - وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلين حدثاه أنهما أتيا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يسألانه الصدقة، فقلب فيهما النظر فرآهما ~~جلدين فقال: "إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب" رواه ~~أحمد وقواه أبو داود والنسائي (¬3). # هو عبيد الله بن عدي بن الخيار بن عدي القرشي النوفلي (¬4)، يقال PageV04P387 # إنه ولد على عهد رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، ويعد في التابعين، ~~وروى عن عمر وعثمان وعبد الله بن عدي الأنصاري، روى عنه عروة بن الزبير ~~وحميد ابن عبد الرحمن وعطاء بن يزيد، مات في زمن الوليد بن عبد الملك، ~~والخيار بكسر الخاء المعجمة وتخفيف الياء تحتها نقطتان وبالراء. # والحديث أخرجه الدارقطني، وزاد الطحاوي في "بيان المشكل" أن رجلين من ~~قومه، قال أحمد بن حنبل: ms0783 ما أجوده من حديث. # والآتيان إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في حجة الوداع وهو يقسم ~~الصدقة فسألاه منها، وتقليب البصر مفسر في الرواية، وهو قوله: "فرفع فينا ~~النظر وخفضه". # وقوله: "إن شئتما" إلخ: تناول الحرام أعطيتكما قاله توبيخا وتغليظا. # والحديث فيه دلالة على تحريم الصدقة على الغني وهو إجماع، وإن اختلفوا في ~~تحقيق الغنى. # وقوله: "ولا لقوي مكتسب": يدل على أنه يصير بالحرفة في حكم الغني يحرم ~~عليه الصدقة، وأجاب عنه الإمام المهدي في "البحر" بأنه أراد بالقوي المكتسب ~~من كان له كسب حاصل فيصير به غنيا، ونظرا أنه قد دخل في الغنى ولا وجه ~~للعطف، وقد ذهب الهادوية وأبو حنيفة ومالك إلى أنه لا يصير بذلك في حكم ~~الغنى لتسميته فقيرا والجواب عنه النص. # 492 - وعن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجل تحمل حمالة فحلت له ~~المسألة حتى يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له ~~المسألة حتى يصيب قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقول ثلاثة من ذوي ~~الحجا من قومه: لقد أصابت فلانا فاقة فحلت له PageV04P388 # المسألة حتى يصيب قواما من عيش، فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحت ~~يأكلها سحتا" رواه مسلم وأبو داود وابن خزيمة وابن حبان (¬1). # هو أبو بشر -بكسر الباء الموحدة وسكون الشين المعجمة والراء قبيصة -بفتح ~~القاف وكسر الباء الموحدة وبالصاد المهملة- ابن مخارق -بضم الميم وبالخاء ~~المعجمة وبالراء والقاف. # وفد على النبي، - صلى الله عليه وسلم -، عداده في أهل البصرة، وروى عنه ~~ابنه قطن وأبو عثمان النهدي وكنانة بن نعيم وأبو قلابة (¬2). # قوله: "تحمل حمالة" -بفتح الحاء المهملة- وهي المال الذي يتحمله الإنسان ~~عن غيره، أي يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين، كالإصلاح بين قبيلتين. # وقوله: "جائحة" أي آفة أهلكت ماله. # والقوام -بكسر القاف-: هو ما يقوم بحاله ويسد خلته، وفي رواية "سداد". ~~وهو أيضا بكسر السين-: وهو ما يسد به الحاجة، وكل شيء ms0784 سددت به فهو سداد، ~~ومنه سداد الثغر وسداد القارورة، وقولهم سداد من عوز. # وقوله: "أصابته فاقة" وهي الحاجة، "والحجا" -بالقصر- هو العقل، واعتبر ~~كونهم من قومه لأنهم الأعرف بحاله، وكونهم من أهل الحجا دلالة على اشتراط ~~تبصر الشاهد فيما شهد فيه، فلا تقبل شهادة من قصر تمييزه وغلب عليه الغباوة ~~والغفلة. PageV04P389 # واشتراط الثلاثة ذهب إلى ظاهره بعض الشافعية، وأنه لا يقبل في الاعتبار ~~أقل من ذلك، والجمهور على أنه يكفي الاثنان قياسا على سائر الشهادات، ~~وحملوا هذا على الندب، وهذا محمول على من كان له مال من قبل وادعى الفقر، ~~وأما من لم يكن كذلك فإنه يقبل قوله. # وقوله: "سحت" -بضم السين المهملة وسكون الحاء المهملة-: هو الحرام الذي ~~لا يحل كسبه، لأنه يسحت البركة أي يذهبها. # وقوله: "يأكلها سحتا": صفة سحت، والضمير الراجع إلى الموصوف مؤنث على ~~تأويل الصدقة، وفائدة الصفة أن آكل السحت لا يجد للسحت الذي يأكله شبهة ~~يجعله مباحا على نفسه بل يأكلها من جهة السحت. # والحديث فيه دلالة على تحريم المسألة في غير ما ذكر، وأن ما أعطي ~~بالمسألة فهو حرام. # وقد ذهب إلى تحريم السؤال مطلقا ابن أبي ليلى وتسقط به العدالة لهذا، ~~ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "المسألة كدوح" (¬1) وغيره. # وأجيب بأن ذلك مع الغنى، والتخصيص لمن ذكر بدليله، وقال الإمام يحيى: ~~يجوز سؤال الإمام لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا أن يسأل الرجل ذا ~~سلطان" لا غيره فيكره إلا عن ضرورة كما في حق الثلاثة المذكورين في الحديث. # وذهب العترة والحنفية والشافعية والإمام يحيى أنه يجوز للفقير السؤال ~~لقوله تعالى: {وأطعموا القانع والمعتر} (¬2) حيث أريد بأحدهما السائل على ~~بعض ما فسر به السلف {وأما السائل فلا تنهر} (¬3)، وإذ هو حقه PageV04P390 # كالدين. # وقال مالك: يجوز سؤال الحقير للتسامح به لا الكثير لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم - "فإنما يستكثر من الجمر" (¬1) وأجيب بأن ذلك مع الغنى، والظاهر من ~~الأحاديث النهي عن السؤال مطلقا إلا لمن ورد الاستثناء في حقهم، والله أعلم. # 493 - وعن عبد المطلب ms0785 بن ربيعة بن الحارث قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "وإنها الصدقة لا تنبغي لآل محمد إنما هي أوساخ الناس"، وفي ~~رواية: "وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد" رواه مسلم (¬2). # هو عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي القرشي، ~~سكن المدينة ثم تحول عنها إلى دمشق، ومات بها سنة اثنتين وستين. روى عنه ~~عبد الله بن الحارث، وقيل: كان رجلا على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وليس له في الكتب الستة سوى هذا الحديث (¬3). # وفي الباب من حديث نوفل بن الحارث: "إن لكم في خمس الخمس ما يكفيكم أو ~~يغنيكم" أخرجه أبو نعيم في معرفة الصحابة. # وفي الطبراني من حديث ابن عباس قال: "بعث نوفل بن الحارث ابنته إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - " فذكر نحوه. الحديث فيه دلالة على تحريم ~~الزكاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى آله، فأما على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فذلك إجماع، وأما على آله فادعى أبو طالب أنه إجماع أيضا، ~~وكذا ابن قدامة (¬4)، ونقل الطبري الجواز عن أبي حنيفة مطلقا، وقيل عنه: ~~يجوز PageV04P391 # لهم إذا حرموا سهم ذوي القربى، حكاه الطحاوي، ورواه الرافعي عن الإصطخري، ~~ونقل بعض المالكية في ذلك أربعة أقوال: الجواز مطلقا، أو مع المنع من ~~الخمس، والمنع مطلقا، وجواز التطوع دون الفرض. # واختلف في الآل المحرم عليهم الزكاة (¬1)، فذهب الزيدية وأبو حنيفة ومالك ~~إلى أنهم بنو هاشم فقط، وذهب الشافعي إلى ذلك مع دخول بني المطلب في ذلك ~~الحكم، ولأحمد روايتان في بني المطلب، وعن المالكية فيما بين هاشم وفهر بن ~~غالب (أ) قولان، وذهب أصبغ إلى أنهم بنو قصي، والظاهر أن المراد به هنا بنو ~~هاشم؛ لأنهم هم الذين وردت فيهم أسباب الأحاديث في المنع. # واحتج الشافعي بقوله - صلى الله عليه وسلم - في بني المطلب "إنا لم نفترق ~~في جاهلية ولا إسلام" (¬2)، وأجيب بأن المراد الموالاة. # وقوله: "إنما هي أوساخ الناس" فعلة التحريم أن ذلك لكونهم يتنزهون ms0786 عن ~~أوساخ الناس، وسميت أوساخ الناس لأنها تطهير لأموالهم ونفوسهم، كما قال ~~الله - تعالى -: {خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها} (¬3) فذلك من ~~التشبيه البليغ، وفيه دلالة على أن المحرم من الصدقة إنما هو المطهر، وهو ~~ما كان ىن واجب، وأما صدقة التطوع فيحرم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ونقل الخطابي وغيره الإجماع على ذلك، وللشافعي قول: أنها تحل له، وأما آله ~~فالأكثر على حلها لهم، وللشافعي قول PageV04P392 # بتحريمها عليهم، وأبو العباس، وأبو يوسف لعموم الصدقة، والجواب أن ذلك في ~~الصدقة الواجبة، والله أعلم. # 494 - وعن جبير بن مطعم قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب من خمس خيبر ~~وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد" رواه البخاري (¬1). # هو أبو محمد جبير (¬2) -بضم الجيم وفتح الباء الموحدة وسكون الياء- ابن ~~مطعم -بضم الميم وسكون الطاء وكسر العين- ابن عدي بن نوفل ابن عبد مناف ~~القرشي النوفلي، ويقال كنيته أبو أمية، ويقال أبو عدي، أسلم قبل الفتح، ~~ونزل المدينة، ومات بها سنة أربع وخمسين، وقيل: سنة سبع وخمسين، وقيل: سنة ~~تسع وخمسين، [وفي "الرياض المستطابة" سنة ثمان أو تسع بالشك (أ)] روى عنه ~~نافع ومحمد. # الحديث فيه دلالة على أن بني المطلب يشاركون بني هاشم في سهم ذوي القربي ~~دون من عداهم، وإن كانوا في النسب سواء، وعلله النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- باستمرارهم على الولاء فصاروا كالشيء الواحد في الأحكام، وهو دليل واضح، ~~وقد ذهب إليه الشافعي، والخلاف في ذلك للجمهور، قالوا: وإعطاؤه لبني المطلب ~~على وجه التفضيل لا الاستحقاق، ولا يخفى أن هذا خلاف الظاهر، والمراد ببني ~~هاشم هم آل علي وآل جعفر وآل عقيل وآل العباس وآل الحارث، ولم يدخل آل أبي ~~لهب في ذلك الخط PageV04P393 # لأنه لم يسلم منهم أحد في وقته - صلى الله عليه وسلم -، كذا نقل عن زيد ~~بن علي، وفي "الجواهر ms0787 والدرر" أن عتبة ومعتب ابني أبي لهب ثبتا معه - صلى ~~الله عليه وسلم - في حنين (¬1)، [وفي "جامع الأصول": أسلم عتبة وأخوه معتب ~~عام الفتح، وكانا قد هربا فبعث العباس فأتى بهما فأسلما فسر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بإسلامهما ودعا لهم وشهدا معه حنينا والطائف، ولم ~~يخرجا من مكة ولم يأتيا المدينة، ولهما عقب عند أهل النسب، وهذا عتبة له ~~ذكر في كتاب الفرائض، وقيل: إنه أخوه عتيبة، وكان عتبة وعتيبة زوجي بنتي ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رقية وأم كلثوم، فلما نزلت: {تبت يدا أبي ~~لهب وتب} (¬2) أمرهما أبوهما بفراقهما ففعلا (أ)]. # 495 - وعن أبي رافع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث رجلا على الصدقة ~~من بني مخزوم فقال لأبي رافع: اصحبني، فإنك تصيب منها. قال: حتى آتى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: "مولى القوم من أنفسهم، ~~وإنا لا تحل لنا الصدقة". رواه أحمد والثلاثة وابن خزيمة وابن حبان (¬3). # وأخرج الحديث الطبراني عن ابن عباس (¬4)، والرجل اسمه كما صرح PageV04P394 # به النسائي والطبراني الأرقم بن الأرقم (¬1). # والحديث فيه دلالة على أن حكم مولى بني هاشم حكمهم في تحريم الزكاة عليه، ~~وقد ذهب إلى هذا المؤيد وأبو طالب، وعن أبي حنيفة وأصحابه وقول للشافعي، ~~وذهب الناصر والإمام يحيي ومالك وقول للشافعي إلى حلها لهم لأن علة التحريم ~~مفقودة وهو قرب النسب، والجواب أن الحديث صريح في التحريم، ويدل على ~~تحريمها على الآل ومواليهم ولو كان على جهة الأخذ بالعمالة، وذهب الناصر، ~~وأبو حنيفة إلى أنه يجوز أخذ العمالة من الزكاة، وذهب إليه بعض الشافعية ~~أيضا، قالوا: لأنها إجارة، والجواب أن السهم المذكور وإن كان أخذه على وجه ~~الأجرة، ولكن هذا الحديث يرده. # 496 - وعن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يعطي عمر العطاء فيقول: أعطه أفقر مني، فيقول: "خذه فتموله أو ~~تصدق به، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، ms0788 وما لا فلا ~~تتبعه نفسك" رواه مسلم (¬2). # قوله: "كان يعطي عمر العطاء" في رواية لمسلم أيضا زيادة حسبت العمالة وهي ~~بضم العين المهملة، ولذا قال الطحاوي: ليس معنى الحديث في الصدقات وإنما هو ~~في الأموال التي يقسمها الإمام، وليست هي من جهة الفقر ولكن من الحقوق، ~~ولذلك لم يقبل من عمر قوله: "أعطه أفقر مني"، لأنه إنما أعطاه لمعنى غير ~~الفقر، ويدل عليه قوله: PageV04P395 # "خذه فتموله". # قال الطبري: اختلفوا في قوله: "خذه" بعد إجماعهم بأنه أمر ندب فقيل: هو ~~مندوب لكل من أعطي عطية أن يقبلها كائنا من كان بالشرطين المذكورين في آخر ~~الحديث، وقيل ذلك مخصوص بعطية السلطان، وقال بعضهم: يكره عطية السلطان وهو ~~محمول على السلطان الجائر، والكراهة لأجل الورع والتحرز من الوقوع في ~~الحرام، وهو المشهور من تصرف السلف، والله أعلم. # والتحقيق أن من علم كون ماله حلالا فلا يرد عليه، ومن علم كون ماله حراما ~~فيحرم عطيته، ومن شك فيه فالاحتياط رده وهو الورع، ومن أباحه أخذ بالأصل. # قال ابن المنذر: واحتج من رخص فيه بأن الله تعالى قال في اليهود: {سماعون ~~للكذب أكالون للسحت} (¬1)، وقد رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه (¬2) ~~عند يهودي مع علمه بذلك، وكذلك أخذ الجزية منهم مع علمه بذلك، وأن كثيرا من ~~أموالهم من ثمن الخمر والخنزير والمعاملات الباطلة، انتهى. # وقد ذكر في "الجامع الكافي مختصر جامع آل محمد" ما معناه أن عطية السلطان ~~الجائر لا ترد، قال: لأنه إن علم أن ذلك عين مال مسلم وجب قبوله وتسليمه ~~لمالكه، وإن كان ذلك ملتبسا فهو مظلمة مصرفها إلى من يستحقها، وإن كان ذلك ~~عين مال الجائر، ففيه تقليل لباطله وأخذ ما يستعين بإنفاقه على معصية. # هذا معنى كلامه وهو كلام حسن، موافق لقواعد الشريعة إلا أنه شرط PageV04P396 # في ذلك أن يأمن القابض على نفسه من محبة المحسن التي جبلت النفوس على حب ~~من أحسن إليها، وعلى غيره الاغترار بأنه على حق, والله أعلم. # وفي الحديث دلالة على أن للإمام أن ms0789 يعطي بعض رعيته إذا رأى لذلك وجها، ~~وإن كان غيره أحوج إليه منه، وإن رد عطية الإمام ولا سيما الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - ليس من الأدب. # وقوله: "وأنت غير مشرف" هو -بالشين المعجمة- من الإشراف، وهو التعرض ~~للشيء والحرص عليهم من قولهم "أشرف على كذا" إذا تطاول له، وقيل للمكان ~~المرتفع "مشرف" لذلك. # قال أبو داود (¬1): سألت أحمد عن إشراف النفس، فقال: بالقلب، وقال يعقوب ~~بن محمد: سألت أحمد (¬2) عنه فقال: هو أن يقول مع نفسه يبعث إلي فلان بكذا، ~~وقال الأثرم: هو أن يضيق عليه أن يرد ما إذا كان كذلك. # وقوله: "وما لا" يعني ما لم يوجد فيه هذين الشرطين فلا تتبعه نفسك أي لا ~~تعلقها به. # وفي الحديث منقبة ظاهرة لعمر مبينة لفضله وزهده، وإيثاره لحب الله ورسوله ~~وتجرده من العلائق الدنيوية، رضي الله عنه. # [عدة أحاديث قسمة الصدقات ستة (أ)]. # آخر الجزء الرابع، ويتلوه إن شاء الله الجزء الخامس وأوله: كتاب الصيام ~~والحمد لله رب العالمين PageV04P397 # البدر التمام شرح بلوغ المرام # للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي # (1048 ه - 1119 ه) # تحقيق # علي بن عبد الله الزبن # عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية # قدم له # فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان # رئيس مجلس القضاء الأعلى # الجزء الخامس PageV05P001 # البدر التمام شرح بلوغ المرام PageV05P003 # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة الأولى # 1424 - ه= 2003 م PageV05P004 ### | AUTO كتاب الصيام # الصيام والصوم في اللغة بمعنى الإمساك، وفي الشرع: إمساك مخصوص في زمن ~~مخصوص بشرائط مخصوصة (¬1)، وقال صاحب المحكم: الصوم ترك الطعام والشراب ~~والنكاح والكلام، يقال صام صوما وصياما، ورجل صائم وصوم. # وقال الراغب (¬2): الصوم في الأصل الإمساك عن الفعل، ولذلك قيل للفرس ~~الممسك عن السير "صائم". # وفي الشرع: إمساك المكلف بالنية عن تناول المطعم والمشرب والاستقاء من ~~الفجر إلى المغرب (¬3). # 497 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا تقدموا رمضان بيوم أو يومين إلا رجل كان يصوم صوما ~~فليصمه" متفق عليه ms0790 (¬4). # اعلم أنه فرض صوم رمضان في السنة الثانية من الهجرة، واختلف العلماء هل ~~قد كان سبقه فرضية صوم أولا؟ فالجمهور على أنه لم يكن قد سبقه فرضية صوم، ~~وأشار البخاري (¬5) إلى ذلك حيث أورد الآية وهي PageV05P005 # قوله تعالى: {كتب عليكم الصيام} (¬1) حجة على وجوب الصيام على الإطلاق. ~~ثم بينه سبحانه بقوله: {شهر رمضان} (¬2) الآية، وذهبت الحنفية -وهو وجه ~~للشافعية- إلى أنه تقدم أولا فرضية عاشوراء فلما نزل رمضان نسخ، ويدل على ~~ذلك حديث عائشة أنه أمر بصيامه حتى فرض رمضان فقال: "من شاء فليصمه ومن شاء ~~أفطر" أخرجه البخاري (¬3). # ويدل على الأول حديث معاوية مرفوعا: "لم يكتب الله صيامه" (¬4) يعني ~~عاشوراء. # قوله: "لا تقدموا رمضان" إلخ، في الحديث دلالة على النهي عن صوم يوم أو ~~يومين قبل رمضان، قال العلماء -رحمهم الله تعالى-: معنى الحديث: لا ~~تستقبلوا رمضان بصيام على نية الاحتياط لرمضان، قال الترمذي (¬5)، لما أخرج ~~هذا الحديث: العمل على هذا عند أهل العلم كرهوا أن يتعجل الرجل بصيام قبل ~~دخول رمضان لمعنى رمضان. انتهى. # والعلة بذلك أن حكم الصيام لا علق بالرؤية فمن تقدم بيوم أو يومين فقد ~~حاول الطعن في ذلك الحكم، ومعنى الاستثناء أن من كان له ورد فقد أذن له فيه ~~لأنه اعتاده وألفه، وليس ذلك من استقبال رمضان في شيء، ويستثنى أيضا القضاء ~~والنذر بالقياس على ما ذكر لعدم كونه مستقبلا لرمضان، فالصوم من أجله، ~~ولكنه يلزم من التعليل المذكور أنه لا نهي عن مطلق الفعل لعدم تناول العلة ~~له، ولعله يقال إن النهي عام لما لا سبب له، وإن لم يقصد استقبال رمضان به، ~~وفي ذلك تكميل لحصول المقصد PageV05P006 # الذي اعتبره الشارع، ولا يخرج عنه إلا ما له سبب واضح، والله أعلم. # وفي ذلك رد على الرافضة في تجويزهم تقديم الصوم على الرؤية وعلى من جوز ~~النفل المطلق، وإنما اقتصر على اليوم أو اليومين لأنه الغالب في حق من يقصد ~~ذلك، إذ لا يقع الاحتمال في أكثر من ذلك، وقال بعضهم: ابتداء المنع من ms0791 أول ~~السادس عشر من شعبان لحديث أبي هريرة مرفوعا: "إذا انتصف شعبان فلا تصوموا ~~" أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن حبان وغيره (¬1)، وقال الروياني من ~~الشافعية: يحرم التقدم بيوم أو يومين لحديث الباب، ويكره من نصف شعبان ~~للحديث الآخر. # وقال جمهور العلماء: يجوز الصوم تطوعا بعد النصف من شعبان وضعف الحديث ~~الوارد فيه، وقد قال أحمد وابن معين إنه منكر، واستظهر بحديث أنس مرفوعا: ~~"أفضل الصيام بعد رمضان شعبان" (¬2) لكن إسناده ضعيف. # 498 - وعن عمار بن ياسر - رضي الله عنه - قال: "من صام اليوم الذي يشك ~~فيه فقد عصى أبا القاسم - صلى الله عليه وسلم -" ذكره البخاري تعليقا، ~~ووصله الخمسة، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان (¬3). # قال البخاري وقال صلة: عن عمار. وصلة -هو بكسر الصاد المهملة PageV05P007 # وتخفيف اللام المفتوحة- ابن زفر -بضم الزاي-. # وقد وصله أبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة وابن حبان والحاكم من ~~طريق عمرو بن قيس عن أبي إسحاق عنه، ولفظه عندهم: "كنا عند عمار بن ياسر - ~~رضي الله عنه - فأتي بشاة مصلية، فقال: كلوا، فتنحى بعض القوم فقال: إني ~~صائم، فقال عمار: من صام يوم الشك ... "، وفي رواية ابن خزيمة وغيره: "من ~~صام اليوم الذي نشك ... "، وله متابع بإسناد حسن أخرجه ابن أبي شيبة من ~~طريق منصور عن ربعي أن عمارا وناسا معه أتوهم يسألونهم في اليوم الذي يشك ~~فيه فاعتزلهم رجل فقال له عمار: "إن كنت تؤمن بالله واليوم الآخر فتعال وكل ~~(¬1) "، ورواه عبد الرزاق من وجه آخر عن منصور عن ربعي عن رجل عن عمار، وله ~~شاهد من وجة آخر أخرجه إسحاق بن راهويه من رواية سماك عن عكرمة، ومنهم من ~~وصله بذكر ابن عباس فيه. # والحديث فيه دلالة على تحريم صوم يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان ~~حيث لم ير فيه الهلال لساتر من غيم وغيره فيجوز كونه من رمضان أو من شعبان، ~~لأن الصحابي لا يقول ذلك من قبل رأيه فيكون من قبيل المرفوع. # قال ابن عبد البر: هو مستند عندهم لا يختلفون ms0792 في ذلك وهو موقوف لفظا، ~~مرفوع حكما، وهذا المعنى مدلول عليه بأحاديث النهي عن استقبال رمضان بصوم، ~~والأمر بإكمال عدة شعبان، والأمر بالصوم لرؤيته، والإفطار لرؤيته، وقد ذهب ~~إلى هذا الشافعي فقال: لا يجوز صومه فرضا ولا نفلا مطلقا بل قضاء وكفارة ~~ونذرا ونفلا يوافق عادة. # وقال مالك: لا يجوز عن فرض رمضان ويجوز عما سوى ذلك، وبالقولين المذكورين ~~قال أحمد، وله قول ثالث، وهو: إن المرجع إلى PageV05P008 # رأي الإمام في الصوم والإفطار، وهو مذهب الحسن البصري، ليذهب علي وابن ~~عمر وعائشة وأسماء بنت أبي بكر وعمر وأنس بن مالك وأبو هريرة ومعاوية وعمرو ~~بن العاص والحكم بن أيوب الغفاري وسالم بن عبد الله ومجاهد وطاوس وأبو ~~عثمان النهدي ومطرف بن الشخير وميمون بن مهران وبكر بن عبد الله المزني ~~وأحمد بن حنبل والهادوية والناصر إلى أنه يندب (أ) صومه، فأما عمر فأخرج ~~الوليد بن مسلم عن مكحول أن عمر بن الخطاب، كان يصوم إذا كانت السماء في ~~تلك الليلة مغيمة، ويقول: "ليس هذا بالتقديم ولكنه التحري". وأخرج الشافعي ~~عن فاطمة بنت حسين أن (ب) علي بن أبي طالب قال: "لأن أصوم يوما من شعبان ~~أحب إلى من أن أفطر يوما من رمضان"، [ولفظ الرواية أن رجلا شهد عند علي على ~~رؤية الهلال فصام وأمر الناس أن يصوموا، وقال: "أصوم يوما من شعبان" ~~الحديث، وفيه انقطاع (¬1). # وأخرجه الدارقطني (¬2) من طريق والشافعي وسعيد بن منصور عن شيخ الشافعي ~~عبد العزيز بن محمد الدراوردي] (ب)، وفي كتاب عبد الرزاق أخبرنا معمر عن ~~أيوب عن ابن عمر قال: "كان إذا كان سحاب أصبح صائما وإن لم يكن سحاب أصبح ~~مفطرا". # وأخرج أحمد (¬3) بإسناد الصحيح عن نافع قال: "كان عبد الله إذا مضى من ~~شعبان تسعة وعشرون يبعث من ينظر، فإن رأى فذاك، وإن لم PageV05P009 # ير ولم يحل دون منظره سحاب ولا قتر أصبح مفطرا، وإن حال دون منظره سحاب ~~أو قتر أصبح صائما". # وأخرج أحمد عن يحيى بن إسحاق قال: رأيت الهلال إما ms0793 الظهر وإما قريبا منه ~~فأفطر ناس من الناس، فأتينا أنس بن مالك وأخبرناه برؤية الهلال وبإفطار من ~~أفطر، فقال: "هذا اليوم يكمل لي أحد وثلاثون يوما، وذلك أن الحكم بن أيوب ~~أرسل إلى قبل صيام الناس إني صائم غدا فكرهت الخلاف عليه فصمت، وأنا متم ~~صومي هذا إلى الليل". # وأخرج أحمد أيضا عن مكحول أن معاوية كان يقول: "لأن أصوم يوما من شعبان ~~أحب إلي من أن أفطر يوما من رمضان". # وأخرج أحمد عن عمرو بن العاص أنه كان يصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان. # وأخرج أحمد عن ابن أبي مريم قال سمعت أبا هريرة يقول: "لأن أتعجل في (أ) ~~صوم رمضان بيوم أحب إلى من أن أتأخر، لأني إذا تعجلت لم يفتني وإذا تأخرت ~~فاتني". # وأخرج سعيد بن منصور عن يزيد بن جبير عن الرسول الذي أتى عائشة في اليوم ~~الذي يشك فيه من رمضان، قال: قالت عائشة: "لأن أصوم يوما من شعبان أحب إلي ~~من أن أفطر يوما من رمضان". # وأخرج سعيد بن منصور عن فاطمة بنت المنذر قالت: "ما غم هلال رمضان إلا ~~كانت أسماء متقدمة بيوم وتأمر بتقدمه". # وأخرج أحمد عن فاطمة عن أسماء أنها كانت تصوم اليوم الذي يشك فيه من رمضان. # وهذا المروي جميعه يدل على استحباب صوم يوم الشك، وقد روي PageV05P010 # عن عمر وعلي وابن عمر كراهة صوم يوم الشك حتى قال ابن عمر: "لو صمت السنة ~~كلها لأفطرت اليوم الذي يشك فيه" أخرجه الثوري (¬1) في جامعه عن ابن عمر، ~~وقد يجاب عن هذه الآثار مع فرض صحتها أنها موقوفة وللاجتهاد في ذلك مسرح، ~~بل في كثير من الألفاظ ما يفهم منه الاجتهاد لأجل التحري في إكمال العدة، ~~فلا يقاوم أحاديث النهي عن تقدم رمضان بصوم، والأمر بإكمال عدة شعبان مع ~~اللبس، ومن الصريح في ذلك، ما أخرجه أحمد وأصحاب السنن وابن خزيمة وأبو ~~يعلى من حديث ابن عباس (¬2) "فإن حال بينكم وبينه سحاب فأكملوا العدة ~~ثلاثين، ولا تستقبلوا رمضان بصوم يوم ms0794 من شعبان" ورواه النسائي من طريق أخرى ~~بلفظ: "فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين" (¬3). # وروى الدارقطنيي وصححه وابن خزيمة في صحيحه من حديث عائشة (¬4): "كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحفظ من شعبان ما لا يتحفظ من غيره، ثم ~~يصوم لرؤية رمضان، فإن غم عليه كمله ثلاثين يوما ثم صام"، وأخرجه أبو داود وغيره. # وروى أبو داود وابن خزيمة عن حذيفة مرفوعا: "لا تقدموا الشهر حتى تروا ~~الهلال أو تكملوا العدة، ثم صوموا حتى تروا الهلال أو تكملوا العدة" (¬5). # وفي هذا المعنى من الكثير الطيب، وهو المناسب لما عرف من التشديد PageV05P011 # في المنع من التطوع المشبه للفرض، وكان وصل نافلة الصلاة بالفريضة هلكة، ~~والله أعلم. # [وقوله: "فقد عصى أبا القاسم" قيل: إنما أتى بهذه الكنية إشارة إلى أنه ~~هو الذي يقسم بين عباد الله أحكامه زمانا ومكانا وغير ذلك] (أ). # وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن أعرابيا جاء إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: "إني رأيت الهلال، فقال: أتشهد أن لا إله إلا الله؟ قال: نعم، ~~قال: أتشهد أن محمدا رسول الله؟ قال: نعم. قال: فأذن في الناس يا بلال أن ~~يصوموا غدا". # رواه الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان ورجح النسائي إرساله (¬1). # وأخرجه ابن ماجه والدارقطني والبيهقي والحاكم من حديث سماك عن عكرمة عنه، ~~قال الترمذي: روي مرسلا، وقال النسائي إنه أولى بالصواب، وسماك إذا انفرد ~~بأصل لم يكن حجة. # وفي الحديث دلالة على قبول خبر المستور (¬2) الذي لم نعلم في حقه بقادح ~~وأنه يعامل معاملة العدل، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - اكتفى منه بعد ~~معرفته لتصديقه بظاهر الحال من السلامة عن القادح وأنه لا يتم التصديق PageV05P012 # إلا بعد الإقرار بالشهادتين جميعا وأنه لا يحتاج في التصديق إلى إظهار ~~التبري من سائر الأديان، والله أعلم. # 499 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا، فإن غم ~~عليكم فاقدروا له" متفق عليه (¬1)، ولمسلم ms0795 "فإن أغمي عليكم فاقدروا له ~~ثلاثين" (¬2)، وللبخاري "فأكملوا العدة ثلاثين" (¬3) وله في حديث أبي هريرة ~~"فأكملوا عدة شعبان ثلاثين" (¬4). # قوله: "إذا رأيتموه" الضمير للهلال، وقد أخرجه الإسماعيلي بلفظ سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول لهلال رمضان: "إذا رأيتموه فصوموا" ~~الحديث (¬5). وكذا أخرجه عبد الرزاق (¬6) عن ابن عمر قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - لهلال رمضان "إذا رأيتموه فصوموا". # الحديث ظاهره وجوب الصوم عقيب الرؤية ليلا كانت أو نهارا, لكنه محمول على ~~صوم اليوم المستقبل، وليس المراد أنه لا يثبت الصيام لكل أحد (أ) إلا ~~برؤيته، بل المراد برؤية (ب) من يثبت بإخباره الحكم، إما واحد PageV05P013 # على رأي بعض، أو اثنان على رأي آخرين، ويدل على هذا التأويل فعله - صلى ~~الله عليه وسلم - والحنفية قالوا: واحد إن كان في السماء غيم وإلا فلا بد ~~من جمع كبير يفيد خبرهم العلم إذا كان صحوا، والخطاب في قوله: "إذا ~~رأيتموه" بمعنى إذا وجد فيما بينكم الرؤية، فيدل هذا على أن رؤية بلد رؤية ~~لجميع البلاد فيلزمهم الحكم، ويحتمل خلاف ذلك، لأن قوله: "إذا رأيتموه" ~~خطاب لأناس مخصوصين، وقد اختلف العلماء في ذلك على مذاهب أحدها: تعتبر لأهل ~~كل بلد رؤيتهم (¬1)، وفي صحيح مسلم (¬2) من حديث ابن عباس في قدوم كريب من ~~الشام ما يشهد له، وحكاه ابن المنذر عن عكرمة والقاسم وسالم وإسحاق، وحكاه ~~الترمذي (¬3) عن أهل العلم ولم يحك سواه، وحكاه الماوردي وجها للشافعية. # ثانيها: إذا رئي ببلدة لزم أهل البلاد كلها وهو المشهور عند المالكية، ~~[واختاره الإمام المهدي (¬4) على أصل الهادوية، قال: إذ لم يفصل دليل ~~الرؤية] (1)، لكن حكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه، قال: وأجمعوا على ~~أنه لا تراعى الرؤية فيما بعد من البلدان كخراسان والأندلس، قال القرطبي ~~(¬5): قد قال شيوخنا إذا كانت رؤية الهلال ظاهرة قاطعة بموضع ثم نقل إلى ~~غيرهم بشهادة اثنين لزمهم الصوم، وقال ابن الماجشون (¬6): لا يلزمهم ~~بالشهادة إلا لأهل البلد الذي ثبتت فيه الشهادة PageV05P014 # إلا إن ثبت عند الإمام الأعظم فيلزم ms0796 الناس كلهم؛ لأن البلاد في حقه في ~~حكم البلدة الواحدة لنفوذ حكمه في الجميع. # وقال بعض الشافعية: إن تقاربت البلاد كان الحكم واحدا، وإن تباعدت ~~فوجهان: لا يجب عند الأكثر، واختار أبو الطيب وطائفة الوجوب، وحكى البغوي ~~عن الشافعي في ضبط البعد أوجها: أحدها: اختلاف المطالع قطع به العراقيون ~~والصيدلاني، وصححه النووي في "الروضة" و "شرح المهذب". # ثانيها: مسافة القصر قطع به الإمام والبغوي وصححه الرافعي في "الصغير"، ~~والنووى في شرح مسلم (¬1). # ثالثها: باختلاف الأقاليم. # رابعها: حكاه السرخسي فقال: يلزم كل بلد لا يتضور خفاؤه عنهم يلي عارض ~~دون غيرهم. # خامسها: قول ابن الماجشون المتقدم. # سادسها: ما حكاه في "البحر" عن الإمام يحيى لمذهب الهادوية مسافة القصر ~~وأن تختلف الجهتان ارتفاعا وانحدارا، قيل وكان كل واحد منهما إقليما. # والذي في "الانتصار" للإمام يحيى أن يكون اختلاف البلدين بأحد اعتبارين، ~~إما بأن يكونا إقليمين، قال: لأن الأقاليم ينقطع بعضها عن بعض، وإما بأن ~~يكون أحدهما سهلا والآخر جبلا، لأنهما إذا كانا على هذه الصفة اختلفت فيها ~~المطالع والمغارب. PageV05P015 # قال الإمام يحيى: فبغداد والبصرة والكوفة سهلين فتكون الرؤية في أحدهما ~~رؤية للآخر، والعراق والحجاز وخراسان وجبلان وديلمان كلها جبلية يختلف فيها ~~المطالع والمغارب فلا تكون الرؤية فيها للغير. # ويدل الحديث على أن من انفرد بالرؤية يلزمه الإفطار والصوم، وقد ذهب إلى ~~هذا العترة جميعا، والأئمة الأربعة في الصوم، واختلفوا في الإفطار فقال ~~الشافعي: يفطر ويخفيه، وقال الأكثر: يستمر صائما احتياطا. [ويدل عليه حديث ~~كريب (¬1)، فإنه قال لابن عباس: أولا تكتفي -شك أحد رواته في أنه بالخطاب ~~لابن عباس الجمع للمتكلم والمخاطب- فقال له ابن عباس: لا. فأمره بالبقاء ~~على الإمساك حتى يعيد أهل بلده] (أ). # وقوله: "فإن غم": يغم بضم المعجمة وتشديد الميم، أي حال بينه وبينكم غيم، ~~يقال غممت الشيء إذا غطيته، ووقع في رواية أبي هريرة (¬2) بلفظ: غم وأغمي ~~وغبي من الغباوة وهو عدم الفطنة استعارة لخفاء الهلال. # ونقل ابن العربي (¬3) أنه روي عمي بالعين المهملة من العمى، قال: وهو ~~بمعناه ms0797 لأنه ذهاب البصر عن المشاهدات، أو ذهاب البصر عن المعقولات. # وقوله: "فاقدروا له": أي قدروا عدد الشهر ثلاثين يوما، والمعنى: أفطروا ~~يوم الثلاثين واحسبوه تمام الشهر الأول، وهذا تفسير مالك وأبي حنيفة ~~والشافعي، وهو بصيغة الأمر بوصل الهمزة وكسر الدال وضمها، وقال المطرزي: ~~الضم خطأ، وهذا التأويل ترجحه الروايات الأخر المصرحة PageV05P016 # بالمراد وهي "فاقدروا ثلاثين" و "أكملوا العدة ثلاثين" ونحوها، وأولى ما ~~يفسر الحديث بالحديث، وقال أحمد: معناه ضيفوا له وقدروه تحت السحاب، وقال ~~أبو نعيم: معناه أقسطوا النظر والطلب للموضع الذي تقدرون أنكم ترونه منه، ~~وقال أبو العباس ابن سريج من الشافعية ومطرف ابن عبد الله من التابعين وابن ~~قتيبة من المحدثين أن معناه قدروه بحسب المنازل، قال ابن عبد البر: لا يصح ~~عن مطرف، وأما ابن قتيبة فليس هو ممن يعرج عليه في مثل هذا، ونقل ابن خويز ~~منداد عن الشافعي مسألة ابن سريج، والمعروف عن الشافعي ما عليه الجمهور، ~~ونقل ابن عبد البر عن ابن سريج أن قوله: "فاقدروا له" خطاب لمن خصه الله ~~بهذا العلم، وأن قوله: "فأكملوا العدة" خطاب للعامة. # قال ابن العربي: فصار وجوب رمضان عنده مختلف يجب على قوم بحساب الشمس ~~والقمر وعلى آخرين بحساب العدد، وقال: وهذا بعيد عن النبلاء. # وقال ابن الصلاح: معرفة منازل القمر هو معرفة سير الأهلة، وأما معرفة ~~الحساب فأمر دقيق يختص بمعرفة الآحاد، قال: فمعرفة منازل القمر تدرك بأمر ~~محسوس يدركه من يراقب النجوم، وهذا هو الذي أراده ابن سريج، وقال في حق ~~العارف بها في خاصة نفسه، ونقل الروياني عنه أنه لم يقل بوجوب ذلك، وإنما ~~قال بجوازه، وهو اختيار القفال وأبي الطيب، وأما أبو إسحاق في "المهذب" ~~فنقل عن ابن سريج لزوم الصوم في هذه الصورة. # فتعدد الآراء في هذه المسألة بالنسبة إلى خصوص النظر في الحساب والمنازل ~~أحدها: الجواز ولا يجزيء عن الفرض. # ثانيها: يجوز ويجزيء. # ثالثها: يجوز للحاسب ويجزئه لا للمنجم. PageV05P017 # رابعها: يجوز لهما ولغيرهما تقليد الحاسب دون المنجم. # خامسها: يجوز لهما ولغيرهما ms0798 مطلقا. # وقد ذهب إلى هذا الروافض، قال الباجي: وإجماع السلف الماضي الصالح حجة ~~عليهم، وقال ابن بريزة: وهو مذهب باطل قد نهت الشريعة عن الخوض في علم ~~النجوم لأنها حدس وتخمين ليس فيها قطع ولا ظن. # وأقول: والجواب الواضح عليهم ما أخرجه البخاري عن ابن عمر أنه قال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا" ~~(¬1): يعني مرة تسعة وعشرين ومرة ثلاثين، إنه مصرح بعدم الرجوع في هذه ~~الشريعة المحمدية إلى النجوم في هذا الحكم [كما في غيره في سائر] (أ) ~~الأحكام، وهل يجوز العاقل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ~~أنهم لا يحسبون ولا يعتبرون سير الأفلاك ويأتي من بعده من يتأسى به ويسلك ~~غير ذلك المنهج السهل الواضح. # قال ابن بطال: في الحديث رفع لمراعاة النجوم بقوانين التعديل، وإنما ~~المعول على رؤية الأهلة، وقد نهينا عن التكلف، ولا شك أن في مراعاة ما غمض ~~حتى لا يدرك إلا بالظنون غاية التكلف. # واختار الإمام المهدي في "البحر" أن العارف بالنجوم إذا عرف ذلك يقينا ~~عاديا عمل به كمن انفرد بالرؤية، والله أعلم. # [فائدة: أخرج أبو داود (¬2) عن الحسن في رجل كان بمصر من الأمصار فصام ~~يوم الإثنين، وشهد رجلان أنهما رأيا الهلال ليلة الأحد فقال: لا يقضي ذلك ~~اليوم الرجل ولا أهل مصره إلا أن يعلموا أن أهل PageV05P018 # مصر من أمصار السلمين قد صاموا يوم الأحد فيقضونه] (أ). # 500 - وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: "تراءى الناس الهلال فأخبرت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أو رأيته فصام وأمر الناس بصيامه" رواه أبو ~~داود، وصححه ابن حبان، والحاكم، وأخرجه الدارمي والدارقطني والبيهقي، وصححه ~~ابن حزم كلهم من طريق أبي بكر بن نافع عن نافع عنه (¬1). # وأخرجه الدارقطني والطبراني في "الأوسط" من طريق طاوس قال: "شهدت المدينة ~~وبها ابن عمر وابن عباس فجاء رجل إلى واليها وشهد عنده على رؤية هلال شهر ~~رمضان، فسأل ابن عمر وابن عباس عن شهادته فأمراه أن ms0799 يجيزه، وقالا: إن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أجاز شهادة واحد على رؤية هلال رمضان، وكان لا ~~يجيز شهادة الإفطار إلا شهادة رجلين". # قال الدارقطني: تفرد به حفص بن عمر الأيلي، وهو ضعيف (¬2). # والحديث يدل على قبول خبر الواحد في ابتداء الصوم، وقد ذهب إلى هذا ~~الشافعي في أحد قوليه وأحمد وابن المبارك، وتخريج أبي مضر للمؤيد بالله، ~~وللشافعية في الواحد اشتراط العدالة في الأصح لا عبد وامرأة، وهذا ما نص ~~عليه الشافعي في "الأم" (¬3)، واحتمال أنه يصح من المرأة والعبد PageV05P019 # لأنه رواية، والأصح في الصبي المميز الثقة عدم القبول، وذهب الهادوية ~~ومالك والثوري والنخعي وأحد قولي الشافعي إلى اعتبار العدد فلا يكفي الواحد ~~لحديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه ~~فقال: جالست أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وسألتهم وإنهم حدثوني ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، ~~فإن غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يوما، إلا إن شهد شاهدان" رواه ~~النسائي (¬1)، فدل بمفهوم العدد أنه لا يكفي الواحد، قال الإمام المهدي ~~(¬2): وحديث ابن عمر وحديث الأعرابي يحتمل أنه قد كان شهد غيرهما بذلك كما ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - رآه فلم يعلم برؤيته حتى أخبره غيره فقال: وآخر ~~معك، وأجيب عن ذلك بأن المفهوم يترك لما هو أقوى منه، وقد وجد ما هو أقوى ~~منه، والاحتمال الذي ذكره خلاف الظاهر، فإن سياق الإخبار يقضي بأنه لم يكن ~~قد سبق خبر بذلك، وحكاية رؤيته - صلى الله عليه وسلم - وحده لم تثبت ولم ~~يخرجها أحد من الأئمة المعتبرين، وذهب الصادق [ورواية عن زيد بن علي] (أ) ~~وأحد قولي المؤيد بالله وأبو حنيفة إلى أنه يقبل الواحد في الغيم لاحتمال ~~خفائه عن غيره لا الصحو فلا بد من جماعة لبعد خفائه، وظاهر أقوالهم أن ~~المشترط العدد مع العدالة فيصح أن يكون المخبر امرأتين، ونص عليه القاضي ~~زيد إذ لا دليل على اعتبار غيرهما، وقد يجاب عنه ms0800 بأن قوله "شاهدان" دليل ~~على كونها شهادة، فلا تكفي المرأتان، وقد ذهب إليه الناصر وقال: لا تقبل ~~شهادة النساء. # وعلى قول من لم يعتبر العدد هو خبر فيكفي في غير محضر الحاكم، ولا يشترط ~~لفظ الشهادة، وعلى القول بالعمل بخبر الواحد في الصوم دون الإفطار إذا صمنا ~~وكملت الثلاثين وجب الإفطار على الأصح لأنا لم نفطر PageV05P020 # بخبر الواحد صريحا، وإنما هو متضمن، واحتمل أن لا يجب الإفطار لأنه يؤدي ~~إلى الفطر بقول واحد، وهو ممتنع ابتداء، فكذلك إذا اقتضاه الشهادة السابقة، ~~وأجاب الأول بأنه قد يثبت الشيء ضمنا ولا يثبت صريحا. # 501 - وعن حفصة أم المؤمنين - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من لم يبيت الصيام قبل الفجر فلا صيام له". # رواه الخمسة، ومال الترمذي والنسائي إلى ترجيح وقفه، وصححه مرفوعا ابن ~~خزيمة وابن حبان (¬1). # وللدارقطني: "لا صيام لمن لم يفرضه من الليل" (¬2). # الحديث لفظ النسائي، وغيره بلفظ: "من لم يجمع"، وقد اختلفت الأئمة في ~~رفعه ووقفه، فقال ابن أبي حاتم عن أبيه (¬3): لا أدري أيهما أصح، يعني ~~رواية يحيى بن أيوب عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن الزهري عن سالم عن ~~أبيه عن حفصة مرفوعا، ورواية إسحاق بن حازم عن عبد الله بن أبي بكر عن سالم ~~عن أبيه عن حفصة مرفوعا بغير واسطة الزهري، لكن الوقف أشبه، وقال أبو داود ~~(¬4): "ووقفه (أ) على حفصة: معمر بن راشد والزبيدي وابن عيينة ويونس الأيلي ~~كلهم عن الزهري"، وقال الترمذي (¬5): "الموقوف أصح" ونقل في "العلل" عن ~~البخاري أنه قال: PageV05P021 # هو خطأ، وهو حدثنا فيه اضطراب، والصحيح عن ابن عمر موقوف. # وقال النسائي: الصواب عندي موقوف، ولم يصح رفعه. # وقال أحمد: ما له عندي ذلك الإسناد. # وقال الحاكم في "الأربعين": صحيح على شرط الشيخين (¬1)، وقال في ~~"المستدرك": صحيح على شرط البخاري (1). # وقال البيهقي (¬2): "رواته ثقات إلا أنه روي موقوفا" (1). # وقل الخطابي (¬3): أسنده عبد الله بن أبي بكر، والزيادة من الثقة مقبولة. # وقال ابن حزم: الاختلاف ms0801 فيه يزيد الخبر قوة لأن من رواه مرفوعا قد رواه ~~موقوفا (¬4). # وأخرجه الدارقطني من طريق أخرى وقال: "رجالها ثقات" (¬5) وأخرجه ابن ماجه ~~أيضا (¬6). # وفي الباب عن عائشة أخرجه الدارقطني (¬7)، وفي إسناده عبد الله بن عباد، ~~وهو مجهول، وقد ذكره ابن حبان في الضعفاء (¬8). # وعن ميمونة بنت سعد (¬9)، ورواه أيضا، وفيه الواقدي (¬10). # والحديث يدل على أنه لا يصح الصوم إلا بتبييت النية، ويبيتها بأن PageV05P022 # ينوي في أي جزء من آخر الليل، وأول وقتها من الغروب عند الأكثر، وقال بعض ~~أصحاب الشافعي: من النصف الأخير، ولا وجه له، وتقدم النية على الصوم هو على ~~نحو سائر العبادات، فإن بيتها (أ) مقارن (ب) لأول جزء، أو متقدمة مستصحب ~~حكمها، وهو موافق لحديث: "الأعمال بالنية" (ج)، فإن ابتداء الصوم عمل (د) ~~فلا بد أن يكون مصحوبا بالنية، وآخر النهار غير منفصلة عن الليل بفاصل ~~يتحقق، فلا يتحقق إلا إذا كانت النية واقعة في جزء من الليل، وظاهر هذا ~~شمول الفرض والنفل، وأنه لا يصح إلا بتبييت، وقد ذهب إلى هذا ابن عمر ومالك ~~والليث وابن أبي ذؤيب (ه) والمؤيد والناصر، إلا أن مالكا خصص من سرد الصوم ~~فلا يحتاج إلى التبييت، وذهب الشافعي والإمام يحيى إلى أنه يجب التبييت في ~~الفرض دون النفل لهذا الحديث، وخصص النفل حديث عائشة الآتي وغيره مما في ~~معناه، إلا أن للشافعي قولين فيما بعد الزوال، نص في معظم كتبه على صحة ~~النية قبل الزوال فقط، ونقل ابن المنذر الجواز مطلقا، وذهب علي وابن مسعود ~~والنخعي والهادوية إلى أنها تصح نية الصوم إلى آخر جزء من النهار في غير ~~القضاء والنذر المطلق والكفارات، قالوا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بعث رجلا ينادي في الناس يوم عاشوراء: أن من أكل فليتم أو فليصم، ومن لم ~~يأكل فلا يأكل، أخرجه البخاري (¬1). PageV05P023 # وكان واجبا ثم نسخ، ونسخ وجوبه لا يرفع سائر الأحكام، فقيس عليه رمضان، ~~وفي حكمه النذر المعين والتطوع لحديث عائشة وغيره فخصص من عموم، فلا صيام ~~له، وبقي ما ms0802 عدا ذلك داخلا تحت العموم، وادعى في "البحر" (¬1) الإجماع على ~~وجوب التبييت في القضاء والنذر المطلق والكفارات، فإن صح الإجماع فهو دليل، ~~وإلا فيمكن قياسها أيضا على عاشوراء أو (أ) التطوع، ويكون قرينة على تأويل ~~الحديث بأن المعنى لا صيام كامل كما في غير ذلك، مثل: "لا صلاة لحاقن"، ونحوه. # وقال الطحاوي: إن كان صوم الفرض في يوم يعينه كعاشوراء أجزت النية في ~~النهار، وإن كان في يوم لا يعينه كرمضان فلا يجزئ إلا بالتبييت، وصوم ~~التطوع يجزئ في الليل وفي النهار. # قال إمام الحرمين: هذا كلام لا أصل له. # والحديث يدل أيضا أن (ب) لا بد من النية، وهو مطابق لعموم الأعمال ~~بالنيات، وهو قول الأكثر. # وقال زفر: يصح صوم رمضان في حق المقيم الصحيح بغير نية. # وبه قال عطاء ومجاهد، واحتج زفر بأنه متعين فيه الصوم، فالزمان معيار له ~~فلا يحتاج إلى تعيينه بالنية، وألزمه أبو بكر الرازي بأنه يصح صوم المغمى ~~عليه في رمضان إذا لم يأكل ويشرب لوجود الإمساك بغير نية، وألزمه غيره أن ~~من أخر الصلاة حتى لم يبق من وقتها إلا قدرها فصلى أن يجزيه لتعين الوقت. PageV05P024 # 502 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: دخل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- ذات يوم فقال: "هل عندكم شيء؟ " قلنا: لا، قال "فإني إذا صائم" ثم أتانا ~~يوما آخر فقلنا: أهدي لنا حيس، فقال: "أرينيه، فلقد أصبحت صائما"، فأكل. ~~رواه مسلم (¬1). # هذه إحدى روايتي مسلم، والرواية الأخرى (¬2): قالت: قال لي رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ذات يوم: "يا عائشة، هل عندكم شيء؟ قالت: قلت: يا ~~رسول الله ما عندنا شيء، قال: فإني صائم، قالت: فخرج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فأهديت لنا هدية، أو جاءنا زور، فلما رجع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قلت: يا رسول الله، أهديت لنا، أو جاءنا زور، وقد خبأت لك شيئا، ~~قال: ما هو؟ قلت: حيس، قال: هاتيه، فجئت به فأكل ثم قال: قد كنت أصبحت ~~صائما". # قال القاضي وغيره، ms0803 الروايتان حديث واحد (¬3). # وفيه دلالة على مذهب الجمهور أن صوم التطوع لا يشترط فيه التبييت، وتأوله ~~مشترط التبييت بأنه قد كان نوى الصوم من الليل، وإنما أراد الفطر لما ضعف ~~عن الصوم، وهو محتمل لا سيما على رواية: "فلقد أصبحت صائما". # وفي الحديث أيضا دلالة على أن المتطوع أمير نفسه وأن له أن يفطر في أي ~~جزء من أجزاء النهار، ولا يجب عليه القضاء، وقد قال بهذا جماعة من الصحابة ~~وأحمد وإسحاق وغيرهم، ولكنهم متفقون على استحباب إتمامه. PageV05P025 # وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز قطعه ويأثم بذلك، وبه قال الحسن البصري ~~ومكحول والنخعي، وأوجبوا قضاءه على من أفطر بلا عذر. # قال ابن عبد البر: وأجمعوا على أنه لا قضاء على من أفطر لعذر. # والحيس: بفتح الحاء المهملة هو التمر مع السمن والأقط. # وقال الهروي: ثريدة من أخلاط، والأول هو المشهور. # والزور: بفتح الزاي تقع على الواحد والجمع، أي الزوار. # وقد خبأت لك معناه: جاءنا زائر ومعهم هدية خبأت لك منها، أو يكون معناه: ~~جاءنا زور فأهدي لنا بسببهم هدية فخبأت لك منها. # 305 - وعن سهل بن سعد - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر" متفق عليه (¬1). # وللترمذي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: قال الله -تعالى-: "أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا" (¬2). # الحديث فيه دلالة على أن الأفضل الموافق للسنة التي بسببها ينال الخير ~~ويندفع الشر، وهو تعجيل الإفطار إذا تحقق غروب الشمس بالرؤية أو بإخبار من ~~يجوز العمل بقوله، وقد رواه ابن حبان والحاكم من حديث سهل أيضا بلفظ: "لا ~~تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم" (¬3)، وفيه بيان العلة في ~~ذلك، وقد صرح بها أيضا في حديث أبي هريرة: "لأن اليهود والنصارى يؤخرون" ~~أخرجه أبو داود (¬4)، فلما كان ذلك شعارا PageV05P026 # للمخالفين في الملة، وقد كثر من النبي - صلى الله عليه وسلم - إظهار ~~مخالفتهم فيما يتدينون به، فكان ذلك ms0804 شعارا (أ) لسنة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وموافقة لا ألفه ومضى عليه. # قال المهلب: والحكمة في ذلك أن لا يزاد في النهار من الليل، ولأنه أرفق ~~(ب) بالصائم وأقوى له على العبادة (¬1). # قال الشافعي في الأم (¬2): "تعجيل الفطر مستجب ولا يكره تأخيره إلا لمن ~~تعمده ورأى الفضل فيه". # وقال في "شرح المصابيح": ولو أن بعض الناس صنع هذا الصنيع، وقصده في ذلك ~~تأديب النفس ودفع حاجتها أو مواصلة العشاءين بالنوافل غير معتقد ما يعتقده ~~الفرقة الغوية من الشيعة أن ذلك أفضل لم يضره ذلك، ولم يدخل به في جملتهم. # ويصحح هذا التأويل حديث أبي سعيد: "لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل ~~فليواصل إلى السحر" (¬3) فإباحة المواصلة إلى السحر تأخير للإفطار، وتأخير ~~الإفطار نظر، إلى سياسة النفس وقمع الشهوة أمر قد صنعه كثير من الربانيين ~~وأصحاب النظر في الأحوال والمعارف -أعاد الله علينا من بركتهم-، وقد صح من ~~ابن الزبير أنه كان يواصل سبعا، ولم ييلغ إنكار أحد من الصحابة عليه. وفي ~~الحديث القدسي أيضا دلالة على محبوبية الله سبحانه لما جرى على وفق سنة ~~نبيه - صلى الله عليه وسلم -. PageV05P027 # 504 - وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "تسحروا فإن في السحور بركة" متفق عليه (¬1). # وفي الباب من حديث أبي سعيد عند أحمد بلفظ: "السحور بركة فلا تدعوه ولو ~~أن يجرع أحدكم جرعة من ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين" (¬2)، ~~ولسعيد بن منصور من طريق أخرى مرسلة: "تسحروا ولو بلقمة". # قوله: "تسحروا": ظاهر الأمر الوجوب ولكنه محمول على الندب هنا لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - وأصحابه واصلوا، وسيأتي الكلام في حكم الوصال، وقد ~~نقل ابن المنذر الإجماع على ندبية السحور. # والسحور: يروى بالضم مصدر، وبالفتح اسم لما يتسحر به فإن كان مصدرا ~~فالمراد بالبركة الأجر والثواب، وإن كان اسما لما يتسحر به فالمراد بالبركة ~~هو ما يحصل به من القوة على الصوم والنشاط وتخفيف المشقة، وقيل: المراد ~~بالبركة ما يتضمن ms0805 من الاستيقاظ (أ) والدعاء في السحر، والأولى أن البركة في ~~السحور تحصل بجهات متعددة، وهي اتباع السنة ومخالفة أهل الكتاب لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر" (¬3) ~~رواه مسلم. # والتقوي به على العبادة والزيادة في النشاط والتسبب بالصدقة على من يسأل ~~إذ ذاك، والسحور يحصل بأقل ما يتناوله المرء من مأكول أو مشروب. PageV05P028 # 505 - وعن سلمان بن عامر الضبي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور" رواه ~~الخمسة، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم (¬1). # قال ابن عبد البر في "الاستيعاب" (¬2): قال بعض أهل العلم بهذا الشأن: ~~ليس في الصحابة من الرواة ضبي غير سلمان بن عامر، وقال ابن أبي خيثمة: قد ~~روى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من بني ضبة عتاب بن شمير (أ). # سكن سلمان بن عامر البصرة، وله بها دار قريب من الجامع، روى عنه محمد بن ~~سيرين، والرباب بنت ضليع بن عامر بنت أخي سلمان، وعداده في الشاميين. # الحديث صححه أيضا أبو حاتم الرازي (¬3)، وروى ابن عدي عن عمران بن حصين ~~معناه وإسناده ضعيف، وروى الترمذي (¬4) والحاكم وصححه من حديث أنس مثل حديث ~~سلمان، ورواه أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم عن أنس من فعله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يفطر على رطبات ~~قبل أن يصلي فإن لم يكن فعلى تمرات، فإن لم يكن حسا حسوات من ماء" (¬5). PageV05P029 # قال ابن عدي (¬1): تفرد به جعفر بن ثابت والحديث مشهور بعد (أ) الرزاق ~~تابعه عمار وهارون وسعيد بن سليمان النشيطي قال (ب) البزار: رواه النشيطي، ~~فأنكروا عليه وضعف حديثه. # قال المصنف -رحمه الله-: وأخرج أبو يعلى عن إبراهيم بن الحجاج عن عبد ~~الواحد بن ثابت عن ثابت عن أنس قال: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يحب أن يفطر على ثلاث تمرات أو شيء لم تصبه النار". # وعبد الواحد، قال البخاري: ms0806 منكر الحديث. # وروى الطبراني (¬2) عن أنس - رضي الله عنه -: "كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا كان صائما لم يصل حتى نأتيه برطب وماء فيأكل ويشرب، وإذا ~~(ج) لم يكن رطب لم يصل حتى نأتيه بتمر وماء"وقال: تفرد به مسكين بن عبد ~~الرحمن عن يحيى بن أيوب، وعنه زكريا بن عمر. # في الحديث دلالة على اختيار ما ذكر للإفطار به، وقد تقدمت المناسبة لذلك ~~في باب صلاة العيد، والله أعلم. # 506 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الوصال، فقال رجل من المسلمين: فإنك تواصل يا رسول الله، ~~فقال: وأيكم مثلي؟! إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا عن ~~الوصال واصل بهم يوما ثم يوما ثم رأوا الهلال فقال: PageV05P030 # لو تأخر الهلال لزدتكم كالمنكل لهم حين أبوا أن ينتهوا" متفق عليه (¬1). # الحديث متفق عليه من حديث ابن عمر (¬2)، ومن حديث أبي هريرة وعائشة وأنس، ~~وتفرد به البخاري من حديث أبي سعيد (¬3). # الحديث فيه دلالة على المنع من الوصال، والوصال هو ترك المفطر في النهار ~~وفي ليالي رمضان بالقصد، فيخرج من أمسك اتفاقا ويدخل فيه من أمسك الليل ~~جميعه أو بعضه، ويدل عليه حديث أبي سعيد: "فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى ~~السحر"، فإنه صريح في أن إمساك بعض الليل مواصلة، وهذا يرد على من قال: ~~الليل ليس محلا للصوم فلا تنعقد فيه نيته، قالوا: لقوله تعالى: {ثم أتموا ~~الصيام إلى الليل} (¬4)، وما أخرجه الترمذي (¬5)، من حديث عبادة بن نسي عن ~~أبي سعيد الخير مرفوعا "إن الله لم يكتب الصيام بالليل، فمن صام فقد تعنى ~~ولا أجر له" قال ابن منده: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه. قال الترمذي: ~~سألت البخاري عنه فقال: ما أرى عبادة سمع من أبي سعيد الخير. # وأخرج أحمد (¬6) والطبراني وسعيد بن منصور وعبد بن حميد وابن أبي PageV05P031 # حاتم في تفسيرهما بإسناد صحيح إلى ليلى امرأة بشير ابن الخصاصية قالت: ~~"أردت أن أصوم يومين مواصلة ms0807 فمنعنى بشير وقال: إن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن هذا، قال: تفعل ذلك النصارى ولكن صوموا كما أمركم الله ~~تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى الليل} (¬1) فإذا كان الليل فأفطروا". # وروى ابن أبي حاتم وابن أبي شيبة (¬2) من طريق أبي العالية التابعي أنه ~~سئل عن الوصال في الصيام فقال: "قال الله تعالى: {ثم أتموا الصيام إلى ~~الليل}، فإذا جاء الليل فهو مفطر". # وأخرج الطبراني (¬3) عن أبي ذر رفعه قال: "لا صيام بعد الليل" أي بعد ~~دخول الليل ذكره في أثناء حديث، وترد هذه الأحاديث بأنه قد ثبت النهي عن ~~الوصال، ومواصلته، - صلى الله عليه وسلم -، ولو كان كما قالوا لما كان لذلك ~~مفهوم ينهى عنه أو يسأل عنه، وهي متأولة بأن ذلك الوقت هو الوقت الذي أبيح ~~فيه الإفطار، وهو غاية ما يجب فيه الإمساك، ولا ينافي كون الليل تصح نية ~~الإمساك فيه عن المفطرات، والفرق واضح. # وقوله: "قال رجل من المسلمين": هكذا في رواية أبي هريرة، وفي غيرها في ~~أكثر الروايات: "قالوا إنك تواصل" فكأن القائل واحد (أ) ونسب القول إلى ~~الجميع لرضاهم به. # قال المصنف -رحمه الله تعالى- (¬4): "ولم أقف على تسمية السائل في شيء من ~~الطرق". PageV05P032 # وقوله: "وأيكم مثلي؟ ": استفهام إنكار للتوبيخ، ومثلي أي على صفتي أو ~~منزلتي من ربي، وقد وقع في لفظ للبخاري: "لست كأحد منكم"، وفي حديث ابن ~~عمر: "لست مثلكم"، وفي حديث أبي سعيد: "لست كهيئتكم"، وفي حديث أبي (أ) ~~زرعة عن أبي هريرة عند مسلم: "لستم في ذلك مثلي" (¬1)، ونحوه في مرسل الحسن ~~عند سعيد بن منصور. # وقوله (ب) "إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني": وقع هذا اللفظ في البخاري عن ~~أبي هريرة من طريقين (¬2)، ووقع عند سعيد بن منصور وابن أبي شيبة (¬3) عن ~~أبي هريرة "إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني". # وأخرج الإسماعيلي (¬4) في حديث عائشة: "أظل عند الله يطعمني ويسقيني"، ~~ومن طريق بلفظ: "عند ربي" ووقعت أيضا كذلك عند سعيد بن منصور (¬5) وابن أبي ~~شيبة في مرسل الحسن بلفظ: "إني أبيت ms0808 عند ربي" (¬6). # ورواية "أبيت" هي المناسبة لما عنه (ج) الحكم، وهو الإمساك بالليل، وأما ~~رواية "أظل" فلا تناسب ظاهرا لأن ذلك للنهار إلا أنها محمولة على PageV05P033 # مطلق الكون، ومنه قوله تعالى: {وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا} ~~(¬1) وهي في الحقيقة بمعنى صار لا يختص بوقت دون آخر. # واختلف العلماء في معنى "يطعمني ويسقيني"، فقيل: هو على حقيقته، وأنه - ~~صلى الله عليه وسلم - كان يطعم ويسقى من عند الله كرامة له في ليالي صيامه، ~~وتعقبه ابن بطال بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلا، وأجيب عنه بأن ما كان على ~~هذه الكيفية من طعام الجنة للتكريم فهو لا ينافي التكليف ولا يكون له حكم ~~طعام الدنيا، كما أنه - صلى الله عليه وسلم - غسل صدره (أأي قلبها" أ) -في ~~طشت الذهب مع تحريم آنية الذهب، وقال الزين بن المنير (¬2): إن أكله وشربه ~~في تلك الحالة كحالة النائم الذي يحصل له الشبع والري في حال النوم، ويستمر ~~له ذلك (ب) حتى يستيقظ، والمراد أنه - صلى الله عليه وسلم - مستغرق في ~~أحواله الشريفة حتى لا يؤثر فيه شيء من الأحوال البشرية. # وقال الجمهور: المعنى أن له قوة الآكل الشارب لا يضعفه الوصال عن وظائف ~~العبادة ولا يضعف جسمه عن الكيفية البشرية، أو أن الله يخلق فيه من الشبع ~~والري ما يغنيه عن الطعام والشراب فيكون في كيفية الآكل الشارب، ويرجح ~~الأول بأن روح عبادة الصوم هو إدراك خلق (ج) الباطن فلا يناسب خلق الشبع ~~والري فيه. قال القرطبي: مع أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يجوع أكثر مما ~~يشبع، وربط على بطنه الحجارة من الجوع، وإن كان ابن PageV05P034 # حبان (¬1) قال بأنه كان لا يجوع وتمسك بظاهر هذا الحديث، وضعف الأحاديث ~~الواردة بأنه كان - صلى الله عليه وسلم - يجوع وشد الحجر على بطنه، وقال ~~أيضا ما يغني الحجر عن الجوع، وقد أكثر الناس عليه الرد في ذلك، ويرد عليه ~~بما أخرجه هو أيضا في "صحيحه" من حديث ابن عباس أنه خرج - صلى الله عليه ms0809 ~~وسلم - بالهاجرة فرأى أبا بكر وعمر فقال: ما أخرجكما؟ قالا: ما أخرجنا إلا ~~الجوع، قال: وأنا والذي نفسي بيده ما أخرجني إلا الجوع، وفائدة الشد بالحجر ~~أنه يقيم الصلب لأن البطن إذا خلا ضعف صاحبه عن القيام لانثناء بطنه، فإذا ~~ربط عليه الحجر اشتد وقوي صاحبه على القيام حتى قال بعض من وقع له ذلك: كنت ~~أظن الرجلين تحملان البطن، فإذا البطن تحمل الرجلين، والظاهر أنه أراد - ~~صلى الله عليه وسلم - أن ما هو فيه من الاشتغال بالتفكر في عظمة ربه ~~والتملي بمشاهدته والتغذي بمحبته، والاستغراق في مناجاته، والإقبال عليه ~~مغن عن الطعام والشراب، وإلى هذا جنح ابن القيم قال: وقد يكون هذا الغذاء ~~أعظم من غذاء الأجساد، ومن له أدنى ذوق علم استغناء الجسم بغذاء القلب ~~والروح عن كثير من الغذاء الجسماني، ولا سيما الفرح والسرور بمطلوبه الذي ~~قرت عينه بمحبوبه. # وقوله: "واصل بهم يوما ثم يوما": ظاهره أن قدر المواصلة لهم كانت يومين، ~~وقد صرح بذلك البخاري في رواية (¬2)، وقوله: "لو تأخر": يستدل بهذا على ~~جواز التمني بليت، ويحمل النهي على ذلك فيما إذا كان في الأمور الشرعية. # وقوله: "لزدتكم" أي: في الوصال إلى أن تعجزوا عنه فتسألوا PageV05P035 # التخفيف عنكم بتركه. # وقوله (أ): "كالمنكل": هي في رواية معمر، ووقع في أخرى "كالتنكيل"، ووقع ~~عند المستملي كالمنكر" بالراء وسكون النون من الإنكار، وللحموي "كالمنكي" ~~بتحتانية ساكنة قبلها كاف مكسورة خفيفة من النكاية، والتنكيل: هو المعاقبة (¬1). # وفي الحديث دلالة على أن الوصال من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -، وأن ~~غيره ممنوع منه إلا (ب) ما أذن فيه إلى السحر، ثم اختلف العلماء في المنع ~~منه فقيل على سبيل التحريم، وقيل الكراهة، وقيل يحرم على من شق (ب) عليه ~~ويباح لمن لم يشق عليه، وقد اختلف السلف في ذلك فنقل التفضيل عن عبد الله ~~بن الزبير، وروي ابن أبي شيبة (¬2) بإسناد صحيح عنه أنه كان يواصل خمسة عشر يوما. # وذهب إليه أيضا من الصحابة أخت أبي سعيد، ومن التابعين عبد الرحمن ms0810 بن أبي ~~نعم وعامر بن عبد الله بن الزبير، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وأبو الجوزاء ~~كما نقله أبو نعيم في ترجمته في "الحلية" (¬3) وغيرهم، رواه الطبراني ~~وغيره، واحتجوا بأنه - صلى الله عليه وسلم - واصل بأصحابه بعد النهي، فلو ~~كان النهي للتحريم مطلقا لما أقرهم على فعله، فعلم أنه أراد بالنهي الرحمة ~~لهم والتخفيف عنهم، وقد صرحت بذلك عائشة في روايتها (¬4)، PageV05P036 # وذهب الأكثرون (أ) إلى تحريمه، وعن الشافعية في ذلك وجهان: التحريم ~~والكراهة، هكذا اقتصر عليه النووي، وقد نص الشافعي في "الأم" (¬1) على أنه ~~محظور، وصرح ابن حزم بتحريمه (¬2)، وصححه ابن العربي من المالكية (¬3)، ~~واعتذروا عن مواصلته - صلى الله عليه وسلم - بهم بأن ذلك تقريعا لهم ~~وتنكيلا، واحتمل جواز ذلك منه لأجل مصلحة النهي في تأكيد زجرهم لأنهم إذا ~~باشروه ظهرت لهم حكمة النهي وكان ذلك أدعى (ب) إلى قبولهم لما يترتب عليه ~~من الملل في العبادة والتقصير فيما هو أهم منه وأرجح من وظائف العبادات. # وذهب أحمد وإسحاق وابن المنذر وابن خزيمة وجماعة من المالكية إلى جواز ~~الوصال إلى السحر للإذن بذلك وهذا حيث لم (ج) يشق على الصائم وإلا فليس ~~بقربة، وأجاب بعض الشافعية بأن ذلك ليس وصالا، وقد عرفت فيما تقدم أنه ~~وصال، (د وقد ورد د) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يواصل من سحر إلى ~~سحر، أخرجه أحمد وعبد الرزاق (¬4)، واختار المصنف - رحمه الله تعالى (ه) - ~~أن الوصال غير محرم، قال لما أخرجه أبو داود (¬5) PageV05P037 # وغيره من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة قال: "نهى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - عن الحجامة والمواصلة ولم يحرمهما (أ) إبقاء على ~~أصحابه" وإسناده صحيح. # وروي البزار والطبراني في "الأوسط" من حديث سمرة: "نهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الوصال وليس بالعزيمة (¬1) " وأما ما رواه الطبراني في ~~الأوسط من حديث أبي ذر أن جبريل قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن الله ~~قد قبل وصالك، ولا يحل لأحد بعدك. فليس إسناده بصحيح (¬2). # ويدل على ms0811 الجواز أيضا إقدام الصحابة على الوصال بعد النهي فلولا أنهم ~~فهموا أنه ليس للتحريم لما أقدموا على ذلك. # وفيه مناسبة من حيث المعنى من جهة فطم النفس عن شهواتها وقمعها عن ~~مستلذاتها، ولهذا استمر على القول بجوازه مطلقا ومقيدا من يقدم ذكره، والله أعلم. # وفي الحديث دلالة على التأسي به - صلى الله عليه وسلم - ومعارضة المفتي ~~فيما أفتى به إذا كان بخلاف حاله ولم يعلم المستفتي بسر المخالفة ~~والاستكشاف عن حكمة النهي وثبوت خصائصه وأن الصحابة كانوا يرجعون إلى فعله ~~المعلوم صفته إلا أن يتبين له الخصوصية به. # 507 - وعنه - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من PageV05P038 # لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه" ~~رواه البخاري وأبو داود واللفظ له (¬1). # الحديث رواه البخاري في كتاب الصيام بدون زيادة "والجهل" (¬2)، ورواه ~~بالزيادة في الأدب، وفي رواية ابن وهب (أ) بزيادة "والجهل" في الصوم، ولابن ~~ماجه "من لم يدع قول الزور والجهل والعمل به" (¬3). # وأخرج الطبراني في "الأوسط" (¬4) عن أنس بلفظ "من لم يدع الخنا والكذب"، ~~والمراد بمن لم يدع أي يترك ما ذكر، والزور المراد به الكذب، والجهل: السفه. # وعلي رواية الأصل الضمير في "به" يعود إلى الزور، وفي رواية ابن ماجه ~~يعود إلى الجهل، ويحتمل العود إلى كل واحد منهما. # وقوله: "ليس لله حاجة": أي ليس له إرادة، والغرض من هذا التحذير والتعظيم ~~لإثمه، وأن صيامه كلا صيام (ب) ولا معنى معتبر للمفهوم هنا، فإن الله لا ~~يحتاج إلى أحد، هو الغني سبحانه وتعالى، ذكر هذا ابن بطال. # وقال ابن المنير في حاشيته على البخاري: هو كناية عن عدم القبول، كما ~~يقول المغضب لمن رد عليه شيئا طلبه منه لم يقم به: لا حاجة لي PageV05P039 # إلى كذا، مثل قوله تعالى: {لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله ~~التقوى منكم} (¬1). # وقال ابن العربي: معناه أن ثواب الصيام لا يقاوم في حكم الموازنة ما ~~استحق من العقاب لما ذكر ms0812 (¬2). وقال (أ) البيضاوي: إن المقصود من شرعية ~~الصيام هو قمع النفس ومنعها عن المشتهيات، وأن تطيع النفس الأمارة النفس ~~(ب) المطمئنة، وهو لا يتم إلا بترك المنهيات، فإذا لم يحصل ذلك لم يتقبل ~~الله منه، فيجوز بما ذكر عن عدم القبول فنفى السبب وهو (ج) الاحتياج (د) ~~إلى الشيء في الجملة الذي يكون سببا لقبوله وتلقيه، وأراد المسبب وهو ~~القبول، والله أعلم. # 508 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقبل وهو صائم، ويباشر وهو صائم، ولكنه أملككم لإربه" متفق عليه، ~~واللفظ لمسلم (¬3). # وأراد في رواية في رمضان المراد بالمباشرة هنا هو التقاء البشرتين من غير ~~جماع، وقد يستعمل في الجماع مثل قوله تعالى: {فالآن باشروهن} (¬4). PageV05P040 # والإرب: روي على وجهين أشهرهما - ورواية الأكثرين (أ) -بكسر الهمزة ~~وإسكان الراء، وكذا (ب) نقله الخطابي والقاضي عن رواية الأكثرين (¬1). # والثاني بفتح الهمزة والراء، ومعناه بالكسر: الوطر والحاجة، وكذا بالفتح ~~ولكنه يطلق المفتوح أيضا على العضو. # قال العلماء: معنى كلام عائشة - رضي الله عنها - أنه ينبغي لكم الاحتراز ~~عن القبلة، ولا تتوهموا من أنفسكم أنكم مثل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في استباحتها، لأنه يملك نفسه ويأمن الوقوع من قبلة أن يتولد منها إنزال أو ~~شهوة وهيجان نفس ونحو ذلك، وأنتم لا تأمنون ذلك فطريقكم الانكفاف عنها، وقد ~~أخرج النسائي (¬2) من حدثنا الأسود قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا، ~~قلت: أليس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه ~~كان أملككم لإربه. # وظاهر هذا أنها اعتقدت خصوصية النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، قاله ~~القرطبي قال: وهو اجتهاد منها، انتهى. # ولكنه متأول بأنها كرهت ذلك للسائل كراهة تنزيه لا تحريم، وهو يفهم من ~~قولها: "أملككم لإربه" فإنه لا دلالة فيه على الخصوصية، وإنما هو استبعاد ~~منهم أنهم يملكون أنفسهم عند قوة الداعي وسبب تحرك الشهوة. PageV05P041 # قال المصنف -رحمه الله تعالى (¬1) -: وقد رويناه في كتاب "الصيام" ليوسف ~~القاضي من طريق حماد بن سلمة عن حماد ms0813 بلفظ: سألت عائشة عن المباشرة للصائم ~~فكرهتها. # ويدل أيضا على أن عائشة لا تحرمها ولا تعدها من الخصائص ما رواه مالك في ~~"الموطأ" (¬2) عن أبي النضر أن عائشة بنت طلحة أخبرته أنها كانت عند عائشة ~~فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت له عائشة: ~~ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها (أ) وتقبلها؟ قال: أقبلها وأنا صائم؟! ~~قالت: نعم. # وأخرج ابن حبان في "صحيحه" (¬3) أنه كان - صلى الله عليه وسلم - لا يمس ~~شيئا من وجهها وهي صائمة، فيدل أيضا على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يجنبها ذلك إذا صابها تنزيها منه لها عن تحرك الشهوة، لكونها ليست مثله. # وفي قولها "في رمضان": إشارة إلى أنه لا فرق بين صوم النفل والفرض، وظاهر ~~الحديث يدل على إباحة التقبيل والمباشرة للصائم لدليل التأسي به - صلى الله ~~عليه وسلم - ولأن ما ذكرته جواب عن سؤال من سأل عن القبلة وهو صائم، ~~فالجواب يقضي بالإباحة لذلك مستشهدة بما كان يفعله (ب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ب) - وقد اختلف في ذلك فكرهها قوم مطلقا، وهو المشهور عند ~~المالكية، وأخرجه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن ابن PageV05P042 # عمر (¬1)، ونقل ابن المنذر وغيره عن قوم التحريم واحتجوا بقوله تعالى: ~~{فالآن باشروهن} الآية (¬2)، فمنع من المباشرة في النهار، ويجاب عنه بأن ~~المراد بالمباشرة في الآية هو الجماع، ويدل على ذلك بيان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لهذا الحديث وغيره، وأفتى ابن شبرمة من فقهاء الكوفة بإفطار من ~~قبل، ونقله الطحاوي عن قوم ولم يسمهم، وأباح ذلك قوم وهو منقول صحيحا عن ~~أبي هريرة وسعيد وسعد بن أبي وقاص وطائفة، وبالغ بعض الظاهرية فاستحبها، ~~وفرق آخرون بين الشاب والشيخ فكرهها للشاب وأباحها للشيخ، وهو مشهور (أ) عن ~~ابن عباس أخرجه مالك (¬3) وسعيد بن منصور وغيرهما، وجاء فيه حديثان ضعيفان ~~مرفوعان، أخرج أحدهما أبو داود من حديث أبي هريرة (¬4)، والآخر أحمد من ~~حديث عبد الله بن عمرو (¬5)، وفرق آخرون بين من ms0814 يملك إربه ومن لا، كما ~~أشارت إليه عائشة. # وقال الترمذي (¬6)، وروى بعض أهل العلم أن للصائم إذا ملك نفسه أن يقبل ~~وإلا فلا ليسلم له صومه، وهو قول سفيان والشافعي، ويدل على ذلك ما رواه ~~مسلم من طريق عمر بن أبي سلمة لما سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأخبرته أم سلمة أمه (ب) "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يصنع ذلك، فقال: ~~يا رسول الله قد PageV05P043 # غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر فقال: أنا والله لأتقاكم لله ~~وأخشاكم له" (¬1)، فدل على أن الشاب والشيخ سواء لأن عمر كان شابا لعله كان ~~أول ما بلغ، وفيه دلالة على أنه ليس من الخصائص. # وأخرج أيضا (أ) النسائي (¬2) من حدثنا عائشة قالت: أهوى إلي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ليقبلني، فقلت: إني صائمة، فقال: "وأنا صائم" فقبلني. # مع أن عائشة أيضا شابة، وهذا يعارض ما تقدم من تركه لتقبيلها وهي صائمة، ~~ولعله اختلف الحال بالنظر إلى ما يعرض للإنسان مع شدة الشهوة في وقت وعدم ذلك. # واختلف العلماء أيضا فيما إذا باشر أو قبل أو نظر فأنزل أو أمذى، فقال ~~الكوفيون والشافعي: يقضي إذا أنزل في غير النظر، ولا قضاء في الإمذاء. وقال ~~مالك وإسحاق: يقضي في كل ذلك ويكفر إلا في الإمذاء فيقضي فقط، واحتج له بأن ~~الإنزال أقصى ما يطلب في الجماع من الالتذاذ في ذلك، وتعقب بأن الحكم علق ~~بالجماع فقط. # وروى ابن دينار عن ابن القاسم عن مالك وجوب القضاء فيمن باشر أو قبل ~~فأنعظ وإن لم يمذ ولا أنزل، وأنكره غيره عن مالك، وأبلغ من ذلك ما رواه عبد ~~الرزاق عن حذيفة: "من تأمل خلق امرأته وهو صائم بطل صومه" وإسناده ضعيف ~~(¬3). PageV05P044 # وقال ابن قدامة: إن قبل فأنزل أفطر بلا خلاف (¬1). وقد حكى ابن حزم أنه ~~لا يفطر ولو أنزل (¬2). # وقال الماوردي: ينبغي أن يعتبر حال المقبل فإن أثارت القبلة منه الإنزال ~~حرمت عليه لأن الإنزال يمنع من الصيام، فكذلك ما أدى إليه وإن ms0815 كان عنها ~~المذي، فمن رأى (أ) الإفطار به ووجوب القضاء قال: يحرم في حقه، ومن قال: ~~يكره، وإن لم تؤد القبلة إلى شيء فلا معنى للنهي عنها إلا على القول بسد ~~الذرائع، قال: ومن بديع ما روي في ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - للسائل ~~عنها: "أرأيت لو تمضمضت" (¬3) فأشار إلى فقه بديع، وذلك أن المضمضة لا تنقض ~~الصوم (ب) وهي أول الشرب ومفتاحه، كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، ~~والشرب يفسد الصوم كما يفسده الجماع فكما ثبت عندهم أن أوائل الشرب لا يفسد ~~الصيام فكذلك أوائل (ج) الجماع. انتهى. # وهذا الحديث أخرجه أبو داود والنسائي من حديث عمر، قال النسائي: منكر ~~(¬4)، وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم. PageV05P045 # وفي الحديث دلالة على أنه لا بأس بذكر ما يقع بين الزوجين عند الاحتياج ~~إلى ذلك، والنهي عنه إذا كان لغير حاجة، والله أعلم. # 509 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم". رواه البخاري (¬1). # ظاهر هذا اللفظ أنه وقع منه - صلى الله عليه وسلم - الأمران (أ) مقترنين ~~(ب): وهو الحجامة وهو محرم، والحجامة وهو صائم، ولم يكن ذلك في وقت واحد ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - لم يكن صائما في حجة الوداع، فإنها لم تكن في ~~رمضان، ولم يكن محرما في سفره في رمضان في عام الفتح، وقد صام في ذلك كما ~~في الصحيحين [بلفظ "وما منا صائم إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وعبد الله بن رواحة"] (¬2) ويدل على ذلك أن غالب الروايات ورد مفصلا، قال ~~بعض الحفاظ: حديث ابن عباس ورد على أربعة أوجه: # الأول: احتجم وهو محرم. وقد روي من طرق شتى عن ابن عباس (¬3)، وفي ~~الصحيحين من حديث عبد الله بن بحينة (¬4)، وفي النسائي وغيره من PageV05P046 # حديث أنس (¬1) وجابر (¬2). # والثاني: احتجم وهو صائم. رواه أصحاب السنن، وفي إسناده مقال (¬3)، وزاد ~~ابن سعد في آخره: "فلذلك كرهت الحجامة للصائم". # وفيه ضعف أيضا، وقد رواه البزار وفي ms0816 آخره: "فغشي عليه" (¬4). # والثالث: ما رواه البخاري كما في الأصل. # والرابع: "احتجم وهو صائم محرم". رواه النسائي وغيره (¬5)، وقال أحمد ~~وابن المديني: ليس فيه صائم، وقال أحمد: هؤلاء أصحاب ابن عباس لا يذكرون ~~صياما، وقال أبو حاتم: "أخطأ فيه شريك، إنما هو احتجم وأعطى الحجام أجره، ~~وشريك حدث به من حفظه وقد ساء حفظه فغلط فيه" (¬6). # والحديث فيه دلالة على أن الحجامة لا تفطر الصائم، وقد ذهب إليه الأكثر ~~من الصحابة والتابعين والفقهاء ذهابا منهم إلى أن هذا ناسخ لحديث شداد بن ~~أوس وغيره، وبعضهم تأول ذلك وسيأتي، وذهب أبو هريرة وعائشة والأوزاعي وأحمد ~~وإسحاق إلى أنها تفطره لما سيأتي. PageV05P047 # 510 - وعن شداد بن أوس أن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أتى على رجل ~~بالبقيع وهو يحتجم في رمضان فقال: أفطر الحاجم والمحجوم له" رواه الخمسة ~~إلا الترمذي، وصححه أحمد وابن خزيمة، وابن حبان (¬1). # هو أبو يعلى شداد -بالشين المعجمة- بن أوس الأنصاري، ابن أخي حسان بن ~~ثابت، يقال إنه شهد بدرا، ولا يصح، ونزل بيت المقدس، وعداده في أهل الشام، ~~وروى عنه ابنه يعلى ومحمود بن الربيع وضمرة بن حبيب، مات بالشام سنة ثمان ~~وخمسين وهو ابن خمس وسبعين سنة، وقيل: مات سنة إحدى وأربعين، وقيل: سنة ~~أربع وستين. # قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: كان شداد ممن أوتي العلم والحلم (¬2). # الحديث أخرج من طرق كثيرة عن جماعة من الصحابة وهم: شداد بن أوس، وثوبان، ~~ورافع بن خديج، وأبو موسى، ومعقل بن يسار، وأسامة بن زيد، وبلال، وعلي، ~~وعائشة، وأبو هريرة، وأنس، وجابر، وابن عمر، وسعد بن أبي وقاص، وأبو سويد ~~الأنصاري، وابن مسعود (أ). وصحح البخاري حديث شداد من طريقين. # وقال أحمد في حديث رافع بن خديج أنه أصح شيء في هذا الباب PageV05P048 # حكاه عنه الترمذي (¬1)، وصححه ابن حبان والحاكم (¬2)، وتكلم فيه أبو حاتم ~~وبالغ (أ) حتى قال: هو عندي من طريق رافع باطل (¬3)، ونقل عن يحيى (¬4) بن ~~معين أنه قال: هو أضعف أحاديث الباب، وحديث (ب) أبي موسى ms0817 صححه علي بن ~~المديني، وقال النسائي: رفعه خطأ (¬5). # وحديث معقل ذكر فيه النسائي اختلافا، وكذا حديث بلال وحديث علي. # وحديث عائشة في إسناده ليث بن [أبي] (ج) سليم وهو ضعيف. # وحديث أبي هريرة أخرجه النسائي من طريقين (¬6). # والحديث فيه دلالة على أن الحجامة تفطر الصائم وأنه مستو في ذلك الحاجم ~~والمحجوم، وقد ذهب إليه من عرفت، ولكنه في حق المحجوم، وأما الحاجم فمجمع ~~في حقه على عدم الإفطار، وأجاب الجمهور بأنه منسوخ بالحديث الأول، قالوا: ~~لأن ابن عباس صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع سنة عشر، ~~وحديث شداد وقع في عام الفتح سنة ثمان ولم PageV05P049 # يكن ابن عباس مصاحبا فيه للنبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا قول الشافعي ~~(أ) في حكاية الربيع عنه. قال: وإسناد الحديثين جميعا مشتبه وحديث ابن عباس ~~أمثلهما إسنادا، فإن توقى أحد الحجامة كان أحب إلي احتياطا، أو لئلا يعرض ~~صومه للضعف. قال: والذي أحفظ عن بعض أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- والتابعين وعامة المدنيين أنه لا يفطر أحد بالحجامة (¬1). انتهى. # ومن (ب) روي عنه ذلك من الصحابة سعد بن أبي وقاص والحسين بن علي وابن ~~مسعود وابن عباس يزيد بن أرقم وابن عمر وأنس بن مالك وعائشة وأم سلمة. # ومن التابعين والعلماء: الشعبي وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وعطاء ~~يزيد بن أسلم وعكرمة وأبو العالية وإبراهيم وسفيان ومالك والشافعي وأصحابه ~~إلا ابن المنذر. # وأخرج ابن أبي شيبة عن أنس قال: "أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر ابن ~~أبي طالب احتجم وهو صائم فمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أفطر ~~هذان، ثم رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد في الحجامة للصائم فكان أنس ~~يحتجم وهو صائم". قال الدارقطني: كلهم ثقات ولا أعلم له علة (¬2). # وأخرج الحازمي عن أبي سعيد الخدري قال: رخص رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في القبلة للصائم ثم رخص في الحجامة. PageV05P050 # وأخرج من حديث أبي هريرة قال: يقولون أفطر الحاجم والمحجوم، ولو ms0818 أحتجم ما ~~باليت، وهذا القول من أبي هريرة يدل على أنه قد ثبت عنده الرخصة. وقال ~~الشافعي في "تأويل الحديث" (¬1) في رواية حرملة: وقد قال بعض من يروي: ~~"أفطر الحاجم والمحجوم" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بهما وهما ~~يغتابان رجلا. # وأخرج الحازمي من حديث ثوبان قال: "مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~برجل يحتجم وهو يعرض برجل فقال - عليه السلام - (أ) أفطر الحاجم والمحجوم" ~~قال كذا رواه أبو النضر، ورواه الوحاظي عن يزيد بن ربيعة عن أبي الأشعث ~~الصنعاني أنه قال: إنما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفطر الحاجم ~~والمحجوم لأنهما كانا يغتابان"، ثم حمل الشافعي الإفطار بالغيبة على سقوط ~~أجر الصوم مثل قوله - صلى الله عليه وسلم - للمتكلم يوم الجمعة: "لا جمعة ~~لك" (¬2) فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمره بالإعادة فدل على أنه ~~محمول على إسقاط الأجر ومثله، {لئن أشركت ليحبطن عملك} (¬3)، فإن الحابط هو ~~أجر العمل، فلا وجه لتعجب ابن خزيمة من هذا التأويل حيث قال: جاء بعضهم ~~بأعجوبة فزعم أنه - صلى الله عليه وسلم - إنما قال: "أفطر الحاجم والمحجوم" ~~لأنهما كانا يغتابان، قال فإذا قيل له: فالغيبة (ب) تفطر الصائم؟ قال: لا، ~~قال: فعلى هذا لا يخرج من مخالفة الحديث فلا شبهة، انتهى. PageV05P051 # وقال ابن حزم (¬1): صح حديث "أفطر الحاجم والمحجوم" بلا ريب، لكن وجدنا ~~من حديث سعيد "أرخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحجامة للصائم"، ~~وإسناده صحيح فوجب الأخذ به لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة فدل على ~~النسخ سواء كان حاجما أو محجوما، وقد تأول أيضا بأنه محمول على الكراهة فقط. # وقد أخرج عبد الرزاق وأبو داود بن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "نهى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الحجامة للصائم وعن المواصلة ولم يحرمهما إبقاء على أصحابه" (¬2) ~~إسناده صحيح والجهالة بالصحابي لا تضر. # وقوله: "آنفا على أصحابه" يتعلق بنهى، وقد رواه ابن أبي شيبة (¬3) عن ms0819 ~~وكيع عن الثوري بإسناده هذا ولفظه: عن أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~قالوا: إنما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الحجامة للصائم وكرهها ~~للضعيف، أي: لئلا يضعف، وتأول بعضهم أيضا الحديث بأن المراد أنهما سيفطران ~~وهو أن حالهما يؤول إلى الإفطار كقوله {إني أراني أعصر خمرا} (¬4) وقال ~~البغوي (¬5): المعنى أنهما يعرضا للإفطار، وأما الحاجم فلأنه لا يأمن وصول ~~شيء من الدم إلى جوفه عند المص، وأما المحجوم فلأنه لا يأمن ضعفا من قوته ~~بخروج الدم فيؤول إلى الإفطار. # وقيل: أفطر أي فعل مكروها وهو الحجامة، فكأنه غير متلبس بالعبادة. PageV05P052 # وأعلم أنه قال الترمذي حكاية عن الزعفراني: أن الشافعي علق القول بأن ~~الحجامة تفطر على صحة الحديث. قال الترمذي: "كان الشافعي يقوله ذلك ببغداد، ~~وأما بمصر فمال إلى الرخصة" (¬1)، والله أعلم. # 511 - وعن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: "أول ما كرهت الحجامة ~~للصائم أن جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - احتجم وهو صائم، فمر به النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: أفطر هذان، ثم رخص النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد في الحجامة للصائم، وكان (أ) أنس يحتجم وهو صائم". رواه ~~الدارقطني وقواه (¬2)، وقد عرفت ما فيه كفاية، يقول الدارقطني: "رجاله كلهم ~~ثقات ولا أعلم له علة". # 512 - وعن عائشة - رضي الله عنها -: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~اكتحل في رمضان وهو صائم" رواه ابن ماجه بإسناد ضعيف (¬3). # قال الترمذي (¬4): لا يصح فيه شيء، في إسناده بقية (¬5) رواه عن الزبيدي ~~واسمه سعيد بن أبي سعيد وهو ضعيف (¬6). # ورواه البيهقي (¬7) من طريق محمد بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده ~~"أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يكتحل وهو صائم". PageV05P053 # قال ابن أبي حاتم عن أبيه: هذا حديث منكر، وقال في محمد: إنه منكر ~~الحديث، وكذا قال البخاري (¬1)، وألان البيهقي (¬2) القول فيه فقال: ليس ~~بالقوي، وأما شيخه الحاكم فوثقه وأخرج له في فضائل الحسنين ورواه ابن حبان ~~في "الضعفاء" من حديث ابن ms0820 عمر وسنده مقارب (¬3) ورواه ابن أبي عاصم في ~~"كتاب الصيام" (¬4) له من حديث ابن عمر أيضا ولفظه: "خرج علينا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وعيناه مملوءتان من الإثمد، وذلك في رمضان وهو صائم". # ورواه الترمذي من حديث أنس في الإذن فيه لمن اشتكت عينه ثم قال: ليس ~~إسناده بالقوي ولا يصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الباب شيء ~~(¬5)، ورواه أبو داود من فعل أنس ولا بأس بإسناده (¬6). # وفي الباب عن بريرة مولاة عائشة في الطبراني في الأوسط، وعن ابن عباس في ~~"شعب الإيمان" للبيهقي. # والحديث فيه دلالة على أن الاكتحال لا يفطر الصائم سواء كان من الكحل أو ~~من غيره أو ذروراء في العين، وقد ذهب إلى هذا العترة والفقهاء. # وأخرج أبو داود عن الأعمش قال: "ما رأيت أحدا من أصحابنا يكره الكحل ما ~~لم يجد طعمه" (¬7). # وقال الحسن: "لا بأس بالكحل للصائم" (¬8). PageV05P054 # وقال إبراهيم النخعي (¬1) لما سأله القعقاع بن زيد: أيكتحل الصائم؟ قال: ~~نعم، قلت: أجد طعم الصبر في حلقي، قال: وليس بشيء. أخرجه سعيد بن منصور، ~~والخلاف لابن شبرمة وابن أبي ليلى فقالا: يفطر الصائم لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "الفطر مما دخل وإذا وجد طعمه فقد دخل" (¬2). # والجواب أنه لا يسلم كونه داخلا لأن العين ليست بمنفذ وإنما يصل من ~~المسام، ألا ترى أن الإنسان قد يدلك باطن قدمه بالحنظل فيجد طعمه في فيه ~~ولا يفطر، وقد يقبض على الثلج بيده فيجد برده في فؤاده ولا يفطر. # والحديث المذكور علقه في البخاري على ابن عباس موقوفا (¬3)، وقد وصله ابن ~~أبي شيبة عن وكيع عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس في الحجامة للصائم، ~~فقال: "الفطر مما دخل وليس مما خرج" (¬4)، وفي لفظ: "الصوم والوضوء مما خرج ~~وليس مما دخل" (¬5). # وروي من طريق إبراهيم النخعي أنه سئل عن ذلك فقال: قال عبد الله -يعني ~~ابن مسعود- فذكر مثله، وإبراهيم لم يلق ابن مسعود، وإنما أخذ عن كبار ~~أصحابه، وقد أخرج أبو داود عنه - صلى ms0821 الله عليه وسلم - أنه قال في الإثمد: ~~ليتقه الصائم (¬6). قال أبو داود: قال يحيى بن معين: "هو حديث منكر" (¬7). PageV05P055 # 513 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من نسى وهو صائم فأكل وشرب فليتم صوومه، فإنما أطعمه الله ~~وسقاه" متفق عليه (¬1). # وللحاكم: "من أفطر في رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة". وهو صحيح (¬2). # قوله: "فأكل وشرب": ظاهره اختصاص الحكم المذكور بالأكل والشرب دون سائر ~~المفطرات، وقد ورد في بعض ألفاظ الحديث: "من أفطر" فيعم الجماع. # وذكر ابن دقيق العيد في شرح العمدة (¬3) أن تعليق الحكم بالأكل والشرب ~~إنما هو لكونهما الغالب في النسيان دون الجماع، وذكر الغالب لا يقتضي ~~مفهوما، قال: وقد اختلف فيه القائلون بظاهر الحديث، ومدار إلحاق المجامع ~~بهما إنما هو بالقياس دون النص مع وجود الفارق وهو ندور نسيان المجامع ~~دونهما فإنه يكثر إلا أن يبين القائس أن الوصف الفارق ملغي، انتهى (¬4). # وقد عرفت أن ذلك مدلول عليه بالعموم، وفي رواية "من أفطر" وإنما خص الأكل ~~والشرب في الرواية الأخرى لكونهما أغلب وقوعا، ولعدم الاستغناء عنهما غالبا. # وقوله: "فليتم صومه"، وفي رواية الترمذي (¬5) من طريق قتادة عن PageV05P056 # ابن سيرين: "فلا يفطر" (¬1). # وقوله: "إنما أطعمه الله وسقاه" في رواية الترمذي: "إنما هو رزق ساقه ~~الله إليه" (¬2). # والحديث فيه دلالة على أن الأكل والشرب في حال النسيان لا يفطران (أ) لأن ~~ظاهر قوله: "فليتم صومه" أن الصوم باق، فلو كان قد أفطر وإنما أمره ~~بالإمساك لحرمة اليوم كما قاله من تأول الحديث لقال فليمسك عن الأكل لأن ~~الصوم الشرعي هو ما له حكم الصحة، وهو يجب حمل اللفظ على حقيقته الشرعية ما ~~لم تظهر قرينة صارفة عن ذلك، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، والخلاف في ذلك ~~للقاسمية ومالك وابن أبي ليلى فقالوا: إنه قد أفطر بذلك لأن الصوم ركنه ~~الإمساك عن المفطرات فحكمه حكم من نسي ركعة من الصلاة فإنه يجب عليه ~~الإعادة لما فات الركن، وإن كان ناسيا، قالوا: والحديث ms0822 متأول بأن المعنى من ~~قوله: "فليتم صومه" هو الأمر له بالإمساك لحرمة اليوم وإن وجب عليه القضاء. # وأجيب عن ذلك بأن رواية الحاكم المذكورة في الأصل مصرحة بصحة الصوم وعدم ~~وجوب القضاء، وهي حجة واضحة، وإنما قال ابن العربي (¬3) ليته صح فتبعته ~~وأقول به، وأما مالك فلا يلزمه القول به لأن خبر الواحد إذا جاء بخلاف ~~القواعد لم يعمل به، وقد جاء الحديث الأول الموافق للقاعدة في رفع الإثم ~~فعملنا به، وأما الثاني فلا يوافقها فلم (ب) PageV05P057 # يعمل به انتهى كلامه. # ومراده أن حديث "فلا قضاء عليه ولا كفارة" مخالف للقواعد فإن القاعدة ~~المتأصلة أنه: إذا فات ركن الشيء لم يعتبر حكمه، وقال القرطبي: احتج به من ~~أسقط القضاء، وأجيب بأنه لم يتعرض فيه للقضاء فيحمل على سقوط المؤاخذة لأن ~~المطلوب صيام يوم (أ) لا حرام فيه، لكن روى الدارقطني فيه سقوط القضاء ~~(¬1)، وهو نص لا يقبل الاحتمال، لكن الشأن في صحته، فإن صح وجب الأخذ به ~~وسقط القضاء، انتهى. # وحمل بعض المالكية الحديث على صوم التطوع، وبه قال ابن شعبان وابن ~~القصار، وأجيب بأن حدثنا الحاكم فيه تصريح برمضان. # والحديث أيضا أخرجه ابن خزيمة وابن حبان والدارقطني (¬2) من طريق محمد بن ~~عبد الله الأنصاري عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ الحاكم ~~(¬3)، قال الدارقطني: تفرد به محمد بن مرزوق عن الأنصاري. # وتعقب بأن ابن خزيمة أخرجه أيضا (ب) عن إبراهيم بن محمد الباهلي، وبأن ~~الحاكم (3) أخرجه من طريق أبي حاتم الداري كلاهما عن الأنصاري فهو المنفرد ~~به كما قال البيهقي (¬4)، وهو ثقة، والمراد أنه انفرد بذكر PageV05P058 # إسقاط القضاء فقط لا بتعيين رمضان. # قال النسائي (¬1): أخرج الحديث من طريق علي بن بكار عن محمد بن عمرو، ~~ولفظه: "في الرجل يأكل في شهر رمضان ناسيا قال: الله أطعمه وسقاه". # وقد ورد إسقاط القضاء من وجه آخر عن أبي هريرة أخرجه الدارقطني من رواية ~~محمد بن عيسى بن الطباع (أ) عن ابن علية عن هشام عن ابن سيرين ms0823 ولفظه: ~~"فإنما هو رزق ساقه الله إليه ولا قضاء عليه"، وقال بعد تخريجه: هذا إسناد ~~صحيح وكلهم ثقات (¬2). # قال المصنف -رحمه الله تعالى (¬3) -: لكن مسلم أخرجه من طريق ابن علية ~~وليس فيه زيادة: "ولا قضاء عليه" (¬4). # وروى الدارقطني (¬5) إسقاط القضاء من رواية أبي رافع وسعيد المقبري، ~~الوليد بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار وكلهم عن أبي هريرة (5). # وأخرج أيضا من حديث أبي سعيد رفعه: "من أكل في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء ~~عليه" (¬6)، وإسناده وإن كان ضعيفا لكنه صالح للمتابعة، فأقل (ب) درجات ~~الحديث بهذه الزيادة أن يكون حسنا فيصلح للاحتجاج PageV05P059 # به، وقد وقع الاحتجاج في كثير من المسائل بما هو دونه في القوة (¬1)، ~~ويعتضد بأنه قد أفتى به جماعة من الصحابة من غير نكير عليهم كما قاله ابن ~~المنذر وابن حزم وغيرهما عن علي بن أبي طالب يزيد بن ثابت وأبي هريرة وابن ~~عمر - رضي الله عنهم، ثم هو موافق لقوله تعالى: {ولكن يؤاخذكم بما كسبت ~~قلوبكم} (¬2) فالنسيان ليس من كسب القلب، وموافق للقياس في إبطال عمد الأكل ~~للصلاة لا نسيانه، وكذلك الصيام، وأما القياس الذي ذكره ابن العربي فهو في ~~مقابلة النص فلا يسمع، ورده للحديث مع صحته بكونه خبر واحد خالف القياس ليس ~~بمسلم، لأنه قاعدة مستقلة في الصيام، فمن عارضه بالقياس على الصلاة أدخل ~~قاعدة في قاعدة، ولو فتح هذا ورد به الأخبار الصحيحة لما بقي من الحديث إلا ~~القليل، وفي هذه التوسعة لطف من الله -تعالى- بعباده وتيسير عليهم ورفع ~~المشقة والحرج، وقد روى أحمد (¬3) لهذا الحديث سببا آخر فأخرج من طريق أم ~~حكيم بنت دينار عن مولاتها أم إسحاق إنها كانت عند النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فأتى بقصعة من ثريد، فأكلت معه ثم تذكرت أنها صائمة فقال لها ذو ~~اليدين: الآن بعد ما شبعت! فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أتمي ~~صومك فإنما هو رزق ساقه الله إليك" وفي هذا رد على من فرق بين قليل الأكل ~~وكثيره. # ومن المستظرف ما رواه عبد ms0824 الرزاق: "أن إنسانا جاء إلى أبي هريرة فقال: ~~أصبحت صائما فطعمت، فقال: لا بأس، قال: ثم دخلت على إنسان فنسيت فطعمت ~~وشربت، قال: لا بأس أطعمك الله وسقاك، قال: ثم PageV05P060 # دخلت على آخر فنسيت فطعمت، فقال أبو هريرة، أنت إنسان لم يتعود الصيام" (¬1). # وفي قوله: "أطعمه الله وسقاه": نسبة الفعل إلى الله -تعالى- مجاز (¬2) عن ~~كونه لا إثم عليه لأنه لا يأثم المكلف إلا بما فعل فلما لم يكن مستحقا ~~للإثم وقد فعل الفعل أشبه من لم يكن قيل فعلا. # فائدة: أخرج عبد الرزاق عن ابن جريج قلت لعطاء: إنسان يستنثر فدخل الماء ~~حلقه؟ قال: لا بأس بذلك إن لم يملك (¬3). قال عبد الرزاق: وقاله معمر عن ~~قتادة (3). # وقال ابن أبي شيبة (¬4): حدثنا مخلد عن ابن جريج أن إنسانا قال لعطاء: ~~أتمضمض فيدخل الماء حلقي؟ قال: لا بأس به (4). # وفرق إبراهيم النخعي بين من (أ) كان ذاكرا لصومه حال المضمضة فأوجب عليه ~~القضاء دون الناسي. # وعن الشعبي: إن كان لصلاة فلا قضاء وإلا قضى (¬5). والعلة في ذلك هو كونه ~~غالبا. PageV05P061 # وقال الحسن: إن دخل الذباب في حلقه فلا شيء عليه (¬1). # وفي مذهب الهادوية تفصيل إن كان دخول الذباب بفعله أو سببه أفسد، وإلا لم ~~يفسد، وذلك بأن يفتح فاه للتثاؤب أو لتحديث الغير أو قراءة فيدخل الذباب، ~~وأما لو فتحه لغير غرض فدخل الذباب، فخرج المؤيد وأبو طالب للهادي أن ذلك ~~لا يفسد، وهو مذهب الشافعي، وهو مطابق لقول الحسن (أ)، وقال أبو حنيفة: إنه يفسد. # 514 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء فعليه القضاء" رواه ~~الخمسة وأعله (ب) أحمد وقواه الدارقطني. # وأخرجه الدارمي وابن حبان والحاكم (¬2). # قال النسائي: "وقفه عطاء على أبي هريرة"، وقال الترمذي: "تفرد به عيسى بن ~~يونس، وقال البخاري: لا أراه محفوظا، وقد روي من غير وجه ولا (ج) يصح ~~إسناده (¬3)، وقال الدارمي: "زعم أهل البصرة أن هشاما PageV05P062 # أوهم فيه" (¬1)، وقال ms0825 أبو داود: "وبعض (أ) الحفاظ لا يراه محفوظا، وأنكره ~~أحمد وقال في روايته: ليس من ذا شيء، قال الخطابي: يريد أنه غير محفوظ" ~~(¬2)، وقال مهنا عن أحمد: حدث به عيسى وليس هو في كتابه، غلط فيه وليس هو ~~من حديثه، وقال الحاكم: صحيح على شرطهما، وأخرجه من طريق حفص بن غياث أيضا، ~~وأخرجه ابن ماجه أيضا. # قوله: "ذرعه": بالذال المعجمة المفتوحة والراء المهملة والعين المهملة ~~أيضا أي: غلبه. # وقوله: "فلا قضاء عليه": فيه دلالة على أنه لا يفطر بالقيء الغالب إذ عدم ~~القضاء فرع الصحة. # قوله: "ومن استقاء" أي: طلب خروج القيء بأن يكون مستدعيا لخروجه، وثبوت ~~القضاء عليه فرع على كونه قد أفطر بذلك، وقد ذهب إلى هذا علي وابن عمر وزيد ~~بن أرقم، واختلفت الرواية عن أبي هريرة، والصحيح عنه القول بما في هذا ~~الحديث، وذهب إليه زيد بن علي والناصر والإمام يحيى والشافعي، ونقل ابن ~~المنذر الإجماع على أن تعمد القيء يفطر، وذهب ابن عباس وابن مسعود ورواية ~~عن مالك وربيعة والهادي والقاسم إلى أن القيء لا يفسد الصوم مطلقا ما لم ~~يرجع منه شيء وإلا أفسد (ب) إن تعمد لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث ~~لا يفطرن: القيء PageV05P063 # والحجامة والاحتلام" أخرجه الترمذي والبيهقي بإسناد ضعيف (¬1)، وأخرجه ~~الدارقطني وأعله (¬2)، وقال الترمذي: "هو غير محفوظ"، ورواه الدراوردي ~~مرسلا (¬3). # وأخرجه أبو داود: وفي إسناده رجل مجهول غير صحابي عن صحابي مجهول (¬4)، ~~ورجحه أبو حاتم وقال: إنه أصح وأشبه بالصواب (¬5)، وتبعهما البيهقي وتأوله ~~بمن ذرعه القيء (¬6). # وسئل عنه الدارقطني فذكر الاختلاف في وصله وإرساله وضعف وصله وقال: لا ~~يصح، وأخرج البخاري عن أبي هريرة موقوفا: "إذا قاء فلا يفطر إنما يخرج ولا ~~يولج" (¬7). # ويذكر عن أبي هريرة أنه يفطر، والأول أصح، وقال ابن عباس وعكرمة: الصوم ~~مما دخل وليس مما خرج. انتهى (¬8). # وقد يجاب عنه بأن حديث أبي هريرة خاص وهذا عام، أو مطلق على طريقة حمل ~~الخاص على العام فهو معمول بالخاص فيما يتناوله وبالعام فيما بقي فهذا مخصص ms0826 ~~بمن استقاء، وإنما يشكل الأمر على من لا يقول PageV05P064 # بذلك ويحتاج إلى الترجيح مع عدم (أ) معرفة التاريخ، وترجح حديث أبي هريرة ~~بأنه أقوى في سنده، وأحوط من حيث دلالته فيكون العمل به أولى والله أعلم. # وذهب عطاء وأبو ثور إلى أنه إن تعمد قضى وكفر وإلا قضى ولا كفارة. # 515 - وعن جابر بن عبد الله أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: خرج ~~عام الفتح إلي مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا ~~بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب فقيل له بعد ذلك: إن بعض ~~الناس قد صام، قال: "أولئك العصاة، أولئك العصاة" (¬1). # وفي لفظ: فقيل له: "إن الناس قد شق عليهم الصيام وإنما ينظرون فيما فعلت. ~~فدعا بقدح من ماء بعد العصر فشرب" (¬2) رواه مسلم. # قوله: "خرج عام الفتح": كان خروجه في ستة عشر من رمضان في (ب) سنة ثمان ~~من الهجرة، وذكر ابن إسحاق (¬3) أنه خرج في يوم عاشر وهو الذي اتفق عليه ~~أهل السنن. # ودخل مكة لتسعة عشر خلت منه فصام حتى بلغ كراع الغميم وهو بفتح الغين ~~المعجمة، وهو واد أمام عسفان بثمانية أميال، كذا قال القاضي عياض (¬4)، ~~وبين عسفان ومكة ستة وثلاثون ميلا، وعسفان قرية PageV05P065 # جامعة، والصحيح أن بينهما ثمانية وأربعين ميلا لأنها مسافة أربعة برد، ~~وكل بريد أربعة فراسخ، وكل فرسخ ثلاثة أميال، وهذا هو المعروف عند الجمهور، ~~وفي رواية لمسلم (¬1): "حتى بلغ الكديد (¬2) "، وهو بفتح الكاف وكسر الدال ~~المهملة، عين جارية بينها وبين المدينة سبع مراحل أو نحوها، وبينها وبين ~~مكة قريب من مرحلتين، وكراع الغميم والكديد جميعها (أ) من أعمال عسفان ~~فذكرت هذه المواضع لتقاربها، وعسفان قريب منها، وهما مما يضاف إلى عسفان، ~~ويشتمل اسم عسفان عليهما، والكراع: كل أنف سال من جبل أو حرة، وهو هنا جبل ~~أسود متصل بالغميم الذي هو اسم الوادي (¬3). # والحديث فيه دلالة على أن المسافر له أن يصوم وله أن يفطر (ب وأن له ~~الفطر ب) ms0827 وإن صام بعض النهار أو أكثره كما في رواية "بعد العصر"، وقد خالف ~~في الطرف الأول الإمامية وداود، ورواية عن أبي هريرة، وقالوا: إنه لا يجزئ ~~المسافر الصوم قالوا: لقوله تعالى: {فعدة من أيام أخر} (¬4) وقال في حق من ~~صام: "أولئك العصاة"، وقال "ليس من البر الصيام في السفر" (¬5)، وفعل النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - يرد عليهم. PageV05P066 # وفي قوله: "أولئك العصاة" إنما قاله في حق من خالف أمره بالإفطار، وقد ~~معين عليهم الإفطار وإن كان رخصة لأمره لهم. # وحديث (أ) "ليس من البر" في حق من شق عليه الصوم وغلبه الضعف، وذهب ~~جماهير العلماء إلى العمل بالحديث، وأما الطرف الثاني فذهب إليه الجمهور ~~وقطع به أكثر الشافعية، وفي وجه للشافعية: ليس له أن يفطر، ومستند ذلك ما ~~وقع في البويطي من أن الشافعي علق القول به على صحة حديث ابن عباس، وهذا ~~إذا نوى الصوم في السفر، فأما (ب) إذا نواه وهو مقيم ثم سافر في أثناء ~~النهار، فذهب الجمهور إلى أنه ليس له أن يفطر، وأجازه أحمد وإسحاق وغيرهما، ~~واختلفوا في الأفضل، فذهب أنس وعثمان بن أبي العاص والعترة وأبو حنيفة ~~ومالك والشافعي إلى أن الصوم أفضل لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر، فإن ~~تضرر فالفطر أفضل، وقال سعيد بن المسيب والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم: ~~الفطر أفضل مطلقا، وحكاه بعض الشافعية قولا للشافعي، واحتجوا بما احتج به ~~الأولون، وبحديث حمزة بن عمرو الآتي فإن قوله: "ومن أحب أن يصوم فلا جناح ~~عليه" فنفي الجناح دليل على أن الإفطار هو الأفضل، وأجاب الأكثرون بأنه ~~فيمن يخاف ضررا أو (ج) يجد مشقة واعتمدوا على فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فإن أغلب أحواله الصوم في السفر، وقال بعض العلماء: الفطر والصوم ~~سواء لتعادل الأحاديث، وهو أيضا ظاهر من حديث أنس وهو قوله: "سافرنا مع ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم يعب الصائم على المفطر PageV05P067 # ولا المفطر على الصائم" (¬1)، وظاهره التسوية بين الأمرين. # 615 - وعن حمزة بن عمرو الأسلمي أنه ms0828 قال: يا رسول الله أجد لي قوة على ~~الصيام في السفر، فهل علي جناح؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه" رواه ~~مسلم (¬2)، وأصله في المتفق من حديث عائشة أن حمزة ابن عمرو سأل (¬3) هو ~~أبو صالح، وقيل أبو محمد (أ) حمزة -بالحاء المهملة- ابن عمرو بن عويمر ~~الأسلمي منسوب إلى أسلم بن أفصى -بالفاء والصاد المهملة- يعد في أهل ~~الحجاز. # روي عنه محمد ابنه (ب) وعائشة وعروة بن الزبير وسليمان بن يسار، مات سنة ~~إحدى وستين وله ثمانون سنة، وقيل إحدى وسبعون سنة (¬4). # قوله: "أجد لي قوة": ظاهر في أن الصوم لا يشق عليه ولا يفوت عليه حق، وفي ~~رواية أخرى لمسلم: "إني رجل أسرد الصوم أفأصوم في السفر؟ قال: صم إن شئت ~~وأفطر إن شئت" (¬5) وفي هذه الرواية دلالة PageV05P068 # على أنهما سواء، وقد عرفت ما في ذلك، أولا يفوت عليه حق بشرط فطر يومي ~~العيدين (أ) والتشريق لأنه أخبر بسرده، ولم ينكر عليه بل أقره عليه، وأذن ~~له في السفر ففي الحضر أولى، ولا يعارضه إنكاره - صلى الله عليه وسلم - على ~~عبد الله بن عمرو صوم الدهر (¬1) لأنه - صلى الله عليه وسلم - علم أنه ~~سيضعف عنه، وهكذا جاء (ب) فإنه ضعف في آخر عمره، وكان يقوله: يا ليتني قبلت ~~رخصة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان - صلى الله عليه وسلم - يحب ~~العمل الدائم وإن قل ويحثهم عليه (¬2). # 517 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "رخص للشيخ الكبير أن يفطر ~~ويطعم عن كل يوم مسكينا ولا قضاء عليه". رواه الدارقطني والحاكم وصححاه (¬3). # قوله: "رخص": ذكر ذلك ابن عباس - رضي الله عنه - في تفسير قوله تعالى: ~~{وعلى الذين يطيقونه} الآية (¬4)، قال: نزلت في الكبير والمريض اللذين (ج) ~~لا يقدران على الصوم، فالآية عنده غير منسوخة لكن المريض يقضي إذا برئ ~~ويلزمه الكفارة، وأكثر العلماء على أنه لا كفارة على المريض، وذهب ابن عمر ~~والجمهور إلى ms0829 أن حكم الإطعام باق PageV05P069 # في حق من لم يطق الصيام لكبر، منسوخ في غيره. وقال جماعة من السلف ومالك ~~وأبو ثور وداود: جميع الإطعام منسوخ، وليس على الكبير إذا لم يطق إطعام ~~(أ)، استحبه مالك. # وقال قتادة: كان الرخصة لكبير يقدر على الصوم ثم نسخ فيه، وبقي فيمن لا يطيق. # وقال زيد بن أسلم والزهري ومالك: هي محكمة نزلت في المريض يفطر ثم بيرأ ~~فلا يقضي حتى يدخل رمضان آخر فيلزمه صومه ثم يقضي بعد ما أفطر، ويطعم عن كل ~~يوم مدا من حنطة فإن اتصل مرضه برمضان الثاني فليس عليه إطعام بل عليه ~~القضاء فقط. # وقال الحسن البصري وغيره: الضمير في {يطيقونه} (¬1) عائد على الإطعام لا ~~على الصوم ثم نسخ ذلك فهي عنده عامة. # والحديث فيه دلالة على أن الشيخ الكبير -والظاهر أنه مقيد بالعاجز إذ لا ~~قائل بغير ذلك- يفطر وتجب عليه الكفارة. # قال الإمام المهدي: وكذا يقاس عليه إذا أيس عن قضاء ما أفطره للعجز أو ~~المرض المأيوس في وجوب الكفارة. # واختلف في قدر إطعام المسكين فقال أبو طالب وأبو العباس: هي نصف صاع عن ~~كل يوم من أي قوت لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أطعم عن كل يوم نصف صاع" ~~(¬2)، ولم يفصل، وذهب المؤيد وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنها صاع من غير البر ~~ونصف صاع من البر كالكفارة، وذهب الشافعي PageV05P070 # إلى أنها مد من بر أو (أ) نصف صاع من غيره، وهي واجبة من رأس المال ~~كالدين، والله أعلم. # 518 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: "جاء رجل إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: هلكت يا رسول الله. قال: "وما أهلكك"؟ قال وقعت على ~~امرأتي في رمضان فقال (ب): "هل تجد ما تعتق رقبة"؟. قال: لا. قال: "فهل ~~تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين"؟ قال:. لا. وقال: "فهل تجد ما تطعم ستين ~~مسكينا"؟ قال: لا، ثم جلس، فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرق فيه ~~تمر، فقال: "تصدق بهذا". فقال: أعلى أفقر منا؟ فما بين لابتيها ms0830 أفقر (ج) ~~أهل بيت أحوج إليه منا. # فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه، ثم قال: "اذهب فأطعمه ~~أهلك" رواه السبعة واللفظ لمسلم (¬1). # قوله: "جاء رجل": قيل هو سلمة -أو سلمان- بن صخر البياضي، كذا ذكر (د) ~~عبد الغني في "المبهمات"، وأخرج ابن عبد البر PageV05P071 # ذلك في "التمهيد" في ترجمة عطاء الخراساني، وتعيين أنه سلمان بن صخر، ~~قال: والظاهر أنه وهم لأن المحفوظ أنه ظاهر من امرأته ووقع عليها في الليل ~~لا أن (أ) ذلك كان منه بالنهار، انتهى. # قال المصنف -رحمه الله تعالى (¬1) -: والظاهر أنهما قضيتان (ب)، فإن في ~~بعض ألفاظ الحديث أنه كان صائما. # وقوله: "هلكت": في رواية "أنا الأخر هلكت" بفتح الهمزة والخاء المعجمة ~~المكسورة بغير مد، أي: الأبعد، وقيل: الأرذل، وفي رواية "احترقت"، وفي ~~رواية: "ما أراني إلا قد هلكت" وهذا يفهم أنه كان عامدا؛ لأن الهلاك ~~والاحتراق مجاز عن العصيان المؤدي إلى ذلك، فجعل المتوقع كالواقع إقامة ~~للمسبب مقام سببه لإفضائه إليه، وفي ذلك دلالة على أن حكم الكفارة المذكور ~~(ج) لا يتعلق بالناسي إذ لا إثم عليه، وهو قول الجمهور ومشهور من قول مالك. # وعن أحمد وبعض المالكية يجب على الناسي، قالوا: لأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يستفصله عن ذلك، وترك الاستفصال عن الفعل ينزله منزلة العموم في القول. # والجواب بأنه قد عرف حاله من العمدية بما (د) ذكر فلا إيهام حتى يستفصل، ~~وقد ورد في بعض ألفاظه أيضا (¬2)، أنه جاء وهو ينتف شعره PageV05P072 # ويدق صدره ويقول: "هلك الأبعد"، وفي بعضها: "يلطم وجهه"، وفي بعضها: ~~"يحثي التراب على رأسه"، وهذه قرائن تدل على تعمد الفعل منه، وفيها دلالة ~~على أنه لا بأس في إظهار (أ) الجزع عند وقوع المصيبة في الدين، والنهي إنما ~~هو في مصيبة الدنيا، أو (ب) أن هذه القصة قبل النهي، وأنه لا يستحق التعزير ~~مرتكب المعصية إذا جاء تائبا، وهو مناسب الحكمة في التعزير، وهو لأجل إصلاح ~~الحال بالتوبة وقد وقعت. # وعن البغوي (¬1): أنه يستحق التعزير والكفارة والقضاء، ms0831 وهو محمول على عدم ~~التوبة. # قوله: "قال: وما أهلكك؟! " في رواية: "قال: ما لك؟! " بفتح اللام استفهام ~~عن حاله، وفي رواية "ويحك وما شأنك؟! " وفي رواية "وما الذي أهلكك وما ~~ذاك؟! " وفي رواية: "ويحك وما صنعت؟! " وفي رواية: "ويلك! " والأرجح أنه ~~قال: "ويحك" دون "ويلك" لأن "ويل" كلمة عذاب، و "ويح" كلمة رحمة، وهو ~~الأنسب بالمقام. # وقوله: "وقعت على امرأتي": وفي رواية "أصبت أهلي"، وفي رواية "وطأت ~~امرأتي"، وفي رواية مالك وابن جريج وغيرهما: "أن رجلا أفطر في رمضان" ... ~~الحديث، وظاهره عموم الإفطار بأي مفطر، ولكنه قد يحمل المطلق على المقيد في ~~هذه الروايات الأخر، فيراد أفطر بجماع، وإن كان القرطبي ادعى تعدد القصة ~~وهو بعيد. # وقوله: "في رمضان": وفي رواية "أصبت امرأتي ظهرا في رمضان"، PageV05P073 # وتعيين رمضان معمول به دليل على أن الحكم لا يلزم من فعل ذلك في صوم غير ~~رمضان، وإن كان واجبا، وكلام أبي عوانة في "صحيحه" إشارة إلى وجوب ذلك على ~~من وقع منه في رمضان نهارا سواء كان الصوم واجبا أو غير واجب. # وقوله: "هل تجد ما تعتق": في رواية "هل تجد رقبة"، وفي رواية "أعتق ~~رقبة"، وفي رواية "بئس ما صنعت، أعتق رقبة". # وقوله: "قال: لا": وفي رواية "والله يا رسول الله"، وفي رواية: "والذي ~~بعثك بالحق ما ملكت رقبة قط" وقد يستدل بإطلاق الرقبة أنها تجزئ الكافرة، ~~كما ذهب إليه (أ) الحنفية في صحة إعتاق الذمية في الكفارة، والجمهور حملوا ~~هذا المطلق على المقيد في كفارة القتل، فقالوا: لا تجزئ الكافرة، وهي مسألة ~~خلاف بين الأصوليين فيما إذا اختلف السبب واتحد الحكم هل يقيد المطلق أم ~~لا؟، وفيه إطلاقان وتفصيل، فالإطلاق الأول للحنفية، وهو أنه لا يقيد المطلق ~~بالمقيد سواء اقتضى القياس التقييد أم لا، قالوا: لأن إعمال الدليلين واجب ~~ما أمكن، فيجب إجراء المطلق على إطلاقه، والمقيد على تقييده إذ لو حمل عليه ~~لزم إبطال المطلق من غير ضرورة، والإطلاق الثاني أنه يحمل عليه مطلقا، وقد ~~روي عن الشافعي وبعض أصحابه ms0832 قالوا: لأن كلام الله سبحانه في حكم الخطاب ~~الواحد فيترتب فيه المطلق على المقيد، وقد تكلم على هذا الجويني وزيفه. # والتفصيل: أنه يقيد إذا اقتضى القياس التقييد فيكون تقييدا بالقياس وذلك ~~إذا وجدت علة جامعة بين ما ورد فيه الإطلاق وما ورد فيه التقييد، PageV05P074 # فيكون التقييد حينئذ بالقياس كالتخصيص بالقياس، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، ~~وهو الصحيح (أ) من مذهب الشافعي، والعلة الجامعة هو ان جميع ذلك كفارة عن ~~ذنب مكفر للخطيئة، وقد أبدى بعض الحنفية فارقا مانعا من اعتبار القياس فيما ~~ذكر وهو أن القاتل لما أخرج رقبة من الحياة وجب عليه التدارك بإحياء رقبة ~~من موت الرقبة وإدخالها في حياة الحرية، والله أعلم. # وقوله: "لا": وفي رواية "لا أقدر"، وفي رواية "هل لقيت ما لقيت إلا من ~~الصيام"، ولفظ الأصل فيه (ب) دلالة على أنه لا يعدل عن الصوم إلى الإطعام ~~إلا مع عدم القدرة على الصيام، والأمر في ذلك واضح، وعلى رواية: "هل لقيت ~~ما لقيت" يفهم أنه إذا شق ذلك بوجه من الوجوه، أو لشدة شغفه بالمواقعة في ~~أنه يجوز الانتقال إلى البدل، وقد ذهب إلى هذا الشافعي وألحقوا به من وجد ~~رقبة لا غناء به عنها فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها لكونه في ~~حكم غير الواجد، وقد ذهب إلى هذا المنصور بالله، وأما ما رواه الدارقطني ~~(¬1) عن سعيد بن المسيب في هذه القصة مرسلا أنه قال في جواب قوله: "هل ~~تستطيع أن تصوم؟ " "إني لا أدع الطعام ساعة فما أطيق ذلك" ففي إسناده مقال، ~~وعلى تقدير صحته فلعله اعتل بالأمرين. # وقوله: "فهل تجد ما تطعم ستين مسكينا؟ ": وقع في رواية "إطعام ستين ~~مسكينا"، زاد في رواية "يا رسول الله"، وفي رواية: PageV05P075 # "فهل تستطيع إطعام"، وفي رواية "فتطعم ستين مسكينا. قال: لا أجد". وفي ~~رواية "فتستطيع أن تطعم ستين مسكينا؟ قال: لا"، وفي رواية "قال: والذي بعثك ~~بالحق ما أشبع أهلي" وذكر الستين فيه دلالة بمفهوم العدد أنه لا يجزئ إطعام ~~أقل من ms0833 ذلك، ولا يجب أكثر، فالثاني مجمع عليه، والأول فيه خلاف الحنفية ~~فعندهم يجزئ الصرف في واحد والإطعام إما إباحة أو تمليك، واللفظ محتمل له، ~~وظاهر الحديث أن الكفارة مترتبة على هذه الكيفية حتى لا يجزئ العدول إلى ~~الثاني مع إمكان الأول لوقوعه مرتبا في رواية الصحيحين، بل، وروى الترتيب ~~عن الزهري ثلاثون نفسا أو أكثر (¬1)، وروى الترتيب أيضا ابن عيينة ومعمر ~~والأوزاعي، ورواة التخيير في الحديث: مالك وابن جريج وفليح بن سليمان وعمر ~~بن عثمان المخزومي فهو مرجح بأنه في الصحيحين، وأن رواته أكثر، وأن راويه ~~حكى لفظ القصة على وجهها فمعه زيادة علم من سورة الواقعة، وراوي التخيير ~~حكى لفظ راوي الحديث فيحتمل أنه من تصرف الراوي وأنه أحوط لأن العامل به قد ~~عمل بواحد. # وقد يجاب عنه بأن وقوع مثل هذا في الجواب لا يدل على الترتيب، فإن شخصا ~~لو استفتى في حنثه، فقال له المفتي: أعتق رقبة، فقال: لا أجد، فقال: صم ~~ثلاثة أيام إلى آخره لم يكن مخالفا لحقيقة التخيير بل يحمل على أن (أ) ~~إرشاده إلى العتق لكونه أقرب لتنجبر الكفارة، كذا قاله عياض. # قال البيضاوي: ترتب الثاني بالفاء على فقد الأول ثم الثالث بالفاء على ~~فقد الثاني يدل على عدم التخيير مع كونها في معرض البيان، PageV05P076 # وجواب السؤال فينزل منزلة الشرط للحكم، انتهى كلامه، وفيه بعد. # وقال بعضهم: بل "أو" في الرواية التي وردت فيها ليست للتخيير وإنما هي ~~للتفسير (أ)، وتقدير الكلام أمر رجلا أن يعتق أو يصوم إن عجز عن العتق، أو ~~يطعم إن عجز عنهما، وهو محتمل إذا ظهرت قرينة على هذا. # وذكر الطحاوي أن سبب إتيان بعض الرواة بالتخيير أن الزهري راوي الحديث ~~قال في آخر حديثه: "فصارت الكفارة إلى عتق رقبة أو صيام شهرين أو الإطعام"، ~~قال: فرواه بعضهم مختصرا مقتصرا على ما ذكر الزهري أنه آل إليه الأمر، وقد ~~قص عبد الرحمن بن خالد بن مسافر عن الزهري القصة على وجهها ثم ساقه من ~~طريقه مثل الحديث المذكور ms0834 في الأصل إلى قوله: "أطعمه أهلك" قال -أي ~~الزهري-: # فصارت الكفارة إلى عتق رقبة، أو صيام شهرين متتابعين، أو إطعام ستين ~~مسكينا (¬1). # وكذلك رواه الدارقطني في "العلل" من طريق صالح بن أبي الأخضر عن الزهري، ~~وقال في آخره: "فصارت سنته عتق رقبة، أو صيام شهرين، أو إطعام ستين مسكينا" ~~فعرفت من هذا أنه وقع التخيير في لفظ الزهري غير مقصود به استواء الثلاث، ~~وإنما المقصود الانحصار في الثلاثة، وهي مرتبة على ما وقع في أصل الرواية. # وأقول: قد عرفت ما في فهم الترتيب من القصة من النظر، والأولى أن الترتيب ~~مأخوذ من القياس على كفارة الظهار، والجامع أن الكفارتين هما سبب وطء محرم، ~~والله أعلم. PageV05P077 # وقد ذهب إلى التخيير مالك كما هو المشهور (أ). إلا أنه وقع في "المدونة": ~~ولا يعرف مالك غير الإطعام ولا يأخذ بعتق ولا صيام. # قال ابن دقيق العيد: وهي معضلة لا يهتدى إلى توجيهها مع مصادمة الحديث ~~الثابت (¬1)، وبعض أصحاب مالك حمل ما في "المدونة" على الاستحباب في تقديم ~~الطعام على غيره من الخصال، ووجه ذلك بأن الله سبحانه جعله معادلا للصيام ~~في حق القادر في صدر الإسلام ثم نسخ، ولا يلزم من نسخ الحكم نسخ الفضيلة، ~~وكذا في حق من لم يكن قادرا على الصوم، وفي حق من حال عليه رمضان، وفيما ~~نحن فيه العلة في الكفارة هو فوات الصيام بالجماع، فالمناسبة حاصلة، وأيضا ~~فإن حديث عائشة أخرجه البخاري (¬2) ولم يذكر فيه إلا الإطعام، وقد أجيب عنه ~~بأن حديث عائشة هو وارد في هذه القصة، وهي متحدة وقد حفظها أبو هريرة فقصها ~~على وجهها أو أوودتها عائشة مختصرة، ولعل الاختصار من بعض الرواة، وإلا ~~فإنه قد روي عنها بذكر الإعتاق أولا وبعده الإطعام أخرجه أبو داود وابن ~~خزيمة في "صحيحه" والبخارى في "تاريخه" والبيهقي أيضا (¬3)، ولم يذكر عنها ~~الصيام، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. # واعلم أنها قد اختلفت الرواية عن مالك في ذلك، فالمشهور عنه ما تقدم، ~~وعنه يكفر في الأكل بالتخيير ms0835 وفي الجماع بالإطعام فقط وعنه بالتخيير مطلقا، ~~وقيل يراعى زمن الخصب والجدب، وقيل: يعتبر حالة PageV05P078 # المكفر، وقيل غير ذلك. # وقال ابن جرير الطبري: هو مخير بين العتق والصوم ولا يطعم إلا عند العجز ~~عنهما، وظاهر الحديث أنه لا يدخل (أ) في الكفارة لغير الثلاث، وجاء عن بعض ~~المتقدمين إهداء البدنة، وقد ذكره مالك في "الموطأ" عن عطاء الخراساني عن ~~سعيد بن السيب مرسلا (¬1)، ولكنه في رواية سعيد بن منصور عن ابن علية عن ~~خالد الحذاء عن القاسم بن عاصم قلت لسعيد بن المسيب: ما حديثا حدثناه عطاء ~~الخراساني عنك في الذي وقع على امرأته في رمضان أنه يعتق رقبة، أو يهدي ~~بدنة؟ فقال: كذب فذكر الحديث (¬2). # وقد أخرج ابن عبد البر من طريق أخرى عن أبي هريرة مثل حديث عطاء ~~الخراساني، وفي الإسناد ليث بن [أبي] سليم، وهو ضعيف، وقد اضطرب أيضا في ~~روايته (¬3). # واعلم أنه قد ذكر في مناسبة الكفارة المذكورة للسبب الذي هو الإفطار في ~~رمضان، وهو أنه قد أهلك نفسه بالمعصية فناسب الإعتاق الذي فيه افتداء ~~النفس، وقد صح أن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا PageV05P079 # منه من النار (¬1)، والصوم فيه مقاصة (أبحسب الجناية أ). # وأما كونها شهرين فلأنه لما أمر بصوم شهر على جهة الولاء فلما أفسد منه ~~صوما (ب) كان كمن أفسد صوم الشهر كله لفوات الولاء فوجب عليه صوم شهرين ~~مضاعفة على سبيل المقابلة بنقيض قصده. # وأما الإطعام فلا، وكل يوم مقابل بإطعام مسكين. # وقوله: "فجلس": وفي رواية ابن عيينة: "فقال له النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: اجلس، فجلس"، قال بعضهم: يحتمل أن يكون سبب أمره له بالجلوس انتظار ~~ما يوحى إليه في حقه، ويحتمل أن يكون قد عرف أنه سيؤتى بشيء يعينه به. # وقوله: "فأتي": بضم أوله على البناء للمجهول، وفي رواية ابن عيينة ~~"فبينما هو جالس كذلك إذ أتى"، وفي رواية: "فبينا نحن على ذلك أتي النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -": والآتي لم يسم. # ووقع في البخاري في باب ms0836 الكفارة (¬2): "فجاء رجل من الأنصار" (¬3)، وفي ~~الدارقطني عن ابن المسيب اسمه ضربة العاني رجلا (ج) من ثقيف، وهو يحتمل أنه ~~كان حليفا للأنصار، أو أطلق عليه اسم الأنصار (د) بالمعنى الأعم، وفي رواية ~~ابن إسحاق: "فجاء رجل بصدقته يحملها" (3)، وفي مرسل الحسن: "بتمر من تمر ~~الصدقة" (¬4). PageV05P080 # وقوله: "بعرق": بفتح المهملة والراء بعدها قاف، وهو في رواية الأكثر، وفي ~~رواية أبي الحسن القابسي بإسكان الراء، وقد أنكر بعضهم الإسكان، وإنما هو ~~العظم عليه اللحم (¬1). # قال المصنف -رحمه الله تعالى-: "الراجح هو الفتح، والإسكان ليس بمنكر، بل ~~قد أثبته بعض أهل اللغة، وهو المكتل -بكسر اليم وسكون الكاف وفتح التاء ~~النقوطة باثنتين من أعلى- الضخم، قال الأخفش: يسمى المكتل عرقا لأنه نصف ~~عرقة، فالعرق جمع عرقة كعلق وعلقة، والعرقة الضفيرة من الخوص" (¬2). # وفي بعض طرق عائشة عند مسلم (¬3): "فجاءه عرقان" (3) مثنى، قال المصنف ~~-رحمه الله تعالى-: "إن التمر كان أولا" عند حمله على الدابة عرقان ليكون ~~(ب) أسهل في الحمل، ويحتمل أنه لما وصل به أفرغ أحدهما في الآخر، فمن قال ~~عرقان أراد ابتداء الحال، ومن قال عرق أراد ما آل إليه، والله أعلم" (¬4). # وهذا أولى مما ذهب إليه البيهقي من تعدد الواقعة. # واعلم أنه لم يقع تعيين قدر ما في المكتل من التمر في شيء من طرق ~~الصحيحين في حديث أبي هريرة، ووقع في رواية ابن أبي حفصة: "فيه PageV05P081 # خمسة عشر صاعا"، وفي رواية سفيان: "فيه خمسة عشر أو نحو ذلك"، وعند ابن ~~خزيمة عن الثوري: "فيه خمسة عشر أو عشرون" (¬1)، وكذا عند مالك، وعن سعيد ~~بن المسيب في مرسله عند عبد الرزاق (¬2)، وفي مرسله عند الدارقطني الجزم ~~بعشرين صاعا، وكذا عند ابن خزيمة في حديث عائشة. قال البيهقي (¬3): وهو ~~بلاغ محمد بن جعفر أحد رواته، ووقع في مسند عطاء عند مسدد: "فأمر له ببعضه (أ) ". # قال المصنف -رحمه الله تعالى (¬4) - في الجمع بين الروايات: فمن قال: إنه ~~كان عشرون أراد أصل ما كان فيه، ومن قال: خمسة عشر أراد قدر ما ms0837 تقع به ~~الكفارة، وبين ذلك حديث علي - رضي الله عنه - عند الدارقطني: "يطعم ستين ~~مسكينا لكل مسكين مد"، وفيه: "فأتى خمسة عشر صاعا" فقال: "أطعمه ستين ~~مسكينا"، وكذا في حديث أبي هريرة عند الدارقطني (¬5) من طريق الزهري وفيه ~~رد على الكوفيين في قولهم: إن واجبه من القمح ثلاثون صاعا ومن غيره ستون، ~~وعلى أشهب في قوله: لو غداهم أو عشاهم كفى لصدق الطعام، ولقول الحسن: "يطعم ~~أربعين مسكينا عشرين صاعا"، ولقول عطاء: إن أفطر بالأكل أطعم عشرين صاعا أو ~~بالجماع أطعم خمسة عشر (¬6)، وفيه رد على PageV05P082 # الجوهري حيث قال في "الصحاح" (¬1): المكتل شبه الزنبيل يسع خمسة عشر صاعا ~~لأنه لا حصر في ذلك. # وروي عن مالك (¬2) أنه قال: يسع خمسة عشر أو عشرين، ولعله قال ذلك في هذه ~~القصة الخاصة فيوافق رواية مهران، وإلا فالظاهر أنه لا حصر، وأما ما وقع في ~~رواية عطاء ومجاهد عن أبي هريرة عند الطبراني في "الأوسط" "أنه أتي بمكتل ~~فيه عشرون صاعا فقال: تصدق بهذا" وقال قبل ذلك: "تصدق بعشرين صاعا أو بتسعة ~~عشر أو بأحد وعشرين"، فلا حجة لما فيه من الشك، ولأنه من رواية ليث بن أبي ~~سليم (¬3)، وهو ضعيف، وقد اضطرب فيه وفي الإسناد إليه مع ذلك [من لا يحتج ~~به] (أ) انتهى كلامه (¬4). # قوله: "تصدق بهذا": وقع في رواية الأكثر: "خذ هذا فتصدق به"، وزاد ابن ~~إسحاق: "فتصدق به عن نفسك"، وفي رواية "أطعم هذا عنك" (¬5)، وفي رواية: ~~"نحن نتصدق به عليك"، وقد يستدل بهذا على أنه لا يلزم إلا كفارة واحدة، ولا ~~تجب على الزوجة وهو الأصح من قولي الشافعي، وبه قال الأوزاعي، وقال الجمهور ~~وأبو ثور وابن المنذر: تجب الكفارة على المرأة أيضا معتلين بأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - إنما لم يذكرها مع الزوج لأنها لم تعترف، واعتراف الزوج ~~لا يوجب عليها الحكم، واحتمال أن المرأة لم تكن صائمة بأن تكون طاهرة من ~~الحيض بعد طلوع PageV05P083 # الفجر، أو أن بيان الحكم في حق الرجل يثبت الحكم في ms0838 حق المرأة أيضا لم ~~علم من تعميم الأحكام. # أو أنه عرف فقرها كما ظهر من حال زوجها، وقال القرطبي، اختلفوا في ~~الكفارة هل هي على الرجل وحده على نفسه فقط، أو عليه وعليها، أو عليه ~~كفارتان عنه وعنها، أو عليه عن نفسه وعليها عنها، وليس في الحديث ما يدل ~~على شيء من ذلك، ولهم تفاصيل في الحرة والأمة والمطاوعة والمكرهة، وهل هي ~~عليها أو على الرجل عنها، والقائل بوجوب كفارة واحدة على الزوج عنه وعن ~~موطوءته يقول: يعتبر حالهما فإن كانا من أهل العتق أجزأت رقبة واحدة، وإن ~~كانا من أهل الإطعام أطعم كما سبق، وإن كانا من أهل الصيام صاما جميعا، فإن ~~اختلف حالهما ففيه تفريع محله كتب الفروع. # وقوله: "أعلى أفقر منا! ": أي أتصدق به على شخص أفقر منا، أو على أهل بيت ~~أفقر منا، وفي هذا دلالة على أنه فهم منه الأمر له بالتصدق على من يتصف ~~بالفقر، وقد بين ذلك في حديث مالك عن ابن عمر بزيادة: "إلى من أدفعه؟! إلى ~~أفقر من أهلي"، ولابن مسافر: "أعلى أهل بيت أفقر مني"، وللأوزاعي: "أعلى ~~غير أهلي أهل"، ولمنصور: "أعلى أحوج منا"، ولابن إسحاق: "وهل الصدقة إلا لي وعلي". # وقوله: "ما بين لابتيها": هو تثنية لابة، واللابة: هي الحرة، وهي أبيض ~~ملتبسة بحجارة سود يقال: لابة، لوبة ونوبة بالنون حكاهن أبو عبيد والجوهري ~~(¬1) (أ) ومن لا يحصى من أهل اللغة، وجمع اللابة: لوب PageV05P084 # ولاب (أ) ولابات (ب) وهي غير مهموزة، واللابتان هما الحرتان، والضمير ~~للمدينة، وما: هي النافية المشبهة بليس، اسمها "أفقر" مرفوع وخبرها "بين"، ~~فهي ملغاة عن العمل لتقدم الخبر فيرفعان على الابتداء أو الخبر إلا على قول ~~سيبويه من الإعمال مع تقدم الخبر، و"أحوج" بدل من "أفقر" فحكمه حكمه، ومنا ~~هو المفضل عليه. # وقوله: "حتى بدت أنيابه": وفي رواية ابن إسحاق: "حتى بدت نواجذه"، ولأبي ~~قرة في "السنن": "حتى بدت ثناياه"، ولعلها تصحيف من أنيابه، فإن الثنايا ~~تتبين بالتبسم غالبا، وهو ظاهر السياق أنه زاد على ms0839 التبسم، وما ورد في صفته ~~- صلى الله عليه وسلم - أن ضحكه كان تبسما (¬1) بناء على الغالب، وقيل كان ~~في أمر الدنيا لا يزيد على التبسم، وفي أمر يتعلق بالآخرة يزيد على ذلك، ~~وقيل: إن سبب ذلك هو اختلاف حال السائل فإنه جاء خائفا على نفسه راغبا في ~~فداها مهما أمكنه، فلما وجد الرخصة طمع في أن يأكل ما أعطيه في الكفارة، ~~وقيل: ضحك من حسن بيان المتكلم وتلطفه في الخطاب وتوسله في توصله إلى مقصده. # وقوله: "اذهب فأطعمه أهلك": وفي رواية "أطعمه عيالك" (¬2)، وفي رواية ~~"فأنتم إذا" وقدم ذلك على ذكر الضحك، وفي رواية: "ثم قال كله"، وفي رواية ~~"خذها وكلها وأنفقها على عيالك" (¬3)، وفي PageV05P085 # رواية "عد به عليك وعلى أهلك" (¬1). # واعلم أن في توسيعه - صلى الله عليه وسلم - بأكل ذلك هو وعياله احتمال أن ~~الكفارة ساقطة عليه بسبب الإعسار المقارن لوجوب الكفارة؛ لأن الكفارة من ~~قاعدتها أن لا تصرف في النفس، ولم يبين له - صلى الله عليه وسلم - أنها ~~باقية في ذمته يخرجها متى أيسر، وهو أحد قولي الشافعي، وجزم به عيسى بن ~~دينار من المالكية، ويتأيد ذلك بالقياس على صدقة الفطر. # وقد يجاب بأن صدقة الفطر لها أمد ينتهى إليه، وكفارة الجماع لا أمد لها ~~فتستقر في الذمة، وليس في الحديث ما يدل على السقوط، وفيه احتمال أن ~~الكفارة غير ساقطة، وصرفها فيه وفي أولاده خصوصية له، وقد ذهب إلى هذا إمام ~~الحرمين، وهو قول الزهري. # ورد بأن الأصل عدم الخصوصية، وقال بعضهم: هذا منسوخ، وتقصى عنه بعضهم بأن ~~الأهل الذين أمر بالصرف إليهم هم من لا تلزمه نفقتهم من أقاربه. # ورد بأنه قد بين الأهل في رواية "عيالك" (¬2)، وأيضا في رواية "أكله ~~بنفسه منه" وبعضهم قال: إنه لما كان معسرا سقطت عنه نفقة أولاده فجاز الصرف ~~فيهم، ولكنه يشكل برواية "أكله". # وقال الشيخ تقي الدين: إن إعطاءه ليس لأجل أن يخرجه عن الكفارة، وإنما هو ~~لقصد التصديق عليه وعلى أهله لما ظهر من حاجتهم، والكفارة باقية في ms0840 ذمته، ~~وليس في الحديث ما يدل على سقوطها، وليس فيه تأخير PageV05P086 # البيان عن وقت الحاجة لما أنه قد علم لزوم الإخراج بسبب المقتضي لذلك، ~~وإن سلم ذلك فوقت الحاجة هو وقت القدرة على الإخراج، ولما يحصل ويجاب عن ~~هذا بأن قد ورد ما يدل على سقوط الكفارة، فإنه قال في حديث علي "كله أنت ~~وعيالك فقد كفر الله عنك" (¬1) ولكنه حديث ضعيف، وكذا ما أخرجه أبو داود ~~(¬2) في حديث أتي هريرة "كله أنت وأهل بيتك وصم يوما واستغفر الله". # ويمكن الجواب عن هذا بأنه لم يكن فيه صريح دال على سقوطها عند الإيسار، ~~فإنه يحتمل أن المراد بالتكفير عنه بمعنى عدم المطالبة في الحال، ولا يلزم ~~منه التكفير مطلقا. # وقد ذهب إلى القول بوجوب الكفارة أبو طالب والإمام يحيى وأبو حنيفة ~~والشافعي ومالك والإمامية ورواية عن القاسم وحجتهم ما عرفت من الأمر ~~للأعرابي بإخراج أي الأنواع الثلاثة. # وذهب طاوس وابن المسيب والنخعي وابن علية وأحمد والهادي والمؤيد والناصر ~~والمرتضى والنفس الزكية إلى القول بعدم الوجوب محتجين بحديث أتي هريرة الذي ~~أخرجه أبو داود، وبأنه أباح له الأكل (أ) من التمر وعياله، وقد عرفت الجواب ~~عن ذلك، وذكر في حديث أتي هريرة عند أبي داود والأمر بقضاء يوم مكان ما أفطر. # وقد ذهب إلى وجوب القضاء الهادوية والشافعي للحديث وعموم قوله تعالى: ~~{فعدة من أيام أخر} (¬3)، وفي قول للشافعي يسقط إذ أمره بها PageV05P087 # فقط، ويجاب بأنه اتكل في القضاء على الآية، وقد عرفت حديث أبي هريرة. # وعن الشافعي إن كفر بالصوم فلا قضاء وإلا وجب، ومن أفطر بالجماع وهو مرخص ~~له في الإفطار كأن يكون مسافرا وجب القضاء ولا كفارة، وعند أحمد: بل يكفر. # والجواب بأنه كالأكل حيث نوى به الإفطار للرخصة، فإن لم ينو به الترخيص ~~فقال الإمام المهدي: فيه وجهان: يكفر كالمقيم لعدم النية، ولا إذ هو مسافر، ~~ولا تكرر الكفارة بتكرر الأيام ما لم يتخلل التكفير. # وعن الشافعي: بل تعدد كيومين من شهرين، قال الإمام المهدي: وهو الأقرب، ms0841 ~~وأما في اليوم الواحد فلا تكرار، وقال أحمد: بل يلزم ويجاب بأن الوطء وقع ~~في غير صوم، وكذا إذا وطئ بعد أن قد كان أفطر ناسيا فلا كفارة. # وقال أبو الطيب الطبري: يلزم، وهو صحيح على قول من يقول إن الأكل ناسيا ~~غير مفطر، وكذا من جامع ثم سافر أو مرض في ذلك اليوم فلا كفارة عليه عملا ~~بالانتهاء، وهذا عند أبي حنيفة والإمام يحيى والهادوية والثوري، وقال مالك ~~وأحمد وإسحاق وأحد قولي الشافعي: العبرة بالإقدام، وقد أقدم عاصيا، ويجاب ~~عنه بأن الصوم انكشف كونه غير مستحق وفيه نظر على اعتبار الابتداء. # والحديث ورد في حق المجامع، ويقاس عليه من أفطر بغير الجماع، وقد يجاب ~~بالفرق بين الجماع وغيره بأن المدة في حق المجامع أكمل من حق من تناول أدنى ~~مفطر بغير الجماع، ولذلك منع منه المحرم، وقد ورد عن أبي هريرة "أن رجلا ~~أكل في رمضان، فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعتق رقبة" أخرجه ~~الدارقطني، وفي إسناده أبو معشر، وهو ضعيف، وأما PageV05P088 # حديث "أن رجلا قال: قد أفطرت في رمضان" فهو يحتمل أنه أفطر بجماع لا حجة فيه. # وقد اختلف السلف في حق من أفطر بغير الجماع عمدا، فعلق البخاري (¬1) عن ~~أبي هريرة رفعه: "من أفطر يوما من رمضان من غير علة ولا مرض لم يقضه صيام ~~الدهر، وإن صامه" (¬2)، وبه قال ابن مسعود. # وقال سعيد بن المسيب والشعبي وابن جبير وإبراهيم وقتادة وحماد: يقضي يوما مكانه. # وفي الحديث من الفوائد غير ما تقدم السؤال عن حكم ما يفعله المرء مخالفا ~~للشرع، والتحدث بذلك لمصلحة معرفة الحكم، واستعمال الكناية فيما يستقبح ~~ظهوره بصريح لفظه لقوله: "واقعت" و"أصبت"، على أنه قد ورد في بعض طرقه ~~"وطأت"، والظاهر أنه من تصرف الرواة. # وفيه الرفق بالمتعلم، والتلطف في التعليم، والتآلف على الدين، والندم على ~~المعصية، واستشعار الخوف. # وفيه الجلوس في المسجد لغير الصلاة من المصالح الدينية كنشر العلم. # وفيه جواز الضحك عند وجود سببه، وإخبار الرجل بما يقع منه مع ms0842 PageV05P089 # أهله للحاجة. # وفيه الحلف للتأكيد كما ورد في رواية: "والله ما بين لابتيها"، وقبول ~~قوله في الفقر، ويحتمل أن القرينة ظاهرة في فقره. # وفيه التعاون في العبادة، والسعي في خلاص المسلم، وإعطاء الواحد فوق ~~حاجته الراهنة، وإعطاء الكفارة أهل بيت واحد، وأن المضطر إلى ما في يده لا ~~يجب عليه أن يعطيه، أو يعطيه لمضطر آخر. # قال المصنف -رحمه الله تعالى-: "قد اعتنى بعض المتأخرين ممن أدركه شيوخنا ~~بهذا الحديث، فتكلم عليه في مجلدين جمع فيهما ألف فائدة وفائدة، ومحصلة (أ) ~~إن شاء الله تعالى فيما لخصته مع زيادات كثيرة، فلله الحمد على ما أنعم. ~~انتهى كلامه في "فتح الباري" (¬1)، وأقول: وقد أتيت بحمد الله في هذا ~~المختصر على معظم تلك الفوائد جمع تلخيص وزيادات كثيرة، فلله الحمد على ما ~~أنعم وأجزل. # 519 - وعن عائشة وأم سلمة - رضي الله عنهما -: "أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يصبح جنبا من جماع ثم يغتسل ويصوم" متفق عليه (¬2)، وزاد مسلم ~~في حديث أم سلمة: "ولا يقضي" (¬3). # الحديث فيه دلالة على أن الصوم يصح ولو أصبح جنبا من جماع، PageV05P090 # وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وادعى النووي الإجماع على ذلك (¬1)، وقال ابن ~~دقيق العيد (¬2): صار ذلك إجماعا أو كالإجماع، وقد سبق الخلاف في ذلك لعروة ~~بن الزبير فيمن تعمد الجنابة فقال: إنه يفطر، وكذا حكاه ابن المنذر عن ~~طاوس، وحكى ابن المنذر عن الحسن البصري وسالم بن عبد الله بن عمر أنه يتم ~~صومه ويقضي. # وأخرج عبد الرزاق عن ابن جريج أنه سأل عطاء عن ذلك فقال: اختلف أبو هريرة ~~وعائشة، وأرى أن يتم صومه ويقضي (¬3) انتهى. # ونقل بعض المتأخرين عن الحسن بن صالح بن حي إيجاب القضاء، والذي نقل ~~الطحاوي عنه استحبابه، ونقل ابن عبد البر عنه وعن النخعي إيجاب القضاء في ~~الفرض والإجزاء في التطوع، ونقل الماوردي أن هذا الاختلاف كله إنما هو في ~~حق المجامع دون المحتلم، فأجمعوا على أنه يجزئه وهو معترض بما أخرجه ~~النسائي (¬4) بإسناد صحيح عن عبيد الله ms0843 بن عبد الله بن عمر "أنه احتلم ليلا ~~في رمضان فاستيقظ قبل أن يطلع الفجر ثم نام قبل أن يغتسل فلم يستيقظ حتى ~~أصبح، قال: فاستفتيت أبا هريرة فقال: أفطر". # وحجة من قال ذلك حديث أبي هريرة، قال البخاري (¬5): وقال همام PageV05P091 # وابن عبد الله بن عمر عن أبي هريرة "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يأمر بالفطر" وقد وصل الرواية أحمد وابن حبان بلفظ: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - "إذا نودي للصلاة (أصلاة الصبح أ) وأحدكم جنب فلا يصم ~~يومه" (¬1)، ورواية ابن عبد الله بن عمر وصلها عبد الرزاق، وقد اختلف على ~~الزهري في اسم ابن عبد الله هل عبد الله مكبرا أو مصغرا، وأجاب الجمهور بأن ~~ذلك منسوخ، وأن أبا هريرة حدث به ولم يعلم النسخ، ثم لما روي له حديث عائشة ~~وأم سلمة رجع عن ذلك وأفتى بقولهما. # وأخرج النسائي أنه قال: هي أمي عائشة (ب) أعلم برسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - منا" (¬2)، وزاد ابن جريج في روايته: فرجع أبو هريرة عما كان ~~يقول في ذلك. # وروى ابن أبي شيبة (¬3) من طريق قتادة عن سعيد بن السيب أن أبا هريرة: ~~رجع عن فتياه من (ج) أصبح جنبا فلا صوم له، وفي رواية للنسائي فقال أبو ~~هريرة: "هكذا كنت أحسب" (¬4)، وفي رواية البخاري والنسائي (¬5) وغيرهم أن ~~أبا هريرة روي ذلك بواسطة الفضل بن العباس، PageV05P092 # ويدل على النسخ ما أخرجه مسلم والنسائي وابن حبان وابن خزيمة عن عائشة أن ~~رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يستفتيه وهي تسمع من وراء حجاب، ~~فقال: يا رسول الله، تدركني الصلاة -أي صلاة الصبح- وأنا جنب أفأصوم؟ فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: وأنا تدركني الصلاة وأنا جنب فأصوم، فقال: ~~لست مثلنا يا رسول الله قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال: ~~والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله وأعلمكم بما أتقي" (¬1). # ونزول سورة الفتح في عام الحديبية سنة ست، وابتداء فرض الصيام كان في ms0844 ~~السنة الثانية، وقد كان في صدر الإسلام المنع من الأكل والشرب والجماع بعد ~~النوم، ثم أباح الله تعالى ذلك ولم يبلغ الفضل ولا أبا هريرة الناسخ، ~~فاستمر أبو هريرة على الفتيا به، ثم لما بلغه رجع، وقد ذهب إلى النسخ ابن ~~المنذر والخطابي وغيرهم. # وهذا الحديث يدفع قول من قال بأن ذلك مخصوص بالنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وذهب البخاري (¬2) إلى الرد على حديث أبي هريرة بأن حديث عائشة أقوى سندا ~~حتى قال ابن عبد البر: إنه صح وتواتر (2)، وأما حديث أبي هريرة فأكثر ~~الروايات أنه كان يفتى به، ورواية الرفع أقل، ومع التعارض يرجح بقوة ~~الطريق، ويرجحه أيضا ما يفهم من قوله تعالى: {أحل لكم ليلة الصيام} (¬3) ~~الآية، فإنه إذا أحل الرفث في جميع أجزاء الليل فمن جملة PageV05P093 # الأجزاء آخرها، ومن ضرورته الإصباح جنبا ويلزم من إباحته أن لا يمنع ذلك ~~عن الصوم، إذ لو كان مانعا لحرم إذ لا يتم الواجب إلا به. # وبعضهم حاول الجمع بين الحديثين بأن حديث أبي هريرة محمول على أن النهي ~~للإرشاد، وحديث عائشة مبين للجواز، ونقله النووي عن أصحاب الشافعي إلا أن ~~البيهقي نقل عن أصحاب الشافعي سلوك الترجيح، وبعضهم حمله على من أدرك الفجر ~~مجامعا فاستدام بعد طلوعه إلا أنه يدفعه ما أخرجه النسائي (¬1) عن أبي ~~هريرة "أنه كان يقول: من احتلم وعلم باحتلامه ولم يغتسل حتى أصبح فلا يصوم" (1). # وقولها: "من جماع": قال القرطبي: فيه دلالة على أنه كان - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يحتلم؛ لأنه من الشيطان، وهو معصوم منه، وقال بعضهم: بل فيه ~~دلالة على جواز الاحتلام عليه، وإلا لما احتاجت إلى الاحتراز عنه. # وقد يجاب عنه بأن الاحتلام قد يطلق على الإنزال، وقد يقع الإنزال بعد ~~رؤية شيء في المنام، والله أعلم. # 520 - وعن عائشة - رضي الله عنها - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من مات وعليه صيام صام عنه وليه" متفق عليه (¬2). # الحديث فيه دلالة على أنه يجزئ عن الميت صيام غيره عنه، وأن ms0845 ذلك هو ~~الواجب، لأن "من" لفظ عام شامل للمكلفين. # وقد اختلف السلف والخلف في هذه المسألة فأجاز الصيام عن الميت أصحاب ~~الحديث، وعلق الشافعي في القديم (¬3) القول به على صحة PageV05P094 # الحديث، نقل ذلك عنه (أ) البيهقي في "المعرفة"، وهو قول أبي ثور وجماعة ~~من محدثي الشافعية (ب)، حتى قال البيهقي في "الخلافيات": هذه السنة ثابتة ~~لا أعلم خلافا بين أهل الحديث في صحتها، فوجب العمل بها، ثم ساق سنده إلى ~~الشافعي قال: "كل ما قلت وصح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلافه فخذوا ~~بالحديث (ج) ولا تقلدوني". # وذهب إلى هذا المؤيد بالله، وذهب الشافعي في الجديد ومالك وأبو حنيفة ~~وزيد بن علي والهادي والقاسم إلى أنه لا يصام عن الميت، وإنما الواجب ~~الكفارة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من مات وعليه صيام فليطعم عنه مكان ~~كل يوم مسكين"، وأخرجه الترمذي عن ابن عمر مرفوعا (¬1)، وقال: غريب لا ~~نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه، والصحيح أنه موقوف على ابن عمر. # وأخرجه ابن ماجه (¬2) مرفوعا أيضا وفي إسناده وهم (¬3)، وقال الدارقطني: ~~المحفوظ وقفه على ابن عمر، وتابعه البيهقي على ذلك. # وأخرج البيهقي عن عائشة "أنها سئلت عن امرأة ماتت وعليها صوم، قالت: تطعم ~~عنها" (¬4). وعنها أيضا أنها قالت: "لا تصوموا عن موتاكم، PageV05P095 # وأطعموا عنهم" (¬1). # وأخرج عبد الرزاق عن ابن عباس قال في رجل مات وعليه رمضان قال: "يطعم عنه ~~ثلاثون مسكينا" (¬2). # وروي النسائي عن ابن عباس قال: "لا يصوم أحد عن أحد" (¬3). # قالوا: لقد أفتى ابن عباس وعائشة بخلاف ما روياه من صيام الولي، قالوا: ~~وهو أيضا موافق لسائر العبادات التي لا يقوم بها مكلف عن مكلف، والحج مخصوص ~~بدليله، والحديث الصحيح المروي عن عائشة وعن ابن عباس يقضي عنه بأن المراد ~~من قوله "صام عنه وليه". أي: فعل عنه ما يقوم مقام الصوم، وهو الإطعام، وهو ~~نظير قوله: "التراب وضوء المسلم إذا لم يجد الماء" (¬4) فسماه وضوءا لما ~~قام مقام الوضوء، كذا قال الماوردي. # ويجاب عنه بأن ذلك مجاز بغير ms0846 دليل عليه، والحنفية يقضوا عنه بمخالفة ~~الراوي لما رواه كما عرفت عن عائشة وابن عباس وهي قاعدة مقررة لهم في ~~الأصول، والجواب عنهم بأن الصحيح العمل بما روي لا بما رأى؛ لأن ذلك يكون ~~بالاجتهاد، فقد يظن غير الناسخ ناسخا ونحو ذلك، ومبنى الرواية على العدالة ~~والضبط فقط. # ويجاب عن ذلك بأن حديث عائشة متفق عليه مخرج في الصحيحين، وكذلك حديث ابن ~~عباس بزيادة التعليل وهو: "فدين الله أحق أن يقضى" (¬5)، وحديث ابن عمر قد ~~عرفت ما فيه، والآثار عن عائشة وابن PageV05P096 # عباس لا تقاوم الحديث الصحيح. # وقولهم: إن العبادة لا يقوم فيها مكلف عن مكلف غير صحيح، فإنه قد روي في ~~كثير من أنواع البر في الاعتكاف والصدقة بالمال والدعاء وتلاوة القرآن، وفي ~~ذلك أحاديث كثيرة يؤيد بعضها بعضا، ولا فرق بين قربة وقربة، وفضل الله أوسع ~~من ذلك. # وتقضي المالكية عن العمل بحديث عائشة بأن أهل المدينة لم (أ) يعملوا به ~~بناء على قاعدتهم في الاعتداد بإجماع أهل المدينة، والدليل قائم على خلافه، ~~وادعى القرطبي تبعا لعياض أن حديث عائشة مضطرب، وليس كذلك. # وذهب الليث وأحمد وإسحاق وأبو عبيد إلى التفصيل، وهو أنه يصام في النذر، ~~قالوا: لأنه ورد في حديث ابن عباس ذلك الحكم وهو في النذر فيحمل حديث عائشة ~~أيضا عليه. # ويجاب عنه بأن حديث ابن عباس ورد في صورة معينة، وحديث عائشة في تقرير ~~قاعدة كلية ولا تعارض بينهما، فلا حاجة إلى التقييد، وإنما يستقيم هذا على ~~أصل أبي ثور أن الخاص الموافق للعام تخصيص للعام. # وقوله: "صام عنه وليه": خبر في معنى الأمر بمعنى ليصم عنه، والأمر ليس ~~للوجوب عند الجمهور، وبالغ إمام الحرمين ومن تبعه فادعوا الإجماع على ذلك، ~~وقد أخرج البزار زيادة: "فليصم عنه وليه إن شاء" وهي من رواية ابن لهيعة. # وبعض أهل الظاهر أوجب ذلك على الولي، واختلفوا في الولي فقيل: PageV05P097 # المراد به كل قريب، وقيل: الوارث خاصة، وقيل: عصبته، والأول أرجح، ~~والثاني قريب، ويرد الثالث قصة المرأة التي سألت ms0847 عن نذر أمها، واختلفوا ~~أيضا هل يختص ذلك بالولي؛ لأن الأصل عدم النيابة في العبادة البدنية فيقتصر ~~على الدليل ويبقى الباقي على الأصل، وقيل: لا يختص بالولي، فلو أمر أجنبيا ~~بأن (أ) يصوم عنه أجزأ كالحج، وقيل: يصح استقلال الأجنبي بذلك، وذكر الولي ~~لكونه الغالب، وقد مال البخاري إلى هذا، وجزم به أبو الطيب الطبري (ب) قواه ~~بتشبيهه - صلى الله عليه وسلم - بالدين، والدين لا يختص به القريب. # وأقول: هذا هو الراجح لأنه كسائر أحوال الميت فإنه ينوب عنه وصيه في ذلك ~~(ج فإن لم يكن له وصي ولا وارث فالإمام والحاكم ثم من صلح له من سائر ~~المسلمين ولا يتعين على الوصي مباشرة العمل بعينه بل له الاستنابة، والله ~~أعلم ج). # وعلق البخاري (¬1) عن الحسن البصري قال: "إن صام عنه ثلاثون رجلا يوما ~~واحدا جاز" (1)، وذكر الفقيه يوسف تفريعا على أصل من قال بذلك أنه لا بد من ~~الترتيب بعدد الأيام. [أحاديث الباب أربعة وعشرون حديثا]. PageV05P098 ### || AUTO باب صوم التطوع وما نهي عن صومه # 521 - عن أبي قتادة الأنصاري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ~~صوم يوم عرفة، قال: "يكفر السنة الماضية والباقية، وسئل عن صيام يوم ~~عاشوراء فقال: يكفر السنة الماضية، وسئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: ذاك يوم ~~ولدت فيه أو بعثت فيه وأنزل علي فيه" رواه مسلم (¬1). # قوله: "وسئل عن صيام يوم عاشوراء": أي ما حكمه، وعاشوراء بالمد على ~~المشهور، وحكى فيه القصر، وزعم ابن دريد أنه اسم إسلامي، وأنه لا يعرف في ~~الجاهلية، ورد ذلك ابن دحية بأن ابن الأعرابي حكى صحته في كلام الجاهلية، ~~وبما روي عن عائشة (¬2) "أن أهل الجاهلية كانوا يصومونه، وكان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يصومه قبل أن يهاجر، وأمر بصومه في أول السنة الثانية من ~~مقدمه" (2) لأن قدومه كان في شهر ربيع الأول وكان فرض رمضان بعده في أثناء ~~السنة الثانية فلهذا لم يقع الأمر بصومه واجبا إلا في سنة واحدة، وصيام ~~قريش لعاشوراء لعلهم تلقوه ms0848 من الشرايع، كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة وغير ذلك. # وذكر الباغندي الكبير (¬3) في المجلس الثالث عن عكرمة أنه سئل عن ذلك، ~~فقال: أذنبت قريش ذنبا في الجاهلية فعظم في صدورهم، فقيل لهم: صوموا ~~عاشوراء يكفر ذلك، أو لأنه ولد فيه إبراهيم كما في حديث أبي سعيد بن أبي ~~راشد فتناقل تعظيمه في ولد إبراهيم. # ولكنه لا دلالة في هذا لأن الكلام في تسميته لا في صومه، كذا قيل، PageV05P099 # ويجاب عنه بأنه قد سمي في قولهم: صوموا عاشوراء. # واختلف أهل الشرع في تعيينه فقال الأكثر: هو اليوم العاشر، قال القرطبي: ~~عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة ~~لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم للعقد، واليوم مضاف إليها، فإذا (أ) قيل ~~يوم عاشوراء فكأنه قيل: يوم الليلة العاشرة إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة ~~غلبت عليه الاسمية فامتنعوا عن الموصوف، فحذفوا الليلة العاشرة، وصار هذا ~~اللفظ علما على اليوم العاشر. # وذكر الجواليقي أنه لم يسمع فاعولاء إلا أربعة ألفاظ: عاشوراء وصاروراء ~~وساروراء ودالولاء من الصار والسار والدال. # وقال الزين بن المنير: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر ~~الله المحرم وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية. # وقيل: هو اليوم التاسع، فعلى الأول فاليوم مضاف لليلة الماضية، وعلى ~~الثاني هو مضاف لليلة الآتية. # وقيل: إنما سمي يوم التاسع عاشوراء أخذا من أوراد (ب) الإبل، كانوا إذا ~~رعوا الإبل ثمانية أيام ثم أوردوها في التاسع قالوا: ورودنا عشرا بكسر ~~العين، ويدل عليه ما أخرجه مسلم في حديث الحكم بن الأعرج: انتهيت إلى ابن ~~عباس وهو متوسد، فقلت: أخبرني عن يوم عاشوراء، قال: إذا رأيت هلال المحرم ~~فاعدد وأصبح يوم التاسع صائما، قلت: أهكذا كان النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يصومه؟ قال: نعم (¬1). PageV05P100 # وظاهره أن يوم عاشوراء هو التاسع، وقد تأوله الزين بن المنير بأن المعنى ~~أنه ينوي الصائم في الليلة المتعقبة للتاسع وصبحها العاشر. # ويقوي هذا الاحتمال مع بعده ما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس أن النبي ms0849 - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "إن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع" فمات قبل ذلك ~~(¬1)، فدل على أنه لم يصم التاسع، ثم ما هم به النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- من صوم التاسع يحتمل معناه أنه يضيفه إلى العاشر مخالفة اليهود والنصارى، ~~ويدل عليه حديث أحمد عن ابن عباس: "صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، ~~صوموا يوما قبله أو يوما بعده" (¬2). # فوافق - صلى الله عليه وسلم - أهل الكتاب في أول الأمر بصومه وحده وأمر ~~بالمخالفة من بعد بصوم قبله أو بعده في آخر الأمر كما اشتهر عنه من ~~مخالفتهم في آخر أمره. # وعلى هذا فصيام عاشوراء على ثلاث مراتب: أدناها: أن يصام وحده، وفوقه: أن ~~يصام معه الحادي عشر أو التاسع، ويحتمل أنه أراد أن ينقل صوم العاشر إلى ~~التاسع فيصام وحده وهو أوسطها. # واعلم أنه قد قيل: إن اليوم الذي كانت اليهود تصومه هو (أ) يوم عاشوراء ~~بحساب السنة الشمسية فصادف صومهم (ب) اليوم الذي قدم فيه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - المدينة في ربيع الأول، ويؤيده ما في الطبراني (¬3) وهو ما ~~أخرجه في ترجمة زيد بن ثابت من طريق ابن أبي زياد عن أبيه عن خارجة PageV05P101 # ابن زيد بن ثابت عن أبيه قال: "ليس يوم عاشوراء باليوم الذي تقوله الناس، ~~وإنما كان يوما تستر فيه الكعبة، وكان يدور في السنة، وكانوا يأتون فلانا ~~(أ) اليهودي فيحسب لهم". # وهذه عادة اليهود يعتمدون في صيامهم وأعيادهم حساب النجوم، فالسنة عندهم ~~شمسية لا هلالية، فمن ثم احتاجوا إلى من يعرف الحساب ليعتمدوا عليه في ذلك، ~~وهذا من ضلال أهل الكتاب وهداية المسلمين إلى غير اليوم الذي استحق ~~التعظيم، ولذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنا أمة أمية لا نكتب ~~ولا نحسب" (¬1). # وقد استشكل تعظيم النصارى له، فإن الوارد في الرواية تعليله بنجاة موسى ~~وإغراق فرعون، وهذا يختص باليهود، وهو مندفع بأن النصارى غير جاحدين لفضيلة ~~موسى - عليه السلام -، وقد ورد من حديث أبي موسى في البخاري كانت تعده ~~اليهود عيدا فقال النبي ms0850 - صلى الله عليه وسلم -: "فصوموه أنتم" (¬2)، وفي ~~رواية مسلم: "كان يوم عاشوراء تعظمه اليهود وتتخذه عيدا" (¬3)، وفي رواية ~~له: "كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء ويتخذونه (ب) عيدا ويلبسون نساءهم ~~فيه حليتهم (¬4) وشارتهم" بالشين المعجمة أي هيئتهم الحسنة، ولا منافاة بين ~~اتخاذه عيدا وصيامه. # واعلم أنه قد ورد ما دل على أنه كان واجبا في صدر الإسلام ثم نسخ PageV05P102 # وجوبه برمضان، وفي البخاري وغيره أحاديث صحيحة بإرجاع صومه إلى المشيئة (¬1). # ونقل عياض أن بعض السلف كان يرى بقاء فرض عاشوراء، لكن انقرض القائلون ~~بذلك، ونقل ابن عبد البر الإجماع على أنه ليس الآن بفرض (¬2)، وعلى أنه ~~مستحب، وكان ابن عمر يكره قصده بالصوم، ثم انقرض القول بذلك. # وفي قوله: "يكفر السنة الماضية": دلالة على أن صومه دون صوم يوم عرفة في ~~الفضيلة، وقد قيل في الحكمة في ذلك أن صوم عاشوراء منسوب إلى موسى - عليه ~~السلام - وصوم عرفة إلى نبينا - صلى الله عليه وسلم - فكان أفضل. # وقوله: "يكفر": المراد بالتكفير تكفير الذنوب الصغائر، كذا قيده جماعة من ~~المعتزلة وغيرهم، قال النووي (¬3): فإن لم تكن صغائر كفر من الكبائر، وإن ~~لم يكن كبائر كان زيادة في رفع الدرجات. # 522 - وعن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "من صام رمضان ثم أتبعه ستا من شوال كان كصيام الدهر" ~~رواه مسلم (¬4). PageV05P103 # الحديث فيه دلالة على استحباب صيام الستة الأيام المذكورة، وهو مذهب ~~جماعة منهم الشافعي وأحمد وأبو داود (أ)، وقال مالك وأبو حنيفة: يكره ذلك، ~~قال مالك في "الموطأ" (¬1) ما رأيت أحدا يصومها من أهل العلم فنكره صومها ~~لذلك، ولئلا يظن وجوبه. ويجاب عنه بأنه قد ثبت الدليل في ذلك، والأفضل أن ~~تكون الست متوالية، فإن فرقها الفضيلة لكونه قد أتبع ستا من شوال، وإنما ~~كان كصيام الدهر لأن الحسنة بعشرة أمثالها، فرمضان بعشرة أشهر والستة ~~بشهرين، وقد صرح بهذا في رواية النسائي (¬2). # وفي قوله: "ستا من شوال": ورد بصيغة المؤنث مع أن مميزه مذكر، ms0851 وهو الأيام ~~لأن اسم العدد إذا لم يصرح بمميزه من الأيام يجوز فيه الوجهان، منه قوله ~~تعالى: {أربعة أشهر وعشرا} (¬3) وإن صرح بالمميز فالتذكير لا غير. # 523 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ما من عبد يصوم يوما في سبيل الله إلا باعد الله بذلك ~~اليوم وجهه عن النار سبعين خريفا" متفق عليه واللفظ لمسلم (¬4). # الحديث فيه دلالة على فضيلة الصيام في سبيل الله، وهو محمول PageV05P104 # على ما لا يتضرر به، ولا يفوت به حق، ولا يختل بسببه القيام بواجب ~~كالجهاد والكسب على نفسه ومن يمونه (أ). # ومعنى المباعدة: السلامة من النار، إلا أنه كنى بذلك عنه، فإنه إذا كان ~~بين المذكور وبين النار المسافة (ب) المذكورة كان من لازمه السلامة منها، ~~وهو من باب تقريب ذلك إلى الأفهام بضرب المثل فيما يستعمل في المبالغة في ~~البعد، والمراد مسافة سبعين، والخريف مراد به العام (ج). # 524 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصوم حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم، وما رأيت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - استكمل (د) صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في ~~شهر أكثر منه صياما في شعبان" متفق عليه واللفظ لمسلم (¬1). # الحديث فيه دلالة على أن صوم النبي - صلى الله عليه وسلم - لم (ه) يكن ~~مختصا بشهر دون شهر. # وفي قولها: "حتى نقول لا يفطر": دلالة على مبالغة الصوم، وفي قولها "حتى ~~نقول لا يصوم": دلالة على مبالغة الإفطار، ولعل ذلك لما يعرض له - صلى الله ~~عليه وسلم - من الاشتغال بالأمور التي فضلها أعظم من الصوم. PageV05P105 # وفيه أيضا تيسير على أمته في التأسي به، وإن كان في ذاته - صلى الله عليه ~~وسلم - قد أعين على العبادة التي لا يقدر أن يقوم بها غيره، ولذلك أنه واصل ~~وقال أنه يطعم ويسقى. # وقولها: "وما رأيته في شهر .... " إلخ: دلالة على تخصيص شعبان بإيثاره ~~بزيادة الصوم فيه، ولفظ ms0852 "أكثر" منصوب مفعول ثان لرأيته وصياما على التمييز، ~~وإنما كان يخص شعبان بكثرة الصوم لأنه كان يشتغل عن صوم الثلاثة الأيام من ~~كل شهر لسفر أو غيره فتجتمع فيقضيها في شعبان، أشار إلى هذا ابن بطال. # وأخرج هذا الطبراني عن عائشة - رضي الله عنها -: "كان - صلى الله عليه ~~وسلم - يصوم ثلاثة أيام من كل شهر فربما أخر ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة ~~فيصوم شعبان" (¬1). # وفيه ابن أبي ليلى، وهو ضعيف. # وقيل: كان يصنع لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث أنس، قال: "سئل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أي الصوم أفضل بعد رمضان؟ قال: شعبان لتعظيم رمضان" (¬2). # أخرجه الترمذي وقال: غريب، وفيه صدقة بن موسى (¬3)، وهو عندهم ليس ~~بالقوي. # ومعارض بما رواه مسلم عن أبي هريرة مرفوعا: "أفضل الصوم بعد PageV05P106 # رمضان صوم المحرم" (¬1). # وقيل إنه كان يصومه لأن نساءه كن يؤخرن القضاء إلى شعبان فيصوم معهن لما ~~كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من المحافظة على مكارم الأخلاق من حسن ~~العشرة ومحبة الموافقة لمن صحبه وتيسير الكلفة عليه. # وقيل: كان يفعل فيه تطوع شهرين؛ لأنه لما كان صوم رمضان فرضا مانعا من ~~التطوع فيتطوع في شعبان. # وقيل: لأن الناس يغفلون في شعبان عن الصوم. # وقد أخرج النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة (¬2) عن أسامة بن زيد قال: ~~"قلت! يا رسول الله لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم في شعبان قال: ~~ذاك شهر يغفل الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب ~~العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم". # ويحمل الحديث على أنه لم يصم اليومين المتقدمين لرمضان، وأنه لم يصم من ~~منتصف شعبان، كما ورد النهي عن ذلك إلا أن يحمل النهي على من لم يكن قد صام ~~من أول الشهر، وأورد النووي (¬3)، لم (أ) إنه لم يكثر صوم المحرم مع كونه ~~أفضل، وأجاب بأن ما علم ذلك إلا في آخر عمره فلم يتمكن من كثرة الصوم فيه، ~~أو أنه كان يتفق له من ms0853 الأعذار ما لم يتفق في شعبان. # فائدة: يسمى شعبان بهذا الاسم لتشعبهم في طلب المياه، أو في PageV05P107 # المغارات بعد أن يخرج رحب المحرم. # 525 - وعن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: "أمرنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن نصوم من الشهر ثلاثة أيام: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" ~~رواه النسائي والترمذي وصححه ابن حبان (¬1). # وللحديث شواهد (أ) من حديث أبي هريرة، وفيه قصة قال: "إن كنت صائما فصم ~~الغر -أي البيض" أخرجه أحمد والنسائي وابن حبان (¬2)، وفي بعض طرقه عند ~~النسائي: "إن كنت صائما فصم البيض: ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة" (¬3). # في حديث (ب) قتادة بن ملحان عند أصحاب السنن بلفظ: "كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يأمرنا أن نصوم البيض ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة، ~~وقال (ج): هي كهيئة الدهر" (¬4). # وأخرج النسائي من حديث جرير مرفوعا: "صيام ثلاثة أيام من كل شهر صيام ~~الدهر، أيام (د) البيض صبيحة ثلاث عشرة" الحديث وإسناده PageV05P108 # صحيح (¬1). والحديث فيه دلالة على ندبية صوم الثلاثة الأيام المعينة، وقد ~~وردت أحاديث في صوم ثلاثة أيام من كل شهر مطلقة ومعينة فمنها ما رواه ابن ~~مسعود "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم ثلاثة أيام من غرة كل ~~شهر" أخرجه أصحاب السنن وصححه ابن خزيمة (¬2). # وأخرج مسلم من حديث عائشة قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يصوم من كل شهر ثلاثة أيام ما يبالي من أي الشهر صام" (¬3). # وأخرج أبو داود والنسائي من حديث حفصة: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام: الاثنين والخميس والاثنين من الجمعة ~~الأخرى" (¬4). # وهذه الأحاديث لا معارضة بينها، فإن وقوع ذلك جميعه ممكن مندوب إليه، وكل ~~حكى ما اطلع عليه، ولكن ما أمر به وحث عليه ووصى به أولى، وأما هو فلعله ~~كان يعرض له ما يشغله عن مراعاة ذلك، أو كان يفعل ذلك لبيان الجواز، وكل ~~ذلك في حقه أفضل، ويترجح البيض بكونها وسط الشهر، ووسط ms0854 الشيء أعدله، ولأن ~~الكسوف غالبا يقع فيها، وقد ورد الأمر بمزيد العبادة في الكسوف فإذا اتفق ~~الكسوف PageV05P109 # صادف الذي يعتاد صيام البيض صائما فيتهيأ له أن يجمع بين العبادات من ~~الصلاة والصيام والصدقة بخلاف من لم يصمها. # واعلم أن للعلماء في تعيين الثلاثة الأيام التي ندب صومها في كل شهر عشرة أقوال: # أحدها: لا يتعين ويكره تعيينها، وهذا عن مالك، وهو مثل حديث عائشة "ما ~~يبالي من أي الشهر صام" (¬1). # الثاني: ثلاثة أيام من أول الشهر؛ لأن المرء لا يدري ما يعرض له من ~~الاشتغال، وهو للحسن (أ) البصري. # الثالث: أولها الثاني عشر. # الرابع: أولها الثالث عشر. # الخامس: أولها السبت من أول شهر صام فيه ثم في الشهر الذي يليه يصوم من ~~أول ثلوث (ب)، وعلى هذا في سائر الشهور، وهو مروي عن عائشة مرفوعا. # السادس: أول خميس ثم اثنين ثم خميس. # السابع: أول اثنين ثم خميس ثم اثنين. # الثامن: أول يوم والعاشر والعشرون، وهو مروي عن أبي الدرداء. # التاسع: أول كل عشر، وهو مروي عن ابن شعبان من المالكية. # العاشر: آخر ثلاثة أيام من الشهر، وهو قول النخعي ليكون كفارة لما مضى. PageV05P110 # وفي كلام كثير من العلماء أن استحباب صيام ثلاثة أيام من كل شهر غير ~~استحباب صيام البيض، وقال (أ) الروياني: صيام ثلاثة أيام من كل شهر مستحب، ~~فإن اتفقت أيام البيض كان أحب. # 526 - وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحل ~~للمرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه" متفق عليه واللفظ للبخاري (¬1) زاد ~~أبو داود: "غير رمضان" (¬2). # الحديث فيه دلالة على أن حق الزوج مقدم على صوم التطوع كما في زيادة أبي ~~داود: "غير رمضان" يعني: وأما رمضان فإنه يجب عليها الصوم وإن كره الزوج، ~~ويقاس عليه قضاء الصيام، ولا يتعين عليها تأخيره إلى شعبان؛ لأن ذلك واجب ~~مطلق، وحق الزوج وإن كان واجبا في جميع الأوقات، ولكنه يخصص بغير تضايق ~~أوقات العبادات لعموم التكليف للمرأة والرجل، ولا طاعة لمخلوق في ms0855 معصية ~~الخالق. # قالوا: ولا يمنع الزوجة والعبد من واجب، وإن رخص فيه كالصوم في السفر ~~والصلاة أول الوقت فيخص النهي الوارد بصوم التطوع، فإن للزوج المنع، وظاهر ~~الحديث أنها لا يجوز (ب) لها الصوم، إلا بإذنه، فإذا صامت من غير إذن وإن ~~لم ينهها حرم عليها، وله المنع بعد الإذن؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أذن لعائشة وحفصة في الاعتكاف ثم منعهن (¬3)، وقد ذهب إلى هذا PageV05P111 # الشافعي والإمام يحيى. # ولا يقال هو إسقاط حق لا يصح الرجوع فيه لأن الحق متجدد هنا، وذاك فيما ~~لم يتجدد. # وذهبت الهادوية وأبو حنيفة ومالك (أ) إلى أنه ليس له الرجوع لأنه قد أسقط ~~حقه فإن أوجبت المرأة على نفسها صوما بإذن الزوج فكذا فيه الخلاف. # وقوله (ب): "وزوجها شاهد" أي حاضر. # 527 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - "نهي عن صيام يومين: يوم الفطر ويوم النحر" متفق عليه (¬1). # الحديث فيه دلالة على أن صوم يوم الفطر ويوم النحر منهي عنه، والنهي أصله ~~التحريم إلا أن تقوم قرينة على خلافه، وقد أشار في رواية عمر إلى علة ~~التحريم وهو قوله "يوم فطركم من صيامكم، واليوم الآخر تأكلون فيه من نسككم" ~~(¬2)، فقوله "يوم فطركم" إشارة إلى أن العلة في إفطاره هو الدلالة على تمام ~~فريضة الصيام فهو بمثابة التسليم في الصلاة، وكذلك قوله: "تأكلون فيه من ~~نسككم" إذ ذلك للتقرب بعبادة مشروعة في ذلك اليوم والصيام ينافيها فكان غير ~~محل للصوم، ومقتضى هذا أنه لا PageV05P112 # يصام فيهما تطوع ولا قضاء ولا نذر، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وذهب المؤيد ~~والإمام يحيى وأبو حنيفة وأصحابه إلى أن النهي للتنزيه، قالوا: فلو نذر ~~بصيامهما صامهما، ولا يصح القضاء فيهما لأن القضاء فيهما يكون ناقصا، ~~والفائت كامل ولا يجبر الكامل بالناقص بخلاف النذر، فإنه أوجبه، ناقصا فصح ~~أداؤه ناقصا على (أ) القول الأول إذا نذر بصيامهما فعند زيد بن علي ~~والهادوية يصوم غيرهما قدرهما أو عند الناصر والشافعي ومالك ms0856 والصادق ~~والإمامية لا ينعقد النذر فلا يصومهما ولا غيرهما، قالوا: لأنه نذر بمعصية، ~~وأجيب بأن ذلك حيث لا يمكن الوفاء إلا بالمعصية وهنا قد أمكن بغيرها، وظاهر ~~الكلام أن المتمتع أيضا لا يصح منه الصوم، وفي ظاهر عبارات بعض (ب) كتب ~~الهادوية ما يقضي بصحة صومهما في حق المتمتع، والله أعلم. # 528 - وعن نبيشة الهذلي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله عز وجل" رواه مسلم (¬1). # هو نبيشة -بضم النون وفتح الباء الموحدة وسكون الياء تحتها نقطتان، ~~وبالشين المعجمة- يقال له نبيشة الخير بن عمرو؛ لأنه دخل على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وعنده أسارى فقال: يا رسول الله: إما أن تفاديهم وإما أن ~~تمن عليهم، فقال له: أمرت بخير فأنت نبيشة الخير، وقيل هو: ابن عبد الله ~~الهذلي، روى عنه أبو المليح الهذلي وأبو قلابة الجرمي، يعد في البصريين PageV05P113 # وحديثه فيهم (¬1). # الحديث أخرجه أيضا مسلم من حديث كعب بن مالك (¬2)، وابن حبان من حديث أبي ~~هريرة (¬3)، والنسائي من حديث بشر بن سحيم (¬4)، ورواه أصحاب السنن وابن ~~حبان والحاكم من حديث عقبة بن عامر في حديث (¬5)، ورواه البزار (¬6) من ~~حديث عبد الله بن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيام التشريق ~~أيام أكل وشرب وصلاة فلا يصومها أحد". # وأخرج أبو داود عن عبد الله بن عمرو أنه دخل على أبيه فقرب إليه طعاما، ~~فقال: كل، قال: إني صائم، قال عمرو: كل، هذه الأيام التي كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يأمرنا بإفطارها وينهانا عن صيامها". قال مالك: وهي ~~أيام التشريق (¬7). # وأخرج الدارقطني من حديث عبد الله بن حذافة السهمي: "أيام أكل وشراب ~~وبعال" (¬8) وفيه الواقدي (¬9)، ولكنه متأيد بشواهد كثيرة بهذا اللفظ، PageV05P114 # وفي لفط زيادة: "نساء وبعال" والبعال يراد به مواقعة النساء. # الحديث فيه دلالة على كون أيام التشريق مقصورة على ما ذكر لا تتجاوزه إلى ~~غيره، والغير هنا إنما هو الصيام لكون القصر إضافيا فالنفي إنما هو ms0857 المغاير ~~المخصوص فيدل على تحريم صومها، وهو مصرح بالنهي عن صيامها كما عرفت في ~~الروايات الأخر. # وقد اختلف العلماء في النهي هل هو للتنزيه أو للتحريم، فذهب إلى التحريم ~~علي وعبد الله بن عمر (أ)، وهو المشهور عن الشافعي مطلقا، وذهب ابن عمر ~~وعائشة وعبيد بن عمير في آخرين إلى التحريم إلا للمتمتع الذي لا يجد الهدي، ~~وهو قول مالك والشافعي في القديم، وهو مذهب الهادوية، وذهب الأوزاعي وغيره ~~إلى أنه يصومها أيضا المحصر والقارن، فالأولون احتجوا بحديث نبيشة وغيره ~~وجعلوه مخصصا لعموم قوله تعالى: {ثلاثة أيام في الحج} (¬1) فإن الآية تشمل ~~ما قبل يوم النحر وما بعده، وهذه الأحاديث خصوص في أيام التشريق، وفيها ~~عموم من حيث شمولها الحاج وغيره فيرجح خصوصها لكونه مقصود بالدلالة على ~~أنها ليست محلا للصوم وأن ذاتها باعتبار ما هي مؤهلة له كأنها منافية للصوم. # وحجة القول الثاني عموم الآية الكريمة وما أخرجه البخاري عن عروة عن ~~عائشة، وعن سالم عن ابن عمر قالا (ب): "لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن ~~إلا لمن لم يجد الهدي" (¬2) ويرخص بصيغة المجهول، وهذه PageV05P115 # العبارة اختلف علماء الحديث والأصول في أن لها حكم الرفع أو لا؟ على ~~ثلاثة أقوال ثالثها: إن أضاف ذلك إلى عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فله ~~حكم الرفع، وإن لم فلا، وقد وقع عند الدارقطني والطحاوي (¬1) بإسناد ضعيف ~~التصريح بالرفع لفظ: رخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للمتمتع إذا لم ~~يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق". # وحجة القول الثالث كالثاني، فإن المحصر حكمه حكم المتمتع. # وأخرج البخاري عن غيره "أن عائشة كانت تصوم أيام منى وكان أبوها يصومها" (¬2). # والظاهر أن ذلك في غير الحج، وذهب المؤيد بالله وأبو العباس والمرتضى إلى ~~أن النهي للتنزيه فيها لا للتحريم، قالوا: لأن النهي ليس لذات الصوم، وإنما ~~هو لأمر آخر وهو أنه متضمن رد كرامة الله تعالى بالأكل وغيره، وهو احتجاج ~~في غاية الضعف، فإن هذا التعليل هو مناسب للتحريم، وأيضا فإن النهي ظاهر ms0858 في ~~التحريم لا يصرف عنه إلا لقرينة، ولو احتجوا بما روي من فعل عائشة وأبيها، ~~وأن فعلهما مع معرفتهما قرينة بأن النهي مقترن بما يدل على أنه ليس للتحريم ~~وإن لم ينقل ذلك حملا لهما على أنهما لعلمهما وأخصيتهما (1) بالنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يفعلان ذلك إلا لقرينة قوية تصرف النهي عن ظاهره لكان ~~سديدا، والله أعلم. # وأيام التشريق هي الثلاثة الأيام بعد النحر، قال المصنف -رحمه الله ~~تعالى: "لأن يوم النحر لا يصام بالاتفاق، وصيام التشريق مختلف فيه" PageV05P116 # كذا قال، وهو احتجاج ركيك، وأظهر منه ما روي عن علي - رضي الله عنه - في ~~صيامها للمتمتع قال: "يتسحر ليلة الحصبة ويصوم الثلاثة أيام" وليلة الحصبة ~~هي ليلة ثاني النحر، وسميت بذلك لأنها ترمى في يومها الجمار الثلاث. # وفي "شمس الأخبار" أيضا: "نهي عن صيام ستة أيام" يعني يوما قبل شهر ~~رمضان، ويوم الفطر، ويوم النحر، وثلاثة أيام التشريق، فعطف أيام التشريق ~~على يوم النحر، والعطف يقتضي المغايرة. # أخرجه .... (أ). # وسميت أيام التشريق لأن لحوم الأضاحي تشرق فيها أي تنشر في الشمس (ب ~~وقيل: لأن الهدي لا ينحر حتى تشرق الشمس، وقيل: لأن صلاة العيد تقع عند ~~شروق الشمس ب)، وقيل: التشريق: التكبير دبر كل صلاة. # واختلف فيها هل هي يومان بعد النحر أو ثلاث (¬1)؟ والخلاف في صحة القضاء ~~فيها، وحكم النذر بصيامها ما تقدم في يوم العيدين. # 529 - وعن عائشة - رضي الله عنها - وابن عمر - رضي الله عنه - قالا: "لم ~~يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي" رواه البخاري (¬2) ~~تقدم الكلام على هذا. PageV05P117 # 530 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال "لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة ~~بصيام من بين الأيام إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم" رواه مسلم (¬1). # الحديث فيه دلالة على كراهة اختصاص ليلة الجمعة بصلاة زائدة على ليالى ~~الأسبوع، وهذا متفق على كراهته، واحتج به العلماء على كراهة الصلاة ms0859 ~~المبتدعة في أول ليلة جمعة (أ) من شهر رجب المسماة بصلاة الرغائب (¬2)، وقد ~~صنف جماعة من العلماء مصنفات نفيسة في تقبيحها وتضليل مصليها ومبتدعها، ~~ودلائل قبحها وبطلانها وتضليل فاعلها أكثر من أن يحصى، كذا ذكره النووي (¬3). # وفيه دلالة على منع الصوم في يوم الجمعة مفردا عن غيره، وقد اختلف ~~العلماء في ذلك فنقل ابن المنذر وابن حزم منع صومه عن علي وأبي هريرة ~~وسلمان وأبي ذر، قال ابن حزم: ولا نعلم لهم مخالفا (ب) من الصحابة (¬4). # وقال ابن المنذر: ثبت النهي عن منع الصوم يوم الجمعة كما ثبت عن صوم يوم العيد. # وقال أبو جعفر الطبري: يفرق بين العيد والجمعة بأن الإجماع منعقد PageV05P118 # على تحريم صوم العيد، ولو صام قبله أو بعده. # وذهب الجمهور إلى أن النهي فيه لتنزيه، وعن مالك وأبي حنيفة أنه لا يكره، ~~قال مالك: لم أسمع أحدا ممن يقتدى به ينهى عنه. # قال الداودي: لعل النهي لم يبلغ مالكا، وفي كلام عياض (¬1) أنه قد يفهم ~~من كلام مالك كراهة صومه؛ لأنه قال: يكره أن يخص يوم من الأيام بالعبادة، ~~فيكون له في المسألة روايتان. # واستدل الحنفية بحديث ابن مسعود - رضي الله عنه -: "كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وقل ما كان يفطر يوم الجمعة" ~~(¬2) حسنه الترمذي، وهو يحتمل أنه كان يصومه مع ما قبله أو بعده، وبعضهم ~~عده من الخصائص، وهو بعيد. # واختلف النقل عن الشافعي، فنقل عنه المزني أنه لا يكره إلا لمن أضعفه ~~صومه عن العبادة التي تقع فيه من الصلاة والدعاء والذكر، والرواية الأخرى ~~كقول الجمهور، وهو الذي صححه المتأخرون. # واختلف في علة النهي عن إفراده بالصوم على أقوال: # أحدها: لكونه يوم عيد، والعيد لا يصام، وقد دل على هذا ما رواه أبو هريرة ~~مرفوعا: "يوم الجمعة يوم عيدكم" (¬3) وأخرج ابن أبي شيبة بإسناد حسن عن علي ~~قال: "من كان منكم متطوعا من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم (أ) يوم ~~الجمعة فإنه يوم طعام وشراب ms0860 وذكر" (¬4). PageV05P119 # ولا يلزم منه مساواته للعيد في التحريم إذ هو مشبه، ويحتمل المبالغة في ~~التشبيه بأن كراهته قريب من التحريم في الاجتناب. # ثانيها: لئلا يضعف عن سائر أنواع العبادة، واختاره النووي (¬1)، وتعقب ~~بأن ذلك حاصل، ولو صام قبله أو بعده، وأجيب بأنه قد حصل الجبر لما فات من ~~الفضائل بصوم ما قبله أو بعده وقد يورد عليه بأن الخبر لا ينحصر في الصوم ~~بل يمكن تغيره من سائر أنواع الخير فيلزم أن من فعل في يوم الجمعة عملا ~~صالحا وصام أنه ينجبر به الصوم، ولا قائل بذلك. # ثالثها: خوف المبالغة في تعظيمه فيحصل بذلك الابتداع، وهو منتقض بثبوت ~~تعظيمه بغير الصيام. # رابعها: خوف اعتقاد وجوبه، وهو منتقض بصوم الاثنين والخميس. # خامسها: خشية أن يفرض عليهم كما خشى - صلى الله عليه وسلم - من قيامهم ~~الليل، ذلك قاله المهلب، وهو منتقض مع صوم قبله أو بعده. # سادسها: مخالفة النصارى لأنه يجب عليهم صومه ونحن مأمورون بمخالفتهم، ~~نقله القمولي وهو ضعيف. # 531 - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوما قبله أو يوما بعده" متفق عليه (¬2). # تقدم الكلام عليه، وفي الباب من حديث جويرية "أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - دخل عليها في يوم الجمعة وهي صائمة فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: ~~لا، قال: تريدين أن تصومي غدا؟ قالت: لا، قال: فأفطري" PageV05P120 # رواه البخاري وأحمد وأبو داود (¬1). # 532 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "وإذا انتصف شعبان فلا تصوموا" رواه الخمسة واستنكره أحمد (¬2). # الحديث هو من رواية العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة قال، قال ~~أبو داود: "رواه الثوري وشبل بن العلاء وأبو عميس وزهير بن محمد عن العلاء" ~~(¬3)، قال أبو داود: "وكان عبد الرحمن لا يحدث به، قلت لأحمد: لم؟ قال: ~~لأنه كان عنده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصل شعبان برمضان، وقال ~~عن النبي - صلى ms0861 الله عليه وسلم - خلافه". # قال أبو داود: ليس هذا عندي خلافه (3). # لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصوم الشهر من أوله كاملا كما في رواية ~~أبي سلمة "أنه لم يكن يصوم من السنة شهرا تاما إلا شعبان يصله برمضان" ~~أخرجه أبو داود (¬4). # والمنهي عنه أنما هو ابتداء الصوم من النصف فما بعده فلم يكن بين PageV05P121 # الحديثين مخالفة، ولذلك قال أبو داود: و (أ) ليس هذا عندنا خلافه ولم ~~يجيء به غير العلاء عن أبيه، وصح الحديث ابن حبان وخيره (¬1)، وقال ابن ~~معين: هو منكر. # والحديث فيه دلالة على أن الصوم بعد انتصاف شعبان منهي عنه، وقد اختلف ~~العلماء في ذلك، فقطع كثير من الشافعية بتحريمه لهذا الحديث، وحديث: "لا ~~تقدموا رمضان بيوم أو يومين" (¬2) إنما هو لأن ذلك الغالب فيمن يقصد ~~استقبال الشهر بالصيام. # وقال الروياني: يحرم التقدم بيوم أو يومين، ويكره من نصف شعبان، وذهب من ~~عداهم إلى عدم الكراهة، وصرح الإمام المهدي في "البحر" (¬3) لمذهب الهادوية ~~إلى أنه مندوب، وتأول حديث النهي عمن أضعفه الصوم، وقد سبقه إلى ذلك ~~الطحاوي، وقال: وحديث التقدم بيوم أو يومين لمن يحتاط بزعمه لرمضان لا مطلق ~~التطوع، والله أعلم. # 533 - وعن الصماء بنت بشر أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ~~تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو ~~عود شجرة فليمضغها" رواه الخمسة (¬4)، ورجاله ثقات، إلا PageV05P122 # أنه مضطرب، وقد أنكره مالك، وقال أبو داود: هو منسوخ (¬1). # هي الصماء بنت بشر -بالصاد المهملة، وبشر بضم الباء المازنية، يقال إن ~~الصماء لقب، واسمها بهية -بضم الباء الموحدة وفتح الهاء وتشديد الياء ~~الثناة من تحت-، ويقال اسمها بهيمة بزيادة الميم، وهي أخت عبد الله بن بشر (¬2). # الحديث أعل بالمعارضة للحديث الآتي عن أم سلمة، وبالاضطراب أيضا؛ لأنه ~~قيل فيه إنه رواه عبد الله بن بشر عن أخته الصماء، وقيل عن عبد الله بن بشر ~~وليس فيه أخته الصماء، وهذه (أ) رواية بن حبان (¬3)، وهذه العلة ms0862 ليست ~~بقادحة فإنه صحابي، وقيل عنه عن أبيه بشر، وقيل عنه عن الصماء عن عائشة. # قال النسائي: هذا حديث مضطرب. # قال المصنف (¬4) -رحمه الله تعالى-: ويحتمل أن يكون عبد الله عن أبيه وعن ~~أخته (ب وعند أخته ب) بواسطة، وهذه طريق من صححه، ورجع عبد الحق الطريق ~~الأولى، وتبع في ذلك الدارقطني، لكن هذا التلون في الحديث الواحد بالإسناد ~~الواحد مع اتحاد المخرج يوهن الرواية وينبئ بقلة ضبطه، إلا أن يكون من ~~الحفاظ المكثرين المعروفين بجمع طرق الحديث، فلا يكون ذلك دالا على قلة ~~ضبطه، وليس الأمر هنا كذا بل اختلف فيه PageV05P123 # أيضا على الراوي عبد الله بن بشر. # وقوله: "وقد أنكره مالك" صرح أبو داود عن مالك بأنه قال: هذا كذاب. # وقولة: "وقال أبو داود (¬1): هو منسوخ"، لعله أخذه من كونه - صلى الله ~~عليه وسلم - كان يحب موافقة أهل الكتاب في أول الأمر، ثم في آخر الأمر قال ~~"خالفوهم". # والنهي عن صوم يوم السبت يوافق الحالة الأولى لأنه كان يوم عيد عندهم، ~~وصيامه إياه موافق الحالة الثانية، وهي مخالفتهم، وهذا صورة النسخ، والله ~~أعلم، كذا قال المصنف رحمه الله تعالى (¬2). # وقال الحاكم: بل الجمع ممكن بين صيامه والنهي عنه، وهو أن النهي عن ~~إفراده، والصوم له مع ما قبله أو بعده، والأولى أن يقال أن المعارضة حاصلة ~~بسرده - صلى الله عليه وسلم - للصوم في شعبان وأنه كان يصوم حتى نقول لا ~~يفطر كما في حديث عائشة وابن عباس، والنهي عن صوم السبت مطلق غير مشروط ~~بالإفراد كما في الجمعة، وهذا معارض، ولعل الحكم بأن هذا ناسخ أولى، وقد ~~أشار إلى هذا في السنن أيضا، فإنه قال نسخه حديث جويرية، وهو أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال "صمت أمس؟ قالت: ~~لا، قال: تريدين أن تصومي غدا" الحديث وقد تقدم فإنه يدل على عدم النهي عن ~~صومه مع غيره (¬3). # وأقول: أصرح في دعوى النسخ من هذا جميعه حديث أم سلمة الآتي. PageV05P124 # 435 - وعن أم ms0863 سلمة - رضي الله عنها -: "أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أكثر ما كان يصوم من الأيام السبت ويوم الأحد، وكان يقول: إنهما ~~يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم" أخرجه النسائي وصححه ابن خزيمة، ~~وهذا لفظه، وأخرجه البيهقي، وأخرجه الحاكم (¬1) بإسناد صحيح عن كريب أن ~~ناسا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثوه إلى أم سلمة يسألها ~~(أ) عن الأيام التي كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكثر لها صياما، ~~فقالت: يوم السبت والأحد فرجعت إليهم فقاموا بأجمعهم إليها فسألوها فقالت: ~~صدق، وكان يقول: "إنهما يوما عيد للمشركين، فأنا أريد أن أخالفهم". # وأخرج الترمذي من حديث عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر ~~الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس" (¬2). # والحديث فيه دلالة على عدم كراهة صوم السبت لا سيما مع كثرة صيامه له، بل ~~يدل على الاستحباب، ولا سيما مع تعليله بمخالفة أهل الكتاب، وظاهره مفردا ~~أو مضموما إليه غيره، والله أعلم. # 535 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -: "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهي عن صوم يوم عرفة (ب) بعرفة" رواه الخمسة غير الترمذي، وصححه PageV05P125 # ابن خزيمة والحاكم، واستنكره العقيلي، وأخرجه البيهقي أيضا (¬1). # وفي إسناد الحديث مهدي الهجري ضعفه العقيلي وقال: لا يتابع عليه، والراوي ~~عنه أيضا حوشب بن عقيل مختلف فيه (¬2). # قال المصنف -رحمه الله تعالى-: قد صححه ابن خزيمة ووثق مهديا المذكور ابن ~~حبان. انتهى. # قال العقيلي: وقد روى (أعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أ) بأسانيد جياد ~~أنه لم يصم يوم عرفة بها، ولا يصح النهي عنه عن صيامه (ب)، انتهى (¬3). # أما إنه لم يصم - صلى الله عليه وسلم - بعرفة فقد أخرج البخاري من طريقين ~~(¬4)، ولكن تركه - صلى الله عليه وسلم - لصومه لا يدل على النهي عن الصوم ~~ولا على استحبابه، إذ قد يترك الشيء المستحب لبيان الجواز، ويكون في حقه ~~أفضل لبيان الشرعية ولكن هذا حديث أبي هريرة يدل ms0864 على أنه منهي عنه، وظاهر ~~النهي التحريم، وقد ذهب إلى ظاهره يحيى بن سعيد الأنصاري وقال: يجب إفطاره ~~للحاج، وعن جماعة من الصحابة منهم الزبير وأسامة بن زيد وعائشة أنهم كانوا ~~يصومونه وكان ذلك يعجب الحسن ويحكيه عن PageV05P126 # عثمان. # وقال قتادة: لا بأس به إذا لم يضعف عن الدعاء. ونقله البيهقي في ~~"المعرفة" عن الشافعي في القديم، واختاره الخطابي والمتولي من الشافعية، ~~وقال الجمهور: يستحب فطره حتى قال عطاء: من أفطره ليتقوى به [على] (أ) ~~الذكر كان له مثل أجر الصائم. # وقال الطبري: إنما أفطر النبي - صلى الله عليه وسلم - بعرفة ليدل على ~~الاختيار للحاج لئلا يضعف عن الدعاء والذكر المطلوب يوم عرفة، وقيام إنما ~~أفطر لموافقته يوم الجمعة، وقد نهى عن إفراده بالصوم، وهو بعيد، وقيل: إنما ~~كره صوم يوم عرفة لأنه يوم عيد لأهل الموقف لاجتماعهم فيه، ويؤيده ما رواه ~~أصحاب السنن عن عقبة بن عامر مرفوعا: "يوم عرفة ويوم النحر وأيام منى عيدنا ~~أهل الإسلام" (¬1)، وهذا يؤيد القول بوجوب إفطاره لذكره مع ما يجب إفطاره، ~~والله أعلم. # 536 - وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا صام من صام الأبد" متفق عليه (¬2)، ولمسلم عن أبي ~~قتادة بلفظ: "لا صام ولا أفطر" (¬3). # قوله: "لا صام من صام الأبد" أي: الدهر مستمرا "لا" (ب) ظاهرها PageV05P127 # الدعاء عليه بعدم القدرة على الصوم، ويحتمل أن معناها (أالنفي الذي هو ~~أصلها كقوله تعالى: {فلا صدق ولا صلى} (¬1) أي: ما صام، والمعنى أنه لم ~~يحصل له فضيلة الصوم، ويدل عليه رواية أبي (ب) قتادة فإن المعنى فيها أنه ~~لم يحصل له فضيلة الصوم ولا راحة الإفطار، وفي رواية: "ما صام ولا أفطر" ~~(¬2)، وفي رواية الترمذي: "لم يصم ولم يفطر" (¬3)، وهي تفسر معنى النفي. # وقد اختلف العلماء في صوم الدهر، فذهب إسحاق وأهل الظاهر، ورواية عن أحمد ~~إلى كراهته، قال ابن العربي (¬4): قوله "لا صام من صام الأبد" إن كان معناه ~~الدعاء فيا ويح من ms0865 دعا عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإن كان معناه ~~الخبر فيا ويح من أخبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لم يصم، وإذا ~~لم يصم شرعا فكيف يكتب له الثواب، وظاهر هذا أنه ذهب إلى الكراهة مطلقا. # وقال ابن حزم (¬5) أنه يحرم بهذا وبما أخرج ابن أبي شيبة (¬6) بإسناد ~~صحيح قال: "بلغ عمر أن رجلا يصوم الدهر فأتاه فعلاه بالدرة، وجعل يقول: "كل ~~يا دهر"، وأن عبد الرحمن بن أبي نعيم كان يصوم الدهر، فقال عمرو (ج) بن ~~ميمون: لو رأى هذا أصحاب محمد لرجموه (¬7). PageV05P128 # وبحديث أبي موسى رفعه: "من صام الدهر ضيقت عليه جهنم وعقد بيده" أخرجه ~~أحمد والنسائي وابن خزيمة وابن حبان (¬1)، ومعناه أنها تضيق عليه حصرا له ~~فيها لتشديده (أ) على نفسه وحمله عليها ورغبته عن سنة نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم - واعتقاده أن غير سنته أفضل منها، وهذا يقتضي الوعيد الشديد فيكون حراما. # وذهب آخرون إلى جواز صيام الدهر وحملوا أحاديث النهي على من صام ذلك مع ~~العيدين والتشريق وهو اختيار ابن المنذر وروي عن عائشة نحوه، وفيه نظر فإن ~~قول النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك لابن عمرو على ما تدل عليه القصة ليس ~~لأجل ما ذكر، وإنما هو لتفويت الحقوق التي ينبغي من الإنسان القيام بها ~~المشروعة المتعلقة بالبدن، وبرعاية حقوق الغير من الزوجة والزائر والصديق، ~~والزجر (ب) عن التعمق في العبادة التي يخشى منها الحال المنافي للشريعة ~~السهلة السمحة التي تفضل الله على الأمة في شرعها برفع الحرج والإصر. # وذهب الجمهور إلى استحباب صيام الدهر لمن قوي عليه، ولم يفوت حقا. # قال السبكي (¬2): ويتجه التفصيل في الحق الذي قالوا وهو أنه إذا كان ~~واجبا حرم الصوم، وإن كان مندوبا كره الصيام وأشار إلى هذا ابن خزيمة، PageV05P129 # وأجابوا عن حديث أبي موسى بأن معنى "ضيقت عليه": ضيقت عنه، حكاه الأثرم ~~عن مسدد، وحكى رده عن أحمد، وقال ابن خزيمة (¬1): سألت المزني عنه فقال: ~~يشبه أن يكون معناه ضيقت عنه فلا يدخلها، ولا ms0866 يشبه أن يكون على ظاهره؛ لأن ~~من ازداد (أ) لله عملا صالحا ازداد رفقة وكرامة، ورجح هذا التأويل الغزالي ~~(¬2)، ويجاب عنه بأنه مع النهي عنه ليس من العمل الصالح، فإن العمل الصالح ~~ما وافق شرع، وما عداه غلو مردود {ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير ~~الحق} (¬3). # واحتجوا بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - شبه صوم أيام البيض وست من ~~شوال مع رمضان بصوم الدهر (¬4)، فلولا أن صائمه يستحق الثواب لما شبه به. # وأجيب بأن ذلك على تقدير مشروعيته فقد أغنى عنه كما أغنت الخمس الصلوات ~~عن الخمسين الصلاة التي قد كانت فرضت مع أن مصليها لوجوبها لا يستحق ثوابا ~~بل عقابا. # وقد ورد في صوم الدهر من حديث أبي هريرة: "من صام الدهر فقد وهب نفسه لله ~~عز وجل" أخرجه أبو الشيخ (¬5)، والله أعلم. # فائدة: لم يذكر المصنف -رحمه الله- في فضل صوم رجب شيئا ولعله لضعف ~~الأحاديث الواردة في ذلك، كما حكى السبكي في PageV05P130 # "الطبقات" (¬1) في ترجمة محمد بن منصور السمعاني أنه قال: "لم يرد في ~~استحباب صوم رجب على التخصيص سنة ثابتة، والأحاديث التي تروى فيه واهية لا ~~يفرح بها عالم، وهذا كلام صحيح، ولكن لا يوجب التزهيد في صومه ففضل الصوم ~~من حيث الإطلاق ثابت، وفي سنن أبي داود (¬2) وغيرها في صوم الأشهر الحرم ما ~~يكفي في قيام السنة على الترغيب في صومه"، انتهى. # وقد أخرج الطبراني (¬3) عن سعيد بن أبي سعيد بن أبي راشد قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "رجب شهر عظيم يضاعف الله فيه الحسنات، فمن صام يوما من رجب ~~فكأنما صام سنة، ومن صام منه سبعة أيام غلقت سبعة أبواب جهنم، ومن صام منه ~~ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام عشرة لم يسأل الله شيئا ~~إلا أعطاه، ومن صام منه خمسة عشر يوما نادى مناد من السماء قد غفر لك ما ~~مضى فاستأنف العمل، ومن زاد زاده الله، وفي رجب حمل الله نوحا في السفينة ~~فصام رجب، وأمر من معه أن ms0867 يصوموا فجرت بهم السفينة ستة أشهر آخر ذلك يوم ~~عاشوراء أهبط على الجودي فصام نوح ومن معه والوحش شكرا لله عز وجل، وفي يوم ~~عاشوراء فلق الله البحر لبني إسرائيل، وفي يوم عاشوراء تاب الله على آدم ~~وعلى مدينة يونس، وفيه ولد إبراهيم". # وأخرج أبو محمد الحسن بن محمد الخلال في "فضائل رجب" عن أبي سعيد أنه قال ~~- صلى الله عليه وسلم -: "رجب من شهور الحرم، وأيامه مكتوبة على PageV05P131 # أبواب السماء السادسة، فإذا صام الرجل منه يوما وجد صومه بتقوى الله نطق ~~الباب ونطق اليوم وقالا: يا رب اغفر له، وإذا لم يتم صمومه بتقوى الله لم ~~يستغفرا وقيل: خدعتك نفسك". # وأخرج أبو الفتح ابن أبي الفوارس في "أماليه" عن الحسن مرسلا أنه قال - ~~صلى الله عليه وسلم -: "رجب شهر الله، وشعبان شهري، ورمضان شهر أمتي" (¬1). # وأخرج الخطيب عن أبي ذر: "من صام يوما من (أ) رجا عدل صيام شهر، ومن صام ~~منه سبعة أيام غلقت عنه أبواب جهنم السبعة (ب ومن صام منه ثمانية أيام (ج) ~~فتحت له أبواب الجنة الثمانية، ومن صام منه عشرة أيام بدل الله سيئاته ~~حسنات ب)، ومن صام منه عشرة أيام نادى مناد إن الله قد غفر لك ما مضى ~~فاستأنف العمل" (¬2). # وأخرج أبو نعيم وابن عساكر عن ابن عمر (د أنه قال - صلى الله عليه وسلم - ~~د) "ومن (ه) صام أول يوم من رجب عدل ذلك بصيام سنة، ومن صام سبعة أيام أغلق ~~عنه سبعة أبواب النيران، ومن صام من رجب عشرة أيام نادى مناد من السماء أن ~~سل تعطه". # وأخرج البيهقي عن أنس أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "من صام يوما من ~~رجب PageV05P132 # كان كصيام سنة، ومن صام سبعة أيام غلقت عنه سبعة أبواب جهنم ومن صام ~~ثمانية أيام فتحت له ثمانية أبواب الجنة، ومن صام عشرة أيام لم يسأل الله ~~شيئا إلا أعطاه، ومن صام خمسة عشر يوما ناد مناد من السماء قد غفرت لك ما ~~سلف، فاستأنف العمل، قد ms0868 بدلت سيئاتك حسنات، ومن زاد زاده الله، وفي رجب حمل ~~نوح في السفينة فصام نوح، وأمر من معه أن يصوموا، وجرت بهم السفينة ستة ~~أشهر إلى آخر ذلك لعشر خلون من المحرم". # فهذه الأحاديث بعضها يقوي بعضا، والله أعلم. # اشتمل هذا الباب على ستة عشر حديثا. PageV05P133 ### || AUTO باب الاعتكاف وقيام رمضان # الاعتكاف لغة: لزوم الشيء وحبس النفس عليه (¬1). وشرعا (¬2): القيام في ~~المسجد من شخص مخصوص على صفة مخصوصة. # وليس بواجب إجماعا إلا على من نذره، وكذا من شرع فيه فقطعه عامدا عند قوم. # وقيام رمضان: المراد قيام لياليه مصليا، والمراد من قيام الليل ما يحصل ~~به مطلق القيام، وليس من شرطه استغراق جميع أوقات الليل، ولعل المراد أن ~~يكون في أكثر الليل، وذكر النووي أن قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح، يعني ~~أنه يحصل بها المطلوب من القيام لا أن (أ) قيام رمضان لا يكون إلا بها. # وأغرب الكرماني فقال: اتفموا على أن المراد بقيام رمضان صلاة التراويح، ~~واختلف في شرط الصوم له، وانفرد سويد بن غفلة باشتراط الطهارة له، ولا خلاف ~~في شرعيته إلا ما روي عن مالك أنه كره الدخول فيه مخافة ألا يوفي شروطه. # 537 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه" متفق عليه ~~(¬3). PageV05P135 # قوله: "من قام رمضان" قد عرفت معنى القيام. # وقوله: "إيمانا" أي تصديقا بوعد الله بالثواب. # "واحتسابا": أي طلبا للأجر، أي لا لقصد آخر من رياء أو غيره. # وقوله: "غفر له" ظاهره يتناول الصغائر والكبائر، وبه جزم ابن المنذر، ~~وقال النووي (¬1): المعروف أنه مختص بالصغائر، وبه جزم إمام الحرمين، وعزاه ~~عياض لأهل السنة. # قال بعضهم: ويجوز أن يخفف من الكبائر إذا لم تصادف صغيرة، وقد تقدم مثل ~~هذا في صوم يوم عرفة مع زيادة. # وقوله: "ما تقدم من ذنبه" وعند النسائي بزيادة: "وما تأخر"، وقد أخرج هذه ~~الزيادة جماعة من حديث سفيان بن عيينة. وأخرجها أحمد من ms0869 طريق أخرى، وأخرجت ~~من طريق مالك تفرد بها بحر بن نصر عن ابن وهب عن مالك ولم يتابعه عليها أحد ~~من أصحاب ابن وهب ولا من أصحاب مالك. # قال المصنف -رحمه الله تعالى-: "وقد ورد في غفران ما تقدم وما تأخر من ~~الذنوب عدة أحاديث جمعتها في كتاب مفرد" (¬2). # وقد أورد على هذا بأن غفران ما تقدم معقول، ولا يعقل غفران ما تأخر فإن ~~المغفرة تستدعي سبق شيء. # ويجاب عنه بأن ذلك كناية عن عدم وقوع الذنب منهم في المستقبل، وأجاب ~~الماوردي بأنها تقع منهم الذنوب مغفورة، والله أعلم. # والحديث فيه دلالة على فضيلة قيام رمضان، وتأكد شرعيته، وهو PageV05P136 # يحصل بصلاة التراويح، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلاها بهم ثلاث ~~ليال وترك في الليلة الرابعة خشية أن يفرض، كما أخرجه البخاري (¬1)، واستمر ~~الأمر على ذلك في زمنه - صلى الله عليه وسلم - وفي خلافة أبي بكر وصدرا من ~~خلافة عمر حتى خرج (أ) عمر إلى المسجد في ليلة فإذا الناس أوزاع متفرقون، ~~يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو ~~جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرج ~~ليلة والناس يصلون بصلاة قارئهم فقال عمر: نعم البدعة هذه، والتي ينامون ~~عنها أفضل من التي يقومون -يريد آخر الليل- وكان الناس يقومون أوله، أخرجه ~~البخاري (¬2). # وقد أفهم البخاري أن قيام رمضان يحصل بصلاة التراويح، وقد اختلف العلماء ~~في أن صلاتها أفضل في البيوت أو في المسجد فجنح الجمهور إلى أن صلاتها في ~~المسجد أفضل كما اختاره عمر لزوال العلة التي اقتضت أن لا يصلى في المسجد ~~في أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو خشية الفريضة. # وعن مالك في أحد الروايتين وأبي يوسف وبعض الشافعية الصلوات في البيوت ~~أفضل عملا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا ~~المكتوبة" وهو حديث صحيح أخرجه مسلم (¬3). # وبالغ الطحاوي فقال: إن صلاة التراويح في الجماعة واجبة على الكفاية. PageV05P137 # وقال ms0870 ابن بطال: قيام رمضان سنة لأن عمر إنما أخذه من فعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وإنما تركه النبي - صلى الله عليه وسلم - خشية الافتراض. # وعند الشافعية في أصل المسألة ثلاثة أوجه، ثالثها: من كان يحفظ القرآن ~~ولا يخاف من الكسل، ولا تختل الجماعة في المسجد بتخلفه وصلاته (أ) في ~~الجماعة والبيت سواء، فمن فقد بعض ذلك فصلاته في الجماعة أفضل. # وقد اختلفت الروايات في القدر الذي كان يصلي به أبي بن كعب، ففي الموطأ ~~(¬1) أنه إحدى عشرة، ورواه سعيد بن منصور من وجه آخر وزاد فيه "وكانوا ~~يقرؤن بالمئين ويقومون على العصا من طول القيام". # وروى محمد بن نصر المروزي أنها إحدى وعشرون، وروى مالك من طريق أخرى أنها ~~عشرون ركعة (¬2)، وهذا محمول على غير الوتر. وعن يزيد بن رومان قال: "كان ~~الناس يقومون في زمن عمر بثلاث وعشرين" (¬3). # روى محمد بن نصر من طريق عطاء قال: "أدركتهم في رمضان يصلون عشرين ركعة ~~وثلاث ركعات الوتر" والجمع بين هذه الروايات ممكن باختلاف الأحوال، ويحتمل ~~أن ذلك الاختلاف بحسب تطويل القراءة وتخفيفها، فحيث تطول القراءة تقل ~~الركعات وبالعكس، وبذلك جزم الداودي وغيره، والاختلاف فيما زاد على العشرين ~~راجع إلى الاختلاف في الوتر، فكان تارة يوتر بواحدة وتارة يوتر بثلاث. PageV05P138 # وروى محمد بن نصر من طريق داود بن قيس قال: أدركت الناس في إمارة أبان بن ~~عثمان وعمر بن عبد العزيز يعني بالمدينة يقومون بست وثلاثين ركعة ويوترون بثلاث. # وقال مالك: الأمر عندنا بتسع وثلاثين وبمكة بثلاث وعشرين وليس في شيء من ~~ذلك ضيق، وعنه قال: إن أطالوا القيام وأقلوا السجود فحسن، وإن أكثروا ~~السجود وأخفوا القراءة فحسن والأول أحب إلي: # وقال الترمذي: "أكثر ما قيل أنها تصلى إحدى وأربعين ركعة بركعة الوتر" ~~(¬1)، كذا قال. # وقد نقل ابن عبد البر عن الأسود بن يزيد أربعين، ويوتر بسبع، وقيل ثمان ~~وثلاثين ذكره محمد بن نصر عن ابن يونس عن مالك، وهذا يمكن رده إلى الأول ~~بانضمام ثلاث الوتر، لكن صرح في روايته ms0871 بأنه يوتر بواحدة فتكون أربعين إلا واحدة. # قال مالك: وعلى هذا العمل منذ بضع ومائة سنة، وعن مالك ستا وأربعين وثلاث ~~الوتر، وهذا (أ) المشهور عنه، وقد رواه ابن وهب عن العمري عن نافع قال: لم ~~أدرك الناس إلا وهم يصلون تسعا وثلاثين ويوترون منها بثلاث. # وعن زرارة بن أوفى أنه كان يصلي بهم بالبصرة أربعا وثلاثين ويوتر. # وعن سعيد بن جبير أربعا وعشرين، وقيل ست عشرة غير الوتر، روي عن أبي محمد ~~عن محمد بن نصر. PageV05P139 # وأخرج من طريق محمد بن إسحاق حدثني محمد بن يوسف عن جده السائب بن يزيد ~~قال: كنا نصلي زمن عمر في رمضان ثلات عشرة. # قال ابن إسحاق: وهذا أثبت ما سمعت في ذلك، وهو موافق لحديث عائشة في صلاة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من الليل والله أعلم. # وأما ما رواه ابن أبي شيبة من حديث ابن عباس: "كان رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يصلي في رمضان عشرين ركعة والوتر" (¬1) وإسناده ضعيف، وقد ~~عارضه حديث عائشة، وهي أعرف بحال النبي - صلى الله عليه وسلم -. # 538 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا دخل العشر -أي العشر الأخير من رمضان- شد مئزره، وأحيا ليله، ~~وأيقظ أهله" متفق عليه (¬2). # قوله: "إذا دخل العشر" أي العشر الليالي. # وقوله: "أي العشر الأخير" ليس هو من لفظ الحديث في رواية عائشة، ولكنه ~~وقع في حديث على عند ابن أبي شيبة والبيهقي من طريق عاصم بن ضمرة عنه (¬3). # وقوله: "شد مئزره" أي اعتزل النساء كناية عن ذلك، وبهذا جزم عبد الرزاق ~~(¬4) عن الثوري، واستشهد بقول الشاعر: # قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... عن النساء ولو باتت بأطهار PageV05P140 # وذكره ابن أبي شيبة عن أبي بكر بن عياش نحوه (¬1). # وقال الخطابي (¬2): يحتمل أنه أراد به الجد في العبادة كما يقال شددت ~~لهذا الأمر مئزري أي: شمرت له، ويحتمل أنه يراد مجموع الأمرين فيكون المعنى ~~أنه شد مئزره حقيقة فلم يحله واعتزل النساء وشمر للعبادة. # قال ms0872 المصنف -رحمه الله (¬3): وقد وقع في رواية عاصم بن ضمرة في حديث علي ~~شد مئزره واعتزل النساء فعطفه بالواو وأصله المغايرة. # وقوله: "وأحيا ليله" أوقع الإحياء على الليل مجازا عقليا لكونه زمانا ~~لإحياء نفسه فيه؛ لأن اليقظة نقيض النوم، والنوم أخو الموت، أو الإحياء ~~استعارة، وهو أنه شبه استيقاظه في أوقات الليل بالإحياء، والمراد من أحيا ~~الليل الشهر، وهو محتمل هل يراد أحيا الليل كله، وقد روي من حديث عائشة من ~~وجه فيه ضعف بلفظ: "وأحيا الليل كله". # وفي مسند أحمد من وجه آخر عنها قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشرون شمر وشد المئزر" (¬4). # وخرج الحافظ أبو نعيم بإسناد فيه ضعف عن أنس: "كان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا شهد رمضان قام ونام فإذا أربعا وعشرين لم يذق غمضا" (¬5). # ويحتمل أن يراد بإحياء الليل إحياء غالبه. وقد روى بعض المتقدمين من بني ~~هاشم ظنه الراوي أبا جعفر محمد بن علي أنه فسر ذلك بإحياء نصف الليل، ~~ويؤيده رواية سلمة عن عائشة: "ما أعلمه - صلى الله عليه وسلم - قام ليلة PageV05P141 # حتى الصباح". # وقوله: "أيقظ أهله" أي للصلاة، وفي حديث زينب بنت أم سلمة عند الترمذي: ~~"لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا بقي من رمضان عشرة أيام يدع ~~أحدكم من أهله يطق القيام إلا أقامه". # قال القرطبي: ذهب بعضهم إلى أن اعتزاله النساء كان بالاعتكاف وفيه نظر، ~~لقوله "وأيقظ أهله" فإنه يشعر بأنه كان معهن في البيت، فلو كان معتكفا لكان ~~في المسجد ولم يكن معه أحد، وفيه نظر، فإنه يحتمل أنه كان يوقظهم وهو في ~~محله أو يوقظهم عند دخوله لحاجة أو يأمر من يوقظهم. # 539 - وعنها - رضي الله عنها - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله -عز وجل- ثم اعتكف أزواجه من ~~بعده" متفق عليه (¬1). # الحديث فيه دلالة على أن الاعتكاف سنة مؤكدة مواظب عليها، فإن كان مع ~~الفعل المضارع يدل على ms0873 الاستمرار. # قال أبو داود عن أحمد: لا أعلم عن أحد من العلماء خلافا أنه مسنون (¬2). # وأما قول ابن نافع عن مالك: فكرت في الاعتكاف وترك الصحابة له مع شدة ~~اتباعهم للأمر فوقع في نفسي أنه كالوصال، وأراهم تركوه لشدته ولم يبلغني عن ~~أحد من السلف أنه اعتكف إلا عن أبي بكر بن عبد الرحمن، انتهى. PageV05P142 # وكأنه أراد صفة مخصوصة، وإلا فقد روي عن جماعة من الصحابة. # قال ابن العربي: هو سنة مؤكدة، وكذا قال ابن بطال. واعتكاف أزواج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من بعده فيه دلالة على أنه لم ينسخ، وعلى أنه ليس من ~~الخصائص، وفيه دلالة على أن اعتكاف المرأة في المسجد غير مكروه، وقد أطلق ~~الشافعي القول بكراهته في المسجد الذي تصلي فيه الجماعة، وقال ابن عبد ~~البر: لولا أن ابن عيينة زاد في روايته "أن أزواج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - استأذنه في الاعتكاف" لقطعت بأن اعتكاف المرأة في مسجد الجماعة غير جائز. # وفي رواية للحنفية أنها لا تعتكف إلا في مسجد دارها، وفي رواية أن لها ~~الاعتكاف في المسجد مع زوجها. # 540 - وعنها قالت: "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يعتكف ~~صلى الفجر ثم دخل معتكفه" متفق عليه (¬1). # في الحديث دلالة على أن أول الوقت الذي يدخل فيه المعتكف بعد صلاة الصبح، ~~وهو قول الأوزاعي والليث والثوري وقال غيرهم إنه يدخل المسجد قبل طلوع ~~الفجر إذا كان معتكفا النهار، فإذا كان معتكفا من الليل فيدخل قبل غروب ~~الشمس، وأولوا الحديث بأنه طلع الفجر وهو - صلى الله عليه وسلم - في ~~المسجد، ولكن إنما تخلى بنفسه في المكان الذي أعده لنفسه بعد صلاة الصبح؛ ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يضرب له خباء في المسجد ينفرد فيه بنفسه ~~(¬2)، والله أعلم. PageV05P143 # 541 - وعنها قالت: "كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليدخل علي ~~رأسه، وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يدخل البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفا" ~~متفق عليه، واللفظ للبخاري (¬1). # الحديث فيه دلالة على ms0874 أن المعتكف لا يخرج من المسجد بجميع بدنه، وأن خروج ~~بعض البدن لا يضر، وعلى أنه شرع للمعتكف النظافة ويلحق به التطيب والغسل ~~والحلق والتزين، وعلى أن الفعل اليسير من الأفعال الخاصة بالإنسان يجوز ~~فعلها وهو في المسجد، وعلى أنه يجوز للرجل استخدام امرأته برضاها، وقولها ~~"إلا لحاجة" يدل على أنه لا يجوز للمعتكف الخروج من المسجد إلا للأمر ~~الضروري الذي لا يخلو الإنسان عنه، وفي رواية مسلم "إلا لحاجة الإنسان" ~~(¬2) وفسرها الزهري بالبول والغائط، وقد اتفقوا على استثنائهما واختلفوا في ~~غيرهما من الحاجات كالأكل والشرب، ولو خرج لهما فتوضأ خارج المسجد لم يبطل، ~~ويلتحق بهما القيء والفصد لمن (أ) احتاج إليه، والله أعلم. # 542 - وعنها قالت: "السنة على المعتكف ألا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة، ~~ولا يمس امرأة، ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد منه، ولا اعتكاف ~~إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع" رواه أبو داود (¬3)، ولا بأس ~~برجاله إلا أن الراجع وقف آخره. # الحديث أخرجه أبو داود من طريق عبد الرحمن بن إسحاق عن الزهري PageV05P144 # عن عائشة، قال أبو داود: "غير عبد الرحمن لا يقول فيه السنة" (¬1). # وجزم الدارقطني بأن القدر الذي من حديث عائشة قولها "لا يخرج" وما عداه ~~ممن دونها (¬2). # الحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز للمعتكف الخروج لشيء مما ذكر وهو متأيد ~~بالحديث الأول المتفق عليه. # وروي عن علي - رضي الله عنه - والنخعي والحسن البصري: إن شهد المعتكف ~~جنازة أو عاد مريضا أو خرج للجمعة بطل اعتكافه، وبه قال الكوفيون، وابن ~~المنذر في الجمعة، وقال الشافعي وإسحاق: إن شرط شيئا من ذلك في ابتداء ~~الاعتكاف لم يبطل اعتكافه بفعله، وهو رواية عن أحمد، وذهبت الهادوية إلى أن ~~له الخروج لقضاء حوائجه وعيادة الريض وحضور الجنازة وغير ذلك في الأقل من ~~وسط النهار قياسا على السوم فإنه إذا سام في أكثر الحول كان له حكم الكل، ~~كذلك هنا، ولما روي عن على أنه قال: "من اعتكف فلا يرفث ولا يسامه ms0875 (أ) ~~وليشهد الجمعة والجنازة ويوصي أهله إذا كانت له حاجة وهو قائم ولا يجلس" ~~ذكره عبد الرزاق، قالوا: ولا يقعد إن كفي القيام، ويفعل المعتاد ويرجع من ~~غير مسجد فورا، وهو قياس منهم على الحاجة المذكورة في الحديث، والفارق ~~موجود بالبقاء على ما روت عائشة أولى، وفي قولها "ولا اعتكاف إلا بصوم" فيه ~~دلالة على أن الاعتكاف شرطه الصوم، وقد ذهب إليه العترة جميعا وابن عباس ~~وابن عمر ومالك والنخعي والثوري وأبو حنيفة محتجين PageV05P145 # بهذا، وبقياس العكس أيضا كما حققه أبو الحسين، قالوا لأن الصوم يجب ~~بالنذر به إذا نذر بالاعتكاف صائما وجب إجماعا فيجب بغير نذر قياسا على ~~الصلاة فإنها تجب بالنذر إذا قال: لله علي أن أعتكف مصليا فلا تجب بغير نذر (أ). # وذهب الشافعي وموافقوه من أصحابه وغيرهم إلى أن الصوم ليس بشرط لصحة ~~الاعتكاف، بل يصح اعتكاف المفطر، ويصح اعتكاف ساعة واحدة، ولحظة واحدة. # وضابطه مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة، ووجه عند أصحاب الشافعي ~~أنه يصح اعتكاف المار في المسجد من غير لبث، والمشهور الأول، فينبغي لكل ~~جالس في المسجد لانتظار صلاة أو شغل آخر من آخرة أو دنيا أن (ب) ينوي ~~الاعتكاف فيحسب له ويثاب عليه ما لم يخرج من المسجد، فإذا خرج ثم دخل جدد ~~نية أخرى، وليس للاعتكاف ذكر مخصوص ولا فعل آخر سوى اللبث في المسجد بنية ~~الاعتكاف، ولو تكلم بكلام دنيا أو عمل صنعة من خياطة أو غيرها لم يبطل ~~اعتكافه عند الجمهور، وذهب ابن (ج) القاسم أنه (د) يختص بالصلاة وذكر الله ~~-تعالى- وقراءة القرآن لا غير ذلك من أعمال البر والقرب. # وذهب ابن وهب إلى أنه يختص بجميع أعمال البر المختصة بالآخرة، واحتج ~~الشافعي بالحديث الآتي وباعتكافه - صلى الله عليه وسلم - في العشر الأول من PageV05P146 # شوال (¬1) مع أن أولها يوم العيد يحرم صومه، وبحديث عمر قال: "يا رسول ~~الله: إني نذرت أن أعتكف ليلة في الجاهلية، فقال: أوف بنذرك" رواه البخاري ~~ومسلم (¬2). # والليل ليس محلا للصوم، وقد تأول ms0876 ذلك الأولون بأن حديث ابن عباس ليس على ~~المعتكف صوم بمعنى أنه لا يجب عليه لعدم وجوب الاعتكاف عليه بخلاف ما إذا ~~وجب عليه الاعتكاف فيجب عليه الصوم جمعا بين الأدلة كذا حرره الإمام المهدي ~~في البحر، وهو ضعيف يرده تمام الحديث "إلا أن يفرضه على نفسه" فمفهومه أن ~~المعتكف يتم اعتكافه من دون صوم إلا أن يفرض الصوم على نفسه فيجب عليه، وهو ~~مجمع على ذلك، ومفهوم الاستثناء منزل منزلة المنطوق، أو منطوق على الخلاف ~~في ذلك واعتكافه في العشر الأول يحتمل المجاز، باعتبار أنه صام الحادي عشر ~~تمامها ولم يصم يوم العيد، ولم يعتكف فيه، وهو قريب إذ لم ينقل أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - صام يوم العيد أو اعتكف فيه، وترك الخروج للعيد، وحديث ~~عمر أنه نذر باعتكاف ليلة يحتمل أنه أراد اليوم مجازا مع أنه قد ورد في ~~رواية شعبة عند مسلم يوما بدل ليلة. # وجمع ابن حبان وغيره بين الروايتين بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ~~ليلة أراد بيومها. # وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر صريحا لكن ~~إسناده ضعيف، وقد زاد فيها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "اعتكف PageV05P147 # وصم" أخرجه أبو داود والنسائي (¬1) من طريق عبد الله بن بديل، وهو ضعيف ~~(¬2). وذكر ابن عدي والدارقطني (¬3) أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار إلا ~~أنه يرد هذا ما في البخاري من رواية سلمان (أ) بن بلال أن عمر اعتكف ليلة ~~(¬4) فدل على أنه لم يزد على نذره شيئا، وسيأتي حديث عمر في آخر باب النذر ~~إن شاء الله تعالى. # وقوله: "ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع" فيه دلالة على اشتراط المسجد ~~الجامع. # واعلم أن العلماء اتفقوا على مشروطية المسجد للاعتكاف إلا محمد بن عمر بن ~~لبابة المالكي فأجازه في غير مسجد، وأجاز الحنفية للمرأة أن تعتكف في مسجد ~~بيتها، وهو المكان المعد للصملاة، وفيه قول قديم للشافعي، وفي وجه لأصحابه ~~(ب)، وللمالكية يجوز للرجال والنساء لأن ms0877 التطوع في البيوت أفضل، وذهب أبو ~~حنيفة وأحمد إلى اختصاصه بالمساجد التي تقام فيها الصلوات، وخصه أبو يوسف ~~بالواجب منه، وأما النفل ففي كل مسجد. # وقال الجمهور بعمومه في كل مسجد إلا لمن تلزمه الجمعة فاستحب له الشافعي ~~الجامع، وشرطه مالك لأن الاعتكاف عندهما ينقطع بالجمعة، PageV05P148 # ويجب بالشروع عند مالك، وخصه طائفة من السلف كالزهري بالجامع مطلقا (¬1)، ~~وأومأ إليه الشافعي في القديم، وخصه حذيفة بن اليمان بالمساجد الثلاثة (¬2). # وعن عطاء بمسجدي مكة والمدينة (¬3)، وابن المسيب بمسجد المدينة (¬4)، ~~واتفقوا على أنه لا حد لأكثره، واختلفوا في أقله فمن شرط فيه الصيام قال ~~أقله يوم ومنهم من قال يصح مع شرط الصيام في دون اليوم حكاه ابن قدامة. # وعن مالك يشترط عشرة أيام، وعنه يومان أو يوم. # ومن لم يشرط الصوم قالوا: أقله ما ينطلق عليه اسم لبث (أ) ولا يشترط ~~القعود، وقيل يكفي المرور مع النية كوقوف عرفة. وروى عبد الرزاق عن يعلى بن ~~أمية الصحابي: "إني لأمكث في المسجد الساعة، وما أمكث إلا معتكفا" (¬5). # واتفقوا على فساده بالجماع حتى قال الحسن والزهري: من جامع فيه لزمته ~~الكفارة (¬6)، وعن مجاهد يتصدق بدينارين، واختلفوا في غير الجماع ففي ~~المباشرة أقوال، ثالثها إن أنزل بطل، وإلا فلا. PageV05P149 # 543 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه" رواه الدارقطني والحاكم ~~(¬1) والراجح وقفه أيضا. # تقدم الكلام عليه في الحديث الأول. # 544 - وعن ابن عمر - رضي الله عنه - "أن رجالا من أصحاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أروا ليلة القدر في المنام في السبع الأواخر، فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان ~~متحريها فليتحرها في السبع الأواخر" متفق عليه (¬2). # قوله: "أن رجالا" قال المصنف -رحمه الله تعالى (¬3) -: لم أقف على تسمية ~~أحد من هؤلاء، وأروا بضم أوله على البناء للمجهول أي قيل لهم في المنام، ~~والسبع الأواخر المراد به أواخر الشهر كما هو ms0878 الظاهر، وقيل المراد به السبع ~~التي أولها الثاني والعشرون وآخرها ليلة الثامن والعشرون (أ)، فعلى الأول ~~لا تدخل فيه ليلة إحدى وعشرين ولا ليلة ثلاث وعشرين، وعلى الثاني تدخل ليلة ~~ثاني وعشرين ولا تدخل ليلة التاسع والعشرين. PageV05P150 # ويرجح الوجه الأول حديث ابن عمر: "التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف ~~أحدكم أو عجز فلا يغلبن علي السبع البواقي" أخرجه مسلم (¬1)، وقد أخرجه ~~البخاري في باب التعبير بلفظ "أن ناسا (أأروا ليلة القدر في التسع الأواخر، ~~وأن ناسا أ) أروا أنها في العشر الأواخر" (¬2)، وفي رواية أحمد بلفظ "رأى ~~رجل أن ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أو كذا وكذا، فقال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "التمسوها في العشر البواقي في الوتر منها" (¬3)، ورواه أحمد ~~من حديث علي مرفوعا: "إن غلبتم فلا تغلبوا في السبع البواقي" (¬4). # ويجمع بين الروايات بأن العشر للاحتياط فيها، والتسع (ب) كذلك والسبع لأن ~~ذلك من المظنة، وهو أقصى ما يظن فيه الإدراك. # وقوله "أرى" بفتحتين أي أعلم، و "رؤياكم" جاء بإفرادها والمراد الجنس ~~الصادق على ما فوق الواحد، وقوله: "تواطأت" أي توافقت وزنا ومعنى، وقال ابن ~~التين: روي بغير همز، والصواب الهمز، وأصله أن يطأ الرجل برجله مكان وطء صاحبه. # والحديث فيه دلالة على الحث على قيام رمضان لا سيما ما ذكر من الأواخر، ~~وفيه دلالة على عظم قدر الرؤيا وجواز الاستناد إليها في الاستدلال على ~~الأمور الوجودية بشرط أن لا يخالف القواعد الشرعية. PageV05P151 # 545 - وعن معاوية بن أبي سفيان عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في ~~ليلة القدر: "ليلة سبع وعشرين" رواه أبو داود (¬1)، والراجح وقفه. # وقد اختلف في تعيينها على أربعين قولا أوردتها في "فتح الباري". الحديث ~~فيه دلالة على تعين ليلة القدر، والأقوال التي أوردها المصنف -رحمة الله ~~تعالى عليه- في فتح الباري (¬2) هي: # القول الأول: أنها رفعت أصلا ورأسا حكاه المتولى في التتمة عن الروافض، ~~والفاكهاني في شرح العمدة عن الحنفية، وكأنه خطأ منه، والذي حكاه السروجي ~~أنه قول الشيعة، وقد روى عبد الرزاق ms0879 عن الحجاج إنكارها. # الثاني: أنها خاصة بسنة واحدة وقعت في زمن رسول الله، - صلى الله عليه ~~وسلم -، حكاه الفاكهاني أيضا. # الثالث: أنها خاصة بهذه الأمة ولم تكن في الأمم قبلهم، جزم به ابن حبيب ~~وغيره من المالكية، وعمدتهم قول مالك في الموطأ (¬3). # بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تقال أعمار أمته عن أعمار ~~الأمم الماضية فأعطاه الله ليلة القدر، وهذا محتمل للتأويل فلا يدفع ما ورد ~~صريحا في حديث أبي ذر عند النسائي (¬4) قال: قلت: "يا رسول الله أتكون مع ~~الأنبياء فإذا ماتوا رفعت قال: بل هي باقية". # الرابع: أنها ممكنة في جميع السنة، وهو قول مشهور عن الحنفية PageV05P152 # حكاه قاضي (أ) خان وأبو بكر الداري منهم، وروي مثله عن ابن مسعود وابن ~~عباس وعكرمة وغيرهم، وزيف المهلب هذا القول، وقال: لعل صاحبه بناه على ~~دوران الزمان لنقصان الأهلة، وهو فاسد لأن ذلك لم يعتبر في غيره حتى تنتقل ~~ليلة القدر عن رمضان، انتهى. # ومأخذ ابن عباس كما ثبت في "صحيح مسلم" عن أبي بن كعب أنه أراد أن لا ~~يتكل الناس (¬1). # الخامس: أنها مختصة برمضان ممكنة في جميع لياليه، وهو قول ابن عمر، رواه ~~ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عنه، وروي مرفوعا عنه، أخرجه أبو داود (¬2)، وفي ~~شرح الهداية الجزم به عن أبي حنيفة، وقال به ابن المنذر والمحاملي وبعض ~~الشافعية، ورجحه السبكي في شرح المنهاج، وحكاه ابن الحاجب رواية، وقال ~~السروجي في شرح الهداية قول أبي حنيفة أنها تنتقل في جميع رمضان، وقول ~~صاحبيه أنها في ليلة معينة مبهمة، وكذا قال النسفي في المنظومة: # وليلة القدر بكل الشهر ... دائرة وعيناها فادر # انتهى. # وهذا القول حكاه ابن العربي عن قوم وهو السادس. # السابع: أنها أول ليلة من رمضان حكي عن أبي رزين (ب) الصحابي، وروى ابن ~~أبي عاصم من حديث أنس قال: "ليلة القدر أول ليلة من PageV05P153 # رمضان" وقال ابن أبي عاصم: "لا نعلم أحدا قال ذلك غيره". # الثامن: أنها ليلة النصف من رمضان حكاه شيخنا سراج ms0880 الدين بن الملقن في ~~"شرح العمدة"، والذي رأيته في "المفهم" للقرطبي حكاية قول أنها (أ) ليلة ~~النصف من شعبان، وكذا نقله السروجي عن صاحب "الطراز"، فإن كانا محفوظين فهو ~~القول التاسع، ثم رأيت في شرح السروجي من المحيط أنها في النصف الأخير. # العاشر: أنها ليلة سبع عشرة (ب) من رمضان، وروى ابن أبي شيبة والطبراني ~~من حديث زيد بن أرقم قال: بلا شك ولا امتراء أنها ليلة سبع عشرة من رمضان ~~ليلة أنزل القرآن، وأخرجه أبو داود عن ابن مسعود أيضا (¬1). # الحادي عشر: أنها مبهمة في العشر الوسط حكاه النووي وعزاه الطبري لعثمان ~~بن أبي العاص، والحسن البصري، وقال به بعض الشافعية. # الثاني عشر: أنها ليلة ثمان عشرة قرأته بخط القطب الحلبي في شرحه، وذكره ~~ابن الجوزي في مشكله. # الثالث عشر: أنها ليلة تسع عشرة، رواه عبد الرزاق عن علي (¬2) وعزاه ~~الطبري لزيد بن ثابت، ووصله الطحاوي عن ابن مسعود. # الرابع عشر: أنها أول ليلة من العشر الأخير (ج)، وإليه مال الشافعي، PageV05P154 # وجزم به جماعة من الشافعية، ولكن قال السبكي ليس مجزوما به عندهم ~~لاتفاقهم على عدم حنث من علق يوم العشرين عتق عبده في ليلة القدر أنه لا ~~يعتق تلك الليلة بل بانقضاء الشهر على الصحيح بناء على أنها في العشر ~~الأخير، وقيل بانقضاء السنة بناء على أنها لا تختص بالعشر الأخير بل هي في رمضان. # الخامس عشر: مثل الذي قبله إلا أنه إن كان الشهر تاما فهي ليلة العشرين ~~وإن كان ناقصا فهي ليلة أحد وعشرين، وهكذا في جميع العشرة وهو قول ابن حزم، ~~وزعم أنه يجمع بين الأخبار بذلك ويدل له ما رواه أحمد والطحاوي من حديث عبد ~~الله بن أنيس قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول (أ): ~~"التمسوها الليلة". قال: وكانت تلك الليلة ثلاث وعشرين، فقال رجل: هذه أولى ~~ثمان تبقين (ب)، فقال: "بل أولى سبع بقين، فإن هذا الشهر لا يتم" (¬1). # السادس عشر: إنها ليلة اثنين وعشرين، وستأتي حكايته بعد، وروى أحمد ms0881 من ~~حديث عبد الله بن أنيس أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ليلة ~~القدر، وذلك صبيحة إحدى وعشرين، فقال: كم الليلة؟ قلت: ليلة اثنين؟ فقال ~~(ج): هي الليلة أو القابلة. # السابع عشر: أنها ليلة ثلاث وعشرين، رواه مسلم عن عبد الله بن أنيس ~~مرفوعا: "رأيت ليلة القدر ثم أنسيتها" (¬2) فذلك مثل حديث أبي PageV05P155 # سعيد، لكنه قال فيه "ثلاث وعشرين" بدل "إحدى وعشرين"، وعنه قال: قلث يا ~~رسول الله إن لي بادية أكون فيها فمرني بليلة. قال: "أنزل ليلة ثلاث ~~وعشرين". ورواه ابن إسحاق في مسنده من طريق أبي حازم عن رجل من بني بياضة ~~له صحبة مرفوعا، وروى عبد الرزاق عن معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر ~~مرفوعا: "من كان متحريها فليتحرها ليلة سابعه" (¬1) قال فكان أيوب يغتسل ~~ليلة ثلاث وعشرين ويمس الطيب. وعن ابن جريج عن عبيد الله (أابن أبي يزيد عن ~~ابن عباس أنه كان يوقظ أهله ليلة ثلاث وعشرين (¬2). # وروى عبد الرزاق من طريق يونس بن سيف سمع ابن المسيب يقول: "استقام قول ~~القوم على أنها ليلة ثلاث وعشرين" (¬3) من طريق إبراهيم عن الأسود عن ~~عائشة، ومن طريق مكحول أنه كان يراها ليلة ثلاث وعشرين. # الثامن عشر: أنها ليلة أربع وعشرين كما تقدم من حديث ابن عباس في هذا ~~الباب، وروى الطيالسي من طريق أبي نضرة عن ابن مسعود مرفوعا "ليلة القدر ~~ليلة أربع وعشرين" وروي ذلك عن ابن مسعود والشعبي والحسن وقتادة وحجتهم ~~حديث واثلة "أن القرآن نزل لأربع وعشرين من رمضان" وروى أحمد من طريق ابن ~~لهيعة عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الخير عن الصنابحي عن بلال مرفوعا: ~~"التمسوها ليلة القدر ليلة أربع وعشرين" وقد أخطأ ابن لهيعة في رفعه، فقد ~~رواه عمرو (ب) بن الحارث PageV05P156 # ابن يزيد بهذا الإسناد موقوفا بغير لفظه كما سيأتي في أواخر المغازي ~~بلفظ: "ليلة القدر أول السبع من العشر الأواخر". # التاسع عشر: أنها ليلة خمس وعشرين، حكاه ابن العربي في العارضة، وعزاه ms0882 ~~ابن الجوزي في "المشكل" لأبي بكرة. # العشرون: أنها ليلة ست وعشرين، وهو قول لم أره صحيحا إلا أن عياضا قال: ~~ما من ليلة من ليالي العشر الأخير (أ) إلا وقد قيل أنها فيه. # الحادي والعشرون: أنها ليلة سبع وعشرين، وهو الجادة من مذهب أحمد، ورواية ~~من الفتح عن أبي حنيفة، وبه جزم أبي بن كعب، وحلف عليه، كما أخرجه مسلم ~~(¬1)، وروى مسلم أيضا من طريق أبي حازم عن أبي هريرة قال: تذاكرنا ليلة ~~القدر فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "أيكم يذكر حين طلع القمر ~~كأنه شق جفنة" (¬2). # قال أبو الحسين الفارسي: أي ليلة سبع وعشرين، فإن القمر يطلع فيها بتلك الصفة. # وروى الطبراني من حديث ابن مسعود سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن ليلة القدر، فقال: "أيكم يذكر ليلة الصهباوات؟ " قلت: أنا، وذلك ليلة ~~سبع وعشرين (¬3). # ورواه ابن أبي شيبة عن عمر وحذيفة وناس من الصحابة (¬4). PageV05P157 # وفي الباب عن ابن عمر عند مسلم "رأى رجل ليلة القدر ليلة سبع وعشرين" (¬1). # ولأحمد من حديثه كل مرفوعا "ليلة القدر ليلة سبع وعشرين" (¬2). # ولابن المنذر"من كان متحريها فليتحرها ليلة سبع وعشرين". وعن جابر بن ~~سمرة نحوه، أخرجه الطبراني في الأوسط، وعن معاوية نحوه (¬3)، أخرجه أبو ~~داود، وحكاه صاحب الحلية من الشافعية عن أكثر العلماء، وقد تقدم استنباط ~~ابن عباس عند عمر فيه وموافقته له، وزعم ابن قدامة أن ابن عباس استنبط ذلك ~~من عدد كلمات السورة وقد وافق أن قوله {فيها} (¬4) هي سابع كلمة بعد ~~العشرين، وهذا نقله ابن حزم عن بعض المالكية وبالغ في إنكاره. # ونقله ابن عطية في تفسيره وقال: إنه من ملح التفاسير وليس من سنن العلم، ~~واستنبط بعضهم ذلك من جهة أخرى فقال: ليلة القدر تسعة أحرف، وقد أعيدت في ~~السورة ثلاث مرات وذلك سبع وعشرون. وقال صاحب الكافي من الحنفية وكذا ~~المحيط من قال لزوجته أنت طالق ليلة القدر طلقت ليلة سبع وعشرين لأن العامة ~~تعتقد أنها ليلة القدر (¬5). # الثالث والعشرون: أنها ليلة تسع ms0883 وعشرين حكاه ابن العربي. PageV05P158 # الرابع والعشرون: أنها ليلة الثلاثين حكاه عياض والسروجي في شرح الهداية، ~~ورواه محمد بن نصر والطبري عن معاوية وأحمد من طريق أبي سلمة عن أبي هريرة. # الخامس والعشرون: أنها في أوقات العشر الأخيرة، وعليه يدل حديث عائشة ~~وغيرها في هذا الباب، وهو أرجح الأقوال وصار إليه أبو ثور والمزني وابن ~~خزيمة وجماعة من علماء المذهب. # السادس والعشرون: مثله بزيادة الليلة الأخيرة، رواه الترمذي من حديث أبي ~~بكرة وأحمد من حديث عبادة بن الصامت. # السابع والعشرون: ينتقل في العشر الأخيرة كلها، قاله أبو قلابة، ونص عليه ~~مالك والثوري وأحمد وإسحاق، وزعم الماوردي أنه متفق عليه، وكأنه (أ) أخذه ~~من حديث ابن عباس أن الصحابة اتفقوا على أنها في العشر الأخير وحديث أبي ~~سعيد أن جبريل - عليه السلام - قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - لما اعتكف ~~العشر الأوسط "إن الذي تطلب أمامك" وتقدم ذكر اعتكافه - صلى الله عليه وسلم ~~- العشر الأخير في طلب ليلة القدر، واعتكاف أزواجه بعده، والاجتهاد فيه كما ~~في الباب الذي بعده. # واختلف القائلون فمنهم من قال هي فيه محتملة على حد سواء، نقله الرافعي ~~عن مالك، وضعفه ابن الحاجب، ومنهم من قال بعض لياليه أرجى من بعض، فقال ~~الشافعي أرجاه ليلة إحدى وعشرين وهو القول الثامن والعشرون، وقيل أرجاه ~~ليلة ثلاث وعشرين وهو القول التاسع والعشرون، وقيل أرجاه ليلة سبع وعشرين، ~~وهو القول الثلاثون. # الحادي والثلاثون: أنها تنتقل في جميع السبع، وقد تقدم المراد منه PageV05P159 # في حديث ابن عمر هل المراد الليالي السبع من آخر الشهر أواخر سبعة تعد من ~~الشهر، ويخرج من ذلك [وهو] (أ) القول الثاني والثلاثون. # الثالث والثلاثون: أنها تنتقل في النصف الأخير، ذكره صاحب المحيط عن أبي ~~يوسف ومحمد، وحكاه إمام الحرمين عن صاحب التقريب. # الرابع والثلاثون: أنها ليلة ست عشرة أو سبع عشرة، رواه الحارث ابن أبي ~~أسامة من حديث عبد الله بن الزبير. # الخامس والثلاثون: أنها ليلة سبع عشرة أو تسع عشرة، أو إحدى وعشرين، رواه ~~سعيد بن ms0884 منصور من حديث أنس بإسناد ضعيف (¬1). # السابع والثلاثون: أنها أول ليلة أو تاسع ليلة أو سابع عشرة [أو إحدى ~~وعشرين أو آخر ليلة. رواه ابن مردويه في تفسيره عن أنس بإسناد ضعيف. # القول الثامن والثلاثون: أنها ليلة تسع عشرة أو إحدى عشرة أو] (ب) ثلاث ~~وعشرون، رواه أبو داود (¬2) من حديث ابن مسعود بإسناد فيه مقال، وعبد ~~الرزاق من حديث علي (ج) بسند منقطع (¬3)، وسعيد بن PageV05P160 # منصور من حديث عائشة بسند منقطع أيضا (أ). # التاسع والثلاثون: ليلة ثلاث وعشرين أو سبع وعشرين وهو مأخوذ من حديث ابن ~~عباس في الباب حيث قال: سبع يبقين أو سبع (ب) يمضين، ولأحمد من حديث ~~النعمان بن بشير سابعة تمضي أو سابعة تبقى، قال النعمان: فنحن نقول ليلة ~~سبع وعشرين، وأنتم تقولون ليلة ثلاث وعشرين. # الأربعون: ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين كما سيأتي في ~~الباب الذي بعده من حديث عبادة بن الصامت، ولأبي داود من حديث بلفظ "تاسعة ~~تبقى سابعة تبقى خامسة تبقى" (¬1) قال مالك في المدونة في قوله "تاسعة ~~تبقى" ليلة إحدى وعشرين إلى آخره. # الحادي والأربعون: أنها منحصرة في السبع الأواخر من رمضان لحديث ابن عمر ~~في الباب الذي قبله. # الثاني والأربعون: أنها ليلة اثنتين وعشرين أو ثلاث وعشرين لحديث عبد ~~الله وابن أنيس عند أحمد (¬2). # الثالث والأربعون: أنها في أشفاع العشر الوسط والعشر الأخير، قرأته بخط ~~مغلطاي. # الرابع والأربعون: أنها ليلة الثالثة من العشر الأخير، أو الخامسة منه، ~~رواه أحمد من حديث معاذ بن جبل، والفرق بينه وبين ما تقدم أن الثالثة PageV05P161 # تحتمل ثلاث وعشرين، وتحتمل ليلة سبعة وعشرين، وبهذا يتغاير هذا القول ~~فيما مضى. # الخامس والأربعون: أنها في سبع أو ثمان من أول النصف الثاني روى الطحاوي ~~من طريق عطية بن عبد الله بن أنيس عن أبيه أنه سأل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن ليلة القدر، فقال: "تحروها في النصف الأخير" ثم عاد فسأله فقال: ~~"إلى ثلاث وعشرين" قال: فكان عبد الله يحيي ليلة ست ms0885 عشرة إلى ليلة ثلاث ~~وعشرين ثم يقصر، وجميع هذه الأقوال التي حكيناها من الثالث متفقة على إمكان ~~حصولها والحث على التماسها. # وقال ابن العربي: الصحيح أنها لا تعلم، وهذا يصلح أن يكون قولا آخر وأنكر ~~هذا النووي، وقال قد تضافرت الأحاديث بإمكان العلم بها، وأخبر به جماعة من ~~الصالحين فلا معنى لإنكار ذلك، ونقل الطحاوي عن أبي يوسف قولا جوز منه أنه ~~يرى أنها ليلة أربع وعشرين أو سبع وعشرين، فإن ثبت ذلك فهو قول آخر، وهذا ~~آخر ما وقفت عليه من الأقوال، وبعضها يمكن رده إلى بعض، وإن كان ظاهرها ~~التغاير، وأرجحها كلها أنها في وتر العشر الأخير، وأنها تنتقل كما يفهم من ~~أحاديث هذا الباب، وأرجاها أوتار، الوتر عند الشافعية إحدى وعشرين أو ثلاث ~~وعشرين على ما في حديثي أبي سعيد وعبد الله بن أنيس، وأرجاها عند الجمهور ~~ليلة سبع وعشرين وقد تقدمت أدلة ذلك. انتهى ما ذكره المصنف -رحمه الله- ~~بحروفه وقد استكملته لجمعه لهذه الفوائد التي تعسر الاطلاع عليها. # قال العلماء: والحكمة في إخفاء ليلة القدر ليحصل الاجتهاد بخلاف ما لو ~~عينت لها ليلة لاقتصر عليها، وقد تقدم مثل ذلك في ساعة الجمعة، والله أعلم. PageV05P162 # 546 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت ~~أي ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: "قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني" ~~رواه الخمسة غير أبي داود وصححه الترمذي والحاكم (¬1). # الحديث فيه دلالة على أن ليلة القدر يمكن معرفتها في وقتها، وقد قيل إن ~~المطلع عليها يرى كل شيء ساجد، أو قيل الأنوار في كل مكان ساطعة حتى في ~~المواضع المظلمة، وقيل يسمع كلاما أو خطابا من الملائكة، وقيل علامتها ~~استجابة دعاء من وقعت له، وقال الطبري: ذلك غير لازم، وأنها قد تحصل ولا ~~يرى شيء ولا يسمع، واختلفوا هل يحصل الثواب المرتب عليها لمن اتفق له أنه ~~قامها وإن لم يظهر له شيء أو توقف ذلك على كشفها؟ ذهب إلى الأول المهلب ~~والطبري وابن ms0886 العربي وجماعة، وإلى الثاني ذهب الأكثرون، ويدل له ما وقع عند ~~مسلم (¬2) في حديث أبي هريرة بلفظ: "من يقم ليلة القدر فيوافقها. . . .". # وفي حديث عبادة: "من قامها إيمانا واحتسابا ثم وقعت له". # قال النووي: معنى يوافقها يعلم أنها ليلة القدر، ويحتمل أن يكون المراد ~~يوافقها في نفس الأمر وإن لم يعلم ذلك. # وفي حديث زر بن حبيش عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: "من يقم الحول ~~يصب ليلة القدر" (¬3) وهو محتمل للقولين أيضا، ورجح PageV05P163 # المصنف -رحمه الله تعالى- أن المعنى من الموافقة هو مصادفتها في نفس ~~الأمر وإن لم يعلم بذلك. قال: ولا أنكر حصول الثواب الجزيل لمن قام لابتغاء ~~ليلة القدر، وإن لم يوفق له، وإنما الكلام على حصول الثواب المعين الموعود ~~به، وفرعوا على القول بأنها تعلم أنها تكشف لواحد ولا تكشف لآخر، ولو كانا ~~معا في بيت واحد، ويجوز أن يختص الله بالكرامة من يشاء من عباده، ولا يلزم ~~أيضا أن يكون من رأى الأمر الخارق أعظم كرامة ممن لم يره، فإن العبرة ~~بالاستقامة، وصورة الكرامة قد تكون فتنة لمن لا يكون أهلا للكرامة، والنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لم يحصر العلامة ولم ينف الكرامة، وقد كانت العلامة ~~في السنة التي حكاها أبو سعيد بنزول المطر (¬1)، ونحق نرى كثيرا من السنين ~~ينقضي رمضان من دون مطر. # وروي عن أبي الحسن الجزولي المغربي أنه اعتبر ليلة القدر فلم تفته في طول ~~عمره، وأنها تكون دائما ليلة الأحد، فإن كان أول الشهر ليلة الأحد كانت ~~ليلة تسع وعشرين. # وقال بعض من تأخر عنه أنها تكون دائما ليلة الجمعة، وذكر مثل قول أبي ~~الحسن، وكلاهما لا أصل له، والله أعلم. # 547 - وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ~~ومسجدي هذا والمسجد الأقصى" متفق عليه (¬2). PageV05P164 # قوله "لا تشد" بضم أوله، ولا للنفي، والمراد به النهي مجازا للمبالغة في ~~النهي كأنه قال: لا يستقيم أن ms0887 يقصد بالزيارة إلا هذه البقاع لاختصاصها بما ~~اختصت به، والرحال جمع رحل وهو للبعير كالسرج للفرس، وكنى به عن السفر ~~لكونه لازمه في الأغلب، وفي بعض الألفاظ: "إنما يسافر .... " (¬1) ~~والاستثناء مفرغ بقدر عام مدلول عليه لخصوصه بقرينة الاستثناء، والمعنى لا ~~تشد إلى مسجد إلا متقرب فيه للعبادة، والحرام يعني المحرم، كالكتاب بمعنى ~~المكتوب، وهو صفة للمسجد وهو مجرور على البدلية، والمراد بالمسجد الحرام، ~~ويؤيده قوله: "مسجدي هذا" حيث عينه وأراد به موضع الصلاة المعروف بنسبته ~~إليه، وأطلق على الحرام اسم المسجد دلالة على أنه جميعه محل العبادة ~~والتقرب، ويدل على هذا ما رواه أبو داود الطيالسي من طريق عطاء أنه قيل له ~~هذا الفضل في المسجد وحده أو في الحرم؟ قال: بل في الحرم لأنه كله مسجد، ~~وسيأتي استيفاء الخلاف فيه في آخر الحج في حديث "صلاة في مسجدي والمسجد ~~الأقصى" المراد بيت المقدس، وسمي الأقصى لبعده عن المسجد الحرام في ~~المسافة، وقيل في الزمان. # وقال الزمخشري: سمي الأقصى لأنه لم يكن حينئذ وراءه مسجد، وقيل لبعده عن ~~الأقذار والخبث وقيل هو أقصى بالنسبة إلى مسجد المدينة لأنه بعيد من مكة، ~~وبيت المقدس أبعد منه ولبيت المقدس عدة أسماء تقرب من العشرين منها: إيلياء ~~بالمد والقصر، وبحذف الياء الأولى وعن ابن عباس إدخال الألف واللام على هذا ~~الثالث، وبيت المقدس بسكون القاف وبفتحها مع التشديد، والقدس بغير ميم مع ~~ضم القاف وسكون الدال وبضمها، وشلم بالمعجمة وتشديد اللام، وبالمهملة، ~~وشلام PageV05P165 # بمعجمة، وسلم بفتح المهملة وكسر اللام الخفيفة، وأوري سلم بسكون الواو ~~وكسر الراء بعدها تحتانية ساكنة، وأوري سلم، وكورة وبيت أيل، وصهيون، ~~ومصروث آخره مثلثة، وكورشيلا وبابوش بموحدتين ومعجمة (¬1). # والحديث فيه دلالة على فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد ~~الأنبياء، ولأن (أ) الكعبة قبلة الناس وإليها الحاج، وبيت المقدس كان قبلة ~~الأمم السالفة، ومسجد المدينة أسس على التقوى. # وظاهر الحديث أنه يحرم قصد ما عدا الثلاثة بالسفر لقصد التقرب كزيارة ~~الصالحين أحياء وأمواتا، والمواضع الفاضلة لقصد التبرك بها ms0888 والصلاة فيها، ~~وقد ذهب إلى هذا الشيخ أبو محمد الجويني، وأشار القاضي حسين إلى اختياره، ~~وبه قال عياض وطائفة، ويدل عليه ما رواه أصحاب السنن من إنكار أبي نضرة ~~الغفاري على أبي هريرة من خروجه إلى الطور، وقال: لو أدركتك قبل أن تخرج ما ~~خرجت، واستدل بهذا الحديث، ووافقه أبو هريرة، وذهب الجمهور إلى أن ذلك ~~محرم، قالوا: والحديث مؤول بمعنى أنه لا ينبغي شد الرحال إلا إليها لكمال ~~فضل ذلك بخلاف غيرها فإنه لا يساويها في الفضيلة، وحق العاقل أن يختار ما ~~هو الأفضل، ويتأيد هذا التأويل بما رواه أحمد من طريق شهر بن حوشب قال: ~~سمعت أبا سعيد وذكرت عنده الصلاة في الطور قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا ينبغي للمطي أن تشد رحاله إلى مسجد يبتغي فيه الصلاة غير ~~المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي" (¬2). # وشهر حسن الحديث وإن كان فيه بعض الضعف، وقد تؤول بقصدها PageV05P166 # للاعتكاف فيها حكاه الخطابي عن بعض السلف، وهو مروي عن حذيفة بن اليمان، ~~أن الاعتكاف يختص بالمساجد الثلاثة، وعطاء خص الاعتكاف بمسجدي مكة ~~والمدينة، وابن المسيب بمسجد المدينة. # واختلف العلماء فيمن نذر بإتيان هذه المساجد، فذهب إلى لزوم النذر مالك ~~وأحمد والشافعي في البويطي، واختاره أبو (أ) إسحاق المروزي، واختاره الإمام ~~يحيى، وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقا، وقال الشافعي في الأم: يجب في المسجد ~~الحرام بخلاف المسجدين الآخرين لتعلق النسك به، فله أصله في الوجوب، وهو ~~مذهب الهادوية، واستدل به على أنه لا يلزم بالنذر إلى غيرها من المساجد شيء ~~وهو قول الأكثر، وروي عن الليث أنه قال: يجب الوفاء بالنذر، وعن الحنابلة ~~يلزم كفارة يمين، ولا ينعقد النذر، وعن المالكية رواية إن تعلقت به عبادة ~~تختص به كرباط لزم، وإلا فلا، وذكر عن محمد بن مسلمة المالكي أنه يلزم في ~~مسجد قباء لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأتيه كل سبت (¬1). # تتمة: الحديث فيه دلالة على تفاضل الثلاثة مساجد، وأن مسجد مكة أفضل من ~~مسجد المدينة، ms0889 وهذا يتأيد بحديث ابن الزبير، أخرجه أحمد وصححه ابن حبان من ~~طريق عطاء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا ~~أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد ~~الحرام أفضل من مائة ألف صلاة في هذا". # وفي رواية ابن حبان: "أفضل من مائة صلاة في مسجد المدينة". PageV05P167 # قال ابن عبد البر: اختلف على ابن الزبير في رفعه ووقفه، ورفعه أحفظ، وعند ~~الطبراني والبزار من حديث أبي الدرداء وقفه: "الصلاة في المسجد الحرام ~~بمائة ألف صلاة، والصلاة في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس ~~بخمسمائة صلاة" قال البزار: وإسناده حسن، قال ابن عبد البر: وزعم بعض ~~أصحابنا أن الصلاة في مسجد المدينة أفضل من الصلاة في مسجد مكة بمائة صلاة، ~~واحتج برواية سليمان بن عتيق عن ابن الزبير عن عمر قال: "صلاة في المسجد ~~الحرام خير من مائة صلاة فيما سواه" وتعقب بأن المحفوظ بهذا الإسناد إنما ~~هو بلفظ: "صلاة في المسجد الحرام أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا مسجد ~~الرسول، فإنما فضله عليه بمائة صلاة". # ورواه عبد الرزاق عن ابن جريج قال أخبرني سليمان بن عتيق وعطاء عن ابن ~~الزبير أنهما سمعاه يقول: "صلاة في المسجد الحرام خير من مائة صلاة فيه" ~~ويشىير إلى مسجد المدينة. وللنسائي عن ابن عمر مثل هذا وفي آخره "إلا ~~المسجد الحرام فالصلاة فيه أفضل منه بمائة صلاة". # وقد استدل بهذا على أن مكة أفضل من المدينة لأن الأمكنة تشرف بفضل ~~العبادة فيها على غيرها مما تكون العبادة فيه على وجه، وهو قول الجمهور، ~~وحكى عن مالك وبه قال ابن وهب ومطرف بن حبيب أصحابه، لكن المشهور عن مالك ~~وأكثر أصحابه تفضيل المدينة، واستدلوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما ~~بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة" (¬1) مع PageV05P168 # قوله: "موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها"، ويرد هذا حديث عبد ~~الله بن عدي بن الحمراء قال: "رأيت رسول الله - صلى ms0890 الله عليه وسلم - واقفا ~~على الحزورة فقال: والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله إلى الله، ولولا ~~أني أخرجت منك لما خرجت" وهو حديث حسن أخرجه أصحاب السنن وصححه الترمذي ~~وابن خزيمة (أ) وابن حبان وغيرهم. # قال ابن عبد البر: هذا نص في محل الخلاف فلا ينبغي العدول عنه، واستثنى ~~القاضي عياض البقعة التي فيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فحكمها ~~الاتفاق على أنها أفضل البقاع، قال بعضهم بسبب فضل البقعة التي ضمت أعضاءه ~~الشريفة أنه روي أن المرء يدفن في البقعة التي أخذ منها ترابه عندما يخلق، ~~رواه ابن عبد البر في أواخر تمهيده من طريق عطاء الخراساني موقوفا، وقد روى ~~الزبير بن بكار "أن جبريل أخذ التراب الذي منه خلق النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من تراب الكعبة". PageV05P169 ### || CHECK باب فضله وبيان من فرض عليه ### | AUTO كتاب الحج # باب فضله وبيان (أ) من فرض عليه # الحج في اللغة: القصد (ب) وقال الخليل: كثرة القصد إلى معظم، وفي الشرع ~~القصد إلى بيت الله الحرام لأعمال (ج) مخصوصة. # وهو بفتح المهملة وكسرها لغتان، ونقل الطبري أن الكسر لغة أهل نجد، ~~والفتح لغيرهم، ونقل عن حسين الجعفي أن الفتح الاسم، والكسر المصدر، وعن ~~غيره عكسه. ووجوب الحج معلوم من الدين ضرورة، وقام الإجماع على أنه لا ~~يتكرر، واختلفوا في كونه على الفور أو التراخي، وهو مشهور. # وقيل إن ابتداء شرعيته كان قبل الهجرة، وهو قول شاذ، وقيل بعدها، ~~والجمهور على أنه في سنة ست، ونزل فيها قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة ~~لله} (¬1) ويكون المراد بقوله: {أتموا} يعني أقيموا، وقد قرأ علقمة ومسروق ~~وإبراهيم النخعي بلفظ: "وأقيموا" أخرجه الطبري بأسانيد صحيحة عنهم، وقيل ~~المراد بالإتمام الإكمال بعد الشروع، وهذا يقتضي تقدم فرضيته، وفي كلام ~~الواقدي ما يدل على أنه متقدم على سنة خمس أو فيها، وذكر ابن القيم في ~~"الهدي" أنه فرض سنة تسع أو عشر قال: وأما قوله تعالى: {وأتموا الحج ~~والعمرة لله} فإنها وإن نزلت سنة ست عام ms0891 الحديبية فليس فيها فرضية الحج، ~~فإنما فيها الأمر بإتمامه، PageV05P171 # وإتمام العمرة بعد الشروع فيها ذلك لا يقتضي وجوب الابتداء، قال: لأن صدر ~~سورة آل عمران نزل عام الوفود وفيه قدم وفد نجران على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع، ~~وفيها نزلت صدر آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى المباهلة، ويدل عليه ~~أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم بما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل ~~الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد ~~الحرام بعد عامهم هذا وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء إن ~~الله عليم حكيم} (¬1) فأعاضهم الله من ذلك بالجزية، ونزول هذه الآيات ~~والمناداة بها إنما كانت في سنة تسع، وبعث الصديق يؤذن بذلك في مكة في ~~مواسم الحج، وأردفه بعلي - رضي الله عنه - وقد قال به غير واحد من السلف، ~~انتهى كلامه. # 548 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء ~~إلا الجنة" متفق عليه (¬2). # قوله "العمرة إلى العمرة" العمرة في اللغة: الزيارة، وقيل القصد، وفي ~~الشرع: هي إحرام وطواف وسعي وحلق أو تقصير، وسميت بذلك لأنه يزار البيت ~~الحرام، أو يقصد، أو لكونها تقع في العمر مرة، أو لكونها في مكان عامر، وفي ~~قوله: "العمرة إلى العمرة" دلالة على أنه لا كراهة في تكرار الاعتمار بل ~~إنه يستحب ذلك خلافا للمالكية، فإنهم قالوا يكره في السنة أكثر من عمرة ~~واحدة، وبعضهم قال في الشهر، واستدل له بأنه - صلى الله عليه وسلم - لم ~~يفعلها إلا من سنة إلى سنة، وأفعاله عندهم PageV05P172 # تحمل على الوجوب أو الندب، وقد أجيب عنه بأنه عرف من فعله - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه كان يترك الشيء وهو يستحب فعله لدفع المشقة عن أمته، وقد ~~ندب إلى ذلك بلفظه، وظاهر الحديث عموم الأوقات لشرعيتها في جميع ms0892 الأوقات، ~~وقد ذهب إلى هذا الجمهور منهم الشافعي في غير من هو متلبس بالحج، وذهب ~~الهادي إلى كراهتها في أيام التشريق لأمر علي - رضي الله عنه - لمن أحرم ~~بها في أيام التشريق برفضها قال الإمام المهدي، والأصح لمذهب الهادوية أنها ~~تكره في يوم النحر وأيام التشريق، وزاد أبو حنيفة يوم عرفة معها لقول ~~عائشة: "إلا يوم عرفة" وهو توقيف، ورد عليه أبو يوسف بأن يوم عرفة لا يبطل ~~فيه شيء من أعمال الحج فلا يكره فيه. ونقل الأثرم عن أحمد إذا اعتمر فلا بد ~~أن يحلق أو يقصر، فلا يعتمر بعد ذلك إلى عشرة أيام ليمكن حلق الرأس فيها. # قال ابن قدامة (¬1): هذا يدل على كراهة الاعتمار عنده دون عشرة أيام، ~~والظاهر ما ذهب إليه الشافعي وفي (أ) قوله: "كفارة لما بينهما" دليل على ~~فضيلة الاعتمار، أنها مكفرة للسيئات. # ما قال (ب) ابن عبد البر: والمراد تكفير الصغائر دون الكبائر، قال: وذهب ~~بعض العلماء من عصرنا إلى تعميم ذلك، ثم بالغ في الإنكار عليه، وقد تقدم ~~نظير ذلك في الصيام. # وقوله: "الحج المبرور" اختلف في تفسيره، فقال ابن خالويه: هو المقبول، ~~وقال غيره: الذي لا يخالطه شيء من الإثم، ورجحه النووي (¬2)، PageV05P173 # وقيل إنه الذي تظهر ثمرته على صاحبه بأن يكون حاله بعد خيرا من حاله قبله. # ولأحمد والحاكم من حديث جابر. قالوا (أ): يا رسول الله: ما بر الحج؟ قال: ~~"إطعام الطعام وإفشاء السلام" (¬1). # وفي إسناده ضعف، فلو ثبت لكان هو المتعين دون غيره. # 549 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "قلت: يا رسول الله على النساء ~~جهاد؟ قال: نعم عليهن جهاد لا قتال فيه الحج PageV05P174 # والعمرة" رواه أحمد وابن ماجه (¬1) واللفظ له، وإسناده صحيح، وأصله في ~~الصحيح الذي في صحيح البخاري بلفظ أنها قالت: "يا رسول الله نرى الجهاد ~~أفضل العمل (أ) فلا نجاهد قال: لكن أفضل الجهاد حج مبرور" (¬2). # الحديث فيه دلالة على فضيلة الحج والعمرة وأنهما في حق المرأة يجبران ما ~~فاتها من فضيلة الغزو. # 550 - وعن ms0893 جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: "أتى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أعرابي، فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة أواجبة هي؟ فقال: ~~لا، وأن تعتمر خير لك" رواه أحمد والترمذي والراجح وقفه، وأخرجه ابن عدي من ~~وجه آخر ضعيف (¬3). # في إسناد الحديث الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف (¬4)، قال البيهقي (¬5): ~~"المحفوظ عن جابر موقوفا" وقال: "وروي عن جابر مرفوعا بخلاف PageV05P175 # ذلك" يعني حديث ابن لهيعة عن جابر، وابن لهيعة ضعيف، والترمذي حسن الحديث ~~في جميع الروايات عنه إلا في رواية الكروخي فقط فإن فيها "حسن صحيح"، وفي ~~تصحيحه نظر من أجل الحجاج فإن الأكثر على تضعيفه، والاتفاق على تدليسه، ~~وقال النووي: ينبغي ألا يغتر بكلام الترمذي في تصحيحه، فقد اتفق جمع من ~~الحفاظ كزائدة وابن المبارك وابن مهدي ويحيى القطان، ويحيى بن معين وأحمد ~~بن حنبل وغيرهم على تضعيفه، وقد نقل الترمذي (¬1) عن الشافعي أنه قال: "ليس ~~في العمرة شيء ثابت بأنها تطوع"، وأفرط ابن حزم فقال: إنه مكذوب باطل (¬2). # وأخرجه البيهقي (¬3) من طريق أخرى وفيها عبيد الله بن أبي الزبير، وقد ~~تفرد به، وطريق ابن عدي فيها أبو عصمة، وأبو عصمة كذبوه (¬4). وفي الباب عن ~~أبي صالح الحنفي أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الحج جهاد ~~والعمرة تطوع" أخرجه الشافعي وأخرجه الدارقطني وابن حزم والبيهقي (¬5)، ~~وإسناده ضعيف (أورواه ابن ماجه من حديث طلحة وإسناده ضعيفا أ)، والبيهقي ~~(¬6) من حديث ابن عباس ولا يصح من ذلك شيء. # والحديث متأيد أيضا بما أخرجه الطبراني عن أبي أمامة مرفوعا "من PageV05P176 # مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فأجره كعمرة" (¬1). # الحديث فيه دلالة على أن العمرة غير واجبة وأنها سنة، وقد ذهب إلى هذا ~~القاسم وزيد بن علي وأبو حنيفة وأصحابه، وهو المشهور عن المالكية، وغير ~~المشهور عن الشافعي، إلا أن أبا حنيفة يقول: هي تطوع، وبه قال داود. # 551 - وعن جابر - رضي الله عنه - مرفوعا: "الحج والعمرة فريضتان". الحديث ~~لم يذكر المصنف -رحمه الله ms0894 تعالى- من أخرجه، وهو من رواية ابن عدي والبيهقي ~~من حديث ابن لهيعة عن عطاء عن جابر (¬2)، وقال ابن عدي: هو غير محفوظ عن ~~عطاء، وأخرجه الدارقطني من حديث زيد بن ثابت بزيادة: "لا يضرك بأيهما بدأت" ~~(¬3) وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وهو ضعيف (¬4)، وهو عن ابن سيرين عن ~~زيد وهو منقطع. # وأخرجه البيهقي من طريق ابن سيرين عن زيد مرفوعا، وإسناده أصح، وصححه ~~الحاكم (¬5). # وفي الباب حديث عائشة المتقدم في حق النساء. PageV05P177 # وأخرج الترمذي من حديث أبي رزين العقيلي: "احجج عن أبيك واعتمر" (¬1). # وفي حديث عمر في سؤال جبريل عن الإيمان "وأن تحج وتعتمر" (¬2). # والحديث فيه دلالة على وجوب العمرة، وقد ذهب إلى هذا ابن عمر رواه عنه ~~البخاري تعليقا (¬3) قال: "ليس أحد إلا وعليه حجة وعمرة". # وأخرجه موصولا عنه ابن خزيمة والدارقطني والحاكم أن ابن عمر كان يقول: ~~"ليس من خلق الله أحد إلا وعليه حجة وعمرة واجبتان من استطاع إليه سبيلا، ~~فمن زاد شيئا فهو خير وتطوع". # وقال سعيد بن أبي عروبة في المناسك (¬4) عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: ~~"الحج والعمرة فريضتان". # وعلق البخاري (¬5) أيضا عن ابن عباس "إنها لقرينتها في كتاب الله تعالى: ~~{وأتموا الحج والعمرة لله} " (¬6). # ووصله الشافعي وسعيد بن منصور، والحاكم (¬7) أخرج عنه أيضا: "الحج ~~والعمرة فريضتان" بإسناد ضعيف، وأنث الضمير في قوله: "إنها لقرينتها" لما ~~كان الحج فريضة فاعتبر ذلك. PageV05P178 # وصرح بالوجوب البخاري (¬1) فبوب على ذلك، وبالوجوب قال الشافعي وأحمد ~~وأبو ثور وأبو عبيد والثوري والأوزاعي. # وروي في "الجامع الكافي" القول بوجوب العمرة عن علي وعمر وعائشة وعلي بن ~~الحسين وسعيد بن جبير ومجاهد وعطاء وطاوس والحسن وابن سيرين. وروي عن علي ~~في تفسير قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة} (¬2): إتمامهما إفرادهما ~~مؤتنفتان من أهلك. # وروي عن محمد بن منصور أن في كتاب عمرو بن حزم العمرة هي الحج الأصغر. ~~وأجيب عن ذلك من لم يقل بالوجوب بقوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} ~~(¬3) وبما تقدم من حديث جابر فإنه صريح ms0895 في عدم الوجوب وبأن قوله: {وأتموا ~~الحج والعمرة} لا يفهم الوجوب لأن الإتمام متفق على وجوبه بعد الإحرام ~~بالعمرة وإن كانت تطوعا وبقوله - صلى الله عليه وسلم - في قصة حجته: "دخلت ~~العمرة في الحج" على أحد التأويلات فإنه قيل في معناه أنها دخلت في الحج ~~بمعنى أن أعمال الحج مغنية عنها، وتأويل ما يدل على الوجوب بأنه للمبالغة ~~في شرعيتها حتى كأنها واجبة بجامع تأكيد المحافظة على فعلها، والتأويل ممكن ~~بخلاف ما تقدم من التصريح بعدم الوجوب فإن تأويل ذلك غير ممكن. # 552 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "قيل يا رسول الله: ما السبيل؟ قال: ~~الزاد والراحلة" رواه الدارقطني وصححه الحاكم (¬4)، PageV05P179 # والراجح إرساله، وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمر أيضا (¬1)، وفي إسناده ~~ضعف. الحديث أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي من طريق سعيد بن أبي عروبة ~~عن قتادة عن أنس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في تفسير قوله تعالى: {من ~~استطاع إليه سبيلا} (¬2) قال البيهقي: الصواب عن قتادة عن الحسن مرسلا ~~وسنده إلى الحسن صحيح، ولا أرى الموصول إلا وهما (¬3). وقد رواه الحاكم ~~(¬4) من حديث حماد (أ) بن سلمة عن قتادة عن أنس أيضا، إلا أن الراوي عن ~~حماد هو أبو قتادة عبد الله بن واقد الحراني، وثقه أحمد، وقال أبو حاتم: هو ~~منكر الحديث (¬5). # ورواه الشافعي والترمذي وابن ماجه والدارقطني من حديث ابن عمر، وقال ~~الترمذي: حسن، وفي إسناده إبراهيم بن يزيد الخوزي قال فيه أحمد والنسائي: ~~متروك الحديث (¬6). PageV05P180 # ورواه ابن ماجه والدارقطني (¬1) من حديث [ابن] (أ) عباس، وسنده ضعيف أيضا ~~ورواه ابن المنذر من قول ابن عباس، ورواه الدارقطني من حديث جابر ومن حديث ~~علي بن أبي طالب، ومن حديث ابن مسعود ومن حديث عائشة ومن حديث عمرو بن شعيب ~~عن أبيه عن جده، وطرقها كلها ضعيفة (¬2). # وقال أبو بكر ابن المنذر (¬3): لا يثبت الحديث في ذلك مسندا، والصحيح من ~~الروايات رواية الحسن المرسلة. # الحديث فيه دلالة على أن الاستطاعة التي شرطها الله سبحانه وتعالى في ~~وجوب الحج ms0896 هي الزاد والراحلة، وأن من عدمهما أو أحدهما فلا حج عليه، وقد ~~ذهب إلى هذا أكثر (ب) الأمة، فالزاد شرط مطلقا والراحلة لمن داره على ~~مسافة، وذهب ابن الزبير وطاوس وعكرمة (ج) وعطاء ومالك بن أنس إلى أن ~~الاستطاعة الصحة لا غير، لقوله تعالى: {وتزودوا فإن خير الزاد التقوى} (¬4) ~~فإنه فسر الزاد بالتقوى. # قال مالك: ومن عادته السؤال لزمه الحج ويسأل. # وأجيب بأن ذلك غير مراد بالآية بدليل سبب نزول الآية، والحديث PageV05P181 # المفسر للاستطاعة فإنه يدل على حقيقة الزاد، وهو وإن كان ضعيفا ولكنه ~~متأيد بكثرة الطرق، وفرع على ذلك الفقهاء في القدر الذي يحصل به الاستطاعة ~~فقالوا: هو كفاية فاضلة عن كفاية العول حتى يرجع لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يعول" أخرجه أبو داود (¬1)، وعن ~~الثياب والمنزل والخادم لمن يعتاده للحاجة كما يستثنى للدين، قال أبو طالب: ~~ويكفي الكسب في الأوب لا في الذهاب خشية الانقطاع ولأداء العول لذلك، ~~والعروض كالنقد، ولا يعتبر أن يبقى له بعد الأوب شيء، وقال أبو يوسف بل ~~كفاية سنة، وأجيب بأنه لا دليل على ذلك. # وقال الإمام يحيى والطبري وابن سريج: لا يلزم مع صنعة أو بضاعة تفيد ~~كفايته ومن يمون لإضراره. # وقال أبو حنيفة وأكثر أصحاب الشافعي أنه يلزم بيع ذلك لأنه مستطيع ويجب ~~قبول الزاد من الولد إذ لا منة لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أنت ومالك ~~لأبيك" (¬2) لا من غيره للمنة. # وقال الناصر والشافعي والوافي يجب قبوله من غيره أيضا، والإمام وغيره ~~سواء في ذلك ولو من واجب، ولا يجب القرض والتأخر فإن استقرض أو نحوه ملك ~~ولزمه ويصح الحج، ولو كان المال حراما ويأثم. وقال أحمد: لا يجزئ واستدل ~~بأنه تغاير جهة الطاعة والمعصية، فلا مانع، والله أعلم. # 553 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لقي ركبانا بالروحاء فقال: "من القوم؟ قالوا: المسلمون، فقالوا: من أنت؟ PageV05P182 # قال: رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرفعت إليه امرأة صبيا ms0897 فقالت: ~~ألهذا حج؟ قال: نعم ولك أجر" رواه مسلم (¬1)، الحديث لم يخرجه البخاري لأنه ~~ليس على شرطه، ولهذا إنه ترجم الباب بحج الصبي، وأورد فيه ما لم يكن صريحا ~~في المقصود (¬2). # والروحاء اسم محل بينه وبين المدينة ستة وثلاثون ميلا (¬3). # قال القاضي عياض (¬4): يحتمل أن يكون هذا اللقاء في الليل، ولذلك أنهم لم ~~يعرفوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ويحتمل أن يكون نهارا لكنهم لم يروه - ~~صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك لعدم هجرتهم فأسلموا في بلدانهم ولم يهاجروا ~~قبل ذلك. # الحديث فيه دلالة على صحة حج الصبي وأنه منعقد ثابت وظاهره (أ) سواء كان ~~الصبي ممن يميز النية أولا حيث فعل عنه وليه ما يفعل الحاج، وقد ذهب إلى ~~هذا الجمهور من العلماء منهم الشافعي ومالك، والحديث صريح فيه، وذهب (ب) ~~الهادوية وأبو حنيفة إلى أنه لا تنعقد نية الصغير لا في الحج ولا في غيره ~~من سائر العبادات، وإنما أمره بذلك تعويد وتمرس فقط فلا يلزمه شيء من ~~محظورات الإحرام. # قال الطحاوي (¬5): ولا حجة في حديث ابن عباس لأنه قال: أيما غلام حج به ~~أهله ثم بلغ فعليه حجة أخرى ثم ساقه بإسناد صحيح. والجواب PageV05P183 # عنه بأن هذا إنما يدل على أنه لا يسقط به حجة الإسلام الواجبة عليه بعد ~~بلوغه لا على أنه لا يصح منه إذا فعله تطوعا كما هو المدعى. # قال القاضي: أجمعوا على أنه لا يجزئه إذا بلغ عن فريضة الإسلام إلا فرقة ~~شذت فقالت تجزئه لقوله: "نعم"، وظاهره استقامة كون حج الصغير حجا مطلقا، ~~والحج إذا أطلق تبادر منه إسقاط الواجب، ولكن العلماء ذهبوا إلى خلافه، ~~ولعل مستندهم حديث ابن عباس وسيأتي. # وقد ذهب طائفة من أهل البدع إلى منع الصغير من الحج، قال النووي (¬1): ~~وهو مردود لا يلتفت إليه لفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وإجماع ~~الأمة على خلافه، قال النووي (¬2): والولي الذي يحرم عن الصبي إذا كان غير ~~مميز هو ولي ماله وهو أبوه وجده والوصي أو المنصوب من جهة ms0898 الإمام أو ~~الحاكم، وأما الأم فلا يصح إحرامها عنه إلا أن تكون وصية أو قيمة من جهة ~~القاضي، وقيل إنه يصح إحرامها وإحرام العصبة وإن لم يكن لهم ولاية المال، ~~وإن كان مميزا أذن له الولي، فإن أحرم بغير إذن الولي، أو أحرم الولي عنه ~~لم ينعقد علي الأصح، وصفه إحرام الولي عن غير المميز أن يقول بقلبه جعلته ~~محرما، انتهى. وعلى مقتضى قواعد الهادوية كذلك أنه يأمره بالإحرام ولي ماله ~~لأنه من باب الأمر تعويد، وهو إلى ولي ماله، وهذا في المميز، وأما غير ~~المميز فلا، إذ لا فائدة في التعويد (أ) في حقه، ولكن يرد عليهم هذا ~~الحديث، فإن ظاهر الرفع من المرأة إنما هو في حق الصغير الذي في المهد، ~~والأم لها ولاية الحضانة لا ولاية المال (ب)، والرجوع إلى السنة أولى من ~~التقييد بالعلل، وفي قوله "ولك أجر" يعني PageV05P184 # أنها تستحق الثواب بسبب حملها له وتجنيبها إياه ما يجتنب المحرم، وفعله ~~ما يفعل المحرم، والله أعلم. # 554 - وعنه -كان الفضل بن العباس - رضي الله عنه - رديف رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - "فجاءت امرأة من خثعم، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، ~~وجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، فقالت: ~~يا رسول الله: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخا كبيرا لا ~~يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم، وذلك في حجة الوداع "متفق عليه ~~واللفظ للبخاري (¬1). # الحديث رواه البخاري عن الفضل بن عباس من رواية أخيه عنه (¬2)، ومن رواية ~~عبد الله بن العباس من دون توسط الفضل (¬3). # قال البخاري: "وأصح شيء فيه رواية ابن عباس عن الفضل، ويحتمل أن يكون ابن ~~عباس سمعه من الفضل ومن غيره ثم رواه بغير واسطة" (¬4). # ولعله أشار بقوله ومن غيره إلى ما وقع عند أبن ماجه من طريق محمد بن كريب ~~عن أبيه عن ابن عباس قال: أخبرني حصين بن عوف الخثعمي قال: "قلت: يا رسول ~~الله إن أبي أدركه الحج ms0899 ولا يستطيع أن يحج ... " الحديث (¬5) وإنما رجح ~~البخاري الرواية عن الفضل لأنه كان ردف النبي PageV05P185 # - صلى الله عليه وسلم - حينئذ، وكان ابن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منى ~~مع الضعفة، وهذا بناء على أنه كانت القصة في النزول إلى منى إلى حضور جمرة ~~العقبة، مع أنه يحتمل أن تكون القصة بعد الرمي، وأن ابن عباس شهد ذلك ويدل ~~عليه ما وقع عند أحمد وابنه عبد الله والترمذي والطبراني (¬1) من حديث علي ~~وابن العباس أيضا كان شاهدا، ولفظ أحمد عن علي قال: "وقف رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بعرفة، فقال: هذه عرفة، وهو الموقف" فذكر الحديث، وفيه ~~"ثم أتى الجمرة فرماها ثم أتى المنحر فقال: هذا المنحر وكل منى منحر ~~واستفتته، وفي رواية عبد الله "ثم جاءته جارية شابة من خثعم فقالت: إن (أ) ~~أبي شيخ كبير قد أدركته فضيلة الله في الحج أفيجزئ أن أحج عنه؟ قال: "حجي ~~عن أبيك"، ولوى عنق الفضل فقال العباس: يا رسول الله لويت عنق ابن عمك، ~~قال: "رأيت شابا وشابة فلم آمن عليهما الشيطان". # وظاهر هذا أن العباس كان حاضرا لذلك فلا مانع أن يكون ابنه عبد الله أيضا ~~كان معه، وهذا الحديث أثبتت الرواة عن ابن شهاب عن سليمان بن يسار أن ~~السائل كان امرأة، وأنها سألت عن أبيها، وخالفه يحيى بن أبي (ب) إسحاق عن ~~سليمان بن يسار، فاتفق الرواة عنه على أن السائل رجل، ثم اختلفوا عليه في ~~إسناده ومتنه (¬2). PageV05P186 # وقد أخرج ابن ماجه (¬1) من حديث كريب عن ابن عباس عن حصين الخثعمي كما ~~تقدم، وأخرج الطبراني أيضا من طريق عبد الله بن شداد عن الفضل أن رجلا قال ~~"يا رسول الله إن أبي شيخ كبير ... " الحديث. # وأخرج ابن خزيمة من مرسل الحسن قال: بلغني أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أتاه رجل فقال: "إن أبي شيخ كبير أدرك الإسلام لم يحج ... " الحديث ~~ثم ساقه من طريق عوف عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة قال مثله إلا ms0900 أنه قال: ~~"وإن السائل سأل عن أمه" (¬2). # وجمع المصنف (¬3) -رحمه الله تعالى- بين الطرق هذه وقال: يجوز أن يكون ~~السائل رجلا وأنه كان معه ابنته فسألته أيضا، والمسئول عنه أبو الرجل وأمه ~~جميعا، وينصر ذلك ما رواه أبو يعلى بإسناد قوي من طريق سعيد بن جبير عن ابن ~~عباس - رضي الله عنه - عن الفضل بن عباس قال: "كنت ردف النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأعرابي معه بنت له حسناء فجعل الأعرابي يعرضها لرسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - رجاء أن يتزوجها، وجعلت ألتفت إليها، ويأخذ النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - برأسي فيلويه (أ) وكان يلبي حتى رمى الجمرة. تقول ~~الشابة: "إن أبي" أرادت جدها لأن أباها كان معها فكأنه أمرها أن تسأل النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ليسمع كلامها ويراها رجاء أن يتزوجها، فلما لم ~~يرضها سأل أبوها عن أبيه. # ولا مانع أن يسأل أيضا عن أمه، ويحصل من هذه الروايات أن اسم PageV05P187 # الرجل حصين بن عوف الخثعمي، وأما ما وقع في رواية ابن أبي الغوث "كان مع ~~أبيه حصين" فإسناده ضعيف، ولعله زيد في الرواية لفظ ابن وكان العباس عن أبي ~~الغوث حصين، ويحتمل أن الغوث كان مع أبيه حصين فسأل كما سأل أبوه وأخته. # وقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه هذه المسألة من شخص آخر وهو أبو رزين بفتح ~~الراء وكسر الزاي -العقيلي مصغرا، واسمه لقيط بن عامر أنه قال: يا رسول ~~الله إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة قال: "حج عن أبيك واعتمر" (¬1). # وهذه قصة أخر [ى] (أ) ومن أراد الجمع بينها وبين مسألة الخثعمي بالاتحاد ~~فقد أبعد. # وفي إرداف النبي - صلى الله عليه وسلم - الفضل دلالة على جواز الارتداف ~~وعلى تواضع النبي - صلى الله عليه وسلم - وشفقته على قرابته، وفي صرف وجه ~~الفضل عن النظر إلى المرأة دلالة على أنه ينبغي منع النفس عن باعث الشهوة ~~التي تفضي إلى ما لا يجوز، وفيه دلالة على جواز النظر إلى وجه المرأة إلا ~~عند خشية الفتنة ms0901 (¬2)، وأنه يجوز الجمع بين الرجال والنساء في المواقف ~~العامة التي يؤمن معها المعصية وسماع صوتها للأجانب عند الضرورة: ~~كالاستفتاء عن العلم، والترافع في الحكم والمعاملة. # وقولها "إن فريضة الله على عباده" في رواية بحذف "على عباده" PageV05P188 # وفي رواية للنسائي: "إن أبي أدركه الحج" وقولها "شيخا" منتصب على الحال ~~وكبيرا إذ لا تثبت صفتان، أو من الأحوال المترادفة أو المتداخلة، والمعنى ~~أنه وجب عليه الحج بأن أسلم وهو علي هذه الصفة، وقوله "لا يثبت" وقع في ~~رواية "لا يستطيع أن يستوي" وفي رواية "لا يستمسك" على الراحلة وفي رواية ~~يحيى بن أبي إسحاق زيادة "وإن شددته خشيت أن أقتله" (¬1) وفيها دلالة علي ~~اجتماع الأمرين، من اجتماع الأمرين: عدم ثباته وخشية الضرر عليه من شده في ~~صحة الاستنابة عنه، ويكون الذي لا يضره الشد مثل من يقدر على محمل موطأ ~~كالمحفة وهو يفهم من معنى الاستطاعة إلا أنه ادعى في البحر الإجماع علي أن ~~الصحة التي يستمسك معها قاعدا شرط الإجماع، فإن صح الإجماع فذاك، وإلا ~~فالعمل علي ما قلنا. وقولها "أفأحج عنه؟ " أي أفيجوز لي أن أنوب عنه فأحج ~~عنه، فالمعطوف عليه مقدر، وفي رواية "فهل نقضي عنه؟ " وفي حديث علي "هل ~~يجزئ عنه؟ " قوله "قال نعم" الحديث فيه دلالة علي أنه يجزئ الحج عن الغير ~~وأنه يصح الحج عن الحي إذا كان مأيوسا منه القدرة علي الحج بنفسه مثل ~~الشيخوخة فإنه مأيوس زوالها، وأما إذا كان عدم القدرة لأجل مرض أو جنون ~~يرجى زوالهما فلا يصح، فعلى هذا المعضوب الأصلي والشيخ الكبير، ومن أصابه ~~علة أيس من برئها لهم الاستنابة في الحج، فإن حج من ظن اليأس ثم زالت ~~العلة، فالمؤيد وأبو طالب والجمهور من العلماء قالوا: يجب الإعادة لانكشاف ~~كذب ظنه، وذهب أحمد وإسحاق والمرتضى إلى أنها لا تجب الإعادة اعتبارا ~~بالابتداء، ولئلا يلزمه حجتان، والجواب أن المعتبر الانتهاء وأن الحجة ~~الأولى انكشف عدم لزومها، وقد استدل به بأنه إذا PageV05P189 # تبرع الغير بمال الحج للغير لزمه حج، فإن المرأة ms0902 لم يتبين من حالها أن ~~أباها مستطيع بالزاد والراحلة ولم يستفصلها النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ويجاب عنه بأنه لم يذكر في الحديث سوى الآخر إلا الوجوب فلم يتعرض له ~~ولعلها قد كانت فهمت أن الحج قد وجب على أبيها بتمكنه من الزاد والراحلة ~~بدليل أنها قالت: "إن فريضة الحج" وما ذاك إلا لعلمها بدليل الوجوب، وقد ~~شرط فيه الاستطاعة، والفقهاء اختلفوا في المسألة إذا بذل الغير الزاد ~~المبلغ هل يجب قبوله أولا؟ أو من الولد فقط؟ على تفصيل معروف في كتب الفقه. # وقال من أوجب قبوله من الولد: إنه لا يجب القبول من الولد أن يحج بنفسه ~~قالوا: لأنه لا حق في بدن الولد بخلاف ما له فله فيه حق. وفي الحديث رد على ~~من قال من الحنفية إن التحجيج عن الغير لا يسقط عنه الوجوب وإنما يستحق ~~ثواب النفقة فقط، واتفق من أجاز الحج عن الغير في الفرض أنه لا يجزئ إلا عن ~~موت أو عضب، وأما النفل فذهب أحمد وأبو حنيفة إلى أنه يجوز النيابة فيه عن ~~الغير مطلقا للتوسع في النفل، وادعى بعضهم أن هذه القصة مختصة بالخثعمية ~~كما اختص سالم مولى أبي حذيفة بالرضاع حكاه ابن عبد البر، واحتج لذلك (¬1) ~~بما رواه عبد الملك بن حبيب صاحب الواضحة بإسنادين مرسلين فزاد في الحديث ~~"حج عنه وليس (أ) لأحد بعده" والإسنادان ضعيفان وهو معارض بأنه قد ثبت في ~~حديث أبي رزين، وفي قصة الجهنية أيضا، أخرجه البخاري (¬2). PageV05P190 # والتعليل فيه بقوله: "اقضوا الله فالله أحق بالوفاء" وإن كان ذلك عن ميت ~~إذ لا فرق، وبعضهم قال: الحكم خاص بالولد، ويجاب عنه بأن القياس دليل شرعي ~~والمعنى معقول (أ) ولا سيما بعد التنبيه على العلة وكونه دينا أحق بالقضاء، ~~وبما سيأتي من الحج عن شبرمة. وقال بعض المالكية إن الحج عن الغير لا يكون ~~إلا بالوصية. # وقال القرطبي: وحديث الخثعمية وإن كان صحيحا فهو مخالف لظاهر قوله تعالى: ~~{وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (¬1) إلا أنه إنما أجابها ms0903 عن قولها "أفأحج ~~عنه" قال: "حجي عنه" لما رأى من حرصها على إيصال الخير والثواب لأبيها، انتهى. # وهو أيضا متأيد بما رواه عبد الرزاق من حديث ابن عباس فزاد في الحديث "حج ~~عن أبيك فإن لم يزده خيرا لم يزده شرا". # وقد جزم الحفاظ بأنها زيادة شاذة (ب) (¬2)، وعلى تقدير صحتها لا حجة في ~~ذلك، وظاهر الحديث الإطلاق، وهو أنه يجزئ الحج عن المعضوب سواء كان قد ~~استطاع قبل إصابة المانع أو بعده خلافا للحنفية والجمهور. # ومن فوائد الحديث أن إحرام المرأة في وجهها فيجوز لها كشفه في الإحرام، ~~وأنه يحسن السؤال عن العلم ولو من المرأة عن الرجل، وأن المرأة تحج بغير ~~محرم، وأن المحرم ليس من السبيل المشترط في الحج ولكنه قد تقدم أنها كانت ~~مع أبيها، وفيه بر الوالدين والاعتناء بأمرهما، والقيام بمصالحهما من قضاء ~~دين وخدمة ونفقة وغير ذلك من أمور الدين والدنيا، PageV05P191 # وفيه أن العمرة غير واجبة، ولا دلالة فيه لأن ترك الذكر لا يدل على عدم الحكم. # 555 - وعنه "أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقالت: إن أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت أفأحج عنها؟ قال نعم حجي عنها، ~~أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء" ~~رواه البخاري (¬1). # قوله "إن امرأة" قال المصنف -رحمة الله عليه-: "لم أقف على اسمها ولا على ~~اسم أبيها، ولكنه روى ابن وهب عن عثمان بن عطاء الخراساني أن عائشة (¬2) ~~أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت إن أمي ماتت وعليها نذر أن تمشي ~~إلى الكعبة فقال "اقضي عنها" أخرجه مسدد، وهي بالغين المعجمة (¬3) والشين ~~المعجمة (3)، وتردد هل بتقديم الياء المثناة من تحت على الشين (¬4) أو ~~بتأخيرها، وفي رواية النسائي وابن خزيمة وأحمد من طريق موسى بن سلمة الهذلي ~~عن ابن عباس قال: "أمرت امرأة سنان الجهني أن يسأل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن أمها توفيت ولم تحج "الحديث" (¬5) (¬6). # وهو محتمل أن المرأة المذكورة ms0904 هي هذه وأن السائل هو زوجها بأمرها PageV05P192 # ونسب السؤال إليها مجازا لما كان سؤالها أو أنها سألت بنفسها وقد حضرت مع ~~زوجها، ولعلهما توليا السؤال جميعا، فالنسبة إليهما حقيقة مع أنه قد وقع ~~عند ابن ماجه عن ابن عباس عن سنان بن عبد الله الجهني أن عمته حدثته "أنها ~~أتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: إن أمي توفيت وعليها مشى إلى ~~الكعبة نذرا" الحديث. # ولكنه على فرض صحته يحمل على تعدد الواقعة، وقد وقع في البخاري في باب ~~المنذر بلفظ: "أتى رجل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: إن أختي نذرت ~~أن تحج وإنها ماتت" وهو محمول علي تعدد القصة. وقد وقع في صحيح مسلم عن ~~بريدة "أن امرأة قالت: يا رسول الله إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت، ~~قال: وجب أجرك ورد عليك الميراث، قالت: إنه كان عليها صوم شهر أفأصوم عنها؟ ~~قال: صومي عنها، قالت: إنها لم تحج أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها" (¬1). # وبهذا يدفع اعتراض بعضهم بأن الحديث مضطرب ورد في الصيام، وورد في الحج. # وفي الحديث دلالة على أن الناذر بالحج إذا لم يكن قد حج أجزأته عن حجة ~~الإسلام إذ لم يسألها النبي - صلى الله عليه وسلم - هل قد كانت حجت أم لا؟ # وقوله: "أرأيت .. " إلخ فيه دلالة علي مشروعية القياس، وضرب المثل ليكون ~~أوقع في نفس السامع، وتشبيه ما اختلف بما اتفق عليه وأنه يستحب للمفتي ~~التنبيه على وجه الدليل، إذا ترتب على ذلك مصلحة، وهو أطيب لنفس المستفتي ~~وأدعى لإذعانه، وفيه أن قضاء دين الميت كان معلوما عندهم مقررا، ولهذا حسن ~~الإلحاق به. وقوله "أكنت قاضيته" بالضمير العائد إلى الدين، وهو في رواية ~~الأكثر للبخاري، وفي رواية PageV05P193 # الكشميهني "قاضيه" بوزن فاعله بحذف الفعول. والحديث فيه دلالة على صحة ~~الحج عن الميت، وأنه يجب التحجيج عنه سواء أوصى أو لم يوص، لأن الدين يجب ~~قضاؤه مطلقا، وكذلك سائر الحقوق المالية من كفارة أو فدية أو زكاة أو غير ~~ذلك، وقد ذهب ms0905 إلى هذا ابن عباس وزيد بن ثابت وأبو هريرة والشافعي، ويجب ~~إخراج الأجرة من رأس المال علي هذا القول، وظاهر هذا الحديث أنه مقدم على ~~دين الآدمي، وهو أحد أقوال الشافعي، وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه ومالك ~~إلى أنه لا يجب إلا بالوصية لقوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} ~~(¬1) والجواب عن الآية الكريمة بتخصيصها بالحديث، أو أن المراد بالإنسان ~~فيها الكافر وأنها مخصوصة بقوم موسى وإبراهيم عليهما السلام، وقيل ليس له ~~من طريق العدل وله من طريق الفضل، وقيل اللام بمعنى على كقوله: {ولهم ~~اللعنة} (¬2) قالوا: ولا يجزئ عنه إن (أ) لم يوص. # وقال المنصور بالله: إنه يجزئ من الولد بخصوصه لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ألا وإن ولد المرء من سعيه" (¬3). # وقال محمد بن الحسن الشيباني: إنه لا يسقط وجوب الحج عن الميت وإن أوصى، ~~وإنما يلحقه ثواب النفقة والحج للأجير، وهو خلاف الدليل، والله أعلم. PageV05P194 # 556 - وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أيما صبي حج ثم ~~بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما عبد حج ثم أعتق فعليه حجة أخرى ~~"رواه ابن أبي شيبة والبيهقي ورجاله ثقات (¬1)، إلا أنه اختلف في رفعه، ~~والمحفوظ أنه موقوف. # الحديث أخرجه ابن أبي شيبة عن ابن عباس بلفظ: قال: احفظوا عني ولا ~~تقولوا: قال ابن عباس فذكره. # وهذا ظاهره الرفع لأنه نهاهم عن نسبته إليه. # وأخرجه ابن خزيمة والإسماعيلي في مسند الأعمش، والحاكم وقال: على شرطهما، ~~والبيهقي، وابن حزم وصححه، والخطيب في التاريخ من حديث أبي ظبيان عنه. # قال ابن حزم: والصحيح موقوف (أ). # وأخرجه ابن عدي عن شعبة، قال البيهقي (¬2): مرقوعا تفرد برفعه محمد بن ~~المنهال، فإنه قد رواه الحارث بن شريح عن يزيد بن زريع ومحمد بن المنهال ~~كذلك، وأيضا فإن رواية ابن أبي شيبة هي عن أبي معاوية عن الأعمش، فقد اتفق ~~أبو معاوية ويزيد بن زريع عن شعبة. # وأخرج الحديث أبو داود في مراسيله عن محمد بن كعب القرظي وفيه راو مبهم ms0906 ~~(¬3)، وفي رواية البيهقي زيادة: "فإذا حج الأعرابي فله حجة، PageV05P195 # وإذا هاجر فعليه حجة أخرى" (¬1). # والمراد بالأعرابي الكافر، وكان الكفر هو الغالب على الأعراب، نبه على ~~هذا ابن الصلاح. # والحديث فيه دلالة علي أن حج الصغير لا يسقط عنه الواجب بعد بلوغه وهو ~~قول الأكثر، وقد تقدم حكاية الخلاف فيه، وكذا العبد بعد عتقه فإنه يجب عليه ~~إعادة الحج، ويصح منه في حال الرق وإن لم يأذن له سيده وقال داود: لا ينعقد ~~من غير إذن. # 557 - وعنه قال سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يقول: "لا ~~يخلون رجل بامرأة إلا ومعها ذو محرم ولا تسافر المرأة إلا مع ذي محرم فقام ~~رجل فقال يا رسول الله: إن امرأتي خرجت حاجة وإني اكتتبت في غزوة كذا وكذا ~~قال: انطلق فحج مع امرأتك" متفق عليه واللفظ لمسلم (¬2). # قوله "لا يخلون ... " إلخ فيه دلالة على تحريم الخلوة بالأجنبية وهو ~~إجماع لكن اختلفوا هل يقوم غير المحرم مقامه في هذا بأن يكون معهما من يزيل ~~معنى الخلوة، والظاهر أنه يقوم لأن المعنى المناسب للنهي إنما هو خشية أن ~~يوقع بينهما الشيطان الفتنة، وقال القفال: لا بد من المحرم. # وقوله "ولا تسافر" إلخ ظاهر الحديث منع المرأة من السفر المطلق، وظاهره ~~ما سمي سفرا، وقد ورد تقييده في حديث أبي سعيد فقال مسيرة PageV05P196 # يومين (¬1)، وفي حديث أبي هريرة مقيدا بمسيرة يوم وليلة (¬2) فالتقييد ~~متعارض، وقد عمل العلماء بالمطلق لتعارض التقييدان (¬3)، وكان القياس ~~الاقتصار على أقلها لأنه منطوق ونفيه من الأكثر بالمفهوم. # وقال النووي: ليس المراد من التحديد ظاهره بل كل ما سمي سفرا فالمرأة ~~منهية عنه إلا بالمحرم، وإنما وقع التحديد عن أمر واقع فلا يعمل بمفهومه ~~(¬4) انتهى. وقد وردت أحاديث فمنها عن أبي هريرة "لا تسافر امرأة بريدا إلا ~~ومعها محرم عليها" أخرجه أبو داود والحاكم والبيهقي (¬5). # وعنها "لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم" أخرجه أحمد والبخاري ~~ومسلم (¬6)، وأحمد وأبو داود عن ابن عمر (¬7)، ومسلم والطيالسي عن أبي سعيد ms0907 (¬8). # وعن أبي أمامة: "لا تسافر المرأة إلا ومعها محرم ولا يدخل عليها إلا ~~ومعها زوجها" أخرجه الدارقطني (¬9). PageV05P197 # (أ) وعن جابر "لا تسافر المرأة إلا ومعها محرم ولا يدخل عليها إلا وعندها ~~محرم، فإذا دخل أحدكم فليعلم أن الله يراه" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان. ~~وعن أبي هريرة "لا تسافر المرأة مسيرة ليلة إلا مع ذي محرم" أخرجه الحاكم (¬1). # وعن عدي بن حاتم: "لا تسافر المرأة فوق ثلاث إلا مع ذي محرم" أخرجه ~~الطبراني (¬2)، وعن أبي سعيد: "لا تسافر المرأة مسيرة يومين إلا ومعها ~~زوجها أو ذو محرم لها". # وأخرج الطبراني عن ابن عباس: "لا تسافر المرأة ثلاثة أميال إلا مع زوج، ~~أو مع (ب) ذي محرم" أخرجه الطبراني (¬3). # والحديث عام للسفر جميعه سواء كان واجبا عليها أو جائزا، والعلماء فصلوا ~~في ذلك فقالوا: إنه يجوز للمرأة السفر وحديث في الهجرة من دار الحرب ~~وللمخافة علي نفسها ولقضاء الدين ورد الوديعة والرجوع من النشور، وهذا مجمع ~~عليه، وكذا سفر النزهة والتجارة لا يجوز السفر إلا مع المحرم إجماعا (¬4). # واختلفوا في سفر الحج الواجب فذهب الأكثر إلى أنه لا يجوز للشابة (ج) PageV05P198 # السفر إلا مع محرم، ونقل الكرابيسي قولا للشافعي، وصححه في المهذب (¬1) ~~أنها تسافر وحدها إذا كان الطريق آمنا، واحتج بحديث عدي بن حاتم مرفوعا: ~~"يوشك أن تخرج الظعينة من الحيرة تؤم البيت ... " الحديث وهو في البخاري، ~~وتعقب بأنه يدل علي وجود ذلك لا علي جوازه، وأجيب بأنه خبر في سياق المدح ~~ورفع منار الإسلام فيدل علي الجواز (أ)، وقول النووي إن إخبار النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بالأمر الذي سيقع لا يدل على جوازه صحيح، إلا أن القرينة ~~قد تدل على تعيين الجواز أو غيره فيحمل عليه. # قال ابن دقيق العيد: قوله تعالى: {ولله على الناس حج البيت} الآية (¬2) ~~عموم شامل للرجال والنساء، وقوله - صلى الله عليه وسلم - "لا تسافر المرأة" ~~عموم في جميع أنواع السفر، فتعارض العمومان فيرجح بينهما وقد ترجح عموم ~~الآية بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ms0908 تمنعوا إماء الله مساجد الله" (¬3). # ويجاب بأن هذا عام في جميع المساجد فيقصر على ما لا يحتاج إلى سفر (ب)، ~~ولكنه قد يجاب عنه بالأحاديث الواردة في خصوص نهيها عن الحج إلا مع ذي محرم ~~فإنه مخصص لعموم الآية، ولعل ابن دقيق العيد غفل عن ذلك، والله أعلم. # وذهب القاسم -وهو قول للشافعي، نقله أبو الوليد الباجي- أن PageV05P199 # العجوز يجوز لها السفر من دون محرم، وكأنه نظر إلى المعنى فخصص به ~~العموم، وقال أبو حنيفة -وهو قول للشافعي-: إن حكمها حكم الشابة، قال: إذ ~~لكل ساقط لاقط (¬1). # وذهب المنصور بالله إلى أن المرأة ذات الحشم يجوز لها السفر وذهب الشافعي ~~إلى أن النساء الثقات للمرأة يكن كالمحرم، وصرح به أبو الطيب الطبري قال: ~~إذا أرادت أن تؤدي الحج فلا يجوز لها إلا مع محرم أو زوج أو نسوة ثقات، ~~ويدل علي ذلك حج أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أذن لهن عمر في ~~آخر حجة حجها فبعث معهن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف (¬2)، وكان عبد ~~الرحمن بن عوف ينادي: "ألا لا يدنو أحد منهن ولا ينظر إليهن"، وهن في ~~الهوادج على الإبل فإذا نزلن أنزلهن بصدر الشعب فلم يصعد إليهن أحد، ونزل ~~عبد الرحمن بذنب الشعب (¬3). # وفي رواية لابن سعد: "فكان عثمان يسير أمامهن، وعبد الرحمن بن عوف ~~خلفهن". # وفي رواية له وعلى هوادجهن علي الإبل الطيالسة الخضر. وفي إسناده ~~الواقدي. # وحججن بعد ذلك في ولاية معاوية، والمغيرة أمير المدينة سنة خمسين أو ~~قبلها (¬4)، وكذا في خلافة عثمان استأذنته عائشة، فقال: أنا أحج بكن، PageV05P200 # قالت: فحج بنا جميعا إلا زينب كانت ماتت، وإلا سودة فإنها لم تخرج من ~~بيتها بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وتأولن قوله - صلى الله عليه وسلم ~~- في حجة الوداع: "هذه ثم ظهور الحصر" (¬1) بأنه لا واجب عليهن غيرها إلا ~~المنع من الحج مطلقا، وحمل ذلك على ظاهره زينب وسودة وأن المراد أن لا ~~يخرجن من بيوتهن ويلزمن الحصر، وهو جمع حصير: الذي يبسط ms0909 في البيوت بضم ~~الحاء والصاد وسكن تخفيفا، ويدل على التأويل إجماع الصحابة على جواز حجهن ~~ولم ينكر أحد ذلك مع أن عمر قد كان سبق منه المنع ثم أذن لهن في آخر حجة ~~حجها، ولعله كان قد ذهب إلى المنع ثم رجح عنده التأويل. قوله: "فقال رجل" ~~قال المصنف -رحمة الله عليه (¬2) -: لم أقف على اسم الرجل ولا على اسم ~~امرأته ولا على تعيين الغزوة المذكورة، والظاهر أن ذلك كان في حجة الوداع، ~~وقد يؤخذ منه أن الحج على التراخي لأنه اكتتب هو مع الرفقة وعزم على ترك الحج. # ويجاب أنه يجوز أن يكون قد أسقط فرضه في السنة الأولى التي حج فيها أبو ~~بكر الصديق أو أنه قد كان تعين عليه الجهاد بتعيين النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أو الأمير، وهو تقدم الجهاد على الحج لذلك (أ). وقوله: "فحج مع ~~امرأتك" قد يتمسك به من يقول: إنه يجب على الزوج الخروج مع زوجته إلى الحج ~~إذا لم يكن لها غيره وهو قول أحمد ووجه للشافعية (ب)، وقول الأكثر بخلافه ~~ولعلهم يحملون الأمر على الندب والقرينة على ذلك PageV05P201 # ما تقرر من قواعد الدين أنه لا يجب على أحد بذل منافع نفسه ليحصل غيره ما ~~وجب عليه، ويستدل بهذا الحديث على أنه ليس للزوج منع امرأته من الحج، وقد ~~أخرج الدارقطني (¬1) عن ابن عمر مرفوعا (أ) في امرأة لها زوج ولها مال ولا ~~يأذن لها في الحج ليس لها أن تنطلق إلا بإذن زوجها. # وأجيب عنه بأنه محمول على حج المتطوع عملا بالحديثين، ونقل ابن المنذر ~~-رحمه الله- الإجماع على أن للرجل منع زوجته من الخروج (ب) في الأسفار ~~كلها، وإنما اختلفوا فيما كان واجبا. # واختلف العلماء في وجود المحرم للمرأة هل هو شرط في وجوب الحج عليها حتى ~~لا يوصف بالوجوب ولا يجب عليها الوصية به إذا لم تجده أو هو شرط في تضيق ~~التأدية عليها لا الوجوب فينعكس الحكم المذكور؟ فذهب أبو طالب وأحد قولي ~~المؤيد إلى الأول قالوا: لأنها ms0910 ممنوعة، فلو كان واجبا لاجتمع في ذلك الحرمة ~~والوجوب، فكون الشيء الواحد محلا لهما غير جائز. # والجواب أن الجهة مختلفة فمتعلق الوجوب غير متعلق الحرمة، وهي ممنوعة من ~~الحج شرعا لعدم المحرم مثل منع المحدث من الصلاة والجواب الفرق بأن الحدث ~~يمكن إزالته بخلاف المحرم، فإن ذلك واقف على وجوده واختياره وليس ذلك ~~ممكنا، وذهب الهادي والمؤيد إلى الثاني لتناول الأدلة للمرأة مطلقا عن ذلك. # وفي قوله: "انطلق فحج مع امرأتك" دلالة على أنه ينبغي تقديم PageV05P202 # الأهم فالأهم فإنه لما عرض له الغزو والجهاد ورجح له الحج لأن امرأته لا ~~يقوم غيره مقامه في السفر معها بخلاف الغزو، والله أعلم. # 558 - وعنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا يقول: "لبيك عن ~~شبرمة، قال: من شبرمة؟ قال: أخ وقريب لي، قال: حججت عن نفسك؟ قال: لا، قال: ~~حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة" رواه أبو داود وابن ماجه وصححه ابن حبان، ~~والراجح عند أحمد وقفه. الحديث في رواية الدارقطني وابن حبان والبيهقي ~~بلفظ: "هذه عنك ثم حج عن شبرمة" (¬1) قال البيهقي: إسناده صحيح وليس في هذا ~~الباب أصح منه. # وروي موقوفا على ابن عباس ورواه غندر عن سعيد بن جبير، والذي رفعه عبده ~~من حديث سعيد، وهو ثقة (أ) محتج به في الصحيحين، وقد تابعه على رفعه محمد ~~بن بشر، ومحمد بن عبيد الله الأنصاري، وقال ابن معين: أثبت الناس في سعيد ~~عبده، وكذا رجح عبد الحق وابن القطان رفعه، وقال الطحاوي الصحيح أنه موقوف. # وقال أحمد بن حنبل: رفعه خطأ، ليقال ابن المنذر، لا يثبت رفعه. ورواه ~~سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وخالفه ابن أبي ليلى، فرواه عن عطاء عن عائشة، وخالفه الحسن بن ~~ذكوان، فرواه عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس، وقال الدارقطني: ~~المرسل أصح. PageV05P203 # قال المصنف (¬1) -رحمه الله تعالى-: هو كما قال لكن يقوى المرفوع لأنه عن ~~غير رجاله، ms0911 وقد رواه الإسماعيلي في معجمه من طريق أخرى عن أبي الزبير عن ~~جابر، وفي إسنادها من يحتاج إلى النظر في حاله، ويلخص من هذا صحة الحديث، ~~وتوقف بعضهم عن تصحيحه من حيث إنه رواه قتادة عن عزرة عن سعيد بن جبير، ولم ~~يصرح بسماعه من عزرة، وهو مدلس (¬2)، وعزرة هذا هو ابن عبد الرحمن كوفي، ~~ويقال ابن يحيى، وثقه يحيى بن معين وعلي بن المديني وغيرهما، وروى له مسلم (¬3). # وقال الشافعي: حدثنا سفيان عن أيوب عن أبي قلابة قال سمع ابن عباس رجلا ~~يلبي عن شبرمة ... الحديث. # قال ابن المغلس: أبو قلابة لم يسمع من ابن عباس (¬4). # واستبعد صاحب الإمام تعدد القصة مع أن السياق واحد، وزعم ابن باطيش أن ~~اسم الملبي نبيشة، وهو وهم، فإن اسم الملبي عنه فيما زعم الحسن بن عمارة، ~~وخالفه الناس فيه فقالوا: إنه شبرمة، وقد قيل: إن الحسن بن عمارة رجع عن ~~ذلك، وقد بينه الدارقطني (¬5) في السنن. # الحديث فيه دلالة علي أنه لا يصح أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه إذ ~~أمره له - صلى الله عليه وسلم - أن يجعلها عن نفسه بعد أن قد كان لبى عن PageV05P204 # شبرمة دليل على أن النية لا تنعقد لأنه لو كان ينعقد لوجب عليه المضي ~~فيه، وظاهر الحديث أنه لا يصح مطلقا سواء كان يجب عليه الحج للاستطاعة أولا ~~وإن كان قد يقال: إنه قد صار بعد وصوله في حكم المستطيع، وقد ذهب إلى هذا ~~الناصر والشافعي إلا أن الشافعي يقول: إذا حج عن غيره انقلب الحج عن نفسه ~~كذا ذكره ابن رشد، وذهب الهادي والقاسم إلى أنه إن كان واجبا عليه الحج لم ~~يصح منه الإحرام عن غيره وإن كان غير واجب صح منه لحديث ابن عباس أن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - سمع رجلا يلبي بالحج عن نبيشة، بنون مضمومة ثم باء ~~موحدة مفتوحة ثم مثناة من تحت ساكنة ثم شين معجمة ثم هاء تأنيث فقال: "أيها ~~الملبي عن نبيشة أحججت عن ms0912 نفسك؟ قال: لا، قال: فهذه عن نبيشة وحج عن نفسك" ~~(¬1) رواه في الشفا. # ففي هذا دلالة على أنه يصح أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه، (أولكن ~~الاحتجاج بهذا لا يتم على التفصيل إذ ظاهره الصحة مطلقا فإن أمره له أن يحج ~~عن نفسه بعده دلالة على أنه فهم منه وجوبه عليه، وهذا مذهب أبي حنيفة ~~وأصحابه، ولكنه يجاب على هذا بأن حديث شبرمة أصح فقد عرفت طرقه. # وهذا الحديث رواه الدارقطني موافقا لحديث شبرمة أ) كما عرفت فهو مضطرب مع ~~أنه غير مشهور فالرجوع إلى حديث شبرمة أولى. # 559 - وعنه قال: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إن الله ~~كتب عليكم الحج، فقام الأقرع بن حابس فقال: أفي كل عام يا رسول الله؟ قال: ~~لو قلتها لوجبت، الحج مرة فما زاد فهو تطوع" رواه الخمسة غير PageV05P205 # الترمذي (¬1)، وأصله في مسلم من حديث أبي هريرة (¬2). # رواه أحمد بهذا اللفظ وزيادة بعد قوله: "لوجبت ولو وجبت لم تعموا بها" ~~ولفظ مسلم: خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يأيها الناس قد ~~فرض الله الج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله؟ فسكت حتى قالها ~~ثلاثا، فقال: لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم ثم قال: ذرونى ما تركتكم ... ~~" الحديث. ورواه النسائي ولفظه: "ولو وجبت ما قمتم بها" (¬3). # وله شاهد من حديث أنس في ابن ماجه ولفظه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "كتب عليكم الحج، فقيل: يا رسول الله في كل عام؟ فقال: لو ~~قلت: نعم لوجبت، ولو وجبت لم تقوموا بها ولو لم تقوموا بها عذبتم" ورجاله ~~ثقات (¬4). وروى الحاكم والترمذي له شاهدا من حديث علي وسنده منقطع ولفظه ~~قال: "لما نزلت هذه الآية {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} ~~قالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت، ثم قالوا أفي كل عام؟ قال: لا ولو ~~قلت نعم لوجبت" (¬5). # قوله: "أفي (أ) كل عام" معناه أيتكرر وجوبه على المكلف في ms0913 كل عام، وقوله: ~~"لوجبت" قد يستدل به على أنه يجوز التفويض للنبي - PageV05P206 # - صلى الله عليه وسلم - في شرع الأحكام (*)، وقد ذهب إليه ابن السمعاني، ~~وهو أحد قولي الشافعي، قالوا: وهو مختص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - وقال ~~الإمام يحيى: إنه يجوز للنبي وللمجتهد دون غيرهما، وتوقف في وقوعه وذهب ~~موسى بن عمران من المعتزلة إلى جوازه، ووقوعه مطلقا في حق النبي وغيره ~~وظاهره ولو غير مجتهد، وذهب الجمهور من متأخري الحنفية والشافعية وغيرهم ~~إلى جوازه عقلا ولكنه لم يقع، وتردد الشافعي فقيل في الجواز وقيل في ~~الوقوع، والذي عليه الجمهور من العلماء أنه لا يجوز من الله أن يفوض إلى ~~أحد شرع الأحكام كيف يشاء بما اتفق، قالوا: لأن الأحكام الشرعية إنما شرعت ~~لمصالح العباد ولا يستمد من أحد اختيار الصلاح، وإدراكه علي جهة الاتفاق، ~~وتأولوا ما أوهم ذلك مثل هذا الحديث، ومثل قوله "لولا أن أشق على أمتي ~~لأمرتهم بالسواك" (¬1) ومثل قوله تعالى: {إلا ما حرم إسرائيل على نفسه} ~~(¬2) ومثل قوله في حديث العباس "إلا الإذخر" فقال: "إلا الإذخر" (¬3) فإن ~~ذلك متأول، فمثل الآية محمول على الاجتهاد بدليل ظني، ومثل "إلا الإذخر" ~~قاله العباس وقد كان فهم التخصيص فقرره النبي - صلى الله عليه وسلم - ومثل ~~حديث السواك والحج أنه قد كان خير - صلى الله عليه وسلم - بين أن يأمر ~~بالسواك، وأن لا يأمر وبين أن يوجب الحج، في كل عام أولا أو أنه أراد أنه ~~يقول ذلك بوحي (أ) لأنه لا ينطق عن الهوى، والله أعلم. # خاتمة: اشتمل هذا الباب على أحد عشر حديثا. PageV05P207 ### || AUTO باب المواقيت # 560 - عن ابن عباس - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وقت لأهل المدينة ذا الحليفة، ولأهل الشام الجحفة، ولأهل نجد قرن المنازل، ~~ولأهل اليمن يلملم، هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن ممن أراد الحج والعمرة، ~~ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ حتى أهل مكة من مكة" متفق عليه (¬1). # قوله: "وقت" أي: حد، وأصل التوقيت أن يجعل للشيء ms0914 وقت يختص به، وهو بيان ~~مقدار المدة، يقال: وقت الشيء يوقته بالتشديد، ووقته بالتخفيف يقته إذا بين ~~مدته ثم اتسع فيه فقيل للموضع ميقات، وقال ابن دقيق العيد: التوقيت تعليق ~~الحكم بالوقت ثم استعمل للتحديد في الشيء مطلقا لأن التوقيت تحديد بالوقت، ~~فصار التحديد من لوازم التوقيت، فأطلق عليه توقيت. # وقوله هاهنا "وقت" يحتمل أن يراد به التحديد أي حد هذه المواضع للإحرام، ~~ويحتمل أن يراد بذلك تعليق الإحرام بوقت الوصول إلى هذه المواضع بشرط إرادة ~~الحج أو العمرة. # وقال القاضي عياض: وقت أي حدد، وقد يكون بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: ~~{إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} (¬2) انتهى. ويؤيد هذا أن في ~~بعض ألفاظ الحديث فرض بدل وقت. # وقوله "لأهل المدينة" أي مدينة النبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV05P209 # "ذا الحليفة" بالمهملة والفاء مصغرا: مكان معروف بينه وبين مكة مائتا ميل ~~غير ميلين قاله ابن حزم (¬1). # وقال غيره: بينهما عشر مراحل، وقال النووي (¬2): بينها وبين المدينة ستة ~~أميال، ووهم (¬3) من قال بينهما ميل واحد وهو ابن الصباغ، وبها مسجد معروف ~~بمسجد الشجرة خراب وفيها بئر يقال له بئر علي. # "والجحفة" بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وهي قرية خربة بينها وبين مكة ~~خمس مراحل أو ست (¬4). # وقال النووي في شرح المهذب بينهما ثلاث مراحل، وفيه نظر. وفي القاموس: ~~"كانت الجحفة قرية جامعة على اثنين وثمانين ميلا من مكة" (¬5). # قال في النهاية: وبها (أ) غدير خم، وهي شديدة الوخم. # قال الأصمعي: لم يولد فيها أحد فعاش إلى أن يبلغ إلا أن يحول عنها، وتسمى ~~مهيعة بوزن علقمة كذا في حديث ابن عمر (¬6)، وقيل بوزن لطيفة وسميت الجحفة ~~لأن السيل أجحف بها. # قال ابن الكلبي (¬7): كان العماليق يسكنون يثرب فوقع بينهم وبين بني PageV05P210 # عبيل -بفتح المهملة وكسر الموحدة، وهم أخوة عاد- حرب فأخرجوهم من يثرب ~~فنزلوا مهيعة فجاء سيل فاجتحفهم: أي استأصلهم فسميت الجحفة، والمكان الذي ~~يحرم منه المصريون الآن "رابغ" بوزن فاعل براء وموحدة وغين معجمة قريب من ~~الجحفة. # واختصت الجحفة بالحمى ms0915 فلا ينزلها أحد إلا حم لدعاء النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بنقل حمى يثرب إليها (¬1). # "ولأهل نجد قرن المنازل" نجد: هو اسم لكل مكان مرتفع في الأصل وهو علم ~~لعشرة مواضع (¬2)، والمراد منها هنا (أ) التي أعلاها تهامة واليمن وأسفلها ~~الشام والعراق، والمنازل جمع منزل والمركب الإضافي هو اسم المكان، ويقال له ~~قرن أيضا بلا إضافة، وهو بفتح القاف وسكون الراء بعدها نون، وضبط صاحب ~~الصحاح بفتح الراء وغلطوه، وبالغ النووي (¬3) فحكى الاتفاق على تخطئته في ~~ذلك، لكن حكى عياض (¬4) عن تعليق الفاسي أن من قاله بالإسكان أراد الجبل، ~~ومن قاله بالفتح أراد الطريق والجبل المذكور بينه وبين مكة من جهة المشرق ~~مرحلتين (ب) وحكى (ج) الروياني عن بعض قدماء الشافعية أنه المكان الذي يقال ~~له قرن الثعالب، أضيف إليها لكثرة ما تأوي إليه (د) من الثعالب، ووقع في ~~حديث عائشة PageV05P211 # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب" الحديث ~~ذكره ابن إسحاق في السيرة. # ووقع في مرسل عطاء عند الشافعي "فلأهل نجد ولمن سلك نجدا من أهل اليمن ~~وغيرهم قرن المنازل". # ووقع في عبارة القاضي حسين (¬1) في سياقه لحديث ابن عباس هذا: "ولأهل نجد ~~اليمن ونجد الحجاز قرن" وهذا لا يوجد في شيء من طرق حديث ابن عباس، وإنما ~~يوجد ذلك من مرسل عطاء، وهو المعتمد فإن لأهل اليمن إذا قصدوا مكة طريقين ~~أحدهما طريق أهل الجبال وهم يصلون إلى قرن أو يحاذونه فهو ميقاتهم كما هو ~~ميقات أهل المشرق، والأخرى (أ) طريق تهامة فيمرون بيلملم أو يحاذونه، وهو ~~ميقاتهم لا يشاركهم فيه إلا من أتى عليه من غيرهم، "ولأهل اليمن يلملم" ~~بفتح التحتانية واللام وسكون الميم بعدها لام مفتوحة ثم ميم وهو (ب) على ~~مرحلتين من مكة بينهما ثلاثون ميلا، ويقال لها "ألملم" بالهمزة وهو الأصل، ~~والياء بدل منها. وحكى ابن السيد فيها يرمرم (ج) براءين بدل اللام. وتقرر ~~من هذا أن أبعد المياقيت (د) من مكة ذو الحليفة ميقات أهل المدينة، فقيل ~~الحكمة في ms0916 ذلك أن يعظم أجورهم، وقيل رفقا بأهل الآفاق لأن المدينة أقرب ~~الآفاق إلى مكة، والله أعلم. # وقوله: "هن لهن" الضمير الأول عائد إلى المواقيت (ه) والضمير PageV05P212 # الثاني للبلدان (أ) المذكورة، وأصل هذا الضمير لجماعة المؤنث ممن يعقل ~~واستعمل في غير العاقل حملا له على النساء بجامع نقصان العقل، ووقع في بعض ~~روايات الصحيحين: "هن لهم"، وكذا رواه أبو داود وغيره (¬1)، وكذا رواه مسلم ~~من رواية ابن أبي شيبة (¬2)، ووقع في رواية للبخاري: "هن لأهلهن" (¬3). # والحديث فيه دلالة على أن الإحرام (ب) من المياقيت المذكورة يتعين على من ~~ضربت له إذا قصد لحج (ج) أو عمرة أن يحرم منهن، ولا يجوز له المجاوزة ويدخل ~~في ذلك من كان ساكنا في المياقيت المذكورة. # وقوله: "ولمن أتى عليهن من غيرهن" يعني أن من وصل إلى هذه المياقيت وإن ~~لم يكن من أهل الآفاق المذكورة فعليه الإحرام (من ذلك المحل، ويدخل في ذلك ~~ما إذا ورد (د) الشامي مثلا إلى ذي الحليفة فإنه يجب عليه الإحرام) منها، ~~ولا يترك الإحرام حتى يصل الجحفة، فإن أخر أساء ولزمه دم، وهذا عند ~~الجمهور، وادعى النووي في شرح المهذب وشرح مسلم الاتفاق علي ذلك (¬4)، ~~ولعله أراد في مذهب الشافعي، وإلا فالمعروف عند المالكية أن الشامي مثلا ~~إذا جاوز ذا الحليفة بغير إحرام إلى PageV05P213 # ميقاته الأصلي، وهو الجحفة جاز له ذلك، وإن كان الأفضل خلافه، وبه قال ~~الحنفية وأبو ثور وابن المنذر من الشافعية، والحديث محتمل؛ فإن قوله "هن ~~لهن" ظاهره العموم لمن كان من أهل تلك الأقطار سواء ورد على ميقاته، أو ورد ~~على ميقات آخر فإن (أ) له العدول إلى ميقاته كمسألة الشامي إذا ورد على ذي ~~الحليفة مثلا، وظاهره أنه لا يلزمه الإحرام من ذي الحليفة وأنه يحرم من ~~الجحفة وعموم قوله: "ولمن أتى عليهن من غير أهلهن" يدل على أنه يتعين على ~~الشامي أن (ب) يحرم من ذي الحليفة في المسألة المذكورة كما هو مذهب ~~الجمهور. # وقوله: "فمن أراد الحج والعمرة" يؤخذ منه أن ms0917 من سافر غير قاصد للنسك ~~فجاوز الميقات، ثم بدا له بعد ذلك النسك أنه يحرم من حيث قصد ولا يجب عليه ~~الرجوع إلى الميقات، ويدل على جواز دخول مكة بغير إحرام. # وقوله: "فمن كان دون ذلك" أي بين الميقات ومكة. # وقوله: "فمن حيث أنشأ" أي فميقاته من حيث أنشأ الإحرام أو السفر من مكانه ~~إلى مكة، وهذا متفق عليه إلا ما روي عن مجاهد فإنه قال: ميقات هؤلاء نفس ~~مكة، واستدل به ابن حزم (¬1) على أنه من ليس له ميقات فميقاته من حيث أنشأ، ~~ولا دلالة فيه لأنه يختص بمن كان بين الميقات ومكة. # وقوله: "حتى أهل مكة من مكة" يعني فيحرمون للحج من مكة، PageV05P214 # وكذا من سائر الحرم المحرم، وأما إذا خرج المكي إلى الحل (أ) وأحرم منه ~~فقال الإمام يحيى: إنه يلزمه دم، والأولى التفصيل، وهو أنه إن عاد إلى مكة ~~فلا دم عليه، وإن سار إلى الجبل ولم يجز مكة لزم (ب) دم، وأما المعتمر فيجب ~~عليه أن يخرج إلى أدنى الحل. # قال المحب الطبري (¬1): لا أعلم أحدا جعل مكة ميقاتا للعمرة. واختلف في ~~القارن فقالت الهادوية: إنه لا يصح من أهل مكة القران. وذهب الجمهور إلى ~~أنه يصح منه القران ويحرم من مكة. # وقال ابن الماجشون: يجب عليه الخروج إلى أدنى الحل؟ # ووجهه أنه متضمن للعمرة، وإحرامها من الحل، ولا يندرج أعمالها في أعمال ~~الحج عند من يقول به إلا فيما كان محلهما متفقا، والإحرام محله مختلف. # وأجيب عن هذا أن المقصود من الخروج إلى الحل إنما هو لأجل الورود علي ~~البيت من الحل والحاج هو كذلك يرد عليه إذا أتى من الجبل، وفيه نظر. # واختلف العلماء فيمن جاوز الميقات بغير إحرام مريدا للنسك فقال الجمهور: ~~يأثم ويلزم دم. فأما لزوم الدم فبدليل غير هذا وأما الإثم فلترك الواجب، ~~ولو عاد إلى الميقات قبل أن يحرم سقط عنه الدم قال به الجمهور، والهادوية ~~يزيدون على ذلك أنه يلزمه أيضا إذا عاد من الحرم، PageV05P215 # وقال أبو حنيفة: ms0918 يسقط عنه بشرط أن يعود ملبيا، وذهب أحمد إلى أنه لا يسقط ~~الدم (أ) والأفضل في كل (ب) ميقات أن يحرم من طرفه الأبعد إلى مكة فلو أحرم ~~من طرفه الأقرب جاز. # فائدة: حكى الأثرم عن أحمد أنه سئل أي سنة وقت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - المواقيت؟ فقال: عام حج. # وفي حديث ابن عمر أخرجه البخاري في باب العلم بلفظ: "أن رجلا قام في ~~المسجد فقال يا رسول الله: من أين تأمرنا أن نهل؟ " (¬1). # 561 - وعن عائشة - رضي الله عنها - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت ~~لأهل العراق ذات عرق" رواه أبو داود والنسائي (¬2) وأصله عند مسلم من حديث ~~جابر إلا أن راويه شك في رفعه (¬3)، وللبخاري "أن عمر هو الذي وقت ذات عرق" (¬4). # وعند أحمد وأبي داود والترمذي عن ابن عباس - رضي الله عنه - "أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وقت لأهل المشرق العقيق" (¬5). # حديث عائشة تفرد به المعافي بن عمران عن أفلح عن القاسم عنها. PageV05P216 # وقوله في حديث مسلم إلا أن راويه شك في رفعه لأنه قال أبو الزبير سمعت ~~جابرا ثم وقف عن رفع الحديث إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: أراه ~~-بضم الهمزة، أي أظنه رفع الحديث وفي لفظ آخر: أحسبه رفع إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وهذه العبارة لا يصير بها الحديث مرفوعا لأنه لم يجزم برفعه. # وفي الباب عن الحارث بن عمرو السهمي أخرجه أبو داود (¬1)، وعن أنس رواه ~~الطحاوي في "أحكام القرآن"، وعن ابن عباس رواه ابن عبد البر في "تمهيده"، ~~وعن عبد الله بن عمرو رواه أحمد وفيه الحجاج بن أرطاة (¬2). # وحديث ابن عباس حسنه الترمذي وقال النووي: ليس كما قال، ففي إسناده يزيد ~~بن أبي زياد، وهو ضعيف باتفاق المحدثين (¬3)، انتهى. # نسب إليه الذهبي في "الميزان" (¬4) سوء الحفظ، وحديثه مخرج في السنن ~~الأربع، وأخرجه مسلم مقرونا، قال شعبة فيها: لا أبالي إذا كتبت عن يزيد أن ~~لا أكتب عن أحد، وهو من الشيعة. # وفي الحديث علة أخرى ms0919 وهو أن يزيد بن أبي زياد (أ) رواه عن محمد بن علي عن ~~(ب) عبد الله بن عباس، وقد قال مسلم في "الكنى": محمد لا يعلم له سماع من ~~جده عبد الله. قال ابن خزيمة: "رويت في ذات PageV05P217 # عرق أخبار لا يثبت شيء منها عند أهل الحديث" (¬1). وقال (أ) ابن المنذر: ~~لم نجد في ذات عرق حديثا ثابتا. انتهى، لكن الحديث بمجموع الطرق تقوى، وقد ~~يعل بما (ب) في البخاري من حديث ابن عمر أنه لما فتح هذان المصران -يعني ~~الكوفة والبصرة- أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حد لأهل نجد قرنا وهو (ج) جور عن طريقنا -يعني مائلا منحرفا ~~عنها-، وإنا إن أردناه يشق علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم. فحد لهم ~~ذات عرق. فهذا يدل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤقتها، وقد يجاب ~~عنه بأنه لعل عمر لم يبلغه توقيت النبي - صلى الله عليه وسلم -. # قال ابن عبد البر: وأما إعلال من أعله بأنها لم تكن فتحت يومئذ فهي غفلة ~~لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح ~~لكونه (د) علم أنها ستفتح فلا فرق حينئذ بين أهل الشام والعراق، وبهذا أجاب ~~الماوردي وآخرون. وقد يقال إن (ه) العراق لم تكن طريقة جميع ناس مسلمون ~~بخلاف سائر الأماكن فقد كان فيها مسلمون فوقت لهم وبهذا يتأول قول ابن عمر. # والحديث فيه دلالة على أن ذات عرق -بكسر العين المهملة وسكون الراء بعدها ~~قاف ميقات لمن أتى من ناحية العراق بينه وبين مكة مرحلتان. والمسافة اثنان ~~وأربعون ميلا سمي المحل بذلك لأن فيه عرقا وهو الجبل PageV05P218 # الصغير وهي أرض سبخة تنبت الطرفاء. فاصلة بين نجد وتهامة وهي محاذية لقرن ~~المنازل ولذلك حدها عمر. # والعقيق المذكور في حديث ابن عباس هو واد يدفق ماؤه في غوري تهامة (¬1). ~~قال الأزهري: هو حدا ذات عرق، وفيه دلالة على أنه ميقات أهل العراق. وقد ~~جمع بينه وبين الحديث الأول بأن ذات عرق ms0920 ميقات للوجوب والعقيق للاستحباب ~~لأنه أبعد من ذات عرق، أو أن العقيق ميقات لبعض العراقيين وهو أهل المدائن، ~~والآخر ميقات لأهل البصرة، ووقع ذلك في حديث لأنس (أ) وإسناده ضعيف، أو أن ~~(ب) ذات عرق كانت أولا في موضع العقيق الآن ثم حولت وقربت إلى مكة (ج)، ~~فعلى هذا فذات عرق والعقيق شيء واحد ويتعين الإحرام من العقيق ولم يقل به ~~أحد وإنما قالوا: يستحب احتياطا، وحكى ابن المنذر عن الحسن بن صالح أنه كان ~~يحرم من "الربذة" وهو قول القاسم بن عبد الرحمن وخصيف الجريري. قال ابن ~~المنذر: وهو أشبه في النظر إن كان ذات عرق غير منصوصة وذلك أنها تحاذي ذات ~~الحليفة وذات عرق بعدها، والحكم في من ليس له ميقات أن يحرم من أول ميقات ~~يحاذيه لكن لما سن عمر ذات عرق وتبعه جمع من الصحابة واستمر عليه العمل ~~فكان أولى بالاتباع، ويستدل به على أن من حاذى ميقاتا من هذه المياقيت من ~~غير أهل النواحي الموقت لها أن يحرم من المحل الموازي للميقات الذي هو أقرب ~~إليه، والمقصود PageV05P219 # بالقرب هو قرب المسافة بالنسبة إلى الطريق التي هو فيها فإذا كان أحد ~~الميقاتين عن يساره والآخر عن يمينه وبين الطريق التي سلكها وبين التي عن ~~(أ) يساره مثلا ستة أميال والذي عن يمينه عشرة أميال مثلا فإنه يحرم إذا ~~حاذى الذي عن يساره، ولعل ذات عرق بالنسبة إلى قرن، وبالنسبة إلى ذي (ب) ~~الحليفة كذلك، وقد اعتبر عمر محاذاة قرن (¬1)، فهذه المياقيت محيطة بالحرم ~~فلا بد لمن سلك طريقا إلى الحرم أن يمر بها أو يحاذيها فبطل قول من قال إن ~~من ليس له ميقات ولا يحاذي ميقاتا هل يحرم من مقدار أبعد المواقيت أو ~~أقربها ثم حكى فيه خلافا، وحكى النووي في شرح المهذب أنه يلزمه أن يحرم على ~~مقدار مرحلتين اعتبارا (ج) بفعل عمر في ذات عرق، وقد عرفت الجواب عنه، وهذه ~~الصورة إنما هي حيث تجهل المحاذاة فلعل القائلين بالمرحلتين اخذوا بالأقل ~~لأن ما ms0921 زاد عليه مشكوك فيه لكن مقتضى الأخذ بالاحتياط أن يعتبر الأكثر ~~الأبعد، ويحتمل أن يفرق بين من عن يمين الكعبة وبين من عن شمالها، لأن ~~المواقيت التي عن يمينها أقرب من التي عن شمالها، فيتعين علي صاحب اليمين ~~الأقرب علي صاحب الشمال الأبعد، ثم إن مشروعية المحاذاة مختصة بمن ليس ~~أمامه ميقات معين، فأما من له ميقات معين كالمصري مثلا إذا حاذى ذا الحليفة ~~فليس عليه الإحرام منها، بل له التأخير حتى يأتي الجحفة. # خاتمة: اشتمل هذا الباب على ثلاثة أحاديث. PageV05P220 ### || AUTO باب وجوه الإحرام وصفته # الوجوه جمع وجه، والمراد به: الأنواع التي يتعلق بها الإحرام، وهو الحج ~~أو العمرة أو مجموعهما وصفته عطف تفسيري للوجوه، والمراد بصفة الإحرام هو ~~أن الإحرام إذا تعلق بنوع فله صفة يتميز بها عن تعلقه بنوع آخر. # 562 - عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "خرجنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عام حجة الوداع فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ~~ومنا من أهل بحج، وأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحج، فأما من ~~أهل بعمرة فحل وأما من أهل بحج أو (أ) جمع الحج والعمرة فلم يحل حتى كان ~~يوم النحر" متفق عليه (¬1). # قولها: "خرجنا ... " كان خروجه - صلى الله عليه وسلم - من المدينة نهارا ~~بعد الظهر لخمس بقين من ذي القعدة بعد أن صلى الظهر بها أربعا وخطبهم خطبة ~~علمهم فيها الإحرام وواجباته وسننه، قال ابن حزم، وكان يوم الخميس، والظاهر ~~أنه يوم السبت، وقولها "عام حجة الوداع" سميت بذلك لأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ودع الناس فيها، ولم يحج بعد الهجرة غيرها، وكانت سنة عشر من ~~الهجرة، وقولها "من أهل بعمرة" الإهلال في اللغة (¬2): رفع الصوت، ومنه ~~استهل المولود أي صاح، ومنه قوله تعالى PageV05P221 # {وما أهل لغير الله به} (¬1) أي رفع الصوت عند ذبحه بغير ذكر الله، ويسمى ~~الهلال هلالا لرفعهم الصوت عند رؤيته، قال العلماء: والإهلال في اللغة رفع ~~الصوت بالتلبية عند الدخول في الإحرام، ولعل ms0922 هذا في عرف اللغة، والمعنى ~~الأول في أصلها، وقولها: "فمنا من أهل بعمرة" تريد أنه وقع من مجموع ~~القاصدين مع النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الأنواع المذكورة، فلا ~~يعارضها الروايات الأخر عنها، فإنه قد روى مسلم (¬2) من حديثها "خرجنا لا ~~نرى إلا الحج" وفي رواية القاسم عنها قالت: لبينا بالحج، وفي رواية "له ~~خرجنا مهلين بالحج"، وفي رواية: "لا نذكر إلا الحج"، وفي رواية الأسود (¬3) ~~عنها: "نلبي لا نذكر حجا ولا عمرة" (¬4) لأن ذلك باعتبار اختلاف الناس فيما ~~أحرموا به، وإن كانت في نفسها قاصدة للحج، وكذلك قولها "نلبي لا نذكر حجا ~~ولا عمرة" فلعلها قصدت أنهم لم يلتزموا ذكر ما علق به التلبية، وإن كانت ~~المقاصد متنوعة، وقد تذكر في بعض الأحوال وهذا وجه للجمع، وقد قال القاضي ~~عياض (¬5): اختلف العلماء في الكلام على حديث عائشة -رضي الله عنها- فقال ~~مالك: ليس العمل على حديث عروة عن عائشة عندنا قديما ولا حديثا، وقال بعضهم ~~يترجح أنها كانت محرمة بحج لأنها رواية عمرة (1) والأسود والقاسم وغلطوا ~~عروة في روايته، قولها "ولم أهل إلا PageV05P222 # بعمرة" وإن كان يحتمل أنها في آخر الأمر حين أمرت برفض العمرة لم تكن ~~محرمة إلا بعمرة ثم أحرمت بالحج من بعد لأنها قد كانت فسخت الحج إلى العمرة ~~فصارت منفردة بالعمرة ثم لما تعذر عليها تمام العمرة بسبب الحيض رفضتها ~~وأحرمت بالحج وحدها، وهذا وجه صحيح للجمع بين الروايات أولى من تغليط ~~البعض، وأحمد بن حنبل قال في حديث عروة: هو خطأ. # وقولها: "وأما من أهل بحج ... " إلخ يدل بظاهره على أن أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - استمروا على الإحرام بالحج وأنهم لم يفسخوه إلى العمرة، ~~وهذا خلاف ما اشتهر في الأحاديث الصحيحة المخرجة في الصحيحين وغيرهما من ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - "أمر من لم يكن معه هدي بفسخه إلى العمرة" وقد ~~بلغ عدة من روى ذلك من الصحابة أربعة عشر منهم (¬1) عائشة وحفصة وعلي بن ~~أبي طالب وفاطمة بنت النبي - صلى الله عليه ms0923 وسلم - وأسماء بنت أبي بكر ~~وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري والبراء بن عازب وأنس بن مالك وعبد ~~الله بن عمر وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن عباس وبشر بن معبد الجهني ~~وسراقة بن مالك المدلجي، ولعل هذه الرواية مقيدة بمن كان معه هدي وأحرم بحج ~~مفرد كما في حق كثير من الصحابة، أو كان معه هدي وأحرم بحج وعمرة كما وقع ~~من النبي - صلى الله عليه وسلم - في الوادي المبارك لما أمر بهما وكان معه ~~هدي فلا مخالفة على هذا بين الروايات، ودل هذا على أنه يجوز إفراد الإحرام ~~بالعمرة وإفراد الحج والقران بينهما، وهو كذلك فإن أنواع الحج ثلاثة: ~~إفراد، وقران، وتمتع، والظاهر أنه ما وقع من أحد إفراد الإحرام بالعمرة في ~~الابتداء، فيحمل قولها "من أهل PageV05P223 # بعمرة" على الإهلال بها متقدمة على الحج فيتم (أ) حينئذ، ذكر أنواع الحج ~~الثلاثة. # والإفراد هو أن يحرم بالحج وحده، والقران أن يقرن في إحرامه بتعليقه ~~بالحج والعمرة، والتمتع أن يهل بالعمرة متمتعا بها إلى الحج ويحج في تلك ~~السنة، وتفاصيل هذه الأنواع مستوفاة في كتب الفروع من الفقه، ولو أحرم ~~بالحج ثم أحرم بالعمرة (ب) فقولان للشافعي أصحهما لا يصح إحرامه بالعمرة، ~~والثاني يصح ويصير قارنا بشرط أن يكون قبل الشروع من التحلل في الحج، وقيل ~~قبل الوقوف بعرفات، وقيل قبل طواف القدوم أو غيره، قال القاضي جوز (ج) ~~إدخال العمرة على الحج أصحاب (د) الرأي وهو قول للشافعي لما ثبت أنه فعله - ~~صلى الله عليه وسلم - عند أن أتاه آت من ربه في الوادي المبارك وأمره أن ~~يصلي فيه ويقول: عمرة في حجة (¬1) ومنعه آخرون وجعلوا هذا خاصا بالنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لضرورة الاعتمار في أشهر الحج، ولو أحرم بالعمرة أولا ~~ثم أدخل عليها الحج، فقال القاضي (¬2): اتفق جمهور العلماء على جواز ذلك ~~وشذ بعض الناس فقال: لا يدخل إحرام على إحرام كما لا تدخل صلاة على صلاة، ~~هذا كلامه، وظاهر كلام النووي (¬3) أن ذلك موافق كلام ms0924 الشافعي وأصحابه، وفي ~~البحر للإمام المهدي ما لفظه مسألة الهادي والناصر وأبي حنيفة وقول ~~للشافعي. PageV05P224 # ومن أدخل نسكا على نسك أساء وانعقد فيرفض الدخيل ويؤديه لوقته مالك وأحد ~~قولي الشافعي لا ينعقد الدخيل لقول علي - رضي الله عنه - لأبي نضرة لما ~~قال: "إني أهللت بالحج وإني أستطيع أن أضم إليها عمرة فأضم؟ قال: لا ولكنك ~~إن أهللت بعمرة وأردت أن تضم إليها حجا ضممت" (¬1). # قلنا: أراد أنه أساءه إذ سأله قبل العمل، قيل وهو مراد عمر بقوله متعتان ~~كانتا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنا أنهى عنهما بل أعاقب ~~على فعلهما، وقيل بل نكاح المتعة وعليه دم الرفض لما مر المؤيد والمنصور ~~وسواء تضيق الوقت أم اتسع وقيل إن (أ) خشي فوت الحج الدخيل قدمه، قلنا لم ~~يفصل الدليل العترة والشافعي ولا يصير قارنا إذ لم يحرم لهما معا الإمام ~~يحيى وأحمد، وعن الشافعي لا ينعقد إدخال العمرة على الحج ويصح العكس لقوة ~~الحج، عن الشافعي ينعقد ويصير قارنا أبو حنيفة إذا أدخله قبل الطواف صار ~~قارنا إذ التأخير اليسير معفو عنه (ب)، قلنا: لم يفرق ثم إن هذا مشى، انتهى. # ولا يخفى عليك ما بينه وبين كلام القاضي من المخالفة (ج في نقل الخلاف ج) ~~وما في كلام البحر من اضطراب في نقل الخلاف وضعف الاحتجاج بقول على وعدم ~~صحة الجواب، والذي (د) يظهر من مجموع PageV05P225 # الأحاديث الواردة في الحج وما وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وأصحابه أنه لا مانع من إدخال الحج على العمرة والعمرة على الحج، وأن ذلك ~~ليس فيه إبطال لما تقدمه بل هو تأكيد للزومه وزيادة في (أ) المحافظة على ~~أدائه حيث لم يتحلل من إحرامه، بل مضى فيه حتى أكمل أعمال المدخل عليه، ~~وإنما الشأن في التحلل من الحج وفسخه إلى العمرة هل كان ذلك خاصا بأصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -أو حكمه باق، فذهب الجمهور إلى أن ذلك كان ~~خاصا بأصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - واستدلوا ms0925 (ب) عليه بما رواه عبد ~~الله بن الزبير الحميدي قال حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن المرقع عن أبي ~~ذر أنه قال: "كان فسخ الحج من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لنا خاصة" (¬1). # وأخرج وكيع أيضا عنه أنه قال: "لم يكن لأحد بعدنا أن يجعل حجته عمرة إنها ~~كانت رخصة لنا أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (¬2). # وأخرج البزار عن يزيد بن شريك "قلنا لأبي ذر: كيف تمتع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأنتم معه؟ قال: ما أنتم وذاك، إنما ذاك شيء رخص لنا ~~فيه"، يعني المتعة. # وأخرج أيضا عن أبي بكر التيمي عن أبيه والحارث بن سويد قالا: قال أبو ذر: ~~في الحج (ب) والمتعة رخصة أعطاناها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وأخرج أبو داود عن ابن الأسود أن أبا ذر كان يقول: من جمع ثم فسخها إلى ~~عمرة لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله - PageV05P226 # صلى الله عليه وسلم - (¬1). # وفي صحيح مسلم عن أبي ذر قال: "كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد خاصة" ~~(¬2) وفي لفظ: "كانت رخصة" (¬3) يعني المتعة في الحج، وفي لفظ آخر "لا تصلح ~~المتعة إلا لنا خاصة" (¬4) يعني متعة النساء ومتعة الحج، وفي لفظ آخر "إنما ~~كانت لنا خاصة دونكم" (¬5) يعني متعة الحج. وفي سنن النسائي بإسناد صحيح عن ~~إبراهيم التيمي عن أبيه عن أبي ذر في متعة الحج "ليست لكم ولستم منها بشيء، ~~إنما كانت رخصة لنا أصحاب محمد" (¬6). # وفي سنن أبي داود والنسائي من حدثنا بلال بن الحارث قال: "قلت يا رسول ~~الله أىا فسخ الحج إلى العمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "بل لنا خاصة" ورواه الإمام أحمد (¬7). # وفي سنن أبي داود بإسناد صحيح عن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: سئل عثمان ~~عن متعة الحج فقال: "كانت لنا ليست لكم" ويتأيد هذا بإنكار عمر، ومنعه مع ~~وفور الصحابة وقرب العهد منهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - من ms0926 غير ظهور ~~خلاف عليه في عصره ويتأيد بظاهر قوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله فإن} ~~(¬8) فإن الآية تقضي بوجوب تمامهما، وأنه لا يجوز الخروج من أحدهما قبل ~~إتمامه، وقد أجاب عن جميع ذلك في الهدي PageV05P227 # النبوي (¬1)، ونسب جواز ذلك وبقاءه إلى علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص ~~وابن عمر وابن عباس وأبي موسى وسعيد بن المسيب وجمهور التابعين، فليراجع، ~~والله أعلم. # واعلم أن العلماء اختلفوا في أفضل أنواع الحج، فقال الشافعي ومالك ~~وكثيرون أفضلها الإفراد ثم التمتع ثم القرآن، وهو قول الهادي في الأحكام، ~~وقال أبو حنيفة: أفضلها القرآن، وقال أحمد وآخرون -وهو مروي عن الصادق ~~والباقر، والناصر-: إن أفضلها التمتع، وقال أبو العباس: إن القرآن أفضل لمن ~~قد حج، والإفراد أفضل لمن لم يكن قد حج (ب). # وقد اختلف العلماء في حجه - صلى الله عليه وسلم - على ثلاثة أقوال بحسب ~~مذاهبهم السابقة، وكل طائفة رجحت نوعا واذعت أن حجة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كانت كذلك، والصحيح أنه - صلى الله عليه وسلم - كان أولا مفردا ثم ~~أحرم بالعمرة بعد ذلك وأدخلها على الحج فصار قارنا. # وقد اختلفت روايات الصحابة في صفة حج النبي - صلى الله عليه وسلم - حجة ~~الوداع. # وفي البخاري ومسلم روايات مختلفة في ذلك، وطريق الجمع أن من روى الإفراد ~~فباعتبار أول أمره، ومن روى القرآن فباعتبار ما انتهى إليه، PageV05P228 # ومن روى التمتع فقد أراد به التمتع اللغوي، فإنه انتفع بالعمرة وارتفق ~~بها من دون إعادة إحرام، واحتج (أ) من فضل الإفراد بأنه صح ذلك من حديث ~~جابر وابن عمر وابن عباس وعائشة، وهؤلاء لهم مزية على غيرهم في معرفة ما ~~فعله - صلى الله عليه وسلم - فأما جابر فهو أحسن الصحابة سياقة لرواية حجة ~~الوداع فإنه ذكرها من حين خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة إلى ~~آخرها، فهو أضبط لها، وأما ابن عمر فصح عنه أنه كان آخذا بخطام الناقة ~~وأنكر هو على من رجح قول أنس على قوله، فقال: "كنت تحت ناقة ms0927 رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يمشي لعابها أسمعه يلبي بالحج". # وأما عائشة فقربها من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معروف، وكذلك ~~اطلاعها لفطنتها على باطن أمره وظاهره وفعله على خلوته وعلانيته مع كثرة ~~فقهها وعظم فطنتها، وأما ابن عباس فمحله من الفقه والعلم والدين والفهم ~~الثاقب معروف مع كثرة بحثه وحفظه أحوال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~التي لم يحفظها غيره وأخذه إياها من كبار الصحابة، وبأنه واظب على ذلك ~~الخلفاء الراشدون كأبي بكر وعمر وعثمان، وفعل علي اختلف لبيان جواز ذلك، ~~وبأنه لا يجب فيه دم بالإجماع بخلاف ما عداه فيجب الدم للجبران، واحتج من ~~فضل القرآن بأنه ورد أنه - صلى الله عليه وسلم - قرن، ورويت في ذلك بضعة ~~وعشرون حديثا كلها صحيحة من سبعة عشر صحابيا هم: عائشة وعبد الله بن عمرو ~~وجابر بن عبد الله وعبد الله بن عباس وعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ~~وعثمان بن عفان بإقراره لعلي وتقرير على له وعمران بن الحصين والبراء بن ~~عازب وحفصة أم المؤمنين وأبو قتادة وابن أبي أوفى وأبو طلحة والهرماس بن ~~زياد وأم سلمة وسعد بن أبي وقاص وأنس مع أن حديث أنس أيضا رواه ستة عشر ~~نفسا من الثقات كلهم متفقون عن PageV05P229 # أنس (¬1) أن لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إهلالا بحجة وعمرة ~~معا، وهم # الحسن البصري وأبو قلابة وحميد بن هلال وحميد بن عبد الرحمن # الطويل وقتادة ويحيى بن سعيد الأنصاري وثابت البناني ومحمد وبكر بن # عبد الله المزني وعبد العزيز بن صهيب وسليمان التيمي ويحيى بن أبي # إسحاق وزيد بن أسلم ومصعب بن سليم (أ) وأبو قدامة عاصم بن حسين وأبو قزعة ~~وهو سويد بن حجر الباهلي (¬2). واحتج من قال بأفضلية التمتع أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حج تمتعا، وروايات التمتع هي روايات القرآن، فإن التمتع ~~الذي وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - هو القرآن كما عرفت، وأما التمتع ~~الذي هو النوع الثالث فهو وقع من أصحاب ms0928 النبي - صلى الله عليه وسلم - بأمره ~~لهم واستحسانه لذلك، وقوله "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ... " الحديث ~~فإن اختياره - صلى الله عليه وسلم - ذلك لهم يدل على أفضليته وقد ينقضي عن ~~ذلك بأنه لا شك أنه أفضل في حقهم، ووقوعه بحكمه في حقهم لا يحصل من فعل من ~~بعدهم، وهو أنه لإظهار مخالفة ما كان ارتسم في النفوس من أن العمرة لا يجوز ~~التلبس بها في أشهر الحج وإن ذلك من أفجر الفجور، ولذلك عظم على أصحابه - ~~صلى الله عليه وسلم - حين أمرهم بالحل كله، والأحكام شرعت لمصالح العباد، ~~وهذه مصلحة مناسبة للتشديد في الأمر به، فإن ذلك من التشريع الذي يجب ~~تبليغه إلى العباد، فكان في حقهم أفضل، وأما في حق غيرهم فلا، وأقول والله ~~أعلم: الذي يترجح اختيار أفضليته هو القرآن فإن القرآن قد اشتمل على مقاصد ~~معتبرة منها تأكد الإحرام من حيث إنه علقه بسنتين موجبتين للفضل والثواب. PageV05P230 # ومنها موافقة ما انتهى إليه حال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمر به من ~~الجمع بينهما. # ومنها إظهار مخالفة المشركين المحرمين للعمرة في أشهر الحج. # ومنها قبول التيسير الذي أراده الله لأمته - صلى الله عليه وسلم - في ~~الشريعة من حيث إنه قام بإحرامين دفعة واحدة من دون تكرار إحرام. # ومنها التزام النسك الذي فيه التقرب بنحر دمه وإظهار شعار البيت الحرام ~~بالهدي والقلائد وإنالة المساكين من لحمه وغير ذلك. # ومنها: العمل بتمام ما أحرم به من الحج والعمرة والمطابقة لقوله تعالى: ~~{وأتموا الحج والعمرة لله} فإن ظاهر الآية قاض بأنهم متلبسون بهما دفعة ~~واحدة وإتمامهما معا أن يكون التحلل منهما تحللا واحدا، وهذا ظاهر في حق ~~القارن ولا ريب في شرعية الثلاثة الأنواع وحصول الامتثال بأنها فعل، والله أعلم. # خاتمة: اشتمل هذا الباب على حديث واحد، ولعل المصنف رحمه الله تعالى خص ~~هذا الباب بهذا الحديث لما كان جامعا للثلاثة الأنواع، والله أعلم. PageV05P231 ### || AUTO باب الإحرام وما يتعلق به # الإحرام الدخول في أحد النسكين والتشاغل بأعمالهما بالنية. # 563 - عن ms0929 ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: "ما أهل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلا من عند المسجد" متفق عليه (¬1). # قال ابن عمر: هذا رد على من قال إنه - صلى الله عليه وسلم - أهل (أ) من ~~البيداء، فقال ابن عمر بيداؤكم هذه الذي يكذبون على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فيها، ما أهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحديث (¬2). ~~والمراد بالمسجد مسجد ذي الحليفة، وفي رواية أخرى "إلا من عند الشجرة حين ~~قام به بعيره" (¬3)، والبيداء التي أنكر ابن عمر هي الشرف التي قدام ذي ~~الحليفة إلى جهة مكة، وهي تقرب من ذي الحليفة، سميت بيداء لأنه ليس فيها ~~بناء ولا أثر، وكل مفازة تسمى بيداء، والشجرة المذكورة كانت عند المسجد، ~~والتكذيب المذكور هنا مراد به الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه في ~~الواقع، وإن لم يتعمد، وفي الرواية الأخرى عند مسلم أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - "ركع بذي الحليفة ركعتين ثم حين (ب) استوت به الناقة قائمة عند مسجد ~~ذي الحليفة أهل". PageV05P233 # والحديث فيه دلالة على أن ميقات أهل المدينة من عند مسجد ذي الحليفة، ولا ~~يجوز لهم تأخير الميقات إلى البيداء، ولهذا قال جميع العلماء، ويدل على أن ~~الإحرام من الميقات أفضل من أن يحرم من دويرة أهله. لأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - ترك الإحرام من مسجده مع كمال شرفه، والظاهر أن اختياره لذلك لكونه ~~أفضل لا لبيان الجواز, لأنه قد كان بين المياقيت، وقد روى ابن عباس أنه أهل ~~- صلى الله عليه وسلم - بعد أن ركب راحلته واستوت به على البيداء، وأنكر ~~هذا ابن عمر على ابن عباس (¬1). ولكنه يزول الإشكال ويجمع بين الروايات ~~المختلفة بما أخرجه أبو داود والحاكم من طريق سعيد ابن جبير (¬2) "قلت لابن ~~عباس: عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في إهلاله" ~~فذكر الحديث وفيه "فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعتين أوجب من مجلسه فأهل ~~بالحج حين فرغ منهما فسمع قوم فحفظوه ثم ركب فلما استقلت ms0930 (أ) به راحلته أهل ~~وأدرك ذلك منه قوم لم يشهدوه في المرة الأولى فسمعوه حين ذاك فقالوا: إنما ~~أهل حين استقلت به راحلته ثم مضى، فلما علا شرف البيداء أهل وأدرك ذلك قوم ~~لم يشهدوه، فنقل كل ما سمع، وإنما كان إهلاله في مصلاه وايم الله، ثم أهل ~~ثانيا وثالثا". وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن عطاء عن ابن عباس نحوه، فعلى ~~هذا إن إنكار ابن عمر على من خص الإهلال بالقيام على شرف البيداء، والله أعلم. # 564 - وعن خلاد بن السائب عن أبيه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV05P234 # قال: "أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال" ~~رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان (¬1). # هو خلاد (¬2) بفتح الخاء المعجمة وتشديد اللام، روى عن أبيه السائب. قال ~~ابن عبد البر: "مختلف في صحبته، وفي حديثه في رفع الصوت بالتلبية اختلافا ~~كثيرا، وروى عنه عطاء بن يسار: "من أخاف المدينة أخافه الله" (¬3) مختلف ~~فيه، فمنهم من يقول فيه السائب بن خلاد" (¬4). # وأخرج الحديث أحمد ومالك في "الموطأ"، والشافعي عن مالك والحاكم ~~والبيهقي، وقد رواه بعضهم عن خلاد بن السائب عن زيد بن خالد ولا يصح، وقال ~~البيهقي أيضا: "الأول هو الصحيح" (¬5)، وأما ابن حبان فصححهما وتبعه الحاكم ~~وزاد رواية ثالثة من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب عن أبي هريرة. # وروى أحمد من حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إن جبريل أتاني فأمرني أن أعلن التلبية" (¬6). # وترجم البخاري رفع الصوت بالإهلال وأورد فيه حديث أنس (¬7): PageV05P235 # "صلى النبي - صلى الله عليه وسلم - الظهر بالدينة والعصر بذي الحليفة ~~وسمعتهم يصرخون بهما جميعا". # وروى ابن أبي شيبة من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب قال: "كان أصحاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يرفعون أصواتهم بالتلبية حتى تبح ~~أصواتهم". # الحديث فيه دلالة على استحباب رفع الصوت بالتلبية، وقد ذهب إلى هذا ~~الجمهور، واختلفت الرواة عن مالك فقال ابن القاسم عنه: لا يرفع صوته ~~بالتلبية ms0931 إلا عند المسجد الحرام ومسجد منى، وقال في الموطأ: "لا يرفع صوته ~~بالتلبية في مسجد الجماعات" (¬1). # ولم يستثن شيئا، ووجه الاستثناء أن المسجد الحرام جعل للحاج والمعتمر ~~وغيرهما، وكان الملبي إنما يقصد إليه فكان ذلك وجه الخصوصية وكذلك مسجد منى. # 565 - وعن زيد بن ثابت "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تجرد لإهلاله ~~واغتسل" رواه الترمذي وحسنه (¬2). # الحديث ضعفه العقيلي وأخرجه الدارقطني والبيهقي والطبراني. # وروى الحاكم والبيهقي من طريق يعقوب بن عطاء عن أبيه عن ابن عباس قال: ~~"اغتسل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم لبس ثيابه فلما أتى ذا الحليفة ~~صلى ركعتين ثم قعد على بعيره فلما استوى به على البيداء أحرم PageV05P236 # بالحج" (¬1) ويعقوب ضعيف (¬2). # والحديث فيه دلالة على شرعية الغسل قبل الإحرام، وذهب الأكثر إلى أنه ~~مندوب وليس بواجب، وذهب الناصر إلى وجوبه، وتردد كلام مالك والنصري في ~~وجوبه أريد به، وهو مشروع للتنظيف لا للتطهير، ولذلك شرع في حق الحائض ~~والنفساء كما سيأتي في حق أسماء بنت عميس. # 566 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما -: "أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سئل ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال: لا تلبسوا القمص ولا العمائم ~~ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين ~~وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران ولا ~~الورس" متفق عليه (¬3) واللفظ لمسلم. الحديث ذكر في الجواب ما يترك المحرم ~~والسؤال عن ملبوس المحرم، وهذا من الأسلوب الحكيم، وهو تلقي السائل بغير ما ~~يترقب للتنبيه على أنه الأولى من أن يسأل عنه، وذلك لأن ملبوس المحرم تقرر ~~جوازه بالإباحة الأصلية، وإنما الكلام فيما حصره الشرع، وأخرجه عن الإباحة، ~~ولأنه أيضا غير منحصر، فإنه يجوز له أن يلبس أي شيء كان على أي هيئة ما عدا ~~ما ذكر، فذكر في الجواب الممنوع منه لانحصاره، وأطلق ما عداه لبقائه على ~~حكم الإباحة، والرواية المذكورة هي المشهورة، وقد رواه أبو عوانة من PageV05P237 # طريق ابن جريج عن نافع بلفظ: ms0932 "ما يترك المحرم" وهي شاذة والاختلاف فيها ~~على ابن جريج لا على نافع ورواه سالم عن ابن عمر بلفظ: "أن رجلا قال يا ~~رسول الله ما يجتنب المحرم من الثياب" أخرجه أحمد (¬1)، وابن خزيمة وأبو ~~عوانة في صحيحهما من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عنه. # وأخرج أحمد عن ابن عيينة عن الزهري فقال مرة: "ما يترك"، وقال مرة: "ما ~~يلبس" (¬2). # قوله "المحرم" أجمعوا على أن المراد هنا الرجل ولا تلحق به المرأة في ~~ذلك، والمراد بالقميص هو ما أحاط بالبدن، والقميص ما كان عن تفصيل وتقطيع، ~~ويلحق به ما أحاط بالبدن وإن لم يكن كذلك، وذلك مثل الجراب (أ) وما ألصق ~~بالنسج أو بالتلبيد، وكذا العمامة ما كان على الرأس فيلحق بالعمامة غيرها ~~مما يغطي الرأس. # قال الخطابي: ذكر العمامة والبرانس معا ليدل على أنه لا يجوز تغطية الرأس ~~لا بالمعتاد ولا بالنادر كالبرنس، وهو كل ثوب رأسه منه ملتزق به من دراعة ~~أو جبة أو غيره كذا في النهاية. # وقال الجوهري: هي قلنسوة طويلة كان الناس يلبسونها في صدر الإسلام، وهو ~~من البرنس (¬3) بكسر الباء وهو القطن، والنون زائدة وقيل إنه غير عربي، ~~والمراد باللبس ها هنا المعتاد في كل شيء مما ذكر، فلو ارتدي PageV05P238 # بالقميص لم يمنع منه لأن اللبس المعتاد في القميص غير الارتداء. # واختلف الفقهاء في القباء إذا لبس من غير إدخال اليدين في الكمين، ومن ~~أوجب الفدية جعل ذلك من المعتاد أحيانا، واكتفى في التحريم فيه بذلك ولا ~~يضر الانغماس في الماء وكذا مباشرة المحمل بالرأس (أ) وكذا ستر الرأس ~~باليد، وكذا وضع الرأس عند النوم لأنه لا يسمى لابسا، وفي كتب المفرعين على ~~أصل الهادي تفصيل في ذلك، وفي قوله "وكذا السراويلات" (ب) المراد به ما ~~يغطي بعض البدن، وقوله "ولا الخفاف" وكذا يلحق به الجورب، والخف ما كان إلى ~~نصف الساق، والجورب ما كان إلى فوق الركبة. # وقوله "إلا أحد" قد استعمل أحد هنا في الإثبات وحقه أن يستعمل في النفي ms0933 ~~إلا أنه قد جاء ذلك ولكنه بشرط أن يكون بعده نفي، وقوله "لا يجد نعلين". ~~والمراد بها النعل العربية، "وليقطعهما أسفل من الكعبين" المراد من هذا كشف ~~الكعبين، والكعبان هما العظمان الناتئان عند مفصل الساق والقدم، ويؤيده ما ~~روى ابن أبي شيبة عن جرير عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "إذا اضطر المحرم ~~إلى الخفين خرق ظهورهما وترك فيهما قدر ما تستمسك رجلاه". # فهذا القدر يدل على أن القطع من تحت الكعب الأعلى، إذ لو كان من تحت كعب ~~(ج) الشراك لم يبق ما تستمسك معه الرجل. وقد ذهب إلى هذا محمد بن الحسن ومن ~~تبعه من الحنفية وهو كذلك في كتب PageV05P239 # الهادوية مصرح به على أصل الهادي، وأن الكتب المراد هنا العظم الذي في ~~وسط القدم تحت معقد الشراك، وقيل إن ذلك لا يعرف عند أهل اللغة، وقد ضعفت ~~الرواية عن محمد بن الحسن، ونسب الراوي إلى الوهم، مع أن ابن بطال نقل عن ~~أبي حنيفة أن الكتب هو الشاخص في ظهر القدم، ونقل عن الأصمعي أن الكتب عظم ~~مستدير تحت عظم الساق حيث مفصل الساق والقدم، وجمهور أهل اللغة على أن في ~~كل قدم كعبين مع أنه قد روي ابن المنذر في الأوسط وأبو عوانة في صحيحه بسند ~~على شرط الصحيح عن ابن عمر: "أن رجلا نادى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: ما يجتنب المحرم من الثياب؟ فقال: لا يلبس السراويل" إلى أن قال: ~~"وليحرم أحدكم في إزار ورداء ونعلين، فإن لم يجد نعلين فليلبس خفين (أ) ~~وليقطعهما حتى يكونا إلى الكعبين". فإذا حمل الكعبان في هذا الحديث على كعب ~~الشراك، (وفي الحديث الأول على الكعب الناشز أمكن الجمع بينهما بأن القطع ~~يكون تحت الكعب الناشز إلى كعب الشراك). # والحديث فيه دلالة على وجوب القطع، وهو قول الجمهور خلافا لأحمد وعطاء ~~فقالوا: يلبسه من دون قطع. واحتجا بحديث ابن عباس: "ومن لم يجد نعلين ~~فليلبس خفين" (¬1) ويجاب عنه بأن هذا مطلق، وهو مقيد بحديث ابن عمر ms0934 (¬2)، ~~وأجاب الحنابلة بأن حديث ابن عباس ناسخ، وقد روى الدارقطني عن عمرو بن ~~دينار (¬3) , وقد روى الحديثين وقال: PageV05P240 # انظروا أي الحديثين قبل، ثم حكى الدارقطني عن أبي بكر النيسابوري أنه ~~قال: حديث ابن عمر قبل؛ لأنه كان بالمدينة قبل الإحرام، وحديث ابن عباس ~~بعرفات. وأجاب الشافعي عن هذا في الأم فقال: كلاهما صادق حافظ وزيادة ابن ~~عمر لا تخالف ابن عباس لاحتمال أن تكون غربت عنه أوشك أو قالها ولم ينقلها ~~عنه بعض رواته (1)، انتهى وقال ابن الجوزي (2) بالترجيح بين الحديثين فقال ~~حديث ابن عمر اختلف في وقفه ورفعه، وحديث ابن عباس لم يختلف في رفعه، ~~انتهى. ورد عليه بأن حديث ابن عمر لم يختلف عليه فيه في الأمر بالقطع إلا ~~في رواية شاذة وحديث ابن عباس اختلف في رفعه ووقفه فرواه ابن أبي شيبة ~~بإسناد صحيح عن سعيد بن جبير عن ابن عباس موقوفا، ولا يرتاب أحد من ~~المحدثين أن حديث ابن عمر أصح من حديث ابن عباس لأن حديث ابن عمر جاء ~~بإسناد وصف بكونه أصح الأسانيد (أ) واتفق عليه عن ابن عمر غير واحد من ~~الحفاظ منهم نافع وسالم بخلاف حديث ابن عباس فلم يأت مرفوعا إلا من رواية ~~جابر بن زيد عنه حتى قال الأصيلي (¬3): إنه شيخ بصري لا يعرف، كذا قال، وهو ~~معروف موصوف عند الأئمة بالفقه، واحتج عطاء بأن القطع فساد، والله لا يحب ~~الفساد، ويجاب عنه بأن ذلك لتحصيل عبادة فلا فساد فيه. # وأقول إنه يتنزل الخلاف في ذلك على الخلاف في بناء العام على الخاص، فعلى ~~أصل الشافعي ومن تبعه في بناء العام على الخاص مطلقا، وكذا المطلق والقيد، ~~العمل ها هنا على القيد، وهو الأمر بالقطع، وعلى PageV05P241 # قول غيره من أن العام المتأخر ناسخ، وكذا المطلق يحتاج إلى النظر في ~~أيهما المتقدم، ومع جهل التاريخ يحتاج إلى الترجيح وقد عرفت أن خبر ابن ~~عباس متأخر فيلزم العمل به وأنه يجوز اللبس من دون قطع، وكذا في حديث ابن ~~عباس: "من لم ms0935 يجد إزارا ووجد سراويل فليلبسها" (¬1). # ومذهب أحمد في الخفين والسراويل جميعا، وهذا في حق الرجل لا المرأة، ثم ~~اختلف العلماء في لابس الخفين لعدم النعلين هل عليه فدية أم لا؟ فقال مالك ~~والشافعي ومن وافقهما: لا شيء عليه؛ لأنه لو وجب فدية لبينها - صلى الله ~~عليه وسلم - وقال أبو حنيفة وأصحابه: عليه الفدية كما إذا احتاج إلى حلق ~~الرأس فحلقه، وكذا عند الهادوية إلا أن ظاهر عباراتهم أنه يجب عليه القطع ~~حتى لا يكون محيطا بالرجل ويصير مثل النعل، وإذا بلغ إلى هذا القدر فلا دم ~~عندهم، وإلا وجب الدم، ويكرر بتكرر النزع له من القدم. # وقوله "ولا تلبسوا شيئا من الثياب مسه الزعفران والورس" قيل عدل عن طريقة ~~ما تقدم ليشير إلى اشتراك الرجال والنساء في ذلك وهو بعيد، بل الظاهر إنما ~~هو الإشارة إلى أن ما مسه الورس والزعفران لا يجوز لبسه سواء كان مما يعتاد ~~لبسه أو لا، والورس (¬2) بفتح الواو وسكون الراء بعدها مهملة نبت أصفر طيب ~~الرائحة يصبغ به، وقال ابن العربي: ليس هو بطيب ولكن شبه الطيب إلا أنه نبه ~~به على أنه يجب اجتناب الطيب وما أشبهه مما هو طيب الرائحة ويدل ذلك على ~~تحريم لبس ما صبغ به سواء كان الصبغ في جميع الملبوس أو بعضه، وسواء بقي له ~~أثر الرائحة أو لا، وقال مالك في الموطأ: يكره لبس المصبوغات لأنها تنقض، ~~وظاهر هذا PageV05P242 # إنما هو لأجل الزينة وإن لم يكن ثم رائحة. # وقال الشافعي: إذا أصاب الثوب بحيث لو أصابه الماء لم تفح له رائحة جالسة ~~لبسه. فجعل العلة في ذلك الرائحة، ويحتج بحديث ابن عباس أخرجه البخاري قال: ~~"انطلق النبي - صلى الله عليه وسلم - من المدينة بعد ما ترجل وادهن ولبس ~~إزاره ورداءه هو وأصحابه فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا ~~المزعفرة التي (أ) تردع على الجلد" (¬1) والردع بالراء المهملة والعين ~~المهملة أيضا هو أثر (ب) الطيب الذي يلزق. يظهر أن العلة هو الطيب كالزينة، ~~وبقول الشافعي ms0936 قال الجمهور مع أنه قد روي في حديث ابن عمر ما يدل على ذلك ~~وهو في رواية أبي معاوية عن عبيد الله بن عمر عن نافع في هذا الحديث زيادة: ~~"إلا أن يكون غسيلا" أخرجه يحيى بن عبد الحميد الحماني في "مسنده" (¬2) ~~عنه، وقد روى الطحاوي أن يحيى بن معين أنكره على الحماني فقال له عبد ~~الرحمن بن صالح الأزدي قد كتبته عن أبي معاوية وقام في الحال، فأخرج له ~~أصله فكتبه عنه يحيى بن معين، انتهى (¬3). وهي رواية شاذة لأن أبا معاوية ~~وإن كان متقنا لكن في حديثه عن غير الأعمش مقال، قال أحمد: أبو معاوية ~~مضطرب الحديث في عبيد الله، ولم يجيء بهذه الرواية غيره، انتهى. # والحماني ضعيف، وعبد الرحمن الذي تابعه فيه مقال، واستنبطت الشافعية من ~~ذلك منع أكل الطعام الذي فيه الزعفران، وعن المالكية PageV05P243 # خلاف في ذلك، وقالت الحنفية: لا يحرم لأن المراد من اللبس إنما هو ~~التطيب، والآكل لا يعد متطيبا، وفي البحر ما لفظه: ومن المحظورات التطيب ~~إجماعا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ما مسه ورس ... " الخبر. ولبس ~~المبخر والمطيب والجلوس عليه لا بحائل مانع عن وصول الطيب جسمه إذ هو ~~كالتطيب، فإن انقطع ريح الطيب فالمكث حتى لا (أ) يظهر بحال لي يضر التماسه ~~إذ المحرم الريح، ولا يجوز الاحتقان بالطيب ولا جعله في مأكول أو مشروب ما ~~لم يستحل. # أبو حنيفة: لا فدية إذ استحال بالطبخ، قلنا العبرة بالريح أحد أقوال ~~الشافعي، وبالجرم، ولا وجه له. مسألة: وما يتخذ منه الذرور كالصندل والمسك ~~يحرم التماسه إجماعا. إذ نص على الورس والزعفران، وهذه أبلغ، وما لا يتخذ ~~منه ولا ينبت الطيب كالخزامي والمرزنجوش والنرجس لم يحرم الهادي وأبو حنيفة ~~والشافعي، وكذا الفواكه كالتفاح، ابن عمر والهادوية والشافعي وما ينبت ولا ~~ذرور منه كالريحان والمنثور حرم شمه إذ هو طيب، عثمان والناصر وأبو حنيفة ~~يجوز إذ لا ذرور منه كالعرار، قلنا اتخذ للطيب فهو كالورد، ومذهب الهادوية ~~والإمام يحيى: لكن لا فدية لشبهه بالفاكهة، ms0937 أحد قولي الشافعي تجب، وفي ~~البنفسج قولان: يحرم، إذ هو طيب أحد قولي الشافعي لا إذ يجفف للدواء، قلنا: ~~اتخذ منه الذرور فأشبه الورد، الإمام يحيى ومذهب الهادوية وأبو حنيفة، وأما ~~الحناء فطيب فلا يشم ولا يختضب به لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ("الحناء ~~طيب ... " الخبر، فمن فعل فذا. الشافعي: ليس بطيب إذ اختضبت به (ب) أزواجه ~~- صلى الله عليه وسلم - محرمات (¬1)، PageV05P244 # قلنا بعد التحلل بالرمي، سلمنا فلم يؤثر تقريره إياهن فلا حجة فيه. # مسألة: ولا فدية ولا إثم على من اتجر في الطيب أو حمل مسكا في قارورة ~~مختومة أو نافحة لا مكشوفة أو في طرف ثوبه أو عمامته فيلزم وله التماس ~~الركن مطيبا والدنو من الكعبة حال تجميرها إذ لم يلتمس الطيب بل غيره، ~~والنهي متعلق بالالتماس. # مسألة: وله لبس المصبوغ إلا بالعصفر والفوه ونحوهما إذ هو طيب. هذه ~~عبارته، وقد صوب عليه، وله لبس المصبوغ إلا ما هو طيب كالمورس والمزعفر. ثم ~~قال أبو طالب: ولا فدية في المعصفر إذ ليس بطيب، أبو حنيفة: إن نقض لزمت إذ ~~يشبه المورس (أ). # الشافعي: يجوز لبسه إذ ليس بطيب، الإمام يحيى: يكره فقط إذ رخص للمحرمات ~~في لبسه. # مسألة: أبو العباس والمرتضى والحسن بن صالح وله الادهان بما لا طيب فيه ~~إذا ادهن - صلى الله عليه وسلم - بغير معت. أبو حنيفة: فيه ترطيب للجسم ~~وجمال فيفدي، أبو يوسف ومحمد: أو صدقة إن لم يطيب، الشافعي: إن دهن الوجه ~~والرأس فدى إذ هو كالغطاء وفي غيرهما لا شيء، الثوري: إن كان مطبوخا فدى أو ~~بالطبخ يزول الريح (ب) الكريهة. لنا ما مر، وله الاكتحال بما لا زينة فيه ~~كالصبر لرواية عثمان عنه - صلى الله عليه وسلم -، وفعل ابن عمر، لا ما فيه ~~زينة كالأسود إلا لعذر، الإمام يحيى فيفدي وفيه نظر، انتهى. # وجه النظر أن الكحل الذي لا طيب فيه لا يوجب الفدية. قال العلماء: PageV05P245 # والحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم ولباسه الإزار والرداء أن ~~يبعد عن الترفه ويتصف ms0938 بصفة الخاشع الذليل، وليتذكر أنه محرم في كل وقت ~~فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره وأبلغ في مراقبته وصيانته واقتناعه عن ارتكاب ~~المحظورات، وليتذكر به الموت ولباس الأكفان وليتذكر البعث يوم القيامة حفاة ~~عراة مهطعين إلى الداعي، والحكمة في تحريم الطيب والنساء أن يبعد عن الترفه ~~وزينة الدنيا والتلذذ، ويتجمع همه لمقاصد الآخرة، والله سبحانه أعلم. # 567 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "كنت أطيب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لإحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت" متفق عليه (¬1). # قولها "كنت أطيب" وقع في رواية عروة عنها التصريح بأن ذلك في حجة الوداع. ~~أخرجه البخاري في باب اللباس، وهذا يقتضي أنه وقع مرة واحدة فكان في مثل ~~هذا الموقع لا يدل على التكرار، وتعقب بأن المدعى تكراره هو الطيب لا ~~الإحرام، ولا مانع من تكرر (أ) الطيب وهو بعيد. # وقال النووي: المختار أنها لا تقتضي تكرارا ولا استمرارا، وكذا قال الفخر ~~الرازي، وقال ابن الحاجب: إنها تقتضي التكرار، وقال جماعة من المحققين إنها ~~تقتضي التكرار ظاهرا وقد تدل قرينة على عدمه فاستعمل هنا مجازا في عدم ~~التكرار دلالة على كثرة ما فعلت من الطيب حتى صار كأنه أشبه من طيب مرة بعد ~~أخرى لما رأت من استحبابه لذلك، مع أنها PageV05P246 # قد سقطت في طريق سفيان بن عيينة عن عبد الرحمن بن القاسم شيخ مالك ووقعت ~~بلفظ: "طيبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -" (¬1). # وقولها "لإحرامه قبل أن يحرم" هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم "لحرمه" (¬2) ~~بضم الحاء وكسرها بمعنى إحرامه، فيه دلالة على استحباب التطيب عند إرادة ~~الإحرام وجواز استدامته بعد الإحرام وأنه لا يضر بقاء لونه ورائحته وإنما ~~يحرم ابتداؤه في الإحرام، وقد ذهب إلى هذا خلائق من الصحابة والتابعين ~~وجماهير الفقهاء والمحدثين، فمن الصحابة: سعد بن أبي وقاص وابن عباس وابن ~~الزبير وعائشة وأم حبيبة، والحنفية والشافعية إلا محمد بن الحسن والثوري ~~وأحمد وداود وغيرهم، وذهب جماعة إلى منع ذلك منهم: الزهري وابن عمر ومالك ~~ومحمد بن الحسن ms0939 والهادي والقاسم والناصر والمؤيد وبعض أصحاب الشافعي، ~~وتأولوا حديث عائشة بأنه اغتسل قبل إحرامه فأحرم ولم يبق فيه أثر الطيب، ~~واحتجوا على ذلك بأنه قد وقع في رواية أخرجها البخاري في الغسل: "ثم طاف ~~على نسائه ثم أصبح محرما" (¬3)، فإن المراد بالطواف الجماع، وكان من عادته ~~أن يغتسل عند كل واحدة، ومن ضرورة ذلك أن (أ) لا يبقي للطيب أثر، وهو مردود ~~فإنه قد وقع في لفظ النسائي: "حين أراد أن يحرم" (¬4) ولمسلم نحوه (¬5)، ~~وفي رواية للبخاري في تمام الرواية: "ثم أصبح محرما ينضح PageV05P247 # طيبا" (¬1) روي بالحاء المهملة والخاء المعجمة، والمعنى متقارب، وبالحاء ~~المهملة أبلغ، وفي رواية عند مسلم: "إذا أراد أن يحرم يتطيب بأطيب ما يجد ~~ثم أراه في رأسه ولحيته بعد ذلك" (¬2)، وللنسائي وابن حبان: "رأيت الطيب في ~~مفرقه بعد ثلاث وهو محرم" (¬3) وقول بعضهم إنه بقي الأثر من غير رائحة ~~مردود بقوله: "ينضح طيبا" مع أنه في حديث عائشة: "كنا ننضح وجوهنا بالطيب ~~المسك قبل أن نحرم فنعرق فيسيل على وجوهنا ونحن مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلا ينهانا" ولا يقال هذا خاص بالنساء، لأن الرجال والنساء في ~~الطيب سواء بالإجماع، ورواية (أ) الأوزاعي عن عائشة: "بطيب لا يشبه طيبكم" ~~يراد به المبالغة في قوة رائحته لا (ب) أنه لا رائحة له، تدل عليه سائر ~~الروايات عنها، والتصريح بأنه مسك، وقد وقع في لفظ متفق عليه: "بأطيب ما ~~أجد" وللطحاوي من حديثها "بالغالية". # ويجمع بين الروايات بأن الغالية للدهن والطيب. ولعلها كررت ذلك ففعلت ~~بالغالية للادهان ثم بعد ذلك بالمسك ونحوه، أو أنها جمعت ذلك وكان طيبا ودهنا. # وقال المهلب: إن هذا من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم - لأن الطيب من PageV05P248 # دواعي النكاح فنهى الناس عنه فكان هو أملك الناس لإربه ففعله، ورجحه ابن ~~العربي لكثرة ما ثبت له من الخصائص في النكاح، وقال المهلب: وجه الخصوصية ~~لمباشرته الملائكة لأجل الوحي. ويرد عليه بأن الخصوصية لا تثبت إلا بدليل، ~~وقد عرفت حديث عائشة، فهو ms0940 أيضا ناف للخصوصية. # وأخرج سعيد بن منصور بإسناد صحيح عنها أيضا (أ) قالت: "طيبت أبي لإحرامه ~~بالمسك حين أحرم" (¬1). # وبعض المالكية اعتذر بأن عمل أهل المدينة على منع المحرم الطيب ولو ببقاء ~~الأثر من قبل الإحرام، ورد عليه بما رواه النسائي من طريق أبي بكر ابن عبد ~~الرحمن بن الحارث وسالم وعبد الله ابنا عبد الله وأبي بكر بن هشام أن ~~سليمان بن عبد الملك لما حج جمع ناسا من أهل العلم منهم القاسم بن محمد ~~وخارجة بن زيد وسالم وعبد الله ابنا عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز ~~وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث فسألهم عن الطيب قبل الإفاضة فكلهم أمره ~~به، فهؤلاء فقهاء أهل المدينة من التابعين فقد اتفقوا على ذلك، فكيف يدعى ~~مع ذلك العمل على خلافه؟ وقولها: "ولحله قبل أن يطوف بالبيت" المراد لحله ~~الإحلال الكامل الذي يحل به كل محظور وهو طواف الزيارة، وقد كان حل بعض ~~الإحلال وهو بالرمي الذي يحل به الطيب وغيره، ولا يمنع بعده إلا من النساء ~~وظاهر هذه العبارة أنه قد كان فعل الرمي والحلق وبقي الطواف وهذا متفق عليه ~~سواء كان الحلق نسكا أو تحليل محظور، وإنما الخلاف لو قدم الحلق قبل PageV05P249 # أن يرمي، فظاهر قول المؤيد بالله أنه قد حل به ويحل بعده الطيب (أ) وإن ~~لم يرم، وهو يقول: إن الحلق نسك ويحل عنده بأنهما فعل. وذكر المصنف (¬1) ~~-رحمه الله تعالى- في فتح الباري عن الجمهور وهو الصحيح عن مذهب الشافعية ~~أنه لا يحل الطيب إلا بعد مجموع الرمي والحلق بناء على أنهما نسك. # وقال النووي في شرح المهذب: المذهب أن الشافعي يقول إن الحلق ليس بنسك، ~~وقال عن ابن المنذر: إنه لم يقل به إلا الشافعي، وهو مروي عن الهادي ~~والقاسم، ورواية عن أحمد أيضا. # 568 - وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب" رواه مسلم (¬2). # قوله "لا ينكح" يعني ms0941 هو في نفسه، "ولا ينكح" أي ينكح. غيره بأن يعقد له. # الحديث فيه دلالة على تحريم ذلك على المحرم، والمراد به العقد، وقد ذهب ~~إلى هذا الجمهور من العلماء ومنهم مالك والشافعي وأحمد وقالوا إنه لا يصح ~~من المحرم أن يعقد لنفسه وأن يعقد لغيره، وقال أبو حنيفة والكوفيون إنه يصح ~~من المحرم أن يعقد، قالوا: لقصة نكاحه - صلى الله عليه وسلم - PageV05P250 # لميمونة بنت الحارث كما في رواية ابن عباس (¬1) أنه نكحها وهو محرم في ~~عام القضية فإنه - صلى الله عليه وسلم - خرج من المدينة في شهر القعدة سنة ~~سبع، وبعث جعفر بن أبي طالب بين يديه إلى ميمونة بنت الحارث ليخطبها له ~~فجعلت أمرها إلى العباس وكانت أختها أم الفضل تحته، وأراد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يبني بها بمكة بعد عام أعمال العمرة بعد أن مضت ~~الثلاثة الأيام التي وقع الصلح على إقامته فيها، فمنعه المشركون من ذلك، ~~فخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من مكة حتى نزل بطن سرف -بفتح السين ~~المهملة وكسر الراء المهملة- فأقام بها، وخلف أبا رافع ليحمل ميمونة إليه ~~حين يمسي، وأقام حتى قدمت ميمونة ومن معها وقد لقوا أذى وعناء من سفهاء مكة ~~وصبيانها فبنى بها ثم أدلج وسار حتى قدم المدينة. # وأجاب الجمهور عن ذلك بأجوبة أصحها: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما تزوجها حلالا، هكذا رواه الصحابة. # قال القاضي عياض (¬2) وغيره: لم يرو أنه تزوجها محرما إلا ابن عباس وحده، ~~حتى قال سعيد بن المسيب ذهل ابن عباس وإن كانت خالته، ما تزوجها رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إلا بعد ما حل. ذكره البخاري (¬3)، وكذا روى يزيد ~~بن الأصم عن ميمونة نفسها، وكذا أبو رافع مع أنه السفير بينهما، أو أنه ~~تزوجها في الحرم وهو حلال، أو أنه تزوجها في شهر الحرام وهي لغة شائعة ~~معروفة، كما قال الشاعر: # قتلوا ابن عفان الخليفة محرما ... ورعا فلم أر مثله مقتولا PageV05P251 # أي في حرم المدينة، أو في الشهر ms0942 الحرام، أو أنه كان خاصا في حقه أن يتزوج ~~وهو محرم، وهو جواب جماعة من الصحابة، وأصح الوجهين عند أصحاب الشافعي. وإن ~~فرض وقوع ذلك وهو محرم، فقد تعارض القول والفعل، والقول أرجح عند التعارض، ~~ولا يصح أن يحمل على الوطء إذ عطف قوله "ولا ينكح" يبعده عن ذلك، وقوله ~~"ولا ينكح" يعني لا يزوج غيره بولاية ولا وكالة. # قال العلماء: سببه أنه لما منع من مدة الإحرام من العقد لنفسه صار ~~كالمرأة فلا يعقد لنفسه ولا لغيره، وظاهر هذا العموم أنه لا فرق بين أن ~~يزوج بولاية خاصة كالأب وغيره أو بولاية عامة كالسلطان والقاضي ونائبه، ~~وهذا هو الصحيح عند الهادوية والشافعية، وقال بعض أصحاب الشافعي والإمام ~~يحيى: يجوز أن يزوج المحرم بالولاية العامة لأنها يستفاد بها ما لا يستفاد ~~بالخاصة، قالوا كما يجوز للمسلم بالولاية العامة أن يزوج الذمية دون ~~الخاصة، وقد وافقهم في المقيس عليه أبو العباس على أصل الهادي، فلو زوج ~~المحرم أو تزوج كان العقد باطلا، إن كان على خلاف مذهبه، وكان عالما ~~بالتحريم، وإن كان جاهلا كان فاسدا (¬1)، ولذلك أحكام مفصلة في فروع الفقه، ~~وقوله "ولا يخطب" النهي للتنزيه لا للتحريم، والظاهر أنه إجماع وكذا تكره ~~الشهادة على عقد النكاح. # وقال بعض أصحاب الشافعي: لا ينعقد النكاح بشهادة المحرم لأن الشاهد ركن ~~في عقد النكاح كالولي، والصحيح الذي عليه الجمهور انعقاده إذ لا دليل على ~~ذلك (¬2)، والله أعلم. # 569 - وعن أبي قتادة الأنصاري في قصة صيد الحمار الوحشي وهو PageV05P252 # غير محرم قال: فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه وكانوا ~~محرمين: "هل منكم (أ) أحد أمره أو أشار إليه بشيء؟ قالوا: لا، قال فكلوا ما ~~بقى من لحمه" متفق عليه (¬1). # قوله "وهو غير محرم" يقال كيف جاز له عدم الإحرام، وقد جاوز الميقات؟ ~~وأجيب عنه بأن المواقيت لم تكن وقتت، وقيل: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بعث أبا قتادة ورفقته لكشف عدو لهم بجهة الساحل، وقيل: إنه خرج (ب) معهم ~~ولكنه لم ms0943 ينو حجا ولا عمرة، وهو بعيد، وقيل: لأنه لم يكن خرج مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من المدينة بل بعثه أهل الدينة بعد ذلك إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ليعلمه أن بعض العرب يقصدون الإغارة على المدينة ~~(¬2)، وقوله "هل منكم أحد ... " إلخ. فيه دلالة على أنه يجوز للمحرم أن ~~يأكل من لحم الصيد إذا لم يكن من المحرم إعانة على قتله، وهذا مذهب الشافعي ~~وأحمد ومالك وداود، والحديث صريح في ذلك، وذهب الهادوية وغيرهم إلى أنه ~~يحرم على المحرم أكل لحم (ج) الصيد، وإن لم يكن منه إعانة، وقد حكاه القاضي ~~عياض عن علي وابن عمر وابن عباس -رضي الله عنهم- قالوا لقوله تعالى: {وحرم ~~عليكم صيد البر ما دمتم حرما} (¬3) والمراد بالصيد المصيد. # وأجاب الأولون عن ذلك بأن (د) المراد بالصيد الاصطياد، والحديث PageV05P253 # مبين لهذا المراد، وفي سنن أبي داود والترمذي والنسائي عن جابر بن عبد ~~الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "صيد البر لكم حلال ما لم ~~تصيدوه أو يصاد لكم" (¬1) وهذا يدل دلالة صريحة على صحة التأويل، ونص في ~~المذهب واستقوى الإمام المهدي في البحر ما ذهب إليه الشافعي وشرطه بصحة ~~الحديث، وألحق الشافعي بذلك (أ) في التحريم ما صيد لأجله ويحتج له بحديث ~~جابر المذكور، وقال أبو حنيفة: لا يحرم عليه ما صيد له بغير إعانة منه، ~~وقول عمر ابن الخطاب والزبير بن العوام أنه يجوز أكله للمحرم على الإطلاق ~~إذا كان الصائد حلالا، ولم يذكر المصنف (¬2) -رحمه الله تعالى- هنا الرواية ~~التي فيها قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هل معكم من لحمه شيء" وفي ~~رواية أخرى: "هل معكم منه شيء؟ قالوا معنا رجله، فأخذها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وأكلها", لأنه لم يتفق عليها الشيخان، واقتصر على القدر ~~الذي وقع عليه الاتفاق، والله أعلم. # 570 - وعن الصعب بن جثامة الليثي - رضي الله عنه -: "أنه أهدى لرسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - حمارا وحشيا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه، ~~وقال: إنا ms0944 لم نرده عليك إلا أنا حرم" متفق عليه (¬3). # الصعب بالصاد والعين المهملتين ابن جثامة بفتح الجيم والثاء المثلثة، PageV05P254 # كان ينزل ودان والأبواء من أرض الحجاز، حديثه في الحجازيين (¬1). # روى عنه عبد الله بن عباس وشريح بن عبيد الله الحضرمي، مات في خلافة أبي ~~بكر الصديق. # قوله "أهدى لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمارا وحشيا" (¬2)، وفي ~~رواية: "حمار وحش يقطر دما" (¬3)، وفي رواية: "من لحم حمار وحش" (¬4)، وفي ~~رواية "عجز حمار وحش" (¬5) وفي رواية "عضوا من لحم صيد" (¬6) هذه روايات ~~مسلم، وترجم له البخاري باب إذا أهدى للمحرم حمارا وحشيا لم يقبل (¬7)، ~~وروايات مسلم صريحة في أنه مذبوح، وأنه أهدي بعض لحم صيد لأكله. # وقوله "فرده عليه وقال: إنا لم نرده" قال القاضي عياض (¬8): رواه ~~المحدثون بفتح الدال، وأنكره محققو شيوخنا أهل العربية، وقالوا هذا غلط ~~وصوابه بضم الدال، ووجدته بخط بعض الأشياخ بضم الدال، وهو الصواب في تحريك ~~الساكنين عند سيبويه فيما كان بعده ضمير الغائب الموصول بالواو على الأفصح، ~~وتحريك الساكن بالكسر في مثله لغة ضعيفة، حكاها الأخفش عن بني عقيل، وغلط ~~ثعلب في جواب الفتح، وأما إذا اتصل به ضمير المؤنث في نحو ردها فالفتح لازم ~~بالاتفاق. PageV05P255 # وقوله "إلا أنا حرم" هو بفتح الهمزة في "أنا حرم" وحرم بضم الحاء والراء ~~أي: محرمون. # والحديث فيه دلاله على أن المحرم لا يحل له أكل الصيد، وظاهره مطلقا لأنه ~~علله بكونه محرما، وأجاب عنه من جوز ذلك -كما تقدم- بأنه صاده لأجل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لحديث جابر، وفي ذلك جمع بين الأحاديث، وفي الحديث ~~دلالة على أنه ينبغي قبول الهدية وإبانة المانع من قبولها إذا كان تطيبا ~~لقلب المهدي. # واعلم أنه وقع الخلاف في الروايات كما عرفت في كون المهدي لحما أو حمارا ~~حيا، وفي تعيين ذلك اللحم حتى قال البيهقي (¬1) في رواية: "عجز حمار، وهو ~~بالجحفة فأكل منه": "هذا إسناد صحيح فإن كان محفوظا فكأنه رد الحي وقبل ~~اللحم"، وقال الشافعي (¬2): فإن كان الصعب أهدى للنبي - صلى ms0945 الله عليه وسلم ~~- الحمار حيا فليس للمحرم ذبح حمار وحشي، وإن كان أهدى لحم الحمار فقد ~~يحتمل أن يكون علم أنه صيد له فرده عليه وإيضاحه في حديث جابر وحديث مالك: ~~"أنه أهدى له حمارا" أثبت من حديث: "أنه أهدى له من لحم حمار" وقد اعترض ~~ابن القيم على رواية: "فأكل منه" وهي شاذة منكرة، واستقوى رواية من روى: ~~"لحما" لأن راويها حقق بقوله: "يقطر دما" ولأنها لا تنافي رواية من روى: ~~"حمارا" لأنه قد سمى الجزء باسم الكل وهو شائع في اللغة، ولأن الروايات ~~اتفقت على أنه بعض من أبعاض الحمار، وإنما وقع الاختلاف في ذلك البعض ولا ~~تناقض بينهما، فإنه يمكن أن يكون المهدي الشق الذي فيه العجز الذي فيه رجل ~~مع أنه قد رجع ابن عيينة عن PageV05P256 # قوله: "حمار" إلى قوله: "لحم حمار" وثبت عليه إلى أن مات ثم اعلم أن قصة ~~أبي قتادة كانت في عام الحديبية سنة ست، وقصة الصعب قد ذكر غير واحد أنها ~~كانت في حجة الوداع منهم المحب الطبري في كتاب "حجة الوداع" له وغيره، وهذا ~~محل نظر، والله أعلم. # وكذا في قصة الظبي الحاقف وحمار الفهري هل كان في حجة الوداع؟ (أ) أو في ~~بعض عمره، وقد وهم الطبري فجعل قصة أبي قتادة في حجة الوداع (أ). وقد وقع ~~التصريح في الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه قال: "انطلقنا ~~مع النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الحديبية (¬1) فأحرم أصحابه ولم أحرم" ~~فذكر قصة الحمار الوحشي، والله أعلم. # 571 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "خمس من الدواب كلهن فواسق يقتلن في الحرم: الغراب والحدأة والعقرب ~~والفأرة والكلب العقور" متفق عليه (¬2). # قوله "خمس" وقع في هذه الرواية ذكر الخمس، وفي رواية للبخاري عن ابن عمر ~~قال حدثتني إحدى نسوة النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنه كان يأمر بقتل ~~الكلب" فذكر الخمس هذه وزاد: "الحية"، وزاد: "في الصلاة (¬3) أيضا"، ذكر ~~ذلك في ms0946 كتاب الصلاة، وفي بعض طرق حديث PageV05P257 # عائشة بلفظ: "أربع" أخرجها مسلم (¬1)، وأسقط العقرب، وفي بعضه الطرق ~~بلفظ: "ست" أخرجها أبو عوانة في المستخرج فزاد: "الحية" (¬2) ووقع في حديث ~~أبي سعيد عند أبي داود بزيادة "السبع العادي" (¬3) فصارت سبعا، وفي حديث ~~أبي هريرة عند ابن خزيمة وابن المنذر بزيادة ذكر الذئب والنمر (¬4) على ~~الخمس الشهورة فيكون تسعا إلا أن ابن خزيمة أفاد عن الذهلي أن ذكر الذئب ~~والنمر من تفسير الكلب العقور، ووقع ذكر الذئب أيضا في حديث مرسل أخرجه ابن ~~أبي شيبة وسعيد بن منصور وأبو داود (¬5) من طريق سعيد بن المسيب عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "يقتل المحرم الحية والذئب" (¬6) ورجاله ثقات. # وأخرج أحمد عن ابن عمر: "أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقتل ~~الذئب للمحرم" (¬7) وفيه حجاج بن أرطأة (¬8)، وهو ضعيف وخالفه مسعر عن وبرة ~~فرواه موقوفا أخرجه ابن أبي شيبة (¬9)، فهذا ما ورد في الأحاديث المرفوعة PageV05P258 # زيادة على الخمس المشهورة (أ) [فذكر الخمس يدل بمفهوم العدد أن غيرهن لا ~~يقتل في الحرم، ولكنه إذا وجد ما هو أقوي منه عمل به، وترك العمل بالمفهوم، ~~والأقوى هو ما زيد على ذلك في رواية "ست" ونحوها] (أ). # والدواب بتشديد الباء الموحدة جمع دابة وهو ما دب من الحيوان (¬1)، وظاهر ~~هذا أن الطائر يطلق عليه اسم الدابة لذكره الغراب والحدأة، وهو مطابق لعموم ~~قوله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} (¬2)، وقوله تعالى: ~~{وكأين من دابة لا تحمل رزقها} الآية (¬3)، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم في ~~صفة بدء الخلق: "وخلق الدواب يوم الخميس" (¬4) ولم يفرد الطير بذكر، وبعضهم ~~أخرج من لفظ الدابة الطير لقوله تعالى: {وما من دابة في الأرض ولا طائر ~~يطير بجناحيه} الآية (¬5)، وقد اختص في العرف العام، فأطلق الدابة على ذات ~~القوائم الأربع، وقد يخصها بعض أهل العرف (ب) بالحمار، ومنهم من يخصها ~~بالفرس. وفائدة ذلك تظهر في الحلف. # وقوله: "كلهن فواسق"، وفي رواية: "كلهن فاسق" فالإفراد باعتبار لفظ كل ms0947 ~~والجمع باعتبار المعنى. والفسق في اللغة بمعنى الخروج، PageV05P259 # ومنه فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها وقوله تعالى: {ففسق عن أمر ربه} (¬1) ~~أي خرج، وسمي العاصي فاسقا لخروجه عن طاعة ربه فهو خروج مخصوص، وزعم ابن ~~الأعرابي أنه لا يعرف في كلام الجاهلية ولا شعرهم فاسق بالمعنى الشرعي، ~~ووصفت الدواب المذكورة بالفسق، قيل لخروجها عن حكم غيرها من الحيوان في ~~تحريم القتل، وقيل في حكم أكله لقوله تعالى: {أو فسقا أهل لغير الله به} ~~(¬2) وقوله تعالى: {وإنه لفسق} (¬3) وقيل لخروجها عن حكم غيرها بالإيذاء ~~والإفساد وعدم الانتفاع، ومن ثم اختلف العلماء، فمن قال بالأول ألحق بالخمس ~~كل ما جاز قتله للحلال وفي الحل، ومن قال بالثاني ألحق ما لا يؤكل إلا ما ~~نهي عن قتله، ومن قال بالثالث خص الإلحاق بما حصل منه الإفساد والإيذاء، ~~وهذا أرجح، يؤيده ما وقع في حديث أبي سعيد عند ابن ماجه: "قيل له لم قيل ~~للفأرة فويسقة؟ فقال: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - استيقظ بها وقد ~~أخذت الفتيلة لتحرق بها البيت" (¬4) ففيه إشارة إلى أن وجه التسمية هو ~~إيذاؤها وفعلها شبه فعل الفساق. وقوله: "يقتلن في الحرم" ويعلم من ذلك جواز ~~القتل في الحل بالطريق الأولي، وقد وقع ذلك مصرحا به عند مسلم بلفظ: "يقتلن ~~في الحل والحرام (أ) " (¬5) ويعرف حكم الحلال بكونه PageV05P260 # لم يقم به مانع وهو الإحرام، فهو بالجواز أولى، وظاهر قوله: "يقتلن" أن ~~ذلك مستمر فيترجح الفعل فيه على الترك، وقد وقع في رواية بلفظ: "ليس على ~~المحرم في قتلهن جناح" (¬1) وفي لفظ "لا حرج على من قتلهن" (¬2) كذا في ~~البخاري، وفي لفظ عند (أ) مسلم "أمر" (¬3) كذا في حديث أبي رافع عند البزار ~~"وأمر بقتل العقرب والحية والفأرة والحدأة للمحرم" وفي لفظ عند مسلم "أذن" ~~وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود وغيره "خمس قتلهن حلال للمحرم" (¬4) فلفظ ~~نفي الجناح والحرج والإذن والحلال ولفظ يقتلن تدل كلها على الإباحة واستواء ~~الفعل والترك، ولفظ "أمر" ظاهر في الوجوب، ولكنه قد يحمل ms0948 على الإباحة ~~لقرينة، والقرينة ورود الألفاظ الدالة على عدم الوجوب، وأيضا فإن سياق ~~القصة يدل على إباحة القتل للمحرم لا وجوبه. # وقوله "في الحرم" بفتح الحاء والراء أرض حرم مكة -شرفها الله تعالى- وجوز ~~بعضهم ضم الحاء والراء جمع حرام كما قال الله تعالى {وأنتم حرم} (¬5) ~~والمراد بها المواضع، يدل على أنه يجوز قتل هذه المذكورات في الحرم للمحرم، ~~وفي الحل بالطريق الأولى، وللمحرم أيضا لرواية: "ليس على المحرم في قتلهن ~~جناح" وغيره وهو من كان حلالا بالطريق الأولى. PageV05P261 # وقوله "الغراب" وقع في هذه الطريق بذكر الغراب مطلقا، وفي رواية ابن ~~المسيب عن عائشة عند مسلم مقيدا بالأبقع (¬1)، وهو الذي في ظهره أو بطنه ~~بياض، وأخذ بهذا التقييد بعض أصحاب الحديث واختاره ابن خزيمة (¬2) وهو ~~القاعدة في حمل المطلق على المقيد، وقد أعل ابن بطال هذه الزيادة بأنها من ~~رواية قتادة عن سعيد وهو مدلس، وقد شذ بذلك، وأجيب عنه: بأن الراوي عن ~~قتادة هو شعبة، وهو لا يروي عن شيوخه المدلسين إلا ما هو مسموع لهم، وقد ~~صرح النسائي أيضا عن شعبة بسماع قتادة (¬3)، وأما الشذوذ فهذه زيادة من ~~الثقة الحافظ، وهي مقبولة، قال ابن قدامة: يلتحق بالأبقع ما شاركه في ~~الإيذاء وتحريم الأكل (¬4). # قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وقد اتفق العلماء على إخراج الغراب الصغير ~~الذي يأكل الحب، ويقال له غراب الزرع، ويقال له الزاغ، وأفتوا بجواز أكله ~~فبقي ما عداه من الغربان ملتحقا بالأبقع، انتهى (¬5). # وعموم كلام القاسم الرسي يقضي بمثل هذا وإن كان ظاهر كلام المؤيد وأبي ~~طالب أن غراب الزرع لا يحل أكله ومثل (أ) الأبقع العداف، قال ابن قدامة وهو ~~غراب البين، والمعروف عند أهل اللغة أنه الأبقع، وقيل إنه سمي غراب البين ~~لأنه بان عن نوح - عليه السلام - لما أرسله من السفينة PageV05P262 # ليكشف خبر الأرض فلقي جيفة فوقع عليها ولم يرجع إلى نوح، وكان أهل ~~الجاهلية يتشاءمون به، وكانوا إذا نعب مرتين قالوا آذن بشر، وإذا نعب ثلاثا ~~قالوا أذن بخير، فأبطل الإسلام ذلك، ms0949 وكان ابن عباس إذا سمع الغراب قال: ~~اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك (¬1). # ومن أنواع الغراب الأعصم، وهو الذي في رجليه أو جناحه أو بطنه بياض أو ~~حمرة، وحكمه حكم الأبقع، وكذا العقعق وهو قدر الحمامة على شكل الغراب، قيل ~~يسمى بذلك لأنه يعق فراخه فيتركها بلا طعم، والعرب تتشاءم به أيضا، ووقع في ~~فتاوى قاضي خان الحنفي: من خرج لسفر فسمع صوت العقعق فرجع كفر. # وحكمه حكم الأبقع على الصحيح، وقيل حكم غراب الزرع. وقال أحمد: إن أكل ~~الجيف وإلا فلا بأس به (¬2). # وقد روى أبو داود خلافا عن عطاء أنه لا يحل للمحرم قتل الغراب (¬3) وقال ~~إن أذاه المحرم فعليه الجزاء. # قال الخطابي (¬4): لم يتابع أحد عطاء (أ) على هذا ويحتمل أن يكون مراده ~~غراب الزرع، وظاهر إباحة القتل له وللحداء أنهما يقتلان، وإن لم يبتدئا ~~بالأذى، ولا فرق بين كبارهما وصغارهما. وعند المالكية اختلاف PageV05P263 # في ذلك، والمشهور عندهم لا فرق وفاقا للجمهور. # وقوله "والحدأة" بكسر الحاء المهملة وفتح الدال بعدهما همزة بعدها تاء ~~التأنيث (أعلى وزن عنبة أ)، والحدا من دون تاء، وحكى صاحب المحكم المد فيه ~~(¬1) من دون تأنيث، وحكى الأزهري فيها "حدوة" بواو بدل الهمزة، وقد وقع في ~~البخاري في باب بدء الخلق بلفظ "الحديا" (¬2) بضم أوله وتشديد الياء ~~التحتانية مقصورا، وقيل إنه سهل من الهمزة ثم أدغم، وقيل هي لغة حجازية، ~~وغيرهم يقول حدية، وهي أخس الطير، وهي لا تضر لكن تخطف، ومن طبعها أنها لا ~~تخطف إلا من يمين من تخطف منه دون شماله حتى قيل إنها عسراء، وأما الحدا ~~(¬3) بفتح الحاء فهي الفأس التي لها رأسان. # وقوله "والعقرب" هو يقال للذكر والأنثى، وقد يقال عقربة وعقرباء وهي ~~أنواع منها الجرادة والطيارة وما له ذنب كالحربة ويعقد ومنها السود والخضر، ~~وأكثر ما يكون ضررها إذا كانت حاملة، والعقارب القاتلة تكون بموضعين: شهر ~~زور وعسكر مكرم، وتقتل بلسعها مع صغرها، وناهيك بهذا فسقا وليس منها ~~العقربان بل هي ms0950 دوبية طويلة كثيرة القوائم، قال صاحب المحكم: ويقال إن عين ~~العقرب في ظهرها وأنها لا تضرب ميتا ولا نائما حتى يتحرك، ويقال لدغته ~~بالغين المعجمة ولسعته بالمهملتين، وقد تقدم اختلاف الرواة في ذكر الحية ~~(¬4) بدلها ومن جمعهما، والذي يظهر PageV05P264 # أنه - صلى الله عليه وسلم - نبه بإحداهما عن الأخرى عند الاقتصار، وبين ~~حكمهما معا حيث جمع كذا قال المصنف (1) -رحمه الله تعالى- وهذا مستقيم إذا ~~صح تعدد القصة، وأما إذا كان ذلك في قصة واحدة فهو غير مستقيم، والذي يظهر ~~لي أنه وقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكرهما جميعا فمن رواهما حكى ~~القصة بعينها، ومن ذكر أحدهما فلعله اقتصر واستغنى بذكر إحداهما عن الأخرى ~~للاتفاق في الحكم والأذى، أو لعل أحد الراويين نسى الجمع فاقتصر على ما ذكر. # قال ابن المنذر: لا نعلمهم اختلفوا في جواز قتل العقرب. وقال نافع لما ~~قيل له: فالحية قال: أنختلف فيها (أ) (2)؟ # وفي رواية من يشك فيها. # وتعقبه ابن عبد البر بما أخرجه ابن أبي شيبة من طريق شعبة أنه سأل الحكم ~~وحمادا فقالا: لا يقتل المحرم الحية ولا العقرب، قال: ومن حجتهما أنهما من ~~هوام الأرض فيلزم من أباح قتلهما مثل ذلك في سائر الهوام، وعند المالكية ~~اختلاف في قتل صغير الحية والعقرب التي لا تتمكن من الأذى. # وقوله "والفأرة" بهمزة ساكنة، ويجوز فيها التسهيل، ولم يختلف العلماء في ~~جواز قتلها للمحرم إلا ما حكي عن إبراهيم النخعي فإنه قال: فيها جزاء إذا ~~قتلها المحرم، أخرجه ابن المنذر (¬3)، وقال هذا خلاف السنة، وخلاف قول جميع ~~العلماء، ونقل عن المالكية مثل ما تقدم، والفأر PageV05P265 # أنواع منه: الجرذ والخلد وفأرة الإبل وفأرة المسك والغيط، والحكم فيها ~~واحد، وقيل في تسمية الفأر بالفويسقة لأنها قطعت حبال السفينة على نوح - ~~عليه السلام - (¬1). # وقوله "والكلب العقور" المراد به كما هو الظاهر هو الكلب المعروف، ~~والأنثى منه كلبة، وجمعه أكلب وكلاب، وقد تقدم فيه الكلام باعتبار نجاسته، ~~وتقييده بالعقور يدل بمفهوم الصفة أنه لا يقتل غير العقور، وقد اختلف ms0951 ~~العلماء في غير العقور مما لم يبح (أ) اقتناؤه، فصرح بتحريم قتله القاضي ~~حسين والماوردي وكذا الإمام المهدي على ما يفهمه كلامه في البحر من اختياره ~~للقول بأن الأمر بقتلها على الإطلاق منسوخ، ووقع في الأم للشافعي جواز ~~قتلها واختلف كلام النووي في ذلك فقال في شرح المهذب في البيع لا خلاف بين ~~أصحابنا في أنه محترم لا يجوز قتله، وقال في الغصب إنه غير محترم، وقال في ~~الحج يكره قتله كراهة تنزيه. # وقال الرافعي بهذا الأخير، وقال جمع من العلماء: إن المراد بالكلب العقور ~~هنا غير الكلب المعروف فروى سعيد بن منصور عن أبي هريرة أنه قال: الكلب ~~العقور الأسد (¬2)، وعن سفيان عن زيد بن أسلم أنهم سألوه عن الكلب العقور ~~فقال: وأي كلب أعقر من الحية (¬3)، وقال سفيان: المراد بالكلب العقور هنا ~~الذئب خاصة، وقال مالك في الوطأ (¬4): "كل ما عقر الناس وعدا عليهم وأخافهم ~~مثل الأسد والنمر والفهد والذئب فهو PageV05P266 # الكلب العقور". # وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور، واحتج أبو عبيد لذلك بقوله ~~- صلى الله عليه وسلم - "اللهم سلط عليه كلبا من كلابك" فقتله الأسد، وهو ~~حديث حسن أخرجه الحاكم من طريق أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه، وبقوله ~~تعالى: {مكلبين} (¬1) فاشتقها من اسم الكلب مع أنه شامل لجميع جوارح الصيد. # واعلم أنه قد استدل بهذا الحديث على أنه يقتل من لجأ إلى الحرم بعد قتله ~~لغيره أو نحوه على ما هو مذهب الشافعي، وعلل ذلك بأن إباحة قتل هذه الأشياء ~~في الحرم معلل بالعدوان فيعم الحكم لعموم العلة والقاتل عدوانا فاسق ~~بعدوانه فيقتل بل هو أولى لأنه مكلف وهذه الفواسق فسقها طبعي ولا تكليف ~~عليها، والمكلف إذا ارتكب الفسق هاتك لحرمة نفسه، فهو أولى بإقامة مقتضى ~~الفسق عليه، وسوى الشافعي في ذلك من ارتكب ما يوجب القتل أو نحوه في الحرم ~~أو كان لاجئا إليه بعد أن ارتكب في غيره، وذهب أبو حنيفة وغيره إلى التفصيل ~~وهو أنه إن كان الذي يقام ms0952 هو القتل أو غيره، فإن كان القتل فإنه لا يقام ~~عليه في الحرم بل يضيق عليه ولا يطعم حتى يخرج ثم يقام عليه خارجه، وما كان ~~دون النفس أقيم عليه في الحرم مطلقا، وذهبت الهادوية بل حكاه علي بن العباس ~~(أ) عن أهل البيت الجميع وهو أنه إن لجأ إلى الحرم بعد أن ارتكب في خارجه ~~ما يوجب حدا أو نحوه ترك ولا يطعم حتى يخرج، وإن ارتكب في داخل الحرم ما ~~يوجب ذلك أخرج من الحرم وأقيم عليه خارجه، ولا فرق بين PageV05P267 # النفس وغيرها، وهو مروي عن ابن عباس وعطاء والشعبي وحجتهم عموم قوله ~~تعالى: {ومن دخله كان آمنا} (¬1) والقياس الذي علل به مذهب الشافعي غير ~~صحيح فإن الكلب العقور ونحوه من الخمس طبعه الأذى فلم يحرمه الحرم ليدفع ~~أذاه عن أهله، وأما الأذى فالأصل فيه الحرمة، وحرمته عظيمة وإنما أبيح ~~لعارض فأشبه الصائل من الحيوانات المباحة من المأكولات، فإن الحرم يعصمها، ~~وأيضا فإن حاجة أهل الحرم إلى قتل الكلب العقور ونحوه كحاجة أهل الحل سواء، ~~فلو أعاذها المحرم لعظم الضرر عليهم بها وأيضا فإن العائذ بالحرم الملتجئ ~~إليه معظم لحرمته مستشعر بها النجاة، وهو بمنزلة التائب المتنصل المستجير ~~برب البيت المتعلق بأستاره فلا يقاس عليه من ارتكب فيه المحظور فإنه منتهك ~~لحرمته مقدم على الجناية فيه يحتاج إلى إقامة الحدود عليه وإلا عم الفساد ~~وعظم الشر في حرم الله سبحانه، فإن أهل الحرم كغيرهم في الحاجة إلى صيانة ~~نفوسهم وأموالهم وأعراضهم فلو لم يشرع إقامة الحدود عليهم لتعطلت حدود ~~الله، وعم الضرر للحرم وغيره. # 572 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~احتجم وهو محرم" متفق عليه (¬2). # الحديث فيه دلالة على جواز الحجامة للمحرم، وقد أجمع العلماء على جوازها ~~في الرأس وغيره إذا كان له عذر في ذلك، وإن قطع الشعر حينئذ لكن عليه ~~الفدية لقلع الشعر، فإن (أ) لم يقطع فلا فدية، وهذا PageV05P268 # الحديث محمول على أن النبي - صلى الله عليه وسلم ms0953 - كان له عذر في ~~الحجامة، أما إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة فإدن تضمنت قطع شعر فهي ~~حرام لتحريم قطع الشعر، وإن لم تتضمن ذلك فإن كانت في موضع لا شعر فيه فهي ~~جائزة عند الجمهور ولا فدية فيها، وعن ابن عمر ومالك كراهتها، وعن الحسن ~~البصري فيها الفدية، وقال الداودي إذا أمكن مسك المحاجم بغير حلق لم يجز ~~الحلق، وكان احتجامه - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع كما جزم به ~~الحازمي وغيره بموضع يسمى "لحي جمل" بفتح اللام وحكي كسرها، وبفتح الجيم ~~والميم، ويروى بلحيي بالتثنية بين المدينة ومكة، قال البكري في معجمه (¬1) ~~هي بئر جمل التي ورد ذكرها في حديث أبي جهم في التيمم، وقال غيره: هي عقبة ~~الجحفة على سبعة أميال من السقياء. # في وسط رأسه أي متوسطة وهي ما فوق اليافوخ فيما بين أعلى القرنين. قال ~~الليث: كانت هذه الحجامة في فأس الرأس. # 573 - وعن كعب بن عجرة - رضي الله عنه - قال: "حملت إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - والقمل يتناثر على وجهي، فقال: ما كنت أرى الوجع بلغ بك ~~ما أرى، تجد شاة؟ قال: لا. قال: فصم ثلاثة أيام أو أطعم ستة مساكين لكل ~~مسكين نصف صاع" متفق عليه (¬2). # هو أبو محمد: كعب بن عجرة بضم العين المهملة وسكون الجيم وبالراء ابن ~~أمية البلوي بفتح الباء الموحدة والسلام حليف بني سالم بن عوف PageV05P269 # الأنصاري، وقيل حليف بني عمرو بن عوف، قال الواقدي: ليس حليفا للأنصار، ~~ولكنه من أنفسهم نزل الكوفة ومات بالمدينة سنة إحدي وخمسين، وقيل سنة ~~اثنتين، وقيل ثلاث، وهو ابن خمس وسبعين، وقيل ابن تسع وسبعين (¬1). # روى عنه ابن عباس وابن عمر وجابر وابن عمرو، وابن سلمة وسليمان بن يسار. # قوله "حملت" كذا وقع في رواية عبد الله بن معقل، وفي رواية للبخاري "مر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالحديبية ورأسي يتهافت قملا، فقال: ~~أتؤذيك هوامك؟ قلت: نعم. قال: فاحلق رأسك ... " الحديث، وفيه فقال: في نزلت ~~هذه الآية {فمن كان ms0954 منكم مريضا أو به أذى من رأسه ...} الآية (¬2) زاد في ~~رواية أبي الزبير عن مجاهد عند الطبراني أنه لقيه وهو عند الشجرة وهو محرم، ~~وفي رواية معمر عن مجاهد ذكرها البخاري في المغازي "أتى علي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وأنا أوقد تحت برمة والقمل يتناثر على رأسي" زاد في رواية ~~ابن عون عن مجاهد أخرجه البخاري في الكفارات فقال: "ادن فدنوت، فقال: ~~أتؤذيك؟ " (¬3) وفي رواية عن مجاهد فيه "كنا مع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالحديبية، ونحن محرمون وقد حصرنا المشركون، وكانت لي وفرة فجعلت ~~الهوام تساقط على رأسي، فقال: أتؤذيك هوام رأسك؟ قلت: نعم. فأنزلت هذه ~~الآية" (¬4)، وفي رواية أبي وائل عن كعب: "أحرمت فكثر قمل رأسي فبلغ ذلك ~~للنبي - PageV05P270 # صلى الله عليه وسلم - فأتاني أطبخ قدرا لأصحابي" (¬1)، وفي رواية ابن أبي ~~نجيح عن مجاهد أخرجها البخاري "رآه وإنه ليسقط القمل على وجهه، فقال: ~~أتؤذيك هوامك؟ قال: نعم. فأمره أن يحلق وهم بالحديبية ولم يبين لهم أنهم ~~يحلون وهو على طمع أن يدخلوا مكة فأنزل الله الفدية" (¬2). # وأخرجه الطبراني عن مجاهد بهذه الزيادة (¬3)، ولأحمد وسعيد بن منصور في ~~رواية أبي قلابة: "قملت حتى ظننت أن كل شعرة من رأسي فيها القمل من أصلها ~~إلى فرعها" (¬4) زاد سعيد: "وكنت حسن الشعر"، وفي رواية أبي وائل عن كعب ~~عند الطبراني: "فحك رأسي بإصبعه فانتثر منه القمل" (¬5) وقد رويت القصة ~~بألفاظ غير (أ) هذه المذكورات والمعنى متقارب إلا أنه يحتاج إلى الجمع بين ~~قوله "مر به" و "حملت إليه" و "استدعاه إليه فخاطبه" وهو أنه مر به أولا ~~فرآه على تلك الصفة فاستدعاه بعد ذلك، وحمل إليه لمرضه، وقد كان به بعض جلد ~~يمكنه أن يباشر الإيقاد على القدر وإن لم يقدر على المسير فوقع جميع ما ~~ذكر، ولكن الرواة نقل كل واحد من القصة ما ضبط حفظه أي محل الفائدة من الحكم. # وقوله "ما كنت أرى الوجع بلغ بك ما أرى" الأول بضم الهمزة أي PageV05P271 # أظن، والثاني بفتح الهمزة ms0955 بمعنى الرؤية التي هي بمعنى البصر، وقد وقع ~~"الجهد" محل الوجع وهو شك من الراوي. # وقوله "تجد شاة" إلى آخره ظاهره أنه يجب أن يقدم أولا النسيكة على ~~النوعين الآخرين إذا وجدها، وظاهر الآية الكريمة وسائر روايات الحديث أنه ~~مخير في الثلاث جميعا، ولذلك قال البخاري في أول باب الكفارات: "خير النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كعبا في الفدية، ويذكر أن ابن عباس وعطاء وعكرمة ~~قالوا: ما كان في القرآن فيه أو فصاحبه بالخيار" (¬1). # وقد (أ) أخرج أبو داود ومن طريق الشعبي عن ابن (ب) أبي ليلى عن كعب بن ~~عجرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن شئت فانسك نسيكة، وإن شئت ~~فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم ... " الحديث (¬2)، وفي رواية الموطأ "أي ~~ذلك فعلت أجزأ" (¬3) والظاهر أنه مجمع على التخيير. # وقوله "نصف صاع" اتفق العلماء على القول بظاهر هذا الحديث إلا ما يروى عن ~~أبي حنيفة والثوري أنها نصف صاع من حنطة أو صاع من غيرها، وعن أحمد رواية ~~أنه لكل مسكين مد حنطة أو نصف صاع من غيره. # وعن الحسن البصري وبعض السلف أنه يجب إطعام عشرة مساكين أو صوم عشرة ~~أيام، وهذا ضعيف متأيد للسنة النبوية. PageV05P272 # واعلم أن الآية الكريمة وقصة كعب أصل قوي في أن المحرم إذا اضطر إلى ~~ارتكاب محظور كالحلق واللباس ونحوه جاز له ذلك مع الفدية، وخص أهل الظاهر ~~الفدية بشعر الرأس، والله أعلم. # 574 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال (أ): لما فتح الله -تعالى- على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الناس فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: "إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها ~~رسوله والمؤمنين، وإنها لم تحل لأحد كان قبلي وإنما أحلت لي ساعة من نهار، ~~وإنها لا تحل لأحد بعدي، فلا ينفر صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها ~~إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين، فقال العباس: إلا الإذخر يا ~~رسول الله فإنا ms0956 نجعله في قبورنا وبيوتنا، فقال: إلا الإذخر" متفق عليه (¬1). # قوله "لما فتح الله ... " إلخ أراد به فتح مكة، فإن القيام المذكور كان ~~بعد دخول مكة في اليوم الثاني. # وقوله: "فحمد الله" فيه دلالة على أنه يشرع عند الابتداء في الكلام المهم ~~الذي له خطر أنه يبتدئ بحمد الله والثناء عليه. # وحبس الفيل عن مكة إشارة إلى ما كان معلوما عندهم من قصة الفيل وأصحابه ~~الذين ذكرهم الله سبحانه في سورة الفيل. # وقوله "وسلط عليها رسوله والمؤمنين" فيه دلالة على ما ذهب إليه الجمهور ~~من أن مكة فتحت عنوة وأن أهلها أخذوا بالقهر والغلبة، وإنما PageV05P273 # من عليهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأن صانهم من القتل والسبي ~~للذراري والنساء واغتنام الأموال، وكانوا طلقاء للنبي (أ) - صلى الله عليه ~~وسلم - تكرمة له، وفضلا له على قرابته وعشيرته، وهذه الألفاظ التي هي قوله ~~"سلط" وقوله "أحلت لي ساعة من نهار" وقوله "لم تحل لأحد بعدي" يدل دلالة ~~صريحة على ذلك، وأيضا ما وقع في سياق قصة دخوله مكة في قوله "من دخل داره ~~فهو آمن" وقتل خالد بن الوليد لجماعة ولم ينكر عليه، وأمره بقتل ابن خطل ~~ومقيس بن صبابة وغيرهما. # وقوله "فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا إن ~~الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم". # وقوله لأبي هريرة: "اهتف لي بالأنصار" (¬1) فهتف بهم فجاءوا فأطافوا ~~برسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ترون (ب) إلى أوباش قريش ~~وأتباعهم، ثم قال بيده أحدهما (ج) على الأخرى: احصدوهم حصدا حتى توافوني ~~بالصفا حتى قال أبو سفيان: يا رسول الله أبيحت خضراء قريش لا قريش بعد ~~اليوم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من أغلق بابه فهو آمن" ~~وهذا لا يكون مع الصلح، والخلاف في ذلك للشافعي فإنه قال: فتحت صلحا، ~~واستضعف هذا الغزالي فقال: هذا مذهبه وحجته على ذلك أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يقسمها على الغانمين كما قسم خبير وكما قسم سائر الغنائم، وأن ~~أبا سفيان ms0957 هو الذي صالح لأهل مكة، وذلك لأنه لما استأمن لهم أمنهم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فكان ذلك عقد صلح، وأجيب عن ذلك بأنه لو كان ذلك عقد PageV05P274 # صلح لم يقيد التأمين بدخول دار أبي سفيان وإغلاق من أراد الكف عن ~~المنابذة داره عليه، فلما قصد التأمين دل على أن ما عدا باق على المنابذة ~~والمحاربة، واحتج أيضا بقوله تعالى: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا ~~الأدبار} (¬1) وقوله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم عنهم} (¬2)، ~~وقوله تعالى: {وأخرى لم تقدروا عليها} (¬3) وهي غنائم مكة، والآيات غير ~~ظاهرة فيما (أ) ادعاه، وقال الماوردي: أسفلها دخله خالد عنوة وأعلاها دخله ~~الزبير صلحا، ودخل النبي - صلى الله عليه وسلم - من جهينة فصار حكم جهينة ~~المغلب، وقوله" وإنها لا تحل لأحد بعدي" فيه دلالة على أنه لا (ب) يجوز ~~القتال في الحرم. # قال الإمام أبو الحسن الماوردي البصري صاحب الحاوي من أصحاب الشافعي في ~~كتابه "الأحكام السلطانية": من خصائص الحرم أن لا يحارب أهله، وإن بغوا على ~~أهل العدل فقد قال بعض الفقهاء ما قال. # وقال جمهور الفقهاء: يقاتلون على بغيهم إذا لم يمكن ردهم عن البغي إلا ~~بالقتال، لأن قتال البغاة من حقوق الله -تعالى- التي لا يجوز إضاعتها ~~فحفظها في الحرم أولى من إضاعتها هذا كلامه، وما نقله عن جمهور الفقهاء هو ~~ما نص عليه الشافعي في كتاب "اختلاف الحديث" من كتب الأم، ونص عليه الشافعي ~~أيضا في آخر كتابه المسمى بسير PageV05P275 # الواقدي من كتب الأم، وقال القفال المروزي من أصحاب الشافعي في كتابه شرح ~~التلخيص في أول كتاب النكاح في ذكر الخصائص: لا يجوز القتال بمكة حتى قال: ~~لو تحصن جماعة من الكفار فيها لم يجز لنا قتالهم فيها. # قال النووي: وهذا الذي قاله غلط نبهت عليه حتى لا يغتر به، انتهى (¬1). # وقد ذكر الإمام المهدي عن الهادوية مثل ما قاله الشافعي أنه يجوز للإمام ~~أن يقاتل الكفار في الحرم ويدخل إليه بغير إحرام. # ولكن ظاهر الحديث مثل قول القفال أنه لا ms0958 يجوز لغير النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يدخل الحرم للقتال. # وفي قوله "فإن ترخص أحد لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا ~~إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لك" ما يمنع أن يقاس عليه - صلى الله عليه ~~وسلم - وتنبيه بأن ذلك من خصائصه مثل نكاح التسع وغيرها، وأما جواب عمرو بن ~~سعيد على أبي شريح العدوي لما حدثه بهذا الحديث قصدا منه أن يكف عن بعث ~~البعوث إلى مكة لقتال ابن الزبير، فقال عمرو بن سعيد: أنا أعلم بذلك منك يا ~~أبا شريح إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بخربة أي مأمنه فهذه منابذة منه ~~للسنة النبوية غير راجع إلى ورع يذوده عن العصبية ولم يسند ذلك إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ولا مفهوم آية قرآنية. # وقوله "فلا ينفر صيدها" التنفير هو الإزعاج والتنحية من موضعه وإذا حرم ~~التنفير فبالأولى الإتلاف، ويلزم في غيره فدية صدقة بمقدار التنفير أقلها ~~كف من الطعام، وأكثرها نصف صاع، وعن الهادي إذا حمله إلى PageV05P276 # بلده لزمه مدان من الطعام. # وقوله "ولا يختلى شوكها" أي لا يؤخذ ويقطع، وذكر الشوك دليل على أن غيره ~~مما لا يؤذي بالأولى، ولكنه يخصص بالمؤذي، فيجوز قطعه قياسا على ما تقدم من ~~حل قتل الخمس في الحرم بجامع الإيذاء، وفي رواية "لا يعضد شوكها" والعضد ~~القطع، وفي رواية "لا يختلى خلاها" والخلى بفتح الخاء مقصور هو: الرطب من ~~الكلأ والحشيش والحشيش اسم لليابس منه، والكلأ بالهمزة يقع على الرطب ~~واليابس، وعد ابن مكي وغيره من لحن العوام إطلاقهم الحشيش على الرطب، بل هو ~~مختص باليابس، واتفق العلماء على تحريم قطع أشجارها التي لم ينبتها ~~الآدميون في العادة، وعلى تحريم قطع خلاها، واختلفوا فيما ينبته الآدميون، ~~واختلفوا في ضمان الشجر إذا قطع فذهب الهادي وغيره من أهل البيت وأبو حنيفة ~~والشافعي إلى أنه يلزم فيه القيمة، وقدر الشافعي في الشجرة العظيمة بقرة ~~وفيما دونها شاة، ويجوز عند الشافعي ومن وافقه رعي البهائم في كلأ الحرم، ~~وذهب ms0959 الهادوية وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد ومحمد إلى أنه لا يجوز. # وقوله "ولا يحل ساقطها إلا لمنشد" المراد بالساقط اللقطة وهو مصرح به في ~~روايات، والمنشد هو المعرف بها، والإنشاد رفع الصوت، يقال للمعرف منشد ~~ويقال لطالبها ناشد، والمعنى أنه لا يحل الالتقاط إلا لمن يعرف بها أبدا ~~ولا يتملكها، وبهذا قال الشافعي وعبد الرحمن بن مهدي وأبو عبيد وغيرهم، ~~وهذا خاص بلقطة مكة، وأما غيرها فيجوز أن يلتقطها بنية التملك بعد التعريف ~~بها سنة عند الشافعي، ويجوزأن يحفظها لصاحبها، ولا يجب عنده التعريف إلا ~~إذا قصد التملك، وذهب مالك إلى أنه يجوز أن يتملكها بعد التعريف بها سنة في ~~مكة كغيرها في PageV05P277 # أنه لا يجوز الالتقاط إلا لقصد التعريف بها، ويجب التعريف سنة ثم يجوز ~~صرفها إذا أيس من مالكها في فقير أو مصلحة، وتأولوا هذا الحديث بأنها لا ~~تحل اللقطة قبل الإنشاد وخص الحرم بالذكر لكثرة الضوال فيه، كذا قال الإمام ~~المهدي في البحر، والتأويل خلاف الظاهر. # وقوله "من قتل له قتيل فهو بخير النظرين" وهما إما أن يأخذ الدية أو يقتل ~~القاتل، فالخيار لولي الدم حينئذ، وهذا مذهب الهادوية، وقول للمؤيد ~~والشافعي، وبه قال سعيد بن المسيب وابن سيرين وأحمد وإسحاق وأبو ثور. # وقال أبو حنيفة ومالك وأحد قولي المؤيد وقول للشافعي أنه ليس لولي الدم ~~إلا الاقتصاص أو العفو، وأما الدية فلا تجب إلا برضى الجاني، وهو خلاف نص ~~الحديث. # وفائدة الخلاف أنه إذا عفا ولي الدم عن القود فلا تسقط الدية على الأول ~~وتسقط على الثاني، وهذا في القتل عمدا. # وقوله "إلا الإذخر" يجوز فيه الرفع والنصب، أما الرفع فعلى البدل مما ~~قبله والنصب على الاستثناء، وقال ابن مالك: المختار فيه النصب لكون ~~الاستثناء وقع متراخيا عن المستثنى منه فبعدت المشاكلة بالبدلية، ولكون ~~الاستثناء أيضا عرض في آخر الكلام، ولم يكن مقصودا. # والإذخر (أ) نبت معروف عند أهل مكة طيب الرائحة وهو بكسر الهمزة والخاء ~~المعجمة، ينبت في السهل والجبل، وفي المغرب صنف منه كذا ms0960 (ب) قال ابن ~~البيطار (¬1). PageV05P278 # وقوله "نجعله في قبورنا" المراد أنه تسد به خلل الحجار التي تجعل على ~~اللحد، وفي البيوت كذلك يجعل فيما بين الخشب على السقوف، وفي رواية ~~"لقيننا" والقين هو الحداد و (أ) الصائغ، والمعنى أنهم يحتاجون إليه ~~للإيقاد به، وفي رواية: "لصاغتنا وقبورنا" (¬1)، ووقع في مرسل مجاهد عند ~~عمرو بن أبي شيبة (¬2) بالجمع بين الثلاثة (¬3)، ووقع عنده أيضا، فقال ~~العباس: "يا رسول الله إن أهل مكة لا صبر لهم عن الإذخر لقينهم وبيوتهم" ~~ووقوع ذلك من العباس يحتمل أنه على جهة الشفاعة، ويحتمل أنه اجتهاد منه لما ~~علم أن العموم غالبه التخصيص فكأنه قل هذا مما تدعو إليه الحاجة ولا يكاد ~~يستغنى عنه، والشريعة عهد فيها التيسير وعدم الحرج (ب)، فإذا قيس على ما ~~خصص من عموم للحاجة إليه فله مساغ شرعي، فقدر ذلك النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - واستثناه (ج) وقد يحتج بهذا على أن الاستثناء لا يشترط فيه اتصاله ~~بالمستثنى منه، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مفوض إليه في الأحكام. # ويجاب عن الأول بأنه متصل وأن كلام العباس وقع في أثناء كلامه - صلى الله ~~عليه وسلم - بمقدار تنفس ويذكر لما يستثنى، وهو لا يعد متراخيا، وعن الثاني ~~بأن ذلك عن وحي وليس من لازم الوحي أن يتراخي وقتا ممتدا بل قد يكون ذلك ~~بإلقائه في روعه - صلى الله عليه وسلم -أو إلهام أو سماع من ملك أو PageV05P279 # نحو ذلك من مراتب الوحي أو اجتهاد منه - صلى الله عليه وسلم - وافق ~~اجتهاد العباس، واجتهاده حق، وله الاجتهاد كما هو الصحيح ولا يقر على خطأ، ~~والله أعلم. # 575 - وعن عبد الله بن زيد بن عاصم - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها، وإني حرمت المدينة ~~كما حرم إبراهيم وإني دعوت في صاعها ومدها مثل ما دعا إبراهيم لأهل مكة" ~~متفق عليه (¬1). # قوله "إن إبراهيم حرم مكة" هكذا في هذه الرواية، وفي رواية ابن عباس "إن ~~الله ms0961 حرم مكة" والجمع بين الروايتين أن التحريم من الله -تعالى- قضى به ~~وأظهر حرمته على لسان إبراهيم - عليه السلام - أو أن إبراهيم حرمه بأمر ~~الله -تعالى- فصح نسبة التحريم إلى الله وإلى إبراهيم جميعا، ووقع في رواية ~~ابن عباس: "لم يحرمها الناس" (¬2) والمعنى أن تحريمها شرع من الله -تعالى- ~~لا لمجرد اختيار الناس وتعظيمهم لما لا يستحق التعظيم رجوعا إلى الهوى كما ~~فعلوا في كثير من الحجارة التي عبدوها من دون الله -سبحانه-، وقيل إن ~~المعنى أن حرمتها مستمرة من أول الخلق ليست مما اختصت به شريعة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وقيل المعنى من تحريم إبراهيم أنه سأل الله -تعالى- ~~تحريمها، فكان تحريمها بدعوته، ولذلك أضيف إليه، والمراد بالتحريم هو تأمين ~~أهلها من أن يقاتلوا، وتأمين من استعاذ بها كما قال تعالى: {ومن دخله كان ~~آمنا} (¬3) وقوله تعالى: {أو لم يروا أنا جعلنا حرما آمنا} (¬4). PageV05P280 # وقوله "وإني حرمت المدينة" فيه التأويل كما تقدم، والأظهر هنا أن تحريمها ~~كان سبب دعائه - صلى الله عليه وسلم - لها ولأهلها وكونه فيهم حيا وميتا، ~~وفيه دلالة على أن المدينة لها حرم كمكة في تحريم الاصطياد وقطع النبات ~~الأخضر وغير ذلك، وقد اختلف العلماء في ذلك، فذهب الهادي والشافعي وغيرهم ~~إلى أن للمدينة حرما كحرم مكة في جميع ما ذكر، وذهب أبو حنيفة وزيد بن علي ~~والناصر إلى أن حرم المدينة مخالف حرم مكة في الأحكام، وتسميته حرما مجاز، ~~ويرد عليهم بقوله في حديث أنس "لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث" وفي ~~رواية عند مسلم "لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها" فإن هذا صريح في المذهب ~~الأول، واختلفت الأحاديث في تحديده ففي حديث أنس عند البخاري "المدينة حرم ~~من كذا إلى كذا" (¬1)، وفي حديث أبي هريرة عنده أيضا قال: "حرم ما بين ~~لابتي المدينة على لساني "قال: "وأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - بني ~~حارثة وقال: أراكم يا بني حارثة قد خرجتم من الحرم ثم التفت فقال: بل أنتم ~~فيه" (¬2)، وفي حديث علي -رضي الله عنه- عنده "حرم ms0962 ما بين عائر إلى كذا" ~~(¬3) وفي رواية عند مسلم " من عير إلى ثور" (¬4)، وفي رواية "ما بين ~~مأزميها" (¬5) أي جبليها، وفي رواية: "ما بين حرتيها وحمامها" وحمام ~~المدينة ثلاثة أجبل مما يلي حرتها الغربية والحرتين المراد بهما الغربية ~~والشرقية والمدينة بينهما، وهو حد للحرم من المشرق والمغرب وما بين جبليها ~~بيان لحده من الجنوب والشمال، وللمدينة أيضا حرة من PageV05P281 # القبلة وحرة من الشام لكنهما يرجعان إلى الشرقية والغربية ويتصلان بهما. # وفي رواية عند أبي داود "حمى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كل ناحية من # المدينة بريدا بريدا لا يخبط شجرة ولا يعضد إلا ما يساق بها لجمل" (¬1)، # وفي حديث عبد الله بن سلام عند أحمد والطبراني: "ما بين عير إلى # أحد" (¬2) فادعى بعض الحنفية أن الحديث مضطرب، وأجيب عنه بأن # الجمع بين هذه الروايات ممكن فلا ترد الأحاديث الصحيحة مع أنه لو # تعذر الجمع أمكن الترجيح ولا شك أن ما بين لابتيها أرجح لتوارد الرواة # عليها، ورواية "جبليها" لا تنافيها ويكون عند كل لابة جبل، أو (أ) # لابتيها من جهة الجنوب والشمال، وجبليها من جهة المشرق والمغرب # وتسمية الجبلين في رواية أخرى لا يضر، وأما رواية مأزميها فهي في بعض # طرق حديث أبي سعيد، والمأزم بالكسر للزاي المضيق (ب) بين الجبلين، وقد ~~تطلق على الجبل نفسه، وأما حديث أبي داود فيحتمل أنه تحديد للحمى لا للحرم ~~(ج)، واحتج الطحاوي للحنفية بحديث أنس في قصة أبي عمير (¬3) ما فعل النغير ~~قال: لو كان صيدها حراما ما جاز حبس الطير، وأجاب الجمهور بأن ذلك يحتمل أن ~~يكون من صيد الحل، فأدخل الحرم، ولكن الحنفي لا يوافقهم على ذلك فإن عنده ~~إذا دخل الصيد من الحل PageV05P282 # إلى الحرم كان له حكم الحرم، واحتج بعضهم بأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قطع النخل لبناء المسجد (¬1)، ولو كان قطع شجرها حراما ما فعله، وأجيب ~~بأن ذلك كان في أول الهجرة وهو واضح، وحديث تحريم المدينة كان بعد رجوعه - ~~صلى الله عليه وسلم - من خيبر ms0963 ذكره البخاري عن أنس في الجهاد، وأيضا فإن ~~أبا حنيفة يجيز قطع ما كان ينبته الناس في العادة وإنما يحرم عنده ما ينبت ~~بطبعه، وقال الطحاوي: يحتمل أن تحريم شجر المدينة وصيدها كان لأجل أن ~~الهجرة كانت، إليها وكان بقاء الشجر والصيد مما يزيد في زينتها ويدعو إلى ~~الرغبة فيها فلما انقطعت الهجرة زال ذلك، وأجيب عنه بأن هذا مجرد احتمال لا ~~يثبت به النسخ مع أنه ثبت على الإفتاء بتحريمها سعد بن أبي وقاص وزيد بن ~~ثابت وأبو سعيد وغيرهم كما أخرجه مسلم (¬2)، وعلى القول بثبوت حرمها فمن ~~فعل شيئا من قتل الصيدأو قطع الشجر أثم ولا جزاء عليه في روايه أحمد وهو ~~المشهور من قول مالك والشافعي والجمهور، وقال ابن أبي ذئب وابن أبي ليلى ~~وهو قول للشافعي في القديم، ومذهب الهادوية واختاره ابن المنذر وابن نافع ~~صاحب مالك، وقال القاضي عبد الوهاب: إنه الأقيس أن فيه الجزاء والفدية كما ~~في حرم مكة، وهو قول قديم للشافعي أن الجزاء في ذلك سلب الفاعل لحديث سعد ~~بن أبي وقاص في ذلك صححه مسلم (¬3) وأنه كسلب القاتل لا خمس فيه. # قال القاضي: لم يقل بهذا بعد الصحابة إلا الشافعي، وادعى بعض PageV05P283 # الحنفية الإجماع على ترك الأخذ بحديث السلب، ثم استدل بذلك على نسخ تحريم ~~المدينة، ودعوى الإجماع مردودة، والسلب قيل هو كسلب القتيل من الكفار فيدخل ~~فيه فرسه وسلاحه ونفقته، وقال بعضهم: المراد بالسلب الثياب فقط. # واعلم أنه قد استشكل رواية من عير إلى ثور جماعة حتى قال مصعب الزبيري: ~~ليس بالمدينة عير ولا ثور، وأثبت غيره "عيرا" ووافقه على إنكار ثور. # قال أبو عبيد: هذه رواية أهل العراق، وأما أهل المدينة فلا يعرفون جبلا ~~عندهم يقال له ثور، وإنما ثور بمكة (أ) ويرى أن أصل الحديث ما بين عير إلى أحد. # وقال القاضي عياض غير معروف. # وأنشد أبو عبيد البكري قول الأحوص اليمني: # فقلت لعمرو تلك يا عمرو ناره ... تشب قفا عير فهل أنت ناظر # وقال ابن السيد (ب): ms0964 الملقب بعير جبل بقرب المدينة معروف وقد تأول من ~~أنكر عيرا وثورا بالمدينة بأن المراد في الحديث مقدار ما بين عير وثور من ~~مكة أو يسمى الجبلين بالمدينة اللذين ما بينهما مثل ما بين عير وثور بمكة ~~بالاسمين وكأنه قال: أحرم من المدينة مثل تحريم ما بين عير وثور بمكة على ~~حذف المضاف ووصف المصدر. # وقال النووي: يحتمل أن يكون ثور كان اسم جبل هناك إما أحد وإما PageV05P284 # غيره (¬1). # وقال المحب الطبري في "الإحكام" بعد حكاية كلام أبي عبيد ومن تبعه: قد ~~أخبرني الثقة العالم أبو محمد عبد السلام البصري أن حذاء أحد عن يساره ~~جانحا إلى ورائه جبلا صغيرا يقال له ثور وأخبر أنه تكرر سؤاله عند الطوائف ~~من العرب العارفين بتلك الأرض وما فيها من الجبال، كل أخبر أن ذلك الجبل ~~اسمه ثور وتواردوا على ذلك فعلمنا أن ذلك في الحديث صحيح وإن عدم علم أكابر ~~العلماء لعدم شهرته وعدم بحثهم عنه، قال: وهذه فائدة جليلة انتهى (¬2). # قال المصنف (¬3) -رحمة الله عليه-: وقرأت بخط شيخ شيوخنا القطب الحلبي في ~~شرحه: حكى لنا شيخنا الإمام أبو محمد عبد السلام بن مزروع البصري أنه خرج ~~رسولا إلى العراق فلما رجع إلى المدينة كان معه دليل فكان يذكر له الأماكن ~~والجبال، قال فلما وصلنا إلى أحد إذ بقربه جبل صغير فسألته عنه فقال هذا ~~يسمى ثورا (أ)، قال: فعلمت صحة الرواية فكان هذا مبتدأ سؤاله، وذكر شيخنا ~~أبو بكر بن حسين المراغي نزيل المدينة في مختصره لأخبار المدينة أن خلف أهل ~~المدينة ينقلون عن سلفهم أن خلف أحد من جهة الشمال جبلا صغيرا مدورا يسمى ~~ثورا قال: وقد تحققته بالمشاهدة، انتهى (¬4). # واعلم أنه قد قيل أن البخاري أبهم اسم الجبل عمدا لما وقع عنده أن PageV05P285 # التسمية وهم، قال صاحب المشارق والمطالع: أكثر رواة البخاري بتسمية "عير" ~~وأما " ثور" فمنهم من كنى عنه بكذا ومنهم من ترك فكأنه بياضا والأولى أن ~~البخاري ما أبهم إلا حكاية لما وقع في الرواية وإلا فقد ms0965 سماه في موضع. # وقوله "وإني دعوت ... " إلى آخره في مسلم مصرح بالدعاء وهو "اللهم بارك ~~لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم" (¬1). قال القاضي ~~عياض (¬2): يحتمل الدعاء بالبركة هنا أن تكون دينية وهي ما تتعلق به ~~المقادير من حقوق الله -تعالى- في الزكوات والكفارات فيكون بمعنى الثبات ~~والبقاء لها كبقاء الحكم بها ببقاء الشريعة وثباتها، ويحتمل أن يكون دنيوية ~~بمعنى تكثير ما كيل بهذه الأكيال حتى يكفي منه ما لا يكفي من غيره في غير ~~المدينة، أو ترجع البركة إلى التصرف بها في التجارة وأرباحها أو إلى كثرة ~~ما يكال بها من غلاتها وثمارها، أو تكون الزيادة فيما يكال بها لاتساع ~~عيشهم وكثرته بعد ضيقهم لما فتح الله عليهم ووسع من فضله لهم وملكهم من ~~بلاد الخصب والريف بالشام والعراق ومصر وغيرها حتى كثر الحمل إلى المدينة ~~واتسع عيشهم حتى صارت هذه البركة في الكيل نفسه فزاد مدهم، انتهى. # والظاهر هو الاحتمال الثاني، والظاهر منه هو الأول من الاحتمالات. # فائدة: المدينة علم بالغلبة للبلد التي هاجر إليها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ودفن بها فإذا أطلق تبادر إلى الفهم أنها المراد من غير قرينة بخلاف ~~غيرها فلا بد من قرينة تعين المراد وكان اسمها قبل ذلك يثرب قال تعالى: ~~{وإذ قالت PageV05P286 # طائفة منهم يا أهل يثرب} (¬1) ويثرب اسم لموضع منها سميت به كلها، قيل ~~سميت بيثوب من ولد إرم بن سام بن نوح لأنه أول من نزلها، حكاه أبو عبيد ~~البكري، وقيل غير ذلك، ثم سماها النبي - صلى الله عليه وسلم - طيبة (¬2) ~~وطابة (¬3)، وكان سكانها العماليق، ثم نزلها طائفة من بني إسرائيل، قيل ~~أرسلهم موسى - عليه السلام - كما أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة ~~بسند ضعيف، ثم نزلها الأوس والخزرج لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم، والله أعلم. # 576 - وعن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "المدينة حرام ما بين عير إلى ثور" رواه مسلم (¬4). # تقدم الكلام ms0966 على هذا، والله أعلم. # خاتمة: اشتمل هذا الباب على أربعة عشر حديثا. PageV05P287 ### || AUTO باب صفة الحج ودخول مكة # أراد بصفة الحج بيان المناسك والإتيان بها مرتبة وكيفية وقوعها وذكر حديث ~~جابر، وهو واف بجميع ذلك يشتمل على جمل من الفوائد ونفائس من الفرائد، وهو ~~من أفراد مسلم لم يروه البخاري في صحيحه، لرواه أبو داود. # قال القاضي عياض: قد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا وصنف فيه ~~أبو بكر بن المنذر جزءا كبيرا، وخرج فيه من الفقه مائة ونيفا وخمسين نوعا، ~~ولو تقصي لزاد على هذا العدد (¬1). # 577 - وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - أن رسول الله- صلى الله ~~عليه وسلم - حج فخرجنا معه حتى أتينا ذا الحليفة فولدت أسماء بنت عميس ~~فقال: "اغتسلي واستذفري (أ) (¬2) بثوب وأحرمي، وصلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في المسجد ثم ركب القصواء حتى إذا استوت به على البيداء أهل ~~بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك ~~والملك لا شريك لك حتى إذا أتينا البيت استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا ~~ثم أتى مقام (¬3) إبراهيم فصلى ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب ~~إلى الصفا، فلما دنا من الصفا قرأ {إن الصفا والمروة من شعائر الله} (¬4) ~~أبدأ بما بدأ الله به، فرقي PageV05P289 # الصفا حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد الله وكبره وقال: لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له، له اللك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله ~~إلا الله أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده، ثم دعا بين ذلك ثلات ~~مرات، ثم نزل إلى المروة حتى إذ انصبت (أ) قدماه في بطن الوادي رمل حتى إذا ~~صعدنا مشى حتى أتى المروة ففعل على المروة كما فعل على الصفا ... "، فذكر ~~الحديث وفيه: فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى، وركب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وصلى بها الظهر والعصر والغرب والعشاء والفجر ثم مكث قليلا حتى ~~طلعت الشمس ms0967 فأجاز حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى ~~إذا زالت الشمس أمر بالقصواء فرحلت وأتى بطن الوادي فخطب الناس ثم أذن ثم ~~أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئا ثم ركب حتى أتى ~~الوقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات وجعل جبل الشاة بين يديه، ~~واستقبل القبلة فلم يزل واقفا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلا حتى غاب ~~القرص ودفع، وقد شنق للقصواء الزمام حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله ويقول ~~بيده اليمنى: يا أيها الناس السكينة فلما أتى جبلا أرخى لها قليلا حتى تصعد ~~حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح ~~بينهما شيئا ثم اضطجع حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان ~~وإقامة، ثم ركب حتى أتى الشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعا وكبر وهلل، فلم ~~يزل واقفا حتى أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر فحرك ~~قليلا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى، حتى أتى الجمرة ~~التي عند الشجرة PageV05P290 # فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف رمى من بطن الوادي ~~ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثم ركب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأفاض ~~إلى البيت فصلى بمكة الظهر". رواه مسلم مطولا (¬1). # قوله: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حج" وقع هذا المعنى ما في ~~صحيح مسلم، ولفظه أنه (أ) لما سأله علي بن الحسين فقال: أخبرني عن حجة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -بكسر الحاء وفتحها، والمراد حجة الوداع فقال: ~~إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكث تسع سنين لم يحج، يعني مكث ~~بالمدينة بعد الهجرة- ثم أذن الناس في العاشرة، معناه أعلمهم بذلك وأشاعه ~~ليتأهبوا للحج معه ويتعلموا المناسك والأحكام ويشاهدوا أفعاله وأقواله، ~~ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب وتشيع دعوة الإسلام، ويبلغ الرسالة القريب ~~والبعيد كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله "اغتسلي" فيه ms0968 دلالة على شرعية الغسل للنفساء وكذلك الحائض وفي حق ~~غيرهما بالأولى. # وقوله "واستذفري بثوب" الاستذفار هو: أن تشد المرأة في وسطها شيئا وتأخذ ~~خرقة عريضة تجعلها على محل الدم أتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها إلى ذلك ~~المشدود، وهو تشبيه بثفر الدابة بفتح الفاء والمثلثة وهو: ما يكون تحت ~~ذنبها يغطي حياها ويشتمل أن يكون من الثفر بسكون الفاء وهو الفرج واستعير ~~لغيره لملازمته له، والأول أظهر لقوله في بعض الروايات "تلجمي بثوب". PageV05P291 # وقوله: "وأحرمي" فيه دلالة على صحة إحرام النفساء وكذلك الحائض وهو مجمع عليه. # وقوله "وصلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد" في رواية مسلم ~~"أنه صلى ركعتين" والظاهر أنهما نافلة، وعن الحسن البصري أن الأفضل أن تكون ~~بعد صلاة فرض قال: لأنه قد روي أن الركعتين كانتا صلاة الصبح. # وقوله: "ثم ركب القصواء" بفتح القاف والمد، قال القاضي عياض: وقد وقع ~~القصوى بضم القاف والقصر، قال: وهو خطأ ثم قال ابن قتيبة: كانت للنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نوق: القصواء والجدعاء والعضباء. # قال أبو عبيد: العضباء اسم لناقة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم تسم ~~بذلك لشيء أصابها. # قال القاضي: وقد ذكر في غير مسلم، أنه خطب على ناقته الجدعاء، وفي حديث ~~آخر "على ناقة خرماء" وفي آخر "على ناقة مخضرمة" وفي حديث آخر: "كانت له ~~ناقة لا تسبق" (¬1) وفي آخر تسمى العضباء (¬2)، وهذا كله يدل على أنها ناقة ~~واحدة لأنها في قصة واحدة إلا أن في مسلم في باب النذر، أن القصواء غير ~~العضباء. # قال الحربي: العضب والجدع والخرم والقصوى والخضرمة في الأذن. # قال ابن الأعرابي: القصواء التي قطع طرف أذنها، والجدع أكثر منه. # وقال الأصمعي في القصواء مثله، قال: وكل قطع في الأذن جدع وإن جاوز الربع ~~فهي عضباء، والخضرم مقطوع الأذنين فإن اصطلمتا فهي صلماء. PageV05P292 # وقال أبو عبيد: القصواء المقطوعة الأذن عرضا، والخضرمة المستأصلة ~~والعضباء المقطوعة النصف فما فوقها. # وقال الخليل: المخضرمة مقطوعة الواحدة، والعضباء مشقوقة الأذن. # قال الحربي: فالحديث (أ) يدل ms0969 على (ب) أن العضباء اسم لها وإن كانت عضباء ~~الأذن فقد حصل اسمها، هذا آخر كلام القاضي (¬1)، وقد قال محمد بن إبراهيم ~~التيمي الشافعي وغيره أن العضباء والقصوى والجدعاء اسم لناقة واحدة كانت ~~لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقوله: "أهل بالتوحيد" يعني أنه أفرد ~~التلبية لله وحده بقوله: لا شريك له يقول لبيك إلى آخره تفسير لقوله ~~بالتوحيد، وفيه إشارة إلى أن الجاهلية كانت تشرك في تلبيتها غير الله ~~-تعالى- كانت تقول: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك. # ولبيك، مصدر مثنى مضاف إلى المفعول لبيان الملبي حذف فعله وجوبا والمراد ~~من التلبية التكثير، والمراد منها تلبية كثيرة متتالية مرة بعد أخرى، وفيه ~~دلالة على شرعية التلبية، وهو مجمع عليه ثم اختلفوا في حكمها، فأكثر أهل ~~البيت وأبو حنيفة أن الإحرام لا ينعقد إلا بالنية مقارنة للتلبية، أو تقليد ~~الهدي، وقال المؤيد بالله والشافعي وآخرون: هي سنة ينعقد الحج بالنية من ~~دون ما ذكر، وقال بعض أصحاب الشافعي: هي واجبة لا يصح الحج إلا بها، وقال ~~مالك: ليست بواجبة لكن لو تركها لزم دم، قال أبو حنيفة: ويقوم غيرها من ~~ألفاظ الذكر مقامها كما قال في تكبيرة الإحرام، PageV05P293 # ويستحب رفع الصوت بها في حق الرجل وتكرارها لا سيما عند تغاير الأحوال ~~كإقبال الليل والنهار والصعود والهبوط ونحو ذلك، ولا يلبى في الطواف والسعي ~~لأن لهما أذكارا مخصوصة، ويكررها في كل كرة ثلاث مرات ويواليها ولا يقطعها ~~بكلام، ويكره رد السلام عليه، فإن سلم عليه رد باللفظ، ويندب بعد التلبية ~~الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويسأل الله -تعالى- لنفسه ولمن ~~أحبه ولسائر المسلمين الرضوان والجنة، والاستعاذة من النار، وإذا رأى شيئا ~~يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة ولا يقطعها إلا عند رمي الجمرة، أو ~~عند طواف الزيارة إذا قدمه على الرمي، والمعتمر عند الطواف. # وقوله: "إن الحمد والنعمة" يجوز في إن فتح الهمزة وكسرها، والمعنى واحد ~~وهو التعليل، قال أكثر العلماء يستحب الاقتصار على تلبية ms0970 النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وبه قال مالك والشافعي، وقد روي عن عمر أنه كان يزيد: "لبيك ذا ~~النعماء والفضل الحسن، لبيك مرهونا منك مرغوبا إليك". # وعن ابن عمر: "لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل" (¬1). # وعن أنس: "لبيك حقا حقا تعبدا ورقا" (¬2). # وقوله: "حتى أتينا البيت" (فيه دلالة على أن السنة للحجاج أن يدخلوا مكة ~~قبل الوقوف بعرفات ليطوفوا للقدوم وغير ذلك. # وقوله: "حتى أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثا ومشى أربعا" فيه ~~دلالة على أن الحاج إذا دخل مكة فالمشروع له أن يطوف PageV05P294 # طواف القدوم قبل صعود الجبل، وهو مجمع عليه، وأن يرمل في الثلاثة الأشواط ~~الأول، ويمشي على عادته في الأربعة الأخيرة، والرمل هو إسراع المشي مع ~~تقارب الخطى وهو الخبب، ولا يشرع الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة أما ~~إذا طاف في غير حج أو عمرة فلا يشرع. # وقوله "استلم الركن فيه" دلالة على أنه يشرع استلام الركن قبل الطواف. # وقوله "ثم أتى مقام إبراهيم فصلى" في مسلم زيادة: "فقرأ {واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى} (¬1) فجعل المقام بينه وبين البيت فصلى" فيه دلالة على شرعية ~~الصلاة خلف مقام إبراهيم، وقد أجمع العلماء على أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ ~~من طوافه أن يصلي خلف المقام ركعتي الطواف، واختلفوا هل هما واجبتان أم ~~سنتان؟ فمذهب الهادوية أنهما واجبتان، وكونهما خلف مقام إبراهيم ندبا، وإذا ~~تركهما حتى مات لزم دم، ووافق مالك على الوجوب، وقال: يجب أن يكون خلف مقام ~~إبراهيم، وعند الشافعية ثلاثة أقوال أصحها أنهما سنة، الثاني أنهما ~~واجبتان، والثالث إن كان طوافا واجبا فواجبتان وإلا فسنتان، قال النووي ~~(¬2): والسنة أن يصليهما خلف المقام فإن لم يفعل ففي الحجر، وإلا ففي ~~المسجد، وإلا ففي مكة، وسائر الحرم ولو صلاهما في وطنه أو غيره من أقاصي ~~الأرض جاز وفاته الفضيلة، ولو أراد أن يطوف طوافات استحب أن يصلي عقيب كل ~~طواف ركعتين، ولو أراد أن يؤخر الصلاة عن الطوافات جاز ذلك، وهو خلاف ms0971 ~~الأولى. # وقد قال بهذا المسور بن مخرمة وعائشة وعطاء وطاوس وسعيد بن جبير PageV05P295 # وأحمد وإسحاق وأبو يوسف، وكره ذلك ابن عمر والحسن البصري والزهري ومالك ~~والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر، ونقله القاضي عن ~~جمهور الفقهاء (¬1)، وورد في القراءة في الركعتين في الأولى: {قل يا أيها ~~الكافرون} (¬2)، وفي الثانية: {قل هو الله أحد} (¬3)، وقد أخرجه مسلم (¬4) ~~عن محمد بن علي عن أبيه عن رواية جابر عن قراءة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وأخرجه أيضا البيهقي بإسناد صحيح كذلك (¬5). # وقعوله: "ثم رجع إلى الركن فاستلمه" فيه دلالة على استحباب العود لاستلام ~~الركن في طواف القدوم، وقد قال بهذا الشافعي وغيره واتفقوا على أن استلام ~~الركن ليس بواجب ولو تركه لم يلزم دم. # وقوله "ثم خرج من الباب إلى الصفا ... " إلى آخره فيه دلالة على أنه ~~يشترط في السعي أن يبدأ من الصفا، وبه قال الهادي والشافعي ومالك والجمهور، ~~وذلك لأنه لما فعل ذلك ثم قرأ الآية الكريمة، وبين - صلى الله عليه وسلم - ~~أن فعله ذلك امتثال لما في الآية الكريمة، وقد قدم -سبحانه وتعالى- الصفا ~~على المروة، ففعل موافقة لما في القرآن فدل على أن ذلك هو المشروع، وقد ~~قال: "خذوا عني مناسككم" (¬6). # والأصل إنما فعله مبين لما شرع الله -سبحانه- فلا يعدل عنه إلا لدليل، ~~ولم يوجد خلاف ذلك، وهذا على رواية مسلم "أبدا" حكاية PageV05P296 # عن المتكلم، وأما على رواية النسائي بإسناد صحيح لهذا الحديث أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "ابدءوا بما بدأ الله به" (¬1) بصيغة خطاب ~~الجماعة، فهو فعل أمر، والأصل فيه الوجوب فالأمر واضح. # وقوله "فرقي الصفا" لم فيه دلالة على شرعية ذلك، وقد قالت الهادوية إن ~~ذلك مندوب في حق الرجل دون المرأة. # وقال النووي (¬2): قال جمهور أصحابنا هو سنة ليس بشرط ولا واجب، فلو ترك ~~صح سعيه لكن فاتته الفضيلة، وقال أبو جعفر بن الوكيل من أصحابنا لا يصح ~~سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا والصواب الأول. قال أصحابنا: لكن يشترط ms0972 أن ~~لا يترك شيئا من المسافة التي بين الصفا والمروة فيلصق عقبه بدرجات الصفا، ~~وإذا وصل المروة ألصق أصابع رجليه بدرجها (¬3)، انتهى كلامه. # ومثل هذا عند الهادوية ويرقى على الصفا حتى يرى البيت إن أمكنه ثم يقف ~~على الصفا مستقبل (أ) الكعبة ويذكر الله -تعالى- بهذا الذكر المذكور، ويفعل ~~الذكر والدعاء ثلاث مرات كما في الحديث، وهذا هو المشهور عند العلماء، وقال ~~جماعة يكرر الذكر ثلاثا والدعاء مرتين فقط، والصواب الأول، وفي قوله "بين ~~ذلك، دلالة على أنه لا يكرر الذكر والدعاء في كل شوط لأنه لم يقل بعد كل ~~شوط، وإنما وقع منه في الجملة، وقد صرح بهذا الإمام المهدي في الغيث. PageV05P297 # وقوله: "وهزم الأحزاب وحده" معناه وهزمهم من غير قتال من الآدميين ولا ~~سبب من جهتهم، والمراد بالأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم الخندق، وكان الخندق في شوال سنة أربع من الهجرة، وقيل سنة ~~خمس، ولم يرد في الرواية بيان ما دعا به - صلى الله عليه وسلم - وفيه دلالة ~~على التوسعة في ذلك وأنه يدعو بما شاء. # قال الهادي: إنه يقرأ الحمد والمعوذتين و {قل هو الله أحد} (¬1) وآية ~~الكرسي وآخر الحشر من قوله {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل} (¬2) إلى آخر ~~السورة ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له نصر عبده وهزم الأحزاب ~~وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله - صلى الله عليه وسلم - اللهم ~~اغفر لي ذنوبي وتجاوز عن سيئاتي ولا تردني خائبا يا أكرم الأكرمين واجعلني ~~في الآخرة من الفائزين. ويقول على المروة مثل ذلك. # وقوله "حتى انصبت قدماه في بطن الوادي" قال القاضي عياض (¬3): هكذا في ~~جميع النسخ وفيه إسقاط لفظة لا بد منها وهو حتى انصبت قدماه رمل في بطن ~~الوادي فسقط (أ) لفظة رمل، وقد ثبتت هذه اللفظة في رواية مسلم، وكذا ذكرها ~~الحميدي في الجمع بين الصحيحين، وفي الموطأ (¬4)، حتى إذا انصبت قدماه في ~~بطن الوادي سعى انتهى. وقد وقع في بعض ms0973 نسخ صحيح مسلم مثل لفظ الموطأ (¬5)، ~~وفيه دلالة على استحباب PageV05P298 # الرمل في بطن الوادي، وهو الذي عبر عنه بعض الأئمة بما بين الميلين، وهو ~~مستحب في كل مرة من السبعة، وعن مالك روايتان إحداهما كما ذكر، والثانية ~~يجب عليه الإعادة. # وقوله "فعل على المروة مثل ما فعل على الصفا" فيه دلالة على استحباب ~~الرقي والذكر والدعاء، وهو متفق عليه، وفي هذا دلالة على قول الجمهور من ~~العلماء أن من الصفا إلى المروة شوط ثم منها إليه شوط آخر، والخلاف لابن ~~بنت الشافعي وأبي بكر الصيرفي من أصحاب الشافعي فجعلا مجموع ذلك شوطا واحدا. # وقوله "فلما كان يوم التروية" وهو اليوم الثامن من شهر (أ) الحجة، سمي ~~بذلك لأنه لم يكن ماء بعرفة فكانوا يتروون فيه، وقيل إن إبراهيم - عليه ~~السلام - كان مترويا في روياه في ذلك اليوم، وفيه دلالة على أنه ينبغي ~~التقدم إلى منى قبل ذلك اليوم، وفي مسلم "فأهلوا بالحج يوم التروية" يدل ~~أيضا على ما ذهب إليه الشافعي أنه إن كان الحاج بمكة وأراد الإحرام أحرم ~~يوم التروية، وقد ذكر هذا مالك أيضا، وقال بعض السلف: لا بأس بالتقدم وهو ~~خلاف السنة. # وقوله "وركب النبي - صلى الله عليه وسلم -" إلى قوله "الفجر" فيه دلالة ~~على سنن منها أنه يركب في حال عزمه إلى منى ولا يمشي، واختلف أيهما أفضل ~~فالأظهر من مذهب الشافعي أن الركوب أفضل، وللشافعي قول آخر ضعيف إن المشي ~~أفضل، وقال بعض أصحاب الشافعي الأفضل في جملة الحج الركوب إلا في مواطن ~~المناسك وهي بمكة ومنى ومزدلفة وعرفات والتردد بينهما، وقد ورد تفضيل المشي ~~على الركوب في جملة PageV05P299 # السفر إلى الحج. # ومنها أن يصلي بمنى هذه الصلوات الخمس. # ومنها أن يبيت بمنى هذه الليلة وهي ليلة التاسع من ذي الحجة، وهذا المبيت ~~سنة ليس بركن ولا واجب فلو تركه فلا دم عليه. # وتوله: "حتى طلعت الشمس" فيه دلالة على أن السنة أن لا يخرجوا من منى إلا ~~وقد طلعت الشمس، وهذا متفق عليه. # وقوله: ms0974 "فأجاز" أي جاوز المزدلفة ولم يقف بها، وقوله: "حتى أتى عرفة" أي ~~قرب من عرفة لأنه فسره بقوله "فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها" مع أن ~~نمرة ليست من عرفات ودخول عرفات قبل صلاة الظهر والعصر خلاف السنة، وفي ~~الحديث هنا حذف، ولفظ مسلم "وأمر بقبة من شعر نصبت له بنمرة" ولا تشك قريش ~~أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية وبعده فإذا جاز ~~كما في هذا المختصر، وفي هذا دلالة على ما (أ) هو السنة من النزول بنمرة ~~وأن لا يدخلوا عرفات إلا بعد صلاة الظهر والعصر ويغتسلون قبل الزوال فإذا ~~زالت الشمس سار بهم الإمام إلى مسجد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - (ب) - ~~وخطب (ج) بهم خطبتين خفيفتين ويخفف الثانية جدا، فإذا فرغ منها صلى بهم ~~الظهر والعصر جامعا بينهما ندبا فإذا فرغوا من الصلاة ساروا إلى الموقف ~~وكانت قريش في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام وهو الجبل بالمزدلفة يقال له ~~قزح وقيل المشعر كالمزدلفة -وهو بفتح الميم كما جاء في القرآن وقد جاء ~~بكسرها- كراهة من قريش أن يخرجوا من الحرم لأن المزدلفة من الحرم PageV05P300 # المحرم توقعا منهم أن يشاركوا غيرهم في الموقف لكونهم أهل الحرم، ولذلك ~~قال الله سبحانه: {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} (¬1) فظنت قريش أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لما نزل بنمرة أن يقف كما يقفون، ونمرة -بفتح النون ~~وكسر الميم ويجوز إسكان الميم- موضع بجنب عرفات وليس من عرفات، وفي ضرب ~~القبة دلالة على جواز الاستظلال للمحرم بقبة وغيرها، ولا خلاف في جوازه ~~للنازل وكذا للراكب عند الأكثر، وكرهه مالك وأحمد. # وقوله: "فرحلت": بتخفيف الحاء المهملة أي جعل عليها الرحل. # وقوله "حتى أتى بطن الوادي": هو وادي عرنة بضم العين المهملة وفتح الراء ~~وبعدها نون وليست عرنة من عرفات عند كافة العلماء إلا مالكا فقال هي من عرفات. # قوله: "فخطب الناس" فيه دلالة على استحباب الخطبة للإمام بالحج يوم عرفة ~~في هذا الموضع وهي سنة باتفاق جماهير العلماء، ms0975 وخالف فيها المالكية ومذهب ~~الشافعي أن في الحج أربع خطب مسنونة أحدها يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند ~~الكعبة بعد صلاة الظهر، والثانية ببطن عرفة يوم عرفات، والثالثة يوم النحر، ~~والرابعة يوم النفر الأول، الثاني من التشويق، قال أصحاب الشافعي وكل هذه ~~الخطب أفراد بعد صلاة الظهر إلا التي يوم عرفات فإنها خطبتان، وقبل الصلاة ~~وبعد الزوال ويعلمهم في كل خطبة ما يحتاجون إليه في المناسك إلى الخطبة ~~الأخرى، والله أعلم. # وقوله: "ثم أذن ثم أقام ... " إلخ فيه دلالة على أنه يشرع الجمع بين ~~الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم، وقد أجمعت الأمة عليه، واختلفوا في سببه، ~~فقيل سبب النسك وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب PageV05P301 # قوله: "فخطب الناس" فيه دلالة على استحباب الخطبة للإمام بالحج يوم عرفة ~~في هذا الموضع وهي سنة باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها المالكية ومذهب ~~الشافعي أن في الحج أربع خطب مسنونة أحدها يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند ~~الكعبة بعد صلاة الظهر، والثانية ببطن عرفة يوم عرفات، والثالثة يوم النحر، ~~والرابعة يوم النفر الأول، الثاني من التشريق، قال أصحاب الشافعي وكل هذه ~~الخطب أفراد بعد صلاة الظهر إلا التي يوم عرفات فإنها خطبتان، وقبل الصلاة ~~وبعد الزوال ويعلمهم في كل خطبة ما يحتاجون إليه في المناسك إلى الخطبة ~~الأخرى، والله أعلم. # وقوله: "ثم أذن ثم أقام ... " إلخ فيه دلالة على أنه يشرع الجمع بين ~~الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم، وقد أجمعت الأمة عليه، واختلفوا في سببه، ~~فقيل سبب النسك وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال أكثر أصحاب ~~الشافعي سبب السفر فمن كان حاضرا أو مسافرا دون مرحلتين كأهل مكة لا يجوز ~~له الجمع كما لا يجوز له القصر، وأن الجامع بين الصلاتين يصلي الأولي أولا ~~وأنه يؤذن للأولى، ويقيم لكل واحدة منهما ولا يفرق بينهما بنافلة. # وقوله: "ثم ركب" إلى قوله: "حتى غاب القرص" في هذه مسائل وآداب للوقوف ~~منها: أنه إذا فرغ من الصلاتين عجل الذهاب إلى الوقف. ms0976 # ومنها: أن الوقوف راكبا أفضل (أوفيه خلاف للعلماء وللشافعية ثلاثة أقوال ~~أصحها أ) أن الركوب واقفا أفضل، والثاني غير الراكب أفضل (ب)، والثالث هما سواء. # ومنها: أنه يستحب أن يقف عند الصخرات المذكورات، وهي صخرات PageV05P302 # مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي توسط أرض عرفات فهذا هو ~~الموقف المستحب، فأما ما اشتهر من العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم ~~أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط، بل الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض ~~عرفات، وأن الفضيلة موقف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الصخرات فإن ~~عجز عنه فليقرب منه بحسب الإمكان، ومنها: استحباب استقبال الكعبة في ~~الموقف. # ومنها: أنه ينبغي أن يقف في المواقف حتى تغيب الشمس، ويتحقق كمال غروبها ~~ثم يفيض إلى مزدلفة، فلو أفاض قبل غروب الشمس صح وقوفه، ولزمه دم عند ~~الهادوية، وللشافعي قولان أحدهما أنه سنة، والثاني واجب وهو مبني على أنه ~~يجب الجمع بين الليل والنهار، وأما الوقت الذي يصح الوقوف في أي جزء منه ~~فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع فجر النحر، وهذا مذهب جماهير ~~العلماء، وقال مالك: لا يصح الوقوف إلا بدخول جزء من الليل، فإن اقتصر على ~~الليل وحده كفاه، وإن اقتصر على النهار لم يكفه، وقال أحمد: إن وقت الوقوف ~~من وقت طلوع فجر يوم عرفة، وأجمعوا على أن أصل الوقوف ركن لا يصح الحج إلا به. # وقوله: "حبل المشاة" روي بالحاء المهملة وإسكان الباء، وروي بالجيم وفتح ~~الباء، والأول أشبه بالحديث، والمراد به على الأول مجتمع المشاة وحبل ~~الرمال ما طال منه وضخم، وعلى الثاني طريقهم وحيث يسلك الرجالة. # وقوله: "حتى غاب القرص" أتى به بيانا لقوله غربت الشمس وذهبت الصفرة لئلا ~~يتوهم أن الغروب مراد به مجازا مغيب معظم القرص فأزال (أ) PageV05P303 # ذلك الاحتمال بقوله "حتى غاب القرص" فلا حاجة إلى تصويب بعضهم حتى بحين فتأمل. # وقوله "شنق" أي ضمر وضيق وهو بتخفيف النون. # وقوله: "مورك رحله" المورك بفتح الميم وكسر الراء وكذا ms0977 الموركة هو الموضع ~~الذي يبني الراكب رحله عليه قدام واسطة الرحل إذا مل من الركوب كذا قال ~~الجوهري عن أبي عبيدة (¬1)، وضبطه القاضي عياض بفتح الراء قال: وهو قطعة ~~أدم يتورك عليها الراكب يجعل في مقدم الرجل شبه الخدة الصغيرة والغرض من ~~هذا تهوين السير. # وفيه دلالة على أنه يستحب للراكب تهوين السير إذا كان يقتدى به المشاة، ~~وكذا إذا كانت الراحلة فيها ضعف. # وقوله "السكينة" السكينة بالنصب أي الزموا السكينة وهي الرفق (أ) ~~والطمأنينة، وفيه دلالة على أنه السكينة في الدفع من عرفات سنة فإذا وجد ~~فرجة أسرع كما ثبت في الحديث. # وقوله "كلما أتى حبلا" الحبل هنا بالحاء المهملة المكسورة جمع حبل وهو ~~التل اللطيف من الرمل الضخم. # وقوله: "حتى تصعد" هو بفتح التاء المثناة من فوق وضمها يقال صعد في الحبل ~~وأصعد ومنه قوله تعالى: {إذ تصعدون} (¬2)، وقوله: "حتى أتى المزدلفة" هي ~~معروفة مأخوذة من التزلف والازدلاف وهو التقرب لأن الحجاج إذا أفاضوا من ~~عرفات ازدلفوا إليها أي مضوا إليها وتفرقوا PageV05P304 # منها، وقيل سميت بذلك لمجيء الناس إليها، والازدلاف الاجتماع، وقيل سميت ~~بذلك للنزول فيها ليلا والزلف الساعات من الليل، وتسمى المزدلفة جمعا بفتح ~~الجيم وإسكان اليم سميت بذلك لاجتماع الناس فيها، والمزدلفة كلها من الحرم، ~~قال الأزرقي في "تاريخ مكة" وغيره: حد المزدلفة ما بين مأزمي عرفة ووادي ~~محسر وليس الحدان منها ويدخل في المزدلفة جميع تلك الشعاب والجبال الداخلة ~~في الحد المذكور. وقوله "فصلى بها ... " إلخ فيه دلالة على أن السنة للدافع ~~من عرفات أن يؤخر المغرب والعشاء ويجمع بينهما في المزدلفة مقدما للمغرب، ~~وهذا مجمع عليه، وعند الهادوية وأبي حنيفة وبعض الشافعية وأهل الكوفة أن ~~هذا الجمع نسك فيجمعه من كان مسافرا وغيره ولا يجوز أن يصلي قبل الوصول إلى ~~مزدلفة فإن فعل أعاد، وبه قال مالك إلا أنه قال: إذا كان به رمد (أ) أو ~~بدابته عذر فله أن يصليهما قبل المزدلفة بشرط أن يصلي الأولى في وقت ~~الثانية، فإن فرق بين الصلاتين ms0978 فدم، وقال المنصور بالله: إنه إذا كان لعذر ~~فلا دم عليه، وعند الشافعي أن الجمع إنما هو لأجل السفر فلا يجوز لمن لم ~~يكن مسافرا مرحلتين قاصدتين، وللشافعي قول ضعيف إنه يجوز الجمع في كل سفر، ~~وإن كان قصيرا قال أصحاب الشافعي ولو جمع بينهما في عرفات وقت المغرب أو في ~~الطريق أو في موضع آخر أو صلى كل واحدة في وقتها جاز جميع ذلك لكنه خلاف ~~الأفضل، وقال بهذا جماعات من الصحابة والتابعين وبه قال الأوزاعي وأبو يوسف ~~وأشهب وفقهاء أصحاب الحديث (¬1). # وقوله "بأذان الأولى وإقامتين" يعني يقيم لكل صلاة وبه قالت PageV05P305 # الهادوية والشافعية وأحمد بن حنبل وأبو ثور وعبد الملك الماجشون المالكي ~~(أ) والطحاوي الحنفي، وقال مالك: يؤذن ويقيم للأولى ويؤذن ويقيم للثانية، ~~وهو محكي عن عمر، وابن مسعود، وقال أبو حنيفة: بأذان واحد وإقامة واحدة ~~وللشافعي وأحمد. # قوله "أن يصلي كل واحدة بإقامة من دون أذان" وهو محكي عن القاسم بن محمد ~~وسالم بن عبد الله، وقال الثوري: يصليهما بإقامة واحدة، وهو محكي أيضا عن ~~ابن عمر. # وقوله "ولم يسبح بينهما" معناه لم يفصل بينهما بنافلة، والنافلة تسمى ~~سبحة لاشتمالها على التسبيح، ويؤخذ منه أن الأفضل الموالاة بين الصلاتين ~~المجموعتين، واختلفوا هل الموالاة شرط للجمع أم لا؟ فقالت الهادوية إنه يصح ~~التنفل بين الصلاتين المجموعتين، وهو الصحيح عند الشافعية إلا أن الأفضل أن ~~لا يفصل بينهما بالنافلة، وقال المؤيد بالله: إنه إذا فصل بالنافلة وجب ~~إعادة الأذان للثانية وبه قال بعض الشافعية، قال النووي (¬1): أما إذا جمع ~~بينهما في وقت الأولى فالموالاة شرط بلا خلاف. # وقوله "ثم اضطجع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ... " إلخ فيه دلالة ~~على شرعية المبيت بمزدلفة ليلة النحر بعد الدفع من عرفات وأن ذلك نسك، وهو ~~مجمع عليه، واختلف العلماء هل واجب أو ركن أو سنة، وذهب الهادوية إلى أنه ~~واجب لكن يلزم لتركه دم، ومثله عن أحمد والشافعي على الصحيح من أقواله، ~~والثاني أنه سنة لا إثم في تركه ولا يجب ms0979 فيه دم بل يستحب، ومثله عن مالك، ~~وقال جماعة من أصحاب الشافعي إنه PageV05P306 # ركن لا يصح الحج إلا به كالوقوف بعرفات، ومن القائلين بذلك ابن بنت ~~الشافعي وأبو بكر بن محمد بن إسحاق بن خزيمة، وقال به من التابعين علقمة ~~والأسود والشعبي والنخعي والحسن البصري، ولا بد، يبيت أكثر الليل عند ~~الهادوية، وعند الشافعية في أقل المجزئ من المبيت ثلاثة أقوال الصحيح منها ~~ساعة في النصف الثاني من الليل، والثاني ساعة في النصف الثاني أو بعد طلوع ~~الفجر قبل طلوع الشمس، والثالث معظم الليل. # وقوله "وصلى الفجر حين تبين له الصبح" فيه دلالة على أنه يشرع المبالغة ~~في تقديم صلاة الصبح في هذا الموضع على غيره من سائر الأيام تأسيا برسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ولأن وظائف هذا اليوم كثيرة فسن المبالغة ~~بالتبكير بالصبح ليتسع الوقت للوظائف الثانية في هذا اليوم. # وقوله "بأذان وإقامة" فيه دلالة على شرط الأذان والإقامة في صلاة ~~المسافر. # وقوله "حتى أتى المشعر الحرام" بفتح اليم وحكى الجوهري (¬1) الكسر وبها ~~قرأ أبو السماك. # والحرام: قال النووي في الدقائق: الحرام معناه المحرم لأنه من الحرم لا ~~من الحل ويسمى مشعر لما فيه من الشعائر يعني من معالم الدين، وكل علامات ~~الحج مشاعر، والمراد به هنا جبل معروف في مزدلفة يقال له قزح بضم القاف ~~وفتح الزاي وبحاء مهملة، وهو غير منصرف لأنه معدول به عن قازح وهو الجبل ~~المعروف بمزدلفة يقف الحجيج (أ) عليه لدعاء بعد PageV05P307 # الصبح يوم النحر، قال الأزرقي: وعلى (أ) قزح أسطوانة مدورة تدويرها أربعة ~~وعشرون ذراعا، وطولها في السماء اثنا عشر ذراعا وفيها خمس وعشرون درجة، وهي ~~على خشبة مرتفعة كان يوقد عليها في خلافة هارون الرشيد بالشمع ليلة ~~المزدلفة ويجتمعون عليها، وقال بهذا جماهير الفقهاء، وقال جماهير المفسرين ~~وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة. ولكن الحديث هنا صريح في ~~الأول (¬1). # وقوله "فاستقبل القبلة" يعني الكعبة فيه دليل على استحباب استقبال القبلة ~~في الوقوف كما ذهب إليه الشافعية وجماعة من الحنفية ms0980 وابن الحاج المالكي. # وقوله "فدفع قبل أن تطلع الشمس" فيه دلالة على أن الوقوف بالمشعر الحرام ~~بعد الفجر مشروع. # واختلف العلماء في وقت الدفع منه، فقالت الهادوية: يمر به قبل الشروق، ~~وقال ابن مسعود وابن عمر وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: لا يزال ~~واقفا فيه يدعو ويذكر حتى يسفر الصبح جدا كما في الحديث، وقال مالك: يدفع ~~قبل الإسفار. # وقوله "أسفر جدا": الضمير في أسفر يعود إلى الفجر، وجدا بكسر الجيم صفة ~~لمصدر محذوف أي إسفارا جدا أي بليغا. # وقوله "بطن محسر" بضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المهملة المشددة سمي ~~بذلك لأن أصحاب الفيل لما أتوا بالفيل حسر فيه أي أعيي، ومنه قوله تعالى: ~~{خاسئا وهو حسير} (¬2). PageV05P308 # وقوله "فحرك قليلا": فيه دلالة على أن التحريك في ذلك سنة، والمشروع في ~~ذلك قدر رمية حجر ذكره الإمام المهدي في الغيث، وذكره النووي عن الشافعية ~~في شرح مسلم (¬1). # وقوله "ثم سلك الطريق الوسطى" فيه دلالة على أن سلوك هذه الطريق في ~~الرجوع من عرفات سنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى عرفات، وهذا معنى ~~قولهم: يذهب إلى عرفات في طريق طب ويرجع في طريق المأزمين ليخالف الطريقين ~~كما فعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دخول مكة حين دخلها من الثنية ~~العليا وخرج من الثنية السفلى، وكذا في العيد، وحول الرداء في الاستسقاء. # وقوله "يخرج على الجمرة الكبرى": هي جمرة العقبة، وهي الجمرة التي عند ~~الشجرة، وفيه دلالة على أن الحاج إذا دفع من مزدلفة ووصل منى فأول ما يبدأ ~~به هو رمي جمرة العقبة ولا يفعل شيئا قبل رميها ويكون ذلك قبل نزوله. # وقوله "سبع حصيات": فيه دلالة على شرعية الرمي بهذا القدر وأنه لا بد أن ~~يكون ذلك بالحصى فلا يجزئ إلقاء الحجر الكبير الذي لا يسمى إلقاؤه رميا، ~~ويندب أن يكون كحصى الخذف وهو قدر حبة الباقلاء، ولا يجزئ بما ليس بحجر ~~كالزرنيخ والكحل والذهب والفضة وغير ذلك خلافا لأبي حنيفة فجوزه بما كان من ~~أجزاء ms0981 الأرض والمرجع في جميع ذلك إلى قوله "خذوا عني مناسككم" فما فعله ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في أعمال الحج فالظاهر وجوبه ما لم تقم فيه ~~قرينة على خلاف ذلك، وفيه دلالة على تفريق الحصى وترتيبها، فإن رمى بهن ~~دفعة واحدة أجزأه عن واحدة فقط. PageV05P309 # وقوله "يكبر مع كل حصاة" فيه دلالة على شرعية التكبير، ويدل على أن الرمي ~~بالحصى مرتب. # وقوله "من بطن الوادي" يدل على أن السنة أن يقف للرمي في بطن الوادي بحيث ~~تكون منى وعرفة والمزدلفة عن يمينه، ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح، وقبل ~~يقف مستقبل القبلة وكيفما رماها أجزأه حيث يسمى رميا بما يسمى حجرا، والرمي ~~مشروع إجماعا في يوم النحر لجمرة العقبة فقط، وهو نسك بالإجماع، ولا يفوت ~~الحج بفواته ويلزم دم، وقال مالك: يفسد حجه ويلزم لنقص أربع أحجار فما دون ~~ذلك صدقة عن كل حجر ويلزم دم لتفريقها. # وقوله "ثم انصرف إلى المنحر" يدل على أن المنحر موضع مخصوص من منى وجميع ~~منى موضع للنحر كما قال - صلى الله عليه وسلم - وفي مسلم (¬1) "أنه نحر ~~ثلاثا وستين بدنة بيده ثم أعطى عليا فنحر ما غبر أي ما بقي- وأشركه في ~~هديه، وكان جميع هديه مائة بدنة، فالذي أتى به من المدينة معه ثلاثا وستين ~~بدنة، وأتى علي بباقي (أ) المائة من اليمن" كما جاء في رواية الترمذي، وفيه ~~دلالة على أنه يشرع تكثير الهدي وأنه (ب) ينحر جميعه في يوم النحر ولا يؤخر ~~إلى سائر أيام النحر منه شيء، وظاهر قوله "وأشركه في هديه" أنه قد كان ~~الهدي معينا للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثم أشرك عليا بعد ذلك، قال ~~القاضي عياض: وعندي أنه لم يكن شريكا حقيقة بل أعطاه قدرا يذبحه، انتهى ~~(¬2). PageV05P310 # وأقول إنه لا مانع أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قد نوى التقرب ~~بذلك جميعه ثم خص عليا بالمشاركة في ثواب ذلك، ويكون ذلك خاصا به - صلى ~~الله عليه وسلم - تكرمة لعلي - رضي الله عنه، وفي تمام الرواية ms0982 في مسلم "ثم ~~أمر من كل بدنة ببضعة" بفتح الباء لا غير وهي قطعة من اللحم فجعلت في قدر ~~وطبخت وأكل من لحمها وشرب من مرقها، وهذه سنة أجمع العلماء على أن المهدي ~~والمضحي لهما الأكل من الأضحية والهدي وأن الأكل ليس بواجب. # وقوله "فأفاض إلى البيت وصلى بمكة الظهر" في الكلام تقدير، وتقديره فأفاض ~~إلى البيت وطاف بالبيت فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام، والطواف هذا هو طواف ~~الإفاضة وهو طواف الزيارة، وهو ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين ووقت ~~أدائه من فجر النحر إلى آخر أيام التشريق، وعند الشافعية من نصف ليلة النحر ~~وأفضله بعد رمي الجمرة وذبح الهدي والحلق، ويندب في ضحوة يوم النحر ويكره ~~تأخيره إلا لعذر ولا يحرم تأخيره عن أيام التشريق ولو تطاولت المدة ولكن ~~النساء لا تحل إلا بعده، واتفق العلماء على أنه لا يشرع فيه الرمل، إلا إذا ~~ترك الرمل في طواف القدوم، فأحد قولي الشافعي أنه يشرع له الرمل، ويقع عنه ~~طواف القدوم إذا أخر إلى يوم النحر، وكذا طواف الوداع عند الهادوية ~~والحنفية ونص عليه الشافعي واتفق عليه أصحابه، وقال أبو حنيفة وأكثر ~~العلماء: لا يجزئ عنه طواف بنية غيره، وفي ركوب النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في الدفع إلى مزدلفة ومنها إلى منى ومنها إلى مكة دلالة على استحبابه في ~~هذه المواطن، وبعض أصحاب الشافعي قال المشي أفضل فيها. # وقوله "فصلى الظهر بمكة" فيه دلالة على أنه - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~بمكة، وفي رواية ابن عمر عند مسلم أيضا "إنه أفاض يوم النحر فصلى الظهر PageV05P311 # بمنى" (¬1) ووجه الجمع أنه - صلى الله عليه وسلم - طاف للإفاضة قبل ~~الزوال ثم صلى الظهر بمكة في أول وقتها ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة ~~أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك فيكون متنفلا بالظهر الثانية التي بمنى، وقد ~~ثبت مثل هذا في صلاة أخرى في الصحيحين فكانت له صلاتان ولهم صلاة واحدة، ~~وقد ورد عن عائشة - رضي الله عنها - وغيرها أنه أخر الزيارة ms0983 يوم النحر إلى ~~الليل، وهو محمول على أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لأجل الإفاضة، والله أعلم. # 578 - وعن خزيمة بن ثابت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كان إذا فرغ ~~من تلبيته في حج أو عمرة، سأل الله رضوانه والجنة واستعاذ برحمته من النار" ~~رواه الشافعي بإسناد ضعيف (¬2). # الحديث أخرجه الشافعي، وفي إسناده صالح بن محمد بن زائدة، أبو واقد ~~الليثي، وهو مدني ضعيف (¬3)، وروى عنه إبراهيم بن أبي يحيى (¬4)، وفيه ~~مقال، ولكنه لم ينفرد به بل تابعه عليه عبد الله بن عبد الله الأموي أخرجه ~~البيهقي والدارقطني. PageV05P312 # في الحديث دلالة على استحباب الدعاء، وأفضل الدعاء ما دل عليه الحديث، ~~والله أعلم. # 579 - وعن جابر - رضي الله عنه - قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: "نحرت ~~ها هنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت هاهنا وعرفة كلها موقف، ~~ووقفت هاهنا وجمع كلها موقف" رواه مسلم (¬1). # قوله "نحرت ... " إلى آخره في هذه الألفاظ بيان رفقه - صلى الله عليه ~~وآله وسلم - وشفقته بأمته في توسعة الأمر عليهم وعدم التضييق والتحرج عليهم ~~فبين لهم المحل الأفضل وهو الموضع الذي نسك فيه، وأنه غير متضيق عليهم ~~الاقتفاء به في ذلك، بل يجزئهم أن ينسكوا فيه وفي غيره مما شمله الاسم، ~~ومنى حدها من وادي محسر إلى العقبة، فأي جزء منها وقع فيه النحر أجزأ، ومنى ~~هي محل لجميع النسك المشروع في الحج وهو دم القران والتمتع والإحصار ~~والإفساد والتطوع بالهدي، وهو مكان اختياري لهذه الدماء، وأما ما لزم ~~المعتمر فمحله مكة، وأما سائر الدماء من الجزاءات ونحوها فمكانها الحرم ~~المحرم ولكنه لا يختص بمنى إلا إذا كان النحر في أيام التشريق، وأما إذا ~~أخر عن أيام التشريق فالحرم جميعه صالح لذلك، وإذا نحر في غير منى أجزأ ~~ولزمه دم، وقال الشافعي وأصحابه: يجوز نحر الهدي ودماء الجنايات في جميع ~~الحرم لكن الأفضل في حق الحاج النحر بمنى، وأفضل موضع النحر بمنى موضع نحر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما قاربه. # قال ابن ms0984 التين: منحر النبي - صلى الله عليه وسلم - عند الجمرة الأولى ~~التي تلي مسجد منى، والمنحر فيه فضيلة عن غيره، ولذلك كان ابن عمر يسابق ~~إليه، وأخذ ابن التين تعيين هذا المكان من أثر ذكره الفاكهي من طريق ابن PageV05P313 # جرير عن طاوس: "كان منحر النبي - صلى الله عليه وسلم - بمنى ... " إلخ. # والأفضل في حق المعتمر أن ينحر في المروة لأنها موضع تحلل الحاج، والرحال ~~جمع رحل والمراد به المنزل، قال أهل اللغة: رحل الرجل: منزله سواء كان من ~~حجر أو مدر أو شعر أو وبر. # وقوله "وعرفة كلها موقف" وحدها مما خرج عن وادي عرفة إلى الجبال المقابلة ~~مما يلي بساتين بني عامر، هكذا نص عليه الشافعي وجميع أصحابه، ونقل الأزرقي ~~عن ابن عباس أنه قال: "حد عرفات من الجبل المشرف على بطن عرنة إلى جبال ~~عرفات إلى وصيق" بفتح الواو وكسر الصاد المهملة وآخره قاف إلى منتهى وصيق. ~~وقال الزمخشري: الوصيق جبل لكنانة وهذيل ووادي عرفة. وقيل غير هذا مما هو ~~مقارب وقد تقدم حد جمع. # 580 - وعن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - "لما ~~جاء إلى مكة دخلها من أعلاها وخرج من أسفلها" متفق عليه (¬1). # كان هذا منه - صلى الله عليه وسلم - في عام الفتح، وأعلاها موضع يقال له ~~كداء بفتح الكاف والمد لا يصرف، وهذه الثنية هي التي نزل منها إلى المعلى ~~مقبرة أهل مكة، وهي التي يقال لها الحجون بفتح الحاء المهملة وضم الجيم. ~~وكانت صعبة المرتقى فسهلها معاوية ثم عبد الملك ثم المهدي على ما ذكره ~~الأذرعي ثم سهل منها موضع في سنة إحدى عشرة وثمانمائة، ثم سهلت كلها في زمن ~~سلطان مصر اللك المؤيد في حدود العشرين وثمانمائة، وكل عقبة في جبل أو طريق ~~عال يسمى ثنية، وأسفلها هي PageV05P314 # الثنية السفلى تسمى كدى بضم الكاف والقصر وهي عند باب الشبيكة بقرب شعب ~~الشاميين من ناحية قيقعان، واختص بدخوله في ذلك الوقت لما روي أنه قال أبو ~~سفيان: "لا أسلم حتى أرى ms0985 الخيل من كداء، فقال له العباس: ما هذا؟ قال: شيء ~~طلع بقلبي وإن الله لا يطلع الخيل هناك أبدا، قال العباس فذكرت أبا سفيان ~~بذلك لما دخل" (¬1). والبيهقي من حديث ابن عمر - رضي الله عنه - قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: كيف قال حسان؟ فأنشده: # عدمت بنيتي إن لم تروها (أ) ... تنثر القنع مطلعها كداء # فتبسم وقال: ادخلوها من حيث قال حسان (¬2). # قال النووي: واختلف في المعنى الذي لأجله خالف - صلى الله عليه وسلم - ~~بين طريقيه، فذكر الأقوال التي مرت في المخالفة في يوم العيد عند خروجه ~~وعوده من الصلاة، والأولى أنه لما دخل - عليه السلام - في يوم الفتح استمر ~~الحكم فيه، واستحب ذلك لمن كان على طريقه كالمدني والشامي، ومن لم يكن كذلك ~~كاليمني فيتسحب له أن يستدير ويفعل ذلك. # وقال بعض الشافعية: إنما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان على ~~طريقه فلا يستحب لمن لا يكون كذلك (¬3)، والله أعلم. # 581 - وعن ابن عمر - رضي الله عنه - "أنه كان لا يقدم مكة إلا بات بذي ~~طوى حتى يصبح ويغتسل، ويذكر ذلك عن النبي - صلى الله عليه وسلم -" PageV05P315 # متفق عليه (¬1). # ذو طوى: بفتح الطاء المهملة وضمها وكسرها، والفتح اشتهر وأفصح ويصرف ولا ~~يصرف موضع معروف بقرب مكة وهو بين الثنية العليا التي يصعد إليها من الوادي ~~المعروف بالزاهر، وبين الثنية السفلى التي ينحدر منها إلى المقابر، وهو ~~المحصب. # وقال المحب الطبري: هو موضع عند باب مكة يعرفه أهل مكة، وقد ترك الناس ~~هذه السنة وأماتوها والخير في اتباعه - صلى الله عليه وسلم - والاقتداء ~~بأفعاله. # والمبيت به حتى يصبح فيه دلالة على استحباب ذلك لمن كان على طريقه وأنه ~~يستحب دخول مكة نهارا، وهو قول الأكثر، وقال جماعة من السلف وبعض الشافعية ~~الليل والنهار سواء، والنبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة ليلا في عمرة ~~الجعرانة. # وقوله "ويغتسل" فيه دلالة على استحباب الغسل لدخول مكة، وقوله "ويذكر ذلك ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -" مشعر برفعه فله ms0986 حكم المرفوع. # 582 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - "أنه كان يقبل الحجر الأسود ويسجد ~~عليه" رواه الحاكم مرفوعا والبيهقي موقوفا، ورواه الشافعي أيضا موقوفا ~~(¬2)، ورواه البيهقي أيضا والحاكم مرفوعا قال: "رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -" الحديث (¬3). # ورواه أبو داود والطيالسي والدارمي وابن خزيمة وأبو بكر البزار وأبو علي PageV05P316 # ابن السكن والبيهقي من حديث جعفر بن عبد الله، واختلف فيه، فقال ابن ~~السكن رجل من بني حميد من قريش، وقال البزار: مخزومي، وقال الحاكم: هو ابن ~~الحكم، ثم قال الحاكم: "ثم قال رأيت خالك ابن عباس يقبله ويسجد عليه، وقال ~~ابن عباس: رأيت عمر بن الخطاب يقبله ويسجد عليه ثم قال: رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فعل هذا" هذا لفظ الحاكم. # قال المصنف -رحمه الله-: وهم في قوله: إن جعفر بن عبد الله هو ابن الحكم ~~فقد نص العقيلي على أنه غيره، وقال في هذا: في حديثه وهم واضطراب. والحديث ~~فيه دلالة على شرعية تقبيل الحجر الأسود والسجود عليه، وسيأتي الكلام على ~~حديث عمر قريبا. # 583 - وعنه قال: "أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا ثلاثة ~~أشواط ويمشوا ما بين الركنين" متفق عليه (¬1). # الرمل بفتح الراء والميم والخبب بمعنى واحد وهو إسراع المشي مع تقارب ~~الخطى، وهو يستحب في الطواف الثلاثة من السبع ولا يسن إلا في طواف بعده ~~سعي، وهو طواف العمرة وطواف القدوم وإذا لم يرد السعي بعد طواف القدوم ففيه ~~قولان عند الشافعية أحدهما يشرع الرمل وهو الأصح والثاني لا يشرع. # وقوله "ثلاثة أشواط" بفتح الهمزة والشين المعجمة جمع شوط بفتح المعجمة، ~~والمراد به الطوفة الواحدة، وفي هذا الإطلاق دلالة على أنه لا يكره إطلاق ~~الشوط عليه، وقد كره (أ) الشافعي ومجاهد إطلاق الشوط PageV05P317 # والدورة عليه، وقالا: يقال له: طوفة، وفي هذا دلالة على أن المشروع إنما ~~هو في الثلاثة الأول فلو ترك فيها لم يفعل ذلك في الأخيرة ولا دم (أ) عليه ~~عند الهادوية والشافعية، وقال بعض المالكية: عليه دم. # وقوله ms0987 "وأن يمشوا ما بين الركنين، فعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في عمرة القضاء، وأمر به أصحابه لما كان في المسلمين من الضعف" كما قال ابن ~~عباس إنه قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فقال المشركون إنه ~~يقدم عليكم قوم قد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين اليمانيين ويرملوا ما ~~بين الركنين الشاميين لأن المشركين كانوا بإزاء تلك الناحية فإذا مروا ~~بالركنين اليمانيين مشوا على هيئتهم ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط ~~كلها إلا الإبقاء عليهم، وقد ذهب إلى العمل بهذا ابن الصباغ فقال: إن الرمل ~~لا يكون إلا فيما بين الركنين، وأجاب الجمهور القائلون بأن الرمل من الحجر ~~إلى الحجر بأن ذلك إنما كان في عمرة القضاء، وقد ذكر بسببه وهو الإبقاء ~~عليهم، وأما في حجه - صلى الله عليه وسلم - فإنه رمل من الحجر إلى الحجر ~~(¬1)، وكان متأخرا فيكون ناسخا ووجب الأخذ به. # 584 - وعنه قال: "لم أر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستلم من البيت ~~غير الركنين اليمانيين" رواه مسلم. # قوله "يستلم": أي يمسح عليهما من السلام بمعنى التحية، شبه المسح عليهما ~~بالمسح لليد عند الملاقاة لأجل التحية لكون الماسح عليهما PageV05P318 # كالقادم المسلم على البيت. # وقوله "الركنين اليمانيين" المراد بهما الحجر الأسود والركن اليماني أطلق ~~عليهما ذلك تغليبا، ويقال للركنين الآخرين الشاميين، وقد يقال لركن الحجر ~~الأسود، والركن الذي يليه من ناحية الباب العراقيان، ويقال للركن اليماني ~~والذي يلي الحجر من ظهر الكعبة الغربيان واليمانيان بتخفيف الياء، وهي ~~اللغة الفصيحة المشهورة. # تنبيه: يمان مخفف يمني بتعويض الألف من إحدى ياءي النسب فبقيت الياء ~~الأخرى مخففة، وحكى سيبويه والجوهري وغيرهما التشديد أيضا بياء على زيادة ~~الألف وبياء النسب بحالها، وفي هذا دلالة على استحباب استلام الركنين ~~المذكورين واختصا بذلك لكونهما على قواعد إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - ~~وزاد الحجر الأسود بالتقبيل لفضيلة الحجر دون الركنين الشاميين، وقد أجمعت ~~الأمة على استحباب استلامهما، ms0988 واتفق الجمهور على أنه لا يمسح الركنان ~~الشاميان، وقد ذهب إلى استحباب استلامهما الحسنان ابنا علي - رضي الله ~~عنهما - وابن الزبير وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك وعروة بن الزبير وأبو ~~الشعثاء جابر بن زيد. # وأخرج أحمد وابن مهدي والحاكم من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي ~~الطفيل قال: كنت مع ابن عباس ومعاوية، فكان معاوية لم يمر بركن إلا استلمه ~~فقال ابن عباس: "إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يستلم إلا الحجر ~~واليماني" فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورا. # وأخرج مسلم المرفوع من وجه آخر عن ابن عباس (¬1)، وروى أحمد أيضا من طريق ~~شعبة عن قتادة عن أبي الطفيل قال: "حج معاوية وابن PageV05P319 # عباس، فجعل ابن عباس يستلم الأركان كلها، فقال معاوية: إنما استلم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - هذين الركنين اليمانيين فقال ابن عباس: ليس من ~~أركانه شيء مهجور" قال عبد الله بن أحمد في العلل سألت أبي عنه فقال: قبله ~~شعبة، وقد كان شعبة يقول: الناس يخالفونني في هذا ولكني سمعته من قتادة ~~هكذا انتهى. # وقد رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة على الصواب أخرجه أحمد أيضا، وكذا ~~أخرجه من طريق مجاهد عن ابن عباس نحوه، وروى الشافعي من طريق محمد بن كعب ~~القرظي أن ابن عباس (أ) قال: " {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} (¬1) ~~ولفظ رواية مجاهد المذكورة عن ابن عباس "أنه طاف مع معاوية فقال: ليس شيء ~~من البيت مهجورا، فقال ابن عباس: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}، ~~فقال معاوية: صدقت". # وأخرج الأزرقي في تاريخ مكة أن ابن الزبير لما فرغ من بناء البيت استلم ~~الأركان الأربعة فلم يزل البيت على بناء ابن الزبير إذا طاف الطائف استلم ~~الأركان كلها، وإن إبراهيم وإسماعيل لما فرغا من بناء البيت طافا به سبعا ~~يستلمان الأركان كلها، وقد أخرج البخاري في كتاب الطهارة من حديث ابن عمر ~~أنه قال له عبيد بن جريج: "رأيتك ms0989 تصنع أربعا لم أر أحدا من أصحابك يصنعها ~~فذكر منها: رأيتك لا تمس من الأركان إلا اليمانيين ... " الحديث (¬2)، ففيه ~~دلالة على أن غيره من الصحابة والتابعين PageV05P320 # لا يقتصرون عليهما، وقال بعض أهل العلم: اختصاص الركنين مبين بالسنة، ~~ويقاس عليهما الركنان الآخران، وأجاب الشافعي عن قول من قال ليس شيء من ~~البيت مهجورا بأنا لم ندعهما هجرا لهما ولكن نتبع السنة فعلا وتركا. # وقال القاضي أبو الطيب: أجمعت أئمة الأمصار والفقهاء على أنهما لا ~~يستلمان قال: وإنما كان فيهما خلاف لبعض الصحابة والتابعين وانقرض الخلاف، انتهى. # وكلام الهادوية (¬1) ظاهره استلام الأركان الأربعة، والله أعلم. # 585 - وعن عمر - رضي الله عنه - "أنه قبل الحجر وقال: إني أعلم أنك حجر ~~لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقبلك ~~ما قبلتك" متفق عليه (¬2). # قوله "قبل الحجر" التقبيل هو بالفم، فيه دلالة على شرعية التقبيل للحجر، ~~وقد تقدم، والتقبيل هو بعد استلام الحجر، وبعد التقبيل السجود عليه ~~بالجبهة، وهذا هو مذهب الجمهور من العلماء، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن ~~الخطاب وابن عباس وطاوس والشافعي وأحمد، وذكره الإمام المهدي في البحر ولم ~~ينسبه إلى أحد، وانفرد مالك من العلماء فقال: السجود عليه بدعة، واعترف ~~القاضي عياض بشذوذ مالك في ذلك، وهذا القول من عمر - رضي الله عنه - إرشاد ~~للناس وزجر عن الاعتقاد في الأحجار ونسبة النفع والضر إليها كما كانت ~~الجاهلية في عبادة الأصنام وتعظيمها ورجاء منفعتها وخوف الضر بالتقصير في ~~تعظيمها، فبين أن PageV05P321 # الحجر الأسود باعتباره في ذاته لا قدرة له على نفع ولا ضر وأنه حجر مخلوق ~~كباقي المخلوقات التي لا تضر ولا تنفع وأنه لو لم يرد تعظيمها في الشرع لما ~~عظمت بالنظر إليها في ذاتها، وأشاع عمر هذا في الموسم ليشتهر ذلك في ~~البلدان ويحفظه عنه أهل الموسم المختلفو الأوطان، والله أعلم. # فائدة: استنبط بعضهم من مشروعية تقبيل الحجر جواز تقبيل كل من يستحق ~~التعظيم من آدمي أو غيره، وقد نقل عن الإمام أحمد أنه ms0990 سئل عن تقبيل منبر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وتقبيل قبره فلم ير به بأسا، واستبعد بعض ~~أتباعه صحة ذلك، ونقل عن ابن أبي الضيف اليماني أحد علماء مكة من الشافعية ~~جواز تقبيل المصحف وأجزاء الحديث وقبور الصالحين، والله أعلم (¬1). # 586 - وعن أبي الطفيل قال: "رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يطوف ~~بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه، ويقبل المحجن" رواه مسلم (¬2). # هو عامر بن واثلة الليثي (¬3)، واثلة بالثاء المثلثة المكسورة ويقال ~~الكناني ويقال اسمه عمرو، وغلبت عليه كنيته، أدرك من حياة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ثمان سنين، ومات سنة مائة واثنتين بمكة، وقيل: سنة مائة وقيل ~~عشر ومائة، وقال العامري: وهو الصحيح، وقال الذهبي: سنة مائة وواحدة، وهو ~~آخر من مات من الصحابة في جميع الأرض، روى عنه الزهري وأبو الزبير وجابر بن ~~زيد (¬4). PageV05P322 # قوله "يطوف بالبيت" في مسلم زيادة "راكبا على بعير" (¬1). وقوله "ويستلم ~~الركن" الاستلام هنا إما من السلام بفتح السين بمعنى التحية، قاله الأزهري، ~~أو من السلام بكسر السين أي الحجارة، والمعنى أنه يرمي بعصاه إلى الركن حتى ~~يصيبه، كذا قيل وهو بعبيد، والمحجن بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح ~~الجيم بعدها نون هو عصا محنية الرأس، والحجن الاعوجاج وبذلك سمي الحجون. # وقوله "ويقبل المحجن" وهذا مثل ما ورد في تقبيل اليد إذا استلم بها الركن ~~كما في حديث ابن عمر، أخرجه البخاري. # وأخرج سعيد بن منصور من طريق عطاء قال: "رأيت أبا سعيد وأبا هريرة وابن ~~عمر وجابر إذا استلموا الحجر قبلوا أيديهم، قيل: وابن عباس؟ قال: وابن عباس ~~أحسبه". # وبهذا قال الجمهور إن السنة أن يستلم الركن ويقبل يده، فإن لم يستطع أن ~~يستلمه تناوله بشيء في يده وقبل ذلك الشيء فإن لم يستطع أشار إليه واكتفى ~~بذلك، وعن مالك في رواية لا يقبل يده، وكذا قال القاسم، وفي رواية عند ~~المالكية يضع يده على فيه من غير تقبيل. # فائدة: ورد في الذكر عند الطواف حديث عبد الله بن السائب مرفوعا أنه كان ms0991 ~~يقول في ابتداء الطواف "بسم الله والله أكبر، اللهم إيمانا بك وتصديقا ~~بكتابك ووفاء بعهدك واتباعا لسنة نبيك محمد" رواه الرافعي، وذكره صاحب ~~المهذب من حديث جابر وبيض له المنذري والنووي وخرجه ابن عساكر من طريق ابن ~~ناجية بسند له ضعيف، ورواه الشافعي عن ابن أبي نجيح قال: أخبرت أن بعض ~~أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: PageV05P323 # يا رسول الله كيف نقول إذا استلمنا؟ قال: "قولوا بسم الله والله أكبر ~~إيمانا بالله وتصديقا لما جاء به محمد" وهو في الأم عن سعيد بن سالم عن ابن جريج. # وروى الطبراني والبيهقي في الأوسط والدعاء (أ)، عن الحارث الأعور عن علي ~~- رضي الله عنه - أنه كان إذا مر بالحجر الأسود فرأى (ب) عليه زحاما ~~استقبله وكبر ثم قال: اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك، واتباعا لسنة نبيك، ~~وبين الركن اليماني والحجر الأسود. # أخرج أبو داود وأحمد من حديث عبد الله بن السائب أنه سمع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: {ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا ~~عذاب النار} (¬1) وصححه ابن حبان والحاكم (¬2)، وقال الرافعي: إنه إذا ~~انتهى إلى العوالي يقول: "اللهم إني أعوذ بك من الشك والشرك والنفاق ~~والشقاق وسوء الأخلاق" ولم يذكر له مستندا. # وأخرجه البزار من حديث أبي هريرة مرفوعا لكن لم يقيده بما عند الركن ولا ~~عند الطواف. # وأخرج ابن ماجه والحاكم من حديث ابن عباس "أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- كان يدعو بهذا الدعاء بين الركنين: اللهم قنعني بما رزقتني وبارك لي فيه، ~~واخلف علي كل غائبة لي بخير" (¬3). PageV05P324 # ولابن ماجه عن أبي هريرة: "من طاف بالبيت سبعا فلم يتكلم إلا سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله، محت ~~عنه عشر سيئات وكتب له عشر حسنات، ورفعت له عشر درجات" (¬1) وإسناده ضعيف. # وله عن أبي هريرة "إن الله وكل بالحجر سبعين ملكا، فمن قال اللهم إني ~~أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة، ربنا آتنا ms0992 في الدنيا حسنة وفي ~~الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار قالوا آمين". # قال الرافعي: ولا بأس بقراءة القرآن في الطواف بل هي أفضل من الدعاء الذي ~~لم يؤثر، ومثله ذكر الإمام المهدي في البحر والدعاء المسنون أفضل منها ~~تأسيا برسول الله - صلى الله عليه وسلم -، والله أعلم. # 587 - وعن يعلى بن أمية قال: "طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - مضطبعا ~~ببرد أخضر" رواه الخمسة إلا النسائي وصححه الترمذي (¬2). # هو أبو صفوان، ويقال أبو خلف، ويقال أبو خالد وهو الأكثر يعلى بن أمية ~~بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء تحتها نقطتان، اسم أمه، ابن أبي عبيدة ~~التميمي الحنظلي حليف قريش، وهو يعلى بن منية أيضا بضم الميم وسكون النون ~~وفتح الياء، وأمية هي أمه وقيل أم أبيه، وبها يعرف، وهي جدة الزبير بن ~~العوام لأمه، وهي أخت عتبة بن غزوان، وقيل عمته، وفي الاستيعاب (¬3) أن ~~أمية اسم أبيه، ومنية اسم أبيه، فينسب تارة إلى أبيه وتارة PageV05P325 # إلى أمه، أسلم يعلى يوم الفتح وشهد حنينا والطائف وتبوك، وكان عاملا لعمر ~~على نجران، وهو معدود في أهل الحجاز، قتل بصفين مع علي بن أبي طالب، كذا ~~قال ابن الأثير (¬1)، وقال الذهبي: كان واليا لعثمان على اليمن، فلما قتل ~~(أ) أقبل من اليمن، وخرج مع أهل الجمل وأعانهم بأموال جليلة فلما هزموا (ب) ~~هرب ثم أقبل على شأنه إلى قريب الستين فما أدري توفي قبل معاوية أو بعده ~~(¬2) انتهى. # روى عنه ابنه صفوان وعبد الله بن الديلمي وعطاء ومجاهد (¬3) وعكرمة. قوله ~~"مضطبعا" الاضطباع هو أن يجعلوا أرديتهم تحت آباطهم ثم يقدمونها على ~~عواتقهم اليسرى، وقد ورد أيضا من حديث ابن عباس في عمرة الجعرانة، أخرجه ~~أبو داود (¬4). # 588 - وعن أنس - رضي الله عنه - قال: "كان يهل منا المهل فلا ينكر عليه، ~~ويكبر منا المكبر فلا ينكر عليه" متفق عليه (¬5). # ورد هذا في صفة غدوهم من منى إلى عرفات، وفي رواية لمسلم بلفظ: "منا ~~الملبي ومنا المكبر" (¬6)، وفيه دلالة على استحبابها في الذهاب PageV05P326 # من منى إلى ms0993 عرفة يوم عرفة، والتلبية أفضل، وفيه رد على من قال بقطع ~~التلبية بعد صبح يوم عرفة، والله أعلم. # 589 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "بعثني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الثقل أو قال في الضعفة من جمع بليل" الحديث متفق عليه (¬1). # ورواه الشافعي واللفظ له، ومن طريقه البيهقي، ورواه النسائي بلفظ: ~~"أرسلني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع ضعفة أهله، فصلينا الصبح بمنى ~~ورمينا الجمرة" (¬2). # وقوله "في الثقل" هو بفتح الثاء المثلثة والقاف وهو المتاع ونحوه، ~~والضعفة المراد بهم النساء ومن يتصل بهن من الصبيان. # والحديث فيه دلالة على أنه يجوز الدفع من مزدلفة قبل طلوع الفجر للنساء ~~ومن أشبههن في الضعف، والله أعلم. # 590 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "استأذنت سودة رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - ليلة المزدلفة أن تدفع قبله، وكانت ثبطة -يعني ثقيلة- ~~فأذن لها" متفق عليه (¬3). # قوله "أن تدفع قبله" فيه دلالة على جواز الدفع من مزدلفة قبل الفجر ولكن ~~ذلك للعذر كما قال "وكانت ثبطة" والثبطة بفتح الثاء المثلثة PageV05P327 # وكسر الباء الموحدة أي ثقيلة الحركة بطيئة من التثبط وهو التعوق. # وقد اختلف العلماء في قدر المبيت بمزدلفة وفي حكمه، أما حكمه فذهب الأكثر ~~وهو الصحيح من مذهب الشافعي قال به فقهاء الكوفة وأصحاب الحديث إنه واجب من ~~تركه لزمه دم، وذهب جماعة وهو قول للشافعي إنه سنة إن تركه فاتته الفضيلة ~~ولا إثم عليه ولا دم ولا غيره، وذهب الحسن البصري والنخعي إلى أنه لا يصح ~~الحج إلا به، وقال به أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي وأبو بكر ابن خزيمة، ~~وحكي عن عطاء والأوزاعي أن المبيت بمزدلفة لا واجب ولا سنة ولا فضيلة بل هو ~~منزل كسائر المنازل إن شاء نزله وإن شاء تركه ولا فضيلة فيه، وهو قول باطل، ~~وأما قدره فذهب الهادوية إلى أنه أكثر الليل وهو أحد أقوال مالك والشافعي، ~~والثاني جميع الليل، والثالث أقل زمانه، والصحيح من مذهب الشافعي أنه ساعة ~~في النصف الثاني ms0994 من الليل وفي قول له ساعة من النصف الثاني أو بعده إلى ~~طلوع الشمس. # 591 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: قال لنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس" رواه الخمسة إلا النسائي ~~(¬1)، وفيه انقطاع. # الحديث رواه أيضا أحمد وصححه الترمذي، وفيه دلالة على أن رمي الجمرة لا ~~يكون إلا بعد طلوع الشمس، ولو أبيح لهم التقدم في الدفع من مزدلفة ووصلوا ~~إلى منى قبل الفجر، وسيأتي الكلام على المسألة في الحديث الآتي قريبا. PageV05P328 # 592 - وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: "أرسل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بأم سلمة ليلة النحر فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت" رواه ~~أبو داود وإسناده على شرط مسلم (¬1) الحديث أنكره أحمد وغيره وقد ورد في ~~معناه ما أخرجه الخلال قال: أنبا علي بن حرب ثنا هارون بن عمران عن سليمان ~~بن أبي داود عن هشام بن عروة عن أبيه قال أخبرتني أم سلمة قالت: "قدمني ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة قالت: ~~فرميت بليل ثم مضيت إلى مكة فصليت بها الصبح ثم رجعت إلى منى" وفيه سليمان ~~بن أبي داود الدمشقي الخولاني، ويقال ابن داود، قال أبو زرعة عن أحمد رجل ~~من الجزيرة ليس بشيء، وقال عثمان بن سعيد: ضعيف (¬2). # وقد أخرج الدارقطني وغيره عنها "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~نساءه أن يخرجن من جمع ليلة جمع ويرمين الجمرة ثم تصبح في منازلنا، فكانت ~~تصنع ذلك حتى ماتت" وفي إسناده محمد بن حميد أحد رواته كذبه غير واحد، ~~ويرده أيضا حديثهما في الصحيحين: "وددت أني كنت استأذنت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كما استأذنته سودة" (¬3). # وقد ورد في حق حبيبة "أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعث بها من ~~جمع PageV05P329 # بليل" أخرجه مسلم (¬1)، ولعلها كانت من الضعفة كما في حديث ابن عباس، ~~يتقرر من مجموع هذه الروايات أن أم سلمة وسودة وأم حبيبة وعائشة -كما ms0995 (أ) ~~في الرواية المذكورة- رمين قبل الفجر، وفي هذا دلالة على جواز الدفع والرمي ~~قبل الفجر وهو معارض لحديث ابن عباس وقد يجاب عنه بأن جواز الرمي قبل ~~الفجر، إنما كان للعذر، وهو جائز، وفي حديث ابن عباس لما لم يكن له عذر في ~~ذلك أمرنا بالانتظار إلى بعد طلوع الشمس أو أن ذلك مندوب، فأمره بالندب، ~~وحينئذ فلا تعارض بين الأحاديث، وفي المسألة أربعة مذاهب، ذهب الشافعي ~~وأحمد إلى جواز الرمي من بعد نصف الليل للقادر والعاجز، والثاني لا يجوز ~~إلا بعد الفجر مطلقا، وهو قول أبي حنيفة، والثالث قول الهادوية إنه لا يجوز ~~للقادر إلا بعد طلوع الفجر وللمرأة والعاجز والخائف، ومن له عذر من بعد نصف ~~الليل، والقول الرابع للنخعي والثوري إنه من بعد طلوع الشمس للقادر، وكأن ~~الأرجح هذا القول إذ هو المنصوص في حديث ابن عباس، ولا حجة لمن حد أوله ~~بنصف الليل، فإن الحجة حديث أسماء بنت أبي بكر كما في البخاري (¬2)، وهي أن ~~يغيب مغيب القمر، وهو يكون عند أول الثلث الأخير، ويستدل بهذا على سقوط ~~الوقوف بالمشعر الحرام على من أجيز له الدفع من نصف الليل ولا دم عليهم. # 593 - وعن عروة بن مضرس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من ~~شهد صلاتنا هذه -يعني بالمزدلفة- فوقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة قبل ~~ذلك ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه" رواه الخمسة PageV05P330 # وصححه الترمذي وابن خزيمة (¬1). هو عروة بن مضرس بضم الميم وتشديد الراء ~~وكسرها، وبالصاد المعجمة والسين المهملة الطائي، شهد مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - حجة الوداع، عداده في الكوفيين. # روى عنه ابنه أبو بكر والشعبي. # والحديث صححه أيضا الحاكم والدارقطني وابن حبان، وهو مروي بألفاظ مختلفة. # وقوله "من شهد صلاتنا": المراد بها هنا صلاة الفجر في المزدلفة. # وقوله "ووقف معنا حتى يدفع": يعني وقف في مزدلفة، وقوله "ووقف بعرفة ليلا ~~أو نهارا": فيه دلالة على أنه يجزئ الوقوف بعرفة في أي وقت كان إذا كان في ms0996 ~~يوم عرفة من بعد الزوال أو في ليلة عيد الأضحى. # وقوله: "فقد تم حجه" هذا جزاء الشرط "وقضى تفثه" والتفث هو إذهاب الشعث، ~~قاله النضر بن شميل (¬2)، وقيل هو المناسك، ومفهوم الجملة الشرطية، ومن لم ~~يقع منه ما ذكر فلم يتم حجه، فأما الوقوف بعرفة فمجمع عليه، وأما الوقوف ~~بالمزدلفة فذهب الجمهور إلى أن الحج يتم (أ) بدونه، وأنه يجب في فواته دم، ~~وذهب ابن عباس وابن الزبير إلى أن PageV05P331 # الوقوف بمزدلفة ركن كعرفة، وإليه ذهب إبراهيم النخعي والشعبي وعلقمة ~~والحسن البصري والأوزاعي وحماد بن سليمان وداود الظاهري وأبو عبيد القاسم ~~بن سلام ومحمد بن جرير وابن خزيمة وهو أحد الوجوه للشافعية، ويؤيد هذا ~~المفهوم الزيادة في النسائي: "من أدرك جمعا مع الإمام والناس حتى يفيضوا ~~فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الإمام والناس فلم يدرك" (¬1). # ولأبي يعلى: "ومن لم يدرك جمعا فلا حج له". # وقوله تعالى: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام} (¬2) وفعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - الذي خرج مخرج البيان، وأجيب عن ذلك أن حديث عروة أريد به ~~أن من فعل جميع ذلك فقد أتى بالحج التام الكامل الفضيلة، ويدل عليه حديث ~~عبد الرحمن بن يعمر الديلمي قال: "شهدت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~وهو واقف بعرفات وأتاه ناس من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ قال ~~الحج عرفة، من جاء قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه" أخرجه أحمد ~~وأصحاب السنن وابن حبان والحاكم والدارقطني والبيهقي (¬3). # وفي رواية لأبي داود: "من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك PageV05P332 # الحج". # وفي رواية للدارقطني والبيهقي: "الحج عرفة الحج عرفة" فهذا صريح في ~~المراد، وأما زيادة النسائي وأبي يعلى فهي أولا لا تعارض لاحتمالها التأويل ~~بأن يراد لا حج له أي كامل الفضيلة، وثانيا أنها من رواية مطرف عن الشعبي، ~~وقد صنف أبو جعفر العقيلي جزءا في إنكارها، وذكر أن مطرفا كان يهم في ~~المتون (¬1)، وعن الآية الكريمة بأنها تدل على الأمر بالذكر ms0997 عند المشعر على ~~الركنية، وفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بيان للواجب المستكمل الفضيلة، ~~وبين بقوله ما لا يفوت الحج بفواته (وما يفوت بفواته وأما صلاة الصبح مع ~~الإمام بمزدلفة فذهب ابن حزم إلى أنه يفوت الحج بفواته) التزاما لما (أ) ~~ألزمه به الطحاوي، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه، فحكى الإجماع على ~~الإجزاء بدونها (¬2)، والله أعلم. # 594 - وعن عمر - رضي الله عنه - قال: "إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى ~~تطلع الشمس ويقولون أشرق ثبير، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خالفهم ثم ~~أفاض قبل أن تطلع الشمس" رواه البخاري (¬3). # قوله "لا يفيضون" أي من جمع، وقد صرح بذلك في روايته يحيى القطان عن شعبة ~~(¬4)، وقوله "أشرق": بفتح الهمزة فعل أمر من الإشراق أي ادخل في الشروق، ~~وقد ضبطه بعضهم بكسر الهمزة على أنه ثلاثي PageV05P333 # من شرق، والمعنى على الأول ليطلع عليك (أ) الشمس. # وثبير بفتح المثلثة وكسر الموحدة جبل معروف هناك على يسار الذاهب إلى منى ~~وهو أعظم جبال مكة عرف برجل من هذيل اسمه ثبير دفن فيه، وزاد أبو الوليد عن ~~شعبة "كيما تغير" أخرجه الإسماعيلي (¬1) ومثله لابن ماجه (ب) من طريق حجاج ~~بن أرطاة عن أبي إسحاق (¬2). # "وتغير" من الإغارة: أي الإسراع في عدو الفرس، والمراد منه الدفع للنحر. # وقوله "ثم أفاض" الإفاضة الدفعة قاله الأصمعي، ومنه أفاض القوم في الحديث ~~إذا دفعوا فيه، وفاعل أفاض هو النبي - صلى الله عليه وسلم - أتى به بيانا ~~لقوله "خالفهم". # (ج وفي رواية الثوري: "فخالفهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فأفاض" ج) ~~وفي رواية الطبري (¬3) بسنده "كان المشركون لا ينفرون حتى تطلع الشمس وأن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كره ذلك فنفر قبل طلوع الشمس" وقد تقدم ~~في حديث مسلم بيان الوقت الذي دفع فيه - صلى الله عليه وسلم - وهو قوله ~~"حتى أسفر جدا"، فدفع قبل أن تطلع الشمس، وفي حديث ابن عباس عند ابن خزيمة ~~"حين أسفر كل شيء قبل أن تطلع الشمس" ويحتمل أن يكون فاعل أفاض ms0998 هو عمر، وهو ~~بعيد. PageV05P334 # 595 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - وأسامة بن زيد قالا: "لم يزل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يلبي حتى رمى جمرة العقبة" رواه البخاري (¬1). # الحديث لفظ البخاري عن ابن عباس "أن أسامة كان ردف النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى" قال ~~فكلاهما قال: "لم يزل النبي - صلى الله عليه وسلم - يلبي حتى رمى جمرة ~~العقبة" (1). # وقد استشكل رواية أسامة فإنه سار من مزدلفة على رجليه في سباق قريش (¬2)، ~~وظاهر السياق أنه لم يحضر مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم، عند رمي ~~الجمرة، ويجاب عنه بأنه يجوز أن يكون أرسل الرواية، وأنه بواسطة، ويجوز أن ~~يكون حضر عند الرمي، ويؤيد هذا ما أخرجه مسلم من حديث أم الحصين قالت ~~"فرأيت أسامة بن زيد وبلالا في حجة الوداع أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - والآخر رافع ثوبه يستره من الحر حتى رمى الجمرة" (¬3) ~~والحديث فيه دلالة على أن الحاج يستمر في التلبية حتى يرمي الجمرة، واللفظ ~~يحتمل أنه قطع التلبية في أول حصاة، أو بعد تمام الرمي، وذهب إلى الأول ~~الجمهور، وإلى الثاني أحمد وبعض أصحاب الشافعي، ويؤيد الأول ما في حديث ابن ~~عباس "ويكبر مع كل حصاة" (¬4) أنه قطع التلبية كما قال البيهقي، وحجة ~~الثاني بأن رواية PageV05P335 # النسائي "فلم يزل يلبي حتى رمى، فلما رجع قطع التلبية" وما روى ابن خزيمة ~~(¬1) من طريق جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن ابن عباس عن الفضل ~~قال "أفضت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - من عرفات فلم يزل يلبي حتى رمى ~~جمرة العقبة ويكبر مع كل حصاة ثم قطع التلبية مع آخر كل حصاة" وقال ابن ~~خزيمة: هذا حديث صحيح فإنه مفسر لما أبهم في الروايات الأخر فإن المراد ~~بقوله: "حتى رمى جمرة العقبة" أي أتم رميها، وقد ذهب الجمهور إلى استمرار ~~التلبية إلى أن يرمي، ومنهم الشافعي وأبو حنيفة ms0999 والثوري وأحمد وإسحاق ~~وأتباعهم والهادوية وغيرهم، وذهب طائفة إلى أنه يقطع التلبية إذا دخل الحرم ~~لكن يعاودها إذا خرج من مكة إلى عرفة، وهو مذهب ابن عمر، وذهب طائفة إلى ~~أنه يقطعها إذا راح إلى الموقف، ورواه ابن المنذر وسعيد بن منصور بأسانيد ~~صحيحة عن عائشة وسعد بن أبي وقاص وعلي، وبه قال مالك ورواية عن الصادق ~~والناصر، وقيده مالك بزوال الشمس يوم عرفة، وهو قول الأوزاعي والليث وعن ~~الحسن البصري مثله لكن قال إذا صلى الغداة يوم عرفة. # وقد روى الطحاوي بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن يزيد قال: "حججت مع عبد ~~الله فلما أفاض أتى جمعا جعل (أ) يلبي فقال رجل أعرابي: هذا. فقال عبد ~~الله: أنسي الناس أم ضلوا؟ ". # وأشار الطحاوي إلى أن كل من روي عنه ترك التلبية من يوم عرفة أنه تركها ~~للاشتغال بغيرها من الذكر لا على أنها لم تشرع، وجمع بذلك بين ما يختلف من ~~الآثار، والله أعلم. PageV05P336 # 596 - وعن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - "أنه جعل البيت عن يساره، ~~ومنى عن يمينه، ورمى الجمرة بسبع حصيات، وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه ~~سورة البقرة" متفق عليه (¬1). # في الحديث دلالة على أن هذه الكيفية مشروعة في رمي العقبة كما وقع في ~~الرواية، وأن ابن مسعود استبطن الوادي، وأجاب على من قال إن أناسا يرمونها ~~من فوقها بقوله "هذا مقام الذي. . . ." إلخ، وقام الإجماع على أن هذه ~~الكيفية غير واجبة، وأن مخالفتها جائزة، وإنما هذا يستحب أن يقف تحت الجمرة ~~في بطن الوادي (أ) ويجعل مكة عن يساره، ومنى عن يمينه، ويستقبل العقبة ~~ويرميها (ب) بالحصى السبع، وهذا قول جمهور العلماء، وقال بعض أصحاب الشافعي ~~إنه يستحب أن يقف مستقبل الكعبة، وتكون الجمرة عن يمينه، وأما سائر الجمار ~~فمن فوقها اتفاقا وخص عبد الله سورة البقرة بالذكر لكون أكثر أعمال الحج ~~مذكورة فيها ولأنها اشتملت على أكثر أحكام (ج) الديانات والمعاملات، ولذلك ~~كان من حفظ الزهراوين (¬2) في السلف عظم قدره وارتفعت مرتبته، ms1000 وفي إضافة ~~السورة إلى البقرة دلالة على أنه لا كراهة في ذلك، وقد رد إبراهيم النخعي ~~بذلك على الحجاج لما ذكر له أن الحجاج قال على المنبر السورة التي تذكر PageV05P337 # فيها البقرة، والسورة التي يذكر فيها آل عمران، والسورة التي يذكر فيها ~~النساء فسب الحجاج (¬1) وذكر قول ابن مسعود (¬2). # فائدة: جمرة العقبة هي الجمرة الكبرى وهي حد لمنى وليست منها بل هي من ~~مكة وهي التي بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنصار عندها على الهجرة. # والجمرة اسم لمجتمع (أ) الحصى سميت بذلك لاجتماع الناس بها، يقال: اجتمر ~~بنو فلان إذا اجتمعوا، وقيل إن العرب تسمى الحصباء الصفا وجمارا فسميت بذلك ~~تسمية للشيء باسم حاله وقيل لأن آدم أو إبراهيم -عليهما السلام- لما عرض ~~إبليس له فحصبه جمرتين يديه أي أسرع فسميت بذلك. # 597 - وعن جابر - رضي الله عنه - قال: "رمى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس" رواه مسلم (¬3). # الحديث وصله مسلم وابن خزيمة وابن حبان، وذكره البخاري تعليقا بلفظ وقال ~~جابر: "رمى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر ضحى، ورمى بعد ذلك بعد ~~الزوال" (¬4). PageV05P338 # وروى الدارمي موصولا بلفظ التعليق لكن قال: "وبعد ذلك عند زوال الشمس" ~~(¬1). ورواه إسحاق بن راهويه في مسنده موصولا أيضا. # والحديث فيه دلالة على وقت الرمي، وقد تقدم الكلام في جمرة العقبة. ~~وقوله: "فإذا زالت الشمس" فيه دلالة على أن وقت الرمي في الأيام الثلاثة ~~بعد الزوال، وهو مذهب الهادوية ومالك والشافعية وأحمد وجماهير العلماء، ~~وذهب الناصر إلى أنه يجوز الرمي من بعد الفجر، وذهب الهادوية وأبو حنيفة ~~وإسحاق إلى أنه يجوز في اليوم الثالث الرمي بعد الفجر وحجتهم قوله - صلى ~~الله عليه وسلم - لأغيلمة بني عبد المطلب "لا ترموا حتى تصبحوا" فدل بعموم ~~على أنه يصح الرمي من الإصباح، ويجاب عن ذلك بأنه ورد في رمي جمرة العقبة ~~في يوم النحر (¬2)، وأما سائر الأيام ففعله - صلى الله عليه وسلم - مبين أن ~~وقته من بعد ms1001 الزوال وقد قال "خذوا عني مناسككم". # 598 - وعن ابن عمر - رضي الله عنه - "أنه كان يرمي الجمرة الدنيا مع ~~حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم ثم يسهل فيقوم فيستقبل القبلة فيقوم ~~طويلا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم ~~مستقبل القبلة ثم يدعو فيرفع يديه ويقوم طويلا ثم يرمي جمرة ذات العقبة من ~~بطن الوادي فلا يقف عندها ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يفعله" رواه البخاري (¬3). PageV05P339 # قوله "الدنيا" بضم الدال وبكسرها أي القريبة إلى جهة مسجد الخيف وهي أول ~~الجمرات التي يرمي من يأتي النحر. # وقوله "ثم يسهل" بضم الياء وسكون المهملة أي يقصد السهل من الأرض، وهو ~~المكان الذي لا ارتفاع فيه. # وقوله "ثم يأخذ ذات الشمال" أي يمشي إلى جهة شماله أي ليقف داعيا في مكان ~~لا يصيبه الرمي. # وقوله "جمرة ذات العقبة" أي الجمرة ذات العقبة، والحديث فيه ذكر رمي ~~الجمرات الثلاث بسبع حصيات، وأنه يشرع التكبير عند كل حصاة، ولا يلزم في ~~تركه شيء إلا ما روي عن الثوري فقال يطعم وإن جبره بدم فأحب إلي. وعلى أنه ~~يستقبل القبلة بعد الرمي ويقوم طويلا، وقد وقع تفسيره في حديث ابن عمر عند ~~ابن أبي شيبة (¬1) بإسناد صحيح أن ابن عمر كان يقوم عند الجمرتين مقدار ما ~~يقرأ سورة البقرة وأنه يرفع يديه عند الدعاء. # قال ابن قدامة (¬2): ولا نعلم في ذلك خلافا إلا ما روي عن مالك من ترك ~~رفع اليدين عند الدعاء بعد رمي الجمار، وحكى ذلك ابن القاسم عن مالك كذا ~~قاله ابن المنذر. # وقال ابن المنير: لو كان الرفع هنا سنة ثابتة ما خفي عن أهل المدينة. # وأجيب عنه بأن ذلك ما خفي عليهم وأن الزهري عالم المدينة والشام روى ذلك ~~عن سالم أحد الفقهاء في المدينة، ورواه سالم عن عالم أهل المدينة من ~~الصحابة في زمانه، وهو ابن عمر، وأنه لا يقف ولا يدعو بعد PageV05P340 # رمي الجمرة الثالثة. # فائدة: ms1002 روى ابن أبي شيبة بإسناد صحيح "أن ابن عمر - رضي الله عنه - كان ~~يمشي إلى الجمار مقبلا ومدبرا". # وعن جابر أنه كان لا يركب إلا من ضرورة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رمى جمرة العقبة في يوم النحر راكبا (¬1) وسائر الجمرات في الأيام الأخر ~~رماها راجلا، ولعله فعل ذلك اليوم لما كان في أثناء إفاضته من مزدلفة وقصد ~~انتهائه إلى محل النحر، والله أعلم. # 599 - وعنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "اللهم ارحم ~~المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال في الثالثة: والمقصرين" متفق ~~عليه (¬2) الحديث. # واختلفت الروايات في وروده هل في حجة الوداع أو في عمرة الحديبية. # قال ابن عبد البر (¬3): وقع ذلك يوم الحديبية حين صد عن البيت، وهذا ~~محفوظ مشهور. # وأخرج من حديث أبي سعيد بلفظ سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يستغفر لأهل الحديبية للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة (¬4). # ومن حديث ابن عباس بلفظ: "حلق رجال يوم الحديبية، وقصر PageV05P341 # آخرون، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: رحم الله المحلقين. . . ~~." الحديث (¬1) انتهى. # وحديث أبي سعيد أخرجه الطحاوي من طريق الأوزاعي وأحمد وابن أبي شيبة وأبو ~~داود الطيالسي وزاد فيه أبو داود (أ): "أن الصحابة حلقوا يوم الحديبية إلا ~~عثمان وأبا قتادة". # وورد أيضا في أن ذلك كان في حجة الوداع من حديث أبي مريم السلولي عند ~~أحمد وابن أبي شيبة (¬2)، ومن حديث أم الحصين عند مسلم (¬3) ومن حديث ابن ~~الأسود الثقفي عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم عمارة عند الحارث، ~~والأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع هي أكثر عددا وأصح إسنادا (¬4). # قال النووي (¬5): وهو الصحيح المشهور، وجزم بأن ذلك كان في الحديبية إمام ~~الحرمين في "النهاية". # وقال عياض: كان في الموضعين. قال النووي: ولا يبعد أن يكون في الموضعين، ~~وكذا قال ابن دقيق العيد (¬6). # قال المصنف -رحمه الله تعالى-: وهذا هو المتعين لفظا في الروايات بذلك ~~إلا أن السبب فيهما مختلف فالذي في الحديبية بسبب توقف من توقف من الصحابة ~~عن ms1003 الإحلال لما دخل عليهم من الحزن لكونهم منعوا PageV05P342 # من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم في أنفسهم على ذلك فخالفهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وصالح قريشا على أن يرجع من العام القابل، والقصة مشهورة ~~فلما أمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالإحلال توقفوا، وأشارت أم سلمة ~~أن يحل هو - صلى الله عليه وسلم - قبلهم ففعل فتابعوه فحلق بعضهم، وقصر ~~بعض، وكان من بادر إلى الحلق أسرع إلى الامتثال ممن اقتصر على التقصير، وقد ~~بين هذا السبب في آخر حديث ابن عباس عند ابن ماجه وغيره أنهم قالوا: "يا ~~رسول الله ما بال المحلقين ظاهرت لهم بالترحم، قال: لأنهم لم يشكوا" (¬1)، ~~وأما في حجة الوداع فلأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر من لم يسق الهدي ~~بالإحلال، وقد كان شق على جماعة من الصحابة ففعل بعض التقصير لأنه أخف، فهو ~~كذلك لم يخلص الامتثال، بل بقي معه شك، وفعل بعض الحلق لمبادرته إلى إخلاص ~~الامتثال، واستحق تأكيد الدعاء له لأنه أبين في الامتثال، كذا قاله ابن ~~الأثير في "النهاية" وغيره (¬2). # وقال الخطابي وغيره: إن عادة العرب أن توفر الشعر لكونه من الزينة عندهم، ~~وكان الحلق قليلا، وربما كانوا يرونه من الشهرة ومن زي الأعاجم، فلذلك ~~كرهوا الحلق واقتصروا على التقصير. # والحديث فيه دلالة على شرعية الحلق والتقصير، وأن الحلق أرجح وهو مجمع ~~عليه إلا ما روي عن الحسن البصري أن الحلق يتعين في أول حجة، حكاه ابن ~~المنذر بصيغة التمريض، وقد ثبت عن الحسن خلافه. # وأخرج ابن أبي شيبة عن الحسن في الذي لم يحج قط إن شاء حلق وإن شاء قصر. # وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي، قال: "إذا حج الرجل أول PageV05P343 # حجة حلق، وإن حج أخرى فإن شاء حلق وإن شاء قصر" ثم روي عنه أنه قال ~~"كانوا يحبون، يحلقوا في أول حجة وأول عمرة" انتهى. وهذا يدل على أن ذلك ~~للاستحباب لا للزوم، وهما جائزان، ولو في حق من لبد شعره، وإن كان للشافعي ~~قول موافق للحنفية أنه ms1004 يتعين الحلق على من لبد شعره أو كان شعره خفيفا لا ~~يمكن تقصيره أو لم يكن له شعر فيمر المواسي على رأسه والواجب في حلق رأسه ~~هو أن يعمه جميعه عند الهادي وغيره، وهو مذهب مالك وأحمد وهو الذي تقتضيه ~~الصنعة، واستحبه الكوفيون والشافعي، ويجزئ البعض عندهم واختلفوا فيه، فعند ~~الحنفية الربع إلا أبا يوسف فقال النصف، وقال الشافعي: أقل ما يجب حلق ثلاث ~~شعرات، وفي وجه لبعض أصحابه شعرة واحدة، والتقصير كالحلق في هذا التفصيل، ~~ويكون التقصير قدر أنملة كذا في كتب الهادوية وفي شرح النووي لمسلم، ويستحب ~~أن لا ينقص عن (أ) قدر الأنملة، وإن اقتصر على دونها أجزأ، وهذا في حق ~~الرجال، وأما النساء فالمشروع في حقهن التقصير إجماعا، وفي حديث لابن عباس ~~عند أبي داود بلفظ: "ليس على النساء حلق، وإنما على النساء التقصير" (¬1) ~~وسيأتي مرتبا، وللترمذي من حديث علي "نهى أن تحلق المرأة رأسها" (¬2). # وقال جمهور الشافعية: لو حلقت أجزأها ويكره. # وقال القاضيان أبو الطيب وحسين: لا يجوز، وهذا في حق الحاج أو المعتمر ~~غير متمتع، وأما المتمتع فالنبي - صلى الله عليه وسلم - خيرهم بين الحلق ~~والتقصير، وظاهره أنهما سواء في حقهم، وعند الهادوية أن الأفضل PageV05P344 # التقصير في حقه ليمكنه الحلق للحج. # وقوله "قال في الثالثة: والمقصرين": في معظم الروايات عن مالك ذكر إعادة ~~المحلقين مرتين، وعطف المقصرين عليهم في المرة الثالثة، وانفرد يحيى بن ~~بكير من رواة الموطأ بإعادة ذلك ثلاث مرات، نبه عليه ابن عبد البر في ~~التقصي وأغفله في التمهيد (¬1)، بل قال إنهم لم يختلفوا على مالك، ورواه ~~الليث "رحم الله المحلقين" مرة أو مرتين عن نافع، ورواه عن عبيد الله ~~العمري مصغرا، قال في الرابعة: "والمقصرين". # وأخرج أحمد عن نافع بلفظ "اللهم اغفر للمحلقين، قالوا وللمقصرين حتى ~~قالها ثلاثا أو أربعا ثم قال (أ): والمقصرين" (¬2). # والجمع بين الروايات أن من قال في الثالثة أراد بها بالنظر إلى ما وقع من ~~السائلين، ومن قال في الرابعة فبالنظر إلى أن قوله: "وللمقصرين" معطوف ms1005 على ~~مقدر، والمعنى: اغفر للمحلقين والمقصرين، فهو مذكور تقدير أربعا، وإن لم ~~يذكر فيه اللفظ إلا ثلاث مرات، ورواية الجزم مقدمة على رواية الشك، وإعادة ~~الذكر ثلاث مرات معمول بها ولا يعارضها رواية الذكر مرتين لأن في تلك ~~زيادة، وهي معمول بها، والله أعلم. # تنبيه: يفهم من دعائه - صلى الله عليه وسلم - للمحلقين أنه فعل في نفسه ~~ذلك إذ لا يبالغ في الحث على ذلك ويتركه. # وقد أخرج ابن عباس عن معاوية قال: "قصرت عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بمشقص" زاد في رواية مسلم: "وهو على المروة" (¬3) وزاد في رواية PageV05P345 # النسائي أن ابن عباس احتج بذلك عن معاوية لما نهى عن متعة الحج، ثم ذكر ~~ما فعل بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال ابن عباس: هذا على معاوية أن ~~ينهى الناس عن المتعة، وقد تمتع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1)، ~~وفي معناه لأحمد من وجه آخر (¬2)، وهذا يدل أنه وقع منه في حجة الوداع، ~~ووقع عند أحمد من طريق أخرى عن عطاء أن معاوية حدث أنه أخذ من أطراف شعر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أيام العشر بمشقص وهو محرم (¬3). وقد ~~أنكر النووي (¬4) على من يقول إن ذلك في حجة الوداع قال لأنه قد ثبت أنه ~~كان قارنا، وثبت أنه حلق بمنى، وفرق أبو طلحة شعره بين الناس فلا يصح أن ~~يكون ذلك في حجة الوداع، وفي عمرة القضاء لم يكن معاوية مسلما لأنه أسلم ~~عام الفتح إلا أن ابن عساكر أخرج في تاريخ دمشق في ترجمة معاوية أنه أسلم ~~زمن الحديبية والقضية وأنه كان يخفي إسلامه خوفا من أبويه، وكان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لما دخل في عمرة القضية بمكة خرج أكثر أهلها عنها حتى ~~لا ينظرونه وأصحابه يطوفون بالبيت، فلعل معاوية كان ممن تخلف بمكة لسبب ~~اقتضاه، وقول سعد: فعلنا العمرة وهذا -يعني معاوية- كافر بالعرش بضم العين ~~والراء المهملتين يعني بيوت مكة (¬5) باعتبار ظاهر حال معاوية (*)، وجوز ~~بعضهم أن يكون ذلك في ms1006 عمرة الجعرانة، ولكنه يرد عليه أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ركب من الجعرانة بعد أن أحرم بعمرة، ولم يستصحب PageV05P346 # أحدا معه إلا بعض أصحابه المهاجرين فقدم مكة وطاف وسعى وحلق ورجع إلى ~~الجعرانة فأصبح بها كما ثبت فخفيت على كثير من الناس، كذا أخرجه الترمذي ~~(¬1)، وغيره، ولم يعدوا معاوية فيمن كان صحبه حينئذ، ولا كان معاوية ممن ~~تخلف عنه بمكة في غزوة حنين، وأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ما ~~أعطى أباه من الغنيمة من جملة المؤلفة. # وأخرج الحاكم في "الإكليل" في آخر قصة غزوة حنين "أن الذي حلق رأسه - صلى ~~الله عليه وسلم - في عمرته التي اعتمر من الجعرانة أبو هند عبد بني بياضة". # ولكنه يمكن الجمع بأن معاوية لحق وحضر بالمروة وقصر للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل أن يحضر الحلاق ثم حضر الحلاق فحلق، وبهذا يتقرب الجمع بين ~~الروايات إلا أنه يبعد عنه رواية "أنه كان في العشر" إلا أنها شاذة، وقد ~~قال قيس بن سعد (¬2) عقيبها: والناس ينكرونها، وبعضهم تأول أصل الرواية، ~~وقال: معنى "قصرت عن رسول الله" أي قصرت شعري عن أمر رسول الله، وبعضهم ~~قال: إنه قصر بقية شعر لم يكن الحلاق أزاله، وهو أيضا بعيد. # والمشقص بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح القاف وآخره صاد وهو نصل عريض ~~يزجى به الوحش، وقال صاحب المحكم: هو الطويل من النصال، وليس بعريض، وكذا ~~قال أبو عبيد، والله أعلم. # 600 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - "أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وقف في حجة الوداع فجعلوا يسألونه، فقال رجل: لم أشعر ~~فحلقت قبل أن أذبح، قال: "اذبح ولا حرج"، وجاء آخر PageV05P347 # فقال: لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي، قال: "ارم ولا حرج"، فما سئل يومئذ عن ~~شيء قدم ولا أخر إلا قال: "افعل ولا حرج" متفق عليه (¬1). # قوله "وقف" كان ذلك يوم النحر بعد الزوال وهو على راحلته يخطب عند ~~الجمرة، والخطبة هذه هي الخطبة الثالثة التي شرعت لتعليم ms1007 بقية المناسك، ولم ~~يكن ذلك عند رميه - صلى الله عليه وسلم - لأنه رمى في أول اليوم، ولعل بعد ~~أن رجع من مكة إلى منى. # وقوله "فقال رجل" قال المصنف (¬2) -رحمه الله-: لم أقف على اسمه بعد ~~البحث الشديد ولا على اسم أحد ممن سأل في هذه القصة، وقد وقع حديث أسامة بن ~~شريك عند الطحاوي وغيره "كان الأعراب يسألونه" فكان هذا هو السبب في عدم ~~ضبط أسمائهم. # وقوله "لم أشعر" أي لم أفطن، يقال شعرت بالشيء شعورا إذا فطنت له، وقيل ~~الشعور بمعنى العلم، ولم يذكر في هذه الرواية متعلق الشعور، وفي لفظ مسلم ~~"لم أشعر أن الرمي قبل النحر" (¬3)، وفي هذه الرواية السؤال عن شيئين ~~معينين، وقد ورد في مجموع الروايات في ذلك السؤال عن أربعة أشياء: الحلق ~~قبل الذبح، والحلق قبل الرمي، والنحر قبل الرمي، والإفاضة قبل الرمي، يعني ~~النزول إلى مكة لطواف الإفاضة، PageV05P348 # ففي حديث ابن عباس عند البخاري ذكر الثلاثة المغايرة للحلق قبل الرمي، ~~وعند الدارقطني من حديث ابن عباس السؤال عن الحلق قبل الرمي أيضا (¬1)، ~~وكذا في حديث جابر، وكذا في حديث أبي سعيد عند الطحاوي (¬2)، وفي حديث علي ~~عند أحمد السؤال عن الإفاضة قبل الحلق (¬3)، وفي حديثه عند الطحاوي السؤال ~~عن الرمي والإفاضة معا قبل الحلق، وفي حديث جابر عند البخاري معلقا -ووصله ~~ابن حبان وغيره- السؤال عن الإفاضة قبل الذبح (¬4)، وفي حديث أسامة بن شريك ~~عند أبي داود السؤال عن السعي قبل الطواف (¬5). # وقوله "اذبح ولا حرج": أي لا ضيق عليك في ذلك، وذلك أنه لما تقرر عندهم ~~أن وظائف يوم النحر بالاتفاق أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي ~~أو ذبحه، ثم الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة، فمن فعل هذه المرتبة فقد ~~أتى بالمشروع على صفته، وهذا مجمع عليه إلا أن بعض المالكية استثنى القارن، ~~فقال: لا يحلق حتى يطوف لأن عليه إحرام عمرة، والمعتمر يتأخر الحلق معه عن ~~الطواف، وهو مردود عليه بالإجماع (¬6). # والحديث يدل على أنه تسوغ المخالفة بالتقديم ms1008 والتأخير، وأن الحج لا ينقص ~~ولا يختل بذلك، واختلفوا في لزوم الدم عند المخالفة، فقال PageV05P349 # القرطبي: روي عن ابن عباس -ولم يثبت- أن من قدم شيئا على شيء فعليه دم، ~~وبلزوم الدم قال سعيد بن جبير وقتادة والحسن والنخعي وأصحاب الرأي. انتهى (¬1). # وفي نسبة ذلك إلى النخعي وأصحاب الرأي نظر فإنهم يقولون بذلك على ~~الإطلاق، وإنما ذلك من تقديم الحلق على الرمي، وهو قول أيضا للشافعي ~~وللهادي والقاسم بناء منهم على أن الحلق تحليل محظور غير نسك، قالوا: لأنه ~~يحرم بالإحرام فلا يجعل ما يحرم به نسكا كالطيب، وعلى أصلهم هذا لا يجوز ~~فعله قبل الرمي. # والحديث يدل على خلاف ذلك؛ ولعلهم يتأولون الحديث في حق الناسي والجاهل، ~~وفي اللفظ ما يدل على ذلك بقوله: لم أشعر. ويلزم دم في تقديم الحلق على ~~الذبح عند أبي حنيفة في حق المتمتع والقارن، وعند أحمد في حق العامد لا ~~الناسي والجاهل، وذهب جمهور السلف والعلماء وفقهاء أصحاب الحديث إلى الجواز ~~وعدم وجوب الدم لقوله للسائل: "لا حرج"، فهو ظاهر في رفع الإثم والفدية ~~معا، وقال الطحاوي: ظاهر الحديث يدل (أ) على التوسعة في تقديم بعض هذه ~~الأشياء على بعض، قال: إلا أنه يحتمل أن يكون قوله: "لا حرج" أي لا إثم في ~~ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسيا أو جاهلا، وأما من تعمد المخالفة فتجب ~~عليه الفدية. # وأجيب بأن وجوب الفدية تحتاج إلى دليل، ولبين ذلك النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إذ ذلك وقت الحاجة؛ ولأنه لو كان الترتيب معتبرا لأمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بالإعادة، لا سيما والوقت باق كما أن من تركه في أول وقته ~~عامدا أو PageV05P350 # ناسيا وجب عليه الفعل، وتأويلهم لقوله "لا حرج" أي لا إثم دون الفدية ~~فيلزم لو كان صحيحا للزم الفدية في الجميع ولا يقولون به. # قوله "فما سئل عن شيء. . . ." إلخ: رواية عند (أ) مسلم وأحمد "فما سمعته ~~سئل يومئذ عن أمر مما ينسى (¬1) المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض، ~~وأشباهها ms1009 إلا قال: "افعلوا ذلك ولا حرج"، احتج بهذا وبقوله "لم أشعر" من ~~قال: إن الرخصة تختص بمن نسي أو جهل لا بمن تعمد. # قال الأثرم عن أحمد: إن كان جاهلا أو ناسيا فلا شيء عليه، وإن كان عالما ~~فلا لقوله في الحديث: "لم أشعر". وأجاب بعض الشافعية بأن الترتيب لو كان ~~واجبا لما سقط بالسهو كالترتيب بين السعي والطواف بأنه لو سعى قبل أن يطوف ~~وجب إعادة السعي، وحديث أسامة الذي مر متأول بأنه السعي بعد طواف القدوم ~~قبل طواف الإفاضة مع أنه لم يقل بظاهره إلا عطاء فقال: لو لم يطف للقدوم ~~ولا لغيره وقدم السعي قبل طواف الإفاضة أجزأه. أخرجه عبد الرزاق عن ابن ~~جريج عنه، واستقوى ابن دقيق العيد قول أحمد، وقال: تختص الرخصة بما ذكر في ~~السؤال، وتبقى حالة العمد على أصل وجوب الإتباع في الحج، وأيضا فالحكم إذا ~~رتب على وصف يمكن أن يكون معتبرا لم يجز اطراحه، وعدم الشعور وصف مناسب ~~لعدم المؤاخذة، وقد علق به الحكم فلا يمكن اطراحه بإلحاق العمدية إذ لا ~~تساويه، وما وقع في كلام الراوي من قوله: "فما سئل عن شيء. . . ." إلخ لا ~~عموم فيه إذ الظاهر أن الشيء مقيد بالقرينة، PageV05P351 # وهي الأمور التي لم يشعر بها. # واعلم أنه اختلف في الحلق هل هو نسك أو تحليل محظور، فذهب إلى الأول ~~الناصر والمؤيد وأبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، والحجة على ذلك قوله ~~تعالى: {محلقين رءوسكم} (¬1) قالوا: لأن الآية واردة مورد الثناء على ~~الفاعلين لذلك فاستحقوا على ذلك الثواب فدل على أنه نسك فلو كان استباحة ~~محظور لكان مباحا لا يستحقون عليه الثواب، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين مرة. تقدم. # وحجة الثاني هو أن الحلق إنما حرم بالإحرام فلا يكون نسكا كالطيب، وفرعوا ~~الخلاف في لزوم الدم على هذا، فعلى الأول إذا فعل قبل الرمي لا دم عليه، ~~وعلى الثاني يلزم الدم، وقد يقال عليه هذا غير لازم إذ يجوز أن يكون نسكا ~~مترتبا ms1010 فعله على فعل الرمي كالسعي المترتب على طواف (أ) القدوم مع أن مالكا ~~مصرح بأنه نسك ويوجب الدم على من قدمه على الرمي، والله أعلم. # 601 - وعن المسور بن مخرمة - رضي الله عنه - "أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك". رواه البخاري (¬2). # هو أبو عبد الرحمن المسور بن مخرمة الزهري القرشي، وهو ابن أخت عبد ~~الرحمن بن عوف، ولد بمكة بعد الهجرة بسنتين، وقدم به المدينة في ذي الحجة ~~سنة ثمان، وهو أصغر من ابن الزبير بأربعة أشهر، وقبض النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو ابن ثماني سنين، وسمع منه وحفظ عنه، وحدث عن PageV05P352 # عمر، وعبد الرحمن بن عوف، وكان فقيها من أهل الفضل والدين، ولم يزل ~~بالمدينة إلى أن قتل عثمان، وانتقل إلى مكة فلم يزل بها حتى مات معاوية، ~~وكره بيعة يزيد فلم يزل مقيما بها إلى أن نفذ يزيد عسكره وحاصر مكة وبها ~~ابن الزبير فأصاب المسور حجر من حجار المنجنيق وهو يصلي في الحجر فقتله، ~~وذلك في (أ) مستهل ربيع الأول سنة أربع وستين (¬1). # روى عنه عروة بن الزبير وعلي بن الحسين زين العابدين وعبيد الله بن عبد ~~الله بن عتبة وأبو أمامة سهل بن حنيف وابن أبي مليكة، والمسور بكسر الميم ~~وسكون المهملة وفتح الواو، ومخرمة بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الراء. # والحديث فيه دلالة على تقديم النحر قبل الحلق، وهذا الواقع من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لما أحصر في عمرة الحديبية فتحلل - صلى الله عليه ~~وسلم - بالذبح، وبوب البخاري على هذا باب النحر قبل الحلق في الحصر، وقد ~~أشار البخاري إلى أن هذا الترتيب مختص بالحصر على جهة الوجوب ولم يتعرض لما ~~يلزم من قدم الحلق على النحر. # وقد أخرج ابن أبي شيبة عن علقمة أنه يلزم الدم في ذلك ومثله عن ابن عباس، ~~وأما غير المحصر فقد تقدم الكلام عليه، وظاهر فعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأمره بذلك وجوب الهدي على المحصر وهو ms1011 المطابق لقوله تعالى {فإن ~~أحصرتم فما استيسر من الهدي} (¬2). # 602 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله PageV05P353 # - صلى الله عليه وسلم -: "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب وكل شيء إلا ~~النساء" # رواه أحمد وأبو داود (¬1) بإسناد ضعيف. # لفظ أحمد وأبي داود: "إذا رمى أحدكم جمرة العقبة فقد حل له كل شيء إلا ~~النساء". وفي رواية لأحمد "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم الطيب والثياب وكل ~~شيء إلا النساء". # وفي رواية للدارقطني: "إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء" ~~(¬2) ومداره على الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف ومدلس، وقال أحمد: كان من ~~الحفاظ، وقال أبو حاتم: صدوق مدلس (¬3)، وقال البيهقي (¬4): إنه من ~~تخليطاته، قال البيهقي (¬5): وقد روى هذا في حديث لأم سلمة مع زيادة لم يقل ~~بها أحد من الفقهاء وهو "إذا رميتم الجمرة ونحرتم الهدي إن كان لكم فقد ~~حللتم من كل شيء حرمتم منه إلا النساء حتى تطوفوا بالبيت، فإذا أمسيتم ولم ~~تفيضوا صرتم حرما كما كنتم أول مرة حتى تفيضوا البيت". # وذكر ابن حزم أن هذا مذهب عروة بن الزبير. # والحديث فيه دلالة على حصول التحلل بالرمي والحلق، وأنه لا بد من مجموع ~~الأمرين، والظاهر أنه مجمع على الرمي وحده وعلى الخلاف في الحلق وحده، وأنه ~~لا قائل بمجموع الأمرين فتحمل الرواية بالجمع مع PageV05P354 # ضعفها أن هذا هو الأحسن أن يفعل الحلق بعد الرمي وإن لم يكن لازما. # وقوله "فقد حل لكم الطيب": هذا هو قول الأكثر، والخلاف في ذلك لمالك فقال ~~لا يحل الطيب. وهو مردود عليه بهذا وغيره كما ثبت في حديث عائشة من (أ) ~~أنها طيبت النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الرمي قبل الطواف (¬1)، وذهب ~~الليث إلى أنه لا يحل الصيد إلا بعد طواف الإفاضة، وهو كذلك مردود عليه ~~بالحديث، ولا خلاف أن الوطء لا يحل ما لم يوجد التحلل الثاني، لكن المستحب ~~ألا يطأ حتى يرمي أيام التشريق. # قال الرافعي: وفي عقد النكاح والمباشرة فيما دون الفرج كالقبلة ms1012 والملامسة ~~وقتل الصيد قولان أحدهما أنها تحل، أما في غير الصيد فلأنهما محظوران ~~للإحرام لا تفسدانه فأشبها الحلق والقلم، وأما في الصيد فلأنه لم يستثن في ~~الحديث إلا النساء، والثاني: لا يحل أما في غير الصيد فلتعلقهما بالنساء، ~~وأما في الصيد فلقوله تعالى: {لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم} (¬2) والإحرام باق. # 603 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "ليس على النساء حلق وإنما يقصرن" (¬3) رواه أبو داود بإسناد حسن، ~~وقوى الإسناد أبو حاتم في "العلل" (¬4) والبخاري في "التاريخ" (¬5)، PageV05P355 # وأعله ابن القطان ورد عليه ابن المراق فأصاب. # والمراد أنه لا يستحب في حقهن ذلك، وأن الأفضل هو التقصير فإن فعلت الحلق أجزأ. # 604 - وعن ابن عمر - رضي الله عنه - "أن العباس بن عبد المطلب استأذن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته ~~فأذن له" متفق عليه (¬1). # الحديث فيه دلالة على أن المبيت بمنى من واجبات الحج، وأن الترخيص إنما ~~وقع للعباس لأجل العذر المذكور، فإذا لم يوجد العذر فلا رخصة في ذلك، وهذا ~~مذهب الجمهور، وفي قول للشافعي ورواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفية، أنه سنة ~~فلا يجب دم بتركه، وعلى الأول يجب الدم، وهذا الإذن للعباس - رضي الله عنه ~~- قال بعضهم: يختص به ولا يتعدى الحكم إلى غيره، وقيل يدخل معه آله، وقيل ~~فريقه وهم بنو هاشم، وقيل كل من احتاج إلى السقاية فله ذلك ثم قيل أيضا: ~~يختص الحكم بسقاية العباس حتى لو علمت سقاية لغيره لم يرخص لصاحبها في ~~المبيت لأجلها، ومنهم من عمه وهو (أ) الصحيح في الموضعين، والعلة في ذلك ~~إعداد الماء للشاربين، وهل يختص ذلك بالماء أو يلتحق به ما في معناه من ~~الأكل وغيره؟ جزم الشافعي وغيره بإلحاق من له مال يخاف (ب) ضياعه أو أمر ~~يخاف فوته أو مرض يحتاج إلى من يقوم به ومثله PageV05P356 # ذكر الإمام يحيى والأمير الحسين في "الشفا": أن ذلك يدخل فيه من اشتغل ~~بمصلحة عامة ms1013 للمسلمين أو أمر يختص به، والجمهور قالوا يلحق بأهل السقاية ~~رعاة الإبل خاصة، وسيأتي الكلام عليه، وظاهر الحديث أنه لا يجب الدم مع هذا ~~العذر إذ لو وجب لبين، ولم يؤخر البيان عن وقت الحاجة. # وفي الحديث دلالة على شرعية استئذان الكبراء والأمراء فيما يطرأ من ~~الأحكام والمصالح، والمراد بأيام منى ليلة الحادي عشر والليلتين بعده، ~~والله أعلم. # فائدة: كانت السقاية من ماء زمزم يغترفونه (أ) بالليل ويجعلونه في الحياض ~~مسبلا للشاربين وغيرهم يجعلون بينه الزبيب ليتطيب به الماء، وكانت السقاية ~~للعباس في الجاهلية، وأقرها النبي - صلى الله عليه وسلم - له، وأخرج مسلم ~~"أنه قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - على راحلته وخلفه أسامة، فاستسقى ~~فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة، وقال: أحسنتم وأجملتم (¬1)، ~~هكذا فاصنعوا فهي حق لآل العباس - رضي الله عنه -". # 605 - وعن عاصم بن عدي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - "رخص لرعاة الإبل في البيتوتة عن منى يرمون يوم النحر ثم يرمون ~~ليومين ثم يرمون يوم النفر" رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن حبان (¬2). PageV05P357 # الحديث رواه أيضا مالك والشافعي عنه وأحمد والحاكم كلهم من حديث أبي ~~البداح عن عاصم ابنه، أو عن عدي أبيه على اختلاف في ذلك، وأبو البداح ذكره ~~ابن حبان في التابعين قال: وقد يقال إن له صحبة، وفي القلب منه شيء لكثرة ~~الاختلاف في إسناده، وفي الباب عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - رخص للرعاء أن يرموا بالليل وأية ساعة شاءوا ~~من النهار" رواه الدارقطني (¬1) وإسناده ضعيف. # وعن ابن عمر رواه البزار بإسناد حسن والحاكم والبيهقي (¬2). # وفيه دلالة على الترخيص لرعاة الإبل في البيتوتة، وفي تقديم الرمي عن ~~وقته للعذر. # 606 - وعن أبي بكر - رضي الله عنه - قال: "خطبنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم النحر" الحديث متفق عليه (¬3). # في الحديث دلالة على شرعية الخطبة يوم النحر -وقد تقدم ذلك ولفظه - صلى ~~الله عليه وسلم -: "أتدرون أي ms1014 يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم فسكت حتى ~~ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى قال: أي شهر ~~هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه PageV05P358 # بغير اسمه، قال: أليس ذو الحجة؟ قلنا: بلى، قال: أي بلد هذا؟ قلنا الله ~~ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أن سيسميه بغير اسمه، قال: أليست بالبلد ~~الحرام؟ قلنا: بلى قال: فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في ~~شهركم هذا في بلدكم هذا إلى يوم تلقون ربكم، ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم، قال: ~~اللهم فاشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فرب مبلغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا ~~بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض" أخرجه البخاري. # وأخرج نحوه من حديث ابن عباس (¬1)، ومن حديث ابن عمر مصرح (¬2) بذكر يوم ~~النحر إلا في لفظ لابن عمر فقال: "أيام منى". # وأخرج أحمد (¬3) من طريق أبي حمزة الرقاشي عن عمه قال "كنت آخذا بزمام ~~ناقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في أوسط أيام التشريق إذ ورد عنه ~~الناس. . . ." فذكر نحو حديث أبي بكرة. # وقوله "أوسط أيام التشريق" تدل على وقوع ذلك في اليوم الثاني أو الثالث، ~~والجمع بين الروايتين بأنه تكرر ذلك منه - صلى الله عليه وسلم - في ~~اليومين. # وفي قوله "خطبنا": دلالة على أنها خطبة مشروعة، وفي ذلك الرد على من قال ~~ليست بخطبة مشروعة، وإنما هي من الوصايا العامة لا على (أ) أنها مشروعة في ~~الحج كما قالت (ب) المالكية والحنفية إن خطب الحج ثلاث سابع ذي الحجة، ويوم ~~عرفة بها، وثاني يوم النحر بمنى، PageV05P359 # وخالفهم الشافعي فزاد الرابعة يوم النحر، وقال: الخطبة ليست في ثاني ~~وإنما هي في ثالثه لأنه أول النفر. # وقال الطحاوي: إنه لم يبين - صلى الله عليه وسلم - في يوم (أ) النحر شيئا ~~مما يتعلق بالحج، وإنما ذكر فيها وصية عامة فعرفنا أنها لم يقصد لأجل الحج، ~~وأجيب بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نبه في الخطبة المذكورة على تعظيم ~~يوم النحر، وعلى تعظيم شهر ذي ms1015 الحجة وعلى تعظيم البلد الحرام، وقد جزم ~~الصحابة بتسميتها خطبة مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكر الوصية ~~العامة في خطبة يوم عرفة، وفي خطبة ثاني النحر كما في رواية ابن ماجه في ~~خطبة عرفة من حديث ابن مسعود (¬1)، وعند أحمد من حديث نبيط بن شريط مع أنه ~~قال في خطبة يوم النحر: "خذوا عني مناسككم" (¬2) والله أعلم. # 607 - وعن سراء بنت نبهان قالت: "خطبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يوم الرؤوس، فقال: أليس هذا أوسط أيام التشريق" الحديث رواه أبو داود (¬3) ~~بإسناد حسن. # سراء بفتح السين وتشديد الراء والمد، ونبهان بفتح النون وسكون الباء ~~الموحدة، روى عنها ربيعة بن عبد الرحمن الغنوي. # الحديث فيه دلالة على شرعية الخطبة في اليوم الثاني من أيام النحر، وهي ~~الخطبة الرابعة كما تقدم، وقوله "يوم الرؤوس" المراد به ثاني النحر ~~بالاتفاق. PageV05P360 # وقوله " أوسط أيام التشريق" أي أفضل أيام التشريق، ويحتمل أن يكون المراد ~~أنه متوسط فيها، فيدل ذلك على أن يوم النحر منها، ولفظ حديثها قالت: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "أتدرون أي يوم هذا؟ -قالت وهو ~~اليوم الذي تدعون يوم الرؤوس- قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا أوسط (أ) ~~أيام التشريق (¬1) أتدرون أي بلد هذا؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا ~~المشعر الحرام، ثم قال: إني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد هذا، ألا وإن ~~دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا حتى ~~تلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فليبلغ أدناكم أقصاكم، ألا هل بلغت" ~~فلما قدمنا المدينة لم يلبث إلا قليلا حتى مات - صلى الله عليه وسلم -. # 608 - وعن عائشة - رضي الله عنها - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لها: "طوافك بالبيت وبين الصفا والمروة يكفيك لحجك وعمرتك" رواه مسلم (¬2). # الحديث فيه دلالة على أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد للحج والعمرة، ~~وهذا ذهب إليه الشافعي وأصحابه ومالك وأحمد وإسحاق وداود، وهو محكي عن ابن ~~عمر وجابر وعائشة، وذهب أبو حنيفة ms1016 وأصحابه وزيد بن علي والهادي والناصر، ~~وهو محكي عن علي - رضي الله عنه - ورواه عن فعل (ب) النبي، - صلى الله عليه ~~وسلم -، وعن ابن مسعود والشعبي PageV05P361 # والنخعي إلى أنه لا بد من طوافين وسعيين قالوا لقوله تعالى: {وأتموا الحج ~~والعمرة لله} (¬1) وأجيب عن ذلك بأنه لا دلالة في الآية على ذلك إذ التمام ~~حاصل، وإن كفى لهما طواف واحد، والأحاديث متضافرة على نحو حديث عائشة من ~~رواية ابن عمر وجابر وغيرهما. # واعلم أنه يرد على هذا الحديث المعارضة بما روي من حديثها أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أعمرها من التنعيم، وأمر أخاها عبد الرحمن أن يردفها ~~وانتظرها بالمحصب، قالت (أ): ينصرف الناس بحجة وعمرة وأنا أنصرف بحجة (¬2). # والجواب عن ذلك بما ثبت من مجموع روايات في الصحيحين أن عائشة - رضي الله ~~عنها - كانت من جملة من أحرم بالحج أولا ثم أمرت بنسخ الحج إلى العمرة ثم ~~تعذر عليها التحلل بأعمال العمرة لما نفست فأمرها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن ترفض العمرة وتغسل رأسها وتحرم بالحج، ثم لما طهرت بعرفات أتمت ~~الحج وطافت وسعت فقال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، وأنه يكفيها ~~الطواف والسعي للحج والعمرة، وذلك لأن العمرة لما أحرمت بالحج قبل التحلل ~~من العمرة فصدق عليها أنها أولا متمتعة عند أن (ب) فسخت الحج وأحرمت ~~بالعمرة كما فعل غيرها من أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وسائر ~~أصحابه، فلما تعذر التحلل منها وأحرمت بالحج صارت قارنة فكفاها الطواف ~~والسعي. PageV05P362 # وقولها "أينصرف الناس بحج وعمرة" أرادت بذلك أينصرفون بحج مفرد وعمرة ~~منفردة، وهي لم تفردهما فأمرها بإفراد العمرة من التنعيم ليكون لها ما ~~لغيرها. # وقولها "أينصرف الناس" ولم تقل أتنصرف أنت دليل على أنها قد وافقته في ~~القرآن بينهما، وفاتها ما فعل الناس، وقد تبين لها أن ما فعله الناس أفضل ~~في حقهم لموافقتهم لما أمر به النبي - صلى الله عليه وسلم - من التحلل ~~بالعمرة مفردة، فحصل بما قلناه الجمع بين الروايات التي ظاهرها الاختلاف ~~(¬1)، وكان ms1017 حيضها يوم السبت عاشر ذي الحجة، وهو يوم النحر، وهذا قول محمد ~~بن حزم، وأخرج مسلم عنها (¬2) أن حيضها كان بسرف قبل دخولهم مكة، وبين سرف ~~ومكة قيل ستة أميال، وقيل سبعة، وقيل تسعة، وقيل عشرة، وقيل اثنا عشر ميلا، ~~وفي رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم أن دخول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- عليها وشكواها ذلك له كان يوم التروية (¬3)، ووقع عند مسلم من طريق مجاهد ~~عن عائشة أن طهرها كان بعرفة (¬4)، وفي رواية القاسم عنها طهرت صبيحة ليلة ~~عرفة، وأنها تطهرت بمنى (¬5) واتفقت الروايات كلها على أنها طافت طواف ~~الإفاضة يوم النحر ويرد على هذا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس ~~بأن يرفضوا الحج إلى العمرة بمكة، وقد روى عنها القاسم وعمرة والأسود (¬6) ~~أنهم لم يكونوا يعرفون غير الحج عند من أهلوا من الميقات حتى أمرهم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بالتحلل، وهذا PageV05P363 # حيضها كان بسرف (¬1)، وأجيب عن ذلك بأنه روى عروة وجابر وطاوس ومجاهد ~~عنها (¬2) أنها كانت محرمة بعمرة عند إن حاضت، ورواته هو الأرجح من حيث إن ~~فيهم جابرا، وهو حاضر وقت ذلك، والجواب أنه لا مخالفة حينئذ بين الروايات، ~~فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان خيرهم وهم بسرف بين البقاء على الحج ~~وفسخه إلى العمرة، ثم أمرهم أمرا جازما بعد دخوله إلى مكة بعائشة لشدة ~~فهمها لما قصده النبي - صلى الله عليه وسلم - وإدراكها لجودة فطنتها ونور ~~بصيرتها ما ينتهى إليه الأمر من العزيمة بذلك سارعت برفض الحج والإحرام ~~بالعمرة وهي بسرف ظاهرا وعزمت على الطواف والسعي ثم حصل معها المانع من ~~التحلل وخشيت فوات الحج فأمرها برفض العمرة أي تأخير أعمالها عن أعمال ~~الحج، والإحرام بالحج، وبهذا التأويل يندفع الإشكال وتلتئم الأحاديث التي ~~ظاهرها الاختلاف، وفي هذه القصة دلالة على أن المتمتعة والقارنة إذا رفضتا ~~العمرة التي بعد الحج فهما باقيتان على حكمهما، وأن ذلك تأخير لا رفض في ~~الحقيقة، وظاهر قصة عائشة أنه لا يجب الدم إذ لم يذكر ms1018 في شيء من الروايات ~~أنه أمرها بالدم، والله أعلم. # 609 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم يرمل في السبع التي أفاض فيه" رواه الخمسة إلا الترمذي وصححه الحاكم ~~(¬3). PageV05P364 # وفي معناه حديث ابن عمر في الصحيحين "رأيت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا طاف في الحج والعمرة أول ما قدم فإنه يسعى ثلاثة أشواط بالبيت ~~ويمشي أربعا" (¬1). # والحديث فيه دلالة على أنه لا يشرع الرمل في طواف الزيارة، وهو مذهب ~~الجمهور، وفي أحد قولي الشافعي أنه إذا لم يرمل في طواف القدوم أو لم يضطبع ~~فيه فعل ذلك في طواف الإفاضة، والجواب أنه لا دليل على ذلك فيقتصر على ~~الدليل، والسبع بضمتين والإسكان تخفيف جزء من سبعة أجزاء والجمع أسباع، ~~وفيه لغة ثالثة سبيع مثل كريم كذا في المصباح. # 610 - وعن أنس - رضي الله عنه - "أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ~~الظهر والعصر والمغرب والعشاء ورقد رقدة بالمحصب ثم ركب إلى البيت فطاف به" ~~رواه البخاري (¬2). # الحديث فيه دلالة على أنه يشرع فعل الصلوات المذكورة والنزول بالمحصب ~~والمحصب بحاء وصاد مهملتين ثم باء موحدة هو: الأبطح، وهو ما انبطح من ~~الوادي واتسع، وهو خيف بني كنانة، وأصل الخيف ما انحدر عن الجبل وارتفع عن ~~المسيل، وحده ما بين الجبلين إلى المقبرة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رمى الجمار في يوم النفر بعد الزوال، وأخر صلاة الظهر حتى وصل المحل ~~المذكور فصلى فيه، واختلف في التحصيب هل هو مستحب فعله النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لأجل ذلك، أو هو غير مستحب وفعله النبي PageV05P365 # - صلى الله عليه وسلم - اتفاقا أو لغرض آخر غير الاستحباب فذهب إلى أنه ~~سنة ابن عمر قال نافع: "وقد حصب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء ~~بعده، وأراد (أ) ابن عمر التأسي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في جميع ~~أفعاله، وهذا من جملتها، وذهب ابن عباس وعائشة إلى أنه ليس من المناسك ~~المستحبة، ولعلهما أرادا أنه ليس من المناسك ms1019 التي تلزم في تركها لازم لا ~~أنه لا يقتدي بالنبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك، وإن كان ظاهر كلام ابن ~~عباس في قوله "ليس التحصيب بشيء إنما هو منزل نزله رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -" (¬1)، وقول عائشة "والله ما نزلها إلا من أجلي" (¬2) إن ذلك ~~ليس بمستحب، وإنما هو من ضروريات الجبلة التي لا يتأسى فيها، ولكنه يرد ~~عليهما اعتياد الخلفاء لذلك (¬3)، فإنه لولا فهم الشرعية لما واظبوا على ~~ذلك، ولأبانوا للناس أنه ليس بمشروع، وذهب مالك والشافعي والجمهور إلى ~~استحبابه، وأنه لا شيء على تركه إجماعا، والله أعلم. # 611 - وعن عائشة -رضي الله عنها- "أنها لم تكن تفعل ذلك -أي النزول ~~بالأبطح- وتقول: إنما نزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان منزلا ~~أسمح لخروجه" رواه مسلم (¬4). # قولها "أسمح" أي أسهل لخروجه من مكة راجعا إلى المدينة وقيل إن الحكمة في ~~نزوله - صلى الله عليه وسلم - إظهار لشكر نعمة الله -تعالى- عليه، وعلى PageV05P366 # المؤمنين حيث أظهره على عدوه وأتم له نوره ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون، فإن خيف بني كنانة هو المحل الذي تقاسم قريش وتعاهدوا على إخراج ~~بني هاشم وبني المطلب من مكة إليه وكتبوا بينهم الصحيفة المشهورة وكتبوا ~~أنواعا من الباطل وقطيعة الرحم فأرسل الله -تعالى- الأرضة فأكلت كل ما فيها ~~من كفر وقطيعة رحم وباطل وتركت ما فيه من ذكر الله -تعالى- فأخبر جبريل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك فأخبر به عمه أبا طالب فجاء إليهم أبو ~~طالب فأخبرهم عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجدوه كما أخبر، والقصة ~~مشهورة، ومن هذا يؤخذ الاستحباب لنزوله إذ النعمة عامة للأمة إلى يوم ~~القيامة. # 612 - وعن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم ~~بالبيت إلا أنه خفف على الحائض" متفق عليه (¬1). # قوله "أمر" بتغيير الصيغة كذا في رواية عبد الله بن طاوس والمراد بالفاعل ~~المحذوف هو النبي، - صلى الله عليه وسلم -، وكذا قوله "خفف على الحائض". # وقد رواه سفيان أيضا عن سليمان ms1020 الأحول عن طاوس وصرح فيه بالرفع ولفظه عن ~~ابن عباس كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" أخرجه مسلم وأحمد (¬2) ~~وهذا يدل على وجوب طواف الوداع، وقد قال به الجمهور من السلف والخلف، وذهب ~~إليه الهادي وأبو حنيفة والشافعي وأحمد، والخلاف في ذلك للناصر ومالك وابن ~~المنذر، وقول للشافعي قالوا: لأنه PageV05P367 # لو كان واجبا لما خفف عن الحائض كغيره من سائر المناسك، والجواب أن ~~التخفيف دليل الوجوب إذ لو كان غير واجب لما أطلق عليه لفظ التخفيف، ومن ~~ودع ثالث النحر أجزأه إجماعا إن نفر، ومذهب الهادوية والشافعي لا يجزئ ~~التوديع يوم النحر لقوله - صلى الله عليه وسلم - "فإنه آخر نسك في الحج" ~~ولم يكن حينئذ آخر نسك ويلزم على هذا أن لا يصح في ثاني النحر. # وقال العثماني من أصحاب الشافعي: إنه يجزئ يوم النحر إذ هو مشروع ~~للمفارقة وهذا قد فارق، والجواب أنه مشروع بعد استيفاء المناسك ولو بقي بعد ~~أن طاف، واشتغل بشراء زاد أو صلاة جماعة لم يعده، وذهب عطاء إلى أنه يعيده، ~~وقال الشافعي وأحمد إذا أقام بعده لتمريض أو نحوه أعاده، قلنا إن أقام أياما. # وقال أبو حنيفة: لا يعيد ولو أقام شهرين ولا يلزم المعتمر لفعل علي وابن ~~عمر وعائشة. ولأن الدليل لم يرد إلا في الحاج، وقال الثوري يجب على المعتمر ~~وإلا لزمه دم، وكذا لا يلزم من فسد حجه إذ شرع للمفارقة وهو يجب عليه ~~العود، وكذا المكي ومن ميقاته داره إذ هو للتوديع وهما مقيمان، وكذا من ~~أراد الإقامة بمكة. # وقوله "إلا أنه خفف على الحائض" فيه دلالة على عدم وجوبه عليها وأنه لا ~~يجب الانتظار حتى تطهر ولا دم عليها إذ الظاهر أنه ساقط من أصله، وقد ذهب ~~إلى هذا الجمهور من السلف والخلف، والخلاف مروي عن عمر وابنه وزيد بن ثابت. # قال ابن المنذر: قال عامة فقهاء الأمصار: ليس على الحائض التي قد أفاضت ms1021 ~~طواف وداع روينا عن عمر بن الخطاب، وابن عمر، وزيد بن ثابت أنهم أمروها ~~بالمقام إذا كانت حائضا لطواف الوداع فكأنهم أوجبوه PageV05P368 # عليها بعد طواف الإفاضة إذ لو حاضت قبله لم يسقط عنها، وقد ثبت رجوع ابن ~~عمر وزيد بن ثابت - رضي الله عنهما -، وبقي عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة ~~قالت: "حاضت صفية بنت حيي بعدما أفاضت قالت فذكرت ذلك لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: أحابستنا هي؟ قلت: يا رسول الله إنها قد أفاضت ~~وطافت بالبيت ثم حاضت بعد الإفاضة، قال: فلتنفر إذا" (¬1) انتهى. # وقد أخرج أبو داود أن الحارث بن عبد الله بن أوس (أ) الثقفي سأل عمر عن ~~المرأة تطوف بالبيت يوم النحر ثم تحيض قال: "ليكن آخر عهدها بالبيت" فقال ~~الحارث: كذلك أفتاني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2). # وقد أخرجه أحمد والنسائي والطحاوي (¬3)، وقال الطحاوي: وحديث عائشة وحديث ~~أم سليم، وكذا حديث ابن عباس ناسخ لهذا إن كان هذا في حجة الوداع، وقد احتج ~~ابن عباس على زيد بن ثابت وقال: سل أم سليم وصواحبها هل أمرهن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بذلك فسألهن، فقلن: قد أمرنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بذلك (¬4)، وللنسائي "فرجع وهو يضحك، فقال الحديث كما حدثتني". # 613 - وعن ابن الزبير - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد ~~الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي PageV05P369 # بمائة صلاة". رواه أحمد وصححه ابن حبان (¬1). # وأخرجه بهذا اللفظ أيضا الطيالسي وعبد بن حميد وابن زنجويه وابن خزيمة ~~والطحاوي والطبراني في الكبير والبيهقي في شعب الإيمان والضياء. # وقد اختلف عن ابن الزبير في رفعه ووقفه، قال ابن عبد البر (¬2): ومن رفعه ~~أحفظ. ومثله لا يقال من قبل الرأي. قال ابن حزم (¬3): ورواه ابن الزبير عن ~~عمر بن الخطاب بسند كالشمس من الصحة، ولا مخالف لهما من الصحابة فصار ~~كالإجماع، وقد روي بألفاظ كثيرة ms1022 عن جماعة من الصحابة وعددهم فيما اطلعت ~~خمسة عشر صحابيا وهم: أنس، وجابر، وابن عمر، وأبو هريرة، وأبو الدرداء، وأم ~~الدرداء، وعائشة، وابن الزبير، وجبير بن مطعم، وميمونة أم المؤمنين، وسعد ~~بن أبي وقاص، والأرقم، وأبو سعيد، وأبو ذر، وعمر بن الخطاب، والألفاظ فيها ~~اختلاف ولنذكر الألفاظ الواردة وهي: # "صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد ~~الحرام" أخرجه الطيالسي وأحمد وابن أبي شيبة وابن منيع والروياني وابن ~~خزيمة والطبراني في الكبير وأبو نعيم والضياء عن جبير بن مطعم (¬4). # وابن أبي شيبة والطيالسي وأحمد ومسلم وابن ماجه والنسائي عن PageV05P370 # ابن عمر (¬1). # وأحمد والبخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن حبان عن أبي ~~هريرة (¬2). # وابن أبي شيبة ومسلم والنسائي عن ابن عباس عن ميمونة أم المؤمنين (¬3). # وأحمد وأبو يعلى والضياء عن سعد بن أبي وقاص (¬4). # والشيرازي في "الألقاب" عن عبد الرحمن بن عوف. # وابن أبي شيبة عن عائشة (¬5). # وأحمد وأبو عوانة والطبراني في الكبير والحاكم والبارودي وابن قانع ~~والضياء عن يحيى بن عيزار عن عثمان بن الأرقم الأرقمي عن عمه عبد الله بن ~~عثمان، وعن أهل بيته عن جده عثمان بن الأرقم عن الأرقم PageV05P371 # "صلاة في مسجدي هذا تعدل ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد ~~الحرام فهو أفضل" (¬1). # أخرجه البيهقي وابن زنجويه عن ابن عمر: "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف ~~صلاة إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة ألف صلاة ~~فيما سواه". # أخرجه أحمد وابن ماجه والطحاوي والشاشي وابن زنجويه والضياء عن جابر: ~~"صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد ~~الحرام، فإني آخر الأنبياء، إن (أ) مسجدي آخر المساجد" (¬2). # أخرجه مسلم والنسائي عن أبي هريرة "صلاة في هذا المسجد أفضل من مائة صلاة ~~في غيره إلا المسجد الحرام" (¬3). # أخرجه أبو يعلى والطحاوي وابن حبان والضياء عن أبي سعيد: "صلاة في مسجدي ~~تزيد على سواه من المساجد ألف صلاة غير المسجد الحرام". ms1023 # أخرجه الطبراني في الكبير عن جبير بن مطعم "صلاة في مسجدي هذا أفضل من ~~أربع صلوات في بيت المقدس ولنعم المصلى، وليوشكن أن يكون للرجل (ب) مثل بسط ~~فرشه من الأرض حيث يرى منه بيت المقدس PageV05P372 # خير له من الدنيا جميعا" (¬1). # أخرجه الحاكم عن أبي ذر: "صلاة في مسجد المدينة أفضل من ألف صلاة فيما ~~سواه" (¬2). # الطحاوي عن عمر. # "صلاة في مسجدي أفضل من أربع صلوات في بيت المقدس، ولنعم المصلى في أرض ~~المحشر والمنشر، وليأتين على الناس زمان ولقيد سوط الرجل حيث يرى منه بيت ~~المقدس خير له من الدنيا جميعا" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان عن أبي ذر (¬3). # "صلاة في المسجد الحرام مائة ألف صلاة، وصلاة في مسجدي ألف صلاة وصلاة في ~~بيت المقدس خمسمائة صلاة" أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، والخطيب في المتفق ~~والمفترق عن جابر (¬4)، وفيه إبراهيم بن أبي حية واه. # وأخرج حديث أبي الدرداء أحمد والطبراني في الكبير بسند حسن. # وحديث أم الدرداء أخرجه ابن عساكر في الإيجاز. # ولفظ حديث أبي الدرداء "الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، والصلاة ~~في مسجدي بألف صلاة، والصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة" (¬5). # وحديث أنس لفظه: "صلاة الرجل في بيته بصلاة، وصلاته في PageV05P373 # مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة، وصلاة في المسجد الذي يجمع فيه بخمسمائة ~~صلاة، وصلاته في المسجد الأقصى خمسة آلاف صلاة، وصلاته في مسجدي هذا بخمسين ~~ألف صلاة، وصلاته في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة" أخرجه ابن ماجه وابن ~~زنجويه وابن عدي وابن عساكر، وإسناده ضعيف (¬1). # وهذه الأحاديث وإن كان في بعضها ضعف، ولكنها يقوي بعضها بعضا، دالة ~~بمجموعها على قدر مشترك، وهي أفضلية المساجد الثلاثة على غيرها من مساجد ~~الأرض وتفاضلها فيما بينها، وأكثر هذه الألفاظ المتقدمة تدل على أفضلية ~~مكة، فإن الظاهر أن أفضلية المسجد لأفضلية المحل (¬2). # قال القاضي عياض -رحمه الله تعالى (¬3) -: إن موضع قبره - صلى الله عليه ~~وسلم - أفضل بقاع الأرض، وإن مكة والمدينة أفضل بقاع أرض. # واختلفوا في أفضلهما ما عدا ms1024 موضع قبره - صلى الله عليه وسلم - فقال أهل ~~مكة والكوفة والشافعي وابن وهب وابن حبيب المالكيان إن مكة أفضل، ويحتج على ~~ذلك بحديث عبد الله بن عدي بن الحمراء أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو واقف على راحلته بمكة يقول: "والله إنك لخير أرض الله، وأحب أرض الله ~~إلى الله (أ)، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت" رواه الترمذي PageV05P374 # والنسائي (¬1). # قال الترمذي: وهو حديث حسن صحيح. # وذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى أن المدينة أفضل، وقد ~~تقدم في هذا بحث في آخر الاعتكاف. # واعلم أنه قد قيل في قوله في تفضيل مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~على غيره من المساجد إن المساجد المراد بها المعهودة، وهي مساجد الأنبياء ~~كما نقله الطبري عن أبي حاتم، فالألف واللام لمعهود، ويدل على قصد العهد ما ~~وقع في حديث الأرقم لما ودع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال إنه يريد ~~بيت المقدس، فأجاب عليه بأن (أ) الصلاة في مسجده تزيد على غيره بألف (¬2) ~~فدل على أنه - صلى الله عليه وسلم - قصد بالغير بيت القدس، فعلى هذا فالعدد ~~المذكور في زيادة الصلاة في مسجده إنما هو بالنظر إلى القدر الذي فضل به ~~صلاة بيت المقدس مثلا، وقد ذكر في ذلك ألفاظ مختلفة إن الصلاة في بيت ~~المقدس بخمسمائة، وإن الصلاة فيه بألف، وإن الصلاة فيه بخمسة آلاف ولا ~~منافاة في العدد القليل والكثير إذ الواجب اطراح مفهوم العدد والعمل ~~بالمصرح به (ب)، فيتعين الأكثر، فحيئنذ الصلاة في مسجد المدينة تزيد على ~~الصلاة في بيت المقدس بألف صلاة وهي في بيت المقدس بخمسة آلاف فتكون الصلاة ~~في مسجد المدينة بخمسين ألفا يعني PageV05P375 # إذا كانت في بيت المقدس بخمسمائة لا (أ) إذا كانت في بيت المقدس بخمسة ~~آلاف، والصلاة في المسجد الحرام تزيد عليه بمائة صلاة فتكون بخمسمائة ألف ~~ألف صلاة، والفضيلة متناولة للمسجد الكائن في زمنه - صلى الله عليه وسلم - ~~بلا شك. # قال النووي (¬1): ويقتصر عليه دون ما زيد فيه فلا ms1025 يكون له ذلك الحكم قال ~~لقوله "في مسجدي" بالإضافة وهي للعهد إلا أنه قد يقال فائدة الإضافة ~~الدلالة على اختصاصه دون غيره من سائر المساجد التي في المدينة لا للاحتراز ~~عما زيد فيه، وقد سئل مالك عن ذلك فيما قاله ابن نافع صاحبه فقال: بل هو ~~يعني المسجد الذي جاء فيه الخبر على ما هو عليه الآن لأن (ب) النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أخبر بما يكون بعده، وزويت له الأرض فأري مشارقها ~~ومغاربها، وتحدث بما يكون بعده، ولولا هذا لما استخار الخلفاء الراشدون أن ~~يزيدوا فيه بحضرة الصحابة، ولم ينكر عليهم منكر، انتهى (¬2). # ويشهد له ما رواه ابن أبي شيبة ويحيى والديلمي في مسند الفردوس عن أبي ~~هريرة مرفوعا "لو مد هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي" زاد ابن أبي شيبة ~~ويحيى، وكان أبو هريرة يقول "لو مد هذا المسجد إلى باب داري ما عدوت أن ~~أصلى فيه"، وفي سنده عبد الله بن سعيد المقبري وهو واه (¬3). # وليحيى: حدثنا هارون بن موسى الفروي عن عمر بن أبي بكر PageV05P376 # الموصلي عن ثقات من علمائه مرفوعا: "هذا مسجدي، وما زيد فيه فهو منه، ولو ~~بلغ مسجدي صنعاء كان مسجدي" وهو معضل. # وله ولابن أبي شيبة عن ابن أبي عمرة قال "زاد عمر بن الخطاب في المسجد من ~~شاميه ثم قال: لو زدنا فيه حتى يبلغ به الجبانة كان مسجد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -". # وزاد يحيى: "وخبأه الله بعامر" وفيه عبد العزيز بن عمران المدني متروك (¬1). # ولهما عن ابن أبي ذئب -وهو محمد بن عبد الرحمن الفقيه المشهور- قال: قال ~~عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: "لو مد مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى ذي الحليفة لكان هو منه" وهو معضل أيضا، لكن ينجبر ذلك بما أشار إليه ~~مالك، وقد سلم النووي عموم المضاعفة لما زيد في المسجد الحرام. # قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: وهو الذي يدل عليه كلام المتقدمين وعملهم ~~وكان الأمر عليه في زمن عمر وعثمان فزادا ms1026 في قبلة المسجد وكان مقامهما في ~~الصلوات والصف الأول الذي هو أفضل ما يقام به في الزيادة قال: وما بلغني عن ~~أحد من السلف خلاف هذا، وما علمت سلفا (أ) لمن خالف من المتأخرين، ونقل ~~البرهان ابن فرحون أنه لم يخالف في ذلك إلا النووي وأن المحب الطبري (ب في ~~الأحكام ب) نقل رجوعه عن PageV05P377 # ذلك. وفيه نظر فقد نقل ابن الجوزي الخلاف في ذلك عن ابن عقيل الحنبلي، ~~والذي في الأحكام للطبري في بيان أن المضاعفة تعم ما زيد في المسجد النبوي ~~بعد ذكر بعض الأخبار والآثار السابقة، وقد يتوهم بعض من لم يبلغه ذلك قصر ~~الفضيلة على الموجود في زمنه - رضي الله عنه -، وقد وقع ذلك لبعض أئمة ~~العصر فلما رويت له ما سبق جنح إليه وتلقاه بالقبول. انتهى. قال (أ) النووي ~~(¬1): والمضاعفة المذكورة تعم الفرض والنفل خلافا للطحاوي وغيره من ~~المالكية، ولا ينافي ذلك تفضيل للنفل بالبيت لحديث "أفضل صلاة المرء في ~~بيته إلا المكتوبة" إذ غايته أن للمفضول مزية هي المضاعفة ليست للفاضل، ~~ومزية الفاضل أرجح منها كما قاله الزركشي وغيره، وقال المصنف -رحمه الله ~~تعالى (¬2): يمكن إبقاء حديث "أفضل صلاة المرء" على عمومه فتكون النافلة في ~~بيته بالمدينة أو مكة تضاعف على صلاتها في البيت بغيرهما، وكذا في المسجدين ~~وإن كانت في البيوت أفضل مطلقا والتضعيف المذكور يرجع إلى الثواب لا إلى ~~(ب) الإجزاء عما في الذمة من المقضيات إجماعا خلاف ما يوهمه قول النقاش: ~~"حسبت الصلاة بالمسجد الحرام فبلغت صلاة واحد به عمر (ج) خمس وخمسين سنة ~~وستة أشهر وعشرين ليلة" انتهى (د). PageV05P378 # والمراد بالمسجد الحرام الكعبة فقط عند العمراني وجماعة إلا أن المرجح ~~خلافه، ويدل للأول ما تقدم أن الألف واللام للمساجد المعهودة وهي مساجد ~~الأنبياء وقرن الكعبة بالمسجد النبوي في الحديث، ورواية النسائي وغيره ~~للحديث: "إلا مسجد الكعبة" بدل المسجد الحرام، ورواية يحيى إلا الكعبة. # وقال الإمام الهدي في "البحر": ولو قيل إنه المسجد لصح إن لم (أ) يمنع ~~منه إجماع مع ms1027 أنه لا إجماع إذ قد ذكره في الكشاف والحاكم صاحب التفسير ~~المسمى بالتهذيب، وفي الصحيحين أيضا أنه قال - صلى الله عليه وسلم - "بينا ~~أنا في المسجد الحرام في الحجر بين النائم واليقظان أتاني جبريل بالبراق" ~~(¬1) ففيه دلالة على أن المسجد الحرام هو محل الصلاة حول الكعبة، أو (ب) ~~المراد به الحرم المحرم كما تقدم في حديث: "لا تشد الرحال ... " الحديث، ثم ~~إن هذا التضعيف لا يختص بالصلاة كما صرح بمثله في مكة قال في "الإحياء" ~~(¬2): "والأعمال في المدينة تتضاعف" وذكر حديث "صلاة في مسجدي بألف صلاة ~~فيما سواه" ثم قال: "فكذلك كل عمل بالمدينة بألف". # وصرح به أيضا أبو سليمان داود الشاذلي من المالكية، ويشهد له ما PageV05P379 # روى البيهقي (أ) عن جابر مرفوعا: "الصلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة ~~فيما سواه إلا المسجد الحرام، والجمعة في مسجدي هذا أفضل من ألف جمعة فيما ~~سواه إلا المسجد الحرام، وشهر رمضان في مسجدي هذا أفضل من ألف شهر رمضان ~~فيما سواه إلا السجد الحرام" (ب)، وعن ابن عمر نحوه. # وللطبراني في الكبير عن بلال بن الحارث (¬1) مرفوعا: "رمضان بالمدينة خير ~~من ألف رمضان فيما سواها من البلدان، وجمعة بالمدينة خير من ألف جمعة فيما ~~سواها من البلدان" وهو في (ج) شرف المصطفى عليه السلام، ولابن الجوزي عن ~~ابن عمر إلا أنه قال: "كصيام ألف شهر" وقال "كألف صلاة فيما سواها" وضعف ~~هذه الأحاديث ينجبر بالقياس على الصلاة. # وذكر المصنف -رحمه الله تعالى- هذا الحديث في هذا الباب لدلالته على ~~فضيلة مكة المشرفة التي هي محل (د) لمناسك الج، وإن كان الأنسب ذكر مثل هذا ~~في كتاب الصلاة. # واشتمل هذا الباب (ه) على سبعة وثلاثين حديثا. PageV05P380 ### || AUTO باب الفوات والإحصار # 614 - عن ابن عباس - رضي الله عنه - قال: "قد أحصر رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فحلق وجامع نساءه ونحر هديه حتى اعتمر عاما قابلا" رواه ~~البخاري (¬1). # الحديث قاله ابن عباس جوابا، وقد أخرج ابن السكن (أ) في كتاب "الصحابة" ~~(¬2) قال حدثني ms1028 هارون بن عيسى الصنعاني عن محمد بن إسحاق أحد شيوخ مسلم ثنا ~~يحيى بن صالح ثنا معاوية بن سلام عن يحيى بن أبي كثير قال: سألت عكرمة ~~فقال: قال عبد الله بن رافع مولى أم سلمة: أنا سألت الحجاج بن عمرو ~~الأنصاري عن من حبس وهو محرم فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من عرج أو كسر أو حبس فلينحر مثلها، وهو في حل" قال فحدث به أبا هريرة ~~فقال: صدق، وحدثته (ب) ابن عباس فقال: "قد أحصر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - " الحديث المذكور هنا، ولم يذكر البخاري القصة لأن هذا الزائد ليس ~~على شرطه لأنه قد اختلف في حديث الحجاج بن عمرو على يحيى بن أبي كثير عن ~~عكرمة مع كون عبد الله بن رافع ليس من شرط البخاري. # وأخرجه أصحاب السنن وابن خزيمة والدارقطني والحاكم من طرق عن PageV05P381 # الحجاج (¬1). # ووقع في رواية يحيى القطان وغيره في سياقه سمعت الحجاج، وأخرجه أبو داود ~~والترمذي من طريق معمر عن يحيى وغيره في سياقه سمعت الحجاج. # وأخرجه أبو داود عن عكرمة عن عبد الله بن رافع عن الحجاج. # قال الترمذي: "وتابع معمرا على زيادة عبد الله بن رافع معاوية بن سلام، ~~سمعت محمدا -يعني البخاري- يقول: رواية معمر ومعاوية أصح" (¬2) انتهى. # وما تركه البخاري ليس بعيدا من الصحة فإنه إن كان عكرمة سمعه من الحجاج ~~بن عمرو فذاك وإلا فالواسطة بينهما -وهو عبد الله بن رافع- ثقة، وإن كان ~~البخاري لم يخرج له. # وهذا الحديث يدل على شرعية التحلل عند الإحصار وإهداء الهدي كما فعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. # واعلم أن العلماء اختلفوا في تفسير الإحصار في اللغة، فالمشهور عن أكثر ~~أهل اللغة منهم الأخفش والكسائي والفراء وأبو عبيدة وأبو عبيد وابن السكيت ~~وثعلب وغيرهم أن الإحصار يكون بالمرض والخوف والعجز ونحوها، وأما بالعدو ~~فهو الحصر قال الله تعالى: {للفقراء الذين أحصروا PageV05P382 # في سبيل الله} (¬1)، وقال ابن ميادة: # وما هجر ليلى أن تكون تباعدت ... عليك ولا أن أحصرتك ms1029 شغول (أ) # ويقال حصر إذا حبسه عدو عن المضي أو سجن، ومنه قيل للمحبس الحصير والملك ~~الحصير لأنه محجوب هذا هو الأكثر في كلامهم وقال بعضهم: أحصر وأحصر بمعنى ~~واحد وهو المنع في كل شيء مثل صده وأصده، وحكاه الزمخشري عن الفراء وأبي ~~عمرو (ب) الشيباني، واختلفت أيضا أقوال الصحابة. فقال كثير منهم: الإحصار ~~من كل حابس يحبس الحاج من عدو ومرض وغير ذلك حتى أفتى ابن مسعود رجلا لدغ ~~بأنه محصر، أخرجه ابن جريج بإسناد صحيح عنه. # وأخرج عبد بن حميد عنه، وعلقه البخاري في قوله تعالى: {فإن أحصرتم فما ~~استيسر من الهدي} قال: "الإحصار من كل شيء يحبسه" (¬2) قال المصنف (¬3) ~~-رحمه الله تعالى- وكذا رويناه في تفسير الثوري رواية أبي حذيفة عنه. # وأخرج ابن المنذر (¬4) عن ابن عباس نحوه ولفظه: {فإن أحصرتم} قال: "من ~~أحرم بحج أو عمرة ثم حبس عن البيت بمرض يجهد أو عدو يحبسه فعليه ذبح ما ~~استيسر من الهدي، فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت حجة بعد ~~الفريضة فلا قضاء عليه". وقال آخرون: PageV05P383 # لا حصر إلا بالعدو، وصح ذلك عن ابن عباس: لا حصر إلا من حبسه عدو. # (أوروى مالك في الموطأ أ) والشافعي عنه عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه قال: ~~من حبس دون البيت بالمرض فإنه لا يحل حتى يطوف بالبيت (¬1). # وروى مالك عن أبي أيوب عن رجل من أهل البصرة قال: "خرجت إلى مكة حتى إذا ~~كنت بالطريق كسرت فخذي فأرسلت إلى مكة وبها عبد الله بن عباس وعبد الله بن ~~عمر والناس فلم يرخص لي (ب) أحد في أن أحل فأقمت على ذلك أليما (¬2) تسعة ~~أشهر ثم حللت بعمرة" (¬3). # وأخرجه ابن جرير من طرق وسمى الرجل يزيد بن عبد الله بن الشخير. # واختلف العلماء أيضا في ذلك، فذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه والنخعي ~~وغيرهم من الكوفيين إلى أن الحصر يكون بالكسر والمرض والخوف، وهو منصوص ~~عليه في الحديث المذكور، ويدل عليه عموم قوله تعالى: {فإن أحصرتم ...} (¬4) ~~فإن الآية ms1030 الكريمة وإن وردت في سبب خاص وهو إحصار النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وكان ذلك بحصر العدو في عمرة الحديبية ولكنه لا يقصر العموم على ~~سببه، ويقاس على ما نص عليه غير ذلك من سائر الأعذار المانعة، وذلك مثل ~~اعتداد المرأة وانقطاعها عن المحرم، ومنع الزوج والسيد للمرأة والعبد حيث ~~لهما المنع، وذهب مالك والشافعي PageV05P384 # وأحمد إلى أنه يوقف على الحال الذي وقع للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ونزلت الآية الكريمة فيه. # قال الشافعي: جعل على الناس إتمام الحج والعمرة، وجعل التحلل للمحصر ~~رخصة، وكانت الآية في شأن العدو، فلم نعد بالرخصة موضعها ولكن ظاهرة قولهم ~~في العدو أنه يعم الكافر والباغي فقد تجاوزوا الحكم عن الكافر إلى الباغي، ~~واقتصر ابن عباس على العدو الكافر وقوفا على الواقع، وفي المسألة قول ثالث ~~حكاه ابن جرير (أ) وغيره، وهو أنه لا حصر بعد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وروى الموطأ عن ابن شهاب عن سالم عن أبيه: "المحرم لا يحل حتى يطوف" أخرجه ~~في باب ما يفعل من أحصر بغير عدو (¬1). # وأخرج ابن جرير عن عائشة (¬2) نحوه بإسناد صحيح، وعن ابن عباس (¬3) ~~بإسناد ضعيف. # وروي ذلك عن عبد الله بن الزبير، وذهب مالك إلى أن الإحصار إنما يكون عن ~~الحج بخلاف العمرة، لأن لها وقتا لا يفوت والحج يفوت بفوات وقته. واحتج له ~~إسماعيل القاضي بما أخرجه بإسناد صحيح عن أبي قلابة قال: "خرجت معتمرا ~~فوقعت عن راحلتي فانكسرت فأرسلت إلى ابن عباس وابن عمر - رضي الله عنهما - ~~فقالا: ليس لها وقت كالحج يكون على إحرامه حتى يصل البيت". # والجواب النص في العمرة واعتباره أولى من التعليل، ولذلك أن ابن PageV05P385 # عمر صرح (أ) بقياس الحج على العمرة وقال: "إنما أمرهما واحد فأحرم بالحج" ~~(¬1) لما خاف أن يصد عن البيت وهو قياس ينفي الفارق من أقوى الأقيسة، ولعله ~~يذهب إلى أن العموم يقصر على سببه فلم يحتج بقوله: {فإن أحصرتم ...} (¬2)، ~~وقوله "فحلق وجامع" إلخ ظاهره أنه قدم الحلق والجماع على نحر الهدي ms1031 باعتبار ~~التقديم في الذكر مع أن الأمر ليس كذلك فإنه - صلى الله عليه وسلم - نحر ~~قبل أن يحلق كما أخرج البخاري من حديث الحديبية "فخرج فنحر بدنة، ودعا ~~حالقه فحلق" ومن حديث ابن عمر "فنحر بدنة وحلق رأسه" ولكن العطف بالواو لا ~~يدل على الترتيب، وإذا حلق قبل أن ينحر فعليه دم. وقد أخرج ذلك ابن أبي ~~شيبة عن علقمة قال إبراهيم النخعي: وحدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي ~~الله عنه - مثله. # وظاهر القصة أن الهدي واجب، وهو ظاهر الآية الكريمة، وهو قول الأكثر، ~~وذهب مالك إلى أنه لا هدي عليه وقاسه على الخروج من الصوم للعذر. # والجواب: أنه لا قياس مع ظهور الحجة من الحديث فإن في القصة أنه قال ~~لأصحابه "قوموا فانحروا ثم احلقوا" فذكر فيه الحكم والسبب، فالسبب الحصر ~~والحكم النحر فاقتضى الظاهر تعلق الحكم بذلك السبب، وكذا الآية الكريمة ~~وهي: {فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي} (2). # وقوله: "حتى اعتمر قابلا" فيه دلالة على أنه يجب قضاء ما تحلل PageV05P386 # عنه وهو في الفرض إجماع، وأما النفل فذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه إلى ~~أنه يجب عليه القضاء، وقد أخرج الواقدي في المغازي من طريق الزهري ومن طريق ~~أبي معشر وغيرهما قالوا: "أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أصحابه - ~~رضي الله عنهم - أن يعتمروا ولم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر أو مات، وخرج ~~معه جماعة معتمرون ممن لم يشهد الحديبية فكانت عدتهم ألفين". وذهب ابن عباس ~~وابن عمر وهو مذهب الشافعي ومالك وأحمد إلى أنه لا يلزم القضاء في النفل. # وأخرج ابن جريج عن ابن عباس: فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها وإن كانت ~~غير الفريضة فلا قضاء عليه. # وأخرج مالك بلاغا (¬1) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حل هو ~~وأصحابه بالحديبية فنحروا الهدي وحلقوا رءوسهم وحلوا من كل شيء قبل أن ~~يطوفوا بالبيت وقبل أن يصل إليه الهدي. # ثم لم يعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمر أحدا من أصحابه ولا ms1032 ~~من كان معه أن يقضوا شيئا ولا أن يعودوا لشيء. # وقال الشافعي في الأم (¬2) فحيثما أحصر ذبح وحل ولا قضاء عليه من قبل إن ~~الله تعالى لم يذكر قضاء ثم قال: لأنا علمنا في متواطئ أحاديثهم أنه كان ~~معه في عام الحديبية رجال معروفون ثم اعتمر عمرة القضية فخلف بعضهم ~~بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال، ولو لزمهم القضاء لأمرهم بأن لا ~~يتخلفوا عنه (¬3) وقال في موضع، آخر: PageV05P387 # إنما سميت عمرة القضاء والقضية (¬1) للمقاضاة التي وقعت بين النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وبين قريش لا على أنه واجب قضاء تلك العمرة (¬2). # ويمكن الجمع بين ما أخرجه الواقدي وبين هذا أن الأمر كان على سبيل ~~الاستحباب لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا لغير عذر وترجيح رواية ~~الشافعي بأن جماعة معروفين تخلفوا في المدينة لأنه مثبت وقد روى الواقدي ~~أيضا من حديث ابن عمر قال: "لم تكن هذه العمرة قضاء ولكن كان شرطا على قريش ~~أن يعتمر الناس من قابل في الشهر الذي صدهها المشركون فيه. # واعلم أنه اختلف العلماء في محل نحر الهدي للمحصر، فقال الجمهور: يذبح ~~المحصر الهدي حيث يحل سواء كان في الحل أو في الحرم. وذهب أبو حنيفة وهو ~~مذهب الهادي وغيره من أهل البيت أنه لا ينحره (أ) إلا في الحرم، وفصل آخرون ~~وهو مذهب ابن عباس وهو إنه إن كان يستطيع أن يبعث به إلى الحرم وجب عليه ~~ولم يحل حتى ينحره في محله، وإن كان لا يستطيع أن يبعث به نحره في محل ~~الإحصار وسبب اختلافهم في هذا الحكم اختلافهم في المحل الذي نحر فيه - صلى ~~الله عليه وسلم - في الحديبية، وكان عطاء يقول: لم ينحر يوم الحديبية إلا ~~في الحرم، ووافقه ابن إسحاق. وقال غيره من أهل المغازي إنما نحر في الحل، ~~والحديبية طرف الحرم هي على تسعة أميال من مكة. # وروى يعقوب بن سفيان من طريق مجمع بن يعقوب عن أبيه قال: PageV05P388 # "لما حبس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ms1033 نحروا بالحديبية ~~وحلقوا وبعث الله ريحا فحملت شعورهم فألقتها في الحرم". # وقال ابن عبد البر في الاستذكار: فهذا يدل على أنهم حلقوا في الحل، ولكنه ~~لا يدل على المقصود فإنه يجوز أن يكونوا أرسلوا بالهدي إلى الحرم ونحر فيه ~~وحلقوا في الحل. وقد أخرج النسائي من حديث ناجية عن أبيه جندب الأسلمي قلت: ~~يا رسول الله ابعث معي بالهدي حتى أنحره بالحرم ففعل. إلا أنه لا يدل على ~~الوجوب. # وظاهر القصة أن أكثرهم نحر في مكانه، وكانوا في الحل، وذلك دال على ~~الجواز، واحتج الشافعي على أنه كان النحر في الحل بقوله تعالى: {والهدي ~~معكوفا أن يبلغ محله} (¬1) وقد أخبر الله سبحانه - أنهم صدوهم عنه، والمحل ~~عند أهل العلم الحرم. # واختلف العلماء أيضا في تفسير قوله تعالى: {ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ ~~الهدي محله} (¬2) فعند أبي حنيفة أن محله هو الحرم وأن المعنى حتى يعلموا ~~أن الهدي المبعوث إلى الحرم بلغ إليه وذبح، وغيره على معنى حتى يصل هديكم ~~محلا يحل ذبحه فيه وهو مكان الحبس، فالآية الكريمة محتملة، ولكنه إذا ثبت ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو أحدا من أصحابه مع علمه بذلك أو أمره ~~كما تقدم في قوله "قوموا فانحروا" نحر في الحل، فالمختار قول الجمهور، ~~والله أعلم. PageV05P389 # (أفائدة: من سنن الهدي أن ينحر قياما لقوله تعالى: {فاذكروا اسم الله ~~عليها صواف} (¬1) وسيأتي في الذبائح زيادة بحث إن شاء الله تعالى أ). # 615 - وعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "دخل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب فقالت: يا رسول الله إني أريد ~~الحج وأنا شاكية، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - حجي واشترطي أن محلي ~~حيث حبستني" متفق عليه (¬2). # فيه دلالة على أن المحرم إذا اشترط في إحرامه ثم عرض له المرض أن له أن ~~يتحلل، وقد ذهب إلى هذا عمر بن الخطاب وعلي وابن مسعود وآخرون من الصحابة - ~~رضي الله عنهم - وجماعة من التابعين، وأحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو الصحيح ms1034 من ~~مذهب الشافعي. # وقال مالك وأبو حنيفة وبعض التابعين، وهو مذهب الهادي وغيره من الأئمة ~~أنه لا يصح الاشتراط، وحملوا الحديث على أنها قصة غير مخصوصة، أو أنه كان ~~واجبا ثم نسخ. # وقد روي النسخ عن ابن عباس، لكن في إسناده الحسن بن عمارة، وهو متروك ~~(¬3)، إلا أن من قال إن عذر الإحصار يدخل فيه المرض فنقول إنه يكون محصرا ~~ويجب عليه التحلل بالهدي عند تعذر الوصول بالمرض، ولكن الظاهر خلافه، ~~والقاضي عياض (¬4) أشار إلى تضعيف الحديث فإنه PageV05P390 # قال: قال الأصيلي: لا يثبت في الاشتراط إسناد صحيح، قال: قال النسائي: لا ~~أعلم أسنده عن الزهري غير معمر. وهذا غلط فاحش فإن الحديث في الصحيحين وسنن ~~أبي داود والترمذي والنسائي وسائر كتب الحديث المعتمدة من طرق متعددة ~~بأسانيد كثيرة عن جماعة من الصحابة، ويدل على أنه إن لم يشترط في إحرامه ~~فليس له أن يتحلل، وهو يقوي قول من يقول إنه لا يصير محصرا بالمرض، ولذا ~~احتاج إلى اشتراط فقد جعل -سبحانه- المخرج للعبد على أي الوجهين. # وضباعة بضم الضاد المعجمة ثم باء موحدة مخففة -وهي بنت الزبير بن عبد ~~المطلب عم النبي - صلى الله عليه وسلم - وقول صاحب الوسيط إنها ضباعة ~~الأسلمية غلط، والصواب الهاشمية (¬1). # 616 - وعن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "من كسر أو عرج فقد حل وعليه الحج من قابل" قال عكرمة: ~~فسألت ابن عباس - رضي الله عنه - وأبا هريرة عن ذلك فقالا: صدق. رواه ~~الخمسة وحسنه الترمذي (¬2). # هو الحجاج بن عمرو بن غزية، بفتح الغين المعجمة وكسر الزاي وتشديد الياء ~~تحتها نقطتان، الأنصاري المازني منسوب إلى جده مازن بن النجار يعد في أهل ~~المدينة، حديثه عند الحجازيين قال البخاري: له صحبة، روى عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حديثين أحدهما هذا "من كسر ... " PageV05P391 # الحديث، والآخر "كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتهجد من الليل بعد ~~نومه". روى عنه كثير بن عباس وعكرمة مولى ابن عباس وعبد الله بن رافع، ms1035 وهو ~~الذي ضرب مروان يوم الدار فأسقط وحمله أبو حفصة مولاه وهو لا يعقل. # قال ابن عبد البر: عن علي بن المديني قال الحجاج بن عمرو (أ) المازني: له ~~صحبة قال: هو الذي روى عنه ضمرة بن زيد عن زيد بن ثابت في العزل، قال: على ~~ويقال: الحجاج بن أبي الحجاج وهو الحجاج بن عمرو المازني الأنصاري (¬1). # الحديث تقدم الكلام عليه وعلى ما يتضمنه من الفقه. # قوله: "عرج" يقال: عرج في مشيه عرجا من باب تعب إذا كان من عله لازمة ~~(ب)، وعرج فهو أعرج والأنثى عرجاء، وإن كان من علة غير لازمة بل من شيء ~~أصابه حتى غمز في مشيه قيل عرج يعرج من باب قتل فهو عارج كذا في المصباح. # وقوله: "فقد حل" وورد في هذه الرواية مطلقا عن التقييد بنحر الهدي، وقد ~~تقدم ذكر ذلك في قوله "فلينحر مثلها". # وقوله: "وعليه الحج من قابل" يفهم من إطلاقه أنه يجب قضاء ما فات ولو كان ~~فعلا وإن كان التقييد ممكنا جمعا: بينه وبين ما تقدم من أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يأمر بالقضاء للعمرة ولا فرق بينها وبين الحج، فالجمع ~~بينهما ينفي الفارق، والله أعلم. # واعلم أن المصنف -رحمه الله تعالى- لم يذكر ما يتعلق بفوات PageV05P392 # الحج من دون إحصار، وقد أخرج مالك والشافعي والبيهقي ورجال إسناده ثقات ~~من حديث سليمان بن يسار "أن أبا أيوب خرج حاجا حتى إذا كان بالنازية من ~~طريق مكة ضلت راحلته فقدم على عمر يوم النحر فذكر ذلك له فقال: "اصنع كما ~~تصنع يوم النحر ثم قد حللت فإذا أدركت الحج قابلا فاحجج واهد ما تيسر من ~~الهدي" (¬1). # لكن صورته منقطع لأن سليمان وإن أدرك أبا أيوب لكن لم يدرك من القصة ولم ~~ينقل أن أبا أيوب أخبره بها لكنه على مذهب ابن عبد البر موصول والنازية ~~بنون وزاي موضع بين الروحاء والصغرى. # وروى أبو معاوية عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود: سألت عمر عمن فاته الحج ~~قال: يهل بعمرة وعليه الحج ms1036 من قابل، ثم لقيت زيد بن ثابت فقال مثله. أخرجه ~~البيهقي (¬2). # وأخرج أيضا من طريق أيوب عن سعيد بن جبير عن الحارث بن عبد الله ابن أبي ~~ربيعة قال: سمعت عمر وجاءه رجل في أوسط أيام التشريق وقد فاته الحج فقال له ~~عمر: طف بالبيت وبين الصفا والمروة، وعليك الحج من قابل (¬3). # وقد اختلف الفقهاء في حكم من فاته الحج فذهب الهادي وغيره أنه يتحلل ~~بعمرة بالإحرام الأول، وقال أبو يوسف الحنفي: إنه يستأنف لها إحراما، وهو ~~يفهم من قول عمر: "يهل بعمرة وعليه الحج من قابل". # قال الإمام المهدي في البحر ردا عليه لنا قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~"فليجعلها عمرة" PageV05P393 # ولم يأمر بالاستئناف، وهو يفهم من قول عمر: "طف بالبيت وبين الصفا ~~والمروة". # وذهبت العترة إلى أنه يجب عليه دم لفوات الحج، وذهب الحنفية والشافعية ~~إلى أنه لا دم عليه إذ شرع للتحلل وقد تحلل بعمرة. قال الإمام المهدي في ~~الرد عليهم لنا قوله - صلى الله عليه وسلم - "من لم يدرك الحج فعليه دم ~~وليجعلها عمرة" (¬1). # اشتمل هذا الباب على ثلاثة أحاديث (أ). # ونذكر بعد كتاب الحج خاتمة في ذكر زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وإن لم يذكر ذلك المصنف رحمه الله تعالى، والكلام على ذلك في سبعة فصول. PageV05P394 ### ||| AUTO الفصل الأول # فيما ورد فيها مما يدل على شرعيتها وفضلها من الكتاب والسنة والإجماع ~~والقياس. # أما الكتاب فقوله تعالى {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله ~~واستغفر لهم الرسول} (¬1) وهو - صلى الله عليه وسلم - حي بعد موته كحياته ~~قبل الموت، فالمجيء إليه - صلى الله عليه وسلم - بعد موته للزيارة كقصده في ~~حياته (¬2)، وقوله تعالى {ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم ~~يدركه الموت فقد وقع أجره على الله} (¬3) والهجرة إلى الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم - في حال حياته هي الوصول إلى حضرته المشرفة، كذلك الوصول إلى ~~حضرته المشرفة بعد الموت فهو حي كما ثبت (¬4). # وأما السنة فستأتي الأحاديث. # وأما القياس فإنه قد ثبت بالأحاديث ms1037 الصحيحة شرعية زيارة القبور بصيغة ~~الأمر المحتمل للوجوب أو الندب، فقبر نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - ~~أولى أن يزار فهو داخل إما بشمول النص أو القياس على غيره من القبور، وثبت ~~من PageV05P395 # فعله أنه كان يزور أهل البقيع وشهداء أحد، وشرعية زيارة القبور مجمع ~~عليها، وما روي عن الشعبي والنخعي من كراهة الزيارة شاذ مع أنه يمكن ~~التأويل بأن ذلك لم يكن له (أ) عرض صحيح من الاعتبار والترحم على الميت ~~والدعاء له. # وأما إجماع المسلمين فقد نقله جماعة من الأئمة الذين عليهم المدار ~~والمعول، والخلاف إنما هو في كونها واجبة أو مندوبة، وسيأتي ذكر ذلك. # والأحاديث الواردة في فضيلة الزيارة كثيرة، روى (ب) الدارقطني في السنن ~~وغيرها والبيهقي من طريق موسى بن هلال العيدي عن عبيد الله مصغرا، العمري ~~عن نافع، عن ابن عمر قال: قال - صلى الله عليه وسلم -: "من زار قبري وجبت ~~له شفاعتي" (¬1). # وفي تاريخ ابن عساكر وكامل ابن عدي (¬2) أنه عن عبد الله، مكبرا، إلا أن ~~الاختلاف في عبد الله لا يضر، لأن المصغر وإن كان أوثق فالمكبر أيضا روى له ~~مسلم وإن كان مقرونا بغيره، وروى أبو حاتم عن أحمد بن حنبل أنه كان يحسن ~~الثناء عليه، وقال يحيى بن معين: ليس به بأس يكتب حديثه، وقال: إنه في نافع ~~صالح (¬3). PageV05P396 # وموسى بن هلال: قال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به، وقد روى عنه ستة منهم ~~الإمام أحمد ولم يكن يروي إلا عن ثقة فلا يضره قول أبي حاتم إنه مجهول ~~(¬1)، وقول العقيلي إنه لا يتابع عليه يرد (أ) عليه بأن مسلما الجهني قد ~~تابعه عليه، وصحح الحديث ابن السكن وعبد الحق في الأحكام الوسطى "والصغرى" ~~وسكت عليه مع كونه التزم في كتابه أن لا يذكر إلا الصحيح فثبت حينئذ أن ~~الحديث يعمل به ولا يضر الاختلاف (¬2) في اسم الراوي فإنه من لم ثقة إلى ~~ثقة مع أنه قال السبكي (¬3): إن موسى بن هلال روى الحديث عنهما جميعا فلا ~~اضطراب رأسا. وقوله ms1038 "وجبت له شفاعتي" المراد بالوجوب هو اللزوم بحكم الوعد ~~الصادق، والمراد بالشفاعة ها هنا هي شفاعة خاصة غير الشفاعة العامة للأمة، ~~فالمراد أنه يخص بشيء من الشفاعة تشريفا له، أو المراد التبشير له بأنه ~~يموت على الإسلام قطعا، وقد جاء في رواية البزار بلفظ: "حلت له شفاعتي" من ~~طريق عبد الرحمن بن زيد عن أبيه عن ابن عمر، وعبد الرحمن هذا قال PageV05P397 # ابن عدي (¬1): إنه ممن احتمله الناس وإنه ممن (أ) يكتب حديثه، وصح الحاكم ~~له حديثا في التوسل. # وأخرج الطبراني في الكبير والأوسط والدارقطني في أماليه وأبو بكر بن ~~المقري في معجمه من طريق مسلمة بن سالم الجهني حدثني عبيد الله بن عمر عن ~~نافع عن سالم عن ابن عمر مرفوعا "من جاءني زائرا لا تعمله حاجة إلا زيارتي ~~كان حقا علي أن أكون له شفيعا يوم القيامة" (¬2). # وفي معجم ابن المقري بالسند المذكور مرفوعا: "من جاءني زائرا كان حقا على ~~الله - عز وجل - أن أكون له شفيعا يوم القيامة" (¬3) وذكره ابن السكن في ~~صحيحه في ثواب من زار قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو مبني على أن ~~(ب) من جاءني زائرا لما قبل الموت وما بعد الموت (ج). # وأخرج الدارقطني والطبراني عن ابن عمر مرفوعا: "من حج فزار PageV05P398 # قبري بعد وفاتي كان كمن زارني في حياتي" (¬1)، وفي إسناده حفص بن أبي ~~داود القاري، وحفص هذا وثقه (أ) أحمد في أرجح الروايتين عنه، وضعفه جماعة (¬2). # وقد رواه الطبراني من طريق عائشة بنت يونس امرأة الليث (¬3) فهذا السند ~~يجبر توهين الأول، ورواه بعض الحفاظ المعاصرين لابن منده (ب) من طريق حفص ~~بلفظ: "من حج فزارني في مسجدي بعد وفاتي كمن زارني في حياتي"، وذكره ابن ~~الجوزي في "مثير الغرام الساكن" بلفظ: "من حج فزار قبري بعد موتي كان كمن ~~زارني في حياتي وصحبني". # قال ابن عساكر: تفرد بلفظ "صحبني" الحسن بن الطيب (¬4) وهي PageV05P399 # زيادة منكرة، وتعقبه السبكي (¬1) وقال: لم ينفرد ابن الطيب فقد رواه ابن ~~عدي في كامله (¬2) من ms1039 طريق الحسن بن سفيان بدل ابن الطيب، ولا يلزم منه أن ~~يكون له حكم (أ) الصحبة من كل وجه لوجود الأحاديث الدالة على مزية الصحابي. # وأخرج الدارقطني في "العلل" عن ابن عمر مرفوعا "من زارني إلى المدينة كنت ~~له شفيعا وشهيدا" (¬3). # وأخرج أبو داود الطيالسي عن عمر مرفوعا: "من زار قبري أو قال - من زارني ~~كنت له شفيعا وشهيدا، ومن مات في أحد الحرمين بعثه الله تعالى من الآمنين ~~يوم القيامة" (¬4) وفي إسناده سوار، قد روى عنه شعبة فدل على ثقته، ورجل ~~منهم من آل عمر عن عمر، وهو من طبقة التابعين الأولين يعتقد فيه الإبهام. # وأخرجه العقيلي بلفظ: "من زارني متعمدا كان في جواري يوم القيامة، ومن ~~مات .... " الحديث وزاد هارون بن قزعة بعد قوله: "يوم القيامة" "ومن سكن ~~المدينة وصبر على لأوائها كنت له شفيعا أو شهيدا يوم القيامة" (¬5). # وهارون ذكره ابن حبان في الثقات (¬6). PageV05P400 # وأخرج أبو الفتح الأزدي عن علقمة بن عبد الله مرفوعا: "من حج حجة ~~الإسلام، وزار قبري وغزا غروة وصلى في بيت المقدس لم يسأله الله تعالى فيما ~~افترضه عليه" (¬1). # وأخرج أبو الفتح عن أبي هريرة مرفوعا: "من زارني بعد موتي فكأنما زارني ~~وأنا حي، ومن زارني كنت له شهيدا وشفيعا يوم القيامة" (¬2). # وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن أنس مرفوعا: "من زارني بالمدينة كنت له ~~شفيعا وشهيدا يوم القيامة" (¬3)، ولفظ البيهقي: "من مات في أحد الحرمين بعث ~~في (أ) الآمنين يوم القياسة، ومن زارني محتسبا إلى المدينة كان في جواري ~~يوم القيامة" وفي إسناده سليمان بن يزيد ذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال ~~أبو حاتم: منكر الحديث ليس بقوي (¬4). # وأخرج ابن النجار عن أنس مرفوعا "من زارني ميتا فكأنما زارني حيا، ومن ~~زار قبري وجبت له شفاعتي يوم القيامة، وما من أحد من أمتي له سمة ثم لم ~~يزرني فليس له عذر" وفي إسناده سمعان بن (ب) المهدي، قال الذهبي: "سمعان بن ~~مهدي عن أنس لا يكاد يعرف ألصقت به نسخه مكذوبة" (¬5). PageV05P401 # قال ms1040 الحافظ بن حجر: "أكثر متونها موضوعة" (¬1). # وأخرج أبو جفر العقيلي عن ابن عباس مرفوعا: "من زارني في مماتي كان كمن ~~زارني في حياتي، ومن زارني حتى ينتهي إلى قبري كنت له يوم القيامة شهيدا" ~~-أو قال "شفيعا" (¬2). # وأخرج في مسند الفردوس عن ابن عباس مرفوعا "من حج إلى مكة ثم قصدني في ~~مسجدي كتبت له حجتان مبرورتان" (¬3). # وأخرج ابن عساكر عن علي - رضي الله عنه - قال: "من سأل لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - الدرجة والوسيلة حلت له شفاعته يوم القيامة، ومن زار قبر ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في جوار رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -" وفي إسناده عبد الملك بن هارون بن عنترة وفيه كلام كثير (¬4). # وأخرج أبو داود بسند صحيح عن أبي هريرة مرفوعا: "ما من أحد يسلم علي (أ) ~~إلا رد الله علي روحي حتى أرد - عليه السلام -" (¬5) صدر به البيهقي باب ~~الزيارة، وأخرجه أحمد بلفظ: "ما من مسلم يسلم علي PageV05P402 # عند قبري" (¬1) ويستدل بهذا الحديث على حياة الأنبياء. # قال البيهقي (¬2): والمعنى إلا وقد رد الله علي روحي حتى أرد عليه، وقيل ~~هو مجاز عن السماع فكأنه قال لا أسمعه تمام السماع فعبر عنه برد الروح الذي ~~هو ملزوم للسماع أو مجاز عن كمال السماع فعبر برد الروح عنه تقريبا لفهم ~~الخاطبين أن السماع إنما يكون مع رد الروح فكأنه قال: أسمعه سماعا تاما ~~محققا وأجيبه تمام الإجابة، ولم يرد أن الروح تعود ثم تقبض، فإن ذلك لا ~~يجوز أن يعتقده أحد، أو أن الرد معنوي لأن الروح الشريف مستغرق في شهود ~~الحضرة العلية فهو التفات روحاني إلى دوائر البشرية ولا يلزم على هذا ~~استغراق الزمان كله (أ) إذ لا يخلو وقت من الأوقات من صلاة عليه في أقطار ~~الأرض، لأن أمور الآخرة لا تدرك بالعقل، وأحوال البرزخ أشبه بأحوال الآخرة، ~~وقال بعضهم: المراد بالبرزخ الملك الموكل به. وقال ابن عماد: يحتمل أن يراد ~~به هنا السرور مجازا. # وأخرج ابن عدي في الكامل والدارقطني ms1041 في غرائب مالك من طريق النعمان بن ~~شبل عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر: "من حج البيت ولم يزرني فقد جفاني" (¬3). # قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن مالك غير النعمان ولم أر في حديثه حديثا ~~غريبا قد جاوز الحد فأذكره. وقال عن عمران بن موسى أنه ثقة PageV05P403 # وعن موسى بن هارون أنه متهم، والتهمة غير مفسرة فالتوثيق أرجح. # وروي عن علي مرفوعا بسند فيه ضعف وانقطاع: "من زار قبري بعد موتي فكأنما ~~زارني في حياتي ومن لم يزر قبري فقد جفاني" (¬1)، وجاء عنه موقوفا بسند فيه ~~ضعف "من زار قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .... " الحديث فهذه ~~الأحاديث فيها أعظم دليل على شرعية زيارته - صلى الله عليه وسلم - وعلى ~~فضليتها وأنها أنجح الوسائل إلى إدراك السعادة الأبدية والفوز بالدرجات ~~العلية. PageV05P404 ### ||| AUTO الفصل الثاني في الخلاف في وجوب زيارته - صلى الله عليه وسلم - أو ندبها # فذهب بعض المالكية في القول بوجوبها، وقال غيره من المالكية: إنها من ~~السنن الواجبة، وقالت الحنفية: إنها قريبة من الواجبات والحجة على ذلك ~~الحديث الذي فيه ذكر "فقد جفاني" (¬1) والجفاء للنبي - صلى الله عليه وسلم ~~- محرم فتجب الزيارة لئلا يرتكب الوجه المحرم وقد استدل بمثل ذلك من أوجب ~~الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - كلما (أ) ذكر بحديث "من الجفاء أن أذكر ~~عند الرجل ولم يصل علي" ونحوه من الأحاديث في ذلك المعنى، فإن جماعة من ~~علماء المذاهب الأربعة أوجبوا الصلاة عليه كلما ذكر للحديث. والأحاديث وإن ~~كان في بعضها مقال فبعضها يقوي بعضا، وذهب الجمهور إلى أنها مندوبة غير ~~واجبة للأحاديث الواردة في الترغيب إليها، وفضيلة (ب) من فعلها وأجابوا بأن ~~الجفاء ليس فيه (ج) دلالة صريحة على ترك الواجب بل يصح أن يقال على ترك ~~المندوب إنه جفاء، كما يقال في ترك البر والصلة، ويطلق الجفاء أيضا على غلظ ~~الطبع والبعد عن الشيء كما في حديث: "من بدا فقد جفا" (¬2) وعلى كل تقدير ~~فهي من المقاصد المهمة والأعمال المحمودة المشكورة وإذا ms1042 كان قد وردت ~~الأحاديث في زياة القبور على جهة الإطلاق والأمر بهذا فكيف الظن بزيارة قبر ~~سيد PageV05P405 # الخلائق الذي هو أعظم الوسائل للخلق أجمعين (¬1) - صلى الله عليه وسلم - ~~مع ما قد ثبت من أنه حي - صلى الله عليه وسلم - في قبره حياة حقيقية، ولذلك ~~أجاب - صلى الله عليه وسلم - على من قال له: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد ~~أرمت -بفتح أوله وكسر ثانيه وسكون ثالثه، وبعده تاء الخاطب المفتوحة أي ~~بليت- قال: (إن الله -عز وجل- حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (¬2) ~~صححه ابن حبان والحاكم، وذكر له البيهقي شواهد. # وأخرج ابن حبان (أ) بإسناد جيد أنه قال لأبي الدرداء في جوابه لما قال - ~~صلى الله عليه وسلم -: "وإن أحدا لن يصلي علي إلا عرضت على صلاته حتى يفرغ ~~منها" فقال أبو الدرداء: وبعد الموت؟ قال "وبعد الموت، إن الله عز وجل حرم ~~على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" (¬3). # وفي رواية للطبراني: "ليس من عبد يصلي علي إلا بلغني صوته، قلنا: وبعد ~~وفاتك؟ قال: وبعد وفاتي إن الله عز وجل حرم على الأرض أن يل أجساد ~~الأنبياء" (¬4). # فالأحاديث تدل على أن الإدراك بعد الموت كالإدراك قبله. وأخرج جماعة من ~~الأئمة أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن لله عز وجل ملكا أعطاه أسماع ~~الخلائق فهو قائم على قبري إذا مت، فليس أحد يصلي علي صلاة إلا PageV05P406 # قال: يا محمد صلى عليك فلان بن فلان فيصلي الرب تبارك وتعالى على ذلك ~~الرجل بكل واحدة عشرا" (¬1). # وقد روي هذا بألفاظ مختلفة اللفظ متفقة المعنى، وفي سند الجميع راو قال ~~البخاري فيه: إنه لين، ووثقه (أ) ابن حبان، وراو آخر ضعفه (ب) بعضهم ولا ~~تعارض بين تبليغ الملك وسماعه - صلى الله عليه وسلم - فإنه يسمع (ج) ويبلغه ~~إشعارا بمزيد الخصوصية، والاعتناء بشأنه. وقال الأستاذ أبو منصور البغدادي ~~قال المتكلمون المحقون من أصحابنا: إن نبينا - صلى الله عليه وسلم - حي بعد ~~وفاته وأنه بشر بطاعات أمته وأن الأنبياء لا يبلون مع أنا نعتقد ثبوت ~~الإدراكات ms1043 كالعلم والسماع لسائر الموتى ونقطع بعود حياة كل ميت في قبره ~~ونعيم القبر وعذابه ثابتان وهما من الأعراض المشروطة بالحياة لكنه لا يتوقف ~~على النية، وقد صح عن ابن عباس مرفوعا: "ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن ~~-وفي رواية بقبر الرجل- كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا عرفه ورد عليه" (¬2). # ولابن أبي الدنيا: "إذا مر الرجل بقبر يعرفه فسلم عليه رد - عليه السلام ~~- وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه رد - عليه السلام -" (¬3). PageV05P407 # وقد ذكر ابن تيمية في (أ) اقتضاء الصراط المستقيم (¬1) أن الشهداء بل كل ~~المؤمنين إذا زارهم المسلم وسلم عليهم عرفوا به وردوا - عليه السلام - وصح ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يخرج إلى البقيع ويسلم عليهم ويقول: ~~"السلام عليكم دار قوم مؤمنين" وورد النص في كتاب الله تعالى في حق الشهداء ~~أنهم أحياء يرزقون وأن الحياة فيهم متعلقة بالجسد كما روي أنه (ب) لما حفر ~~السيل في أحد في قبر عبد الله بن حرام والد جابر وعمرو بن الجموح وهما من ~~شهداء أحد بعد ست وأربعين سنة (ج فوجدا لم يتغيرا ج) وكان أحدهما جرح فوضع ~~يده على جرحه فدفن وهو كذلك فأمسكت يده على جرحه ثم أرسلت فرجعت كما كانت ~~(¬2)، ولما حفر معاوية العين التي استنبطها بالمدينة بعد أحد بنحو خمسين ~~سنة، ونقل الموتى أصابت المسحاة قدم حمزة - رضي الله عنه - فسال الدم عنه، ~~والظاهر أن حياة الشهداء أقوى من حياة الأولياء. # وجمهور العلماء أن حياة الشهداء حقيقية (د) للجسد، وفي قول بعض أنها ~~للروح فقط، وفي قول أنها للجسد فقط بمعنى أنه لا يبلى ويستمر فيه أمارة ~~الحياة من الدوام وطراوة البدن، وإذا كان هذا في آحاد المسلمين فكيف ~~بالنبيين والمرسلين؟ وكيف سيد المرسلين - صلى الله عليه وعليهم أجمعين، وقد ~~صح في الحديث كما رواه الحافظ المنذري: "الأنبياء PageV05P408 # أحياء في قبورهم يصلون" (¬1) وصححه البيهقي. # وفي صحيح مسلم "مررت بموسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي ~~في قبره" (¬2). # وفي صحيح مسلم أيضا: "لقد ms1044 رأيتني في الحجر وقريش تسألني عن مسريا ... " ~~الحديث وفيه: "رأيتني في جماعة من الأنبياء فإذا موسى قائم يصلي، فإذا رجل ~~ضرب من الرجال جعد" وفيه "وإذا عيسى بن مريم قائم يصلي وأقرب الناس به (أ) ~~شبها عروة بن مسعود، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم -يعني ~~نفسه- فحانت الصلاة فأممتهم" (¬3). # وفي حديث آخر أنه لقيهم ببيت المقدس (ب) وفي أخرى أنه لقيهم في جماعة من ~~الأنبياء بالسماوات وكلمهم وكلموه (¬4). # قال البيهقي (¬5): وكل ذلك صحيح لا يخالف بعضه فقد يرى موسى قائما يصلي ~~في قبره ثم يسر بموسى وغيره إلى بيت المقدس كما أسري PageV05P409 # بنبينا فيراهم فيه ثم يعرج بهم إلى السماوات كما عرج بنبينا فيراهم فيها، ~~كما أخبر وحلولهم في أوقات مختلفة جائز عقلا كما ورد به (أ) خبر الصادق مع ~~أنه يجب الإيمان بما صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ونعلم أنه له معنى ~~ثابت وإن عسر على العقل تعقله (ب) ومع ثبوت ذلك في حق الأنبياء فنبينا - ~~صلى الله عليه وسلم - أولى بهذه المرتبة العلية، وقد ألف البيهقي جزءا في ~~إثبات حياة الأنبياء في قبورهم، واستدل بأحاديث كثيرة، وذهب بعض الأكابر من ~~العلماء أن نبينا - صلى الله عليه وسلم - امتاز بثبوت ذلك في بعض أحكام ~~الدنيا منها أن الذي خلفه باق على ما كان في حياته فكان ينفق من نصيبه - ~~صلى الله عليه وسلم - على أهله وخدمه على حسب ما كان يفعله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وتحريم أزواجه من بعده من ذلك، ولم يصل على جنازته بإمام لكونه هو ~~إمام أمته وغير ذلك لا ينافي ما ذكر من حياة الأنبياء ما رواه ابن حبان في ~~صحيحه من حديث عجوز بني إسرائيل أنها دلت موسى - عليه السلام - على الصندوق ~~الذي فيه عظام يوسف - عليه السلام - فاستخرجه وحمله (ج) معهم عند قصدهم ~~الذهاب من مصر إلى الأرض المقدسة، أما لأنها أرادت بالعظام كل البدن لأن ~~الجسد لما لم يشاهد فيه روح عبر عنه بالعظام الذي من شأنه عدم ms1045 الإحساس وأن ~~ذلك باعتبار ظنها أن أبدان (د) الأنبياء كأبدان غيرهم في البلاء، وكذلك ~~قوله - صلى الله عليه وسلم - "أنا أكرم على ربي عز وجل أن يتركني في قبري ~~بعد ثلاث" (¬1) وكذلك ما رواه ابن أبي ليلى وهو سيء PageV05P410 # الحفظ (¬1): "إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة ولكن ~~يصلون بين يدي الله - تعالى - حتى ينفخ في الصور" (¬2) فمعناه على ما قال ~~البيهقي أنهم لا يتركون غير مصلين إلا هذا القدر، وبعد ذلك القدر يؤذن لهم ~~بالصلاة بين يدي الله تعالى وهم أحياء في القبور المدة كلها. وقد روي عن ~~سعيد بن المسيب أنه قال: "بقي ثلاثة أيام في مسجد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - منفرد، في أيام فتنة يزيد بن معاوية ومحاصرته لأهل المدينة فخلا ~~المسجد عن إقامة الصلاة فيه قال ولم يكن يعلم بدخول أوقات الصلاة إلا بسماع ~~الأذان والإقامة (أ) من داخل القبر، فإذا علم الزائر أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - حي في قبره يسمع صوته وتوسله وتشفعه به وسؤاله منه أن يشفع له إلى ~~ربه - عز وجل - حتى يرضى عنه ويعطيه ما يحبه من خير الدنيا والآخرة سعى في ~~تحصيل الوصول إلى ذلك الموقف الشريف بما أمكنه لينال هذه الفضائل ويدرك سني ~~الرغائب والفواضل. # وأما ما رواه المنهال بن عمرو قال: "كنت أنا وسعيد بن المسيب إلى جنب ~~حجرة أم سلمة فجعل الناس يدخلون بيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال ~~سعيد أترى هؤلاء ما أحمقهم إنهم يرون (ب) أنه في بيته قلت: أجل قال (ج): PageV05P411 # إنه لا (أ) يبقى نبي من أولي العزم فوق أربعين ليلة حتى يرفع والنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يبق في الأرض في أربعين ليلة حتى رفع وأنه ليس من ~~يوم إلا ويعرض عليه أعمال أمته طرفي النهار فيعرفهم بأسمائهم ونسبهم وبذلك ~~يشهد عليهم. ورواه عبد الرزاق بلفظ: "إن سعيد بن المسيب رأى قوما يسلمون ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما يمكث (ب) نبي في الأرض ms1046 أكثر من ~~أربعين يوما" (¬1) ثم عقبه بحديث: "مررت بموسى وهو قائم يصلي في قبره" (¬2) ~~فهم متأول بأن المراد بالرفع هو الاتصال بالملكوت الأعلى مع كونه متصلا ~~بالقبر، والاتصال الروحاني يخالف اتصال الأجسام وقد حصل القطع بأنه وضع - ~~صلى الله عليه وسلم - في قبره فيستصحب ذلك الوضع ويتأيد ذلك أن الاستصحاب ~~بالأحاديث التي مرت في سماعه ورده على من سلم عليه. # وقد أخرج ابن عساكر بسند جيد عن أبي الدرداء قصة نزول بلال بن رباح ~~بداريا بعد فتح عمر بيت المقدس قال: ثم إن بلالا رأى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وهو يقول له: ما هذه الجفوة (ج) يا بلال أما آن لك أن تزورني (د)؟ ~~فأتيته حزينا خائفا (ه) فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فجعل يبكي عنده ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين ~~- رضي الله عنهما - فجعل يضمهما ويقبلهما فقالا: نشتهي نسمع أذانك PageV05P412 # الذي كنت تؤذن به لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المسجد فعلا سطح ~~المسجد ووقف موقفه الذي كان يقف فيه فلما قال الله أكبر ارتجت المدينة فلما ~~قال أشهد أن لا إله إلا الله ازدادت رجتها، فلما قال أشهد أن محمدا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - خرجن العواتق من خدورهن وقالوا بعث رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فما رئي يوما أكثر باكيا ولا باكية بالمدينة بعد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ذلك اليوم (¬1). # وقال الحافظ عبد المغني إن بلالا لم يؤذن لأحد بعد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - إلا مرة في قدمة قدمها للزيارة، فطلب إليه الصحابة ذلك فأذن ولم يتم ~~الأذان، فقدوم بلال للزيارة والصحابة متوافرون بالمدينة دال على سنية ~~الزيارة، وقد اشتهر أن عمر بن عبد العزيز (¬2) كان يسير البريد من الشام ~~يقول: سلم لي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم يرجع، وفي فتوح ~~الشام أن عمر قال لكعب الأحبار بعد فتح بيت المقدس (¬3): هل لك أن تسير معي ~~إلى المدينة ms1047 وتزور قبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: نعم يا أمير ~~المؤمنين (¬4). ولما قدم عمر المدينة أول ما بدأ بالمسجد وسلم على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - وصح أن ابن عمر كان إذا قدم من سفر أتى قبر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك ~~يا أبا بكر، السلام عليك يا أبتاه. # وفي الموطأ (¬5) أن ابن عمر كان يقف على قبر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فيصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - وعلى أبي بكر وعمر. PageV05P413 # وعن ابن (أ) القاسم والقعنبي: ويدعو لأبي بكر وعمر. # وعن ابن عون: سأل رجل نافعا (ب) هل كان ابن عمر يسلم على القبر؟ قال: ~~نعم، لقد رأيته مائة مرة أو أكثر كان يأتي القبر فيقوم عنده (ج) فيقول: ~~السلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - السلام على أبي بكر، السلام على أبي. # وروى أبو حنيفة عن ابن عمر من قوله أنه قال: السنة أن تأتي قبر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - من قبل القبلة. فجعل ذلك من السنة. وروى أحمد أن أبا ~~أيوب وجده مروان واضعا وجهه على قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (د ~~وفي "الشفاء" قال بعضهم: رأيت أنس بن مالك أتى إلى قبر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - د) - فرفع يديه حتى ظننت أنه افتتح الصلاة فسلم على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ثم انصرف. # وفي البزار: خرج عمر إلى منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإذا ~~معاذ بن جبل قائم يبكي عند قبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ما ~~يبكيك يا معاذ ... الحديث. # وأخرج الحافظ أبو ذر الهروي في آخر كتابه "المسند" من طريق محمد بن يوسف ~~بن الطباخ قال حدثنا مصعب قال: قال الدراوردي: رأيت جعفر بن محمد -أي ~~الصادق ابن الباقر- جاء فسلم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثم ~~انتهى فسلم على أبي بكر وعمر فرآني كأني تعجبت أو قال: فسرني لإكذابه بذلك ~~ما يزعمه ms1048 الشيعة من بغضهم للشيخين، قال: فقال لي: والله إن هذا أدين الله ~~به. PageV05P414 # وأخرج الدارقطني في الفضائل عن عبد الله بن جعفر أن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه - دخل المسجد فبكى حتى نظر إلى بيت فاطمة فأطال البكاء ثم انصرف ~~إلى قبر النبي - صلى الله عليه وسلم - فبكى فأطال عنده ثم قال: وعليكما ~~السلام يا أخوي ورحمة الله وبركاته قد كنتما هاديين مهديين خرجتما من ~~الدنيا خميصين -يعني أبا بكر وعمر. # وفي الشفاء (¬1) قال إسحاق بن إبراهيم الفقيه: ومما لم يزل من شأن من حج ~~المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ومجلسه وملامس يديه ومواطيء قدميه (أ) ~~والعمود الذي يستند إليه وينزل جبريل بالوحي عليه (ب) ومن عمره وقصده من ~~الصحابة وأئمة المسلمين والاعتبار بذلك كله فتقرر مما ذكر من (ج) أن زيارته ~~- صلى الله عليه وسلم - إن (د) لم تكن واجبة فهي سنة مواظب عليها، وأن ذلك ~~مشروع للرجال والنساء كما في سائر القبور، وقبره - صلى الله عليه وسلم - ~~أولى لما له من الحق ووجوب التعظيم ولتنزل الرحمة بصلاتنا وسلامنا عليه عند ~~قبره بحضرة الملاثكة الحافين به والتبرك وبذكر الآخرة، وقد قال بعض ~~الظاهرية بوجوب زيارة القبور على الإطلاق في حق الرجال، واختلفوا في حق ~~النساء، ويستثنى من محل الخلاف النساء عند من منعهن من زيارة القبور ولعموم ~~الوارد في زيارته - صلى الله عليه وسلم - لهن، وقد أشار إليه السبكي والدعي ~~(ه) PageV05P415 # وهو مقتضى إطلاق الأئمة ولعموم قوله تعالى {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم ~~جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ...} (¬1) الآية وهذه المزية لا ~~تنقطع بموته (¬2) وقد ورد أنه يستغفر لأمته إذا عرضت أعمالهم عليه ولذلك ~~استحب العلماء قراءة الآية الكريمة لمن وصل إلى قبره، والخلاف في مشروعية ~~زيارة قبره - صلى الله عليه وسلم - لابن تيمية الحنبلي رواه عنه تقي الدين ~~السبكي (¬3) من خطه وتبعه بعض من الحنابلة، واحتج على ذلك بحديث "لا تشد ~~الرحال ms1049 إلا إلى ثلاثة مساجد .... " (¬4) الحديث الصحيح، وحديث "لا تتخذوا ~~قبري عيدا ولا تتخذوا بيوتكم قبورا" رواه عبد الرزاق عن الحسن بن الحسن (4). # نهى قوما رآهم عند القبر، وروى الحديث، ولأن الأحاديث الواردة في الزيارة ~~كلها ضعيفة. والجواب عليه بأن حديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة" لا بد ~~فيه من تقدير المستثنى منه، والتقدير: لا تشد الرحال إلى مسجد لتعظيمه ~~والصلاة فيه إلا إلى ثلاثة بدليل أنه يجب شد الرحل إلى عرفة للوقوف وإلى ~~منى للمناسك التي فيها، وإلى مزدلفة، وكذلك يشد الرحل للجهاد وللهجرة من ~~دار الكفر ولطلب العلم الواجب، والإجماع PageV05P416 # على جواز شد الرحل للتجارة ومطالب الدنيا المباحة والمندوبة، فزيارة قبر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لطلب خير الدنيا والآخرة من جملة المقاصد ~~وأعظمها لإدراك خير الدنيا والآخرة، وقصدها أيضا هو قصد لمسجد المدينة فهو ~~من أحد الثلاثة المستثناة مع أنه جاء في لفظ الحديث بإسناد حسن: "لا ينبغي ~~للمطي أن تشد رحالها إلى مسجد تبتغي فيه الصلاة غير المسجد الحرام ومسجدي ~~هذا والمسجد الأقصى" (¬1) فالزيارة وغيرها من سائر الواجبات والمندوبات ~~التي يسافر لها خارجة عن النهي، ويحتمل الحديث أن المعنى: لا تشد الرحال ~~إلى مسجد لابتغاء مضاعفة الصلاة فيه إلا إلى المساجد الثلاثة فلا ينبغي شد ~~الرحل إلى مسجد آخر للصلاة فيه كمسجد قباء، ويؤخذ من هذه التأويلات ضعف ما ~~قاله النووي في شرح مسلم (¬2): "اختلف العلماء في شد الرحل لغير الثلاثة ~~كالذهاب إلى قبور الصالحين وإلى المواضع الفاضلة، فذهب الشيخ أبو محمد ~~الجويني إلى حرمته، وأشار عياض إلى اختياره، والصحيح عند أصحابنا أنه لا ~~يحرم ولا يكره، قالوا: والمراد أن الفضيلة الثابتة إنما هي شد الرحل إلى ~~هذه الثلاثة خاصة، انتهى. ووجه ضعف هذا أن الذي ذكره خارج عن النهي على ~~التأويل المذكور، وفي "مغني (¬3) " الحنابلة عن ابن عقيل أن من سار لزيارة ~~القبور والمشاهد لا يباح له الترخص يعني في قصر الصلاة لخبر "لا تشد ~~الرحال" يحمل على نفي الفضيلة لا على التحريم، انتهى كلامه ms1050 (¬4). PageV05P417 # ويجاب عنه بما تقدم أن ذلك خارج عن محل النهي فبطل الاحتجاج بالحديث، ~~وأما حديث "لا تتخذوا قبري عيدا" (¬1) فقال الحافظ المنذري يحتمل أن يكون ~~حثا على كثرة الزيارة وأن لا يهمل حتى لا يزار إلا في بعض الأوقات كالعيد، ~~ويؤيده قوله "لا تجعلوا بيوتكم قبورا" أي لا تتركوا الصلاة فيها. قال ~~السبكي: ويحتمل أن يكون المراد لا تتخذوا له (أ) وقتا مخصوصا لا تكون ~~الزيارة إلا فيه أو لا تتخذوه كالعيد في العكوف عليه وإظهار الزينة ~~والاجتماع للهو وغيره كما يفعل في الأعياد بل لا يؤتى إلا للزيارة، والدعاء ~~والصلاة والسلام، ثم ينصرف عنه، ويدل على التأويل أن ابن الحسن لم يرد منع ~~الزيارة ما رواه القاضي إسماعيل عن سهل بن أبي سهيل قال: جئت أسلم على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وحسن بن حسن يتعشى فقال: هلم إلى العشاء، ~~فقلت: لا أريده، فقال: ما لي رأيتك واقفا قلت: وقفت أسلم على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: إذا دخلت فسلم عليه ... وذكر الحديث. # وفي رواية للقاضي إسماعيل أن رجلا كان يأتي كل غداة فيزور قبر PageV05P418 # النبي - صلى الله عليه وسلم - ويصلي إليه ويصنع من ذلك ما انتهره عليه ~~علي بن الحسين فقال له: ما يحملك على هذا؟ فقال: أحب التسليم على النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فقال له علي: أخبرني أبي .... وذكر الحديث، فالرواية ~~تدل على أن الرجل لم يقف على حد الزيارة، قد روى يحيى بن الحسن (أ) أن علي ~~بن الحسين كان إذا جاء يسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وقف عند ~~الأسطوانة التي تلي الروضة ثم يسلم ثم يقول: ها هنا رأس النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال المطري: وهو موقف السلف قبل إدخال الحجرة في المسجد. # وقد روي عن مالك (¬1) أنه كره زيارة قبر (ب) النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- وهو متأول بأنه إنما كره إطلاق لفظ الزيارة لأن الزيارة من شاء فعلها ومن ~~شاء تركها، وزيارة قبر النبي - صلى الله عليه وسلم ms1051 - واجبة، كذا قال عبد ~~الحق (¬2)، وقال يعني من السنن الواجبة، وقيل إنما قال مالك ذلك قطعا ~~للذريعة، وقيل لأن الوصول إليه ليس ليصله أو لينفعه كما هو مفهوم الزيارة، ~~وإنما ذلك رغبة في الثواب فالنفع للزائر لا للمزور متبين بما ذكرنا بطلان ~~ما احتج به ابن تيمية ومن تبعه، وترجح ما ذهب إليه الجمهور من السلف والخلف ~~على مشروعية الزيارة وسنيتها، وأنها من أفضل القرب والمستحبات، بل تقرب من ~~مرتبة الواجبات فإن المسلمين من جميع أقطار الأرض لم يزل من PageV05P419 # شأن (أ) من حج منهم المرور بالمدينة والقصد إلى الصلاة في مسجد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - والتسليم عليه والتبرك برؤية روضته ومنبره وقبره ~~ومجلسه ومواطئ قدميه من زمان الصحابة إلى الآن ويعدون ذلك من أفضل الأعمال ~~وأنجح مساعي الخيرات والسعادات الدينية والدنيوية، وقد مضى شطر صالح في ذلك (¬1). # وقالت الحنفية زيارته - صلى الله عليه وسلم - من أفضل المندوبات ~~والمستحبات بل تقرب من درج الواجبات فذلك إجماع يفيد القطع بالمشروعية، ~~والأحاديث الواردة متضافرة يقوي بعضها بعضا وأسانيد أكثرها صحيحة أو حسنة ~~فالأدلة من الكتاب والإجماع تؤيد السنة الواردة في ذلك وما تخيله بعض ~~المحرومين أن السفر للزيارة والقصد إليها قد يفضي إلى أن يعتقد بعض الجهلة ~~أن غير الله -سبحانه وتعالى- يضر وينفع فيسوي في التعظيم بين البارئ - ~~سبحانه وتعالى - وغير ذلك، وقد أشير إلى التحرز من هذا في حديث عائشة - رضي ~~الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مرضه الذي لم ~~يقم منه: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" (¬2) لولا ~~ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أو خشي أن يتخذ مسجدا أخرجه البخاري وقال ~~العلماء: إنما نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اتخاذ قبره وقبر ~~غيره مسجدا خوفا من المبالغة في تعظيمه والافتتان به فربما أدى ذلك إلى ~~الكفر كما جرى لكثير من الأمم الخالية ولما احتاجت الصحابة PageV05P420 # والتابعون إلى الزيادة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين كثر ~~المسلمون ms1052 وامتدت الزيادة إلى أن دخلت بيوت أمهات المؤمنين فيه ومنها حجرة ~~عائشة مدفن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وصاحبيه أبو بكر وعمر بنوا ~~على القبر حيطانا مربعة مستديرة حوله لئلا يظهر في المسجد فيصلي فيه العوام ~~فيؤدي إلى المحذور ثم بنوا جدارا من ركني القبر الشماليين حرفوهما حتى ~~التقيا أدركي الجدار حتى لا يمكن أحد من استقبال القبر فذلك الذي تخيله غير ~~واقع، فإن الزائر للنبي - صلى الله عليه وسلم - إنما يقصد بذلك التقرب إلى ~~الله - والتوسل بالنبي - صلى الله عليه وسلم - ليحصل مطلبه من الله - ~~سبحانه وتعالى - لا من النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا تسوية في التعظيم ~~بين الله - سبحانه - وبين النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن سوى في التعظيم ~~كان المحذور لازما له بعينه ولا يمنع غيره لأجله، وهذا القول الوسط الذي لا ~~إفراط فيه ولا تفريط (¬1). PageV05P421 ### ||| AUTO الفصل الثالث في اختلاف السلف والخلف في الأفضل من البداية بمكة أم بالمدينة لمن يريد الزيارة # فظاهر كلام جماعة من الشافعية ومنهم النووي أنه يبدأ بالحج ثم بالزيارة، ~~وذهب إلى هذا الإمام أبو حنيفة. رحمه الله. وروي عن أحمد بن حنبل أنه لما ~~سئل عن ذلك ذكر بإسناده عن عطاء ومجاهد والنخعي أنك إذا أردت مكة فلا تبدأ ~~بالمدينة واجعل كل شيء لمكة تبعا. وذهب علقمة والأسود وعمرو بن ميمون من ~~التابعين إلى تقديم الزيارة على الحج. والأولى أنه إذا كان الوقت متسعا ~~فالأولى تقديم الزيارة إذا أطاقها لتحصيل هذه الفضيلة فإنه قد يحج ويعوقه ~~عن الزيارة عائق وليكون وسيلة إلى قبول حجه وتوفيقه للإتيان به على أكمل ~~وجوه الكمال والسداد، ومن خشي فوت الحج قدم الحج، وقد أشار إلى مثل هذا في ~~كلام أحمد بن حنبل (¬1)، وكذا الإمام تقي الدين السبكي، وذكر بعض العلماء ~~فائدة حسنة وهو أن الحكمة في دفنه - صلى الله عليه وسلم - في المدينة ولم ~~يدفن في مكة مع أنه ورد في الحديث أن كل أحد يدفن في الطينة التي خلق منها ~~ورواية: "خلق ms1053 من طينة الكعبة" وهي لئلا تكون زيارته تابعة لقصد الحج فتكون ~~متبوعة للحج، فكان دفنه في المدينة لتكون زيارته مقصودة في نفسها مستقلة ~~مفردة بالتعظيم الذي يستحقه على قدره وكرمه على ربه مع أنه قد ذكر صاحب ~~عوارت المعارف، وتبعه جماعة من حفاظ المحدثين والفقهاء المحققين أن الطوفان ~~لما علا الكعبة موج منها ما PageV05P423 # ربا على وجه الماء من أصلها إلى أن وصل به إلى محل قبره الشريف، فهو - ~~صلى الله عليه وسلم - مدفون في ترب الكعبة، وكانت الحكمة في ذلك هي ما ذكر ~~من إفراده بالقصد والعناية، ويؤيد هذا ما روي أن سليمان - صلى الله على ~~نبينا وعليه- زار محل قبر نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأخبر أنه ~~سيقبر فيه، وترك هناك أربعمائة من أحبار بني إسرائيل ينتظرون بعثته وهجرته ~~إليهم، {فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به فلعنة الله على الكافرين} (¬1). PageV05P424 ### ||| AUTO الفصل الرابع في آداب الزيارة وما ينبغي للزائر أن يعمله في طريقه # الأول: أن ينوي بزيارته للنبي - صلى الله عليه وسلم - (¬1) - التقرب إلى ~~الله بسيره للوصول إلى مسجده - صلى الله عليه وسلم - للصلاة فيه والدعاء ~~والتسليم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأن يكثر في طريقه من ~~الصلاة والسلام عليه (أوإذا قرب من المدينة ازداد من الصلاة والسلام عليه ~~أ) - صلى الله عليه وسلم - ويسأل الله أن ينفعه بزيارته وأن يتقبلها منه، ~~فإن بإكثار الصلاة عليه (ب) نيل السعادات الدينية والدنيوية وتمام ما قصده ~~من الأعمال. # وقد أخرج الترمذي وصححه الحاكم عن أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: "كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذهب ثلثا الليل قام فقال يأيها الناس ~~اذكروا الله جاء الموت بما فيه، قال فقلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة ~~عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ قال: ما شئت، قلت: الربع؟ قال: ما شئت وإن زدت ~~فهو خير لك، قلت: فالنصف؟ قال: ما شئت وإن زدت فهو خير لك، قلت: فالثلثين؟ ~~قال: ما شئت وإن زدت فهو خير ms1054 لك، قلت: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: إذا تكفى ~~همك وغفر لك ذنبك" (¬2). PageV05P425 # وفي رواية عن أحمد وابن أبي عاصم وابن أبي شيبة قال رجل يا رسول الله ~~أرأيت إن جعلت صلاتي كلها عليك؟ قال: "إذا يكفيك الله تعالى ما أهمك من ~~دنياك وآخرتك" (¬1). # فالزائر له مهمات دينية ودنيوية، ومن المهمات وصوله إلى الحضرة الشريفة ~~لأداء ما قصده، فالصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - سبب في تيسرها ~~له، ولا بأس إذا وصل إلى الجبل الذي يسمى مفرجا أن يصعده ليشاهد المدينة ~~ولكن يجتنب ما يفعله كثير من العامة من التسابق المفرط الذي يؤدي إلى ضرب ~~الدواب وإعيائها فيما لا تستطيعه من السير. # الثاني: أن يعرس بالبطحاء الذي بذي الحليفة ويصلي بها بإسنانه - صلى الله ~~عليه وسلم -، قال السبكي وينبغي أن تكون سنة، وعن مالك ومن تبعه من أهل ~~المدينة أن ذلك واجب، ويتأول ذلك بالاستحباب المؤكد، وقال ابن فرحون: إن ~~كان الوقت مما يصلى فيه صلى ركعتين، وإن كان مما لا يصلى فيه أقام فيه حتى ~~يصلي فيه، فإن ذلك من السنة، وذلك لأن ابن عمر قال: "كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - إذا صدر من الحج أو العمرة أناخ بالبطحاء الذي بذي ~~الحليفة يصلي بها" (¬2) قال نافع وكان ابن عمر يفعل ذلك. # الثالث: الاغتسال لدخول المدينة وقد ذكرته الهادوية والمالكية والحنابلة ~~والحنفية، وإذا فات عليه احتمل أن له أن يفعله بعد الدخول ويحتمل عدمه، ~~والأرجح الأول وقد صرحت به الحنفية. # الرابع: أن يلبس أنظف ثيابه ويحتمل أن تكون كالعيد فيلبس الأحسن، ويحتمل ~~أن يلبس الأنظف منها الأبيض لأن التواضع عند دخولها هو PageV05P426 # الأولى، وقد ذكر بعضهم أنه يلبس الأبيض لدخول كل مسجد، وقد جاء في حديث ~~قيس بن عاصم أنه لما وفد مع قومه أسرعوا إلى الدخول، وثبت هو حتى أزال ~~مهنته وأنار شعره ولبس ثيابه وجاءه على تؤدة ووقار فرضي له وأثنى عليه ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن فيه لخصلتين يحبهما الله -عز وجل- الحلم ~~والأناة" ms1055 (¬1). # الخامس: التطيب بعد إزالة الروائح الكريهة وحلق الأبط والعانة وقص ~~الأظفار وغير ذلك مما يحسن به حال الزائر ويكره أن يتشبه بالمحرم بل وإذا ~~اعتقد شرعية ذلك عذر وزجر. # السادس: النزول عن راحلته عند مشاهدة المدينة أو حرمها، صرح به المالكية، ~~والمستند ذلك ما روي أن عبد القيس لما زار النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نزلوا عن رواحلهم ولم ينكر عليهم وتعظيم حرمته وحرمة المقدس (أ) باق بعد ~~وفاته كما في حال حياته، وإذا وصل حرم المدينة قال اللهم هذا حرم رسولك - ~~صلى الله عليه وسلم - الذي حرمته على لسانه ودعاك أن تجعل فيه من الخير ~~والبركة مثلي ما هو (ب) في البيت الحرام فحرمني على النار وأمني من عذابك ~~يوم تبعث عبادك وارزقني من بركاته ما رزقته أولياءك وأهل طاعتك ووفقني لحسن ~~الأدب وفعل الخيرات وترك المنكرات. # وقد ذكر هذا جماعة من العلماء وإن لم يصح فيه شيء. # السابع: إذا دخل المدينة ينبغي له أن لا يركب من حسن دخوله المدينة إلى ~~خروجه منها، وقد روي عن مالك رحمه الله أنه ما ركب بالمدينة دابة PageV05P427 # وكان يقول: أستحي من الله أن أطأ تربة فيها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بحافر دابة، وروي أن أبا الفضل الجوهري لما ورد المدينة زائرا وقرب ~~من بيوتها ترجل ومشى تأكيدا منشدا: # ولما رأينا رسم من لم يدع لنا ... فؤادا لعرفان الرسوم ولا لبا # نزلنا على الأكوار نمشي كرامة ... لما بان عنه أن يلم به ركبا # وحكي عن بعض المريدين أنه لما أشرف على مدينة الرسول - صلى الله عليه ~~وسلم - أنشأ متمثلا: # رفع الحجاب لنا فلاح لناظري ... قمر تقطع دونه الأوهام # وإذا المطي بنا بلغن محمدا ... فظهورهن على الرحال حرام # قربننا من خير من وطئ الثرى ... فلها علينا حرمة وذمام # وما أحسن ما قاله القاضي في الشفاء: "وجدير لمواطن عمرت بالوحي والتنزيل ~~وتردد بها جبرائيل وميكائيل وعرجت منها الملائكة والروح وضجت عرصاتها ~~بالتقديس والتسبيح واشتملت تربتها على جسد سيد البشر، وانتشر عنها من ms1056 دين ~~الله وسنة رسوله ما انتشر مدارس آيات ومساجد وصلوات ومشاهد الفضل والخيرات، ~~ومعاهد البراهين والمعجزات ومناسك الدين ومشاعر المسلمين، ومواقف سيد ~~المرسلين ومتبوأ خاتم النبيين حيث انفجرت النبوة وأين فاض عبابها، وموطن ~~مهبط الرسالة، وأول أرض مس جلد المصطفى ترابها أن تعظم عرصاتها وتتنسم ~~نفحاتها وتقبل ربوعها وجدرانها": # يا دار خير المرسلين ومن به ... هدي الأنام وخص بالآيات # عندي لأجلك لوعة وصبابة ... وتشوق متوقد الجمرات # وعلي عهد إن ملأت محاجري ... من تلكم الجدران والعرصات PageV05P428 # لأعفرن مصون شيبي بينها ... من كثرة التقبيل والرشفات # لولا العوادي والأعادي زرتها ... أبدا ولو سحبا على الوجنات # لكن سأهدي من حفيل تحيتي ... لقطين تلك الدار والحجرات # أذكى من المسك المفتق نفحه ... تغشاه بالآصال والبكرات # وتخصه بزواكي الصلوات ... ونوامي التسليم والبركات (¬1) # الثامن: أن يقول عند دخوله المدينة: بسم الله ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله، رب أدخلني مدخل صدق وأخرجني مخرج صدق، واجعل لي من لدنك سلطانا ~~نصيرا، حسبي الله، آمنت بالله، توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، ~~اللهم إني أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا إليك فإني لم أخرج بطرا ~~ولا أشرا ولا رياء ولا سمعة، خرجت اتقاء سخطك، وابتغاء مرضاتك، أسألك أن ~~تنقذني من النار، وأن تغفر لي ذنوبي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. # التاسع: ينبغي له أن يستحضر بقلبه شرف المدينة واختصاصها برسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأنه الذي أظهره كما أظهر إبراهيم حرمة مكة، وأنها ~~أفضل الأرض مطلقا عند مالك وجماعة من أهل العلم أو بعد مكة عند أكثر ~~العلماء، وأن الذي شرفت به هو خير الخلائق أجمعين ويستشعر تعظيم المدينة من ~~حين دخوله إلى أن يخرج كأنه يرى النبي - صلى الله عليه وسلم -. # العاشر: أن يتصدق بما أمكنه من الرزق الحلال عملا بقوله تعالى {إذا ~~ناجيتم الرسول} (¬2) الآية وهو - صلى الله عليه وسلم - حي، وينبغي أن يخص ~~بالصدقة من كان مستوطنا للمدينة لما لهم من شرف حق الجوار إذا لم يكن غيرهم PageV05P429 # أحوج منهم. ms1057 # الحادي عشر: أن لا يعرج على غير المسجد الشريف وأن يدخله مغتسلا متطيبا، ~~والمرأة تؤخر زيارتها إلى الليل، ويستحضر عند رؤية المسجد جلالته لجلالة ~~مشرفه بالعمارة والصلاة فيه وعبادته فيه ونزول الوحي عليه فيه وملازمته ~~للجلوس فيه وتعليمه شرائع الإسلام والاعتكاف فيه وتأديب أصحابه فيه ~~وهدايتهم وتربيتهم بآداب السنة والكتاب الظاهرة والباطنة واستفادتهم للعلوم ~~التي لا حد لها ولا غاية، ويجدد التوبة والاستغفار من الذنوب والتخلص مما ~~عليه من المظالم والحقوق، ويفرغ قلبه من أمور الدنيا وما لا تعلق له ~~بالزيارة حتى يصلح قلبه للاستمداد منه - صلى الله عليه وسلم - فيتفرغ من ~~ذلك بقدر وسعه وإمكانه، ويستشفع ببركة زيارة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بإمداد الله له وتوفيقه للاستقامة على التوبة ويستحضر في قلبه كونه ~~- صلى الله عليه وسلم - حيا في قبره، وأن الوصول إليه كالوصول إليه في ~~حياته، وأنه يسمع سلامه ويجيب عليه، ويعرفه بعينه وما هو عليه من الاستقامة ~~والمخالفة (¬1)، وأنه الوسيلة وباب الله الذي لا يدخل إليه من غيره كما قال ~~بعض العارفين: # وأنت باب الله أي امرئ ... أتاه من غيرك لا يدخل PageV05P430 # ويطهر نفسه من الحقد والكبر ويلزم التواضع والأدب مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في جميع الأحوال ومتى أراد المسجد قدم رجله اليمنى ويقول: أعوذ ~~بالله العظيم وبوجهه الكريم وسلطانه القديم من الشيطان الرجيم، بسم الله ~~والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم صل على محمد وآل محمد وصحبه ~~وسلم، اللهم اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك رب وفقني وسددني وأصلحني ~~وأعني على ما يرضيك عني ومن علي بحسن الأدب في هذه الحضرة الشريفة، السلام ~~عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله ~~الصالحين، وإذا خرج قدم رجله اليسرى وقال هذا إلا أنه يقول: وافتح لي أبواب فضلك. # وقد ورد في هذا الذكر أحاديث صحيحة، وذكر الرحمة في الدخول لأن المساجد ~~محال رحمة الله تعالى لعباده رحمة مخصوصة (أ) تناسب قصدهم (ب) وعبادتهم ~~فطلبت، وذكر في الخروج ms1058 الفضل لأن الخروج إلى محل الاكتساب والأسباب التي ~~تجلب بها الأرزاق والغنى عن الناس، وهذا مظهر من مظاهر الفضل التي تفضل ~~الله بها على عباده كما قال الله تعالى: {فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل ~~الله} (¬1) وقد جاء بسند حسن غير متصل "أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا ~~دخل المسجد صلى على محمد وسلم ثم قال: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب ~~رحمتك، وإذا (ج) خرج صلى على محمد وسلم ثم قال: اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح ~~لي PageV05P431 # أبواب فضلك" (¬1) وغير هذا، وقد تقدم في باب المساجد، وجاء في رواية: ~~"إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم - وليقل ~~اللهم اعصمني من الشيطان" (¬2)، قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ويرد ~~عليه بأن فيه علة خفيت على الحاكم، لكنه حسن بشواهده. # وورد حديث أيضا في أنه يقول: السلام عليك أيها النبي الكريم ورحمة الله ~~وبركاته، وهذا يشرع لكل داخل إلى المسجد المعظم وإن كان من أهل المدينة. # قال الجمال الطبري: ينبغي للزائر أن يدخل من باب جبريل لأنه كان يدخل ~~منه. وقد ورد في حديث نزوله بالخروج على بني قريظة وهو راكب على فرس أبلق ~~وعلى رأسه اللامة حتى وقف بباب الجنائز وهو الباب المسمى بباب جبريل، ~~وتسميته بباب جبريل متواتر عند أهل المدينة تناقله الخلف عن السلف (¬3). # وأن يقصد الروضة المقدسة، وإن دخل من باب جبريل قصدها من خلف الحجرة ~~الشريفة مع ملازمته الهيبة والوقار وملابسة الخشية والانكسار والخضوع ~~والافتقار ثم يبدأ بتحية المسجد ركعتين خفيفتين قيل: يقرأ في الأولى ~~"الكافرون" وفي الأخرى "الإخلاص" ويصلي في مصلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وهو الآن محراب الشافعية (¬4) لكن فيه انحراف عنه فيتحرى الطرف PageV05P432 # الغربي من ذلك المحل بحيث يصير ذلك المحراب عن يمينه، فهذا هو محل موقفه ~~الشريف، فإن لم يتيسر له مما قرب إليه مما يلي المنبر، وقد ورد في تقديم ~~التحية على الزيارة ما رواه مالك عن جابر - رضي الله عنه (أ) - قال: قدمت ms1059 ~~من سفر فجئت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو بفناء المسجد فقال: ~~"أدخلت المسجد فصليت فيه؟ فقلت: لا. فقال: فاذهب فادخل المسجد صل فيه ثم ~~ائت فسلم علي" (¬1). # وإذا صلى المكتوبة قامت مقام التحية، ويسن له بعد الفراغ من التحية أن ~~يشكر الله تعالى على هذه النعمة العظيمة ثم يسأله إتمام ما قصده وقبول ~~زيارته، وله أن يسجد سجدة الشكر على مقتضى مذهب الهادوية والحنفية، وذكره ~~الجمال الطبري من الشافعية، ومقتضى مذهب الشافعية أن سجود الشكر إنما يكون ~~عند مفاجأة نعمة لا تحتسب فلا يسجد بل صرح بعض الشافعية بأنها تحرم لأن ~~التقرب إلى الله بالسجود بلا سبب محرم. # الثاني عشر: أن يقصد إلى القبر الشريف، قال بعضهم: والأولى أن يأتيه من ~~جهة أرجل الصحابة -رضي الله عنهم- لأنه أبلغ في الأدب من الإتيان من جهة ~~رأسه المكرم. وقد تقدم عن زين العابدين أنه كان يأتي من قبل الرأس ويستدير ~~القبلة ويستقبل الوجه الشريف، وهذا مذهب الجمهور، وقال بعض ونقل عن أبي ~~حنيفة أن الأفضل استقبال الكعبة، وروي أيضا عن أبي حنيفة مثل الجمهور. # وقد روى ابن الهمام في مسنده عن ابن عمر أنه قال: "من السنة استقبال ~~القبر المكرم وجعل الظهر إلى القبلة". PageV05P433 # وقد نقل الطبري عن السلف أنهم كانوا قبل إدخال الحجر في المسجد يقفون في ~~الروضة مستقبلين الرأس الشريف، وكانوا يقفون على باب البيت يسلمون، أي ~~لتعذر استقبال الوجه الشريف، ثم لما أدخلت حجر أزواجه في المسجد اتسع أمام ~~الوجه الكريم فوقفوا فيه مستقبلين له مستدبرين القبلة (¬1)، وكما في حق ~~الخطيب، ثم يقف وهو مستشعر للهيبة والإجلال فارغ القلب من علائق الدنيا ~~مستحضرا بقلبه جلالة موقفه ومنزلة من هو بحضرته، وأنه حي في قبره، ناظرا ~~إليه، وأنه ربما أطلعه الله على ما في قلبه. # قال الكرماني الحنفي: ويضع يمينه على شماله كما في الصلاة ويبعد عن القبر ~~الشريف بنحو أربعة أذرع، ذكره النووي في الإيضاح (¬2)، قال النووي: وهو ~~الذي أطبق عليه العلماء. وفي كتب غيره من الشافعية ms1060 ويقرب الزائر من القبر ~~كقربه منه حيا، وهو يختلف باختلاف الأشخاص والأحوال، وذكر ابن عبد السلام ~~أنه يكون بمقدار ثلاثة أذرع، وعن جماعة من المالكية الأفضل القرب، وهذا ~~أدخل الآن إلى داخل الحجرة، وأما من زار من خلف الشباك الحديد (أالذي وضع ~~أ) محيطا فهو قد زاد على ذلك، والزيارة من داخل الحجرة إذا أمكن لأن ذلك ~~موقف السلف، ويندب له أن ينظر إلى أسفل ما يستقبله من جدار (ب) القبر، وأن ~~يغض PageV05P434 # طرفه عما أحدث به من الزينة. # الثالث عشر: أنه يندب له أن يقول وهو مستقبل القبر الشريف: السلام عليك ~~يا رسول الله، السلام عليك يا نبي الله، السلام عليك يا خير خلق الله، ~~السلام عليك يا خيرة الله، السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نبي ~~الرحمة، السلام عليك يا هادي الأمة، السلام عليك يا بشير يا نذير يا ظهير ~~يا ظاهر، السلام عليك يا ماحي يا عاقب يا رؤوف يا رحيم يا حاشر، السلام ~~عليك يا رسول رب العالمين، السلام عليك يا سيد المرسلين وخاتم النبين، ~~السلام عليك يا خير الخلائق أجمعين، السلام عليك يا قائد الغر المحجلين، ~~السلام عليك وعلى آلك وأهل بيتك، وأزواجك وأصحابك أجمعين، السلام عليك وعلى ~~سائر الأنبياء وجميع عباد الله الصالحين، جزاك الله يا رسول الله عنا أفضل ~~ما جزى نبيا ورسولا عن أمته، وصلى الله تعالى عليك كما ذكرك ذاكر وغفل عن ~~ذكرك غافل أفضل وأكمل وأطيب وأطهر وأزكى وأنمى ما صلى على أحد من الخلق ~~أجمعين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له وأشهد أنك عبده ورسوله ~~وخيرته من خلقه، وأشهد أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة ونصحت الأمة ~~وجاهدت في الله حق جهاده اللهم آته الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا ~~الذي وعدته، وآته نهاية ما ينبغي أن يسأله السائلون، اللهم صل على محمد ~~عبدك ورسولك النبي الأمي وعلى آل محمد وأزواجه أمهات المؤمنين وذريته وأهل ~~بيته كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم (¬1)، وبارك ms1061 على محمد وعلى آل ~~محمد وأزواجه وذريته (أوأهل بيته أ) كما باركت على إبراهيم وعلى آل PageV05P435 # إبراهيم في العالمين إنك حميد مجيد كما يليق بعظيم شرفه وكماله ورضاك عنه ~~وكما تحب وترضى له دائما أبدا عدد معلوماتك ومداد كلماتك ورضى نفسك وزنة ~~عرشك أفضل صلاة (أ) وأكملها وأتمها كما ذكرك الذاكرون وغفل عن ذكرك ~~الغافلون وسلم تسليما كذلك وعلينا معهم، وإذا عجز عن هذا اقتصر على بعضه، ~~وأقله السلام عليك يا رسول الله - صلى الله عليك وسلم. # واختلف حال السلف في التطويل والتقصير فروى ابن عساكر عن ابن عمر التقصير ~~وكذلك ما مر عن الحسن بن الحسن، وذهب النووي (¬1) وجماعة من العلماء إلى أن ~~التطويل أفضل، والأولى أنه ما دام الزائر مستحضرا للهيبة والإجلال صادق ~~الاستمداد فالتطويل أولى، ومتى فقد ذلك فالإسراع أولى. # الرابع عشر: إذا وصاه أحد بالسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يقول: السلام عليك يا رسول الله من فلان بن فلان أو نحو ذلك، وحيث كان ~~الموصي قد قبل من الموصى له ذلك التبليغ وجب الإبلاغ لأن ذلك من تحمل ~~الأمانة، وكذلك في حق الحي، وعلى المبلغ إليه الرد ورسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - هو سامع يرد السلام على من سلم عليه، وهذا ذكره جماعة من ~~الشافعية في تبليغ السلام إلى الحي، وكذلك يقال في حق النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فهو حي. # الخامس عشر: يتأكد على الزائر إذا فرغ من السلام على رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن يتأخر إلى جهة يمينه قدر ذراع فيسلم على أبي بكر ~~الصديق، ويقول: السلام عليك يا أبا بكر صفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- وثانيه في الغار، PageV05P436 # جزاك الله تعالى عن أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خيرا؛ لأن رأسه عند ~~منكب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يتأخر كذلك عن يمينه قدر ذراع ~~للسلام على عمر لأن رأسه عند منكب أبي بكر - رضي الله عنهما - فيقول: ~~السلام عليك يا عمر الذي ms1062 أعز الله -تعالى- بك الإسلام، جزاك الله تعالى عن ~~أمة نبيه - صلى الله عليه وسلم - خيرا، ثم إذا فرغ من السلام على الشيخين ~~رجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويتوسل به ~~في حق نفسه، ويستشفع به إلى ربه، وقد استحسن العلماء من (¬1) جميع المذاهب ~~أن يقول ما روي عن سفيان بن عيينة قال: كنت جالسا عند قبر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله تعالى ~~يقول -وفي رواية يا خير الرسل- أن الله عز وجل أنزل عليك كتابا صادقا قال ~~فيه {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول ~~لوجدوا الله توابا رحيما} (¬2) وقد جئتك مستغفرا بك من ذنوبي ثم بكى وأنشأ يقول: # يا خير من دفنت في الترب أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والأكم # نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم # قال: ثم استغفر وانصرف فحملتني عيني فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في النوم فقال: يا سفيان الحق الأعرابي فبشره بأن الله تعالى قد غفر له ~~فخرجت خلفه فلم أجده. # وروى بعض الحفاظ عن أبي سعيد السمعاني أنه روى عن علي - كرم PageV05P437 # الله وجهه - أنهم بعد دفنه - صلى الله عليه وسلم - بثلاثة أيام جاءهم ~~أعرابي فرمى نفسه على القبر وحثا من ترابه على رأسه وقال: يا رسول الله قلت ~~فسمعنا قولك ووعيت عن الله سبحانه وتعالى وما وعينا عنك وكان فيما أنزل ~~عليك {ولو أنهم ....} الآية وقد ظلمت نفسي وجئتك (أ) تستغفر لي فنودي من ~~القبر أنه قد غفر لك (¬1). # وجاء ذلك عن علي من طريق أخرى، ويقول بعد أن يستغفر ويجدد التوبة: ونحن ~~وفدك يا رسول الله وزوارك جئناك لقضاء حقك والتبرك بزيارتك، والاستشفاع بك ~~مما أثقل ظهورنا وأظلم قلوبنا فليس لنا شفيع غيرك نؤمله ولا رجاء غيرك نصله ~~فاستغفر الله تعالى لنا، واشفع لنا إلى ربك واسأله أن يمن علينا بسائر ~~طلباتنا ويحشرنا في زمرة عباده الصالحين والعلماء ms1063 العاملين. # ويكره أن يطوف بقبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بل نقل الثوري عن إطباق ~~العلماء تحريمه لأن الطواف كالصلاة، وقد أجمعوا أنه يحرم الصلاة إلى قبره ~~تعظيما له، ويكره إلصاق البطن والظهر بجدار القبر المكرم، كذا ذكره الحليمي ~~من الشافعية (¬2)، ويلحق به جدار الحاجز عليه المستور بالحرير الآن، ويكره ~~وضع اليد على القبر ومسح جدار القبر باليد وتقبيله، والأدب أن يبعد منه لو ~~كان حيا حاضرا. # وادعى النووي (ب) إطباق العلماء على ذلك، واعترض دعوى الإطباق PageV05P438 # العز بن جماعة. وقال: إنه سئل أحمد عن تقبيل القبر ومسه فقال (¬1): لا ~~بأس به، ومثله عن المحب الطبري وابن أبي الصيف والإمام السبكي، وقد روي عن ~~أبي أيوب الأنصاري تمريغ وجهه على القبر (أوهو ما أخرجه أحمد بسند جيد أنه ~~أقبل مروان يوما فوجد رجلا واضعا وجهه على القبر فأخذ مروان برقبته (ب) ثم ~~قال: هل تدري ما تصنع؟ فأقبل عليه فقال: نعم إني لم آت الحجر إنما جئت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ولم آت الحجر سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول "لا تبكوا على (ج) الدين إذا وليه أهله ولكن ابكوا (د) على ~~الدين إذا وليه غير أهله" (¬2) وما تقدم من زيارة بلال وتمريغ وجهه، وجاء ~~عن فاطمة - رضي الله عنها - أنها لما قبر - صلى الله عليه وسلم - أخذت قبضة ~~من تراب قبره وجعلته على عينها وبكت وأنشدت: # ماذا على من شم تربة أحمد ... أن لا يشم مدى الزمان غواليا # صبت علي مصائب لو أنها ... صبت على الأيام عدن (ه) لياليا # وقد رد ذلك بأن قول النووي إطباق العلماء أراد من بعد عصر الصحابة يعني ~~أنهم رأوا ترك ذلك لمصلحة وهو سد ذريعة المفسدة التي تحصل من PageV05P439 # عامة الناس من اعتقاد تعظيم الجماد من الحجر والتراب وغير ذلك وقد يفضي ~~إلى اعتقاد أن ذلك يضر وينفع من دون الله تعالى (¬1). # وذكر الخطيب في تأويل ما تقدم عن بلال وغيره أنه يكون الحامل على ذلك ~~الاستغراق في المحبة ms1064 ومقصودهم إنما هو الاحترام والتعظيم، والناس تختلف ~~مراتبهم في ذلك كما كانت تختلف في حياته فإنه كان ناس حين يرونه لا يملكون ~~أنفسهم ويبادرون إليه وناس يكون فيهم أناة وكلهم يقصد الخير، وعلم من هذا ~~كراهة مس مشاهد الأولياء وتقبيلها بالطريق الأولى، وكذلك يكره أيضا ~~الانحناء للقبر الشريف، وأقبح منه تقبيل الأرض، وحكى هذا ابن جماعة عن بعض ~~العلماء. # السادس عشر: أنه إذا فرغ من الزيارة استقبل القبلة ووقف محاذيا لرأس ~~القبر المكرم والأسطوانة التي هي علم على جهة الرأس الشريف فيجعلها عن ~~يساره، وتكون الأسطوانة المقابلة له الملاصقة للمقصورة المستديرة بالحجرة ~~الشريفة على يمينه ويستقبل القبلة ويحمد الله -تعالى- ويمجده بأبلغ (أ) ما ~~يمكنه ثم يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم يدعو لنفسه بما أحب من ~~خيري الدنيا والآخرة ولوالديه ولأقاربه ولأحبائه ولمن أوصاه ولسائر ~~المسلمين واستقبال القبلة هو الأفضل على ما ذهب إليه جمهور العلماء، وذهب ~~مالك إلى أن الأفضل أن يستقبل الوجه الشريف في حال الدعاء، وقد سأله ~~المنصور الدوانيقي فقال له: يا أبا عبد الله أستقبل القبلة وأدعو أم PageV05P440 # أستقبل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ # فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم - صلى الله ~~على نبينا وعليه - يوم القيامة، استقبله واستشفع به فيشفعه الله تعالى قال ~~الله تعالى: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك ...} الآية (¬1)، ولمالك قول: ~~إنه لا يستقبل القبر إلا للسلام دون الدعاء وجمع بين قوليه بأن الأول فيمن ~~يعرف آداب الدعاء وشروطه والثاني في حق الجاهل لذلك (¬2). # السابع عشر: أنه يسن بعد إتمام الزيارة إدامة الوقوف في الروضة المشرفة ~~ويجعل صلاته مدة إقامته فيها فهو أولى لما ورد فيها في الصحيحين عن أبي ~~هريرة أنه قال - صلى الله عليه وسلم - "ما بين منبري وقبري روضة من رياض ~~الجنة، ومنبري على حوضي" (2) وفي رواية "ما بين منبري وبيتي" وفي أخرى "ما ~~بين حجرتي ومنبري" ولا منافاة لأن قبره في بيته، وبيته هو الحجرة. # ومعنى الحديث كما قال ms1065 مالك: إنه ينقل إلى الجنة وليس كسائر الأرض يذهب ~~ويفني أو هي من الجنة الآن حقيقة، وإن كانت في الظاهر صفتها صفة دار الدنيا ~~كما أن الحجر الأسود ومقام إبراهيم من الجنة، وكونه على الحوض أنه ينصب على ~~حوضه لأن الأصل بقاء اللفظ على ظاهره. # ويمسح رمانة المنبر لأنه روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - يمسكها ~~وأنها باقية، وأما الأكل من التمر الصيحاني في الروضة فبدعة تفعلها الشيعة ~~ويروون في PageV05P441 # تسميته صيحانيا حديثا وهو ما رواه ابن المؤيد الحموي عن جابر - رضي الله ~~عنه - قال: كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما في بعض حيطان المدينة ~~ويد علي في يده فمررنا بنخل فصاح النخل هذا محمد رسول الله -هذا علي سيف ~~الله فالتفت النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى علي وقال "سمه الصيحاني" ~~ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وفضيلة المسجد كائنة لما كان في زمنه - صلى ~~الله عليه وسلم - ولما زيد فيه وذلك لأنه - صلى الله عليه وسلم - قد اطلع ~~على ما سيكون بعده. وقد أخبر بمضاعفة الثواب لمن صلى فيه، ويدل على ذلك أن ~~عمر زاد فيه من جهة القبلة الرواق المتوسط بين الروضة ورواق المحراب ~~العثماني وحده في الغرب إلى الأسطوانة السابعة من المنبر، ولم يزد شيئا في ~~جهة الشرق لأن الحجرة كانت هي الحد في الشرق في زمنه ثم زاد عثمان في ~~القبلة إلى موضع محرابه اليوم ولم يزد في شرقيه وزاد في غربيه قدر ~~الأسطوانة فجدار المسجد في زمنه من جهة الغرب انتهى إلى الأسطوانة الثامنة ~~(أ) من المنبر وما بعدها إلى الجدار أسطوانتان فقط زادهما الوليد والخامسة ~~من المنبر هي نهاية المسجد النبوي بعد الزيادة الثانية وحده من جهة الشام ~~قريب من الأحجار التي عند ميزان الشمس بصحن المسجد خلف مجلس مشايخ الحرم، ~~ويندب للزائر أن يصلي عند السواري التي كانت في زمنه - صلى الله عليه وسلم ~~- إذ لا يخلو من صلاته أو صلاة أحد من الصحابة -رضي الله عنهم- والذي ورد ~~له فضل ms1066 خاص هن ثمان: الأولى التي جعلت علامة لمصلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وكان الجذع الذي يخطب - صلى الله عليه وسلم - أمامها كذا قال ابن ~~زبالة ثم أسطوان ثانية صلى إليها النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد تحويل ~~القبلة بضعة عشر يوما وهي الثالثة من المنبر ومن القبر ومن القبلة متوسطة ~~الروضة وتسمى أسطوانة الفرغة لما في الطبراني في "الأوسط" إن PageV05P442 # في مسجدي لبقعة قبل هذه الأسطوانة لو يعلم الناس ما صلوا إليها إلا أن ~~تطير لهم فرغة" فكان أبو بكر وعمر وغيرهما -رضي الله عنهم- يصلون إليها ~~والمهاجرون من قريش يجتمعون عندها، قيل والدعاء عندها مستجاب يليها لناحية ~~القبر أسطوان التوبة وهي أسطوانة أبي لبابة التي ربط نفسه إليها حتى نزلت ~~توبته وأسطوان السرير وهي اللاصقة بالشباك اليوم شرقي أسطوان التوبة كان ~~سريره - صلى الله عليه وسلم - يوضع عندها مرة، وعند أسطوان التوبة أخرى، ~~والخامسة أسطوان علي - رضي الله عنه - كان يجلس في صفحتها التي تلي القبر ~~يحرس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو خلف أسطوان التوبة من جهة ~~الشمال، وكانت الخوخة التي يخرج منها النبي - صلى الله عليه وسلم - من بيت ~~عائشة إلى الروضة في مقابلتها وخلفها من الشمال أيضا، والسادسة أسطوان ~~الوفود كان - صلى الله عليه وسلم - يجلس عندها لوفود العرب، السابعة أسطوان ~~مربعة القبر ويقال لها مقام جبريل وهي في حائز الحجرة الشريفة عند منحرف ~~صفحته الغربية للشمال وبينها وبين أسطوان الوفود الأسطوان الملاصقة لشباك ~~الحجرة وكذا ذكر ابن عساكر في أسطوان الوفود إنك إذا عددت الأسطوان التي ~~فيها مقام جبريل كان هي الثالثة، وليحيى وابن زبالة عن مسلم بن أبي مريم ~~كان باب بيت فاطمة - رضي الله عنها - في المربعة ولذا قال مسلم بن أبي مريم ~~لسليمان: لا يفتك حظك من الصلاة إليها فإنها باب فاطمة أي وقد كان النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يأتيه حتى يأخذ بعضادتيه ويقول: السلام عليكم أهل ~~البيت إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا. # ورواه يحيى ms1067 (أ) وفي رواية له "كل يوم فيقول الصلاة الصلاة .... " الحديث، ~~وقد حرم الناس التبرك بأسطوان السرير لعلو الشباك. PageV05P443 # الثامنة أسطوان التهجد كان يصلي - صلى الله عليه وسلم - إليها ومحلها ~~الآن دعامة بها محراب مرحم (أ) قرب باب جبريل وقد روي أنه كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يخرج حصيرا كل ليلة إذا انكفت الناس فيطرح وراء باب ~~علي - رضي الله عنه - ثم يصلي صلاة الليل فرآه رجل فصلى بصلاته ثم آخر فصلى ~~بصلاته حتى كثروا فالتفت فإذا بهم فأمر بالحصير فطوي ثم دخل فلما أصبح ~~جاءوه فقالوا يا رسول الله كنت تصلي بالليل فنصلي بصلاتك، فقال: "إني خشيت ~~أن تنزل عليكم صلاة الليل ثم لا تقوون عليها" (¬1). قال عيسى بن عبد الله: ~~وذلك موضع الأسطوان التي على طريق باب النبي - صلى الله عليه وسلم - مما ~~يلي باب الزوراء والزوراء بالزي الموضع المزور خلف الحجرة من حائزها وهو ~~كشكل المثلث، وكذا روي عن محمد بن علي بن الحنفية أنها كانت مصلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - من الليل. # قال ابن النجار: هذه الأسطوانة وراء بيت فاطمة من جهة الشمال وفيها محراب ~~إذا توجه المصلي إليه كانت يساره إلى باب عثمان المعروف اليوم بباب جبريل. # وقال المطري: وحولها الدرابزيان أي المقصورة الدائرة على الحجرة الشريفة، ~~وقد كتب فيها بالرخام هذا متهجد النبي - صلى الله عليه وسلم -، وبعد حصول ~~الحريق الثاني دعامة عند بناء القبة واتخذ فيها محراب مرخما، وهذه ~~الأسطوانة هي آخر الأساطين التي لها فضل خاص وإلا فجميع أساطين المسجد ~~مشتركة في الفضل. وقد أخرج البخاري عن أنس "لقد أدركت كبار أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يبتدرون السواري" (¬2) قد اختصت بصلاة أكابر الصحابة ~~عندها. PageV05P444 ### ||| AUTO الفصل الخامس في زيارة من في المدينة # فيندب له أن يخرج كل يوم إلى البقيع لا سيما يوم الجمعة، والأولى أن يكون ~~ذلك بعد السلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى صاحبيه، فإذا ~~انتهى إلى البقيع قال: السلام عليكم دار قوم ms1068 مؤمنين -وهو بتقدير مضاف محذوف ~~أي أهل دار أو سكان أو يجوز بالدار عن أهلها إطلاقا لاسم المحل على الحال ~~والمراد الأرواح- وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللهم اغفر لأهل بقيع ~~الغرقد، اللهم اغفر لنا ولهم ثم يسلم على من في قبة العباس (¬1) وفيها ~~العباس وفاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما هو المشهور ~~أنها بجنب العباس والحسن بن علي وزين العابدين ومحمد بن على الباقر وجعفر ~~الصادق فيسلم على كل واحد منهم ثم سيدنا إبراهيم ابن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وعنده جماعة من الصحابة ثم أمهات المؤمنين وكلهن في البقيع إلا ~~خديجة فبمكة وميمونة بسرف، ويزور قبر مالك بن أنس وشيخه نافع وقبر صفية عمة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ويأتي قبر عثمان بن عفان ويزوره ثم مشهد ~~إسماعيل بن جعفر الصادق وهو بركن سور المدينة من داخله، ومالك بن سنان والد ~~أبي سعيد الخدري وهو ملصق إلى السور غربي المدينة ثم مشهد الإمام محمد بن ~~عبد الله النفس الزكية وهو خارج السور شرقي المدينة بشرقي سلع ثم يأتي أحد ~~لزيارة الشهداء فيبدأ بزيارة حمزة عم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سيد ~~الشهداء ثم يزور الشهداء ويقصد إلى PageV05P445 # جبل أحد فإنه الجبل الذي قال فيه - صلى الله عليه وسلم - "أحد نحبه ~~ويحبنا" (¬1) ويقصد زيارتهم يوم الخميس لأن الموتى يزداد علمهم ومعرفتهم ~~للزائر في يوم الجمعة ويوما قبله ويوما بعده، ويندب التبكير ليعود لصلاة ~~الظهر، ويندب أن يخرج إلى قباء يوم السبت متطهرا من حين خروجه إلى مسجد ~~قباء ناويا التقرب بزيارته والصلاة فيه للحديث الصحيح "صلاة في مسجد قباء ~~كعمرة" (¬2). # وأخرج الشيخان: "كان - صلى الله عليه وسلم - يأتي مسجد قباء راكبا وماشيا ~~فيصلي فيه ركعتين" (¬3). # وقد جاء في الحديث الصحيح "أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يأتيه في كل ~~سبت، وكان يأتي إلى أحد في كل خميس" (¬4) وكان الحكمة في ذلك أنه لما كان ~~قصد الموتى يوم الخميس ويوم الجمعة لزيادة شعورهم، ms1069 فبقي السبت لزيارة قباء ~~وأهله ويؤخذ من قصد النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يشد الرجل إليه، وكان ~~حقه أن يذكر مع المساجد الثلاثة، ولعل الحكمة في عدم ذكره أن القاصد إليه ~~قاصد إلى المدينة، وكان مسجد المدينة هو الأفضل فاستغنى بذكر الأفضل وهو ~~مسجد المدينة فإنه المسجد الذي أسس على التقوى كما قال - صلى الله عليه ~~وسلم - "هو مسجدكم هذا" (¬5) يشير إلى مسجد المدينة ويأتي الآبار التي ~~بالمدينة وهي مشهورة لأهل المدينة، وعد النووي (¬6) سبعا وهي التي كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يتوضأ منها أو يغتسل، وذكر غيره أنها سبع ~~عشرة PageV05P446 # ولعل النووي أراد المشتهر (أ) منها، ويندب له أيضا أن يأتي المساجد التي ~~بالمدينة وهي نحو ثلاثين موضعا وسوى علمت عينه أو جهته (¬1) وقد كان ابن ~~عمر - رضي الله عنهما - يتحرى الصلاة والنزول والمرور حيث حل - صلى الله ~~عليه وسلم - ونزل (¬2). # وما جاء عن عمر أنه رأى الناس في الرجوع من الحج ابتدروا مسجدا فقال: ما ~~هذا؟ فقالوا: مسجد صلى فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: هكذا ~~هكذا (ب) أهل الكتاب قبلكم اتخذوا آثار الأنبياء تبعا، من عرضت له منكم ~~الصلاة فليصل فيه، ومن لم تعرض له فليمض (¬3). # وروي مثل هذا عن مالك ولكنه محمول على سد الذرائع خشية أن يتخذ ذلك ~~العامة تشريعا (¬4). PageV05P447 # وقد قال القاضي عياض في "الشفا": ومن إعظامه - صلى الله عليه وسلم - ~~وإكباره إعظام مشاهده (أ) وأمكنته ومعاهده وما لمسه - صلى الله عليه وسلم - ~~بيده أو عرف به؛ انتهى. PageV05P448 ### ||| AUTO الفصل السادس # إذا أراد السفر من المدينة المشرفة فينبغي أن يغتسل للوداع ثم يأتي إلى ~~مسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - فيسلم كما فعل في وصوله ثم يصلي ركعتين ~~لتوديع المسجد المكرم ويدعو ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويتضرع ~~إلى الله -تعالى- في قبول زيارته (¬1) ثم يقول السلام عليك يا رسول الله ~~سلام مودع لا قال ولا مال ولا سائم للمقام عندك ولا مستبدل بك سواك، فإن ~~أنصرف فلا عن ms1070 ملالة بل باق على ولاية لك مني ومحبة صادقة من قلبي وإيمان بك ~~وتصديق (أ) لك فيما أخبرت به عن ربك وعن علم حقيقي بنبوتك ورسالتك ومعرفة ~~يقينية أنك قد بلغت الرسالة وأديت الأمانة واجتهدت في النصيحة ونصحت الأمة، ~~فجزاك الله عنا أفضل الجزاء، وألحقنا بك من الصالحين وكافأك عنا أفضل ما ~~كافأ نبيا عن أمته ورسول عمن أرسل إليه، ونسأل الله تعالى أن لا يجعله آخر ~~العهد من زيارتك يا رسول الله ومن حضور مشاهدك ومواقفك والتوسل بك إلى الله ~~ربنا وربك وبعترتك الطاهرين وصحابتك الأبرار الصادقين، ونسأل الله تعالى ~~خير مسئول وأكرم مأمول أن يتقبل (ب) جوارنا ويزكي أعمالنا ويغفر ذنوبنا ~~ويدخلنا يوم القيامة في شفاعتك ويحشرنا في زمرتك ويوردنا حوضك ويسقينا ~~بكأسك ويجعل مأوانا الجنة ولا يردنا خائبين ولا مقبوحين وأن يقبلنا مفلحين ~~منجحين قد استجاب دعاءنا وغفر ذنوبنا وزكى أعمالنا وقبل PageV05P449 # جوارنا ربنا وشكر سعينا وردنا بأفضل ما ينقلب به وافد وخير ما يرجع به ~~زائر وأكرم ما يؤوب به راجع وأكثر ما ينصرف به داع إنك قريب مجيب سميع ~~الدعاء لطيف لما تشاء، اللهم صل على محمد (أوعلى آل محمد أ) عدد ما خلقت ~~وزنة ما خلقت ولا حول ولا قوة إلا بالله (ب العلي العظيم ب) وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل. # ثم ينصرف تلقاء وجهه ولا يمشي القهقرى، ولا يحمل شيئا مما عمل من تراب ~~حرم المدينة ومن أحجاره إلى خارج حرمها ولو إلى حرم مكة كما لا يخرج شيئا ~~من حرم مكة إلى خارجه، ولا بأس بإهداء ماء آبار المدينة. وذكر شهاب الدين ~~بن حجر الهيثمي (ج) أنه يحرم قال ويجب على من أخرج شيئا من تراب حرام (د) ~~المدينة أو أحجارها إرجاعه. PageV05P450 ### ||| AUTO الفصل السابع # في عقد الإجارة على زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - فظاهر مذهب ~~الهادوية (¬1) وغيرهم من الأئمة صحة عقد الإجارة لأن (أ) ذلك عمل مقدور ~~معلوم وهو الوصول إلى حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - والتسليم عليه، ~~ويستحق المسمى ms1071 من الأجرة إذا زار وفعل ما أمر به وإن عين له الزمان تعين ~~عليه فإذا استؤجر للحج والزيارة فإن فعلهما استحق الأجرة المسماة، وإن حج ~~ولم يزر سقط عليه من الأجرة بقدر مسافة طريق الزيارة من مكة، وإن لم يعين ~~له الزمان فله أن يزور في أي وقت شاء، وله أن يستنيب إذا شرط أو كان له ~~عذر، وقد ذكر مثل هذا في تهذيب الطالب لعبد الحق وصححه السبكي وقال: والذي ~~ذكره أصحابنا أن الاستئجار على الزيارة لا يصح لأنه عمل غير مضبوط ولا مقدر ~~بشرع (ب) والجعالة إذا وقعت (ج) على نفس الوقوف لم تصح أيضا لأن ذلك مما لا ~~يصح فيه النيابة عن الغير، وإن وقعت على الدعاء عند القبر الشريف كانت ~~صحيحة لأن الدعاء مما يصح النيابة فيه والجهل بالدعاء لا يبطلها، قاله ~~الماوردي. # وبقي قسم ثالث لم يذكره وهو إبلاغ السلام ولا شك في جواز الإجارة ~~والجعالة عليه، وفي التنبيه للديمي (د) أن الاستئجار للزيارة فيه ثلاثة PageV05P451 # أوجه أصحها فيما قاله ابن سراقة الجواز واختاره الأصبحي صاحب المفتاح. # والثاني المنع وبه قطع الماوردي. # والثالث وبه قال الإمام الحكمي واختاره الأصبحي صاحب المغني على أنه يبني ~~على ما إذا حلف لا أكلم فلانا. فكاتبه أو راسله، والصحيح عدم الحنث فلا يصح ~~الاستئجار، وإن قلنا يحنث صح. # قال السيد نور الدين بن علي السمهودي: والبناء ضعيف إذ الملحوظ في ~~الأيمان العرف، وأما الزيارة وإبلاغ السلام فقربة مقصودة. والحق صحة ~~الاستئجار للسلام على النبي - صلى الله عليه وسلم - والدعاء عنده، انتهى. # وأما النذر بالزيارة للنبي - صلى الله عليه وسلم - فعلى ما تقدم من ~~الإشارة إلى أنها واجبة، فالنذر لازم عند الجميع، وعلى القول بأنها سنة ~~فعلى ما ذهب إليه الهادوية، وذكره الأزرقي لمذهب الهادي وهو قول أبي حنيفة ~~وأصحابه أنه لا يجب الوفاء إلا بما جنسه واجب والزيارة جنسها ليس بواجب فلا ~~يلزم الوفاء بالنذر، وعلى ما ذهب إليه القاسم الراسي وصاحب الوافي ومالك ~~والشافعي وهو ظاهر قول المؤيد ms1072 بالله أنه يجب الوفاء بما جنسه قربة وإن كان ~~غير واجب، والزيارة جنسها قربة فيجب الوفاء بها. # قال القاضي ابن كج من أصحاب الشافعي: إذا نذر أن يزور النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فعندي أنه يلزمه الوفاء وجها واحدا وإذا نذر أن يزور غيره فيه ~~وجهان، والقطع في زيارة النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوجوب هو الحق ~~لأنها قربة مقصودة للأدلة الخاصة، وقد وجب من جنس ذلك الهجرة إليه في حياته ~~- صلى الله عليه وسلم - كما قيل بوجوب جنس الاعتكاف كوجوب الوقوف بعرفة، ~~وإنما كان في زيارة غير النبي - صلى الله عليه وسلم - وجهان لأن جنس ~~الزيارة ليس بقربة محضة فإنها قد تكون مباحة كزيارة آحاد الناس الأحياء ~~فاحتمل عدم اللزوم، واحتمل اللزوم لأن زيارة القبور قربة عن نفسها مرغب ~~فيها. PageV05P452 # وبهذا تم الكلام في منسك الزيارة والحمد لله رب العالمين وتم بها الجزء ~~الأول ويتلوه الجزء الثاني من كتاب البيع، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ~~آله الطيبين الطاهرين وصحابته الأخيار الراشدين كما ذكره الذاكرون وكلما ~~غفل عن ذكره الغافلون (أ). # آخر الجزء الخامس، ويتلوه إن شاء الله الجزء السادس وأوله: كتاب البيوع ~~والحمد لله رب العالمين PageV05P453 # البدر التمام شرح بلوغ المرام # للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي # (1048 ه - 1119 ه) # تحقيق # علي بن عبد الله الزبن # عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية # قدم له # فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان # رئيس مجلس القضاء الأعلى # الجزء السادس PageV06P001 # البدر التمام شرح بلوغ المرام PageV06P003 # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة الأولى # 1428 - ه-2007 م PageV06P004 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO كتاب البيوع # البيوع جمع بيع، جمع دلالة على اختلاف أنواعه، و (أالبيع والشراء أ) يطلق ~~أحدهما على ما يطلق عليه الآخر. # قال الأزهري (¬1): تقول العرب: بعت. بمعنى (ب) ما كنت ملكته. # (ج وبعت ج) بمعنى اشتريت. قال: وكذلك شريت بالمعنيين. قال: وكل واحد بيع ~~وبائع؛ لأن الثمن والمثمن كل واحد منهما مبيع. وكذا قال ابن قتيبة (¬2)، ~~تقول: بعت الشيء بمعنى ms1073 بعته، وبمعنى (أاشتريته. وشريت أ) الشيء. بمعنى ~~شريته، بمعنى بعته. وكذا قاله آخرون من أهل اللغة. يقال: بعته أبيعه فهو ~~مبيع ومبيوع. قال الجوهري (¬3): كما تقول: مخيط ومخيوط. حذف من مبيع واو ~~مفعول؛ لأنها زائدة. وقال الأخفش: المحذوف عين الكلمة. قال [المازني] (د): ~~كلاهما حسن، وقول الأخفش PageV06P005 # أقيس. والابتياع الاشتراء، وتبايعا وبايعته. ويقال: [استبعته] (أ). أي: ~~سألته البيع. و: أبعت الشيء. عرضته للبيع، وبيع الشيء بكسر الباء وضمها، ~~وبوع لغة. وكذا القول في قيل وكيل (¬1). # وأجمع المسلمون على جواز البيع، والحكمة تقتضيه (¬2)؛ وذلك أن الله تعالى ~~حكم ببقاء العالم إلى يوم القيامة، وبقاء النفس إلى أجلها إنما يقوم بما ~~تقوم به مصالح المعيشة، وإنما يتمكن من ذلك بالمال، فشرع الله تعالى سبب ~~اكتسابه، وهو التجارة عن تراض. ولذلك إن جماعة من المصنفين ذكروا البيع بعد ~~العبادات، كما فعل المصنف، وأخروا النكاح؛ لأن احتياج الناس إلى البيع أعم ~~من احتياجهم إلى النكاح، لأنه يعم الصغير والكبير والذكر والأنثى، والبقاء ~~بالبيع أقوى من البقاء بالنكاح؛ لأن به تقوم المعيشة التي هي قوام الأجسام (¬3). # وبعض المصنفين قدم النكاح على البيع، كصاحب "الهداية" من الحنفية، وكتب ~~الهدوية ك: "اللمع" و "التذكرة" و "الأزهار" وغيرها؛ PageV06P006 # لأن النكاح عبادة، بل هو أفضل من الاشتغال بنفل العبادة، لأنه سبب إلى ~~التوحيد بواسطة الولد الموحد، ولأن فيه قمع النفس من دواعي الفساد، والتسبب ~~إلى ما به [إرادة] (أ) الله سبحانه وتعالى، من كثرة هذا النوع الآدمي الذي ~~عليه مدار الأحكام الشرعية والمعارف الإلهية والعبادة البدنية، وكان في نفس ~~فعل النكاح ثواب قضاء الشهوة من الجانبين، فهو وإن لم يكن واجبا كان ~~مندوبا، والإباحة فيه قليلة أو غير موجودة. # والبيع في اللغة هو تمليك مال بمال، وكذا في الشرع، لكن زيد فيه قيد ~~التراضي؛ لما في التغالب من الفساد، والله لا يحب الفساد. # وقيل (ب) في حده شرعا: هو إيجاب وقبول في مالين ليس فيهما معنى التبرع. ~~فيخرج من هذا المعاطاة. # وقيل (ج): هو مبادلة مال بمال لا على ms1074 وجه التبرع. فيدخل فيه المعاطاة. # وقيل: هو العقد الواقع بين جائزي التصرف المتناول لما يصح تملكه بثمن ~~معلوم، مع تعريه عن سائر وجوه الفساد، بلفظين ماضيين، أو ما في حكمهما، ~~كإشارة الأخرس، والكتابة، وكما يعتاد الناس في المحقر. وهذا الحد أشمل. PageV06P007 # واعلم أنه ذكر في حده الإيجاب والقبول، ولابد أن يكونا (أ) على صيغة ~~الجزم لفظا، وذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: {إلا أن تكون تجارة عن تراض ~~منكم} (¬1). وقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما البيع عن تراض". ~~أخرجه ابن حبان وابن ماجه (¬2). # والرضا أمر خفي لا يطلع عليه، فوجب أن يناط الحكم بسبب ظاهر يدل عليه، ~~وهو الصيغة، ولكنه استثني من ذلك المحقر؛ لجري عادة المسلمين بالدخول فيه ~~من دون لفظ. وقد ذهب إلى ذلك الهدوية، وخرج لابن سريج من الشافعية، واختاره ~~ابن الصباغ والمتولي والبغوي (¬3)، وادعى في "شرح القدوري" للحنفية الإجماع ~~على كفاية التعاطي في المحقر، وعند الشافعية لا بد من اللفظين فيه كغيره. ~~والمحقر، قال علي خليل (¬4) وأبو مضر: هو ما دون ربع لم المثقال. وقال ~~القاضي زيد: قدر قيراط المثقال فما دون. وقال الدميري في "النجم الوهاج": ~~مثلوا المحقرات بالمشابهة من البقول والرطل الخبز (ب)، ومنهم من مثلها بما ~~دون نصاب السرقة، والأشبه اتباع العرف. انتهى. PageV06P008 # وقال في "الأثمار" (¬1): المحقر وما في حكمه. وأراد بما في حكمه المنقول ~~الذي جرت العادة بعدم (أ) اللفظ فيه. # وأما المعاطاة في (ب) غير المحقر، فمذهب الهدوية والشافعية أنها ليست ~~بيعا (¬2)، وعند الهدوية لا توجب الملك، بل تكون إباحة، وهو وجه للشافعية، ~~ووجه آخر أنه كالمقبوض بعقد فاسد فيجب رده أو بدله إن تلف، ولكل منهما ~~الفسخ، ومذهب المؤيد والخراسانيين من الحنفية أنه ينعقد البيع بالمعاطاة، ~~وهو استحسان، والقياس ألا ينعقد، ولكنه لا يملك فيها إلا بالقبض عند ~~المؤيد. # واختلفت الحنفية أيضا في المعاطاة، في أنه هل يشترط فيها الإعطاء من ~~الجانبين، أو الإعطاء من أحد الجانبين يكفي؟ فأشار محمد بن الحسن في ~~"الجامع الصغير" إلى أن تسليم البيع ms1075 يكفي (¬3)، كذا في "النهاية". # واعلم أنه يحتاج إلى معرفة سبب البيع وحكمه وشروطه وركنه وأنواعه. # أما سببه: فتعلق البقاء المقدور بتعاطيه، لأن الله تعالى حكم ببقاء ~~العالم PageV06P009 # إلى يوم القيامة، وبقاء النفس يحتاج إلى المعاوضة كما تقدم. # وأما حكمه: فالملك، وهو عبارة عن القدرة على التصرفات في المحل شرعا. # وأما شروطه: فأنواع؛ منها في العاقد، وهو أن يكون عاقلا أو (أ) مميزا. ~~ومنها في الآلة، وهو أن يكون بلفظ الماضي. ومنها في المحل، وهو أن يكون ~~مالا متقوما، وأن يكون مقدور التسليم. ومنها التراضي. ومنها شرط النفاذ، ~~وهو الملك والولاية (¬1). # وأما ركنه: فهو الإيجاب والقبول. # وأما أنواعه: فثمانية؛ بيع العين بالنقود، كالثوب بالدراهم، وبيع ~~المقايضة (ب)؛ وهو بيع العين بالعين، كالثوب بالعبد والدار بالثوب، وبيع ~~النقد، بالنقد حاضرين أو أحدهما، أو في الذمة وهو الصرف، وبيع الدين بالعين ~~وهو السلم، وبيع المساومة وهو الذي لا يلتفت فيه إلى الثمن السابق، وبيع ~~المرابحة، وبيع التولية، وبيع المواضعة وهو ضد المرابحة؛ حيث يضع من رأس ~~المال شيئا (¬2). ### || AUTO باب شروطه وما نهي عنه منه # الشروط جمع شرط، والشرط في اللغة العلامة، وفي اصطلاح الفقهاء PageV06P010 # هو ما يلزم من عدمه عدم حكم أو سبب، سواء كان معلقا بكلمة شرط أو لا ~~(¬1). وفي اصطلاح علماء العربية يطلق على تعليق جملة بأخرى، وعلى أداة ~~التعليق، وعلى المعلق عليه بتقدير حصوله، والمراد هنا هو ما يلزم من عدمه ~~عدم الحكم. # والمذكور في هذا الكتاب من شروطه [هو] (أ) ما أشير إليه في حديث جابر ~~(¬2) من الشرط اللازم، وفي حديث بريرة (¬3) من الشرط المنهي عنه الذي ليس ~~في كتاب الله، وغيره مما أشير إليه في أثناء الأحاديث، واستيفاء شروط البيع ~~مستوفاة في كتب الفروع. # واختلف في ذلك عبارة الكتب، فمنهم من جعل الإيجاب والقبول شرطا، كالإمام ~~المهدي في "الأزهار" (¬4)، وكصاحب "المنهاج" (¬5)، ومنهم من جعل ذلك ركنا ~~كالغزالي (¬6). # وقوله: وما نهي عنه منه. يحتمل أن يريد بذلك ما نهي عنه من البيوع، وقد ~~ذكر جملة من المنهيات في ms1076 الكتاب، ويحتمل أن يريد ما نهي عنه من PageV06P011 # الشروط، وقد عرفت ذلك. # وأفرد الضمير المذكور في الوجهين في قوله: عنه. اعتبارا بلفظ "ما"، وفي ~~قوله: منه. الضمير عائد إلى مفرد البيوع، أو إلى مفرد الشروط المتقدم معنى. # 617 - عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~سئل: أي الكسب أطيب؟ قال: "عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور". رواه البزار ~~وصححه الحاكم (¬1). # هو (أ) أبو معاذ رفاعة بن رافع الزرقي الأنصاري (¬2)، شهد بدرا، وشهد ~~أبوه العقبتين الأولى والثانية، وكان من الستة، وهو أحد النقباء الاثني ~~عشر، وأحد السبعين، وهو ومعاذ بن عفراء (¬3) أول أنصاريين أسلما من الخزرج، ~~وكان أول من قدم المدينة بسورة "يوسف". قيل: إنه هاجر إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى مكة. واستشهد يوم أحد، ولم يحفظ عنه رواية سوى ما ثبت في ~~"صحيح البخاري" (¬4) أنه كان يقول لابنه رفاعة: ما يسرني أني شهدت بدرا ~~بالعقبة. وظاهر هذا أنه لم يشهد بدرا. وأما رفاعة فشهد المشاهد كلها، PageV06P012 # وشهد مع علي الجمل وصفين. # روى عن رفاعة ابناه عبيد ومعاذ، وابن [أخيه] (أ) يحيى بن خلاد (¬1)، وله ~~في "صحيح البخاري" ثلاثة أحاديث، وخرج عنه أهل "السنن" سوى ابن ماجه، توفي ~~أول زمن معاوية. # وهذا الحديث رواه المصنف في "التلخيص" (¬2) عن رافع بن خديج، وكذا صاحب ~~"مشكاة المصابيح" (¬3) أخرجه عن أحمد (¬4)، عن رافع بن خديج، وكذا السيوطي ~~في "الجامع الكبير" (¬5) ذكره في مسند رافع بن خديج. والله أعلم أيها أصح. ~~ويحتمل أن المراد برفاعة هذا هو رفاعة بن رافع بن خديج، ولكنه سقط من لفظ ~~المصنف: عن أبيه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال في "التلخيص": ~~الحاكم من حديث المسعودي، عن وائل بن (ب) داود، عن عباية (ج) بن رافع بن ~~خديج، عن أبيه، قال؛ قيل: يا رسول الله، أي المكاسب أطيب؟ فذكره. # ورواه الطبراني من هذا الوجه، إلا أنه قال: عن جده. وهو صواب؛ PageV06P013 # فإنه عباية بن رفاعة بن رافع بن خديج. # وقول الحاكم: ms1077 عن أبيه. فيه تجوز، وقد اختلف فيه على وائل بن داود، فقال ~~شريك: عنه، عن جميع بن عمير، عن خاله أبي بردة. وقال الثوري: عنه، عن سعيد ~~بن عمير، عن عمه. رواهما الحاكم أيضا. وأخرج البزار الأول، لكن قال: عن ~~عمه. قال: وقد ذكر (أابن معين أ) أن عم سعيد بن عمير البراء بن عازب. قال ~~(ب): وإذا اختلف الثوري وشريك فالحكم للثوري. # قال المصنف رحمه الله (¬1): وقوله: جميع بن عمير. وهم، وإنما هو سعيد، ~~والمحفوظ رواية من رواه عن الثوري عن وائل عن سعيد مرسلا. قاله البيهقي، ~~وقاله قبله البخاري. وقال ابن أبي حاتم في "العلل": المرسل أشبه، وفيه على ~~المسعودي اختلاف آخر. أخرجه البزار من طريق إسماعيل بن [عمر] (ج) عنه عن ~~وائل، عن عبيد بن رفاعة، عن أبيه، والظاهر أنه من تخليط المسعودي (¬2)، ~~[فإن] (د) إسماعيل أخذ عنه بعد الاختلاط. PageV06P014 # والحديث فيه دلالة على الحث على كسب الحلال، وأن أطيب الحلال ما عمله ~~المرء بيده وكدح فيه. # وفي قوله: "كل بيع مبرور". دلالة على فضيلة التجارة، وأنها مساوية لما ~~كسبه بيده وعمله. # والمبرور يحتمل أنه ما خلص عن اليمين الفاجرة التي تنفق بها السلعة، وعن ~~الغش في المعاملة. وفي بعض الشروح (¬1) أنه المقبول في الشرع، بألا يكون ~~فاسدا. وهذا بناء على أنه لا يجوز الدخول في العقد الفاسد. والله أعلم. # وقد اختلف العلماء في أفضل المكاسب، فقال الماوردي (¬2): أصول المكاسب ~~الزراعة والتجارة والصنعة. والأشبه بمذهب الشافعي أن أطيبها التجارة. قال: ~~والأرجح عندي أن أطيبها الزراعة؛ لأنها أقرب إلى التوكل. وتعقبه النووي بما ~~أخرجه البخاري (¬3) من حديث المقدام، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"ما أكل أحد طعاما قط خيرا من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داود كان ~~يأكل من عمل يده". وأن الصواب أن أطيب الكسب ما كان بعمل اليد. قال: فإن ~~كان زراعا فهو أطيب المكاسب؛ لما يشتمل عليه من كونه عمل اليد، ولما فيه من ~~التوكل، ولما فيه من النفع العام ms1078 للآدمي وللدواب. # قال المصنف رحمه الله تعالى (¬4): وفوق ذلك ما يكتسب من أموال PageV06P015 # الكفار بالجهاد، وهو مكسب النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو أشرف ~~المكاسب؛ لما فيه من إعلاء كلمة الله وحده. انتهى. وهو داخل في كسب اليد. # 618 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول عام الفتح، وهو بمكة: "إن الله ورسوله حرم بيع الحمر ~~والميتة والحنزير والأصنام". فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة، فإنها ~~تطلى بها السفن، وتدهن بها الجلود، ويستصبح بها الناس؟ فقال: "لا، هو ~~حرام". قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند ذلك: "قاتل الله اليهود؛ ~~إن الله تعالى لما حرم عليهم شحومها جملوه ثم باعوه، فأكلوا ثمنه". متفق ~~عليه (¬1). # قوله: "إن الله ورسوله حرم". وقع هكذا في "الصحيحين" بإفراد ضمير "حرم"، ~~وكان الأصل "حرما". قال القرطبي (¬2): إنه - صلى الله عليه وسلم - تأدب فلم ~~يجمع بينه وبين اسم الله في ضمير الاثنين. ولكنه جاء في بعض طرقه، في ~~"الصحيح": "إن الله حرم". ليس فيه ذكر رسوله. وفي رواية لابن مردويه (¬3) ~~من وجه آخر عن الليث: "إن الله ورسوله حرما". وقد وقع مثل هذا في حديث أنس ~~في النهي عن أكل الحمر الأهلية: "إن الله ورسوله ينهيانكم" (¬4). ووقع في ~~رواية النسائي (¬5) في هذا الحديث: "ينهاكم". وقد PageV06P016 # يجاب عنه بأن الجمع بين الضميرين إنما نهي عنه غير النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، لما فيه من شائبة عدم رعاية التعطم، وأما في حقه - صلى الله عليه ~~وسلم - فهو في أعلى مراتب المعرفة لجلال الله تعالى وتعظيمه، فلا يتوهم (أ) ~~السامع مثل ذلك في حقه. # ووقع الإفراد في هذا الحديث لما كان أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ناشئا عن أمر الله تعالى، أو أنه حذف الخبر الأول لدلالة الثاني عليه، ~~والتقدير: إن الله حرم، وإن رسوله حرم. كقوله (¬1): # نحن بما عندنا وأنت بما عن ... دك راض والرأي مختلف # وفي الحديث دلالة على تحريم بيع ما ذكر، وهو ms1079 مجمع على تحريم بيع الثلاثة. ~~والعلة في التحريم هو (ب) النجاسة، فيتعدى الحكم إلى كل نجاسة، وكذا ~~المتنجس المائع، إلا أن أبا حنيفة قال (¬2): يجوز للمسلم أن يوكل الذمي ~~ببيع الخمر. وقال هو والناصر: إنه يجوز بيع الأزبال، سواء كانت مما يؤكل ~~لحمه أم لا. وذهب بعض المالكية إلى جواز ذلك للمشتري دون البائع؛ لاحتياج ~~المشتري دونه. # ويدخل في الميتة جثة الكافر إذا قتله المسلمون، كما بذل المشركون يوم PageV06P017 # الخندق عشرة آلاف درهم للنبي - صلى الله عليه وسلم - في جثة نوفل بن عبد ~~الله، فلم يأخذها، ودفعه إليهم بغير عوض (¬1). # قال القاضي (¬2): تضمن هذا الحديث أن ما لا يحل أكله والانتفاع به لا ~~يجوز بيعه ولا يحل أكل ثمنه، كما في الشحوم المذكورة في الحديث. # ورخص بعض العلماء في القليل من شعر الخنزير. حكاه ابن المنذر (¬3) عن ~~الأوزاعي وبعض المالكية وأبي يوسف. فعلى هذا فيجوز بيعه. # واستثنى بعض العلماء من الميتة ما لا تحله الحياة، كالشعر والصوف والوبر، ~~فإنه طاهر (أ)، فيجوز بيعه. وهو قول أكثر المالكية والحنفية والهدوية إلا ~~أن الهدوية قالوا (¬4): من غير نجس الذات، وهو الكلب والخنزير والكافر، ~~فأما هذه فهو نجس. # واستثنى بعضهم مع هذه العظم والسن والقرن والظلف (¬5). وقال PageV06P018 # بنجاسة الشعور، الحسن والليث والأوزاعي، ولكنها تطهر عندهم بالغسل، ~~فكأنها متنجسة عندهم بما (أ) يتعلق بها من رطوبات الميتة، لا نجسة العين، ~~[نحو] (ب) قول ابن القاسم في عظم الفيل: إنه يطهر إذا سلق بالماء. # والمشهور عن مالك أن الخنزير طاهر (¬1). فعلى هذا ليس العلة في منع البيع ~~هو النجاسة، بل هو أنه ليس لهذه المذكورات منفعة مباحة مقصودة، أو المبالغة ~~في التنفير عنها. وقد روي قول شاذ أنه يجوز بيع الخمر ويجوز بيع العنقود ~~المستحيل باطنه خمرا (¬2). # والعلة في تحريم بيع الأصنام كونها ليس لها منفعة مباحة، وإن كانت بحيث ~~إن كسرت ينتفع برضاضها، ففي صحة بيعها خلاف مشهور للشافعية (¬3)؛ منهم من ~~منعه لظاهر النهي وإطلاقه، ومنهم من جوزه اعتمادا على الانتفاع برضاضه، ~~وتأول الحديث ms1080 على ما لا ينتفع برضاضه، أو على كراهة التنزيه في الأصنام، ~~وهو قوي حيث بيع بعد تكسيره. # وقوله: فقيل: يا رسول الله. قال المصنف رحمه الله (¬4): لم أقف على تسمية ~~القائل. وفي رواية للبخاري: فقال رجل. PageV06P019 # وقوله: أرأيت شحوم الميتة. إلخ، معناه: فهل يحل بيعها لما ذكر من ~~المنافع؟ فإنها مقتضية لصحة البيع. # وقوله: "هو حرام". أي البيع. كذا فسره بعض العلماء، كالشافعي ومن تبعه. ~~ومنهم من حمل قوله: "هو حرام". على الانتفاع، أي يحرم الانتفاع بها، وهو ~~قول أكثر العلماء، فلا ينتفع من الميتة بشيء إلا ما خص به بدليل، كالجلد ~~المدبوغ عند من قال به. وذهب الشافعي وأصحابه (¬1) إلى أنه يجوز الانتفاع ~~بشحوم الميتة في طلاء السفن وفي الاستصباح بها وغير ذلك مما ليس بأكل ولا ~~في بدن الآدمي. وبهذا قال عطاء بن أبي رباح ومحمد بن جرير. # واستدل الخطابي (¬2) على جواز الانتفاع بإجماعهم على أن من ماتت له دابة ~~ساغ له إطعامها الكلاب (¬3)، فكذلك يسوغ دهن السفينة بشحم الميتة، ولا فرق. # وقال الإمام يحيى: يجوز إطعام الكلاب وتمكينها من الميتة. وقواه الإمام ~~المهدي. وأجازت الهدوية الانتفاع بالنجاسة في الاستهلاكات، ومثلوها بتسجير ~~التنور ونحوه. # وقال الإمام شرف الدين: من ذلك الاستصباح بالدهن المتنجس، وهذا مبني على ~~القول الأول، وهو أن الضمير عائد إلى البيع دون الانتفاع. ويتأيد PageV06P020 # هذا الوجه بما أخرجه أحمد (¬1) بلفظ: "إن الله حرم بيع الخنازير، وبيع ~~الميتة، وبيع الخمر، وبيع الأصنام". قال رجل: يا رسول الله، فما ترى في بيع ~~شحوم الميتة؛ فإنها تدهن بها السفن والجلود، ويستصبح بها. فظهر بهذا أن ~~السؤال وقع عن بيعها. # وقوله: "لما حرم عليهم شحومها". أي أكل شحومها. والقرينة على تقدير ~~المضاف هو أنه لو حرم عليهم العين لم يكن لهم حيلة فيما صنعوا من إذابتها. # وقوله: "جملوه". بفتح الجيم والميم، أي أذابوه، يقال: جمله إذا أذابه. ~~والجميل: الشحم المذاب. وفي رواية مسلم (¬2): "أجملوها". وهو بمعنى جملوها. # وقوله: "ثم باعوه وأكلوا ثمنه". فيه دلالة على أن ما حرم بيعه ms1081 حرم ثمنه. # وفي هذا الجواب تنبيه على اعتبار القياس؛ فإنه قاس تحريم (أالتحيل في بيع ~~أ) هذه المحرمات بتحيل اليهود في بيع الشحوم المحرمة عليهم، وأن الحيلة ~~التي يتوصل بها إلى تحليل محرم لا تجدي ولا تدفع عن مبتغيها الإثم. # وأما الزيت والسمن ونحوهما من الأدهان التي أصابتها نجاسة؛ فهل PageV06P021 # يجوز الاستصباح ونحوه من الاستعمال (أ) غير الأكل، أو في غير البدن، أو ~~يجعل من الزيت صابونا، أو يطعم العسل المتنجس النحل، أو يطعم الميتة كلابه، ~~أو يطعم الطعام النجس دوابه؟ فيه خلاف بين السلف. الصحيح من مذهب الشافعي ~~جواز جميع ذلك (¬1)، ونقله القاضي عياض (¬2) عن مالك وكثير من أصحابه، ~~والشافعي والثوري وأبي حنيفة وأصحابه والليث. قال: وروي مثله عن علي وابن ~~عمر وأبي موسى والقاسم بن محمد وسالم بن عبد الله بن عمر. وأجاز أبو حنيفة ~~وأصحابه والليث وغيرهم بيع الزيت النجس إذا بينه. وقالت الهدوية: لا يجوز ~~الانتفاع بشيء من ذلك إلا في الاستهلاكات. وقال به عبد الملك بن الماجشون، ~~وأحمد بن حنبل، وأحمد بن صالح. والله أعلم. # 619 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "إذا اختلف المتبايعان [و] (ب) ليس بينهما بينة، فالقول ما ~~يقول رب السلعة، أو يتتاركان". رواه الخمسة وصححه الحاكم (¬3). PageV06P022 # الحديث روي بألفاظ مختلفة، فرواه بهذا اللفظ إلا قوله: "أو يتتاركان". ~~فإنه بلفظ: "أو [يترادان] (أ) ". أحمد وأبو داود والنسائي (¬1)، وزاد فيه ~~ابن ماجه: "والمبيع قائم بعينه". وكذلك لأحمد (¬2) في رواية: "والسلعة كما هي". # وللدارقطني (¬3) عن أبي وائل عن عبد الله، قال: "إذا اختلف البيعان ~~والمبيع مستهلك، فالقول قول البائع". ورفع الحديث إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # وأبو وائل هذا هو عبد الله بن بحير (¬4) الصنعاني، بالباء الموحدة والحاء ~~المهملة وبعدها ياء وراء، القاص، شيخ لعبد الرزاق، وثقه ابن معين (¬5)، ~~وقال ابن حبان (¬6): يروي العجائب التي كأنها معمولة، لا يحتج به، وما هو ~~بعبد الله بن بحير بن ريسان (¬7). ولكنه مع هذا الاختلاف لا ms1082 يقبل ما تفرد ~~به بقوله: "والمبيع مستهلك". وهي معارضة لقوله: "أو [يترادان] (ب) ". PageV06P023 # ولأحمد عن الشافعي، والنسائي (¬1)، عن أبي عبيدة وأتاه رجلان تبايعا ~~سلعة، فقال هذا: أخذت بكذا وكذا. وقال هذا: بعت بكذا وكذا. فقال أبو عبيدة: ~~أتي عبد الله في مثل هذا، فقال: حضرت النبي - صلى الله عليه وسلم - في مثل ~~هذا فأمر بالبائع أن يستحلف، ثم يخير المبتاع؛ إن شاء أخذ، وإن شاء ترك. # وفيه انقطاع؛ لاختلافهم في سماع أبي عبيدة من أبيه عبد الله بن مسعود. ~~وفيه أيضا اختلاف على إسماعيل بن أمية في عبد الملك بن عمير، فقال يحيى بن ~~(أ) سليم: عبد الملك بن عمير (¬2). ووقع في النسائي: عبد الملك بن عبيد. ~~ورجح هذا أحمد والبيهقي (¬3)، وهو ظاهر كلام البخاري (¬4)، وقد صححه ابن ~~السكن والحاكم، ورواه الدارقطني أيضا (¬5): عبد الملك بن عبيدة، وقد رواه ~~الشافعي (¬6) في "المختصر" عن سفيان [بن عيينة عن محمد] (ب) بن عجلان عن ~~عون بن عبد الله بن PageV06P024 # [عتبة] (أ) بن مسعود عن ابن مسعود نحوه، بلفظ: "إذا اختلف المتبايعان، ~~فالقول قول البائع، والمبتاع بالخيار". وفيه انقطاع. ورواه الدارقطني (¬1) ~~من طريق القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه عن جده، وفيه ~~إسماعيل بن عياش عن موسى بن عقبة. # وأخرج الطبراني في "الكبير" (¬2) عن علقمة عن عبد الله مرفوعا: "البيعان ~~إذا اختلفا في البيع ترادا". ورواته ثقات، لكنه اختلف في عبد الرحمن بن ~~صالح (¬3) أحد رواته. # وقد جزم الشافعي (¬4) أن طرق هذا الحديث عن ابن مسعود ليس فيها شيء ~~موصول، وذكره الدارقطني في "علله" (¬5) فلم يعرج على هذه الطريق، وأخرجه ~~النسائي وأبو داود والبيهقي والحاكم (¬6) من طريق عبد الرحمن بن قيس بن ~~محمد بن الأشعث عن أبيه عن جده، قال عبد الله: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "إذا اختلف البيعان وليس بينهما بينة، فهو ما يقول PageV06P025 # رب السلعة أو يتركان". وهذا لفظ النسائي، وهو (أ) أقرب إلى ما رواه ~~المصنف هنا. والحاكم صححه من هذا ms1083 الوجه وحسنه البيهقي، وقال ابن عبد البر ~~(¬1): هو منقطع إلا أنه مشهور الأصل عند جماعة العلماء، تلقوه بالقبول ~~وبنوا عليه كثيرا من فروعه. وأعله ابن حزم (¬2) بالانقطاع، وتابعه عبد الحق ~~(¬3)، وأعله هو وابن القطان بالجهالة في عبد الرحمن وأبيه (ب) وجده. وأخرجه ~~عبد الله بن أحمد في زيادات "المسند" (¬4) بلفظ: "إذا اختلف المتبايعان ~~والسلعة قائمة ولا بينة لأحدهما تحالفا". وهي من طريق القاسم بن عبد الرحمن ~~عن جده. # ورواها الطبراني والدارمي (¬5) من هذا الوجه فقال: عن القاسم عن أبيه عن ~~ابن مسعود. # وانفرد عن ابن مسعود بهذه الزيادة، وهي قوله: "والسلعة قائمة" (¬6). ابن ~~أبي ليلى، وهو محمد بن عبد الرحمن الفقيه، وهو ضعيف سيئ الحفظ (¬7). # وأما قوله فيه: "تحالفا". فلم يقع عند أحد منهم، وإنما عندهم: PageV06P026 # "والقول قول البائع، أو يترادان المبيع". # الحديث فيه دلالة على أن البائع والمشتري إذا اختلفا في الثمن، أو في ~~المبيع، أو في شرط من شروطهما، ولم يكن بينهما بينة، فالقول قول البائع، ~~ولكنه مع اليمين كما تقرر في القواعد الشرعية، أن من كان القول قوله فعليه ~~اليمين. # وقوله: "أو يتتاركان". يعني مع تراضيهما على التتارك، وظاهره: وسواء كان ~~المبيع مستهلكا أو قائما. # ولا يقال: إنه مع الاستهلاك لا يتأتى التتارك؛ لأن المعنى من التتارك أن ~~يرجع لكل واحد ما هو له. لأنا نقول: المعنى من التتارك أن يرجع لكل واحد ما ~~هو له، وهو إما برجوع العين، أو مثل المثلي وقيمة القيمي مع التلف. # وأما رواية: "والمبيع مستهلك". فقد علمت ما فيها، ولكنه يذهب إلى العمل ~~بظاهر الحديث أحد، بل في ذلك تفصيل في كتب الفروع. # وتفصيل الاختلاف؛ وهو أن القول قول البائع في نفي إقباض المبيع، والبينة ~~على المشتري في أنه (أ) قبضه بإذن البائع حيث كان البائع ما قد قبض الثمن، ~~وأما إذا قد قبض الثمن فالقول قول المشتري؛ لأن له أخذه كرها، والقول ~~للبائع في عدم قبضه للثمن إلا ثمن المسلم ففي المجلس فقط، وفي قدر الثمن ~~وجنسه ونوعه وصفته قبل ms1084 تسليم المبيع، لأن له حق الحبس، لا بعده فللمشتري. # وهذا لا خلاف فيه إذا كان المبيع قد تلف أو خرج عن يد المشتري ببيع PageV06P027 # أو هبة، فإن كان باقيا في يد المشتري فثلاثة أقوال، فعند الهادي القول، ~~قوله مطلقا عند أبي العباس والفقهاء يتحالفان ويترادان المبيع، وعند المؤيد ~~بالله إن كان الاختلاف في الجنس أو النوع أو الصفة تحالفا وترادا، كقول أبي ~~العباس، وإن كان في المقدار فقولان، الأول: مثل قول الهادي، والثاني: ~~التحالف والتراد، والخلاف في جنس الثمن ونوعه إذا لم يكن في البلاد (أ) نقد ~~غالب، أو ادعى كل واحد غير نقد البلد، وإلا فالقول قول مدعي نقد البلد، إذ ~~هو قرينة على صدق قوله، وأما إذا كان الاختلاف في جنس المبيع وعينه ونوعه ~~ومكانه ولم يكن المشتري قد قبض المبيع ولا بينة لأحدهما، فإنهما يتحالفان؛ ~~يحلف البائع: ما بعت منك كذا. ويحلف المشتري ما اشتريت منك كذا. وقيل: يحلف ~~كل واحد منهما، يمينين: ما بعت منك كذا، والأخرى على الإثبات: لقد بعت منك ~~كذا. وقيل: يمينا واحدة على النفي والإثبات، فيقول: ما بعت منك كذا، ولقد ~~بعت منك كذا. ويبطل العقد، قيل: بغير فسخ. وقيل: بفسخ الحاكم. وقيل: ~~بفسخهما. وفي زيادة الصفة يجب على المشتري قبولها للتسامح في ذلك. # والوجه في التحالف هنا أن كل واحد مدع ومدعى عليه، فيجب على كل واحد ~~اليمين لنفي ما ادعي [عليه] (ب)، وهذا مفهوم من قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "البينة على المدعي واليمين على المنكر" (¬1). PageV06P028 # وأما إذا أقاما البينة حكم للمشتري إن أمكن عقدان، وذلك بألا يضيفا إلى ~~وقت واحد، فيحمل على عقدين، لكنه يلزم البائع تسليم ما بين به المشتري ~~للبينة، وهو مصادق في قدر الثمن، فأعطى ما ادعاه، وهو الذي قامت به بينة ~~المشتري، وإن لم يمكن عقدان بطل العقد بعد التحالف بحصول الجهالة في المبيع ~~مع تساقط البينتين، وأما إذا اختلف البيعان في قبضه فالقول لمنكر قبضه، إذ ~~الأصل عدمه، وكذا منكر تسليمه كاملا، وكذا إن ms1085 قبضه من دون زيادة، وكذا ~~[القول] (أ) لمنكر [تعيبه، إذ] (ب) الأصل عدم العيب، وكذا إن هذا المدعي ~~عيب؛ ينقص القيمة، إذ الأصل عدم ذلك، وكذا في أنه من قبل القبض فيما يحتمل ~~أنه حدث قبل القبض، فالقول لمنكر ذلك، وإما إذا كان مما يعلم أنه متقدم من ~~عند البائع، فالقول للمشتري، وكذا في إنكار الرضا بالعيب أو ما يجري مجراه، ~~أو أن المبيع أكثر مما أقر به البائع مع الاتفاق على الثمن، فالقول لمنكر ~~ذلك، والقول للمسلم إليه في قيمة رأس المال إذا اختلفا بعد التلف، والله أعلم. # 620 - وعن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن. متفق عليه (¬1). PageV06P029 # الحديث فيه دلالة على تحريم ما ذكر؛ فإن النهي حقيقة في التحريم، والنهي ~~عن ثمن الكلب عام في كل كلب، معلما كان أو غيره، مما يجوز اقتناؤه أو لا ~~يجوز، ولا قيمة على متلفه، وبهذا قال الجمهور. وقال مالك: لا يجوز بيعه، ~~وتجب القيمة على متلفه. وعنه كالجمهور، وعنه كقول أبي حنيفة: يجوز بيعه ~~وتجب القيمة. وقال عطاء والنخعي: يجوز بيع كلب الصيد دون غيره. # وروى أبو داود (¬1) من حديث ابن عباس مرفوعا: [نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن ثمن الكلب، وقال: "إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابا". ~~وإسناده صحيح، وروى أيضا (¬2) بإسناد حسن عن أبي هريرة مرفوعا] (أ): "لا ~~يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن". # والعلة في تحريم بيعه عند الشافعي وغيره نجاسته، وهي حاصلة فيما يحرم ~~اقتناؤه وفيما يجوز. ومن لا يقول بنجاسته؛ العلة النهي عن اتخاذه والأمر ~~بقتله؛ ولذلك خص منه ما أذن في اتخاذه، ويدل عليه حديث جابر، قال: نهى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب إلا كلب صيد. أخرجه النسائي ~~بإسناد رجاله ثقات، إلا أنه طعن في صحته (¬3). PageV06P030 # ووقع في حديث ابن عمر عند ابن أبي حاتم (¬1) بلفظ: نهى عن ثمن الكلب، وإن ~~كان ms1086 ضاريا. يعني مما يصيد، وسنده ضعيف. قال أبو حاتم: هو [منكر] (أ). # وفي رواية لأحمد (¬2): نهى عن ثمن الكلب، وقال: "طعمة جاهلية". # ونحوه للطبراني (¬3) من حديث ميمونة بنت سعد. # وقال القرطبي (¬4): مشهور مذهب مالك جواز اتخاذ الكلب وكراهة بيعه، ولا ~~يفسخ إن وقع، وكأنه لما لم يكن عنده نجسا، وأذن في اتخاذه لمنافعه الجائزة ~~كان حكمه حكم جميع المبيعات، لكن الشرع نهى عن بيعه تنزيها؛ لأنه ليس من ~~مكارم الأخلاق. قال: وأما تسويته في النهي بينه وبين مهر البغي وحلوان ~~الكاهن فمحمول على الكلب الذي لم يؤذن في اتخاذه، وعلى تقدير العموم في كل ~~كلب فالنهي في هذه الثلاثة للقدر المشترك من الكراهة، أعم من التنزيه ~~والتحريم، إذ كل منهما منهي عنه، ثم تؤخذ خصوصية كل واحد منهما من دليل ~~آخر، فإنا عرفنا تحريم مهر البغي وحلوان الكاهن من الإجماع، لا من مجرد ~~النهي، ولا يلزم من الاشتراك في العطف الاشتراك في جميع الوجوه، إذ قد يعطف ~~الأمر على النهي، والإيجاب على النفي (¬5). PageV06P031 # وقوله: ومهر البغي. بفتح الباء الموحدة، وكسر الغين المعجمة، وتشديد ~~التحتانية. وأصل البغاء الطلب، غير أنه أكثر ما يستعمل في الفساد. والمراد ~~بالمهر هنا هو ما تأخذه الزانية على الزنى، سماه مهرا مجازا، وهو مجمع على ~~تحريمه، وللفقهاء تفصيل فيه، وهو أنه إذا أعطاها ذلك بالعقد على التمكين ~~مظهرا أو مضمرا، [أو] (أ) حصل العقد على مباح حيلة، فإنه يصير كالغصب إلا ~~في أربعة أحكام، وهو أنه يطب ربحه، ويبرأ من رد إليها، ولا أجرة [عليها، ~~إذ] (ب) لم تستعمل ذلك الذي أعطيت، ولا يتضيق عليها الرد إلا بالطلب، وإن ~~لم يكن كذلك وإنما كان مضمرا التمكين من الزنى لزمها التصدق بذلك. # وللمؤيد بالله تفصيل، وهو أنه إن غلب في ظنها أنه إنما أعطاها لأجل ~~التمكين لزمها التصدق، وإن غلب في ظنها أنه أعطاها لغير ذلك جاز لها الأخذ، ~~والعبرة بقصد المعطي، واستدل بهذا على أن الأمة إذا أكرهت على الزنى، فلا ~~مهر لها. وفي وجه للشافعية ms1087 أنها تستحق المهر، واختار صاحب "الهدي" (¬1) أنه ~~يجب التصدق في جميع الأطراف. قال: لأن الدافع قد دفعها باختياره في مقابلة ~~عوض لا يمكن صاحب العوض استرجاعه، فهو كسب خبيث يجب التصدق به، ولا يعان ~~صاحب المعصية بحصول غرضه ورجوع ماله. وأطال الكلام في ذلك. وروى PageV06P032 # عن الإمام ابن تيمية التردد في أصل المسألة، والميل إلى مثل هذا، والله أعلم. # وقوله: وحلوان الكماهن. والحلوان بضم المهملة مصدر: حلوته حلوانا إذا ~~أعطته، وأصله من الحلاوة، شبه بالشيء الحلو من حيث إنه يؤخذ سهلا بلا كلفة، ~~وقد يطلق على مهر البنت إذا أخذه أبوها لنفسه، قالت امرأة تمدح زوجها (¬1): # لا يأخذ الحلوان من بناتنا # وقد أجمع السلمون على تحريم حلوان الكاهن. قال الخطابي (¬2): الكاهن الذي ~~يدعي مطالعة علم الغيب، ويخبر الناس عن الكوائن، وكان في العرب كهنة يدعون ~~أنهم يعرفون كثيرا من الأمور، فمنهم من كان يزعم [أن] (أ) له قرينا من الجن ~~وتابعة تلقي إليه الأخبار، ومنهم من كان يدعي أنه يستدرك الأمور بفهم ~~أعطيه، وكان منهم من يسمي عرافا، وهو الذي يزعم أنه يعرف الأمور بمقدمات ~~أسباب استدل بها على مواقعها؛ كالرجل يسرق، فيعرف أنه المظنون بالسرقة، ~~والمرأة بالزنية فيعرف من صاحبها، ونحو ذلك، ومنهم من كان يسمي المنجم ~~كاهنا، وهو وإن لم يكن كاهنا، فحكمه حكم الكاهن. وكذلك الذي يعرف الأمور ~~بالضرب بالحصا وغير PageV06P033 # ذلك مما يتعاناه العرافون من استطلاع الغيب، فحديث النهي يشمل هؤلاء ~~كلهم، والنهي عن تصديقهم والرجوع إلى قولهم، ومنهم من كان يدعو الطبيب ~~كاهنا، وربما سموه عرافا، وهو غير داخل في النهي. # 621 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أنه كان على جمل له أعيا، ~~فأراد أن يسيبه، قال: فلحقني النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعا لي (أ) ~~وضربه، فسار سيرا لم يسر مثله، قال: "بعنيه بوقية". قلت: لا. ثم قال: ~~"بعنيه". فبعته بوقية، واشترطت حملانه إلى أهلي، فلما بلغت أتيته بالجمل، ~~فنقدني ثمنه، ثم رجعت، فأرسل في أثري فقال: "أتراني ماكستك لآخذ جملك؟ ms1088 خذ ~~جملك ودراهمك، فهو لك". متفق عليه (¬1)، وهذا السياق لمسلم. # قوله: أعيا. أي: كل عن السير. # وقوله: "بعنيه بوقية". هي لغة صحيحة، وقد سبق ذلك، ويقال: أوقية. وهي أشهر. # وفيه دلالة على أنه لا بأس بطلب البيع من مالك السلعة وإن لم يعرضها للبيع. # وقوله: حملانه. هو بضم الحاء المهملة، أي الحمل عليه. # وقوله: "أتراني؟ ". بصيغة المجهول، أي: تظنني. PageV06P034 # والماكسة، قال أهل اللغة (¬1): هي المكالمة في النقص الثمن، وأصلها ~~النقص، ومنه مكس الظالم، وهو ما ينقصه ويأخذه من أموال الناس. # وفي قوله: "بوقية" قد ورد في رواية: "بخمس أواق". وفي رواية: "بأوقيتين ~~ودرهم أو درهمين". وفي رواية: "بأوقية ذهب". وفي بعضها: "بأربعة دنانير". ~~وذكر البخاري اختلاف الروايات، وزاد: "بثمانمائة درهم" (¬2)، وفي رواية ~~"بعشرين دينارا" وفي رواية أحسبه: "بأربع أواق". قال البخاري: وقول الشعبي: ~~"بوقية". أكثر. # قال القاضي عياض (¬3): قال أبو جعفر الداودي: [ليس لأوقية الذهب قدر ~~معلوم] (أ)، وأوقية الفضة أربعون درهما. قال: وسبب اختلاف هذه الروايات ~~أنهم رووا بالمعنى، وهو جائز، فالمراد وقية ذهب كما فسره في رواية سالم بن ~~أبي الجعد عن جابر، ويحمل عليها رواية من روى: "أوقية". مطلقا، وأما من ~~روى: "خمس أواق". فالمراد خمس أواق من الفضة، وهي بقدر قيمة أوقية الذهب في ~~ذلك الوقت، فيكون الإخبار بأوقية الذهب عما وقع به العقد، وعن أواق الفضة ~~عما حصل به [الإيفاء] (ب)، ولا يتغير الحكم، ويحتمل أن يكون هذا كله زيادة ~~على الأوقية، كما قال في رواية: فما زال يزيدني. وأما رواية: "أربعة ~~دنانير". فموافقة أيضا؛ لأنه يحتمل أن PageV06P035 # تكون أوقية الذهب حينئذ وزن أربعة دنانير، وأما رواية "أوقيتين". فيحتمل ~~أن إحداهما وقع بها البيع والأخرى زيادة، كما قال: وزادني أوقية. # والحديث فيه دلالة على أنه يصح البيع للدابة واستثناء الركوب. وقد ذهب ~~إلى هذا الجمهور مطلقا، واحتج به أحمد ومن وافقه في جواز بيع الدابة ويشترط ~~البائع لنفسه الركوب. وقال مالك: يجوز ذلك إذا كان مسافة الركوب قريبة، ~~وحده ثلاثة أيام. وحمل هذا الحديث على ms1089 هذا. وقال الشافعي وأبو حنيفة ~~وآخرون: لا يجوز ذلك، سواء قلت المسافة أو كثرت، ولا ينعقد البيع. واحتجوا ~~بالحديث الآتي في بيع الثنيا (¬1)، وبالحديث الآتي في النهي عن بيع وشرط ~~(¬2)، وأجابوا عن حديث جابر هذا بأنها [قضية] (أ) عين تتطرق إليها ~~الاحتمالات، قالوا: ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أراد أن يعطيه الثمن ~~ولم يرد حقيقة البيع. قالوا: ويحتمل أن يكون الشرط ليس في نفس العقد، وإنما ~~يضر الشرط إذا كان في نفس العقد، فلعل الشرط كان سابقا فلم يؤثر، ثم تبرع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بإركابه. # ويمكن الجواب بأن حديث النهي عن بيع الثنيا ليس مطلقا، وتمامه: "إلا أن ~~تعلم". ومفهومه صحة الثنيا المعلومة، وهو المدعى. # وأما حديث النهي عن بيع وشرط ففيه مقال، مع إمكان تأويله بالشرط المجهول، ~~أو ما يتضمن رفع المقصود بالبيع، والقرينة على التأويل هذا، PageV06P036 # والجمع ما أمكن هو الواجب. # وأما كونها قضية عين مع ظهور الأمر فيها فهو غير قادح، وقولهم: أراد أن ~~يعطه الثمن. إلى آخره. يرده قوله: "أتراني ماكستك؟ ". فإنه يدل على وقوع ~~صورة البيع، وإن كان المقصود هو إعطاء الثمن، ولكنه قد أفاد الطلوب؛ لوقوع ~~صورة البيع. # وقولهم: إن الشرط ليس في نفس العقد. ظاهره أن الشرط متواطأ عليه عند ~~العقد، والمتواطأ عليه في حكم المقرون بالعقد، فالأولى ما ذهب إليه الجمهور ~~من صحة مثل هذا الشرط، وكذا كل شرط يصح إفراده بالعقد؛ كإيصال المبيع إلى ~~المنزل، وخياطة الثوب، وسكنى الدار. # وقد روي عن عثمان (أ) أنه باع دارا واستثنى سكونها شهرا، ولم ينكر عليه. ~~كذا رواه في "الشفا"، والله أعلم. # وفي الحديث فوائد: أحدها: هذه المعجزة الظاهرة لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في انبعاث جمل جابر وإسراعه بعد إعيائه. الثانية: جواز طلب ~~البيع ممن لم يعرض سلعته للبيع. الثالثة: جواز المماكسة في البيع. وفي تمام ~~القصة فوائد غير هذه. # 622 - وعنه، قال: أعتق رجل منا عبدا له عن [دبر] (ب)، لم يكن له مال ~~غيره، فدعا به النبي ms1090 - صلى الله عليه وسلم - فباعه. متفق عليه (¬1). PageV06P037 # وسيأتي الكلام على هذا الحديث في باب المدبر والمكاتب وأم الولد في آخر ~~الكتاب (¬1). وفيه دلالة على صحة بيع المدبر، وسيأتي الخلاف في جواز بيعه ~~مستوفى إن شاء الله تعالى. # 623 - وعن ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أن فأرة وقعت في سمن ~~فماتت فيه، فسئل النبي - صلى الله عليه وسلم - عنها، فقال: "ألقوها وما ~~حولها وكلوه". رواه البخاري، وزاد أحمد والنسائي (¬2): في سمن جامد. # الحديث فيه دلالة على أن الميتة نجس، وأنه ينجس [بملاقاتها] (أ) ما كان ~~رطبا، ولذلك أمر بإلقائها وما حولها. والمراد ب "ما حولها" ما لاصق الميتة، ~~والقصة يتأتى (ب) وقوعها فيما لا يكون صليب الجمود؛ لأنه (ج) لا يضر ملاقاة ~~النجس لما كان جامدا إلا [أن] (د) تتخلله رطوبة، وإنما يكون كذلك فيما كان ~~فيه انعقاد يتخلل أجزاءه رطوبة ينغمس فيه ما وقع فيه، وما كان مائعا لا ~~يتأتى فيه فصل ما حول النجاسة وتمييزها عن سائر أجزائه. # وفي الأمر بإلقائه دلالة على أنه لا يجوز أكل الدهن المتنجس ولا PageV06P038 # الانتفاع به في شيء، إذ لو جاز الانتفاع به لما أمر بإلقائه، وفي ذلك ~~تفويت مال، وقد تقدم الخلاف في الانتفاع به في غير بدن الآدمي. # وقوله: وزاد أحمد. الزيادة قد وقع معناها في حديث أبي هريرة [الآتي] (أ). # 624 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا وقعت الفأرة في السمن، فإن كان جامدا فألقوها وما حولها، وإن ~~كان مائعا فلا تقربوه". رواه (ب أحمد وب) أبو داود (¬1)، وقد حكم عليه ~~البخاري وأبو حاتم بالوهم (¬2). # الحديث أخرجه أبو داود من حديث عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سعيد بن ~~المسيب عن أبي هريرة باللفظ المذكور هنا. قال أبو داود: قال الحسن: قال عبد ~~الرزاق: ربما حدث به معمر عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس ~~عن ميمونة. فهذا اللفظ فيه دلالة على أنه حفظ ms1091 عن معمر الوجهين وأنه لم يهم، ~~وكذا أخرجه ابن حبان في "صحيحه" (¬3)، فيندفع ما حكم به البخاري عليه من ~~الوهم؛ لأنه إنما حكم بخطئه بناء على PageV06P039 # عدم اتفاق روايته من الوجهين، ورأى أنه ثابت من حديث ميمونة: فحكم بالوهم ~~علي الطريقة المروية عن أبي هريرة. قال الترمذي (¬1): سمعت البخاري يقوال: ~~التفصيل في حديث أبي هريرة خطأ، والصواب أنه في حديث ميمونة. # وفيه اختلاف آخر، فرواه يحيى بن أيوب عن ابن جريج عن الزهري عن سالم عن ~~أبيه (¬2)، وتابعه عبد الجبار الأيلي عن الزهري (¬3). # قال الدارقطني (¬4): وخالفهما أصحاب الزهري، فرووه عن الزهري عن عبيد ~~الله بن عبد الله عن ابن عباس، وهو الصحيح. وقد أنكر جماعة فيه التفصيل ~~اعتمادا على عدم وروده في طريق مالك ومن تبعه، لكن ذكر الدارقطني (¬5) في ~~"العلل" أن يحيى القطان رواه عن مالك، وكذلك النسائي (¬6) رواه من طريق عبد ~~الرحمن عن مالك مقيدا بالجامد، وأنه أمر أن تقور وما حولها فيرمى به. وكذا ~~ذكر البيهقي (¬7) من طريق حجاج بن منهال عن ابن [عيينة] (أ) مقيدا بالجامد، ~~وكذا أخرجه PageV06P040 # إسحاق بن راهويه (¬1) في "مسنده" عن ابن عيينة، ووهم من غلطه فيه ونسبه ~~إلى التغير في آخر عمره، وقد تابعه أبو داود الطالسي في "مسنده" (¬2) عن ~~ابن عيينة. والله أعلم. # واعلم أن هذا الاختلاف إنما هو لتصحيح اللفظ الوارد، وأما الحكم فهو ~~ثابت، فإن طرحها وما حولها والانتفاع بالباقي لا يكون إلا في الجامد، ويفهم ~~منه أن الذائب يلقى جميعه؛ إذ العلة إنما هي المباشرة، (أولا اختصاص أ) في ~~الذائب بالمباشرة وتمييز البعض عن البعض. والله أعلم. # 625 - وعن أبي الزبير، قال: سألت جابرا عن ثمن السنور والكلب، فقال: زجر ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. رواه مسلم والنسائي (¬3)، وزاد: إلا ~~كلب صيد. # هو أبو الزبير محمد بن مسلم المكي، تابعي روى عن جابر بن عبد الله كثيرا. PageV06P041 # النهي عن ثمن الكلب متفق عليه من حديث أبي مسعود، وأخرج مسلم هذا من حديث ~~جابر ورافع بن خديج ms1092 (¬1)، وزاد النسائي استثناء كلب الصيد. ثم قال: هذا ~~منكر. وروى الترمذي (¬2) من وجه آخر عن أبي هريرة (1) استثناء كلب الصيد. ~~لكنه من رواية أبي المهزم عنه، وهو ضعيف (¬3). # وقد تقدم الكلام في ثمن الكلب مستوفى في حديث أبي مسعود. والحديث فيه ~~دلالة على النهي عن ثمن السنور، وظاهر النهي التحريم، لا سيما وقد قرنه ~~بثمن الكلب. وقد ذهب إلى هذا أبو هريرة وطاوس ومجاهد وجابر بن زيد، كما حكى ~~ابن المنذر (¬4). وقالوا: لا يجوز بيعه. محتجين بالحديث. وظاهره سواء كان ~~له نفع أو لا، وذهب جمهور أهل العلم إلى أنه يجوز بيعه ويحل ثمنه إذا كان ~~له نفع ولكنه يكره، وحملوا النهي على التنزيه، وكان النهي عن ذلك ليعتاد ~~الناس هبته وإعارته والسماحة به كما هو الغالب. # وما ذكر الخطابي (¬5) وابن عبد البر (¬6) أن الحديث ضعيف، فهو مردود؛ PageV06P042 # فإن الحديث كما عرفت أخرجه مسلم وغيره. وقول ابن عبد البر: لم يروه عن ~~أبي الزبير غير حماد بن سلمة (¬1). مردود، لأن مسلما قد رواه في "صحيحه" من ~~رواية معقل بن [عبيد] (أ) الله (¬2) عن أبي الزبير، فهذان ثقتان روياه عن ~~أبي الزبير، وهو ثقة أيضا، والله أعلم. # 626 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءتني بريرة فقالت: كاتبت أهلي على ~~تسع أواق في كل عام أوقية فأعينيني (أ). فقلت: إن أحب أهلك أن أعدها لهم ~~ويكون ولاؤك لي فعلت. فذهبت بريرة إلى أهلها فقالت لهم، فأبوا عليها. فجاءت ~~من عندهم ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - جالس، فقالت: إني قد عرضت ذلك ~~عليهم فأبوا إلا أن يكون الولاء لهم. فسمع النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فأخبرت عائشة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "خذيها واشترطي لهم ~~الولاء، فإنما الولاء لمن أعتق". ففعلت عائشة، ثم قام رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في الناس فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أما بعد، فما بال ~~رجال يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى؟! ما كان من شرط ليس في كتاب ~~الله فهو باطل، ms1093 وإن كان مائة شرط، قضاء الله أحق، وشرط الله أوثق، وإنما ~~الولاء لمن أعتق". متفق عليه واللفظ للبخاري (¬3). وعند PageV06P043 # مسلم: قال: "اشتريها وأعتقيها، واشترطي لهم الولاء". # قوله: جاءتني بريرة. هي بفتح الباء الموحدة وراءين مهملتين بينهما ياء ~~مثناة من أسفل، مولاة لعائشة، قيل: إنها نبطية. بفتح النون والباء الموحدة. ~~وقيل: قبطية. بكسر القاف وسكون الموحدة. وقيل: إن اسم أبيها صفوان، وإن له ~~صحبة. واختلف في مواليها؛ ففي رواية أسامة عن عائشة أنها كانت لناس من ~~الأنصار (¬1). وكذا عند النسائي (¬2) من رواية سماك، ووقع في بعض الشروح ~~أنها لآل أبي لهب، وهو وهم من قائله، انتقل [وهمه من] (أ) أيمن. وقيل: لآل ~~بني هلال. أخرجه الترمذي (¬3) من رواية جرير. ويمكن الجمع. وكانت تخدم ~~عائشة قبل أن تعتق، وعاشت إلى خلافة معاوية، و [تفرست] (ب) في عبد الملك بن ~~مروان أنه يلي الخلافة وبشرته بذلك، وروى هو ذلك عنها (¬4). روت عنها عائشة ~~وابن عباس وعروة بن الزبير. # قوله: كاتبت. على وزن فاعلت، من المكاتبة، وهي العقد بين السيد PageV06P044 # وعبده، وهي مأخوذة من الكتب بمعنى الجمع والضم، لضم نجوم الكتابة بعضها ~~إلى بعض، أو من الكتب الذي هو الخط، لضم الحروف بعضها إلى بعض، أو مأخوذة ~~من الكتب الذي هو بمعنى الإلزام، كما في قوله تعالى: {إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا} (¬1). لما كان العقد لازما بين السيد والعبد، وكأن ~~السيد ألزم نفسه عتق العبد عند الأداء، والعبد ألزم نفسه الأداء للمال الذي ~~يكاتب عليه. # وقوله: في كل عام أوقية. فيه دلالة على شرعية التنجيم في الكتابة، وأنه ~~في بعض روايات مسلم أن عائشة رضي الله عنها قالت للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: إن بريرة قالت: إن أهلها كاتبوها على تسع أواقي في تسع سنين؛ كل ~~سنة أوقية. ولكنه لا يدل على تحتم التنجيم. وقد ذهب الشافعي والهادي وأبو ~~طالب وأبو العباس إلى أن التأجيل والتنجيم شرط في الكتابة، وأن أقله نجمان. ~~قال الفقيه علي الوشلي: ولو في ساعتين. وقال الفقيه حسن ms1094 النحوي: بل كأقل ~~أجل السلم وهو ثلاثة أيام. واستقواه الإمام المهدي في "البحر"، واحتج على ~~التنجيم بقول علي رضي الله عنه: الكتابة علي نجمين (¬2). وبفعل عثمان رضي ~~الله عنه، فإنه غضب على مملوكه فقال: لأكاتبنك على نجمين (¬3). وذهب مالك ~~وأحمد والجمهور أنه يجوز عقد الكتابة على نجم واحد، قالوا: لقوله تعالى: ~~{فكاتبوهم} (¬4). ولم يفصل. PageV06P045 # وأجيب بأن ذلك مطلق، والآثار عن الصحابة في حكم المرفوعة مبينة لما لم ~~يذكر في الآية. ولا بد في الأجل أن يكون معلوما حذرا من الجهالة، كسائر ~~العقود. # وقوله: فأعينيني. بصيغة الأمر للمؤنث من الإعانة، كذا لأكثر رواة ~~البخاري، وفي رواية الكشميهني (¬1): فأعيتني. بصيغة الخبر من الإعياء، ~~والضمير للأواق، وهو متجه المعنى، أي أعجزتني عن تحصيلها. # وفي هذه القصة دلالة على أنه يجوز بيع المكاتب عند تعسر الإيفاء لمال ~~الكتابة إلى من يعتقه برضاه، وظاهر القصة أنها لم تكن قد سلمت شيئا، والحكم ~~مع تسليم البعض كذلك، إلا أن فيه خلافا؛ فقد روي عن علي رضي الله عنه أنه ~~يعتق إذا قد سلم نصف مال الكتابة ويطالب بالباقي (¬2). وفي رواية عنه أنه ~~يعتق بقدر ما أدى من مال الكتابة (¬3). وروي عن شريح أنه يعتق إذا قد أدى ~~شيئا. وفي رواية عنه: الثلث (¬4). # وقد اختلف العلماء في بيع المكاتب على ثلاثة أقوال، فذهب طائفة من ~~العلماء إلى جواز بيعه، منهم عطاء (¬5) والنخعي وأحمد ومالك في رواية عنه، ~~وفي رواية أنه يعتق بالأداء إلى المشتري، فإن عجز استرقه. وحجتهم ظاهر PageV06P046 # قوله - صلى الله عليه وسلم -: "المكاتب رق ما بقي عليه درهم" (¬1). # وذهب ابن مسعود وربيعة وأبو حنيفة والشافعي وبعض المالكية ومالك في رواية ~~عنه إلى أنه لا يجوز بيعه، قالوا: لأنه قد خرج عن ملك السيد، بدليل تحريم ~~الوطء والاستخدام، وكبيع ما قد بيع. وظاهر خلافهم عدم الجواز مطلقا، سواء ~~فسخ عقد الكتابة أو لم يفسخ، والظاهر من استدلالهم وتأويلهم خبر بريرة بأن ~~ذلك بعد الفسخ، وأن مع الفسخ يتفقون على جواز البيع. وذهب الهادي وأبو طالب ~~وغيرهما ms1095 إلى أنه يجوز بيعه برضاه إلى من يعتقه وإن لم يفسخ، واحتجوا بما ~~وقع في حديث بريرة، فإن البيع كان إلى من يعتق، وظاهره أنه من دون فسخ. وقد ~~أجيب عنه بأنه يحتمل أن ذلك ليس شراء للرقبة، وإنما هو من شراء الكتابة ~~ويدل عليه ما وقع في رواية: فإن أحبوا أن أقضي عنك كتابتك ويكون ولاؤك لي. ~~فإنه يشعر بأن المشترى هو الكتابة لا الرقبة، وأنه من باب قضاء الكتابة ~~خاصة، ولكنه يضعفهما ما وقع في رواية: "ابتاعي". وأنه هل قال بذلك قائل ~~معين: إنه يصح شراء الكتابة نفسها أو يؤدي مال الكتابة ويكون الولاء ~~للمؤدي؟ والظاهر أنه لم يقل به أحد. # وفي الحديث دلالة على أن شرط البائع لهذا الأمر، وكذا ما أشبهه من ~~الشروط، وهو ما لا يكسب البيع ولا الثمن جهالة ولا يرفع موجب العقد، لا ~~يفسد العقد، بل يلغو الشرط ويصح العقد. وسيأتي الكلام في الشروط. PageV06P047 # وقوله: "خذيها". ظاهر في أن الشراء لنفس الرقبة، وأن ذلك صحيح. # وقوله: "واشترطي لهم الولاء". ثبتت هذه اللفظة في رواية هشام بن عروة عن ~~أبيه، وانفرد بها دون غيره، ولكنه ثبت حافظ مقبول ما تفرد به. # واختلف العلماء في تأويل هذا، فقال الشافعي والمزني (أ): معناه: اشترطي ~~عليهم الولاء. واللام بمعنى "على". وقد ورد مثل هذا كثيرا مثل قوله تعالى: ~~{وإن أسأتم فلها} (¬1). وقوله: {ولهم اللعنة} (¬2). وقوله: {ويخرون ~~للأذقان} (¬3). وقد ضعف هذا بأنه لو كان كذلك لم ينكر عليهم - صلى الله ~~عليه وسلم - اشتراط الولاء. وقد يجاب عنه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إنما أنكر ما أرادوا اشتراطه في أول الأمر. وقيل: معناه: أظهري لهم حكم ~~الولاء. وقيل: أراد بذلك الزجر والتوبيخ لهم؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان بين لهم حكم الولاء، وأن هذا الشرط لا يحل، فلما ظهر منهم المخالفة قال ~~لعائشة ذلك. ومعناه: لا تبالي، لأن اشتراطهم مخالفة للحق وتعنت وتماد في ~~الباطل، فلا يكون ذلك للإهانة، بل مثل قوله: {كونوا حجارة أو حديدا} (¬4). ~~والمقصود ms1096 من ذلك الإهانة وعدم المبالاة بالاشتراط، وأن وجوده وعدمه سواء. ~~وقيل: إن اشتراط الولاء مأذون فيه في هذه القصة بخصوصها، والغرض من الإذن ~~فيه هو القصد إلى بيان إبطاله، مثل ما وقع منه - صلى الله عليه وسلم - ~~الإذن بالإحرام بالحج أولا، PageV06P048 # ثم أمرهم بفسخه إلى العمرة لبيان حكم العمرة؛ ليكون ذلك أثبت في بيان الحكم. # وقد أشكل على كثير من العلماء صدور مثل (أ) هذا من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وإباحته لعائشة، وفي ذلك بحسب ظاهره خداع وغرر للبائع من حيث إنه ~~معتقد عند صدور البيع أنه بقي له بعض النافع، وانكشف الأمر على خلاف ذلك، ~~حتي إنه روي عن يحيى بن أكثم (¬1) إنكار هذا اللفظ الذي فيه اشتراط الولاء، ~~وقد روي عن الشافعي قريب منه، ولكنه بعد تحقق الوجوه في التأويل التي مرت ~~ينزاح الإشكال بالكلية من دون ورود في بعضها، وفي بعضها يرد، وبتحقيق ~~الجواب يذهب الإشكال. # وقوله: "شروطا ليست في كتاب الله". يحتمل أن يريد بكتاب الله حكم الله، ~~ويراد بذلك نفي كونها في كتاب الله بواسطة أو بغير واسطة، فإن الشريعة كلها ~~في كتاب الله؛ إما بغير واسطة كالمنصوص في القرآن، وإما بواسطة كقوله ~~تعالى: {وما آتاكم الرسول فخذوه} (¬2). # وقوله: "قضاء الله أحق". أي بالاتباع من الشروط المخالفة لحكم الشرع. ~~"وشرط الله أوثق". أي باتباع حدوده. # وقوله: "وإنما الولاء لمن أعتق". "إنما" للحصر، بدليل أنها وقعت ردا لمن ~~أراد أن يكون له الولاء من دون إعتاق، فلو لم تكن للحصر لما حصل PageV06P049 # الزجر للمذكورين ومنعهم عما أرادوه. # فائدة: ذكر ابن أبي شيبة (¬1) في "الأوائل" بسند صحيح أن بريرة أول مكاتب ~~في الإسلام. ويرد عليه مكاتبة سلمان، فإنها قبل ذلك. ويجمع بينهما بأنها ~~أول في النساء، وسلمان في الرجال. وقيل: إن أول مكاتب أبو أمية عبد عمر ~~(¬2). وكانت مكاتبة بريرة في السنة التاسعة أو العاشرة؛ لأن في القصة شفاعة ~~العباس لمغيث، وهو إنما سكن المدينة بعد رجوعهم من الطائف، وكان ذلك في ~~أواخر سنة ثمان (¬3)، ويؤيد ms1097 ذلك قول ابن عباس أنه رأي مغيثا في سكك المدينة ~~ودموعه تسيل على لحيته (¬4). # 627 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: نهى عمر عن بيع أمهات الأولاد، ~~فقال: لا تباع ولا توهب ولا تورث، ليستمتع بها ما بدا له، فإذا مات فهي ~~حرة. رواه مالك والشافعي والبيهقي (¬5)، وقال: رفعه بعض الرواة فوهم. # وأخرجه الدارقطني مرفوعا وموقوفا (¬6)، وقال: الصحيح وقفه على ابن عمر عن ~~عمر. وكذا قال عبد الحق (¬7). قال صاحب "الإلمام": المعروف فيه PageV06P050 # الوقف، والذي رفعه ثقة. قيل: ولا يصح مسندا. وقد أخرج ابن ماجه (¬1) من ~~حديث ابن عباس بلفظ: ذكرت أم إبراهيم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: "أعتقها ولدها". وفي إسناده حسين بن عبد الله (¬2)، وهو ضعيف جدا. ~~قال البيهقي (¬3): وروي عن ابن عباس من قوله. # وأخرج البيهقي (¬4) من حديث ابن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال لأم إبراهيم: "أعتقك ولدك". وهو معضل. ~~وقال ابن حزم (¬5): صح هذا بسند رواته ثقات عن ابن عباس. ثم ذكره من طريق ~~قاسم بن أصبغ عن محمد بن مصعب عن عبيد الله بن عمرو، وهو الرتي، عن عبد ~~الكريم الجزري عن عكرمة عن ابن عباس. وتعقبه ابن القطان بأن قوله: عن محمد ~~بن مصعب. خطأ، وإنما هو عن محمد -وهو ابن وضاح- عن مصعب -وهو ابن سعيد ~~المصيصي- وفيه ضعف. # وقد أخرج أحمد وابن ماجه والدارقطني والحاكم -وقال: صحيح الإسناد- ~~والبيهقي عن ابن عباس مرفوعا: "أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة عن دبر منه" (¬6). # وفي إسناده الحسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس الهاشمي، قال في PageV06P051 # "الكاشف" (¬1): ضعفوه. وقد روى عنه ابن المبارك وغيره من الأئمة. # وفي رواية للدارقطني والبيهقي (¬2) من حديث ابن عباس أيضا: "أم الولد حرة ~~وإن كان سقطا". وإسناده ضعيف. والصحيح أنه من قول ابن عمر. # وأخرج الحاكم (¬3) وابن عساكر وابن المنذر عن بريدة قال: كنت جالسا عند ~~عمر إذ سمع صائحة فقال: يا يرفأ، انظر ما ms1098 هذا الصوت. فنظر ثم جاء، فقال: ~~جارية من قريش تباع أمها. فقال عمر: ادع لي المهاجرين والأنصار. فلم يمكث ~~ساعة حتى امتلأت الدار والحجرة، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فهل ~~تعلمون كان فيما جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - القطيعة؟ قالوا: لا. ~~قال: فإنها قد أصبحت فيكم فاشية. ثم قرأ {فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في ~~الأرض وتقطعوا أرحامكم} (¬4). ثم قال: وأي قطيعة أقطع من أن تباع أم امرئ ~~فيكم وقد أوسع الله لكم! قالوا: فاصنع ما لدا لك. فكتب إلى الآفاق ألا تباع ~~أم حر؛ فإنها قطيعة، وإنه لا يحل. # وهذه الآثار والحديث فيه دلالة على أن الأمة إذا ولدت من سيدها حرم ~~بيعها، وقد ذهب إلى هذا الأكثر من الأمة. وسواء كان الذي يريد بيعها سيدها ~~أو وارثه، وسواء كان الولد باقيا أو غير باق. # وذهب الناصر والإمامية وبشر المريسي وداود الظاهري إلى جواز بيعها. PageV06P052 # قال الصادق والباقر والإمامية: إلا أن يموت سيدها ولها منه ولد باق فإنها ~~تعتق. وإن لم يكن لها ولد باق، فقال الناصر: إنه يملكها أولاد سيدها من ~~غيرها. وفي رواية: أنها تعتق حيث له ولد من غيرها. قالوا: لا سيأتي من حديث ~~جابر (¬1)؛ ولأن عليا رضي الله عنه رجع عن تحريم بيعها. # فقد أخرج عبد الرزاق (¬2) عن معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن عبيدة ~~السلماني المرادي: سمعت عليا يقول: اجتمع رأي ورأي عمر في أمهات الأولاد ~~ألا يبعن، ثم رأيت بعد أن يبعن. قال عبيدة: فقلت له: فرأيك ورأي عمر في ~~الجماعة أحب إلي من رأيك وحدك في الفرقة. # وهذا الإسناد معدود في أصح الأسانيد، ورواه البيهقي (¬3) من طريق أيوب. # وقال ابن أبي شيبة (¬4): حدثنا أبو خالد الأحمر عن إسماعيل بن أبي خالد ~~عن الشعبي عن عبيدة عن علي قال: [استشارني] (أ) عمر في بيع أمهات الأولاد، ~~فرأيت أنا وهو أنها إذا ولدت عتقت، فعمل به عمر حياته، وعثمان حياته، فلما ~~وليت رأيت أن أرقهن. قال الشعبي: ms1099 فحدثني ابن سيرين أنه قال لعبيدة: فما ترى ~~أنت؟ قال: رأي علي وعمر في الجماعة أحب إلي من قول علي حين أدركه الاختلاف. PageV06P053 # والجواب عن ذلك أن حديث جابر يحتمل أنه كان في أول الأمر، وأن ما ذكر ~~ناسخ، وأيضا فإنه راجع إلى التقرير، وما ذكر قول، وعند التعارض القول أرجح، ~~وأما رجوع علي فظاهره أنه رجوع عن اجتهاد إلى اجتهاد، وهو معارض باجتهاد ~~عمر وموافقة الصحابة له لما قال ذلك في محضر من الصحابة. مع أنه قد صرح ~~القاسم بن إبراهيم في رواية "الجامع" أن من أدرك من أهله يكونوا يثبتون ~~رواية بيع أمهات الأولاد عن علي. وروي في "الجامع" أن عليا رضي الله عنه ~~أوصى لأمهات أولاده في مرضه. قال محمد بن منصور المرادي: وهذا يدل على أنهن ~~يعتقن بعد موته. وقال ابن قدامة في "الكافي" (¬1): إن عليا لم يرجع رجوعا ~~صريحا، إنما قال لعبيدة وشريح: اقضوا كما كنتم تقضون؛ فإني أكره الاختلاف ~~(¬2). وهذا واضح في أنه لم يرجع عن اجتهاده، وإنما أذن لهم أن يقضوا ~~باجتهادهم الموافق لرأي من تقدم. # قال ابن قدامة (1): وقد روى صالح عن أحمد (أ) أنه قال: أكره بيعهن، وقد ~~باع علي بن أبي طالب. قال أبو الخطاب: فظاهر هذا أنه يصح مع الكراهة. فعرفت ~~أنه لا حجة في ذلك لا سيما مع هذا التردد، والجزم بالقول الأول. وقد ادعى ~~الإجماع على المنع من بيعهن جماعة من المتأخرين، وأفرد الحافظ ابن PageV06P054 # كثير الكلام على هذه المسألة في جزء مفرد، قال: وتلخص لي عن الشافعي نفسه ~~فيها أربعة أقوال، وفي المسألة من حيث هي ثمانية أقوال. والله أعلم. # 628 - وعن جابر رضي الله عنه قال: كنا نبيع سرارينا أمهات الأولاد والنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - حي لا يرى (أ) بذلك بأسا. رواه النسائي، وابن ماجه، ~~والحاكم، وصححه ابن حبان (¬1). # وأخرجه أحمد، والشافعي، والبيهقي، وأبو داود، والحاكم (¬2)، وزاد: في زمن ~~أبي بكر. وفيه: فلما كان عمر نهانا فانتهينا. ورواه الحاكم (¬3) من حديث ~~أبي سعيد وإسناده ms1100 ضعيف. # قال البيهقي: ليس في شيء من الطرق أنه اطلع على ذلك وأقرهم عليه - صلى ~~الله عليه وسلم -. # والجواب أن الرواية المذكورة تدل على اطلاعه عليه وتقريرهم، فإن قوله: حي ~~لا يرى بذلك بأسا. فيه دلالة على ذلك. فإنه إذا كان الرواية PageV06P055 # بالياء في: لا يرى. فالأمر واضح في ذلك، وقد قال المصنف رحمه الله تعالى ~~(¬1): إن في رواية ابن أبي شيبة ما يدل على ذلك. # وأما إذا كانت الرواية بالنون في: لا نرى. كما ذكره ابن رسلان في "شرح ~~سنن أبي داود"، فليس فيه تصريح باطلاع النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~ذلك، فيستقيم كلام البيهقي، إلا أنه يرد عليه ما سيأتي في حديث جابر في ~~النكاح: كنا نعزل والوحي ينزل (¬2). وأن مثل هذا له حكم المرفوع إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، وسيأتي تحقيق هذا المبحث. فحينئذ يتم (أ) الاحتجاج ~~بالحديث، وأن ذلك باطلاع النبي - صلى الله عليه وسلم -، والله أعلم. ~~والحديث قد عرفت من احتج به والجواب. # 629 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن بيع فضل الماء. رواه مسلم (¬3) وزاد في رواية: وعن بيع ضراب الجمل. # وأخرجه أصحاب "السن" من حديث إياس بن عبد، وصححه الترمذي (¬4)، وقال أبو ~~الفتح القشيري (¬5): هو على شرطهما. PageV06P056 # وأخرج الشافعي (¬1) عن مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة: "لا ~~يمنع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ". زاد ابن حبان في "صحيحه" (¬2): "فيهزل ~~المال ويجوع العيال" (2). # قال البيهقي (¬3): هذا هو الصحيح بهذا اللفظ، وكذا رواه الزعفراني عن ~~الشافعي. # قال البيهقي: وفي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "من منع فضل الماء ~~ليمنع به الكلأ منعه الله فضل رحمته يوم القيامة". وروي من وجه ضعيف من ~~حديث أبي هريرة، ومن مرسل الحسن. # الحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز بيع ما فضل من الماء عن كفاية صاحبه. # قال العلماء: وصورة ذلك أن يجتمع في أرض مباحة ماء فيسقي الأعلى، ms1101 ثم يفضل ~~عن كفايته، فليس له المنع، كذا إذا اتخذ حفرة في أرض مملوكة يجتمع فيها ~~الماء، أو حفر بئرا فيستقي (أ) منه ويسقي أرضه فليس له منع ما فضل. # وظاهر الحديث يدل على أنه يجب عليه بذل ما فضل عن كفايته لشرب أو طهور أو ~~سقي زرع، وسواء كان في أرض مباحة أو مملوكة، وقد ذهب PageV06P057 # إلى هذا العموم ابن القيم في "الهدي النبوي" (¬1)، وقال: إنه يجوز دخول ~~الأرض المملوكة لأخذ الماء والكلأ؛ لأن له حقا في ذلك، فلا يمنعه استعمال ~~ملك الغير. وقال (¬2): إنه نص أحمد على جواز الرعي في أرض غير مباحة للراعي ~~(أ). ومثله ذهب إليه المنصور بالله وأبو جعفر والإمام يحيى في الحطب ~~والحشيش. ثم قال (2): وأيضا فإنه لا فائدة لإذن صاحب الأرض؛ لأنه ليس له ~~منعه من الدخول، بل يجب عليه تمكينه، فغاية ما يقدر أنه لم يأذن له، وهذا ~~حرام عليه شرعا، لا يحل له منعه من الدخول، فلا فائدة في توقف دخوله على ~~الإذن، وإنما يحتاج إلى الإذن في الدخول في الدار إذا كان فيها سكن؛ لوجوب ~~الاستئذان، وأما إذا لم يكن فيها سكن فقد قال تعالى: {ليس عليكم جناح أن ~~تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم} (¬3). وهذا من ذاك. هذا معناه. # واعلم أن من احتفر بئرا أو نهرا فهو أحق بمائه إجماعا؛ ولكنه حق لا ملك. ~~وقد ذهب إلى هذا أبو العباس وأبو طالب والمؤيد وأبو يوسف وأحد وجهي أصحاب ~~الشافعي ومالك ورواية عن أحمد، فعلى هذا إن له أن ينتفع به ولا يمنع ~~الفضلة. وذهب بعض الفقهاء والإمام يحيى وأحد قولي المؤيد وأحد وجهي أصحاب ~~الشافعي ورواية عن أحمد أنه ملك لكن عليه بذل الفضلة لغيره؛ لما أخرجه أبو ~~داود (¬4): يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل PageV06P058 # منعه؟ قال: "الماء". قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: ~~"الملح". قال: يا نبي الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال: "أن تفعل ~~الخير خير لك". ms1102 وقال عمر: ابن السبيل أحق بالماء من [التانئ] (أ) عليه ~~(¬1). ذكره أبو عبيد (¬2). # وفي حكم الماء المعادن الجارية (5) في الأملاك؛ كالقار والنفط والمومياء ~~والملح، وكذا الكلأ النابت. # وكره أحمد إجارة أرض النهر والبئر كان كانتا مملوكتين، قال: لأن ذلك حيلة ~~إلى بيع الماء الذي فيه، وهذه إنما هي تحسين في اللفظ. وكذا من أقام على ~~معدن فأخذ منه حاجته لم يجز له بيع باقيه بعد نزعه عنه، وكذلك من سبق إلى ~~الجلوس في رحبة أو طريق واسعة فهو أحق بها ما دام جالسا، فإذا استغنى عنها ~~وأجر مقعده لم يجز له ذلك، وكذلك الأرض المباحة إذا كان فيها عشب أو كلأ ~~فسبق بدوابه إليها فهو أحق برعيه ما دامت دوابه فيها، فإذا خرج منها وأراد ~~بيعه منع منه. # وأما الماء المحرز في الآنية والظروف فهو مخصص من ذلك بالقياس على الحطب، ~~وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "لأن يأخذ أحدكم حبلا فيأخذ حزمة من حطب PageV06P059 # فيبيع، فيكف الله بها وجهه، خير له من أنه يسأل الناس أعطي أو منع" (¬1). # فالصحيح جواز بيعه، وأنه لا يجب بذله إلا لمضطر. # وكذلك بيع البئر والعين أنفسهما فإنه جائز؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "من يشتري بئر رومة يوسع بها على المسلمين وله (أ) الجنة؟ ". أو كما ~~قال. فاشتراها عثمان من يهودي وسبلها للمسلمين، وكان اليهودي يبيع ماءها، ~~واشترى نصفها باثني عشر ألفا، ثم قال اليهودي: اختر؛ إما أن تأخذها يوما ~~واخذها يوما، وإما أن تنصب لك عليها دلوا وأنصب عليها دلوا. فاختار يوما ~~ويوما، فكان الناس يستقون منها يوم عثمان لليومين، فقال اليهودي: أفسدت علي ~~بئري، فاشتر باقيها. فاشتراه بثمانية آلاف (¬2). فدل على صحة بيع البئر، ~~وجواز تسبيلها ولو كان المسبل مشاعا، وصحة بيع ما يغترف منها، وجواز قسمة ~~الماء بالمهايأة (¬3)، وعلى كون المالك أحق بمائها، وجواز قسمة ما فيه حق ~~وليس بمملوك، ولا ينقض ما مر من أنه يجوز الدخول إلى الملك لأخذ الماء ~~والكلأ؛ لأن هذا كان في صدر الإسلام قبل ms1103 ضعف شوكة اليهود في المدينة، ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - صالحهم في مبادئ الأمر على ما في أيديهم، ثم ~~استقرت الأحكام وجرت على الموافق PageV06P060 # والمعاند (¬1)، ولله الحمد والمنة. # وحمل الخطابي النهي على التنزيه، ولكنه لا دليل على ذلك (¬2)، والظاهر ~~التحريم. # وقوله: وعن ضراب الجمل. معناه: نهى عن أجرة ضراب الجمل. # وهو عسب الفعل، بفتح العين المهملة وإسكان السين المهملة، وهو مذكور بهذا ~~اللفظ في حديث آخر (¬3). # وقد اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في أجرة الفعل وغيره من الدواب ~~للضرب؛ فذهب العترة والشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور وآخرون إلى أن استئجاره ~~لذلك باطل، والأجرة حرام، ولا يستحق مالكه عوضا، وإذا فعل المستأجر لا ~~يلزمه شيء من الأجرة. قالوا: وعلة النهي أنه غرر ومجهول وغير مقدور على ~~تسليمه. وقال جماعة من الصحابة والتابعين ومالك وآخرون: إن ذلك جائز إلا ~~أنه يستأجره للضراب مدة معلومة، أو تكون الضربات معلومة؛ لأن الحاجة تدعو ~~إليه، وهي منفعة مقصودة. وحملوا النهي على التنزيه والحث على مكارم ~~الأخلاق، كما وقع النهي عن إجارة الأرض للزرع لهذه العلة. ولكنه خلف الظاهر ~~من غير دليل. والله أعلم. # 630 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن PageV06P061 # عسب الفحل. رواه البخاري (¬1). # 631 - وعنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع حبل الحبلة، ~~وكان بيعا يبتاعه (أ) أهل الجاهلية؛ كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج ~~الناقة ثم تنتج التي في بطنها. معلق عليه واللفظ للبخاري (¬2). # 632 - وعنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع الولاء وعن ~~هبته. متفق عليه (¬3). # قوله: نهى عن بيع حبل الحبلة. إلى آخره. هو بفتح الحاء المهملة والباء ~~الموحدة فيهما، وهو مصدر حبلت تحبل حبلا، والحبلة جمع حابل؛ مثل ظلمة ~~وظالم، وكتبة وكاتب. وحابل بغير تاء، ويقال: حابلة بالتاء. والتاء فيه ~~للمبالغة أو للإشعار بالأنوثة، وقد ورد نادرا حابلة. وحبلة في أصله مصدر ~~سمي به المحبول، وأكثر استعمال الحبل في الآدميات. قال أبو ms1104 عبيد (¬4): ولم ~~يرد في غير الآدميات إلا في هذا الحديث. وأثبت صاحب "المحكم" (¬5) ذلك في ~~غير هذا الحديث. PageV06P062 # وقوله: وكان بيعا. إلخ، وقع هذا التفسير في "الموطأ" (¬1) متصلا بالحديث. ~~قال الإسماعيلي (¬2): وهو مدرج. يعني من كلام نافع، ومثله ذكر الخطب في ~~"المدرج" (¬3)، وذكره البخاري (¬4) في ذكر أيام الجاهلية، وساقه بالتفسير ~~المذكور عن ابن عمر، فأفهم أنه من تفسير ابن عمر، وجزم بذلك ابن عبد البر (¬5). # وهذه الرواية فيها إنتاج ولد الناقة. ووقع في رواية [عبيد الله] (أ) بن ~~عمر حمل ولد الناقة من دون اشتراط الإنتاج (¬6). وفي رواية جويرية: أن تنتج ~~الناقة ما في بطنها من دون أن يكون نتاجها قد حمل أو أنتج (¬7). وبظاهر هذه ~~الرواية قال سعيد بن المسيب فيما رواه عنه مالك (¬8). # وعلى هذه الروايات اختلف العلماء في هذا المنهي عنه هل هو حيث يؤجل بثمن ~~الجزور إلى أن يحصل النتاج المذكور أو أنه يبيع منه النتاج؟ وذهب إلى الأول ~~مالك والشافعي وجماعة (¬9)، وعلة النهي هو جهالة PageV06P063 # الأجل، وذهب إلى الثاني (أ) أبو عبيد (¬1). وأحمد وإسحاق وابن حبيب ~~المالكي وأكثر أهل اللغة (¬2)، وبه جزم الترمذي (¬3). وعلة النهي هو كونه ~~بيع معدوم ومجهول وغير مقدور على تسليمه، وهو داخل في بيع الغرر، وقد أشار ~~إلى هذا البخاري، حيث صدر الباب ببيع الغرر، وأشار إلى التفسير الأول، ~~[وذكر] (ب) الحديث في باب السلم، ورجح الأول لكونه موافقا للحديث، وإن كان ~~كلام أهل اللغة موافقا للثاني، [لكن قد روى الإمام أحمد (¬4) من طريق ابن ~~إسحاق عن نافع عن ابن عمر ما يوافق الثاني] (ج) ولفظه: نهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن بيع الغرر، قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتبايعون ذلك ~~البيع، يبتاع الرجل بالشارف حبل الحبلة، فنهوا عن ذلك. # فكان محصل الخلاف: هل المراد البيع إلى أجل أو بيع الجنين؟ وعلى الأول، ~~هل المراد بالأجل ولادة الأم أو وزيادة ولدها؟ # وعلى الثاني، هل المراد بيع الجنين الأول أو جنين الجنين؟ فصارت أربعة ~~أقوال. PageV06P064 # وحكى صاحب "المحكم" (¬1) عن ابن ms1105 كيسان أن المراد بالحبلة الكرمة، وأن ~~المراد النهي عن بيع ثمر العنب قبل أن يصلح، كما نهى عن بيع ثمر النخلة قبل ~~أن تزهي. وعلى هذا فالحبلة بسكون الباء الموحدة، والروايات بالتحريك، لكنه ~~قد حكي في الحبلة بمعنى الكرمة أيضا فتح الباء، ولم ينفرد ابن كيسان بذلك، ~~فقد حكاه ابن السكيت في كتاب "الألفاظ" (¬2)، ونقله القرطبي في "المفهم" ~~(2) عن أبي العباس المبرد. # والجزور: بفتح الجيم وضم الزاي: البعير ذكرا كان أو أنثى، وهو مؤنث، وإن ~~أطلق على مذكر تقول: هذه الجزور. # وتنتج: بضم أوله وفتح ثالثه؛ أي تلد ولدا. والناقة: فاعل، وهذا الفعل وقع ~~في لغة العرب على صيغة المجهول. # وقوله: نهى عن بيع الولاء وعن هبته. فيه دلالة على عدم صحته وهبته وتحريم ~~ذلك؛ وذلك لأن الولاء حق يثبت بوصف وهو الإعتاق ولا ينقل عن مستحقه؛ ولذلك ~~شبهه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالنسب وقال: "هو لحمة كلحمة النسب" ~~(¬3). وقد قال بهذا جماهير العلماء من السلف والخلف رحمهم الله تعالى، ~~وأجاز بعض السلف نقله، ولعله لم يبلغهم الحديث. كذا قال النووي في "شرح ~~مسلم" (¬4). # 633 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - PageV06P065 # عن بيع الحصاة وعن بيع الغرر. رواه مسلم (¬1). # بيع الحصاة اختلف فيه فقيل: هو أن يقول: ارم بهذه الحصاة، فعلى أي ثوب ~~وقعت فهو لك بدرهم. وقيل: هو أن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية ~~الحصاة. وقيل: هو أن يقبض على كف من حصى ويقول: لي بعدد ما خرج في القبضة ~~من الشيء المبيع. أو يبيعه سلعة ويقبض على كف من حصى ويقول: لي بكل حصاة ~~درهم. وقيل: أن يمسك أحدهما حصاة بيده ويقول: أي وقت سقطت الحصاة فقد وجب ~~البيع. وقيل: هو أن يعترض القطيع من الغنم فيأخذ حصاة ويقول: أي شاة أصبتها ~~(أ) فهي لك بكذا. وهذه الصور كلها متضمنة للغرر، لما في الثمن أو المبيع من ~~الجهالة، ولفظ الغرر يشملها، وإنما أفردت لكونها كانت يبتاعها ms1106 أهل ~~الجاهلية، فجاء (ب) الإسلام بالنهي عنها، وأضيف البيع إلى الحصاة للملابسة ~~لما كانت الحصاة تعتبر فيه. # وقوله: وعن بيع الغرر. الغرر. بفتح الغين المعجمة والراء المهملة ~~المكررة؛ فعل، وهو إما بمعنى مغرور به فيكون بمعنى اسم المفعول، وإضافة ~~المصدر إليه من إضافته إلى المفعول، أو هو في معناه المصدري، وتكون إضافة PageV06P066 # البيع إليه للملابسة، ويكون المعنى البيع الذي صحبه الغرر، ومعناه: ~~الجذاع الذي هو مظنة ألا يرضى به عند تحققه أحد التبايعين لمنافاته لغرضه، ~~فيكون من الأكل للمال بالباطل غير داخل في قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة ~~عن تراض منكم} (¬1). وهو أن يكون إما لعدم القدرة على تسليمه، كبيع العبد ~~الآبق والفرس النافر والطير في الهواء، أو لكونه معدوما أو مجهولا، أو لا ~~يتم ملك البائع له كالسمك في الماء الكثير، واللبن في الضرع، وبيع الحمل في ~~البطن، وكذا بيع ثوب من ثياب أو شاة من شياه غير مخير فيه مدة معلومة، فإن ~~هذا فيه غرر غير محتاج إلى ارتكابه، وقد يحتمل بعض الغرر ويصح البيع معه ~~إذا دعت إليه الحاجة؛ كالجهل بأساس الدار، وكما إذا باع الشاة الحامل والتي ~~في ضرعها لبن فإنه يصح البيع، أو كان الغرر حقيرا، وذلك كبيع الجبة المحشوة ~~وإن لم ير حشوها، فإن ذلك مجمع عليه، وكذا على جواز إجارة الدار والدابة ~~والثوب ونحو ذلك شهرا، مع أن الشهر قد يكون ثلاثين يوما، وقد يكون تسعة ~~وعشرين، وعلى دخول الحمام بالأجرة مع اختلاف الناس في استعمالهم الماء وفي ~~قدر مكثهم، وعلى جواز الشرب من السقاء بالعوض مع الجهالة، واختلاف عادة ~~الشاربين، وعكس هذا أجمعوا على بطلان بيع الأجنة في البطون والطير في ~~الهواء، قال العلماء: مدار البطلان على الغرر، وصح فيما ذكرنا مع وجود ~~الغرر لكون الحاجة تدعو إليه ولا يمكن الاحتراز عنه، أو كان الغربي حقيرا ~~لقيام الإجماع على الاغتفار فيما ذكر، ووقع الخلاف في [بيع] (أ) العين PageV06P067 # الغائبة؛ فمن جوزه فبناه على أن الغرر مغتفر حقير (أ) كالمعدوم، ومن منع ms1107 ~~منه فبناه على اعتبار ما فيه من الغرر وأنه غير حقير مغتفر، وكذا في بيع ~~الكامن الذي يدل فرعه عليه كالجزر والبصل والثوم ونحو ذلك مما كان الكامن ~~هو المقصود بالبيع، حيث قد بلغ حد الانتفاع به، فهي معلومة بالعادة يعرفها ~~أهل الخبرة بها، ففيها غرر يسير وهو محتاج إلى البيع لانتفاع الناس بذلك. # وقد ذهب إلى جواز بيع ذلك أبو يوسف ومحمد وصححه القاضي زيد للهدوية، وقال ~~الناصر ومالك: إنه يجوز إذا قد ظهرت أوراقه، إذ هو علامة صلاحه للانتفاع ~~به. وقال الإمام المهدي: إن ذلك لا يصح على ظاهر مذهب الهدوية سواء ظهرت ~~أوراقه أم لا؛ لما فيه من الغرر والجهالة، فهو مثل بيع الحوت في الماء. ~~ويجاب عنه بأن ذلك مغتفر وهو لا يزيد على ما في بيع الجوز واللوز والفستق ~~والبيض من الغرر، وقد اغتفر ذلك. والله أعلم. # 634 - وعنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من اشترى طعاما ~~فلا يبعه حتى يكتاله". رواه مسلم (¬1). # وفي لفظ من حديث أبي هريرة أخرجه مسلم وأحمد (¬2) قال: نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يشترى الطعام ثم يباع حتى يستوفى. وأخرج مسلم ~~وأحمد (¬3) من حديث جابر: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ~~ابتعت طعاما فلا PageV06P068 # تبعه حتى تستوفيه". # وأخرج أحمد (¬1) من حديث حكيم بن حزام قال: قلت: يا رسول الله، إني أشتري ~~بيوعا، فما يحل لي منها وما يحرم علي؟ قال: "إذا اشتريت شيئا فلا تبعه حتى ~~تقبضه". # وأخرج الدارقطني وأبو داود من حديث زيد بن ثابت (¬2) أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. ~~وسيأتي قريبا في حديث ابن عمر (¬3). # وأخرج السبعة إلا الترمذي وابن ماجه (¬4) من حديث ابن عمر قال: كانوا ~~يبتاعون الطعام جزافا في أعلى السوق فنهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يبيعوه حتي ينقلوه. وفي لفظ في "الصحيحين" (¬5): حتى يحولوه. وللسبعة ~~إلا الترمذي (¬6): "من ابتاع طعاما فلا يبعه ms1108 حتى يقبضه". ولأحمد (¬7): "من ~~اشترى طعاما بكيل أو وزن فلا يبعه حتى يقبضه". ولأبي داود والنسائي (¬8): PageV06P069 # نهي أن يبيع أحد طعاما اشتراه بكيل حتى يستوفيه. وعن ابن عباس أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه". قال ابن ~~عباس: ولا أحسب كل شيء إلا مثله. أخرجه السبعة إلا الترمذي (¬1). # الحديث فيه دلالة على أن الطعام ليس لمشتريه أن يبيعه حتى يكتاله، ~~والمراد منه قبضه، تدل عليه رواية: "يستوفيه". إلا أنه لما كان الأغلب في ~~الطعام أن يكون قبضه بالكيل، ذكر لفظ الكيل في الاستيفاء، وقد اعتبر خصوصية ~~هذا الحكم بالطعام ابن المنذر فقال: إن هذا الحكم يختص بالطعام لا غيره من ~~سائر المبيعات. محتجا باتفاقهم على أن من شرى عبدا فأعتقه قبل قبضه أن ~~العتق صحيح، قال: والبيع كذلك. وهو مردود عليه بحديث حكيم بن حزام، فإنه ~~عام للطعام وغيره، وأيضا فالعلة المعتبرة معدية إلى الغير، وذهب مالك إلى ~~أن الطعام إذا شري جزافا جاز بيعه قبل قبضه، وبه قال الأوزاعي وإسحاق، ~~واحتج لهم (أ) بأن الجزاف يرى فتكفي فيه التخلية، والاستيفاء إنما يكون في ~~مكيل أو موزون. وقد روى أحمد مرة حديث ابن عمر مرفوعا: "من اشترى طعاما ~~بكيل أو وزن فلا يبعه حتي يقبضه". ويجاب عنه: بحديث حكيم، وحديث زيد بن ~~ثابت، PageV06P070 # وحديث ابن عمر الذي أخرجه السبعة. # وذهب ابن عباس والعترة والشافعي ومحمد إلى أنه لا يجوز البيع للمشتري قبل ~~القبض مطلقا، وهو الذي استنبطه ابن عباس وقال: لا أحسب كل شيء إلا مثله. ~~وأخرج البخاري (¬1) عن طاوس: قلت لابن عباس: كيف ذاك؟ قال: ذاك دراهم ~~بدراهم والطعام مرجأ. معناه: أنه استفهم عن سبب هذا النهي فأجابه ابن عباس ~~بأنه إذا باعه المشتري قبل القبض وتأخر المبيع في يد البائع، فكأنه باع ~~دراهم بدراهم، ويبين ذلك ما وقع في رواية سفيان عن ابن طاوس عند مسلم (¬2) ~~قال طاوس: قلت لابن عباس: لم؟ قال: ألا تراهم يبتاعون بالذهب [والطعام] (أ) ~~مرجأ. أي ms1109 فإذا اشترى طعاما بمائة دينار مثلا ودفعها للبائع ولم يقبض منه ~~الطعام ثم باع الطعام لآخر بمائة وعشرين دينارا، هذا كلامه فأفهم أن ذلك من ~~باب الربا، وأنه كأن الدراهم هي التي بيعت متفاضلة، وحينئذ فالحكم عام في ~~كل مبيع لوجود العلة المعدية. # وخص أبو حنيفة هذا الحكم بما كان ينقل، وأما غير المنقول فيحل بيعه قبل ~~القبض، محتجا بحديث زيد بن ثابت فإن ذلك في المنقول (ب). # وأجيب إما بعموم حديث حكيم بن حزام، أو بالقياس؛ لوجود العلة. PageV06P071 # قال القرطبي: وهذه الأحاديث حجة على عثمان حيث أجاز بيع كل شيء قبل قبضه. ~~ونسب في "البحر" الخلاف هذا إلى عثمان البتي. # فائدة: أخرج الدارقطني من حديث جابر (¬1): نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن بيع الطعام حتى يجري فيه الصاعان؛ صالح البائع وصاع المشتري. ~~ونحوه للبزار (¬2) من حديث أبي هريرة بإسناد حسن. فهو يدل على أنه إذا ~~اشترى الشيء مكايلة وقبضه ثم باعه لم يجز تسليمه بالكيل الأول حتى يكيله ~~علي من اشتراه ثانيا. وبذلك قال الجمهور، وقال عطاء (¬3): يجوز بيعه بالكيل ~~الأول مطلقا. وقيل: إن باعه بنقد جاز بالكيل الأول، وإن باعه بنسيئة لم يجز ~~بالأول. والأحاديث المذكورة ترد عليهما، وكأن العلة في ذلك هي لما يجوز من ~~النقص في ذلك؛ فإعادة الكيل لإذهاب الخداع. # وفي حديث ابن عمر: كانوا يبتاعون الطعام جزافا. هو مثلث الجيم والكسر ~~أفصح، يدل على جواز بيع الصبرة جزافا سواء علم البائع قدرها أم لم يعلم، ~~إلا أنه يثبت الخيار للمشتري عند الهدوية إذا علم قدرها البائع دون ~~المشتري، وعن مالك لا يصح فيما علم قدرها البائع فقط. # قال ابن قدامة (¬4): يجوز بيع الصبرة جزافا، لا نعلم فيه خلافا إذا جهل ~~البائع والمشتري قدرها، فإن اشتراها جزافا، ففي بيعها قبل نقلها روايتان عن PageV06P072 # أحمد، ونقلها قبضها. انتهى. # 635 - وعنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيعتين في ~~بيعة. رواه أحمد والنسائي وصححه والترمذي وابن ماجه (¬1). ولأبي داود (¬2): ~~"من باع بيعتين ms1110 في بيعة فله أوكسهما أو الربا". # وأخرجه الشافعي (¬3)، وهو في بلاغات مالك (¬4). قال الترمذي: حسن صحيح، ~~وفي الباب عن ابن عمر وابن عمرو وابن مسعود. # وحديث ابن مسعود رواه أحمد (¬5) من طريق عبد الرحمن ابنه عنه بلفظ: نهى ~~عن صفقتين في صفقة. # وحديث ابن عمر رواه ابن عبد البر (¬6) من طريق ابن أبي خيثمة عن يحيى بن ~~معين عن هشيم [عن] (أ) يونس بن عبيد عن نافع عن ابن عمر مثله. # وحديث ابن عمرو رواه الدارقطني (¬7) في أثناء حديث. PageV06P073 # قال سماك في تفسيره: هو الرجل يبيع البيع فيقول: هو بنساء بكذا، وهو بنقد ~~بكذا. رواه أحمد (¬1). # وقد يفسر بأن يقول: بعتك عبدي بعشرة على أن تبيعني جاريتك بكذا. # وعلة النهي على الأول، عدم استقرار الثمن ولزوم الربا على قول من يمنع ~~بيع الشيء بأكثر من سعر يومه لأجل النساء. وعلى (أ) الثاني، لتعليقه بشرط ~~مستقبل يجوز وقوعه وعدم وقوعه، فلم يستقر الملك. # وقوله: "فله أوكسهما أو الربا". يعني أنه إذا فعل ذلك فهو لا يخلو عن أحد ~~النقصين؛ إما الأوكس الذي هو الأقل، أو الربا (ب في ذلك ب). وهذا مما يؤيد ~~التفسير الأول. # 636 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لم يضمن، ولا ~~بيع ما ليس عندك". رواه الخمسة وصححه الترمذي وابن خزيمة والحاكم، وأخرجه ~~في "علوم الحديث" من رواية أبي حنيفة عن عمرو المذكور بلفظ: نهى عن بيع ~~وشرط. ومن هذا [الوجه] (ج) أخرجه PageV06P074 # الطبراني في "الأوسط"، وهو غريب (¬1). # حديث: نهى عن بيع وشرط. بيض له الرافعي في "التذنيب" واستغربه النووي ~~(¬2)، وقد رواه ابن حزم في "المحلى" والخطابي في "العالم" (¬3) والطبراني ~~في "الأوسط" و "الحاكم" في "علوم الحديث" من طريق محمد بن سليمان الذهلي، ~~عن عبد الوارث بن (أ) سعيد، عن أبي حنيفة، عن عمرو بن شعيب في قصة طويلة ~~مشهورة. # قال المصنف (¬4) رحمه الله تعالى: ورويناه ms1111 في الجزء الثالث من مشيخة ~~بغداد للدمياطي، ونقل فيه عن ابن أبي الفوارس أنه قال: حديث غريب. انتهى. # والقصة هي: قال عبد الوارث: دخلت الكوفة فوجدت ثلاثة من فقهائها وهم؛ أبو ~~حنيفة، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، فسألت أبا حنيفة عن بيع وشرط فقال: ~~يبطلان. ثم سألت ابن أبي ليلى عن ذلك فقال: يصح العقد ويبطل الشرط. ثم سألت ~~ابن شبرمة فقال: يصحان. فعدت إلى أبي PageV06P075 # حنيفة فأخبرته بما قالا فقال: لا علم لي بما قالا، ولكنه نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن بيع وشرط. ثم دخلت على ابن أبي ليلى فأخبرته بما ~~قالا فقال: لا علم لي بما قالا، ولكنه أجاز العقد وأبطل الشرط في خبر بريرة ~~(¬1). ثم دخلت على ابن شبرمة فأخبرته بما قالا فقال: لا علم لي بما قالا، ~~ولكنه - صلى الله عليه وسلم - اشترى من جابر بعيرا واشترط ظهره إلى المدينة ~~(¬2)، فصح البيع والشرط. وفي رواية ابن حزم: قدمت مكة. ومثله رواه الخطابي ~~وفيها: قلت: يا سبحان الله! ثلاثة من فقهاء العراق اختلفوا في مسألة واحدة. # قوله: "لا يحل سلف وبيع". هو حيث يريد الشخص أن يشتري سلعة بأكثر من ~~ثمنها لأجل النساء وعنده أن ذلك لا يجوز، فيحتال بأن يستقرض الثمن من ~~البائع ليعجله إليه حيلة، وكلتا الصورتين محرم والعقد فيهما فاسد. # وقوله: "ولا شرطان في بيع". اختلف في تفسير ذلك؛ فقال أبو حنيفة وزيد بن ~~علي: هو أن يقول: بعت هذا نقدا بكذا، وبكذا نسيئة. وقال أبو العباس: هو أن ~~يشترط البائع ألا يبيع المشتري السلعة ولا يهبها. وقيل: هو أن يقول: بعتك ~~هذه السلعة بكذا على أن تبيعني السلعة الفلانية بكذا. كذا ذكره الإمام ~~المهدي في "الغيث"، والأول أقرب إلى لفظ الحديث. # وقوله: "ولا ربح ما لم يضمن". قيل معناه: ما لم يملك. وذلك هو الغصب، ~~فإنه غير ملك للغاصب، فإذا باعه وربح في ثمنه لم يحل له الربح، ووجب عليه ~~التصدق به، نص عليه الهادي في "الأحكام"، وقال المؤيد: إنه ms1112 PageV06P076 # يحل له الربح؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الخراج بالضمان" (¬1). ~~وقواه الإمام يحيى. # وقيل: معناه: ما لم يقبض. لأن السلعة المشتراة قبل قبضها هي ليست في ضمان ~~المشتري إذا تلفت، بل تكون في ضمان البائع، بمعنى أنها تتلف من ماله، ~~وتسمية ذلك غير مضمون مجاز. # وقوله: "ولا بيع ما ليس عندك". قد فسر أيضا بالغصب؛ لأنه لما كان الغاصب ~~مأمورا بتفريغ ساحته وتبرئة ذمته من الغصب فهو ليس عنده، وقد فسر أيضا ~~[بالبيع] (أ) قبل القبض. وكلاهما محتملان. # وفي حديث حكيم بن حزام في رواية أبي داود والنسائي (¬2) أنه قال: قلت: يا ~~رسول الله، يأتيني الرجل فيريد مني البيع ليس عندي، فأبتاع له من السوق؟ ~~قال: "لا تبع ما ليس عندك". ما يدل على أن المقصود به النهي عن بيع الشيء ~~قبل أن يملكه وإن كان في نيته تملكه لأجل تسليمه إلى المشتري، وهو الأولى، ~~والله أعلم. # 637 - وعنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن بيع العربان. ~~رواه مالك قال: بلغني عن عمرو بن شعيب به (¬3). # وأخرجه أبو داود وابن ماجه (¬4)، وفي إسناده راو لم يسم، وسمي في رواية ~~لابن ماجه ضعيفة عبد الله بن عامر الأسلمي (¬5). وقيل: هو ابن PageV06P077 # لهيعة (¬1). وهما ضعيفان. # ورواه الدارقطني والخطيب (¬2) في "الرواية عن مالك" من طريق الهيثم بن ~~اليمان عنه عن عمرو بن الحارث عن عمرو بن شعيب، وعمرو بن الحارث ثقة (¬3)، ~~والهيثم ضعفه الأزدي (¬4)، وقال أبو حاتم (¬5): صدوق. وذكر الدارقطني أنه ~~تفرد بقوله: عن عمرو بن الحارث. # قال ابن عدي (¬6): إنه يقال: إن مالكا سمع هذا الحديث من ابن لهيعة. ~~ورواه البيهقي (¬7) من طريق عاصم [بن] (أ) عبد العزيز عن (ب) الحارث [بن] ~~(ج) عبد الرحمن عن عمرو بن شعيب، وقال عبد الرزاق في "مصنفه" (¬8): أخبرنا ~~الأسلمي عن زيد بن أسلم سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن العربان ~~في البيع فأحله. # قوله: عن بيع العربان. هو بضم المهملة، ويقال: أربان. بالهمزة، PageV06P078 # ويقال: عربون. وذكر مالك في تفسيره هو ms1113 أن يشتري الرجل العبد أو الأمة أو ~~يكتري ثم يقول الذي اشترى أو اكترى: أعطيك دينارا أو درهما على أني إن أخذت ~~السلعة فهو من ثمن السلعة وإلا فهو لك. وكذلك فسره عبد الرزاق عن الأسلمي ~~عن زيد بن أسلم. # قد اختلف الناس في جواز هذا البيع؛ فأبطله مالك والشافعي لهذا النهي، ~~ولما فيه من الشرط الفاسد والغرر ودخوله في أكل المال بالباطل، وأبطله ~~أصحاب الرأي لذلك، وقد روي عن ابن عمر أنه أجاز هذا البيع (¬1)، وروي عن ~~عمر رضي الله عنه (¬2)، ومال أحمد إلى القول بإجازته وقال: أي شيء أقدر أن ~~أقول وهذا عمر؟ يعني أنه أجازه. والله أعلم. # 638 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: ابتعت زيتا في السوق، فلما استوجبته ~~لقيني رجل فأعطاني به ربحا حسنا، فأردت أن أضرب على يد الرجل، فأخذ رجل من ~~خلفي بذراعي فالتفت فإذا زيد بن ثابت، فقال: لا تبعه حيث ابتعته حتى تحوزه ~~إلى رحلك؛ فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تباع السلع حيث ~~تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. رواه أحمد وأبو داود واللفظ له، وصححه ~~ابن حبان والحاكم (¬3). # الحديث فيه دلالة على أنه لا يصح من المشتري أن يبيع ما اشتراه قبل أن ~~يحوزه إلى رحله، والظاهر أن المراد به القبض، ولكنه عبر عنه بما ذكر لما ~~كان PageV06P079 # غالب قبض المشتري هو الحيازة إلى المكان الذي يختص به، وأما نقله من مكان ~~إلى مكان لا يختص به فعند الجمهور أن ذلك قبض، والخلاف للشافعي في ذلك مع ~~تفصيل، وذلك أنه إذا كان مما يتناول باليد كالدراهم والدنانير والثوب فقبضه ~~بالنقل، وما ينقل في العادة كالأخشاب والحبوب والحيوان فقبضه بالنقل إلى ~~مكان لا اختصاص للبائع فيه. وفي قول أنه يكفي فيه التخلية، وما كان لا ينقل ~~كالعقار والثمر على الشجر فقبضه بالتخلية، والظاهر معه. # وقوله: فلما استوجبته. في رواية لأبي داود: فلما استوفيته. المراد منه ~~العقد، وظاهر اللفظ أنه قبضه ولم يكن قد حازه إلى رحله ms1114 كما يدل عليه قوله: ~~نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. والله أعلم. # 639 - وعنه قال: قلت: يا رسول الله، إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع ~~بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذا من هذه ~~وأعطي هذه من هذا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا بأس أن ~~تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء". رواه الخمسة وصححه الحاكم (¬1). # الحديث لفظ أبي داود، وغيره بلفظ: فقال: "لا بأس به بالقيمة". وفي رواية: ~~"لا بأس إذا تفرقتما وليس بينكما شيء". وفي PageV06P080 # لفظ [للنسائي (¬1)] (أ): "ما لم يفرق بينكما شيء". # قال الترمذي والبيهقي (¬2): لم يرفعه غير سماك بن حرب عن سعيد بن جبير عن ~~ابن عمر. وعلق الشافعي في "سنن حرملة" القول به على صحته، وروى البيهقي ~~(¬3) من طريق أبي داود الطالسي قال: سئل شعبة عن حديث سماك هذا، فقال شعبة: ~~أيوب عن نافع عن ابن عمر. ولم يرفعه. وحدثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن ~~ابن عمر. ولم يرفعه. وحدثنا يحيى بن أبي إسحاق، عن سالم، عن ابن عمر. ولم ~~يرفعه، ورفعه لنا سماك (¬4). انتهى. # وقوله: بالبقيع. بالباء الموحدة كما وقع عند البيهقي (¬5): في بقيع ~~الغرقد. قال النووي (¬6): ولم يكن كثرت إذ ذاك فيه القبور. وقال ابن باطيش: ~~لم أر من ضبطه، والظاهر أنه بالنون. # الحديث فيه دلالة على أنه يجوز أن يقضي عن الذهب الفضة، وعن الفضة ذهبا؛ ~~لأن ابن عمر كان يبيع بالدنانير، فيلزم المشتري في ذمته له دنانير وهي ~~الثمن، ثم يقبض (ب) عنها دراهم وبالعكس، وهذا مصرح به في PageV06P081 # رواية أبي داود وتبويب "باب اقتضاء الذهب من الورق". ولفظه: كنت أبيع ~~الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ ~~الدنانير؛ آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو في بيت حفصة فقلت: يا رسول الله، رويدك أسألك، إني أبيع ~~الإبل بالبقيع؛ فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ ~~الدنانير؛ آخذ هذه ms1115 من هذه، وأعطي هذه من هذه. فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء". # وفي هذا تصريح بأن النقدين جميعا غير حاضرين، والحاضر أحدهما وهو غير ~~اللازم في الذمة، فبين الحكم بأنهما إذا فعلا ذلك فحقه ألا يفترقا إلا وقد ~~قبض ما هو لازم عوض ما في الذمة، ولا يجوز أن يقبض البعض من الدراهم ويبقى ~~بعض في ذمة من عليه الدنانير عوضا عنها ولا العكس، لأن ذلك من باب الصرف، ~~والشرط فيه ألا يفترقا وبينهما شيء. # وأما قوله: "بسعر يومها". فهو في رواية لأبي داود، والظاهر أنه غير شرط، ~~وإن كان ذلك أمرا أغلبيا في الواقع، يدل على ذلك قوله: "فإذا اختلفت ~~الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد". كما سيأتي في حديث عبادة (¬1)، ~~والله أعلم. # 640 - وعنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن النجش. متفق ~~عليه (¬2). # النجش بفتح النون وسكون الجيم بعدها معجمة، وهو في اللغة تنفير PageV06P082 # الصيد واستثارته من مكانه ليصاد. يقال: أنجشت الصيد أنجشه بالضمة نجشا، ~~فسمي الناجش في السلعة ناجشا؛ لأنه يثير الرغبة فيها ويرفع ثمنها، وقال ابن ~~قتيبة (¬1): أصل النجش [الختل] (أ)، وهو الخداع، ومنه قيل للصائد: ناجش. ~~لأنه يختل الصيد ويحتال له، وكل من استثار شيئا فهو ناجش. أو من النجش ~~بمعنى الاستتار، لأنه يستر قصده، ومنه قيل للصائد: ناجش لاستتاره. وقال ~~الهروي: قال أبو بكر: النجش المدح والإطراء. وعلى هذا معنى الحديث: لا يمدح ~~أحدكم السلعة ويزيد في ثمنها بلا رغبة. والصحيح الأول. كذا ذكره النووي (¬2). # وفي الشرع: الزيادة في ثمن السلعة المعروضة للبيع؛ لا ليشتريها بل ليغر ~~بذلك غيره، وقد يقع ذلك بمواطأة البائع، وقد لا يكون، وقد يكون من البائع ~~وحده؛ مثل أن يخبر بأنه اشتراها بكذا ليخدع الشتري، وهو حرام لما فيه من ~~الخديعة. # قال ابن بطال (¬3): أجمع العلماء على أن الناجش عاص بفعله، واختلفوا في ~~البيع إذا وقع على ذلك؛ فنقل ابن المنذر عن ms1116 طائفة من أهل الحديث فساد ذلك ~~البيع، وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك، وهو المشهور عن الحنابلة إن كان ~~بمواطأة البائع أو منه، والمشهور عند المالكية في مثل ذلك ثبوت الخيار، وهو ~~وجه للشافعية. ومثل هذا ذكر الإمام الهدي في "البحر" للهدوية قياسا على PageV06P083 # المصراة، والبيع صحيح عند الهدوية والشافعية والحنفية، لأن النهي عائد ~~إلى أمر مفارق للبيع وهو قصد الخداع، فلم يقتض الفساد. # وقد اتفق أكثر العلماء على تفسير النجش بما ذكر، وقيد ابن عبد البر (¬1) ~~وابن العربي (¬2) وابن حزم (¬3) أن التحريم بأن تكون الزيادة المذكورة فوق ~~ثمن المثل. قال ابن العربي: فلو أن رجلا رأى سلعة رجل تباع بدون قيمتها، ~~فزاد فيها لتنتهي إلى قيمتها لم يكن ناجشا عاصيا، بل يؤجر على ذلك بنيته. ~~وقد وافقه على ذلك بعض المتأخرين من الشافعية، لأن ذلك من النصيحة. ويجاب ~~عن ذلك بأن النصيحة تحصل بغير إيهام أنه يريد الشراء، وأما مع هذا فهو خداع ~~وغرور، وقد أخرج البخاري (¬4) في "الشهادات" في باب قول الله تعالى: {إن ~~الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا قليلا} (¬5). عن عبد الله بن أبي ~~أوفى قال: أقام رجل سلعته فحلف بالله لقد أعطي بها ما لم يعط، فنزلت. قال ~~ابن أبي أوفي: الناجش آكل ربا خائن. وأخرجه الطبراني (¬6) من وجه آخر عن ~~ابن أبي أوفى مرفوعا، لكن قال: "ملعون". بدل: خائن. انتهى. # وأطلق ابن أبي أوفى على من أخبر بأكثر مما اشتري به أنه ناجش؛ لمشاركته ~~لمن يزيد في السلعة وهو لا يريد أن يشتريها في غرور الغير، فاشتركا في ~~الحكم لذلك، وحيث كان الناجش غير البائع فقد يكون آكل ربا إذا جعل له ~~البائع جعلا. # وأخرج عبد الرزاق (¬7) من طريق عمر بن عبد العزيز أن غلاما له باع PageV06P084 # شيئا فقال له: لولا أني كنت أزيد فأنفقه لكان كاسدا. فقال له عمر: هذا ~~نجش لا يحل. فبعث مناديا فنادى أن [البيع] (أ) مردود، وأن [النجش] (ب) لا ~~يحل. وفي هذا رد على ابن عبد البر ms1117 وابن العربي، والله أعلم. # 641 - وعن جابر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المحاقلة ~~والمزابنة والمخابرة، وعن الثنيا إلا أن تعلم. رواه الخمسة إلا ابن ماجه ~~وصححه الترمذي (ج) (¬1). # والمحاقلة؛ قال أبو عبيد (¬2): هي بيع الطعام في سنبله، مأخوذ من الحقل ~~وهو الحرث وموضع الزرع. وقال الليث: الحقل الزرع إذا تشعب من قبل أن يغلظ سوقه. # وأخرج الشافعي في "المختصر" (¬3) عن سفيان عن ابن جريج عن عطاء عن PageV06P085 # جابر أن المحاقلة أن يبيع الرجل الرجل الزرع بمائة فرق (¬1) من الحنطة، ~~والمزابنة أن يبيع الثمر على رءوس النخل بمائة فرق من تمر. قال ابن جريج: ~~قلت لعطاء: أفسر لكم جابر المحاقلة كما أخبرتني؟ قال: نعم. وهو متفق عليه ~~(¬2) من حديث سفيان نحوه. واتفقا (¬3) عن مالك عن نافع عن ابن عمر بلفظ: ~~نهى عن المزابنة، والمزابنة بيع الثمر بالتمر كيلا، وبيع الكرم بالزبيب ~~كيلا. وأخرجه عنه الشافعي في "الأم" (¬4)، قال الشافعي: وتفسير المحاقلة ~~والمزابنة في الأحاديث يحتمل أن يكون عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~منصوصا، ويحتمل أن يكون من رواية من رواه. # وفي النسائي (¬5) عن رافع بن خديج، والطبراني (¬6) عن سهل ابن سعد. # [إن] (أ) المحاقلة مأخوذة من الحقل جمع حقلة. قاله الجوهري، وهي الساحات ~~جمع ساحة. # وعن مالك أن المحاقلة هي أن تكرى الأرض ببعض ما تنبت، وهي المخابرة. ولكن ~~في هذه الرواية عطف المخابرة عليها يبعد هذا التفسير، وسيأتي تفسير ~~المخابرة في المزارعة إن شاء الله تعالى. # والمزابنة بالزاي المعجمة والباء الموحدة والنون، مفاعلة من الزبن بفتح PageV06P086 # الزاي وسكون الموحدة وهو الدفع الشديد، ومنه سميت الحرب الزبون لشدة ~~الدفع فيها، وقيل للبيع الخصوص: المزابنة. كأن كل واحد من المتبايعين يدفع ~~صاحبه عن حقه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع ~~بفسخه، وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع، وقد ورد في تفسير ~~المزابنة غير ما ذكر؛ فأخرج البخاري (¬1) عن ابن عمر أن المزابنة أن تبيع ~~الثمر بكيل: إن زاد فلي، ms1118 كان نقص فعلي. وهذا من القمار. # وأخرج مسلم (¬2) عن نافع أن المزابنة بيع ثمر النخل بالتمر كيلا، وبيع ~~العنب بالزبيب كيلا، وبيع الزرع بالحنطة كيلا. فدخل فيها المحاقلة وستأتي. # وقال مالك (¬3): المزابنة كل شيء من الجزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا ~~عدده، إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره، سواء كان يجري الربا فيه أو لا، ~~فتدخل فيه سورة القمار وما يلزم من الربا. # قال ابن عبد البر (¬4): نظر مالك إلى معنى المزابنة لغة، وهي المدافعة، ~~ويدخل فيها القمار والمخاطرة. # وبعضهم فسر المزابنة بأنها بيع الثمر قبل بدو صلاحه، وهو خطأ. وقيل: هي ~~المزارعة على الجزء، وقيل غير ذلك. والعلة في النهي عن جميع PageV06P087 # ذلك هو؛ إما الربا لعدم علم التساوي، أو القمار، أو الغرر على ما عرفت، ~~وعلى القول بأن المزابنة تختص [بالتمر] (أ)، فالجمهور على أنه يلحقه جميع ~~ما شاركه في العلة. وقال بعضهم: يختص بالنخل. # وقد اتفق العلماء رحمهم الله تعالى علي تحريم بيع الرطب بالتمر (ب) في ~~غير العرايا، وأنه ربا. # وأجمعوا أيضا على تحريم بيع الحنطة في سنبلها بالحنطة صافية، وهي ~~المحاقلة، وسواء عند جمهورهم كان الرطب والعنب على الشجر أو مقطوعا. وقال ~~أبو حنيفة: إن كان مقطوعا جاز بيعه بمثله من اليابس. وسيأتي في حديث سعد بن ~~أبي وقاص (¬1) عدم جوازه، والله أعلم. # وقوله: وعن المخابرة. هي من المزارعة، وهي المعاملة على الأرض ببعض ما ~~يخرج منها من الزرع، وسيأتي الكلام عليها إن شاء الله تعالى. # وقوله: وعن الثنيا إلا أن تعلم. المراد بها الاستثناء في البيع، وذلك بأن ~~يبيع شيئا ويستثني بعضه، ولكنه إن كان ذلك البعض معلوما صحت؛ نحو أن يبيع ~~أشجارا أو أعنابا ويستثني واحدة معينة، فإن ذلك يصح اتفاقا، وأما لو باع ~~الصبرة إلا بعضها، أو هذه الأشجار والثياب إلا بعضها، فلا يصح البيع؛ لأن ~~الاستثناء مجهول، وأما: بعتك هذه الثياب إلا ثوبا. فإن خير في ذلك مدة ~~معلومة بأن يقول: أختاره في يوم أو يومين. أو نحو ذلك، ms1119 صح PageV06P088 # ذلك عند الهدوية؛ لأنه باشتراط الاختيار مدة معلومة يصير المستثنى في حكم ~~المعلوم، وذلك حيث كان المبيع مختلفا، وأما إذا كان مستويا فإنه لا يصح، ~~لعدم استقرار المبيع، وكذا إذا كان المستثنى مشاعا مثل: إلا ربعها أو ~~ثلثها. فإنه يصح، ومنع مالك أن يستثنى ما يزيد على الثلث. # وأما إذا باع الصبرة من الطعام أو الثمر من الشجر واستثنى آصعا فإنه يبطل ~~البيع عند الجمهور من العلماء، وقال مالك وجماعة من علماء المدينة: يجوز ~~ذلك ما لم يزد على قدر ثلث المبيع. وقال أبو مضر من الهدوية: إنه يصح ~~الاستثناء. وظاهر كلامه مطلقا. # والوجه في النهي عن الثنيا هو الجهالة، وما كان معلوما انتفت فيه العلة ~~فخرج عن حكم النهي، وقد نبه النص على العلة بقوله: إلا أن تعلم. وقول أبي ~~مضر قريب إن لم يكن قد سبقه الإجماع، والله أعلم. # 642 - وعن أنس رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن المحاقلة والمخاضرة والملامسة والمنابذة والمزابنة. رواه البخاري (¬1). # قوله: عن المحاقلة. تقدم الكلام فيها. # قوله: والمخاضرة. هو بالخاء والضاد المعجمتين، وهي مفاعلة من الخضرة، ~~والمراد به بيع الثمار والحبوب قبل أن يبدو صلاحها، قال يونس بن القاسم ~~(¬2): المخاضرة بيع الثمار قبل أن تطعم والزرع قبل أن يشتد ويفرك منه. # وقد اختلف العلماء فيما يصح بيعه من الثمار وما لا، فالزرع أو الثمر إذا ~~كان قد بلغ الحد الذي ينتفع به، ولم يكن قد صلح بأخذ الثمر ألوانه واشتداد ~~الحب؛ فذهب زيد بن علي والمؤيد بالله وأبو حنيفة والشافعي إلى PageV06P089 # أنه يصح البيع بشرط القطع -قال المؤيد بالله وأبو حنيفة: أو يسكت عن ~~القطع- ويؤاخذ المشتري بالقطع، وأما إذا شرط البقاء فلا يصح اتفاقا، وأما ~~إذا قد بلغ حد الصلاح، وذلك باشتداد الحب واسوداد العنب وأخذ الثمر ألوانه، ~~فبيعه صحيح وفاقا، إلا أن يشترط المشتري بقاءه. فظاهر قول المؤيد بالله ~~وأبي طالب أنه لا يصح البيع، واختاره الإمام المهدي، وأحد قولي أبي العباس ~~أنه لا (أ) ms1120 يصح، وجمع الأستاذ بين القولين، بأنه إذا كانت المدة معلومة صح ~~عند الجميع، وإن كانت غير معلومة لم يصح، وأما إذا كان ذلك الثمر مما قد ~~صلح بعضه وبعضه غير صالح فبيعه غير صحيح. # وذهبت الحنفية إلى جواز بيع الثمار وإن لم يبد صلاحها، ولو لم يكن ينتفع ~~بها في الحال، قالوا: لأنه مال متقوم؛ إما لكونه منتفعا به في الحال أو في ~~المال، كما لو اشترى ولد جارية مولودا، فإنه يجوز كان لم يكن منتفعا به في ~~الحال، وهذا إذا اشتراها مطلقا أو شرط القطع، وأما شرط البقاء فيفسد البيع؛ ~~لأنه شرط لا يقتضيه العقد، وهو شغل ملك البائع، أو صفقتان في صفقة، وهو ~~إعارة وإجارة في بيع، وكذا بعد الصلاح وقد تناهى كمالها إلى وقت الجداد ~~(¬1)، فيفسد عند أبي حنيفة وأبي يوسف، وقال محمد بن الحسن: إنه جوز ذلك ~~استحسانا لتعارف الناس. قال: وأما قبل الصلاح فلأنها تحدث آخرا بعد البيع، ~~فإذا شرط الترك فقد شرط الأجزاء المعدومة، فيفسد العقد، وما قد تناهى لا ~~يزيد وإنما ينقص، فلم يكن شرطا لمعدوم فيصح، وهما يقولان: شرط الانتفاع ~~بملك غيره. وهو شرط لا يقتضيه العقد. PageV06P090 # ولو اشترى الثمرة التي لم يتناه صلاحها شراء مطلقا من غير شرط الترك ~~وتركها بإذن البائع طاب له الفضل، وإن تركها بغير إذنه تصدق بما زاد في ~~ذاته، بأن يقوم قبل الإدراك ويقوم بعد الإدراك، فيتصدق بما زاد من قيمته ~~إلى وقت الإدراك؛ لحصوله بجهة محظورة، كان تركها بعد ما تناهى صلاحها لم ~~يتصدق بشيء؛ لأن هذا تغير حالة لا تحقق زيادة، وهذا في الثمرة، وأما الزرع ~~إذا اشترط بقاءه إلى الإدراك فالشرط (أ) فاسد باتفاق بين أبي حنيفة وصاحبيه ~~(¬1)، ويقول محمد: إنه لا تعامل للناس فيه بخلاف الثمار. هكذا فصل الكلام ~~في "شرح القدوري". # وقوله: والملامسة. هي مس الثوب ولا ينظر إليه، وأخرج البخاري (¬2) عن ~~الزهري أن الملامسة لمس الرجل الثوب بيده بالليل أو بالنهار، والمنابذة أن ~~ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه، ويكون بيعهما ms1121 من غير نظر ولا تراض. ولأبي ~~عوانة (¬3) هو أن يتبايع القوم السلع لا ينظرون إليها ولا يخبرون عنها، أو ~~يتنابذ القوم السلع كذلك، فهذا من أبواب القمار. # وفي رواية ابن ماجه (¬4) من طريق سفيان عن الزهري: المنابذة أن يقول: ألق ~~إلي ما معك وألقي إليك ما معي. وللنسائي (¬5) من حديث أبي هريرة: PageV06P091 # الملامسة أن يقول الرجل للرجل: أبيعك (أ) ثوبي بثوبك. ولا ينظر أحد منهما ~~إلى ثوب الآخر، ولكن يلمسه لمسا، والمنابذة أن يقول: أنبذ ما معي وتنبذ ما ~~معك. فيشتري كل منهما من الآخر، ولا يدري كل واحد منهما كم مع الآخر. # وأخرج أحمد (1) عن عبد الرزاق عن معمر: المنابذة أن يقول: إذا نبذت هذا ~~الثوب فقد وجب البيع، والملامسة أن يلمس الثوب بيده [ولا ينشره] (ب) ولا ~~يقلبه، إذا مسه وجب البيع. # ولمسلم (¬2) عن أبي هريرة أن الملامسة أن يلمس كل واحد منهما (ج ثوب ~~صاحبه بغير تأمل، والمنابذة أن ينبذ كل واحد منهما ثوبه إلى الآخر، لم ينظر ~~كل واحد منهما ج) إلى ثوب صاحبه. وهذا تفسير أبي هريرة أنسب لبقاء المفاعلة ~~على حقيقتها من الطرفين. # واختلف العلماء في تفسير الملامسة على ثلاث صور، وهي أوجه للشافعية (¬3)؛ ~~أصحها أن يأتي بثوب مطوي أو في ظلمة فيلمسه المستام، فيقول له صاحب الثوب: ~~بعتكه بكذا بشرط أن يقوم لمسك مقام نظرك، PageV06P092 # ولا خيار لك إذا رأيته. الثاني: أن [يجعلا] (أ) نفس اللمس بيعا؟ بغير ~~صيغة زائدة. الثالث: أن يجعلا اللمس شرطا في قطع خيار المجلس وغيره. والبيع ~~باطل على التأويلات كلها، وعلة البطلان مختلفة في ذلك. فالأول: العلة فيه ~~عند من يثبت خيار الرؤية هو أنه شرط يرفع موجب العقد، إذ موجبه ثبوت ~~الخيار، وعند الشافعية أن ذلك في حكم بيع الغائب وهو لا يصح بيعه. والثاني: ~~أن ذلك من باب المعاطاة، فعند من يجيزها في المحقرات يقول بأن ذلك النهي في ~~غير المحقر. ولهذا قال الرافعي: إن الأئمة أجروا في بيع الملامسة والمنابذة ~~الخلاف [الذي] (ب) في المعاطاة. ms1122 والثالث: مثل الأول عند من يثبت خيار ~~المجلس، وأما عند من لا يثبته فشرط عدم الخيار إذا كان خيار العيب يبطل عند ~~الهدوية والبيع صحيح إذا لم يكسب العقد جهالة. وعند المؤيد بالله وغيره يصح ~~الشرط، فلعلهم يحملون النهي على الكراهة. # والمنابذة اختلفوا فيها على ثلاثة أقوال؛ وهي أوجه للشافعية، أصحها أن ~~يجعلا نفس النبذ بيعا كما تقدم في الملامسة. (ج يعني مع صيغة البيع ج). # والثاني: أن يجعلا النبذ بيعا بغير صيغة. والثالث: أن يجعلا النبذ قاطعا ~~للخيار، وفيه ما تقدم في الملامسة. # واختلفوا في تفسير النبذ؛ فقيل: هو طرح الثوب. وقيل: هو نبذ الحصاة. ~~والصحيح أنه غيره. # واعلم أنه قد استدل بقوله في تفسير الملامسة، وهو أن يمس الثوب ولا PageV06P093 # ينظر إليه، على بطلان بيع الغائب، وهو قول الشافعي في الجديد، وعن أبي ~~حنيفة والعترة: يصح مطلقا، ويثبت الخيار إذا رآه. وحكي عن مالك والشافعي ~~أيضا، وعن مالك: يصح إن وصفه وإلا فلا. وهو قول الشافعي في القديم وأحمد ~~وإسحاق وأبي ثور، واختاره البغوي والروياني من الشافعية وإن اختلفوا في ~~تفاصيله، ويؤيده قوله في رواية أبي عوانة التي تقدمت: لا ينظرون إليها ولا ~~يخبرون عنها. واستدل به على بطلان بيع الأعمى مطلقا، وهو قول معظم الشافعية ~~حتى من أجاز منهم بيع الغائب، لكون الأعمى لا يراه بعد ذلك فيكون كبيع ~~الغائب مع اشتراط نفي الخيار، وقيل: يصح إذا وصف له غيره. وبه قال مالك ~~وأحمد، وقالت الهدوية وغيرهم وأبو حنيفة: إنه يصح مطلقا. والله أعلم. # 643 - وعن طاوس عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا تلقوا الركبان، ولا حاضر لباد". قلت لابن عباس: ما ~~قوله: "لا يبع حاضر لباد"؟ قال: لا يكون له سمسارا. متفق عليه، واللفظ ~~للبخاري (¬1). # قوله: "لا تلقوا الركبان". التلقي يكون ابتداؤه من خارج السوق الذي تباع ~~فيه السلعة. يدل عليه حديث عبد الله بن عمر، أخرجه البخاري (¬2)؛ قال: كنا ~~نتلقي الركبان فنشتري منهم الطعام، فنهانا النبي ms1123 - صلى الله عليه وسلم - أن ~~نبيعه حتى يبلغ به سوق الطعام. # وهذا اللفظ مبين في حديث آخر عن ابن عمر أن التلقي لا يكون في PageV06P094 # السوق، وهو؛ قال: كانوا يتبايعون الطعام في أعلى السوق فيبيعونه في ~~مكانه، فنهاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيعوه في مكانه حتى ~~ينقلوه. أخرجه البخاري (¬1). فدل على أن القصد إلى أعلى السوق لا يكون ~~تلقيا، وأن منتهى التلقي ما فوق السوق. وجمع البخاري بين الروايتين في باب ~~منتهى التلقي لينبه على ذلك، وأن الحديث يفسر بعضه بعضا. وذهب الهدوية ~~والشافعية إلى أن التلقي لا يكون إلا خارج البلد، لأنهم إذا نظروا إلى ~~المعنى المناسب للمنع، وهو تغرير الجالب أنهم إذا قدموا البلد أمكنهم معرفة ~~السعر وطلب الحظ لأنفسهم، فإن لم يفعلوا ذلك فهو من تقصيرهم، وأما إمكان ~~معرفتهم ذلك قبل دخول البلد فنادر. # والمعروف عند المالكية اعتبار السوق مطلقا كما هو ظاهر الحديث، وهو قول ~~أحمد وإسحاق. وعن الليث كراهة التلقي ولو في الطريق، ولو على باب البيت حتى ~~تدخل السلعة السوق. وظاهر النهي إطلاق التلقي باعتبار منتهاه، فيتناول طول ~~المسافة وقصرها، وهو ظاهر إطلاق الشافعية والهدوية، وقيد المالكية محل ~~النهي بحد مخصوص ثم اختلفوا فيه؛ فقيل: ميل. وقيل: فرسخان. وقيل: مسافة ~~القصر .. وهو قول الثوري. # والنهي ظاهر في التحريم، ولكنه حيث كان قاصدا للتلقي عالما بالنهي فيه، ~~كان خرج لشغل آخر فرآهم مقبلين فاشترى، ففي إثمه وجهان للشافعية، أظهرهما ~~التحريم؛ والعلة في ذلك هو ما فيه من الخداع للبائع والإضرار بأهل المصر. ~~وقال أبو حنيفة والأوزاعي: يجوز التلقي إذا لم يضر بالناس، فإن أضر كره. # وإذا تلقى واشترى؛ فعند الهدوية والشافعي أن البيع صحيح؛ لأن النهي لم PageV06P095 # يرجع إلى نفس العقد ولا إلى وصف ملازم، فلا يقتضي النهي الفساد، ولكنه ~~يثبت الخيار للبائع عند الشافعي مطلقا، وحجته حديث أبي هريرة أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى عن تلقي الجلب، فإن تلقاه فاشتراه فصاحبه بالخيار ~~إذا أتى السوق. أخرجه أبو داود والترمذي، ms1124 وصححه ابن خزيمة، من طريق (أ) ~~أيوب (¬1). وأخرجه مسلم (¬2) من طريق هشام عن ابن سيرين بلفظ: "لا تلقوا ~~الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار". وسيأتي. # ومقتضى أصل الهدوية أنه لا يثبت الخيار إلا مع الغبن، كالمصراة. واختاره ~~النووي (¬3) قال: فإن كان الشراء بأرخص من سعر البلد أو أكثر فوجهان؛ ~~أصحهما: أنه لا خيار له؛ لعدم الغرر (ب). والثاني: ثبوته؛ لإطلاق الحديث. # والحديث فيه دلالة على أن العلة في النهي هو نفع (ج) البائع وإزالة الضرر ~~عنه، وقال مالك: العلة هو نفع أهل السوق. وإلى ذلك جنح الكوفيون والأوزاعي، ~~محتجين بحديث ابن عمر (¬4): "لا تلقوا السلع حتى تهبطوا بها السوق". وذهب ~~جمع من العلماء إلى أن البيع فاسد للنهي، ومستندهم أن PageV06P096 # النهي يقتضي الفساد مطلقا. قال الإمام أبو عبد الله المازري (¬1): فإن ~~قيل: المنع من بيع الحاضر للبادي سببه الرفق بأهل البلد، واحتمل فيه غبن ~~البادي، والمنع من التلقي ألا يغبن البادي؛ ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم ~~-: "فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار". فالجواب: أن الشرع ينظر في مثل هذه ~~السائل إلى مصلحة الناس، والمصلحة تقتضي أن ينظر للجماعة على الواحد لا ~~للواحد على الواحد، فلما كان البادي إذا باع بنفسه انتفع جميع أهل السوق ~~واشتروا رخيصا، فانتفع به جميع سكان البلد، نظر الشرع لأهل البلد على ~~البادي، ولما كان في التلقي إنما ينتفع المتلقي خاصة وهو واحد في قبالة ~~واحد، لم يكن في إباحة التلقي مصلحة، لا سيما وينضاف إلى ذلك علة ثانية، ~~وهو لحوق الضرر بأهل السوق في انفراد المتلقي عنهم في الرخص وقطع الموارد ~~عنهم، وهم أكثر من المتلقي، فنظر الشرع لهم عليه، فلا، [تناقض] (أ) بين ~~المسألتين، بل هما متفقتان في الحكمة والمصلحة. انتهى. # وشرط بعض الشافعية في النهي أن يبتدئ المتلقي فيطلب من الجالب البيع، فلو ~~ابتدأ الجالب بطلب البيع فاشترى منه المتلقي لم يدخل في النهي. وذكر إمام ~~الحرمين في سورة التلقي المحرم أن يكذب في سعر البلد ويشتري ms1125 منهم بأقل من ~~ثمن المثل. وذكر المتولي فيها أن يخبرهم بكثرة المؤنة عليهم في الدخول. ~~وذكر أبو إسحاق الشيرازي أن يخبرهم بكساد ما معهم ليغبنهم. وقد يؤخذ من هذه ~~التقييدات إثبات الخيار لمن وقعت PageV06P097 # له ولو لم يكن هناك تلق، لكن صرح الشافعية أن كون إخباره كذبا ليس شرطا ~~لثبوت الخيار، وإنما يثبت له الخيار إذا ظهر له الغبن، فهو المعتبر وجودا وعدما. # وقوله: "لا تلقوا الركبان". وصف الركبان خرج مخرج الأغلب في أن الجالب ~~يكون عددا ويكون راكبا، فلو كان الجالب واحدا أو مشاة فالحكم واحد. # وقوله: "لا يبع حاضر لباد". فسره ابن عباس بقوله: لا يكون له سمسارا. ~~بسينين مهملتين، هو في الأصل القيم بالأمر والحافظ، ثم استعمل في متولي ~~البيع والشراء لغيره بأجرة، ولذلك بوب البخاري: باب هل يبيع حاضر لباد بغير ~~أجر؟ وباب من كره أن يبيع حاضر لباد بأجر. وذكر حديث ابن عباس في البابين (¬1). # وفي كتب الحنفية (¬2): نهي الحاضر أن يبيع للبادي في زمن الغلاء شيئا ~~يحتاج إليه أهل البلد. وقال بعضهم: هو أن يجيء البلد غريب بسلعة يريد بيعها ~~بسعر الوقت في الحال، فيأتيه [بلدي] (أ) فيقول له: ضعه عندي لأبيعه لك على ~~التدريج بأغلى من هذا السعر. فجعلوا الحكم منوطا بالبادي ومن شاركه في ~~معناه. قال: وإنما ذكر البادي في الحديث لكونه الغالب، فألحق به من شاركه ~~في عدم معرفة السعر من الحاضر، وإضرار أهل البلد بالإشارة PageV06P098 # عليه [بألا يبادر بالبيع] (أ). وهذا تفسير الشافعية والحنابلة، وجعل ~~المالكية البداوة قيدا، وعن مالك: لا يلتحق بالبدوي في ذلك إلا من كان ~~يشبهه. قال: فأما أهل القرى الذين يعرفون أثمان السلع والأسواق فليسوا ~~داخلين في ذلك. # وقال ابن المنذر (¬1): اختلفوا في هذا النهي؛ فالجمهور على أنه للتحريم ~~بشرط العلم بالنهي، وأن يكون [المتاع] (ب) المجلوب مما تعم الحاجة إليه، ~~وأن يعرض الحضري ذلك على البدوي، فلو عرضه البدوي على الحضري لم يمنع. وزاد ~~بعض الشافعية عموم الحاجة، وأن يكون ذلك المتاع مما تحصل به ms1126 التوسعة في ~~البلد لا إذا كان حقيرا. وظاهر الحديث عدم التقييد بشيء من ذلك، ولكن هذه ~~المعاني مستنبطة لتعليل الحكم، وفي تخصيص العموم بها تفصيل؛ فصل ذلك الإمام ~~ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" (¬2)؛ قال: واعلم أن أكثر هذه الأحكام تدور ~~بين اعتبار المعنى واتباع اللفظ، ولكن ينبغي أن ينظر في المعنى إلى الظهور ~~والخفاء؛ فحيث يظهر ظهورا كبيرا فلا بأس باتباعه وتخصيص النص به أو تعميمه ~~على قواعد القياسيين، وحيث يخفى أو لا يظهر ظهورا قويا فاتباع اللفظ أولى، ~~فأما ما ذكر في اشتراط أن يلتمس البدوي ذلك، فلا يقوى؛ لعدم دلالة اللفظ ~~عليه، وعدم ظهور المعنى فيه، فإن الضرر المذكور الذي علل به النهي لا يفترق ~~الحال فيه بين سؤال البلدي وعدمه ظاهرا، وأما اشتراط أن يكون الطعام مما ~~تدعو الحاجة إليه فمتوسط في الظهور وعدمه؛ لاحتمال أن يراعي PageV06P099 # دعوى مجرد ربح الناس في هذا الحكم على ما أشعر به التعليل من قوله: "دعوا ~~الناس يرزق الله بعضهم من بعض". وأما اشتراط أن يظهر لذلك المتاع المجلوب ~~سعة في البلد، فكذلك أيضا أنه متوسط في الظهور؛ لما ذكرناه من احتمال أن ~~يكون المقصود مجرد تفويت الربح والرزق على أهل البلد، وهذه الشروط منها ما ~~يقوم الدليل الشرعي عليه، كشرطنا العلم بالنهي ولا إشكال فيه، ومنها ما ~~يؤخذ باستنباط المعنى فيخرج على قاعدة أصولية (¬1)؛ وهي أن النص إذا استنبط ~~منه معنى يعود عليه بالتخصيص هل يصح أو لا؟ ويظهر لك هذا باعتبار ما ذكرناه ~~من الشروط. انتهى. # وظاهر أقوال العلماء على أن النهي شامل لمن كان بأجرة وبغيرها؛ لإطلاق ~~سائر الأحاديث الواردة. # والبخاري جعل حديث ابن عباس مقيدا لما أطلق من الأحاديث، فاعتبر أن يكون ~~بأجرة، وأما بغير أجرة فهو من باب النصيحة والمعاونة، ولذلك بوب: باب هل ~~يبيع حاضر لباد بغير أجر؟ وهل يعينه أو ينصحه؟ وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له " (¬2). ورخص فيه عطاء. وأخرج ~~حديث جرير مرفوعا، وفي آخره: والنصح ms1127 لكل مسلم (¬3). انتهى. # وظاهر نهي بيع الحاضر للبادي التحريم، وقد ذهب إليه الشافعي والجمهور، ~~وذهب عطاء ومجاهد والهادي وأبو حنيفة إلى أن ذلك جائز مطلقا ولا يكره. ~~قالوا: كتوكيله، ولحديث النصيحة. قالوا: وحديث النهي منسوخ. والجواب أن ذلك ~~لا يصلح لإطلاقه، وهذا خاص، وغاية ما PageV06P100 # يحتمل من النسخ -لو صح- تأخره عن حديث النهي، على القول بأن الحاظر ~~المتقدم لا يكون مخصصا ولا مقيدا. والصحيح خلافه، ومع عدم معرفة التاريخ، ~~فيرجح الحظر إلا عند من يقول: ترجح الإباحة. # وذهب المؤيد بالله وغيره إلى أنه محمول على نهي التنزيه لا التحريم. ورجح ~~الإمام المهدي في "البحر" التحريم حيث كان فيه إضرار. # وعلى القول بتحريم البيع فهو صحيح كما تقدم في التلقي، ولا يفسخ البيع، ~~وهو مذهب الشافعية وجماعة من المالكية. وقال بعض المالكية: يفسخ البيع ما ~~لم يفت. # وكذا يكون حكم الشراء، فلا يشتري حاضر لباد، ولذلك قال البخاري (¬1): باب ~~لا يشتري حاضر لباد بالسمسرة. استعمالا للفظ البيع في البيع والشراء. قال ~~ابن حبيب المالكي (¬2): الشراء للبادي مثل البيع، لقوله عليه السلام: "لا ~~يبع بعضكم على بيع بعض". فإن معناه الشراء، وعن مالك في ذلك روايتان، وكرهه ~~ابن سيرين. أخرج أبو عوانة (¬3) في "صحيحه" عن ابن سيرين قال: لقيت أنس بن ~~مالك فقلت: "لا يبع حاضر لباد". أنهيتم أن تبيعوا أو تبتاعوا لهم؟ قال: ~~نعم. قال محمد: وصدق، إنها كلمة جامعة. وقد أخرجه أبو داود (¬4) عن ابن ~~سيرين عن أنس بلفظ: كان يقال: لا يبع حاضر لباد. وهي كلمة جامعة؛ لا يبيع ~~له شيئا ولا يبتاع له شيئا. وقال إبراهيم النخعي: إن العرب تقول: بع لي ~~ثوبا. أي اشتر. والله أعلم. PageV06P101 # 644 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا تلقوا الجلب، فمن تلقى فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو ~~بالخيار". رواه مسلم (¬1). # قوله: "لا تلقوا الجلب". هو بفتح اللام مصدر بمعنى المجلوب، يقال: جلب ~~الشيء. جاء به من بلد إلى بلد للتجارة، وقد ms1128 تقدم الكلام على حكم ذلك قريبا. # 645 - وعنه رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~يبيع حاضر لباد، ولا تناجشوا، ولا يبيع الرجل على بيع أخيه، ولا يخطب على ~~خطبة أخيه، ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفأ ما في إنائها. متفق عليه ~~(¬2). ولمسلم: "لا يسوم المسلم على سوم المسلم" (¬3). # تقدم الكلام على بيع الحاضر للبادي. # وقوله: ولا تناجشوا. عطف على قوله: نهى. من حيث المعنى؛ لأن معناه: لا ~~يبيع حاضر لباد ولا تناجشوا. وأتي بصيغة المفاعلة؛ لأن الناجش إذا فعل ~~لصاحبه ذلك كان بصدد أن يفعل (أ) له مثله. أو (ب) أنه بمعنى: فعل؛ أي: لا ~~تنجشوا. PageV06P102 # وقوله: ولا يبيع الرجل على بيع أخيه. روي برفع المضارع على أن "لا" ~~نافية، وهو إخبار في معنى النهي، ويحتمل الجزم على أنها ناهية، وإثبات ~~الياء كما في قراءة: (إنه من يتقي ويصبر) (¬1). على أنه عومل المجزوم ~~معاملة غير المجزوم فتركت الياء، ويدل على النهي رواية الكشميهني (¬2) ~~بحذفها. وكذا الكلام في: (أولا أ) يخطب، و: لا (ب) يسوم. # وصورة البيع على البيع هو أنه إذا وقع البيع بخيار فيأتي في مدة الخيار، ~~ويقول للمشتري: افسخ هذا البيع وأنا أبيعك مثله بأرخص من ثمنه أو أحسن منه. ~~وكذا الشراء على الشراء وهو أن يقول للبائع في مدة الخيار: افسخ البيع وأنا ~~أشتريه منك بأكثر من هذا الثمن. ونحوه. # وقوله: لا يسوم المسلم على سوم المسلم. صورته أن يكون قد اتفق مالك ~~السلعة والراغب فيها على البيع ولم يعقدا، فيقول للبائع: أنا أشتريه منك. ~~بعد أن كانا قد اتفقا على الثمن. وقد أجمع العلماء على تحريم ذلك جميعه، ~~وأن فاعله عاص مع التصريح بذلك، وأما إذا لم يصرح ففيه وجهان للشافعية. ~~وليس منه بيع المزايدة وهو البيع ممن يزيد، وقد بوب على ذلك البخاري (¬3) ~~وقال: باب بيع المزايدة. وورد في ذلك صريحا ما أخرجه أحمد PageV06P103 # وأصحاب السنن واللفظ للترمذي (¬1)، وقال: حسن. عن أنس أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - باع حلسا ms1129 وقدحا، وقال: "من يشتري هذا الحلس والقدح؟ ". فقال ~~رجل: آخذهما بدرهم. فقال: "من يزيد علي درهم؟ ". فأعطاه رجل درهمين، ~~فباعهما منه. وعلق البخاري (¬2) عن عطاء: أدركت الناس لا يرون بأسا ببيع ~~المغانم ممن يزيد. ووصله ابن أبي شيبة (¬3) عن عطاء ومجاهد. وروى هو وسعيد ~~بن منصور (¬4) عن ابن عيينة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال: لا بأس ببيع من ~~يزيد، كذلك كانت تباع الأخماس. # وقال الترمذي (¬5) عقيب حديث أنس المذكور: والعمل على هذا عند بعض أهل ~~العلم، لم يروا بأسا ببيع من يزيد في الغنائم والمواريث. وكأنه نظر إلى ~~حديث ابن عمر رضي الله عنه: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع ~~أحدكم على بيع أحد حتى يذر إلا الغنائم والمواريث (¬6). فقيد به حديث أنس، ~~وقد أخذ بظاهره الأوزاعي وإسحاق، وجعلا الجواز مختصا بهما. # وأقول: إن حديث ابن عمر ليس في البيع فيمن يزيد، بل ظاهره أنه (أ) ولو ~~بعد الرضا بالسوم، فيعارضه حديث السوم على السوم بعد الرضا، PageV06P104 # ويحتاج إلى النظر في ذلك وسلوك الجمع بين الخاص والعام، ويلزم الشافعي ~~ومن ذهب إلى العمل بالخاص مطلقا ما ذهب إليه الأوزاعي وإسحاق، ولا يقيد (أ) ~~حديث أنس كما أشار إليه الترمذي، لاختلاف المعنى فيهما، ولذا قال ابن عبد ~~البر (¬1): إنه لا يحرم البيع فيمن يزيد اتفاقا. وعن إبراهيم النخعي: إنه ~~يكره. وكأنه يحتج بما أخرجه البزار (¬2) من حديث سفيان بن وهب: سمعت النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ينهى عن بيع المزايدة. ولكنه في إسناده ابن لهيعة ~~وهو ضعيف. # وأورد البخاري (¬3) في هذا الباب حديث جابر، أن رجلا أعتق غلاما له عن ~~دبر؛ فاحتاج، فأخذه النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "من يشتريه مني؟ ". ~~فاشتراه نعيم بن عبد الله بكذا وكذا، فدفعه إليه. واعترضه الإسماعيلي وقال: ~~ليس من بيع المزايدة؛ فإنه أن يعطي واحد ثمنا، ثم يعطي به غيره زيادة عليه. ~~وأجاب ابن بطال بأن شاهد الترجمة منه قوله في الحديث: "من يشتريه مني؟ ". ~~قال: فعرضه للزيادة ليستقضي ms1130 فيه للمفلس الذي باعه عليه، والله أعلم. # وقد فسر الحاجة في رواية ابن خلان بأنها الدين، وذكره البخاري (¬4) في ~~باب من باع مال الفلس فقسمه بين الغرماء [أو] (ب) أعطاه حتى ينفق على PageV06P105 # نفسه، وفي رواية النسائي (¬1) أنه باعه بثمانمائة درهم فأعطاه وقال: "اقض ~~دينك". وبين مسلم وأبو داود والنسائي (¬2) اسم الرجل بأنه من الأنصار، اسمه ~~[أبو] (أ) مذكور واسم الغلام يعقوب. # وقوله: ولا يخطب على خطبة أخيه. في مسلم زيادة: "إلا أن يأذن له". وفي ~~رواية له: "حتى يذر" (¬3). والنهي يدل على تحريم ذلك، وقد أجمعوا على ~~تحريمها إذا كان قد صرح بالإجابة ولم يأذن ولم يترك، فإن تزوج والحال هذه ~~عصى وصح النكاح ولم يفسخ، وهذا مذهب الجمهور. وقال داود (¬4): يفسخ النكاح. ~~وعن مالك روايتان، وقال جماعة من أصحاب مالك: يفسخ قبل الدخول لا بعده. # أما إذا عرض له بالإجابة ولم يصرح، ففي تحريم الخطبة على خطبته قولان ~~للشافعي؛ أصحهما لا تحرم. وكذا مقيد في كتب الهدوية الرضا بالتصريح. وقال ~~بعض المالكية: لا تحرم حتى يرضوا بالتزوج، ويسمي المهر. واستدل على اشتراط ~~التصريح بالإجابة بحديث فاطمة بنت قيس (¬5) فإنها قالت: خطبني أبو جهم ~~ومعاوية. فلم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - خطبة بعضهم على بعض، بل ~~خطبها مع ذلك لأسامة، وقد يقال: يحتمل أنه لم يعلم PageV06P106 # أحدهما بخطبة الآخر، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أشار بأسامة لا ~~أنه خطب له. # وهو خلاف الظاهر، والمعتبر في الرضا إن كانت المرأة بالغة وهو كفء، ~~فرضاها، وإن كان غير كفء فرضا الولي مع رضاها، لأن له حقا في المنع، وإن ~~كانت صغيرة فرضا الولي وحده. # وفي قوله: أخيه. يحتمل العمل بالمفهوم، وأنه لو كان غير أخ بأن يكون ~~كافرا فلا تحريم؛ وهو حيث تكون المرأة كتابية وكان يستجيز نكاحها، وبه قال ~~الأوزاعي. وقال جمهور العلماء: تحرم الخطبة على خطبة الكافر أيضا. ويجيبون ~~بأن التقييد خرج مخرج الغالب فلا يعمل بالمفهوم. # وأما الفاسق فقال الأمير الحسين في "الشفاء" و "الزوائد" على ms1131 مذهب الناصر ~~وابن القاسم المالكي: إنه يجوز؛ عملا بالمفهوم. وقول الجمهور على خلف ذلك، ~~وفي التقييد ما عرفت، وزاد في "الزوائد" الجواز إذا كان قريبا، قيل: أو ~~علويا. والأول على خلاف ذلك، ولا وجه لهذا. # والخطبة هنا بكسر الخاء، وأما الخطبة في الجمعة والعيد والحج وغير ذلك ~~وعند عقد النكاح فبضمها. # وقوله: ولا تسأل المرأة. إلى آخره، يروى مرفوعا أيضا ومجزوما، وكسر اللام ~~لالتقاء الساكنين، ومعناه نهي المرأة الأجنبية أن تسأل الزوج الطلاق ~~لزوجته، وأن ينكحها ويصير لها من النفقة والمعروف والمعاشرة ونحوها ما كان ~~للمطلقة، فعبر عن ذلك بالإكفاء، لما كان في الصحفة من باب التمثيل، كأن ما ~~ذكر لما كان معدودا للزوجة فهو في حكم ما قد جمعته في الصحفة لتستمع به، ~~فإذا ذهب عنها فكأنها قد كفأت الصحفة وخرج ذلك منها، فعبر عن ذلك المجموع ~~المركب بالمركب المذكور للشبه بينهما. # قال الكسائي: كفأت الإناء كببته، وكفأته وأكفأته أملته. وفي PageV06P107 # "المصباح" (¬1) كفأته كفأ من باب [نفع] (أ)، أي: كببته، أي: قلبته على ~~رأسه، وقد يكون بمعنى أملته. انتهى. # والمراد بأختها غيرها؛ سواء كانت من النسب أو أختها في الإسلام. ولعله ~~يأتي في التقييد هنا مثل ما مر، والله أعلم. # 646 - وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: "من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته ~~يوم القيامة". رواه أحمد وصححه الترمذي والحاكم (¬2)، لكن في إسناده مقال، ~~وله شاهد. # الحديث المقال في إسناده من جهة حيي بن عبد الله المعافري مختلف فيه ~~(¬3)، وله طريق أخرى عند البيهقي (¬4) غير متصلة من طريق العلاء بن كثير ~~الإسكندراني عن أبي أيوب، ولم يدركه، وله طريق أخرى عند الدارمي في "مسنده" ~~(ب) كتاب "السنن (¬5) ". وفي الباب PageV06P108 # من حديث عبادة بن الصامت: "لا يفرق بين الأم وولدها". قيل: إلى متى؟ قال: ~~"حتى يبلغ الغلام وتحيض الجارية". أخرجه الدارقطني والحاكم (¬1)، وفي سنده ~~عندهما عبد الله بن عمرو الواقعي (¬2) وهو ضعيف، رماه علي بن المديني ms1132 ~~بالكذب، وتفرد به عن سعيد بن عبد العزيز. قال الدارقطني (¬3). # وفي "صحيح مسلم" (¬4) من حديث سلمة بن الأكوع في الحديث الطويل الذي ~~أوله: خرجنا مع أبي بكر فغزونا فزارة. الحديث. وفيه: وفيهم امرأة ومعها ~~ابنة لها من أحسن العرب، فنفلني أبو بكر ابنتها، فطلبها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مني وأرسل بها إلى مكة ليفادى بها أسارى من المسلمين. # فيستدل به على جواز التفريق، وبوب عليه أبو داود (¬5)، والظاهر أن البنت ~~قد كانت بلغت؛ ولذا احتج به فيما ذكر. وكذا قال في "المنتقى" (¬6): هو حجة ~~في جواز التفريق بعد البلوغ. # والحديث فيه دلالة على تحريم التفريق بين الوالدة وولدها، وظاهره عام في ~~الملك أو في الجهات. والظاهر أنه لم يذهب إلى هذا العموم أحد. ومثله: PageV06P109 # "لا توله والدة بولدها" (¬1). فيحمل ذلك على التفريق في الملك بالبيع كما ~~هو صريح في حديث على الآتي، وهو نص في البيع (أ)، ويقاس عليه سائر ~~الإنشاءات؛ كالهبة والنذر، وهو ما كان باختيار المفرق. أما التفريق بالقسمة ~~فليس باختياره، فإن سبب الملك قهري وهو الميراث، ويدل بظاهره على صحة ~~الإخراج عن الملك؛ لوقوع التفريق المستحق صاحبه للعقوبة، فلو كان لا يصح ~~الإخراج عن الملك لم يتحقق التفريق، وسيأتي استيفاء الكلام في الذي بعده. ~~وظاهر الحديث [عدم] (ب) التفريق ولو بعد البلوغ. قال في "الغيث" (¬2): ~~ولكنه خصه الإجماع في الكبير كما في العتق، ولعل مستند الإجماع إن صح حديث ~~عبادة بن الصامت، وهو متأيد وإن كان ضعيفا بحديث مسلم المار. وعند المنصور ~~بالله وأحد قولي الناصر حد التحريم إلى سبع سنين، وكأنهما أخذا ذلك من ~~الحضانة، لا وجه له. والنص ورد في الوالدة وولدها والأخوين، ويقاس سائر ~~الأرحام المحارم على ذلك بجامع الرحامة: والعتق. # 647 - وعن علي رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن أبيع غلامين أخوين، فبعتهما ففرقت بينهما. فذكرت ذلك للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: PageV06P110 # "أدركهما فارتجعهما، ولا تبعهما إلا جميعا". رواه أحمد ورجاله ثقات، وقد ~~صححه ابن ms1133 خزيمة وابن الجارود وابن حبان والحاكم والطبراني وابن القطان (¬1). # الحديث أخرجوه من رواية الحكم بن عتيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلي، لكن ~~حكى ابن أبي حاتم عن أبيه في "العلل" (¬2) أن الحكم إنما سمعه من ميمون بن ~~أبي شبيب عن علي، وميمون لم يدرك عليا. وقال الدارقطني في "العلل" (¬3) بعد ~~حكاية الخلاف فيه: لا يمتنع أن يكون الحكم سمعه من عبد الرحمن ومن ميمون، ~~فحدث به مرة عن هذا ومرة عن هذا. # والحديث فيه دلالة على أن هذا البيع باطل أو فاسد، فإن الارتجاع يصح ~~فيهما. وقد ذهب إلى الأول الشافعي في أخير قوليه، والسيد يحيى من مفرعي ~~مذهب الهادي، وذهب الفقيه يحيى من المفرعين أيضا إلى أنه فاسد، وذهب أبو ~~حنيفة وقول الشافعي القديم (¬4) إلى أنه ينعقد مع العصيان. ولعل حجتهم ما ~~أشير إليه في الحديث الأول، والأمر بالارتجاع للغلامين يحتمل أن يكون ذلك ~~بعقد جديد برضا المشتري، والله أعلم. # فائدة: وفي البهيمة وولدها وجهان؛ لا يجوز؛ لنهيه - صلى الله عليه وسلم - ~~عن تعذيب PageV06P111 # البهائم. ويجوز كالذبح، وهو الأصح، بخلاف الآدمي للحرمة، والله أعلم. # 648 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: غلا السعر بالمدينة على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال الناس: يا رسول الله، غلا السعر ~~فسعر لنا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله هو المسعر ~~القابض الباسط الرازق، إني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة ~~في دم ولا مال". رواه الخمسة إلا النسائي، وصححه ابن حبان (¬1). # وأخرجه ابن ماجه والدارمي والبزار وأبو يعلى من طريق حماد بن سلمة عن ~~ثابت وغيره [عن] (أ) أنس (¬2)، وإسناده على شرط مسلم، وصححه الترمذي أيضا. ~~ولأحمد وأبي داود (¬3) من حديث أبي هريرة: جاء رجل فقال: يا رسول الله، ~~سعر. فقال: "بل أدعو الله". ثم جاء آخر فقال: يا رسول الله، سعر. فقال: "بل ~~الله يخفض ويرفع". وإسناده حسن. ولابن ماجه والبزار والطبراني في "الأوسط" ~~(¬4) من حديث أبي سعيد نحو PageV06P112 # حديث ms1134 أنس، وإسناده حسن أيضا، وللبزار (¬1) من حديث علي نحوه، وعن ابن ~~عباس في "الطبراني الصغير" (¬2)، وعن أبي جحيفة في "الكبير" (¬3)، وأخرجه ~~ابن الجوزي في "الموضوعات" (¬4) من حديث علي، وقال: إنه حديث لا يصح. # الغلاء [ممدود] (أ): هو ارتفاع الثمن على ما يعتاد. وقوله: "إن الله هو ~~المسعر". يعني أن الله سبحانه يفعل ذلك هو وحده بإرادته، فإذا أراد ارتفاع ~~السعر ارتفع، وإذا أراد انحطاطه انحط. # والقابض المقتر، والباسط الموسع. وفي تقديم القابض على الباسط هنا وفي ~~قوله تعالى: {والله يقبض ويبسط} (¬5). تأنيس لذي الحاجة لرجاء اليسر بعد ~~العسر الذي هم فيه. # والحديث فيه دلالة على أن التسعير مظلمة؛ لقوله: "وليس أحد منكم يطلبني ~~بمظلمة". لكون (ب) الجواب عن السؤال الذي سألوه عنه، وهو التسعير. # والظاهر أن ذلك في القوت، وإذا كان مظلمة فهو غير جائز، وقد ذهب إلى هذا ~~جمهور العلماء. وعن مالك أنه يجوز للإمام التسعير ولو في PageV06P113 # القوتين (¬1). وقال في "شرح القدوري": لا ينبغي للسلطان أن يسعر علي ~~الناس، وإذا رفع هذا الأمر إلى القاضي واضطرت الناس، فإنه يأمر المحتكر ~~بالبيع لما فضل عن قوته وقوت أهله، وإذا خاف الإمام على أهل المصر الهلاك ~~أخذ الطعام من المحتكر وفرقه عليهم، فإذا وجدوا ردوا مثله. انتهى. # وعند الهدوية أنه يكلف البيع، فإن لم يبع باع عنه الإمام والحاكم. وقال ~~الإمام شرف الدين: إن المحتكر إذا طلب زيادة على قيمة وقته سعر عليه، وإلا ~~أدى إلى أن يقصد الضرار بأن يرسم ثمنه ما لا يقدر عليه. # وذكر مثل هذا القاضي عبد الله الدواري: وإن جهل ثمن مثله كان إلى نظر ~~الحاكم؛ بأن يقيسه على ما مضى في مثل هذه الشدة، وإن زادت زاد، وإن نقصت ~~نقص. وهذا قريب من قول مالك. # وأما في غير القوتين فقال الإمام المهدي في "الغيث": إنه استصلح الأئمة ~~المتأخرون تقدير سعر ما عدا القوتين في بعض الأحوال؛ كاللحم والسمن، رعاية ~~لمصلحة الناس ودفع الضرر عنهم. والحديث يرد على الجميع. # 649 - وعن معمر بن عبد الله ms1135 عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لا يحتكر إلا خاطئ". رواه مسلم (¬2). # هو معمر -بفتح الميم وسكون العين وفتح الميم- بن عبد الله، من بني عدي بن ~~كعب، القرشي العدوي، ويقال له: معمر بن أبي معمر. أسلم قديما، وهاجر إلى ~~الحبشة، وتأخرت هجرته إلى المدينة، ثم هاجر إليها وسكن فيها، وحديثه في أهل ~~المدينة، روى عنه سعيد بن المسيب وبشر - PageV06P114 # بضم الباء الموحدة وسكون المهملة- بن سعيد (¬1). [والحديث] (أ) أخرجه ~~الترمذي (¬2) أيضا. # وفي الباب عن أبي هريرة، أخرجه الحاكم (¬3) بلفظ: "من احتكر يريد أن ~~يغالي بها المسلمين فهو خاطئ، وقد برئ منه ذمة الله". ومن حديث ابن عمر: ~~"الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون". أخرجه ابن ماجه والحاكم وإسحاق والدارمي ~~وأبو يعلى والعقيلي في "الضعفاء" بإسناد ضعيف (¬4). ومن حديث ابن عمر: "من ~~احتكر الطعام أربعين ليلة فقد برئ من الله وبرئ الله منه". أخرجه أحمد ~~والحاكم وابن أبي شيبة والبزار وأبو يعلى (¬5)، زاد الحاكم: "وأيما أهل ~~عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع فقد برئت منهم ذمة الله". وفي إسناده أصبغ بن زيد ~~اختلف فيه (¬6)، وكثير بن مرة (¬7) جهله ابن PageV06P115 # حزم وعرفه غيره، وقد وثقه ابن سعد، وروى عنه جماعة، واحتج به النسائي، ~~وأخرجه ابن الجوزي في "الموضوعات" (¬1). قال المصنف (¬2): وقد وهم. و (أ) ~~أبو حاتم قال (ب) (¬3): هو منكر. حكاه عنه ابنه. # وغير ذلك من الأحاديث. # والاحتكار هو أن يشتري الشيء ليبيعه في وقت غلائه، وظاهر الحديث يدل على ~~منع الاحتكار مطلقا؛ سواء كان في الأقوات أو في غيرها، وذهب إلى هذا العموم ~~أبو يوسف، فقال: كل ما أضر بالناس حبسه فهو احتكار، وإن كان ذهبا أو ثيابا. ~~وعن محمد أنه لا احتكار في الثياب، وإنما هو في الحنطة والشعير والتمر (ج) ~~الذي هو قوت الناس. وقريب منه قول أبي حنيفة. # وكذا قوت البهائم، ومذهب الهدوية أنه في قوت بني آدم وقوت البهائم، وكذا ~~في مذهب الشافعية؛ قال أصحاب الشافعي: الاحتكار المحرم هو الاحتكار في ~~الأقوات خاصة؛ وهو أن يشتري الطعام في وقت ms1136 الغلاء للتجارة ولا يبيعه في ~~الحال، بل يدخره ليغلو ثمنه، فأما إذا اشتراه أو جاءه من قريته في وقت ~~الرخص وادخره، أو ابتاعه في وقت الغلاء لحاجته إلى أكله، أو ابتاعه ليبيعه ~~في وقته، فليس باحتكار، ولا تحريم فيه. كذا ذكره النووي (¬4). PageV06P116 # واعلم أن الأحاديث الواردة في الباب وردت مطلقة ومقيدة بالطعام، وما كان ~~على هذا المنوال فالواجب عند الجمهور إلا يقيد المطلق بالمقيد؛ لعدم ~~التعارض بينهما، بل يبقى المطلق على إطلاقه، إلا عند أبي ثور، فإنه يحمل ~~المطلق على المقيد، فكان الأولى العمل بالإطلاق في تحريم الاحتكار، ولا ~~يقيد بالقوتين إلا أن ينظر إلى الحكمة المناسبة للتحريم، وهي دفع الضرر عن ~~عامة الناس، والأغلب في دفع الضرر عن العامة إنما يكون في القوتين، فيقيد ~~الإطلاق بالمناسب. وقد احتيج إلى ذلك في كثير من العمومات والمطلقات، ولعل ~~ذلك هو الحامل للأكثر إلى تقييد الاحتكار في القوتين، ولا يصح أن يكون ~~التقييد وقع بمذهب الصحابي الراوي كما أخرج مسلم (¬1) عن سعيد بن المسيب ~~أنه كان يحتكر، فقيل له: فإنك تحتكر. فقال: إن معمرا راوي الحديث كان ~~يحتكر. قال ابن عبد البر وآخرون (¬2): كانا يحتكران الزيت. فظاهر جواب سعيد ~~التقييد بمذهب الصحابي، وهو يحتمل أن معمرا وسعيدا قيداه بالقوتين كمذهب ~~الجمهور. # وقوله: "إلا خاطئ". الخاطئ بالهمز هو العاصي الآثم، وهو صريح في التحريم. ~~والله أعلم. # 650 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها بعد فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها؛ ~~إن شاء أمسك، وإن شاء ردها وصاعا من تمر". متفق عليه (¬3). PageV06P117 # ولمسلم (¬1): "فهو بالخيار ثلاثة أيام". وفي رواية له علقها البخاري ~~(¬2): "ورد معها صاعا من طعام لا سمراء". قال البخاري: والتمر أكثر. # قوله: "لا تصروا". هو بضم التاء وفتح الصاد بوزن تزكوا من صرى يصري كزكى ~~يزكي، و"الإبل" مفعوله، وضبطه بعضهم بفتح أوله وضم ثانيه من صر يصر. والأول ~~أصح، أنه من صريت اللبن في الضرع إذا جمعته، وليس من: ms1137 صررت الشيء إذا ~~ربطته، يدل عليه اسم المفعول، فإنه قيل: مصراة. ولم يقل: مصرورة. وإن كان ~~المعنيان ثابتين في اللغة. وبعضهم ضبطه بضم أوله وفتح ثانيه بغير واو على ~~البناء للمجهول ورفع الإبل. # والمصراة: التي صري لبنها وحقن فيه وجمع فلم يحلب أياما. وأصل التصرية ~~حبس الماء؛ يقال منه: صريت الماء. إذا حبسته، وكذا قال البخاري، وهو قول ~~أبي [عبيد] (أ) وأكثر أهل اللغة (¬3). وقال الشافعي (¬4): هو ربط أخلاف ~~الناقة أو الشاة وترك حلبها حتى يجتمع لبنها فيكثر، فيظن المشتري أن ذلك ~~عادتها. # وقوله: "الإبل والغنم". لم يذكر البقر، والحكم واحد، ولذلك ترجم البخاري ~~الباب بباب النهي للبائع ألا يحفل الإبل والغنم والبقر، ولعله لم يذكر في ~~الحديث لغلبة التصرية عندهم فيهما. PageV06P118 # وقوله: "لا تصروا". ظاهره النهي عن التصرية مطلقا، وقد جزم به بعض ~~الشافعية، لما فيه من إيذاء الحيوان، وقد ورد تقييد ذلك في رواية النسائي ~~(¬1): "لا تصروا الإبل والغنم للبيع". وفي رواية له (¬2): "إذا باع أحدكم ~~الشاة أو اللقحة فلا يحفلها". وهذا هو أرجح عند الجمهور، ويدل عليه التعليل ~~بالغرر والتدليس، وبأن إيذاء الحيوان لا يصلح علة للنهي، لما (أ) فيه من ~~الضرر اليسير الذي لا يستمر فيغتفر لتحصيل المنفعة. # وقوله: "فمن ابتاعها". أي اشتراها. # وقوله: "بخير النظرين". أي الرأيين. # وقوله: "بعد أن يحلبها". كذا في رواية ابن خزيمة والإسماعيلي، و "بعد" ~~ظرف زمان مضاف إلى "أن يحلبها"، وفي رواية بحذف "بعد" و "إن يحلبها" بكسر ~~"إن". على الشرطية وجزم "يحلبها"، وظاهره أن الخيار لا يثبت إلا بعد الحلب، ~~ولو ظهرت التصرية بغير الحلب فالخيار ثابت. # وقوله: "إن شاء أمسك". أي أبقاها على ملكه، وهو يقضي بصحة بيع المصراة ~~وثبوت الخيار. # وقوله: "وإن شاء رد". في الحديث دلالة على أن الرد بالتصرية فوري؛ لأن ~~الفاء في قوله: "فهو بخير النظرين". تدل على التعقيب من دون تراخ، وقد ذهب ~~إلى هذا بعض الشافعية، وذهب البعض منهم والهادي والناصر إلى أن الرد على ~~التراخي، ونقل أبو حامد والروياني على ذلك ms1138 نص الشافعي (¬3) إلى أنه على ~~التراخي، محتجين برواية: "فله الخيار PageV06P119 # ثلاثا" (¬1). وهي مقدمة علي رواية الإطلاق. وأجاب الأولون بأن هذه ~~الرواية محمولة على ما إذا لم يعلم أنها مصراة إلا في الثلاث، لكون الغالب ~~أنها لا تعلم في دون ذلك، لجواز النقصان باختلاف العلف ونحوه. # قال المصنف رحمه الله تعالى (¬2): ويؤيده أن في بعض روايات أحمد والطحاوي ~~(¬3) من طريق ابن سيرين عن أبي هريرة: "فهو بأحد النظرين بالخيار إلى أن ~~يحوزها أو يردها". # واختلفوا في ابتداء الثلاثة الأيام، فقالت الحنابلة: هي من بعد بيان ~~التصرية. وعند الشافعية هي من عند العقد، وقيل: من التفرق. ويلزم على هذا ~~أن يكون الفور أوسع من الثلاث في بعض الصور، وهو ما إذا تأخر بيان التصرية ~~إلى آخر الثلاث، ويلزم عليه أن تحسب المدة قبل التمكن من الفسخ، وأن يفوت ~~المقصود من التوسع بالمدة. # وقوله: "وصاعا من تمر". منصوب عطفا على الضمير المفعول في "ردها"، ولا ~~يصح ذلك ظاهرا؛ لأن الصاع مغروم ابتداء لا مردود، فيتخرج على العطف بتقدير ~~ما يصح معه المعنى [لظهوره] (أ)، فيقدر: وأعط صاعا. مثل قوله (¬4): PageV06P120 # * علفتها تبنا وماء باردا * # بتقدير: أسقيت. ويجوز أن يكون مفعولا معه على ما ذهب إليه بعضهم من صحة ~~مصاحبته للمفعول به. # واعلم أن ظاهر الحديث أن الواجب رد صاع واحد ولو تعددت المصراة، وإن ~~اشتراها صفقتين تعدد الصاع، وإن اشتراها صفقة واحدة؛ فنقل ابن قدامة ~~الحنبلي (¬1) عن الشافعي تعدد الصاع بتعددها، وذهب ابن حزم (¬2) إلى عدم ~~التعدد، وقال ابن عبد البر (¬3): لا يجب في لبن شياه أو نوق أو بقر عدة إلا ~~الصاع. وإذا كان اللبن باقيا فذهبت الهدوية إلى أنه يتعين رده، وسيأتي ~~قريبا. وللشافعي وجهان: يجب، لأنه أقرب إلى مستحقه. والثاني: لا، لأن ~~طراوته ذهبت، ولا (أ) يلزم البائع قبوله. واتباع لفظ الحديث أولى. # والحديث يدل على أنه يثبت الخيار بالتصرية فيما ذكر من الإبل والغنم، ~~واختلف العلماء القائلون بالرد، هل يقصر على ذلك أو يلحق به غيره؛ فذهب ~~داود إلى الاقتصار ms1139 على ذلك، وقالت الحنابلة وبعض الشافعية: يختص ذلك ~~بالنعم. فزادوا البقر، فكأنهم جمعوا في الحكم بينها بالقطع بنفي الفارق، ~~وكأن الوارد بناء على ما كان أغلب في ذلك العصر، وبعضهم عمم الحكم في مأكول ~~اللحم، وأشار إلى ذلك البخاري؛ حيث ترجم الباب بباب النهي للبائع ألا يحفل ~~الإبل والغنم والبقر وكل محفلة. PageV06P121 # والتحفيل بالحاء المهملة والفاء التجميع، تقول: ضرع حافل. أي عظيم، ~~واحتفل القوم؛ إذا كثر (أ) جمعهم، ومنه سمي المحفل، فعطف ذلك من عطف العام ~~على الخاص؛ لإلحاق غير النعم فيه من مأكول اللحم بالنعم. واختلفوا في غير ~~المأكول كالأتان والجارية، فالأصح ثبوت الرد، إذ اللبن مقصود، ولا يرد به ~~عوض، وبه قالت الحنابلة في الأتان دون الجارية. # وقوله: في رواية علقها البخاري. يعني [عن] (ب) ابن سيرين ووصلها مسلم عنه. # وقوله: "صاعا من طعام لا سمراء". اختلفت الرواية عن ابن سيرين في تفسير ~~السمراء؛ فأخرج الطحاوي (¬1) من طريق أيوب عن ابن سيرين، أن المراد ~~بالسمراء الحنطة الشامية. وروى ابن أبي شيبة (¬2) وأبو عوانة (¬3) من طريق ~~هشام بن حسان عن ابن سيرين: "لا سمراء". يعني الحنطة. وروى ابن المنذر (¬4) ~~من طريق ابن عون عن ابن سيرين، أنه سمع أبا هريرة يقول: "لا سمراء". أي: ~~ليس ببر. # وقد اختلفت أيضا الروايات في الحديث؛ فجاء عن ابن سيرين على أربع روايات، ~~ذكر التمر والخيار ثلاثا، وذكر التمر بدون الثلاث، والطعام مع PageV06P122 # الثلاث وبدونها. # وأخرج البزار (¬1) من طريق أشعث بن عبد الملك عن ابن سيرين بلفظ: "إن ~~ردها ردها ومعها صاع من بر لا سمراء". وهذه الرواية تعارض التصريح بالتمر ~~معارضة واضحة دون رواية الطعام، لأن الطعام يحتمل أن يراد به التمر. وأتبعه ~~بقوله: "لا سمراء". لئلا يتوهم أن المراد بالطعام القمح، ويراد بالسمراء ~~معنى القمح المطلق لا النوع المخصوص، ولكنه يبعده رواية أحمد (¬2) بإسناد ~~صحيح عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل من الصحابة نحو حديث البخاري، وفيه: ~~"وإن ردها رد معها صاعا من طعام أو صاعا من تمر". فإن ms1140 العطف ب: "أو" يقتضي ~~التخيير بين التمر والطعام، ومن لازمه أن يكون غيره. إلا أنه يحتمل أن تكون ~~"أو" شكا من الراوي لا [تخييرا] (أ) في الحكم، فيرجع إلى الروايات التي لا ~~احتمال فيها، وهي رواية التمر، ولذلك قال البخاري: والتمر أكثر. والكثرة ~~مرجحة، ويندفع بهذا ما قال بعض الحنفية: إن هذا الاختلاف قادح في العمل ~~بالحديث. فإن الكثرة من وجوه الترجيح. وأما ما أخرجه أبو داود (¬3) من حديث ~~ابن عمر بلفظ: "إن ردها رد معها مثل أو مثلي لبنها قمحا". ففي إسناده ضعف. ~~وقال ابن قدامة (¬4): إنه متروك الظاهر بالاتفاق. PageV06P123 # والحديث فيه دلالة على أنه يرد بدل اللبن الصاع. وقد ذهب إلى هذا جمهور ~~أهل العلم، وأفتى به ابن مسعود (¬1) وأبو هريرة (¬2)، ولا مخالف من ~~الصحابة. وقال به من التابعين ومن بعدهم [من] (أ) لا يحصى عدده، وسواء كان ~~اللبن قليلا أو كثيرا والتمر قوتا في البلد أو لا. وقال زفر: يتخير بين صاع ~~تمر أو نصف صاع بر. وقال به ابن أبي ليلى وأبو يوسف في رواية، [وقالا] (ب): ~~تصح قيمة الصاع من التمر. وفي رواية (ج) عن مالك وبعض الشافعية كذلك؛ إلا ~~أنهم قالوا: يتعين قوت البلد قياسا على زكاة الفطر. وحكى البغوي اتفاق ~~الشافعية أنه يصح التراضي بغير التمر من قوت أو غيره، وأثبت ابن كج الخلاف ~~في ذلك، وحكى الماوردي الخلاف فيما إذا عجز عن التمر، هل يلزم قيمته ببلده ~~أو بأقرب البلاد إليه التي فيها التمر؟ وبالثاني قال الحنابلة. وذهبت ~~الهدوية إلى أنه يجب رد اللبن بعينه إن كان باقيا، أو مثله إذا كان تالفا، ~~أو قيمته يوم الرد حيث لم يوجد المثل، وفي مذهب الهدوية خلاف؛ هل اللبن ~~مثلي أو قيمي؟ # والخلاف للحنفية في أصل المسألة، وقالوا: لا يرد بعيب التصرية، ولا يجب ~~رد الصاع من التمر، واعتذروا عن حديث المصراة بأعذار شتى؛ فمنهم من طعن في ~~رواية أبي هريرة، وأنه لم يكن كابن مسعود وغيره من PageV06P124 # فقهاء الصحابة، فلا يؤخذ من روايته ms1141 ما خالف القياس الجلي. وهو كلام بين ~~الضعف، ساقط عن الاعتبار، مفصح بخذلان قائله وتنكبه عن سواء الصراط، فإن ~~أبا هريرة هو المتسع (أ) في العلوم النبوية الذي دعا له رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وبسط رداءه للعلم، وحفظ وعاء من العلم، والإقدام على ~~الطعن على مثله من الأعلام بدعة وضلالة، وقد اعتذر أبو هريرة عن انفراده ~~بغرائب العلوم واللطائف حيث قال: إن إخواني من المهاجرين كان يشغلهم الصفق ~~بالأسواق، وكنت ألزم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأشهد إذا غابوا، ~~وأحفظ إذا نسوا (¬1). مع أنه قد شارك أبا هريرة غيره في هذا الحديث؛ فأخرجه ~~أبو داود (¬2) عن ابن عمر، وكذا الطبراني (¬3) وأبو يعلى (¬4) من حديث أنس، ~~والبيهقي في "الخلافيات" (¬5) من حديث عمرو بن عوف المزني، وأحمد (2) من ~~رواية رجل من الصحابة، وقال ابن عبد البر (¬6): هذا الحديث مجمع على صحته ~~وثبوته من حيث النقل. # ومنهم من أعله بالاضطراب، والجواب أن الطرق الصحيحة لا اضطراب فيها، ~~ورواية التمر أكثر، فكان الترجيح لها. # ومنهم من قال: إنه معارض لقوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل PageV06P125 # ما عوقبتم به} (¬1). ويجاب عنه بأن ذلك هو مثل، بالنظر إلى أنه عوض عن ~~المتلف، إلا أنه جعل على مقياس واحد؛ دفعا للشجار لو لم يكن كذلك، [إذ] (أ) ~~يحصل التشاجر في مقدار الحليب، والاحتياط في قدره لا يكاد يتم، إذ الآخذ ~~(ب) في الأغلب يتلف (ج) الحليب عقيب حلبه؛ لعدم معرفته للتصرية، وإنما ~~ينكشف من بعد، فضبط بهذا الضابط الذي لا يختلف، ولهذا نظائر في الشرع في ~~أروش الجنايات من غير نظر إلى كيفية الجناية من الكبر والصغر. # ومنهم من قال: هو منسوخ بحديث ابن عمر؛ النهي عن بيع الدين بالدين. أخرجه ~~ابن ماجه وغيره (¬2). ووجه الدلالة أن لبن المصراة يصير دينا في ذمة ~~المشتري، فإذا ألزم بصاع من تمر نسيئة صار دينا بدين. وهو للطحاوي (¬3). ~~وأجيب بأن الحديث ضعيف باتفاق المحدثين، وبأن ذلك ليس مما ذكر؛ فإنه يرده ~~مع المصراة حاضرا وليس بنسيئة، وتعلقه ms1142 بذمة الراد [قبل الرد] (د) ليس بيعا، ~~إذ لا يكون البيع إلا برضا من له PageV06P126 # الحق (أإذا ألزمه أ) بقبض ذلك عند الحضور. # ومنهم من قال: ناسخه حديث: "الخراج بالضمان". أخرجه أصحاب "السنن" (¬1) ~~عن عائشة، ووجه الدلالة منه أن اللبن فضلة من فضلات المصراة، ولو هلكت ~~المصراة لكان من ضمان المشتري، فكذلك فضلاتها. والجواب بأن المغروم هو ما ~~كان فيها قبل البيع مصرى، لا الحادث بعد البيع. # ومنهم من قال: ناسخه الأحاديث الواردة في [رفع] (ب) العقوبة بالمال، وقد ~~كانت مشروعة قبل ذلك. وأجيب بأنه لا عقوبة على المشتري، فإن التصرية من ~~البائع. # ومنهم من قال: ناسخه حديث: "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا" (¬2). قاله ~~محمد بن شجاع، ووجه الدلالة أن التفرق يقطع الخيار، وظاهر الخيار العموم، ~~فيعم خيار المصراة وغيرها. ويجاب بأن الحنفية لم يقولوا بمضمون هذا الحديث ~~ولم يثبتوا خيار المجلس، فكيف يحكمون بنسخه؟ وبأنهم يثبتون خيار العيب بعد ~~التفرق، ويجاب عن الأول بأنهم إنما تأولوا التفرق بأن المراد به تفرق ~~الأقوال، بأن يتم اللفظان فينبرم العقد، فيراد بالخيار هو الرجوع عن أحد ~~الركنين قبل حصول الآخر، وبه يندفع الثاني أيضا. # ومنهم من قال: هو خبر واحد يفيد الظن، وهو مخالف لقياس الأصول المقطوع ~~به، وذلك لأنه تقرر وعلم من الأدلة أن ضمان المتلف إن كان مثليا PageV06P127 # فبالمثل، وإن كان قيميا فبالقيمة، فاللبن إن كان مثليا ضمن بمثله، وإن ~~كان قيميا قوم بأحد النقدين وضمن (أ) بذلك، فكيف يضمن بالتمر أو [البر] ~~(ب)؟ أيضا فإنه كان الواجب أن يختلف الضمان بتقدير اللبن، ولا يقدر الصاع ~~قل أو [كثر] (ج). والجواب عنه بأن رد الخبر لمخالفته لقياس الأصول غير ~~مسلم؛ لأن خبر الواحد هو من جملة الأصول التي تثبت بها الأحكام، وإنما كان ~~يرد لو خالف نصا قطعيا، فإنه يطرح لئلا يعمل بالمظنون ويترك المقطوع، وأما ~~مخالفته لقياس الأصول فلا؛ فإن القياس هنا متضمن للعموم في جميع المتلفات، ~~وهذا خاص، والخاص مقدم على العام، على أنه غير مسلم القياس الذي ms1143 ذكر على ~~عمومه، فإن الدية قد فرضت من الإبل والغنم والبقر وليست من أي المذكورين، ~~وأيضا فإنه إذا أتلف شاة فيها لبن فإن ضمانها بالتقويم، ولا يضمن اللبن ~~الذي فيها بالمثل، وبأنه إنما سلك في ذلك بتقدير الصاع لقطع التشاجر؛ لعدم ~~الوقوف علي حقيقته، لجواز الاختلاط بالحادث بعد البيع، فقطع الشارع النزاع ~~وقدره بحد لا يبعد دفعا للخصومة، وقدره بأقرب شيء إلى اللبن، فإنهما كانا ~~قوتا في ذلك الزمان، ولهذا نظائر، وهو في ضمان الجنايات كالموضحة، فإن ~~أرشها مقدر مع الاختلاف في الكبر والصغر، والغرة في الجنين مع اختلافه، ~~والحكمة في ذلك جميعه دفع التشاجر. # قالوا: و (د) خالف قياس الأصول من حيث إن اللبن التالف إذا كان PageV06P128 # موجودا عند العقد فقد نقص جزء من المبيع فيمتنع الرد، وإن كان حادثا عند ~~المشتري فهو غير مضمون، ومن حيث إنه جعل الخيار فيه ثلاثا مع أن خيار العيب ~~لا يقدر بالثلاث، وكذا خيار المجلس وخيار الرؤية، ومن حيث إنه لو باع شاة ~~بصاع تمر ثم ردها وصاعا، فقد استحقها البائع وثمنها، ويلزم في هذه الصورة ~~الربا، فإنه لو رد الشاة وصاعا، والبائع يرد له الصاع، فكأنه باع شاة وصاعا ~~بصاع. ومن حيث إنه يلزم منه ضمان الأعيان مع بقائها حيث كان اللبن موجودا. ~~ومن حيث إنه يلزم [منه] (أ) إثبات الرد بغير عيب؛ لأنه لو كان نقصان اللبن ~~عيبا لثبت به الرد من دون تصرية ولا شرط؛ لأنه لم يشرط الرد. # وأجيب عن الأول بأن النقص إنما يمنع الرد إذا لم يكن لاستعلام العيب، وهو ~~هنا لاستعلام العيب فلا يمنع. وعن الثاني بأن المصراة انفردت بالمدة ~~المذكورة؛ لأنه لا يتبين حكم التصرية في الأغلب إلا بها بخلاف غيرها. وعن ~~الثالث بأنه إنما استحق الصاع عوض اللبن لا عوض الشاة. وعن الرابع بأن ~~الربا إنما يعتبر في العقود لا في الفسخ. وعن الخامس بأنه غير موجود متميز؛ ~~لأنه مختلط باللبن الحادث، فقد تعذر رده بعينه بسبب الاختلاط، فيكون مثل ~~ضمان العبد المغصوب ms1144 الآبق. وعن السادس بأن الخيار يثبت بالتدليس والتغرير ~~للمشتري، وهو أيضا في حكم خيار الشرط من حيث المعنى، فإن المشتري لما رأى ~~ضرعها مملوءا، فكأن البائع شرط له أن ذلك عادة لها، وقد ثبت لهذا نظائر مثل ~~ما تقدم في تلقي الجلائب. # ومنهم من حمل الحديث على سورة مخصوصة؛ وهو حيث اشترى PageV06P129 # بشرط أنها تحلب قدرا معلوما وشرط فيها الخيار فالشرط فاسد. قال: فإن ~~اتفقا على إسقاطه في مدة الخيار صح العقد، وإن لم يتفقا بطل ووجب رد الصاع ~~من التمر؛ لأنه كان قيمة اللبن يومئذ. وأجيب بأن الحديث فيه تعليق الحكم ~~بالتصرية، وهذا القائل بفساد الشرط سواء وجدت التصرية أم لا، فهو تأويل ~~متعسف غير مقبول. # قال ابن عبد البر (¬1): هذا الحديث أصل في النهي عن الغش، وفي ثبوت ~~الخيار لمن دلس عليه، وفي أن التدليس لا يفسد أصل العقد، وأن أمد الخيار ~~ثلاثة أيام، وفي تحريم التصرية وثبوت الخيار بها. # وقد روى أحمد وابن ماجه (¬2)، عن ابن مسعود مرفوعا: "بيع المحفلات خلابة، ~~ولا تحل الخلابة لمسلم". وفي إسناده ضعف. وقد رواه ابن أبي شيبة وعبد ~~الرزاق [موقوفا] (أ) بإسناد صحيح (¬3). وروى ابن أبي شيبة (¬4) من طريق قيس ~~بن أبي [حازم] (ب) قال: كان يقال: التصرية خلابة. وإسناده صحيح. # واختلف القائلون بخيار التصرية لو كان عالما بالتصرية، هل يثبت به ~~الخيار؟ فيه وجه للشافعية، الأرجح أنه لا يثبت، وكذا عند الهدوية لا يثبت ~~إلا إذا جهل قدر التصرية. # ولو صري ثم صار ذلك اللبن عادة هل له الرد؟ فيه وجه لهم، وعند PageV06P130 # الهدوية لا يثبت الرد أيضا، والحنابلة تخالف في المسألتين. # ولو تصرت بنفسها أو صراها المالك لنفسه ثم باعها، فيه خلاف؛ من نظر إلى ~~المعنى المقتضي أثبته، ومن نظر إلى أن أحكام التصرية خارجة عن القياس خصه ~~بمورده، وكذا لو كان الضرع مملوءا لحما فظنه المشتري لبنا فاشتراها على ~~ذلك، هل يثبت له الخيار؟ فيه وجهان حكاهما بعض المالكية. وأما لو اشترى غير ~~مصراة وبان فيها عيب بعد ms1145 الحلب؛ فعند الشافعي يردها مجانا، وعند الهدوية ~~يرده إن كان الفسخ بحكم ويضمن التالف، وإن كان بالتراضي فلا رد. وقال ~~البغوي (¬1): يرد صاعا من تمر. والله أعلم. # 651 - وعن ابن مسعود قال: من اشترى شاة محفلة فردها، فليرد معها صاعا. ~~رواه البخاري (¬2)، وزاد الإسماعيلي (¬3): من تمر. # الحديث أخرجه عن ابن مسعود موقوفا من رواية يزيد بن زريع عن سليمان ~~التيمي. # وهكذا أخرجه الأكثرون عن معتمر بن سليمان التيمي موقوفا، وأخرجه ~~الإسماعيلي من طريق عبيد الله بن معاذ عن معتمر مرفوعا، وذكر أن رفعه غلط، ~~وخالف الأكثرين أبو خالد الأحمر فأخرجه عن سليمان التيمي بإسناد الأكثرين ~~مرفوعا، أخرجه عنه الإسماعيلي (3) وأشار إلى وهمه، وقد اعتمد المصنف رحمه ~~الله قول الأكثرين فوقفه على ابن مسعود كما فعله البخاري. # وفي قوله: فليرد معها. أي: بعدها. لأن قوله: فردها. بسبب متقدم. PageV06P131 # ويحتمل أن معنى "فردها": فأراد ردها. فتكون "مع" للمعية. وقد تقدم الكلام ~~في ذلك مستوفى. # 652 - وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على صبرة ~~طعام، فأدخل يده فيها، فنالت أصابعه بللا فقال: "ما هذا يا صاحب الطعام؟ ". ~~قال: أصابته السماء يا رسول الله. قال: "أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه ~~الناس؟ من غش فليس مني". رواه مسلم (¬1). # الصبرة، بضم الصاد المهملة وسكون الباء الموحدة، وهي الكومة المجموعة من ~~الطعام، سميت صبرة لإفراغ بعضها علي بعض، ومنه قيل للسحاب فوق السحاب: ~~[صبير] (أ). كذا قاله الأزهري (¬2). # وقوله: أصابته السماء. أي المطر. # وقوله: "من غش فليس مني". بياء المتكلم. قال النووي (¬3): كذا في الأصول ~~وهو صحيح. قال: ومعناه عند أهل العلم: ليس ممن اهتدى بهديي واقتدى بعلمي ~~وعملي وحسن طريقتي. كما يقول الرجل لولده إذا لم يرض فعله: لست مني. وهكذا ~~في نظائره، مثل قوله: "من حمل علينا السلاح فليس مني". وكان سفيان بن عيينة ~~يكره تفسير مثل هذا ويقول: بئس مثل هذا القول. بل يمسك عن تأويله؛ ليكون ~~أوقع في النفوس وأبلغ في الزجر. انتهى. # وفي الحديث دلالة على ms1146 تحريم الغش، وأن (ب) فاعله ليس من المقتدين PageV06P132 # بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. والغش مجمع على تحريمه عند المتشرعين، ~~مذموم مرتكبه بفطرة العقول. # 653 - وعن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من حبس العنب أيام القطاف حتى يبيعه ممن يتخذه خمرا فقد تقحم ~~النار على بصيرة". # رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن (¬1). # هو أبو سهل عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، قاضي مرو، تابعي من ~~مشاهير التابعين وثقاتهم، سمع أباه وسمرة بن جندب وعمران بن حصين وعبد الله ~~بن مغفل، وروى عنه ابنه سهل وحسين المكتب وعبد الله بن مسلم المروزي ~~الأسلمي، مات بمرو، وله عند المراوزة حديث كثير. # والحديث أيضا أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (¬2) من حديث بريدة، وهو ~~بزيادة: "حتى يبيعه من يهودي أو نصراني، أو ممن يعلم [أنه] (أ) يتخذه خمرا، ~~فقد تقدم في النار على بصيرة". والزيادة هي أيضا في رواية الطبراني. # قوله: "أيام القطاف". أي الأيام التي يقطف فيها العنب للانتفاع به. وهو ~~يدل على تحريم البيع المذكور؛ لاستحقاق [البائع] (ب) دخول النار، وهو PageV06P133 # مع القصد محرم إجماعا، والحديث يدل عليه، وأما من دون قصد، فذهب الهادي ~~إلى جوازه مع الكراهة. وتأوله المؤيد بالله بأن ذلك مع الشك في فعله، وأما ~~إذا علم فهو محرم. ويقاس على ذلك ما كان يستعان به في المعصية. وأما ما كان ~~لا يفعل إلا للمعصية؛ وذلك مثل آلات الملاهي كالمزامير والطنابير ونحوهما، ~~فلا يجوز بيعها ولا شراؤها إجماعا، وكذلك بيع السلاح والكراع من الكفار ~~والبغاة إذا كانوا يستعينون به على حرب المسلمين، فإن ذلك لا يجوز، إذ فيه ~~إعانة لهم، إلا أن يباع بأفضل منه، جاز. # وقوله: "اقتحم (أ) النار". أي: دخل النار. "على بصيرة". أي: علم منه ~~بالسبب الموجب لدخوله. والله أعلم. # 654 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: # "الخراج بالضمان". رواه الخمسة، وضعفه البخاري وأبو داود، وصححه الترمذي ~~وابن خزيمة وابن ms1147 الجارود وابن حبان والحاكم وابن القطان (¬1). # الحديث أخرجه الشافعي وأحمد (¬2) وأصحاب "السنن" والحاكم من طريق عروة عن ~~عائشة مطولا، وهو أن رجلا اشترى غلاما في زمن PageV06P134 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، [فكان] (أ) عنده ما شاء الله، ثم رده ~~من عيب وجده فيه، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برده بالعيب، فقال ~~المقضي عليه: قد استعمله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الخراج ~~بالضمان". وأخرجوه مختصرا. # وأخرجه الشافعي (¬1) أيضا من طريق أخرى عن ابن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف، ~~أنه ابتاع غلاما، فاستغله ثم أصاب به عيبا، فقضى له عمر بن عبد العزيز برده ~~ورد غلته، فأخبره عروة عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان، فرد عمر قضاءه، وقضى لمخلد ~~بالخراج. # الخراج: الغلة والكراء. ومعناه أن المبيع (ب) إذا كان له دخل وغلة، فإن ~~مالك الرقبة الذي هو ضامن لها يملك خراجها لضمان أصلها، فإذا ابتاع رجل ~~أرضا فاستغلها، أو ماشية فنتجها، أو دابة فركبها، أو عبدا فاستخدمه، ثم وجد ~~به عيبا، فله أن يرد الرقبة، ولا شيء عليه فيما انتفع به؛ لأنها لو تلفت ما ~~بين مدة الفسخ والعقد لكانت من ضمان المشتري، فوجب أن يكون الخراج له. وقد ~~ذهب إلى هذا الشافعي وقال: ما حدث في ملك المشتري من غلة ونتاج ماشية وولد ~~أمة، أو كراء أو غيره من الفوائد الفرعية والأصلية، فهو سواء، ويرد المبيع ~~ما لم يكن ناقصا عما أخذه. وذهب أهل الرأي إلى أن المشتري يستحق الفوائد ~~الفرعية كالكراء، وأما PageV06P135 # الفوائد الأصلية كالثمر، فإن كانت باقية ردها مع الأصل، وإن كانت تالفة ~~امتنع الرد واستحق الأرش. وذهب مالك إلى التفرقة في الفوائد الأصلية فقال: ~~الصوف والشعر يستحقهما المشتري، والولد لا يستحقه، بل يرده مع أمه. ولعله ~~يقول: مع تلفه. مثل قول أهل الرأي. وذهبت الهدوية إلى التفرقة بين الأصلية ~~والفرعية؛ فقالوا: يستحق المشتري الفرعية، وأما الأصلية فتصير في يد ms1148 ~~المشتري أمانة، فإن رد المشتري المبيع بالحكم وجب الرد ويضمن التالف، وإن ~~كان بالتراضي لم يردها. وهذا ما لم تكن متصلة [بالمبيع] (أ) وقت الرد، فإن ~~كانت متصلة وجب الرد لها إجماعا. هذا تفصيل الأقوال، وظاهر الحديث يقضي بما ~~ذهب إليه الشافعي. # واختلف العلماء فيما إذا كان المعيب أمة وقد وطئها المشتري، ثم انكشف ~~فيها العيب؛ فذهب الهدوية والحنفية إلى أنه يمتنع الرد، لأن الوطء جناية. ~~قالوا: وكذلك المقدمات والجناية من حيث إنه لا يحل وطء الأمة لأصل المشتري ~~ولا لفصله، فقد عيبها بذلك، ولكنه يرجع على البائع بأرش العيب. وقال بهذا ~~الثوري وإسحاق بن راهويه. وقال ابن أبي ليلى: يردها ويرد معها مهر مثلها. ~~وقال مالك: إن كانت ثيبا ردها ولا يرد معها شيئا، وإن كانت بكرا فعليه ما ~~نقص من ثمنها. وقال الشافعي: إن كانت ثيبا ردها ولا شيء عليه، وإن كانت ~~بكرا لم يكن له ردها، ورجع بما نقص من أصل الثمن. # وقاست الحنفية الغصب على البيع؛ من أجل أن ضمانها على PageV06P136 # الغاضب، فلم يجعلوا عليه رد الغلة، واحتجوا بعموم الحديث. وهو إنما ورد ~~في البيع، وهو عقد يكون بين المتعاقدين بالتراضي، وليس الغصب بعقد وعن تراض ~~بين المتعاقدين، فيكون هذا فرقا بينهما، فلا يصلح أن يكون من باب القياس، ~~وأما إذا قيل: هو من باب العموم. والعموم لا يقصر على سببه، فلا يرد هذا. # قال الخطابي (¬1): والحديث مبهم؛ لأن قوله: "الخراج بالضمان". يختمل أن ~~يكون معناه أنه يملك الخراج بضمان الأصل، ويحتمل أنه في معنى أن ضمان ~~الخراج [بضمان] (أ) الأصل، واقتضاء العموم [من] (ب) اللفظ المبهم ليس ~~[بالبين الجواز] (ج)، والحديث في نفسه ليس بالقوي، إلا أن أكثر العلماء قد ~~استعملوه في البيوع، والأحوط أن يتوقف عنه فيما سواه. انتهى. # 655 - وعن عروة البارقي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أعطاه دينارا يشتري به أضحية أو شاة، فاشترى به شاتين، فباع إحداهما ~~بدينار، فأتاه بشاة ودينار، فدعا له بالبركة في بيعه، وكان ms1149 لو اشترى ترابا ~~يربح فيه. رواه الخمسة إلا النسائي (¬2)، وقد أخرجه البخاري (¬3) ضمن حديث ~~ولم PageV06P137 # يسق لفظه، وأورد (أ) له الترمذي (ب) (¬1) شاهدا من حديث حكيم بن حزام. # الحديث أخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني (¬2)، وفي إسناده ~~سعيد بن زيد (¬3) أخو حماد، مختلف فيه، عن أبي لبيد لمازة بن زبار (ج) ~~(¬4)، وقد قيل: إنه مجهول. لكنه وثقه ابن سعد (¬5)، وقال حرب: سمعت أحمد ~~أثنى عليه. قال المنذري و [النووي] (د): إسناده حسن صحيح؛ لمجيئه من وجهين. # وقد رواه البخاري (¬6) من طريق ابن عيينة عن شبيب بن غرقدة (ه): سمعت ~~الحي يحدثون عن عروة. ورواه الشافعي (¬7) عن ابن عيينة، وقال: إن صح قلت ~~به. وقال في "البويطي" (¬8): إن صح حديث عروة فكل من باع أو PageV06P138 # أعتق ملك غيره ثم رضي (أ)، فالبيع والعتق جائز، ونقل المزني عنه أنه ليس ~~بثابت عنده. قال البيهقي (¬1): إنما ضعفه لأن الحي غير معروفين. وقال في ~~موضع آخر: هو مرسل؛ لأن شبيب بن غرقدة لم يسمعه من عروة، وإنما سمعه من ~~الحي. قال الخطابي (¬2): هو غير متصل؛ لأن الحي حدثوه عن عروة. وقال ~~الرافعي في "التذنيب": مرسل. # قال المصنف رحمة الله عليه (¬3): والصواب أنه متصل، في إسناده مبهم، وفي ~~الشاهد الذي أورده أبو داود من حديث حكيم ضعيف؛ من حيث إن في إسناده عن شيخ ~~من أهل المدينة وهو مجهول. قال البيهقي: ضعف من أجل هذا الشيخ. انتهى. # وفيه مخالفة لهذا الحديث؛ لأن فيه أنه أعطاه دينارا يشتري به أضحية، ~~فاشترى به ثم باعها بدينارين، ثم اشترى بدينار، وأتى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بدينار وأضحية، فتصدق به النبي - صلى الله عليه وسلم -، ودعا له أن ~~يبارك له في تجارته. # الحديث فيه دلالة على أن عروة شرى ما لم يوكل بشرائه، وباع كذلك؛ لأنه ~~أعطاه دينارا لشراء أضحية، فلو وقف على الأمر لشرى ببعض الدينار الأضحية ~~ورد البعض، وهذا الذي فعله هو العقد الموقوف الذي ينفذ بالإجازة وقد وقعت، ~~وذهب إلى صحة العقد الموقوف جماعة ms1150 من السلف؛ منهم علي وابن عباس وابن مسعود ~~وابن عمر والهادي والمفرعون على PageV06P139 # مذهبه، وذهب الشافعي وأصحابه والناصر إلى القول بعدم صحته، وأن الإجازة ~~لا تصححه؛ محتجين بأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تبع ما ليس عندك". ~~وهو شامل للمعدوم وملك الغير، والحديث تردد الشافعي في صحته، وعلق القول به ~~على صحته، وقد قال به في القديم، وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز البيع لا ~~الشراء، [و] (أ) لعله يفرق بينهما بأن البيع إخراج عن ملك المالك، وللمالك ~~حق في [استبقاء] (ب) ملكه، فإذا أجاز فقد أسقط حقه؛ بخلاف الشراء، فإنه ~~إثبات لملك (ج)، فلا بد من تولي المثبت لذلك. وذهب إلى العكس مالك، ولعله ~~للجمع بين الحديثين وهو: "لا تبع ما ليس عندك". أخرجه أبو داود والترمذي ~~والنسائي (¬1)، وحديث عروة، فيعمل منه بما لم يعارض. وذهب الجصاص إلى صحته ~~في بعض؛ وهو ما إذا وكل بشراء شيء فشرى بعضه، لا في غير ذلك. # ويدل حديث [عروة] (د) على جواز بيع الأضحية وإن تعينت بالشراء لإبدال ~~المثل، وقد ذهب إليه الهدوية، وزيادة الثمن لا تطيب، ولذلك أمره بالتصدق. # ويستنبط من هذا أن فوائد الأضحية والهدي يجب التصدق بهما، PageV06P140 # وظاهر هذا أنه يجوز التصدق ولو قبل الذبح، وإن كان الهدوية قالوا: إنه لا ~~يتصدق إلا بعد الذبح. وفي دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - لهما بالبركة ~~دلالة على أنه يشكر الصنيع لمن فعل المعروف، ويجازى ولو بالدعاء. # 656 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن شراء ما في بطون الأنعام حتى تضع، وعن بيع ما في ضروعها، وعن شراء ~~العبد وهو آبق، وعن شراء المغانم حتى تقسم، وعن شراء الصدقات حتى تقبض، وعن ~~ضربة الغائص. رواه ابن ماجه والبزار والدارقطني بإسناد ضعيف (¬1). # وأخرجه أحمد (¬2) من حديث شهر بن حوشب. وللترمذي (¬3) منه شراء المغانم، ~~وقال: حديث غريب. وكذا أخرجه النسائي (¬4) من حديث ابن عباس، وأبو داود ~~وأحمد (¬5) من حديث أبي هريرة. # وشهر تكلم ms1151 (أ) فيه جماعة، كالنضر بن شميل والنسائي وابن عدي ويحيى بن ~~سعيد وغيرهم (¬6). وقال البخاري (¬7): شهر حسن الحديث. PageV06P141 # وقوى أمره. وقال يعقوب بن شيبة (¬1): شهر ثقة طعن فيه بعضهم. وروي عن ~~أحمد أنه قال: ما أحسن حديثه (¬2). وهو حمصي. # الحديث فيه دلالة على عدم صحة بيع ما ذكر، أما الحمل الذي في بطن الحيوان ~~واللبن في الضرع فهو مجمع على ذلك؛ لما فيه من الغرر، وقد تقدم (¬3). # وأما العبد الآبق فهو منهي عن بيعه، والعلة تعذر التسليم وإن كان ذاته ~~معلومة متميزة (أ)؛ ولذلك قال الفقهاء: إنه يثبت الخيار للبائع والمشتري ~~ويصح البيع. # وأما شراء المغانم قبل القسمة فلعدم الملك، وكذا الصدقات قبل القبض، فإنه ~~لا يصح؛ لأنه لا يستقر ملك المتصدق عليه إلا بعد القبض. واستثنى الفقهاء من ~~ذلك بيع المصدق للصدقة قبل القبض بعد التخلية، فإن ذلك يصح؛ لأنهم جعلوا ~~التخلية كالقبض في حقه. وضربة الغائص هو أن يقول: أغوص في البحر غوصة بكذا، ~~فما خرج فهو لك. والعلة في ذلك هو الغرر. # 657 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا تشتروا السمك في الماء فإنه غرر". رواه أحمد (¬4)، وأشار إلى ~~أن الصواب وقفه. # الحديث فيه دلالة على المنع من شراء السمك وهو في الماء، والعلة في PageV06P142 # ذلك هو لا فيه من الغرر؛ لأنه يتجافي في الماء، ويرى ما هو حقير عظيما. # وظاهر الحديث الإطلاق، وللفقهاء تفصيل في ذلك؛ وهو أنه إن كان في ماء ~~كثير لا يمكن أخذه إلا بتصيد ويجوز عدم الأخذ، فالبيع غير صحيح، وإن كان ~~فيما لا يفوت فيه ويؤخذ بتصيد، فالبيع صحيح، ويثبت فيه خيار [بعد] (أ) ~~التسليم، وإن كان لا يحتاج إلى تصيد، فالبيع صحيح ويثبت فيه خيار الرؤية. ~~وهذا التفصيل يؤخذ من الأدلة، والتعليل المقتضي للإلحاق مخصص للعموم، والله أعلم. # 658 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أن تباع ثمرة حتى تطعم، ولا يباع صوف ms1152 على ظهر، ولا لبن في ضرع. رواه ~~الطبراني في "الأوسط" والدارقطني، وأخرجه أبو داود في "المراسيل" لعكرمة ~~وهو الراجح، وأخرجه أيضا موقوفا على ابن عباس بإسناد قوي، ورجحه البيهقي (¬1). # قوله: أن تباع ثمن حتى تطعم. تطعم: بضم التاء وكسر العين. أي: يبدو ~~صلاحها ويطيب أكلها، والنسبة إليها (ب) مجاز عقلي، وسيأتي الكلام في ذلك. # وقوله: ولا سماع صوف على ظهر. فيه دلالة على عدم صحة ذلك، PageV06P143 # وقد ذهب إلى هذا العترة وأبو حنيفة والشافعي؛ لأنه يقع الاختلاف في موضع ~~القطع من الحي ويؤدي إلى ضرر الحيوان؛ ولذلك إن ذلك إنما هو في الحي دون ~~المذكى. وذهب الثوري ومالك وأبو يوسف إلى صحة البيع، قالوا: لأنه مشاهد ~~يمكن تسليمه فيصح كمن (أ) المذبوح، والحديث موقوف على ابن عباس. والجواب ~~أنه قد روي وإن كان مرسلا، ولكنه قد تعاضد المرسل والموقوف فقوي، فصح العمل ~~بذلك، والغرر حاصل فيه، وقد صح النهي عن بيع الغرر (¬1). # وقوله: ولا لبن في ضرع. فيه دلالة كذلك على عدم الصحة في ذلك ولما فيه من ~~الغرر. وذهب سعيد بن جبير إلى صحة ذلك؛ قال: لأنه كالمال في الكيس، ورزمة ~~من الثياب في ظرف (ب)، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - سمى الضرع خزانة؛ ~~لقوله فيمن يحلب شاة غيره بغير إذنه: "يعمد أحدكم إلى خزانة أخيه فيأخذ ما ~~فيها" (¬2). والجواب كالأول، والحديث ليس التسمية حقيقة، بل هو استعارة، ~~والله أعلم. # 659 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: إن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن بيع المضامين والملاقيح. رواه البزار (¬3)، وفي إسناده ضعف. # الحديث أخرجه إسحاق بن راهويه والبزار من حديث سعيد بن المسيب عن أبي ~~هريرة، وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر عن الزهري وهو PageV06P144 # ضعيف (¬1). وقد رواه مالك في "الموطأ" (¬2) عن الزهري عن سعيد مرسلا، قال ~~الدارقطني في "العلل" (¬3): تابعه معمر، ووصله عمر بن قيس عن الزهري، وقول ~~مالك هو الصحيح. # وفي الباب عن عمران بن حصين أخرجه ابن أبي عاصم (¬4)، وعن ابن عباس أخرجه ms1153 ~~الطبراني [في "الكبير"] (أ) والبزار (¬5)، وعن ابن عمر أخرجه عبد الرزاق ~~(¬6) بإسناد قوي. # المضامين: المراد بها ما في بطون الإبل. والملاقيح: هو (ب) ما في ظهور ~~الجمال. وهو يدل على عدم صحة بيع ذلك، وهو إجماع، وقد تقدم. # 660 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من أقال مسلما بيعته أقال الله عثرته". رواه أبو داود وابن ماجه ~~وصححه ابن حبان والحاكم (¬7). PageV06P145 # الحديث صححه الحاكم (¬1) من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة بلفظ: ~~"من أقال مسلما أقاله الله عثرته يوم القيامة". قال أبو الفتح القشيري (أ): ~~هو على شرطهما. وصححه ابن حزم (¬2). وقال ابن حبان (¬3): ما رواه عن الأعمش ~~إلا حفص بن غياث (ب)، ولا عن حفص إلا يحيى بن معين، ورواه عن الأعمش أيضا ~~مالك بن سعير (ج)، تفرد به عنه زياد بن يحيى الحساني. # وأخرجه البزار (¬4)، ثم أورده من طريق إسحاق الفروي عن مالك عن [سمي] (د) ~~عن أبي صالح بلفظ: "من أقال نادما". وقال: ابن إسحاق تفرد به. # وذكره الحاكم في "علوم الحديث" (¬5) من طريق معمر عن محمد بن واسع عن أبي ~~صالح، وقال: لم يسمعه معمر من محمد، ولا محمد من PageV06P146 # أبي صالح. # وأخرجه عبد الرزاق (¬1) عن معمر عن يحيى بن أبي كثير مرسلا بلفظ: "من ~~أقال مسلما بيعته أقال الله نفسه يوم القيامة، ومن وصل صفا وصل الله خطوه ~~يوم القيامة". # وأخرجه البيهقي (¬2) عن أبي هريرة بلفظ: "من أقال نادما أقاله الله يوم ~~القيامة". # وأخرجه ابن النجار (¬3) بلفظ: "من أقال أخاه المؤمن عثرته في الدنيا ~~أقاله الله عثرته يوم القيامة". # الحديث فيه دلالة على ندبية الإقالة. والإقالة في اللغة: الرفع (¬4). وفي ~~الشرع: رفع العقد الواقع بين المتعاقدين، وهي مشروعة إجماعا، ولا بد من ~~اللفظ المفيد (أ) لذلك، وهو لفظ: أقلت. أو: أنت مقال. أو: أقالك الله، علي ~~ما جرى به العرف. # واعلم أن الإقالة لها أحكام وشرائط مفصلة في كتب الفروع؛ فشروطها اللفظ ~~المفيد (أ) لذلك ms1154 كما عرفته، وأن تكون بين المتعاقدين مالكين أو وليين لا ~~وكيلين بالبيع والشراء، ويصح التوكيل بها، وأن تكون في مبيع باق جميعه PageV06P147 # أو بعضه؛ فتصح الإقالة فيما بقي لم يزد زيادة متصلة، وأما المنفصلة فتكون ~~للمشتري، ولا يمنع، وتكون بالثمن الأول، ويلغو (أ) اشتراط خلافه ولو في ~~الصفة (ب)، وأحكامها أن تكون بيعا في حق الشفيع؛ يعني أن للشفيع أن يشفع ~~بعد الإقالة ولو كانت شفعته قد بطلت من قبلها، وهذا مجمع عليه إلا رواية عن ~~أبي ثور أنها فسخ مطلقا، وإنما كانت كذلك لأنها في المعنى مبادلة بمالين، ~~وهذا هو معنى البيع، وفي حق غير الشفيع فسخ اعتبارا باللفظ، وليس لفظها لفظ ~~البيع فاعتبر اللفظ، وإنما لم يعكس؛ لأن اللفظ قائم بالمتعاقدين فاعتبرناه ~~في حقهما، وتعين اعتبار المعنى في حق غير المتعاقدين وهو الشفيع عملا ~~بالجهتين جميعا. # ومن أحكامها إذا كانت فسخا أنه لا يعتبر المجلس في الغائب، ولا تلحقها ~~الإجازة، ويصح قبل القبض، ويصح البيع قبله بعد الإقالة، ويصح أن تكون ~~مشروطة بشرط مستقبل، ويصح أن يتولى طرفيها (ج) واحد ولا يرجع عنها قبل ~~قبولها، وهذا إذا أتى بلفظ الإقالة. وإن أتى بلفظ الفسخ فهي فسخ في حق ~~الشفيع وغيره، فلا تثبت فيه الشفعة. # وهذه التفاصيل من الأحكام والشروط لم يدل عليها الحديث ودلالته علي كونها ~~بين المتبايعين لقوله: "بيعته". ولفظ: "أقال" لا يدل على اشتراط هذا اللفظ ~~(د)؛ لأن المقصود إنما هو تحصيل المعنى وهو رفع العقد، وكونه مسلما حكم ~~أغلبي، أو لأنه لما كان المقصود الترغيب لإدراك الثواب PageV06P148 # الأخروي، والثواب الكامل إنما هو في حق المسلم، فخص بالذكر لذلك. # وقوله: "أقال الله عثرته". مراد به غفران الزلة، وعبر عنه بالإقالة ~~للمشاكلة، ولأنه يلزم من غفران الزلة رفع تبعتها. والإقالة هي رفع العقد، ~~فهو من باب المجاز المرسل إطلاقا للازم على الملزوم، والمشاكلة محسنة لذلك. ~~والله أعلم. PageV06P149 ### || AUTO باب الخيار # الخيار: بكسر الخاء [المعجمة] (أ) اسم من الاختيار أو التخيير، وهو طلب ~~خير الأمرين من إمضاء البيع ms1155 أو فسخه. والمذكور في هذا الباب خيار المجلس ~~وخيار الشرط. # 661 - عن ابن عمر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا تبايع ~~الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا، وكانا جميعا، أو يخير أحدهما ~~الآخر، فإن خير أحدهما الآخر فتبايعا على ذلك فقد وجب البيع، وإن تفرقا بعد ~~أن تبايعا ولم يترك واحد منهما البيع فقد وجب البيع". متفق عليه واللفظ ~~لمسلم (¬1). # اللفظ في "الصحيحين" جميعا من حديث الليث عن نافع عن ابن عمر. # قوله: "إذا تبايع الرجلان". ظاهره أوقعا العقد بينهما لا تساوما من دون عقد. # وقوله: "وكل واحد منهما بالخيار". ظاهر في أن كلا من المتبايعين له PageV06P151 # أن يختار الفسخ (¬1). # وقوله: "مما لم يتفرقا". وقع في هذا اللفظ كذا، ووقع في لفظ للنسائي (أ): ~~"ما لم يفترقا". بتقديم الفاء. ونقل ثعلب عن المفضل (ب) بن سلمة أنه يقال ~~(¬2): افترقا بالكلام وتفرقا بالأبدان. ورده ابن العربي بقوله تعالى: {وما ~~تفرق الذين أوتوا الكتاب} (¬3). فإنه ظاهر في التفرق بالكلام؛ لأنه ~~بالاعتقاد، وأجيب بأن المراد به التفرق بالأبدان؛ لأن من خالف في العقيدة ~~كان مفارقا لمن خالفه ببدنه بحسب الأغلب، والحق أن ما ذكره [المفضل] (ج) هو ~~في المعنى الحقيقي، ولكنه يخالف إلى المجاز اتساعا. # وقوله: "أو يخير أحدهما". بإسكان الراء عطف على: "يتفرقا"، ويجوز النصب ~~على أن "أو" بمعنى "إلا أن". # وقوله: "أو يخير أحدهما الآخر" إلى آخره. اختلف في معنى هذا؛ فذهب ~~الجمهور والشافعي إلى أن المراد به هو أنهما إذا اختارا إمضاء البيع قبل ~~التفرق لزم البيع حينئذ، وبطل اعتبار التفرق، وحكى ابن المنذر عن أبي ثور ~~أن المعنى أنه إذا اشترط أحدهما الخيار مدة معينة فإن الخيار لا ينقضي ~~بالتفرق، بل يبقي حتى تمضي مدة الخيار التي شرطاها، وهذا التأويل ظاهر في ~~هذه الرواية، ويرد رواية مالك (¬4) PageV06P152 # وهي: "المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع ~~الخيار". وكذا رواية أيوب عن نافع: "ما لم يتفرقا، أو يقول أحدهما لصاحبه: ~~اختر". ms1156 وربما قال: "أو يكون بيع خيار" (¬1). إلى هذا التأويل. وإن كان لفظ: ~~"أو يقول أحدهما لصاحبه: اختر". أقرب إلى التفسير الأول. # وقيل في تأويل قوله: "إلا بيع الخيار". أي: إلا أن يكون بيع خيار. أي: ~~هما بالخيار ما لم يتفرقا، إلا أن يتخايرا ولو قبل التفرق، وإلا أن يكون ~~البيع بشرط الخيار ولو بعد التفرق. وهو قول يجمع التأويلين (أ) الأولين. # والحديث فيه دلالة على أنه يثبت خيار المجلس للمتبايعين، وأنه يمتد إلى ~~أن يحصل الافتراق بالبدن بينهما. وقد ذهب إلى هذا علي وابن عباس وابن عمر ~~(¬2) وغيرهم من الصحابة، ومن التابعين الشعبي والحسن البصري وعطاء والزهري، ~~ومن الأئمة الصادق وزين العابدين والإمام يحيى والشافعي أحمد وإسحاق وأبو ~~ثور، قالوا: والتفرق المبطل للخيار ما يسمى في العادة تفرقا؛ ففي المنزل ~~الصغير بخروج أحدهما، وفى الكبير التحول من مجلسه إلى آخر بخطوتين أو ثلاث؛ ~~كفعل ابن عمر (¬3). فإن قاما جميعا وذهبا معا فالخيار باق؛ لقضاء أبي برزة ~~(¬4) بذلك مستندا (ب) إلى قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن PageV06P153 # جعل بينهما حائط أو سترة لم ينقطع، ولا بإمضاء أحدهما من دون الآخر، ولا ~~بإكراههما على التفرق، ولا بجنون أحدهما أو نحوه. # قال الإمام يحيى: فإن استمر ناب عنه وليه، وكذا لو خرس ولم تمكنه ~~الإشارة، ويثبت للوكيل، فإن مات انتقل إلى الأصل، وإن تقابضا ثم تبايعا صح ~~الثاني، إذ (أ) العقد الثاني إبطال للخيار، وإن مات المتعاقدان انتقل إلى ~~الوارث وإلا فالحاكم، وييطل بإبطالهما إياه قولا حال العقد أو بعده لا ~~قبله، أو فعلا كبيع المبيع أو إعتاقه أو نحوه، والقول لمنكر التفرق والفسخ؛ ~~إذ الأصل عدمهما. هذا تفريع قول من قال به. # وذهب زيد بن علي والهدوية وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والعنبري والإمامية ~~وغيرهم إلى عدم ثبوت خيار المجلس، وأنه بعد تفرق المتبايعين بالقول لا خيار ~~حينئذ إلا بالشرط (ب)، محتجين بقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض} ~~(¬1). وقوله: {أوفوا بالعقود} (¬2). {وأشهدوا إذا تبايعتم} (¬3). فلم يفصل، ~~وقوله - صلى الله عليه ms1157 وسلم -: "إذا اختلف المتبايعان فالقول قول البائع" ~~(¬4). ولم يفصل ولا صرح في رواية بقدر تفرقة الأبدان. وأخرج ابن أبي شيبة ~~(¬5) بإسناد PageV06P154 # صحيح عن إبراهيم النخعي قال: البيع جائز وإن لم يتفرقا. # واختلفوا في الجواب عن حديث الباب؛ فقال بعضهم: لا يعمل (أ) به؛ لأنه ~~معارض لما هو أقوى منه. وقال بعضهم: هو منسوخ بحديث: "المسلمون على شروطهم" ~~(¬1). والخيار بعد لزوم العقد يفسد الشرط، وبحديث التحالف عند اختلاف ~~المتبايعين (¬2)؛ وذلك لأن الاحتياج إلي اليمين يستلزم لزوم العقد، لأن ~~ظاهره الإطلاق قبل التفرق [وبعده] (ب) , وبقوله تعالى: {وأشهدوا إذا ~~تبايعتم}. والإشهاد إن وقع بعد التفرق لم يطابق الأمر، وإن (ج) وقع قبل ~~التفرق لم يصادف محلا. وقد أجيب عن المعارضة والنسخ (د) بأن النسخ لا يثبت ~~بالاحتمال، والجمع بين الدليلين مهما أمكن لا يصار معه إلى الترجيح، والجمع ~~ممكن هنا بغير تعسف ولا تكلف. وقال بعضهم: هو من رواية مالك، وقد عمل ~~بخلافه. ويجاب عنه بأن مخالفة الراوي لا تبطل العمل به بم لأن ذلك مبني على ~~اجتهاده، ولعله ظهر له دليل أرجح في اجتهاده وهو غير راجح في نفس الأمر. # وقال بعضهم: هو معارض بعمل أهل المدينة. ونقل ابن السكن عن أشهب أنه ~~مخالف لعمل أهل مكة أيضا، ورد بأنه قد عمل به جماعة من أهل المدينة كابن ~~عمر، ثم سعيد بن المسيب ثم الزهري ثم ابن أبي ذئب، وهؤلاء من أكابر علماء ~~المدينة في أعصارهم، ولا يحفظ خلافه عن أحد من PageV06P155 # علماء المدينة إلا ما روي عن ربيعة. وأما أهل مكة فإنه قد قال به عطاء ~~وطاوس وغيرهما، ولم يعلم مخالف منهم، وقال ابن العربي (¬1): إنما لم يأخذ ~~به مالك لأن وقت التفرق غير محدود، فأشبه بيع الغرر. ورد عليه بأن مالكا ~~أثبت خيار الشرط وإن لم يحد بوقت معين، فالغرر فيه موجود مع أنه غير مسلم ~~أن في ذلك غررا؛ لأن كلا [منهما] (أ) متمكن من إمضاء البيع أو فسخه بالقول ~~أو [بالفعل] (ب). وقال بعضهم: لا يعمل به ms1158 لأنه خبر واحد فيما تعم به ~~البلوى. ورد بأن الذي تعم به البلوى إنما هو البيع، وأما الفسخ فلا؛ فإنه ~~بحسب الأغلب أن البيعين [يرضيان] (ج) بما ابتاعا، وبأن ذلك غير مسلم، فإن ~~المعتمد في قبول الرواية إنما هو عدالة الراوي وضبطه لما روى من غير فرق، ~~وأن ذلك إنما هو إذا كانت العادة تقضي بأن مثل المنقول حقه ألا يخفى [كقتل] ~~(د) خطب على منبر وغيره، وأما الأحكام الجزئية فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كان يبلغها إلى الآحاد والجماعة وهذا منها. # وقال بعضهم: هو مخالف للقياس الجلي في إلحاق ما قبل التفرق بما بعده. ورد ~~بأن القياس مع النص لا يعتبر. # وقال بعضهم: إنه محمول على الاستحباب تحسينا للمعاملة. وقال بعضهم: هو ~~محمول على الاحتياط للخروج من الخلاف. وكلاهما خلاف الظاهر. # وقالت طائفة: المراد بالتفرق هو التفرق بالقول كما في عقد النكاح PageV06P156 # والإجارة والعتق. ورد بأنه قياس مع الفرق؛ لأن البيع ينقل منه ملك رقبة ~~المبيع [ومنفعته] (أ) بخلاف النكاح ونحوه. # وقال بعضهم: المراد بالمتبايعين المتساومان. ورد بأنه مجاز والحمل علي ~~الحقيقة أو ما يقرب منها أولى. وقال الطحاوي (¬1) (ب): استعمال البائع في ~~المساوم شائع في اللغة. واحتج بآيات وأحاديث، ورد بأن استعماله مجاز عند ~~القرينة لا تقتضي حمله عليه عند عدم القرينة كما في غيره من المجازات. وقال ~~من قال بهذا القول: وقت التفرق في الحديث هو ما بين قول البائع: بعتك هذا ~~بكذا. و [بين] (ج) قول المشتري: اشتريت. قالوا: فالمشتري بالخيار في قوله: ~~اشتريت. أو تركه، والبائع بالخيار إلى (د) أن يوجب المشتري. وهكذا حكاه ~~الطحاوي عن عيسى بن أبان من الحنفية، وحكاه ابن خويزمنداد عن مالك. قال ~~عيسي بن أبان: وفائدته تظهر فيما لو تفرقا قبل القبول؛ فإن القبول يتعذر. ~~قالوا: لا بد من الرجوع إلى المجاز على المذهبين، أما على القول بالتفرق ~~بالأقوال فلأنه لا يسمى بيعا قبل تمام العقد؛ لأنه مستقبل، واسم الفاعل ~~حقيقة في الحال مجاز في المستقبل، وعلى القول بأن ms1159 التفرق بالأبدان هو بعد ~~تمام الصيغة قد مضى، فهو مجاز في الماضي. ورد بأنا لا نسلم أنه مجاز في ~~الماضي بل هو حقيقة فيه كما ذهب إليه الجمهور بخلاف المستقبل فمجاز اتفاقا، ~~وعلى قول من يقول: إنه مجاز في الماضي. فهو PageV06P157 # أقرب المجازين؛ لقربه من الحقيقة، لتحقق قيام الفاعل بالوصف، وفي ~~المستقبل مجاز بعيد، فالحمل على القريب عند تعذر الحقيقة هو الأولى. # وقال بعضهم: العمل بظاهر الحديث متعذر فيتعين التأويل؛ وذلك لأن ~~المتبايعين إن اتفقا في الفسخ أو الإمضاء لم يثبت لواحد منهما على الآخر ~~خيار، وإن اختلفا فالجمع بين الفسخ والإمضاء جمع بين النقيضين وهو مستحيل. ~~وأجيب بأن الخيار إنما هو في الفسخ، وأما الإمضاء فلا حاجة إلى اختياره ~~فإنه مقتضى العقد مع السكوت. # وقال بعضهم: هذا الحديث معارض بحديث ابن عمرو؛ أخرجه أبو داود مرفوعا ~~(¬1): "البيعان بالخيار ما لم يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن ~~يفارق صاحبه خشية أن يستقيله". فإن قوله: "أن يستقيله". يدل على نفوذ البيع ~~وأن تؤول الاستقالة بالفسخ، فللمعترض أن يتأول قوله: "بالخيار". أي: ~~بالاستقالة. فإذا تعارض التأويلان رجع إلى الترجيح. ويرد عليه بأن الترجيح ~~مع المثبت لخيار المجلس؛ وذلك لأن حمل الاستقالة على الفسخ أوضح من حمل ~~الخيار على الاستقالة؛ لأنه لو كان المراد بها الاستقالة حقيقة لم يكن ~~للمفارقة معنى، فتعين حملها على الفسخ، وعلى ذلك حمله الترمذي وغيره من ~~العلماء؛ فقالوا (¬2): معناه: لا يحل له أن يفارقه بعد البيع خشية أن يختار ~~فسخ البيع (أ)، فالمراد بالاستقالة فسخ النادم. وحملوا نفي الحل على ~~الكراهة؛ لأنه لا يليق [بالمروءة] (ب) وحسن معاشرة PageV06P158 # المسلم، إلا (أ) أن اختيار الفسخ حرام. قال ابن حزم (¬1): احتجاجهم بحديث ~~ابن عمرو على أن التفرق بالقول تذهب معه فائدة الحديث؛ لأنه يلزم منه حل ~~التفرق، سواء خشي أن يستقيله أو لا؛ لأن الإقالة تصح قبل التفرق وبعده. # قال ابن عبد البر (¬2): قد أكثر المالكية والحنفية من الكلام لرد الحديث ~~بما يطول ذكره، وأكثره لا ms1160 يحصل منه شيء. # 662 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل ~~له أن يفارقه خشية أن يستقيله". رواه الخمسة إلا ابن ماجة، والدارقطني وابن ~~خزيمة وابن الجارود (¬3). وفي رواية (¬4): "حتى يتفرقا عن مكانيهما". # تقدم الكلام في الحديث قريبا، روي أن ابن عمر كان إذا بايع رجلا فإن أراد ~~أن يتم بيعه قام فمشى هنيهة فرجع إليه. وقد ذكره الرافعي أيضا وهو متفق ~~عليه (¬5). PageV06P159 # وللترمذي (¬1): وكان ابن عمر إذا ابتاع بيعا وهو قاعد قام ليجب له. # وفي البخاري (¬2) قصة لابن عمر مع عثمان في ذلك. ولعل ابن عمر لم يبلغه ~~النهي المذكور. # 663 - وعن ابن عمر قال: ذكر رجل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ~~يخدع في البيوع، فقال: "إذا بايعت فقل: لا خلابة". متفق عليه (¬3). # الرجل سماه ابن الجارود في "المنتقى" (¬4) من طريق سفيان عن نافع أنه ~~حبان بفتح الحاء المهملة والباء الموحدة، وكذلك في رواية ابن إسحاق، وذكر ~~في رواية ابن إسحاق أنه شكا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يلقى من ~~الغبن (¬5). وقد أخرجه أحمد وأصحاب "السنن" وابن حبان والحاكم (¬6) من حديث ~~أنس بلفظ: أن رجلا كان يبايع وكان في [عقدته] (أ) - أي إدراكه - ضعف. # وقوله: "لا خلابة". بكسر الخاء المعجمة وتخفيف اللام، أي: لا خديعة. ~~و"لا" لنفي الجنس، أي: لا خديعة في الدين؛ لأن الدين PageV06P160 # النصيحة. زاد ابن إسحاق في رواية يونس بن بكير وعبد الأعلى (¬1) عنه: "ثم ~~أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليال، فإن رضيت فأمسك، وإن سخطت ~~فاردد". فبقي حتى أدرك زمان عثمان وهو ابن مائة وثلاثين سنة، فكثر الناس في ~~زمان عثمان، فكان إذا اشترى شيئا فقيل له: إنك غبنت فيه. رجع فيشهد له رجل ~~من الصحابة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جعله بالخيار ثلاثا، فيرد ~~له دراهمه. # والحديث فيه دلالة على أنه يثبت الخيار لمن يغبن في ms1161 الشراء والبيع جميعا ~~إذا حصل الغبن، وقد ذهب إلى هذا أحمد ورواية عن مالك، ولكن إذا كان الغبن ~~فاحشا لمن لم يعرف قيمة السلعة، وذهب إليه المنصور والإمام يحيى، وقيده ~~البغداديون من المالكية بأن يبلغ الغبن ثلث القيمة. وكأن هذا التقييد فهموه ~~لما علم من أنه لا يكاد يسلم أحد من مطلق الغبن في كثير من الأحوال، ولأن ~~القليل يتسامح به في مجرى العادات، وأن من رضي بالغبن بعد معرفته فذلك لا ~~يسمى غبنا، وإنما هو من باب المساهلة في البيع وقد أثني على ذلك. # وقد روي في "البحر" عن الناصر مثل هذا ولكنه أطلق. # وذهب الجمهور من العلماء إلى عدم ثبوت الخيار بذلك؛ لعموم أدلة البيع ~~ونفوذه من غير فرق بين أن يحصل غبن أو لا. وأجابوا عن حديث حبان بأنه - صلى ~~الله عليه وسلم - إنما جعل لي الخيار لضعف عقله؛ لما روي أنه رمي بحجر في PageV06P161 # بعض مغازيه مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض الحصون، فأصاب رأسه ~~مأمومة فتغير بها لسانه وعقله، لكن لم يخرج بذلك عن حد التمييز فيكون حكمه ~~حكم الصبي المأذون له، فيثبت له الخيار مع الغبن، ولأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - لقنه اشتراط الخيار بقوله: "لا خلابة". فكأنه قال: الشراء والبيع ~~مشروط بعدم الخديعة. فإذا انتفى الشرط بطل البيع، أو أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما لقنه ذلك ليقول عند المعامل له لينبهه بأنه ليس من أهل ~~البصيرة، ليعمل معامله بما حث عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من نصيحة ~~المتبايعين كما في حديث (أ) حكيم بن حزام: "فإن صدقا وبينا بورك لهما في ~~بيعهما" الحديث (¬1). # وقال ابن العربي (¬2): الخديعة في هذه [القصة] (ب) يحتمل أن تكون في ~~العيب، أو في الكذب، أو في الثمن، أو في الغبن، فلا يحتج بها في الغبن ~~بخصوصه، وهي قضية خاصة لا عموم فيها. قال: وأما ما روي عن عمر أنه كلم في ~~البيوع فقال: ما أجد لكم شيئا أوسع مما جعل رسول الله - صلى ms1162 الله عليه وسلم ~~- لحبان بن منقذ ثلاثة أيام. فمداره على ابن لهيعة وهو ضعيف. انتهى، وهو ~~كما قال. أخرجه الطبراني والدارقطني وغيرهما (¬3) من طريقه. ويرد عليه بأن ~~في الرواية أنه كان يغبن في البيوع، فتعين أن العلة الغبن من المحتملات. # واستدل بعضهم بالحديث أنه إذا قال: لا خلابة ثبت الخيار وإن لم PageV06P162 # يكن فيه غبن، والجواب عنه بالتقييد في الرواية أنه كان يغبن، واستدل به ~~البعض على أن أمد الخيار المشترط ثلاثة أيام من غير زيادة، ولأنه حكم ورد ~~على خلاف الأصل فيقتصر به على أقصى ما ورد فيه مثل المصراة. وبعض المالكية ~~قال: إنما قصره على ثلاث لأنه كان معظم بيعه في الرقيق، وكأنه ما يتبين ~~الخديعة في ذلك إلا فيها، وهذا يحتاج إلى ثبت. # واعلم أن الهدوية أثبتوا الخيار لمن تصرف عن الغير، وفي الصبي المميز، ~~واحتجوا بهذا الحديث، وهو يستقيم إذا صح أن حبان حصل في عقله نقص حتى صار ~~كالصبي المميز الذي ينفذ عقده بالإذن أو الإجازة. وروي أن أهله أتوا النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله، احجر عليه. فدعاه فنهاه، ~~فقال: لا أصبر عليه. فقال: "إذا بايعت فقل: لا خلابة" (¬1). وفي هذا احتمال ~~أنه طلب الحجر لضعف التمييز أو للسفه، وفيه دلالة على صحة منع من هذا حاله ~~من التصرف ونفوذه بالإذن إذا لم يغبن. # فائدة: روى مسلم تمام الحديث: فكان إذا بايع يقول: لا [خيابة] (أ). ~~بمثناة من تحت بدل اللام، هكذا في جميع نسخ مسلم (¬2)، قال القاضي (¬3): ~~ورواه بعضهم: "لا خيانة". بالنون بدل الباء الموحدة. قال: وهو تصحيف. قال: ~~ووقع في بعض الروايات في غير مسلم (¬4): خذابة. بالذال PageV06P163 # المعجمة، والصواب الأول، وكان الرجل ألثغ لا يفصح باللام. وهذا اللفظ غير ~~متعين عند من أثبت العمل به، فيصح أن يبدل بلفظ: لا خديعة، أو لا غش، أو ~~غير ذلك. وقال ابن حزم (¬1) من الظاهرية: لا بد أن يأتي بلفظ: لا خلابة. ~~ويرد عليه بما ورد في مسلم من إبداله اللام بالياء ms1163 كما عرفت، وله أن يفرق ~~دين ما فات فيه جوهر الكلمة جميعه وما فات فيه البعض. والله أعلم. # عدة أحاديث الباب ثلاثة. PageV06P164 ### || AUTO باب الربا # الربا (¬1) مقصور، وهو من ربا يربو، فيكتب بالألف، وتثنيته ربوان، وأجاز ~~الكوفيون كتابته وتثنيته بالياء بسبب الكسر في أوله، وغلطهم البصريون، قال ~~العلماء رحمهم الله: وقد كتبوه في المصحف بالواو. وقال الفراء: إنما كتبوه ~~بالواو؛ لأن أهل الحجاز تعلموا الخط من أهل الحيرة، ولغتهم الربو، فعلموهم ~~الخط على صورة لغتهم. قال: وكذا قرأه أبو سمال العدوي بالواو، وقرأ حمزة ~~والكسائي بالإمالة بسبب كسرة الراء، وقرأ لباقون بالتفخيم لفتحة الباء ~~(¬2)، قال: ويجوز كتبه بالألف والواو والياء. قال أهل اللغة: والرماء ~~بالميم والمد هو الربا، وكذا الربية بضم الراء والتخفيف لغة في الربا. # وأصل الربا الزيادة، يقال: ربا الشيء يربو. إذا زاد في نفسه كقوله تعالي: ~~{اهتزت وربت} (¬3). أو زاد مقابله كدرهم بدرهمين، يقال: أربي الرجل وأرمى. ~~إذا عامل بالزيادة، فقيل: هو حقيقة فيهما. وقيل: حقيقة في الأول مجاز في ~~الثاني. زاد ابن سريج أنه في الثاني حقيقة شرعية. ويطلق الربا على كل - صلى ~~الله عليه وسلم - حرام، وقد أجمع المسلمون على تحريم PageV06P165 # الربا في الجملة وإن اختلفوا في ضابطه وتفاريعه، [قال الله تعالى: {وأحل ~~الله البيع وحرم الربا}] (أ) (¬1). والأحاديث فيه كثيرة مشهورة، وروى (ب) ~~مالك (¬2) عن زيد بن أسلم في تفسير قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا ~~لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة} (¬3). أنه كان الربا في الجاهلية أن يكون ~~للرجل على الرجل حق إلى أجل، فإذا حل قال: أتقضي أم تربي؟ فإن قضاه أخذ، ~~وإلا زاده في حقه وزاد الآخر في الأجل. ورواه [الطبري] (ج) (¬4) من طريق ~~عطاء ومن طريق مجاهد نحوه، ومن طريق قتادة، أن ربا [أهل] (د) الجاهلية؛ ~~يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى، فإذا حل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاد وأخر عنه. # 664 - عن جابر قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - آكل الربا ~~وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: "هم ms1164 سواء". رواه مسلم (¬5). PageV06P166 # وللبخاري (¬1) نحوه من حديث أبي جحيفة. # الحديث فيه دلالة على شمول الإثم لمن ذكر، فأما آكل الربا فلأنه المقصود ~~أولا وبالذات، وهو قابض الربا المنتفع به، وخص الأكل بالذكر لأنه الأغلب في ~~الانتفاع، وغيره مثله، وأما الموكل فهو الذي أعطى الربا، وكان داخلا في ~~الإثم، لأنه ما يحصل الربا إلا منه، وأما الكاتب والشاهد فلإعانتهما على ~~المحظور، وهذا إنما يكون مع قصدهما ومعرفتهما للربا، "وشاهديه". بلفظ ~~التثنية، وفي رواية الترمذي (¬2) (أ) بلفظ الإفراد، وفي رواية النسائي (¬3) ~~من وجه عن ابن مسعود: آكل الربا، وموكله، وشاهداه، وكاتبه، ملعونون على ~~لسان محمد - صلى الله عليه وسلم -. # 665 - وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "الربا ثلاثة وسبعون بابا، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن ~~أربى الربا عرض الرجل المسلم". رواه ابن ماجة مختصرا، والحاكم بتمامه وصححه (¬4). # ومثل هذا من حديث البراء أخرجه ابن جرر إلا أنه قال: "اثنان PageV06P167 # وستون". وقال: "أدناها مثل إتيان الرجل أمه". وأخرج البيهقي (¬1) من حديث ~~أبي هريرة: "الربا سبعون بابا، أدناها كالذي يقع على أمه". # وأخرج ابن جرير عن أبي هريرة: "الربا سبعون حوبا، أهونها مثل وقوع الرجل ~~على أمه". # وأخرج ابن أبي الدنيا (¬2) عن أبي هريرة: "الربا سبعون حوبا (أ)، أيسرها ~~كنكاح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم". وهذه الأحاديث فيها ~~دلالة على تغليظ تحريم الربا. # وفي قوله: "ثلاثة وسبعون بابا". الظاهر أن المراد بها (ب) أنواع الربا، ~~وأنه قد يطلق الربا على تناول ما لا يحل وإن لم يكن من باب الربا، ولذلك ~~قال: "إن أربى الربا الاستطالة". يعني في عرض المسلم، فسماها ربا، وكذلك ما ~~سيأتي (¬3) في حديث أبي أمامة، في قوله: "فقد أتى بابا عظيما من أبواب ~~الربا". فسمى الهدية ربا. وكذلك لفظ "حوبا" يحتمل أنه أراد بقوله: "سبعون ~~حوبا". أي نوعا من أنواع المأثم، ويحتمل أنه أراد: سبعون إثما. أي جزءا من ~~الإثم. والله أعلم. # وفيه أيضا تعظيم لغيبة ms1165 المسلم وأذاه، وأن إثمها أعظم من إثم الربا الذي PageV06P168 # قد عرف أن أدناه نكاح الأم. # 666 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تبيعوا بعضها على ~~بعض، ولا تبيعوا الورق بالورق إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض، ولا ~~تبيعوا منها غائبا بناجز". متفق عليه (¬1). # الحديث فيه دلالة على أنه يحرم بيع الذهب بالذهب متفاضلا، وكذا الورق ~~بالورق، وسواء كان حاضرا أم غائبا، لقوله: "إلا مثلا بمثل". فإنه استثناء ~~من أعم الأحوال، وتقديره: لا تبيعوه في حال من الأحوال إلا حال كونه مثلا. ~~أي: مساويا لمثل. والمساواة باعتبار القدر، وأكد ذلك بقوله: "ولا تشفوا". ~~أي: لا تفضلوا. وهو رباعي من أشف، والشف بالكسر الزيادة، ويطلق على النقص، ~~وقد ذهب إلى هذا العترة جميعا والفقهاء، وقال به ثلاثة عشر من الصحابة، ~~والخلاف في ذلك لابن عمر وابن الزبير وابن عباس وأسامة بن زيد وزيد بن أرقم ~~وسعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، فقالوا: إنه يجوز التفاضل في الحاضر ولا ~~يجوز في النسيئة. لا رواه أسامة وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ربا ~~إلا في النسيئة" (¬2). وهو حديث صحيح اتفق العلماء على صحته، وأجاب عنه ~~العلماء بأجوبة؛ فمنهم من قال: معنى "لا ربا إلا في النسيئة". المراد به لا ~~ربا أعظم، شديد التحريم المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: لا ~~عالم في البلد إلا زيد. مع أن فيها علماء غيره، والمقصود نفي الكمال لا نفي ~~الأصل، أو أن المعارضة لحديث PageV06P169 # أبي سعيد إنما هي بالمفهوم، وحديث أبي سعيد يدل بالمنطوق، والمفهوم على ~~القول به يطرح مع المنطوق، وأجاب الشافعي بأنه يحتمل أن سائلا سأل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن الجنسين المختلفين مثل الورق بالذهب والتمر ~~بالحنطة متفاضلا، فقال: "إنما الربا في النسيئة". ولعل السؤال سبق قبل حضور ~~أسامة، وحضر أسامة على الجواب فروى الجواب، أو أنه لم يحفظ المسألة، أو شك ms1166 ~~فيها فروى ما حفظه، وليس في حديثه ما ينفي هذا. # قال الشافعي (¬1): ومن روى خلاف حديث أسامة وإن لم يكن أشهر بالحفظ ~~للحديث من أسامة، فليس به تقصير عن حفظه، وعثمان بن عفان وعبادة أشد تقدما ~~بالصحبة وأسن من أسامة، وأبو هريرة أسن وأحفظ من روى الحديث في دهره، وحديث ~~اثنين أولى في الظاهر بالحفظ والبعد عن الغلط من حديث الواحد، فكيف حديث ~~[الأكبر] (أ) الذي هو أشبه أن يكون أولى بالحفظ من حديث من هو أحدث منه، مع ~~أنه قد رجع عنه ابن عباس - أخرجه عنه الحاكم (¬2) - واستغفر الله من ذلك، ~~وأخرج الحازمي (¬3) نحوه في "الناسخ والمنسوخ"، وما وقع بين عكرمة وأبي ~~سعيد الرؤاسي قال في آخر ذلك: ثم جلس ابن عباس وقال: أستغفر الله، والله ما ~~كنت أرى إلا ما تبايع به المسلمون من شيء يدا بيد إلا حلالا، حتى سمعت عبد ~~الله بن عمر وعمر بن الخطاب حفظا من رسول الله ما لم أحفظ، فأستغفر الله. PageV06P170 # وأخرج (¬1) من حديث أبي الجوزاء سؤاله ذلك ابن عباس بعد أن أفتاه بالحل ~~في العام الأول، ثم سأله في العام الثاني بمكة فقال: وزنا بوزن. فقلت له: ~~سألتك عام أول فأفتيتني أن لا بأس به يدا بيد، فأفتيت به حتى يومي هذا حتى ~~قدمت عليك. فقال: إن كان ذلك برأي. وهذا أبو سعيد الخدري يحدثني عن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فتركت رأي إلى حديث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وقوله: "الذهب". هو يطلق على جميع أنواعه المضروبة وغيرها، "والورق" ~~الفضة، وهو بفتح الواو وكسر الراء وبإسكانها على المشهور ويجوز فتحهما، ~~وقيل: بكسر الواو المضروبة، وبفتحها المال. والمراد هنا جميع أنواع الفضة ~~مضروبة وغير مضروبة نصا، ويحرم التفاضل إجماعا، إلا ما روي عن معاوية فإنه ~~كان يجيز التفاضل بين التبر والمصنوع لمكان زيادة الصنعة، وإلا ما روي عن ~~مالك أنه سئل عن الرجل يأتي دار الضرب بورقه فيعطيهم أجرة الضرب ويأخذ ~~دنانير أو دراهم وزن ورقه، قال: إذا كان ms1167 لضرورة خروج [الرفقة] (أ) ونحو ذلك ~~فأرجو ألا يكون به بأس. وبه قال ابن القاسم من أصحابه، وأنكر ذلك ابن وهب ~~من أصحابه وعيسى بن دينار وجمهور العلماء، وأجاز مالك بدل الدينار الناقص ~~الوزن أو الدينارين، على اختلاف بين أصحابه في العدد الذي يجوز فيه ذلك. # وقوله: "لا تبيعوا منها غائبا بناجز". هو بنون وجيم وزاي؛ أي مؤجل بحال، ~~أو المراد بالغائب أعم من المؤجل، كالغائب عن المجلس مطلقا PageV06P171 # مؤجلا كان أو حالا. والناجز الحاضر، وقد ذهب إلى هذا العلماء كافة في أنه ~~يجب التقابض وإن اختلف الجنس، إلا ما روي عن إسماعيل ابن علية أنه جوز ~~التفرق عند اختلاف الجنس، وهو محجوج بهذه الأحاديث الصحيحة ولعلها لم تبلغه. # 667 - وعن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر ~~بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه ~~الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد". رواه مسلم (¬1). # قوله: "مثلا بمثل سواء بسواء". يحتمل أن يكون الجمع بين هذه الألفاظ ~~توكيدا و (أ) مبالغة في الإيضاح. # الحديث فيه دلالة على تحريم التفاضل في الجنس المتفق، وقد وقع النص على ~~هذه الستة؛ فقال أهل الظاهر: لا ربا فيما عداها. بناء على أصلهم في نفي ~~القياس، وقال جميع العلماء سواهم: لا يختص بالستة بل يتعدى الحكم إلى ما في ~~معناها وما يشاركها في العلة. # واختلفوا في العلة التي هي سبب تحريم الربا في الستة؛ فقال الشافعي (¬2): ~~العلة في الذهب والفضة كونهما جنس الأثمان، فلا يتعدي الربا منهما إلى ~~غيرهما من الموزونات وغيرها لعدم المشاركة. قال: والعلة في الأربعة الباقية ~~كونها مطعومة فيتعدي الربا منها إلى كل مطعوم. وقال مالك مثل قول PageV06P172 # الشافعي في الذهب والفضة، وفي الأربعة الباقية كونها مدخرة للقوت وتصلح ~~له، فعداه إلى الزبيب لأنه كالتمر. وقال أبو حنيفة: العلة في الذهب والفضة ~~الوزن، وفي الأربعة كونها مطعومة موزونة أو مكيلة. فشرط الأمرين، فعلى هذا ms1168 ~~لا ربا في البطخ والسفرجل؛ لأنهما لا يكالان ولا يوزنان، وقالت العترة ~~جميعا: بل العلة في الستة اتفاق الجنس والتقدير، إذ نبه على ذلك بقوله: ~~"فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم". وقال ربيعة: اتفاق الجنس ووجوب ~~الزكاة. إذ [قصره] (أ) على ما تجب فيه، فيحرم شاة بشاتين ونحوه. وقال سعيد ~~بن جبير: العلة تقارب النفعة؛ فيحرم التفاضل بين الزبيب والتمر، والبر ~~والشعير، والذرة والدخن (¬1). # ويجاب بأنه لا دليل عليهما (ب). وقال ابن شبرمة: اتفاق الجنس فقط، فيحرم ~~قريق بقرشين. وأجمع العلماء على جواز بيع الربوي بربوي لا يشاركه في العلة ~~متفاضلا ومؤجلا؛ كبيع الذهب بالحنطة، وبيع الفضة بالشعير، وغيره من المكيل. ~~وأجمعوا على أنه لا يجوز بيع الربوي بجنسه وأحدهما مؤجل، وعلى أنه يجوز ~~التفاضل عند اختلاف الجنس، [إلا ابن جبير فيما تقاربت فيه النفعة] (ج). إذا ~~كان يدا بيد كصاع حنطة بصاعي شعير، قال العلماء: وإذا بيع الذهب بالذهب أو ~~الفضة بالفضة سمي مراطلة، وإذا بيع الذهب بالفضة سمي صرفا، وإنما سمي صرفا؛ ~~لصرفه عن PageV06P173 # مقتضي المبايعات من جواز التفاضل وتحريم التفرق قبل التقابض والتأجيل، ~~وقيل: من صرفهما وهو تضويتهما في الميزان، وإذا بيع العزض بالنقد سمي النقد ~~ثمنا والعرض عوضا، وبيع العرض بالعرض يسمي مقايضة. # ولفظ البر بضم الباء الموحدة ومن أسمائه الحنطة والشعير بفتح الشين وهو ~~معروف، وقد حكي جواز كسره، واستدل بقوله: "فإذا اختلفت الأصناف". على أن ~~البر والشعير صنفان، وهو قول الجمهور، وخالف في ذلك مالك والليث والأوزاعي ~~فقالوا: هما صنف واحد لا يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا. ويرد عليهم ما ~~أخرجه أبو داود والنسائي (¬1) من حديث عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "لا بأس ببيع البر بالشعير - والشعير أكثرهما - ~~يدا بيد". والعمل بهذا أرجح مما أخرجه مسلم (¬2) عن معمر بن عبد الله أنه ~~أرسل غلامه بصاع قمح فقال: بعه ثم اشتر به شعيرا. فذهب الغلام فأخذ صاعا ~~وزيادة بعض صاع، فلما جاء معمرا أخبره بذلك، فقال له معمر: ms1169 لم فعلت ذلك؟ ~~انطلق فرده ولا تأخذن إلا مثلا بمثل فإني كنت أسمع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل". وكان طعامنا يومئد الشعير، ~~فقيل له: إنه ليس بمثله. قال: فإني أخاف أن يضارع. فظاهر هذا أنه اجتهاد من ~~معمر، وأنه تورع عن ذلك احتياطا لا لاتحاد الجنس حقيقة. والله أعلم. # 668 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "الذهب بالذهب وزنا بوزن مثلا بمثل، والفضة لم بالفضة وزنا بوزن ~~مثلا PageV06P174 # بمثل، فمن زاد أو استزاد فهو ربا". رواه مسلم (¬1). # قوله: "وزنا بوزن". منصوب على الحالية، والمراد منه معرفة المساواة ~~بالوزن بأن يكون ذلك على جهة التيقن، ولا يكفي تقدر المساواة بالخرص ~~والتخمين، بل لا بد من اختيار ذلك بالقياس الذي يفيد التيقن. # وقوله: "فمن زاد". أي أعطى الزيادة. # وقوله: "أو استزاد". أي أخذ الزيادة. # وقوله: "فهو ربا". يعني فعل الربا المحرم، والمعنى أنهما جميعا مشتركان ~~في إثم الربا، الآخذ والمعطي. # 669 - وعن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة رضي الله عنهما، أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا على خيبر، فجاءه بتمر جنيب، فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "أكل تمر خيبر هكذا؟ ". فقال: لا والله يا ~~رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين والثلاثة. فقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا تفعل، بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا". وقال ~~في الميزان مثل ذلك. متفق عليه (¬2). ولمسلم: "وكذلك الميزان". # قوله: استعمل رجلا. اسمه سواد، بفتح السين المهملة وتخفيف الواو وآخره ~~دال مهملة، ابن غزية، بفتح الغين المعجمة وزاي مكسورة وياء تحتانية ثقيلة ~~بوزن عطة، وهو من الأنصار من بني عدي، كذا صرح باسمه أبو عوانة والدارقطني ~~(¬3). PageV06P175 # و"الجنيب". بالجيم المفتوحة والنون بوزن عظيم، قال الطحاوي: هو الطيب، ~~وقيل: الصلب. وقيل: الذي أخرج منه حشفه ورديئه. وقيل: هو الذي لا يختلط بغيره. # و"الجمع". بفتح الجيم وسكون الميم، هو تمر رديء، وقد فسر في رواية أخرى ~~لمسلم بأنه ms1170 الخلط من التمر، ومعناه: مجموع من أنواع مختلفة. # الحديث فيه دلالة على أن بيع الجنس بجنسه يجب فيه التساوي، سواء اتفقا في ~~الجودة والرداءة أو اختلفا في ذلك. # وفي قوله: "بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا" إلى آخره. قد ~~يستدل به على جواز بيع العينة، وأنه يصح أن يشتري ذلك البائع له ويعود له ~~عين ماله؛ لأنه لما لم يفصل ذلك في مقام الاحتمال دل على صحة البيع مطلقا؛ ~~سواء كان من البائع أو من غيره. وقد ذهب إلى جواز ذلك الشافعي وغيره، وهذا ~~أصل للشافعي، أن ترك الاستفصال في مقام الاحتمال يجري مجرى العموم. # قال القرطبي (¬1): استدل بهذا الحديث من لم يقل بسد الذرائع؛ فإن بعض صور ~~هذا البيع تؤدي إلى بيع التمر بالتمر متفاضلا ويكون الثمن لغوا. # قال: ولا حجة في هذا الحديث؛ لأنه لم ينص على جواز ما ذكر، وهو مطلق، ~~والمطلق يحتمل التقييد، وقد دل الدليل على سد الذرائع، فلتكن هذه الصورة ~~ممنوعة. انتهى. # ولكنه يتأيد ما ذهب إليه الشافعي بما أخرجه سعيد بن منصور (¬2) من طريق ~~ابن سيرين، أن عمر خطب فقال: إن الدراهم بالدراهم سواء بسواء، PageV06P176 # يدا بيد. فقال له ابن عوف: فنعطي الخبيث ونأخذ غيره؟ قال: لا، ولكن ابتع ~~بهذا عرضا، فإذا قبضته وكان لك فبعه، واهضم ما شئت وخذ ما شئت. # وأراد بقوله: فنعطي الخبيث. أنه إذا كان أحد الدرهمين غير جيد فكيف يؤخذ ~~به درهم جيد سواء بسواء؟ فأجاب بتعليم الحيلة المسوغة، وبما قام عليه ~~الإجماع بأنه يجوز البيع من البائع بعد مدة لا لأجل التوصل إلى عوده ~~بالزيادة، وقد ذكرته الهدوية فقالوا: يجوز البيع من البائع إذا كان غير ~~حيلة، فلا فرق بين التعجيل والتأجيل، وعلى أن المعتبر في ذلك وجود الشرط في ~~أصل العقد وعدمه؛ فإذا كان مشروطا عند العقد أو قبله على عوده إلى البائع، ~~فالبيع فاسد أو باطل على الخلاف، وإن كان مضمرا غير مشروط فهو صحيح، فهو ~~كمن أراد أن يزني بامرأة فعدل إلى أن ms1171 عقد بها ليواقعها، فقد عدل عن الحرام ~~إلى الحلال بالطريق التي شرعها الله تعالى. وذهب مالك وأحمد إلى منع ذلك؛ ~~لما فيه من التوصل إلى تفويت مقصد الشارع من المنع من الربا. # وسد الذرائع مقصود مدلول عليه بالأدلة الشرعية، كتحريم ما قل من الخمر ~~وغيره، ولما سيأتي من الحديث في العينة وإن كان فيه مقال. # وقوله: وقال في الميزان مثل ذلك. أي وقال فيما كان يوزن إذا بيع بجنسه ~~مثل ما قال في المكيل؛ لأنه لا يباع متفاضلا، وإذا أريد مثل ذلك بيع ~~بالدراهم وشري ما يراد بها، والإجماع قائم بأنه لا فرق بين المكيل والموزون ~~في ذلك الحكم. # وقال ابن عبد البر (¬1): إنهم أجمعوا أن ما كان أصله الوزن لا يصح أن PageV06P177 # يباع بالكيل، بخلاف ما كان أصله الكيل، فإن بعضهم يجيز فيه الوزن ويقول: ~~إن المماثلة تدرك بالوزن في كل شيء. واحتجت الحنفية بهذا الحديث أن ما كان ~~في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - مكيلا لا يصح أن يباع ذلك بالوزن ~~متساويا، بل لا بد من اعتبار كيله وتساويه كيلا، وكذلك الوزن، وغيرهم ~~يعتبرون الكيل والوزن بعادة البلد ولو خالف ما كان عليه في ذلك الوقت، فإن ~~اختلفت العادة اعتبر بالأغلب، فإن استوى الأمران كان له حكم المكيل إذا بيع ~~بالكيل، وإن بيع بالوزن كان له حكم الموزون. # واعلم أنه لم يذكر في هذه الرواية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره ~~برد المبيع، بل ظاهره أنه قرر البيع، وإنما أعلمه بالحكم وعذره هنا لأجل الجهل. # وقد خرج المؤيد بالله على أصل الهادي أنه يملك الربا بالقبض، ولكنه قال ~~ابن عبد البر (¬1)؛ إن سكوت الراوي عن رواية فسخ العقد ورده لا يدل على عدم ~~وقوعه، وقد أخرج من طريق أخرى. وكأنه أشار إلى ما أخرجه [مسلم] (أ) (¬2) من ~~طريق أبي نضرة عن سعيد نحو هذه القصة، فقال: "هذا الربا فردوه". قال: ~~ويحتمل تعدد القصة وأن التي لم يقع فيها الرد كانت متقدمة. # وفي الحديث دلالة على الترفيه ms1172 على النفس باختيار الأفضل. والله أعلم. PageV06P178 # 670 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلها بالكيل المسمى من ~~التمر. رواه مسلم (¬1). # الصبرة، بضم الصاد المهملة: الطعام المجتمع كالكومة. ووجه النهي عدم علم ~~التساوي، وقد تقدم اشتراطه. # 671 - وعن معمر بن عبد الله رضي الله عنه قال: إني كنت أسمع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: "الطعام بالطعام مثلا بمثل". وكان طعامنا يومئذ ~~الشعير. رواه مسلم (¬2). # ظاهر لفظ الطعام أنه يشمل كل مطعوم، ويدل على أنه لا يباع متفاضلا وإن ~~اختلف الجنس، والظاهر أنه لا يقول أحد بالعموم، وإنما الخلاف في البر ~~والشعير كما تقدم عن مالك، ولكن معمرا خصص الطعام بالشعير، وهذا من التخصيص ~~بالعادة الفعلية حيث لم يغلب الاسم. # وقد ذهب إلى التخصيص بها الحنفية، والجمهور لا يخصصون بها إلا إذا اقتضت ~~غلبة الاسم، وإلا حمل اللفظ على العموم، ولكنه مخصوص بما تقدم من قوله: ~~"فإذا اختلفت الأصناف". وغيره وبقي مقصودا من الطعام ما اتفق منه جنسا، وقد ~~تقدم سياق حديث معمر وما كان يذهب إليه احتياطا من عدم جواز التفاضل في ~~البر بالشعير. والله أعلم. # 672 - وعن فضالة بن عبيد رضي الله عنه قال: اشتريت يوم خيبر PageV06P179 # قلادة باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز، ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني ~~عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "لا تباع حتى ~~تفصل". رواه مسلم (¬1). # وأخرج الحديث الطبراني في "الكبير" (¬2) بطرق كثيرة، وفي بعضها: قلادة ~~فيها خرز وذهب. وفي بعضها: ذهب وجوهر. وفي بعضها: [خرز وذهب، (5). وفي ~~بعضها: خرز مغلفة بذهب. وفي بعضها: اثنا عشر دينارا. وفي أخرى: ابتاعها ~~بتسعة دنانير. بتقديم التاء على السين، وفي أخرى: سبعة دنانير. بتقديم ~~السين على الباء الموحدة، وهو شك من الراوي، وفي كثير من نسخ مسلم: قلادة ~~فيها اثنا عشر دينارا. وأجاب البيهقي (¬3) عن هذا الاختلاف، بأنها كانت ~~بيوعا شهدها (ج) فضالة. # قال ms1173 المصنف رحمه الله تعالى (¬4): والجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف ~~لا يوجب ضعفا، بل المقصود من الاستدلال محفوظ لا اختلاف فيه؛ وهو النهي عن ~~بيع ما لم يفصل، وأما جنسها وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحالة ما يوجب ~~الحكم بالاضطراب، وحينئذ ينبغي (د) PageV06P180 # الترجيح بين رواتها وإن كان الجميع ثقات، فيحكم بصحة رواية أحفظهم ~~وأضبطهم، فتكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة. # وهذا جواب حسن يجاب به فيما شابه هذا، مثل حديث جابر وقصة جمله ومقدار ~~ثمنه (¬1). # والحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز بيع ذهب مع غيره بذهب حتى يفصل، فيباع ~~الذهب بوزنه ذهبا، ويباع الآخر بما زاد، وكذا غيره من الربويات، فإن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يباع حتى يفصل". وصرح ببطلان العقد، وأنه ~~(أ) يجب التدارك له، وهذه المسألة المذكورة في كتب الشافعية (¬2) المعروفة ~~بمسألة مد عجوة؛ وصورتها: باع مد عجوة ودرهما بمدي (ب) عجوة أو بدرهمين. # وقد ذهب إلى العمل بظاهر الحديث الشافعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحكم ~~المالكي، وهو منقول عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابنه وجماعة من السلف. ~~والخلاف في ذلك للعترة جميعا، وأبو حنيفة والثوري والحسن بن صالح، فقالوا: ~~يجوز ذلك بأكثر مما فيه من الذهب، ولا يجوز بمثله ولا بدونه. وقال مالك ~~وأصحابه وآخرون: يجوز بيع السيف المحلى بذهب، وكذا غيره مما فيه ذهب، بذهب، ~~إذا كان الذهب في المبيع تابعا لغيره، وقدروه بأن يكون الثلث فما دونه. ~~وقال حماد بن أبي سليمان: يجوز PageV06P181 # بيعه بالذهب مطلقا، سواء باعه بمثله من الذهب أو أقل أو أكثر. وهو منابذ ~~للحديث. # ووجه قول العترة والحنفية أنه لما حصل مقابلة الذهب بالذهب، وكان الزائد ~~من الذهب في مقابلة المصاحب، صح العقد، لأنه إذا احتمل العقد وجه صحة ~~وبطلان حمل على الصحة. وحديث القلادة الذهب فيها أكثر من اثني عشر دينارا، ~~وهي الرواية التي صححها أبو علي الغساني، وكذلك رواية: اثنا عشر. ومثل هذا، ~~لا يجيزه أهل القول المذكور، وهم يشترطون ms1174 أن يكون المنفرد أكثر من المصاحب؛ ~~ليكون ما زاد من المنفرد في مقابلة المصاحب. وأجاب [الطحاوي] (أ) بأنه إنما ~~نهي عنها لأنه كان في بيع الغنائم؛ لئلا يقع المسلمون في بيعها. # وأجاب الشافعية عن الجوابين بأن الحديث فيه دلالة على علة النهي، وهو عدم ~~الفصل، حيث قال: "لا يباع حتى يفصل". وظاهره الإطلاق في المساوي وغيرها، ~~والغنائم وغيرها، مع أن في الروايات الأخرى ما يدل على أن الذهب المصحوب ~~أقل من المنفرد، ففيها تأييد للتعليل المذكور، فظهر صحة ما ذهب إليه ~~الشافعي، ولعل الحكمة في اعتبار الفصل هو سد الذريعة إلى وقوع التفاضل في ~~الجنس الربوي، ولا يكون إلا بتمييزه بعقد، واختبار المساواة بالوزن أو ~~الكيل، وعدم الكفاية بالظن في التغليب كما أجازه أهل القول الثاني، فإنهم ~~صرحوا بجواز بيع الحنطة في سنبلها بحنطة خالصة، وكذلك الزبد الخالص بالزيت، ~~والتغليب إنما هو بالظن، مع أن الهدوية خالفوا في هذا الحكم أصلهم، وهم ~~يصرحون (ب) بأن هذا الضرب -وهو بيع PageV06P182 # الجنس بجنسه- لا يكتفى في المساواة بالظن، وأنه من الضروب التي لا يعمل ~~فيها إلا بالعلم. # وأما وجه قول مالك فلعله إذا كان الجنس المقابل لجنسه الثلث فما دون، فهو ~~مغلوب ومكثور بالجنس الخالف، والأكثر ينزل في غالب الأحكام منزلة الكل، ~~فكأنه لم يبع (أ) ذلك الجنس بجنسه. والله أعلم. # 673 - وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن بيع الحيوان بالحيوان نسيئة. رواه الحمسة وصححه الترمذي وابن ~~الجارود (¬1). # الحديث قال الترمذي: حسن صحيح. وقال غيره: رجاله ثقات. إلا أن الحفاظ ~~رجحوا إرساله؛ لما في سماع الحسن من سمرة من النزاع، لكن رواه ابن حبان ~~والدارقطي عن ابن عباس رضي الله عنه (¬2). # وأخرج الحديث أحمد وأبو يعلى والضياء في "المختارة" (ب)، كلهم من حديث ~~الحسن عن سمرة، ورجاله ثقات أيضا، إلا أنه اختلف في وصله وإرساله؛ فرجح ~~البخاري وغير واحد إرساله. PageV06P183 # وعن جابر عند الترمذي وغيره (¬1) وإسناده لين، وعن جابر بن سمرة عند عبد ~~الله ms1175 في زيادات "المسند" (¬2)، وعن ابن عمر عند الطحاوي والطبراني (¬3). # الحديث فيه دلالة على عدم صحة بيع الحيوان بالحيوان نسيئة، واللفظ محتمل ~~بأن يراد بنسيئة من الطرفين جميعا، فيكون من بيع الكالئ بالكالئ (¬4)، وهو ~~لا يصح، وبهذا فسر الشافعي الحديث، توفيقا (أ) بين هذا وبين حديث أبي رافع ~~في استسلاف النبي - صلى الله عليه وسلم - بكرا وقضي رباعيا (¬5). # وسيأتي (¬6) -وأن يراد أنه لا يصح أن يكون أحد الطرفين معدوما والآخر ~~موجودا، وقد تعلق (ب) بهذا الحنفية والهدوية والحنابلة، [حيث منعوا قرض ~~الحيوان بحيوان] (ج)؛ قالوا: لعموم حديث سمرة. وجعلوه ناسخا لحديث أبي ~~رافع. ويجاب عنه بأن النسخ لا يثبت مع الاحتمال، والجمع بين الدليلين ما ~~أمكن هو الواجب، وقد أمكن الجمع بما تقدم، ويؤيد ذلك آثار عن الصحابة PageV06P184 # أخرجها البخاري، قال (¬1): واشترى ابن عمر راحلة بأربعة أبعرة مضمونة ~~عليه يوفيها صاحبها بالربذة. وقد وصله مالك والشافعي عنه عن نافع عن ابن ~~عمر بهذا (¬2). وأخرجه ابن أبي شيبة (¬3) من طريق أبي [بشر] (أ) عن نافع. # والراحلة: ما أمكن ركوبه من ذكر أو أنثى. وقوله: مضمونة. صفة راحلة، أي ~~تكون في ضمان البائع حتى يوفيها، أي يسلمها للمشتري. بالربذة. بفتح الراء، ~~موضع معروف بين مكة والمدينة. # قال (1): وقال ابن عباس: قد يكون البعير خيرا من البعيرين. وهذا وصله ~~الشافعي (¬4) من طريق طاوس، [أن] (ب) ابن عباس سئل عن بعير ببعيرين، فقاله. # قال (¬5): واشترى رافع بن خديج بعيرا ببعيرين، فأعطاه أحدهما وقال: آتيك ~~بالآخر غدا رهوا إن شاء الله تعالى. وصله عبد الرزاق (¬6) من طريق مطرف بن ~~عبد الله. # وقوله: رهوا. بفتح الراء وسكون الهاء، أي سهلا، والرهو: السير اليسير، PageV06P185 # والمراد هنا أنه يأتيه به سريعا بغير مطل. # قال: وقال ابن المسيب: لا ربا في الحيوان؛ البعير بالبعيرين، والشاة ~~بالشاتين إلى أجل. # هذا وصله مالك (¬1) عن ابن شهاب عنه: لا ربا في الحيوان. ووصله ابن أبي ~~شيبة (¬2) من طريق أخرى عن الزهري عنه: لا بأس البعير بالبعيرين نسيئة. # فهذه الآثار تقوي أن العمل بحديث ms1176 أبي رافع باق غير منسوخ. # واعلم أن الهدوية إنما يعللون منع ذلك في البيع (¬3)؛ لأن المبيع القيمي ~~يجب أن يكون موجودا عند العقد في ملك البائع له، والحيوان قيمي مبيع مطلقا، ~~فيجب كونه موجودا وإن لم يكن حاضرا مجلس العقد، ولابد أن يكون متميزا عند ~~البائع، إما بإشارة أو لقب أو رصف، ويمنعون قرض الحيوان لعدم إمكان ضبطه. # وقال مالك: يجوز بيع الحيوان بالحيوان إن اختلف الجنس لا إن اتحد. # وجمع بين الحديثين بهذا. # 674 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "إذا تبايعتم بالعينة، ليأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، ~~وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم". رواه ~~أبو داود (¬4) من رواية نافع عنه، وفي إسناده مقال، ولأحمد (¬5) نحوه من ~~رواية PageV06P186 # عطاء، ورجاله ثقات، وصححه ابن القطان. # في إسناد أبي داود أبو عبد الرحمن الخراساني، واسمه إسحاق، عن عطاء ~~الخراساني، قال الذهبي في "الميزان" (¬1): هذا من مناكيره. # وأصل الحديث: قال ابن عمر: أتى علينا زمان وما يرى أحدنا أنه أحق ~~بالدينار والدرهم من أخيه المسلم، ثم أصبح الدينار والدرهم أحب إلى أحدنا ~~من أخيه، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. الحديث. # والحديث له طرق كثيرة، عقد لها البيهقي بابا وبين عللها (¬2). وقال ~~المصنف رحمه الله تعالى (¬3): وعندي أن إسناد الحديث الذي صححه ابن القطان ~~معلول؛ لأنه لا يلزم من كون رجاله ثقات أن يكون صحيحا، لأن الأعمش مدلس، ~~ولم يذكر (أ) سماعه من عطاء، وعطاء يحتمل أن يكون هو عطاء الخراساني، فيكون ~~فيه تدليس التسوية؛ بإسقاط نافع بين عطاء وابن عمر، فيرجع الحديث إلى ~~الإسناد الأول، وهو المشهور. انتهى. # وقوله: "بالعينة". بكسر العين وسكون الياء المثناة من تحت؛ هي أن يبيع ~~سلعة بثمن معلوم إلى أجل، ثم يشتريها من المشتري بأقل، ليبقي الكثير في ~~ذمته، فسميت عينة لحصول العين - أي النقد - فيها، أو لأنه (ب) يعود إلى PageV06P187 # البائع عين ماله. # والأخذ بأذناب البقر كناية عن الاشتغال ms1177 عن الجهاد بالحرث. والرضا بالزرع ~~كناية عن كونه قد صار [همهم] (أ) ونهمتهم. وترك الجهاد يعم جهاد العدو من ~~الكفار والغزو في سبيل الله، وجهاد النفس ومخالفة الشيطان والهوى. وتسليط ~~الله مجاز عن جعلهم أذلاء، عبر بالتسليط لما في ذلك من الغلبة والقهر، ~~والذل بضم الذال المعجمة وكسرها: الاستهانة والضعف. وقوله: "لا ينزعه". أي ~~لا يزيله ويكشفه عنكم. والرجوع إلى الدين: أي (ب) الاشتغال بأعمال الدين. # وفي هذا دلالة على الزجر البالغ والتقريع الهائل، حيث جعل ذلك بمنزلة ~~الردة والخروج عن الدين. وفيه دلالة على تحريم العينة، ولظهور هذا المآخذ ~~قال بذلك بعض الشافعية، وقال: أوصانا الشافعي باتباع الحديث إذا صح بخلاف ~~مذهبه. وقد تقدم الكلام في ذلك في حديث شراء عامل خيبر الجمع بالجنيب (¬1). ~~والله أعلم. # 675 - وعن أبي أمامة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من شفع لأخيه شفاعة فأهدى له هدية فقبلها فقد أتى بابا عظيما من أبواب ~~الربا". رواه أحمد وأبو داود (¬2)، وفي إسناده مقال. PageV06P188 # الحديث فيه دلالة على تحريم الهدية في مقابلة الشفاعة للأخ، وظاهر ~~الحديث، سواء كان قاصدا لذلك عند الشفاعة أو لم يكن كذلك، فإن القبول محرم، ~~وجعله من باب الربا، ووصفه بأنه باب عظيم، مما يؤكد التحريم، ولعل تسميته ~~بالربا من باب الاستعارة؛ للشبه بينهما؛ وذلك لأن الربا هو الزيادة في ~~المال من الغير لا في مقابلة عوض مال، وهذا مثله، وتقدم نظيره. والله أعلم. # 676 - وعن عبد الله بن [عمرو] (أ) رضي الله عنه قال: لعن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - الراشي والمرتشي. رواه أبو داود والترمذي وصححه (¬1). # وأخرجه أيضا أحمد، [وابن حبان] (ب) في [القضاء] (ج)، وابن ماجة في ~~الأحكام، والطبراني في "الصغير" (¬2)، قال الهيثمي (¬3): ورجاله ثقات. # قوله: لعن. اللعن هو البعد من مظان الرحمة ومواطنها، وقد لعن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أصنافا كبيرة تزيد على عشرين. وفيه دلالة على جواز ~~لعن أهل PageV06P189 # المعاصي من أهل القبلة. قال بعض المحققين ما محصوله أن ms1178 اللعن إما أن ~~يتعلق بمعين أو بالجنس، فإن كان الثاني فهو جائز، لتعليق الحكم بالوصف، وإن ~~كان الأول فهو غير جائز، وإنما يوقف على الإذن من الشارع ولا يقاس على ما ورد. # والراشي: هو الذي يبذل المال للتوصل إلى الباطل، مأخوذ من الرشاء الذي هو ~~الحبل يتوصل به إلى الماء في البئر. سمي منحة الحاكم رشوة بضم الراء ~~وكسرها، لما كان يتوصل بها إلى أن يحكم له على خصمه، وعلى هذا فبذل المال ~~للتوصل إلى الحق لا يكون رشوة. والمرتشي: آخذ الرشوة وهو الحاكم، فكانت ~~اللعنة عليهما (أ) جميعا، فالراشي لتوصله إلى الباطل، والمرتشي للحكم بغير الحق. # وفي الباب أحاديث كثيرة عن أبي هريرة وعن ثوبان (¬1)، وفي حديث ثوبان ~~بزيادة: والرائش. بالشين المعجمة، وهو الذي يمشي بينهما، والرشوة على تبديل ~~أحكام الله نشأت عن اليهود المستحقين اللعنة، وقد جاء في التوراة في السفر ~~الثاني منها (¬2): لا تقبلن الرشوة؛ فإن الرشوة تعمي أبصار الحكماء في ~~القضاء. PageV06P190 # وجه ذكر المصنف لهذا الحديث في هذا الباب، هو أنه لما كان متعاطي ما ذكر ~~ملعونا (أ) لأجل أخذ المال الذي يشبه الربا، فكذلك آخذ الربا وموكله. # 677 - وعنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمره أن (5) يجهز جيشا، ~~فنفدت الإبل، فأمره أن يأخذ على قلائص الصدقة. قال: فكنت آخذ البعير ~~بالبعيرين إلى إبل الصدقة. رواه الحاكم والبيهقي (¬1) ورجاله ثقات. # الحديث فيه دلالة على جواز اقتراض الحيوان، وفيه ثلاثة مذاهب، الشافعي ~~ومالك وجماهير العلماء من السلف والخلف، ورواه في "شرح الإبانة" عن الصادق ~~والباقر، أنه يجوز قرض جميع الحيوانات، إلا جارية لمن (ج) يملك وطءها، فإنه ~~لا يجوز، ويجوز لمن لا يملك وطءها، كمحارمها والمرأة والخنثى. والثاني، ~~مذهب المزني وابن جرير وداود، أنه يجوز قرض الجارية وسائر الحيوانات لكل ~~أحد. والثالث، مذهب الهدوية وأبي حنيفة والكوفيين، أنه لا يجوز قرض شيء من ~~الحيوان (د). وهذا الحديث يرد عليهم، وقد تقدم الكلام في دعواهم النسخ. # وحكم السلم حكم القرض في الجواز، وهذا الحديث محله باب ms1179 القرض، وذكره ~~المصنف هنا للتنبيه أنه لا ربا في الحيوان. PageV06P191 # 678 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن المزابنة، أن يبيع ثمر حائطه إن كان نخلا بتمر كيلا، وإن كان كرما أن ~~يبيعه بزبيب كيلا، وإن كان زرعا أن يبيعه بكيل طعام، نهى عن ذلك كله. متفق ~~عليه (¬1). # المزابنة؛ بالزاي والباء الموحدة والنون: مفاعلة من الزبن بفتح الزاي ~~وسكون الباء، وهو الدفع الشديد، ومنه سميت الحرب الزبون؛ لشدة الدفع فيها، ~~وسمي البيع الخصوص بالمزابنة؛ لأن كل واحد من المتبايعين يدفع صاحبه عن ~~حقه، أو لأن أحدهما إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه ~~وأراد الآخر دفعه عن هذه الإرادة بإمضاء البيع، وقد تقدم. # قوله: ثمر حائطه. بالثاء المثلثة وفتح الميم، يشمل الرطب وغيره، والمراد ~~ما كان في أصله رطبا من هذه الأمور المذكورة، وأراد بالكرم العنب. # والحق الشافعي بذلك كل بيع مجهول بمجهول أو بمعلوم من جنسه إذا كان يجري ~~فيه الربا. قال: فأما من قال: أضمن لك صبرتك هذه بعشرين صاعا مثلا فما زاد ~~فلي وما نقص فعلي. فهو من القمار وليس من المزابنة، إلا أنه قد أخرج ~~البخاري (¬2) عن ابن عمر في تفسير المزابنة أن يبيع الثمر (أ) بكيل؛ إن زاد ~~فلي، وإن نقص فعلي. ولا منع من أن يسمي مزابنة وإن كانت قمارا. PageV06P192 # وقال مالك (¬1): المزابنة كل شيء من الجزاف لا يعلم كيله ولا وزنه ولا ~~عدد؛ إذا بيع بشيء مسمى من الكيل وغيره، سواء كان يجري الربا في نقده (أ) ~~أو لا، وسبب النهي ما يدخله من القمار والغرر. قال ابن عبد البر (¬2): نظر ~~مالك إلى معنى المزابنة لغة وهي المدافعة، فيدخل فيها القمار والمخاطرة. # وفسر بعضهم المزابنة بأنها بيع الثمر (ب) قبل بدو صلاحه. وهو خطأ، وقيل: ~~هي المزارعة على الجزء. وقيل غير ذلك. والتفسير الوارد في الحديث هو ~~الأولى، لأن ظاهر الروايات أنها من المرفوع، وعلى تقدير أن يكون من كلام ~~الصحابي ms1180 فهم أعرف بتفسيره من غيرهم. وقال ابن عبد البر (¬3): لا مخالف لهم ~~في أن مثل هذا مزابنة. وإنما اختلفوا هل يلحق بذلك كل ما لا يجوز إلا مثلا ~~بمثل؟ فالجمهور على الإلحاق، للمشاركة في العلة، وقيل: يخصص ذلك بالنخل ~~والكرم. وفي كلام الهدوية في تفسير المزابنة: هي بيع الرطب على النخل بتمر ~~مكيل أو غير مكيل. والعلة في ذلك هو عدم العلم بالتساوي مع الاتفاق في ~~الجنس والتقدير، ولكنه يصح الإلحاق، لمشاركة ذلك في العلة في الحكم لا في ~~الاسم، لأن الأسماء لا تثبت بالقياس. # 679 - وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - سئل عن اشتراء الرطب بالتمر فقال: "أينقص الرطب إذا PageV06P193 # ييس؟ ". قالوا: نعم. فنهى عن ذلك. رواه الخمسة وصححه ابن المديني ~~والترمذي وابن حبان والحاكم (¬1). # و (أ) في رواية: "فلا إذن". # وأخرج الحديث مالك والشافعي وأحمد وابن خزيمة والدارقطني والبيهقي ~~والبزار (¬2)، كلهم من حديث أبي عياش واسمه زيد، أنه سأل سعد ابن أبي وقاص ~~عن البيضاء بالسلت، فقال: أيتهما أفضل؟ فقال: البيضاء. فنهى عن ذلك. وذكر ~~الحديث. # والبيضاء ضرب من الشعير ليس فيه قشر. كذا في "الصحاح" (¬3)، وفي ~~"الغريبين": البيضاء حب بين الحنطة والشعير (¬4). انتهى (ب). والسلت: ضرب ~~من الشعير قشرته رقيقة وحبه صغار. كذا في "الضياء"، وفي PageV06P194 # "القاموس" (¬1): السلت بالضم: الشعير أو ضرب منه. # وفي رواية لأبي داود والحاكم (¬2) مختصرة: نهي عن بيع الرطب بالتمر ~~نسيئة. وصححه ابن المديني، وإن كان مالك علقه عن داود بن الحصين، إلا أن ~~مالكا لقي شيخه بعد ذلك فحدث به مرة عن داود، ثم استقر رأيه على التحديث به ~~عن شيخه، قال ابن المديني (¬3): إن والده حدث به عن مالك بتعليقه عن داود، ~~إلا أن سماع والده من مالك قديم، ثم حدث به مالك عن شيخه، فصح من طريق ~~مالك. ورواه البيهقي (¬4) مرسلا عن عبد الله بن أبي سلمة عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، إلا أنه مرسل قوي، وأعله الطحاوي (¬5) والطبري ms1181 (أ) وأبو ~~محمد بن حزم (¬6) بجهالة حال زيد أبي عياش، ولا علة، فإن الدارقطني قال ~~(¬7): إنه ثبت ثقة. وقال المنذري (¬8): قد روى عنه ثقات، وقد اعتمده مالك ~~مع شدة نقده. قال الحاكم (8): ولا أعلم أحدا طعن فيه. وجزم الطحاوي (¬9) ~~بوهم من زعم بأنه أبو عياش الزرقي زيد بن الصامت، أو زيد بن PageV06P195 # زيد بن النعمان الصحابي المشهور، وصحح أنه غيره، وهو كما قال. # والحديث فيه دلالة على عدم جواز ما ذكر لعدم العلم بالتساوي، وقد تكرر ~~الكلام في نظائره. # 680 - وعن ابن عمر رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~بيع الكالئ بالكالئ. يعني الدين بالدين. رواه إسحاق والبزار بإسناد ضعيف (¬1). # ورواه الحاكم والدارقطني (¬2) من دون تفسيره، ولكن في إسناده موسى بن ~~عبيدة الربذي وهو ضعيف (¬3)، وقد وقع الوهم من الحاكم بتصحيفه موسى بن ~~عقبة، فصححه على شرط مسلم، وقد تعجب البيهقي من تصحيفه على الحاكم. وقد ~~أخرجه البيهقي (¬4) عن علي بن محمد المصري شيخ الدارقطني فقال: عن موسي غير ~~منسوب. ورواه أيضا المصري وصرح بموسى بن عبيدة الربذي، ورواه ابن عدي (¬5) ~~من طريق الدراوردي عن موسة بن عبيدة، وقال: تفرد به موسى بن عبيدة. وقال ~~أحمد بن حنبل (¬6): لا تحل عندي الرواية عنه، ولا أعرف هذا الحديث عن غيره. ~~وقال أيضا: ليس في هذا حديث يصح، لكن [إجماع] (أ) الناس على أنه لا يجوز ~~بيع دين PageV06P196 # بدين. وقال الشافعي (¬1): أهل الحديث يوهنون هذا الحديث. وقد جزم ~~الدارقطني في "العلل" (¬2) بأن موسى بن عبيدة تفرد به. # وأخرج الطبراني (¬3) من طريق عيسى بن سهل بن رافع بن خديج عن أبيه عن ~~جده: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المحاقلة والمزابنة، ونهى أن ~~يقول الرجل: أبيع هذا بنقد وأشتريه بنسيئة. حتى يبتاعه ويحرزه، ونهى عن ~~كالئ بكالئ، دين بدين. ولكنه من طريق موسى بن عبيدة أيضا عن عيسى بن سهل. # والكالئ من: كلأ الدين كلئا فهو كالئ، إذا تأخر، ومنه قولهم: بلغ الله بك ~~أكلأ العمر. ms1182 أي: أطوله وأكثره تأخرا. وكلاله إذا أنسأته، وبعض الرواة لا ~~يهمز "الكالئ" تخفيفا. # قال في "النهاية" (¬4): وذلك أن يشتري الرجل شيئا إلى أجل، فإذا حل الأجل ~~لم يجد ما يقضي به، فيقول: بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء. فيبيعه ولا يجري ~~بينهما تقابض. وقال الحاكم عن أبي الوليد حسان: هو بيع النسيئة بالنسيئة. ~~كذا نقله أبو عبيد في "الغريب" (¬5)، وكذا نقله الدارقطني (¬6) عن أهل ~~اللغة. وروى البيهقي (¬7) عن نافع: هو بيع الدين بالدين. وقد رواه الشافعي ~~(¬8) في باب الخلاف فيما يجب به البيع، بلفظ: نهى عن بيع الدين بالدين. ~~والحديث المذكور في الأصل ظاهره أن التفسير PageV06P197 # مرفوع. # والحديث فيه دلالة على أنه منهي عن بيع النسيئة بالنسيئة، والبيع إذا وقع ~~على هذا فهو فاسد، والظاهر أن ذلك إجماع، وإن اختلف العلماء هل الفاسد غير ~~الباطل أو هما في معنى واحد؟ والله أعلم. # عدة أحاديث الباب ثمانية عشر حديثا. PageV06P198 ### || AUTO باب الرخصة في العرايا وبيع الأصول والثمار # 681 - عن زيد بن ثابت رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رخص في العرايا أن تباع بخرصها كيلا. متفق عليه (¬1). ولمسلم (¬2): رخص في ~~العرية يأخذها أهل البيت بخرصها تمرا يأكلونها رطبا. # قوله: رخص. الترخيص في الأصل بمعنى التسهيل والتيسير، والرخصة في اصطلاح ~~أهل الشرع ما شرع من الأحكام لعذر مع بقاء دليل الإيجاب والتحريم لولا ذلك العذر. # وهذا فيه دلالة على أن حكم العرايا مخرج من بين المحرمات مخصوص بالحكم، ~~ويؤخذ منه الرد على من قال من الحنفية: إن دليل تحريم المزابنة عام، وهذا ~~تحليل في شيء آخر. وعلى من قال منهم: إنه منسوخ بالنهي عن بيع الثمر ~~بالتمر. أي الرطب بالتمر؛ لأن المنسوخ لا يكون بعد الناسخ، وهو مصرح ~~باستثنائه في حديث جابر، أخرجه البخاري (¬3)، قال: نهى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن بيع الثمر حتى يطب، ولا يباع شيء منه إلا بالدنانير ~~والدراهم، إلا العرايا. # وقوله: في العرايا. أي في بيع [ثمر] (أ) العرايا؛ لأن العرية هي النخلة، ms1183 PageV06P199 # والعرايا جمع العرية، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. # واختلف العلماء في تفسير العرايا؛ فقال مالك: العرية أن يعري الرجل الرجل ~~النخلة، ثم يتأذى المعري بدخول المعرى عليه، فرخص له أن يشتريها -أي رطبها- ~~منه بتمر؛ أي يابس. ذكره البخاري عنه معلقا (¬1). # والعرية في الأصل عطية [ثمر] (أ) النخل دون الرقبة، كانت العرب في الجدب ~~يتطوع أهل النخل منهم بذلك على من لا ثمر له كما كانوا يتطوعون بمنيحة ~~الشاة والإبل، واستشهد لذلك بقول حسان بن ثابت أو سويد بن [الصامت] (ب) على ~~اختلاف الروايتين (¬2): # وليست بسنهاء ولا رجبية ... ولكن عرايا في السنين الجوائح # والسنهاء: التي لا تحمل في سنين الجدب، والرجبية التي تدعم حتى لا تميل ~~من الضعف، والعرية فعيلة بمعنى مفعولة أو فاعلة، يقال: عرى النخل. بفتح ~~العين والراء، يعروها، إذا أفردها عن غيرها، بأن أعطاها الآخر على سبيل ~~المنحة ليأكل ثمرها. ويقال: عريت النخلة، بفتح العين وكسر الراء، تعري ~~لأنها عريت عن حكم أخواتها. ورجح هذا قول مالك بالاشتقاق، وبأن هذا الإطلاق ~~مشهور بين أهل المدينة متداول فيما بينهم، ومالك هو PageV06P200 # أعرف بحال أهل المدينة، وهذا التعليق عن مالك وصله ابن عبد البر (¬1) من ~~طريق ابن وهب عن مالك. # وأخرج الطحاوي (¬2) عن مالك أن العرية النخلة للرجل في حائط غيره، وكانت ~~العادة أنهم يخرجون بأهليهم في وقت الثمار إلى البساتين، فيكره صاحب النخل ~~الكثير دخول الآخر عليه، فيقول: أنا أعطيك بخرص نخلتك تمرا. فيرخص له في ~~ذلك. ومن شرط العرية عند مالك أن تكون بهذه المثابة؛ لما يدخل على المالك ~~من الضرر بدخول حائطه، أو لدفع الضرر عن الآخر بقيام صاحب النخل عليها بما ~~يحتاج إليه من السقي وغيره، وأن يكون البيع بعد بدو الصلاح، وأن يكون بتمر ~~(أ) مؤجل. وخالف الشافعي في الأخير فاشترط التقابض. ومثل قول مالك ما أخرجه ~~أبو داود (¬3) من حديث ابن إسحاق معلقا، وعلق بعضه البخاري (¬4)، قال: ~~العرايا أن يهب الرجل للرجل النخلات، فيشق عليه أن يقوم عليها، فيبيعها ~~بمثل خرصها. وقال يزيد ms1184 بن هارون عن سفيان بن حسين - أخرجه الإمام أحمد (¬5) ~~عنه-: العرايا نخل كانت توهب للمساكين، فلا يستطعون أن ينتظروا بها، فرخص ~~لهم أن يبيعوها بما شاءوا من التمر. وهذا أيضا إحدى الصورتين PageV06P201 # اللتين في تفسير مالك. وقال الشافعي (¬1) في تفسير العرايا: هو بيع الرطب ~~على رءوس النخل بقدر كيله من التمر خرصا فيما دون خمسة أوسق. ولا بد من قبض ~~التمر عنده. # قال البخاري (¬2): وقال ابن إدريس: العرية لا تكون إلا بالكيل من التمر ~~يدا بيد، لا تكون بالجزاف. والمراد بابن إدريس الشافعي، كما جزم به [المزي] ~~(أ) في "التهذيب" (¬3)، والذي في "الأم" للشافعي (¬4)، وذكره عنه البيهقي ~~في "المعرفة" (¬5) من طريق الربيع عنه قال: العرايا أن يشتري الرجل ثمر ~~النخلة وأكثر بخرصه من التمر (ب)؛ بأن يخرص الرطب، ثم يقدر كم ينقص إذا ~~يبس، ثم يشتري بخرصه تمرا، فإن تفرقا قبل أن يتقابضا فسد البيع. انتهى. وفي ~~مذهب الشافعي وجه أنه يختص جواز بيع العرايا بمحاويج الناس، وقد ورد ذلك في ~~حديث زيد بن ثابت أنه سمى رجالا محتاجين من الأنصار، شكوا إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولا نقد في أيديهم يبتاعون به رطبا، ويأكلون مع ~~الناس، وعندهم فضول قوتهم من التمر، فرخص لهم أنه يبتاعوا العرايا بخرصها ~~من التمر. أخرجه الشافعي في PageV06P202 # "مختلف الحديث" (¬1) عن محمود بن لبيد. # ففي الحديث الترخيص لمن كان محتاجا مع حضور التمر، وهو وجه ظاهر لما ~~اشترطه الشافعي. قال الإمام المهدي في "البحر": وما ذكره الشافعي موافق لما ~~ذكرنا، ولا دليل على اشتراط التقابض، وقد عرفت مأخذه من حديث زيد؛ لأن ~~الترخيص إنما وقع في بيع ما ذكر مع عدم تيقن التساوي فقط، وأما التقابض فلم ~~يقع فيه الترخيص، فبقي على الأصل من اعتباره، وأيد الشافعي ما ذهب إليه بأن ~~في قوله: يأكلونها رطبا. مشعر بأن مشتري العرية يشريها ليأكلها، وأنه ليس ~~له رطب غيرها. وعلى تفسير مالك لصاحب الحائط رطب غيرها، فلم يفتقر إلى أكل ~~العرية. ورد هذا القول ابن المنذر ms1185 وقال (¬2): لا أعرف أحدا ذكره غير ~~الشافعي. قال: ولعل الشافعي أخذه من "سير الواقدي". قال: وعلى تقدير صحته ~~فلا حجة فيه، إذ لم يقع ذلك [في] (أ) كلام الشارع، وإنما ذكر في القصة، ~~فيحتمل أن تكون الرخصة وقعت لأجل الحاجة المذكورة، ويحتمل أن يكون للسؤال، ~~فلا يتم الاستدلال مع إطلاق الأحاديث المنصوصة من الشارع. وقد جمع بين ~~الأمرين الحنابلة، فعندهم تجوز العرية لحاجة صاحب الحائط إلى البيع أو ~~لحاجة المشتري إلى الرطب. # وقال القرطبي (2): كأن الشافعي اعتمد في تفسير العرية على قول يحيى PageV06P203 # ابن سعيد، وليس بصحابي حتى يعتمد عليه مع معارضة رأي غيره؛ مع أن المتمكن ~~من التمر يمكنه أن يبيعه بدراهم ثم يشتري بذلك رطبا، فالترخيص غير محتاج ~~إليه للضرورة. انتهى. # ويظهر وجه الترخيص على قول من لم يشترط التقابض ويجوز النسيئة، بأن ~~الفقير قد لا يكون معه تمر وقت شرائه الرطب، ويرجو حصوله عند الجداد (أ)؛ ~~لما يحصل له من الصدقة، فتظهر حكمة الترخيص من دفع الحاجة. # وقال أبو حنيفة: العرايا هو أن يهب الرجل لغيره تمر نخلة من نخلاته ولا ~~يسلم ذلك إليه، ثم يبدو له في ارتجاع تلك الهبة، فرخص له أن يحتبس ذلك ~~ويعطيه بقدر ما وهب له من الرطب بخرصه تمرا. وحمله على هذا تبقية النهي عن ~~بيع التمر (ب) بالتمر على عمومه، ولكنه لم يرد عليه أنه يلزم أن يحمل ~~الاستثناء على الانقطاع، وهو خلاف الظاهر. ونسب هذا القول في "البحر" إلى ~~أبي يوسف ومحمد، ونسب إلى أبي حنيفة مثل قول الشافعي إلا في التقابض. # ويرد على قول أبي حنيفة أن لفظ الحديث: رخص في العرايا أن تباع. إلى ~~آخره، والرخصة إنما هي بعد منع البيع، والمنع إنما وقع في البيع لا الهبة، ~~وبأن الرخصة قيدت بخمسة أوسق أو ما دونها، على ما سيأتي، والهبة غير مقيدة، ~~وأيضا فذلك سواء كان على ذي رحم أو غيره، فلو كان من باب الهبة لاحتاج إلى ~~التفصيل، ولا يكون ذلك من باب البدل، بل إعطاء ms1186 التمر PageV06P204 # بجديد هبة. # واعتذر الطحاوي (¬1) لتصحيح الرخصة، هو أن الإنسان مأمور بإمضاء ما وعد ~~به وإن لم يكن واجبا عليه، فلما أذن له أن يحبس ما وعد به ويعطي بدله ولا ~~يكون في حكم من أخلف وعده، ظهر بذلك معنى الرخصة. ولا يخفى تعسف هذا ~~الاعتذار. # وقوله: بخرصها. بفتح الخاء المعجمة مصدر، أي بقدر ما فيها، وبكسرها: اسم ~~للشيء المخروص. # 682 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق. متفق عليه (¬2). # قوله: فيما دون خمسة أوسق أو في خمسة. بالشك من الراوي، وقد بين مسلم أن ~~الشك فيه من داود بن الحصين، والبخاري كذلك في آخر باب الشرب (¬3)، من وجه ~~عن مالك، وقد وقع الاتفاق بين مالك والشافعي في صحة ما دون الخمسة، وامتناع ~~ما زاد على الخمسة، ووقع الخلاف في الخمسة، فللشافعي قولان فيها، والراجح ~~عند المالكية الجواز في الخمسة فما دونها، وعند الشافعية الجواز فيما دون ~~الخمسة ولا يجوز في الخمسة. وهو قول الحنابلة وأهل الظاهر. ونسبه في ~~"البحر" إلى القاسم، وأبي العباس، PageV06P205 # وأبي حنيفة، ومالك. ومنشأ الخلاف أن النهي عن بيع المزابنة هل ورد متقدما ~~ثم وقعت الرخصة في العرايا، أو النهي عن بيع المزابنة وقع مقرونا بالرخصة ~~في بيع العرايا؟ فعلى الأول، لا يجوز في الخمسة للشك في رفع التحريم فيقتصر ~~علي المتيقن، وعلى الثاني، يجوز للشك في قدر التحريم. ويرجح الأول أن سالما ~~قال بعد أن ذكر: "ولا تبيعوا الثمر بالتمر" (¬1). وأخبرني عبد الله عن زيد ~~بن ثابت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رخص بعد ذلك في بيع العرية ~~بالرطب أو بالتمر، ولم يرخص في غيره (¬2). فأفهم أن التحريم متقدم والترخيص ~~بعده متأخر. ويحتج للمالكية بقول سهل بن أبي حثمة: إن العرية تكون ثلاثة ~~أوسق أو أربعة أو خمسة (¬3). # ولكنه موقوف. وحكى ابن عبد البر (¬4) عن قوم تحديد ذلك بالأربعة الأوسق، ~~قال: واحتجوا بحديث جابر. ms1187 انتهى. # وحديث جابر أخرجه الشافعي، وأحمد وصححه، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، ~~من طريق ابن إسحاق، حدثني محمد بن يحيى بن حبان، عن عمه واسع بن حبان، عن ~~جابر: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول حين أذن لأصحاب العرايا ~~أن يبيعوها بخرصها يقول: "الوسق والوسقين والثلاثة والأربعة" (¬5). لفظ ~~أحمد، وترجم عليه ابن حبان: الاحتياط [أن] (أ) PageV06P206 # لا يزيد على أربعة أوسق. وهذا الذي يتعين المصير إليه، وأما جعله حدا لا ~~يجوز تجاوزه فليس بالواضح. كذا قال المصنف (¬1) رحمه الله تعالى. # وأقول: مع فرض صحة الحديث والقول بمفهوم العدد يتعين المصير إليه، لأن ~~حديث: "فيما دون خمسة أوسق". مجمل في الدون، وهذا مبين للقدر المراد، فهو ~~غير معارض، وحديث سهل لا يعارضه، لأنه موقوف كما عرفت، ولعل الشافعي ومالكا ~~لم يعملا بهذا لما في ابن إسحاق من المقال، والله أعلم. فلا يلزم الشافعي ~~القول به، وقد وهم (أ [المازري] (ب) فنقل عن ابن المنذر القول بذلك وأنه ~~قال: إن المزني ألزم الشافعي القول به أ). قال المصنف رحمه الله تعالى ~~(¬2): وليس في كتب ابن المنذر شيء من ذلك، وإنما فيها ترجيح القول بأن ~~الخمسة لا تجوز وإنما يجوز ما دونها، وهو الذي ألزم المزني أن يقول به ~~الشافعي كما هو بين من كلامه. انتهى. وإذا زاد في صفقة علي القدر الذي ~~أبيح، فإن البيع يبطل في الجميع، ولو فرق الصفقة واشترى في صفقتين أكثر من ~~خمسة جاز عند الشافعية، وخرج بعض الشافعية من هذه أنه لا يبطل في الصورة ~~الأولى، وهو تخريج بعيد. وقال أحمد وأهل الظاهر: لا تجوز الزيادة ولو في ~~صفقتين. # واعلم أن الحديث ورد في الرطب بالتمر على رؤوس الشجر، وأما شراء PageV06P207 # الرطب بعد قطعه (أ) بالتمر، فألحق جوازه كثير من الشافعية، وكذا قال في ~~"المهذب" (¬1) بجواز العنب بالزبيب. وفي سائر الثمار قولان للشافعي، وهذا ~~الإلحاق فيما زاد على المنصوص من باب القياس، ولكن الأصل المقيس عليه على ~~خلاف القياس، ومن شرط صحة. القياس أن يكون ms1188 الأصل على سنن القياس، وذلك لأن ~~القياس في الجنس المتفق تقرر على أنه لا يباع بمثله غير معلوم التساوي، ~~واستثناء العرايا من ذلك في الصورة المخصوصة، والمعنى وإن كان معقولا لكنه ~~لم يعتبر في أصل آخر، فالواجب الاقتصار على محل النص إلا في الطرف الأول، ~~وهو الرطب بعد قطعه، فإذا ألغي وصف كونه على رءوس النخل، كما بوب بذلك ~~البخاري (¬2)، كان محل للرخصة هو الرطب نفسه مطلقا أعم من كونه على رءوس ~~النخل، أو قد قطع فيشمله النص ولا يكون قياسا، ولا منع من أن تدعو (ب) حكمة ~~الترخيص إلى شراء الرطب الحاصل، فإنه قد يدعو إليه الحاجة في الحال، وقد ~~يكون مع المشتري تمر فيأخذه به، فيندفع ما قاله ابن دقيق العيد في "شرح ~~العمدة" (¬3): إن ذلك لا يجوز وجها واحدا؛ لأن (ج) أخذ المعاني في الرخصة ~~أن يأكل الرطب على التدريج طريا، وهذا المقصود لا يحصل مما على وجه الأرض، ~~والله أعلم. # 683 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن PageV06P208 # بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع. متفق عليه (¬1). وفي ~~رواية: وكان إذا سئل عن صلاحها قال: "حتى تذهب عاهته" (¬2). # قوله: الثمار. هو بالثاء المثلثة جمع ثمرة بالتحريك، وهو أعم من الرطب وغيره. # وقوله: حتى يبدو صلاحها. بغير همز؛ أي يظهر. واختلف السلف في بدو الصلاح؛ ~~فقيل: المراد به جنس الثمار حتى لو بدا الصلاح في جنس آخر غير المبيع، أو ~~في كل جنس على حدة، أو في كل شجرة على حدة، على أقوال؛ فذهب الليث ~~والمالكية أنه يكفي بدو الصلاح في جنس الثمار بشرط أن يكون الصلاح متلاحقا. ~~والقول الثاني رواية عن أحمد أنه لا بد أن يكون في جنس تلك الثمرة المبيعة. ~~والقول الثالث قول الشافعية، أنه يعتبر الصلاح في الشجرة المبيعة، ويفهم من ~~قوله: يبدو الصلاح. ألا يعتبر بكامله، فيكفي زهو بعض الثمرة وبعض الشجرة مع ~~حصول المعنى المقصود، وهو الأمان من العاهة، وقد من الله ms1189 سبحانه بجعل ~~الثمار لا تطيب دفعة واحدة لتطول مدة التفكه بها. ### ||| AUTO فائدة خطية # : # قال النووي في "شرح مسلم" (¬3): ومما ينبغي أن ينبه عليه أنه يقع في كتب ~~المحدثين وغيرهم: حتى يبدوا. هكذا بألف في الخط، وهو خطأ، والصواب حذفها في ~~مثل هذا للناصب، وإنما اختلفوا في إثباتها إذا لم يكن ناصب، مثل: زيد ~~يبدوا. والاختيار حذفها أيضا، ويقع PageV06P209 # (أأمثله في أ): حتى يزهوا. والصواب حذف الألف. انتهى. # والحديث فيه دلالة على أنه منهي عن البيع قبل بدو الصلاح، ولم يظهر كون ~~البيع باطلا أو لا، وفي المسألة خلاف، ولذلك لم يجزم البخاري في التبويب ~~بشيء، وقال (¬1): باب بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. والإجماع على أنه لا ~~يصح بيع الثمر قبل خروجه؛ لأنه بيع معدوم، وعلى هذا المعنى (ب) حمل النهي ~~في هذا، وكذا بعد خروجه قبل نفعه، إلا أن الإمام المهدي في "البحر" روى عن ~~المؤيد بالله صحة ذلك بشرط القطع؛ لعموم قوله تعالى: {وأحل الله البيع} (¬2). # وقد اعترض عليه في الرواية عنه وأنه روي ذلك في "الغيث"، وفي "الزهور" عن ~~أبي مضر وحده، وكذا بعد نفعه قبل صلاحه بشرط البقاء إجماعا، وأما من دون ~~شرطه فقال ابن أبي ليلى والثوري، ونسبه في "البحر" إلى أحمد وإسحاق: إنه ~~يبطل البيع. # قال المصنف رحمه الله (¬3): ووهم من نقل الإجماع فيه. وقال الشافعي وأحمد ~~والجمهور: إنه يصح إن شرط القطع. وقال المؤيد والإمام يحيى وأبو حنيفة: إنه ~~يصح وإن لم يشرط. قال أبو حنيفة: ويؤمر بالقطع. كذا رواه في PageV06P210 # "البحر". # وقال المصنف في "الفتح" (¬1): الذي صرح به أصحاب أبي حنيفة أنه صحح البيع ~~حالة الإطلاق قبل بدو الصلاح وبعده، وأبطله بشرط الإبقاء قبله وبعده، وأهل ~~مذهبه أعرف به من غيرهم. # وأما بعد صلاحه، فذهب العترة والفقهاء إلى أنه يصح مع شرط القطع إجماعا، ~~ومع شرط البقاء يفسد إجماعا وإن جهلت المدة. قال الإمام يحيى: فإن علمت صح ~~عند الهدوية؛ إذ لا غرر. وقال المؤيد: لا يصح للنهي عن بيع وشرط، ms1190 فإن أطلق ~~صح عند الهدوية وأبي حنيفة، إذ ما تردد بين وجهي صحة وفساد، عمل بالصحة إذ ~~هي الظاهر. قال الإمام المهدي: إلا أن يجري عرف بالبقاء مدة مجهولة فسد، ~~ومثله ذكر النووي في "شرح مسلم" (¬2). # وقوله: نهى البائع والمبتاع. أما البائع فلئلا يأكل مال أخيه بالباطل، ~~وأما المشتري فلئلا يضيع ماله، وفيه أيضا قطع التخاصم والنزاع. # والعاهة: العيب والآفة، والمراد ما يصيب الثمر، وقد بين ذلك زيد بن ثابت ~~(¬3) قال: كان الناس في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتبايعون (أ) ~~الثمار، فإذا أجذ الناس -بالجيم والذال المعجمة، وهو قطع ثمر النخل- وحضر PageV06P211 # تقاضيهم قال المبتاع: إنه أصاب الثمر (أ) الدمان. بفتح الدال وتخفيف ~~الميم، وضبطه الخطابي (¬1) بضمها، وروي فيهما الكسر، وهو فساد الطلع ~~وسواده. وفي رواية يونس: الدمار. بالراء بدل النون، وهو تصحيف كما قال عياض ~~(¬2). ووجهه غيره بأنه أراد الهلاك. وقال الأصمعي (¬3): الدمال، باللام، ~~العفن. [أصابه] (ب) مراض؛ بكسر أوله. وقال الخطابي (¬4): بالضم، وهو داء ~~يقع في الثمرة فتهلك، وهو اسم لجميع الأمراض، يقال: أمرض. إذا وقع في ماله ~~عاهة. زاد الطحاوي في روايته (¬5): أصابه عفن. # قشام، بضم القاف بعدها شين معجمة مخففة، وهو شيء يصيبه حتى لا يرطب، وقال ~~الأصمعي (¬6): هو أن ينقص ثمر النخل قبل أن يصير بلحا. وقشام المائدة: ما ~~ينقص مما بقي على المائدة مما لا خير فيه. عاهات يحتجون بها: أي هذه عاهات ~~أو بدل من المذكورات قبله. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما كثرت ~~عنده الخصومة في ذلك: "فإما لا فلا تتبايعوا حتى يبدو صلاح الثمر". ~~كالمشورة يشير بها لكثرة خصوماتهم. انتهى. # ويفهم من قوله: كالمشورة. أن النهي للتنزيه لا للتحريم، فلا يدل على PageV06P212 # بطلان البيع، وفي حديث زيد بن ثابت أنه كان لا يبيع ثمار أرضه حتى تطلع ~~الثريا فيتبين الأصفر من الأحمر. وقد أخرج أبو داود (¬1) مرفوعا عن أبي ~~هريرة قال: "إذا طلع النجم صباحا رفعت العاهة عن كل بلد". والنجم هو ~~الثريا، والمراد طلوعها صباحا، وهو ms1191 في أول فصل الصيف، وذلك عند اشتداد الحر ~~في بلاد الحجاز وابتداء نضج الثمار، وهو المعتبر حقيقة، وطلوع الثريا علامة له. # وفي قوله: كان إذا سئل عن صلاحها. إلخ ما يدل على أن ذلك موقوف على ابن ~~عمر، والله أعلم. # 684 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن بيع الثمار حتى تزهي. قيل: وما زهوها؟ قال: "تحمار وتصفار". متفق ~~عليه واللفظ للبخاري (¬2). # قوله: تزهي. يقال: أزهى يزهي. إذا احمر واصفر، زها النخل يزهو. إذا ظهرت ~~ثمرته. وقيل: هما بمعنى الاحمرار والاصفرار. ومنهم من أنكر يزهو، ومنهم من ~~أنكر يزهي. كذا في "النهاية" (¬3). وقال الخطابي (¬4): هذه الرواية هي ~~الصواب ولا يقال في النخل: يزهو. إنما يقال: يزهي. لا غير. ومنهم من أثبت ~~ما نفاه فقال: زها. إذا طال واكتمل، و: أزهى. إذا احمر واصفر. PageV06P213 # وقوله: قيل: وما زهوها؟. لم يسم السائل في هذه الرواية ولا المسئول أيضا، ~~وقد رواه النسائي (¬1) بالتصريح بالمسئول بلفظ قيل: يا رسول الله. وظاهر ~~الرواية التي هنا الرفع، وقد رواه إسماعيل بن جعفر وغيره عن حميد موقوفا ~~على أنس (¬2). # وقوله: "تحمار وتصفار". قال الخطابي (¬3): لم يرد بذلك اللون الخالص من ~~الصفرة والحمرة، وإنما أراد حمرة أو صفرة بكمودة، فلذلك قال: "تحمار ~~وتصفار". قال: ولو أراد اللون الخالص لقال: تحمر وتصفر. وبه فسر التشقيح ~~الوارد في الرواية الأخرى، قال ابن التين (¬4): أي تغير ألوانها إلى الصفرة ~~والحمرة، فأراد بقوله: "تحمار وتصفار". ظهور أوائل الحمرة والصفرة قبل أن ~~تنضج (أ). قال: وإنما يقال: تفعال في اللون المتغير إذا كان يزول ذلك. ~~وأنكر هذا بعض أهل اللغة وقال: لا فرق إلا أنه قد يقال في هذا المحل المراد ~~به ما ذكر، بقرينة قوله: يبدو صلاحها. في الرواية الأخرى وبدو الصلاح بتميز ~~(ب) الألوان، وهو يحصل بما ذكر. # والزهو؛ قال الجوهري (¬5): بفتح الزاي، وأهل الحجاز يقولونه بالضم، PageV06P214 # وهو البسر الملون، يقال إذا ظهرت الحمرة والصفرة في النخل: قد ظهر فيه ~~الزهو. وقد زها ms1192 النخل زهوا، [وأزهى] (أ) لغة. انتهى. وهذا في اسم العين ~~(ب)، والمصدر بالفتح كما وقع في الحديث. والله أعلم. # 685 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد. رواه الخمسة إلا ~~النسائي، وصححه ابن حبان والحاكم (¬1). # صححه من حديث حماد عن حميد عن أنس. وقال الترمذي والبيهقي (¬2): تفرد به حماد. # الكلام في هذا مثل ما تقدم في الثمر. والمراد باسوداد العنب واشتداد الحب ~~بدو صلاحه وأمن الآفة عليه. وفي رواية لمسلم (¬3): وعن السنبل حتى يبيض. ~~والمعنى في ذلك اشتداد الحب وهو بدو صلاحه. # قال النووي (¬4): فيه دليل لمذهب مالك والكوفيين وأكثر العلماء أنه يجوز PageV06P215 # بيع السنبل المشتد، وأما مذهبنا ففيه تفصيل؛ فإن كان السنبل شعيرا أو ذرة ~~أو ما في معناهما مما ترى حباته خارجة صح بيعه، وإن كان حنطة ونحوها مما ~~تستتر حباته بالقشور التي تزال [بالدياس] (أ) (¬1) ففيه قولان للشافعي رحمه ~~الله تعالى؛ الجديد أنه لا يصح وهو أصح قوليه، والقديم أنه يصح. وأما قبل ~~الاشتداد فلا يصح بيعه إلا بشرط القطع كما ذكرنا، فإذا باع الزرع قبل ~~الاشتداد مع الأرض بلا شرط صح تبعا للأرض، وكذا الثمر قبل الصلاح إذا بيع ~~مع الشجر جاز بلا شرط تبعا، وهكذا حكم [البقول] (ب) في الأرض، لا يجوز ~~بيعها دون [الأرض] (ج) إلا بشرط القطع، وكذا لا يصح بيع البطيخ ونحوه قبل ~~بدو صلاحه. وفروع المسألة كثيرة، وقد نقحت مقاصدها في "روضة الطالبين" و ~~"شرح المهذب" (¬2)، وجمعت فيها جملا مستكثرة، وبالله التوفيق. انتهى. # 686 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لو بعت من أخيك ثمرا (د) فأصابته جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ ~~منه شيئا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ ". رواه مسلم (¬3). PageV06P216 # وفي رواية له (¬1) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بوضع الجوائح. # الجائحة هي الآفة التي تصيب الثمرة، من الجوح، وهو ms1193 الاستئصال. # الحديث فيه دلالة على أن الثمر الذي على رءوس الشجر إذا باعه المالك ~~وأصابته الجائحة، أن تلفه من مال البائع، وأنه لا يستحق على المشتري في ذلك ~~شيئا، وظاهر الحديث فيما باعه بيعا غير منهي عنه وأنه بعد بدو الصلاح؛ ~~لوقوع النهي عن بيعه قبل بدو الصلاح، وإن كان هذا يحتمل وروده قبل النهي، ~~وقد تقدم حديث زيد بن ثابت في بيان ورود أصل النهي وما كان عليه أهل ~~المدينة من الشجار، إلا أنه وقع في رواية حديث زيد بن ثابت من طريق أبي ~~الزناد عن خارجة عن أبيه، أنه قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~المدينة ونحن نبتاع الثمار قبل أن يبدو صلاحها، فسمع خصومة، فقال: "ما ~~هذا". فذكر الحديث (¬2)، فأفاد مع ذكر سبب النهي تاريخ ذلك، فيكون هذا ~~الحديث متأخرا، فيحمل على البيع بعد بدو الصلاح. # وقد ذهب إلى العمل بظاهر الحديث حيث أصابت الجائحة الثمر جميعه أنه يوضع ~~الثمر جميعه، محمد وأبو عبيد، وأن التلف يكون من مال البائع. وقال الشافعي ~~في أصح قوليه وأبو حنيفة والليث بن سعد: إن تلف ذلك يكون من مال المشتري ~~ولا يجب على البائع أن يضع شيئا، وإنما يستحب له. وهو قول الهدوية؛ لأن ~~التخلية في العقد الصحيح بمنزلة القبض حيث كان العقد صحيحا، وقد سلمه ~~البائع بالتخلية بينه وبين المشتري، PageV06P217 # فكأنه قد قبضه، واحتجوا على ذلك بما سيأتي [في التفليس] (أ) في حديث أبي ~~سعيد (¬1) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الناس أن يتصدقوا على الذي ~~أصيب في ثماره. الحديث. فلو كانت توضع لم يفتقر إلى الأمر بالصدقة عليه، ~~وهذا الحديث المذكور محمول على استحباب الوضع أو أنه فيما بيع قبل صلاحه، ~~فالبيع فيه فاسد ولا تكفي التخلية فيه، ولكنه يجاب عن الأول بأن قوله: "فلا ~~يحل لك أن تأخذ منه شيئا". تصريح بالتحريم، وهو أولى بأن يكون قرينة على ~~تأويل حديث أبي سعيد بأن التصدق على الغريم من باب الاستحباب؛ ليكون فيه ~~وفاء بغرضين؛ جبر البائع، ms1194 وتعريض المشتري لمكارم الأخلاق، ويدل عليه قوله ~~في آخر الحديث لما طلبوا الوفاء: "ليس لكم إلا ذلك". فلو كان لازما لأمرهم ~~بالنظرة إلى ميسرة. وعن الثاني بما عرفت أن النهي عن بيع الثمار قبل بدو ~~الصلاح كان قد تقدم، ومن البعيد أن يحصل من الصحابة رضي الله عنهم تعمد ~~مخالفة النهي. وقال مالك: يوضع الثلث. وقول للشافعي: إن كان الذاهب من ~~الثمر دون الثلث لم يجب وضع شيء، وإن كان الثلث فأكثر وجب الوضع وكانت من ~~ضمان البائع. وجنح البخاري إلى مثل تأويل من قال: إن البيع كان قبل بدو ~~الصلاح. وبوب على ذلك، قال: باب إذا باع الثمار قبل أن يبدو صلاحها ثم ~~أصابته عاهة فهو من البائع. ثم أخرج حديث أنس (¬2) أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن بيع الثمار حتى PageV06P218 # تزهي. فقيل له: وما تزهي؟ قال: "حتى تحمر". فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أرأيت إذا منع الله الثمرة، بم يأخذ أحدكم مال أخيه؟ ". وهذا ~~بناء من البخاري أن بيع الثمار قبل الصلاح صحيح، ولذلك بوب قبل هذا: باب ~~بيع الثمار قبل أن يبدو صلاحها. وذكر في هذا الباب حديث زيد (¬1)، وجعل ذلك ~~كالمشورة عليهم، على أن النهي ليس للتحريم. # 687 - وعن ابن عمر رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر، فثمرتها للبائع الذي باعها إلا أن يشترط ~~المبتاع". متفق عليه (¬2). # "ابتاع" أي اشترى، والنخل اسم جنس يذكر ويؤنث والجمع نخيل. # وقوله: "تؤبر". مضارع أبرت بوزن أكلت مخففا على المشهور، ومشددا؛ تقول: ~~أبرته أؤبره تأبيرا. بوزن علمته تعليما، والتأبير التشقيق والتلقيح (أ)، ~~ومعناه شق طلع النخلة الأنثى ليذر فيها شيء من طلع النخلة الذكر، والحكم ~~مستمر بمجرد التشقيق ولو لم يضع فيه شيئا، بل ولو تشققت بنفسها فالحكم فيها ~~(ب) هذا. PageV06P219 # والحديث ذهب إلى العمل بظاهره الجمهور أن الثمرة بعد التأبير للبائع، ~~وهذا منطوقه، ودليل الخطاب أنها قبل التأبير للمشتري وهو مفهوم صفة معمول ~~به. ms1195 وقال أبو حنيفة: هي للبائع قبل التأبير وبعده. فعمل بمنطوق الحديث بعد ~~التأبير، ولم يعمل بمفهومه قبل التأبير بناء على مذهبه من عدم العمل بمفهوم ~~المخالفة. ورد على أبي حنيفة بأن الظاهر يخالف المستتر في البيع، أي أن ~~الفوائد الظاهرة تخالف المستترة، فإن الأمة ولدها المنفصل لا يتبعها والحمل ~~يتبعها. وقال ابن أبي ليلى: هي للمشتري قبل التأبير وبعده. وقوله منابذ ~~للسنة، ولعله لم يبلغه الحديث. # وقوله: "إلا أن يشترط المبتاع". أي المشتري بأن يقول: اشتريت الشجرة ~~بثمرتها. كانت الثمرة له، وسواء كان الشرط للكل أو للبعض. وقال ابن (أ) ~~القاسم: لا يجوز اشتراط البعض. وقالت الشافعية: لو باع نخلة بعضها مؤبر ~~وبعضها غير مؤبر فالجميع للبائع، وإن باع نخلتين فكذلك بشرط اتحاد الصفقة، ~~وإن أفرد فلكل حكمه، ويشترط كونهما في بستان واحد، وإن تعدد فلكل حكمه، ونص ~~أحمد على أن الذي يؤبر للبائع والذي لا يؤبر للمشتري، ووجه قول الشافعية هو ~~دفع ضرر اختلاف الأيدي وسوء المشاركة، وجعل المالكية الحكم للأغلب، ~~واختلفوا فيما إذا باع نخلة وبقيت ثمرتها له ثم خرج طلع آخر من تلك النخلة؛ ~~فقال ابن أبي هريرة (¬1): هو للمشتري؛ لأنه ليس للبائع إلا ما وجد دون ما ~~لم يوجد. وهذا PageV06P220 # هو المختار عند الهدوية، فإن التبس فوجهان عندهم؛ يفسد العقد. والثاني: ~~يقسم الثمر. ويبين مدعي الزيادة والفضل وهو المعمول عليه. وقال الجمهور من ~~الشافعية: هو للبائع؛ لكونه من ثمره المؤبرة دون غيرها. # ويدل الحديث أن الشرط الذي لا ينافي مقتضى العقد لا يفسد البيع فيخص ~~النهي عن بيع وشرط. # وفي الحديث جواز التأبير، ويقاس عليه ما يعتاده أهل الحراثة من الأسباب ~~التي أجرى الله العادة بحصول الثمرة معها، وهذا النص ورد في النخيل، ويقاس ~~سائر الأشجار على ذلك، والله أعلم. PageV06P221 ### || AUTO أبواب السلم والقرض والرهن # 688 - عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~المدينة وهم يسلفون في الثمار السنة والسنتين، فقال: "من أسلف في تمر ~~فليسلف في كيل معلوم ووزن ms1196 معلوم إلى أجل معلوم". متفق عليه (¬1)، وللبخاري: ~~"من أسلف في شيء". # قوله: وهم يسلفون. السلف بفتحتين هو السلم وزنا ومعنى، وذكر الماوردي ~~(¬2) أن السلف لغة أهل العراق، والسلم لغة أهل الحجاز. وقيل: السلف. لتقديم ~~رأس المال، و: السلم. لتسليمه في المجلس. # والسلم شرعا: بيع موصوف في الذمة ببدل (أ) يعطى عاجلا. واتفق العلماء على ~~مشروعيته إلا ما حكي عن ابن المسيب، والخلاف في بعض الشروط، والاتفاق على ~~أنه يشترط فيه ما يشترط في البيع وعلى تسليم رأس المال في المجلس، إلا ~~مالكا فأجاز تأجيل الثمن مدة يسيرة يوما أو يومين. PageV06P223 # واختلفوا هل هو عقد غرر جوز للحاجة أم لا؟ # وقوله: السنة والسنتين. منصوبان (أ) بنزع الخافض أي: إلى السنة والسنتين، ~~أو قائمان (ب) مقام المصدر العددي. # وقوله: "من أسلف في تمر". بالتاء المثناة، وقد روي بالمثلثة وهي أعم، ~~ووقع بهذا اللفظ لابن علية. وفي رواية ابن عيينة: "من أسلم في شيء". وهي أعم. # وقوله: "في كيل معلوم". إذا كان مما يكال، "أو (ج) وزن معلوم". إذا كان ~~مما يوزن، وإن كان من غير ذلك فلا بد من ذكر وزنه عند الهدوية، ولا يكفي ~~العدد إلا حيث علم تساويه كالجوز، كذا ذكره الإمام المهدي في "البحر". # قال المصنف رحمه الله تعالى في "الفتح" (¬1): فإن كان مما لا يكال ولا ~~يوزن فلا بد فيه من عدد معلوم. رواه عن ابن بطال (¬2)، وادعى عليه الإجماع. # قال المصنف (¬3): أو ذرع معلوم، والعدد والذرع ملحق بالكيل والوزن PageV06P224 # للجامع بينهما؛ وهو ارتفاع الجهالة بالقدار، وفي (أ) البخاري إشارة إلى ~~أن ما يوزن لا يسلم فيه بالكيل، وبالعكس، وهو أحد وجهين عند الشافعية، ~~والأصح الجواز. واتفقوا على اشتراط تعيين الكيل فيما يسلم فيه بالكيل، كصاع ~~الحجاز وقفيز العراق وإردب مصر، وهذه المكاييل مختلفة، فإذا أطلق انصرف إلى ~~الأغلب في الجهة التي كان فيها عقد السلم. وأجمعوا على أنه لا بد من معرفة ~~صفة الشيء المسلم فيه صفة تميزه عن غيره، ولم يتعرض له في الحديث؛ لأنهم ~~كانوا ms1197 يعملون به، فتعرض لما كانوا يهملونه. # وقوله: "إلى أجل معلوم". ظاهره كون الأجل شرطا في صحة السلم، فإن كان ~~حالا لم يصح، أو كان الأجل مجهولا، وعند الشافعية يصح في الحال، وحملوا هذا ~~بأن المراد أنه إذا أسلم إلى أجل فليكن الأجل معلوما لا مجهولا، وأما السلم ~~في الحال فجوازه بطريق الأولى؛ لأنه إذا جازت مع الأجل وفيه غرر جاز في ~~الحال بالأولى لبعده عن الغرر. ورد عليهم بعقد الكتابة، وأجيب بالفرق؛ لأن ~~الأجل في الكتابة شرع لعدم قدرة العبد على التأدية غالبا، وذهب ابن عباس ~~إلى اختصاص السلم بالأجل، وأبو سعيد والأسود والحسن، هكذا علق الرواية ~~البخاري (¬1)، وقد وصل الشافعي (¬2) حديث ابن عباس قال: أشهد أن السلف ~~المضمون إلى أجل مسمى قد أحله الله في كتابه وأذن فيه. ثم قرأ: {يا أيها ~~الذين آمنوا إذا PageV06P225 # تداينتم بدين} الآية (¬1). وقد أخرجه الحاكم (¬2) من هذا الوجه وصححه. # وروى ابن أبي شيبة (¬3) عن ابن عباس: لا سلف إلى العطاء ولا إلى الحصاد، ~~واضرب أجلا. # وأما قول أبي سعيد الخدري، فوصله عبد الرزاق (¬4) قال: السلم بما (أ) ~~يقوم به السعر ربا، ولكن السلف في كيل معلوم إلى أجل معلوم. # وأما قول الحسن، فوصله سعيد بن منصور (¬5) أنه كان لا يرى بأسا بالسلف في ~~الحيوان إذا كان سنا معلوما إلى أجل معلوم. # ويفهم من قول ابن عباس: لا سلف إلى العطاء. أنه يشترط تعيين وقت الأجل ~~بحد لا يختلف، فإن كان وقت العطاء لا يختلف صح التوقيت به، وقد صرح بذلك ~~المهدي في "البحر"، وقال مالك وأبو ثور: يصح التوقيت بالحصاد ونحوه. واختار ~~ابن خزيمة (¬6) من الشافعية التوقيت بالميسرة، واحتج بحديث عائشة رضي الله ~~عنها، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث إلى يهودي: "ابعث إلي ثوبين إلى ~~الميسرة". وأخرجه النسائي (¬7)، وسيأتي قريبا (¬8)، وطعن ابن PageV06P226 # المنذر (¬1) في صحته بما وهم فيه، وقد يجاب عنه بأنه لا يدل على مطلوبه؛ ~~لأنه ليس في الحديث إلا مجرد الاستدعاء، فلا يمتنع أنه إذا وقع العقد قيد ~~بشرطه، ms1198 فلذلك لم يصف الثوبين. ويجاب عن هذا بأن هذا خلاف الظاهر، وأنه بين ~~له - صلى الله عليه وسلم - الأجل الذي يسلم فيه الثمن ليختبر رضا البائع هل ~~يرضى بذلك فيتم البيع عليه أو يأبى فلا بيع؟ # وقال المؤيد: أقل الأجل ثلاثة أيام لاعتبارها في كثير من التأجيلات ~~كتأجيل الشفيع ونحوه. وقال المنصور بالله: بل أربعون يوما إذ هو أقل ما ~~يحصل فيه ثمرة كالطهف (¬2) والجعرة (¬3). وقال الناصر: بل أقله ساعة إذ ~~يحصل بها (أ) أجل. قال الإمام يحيى: ولا نص للقاسمية، والمختار قول المؤيد. ~~وأقول: الظاهر أنه يحمل التأجيل في الحديث على ما يعد أجلا عرفا، فالساعة ~~والساعتان لا يعدان، والعرف يختلف؛ فكما اعتبر في الكيل والوزن بما يعتاده ~~أهل الجهة فكذلك هذا. # وقد زيد على ما ذكر في الحديث تعيين المكان الذي يسلم فيه؛ ذهب إلى ذلك ~~زيد بن علي والهدوية والناصر والثوري وزفر قياسا على الكيل والوزن والأجل. ~~وذهب الحسن بن صالح وشريك والعنبري وأبو يوسف PageV06P227 # ومحمد إلى أنه لا يشترط اقتصارا على الوارد. والجواب القياس دليل فيعتبر ~~(أ). وقال أبو حنيفة: إن كان لحمله مؤنة اشترط وإلا فلا، إذ لا فائدة. وقال ~~أصحاب الشافعي: إن عقدا حيث لا يصلح للتسليم كالطريق اشترط، وإلا فقولان، ~~وعلى القول باعتباره فلا يلزم المسلم قبوله في غير المكان المشروط، ولو بذل ~~المسلم إليه الأجرة لم يحل أخذها؛ إذ لا يحل أخذ العوض عن المسلم فيه، فكذا ~~عن موضع تسليمه، فإن عين السوق وبما إليه، وإن قال: إلى البلد. وجب إلى خلف ~~السور إن كان، وإلا فأطرف دار منها. # 689 - وعن عبد الله بن أبي أوفى وعبد الرحمن بن أبزى رضي الله عنهما ~~قالا: كنا نصيب الغنائم مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وكان يأتينا ~~أنباط من أنباط الشام فنسلفهم في الحنطة والشعير والزبيب -وفي رواية: ~~[والزيت] (ب) إلى أجل مسمى. قيل: أكان لهم زرع؟ قالا: ما كنا نسألهم عن ~~ذلك. رواه البخاري (¬1). # عبد الرحمن بن أبزى، بفتح الهمزة وسكون الباء ms1199 الموحدة وفتح الزاي، ~~الخزاعي مولى نافع بن عبد الحارث الخزاعي، سكن الكوفة واستعمله علي بن أبي ~~طالب على خراسان، أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - وصلى خلفه، وأكثر ~~روايته عن عمر بن الخطاب وأبي بن كعب، روى عنه ابناه سعيد وعبد الله، ومحمد PageV06P228 # ابن أبي المجالد، ومات بالكوفة، ولأبزى أيضا صحبة على المختار (¬1). # قوله: أنباط من أنباط الشام. وفي رواية: نبيط أهل الشام. وهم قوم من ~~العرب دخلوا في العجم والروم واختلطت أنسابهم وفسدت ألسنتهم، وكان الذين ~~اختلطوا بالعجم منهم ينزلون [البطائح] (أ) بين العراقين، والذين اختلطوا ~~بالروم ينزلون بوادي الشام، ثم استعمل في أخلاط الناس وعوامهم. ويقال لهم: ~~النبط. بفتحتين، والنبيط بفتح أوله وكسر ثانيه وزيادة تحتانية، قيل: سموا ~~بذلك لمعرفتهم بأنباط الماء، أي استخراجه لكثرة معالجتهم الفلاحة. # والحديث فيه دلالة على صحة السلف وإن كان المسلف فيه معدوما حال العقد، ~~فإن قولهما: ما كنا نسألهم عن ذلك. يدل على صحته مطلقا؛ لأنه لو كان من ~~شرطه وجوده لاستفصلوهم، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة ~~العموم، وقد جرى على ذلك الشافعي في كثير من المواضع، وقد ذهب إلى هذا ~~العترة والشافعي ومالك، واشترطوا إمكان وجوده عند حلول الأجل ولا يضر ~~انقطاعه قبل حلول الأجل. وقال الناصر وأبو حنيفة: بل يشترط وجوده قبل حلول ~~الأجل، ولا يصح فيما ينقطع قبله؛ إذ ما بعد العقد محل للتسليم، إذ يجب قبول ~~المعجل، [ونقده فيه كنقده] (ب) عند حلول الأجل. والجواب ما عرفت من ترك ~~الاستفصال، PageV06P229 # وأيضا فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر أهل المدينة على إسلام السنة ~~والسنتين، والرطب ينقطع في ذلك، وكون عقيب العقد محلا للتسليم لا يوجبه؛ إذ ~~لا يتضيق بخلاف وقت الحلول، كذا ذكر الإمام في "البحر"، فإن تعذر عند حلول ~~الأجل لم ينفسخ عند الجمهور، وفي وجه للشافعية ينفسخ، ومثله في "البحر"، ~~قال: كما لو قارن، وكتلف المبيع قبل التسليم، فإن انقطع الجنس قبل حلول ~~الأجل وغلب في الظن استمرار انقطاعه ففي انفساخه قبل الحلول تردد. ms1200 قال ~~الإمام يحيى: الأصح أنه لا ينفسخ إلا بعده. # وفي الحديث. دلالة على جواز مبايعة أهل الذمة والسلم إليهم، ورجوع ~~المختلفين عند التنازع إلى السنة، والاحتجاج بتقرير النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأن السنة إذا وردت بتقرير حكم كان أصلا برأسه، والله أعلم. # 690 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها ~~أتلفه الله". رواه البخاري (¬1). # قوله: "من أخذ أموال الناس". ظاهره العموم لوجوه الأخذ، فيشمل من أخذها ~~بطريق المعاملة أو بطريق الحفظ لها. # وقوله: "يريد أداءها". جملة حالية. "أدى الله عنه". هذا جواب الشرط، ~~والمراد بالتأدية هو تيسير قضائها في الدنيا، أو في الآخرة إذا تعذر PageV06P230 # عليه القضاء بالإفلاس أو نحوه، ويدخل فيه من فجأه الموت ومعه مال مخبوء ~~وكان نيته وفاء دينه ولم يمكنه الوصية بذلك، خلافا لابن عبد السلام (¬1) في ~~هذا، ويدل عليه حديث ميمونة أخرجه ابن ماجه وابن حبان والحاكم (¬2): "ما من ~~مسلم يدان دينا يعلم الله أنه يريد أداءه إلا أداه الله عنه في الدنيا ~~والآخرة". # وقوله: "ومن أخذها". أي أموالهم. "يريد إتلافها" على أهلها بإنفاقه لها ~~في أي نفقة. "أتلفه الله". ظاهره أن الله تعالى يتلفه في الدنيا، وهو يشمل ~~إتلاف معاشه بالمحن والمصائب ومحق البركة، وإتلافه في نفسه بالقتل وتسليط ~~الآفات التي يكون بها حتفه، ويحتمل أن يراد الإتلاف في الآخرة بالعذاب. # قال ابن بطال (¬3): فيه [الحض] (أ) على ترك استئكال أموال الناس والترغيب ~~في حسن التأدية إليهم عند المداينة، وأن الجزاء قد يكون من جنس العمل. # وقال الداودي (3): فيه أن من عليه دين لا يعتق ولا يتصدق، وإن فعل رد. ~~وفي المأخذ بعد. # وقال ابن المنير (¬4): إن من اشترى شيئا بدين وتصرف فيه وأظهر أنه قادر PageV06P231 # على الوفاء ثم تبين الأمر بخلافه، أن البيع لا يرد بل ينتظر به حلول ~~الأجل؛ لاقتصاره - صلى الله عليه وسلم - على الدعاء عليه، ولم يلزمه رد البيع. # وفي ms1201 الحديث الترغيب في حسن النية والترهيب من ضد ذلك، وأن مدار العمل ~~عليها، وأن المستدين مع نية الوفاء مرغوب في عمله، وقد أخذ بذلك عبد الله ~~بن جعفر فيما رواه ابن ماجه والحاكم (¬1) من رواية محمد بن على عنه أنه كان ~~يستدين، فسئل عن ذلك فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~"إن الله مع الدائن حتى يقضي دينه". إسناده حسن، لكن اختلف فيه على محمد بن ~~علي، [ورواه] (أ) الحاكم (¬2) من طريق القاسم بن المفضل عنه (5) عن عائشة ~~بلفظ: "ما من عبد كانت له نية في وفاء دينه إلا كان له من الله عون". قالت: ~~فأنا ألتمس ذلك العون. وساق له شاهدا من وجه آخر عن القاسم عن عائشة. # 691 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، إن فلانا قدم له ~~بز من الشام، فلو بعثت إليه فأخذت منه ثوبين بنسيئة إلى ميسرة. فأرسل إليه ~~فامتنع. أخرجه الحاكم والبيهقي (¬3) ورجاله ثقات. # الحديث فيه دلالة على صحة التأجيل بالميسرة، وقد تقدم الكلام فيه PageV06P232 # قريبا فراجعه (¬1). # 692 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "الظهر يركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الدر يشرب بنفقته إذا كان ~~مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة". رواه البخاري (¬2). # قوله: "الظهر يركب". بضم أوله على البناء للمفعول، وكذلك "يشرب". وهو ~~محتمل أن يكون الفاعل الراهن أو المرتهن؛ فقد قيل: إنه مجمل غير متعين ~~المراد. وأجيب عن ذلك بأنه لا إجمال، وأنه متعين أن يكون هو المرتهن؛ ~~لقرينة العوض، وهو الركوب واللبن، والراهن النفقة واجبة عليه لأجل ملكه ~~الرقبة. وقد دل على أنه يستحق المرتهن الانتفاع بالرهن في مقابلة المؤنة، ~~وقد ذهب أحمد وإسحاق إلى العمل بظاهر الحديث، وخصوا ذلك بالركوب والدر، ~~فقالوا: ينتفع بهما بقدر قيمة النفقة ولا يقاس غيرهما. وذهب الجمهور إلى أن ~~المرتهن لا ينتفع من المرهون بشيء، وتأولوا الحديث لكونه ورد علي خلاف ~~القياس من وجهين؛ أحدهما التجويز لغير المالك أن ms1202 يركب ويشرب بغير إذنه. ~~والثاني تضمينه ذلك بالنفقة لا بالقيمة. قال ابن عبد البر (¬3): هذا الحديث ~~عند جمهور الفقهاء ترده أصول مجتمعة وآثار ثابتة لا يختلف في صحتها، ويدل ~~على نسخه حديث ابن عمر: "لا تحلب ماشية امرئ بغير إذنه". أخرجه البخاري في ~~أبواب المظالم (¬4). PageV06P233 # انتهى. # وقال الشافعي: يشبه أن يكون المراد: من رهن رهنا ذات ظهر ودر لم يمنع ~~الراهن من درها وظهرها، فهي محلوبة ومركوبة له كما كانت قبل الرهن. بجعل ~~الفاعل المحذوف هو الراهن، وهو بعيد. واعترضه الطحاوي (¬1) بأنه قد صرح ~~بالمراد في رواية هشيم عن زكريا في هذا الحديث ولفظه: "إذا كانت الدابة ~~مرهونة فعلى المرتهن علفها" الحديث. قال: فعين أن المراد المرتهن لا ~~الراهن، ثم أجاب عن الحديث بأنه محمول على أنه كان قبل تحريم الربا، فلما ~~حرم الربا حرم أشكاله؛ من بيع اللبن في الضرع وقرض يجر نفعا. قال: فارتفع ~~بتحريم الربا ما أبيح في هذا للمرتهن. وتعقب بأن هذا احتمال للنسخ، والنسخ ~~لا يثبت بالاحتمال، والتاريخ غير معروف، والجمع بين الأحاديث ممكن، وبأن ~~طريق هشيم المذكورة زعم ابن حزم (¬2) أن إسماعيل بن سالم الصائغ تفرد عن ~~هشيم بالزيادة وأنها من تخليطه. وتعقب بأن أحمد رواها في "مسنده" (¬3) عن ~~هشيم كذلك، وكذلك أخرجه الدارقطني (¬4) من طريق زياد بن أيوب عن هشيم. وذهب ~~الأوزاعي والليث وأبو ثور (¬5) إلى حمل الحديث على ما إذا امتنع الراهن من ~~الإنفاق على المرهون، فيباح حينئذ للمرتهن الإنفاق على الحيوان حفظا PageV06P234 # لحياته ولإبقاء المالية فيه، وجعل له في مقابلة نفقته الانتفاع بالركوب ~~أو شرب اللبن، بشرط ألا يزيد قدر ذلك أو قيمته على قدر علفه. وهذا تأويل ~~حسن، وبه يتم الجمع بين الأحاديث. # وقد أجرى العلماء هذا الحكم في العين الشتركة إذا غاب الشريك واحتاجت إلى ~~المؤن، وكذلك الوديعة والعارية والمؤجرة، وكان الضابط لذلك: كل عين لغيره ~~في يده بإذن الشرع فإنه ينفق عليها بنية الرجوع على المالك، وله أن يؤجرها ~~أو يتصرف في لبنها في قيمة العلف، إلا أنه ms1203 إذا كان في البلد حاكم ولم يفعل ~~بإذن الحاكم، فلا رجوع له بما أنفق وتلزمه غرامة المنفعة واللبن، وإن لم ~~يكن في البلد حاكم أو كان يتضرر (أ) الحيوان بمدة الرجوع إلى الحاكم فله ~~ولاية في ذلك ويرجع بما أنفق. وعلى ما حكى الإمام المهدي عن أبي حنيفة ~~والشافعي أنه لا يرجع الشريك إلا إذا كان ما فعله (ب) بإذن الحاكم وكذلك ~~غيره. وقال الموفق (ج) في "المغني" (¬1): إن نفقة الحيوان واجبة، وللمرتهن ~~فيه حق وقد أمكنه استيفاء حقه من نماء الرهن والنيابة (د) عن المالك فيما ~~غرمه عليه واستفاد ذلك من منافعه، فجاز ذلك كما يجوز للمرأة أخذ مؤنتها من ~~مال زوجها عند امتناعه بغير إذنه والنيابة في الإنفاق عليها. انتهى. وهذا ~~راجع إلى تأويل الأوزاعي المار، والله أعلم. PageV06P235 # 693 - وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يغلق الرهن ~~من صاحبه الذي رهنه، له غنمه وعليه غرمه". رواه الدارقطني والحاكم (¬1) ~~ورجاله ثقات، إلا أن المحفوظ عند أبي داود وغيره إرساله (¬2). # والبيهقي (¬3) أيضا من طريق زياد بن سعد عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، ~~عن أبي هريرة مرفوعا. وأخرجه ابن ماجه (¬4) من طريق إسحاق بن راشد مرفوعا. ~~وأخرجه الحاكم (¬5) من [طرق] (أ) موصولة أيضا. ورواه الأوزاعي وابن أبي ذئب ~~ويونس عن الزهري عن سعيد مرسلا. ورواه الشافعي (¬6) عن ابن أبي فديك، وابن ~~أبي شيبة (¬7) عن وكيع، وعبد الرزاق (¬8) عن الثوري، كلهم عن ابن أبي ذئب ~~كذلك. قال الشافعي: غنمه زيادته (ب)، وغرمه هلاكه. وصحح أبو داود ~~والدارقطني إرساله، وأخرجه ابن حزم (¬9) من طريق قاسم بن أصبغ موصولا إلى ~~سعيد بن المسيب و [أبي] (ج) سلمة بن PageV06P236 # عبد الرحمن، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لا يغلق الرهن، الرهن (أ) لمن رهنه، له غنمه (ب) وعليه غرمه". قال ابن ~~حزم: هذا إسناد حسن. # قال المصنف رحمه الله (¬1): وأخرجه (ج) الدارقطني (¬2) من طريق عبد الله ~~بن نصر الأصم الأنطاكي عن شبابة بالإسناد المذكور، وصححها ms1204 عبد الحق (¬3)، ~~وعبد الله بن نصر له أحاديث منكرة ذكرها ابن عدي (¬4)، وقد وقع في إسناد ~~ابن حزم تصحيفه إلى نصر بن عاصم؛ حذف عبد الله وصحف الأصم بعاصم. انتهى. # وقوله: "له غنمه وعليه غرمه". اختلف العلماء في رفعها ووقفها على سعيد بن ~~المسيب؛ فرفعها ابن أبي ذئب ومعمر وغيرهما مع كونهم أرسلوا الحديث على ~~اختلاف على ابن أبي ذئب، ووقفها (د) غيرهم، وقد روى ابن وهب هذا الحديث ~~فجوده، وبين أن هذه اللفظة من قول سعيد بن المسيب، وقال أبو داود في ~~"المراسيل": قوله: "له غنمه وعليه غرمه". من كلام سعيد، نقله عنه الزهري. PageV06P237 # وقال عبد الرزاق (¬1): أنبأنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يغلق الرهن ممن رهنه". قلت: أرأيت ~~[قول النبي - صلى الله عليه وسلم -] (أ): "لا يغلق الرهن". أهو الرجل يقول: ~~إن لم آتك بمالك فالرهن لك؟ قال: نعم. قال معمر: ثم بلغني عنه أنه قال: إن ~~هلك لم يذهب حق هذا؛ إنما هلك من رب الرهن، له غنمه وعليه غرمه. # قوله: "لا يغلق". لا نافيه أو ناهية، يقال: غلق الرهن [غلقا] (ب). إذا ~~بقي في يد المرتهن لا يقدر راهنه على تخليصه، والمعنى أنه لا يستحقه ~~المرتهن إذا لم يستفكه صاحبه، وكان هذا من فعل الجاهلية أن الراهن إذا لم ~~يؤد ما عليه في الوقت المعين ملك المرتهن الرهن، فأبطله الإسلام. قال ~~الأزهري (¬2): يقال: غلق الباب وانغلق واستغلق. إذا عسر فتحه، والغلق في ~~الرهن ضد الفك، فإذا فك الراهن الرهن فقد أطلقه من وثاقه عند مرتهنه. وقد ~~أغلقت الرهن فغلق أي أوجبته فوجب للمرتهن. # و"الرهن" بفتح أوله وسكون الهاء معناه في اللغة الاحتباس، من قولهم: رهن ~~الشيء. إذا دام وثبت، ومنه قوله تعالى: {كل نفس بما كسبت رهينة} (¬3). وفي ~~الشرع: جعل مال وثيقة على دين، ويطلق أيضا على العين PageV06P238 # المرهونة تسمية للمفعول باسم المصدر، ويجمع على رهن بضمتين، وعلى رهان ~~بكسر الراء، وقرئ بهما (¬1)، وهو مشروع في ms1205 الحضر والسفر، وتقييده بالسفر في ~~الآية الكريمة خرج مخرج الغالب. وذهب إلى هذا الجمهور، ويدل على الرهن في ~~الحضر رهن النبي - صلى الله عليه وسلم - درعه من يهودي، واشترى منه شعيرا ~~إلى أجل -أخرجه البخاري (¬2) - وهو في المدينة. قالوا: ولأن الرهن شرع ~~للاستيثاق، ولما كان السفر مظنة فقد الكاتب فأخرجه مخرج الغالب، والخلاف في ~~ذلك لمجاهد والضحاك فيما نقله الطبري عنهما (¬3)، فقالا: لا يشرع إلا في ~~السفر حيث لا يوجد الكاتب. وبه قال داود وأهل الظاهر. وقال ابن حزم (¬4): ~~إن شرط المرتهن الرهن في الحضر لم يكن له ذلك، وإن تبرع به الراهن جاز. و ~~(أ) حمل حديث الباب عليه (¬5). # وأحكام الرهن وتفصيل ضمانه والخلاف في ذلك مستوفى في كتب الفروع من ~~الفقه. PageV06P239 # 694 - وعن أبي رافع، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استسلف من رجل ~~بكرا، فقدمت عليه إبل من إبل الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكره، ~~فقال: لا أجد إلا خيارا رباعيا. فقال: "أعطه إياه، فإن خيار الناس أحسنهم ~~قضاء". رواه مسلم (¬1). # قوله: استسلف. أي اقترض، والبكر بفتح الباء وسكون الكاف: الصغير من الإبل ~~كالغلام من الآدميين، والأنثى بكرة وقلوص وهي الصغيرة كالجارية، وإذا ~~استكمل ست سنين ودخل في السابعة وألقى رباعيته -بتخفيف الياء التحتانية- ~~فهو رباع، والأنثى رباعية، وقد تقدم الخلاف في اقتراض الحيوان قريبا (¬2). # وفي الحديث دلالة على أنه يستحب لمن عليه دين من قرض أو غيره أن يرد أجود ~~من الذي عليه، وأن ذلك من مكارم الأخلاق المحمودة في العرف وفي الشرع، وليس ~~هذا من القرض الذي يجر نفعا؛ لأنه لم يكن بشرط من المقرض، وإنما ذلك تبرع ~~من المستقرض، وظاهره العموم للزيادة في الصفة وفي العدد، وهو مذهب الجمهور، ~~والخلاف لمالك أن الزيادة في العدد لا تحل وأنها منهي عنها، والله أعلم. # 695 - وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"كل قرض جر منفعة فهو ربا". رواه الحارث بن أبي أسامة (¬3)، وإسناده ساقط، ~~وله شاهد ضعيف عن ms1206 فضالة بن عبيد عند البيهقي (¬4)، [وآخر PageV06P240 # موقوف عن] (أ) عبد الله بن سلام عند البخاري (¬1). # الحديث في إسناده سوار بن مصعب وهو متروك (¬2)، وحديث فضالة أخرجه ~~البيهقي في "المعرفة" (¬3) موقوفا بلفظ: كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه ~~الربا. ورواه في "السنن الكبير" (¬4) عن ابن مسعود وأبي بن كعب وعبد الله ~~بن سلام وابن عباس موقوفا عليهم. # والحديث محمول على أن المنفعة مشروطة من المقرض أو في حكم المشروطة، وأما ~~لو كانت تبرعا من المقترض فلا منع من ذلك؛ جمعا بينه وبين الحديث الذي مر، ~~والله أعلم. # هذان الحديثان محلهما قبل الكلام على الرهن. PageV06P241 ### || AUTO باب التفليس والحجر # التفليس: مصدر فلبسه؛ أي نسبه إلى الإفلاس الذي هو مصدر أفلس، أي صار إلى ~~حالة يقال: ليس معه فلس. والحجر: مصدر حجر، ومعناه في اللغة: المنع ~~والتضييق، وفي الشرع: أن يقول الحاكم للمديون: حجرت عليك التصرف في مالك. # 696 - عن أبي بكر بن عبد الرحمن عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من أدرك ماله بعينه عند رجل قد ~~أفلس فهو أحق به من غيره". متفق عليه (¬1). ورواه أبو داود ومالك (¬2) من ~~رواية أبي بكر ابن عبد الرحمن مرسلا بلفظ: "أيما رجل باع متاعا وأفلس الذي ~~ابتاعه، ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئا، فوجد متاعه بعينه فهو أحق به، ~~وإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء (¬3) ". ووصله البيهقي (¬4) ~~وضعفه تبعا لأبي داود. وروى أبو داود وابن ماجه (¬5) من رواية عمر بن خلدة ~~قال: أتينا PageV06P243 # أبا هريرة في صاحب لنا قد أفلس، فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به". صححه ~~الحاكم (¬1)، وضعفه أبو داود وهذه الزيادة في ذكر الموت. # هو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام الخزومي، اسمه كنيته، وقيل: ~~إن اسمه أبو بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن. قاضي المدينة، تابعي، سمع عائشة ~~وأبا هريرة، روى ms1207 عنه الشعبي والزهري (¬2). # الحديث فيه دلالة على أن البائع إذا أفلس المشتري ولم يقدر على تسليم ثمن ~~ما اشتراه أنه أحق بالمبيع، فيأخذه دون سائر الغرماء إذا كان له غرماء، ~~وذلك لأن: "من أدرك ماله". عام لما كان قد خرج عن ملكه ببيع أو قرض أو كان ~~وديعة، إلا أن الوديعة لا يحتاج إلى ذكرها؛ لأن المال باق على ملك المالك، ~~سواء كان الوديع مفلسا أو غير مفلس، وهو إجماع. # وأما القرض، فإذا أقرض وانكشف له إعسار المقترض؛ فذهب الشافعي وآخرون إلى ~~أن المقرض أولى بماله وله استرجاعه، وذهب غيرهم إلى أن ذلك الحكم يختص ~~بالبيع، ولفظ هذه الرواية وإن كان فيه عموم، فقد وقع التصريح في غيرها بلفظ ~~البيع، وقد صرح به سفيان في "جامعه" (¬3)، وأخرجه من طريقه (أ) ابن خزيمة ~~وابن حبان وغيرهما (¬4) عن يحيى بن سعيد PageV06P244 # بإسناد الحديث المذكور، ولفظه: "إذا ابتاع الرجل سلعة ثم أفلس وهي عنده ~~بعينها فهو أحق بها من الغرماء". ولابن حبان (¬1) من طريق هشام بن يحيى ~~المخزومي عن أبي هريرة بلفظ: "إذا أفلس الرجل فوجد البائع سلعته". والباقي ~~مثله. ولمسلم (¬2): إذا وجد عنده المتاع "أنه لصاحبه الذي باعه". وفي مرسل ~~ابن أبي مليكة عند عبد الرزاق (¬3): "من باع سلعة من رجل لم ينقده، ثم أفلس ~~الرجل، فوجدها بعينها فليأخذها من بين الغرماء". فالحديث وارد في صورة ~~البيع، وتحمل الرواية العامة على الصورة الخاصة، إلا أن قول الأكثر من ~~الأصوليين أن الخاص الموافق للعام في الحكم لا يخصص العام. [وضعف] (أ) هذا ~~الجواب، ولا يتم إلا على قول أبي ثور، وقياس القرض على البيع لا يتم؛ لأن ~~القرض شرعيته لدفع الحاجة، ولا يكون ذلك في الأغلب إلا مع الإفلاس، فلو كان ~~مثل البيع لم يستقرض أحد في الأغلب، بخلاف البيع فإن البائع إنما يبيع ~~ليقبض الثمن، والمشتري كذلك إنما يشتري (ب) ليسلم الثمن، فإذا انكشف معسرا ~~لم يحصل الغرض المقصود من البيع. # وقوله: "بعينه". يدل على أنه إذا كان المال قد تغير في ms1208 صفة من الصفات أو ~~بزيادة أو نقصان فليس صاحبه الأول أولى به، بل يكون فيه أسوة الغرماء، وذهب ~~الهدوية والشافعي إلى أنه إن تغيرت صفته بعيب فللبائع PageV06P245 # أخذه، ولا أرش [يلزم] (أ) له، وإن تغيرت بزيادة كان للمشتري غرامة تلك ~~الزيادة؛ وهي ما أنفق عليه حتى حصلت، وكذلك الفوائد للمشتري ولو كانت ~~متصلة، لأنها نماء حادث في ملكه، و [يلزم له] (ب) قيمة ما لا حد لبقائه ~~كالشجر إذا غرسها، وإبقاء ما له حد بلا أجرة كالزرع، وكذلك [إذا نقصت] (ج) ~~العين بأن هلك بعضها فله أخذ الباقي بحصته من الثمن، وهو يتناوله لفظ ~~الحديث؛ لأن الباقي مبيع باق بعينه، وقيل: إنه يرجع بجميع الثمن. ولا دلالة ~~في لفظ الحديث في كيفية الرجوع، وحديث أبي بكر بن عبد الرحمن المرسل قد ~~وصله أبو داود (¬1) من طريق أخرى وفيها إسماعيل بن عياش (¬2)، إلا إنه رواه ~~عن الزبيدي وهو شامي، قال أبو داود: المرسل أصح. وقد وصله عبد الرزاق في ~~"مصنفه" (¬3) عن مالك، لكن المشهور عن مالك إرساله، وكذا عن الزهري، وقد ~~وصله [الزبيدي] (د) عن الزهري. # قال المصنف رحمه الله (¬4): واختلف على إسماعيل فيه، فأخرجه ابن الجارود ~~من وجه آخر (¬5) عنه عن موسى بن عقبة عن الزهري موصولا، وقال PageV06P246 # الشافعي (¬1): هو منقطع. وقال البيهقي (¬2): لا يصح وصله. وذكر ابن حزم ~~(¬3) أن عراك بن مالك رواه أيضا عن أبي هريرة، وفي "غرائب مالك" وفي ~~"التمهيد" (¬4) أن بعض أصحاب مالك وصله عنه. # وأخرج ابن أبي شيبة (¬5) عن عمر بن عبد العزيز قال: قضى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أنه أحق به من الغرماء، إلا أن يكون اقتضى من ماله شيئا ~~فهو أسوة الغرماء. # وفيه دلالة على أن البائع إذا كان قد قبض بعض الثمن فليس له حق في ~~استرجاع المبيع، بل يكون أسوة الغرماء، وقد أخذ بهذا جمهور العلماء، وذهبت ~~الهدوية -والقول الراجح للشافعي- إلى أنه أحق به وإن قد قبض بعض الثمن، ~~يعني يأخذ بقدر ما بقي من الثمن، ولعل الشافعي لما ms1209 لم يصح له هذا الحديث ~~رجع إلى عموم حديث الباب المتفق على صحته ولم يفرق فيه بين قبض بعض الثمن وغيره. # وفي قوله: "أو مات" إلخ. فيه دلالة على أنه إذا مات المشتري قبل أن يسلم ~~الثمن. فالبائع أولى بالمتاع، وظاهره: ولو خلف وفاء. وقد ذهب إلى هذا ~~الشافعي، واحتج بما رواه (¬6) من طريق عمر بن خلدة قاضي المدينة، قال: وهو ~~حديث حسن يحتج بمثله. وقد أخرجه أحمد (¬7) أيضا. وقد زاد PageV06P247 # بعضهم في [آخره] (أ): "إلا أن يترك صاحبه وفاء" (¬1). # قال الشافعي (¬2): يحتمل أن تكون الزيادة من رأي أبي بكر بن عبد الرحمن ~~(¬3)؛ لأن الذين وصلوه عنه لم يذكروا قضية الموت، وكذلك الذين رووه عن أبي ~~هريرة، بل في رواية عمر بن خلدة التسوية بين الموت والإفلاس، فتعين المصير إليه. # وجزم ابن العربي (¬4) بأن الزيادة التي في مرسل مالك من قول الراوي. # وذهب مالك وأحمد إلى أنه إذا مات وهو مفلس فالمتاع أسوة الغرماء، وقد ورد ~~في مرسل مالك (¬5): "وإن مات الذي ابتاعه فصاحب المتاع فيها أسوة الغرماء". ~~وفرق بين الفلس (ب) والموت بأن الميت خربت ذمته وليس للغرماء محل رجعون ~~إليه، فاستووا في ذلك، بخلاف الفلس. وظاهر كلام الهدوية والمؤيد وغيرهم أن ~~الميت إذا خلف الوفاء لم يكن صاحب المتاع أولى به، بل الورثة، ويسلمون ~~الثمن من التركة. والحديث يرد عليهم، وتأويله PageV06P248 # بأنه إذا لم يخلف الوفاء يبعد عطف الموت على الإفلاس، فإن ظاهره أن ذلك ~~سبب مستقل من دون إفلاس، وإذا أراد الغرماء أو الورثة إعطاء صاحب السلعة ~~الثمن؛ فقال مالك: يلزمه القبول. وقال الشافعي وأحمد: لا يلزمه ذلك؛ لما ~~فيه من المنة، ولأنه ربما ظهر غريم آخر يزاحمه فيما أخذ. وأغرب ابن التين ~~(¬1) وحكى عن الشافعي أنه قال: لا يجوز له ذلك وليس له إلا سلعته. والخلاف ~~في أصل المسألة للحنفية فقالوا: إن البائع وغيره على سواء في أن المتاع ~~يكون أسوة الغرماء. قالوا: والحديث لا يحمل على ظاهره، بل يجب تأويله بما ~~إذا كان المتاع وديعة ms1210 أو عارية أو لقطة؛ لكونه خبر واحد خالف الأصول، لأن ~~السلعة صارت بالبيع ملكا للمشتري ومن ضمانه، واستحقاق البائع أخذها منه نقض ~~لملكه. وأجيب عن ذلك بأنه لو كان المقصود ما ذكر في التأويل لم يقيد بالفلس ~~ولا جعل "أحق بها" بصيغة التفضيل المقتضية للمشاركة في الحقية، ولا يتصور ~~التأويل هذا فيما تقدم من رواية سفيان: "إذا ابتاع الرجل". فذلك نص في ~~البيع، فكيف يصح حمله على الوديعة ونحوها؟ وتأوله بعض الحنفية بتأويل أقرب ~~وهو ما إذا أفلس قبل أن يقبض المتاع، ورد عليه بقوله: "عند رجل". في الحديث ~~المصدر، فإنه يدل على أن المتاع قد صار في غير يد صاحبه الأول، وقولهم: إنه ~~خبر واحد. غير صحيح، فإنه مشهور، فقد روى ابن حبان (¬2) ذلك من حديث ابن ~~عمر وإسناده صحيح، وأخرجه أحمد وأبو داود (¬3) من حديث سمرة وإسناده حسن، ~~وقضى به عثمان (¬4) وعمر بن عبد العزيز (¬5)، فخرج عن PageV06P249 # كونه فردا غريبا. وقال ابن المنذر: إنه لا يعرف لعثمان مخالف من الصحابة. ~~وتعقب بما رواه ابن أبي شيبة (¬1) عن علي أنه أسوة الغرماء. وأجيب عنه بأنه ~~اختلف على علي في ذلك ولم يختلف على عثمان، ويلتحق بذلك المؤجر، فيرجع مكري ~~الدابة والدار إلى عين (أ) دابته وداره، وهذا هو الوجه الصحيح عند الشافعية ~~والمالكية، وإدراج الإجارة في هذا الحكم يتوقف على أن المنافع يطلق عليها ~~اسم المتاع أو المال، أو يقال: اقتضى الحديث أن يكون أحق بالعين. ومن لوازم ~~ذلك الرجوع في المنافع، فثبت بطريق اللزوم. # واستدل بالحديث على حلول الدين المؤجل بالفلس؛ من حيث إن صاحب الدين أدرك ~~متاعه بعينه فيكون أحق به، ومن لوازم ذلك أنه يجوز له المطالبة بالمؤجل، ~~وهو قول الجمهور، وعند الهدوية، وهو الراجح عند الشافعية، أن المؤجل لا يحل ~~بذلك؛ لأن الأجل حق مقصود له فلا يفوت، وعلى هذا القول قال بعض المفرعين: ~~إنه يقضي ماله أهل الديون الحالة، وحق أهل المؤجل في ذمته، بخلاف ما إذا ~~مات، فإنه يعزل حصة أهل المؤجل؛ لأنه ms1211 لا ذمة له. # وقال بعضهم: بل يعزل نصيب أهل المؤجل إلى وقت حلول الأجل؛ لأن دينه قد ~~دخل ضمنا في الحجر، فكان كالمعجل، وللمدين حق في التأخير، وله فائدة؛ لو ~~أيسر ورأى الحاكم رجوع ذلك إليه، لا سيما حيث كان من غير الجنس، وقد يكون ~~انقضاء الأجل يسيرا، ويعرف الحاكم أنه لا معنى لذلك، فله دفعه إليه، لا ~~سيما حيث كان يخشى عليه، فيكون PageV06P250 # بنظرة. وبني على هذا في "الأثمار" و "البحر"، واستدل به على أن لصاحب ~~المتاع أن يأخذ متاعه من دون حكم، وهو الأصح من قول العلماء، والقول الآخر ~~يتوقف (أ) على حكم الحاكم كما يتوقف ثبوت الفلس. # واستدل به على فسخ المبيع إذا امتنع المشتري من أداء الثمن مع قدرته بمطل ~~أو هرب؛ قياسا على الفلس بجامع تعذر الوصول إليه حالا، والأصح من أقوال ~~العلماء أنه لا يفسخ، واستدل به على أن الرجوع إنما يقع في عين المتاع دون ~~زوائده؛ لأنها حدثت على ملك المشتري وليست بمتاع البائع. # 697 - وعن عمرو بن الشريد عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لي الواجد يحل عرضه وعقوبته". رواه أبو داود والنسائي، وعلقه ~~البخاري، وصححه ابن حبان (¬1). # هو عمرو بن الشريد، بفتح الشين المعجمة وكسر الراء، بن سويد الثقفي، ~~تابعي، عداده في أهل الطائف، سمع ابن عباس، وأباه، وأبا رافع مولى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، روى عنه صالح بن دينار، وإبراهيم بن ميسرة، ~~[ومحمد بن ميمون] (ب). # وأخرج الحديث أيضا أحمد وابن ماجه والحاكم والبيهقي (¬2)، وقال PageV06P251 # الطبراني في "الأوسط" (¬1): لا يروى عن الشريد إلا بهذا الإسناد، تفرد به ~~ابن أبي دليلة. # وقوله: "لي الواجد". هو بفتح اللام والياء المشددة، مصدر من لوى يلوي؛ أي ~~مطل. و "الواجد" بالجيم: الغني، من الوجد، بالضم، أي القدرة. و "يحل" بضم ~~الياء أي يجوز. وقد فسر البخاري حل العرض بما علقه عن سفيان، قال: يقول: ~~مطلني، وعقوبته حبسه. ووصله البيهقي (¬2) من طريق الفريابي، وهو من شيوخ ~~البخاري، عن سفيان ms1212 بلفظ: عرضه؛ أن يقول: مطلني حقي. وعقوبته أن يسجن. وقال ~~إسحاق (¬3): فسر سفيان عرضه أذاه بلسانه. وقال أحمد، لما رواه عن وكيع ~~بسنده، قال وكيع: عرضه شكايته. وقال كل منهما: وعقوبته حبسه. # واستدل به على مشروعية حبس المدين إذا كان قادرا على الوفاء؛ تأديبا له ~~وتشديدا عليه. وهو حجة لأبي حنيفة وزيد بن علي أنه يحبس حتى يقضي دينه، ولا ~~يحجر عليه. وأجاز الجمهور الحجر وبيع الحاكم عليه ماله، وسيأتي في حديث ~~معاذ (¬4). # ويدل الحديث بالمفهوم أن المعسر ليه لا يحل شيئا من ذلك، وهو قول ~~الجماهير من العلماء. وحكي عن شريح حبسه حتى يقضي الدين وإن كان قد ثبت ~~إعساره (¬5). وعن أبي حنيفة ملازمته. وقوله تعالى: {فنظرة إلى ميسرة} (¬6). ~~رد عليهم. PageV06P252 # واختلف العلماء في مطل الواجد هل يبلغ إلى حد الكبيرة فيفسق الماطل وترد ~~شهادته بمطله مرة واحدة؟ فذهب الهدوية إلى أنه يفسق بذلك. واختلفوا في قدر ~~ما يفسق؛ فذهب الجمهور منهم إلى أنه يفسق بمطل عشرة دراهم فما فوق؛ قياسا ~~على نصاب السرقة، وفي كلام الهادي وولده أحمد ما يقضي بأنه يفسق بدون ذلك، ~~وكذلك المالكية والشافعية، إلا أنهم ترددوا في اشتراط التكرار، ومقتضى مذهب ~~الشافعي اشتراطه، والله أعلم. # 698 - وعن أبي سعيد الخدري قال: أصيب رجل في عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في ثمار ابتاعها فكثر دينه، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "تصدقوا عليه". فتصدق الناس عليه ولم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لغرمائه: "خذوا ما وجدتم وليس لكم إلا ~~ذلك". رواه مسلم (¬1). # تقدم الكلام في ضمان الثمرة إذا أصيبت (¬2)، والجمع بين هذا وحديث جابر ~~وقوله: "فلا يحل لك أن تأخذه". أن هذا على جهة الاستحباب والحث على جبر من ~~حدث عليه حادث، ويدل أيضا قوله: "وليس لكم إلا ذلك". على أن الثمرة غير ~~مضمونة، إذ لو كانت مضمونة لقال: وما بقي نظرة إلى ميسرة. أو نحو ذلك؛ إذ ~~الدين لا يسقط بإعسار المدين، وإنما تتأخر عنه ms1213 المطالبة في الحال، ومتى ~~أيسر وجب عليه القضاء، والله أعلم. # 699 - وعن ابن كعب بن مالك عن أبيه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~حجر على معاذ ماله وباعه في دين كان عليه. رواه الدارقطني وصححه PageV06P253 # الحاكم، وأخرجه أبو داود مرسلا (¬1) ورجح [إرساله] (أ). # ابن كعب اسمه عبد الرحمن، كذا سماه عبد الرزاق. # أخرجه الدارقطني والحاكم والبيهقي (¬2) من طريق هشام بن يوسف عن معمر عن ~~الزهري عن ابن كعب بن مالك، وخالفه عبد الرزاق (¬3) وعبد الله بن المبارك ~~(¬4) عن معمر فأرسلاه، قال عبد الحق: المرسل أصح من المتصل. # وقال ابن الطلاع في "الأحكام" (¬5): هو حديث ثابت، وكان ذلك في سنة تسع، ~~وجعل لغرمائه خمسة أسباع حقوقهم، فقالوا: يا رسول الله، بعه لنا. قال: "ليس ~~لكم إليه سبيل". # وأخرجه البيهقي (¬6) من طريق الواقدي، وزاد أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بعثه بعد ذلك إلى اليمن ليجبره. وزاد (ب) الطبراني في "الكبير" (¬7) ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما حج بعث معاذا إلى اليمن، وأنه أول من ~~تاجر في مال الله. # الحديث فيه دلالة على أن المدين يحجر عليه الحاكم التصرف في ماله PageV06P254 # ويبيعه عنه لقضاء الغرماء، وهو حكاية فعل عرف وجهه، فيتأسى بالنبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فيه، وظاهر القصة أنه كان ماله مستغرقا بالدين، فإذا ~~اقتصر على قدر ما ورد لم يكن الحجر إلا على المستغرق ماله، ولكنه إذا ظهر ~~المقتضي المناسب جاز الإلحاق، والمقتضي لذلك هو عدم مسارعة المدين بالقضاء، ~~وهو حاصل مع من استغرق ماله، ومن لم يستغرق فيلحق به، وقد ذهب إلى هذا ~~جمهور العترة والشافعي وأبو يوسف ومحمد. وقال زيد بن علي والناصر وأبو ~~حنيفة: إنه لا يحجر ولا يبيع، وإنما الواجب أن يحبس حتى يقضي دينه. قالوا: ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" ~~(¬1). وقوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض} (¬2). ومقتضى الحجر والبيع ~~إخراج المال من دون طيبه، ولم يكن تجارة عن تراض، وحديث معاذ ms1214 حكاية فعل، ~~وأيضا فإنه مرسل. وأجيب بأن ذلك عموم، وحديث معاذ خاص، وأن الفعل إذا ظهر ~~وجهه فهو حجة كالقول، وقد ظهر هنا وهو أنه فعل لدفع الخصومة واستيفاء الحق، ~~فكان ظاهره الوجوب على الحاكم أن يفعل ذلك لما ذكر، وقد يجاب عن ذلك بأن ~~حجر النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما كان لطلب من معاذ من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لما فعله، وقد روى ذلك إمام الحرمين في "النهاية" (¬3)، ~~قال: قال العلماء: [ما] (أ) كان في حجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~على معاذ من جهة استدعاء غرمائه، والأشبه أن ذلك جرى باستدعائه. وتبعه ~~الغزالي (¬4) في ذلك، وقد روى الدارقطني (¬5) أن معاذا أتى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فكلمه ليكلم غرماءه، ولكن هذا لا يدل على ما ذكر؛ لأن PageV06P255 # تكليم الغرماء ظاهره ليس لطلب الحجر، وإنما هو لأجل الإنظار والتحلل منهم ~~إلى وقت اليسار، وما ادعاه إمام الحرمين هو خلاف ما صح من الروايات ~~المشهورة، فإن في "مراسيل (أ) أبي داود" التصريح بأن الغرماء هم الذين ~~طلبوا ذلك. وفي هذا دلالة على أنه لا يحجر الحاكم حتى يطلب الغرماء ذلك في ~~دين مؤجل إذ الحق لهم، وقال الشافعي: يصح قبل الطلب لمصلحة. وذكر بعض ~~الهدوية أنه يصح في المؤجل إذا رأى الحاكم في ذلك صلاحا، وقال أبو جعفر: ~~الدين المؤجل كالمعدوم حتى يحل الأجل. قال المؤيد بالله: ويصح الحجر قبل ~~التثبيت بالدين مدة قريبة. وقدرها المهدي في "البحر" ثلاثة أيام. # ويؤيد شرعية الحجر ما وقع من عمر في حق أسيفع جهينة وهو ما أخرج مالك في ~~"الموطأ" (¬1) بسند منقطع أن رجلا من جهينة كان يشتري الرواحل فيغالي بها؛ ~~فيسرع المسير فيسبق الحاج، فأفلس فرفع أمره إلى عمر بن الخطاب فقال: أما ~~بعد أيها الناس، فإن الأسيفع أسيفع جهينة قد رضي من دينه وأمانته أن يقال: ~~سبق الحاج. وفيه: ألا إنه ادان معرضا (¬2)، فأصبح وقد رين به -أي أحاط به ~~الدين- فمن كان له عليه دين؛ فليأتنا بالغداة ms1215 فنقسم ماله بين غرمائه، ثم ~~إياكم والدين فإن أوله هم وآخره حرب (¬3). PageV06P256 # وقد وصله الدارقطني (¬1) عن بلال بن الحارث عن عمر، المتروك في حديث ~~مالك، وكذا عند ابن أبي شيبة (¬2). وأخرج البيهقي (¬3) القصة من طريق مالك ~~وقال: رواه ابن علية عن أيوب قال: نبئت (1) عن عمر. فذكر نحوه، وقال فيه: ~~فقسم ماله بينهم بالحصص. وقد أخرجه عبد الرزاق (¬4) عن معمر عن أيوب. ورواه ~~الدارقطني (¬5) في "غرائب مالك" بإسناد متصل، (ب وهذا واقع في محضر من ~~الصحابة ولم ينكر عليه أحد فدل على أن ذلك كان معلوما عندهم معروف الحال إذ ~~لو كان ابتداء نظر لطلب من الناس الاجتهاد كما كانت عادة عمر رضي الله عنه ب). # واعلم أن ظاهر الحديث أنه لا يمهل المدين مع وجود المال، وقد ورد في حديث ~~جابر أخرجه البخاري (¬6) أن أباه قتل يوم أحد شهيدا وعليه دين، فاشتد ~~الغرماء في [حقوقهم] (ج) فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فسألهم أن ~~يقبلوا ثمر PageV06P257 # حائطي ويحللوا أبي، فأبوا فلم يعطهم النبي - صلى الله عليه وسلم - حائطي، ~~وقال: "سنغدو عليك". فغدا علينا حين أصبح، فطاف في النخل ودعا في ثمرها ~~بالبركة، [فجددتها] (أ) فقضيتهم وبقي لنا من ثمرها. وبوب البخاري (¬1) على ~~ذلك: باب من أخر الغريم إلى الغد أو نحوه ولم ير ذلك مطلا، وزاد في رواية: ~~فلم يعطهم الحائط ولم يكسر لهم. فهو يدل على أن انتظار حصول الغلة والتمكن ~~منها [لا يعد مطلا] (ب) وعلى أن من كان له دخل ينظر إلى دخله وإن طالت ~~مدته؛ إذ لا فرق بين المدة الطويلة والقصيرة في حق الآدمي، ومن لا دخل له ~~لا ينظر، ويبيع الحاكم ماله لأهل (ج) الدين. وبهذا يجمع بين الأدلة، ويؤيد ~~هذا ما ذكره الرازي في "مفاتح الغيب" (¬2) وغيره من المفسرين في قوله ~~تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} (¬3). أن الآية نزلت في بني ~~المغيرة؛ لما سألهم الأربعة الإخوة من ثقيف قضاء الدين وطلبوا الإمهال إلى ~~إدراك الغلة، فأبوا، فنزلت الآية، وإن ms1216 كانت الآية محتملة أن تكون مختصة ~~بدين الربا وأن الضمير في قوله تعالى: (وإن كان ذا عسرة) في قراءة عثمان ~~(¬4)، عائد إلى من عليه المال المذكور، كما ذهب إليه شريح PageV06P258 # وابن عباس (¬1) والضحاك والسدي وإبراهيم النخعي؛ أن الآية مختصة بالربا، ~~وروي أن شريحا حبس المدين فقيل له: إنه معسر. فقال: ذلك في الربا. وقراءة ~~الجمهور: {وإن كان ذو عسرة}. والمعنى: وإن وجد أو ثبت ذو عسرة. فسياق ~~الآية. وإن كان في الربا، إلا أن غير الربا مشارك في المعنى، فهو إما بالنص ~~إذا اعتبر عموم المعسر، أو من باب القياس إذا اعتبر خصوص دين الربا، وأن ~~الإنظار إلى الميسرة وهو إدراك الغلة معتبر في الجميع، وقريب من هذا ما ~~ذكره بعض المتأخرين من (أ) المفرعين على مذهب الهادي، أنه يمهل من عليه ~~الدين الأيام التي تعرض سلعته للبيع فيها بالقيمة، ولا يجب عليه أن يبيع ~~بدون ذلك، حيث يمكن البيع من دون غبن (ب). # 700 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: عرضت على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة فلم يجزني، وعرضت عليه يوم الخندق ~~وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني. متفق عليه (¬2)، وفي رواية للبيهقي (¬3): ~~فلم يجزني ولم يرني بلغت. وصححها ابن خزيمة. # الحديث فيه دلالة على أن البلوغ يثبت بخمس عشرة سنة، وهو مذهب الجمهور ~~قالوا: وباستكمال خمس عشرة سنة يصير مكلفا وإن لم يحتلم، فتجري عليه ~~الأحكام من وجوب العبادات وغيرها، ويستحق سهم الرجل PageV06P259 # من الغنيمة، ويقتل إن كان محاربا. # وفيه دليل على أن الخندق كانت سنة أربع من الهجرة وهو الصحيح، وقال جماعة ~~من أهل التواريخ والسير: كانت سنة خمس. وهذا الحديث يرد؛ لأنهم أجمعوا على ~~أن أحدا كانت سنة ثلاث، فيكون الخندق سنة أربع؛ لأنه جعلها في هذا الحديث ~~بعدها بسنة. # وقوله: فأجازني. وقوله: فلم يجزني. المراد بالإجازة جعل له حكم الرجال ~~المقاتلين، ووجه ذكر الحديث هنا أن الصغير الذي لم يبلغ ليس له حكم البالغ، ~~فيندرج ms1217 في ذلك عدم نفوذ معاملاته وعقوده، والله أعلم. # 701 - وعن عطية القرظي رضي الله عنه قال: عرضنا على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يوم قريظة وكان من أنبت قتل، ومن لم ينبت خلي سبيله، فكنت فيمن ~~لم ينبت فخلي سبيلي. رواه الأربعة وصححه ابن حبان والحاكم (¬1). # هو عطية القرظي من سبي بني قريظة قال ابن عبد البر (¬2): لم أقف على اسم ~~أبيه. رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - وسمع منه، روى عنه مجاهد بن جبر ~~وعبد الملك بن عمير. # الحديث أخرجه أصحاب "السنن" من حديث عبد الملك بن عمير عنه بلفظ: ومن لم ~~ينبت لم يقتل. وفي رواية: جعل في السبي. وللترمذي: PageV06P260 # خلي سبيله. وله طرق أخرى عن عطية، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم وقال: ~~على شرط "الصحيحين". وهو كما قال إلا أنهما لم يخرجا لعطية، وما له إلا هذا ~~الحديث الواحد. والحديث فيه دلالة على أن الإنبات يحصل به البلوغ، ويجري ~~على من أنبت أحكام المكلفين والله أعلم. # ولم يذكر المصنف الحجر للتبذير والسفه، وقد قال به الشافعي وأبو يوسف ~~ومحمد، وهو مذهب مالك وجماهير العلماء فقالوا: يجب الحجر لأجلهما. وقال ~~البيهقي في "السنن الكبري" (¬1)، في باب الحجر على البالغين بالسفه، أن عبد ~~الله بن جعفر اشترى أرضا بستمائة ألف درهم، فهم علي وعثمان أن يحجرا عليه. ~~قال: فلقيت الزبير فقلت: ما اشترى أحد بيعا أرخص مما اشتريت. قال: فذكر له ~~عبد الله الحجر. قال: لو أن عندي مالا لشاركتك. قال: فإني أقرضك نصف المال. ~~قال: فإني شريكك. فأتاهما علي وعثمان وهما يتراوضان. قال: ما تراوضان؟ ~~فذكرا له الحجر على عبد الله بن جعفر، فقال: أتحجران (أ) على رجل أنا ~~شريكه؟! وفي رواية: فقال عثمان: كيف أحجر على رجل في بيع شريكه فيه (ب) ~~الزبير؟! قال الشافعي رحمه الله تعالى: لا يطلب الحجر إلا وهو يراه، ~~والزبير لو كان الحجر باطلا قال: لا يحجر على بالغ حر. وكذلك عثمان، بل ~~كلهم يعرف الحجر. ثم ذكر قصة عائشة حين هم ms1218 عبد الله بن الزبير بالحجر ~~عليها، فنذرت ألا تكلمه إلخ. رواه البخاري في "صحيحه" (¬2) عن أبي اليمان. ~~فهذه عائشة لا تنكر PageV06P261 # الحجر، وابن الزبير يراه. وقد كان الحجر معروفا على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من غير أن يروى عنه إنكاره. ثم ذكر الذي كان يبتاع على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي عقدته ضعف، فأتى أهله فقالوا: يا ~~نبي الله، احجر على فلان. إلى آخر ما ذكر (¬1) رحمة الله عليه. وقال زيد بن ~~علي وأبو حنيفة: لا يحجر بذلك. قال ابن القصار وغيره: الصحيح الأول وكأنه ~~إجماع. قال النواوي (¬2): والصغير لا ينقطع عنه حكم اليتم بعلو السنن، ولا ~~بمجرد البلوغ، بل لا بد أن يظهر منه الرشد في دينه وماله. وقال أبو حنيفة: ~~إذا بلغ خمسا وعشرين سنة زال عنه حكم الصبيان وصار رشيدا يتصرف في ماله، ~~ويجب تسليمه إليه وإن كان غير ضابط له. والله أعلم. # 702 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "لا تجوز لامرأة عطية إلا بإذن زوجها". وفي لفظ: "لا يجوز ~~للمرأة أمر في مالها إذا ملك زوجها عصمتها". رواه أحمد وأصحاب "السنن" إلا ~~الترمذي وصححه الحاكم (2). # الحديث فيه دلالة على أن المرأة محجورة عن التصرف في مالها إذا كانت ~~مزوجة إلا فيما أذن لها فيه الزوج، وهذا صريح في الرواية الثانية لزيادة ~~لفظ: "في مالها". وقد ذهب إلى هذا طاوس ولو كانت رشيدة، وأما إذا كانت ~~سفيهة ففيها ما تقدم من الحجر بالسفه، وذهب مالك إلى أن تصرفها PageV06P262 # من الثلث، وذهب الليث إلى أنه لا يجوز تصرفها إلا في الشيء التافه، وذهب ~~الجمهور إلى أنه لا حجر عليها في مالها، وأدلة الجمهور كثيرة من الكتاب ~~والسنة؛ إلا أنها عموم وهذا خاص، والجمع بين العام والخاص هو الواجب. قال ~~ابن بطال (¬1): إن الأحاديث التي أوردها البخاري في صحة تصرف المرأة بغير ~~إذن زوجها حملها مالك على الشيء اليسير وجعل حده الثلث ms1219 فما دونه. والله أعلم. # 703 - وعن قبيصة بن مخارق قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة؛ رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى ~~يصيبها ثم يمسك، ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب ~~قواما من عيش، ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد ~~أصابت فلانا فاقة فحلت له المسألة". رواه مسلم (¬2). # الحديث قد تقدم بلفظه في باب قسمة الصدقات، وهو أليق به من هذا، ولا ~~مناسبة لإيراده هنا، فليرجع في شرحه إلى ذلك الباب (¬3)، ولعل وجه ذكره أن ~~الرجل الذي تحمل الحمالة قد لزمه دين، ولا يكون له حكم المفلس في الحجر ~~عليه بل يترك حتى يسأل الناس فيقصي دينه، وهذا الحكم مستقيم على القواعد ~~إذا لم يكن قد ضمن بذلك المال، والله أعلم. PageV06P263 ### || AUTO باب الصلح # أعلم أن الصلح له أقسام (أ): صلح المسلم مع الكافر، والصلح بين الزوجين، ~~والصلح بين الفئة الباغية والعادلة، والصلح بين المتغاضبين كالزوجين، ~~والصلح في الجراح كالعفو على مال، والصلح لقطع الخصومة إذا وقعت في الأملاك ~~والحقوق، وهذا القسم هو المراد هنا، وهو ما يذكره أهل الفروع في ### || AUTO باب الصلح # . # 704 - عن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا أو أحل حراما، ~~والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم حلالا أو أحل حراما". رواه الترمذي ~~وصححه، وأنكروا عليه؛ لأن راويه كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف ضعيف (¬1) ~~وكأنه اعتبره بكثرة طرقه، وقد صححه ابن حبان من حديث أبي هريرة (¬2). # كثير المذكور أكذبه الشافعي (¬3)، وتركه أحمد، وقال في "الميزان" (¬4) عن ~~ابن حبان: له عن أبيه عن جده نسخة موضوعة. قال: ولهذا لم يعتمد PageV06P265 # العلماء على تصحيح الترمذي؛ لكونه صحح حديثه، وقد قال الشافعي وأبو داود: ~~هو ركن من أركان الكذب. وابن حبان والحاكم (¬1) أخرجاه من طريق الوليد بن ~~رباح عنه، ورواه ms1220 أحمد أيضا (¬2) من حديث سليمان بن بلال عن العلاء عن أبيه ~~عن أبي هريرة دون الاستثناء، وأخرجه البيهقي في "المعرفة" (¬3) من طريق أبي ~~(أ) العوام البصري موقوفا على عمر كتبه إلى أبي موسى. ورواه (¬4) في ~~["السنن"] (ب) من طريق أخرى إلى سعيد بن أبي بردة قال: هذا كتاب عمر إلى ~~أبي موسى. فذكره فيه. # والحديث فيه دلالة على شرعية الصلح وندبه، وكيف وفي ذلك قوله تعالى: {أو ~~إصلاح بين الناس} (¬5). ومعناه لغة: قطع النزاع، وشرعا كذلك: هو عقد وضع ~~[لرفع] (ج) النزاع بين المتخاصمين. # وقوله: "جائز". يدل على أن وضعه مشروط فيه المراضاة، وليس بحكم لازم حتى ~~يقضي به وإن لم يرض الخصم. وخص (د) المسلمين بالذكر؛ لأنهم هم المنقادون ~~للأحكام، المعتبرون لتعريف الحلال والحرام، PageV06P266 # وإن كان غيرهم من الكفار كذلك تعتبر أحكام الصلح فيما بينهم، وظاهر ~~الحديث عموم صحة الصلح سواء كان قبل إيضاح الحق للخصم أو بعده، كما في ~~حكومة الزبير والأنصاري (¬1)؛ فإن ظاهر القصة أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يكن قد أبان للزبير ما يستحقه وأمره بأن يأخذ بعض ما يستحقه، ثم ~~أبان الأمر لما لم يقبل الأنصاري الصلح وطلب مر الحق، ولا يكون الصلح فيما ~~بين المتخاصمين إلا هكذا، وأما بعد إبانة الحق فإنما هو طلب صاحب الحق أن ~~يحل صاحبه بعض الحق الذي له، وقد ذهب إلى هذا الفقهاء الثلاثة أبو حنيفة ~~ومالك وأحمد، والخلاف في ذلك للعترة والشافعي فقالوا: لا يصح الصلح مع ~~الإنكار، ومعنى أنه لا يصح، هو انه لا يطيب مال الخصم مع إنكار (1) ~~المصالح، وذلك حيث يدعي عينا (أ) أو دينا فيصالح ببعض العين أو الدين مع ~~إنكاره، فإن الباقي لا يطيب له، بل يجب عليه تسليمه، لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" (¬2) وقوله تعالى: {إلا ~~أن تكون تجارة عن تراض} (¬3). ويجاب عنه بأنه قد وقع طيبة النفس بالرضا ~~بالصلح، وعقد الصلح قد صار في حكم عقد المعاوضة، فيحل له ما ms1221 بقي. # وقوله: "إلا صلحا حرم حلالا". وذلك مثل أن تصالحه المرأة بشيء على ألا ~~يطأ أمته أو زوجة غيرها ونحو ذلك، فإن هذا لا يصح ولا يحل PageV06P267 # العوض. # وقوله: "أو أحل حراما". كأن تصالحه على وطء أمته أو نحوها ممن لا يحل ~~وطؤها، وليس من ذلك المصالحة ببعض الدين أو ببعض العين؛ إذ سبب التحريم غير ~~باق بعد الصلح، وهذه الصورة المذكورة سبب التحريم باق بعد الصلح، فهي ~~المقصودة بالاستثناء. # وقوله: "والمسلمون على شروطهم". وفي رواية لأبي داود: "والمؤمنون" -هو ~~جمع شرط بفتح الشين وسكون الراء، والشرط في اللغة (¬1) بمعنى العلامة، وفي ~~الشرع (¬2): هو ما يلزم من عدمه عدم حكم أو سبب. # وقوله: "على شروطهم". أي: ثابتون عليها وواقفون، وهذا اللائق بهم، وعداه ~~ب: "على" إشارة إلى علو مرتبتهم، وفي وصفهم بالإسلام أو الإيمان ما يقتضي ~~الوفاء بالشرط، ويجب عليه؛ فلذا خصهم بالذكر وإن كان كل أحد مأمورا بذلك، ~~[فدل] (أ) على لزوم الشرط إذا شرطه المسلم إلا الشرط المستثنى، وهذا الحديث ~~عام وظاهره صحة اعتبار الشروط، وقد وردت أحاديث فيما يلزم منه وفيما لا ~~يلزم، وفصل الققهاء في الفروع أحكام الشروط، وأن منها ما يصح في نفسه ويلزم ~~حكمه، ومنها ما لا يصح ولا يلزم، ومنها ما يصح ويلزم منه فساد العقد؛ ولذلك ~~التفصيل أدلة مستوفاة وعلل مناسبات، وفصل كثيرا منها البخاري (¬3) في ~~"كتابه" في PageV06P268 # كتاب الشروط، وجعل من الشروط الجائزة في البيع، إذا اشترط المشتري ثمرة ~~النخل المؤبرة (¬1)، وشراء المكاتبة لتعتق، واشتراط البائع ظهر الدابة إلى ~~مكان مسمى، وفيه حديث جابر (1)، والشرط في العاملة شرط النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - على الأنصار في النخيل أن يكفوا المؤنة في عملها ويشركهم في ~~الثمرة (¬2)، ومعاملة أهل خيبر بشطر ما يخرج منها (¬3)، وفي النكاح قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج" ~~(¬4). والتي لا تجوز في النكاح جعل منها قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا ~~تسأل المرأة طلاق أختها لتستكفئ إناءها" (¬5). وفي الحدود قصة العسيف ms1222 وزوج ~~المرأة التي زنى بها العسيف (¬6)، وغير ذلك. # وقوله: "إلا شرطا حرم حلالا". مثل اشتراط البائع ألا يطأ الأمة، "أو أحل ~~حراما". مثل أن يشترط أن يطأ الأمة التي يحرم عليه وطؤها، ونحو ذلك. والله أعلم. # 705 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لا يمنع جار جاره أن يغرز خشبة في جداره". ثم يقول أبو هريرة: ما لي أراكم ~~عنها معرضين؟ والله لأرمين بها بين أكتافكم. متفق عليه (¬7). PageV06P269 # هذا لفظ البخاري، وفي رواية أبي داود (¬1) عن [ابن عيينة] (أ): فنكسوا ~~رءوسهم. ولأحمد (¬2): فلما حدثهم أبو هريرة بذلك طأطئوا رءوسهم. # و"لا يمنع" بالجزم على أنها ناهية، ولأبي ذر في لفظ البخاري بالرفع على ~~أنه خبر بمعنى النهي. ولأحمد (¬3): "لا يمنعن". بزيادة نون التأكيد، وهو ~~يؤيد رواية الجزم. و"خشبة". لأبي ذر في رواية البخاري بالإفراد والتنوين، ~~ولغيره بصيغة الجمع، قال ابن عبد البر (¬4): [روي اللفظان] (ب) في "الموطأ" ~~والمعنى واحد، لأن (ج) المراد بالواحد الجنس، فالمؤدى متحد في الروايتين. ~~إلا أنه قد يقال: إن المعنى مختلف، فإن أمر الخشبة الواحدة يسير مغتفر ~~بخلاف الكثير. وروى الطحاوي (¬5) عن جماعة أنهم رووه بالإفراد، وأنكر ذلك ~~عبد الغني بن سعيد فقال: الناس كلهم يقولونه بالجمع إلا PageV06P270 # الطحاوي. واختلاف الرواة في "الصحيح" يرد على عبد الغني، إلا إن أراد ~~بالناس خاصا وهم من روى عنه الطحاوي. وقد أخرجه أحمد (¬1) وعبد الرزاق من ~~حديث ابن عباس: "لا ضرر ولا ضرار، وللرجل أن يضع خشبته في حائط جاره، ~~والطريق الميتاء (¬2) سبعة أذرع". # والحديث فيه دلالة على أنه ليس للجار أن يمنع جاره من وضع خشبة على ~~جداره، وأنه إذا امتنع من وضع الخشب على جداره أجبر، وقد ذهب إلى هذا أحمد ~~وإسحاق وغيرهما من أهل الحديث وابن (أ) حبيب من المالكية والشافعي في ~~القديم، وعنده في الجديد قولان، أشهرهما اشتراط إذن المالك، فإن لم يأذن لم ~~يجبر، ولكنه مشروط هذا الحكم عندهم بأن يكون الجار محتاجا إليه، ولا يضع ما ~~يتضرر ms1223 به مالك الجدار، ولا يقدم على حاجة المالك، ولا فرق بين أن يحتاج في ~~وضع الجذع إلى فتح الجدار أو لا؛ لأن رأس الجذع يسد المنفتح ويقوي الجدار، ~~وذهبت الحنفية وأبو العباس وقول للشافعي إلى أنه لا يضع خشبة إلا بإذن مالك ~~الجدار، فإن لم يأذن لم يجبر، والحديث محمول النهي على التنزيه؛ جمعا بينه ~~وبين الأحاديث الدالة على تحريم مال المسلم إلا بطيبة من نفسه، وبعضهم حمل ~~الحديث بما إذا تقدم PageV06P271 # استئذان الجار بذلك وأذن، فليس له المنع مستندا أنه ذكر الإذن في بعض ~~طرقه، وهو في رواية ابن عيينة عند أبي داود وعقيل أيضا. ولأحمد (¬1) عن عبد ~~الرحمن بن (أمهدي عن مالك: "من سأله جاره" وكذا لابن حبان (¬2) من طريق ~~الليث عن مالك، وكذا لأبي عوانة (¬3) من طريق أ) زياد بن سعد عن الزهري، ~~وأخرجه البزار (¬4) من طريق عكرمة عن أبي هريرة. ومنهم من حمل الضمير في ~~"جداره" علي صاحب الجذع؛ أي لا يمنعه أن يضع جذعه على جدار نفسه، ولو تضرر ~~به من جهة منع الضوء مثلا، ولا خفاء في بعدهما. # ويجاب على استدلالهم بأن تلك عمومات، كما قال البيهقي (¬5): لم نجد في ~~السنن الصحيحة ما يعارض هذا الحكم إلا عمومات لا يستنكر أن يخصها، وقد حمله ~~الراوي على ظاهره من التحريم، وهو أعلم بالمراد بما حدث به. يشير إلى قول ~~أبي هريرة: ما لي أراكم عنها معرضين. فإن استنكار أبي هريرة لإعراضهم يدل ~~على أن ذلك على التحريم، واستدلال المهلب من المالكية بهذا على أن العمل ~~كان في ذلك العصر على خلاف ما ذهب إليه أبو هريرة، فدل على أنه محمول على ~~الاستحباب؛ إذ لو كان النهي للتحريم لما جاز على الصحابة جهل هذه الفريضة- ~~غير صحيح؛ لأنه لا دلالة على أن المخاطبين كانوا صحابة فقهاء، مثلهم لا PageV06P272 # يجهل هذا الحكم؛ فإنه وقع ذلك من أبي هريرة أيام إمارته للمدينة في زمن ~~مروان كان يستخلفه فيها، فالمخاطب بذلك ممن يجوز عليه جهل ذلك، لأنه لو كان ~~المخاطب ms1224 من أعيان الصحابة لما واجههم بمثل هذا الخطاب، وقد جزم بهذا إمام ~~الحرمين تبعا لغيره مع أن مثل هذا الحكم قضى به عمر في أيام وفور الصحابة، ~~وتقوى الشافعي به في القول القديم وقال: إن عمر لم يخالفه أحد من الصحابة. ~~وذلك ما أخرجه مالك (¬1)، ورواه بسند صحيح أن الضحاك بن خليفة سأل محمد بن ~~مسلمة أن يسوق خليجا له فيمر به في أرض محمد بن مسلمة فامتنع، فكلمه عمر في ~~ذلك فأبى، فقال: والله ليمرن به ولو على بطنك. فحمل عمر الأمر على ظاهره ~~وعداه إلى كل ما يحتاج الجار إلى الانتفاع به من دار جاره وأرضه. وروى ابن ~~ماجه (¬2) والبيهقي (¬3) من طريق عكرمة بن سلمة أن أخوين من بني المغيرة ~~أعتق أحدهما إن غرز أحد في جداره خشبة، فأقبل مجمع بن حارثة ورجال كثير من ~~الأنصار فقالوا: نشهد أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: الحديث، ~~فقال الآخر: يا أخي، قد علمت أنك مقضي لك علي، وقد حلفت فاجعل أسطوانا دون ~~داري فاجعل عليه خشبك. وروى إسحاق في "مسنده" والبيهقي (¬4) من طريقه عن ~~يحيى بن جعدة أحد التابعين قال: أراد رجل أن يضع خشبة على جدار صاحبه بغير ~~إذنه فمنعه، فإذا من شئت من الأنصار يحدث أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نهاه أن يمنعه فأجبر على ذلك. PageV06P273 # وقوله: عنها. أي عن السنة أو المقالة، وقوله: لأرمين. وفي رواية أبي ~~داود: لألقينها. أي: لأفزعنكم بها. كما يضرب الإنسان بالشيء بين كتفيه ~~ليستيقظ (أ) من غفلته. # وأكتافكم. قال ابن عبد البر (¬1): رويناه في "الموطأ" بالمثناة وبالنون. ~~والأكناف بالنون جمع كنف بفتحها وهو الجانب، قال الخطابي (¬2): معناه إن لم ~~تقبلوا هذا الحكم وتعملوا به راضين لأجعلنها -أي الخشبة- على رقابكم ~~كارهين. قال: وأراد بذلك المبالغة. وقد وقع عند ابن عبد البر (¬3) من وجه ~~آخر: لأرمين بها بين أعينكم وإن كرهتم. # 706 - وعن أبي حميد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا يحل لامرئ ms1225 أن يأخذ عصا أخيه بغير طيبة نفس منه". رواه ابن ~~حبان والحاكم في "صحيحهما" (¬4). # تمامه: "وذلك لشدة ما حرم الله مال المسلم على المسلم". وهو من رواية ~~سهيل بن أبي صالح عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبي حميد. وقيل: عن عبد ~~الرحمن عن عمارة بن حارثة عن عمرو بن يثربي، رواه أحمد والبيهقي (¬5). وقوى ~~ابن المديني رواية سهيل، وفي الباب أحاديث PageV06P274 # كثيرة عن ابن عمر بلفظ: "لا يحلبن أحد ماشية أحد بغير إذنه". متفق عليه ~~(¬1)، وعن عبد الله بن مسعود رفعه: "حرمة مال المؤمن كحرمة دمه". أخرجه ~~البزار (¬2). وروى أبو داود والترمذي والبيهقي (¬3) من حديث عبد الله بن ~~السائب بن يزيد عن أبيه عن جده بلفظ: "لا يأخذ أحدكم متاع أخيه لاعبا ولا جادا". # والحديث فيه دلالة على تحريم مال المسلم إلا بطيبة منه وإن قل، وكفى في ~~ذلك قوله تعالى: {إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم} (¬4). والإجماع واقع على ذلك. # والمصنف أورد هذا في هذا الباب يشير إلى تأويل حديث أبي هريرة (¬5) بأن ~~ذلك محمول على التنزيه. ويرد عليه أن التأويل يحتاج إليه إذا لم يمكن الجمع ~~بالتخصيص، وهو ممكن؛ فإن هذا خاص والأدلة المذكورة عامة، وقد أخرج منها ~~أشياء كثيرة؛ مثل أخذ الزكاة كرها، ومثل الشفعة، وإطعام المضطر والقريب ~~المعسر والزوجة، وكثير من الحقوق المالية التي لا يخرجها المالك برضاه، ~~فإنها (أ) تؤخذ منه (ب) بغير طيبة نفس، وحل ذلك، وهذا منها، لا سيما وهذا ~~مجرد انتفاع، والعين بقية لا يحتاج إليها المالك. والله أعلم. PageV06P275 ### || AUTO باب الحوالة والضمان # الحوالة بفتح الحاء وقد تكسر، مشتقة من التحويل أو من الحول (أ)، تقول: ~~حال عن العهد. إذا انتقل عنه، حولا. وهي عند الفقهاء: نقل دين من ذمة إلى ~~ذمة. واختلفوا هل هي بيع دين بدين رخص (ب) فيه واستثني من النهي عن بيع ~~الدين بالدين، أو هي استيفاء؟ وقيل: هي عقد إرفاق مستقل، ويشترط في صحتها ~~لفظها ورضا المحيل بلا خلاف، والمحتال عند الأكثر، والمحال عليه ms1226 عند البعض، ~~ويشترط أيضا تماثل الحقين في الصفات، وأن يكون في شيء معلوم، ومنهم من خصها ~~بالنقدين ومنعها في الطعام، لأنه بيع طعام قبل أن يستوفى. # 707 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "مطل الغني ظلم، فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع". متفق عليه (¬1). # وفي رواية لأحمد (¬2): "فليحتل". # قوله: "مطل الغني ظلم". عند النسائي وابن ماجه (¬3) من حديث ابن PageV06P277 # عيينة عن أبي الزناد: "والظلم مطل الغني". والمعنى أنه من الظلم، ولكنه ~~بولغ في التنفير عنه. وقد رواه الجوزقي (¬1) من طريق همام عن أبي هريرة ~~بلفظ: "إن من الظلم مطل الغني". وهو (أ) تفسير الذي قبله. وأصل المطل: ~~المد. قال ابن فارس (¬2): مطلت الحديدة أمطلها مطلا إذا أمددتها لتطول. ~~وقال الأزهري (¬3): المطل المدافعة. والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه لغير ~~عذر، والمراد هنا من قدر على الأداء فأخره ولو كان فقيرا (5). وهل يتصف ~~بالمطل من قدر على تحصيله بالتكسب؟ أطلق أكثر الشافعية وهو قول الهدوية أنه ~~لا يجب عليه التكسب ولا يتصف بالمطل، وصرح بعضهم بوجوب ذلك عليه، وفصل ~~بعضهم بين أن يكون أصل الدين وجب بسبب يقضي به فيجب وإلا فلا. ومطل الغني ~~من إضافة المصدر إلى الفاعل عند الجمهور، والمعنى أنه يحرم على الغني ~~القادر أن (ج) يمطل بالدين بعد استحقاقه بخلاف العاجز. # وقيل: هو من إضافة المصدر إلى المفعول، والمعنى أنه يجب وفاء الدين ولو ~~كان مستحقه غنيا، ولا يكون غناه سببا لتأخير حقه، وإذا كان كذلك في حق ~~الغني فهو في حق الفقير أولى. ولا يخفى بعده. # وقوله: "فإذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع". المشهور في اللغة كما PageV06P278 # قال النووي (¬1) إسكان التاء المثناة في اللفظين، وهما على البناء ~~للمجهول، تقول تبعت (أ) الرجل بحقي أتبعه تباعة بالفتح إذا طلبته. وقال ~~القرطبي (¬2): أما "أتبع" فبضم الهمزة وبسكون التاء مبنيا للمجهول عند ~~الجميع، وأما "فليتبع" فالأكثر على التخفيف، وقيده بعضهم بالتشديد، والأول ~~أجود. انتهى. ودعوى الاتفاق على "أتبع" يرده قول الخطابي ms1227 (¬3): إن أكثر ~~المحدثين يقولونه بتشديد التاء، والصواب التخفيف. ومعنى ذلك إذا أحيل ~~فليحتل، وقد رواه بهذا اللفظ أحمد (¬4) [عن] (ب) وكيع عن سفيان الثوري عن ~~أبي الزناد. وأخرج البيهقي (¬5) مثله من طريق [معلى] (ج) بن منصور عن ابن ~~(د) أبي الزناد عن أبيه، وأشار إلى تفرد معلى به، ولم ينفرد كما ترى، ورواه ~~ابن ماجه (¬6) من حديث ابن عمر بلفظ: "فإذا أحلت على مليء فاتبعه". وهذا ~~بتشديد التاء بلا خلاف. PageV06P279 # والمليء بالهمز: مأخوذ من الملء. يقال: ملؤ الرجل بالضم: أي صار مليئا، ~~وقال الكرماني (¬1): الملي كالغني لفظا ومعنى. فهو بغير همزة. وقال الخطابي ~~(¬2): هو في الأصل بالهمز لكنه خفف. والأمر في قوله: "فليتبع" للاستحباب ~~عند الجمهور، ووهم من نقل الإجماع عليه، وقيل: هو أمر إباحة وإرشاد. وهو ~~شاذ، وحمله أكثر الحنابلة وأبو ثور وابن جرير وأهل الظاهر على ظاهره وهو ~~الوجوب. # والحديث فيه دلالة على أن مطل الغني ظلم يجب الاحتراز عنه، واختلف هل يعد ~~إذا كان عمدا كبيرة أم لا؟ فالجمهور علم أن فاعله يفسق، لكن هل يثبت فسقه ~~بمطله مرة واحدة أو لا؟ قال النووي (¬3): مقتضى مذهبنا [اشتراط التكرار. ~~ورده السبكي في "شرح المنهاج" بأن مقتضى مذهبنا] (1) عدمه، واستدل بأنه منع ~~الحق بعد طلبه، وانتفاء العذر عن أدائه كالغصب، وتسميته ظلما يشعر بكونه ~~كبيرة، والكبيرة لا يشترط فيها التكرار، نعم لا يحكم عليه بذلك إلا بعد أن ~~يظهر عدم عذره. انتهى. واختلفوا هل يفسق قبل الطلب أو لا بد منه؟ والذي ~~يشعر به الحديث هو أنه لا بد من الطلب؛ لأن المطل لا يكون إلا معه. # ويشمل المطل كل من لزمه حق؛ كالزوج لزوجته والسيد في نفقة عبده. ومفهوم ~~الحديث أن مطل العاجز عن الأداء لا يدخل في الظلم، وهو بطريق مفهوم ~~المخالفة، ومن لم يقل بالمفهوم يقول: العاجز PageV06P280 # لا يسمى ماطلا، والغني الذي ماله غائب عنه حكمه حكم المعدم؛ بدليل أن له ~~سهما في الزكاة، وإن كان عند الهدوية يختص بالمنقطع عن وطنه فقط، ويؤخذ من ~~هذا ms1228 أن المعسر لا يحبس ولا يطالب حتى يوسر. قال الشافعي: لو جازت مؤاخذته ~~لكان ظالما والفرض أنه ليس بظالم؛ لعجزه. وقال بعضهم: له أن يحبسه. وبعضهم ~~قال: يلازمه. # ويؤخذ منه أنه إذا تعذر على المحال عليه التسليم لفقر لم يكن للمحتال ~~الرجوع على المحيل؛ لأنه لو كان له الرجوع لم يكن لاشتراط الغنى فائدة، ~~فلما شرط علم أنه انتقل انتقالا لا رجوع له، كما لو عوض عن دينه بعوض ثم ~~تلف العوض يزيد صاحب الدين. وقالت الحنفية: يرجع عند التعذر؛ وشبهوا ~~الحوالة بالضمان، وأما إذا جهل الإفلاس حال الحوالة فله الرجوع. وأعلم أن ~~قوله: "فإذا اتبع". بالفاء وقع في "صحيح البخاري" في باب الحوالة، والكلام ~~عليه جملة واحدة، لأنه متفرع على كون المطل ظلما؛ أي إذا كان المطل ظلما ~~فليقبل من يحال بدينه عليه، فإن المؤمن من شأنه أن يحترز عن الظلم، فلا ~~يمطل الغريم بسبب عدم قبول الحوالة فيكون سببا في ظلمه. وفي رواية مسلم ~~بالواو وكذا في البخاري (¬1) في الباب الثاني بلفظ: "ومن أتبع". ومناسبة ~~(أالجملة للتي أ) قبلها، لأنه لما دل على أن مطل الغني ظلم عقبه بأنه ينبغي ~~قبول الحوالة على المليء، لما في قبولها من دفع الظلم الحاصل بالمطل، فإنه ~~قد تكون مطالبته بالمال عليه سهلة على المحال عليه دون المحيل، ففي قبول ~~الحوالة إعانة على كفه عن الظلم. # 708 - وعن جابر رضي الله عنه قال: توفي رجل منا، فغسلناه PageV06P281 # وحنطناه وكفناه، ثم أتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلنا: ~~تصلي عليه؟ فخطا خطى، ثم قال: "أعليه دين؟ ". قلنا: ديناران. فانصرف، ~~فتحملهما أبو قتادة، فأتيناه فقال أبو قتادة: الديناران علي. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "حق الغريم، وبريء منهما الميت". قال: نعم، ~~فصلى عليه، رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (¬1). # الحديث أخرجه البخاري (¬2) من حديث سلمة بن الأكوع. # وقوله: توفي رجل منا. قال المصنف رحمه الله (¬3): لم أقف على اسم هذا الرجل. # وفي رواية الحاكم زيادة بعد قوله: ms1229 وحنطناه. وهي: ووضعناه حيث توضع ~~الجنائز عند مقام جبريل، ثم آذنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: فقال: "هل عليه دين؟ ". في حديث أبي هريرة الآتي عند البخاري ~~(¬4): أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه ~~الدين فيسأل: "هل ترك لدينه قضاء؟ ". فإن حدث أنه ترك لدينه وفاء صلى عليه، ~~وإلا قال للمسلمين: "صلوا على صاحبكم" الحديث. # وقوله: ديناران. في حديث سلمة: ثلاثة دنانير. وكذا أخرجه أبو داود (¬5) ~~من وجه آخر من حديث جابر، وكذا أخرجه الطبراني (¬6) من حديث PageV06P282 # أسماء بنت يزيد، ويجمع بينهما بأنهما كانا دينارين وشطرا، فمن قال: ~~ثلاثة. جبر الكسر، ومن قال: ديناران. ألغاه. أو كان الأصل ثلاثة فوفى قبل ~~موته دينارا وبقى عليه ديناران، فمن قال: ثلاثة. فباعتبار الأصل، ومن قال: ~~ديناران. فباعتبار الباقي. ووقع عند ابن ماجه (¬1) من حديث أبي قتادة: ~~ثمانية عشر درهما. وهذا دون دينارين، وفي "مختصر المزني" (¬2) من حديث أبي ~~سعيد الخدري: درهمين. ويجمع بينها إن ثبت فيما لا يمكن فيه التأويل الأول ~~بالتعدد. # وقوله: فقال أبو قتادة. إلخ، في البخاري في حديث سلمة: فقال أبو قتادة: ~~صل عليه يا رسول الله (أ) وعلي دينه. فصلى عليه. وفي رواية ابن ماجه من ~~حديث أبي قتادة نفسه: فقال أبو قتادة: أنا أتكفل به. ولفظ الحاكم في حديث ~~جابر فقال: "هما عليك وفي [مالك] (ب) والميت منهما بريء؟ " قال: نعم. فصلى ~~عليه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا لقي أبا قتادة يقول: "ما صنعت الديناران؟ ". حتى كان آخر ذلك أن ~~قال: [قد قضيتهما] (ج) يا رسول الله. قال: "الآن حين بردت عليه جلده". وروى ~~الدارقطني (¬3) من حديث علي: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتي ~~بجنازة PageV06P283 # لم يسأل عن شيء من عمل الرجل [و] (أ) يسأل عن دينه؛ فإن قيل: عليه دين. ~~كف، وإن قيل: ليس عليه دين. صلى، فأتي بجنازة، فلما قام ليكبر، سأل: "هل ~~عليه دين؟ ". فقالوا: ms1230 ديناران. فعدل عنه، فقال علي: هما علي يا رسول الله ~~وهو بريء منهما. فصلى عليه، ثم قال: "جزاك الله خيرا وفك الله رهانك". ~~الحديث. # قال ابن بطال (¬1): ذهب الجمهور إلى صحة هذه الكفالة عن الميت، ولا رجوع ~~له في مال الميت، وعن مالك: له أن يرجع إن قال: إنما ضمنت لأرجع. فإذا لم ~~يكن للميت مال وعلم الضامن (ب) بذلك فلا رجوع له عن الضمانة، وعن أبي حنيفة ~~إن ترك الميت وفاء جاز الضمان بقدر ما ترك، وإن لم يترك وفاء لم يصح ذلك. # وفي الحديث دلالة على صعوبة الدين، وأنه يصح أن يتحمل الواجب غير من وجب ~~عليه وينفعه ذلك. وعلى أن صلاة الجنازة واجبة، وأن ترك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - الصلاة على المدين؛ لأن صلاته شفاعة مقبولة لا ترد، والدين لا ~~يسقط إلا بالتأدية، والله أعلم. # وقوله: "حق الغريم" منصوب على المصدر، مؤكد (ج) لمضمون قوله: الديناران ~~علي. بفعل مضمر محذوف وجوبا؛ أي: حق عليك الحق وثبت PageV06P284 # عليك، وكنت غريما (أ). أو العامل فيه مضمون الجملة كما ذهب إليه سيبويه (ب). # وفيه دلالة على أن لزوم الحق للغير لا يكتفى فيه بالمحتمل من اللفظ، وأنه ~~لا بد للحاكم في إلزام الحق من تحقيق ألفاظ العقود والإقرارات، وأنه إذا ~~ادعى من عليه الحكومة أنه قصد باللفظ معنى يحتمله -وإن بعد الاحتمال- لم ~~يحكم عليه بظاهر اللفظ، وعطف: "وبريء منهما الميت" على ذلك مما يؤيد هذا ~~المستنبط، والله أعلم. # 709 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يؤتى بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل: "هل ترك لدينه من قضاء؟ " فإن ~~حدث أنه ترك وفاء صلى عليه، وإلا قال: "صلوا على صاحبكم". فلما فتح الله ~~عليه الفتوح قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي ~~قضاؤه". معلق عليه، وفي رواية البخاري: "فمن مات ولم يترك وفاء" (¬1). # الحديث فيه دلالة على (ج) أنه كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~أول الأمر ms1231 ترك الصلاة على من لم يخلف الوفاء، ثم نسخ الحكم وتحمل الدين من ~~بعد. قال العلماء (¬2) رحمهم الله تعالى: كأن الذي فعله رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من ترك PageV06P285 # الصلاة على من عليه دين ليحرض الناس على قضاء الديون في حياتهم، والتوصل ~~إلى البراءة منها؛ لئلا تفوتهم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهل ~~كانت صلاته على من عليه دين محرمة أو جائزة؟ وجهان، قال النووي (¬1): ~~الصواب الجزم بجوازه (أ) مع وجود الضامن. وحكى القرطبي (¬2) أنه ربما كان ~~يمتنع من الصلاة على من ادان دينا غير جائز، وأما من استدان لأمر جائز فما ~~كان يمتنع. وفيه نظر؛ لأن في الحديث المذكور ما يدل على امتناعه مطلقا؛ إلا ~~أنه جاء من حديث ابن عباس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما امتنع من ~~الصلاة على من عليه دين، جاءه جبريل فقال: إن الله تعالى يقول: إنما الظالم ~~في الديون التي حملت في البغي والإسراف والمعصية، فأما المتعفف ذو العيال ~~فأنا ضامن أن أؤدي عنه. فصلى عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك: "من ترك ضياعا أو دينا فإلي وعلي، ~~ومن ترك ميراثا فلأهله". وصلى عليهم (2). قال الحازمي (¬3): هذا الحديث ~~بهذا السياق غير محفوظ، وهو جيد في باب المتابعات. إلا أنه ليس فيه التفصيل ~~المذكور كان مستمرا، وإنما طرأ بعد ذلك، وقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لذلك من مال المصالح، وقيل: بل كان يقضيه من خالص نفسه. وهل كان القضاء ~~واجبا عليه أم لا؟ فيه وجهان. وقال ابن بطال (¬4): PageV06P286 # قوله: "من ترك دينا فعلي". ناسخ لترك الصلاة على من مات وعليه دين. # وقوله: "فعلي قضاؤه". أي مما يفيء الله عليه من الغنائم والصدقات. # قال: وهكذا يلزم المتولي لأمر المسلمين أن يفعله فيمن مات وعليه دين، فإن ~~لم يفعل، فالإثم عليه إن كان حق الميت (أ) في بيت المال يفي بقدر ما عليه ~~من الدين، وإلا فبقسطه. # وقد ذكر الرافعي في آخر الحديث: قيل: ms1232 يا رسول الله، وعلى كل إمام بعدك؟ ~~قال: "وعلى كل إمام بعدي". وسبقه إلى ذكره القاضي حسين والجويني والغزالي ~~(¬1)، وقد وقع معناه في "الطبراني الكبير" (¬2) من حديث زاذان عن سلمان ~~قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نفدي سبايا المسلمين ونعطي ~~سائلهم، ثم قال (5): "من ترك مالا فلورثته، ومن ترك دينا فعلي وعلى الولاة ~~من بعدي من بيت مال (ج) المسلمين". وفيه [عبد الغفور] (د) بن سعيد الأنصاري ~~(¬3) متروك ومتهم أيضا، والله أعلم. # 710 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا كفالة في حد". رواه البيهقي بإسناد ضعيف (¬4). PageV06P287 # وأخرجه ابن عدي، وبيض له الديلمي، وقال البيهقي وابن عدي: منكر. وأخرجه ~~الخطيب وابن عساكر (¬1). # الحديث فيه دلالة على أنه لا يصح أن يكفل أحد على من عليه حد بإقامة الحد ~~عليه في وقت، سواء كان في مجلس الحكم عليه بالحدار في مجلس آخر، وقد ذهب ~~إلى هذا الهدوية وأبو حنيفة والشافعي؛ للحديث، ولأنه لا يمكن الاستيفاء من ~~الكفيل، وكذا القصاص، قالوا: إلا أن يتبرع من عليه الحق بالكفالة ببدنه ~~وأنه يصح منه ذلك، وذلك لجواز أن يدعى عليه حد (أ) غير الحد، أو قدر مجلس ~~الحكم في حد القذف؛ وهو ما بين قعود الحاكم للحكم في الوقت الذي يعتاد ~~القعود فيه للحكم إلى أن يقوم من ذلك المجلس. ذكره الإمام يحيى والحنفية، ~~وذلك لأن حد القذف يشبه الأموال باعتبار أنه حق لآدمي، وكذا حد السرقة ~~والقصاص. وذهب أبو يوسف ومحمد إلى صحة الكفالة بالحد والقصاص، وأشار إلى ~~صحة ذلك البخاري وبوب عليه بباب الكفالة في القرض والديون بالأبدان وغيرها ~~(¬2)؛ أي غير الأموال. وقال بعده (¬3): وقال أبو الزناد عن محمد بن حمزة بن ~~[عمرو] (ب) الأسلمي عن أبيه، أن عمر بعثه مصدقا، فوقع رجل على جارية ~~امرأته، فأخذ حمزة من الرجل كفلاء حتى قدم على عمر، وكان عمر قد جلده PageV06P288 # مائة، فصدقهم وعذره بالجهالة. وصدقهم بالتخفيف؛ أي اعترف بما وقع، ms1233 لكن ~~اعتذر بأنه لم يكن عالما، أو صدق عمر الكفلاء فيما كانوا يدعونه أنه قد ~~جلده مرة لذلك، ولم يرجمه عمر؛ لأنه ربما لم يكن قد أصاب امرأته. كذا في ~~الكرماني (¬1). وقال المصنف في "الفتح" (¬2): إن الجلد هنا المذكور إنما هو ~~تعزير له من عمر بهذه الفعلة، وهو حجة لمالك في جواز أن يتجاوز التعزير ~~حدا، أو كأن مذهبه أن المحصن الجاهل لا يرجم والعالم يرجم. ثم قال البخاري ~~(¬3): وقال جرير والأشعث لعبد الله بن مسعود في المرتدين: استتبهم وكفلهم. ~~[فتابوا وكفلهم] (أ) عشائرهم. وهذا في قصة ابن النواحة، أخرجها البيهقي ~~(¬4) بطولها من طريق [أبي] (ب) إسحاق عن حارثة بن [مضرب] (ج) قال: صليت ~~الغداة مع عبد الله بن مسعود، فلما سلم قام رجل فأخبره أنه انتهى إلى مسجد ~~بني حنيفة، فسمع مؤذنه عبد الله بن النواحة يشهد أن مسيلمة رسول الله، فقال ~~عبد الله: علي بابن النواحة وأصحابه. فجيء بهم، فأمر قرظة بن كعب بضرب عنق ~~ابن النواحة، ثم استشار الناس في أولئك النفر، فأشار إليه عدي بن حاتم ~~بقتلهم، فقام جرير والأشعث PageV06P289 # فقالا: بل استتبهم وكفلهم عشائرهم. وروى ابن أبي شيبة (¬1) من طريق قيس ~~بن أبي حازم، أن عدة المذكورين كانت مائة وسبعين رجلا. # فالقصة الأولى صريحة في الكفالة بالحد، والقصة الثانية متضمنة لذلك؛ لأن ~~التكفيل عنهم بأنهم إذا عادوا إلى الردة أقيم عليهم الحد، والفائدة في ~~الكفالة في الحدود مثل الكفالة بالوجه، أنه يجب على الكفيل إحضار المكفول ~~عليه لإقامة الحد عليه والقصاص؛ للإجماع من القائلين بها أنه لا يقام الحد ~~والقصاص على الكفيل نفسه إذا غاب المكفول عليه (أ) أو مات. والحديث إما على ~~القول بضعفه فهذه الآثار العمل بها أرجح، أو ربما يدعى الإجماع السكوتي من ~~الصحابة والقياس أيضا على الكفالة في الأموال، وإذا فرض صحة العمل به ~~فالتأويل ممكن بأنه لا كفالة في الحدود على وجه يقام الحد على الكفيل، كما ~~في المال يسلمه الكفيل. والله أعلم. PageV06P290 ### || AUTO باب الشركة والوكالة # الشركة بفتح الشين ms1234 المعجمة وكسر الراء المهملة وبكسر أوله وسكون الراء، ~~وقد تحذف الهاء وقد يفتح أوله مع ذلك، وهي مصدر شرك بكسر الراء، والاشتراك ~~مصدر اشترك، وبضم الشين اسم للشيء المشترك، وهي الحالة التي تحدث بالاختيار ~~بين اثنين فصاعدا، وإن أردت شمول (أ) الشركة بين الورثة في مال المورث حذفت ~~بالاختيار. # والوكالة بفتح الواو وقد تكسر مصدر وكل، وهي بمعنى التفويض والحفظ، تقول: ~~وكلت فلانا. إذا استحفظته، ووكلت الأمر إليه. بالتخفيف، إذا فوضته إليه، ~~وهي في الشرع إقامة الشخص غيره مقام نفسه مطلقا أو مقيدا، والوكيل فعيل ~~بمعنى مفعول. # 711 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "قال الله تعالى: أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا ~~خان خرجت من بينهما". رواه أبو داود -أي تنتزع البركة من مالهما- وصححه ~~الحاكم (¬1). # أعله ابن (ب) القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان (¬2)، وقد رواه عنه أيضا ~~ولده أبو حيان بن سعيد، لكنه ذكره ابن حبان في "الثقات" (¬3)، وذكر أنه PageV06P291 # روى عنه أيضا الحارث بن [سويد] (أ)، لكن أعله الدارقطني (¬1) بالإرسال ~~فلم يذكر فيه أبا هريرة وقال: إنه الصواب، ولم يسنده غير أبي همام محمد بن ~~الزبرقان. وفي الباب عن حكيم بن حزام رواه أبو القاسم الأصبهاني في ~~"الترغيب والترهيب" (¬2). # ولفظ أبي داود: "إن الله تعالى يقول" الحديث. ومعناه أنه تعالى معهما في ~~الحفظ والرعاية والإمداد بمعونتهما في مالهما وإنزال البركة في تجارتهما، ~~فإذا حصلت الخيانة نزعت البركة من مالهما، والتفسير بقوله: أي تنتزع ~~البركة. ليس من الحديث، وإنما هو تفسير من المصنف رحمه الله تعالى. # 712 - وعن السائب المخزومي، أنه كان شريك النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قبل البعثة، فجاء يوم الفتح فقال: مرحبا بأخي وشريكي. رواه أحمد وأبو داود ~~وابن ماجه (¬3). # هو السائب بن أبي السائب، واسم أبي السائب صيفي بفتح الصاد المهملة وسكون ~~الياء تحتها نقطتان وكسر الفاء وتشديد الياء، المخزومي القرشي شريك رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، ويقال له: السائب بن نميلة. ms1235 بضم النون وفتح ~~الميم وسكون الياء تحتها نقطتان، كذا قاله ابن منده، وقال ابن عبد PageV06P292 # البر (¬1): السائب بن نميلة غير السائب بن أبي السائب. وجعله صحابيا آخر. # وقال: أخشى أن يكون حديثه مرسلا. وقد اختلف في إسلامه وصحبته وشركته؛ ~~فقال ابن إسحاق أنه قتل يوم بدر كافرا. وروى ابن هشام (¬2) عن ابن عباس أنه ~~ممن هاجر مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعطاه يوم الجعرانة من غنائم ~~حنين. قال ابن عبد البر (¬3): وهذا أولى ما عول عليه في هذا الباب. وكذلك ~~اختلف في شركته النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقيل: إنه الشريك. وقيل: ~~الشريك ابنه عبد الله. وقيل: هو قيس بن السائب. وقال ابن عبد البر (¬4): ~~السائب بن أبي السائب من المؤلفة قلوبهم وممن حسن إسلامه، وكان من ~~المعمرين؛ عاش إلى زمن معاوية، روى عنه مجاهد بن جبر، وكان مولى مجاهد بن ~~جبر من فوق. والحديث لفظ الحاكم (¬5) عنه أنه كان شريك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في أول الإسلام في التجارة، فلما كان يوم الفتح قال: مرحبا ~~بأخي وشريكي، لا يداري ولا يماري. وصححه الحاكم. ولابن ماجه: كنت شريكي في ~~الجاهلية. ورواه أبو نعيم في "المعرفة" (¬6)، والطبراني في "الكبير" (¬7) ~~من طريق قيس بن السائب. وروي أيضا من طريق عبد الله بن السائب (¬8)، قال ~~أبو حاتم في "العلل" (¬9): PageV06P293 # وعبد الله ليس [بالقديم] (أ). # 713 - وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: اشتركت أنا وعمار وسعد ~~(ب) فيما نصيب يوم بدر. الحديث. رواه النسائي وغيره (¬1). # وأخرجه ابن أبي شيبة وابن عساكر (¬2)، وتمامه: فجاء سعد بأسيرين، ولم أجئ ~~أنا وعمار بشيء. # الحديث فيه دلالة على صحة الشركة في المكاسب، وهي المسماة عند الفقهاء ~~بشركة الأبدان، وحقيقتها أن يوكل كل منهما صاحبه أن يتقبل ويعمل عنه في قدر ~~معلوم ويعينان الصنعة. وقد ذهب إلى صحتها العترة جميعا وأبو حنيفة وأصحابه، ~~وذهب الشافعي وابن حي إلى أنها لا تصح؛ لبنائها على الغرر؛ إذ لا يقطعان ~~بحصول الربح لتجويز تعذر العمل. # والجواب بأن ms1236 العبرة بالغالب، وتعذره نادر فلا حكم له. # وأعلم أن الشركة على أربعة أنواع، ودل على شرعيتها على جهة العموم الحديث ~~المذكور في أول الباب، وعلى تفاصيلها أدلة خاصة بشركة الأبدان؛ هذا الحديث، ~~وحديث البراء، وهو ما أخرجه البخاري (¬3) عن PageV06P294 # سليمان بن أبي مسلم قال: سألت أبا المنهال عن الصرف يدا بيد، فقال: ~~اشتريت أنا وشريك لي شيئا يدا بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه ~~فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم وسألنا النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~ذلك فقال: "ما كان يدا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فردوه". فهذه الشركة تحتمل ~~شركة المفاوضة؛ وهي أن يخرج حران مكلفان مسلمان جميع نقدهما السواء جنسا ~~وقدرا ثم يخلطا ويعقدا غير مفضلين في الربح والوضيعة، أو شركة العنان؛ وهي ~~أن يعقدا على النقد بعد الخلط أو العرض بعد التشارك ولو متفاضلي المالين، ~~فيتبع الربح والخسر بالمال، قال ابن بطال (¬1): أجمعوا أن الشركة الصحيحة ~~أن يخرج كل واحد مثل ما أخرجه صاحبه ثم يخلطا ذلك حتى لا يتميز ثم يتصرفا ~~جميعا، إلا أن يقيم كل منهما الآخر مقام نفسه، وأجمعوا على أن الشركة ~~بالدراهم والدنانير جائزة لكن اختلفوا إذا كانت الدنانير من أحدهما ~~والدراهم من الآخر؛ فمنعه الشافعي ومالك في المشهور عنه والكوفيون إلا ~~الثوري. انتهى. [وزاد] (أ) الشافعي: ألا (ب) تختلف الصفة أيضا؛ كالصحاح ~~والكسرة. وجنح البخاري إلى قول الثوري حيث قال في التبويب: باب الاشتراك في ~~الذهب والفضة وما يكون فيه الصرف. وأراد بقوله: وما يكون فيه الصرف. أي ~~كالدراهم المغشوشة والتبر وغير ذلك. وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فقال ~~الأكثر: يصح في كل مثلي. وهو الأصح عند الشافعية، وقيل: يختص بالنقد ~~المضروب. وعند PageV06P295 # الهدوية التفصيل المذكور في حدي الشركتين. والنوع الرابع من الشركة هو ~~شركة الوجوه؛ وهي أن يوكل كل من جائزي التصرف الآخر أن يجعل له فيما استدان ~~أو اشترى جزءا معلوما. # واختلف العلماء في اعتبار العقد في الشركة؛ فظاهر إطلاق الجمهور أنه لا ~~بد من العقد الذي ms1237 يستكمل الشروط كغيرها من العقود، وعلق البخاري (¬1) عن ~~عمر ما يدل على عدم الاشتراط حيث قال: ويذكر أن رجلا ساوم شيئا فغمزه آخر، ~~فرأى عمر أن له شركة. قال المصنف (¬2) رحمه الله: لم أقف على اسم الرجل، ~~وهذا التعليق قد رواه سعيد بن منصور من طريق إياس بن معاوية، أن عمر أبصر ~~(أ) رجلا يساوم سلعة وعنده رجل فغمزه حتى اشتراها، فرأى عمر أنها شركة. ~~وهذا يدل على أنه كان (ب لا يشترط ب) للشركة صيغة ويكتفى فيها بالإشارة إذا ~~ظهرت القرينة، وهو قول مالك، وقال مالك أيضا في السلعة تعرض للبيع فيقف من ~~يشتريها للتجارة، فإذا اشتراها واحد منهم واستشركه الآخر لزمه أن يشركه؛ ~~لأنه انتفع بترك الزيادة عليه. # 714 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: أردت الخروج إلى خيبر، ~~فأتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إذا أتيت وكيلي بخيبر فخذ منه ~~خمسة عشر وسقا". رواه أبو داود (¬3) وصححه. PageV06P296 # تمام الحديث: "فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته". أخرجه أبو داود من ~~طريق وهب بن كيسان عنه بسند حسن، ورواه الدارقطني (¬1) لكن قال: "خذ منه ~~ثلاثين وسقا، فوالله ما لمحمد تمرة غيرها". وعلق البخاري (¬2) طرفا منه في ~~آخر كتاب الخمس. الحديث فيه دلالة على شرعية الوكالة، والإجماع على ~~اعتبارها وتعلق الأحكام بالوكيل، وتمام الحديث فيه دلالة على العمل ~~بالقرينة في مال الغير، وأنه يصدق الرسول لقبض العين، وقد ذهب إلى تصديق ~~الرسول في القبض محمد وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وحكاه في "شرح ~~الإبانة" عن أبي طالب، قال الإمام المهدي في "الغيث": يعني مع غلبة الظن ~~بصدقه. وإحدى الروايتين عن أبي حنيفة، وقد ذكره الأزرقي لذهب الهادي، وبنت ~~عليه الهدوية أنه لا يجوز مصادقة الرسول؛ لأنه مال الغير فلا يصح التصديق ~~فيه. قال الفقيه محمد بن سليمان من الهدوية: إلا أن يغلب في الظن صدق ~~الرسول جاز الدفع إليه. وعلى تتميم القول بما ذكر يحصل الاتفاق وينتفي ~~الخلاف. # 715 - وعن عروة البارقي رضي الله ms1238 عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- بعث معه بدينار يشتري له أضحية. الحديث. رواه البخاري (¬3) في أثناء ~~حديثا، وقد تقدم. # الحديث تقدم في كتاب البيع وما يتعلق به من الفقه (¬4). PageV06P297 # 716 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عمر على الصدقة. الحديث متفق عليه (¬1). # تمام الحديث: فقيل: منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما ينقم ~~ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله تعالى، وأما خالد فإنكم تظلمون ~~خالدا؛ قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله، وأما العباس فهي علي ومثلها ~~معها". ثم قال: "يا عمر، أما شعرت أن عم الرجل صنو أبيه؟ ". # قوله: بعث. وفي لفظ للبخاري: أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بصدقة. وفي لفظ له: بالصدقة. والمراد بالصدقة هنا هي غير صدقة الفطر؛ لأنه ~~لم يكن يبعث لها ساعيا، ويحتمل أنها الزكاة كما هو الظاهر، وقال ابن القصار ~~المالكي (¬2): الأليق أنها صدقة تطوع؛ لأنه لا يظن بهؤلاء الصحابة أنهم ~~يمنعون الفرض. # وقوله: فقيل. القائل عمر، وقد ورد مصرحا به في رواية ابن عباس. وابن جميل ~~قيل: إنه كان منافقا ثم تاب بعد ذلك. حكاه المهلب وجزم القاضي حسين في ~~"تعليقه" أن فيه نزل قوله تعالى: {ومنهم من عاهد الله} (¬3) الآية. انتهى. ~~والمشهور أنها نزلت في ثعلبة (¬4)، ووقع في رواية ابن أبي الزناد عند أبي ~~عبيد (¬5): فقال بعض من يلمز. أي يعيب. قال المصنف (¬6) PageV06P298 # رحمة الله تعالى عليه: وابن جميل لم أقف على اسمه في كتب الحديث، لكن وقع ~~في تعليق القاضي حسين المروزي الشافعي وتبعه الروياني أن اسمه عبد الله، ~~ووقع في شرح الشيخ سراج الدين بن الملقن أن ابن [بزيزة] (أ) سماه حميدا، ~~ولم أر ذلك في كتاب ابن بزيزة، ووقع في رواية [ابن جريج] (ب): أبو جهم بن ~~حذيفة. بدل ابن جميل، وهو خطأ؛ لإطباق الجميع على ابن جميل، وقول ms1239 الأكثر ~~أنه كان أنصاريا. # وقوله: "ما ينقم". بكسر القاف؛ أي ما ينكر أو ما يكره. # وقوله: "أغناه الله ورسول". إنما ذكر - صلى الله عليه وسلم - نفسه؛ لأنه ~~كان سببا لدخوله في الإسلام، فأصبح غنيا بعد فقره بما أفاء الله على رسوله ~~وأباح لأمته من الغنائم، وهذا من باب تأكيد المدح بما يشبه الذم؛ لأنه إذا ~~لم يكن عذر إلا ما ذكر من أن الله أغناه، فلا عذر له. وفيه التعريض بكفران ~~النعمة وتقريع بسوء الصنيع في مقابلة الإحسان. # وقوله: "احتبس". أي حبس. وقوله: "أعتده". بضم المثناة جمع عتد بفتحتين، ~~ووقع في رواية مسلم كما ساقه المصنف "أعتاده"، وهو جمعه أيضا، وهو ما يعده ~~الرجل من الدواب والسلاح، وقيل: الخيل خاصة. يقال: فرس عتد. أي صلب، أو معد ~~للركوب، أو سريع الوثوب، أقوال، ولبعض الرواة "أعبده" بالموحدة جمع عبد، ~~حكاه عياض، والأول هو المشهور، وقد استدل بهذا البخاري على إخراج العروض في ~~الزكاة، أو أنه PageV06P299 # شرى بالزكاة السلاح وغيره إعانة في سبيل الله، ويحتمل أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أجاز له ذلك، أو جعله وكيلا في قبض زكاته ولشراء مما ذكر ~~نيابة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوكالة له منه. وأجاب الجمهور ~~بأجوبة؛ أحدها أن المعنى أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقبل إخبار من ~~أخبره بمنع خالد؛ حملا على أنه لم يصرح بالمنع، وإنما نقلوه عنه بناء على ~~ما فهموه، ويكون قوله: "تظلمون خالدا". أي بنسبتكم إياه إلى المنع وهو لم ~~يمنع، وكيف يمنع الفرض وقد تطوع بتحبيس سلاحه؟! وثانيها أنهم ظنوا أنها ~~للتجارة فطالبوه بزكاة قيمتها، فأعلمهم عليه الصلاة والسلام بأنه لا زكاة ~~عليه. ثالثها أنه جعلها زكاة ماله وصرفها في سبيل الله كما هو جواب ~~البخاري، وهو حجة للحنفية في جواز إخراج القيمة عن الزكاة، وسيأتي في كتاب ~~الوقف، ويؤخذ منه صحة تحبيس الحيوان والسلاح، وأن الوقف يجوز بقاؤه تحت يد ~~الواقف، وقال ابن دقيق العيد (¬1): إن القضية عينية محتملة لما ذكر ولغيره، ~~فلا ينهض الاستدلال ms1240 بها في شيء. قال: ويحتمل أن يكون تحبيس خالد إرصادا ~~وعدم تصرف، إذ (أ) قد يطلق التحبيس على ذلك، فلذلك لم ينهض الاستدلال، إذ ~~الاستدلال إنما يكون بنص أو ظاهر. # وقوله: "فهي علي ومثلها معها". هذا لفظ مسلم من رواية ورقاء عن أبي ~~الزناد، وفي البخاري من رواية شعيب عن أبي الزناد: "فهي عليه صدقة ومثلها ~~معها". وفي رواية ابن إسحاق عن أبي الزناد: "هي عليه ومثلها معها". وتابعه ~~ابن جريج عن الأعرج بمثله، فعلى رواية: "علي" يحتمل أن PageV06P300 # يكون تحمل عنه بها، فيستفاد منه صحة أن يتبرع الغير بالزكاة، وقد ورد ~~نظير ذلك في حديث تحمل أبي قتادة عن الميت، وقوله: "الآن بردت عليه" (¬1). ~~ويحتمل أنه قد كان استسلفها منه صدقة تلك السنة والسنة المستقبلة، وقد أخرج ~~الترمذي وغيره (¬2) من حديث علي ذلك، وفي إسناده مقال، وفي الدارقطني (¬3) ~~من طريق موسى بن طلحة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إنا كنا ~~احتجنا، فتعجلنا من العباس صدقة ماله سنتين". وهو مرسل. وروي أيضا في ~~الدارقطني (¬4) موصولا بذكر طلحة فيه، وإسناد المرسل أصح، وفي الدارقطني ~~(¬5) أيضا من حديث ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بعث عمر ساعيا، فأتى العباس فأغلظ له، فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فقال: "إن العباس قد أسلفنا زكاة ماله العام والعام المقبل". وفي إسناده ~~ضعف، وأخرجه أيضا هو والطبراني (¬6) من حديث أبي رافع نحو هذا، وإسناده ~~ضعيف أيضا. ومن حديث ابن مسعود (¬7): تعجل من العباس صدقة سنتين. وفي ~~إسناده محمد بن ذكوان (¬8)، وهو ضعيف، ولو ثبت -أي رواية التعجيل- لكان ~~رافعا للإشكال. وقيل: المعنى أنه استلف منه قدر صدقة عامين، فأمر أن يعاض PageV06P301 # بذلك، وقد استبعد ما ذكر من الاحتمالين بأنه لو كان كذلك لنبه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عمر ألا يطالب العباس، وهو مدفوع؛ لأنه يجوز أنه ترك ~~ذلك اعتمادا على حسن ظن عمر بالعباس، أو أن العباس يبين لعمر مثل ذلك فيقبل ~~منه، ولم يقع من العباس البيان، ms1241 فبين ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ولا محذور في ذلك. وأما رواية: "عليه صدقة ومثلها". فالمعنى أنها عليه صدقة ~~لازمة ومثلها، فقيل: إنه أخرها عنه في ذلك العام إلى العام القابل، فيكون ~~عليه صدقة عامين. قاله أبو عبيد (¬1). وفعل ذلك رفقا به، وقيل: لأنه كان ~~استدان حين فادى عقيلا وغيره، فصار من جملة الغارمين. فالمعنى: هي عليه ~~صدقة ينتفع بها مصروفة فيه ومثلها، وإن ذلك كان قبل تحريم الزكاة على بني ~~هاشم، ويدل عليه رواية موسى بن عقبة عن أبي الزناد عند ابن خزيمة (¬2) ~~بلفظ: "فهي له ومثلها". وقال البيهقي (¬3): اللام بمعنى "على" لتتفق ~~الروايات؛ لأن المخرج إليه واحد. وإليه مال ابن حبان (¬4). وقيل: معناه: ~~فهي له؛ أي القدر الذي كان يراد منه أن يخرجه؛ لأنني التزمت عنه بإخراجه، ~~فيوافق رواية: "فهي علي ومثلها". وقال بعضهم: كان هذا في الوقت الذي كان ~~فيه التأديب بالمال، فألزم العباس بامتناعه من أداء الزكاة [بأن] (أ) يؤدي ~~ضعف ما وجب عليه كما في قوله تعالى: {يضاعف لها العذاب ضعفين} (¬5). ولكن PageV06P302 # التعليل بقوله: "أما علمت يا عمر" إلى آخره. مما يؤيد أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - تحمل ذلك عنه؛ لما له من الحق العظيم وتنزيله منزلة الأب، ~~فلا ينبغي أن ينسب إليه ترك الواجب، وزيادة المثل تنبيه للعباس أن حق مثله ~~الزيادة على الواجب فضلا عن إخراج الواجب. والله سبحانه أعلم. # وفي الحديث دلالة على بعث العمال على قبض الزكاة، وتنبيه الغافل على ما ~~أنعم الله به من نعمة الغني بعد الفقر ليقوم بحق الله عليه، [والعتب] (أ) ~~على من منع الواجب، وجواز ذكره في غيبته بما ينقصه، وعدم العاجلة بالعقوبة، ~~وأخذ الزكاة كرها عسى أن يرجع إلى الامتثال وتسليم ما يجب عليه، وتحمل ~~الإمام عن بعض المسلمين، والاعتذار عن البعض، وحسن التأويل، وذكر الحديث في ~~هذا الباب لكون العامل وكيلا عن الإمام. والفقهاء اختلفوا في تصرف العامل؛ ~~هل هو بالوكالة أو بالولاية، أو لما في إخراج النبي - صلى الله عليه وسلم ms1242 - ~~عن العباس، ونيابته في الزكاة هو جار مجرى الوكالة وإن كان ذلك بالضمانة ~~ألصق. والله أعلم. # 717 - وعن جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نحر ثلاثا ~~وستين، وأمر عليا أن يذبح الباقي. الحديث. رواه مسلم. # تقدم (¬1) الكلام عليه بطوله في كتاب الحج، والبدن التي نحرها - صلى الله ~~عليه وسلم - في حجة الوداع مائة بدنة؛ ساق من المدينة ثلاثا وستين، والتتمة ~~من البدن التي وصل بها على رضي الله عنه من اليمن، والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قد كان وصل مكة، وفي PageV06P303 # الحديث دلالة على صحة التوكيل في ذبح الهدي، وهو مجمع عليه إذا كان ~~الذابح مسلما، وإن كان كافرا كتابيا صح عند الشافعية بشرط أن ينوي صاحب ~~الهدي عند دفعه إليه أو عند ذبحه، ولفظ مسلم: ثم انصرف إلى المنحر فنحر ~~ثلاثا وستين بيده، ثم أعطى عليا فنحر ما غبر وأشركه في هديه. وقوله: ما ~~غير. بالغين المعجمة والباء الموحدة المفتوحة؛ أي: ما بقي. وقوله: وأشركه ~~في هديه. ظاهره أنه شاركه في نفس الهدي. قال القاضي عياض (¬1): وعندي أنه ~~لم يكن شريكا حقيقة بل أعطاه قدرا يذبحه. قال: والظاهر أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نحر البدن التي جاءت معه من المدينة وكانت ثلاثا وستين كما جاء ~~في رواية الترمذي (¬2)، وأعطى عليا عليه السلام البدن التي جاءت معه من ~~اليمن، وهي تمام البدن، ويكون المراد أنه جعل عليا شريكا في ثواب الهدي لا ~~أنه ملكه بعد أن جعله هديا، ويحتمل أن عليا أحضر الذي جاء به، فرآه النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فملكه نصفه فصار شريكا له، وساق الجميع هديا فصارا ~~شريكين فيه لا في الذي ساقه النبي - صلى الله عليه وسلم - أولا. # وفيه أيضا دلالة على أنه يستحب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة في يوم ~~واحد، ولا يؤخر بعضها إلى بعد يوم النحر. # 718 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه في قصة العسيف قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: "اغد يا أنيس على امرأة ms1243 هذا، فإن اعترفت فارجمها" الحديث. ~~متفق عليه (¬3). PageV06P304 # الحديث سيأتي الكلام عليه مستوفى إن شاء الله تعالى في كتاب الحدود (¬1)، ~~وذكره في هذا الباب؛ لأن المأمور وكيل عن الإمام في إقامة الحد، والظاهر أن ~~ذلك من باب الولاية وليس من الوكالة، والفرق بين تصرف الوكيل والمولى ~~مستوفى في كتب الفروع، وبوب البخاري: باب الوكالة في الحدود. وأورد هذا ~~الحديث وغيره وقال المصنف (¬2) رحمه الله تعالى بعد أن ساق الكلام على ~~أحاديث الباب: فإن الإمام لما لم يتول إقامة الحد بنفسه وولاه غيره، كان ~~ذلك بمنزلة توكيله لهم في إقامته. انتهى. PageV06P305 ### || AUTO باب الإقرار # الإقرار في اللغة الإثبات، يقال: قر الشيء. إذا ثبت، و: أقره غيره. إذا ~~أثبته (¬1)، وهو في الشرع (¬2) عبارة عن الإخبار بما عليه من الحقوق، وهو ~~ضد الجحود. # 719 - عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "قل الحق ولو كان مرا". صححه ابن حبان (¬3) في حديث طويل. # وأخرجه أحمد والطبراني (¬4) من حديث عبد الله بن الصامت، وأخرجه الروياني ~~وأبو نعيم (¬5)، والحديث بكماله: قال: أوصاني خليلي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن أنظر إلى من هو أسفل مني ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأن أحب ~~المساكين وأن أدنو منهم، وأن أصل رحمي وإن قطعوني وجفوني، وأن أقول الحق ~~وإن كان مرا، وألا أخاف في الله لومة لائم، وألا أسأل أحدا شيئا، وأن ~~أستكثر من: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنها من كنز الجنة. وفي لفظ ~~الطبراني زيادة: بتسع. وساقها. # وفي الباب من حديث علي بن الحسين عن جده علي بن أبي طالب، أخرجه أبو علي ~~بن شاذان عن أبي عمرو بن السماك من حديث علي بن الحسين قال: ضممت إلى سلاح ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، فوجدت في قائم سيفه رقعة PageV06P307 # فيها: "صل من قطعك، وأحسن إلى من أساء إليك، وقل الحق ولو على نفسك" ~~(¬1). قال ابن الرفعة في "المطلب" (¬2): ليس فيه إلا الانقطاع إلا أنه يقوى ~~بالآية. قال المصنف ms1244 رحمه الله تعالى (2): وفيما قال نظر؛ لأن في إسناده ~~الحسين بن زيد بن علي (¬3)، وقد ضعفه ابن المديني وغيره. # والحديث فيه دلالة على اعتبار إقرار الإنسان على نفسه في جميع الأمور، ~~وأن ذلك معمول به يجري عليه حكمه، وهو أمر عام لجميع الأحكام، ولذلك ذكره ~~المصنف تبعا للرافعي في باب الإقرار؛ لأن قول الحق على النفس هو الإخبار ~~بما عليها مما يلزمها التخلص منه بمال أو بدن أو عرض. # وقوله: "ولو كان مرا". من باب التشبيه؛ لأن الحق قد يصعب إجراؤه على ~~النفس كما يصعب عليها [إساغة] (أ) المر -وهو الشيء الكريه- لمرارته. # وفي خصوصيات الأحكام أحاديث كثيرة واردة في الإقرار في الحدود والقصاص ~~وغيرها. PageV06P308 ### || AUTO باب العارية # العارية فيها ثلاث لغات؛ عارية بالتشديد للياء، وعارية بالتخفيف، وعارة، ~~وهي مأخوذة من: عار الفرس إذا ذهب؛ لأن العارية تذهب من يد المعير، أو من ~~العار؛ [لأن أحدا لا] (أ) يستعير إلا وبه عار من الحاجة، أو من: عار، إذا ~~ذهب وجاء، ومنه قيل للغلام الخفيف: عيار (¬1). وقال في "النهاية" (¬2): ~~العارية مشددة الياء، كأنها منسوبة إلى العار؛ لأن طلبها عار وعيب، وتجمع ~~على العواري مشددا، وأعاره بعيره، واستعاره ثوبا فأعاره إياه، وأصلها ~~الواو. وهي في الشرع (¬3) عبارة عن إباحة المنافع من دون ملك العين. # 720 - عن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه". رواه أحمد والأربعة وصححه الحاكم (¬4). # أخرجوه من حديث الحسن عن سمرة، ورواه أبو داود والترمذي بلفظ: PageV06P309 # "حتى تؤدي". والحسن مختلف في سماعه من سمرة، وزاد فيه أكثرهم: ثم نسي ~~الحسن فقال: هو أمينك لا ضمان عليه. # الحديث فيه دلالة على وجوب رد ما قبضه المرء وهو ملك لغيره، ولا يبرأ إلا ~~بمصيره إلى مالكه أو من يقوم مقامه؛ لقوله: "حتى تؤديه". ولا تتحقق التأدية ~~إلا بذلك، وهو عام في الغصب والوديعة والعارية، وذكره المصنف هنا لدخول ~~العارية في ذلك لعموم لفظ: "ما أخذت". ويفهم منه أن العارية ms1245 مضمونة على ~~المستعير، وقد ذهب إلى هذا ابن عباس وزيد بن علي وعطاء وأحمد وإسحاق ~~والشافعي وأشهب وأحد قولي مالك، وحجتهم هذا وما يذكر بعده من الأحاديث، ~~وذهب الهادي وداود والعنبري إلى أن العارية أمانة لا يجب ضمانها إن لم يشرط ~~الضمان، فإن شرط الضمان ضمن، واحتجوا بالحديث الآتي في أدرع صفوان وقال: ~~"بل عارية مضمونة". وحملوا الوصف على التقييد لا على تبيين ماهية العارية، ~~وذهب الحسن البصري والنخعي وشريح وأبو حنيف وأصحابه إلى أنها أمانة لا تضمن ~~وإن شرط الضمان، واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس على المستودع ~~غير المغل (¬1) ولا (أ) على المستعير غير المغل ضمان". أخرجه الدارقطني ~~والبيهقي (¬2) وضعفاه عن ابن عمرو، وصححا وقفه على شريح. وأجاب الأولون بأن ~~هذا الحديث ضعيف لا يقاوم الأحاديث الصحيحة، وصحة وقفه على شريح لا تقوم به ~~الحجة؛ لجواز الاجتهاد ومساغه في هذا. وذهب PageV06P310 # مالك في القول المشهور وابن القاسم وأكثر أصحابه إلى أنه إذا كان مما ~~يعاب على المالك منع عاريته ولم يقم على التلف بينة فإنه يضصن، وإذا كان ~~مما لا يعاب عليه فلا ضمان، ولا فيما قامت على التلف بينة فإنه لا يضمن. ~~وكأنه يقول: إذا كان مما يعاب عليه لأنه واجب عليه إعارته. كما روي عن ~~جماعة من السلف القدماء، وروي عن ابن عباس وعبد الله بن مسعود (¬1) أنهما ~~فسرا قوله تعالى: {ويمنعون الماعون} (¬2) أنه متاع البيت الذي يتعاطاه ~~الناس بينهم؛ من الفأس والدلو والحبل والقدر وما أشبه ذلك. # 721 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". رواه أبو داود ~~والترمذي وحسنه، وصححه الحاكم، واستنكره أبو حاتم الرازي (¬3). # وأخرجه البخاري في "التاريخ"، وأخرجه مالك والبيهقي من حديث أبي هريرة ~~(¬4)، وأخرجه الطبراني في "الكبير"، والدارقطني، وأبو نعيم في "الحلية"، ~~ومالك، والبيهقي، والضياء، عن أنس (¬5)، وأخرجه الطبراني في "الكبير" ~~والبيهقي عن أبي أمامة (¬6)، والدارقطني عن أبي بن PageV06P311 # كعب (¬1)، وأحمد وأبو داود عن ms1246 رجل من الصحابة (¬2). # والحديث أظهر في الوديعة. # وفي قوله: "لا تخن من خانك". المراد به ألا تجازي بالإساءة. وهو محمول ~~على الندب عند جماعة من أهل العلم، وهو من يجيز استيفاء ما هو له من الغير ~~ولو من غير جنس ما أخذ عليه بقدر ما أخذ عليه، ويدل عليه قوله تعالي: ~~{وجزاء سيئة سيئة مثلها} (¬3). وقوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما ~~عوقبتم به} (¬4). وهو الأشهر من قولي الشافعي، وسواء كان من جنس ما أخذ ~~عليه أو من غير جنسه بقدره، والظاهر أنه يملكه ويتصرف فيه. وقال أصحاب ~~الشافعي: لا يملكه بمجرد الأخذ، بل يبيعه الحاكم على قول، أو يبيعه الآخذ ~~على قول فيملك ثمنه، وإذا أمكنه المحاكمة لم يجز ذلك وفاقا. وذهب أبو حنيفة ~~والمؤيد بالله إلى أنه لا يجوز له أن يأخذ إلا من جنس ما أخذ عليه، وهو ~~ظاهر قوله: {بمثل ما عوقبتم به}. وقوله: {مثلها}. وإن كان ذلك يحتمل صدق ~~المماثلة إذا كان بقدر ما أخذ عليه، لا أزيد. وذهب الهادي إلى أن ذلك لا ~~يجوز إلا بحكم حاكم؛ لظاهر قوله: "ولا تخن من خانك". وظاهر النهي التحريم، ~~ولقوله تعالى: {لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} (¬5). وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" (¬6). ويجاب عنه ~~بأن ذلك ليس PageV06P312 # أكلا بالباطل، وقوله: "لا تخن من خانك". محمول على الندب، وأن الأولى ~~الصبر لتحصيل ما هو خير للصابرين، وتخصيص حديث: "لا يحل مال امرئ مسلم". ~~بما ذكر من دليل الجمهور، وهو قرينة تأويل النهي وصرفه عن التحريم. وقال ~~المؤيد بالله: إن قول الهادي مسبوق قبله بالإجماع. والله أعلم. # 722 - وعن يعلى بن أمية قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إذا أتتك رسلي فأعطهم ثلاثين درعا". قلت: يا رسول الله، أعارية مضمونة أو ~~عارية مؤداة؟ قال: "بل عارية مؤداة". رواه أحمد وأبو داود والنسائي وصححه ~~ابن حبان (¬1). # الحديث فيه دلالة على ما ذهب إليه الهادي وداود أن العارية لا تضمن ms1247 إلا ~~إذا شرط الضمان، والعارية المؤداة هي التي يجب تأديتها مع بقاء عينها، فإن ~~تلفت لم يضمن القيمة. والله أعلم. # 723 - وعن صفوان بن أمية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - استعار منه ~~دروعا يوم حنين، فقال: [أغصب] (أ) يا محمد؟ قال: "بل عارية مضمونة". رواه ~~أبو داود والنسائي وصححه الحاكم وأخرج له شاهدا ضعيفا (5) عن ابن عباس رضي ~~الله عنه (¬2). PageV06P313 # هو أبو أمية وأبو وهب صفوان بن أمية بن خلف بن وهب الجمحي القرشي، هرب ~~يوم الفتح، فاستأمن له عمير بن وهب وابنه وهب بن عمير رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأمنه وأعطاهما رداءه أو برده أمانا له، فأدركه وهب بن عمير ~~فرده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلما وقف عليه قال له: إن هذا وهب ~~بن عمير يزعم أنك أمنتني على أن أسير شهرين. فقال له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "انزل أبا وهب". فقال: لا، حتى تبين لي. فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "أنزل ولك أن تسير أربعة أشهر". فنزل وخرج معه إلى حنين ~~فشهدها، وشهد الطائف كافرا، وأعطاه من الغنائم فأكثر، فقال صفوان: أشهد ~~بالله ما طابت بهذا إلا نفس نبي. فأسلم يومئذ وأقام بمكة، ثم هاجر إلى ~~المدينة ونزل على العباس، فذكر ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا هجرة بعد الفتح". وكان صفوان ~~أحد أشراف قريش في الجاهلية، وكانت امرأته أسلمت قبله بشهر، فلما أسلم ~~صفوان أقرا على نكاحهما، مات صفوان بمكة سنة اثنتين وأربعين، روى عنه ابنه ~~عبد الله وابن أخيه حميد وعبد الله بن الحارث وعامر بن مالك وطاوس، وكان من ~~المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامه، وكان من أفصح قريش لسانا (¬1). # قوله: وأخرج له شاهدا من حديث ابن عباس، ولفظه: "بل عارية مؤداة". وزاد ~~أحمد والنسائي (¬2): فضاع بعضها، فعرض عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أن PageV06P314 # يضمنها له، فقال: أنا اليوم يا رسول الله والله أرغب في الإسلام. وفي ~~رواية ms1248 لأبي داود (¬1) الأدراع كانت ما بين الثلاثين إلى الأربعين. وزاد فيه ~~معنى ما تقدم. ورواه البيهقي (¬2) من حديث جعفر بن محمد عن أبيه، عن "صفوان ~~مرسلا، وبين أن الأدراع كانت ثمانين، ورواه الحاكم (¬3) من حديث جابر، وذكر ~~أنها مائة درع وما يصلحها، أخرجه في أول المناقب. وأعل ابن حزم وابن القطان ~~طرق هذا الحديث، زاد ابن حزم (¬4): إن أحسن ما فيها حديث يعلى بن أمية. ~~يعني الذي رواه أبو داود. # وفي الباب عن ابن عمر أخرجه البزار (¬5) بلفظ: "العارية مؤداة". وفيه ~~العمري (¬6) وهو ضعيف. # الحديث فيه لفظ: "مضمونة" محتمل كما عرفت أن يكون وصفا كاشفا لحقيقة ~~العارية، فيكون دليلا على أن العارية تضمن وإن لم تضمن (5)، ويحتمل أن يكون ~~الوصف مخصصا، فيكون دليلا على أن العارية من أنواعها المضمونة ومن أنواعها ~~غير المضمونة، فيحتمل أن يخرج عليه أي المذهبين من مذهب الهادي ومذهب مالك، ~~ومع الاحتمال يكون مجملا غير واضح الدلالة، ويقوم حجة على من يقول: إن ~~العارية لا تضمن PageV06P315 # وإن ضمنت (أ). # وفي تمام حديث صفوان: فضاع بعضها، فعرض عليه النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أن يضمنها له. فيه دلالة على أن الضياع تفريط، فتضمن العارية بالضياع، ~~ولا تقوم (ب) حجة على ضمان العارية مطلقا. والله أعلم. PageV06P316 ### || AUTO باب الغصب # 724 - عن سعيد بن زيد رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من اقتطع شبرا من الأرض ظلما طوقه الله (أ) يوم القيامة إياه من سبع ~~أرضين". متفق عليه (¬1). # هذا لفظ مسلم. # قوله: "من اقتطع". الاقتطاع الافتعال من القطع، والمعنى: أخذ لنفسه ذلك ~~تملكا. وكأنه لما فصله عن ملك صاحبه وجعله لنفسه قطع الملك قطعا وأخذ قطعة ~~لنفسه، وفي لفظ في "الصحيحين" (¬2) بلفظ: "من أخذ". # وقوله: "شبرا". أي مقدار شبر، وفي لفظ في "الصحيحين" (¬3): "قيد شبر". ~~بكسر القاف، أي قدره، وذكر الشبر تنبيها على استواء القليل والكثير في ~~الوعيد. # وقوله: "طوقه الله". وفي رواية: "طوقه". بضم أوله على البناء للمجهول، ~~وفي رواية: "فإنه يطوقه". # وقوله: ms1249 "من سبع أرضين". بفتح الراء، ويجوز إسكانها في لغة قليلة. كذا قال ~~الجوهري (¬4). PageV06P317 # وفي التطويق وجوه؛ أحدها، أن معناه أنه يعاقب بالخسف إلى سبع أرضين، أي ~~فيكون كل أرضن في تلك الحالة طوقا في عنقه، ويؤيد هذا حديث ابن عمر: "خسف ~~به يوم القيامة إلى سبع أرضين" (¬1). # والثاني، أنه يكلف نقل ما ظلم منها في يوم القيامة إلى المحشر، ويكون ~~كالطوق في عنقه، لا أنه طوق حقيقة. وقد روى الطبراني وابن حبان (¬2) من ~~حديث يعلى بن مرة مرفوعا: "أيما رجل ظلم شبرا من الأرض كلفه الله أن يحفره ~~حتى يبلغ آخر سبع أرضين، ثم يطوقه حتى يقضى بين الناس". ولأبي يعلى (¬3) ~~بإسناد حسن عن الحكم بن حارث السلمي مرفوعا: "من أخذ من طريق المسلمين شبرا ~~جاء يوم القيامة يحمله (أ) من سبع أرضين". ونظير ذلك حديث الغال للزكاة في ~~حق من غل بعيرا: "جاء يوم القيامة يحمله" (¬4). # والثالث، أن معنى "يطوقه": يكلف أن يجعل له طوقا ولا يستطيع ذلك فيعذب ~~بذلك. كما جاء في حق من كذب في منامه: "كلف أن يعقد شعيرة" (¬5). # والرابع، أن يكون التطويق بطريق الإثم، والمراد به أن الظلم المذكور لازم ~~في عنقه [لزوم] (ب) إثمه، ومنه قوله تعالى: {ألزمناه طائره في PageV06P318 # عنقه} (¬1). # وبالوجه الأول جزم أبو الفتح القشيري (¬2) وصححه البغوي (¬3)، ويحتمل أن ~~تتنوع هذه الصفات لصاحب هذه الجناية، أو ينقسم أصحاب هذه الجناية؛ فيعذب ~~بعضهم بهذا وبعضهم بهذا بحسب قوة المفسدة وضعفها، وقد روى ابن أبي شيبة ~~(¬4) بإسناد حسن من حديث أبي مالك الأشعري: "أعظم الغلول عند الله يوم ~~القيامة ذراع أرض يسرقه رجل، فيطوقه من سبع أرضين". # وفي الحديث تحريم الظلم والغصب وتغليظ عقوبته، وإمكان غصب الأرض، وأنه من ~~الكبائر. قاله القرطبي (2)، وكأنه فرعه على أن الكبيرة ما ورد فيه وعيد شديد. # وأن من ملك أرضا ملك أسفلها إلى منتهى الأرض، وله أن يمنع من يحفر تحتها ~~سربا أو بئرا بغير رضاه. وفيه أن [من] (أ) ملك ظاهر الأرض ملك باطنها بما ~~فيه من ms1250 حجارة وأبنية ومعادن وغير ذلك، وأن له أن ينزل بالحفر ما شاء ما لم ~~يضر بمن يجاوره. # وفيه أن الأرضين السبع متراكمة لم يفتق بعضها من بعض؛ لأنها لو فتقت ~~لاكتفي في حق هذا الغاصب بتطويق التي غصبها؛ لانفصالها عما تحتها. أشار إلى ~~ذلك الداودي (2). PageV06P319 # وفيه أن الأرضين السبع طباق كالسماوات، وهو ظاهر قوله تعالى: {ومن الأرض ~~مثلهن} (¬1). خلافا لمن قال: إن المراد بقوله: "سبع أرضين". سبعة أقاليم؛ ~~لأنه لو كان كذلك لم يطوق الغاصب شبرا من إقليم آخر. قاله ابن التين، وهو ~~والذي قبله مبني على أن العقوبة متعلقة بما كان بسببها، وإلا فمع قطع النظر ~~عن ذلك لا تلازم بين ما ذكروه. # وفيه دلالة على أن الأرض تصير مغصوبة بالاستيلاء عليها ويجري عليها أحكام ~~الغصب، واختلف العلماء في ضمانها إذا تلفت بعد الاستيلاء؛ فذهب الهادي وأبو ~~حنيفة وأبو يوسف إلى أنها لا تضمن بالغصب، قالوا: لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "على اليد ما أخذت حتى ترد" (¬2). وهو غير مأخوذ، ولا يقاس ثبوت ~~اليد على النقل في المنقول؛ لافتراقهما في التصرف، وذهب الناصر والمؤيد ~~والإمام يحيى والشافعي ومحمد والجمهور إلى أن الأرض تضمن بالغصب، وهو ثبوت ~~اليد؛ قياسا على المنقول المتفق عليه أنه يضمن بعد النقل، بجامع الاستيلاء ~~الحاصل في نقل المنقول، وفي ثبوت اليد على غير المنقول، وللحديث المذكور في ~~الباب، وهو الأولى. والله أعلم. # 725 - وعن أنس رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين مع خادم لها بقصعة فيها طعام، ~~فضربت بيدها فكسرت القصعة، فضمها وجعل فيها الطعام وقال: "كلوا". ودفع ~~القصعة الصحيحة للرسول وحبس المكسورة. PageV06P320 # رواه البخاري والترمذي (¬1) وسمى الضاربة عائشة، وزاد: فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "طعام بطعام، وإناء بإناء". وصححه. # قوله: بعض نسائه. في رواية الترمذي من طريق سفيان الثوري عن حميد عن أنس ~~بلفظ: فضربت عائشة القصعة بيدها. الحديث. وأخرجه أحمد (¬2) في ابن أبي عدي ~~ويزيد بن هارون عن حميد قال: ms1251 وأظنها عائشة. قال الطيبي (أ): إنما أبهمت ~~عائشة؛ تفخيما لشأنها، وأنه مما لا يخفى ولا يلتبس أنها هي؛ لأن الهدايا ~~إنما كانت تهدي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيتها. والمرسلة ذكر ~~ابن حزم المالكي (ب) (¬3) من طريق الليث بن سعد عن جرير بن حازم عن حميد ~~بلفظ: أن زينب بنت جحش أهدت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في بيت ~~عائشة ويومها جفنة من حيس. الحديث، فصرح بذكر الزوج المرسلة والطعام ~~المهدى. # قال المصنف (¬4): ولم أطلع على اسم الخادم. وقد وقع مثل هذه القصة PageV06P321 # من عائشة في صحفة أم سلمة فيما أخرجه النسائي (¬1) عن أم سلمة، أنها أتت ~~بطعام في صحفة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فجاءت عائشة ~~متزرة بكساء ومعها فهر (¬2) ففلقت به الصحفة. الحديث، وقد اختلف فيه على ~~ثابت؛ فقيل: عن أنس. وقيل: عن أم سلمة. وفي الطبراني (¬3) عن أنس أنهم ~~كانوا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيت عائشة، إذ أتي بصحفة ~~خبز ولحم من بيت أم سلمة، قال: فوضعنا أيدينا وعائشة تصنع طعاما عجلة، فلما ~~فرغنا جاءت به ورفعت صحفة أم سلمة فكسرتها. الحديث. # وأخرجه الدارقطني (¬4) من طريق عمران بن خالد عن ثابت عن أنس قال: كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في بيت عائشة معه بعض أصحابه ينتظرون طعيما، ~~فسبقتها -قال عمران: أكثر ظني أنها حفصة- بصحفة فيها ثريد فوضعتها، فخرجت ~~عائشة، وذلك قبل أن يحتجبن، فضربت بها فانكسرت. الحديث. # ولم يصب عمران في ظنه أنها حفصة، بل هي أم سلمة كما تقدم، ولكنه وقع ~~لحفصة أيضا مثل ذلك فيما أخرجه ابن أبي شيبة وابن ماجة (¬5) من طريق رجل من ~~بني [سواءة] (أ) غير مسمى عن عائشة قالت: كان رسول الله PageV06P322 # - صلى الله عليه وسلم - مع أصحابه، فصنعت له طعاما، وصنعت له حفصة طعاما، ~~فسبقتني، فقلت للجارية: انطلقي فأكفئي قصعتها. [فأكفأتها] (أ) فانكسرت ~~وانتشر الطعام، فجمعه على النطع فأكلوه، ثم بعث بقصعتى إلى حفصة فقال: ~~"خذوا ظرفا مكان ظرفكم". ms1252 وبقية رجاله ثقات، وهي قصة أخرى بلا ريب، لأن [في] ~~(ب) هذه القصة أن الجارية هي التي كسرت الصحفة، وفي الذي تقدم أن عائشة هي ~~التي كسرتها. # ووقع مثل هذه القصة لصفية فيما أخرجه أبو داود والنسائي (¬1) من طريق ~~جسرة -بفتح الجيم وسكون السين المهملة- عن عائشة قالت: ما رأيت صانعة طعاما ~~مثل صفية، أهدت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - إناء فيه طعام، فما ملكت ~~نفسي أن كسرته، فقلت: يا رسول الله، ما كفارته؟ قال: "إناء كإناء، وطعام ~~كطعام". إسناده حسن. ولأحمد (¬2) وأبي داود عنها: فلما رأيت الجارية أخذتني ~~رعدة. فهذه قصة أخرى. # وتحرر من هذا أن المبهم في الحديث المراد به زينب؛ لمجيء الحديث من ~~مخرجه، وهو حميد عن أنس، وما عدا ذلك فقصص أخرى، فلا يشتبه المبهم بغيرها. PageV06P323 # وقوله: بقصعة. هي بفتح القاف، [إناء من خشب، وقد جاء في البخاري (¬1) في ~~هذا الحديث في النكاح: بصحفة. وهي قصعة مبسوطة وتكون من غير الخشب. # قوله: فضربت بيدها فكسرت القصعة. زاد أحمد: نصفين. فبين أن كسرها كان ~~نصفين] (أ)، وفي رواية ابن علية: فضربت التي في بيتها يد الخادم، فسقطت ~~الصحفة فانفلقت. والفلق بالسكون الشق، فيحمل بأنها انشقت أولا ثم انفصلت. # قوله: فضمها. في رواية ابن علية: فجمع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلق ~~الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة ويقول: "غارت أمكم". ~~ولأحمد (¬2): فأخذ الكسرتين فضم إحداهما إلى الأخرى فجعل فيها الطعام. ~~ولأبي داود والنسائي (¬3) من طريق خالد بن الحارث عن حميد نحوه، وزاد: ~~فأكلوا. بعد قوله: "كلوا". # قوله: ودفع القصعة الصحيحة للرسول. لفظ البخاري: وحبس الرسول والقصعة حتى ~~فرغوا، فدفع القصعة الصحيحة. زاد ابن علية: حتى أتي بصحفة من التي هو في ~~بيتها. وزاد ابن علية أيضا: حتى أتى إلى التي PageV06P324 # كسرت صحفتها وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت. زاد الثوري: وقال: "إناء ~~كإناء، وطعام كطعام". # والحديث فيه دلالة على أن من استهلك على غيره شيئا كان مضمونا بمثله، وهو ~~متفق عليه في المثلي ms1253 من الحبوب وغيرها، ومختلف فيه في القيمي؛ فذهب الشافعي ~~والكوفيون إلى أن من استهلك عرضا أو حيوانا فعليه مثل ما استهلك. قالوا: ~~ولا يقضي بالقيمة إلا عند عدم المثل. وذهب مالك إلى وجوب القيمة [مطلقا] ~~(أ)، وعنه في رواية كالأول، وعنه: ما صنعه الآدمي فالمثل، وأما الحيوان ~~فالقيمة. وعنه: ما كان مكيلا أو موزونا فالقيمة، والا فالمثل. وهو المشهور ~~عند المالكية، وفي "نهاية المجتهد" (¬1) حكى عن مالك قولا واحدا، وهو أن ~~المثلي يضمن بمثله والقيمي بقيمته. فتحقق هذه الأقوال، والله أعلم. وما ذهب ~~إليه مالك هو مذهب الهدوية وغيرهم من الأئمة، واحتج مالك (¬2) بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "من أعتق شقصا (¬3) من عبد قوم عليه قيمة العدل" الحديث. ~~فلم يلزم المثل ورجع إلى القيمة. وأجيب عنه بالحديث المذكور وبقوله تعالى: ~~{فجزاء مثل ما قتل من النعم} (¬4). فلم يعدل في الجزاء إلى القيمة إلا عند ~~عدم المثل، وهو دليل واضح، وأما حديث القصعة؛ فإن كان من بعض زوجات النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فالظاهر أنه ليس من باب التضمين الحقيقي؛ لأن المالك ~~للبيت وما فيه هو PageV06P325 # النبي - صلى الله عليه وسلم -، فالعوض والمعوض عنه ملكه، وإن كان من بيت ~~غيرهن -كما في رواية- فلعلمه بالمسامحة فيما بينهم في ذلك وعدم التقصي، ~~ولكن يخدش فيه عموم قوله: "إناء كإناء، وطعام كطعام". فإن اللفظ لا يقصر ~~على سببه، وأن ذلك هو حكم المتلف مطلقا، ويتأيد بما وقع في رواية ابن أبي ~~حاتم (¬1): "من كسر شيئا فهو له وعليه مثله". زاد في رواية الدارقطني: ~~فصارت قضية. أي من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك يقتضي أن يكون حكما ~~عاما لكل من وقع له مثل ذلك، فيندفع قول من قال: إنها قضية عين لا عموم فيها. # وفي إمساك المكسورة في بيت التي كسرت حجة للهدوية والحنفية في أن العين ~~المغصوبة إذا زال بفعل الغاصب اسمها ومعظم منافعها، أنها تصير ملكا للغاصب ~~ويضمنها. # وقوله: بعض أمهات المؤمنين. إشارة إلى السبب الذي حصل به غيرة عائشة؛ وهو ~~أن ms1254 الهدية من بيت ضرتها. # وفي قوله في الرواية: "غاربت أمكم". اعتذار منه - صلى الله عليه وسلم - ~~لها؛ لئلا يحمل صنيعها على قصد الأذية؛ فإن (أ) ذلك من العادة المتقررة في ~~نفس الضرة من الغيرة بحيث لا تقدر على دفعها. # وفي الحديث دلالة على حسن خلقه - صلى الله عليه وسلم - وإنصافه وحلمه. ~~قال ابن العربي (¬2): وكأنه إنما لم يؤدب الكاسرة ولو بالكلام لما وقع منها ~~من التعدي؛ PageV06P326 # لما فهم من أن التي أهدت أرادت بذلك أذى التي هو في بيتها والمظاهرة ~~عليها، واقتصر على تغريمها القصعة ولم يغرمها المأم؛ لأنه كان مهدى لهم، ~~فقد خرج عن ملكها بالتخلية. والله سبحانه أعلم. # 726 - وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من زرع في أرض قوم بغير إذنهم، فليس له من الزرع شيء، وله نفقته". ~~رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وحسنه الترمذي، ويقال: إن البخاري ضعفه (¬1). # الحديث نقل الترمذي عن البخاري تحسينه، لكن قال أبو زرعة وغيره (¬2): لم ~~يسمع عطاء بن أبي رباح من رافع بن خديج. وضعفه الخطابي (¬3) ونقل تضعيفه عن ~~البخاري، وهو خلاف ما نقله عنه الترمذي، وضعفه البيهقي أيضا (¬4)، وكان ~~موسى بن هارون الحمال (أ) ينكر هذا الحديث ويضعفه، ويقول: لم يروه [عن أبي ~~إسحاق] (ب) غير شريك، ولا رواه عن PageV06P327 # عطاء غير أبي إسحاق. نقله الخطابي، لكن قيل: إن قيس بن الربيع (¬1) ~~تابعه، لكنه سيئ الحفظ. كذا ذكره ابن الملقن النحوي رحمه الله تعالى. ~~وأخرجه ابن أبي شيبة والطيالسي وابن ماجة وأبو يعلى والطبراني في "الكبير" ~~والبيهقي وضعفه والضياء (¬2). ورواه ابن أيمن في "مصنفه" (¬3) بلفظ: إن ~~رجلا غصب رجلا أرضا فزرع فيها، فارتفعوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فقضى لصاحب الأرض بالزرع، وقضى للغاصب بالنفقة. وأخرج الطبراني في "الكبير" ~~(¬4) أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أتى بني حارثة، فرأى زرعا في أرض ~~ظهير فقال: "ما أحسن زرع ظهير! ". فقالوا: ليس لظهير. قال: "أليست أرض ~~ظهير؟ ". قالوا: بلى، ولكنه زرع ms1255 فلان. قال: "فردوا عليه نفقته وخذوا ~~زرعكم". فرددنا عليه نفقته وأخذنا زرعنا. ومثله أخرج ابن أبي شيبة (¬5) عن ~~سعيد بن المسيب. وهو وإن لم تكن الأرض مغصوبة إلا أنه جعل الزرع تابعا ~~للأرض، فهو يقوي الحديث المذكور في الغصب. # في الحديث دلالة على أن غاصب الأرض إذا زرع فيها أنه لا يملك الزرع وأنه ~~يتبع الأرض، وله ما غرم على الزرع في النفقة والبذر. وهذا ذهب إليه أحمد بن ~~حنبل وإسحاق ومالك، وهو قول أكثر علماء المدينة، وذهب إليه PageV06P328 # القاسم بن إبراهيم. وذهب الأكثر من الأمة إلى أن الزرع لصاحب البذر ~~الغاصب وعليه أجرة الأرض، قالوا: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس لعرق ~~ظالم حق" الحديث الآتي. ولقوله: "الزرع للزارع وإن كان غاصبا". أخرجه (أ)، ~~فدل ذلك على أنه لصاحبه، ووضعه في الأرض (ب) المغصوبة لا يخرجه عن ملكه، ~~والحديث متأول، قال المؤيد بالله: إنه أراد: حيث زرع ببذرهم. قال الإمام ~~المهدي: وبأمرهم أيضا ولكنه خالف في الأرض المعينة. وقال أبو العباس: بل ~~أراد أنه يدفع الزرع بالكراء، ورد النفقة بمعنى أخذه لما زاد على كراء ~~المثل. قال: ويجب عليه أن يتصدق به. وكلا التأويلين بعيد متكلف، وحديث: ~~"ليس لعرق ظالم حق". عموم وحديث رافع خصوص، وحديث: "الزرع للزارع وإن كان ~~غاصبا" -على فرض استقامة طريقه- غير معارض؛ لأن الظاهر فيه أن الزرع للزارع ~~وإن كان غاصبا أنه غاصب للبذر وبذر به في أرضه، لا أنه غاصب للأرض، وهو إذا ~~غصب البذر وبذر به ملكه بالاستهلاك. فلا تقوى (ج) حجة المذكور (د). والله أعلم. # 727 - وعن عروة بن الزبير قال: قال رجل من أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: إن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~أرض، غرس أحدهما فيها نخلا والأرض للآخر، فقضى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بالأرض لصاحبها، وأمر صاحب النخل يخرج نخله، وقال: "ليس لعرق ظالم ~~حق". رواه PageV06P329 # أبو داود (¬1)، وإسناده حسن، [وآخره] (أ) عند أصحاب "السنن" (¬2) من ~~رواية عروة عن ms1256 سعيد بن زيد، واختلف في وصله وإرساله وفي تعيين صحابيه. # الحديث رواه أبو داود مرسلا من طريق هناد بن السري عن عبدة عن محمد بن ~~إسحاق عن عروة مرسلا. ورواه (¬3) من طريق أحمد بن سعيد الدارمي عن وهب عن ~~أبيه عن محمد بن إسحاق بإسناده متصلا، وقال: فقال رجل من أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وأكثر ظني أنه أبو سعيد الخدري. وفسر هشام (¬4) العرق ~~الظالم أن يغرس الرجل في أرض غيره فيستحقها بذلك. وقال مالك: العرق الظالم ~~كل ما أخذ واحتفر وغرس بغير حق. و [علقه] (ب) البخاري (¬5) عن عمرو بن عوف ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ووصله إسحاق بن راهويه (¬6)، قال: أخبرنا ~~أبو عامر العقدي، عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، حدثني أبي أن أباه ~~حدثه، أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من أحيا أرضا مواتا من ~~غير أن يكون فيها حق مسلم فهي له، وليس لعرق ظالم PageV06P330 # حق". وهو عند الطبراني والبيهقي (¬1)، وكثير هذا ضعيف (¬2)، وليس لجده ~~عمرو بن عوف في "البخاري" سوى هذا الحديث وهو غير عمرو بن عوف الأنصاري ~~البدري. # وفي الباب عن عائشة أخرجه أبو داود الطيالسي (2)، وعن سمرة عند أبي داود ~~(أوالبيهقي أ) (¬3)، وعن عبادة وعبد الله بن عمرو عند الطبراني (¬4)، وعن ~~أبي أسيد عند يحيى بن آدم في كتاب "الخراج" (¬5)، وفي أسانيدها مقال، لكن ~~يقوي بعضها بعضا. # و: "عرق ظالم" يرويه الأكثر بتنوين "عرق"، و"ظالم" نعت له، وقد وصفه بصفة ~~صاحبه من المجاز العقلي، ورواية الإضافة إضافة العرق إلى صاحبه الغاصب، ~~وبالأول جزم مالك والشافعي والأزهري وابن فارس وغيرهم (¬6)، وبالغ الخطابي ~~(¬7) فغلط رواية الإضافة (ب). قال ربيعة: العرق PageV06P331 # الظالم يكون ظاهرا ويكون باطنا؛ فالباطن ما احتفره الرجل من الآبار (أ) ~~[أو] (ب) استخرجه من المعادن، والظاهر ما بناه أو غرسه. وقال غيره: الظالم ~~من غرس أو زرع أو بنى أو حفر في أرض غيره بغير حق ولا شبهة (ج). # والحديث فيه دلالة على أن الغاصب إذا ms1257 غرس في أرض الغير كان الغرس للغاصب ~~ولا يخرج عن ملكه (د)، وقد تقدم الكلام في الزرع، والجمع بين هذا الحديث ~~والحديث الذي قبله. # 728 - [وعن أبي] (ه) بكرة رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال في خطبته يوم النحر [بمنى] (و): "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة ~~يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا". متفق عليه (¬1). # الحديث فيه دلالة على تحريم مال المسلم وأن حرمته كدمه، وهذا إجماع وافق ~~الشرع فيه التحريم العقلي عند من قال به. PageV06P332 ### || AUTO باب الشفعة # الشفعة بضم الشين العجمة وسكون الفاء وغلط من حركها، وهي مأخوذة لغة من ~~الشفع وهو الزوج خلاف الوتر؛ لأنه ضم الشيء إلى الشيء، وسميت الشفاعة بذلك؛ ~~لأنها تضم المشفوع له إلى أهل الثواب، ولما كان الشفيع يضم الشيء المشفوع ~~إلى ملكه سمي ذلك شفعة. وقيل: من الزيادة. وقيل: من الإعانة، [وفي الشرع] ~~(أ) ضم حصة إلى حصة بسبب شرعي كانت انتقلت إلى أجنبي بمثل العوض المسمى ~~(¬1). وحدها في "الغيث" بالحق السابق للك المشتري للشريك أو من في حكمه. ~~والحد الأول أولى. # والشفعة معتبرة إجماعا، وروي الخلاف عن الأصم، لأنها أخذ مال الغير كرها، ~~وقد دل (ب) الدليل على أنه لا يجوز. والجواب أنها مخصوصة بالأدلة الثابتة، ~~وهي عند أكثر الفقهاء واردة على خلاف القياس؛ لأنها تؤخذ كرها، ولأن الأذية ~~لا تدفع عن واحد بضرر آخر، والظاهر من مذهب العترة والحنفية أنها واردة على ~~القياس، إذ المعنى المعتبر فيها من دفع الضرر عن واحد بضرر آخر معتبر في ~~غيرها، وذلك كأخذ سلعة الفلس وبيع ماله، ومال المتمرد لقضاء دينه ونفقة ~~زوجته وأولاده، وغير ذلك. وقال بعض العلماء: هي ثابتة استحسانا بالقياس ~~الخفي، إذ هي لدفع ضرر الخليط PageV06P333 # والجار، وهو مراد من قال: إنها موافقة للقياس، (أوهي مخالفة للقياس أ) ~~الجلي إذ هي أخذ مال الغير بغير رضاه، وهو مراد من قال: إنها مخالفة ~~للقياس. # 729 - عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: قضى النبي ms1258 - صلى الله عليه ~~وسلم - بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. ~~متفق عليه (¬1)، واللفظ للبخاري، وفي رواية مسلم: "الشفعة في كل شرك في أرض ~~أو ربع أو حائط، لا يصلح أن يبيع حتى يعرض على شريكه". وفي رواية الطحاوي ~~(¬2): قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالشفعة في كل شيء. ورجاله ثقات. # قوله: في كل ما لم يقسم. فيه دلالة على ثبوت الشفعة للشريك في الدور ~~والعقار والحوانيت والبساتين، وهذا مجمع عليه إذا كانت مما يقسم، وإن كان ~~مثل الحمام الصغير فلا يصح الشفعة فيه عند مالك والشافعي، وكذا المدقة ~~والطاحونة والبيت الصغير والبئر والحوض والبركة وغير ذلك مما لا يقسم، وقد ~~ورد في البئر حديث: "لا شفعة في بئر" (¬3). وذهب العترة PageV06P334 # وأبو حنيفة وأصحابه إلى ثبوت الشفعة في جميع ذلك، وقد يتأول (أ) حديث: ~~"لا شفعة في بئر". على آبار الصحاري التي تكون في الأرض الموات، لا التي ~~تكون في أرض متملكة، وهو مستقيم، حيث لم تكن محفورة، وإلا ملكها الحافر ~~وصحت الشفعة فيها، وكذا عند مالك لا شفعة في الطريق وعرصة الدار (¬1)، ~~ووافقه الشافعي أيضا. # وهذا الحديث فيه دلالة على أن الشفعة إنما تكون في العقار والدور، لقوله: ~~فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. والحدود والطرق إنما تكون في ذلك. ~~وذهب العترة جميعا إلى أنها تصح الشفعة في غير العقار من المنقولات كلها، ~~وهو مروي عن عطاء، ورواه في "البحر" عن مالك، وفي "فتح الباري" قال (¬2): ~~رواية عن مالك. وفي كتب المالكية خلافه إلا المنصور بالله، فخالف في المكيل ~~والموزون، قال: لأنه لا ضرر فيه. ومالك أثبت الشفعة في الثمار التابعة ~~للأرض في البيع، ودليلهم عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الشريك شفيع، ~~الشفعة في كل شيء". أخرجه الترمذي (¬3) عن ابن عباس. وذهب الجمهور من ~~العلماء إلى أن الشفعة لا تثبت في المنقول، وحجتهم ما مر، وهذا الحديث مخصص ~~بالمعنى المعلل به وهو دفع الضرر، والضرر في المنقول نادر، وروى في "البحر" ms1259 ~~عن عطاء أنه لا شفعة في المنقول إلا الحيوان والثياب. وعن داود: الشفعة في ~~الثياب فقط. انتهى. وعن أحمد ثبوت PageV06P335 # الشفعة في الحيوان. # وقوله: صرفت الطرق. أي بينت مصارف الطرق وشوارعها، كأنه من التصرف أو من ~~[التصريف] (أ). وقال ابن مالك: معناه خلصت وبانت، وهو مشتق من الصرف، بكسر ~~المهملة: الخالص من كل شيء. # وقوله: الشفعة في كل شرك. أي مشترك (ب). # وقوله: أو ربع. بفتح الراء وإسكان الباء، والربع الدار والمسكن، وتطلق ~~على الأرض، وأصله المنزل الذي كانوا يربعون فيه، والربعة تأنيث الربع، ~~وقيل: واحده. كتمرة وتمر. # وقوله: لا يصلح أن يبيع. إلى آخره، وفي رواية: لا يحل له أن يبيع حتى ~~يؤذن شريكه. وفي رواية: ليس له أن يبيع. وهو محمول على الندب إلى إعلامه، ~~وكراهة بيعه قبل إعلامه كراهة تنزيه لا تحريم، وقال في "شرح الإرشاد" (¬1): ~~الحديث يقتضي أنه يحرم البيع قبل العرض على الشريك. قال ابن الرفعة: ولم ~~أظفر به عن أحد من أصحابنا، ولا محيد عن الخبر، وقد قال الشافعي: إذا صح ~~الحديث فاضربوا بقولي عرض الحائط. وقال الأذرعي: إنه الذي يقتضيه نص "الأم" ~~في باب صيغة نهى النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد ظفر به الزركشي فقال: ~~صرح به الفارقي، وقال -يعني الفارقي-: وهذا التحريم لا يمنع صحة العقد؛ ~~لأنه لو فسد لم يأخذه الشفيع بالشفعة. انتهى. PageV06P336 # واختلف العلماء فيما إذا أذن الشريك له بالبيع فباع ثم أراد أن يشفع؛ ~~فقال الشافعي ومالك وأبو حنيفة وأصحابه وعثمان البتي وابن أبي ليلى وغيرهم ~~وهو مذهب الهدوية، أنه (أ) له أن يشفع. وقال الحكم (ب) والثوري وأبو عبيد ~~وطائفة من أهل الحديث: ليس له الأخذ. وعن أحمد روايتان كالمذهبين. # وقوله في رواية الطحاوي: في كل شيء. فيه تأييد ثبوت الشفعة في غير ~~العقار، ولكنه عام مخصوص بما تقدم، وهذا حديث الطحاوي له شاهد من حديث ابن ~~عباس أخرجه البيهقي (¬1) مرفوعا: "الشفعة في كل شيء". ورجاله ثقات، إلا أنه ~~أعل بالإرسال. # وظاهر ثبوت الشفعة للشريك أنه عام ms1260 لكل شريك مسلما أو كافرا. وقد ذهب إلى ~~هذا زيد بن علي والمؤيد بالله والحنفية والشافعية، وذهب الحسن والشعبي ~~والهادي والناصر والمنصور بالله وأحمد بن حنبل إلى أنها لا تثبت لكافر على ~~مسلم ولو في خططهم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا شفعة للذمي على ~~المسلم". أخرجه (ج). # وقوله: "لا شفعة لليهودي ولا للنصراني". ذكر الحديثين في "البحر"، [وأخرج ~~ابن عدي والبيهقي (¬2) عن أنس بلفظ: "لا شفعة للنصراني"] (د). PageV06P337 # أخرجه (أ). وأما شفعة الكافر على مثله في خططهم فتثبت إجماعا، وأما في ~~خطط المسلمين فلا يثبت عند الآخرين ويثبت عند الأولين، واحتج على التفرقة ~~بين الخطط بما روي عن علي رضي الله عنه أنه كان يأمر مناديا ينادي كل يوم: ~~لا يبنين يهودي ولا نصراني ولا مجوسي، الحقوا بالحيرة. وفي هذا دلالة علي ~~أنه لا حق لهم في خطط المسلمين، وإذا لم يثبت لهم حق لم يثبت لهم (ب) ~~الشفعة فيما بينهم، ولكنه يلزم على هذا ألا يمكنوا من التملك (ج) في خطط ~~المسلمين، وهو خلاف ما ذهبوا إليه، وذهب الشعبي إلى أنه لا شفعة لمن لم ~~يمكن من أهل المصر. وهو محجوج بالدليل العام. # واعلم أن الشفعة تثبت فيما ملك بالشراء إجماعا، وأما ما ملك بغيره، فإن ~~كان بعوض مال فحكمه حكم الشراء، وإن كان بغير ذلك فمالك والشافعي أثبتاها ~~فيما كان انتقال الملك بعوض، وإن لم يكن مالا؛ كالصلح والمهر وأرش الجنايات ~~وغير ذلك، ورواية عن الشافعي أنها تجب في كل ملك انتقل بعوض أو غير عوض؛ ~~كالهبة لغير الثواب والصدقة ما عدا الميراث، فإنه لا شفعة فيه إجماعا، ~~والحنفية تخص الشفعة بالبيع فقط، وذلك لأن ظاهر الأدلة إنما تتناول البيع، ~~وحجة المالكية أن كل ما انتقل بعوض فهو في معنى البيع، والشافعي يخالف في ~~الهبة التي للثواب لأنها باطلة عنده، وأما مالك فهو يثبت الشفعة فيها ~~اتفاقا بينه وبين أصحابه، والهدوية يثبتون الشفعة فيها إذا كان الثواب يملك ~~بعقد الهبة لا إذا كان PageV06P338 # مضمرا أو لا يملك ms1261 بعقد الهبة (أ)، وإذا كان البيع فيه خيار للمشتري شفع ~~عليه عند الهدوية والكوفية والشافعي؛ لأن البائع قد قطع عن نفسه الملك. ~~وقال جماعة من المالكية: إنه لا شفعة فيه؛ لأنه غير ضامن له. وهذا التعليل ~~ممنوع؛ لأنه عند غيرهم مضمون على المشتري إذا كان قد قبضه. ولمالك في ~~المساقاة ثلاث روايات في ثبوت الشفعة فيها؛ جواز الأخذ بالشفعة، والمنع، ~~والثالثة أن تكون المساقاة من الجنيب، فإن الشريك يشفع عليه ولا يشفع على ~~الشريك الآخر. واختلف عن مالك في ثبوت الشفعة في الإجارة في الدور، وظاهر ~~عموم قوله: الشفعة في كل شيء. شمول ذلك للإجارة، إلا أن يوجد دليل يقيد ذلك ~~بالبيع. # 730 - وعن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "الجار أحق بصقبه". أخرجه البخاري، وفيه قصة (¬1). # قوله: "بصقبه". هو بالصاد المهملة المفتوحة وفتح القاف: القرب؛ تقول: ~~صقبت داره صقبا. قربت قربا، وكذا سقب (ب) بالسين المهملة [المفتوحة] (ج) ~~وفتح القاف بمعناه. كذا في "القاموس" (¬2) و "الضياء". والحديث نذكر الكلام ~~عليه وذكر القصة في شرح الحديث الذي بعده. # 731 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: PageV06P339 # "جار الدار أحق بالدار". رواه النسائي وصححه ابن حبان (¬1)، وله علة. # الحديث أخرجه أبو بكر بن أبي خيثمة في "تاريخه" والطحاوي وأبو يعلى ~~والطبراني في "الأوسط" والضياء (¬2) عن قتادة عن أنس. وأخرجه الطيالسي ~~وأحمد وأبو داود والترمذي وقال: حسن صحيح. والبيهقي والضياء (¬3) عن قتادة ~~عن الحسن عن سمرة، قالوا: وهو المحفوظ، والأول مقلوب. وصحح ابن القطان ~~الوجهين. وأخرج الطبراني (¬4) عن سمرة مرفوعا: "جار الدار أحق بالشفعة". ~~وأخرج ابن سعد (¬5) عن قتادة عن عمرو بن شعيب عن الشريد بن سويد الثقفي ~~مرفوعا: "جار الدار أحق بالدار من غيره". الحديث فيه دلالة على ثبوت الشفعة ~~بالجوار في الدار وفي غيرها من الأراضي بالحديث الآتي العام وبالقياس على ~~الدار أيضا، إذ العلة القرب بالجوار وهو حاصل، وقد ذهب إلى هذا العترة وأبو ms1262 ~~حنيفة وأصحابه وابن سيرين وابن أبي ليلى لهذا ولغيره من الأحاديث. وذهب علي ~~وعمر وعثمان وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعمر بن عبد العزيز وربيعة ~~ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق وعبيد الله بن الحسن والإمامية إلى أنه لا ~~شفعة PageV06P340 # بالجوار ولا يكون إلا بالاشتراك، وتأولوا الحديث بأن المراد بالجار ~~الشريك؛ لأنه ورد مثل ذلك في قصة أبي رافع، وكان شريك سعد في البيتين، ~~ولذلك دعاه إلى الشراء منه، كما أخرجه البخاري (¬1)، ولفظه بعد سياق ~~الإسناد: إذ (أ) جاء أبو رافع مولى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ~~سعد، ابتع مني بيتي في دارك. فقال سعد: والله ما أبتاعهما. فقال المسور ~~(5): والله لتبتاعنهما. فقال سعد: والله لا أزيدك على أربعة آلاف منجمة أو ~~مقطعة (ج). قال أبو رافع: لقد أعطيت بها (د) خمسمائة دينار، ولولا أني سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الجار أحق بسقبه". ما أعطيتكها ~~بأربعة آلاف و [أنا] (ه) أعطى بها خمسمائة دينار. فأعطاه إياها. انتهى، لفظ ~~البخاري. # وما أجابوا [على] (و) التأويل بأنه ليس في اللغة ما يقتضي تسمية الشريك ~~جارا - فمردود، فإن كل شيء قارب شيئا قيل له: جار. وقد قالوا لامرأة الرجل: ~~جارة. لما بينهما من المخالطة. ولكنه يرد علي هذا أن ظاهر حديث أبي رافع ~~أنه كان يملك بيتين في دار سعد، لا أنه كان يملك شقصا شائعا من منزل سعد، ~~مع أن عمر بن [شبة] (ز) (¬2) ذكر أن سعدا كان اتخذ دارين PageV06P341 # بالبلاط متقابلتين (أ)، بينهما عشرة أذرع، وكانت التي عن يمين المسجد ~~منهما لأبي رافع، فاشتراها سعد منه. ثم ساق هذا الحديث، فهو صريح بأن سعدا ~~كان جارا لأبي رافع قبل أن يشتري منه داره لا شريكا، ولكن هذه الرواية ~~تخالف رواية البخاري، وهو أرجح عند التعارض، بل مقتضى حديث أبي رافع أن ~~الشفعة تثبت لجار البيت إذا كان الاشتراك في الطريق حاصلا، وهذا قول أخذ ~~بطرف من القولين؛ وهو أن الجوار مقتض للشفعة (ب) مع الاشتراك في الطريق، ms1263 ~~ولا يكون مقتضيا إذا تجرد عن الاشترك في الطريق، وهو غير رافع للقولين ~~المشهورين، وقد قال به بعض الشافعية، حكى القول ابن الملقن النحوي في ~~"عجالة المنهاج" ولم يصرح بقائله، وكذا ابن حجر في "شرح المشكاة"، ولا يبعد ~~اعتباره، أما من حيث الدليل فللتصريح بالشرط في حديث جابر الآتي، وهو إذا ~~كان طريقهما واحدا، ومفهوم المخالفة يقتضي أنه إذا كان الطريق مختلفا فلا ~~شفعة، وهو معمول به عند المحققين، وإن كان ذلك لا يلزم الحنفية؛ لعدم العمل ~~بالمفهوم عندهم، وأما من حيث التعليل فلأن شرعية الشفعة لمناسبة دفع الضرر، ~~والضرر بحسب الأغلب إنما يكون مع شدة الاختلاط وشبكة الانتفاع، وذلك إنما ~~هو مع الشركة في الأصل أو (ج) في الطريق، ويندر الضرار مع عدم ذلك، ولو ~~اعتبر ذلك النادر لاعتبر مع عدم ملاصقة الملك، فإنه قد يحصل التضرر مع غير ~~(د) الملاصق؛ إما بتعلية تحجب عنه ضوء الشمس، أو روائح كريهة PageV06P342 # تكون مع بعض الناس في بيته، أو اطلاع على العورة وقصد الأذية، ولكن الشرع ~~علق الأحكام بما هو غالب لا نادر في كثير من المناسبات، وحديث جابر المقيد ~~بالشرط لا يحتمل التأويل المذكور أولا؛ لأنه إذا كان المراد بالجار الشريك ~~فلا فائدة لاشتراط كون الطريق واحدا وكون القيد واقعا خلاف الظاهر، ولكن ~~حديث جابر الذي مر يدل أيضا على أن المعتبر هو عدم تصريف الطرق، وذلك إذا ~~كانت الطريق متحدة، فيتعين القول بالتفصيل المتقدم. وأورد على قوله: "جار ~~الدار أحق بالدار". أنه إذا كان المراد هو المعنى الحقيقي لزم أن يكون أحق ~~من الشريك؛ لأن المفضل عليه المحذوف هو الغير، وكان التقدير: أحق من غيره. ~~وهذا خلاف الإجماع، بخلاف ما إذا كان مجازا عن الشريك، فإنه لا محذور فيه. ~~ويجاب عنه بأنه مقدر (أ)؛ المفضل عليه هو المشتري الذي لا مشاركة له، ~~والتقدير: أحق من المشتري الذي لا جوار له. ومثل هذا التقدير الخاص ~~بالقرينة كثير. # 732 - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ms1264 وسلم -: ~~"الجار أحق بشفعة جاره، ينتظر بها وإن كان غائبا إذا كان طريقهما واحدا". ~~رواه أحمد والأربعة (¬1) ورجاله ثقات. # الحديث قال فيه أحمد (¬2): حديث منكر. و (ب) الزيادة - وهي قوله: PageV06P343 # "إذا كان طريقهما واحدا" - من رواية (عبد الملك بن أبي سليمان) (أ) ~~العرزمي، وهو ثقة مأمون مقبول الزيادة. # تقدم الكلام في شفعة الجار. # وفي قوله: "ينتظر بها وإن كان غائبا". فيه دلالة على أن شفعة الغائب لا ~~تبطل وإن تراخى، وأنه لا يجب عليه السير متى بلغه الشراء لأجلها، وقد ذهب ~~إلى هذا مالك وسيأتي، والهدوية فصلوا في ذلك فقالوا: إن كان (ب) مسافة ~~الثلاث أو دون وجب عليه السير لأجلها، وإن كان فوق مسافة الثلاث لم يجب ~~عليه السير. والحديث يحتمل تنزيله على هذا، ويكون المراد ب "ينتظر بها" هو ~~أنه لا يبطل لأجل بعده، (ج بل ينتظر بها ج) حيث قصد إلى طلبها. # وقوله: "إذا كان طريقهما واحدا". قد عرفت ما دل عليه بمفهومه. قال ابن ~~حجر في "شرحه على المشكاة": احتج به من يثبت الشفعة في المقسوم إذا كان ~~الطريق مشتركا. قال: ومر أنه ضعيف. ثم قال: ومع تسليم الاحتجاج به محمول ~~على جار هو شريك، لكن مع هذا الحمل كيف PageV06P344 # يصح قوله: "إذا كان طريقهما واحدا"؟ ويجاب بأنه (أ) عندنا لبيان الواقع ~~لا للاحتراز، وأما مثبتوها للجار فيقولون بأنه للاحتراز؛ لأنهم يقدمون ~~الشريك مطلقا، ثم المشارك في الطريق، ثم الجار، على من ليس بجار. انتهى كلامه. # 733 - وعن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"الشفعة كحل العقال". رواه ابن ماجة والبزار وزاد: "ولا شفعة لغائب" (¬1). ~~وإسناده ضعيف. # ولفظ الحديث من روايتهما: "لا شفعة لغائب ولا لصغير، والشفعة كحل ~~العقال". قال البزار (¬2): في رواته (ب) محمد بن عبد الرحمن بن البيلماني ~~(¬3)، له مناكير كثيرة. ورواه ابن عدي (¬4) في ترجمة محمد بن الحارث (¬5) ~~راويه (ج) عن ابن البيلماني، وحكى تضعيفه وتضعيف شيخه، وقال ابن حبان (¬6): ~~لا أصل له. وقال أبو زرعة (¬7): منكر. ms1265 وقال البيهقي (¬8): PageV06P345 # ليس بثابت. وفي الباب حديث ذكره القاضي أبو الطيب وابن الصباغ والماوردي ~~بلا إسناد عن عمر مرفوعا: "الشفعة لمن واثبها" (¬1). ويروى: "الشفعة كنشط ~~العقال". وذكر عبد الحق في "الأحكام" (¬2) عن ابن حزم من حديث ابن عمر ~~بلفظ: "الشفعة كحل العقال، فإن قيدها مكانه ثبت حقه، وإلا فاللوم عليه". ~~وتعقبه ابن القطان بأنه لم يره في "المحلى" (¬3). وأخرج عبد الرزاق (¬4) من ~~قول شريح: إنما الشفعة لمن واثبها. وذكره قاسم بن ثابت في "دلائله" (¬5). # الحديث فيه دلالة على أن الشفعة تبطل بالتراخي، فإن تشبيهها بحل العقال ~~يدل على تقليل وقتها وأنه وقت قصير يسير، ورواية نشطة العقال؛ أي شد العقال ~~منشوطا، كعقد التكة في سهولة الانحلال، وأنشطها: أي حلها، ومنه: "كأنما نشط ~~من عقال" (¬6). أي حل. وهو مثل في سرعة وقوع الأمر، ورواية نشطة مصدر نشط ~~للوحدة، أو اسم مصدر أنشط، أي حل. # وقد اختلف الفقهاء في تحديد الوقت الذي يعفى للشفيع؛ فبعض الهدوية اعتبر ~~بالمجلس (أ)، وقال: إنه إذا شفع بعد أن علم بالبيع وهو باق في PageV06P346 # مجلس الخبر فهو غير متراخ ولو طال المجلس. وبعضهم قال: لا يعتبر المجلس، ~~بل إذا علم بالبيع والمشتري حاضر وتراخى عقيب العلم بطلت شفعته، ولا يكون ~~متراخيا بتمام صلاة الفرض، ولا بتقديم السلام، ومثل هذا قول أبي حنيفة ~~والشافعي، فإنهما قالا في حق الحاضر: هي واجبة له على الفور، بشرط العلم ~~وإمكان الطلب، فإن علم وأمكن الطلب ولم يطلب بطلت شفعته. إلا أن أبا حنيفة ~~قال: إن أشهد بالأخذ لم تبطل شفعته وإن تراخى. # وقال مالك: ليست على الفور، بل وقت وجوبها متسع. واختلف قوله في هذا ~~الوقت هل هو محدود أم لا؟ فمرة قال: هو غير محدود، وأنها لا تنقطع أبدا، ~~إلا أن يحدث المبتاع بناء أو تغييرا كبيرا بمعرفته وهو حاضر عالم ساكت. ~~ومرة حدد هذا الوقت، فروي عنه السنة، وهو الأشهر، وقيل: أكثر من سنة. وقيل ~~عنه: إن الخمسة الأعوام لا تنقطع فيها الشفعة. وقد روي عن الشافعي ثلاثة ms1266 ~~أيام. هذا ما ذكره في "نهاية المجتهد" (¬1)، ثم قال: وأما من لم يسقط ~~الشفعة بالسكوت، فاعتمد على أن السكوت لا يبطل حق امرئ ما لم يظهر من قرائن ~~أحواله ما يدل على إسقاطه، [كأن هذا] (أ) أشبه بأصول الشافعي؛ لأن عنده أنه ~~ليس يجب أن ينسب إلى ساكت قول قائل وإن اقترنت به أحوال تدل على رضاه، ~~ولكنه فيما أحسب اعتمد الأثر. انتهى. وأراد بالأثر هو قوله: "كحل عقال". # وأما الغائب فأجمع أهل العلم على أن الغائب على شفعته ما لم يعلم ببيع PageV06P347 # شريكه، واختلفوا إذا علم وهو غائب؛ فقال قوم: تسقط شفعته. وقال قوم: لا ~~تسقط. وهو مذهب مالك؛ ودليله حديث جابر المتقدم، وأيضا فإن الغائب في ~~الأغلب معوق (أ) عن الأخذ بالشفعة، فوجب عذره، وعمدة القائلين بسقوطها أن ~~سكوته مع العلم قرينة تدل على رضاه بإسقاطها. # اشتمل الباب على ثمانية أحاديث. PageV06P348 ### || AUTO باب القراض # 734 - عن صهيب رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث ~~فيهن البركة؛ البيع إلى أجل، والمقارضة، وخلط البر بالشعير للبيت لا ~~للبيع". # رواه ابن ماجة (¬1) بإسناد ضعيف. # وأخرجه ابن عساكر (¬2) عن صالح بن صهيب عن أبيه. # إنما كان البركة في الثلاث؛ لما في البيع إلى أجل من المساهلة والمسامحة، ~~والمقارضة لما في ذلك من انتفاع الناس بعضهم ببعف، وخلط البر بالشعير إذا ~~كان قوتا، وأما إذا كان للبيع فلا؛ فإنه لا يؤمن من الغرر والغش، فإنه قد ~~يظن المشتري أن فيه مثلا النصف من البر، ولا يصدق الظن. # والمقارضة المراد بها القراض، والقراض هو معاملة العامل بنصيب من الربح، ~~وهي في لغة أهل الحجاز تسمى قراضا، وتسمى مضاربة مأخوذة من الضرب في الأرض، ~~لما كان تحصيل الربح في الأغلب بالسفر، أو مأخوذة من الضرب في المال وهو ~~التصرف فيه والتقلب. # 735 - وعن حكيم بن حزام رضي الله عنه أنه كان يشترط على الرجل إذا أعطاه ~~مالا مقارضة: ألا تجعل مالي في كبد رطبة، ولا تحمله في بحر، ولا تنزل به ms1267 في ~~بطن مسيل؛ فإن فعلت شيثا من ذلك فقد ضمنت مالي. رواه الدارقطني (¬3) ورجاله ~~ثقات، وقال مالك في "الموطأ" (¬4): عن العلاء بن PageV06P349 # عبد الرحمن بن يعقوب عن أبيه عن جده، أنه عمل في مال لعثمان على أن الربح ~~بينهما. وهو موقوف صحيح. # حديث حكيم أخرجه البيهقي (¬1) أيضا بإسناد قوي. # الحديث فيه وفيما قبله دلالة على اعتبار المقارضة وشرعيتها، وقد روي عن ~~علي رضي الله عنه فيما أخرجه عبد الرزاق (¬2) عنه أنه قال في المضاربة: ~~الوضيعة على المال والربح على ما اصطلحوا عليه. وأخرج الشافعي (¬3) في كتاب ~~اختلاف العراقيين عن ابن مسعود أنه أعطى زيد بن خليدة مالا مقارضة. وأخرجه ~~البيهقي في "المعرفة" (¬4). وروى البيهقي (¬5) عن العباس بسند ضعيف، ~~والطبراني (¬6) في "الأوسط" عن ابن عباس قال: كان العباس إذا دفع مالا ~~مضاربة. فذكر القصة، وفيه أنه رفع الشرط إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فأجازه. وقال: لا يروى إلا بهذا الإسناد، تفرد به محمد بن عقبة عن يونس بن ~~أرقم عن أبي الجارود عن حبيب بن يسار عن ابن عباس. وأخرج البيهقي (¬7) عن ~~جابر بلفظ أنه سئل عن ذلك فقال: لا بأس بذلك. وفي إسناده ابن لهيعة. فهذا ~~الوارد فيه آثار من الصحابة وهو في حكم المجمع عليه لاشتهاره بين الصحابة ~~من غير نكير. وقال ابن حزم في "مراتب PageV06P350 # الإجماع" (¬1): كل أبواب الفقه فلها أصل من الكتاب والسنة حاشا القراض ~~فما وجدنا له أصلا فيهما البتة، ولكنه إجماع صحيح مجرد، والذي يقطع به أنه ~~كان في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - فعلم به وأقره، ولولا ذلك لما ~~جاز. وقال في "نهاية المجتهد وغاية المقتصد" (¬2)، ومثله في "البحر" أنه لا ~~خلاف بين المسلمين في جواز القراض، وأنه مما كان في الجاهلية فأقره ~~الإسلام، وهي نوع من الإجارة إلا أنه عفي فيها جهالة الأجرة، وكانت الرخصة ~~في ذلك لموضع الرفق بالناس، ولها أركان وشروط، فأركانها العقد بالإيجاب أو ~~ما في حكمه، والقبول أو ما في حكمه، وهو الامتثال بين جائزي التصرف، إلا ms1268 من ~~مسلم لكافر، على مال نقد عند الجمهور، خلافا لابن أبي ليلى، فجوز ذلك في ~~العروض، وظاهره أنه يجوز أن يقارض الغير على أن يبيع له الثوب ويكون الربح ~~بينهما، ويكون هذا من باب القراض، وإن كان كلامه يحتمل أنه يأمر العامل ~~ببيع ذلك العرض ويكون ثمنه رأس مال القراض، وهذا أجازه أيضا الهدوية. # ولها أحكام مجمع عليها؛ فمنها أن الجهالة مغتفرة فيها، وأنه لا ضمان على ~~العامل فيما تلف من رأس المال إذا لم يتعد، وأنها تصح بالدراهم والدنانير ~~المضروبة، واختلفوا في غير المضروب، واختلفت الرواية عن مالك؛ فروى أشهب ~~المنع مطلقا، وروى ابن القاسم الجواز إلا في المصوغ، والمانع شبهها ~~بالعروض، والمجوز شبهها بالنقد والفلوس، منع ذلك فيها الهدوية وابن (أ) ~~القاسم من المالكية، وأجازه أشهب ومحمد بن الحسن PageV06P351 # الشيباني، وأما إذا كان رأس المال دينا على العامل فالجمهور على منعه، ~~واختلفوا في العلة، فعند مالك لتجويز إعسار العامل بالدين فيكون تأخيره عنه ~~لأجل الربح، فيكون من الربا المنهي عنه، وعند أبي حنيفة والشافعي لأن ما في ~~الذمة لا يتحول عن الضمان ويصير أمانة، وعند الهدوية العلة أن ما في الذمة ~~ليس بحاضر حقيقة، فلم يتعين كونه مال المضاربة، ومن شرط المضاربة أن تكون ~~على مال من صاحب المال، واتفقوا أيضا على أنه إذا شرط أحدهما من الربح ~~لنفسه شيئا زائدا معينا، أنه لا يجوز ويلغو. # وفي اشتراط حكيم بن حزام ما ذكر دلالة على أنه يجوز للمالك للمال أن يحجر ~~العامل عما شاء، فإن خالف ضمن إذا تلف المال، وإن سلم المال فالمضاربة ~~باقية -إذا كان رجع إلى الحفظ، وأما إذا كان الاشتراط لا يرجع إلى الحفظ بل ~~كان يرجع إلى التجارة وذلك بأن ينهاه ألا يشتري نوعا معينا أو لا يبيع من ~~فلان، فإنه يصير فضوليا إذا خالف، فإن أجاز المالك نفذ البيع، وإن لم يجز ~~لم ينفذ البيع، والله أعلم. # اشتمل الباب على ثلاثة أحاديث. PageV06P352 ### || AUTO باب المساقاة والإجارة # 736 - عن ابن عمر رضي الله ms1269 عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من ثمر أو زرع. متفق عليه (¬1)، وفي رواية ~~لهما (¬2): فسألوا أن يقرهم بها على أن يكفوا عملها ولهم نصف الثمر، فقال ~~لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "نقركم بها على ذلك ما شئنا". فقروا ~~بها حتى أجلاهم عمر رضي الله عنه. ولمسلم (¬3): أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - دفع إلى يهود خيبر نخل خيبر وأرضها على أن يعتملوها من أموالهم ~~ولهم شطر ثمرها. # قوله: عامل أهل خيبر. هذا الحديث هو عمدة في ثبوت الزارعة والمخابرة ~~والمساقاة، واختلف في تفسيرها؛ ففي وجه للشافعية أن المزارعة والمخابرة ~~بمعنى واحد، وأشار إلى ذلك البخاري، والوجه الآخر أنهما مختلفا المعنى، ~~فالزارعة العمل في الأرض ببعض ما يخرج منها والمذر من المالك، والمخابرة ~~كذلك إلا أن البذر من العامل، وفي كتب الهدوية مثل الوجه الأول. والمساقاة ~~ما كان في النخل والكرم وجميع الشجر الذي من شأنه أن يثمر بجزء معلوم يجعل ~~للعامل من الثمرة، وبه قال الجمهور، وخصه الشافعي في الجديد بالنخل والكرم، ~~إلحاقا للكرم بالنخل بجامع أنه خرصهما PageV06P353 # عتاب بن أسيد (أفي الزكاة أ)، وخصه داود بالنخل، وقال مالك: يجوز في كل ~~أصل ثابت؛ نحو الرمان والتين والزيتون وما أشبه ذلك، وهذا يجوز فيه من غير ~~ضرورة، وفي غير ذلك كالبطخ يجوز مع عجز صاحبها عنها وكذلك الزرع. ولا يجوز ~~في شيء من البقول عند الجميع، إلا ابن دينار، فإنه أجازها فيها إذا نبتت ~~قبل أن تستقل (¬1)، ومرجع الخلاف هذا هل شرعيتها على خلاف القياس، وإنما ~~ذلك رخصة؛ لأن فيه مخالفة للأصول، لأنه بيع ما لم يخلق، ولأنه من المزابنة ~~وهو بيع الثمر بالثمر متفاضلان، لأن القسمة بالخرص بيع بالخرص؟ أو هي من ~~الأحكام المشروعة ابتداء لمصالح العباد، كالبيع وغيره؟ والظاهر هو الأول، ~~ولذلك قصرها البعض على المنصوص، وبعضهم الحق ما شارك في العلة الخاصة، ~~وبعضهم الحق ما عرف من الشارع تسوية الحكم بينه وبين المنصوص عليه ms1270 وهو ~~الكرم عند الشافعي؛ لما عرف من التسوية بينهما في الخرص للزكاة. # واختلف العلماء في حكم المساقاة والمزارعة؛ فذهب الجمهور إلى جوازهما، ~~واحتجوا بهذا الحديث، وذهب أبو حنيفة والهدوية إلى أنها لا تصح وهي فاسدة، ~~وتأولوا هذا الحديث وغيره بأن خيبر فتحت عنوة، فكان أهلها عبيدا له - صلى ~~الله عليه وسلم -، فما أخذه فهو له وما تركه فهو له، وأجاب الجمهور بأن ~~قوله: "أقركم على ما أقركم الله". صريح في أنهم ليسوا بعبيد، قال القاضي ~~(¬2): وقد اختلفوا في خيبر؛ هل فتحت عنوة أو صلحا أو أجلي عنها PageV06P354 # أهلها بغير قتال، أو بعضها صلحا وبعضها عنوة وبعضها جلا عنه أهله، أو ~~بعضها صلحا وبعضها عنوة؟ وهذا أصح الأقوال، [وهي] (أ) رواية مالك ومن ~~تابعه، وبه قال ابن عيينة. قال: وفي كل قول أثر مروي، وفي رواية لمسلم (¬1) ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لما ظهر على خيبر أراد إخراج اليهود ~~منها وكانت الأرض حين ظهر عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لله ~~ولرسوله وللمسلمين، وهذا يدل على قول من قال: إنها فتحت عنوة. إذ حق ~~المسلمين إنما هو في العنوة، وظاهر قول من قال: صلحا. أنهم صولحوا على كون ~~الأرض للمسلمين. # واختلفوا فيما تجوز عليه المساقاة من الأشجار، فقال داود: تجوز على النخل ~~خاصة. وقال الشافعي: تجوز على النخل والعنب خاصة. وقال مالك: تجوز على جميع ~~الأشجار. وهو قول للشافعي، فأما داود فرآها رخصة فلم يتعد المنصوص عليه، ~~وأما الشافعي فوافق داود في كونها رخصة، لكن قال: حكم العنب حكم النخل في ~~معظم الأبواب. وأما مالك فقال: سبب الجواز الحاجة والمصلحة، وهذا يشمل ~~الجميع فيقاس عليه. والله أعلم. # وقوله: بشطر ما يخرج منها. فيه بيان الجزء المساقى عليه من نصف أو ربع أو ~~غيرهما من الأجزاء المعلومة، ولا يجوز على مجهول إجماعا، كقولك: على أن لك ~~بعض الثمرة. واتفق المجوزون للمساقاة بأنها تصح بما رضي به المتعاقدان من ~~قليل أو كثير. # وقوله: من ثمر أو زرع. فيه دلالة على ms1271 جواز المزارعة تبعا للمساقاة، PageV06P355 # والقائل به الأكثرون، فيساقيه على النخل ويزارعه على الأرض كما جرى في ~~خيبر. وقال مالك: يجوز فيما كان بين الشجر من الزرع، ولا يجوز في غيره، ~~والخلاف لأبي حنيفة والهدوية وزفر في أن المزارعة والمساقاة فاسدتان سواء ~~جمعهما أو فرقهما، ولو عقدتا صح الفسخ وكان العقد فاسدا، وقال ابن أبي ليلى ~~وأبو يوسف ومحمد وسائر الكوفيين وفقهاء المحدثين وأحمد وابن خزيمة وابن ~~سريج وآخرون وهو قول علي وأبي بكر وعمر وابن المسيب: تجوز المساقاة ~~والمزارعة مجتمعتين، وتحوز كل واحدة منهما منفردة. وهذا هو الظاهر المختار، ~~ولا يقبل دعوى كون المزارعة في خيبر إنما جاءت تبعا للمساقاة، بل جاءت ~~مستقلة، ولأن المعنى الموجود في المساقاة موجود في المزارعة، وقياسا على ~~القراض فإنه جائز بالإجماع، فهو كالمزارعة في كل شيء، ولأن المسلمين في ~~جميع الأمصار والأعصار مستمرون على العمل بالمزارعة. # قوله: "ما شئنا". وفي رواية الموطأ (¬1): "أقركم على ما أقركم الله". # قال العلماء رحمهم الله: وهو عائد إلى مدة العهد. والمراد: إنما نمكنكم ~~من المقام في خيبر ما شئنا ثم نخرجكم إذا شئنا؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم ~~- كان عازما على إخراج الكفار من جزيرة العرب، كما أمر به في آخر أمره - ~~صلى الله عليه وسلم - على ما دل به الحديث وغيره (¬2)، واحتج به أهل الظاهر ~~على جواز المساقاة مدة مجهولة، وقال الجمهور: لا تجوز المساقاة إلا إلى مدة ~~معلومة كالإجارة. وتأولوا الحديث على مدة العهد، وقيل: كان ذلك في أول ~~الإسلام خاصة للنبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV06P356 # وقيل: معناه أن لنا إخراجكم بعد انقضاء المدة المسماة. وكانت سميت مدة، ~~ويكون المراد بيان أن المساقاة ليست بعقد دائم كالبيع والنكاح، بل بعد ~~انقضاء المدة تنقضي المساقاة، فإن شئنا عقدنا عقدا آخر، وإن شئنا أخرجناكم، ~~وقال أبو ثور: إذا [أطلقا] (أ) المساقاة اقتضي ذلك سنة واحدة. وعن مالك: ~~إذا قال: ساقيتك كل سنة بكذا. [جاز (ب) ولو] لم يذكر أمدا، وحمل قصة خيبر ~~على ذلك. واتفقوا على أن الإجارة ms1272 لا تجوز إلا بأجل معلوم، وهي من العقود ~~اللازمة بخلاف الزارعة. وقال ابن القيم في "الهدي النبوي" (¬1): في قصة ~~خيبر دليل على جواز المساقاة والمزارعة بجزء من الغلة؛ تمر (ج) أو زرع، كما ~~عامل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر على ذلك، واستمر ذلك إلى ~~حين وفاته لم ينسخ البتة، واستمر عمل خلفائه الراشدين عليه، وليس هذا من ~~باب المؤاجرة في شيء، بل من باب المشاركة، وهو نظير المضاربة سواء، فمن ~~أباح المضاربة وحرم ذلك فقد فرق بين متماثلين، وأنه - صلى الله عليه وسلم - ~~دفع إليهم الأرض على أن يعملوها من أموالهم، ولم يدفع إليهم البذر، ولا كان ~~يحمل إليهم البذر من المدينة قطعا، فدل على أن هديه عدم اشتراط كون البذر ~~من رب الأرض، وأنه يجوز أن يكون من العامل، وهذا كان هدي خلفائه الراشدين ~~من بعده، وكما أنه هو المنقول فهو الموافق للقياس، فإن الأرض بمنزلة رأس ~~المال في المضاربة، والبذر يجري مجرى سقي الماء، PageV06P357 # ولهذا يموت في الأرض، ولا يرجع إلى صاحبه، ولو كان بمنزلة رأس المال في ~~المضاربة لاشترط (أ) عوده إلى صاحبه، وهذا يفسد المزارعة، فعلم أن القياس ~~الصحيح هو الموافق لهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلفائه الراشدين ~~في ذلك. انتهى. وهذا الذي قاله ابن القيم كلام متين، العمل عليه في جميع ~~بلاد الإسلام من غير إنكار خلفا عن سلف. # وقوله: على أن يعتملوها من أموالهم. بيان [لوظيفة] (ب) عامل المساقاة؛ ~~وهو أن عليه جميع ما يحتاج إليه في إصلاح الثمر واستزادته مما يتكرر كل ~~سنة؛ كالسقي وتنقية الأنهار، وإصلاح منابت الشجر وتلقيحه، وتنحية الحشيش ~~والقضبان (¬1) عنه، وحفظ الثمرة وجذاذها ونحو ذلك، وأما ما يقصد به حفظ ~~الأصل ولا يتكرر كل سنة، كبناء الحيطان وحفر الأنهار، فعلى المالك. والله أعلم. # 737 - وعن حنظلة بن قيس قال: سألت رافع بن خديج رضي الله عنه عن كراء ~~الأرض بالذهب والفضة، فقال: لا بأس به، إنما كان الناس يؤاجرون على عهد ~~رسول الله - صلى ms1273 الله عليه وسلم - على الماذيانات، وأقبال الجداول، وأشياء ~~من الزرع، فيهلك هذا ويسلم هذا، ويسلم هذا ويهلك هذا، (ج ولم يكن ج) للناس ~~كراء إلا هذا، فلذلك زجر عنه، فأما شيء معلوم مضمون فلا PageV06P358 # بأس به. رواه مسلم (¬1)، وفيه بيان لما أجمل في المتفق عليه (¬2) من ~~إطلاق النهي عن كراء الأرض. # هو حنظلة بن قيس الزرقي الأنصاري من ثقات أهل المدينة وتابعيهم، سمع رافع ~~بن خديج وأبا هريرة وابن الزبير، روى عنه ربيعة بن أبي عبد الرحمن ويحيى بن ~~سعيد الأنصاري. والزرقي، بضم الزاي وفتح الراء وبالقاف (¬3). # هذا الحديث فيه دلالة على صحة إكراء الأرض بأجرة معلومة من الذهب والفضة، ~~ويقاس عليهما غيرهما من سائر الأشياء المتقومة، وقد اختلف العلماء في إكراء ~~الأرض؛ فقال طاوس والحسن البصري رحمهما الله تعالى: لا يجوز، سواء أكراها ~~بطعام أو ذهب أو فضة أو بجزء من زرعها؛ لإطلاق أحاديث النهي عن كراء الأرض. ~~وقال الشافعي وأبو حنيفة والهدوية وسائر أئمة العترة: تجوز إجارتها بالذهب ~~والفضة وبالطعام والثياب (أ) وسائر الأشياء، سواء كانت من جنس ما يزرع فيها ~~أم من غيره، ولكن لا تجوز إجارتها بجزء مما يخرج منها؛ كالثلث والربع، وهي ~~المخابرة، ولا يجوز أيضا أن يشرط له قطعة معينة. وقال ربيعة: يجوز بالذهب ~~والفضة فقط. وقال أحمد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وجماعة من المالكية ~~وغيرهم: يجوز إجارتها بالذهب والفضة، وتجوز الزارعة بالثلث والربع PageV06P359 # وغيرهما. وبهذا قال ابن [سريج] (أ) وابن خزيمة والخطابي وغيرهم من محققي ~~الشافعية، وهو مروي عن علي وابن مسعود وعمار بن ياسر وسعيد ابن المسيب ~~ومحمد بن سيرين وعمر بن عبد العزيز وابن أبي ليلى وابن شهاب، وأما طاوس ~~والحسن فقد سبق حجتهما، وأما الشافعي وموافقوه فاحتجوا [بصريح] (ب) حديث ~~رافع بن خديج، وتأولوا أحاديث النهي على تأويلين؛ أحدهما حملها على إجارتها ~~بما على الماذيانات، أو بزرع قطعة معينة، أو بالثلث أو بالربع، ونحو ذلك. ~~والثاني حملها على كراهة التنزيه، والإرشاد إلى إعارتها كما نهي عن بيع ~~الهر نهي ms1274 تنزيه، ورغبوا في تواهبه، ونحو ذلك، وهذان التأويلان لا بد منهما ~~أو من أحدهما للجمع بين الأحاديث، وقد أشار إلى هذا التأويل الثاني البخاري ~~(¬1) وغيره عن ابن عباس رضي الله عنه. # وقوله: على الماذيانات. هو بذال معجمة مكسورة ثم ياء مثناة تحت ثم ألف ثم ~~نون ثم ألف ثم مثناة فوق. هذا هو المشهور، وحكى القاضي عياض (¬2) عن بعض ~~الرواة فتح الذال في غير "صحيح مسلم" وهي مسايل المياه. وقيل: ما ينبت على ~~حافتي مسيل الماء. وقيل: ما ينبت حول السواقي. وهي لفظة معربة ليست عربية. ~~و: أقبال. بفتح الهمزة أي أوائل الجداول ورءوسها. والجداول جمع جدول وهو ~~النهر الصغير كالساقية. PageV06P360 # وأما الربيع فهو الساقية الصغيرة وجمعه أربعاء كنبي وأنبياء، وربعان كصبي ~~وصبيان. والمعنى أنهم كانوا يدفعون الأرض إلى من يزرعها ببذر من عنده على ~~أن يكون لمالك الأرض ما ينبت على الماذيانات وأقبال الجداول، أو هذه ~~القطعة، والباقي للعامل، فنهوا عن ذلك لما فيه من الغرر، فربما هلك هذا دون ذاك. # واعلم أن الأحاديث وردت في إباحة إكراء الأرض على ما يخرج من الأرض من ~~ثلث أو ربع أو نحوه؛ فمنها عن ابن عمر قال: قد علمت أن الأرض كانت تكرى على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما على الأربعاء وشيء من التبن لا ~~أدري كم هو. أخرجه مسلم (¬1)، وأخرج (¬2) عن عبد الملك [أبي زيد] (أ) قال: ~~كان ابن عمر يعطي أرضه بالثلث والربع، ثم تركه ابن عمر. وأخرج الحازمي [في] ~~(ب) "الناسخ والمنسوخ" (¬3) قال (ج): أخبرنا إبراهيم بن محمد، فقلنا لطاوس: ~~ما بال ابن عمر ترك الثلث وأنت لا تدعه وإنما PageV06P361 # [سمعتما] (أ) حديثا واحدا؟ يعني حديث رافع، فقال: إني والله لو أعلم أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاله ما فعلته، ولكن ابن عباس قال: إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كانت له أرض فإنه إن يمنحها ~~أخاه خير له". هذا حديث له طرق وفيه اختلاف ألفاظ لا يمكن حصرها في ms1275 هذا ~~المختصر، ووردت أحاديث النهي منها ما أخرجه مسلم (¬1) عن ابن شهاب أنه قال: ~~أخبرني سالم ابن عبد الله أن عبد الله بن عمر كان يكري أرضه حتى بلغه أن ~~رافع بن خديج الأنصاري كان ينهى عن كراء المزارع، فلقيه عبد الله فقال: يا ~~بن خديج، ماذا تحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في كراء الأرض؟ ~~قال رافع بن خديج لعبد الله: سمعت عمي -وكانا قد شهدا بدرا- يحدثان أهل ~~الدار، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن كراء الأرض. قال عبد ~~الله: لقد كنت أعلم في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن الأرض ~~تكرى. ثم خشي عبد الله أن يكون رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أحدث في ~~ذلك شيئا لم يكن [علمه] (ب) فترك كراء الأرض. وأخرج مسلم (¬2) عن نافع، أن ~~ابن عمر كان يكري مزارعه على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وفي ~~إمارة أبي بكر وعمر وعثمان وصدرا من خلافة معاوية، حتى بلغه في آخر خلافة ~~معاوية أن رافع بن خديج يحدث فيها بنهي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فدخل عليه وأنا معه، فسأله فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ينهى عن كراء المزارع. فتركها ابن عمر بعد، وكان إذا سئل عنها بعد، قال: PageV06P362 # زعم ابن خديج أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها .. وحاول ~~الخطابي (¬1) رحمة الله تعالى عليه الجمع بين الأحاديث، وأن حديث النهي ~~مجمل تفسيره بالأخبار التي رويت عن رافع بن خديج وغيره من طرق أخر، وقد عقل ~~ابن عباس المعنى من الخبر وأنه ليس المراد به تحريم المزارعة بشطر ما تخرج ~~الأرض، وإنما أراد بذلك أن يتمانحوا أرضهم وأن يرفق بعضهم ببعض، وقد ذكر ~~رافع بن خديج في رواية أخرى النوع الذي حرم منها والعلة التي من أجلها نهي ~~عنها، وذكر الخطابي الحديث الذي ذكره المصنف هنا، ولكنه يقال للخطابي: فأين ~~أنت من الرواية الأخرى التي أخرجها مسلم (¬2) عن سليمان بن ms1276 يسار، عن رافع ~~بن خديج، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كانت له أرض ~~فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا يكرها أخاه، ولا يكرها بالثلث ولا بالربع ~~ولا بطعام مسمى"؟ وروي سعيد بن أبي عروبة [عن يعلى بن حكيم] (أ) عن سليمان ~~مثله (¬3). وأخرج مسلم (¬4) من حديث جابر قال: كان لرجال من الأنصار فضول ~~أرض وكانوا يكرونها بالثلث والربع، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من ~~كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه فإن أبي فليمسكها". وهذا الحديث مروي ~~عن جابر من وجوه، فتعين [الوجه الأول؛ أن] (ب) النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- نهاهم عن المؤاجرة في أول الأمر لحاجة الناس، وكون المهاجرين لم PageV06P363 # يكن لهم أرض، فأمروا بالتكرم للمواساة، مثل ما نهوا عن ادخار لحوم ~~الأضاحي ليتصدقوا بذلك، ثم بعد توسع الملك للمسلمين زال الاحتياج، فأبيح ~~لهم المؤاجرة وتصرف المالك في ملكه بما شاء من إجارة أو غيرها، ويدل على ~~ذلك ما وقع من المؤاجرة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء ~~الراشدين، ومن البعيد غفلتهم عن النهي وترك إشاعة رافع لذلك في هذه المدة، ~~وذكره في آخر خلافة معاوية، مع أنه قد روي عن عروة بن الزبير، عن زيد بن ~~ثابت أنه قال: يغفر الله لرافع، أنا والله أعلم بالحديث منه، إنما أتاه ~~رجلان من الأنصار قد اقتتلا، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن ~~كان هذا شأنكم فلا تكروا المزارع" (¬1). فهو مقيد بما حصل فيه الخصام، فهو ~~محتمل أن يكون ذلك على وجه المشورة والإرشاد دون الإلزام والإيجاب، ولكنه ~~يجاب عنه بأنه لما كان مثل هذه المؤاجرة تؤدي إلى الخصام، وكان وجه النهي ~~والمنع والعقود المنهي عنها التي كان سبب النهي عنها الغرر ونحوه، إنما نهي ~~عنها لأجل ما تفضي إليه من الخصام، وتعلق النهي بالمظنة وإن لم تحصل ~~المائنة (¬2) في بعض المواد، فيكون وجه النهي عن هذه المزارعة هو ما قد ~~يفضي إليه من الخصام، وهذا يقتضي فساد المعاملة إلا أن يمنع ms1277 كون ذلك مظنة، ~~وإنما هو أمر نادر فيتم الاحتجاج، وهذا حاصل ما ورد، والله أعلم. # 738 - وعن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن المزارعة، وأمر بالمؤاجرة. رواه مسلم أيضا (¬3). PageV06P364 # هو أبو زيد ثابت بن الضحاك بن أمية الخزرجي الأنصاري (¬1) كان رديف النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - يوم الخندق ودليله إلى حمراء الأسد، وكان ممن بايع ~~تحت الشجرة بيعة الرضوان وهو صغير، ومات في فتنة ابن (أ) الزبير، روى عنه ~~أبو قلابة، وأمية بضم الهمزة وفتح الميم وتشديد الياء. # تقدم الكلام في الحديث. # 739 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: احتجم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وأعطى الذي حجمه أجره، ولو كان حراما لم يعطه. رواه البخاري (¬2). # هذا اللفظ أخرجه البخاري في كتاب البيع وفي كتاب الإجارة (¬3) بلفظ: ولو ~~علم كراهية (ب) لم يعطه. فقوله: ولو إلخ. كأنه قصد به ابن عباس الرد على من ~~قال: إن كسب الحجام حرام. وقد اختلف العلماء بعد ذلك في هذه المسألة؛ فذهب ~~الجمهور إلى أنه حلال، واحتجوا بهذا الحديث، وقالوا: هو كسب فيه دناءة، ~~وليس بمحرم. فحملوا النهي عنه على التنزيه، ومنهم من ادعى النسخ وأنه كان ~~حراما ثم أبيح. وجنح إلى ذلك الطحاوي (¬4)، وهذا مستقيم إذا عرف التاريخ ~~والتأخر وإلا كان متعارضا، واحتيج إلى الجمع بينهما بما ذكر، وذهب أحمد ~~وجماعة إلى PageV06P365 # الفرق بين الحر والعبد فكرهوا للحر الاحتراف بالحجامة، ويحرم عليه ~~الإنفاق على نفسه منها، ويجوز له الإنفاق على الرقيق والدواب، وأباحوها ~~للعبد مطلقا، وعمدتهم حديث محيصة أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن كسب الحجام فنهاه، فذكر له الحاجة فقال: "اعلفه نواضحك". أخرجه مالك ~~وأحمد وأصحاب "السنن" (¬1) ورجاله ثقات، وذكر ابن الجوزي (¬2) أن أجرة ~~الحجام إنما كرهت لأنه من الأشياء التي تجب للمسلم على المسلم إعانته له ~~عند الاحتياج إليه، فما كان ينبغي له أن يأخذ على ذلك أجرا. وجمع ابن ~~العربي (¬3) بين قوله - صلى الله عليه وسلم ms1278 -: "كسب الحجام خبيث". وبين ~~إعطائه الحجام أجرته، بأن محل (أ) الجواز ما (ب) إذا كانت الأجرة على عمل ~~معلوم، ومحل الزجر ما إذا كانت على عمل مجهول. وفي الحديث دلالة على إباحة ~~الحجامة، ويلتحق بها ما يتداوى به من إخراج الدم وغيره، وحل الأجرة على ~~المعالجة بالطب. # 740 - وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "كسب الحجام خبيث". رواه مسلم (¬4). PageV06P366 # قوله: "خبيث". [الخبيث] (أ) ضد الطيب، والحديث فيه دلالة على أنه يجتنب ~~كسب الحجام، ولا يدل على تحريم الكسب، وإنما يدل على أنه ينبغي التنزه منه، ~~وقد تقدم الخلاف في ذلك ولعله يمكن أن يتأول بهذا (ب) الحديث حديث: "من ~~السحت كسب الحجام" (¬1). بأنه لعدم طيبه شبه بالسحت الذي هو الحرام فأطلق ~~عليه، وقد يطلق السحت أيضا على ما خبث من المكاسب فيكون في معنى الخبيث. # 741 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "قال الله عز وجل: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة؛ رجل أعطى بي ثم ~~غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه ~~أجره" رواه مسلم (¬2). # قوله: "خصمهم". الخصم مصدر خصمته أخصمه، نعت به للمبالغة، ووقع خبرا عن ~~المبتدأ كالعدل والصوم. # وقوله: "أعطى بي". أي حلف باسمي وعاهد، أو أعطى الأمان باسمي، أو بما ~~شرعته من ديني، وهو مجمع على تحريم الغدر والنكث، والأدلة عليه من الكتاب ~~والسنة متظافرة ظاهرة، وكذلك بيع الحر وأكل الثمن فهو محرم بالإجماع. PageV06P367 # وقوله: "فاستوفى منه". أي استوفى عمل الأجير فيما استأجره لأجله، والله أعلم. # 742 - وعن ابن عباس رضي الله عنه (أ): إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب ~~الله. أخرجه البخاري. # هذا طرف من حديث ذكره البخاري هنا في الإجارة معلقا موقوفا، ووصله في ~~كتاب الطب (¬1)، وفيه دلالة على أنه يجوز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وقد ~~ذهب إلى ذلك عطاء ومالك والشافعي والقاسم وأبو ثور، وهو قول الجمهور، وسواء ~~كان ms1279 المتعلم كبيرا أو صغيرا، ولو تعين على المعلم، ويقوي هذا الحديث الذي ~~يأتي في النكاح في جعل المهر تعليمها (ب) ما معه من القرآن (¬2)، وذهب ~~الهدوية والزهري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه إلى أنه لا يحل أخذ الأجرة ~~ولا العوض على تعليم القرآن، واحتجوا بحديث عبادة بن الصامت أخرجه أبو داود ~~(¬3)، ولفظه: علمت ناسا من أهل الصفة الكتاب والقرآن فأهدى إلي رجل منهم ~~قوسا، فقلت: ليست بمال وأرمي عليه (ج) في سبيل الله [لآتين رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فلأسألنه] (د)، فأتيته فقلت: يا رسول الله، رجل أهدى إلي ~~قوسا ممن كنت أعلمه القرآن والكتاب، PageV06P368 # وليست بمال فأرمي عليها في سبيل الله؟ فقال: "إن كنت تحب أن تطوق طوقا من ~~نار فاقبلها". فهذا فيه دلالة على تحريم أخذ الأجرة على تعليم القرآن، ~~وظاهره العموم سواء كان مما يتعين على المعلم أو لا؛ لأنه لم يستفصل الأمر ~~في ذلك، وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم، كما نص عليه ~~الشافعي وبنى عليه جمع كثير من أهل الأصول. وأجاب الجمهور عن هذا الحديث ~~بأنه كان متبرعا بالتعليم، ناويا للإحسان، غير قاصد لأخذ الأجر، فحذره ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - من إبطال أجره وتوعده، وكان سبيل عبادة في ~~ذلك سبيل من رد ضالة لرجل أو استخرج له متاعا قد غرق في البحر تبرعا وحسبة، ~~فليس له أن يأخذ عليه عوضا، ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعل حسبة كان ~~ذلك جائزا، وفي أخذ العوض من أهل الصفة بخصوصهم كراهة ودناءة (أ)؛ فإنهم ~~قوم فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس، فأخذ المال منهم مكروه، ودفعه إليهم ~~مستحب. وبعضهم أجاب بأن هذا منسوخ بحديث ابن عباس، وأجيب بأن النسخ يحتاج ~~إلى معرفة التاريخ وتأخر الناسخ، وقد يجاب عنه بأن حديث عبادة لا يعارض ~~حديث ابن عباس، فإن ذلك حديث صحيح وله شواهد أيضا، وهذا الحديث من رواية ~~مغيرة بن زياد عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عنه، ومغيرة مختلف فيه، ~~واستنكر ms1280 أحمد حديثه (¬1)، وناقض الحاكم وصحح حديثه في "المستدرك" (¬2)، ~~واتهمه به في موضع آخر (¬3) فقال: يقال: إنه حدث عن PageV06P369 # عبادة بن نسي بحديث موضوع. والأسود بن ثعلبة (¬1) قال ابن المديني في ~~كلامه على هذا الحديث: إسناده معروف إلا الأسود فإنه لا يحفظ عنه إلا هذا ~~الحديث. كذا قال مع أن له حديثا آخر من روايته عن عبادة بن الصامت أيضا، ~~رواه أبو الشيخ (¬2) في كتاب "ثواب الأعمال"، وثالثا أخرجه الحاكم (¬3) عنه ~~في النفساء تطهر، ورابعا أخرجه البزار (¬4) في الفتن، كلاهما من حديث معاذ ~~بن جبل ولم ينفرد به عن عبادة، بل تابعه ابن أبي أمية، رواه أبو داود ~~والحاكم والبيهقي (¬5)، لكن قال البيهقي: اختلف فيه على عبادة؛ فقيل: عنه، ~~عن الأسود بن ثعلبة. وقيل: عنه، عن جنادة. ورواه الدارمي (¬6) بسند على شرط ~~مسلم من حديث أبي الدرداء، لكن شيخه عبد الرحمن بن يحيى بن إسماعيل (¬7) لم ~~يخرج له مسلم، وقال فيه أبو حاتم (¬8): ما به بأس. وقال دحيم (¬9): حديث ~~أبي الدرداء في هذا ليس له أصل. فمع هذا المقال في رواية هذا الحديث لا ~~يعارض الحديث الثابت، وعلق البخاري (¬10) آثارا عن الشعبي وعن الحكم وعن ~~الحسن، ووصل ابن أبي شيبة (¬11) أثر الشعبي بلفظ: وإن أعطي شيئا فليقبله. ~~ولفظ البخاري: لا يشترط إلا أن يعطى فيقبل. ولفظ البخاري قول الحكم: لم ~~أسمع أحدا كره PageV06P370 # أجرة المعلم. وصله البغوي في "الجعديات" (¬1)، حدثنا علي بن الجعد عن ~~شعبة: سألت معاوية بن قرة في أجر المعلم فقال: أرى له أجرا. وسألت الحكم ~~فقال: ما سمعت فقيها (أ) يكرهه. ولفظ البخاري قول الحسن: وأعطى الحسن عشرة ~~دراهم. ووصله ابن سعد في "الطبقات" (¬2) من طريق يحيى بن سعيد بن أبي (ب) ~~الحسن قال: لما حذقت (ج) قلت لعمي: يا عماه، إن المعلم يريد شيئا. قال: ما ~~كانوا يأخذون شيئا. ثم قال: أعطه خمسة دراهم. فلم أزل به حتى قال: أعطه ~~عشرة دراهم. وروى ابن أبي شيبة (¬3) من طريق أخرى عن الحسن قال: لا بأس أن ~~يأخذ على ms1281 الكتابة أجرة. وكره الشرط. # فائدة تلحق بأجر المعلم: قال البخاري (¬4) رحمه الله: ولم ير ابن سيرين ~~بأجر القسام بأسا، وكان يقال: السحت الرشوة في الحكم. وكانوا يعطون على ~~الخرص. انتهى. قال الحافظ (¬5) رحمه الله تعالى في "شرحه": أما قوله في ~~أجرة القسام فاختلفت الرواية عنه؛ فروى عبد بن حميد في "تفسيره" من طريق ~~يحيى عن ابن سيرين أنه كان يكره أجور القسام، ويقول: كان يقال: السحت ~~الرشوة على الحكم. وأرى هذا حكما يؤخذ عليه الأجر. وروى PageV06P371 # ابن أبي شيبة (¬1) من طريق قتادة (أ) قال: قلت لابن المسيب: ما ترى في ~~كسب القسام؟ فكرهه. وكان الحسن يكره كسبه، وقال ابن سيرين: إن لم يكن ~~[خبيثا] (5) فلا أدري ما هو. وجاءت عنه رواية يجمع بها بين هذا الاختلاف؛ ~~قال ابن سعد (¬2): حدثنا عارم حدثنا حماد عن يحيى [عن] (ج) محمد، هو ابن ~~سيرين، أنه كان يكره أن يشارط القسام. فكأنه كان يكره له أخذ الأجرة على ~~سبيل المشارطة، ولا يكرهها إذا كانت بغير اشتراط كما تقدم عن الشعبي، وظهر ~~بما أخرجه ابن أبي شيبة أن قول البخاري: وكان يقال: السحت الرشوة. بقية ~~كلام ابن سيرين، وأشار ابن سيرين بذلك إلى ما جاء عن عمر وعلي وابن مسعود ~~وزيد بن ثابت من قولهم في تفسير السحت أنه الرشوة في الحكم. وأخرجه ابن ~~جرير (¬3) بأسانيده عنهم وأورده من وجه آخر مرفوعا ورجاله ثقات، ولكنه مرسل ~~(¬4)، ولفظه: "كل لحم أنبته السحت فالنار أولى به". قيل: يا رسول الله، وما ~~السحت؟ قال: "الرشوة في الحكم". # والقسام بفتح القاف وهو الذي يقسم، وفي "شرح الكرماني" (¬5) بضم PageV06P372 # القاف جمع قاسم، والسحت بضم السين وسكون الحاء الهملتين، [وحكي ضم الحاء] ~~(أ) وهو شاذ، وفسر بعضهم السحت بما يلزم من أكله العار، فهو أعم من الحرام، ~~ويدخل فيه مثل كسب الحجام على ما تقدم إذا قيل بحله، والرشوة بفتح الراء ~~وقد تكسر وتضم، وقيل: بالفتح المصدر، وبالكسر الاسم. # وقوله: وكانوا يعطون على الخرص. وهو بفتح الخاء المعجمة وسكون الراء ثم ms1282 ~~صاد مهملة، هو الحزر وزنا ومعنى. وكانوا يعطون أجرة الخارص، وفي ذلك دلالة ~~على جواز أجرة القسام لاشتراكهما في أن كلا منهما يفصل التنازع يبن ~~المتخاصمين، ولأن الخارص يقصد القسمة. وكره مالك أخذ الأجرة على عقد ~~الوثائق لكونها من فروض الكفايات، وكره أيضا أجرة القسام. وقيل: إنما كرهها ~~لأنه كان يرزق من بيت المال، فكره له أن يأخذ أجرة أخرى. وأشار سحنون إلى ~~الجواز عند فساد أمور بيت المال، وقال عبد الرزاق (¬1): أخبرنا معمر عن ~~قتادة: أحدث الناس ثلاثة أشياء لم يكن يؤخذ عليهن أجر؛ ضراب الفحل، وقسمة ~~الأموال، والتعليم. انتهى. وهذا مرسل وهو يشعر بأنهم كانوا قبل ذلك يتبرعون ~~بها، فلما فشا الشح طلبوا الأجرة، فعد ذلك من غير مكارم الأخلاق، ولعله ~~يحمل كراهة من قال بها على التنزيه والله أعلم. # ثم ذكر البخاري (¬2) أخذ الأجرة على الرقية، وأخرج من حديث أبي PageV06P373 # سعيد قال: انطلق نفر من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفرة ~~سافروها حتى نزلوا على حي من أحياء العرب فاستضافوهم، فأبوا أن يضيفوهم، ~~فلدغ -هو بالدال المهملة- سيد ذلك الحي، فسعوا له بكل شيء، لا ينفعه شيء، ~~فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين نزلوا لعله أن يكون عندهم شيء. ~~فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط، إن سيدنا لدغ، وسعينا له بكل شيء لا ينفعه، ~~فهل عند أحد منكم من شيء؟ فقال بعضهم: نعم والله، إني لأرقي، ولكن والله قد ~~استضفناكم فلم تضيفونا، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلا. فصالحوهم ~~على قطع من الغنم، فانطلق يتفل عليه ويقرأ: {الحمد لله رب العالمين}. ~~فكأنما نشمط من عقال، فانطلق يمشي وما به قلبة -أي علة- قال: فأوفوهم جعلهم ~~الذي صالحوهم عليه، فقال بعضهم: اقسموا. فقال الذي رقى: لا تفعلوا حتى نأتي ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فنذكر له الذي كان، فننظر ما يأمرنا. فقدموا ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له، فقال: "وما يدريك أنها ~~رقية؟ ". ثم قال: "قد أصبتم، اقسموا واضربوا لي معكم سهما". ms1283 فضحك رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. وإيراد البخاري لهذا الحديث في هذا الباب لتأييد ~~جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وإن كان هذا ليس من باب التعليم، ولكن ~~فيه دلالة على جواز أخذ العوض في مقابلة قراءة القارئ للقرآن تعليما أو ~~غيره؛ إذ لا فرق بين قراءته للتعليم وقراءته للتطبيب، والله أعلم. # 743 - وعن ابن عمر (أ) رضي الله عنهما (ب) قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه". رواه ابن ماجه (¬1). ~~وفي PageV06P374 # الباب عن أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي يعلى والبيهقي (¬1)، وجابر عند ~~الطبراني (¬2)، وكلها ضعاف. # حديث ابن عمر فيه عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحديث جابر فيه شرقي بن ~~قطامي ومحمد بن زياد الراوي عنه، وذكر البغوي في "المصابيح" (¬3) هذا ~~الحديث [في] (أ) الحسان، وغلط بعض الحنفية فعزاه إلى "صحيح البخاري"، وليس ~~فيه، وإنما فيه حديث أبي هريرة مرفوعا: "ثلاثة أنا خصمهم". فذكر فيه: "ورجل ~~استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره" (¬4). والله أعلم. # 744 - وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من استأجر أجيرا فليسم (أ) له أجرته". رواه عبد الرزاق وفيه انقطاع، ووصله ~~البيهقي من طريق (ب) أبي حنيفة (¬5). PageV06P375 # رواه من طريق أبي حنيفة عبد الله بن المبارك عن أبي حنيفة عن حماد عن ~~إبراهيم عنه قال. وخالفه حماد بن سلمة فرواه عن حماد بن أبي سليمان عن ~~إبراهيم عن أبي سعيد الخدري، وهو منقطع، وتابعه معمر عن حماد مرسلا أيضا ~~(¬1). وقال عبد الرزاق (¬2): عن الثوري ومعمر عن حماد عن إبراهيم عن أبي ~~هريرة وأبي سعيد أو أحدهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ~~استأجر أجيرا فليسن (¬3) له أجرته". أخرجه إسحاق في "مسنده" عن عبد الرزاق، ~~وهو عند أحمد (¬4) وأبي داود في "المراسيل" (¬5) من وجه آخر، وهو في لفظ ~~أبي حنيفة: "فليعطه أجره". فهو بهذا اللفظ مؤيد للحديث المتقدم في التوصية ~~بإيفاء الأجير. وفي لفظ: "فليسم له ms1284 أجره". أمر بتسمية الأجرة؛ لئلا تكون ~~مجهولة فيؤدي إلى الشجار والخصام، ولفظ: "فليسن". في معنى: "فليسم". والله ~~أعلم. PageV06P376 ### || AUTO باب إحياء الموات # الموات بفتح الميم والواو الخفيفة قال الفراء: الموات الأرض التي لم ~~تعمر، شبهت العمارة بالحياة وتعطيلها بفقد الحياة، وإحياؤها هو عمارتها، ~~فالإحياء استعارة أصلية، والموات استعارة أصلية [أيضا] (أ)، وإحياؤه هو ~~عمارة الأرض وسقيها وزرعها وغرسها وقلع ما فيها من الخلا (¬1) وتنقيتها ~~ونحو ذلك، قال الإمام يحيى: الإحياء ورد مطلقا من جهة الشرع، وما كان كذلك ~~وجب الرجوع فيه إلى العرف؛ لأنه قد تبين مطلقات (ب) الشارع، كما قلنا في ~~قبض المبيعات والحرز في السرقة مما يحكم به العرف، والمستعمل في الإحياء ~~عرفا هي أسباب خمسة؛ وهي تبييض الأرض وتنقيتها حتى تصلح للزرع أو غيره، ~~وبناء الحائط على الأرض، وحفر الخندق القعير (¬2) الذي لا يطلع من نزله إلا ~~بمطلع، وقالت الفقهاء الأربعة: ليس ذلك شرطا، بل المعتبر فيه كالحائط؛ ما ~~يمنع الداخل والخارج كما في الجرين (¬3) لا في غيره، والمسناة (¬4) للغدير ~~من ثلاث جهات، والحفر في المعدن والبئر وإن لم يصل إلى الماء، واعتبر ~~الإمام يحيى الوصول إلى الماء في البئر. # 745 - وعن عروة عن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: PageV06P377 # "من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها". قال عروة: وقضى به عمر في خلافته. ~~رواه البخاري (¬1). # قوله: "عمر". بلفظ الفعل الثلاثي ذكره الحميدي (¬2) في "جامعه"، وكذا عند ~~الإسماعيلي من وجه آخر عن يحيى بن بكير شيخ البخاري، وفي البخاري: "من ~~أعمر" بفتح الهمزة والميم من الرباعي، قال القاضي عياض (2): كذا وقع ~~والصواب: "عمر" ثلاثيا. قال الله تعالى: {وعمروها أكثر مما عمروها} (¬3). ~~إلا أن يريد أنه جعل فيها عمارا. قال ابن بطال (¬4): ويمكن أن يكون أصله: ~~من اعتمر أرضا. أي اتخذها، وسقطت التاء من الأصل. وقال غيره: قد سمع (أ) ~~الرباعي، يقال (ب): أعمر الله بك منزلك. فالمراد (ج): من أعمر أرضا ~~بالإحياء فهو أحق بها من غيره. وحذف متعلق "أحق" للعلم ms1285 به (¬5)، ووقع (د) ~~في رواية أبي ذر (¬6): "من أعمر" بضم PageV06P378 # الهمزة، أي: أعمره غيره، وكأن المراد بالغير هو الإمام. # الحديث فيه دلالة على أن الإحياء مملك ولكنه شرط ألا يكون قد ملكها مسلم ~~أو ذمي، وكذلك إذا كان تعلق بها حق للغير، وسواء كان الحق خاصا كالطريق ~~المخصوص وكالمتحجر بما لا يفيد الملك، أو كان عاما كالمحتطب والمرعى ~~والميدان وغير ذلك، وظاهر الحديث أنه لا يحتاج إلى إذن الإمام إلا على ~~رواية "أعمر" [مغير الصيغة] (أ) كما عرفت، وهو قول الجمهور، وعن أبي حنيفة: ~~لا بد من إذن الإمام مطلقا، وعن مالك أنه يحتاج إلى إذن الإمام فيما قرب، ~~وضابط القرب [أنه] (ب) ما بأهل القرية إليه حاجة من رعي ونحوه، واحتج ~~الطحاوي (¬1) للجمهور مع هذا الحديث بالقياس على ماء البحر والنهر وما يصاد ~~من طير وحيوان، فإنهم اتفقوا على أن أخذه لا يحتاج إلى إذن الإمام سواء قرب ~~أو بعد، وسواء أذن أم لم يأذن. وأما ما تقدم عليها يد لغير معين ثم ماتت ~~فلا يجوز إحياؤها إلا بإذن الإمام. # ولا يمكن الكافر من الإحياء، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "عادي (¬2) ~~الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم" (¬3). فلا يمكن الكافر لأن الخطاب للمؤمنين، ~~وأما PageV06P379 # إحياء ما تعلق به حق لغير معين كبطون الأودية فلا يجوز إلا بإذن الإمام ~~بما لا ضرر فيه لمصلحة عامة، كذا ذكره بعض الهدوية، وقال أبو طالب: يجوز ~~إحياؤها بغير إذن الإمام مع أنه يشترط في إحياء الموات إذن الإمام، قال: ~~لأنها جارية مجرى الغيطة المباحة، وفرق بين بطون الأودية والأرض الموات ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "موتان (5) الأرض لله ولرسوله ثم هي لكم ~~مني" (¬1) بخلاف بطون الأودية فإنه قال فيها: "من أحيا أرضا ميتة فهي له". ~~ولم يشترط إذنه فيها، فهذا هو الفرق عنده. ذكره الإمام يحيى عنه، وقال ~~المؤيد بالله والإمام يحيى وأبو حنيفة: لا يجوز؛ لجريها مجرى الأملاك لتعلق ~~[حق] (ب) المسلمين بها؛ إذ هي مجرى السيول. قال الإمام المهدي: وهو قوي، ms1286 ~~فإن تحول عنها جري الماء جاز إحياؤها بإذن الإمام لانقطاع الحق وعدم تعين ~~أهله، وليس للإمام الإذن بعد ذلك إلا لمصلحة عامة لا ضرر فيها. وقال المؤيد ~~بالله وأبو طالب: يحرم إحياء محتطب القرية ومرعاها لتعلق حقهم به، وهو ~~مفهوم من قوله: "ليست لأحد". إذ هو يعم ما كان حقا وما كان ملكا. قال ~~المؤيد بالله: ومن فعل ملك وإن أثم. وحمل قوله على أنها متسعة بحيث لا ضرر، ~~هكذا في "الانتصار" عن المؤيد بالله، وروى في "الزهور" عنه أنه لا إثم ~~عليه، قيل: وهو قول الشافعي. وقال القاضي زيد: يفصل فإن أضر لم يجز، وإلا ~~جاز. وجعل كلامه هذا تأويلا لقول المؤيد بالله، قال الفقيه يحيى: وفي ~~تأويله نظر؛ لأن المؤيد بالله صرح في الزيادات أنه يجوز وإن أضر بهم. PageV06P380 # وقوله: وقضى به عمر. هذا في حكم المرسل؛ لأن عروة ولد في آخر خلافة عمر، ~~قال خليفة: وهو قضية قول ابن أبي خيثمة؛ أنه كان يوم الجمل ابن ثلاث عشرة ~~سنة؛ لأن يوم الجمل كان سنة ست وثلاثين، وعمر توفي سنة ثلاث وعشرين. وروى ~~أبو أسامة عن هشام بن عروة عن أبيه قال: رددت يوم الجمل؛ استصغرت (¬1). # 746 - وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من أحيا أرضا ميتة فهي له". رواه الثلاثة (¬2)، وحسنه الترمذي وقال: ~~روي مرسلا. وهو كما قال، واختلف في صحابيه (أ)، فقيل: جابر. وقيل: عائشة. ~~وقيل: عبد الله بن عمر. والراجح (ب) الأول. # وهو أبو الأعور سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، بضم النون وفتح الفاء، ~~العدوي القرشي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، أسلم قديما قبل أن يدخل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - دار الأرقم، وشهد المشاهد كلها مع النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - غير بدر، فإنه كان مع طلحة بن عبيد الله يطلبان خبر ~~عير قريش، وضرب له النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV06P381 # بسهم، كان آدم طويلا أشعر، مات بالعقيق قريبا من المدينة، فحمل إليها، ~~ودفن ms1287 بها سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين. وله بضع وسبعون سنة. ~~وقيل: مات بالكوفة ودفن بها. يلقى النبي - صلى الله عليه وسلم - في كعب بن ~~لؤي، روى عنه عمرو بن حريث -بحاء مهملة مضمومة وفتح الراء المهملة وسكون ~~الياء المنقوطة باثنتين من أسفل وبالثاء المثلثة- وعروة بن الزبير، وقيس بن ~~أبي (أ) حازم، وعباس بن سهل بن سعد (¬1). # الحديث أخرجه أبو داود عن سعيد بن زيد من رواية هشام، عن أبيه عروة، عن ~~سعيد. وأخرجه أيضا من رواية ابن إسحاق (¬2)، عن يحيى بن عروة، عن أبيه ~~مرسلا، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر مثله. قال: فلقد خبرني ~~الذي حدثني هذا الحديث أن رجلين اختصما إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، غرس أحدهما نخلا في أرض الآخر، فقضى لصاحب الأرض بأرضه، وأمر صاحب النخل ~~أن يخرج نخله منها. قال: فلقد رأيتها وإنها لتضرب أصولها بالفئوس، وإنها ~~لنخل عم (¬3)، حتى أخرجت منها. وأخرجه أحمد والعدني وأبو يعلى وابن أبي ~~عاصم والبيهقي والضياء (¬4)، عن (ب) سعيد بن زيد. PageV06P382 # وأخرجه الشافعي ومالك عن [كثير] (أ) بن عبد الله المزني، عن أبيه، عن جده ~~(¬1). وأخرجه البيهقي (¬2) عن عروة أيضا مرسلا. وأخرجه العسكري في ~~"الأمثال" عن ابن عمر. # تقدم الكلام على فقه هذا الحديث. # 747 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن الصعب بن جثامة رضي الله عنه أخبره ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا حمى إلا لله ولرسوله". رواه ~~البخاري (¬3). # الحمى مقصور وممدود، والأكثر القصر، وهو المكان المحمي، وهو خلاف المباح، ~~والمراد هنا هو منع الرعي في أرض مخصوصة من المباحات، فيجعلها الإمام ~~مخصوصة برعي بهائم الصدقة مثلا، وأصله عند العرب، أن الرئيس منهم كان إذا ~~نزل منزلا مخصبا استعوى كلبا على مكان عال، فإلى حيث انتهى صوته حماه من كل ~~جانب، فلا يرعى فيه غيره، [ويرعى هو مع غيره] (ب) فيما سواه، وهذه كانت ~~عادة جاهلية أماتها الإسلام. والحديث فيه دلالة على أن جواز الحمى مختص ~~بالرسول، قال الشافعي: ms1288 يحتمل معنى الحديث شيئين؛ أحدهما: ليس لأحد أن يحمي ~~للمسلمين إلا ما حماه PageV06P383 # النبي - صلى الله عليه وسلم -، والآخر معناه: إلا على مثل ما حماه عليه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. فعلى الأول ليس لأحد من الولاة بعده أن ~~يحمي، وعلى الثاني يختص الحمى بمن (أ) قام مقام رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، وهو الخليفة خاصة، وأخذ أصحاب الشافعي من هذا أن له في المسألة ~~قولين، والراجح عندهم الثاني، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ، لكن رجحوا ~~الثاني بما ذكره البخاري (¬1) عن الزهري تعليقا، أن عمر حمى الشرف (ب) ~~والربذة. وهو بالشين (ج) المعجمة المفتوحة والراء بعدها والفاء في المشهور. ~~وذكر عياض (¬2) أنه [عند] (د) البخاري بفتح المهملة وكسر الراء. قال: وفي ~~"موطأ ابن وهب" بفتح [المعجمة] (ه) والراء. قال: وكذا رواه بعض رواة ~~البخاري أو أصلحه، وهو الصواب. وأما سرف بكسر الراء فهو موضع بقرب مكة ولا ~~تدخله الألف واللام، والربذة بفتح الراء والموحدة بعدها ذال معجمة، موضع ~~معروف بين مكة والمدينة. وقد أخرج أيضا ابن أبي شيبة (¬3) بإسناد صحيح عن ~~نافع عن ابن عمر، أن عمر حمى الربذة لنعم الصدقة. ولكن الأرجح عند الشافعية ~~أن الحمى يختص بالخليفة، ومنهم من ألحق به ولاة الأقاليم، إلا أنه يشترط ~~ألا يضر بكافة المسلمين. والنبي - صلى الله عليه وسلم - حمي النقيع ~~-بالنون- وهو على عشرين فرسخا من المدينة، وقدره PageV06P384 # ميل في ثمانية أميال. ذكر ذلك ابن وهب في "موطئه" (¬1). وأصل النقيع كل ~~موضع يستنقع فيه الماء، وهو غير نقيع [الخضمات] (أ) الذي جمع فيه أسعد بن ~~زرارة بالمدينة. وحكى ابن الجوزي (1) أن بعضهم قال: إنهما واحد. قال: ~~والأول أصح. قال الإمام المهدي في "البحر": وكان للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن يحمي لنفسه وللمسلمين، لكنه - صلى الله عليه وسلم - لم يحم ~~لنفسه؛ إذ لم يملك ما يحمى لأجله. ثم قال الإمام يحيى، والمذهب، ومالك، ~~والفريقان: ولا يحمي الإمام لنفسه، بل لخيل المجاهدين وأنعام الصدقة ومن ~~ضعف من المسلمين عن الانتجاع؛ لقوله - صلى ms1289 الله عليه وسلم -: "لا حمى" ~~الحديث. وإذ حمى عمر موضعا وولى عليه مولاه هنيا، وأمره بألا يمنع رب ~~الصريمة -تصغير صرمة، وهي ما بين الثلاثين إلى العشرين (ب) من الإبل، أو من ~~العشر إلى أربعين- والغنيمة. والقصة مشهورة، انتهى. والقصة أخرجها مالك، ~~وأبو (ج) عبيد في "الأموال"، وابن أبي شيبة، والبخاري، والبيهقي (¬2)، عن ~~أسلم، أن عمر بن الخطاب استعمل مولى له يسمى هنيا على الحمى؛ فقال له: يا ~~هني، اضمم جناحك عن المسلمين، واتق دعوة المظلوم؛ فإن دعوة المظلوم مجابة، ~~وأدخل رب الصريمة والغنيمة، وإياي ونعم ابن عوف ونعم ابن عفان؛ فإنهما إن ~~تهلك ماشيتهما يرجعان (د) إلى نخل وزرع، وإن رب PageV06P385 # الصريمة والغنيمة إن تهلك ماشيتهما يأتيني (أ) ببنيه يقول: يا أمير ~~المؤمنين. أفتاركهم أنا لا أبا لك؟! فالكلأ أيسر علي من الذهب والورق، وايم ~~الله، إنهم يرون أني ظلمتهم؛ إنها لبلادهم، قاتلوا عليها في الجاهلية، ~~وأسلموا عليها في الإسلام، والذي نفسي بيده، لولا المال الذي أحمل عليه في ~~سبيل الله، ما حميت على الناس في بلادهم. انتهى. فهذا تصريح منه رضي الله ~~عنه أن الحمى إنما هو لمصلحة المسلمين، فلا يجوز أن يحمي لنفسه، ولا لأحد ~~غير الإمام أن يفعل ذلك. والله أعلم. # 748 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا ضرر (ب) ولا ضرار". رواه أحمد وابن ماجه (¬1). وله من حديث أبي ~~سعيد مثله، وهو في "الموطأ" مرسل (¬2). # وأخرج الحديث الطبراني (¬3) عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه ابن ماجه ~~والبيهقي (¬4)، عن عبادة بن الصامت، والطبراني في "الكبير" وأبو نعيم (¬5)، ~~عن ثعلبة بن مالك القرظي، وأخرجه مالك، عن عمرو بن يحيى PageV06P386 # المازني عن أبيه مرسلا بزيادة: "من ضار ضاره الله، ومن شاق شق الله عليه" ~~(¬1). وأخرجه بالزيادة الدارقطني والحاكم والبيهقي (¬2)، عن أبي سعيد ~~مرفوعا. وأخرجه عبد الرزاق (¬3) وأحمد (¬4) أيضا عن ابن عباس بزيادة: ~~"وللرجل أن يضع خشبته في حائط جاره، والطريق الميتاء سبعة أذرع". # وقوله: "لا ضرر". الضر ضد النفع، ms1290 تقول: ضره يضره ضرا وضرارا، وأضر به يضر ~~ضرارا. فمعنى قوله: "لا ضرر". أي لا يضر الرجل أخاه، فينقصه شيئا من حقه، ~~والضرار فعال من الضر، أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه، ~~[والضرر] (أ) فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين. [والضرر] (أ) ابتداء الفعل، ~~والضرار الجزاء عليه. وقيل: الضرر ما تضر به صاحبك وتنتفع أنت به، والضرار ~~أن تضره من غير أن تنتفع. وقيل: هما بمعنى، وتكرارهما للتأكيد. # والحديث فيه دلالة على تحريم الضرر؛ لأنه إذا نفي (ب) ذات الضرر دل على ~~النهي عنه، إذ النهي لطلب الكف عن الفعل، وهو يلزم منه عدم ذات الفعل، ~~فاستعمل اللازم في الملزوم. وتحريم الضر معلوم عقلا وشرعا، إلا ما دل الشرع ~~على إباحته، رعاية للمصلحة التي تربو على مفسدة الضر، مثل إقامة الحدود ~~وغيرها كما ذلك معلوم في تفاصيل الشريعة. وفي عطف: PageV06P387 # "وللرجل" إلخ (أ). كما في رواية عبد الرزاق، تنبيه أن ذلك ليس بإضرار ~~بجدار الجار، وأنه نفع بما لا يضر، وإن أوهم الضر. والله أعلم. # 749 - وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من أحاط حائطا على أرض فهي له". رواه أبو داود (¬1)، وصححه ابن ~~الجارود (¬2). # وأخرجه أحمد والطبراني والبيهقي (¬3) من حديث الحسن عنه، وفي صحة سماعه ~~منه خلاف. ورواه عبد بن حميد من طريق سليمان اليشكري عن جابر. # الحديث فيه دلالة على أن عمارة الأرض المحياة مملكة للعامر كما تقدم، ~~والمراد بالأرض في قوله: "على أرض". هي الأرض المباحة، وذلك معلوم. # 750 - وعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "من حفر بئرا فله أربعون ذراعا عطنا (¬4) لماشيته". رواه ابن ماجه ~~(¬5) بإسناد ضعيف. PageV06P388 # في الإسناد إسماعيل بن مسلم (¬1). وقد أخرجه الطبراني من طريق [أشعث] (أ) ~~عن الحسن. وفي الباب عن أبي هريرة عند أحمد (¬2): "حريم البئر البديء خمسة ~~وعشرون ذراعا وحريم البئر العادي خمسون ذراعا". والبديء بفتح الموحدة وكسر ~~الدال بعدها مدة وهمزة، ms1291 هي التي ابتدأتها أنت، والعادية القديمة. # وقال في "النهاية" (¬3): البديء بوزن البديع، البئر التي حفرت في الإسلام ~~وليست بعادية قديمة. # وأخرجه الدارقطني (¬4) من طريق سعيد بن المسيب عنه، وأعله بالإرسال، ~~وقال: من أسنده فقد وهم. وفي سنده محمد بن يوسف المقري شيخ شيخ الدارقطني، ~~وهو متهم بالوضع، وأطلق عليه [ذلك] (ب) الدارقطني وغيره (¬5). ورواه ~~البيهقي (¬6) من طريق يونس عن الزهري عن ابن المسيب مرسلا، وزاد: "وحريم ~~بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواجيها كلها". ورواه (¬7) PageV06P389 # من طريق مراسيل أبي داود أيضا. وأخرجه الحاكم (¬1) من حديث أبي هريرة ~~موصولا ومرسلا، والموصول من طريق عمر بن قيس عن الزهري، وعمر فيه ضعف (¬2). ~~ورواه البيهقي (¬3) من وجه آخر عن أبي هريرة، وفيه رجل لم يسم. # الحديث فيه دلالة على ثبوت حريم البئر، والمراد بالحريم أنه يمنع المحيي ~~والمحتفر لإضراره. # وفي "النهاية" (¬4): سمي بالحريم لأنه يحرم منع صاحبه منه (أ)، [أو] (ب) ~~لأنه يحرم على غيره التصرف فيه. وهذا نص في حريم البئر. وظاهر حديث عبد ~~الله أن العلة في ذلك هو ما يحتاج إليه صاحب البئر عند سقي إبله، لاجتماعها ~~على الماء، وحديث أبي هريرة يدل على أن العلة في ذلك هو ما يحتاج إليه ~~البئر، لئلا تحصل المضرة عليها بقرب الإحياء منها، ولذلك اختلف الحال في ~~البديء والعادي. وفيما رواه في "شرح مختصر الحنفية" (¬5): حريم (ب) بئر ~~العطن أربعون ذراعا، وحريم بئر الناضح ستون ذراعا. وذهب إليه أبو يوسف ~~ومحمد. كذلك دلالة على اختلاف حال PageV06P390 # البئر في العمق، فيكون الحريم على قدر ذلك لحاجة البئر إليه، ويمكن أن ~~يجمع بين هذه الأحاديث، [ويؤخذ من ذلك] (أ) قدر مشترك بينها، وهو ما يحتاج ~~إليه؛ إما لأجل البئر أو لسقي الماشية. # وقد اختلف الأئمة في ذلك؛ فذهب الهادي وأبو حنيفة والشافعي إلى أن حريم ~~البئر الإسلامية أربعون ذراعا، وذهب أحمد بن حنبل إلى أن الحريم خمسة ~~وعشرون، ويقاس على البئر غيرها مثل العين، وقد ذهب الهادي وأبو يوسف إلى أن ~~حريم العين الكبرى الفوارة خمسمائة ms1292 ذراع من كل جانب، استحسانا، وكأنه نظر ~~إلى ذلك في أرض رخوة، تحتاج إلى ذلك القدر، وأما في الأرض الصلبة فدون ذلك. ~~وبهذا تأول أبو طالب إطلاق كلام الهادي وهو الأولى، إذ ثبوت ذلك بالقياس ~~على البئر، وكذلك الدار المنفردة حريمها فناؤها، وهو مقدار أطول جدار في ~~الدار. وقيل: ما تصل إليه الحجارة إذا انهدمت. وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي ~~وغيره من الأئمة، وحريم النهر قدره ما يلقى فيه طين كشحه، صرح بذلك ~~الهدوية. وقال أبو يوسف: مثل نصفه من كل جانب. وقال محمد بن الحسن: بل بقدر ~~أرض النهر جميعا. وكذا الأرض، حريمها ما يحتاج إليه وقت عملها، وإلقاء ~~كسحها. وكذا المسيل، حريمه مثل النهر، على الخلاف، وثبوت هذا جميعه بالقياس ~~على البئر بجامع الحاجة، وهذا في الأرض المباحة، وأما الأرض المملوكة فلا ~~حريم في شيء من ذلك، بل لكل أن يفعل في ملكه ما شاء. والله أعلم. # 751 - وعن علقمة بن وائل، عن أبيه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أقطعه أرضا PageV06P391 # بحضرموت. رواه أبو داود، والترمذي، وصححه ابن حبان (¬1). # وصحح الحديث الترمذي والبيهقي (¬2)، وعنده قصة لمعاوية (أ) معه في ذلك، ~~وأخرجه الطبراني (¬3). # قوله: أقطعه أرضا. أي جعل الأرض له قطيعة، والمراد به أنه خصه (ب) ببعض ~~الأرض الموات، فيختص به، ويصير أولى بإحيائه ممن لم يسبق إلى إحيائه. ~~واختصاص الإقطاع بالموات متفق عليه في كلام الشافعية والهدوية وغيرهم، كما ~~أطلقه الإمام المهدي في "البحر" قال: مسألة: وللإمام إقطاع الموات، لإقطاع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الزبير حضر فرسه، ولفعل أبي بكر وعمر. انتهى. ~~وحكى القاضي عياض أن الإقطاع تسويغ الإمام من مال الله شيئا لمن يراه أهلا ~~لذلك. قال: وأكثر ما يستعمل في الأرض، وهو أن يخرج منها لمن يراه ما يحوزه، ~~إما بأن يملكه إياه فيعمره، وإما بأن يجعل له غلته مدة. انتهى. قال السبكي: ~~والثاني هو الذي يسمى في زماننا هذا إقطاعا، ولم أر أحدا من أصحابنا ذكره، ~~وتخريجه على طريق فقهي مشكل. ms1293 قال: والذي يظهر أنه يحصل للمقطع بذلك اختصاص ~~كاختصاص المتحجر، ولكنه لا PageV06P392 # يملك الرقبة بذلك. انتهى. وبهذا جزم المحب الطبري. وادعى الأذرعي نفي ~~الخلاف في جواز تخصيص الإمام بعض الجند بغلة أرض، إذا كان مستحقا لذلك، ~~وقال ابن التين: إنما يسمى إقطاعا إذا كان من أرض أو عقار، وإنما يقطع من ~~الفيء ولا يقطع من حق مسلم ولا معاهد. قال: وقد يكون الإقطاع تمليكا وغير ~~تمليك، وعلى الثاني يحمل إقطاعه - صلى الله عليه وسلم - الدور؛ أي أنزل ~~المهاجرين دور الأنصار برضاهم. انتهى. قال في "البحر": وللإمام أيضا إقطاع ~~بقاع في الأسواق والطرق الواسعة، بغير إضرار؛ بأن يقطع حق من سبق إليها، ~~بعد رفع قماشه (¬1)، ويجعل غيره أولى فلا يستحق العود إليها، بل المقطع ~~أحق. قلت: ووجهه القياس على حق المتحجر. (أوفيه نظر. انتهى. ولعل وجه ~~النظر: أن المتحجر إنما للإمام إبطال حق المتحجر أ) دفعا للضرر عن (ب) ~~المسلمين؛ لعدم إحياء المتحجر، وهنا لا ضرر عليهم، والأولى أن يقال: إن ~~البقاع لما كان الحق فيها للمسلمين على العموم، أشبهت المباح، وكان للإمام ~~أن يقطع ما لا ضرر فيه للمصلحة. والله أعلم. # 752 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقطع ~~الزبير حضر فرسه، فأجرى الفرس حتى قام، ثم رمى بسوطه، فقال: "أعطوه حيث بلغ ~~السوط". رواه أبو داود وفيه ضعف (¬2). # وأخرجه أحمد (¬3) من حديث أسماء بنت أبي بكر أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أقطع PageV06P393 # الزبير أرضا من أموال بني النضير. # وقوله: حضر فرسه. بضم الحاء وإسكان الضاد المعجمة، هو العدو. وقوله: ثم ~~رمى بسوطه. أي بعد أن قام الفرس ولم يعد، رمى سوطه طلبا للزيادة على مقدار ~~حضر الفرس فزاده النبي - صلى الله عليه وسلم - قدر ذلك، والله أعلم. # 753 - وعن رجل من الصحابة رضي الله عنه قال: غزوت مع النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فسمعته يقول: "الناس شركاء في ثلاث؛ الكلأ والاء والنار". رواه ~~أحمد وأبو داود ورجاله ثقات (¬1). # ورواه أحمد في "المسند" ms1294 من حديث أبي خداش أنه سمع رجلا من المهاجرين (أ) ~~الحديث، بلفظ: "المسلمون شركاء". ورواه أبو نعيم في "الصحابة" (¬2) في ~~ترجمة أبي خداش، ولم يذكر الرجل. وقد سئل أبو حاتم (¬3) عنه فقال: أبو خداش ~~لم يدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهو كما قال، فقد سماه أبو داود في ~~روايته حبان بن زيد الشامي، وهو الشرعبي (¬4)، من قريش، وهو تابعي معروف. ~~وروي من حديث ابن عباس (¬5) أيضا بلفظ: "المسلمون". PageV06P394 # وفيه عبد الله بن خراش وهو متروك (¬1)، وقد صححه ابن السكن، ورواه الخطيب ~~في "الرواة عن مالك" عن نافع عن ابن عمر وزاد: "والملح". وفيه: [عبد الحكم] ~~(أ) بن ميسرة راويه عن مالك وهو عند الطبراني بسند حسن عن زيد بن جبير عن ~~ابن عمر كالأول، وله عنده طرق أخرى. ولابن ماجه (¬2) من حديث أبي هريرة ~~بسند صحيح: "ثلاث لا تمنعهن (ب)؛ الماء والكلأ والنار". ولأبي داود (¬3) من ~~حديث بهيسة، عن أبيها، أنه قال: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ ~~قال: "الماء". ثم أعاد، فقال: "الملح". وفيه قصة. وأعله عبد الحق (¬4) وابن ~~القطان بأنها لا تعرف، لكن ذكرها ابن حبان وغيره في الصحابة (¬5)، ولابن ~~ماجه (¬6) من حديث عائشة أنها قالت: يا رسول الله، ما الشيء الذي لا يحل ~~منعه؟ قال: "الملح والماء والنار" الحديث. وإسناده ضعيف. وللطبراني في ~~"الصغير" (¬7) من حديث أنس: "خصلتان لا يحل منعهما؛ الماء والنار". قال أبو ~~حاتم في "العلل" (¬8): هذا حديث منكر. وللعقيلي في "الضعفاء" (¬9) عن عبد ~~الله PageV06P395 # ابن سرجس نحو حديث بهيسة. ولابن ماجه (¬1) من حديث ابن عباس وزاد فيه: ~~"وثمنه حرام". وروى ابن ماجه (¬2) من طريق سفيان عن أبي الزناد عن الأعرج ~~عن أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعا: "ثلاث لا يمنعن (أ)؛ الماء والكلأ ~~والنار". وإسناده صحيح. # قوله: "الكلأ". قال أهل اللغة (¬3): الكلأ، مهموز مقصور، هو النبات، سواء ~~كان رطبا أو يابسا، وأما الحشيش والهشيم فمختص باليابس، وأما الخلا فمقصور ~~غير مهموز، والعشب فمختص بالرطب، ويقال له أيضا: الرطب. بضم الراء ms1295 وإسكان ~~الطاء. و "الماء" ظاهر معناه. و "النار" قيل: أراد بها الشجر الذي يحتطبه ~~الناس. وقيل: المراد بالنار هنا هو الاستصباح من النار والاستضاءة بضوئها. ~~وقيل: المراد بها الحجارة التي توري النار إذا كانت في موات. # والمراد بالكلأ هنا هو الكلأ الذي يكون في الأرض المباحة والجبال الذي لم ~~يحرزه (ب) أحد بقطعه، فليس لأحد أن يتملكه وهو في منابته، والظاهر أن ذلك ~~إجماع، وما تقدم من الحمى للإمام ونحوه فهو ليس من باب التمليك، وإنما هو ~~من رعاية المصلحة العامة وتقديمها على الخاصة. وأما النابت في الأرض ~~المملوكة والمتحجرة ففيه خلاف بين العلماء؛ فعند الهدوية وغيرهم أن ذلك ~~مباح؛ من سبق إلى قطعه كان له، وظاهر الحديث العموم فهو حجة لهم، وعند ~~المؤيد بالله وغيره أن ذلك تابع للأرض النابت فيها؛ PageV06P396 # فإن كانت مملوكة كان ملكا لصاحبها، وإن كانت وقفا كان له حكم غلة الأرض ~~الموقوفة، وإن كانت مباحة كان مباحا، ولعله نظر إلى أن ذلك نماء الأرض ~~فيكون تابعا لأصله ويجعل (أ) ذلك مخصوصا من عموم الحديث قياسا على المتفق ~~عليه من سائر نماء الأشياء المملوكة، والتخصيص بالقياس صحيح. # وأما الكلام في إباحة الماء وتملكه فقد تقدم (¬1) في ذلك شطر صالح، وهو ~~باق على عمومه في حق الشرب لبني آدم وغيرهم من الحيوان والاستعمال به. # وأما النار فإن كانت من الحطب المملوك (ب فجرم الجمر ب) يكون حكمه حكم ~~أصله، ولعله يجيء فيه الكلام الذي في الماء، وذلك لعموم الحاجة إلى النار، ~~وتسامح الناس بذلك في العادة، وقد فسر "الماعون" في قوله تعالى: {ويمنعون ~~الماعون} (¬2). بالماء والملح والنار، وإن كان المراد بها الضوء فذلك اتفاق ~~أنه لا يختص به صاحبه، وأن للغير الاستضاءة بذلك، لأنه لم يأخذ شيئا من ملك ~~غيره وإنما أجزاء الهواء اكتست النور، والله أعلم. PageV06P397 ### || AUTO باب الوقف # الوقف في اللغة بمعنى الحبس، يقال: وقفت كذا. أي: حبسته. وأوقفته لغة ~~رديئة، وهو في الشرع حجر مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه؛ بقطع التصرف ~~في ms1296 رقبته على تصرف مباح. وجمعه وقوف وأوقاف، وهو قربة مندوب إليها. # 754 - عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث؛ من صدقة جارية، أو علم ~~ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم (¬1). # الحديث فيه دلالة على أنه لا ينقطع ثواب هذه الثلاثة الأشياء بالموت، ~~وأنه يجري بعد الموت، قال العلماء رحمهم الله تعالى: معنى الحديث أن عمل ~~الميت ينقطع بموته وينقطع تجدد الثواب له إلا في هذه الأشياء الثلاثة؛ ~~لكونه [كان سببها] (أ)؛ فإن الولد من كسبه، وكذلك الذي خلفه من تعليم أو ~~تصنيف، وكذلك الصدقة الجارية وهي الوقف. # وفيه دلالة على فضيلة الزواج لرجاء ولد صالح، وسيأتي في كتاب النكاح إن ~~شاء الله تعالى، اختلاف أحوال الناس فيه (¬2)، وعلى فضيلة العلم والحث على ~~الاستكثار منه، والترغيب في توريثه بالتعليم والتصنيف والإيضاح، وأنه ينبغي ~~أن يختار من العلوم الأنفع فالأنفع، وعلى أن الدعاء PageV06P399 # يصل ثوابه إلى الميت من الولد، وكذلك غيره؛ وهو الصدقة وقضاء الدين، وهو ~~مجمع على ذلك، وأما الحج فيجزئ عن الميت وإن كان بغير وصية عند الشافعي. ~~وذهب إليه المنصور بالله، وهو داخل في قضاء الدين إذا كان واجبا، كما في ~~خبر الخثعمية وقد تقدم (¬1)، وإن كان تطوعا، فإن كان بوصية فهو كغيره من ~~الوصايا، وإن كان بغير وصية فهو كذلك من الولد، وقد تقدم ذلك (¬2)، وأما ~~الصيام فكذلك تقدم الكلام فيه (¬3)، وأما قراءة القرآن وجعل ثوابها للميت ~~فقد تقدم ذلك في آخر الجنائز (¬4). # 755 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمر أرضا بخيبر فأتى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يستأمره فيها، فقال: يا رسول الله، أصبت أرضا بخيبر، ~~لم أصب مالا قط هو أنفس عندي منه. قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها". ~~قال: فتصدق بها عمر؛ أنه لا يباع أصلها ولا يورث ولا يوهب، فتصدق بها في ~~الفقراء، وفي القربى، وفي الرقاب، وفي سبيل الله، وابن ms1297 السبيل، والضيف، لا ~~جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقا غير متمول مالا. ~~متفق عليه، واللفظ لمسلم، وفي رواية البخاري: "تصدق بأصله؛ لا يباع ولا ~~يوهب ولكن ينفق ثمره" (¬5). # قوله: أصاب أرضا. اسم الأرض ثمغ، بالثاء المثلثة المفتوحة وفتح الميم. PageV06P400 # كذا في "الفائق" (¬1). وفي "شرح مسلم" (¬2) بسكون الميم والغين المعجمة، ~~وقد صرح به البخاري (¬3) في رواية، ولأحمد (¬4) من رواية أيوب، أن عمر أصاب ~~أرضا من يهود بني حارثة يقال لها: ثمغ. ونحوه (أ)، وفي رواية ابن [شبة] (ب) ~~بإسناد صحيح أن عمر رأى في المنام ثلاث ليال أن يتصدق بثمغ. وفي رواية ~~النسائي (¬5): جاء عمر فقال: يا رسول الله، إني أصبت مالا لم أصب مثله قط ~~كان لي مائة رأس فاشتريت بها مائة سهم من خيبر من أهلها. فيحتمل أن يكون ~~ثمغ من جملة أراضي خيبر، وأن مقدارها مائة سهم من السهام التي قسمها النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بين من شهد خيبر، وهذه المائة سهم غير التي كانت ~~لعمر بن الخطاب بخيبر التي حصلها من الغنيمة، والقصة هذه كانت في سنة سبع ~~من الهجرة. # قوله: هو أنفس منه. أي أجود، والنفيس الجيد المغتبط به، يقال: نفس -بفتح ~~النون وضم الفاء- نفاسة. قال الداودي (¬6): يسمى نفيسا لأنه يأخذ بالنفس. ~~وفي رواية صخر بن جويرية (¬7): إني استفدت مالا وهو عندي نفيس، فأردت أن ~~أتصدق به. ووقع في رواية الدارقطني (¬8) بإسناد ضعيف، PageV06P401 # أن عمر رضي الله عنه قال: يا رسول الله، إني نذرت [أن] (أ) أتصدق بمالي. ~~ولم يثبت هذا وإنما كانت صدقة تطوع. # وقوله: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها". أي بمنفعتها، ويوضحه ما في رواية ~~(¬1): "احبس أصلها وسبل ثمرتها". وفي رواية (¬2): "تصدق بثمره وحبس أصله". # قوله: فتصدق بها عمر؛ أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث. زاد ~~الدارقطني (¬3): حبيس ما دامت السماوات والأرض. وظاهر هذه الرواية أن هذا ~~إنما وقع من كلام عمر. قال السبكي (¬4): اغتبطت بما وقع في رواية يحيى بن ~~سعيد عن نافع عند ms1298 البيهقي (¬5): "تصدق بثمره، وحبس أصله؛ لا يباع ولا ~~يورث". وهذا ظاهر أن الشرط من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا ~~أيضا وقع في البخاري من طريق صخر بن جويرية عن نافع بلفظ: فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "تصدق بأصله؛ لا يباع ولا يوهب ولا يورث، ولكن ينفق ~~ثمره". وهي أتم الروايات وأصرح في المقصود فعزوها إلى البخاري أولى، وقد ~~علقه أيضا البخاري في المزارعة (5) بلفظ: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لعمر: "تصدق بأصله؛ لا يباع ولا يوهب، ولكن ينفق ثمره". فتصدق به. فعلمت أن PageV06P402 # الشرط من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنه ولو كان الشرط من قول ~~عمر فما فعله إلا لما فهمه من النبي - صلى الله عليه وسلم - حيث قال له: ~~"احبس أصلها، وسبل ثمرها". # وقوله: فتصدق بها. إلى آخر الستة المذكورين، قد تقدم ذكر هؤلاء في الزكاة ~~(¬1) إلا الضيف. # وقوله: ولذي القربى. يحتمل أنه أراد من ذكر في الخمس، ويحتمل أن يكون ~~المراد بهم قربى الواقف، وبهذا الثاني جزم القرطبي (¬2) وهو الظاهر. ~~والضيف، المراد به من نزل بقوم يريد منهم القرى. # أن يأكل منها بالمعروف. أفهم البخاري (¬3) أن المعروف هنا هو ما ذكر في ~~والي اليتيم، ووجه الشبه بينهما أن النظر للموقوف عليهم من الفقراء كالنظر ~~لليتامى. وقد اختلف السلف في قدر المعروف الذي يحل لوالي اليتيم فذهبت ~~عائشة (¬4) وعكرمة والحسن وغيرهم إلى أن ذلك قدر عمالته، وقيل: لا يأكل إلا ~~عند الحاجة. ثم اختلفوا فقال سعيد بن جبير ومجاهد (¬5): إذا أكل ثم أيسر ~~قضى. وقيل: لا يجب عليه القضاء. وقيل: إن كان ذهبا أو فضة لم يجز له أن ~~يأخذ منه شيئا إلا على سبيل القرض، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة. وهذا ~~أصح الأقوال عن ابن عباس (¬6)، وبه قال الشعبي وأبو العالية. وذهب الشافعي ~~إلى أنه يأخذ أقل الأمرين من أجرته ونفقته، PageV06P403 # ولا يجب الرد على الصحيح (¬1). وتعقب ابن المنير على البخاري بأن الواقف ~~هو المالك لمنافع ما وقفه، فإذا ms1299 شرط لمن يليه شيئا ساغ له ذلك، والموصي ليس ~~كذلك، لأن ورثته يملكون المال بعده بقسمة الله تعالى، فلم يكن في ذلك ~~كالواقف. انتهى (¬2). ويلزم من هذا أن الموصي إذا عين للوصي أن يأكل من مال ~~الموصى عليهم لا يصح ذلك، وليس كذلك بل هو سائغ، وإنما الخلاف حيث لم يعين. ~~قال القرطبي (¬3): جرت العادة بأن العامل يأكل من ثمرة الوقف حتى لو اشترط ~~الواقف ألا يأكل منه العامل لاستقبح منه ذلك، والمراد بالمعروف القدر الذي ~~جرت به العادة. وقيل: القدر الذي يدفع الشهوة. وقيل: المراد أن يأخذ منه ~~بقدر عمله. والأول أولى. # قوله: أو يطعم. في رواية للبخاري: أو يؤكل، بإسكان الواو بمعنى يطعم. # قوله: غير متمول فيه. هكذا لفظ مسلم، وفي رواية للبخاري: غير متمول مالا. ~~كما في "بلوغ المر 4 ام". والمعنى غير متخذ منها مالا أي ملكا، والمراد أنه ~~لا يتملك (أ) شيئا من رقابها. وقال ابن سيرين: غير متأثل مالا. كذا رواه ~~عنه ابن عون (¬4)، وقال ابن عون (¬5): أنبأني من قرأ هذا PageV06P404 # الكتاب أن فيه: غير متأثل مالا. وأخرج أبو داود (¬1) صفة كتاب وقف عمر من ~~طريق يحيى بن سعيد الأنصاري قال: نسخها لي (أ) عبد الحميد بن عبد الله بن ~~عمر فذكره، وفيه: غير متأثل مالا. والمتأثل (ب)، بمثناة ثم مثلثة مشددة ~~بينهما همزة، هو [المتخذ] (ج)، والتأثل اتخاذ أصل المال حتى كأنه عنده ~~قديم، وأثلة كل شيء أصله؛ قال امرؤ القيس (¬2): # وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # واشتراط نفي التأثل يقوي ما ذهب إليه من فسر الأكل بالمعروف بالأكل نفسه، ~~لا بأخذ أجرة العمالة، كذا قال القرطبي. وهو ظاهر وزاد أحمد (¬3) [من طريق ~~حماد بن زيد عن أيوب، فذكر الحديث، قال حماد: وزعم عمرو بن دينار أن عبد ~~الله بن عمر كان يهدي إلى عبد الله بن صفوان من صدقة عمر. وكذا رواه عمر بن ~~شبة من طريق حماد بن زيد عن عمر، وزاد عمر بن شبة] (د) بإسناده عن ابن عون ~~في آخر ms1300 هذا الحديث: وأوصى بها عمر إلى حفصة أم المؤمنين ثم إلى الأكابر من ~~آل عمر. ونحوه عند الدارقطني (¬4) PageV06P405 # عن عبيد الله بن عمر، وفي رواية أيوب عن نافع عند أحمد (¬1): يليه ذوو ~~الرأي من آل عمر. فكأنه كان أولا اشترط أن النظر لذوي الرأي من أهله، ثم ~~عين عند الوصية حفصة، وفي رواية عمر بن [شبة] (أ) عن أبي غسان المدني قال: ~~هذه نسخة صدقة عمر، أخذتها من كتابه الذي عند آل عمر فنسختها حرفا حرفا؛ ~~هذا ما كتب عبد الله عمر أمير المؤمنين في ثمغ أنه إلى حفصة ما عاشت، تنفق ~~ثمره حيث أراها الله، فإن توفيت فإلى أولي الرأي من أهلها. فذكر الشرط كله ~~نحو الذي تقدم، ثم قال: والمائة وسق الذي أطعمني النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فإنها مع ثمغ على سننه الذي أمرت به، وإن شاء ولي ثمغ أن يشتري من ~~ثمره رقيقا يعملون فيه فعل. وكتب معيقيب وشهد عبد الله بن الأرقم، وفي ~~رواية أبي داود زيادة: وصرمة (¬2) ابن الأكوع، والعبد الذي فيه صدقة كذلك. ~~وهذا يقتضي أن عمر إنما كتب كتاب وقفه في خلافته؛ لأن معيقيبا كان كاتبه في ~~أيام الخلافة، ووصفه بأنه أمير المؤمنين، وهذا لا ينافي أن يكون وقفه في ~~زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - باللفظ، وتولى النظر عليه إلى أن حضرته ~~الوفاة وكتب الكتاب المذكور، ويحتمل أن يكون أخر وقفيته ووقع منه في زمن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - الاستشارة في كيفيته، ويؤيد ذلك ما رواه ~~الطحاوي وابن عبد البر (¬3) من طريق مالك عن ابن شهاب قال: قال عمر: لولا ~~أني ذكرت صدقتي لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - لرددتها. فهذا يشعر ~~بالاحتمال الثاني، وأنه لم ينجز الوقف إلا عند الوصية، وإن كان الطحاوي ~~استدل بقول عمر هذا لأبي PageV06P406 # حنيفة وزفر أن إيقاف الأرض لا يمنع من الرجوع فيها، ويجاب عنه بأن هذا ~~منقطع؛ لأن ابن شهاب لم يدرك عمر، وبأنه يحتمل أنه لم يكن قد نجز الوقف كما ~~تقدم، ms1301 وأنه كره أن يفارق النبي - صلى الله عليه وسلم - على ما أمر به، ثم ~~يخالفه إلى غيره، ويحتمل أن يكون عمر يذهب إلى أن الواقف إذا شرط الرجوع ~~فله أن يرجع، ولعله قد وقع ذلك منه، وقد روى الطحاوي (¬1) عن علي رضي الله ~~عنه مثل ذلك، فلا تتم حجة أبي حنيفة مع الاحتمال، وأما تعليق الوقف؛ فقد ~~قال بصحته المالكية. وبه قال ابن سريج، وقال: تعود منافعه بعد المدة ~~المعينة إلى الواقف ثم إلى ورثته. وظاهر مذهب الهدوية أنه يصح تقييده ~~بالشرط، وإذا عدم الشرط رجع ملكا لمالكه، وإن كان صاحب "الهداية" جعل ذلك ~~مخصوصا بعلي والحسين عليهم السلام، فإنه جعل الوقف مشروطا بعدم الاحتياج ~~إليه، ويجاب عنه بأنه لا وجه لما ادعاه من الاختصاص، ولا يقوم ذلك إلا بدليل. # واعلم أن حديث عمر هذا أصل في مشروعية الوقف. قال أحمد (¬2) بإسناده عن ~~ابن عمر: أول صدقة، أي موقوفة، كانت في الإسلام صدقة عمر. وروى عمر بن ~~[شبة] (أ) عن [عمرو] (ب) بن سعد بن معاذ قال: سألنا عن أول حبس في الإسلام، ~~فقال المهاجرون: صدقة عمر. وقال الأنصار: صدقة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. وفي إسناده الواقدي (¬3). وفي "مغازي الواقدي": أن أول صدقة موقوفة ~~كانت في الإسلام أرض مخيريق -بالمعجمة مصغر- PageV06P407 # التي أوصى بها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقفها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، قال الترمذي (¬1): لا نعلم بين الصحابة والمتقدمين من أهل ~~العلم خلافا في جواز وقف الأرضين. وجاء عن شريح أنه أنكر الحبس، وقد تؤول. ~~وقال أبو حنيفة: لا يلزم. وخالفه جميع أصحابه إلا زفر بن الهذيل. وحكى ~~الطحاوي عن عيسى بن أبان قال: كان أبو يوسف يجيز بيع الوقف فبلغه حديث عمر ~~هذا، فقال: من سمع هذا من ابن عون؟ فحدثه به ابن علية، فقال: هذا لا يسع ~~أحدا خلافه، ولو بلغ أبا حنيفة لقال به. فرجع عن بيع الوقف حتى صار كأنه لا ~~خلاف فيه بين أحد. انتهى، مع أن الطحاوي انتصر لمذهب ms1302 أبي حنيفة، وتأول ~~قوله: "حبس الأصل، وسبل الثمرة". بأن ذلك لا يستلزم التأبيد، بك يحتمل أن ~~يكون أراد مدة اختياره لذلك. وهذا بعيد، إذ لا يفهم من التحبيس إلا ~~التأبيد، مع أنه قد ورد في رواية: "حبس ما دامت السماوات والأرض". قال ~~القرطبي: رفى الوقف مخالف الإجماع فلا يلتفت إليه، وأحسن ما يعتذر به عمن ~~رده ما قاله أبو يوسف، فإنه أعلم بأبي حنيفة من غيره. # وأشار الشافعي إلى أن وقف الأراضي والعقار من خصائص أهل الإسلام، ولا ~~يعلم مثل ذلك في الجاهلية. # وفي قوله: "حبس الأصل". دلالة على أن التحبيس من [صرائح] (أ) الوقف، وقال ~~بعضهم: صريح الوقف هو لفظ (وقفت). وقد ذكر أصحاب PageV06P408 # الشافعي في الألفاظ تفصيلا فقالوا: وقفت، وحبست، وسبلت، وأبدت صريح في ~~الوقف قولا واحدا، وكناية قولا واحدا وهي (تصدقت)، ومختلف فيه؛ وهو (حرمت)، ~~ففيه قولان؛ أحدهما أنه صريح، والآخر أنه ليس بصريح. قال أبو طالب: يجب أن ~~يكون قول الهدوية مثل ذلك. وقال المصنف رحمه الله تعالى قريبا من ذلك، قال ~~(¬1): لا يكفي في الوقف لفظ الصدقة سواء قال: تصدقت بكذا أو جعلته صدقة، ~~حتى يضيف إليها شيئا آخر؛ لتردد الصدقة بين أن تكون تمليك الرقبة أو وقف ~~المنفعة، فإذا أضاف إليها ما يميز المحتملين صح، بخلاف ما لو قال: وقفت. ~~أو: حبست. فإنه صريح في ذلك على الراجح، وتمسك من أجاز الاكتفاء بقوله: ~~تصدقت بكذا. بقوله: فتصدق بها عمر. ولا حجة في ذلك لما أتبعه من قوله: لا ~~تباع إلخ. مع احتمال أن يكون ذلك راجعا إلى الثمرة على حذف مضاف، أي: فتصدق ~~بثمرتها. وبهذا الاحتمال جزم القرطبي. # انتهى. فهذا كلامه مثل ما ذكر. # وفي الحديث فوائد؛ جواز ذكر الولد أباه باسمه المجرد من غير كنية ولا ~~لقب، وفي رواية إسناد الوصية إلى حفصة جواز جعل النظر في الوقف للمرأة، ~~وتقديمها على أقرانها من الرجال، وصحة إسناد النظر إلى غير معين إذا وصفه ~~بصفة معتبرة تميزه، وأن الواقف يلي وقفه إذا لم يسنده إلى ms1303 غيره، قال ~~الشافعي: لم يزل العدد الكبير من الصحابة فمن بعدهم يلون أوقافهم؛ نقل ذلك ~~الكواف عن الكواف لا يختلفون فيه. وقال مالك: ليس للواقف أن يلي وقفه سدا ~~للذريعة؛ إذ قد يطول الوقت فينسى الوقف، أو يفلس PageV06P409 # الواقف فيتصرف فيه لنفسه، أو يموت فيتصرف فيه ورثته. واستشارة أهل العلم ~~والدين والفضل في طرق الخير سواء كانت دينية أو دنيوية، وأن المشير يشير ~~بأحسن ما يظهر له في جميع الأمور. وفيه فضيلة ظاهرة لعمر لرغبته في امتثال ~~قوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (¬1). وفيه فضل الصدقة ~~الجارية، وصحة شرط الواقف واتباعه فيه، وأنه لا يشترط تعيين [المصرف] (أ) ~~لفظا. وجواز الوقف على الأغنياء؛ لأن ذوي القربى والضيف لم يقيد بالحاجة، ~~وهو الأصح عند الشافعية وغيرهم. وأن للواقف أن يشترط لنفسه جزءا من غلة ~~الوقف؛ لأن عمر شرط أن لمن ولي وقفه أن يأكل منه بالمعروف، ولم يستثن أن ~~الناظر هو أو غيره، وإذا جاز في المبهم الذي تعينه العادة كان فيما يعينه ~~الواقف أولى. ويستنبط منه صحة الوقف على النفس. وهو قول ابن أبي ليلى وأبي ~~يوسف وأحمد في [الأرجح] (5) والهادي. وقال به من المالكية ابن شعبان، وذهب ~~الشافعي والناصر والجمهور إلى منع ذلك، إلا إذا استثنى لنفسه شيئا يسيرا، ~~بحيث لا يتهم أنه قصد حرمان ورثته، واستدل محمد بن عبد الله الأنصاري شيخ ~~البخاري لذلك بقصة عمر هذه، وبقصة راكب البدنة (¬2)، وبحديث أنس (¬3) في ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - أعتق صفية وجعل PageV06P410 # عتقها صداقها، وذللث لأنه أخرجها عن ملكه بالعتق وردها إليه بالشرط، وبما ~~فعل عثمان من استثناء دلوه في بئر رومة (¬1). وحجة المنع من ذلك هو ما يفهم ~~من قوله: "سبل الثمرة" أن تسبيل الثمرة هو جعلها للغير ولا يصح من الإنسان ~~أن يجعل لنفسه شيئا يتملكه من ملكه، لأن فيه تحصيل الحاصل، ويجاب عن ذلك ~~بأن وجه المنع هو عدم الفائدة، وفي الوقف فائدة؛ وهو أن استحقاقه ملكا غير ~~استحقاقه وقفا، وقد يقال: لا ms1304 يؤخذ منه ما ذكر؛ لأن عمر اشترط لناظر الوقف ~~أن جمل منه بقدر عمالته، فإذا عمل أخذ منه بقدر عمالته، وليس ذلك من باب ~~الاشتراط حتى إذا لم يشترط كان للعامل أن يأخذ بقدر أجرته على أرجح قولي ~~العلماء. ويستنبط منه جواز الوقف على الوارث في مرض الموت، فإن زاد على ~~الثلث رد، وإن خرج من الثلث لزم؛ لأن عمر جعل النظر بعده لحفصة وهي ممن ~~يرثه، وجعل للناظر أن يأكل منه، وتعقب بأن الوقف صدر منه في حياة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، والذي أوصى به إنما هو تعيين الناظر. # ويستنبط من قوله: "حبس الأصل". أن تعليق الوقف لا يصح لأن التحبيس يناقضه ~~التعليق، وعن مالك وابن سريج (أ) يصح، وقد تقدم. ويستنبط منه صحة وقف ~~المشاع؛ لأن المائة سهم التي لعمر لم تكن منقسمة. ويستنبط منه أن الوقف لا ~~يسري إذ لم ينقل أنه سرى من حصة عمر إلى غيرها من باقي الأرض بخلاف العتق، ~~وحكي عن بعض الشافعية أنه حكم فيه بالسراية، وهو منكر. إلا أن هذا المستنبط ~~من وقف المشاع هو كما ذكر الرافعي أن المائة سهم كانت PageV06P411 # مشاعة. قال المصنف (¬1) رحمه الله: لم أجده صريحا، بل في مسلم ما يشعر ~~بغير ذلك، فإنه قال: إن المال المذكور يقال له: ثمغ. وكان نخلا. وأقول: في ~~"سنن أبي داود" (¬2) أن ثمغا وصرمة ابن الأكوع والعبد الذي فيه والمائة ~~السهم الذي بخيبر ورقيقه الذي فيه والمائة الوسق الذي أطعمه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بالوادي تليه حفصة. ثم ساق نسخة الوصية من عمر، فدل على ~~أن ثمغا غير المائة السهم، فيصح أن تكون المائة السهم غير مقسومة. # ويستنبط منه أن خيبر فتحت عنوة. # 756 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عمر على الصدقة. الحديث وفيه: "وأما خالد فقد احتبس أدراعه وأعتاده ~~في سبيل الله". متفق عليه (¬3). # قوله: "احتبس". أي: حبس، "أدراعه": جمع درع. و "أعتاده": هذا لفظ مسلم، ~~وفي البخاري: ms1305 و "أعتده". بضم التاء المثناة من فوق، وهما جمع "عتد" بفتحتين ~~و (أهو ما يعده أ) الرجل من الدواب والسلاح، وقيل: الخيل خاصة. يقال: فرس ~~[عتيد] (ب) أي صلب أو معد للركوب أو سريع الوثوب، وحكى عياض (¬4) رواية: ~~"أعبده". بالباء الموحدة جمع عبد والأول هو الشهور. PageV06P412 # والحديث فيه دلالة على أنه يصح وقف العين عن الزكاة أوأنه يأخذ بزكاته ~~آلات الحرب للجهاد في سبيل الله كما أشار إليه البخاري، ذكر ذلك في باب قول ~~الله تعالى: {وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله} (¬1)، وعلى أنه يصح وقف ~~العروض، وفيه خلاف أبي حنيفة؛ قال: لأن العروض تتبدل وتتغير والوقف موضوع ~~للتأبيد، وأجاب الجمهور المانعون من إجزاء الوقف عن الزكاة بأجوبة؛ # أحدها: أن المعنى الرد على من نسب إلى خالد منع الزكاة فقال: إنكم تظلمون ~~خالدا بنسبتكم إياه إلى المنع وهو لم يمنع، وكيف يمنع الفرض وقد تطوع ~~بتحبيس سلاحه. # والثاني: أنهم ظنوها للتجارة فطالبوه بزكاة قيمتها فأعلمهم - صلى الله ~~عليه وسلم - بأنه لا زكاة عليه فيما حبس، وهذا يحتاج إلى نقل خاص فيكون حجة ~~لمن أوجبها في عروض التجارة. # ثالثها: أنه كان نوى بإخراجها عن الزكاة تمليكا للمجاهدين، وهذا يقوله من ~~يجيز إخراج القيمة في الزكاة كالحنفية، ومن يجيز التعجيل. # وفي الحديث أيضا دلالة على مشروعية تحبيس الحيوان والسلاح، وأن الوقف ~~يجوز بقاؤه تحت يد محبسه، وعلى صرف الزكاة (أإلى صنف أ) واحد من الثمانية، ~~وتعقب ابن دقيق العيد جميع ذلك بأن القصة واقعة محتملة لما ذكر ولغيره فلا ~~ينهض الاستدلال بها على شيء مما ذكر. قال: ويحتمل أن يكون تحبيس خالد ~~إرصادا وعدم تصرف ولا يكون وقفا. # وفي الحديث دلالة على بعث الإمام العمال لجباية الزكاة. وقد تقدم تمام ~~الكلام في باب الشركة والوكالة (¬2). PageV06P413 ### || AUTO باب الهبة # الهبة بكسر الهاء مصدر وهب محذوف الفاء معوض عنه الهاء قياسا، ويطلق على ~~الشيء الموهوب، وهي في الشرع تمليك عين بعقد على غير عوض معلوم في الحياة، ~~وقد تطلق بالمعنى الأعم على الإبراء من ms1306 الدين والصدقة، وهي هبة ما يتمحض به ~~طلب الثواب في الآخرة. والهدية وهي ما يلزم (أ) المهدي له عوضه حسب العرف، ~~وزيادة لفظ: في الحياة. لإخراج الوصية، وهي تكون أيضا بالأنواع الثلاثة، ~~وظاهر ما ذكره المصنف هنا في هذا الباب أنه قصد بالهبة المعنى الأعم. # 757 - عن النعمان بن بشير رضي الله عنه أن أباه أتى به رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: إني نحلت ابني هذا غلاما كان لي. فقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "أكل ولدك نحلته مثل هذا؟ ". فقال: لا. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "فارجعه". وفي لفظ: فانطلق أبي إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ليشهده على صدقتي، فقال: "أفعلت هذا بولدك كلهم؟ ". ~~قال: لا. قال: "اتقو االله واعدلوا بين أولادكم". فرجع أبي فرد تلك الصدقة. ~~متفق عليه، وفي رواية لسلم: قال: "فأشهد على هذا غيري". ثم قال: "أيسرك أن ~~يكونوا لك في البر سواء". قال: بلى. قال: "فلا إذن" (¬1). PageV06P415 # الحديث مروي عن النعمان بن بشير من رواية أصحاب الزهري، وأخرجه النسائي ~~(¬1) من طريق الأوزاعي عن الزهري، أن محمد بن النعمان وحميد بن عبد الرحمن ~~[حدثا] (أ) عن بشير بن [سعد] (5) والد النعمان. وقد شذ بذلك، والمحفوظ أنه ~~عنهما عن النعمان. # وبشير والد النعمان هو ابن سعد بن ثعلبة بن الجلاس -بضم الجيم وتخفيف ~~اللام- الخزرجي، صحابي شهير من أهل بدر، وشهد غيرها، ومات في خلافة أبي بكر ~~سنة ثلاث عشرة، ويقال: إنه أول من بايع أبا بكر من الأنصار، وقيل: عاش إلى ~~خلافة عمر (¬2). # وقد روى هذا الحديث عن النعمان عدد كبير من التابعين؛ منهم عروة بن ~~الزبير عند مسلم والنسائي وأبي داود (¬3)، وأبو الضحى عند النسائي وابن ~~حبان وأحمد والطحاوي (¬4)، والمفضل بن المهلب عند أحمد وأبي داود والنسائي ~~(¬5)، وعبد الله بن عتبة بن مسعود عند أحمد (¬6)، وعون ابن عبد الله عند ~~أبي عوانة (¬7)، والشعبي في "الصحيحين" وأبي داود وأحمد PageV06P416 # والنسائي وابن ماجه وابن حبان وغيرهم (¬1)، ورواه عن الشعبي عدد كبير ~~أيضا ms1307 (¬2). # قوله: أن أباه أتى (أبه إلى أ) رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. هكذا ~~في رواية الزهري، وفي رواية الشعبي بلفظ: أعطاني أبي عطية، فقالت عمرة بنت ~~رواحة: لا أرضى حتى تشهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فأتى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: إني أعطيت ابني من عمرة عطة. وفي رواية ~~للبخاري في الشهادات عن الشعبي بلفظ: سألت أبي بعض الموهبة من ماله. زاد ~~مسلم من هذا الوجه: فالتوى بها سنة. أي: مطلها. وفي رواية ابن حبان من هذا ~~الوجه: بعد حولين. ويجمع بينهما بأن المدة كانت سنتين، فذكر الكثير تارة، ~~وتارة ذكر القليل وهو السنة، قال: ثم بدا له فوهبها لي، فقالت له: لا أرضى ~~حتى تشهد النبي - صلى الله عليه وسلم -. فأخذ بيدي وأنا غلام. ولمسلم من ~~طريق الشعبي أيضا: انطلق بي أبي يحملني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-. ويجمع بينهما بأنه أخذ بيده فمشى معه بعض الطريق وحمله في بعضها لصغر ~~سنه، أو عبر باستتباعه أباه بالحمل. # وقوله: نحلت. بفتح النون والهملة؛ أي أعطيت. والنحلة بكسر النون وسكون ~~المهملة: العطية بغير عوض. # وقوله: غلاما كان لي. هكذا في رواية الزهري، وفي رواية الشعبي في ~~البخاري: عطية. بدل: غلاما. وفي رواية ابن حبان وأبي داود عن PageV06P417 # الشعبي بلفظ: غلام. ولمسلم في رواية عروة وجابر معا، ووقع في رواية أبي ~~حريز -بمهملة وراء وزاي بوزن عظيم- عند ابن حبان والطبراني (¬1) عن الشعبي، ~~أن النعمان خطب بالكوفة فقال: إن والدي بشير بن سعد أتى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: إن عمرة بنت رواحة نفست بغلام، وإني سميته النعمان، ~~وإنها أبت أن تربيه حتى جعلت له حديقة من أفضل مال هو لي، وإنها قالت: أشهد ~~على ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا أشهد على جور". وجمع ابن حبان بين الروايتين بالحمل على واقعتين؛ ~~إحداهما عند ولادة النعمان، وكانت العطية حديقة، والأخرى بعد أن كبر ~~النعمان، وكانت العطية عبدا، ms1308 وهو جمع لا بأس به، إلا أنه يعكر عليه أنه ~~يبعد أن ينسى بشير بن سعد مع جلالته الحكم في المسألة حتى يعود إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فيستشهده (أ) على العطية الثانية بعد أن قال له في ~~الأولى: "لا أشهد على جور". وجوز ابن حبان أن يكون بشير ظن نسخ الحكم. وقال ~~غيره: يحتمل أن يكون حمل النهي الأول على كراهة التنزيه، أو ظن أنه لا يلزم ~~من الامتناع في الحديقة الامتناع في العبد؛ لأن ثمن الحديقة في الأغلب أكثر ~~من ثمن العبد. قال المصنف رحمه الله تعالى (¬2): وظهر لي وجه آخر حاصله أنه ~~وهب الحديقة تطييبا لخاطر عمرة، وارتجعها لأنها لم تخرج من يده، ثم طالبته ~~بعد ذلك فمطلها سنة أو سنتين، ثم طابت نفسه أن يهب له بدل الحديقة غلاما ~~ورضيت عمرة بذلك؛ إلا أنها خشيت أن يرتجعه أيضا، فأمرته أن يشهد PageV06P418 # على ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لتأمن رجوعه فيها، ويكون مجيئه ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في المرة الأخيرة فقط، واختلاف الرواة ~~لجواز أنه حفظ البعض ما لم يحفظ البعض، أو أن النعمان كان يقتصر في قصص ~~القضية على بعض الواقع، فيقص في وقت بعضا وفي وقت آخر بعضا آخر. # وعمرة هذه هي أخت عبد الله بن رواحة الصحابي المشهور، ووقع عند أبي عوانة ~~من طريق [عون بن عبد الله] (أ) أنها بنت عبد الله بن رواحة، والصحيح الأول، ~~وهي ممن بايع النبي - صلى الله عليه وسلم - من النساء. # قوله: فقال: "أكل ولدك نحلت؟ ". زاد في رواية [أبي حيان] (ب): فقال: "ألك ~~ولد سواه؟ ". قال: نعم. وقال مسلم لما رواه من طريق الزهري: أما يونس ومعمر ~~فقالا: "أكل بنيك؟ ". وأما الليث وابن عيينة فقالا: "أكل ولدك؟ ". ولا ~~منافاة بينهما؛ لأن لفظ الولد يشمل ما لو كانوا ذكورا وإناثا، ولفظ البنين ~~يختص بالذكور، إلا أنه إذا كان فيهم إناث فيحمل على تغليب الذكور على ~~الإناث، وقد ذكر له بنت (¬1). # وقوله: "نحلت مثله". في ms1309 رواية أبي حيان عند مسلم فقال: "أكلهم وهبت له ~~مثل هذا؟ ". قال: لا. وله من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي: فقال: ~~"ألك بنون سواه؟ ". قال: نعم. قال: "فكلهم أعطت مثل هذا؟ ". قال: لا. وفي ~~رواية ابن القاسم في "الموطآت" للدارقطني عن مالك قال: لا والله يا رسول الله. # قوله: قال: "فارجعه". ولمسلم من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب: قال: ~~"فاردده". وله وللنسائي من طريق عروة مثله. وفي رواية PageV06P419 # الشعبي في الباب الذي يليه (¬1) قال: فرجع فرد عطيته. ولمسلم: فرد تلك ~~الصدقة. زاد في رواية أبي حيان في الشهادات قال: "لا تشهدني على جور". ~~ومثله لمسلم في (أ) رواية عاصم عن الشعبي. وفي رواية أبي حريز: "لا أشهد ~~على جور". وقد علق منها البخاري (5) هذا القدر في الشهادات. ومثله لمسلم من ~~طريق إسماعيل عن الشعبي. وله في رواية أبي حيان: فقال: "فلا تشهدني إذن، ~~فإني لا أشهد على جور". وله (ج) في رواية المغيرة عن الشعبي: "فإني لا أشهد ~~على جور، أشهد على هذا غيري". وله وللنسائي في رواية داود بن أبي هند قال: ~~"فأشهد على هذا غيري". وفي حديث جابر (¬2): "فليس يصلح هذا، واني لا أشهد ~~إلا على حق". ولعبد الرزاق (¬3) من طريق طاوس مرسلا: "لا أشهد إلا على ~~الحق، لا أشهد". وفي رواية عروة عند النسائي: فكره أن يشهد له. وفي رواية ~~[المغيرة] (د) عن الشعبي عند مسلم: "اعدلوا بين أولادكم في النحل كما تحبون ~~أن يعدلوا بينكم في البر". وفي رواية مجالد عن الشعبي عند أحمد (¬4): "إن ~~لبنيك عليك من الحق أن تعدل بينهم، فلا تشهدني على جور، أيسرك أن يكونوا ~~إليك في البر سواء؟ ". قال: PageV06P420 # بلى. قال: "فلا إذن". ولأبي داود من هذا الوجه: "إن لهم عليك من الحق أن ~~تعدل بينهم كما أن [لك] (أ) عليهم من الحق أن يبروك". # وللنسائي من طريق أبي الضحى: "ألا سويت بينهم؟ ". وله ولابن حبان من هذا ~~الوجه: "سو بينهم". واختلاف الألفاظ في هذه القصة الواحدة ms1310 يرجع إلى معنى ~~واحد، فليس ذلك من الاضطراب القادح في الرواية. # والحديث فيه دلالة على أن الهبة لا تحتاج إلى قبول، إذ لم يذكر في رواية ~~أنه قبل لولده، وقد ذهب إلى هذا المؤيد بالله في أحد قوليه وبعض الحنفية، ~~أو أن القبض يغني عن القبول في حق الأب إذا وهب لولده الصغير شيئا تحت يده؛ ~~لقوة ولايته، كما نسبه الإمام يحيى لمذهب الهدوية، وذهب إليه أبو حنيفة، ~~وذهب الناصر والشافعي إلى أنه لا يغني عن القبول كالبيع، وقواه الإمام ~~المهدي، ويجاب عن الحديث أن سؤال عمرة الهبة لولدها قائم مقام القبول، وقد ~~ذهب إلى هذا الهدوية والشافعي، قالوا: كالنكاح. والخلاف لأبي حنيفة ~~وأصحابه، فلا بد من لفظين ماضيين كالبيع، وأجيب بأن البيع معاوضة فافترقا. ~~قال الإمام يحيى: اتفقوا في النكاح والخلع والصلح أنه كاف، إذ ليس بمعاوضة، ~~واختلفوا في البيع والإجارة والكتابة؛ فقال الشافعي: إن السؤال كاف. وقالت ~~الهدوية والحنفية: إنه ليس بكاف. # وأنه تجب المساواة بين الأولاد في الهبة. وقد صرح به البخاري، وهو قول ~~طاوس والثوري وأحمد وإسحاق، وقال به بعض المالكية، والشهور عن هؤلاء أنها ~~باطلة، وعن أحمد: تصح، ويجب أن يرجع. وعنه: يجوز التفاضل إن كان له سبب؛ ~~كأن يحتاج PageV06P421 # الولد لزمانته (¬1) أو دينه أو نحو ذلك دون الباقين. وقال أبو يوسف: تجب ~~التسوية إن قصد بالتفضيل الإضرار. # وذهب الجمهور إلى أن التسوية مستحبة، فإن فضل بعضا صح وكره، وقد ذهب إليه ~~العترة جميعا، واستحبت المبادرة إلى التسوية أو الرجوع، فحملوا الأمر على ~~الندب، والنهي على التنزيه، وأجاب الموجبون أنه مقدمة الواجب؛ لأن قطع ~~الرحم والعقوق محرمان، فما يؤدي إليهما محرم، وأيضا فإن الأمر ظاهر في ~~الوجوب، والنهي في التحريم، إلا لقرينة تصرفه، و [التفضيل] (أ) [مما] (ب) ~~يؤدي إليه من التسبيب إلى المعصية يؤيد بقاءه على ظاهره. # وأجاب الجمهور عن ذلك بعشرة أجوبة؛ أولها: أن الموهوب للنعمان جميع ~~المال، فلا تقوم حجة على منع التفضيل. حكاه ابن عبد البر (¬2) عن مالك. ~~أجاب القرطبي (¬3) أن ms1311 الموهوب هو الغلام كما هو صريح في الحديث لما سألته ~~والدته، وفي رواية الشعبي (ج) تصريح بذلك حيث قال: سألت أبي بعض الموهبة لي ~~من ماله. قال: وهذا يعلم منه قطعا أنه كان له مال غيره. والمانع من هبة ~~جميع المال سحنون من المالكية. # ثانيها: أن العطية لم تكن قد وقعت، وإنما جاء إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يستشير، فأشار عليه بألا يفعل، فترك. PageV06P422 # حكاه الطحاوي (¬1). ويجاب عنه بأن ألفاظ الرواة تدل على أنها قد وقعت. # ثالثها: أن النعمان كان كبيرا ولم يكن قبض الوهوب، فجاز لأبيه الرجوع. ~~ذكره الطحاوي (¬2). ويجاب عنه أن في قوله: "ارجعه". ما يدل على القبض، ~~والذي تظاهرت عليه الروايات أنه كان صغيرا، وكان أبوه قابضا له لصغره، ~~فأمره برد العطية المذكورة بعد ما كانت في حكم المقبوضة. # رابعها: أن قوله "ارجعه". دليل على الصحة، ولو لم تصح الهبة لم يصح ~~الرجوع، وإنما أمره بالرجوع لأن للوالد أن يرجع فيما وهبه لولده وإن كان ~~الأفضل خلاف ذلك، لكن استحباب التسوية رجح على ذلك، فلذلك أمره به. ويجاب ~~عنه بأن قوله: "ارجعه". يحتمل أن يكون معناه: لا تمض الهبة المذكورة. ولا ~~يلزم من ذلك تقدم صحة الهبة. # خامسها: أن قوله "أشهد على هذا غيري". إذن بالإشهاد على ذلك، وإنما امتنع ~~من ذلك لكونه الإمام، وكأنه قال: لا أشهد؛ لأن الإمام ليس من شأنه أن يشهد، ~~وإنما من شأنه أن يحكم. حكاه الطحاوي أيضا، وارتضاه ابن القصار. وأجيب بأنه ~~وإن كان الإمام من شأنه الحكم، فلا يمتنع أن يتحمل الشهادة ويؤديها عند بعض ~~[نوابه] (أ) أو يحكم بعلمه. وقوله: "أشهد على هذا غيري". لا يكون إذنا ~~بالشهادة، بل الأمر للتهديد، والمراد به (ب) نفي الجواز، وهو كقوله لعائشة: ~~"اشترطي لهم الولاء" (¬3). PageV06P423 # سادسها: التمسك بقوله: "ألا سويت بينهم؟ ". على أن المراد بالأمر ~~الاستحباب، وبالنهي التنزيه. وهذا جيد لولا ورود تلك الألفاظ الزائدة على ~~هذه اللفظة، ولا سيما أن تلك الرواية بعينها وردت بصيغة الأمر أيضا، حيث ~~قال "سو ms1312 بينهم". # سابعها: وقع عند مسلم عن ابن سيرين ما يدل على أن المحفوظ في حديث ~~النعمان: "قاربوا بين أولادكم". لا: سووا. وتعقب بأن المخالفين لا يوجبون ~~المقاربة كما لا يوجبون التسوية. # ثامنها: في التشبيه الواقع في التسوية بينهم بالتسوية منهم في بر ~~الوالدين قرينة تدل على أن الأمر للندب، لكن إطلاق الجور على عدم التسوية ~~بعيد، وكذا قوله: "لا أشهد إلا على حق". يدل على أن ذلك خلاف الحق، وقد قال ~~في آخر الرواية التي وقع فيها التشبيه، قال: "فلا إذن". # تاسعها: عمل الخليفتين أبي بكر وعمر بعد النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-[على] (أ) عدم التسوية قرينة ظاهرة في أن الأمر للندب؛ فأما أبو بكر فرواه ~~في "الموطأ" (¬1) بإسناد صحيح عن عائشة رضي الله عنها، أن أبا بكر قال لها ~~في مرض موته: إني كنت نحلتك جداد عضرين وسقا من أرضي التي [بالغابة] (ب)، ~~وأنت لو كنت حزتيه كان لك، فإذ لم تفعلي فإنما هو للوارث، وإنما هو أخواك ~~(ج) وأختاك. وأخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" وابن سعد وابن أبي شيبة (¬2). ~~وأما عمر فذكر PageV06P424 # الطحاوي وغيره أنه نحل ابنه عاصما دون سائر ولده. وقد أجاب عروة عن قصة ~~عائشة رضي الله عنها بأن إخوتها كانوا راضين بذلك، ويجاب بمثل ذلك عن قصة عاصم. # عاشرها: أن الإجماع انعقد على جواز عطية الرجل ماله لغير ولده، فإذا جاز ~~له أن يخرج جميع ولده من ماله بتمليك الغير جاز له أن يخرج بعض أولاده ~~بتمليك البعض. ذكر ذلك ابن عبد البر (¬1)، ولا يخفى ضعفه؛ لأنه قياس مع ~~مصادمة النص. وحكى ابن التين عن الداودي (¬2) أن بعض المالكية احتج ~~بالإجماع على خلاف ظاهر حديث النعمان، ثم رد عليه. # واختلف القائلون بوجوب التسوية أو ندبها (أفي كيفية التسوية أ)؛ فقال ~~محمد بن الحسن وأحمد وإسحاق وبعض الشافعية والمالكية وهو قول الهدوية: إن ~~التسوية تكون على حسب التوريث؛ للذكر مثل حظ الأنثيين. قالوا: لأن المال لو ~~بقي لكان لها ذلك ميراثا. وقال غيرهم: يسوى بين ms1313 الذكر والأنثى. وظاهر الأمر ~~بالتسوية يشهد بذلك، واستأنسوا بحديث ابن عباس رضي الله عنه رفعه: "سووا ~~بين أولادكم في العطية، فلو كنت مفضلا أحدا لفضلت النساء". أخرجه سعيد بن ~~منصور والبيهقي (¬3) من طريقه وإسناده حسن. # واستدل بالحديث على أن للأب أن يرجع فيما وهب لابنه، وظاهره ولو PageV06P425 # كان الولد كبيرا، وخص الهدوية الحكم بالطفل، ولعلهم نظروا إلى حديث ~~النعمان وهو كان صغيرا، ولكنه قد ورد من حديث ابن عباس وحديث ابن عمر ~~مرفوعا: "لا يحل لرجل يعطي عطة أو يهب هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما ~~يعطي ولده". أخرجه أبو داود وابن ماجه (¬1) بهذا اللفظ، ورجاله ثقات. فهذا ~~لفظ عام للصغير والكبير، ويعم الهبة وغيرها من الصدقة والنذر، ومن العلماء ~~من فرق بين الصدقة والهبة، فلا يرجع في الصدقة ويرجع في الهبة؛ لأن الصدقة ~~يراد بها ثواب الآخرة. وقالت المالكية: للأب الرجوع إذا كان الولد لم ينكح ~~ولا ادان دينا. وقال بذلك إسحاق، ولعلهم احتجوا بما روي عن عمر أنه قال: ~~يعتصر (¬2) الرجل من ولده ما أعطاه من ماله ما لم يمت، أو يستهلكه، أو يقوم ~~فيه دين. أخرجه عبد الرزاق والبيهقي (¬3). وعند مالك والشافعي والمنصور ~~بالله أن حكم ابن الابن حكم الابن في صحة الرجوع فيما وهبه له جده، وهل ~~يتناوله لفظ الابن حقيقة أو مجازا؟ فيه خلاف عندهم، وعند الهدوية أنه ليس ~~له الرجوع فيما وهبه لابن ابنه مطلقا، سواء كان صغيرا أو كبيرا. # والأم حكمها حكم الأب في قول أكثر العلماء، إلا أن المالكية قالوا: لها ~~الرجوع ما دام الأب حيا دون ما إذا مات. وقال أحمد: لا يحل للواهب أن يرجع ~~في هبته ولو أبا، وذلك لعموم الأحاديث الواردة في تقبيح الرجوع PageV06P426 # وتمثيله بالكلب يرجع في قيئه. وقال الكوفيون: إن كان الموهوب له صغيرا لم ~~يكن للأب الرجوع، وكذا إن كان كبيرا وقبضها. قالوا: وإن كانت الهبة لزوج من ~~زوجه أو بالعكس أو لذي رحم محرم لم يجز الرجوع في شيء من ذلك. وخص الهادي ~~ما ms1314 وهبته الزوجة لزوجها من صداقها، أنه ليس لها الرجوع في ذلك، وعلق ~~البخاري أثرين، قال (¬1): قال إبراهيم -يعني النخعي: هي جائزة. يعني لا ~~رجوع فيها. وقال: قال عمر ابن عبد العزيز: لا يرجعان. وقال: قال الزهري ~~فيمن قال لامرأته: هبي لي بعض صداقك أو كله. ثم لم يمكث إلا يسيرا حتى ~~طلقها فرجعت فيه. قال: يرد إليها إن كان خلبها -أي خدعها- وإن كانت أعطته ~~عن (أ) [طيب] (ب) نفس ليس في شيء من أمره خديعة، جاز، قال الله عز وجل: ~~{فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} (¬2) انتهى. وأخرج عبد الرزاق (¬3) عن عمر ~~بسند منقطع أن النساء يعطين رغبة ورهبة، فأيما امرأة أعطت زوجها فشاءت أن ~~ترجع رجعت. # وفي الحديث دلالة على أنه يندب التأليف بين الإخوة وترك ما يوقع بينهم ~~الشحناء ويورث العقوق للآباء. وأن عطية الأب لابنه الصغير في حجره لا تحتاج ~~إلى قبض، وأن الإشهاد فيها يغني عن القبض، وقيل: إن كانت العطية ذهبا أو ~~فضة فلا بد من عزلها وإفرادها. وفيه كراهة تحمل الشهادة فيما ليس بمباح، ~~وأن الإشهاد في الهبة مشروع وليس بواجب. وفيه PageV06P427 # جواز الميل إلى بعض الأولاد والزوجات دون بعض وإن وجبت التسوية بينهم في ~~غير ذلك. وفيه أن للإمام الأعظم أن يتحمل الشهادة، وفائدتها إما للحكم بذلك ~~عند من يجيز للحاكم أن يحكم بعلمه، أو يؤديها عند بعض نوابه. وفيه مشروعية ~~استفصال الحاكم والمفتي عما يحتمل الاستفصال؛ لقوله: "ألك ولد غيره؟ ". ~~فلما قال: نعم. قال: "أوكلهم أعطيت مثله؟ ". فلما قال: لا. قال: "لا أشهد". ~~فيفهم منه أنه لو قال: نعم. لشهد. وفيه جواز تسمية الهبة صدقة، وأن للأم ~~(أ) نظرا في مصلحة الولد والمبادرة إلى قبول الحق، وأمر الحاكم والمفتي ~~بتقوى الله في كل حال. وفيه إشارة إلى سوء عاقبة الحرص والتنطع؛ لأن عمرة ~~لو رضيت بما وهبه زوجها لولده ما رجع فيه، فلما اشتد حرصها في سبب ذلك أفضى ~~إلى بطلانه. وقال المهلب (¬1): فيه أن للإمام أن يرد الهبة والوصية ممن ms1315 ~~يعرف منه. هربا عن بعض الورثة. # 758 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه". متفق عليه (¬2). ~~وفي رواية للبخاري (¬3): "ليس لنا مثل السوء، الذي يعود في هبته كالكلب ~~يرجع في قيئه". PageV06P428 # الحديث فيه دلالة على كراهة الرجوع في الهبة، والظاهر أنه لا خلاف في ~~ذلك، وأما تحريم الرجوع فذهب الجمهور من العلماء إلى أنه يحرم الرجوع، وبوب ~~البخاري بقوله: باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته. وإنما جزم بذلك ~~لقوة الدليل عنده فيها، وأورد الحديث المذكور، وأخرجه أبو داود (¬1) وقال ~~في آخره: قال همام: قال قتادة: ولا أعلم القيء إلا حراما. واستثنى الجمهور ~~هبة الوالد لولده؛ جمعا بين هذا الحديث وحديث النعمان الماضي (¬2). وذهب ~~أبو حنيفة والهدوية إلى حل الرجوع في الهبة دون الصدقة إلا إذا حصل مانع من ~~الرجوع؛ كالهبة لذي الرحم، والزيادة في الموهوب، ونحو ذلك، كما فصل ذلك في ~~الفروع، وأجابوا عن الحديث بأن المراد بذلك التغليظ في الكراهة. قال ~~الطحاوي (¬3): قوله: "كالعائد في قيئه". وإن اقتضي التحريم لكون القيء ~~حراما، لكن الزيادة في الرواية الأخرى وهي قوله: "كالكلب". يدل على عدم ~~التحريم؛ لأن الكلب غير متعبد، فالقيء ليس حراما عليه، والمراد التنزيه عن ~~فعل يشبه فعل الكلب. وتعقب باستبعاد التأويل ومنافرة سياق الحديث له، وبأن ~~عرف الشرع في مثل هذه الأشياء يريد به المبالغة في الزجر؛ كقوله: "من لعب ~~بالنردشير فكأنما غمس يده في لحم خنزير" (¬4). ويجاب عنه بأن قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "من وهب هبة فهو أحق بها حتى يثاب عليها، فإن رجع في ~~هبته فهو كالذي يقيء ويأكل قيئه". PageV06P429 # أخرجه الطبراني في "الكبير" (¬1) عن ابن عباس. يدل على جواز الرجوع، ~~فاقتضى ذلك الجمع بين الأحاديث بحمل حديث النهي على الكراهة دون التحريم، ~~لا سيما مع ذكر التشبيه في هذه الرواية بعد ذكر الأحقية. # وأخرج الحديث مالك والبيهقي عن ابن عمر (¬2) من دون التشبيه. # وقوله: "ليس ms1316 لنا مثل السوء". أي لا ينبغي لنا معشر المؤمنين أن نتصف بصفة ~~ذميمة يشابهنا فيها أخس الحيوانات في أخس أحوالها، قال الله تعالى: {للذين ~~لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى} (¬3). وهذا أبلغ في الزجر ~~مما لو قال مثلا: لا تعودوا في الهبة. ولكن ذلك محمول على الكراهة الشديدة؛ ~~تحبيبا للمسلمين في الاتصاف بمحاسن الأخلاق وأعالي الصفات وهي الجود، ~~وتنزيها لهم من الارتباك في رذيلة الشح التي جبلت النفوس عليها وأعمى ~~بصيرتها عن التأمل لحقارة الدنيا وقبح الإخلاد إليها. # 759 - وعن ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهم عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "لا يحل لرجل مسلم أن يعطي العطية ثم يرجع فيها، إلا الوالد ~~فيما يعطي ولده". رواه أحمد والأربعة وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم ~~(¬4). PageV06P430 # الحديث رواه الشافعي (¬1) بلفظ: "لا يحل لواهب أن يرجع فيما وهب، إلا ~~الوالد فإنه يرجع فيما وهب لولده". عن مسلم بن خالد الزنجي عن ابن جريج عن ~~الحسن بن مسلم عن طاوس مرسلا، وقال: لو اتصل لقلت به. انتهى. وقد رواه أبو ~~داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم من حديث طاوس عن ابن عباس، ~~وهو عنده من رواية عمرو بن شعيب عن طاوس، وقد اختلف عليه فيه، فقيل: عن ~~أبيه عن جده. رواه النسائي وغيره بلفظ: "لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب ~~هبة فيرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع ~~فيها كمثل الكلب يأكل، فإذا شبع قاء ثم عاد في قيئه" (¬2). # قوله: "لا يحل". ظاهر في التحريم، ويجاب بأنه مجاز عن الكراهة الشديدة، ~~جمعا بينه وبين ما مر من جواز الرجوع. قال الطحاوي (¬3): قوله: "لا يحل". ~~لا يستلزم التحريم، وهو كقوله: "لا تحل الصدقة لغني" (¬4). وإنما معناه: لا ~~تحل له من حيث تحل لغيره من ذوي الحاجة. وأراد بذلك التغليظ في الكراهة، ~~والله أعلم. # 760 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقبل الهدية ويثيب عليها. ms1317 رواه البخاري (¬5). PageV06P431 # الحديث فيه دلالة على أنه كان عادته - صلى الله عليه وسلم - قبول الهدية ~~والمكافأة عليها، لأن قولها: ويثيب عليها. أي يهدي بدلها، والمراد بالثواب ~~المجازاة، وقد ورد في رواية ابن أبي شيبة (¬1) بلفظ: ويثيب ما هو خير منها. ~~وقد يستدل بهذا على وجوب المكافأة؛ لأن كون مثل ذلك عادة مستمرة يقضي ~~بلزومه، ويحتمل أن تعوده - صلى الله عليه وسلم - لذلك إنما هو لما كان عليه ~~من مكارم الأخلاق وسماحة النفس ببذل الإحسان، فلا يدل على الوجوب، وقد ذهب ~~إلى القول بالوجوب الهدوية؛ فقالوا: يجب تعويضها حسب العرف. واستدل بعض ~~المالكية بهذا الحديث على وجوب الثواب على الهدية إذا أطلق (أ) الواهب وكان ~~ممن يطلب مثله الثواب كالفقير للغني، بخلاف ما يهبه الأعلى للأدنى، ووجه ~~الدلالة منه مواظبته - صلى الله عليه وسلم -، ومن حيث التعليل أن الذي أهدى ~~قصد أن يعطى أكثر مما أهدى، فلا أقل من أن يعوض بالمثل، وبه قال الشافعي في ~~القديم، وذهب إليه أيضا الهدوية فقالوا: الأصل في الأعيان الأعواض. وقال ~~الشافعي في الجديد كالحنفية: الهبة للثواب باطلة لا تنعقد؛ لأنها بيع بثمن ~~مجهول، ولأن موضوع الهبة التبرع، فلو أوجبناه (ب) لكان في معنى المعاوضة، ~~وقد فرق الشرع والعرف بين البيع والهبة؛ فما استحق العوض أطلق عليه لفظ ~~البيع بخلاف الهبة. وقال ابن رشد المالكي (¬2): وأما هبة الثواب فأجازها ~~مالك وأبو حنيفة ومنعها الشافعي، وبه قال داود وأبو ثور، وسبب الخلاف هل هو ~~بيع مجهول الثمن أم ليس ببيع مجهول الثمن؟ PageV06P432 # فمن رآه بيعا مجهول الثمن قال: هو من بيوع الغرر التي لا تجوز. ومن لم ير ~~أنها بيع مجهول قال: يجوز. وكأن مالكا جعل العرف فيها بمنزلة الشروط، وهو ~~ثواب مثلها، وكذلك اختلف القول عندهم إذا لم يرض الواهب بالثواب (أما الحكم ~~أ)؟ فقيل: تلزمه الهبة إذا أعطاه الموهوب له القيمة. وقيل: لا يلزم إلا أن ~~يرضيه. وهو قول عمر، فإذا اشترط فيه (5) الرضا فليس هنالك بيع انعقد، ~~والأول هو المشهور عند مالك، وأما ms1318 إذا ألزم القيمة فهنالك بيع انعقد، وإنما ~~يحمل مالك الهبة على الثواب إذا اختلفوا في ذلك إذا دلت قرينة الحال على ~~ذلك؛ مثل أن يهب الفقير للغني أو نحو ذلك. انتهى. وقال الإمام المهدي في ~~"البحر": ويجب تعويضها حسب العرف. الإمام يحيى: بل المثلي مثله والقيمي ~~قيمته، ويجب الإيصاء بها كالدين، ويعمل بظه ويحتاط بالزيادة؛ لفعله - صلى ~~الله عليه وسلم - في قضاء ديونه. انتهى. وقد تعقب بأن الزيادة من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - كانت على جهة التفضل كما جبل عليه من الخلق الكريم ~~وبذل من لا يخشى إملاقا. والله أعلم. # 761 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: وهب رجل لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - ناقة فأثابه عليها، فقال: "رضيت؟ ". قال: لا. فزاده، فقال: ~~"رضيت؟ ". فقال: لا. فزاده، فقال: "رضيت؟ ". فقال: نعم. رواه أحمد وصححه ~~ابن حبان (¬1). PageV06P433 # وروى أصل الحديث أبو داود (¬1) من حديث أبي هريرة، وطوله الترمذي ورواه ~~من وجه آخر (¬2)، وبين أن الثواب كان ست بكرات. وكذا رواه الحاكم وصححه على ~~شرط مسلم (¬3). وتمام الحديث قال: "لقد هممت أن ألا أتهب إلا من قرشي أو ~~أنصاري أو ثقفي". وإنما استثنى هؤلاء، لأنهم أكرم العرب، وقيل: لأنهم ليس ~~فيهم غلظ البدو لأنهم حاضرة. # 762 - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"العمرى لمن وهبت له". متفق عليه (¬4). ولمسلم (¬5): "أمسكوا عليكم أموالكم ~~ولا تفسدوها؛ فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها حيا وميتا ولعقبه". وفي ~~لفظ: إنما العمرى التي أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: هي ~~لك ولعقبك. فأما إذا قال: هي لك ما عشت. فإنها ترجع إلى عاحبها (¬6). ولأبي ~~داود والنسائي (¬7): "لا ترقبوا ولا تعمروا، فمن أرقب شيئا أو أعمر شيئا ~~فهو لورثته". # العمرى بضم المهملة وسكون الميم، وحكي فتح العين مع السكون، وحكي ضم ~~الميم مع ضم أوله، مأخوذة من العمر، والرقبى بوزن العمرى مأخوذة من ~~المراقبة؛ لأنهم كانوا يفعلون ذلك في الجاهلية، فيعطي الرجل PageV06P434 # الدار ويقول ms1319 له: أعمرتك إياها. أي: أبحتها لك مدة عمرك. فقيل لها عمرى ~~لذلك، وكذا قيل لها رقبى؛ لأن كلا منهما يرقب متى يموت الآخر لترجع إليه. ~~وكذا ورثته يقومون مقامه في ذلك. هذا أصلها لغة. # قوله: "العمرى لمن وهبت له" الحديث. فيه دلالة على شرعية العمرى وأنها ~~مملكة لمن وهبت له، وصحتها. وقد ذهب إلى هذا العلماء قاطبة إلا ما حكاه ~~الطبري عن بعض الناس، والماوردي عن داود الظاهري وطائفة، لكن ابن حزم قال ~~بصحتها وهو شيخ الظاهرية، ثم اختلف القائلون بصحتها إلى ما يتوجه التمليك؛ ~~فالجمهور أنه يتوجه إلى الرقبة كسائر الهبات، حتى لو كان المعمر عبدا ~~فأعتقه الموهوب له نفذ، بخلاف الواهب. وقيل: يتوجه إلى المنفعة دون الرقبة. ~~وهو قول مالك والشافعي في القديم. وهل يسلك به مسلك العارية أو الوقف؟ ~~روايتان عند المالكية، وعند الحنفية التمليك في العمرى يتوجه إلى الرقبة ~~وفي الرقبى إلى المنفعة، وعنهم أنها باطلة (¬1). # وهي على ثلاثة أقسام؛ إما أن تكون مؤبدة بأن يقول: أبدا. أو نحو ذلك؛ بأن ~~يقول: لك ولعقبك. فهذه لها حكم الهبة عند العترة والحنفية والشافعية، ولا ~~ترجع إلى الواهب، إلا أن مالكا يقول: إذا انقرضوا رجعت إلى الواهب؛ لأن لها ~~حكم الوقف. في رواية. # وإما أن تكون مطلقة عن التقييد، فلها عند الهدوية والناصر وأبي حنيفة ~~والقول الجديد للشافعي ومالك حكم المؤبدة. وقال الشافعي في القديم: العقد ~~باطل من أصله؛ لأنه تمليك عين قدر مدة عمره، فأشبه ما إذا قال: سنة. وعنه ~~كقول مالك، وقيل: القديم للشافعي كالجديد. ويحتج للقول الأول بحديث الباب؛ ~~فإن قوله: "العمرى لمن وهبت له". على إطلاقه، PageV06P435 # وكذا ما أخرجه مسلم (¬1)، الحديث المذكور، وهو من طريق أبي الزبير عن ~~جابر قال: جعل الأنصار يعمرون المهاجرين، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "أمسكوا عليكم أموالكم ولا تفسدوها، فإنه من أعمر عمرى فهي للذي أعمرها ~~حيا وميتا [ولعقبه] (أ) ". ولا يعارضه ما جاء في رواية الزهري عن أبي سلمة ~~عن جابر عند مسلم (¬2): "أيما رجل أعمر عمرى ms1320 له ولعقبه، فإنها للذي أعطيها، ~~لا ترجع إلى الذي أعطاها؛ لأنه أعطى عطاء وقعت فيه المواريث". هذا لفظه من ~~طريق مالك عن الزهري، وله نحوه من طريق ابن جريج عن الزهري (¬3)، وله من ~~طريق الليث عنه (¬4): "فقد قطع قوله حقه فيها، وهي لمن أعمر ولعقبه". ولم ~~يذكر التعليل الذي في آخره، وله من طريق معمر عنه (¬5): إنما العمرى التي ~~أجاز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقول: هي لك ولعقبك. فأما إذا ~~قال: هي لك ما عشت. فإنها ترجع إلى صاحبها. قال معمر: كان الزهري يفتي به. ~~ولم يذكر التعليل أيضا؛ لأن التقييد في رواية بالزيادة المذكورة لا يقيد ~~بها الرواية الأخرى المطلقة؛ لاحتمال أنهما واقعتان، والخاص الموافق للعام ~~في الحكم لا يقيد العام ولا يخصصه إلا عند أبي ثور. # والقسم الثالث: أن تكون مقيدة؛ بأن يقول: ما عشت، فإذا مت رجعت إلى. أو ~~يقول: مدة عمرك. فهذه عارية مؤقتة، وقد دل على هذا PageV06P436 # ما في رواية معمر، وقد ذهب إلى هذا الهدوية. وقال النووي في "شرح مسلم" ~~(¬1): في صحته خلات عند أصحابنا، منهم من أبطله، والأصح عندهم صحته، ويكون ~~له حكم الحال الأول، واعتمدوا على الأحاديث الصحيحة المطلقة، وهي: "العمرى ~~جائزة" (¬2). وعدلوا به عن قياس الشروط الفاسدة، والأصح الصحة في جميع ~~الأحوال، وأن الموهوب له يملكها ملكا تاما يتصرف فيها بالبيع وغيره من ~~التصرفات. هذا مذهبنا. وقال أحمد: تصح العمرى المطلقة دون المؤقتة. وقال ~~مالك في أشهر الروايات عنه: العمرى في جميع الأحوال تمليك لمنافع الدار ~~مثلا، ولا يملك فيها رقبة الدار بحال. وقال أبو حنيفة بالصحة كنحو مذهبنا، ~~وبه قال الثوري والحسن بن صالح وأبو عبيد رحمهم الله، وحجة الشافعي ~~[وموافقيه] (أ) هذه الأحاديث الصحيحة. انتهى كلامه. # وأجاب الإمام المهدي في "البحر" بأن الأحاديث إنما تدل على العمرى ~~المطلقة لا المقيدة، فإن التقييد يدل على أنه لم يخرجها عن ملكه بل أعارها. ~~وقد يجاب عنه بأن الإطلاق في الأحاديث يتناول المقيدة، لوجود المطلق عند ~~وجود المقيد، وفي ms1321 ذلك مخالفة لما كان عليه الجاهلية من اعتبار التقييد، ~~فجاء الإسلام على إبطاله، وتكون فائدة النهي بقوله: "لا تفسدوا أموالكم". ~~فإنهم كان في ظنهم بقاء الحكم الجاهلي، فقيل لهم: الإسلام بخلافه. والله ~~أعلم. وأما العمرى المقيدة بشهر أو سنة فعارية إجماعا، وأما PageV06P437 # المقيدة بعمر الرقبة المعمرة فلها حكم المطلقة. ذكر ذلك الإمام المهدي في ~~"البحر"، وهو قوي. # وقوله: "أمسكوا عليكم أموالكم" الحديث. المراد به إعلامهم أن العمرى هبة ~~صحيحة ماضية يملكها الموهوب له ملكا تاما لا [يعود] (أ) إلى الواهب أبدا، ~~فإذا علموا ذلك فمن شاء أعمر ودخل على بصيرة ومن شاء ترك؛ لأنهم كانوا ~~يتوهمون أنها كالعارية يرجع فيها، وهذا ظاهر في مذهب الشافعي. # قوله: ولعقبك. العقب بفتح العين المهملة وكسر القاف، ويجوز سكونها، ~~والمراد به أولاد الإنسان ما تناسلوا، وأصله أن كلما رفع عمرو عقبا وضع زيد ~~قدما. ثم كثر حتى قيل (ب): جاء عقبه. ثم كثر حتى استعمل بمعنى المتابعة. # قوله: فإنها ترجع إلى صاحبها. ظاهر هذا الحديث حجة للهدوية وأحد أقوال ~~الشافعي؛ أن التقييد بقوله: ما عشت. يخرجها إلى حكم العارية ولا يكون لها ~~حكم الهبة، ولعل المخالفين يجيبون عن ذلك بأن يكون المراد بذلك هو ما إذا ~~قصد بقوله: ما عشت. أن تعود إلى الواهب بعد موته فيكون لها حكم ما إذا صرح ~~بذلك الشرط، فكأنه قال: ما عشت. أي مدة حياتك وبعد ذلك تعود إلي. والمؤنس ~~بهذا التقييد هو ورود الأحاديث المطلقة في العمرى، مع أن في لفظ العمرى ما ~~يدل على معنى قوله: ما عشت. فإن العمرى مأخوذة من العمر، وكان ذلك مع ~~الإطلاق محتملا PageV06P438 # لهذا القصد، وهو متفق عليه. # وقوله: "لا ترقبوا". الرقبى في معنى العمرى كما تقدم في الاشتقاق، وقد ~~فسرها عطاء لما قال له عبد الكريم: ما الرقبى؟ قال: يقول الرجل للرجل: هي ~~لك حياتك. فإن فعلتم فهو جائز. هكذا أخرجه النسائي مرسلا (¬1). وأحكام ~~الرقبى أحكام العمرى. واختلف العلماء في توجيه النهي في قوله: "لا ترقبوا" ~~(¬2). فالأظهر أنه يتوجه إلى ms1322 الحكم، وقيل: يتوجه إلى اللفظ الجاهلي والحكم ~~المنسوخ، وقيل: النهي وإن توجه إلى الحكم فلا يمنع الصحة إذا كان صحة ~~المنهي عنه ضررا (أ) على مرتكبه كالطلاق في زمن الحيض، وصحة الرقبى والعمرى ~~ضرر على المرقب والمعمر، لأن ملكه يزول بغير عوض، وهذا إذا حمل النهي على ~~التحريم، وإن حمل على الكراهة أو الإرشاد لم يحتج إلى ذلك، وهو الظاهر، ~~لوجود القرينة الصارفة إلى ذلك، وهو ما ذكر في آخر الحديث من بيان الحكم. # وقوله: "العمرى جائزة لأهلها، والرقبى جائزة لأهلها". أخرجه الترمذي ~~(¬3). وقال بعض المحققين: العمرى والرقبى بعيدتان عن قياس الأصول، ولكن ~~الحديث معمول به، ولو قيل بتحريمهما للنهي وصحتهما للحديث [لم يبعد] (ب)، ~~وكأن النهي لأمر خارج وهو حفظ الأموال، ولو PageV06P439 # كان المراد فيهما المنفعة كما قال مالك لم ينه عنهما، والظاهر أنه ما كان ~~مقصود العرب بهما إلا تمليك الرقبة بالشرط المذكور، فجاء الشرع بمراغمتهم، ~~فصحح العقد على طريقة الهبة وأبطل الشرط المضاد لذلك، فإنه يشبه الرجوع في ~~الهبة، وقد صح النهي عنه، وشبه بالكلب يعود في قيئه (¬1)، وقد روى النسائي ~~(¬2) من طريق أبي الزبير عن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه: "العمرى لمن ~~أعمرها والرقبى لمن أرقبها، والعائد في هبته كالعائد في قيئه". فشرط الرجوع ~~المقارن للعقد مثل الرجوع الطارئ بعده، فنهى عن ذلك وأمر صاحب المال أن ~~يبقيه مطلقا أو يخرجه مطلقا، فإن أخرجه على خلاف ذلك بطل الشرط وصح العقد ~~مراغمة له، وهو مثل شرط الولاء. # 763 - وعن عمر رضي الله عنه قال: حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه ~~صاحبه، فظننت أنه بائعه برخص، فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: "لا تبتعه وإن أعطاكه بدرهم" الحديث. متفق عليه (¬3). # تمامه: "فإن العائد في صدقته كالكلب يعود في قيئه". # قوله: حملت. أي: جعلته له ملكا ليجاهد عليه. ولم يرد أنه وقفه للجهاد؛ إذ ~~لو كان حمل تحبيس لم يجز بيعه، ويدل على ذلك قوله: برخص. فلو كان محبسا لما ~~رغب إلى أخذه، ولو ms1323 جاز بيع الوقف إذا بطل PageV06P440 # نفعه في المقصود لإضاعته كما قد قيل هنا، لكنه لا يسوغ شراءه إلا بالقيمة ~~الوافرة، وليس له أن يسامح منها بشيء ولو كان المشتري هو المحبس، وقد ~~استشكله الإسماعيلي (¬1) وقال: إذا كان شرط الوقف ما تقدم ذكره في حديث ابن ~~عمر في وقف عمر لا يباع أصله ولا يوهب، فكيف يجوز أن يباع الفرس الموهوب ~~وكيف لا ينهى بائعه أو يمنع من بيعه؟ وأجاب بأنه لعل معناه أن عمر جعله ~~صدقة يعطها من يرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إعطاءه، فأعطاها النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - الرجل المذكور، فجرى منه ما ذكر، ويستفاد من ~~التعليل المذكور أيضا أنه لو وجده مثلا يباع بأعلى من ثمنه لم يتناوله ~~النهي. انتهى. وفي الجواب بعد. وهذا الفرس يسمي الورد، أهداه تميم الداري ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فأعطاه عمر، فحمل عليه عمر في سبيل الله. ~~أخرجه ابن سعد (¬2) عن الواقدي. وأخرج مسلم وساقه أبو عوانة (¬3) في ~~"مستخرجه" عن ابن عمر، أن عمر حمل على فرس في سبيل الله، فأعطاه رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - رجلا. وهذا لا يعارض ما ذكر وإن كان مناسبا لتأويل ~~الإسماعيلي؛ لأنه يحمل على أن عمر لما أراد أن يتصدق به فوض إلى رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - اختيار من يتصدق به عليه، واستشاره في ذلك، فأشار ~~إليه بتعيين الرجل المملك، فنسب العطية إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: فأضاعه. أي لم يحسن القيام عليه وقصر في مؤنته وخدمته. وقيل: أي ~~لم يعرف مقداره، فأراد بيعه بدون قيمته. وقيل: معناه: استعمله في غير ما ~~جعل له. والأول أظهر، ويؤيده رواية مسلم (¬4) عن زيد بن أسلم: PageV06P441 # فوجده قد أضاعه، وكان قليل المال. فأشار إلى علة ذلك وإلى العذر المذكور ~~في إرادة بيعه. # وقوله: "لا تبتعه". أي: لا تشتره. وفي رواية البخاري: "ولا تعد في ~~صدقتك". وسمى الشراء عودا في الصدقة؛ لأن العادة جرت بالمسامحة من البائع ~~في مثل ذلك للمشتري، فأطلق ms1324 على القدر الذي تسامح به رجوعا، وأشار إلى الرخص ~~بقوله: "وإن أعطاكه بدرهم". وظاهر النهي التحريم، وقد ذهب إليه قوم، ~~والجمهور حملوا النهي على التنزيه، قال القرطبي (¬1) رحمه الله تعالى: وهو ~~الظاهر. ثم الزجر المذكور مخصوص بصورة الشراء وما أشبهها لا ما رجع ~~بالميراث، ولعل ضابط ذلك ما رجع الملك إليه بالاختيار. قال الطبري (¬2): ~~يخص من عموم هذا الحديث من وهب بشرط الثواب، ومن كان الواهب الوالد لولده، ~~والهبة التي لم تقبض، والتي ردها الميراث إلى الواهب، لثبوت الأخبار ~~باستثناء ذلك، وأما ما عدا ذلك كالغني يثيب الفقير، ونحو من يصل رحمه، فلا ~~رجوع لهؤلاء. قال: ومما لا رجوع فيه مطلقا الصدقة يراد بها ثواب الآخرة، ~~وإنما ذكر عمر مثل هذا العمل الصالح مع أن الكتم أفضل؛ لأمنه من الرياء، ~~ولأن في ذلك بيان حكم شرعي، والتصريح بنسبته إلى نفسه؛ ليكون في روايته ~~تحقيق القصة وتثبيت الحكم. # 764 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"تهادوا PageV06P442 # تحابوا". رواه البخاري في "الأدب المفرد" وأبو يعلى بإسناد حسن (¬1). # وأخرجه البيهقي وأورده ابن طاهر (¬2) في "مسند الشهاب" من طريق محمد بن ~~بكير عن ضمام بن إسماعيل عن موسى بن وردان عن أبي هريرة، وإسناده حسن، وقد ~~اختلف فيه على ضمام؛ فقيل: عنه عن أبي قبيل، عن [عبد الله بن عمرو. أورده] ~~(أ) ابن طاهر، ورواه في "مسند الشهاب" من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: ~~"تهادوا تزدادوا حبا". وإسناده غريب، فيه محمد بن سليمان (¬3)، قال ابن ~~طاهر: لا أعرفه. وأورده أيضا من وجه آخر عن أم حكيم بنت وداع الخزاعية، ~~وقال ابن طاهر: إسناده أيضا غريب وليس بحجة. وروى مالك في "الموطأ" (¬4) عن ~~عطاء الخراساني رفعه: "تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابوا وتذهب الشحناء". ~~ذكره في أواخر الكتاب، وفي "الأوسط" للطبراني (¬5) من حديث عائشة رفعه: ~~"تهادوا تحابوا، وهاجروا تورثوا أولادكم مجدا، وأقيلوا الكرام عثراتهم". ~~وفي إسناده نظر. # 765 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى ms1325 الله عليه وسلم -: ~~"تهادوا؛ فإن الهدية تسل السخيمة". رواه البزار بإسناد ضعيف (¬6). PageV06P443 # ورواه ابن حبان في "الضعفاء" (¬1) من طريق بكر بن بكار عن عائذ بن شريح ~~عن أنس بلفظ: "تهادوا؛ فإن الهدية قلت أو كثرت تذهب السخيمة". وضعفه بعائذ، ~~قال ابن طاهر: تفرد به عائذ، وقد رواه عنه جماعة من الثقات والضعفاء. قال: ~~ورواه كوثر بن حكيم (¬2) عن مكحول عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا، ~~وكوثر متروك. وروي الترمذي (¬3) من حديث أبي هريرة: "تهادوا؛ فإن الهدية ~~تذهب وحر الصدور (¬4) ". وفي إسناده أبو معشر المدني (¬5)، وتفرد به، وهو ~~ضعيف، ورواه ابن طاهر في "أحاديث الشهاب" من طريق عصمة بن مالك بلفظ: ~~"الهدية تذهب بالسمع والبصر". ورواه ابن حبان في "الضعفاء" (¬6) من حديث ~~ابن عمر بلفظ: "تهادوا؛ فإن الهدية تذهب الغل". ورواه محمد ابن [أبي] (أ) ~~الزعيزعة وقال: لا يجوز الاحتجاج به. وقال فيه البخاري (¬7): منكر الحديث. ~~وروى أبو موسى المديني في "الذيل" (¬8) في ترجمة زعبل، بالزاي والباء بعد ~~العين المهفلة، يرفعه: "تزاوروا وتهادوا؛ فإن الزيارة تثبت الود، والهدية ~~تذهب السخيمة". وهو مرسل؛ وليس لزعبل صحبة. # 766 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "يا PageV06P444 # نساء المسلمات، لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاة". متفق عليه (¬1). # قوله: "يا نساء". قال القاضي عياض (¬2): الأصح الأشهر نصب النساء على أنه ~~منادى مضاف إلى المسلمات، وهو من باب إضافة الموصوف إلى صفته ك: مسجد ~~الجامع. وقد أجازه الكوفيون اكتفاء بمغايرة اللفظ بين المضاف والمضاف إليه، ~~والبصريون يتأولون ذلك بتقدير المضاف إليه محذوفا، وهو موصوف بالصفة ~~المذكورة، ولكنه أقيم الصفة مقام الموصوف بعد حذفه، وتقديره الأنفس ~~والطوائف. قال ابن بطال (¬3): والمراد بالأنفس والطوائف الرجال. واستبعده ~~لأنه يصير مدرجا للرجال، وهو - صلى الله عليه وسلم - إنما خاطب النساء ~~وحدهن. ولكنه يجاب عنه بأن ذلك لا يصير الرجال مخاطبين، إنما المخاطب ~~المضاف، والمضاف إليه ليس بمخاطب، كما في قولك: يا غلام زيد. وقيل: إنه عنى ~~بالنساء الفاضلات، فتقديره: يا فاضلات ms1326 المسلمات. كما يقال: هؤلاء رجال ~~القوم. أي: أفاضلهم. وقال ابن [رشيد] (أ): إن الخطاب لنساء بأعيانهن، فكأنه ~~قال: يا خيرات المسلمات. وتعقب بأنه لم يخصهن بالحكم؛ لأن غيرهن شاركهن في ~~الحكم. وأجيب بأن المشاركة إنما كانت بطريق الإلحاق، والخطاب لمعين. PageV06P445 # وأنكر ابن عبد البر (¬1) رواية الإضافة، ورده ابن السيد بأنها قد صحت ~~نقلا واستقامت من حيث المعنى. وقال السهيلي وغيره: جاء برفع الهمزة في ~~النساء على أنه منادى مفرد، ويجوز في المسلمات الرفع على اللفظ والنصب على ~~المحل. وقد رواه الطبراني (¬2) من حديث عائشة: "يا نساء المؤمنين". # قوله: "لجارتها". كذا في رواية الأكثر. ولأبي ذر: "لجارة". من دون إضافة. # وقوله: "ولو فرسن". لا بد من تقدير متعلق لقوله: "تحقرن". وهو: هدية ~~مهداة. والفرسن بكسر الفاء والمهملة بينهما راء ساكنة وآخره نون، وهو عظم ~~قليل اللحم، وهو للبعير موضع الحافر من الفرس، ويطلق على الشاة مجازا، ~~ونونه زائدة، وقيل: أصلية. والمراد المبالغة في إهداء الشيء اليسير وقبوله ~~لا حقيقة الفرسن؛ لأنها لم تجر العادة بإهدائه، والمعنى أن الجارة لا تمنع ~~هدية ما عندها وإن حقرت، وهو خير من العدم، هذا إذا كان النهي للمهدي، ~~ويحتمل أن يكون للمهدى إليها، والمعنى أنها لا تحتقر (أ) ما أهدي إليها وإن ~~كان قليلا، وحمله على الأعم من ذلك أولى، ولعل تخصيص النساء بذلك لما كان ~~النساء بحسب الأغلب إنما يتصرفن فيما يملكه الزوج، فنبهن بالمهاداة بالشيء ~~اليسير الذي تطيب نفوس الأزواج بإهدائه من أموالهم من متاع البيت. # وفي الحديث الحث على التهادي ولو باليسير؛ لأن الكثير قد لا يتيسر، وإذا ~~تواصل اليسير عاد كثيرا مع الاجتماع. وفيه استجلاب المودة وإسقاط التكلف. # 767 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من PageV06P446 # وهب هبة فهو أحق بها ما لم يثب عليها". رواه الحاكم وصححه (¬1). # والمحفوظ من رواية ابن عمر عن عمر قوله. # الحديث رواه مالك (¬2) عن داود بن الحصين، عن أبي غطفان [بن طريف] (أ) أن ~~عمر قاله وأتم منه. ms1327 ورواه البيهقي (¬3) من حديث ابن وهب، عن حنظلة، عن سالم ~~بن عبد الله، عن أبيه، عن عمر نحوه. قال: ورواه [عبيد الله] (ب) بن موسى، ~~عن حنظلة مرفوعا، وهو وهم. قال المصنف رحمه الله (¬4): صححه الحاكم وابن ~~حزم، قال ابن حزم (¬5): وقيل عن عبيد الله بن موسى، عن إبراهيم بن إسماعيل ~~بن مجمع، عن عمرو بن دينار، عن أبي هريرة مرفوعا: "الواهب أحق بهبته ما لم ~~يثب منها". قال المصنف رحمه الله: رواه ابن ماجه (¬6) من هذا الوجه، ~~والمحفوظ عن عمرو بن دينار عن سالم عن أبيه عن عمر. قال البخاري: هذا أصح. ~~ورواه الدارقطني (¬7) من هذا الوجه، ورواه الحاكم (¬8) من حديث الحسن عن ~~سمرة مرفوعا: "إذا كانت الهبة لذي رحم محرم لم يرجع". ورواه الدارقطني (¬9) PageV06P447 # من حديث ابن عباس، وسنده ضعيف. انتهى. وقال ابن الجوزي (¬1): حديث ابن ~~عمر وأبي هريرة وسمرة كلها ضعيفة وليس منها ما يصح. # الحديث فيه دلالة على جواز رجوع الواهب في هبته، وقد تقدم الكلام في ذلك ~~(¬2)، ومفهوم قوله: "ما لم يثب عليها". أنه لا يصح الرجوع في الهبة التي ~~أثاب الواهب الموهوب له، وقد قال بهذا من العلماء من ذهب إلى صحة الهبة ~~لقصد الثواب، وقد تقدم الخلاف في صحتها (¬3)، ومقتضى قول من قال: إنها لا ~~تصح وإنها حكم البيع الباطل - صحة الرجوع. ولكن مفهوم هذا الحديث ينابذ ~~قوله. والله أعلم. PageV06P448 ### || AUTO باب اللقطة # اللقطة بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين. # وقال عياض (¬1): لا يجوز غيره. وقال الزمخشري في "الفائق" (¬2): بفتح ~~القاف، والعامة تسكنها. كذا قال. وجزم الخليل (¬3) بأنها بالسكون، قال: ~~وأما بالفتح فهو اللاقط. وقال الأزهري (¬4): هذا الذي قاله هو القياس، ولكن ~~الذي سمع من العرب وأجمع أهل اللغة والحديث عليه هو الفتح. # وقال ابن بري (¬5): التحريك للمفعول. وقال بعضهم (¬6): اسم للملتقط ~~كالضحكة والهمزة، وأما المال الملقوط فهو بسكون القاف، نادر، فاقتضى أن ~~الذي قاله الخليل هو القياس، وفيها لغتان أخريان أيضا، لقاطة بضم اللام، ~~ولقط بفتح اللام والقاف ms1328 بغير هاء، [ووجه] (أ) بعض المتأخرين فتح القاف في ~~لقطة في المأخوذ أنه للمبالغة، وذلك لمعنى فيها اختصت به، وهو أن كل من ~~يراها يميل لأخذها، فسميت باسم الفاعل لذلك. # 768 - عن أنس رضي الله عنه قال: مر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بتمرة في الطريق فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها". متفق ~~عليه (¬7). PageV06P449 # الحديث فيه دلالة على جواز أخذ الشيء الحقير الذي يتسامح به ولا يجب ~~التعريف به، لأنه - صلى الله عليه وسلم - ذكر أنه لم يمنعه من أكلها إلا ~~تورعا؛ خثسية أن تكون من الصدقة التي حرمت عليه، لا لكونها مرمية في ~~الطريق، ولم يذكر تعريفا، فدل على أن الآخذ يملكها بمجرد الأخذ، والظاهر أن ~~جواز الأخذ إنما هو فيما كان (أ) لقطة مجهولة المالك، وأما ما كان مالكه ~~معلوما فلا يجوز أخذه وإن كان يسيرا إلا بإذن من مالكه. وقد روى مثل هذا ~~ابن أبي شيبة (¬1) عن ميمونة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنها وجدت ~~تمرة فأكلتها وقالت (5): لا يحب الله الفساد. يعني أنها لو تركت فلم تؤخذ ~~وتؤكل لفسدت، ومثل هذا هو مجزوم به عند الأكثر، وأشار الرافعي إلى تخريج ~~وجه فيه. وقد يورد إشكال؛ وهو أنه كيف تركها - صلى الله عليه وسلم - في ~~الطريق مع أن إلى الإمام حفظ المال الضائع وحفظ ما كان من الزكاة [و] (ج) ~~صرف ذلك في مصرفه؟! وأجيب باحتمال أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أخذها للحفظ، وإنما تورع من أكلها، وليس في الحديث ما يدل على مخالفة ذلك، ~~أو أنه تركها عمدا لينتفع بها من يأخذها ممن تحل له الصدقة، وإنما يجب على ~~الإمام حفظ المال الذي يعلم طلب صاحبه له، لا ما جرت العادة بالإعراض عنه ~~لحقارته. والله أعلم. # 769 - وعن زيد بن خالد الجهني قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فسأله PageV06P450 # عن اللقطة، فقال: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن جاء صاحبها، ~~وإلا فشأنك بها". قال: فضالة ms1329 الغنم؟ قال: "هي لك أو لأخيك أو للذئب". قال: ~~فضالة الإبل؟ قال: "ما لك ولها؟ معها سقاؤها وحذاؤها، ترد الماء وتأكل ~~الشجر حتى يلقاها ربها". متفق عليه (¬1). # 770 - وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من آوى ضالة فهو ~~ضال، ما لم يعرفها". رواه مسلم (¬2). # هو أبو طلحة، وقيل: أبو عبد الرحمن. زيد بن خالد الجهني، من جهينة بن ~~زيد، نزل الكوفة، روى عنه عبيد الله بن عبد الله بن عتبة وعطاء بن يسار، ~~مات بالكوفة سنة ثمان وسبعين، ويقال: مات في آخر أيام معاوية وهو ابن خمس ~~وثمانين سنة. وقيل في وفاته غير ذلك (¬3). # قوله: جاء رجل. هكذا في رواية مالك عن ربيعة، وجاء في البخاري (¬4): جاء ~~أعرابي. وزعم ابن بشكوال (¬5) وعزاه لأبي داود وتبعه بعض المتأخرين أن ~~السائل المذكور هو بلال المؤذن. # قال المصنف (¬6) رحمه الله: ولم أر عند أبي داود في شيء من النسخ شيئا من ~~ذلك، وفيه بعد أيضا، لأنه لا يوصف بأنه أعرابي. وقيل: السائل هو الراوي. PageV06P451 # وفيه بعد إيضا؛ لما ذكرناه، ومستند من قال ذلك ما رواه الطبراني (¬1) من ~~وجه آخر (أ) عن ربيعة بهذا الإسناد فقال فيه: إنه سأل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. وجاء في رواية أحمد (¬2) عن زيد بن خالد بالشك أنه السائل، أو ~~رجل آخر. وفي رواية ابن وهب (¬3) عن زيد بن خالد: أتى رجل وأنا معه. فدل ~~هذا على أنه غيره، ولعله نسب السؤال إلى نفسه لكونه كان مع السائل، ثم ~~[ظفرت] (ب) بتسمية السائل فيما أخرجه الحميدي والبغوي وغيرهما عن عقبة بن ~~سويد الجهني عن أبيه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة ~~فقال: "عرفها سنة ثم أوثق وعاءها". فذكر الحديث، وقد ذكر أبو داود (¬4) ~~طرفا منه تعليقا ولم يسق لفظه، وكذلك البخاري في "تاريخه" (¬5). وروى ابن ~~أبي شيبة والطبراني (¬6) من طريق أبي ثعلبة الخشني قال: قلت: يا رسول الله، ~~الورق يوجد عند القرية؟ قال: "عرفها حولا" الحديث. وفيه سؤاله عن الشاة ~~والبعير ms1330 وجوابه، وهو في أثناء حديث طويل أخرج أصله النسائي (¬7). وروى ~~الإسماعيلي في "الصحابة" من طريق مالك عن ابن عمر عن أبيه، أنه سأل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن اللقطة فقال: "إن وجدت من يعرفها فادفعها" ~~الحديث. PageV06P452 # وإسناده واه جدا. وروى الطبراني (¬1) من حديث الجارود العبدي قال: قلت: ~~يا رسول الله، اللقطة نجدها؟ قال: "انشدها ولا تكتم ولا تغيب" الحديث. # قوله: فسأله عن اللقطة. هكذا في أكثر الروايات، وفي لفظ البخاري: عما ~~يلتقطه. وزاد مسلم في رواية: والذهب والفضة. وهو كالمثال، وإلا فاللقطة ~~تشمل ذلك وغيره. # وقوله: "اعرف عفاصها ... " إلخ. هذا لفظ مسلم، والعفاص بكسر المهملة ~~وتخفيف الفاء وبعد الألف مهملة: الوعاء الذي يكون فيه النفقة، جلدا كان أو ~~غيره. وقيل له: العفاص. أخذا من العفص وهو [الثني؛ لأن الوعاء] (أ) يثنى ~~على ما فيه. وقد وقع في زوائد "المسند" لعبد الله بن أحمد: "وخرقتها" [بدل] ~~(5) "عفاصها". والعفاص أيضا الجلد الذي يكون على رأس القارورة، وأما الذي ~~يدخل فم القارورة من جلد أو غيره فهو الصمام بكسر الصاد المهملة، فحيث ذكر ~~العفاص مع الوعاء فالمراد الثاني كما جاء في بعض روايات مسلم، وحيث لا يذكر ~~فالمراد به الأول، والغرض منه معرفة الآلات التي تحفظ النفقة، و [يلتحق] ~~(ج) بذلك حفظ الجنس والقدر، والكيل فيما يكال، والوزن فيما يوزن، والذرع ~~فيما يذرع، والعدد فيما يعد. وقد جاء في رواية لمسلم: "عفاصها ووكاءها ~~وعددها". وقال جماعة من الشافعية: [يستحب] (د) تقييدها بالكتابة خوف ~~النسيان. وقد اختلفت PageV06P453 # روايات الحديث، فقد جاء معرفة هذه الأشياء قبل التعريف كما جاء في رواية ~~مسلم، كما ذكر في هذا الكتاب، وقد جاء التعريف مقدما كما في البخاري، وعطف ~~معرفة هذه الأشياء ب "ثم"، وهو يقتضي أن التعريف سابق. قال النووي (¬1): ~~يمكن الجمع بينهما بأن يكون مأمورا بالمعرفة في حالتين؛ فيعرفها بالعلامات ~~وقت الالتقاط (أ) حتى يعلم صدق واصفها إذا وصفها، ثم بعد تعريفها سنة إذا ~~أراد أن يتملكها فيعرفها معرفة أخرى تعرفا وافيا محققا؛ ليعلم قدرها ms1331 وصفتها ~~حتى يردها إلى صاحبها إذا أتى. قال المصنف رحمه الله تعالى (¬2): ويحتمل أن ~~تكون "ثم" بمعنى الواو فلا تقتضي ترتيبا (ب [فلا مخالفة ولا] ب) يحتاج إلى ~~الجمع، ويقويه كون القصة واحدة والمخرج واحدا، وإنما يحسن ذلك لو كان ~~المخرج مختلفا أو تعددت القصة، واختلف في هذه المعرفة على قولين للعلماء؛ ~~الأظهر الوجوب؛ لظاهر الأمر، وقيل: مستحب. وقال بعضهم: يجب عند الالتقاط ~~ويستحب بعده. # وظاهر الحديث أن اللقطة يجوز ردها للواصف بل يجب ذلك، وأصرح من حديث ~~الباب ما في البخاري (¬3): "فإن (ج) جاء أحد يخبرك بها". وفي PageV06P454 # لفظ: "فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه". # أخرجه مسلم وأخرجه أحمد وأبو داود (¬1)، وقال أبو داود (¬2): إن هذه ~~الزيادة رواها حماد بن سلمة وهي غير محفوظة. وقد تمسك [به] (أ) من حاول ~~تضعيفها فلم يصب، بل هي صحيحة، مع أنه قد وافق حماد بن سلمة الثوري، أخرجه ~~النسائي وأحمد (¬3)، فزال عن الزيادة الشذوذ. وقد ذهب إلى ذلك أحمد ومالك ~~فقالا: يجب الرد للواصف. إلا أن مالكا وأصحابه فصلوا في ذلك فقالوا: إنه ~~يجب مع العفاص والوكاء صفة الدنانير والعدد. قالوا: وذلك موجود في بعض ~~روايات الحديث. قالوا: ولا يضره الجهل بالعدد إذا عرف العفاص والوكاء، ~~وكذلك إذا زاد فيه. واختلفوا إن نقص من العدد على قولين، وكذلك اختلفوا إذا ~~جهل الوصف وجاء بالعفاص والوكاء، وأما إذا غلط فيها فلا شيء له، وأما إذا ~~عرف أحد العلامتين اللتين وقع النص عليهما وجهل الأخرى؛ فقيل: لا شيء له ~~إلا بمعرفته لهما جميعا. وقيل: يدفع إليه بعد الاستبراء. وقيل: إن ادعى ~~الجهالة استبرئ، وإن غلط لم يدفع إليه. واختلفوا هل تحتاج إلى يمين بعد ~~الوصف؟ فقال ابن القاسم: بغير يمين. وهو ظاهر الحديث. وقال أشهب: بيمين. ~~وقد ذكر مثل ذلك أبو مضر للهادي والمؤيد بالله، وأنه يجب الرد إذا غلب في ~~ظنه صدق الواصف فيما بينه وبين الله؛ لأن العمل بالظن واجب. وقد ضعف PageV06P455 # هذا التعليل بأنه لا يجب فيما يخشى ms1332 من عاقبته التضمين. وذهب أبو حنيفة ~~والشافعي إلى أنه يجوز الرد للواصف إذا غلب في الظن الصدق، ولا يجب إلا ~~ببينة. وذكر مثل هذا في "شرح الإبانة" وقال: هو قول عامة أهل البيت وعلماء ~~الفريقين. يعني الحنفية والشافعية. قال ابن رشد في "نهاية المجتهد" (¬1): ~~وسبب الخلاف معارضة الأصل في اشتراط الشهادة في صحة الدعوى؛ لظاهر الحديث، ~~فمن غلب الأصل قال: لا بد من البينة. ومن غلب ظاهر الحديث قال: لا يحتاج ~~إلى بينة. وإنما اشترط الشهادة أبو حنيفة والشافعي؛ لأن قوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "اعرف عفاصها ووكاءها". يحتمل أن يكون ذلك لأجل ألا تلتبس ~~بماله، وليس لأجل الرد، فلما وقع الاحتمال وجب الرجوع إلى الأصل، فإن ~~الأصول لا تعارض بالاحتمال المخالف لها إلا أن تصح الزيادة المذكورة في ~~الحديث. قال المصنف رحمه الله تعالى (¬2): قد صحت هذه الزيادة فتعين المصير ~~إليها. قال: وما اعتل به بعضهم من أنه إذا وصفها فأصاب فدفعها إليه، فجاء ~~شخص آخر فوصفها فأصاب، لا يقتضي الطعن في الزيادة، فإن ذلك الاحتمال حاصل ~~مع البينة. وقال الخطابي (¬3): إن صحت الزيادة لم تجز مخالفتها، وهي فائدة ~~قوله: "اعرف عفاصها ... " إلخ. وإلا فالاحتياط مع من لم ير الرد إلا ~~بالبينة. قال: ويتأول قوله: "اعرف عفاصها". على أنه أمره بذلك لئلا يختلط ~~بماله، أو لتكون الدعوى فيها معلومة. والله أعلم. وذكر غيره من الفوائد ~~أيضا أن يعرف صدق المدعي من كذبه، وأن فيها تنبيها على حفظ المال، فإنه إذا ~~نبه على حفظ الوعاء، كان فيه تنبيه على حفظ المال من باب الأولى. PageV06P456 # وقوله: "ووكاءها". الوكاء بالمد وبكسر الواو وقد تضم كالوعاء. وقرأ بها ~~الحسن (¬1) في قوله تعالى: (وعاء أخيه) (¬2). وقرأ سعيد بن جبير: (إعاء). ~~بقلب الواو همزة (¬3). # وقول: "ثم عرفها سنة". هو بالتشديد للراء وكسرها، أي اذكرها للناس. قال ~~العلماء: محل ذلك المحافل؛ كأبواب المساجد والأسواق ونحو ذلك، يقول: من ~~ضاعت له [نفقة] (أ). ونحو ذلك من العبارات، ولا يذكر شيئا من الصفات. # وقوله: "سنة". أي متوالية، فلو ms1333 عرفها سنة متفرقة لم يكف، ويكون التعريف ~~في كل يوم مرتين، ثم مرة في كل أسبوع، ثم في كل شهر. وقال في "الانتصار": ~~ولا يجب الإفراط في التعريف حتى يشغل أوقاته به ولا يفرط. والأولى أن يوكل ~~ذلك إلى ظن الملتقط، وهو إن جوز وجود من سمع الإنشاد غير من قد سمعه أولا ~~فجل ذلك، وأما إذا كان الحاضرون عنده هم من كان قد سمع الإنشاد فلا تحب ~~الإعادة. والله أعلم. # وقوله: "سنة". ظاهر هذا أنه لا يجب التعريف بعد السنة، وهو في حديث زيد ~~بن خالد الجهني في جميع طرقه. وادعى القاضي زيد من الهدوية الإجماع أنه لا ~~يجب التعريف بعد السنة، وتبعه الإمام المهدي في "البحر"، ولكنه قد ورد في ~~حديث أبي بن كعب ثلاثة أحوال من رواية سلمة بن كهيل، ولكنه قال شعبة: إنه ~~سأله بعد عشر سنين فقال: عرفها عاما واحدا. وقد PageV06P457 # بينه أبو داود الطيالسي (¬1) في "مسنده" أيضا، فقال في آخر الحديث: قال ~~شعبة: فلقيت سلمة بعد ذلك فقال: لا أدري ثلاثة أحوال أو حولا واحدا. وقد ~~رواه بغير شك عن شعبة عن سلمة بن كهيل جماعة، وأخرجها مسلم (¬2) من طريق ~~الأعمش والثوري وزيد بن أبي أنيسة وحماد بن سلمة كلهم عن سلمة. وقال: قالوا ~~في حديثهم جميعا: ثلاثة أحوال. إلا حماد بن سلمة فإن في حديثه: عامين أو ~~ثلاثة. وجمع بعضهم بين الزيادة المذكورة في حديث أبي وبين حديث الجهني، بأن ~~حديث أبي مبني على الورع والتعفف من التصرف في اللقطة، وحديث زيد بن خالد ~~على القدر الواجب، ويدل عليه أنه جاء في بعض رواياته أنه أتى بعد أن عرف ~~سنة، فقال له: "عرفها عاما". ثم جاء بعد العام، فقال: "عرفها عاما". فما ~~أمره أولا إلا بعام، ثم نبهه على الأحوط والمسلك الذي ينبغي لمثله، فلو كان ~~الثلاثة واجبة لبينها له أولا؛ إذ هو وقت الحاجة. قال المنذري (¬3): لم يقل ~~أحد من أئمة الفتوى: إن اللقطة تعرف ثلاثة أعوام. إلا شريحا عن عمر. انتهى. ms1334 ~~وقد حكاه [الماوردي عن شواذ] (ب) من الفقهاء، وحكى ابن المنذر عن عمر أربعة ~~أقوال؛ يجب ثلاثة أحوال، عام واحد، ثلاثة أشهر، ثلاثة أيام. وزاد ابن حزم ~~(¬4) عن عمر قولا خامسا وهو أربعة أشهر، وغلط ابن الجوزي الزيادة هذه، وقال ~~ابن الجوزي (¬5): PageV06P458 # لم ويتأول حديث أبي بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرف منه أنه لم ~~يعرفها التعريف الكامل، فأمر بالإعادة كما أمر المسيء صلاته وقال: "ارجع ~~فصل فإنك لم تصل" (¬1). # ولا يخفى بعد هذا التأويل، وكيف يكون ذلك مع أبي وهو من فقهاء الصحابة ~~وفضلائهم؟! وحمل بعضهم قول عمر على اختلاف حال اللقطة في عظمها وحقارتها، ~~وقد ذهب إلى ذلك الحنفية؛ فقالوا: في العظيمة سنة والحقيرة ثلاثة أيام. وقد ~~أخرج أحمد والطبراني والبيهقي واللفظ لأحمد (¬2) من حديث عمر بن عبد الله ~~بن يعلى عن جدته حكيمة -بضم الحاء المهملة- عن يعلى بن مبرة مرفوعا: "من ~~التقط لقطة يسيرة؛ حبلا أو درهما أو شبه ذلك، [فليعرفه] (أ) (1) ثلاثة ~~أيام، فإن كان فوق ذلك فليعرفه (ب) ستة أيام". زاد الطبراني: "فإن جاء ~~صاحبها، وإلا فليتصدق بها، فإن جاء صاحبها فليخبره". وعمر ضعيف، قد صرح ~~بضعفه جماعة (¬3)، وقد أخرج له ابن خزيمة متابعة (¬4)، وروى عنه [جماعة] ~~(ج) وزعم ابن حزم (¬5) أنه مجهول، وزعم هو وابن القطان أن حكيمة ويعلى ~~مجهولان، ويعلى صحابي معروف الصحبة. وقد ورد من حديث الشافعي (¬6) أخرجه عن ~~علي رضي الله عنه أنه وجد PageV06P459 # دينارا، فسأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "هو رزق، فاشتر به ~~دقيقا ولحما". # فأكل منه هو وعلي وفاطمة، ثم جاء صاحب الدينار ينشد الدينار، فقال النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: "علي، أد الدينار". وفيه أن أمره أن يعرفه. ورواه ~~عبد الرزاق (¬1) وزاد: فجعل أجل الدينار وشبهه ثلاثة أيام. ولكن الزيادة من ~~طريق أبي بكر بن أبي سبرة وهو ضعيف جدا (¬2). ورواه أبو داود (¬3) من طريق ~~بلال بن يحيى العبسي عن علي بمعناه، وإسناده حسن. وقال المنذري: في سماعه ~~من علي نظر. ورواه أبو داود ms1335 (¬4) أيضا من حديث سهل بن سعد مطولا، وفيه موسى ~~بن يعقوب [الزمعي] (أ) مختلف فيه. وأعل البيهقي (¬5) هذه الروايات؛ ~~لاضطرابها ومعارضتها لأحاديث اشتراط السنة في التعريف بها؛ لأنها أصح. قال: ~~ويحتمل أن يكون إنما أباح له الأكل قبل التعريف للاضطرار. والله أعلم. وأما ~~حديث: "من وجد طعاما فليأكله ولا يعرفه" (¬6). فهو حديث لا أصل له. وهذا في ~~كتب الفقه أخذه الفقهاء من قوله في الشاة: "إنما هي لك [أو] (ب) لأخيك أو ~~للذئب". أن الطعام الذي يفسد في مدة التعريف يتصرف به واجده. وحكى صاحب ~~"الهداية" PageV06P460 # [من] (أ) الحنفية (¬1) أن الأمر في التعريف مفوض إلى الملتقط، فعليه أن ~~يعرفها إلى أن يغلب على ظنه أن صاحبها لا يطلبها، ومثله ذكر المؤيد بالله. # قوله: "فإن جاء صاحبها". جواب الشرط محذوف، وتقديره: فأدها إليه. وقوله: ~~"وإلا فشأنك". منصوب على المفعولية بفعل محذوف من باب الإغراء، ويجوز الرفع ~~على الابتداء، والخبر قوله: "بها". والمعنى أن ذلك إلى اختيارك من بعد في ~~الحفظ لها أو استنفاقها، وقد جاء لفظ الاستنفاق في كثير من روايات هذا ~~الحديث في "الصحيحين". وقد استدل بهذا على أن الملتقط يتصرف لنفسه في ~~اللقطة بعد التعريف سواء كان غنيا أو فقيرا، وقد ذهب إلى هذا الشافعي ~~وأصحابه، ولهم أربعة أوجه ثم يتملكها، أصحها: لا يملكها حتى يتلفظ بالتملك ~~بأن يقول: تملكتها. أو: اخترت تملكها. والثاني: لا يملكها إلا بالتصرف فيها ~~بالبيع ونحوه. والثالث: يكفيه نية التملك ولا يحتاج إلى لفظ. والرابع: يملك ~~بمجرد مضي السنة. فإذا تملكها ولم يظهر لها صاحب فلا شيء عليه؛ لأنها كسب ~~من أكسابه لا مطالبة عليه في الآخرة، وإن جاء صاحبها بعد تملكها أخذها ~~بزيادتها المتصلة دون المنفصلة، وإن كانت قد تلفت بعد التملك لزم الملتقط ~~بدلها، والخلاف في ذلك للكرابيسي صاحب الشافعي، ووافقه صاحباه البخاري ~~وداود بن علي إمام الظاهرية، وذهب "الهدوية" إلى أنه يجب التصدق بها أو ~~يصرفها في مصلحة عامة، وله أن يصرفها في نفسه إذا كان فقيرا أو فيه PageV06P461 # مصلحة، وذهب ms1336 أبو حنيفة إلى أنه يتصدق بها إذا كان غنيا، فإن جاء صاحبها ~~خير بين إمضاء الصدقة أو تغريمه. قال صاحب "الهداية" من الحنفية (¬1): إلا ~~إذا كان بأمر الإمام، فيجوز للغني كما في قصة أبي بن كعب. وبهذا قال عمر ~~وعلي وابن مسعود وابن عباس وغيرهم من الصحابة والتابعين. # واعلم أن الأحاديث تعارضت في ذلك، فقد جاء في مسلم (¬2): "ثم عرفها سنة، ~~فإن لم يجئ صاحبها كانت وديعة عندك". وفي الرواية الأخرى (¬3): "ثم عرفها ~~سنة، فإن لم تعرف استنفقتها، ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوما من ~~الدهر فأدها إليه". ويمكن الجمع بينها بأن المعنى من كونها وديعة بعد السنة ~~هو إذا لم يتملكها وبقيت عينها، فإنها إذا تلفت بغير تفريطه لا ضمان فيها، ~~وفي الرواية الثانية أن لها بعد الاستنفاق حكم الوديعة في وجوب ضمانها ~~وأدائها إلى صاحبها، وأن حقه لا ينقطع منها وإن تلفت ولو تملكها، وصريح في ~~ذلك رواية أبي داود (¬4) بلفظ: "فإن جاء باغيها فأدها إليه، وإلا فاعرف ~~عفاصها ووكاءها ثم كلها، فإن جاء باغيها فأدها إليه". فأمر بأدائها إليه ~~بعد الإذن في أكلها. وفي رواية أيضا لأبي داود (¬5) في حديث زيد بن خالد: ~~"فإن جاء صاحبها دفعتها إليه، وإلا عرفت وكاءها وعفاصها، ثم أفضها في مالك، ~~فإن جاء صاحبها فادفعها إليه". و"أفضها" PageV06P462 # بفتح الهمزة وكسر الفاء وسكون الضاد العجمة؛ أي: ألقها في مالك واخلطها. ~~من قولهم: فاض الأمر وأفاض هو فيه. وفي بعض نسخ أبي داود (¬1): "ثم ~~اقبضها". بالقاف وكسر الباء الموحدة، من الإقباض، أي: اقبضها واخلطها في ~~مالك. قال ابن رشد المالكي (¬2): اختلفوا في حكمها بعد السنة، فاتفق فقهاء ~~الأمصار، مالك والثوري والأوزاعي وأبو حنيفة والشافعي أن له أن يتصرف فيها، ~~ثم قال مالك والشافعي: له أن يتملكها. وقال أبو حنيفة: ليس له إلا أن يتصدق ~~بها. وروي مثل قوله عن علي وابن عباس وجماعة من التابعين رضي الله عنهم. ~~وقال الأوزاعي: إن كان مالا كثيرا جعله في بيت المال. وروي مثل قول مالك ~~والشافعي ms1337 عن عمر وابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهم، وكلهم متفقون على أنه ~~إن أكلها ضمنها لصاحبها، إلا أهل الظاهر. استدل مالك والشافعي بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "فشأنك بها". وغيره من حديث أبي، فسبب الخلاف معارضة ~~ظاهر لفظ حديث اللقطة لأصل الشرع، وهو أنه: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن ~~طيب نفس منه" (¬3). فمن غلب الأصل على ظاهر الحديث قال: لا يجوز له فيها ~~تصرف إلا بالصدقة فقط على أن يضمن أيضا. ومن غلب ظاهر الحديث على هذا الأصل ~~ورأى أنه مستثنى منه قال: تحل له بعد العام، وهي مال من ماله لا يضمنها إن ~~جاء صاحبها. ومن توسط قال: لا يتصرف بعد العام وإن كان غنيا إلا على جهة ~~الضمان. PageV06P463 # قوله: فضالة الغنم؟. أي ما حكمها؟ فحذف المبتدأ للعلم به، والضالة لا تقع ~~إلا على الحيوان. وما سواه يقال له: لقطة. ويقال للضوال: الهوامي والهوافي ~~-بالميم والفاء- والهوامل. # وقوله: "لك أو لأخيك أو للذئب". إشارة إلى جواز أخذها، كأنه قال: هي ~~ضعيفة لعدم الاستقلال، معرضة للهلاك، مترددة بين أن تأخذها أنت أو أخوك، ~~والمراد به ما هو أعم من صاحبها أو من ملتقط آخر، والمراد بالذئب جنس ما ~~يأكل الشاة من السباع، وفيه حث على أخذها، لأنه إذا علم أنه لا يأخذها بقيت ~~للذئب كان ذلك أدعى له إلى أخذها. وقد جاء في رواية (¬1): "خذها، فإنما هي ~~لك" إلخ. وفي هذا رد على إحدى الروايتين عن أحمد أنه يترك التقاط الشاة. ~~وتمسك مالك بذلك أنه يملكها (أ) بالأخذ، ولا يلزمه غرامة ولو جاء صاحبها، ~~واحتج له بالتسوية بين الذئب والملتقط، والذئب لا غرامة عليه، فكذلك ~~الملتقط. وأجيب بأن اللام ليست للتمليك؛ لأن الذئب لا يملك، وإنما يأكلها ~~الملتقط على شرط ضمانها. وقد أجمعوا على أنه لو جاء صاحبها قبل أن يأكلها ~~الملتقط فهي باقية على ملك صاحبها. # قوله: "معها سقاؤها وحذاؤها". المراد بسقائها جوفها، وقيل: عنقها. ~~وحذاؤها بكسر الحاء المهملة ثم الذال المعجمة مع المد، والمراد خفها، وأشار ms1338 ~~بذلك إلى استغنائها عن الحفظ لها بما ركب في طباعها من الجلادة على العطش ~~وتناول المأكول بغير تعب؛ لطول عنقها، فلا تحتاج إلى ملتقط، خلاف الغنم فهي ~~مترددة بين أن تأخذها أنت أو صاحبها، أو PageV06P464 # يهلكها الذئب أو [ما يشبهه] (أ) ثم من السباع، وفي ذلك زيادة الحث على ~~الالتقاط عند خشية هلاك اللقطة؛ إما بأن تهلك في نفسها، أو يلتقطها من لا ~~يردها على (ب) صاحبها، وأنه ينبغي حفظ مال المؤمن إذا خشي هلاكه وإن لم يكن ~~له غلبة يد؛ معاونة على الخير ورعاية لحق الأخوة في الدين. وقد ذهب الجمهور ~~إلى العمل بظاهر الحديث في أن الإبل لا تلتقط. وقالت الحنفية وغيرهم: ~~الأولى أن تلتقط. وحمل بعضهم النهي على من التقطها ليأخذها، وأما من ~~التقطها ليحفظها ويردها على صاحبها فيجوز له. وهو قول للشافعية. وكذا إذا ~~وجدت في قرية، فيجوز التملك على الأصح عندهم، والخلاف عند المالكية أيضا. ~~قال العلماء: حكمة النهي عن التقاط الإبل أن بقاءها حيث ظلت أقرب إلى وجدان ~~مالكها لها من تطلبها في رحال الناس. وقالوا (ج): في معنى الإبل كل ما ~~امتنع بقوته من صغار السباع. # وقوله: "من آوى ضالة" إلخ. فيه دلالة على وجوب التعريف، وأنه لا يجوز له ~~أن يلتقط ضالة ليحفظها لنفسه. وقال النووي (¬1): يجوز أن يكون المراد ~~بالضالة هنا ضالة الإبل ونحوها مما لا يجوز له التقاطه للتملك، بل إنما ~~يلتقطها للحفظ على صاحبها فيكون معناه: من آوى ضالة فهو ضال ما لم يعرفها ~~أبدا، ولا يتملكها. وهذا مخصوص بالإبل، والتأويل الأول أولى، يدل عليه ما ~~أخرجه النسائي مرفوعا (¬2): "ضالة المسلم حرق النار". وإسناده PageV06P465 # صحيح، وهو محمول على من لا يعرفها. # 771 - وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من وجد لقطة فليشهد ذوي عدل، وليحفظ عفاصها ووكاءها، ثم لا يكتم ~~ولا يغيب، فإن جاء ربها فهو أحق بها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء". ~~رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي، ms1339 وصححه ابن خزيمة وابن الجارود وابن حبان (¬1). # الحديث فيه دلالة على وجوب الإشهاد على اللقطة، وقد ذهب إلى ذلك أبو ~~حنيفة وأحد قولي الشافعي أنه يجب الإشهاد على اللقطة والأوصاف، وذهب الهادي ~~والقاسم والإمام يحيى ومالك والشافعي في أحد قوليه وأبو يوسف ومحمد إلى أنه ~~لا يجب الإشهاد، قالوا: لورود الأحاديث الصحيحة في اللقطة ولم يذكر فيها ~~الإشهاد، وهذا الحديث الأمر فيه محمول على الندب، جمعا بينه وبين ما أطلق. ~~وقد يجاب بأن هذه الزيادة لا تخالف ما لم تذكر فيه من الأحاديث، وهي معمول ~~بها إذا كمل فيها شروط جواز العمل بالرواية، فكان الظاهر قول من أوجب، ~~ويتفرع على الخلاف ما إذا تلفت ولم يشهد عليها، فعند أبي حنيفة يضمن؛ لأنه ~~يصير في حكم خيانة الوديعة، والوديع مع الخيانة تكون يده يد غصب فيضمن وإن ~~لم يجن (أ) ولم يفرط. والله أعلم. PageV06P466 # وقوله: "وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء". فيه دلالة على أنه يملك ~~الملتقط من دون أن يتملك بعد مضي المدة. # 772 - وعن عبد الرحمن بن عثمان التيمي رضي الله عنه أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن لقطة الحاج. رواه مسلم (¬1). # هو عبد الرحمن بن عثمان التيمي القرشي، وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله، ~~صحابي، وقيل: إنه أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم - وليست له رواية. وأسلم ~~يوم الحديبية، وقيل: يوم الفتح. وقتل مع ابن الزبير في يوم واحد. روى عنه ~~ابناه معاذ وعثمان، ومحمد بن المنكدر وأبو سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن ~~المسيب (¬2). # الحديث فيه دلالة على أنه لا تلتقط ضالة الحاج، وظاهره ولو كان في الجبل ~~أو في غيره، وقد حكى الماوردي في "الحاوي" وجها للشافعية في عرفة أنها ~~تلتحق بحكم مكة؛ لأنها تجمع الحاج بمكة، ولم يرجح شيئا. وليس ذلك الوجه ~~مذكورا في "الروضة" ولا في أصلها، والظاهر أن المراد به اللقطة في مكة؛ ~~لتطابق الحديث الصحيح الوارد في ذلك كما تقدم في الحج من حديث أبي هريرة ~~(¬3)، والحديث هذا ms1340 تأوله الجمهور بأن المراد النهي عن التقاط ذلك للتملك، ~~وأما للإنشاد بها فيحل كما في رواية: "ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد". وكما ~~تقدم في حديث أبي هريرة. قالوا: وإنما اختصت لقطة الحاج بذلك؛ لإمكان ~~إيصالها إلى أربابها، لأنها إن كانت لمكي PageV06P467 # فظاهر، وإن كانت لآفاقي فلا يخلو أفق غالبا من وارد منه إليها، فإذا عرفها # واجدها في كل عام سهل التوصل إلى معرفة صاحبها. قاله ابن بطال (¬1). # وقال أكثر المالكية وبعض الشافعية: هي كغيرها من البلاد، وإنما تختص مكة ~~بالمبالغة في التعريف، لأن الحاج يرجع إلى بلده وقد لا يعود، فاحتاج ~~الملتقط إلى المبالغة في التعريف. و [قد] (أ) قيل: إن لقطة مكة تختص بأن ~~واجدها لا يتملكها أبدا وإن لم يجد مالكها، ويجب عليه التصدق بها. ويكون ~~الغرض من هذا التشديد قطع طمع الملتقط في تملكها؛ لأنه ربما يدخله طمع في ~~تملكها من أول الأمر لبعد معرفة صاحبها، فنهي عن الالتقاط ثم أبيح للمنشد. # 773 - وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ألا لا يحل ذو ناب من السباع، ولا الحمار الأهلي، ولا ~~اللقطة من مال معاهد إلا أن يستغنى عنها". رواه أبو داود (¬2). # الحديث سيأتي الكلام في تحريم ذي الناب وما عطف عليه في باب الأطعمة (¬3). # وقوله: "ولا اللقطة من مال المعاهد". فيه دلالة على أن اللقطة من مال ~~المعاهد كاللقطة من مال السلم، إلا أنه يقال: اللقطة مجهولة المالك، فهي ~~عند الالتقاط لا يعلم من مال من هي. ولعله يستقيم لو التقطت في محل PageV06P468 # غالب أهله أو جميعهم معاهدون. # وقوله: "إلا أن يستغنى عنها". متأول بلقطة الحقير الذي لا يطلبه صاحبه ~~كما تقدم الكلام في التمرة وما شابهها، أو محمول الاستغناء على عدم معرفة ~~مالكها بعد التعريف بها، وسبب عدم المعرفة بحسب الأغلب هو استغناء صاحبها ~~عنها فلم يطلبها، وإن كان عدم الطلب قد يكون مع الحاجة إليها وعدم التمكن ~~من الطلب، والمحوج إلى التأويل ما تقرر من ms1341 عمومات الأدلة لتحريم مال ~~المعاهد كمال المسلم. والله أعلم. # فائدة: قال النووي في "شرح المهذب" (¬1): اختلف العلماء فيمن يمر ببستان ~~أو زرع أو ماشية؛ فقال الجمهور: لا يجوز أن يأخذ منه شيئا إلا في حال ~~الضرورة فيأخذ، ويغرم عند الشافعي (ح) والجمهور. وقال بعض السلف: لا يلزمه ~~شيء. وقال أحمد: إذا لم يكن على البستان حائط جاز له الأكل من الفاكهة ~~الرطبة في أصح الروايتين ولو لم يحتج لذلك. وفي الأخرى: إذا احتاج. ولا ~~ضمان عليه في الحالين. وعلق الشافعي القول بذلك على صحة الحديث. قال ~~البيهقي (¬2): فعلى حديث ابن عمر مرفوعا: "إذا مر أحدكم بحائط فليأكل ولا ~~يتخذ [خبنة] " (ب). أخرجه الترمذي (¬3) واستغربه. قال البيهقي: لم يصح وجاء ~~من أوجه أخر غير قوية. PageV06P469 # قال المصنف (¬1) رحمه الله تعالى: والحق أن مجموعها لا يقصر عن درجة ~~الصحيح، وقد احتجوا في كثير من الأحكام بما هو دونها، وقد بينت ذلك في ~~كتابي "المنحة فيما علق الشافعي القول به على الصحة". انتهى. # وروى الإمام المهدي في "البحر" عن الإمام يحيى أن سواقط الثمار إن جرت ~~عادة أهلها بإباحتها جاز أخذها، إذ للعرف تأثير في مثل ذلك. انتهى. وأخرج ~~مسلم (¬2) عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه، أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته فتكسر ~~خزانته فينقل (أ) طعامه؟ فإنما تخزن عليهم ضروع مواشيهم أطعمتهم، فلا يحلبن ~~أحد ماشية أحد إلا بإذنه". وقد أخرج نحوه البخاري (¬3). قال ابن عبد البر ~~(¬4): في الحديث النهي عن أن يأخذ المسلم للمسلم شيئا إلا بإذنه. وإنما خص ~~اللبن بالذكر لتساهل الناس فيه، فنبه به على ما هو أولى منه، وبهذا أخذ ~~الجمهور، لكن سواء كان بإذن خاص أو إذن عام، واستثنى كثير من السلف ما إذا ~~علم طيب نفس صاحبه وإن لم يقع منه إذن خاص ولا عام، وذهب كثير منهم إلى ~~الجواز مطلقا في الأكل والشرب سواء علم طيب نفسه أم لم يعلم، والحجة ms1342 لهم ما ~~أخرجه أبو داود والترمذي (¬5) وصححه من PageV06P470 # رواية الحسن عن سمرة مرفوعا: "إذا أتى أحدكم على ماشية، فإن لم يكن ~~صاحبها فيها فليصوت ثلاثا، فإن أجاب فليستأذنه، فإن أذن له، وإلا فليحلب ~~وليشرب ولا يحمل". إسناده صحيح إلى الحسن، ومن صحيح سماعه من سمرة صححه، ~~ومن لا أعله بالانقطاع. وأجيب عنه بأن حديث النهي أصح، لكن له شواهد، من ~~أقواها حديث أبي سعيد مرفوعا: "إذا أتيت على راع فناده ثلاثا، فإن أجابك، ~~وإلا فاشرب من غير أن تفسد، وإذا أتيت على حائط بستان" وذكر مثله. أخرجه ~~ابن ماجة والطحاوي، وصححه ابن حبان والحاكم (¬1). وأجيب عنه بأن حديث النهي ~~أصح، فهو أولى بأن يعمل به، وبأنه معارض للقواعد القطعية في تحريم مال ~~المسلم بغير إذنه، فلا يلتفت إليه. ومنهم من جمع بين الحديثين بوجوه، منها ~~حمل الإذن على ما إذا علم طيب نفس صاحبه، والنهي على ما إذا لم يعلم، ومنها ~~تخصيص الإذن بابن السبيل دون غيره، أو بالمضطر، أو بحالة المجاعة مطلقا، ~~وهي متقاربة. وحكى ابن بطال (¬2) عن بعض شيوخه أن حديث الإذن كان في زمنه - ~~صلى الله عليه وسلم -، وحديث النهي أشار به إلى ما يكون بعده من التشاح ~~وترك المواساة. ومنهم من حمل حديث النهي على ما إذا كان المالك أحوج من ~~المار، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: بينما نحن مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في سفر إذ رأينا إبلا مصرورة (¬3) فثبنا إلها، فقال لنا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذه الإبل لأهل بيت من المسلمين هو ~~قوتهم، أيسركم لو رجعتم إلى PageV06P471 # مزاودكم فوجدتم ما فيها قد ذهب؟ ". قلنا: لا. قال: "فإن ذلك كذلك". # أخرجه أحمد وابن ماجة (¬1) واللفظ له. وحديث أحمد: فابتدرها القوم ~~ليحلبوها. قالوا: فيحمل حديث الإذن على ما إذا كانت غير مصرورة، والنهي على ~~ما إذا كانت مصرورة، لهذا الحديث. لكن وقع عند أحمد في آخره: "فإن كنتم لا ~~بد فاعلين فاشربوا ولا تحملوا". فدل على عموم الإذن في ms1343 [المصرور] (أ) وغيره ~~ولكن بشرط عدم الحمل، ولابد منه. واختار ابن العربي (¬2) الحمل على العادة، ~~قال: وكانت عادة أهل الحجاز والشام وغيرهم المسامحة في ذلك بخلاف بلدنا. ~~قال (¬3): و [رأى] (ب) بعضهم أن مهما كان على [طريق] (ج) لا يعدل [إليه] ~~(د) ولا يقصد، جاز للمار الأخذ منه. وفيه إشارة إلى قصر ذلك على المحتاج، ~~وأشار أبو داود في "السنن" إلى قصر ذلك على المسافر في الغزو، وآخرون إلى ~~قصر الإذن على ما إذا كان لأهل الذمة، والنهي على ما كان للمسلمين، واستأنس ~~بما شرط الصحابة لأهل الذمة من الضيافة للمسلمين، وصح ذلك عن عمر (¬4)، ~~وذكر ابن وهب عن مالك في المسافر ينزل بالذمي قال: لا يأخذ منه إلا بإذنه. ~~قيل له: فالضيافة التي PageV06P472 # جعلت عليهم؟ قال: كانوا يومئذ يخفف عنهم بسببها وأما الآن فلا. وجنح ~~بعضهم إلى نسخ الإذن، وحملوه على أنه كان قبل إيجاب الزكاة. قالوا: وكانت ~~الضيافة حينئذ واجبة ثم [نسخ ذلك بفرض الزكاة. قال الطحاوي (¬1): وكان ذلك ~~حين كانت الضيافة واجبة، ثم] (أ) نسخت فنسخ ذلك الحكم. وأورد الأحاديث في ~~ذلك. والله أعلم. PageV06P473 ### || AUTO باب الفرائض # الفرائض جمع فريضة كحديقة وحدائق، والفريضة فعيلة بمعنى مفعولة، مأخوذة ~~من الفرض وهو القطع، يقال: فرضت لفلان كذا. أي قطعت له شيئا من المال. قاله ~~الخطابي (¬1). وقيل: هو من فرض القوس، وهو الحز (أ) الذي في [طرفيه] (5) ~~حيث يوضع الوتر ليثبت فيه ويلزمه ولا يزول. وقيل: الثاني خاص بفرائض الله ~~سبحانه، وهي ما ألزم به عباده؛ لمناسبته لمعنى اللزوم لما كان الوتر يلزم ~~محله. وقال الراغب (¬2): الفرض قطع الشيء الصلب والتأثير فيه. وخصت ~~المواريث باسم الفرائض، من قوله تعالى: {نصيبا مفروضا} (¬3). أي {مقدرا} ~~(ج)؛ [أو] (د) معلوما أو مقطوعا عن غيرهم. # وقد ورد في الحث على تعلم الفرائض أحاديث، منها عن ابن مسعود رفعه: ~~"تعلموا الفرائض وعلموها الناس، فإني امرؤ مقبوض، وإن العلم سيقبض، حتى ~~يختلف الاثنان في الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما". أخرجه أحمد والترمذي ~~والنسائي وصححه الحاكم ms1344 (¬4)، ورواته موثقون، إلا PageV06P475 # أنه اختلف فيه على عوف (أ) الأعرابي اختلافا كثيرا؛ فقال الترمذي: إنه ~~مضطرب. والاختلاف عنه أنه جاء عنه من طريق ابن مسعود، وجاء عنه من طريق أبي ~~هريرة (¬1): "تعلموا الفرائض فإنها نصف العلم، وإنه أول ما ينزع من أمتي". ~~وأخرج الطبراني (¬2) عن أبي بكرة رفعه: "تعلموا القرآن والفرائض وعلموه ~~الناس، أوشك أن يأتي على الناس زمان يختصم الرجلان في الفريضة فلا يجدان من ~~يفصل بينهما". أخرجه من طريق راشد الحماني (¬3) وهو مقبول، لكن الراوي عنه ~~مجهول. وعن أبي سعيد الخدري (¬4) بلفظ: "تعلموا الفرائض وعلموها الناس". ~~وفي لفظ عنه: تعلموا الفرائض فإنها من دينكم (¬5). وعن ابن مسعود (¬6) ~~موقوفا أيضا: من قرأ القرآن فليتعلم الفرائض. ورجالها ثقات، إلا أن في ~~أسانيدها انقطاعا. قال ابن الصلاح (¬7): لفظ النصف في هذا الحديث بمعنى أحد ~~القسمين وإن لم يتساويا. وقد قال ابن عيينة إذ سئل عن ذلك: لأنه يبتلى به ~~كل الناس. PageV06P476 # وقال غيره: لأن لهم حالين، حال الحياة وحال الموت، والفرائض تتعلق بأحكام ~~الموت؛ [وقيل] (أ): لأن الأحكام تتلقى من النصوص ومن القياس، والفرائض لا ~~تتلقى إلا من النصوص. ولذلك البخاري (¬1) ذكر في باب تعلم الفرائض حديث أبي ~~هريرة مرفوعا: "إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث". وأورد قول عقبة بن ~~عامر (¬2): تعلموا قبل الظانين. يعني الذين يتكلمون بالظن، وفيه إشعار بأن ~~أهل ذلك العصر كانوا يقفون عند النصوص ولا يتجاوزونها. وقد روي عن أبي بكر ~~التحير في تفسير الكلالة، وكذا عن ابن مسعود (¬3) في ميراث الجد، وغيرهما. ~~وقال جماعة من العلماء بجواز الرأي في الفرائض في بعض المسائل التي لم يرد ~~فيها نص، وهو قليل. قال ابن المنير (¬4): الغالب في الفرائض التعبد وانحسام ~~وجوه الرأي. # 774 - عن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألحقوا ~~الفراض بأهلها، فما بقي فهو لأولى رجل ذكر". متفق عليه (¬5). # قوله: "ألحقوا الفرائض بأهلها". المراد بالفرائض هنا الأنصباء المقدرة في ~~كتاب الله العزيز؛ وهي النصف ونصفه ونصف نصفه، والثلثان PageV06P477 # ونصفهما ونصف نصفهما، والمراد ms1345 بأهلها: من يستحقها بنص كتاب الله تعالى، ~~ووقع في رواية عن ابن طاوس: "اقسموا المال بين أهل الفرائض على كتاب الله ~~تعالى" (¬1). لم أي على وفق ما أنزل الله في كتابه. # وقوله: "فما بقي". وقع في رواية روح بن القاسم: "فما تركت" (¬2). # أي: أبقت. # وقوله: "لأولى". علي زنة أفعل تفضيل، كذا في رواية الكشميهني للبخاري، ~~وهو مشتق من الولي يعني القرب، أي لمن يكون أقرب في النسب إلى الموروث، ~~وليس المراد هنا الأحق، وقد حكى عياض (¬3) أن في بعض روايات مسلم: "فهو ~~لأدنى". بدال ونون وهو بمعنى الأقرب. قال الخطابي (¬4): المعنى أقرب رجل من ~~العصبة. وقال ابن بطال (¬5): المراد ب "أولى رجل" أن الرجال من العصبة بعد ~~أهل الفروض إذا كان فيهم من هو أقرب إلى الميت استحق دون من هو أبعد، فإن ~~استووا اشتركوا، ولم يقصد في هذا الحديث من يدلي بالآباء والأمهات مثلا، ~~لأنه ليس فيهم من هو أولى من غيره إذا استووا في المنزلة. كذا قال (¬6). # وقال ابن التين (¬7): المراد به العمة مع العم، وبنت الأخ مع ابن الأخ، ~~وبنت العم مع ابن العم، وخرج من ذلك الأخ والأخت لأبوين أو لأب، فإنهم ~~يرثون بنص قوله تعالى: {وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فللذكر مثل PageV06P478 # حظ الأنثيين} (¬1). ويستثنى من ذلك من يحجب كالأخ للأب مع البنت والأخت ~~لأبوين، وكذا يخرج الأخ والأخت للأم بقوله تعالى: {فلكل واحد منهما السدس} ~~(¬2). وقد نقل الإجماع على أن المراد بها الإخوة من الأم (¬3). # وقوله: "رجل ذكر". هكذا في جميع الروايات، ووقع في كتب الفقهاء كصاحب ~~"النهاية" وتلميذه الغزالي (¬4): "فلأولى عصبة ذكر". قال ابن الجوزي (¬5) ~~والمنذري (¬6): هذه اللفظة ليست محفوظة. وقال ابن الصلاح (6): فيها بعد عن ~~الصحة من حيث اللغة فضلا عن الرواية؛ فإن العصبة في اللغة اسم للجمع لا ~~للواحد. كذا قال. # قال المصنف رحمه الله (6): والذي يظهر أن العصبة اسم جنس يقع على الواحد ~~وأكثر، وقد جاء في رواية أبي هريرة في غير هذا الحديث: "فإلى العصبة من ~~كان" (¬7). فالظاهر الإفراد، ms1346 ووصف الرجل بأنه ذكر زيادة في البيان. قال ~~الخطابي (¬8): فائدته ليعلم أن العصبة إذا كان عما أو ابن عم مثلا وكان معه ~~أخت له، أن الأخت لا ترث، ولا يكون المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين. ~~ويقال: هذه الفائدة تحصل من لفظ "رجل" وحده. وقال ابن PageV06P479 # التين (¬1): إنه للتوكيد، ومثله: "ابن لبون ذكر" (¬2). ورده القرطبي (1) ~~بأن العرب حيث توكد تفيد فائدة؛ إما تعين المعني في النفس، وإما رفع توهم ~~المجاز، وليس ذلك موجودا هنا. وقال غيره: هذا التوكيد [لمتعلق] (أ) الحكم ~~وهو الذكورة؛ لأن الرجل قد يراد به معنى النجدة والقوة في الأمر، وقد حكى ~~سيبويه (¬3): مررت برجل رجل أبوه. ولهذا احتاج إلى ذكر "ذكر" حتى لا يظن أن ~~المراد به خصوص البالغ. وقيل: خشية أن يظن ب "رجل" معنى الشخص، فيعم الذكر ~~والأنثى. وقال ابن العربي (1): فائدته هو أن الإحاطة باليراث جميعه إنما ~~تكون للذكر لا للأنثى، وأما البنت المنفردة فأخذها للمال جميعه بسببين هو ~~الفرض والرد. وقيل: احترز به عن الخنثى. وقيل: للاعتناء (5) بالجنس. وقيل: ~~للإشارة إلى الكمال في ذلك كما يقال: امرأة أنثى. وقيل: لنفي توهم اشتراك ~~الأنثى معه لئلا يحمل على التغليب كما في حديث: "من وجد متاعه عند رجل" ~~(¬4). وحديث: "من أعتق شركا له في عبد" (¬5). وحديث: "أيما رجل ترك مالا" ~~(¬6). وقيل: للتنبيه على سبب الاستحقاق بالعصوبة وسبب الترجيح في الإرث ~~-ولهذا جعل للذكر PageV06P480 # مثل حظ الأنثيين- وذلك أن الرجال تلحقهم المؤن؛ [كالقسامة] (أ)، ~~والضيافة، [وإرفاد القاصدين] (ب)، ومواساة السائلين، وتحمل الغرامات، وغير ~~ذلك. كذا قال النووي (¬1) تبعا للقاضي، وأصله للمازري، فإنه قال ما معناه: ~~أتى ب "ذكر" هنا وفي الزكاة: "ابن لبون ذكر"؛ لأن الرجال هم [القائمون] (ج) ~~بالأمور، وترى لهم العرب ما لا ترى للنساء، فأتى ب "ذكر" للعلة التي لأجلها ~~اختص بذلك وإن اشتركا في النسب (د)، وفي ابن اللبون بعكس ذلك وهو [أنه] (ه) ~~جعل السن الأعلى في مقام السن الأسفل لوجود العلة لم التي اقتضت نقص السن ~~الأعلى -وهي الذكورية- حتى صارت ms1347 في محل السن الأسفل. وقال السهيلي: جعل ~~"ذكر" صفة للرجل إخراج لكلام من أوتي جوامع الكلم عن البلاغة، وذلك لعدم ~~الفائدة (و)؛ لأن الرجل لا يكون إلا ذكرا، وكلامه أجل من أن يشتمل على حشو ~~لا فائدة فيه ولا يتعلق به حكم، وكان يلزم منه خروج الطفل الذي لم يبلغ سن ~~الرجولية، والإجماع أن الصغير كالكبير، فقوله: "ذكر". صفة ل " أولى" لا ل ~~"رجل"، ف "لأولى" أريد به القريب إلى الميت، و"رجل" المضاف إليه أريد به ~~الصلب؛ أي الذي قرابته من جهة الصلب؛ لأن الصلب لا يكون إلا PageV06P481 # رجلا، فكأنه قال: الأقرب الذي قربه من جهة الرجال. فيخرج الأقرب الذي ~~قربه من جهة الأم كالخال، فإنه قربه من حيث البطن والرحم، وخرج بالوصف ~~بقوله: "ذكر". الأنثى وإن كانت مدلية إلى الميت من قبل صلب كالعمة، ولفظ ~~أفعل لا يراد به التفضيل، والمراد به الولي، كأنه قال: ولي ميت من جهة ~~الصلب ذكر، لا ولي ميت من جهة البطن، ولا من جهة الصلب أنثى. هذا حاصل ما ~~ذكره السهيلي. ثم قال: فيكون في هذا الكلام الموجز من المتانة وكثرة ~~المعاني ما ليس في غيره، فالحمد لله الذي وفق وأعان. انتهى. وجرى عليه ~~الكرماني في "شرحه على البخاري" (¬1). # قال النووي (¬2): أجمعوا على أن الذي يبقى بعد الفروض للعصبة يقدم الأقرب ~~فالأقرب، فلا يرث عاصب بعيد مع عاصب قريب، والعصبة كل ذكر يدلي بنفسه ~~بالقرابة ليس بينه وبين الميت أنثى، فمتى انفرد (أ) أخذ المال جميعه، وإن ~~كان مع ذوي فروض غير مستغرقين أخذ ما بقي، وإن كان مع مستغرقين فلا شيء له. # قال القرطبي: وأما تسمية الأخت مع البنت عصبة فعلى سبيل التجوز؛ لأنها ~~لما كانت في هذه المسألة تأخذ ما فضل عن البنت أشبهت العاصب. # قال الطحاوي (¬3): استدل قوم -يعني ابن عباس ومن تبعه- بحديث ابن عباس ~~على أن من خلف بنتا وأخا شقيقا وأختا شقيقة، أن للبنت النصف PageV06P482 # وما بقي فللأخ دون الأخت، وطردوا ذلك فيما لو كان مع [الأخت الشقيقة] ms1348 (أ) ~~عصبة غير الأخ، فقالوا: لا شيء لها مع البنت. واحتجوا أيضا (ب) بظاهر قوله ~~تعالى: {إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك} (¬1). قالوا: فمن ~~أعطى الأخت مع البنت فقد خالف ظاهر (ج) القرآن. قال: واستدل عليهم بالاتفاق ~~على أن من ترك بنتا وابن ابن وبنت ابن، أن للبنت النصف وما بقي بين ابن ~~الابن وبنت الابن، ولم يخصوا ابن الابن بما بقي. # قال: فعلم أن حديث ابن عباس مخصوص بما إذا ترك بنتا وعما وعمة، أن الباقي ~~للعم دون العمة إجماعا، فاقتضى النظر ترجيح إلحاق الأخت مع الأخ بالابن ~~والبنت لا بالعم والعمة، لأن الميت لو لم يترك إلا أخا وأختا شقيقين (د) ~~فالمال بينهما، وكذلك لو ترك ابن ابن وبنت ابن، بخلاف ما لو ترك عما وعمة، ~~فإن المال كله للعم دون العمة باتفاقهم. # قال: وأما الجواب عما احتجوا به من الآية فهو أنهم أجمعوا على أن الميت ~~لو ترك بنتا وأخا لأب كان للبنت النصف وما بقي للأخ، وأن معنى قوله تعالى: ~~{ليس له ولد}. إنما هو ولد يحوز المال كله لا الولد الذي لا يحوز، وأقرب ~~العصبات البنون، ثم بنوهم وإن سفلوا، ثم الأب، ثم الجد PageV06P483 # والأخ إذا انفرد واحد منهما -فإن اجتمعا فسيأتي حكمه- ثم بنو الإخوة، ثم ~~بنوهم وإن سفلوا، ثم الأعمام، ثم بنوهم وإن سفلوا، ومن أدلى بأبوين [يقدم ~~على من أدلى بأب، لكن يقدم الأخ من الأب على ابن الأخ من الأبوين؛ ويقدم ~~ابن أخ لأب على عم لأبوين، ويقدم عم لأب على ابن عم لأبوين] (أ). # واستدل البخاري بالحديث على أن الجد يرث جميع المال إذا لم يكن دونه أب، ~~وعلى أن الأخ من الأم إذا كان ابن عم يرث بالفرض والتعصيب (¬1). والله أعلم. # 775 - وعن أسامة بن زيد رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "لا "يرث المسلم الكافر، ولا يرث (ب) الكافر المسلم". متفق عليه (¬2). # قوله: "لا يرث المسلم الكافر".برفع المسلم على ms1349 أنه الوارث في الجملة ~~الأولى، وبرفع الكافر في الجملة الثانية، والحديث ذهب إليه الجمهور من أهل ~~العلم وأخذوا بعمومه إلا ما جاء عن معاذ قال: يرث المسلم من الكافر من غير ~~عكس. واحتج بأنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الإسلام يزيد ~~ولا ينقص". [وهو حديث] (ج) أخرجه أبو داود وصححه الحاكم من طريق PageV06P484 # يحيى بن يعمر عن أبي الأسود الديلي عنه (¬1)، قال الحاكم: صحيح الإسناد. ~~[وتعقب] (أ) بالانقطاع بين أبي الأسود ومعاذ، ولكن سماعه منه ممكن. وقد زعم ~~الجوزقاني (ب) أنه باطل (¬2)، وهي مجازفة، وقال القرطبي (2) في "المفهم": ~~هو كلام يحكى ولا يروى. كذا قال، ويجاب عنه بأنه قد رواه من تقدم، فكأنه ما ~~وقف على ذلك. # وأخرج أحمد بن منيع (¬3) بسند قوي عن معاذ أنه كان يورث المسلم من الكافر ~~من غير عكس. وأخرج مسدد (¬4) عنه أن أخوين اختصما إليه -مسلم ويهودي- مات ~~أبوهما يهوديا، فحاز ابنه اليهودي ماله، فنازعه المسلم، فورث معاذ المسلم. ~~وأخرج عبد الله بن أبي شيبة (¬5) من طريق عبد الله بن [معقل] (ج) قال: ما ~~رأيت قضاء أحسن من قضاء معاوية؛ نرث أهل الكتاب ولا يرثونا، كما يحل لنا ~~النكاح فيهم ولا يحل لهم. وبه قال مسروق وسعيد بن المسيب وإبراهيم النخعي ~~وإسحاق. # وأجاب الجمهور أنه قياس في معارضة النص وهو صريح في المراد ولا قياس مع ~~وجوده، وأما الحديث فدلالته على أنه يفضل غيره من سائر PageV06P485 # الأديان، ولا يزال يزداد، ولا ينقص في وقت من الأوقات، ولا تعلق له ~~بالإرث، وقد عارضه قياس آخر وهو أن التوارث متعلق بالولاية، ولا ولاية بين ~~المسلم والكافر؛ لقوله تعالى: {لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم ~~أولياء} (¬1). وذهب إلى ما ذهب إليه معاذ الإمامية والناصر، والحجة عليهم ما مر. # وقوله: "ولا ورث الكافر المسلم". وهذا مجمع عليه (¬2). # 776 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه في بنت وبنت ابنن وأخت: قضى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - للابنة النصف، ولابنة الابن السدس تكملة الثلثين، وما ~~بقي فللأخت. رواه ms1350 البخاري (¬3). # الحديث فيه دلالة على توريث الأخت للباقي، وهذا مجمع عليه. # ورجع أبو موسى لما أفتى بأن للأخت النصف، ثم أمر السائل له أن يسأل ابن ~~مسعود، فقضى ابن مسعود بقضاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال أبو موسى: ~~لا تسألوني ما دام هذا الحبر فيكم. وفي رواية النسائي (¬4): جاء رجل إلى ~~أبي موسى الأشعرى وهو الأمير وإلى [سلمان] (ح) بن ربيعة الباهلي فسألهما، ~~وكان [سلمان] قاضيا على الكوفة، وكانت هذه القصة في زمن عثمان؛ لأنه PageV06P486 # الذي أمر أبا موسى على الكوفة، وكان ابن مسعود قبل ذلك أميرا، ثم عزل قبل ~~ولاية أبي موسى عليها بمدة. قال ابن بطال (¬1): يؤخذ منها أن للعالم أن ~~يجتهد إذا ظن أن لا نص في المسألة، ولا يترك الجواب إلى أن يبحث عن ذلك، ~~وأن الحجة عند التنازع هي السنة فيجب الرجوع إليها، وفي كلام أبي موسى ~~دلالة على ما كانوا عليه من الإنصاف والاعتراف بالحق والرجوع إليه وشهادة ~~بعضهم لبعض بالعلم والفضل، وكثرة اطلاع ابن مسعود على السنة، وتثبت أبي ~~موسى في الفتيا حيث دل على من ظن أنه أعلم منه. # قال (¬2): ولا خلاف بين الفقهاء فيما رواه ابن مسعود، وفي جواب أبي موسى ~~إشعار بأنه رجع عما قاله. # وقال ابن عبد البر (¬3): لم يخالف في ذلك إلا أبو موسى و [سلمان] بن ~~ربيعة الباهلي، وقد رجع أبو موسى عن ذلك، ولعل [سلمان] أيضا رجع كأبي موسى. # و [سلمان] المذكور مختلف في صحبته، وله أثر في فتوح العراق أيام عمر ~~وعثمان، واستشهد في زمن عثمان، وكان يقال له: [سلمان] الخيل. # لمعرفته بها. # وقوله: الحبر. بفتح المهملة وبكسرها أيضا وسكون الموحدة، حكاه الجوهري ~~(¬4) ورجح الكسر، وجزم الفراء بأنه بالكسر وقال: سمي باسم الحير PageV06P487 # الذي يكتب به. وقال أبو عبيد الهروي (¬1): هو العالم بتحبير الكلام ~~وتحسينه، وهو بالفتح في رواية جميع المحدثين، وأنكر أبو الهيثم الكسر. وقال ~~الراغب (¬2): يسمى العالم حبرا لما يبقى من أثر علومه. # 777 - وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه ms1351 قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا يتوارث أهل ملتين". رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي (¬3)، ~~وأخرجه الحاكم بلفظ أسامة (¬4)، وروى النسائي (¬5) حديث أسامة بهذا اللفظ. # الحديث، ورواه ابن حبان من حديث ابن عمر في حديث (¬6)، ومن حديث جابر ~~رواه الترمذي (¬7) [واستغربه] (أ) وفيه ابن أبي ليلى، وأخرجه البزار (¬8) ~~من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة بلفظ: "لا تورث ملة من ملة". وفيه PageV06P488 # عمر بن راشد (¬1)، قال (¬2): إنه تفرد به، وهو لين الحديث، ورواه النسائي ~~والحاكم والدارقطني بهذا اللفظ من حديث أسامة بن زيد (¬3)، وقال الدارقطني ~~(2): هذا اللفظ في حديث أسامة غير محفوظ. وأخرجه المزي في "الأطراف" (¬4) ~~من جميع رواياته عن أسامة: "لا يتوارث أهل [ملتين] (أ) ". # والحديث فيه دلالة على أنه لا يتوارث أهل ملتين، وظاهره العموم في اختلاف ~~الملتين، سواء كان بإسلام وغيره، أو بين ملتين كفريتين -وقد ذهب إليه ~~الأوزاعي وهو مذهب الهدوية- وحملها الجمهور على أن المراد بإحدي الملتين ~~الإسلام وبالأخرى الكفر، وقد يستأنس لهذا التأويل بما ذكره الرافعي، قال: ~~وقد روي في بعض الروايات: "لا يتوارث أهل ملتين، لا يرث المسلم الكافر". ~~فجعل الجملة الثانية بيانا للأولى. كذا حكاه المصنف في "التلخيص" (2) ولم ~~يتكلم في الرواية. # والأصح عند الشافعية أن الكافر يرث الكافر، وهو قول الحنفية والأكثر، ~~ومقابله عن مالك وأحمد، وعنه التفرقة بين الحربي والذمي، وكذا عند ~~الشافعية، وعن (ب) أبي حنيفة: لا يورث حربي من ذمي، PageV06P489 # فإن كانا (أ) حربيين شرط أن يكونا من دار واحدة. وعند الشافعية لا فرق، ~~وعندهم وجه كالحنفية، وعن الثوري وربيعة وطائفة: الكفر ثلاث ملل؛ يهودية ~~ونصرانية وغيرهم، فلا يرث ملة من هذه من ملة من الملتين. وعن طائفة من أهل ~~المدينة والبصرة: كل فريق من الكفار ملة. فلم يورثوا مجوسيا من وثني ولا ~~يهوديا من نصراني، وهو قول الأوزاعي، وبالغ فقال: ولا يرث أهل نحلة (ب) من ~~دين واحد أهل نحلة (ب) أخرى، كاليعقوبية والملكية من النصارى. # واختلف في المرتد، فقال الشافعي وأحمد: يصير ماله إذا مات ms1352 فيئا للمسلمين. ~~وقال مالك: يكون فيئا إلا أن يقصد بردته أن يحرم ورثته المسلمين فيكون لهم. ~~وكذا قال في الزنديق، وعن أبي يوسف ومحمد - وهو قول الهادي - أنه يكون ~~لورثته المسلمين. وعن أبي حنيفة: ما كسبه قبل (ج) الردة فهو (د) لورثته ~~المسلمين، وبعد الردة لبيت المال. وعن بعض التابعين (ه وعلقمة ه): يستحقه ~~أهل الدين الذي انتقل إليه. وعن داود: يختص بورثته من أهل الدين الذي انتقل ~~إليه. ولم يفصل (و) والحاصل من ذلك ستة أقوال. PageV06P490 # واحتج القرطبي في "المفهم" (¬1) على أن الكفر ملل بقوله تعالى: {لكل ~~جعلنا منكم شرعة ومنهاجا} (¬2). فهي ملل متعددة وشرائع مختلفة. قال: وأما ~~ما احتجوا به من قوله تعالى: {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ~~ملتهم} (¬3). فوحد الملة، فلا حجة فيه لأن الموحدة في اللفظ وفي المعنى ~~يراد به الكثرة، لأنه أضافه إلى مفيد الكثرة كقول القائل: خذ عن علماء ~~الدين علمهم. يريد علم كل واحد منهم. # قال: واحتجوا بقوله تعالى: {قل ياأيها الكفرون} إلى آخرها. # والجواب: أن الخطاب بذلك وقع لكفار قريش وهم أهل دين واحد. وأما ما ~~أجابوا به عن حديث: "لا يتوارث أهل ملتين". بأن المراد ملة الكفر وملة ~~الإسلام، فالجواب عنه بأنه إذا صح في حديث أسامة فمردود [في حديث] (أ) غيره. # واستدل بقوله: "لا يرث الكافر المسلم". على جواز تخصيص عموم الكتاب ~~بالآحاد، لأن قوله تعالى: {يوصيكم الله في أولادكم} (¬4). عام في الأولاد، ~~فخص منه الولد الكافر فلا يرث من المسلم بالحديث المذكور. وأجيب بأن المنع ~~حصل بالإجماع، وخبر الواحد إذا حصل الإجماع على PageV06P491 # وفقه كان التخصيص بالإجماع لا بالخبر فقط. انتهى. وأقول: القول بتخصيص ~~الآحاد لعموم الكتاب هو القول الراجح، ولا يلزم منه تقديم المظنون على ~~المقطوع؛ لأنه وإن كان قطعي المتن فهو ظني الدلالة، وخبر الواحد الخاص قطعي ~~الدلالة ظني المتن، فيتعادلان، ويترجح التخصيص به، لأن في ذلك جمعا بين ~~الدليلين، وفي تركه إهدار لدليل (¬1). والله أعلم. # 778 - وعن عمران بن الحصين رضي الله عنه ms1353 قال: جاء رجل إلى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: إن ابن ابني مات فما لي من ميراثه؟ فقال: "لك ~~السدس". فلما ولى دعاه فقال: "لك سدس آخر". فلما ولى دعاه فقال: "إن السدس ~~الآخر طعمة". رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي (¬2)، وهو من رواية الحسن ~~البصري عن عمران. # وقيل: إنه لم يسمع منه. قال ابن المديني وأبو حاتم الرازي (أ) (¬3): إن ~~الحسن لم يسمع من عمران. قال قتادة: لا ندري مع أي شيء ورثه. وقال: أقل شيء ~~ورث الجد السدس. # وصورة هذه المسألة أنه ترك الميت بنتين وهذا السائل، فللبنتين الثلثان، PageV06P492 # فبقي ثلث، فدفع النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى السائل سدسا بالفرض ~~لأنه جد الميت، ولم يدفع إليه السدس الآخر لئلا يظن أن فرضه الثلث، وتركه ~~حتى ولى -أي ذهب- فدعاه وقال: "لك سدس آخر". فلما ولى دعاه وقال: "إن السدس ~~الآخر -بكسر الخاء- طعمة". [أعلمه أن السدس الثاني طعمة] (أ) له، ومعنى ~~الطعمة هنا أن له ذلك [زائدا] (ب) على السهم المفروض، بالتعصيب لما بقي على ~~الفروض، وما يؤخذ بالتعصيب ليس بلازم كالفرض المقدر. # 779 - وعن ابن بريدة عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل للجدة ~~السدس إذا لم يكن دونها أم. رواه أبو داود والنسائي، وصححه ابن خزيمة وابن ~~الجارود، وقواه ابن عدي (¬1). # الحديث في إسناده عبيد الله العتكي مختلف فيه، وثقه أبو حاتم (¬2) وصححه ~~ابن السكن. # في الحديث دلالة على أن ميراث الجدة السدس، وسواء كانت أم أم أو أم أب، ~~وتشترك فيه الجدتان فأكثر إذا استوين، فإن اختلفن سقط الأبعد من الجهتين ~~بالأقرب، ولا يسقطهن إلا الأم وإلا الأب يسقط من كان من PageV06P493 # جهته، إلا إذا كانت من ذوي الأرحام فلا ترث مع وجود [ذي] (أ) سهم غيرها؛ ~~وذلك كالجدة التي أدرجت أبا بين أمين أو أما بين أبوين فهي ساقطة، مثال ~~الأول: أم أب أم، فبينها وبين الميت أب، وهنا أمان. ومثال الثاني: أما بين ~~أبوين؛ أم أب أم الأب، وذلك ظاهر، ودليل ذلك ms1354 حديث قبيصة بن ذؤيب: لم جاءت ~~الجدة إلى أبي بكر تساله ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء، وما علمت ~~لك في سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس. ~~فسأل الناس، فقال المغيرة: شهدت النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطاها ~~السدس. فقال: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة فقال مثل ما قال المغيرة، ~~فأنفذه لها أبو بكر. الحديث، وفيه قصة عمر. أخرجه مالك وأحمد وأصحاب ~~"السنن" وابن حبان والحاكم (¬1) من هذا الوجه، وإسناده صحيح لثقة رجاله إلا ~~أن صورته مرسل؛ لأن قبيصة لم يصح سماعه من الصديق، وأعله عبد الحق ~~بالانقطاع (¬2). وقال الدارقطني في "العلل" (¬3) بعد أن ذكر الاختلاف فيه ~~على الزهري: يشبه أن يكون الصواب قول مالك ومن تابعه. وذكر القاضي حسين أن ~~التي جاءت إلى الصديق أم الأم، وأن التي جاءت إلى عمر أم الأب. وروي أنه ~~أعطى السدس ثلاث جدات؛ اثنتين من قبل PageV06P494 # الأب وواحدة من قبل الأم. أخرجه الدارقطني (¬1) بسند مرسل. ورواه أبو ~~داود في "المراسيل" (¬2) بسند آخر عن إبراهيم النخعي، والدارقطني، والبيهقي ~~(¬3) من مرسل الحسن أيضا، وذكر البيهقي (¬4) عن محمد بن نصر أنه نقل اتفاق ~~الصحابة والتابعين على ذلك، إلا ما روي عن سعد بن أبي وقاض أنه أنبهر ذلك، ~~ولا يصح إسناده عنه، وقصة عمر أنه جاءته جدة أخرى (أفقال لها أ): ما لك في ~~كتاب الله شيء، وما كان القضاء الذي قضى به إلا لغيرك، وما أنا بزائد في ~~الفرائض شيئا ولكن هو ذاك السدس، فإن [اجتمعتما] (ب) فهو لكما، وأيتكما خلت ~~فهو لها (¬5). # وروى مالك (¬6) أيضا أن الجدتين أتيا إلى أبي بكر، فأراد أن يجعل السدس ~~للتي من قبل الأم، فقال له رجل: أما إنك تترك التي لو ماتت وهو حي كان ~~إياها يرث. فجعل أبو بكر السدس بينهما. وإجماع الصحابة رضي الله عنهم على ~~ذلك (¬7). # 780 - وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال PageV06P495 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الخال وارث من ms1355 لا وارث له". أخرجه ~~أحمد والأربعة سوى الترمذي، وحسنه أبو زرعة الرازي وصححه الحاكم وابن حبان (¬1). # الحديث أعله البيهقي (¬2) بالاضطراب ونقل عن يحيى بن معين أنه كان يقول: ~~ليس فيه حديث قوي. # وفي الباب عن عمر رضي الله عنه. رواه الترمذي (¬3) بلفظ: "الله ورسوله ~~مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له". وعن عائشة رضي الله عنها ~~رواه الترمذي والنسائي (¬4) من حديث طاوس عنها بقصة الخال حسب. وأعله ~~النسائي (¬5) بالاضطراب، ورجح الدارقطني والبيهقي (¬6) وقفه، وقال البزار ~~(أ) (¬7): أحسن إسناد فيه حديث أبي أمامة بن سهل، قال: كتب عمر إلى أبي ~~عبيدة. فذكره. # في الحديث دلالة على توريث الخال وهو من ذوي الأرحام، وكذلك من عداه من ~~ذوي الأرحام، وقد ورد في غيره أحاديث، قوله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الميت PageV06P496 # الخزاعي: "التمسوا له وارثا أو ذا رحم" (¬1). وروي عنه - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من خلف خالته وعمته ولا وارث له سواهما؛ أن للعمة الثلثين وللخالة ~~الثلث" (¬2). # وقد ذهب إلى توريثهم جمع كثير من الصحابة والتابعين والأئمة، فمنهم علي ~~وابن مسعود ومعاذ وأبو الدرداء، والشعبي ومسروق ومحمد ابن الحنفية والنخعي ~~والحسن بن صالح ويحيى بن آدم والقاسم بن سلام، وأهل البيت إلا القاسم بن ~~إبراهيم، وأبو حنيفة وأصحابه وإسحاق وأحمد بن حنبل والحسن بن زياد، وفقهاء ~~العراق والكوفة والبصرة وغيرهم من سائر الآفاق، وحجتهم عموم قوله تعالى: ~~{وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} (¬3). وقوله تعالى: {للرجال نصيب مما ترك ~~الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون} (¬4). وما ~~سمعت من الأحاديث، وذهب زيد بن ثابت والزهري ومكحول وفقهاء الحجاز والقاسم ~~ومالك والشافعي والإمام يحيى إلى أنه لا ميراث لهم، والعمدة في ذلك لهم أن ~~الفرائض لا تثبت إلا بكتاب أو سنة ثابتة أو إجماع، وذلك مفقود، وعمومات ~~الكتاب محتملة وبعضها منسوخ، والسنة قد عرفت ما قيل فيها مع أنها معارضة ~~بمثلها أو أقوى منها، وذلك أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "سألت الله عز ~~وجل عن ميراث العمة والخالة، ms1356 فسارني جبريل أن لا ميراث لهما". أخرجه أبو ~~داود في "المراسيل" والدارقطني من طريق الدراوردي عن زيد بن أسلم عن عطاء ~~بن يسار به مرسلا (¬5). وأخرجه النسائي (¬6) من مرسل زيد بن أسلم. ووصله PageV06P497 # الحاكم في "المستدرك" (¬1) بذكر أبي سعيد وفي إسناده ضعف. ووصله الطبراني ~~في "الصغير" (¬2) أيضا من حديث أبي [سعيد] (أ) في ترجمة محمد بن الحارث ~~المخزومي (¬3) شيخه، وليس في الإسناد من ينظر في حاله غيره. ورواه ~~الدارقطني (¬4) من حديث أبي سلمة عن أبي هريرة وضعفه بمسعدة بن اليسع ~~الباهلي (¬5) [راويه] (ب) عن محمد بن [عمرو] (ج). ورواه الحاكم (¬6) من ~~حديث عبد الله بن دينار عن ابن عمر وصححه، وفي إسناده عبد الله بن جعفر ~~المدني (¬7) وهو ضعيف. وروى له الحاكم (1) شاهدا من حديث شريك بن عبد الله ~~بن أبي نمر أن الحارث بن عبد (5) أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- سئل عن ميراث العمة والخالة فذكره. وفيه سليمان بن داود الشاذكوني وهو ~~متروك (¬8). وأخرجه PageV06P498 # الدارقطني (¬1) من وجه آخر عن شريك مرسلا. وتأول بعضهم حديث: "الخال وارث ~~من لا وارث له". بأن المراد بالخال هو السلطان. ذكره ابن العربي (¬2). ~~وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه وأرثه". ~~أخرجه أبو داود (¬3) وغيره، وصححه ابن حبان (¬4) وغيره، وهو - صلى الله ~~عليه وسلم - لا يرث [لنفسه] (أ) وإنما يصرفه في مصالح المسلمين. والمراد ~~يرثه المسلمون بالعصوبة كما يحملون ديته، وقيل: المراد أنه يوضع في بيت ~~المال للمصلحة، إذ لا يخلو عن ابن عم وإن بعد، فالحق بالمال الضائع الذي لا ~~يرجى ظهور مالكه، وعلى عدم توريث ذوي الأرحام وعدم الرد على ذوي السهام برد ~~المال إلى بيت المال إن كان أمره منتظما، وهو إذا كان في يد إمام عادل ~~يصرفه في مصارفه، أو كان في البلد قاض بشروط القضاء مأذون له في التصرف في ~~مال المصالح دفع إليه ليصرفه فيها، وإن كان في البلد ذلك القاضي وهو غير ~~مأذون له في التصرف، ففيه ثلاثة ms1357 احتمالات، يتصرف فيه ذلك القاضي. والثاني ~~أنه يصرفه من كان في يده. والثالث أنه يوقف إلى أن يظهر من ينتظم معه بيت ~~المال. قال النووي (¬5): الثالث ضعيف، والأولان حسنان، وأصحهما الأول. قال ~~صاحب "الاقتصاد شرح الإرشاد": ويترجح عندي أن يتخير بينهما، وعلى (ب) ~~الثاني وقوف مساجد القرى يصرفها صلحاء القرية في مصالح المسجد وعمارته. ~~انتهى. واعلم أنهم على القول بالتوريث يرثون ما ورث من PageV06P499 # يدلون به، كما روي عن علي وعمر وابن مسعود أن من مات وترك عمته وخالته؛ ~~أن للعمة الثلثين وللخالة الثلث (¬1). وتابعهم العلماء إلا بشر بن غياث ~~فأسقط الخالة معها، فاعتبروا تنزيل كل وارث منزلة من أدلى به. وروي عن علي ~~أن ابنة الأخ بمنزلة الأخ، وابنة الأخت بمنزلة الأخت (¬2). وعنه الخالة ~~بمنزلة الأم، والعمة بمنزلة العم (2). وعنه أيضا رد ما أبقت السهام على كل ~~وارث بقدر سهمه إلا الزوج والزوجة فيرد على ذوي الأرحام كأسبابهم (¬3). ~~وأبو حنيفة وأصحابه إلا الحسن بن زياد يعتبرون القرب، فيرث الأقرب فالأقرب ~~كالعصبات (أ)، فإذا مات وترك ثلاث خالات متفرقات؛ فللخالة لأب وأم النصف ~~كالأخت لأبوين، وللخالة لأب السدس كالأخت لأب مع الأخت لأب وأم، وللخالة ~~لأم السدس كالأخت لأم، [والباقي] (ب) رد عليهم. وقيل: بل يقسم المال بينهم ~~بالسوية؛ إذ لا يفضل ذكورهم على إناثهم، فوجبت التسوية في كل حال. وهذا على ~~قول الأكثر المعتبرين للتنزيل، وعلى قول أبي حنيفة وأصحابه تسقط الخالة لأب ~~والخالة لأم لاعتبارهم القرب، وهذا من فوائد الخلاف، وكذا إذا ترك ابنة ~~العم وابن بنت الأخ، فكأنه ترك عمه وابنة أخيه، فيسقط ابن بنت أخيه. وعند ~~أبي حنيفة المال له بناء على أصله باعتبار القرب، وأولاد أولاد أبي الميت ~~أولى من أولاد أولاد جده، وعلى هذا غيره، PageV06P500 # ومتى كان ذوو الأرحام في درجة واحدة ويدلون بسبب واحد من جهة واحدة، فلا ~~يفضل ذكورهم على إناثهم، بل يستوون عند الهدوية وأبي عبيد وإسحاق بن ~~راهويه، قالوا: لأن الله سبحانه سوى بين الإخوة لأم فقسنا عليهم ذوي ~~الأرحام، ms1358 وللإجماع على أن ابن البنت إذا انفرد حاز جميع المال بسبب واحد ~~وهو الرحم، وكذا بنت البنت، وكذا الخال والخالة، فوجب إذا اجتمعا أن ~~يستويا، وقال أكثر أهل التنزيل: بل للذكر مثل حظ الأنثيين كالعصبة، وكما أن ~~البنت إذا انفردت حازت جميع المال وكذا الابن، فإذا اجتمعا فللذكر مثل حظ ~~الأنثيين، فكذا ذوو الأرحام، والجواب أن البنت إذا انفردت لم تحز جميع ~~المال بسبب واحد، بل نصفه بالتسهيم والآخر بالرد، فافترقا. # 781 - وعن أبي أمامة بن سهل قال: كتب معي عمر إلى أبي عبيدة رضي الله عنه ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "الله ورسوله مولى من لا مولى ~~له، والخال وارث من لا وارث له". رواه أحمد والأربعة سوى أبي داود، وحسنه ~~الترمذي، وصححه أبن حبان (¬1). # تقدم الكلام على الحديث فيما قبله. # 782 - وعن جابر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ~~استهل المولود ورث". رواه أبو داود، وصححه ابن حبان (¬2). PageV06P501 # الحديث، ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجة والبيهقي (¬1) من حديث جابر ~~بلفظ: "إذا استهل السقط صلي عليه وورث". وفي إسناده إسماعيل بن مسلم وهو ~~ضعيف (¬2). قال الترمذي (¬3): وروي موقوفا والموقوف أصح. وبه جزم النسائي ~~(¬4)، وقال الدارقطني في "العلل" (¬5): لا يصح رفعه. وقد روي هذا -حديث ~~جابر- من طريق مرفوعة وموقوفة، وفي الجميع مقال. وأما حديث "بلوغ المرام" ~~فهو فيه منسوب إلى جابر، ولم أجد أحدا رواه عن جابر. وفي "سنن أبي داود" ~~نسبه إلى أبي هريرة، ولعله غلط من الناسخ (¬6). وأما المصنف فمقامه يجل عن ~~نسبة ذلك إليه، وإن كان الخطأ مجوزا فإنه يسلم منه إلا الكتاب العزيز الذي ~~لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه. # وروى البزار (¬7) بإسناد ضعيف في تفسير الاستهلال عن ابن عمر مرفوعا: ~~"استهلال الصبي العطاس". وقال ابن الأثير (¬8): استهل المولود إذا بكى عند ~~ولادته. وهو كناية عن ولادته حيا وإن لم يستهل، [بل وجدت منه أمارة تدل على حياته. # والحديث يدل على أن السقط إذا استهل ثبت] ms1359 (أ) له حكم غيره في أنه PageV06P502 # يورث، وفي الصلاة كذلك على ما وقع في الرواية، ويقاس على ذلك سائر ~~الأحكام من الغسل والتكفين ولزوم الدية. والظاهر أن ذلك اتفاق بين العلماء ~~وإن اختلفوا في الطريق التي يعمل بها في ثبوت الاستهلال، فعند الهدوية يكفي ~~خبر [عدل] (أ)، ذكره القاضي زيد في "الشرح". وقال الهادي في "الأحكام" ~~ومالك: لا بد من عدلين. وقال الشافعي: لا بد من أربع. (ب وهذا الخلاف ب) ~~جار فيما يتعلق بعورات النساء، ومفهوم الحديث أنه إذا لم يستهل لم يثبت له ~~حكم من هذه الأحكام، وذهب الناصر إلى أن الاستهلال لا يكون إلا بالصوت ولا ~~تكفي الحركة، وكأنه اقتصر على لفظ الحديث ولم ينظر إلى المعنى الذي يعلل به ذلك. # 783 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "ليس للقاتل من الميراث شيء". رواه النسائي والدارقطني (¬1)، ~~وقواه ابن عبد البر (¬2)، وأعله النسائي، والصواب وقفه على عمرو. # ورواه ابن ماجة والموطأ والشافعي وعبد الرزاق والبيهقي (¬3). وأخرجه ابن PageV06P503 # ماجة والدارقطني من وجه آخر عن [عمرو] (أ) في أثناء حديث (¬1). وفي الباب ~~عن (ب عمر بن ب) شيبة بن أبي كثير الأشجعي أخرجه الطبراني (¬2) في قصة، ~~وأنه قتل امرأته خطأ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اعقلها ولا ~~ترثها". ومن حديث ابن عباس: "لا يرث القاتل شيئا". أخرجه الدارقطني (¬3)، ~~وفي إسناده [كثير بن سليم] (ج) وهو ضعيف، ومن حديثه أيضا: "من قتل قتيلا ~~فإنه لا يرثه وإن لم يكن له وارث غيره". أخرجه البيهقي (¬4) من طريق عبد ~~الرزاق عن معمر عن رجل عن عكرمة عن ابن عباس مرفوعا بزيادة: "وإن كان والده ~~أو ولده". والرجل المذكور هو عمرو بن برق (¬5)، قاله عبد الرزاق راوي ~~الحديث، وهو ضعيف عندهم. وأخرج الترمذي وابن ماجة (¬6) وفي إسناده إسحاق بن ~~عبد الله بن أبي فروة (¬7)، تركه أحمد بن PageV06P504 # حنبل وغيره، وقال النسائي في "السنن الكبرى" (¬1): إنه متروك. عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه: ms1360 "القاتل لا يرث". # الحديث فيه دلالة على عدم توريث القاتل مطلقا سواء كان عمدا أم خطأ، وقد ~~ذهب إلى هذا الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه وأكثر العلماء، فلا يرث من المال ~~ولا من الدية. وذهب الهدوية ومالك [النخعي] (أ) إلى أنه إن كان القتل خطأ ~~ورث من المال دون الدية؛ لقوله: "المرأة ترث من دية زوجها وماله، وهو يرث ~~من ديتها ومالها، ما لم يقتل أحدهما صاحبه عمدا" (¬2). فالمفهوم يقتضي ~~التخصيص ولكن لا يفيد المقصود من الميراث للمال دون الدية، ولذلك قال ~~الإمام المهدي في "البحر": وفي هذا المفهوم ضعف. قال: والأولى الاحتجاج ~~بقول علي رضي الله عنه وقد سئل عن رجل قتل ابنه فقال: إن كان خطأ ورث، رإن ~~كان عمدا لم يرث (¬3). انتهى. وقد يعارض بما أخرجه البيهقي (¬4) عن خلاس أن ~~رجلا رمى بحجر فأصاب أمه فماتت من ذلك، فأراد نصيبه من ميراثها، فقال له ~~إخوته: لا حق لك. فارتفعوا إلى علي رضي الله عنه، فقال له علي: حقك من ~~ميراثها الحجر. وأغرمه الدية ولم يعطه من ميراثها شيئا. # وأخرج أيضا (4) عن جابر بن زيد قال: أيما رجل قتل رجلا أو امرأة عمدا PageV06P505 # أو خطأ ممن يرث فلا ميراث له منهما، وأيما امرأة قتلت رجلا أو امرأة عمدا ~~أو خطأ فلا ميراث لها منهما، وإن كان القتل عمدا فالقود إلا أن يعفو أولياء ~~المقتول، فإن عفوا فلا ميراث له من عقله ولا من ماله. قضى بذلك عمر بن ~~الخطاب وعلي وشريح وغيرهم من قضاة المسلمين. وكذلك ما أخرجه الطبراني (¬1) ~~من حديث عمر بن شيبة، فإنه صرح فيه بالخطأ، فتبين قوة قول الجمهور. وذهب ~~الطحاوي إلى أن القاتل إن كان صبيا أو مجنونا ورث. # 784 - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "ما أحرز الوالد أو الولد فهو لعصبته من كان". رواه أبو ~~داود والنسائي وابن ماجة (¬2)، وصححه ابن المديني وابن عبد البر (¬3). # الحديث فيه دلالة على أن الولاء يورث؛ لأن ms1361 قوله: "ما أحرز الوالد أو ~~الولد". المراد به ما صار مستحقا لهما من الحقوق، فإنه يكون للعصبة ميراثا، ~~وهو بعض ما أخرجه في "السنن"، ولفظه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن ~~رئاب (أ) بن حذيفة تزوج امرأة فولدت له ثلاثة غلمة، فماتت أمهم فورثوها ~~رباعها وولاء مواليها، وكان عمرو بن العاص عصبة بنيها، فأخرجهم إلى (ب) ~~الشام فماتوا، فقدم عمرو بن العاص ومات مولى لها وترك PageV06P506 # مالا، فخاصمه إخوتها إلى عمر بن الخطاب، فقال عمر: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ما أحرز الولد أو الوالد فهو لعصبته من كان". قال: فكتب ~~له كتابا فيه شهادة عبد الرحمن بن عوف وزيد بن ثابت ورجل آخر، فلما استخلف ~~عبد الملك اختصموا إلى هشام بن إسماعيل أو إلى إسماعيل بن هشام، فرفعهم إلى ~~عبد الملك فقال: هذا من القضاء الذي ما كنت أراه. قال: فقضى لنا بكتاب عمر ~~بن الخطاب، فنحن فيه إلى الساعة. انتهى. إلا أن فيه مقالا، ثم قال أبو ~~داود: وروي عن أبي بكر وعمر وعثمان خلاف هذا الحديث، إلا أنه روي عن علي بن ~~أبي طالب رضي الله عنه مثله. وهذا الذي دل عليه هذا. الحديث ذهب إليه شريح ~~وطائفة من أهل البصرة والناصر، وروي عن عمر بن الخطاب وعلي وعثمان وابن ~~مسعود وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، وهو قول الأكثر من العلماء أن الولاء لا ~~يورث. وفائدة الخلاف تظهر فيما إذا رجل أعتق عبدا ثم مات ذلك الرجل وترك ~~أخوين أو ابنين، ثم مات أحد الابنين وترك ابنا، أو أحد الأخوين وترك ابنا، ~~فعلى القول الأول أن ميراثه بين الابن وابن الابن أو ابن الأخ، وعلى القول ~~الثاني يكون للابن وحده، وكذا غيره من المسائل. والله أعلم. # 785 - وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "الولاء لحمة كلحمة النسب لا يباع ولا يوهب". رواه الحاكم ~~(¬1) من طريق الشافعي عن محمد بن الحسن عن ms1362 أبي يوسف، وصححه ابن حبان (¬2)، ~~وأعله البيهقي (¬3). PageV06P507 # الحديث في هذه الرواية رواه أبو يوسف، عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، ~~ورواه ابن حبان في "صحيحه" من طريق بشر (أ) بن الوليد عن أبي يوسف، لكن ~~قال: عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار. وكذا رواه البيهقي وقال في ~~"المعرفة" (¬1): كان الشافعي حدث به من حفظه فنسي عبيد الله بن عمر من ~~إسناده، وقد رواه محمد بن الحسن في كتاب الولاء له عن أبي يوسف عن عبيد ~~الله بن عمر عن عبد الله بن دينار به. وقال أبو بكر النيسابوري: هذا خطأ؛ ~~لأن الثقات رووه عن عبد الله بن دينار بغير هذا اللفظ، وهذا اللفظ إنما هو ~~رواية الحسن المرسلة، ثم ساقه الدارقطني (¬2) من طريق يزيد بن هارون عن ~~هشام بن حسان عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال البيهقي (¬3): ~~ورويناه من طريق ضمرة عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. قال ~~الطبراني (2): تفرد به ضمرة. يعني باللفظ المذكور. قال البيهقي (2): وقد ~~رواه إبراهيم بن محمد بن يوسف الفريابي عن ضمرة على الصواب كرواية الجماعة، ~~فالخطأ فيه ممن دونه. وقد جمع أبو نعيم طرق حديث النهي عن بيع الولاء وعن ~~هبته في "مسند عبد الله بن دينار" له، فرواه عن نحو من خمسين رجلا أو أكثر ~~من أصحابه عنه (2)، ورواه الترمذي (¬4) من حديث يحيى بن سليم، عن عبد الله ~~بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر وقال: أخطأ فيه يحيى بن سليم، وإنما رواه عبيد ~~الله عن عبد الله بن دينار. PageV06P508 # وروى الحاكم من طريق محمد بن مسلم الطائفي عن إسماعيل بن أمية. وقال ~~البيهقي (¬1): ويحيى بن سليم (¬2) ضعيف سيئ الحفظ. ورواه أبو جعفر الطبري ~~في "تهذيبه"، وأبو نعيم في "معرفة الصحابة"، والطبراني في "الكبير" من حديث ~~عبد الله بن أبي أوفى، وظاهر إسناده الصحة، وهو يعكر على البيهقي حيث قال ~~عقب حديث أبي يوسف: ويروى بأسانيد أخر كلها ضعيفة. # الحديث فيه دلالة ms1363 على أن الولاء لا يكتسب ببيع ولا هبة، ويقاس عليهما ~~سائر المملكات من النذر والوصية، فلا ينتقل بعوض ولا بغير عوض كالنسب؛ فإن ~~القرابة لا تنتقل بعوض ولا بغير عوض، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، والخلاف ~~لمالك، وهو محجوج بالحديث. # 786 - وعن أبي قلابة عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أفرضكم زيد بن ثابت". أخرجه أحمد والأربعة سوى أبي داود ~~(¬3)، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم (¬4)، وأعل بالإرسال. # الإرسال فيه من حيث إن أبا قلابة لم يسمع هذا الحديث من أنس، وإن PageV06P509 # كان سماعه لغيره ثابتا. وقد ذكر الدارقطني الاختلاف فيه على أبي قلابة في ~~"العلل" ورجح هو وغيره كالبيهقي (¬1) والخطيب في "المدرج" (¬2) أن الموصول ~~منه ذكر أبي عبيدة والباقي (أ) مرسل، ورجح هو وابن المواق وغيره رواية ~~الموصول. وله طرق أخرى عن أنس أخرجها الترمذي (¬3) من رواية داود العطار عن ~~قتادة عنه، وفيه سفيان بن وكيع وهو ضعيف (¬4)، ورواه عبد الرزاق (¬5) عن ~~معمر عن قتادة مرسلا. قال الدارقطني: وهذا أصح. # وفي الباب عن جابر رواه الطبراني (¬6) ياسناد ضعيف، وعن أبي سعيد رواه ~~القاسم بن أصبغ (¬7) عن ابن أبي خيثمة، والعقيلي في "الضعفاء" (¬8) عن علي ~~بن عبد العزيز، كلاهما عن أحمد بن يونس، عن سلام، عن زيد العمي عن أبي ~~الصديق عنه، وزيد (¬9) وسلام (¬10) ضعيفان، وعن ابن عمر PageV06P510 # رواه ابن عدي (¬1) في ترجمة كوثر بن حكيم وهو متروك (¬2)، وله طريق أخرى ~~في "مسند أبي يعلى" (¬3) من طريق ابن البيلماني (أ) عن أبيه عنه. وأورده ~~ابن عبد البر في "الاستيعاب" (¬4) من طريق أبي سعيد البقال عن شيخ من ~~الصحابة يقال له: أبو محجن. الحديث فيه دلالة على فضيلة زيد بن ثابت رضي ~~الله عنه وعلمه لا سيما في علم الفرائض، فيكون الرجوع إليه في محل الاختلاف ~~أولى من غيره وإن شاركوه في العلم والاجتهاد، ولذلك اعتمده الإمام الشافعي ~~رضي الله عنه في الفرائض ورجح مذهبه. ولفظ الحديث فيما اطلعت عليه بلفظ ~~الغيبة، ولم أره في ms1364 رواية بلفظ الخطاب، وهو بعض حديث، والحديث بتمامه: ~~"أرحم أمتي بأمتي أبو بكر، وأشدهم في أمر الله عمر، وأصدقهم حياء عثمان، ~~وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقرؤهم لكتاب ~~الله أبي بن كعب، ولكل أمة أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح". ~~أخرجه الطالسي وأحمد، والترمذي، وقال: حسن صحيح. والنسائي وابن ماجه وابن ~~حبان في "صحيحه" والحاكم وأبو نعيم في "الحلية" والبيهقي والضياء (¬5) عن ~~أنس. PageV06P511 # ومن حديث أبي سعيد: "أرحم هذه الأمة بها (أ) أبو بكر، وأقواهم في دين ~~الله عمر، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأقضاهم علي بن أبي طالب، وأصدقهم حياء ~~عثمان بن عفان، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، وأقرؤهم لكتاب الله ~~أبي بن كعب، وأبو هريرة وعاء من العلم، وسلمان عالم لا يدرك، ومعاذ بن جبل ~~أعلم الناس بحلال الله وحرامه، وما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي ~~لهجة أصدق من أبي ذر". أخرجه ابن ماجه وسمويه والعقيلي وابن الأنباري في ~~"المصاحف" وابن عساكر (¬1). وروى الحاكم (¬2) منه: "أبو هريرة وعاء العلم". ~~كذا ساق الحديثين السيوطي في "الجامع الكبير". PageV06P512 ### || AUTO باب الوصايا # الوصايا جمع وصية كالهدايا جمع هدية، ويطلق على فعل الموصي مصدرا وعلى ما ~~يوصى به من مال أو غيره من عهد ونحوه، [فتكون بمعنى المصدر وهو الإيصاء، ~~وتكون بمعنى المفعول وهو الاسم] (أ). وهي في الشرع عهد خاص مضاف إلى ما بعد ~~الموت. أو نقول: هي إقامة مكلف مكلفا آخر مقام نفسه بعد الموت في بعض ~~الأمور. والحد الأول أولى لشموله إذا لم يعين وصيا، ولأنه يخرج (ب) الثاني ~~الوصية في شيء معين محجورا عن التصرف في غيره، ولا يقال: إن "في بعض ~~الأمور" تصححه لأنه إنما احترز به عن العبادات البدنية. قال الأزهري (¬1): ~~الوصية من: وصيت الشيء، بالتخفيف، أصيه؛ إذا وصلته، يقال: أرض واصية. أي ~~متصلة النبات، قال الشاعر (¬2): # * نصي الليل بالأيام حتى صلاتنا* # وسميت الوصية بذلك؛ لأن الميت يصل بها ما كان في حياته بعد مماته، ويقال: ms1365 ~~وصيته بالتشديد، ووصاه بالتخفيف بغير همز. ويطلق شرعا أيضا على ما يقع به ~~الزجر عن المنهيات والحث على المأمورات، كقوله PageV06P513 # تعالى: {وصاكم به لعلكم تعقلون} (¬1). # 787 - عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"ما حق امرئ مسلم له شيء يريد أن يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة ~~عنده". متفق عليه (¬2). # قوله: "ما حق امرئ مسلم". لفظ "مسلم" سقط في رواية أحمد (¬3) وهو ثابت ~~عند الأكثر والتقييد به خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له أو أنه للتهييج ~~بالوصية لما أشعر (أ) التقييد به أن هذا من شعار الإسلام، فمن تركه فقد ترك ~~ما هو من شعار الإسلام، والا فوصية الكافر جائزة، وحكى ابن المنذر (¬4) ~~الإجماع عليها وإن كان السبكي أورد إشكالا؛ وهو أن الوصية زيادة في العمل ~~الصالح، والكافر لا عمل له صالح حتى يزاد عليه، وأجاب بأن الوصية أشبه ~~بالإعتاق وهو يصح من الكافر. # وقوله: "شيء يريد أن يوصي فيه". قال ابن عبد البر (¬5): رواه أيوب عن ~~نافع بهذا اللفظ، وأما الرواة عن مالك فرووه بلفظ: "له شيء يوصي فيه". لم ~~يختلفوا في ذلك، ورواه أحمد (¬6) عن سفيان بلفظ: "حق (ب) كل مسلم PageV06P514 # أن لا يبيت ليلتين وله ما يوصي فيه". الحديث، ورواه الشافعي (¬1) عن ~~سفيان بلفظ: "ما حق امرئ يؤمن (أ) بالوصية". الحديث، قال ابن عبد البر ~~(¬2): فسره ابن عيينة: أي يؤمن بأنها حق. وأخرجه أبو عوانة (¬3) من طريق ~~هشام عن نافع (ب) بلفظ: "لا ينبغي لمسلم أن يبيت ليلتين". الحديث. وذكره ~~ابن عبد البر (2) عن سليمان بن موسى عن نافع (ب) مثله. وأخرجه الطبراني ~~(¬4) من طريق الحسن عن ابن عمر مثله. وأخرجه الإسماعيلي من طريق روح بن ~~عبادة عن مالك وابن عوف جميعا عن نافع بلفظ: "ما حق امرئ مسلم له مال يريد ~~أن يوصي فيه". وذكره ابن عبد البر (2) من طريق ابن عون بلفظ: "لا يحل لامرئ ~~مسلم له مال". وأخرجه الطحاوي (¬5) أيضا. وأخرج (ج) النسائي (¬6): "أن يوصي ~~فيه". ms1366 من هذا الوجه (د) ولم يسق لفظه. قال أبو عمر: لم يتابع ابن عون على ~~(ه) هذه اللفظة. ولفظ "شيء" في الرواية أعم PageV06P515 # من لفظ المال لدخول الحقوق المحضة فيها. ولفظ "ما" (أ) في قوله: "ما (أ) ~~حق" نافية بمعنى ليس، والخبر ما بعد "إلا"، والواو زائدة في الخبر لوقوع ~~الفصل ب "إلا". قال الشافعي رحمه الله تعالى: معنى الحديث: ما الحزم ~~والاحتياط للمسلم إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده. كذا في "شرح مسلم" للنووي ~~(¬1)، وروى البيهقي في "المعرفة" (¬2) عن الشافعي أنه قال في قوله: "ما حق ~~امرئ". يحتمل: ما لامرئ أن يبيت ليلتين إلا ووصيته لم مكتوبة عنده. ويحتمل: ~~ما المعروف في الأخلاق إلا هذا لا من وجه الفرض. وقال الخطابي (¬3): معناه ~~ما حقه من جهة الحزم والاحتياط إلا أن تكون وصيته مكتوبة عنده إذا كان له ~~شيء يريد أن يوصي فيه لا يدري متى توافيه منيته فتحول بينه وبين ما يريد من ~~ذلك. انتهى. # وقوله: "يريد أن يوصي فيه". صفة ل "شيء"، وفيه إشعار بأن الوصية ليست ~~واجبة عليه، وإنما ذلك عند إرادته الوصية، فما أولاه بالمبادرة لتجويز هجوم ~~الموت عليه في كل وقت، لكون (ب) سائر الروايات باللفظ الذي يدل على تحتم ~~الوصية عليه، وقد أجمع المسلمون على الأمر بها واختلفوا في الوجوب؛ فذهب ~~مالك والشافعي وأحمد وأبو حنيفة والجمهور إلى أنها مندوبة لا واجبة، وذهب ~~داود وابن حزم وغيرهما من أهل الظاهر إلى PageV06P516 # وجوبها، وحكاه ابن المنذر عن طائفة منهم الزهري، وحكاه البيهقي في ~~"المعرفة" (¬1) عن الشافعي في القديم، وقال به أبو مجلز وعطاء وطلحة بن ~~مصرف في آخرين. وقال به إسحاق، واختاره أبو عوانة الإسفرايني وابن جرير ~~وآخرون، ونسب ابن عبد البر (¬2) القول بعدم وجوبها إلى الإجماع سوى من شذ، ~~كذا قال، واستدل بعدم (أ) الوجوب من حيث المعنى، فإنه لو لم يوص لقسم جميع ~~ماله بين ورثته بالإجماع، فلو كانت الوصية واجبة لأخرج من ماله سهما ينوب ~~عن الوصية، [وقالوا] (ب) في قوله تعالى: ms1367 {كتب عليكم} (¬3) الآية: إنها ~~منسوخة. كما قال ابن عباس (¬4): كان المال للولد وكانت الوصية للوالدين، ~~فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل لكل واحد من الأبوين السدس. الحديث. وأجاب ~~من قال بالوجوب بأن الذي نسخ الوصية للوالدين والأقارب الذين يرثون، وأما ~~من لا يرث فليس في الآية ولا في تفسير ابن عباس ما يقتضي النسخ في حقه. ~~وأجاب من قال بعدم الوجوب عن الحديث بأن قوله: "ما حق امرئ". بأن المراد ~~الحزم والاحتياط، لأنه قد يفجؤه الموت وهو على غير وصية، ولا ينبغي للمؤمن ~~أن يغفل عن ذكر الموت والاستعداد له. وهذا عن الشافعي. وقال غيره: الحق لغة ~~الشيء الثابت، ويطلق شرعا على ما يثبت به الحكم، والحكم الثابت PageV06P517 # أعم من أن يكون واجبا أو مندوبا، وقد يطلق على المباح أيضا لكن بقلة. ~~قاله القرطبي (¬1)، قال: فإن اقترن به "على" أو نحوها كان ظاهرا في الوجوب ~~وإلا فهو على الاحتمال، وعلى هذا التقدير فلا حجة في هذا الحديث لمن قال ~~بالوجوب، بل اقترن (أ) هذا الحق بما يدل على الندب؛ وهو تفويض الوصية إلى ~~إرادة الموصي حيث قال: "له شيء يريد أن يوصي فيه". فلو كانت واجبة لما ~~علقها بإرادته، وأما الجواب عن الرواية التي بلفظ: "لا يحل". فلاحتمال (ب) ~~أن يكون راويها ذكرها بالمعنى وأراد بنفي الحل ثبوت الجواز بالمعنى الأعم ~~الذي يدخل تحت الواجب والمندوب والمباح. # واختلف القائلون بوجوب الوصية، فأكثرهم ذهب إلى وجوبها في الجملة، وعن ~~طاوس وقتادة والحسن وجابر بن زيد في آخرين تجب للقرابة الذين لا يرثون ~~خاصة. أخرجه ابن جرير (¬2) وغيره عنهم. قالوا: فإن أوصى لغير قرابته لم ~~ينفذ، ويرد الثلث كله إلى قرابته. وهذا قول طاوس. وقال الحسن وجابر بن زيد: ~~ثلثا الثلث. وقال قتادة: ثلث الثلث. ويرد على هؤلاء ما احتج به الشافعي من ~~حديث عمران بن حصين (¬3) في قصة الذي أعتق عند موته ستة أعبد له لم يكن له ~~مال غيرهم، فدعاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فجزأهم ستة أجزاء، فأعتق ms1368 ~~اثنين وأرق أربعة. قال: فجعل عتقه في المرض وصية. ولا يقال: لعلهم كانوا ~~أقارب المعتق. لأنا نقول: لم تكن عادة PageV06P518 # العرب أن تملك من بينها وبينه قرابة، وإنما تملك من لا قرابة له أو كان ~~من العجم، فلو كانت الوصية تبطل لغير القرابة لبطلت في هؤلاء. وهو إيراد ~~قوي، ونقل ابن المنذر (¬1) عن أبي ثورأن الوصية إنما تجب على من عليه حق ~~شرعي يخشى أن يضيع إن لم يوص به كوديعة ودين لله أو لآدمي. قال: ويدل على ~~ذلك قوله في الحديث: "له شيء يريد أن يوصي فيه". لأن فيه إشارة على قدرته ~~على تنجيزه، وهذا هو (أ) المصرح به في كتب الهدوية كما قال الإمام المهدي ~~في "الأزهار": ويجب الإشهاد على من له مال بكل حق لآدمي. إلخ. ولكن هذا ~~القول يرجع إلى قول الجمهور: إن الوصية غير واجبة لعينها، وإنما الواجب ~~لعينه الخروج من الحقوق الواجبة للغير، سواء كانت بتنجيز أو وصية. فكان (ب) ~~محل الوجوب فيمن عليه حق ومعه مال ولم يمكن تخليصه إلا إذا أوصى به، وما ~~انتفى فيه واحد من ذلك فلا وجوب، فتبين أن الوصية قد تكون واجبة وقد تكون ~~مندوبة فيمن رجا منها كثرة الأجر، ومكروهة في عكسه، ومباحة فيمن (ج) استوى ~~الأمران فيه، وعدمه فيما إذا كان فيها إضرار كما ثبت عن ابن عباس رضي الله ~~عنهما: الإضرار في الوصية من الكبائر. رواه سعيد بن منصور (¬2) موقوفا ~~بإسناد PageV06P519 # صحيح، ورواه النسائي (¬1) مرفوعا ورجاله ثقات، وفي الباب أحاديث كثيرة في ~~تحريم الإضرار في الوصية، ونص القرآن الكريم بذلك: {غير مضار} (¬2). واحتج ~~ابن بطال على أن الحديث غير محمول على الوجوب بأن راوي الحديث وهو ابن عمر ~~لم يوص كما أخرجه ابن المنذر (¬3) بسند صحيح عن حماد بن زيد عن أيوب عن ~~نافع قال: قيل لابن عمر في مرض موته: ألا توصي؟ قال: أما مالي فالله يعلم ~~ما كنت أصنع فيه، [و] (أ) أما رباعي فلا أحب أن يشارك ولدي فيها أحد (ب). ~~ويجاب ms1369 عنه بأن عمل الراوي بخلاف ما روى لا يكون مخصصا ولا مقيدا، والعمل ~~على ما روى، وبأنه أيضا معارض بما أخرجه مسلم (¬4) في "صحيحه" عن ابن عمر ~~أنه قال: لم أبت ليلة إلا ووصيتي مكتوبة عندي. ويمكن الجمع بأنه كان يكتب ~~وصيته ويتعاهدها وينجز ما كان يوصي به. وفي قوله: أما مالي فالله يعلم ما ~~كنت أصنع فيه. إشارة إلى ذلك، ويدل عليه أيضا ما أخرجه عنه البخاري (¬5) من ~~الحديث في الرقاق: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح. الحديث. # وقوله: "ليلتين". كذا لأكثر الرواة، ولأبي عوانة والبيهقي (¬6) من طريق PageV06P520 # حماد بن زيد عن أيوب: "يبيت ليلة أو ليلتين". ولمسلم والنسائي (¬1) من ~~طريق الزهري عن سالم عن أبيه: "ثلاث ليال". وكأن ذكر الليلتين والثلاث ذكر ~~لرفع الحرج لتزاحم أشغال المرء التي يحتاج إلى ذكرها، ففسح له هذا المقدار ~~ليتذكر ما يحتاج إليه. واختلاف الروايات فيه دال على أنه للتقريب لا ~~للتحديد، والمعنى: لا يمضي عليه زمان وإن كان قليلا إلا ووصيته مكتوبة. ~~وفيه إشارة إلى اغتفار (أ) الزمن اليسير، وكأن الثلاث غاية التأخير، و ~~[لذلك] (ب) قال ابن عمر في رواية سالم المذكورة: ولم أبت ليلة منذ سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك إلا ووصيتي عندي. قال الطيبي: ~~في تخصيص الليلتين والثلاث تسامح في إرادة المبالغة، أي لا ينبغي أن يبيت ~~زمنا وقد سامحناه في الليلتين والثلاث، فلا ينبغي له أن يتجاوز ذلك. # وقوله: "مكتوبة عنده". يستدل به على جواز الاعتماد على الكتابة والخط ولو ~~(ج) لم يقترن ذلك بالشهادة. وخص أحمد ومحمد بن نصر من الشافعية أن الاعتماد ~~على الخط مخصوص بالوصية؛ لثبوت الخبر فيها دون غيرها، بل ولأن الوصية لما ~~كان مأمورا بها وهي تكون بما يلزم المرء من الحقوق، واللزوم متجدد في ~~الأوقات، واستصحاب الشهادة في كل لازم يريد أن يوصي فيه خشية مفاجأة الأجل، ~~متعسر بل متعذر في بعض الأوقات، ويلزم منه عدم وجوب الوصية أو شرعيتها ~~بالكتابة من دون PageV06P521 # شهادة؛ إذ لا فائدة في ms1370 ذلك، وقد ثبت هذا الأمر المذكور في الحديث. وقال ~~الجمهور: إن الكتابة ذكرت لما فيها من ضبط المشهود به. قالوا: ومعنى قوله: ~~"ووصيته مكتوبة عنده". أي بشرطها وهو الشهادة. وقال المحب الطبري (¬1): ~~إضمار الإشهاد معتبر هنا، ويستدل على الإشهاد بقوله تعالى: {شهادة بينكم ~~إذا حضر أحدكم الموت} (¬2) الآية. فإنه يدل على اعتبار الإشهاد في الوصية. # وقال القرطبي (1): ذكر الكتابة مبالغة في زيادة التوثيق، وإلا فالوصية ~~المشهود بها متفق [عليها] (أ) ولو لم تكن مكتوبة. والله أعلم. ويجاب عن ذلك ~~بأن ذكر الإشهاد في الآية الكريمة لا يلزم أن الوصية لا تثبت إلا به، وفي ~~الحديث زيادة على ذلك وهو اعتبار الكتابة، والإجماع الفعلي (ب) في جميع ~~الأعصار وأمصار أهل الإسلام في اعتبار الصكوك وخطوط الأمراء والحكام يدل ~~على أن ذلك معتبر، فإذا عرف خط الحاكم أو خط الموصي أو خط المقر عمل بذلك، ~~ويتأيد بما أجمع عليه من أنه - صلى الله عليه وسلم - كان ينفذ الكتب منه مع ~~(ج) الآحاد من غير أن يخبر الرسول بما تضمنه ذلك الكتاب، وهي متضمنة لتبليغ ~~شرائع وتنفيذ أحكام، وكذلك العهود التي كتبها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - في الإقطاعات وعقد الذمة والصلح، مع أنه لم ينقل عن أحد ممن اطلع ~~على PageV06P522 # ذلك في الأعصار المتأخرة أنه ردها لعدم بقاء الشهادة، وإنما رد العلماء ~~على يهود خيبر لما أخرجوا كتابا أن عليا رضي الله عنه أسقط عنهم الجزية -في ~~سنة سبع وأربعين وأربعمائة- فرد عليهم رئيس الرؤساء أبو القاسم علي وزير ~~القائم في إبطاله جزءا، وكتب له عليه الأئمة؛ أبو الطب الطبري وأبو نصر بن ~~الصباغ ومحمد بن محمد البيضاوي ومحمد بن علي الدامغاني وغيرهم، وكان مستند ~~الرد للخطيب البغدادي (¬1) أنه مذكور في الكتاب شهادة معاوية، فقال: معاوية ~~هو أسلم عام الفتح، وخيبر فتحت قبل ذلك، ولم يكن مسلما في ذلك الوقت ولا ~~حضر ما جرى، وشهادة سعد بن معاذ وهو مات في يوم بني قريظة بسهم أصابه في ~~أكحله (¬2) يوم الخندق وذلك قبل ms1371 فتح خيبر بسنتين. وفي هذا دلالة على أنه ~~إذا غلب في الظن عدم التزوير والتلبيس جاز العمل به، وذكر الإمام المهدي في ~~"البحر" في كتاب الشهادات قال: مسألة الأحكام والفريقان: ولا تجوز شهادته ~~لمعرفة خطه بها إذ لا يقتضي اليقين؛ لاحتمال التزوير. أبو طالب: يجوز، لنا ~~{ولا تقف} (¬3) الآية ونحوها. المؤيد بالله وأبو طالب وأبو العباس وقول ~~المنتخب: يجوز. محمول على حصول العلم الضروري. قلت: فحينئذ العبرة بحصولي ~~العلم فيرتفع الخلاف. فرع العترة والفريقان: ولو عرف خط [غيره] (أ) بإقرار ~~بحق لم يشهد به. مالك: يجوز (ب). قلنا: يحتمل التزوير فلا يقين. هذا كلامه. ~~وقال في كتاب القضاء: فرع العترة والنخعي PageV06P523 # والفريقان: ولا يعمل بالكتاب إلا ببينة كاملة أنه كتابه. أبو ثور: يجوز؛ ~~لعملهم بكتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من غير شهادة. الإصطخري ~~ومالك والعنبري: إن عرف الخط والختم عمل به وإلا فلا. قلنا: تشتبه الخطوط ~~والختوم. انتهى. هذا كلامه وقد يجاب عما زدته من الاشتباه أن الاحتمال لا ~~يمنع العمل كالعمل بالشهادة، فإن الاحتمال حاصل فيها والعمل باليمين وغير ~~ذلك. وقال في "الهدي النبوي" (¬1) في حديث أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث ~~عبد الله بن جحش ومعه سرية إلى نخلة ترصد عيرا لقريش، وأعطاه كتابا مختوما ~~وأمره ألا يقرأه إلا بعد يومين ... الحديث: في هذه القصة من الفقه إجازة ~~الشهادة على الوصية المختومة، وهو قول مالك وكثير من السلف، وعليه يدل حديث ~~"الصحيحين": "ما حق امرئ" الحديث. وفيها (أ) أنه لا يشترط في كتاب الإمام ~~والحاكم البينة، ولا أن يقرأه الإمام والحاكم على الحامل له، وكل هذا لا ~~أصل له من كتاب ولا سنة، وقد كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يدفع ~~كتبه مع رسله، ويسيرها إلى من يكتب إليه، ولا يقرؤها على حاملها، ولا يقيم ~~عليها شاهدين، وهذا معلوم بالضرورة من هديه وسنته. # وقال في "العواصم": إنه يجوز العمل بالخط. ورواه عن المنصور بالله مع ~~غلبة الظن بالصدق، وهو قوي راجح. والله أعلم. # وفي الحديث ms1372 دلالة على أنه ينبغي للمرء التأهب للموت والاحتراز قبل الفوت؛ ~~لأن الإنسان لا يدري متى يفجؤه الموت؛ لأنه ما من سن تفرض إلا PageV06P524 # وقد مات فيه جمع جم، وكل واحد جائز أن يموت في الحال، فينبغي أن يكون ~~متأهبا لذلك، فيكتب وصيته ويجمع فيها ما يحصل له به الأجر ويحط عنه (أ) ~~الوزر من حقوق الله وحقوق عباده. ومطلقها يتناول الصحيح، لكن السلف خصوها ~~بالمريض. # وفي قوله: "شيء". يستدل به على صحة الوصية بالمنفعة وهو قول الجمهور. ~~وقال ابن أبي ليلى وابن شبرمة وداود وأتباعه واختاره ابن عبد البر (¬1): ~~إنه لا يصح الإيصاء بالمنفعة؛ اعتمادا على رواية: "له مال". فتكون هذه ~~الرواية مفسرة للفظ "شيء" في الرواية الأخرى. # وقوله: "مكتوبة". أعم من أن تكون مكتوبة بخطه أو بخط غيره، ويستفاد منه ~~أن الأشياء المهمة ينبغي أن تضبط بالكتابة، لأنها أثبت من الضبط بالحفظ، ~~لتجويز النسيان غالبا، والله أعلم. # فائدة: اختلف في كونه - صلى الله عليه وسلم - أوصى أم لا، فروى البخاري ~~(¬2) عن ابن أبي أوفى أنه قال: إنه - صلى الله عليه وسلم - لم يوص. جوابا ~~لمن سأله عن ذلك. ويؤول بأنه أراد أنه لم يوص بالثلث كما فعله غيره، لأنه ~~لم يترك بعده مالا، وأما الأرض فقد كان سبلها، وأما السلاح والبغلة ونحو ~~ذلك فقد أخبر أنها لا تورث بل هي صدقة. كذا ذكر النووي (¬3)، وأما الذهيبة ~~فسأل عائشة عنها في مرضه قال: "ما فعلت الذهيبة؟ ". قالت: هي عندي. فقال: ~~"أنفقيها". أخرجه PageV06P525 # أحمد وابن سعد (¬1). وأخرج ابن سعد (¬2) من وجه آخر أنه قال: "ابعثي بها ~~إلى علي ليتصدق بها". وفي "المغازي" لابن إسحاق (¬3) قال: لم يوص رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عند موته إلا بثلاث؛ لكل من الداريين والرهاويين ~~والأشعريين بجاد مائة وسق من خيبر، وألا يترك في جزيرة العرب دينان، وأن ~~ينفذ بعث أسامة. وأخرج مسلم (¬4) في حديث ابن عباس: أوصى بثلاث، أن يجيزوا ~~الوفد بنحو ما كنت أجيزهم. الحديث. وفي حديث ابن أبي أوفى: أوصي بكتاب ~~الله. ms1373 وفي حديث أنس عند النسائي وأحمد وابن سعد (¬5) واللفظ له: كانت ~~[عامة] (أ) وصية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين حضره الموت: "الصلاة ~~وما ملكت أيمانكم". وله شاهد من حديث على عند أبي داود وابن ماجه (¬6) ~~[وآخر من رواية نعيم بن يزيد عن علي] (ب): "أدوا الزكاة" بعد الصلاة، أخرجه ~~أحمد (¬7). وأخرج سيف بن عمر (¬8) في "الفتوح" من طريق ابن أبي مليكة عن ~~عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حذر من الفق في مرض ~~موته، PageV06P526 # ولزوم الجماعة والطاعة. وأخرج الواقدي (¬1) من مرسل العلاء بن عبد الرحمن ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - أوصى فاطمة فقال: "قولي إذا مت: إنا لله وإنا ~~إليه راجعون". وأخرج الطبراني في "الأوسط" (¬2) من حديث عبد الرحمن بن عوف ~~قالوا: يا رسول الله، أوصنا -يعني في مرض موته- قال: "أوصيكم بالسابقين ~~الأولين من المهاجرين وأبنائهم من بعدهم". قال: لا يروى عن عبد الرحمن إلا ~~بهذا الإسناد. تفرد به عتيق بن يعقوب وفيه من لا يعرف حاله. وفي "سنن ابن ~~ماجه" (¬3) من حديث علي قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أنا مت ~~فاغسلوني بسبع قرب من بئر [غرس] " (أ). وكانت بقباء وكان يشرب منها. وفي ~~"مسند البزار" (¬4) و"مستدرك الحاكم" (¬5) بسند ضعيف أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - أوصى أن يصلى عليه أرسالا بغير إمام. فهذا ما روي في وصيته بأسانيد ~~معتبرة، وقد روي غير ذلك. فإن قلت: فقد توفي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وعليه دين ليهودي، فكيف لم يوص به والوصية بالديون واجبة؟ فالجواب ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - كان قد رهن درعه في الدين عند اليهودي والرهن ~~حجة لليهودي فلم يحتج إلى الوصية كما أشار إليه سبحانه وتعالى في آية الدين ~~بقوله: {ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة} (¬6). مع أن علم ذلك لم يكن مختصا ~~به فقد علمه بعض أصحابه، PageV06P527 # ولهذا أخبرت به عائشة رضي الله عنها، ويؤخذ من هذا أن الدين إذا علم ~~الميت أن صاحب الدين لا يفوت عليه ms1374 شيء من دينه بعده أنه لا يجب عليه الوصية ~~به؛ وهو إذا كان معه بينة واضحة أو علم به الورثة وأمن منهم الجحود. # فائدة: أخرج عبد الرزاق (¬1) وسنده صحيح عن أنس رضي الله عنه قال: كانوا ~~يكتبون في صدور وصاياهم: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصى به فلان بن ~~فلان؛ أنه يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله ~~- صلى الله عليه وسلم -، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في ~~القبور، وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم ويطيعوا ~~الله ورسوله إن كانوا مؤمنين، وأوصاهم بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب {إن ~~الله اصطفى لكم الدين فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (¬2). # وقوله في الحديث: "امرئ مسلم". الامرؤ المراد به الرجل وقد خرج مخرج ~~الغالب، وإلا فلا فرق في الوصية بين الرجل والمرأة، وسواء كانت مزوجة أو ~~فارغة، بإذن الزوج أو لا، إذ هي تحصيل قربة أخروية عند انقضاء العمر في قدر ~~مأذون فيه شرعا، والوصف بالإسلام كذلك خرج مخرج الغالب أو هو للتهييج ~~والإلهاب لتقع المبادرة لامتثاله؛ لما يشعر من نفي الإسلام عن تارك ذلك، ~~ووصية الكافر جائزة في الجملة (أ)، وادعى ابن المنذر الإجماع من أهل العلم ~~الذين يحفظ عنهم، وفي "البحر": ويصح بين أهل PageV06P528 # الذمة فيما يملكون ولو خمرا لصحة تصرفهم فيه؛ لقول عمر: ولوهم بيعها. # ولم ينكر المؤيد وأبو طالب وأبو حنيفة، وتصح منهم لكنائسهم وبيعهم في ~~خططهم إذا أقروا عليه، ومنع من ذلك صاحبا أبي حنيفة، إذ فيه إحياء للكفر ~~وهو معصية. قلنا: أقروا عليه. انتهى. وظاهر هذا (أ) التفصيل في وصية الذمي ~~والأمر كذلك في وصية المسلم وهو ما كان محظورا لا يمتثل ولا تصح الوصية به، ~~وصرح بمثل هذا في موضع آخر، والمعتبر فيمن تصح وصيته العقل والحرية، فلا ~~تصح وصية مجنون وعبد، وفي صحة وصية الصبي المميز خلاف، قال في "البحر": لا ~~تصح من ابن السبع إجماعا. أبو ms1375 حنيفة وأحد قولي الشافعي: ولا من ابن العشر ~~لرفع القلم فأشبه ابن الخمس. عمر وأحمد ومالك: بل تصح؛ لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن الله جعل لكم ثلث أموالكم" (¬1). ولم يفصل. قلت: فصل ~~القياس على الخمس. انتهى. وفي "طرح التثريب شرح التقريب" في حكاية الخلاف ~~ما لفظه: وفي صحة وصية الصبي المميز خلاف؛ جوزها مالك إذا عقل القربة ولم ~~يخلط، وأحمد بن حنبل إذا جاوز العشر، وفي رواية أخرى عنه إذا جاوز السبع، ~~وحكى عنه ابن المنذر إذا كان ابن اثنتي عشرة سنة، ومنعها أبو حنيفة، وهو ~~أظهر قولي الشافعي وبه قال أكثر أصحابه، وهو رواية عن أحمد، وعن الشافعي ~~قول آخر أن وصيته صحيحة، فرتب الخلاف على التمييز وهو الأولى. وأما المحجور ~~عليه فتصح وصيته وهي موقوفة على فك الحجر، والمحجور للسفه PageV06P529 # تصح وصيته عند الجمهور ومنهم الشافعي. وأما وصية العبد فهي لا تنفذ منه ~~ما دام عبدا إجماعا، وأما إذا عتق وقد كان أوصى، فاختار الإمام المهدي أنها ~~تنفذ لزوال المانع، وهو الموافق لما ذكر في نكاحه بغير إذن سيده إذا (أ) ~~عتق، وحكى قولا أنه يشترط إطلاق التصرف عند صدورها. والله أعلم. # 788 - وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله، ~~أنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: "لا". ~~قلت: أفأتصدق بشطره؟ قال: "لا". قلت: أفأتصدق بثلثه؟ قال: "الثلث والثلث ~~كثير، إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس". متفق ~~عليه (¬1). # الحديث، وقع هذا الحكم في حجة الوداع بمكة، وهو مصرح به في رواية الزهري ~~ولفظه: جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - يعودني وأنا بمكة في حجة الوداع ~~(¬2). وأخرج الترمذي (¬3) عن ابن عيينة أنه في فتح مكة. واتفق الحفاظ أنه ~~وهم ولكنه قد وجد لرواية ابن عيينة مستند فيما أخرجه أحمد والبزار ~~والطبراني PageV06P530 # والبخاري في "التاريخ" وابن سعد (¬1) من حديث (أ) عمرو بن [القاري] (ب) ~~أن رسول الله - صلى الله عليه ms1376 وسلم - قدم فخلف سعدا مريضا حيث خرج إلى ~~حنين، فلما قدم من الجعرانة معتمرا دخل عليه وهو مغلوب فقال: يا رسول الله، ~~إن لي مالا وإني أورث كلالة، أفأوصي بمالي؟ الحديث، ويمكن الجمع بين ~~الروايتين بأن يكون ذلك وقع له مرتين؛ مرة عام الفتح ومرة عام حجة الوداع، ~~ففي الأولى لم يكن له وارث من الأولاد أصلا، وفي الثانية كانت له بنت فقط. ~~والله أعلم. # وقوله: أنا ذو مال. التنوين فيه للتكثير؛ أي مال كثير، وقد ورد في بعض ~~طرقه مصرحا بالوصف. # وقوله: ولا يرثني إلا ابنة. قال النووي (¬2) وغيره: معناه لا يرثني من ~~الولد أو من خواص الورثة أو من النساء، وإلا فقد كان لسعد عصبات؛ لأنه من ~~بني زهرة وكانوا كثيرا. وقيل: معناه لا يرثني من أصحاب الفروض، أو خصها ~~بالذكر على تقدير: لا يرثني ممن أخاف عليه الضياع والعجز إلا هي. أو ظن ~~أنها ترث جميع المال واستكثر لها نصف التركة، وهذه البنت قيل: إن اسمها ~~عائشة. وهي غير عائشة المذكورة في إسناد الحديث في البخاري، فهي تابعية ~~عمرت حتى أدركها مالك ؤروى عنها، وماتت (ج) سنة سبع PageV06P531 # عشرة إلا أن النسابين لم يذكر أحد منهم أن لسعد بنتا تسمى عائشة غير هذه، ~~وذكروا أن أكبر بناته أم الحكم الكبرى، وأمها بنت شهاب بن عبد الله بن ~~الحارث بن زهرة، وذكروا له بنات أخر أمهاتهن متأخرات الإسلام بعد الوفاة ~~النبوية. قال المصنف رحمه الله تعالى (¬1): والظاهر أن البنت المشار إليها ~~هي أم الحكم المذكورة؛ لتقدم تزويج سعد بأمها، ولم أر من حرر ذلك. انتهى. ~~واعلم أن الفاكهي (¬2) ذكر أنه ولد لسعد بعد ذلك أربعة بنين وأنه لا يعرف ~~أسماؤهم، وقد سمى مسلم ثلاثة؛ عامرا ومصعبا ومحمدا، واقتصر القرطبي على أن ~~أولاده ثلاثة، وعن بعضهم أنه عد أربعة من الذكور غير الثلاثة؟ وهم عمر ~~وإبراهيم ويحيى وإسحاق. وابن سعد (¬3) ذكر له من الذكور غير السبعة أكثر من ~~عشرة؛ وهم عبد الله وعبد الرحمن وعمر وعمران وصالح وعثمان وإسحاق ms1377 الأصغر ~~وعمر الأصغر وعمير مصغرا وغيرهم، وذكر له من البنات ثنتي عشرة بنتا. والله أعلم. # وقوله: أتصدق بثلثي مالي. هكذا في رواية عائشة بنت سعد (¬4)، وكذا في ~~رواية الزهري (¬5)، وجاء في رواية سعد بن إبراهيم (¬6): أوصي بمالي كله. ~~فقوله: أتصدق. يحتمل التنجيز والتعليق بخلاف: أفأوصى. فإنها نص في التعليق، ~~إلا أنه يحمل على أن رواية: أتصدق. مراد به التعليق للجمع بين روايتين مع ~~اتحاد القصة، وقد تمسك بلفظ أتصدق من جعل PageV06P532 # تبرعات المريض من الثلث وحملوه على التنجيز، وأما رواية المال كله فهي ~~زيادة ولعل الراوي الذي أهملها لم يثبتها، ومن رواها أثبتها، ومن اقتصر ~~عليها إما أنه نسي ما بعدها أو اختصر في الرواية، وقد وقع مجموع ذلك في ~~رواية جرير بن [زيد] (أ) عند أحمد (¬1)، وفي رواية [بكير] (ب) عند النسائي ~~(¬2)، وفي رواية بلفظ: قلت: فالشطر (¬3). والشطر مراد به النصف. # وقوله: قال: "الثلث". يجوز جره بتقدير الجار ومتعلقه؛ أي تصدق بالثلث. ~~وتقدير الجار وإبقاء أثره وإن كان قليلا لكنه مع وجود القرينة على المقدر ~~[فصيح] (ج)، ويجوز النصب بتقدير: سم الثلث أو عين الثلث. ويجوز الرفع ~~بتقدير فعل ويكون هذا فاعله وهو: يجوز الثلث. # وقوله: "والثلث كثير". بالثاء المثلثة. وفي البخاري (¬4) رواية بالشك في ~~كثير بالمثلثة أو بالموحدة من أسفل. وكذا للنسائي (¬5) من طريق أبي عبد ~~الرحمن السلمي عن سعد وفيه: فقال: "أوصيت؟ ". قلت: نعم. قال: "بكم؟ ". قلت: ~~بمالي كله. قال: "فما تركت لولدك؟ ". وفيه: "أوص بالعشر". قال: فما زال ~~يقول وأقول حتى قال: "أوص بالثلث والثلث PageV06P533 # كثير". أو: "كبير". يعني بالمثلثة أو بالموحدة، شك الراوي، والمحفوظ في ~~أكثر الروايات بالمثلثة، ومعناه كثير بالنسبة إلى ما دونه، وفائدة قوله: ~~"والثلث كثير". بيان الجواز بالثلث وأن الأولى أن ينقص عنه ولا يزيد عليه ~~وهو الذي يتبادر إلى الفهم، ويحتمل أن يكون لبيان أن التصدق بالثلث هو ~~الأكمل أي كثير أجره، ويحتمل أن يكون معناه كثير غير قليل. قال الشافعي ~~(¬1) رحمه الله تعالى: وهذا أولى معانيه. يعني أن الكثرة أمر ms1378 نسبي، ويدل ~~على الأول قول ابن عباس (¬2): وددت أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع في ~~الوصية. وفي لفظ (¬3): لو أن الناس غضوا من الثلث إلى الربع. والحديث فيه ~~دلالة على منع الوصية لمن له وارث بأكثر من الثلث، واستقر على ذلك الإجماع، ~~واختلفوا في المستحب من ذلك؛ فذهب قوم إلى أنه ما دون الثلث لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "الثلث كثير". وقال بهذا ابن عباس وإسحاق بن راهويه، وهو ~~معروف من مذهب الشافعي وقال به كثير من السلف. قال قتادة: أوصى أبو بكر ~~بالخمس وأوصى عمر بالربع، والخمس أحب إلى. وذهب قوم إلى أن الثلث مستحب؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله جعل لكم في الوصية ثلث أموالكم ~~زيادة في أعمالكم". وهذا الحديث ضعيف وسيأتي (¬4). وأما إذا كان لا وارث ~~فذهب مالك إلى أنه كذلك لا تجوز الزيادة على الثلث، وذهب إليه الأوزاعي، ~~واختلف فيه قول أحمد. وأجاز PageV06P534 # أبو حنيفة وإسحاق والهدوية وهو قول ابن مسعود الوصية بالمال كله. وسبب ~~الخلاف في ذلك أن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنك أن تذر" إلخ. هل يفهم ~~منه علة المنع من الوصية بأن السبب في ذلك رعاية حق الوارث وأنه إذا انتفى ~~ذلك انتفى الحكم بالمنع، أو يجعل الحكم تعبديا وإن علل بعلة فلا يتعدى ~~الحكم، أو يجعل المسلمون بمنزلة الورثة كما ذهب إليه المؤيد بالله وهو قول ~~للشافعي؟ والظاهر أن الحكم معلل معتبر التعليل، وهو منتف في حق من لم يكن ~~له وارث معين وإن كان المسلمون ورثته ولكن الضياع في حقهم غير معتبر، وكذلك ~~إذا أجاز الورثة الوصية نفذت وإن كانت أكثر من الثلث؛ لإسقاط حقهم الذي منع ~~اعتباره الزائد على الثلث. وقد ذهب إلى هذا الجمهور، والخلاف لأهل الظاهر ~~والمزني، وقواه السبكي واحتج له بحديث عمران بن الحصين في الذي أعتق ستة ~~أعبد، فإن فيه عند مسلم: فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - قولا شديدا ~~(¬1)، وفسر القول الشديد في رواية أخرى أنه قال: "لو علمت ذلك ms1379 ما صليت ~~عليه" (¬2). ولم ينقل أنه راجع الورثة، فدل على منعه مطلقا، وإذا أجاز ~~الورثة في حال الحياة وأرادوا الرجوع عن ذلك، فمن نظر إلى أن الحق قد ثبت ~~ولو في حال الحياة قال: لا يصح الرجوع؛ لأنه إسقاط حق قد ثبت. وقد ذهب إلى ~~هذا الصادق والناصر، وذكر في المعنى عن القاسمية أن لهم الرجوع ولعلهم ~~يقولون: إن الحق متجدد فيصح الرجوع. وأما بعد الموت فذهب الهادي في ~~"الأحكام" وهو قول الحسن وعطاء وابن أبي ليلى أنه لا يصح الرجوع؛ لأن الحق ~~قد انقطع بالموت فحصل الموت وهو منقطع فلم ينفع الرجوع، وذكر الهادي في ~~"الفنون" والمؤيد بالله وأبو حنيفة PageV06P535 # والشافعي أن له الرجوع؛ قالوا: لأن الحق إنما يستقر بالموت، والإجازة ~~وقعت قبله، فأشبه الشفعة قبل البيع. ويجاب عنه بأنه (أيقارن استقراره أ) ~~والموت والإسقاط دائم، فالرجوع بعد سقوطه لا يصح. وقال مالك: إن أجازوا في ~~حال المرض فلا رجوع، وإن كان في حال الصحة ثبت الرجوع. ووجه التفرقة أنه قد ~~قوي حق الوارث بالمرض، واستثنى بعض المالكية ما إذا كان المجيز من عائلة ~~الموصى (ب) وخشي من امتناعه انقطاع معروفه عنه لو عاش، فإن له الرجوع. وقال ~~الزهري: ليس له الرجوع مطلقا. # وقوله: "إنك أن تذر". يروى في "أن" الفتح للهمزة والكسر، فالفتح على ~~تقدير اللام للتعليل، والكسر على جعلها شرطية. قال النووي (¬1): وهما ~~صحيحان. وقال القرطبي: لا يستقيم الشرط هنا لعدم الجواب. ومثله قال عبد ~~الله بن أحمد الخشاب. قال ابن الجوزي: سمعناه من رواة الحديث بالكسر. ~~والجواب عما ذكروه بأن جواب الشرط "خير"، وهو خبر مبتدأ محذوف بتقدير ~~الفاء، وهو جائز في السعة (ج)، ومن خصه بالشعر فقد ضيق، وإنه كثير في الشعر ~~قليل في [السعة] (د)، وأنشد سيبويه (¬2): # * من يفعل الحسنات الله يشكرها * # وفي غير الشعر مثل قوله في حديث اللقطة: "فإن جاء صاحبها وإلا PageV06P536 # استمتع بها" (¬1). فإن الفاء محذوف في قوله: "استمتع". وكذا في حديث ~~اللعان: "وإلا حد" (¬2). فإن الفاء مقدرة على لفظ: حد. ms1380 # وقوله: "ورثتك". ولم يقل: ابنتك. مع أنه لم يكن له إلا ابنة، مع أنه في ~~لفظ: ولا يرثني إلا ابنة. إما لأنه قد عرف - صلى الله عليه وسلم - أنه لا ~~يموت إلا وله ورثة كثيرون، أو لأنه يجوز أن تموت البنت قبله، فأجابه بكلام ~~[كلي مطابق لكل حالة] (أ)، بقوله: "ورثتك". ولم يخص بنتا من غيرها، مع أنه ~~لم يكن ميراثه متعينا في البنت، فقد كان لأخيه عتبة أولاد إذ ذاك؛ منهم ~~هاشم بن عتبة الصحابي الذي قتل بصفين. # وقوله: "عالة". أي فقراء، وهو جمع عائل وهو الفقير، وهو من عال يعيل إذا افتقر. # وقوله: "يتكففون الناس". أي يسألون الناس بأكفهم، يقال: تكفف الناس ~~واستكف. إذا بسط كفه للسؤال، أو مأخوذ من كف عنه؛ أي يسأل ما يكف عنه ~~الجوع، أو سأل (ب) كفافا من الطعام. # والحديث فيه من الفوائد مشروعية زيارة المريض كما هو مذكور في تمام ~~الحديث للإمام فمن دونه، ويتأكد عند اشتداد المرض. # وفي الحديث أيضا أنه وضع يده على جبهة سعد ومسح على العضو الذي يؤله ~~وبشره بطول العمر، وأخبره سعد بشدة مرضه وقوة ألمه ولم ينكر عليه في ذلك؛ ~~لأنه لم يقترن بما يمنع من التبرم وعدم الرضا، وقد يستحب أو يحسن إذا كان ~~في ذلك طلب دعاء أو دواء، ولا ينافي ذلك الاتصاف PageV06P537 # بالصبر المحمود، وإذا جاز ذلك في أثناء المرض، فإن الإخبار به بعد (أ) ~~البرء أجوز. وفي الحديث دلالة على إباحة جمع المال، والحث على صلة الرحم ~~والإحسان [إلى] (ب) الأقارب، وأن صلة الأقرب أفضل من صلة الأبعد. # وفيه الاستفسار عن المحتمل إذا احتمل وجوها، لأنه لما منع من الوصية ~~بجميع المال احتمل عنده المنع فيما دونه والجواز، فاستفسر عما دون ذلك. # وفيه النظر في مصالح الورثة، وأن خطاب الشارع للواحد يعم من كان بصفته من ~~المكلفين، لإطباق العلماء على الاحتجاج بحديث سعد هذا، وإن كان الخطاب يفيد ~~التقرير، وإن كان بعض العلماء قال: إن ذلك يختص بسعد ومن كان في مثل ms1381 حاله ~~ممن يخلف وارثا ضعيفا، أو كان ما يخلفه قليلا؛ لأن البنت من شأنها أن يطمع ~~فيها، وإن كانت (ج) بغير مال لم يرغب فيها. وفيه أن من ترك مالا قليلا ~~فالاختيار له ترك الوصية وإبقاء المال للورثة. وفيه مراعاة العدل في الوصية ~~وأن الثلث في حد الكثرة. # فائدة: أول من أوصى بالثلث في الإسلام البراء بن معرور -بمهملات- أوصى به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان قد مات قبل أن يدخل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - المدينة بشهر، فقبله النبي - صلى الله عليه وسلم - ورده على ~~ورثته. أخرجه الحاكم وابن المنذر (¬1). # فائدة: يفهم من قول سعد: وأنا ذو مال. أنه مال كثير، وأن الوصية PageV06P538 # تكون من المال الكثير دون المال القليل. وكذا الحديث الأول على رواية: له ~~مال. قال ابن عبد البر (¬1): وقد أجمع العلماء على أن من لم يكن عنده إلا ~~اليسير التافه من المال أنه لا يندب له الوصية. ثم قال (¬2): اختلف السلف ~~في مقدار المال الذي تستحب فيه الوصية أو تجب (أ) عند من أوجبها؛ فروي عن ~~علي رضي الله عنه أنه قال: ستمائة درهم أو سبعمائة درهم ليس بمال فيه وصية ~~(¬3). وروي عنه أنه قال: ألف درهم مال فيه وصية (¬4). وقال ابن عباس: لا ~~وصية في ثمانمائة درهم (¬5). وقالت عائشة في امرأة لها أربعة من الولد ولها ~~ثلاثة آلاف درهم: لا وصية في مالها (¬6). وقال إبراهيم النخعي: ألف درهم ~~إلى خمسمائة درهم (¬7). وقال قتادة في قوله تعالى: {إن ترك خيرا} (¬8): ألف ~~فما فوقها (¬9). وعن علي: من ترك مالا يسيرا فليدعه لورثته فهو أفضل (¬10). ~~وعن عائشة فيمن ترك ثمانمائة درهم: لم يترك خيرا فلا يوص. أو نحو هذا من ~~القول. قال ابن عبد البر (2): وفي هذا دلالة على أن PageV06P539 # الأمر بالوصية في الكتاب والسنة على الندب، وإن كانت الوصية واجبة في ~~الكتاب للوالدين والأقربين كانت منسوخة بآية الواريث. انتهى. وهذه الدلالة ~~مأخذها من أنه لو كانت واجبة لبين القدر الذي تجب عنده الوصية كما هو في ~~غيره ms1382 من سائر الواجبات المالية. وقال ابن حزم (¬1) عن عائشة أنها قالت فيمن ~~ترك أربعمائة دينار: ما في هذا فضل عن ولده. وقال أبو الفرج السرخسي (¬2) ~~من الشافعية: إن من قل ماله وكثر عياله يستحب ألا يفوته عليهم بالوصية. ~~والصحيح المعروف عند الشافعية استحباب الوصية لمن له مال مطلقا، وهو قول ~~الهدوية. # 789 - وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها ولم توص، وأظنها لو تكلمت تصدقت، ~~أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: "نعم". متفق عليه واللفظ لمسلم (¬3). # قوله: أن رجلا. أورد البخاري (¬4) بعد هذه الرواية حديث ابن عباس أن سعد ~~بن عبادة قال: إن أمي ماتت وعليها نذر. الحديث. وكأنه رمز إلى أن المبهم في ~~حديث عائشة هو سعد بن عبادة، وجاء في البخاري (¬5) في رواية لحديث سعد ~~بلفظ: إن أمي توفيت وأنا غائب عنها، فهل ينفعها شيء إن PageV06P540 # تصدقت به عنها؟ لاحتمال أن يكون سأل عن النذر وعن الصدقة عنها. وبين ~~النسائي (¬1) من وجه آخر جهة الصدقة المذكورة، [فأخرج] (أ) من طريق ابن ~~المسيب عن سعد قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي ماتت أفأتصدق عنها؟ قال: ~~"نعم". قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: "سقي الماء". ومثله أخرج الدارقطني في ~~"غرائب مالك"، والمحفوظ عن مالك الحديث المذكور أولا عن سعد. # وقوله: افتلتت. بضم المثناة بعد الفاء الساكنة وكسر اللام، أي أخذت فلتة؛ ~~أي بغتة. وقوله: نفسها. بالضم على الأشهر نائب مناب الفاعل وبالفتح أيضا ~~وهو موت الفجأة، والمراد بالنفس هنا الروح. # وأظنها لو تكلمت تصدقت. وفي لفظ للبخاري (¬2): وأراها. وهو بمعنى الظن، ~~وظاهر هذا أنها لم تتكلم. وقد أخرج في "الموطأ" (¬3) من حديث سعيد بن سعد ~~بن عبادة أنه خرج سعد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في بعض مغازيه، ~~وحضرت أمه الوفاة بالمدينة، فقيل لها: أوصي. فقالت: فيم أوصي والمال مال ~~سعد؟ فتوفيت قبل أن يقدم سعد. فذكر الحديث. وظاهر هذا أنها تكلمت ومنعها ~~هذا المانع ms1383 من الوصية. ويمكن تأويل النفي بأنها لم تتكلم أي بالصدقة، أو ~~يحمل بأن سعدا ما عرف ما قيل لها وما أجابت به، فإن PageV06P541 # الراويين [مختلفان] (أ). # وقوله: أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ الحديث. الحديث فيه دلالة على أن الميت ~~تنفعه الصدقة ويصل ثوابها إليه ولا سيما إن كان من الولد، وهو مخصص لعموم ~~قوله تعالى: {وأن ليس للإنسان إلا ما سعى} (¬1). ويلتحق بالصدقة العتق، وقد ~~ورد مصرحا به في رواية للبخاري في حديث سعد خلافا للمالكية على المشهور ~~عندهم، وقد اختلف في غير الصدقة من أعمال البر هل تصل إلى الميت كالحج ~~والصوم؟ وقد تقدم الكلام عليه في آخر كتاب الجنائز (¬2). وأفاد الحديث أن ~~تارك الوصية غير ملوم، فإنه لم يرو أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لامها ~~في ذلك ليحذر الغير، فدل على ندبيتها. وأن أصحاب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - كانوا يستشيرون النبي - صلى الله عليه وسلم - في أمور الدين، وأن ~~إظهار الصدقة قد يكون خيرا من إخفائها. # 790 - وعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". ~~رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وحسنه أحمد والترمذي، وقواه ابن خزيمة ~~وابن الجارود (¬3). PageV06P542 # ورواه الدارقطني (¬1) من حديث ابن عباس رضي الله عنه وزاد في آخره: "إلا ~~أن يشاء الورثة". وإسناده حسن. # الحديث ترجم به البخاري (¬2) وقال: باب لا وصية لوارث. وكأنه لم يثبت على ~~شرطه، فترجم به كعادته، والحديث أخرجوه (أ) من حديث خطة الوداع بلفظ: "إن ~~الله قد أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث". وفي إسناده إسماعيل بن عياش ~~(¬3)، وقد قوى حديثه عن الشاميين جماعة من الأئمة؛ منهم أحمد والبخاري، ~~وهذا من روايته عن شرحبيل بن مسلم وهو شامي ثقة، وصرح في روايته بالتحديث ~~عند الترمذي، وقال الترمذي: حديث حسن. وفي الباب عن عمرو بن خارجة عند ~~الترمذي والنسائي (¬4). وعن أنس عند ابن ماجه (¬5). وعن عمرو بن شعيب عن ms1384 ~~أبيه عن جده عند الدارقطني (¬6). وعن جابر عند الدارقطني (¬7) أيضا وقال: ~~الصواب إرساله. وعن علي عند ابن أبي شيبة (¬8)، ولا يخلو إسناد منها من ~~مقال، لكن مجموعها يقتضي أن للحديث أصلا، بل جنح الشافعي في "الأم" (¬9) ~~إلى أن هذا المتن متواتر فقال: وجدنا أهل PageV06P543 # الفتيا ومن حفظنا عنهم من أهل العلم بالمغازي من قريش وغيرهم لا يختلفون ~~عنه ممن لقوه من أهل العلم، فكان نقل كافة عن كافة، فهو أقوى من نقل واحد. ~~وقد نازع الفخر الرازي (¬1) في كون هذا الحديث متواترا. وحديث الدارقطني ~~(¬2) بزيادته أخرجه من طريق ابن جريج عن عطاء (أعن ابن عباس أ) مرفوعا: "لا ~~تجوز وصية لوارث إلا أن يشاء الورثة". ورجاله ثقات إلا أن فيه علة بأنه قد ~~قيل: إن عطاء هو الخراساني (¬3). وكأن البخاري أشار إلى ذلك فترجم بالحديث، ~~ثم أخرج البخاري (¬4) بعده عن عطاء بن أبي رباح عن ابن عباس موقوفا، في ~~تفصيل تفسير الآية، وله حكم المرفوع أيضا. # والحديث فيه دلالة على منع الوصية للوارث، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من ~~أهل العلم، وذهب الهادي والناصر وأبو طالب وأبو العباس إلى أنه تجوز الوصية ~~للوارث، قالوا: لقوله تعالى: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا ~~الوصية} الآية (¬5). فإنه نسخ الوجوب وبقي الجواز. ويجاب عن هذا بأنه مبني ~~على القول بأن نسخ الشيء الواجب لا يلزم منه رفع حكمه بالكلية، وهي مسألة ~~خلاف تحقيقها في الأصول. وبأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا وصية ~~لوارث". يدل على رفع حكم الوصية، [وأنه] (ب) لا PageV06P544 # يبقى لها (أ) حكم شرعي لا بمعنى: لا وجوب، ويدل على هذا الزيادة التي في ~~آخر الحديث وهو: "إلا أن يشاء الورثة". ومن المعلوم أن ذلك لا يكون تقييدا ~~إلا لصحتها واعتبارها شرعا بنفوذ حكمها لا بمعنى أن (ب) وجوبها باق، كما ~~يلزم على القول بأن المرفوع من الآية إنما هو الوجوب. ثم اختلف العلماء: ما ~~الناسخ للآية الكريمة؛ فقال قوم: هي منسوخة بالحديث المذكور؛ لأنه متلقى ~~بالقبول. ms1385 وهذا يستقيم على قول من يجوز نسخ القرآن بالسنة المعلومة، وعلى ~~قول من منع يصح أن تكون آية المواريث هي الناسخة، لتقدم آية الوصية، والسنة ~~مبينة أن آية المواريث ناسخة لآية الوصية. واختلف أهل العلم ما المنسوخ من ~~آية الوصية، فذهب طاوس وقليل من أهل العلم إلى أنها منسوخة في حق الأقارب ~~الذين يرثون، وبقي وجوبها في الأقارب الذين لا يرثون، كالأبوين الكافرين أو ~~العبدين. ويحكى هذا القول عن الحسن وقتادة والضحاك وإسحاق بن راهويه (¬1). ~~ويروى عن ابن عباس (¬2). قال طاوس: إن الوصية كانت قبل الميراث فلما نزل ~~الميراث نسخ من يرث وبقيت الوصية لمن لا يرث، فهي ثابتة، فمن أوصى لغير ذي ~~قرابته لم تجز وصيته. وقال أكثر أهل العلم: نسخ وجوب الوصية في جميع ~~الأقربين، ثم منع من الوصية للوارثين، واستحبت لغير الوارثين. وهو قول ابن ~~عمر ومجاهد والشعبي والنخعي والسدي (¬3) ومالك والشافعي. وفي PageV06P545 # البخاري (¬1) عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان المال للولد، وكانت ~~الوصية للوالدين، فنسخ الله تعالى من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ ~~الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، ~~وللزوج الشطر والربع. # وقوله في الزيادة: "إلا أن يشاء الورثة". فيها دلالة على نفوذ الوصية ~~بإجازة الورثة، وقد تقدم الكلام في الإجازة (¬2). واختلفوا أيضا في إقرار ~~المريض للوارث؛ فأجازه مطلقا الأوزاعي وإسحاق وأبو ثور. وهو المرجح عند ~~الشافعي. وبه قال مالك، إلا أنه استثنى ما إذا أقر لبنته ومعها من يشرك من ~~غير الولد كابن العم مثلا، قال: لأنه يتهم في أنه يزيد بنته وينقص ابن عمه ~~من غير عكس. واستثنى ما إذا أقر لزوجته التي يعرف بمحبتها والميل إليها ~~وكان بينه وبين ولده من غيرها تباعد ولا سيما إذا كان له منها ولد في تلك ~~الحال. وحاصل المنقول عن المالكية أن مدار الأمر على التهمة وعدمها، فإن ~~فقدت جاز، وإلا فلا. وهو اختيار الروياني من الشافعية. وعن شريح والحسن بن ~~صالح: لا يجوز إقراره لوارث إلا لزوجته ms1386 بصداقها. وعن القاسم وسالم والثوري ~~والشافعي في قول -وزعم ابن المنذر أن الشافعي رجع عن الأول إليه- وبه قال ~~أحمد، لا يجوز إقرار المريض لوارثه مطلقا، لأنه منع الوصية له، فلا يؤمن أن ~~يزيد الوصية له فيجعلها إقرارا. واحتج من أجاز مطلقا بما تقدم عن الحسن أن ~~التهمة في حق المحتضر بعيدة، وبالفرق بين الوصية والدين؛ لأنهم اتفقوا على ~~أنه لو أوصى في صحته لوارثه بوصية وأقر له بدين ثم رجع، أن رجوعه عن ~~الإقرار لا يصح، بخلاف الوصية فيصح رجوعه عنها، واتفقوا على أن المريض إذا ~~أقر بوارث صح إقراره، مع أنه PageV06P546 # يتضمن الإقرار بالمال، وبأن مدار الأمر على الظاهر، فلا يترك إقراره للظن ~~المحتمل، فإن أمره إلى الله تعالى. والله أعلم. # 791 - وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إن الله تصدق عليكم بثلث أموالكم عند وفاتكم زيادة في حسناتكم". رواه ~~الدارقطني (¬1). # وأخرجه أحمد والبزار من حديث أبي الدرداء (¬2)، وابن ماجه من حديث أبي ~~هريرة (¬3)، وكلها ضعيفة لكن قد يقوى بعضها ببعض. # في رواية الدارقطني والبيهقي (¬4) زيادة في الحديث: "ليجعل لكم زكاة في ~~أموالكم". والحديث في إسناده إسماعيل بن عياش وشيخه عتبة بن حميد وهما ~~ضعيفان (¬5). وفي الباب عن أبي بكر الصديق رواه العقيلي في "تاريخ الضعفاء" ~~(¬6) من طريق حفص بن عمر بن ميمون وهو متروك (¬7). وعن خالد PageV06P547 # ابن عبد الله السلمي (¬1)، وهو مختلف في صحبته، رواه عنه ابنه الحارث ~~(¬2) وهو مجهول. # الحديث فيه دلالة على شرعية الوصية بالثلث، وأن ذلك لا يمنع منه الميت، ~~وظاهره الإطلاق في حق الوارث وغيره، فتنفذ الوصية بالثلث ولو لوارث. وقد ~~ذهب إليه الهادي وغيره من أهل البيت. وادعى أبو طالب إجماع أهل البيت على ~~ذلك. والحديث يفهم ذلك، ويقويه إطلاق قوله تعالى: {من بعد وصية} الآية ~~(¬3). وذهب الفقهاء الأربعة وغيرهم والمؤيد بالله وحكاه في "شرح الإبانة" ~~عن زيد بن علي وأبي عبد الله الداعي إلى أن الوصية للوارث لا تنفذ (أ)، ~~والحديث والآية مقيدان بما ms1387 عدا الوصية للوارث، والقيد لذلك الحديث المعمول ~~به الذي مر، وهو دليل واضح كما مر تحقيقه. والله أعلم. # فائدة: ظاهر قوله تعالى: {من بعد وصية يوصي بها أو دين} (3). أن الدين ~~والوصية يخرجان من تركة الميت على سواء، فتشارك الوصية الدين إذا استغرق ~~المال، والعلماء اتفقوا أن الدين يقدم إخراجه على الوصية، وأشار PageV06P548 # البخاري (¬1) إلى ذلك فقال: باب تأويل قوله تعالى: {من بعد وصية يوصي بها ~~أو دين}. أي بيان المراد بتقديم الوصية في الذكر على الدين مع أن الدين هو ~~المقدم في الأداء، ثم قال البخاري: ويذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قضى بالدين قبل الوصية. هذا طرف من حديث أخرجه أحمد والترمذي (¬2) وغيرهما ~~من طريق الحارث وهو الأعور عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: قضى محمد ~~- صلى الله عليه وسلم - أن الدين قبل الوصية وأنتم تقرءون الوصية قبل ~~الدين. لفظ أحمد وإسناده ضعيف لكن قال الترمذي: إن العمل عليه عند أهل ~~العلم. وكأن البخاري اعتمد عليه لاعتضاده بالاتفاق على مقتضاه، وإلا فعادته ~~ألا يورد الضعيف في مقام الاحتجاج، وقد أورد له شواهد، ولم يختلف العلماء ~~أن الدين مقدم على الوصية إلا في صورة واحدة؛ وهي إذا أوصى لشخص بألف مثلا ~~وصدقه الوارث وحكم به، ثم ادعى آخر أن له في ذمة الميت دينا يستغرق موجوده ~~وصدقه الوارث؛ ففي وجه للشافعية [تقدم] (أ) الوصية على الدين في هذه الصورة ~~الخاصة، والسر في تقديم الوصية على الدين في الآية الكريمة هو أنه لما كان ~~الوصية تقع على سبيل البر والصلة، والدين نفع يتعدى الميت بحسب الأغلب، ~~فبدئ بالوصية لكونها أفضل. كذا ذكر السهيلي. وقال غيره: قدمت الوصية لأنه ~~شيء يوجد بغير عوض، والدين يوجد بعوض، فكان إخراج الوصية أشق على الوارث من ~~إخراج الدين، وكان أداؤها مظنة التفريط، بخلاف الدين فإن الوارث مطمئن ~~بإخراجه، فقدمت PageV06P549 # الوصية لذلك، ولأنها حظ فقير ومسكين غالبا، والدين حظ غريم يطلبه بقوة ~~وله مقال، ولأن الوصية ينشئها الموصي من قبل نفسه، ms1388 فقدمت تحريضا على العمل ~~بها، بخلاف الدين فإنه مطلوب منه ذكر أو لم يذكره، ولأن الوصية ممكنة من كل ~~أحد مطلوبة منه؛ إما وجوبا أو ندبا فيشترك فيها جميع المخاطبين، وتقع ~~بالمال وبالعمل، وقل من يخلو عن ذلك، بخلاف الدين، وما يكثر وقوعه أهم بأن ~~يذكر أولا على ما يقل وقوعه. والله سبحانه أعلم. PageV06P550 ### || AUTO باب الوديعة # الوديعة اسم لعين يضعها مالكها أو نائبه عند آخر ليحفظها، مأخوذة من ودع ~~الشيء يدع: إذا سكن، فكأنها ساكنة عند المودع، وقيل من قولهم: فلان في دعة. ~~أي في خفض من العيش؛ لأنها غير مبتذلة بالانتفاع. وبالقيود المذكورة تخرج ~~العين في يد الملتقط، والثوب إذا ألقاه طائر في دار آخر، وحكمه يغاير حكم ~~الوديعة. والأصل فيها قوله تعالى: {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} (¬1). وقوله ~~تعالى: {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} (¬2). وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك". صححه ~~الحاكم (¬3) على شرط مسلم. ولأن بالناس حاجة بل ضرورة إليها، وقد تكون ~~واجبة إذا لم يكن من يصلح لها غيره وخاف الهلاك عليها إن لم يقبل. ذكره ~~أصحاب الشافعي، وذكره في "البحر" منسوبا إلى الإمام يحيى. قال ابن الملقن: ~~وهو محمول على أصل القبول دون أن يتلف منفعة نفسه في الحفظ من غير عوض. ~~فعلى هذا يجب عليه أن يقبل بالأجرة، ويلزم على هذا (أ) أن يأخذها وإن لم ~~يرض صاحبها، وعلى أصل الشافعية من دون حكم حاكم، وعلى أصل الهدوية لا ~~يأخذها إلا بحكم، واحتج في "البحر" بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "حرمة ~~مال المؤمن كحرمة دمه" (¬4). وتكون محرمة PageV06P551 # على من عرف من نفسه العجز عن حفظها؛ لأنه يعرضها للهلاك. وقال صاحب ~~"المهذب" (¬1) و [الماوردي] (أ): وكذا من عرف من نفسه الخيانة ويعجز عن ~~دفعها، ويكره في حق من يقدر على حفظ نفسه من الخيانة مع مسارعة نفسه إلى ~~ذلك؛ إذ لا يأمن عليه نفسه. وقال في "شرح المهذب": منهم من يقول: لا يجوز. ~~ومنهم ms1389 من يقول: يكره. ولم يرجح واحدا منهما. وقال النووي في "الروضة" (¬2): ~~هل يحرم قبولها أو يكره؟ وجهان، قال صاحب "المطلب": ويظهر أن هذا كله فيما ~~إذا رأى قبولها من غير اطلاع المالك على الحال، أما إذا أطلعه فرضي بذلك ~~فلا تحريم ولا كراهة، ويندب إذا أوثق من نفسه الأمانة، لقوله تعالى: ~~{وتعاونوا على البر والتقوى} (¬3). وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الله في ~~عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". أخرجه مسلم (¬4). # 792 - عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من أودع وديعة فليس عليه ضمان". أخرجه ابن ماجه وإسناده ضعيف (¬5). # وباب قسم الصدقات [تقدم] (ب) في آخر الزكاة، وباب قسم الفيء والغنيمة ~~يأتي عقيب الجهاد إن شاء الله تعالى. PageV06P552 # الحديث في إسناده المثنى بن الصباح (¬1)، وهو متروك، وتابعه ابن لهيعة ~~فيما ذكره البيهقي (¬2). وأخرج الدراقطني (¬3) حديث عمرو بن شعيب بلفظ: ~~"ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان". وفي ~~إسناده ضعيفان. قال الدارقطني: وإنما يروى هذا عن شريح غير مرفوع. ورواه ~~(3) من طريق أخرى ضعيفة بلفظ: "لا ضمان على مؤتمن". وفسر المغل في رواية ~~الدارقطني بأن المغل هو الخائن. وقيل: هو مدرج. وقيل: إنه المستغل وهو ~~القابض. وفي الباب آثار عن أبي بكر، وعلي، وابن مسعود، وجابر أن الوديعة ~~أمانة. أما أبو بكر فرواه سعيد بن منصور (¬4) قال: حدثنا أبو شهاب، عن حجاج ~~بن أرطاة، عن أبي الزبير، عن جابر أن أبا بكر قضى في وديعة كانت في جراب ~~فضاعت؛ أن لا ضمان فيها. وإسناده ضعيف. # وأما علي وابن مسعود فرواه الثوري في "جامعه" والبيهقي (2) من طريقه عن ~~جابر الجعفي عن القاسم بن عبد الرحمن أن عليا وابن مسعود قالا: ليس على ~~المؤتمن ضمان. وقد تضمن أثر أبي بكر معنى أثر جابر؛ لأن الظاهر في روايته ~~لذلك أنه يقول به ولا يخالف. # الحديث فيه دلالة على أن الوديع لا يضمن الوديعة، وهو حكم مجمع عليه، إلا ~~ما ms1390 يروى عن الحسن البصري أنه إذا شرط عليه الضمان فإنه يضمن. وقد تؤول بأنه ~~مع التفريط. PageV06P553 # واعلم أن الوديعة تثبت بلفظ الموجب: كاستودعتك هذا. أو: استحفطك هذا. أو: ~~[أنبتك] (أ) في حفظه. وكذا: خذه أمانة. وما أشبهه من الألفاظ الدالة على ~~الاستحفاظ، ويكفي القبول لفظا، وكذا ما يقوم مقامها مما يدل على الرضا ~~عرفا؛ مثل أن يضع في حانوته وهو حاضر ولا يمنعه من ذلك، أو يضع في المسجد ~~عنده وهو غير مصل، أو يقول: أضع عندك؟ فيسكت سكوت رضا، وأما إذا وضع عنده ~~وهو يصلي؛ فلا يكون رضا، لعدم تمكنه من إظهار الكراهة. كذا في كتب الهدوية. ~~وفي كتب الشافعية وجوه ثلاثة؛ الأصح أنه يكفي القبض في العقار والمنقول كما ~~في الوكالة. والثاني: أنه لا يكفي، بل لا بد من القبول بناء على أنها عقد. ~~والثالث: يفصل بين صيغة الأمر ك: احفظ هذا المال. والعقد ك: أودعتك. ~~والخلاف كما قال المتولي [ينبنى] (ب) على أن العقود هل يعتبر فيها ألفاظها ~~أو معانيها (¬1)؟ وعندهم في توقف القبول على القبض وجوه ثلاثة؛ جزم البغوي ~~بمنعه، والمتولي بمقابله، وأفتى الغزالي بأنه إن كان الموضع في يده فقال: ~~ضعها هنا. دخل الوديعة في يده لحصوله في الموضع الذي هو في يده، وإن لم يكن ~~بأن قال: انظر إلى متاعي في وكائي. فقال: نعم. لم يكن وديعة، وأما شرائط ~~المودع والمودع، وكيفية الرد، فتفصيل ذلك في كتب الفروع. PageV06P554 # البدر التمام شرح بلوغ المرام # للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي # (1048 ه - 1119 ه) # تحقيق # علي بن عبد الله الزبن # عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية # قدم له # فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان # رئيس مجلس القضاء الأعلى # الجزء السابع PageV07P001 # البدر التمام شرح بلوغ المرام PageV07P003 # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة الأولى # 1428 - ه-2007 م PageV07P004 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO كتاب النكاح # النكاح في اللغة: الضم والتداخل، وقال الفراء (¬1): النكح بضم ثم سكون: ~~اسم الفرج، ويجوز كسر أوله، وكثر استعماله في الوطء، وسمي به ms1391 العقد لكونه ~~سببه. وقال أبو القاسم الزجاجي (1): هو حقيقة فيهما. وقال الفارسي (1): إذا ~~قالوا: [نكح] (أ) فلانة أو بنت فلان. فالمراد العقد، وإذا قالوا: نكح ~~زوجته. فالمراد الوطء. وقال آخرون: أصله لزوم شيء بشيء مستعليا عليه، ويكون ~~في المحسوسات وفي المعاني. قالوا: نكح المطر الأرض. ونكح النعاس عينه. ~~ونكحت القمح في الأرض. إذا حرثتها وبذرته فيها. ونكحت الحصاة أخفاف الإبل. # وفي الشرع حقيقة في العقد مجاز في الوطء على الصحيح، ويدل على ذلك كثرة ~~وروده في الكتاب والسنة للعقد حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن (ب) إلا ~~للعقد، ولا يرد مثل قوله تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} (¬2). لأن شرط الوطء ~~في التحليل إنما يثبت بالسنة، وإلا [فالعقد] (ج) لا بد منه؛ لأن قوله {حتى ~~تنكح}. معناه: حتى تتزوج. أي: يعقد عليها. ومفهومه أن PageV07P005 # ذلك كاف بمجرده، لكن بينت السنة أنه لا عبرة بمفهوم الغاية بل لا بد بعد ~~العقد من ذوق العسيلة، كما أنه لا بد بعد ذلك من التطليق، ثم العدة، نعم ~~أفاد أبو الحسين بن فارس أن النكاح لم يرد في القرآن إلا للتزويج إلا قوله ~~تعالى: {وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح} (¬1). فإن المراد به الحلم. ~~والله أعلم. وفي وجه للشافعية كقول الحنفية أنه حقيقة في الوطء، مجاز في ~~العقد. وقيل: مقول بالاشتراك على كل منهما. وبه جزم الزجاجي، وهو الذي ~~يترجح في نظري، وإن كان أكثر ما يستعمل في العقد، ورجح بعضهم الأول، فإن ~~أسماء الجماع كنايات لاستقباح ذكره، فيبعد أن يستعير من لا يقصد فحشا اسم ~~ما يستهجنه لما لا يستهجنه، فدل على أنه في الأصل للعقد، وهذا يتوقف علي ~~تسليم المدعي أنها كلها كنايات، وقد جمع أسماء النكاح ابن [القطاع] (أ) ~~فزادت على الألف. # 793 - عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال لنا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "يا [معشر] (ب) الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض ~~للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء". متفق ms1392 عليه (¬2). # قوله: "يا [معشر] (ب) الشباب". المعشر جماعة يشملهم وصف ما، PageV07P006 # فالشباب معشر، والشيوخ معشر، والكهول معشر، وجمعه على معاشر، ولفظ ~~"الصحيحين" بصيغة معشر، والمعنى هنا متساوي، والشباب جمع شاب، ويجمع أيضا ~~على شيبة وشبان بضم أوله وتشديد الباء الموحدة آخره نون، وذكر الأزهري (¬1) ~~أنه لم يجمع فاعل على فعلان غيره. ويرد عليه: مثل صحبان في صاحب. وأصله ~~الحركة والنشاط وهو اسم من بلغ إلى أن يكمل ثلاثين، هكذا أطلق الشافعية. ~~وقال القرطبي في "المفهم": يقال: حدث. إلى ست عشرة سنة ثم شاب إلى اثنتين ~~وثلاثين ثم كهل. وكذا ذكر الزمخشري. وقال ابن شاس المالكي في "الجواهر" أنه ~~يقال: شاب. إلى أربعين. وقال النووي (¬2): الأصح المختار أن الشباب من بلغ ~~ولم يجاوز الثلاثين، ثم هو كهل إلى أن يجاوز الأربعين، ثم هو شيخ. وقال ~~الروياني وطائفة: من جاوز الثلاثين يسمى شيخا. زاد ابن قتيبة: إلى أن يبلغ ~~الخمسين. وقال أبو إسحاق الإسفراييني عن أصحاب الشافعي: المرجع في ذلك إلى ~~اللغة، وأما بياض الشعر فيختلف باختلاف الأمزجة. # خص الشباب بالخطاب؛ لأن الغالب وجود قوة الداعي إلى النكاح فيهم بخلاف ~~الشيوخ، فإذا وجد في غيرهم فالحكم واحد لوجود المعنى المقتضي. # وقوله: "من استطاع منكم الباءة". هي بالهمزة والمد وتاء التأنيث، وفيها ~~لغة بغير همز ولا مد، وقد تهمز وتمد بلا هاء، ويقال لها أيضا: الباهة. مبدل ~~عن الهمزة هاء، وقيل: بالمد القدرة على مؤن النكاح، وبالقصر الوطء. قال ~~الخطابي: المراد [بالباءة هنا النكاح] (أ). انتهى. ولعله PageV07P007 # أراد مؤن النكاح. قال: وأصله الموضع الذي يتبوءه ويأوي إليه. وقال ~~المازري: اشتق [العقد] (أ) على المرأة من أصل الباءة؛ لأن من شأن من يتزوج ~~المرأة أن يتبوأ بها منزلا. انتهى. ولابد من تقدير مؤن العقد. وقال النووي ~~(¬1): اختلف العلماء في المراد بالباءة هنا على قولين يرجعان إلى قول واحد، ~~أصحهما أن معناها المراد اللغوي وهو الجماع، فتقديره: من استطاع منكم ~~الجماع لقدرته على مؤنه -وهي [مؤن] (5) النكاح- فليتزوج، ومن لم يستطع ~~الجماع لعجزه عن مؤنه فعليه ms1393 بالصوم؛ ليدفع شهوته، ويقطع شر منيه كما يقطعه ~~الوجاء. وعلى هذا القول وقع الخطاب مع الشباب الذين هم مظنة شهوة النساء ~~ولا ينفكون عنها غالبا. والقول الثاني أن المراد هنا مؤن النكاح، سميت باسم ~~ما يلازمها. وتقديره: من استطاع منكم مؤن النكاح فليتزوج، ومن لم يستطع ~~فليصم لتندفع شهوته. والذي حمل القائلين بهذا على ما قالوا قوله: "ومن لم ~~يستطع فعليه بالصوم". قالوا: والعاجز عن الجماع لا يحتاج إلى الصوم لدفع ~~الشهوة، فوجب تأويل الباءة على المؤن. وانفصل القائلون بالأول عن ذلك ~~بالتقدير المذكور. انتهى. والتعليل المذكور للمازري. وأجاب عنه عياض (¬2) ~~بأنه لا يبعد أن تختلف الاستطاعتان، فيكون المراد بقوله: "من استطاع ~~الباءة". أي بلغ الجماع وقدر عليه "فليتزوج". ويكون قوله: "ومن لم يستطع". ~~أي من لم يقدر على التزويج. ومع هذا التأويل يصح أن يكون معمول الاستطاعة ~~المحذوف PageV07P008 # هو الباءة أو التزويج، ويكون ما ذكر تفسير المراد، وقد جاء مصرحا بذلك في ~~رواية الترمذي (¬1): "ومن لم يستطع منكم الباءة". وعند الإسماعيلي (¬2): ~~"من استطاع منكم أن يتزوج فليتزوج". فيقدر فيمن لم يستطع لفظ التزويج؛ ~~لدلالة المثبت على المنفي. # وقوله: "فليتزوج". فعل أمر وظاهره الوجوب، فيقتضي أن النكاح واجب على ~~الإطلاق مع القدرة على أسبابه وهو تحصيل المؤن. وقد ذهب إلى هذا داود ومن ~~وافقه من أهل الظاهر، ورواية عن أحمد، وذهب إليه أبو عوانة الإسفراييني من ~~الشافعية وصرح به في "صحيحه"، ونقله المصعبي في "شرح مختصر الجويني" وجها. ~~قال أهل الظاهر: إنما يلزم العقد دون الوطء. وروي عن أحمد أنه يجب عند خشية ~~العنت. وعبارة ابن تيمية في "المحرر" (¬3): النكاح للتائق سنة مقدمة على ~~نفل العبادة إلا أن يخشى الزنى بتركه فيجب، والوجوب عند خوف العنت وجه في ~~مذهب الشافعي. # حكاه الرافعي عن "شرح مختصر الجويني". وقال النووي في "الروضة" (¬4): لا ~~يتحتم النكاح، بل يخير بينه وبين التسري. وجزم به أبو العباس القرطبي، وهو ~~من المالكية، بل زاد فحكى الاتفاق عليه، فإنه قال: إنا نقول بموجب هذا ~~الحديث في حق ms1394 الشاب المستطيع الذي يخاف الضرر على نفسه ودينه من العزبة، ~~بحيث لا يرتفع عنه إلا بالتزويج. وقال ابن حزم في "المحلى" (¬5): وفرض على ~~كل قادر على الوطء إن وجد أن يتزوج أو يتسرى، فإن عجز عن PageV07P009 # ذلك فليكثر من الصوم. ثم قال: وهو قول جماعة من السلف. وذهب الجمهور إلى ~~أن الأمر في الحديث محمول على الندب، قالوا: لأن الله سبحانه وتعالى خير ~~بينه وبين التسري في قوله تعالى: {فانكحوا ما طاب لكم من النساء}. ثم قال: ~~{فواحدة أو ما ملكت أيمانكم} (¬1). والتسري ليس بواجب إجماعا فكذا النكاح، ~~لأن التخيير بين الواجب وغيره يرفع الوجوب. والمسألة مبسوطة في الأصول إلا ~~أن دعوى الإجماع غير مسلمة، فإن فيه الخلاف السابق في أن التسري واجب، ثم ~~قوله تعالى: {إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين} (¬2). ~~فإن قوله: {غير ملومين}. يدل على عدم الوجوب إذ لا يقال للواجب: إن فاعله ~~غير ملوم. ثم الحديث متأول بأن ذلك في حق المستطيع الذي يخاف الضرر من ~~العزبة، ثم إن القائلين بالوجوب إنما يجب عندهم العقد دون الوطء، وظاهر ~~الحديث في الوطء، لأن العقد لا يحصل شيئا من الفوائد المرتبة عليه. وأما ~~قوله تعالى: {وأنكحوا الأيامى منكم} (¬3). فهو لا يدل على وجوب التزويج، ~~وإنما يجب على الولي الإنكاح عند طلبه منه، ولم يقل أحد بوجوبه على النساء، ~~وقد صرح بذلك ابن حزم (¬4) فقال: وليس ذلك فرضا على النساء. وقال أبو إسحاق ~~الشيرازي صاحب "التنبيه" (¬5): إن النكاح للنساء مستحب عند الحاجة ومكروه ~~عند عدمها. وقال الشيخ عماد الدين الريحاني في "شرح الوجيز" المسمى ب ~~"الموجز": لم يتعرض الأصحاب PageV07P010 # للنساء، والذي يغلب على الظن أن النكاح في حقهن أولى مطلقا، لأنهن يحتجن ~~إلى القيام بأمورهن والستر من الرجال، ولا يحصل فيهن الضرر الناشئ من ~~النفقة. وقال ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" (¬1): قسم بعض الفقهاء النكاح ~~إلى الأحكام الخمسة، وجعل الوجوب فيما إذا خاف العنت وقدر على النكاح وتعذر ~~التسري. وكذا حكاه القرطبي عن بعض ms1395 علمائهم وهو المازري قال (¬2): فالوجوب ~~في حق من لا ينكف عن الزنى إلا به كما تقدم. قال: والتحريم في حق من يخل ~~بالزوجة في الوطء والإنفاق مع عدم قدرته عليه وتوقانه إليه، والكراهة في حق ~~مثل هذا حيث لا إضرار بالزوجة، فإن انقطع بذلك عن شيء من أفعال الطاعة من ~~عبادة أو اشتغال بالعلم اشتدت الكراهة. وقيل: الكراهة فيما إذا كان في حال ~~العزوبة أجمع منه في حال التزويج. والاستحباب فيما إذا حصل به معنى مقصود، ~~من كسر شهوة، وإعفاف نفس، وتحصين فرج، ونحو ذلك. والإباحة فيما إذا انتفت ~~الدواعي والموانع. ومنهم من استمر بدعوى الاستحباب فيمن هذه صفته للظواهر ~~الواردة في الترغيب فيه. قال عياض: هو مندوب في حق كل من يرجى منه النسل ~~ولو لم يكن له في الوطء شهوة، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإني مكاثر ~~بكم" (¬3). ولظواهر الحض على النكاح والأمر به، وكذا في حق من له رغبة في ~~نوع من الاستمتاع بالنساء غير الوطء، فأما من لا يغسل ولا أرب له في النساء ~~ولا في الاستمتاع فهذا مباح في حقه إذا علمت المرأة بذلك ورضيت. وقد يقال: ~~إنه مندوب أيضا لعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا رهبانية في ~~الإسلام" (¬4). PageV07P011 # وقال الغزالي في "الإحياء" (¬1): من اجتمعت له فوائد النكاح وانتفت عنه ~~آفاته فالمستحب في حقه التزويج، ومن لا فالترك له أفضل، ومن تعارض الأمر في ~~حقه فليجتهد ويعمل بالراجح. ومثل التقسيم الذي ذكر تقي الدين ذكر الهدوية. # وقوله: "ومن لم يستطع". في رواية: "ومن لم يقدر" (¬2). # وقوله: "فعليه بالصوم". هذا من باب الإغراء، مثل قولك: عين زيدا. أي ~~الزمه. والإغراء للمخاطب؛ لأن الضمير في قوله: "فعليه". وإن كانت صيغة غائب ~~لعوده إلى "من"، فهو في المعنى مخاطب بقوله: "من استطاع منكم". وقد وهم أبو ~~عبيد وقال: "فعليه بالصوم". هو إغراء غائب، ولا تكاد العرب تغري إلا ~~[المشاهد] (أ) تقول: عليك زيدا. ولا تقول: عليه زيدا. إلا في هذا الحديث. ~~وقد عرفت الجواب عنه. # وكان الصوم ms1396 واقيا لمضرة العنت؛ لما فيه من الأسباب الكاسرة للشهوة، ~~وتقليل مادة الماء؛ لترك الطعام والشراب وقمع النفس عن كثير من المقويات ~~للشهوة وإدماجا لتحصيل عبادة هي في نفسها مطلوبة. وفيه إشارة إلى أن الغرض ~~من الصوم قمع النفس من العادات وكسر الشهوة، ولا يقوم مقامه تقليل الطعام ~~وحده من دون صوم. # قوله: "فإنه". أي الصوم، "له وجاء". بكسر الواو والمد، أصله الغمز، ومنه: ~~وجأه في عنقه. إذا غمزه دافعا له، و: وجأه بالسيف. إذا PageV07P012 # طعنه به، و: وجأ أنثييه. غمزهما حتى رضهما. ووقع في رواية ابن حبان (¬1) ~~تفسير الوجاء، قال: وهو الإخصاء. وهي زيادة مدرجة في الخبر لم تقع إلا في ~~طريق زيد بن أبي أنيسة، وتفسير الوجاء بالإخصاء فيه نظر؛ فإن الوجاء رض ~~الأنثيين، والإخصاء سلهما، وإطلاق الوجاء على الصيام من مجاز المشابهة على ~~قول بعض المحققين، أو من باب التشبيه البليغ على قول الأكثر، وحكى أبو عبيد ~~(¬2) عن بعضهم وجا بفتح الواو مقصور، والأول أكثر. وقال أبو زيد (¬3): لا ~~يقال وجاء إلا فيما لم يبرأ وكان قريب العهد بذلك. # وفي الحديث إرشاد للعاجز عن مؤن النكاح إلى الصوم؛ لأن شهوة النكاح تابعة ~~لشمهوة الأكل؛ تقوى بقوته وتضعف بضعفه. واستدل به الخطابي (¬4) على جواز ~~المعالجة لقطع شهوة النكاح بالأدوية. وحكاه البغوي في "شرح السنة" (¬5). ~~وينبغي أن يحمل على دواء يسكن الشهوة دون ما يقطعها بالأصالة؛ لأنه قد يقدر ~~بعد فيندم لفوات ذلك في حقه. وقد صرح الشافعية بأنه لا يكسرها بالكافور ~~ونحوه، والحجة فيه أنهم اتفقوا على منع الجب والخصاء، فيلحق بذلك ما في ~~معناه من التداوي بالقطع أصلا، واستدل به الخطابي أيضا على أن المقصود من ~~النكاح الوطء، ولهذا شرع الخيار في العنة. # وفيه الحث على غض البصر، وتحصين الفرج بكل ممكن، وعدم التكلف بغير ~~المستطاع. ويؤخذ منه أن حظوظ النفوس والشهوات لا تقدم PageV07P013 # على أحكام الشرع، بل هي دائرة معها. واستدل به القرافي أن التشريك في ~~العبادة لا يضر بخلاف الرياء، ولكنه يقال: إن كان المشرك عبادة ms1397 كالشرك فيه ~~مثل ما هنا فإنه يحصل الصوم وتحصين الفرج وغض البصبر، وأما تشريك المباح؛ ~~كلو دخل في الصلاة لترك خطاب من يحل خطابه فهو محل نظر؛ يحتمل القياس على ~~ما ذكر، ويحتمل عدم صحة القياس. واستدل به بعض المالكية على تحريم ~~الاستمناء؛ لأنه لو كان الاستمناء مباحا لأرشد إليه لأنه أسهل، وتعقب بأنه ~~لا يسلم كونه أسهل إذ هو فعل، والصوم يستلزم الترك والترك أسهل، وقد أباح ~~الاستمناء طائفة من العلماء، وهو عند الحنابلة وبعض الحنفية. # واعلم أنه قد ورد في الترغيب إلى النكاح أحاديث كثيرة؛ منها من حديث أنس: ~~"تزوجوا الولود الودود؛ فإني مكاثر بكم يوم القيامة". أخرجه ابن حبان (¬1)، ~~وذكر الشافعي (¬2) بلاغا عن ابن عمر بلفظ: "تناكحوا تكاثروا، فإني أباهي ~~بكم الأمم". وللبيهقي (¬3) من حديث أبي أمامة: "تزوجوا فإني مكاثر بكم ~~الأم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى". وورد: "فإني مكاثر بكم" أيضا من حديث ~~الصنابحي بن الأعسر (¬4)، ومعقل بن يسار (¬5)، وسهل بن حنيف (¬6)، وحرملة ~~بن النعمان (¬7)، وعائشة (¬8)، وعياض PageV07P014 # ابن غنم (¬1)، ومعاوية بن حيدة (¬2)، وغيرهم. وأما حديث: "لا رهبانية في ~~الإسلام". فلم يوجد في شيء من الأصول المعتبرة بهذا اللفظ، لكن في حديث سعد ~~بن أبي وقاص عند الطبراني (¬3): "إن الله أبدلنا بالرهبانية الحنيفية ~~السمحة". وعن ابن عباس رضي الله عنهما رفعه: "لا صرورة (أ) في الإسلام". ~~أخرجه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم (¬4). وفي الباب حديث النهي عن التبتل، ~~أخرجه البخاري (¬5). وحديث: "من كان موسرا فلم ينكح فليس منا". أخرجه ~~الدارمي، والبيهقي (¬6) من حديث أبي نجيح وجزم بأنه مرسل، وقد أورده ~~[البغوي] (ب) في "معجم "الصحابة". و (ج) حديث طاوس: قال عمر بن الخطاب لأبي ~~الزوائد: إنما يمنعك من التزويج عجز أو فجور. أخرجه ابن أبي شيبة وغيره ~~(¬7). وفي حديث عائشة: "النكاح سنتي، فمن رغب عن سنتي فليس مني". أخرجه ~~البخاري (¬8). وأخرج الحاكم (¬9) من PageV07P015 # حديث أنس رفعه: "من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق ~~الله في الشطر الثاني". وهذه الأحاديث وإن كان في الكثير منها ms1398 ضعف، ~~فمجموعها يدل على الترغيب في النكاح، وأن لذلك أصلا، لكن في حق من يتأتى ~~منه النسل. والله أعلم. # 794 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حمد ~~الله وأثنى عليه وقال: "لكني أنا أصلي وأنام وأصوم وأفطر وأتزوج النساء، ~~فمن رغب عن سنتي فليس مني". متفق عليه (¬1). # 795 - وعنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالباءة ~~وينهى عن التبتل نهيا شديدا ويقول: "تزوجوا الولود الودود، إني مكاثر بكم ~~الأنبياء يوم القيامة". رواه أحمد وصححه ابن حبان (¬2). وله شاهد عند أبي ~~داود والنسائي وابن حبان (¬3) أيضا من حديث معقل بن يسار. # حديث أنس أورده المصنف بلفظ مسلم، وأصل الحديث (أ): جاء ثلاثة رهط إلى ~~بيوت أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يسألون عن عبادة النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا: وأين نحن من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ قد غفر الله له ما تقدم من PageV07P016 # ذنبه وما تأخر. فقال أحدهم: أما أنا فأنا أصلي الليل أبدا. وقال آخر: أنا ~~أصوم الدهر ولا أفطر. وقال آخر: أنا أعتزل [النساء] (أ) فلا أتزوج أبدا. ~~فجاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إليهم فقال: "أنتم الذين قلتم كذا ~~وكذا؟! أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي ~~وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني". هذا لفظ البخاري. # قوله: حمد الله وأثنى عليه. فيه دلالة على أنه يقدم الحمد والثناء على ~~الله عند إرادة التكلم في أمر مهم من أمر الدين أو الدنيا وبيان أحكام ~~المكلفين وإزالة [الشبهة عن] (ب) المجتهدين. # وقوله: "لكني أنا أصلي" إلى آخره. دلالة على أن المشروع هو الاقتصاد في ~~العمل دون الانهماك والإضرار بالنفس وهجر المألوفات كلها، وأن الحنيفية ~~مبنية على التسهيل والتيسير، لا تعسير فيها ولا تنفير، كما قال تعالى: ~~{يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} (¬1). وقد ورد في الاقتصاد في ~~العمل أحاديث كثيرة أخرجها البخاري (¬2) في "الصحيح" ms1399 وغيره. قال الطبري ~~(¬3): في الحديث الرد على من منع من استعمال الحلال من الأطعمة والملابس ~~وغيرها. قال عياض (3): وهذا مما اختلف فيه السلف؛ فمنهم من نحا إلى ما قال ~~الطبري، ومنهم من عكس واحتج بقوله تعالى: PageV07P017 # {أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا} (¬1). قال: والحق أن هذه الآية في ~~الكفار، وقد أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأمرين، والأولى التوسط في ~~الأمر وعدم الإفراط في ملازمة استعمال الطيبات، فإنه يفضي إلى الترفه ~~والبطر، ولا يأمن من الوقوع في الشبهات، فإن من اعتاد ذلك قد لا يجده ~~أحيانا، فلا يستطيع الانتقال عنه، فيقع في المحذور، كما أن منع تناول ذلك ~~أحيانا يفضي إلى التنطع المنهي عنه. ويرد عليه صريح قوله تعالى: {قل من حرم ~~زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق} (¬2). كما أن الأخذ ~~بالتشديد في العبادة يفضي إلى الملل القاطع لأصلها، وملازمة الاقتصار على ~~الفرائض مثلا وترك النفل يفضي إلى إيثار البطالة وعدم النشاط إلى العبادة، ~~وخير الأمور الوسط. # وقوله: "فمن رغب عن سنتي فليس مني". المراد بالسنة الطريقة، لا التي ~~تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، وأراد - صلى الله ~~عليه وسلم -: من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني. ولمح بذلك إلى ~~طريقة الرهبانية، فإنهم الذين ابتدعوا التشديد كما وصفهم الله تعالى، وقد ~~عابهم بأنهم ما وفوا بما التزموه. وطريقة النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الحنيفية السمحة؛ فيفطر ليقوى على الصوم، وينام ليقوى على القيام، ويتزوج ~~لكسر الشهوة وإعفاف النفس وتكثير النسل. # وقوله: "فليس مني". إن كانت الرغبة لضرب من التأويل يعذر صاحبها فيها ~~فالمعنى: ليس مني: أي على طريقتي، ولا يلزم أن يخرج عن الملة، وإن كانت ~~إعراضا وتنطعا يفضي إلى اعتقاد أرجحية عمله، فمعنى PageV07P018 # "ليس مني": ليس على ملتي؛ لأن اعتقاد ذلك نوع من الكفر. # وقوله في الحديث الثاني: وينهى عن التبتل. التبتل هو الانقطاع عن النساء ~~وترك النكاح انقطاعا إلى عبادة الله تعالى. وأصل التبتل القطع، ومنه: مريم ~~البتول؛ لانقطاعها عن نساء زمانها دينا ms1400 وفضلا ورغبة في الآخرة. و "الولود" ~~كثيرة الولد، وقد ورد مصرحا به في أول حديث معقل بن يسار في نكاح العاقر ~~التي لا تلد ولم يجبه في الثالثة إلا بهذا الأمر. و "الودود" هي المودودة ~~لما هي عليه من حسن الخلق والتودد إلى الزوج، فهو فعول بمعنى مفعول. ~~والمكاثرة يوم القيامة بكثرة الأمة. # 796 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"تنكح المرأة لأربع؛ لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين ~~تربت يداك". متفق عليه مع بقية السبعة (¬1). # 797 - وعنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا رفأ إنسانا إذا تزوج ~~قال: "بارك الله لك وبارك عليك وجمع بينكما في خير". رواه أحمد والأربعة ~~وصححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبان (¬2). PageV07P019 # الحديث ذكر فيه أربع، وفي رواية مسلم (¬1) عن جابر بإسقاط حسبها. وأخرج ~~الحاكم وابن حبان (¬2) من حديث أبي سعيد: "تنكح المرأة على إحدى ثلاث خصال؛ ~~جمالها ودينها وخلقها، فعليك بذات الدين والخلق". # وروى ابن ماجه والبزار والبيهقي (¬3) من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا: ~~"لا تنكحوا النساء لحسنهن فلعله يرديهن، ولا لمالهن فلعله يطغيهن، وأنكحوهن ~~للدين، ولأمة سوداء خرقاء ذات دين أفضل". وروى النسائي (¬4) من طريق سعيد ~~المقبري عن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله، أي النساء خير؟ قال: "التي ~~تسره إذا نظر، وتطعه إذا أمر، ولا تخالفه في نفسها ومالها بما يكره". ~~الحديث معناه الإخبار منه - صلى الله عليه وسلم - بما يفعله الناس في ~~العادة، فإنهم يقصدون هذه الخصال الأربع وآخرها عندهم ذات الدين، فاظفر أنت ~~أيها المسترشد بذات الدين، لا أنه أمر. قال شفر (¬5): الحسب الفعل الجميل ~~للرجل وآبائه. انتهى. وفي حديث بريدة مرفوعا: "إن أحساب أهل الدنيا الذين ~~يذهبون إليه هذا المال". أخرجه ابن حبان في "صحيحه" وقال الحاكم (¬6): هذا ~~على شرط الشيخين. وهو يحتمل أن يكون خرج مخرج الذم، لأن الحسب إنما هو ~~بالأنساب لا بالمال، ويحتمل التقرير والإعلام بصحته إذ لا فائدة لرجوعه إلى ~~نسبه مع فقره ms1401 وهو لا يحصل له مطلبا، وإنما يكون حسبه بماله، فهو الذي يرفع ~~من شأنه عند الناس كان لم يكن له شرف PageV07P020 # النسب، ويدل على ذلك حديث سمرة (¬1) مرفوعا: "الحسب المال، والكرم ~~التقوى". حسنه الترمذي. وقد دل الحديث على أن مصاحبة أهل الدين في كل شيء ~~هي الأولى؛ لأن صاحبهم يستفيد من أخلاقهم وبركتهم وطرائقهم، ويأمن المفسدة ~~من جهتهم. # وفي قوله: "تربت يداك". أي التصقت بالتراب من الفقر، لم يقصد حقيقة ~~الدعاء عليه بذلك. وهو خارج مخرج ما يعتاده الناس من إلهاب الخاطب والتزامه ~~بما أريد منه. # وحديث: كان إذا رفأ ... إلخ. وأخرجه الدارمي (¬2) وصححه أيضا أبو الفتح ~~في "الاقتراح على شبرط مسلم". وفي الباب عن عقيل بن أبي طالب. رواه الدارمي ~~وابن السني (¬3) وغيرهما من طريق الحسن، قال؛ تزوج عقيل بن أبي طالب امرأة ~~من بني جشم، فقيل له: بالرفاء والبنين. فقال: قولوا كما قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "بارك الله فيكم وبارك لكم". واختلف فيه على الحسن. ~~أخرجه بقي بن مخلد (¬4) من طريق غالب عنه عن رجل من بني تميم قال: كنا نقول ~~في الجاهلية: بالرفاء والبنين. فعلمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: "قولوا ... ". فذكره. وفي حديث جابر أخرجه مسلم (¬5)، قال لي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "تزوجت؟ ". قلت: نعم يا رسول الله. قال: ~~"بارك الله لك". وزاد الدارمي: "وبارك عليك". PageV07P021 # قوله: كان إذا رفأ. الرفاء: الموافقة وحسن المعاشرة، وهو من رفأ الثوب، ~~وقيل: من رفوت الرجل، إذا سكنت ما به من روع. وقولهم: بالرفاء والبنين. في ~~محل النصب على الحال؛ أي هذا النكاح ملتبسا بالرفاء والبنين، وإنما نهي ~~عنه؛ لأنه كان من شعار الجاهلية، فكره لذلك. وفي الحديث دلالة على شرعية ~~الدعاء للناكح. # 798 - وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: علمنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - التشهد في الحاجة: "إن الحمد لله نحمده ونستعينه ~~ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل ~~فلا ms1402 هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله". ~~ويقرأ ثلاث آيات. رواه أحمد والأربعة، وحسنه الترمذي والحاكم (¬1). # والآيات: {يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها ~~زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ~~إن الله كان عليكم رقيبا} (¬2). {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ~~ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} (¬3). {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا ~~قولا سديدا (70) يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله ~~فقد فاز فوزا PageV07P022 # عظيما} (¬1). وجاء في رواية لأبي داود (¬2) بعد قوله: "ورسوله". "أرسله ~~بالحق بشيرا ونذيرا بين يدي الساعة، من يطع الله ورسوله فقد رشد، ومن ~~يعصهما فإنه لا يضر إلا نفسه ولا يضر الله شيئا". وفي رواية للنسائي (¬3): ~~قال: علمنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - التشهد في الصلاة والتشهد في ~~الحاجة. وذكر الحديث. وجاء في رواية (¬4) بحذف "إن"، وكذا في رواية البيهقي ~~(¬5) من حديث أبي داود الطيالسي بحذف "إن" وإثباتها بالشك، وفي آخره: قال ~~شعبة: قلت لأبي إسحاق: هذه في خطبة النكاح وفي غيرها؟ قال: في كل حاجة. وفي ~~إسناد الحديث إرسال؛ لأنه من حديث أبي عبيدة، عن أبيه عبد الله بن مسعود. ~~وهو لم يسمع من أبيه، إلا أن الحاكم (¬6) رواه من طريق أخرى عن قتادة، عن ~~عبد ربه، عن أبي عياض، عن ابن مسعود. وليس فيه الآيات. ورواه (¬7) أيضا من ~~طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص وأبي عبيدة أن عبد الله قال. ~~فذكر نحوه. ورواه البيهقي (5) من حديث واصل الأحدب، عن شقيق، عن ابن مسعود ~~بتمامه. # الحديث فيه دلالة على شرعية ما ذكر من التحميد والتشهد عند إرادة النكاح، ~~وأنه غير شرط في النكاح، وشرطه بعض أهل الظاهر، وهو قول شاذ. PageV07P023 # 799 - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إذا خطب أحدكم المرأة، فإن استطاع أن ينظر منها إلى ما يدعوه إلى نكاحها ~~فليفعل". ms1403 رواه أحمد وأبو داود ورجاله ثقات، وصححه الحاكم (¬1). وله شاهد ~~عند الترمذي والنسائي (¬2) عن المغيرة. وعند ابن ماجه وابن حبان (¬3) من ~~حديث محمد بن مسلمة. ولمسلم (¬4) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لرجل تزوج امرأة: "أنظرت إليها؟ ". قال: لا. قال: ~~"اذهب فانظر إليها". # قوله: تزوج امرأة. أي أراد. وتمام حديث جابر قال: فخطبت جارية، فكنت ~~أتخبأ لها حتى رأيت منها ما دعاني إلى نكاحها فتزوجتها. حديث جابر أخرجوه ~~من حديث ابن إسحاق، عن داود بن الحصين، عن واقد بن عبد الرحمن (¬5). ورواه ~~أحمد من هذا الوجه، وفيه أن المرأة من بني سلمة. وأعله ابن القطان (¬6) ~~بواقد بن عبد الرحمن بأنه غير معروف، والمعروف واقد بن عمرو (¬7)، وهو في ~~رواية الحاكم كذلك، وكذا في رواية الشافعي وعبد الرزاق (¬8)، وحديث المغيرة ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - قال للمغيرة وقد خطب امرأة: PageV07P024 # "انظر إليها فإنه أحرى أن يؤدم بينكما". أخرجه النسائي والترمذي وابن ~~ماجه والدارمي وابن حبان (¬1). # والحديث فيه دلالة على ندبية تقديم النظر إلى التي يراد نكاحها، وهو مذهب ~~الجماهير من العلماء وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وسائر أهل الكوفة. ~~وحكى القاضي عياض (¬2) كراهته، وهو خطأ مخالف لصريح الحديث، ومخالف لإجماع ~~الأمة على جواز النظر للحاجة عند البيع والشراء والشهادة، والنظر يباح إلى ~~الوجه والكفين، لأنه يستدل بالوجه على الجمال أو ضده، وبالكفين على خصوبة ~~البدن أو عدمها، وهذا مذهب الأكثر. وقال الأوزاعي: ينظر إلى مواضع اللحم. ~~وقال داود: ينظر إلى جميع بدنها. والحديث لا يدل على خلافه، بل قد يدل عليه ~~إذا لم يحصل له المقصود بنظر البعض وكان الداعي إلى زواجها نظر جميع الجسد، ~~ويدل على ذلك ما رواه عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي عمر (¬3) أن عمر ~~كشف عن ساق أم كلثوم بنت علي لما بعث بها إليه علي لينظرها. ولا يشترط رضا ~~المرأة بذلك النظر، بل له أن يفعل ذلك في غفلتها، ومن غير تقدم إعلام. لكن ~~قال مالك (¬4): أكره ms1404 نظره في غفلتها؛ مخافة من وقوع نظره على عورة. وعن ~~مالك رواية ضعيفة أنه لا ينظر إليها إلا بإذنها. وهو ضعيف لأن الحديث يدل ~~على أنه مأذون له مطلقا. ولأنها تستحي في PageV07P025 # الغالب من الإذن، ولأنه قد يحصل بسبب ذلك أذى، فإنه إذا ترك النكاح لعدم ~~إعجابه تأذت منه في الغالب، ولذلك ذكر أصحاب الشافعي أنه ينبغي أن يكون ~~نظره إليها قبل الخطبة حتى إن كرهها تركها من غير إيذاء بخلاف بعد الخطبة. ~~وإذا لم يمكنه النظر استحب له أن يبعث امرأة يثق بها تنظر إليها وتخبره ~~بصفتها، كما روى أنس أنه - صلى الله عليه وسلم - بعث أم سليم إلى امرأة ~~فقال: "انظري إلى عرقوبيها وشمي معاطفها". أخرجه أحمد والطبراني والحاكم ~~والبيهقي (¬1) من حديث أنس، واستنكره أحمد، والمشهور فيه من طريق عمارة عن ~~ثابت عنه. ورواه أبو داود في "المراسيل" (¬2) عن موسى بن إسماعيل، عن حماد ~~بن ثابت. ووصله الحاكم من هذا الوجه بذكر أنس فيه، وتعقبه البيهقي بأن ذكر ~~أنس فيه وهم. قال: ورواه أبو النعمان عن حماد مرسلا. قال: ورواه محمد بن ~~كثير الصنعاني عن حماد موصولا. وفي قوله: "وشمي معاطفها". في رواية ~~الطبراني، وفي رواية أحمد وغيره: "شمي عوارضها". والمعاطف: ناحيتا العنق، ~~والعوارض: الأسنان التي في عرض الفم، وهي ما بين الثنايا والأضراس، واحدها ~~عارض، والمراد اختبار رائحة نكهتها. كذا في "النهاية" (¬3)، ويثبت مثل هذا ~~الحكم للمرأة أن تنظر إلى خاطبها؛ فإنه يعجبها منه مثل ما يعجبه منها، وقد ~~روي مثل هذا عن عمر (¬4). قال المصنف (¬5) رحمه الله: لم أجده عن عمر. PageV07P026 # 800 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا يخطب أحدكم على خطبة أخيه حتى يترك الخاطب قبله أو يأذن له". ~~متفق عليه (¬1) واللفظ للبخاري. # وذكر البخاري في ترجمة الباب: لا يخطب على خطبة أخيه حتى ينكح أو يدع. ~~وأورده في حديث أبي هريرة (¬2) بلفظ: "أو يترك". وأخرجه مسلم (¬3) من حديث ~~عقبة بن عامر بلفظ: "حتى يذر". وأخرجه ms1405 أبو الشيخ (¬4) في كتاب "النكاح" من ~~طريق عبد الوارث، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ: ~~"حتى ينكح أو يدع". وإسناده صحيح. الحديث فيه دلالة على أنه منهي عن الخطة ~~إذا قد سبق بها أحد، وظاهر النهي التحريم، وادعى النووي (¬5) الإجماع على ~~التحريم. وقال الخطابي (¬6): النهي للتأديب وليس للتحريم، يبطل العقد عند ~~أكثر الفقهاء. ويقال: لا ملازمة بين تحريم الخطبة وبين العقد؛ فإن ذلك ~~منفصل، وإن ادعى أن العقد منهي عنه لوقوعه بعد الخطبة المنهي عنها فلا دليل ~~على ذلك. وظاهر الحديث إطلاق النهي قبل الإجابة وبعدها، ولم أطلع على قول ~~في ذلك إلا في أحد قولي الشافعي، كما سيأتي قريبا، وأما بعد الإجابة فإجماع PageV07P027 # على أنه منهي عنها (أ) إذا كانت الإجابة [تصريحا] (ب)، وهي من المرأة ~~المكلفة في الكفؤ، ومن الولي في حق الصغيرة، وأما غير الكفؤ فلا بد من إذن ~~الولي على القول بأن له المنع. وأما إذا كانت الإجابة بالتعريض، فالأصح عند ~~الشافعية عدم التحريم، وهو قول الهدوية، وقول للشافعي التحريم، وحجة من جوز ~~الخطبة قبل الإجابة ما ورد في قصة فاطمة بنت قيس (¬1) فإنها قالت: خطبني ~~معاوية وأبو جهم. ولم ينكر عليهما النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك، بل ~~خطبها لأسامة، وأشار النووي (¬2) إلى أنه لا حجة، لاحتمال أن يكونا خطبا ~~معا أو لم يعلم الثاني بخطبة الأول، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يخطب ~~وإنما أشار بأسامة، وعلى فرض أنه خطب، فلعله لما ذكر لها ما في معاوية وأبي ~~جهم ظهر منها الرغبة عنهما فخطبها لأسامة، ولكنه بقي الكلام هل إضرابها ~~يقوم مقام ترك الخاطب كما هو المعني به في الحديث؟ ولعله يقاس عدم رغبتها ~~إلى التمام، بترك الخاطب للتمام، إذ العقد متوقف على إتمامهما جميعا لما ~~أراداه. وأما إذا لم يحصل من المرأة إجابة ولا رد، فقطع بعض الشافعية ~~بالجواز، وبعضهم أجرى القولين للشافعي في ذلك، وقصة فاطمة تحتمل ذلك وأنه ~~لم يسبق منها إجابة لأيهما. ونص الشافعي ms1406 أن سكوت البكر رضا بالخاطب، والعقد ~~مع التحريم يصح عند الجمهور. وقال داود: يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده. ~~وعند المالكية خلاف كالقولين، وقال بعضهم: يفسخ قبله لا بعده. PageV07P028 # وحجة الجمهور أن المنهي عنه هو الخطبة، والخطبة ليست شرطا في صحة النكاح، ~~فلا يفسخ النكاح بوقوعها غير صحيحة. وحكى الطبري أن بعض العلماء قال: إن ~~النهي منسوخ بقصة فاطمة. وهو غلط، وصرح الروياني بأن الخطبة التي تحرم ~~بعدها الخطبة إنما هي إذا كانت جائزة، فلو كانت محرمة كالخطبة للمعتدة لم ~~يكن لها حكم، وهو واضح؛ لأن الأول لم يثبت له حق، وكذا إذا لم يعلم الخاطب ~~بما وقع من الإجابة أو الرد فإنه يجوز الخطبة؛ لأن الأصل الإباحة، وعند ~~الحنابلة في ذلك روايتان. # وقوله: "حتى يترك أو يأذن له". فيه دلالة على الحل للمأذون له. وهل يختص ~~ذلك بالمأذون له أو يتعدى إلى غيره؛ لأن مجرد الإذن المصادر من الخاطب ~~الأول دال على إعراضه عن تزويج تلك المرأة، وبإعراضه يجوز لغيره أن يخطبها، ~~الظاهر الثاني، فيكون الجواز للمأذون له بالتنصيص ولغيره بالإلحاق. ويؤيده ~~قوله في حديث أبي هريرة: "أو يترك". واستدل بقوله: "على خطبة أخيه". بأن ~~محل التحريم إذا كان الخاطب مسلما، فلو خطب الذمي ذمية فأراد المسلم أن ~~يخطبها جاز له ذلك مطلقا، وهو قول الأوزاعي ووافقه من الشافعية ابن المنذر ~~وابن [حربويه] (أ) والخطابي. وكذلك حديث: "فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع ~~أخيه ولا يخطب على خطبته حتى يذر". قال الخطابي (¬1): قطع الله الأخوة بين ~~المسلم والكافر، فيختص PageV07P029 # النهي بالمسلم. وقال ابن المنذر: الأصل في هذا الإباحة حتى يرد المنع. ~~وقد ورد المنع مقيدا بالمسلم في حديث عقبة بن عامر أخرجه مسلم (¬1): ~~"المؤمن أخو المؤمن، فلا يحل للمؤمن أن يبتاع على بيع أخيه، ولا يخطب على ~~خطبته حتى يذر". وذهب الجمهور إلى إلحاق الذمي بالمسلم في ذلك، وأن التعبير ~~بالأخ خرج على الغالب فلا يعمل بالمفهوم. وقال بعضهم: الخلاف راجع إلى أن ~~النهي هل هو من حقوق العقد ms1407 و [احترامه] (أ)، أو من حقوق المتعاقدين؛ فعلى ~~الأول الراجح ما قال الخطابي، وعلى الثاني الراجح ما قال غيره، ومثل هذا ~~شفعة الكافر؛ فمن جعلها من حقوق الملك أثبتها له، ومن جعلها من حقوق المالك ~~منع، وقريب من هذا ما ذهب إليه الأمير الحسين في "الشفاء"، ونقل عن ابن ~~القاسم صاحب مالك أن الخاطب الأول إذا كان فاسقا جاز للعفيف أن يخطب على ~~خطبته، ورجحه ابن العربي منهم، وهو متجه فيما إذا كانت المخطوبة عفيفة، ~~فيكون الفاسق غير كفؤ لها، فتكون خطبته كلا خطبة، ولم يعتبر الجمهور ذلك ~~إذا صدرت منها علامة القبول، وقد حكى بعضهم الإجماع على خلاف هذا القول، ~~وكذلك يحرم على المرأة أن تخطب على خطبة المرأة الأخرى إذا قد أجاب الخطوب، ~~إلحاقا لحكم النساء بحكم الرجال، ويشير إليه أيضا ما مر من حديث أبي هريرة ~~في كتاب البيع (¬2): "ولا تسأل المرأة طلاق أختها لتكفئ ما في إنائها". ~~فإنه منهي عن سؤالها الطلاق لأختها ليتزوجها، فكذلك خطبتها لخطبة أختها، ~~وهذا إذا كان في عزم المخطوب ألا يتزوج إلا واحدة، فأما إذا كان عزمه PageV07P030 # الجمع بينهما فلا تحرم. والخطبة بكسر الخاء في النكاح. # 801 - وعن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: جاءت امرأة إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، جئت أهب لك نفسي. فنظر ~~إليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فصعد النظر [فيها] (أ) وصوبه، ثم ~~طأطأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رأسه، فلما رأت المرأة أنه لم يقض ~~فيها شيئا جلست، فقام رجل من أصحابه فقال: يا رسول الله، إن لم يكن لك بها ~~حاجة فزوجنيها. قال: "فهل عندك من شيء؟ ". فقال: لا والله يا رسول الله. ~~فقال: "اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد شيئا". فذهب ثم رجع فقال: لا والله ما ~~وجدت شيئا. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "انظر ولو خاتما من ~~حديد". فذهب ثم رجع فقال: لا والله يا رسول الله ولا خاتم من ms1408 حديد، ولكن ~~هذا إزاري -قال سهل: ما له رداء- فلها نصفه. فقال [رسول الله] (ب) - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إما تصنع بإزارك؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن ~~لبسته لم يكن عليك منه شيء". فجلس الرجل، حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. موليا فدعا به، فلما جاء قال: "ماذا معك من ~~القرآن؟ ". قال: معي سورة كذا وسورة كذا. عددها، فقال: "تقرؤهن عن ظهر ~~قلبك؟ ". قال: نعم. قال: "اذهب فقد ملكتكها بما معك من القرآن". متفق عليه ~~واللفظ لمسلم (¬1). وفي رواية له (¬2): قال: PageV07P031 # "انطلق فقد زوجتكها، فعلمها من القرآن". وفي رواية للبخاري (¬1): ~~"أمكناكها بما معك من القرآن". ولأبي داود عن أبي هريرة (¬2) قال: "ما ~~تحفظ؟ ". قال: سورة "البقرة" و (أ) التي تليها. قال: "قم فعلمها عشرين آية". # قوله: جاءت امرأة. هذا اللفظ في معظم الروايات، وقد جاء في رواية: إني ~~لفي القوم عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ قامت امرأة. وفي رواية: ~~أتت امرأة إليه. ويمكن الجمع بأن معنى قامت: وقفت. والمراد أنها وقفت بعد ~~أن جاءت لا أنها كانت جالسة في المجلس فقامت. وفي رواية سفيان الثوري عند ~~الإسماعيلي (¬3): جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في ~~المسجد. فأفاد تعيين المكان الذي وقعت فيه القصة. قال المصنف رحمه الله ~~تعالى (¬4): ولم أقف على اسمها، ووقع في "أحكام ابن الطلاع (ب) " أنها خولة ~~بنت حكيم أو أم شريك. وهذا هو تعيين الواهبة نفسها التي أريدت في قوله ~~تعالى: {وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي} (¬5). وهذه غيرها. PageV07P032 # وقوله: جئت أهب. هكذا في رواية الثوري (¬1)، وقد جاءت ألفاظ غير هذا، ~~ولابد من تقدير مضاف؛ أي: أمر نفسي. لأن رقبة الحر لا تملك، والمراد: ~~أتزوجك من غير عوض. # وقوله: فنظر إليها. فيه دلالة على جواز نظر المرأة لمن أراد أن يتزوج. # وقوله: فصعد النظر إليها -بتشديد العين- أي رفع. وصوب -بتشديد الواو- أي ~~خفض، والتضعيف إما للمبالغة في التأمل وإما لتكرير النظر، وبالثاني جزم ms1409 ~~القرطبي في "المفهم"، قال (¬2): أي نظر أعلاها وأسفلها مرارا. ووقع في ~~رواية (¬3): فخفض فيها البصر ورفعه. وهما بالتشديد أيضا. وطأطأ رأسه: أي لم ~~يرفعه بعد ذلك. # وقوله: لم يقض فيها شيئا. جاء في رواية الكشميهني والمستملي (¬4) أنها ~~قامت ثلاث مرات تعرض نفسها عليه. وفي رواية الطبراني (¬5): فصمت، ثم عرضت ~~نفسها عليه فصمت، فلقد رأيتها قائمة مليا تعرض نفسها عليه وهو صامت. وفي ~~رواية مالك (¬6): فقامت طويلا. وهو منصوب صفة لمصدر محذوف أو زمان محذوف. ~~وفي رواية (¬7): فقامت حتى رثينا لها من طول القيام، ويجمع بينها وبين ~~رواية الكشميهني أنها قامت ثلاث مرات، باستمرار قيامها مدة الثلاث العرضات، ~~فسمى كل عرضة قياما مستقلا، PageV07P033 # وليس المراد أنها قامت بعد أن قعدت. # والمراد بأنه لم يقض فيها: هو ما فهم من صمته من عدم رغبته فيها. # وفي رواية حماد (¬1): قال: "ما لي في النساء حاجة". ويجمع بينها وبين ~~غيرها أنه قال ذلك في آخر الحال، فكأنه صمت أولا ليفهم (أ) أنه لم يردها، ~~فلما أعادت الطلب أوضح لها باللفظ. ووقع في حديث أبي هريرة عند النسائي ~~(¬2): جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعرضت نفسها عليه ~~فقال لها: "اجلسي". فجلست ساعة ثم قامت، فقال لها: "اجلسي بارك الله فيك، ~~أما نحن فلا حاجة لنا فيك". # ويؤخذ منه وفور أدب المرأة مع شدة رغبتها؛ لأنها لم تبالغ في الإلحاح في ~~الطلب، وفهمت من السكوت عدم الرغبة، لكنها لما لم تيأس من الرد، جلست تنتظر ~~الفرج. وسكوته - صلى الله عليه وسلم -؛ إما حياء من مواجهتها بالرد، وكان - ~~صلى الله عليه وسلم - شديد الحياء جدا كما ورد في صفته أنه كان أشد حياء من ~~العذراء في خدرها (¬3)، وإما انتظارا للوحي، وإما تفكرا في جواب يناسب (أ) ~~المقام. # وقوله: فقام رجل من أصحابه. قال المصنف رحمه الله تعالى (¬4): لم أقف على ~~اسمه، ووقع في رواية معمر والثوري عند الطبراني (¬5): فقام رجل PageV07P034 # أحسبه من الأنصار. وفي رواية زائدة عنده (¬1): فقام رجل من الأنصار. # ووقع في حديث ms1410 ابن مسعود (¬2): فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من ينكح هذه؟ ". فقام رجل. # قوله: فقال: زوجنيها. هكذا في رواية مالك (¬3). # وقوله: إن لم يكن لك بها حاجة. زيادة في الاحتياط، لما عسى أن يتجدد له ~~فيها رغبة بعد أن لم يكن. # وقوله: فقال: لا والله يا رسول الله. في رواية هشام بن سعد (¬4) زيادة ~~بعد هذا: قال: "فلا بد لها من شيء". وفي رواية الثوري عند الإسماعيلي (¬5) ~~زيادة: قال: "إنه لا يصلح". # وقوله: فقال: "اذهب إلى أهلك". إلى قوله: ولا خاتم من حديد. لفظ "خاتم" ~~في قوله: "انظر ولو خاتما". منصوب بفعل مقدر تقديره: [أصدق] (أ). # وقوله: ولا خاتم. جاء فيه النصب على أنه مفعول: وجدت، مقدرا. والرفع ~~بتقدير: ولا حصل في خاتم من حديد. PageV07P035 # وقوله: ولكن هذا إزاري. إلى آخره. وقع في رواية مالك تقديم ذكر الإزار ~~على قوله: فقال: "اذهب إلى أهلك". إلى تمام ذكر الخاتم، وفي رواية غيره ~~تقديم ذلك على ذكر الإزار كما في هذا المختصر. والإزار يذكر ويؤنث، وقد وقع ~~هنا مذكرا. # وقوله: قال سهل. أي: ابن سعد الراوي. # وقوله: فلها نصفه. من كلام الرجل، وقد وهم القرطبي فجعله من كلام سهل، ~~وقد جاء مصرحا بالمراد في رواية أبي غسان محمد بن مطرف، ولفظه: ولكن هذا ~~إزاري ولها نصفه. قال سهل: وما له رداء. # وقوله: "إن لبسته" إلى آخره. أي إن لبسته كاملا. وإلا فمن المعلوم من ضيق ~~حالهم وقلة الثياب عندهم، أنها لو لبسته بعد أن شقه لم يسترها، ويحتمل أن ~~يكون المراد (أ) نفي كمال الستر، لأن العرب قد تنفي جملة الشيء إذا انتفى ~~كماله، والمعنى: لو شققته بينكما نصفين لم يحصل كمال سترك بالنصف إذا لبسته ~~ولا هي. وفي رواية معمر عند الطبراني (¬1): والله ما وجدت شيئا غير ثوبي ~~هذا، اشققه بيني وبينها. قال: "ما في ثوبك فضل عنك". وفي رواية فضيل بن ~~سليمان (¬2): ولكني أشق بردتي هذه فأعطيها النصف وآخذ النصف. وفي رواية ~~الدراوردي (¬3): قال: ما أملك إلا إزاري PageV07P036 # هذا. ms1411 قال: "أرأيت إن لبسته، فأي شيء تلبس؟ ". وفي رواية مبشر (¬1): هذه ~~الشملة التي علي ليس عندي غيرها. وفي رواية هشام بن سعد: ما عليه إلا ثوب ~~واحد عاقد طرفيه على عنقه. وفي حديث ابن عباس رضي الله عنهما وجابر (¬2): ~~والله ما لي ثوب إلا هذا الذي علي. فكل هذا مما يرجح الاحتمال الأول. # قوله: سورة كذا وسورة كذا. وقع في رواية أبي هريرة تعيين ذلك؛ قال: ما ~~تحفظ من القرآن؟. قال: سورة "البقرة" [أو] (أ) التي تليها. كذا في كتابي ~~أبي داود والنسائي (¬3) بلفظ: "أو". # قال المصنف رحمه الله تعالى (¬4): وزعم بعض من لقيناه أنه عند أبي داود ~~بالواو وعند النسائي بلفظ: "أو". ووقع في حديث ابن مسعود (¬5): قال: نعم، ~~سورة "البقرة" [وسور المفصل. وفي حديث ضميرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- زوج رجلا على سورة "البقرة"] (ب) لم يكن عنده شيء. وفي حديث أبي أمامة ~~(¬6): زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا من امرأة على سور من المفصل PageV07P037 # جعلها مهرها، وأدخلها عليه وقال: "علمها". وفي حديث أبي هريرة الذكور: ~~"فعلمها عشرين آية وهي امرأتك". وفي حديث ابن عباس (¬1): "أزوجها منك على ~~أن تعلمها أربع أو خمس سور من كتاب الله". وفي مرسل أبي النعمان الأزدي عند ~~سعيد بن منصور (¬2): زوج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة على سورة ~~من القرآن. وفي حديث ابن عباس وجابر: "هل تقرأ من القرآن شيئا؟ ". قال: ~~نعم، {إنا أعطيناك الكوثر (1)}. قال: "أصدقها إياها". ويجمع بين هذه ~~الألفاظ بأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ بعض، أو أن القصص متعددة. # وقوله: "تقرؤهن عن ظهر قلبك؟ ". المراد به حفظهن. # وقوله: "اذهب فقد ملكتكها". إلى آخره، وقد جاء ألفاظ في الروايات ~~المختلفة وهي: "أنكحتكها بما معك من القرآن". أخرجها البخاري (¬3)، وفي ~~رواية مالك: قال: "زوجتكها على ما معك من القرآن". وفي رواية الثوري عند ~~الإسماعيلي (¬4): "أنكحتكها بما معك من القرآن". وفي رواية معمر عند أحمد ~~(¬5): "قد أملكتها". وقال في آخره: فرأيته يمضي وهي تتبعه. وفي ms1412 رواية أبي ~~غسان (¬6): "أمكناكها". وفي حديث ابن مسعود (¬7): PageV07P038 # "قد أنكحتكها على أن تقرئها وتعلمها، وإذا رزقك الله عوضتها". فتزوجها الرجل. # الحديث فيه دلالة على أحكام؛ منها: حل الموهوبة للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وقد نص الله سبحانه وتعالى على ذلك الحكم وجعله خاصا بالنبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فينعقد النكاح في حقه بلفظ الهبة وتصير زوجة له. وظاهره ~~أنه لا يحتاج إلى مهر ليفارق النكاح. وحكى الخياطي من أصحاب الشافعي وجوب ~~المهر وجعل الخصوصية في الانعقاد بلفظ الهبة، وقد وقع ذلك في غير هذه التي ~~لم يقبل النبي - صلى الله عليه وسلم - هبتها. # واختلف في تعيين الواهبة نفسها للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقيل: هي ~~خولة بنت حكيم. أخرجه البيهقي من حديث عائشة في رواية أبي سعيد المؤدب ~~(¬1)، وكذا ابن مردويه، وعلقه البخاري ولم يسق لفظه (¬2)، وبه قال عروة ~~وغيره. وقيل: أم شريك. ورواه النسائي (¬3) من طريق حماد بن سلمة عن هشام عن ~~أبيه عن أم شريك، وبه قال علي بن الحسين والضحاك ومقاتل. وقيل: هي زينب بنت ~~خزيمة أم المساكين. قاله الشعبي، وروي ذلك عن عروة أيضا، وقيل: ميمونة بنت ~~الحارث. روي ذلك عن ابن عباس وقتادة. # ومنها: أنه ينبغي للمرأة عرض نفسها على الرجل ليتزوجها لا سيما إذا كان ~~من أهل الصلاح. PageV07P039 # ومنها: جواز النظر من الرجل وإن لم يكن خاطبا لإرادة التزوج، فإنه - صلى ~~الله عليه وسلم - صعد النظر، وهو يدل على المبالغة في الاستقصاء لمعرفة ~~مخايلها وما يرغب في نكاحها. ويمكن الانفصال عنه بدعوى الخصوصية له لمحل ~~العصمة. قال المصنف رحمه الله تعالى (¬1): والذي تحرر عندنا أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - كان لا يحرم عليه النظر إلى المؤمنات الأجنبيات بخلاف غيره. ~~انتهى. ويحتمل أن ذلك كان قبل الحجاب، أو بعده وهي متلفعة. # ومنها: أن الهبة لا تتم إلا بالقبول. ومنها: جواز الخطبة على الخطبة إذا ~~عرف رغبة الأول عن المخطوبة. ومنها: ثبوت ولاية الإمام على المرأة التي لا ~~قربها لها إذا أذنت، وإن كان في بعض ms1413 الألفاظ التي مرت ما يدل على أنها فوضت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في شأنها، والتفويض توكيل. # ومنها: أن النكاح لا بد فيه من صداق، وأنه لا حد لأكثره، وأما أقله ~~فالحديث يدل على أنه يصح أن يكون شيئا يسيرا، فإن قوله: "ولو خاتما من ~~حديد". مبالغة في تقليله، فيصح بكل ما تراضى عليه الزوجان أو من العقد إليه ~~مما فيه منفعة كالسوط والنعل وإن كان قيمته أقل من درهم، وضابطه أن كل ما ~~جاز أن يكون قيمة وثمنا لشيء صح أن يكون مهرا. ونقل عياض (¬2) الإجماع على ~~أنه لا يصح أن يكون مما لا قيمة له، ولا يحل به النكاح. وقال أبو محمد بن ~~حزم (¬3): يصح بكل ما يسمى شيئا ولو حبة من شعير؛ لقوله: PageV07P040 # "هل تجد شيئا؟ ". ويجاب عنه (أبأنه مخصص أ) بقوله: "ولو خاتما من حديد". ~~لأنه ورد مبالغة في التقليل وله قيمة. وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري وأبو ~~الزناد وربيعة وابن أبي ذئب وغيرهم من أهل المدينة غير مالك ومن تبعه، وابن ~~جريج ومسلم بن خالد وغيرهما من أهل مكة، والأوزاعي في أهل الشام، لليث في ~~أهل مصر، والثوري وابن أبي ليلى وغيرهم من العراقيين غير أبي حنيفة ومن ~~تبعه، الشافعي وداود وفقهاء أصحاب الحديث، وابن وهب من المالكية، ورواية عن ~~الناصر. وذهبت طائفة إلى تحديد أقله؛ فذهبت العترة جميعا وأبو حنيفة ~~وأصحابه إلى أن أقله عشرة دراهم، قالوا: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~مهر أقل من عشرة دراهم" (¬1). وقياسا على المال الذي يقطع السارق به بجامع ~~استباحة عضو محرم في كل منهما (¬2). وأجاب الجمهور عن ذلك بأن الحديث لو ~~كان ثابتا لكان نصا في محل النزاع، لكنه غير ثابت، فإنه يرويه مبشر بن عبيد ~~عن الحجاج بن أرطاة عن عطاء عن جابر، ومبشر والحجاج ضعيفان (¬3)، وعطاء ~~أيضا لم يلق جابرا، فبطل الاحتجاج به لا سيما مع معارضته للحديث الصحيح ~~المتفق على صحته. وأما القياس فكذلك لا يصح؛ لمصادمته النص ولفساده، وذلك ~~أن اليد ms1414 PageV07P041 # تقطع وتبين ولا كذلك الفرج، وبأن القدر المسروق يجب على السارق رده مع ~~القطع، ولا كذلك الصداق. وقال مالك: أقله ثلاثة دراهم أو ربع دينار، قياسا ~~أيضا على السرقة. وفيه ما ذكر. قال أبو الحسن اللخمي: قياس قدر الصداق ~~بنصاب السرقة ليس بالبين؛ لأن اليد إنما قطعت في ربع دينار نكالا للمعصية، ~~والنكاح مستباح بوجه جائز. لكن في قوله تعالى: {ومن لم يستطع منكم طولا} ~~(¬1). وقوله تعالى: {أن تبتغوا بأموالكم} (¬2). ما يدل على اشتراط المالية. ~~حتى أخذ منه بعض المالكية أنه يشترط أن يكون مما يجب فيه الزكاة. وقال سعيد ~~بن جبير: أقله خمسون درهما. وقال النخعي: أربعون. وقال ابن شبرمة: خمسة ~~دراهم. وهذه الأقوال لا دليل عليها، ولعلها مستنبطة من الآية من الطول ~~والمال في العرف، وقول ابن شبرمة من إصداق عبد الرحمن نواة من ذهب وهي قدر ~~خمسة دراهم. # ومنها: أنه ينبغي ذكر الصداق في العقد؛ لأنه أقطع للنزاع وأنفع للمرأة، ~~فلو عقد بغير ذكر صداق صح، ووجب لها مهر المثل بالدخول على الصحيح، وقيل: ~~بالعقد. وإنما كان أنفع؛ لأنه يثبت لها نصف المسمى بالطلاق قبل الدخول. # ومنها: استحباب تعجيل تسليم المهر. # ومنها: جواز الحلف وإن لم يطلب اليمين؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لم ينكر عليه اليمين، لكنه يكره لغير ضرورة. PageV07P042 # ومنها: أنه يجوز الحلف على ما يظن؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~له بعد يمينه: "اذهب إلى أهلك فانظر هل تجد" مرتين. ولو كانت اليمين لا ~~تكون إلا على علم لم يكن لذهابه فائدة، إذ العلم لا ينتفي، ولا يجوز حصول ~~ما يخالفه. # ومنها: أن الصداق يخرج عن ملك الزوج وتملكه المرأة بمجرد العقد. ومنها: ~~أنه لا يجوز للمرء أن يخرج عن ملكه ما لا بد له منه؛ مثل ما يستر العورة أو ~~يسد الخلة من الطعام والشراب، لأنه قال له: "إن لبسته لم يبق عليك منه ~~شيء". فعلل المنع بأنه لم يبق عليه منه شيء. # ومنها: اختبار مدعي الإعسار؛ لأن النبي - صلى ms1415 الله عليه وسلم - لم يصدقه ~~في أول ما ادعى أنه معسر حتى ظهر له مخايل الصدق، وهو يدل على ما ثبت من ~~الحكم في مدعي الإعسار أنه لا يسمع منه اليمين حتى يظهر إعساره بقرائن ~~الأحوال. # ومنها: أنه يصح أن يكون الصداق منفعة الزوج، ويقاس عليه غيره، فإن ~~التعليم هنا منفعة. وقد ذهب إلى صحة كون الصداق منفعة؛ العترة جميعا ~~والشافعي وأصبغ وسحنون؛ لهذا ولما في قصة شعيب وموسى. وذهب مالك إلى كراهة ~~ذلك، وجوز الفسخ للنكاح قبل الدخول إذا كان على منفعة؛ وذلك لما في الإجارة ~~من الجهالة والغرر، ولذلك خالف في الإجارة الأصم وابن علية، لأن التعامل ~~إنما يكون في عين معروفة باقية، والإجارة تعلقت بحركات وأفعال غير ثابتة ~~ولا مقدرة بنفسها. وذهب أبو حنيفة وأصحابه وابن القاسم من المالكية إلى منع ~~ذلك إلا في [منفعة] (أ) العبد في غير تعليم [القرآن] (أ)، فجوزوا جعلها ~~صداقا، وكأنهم نظروا إلى أن قبض PageV07P043 # العبد وثبوت اليد عليه قائم مقام قبض المنفعة فأشبهت العين المقبوضة، ~~وأجابوا عن هذا الحديث بأن الباء بمعنى اللام، وعن قصة شعيب بأن شرع من ~~قبلنا لا يلزمنا، وهي مسألة خلف بين الأصوليين. # ومنها: أن تعليم القرآن يجوز أخذ [الأجرة] (أ) عليه، وقد تقدم الكلام ~~عليه في الإجارة والخلاف فيه (¬1)، والمانعون يتأولون الحديث بأن الباء في ~~قوله: "بما معك". بمعنى اللام للسببية وليست عوضا. وأجاب الماوردي بأنه لو ~~كان كذلك لكانت بغير مهر وكانت موهوبة، والهبة مختصة بالنبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. وأجاب عن ذلك الطحاوي، وتبعه الأبهري وأبو محمد بن أبي زيد، ~~بأن هذا خاص بهذا الرجل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان له أن ~~ينكح بغير صداق فله أن ينكح غيره من شاء بغير صداق. وبمثله قال الداودي، ~~قال (ب): لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم. وأيده بعضهم بأنه لما قال له: ~~"ملكتكها". لم يشاورها ولا استأذنها. ويرد على التأبيد بأن في الروايات ~~أنها فوضته في أمرها، فلم يحتج إلى مراجعتها في شيء. ويحتج ms1416 لخصوصية الرجل ~~بهذا ما أخرجه سعيد بن منصور (¬2) من مرسل أبي النعمان الأزدي قال: زوج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة على سورة من القرآن وقال: "لا يكون ~~لأحد بعدك مهرا". وهذا مع إرساله فيه من لا يعرف. وأخرج أبو داود (¬3) من ~~طريق مكحول قال: PageV07P044 # ليس هذا لأحد بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -. وأخرج أبو عوانة (¬1) من ~~طريق الليث بن سعد نحوه. وقال عياض (¬2): يحتمل قوله: "بما معك من القرآن". ~~وجهين؛ أظهرهما أن يعلمها ما معه من القرآن أو مقدارا معينا منه ويكون ذلك ~~صداقا، وقد جاء هذا التفسير عن مالك، ويؤيده قوله في بعض طرقه الصحيحة: ~~"فعلمها من القرآن" (¬3). وفي بعضها تعيين عشرين آية كما سبق، ويحتمل أن ~~تكون الباء للتعليل، فأكرمه بزواجه المرأة لكونه حافظا للقرآن أو لبعضه، ~~ونظيره قصة أم سليم مع أبي طلحة فيما أخرجه النسائي (¬4) وصححه عن أنس قال: ~~خطب أبو طلحة أم سليم، فقالت: والله ما مثلك يرد، ولكنك كافر وأنا مسلمة، ~~ولا يحل في أن أتزوجك، فإن تسلم فذلك مهري، ولا أسألك غيره. فأسلم، فكان ~~ذلك مهرها. وأخرج (4) من طريق أخرى عن أنس قال: تزوج أبو طلحة أم سليم، ~~فكان صداق ما بينهما الإسلام. فذكر القصة وقال في آخره: فكان ذلك صداق ما ~~بينهما. وترجم عليه النسائي: التزويج على الإسلام. ثم ترجم (¬5) على حديث ~~سهل: التزويج على سورة من القرآن. فكأنه مال إلى ترجيح الاحتمال الثاني، ~~ويؤيده ما أخرجه ابن أبي شيبة والترمذي (¬6) من حديث أنس أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - سأل رجلا من أصحابه: "يا فلان، هل تزوتجت؟ ". قال: لا، ~~وليس PageV07P045 # عندي ما أتزوج به. قال: "أليس معك {قل هو الله أحد}؟ ". # الحديث. وأيد الطحاوي ما ذكره من الخصوصية أن الإجارة لا تصح إلا على عمل ~~معين أو وقت معين، والتعليم قد لا يعرف وقته، فقد يحصل في وقت يسير، وقد ~~يحتاج إلى زمان طويل. قال: فكما أنه لو باع منه داره بتعليم سورة لم يصح ~~البيع، فكذلك النكاح. وأجيب ms1417 عنه بأنه قد وقع تعيين القدر الذي أمره ~~بتعليمها، ومقدار الوقت لا يختلف حال المتعلم فيه، خصوصا العرب أهل اللسان. ~~وأجاب بعضهم باختيار التعليل أيضا، ولا يلزم منه عدم المهر، بل يكون المهر ~~ثابتا في ذمته، إذا أيسر قضاه. وقد جاء في حديث ابن عباس (¬1): "فإذا رزقك ~~الله فعوضها". ولكنه غير ثابت. وقال بعضهم: يحتمل أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- أصدق عنه كما كفر عن المجامع في رمضان، ويكون ذكر القرآن وتعليمه للتحريض ~~على تعلم القرآن وتعليمه، وتنويها بفضل أهله. # ومنها: أن قوله: "قد ملكتكها". يدل على أن النكاح ينعقد بلفظ يفيد ~~التمليك، ولا يشترط لفظ الإنكاح أو التزويج، وقد ذهب إلى هذا العترة وأبو ~~حنيفة وأصحابه، والمشهور عن المالكية جوازه بكل لفظ يفيد معناه إذا قرن ~~بذكر الصداق أو قصد به النكاح كالتمليك ونحوه، ولا يصح عندهم بلفظ الإجارة ~~والعارية والوصية، واختلف عندهم في الإحلال والإباحة، وهو كذا عند الحنفية ~~في الإجارة على أصح الوجهين عندهم وعند الهدوية أيضا، والحنفية تجيزه بكل ~~لفظ يفيد التأبيد مع القصد، وعند الشافعي وأحمد والزهري وطاوس وربيعة وابن ~~المسيب، لا بد من لفظ PageV07P046 # النكاح أو التزويج. ولفظ الحديث بهذه الرواية يرد عليهم، وقوله تعالى: ~~{إن وهبت نفسها للنبي} (¬1). # ويجاب عن الحديث بأنه قد ورد فيها لفظ: "زوجتكها". قال ابن دقيق العيد ~~(¬2): هذه لفظة واحدة في قصة واحدة، اختلفت مع اتحاد مخرج الحديث، والظاهر ~~أن الواقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - لفظ واحد، فالمرجع في هذا إلى ~~الترجيح، وقد نقل عن الدارقطني أن الصواب رواية من روى: "زوجتكها". وأنهم ~~أكثر وأحفظ. قال: وقال بعض المتأخرين (¬3): يحتمل صحة اللفظين ويكون قال ~~لفظ التزويج أولا ثم قال: اذهب فقد ملكتكها بالتزويج السابق. قال ابن دقيق ~~العيد: وهذا بعيد؛ فإن الظاهر من السياق اتحاد اللفظ، وأن اللفظ المذكور هو ~~الذي انعقد به النكاح، وكذا الكلام في رواية: "أمكناكها". وقال ابن التين ~~(¬4): لا يجوز أن يكون النبي عقد بلفظ التمليك والتزويج معا في وقت واحد، ~~فليس أحد ms1418 اللفظين أولى من الآخر. قال: ومن زعم أن معمرا وهم فيه، فالجواب ~~عنه أن البخاري أخرجه في غير موضع من رواية غير معمر مثل معمر. انتهى. وزعم ~~ابن الجوزي في "التحقيق" (¬5) أن رواية أبي غسان: "أنكحتكها"، ورواية ~~الباقين: "زوجتكها". إلا ثلاثة أنفس، وهم معمر ويعقوب وابن PageV07P047 # أبي حازم. قال: ومعمر كثير الغلط، والآخران لم يكونا حافظين. انتهى. # قال المصنف رحمه الله (¬1): وقد غلط في رواية أبي غسان، فإنها بلفظ: ~~"أمكناكها". في جميع نسخ البخاري، نعم وقعت بلفظ: "زوجتكها". عند ~~الإسماعيلي من طريق حسين بن محمد، عن أبي غسان. والبخاري أخرجه (¬2) عن ~~سعيد بن أبي مريم، عن أبي غسان بلفظ: "أمكناكها". وقد أخرجه أبو نعيم في ~~"المستخرج" من طريق يحيى بن عثمان بن صالح، عن سعيد شيخ البخاري فيه بلفظ: ~~"أنكحتكها". فهذه ثلاثة ألفاظ عن أبي غسان، ورواية: "أنكحتكها" في ~~"البخاري" (¬3) لابن عيينة كما حررته، وما ذكره من الطعن في الثلاثة مردود، ~~ولا سيما عبد العزيز بن أبي [حازم] (أ)، فإن روايته تترجح؛ لكون الحديث عن ~~أبيه، وآل المرء أعرف بحديثه من غيرهم. هذا [و] (5) الذي تحرر أن الذين ~~رووه بلفظ التزويج أكثر عددا ممن رواه بغير لفظ التزويج ولا سيما وفيهم من ~~الحفاظ مثل مالك، ورواية سفيان بن عيينة: "أنكحتكها". مساوية لروايتهم، ~~ومثلها رواية PageV07P048 # زائدة (¬1)، وعد ابن الجوزي (¬2) فيمن رواه بلفظ التزويج حماد بن زيد، ~~وروايته بهذا اللفظ [في فضائل القرآن] (أ) (¬3)، وأما في النكاح فبلفظ: ~~"ملكتكها" (¬4). وقد تبع الحافظ صلاح الدين العلائي ابن الجوزي فقال في ~~ترجيح رواية التزويج: ولا سيما وفيهم مالك وحماد بن زيد. انتهى. وقد تحرر ~~أنه اختلف على حماد فيها كما اختلف على الثوري، فظهر أن رواية التمليك وقعت ~~في إحدى الروايتين عن الثوري وفي رواية عبد العزيز بن أبي [حازم] (ب) ~~ويعقوب بن عبد الرحمن وحماد بن زيد، وفي رواية معمر: "أملكتكها". وهي ~~بمعناها، وانفرد أبو غسان برواية: "أمكناكها". وأخلق بها أن (ج تكون تصحيفا ~~ج) من: "ملكناكها". فرواية التزويج أو الإنكاح أرجح، وعلى ms1419 تقدير أن تتساوى ~~الروايات يقف الاستدلال بها لكل من الفريقين. وقد قال البغوي في "شرح ~~السنة" (¬5): لا حجة في هذا الحديث لمن أجاز انعقاد النكاح بلفظ التمليك، ~~لأن العقد كان واحدا، فلم يكن اللفظ إلا واحدا، واختلف الرواة في اللفظ ~~الواقع، والذي يظهر أنه PageV07P049 # كان بلفظ التزويج على وفق قول الخاطب: زوجنيها. إذ هو الغالب في [لفظ] ~~(أ) العقود، إذ قلما يختلف فيه لفظ المتعاقدين، ومن روى بغير لفظ التزويج ~~لم يقصد مراعاة اللفظ الذي انعقد به العقد، وإنما أراد الخبر عن جريان ~~العقد على تعليم القرآن، وقيل: إن بعضهم رواه بلفظ الإمكان. وقد اتفقوا على ~~أن العقد بهذا اللفظ لا يصح. كذا قال. ثم قال المصنف رحمه الله تعالى (¬1): ~~وبالغ ابن التين فقال: أجمع أهل الحديث على أن الصحيح رواية: "زوجتكها". ~~وأن رواية: "ملكتكها". وهم. وأجاب بعضهم بأن الذين اختلفوا في هذه اللفظة ~~أئمة عارفون بالمعنى، (ب فلولا أن ب) الألفاظ عندهم مترادفة ما عبروا بها، ~~فدل على أن كل لفظ منها يقوم مقام الآخر. انتهى. # ويجاب عن هذا بأن هذا راجع إلى جواز الرواية بالمعنى من العارف، ولكنه ~~عند الترجيح يرجع إلى المتفق عليه ويترك المختلف فيه، والرواية بالمعنى قد ~~يحصل فيها الخطأ، فإنه قد يعتقد أن ذلك اللفظ مرادف وهو في نفس الأمر غير ~~مرادف، والخلاف واقع في نقل اللغة كما وقع في غيرها، إلا أنه يقال: قد ثبت ~~في غير النكاح -مثل الطلاق والعتاق وغيرهما- صحته بغير اللفظ الصريح فيه من ~~الألفاظ المحتملة لتأدية ذلك المعنى مع القرينة، وهو ما يعبر عنه الفقهاء ~~بالكناية، ولا حجر على اللفظ الصريح، فيصح تأديته بكل لفظ يدل عليه مع ~~القصد إلى ذلك. والله سبحانه أعلم. PageV07P050 # ومنها: أنه يؤخذ من الحديث أنه إذا سأل النكاح وقال: زوجني. قال: زوجت. ~~لم يحتج إلى قبول (أ) منه. كذا قاله أبو بكر الرازي الحنفي والرافعي من ~~الشافعية (¬1). # ومنها: أن طول الفصل بين الإيجاب والقبول، وفراق المجلس لا لقصد الإضراب، ~~لا يضر، وقال المهلب (¬2): إن ms1420 المستوجب إذا أجيب بشيء معين وسكت كفى إذا ~~ظهرت قرينة القبول، وإلا فيشترط معرفة رضاه بالقدر المذكور. # ومنها: أن سكوت من عقد عليها إجازة إذا لم يمنع من كلامها خوف أو حياء أو ~~غيرهما. # ومنها: جواز العقد من دون أن يسأل المرأة: هل لها ولي حاضر أو لا؟ وهل هي ~~في عصمة رجل أو في عدته؟ قال الخطابي (¬3): ذهب إلى هذا جماعة حملا على ~~ظاهر الحال، ولكن الحكام يحتاطون ويسألون. ونص الشافعي على أنه ليس للحاكم ~~أن يزوج امرأة حتى يشهد عدلان أنها ليس لها ولي حاضر (ب) ولا أنها في عصمة ~~رجل، ولا في عدة، لكن اختلف أصحابه هل هذا على سبيل الاشتراط أو الاحتياط، ~~والثاني المصحح عندهم (¬4)، PageV07P051 # وعند الهدوية أنها تحلف الغريبة احتياطا. # ومنها: أنه لا يشترط في صحة العقد تقدم الخطبة، إذ لم يقع في شيء من طرق ~~الحديث وقوع حمد ولا تشهد ولا غيرهما من أركان الخطبة، وخالف في ذلك ~~الظاهرية فجعلوها واجبة، ووافقهم من الشافعية أبو عوانة فترجم في "صحيحه": ~~باب وجوب الخطبة عند العقد (¬1). # ومنها: أن الكفاءة في المال لا تعتبر؛ لأن الرجل لا شيء له. ولكنه يقال: ~~والمرأة كذلك، فإنه لم يدل دليل على أن لها مالا. # ومنها: أن طالب الحاجة لا ينبغي له أن يلح في طلبها بل يطلبها برفق وتأن، ~~ويدخل في ذلك طالب العلم؛ كمن يستفتي ويباحث من علم. # ومنها: أن الفقير يجوز له أن يتزوج المرأة إذا علمت بحاله ورضيت به. ~~وظاهره ولو كان عاجزا عن التكسب. كذا قاله الباجي (¬2). وتعقب باحتمال أن ~~يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - اطلع من حال الرجل على أنه قادر على ~~التكسب، لا سيما ما كان عليه أهل ذلك العصر من قلة الشيء والقناعة باليسير. # ومنها: صحة النكاح بغير ولي. وأجيب بأنها (أ) لم يكن لها ولي حاضر، ~~والإمام ولي من لا ولي لها. PageV07P052 # ومنها: أنه يجوز للرجل أن ينتفع بملك زوجته؛ لقوله: "إن لبسته لم يكن ~~عليها منه شيء". فلم يمنعه من ms1421 الانتفاع به، وإنما هو لحاجتها إليه. وأجيب ~~بأن انتفاعه به جميعه قد يصح على جهة المهايأة (¬1)؛ لكونه شريكا لها. # ومنها: نظر الإمام في مصالح رعيته وإرشاده إلى ما يصلحهم. ومنها: ~~المراجعة في الصداق. ومنها: خطبة المتزوج لنفسه. ومنها: أنه لا يجب إعفاف ~~المسلم بالنكاح كما يجب إطعامه وسقيه إذا اضطر إلى ذلك. # قال ابن التين بعد أن ذكر فوائد الحديث (¬2): فهذه إحدى وعشرون فائدة بوب ~~البخاري على أكثرها. # قال المصنف رحمه الله (¬3): وقد فصلت ما ترجم به البخاري من غيره. # وهذه الفوائد المذكورة ثمان وعشرون، والحمد لله على ذلك، والصواب أنها ~~إحدى وثلاثون. # 802 - وعن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "أعلنوا النكاح". رواه أحمد وصححه الحاكم (¬4). # هو عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، القرشي، سمع أباه وعمرو ~~بن سليم -بضم السين- وسمع منه مالك وابن عجلان وزياد بن PageV07P053 # سعد، مات قبل هشام بن عبد الملك بقليل أو بعده، ومات هشام سنة أربع ~~وعشرين ومائة، وروى الحديث أيضا أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجه والحاكم ~~من حديث محمد بن حاطب (¬1)، وفي الباب عن عائشة رضي الله عنها: "أعلنوا ~~النكاح، واضربوا عليه بالغربال". أي: الدف. أخرجه الترمذي وابن ماجه ~~والبيهقي (¬2) عن عائشة، وفي إسناده خالد بن إلياس (¬3) وهو منكر الحديث، ~~قاله أحمد، وفي رواية الترمذي عيسى بن ميمون (¬4) وهو يضعف، قاله الترمذي ~~(¬5)، وضعفه ابن الجوزي من الوجهين (¬6)، وأخرج الترمذي من حديث عائشة ~~-وقال: حسن غريب-: "أعلنوا هذا النكاح، PageV07P054 # واجعلوه في المساجد، واضربوا عليه بالدفوف" (¬1). والبيهقي وضعفه من حديث ~~عائشة رضي الله عنها: "أعلنوا هذا النكاح، واجعلوه في المساجد، واضربوا ~~عليه بالدفوف، وليولم أحدكم ولو بشاة، فإذا خطب أحدكم امرأة وقد خضب ~~بالسواد فليعلمها، لا يغرها" (¬2). # قوله: "أعلنوا النكاح". فيه دلالة على [مشروعية] (أ) ما يدل على وقوع ~~النكاح بين الزوجين؛ وذلك كالوليمة وضرب الطبول وغيرها من إحضار من يشهد ~~على العقد، وقوله في الروايات الآخر: "واضربوا عليه بالغربال، واضربوا عليه ms1422 ~~بالدفوف". من عطف الخاص على العام، وأما فعل ما يحرم في غير النكاح ~~كالمزمار وغيره، فالأكثر من الأمة أن ما يحرم في غير النكاح يحرم فيه؛ ~~لعموم النهي، وذهب النخعي ومالك وغيرهما من الفقهاء أنه يباح في النكاح؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "واضربوا عليه بالدفوف". فيقاس المزمار ~~وغيره عليه، ويكون ذلك [مخصضا] (ب) لعموم النهي، أو محمولا على غير الملهي؛ ~~جمعا بين الدليلين. قال الإمام يحيى: دف الملاهي -وهو بضم الدال وبفتحها ~~والفتح أكثر- مدور جلده من رق أبيض ناعم، في عرضه سلاسل يسمى الطار، له صوت ~~يطرب؛ لحلاوة نغمته، وهذا لا إشكال في تحريمه وتعلق النهي به، وأما دف ~~العرب فهو على شكل الغربال خلا أنه لا خروق فيه، وطوله [إلى] (ج) أربعة ~~أشبار، فهو الذي أراده - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه المعهود PageV07P055 # حينئذ. وقال أبو طالب والهادي: وهو محرم أيضا، إذ هو آلة لهو، فتمزق إن ~~ظفر بها كالمزمار ونحوه. قال الإمام المهدي: ولعله يقول: الخبر منسوخ. وقال ~~المؤيد بالله، وهو قول الهادي في "الأحكام": بل يكره فقط. وقال أبو العباس ~~وأبو حنيفة وأصحابه: بل مباح؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "واضربوا عليه ~~بالدفوف". وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فصل ما بين الحلال والحرام ~~الدف". ولتقريره أم نبيط حين رآها تدفف وترتجز في عرس. قال الإمام يحيى: ~~فأما ضرب طبل الحرب والزير -وهو النقارة. وقيل: الناقوس. والبم؛ و [هو] (أ) ~~القصعة الكبرى من قصاع الطبلخانه (¬1). وفي "الصحاح" (¬2) و"الضياء": البم: ~~الوتر الغليظ من أوتار المزهر (¬3). قال في "شمس العلوم": وهو عجمي. وطبق ~~الصفر؛ وهو الصنج وما أشبهه، وجميع الكوسات؛ وهي الطبول- فلا بأس به [إذا ~~لم] (ب) توضع للهو. كذا ذكره في "البحر". وقال في "الغيث": والمراد بما ~~ذكره الإمام يحيى، إذا استعملت لا على طريق الغناء؛ لأن كل ضربة موضوعة ~~للهو، فهي محرمة ولو في غير لهو. انتهى. PageV07P056 # 803 - وعن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا نكاح إلا بولي". ms1423 رواه أحمد والأربعة (¬1)، وصححه ابن ~~المديني والترمذي وابن حبان، وأعل بالإرسال (¬2). # وأخرجه الحاكم (¬3) وأطال في تخريج طريقه، وقد اختلف في وصله وإرساله. ~~قال الحاكم: وقد صحت الرواية فيه عن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ ~~عائشة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش. قال: وفي الباب عن علي وابن عباس. ثم سرد ~~تمام ثلاثين صحابيا، وقد جمع طرقه الدمياطي من المتأخرين، قال الترمذي (¬4) ~~-بعد أن ذكر الاختلاف فيه وأن من جملة من وصله إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي ~~بردة عن أبيه، ومن جملة من أرسله شعبة وسفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي ~~بردة ليس فيه أبو موسى راويه-: ومن رواه موصولا أصح؛ لأنهم سمعوه في أوقات ~~مختلفة، وشعبة وسفيان وإن كانا أحفظ وأثبت من جميع من رواه عن أبي إسحاق، ~~لكنهما سمعاه في وقت واحد. ثم ساق من طريق أبي داود الطيالسي عن شعبة قال: ~~سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق: أسمعت أبا بردة PageV07P057 # يقول: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا نكاح إلا بولي"؟ قال: ~~نعم. وإسرائيل (¬1) ثبت في أبي إسحاق. ثم ساق من طريق لابن مهدي قال: ما ~~فاتني من حديث الثوري عن أبي إسحاق إلا لما اتكلت به على (أ) إسرائيل؛ لأنه ~~كان يأتي به أتم. وأخرج ابن عدي (¬2) عن عبد الرحمن بن مهدي قال: إسرائيل ~~في أبي إسحاق أثبت من شعبة وسفيان. وأسند الحاكم (¬3) من طريق علي بن ~~المديني ومن طريق البخاري والذهلي وغيرهم، أنهم صححوا حديث إسرائيل، ومن ~~تأمل ما ذكر عرف أن الذين صححوا وصله لم يستندوا في ذلك إلى كونه زيادة ثقة ~~فقط، بل القرائن المذكورة المقتضية لترجيح رواية إسرائيل الذي وصله على غيره. # الحديث فيه دلالة على اعتبار الولي في عقد النكاح، إذ الظاهر من قوله: ~~"لا نكاح إلا بولي". هو نفي الصحة التي هي أقرب إلى نفي أصل النكاح الممتنع ~~حمل اللفظ عليه الذي هو المعنى الحقيقي. والولي هم الأقرب الأقرب من العصبة ~~دون ذوي الأرحام؛ كالخال والجد من قبل ms1424 الأم، و [كذا] (ب) الإخوة من [قبل] ~~(ج) الأم. وقد ذهب إلى هذا الجمهور من PageV07P058 # العلماء، ويروى عن الحنفية أنهم من الأولياء، واحتج الأبهري بأن الذي يرث ~~الولاء هم العصبة دون ذوي الأرحام، فكذلك عقد النكاح. [واختلفوا أيضا في ~~الابن ما نزل؛ فذهب العترة أن ولايته على إنكاح أمه، وأنه أقدم من الأب ما ~~علا. وذهب الشافعي إلى أنه لا ولاية للابن؛ لأنه ليس بعصبة لأمه، فهو كالأخ ~~من الأم عنده، وذهب مالك إلى أن الأب أولى من الابن. واحتج الأولون بأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر عمر بن أبي سلمة أن يزوجه إياها (¬1)، ~~وكذا أم سليم زوجها بأبي طلحة ولدها أنس بن مالك (¬2). وأجيب بما ذكره ~~البيهقي من أن ابن أم سلمة كان عصبة لأمه؛ وذلك لأن أم سلمة هي هند بنت أبي ~~أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وعمر ولدها هو ابن أبي سلمة عبد ~~الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وكذلك أنس بن مالك ~~كان عصبة لأمه، وهما يجتمعان في حرام بن عدي بن النجار، وبأن ذلك كان خاصا ~~بالنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فإنه كان له في باب النكاح ما لم يكن ~~لغيره. هذا كلام البيهقي، ولكنه لا يتمشى هذا الجواب في حق أنس بن مالك، ~~وعلى ذلك جميعه إشكال، وهو أن عمر بن أبي سلمة كان صغيرا؛ فإنه مات النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو ابن تسع سنين، وكذلك أنس بن مالك فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قدم المدينة وهو ابن تسع سنين، وأبو طلحة قديم الإسلام ~~كان ممن شهد العقبة، والصغير لا ولاية له، ولعله يقال في حق ابن أم سلمة: ~~إنه لما لم يكن من عصبتها في دار الهجرة، فالولاية للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فإذنه لعمر] (أ) PageV07P059 # [بذلك توكيل له، فيكون نائبا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ~~ويكون ذلك دليلا لمن يقول: إنه يجوز أن يتولى الطرفين الزوج ms1425 إذا كانت ~~الولاية له. وفي حق أنس بن مالك أنه إذا كان قد أسلم أحد من عصبتها فهو ~~نائب عنه أو أجاز له العقد، والصغير المميز يصح أن يكون وكيلا في النكاح، ~~مع أن ذلك عند التحقيق يكون دليلا قويا على أن المرأة لها أن تزوج نفسها، ~~وإنما الولي لتحسين العقد وإشاعته، وتطييب لنفسه، رعاية لحق القرابة، واحتج ~~في "البحر" لثبوت ولاية الابن وأنه أقدم من الأب، بأن الولاية في النكاح ~~تابعة للتعصيب بالإرث، والأب معه ذو سهم. وقد يجاب عنه بأن هذا محل نزاع، ~~ثم قال الإمام يحيى ومحمد: قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا يؤم الرجل أباه ~~وإن كان أفقه منه" (¬1). قلنا: النكاح مبني على التعصيب بخلاف العبادة، ~~ولكن يندب تقديمه بأن نوكله؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الكبر الكبر" ~~(¬2). "ليس منا من لم يوقر الكبير" (¬3). هذا كلامه، وقد عرفت أنه لا جامع ~~بين هذا وبين إمامة الصلاة. ثم قال في "البحر": أبو حنيفة: بل يستويان، إذ ~~لا مزية لأحدهما، إذ ينسبان إليها بلا واسطة. قلنا: الابن مع الأب عصبة لا ~~الأب. انتهى كلام "البحر"] (أ). واختلفوا في الوصي إذا أوصاه الأب على ~~أولاده، هل يكون أولى من الولي القريب في عقد النكاح أو مثله أو لا ولاية PageV07P060 # له؟ فقال ربيعة، وأبو حنيفة، ومالك: الوصي أولى. واحتج لهم بأن الوصي ناب ~~عن الأب بعد موته، فحكمه حكم النائب في حياة الأب، فكما أن نائب الأب في ~~حال الحياة أولى من غيره، كذلك بعد الموت، ويجاب بالفرق بأن الولاية انتقلت ~~بعد موته إلى غيره من الأولياء بخلافها حال الحياة فهي له. # وقد اختلف العلماء في اشتراط الولي في النكاح، فذهب الجمهور إلى اشتراطه، ~~وقالوا: لا تزوج المرأة نفسها أصلا. وذكر ابن المنذر أنه لا يعرف عن أحد من ~~الصحابة خلاف ذلك. وذهب مالك إلى اعتبار الولي في حق الشريفة دون الوضيعة، ~~فلها أن تزوج نفسها. وذهب أبو حنيفة إلى عدم اشتراط الولي مطلقا، ولها أن ~~تزوج نفسها، ولو بغير ms1426 إذن وليها، واحتج بالقياس على البيع، فإنها تستقل ~~ببيع سلعتها، وحمل الأحاديث الواردة في اشتراط الولي على الصغيرة، وخص ~~بالقياس عمومها، والتخصيص بالقياس جائز، ويجاب عنه بأن القياس غير صحيح، إذ ~~ثم مانع وهو الغضاضة (¬1) في حق الأولياء دون بيع سلعتها. وذهب أبو يوسف ~~ومحمد إلى أن الولي تلزمه الإجازة في الكفء، وله أن يختار في غير الكفء، ~~وهو مذهب الأوزاعي. وقالت الظاهرية: يعتبر الولي في حق البكر دون الثيب؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الثيب أولى بنفسها" (¬2). ولاستحياء البكر. ~~والجواب عن الحديث، أن (أ) المراد PageV07P061 # بكونها أولى بنفسها اعتبار رضاها؛ جمعا بين هذا وبين حديث: "لا نكاح إلا ~~بولي". وغيره، والاستحياء لا يصلح أن يكون موجبا للحكم. وقال أبو ثور: إن ~~للمرأة أن تنكح نفسها بإذن وليها، لقوله - صلى الله عليه وسلم -، "أيما ~~امرأة أنكحت نفسها بغير إذن وليها" (¬1). فمفهومه أن نكاحها بإذن الولي ~~يصح، والجواب بأن المفهوم غير معمول به، لقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~"المرأة لا تنكح ولا تنكح" (¬2). # 804 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، فإن دخل بها فلها المهر ~~بما استحل من فرجها". قال: "فإن اشتجروا فالسلطان ولي من لا ولي له". أخرجه ~~الأربعة إلا النسائي، وصححه أبو عوانة، وابن حبان، والحاكم (¬3). # وأخرج الحديث الشافعي (¬4)، وابن ماجه، أخرجوه من طريق ابن جريج عن ~~سليمان بن موسى عن الزهري عن عروة عنها، وأعل بالإرسال، وحسنه PageV07P062 # الترمذي، وقال يحيى بن معين (¬1): لم يذكر هذا الحديث عن ابن جريج غير ~~ابن علية، وسماع (أابن علية عن ابن جريج أ) ليس بذاك، ورواه الحاكم (¬2) من ~~طريق عبد الرزاق عن ابن جريج: سمعت سليمان: سمعت الزهري. وعد أبو القاسم من ~~رواه عن ابن جريج، فبلغوا عشرين رجلا، وذكر أن معمرا وعبيد الله بن زحر ~~تابعا ابن جريج على روايته إياه عن سليمان بن موسى، وأن قرة وموسى بن عقبة ~~ومحمد بن إسحاق وأيوب بن موسى ms1427 وهشام بن سعد وجماعة تابعوا سليمان بن موسى ~~عن الزهري. قال: ورواه أبو مالك الجنبي ونوح بن [دراج] (ب) ومندل (ج) وجعفر ~~بن برقان وجماعة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. ورواه الحاكم (¬3) من ~~طريق أحمد عن ابن علية عن ابن جريج به، قال في آخره: قال ابن جريج: فلقيت ~~الزهري فسألته عنه فلم يعرفه، وسألته عن سليمان بن موسى فأثنى عليه. وأعل ~~ابن حبان (¬4)، وابن عدي (¬5)، وابن عبد البر (¬6)، والحاكم (¬7)، PageV07P063 # وغيره، الحكاية عن ابن جريج، وأجابوا عنها على تقدير الصحة؛ فإنه لا يلزم ~~من نسيان الزهري له، أن يكون سليمان بن موسى وهم عليه، وقد تكلم عليه ~~الدارقطني (¬1) في جزء "من حدث ونسي" (أ) والخطيب بعده، وأطال الكلام عليه ~~البيهقي في "السنن" (¬2) وفي "الخلافيات" (¬3)، وابن الجوزي (¬4) في ~~"التحقيق". # الحديث فيه دلالة على اعتبار إذن الولي في النكاح، والإذن يكون بعقده ~~لها، أو بعقد الوكيل، وهذا مجمع عليه، كفعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في أم حبيبة (¬5)، وميمونة (¬6)، ويصح أن يكون الوكيل مفوضا يزوجها من شاء ~~كما يصح من الموكل، وفي أحد وجهين للإمام يحيى أنه لا يصح، إذ ليس كالأصل ~~في تحري المصلحة. والجواب أنه قد رضي ما رضيه الأصل، وفي تفويض وكيل الزوج ~~وجهان؛ يصح؛ لما ذكر، ولا يصح؛ لاختلاف الأغراض، وظاهر الحديث يقضي بصحة ما ~~ذهب إليه أبو ثور كما تقدم، ولكنه مخصوص بحديث أبي هريرة الآتي. # وقوله: "فإن دخل بهما" إلى آخره. فيه دلالة على أن المهر تستحقه المرأة ~~بالدخول في النكاح الباطل، وظاهره، ولو كان مع العلم بالبطلان، وقد PageV07P064 # ذهب إليه الإمام يحيى وأكثر أصحاب الشافعي، ولا يوجب الحد. وقال الصيرفي ~~(¬1): بل يحد، إذ يصير مع العلم بتحريمه كفاعل المحرم القطعي. قال الإمام ~~المهدي في "البحر": وهو المذهب. # وفي الحديث دلالة على أن النكاح المختل فيه ركن من أركانه، أنه باطل مع ~~العلم والجهل، وأن النكاح إنما هو صحيح أو باطل ولا واسطة بينهما، وهو مذهب ~~الجمهور. وذهب أبو طالب، والمؤيد، وأبو العباس، ms1428 والمذاكرون من الهدوية، ~~والفرضيون، إلى أن النكاح قد يكون فاسدا وهو ما خالف مذهب الزوجين، أو ~~أحدهما جاهلين، ولم تكن المخالفة في أمر مجمع عليه، وهذا القسم تترتب عليه ~~أحكام عندهم مفصلة في الفروع. # وقوله: "فإن اشتجروا" إلى آخره. الاشتجار الخصومة. والمراد به هنا منع ~~الأولياء للعقد عليها، فإذا عضلوا انتقل الأمر إلى السلطان، وظاهره أنها لا ~~تنتقل إلى الأبعد إذا منع الأقرب، وهو مذهب الشافعي، وذهب غيره إلى ~~انتقالها إلى الأبعد، ويحملون الحديث بأن الاشتجار وقع من الأقرب والأبعد، ~~والتأويل محتمل. # وقوله: "ولي من لا ولي لي". فيه دلالة على إثبات ولاية السلطان في حال ~~العضل وفي حال عدم الولي، وكذا في حال غيبة الولي، وهل تزويجه بالولاية أو ~~النيابة عن الولي؟ فيه وجهان، ويؤيده حديث ابن عباس أخرجه PageV07P065 # الطبراني (¬1) مرفوعا: "لا نكاح إلا بولي، والسلطان ولي من لا ولي له". # وفي إسناده الحجاج بن أرطاة وفيه مقال، وأخرجه سفيان في "جامعه"، ومن ~~طريقه الطبراني في "الأوسط" (¬2) بإسناد حسن عن ابن عباس بلفظ: "لا نكاح ~~إلا بولي مرشد أو سلطان". وترجم البخاري (¬3): باب السلطان ولي؛ لقول النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -: "زوجناكها بما معك من القرآن". ولم يخرج الحديث؛ ~~لأنه ليس على شرطه، وظاهر عموم الحديث أن السلطان إليه تزويج الكافرة التي ~~لا ولي لها. قال الإمام يحيى: والمراد بالسلطان في ألسنة العلماء حيث ~~يطلقونه هو الإمام العادل المتولي لمصالح الدين، فأما سلاطين الجور وأمراء ~~الظلم، فهم لصوص سلابون لا تقبل شهادة أحدهم في بصلة فضلا عن أن يحكموا في ~~شيء من الأمور الدينية وإمضاء الأحكام الإسلامية، فإن عدم الإمام وحاكمه ~~وكلت المرأة؛ لقوله تعالى: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض} (¬4). ~~فأثبت لكل مؤمن ولاية، والترتيب اقتضاه الإجماع. وقال أبو ثور وبعض العلماء ~~المتقدمين: بل ينتظر وجود الإمام؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"فالسلطان". والجواب أن ذلك محمول على وجوده، ولا ينتظر؛ لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "ثلاث لا ينبغي التأني" (¬5) الحديث. وقال الإمام يحيى: بل ~~يزوجها منصوب عند أهل ms1429 النصب (¬6) أو من صلح عند PageV07P066 # الهادوية، ولا وكالة، وإنما هو تعيين من المرأة، فتعين من شاءت. والله أعلم. # 805 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا تنكح البكر حتى تستأذن". قالوا: يا ~~رسول الله، وكيف إذنها؟ قال: "أن تسكت". متفق عليه (¬1). # قوله: "لا تنكح". روي بصيغة الخبر مرفوعا وبصيغة النهي مجزوما، والخبر ~~أبلغ، والأيم؛ هي الثيب التي فارقت زوجها بموت أو طلاق؛ لمقابلتها بالبكر، ~~وهذا هو المعنى الأصلي في الأيم، ولذلك قالوا: الغزو مأيمة (¬2). لأنه يقتل ~~فيه الرجال، فتصير النساء أيامى. وقد يطلق على من لا زوج لها أصلا، ونقله ~~عياض عن إبراهيم الحربي وإسماعيل القاضي وغيرهما، ولو صغيرة. وحكى الماوردي ~~القولين لأهل اللغة، وقد وقع في رواية الأوزاعي عن يحيى في هذا الحديث عند ~~ابن المنذر، والدارمي، والدارقطني (¬3): "لا تنكح الثيب". ووقع عند ابن ~~المنذر في رواية عمر بن أبي سلمة عن أبيه في هذا الحديث: PageV07P067 # "الثيب تشاور" (¬1). # وقوله: "تستأمر". الاستئمار طلب الأمر، والمعنى: لا يعقد عليها حتى يطلب ~~الأمر منها. وفيه إشعار بأن العقد من الولي عليها، فيؤخذ منه اشتراط الولي. ~~والمطلوب من المرأة إنما هو الأمر اعتبارا لرضاها. # وقوله: "ولا تنكح البكر حتى تستأذن". أراد بالبكر هنا البالغة، إذ لا ~~معنى لاستئذان الصغيرة، وأتى بالاستئذان هنا، وبالاستئمار في الأولى، للفرق ~~بينهما، فإن الاستئمار يدل على (أتأكيد المشاورة أ) وجعل الأمر إلى ~~المستأمرة، ولهذا يحتاج الولي إلى صريح إذنها في العقد، فإذا صرحت بمنعه ~~امتنع اتفاقا، والبكر بخلاف ذلك، والإذن دائر بين القول والسكوت بخلاف ~~الأمر؛ فإنه صريح في القول، وإنما جعل السكوت إذنا في حق البكر، لأنها قد ~~تستحيي من أن تفصح. # وقوله: قالوا: يا رسول الله. جاء في رواية: قلنا: يا رسول الله. وفي ~~حدثنا عائشة (¬2) أنها السائلة؛ قلت: إن البكر تستحيي. قال: "رضاها صمتها". ~~والحديث فيه دلالة على اعتبار رضا المزوجة (ب)، وتفصيل الإذن كما ذكر، ~~فسكوت البكر كاف بعد علمها بالعقد ms1430 وإن لم تعلم أن السكوت PageV07P068 # رضا. قال ابن المنذر (¬1): يستحب أن تعلم البكر بأن السكوت إذن، لكن لو ~~قالت بعد العقد: ما علمت أن سكوتي إذن. لم يبطل العقد بذلك عند الجمهور، ~~وكذا ذكر المؤيد بالله؛ لو سكتت وباطنها الكراهة، لم يضر ذلك. وكذا الثيب ~~لو نطقت وباطنها الكراهة، لم يضر ذلك. وأبطل العقد بعض المالكية حيث قالت: ~~لم أعلم أن السكوت رضا. وقال ابن شعبان (¬2): يقال لها ذلك ثلاثا، إن رضيت ~~فاسكتي، وإن كرهت فانطقي. وقال بعضهم: يطال المقام عندها لئلا تخجل، ~~فيمنعها ذلك من المسارعة. واختلفوا فيما إذا لم تتكلم بل ظهرت منها قرينة ~~السخط بالبكاء ونحوه، فعند الهدوية أن السكوت لا يكون رضا، وكذا عند ~~المالكية، وعند الشافعية، لا أثر لشيء من ذلك في المنع، إلا إن قرنت مع ~~البكاء الصياح ونحوه، وفرق بعضهم بين الدمع، فإن كان حارا دل على المنع، ~~وإن كان باردا دل على الرضا، واختلفوا في الأب يزوج البكر البالغة بغير ~~إذنها؛ فذهب العترة، وأبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، والثوري، وأبو ثور إلى ~~أنه لا يصح، وهو ظاهر الحديث، فإنه يطلق في حق الأب وغيره. وذهب ابن أبي ~~ليلى، ومالك، والليث، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، إلى أن له إجبارها؛ لمفهوم ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الثيب أحق بنفسها". وسيأتي (¬3)، فدل على أن ~~البكر بخلافها، وهو أن ولي البكر أحق بها، وكذا حديث أبي موسى: "تستأمر ~~اليتيمة في نفسها، فإن سكتت فهو PageV07P069 # إذنها" (¬1). فعلق الحكم باليتيمة، فيقيد حديث: "ولا تنكح البكر حتى ~~تستأذن". باليتيمة، ويجاب عنه بأنه صرح في حديث ابن عباس، أخرجه مسلم (¬2): ~~"والبكر يستأذنها أبوها". فصرح بذكر الأب، فالمفهوم غير معمول به، وتأول ~~الشافعي المؤامرة في حق الأب بأنها تكون لأجل استطابة النفس، كما في حديث ~~ابن عمر مرفوعا (¬3): "وآمروا (¬4) النساء في بناتهن". قال الشافعي: لا ~~خلاف أنه ليس للأم أمر، لكنه على معنى استطابة النفس. وقال البيهقي (¬5): ~~زيادة ذكر الأب في حديث ابن عباس غير محفوظة، قال الشافعي: زادها ابن عيينة ~~في حديثه، ms1431 وكان ابن عمر، والقاسم، وسالم، يزوجون الأبكار لا يستأمرونهن. ~~قال البيهقي: والمحفوظ في حديث ابن عباس: "البكر تستأمر" (¬6). ورواه صالح ~~بن كيسان بلفظ: "واليتيمة تستأمر" (¬7). وكذلك رواه أبو بردة (1) عن أبي ~~موسى، ومحمد بن [عمرو] (أ) عن أبي سلمة عن أبي هريرة (¬8)، فدل على أن ~~المراد بالبكر اليتيمة. PageV07P070 # قال المصنف (¬1) رحمه الله: وهذا لا يدفع زيادة الثقة الحافظ بلفظ الأب، ~~ولو قال قائل: بل المراد باليتيمة البكر. لم يدفع. و"تستأمر" بضم أولى، ~~يدخل فيه الأب وغيره، فلا تعارض بين الروايات، ويبقى النظر في أن الاستئمار ~~هل هو شرط في صحة العقد، أو مستحب لاستطابة النفس كما قال الشافعي؟ ذلك ~~محتمل. انتهى. وأجاب الإمام المهدي في "البحر" (¬2) عن حجة الشافعي بأنه - ~~صلى الله عليه وسلم - رد نكاح بالغة شكت أن أباها أجبرها، والحديث أن جارية ~~بكرا أتت النبي - صلى الله عليه وسلم -، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، ~~فخيرها النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬3). ورجاله ثقات، وأعل بالإرسال، ~~وبتفرد جرير بن حازم عن أيوب، وتفرد حسين - (أيعني ابن محمد الآتي ذكره أ) ~~- عن جرير، وأجيب بأن أيوب بن سويد رواه عن الثوري عن أيوب موصولا (¬4)، ~~وكذلك رواه معمر بن سليمان الرقي عن زيد بن حبان عن أيوب موصولا (¬5)، وإذا ~~اختلف في وصل الحديث وإرساله حكم لمن وصله على طريقة الفقهاء، وعن الثاني ~~بأن جريرا توبع عن أيوب كما ترى. وعن الثالث، بأن [سليمان] (ب) بن حرب تابع ~~حسين بن محمد عن جرير، PageV07P071 # وأجاب البيهقي (¬1) عن ذلك بأنه محمول على أنه زوجها من غير كفء. والله أعلم. # قال المصنف (¬2) رحمه الله: جواب البيهقي (أ) هو المعتمد، فإنها واقعة ~~عين فلا يثبت الحكم فيها تعميما، وأما الطعن في الحديث، فلا معنى له، فإن ~~طرقه يقوي بعضها ببعض، وفي الباب عن جابر وابن عمر وعائشة (¬3). وبوب ~~البخاري (¬4): إذا زوج ابنته وهي كارهة، فنكاحه مردود. وذكر فيه حديث خنساء ~~بنت خدام، [بفتح] (ب) المعجمة بعدها نون ومهملة ممدود، وقد روي خناس بوزن ~~فلان، وخدام بكسر ms1432 المعجمة بعدها [دال مهملة] (ج)، ولكن في روايته أنها كانت ~~ثيبا (د)، والثيب (ه) مجمع على اعتبار رضاها إلا ما روي عن الحسن (¬5) أنه ~~أجاز إجبار الأب للثيب. وعن النخعي (¬6): إن كانت في عياله جاز وإلا رد. ~~واختلفوا إذا وقع بغير رضاها، فقالت الحنفية PageV07P072 # والهدوية: إن أجازته جاز. وعن المالكية: إن أجازته عن قرب جاز، وإلا فلا. ~~ورده الباقون مطلقا. # 806 - وعن ابن عباس رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"الثيب أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر، وإذنها سكوتها". رواه مسلم ~~(¬1). وفي لفظ: "ليس للولي مع الثيب أمر، واليتيمة تستأمر". رواه أبو داود ~~والنسائي، وصححه ابن حبان (¬2). # الحديث الأخير: "ليس للولي" إلى آخره. رواته ثقات، أخرجه ابن حبان من ~~حديث معمر عن صالح بن كيسان عن نافع (أ) بن جبير عن ابن عباس، [وقال] (ب) ~~أبو الفتح القشيري: ويقال: إن معمرا أخطأ فيه. يعني أن صالحا إنما حمله عن ~~عبد الله بن الفضل عن ابن (ج) جبير، وهو قول الدارقطني (¬3). # قوله: "واليتيمة تستأمر". اليتيم في الشرع؛ الصغير الذي لا أب له، PageV07P073 # فظاهر الحديث أن اليتيمة يصح أن يزوجها الأولياء، وهو ظاهر قوله تعالى: ~~{وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى} (¬1) الآية. وما ذكر في سبب نزولها من ~~أنه يكون في حجر الولي يتيمة وليس له رغبة في نكاحها، وإنما يرغب في مالها ~~فيتزوجها لذلك، فنهوا، وكذا قوله تعالى: {وترغبون أن تنكحوهن} (¬2) الآية. ~~وترجم البخاري (¬3) ذلك، وقال: باب تزويج اليتيمة. وقد ذهب إلى هذا زيد بن ~~علي والهدوية وأبو حنيفة وأصحابه، وذهب مالك إلى أن الصغيرة لا يزوجها إلا ~~الوصي، وكأنه نظر إلى أن الوصي قائم مقام الأب فله حكمه، وذهب الناصر ~~والشافعي إلى أن الصغيرة لا يزوجها إلا الأب؛ محتجين بقوله: "واليتيمة ~~تستأمر". قالوا (أ): والاستئمار لا يكون إلا بعد البلوغ، إذ لا فائدة [في ~~استئمار] (ب) الصغيرة، فكان ذلك قرينة على أن المراد باليتيمة فاقدة الأب ~~وقد بلغت، لأنه قد يطلق اليتيم على من فقد أحد ms1433 أبويه وإن بلغ، والمراد أن ~~اليتيمة تترك حتى تستأمر ولا يكون استئمارها إلا بعد البلوغ. ومن أجاز ~~تزويج الصغيرة بغير الأب يثبت لها الخيار متى بلغت ولو كان جدا، وذهب ~~الناصر، والمؤيد بالله، والفريقان، إلى أنه كالأب فلا خيار لها؛ لقوله ~~تعالى: {ملة أبيكم إبراهيم} (¬4). فسمى الجد أبا. والجواب بأنه PageV07P074 # مجاز. وثبوت الخيار لها عند الهدوية وأبي حنيفة، ومحمد، والمؤيد بالله؛ ~~قالوا: قياسا على الأمة، فإنها تخير إذا أعتقت وهي مزوجة، والجامع بينهما ~~حدوث ملك التصرف. وذهب أبو يوسف إلى أنه لا خيار لها؛ كمن زوجها أبوها. قال ~~ابن رشد في "نهاية المجتهد" (¬1): سبب الاختلاف في إنكاح الصغيرة لغير ~~الأب، قياس غير الأب في ذلك على الأب، فمن رأى أن الاجتهاد الموجود فيه ~~الذي جاز للأب بسببه أن يزوج الصغيرة لا يوجد في غير الأب (ب)، لم يجز ذلك، ~~ومن رأى أنه يوجد فيه أجاز ذلك، ومن فرق بين الصغير في ذلك والصغيرة، فلان ~~الرجل يملك الطلاق إذا بلغ ولا تملكه المرأة، ولذلك جعل أبو حنيفة لهما ~~الخيار إذا بلغا. انتهى. # وأعلم أن نكاح الأب لأولاده الصغار مجمع عليه، وترجم على ذلك البخاري ~~(¬2) بباب: نكاح الرجل ولده الصغار، ضبط بضم الواو وسكون اللام بصيغة الجمع ~~وبفتحهما بصيغة الجنس، يشمل الذكر والأنثى، واحتج عليه بقوله تعالى: ~~{واللائي لم يحضن} (¬3). فجعل عدتها ثلاثة أشهر قبل البلوغ؛ أي يدل على أن ~~النكاح قبل البلوغ جائز، وهو استنباط حسن، ولكن ذلك لا يختص بالأب إلا أن ~~يقال: قد بين أن المراد PageV07P075 # بما (أ) في الآية الكريمة هو من زوجها الأب تزويج عائشة رضي الله عنها، ~~والأصل في الأبضاع التحريم إلا ما دل عليه النص، فاقتصر على المنصوص عليه. ~~قال المهلب (¬1): أجمعوا على أنه يجوز للأب تزويج ابنته الصغيرة البكر، ولو ~~كانت لا يوطأ مثلها، إلا أن الطحاوي حكى عن ابن شبرمة منعه فيمن لا توطأ. ~~وحكاه ابن حزم (¬2) عن ابن شبرمة مطلقا أن الأب لا يزوج بنته البكر الصغيرة ~~حتى تبلغ وتأذن، وزعم أن ms1434 تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - عائشة وهي بنت ~~ست سنين (¬3) كان من خصائصه، والله أعلم. # 807 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها". رواه ابن ماجه ~~والدارقطني ورجاله ثقات (¬4). # وأخرج الحديث البيهقي (¬5). # وفي قوله: "لا تزوج المرأة المرأة". دلالة على أن المرأة لا يثبت لها ~~ولاية في النكاح، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وذهبت الحنفية إلى ثبوت PageV07P076 # الولاية للنساء بعد العصبة. قال في "كنز الدقائق" (¬1): وإن لم يكن عصبة، ~~فالولاية للأم، ثم الأخت لأب وأم، ثم لأب (أ)، ثم ولد الأم، ثم لذوي ~~الأرحام، ثم للحاكم. انتهى. والحديث هذا يرد عليهم، وقد يستأنس (ب) لهم في ~~حق الأم بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "استأمروا النساء في بناتهن" (¬2). ~~فالاستئمار يدل على ثبوت الحق لهن في ذلك، والجمهور حملوا الأمر على الندب، ~~وأن الغرض من ذلك إنما هو تطييب لنفس الأم لما لها من الاتصال بابنتها. # وقوله: "ولا تزوج المرأة نفسها". فيه دلالة على عدم أهلية المرأة ~~لإنكاحها نفسها. وقد تقدم بعض من ذلك، وقد اختلف العلماء في ذلك. قال في ~~"نهاية المجتهد" (¬3): اختلف العلماء هل الولاية شرط من شروط صحة النكاح أم ~~ليست بشرط؟ فذهب مالك إلى (ج) أنه لا يكون نكاح إلا بولي، وأنها شرط في ~~الصحة في رواية أشهب عنه، وبه قال الشافعي، وقال أبو حنيفة، وزفر، والشعبي، ~~والزهري: إذا عقدت المرأة نكاحها بغير ولي وكان كفئا جاز. وفرق داود بين ~~البكر والثيب، فقال باشتراط الولي في البكر وعدم اشتراطه في الثيب، ويتخرج ~~على رواية ابن القاسم عن مالك في الولاية قول رابع؛ أن اشتراطها سنة لا ~~فرض؛ وذلك أنه روي عنه أنه كان PageV07P077 # يرى الميراث بين الزوجين بغير ولي، وأنه يجوز للمرأة غير الشريفة أن ~~تستخلف رجلا من الناس على نكاحها، فكأنه عنده من شروط التمام لا من شروط ~~الصحة، بخلاف عبارة البغداديين من أصحاب مالك، أعني أنهم يقولون: إنها من ~~شروط ms1435 الصحة لا من شروط التمام. وسبب الاختلاف؛ أنه لم تأت آية ولا سنة ~~ظاهرة في اشتراط الولاية في النكاح فضلا عن أن يكون في ذلك نص، بل الآيات ~~(أ) والسنن التي جرت العادة بالاحتجاج بها عند من يشترطها هي كلها محتملة ~~في ذلك، وإن كان المسقط لها ليس عليه دليل؛ لأن الأصل براءة الذمة، ونحن ~~نورد ما احتج به الفريقان، ونبين وجه الاحتمال في ذلك، فمن أظهر ما يحتج به ~~من الكتاب في اشتراط الولاية قوله تعالى: [{وإذا طلقتم النساء فبلغن] (ب) ~~أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن} (¬1). قالوا: وهذا خطاب للأولياء، ولو ~~لم يكن لهم حق في الولاية لما نهوا عن العضل. وقوله تعالى: {ولا تنكحوا ~~المشركين حتى يؤمنوا} (¬2). وهذا أيضا خطاب للأولياء، ومن أشهر ما احتج به ~~هؤلاء من الأحاديث ما رواه الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، ثلاث ~~مرات، وإن دخل بها فلها المهر بما أصاب منها، فإن اشتجروا فالسلطان ولي من ~~لا ولي لها". PageV07P078 # أخرجه الترمذي (¬1) وقال فيه: حديث حسن. وأما ما احتج به من لم يشترط ~~الولاية من الكتاب والسنة فقوله تعالى: {فلا جناح عليكم فيما فعلن في ~~أنفسهن بالمعروف} (¬2). قالوا: وهذا دليل على جواز تصرفها في العقد على ~~نفسها. قالوا: وقد أضاف إليهن (أ) في غير ما آية من الكتاب الفعل، فقال: ~~{أن ينكحن أزواجهن} (¬3). وقال تعالى: {حتى تنكح زوجا غيره} (¬4). وأما من ~~السنة، فاحتجوا بحديث ابن عباس المتفق على صحته، وهو قوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأمر في نفسها، وإذنها ~~صماتها" (¬5). وبهذا الحديث احتج داود في الفرق عنده بين الثيب والبكر في ~~هذا المعنى. فهذا مشهور ما احتج به الفريقان من السماع. فأما قوله تعالى: ~~[{وإذا طلقتم النساء فبلغن] (ب) أجلهن فلا تعضلوهن}. فليس فيه أكثر من نهي ~~قرابة المرأة وعصبتها عن (ج) أن يمنعوها النكاح، وليس نهيهم عن العضل مما ~~يفهم ms1436 منه اشتراط إذنهم في صحة العقد لا حقيقة ولا مجازا، أعني بوجه من وجوه ~~أدلة الخطاب الظاهرة أو النص، بل قد يمكن أن يفهم منه ضد PageV07P079 # هذا، وهو أن الأولياء ليس لهم سبيل على من يلونهم، وكذلك قوله تعالى: ~~{ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا} (¬1). هو أن يكون خطابا لأولي الأمر من ~~المسلمين أو لجميع المسلمين أحرى منه أن يكون خطابا للأولياء، وبالجملة فهو ~~متردد بين أن يكون خطابا للأولياء أو لأولي الأمر. فإن قيل: هذا عام، ~~والعموم يشتمل ذوي الأمر [و] (أ) الأولياء. قيل: هذا الخطاب إنما هو خطاب ~~بالمنع، والمنع بالشرع، فيستوي فيه الأولياء وغيرهم، وكون الولي مأمورا ~~بالمنع بالشرع لا يوجب له ولاية خاصة في الإذن، (ب أصلا كالأجنبي ب). ولو ~~قلنا: إنه خطاب للأولياء يوجب اشتراط إذنهم في صحة النكاح. لكان مجملا لا ~~يصح به عمل؛ لأنه ليس فيها ذكر أصناف الأولياء ولا صفاتهم ولا مراتبهم، ~~والبيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة، ولو كان في هذا كله شرع معروف لنقل ~~تواترا أو قريبا من التواتر؛ لأن هذا مما تعم به البلوى، ومعلوم أنه كان في ~~المدينة من لا ولي لها، ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يعقد ~~أنكحتهم، ولا نصب لذلك من يعقده، وأيضا فإن المقصود من الولاية ليس هو حكم ~~الولاية، وإنما المقصود منها تحريم نكاح المشركين والمشركات، وهذا ظاهر، ~~والله أعلم. # وأما حديث عائشة (¬2)، فهو حديث مختلف في وجوب العمل به، والأظهر أن ما ~~ليس يتفق على صحته، أنه لا يجب العمل به، وأيضا فإن PageV07P080 # سلمنا صحة الحديث فليس فيه إلا اشتراط إذن الولي لمن لها ولي، أعني ~~المولى عليها. وإن سلمنا أنه عام في كل امرأة فليس فيه أن المرأة لا تعقد ~~على نفسها، أعني أن تكون هي التي تولت العقد، بل الأظهر منه أنه إذا أذن ~~لها (¬1) جاز أن تعقد على نفسها. وأما ما احتج به الفريق الآخر من قوله ~~تعالى: {فلا جناح عليكم فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف}. ms1437 فإن المفهوم منه ~~النهي عن التثريب عليهن فيما استبددن بفعله دون أوليائهن، وليس ها هنا شيء ~~يمكن أن تستبد به المرأة دون الولي إلا عقد النكاح، فظاهر هذه الآية، والله ~~أعلم، أن لها أن تعقد النكاح، وللأولياء الفسخ إذا لم يكن بالمعروف، وهو ~~الظاهر من الشرع، وأما إضافة النكاح إليهن، فليس فيه دليل على اختصاصهن ~~بالعقد، لكن الأصل هو الاختصاص، إلا أن يقوم الدليل على غير ذلك. # وأما حديث ابن عباس (¬2) فهو لعمرى ظاهر في الفرق بين الثيب والبكر؛ لأنه ~~إذا كان كل واحدة منهما يستأذن ويتولى العقد عليها الولي، فبماذا؟ ليت شعري ~~تكون الأيم أحق بنفسها من وليها، والاحتجاج بقوله تعالى: {فلا جناح عليكم ~~فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف}. وهو أظهر في أن المرأة تلي العقد من ~~الاحتجاج بقوله تعالى: {ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا}. على أن الولي هو ~~الذي يلي العقد. وقد ضعفت الحنفية حديث عائشة، وذلك أنه حديث رواه جماعة عن ~~ابن جريج عن الزهري، وحكى ابن علية عن ابن جريج أنه سأل الزهري عنه، فلم ~~يعرفه. قالوا: والدليل على PageV07P081 # ذلك أن الزهري لا يشترط الولاية. وقد احتجوا أيضا بحديث ابن عباس أنه ~~قال: "لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل" (¬1). ولكنه مختلف في رفعه. وأما ~~احتجاج الفريقين من جهة المعاني فمحتمل؛ وذلك أنه يمكن أن يقال: إن الرشد ~~إذا وجد في المرأة اكتفى به في عقد النكاح، كما يكتفى به في التصرف في ~~المال، وشبهه أن يقال: إن المرأة مائلة الطبع إلى الرجال أكثر منها إلى ~~تدبير الأموال، فاحتاط الشرع بأن جعلها محجورة في هذا المعنى على التأبيد، ~~مع أن ما يلحقها من العار في إلقاء نفسها في غير موضع كفاءة يتطرق إلى ~~أوليائها، لكن يكفي في ذلك أن يكون للأولياء الفسخ والحسبة، والمسألة كما ~~ترى محتملة، لكن الذي يغلب على الظن أنه لو قصد الشارع اشتراط الولاية لبين ~~جنس الأولياء وأصنافهم ومراتبهم، فإن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، ~~فإذا كان لا يجوز عليه فييه ms1438 تأخير البيان عن وقت الحاجة، وكان عموم البلوى ~~في هذه المسألة يقتضي أن ينقل اشتراط الولاية عنه تواترا أو قريبا (أ) من ~~التواتر، فقد يجب أن يعتقد أحد أمرين؛ إما أنه ليست الولاية شرطا في صحة ~~النكاح وإنما للأولياء الحسبة في ذلك، وأما إن كانت شرطا فليس من شرط صحتها ~~تمييز أصناف الأولياء وصفاتهم؛ ولذلك يضعف قول من يبطل عقد الولي الأبعد مع ~~وجود الأقرب. انتهى. وهذا الكلام الذي ذكره في "غاية التحقيق ونهاية PageV07P082 # التدقيق"، والله أعلم، وقد روي عن عائشة أيضا أن النكاح يصح بغير ولي. # رواه الطحاوي والبيهقي (¬1). وروى البيهقي (¬2) عن علي رضي الله عنه، أنه ~~أجاز النكاح بغير ولي بعد الدخول بالمرأة، في قصة جرت، ولم يذكر المصنف ~~رحمه الله، الوارد في اعتبار الشهادة. وقد أخرج في "زوائد المسند" (¬3) عن ~~عمران بن حصين عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا نكاح إلا بولي ~~وشاهدي عدل". وعن عائشة مرفوعا مثله بزيادة: "فإن تشاجروا فالسلطان ولي من ~~لا ولي له". رواه الدارقطني (¬4)، ولمالك في "الموطأ" (¬5) عن أبي الزبير ~~المكي أن عمر بن الخطاب أتي بنكاح لم يشهد عليه إلا رجل وامرأة، فقال: هذا ~~نكاح السر، ولا أجيزه، ولو كنت تقدمت فيه لرجمت. وعن ابن عباس رضي الله ~~عنه: "لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد" (¬6). ولا مخالف له من الصحابة. ~~أخرجه الدارقطني (¬7) وذكر أن في سنده مجاهيل، وقد ذهب إلى اعتبار الشهادة ~~علي، وعمر، وابن عباس، والعترة، والحسن البصري، والنخعي، والشعبي، وابن ~~المسيب، والشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد. وذهب ابن عمر، وابن الزبير، وعبد ~~الرحمن بن مهدي، وداود، PageV07P083 # إلى أن الشهادة لا تعتبر كشراء الأمة للوطء. وقال في "نهاية المجتهد" ~~(¬1): اتفقوا، أعني أبا حنيفة والشافعي ومالكا على أن الشهادة من شروط ~~النكاح، واختلفوا هل هي شرط تمام يؤمر به عند الدخول أو شرط صحة يؤمر به ~~عند العقد؟ واتفقوا على أنه لا يجوز نكاح السر، واختلفوا إذا شهد شاهدان ~~ووصيا بالكتمان؛ هل هو سر أم ليس بسر؟ فقال مالك: ms1439 هو سر ويفسخ. وقال أبو ~~حنيفة، والشافعي: ليس بسر. وسبب اختلافهم، هل الشهادة في ذلك حكم شرعي أم ~~(أ) إنما المقصود منها سد ذريعة الاختلاف والإنكار؟ فمن قال: حكم شرعي. ~~قال: هي من شروط الصحة. ومن قال: توثيق. قال: من شروط التمام. ثم ذكر حديث ~~ابن عباس حجة القائل باعتباره، ثم قال: وأبو حنيفة ينعقد النكاح عنده ~~بشهادة فاسقين؛ لأن المقصود عنده بالشهادة هو الإعلان فقط. والشافعي يرى أن ~~الشهادة تتضمن المعنيين، أعني الإعلان والقبول، ولذلك اشترط فيها العدالة، ~~وأما مالك فليس يتضمن عنده الإعلان إذا أوصى الشاهدان بالكتمان، وسبب ~~اختلافهم؛ هل ما يقع فيه الشهادة (ب) ينطلق عليه اسم السر أم لا؟ والأصل في ~~اشتراط الإعلان قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أعلنوا هذا النكاح" ~~الحديث (¬2). وقول عمر رضي الله عنه فيه: هذا نكاح السر، ولو تقدمت فيه ~~لرجمت. PageV07P084 # وقد روي عن الحسين بن علي رضي الله عنه أنه تزوج بغير شهادة ثم أعلن ~~النكاح. انتهى. # 808 - وعن نافع عن ابن عمر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الشغار، والشغار أن يزوج الرجل ابنته على أن يزوجه الآخر ~~ابنته وليس بينهما صداق. متفق عليه (¬1). # واتفقا من وجه آخر (أ) على أن تفسير الشغار من كلام نافع (¬2). # هو أبو عبد الله نافع بن سرجس، بفتح السين المهملة الأولى وسكون الراء ~~وكسر الجيم، مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب، كان ديلميا (¬3)، من كبار ~~التابعين المدنيين، سمع ابن عمر، وأبا سعيد الخدري. روى عنه الزهري، وأيوب ~~السختياني، وعبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، ومالك بن ~~أنس. وهو من المشهورين بالحديث، ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم ويجمع حديثهم ~~ويعمل به، ومعظم حديث ابن عمر مروي عنه. قال مالك: كنت إذا سمعت حديث نافع ~~عن ابن عمر، لا PageV07P085 # أبالي ألا أسمعه من أحد. مات سنة سبع عشرة ومائة (أ). وقيل: سنة عشرين. # الشغار بمعجمتين مكسور الأول، أصله في اللغة الرفع (¬1)، يقال: ms1440 شغر ~~الكلب. إذا رفع رجله ليبول، كأنه قال: لا ترفع رجل بنتي حتى أرفع رجل بنتك. ~~وقيل: هو من شغر البلد، إذا خلا، لخلوه عن الصداق. ويقال: شغرت المرأة. إذا ~~رفعت رجلها عند الجماع. وقال ابن قتيبة (¬2): كل واحد منهما يشغر عند ~~الجماع. وكان من نكاح الجاهلية. # وقوله: نهى عن الشغار. المراد به نهى عن نكاح الشغار، بتقدير المضاف، وقد ~~صرح به في رواية ابن وهب عن مالك، ذكره ابن عبد البر (¬3). # وقوله: والشغار. إلى آخره. قال ابن عبد البر (3): ذكر تفسير الشغار جميع ~~رواة مالك عنه. وأما أبو داود (¬4) فاختصر الرواية عن القعنبي، وكذا ~~الترمذي (¬5)، أخرجه من طريق معن بن عيسى، واختصر التفسير، ويدل على ذلك أن ~~النسائي (¬6) أخرجه من طريق معن بالتفسير، وكذا الخطيب (¬7) PageV07P086 # أخرجه من طريق القعنبي بالتفسير. وقد اختلفت الرواة عن مالك فيمن ينسب ~~إليه التفسير، والأكثر لم ينسبوه لأحد، ولهذا قال الشافعي، فيما حكاه ~~البيهقي في "المعرفة" (¬1): لا أدري؛ التفسير عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، أو عن ابن عمر، أو عن نافع، أو عن مالك؟ ونسبه محرز بن عون وغيره ~~إلى مالك. قال الخطيب (¬2): تفسير الشغار ليس من كلام النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وإنما هو قول مالك وصل بالمتن المرفوع، وقد بين ذلك ابن مهدي ~~والقعنبي ومحرز بن عون، ثم ساقه عنهم كذلك، ورواية محرز بن عون عند ~~الإسماعيلي والدارقطني (¬3) في "الموطآت". وأخرجه الدارقطني (3) أيضا من ~~طريق خالد بن مخلد عن مالك، قال: سمعت أن الشغار أن يزوج الرجل ... إلى ~~آخره. وهذا دال على أن التفسيرين منقول مالك لا من مقوله، وصرح البخاري ~~(¬4) في كتاب ترك الحيل عن نافع في هذا الحديث؛ تفسير الشغار من قول نافع ~~ولفظه. قال عبيد الله: قلت لنافع: ما الشغار؟ فذكره. فلعل مالكا أيضا حمله ~~عن نافع، وقال أبو الوليد الباجي: الظاهر أنه من جملة الحديث، وعليه يحمل، ~~حتى يتبين أنه من قول الراوي وهو نافع. وقال المصنف (¬5) رحمه الله: قد ~~تبين ذلك، ولكن لا يلزم من كونه ms1441 لم يرفعه ألا يكون في نفس الأمر مرفوعا، ~~فقد ثبت ذلك من غير روايته، فعند مسلم (¬6) PageV07P087 # من رواية أبي أسامة وابن نمير عن (أعبيد الله أ) بن عمر أيضا عن أبي ~~الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، مثله سواء. قال: وزاد ابن نمير: والشغار أن ~~يقول الرجل للرجل: زوجني ابنتك وأزوجك ابنتي. أو: زوجني أختك وأزوجك أختي. ~~وهذا يحتمل أن يكون تلقاه عن أبي الزناد، ويؤيد الاحتمال الثاني وروده في ~~حديث أنس وجابر وغيرهما أيضا، فأخرج عبد الرزاق (¬1) عن معمر عن ثابت وأبان ~~عن أنس مرفوعا: "لا شغار في الإسلام". والشغار أن يزوج الرجل الرجل (ب) ~~أخته بأخته. وروى البيهقي (¬2) من طريق نافع بن يزيد عن ابن جريج عن أبي ~~الزبير عن جابر مرفوعا نهى [النبي - صلى الله عليه وسلم -] (ج) عن الشغار. ~~والشغار أن ينكح هذه بهذه بغير صداق؛ بضع (د) هذه صداق هذه، وبضع (د) هذه ~~صداق هذه. وأخرج أبو الشيخ (¬3) في كتاب النكاح من حديث أبي ريحانة أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المشاغرة. والمشاغرة أن يقول: زوج هذا ~~من هذه، وهذه من هذا، بلا مهر. قال القرطبي (¬4): تفسير الشغار صحيح، موافق ~~لما ذكره أهل اللغة، فإن كان مرفوعا فهو المقصود، وإن كان PageV07P088 # من قول الصحابي فمقبول أيضا؛ لأنه أعلم بالمقال وأقعد بالحال. انتهى. وفي ~~"الطبراني" (¬1) من حديث أبي بن كعب مرفوعا: "لا شغار". قالوا: يا رسول ~~الله، وما الشغار؟ قال: "نكاح المرأة بالمرأة لا صداق بينهما". وإسناده وإن ~~كان ضعيفا، لكن يستأنس به في هذا القام. # اختلف الفقهاء في نكاح الشغار، هل هو باطل أو غير باطل؟ فذهب العترة ~~والشافعي ومالك إلى أنه باطل، للنهي الوارد فيه، والنهي يقتضي بطلان المنهي ~~عنه، واختلفوا في العلة المقتضية للبطلان، فذهب المؤيد بالله وأبو طالب إلى ~~أن العلة كون البضع صار ملكا للأخرى، وذهب إليه أكثر الشافعية، قالوا: لأنه ~~يصير البضع مشتركا بين الزوج والأخرى، وجعل كل واحدة مهرا للأخرى، وهي لا ~~تنتفع به، فلم يرجع إليها ms1442 المهر، بل عاد المهر إلى الولي، وهو ملكه لبعض ~~بضع زوجته بتمليكه (أ) لبضع موليته، وهذا ظلم بكل واحدة من المرأتين، ~~وإخلاء لنكاحها عن مهر ينتفع به. وقال القفال (¬2): العلة في البطلان ~~التعليق والتوقيف، وكأنه يقول: لا ينعقد لك نكاح بنتي حتى ينعقد لي نكاح ~~بنتك. وقال الخطابي (¬3): كان ابن أبي هريرة يشبهه برجل تزوج امرأة ويستثني ~~عضوا من أعضائها، وهو مما لا خلاف في PageV07P089 # فساده، وتقرير ذلك أنه يزوج وليته ويستثني بضعها حيث يجعله للأخرى صداقا. ~~وقال مالك: العلة خلو العقد عن المهر. ونقله الخرقي (أ) (¬1) عن نص (ب) ~~أحمد بن حنبل، وكذا ابن دقيق العيد (¬2). وقال الإمام يحيى: بل العلة مجموع ~~الاشتراك في البضع والخلو عن الهر. وحديث الباب يؤيد قول مالك وأحمد بقوله: ~~لا صداق بينهما. فإنه يشعر بأن جهة الفساد ذلك، وإن كان يحتمل أن يكون ذلك ~~ذكر لملازمته لجهة الفساد. وقال ابن دقيق العيد (¬3): وعلى الجملة ففيه ~~شعور بأن عدم الصداق له مدخل في النهي. وحديث أبي ريحانة يؤيده، ويتفرع على ~~الخلاف ما إذا ذكر مهر لكل واحدة منهما أو لأحدهما، هل يخرج عن الشغار أو ~~لا؟ فعلى من يقول: إن العلة المجموع أو عدم ذكر المهر وحده. يصح النكاح ولا ~~يكون شغارا، ومن جعل العلة الاشتراك في البضع، هو شغار منهي عنه. واختلف ~~على أصل الشافعي فيما إذا لم يصرحا بالبضع، فالأصح عند الشافعية الصحة، ونص ~~الشافعي على خلافه، ولفظه: إذا زوج الرجل ابنته أو المرأة يلي أمرها من ~~كانت لآخر على أن صداق كل واحدة [بضع] (ج) الأخرى، أو على أن ينكحه الأخرى، ~~ولم يسم أحد منهما لواحدة منهما صداقا، فهذا الشغار PageV07P090 # الذي نهى عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو [مفسوخ] (أ). هكذا ~~ساقه البيهقي (¬1) بإسناده الصحيح عن الشافعي، [قال (¬2)] (ب): وهو الموافق ~~للتفسير المنقول في الحديث، واختلف نص الشافعي فيما إذا سمى مع ذلك مهرا، ~~فنص في "الإملاء" (¬3) على البطلان، وظاهر نصه في "المختصر" (3) الصحة؛ ~~وعلى ذلك اقتصر في النقل ms1443 عن الشافعي من ينقل الخلاف من أهل مذهبه، وذهب ~~الحنفية والزهري ومكحول والثوري والليث، ورواية عن أحمد وإسحاق وأبي ثور، ~~أن النكاح صحيح، ويلغو ما ذكر فيه. قالوا: لعموم قوله تعالى: {فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء} (¬4). ولم يفصل. قال الإمام الهدي في "البحر": قلنا: ~~النهي اقتضى قبحه فلا صحة. انتهى. وقد يجاب من طرق الحنفية بأن النهي وإن ~~اقتضى القبح فلا يلزم منه الفساد، بل النهي يدل على الصحة عندهم، ورواية عن ~~(ج) مالك، أنه يفسخ عقد الشغار قبل الدخول لا بعده. وحكاه ابن المنذر عن ~~الأوزاعي، وقد يجاب عنه بما قاله الشافعي (¬5) رحمه الله: إن النساء محرمات ~~-[لعموم] (د) قوله تعالى: {والذين هم لفروجهم حافظون} (¬6) - إلا ما أحل ~~الله، من النكاح و (ه) ملك يمين، فإذا ورد PageV07P091 # النهي عن نكاح تأكد التحريم، والمراد (أ) أنه لا يباح إلا بالنكاح الذي ~~لا نهي عنه، وما نهي عنه رجع إلى ذلك الأصل، وهذا وجه قوي. والله أعلم. # واعلم أنه ذكر في (ب لحديث لفظ ب) البنت، وفي رواية: الأخت. قال النووي ~~(¬1): أجمعوا على أن غير البنات من الأخوات وبنات الأخ وغيرهن، كالبنات في ~~ذلك. قال ابن القيم في "الهدي النبوي" (¬2): والذي يجيء على أصل أحمد أنهم ~~متى عقدوا على ذلك، وإن لم يقولوه بألسنتهم، أنه لا يصح؛ لأن المقصود في ~~العقود معتبر، والمشروط عرفا كالمشروط لفظا؛ فيبطل العقد بشرط ذلك والتواطؤ ~~عليه ونيته. والله أعلم. # 809 - وعن ابن عباس رضي الله عنه أن جارية بكرا أتت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، فذكرت أن أباها زوجها وهي كارهة، فخيرها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وأعل بالإرسال. # الحديث تقدم الكلام عليه قريبا في أثناء حديث أبي هريرة، فارجع إليه (¬3). # 810 - وعن الحسن عن سمرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيما ~~امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما". رواه أحمد والأربعة وحسنه الترمذي ~~(¬4). PageV07P092 # هو أبو سعيد الحسن بن أبي الحسن -واسم أبي الحسن يسار- البصري، من ms1444 سبي ~~ميسان، مولى زيد بن ثابت، ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب ~~بالمدينة، وقدم البصرة بعد مقتل عثمان، ورأى عثمان، وقيل: إنه لقي عليا ~~بالمدينة. وأما بالبصرة فإن رؤيته إياه لم تصح؛ لأنه كان في وادي القرى ~~متوجها نحو البصرة، حين قدم علي بن أبي طالب البصرة. ويقال: إنه لقي طلحة ~~وعائشة ولم يصح له منهما سماع. وروى عن غيرهما من الصحابة؛ مثل أبي بكرة ~~الثقفي وأنس بن مالك وسمرة بن جندب، وروى عنه خلق كثير من التابعين ~~وتابعيهم، وهو إمام وقته في كل فن وعلم وزهد وورع وعبادة. مات في رجب سنة ~~عشر ومائة. ويسار بفتح الياء المنقوطة اثنتين من أسفل وتخفيف السين ~~المهملة، وميسان بفتح الميم وسكون الياء تحتها نقطان، وبالسين المهملة (¬1). # الحديث صححه أبو زرعة (¬2) وأبو حاتم (¬3) والحاكم (¬4) في "المستدرك"، ~~وصحته متوقفة على ثبوت سماع الحسن من سمرة، ورجاله ثقات. واختلف فيه عن ~~الحسن، ورواه الشافعي وأحمد والنسائي (¬5) من طريق قتادة PageV07P093 # أيضا عن الحسن عن عقبة بن عامر، قال الترمذي (¬1): الحسن عن سمرة في هذا ~~أصح. قال ابن المديني (¬2): لم يسمع الحسن من عقبة شيئا. وأخرجه ابن ماجه ~~(¬3) من طريق سعيد عن قتادة عن الحسن عن سمرة أو عقبة بن عامر. # دل الحديث على أن المرأة إذا عقد لها وليان لشخصين وكان العقدان مترتبين، ~~أنها للأول منهما، وسواء كان الثاني قد دخل بها أو لا، أما إذا دخل بها ~~عالما، فإجماع أنه زان وأنها للأول، وأما إذا دخل جهلا فكذلك، إلا أنه لا ~~حد للجهل. وقد ذهب إلى هذا العترة والحنفية والشافعية والحسن البصري وأحمد ~~وإسحاق بن راهويه. وذهب عمر وطاوس والزهري ومالك أنها تكون للثاني، إذ ~~الدخول أقوى من العقد لتكملة المهر. # قال الإمام المهدي: قلنا: الحديث أولى، والوطء لا يصحح الباطل، كما أن ~~المرأة لو نكحت في العدة، ودخل بها الزوج، فإنه لا يصح الوطء العقد، وهذا ~~حيث ترتب العقدان. وأما إذا وقعا في وقت واحد فإن العقدين يبطلان، والظاهر ~~أنه مجمع عليه، ms1445 وأما إذا علم الترتيب، ثم التبس المتقدم، فإن العقدين ~~يبطلان أيضا؛ لأنه لا يمكن إجراء حكمهما؛ لعدم إمكان قسمتها بين الزوجين ~~بخلاف المبيع بين المشتريين فإنه يمكن القسمة، وقد ذهب إلى هذا الهدوية ~~وأبو حنيفة والشافعي إلا أن الزوجة إذا أقرت بسبق أحدهما أو دخل بها أحد ~~الزوجين برضاها فإن ذلك يقرر العقد الذي أقرت بسبقه؛ إذ الحق عليها ~~فإقرارها صحيح، وكذا الدخول برضاها، فإنه قرينة PageV07P094 # السبق؛ لوجوب الحمل على السلامة. وقال أحمد وإسحاق: إنه في هذا الظرف ~~يقرع بين الزوجين. ويجاب بأن القرعة غير مشروعة في مثل هذا. وقال الإمام ~~يحيى: إنه إن جهل المتأخر أو التبس كون الوقت متحدا أو مختلفا يكون لها حكم ~~الزوجة الملتبسة لا تخرج منهما إلا بطلاق، فإن تمردا؛ فقال الحقيني ~~والأستاذ: إن الحاكم يفسخ النكاح. وقال السيد أحمد الأزرقي: إنهما يجبران ~~على الطلاق، ولا يطؤها أيهما ولا مهر ولا ميراث؛ لاحتمال عدم الزوجية، ومن ~~مات اعتدت منه، فإن مات الثاني بعد انقضاء العدة استأنفت للاحتمال لا قبل ~~الانقضاء؛ إذ عليها في الحقيقة عدة واحدة فينتقل إلى الأخرى. قال الإمام ~~المهدي: هذه الأحكام حيث علم المتأخر ثم التبس، لا حيث التبس كون الوقت ~~متحدا أم لا. وقد ذكر هذا القاضي زيد والإمام يحيى في موضع غير هذا الموضع، ~~ولكن الظاهر أنه لا فرق بين الصورتين، فما ذكره الإمام يحيى في هذا الموضع ~~هو الأولى، والله أعلم. # 811 - وعن جابر، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه أو أهله فهو طاهر". رواه أحمد وأبو داود ~~والترمذي وصححه وكذلك ابن حبان (¬1). # الحديث من رواية ابن عقيل، وأخرجه ابن ماجه (¬2) من رواية ابن عقيل PageV07P095 # عن ابن عمر (أ [وقال الترمذي: لا يصح وإنما هو عن جابر. وأبو داود (¬1) ~~من حديث العمري عن نافع عن ابن عمر] أ) بلفظ: "فنكاحه باطل". وتعقبه ~~بالتضعيف وتصويب وقفه. ورواه ابن ماجه (¬2) من حديث ابن عمر بلفظ ثالث: ~~"أيما عبد تزوج بغير ms1446 إذن مواليه فهو زان". وفيه مندل بن علي وهو ضعيف. وقال ~~أحمد بن حنبل (¬3): هذا حديث منكر. وصوب الدارقطني (¬4) في "العلل" وقف هذا ~~المتن على ابن عمر، ولفظ الموقوف أخرجه عبد الرزاق (¬5) عن معمر عن أيوب عن ~~نافع عن ابن عمر، أنه أحد (ب) عبدا له تزوج بغير إذنه، ففرق بينهما وأبطل ~~صداقه وضربه حدا. # الحديث فيه دلالة على أن نكاح العبد بغير إذن مالكه لا يصح، وهل يكون ~~حكمه حكم الزنى؟ فالجمهور على ذلك، إلا أنه إذا كان جاهلا للتحريم سقط عنه ~~الحد، ولحق النسب به. وذهب الإمام يحيى إلى أن العقد الباطل لا يكون له حكم ~~الزنى هنا ولو كان عالما. وقال: إن العقد شبهة يدرأ به الحد؛ لأن فيه خلاف ~~داود في صحة نكاح العبد بغير إذن سيده؛ لأن النكاح عنده فرض عين، فهو كسائر ~~فروض الأعيان لا يحتاج PageV07P096 # إلى إذن السيد، ويجاب عنه بأن الظاهر من قوله: فهو عاهر. يدل على أنه زنى ~~حقيقة، وتأويله بأنه من باب التشبيه البليغ خلاف الظاهر من دون قرينة، فإن ~~تزوج بغير إذن سيده كان قالعقد موقوفا ينفذ بالإجازة. وذهب الناصر والشافعي ~~إلى أنه لا ينفذ بالإجازة؛ لقوله: "فهو عاهر". والجواب بأنه عاهر إذا لم ~~يحصل إجازة، إلا أن الشافعي والناصر لا يصح عندهما إجازة الموقوف، وذهب ~~مالك إلى أن العقد نافذ إلا أن السيد له فسخه. والحديث يدل على أنه لا ~~يحتاج إلى فسخ كما ذهب إليه العترة والشافعي إن حمل على ظاهره، ولكنه لا ~~يتم ذلك على كل قول، إلا على قول الشافعي والناصر؛ لأن العهر -وهو الزنى- ~~لا تلحقه الإجازة، فلا بد من تأويله بالحمل على التشبيه البليغ، ومع ذلك ~~فهو يحتمل ما ذهب إليه مالك من حيث إنه غير مستقر، لأن للسيد فسخه، فهو ~~يشبه ما لا اعتبار له رأسا كالعهر، ويحتمل ما ذكره الهدوية أنه كالعاهر؛ ~~لأنه إذا لم يجزه السيد كان عاهرا، وإذا أجازه نفذ، فهو في الابتداء ~~كالعاهر. # 812 - وعن أبي هريرة رضي الله ms1447 عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~قال: "لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها". متفق عليه (¬1). # قوله: "لا يجمع". بلفظ المضارع المبني للمجهول مرفوعا على أن "لا" PageV07P097 # نافية غير ناهية، فهو خبر في معنى النهي، وهو كثير في اللغة، (أظاهر في ~~أ) تحريم الجمع بينهما، سواء كان ذلك مرتبا أو في عقد واحد معا، إلا أنه مع ~~الترتيب يبطل العقد على الثانية، وفي الجمع بينهما في عقد واحد، يبطلان ~~جميعا. قال الشافعي (¬1): تحريم الجمع بين من ذكر هو قول من لقيته من ~~المفتين، لا اختلاف بينهم في ذلك. وقال الترمذي (¬2)، بعد تخريجه: العمل ~~على هذا عند عامة أهل العلم، لا نعلم بينهم اختلافا؛ أنه لا يحل للرجل أن ~~يجمع المرأة وعمتها أو خالتها، ولا أن ينكح المرأة على عمتها أو خالتها. ~~وقال ابن المنذر (¬3): لست أعلم في منع ذلك اختلافا اليوم، وإنما قال ~~بالجواز فرقة من الخوارج، وكذا ابن عبد البر (¬4) نقل الإجماع، وكذا ابن ~~حزم (¬5) والقرطبي (¬6)، والنووي (¬7). واستثنى ابن حزم عثمان البتي وهو ~~أحد الفقهاء القدماء من البصرة، وهو بفتح الموحدة وتشديد التاء المثناة، ~~واستثنى النواوي والإمام المهدي طائفة من الخوارج والضيعة، والقرطبي حكى ~~الخلاف عن الخوارج، وزاد أيضا في الرواية عنهم جواز الجمع بين الأختين، ~~والظاهر أن نقله عنهم جواز الجمع بين الأختين غلط؛ لأن ذلك نص القرآن، وهم ~~يعتمدون نصوص القرآن، وإنما مخالفتهم للسنة؛ لطعنهم في أكثر الصحابة رضوان ~~الله عليهم. PageV07P098 # وأعلم أنه يلزم الحنفية أن يجوزوا الجمع بين المرأة وعمتها؛ لأنهم يقدمون ~~(أ) العمل بعموم الكتاب على أخبار الآحاد؛ لقوله تعالى: {وأحل لكم ما وراء ~~ذلكم} (¬1)، إلا أن صاحب "الهداية" من الحنفية انفصل عن هذا بأن هذا الحديث ~~مشهور، والمشهور له حكم القطعي، ولا سيما مع الإجماع من الأمة وعدم ~~الاعتداد بالمخالف. والرضاع حكمه حكم النسب، وقد روي عن الهادي أنه أحل ذلك ~~من الرضاع، وقد أجيب بأن الهادي إنما قصد الفرق بين الرضاع والنسب في ~~العلة، وأما الحكم فواحد. # وأعلم أن ms1448 هذا الحكم قد روي عن جماعة من الصحابة، إلا أنه قال الشافعي ~~(¬2): إن أهل العلم لا تثبت إلا الرواية عن أبي هريرة. قال البيهقي (¬3): ~~هو كما قال؛ قد جاء من حديث علي وابن مسعود وابن عمر وابن عباس وعبد الله ~~بن [عمرو] (ب) وأنس وأبي سعيد وعائشة، وليس فيها شيء على شرط الصحيح، وإنما ~~اتفقا (¬4) على إثبات حديث أبي هريرة، وأخرج البخاري (¬5) حديث جابر من ~~رواية عاصم عن الشعبي عن جابر، وبين الاختلاف على الشعبي فيه، وقال: ~~والحفاظ يرون رواية عاصم خطأ، والصواب رواية ابن عون وداود بن أبي هند. ~~انتهى. PageV07P099 # ولكن هذا الاختلاف لا يقدح عند البخاري، لأن الشعبي أشهر بجابر منه بأبي ~~هريرة، وللحديث طريق أخرى عن جابر بشرط الصحيح أخرجها النسائي (¬1) من طريق ~~ابن جريج عن أبي الزبير عن جابر، والحديث أيضا محفوظ من أوجه عن أبي هريرة، ~~فلكل من الطريقين ما يعضده، وقول من نقل البيهقي عنهم تضعيف حديث جابر ~~معارض بتصحيح الترمذي وابن حبان وغيرهما له، وكفى بتخريج البخاري له موصولا ~~قوة. [وقد أخرج الترمذي أيضا من حديث أبي موسى، وأبي أمامة وسمرة] (¬2). ~~قال المصنف (¬3) رحمه الله تعالى: ووقع لي (أ) أيضا من حديث أبي الدرداء ~~ومن حديث عتاب بن أسيد، ومن حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث زينب امرأة ابن ~~مسعود، وأحاديثهم موجودة عند ابن أبي شيبة وأحمد وأبي (ب) داود والنسائي ~~وابن ماجه وأبي يعلى والبزار والطبراني وابن حبان وغيرهم (¬4). PageV07P100 # وفي لفظ حديث ابن عباس عند أبي داود: كره أن يجمع بين العمة والخالة وبين ~~العمتين والخالتين، وفي رواية عند ابن حبان نهى أن تزوج المرأة على العمة ~~والخالة. وقال: "إنكن إذا فعلتن ذلك قطعتن أرحامكن". وهذه الروايات (أ) ~~يؤيد بعضها بعضا، والله أعلم. # 813 - وعن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا ينكح المحرم ولا ينكح". رواه مسلم (¬1)، وفي رواية له: "ولا يخطب" ~~(¬2). زاد ابن حبان (¬3): "ولا يخطب عليه". # تقدم الكلام عليه في كتاب الحج ms1449 (¬4). # 814 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ميمونة وهو محرم. متفق عليه (¬5). ولمسلم (¬6) عن ميمونة نفسها أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهو حلال. وفي رواية عن ابن عباس عند النسائي ~~(¬7): تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ميمونة وهو محرم؛ جعلت أمرها إلى ~~العباس فأنكحها إياه. PageV07P101 # وللبخاري (¬1) في عمرة القضاء بزيادة: وبنى بها وهي حلال وماتت بسرف. # والحديث فيه دلالة على صحة عقد المحرم، كما ذهب إليه الحنفية، وخالفهم ~~الجمهور كما تقدم في كتاب الحج، وأجابوا عن حديث ابن عباس بأجوبة. قال ~~الأثرم (¬2): قلت لأحمد: إن أبا ثور يقول: بأي شيء يدفع حديث ابن عباس؟ أي ~~مع صحته. قال: فقال: الله المستعان، ابن المسيب يقول: وهم ابن عباس. ~~وميمونة تقول: تزوجني وهو حلال. انتهى. وحديث عثمان يعارضه. قال ابن عبد ~~البر (¬3): اختلفت الآثار في هذا الحكم، لكن الرواية أنه تزوجها وهو حلال ~~جاءت من [طرق] (أ) شتى، وحديث ابن عباس صحيح الإسناد، لكن الوهم إلى الواحد ~~أقرب إلى الوهم من الجماعة، فأقل أحوال الخبرين أن يتعارضا فتطلب الحجة من ~~غيرهما، وحديث عثمان صحيح في منع نكاح المحرم، فهو المعتمد. انتهى. ويترجح ~~حديث عثمان بأنه [لتقعيد] (ب) قاعدة، وحديث ابن عباس واقعة عين يحتمل ~~أنواعا من الاحتمالات؛ منها، أن ابن عباس كان يرى أن من قلد الهدي يصير (ج) ~~محرما، والنبي - صلى الله عليه وسلم - كان قلد الهدي (د) في عمرته تلك التي PageV07P102 # تزوج فيها ميمونة، فيكون إطلاقه أنه - صلى الله عليه وسلم - تزوجها وهو ~~محرم؛ أي عقد عليها بعد أن قلد الهدي وإن لم يكن تلبس بالإحرام، وذلك أنه ~~كان أرسل إليها أبا رافع يخطبها، فجعلت أمرها إلى العباس، تروجها من النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -. # وقد أخرج الترمذي، وابن خزيمة وابن حبان (¬1) في [صحيحيهما] من طريق مطر ~~الوراق عن ربيعة بن [أبي] (أ) عبد الرحمن عن سليمان بن يسار عن أبي رافع أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو ms1450 حلال، وبنى بها وهو حلال، ~~وكنت أنا الرسول بينهما. قال الترمذي (¬2): لا نعلم أحدا أسنده غير حماد بن ~~زيد، عن مطر، ورواه مالك (¬3) عن ربيعة عن سليمان مرسلا. # ومنها أن معنى محرم أي داخل في الحرم أو في الشهر الحرام. وقد ورد ذلك عن ~~العرب، وجزم بهذا التأويل ابن حبان في "صحيحه" (¬4). وعارض حدثنا ابن عباس ~~أيضا حديث يزيد بن الأصم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج ميمونة وهو ~~حلال. أخرجه مسلم (¬5) من طريق الزهري. قال: وكانت خالته كما كانت خالة ابن ~~عباس (¬6). وأخرج مسلم (5) من وجه آخر عن يزيد بن PageV07P103 # الأصم، قال: حدثتني ميمونة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تزوجها ~~وهو حلال. قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس. # قال الطبري (¬1): الصواب من القول عندنا أن نكاح المحرم فاسد؛ لصحة حديث ~~عثمان، وأما قصة ميمونة؛ فتعارضت الأخبار فيها. ثم ساق من طريق أيوب قال: ~~أنبئت أن الاختلاف في زواج ميمونة إنما وقع، لأنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان بعث إلى العباس ينكحها منه، فأنكحه، فقال بعضهم: أنكحها قبل أن يحرم ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال بعضهم: بعد ما أحرم. وقد ثبت أن عمر ~~وعليا رضي الله عنهما وغيرهما من الصحابة فرقوا بين محرم نكح وبين امرأته ~~(¬2)، ولا يكون هذا إلا عن ثبت. # فائدة: ذكر ابن عبد البر (¬3) أن ابن عباس اختص من بين الصحابة بهذه ~~الرواية، وليس كذلك، فقد أخرج النسائي من طريق أبي سلمة (¬4) عنه عن عائشة ~~مثله، وأخرجه الطحاوي والبزار (¬5) من رواية مسروق عنها، وصححه ابن حبان ~~(¬6)، وقد أعل بالإرسال كما ذكر النسائي عن [عمرو] (أ) بن علي أنه PageV07P104 # قال لأبي عاصم: أنت أمليت علينا من الرقعة ليس فيه عائشة. فقال: دع عائشة ~~حتى أنظر فيه. وهذا إسناد صحيح لولا هذه القصة، لكنه شاهد قوي. وأخرج ~~الدارقطني (¬1) عن أبي هريرة مثله، وفي إسناده كامل أبو العلاء وفيه ضعف ~~(¬2)، لكنه يعتضد (أ) بحديثي (ب) ابن عباس وعائشة. وجاء عن الشعبي ومجاهد ~~مرسلا مثله، أخرجهما ابن ms1451 أبي شيبة (¬3). وأخرج الطحاوي (¬4) من طريق عبد ~~الله بن محمد بن أبي بكر. قال: سألت أنسا عن نكاح المحرم، فقال: لا بأس به، ~~هل هو إلا كالبيع. وإسناده قوي، وكأن أنسا لم يبلغه حديث عثمان، والله أعلم. # 815 - وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن أحق الشروط أن يوفى به ما استحللتم به (ج) الفروج". متفق عليه (¬5). # هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "أحق ما أوفيتم من الشروط أن توفوا به ما ~~استحللتم به الفرج (د) ". والمراد أن أحق الشروط بالوفاء شروط النكاح؛ PageV07P105 # لأن أمره أحوط، وبابه أضيق. # الحديث فيه دلالة على أن الشروط المذكورة في عقد النكاح يلزم الوفاء بها، ~~وظاهره سواء كان الشرط عرضا (أ) أو مالا، حيث كان الشرط للمرأة؛ لأن ~~استحلال الفرج إنما يكون فيما يتعلق بها أو ترضى به لغيرها، وللعلماء في ~~ذلك تفصيل وخلاف. قال الخطابي (¬1): الشروط في النكاح مختلفة؛ فمنها ما يجب ~~الوفاء به اتفاقا، وهو ما أمر الله به؛ من إمساك بمعروف، أو تسريح بإحسان، ~~وعليه حمل بعضهم هذا الحديث، ومنها ما لا يوفى به اتفاقا، كسؤال طلاق ~~أختها؛ كما ورد النهي عنه (¬2)، ومنها ما اختلف فيه؛ كاشتراط ألا يتزوج ~~عليها، أو لا يتسرى، أو لا ينقلها من منزلها إلى منزله، وعند الشافعية ~~الشروط في النكاح على ضربين؛ منها ما يرجع إلى الصداق، فيجب الوفاء به، وما ~~يكون خارجا عنه فيختلف الحكم فيه، فمنه ما يتعلق بحق الزوج وسيأتي بيانه، ~~ومنه ما يشترطه العاقد لنفسه خارجا عن الصداق، وبعضهم يسميه الحلوان. فقيل: ~~هو للمرأة مطلقا. وذهب إليه الهادي وأبو طالب فقالوا: ما شرط لغيرها مع ~~مهرها استحقته لا الغير، إلا أن تبرع به من بعد. وهو قول عطاء وجماعة من ~~التابعين، وبه قال الثوري وأبو عبيد. وقيل: هو لمن شرطه. قاله مسروق وعلي ~~بن الحسين. وقيل: يختص ذلك بالأب دون غيره من الأولياء. وقال الشافعي: إن ~~وقع في نفس العقد وجب للمرأة مهر مثلها، ms1452 وإن وقع خارجا عنه لم يجب. وقال ~~مالك: إن PageV07P106 # وقع في حال العقد فهو من جملة المهر، أو خارجا عنه فهو لمن وهب له. وفيه ~~حديث عبد الله بن [عمرو] (أ) مرفوعا: "أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو ~~عدة قبل عصمة النكاح فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن [أعطيه] ~~(ب)، وأحق ما أكرم به الرجل ابنته أو أخته" أخرجه النسائي (¬1) من طريق ابن ~~جريج عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. [وأخرج] (ج) البيهقي (¬2) من طريق ~~حجاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن عروة عن عائشة نحوه، وقال الترمذي (¬3) ~~بعد إخراجه (د): والعمل على هذا عند بعض أهل العلم من الصحابة؛ منهم عمر، ~~قال: إذا تزوج الرجل المرأة وشرط ألا يخرجها لزم. وبه قال الشافعي وأحمد ~~وإسحاق؛ كذا قال، والنقل في هذا غريب عن الشافعي، وروى في "البحر" هذا ~~القول عن عمر، ومعاوية، ثم عمر بن عبد العزيز، وشريح، وأحمد، وأبي الشعثاء ~~(¬4)، ولها الفسخ إن لم يف لها بالشرط، والظاهر من قول الشافعية أن المراد ~~بالشروط هي (ه) التي لا PageV07P107 # تنافي النكاح، بل تكون من مقتضياته ومقاصده، كاشتراط العشرة بالمعروف ~~والإنفاق والكسوة والسكنى، وألا يقصر في شيء من حقها من قسمة ونحوها، ~~وكشرطه عليها ألا تخرج إلا بإذنه ولا تمنعه نفسها، ولا تتصرف في متاعه إلا ~~برضاه، ونحو ذلك، وأما شرط ينافي مقتضى النكاح؛ كألا يقسم لها، أو لا يتسرى ~~عليها أو لا ينفق، أو نحو ذلك فلا يجب الوفاء به، بل إن وقع في صلب العقد ~~لغا وصح النكاح بمهر المثل، وفي وجه يجب المسمى ولا أثر للشرط، وفي قول ~~[للشافعي] (أ): يبطل النكاح. قال الترمذي (¬1): وقال علي رضي الله عنه: سبق ~~شرط الله شرطها. قال: وهو قول الثوري، وبعض أهل الكوفة، والمراد في الحديث ~~الشروط الجائزة لا المنهي عنها. انتهى. وقد اختلف عن عمر فروى ابن وهب (¬2) ~~بإسناد جيد عن عبيد (ب) بن السباق، أن رجلا تزوج امرأة فشرط لها ألا ms1453 يخرجها ~~من دارها، فارتفعوا إلى عمر فوضع الشرط، وقال: المرأة مع زوجها. قال أبو ~~عبيد (¬3): تضادت الروايات عن عمر في هذا، وقد قال بالقول الأول عمرو بن ~~العاص وطاوس والأوزاعي، وقال الليث والثوري والجمهور بقول علي: PageV07P108 # حتى لو كان صداق مثلها مائة مثلا فرضيت بخمسين على ألا يخرجها، فله ~~إخراجها ولا يلزمه إلا المسمى. وقالت الحنفية: لها أن ترجع عليه بما نقصته ~~له من الصداق، وهو مقتضى قول الهدوية. وقال الشافعي: يصح النكاح ويلغو ~~الشرط، ويلزمه مهر المثل. وعنه، يصح وتستحق الكل. قال أبو عبيد: والذي نأخذ ~~به أنا نأمره بالوفاء بشرطه من غير أن [نحكم] (أ) عليه بذلك. قال: وقد ~~أجمعوا على أنها لو اشترطت عليه ألا يطأها لم يجب الوفاء بذلك الشرط، فكذلك ~~هذا. وهذا يقتضي حمل الحديث على الندب، ويؤيد حمله على الندب قوله في حديث ~~بريرة: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطل" (¬1). والوطء والإسكان وغيرهما ~~من حقوق الزوج، إذا شرط عليه إسقاط شيء منها كان شرطا ليس في كتاب الله، ~~فيبطل. وقد تقدم في البيوع الإشارة إلى حديث: "المسلمون عند شروطهم إلا ~~شرطا أحل حراما أو حرم حلالا" (¬2). وحديث: "المسلمون عند شروطهم ما وافق ~~الحق" (¬3) وأخرج الطبراني في "الصغير" (¬4) بإسناد حسن عن جابر أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - خطب أم مبشر (ب) بنت البراء بن معرور فقالت: إني شرطت ~~لزوجي ألا أتزوج بعده. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إن هذا لا ~~يصلح". PageV07P109 # 816 - وعن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: رخص رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عام أوطاس في المتعة ثلاثة أيام، ثم نهى عنها. رواه مسلم (¬1). # الحديث فيه دلالة على (أ) أنه قد وقع الترخيص بنكاح المتعة، ثم نهي عنه ~~من بعد وصار ذلك محرما، ونكاح المتعة هو النكاح المؤقت إلى أمد مجهول أو ~~معلوم، وغايته إلى خمسة وأربعين يوما، ويرتفع النكاح بانقضاء الوقت المذكور ~~في المنقطعة الحيض، والحائض بحيضتين، والمتوفى عنها بأربعة (ب) أشهر وعشر، ~~ولا يثبت لها ms1454 مهر بل المشروط، ولا تثبت لها نفقة، ولا توارث، ولا عدة، إلا ~~الاستبراء بما ذكر، ولا نسب يثبت به إلا أن يشترط، وتحرم المصاهرة بسببه، ~~كذا ذكر في كتب الإمامية، وقد ذهب إلى نسخها والقول بالتحريم الجمهور من ~~السلف والخلف بعد أن وقع الترخيص في ذلك، وقد روي تحريمها بعد الترخيص في ~~ستة مواطن؛ الأول: خيبر كما سيأتي في حديث علي (¬2). الثاني: عمرة القضاء. ~~قال عبد الرزاق في "مصنفه" (¬3) عن (ج معمر، عن الحسن، قال ج): ما حلت ~~المتعة قط إلا ثلاثا في عمرة القضاء، ما حلت قبلها ولا بعدها. وشاهده ما ~~رواه ابن حبان في PageV07P110 # "صحيحه" (¬1) من حديث سبرة بن معبد قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فلما قضينا عمرتنا قال لنا: "ألا تستمتعون من هذه النساء". قال ~~المصنف رحمه الله تعالى في "فتح الباري" (¬2): أما عمرة القضاء فلم يصح ~~الأثر فيها؛ لكونه من مرسل الحسن، ومراسيله ضعيفة؛ لأنه كان يأخذ عن كل ~~أحد. وعلى تقدير ثبوته، فلعله أراد أيام خيبر؛ لأنهما كانا في سنة واحدة. ~~هذا كلامه وقد عرفت تصحيح ابن حبان لذلك. الثالث: عام الفتح، رواه مسلم ~~(¬3) من حديث سبرة بن معبد: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ~~متعة النساء يوم الفتح. وفي لفظ له (¬4): أمرنا بالمتعة عام الفتح حتى ~~دخلنا مكة ثم لم نخرج حتى نهانا عنها. وفي لفظ له (¬5): ثم (أ) رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "يأيها الناس، إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من ~~النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة". الرابع: عام أوطاس كما ذكره ~~المصنف هنا. قال السهيلي (¬6): من قال: عام أوطاس فهو موافق لمن قال: عام ~~الفتح؛ لأنهما في عام واحد. وفيه نظر؛ لأن الفتح كان في شهر رمضان، وأوطاس ~~في شهر (ب) شوال، وقد عرفت من سياق مسلم للرواية أنهم ما خرجوا من مكة PageV07P111 # إلا وقد حرمت عليهم، فهذه رخصة متأخرة، وتعقبها نسخ آخر، وهذا ظاهر ~~الرواية، إلا أنه يحتمل ms1455 أن يكون أطلق على عام الفتح عام أوطاس؛ لتقاربهما، ~~ولم يكن في الحديث تصريح بأنهم تمتعوا بالنساء في غزوة أوطاس، مع أنه يبعد ~~أن يقع الإذن في غزوة أوطاس بعد أن وقع التصريح قبلها في غزوة الفتح بأنها ~~حرمت إلى يوم القيامة، فتقرر الرخصة والتحريم في غزوة الفتح من غير معارض. ~~الخامس، غزوة تبوك، رواه الحازمي (¬1) من طريق عباد بن كثير، عن ابن عقيل، ~~عن جابر قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى غزوة تبوك، ~~حتى إذا كنا عند الثنية مما يلي الشام جاءنا نسوة تمتعنا بهن يطفن برحالنا، ~~فسألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنهن، فأخبرناه فغضب، وقام فينا ~~يخطبنا، فحمد الله وأثنى عليه ونهى عن المتعة، فتوادعنا يومئذ ولم نعد، ولا ~~نعود فيها أبدا، فسميت ثنية (أ) الوداع. وهذا الإسناد ضعيف، ولكن يؤيده ما ~~أخرجه إسحاق بن راهويه، وابن حبان (¬2) من طريقه من حديث أبي هريرة أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لما نزل ثنية الوداع، رأى مصابيح وسمع نساء ~~يبكين، فقال: "ما هذا؟ ". فقالوا: يا رسول الله، نساء كانوا يتمتعون منهن. ~~فقال: "هدم المتعة النكاح والطلاق والميراث". وأخرجه البيهقي (¬3) أيضا. PageV07P112 # قال المصنف (¬1) رحمه الله: ليس في القصة ما يدل على أنهم وقع منهم ~~الاستمتاع منهن في تلك الحال، فيحتمل أن يكون ذلك وقع قديما وجاءت النسوة ~~على ما ألفن منهم فوقع التوديع حينئذ، أو أنه وقع من البعض بناء على الرخصة ~~المتقدمة ولم يبلغه النهي فاستمر على الرخصة، فلذلك قرن بالغضب؛ لتقدم ~~النهي، وحديث جابر من رواية عباد (¬2)، وهو متروك، وحديث أبي هريرة من ~~رواية مؤمل بن إسماعيل (¬3) عن عكرمة بن عمار (¬4)، وفيهما مقال. # السادس: حجة الوداع، رواه أبو داود (¬5) من طريق الربيع بن سبرة وقال: ~~أشهد على أبي أنه حدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أنه نهى عنها ~~في حجة الوداع. والرواية عنه بأنها في غزوة الفتح، وهي أصح وأشهر، فإن كان ~~حديثا محفوظا فليس في سياق الحديث أنه وقع ms1456 الترخيص في حجة الوداع ثم نهى ~~عنها، وإنما فيها النهي، فلعله - صلى الله عليه وسلم - أراد إعادة النهي ~~ليشيع ويسمعه من لم يسمعه قبل ذلك، ويحتمل أن يكون قد انتقل ذهن أحد الرواة ~~من الفتح إلى حجة الوداع، فإن أكثر الروايات عن سبرة في الفتح. وقال ~~الماوردي (¬6): يحتمل أن يكون التحريم تكرر والرخصة مرة واحدة، ويحتمل أنها ~~أبيحت PageV07P113 # مرارا؛ ولهذا قال في المرة الأخيرة: "إلى يوم القيامة". قال النووي (¬1): ~~الصواب أن تحريمها وإباحتها وقعا مرتين، وكانت مباحة قبل خيبر، ثم حرمت ~~فيها، ثم أبيحت عام الفتح، وهو عام أوطاس، ثم حرمت تحريما مؤبدا، ولا مانع ~~من تكرير الإباحة. ونقل غيره عن الشافعي، أن المتعة نسخت مرتين، ويدل عليه ~~حديث ابن مسعود (¬2) في سبب الإذن (أفي المتعة أ)؛ أنهم كانوا إذا غزوا ~~اشتدت عليهم العزبة؛ فأذن لهم في الاستمتاع، فلعل النهي كان يتكرر في كل ~~موطن بعد الإذن، فلما وقع في المرة الأخيرة أنها حرمت إلى يوم القيامة لم ~~يقع بعد ذلك إذن والله أعلم. وكذا أخرج ابن عبد البر (¬3) من حديث سهل بن ~~سعد بلفظ: إنما رخص النبي - صلى الله عليه وسلم - في المتعة لعزبة كانت ~~بالناس شديدة ثم نهى عنها. فلما فتحت خيبر وسع عليهم من المال ومن السبي، ~~فناسب النهي عن المتعة لارتفاع سبب الإباحة، وكان ذلك من تمام شكر نعمة ~~الله على التوسعة بعد الضيق، أو كانت الإباحة إنما تقع في المغازي التي ~~يكون في المسافة إليها بعد ومشقة، وخيبر بخلاف ذلك؛ لأنها بقرب المدينة، ~~فوقع النهي عن المتعة فيها إشارة إلى ذلك من غير تقدم إذن فيها، ثم لما ~~عادوا إلى سفرة بعيدة المدة وهي غزاة الفتح، وشقت عليهم العزوبة أذن لهم في PageV07P114 # المتعة، لكن مقيدا بثلاثة أيام فقط دفعا للحاجة، ثم نهاهم بعد انقضائها ~~عنها كما سيأتي، وهكذا يجاب (أ) عن كل سفرة ثبت فيها النهي بعد الإذن، وأما ~~حجة الوداع فالذي يظهر أن الذي وقع فيها النهي مجردا -إن ثبت الخبر في ذلك- ~~لأن الصحابة ms1457 حجوا فيها بنسائهم بعد أن وسع عليهم فلم يكونوا في شدة ولا طول ~~عزبة، وإلا فحديث سبرة المروي في ذلك وقع عليه الاختلاف في تعيين الغزوة، ~~والحديث واحد في قصة واحدة فيتعين الترجيح، والطريق التي أخرجها مسلم مصرحة ~~بأنها في زمن الفتح أرجح، فتعين المصير إليها. # فإذا عرفت ما ذكر فجميع هذا المروي مقرر لنسخ حكمها، وأن ذلك منهي عنه ~~محرم، وذهب إلى القول ببقاء الرخصة، وأن ذلك غير منسوخ؛ جماعة من الصحابة ~~هم؛ عبد الله بن العباس، وأسماء بنت أبي بكر، وجابر ابن عبد الله، وابن ~~مسعود، ومعاوية، وعمرو بن حريث، وأبو سعيد، وسلمة [ومعبد] (ب) ابنا أمية بن ~~خلف، قال ابن حزم: ورواه جابر عن الصحابة مدة رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. قال: ومدة أبي بكر ومدة عمر إلى قرب آخر خلافته. قال: وروي عن عمر ~~أنه إنما أنكرها إذا لم يشهد عليه عدلان فقط. وقال بها من التابعين طاوس، ~~وعطاء، وسعيد بن جبير، وسائر فقهاء مكة. قال: وقد تقصينا الآثار بذلك في ~~كتاب "الإيصال". انتهى كلامه في PageV07P115 # "المحلى" (¬1)، فأما ابن عباس؛ فروى الترمذي (¬2) ذلك وقال: كان يجوز ~~نكاح المتعة ثم رجع عنه. وعقد الترمذي لذلك بابا مفردا، وفي إسناده موسى بن ~~عبيدة الربذي (¬3)، منسوب إلى الربذة لسكونه فيها، وهو ضعيف. وقد أخرجه ~~البخاري (¬4) في باب النهي عن نكاح المتعة عن أبي جمرة الضبعي، أنه سأل ابن ~~عباس عن متعة النساء فرخص [فيها] (أ). فقال له مولى له: إنما ذلك في الحال ~~الشديد وفي النساء قلة؟ قال: نعم. وقد أخرجه الإسماعيلي في "مستخرجه" (¬5) ~~بلفظ الجهاد بدل الحال الشديد. وفي كتاب "غرر الأخبار" (5) أخرجه عن سعيد ~~بن جبير، قال: قلت لابن عباس: ما تقول في المتعة فقد أكثر الناس فيها حتى ~~قال فيها الشاعر، قال: وما قال الشاعر؟ قال: # قد قلت للشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فتوى ابن عباس # وهل ترى رخصة (ب) الأطراف آنسة ... تكون مثواك حتى مصدر (ج) الناس PageV07P116 # قال: وقد قال ms1458 الشاعر فيه؟ قلت: نعم. قال: فكرهها، أو نهى عنها. # وأخرج الخطابي (¬1) عن سعيد بن جبير مثل هذا، وقال: قال ابن عباس: سبحان ~~الله، والله ما بهذا أفتيت، وما هي إلا كالميتة لا تحل إلا لمضطر. وأخرج ~~البيهقي (¬2) عن ابن شهاب قال: ما مات ابن عباس حتى رجع عن هذه الفتيا. و ~~[ذكره] (أ) [أبو] (ب) عوانة في "صحيحه" (¬3) أيضا. وروى عبد الرزاق في ~~"مصنفه" (¬4) عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس: كان يراها حلالا ويقرأ: ~~{فما استمتعتم به منهن} (¬5). قال: وقال ابن عباس: في حرف أبي بن كعب: (إلى ~~أجل مسمى) (¬6). قال: وكان يقول: يرحم الله عمر، ما كانت المتعة إلا رحمة ~~من الله رحم الله بها عباده، ولولا نهي عمر ما احتيج إلى الزنى أبدا. وذكر ~~ابن عبد البر (¬7) عن الليث بن [سعد] (ج) عن بكير بن الأشج عن [عمار] (د) ~~مولى الشريد: PageV07P117 # سألت ابن عباس عن المتعة؛ أسفاح هي أم نكاح؟ قال: لا نكاح ولا سفاح. قلت: ~~فما هي؟ قال: المتعة كما قال الله. قلت: هل عليها حيضة؟ قال: نعم. قلت: ~~يتوارثان؟ قال: لا. وأخرج النسائي (¬1) من طريق مسلم القري، قال: دخلت على ~~أسماء بنت أبي بكر فسألتها عن متعة النساء، فقالت: فعلناها على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. وأما جابر ففي "مسلم" (¬2) من طريق أبي نضرة ~~عنه: فعلناها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم نهانا عنها عمر فلم ~~نعد لها. وأما ابن مسعود ففي "الصحيحين" (¬3) عنه، قال: رخص لنا رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - أن ننكح المرأة إلى أجل بالشيء. ثم قرأ: {يا أيها ~~الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم} (¬4). وأما معاوية فأخرج عبد ~~الرزاق في "مصنفه" (¬5) عن ابن جريج عن عطاء قال: أول من سمعت منه المتعة ~~صفوان بن (أ) يعلى بن أمية قال: أخبرني يعلى أن معاوية استمتع بامرأة ~~بالطائف (ب) فأنكرت ذلك عليه، فدخلنا على ابن عباس فذكرنا له ذلك، فقال: ~~نعم. وأما عمرو بن ms1459 حريث فوقعت الإشارة إليه فيما رواه مسلم (¬6) من طريق ~~أبي الزبير: سمعت جابرا يقول: كنا نستمتع بالقبضة من الدقيق PageV07P118 # والتمر الأيام على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر حتى ~~نهانا عنها عمر في شأن عمرو بن حريث. وأما معبد وسلمة ابنا أمية فذكر [عمر ~~بن شبة] (أ) في "أخبار المدينة" بإسناده، أن سلمة بن أمية بن خلف استمتع ~~بامرأة، فبلغ ذلك عمر، فتوعده على ذلك (¬1). وأخرج عبد الرزاق (¬2) قصة ~~معبد، وأما رواية جابر (¬3) عن الصحابة فالظاهر أنه عنى بذلك ما فهم من ~~قوله: تمتعنا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وعمر. فإن ~~فيه ما يدل على أن ذلك شائع بين الصحابة. # وذهب إلى القول ببقاء الإباحة؛ ابن جريج فقيه مكة والباقر والصادق ~~والإمامة، محتجين بقوله تعالى: {فما استمتعتم به منهن}. فإنه فسرها ابن ~~عباس بنكاح المتعة، والقراءة بزيادة: (إلى أجل مسمى) مصرحة بالمراد. وأجاب ~~الجمهور بما تقدم من النسخ بعد الإباحة كما تظافر بذلك روايات الإباحة، ~~فإنها مقرونة بالنسخ، وكذا ما تقدم عن ابن عباس من الرجوع وغيره من ~~الصحابة. وقال البخاري (¬4): بين علي رضي الله عنه عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه منسوخ. وأخرج ابن ماجه (¬5) عن عمر بإسناد صحيح أنه خطب، ~~فقال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أذن لنا في المتعة ثلاثا ثم ~~حرمها، والله لا أعلم PageV07P119 # [أحدا يتمتع] (أ) وهو محصن إلا رجمته بالحجارة. وروى الطبراني في ~~"الأوسط" (¬1) من طريق إسحاق بن راشد [عن الزهري] (ب) عن سالم قال: [أتي] ~~(ج) ابن عمر فقيل له: إن ابن عباس يأمر بنكاح المتعة. فقال: معاذ الله، ما ~~أظن ابن عباس يفعل هذا. قيل: بلى. قال: وهل كان ابن عباس على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - إلا غلاما صغيرا. ثم قال ابن عمر: نهانا عنها (د) ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما كنا مسافحين. إسناده قوي. وروى ~~الدارقطني (¬2) عن أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم ms1460 - قال: "هدم ~~المتعة الطلاق والعدة والميراث". وإسناده حسن. وأخرج [أبو] (ه) عوانة في ~~"صحيحه" (¬3) عن ابن جريج أنه قال لهم في البصرة: اشهدوا أني قد رجعت عن حل ~~المتعة. بعد أن حدثهم ثمانية عشر حديثا أنه لا بأس بها. ومع هذا فكل أحد ~~يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ ولذا قال ~~الأوزاعي فيما رواه الحاكم في "علوم الحديث" (¬4): يترك من قول أهل الحجاز ~~خصر. [فذكر منها] (و) PageV07P120 # متعة النساء من قول أهل مكة، وإتيان النساء في أدبارهن من قول أهل ~~المدينة. # وذهب زفر إلى أنه إذا وقع العقد إلى أجل أنه يصح العقد ويلغو التوقيت. ~~وذهب ابن زياد إلى أنهما إن شرطا مدة لا يعيشان إليها صح العقد؛ إذ القصد ~~الدوام. وقريب من هذا ما ذكره الفقيه أحسن النحوي أن التوقيت بالموت لا يضر ~~بالعقد، قال: لأنه غاية النكاح. # قال الإمام المهدي (¬1): قالوا: إباحتها قطعية فلا تنسخ بالظني. قال ~~الإمام يحيى: بل ظني. قلت: وفيه نظر؛ إذ لم يسمع بمن أنكرها من الأصل. ~~انتهى كلامه. وأنت خبير بأن الراوين لإباحتها رووا نسخها إلا القليل، وذلك ~~إما قطعي في الطرفين، أو ظني في الطرفين جميعا، والله سبحانه أعلم. # وقال في " [نهاية] (أ) المجتهد" (¬2): إنها تواترت الأخبار بالتحريم، إلا ~~أنها اختلفت في الوقت الذي وقع فيه التحريم. قال الإمام المهدي في "البحر" ~~(¬3): مسألة: وتحريمها ظني لأجل الخلاف، [وإن صح] (ب) رجوع من أباحها لم ~~تصر قطعية على خلاف بين الأصوليين. فرع: [قيل] (ج): ولا PageV07P121 # يعتبر في المتعة من أجازها من أحكام النكاح إلا الاستبراء. أبو جعفر: بل ~~يعتبر الولي والشهود. قلنا: أدلتهم وفعلهم يقتضي عدم الاعتبار. انتهى. # وأراد بقوله: على خلاف بين الأصولين. هو ما اشتهر من الخلاف في انعقاد ~~الإجماع بعد الخلاف المستقر أم لا ينعقد؟ والمراد أنه لا يكون إجماعا ~~قطعيا، ولكن هذا مبني على اعتبار الخلاف، وقد عرفت فيما تقدم أن المبيحين ~~إنما بنوا على الأصل لما لم يبلغهم الدليل الناسخ، وليس مثل هذا ms1461 من باب ~~الاجتهاد، وإنما هم معذورون لجهل الناسخ، والمسألة لا اجتهاد فيها بعد ظهور ~~النص، والله أعلم. # 817 - وعن علي رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن المتعة في عام خيبر. متفق عليه (¬1). # الحديث في البخاري أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن المتعة وعن ~~لحوم الحمر الأهلية زمن خيبر. بالمعجمة أوله والراء آخره، هكذا لجميع أصحاب ~~الزهري، إلا ما رواه عبد الوهاب الثقفي، عن يحيى بن سعيد، عن مالك في هذا ~~الحديث، فإنه قال: حنين. بمهملة أوله ونونين، أخرجه النسائي والدارقطني ~~(¬2)، ونبها على أنه وهم تفرد به عبد الوهاب، وأخرجه الدارقطني (¬3) من ~~طريق أخرى عن يحيى بن سعيد فقال: خيبر. على الصواب. PageV07P122 # وقوله: في عام خيبر. وكذا: زمن خيبر. الظاهر أنه ظرف للمتعة ولتحريم لحوم ~~الحمر الأهلية، وحكى البيهقي (¬1) عن الحميدي أن سفيان بن عيينة كان يقول: ~~قوله: في خيبر. يتعلق بالحمر الأهلية لا بالمتعة. قال البيهقي: وما قاله ~~محتمل. يعني في روايته هذه، وأما غيره فصرح أن الظرف يتعلق بالمتعة. وقد ~~صرح بذلك البخاري في غزوة خيبر في (أ) كتاب المغازي (¬2)، وكذا في الذبائح ~~(¬3) من طريق مالك بلفظ: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر عن ~~متعة النساء وعن لحوم الحمر الأهلية. وهكذا أخرجه مسلم (¬4) من رواية ابن ~~عيينة أيضا، وأخرجه البخاري (¬5) في ترك الحيل في رواية [عبيد] (1) الله بن ~~عمر، عن الزهري أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها يوم خيبر، ~~وكذا أخرجه مسلم (¬6)، وزاد من طريقه فقال: مهلا يا بن عباس. ولأحمد (¬7) ~~من طريق معمر بسنده أنه بلغه أن ابن عباس رخص في متعة النساء، فقال له: إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عنها يوم خيبر وعن لحوم الحمر ~~الأهلية. وأخرجه مسلم (¬8) من رواية يونس بن يزيد عن الزهري، PageV07P123 # والدارقطني (¬1) عن مالك ويونس وأسامة بن زيد، ثلاثتهم عن الزهري، مثل ما ~~أخرجه مسلم (¬2) في الذبائح من طريق مالك. وأما السهيلي (¬3) فذكر أن ابن ~~عيينة ms1462 رواه عن الزهري بلفظ: نهى عن أكل الحمر الأهلية عام خيبر وعن المتعة ~~بعد ذلك، أو: في غير ذلك. قال المصنف (¬4) رحمه الله تعالى: وهذا الذي ذكره ~~لم أره من رواية ابن عيينة، فقد أخرجه أحمد وابن أبي عمر والحميدي وإسحاق ~~(¬5) في "مسانيدهم" عن ابن عيينة باللفظ الذي أخرجه البخاري من طريقه، إلا ~~أن منهم من زاد لفظ: نكاح المتعة، وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق عثمان بن ~~أبي شيبة وإبراهيم بن موسى والعباس بن الوليد. وأخرجه مسلم (¬6) عن أبي بكر ~~بن أبي شيبة ومحمد بن عبد الله بن نمير وزهير بن حرب، جميعا عن ابن عيينة ~~[بمثل لفظ مالك، وكذا أخرجه سعيد بن منصور (¬7) عن ابن عيينة] (أ)، لكن ~~قال: "زمن" بدل "يوم". قال السهيلي (¬8): ويتصل بهذا الحديث تنبيه على ~~إشكال؛ لأن فيه النهي عن PageV07P124 # نكاح المتعة يوم خيبر، وهذا شيء لا يعرفه أهل السير ورواة الآثار. قال: ~~والذي يظهر أنه وقع تقديم وتأخير في لفظ الزهري. وهذا الذي قاله سبقه إليه ~~غيره في النقل عن ابن عيينة؛ فذكر ابن عبد البر (¬1) من طريق قاسم بن أصبغ ~~أن الحميدي ذكر عن ابن عيينة أن النهي زمن خيبر عن لحوم الحمر الأهلية، ~~وأما المتعة فكان في غير يوم خيبر. قال المصنف (¬2) رحمه الله تعالى: ثم ~~راجعت "مسند الحميدي" من طريق قاسم بن أصبغ عن أبي إسماعيل السلمي عنه فقال ~~بعد سياق الحديث: قال ابن عيينة: يعني أنه نهى عن لحوم الحمر الأهلية زمن ~~خيبر؛ ولا يعني [نكاح] (أ) المتعة. قال ابن عبد البر: وعلى هذا أكثر الناس. ~~وقال البيهقي (¬3): يشبه أن يكون كما قال؛ لصحة الحديث في أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - رخص فيها بعد ذلك ثم نهى عنها، فلا يتم احتجاج علي إلا إذا وقع ~~النهي أخيرا؛ لتقوم له الحجة على ابن عباس. وقال أبو عوانة (¬4) في ~~"صحيحه": سمعت أهل العلم يقولون: معنى حديث علي أنه نهى يوم خيبر عن لحوم ~~الحمر، وأما المتعة فسكت عنها، وإنما نهى عنها يوم ms1463 الفتح. انتهى. والحامل ~~لهؤلاء على هذا ما ثبت من الرخصة فيها بعد زمن خيبر كما أشار إليه البيهقي، ~~لكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن عليا لم تبلغه الرخصة فيها يوم الفتح؛ لوقوع ~~النهي عنها عن قرب، ويمكن أن يكون علي PageV07P125 # رضي الله عنه فهم من الترخيص فيها يوم الفتح توقيت الترخيص وهو أيام شدة ~~الحاجة مع العزوبة، وبعد مضي ذلك فهي باقية على أصل التحريم المتقدم، فتقوم ~~له الحجة على ابن عباس، وإن كان ابن القيم ذكر في "الهدي" (¬1) أن الصحابة ~~لم يكونوا يستمتعون باليهوديات، يعني فيقوى أن النهي لم يقع يوم خيبر؛ إذ ~~لم يقع هناك نكاح متعة، إلا أنه قد يمكن أن يكون هناك مشركات غير كتابيات، ~~فإن أهل خيبر كانوا يصاهرون الأوس والخزرج قبل الإسلام، فلعله كان من نساء ~~الأوس والخزرج هناك من استمتعوا منهن، فلا يرد الاعتراض. وهذا ما يتعلق ~~بتصحيح هذه الرواية، وقد تقدم الكلام في الحديث الأول على النسخ، والله أعلم. # 818 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - المحلل والمحلل له. رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه (¬2). # وفي الباب عن علي رضي الله عنه أخرجه الأربعة إلا النسائي (¬3). # حديث ابن مسعود صححه أيضا ابن القطان، وابن دقيق العيد على شرط البخاري، ~~وأخرجه عبد الرزاق (¬4) من طريق أخرى، وأخرجه أيضا من PageV07P126 # طريق أخرى إسحاق بن راهويه في "مسنده" (¬1)، وأخرجه الحاكم في ~~"المستدرك". وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: والعمل عليه عند أهل العلم؛ ~~منهم عمر بن الخطاب، وعثمان، وعبد الله بن عمر (¬2)، وهو قول الفقهاء من ~~التابعين، ولفظه في رواية أحمد والنسائي: لعن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الواشمة والموتشمة (أ) والواصلة والموصولة والمحلل والمحلل له وآكل ~~الربا وموكله. وحديث علي في إسناده مجالد وهو ضعيف، وقد صححه ابن السكن ~~وأعله الترمذي، ولفظه عن علي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله ~~المحلل والمحلل له". وأخرجه الترمذي (¬3) عن جابر من طريق مجالد وحكم عليه ~~بالوهم. ورواه ms1464 أحمد والبيهقي وإسحاق والبزار، وابن أبي حاتم في "العلل" ~~(¬4) من حديث أبي هريرة، وحسنه البخاري. ورواه ابن ماجه والحاكم (¬5) من ~~حديث الليث عن مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر، (ب [ولفظه: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "ألا أخبركم بالتيس المستعار؟ ". قالوا: بلى يا رسول ~~الله. قال: "هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له"] ب). وأعله أبو زرعة ~~وأبو حاتم بأن الصواب رواية الليث عن سليمان بن عبد الرحمن PageV07P127 # مرسلا، وحكى الترمذي (¬1) عن البخاري أنه استنكره. وقال أبو حاتم (¬2): ~~ذكرته ليحيى بن بكير فأنكره إنكارا شديدا. وقال: إنما حدثنا به الليث عن ~~سليمان، ولم يسمع الليث من مشرح شيئا. قال المصنف رحمه الله تعالى (¬3): ~~وقع التصريح بسماعه في رواية الحاكم، وفي رواية ابن ماجه عن الليث: قال لي ~~مشرح. ورواه ابن قانع في "معجم الصحابة" (¬4) من رواية عبيد بن عمير (¬5) ~~عن [أبيه عن جده] (أ)، وإسناده ضعيف. # الحديث فيه دلالة على تحريم التحليل؛ لأن اللعن إنما يكون على فعل محرم، ~~والمحرم منهي عنه، والنهي يقتضي فساد العقد، فإن اللعن وإن كان للفاعل فهو ~~لأجل فعله الذي هو التحليل، إذ تعليق الحكم على وصف يصح أن يكون علة للحكم ~~يقتضي التعليل، وللتحليل صور؛ منها أن يقول في العقد: إذا أحللتها فلا ~~نكاح. وهذا يشبه نكاح المتعة للتوقيت؛ ومنها أن يقول: إذا أحللتها طلقتها. ~~ومنها أن يكون مضمرا عند العقد بأن يتواطأا على التحليل، ولا يكون النكاح ~~الدائم هو المقصود، ولم يشرطا عند العقد ذلك. فالصورة الأولى باطلة، ~~والظاهر أنه متفق عليه بين من حرم نكاح PageV07P128 # المتعة. والصورة الثانية يصح العقد ويلغو الشرط في أقوى احتمالين عند ~~الهدوية. وهو قول المؤيد بالله والحنفية، قالوا: إنه لا دليل على بطلانه. ~~ولما ذكره في "الشفاء" أنه قيل للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إن فلانا ~~تزوج بفلانة وما نراه تزوجها إلا ليحللها. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "أصدق؟ ". قيل: نعم. فقال: "أشهد؟ ". قيل: نعم. قال: "ذهب الخداع" (¬1). ~~وهذا وإن كان ظاهره في ms1465 مضمر التحليل، ولكنه يفهم من الجواب ما يعم هذه ~~الصورة والصورة الأولى، إلا أنها خرجت بدليل تحريم نكاح المتعة. وأما ~~الصورة الثالثة فذهبت الهدوية وأبو حنيفة والشافعي إلى صحتها؛ لما ذكر. ~~وذهب مالك وأحمد وإسحاق والنخعي وداود والهادي إلى بطلانها؛ لعموم اللعن. ~~قال الإمام المهدي: قلنا: قرره قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ذهب الخداع". ~~وفعل عمر ولم ينكر. قال الإمام المؤيد بالله: وحديث اللعن يتناول المؤقت ~~جمعا بين الأدلة. قال الإمام يحيى: أو يصح العقد ويتناولهما اللعن؛ لمنافاة ~~المروءة. قلت: وفيه نظر. انتهى. # وجه التنظير ما أشرنا إليه أن ذلك الحديث يقتضي النهي، والنهي [يقتضي] ~~(أ) الفساد، وإذا سلمنا التناول لزم الفساد، ويمكن الجواب عنه بأن ذلك إنما ~~يستقيم إذا كان النهي لذات المنهي عنه، أو لوصف [مقارب] (ب)، وأما إذا كان ~~لوصف مفارق فلا يقتضي الفساد، وهو هنا كذلك؛ حيث PageV07P129 # جعل العلة فيه منافاة المروءة. وقال في " [نهاية] (أ) المجتهد" (¬1): سبب ~~اختلافهم؛ اختلافهم في مفهوم اللعن؛ فمن فهم [منه] (ب) التأثيم فقط، قال: ~~النكاح صحيح. ومن فهم من التأثيم فساد العقد تشبيها بالنهي الذي يدل على ~~فساد المنهي [عنه] (ج)، قال: النكاح فاسد. انتهى. وعلى ما قررناه أولا أن ~~اللعن يقتضي النهي، فلا يصح ما ذكر، والله أعلم. # وقال المصنف رحمه الله تعالى (¬2): استدلوا بهذا الحديث على بطلان النكاح ~~إذا شرط الزوج أنه إذا نكحها بانت منه، أو شرط أن يطلقها ونحو ذلك، وحملوا ~~الحديث على ذلك، ولا شك أن إطلاقه يشمل هذه الصورة وغيرها، لكن روى الحاكم ~~والطبراني [في الأوسط] (د) (¬3) من طريق [أبي] (ه) غسان عن عمر بن نافع عن ~~أبيه قال: جاء رجل إلى [ابن] (و) عمر، [فسأله] (ز) عن رجل طلق امرأته ثلاثا ~~فتزوجها أخ له [عن] (ج) غير مؤامرة ليحلها لأخيه، هل تحل للأول؟ قال: لا، ~~إلا نكاح رغبة، كنا نعد هذا PageV07P130 # سفاحا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد روي مثل هذا عن ~~عثمان وعلي وابن عباس وابن عمر، وهي نصوص ms1466 فيما إذا قصد الزوج التحليل من ~~غير مواطأة بينه وبين المطلق ولا المرأة، وأن هذا من التحليل الملعون ~~صاحبه، وأن من شرط النكاح أن يكون نكاح رغبة في الزوجة. وقد أخرج هذه ~~الآثار عن الصحابة، وأخرج عن التابعين وتابع التابعين كذلك ابن القيم في ~~كتاب "إغاثة اللهفان" (¬1)، وأن التحليل يشمل ما كان الإضمار من الزوج ~~وحده، أو من المطلق، أو من المرأة، ومن أراد الاستيفاء فليرجع إليه. وقال ~~ابن حزم (¬2): ليس الحديث على عمومه في كل محلل، إذ لو كان كذلك لدخل فيه ~~كل واهب وبائع ومزوج، فصح أنه أراد به بعض المحللين وهو من [أحل] (أ) حراما ~~لغيره بلا حجة، فتعين أن يكون ذلك فيمن شرط ذلك؛ لأنهم لم يختلفوا في الزوج ~~إذا لم ينو تحليلها للأول ونوته هي، أنها لا تدخل في اللعن، فدل على أن ~~المعتبر الشرط، والله أعلم. انتهى. # وهذا الحديث يعارض ما تقدم من الحديث في التحليل ويعارض رواية "البحر" عن ~~عمر الصحة، والله أعلم. # 821 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله". رواه أحمد وأبو داود ورجاله ~~ثقات (¬3). # الحديث فيه دلالة على أنه يحرم على الزوجة أن تزوج بمن ظهر زناه، PageV07P131 # ولعل الوصف بالمجلود بناء على الغالب في حق من ظهر منه الزنى، وكذلك ~~الرجل يحرم عليه أن يتزوج بالمرأة الزانية التي ظهر زناها، وهذا موافق ~~لقوله تعالى: {وحرم ذلك على المؤمنين} (¬1). # ومعنى قوله: "لا ينكح الزاني المجلود إلا مثله". يعني أنه لا يرغب الزاني ~~في نكاح الصالحة الطيبة من الزنى، وإنما يرغب في نكاح فاسقة خبيثة من شكله، ~~والفاسقة الزانية لا يرغب في نكاحها الصلحاء، وإنما يرغب فيها من كان في ~~صفتها، كما قال الله تعالى: {الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية ~~لا ينكحها إلا زان أو مشرك}. فنكاح المؤمن الممدوح عند الله الزانية، ~~[ورغبته] (أ) فيها وانخراطه بذلك في سلك الفسقة المتسمين بالزنى -محرم عليه ~~محصور، لما ms1467 فيه من التشبه بالفساق وحضور موقع التهمة والتسبب لسوء القالة ~~فيه والغيبة، وأنواع المفاسد ومجالسة الخطائين كم فيها من التعرض لاقتراف ~~الآثام، فكيف بمزاوجة (ب) الزواني! وقد نبه الله سبحانه على ذلك بقوله: ~~{وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم} (¬2). وعن عائشة رضي ~~الله عنها أن الرجل إذا زنى بامرأة ليس له أن يتزوجها لهذه الآية، وإذا ~~باشرها كان زانيا (¬3). وذهب ابن عباس (¬4) إلى جوازه وشبهه بمن PageV07P132 # سرق ثمر شجرة ثم اشتراه. وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه سئل عن ~~ذلك فقال: "أوله سفاح وآخره نكاح، والحرام لا يحرم الحلال" (¬1). # وقوله: "لا ينكح". يحتمل النهي، فيكون مجزوما، ويحتمل الخبر و "لا" ~~للنفي، فيكون مرفوعا، والمعنى واحد إذا كان الخبر في معنى النهي، ويكون ~~أبلغ في تأدية ذلك المعنى، كما أن: رحمك الله. أبلغ من: ليرحمك الله. وإذا ~~كان خبرا محضا مستعملا في معناه، فمعناه أن عادة الزاني الجارية المستمرة ~~أن ينكح مثله، وعلى المؤمن ألا يدخل نفسه تحت هذه العادة، ويصون نفسه عن ~~هذه النقيصة. # 822 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: طلق رجل امرأته ثلاثا فتزوجها رجل ~~ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فأراد زوجها الأول أن يتزوجها فسأل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - (أعن ذلك أ) فقال: "لا، حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ~~ذاق الأول". متفق عليه، واللفظ لمسلم (¬2). # الرجل اسمه رفاعة، بكسر الراء المهملة، ابن سموءل، بفتح المهملة وبكسرها ~~وفتح الميم وسكون الواو بعدها همزة ثم لام، متفق على تسميته في جميع ~~الروايات، و [القرظي] (ب)، بضم القاف وفتح الراء المهملة والظاء PageV07P133 # المعجمة، منسوب إلى قريظة من الخزرج، والمرأة اسمها تميمة بنت وهب من بني ~~قريظة، كذا في "الموطأ" (¬1) مرسلا، وأخرجه الطبراني (¬2) والدارقطني في ~~"الغرائب" موصولا، وتميمة بالمثناة من فوق، واختلف هل التاء مفتوحة مكبرا ~~أو مضمومة مصغرا؟ والثاني أرجح. وقيل: اسمها سهيمة (أ) بسين مهملة مصغرا. ~~أخرجه أبو نعيم (¬3) وكأنه تصحيف، وعند ابن منده (¬4) [أميمة] (ب) بهمزة في ~~أول الاسم، وسمى أباها (ج) ms1468 الحارث، والراجح هو الأول، واسم الزوج الآخر عبد ~~الرحمن بن الزبير بفتح الزاي، وهذا متفق عليه في جميع الروايات عن هشام بن ~~عروة (د) أن الزوج الأول اسمه رفاعة والثاني عبد الرحمن، وكذا في رواية ~~سعيد بن أبي عروبة (¬5)، أن تميمة بنت أبي عبيد القرظية كانت تحت رفاعة ~~فطلقها، فخلف عليها عبد الرحمن بن PageV07P134 # الزبير، وتسميته لأبيها لا ينافي ما تقدم أن اسمه وهب، فلعل اسمه وهب ~~وكنيته أبو عبيد، وقد وقع عند [ابن] (أ) إسحاق في "المغازي" (¬1) مقلوبا، ~~فجعل الزوج الأول عبد الرحمن والثاني رفاعة، والمحفوظ ما اتفق عليه الجماعة ~~عن هشام، وقد وقع لامرأة أخرى قريب من هذه القصة في رواية النسائي (¬2) عن ~~عبيد الله بن العباس مصغرا، أن الغميصاء أو الرميصاء أتت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - تشكو من زوجها أنه لا يصل إليها، فلم يلبث أن جاء فقال: إنها ~~كاذبة، ولكنها تريد أن ترجع إلى زوجها الأول. فقال: "ليس ذلك لها حتى تذوق ~~عسيلته". ورجاله ثقات، لكن اختلف فيه على سليمان بن يسار. وعبيد الله بن ~~العباس ولد في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد اختلف في سماعه. واسم ~~زوج الغميصاء هذه عمرو بن حزم، أخرجه الطبراني وأبو مسلم الكجي وأبو نعيم ~~في "الصحابة" (¬3) عن عائشة أن [عمرو] (5) بن حزم طلق الغميصاء [فتزوجها] ~~(ج) رجل قبل أن يمسها، فأرادت أن ترجع إلى زوجها الأول، الحديث. ولم يأت ~~التصريح باسم الزوج الثاني، ووقع لثالثة PageV07P135 # قصة أخرى مع رفاعة النضري رجل آخر غير الأول، والزوج الثاني عبد الرحمن ~~بن الزبير أيضا أخرجه مقاتل بن حيان في "تفسيره"، ومن طريقه ابن شاهين في ~~"الصحابة" (¬1) عن أبي موسى في قوله تعالى: {فلا تحل له من بعد حتى تنكح ~~زوجا غيره} (¬2). قال: نزلت في عائشة بنت عبد الرحمن بن عقيل النضرية كانت ~~تحت رفاعة بن وهب بن عتيك وهو ابن عمها، فطلقها طلاقا بائنا فتزوجت بعده ~~عبد الرحمن بن الزبير ثم طلقها، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ~~إنه ms1469 طلقني قبل أن يمسني، فأرجع إلى ابن عمي زوجي الأول؟ قال: "لا". الحديث. ~~وهذا إن كان محفوظا فالواضح من سياقه أنها قصة أخرى، وأن كلا من رفاعة ~~القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق، فتزوج كلا منهما عبد الرحمن ~~بن الزبير، فطلقها قبل أن يمسها، فالحكم في قصتهما متحد مع تغاير الأشخاص، ~~وبهذا يتبين خطأ من وحد بينهما، ظنا منه أن رفاعة بن سموءل هو رفاعة بن ~~وهب، فقال: اختلف في أمر رفاعة على خمسة أقوال، ووقعت لأبي ركانة قصة أخرى ~~فيما أخرجه أبو داود (¬3) من حديث ابن عباس قال: طلق عبد يزيد أم ركانة ~~ونكح امرأة من مزينة فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ما يغني ~~عني إلا كما تغني هذه الشعرة -لشعرة أخذتها من رأسها- ففرق بيني وبينه. ~~قال: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد يزيد: "طلقها وراجع أم ~~ركانة". ففعل. فقد يحتج بها في مسألة العنين. # وقوله: "من عسيلتها". تصغير العسل، وأنث المصغر لأن العسل PageV07P136 # مؤنث، كذا قال [الفراء] (أ)، وقال: وأحسب التذكير لغة. وقال الأزهري ~~(¬1): إنه يذكر ويؤنث. وقيل: إن العرب تؤنث ما حقرته. وقيل: التأنيث هنا ~~باعتبار المعنى المجازي، لما كان مراده بالعسيلة الوطأة إشارة إلى أنها ~~تكفي في المقصود من تحليلها للزوج الأول. واختلف ما المراد بالعسيلة؛ فقيل: ~~المراد بها إنزال المني، وأن التحليل لا يكون إلا بذلك. وذهب إليه الحسن ~~البصري. وقال الجمهور من العلماء: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة، وهو ~~تغييب الحشفة من الرجل في فرج المرأة، ويكفي منه ما يوجب الحد، ويحصل به ~~تحصين الشخص، ويوجب كمال الصداق، ويفسد الحج والصوم. قال الأزهري (1): ~~الصواب أن معنى العسيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة، وأنث لشبهها ~~بالعسل. وقال الداودي: صغرت لشدة شبهها بالعسل. وقال أبو عبيد: العسيلة لذة ~~الجماع. والعرب تسمي كل شيء تستلذه عسلا. # فالحديث دل على ما ذهب إليه الجمهور على هذا الوجه، ويؤيد ذلك أنه لو كان ~~المعتبر الإنزال لكفى إذا حصل قبل الإيلاج، والحسن يوافق ms1470 أنه لا يكفي ولكنه ~~يقال عليه: إنه ما ذاق أحدهما عسيلة الآخر. وهو المعتبر، وذهب سعيد بن ~~السيب إلى أنه يحصل التحليل بالعقد الصحيح. قال ابن المنذر (¬2): أجمع ~~العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول إلا سعيد بن PageV07P137 # المسيب. ثم ساق سنده الصحيح عنه، قال: يقول الناس: لا تحل للأول حتى ~~يجامعها الثاني. وأنا أقول: إذا تزوجها صحيحا لا يريد بذلك إحلالها للأول، ~~فلا بأس أن يتزوجها الأول. وهكذا أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور (¬1). ~~قال ابن المنذر: ولا نعلم أحدا وافقه عليه (أ) إلا طائفة من الخوارج، ولعله ~~لم يبلغه الحديث فأخذ بظاهر القرآن انتهى. ومن هذا يؤخذ ضعف نقل أبي جعفر ~~النحاس في "معاني القرآن" (¬2)، وتبعه عبد الوهاب المالكي في "شرح الرسالة" ~~عن سعيد بن جبير، ولا يعرف سند ذلك عن سعيد بن جبير في شيء من المصنفات، ~~وحكى مثل ذلك ابن الجوزي عن داود. # وقول (ب) المصنف: هذا لفظ مسلم. يعني وأما البخاري فساقه بألفاظ؛ منها في ~~باب (¬3): إذا طلقها ثلاثا ثم تزوجت بعد العدة زوجا غيره فلم يمسها، عن ~~عائشة أن رفاعة القرظي تزوج امرأة ثم طلقها فتزوجت آخر، فأتت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فذكرت أنه لا يأتيها وأنه ليس معه إلا مثل هدبة، فقال: ~~"لا حتى [تذوقي] (ج) عسيلته [و] (د) يذوق عسيلتك". وفي باب من قال PageV07P138 # لامرأته: أنت علي حرام (¬1). بلفظ: ولم يكن معه إلا مثل الهدبة فلم ~~يقربني إلا هنة -وهي بفتح الهاء والنون الخفيفة: المرة الواحدة الحقيرة- ~~واحدة، ولم يصل مني إلى شيء، أفأحل لزوجي الأول؟ فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا تحلين لزوجك الأول". الحديث. وفي أوائل الطلاق (¬2): ~~وإنما معه مثل الهدبة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لعلك ~~تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا" الحديث. وفي باب اللباس (¬3)، أن رفاعة طلق ~~امرأته فتزوجها عبد الرحمن بن الزبير القرظي، قالت عائشة: وعليها خمار ~~أخضر، فشكت إليها وأرتها خضرة بجلدها فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - والنساء ms1471 ينصر بعضهن بعضا، قالت عائشة: ما رأيت مثل ما يلقى ~~المؤمنات، لجلدها أشد خضرة من ثوبها. قال؛ أي عكرمة: وسمع أنها قد أتت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فجاء ومعه ابنان له من غيرها، قالت: والله ما ~~لي إليه ذنب إلا أن ما معه ليس بأغنى عني من هذه. وأخذت هدبة من ثوبها، ~~فقال: كذبت والله يا رسول الله، إني لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشز تريد ~~رفاعة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن كان ذلك فلا تحلين له، ~~أو: لا تصلحين له، حتى يذوق من عسيلتك". قال: وأبصر معه ابنين له (أ) فقال: ~~"بنوك هؤلاء؟ " قال: نعم. قال: "هذا الذي تزعمين ما تزعمين! فوالله لهم ~~أشبه به من الغراب بالغراب". وذكره في غير هذه المواضع أيضا. PageV07P139 ### || AUTO باب الكفاءة والخيار # الكفاءة بمعنى المماثلة والمساواة، يقال: فلان كفء لفلان. إذا كان مماثلا ~~له في صفاته، قال الله تعالى: {ولم يكن له كفوا أحد} (¬1). أي مماثلا، وهو ~~بضم الكاف والفاء وسكون الفاء وبكسر الكاف، وقد قرئ بها (¬2). # وهو متفق على اعتبار الكفاءة في الدين، فلا تحل المسلمة للكافر، ومختلف ~~في غير ذلك. # 823 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "العرب بعضهم أكفاء بعض، والموالي بعضهم أكفاء [بعض] (أ)، إلا [حائكا] ~~(ب) أو حجاما". رواه الحاكم، وفي إسناده راو لم يسم، واستنكره أبو حاتم، ~~وله شاهد عند البزار عن معاذ بن جبل بسند (ج) منقطع (¬3). # الحديث أخرجه الحاكم من حديث ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عمر به، ~~والراوي عن ابن جريج لم يسم، وقد سأل ابن أبي حاتم (¬4) عنه PageV07P140 # أباه، فقال: هذا كذب لا أصل له. وقال في موضع آخر (¬1): باطل. ورواه ابن ~~عبد البر في "التمهيد" (¬2) من طريق بقية، عن زرعة، عن عمران بن أبي الفضل، ~~عن نافع، عن ابن عمر. قال الدارقطني (¬3) في "العلل": لا يصح. وقال ابن ~~حبان (¬4): عمران بن أبي (أ) الفضل يروي الموضوعات عن ms1472 الثقات. قال ابن أبي ~~حاتم (¬5): سألت أبي عنه، فقال: منكر. وقد حدث به هشام بن عبيد [الرازي] ~~(ب)، فزاد فيه بعد "أو حجاما": "أو دباغا". قال: فاجتمع عليه الدباغون ~~وهموا به. وقال ابن عبد البر (2): هذا منكر، موضوع. وذكره ابن الجوزي (¬6) ~~في "العلل المتناهية" من طريقين إلى ابن عمر؛ في أحدهما علي (ج) بن عروة، ~~وقد رماه (د) ابن حبان بالوضع (ه) (¬7). وفي الأخرى محمد بن الفضل بن عطية ~~(¬8)، وهو متروك. والأولى في ابن عدي (¬9)، PageV07P141 # والثانية في الدارقطني (¬1). وله طريق أخرى عن معاذ بن جبل، رواها (أ) ~~البزار (¬2) في "مسنده"، رفعه: "العرب بعضها لبعض أكفاء، والموالي بعضها ~~لبعض أكفاء". وفيه سليمان بن أبي [الجون] (ب). قال ابن القطان (¬3): لا ~~يعرف. ثم هو من رواية خالد بن معدان عن معاذ، ولم يسمع منه. # والحديث فيه دلالة على استواء العرب في الكفاءة، وأن الموالي ليسوا (ج ~~أكفاء لهم ج)، وأنهم أكفاء بعضهم لبعض، وهذا فيه دلالة بالنظر إلى العلة ~~المناسبة لاعتبار ذلك، وهو ما يلحق من الغضاضة إذا اتصل الوضيع بالرفيع، ~~فيقاس ما كان فيه عدم مساواة بين الزوجين، إما من جهة النسب أو الحسب أو ~~المال أو الصفات الدنيوية أو الدينية، وللعلماء في ذلك اختلاف؛ فذهب الهادي ~~والقاسم وأبو العباس وأبو طالب والمؤيد بالله إلى أن المعتبر المماثلة في ~~الحسب والدين. وزاد أبو حنيفة المماثلة في المال، ونقل صاحب "الإفصاح" (د) ~~(¬4) عن الشافعي أنه قال: الكفاءة في الدين والمال والنسب. ونقل ابن المنذر ~~(¬5) عن البويطي أن الشافعي قال: الكفاءة في الدين. وهو كذلك في "مختصر ~~البويطي"، قال الرافعي: وهو خلاف المشهور. ونقل PageV07P142 # الآبري (أ) عن الربيع، أن رجلا سأل الشافعي عنه، فقال: أنا عربي، لا ~~تسألني عن هذا (¬1). وجزم باعتبار المال أبو الطيب [والصيمري] (ب) وجماعة، ~~واعتبره الماوردي في أهل الأمصار، وخص الخلاف بأهل البوادي والقرى، ~~المتفاخرين بالنسب دون المال، وذهب أبو يوسف إلى أن المعتبر المساواة في ~~الحسب -وهو بفتح المهملتين ثم باء موحدة- وهو في الأصل التشرف (ج) بالآباء ~~وبالأقارب، ms1473 مأخوذ من الحساب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر ~~آبائهم وقومهم وحسبوها، فيحكم لمن زاد عدده على غيره. وقيل: المراد بالحسب ~~هنا الأفعال الحسنة. وقد يطلق على المال والدين (د) والمال والحرفة ~~الرفيعة. والمحترفون أكفاء إلا الحاكة والدباغين والكناسين. وقال محمد بن ~~الحسن: إن المعتبر الحسب والمال لا الدين. ويرد قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "ممن ترضون خلقه ودينه" (¬2). عليه؛ فإنه اعتبر الدين. وذهب زيد بن علي، ~~وأحد قولي الناصر، ومالك، إلى أن المعتبر الدين فقط. قالوا: لقوله تعالى: ~~{إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (¬3). وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الناس ~~كلهم ولد آدم" (¬4). و: "الناس كأسنان المشط" (¬5). PageV07P143 # وقد أشار البخاري (¬1) إلى نصرة هذا القول، فقال في أول باب الأكفاء في ~~الدين: وقوله تعالى: {وهو الذي خلق من الماء بشرا} (¬2). فاستنبط من الآية ~~الكريمة المساواة بين بني آدم، ثم أردفه بإنكاح أبي حذيفة من سالم بابنة ~~أخيه هند بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، وتبناه ~~حذيفة (¬3). وهذا القول مروي عن عمر وابن مسعود، وعن محمد بن سيرين وعمر بن ~~عبد العزيز، وحديث الباب كما عرفت من ضعفه. # وأما ما أخرجه أحمد والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (¬4) من حديث بريدة ~~يرفعة: " [إن] (أ) أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال". فهو لا يؤخذ ~~منه أن المال معتبر في الكفاءة، فإن الظاهر من معناه [أن] (أ) من شأن أهل ~~الدنيا رفعة من كان كثير المال ولو كان وضيعا، وضعة من كان مقلا ولو كان ~~كريما، كما هو موجود مشاهد. ولكن هذا الذي يذهب إليه أهل الدنيا من سوء ~~نظرهم، وعدم التفاتهم إلى ما ينفع في العقبى، كما قال الله تعالى: {يعلمون ~~ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون} (¬5). وقد كفى سبحانه ~~وتعالى في الرد على من اعتبر غير الدين، PageV07P144 # بقوله تعالى: {إنا خلقناكم من ذكر وأنثى}. ثم قال: {وجعلناكم شعوبا ~~وقبائل لتعارفوا} (¬1). أي أن الحكمة في ذلك هي أن يعرف بعضكم نسب بعض فلا ~~يعتزي ms1474 إلى غير آبائه، لا أن يتفاخروا بالآباء والأجداد، ويدعوا التفاوت ~~والتفاضل في الأنساب. ثم بين الخصلة التي بها يفضل الإنسان غيره، [ويكتسب] ~~(أ) الشرف والكرم عند الله، فقال: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم}. كأنه قيل: ~~لم لا يتفاخر بالأنساب؟ فقيل: لأن أكرمكم عند الله أتقاكم لا أنسبكم. وكذلك ~~ما صرح به النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم فتح مكة لما طاف، فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: "الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية (¬2) -بضم المهملة ~~وكسرها- الجاهلية وتكبرها، يأيها الناس، إنما الناس رجلان؛ مؤمن تقي كريم ~~على الله، وفاجر شقي هين على الله". ثم قرأ الآية (¬3). وقال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من سره أن يكون أكرم الناس فليتق الله" (¬4). فجعل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - الالتفات إلى النسب من عبية الجاهلية وتكبرها، فكيف ~~يعتبره المؤمن ويبنى عليه حكم شرعي؟! وفي الحديث شيء كثير مما (ب) يفيد ~~التواتر المعنوي في النهي عن الالتفات إلى النسب، لا سيما النسب المنقطع PageV07P145 # في الدنيا، كنسب من لا ينسب (أ) إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومن ~~اعتبر الكفاءة في النسب اختلفوا في تفصيل ذلك؛ فقال أبو حنيفة: قريش أكفاء ~~بعضهم بعضا، والعرب كذلك، وليس أحد من العرب كفئا لقريش كما ليس أحد من غير ~~العرب كفئا للعرب. وهو وجه للشافعية، والصحيح (ب عند الشافعية ب) تقديم بني ~~هاشم والمطلب على غيرهم، ومن عدا هؤلاء أكفاء بعضهم لبعض. وقال الثوري (ج): ~~إذا نكح المولى العربية يفسخ النكاح. وبه قال أحمد في رواية، وتوسط الشافعي ~~فقال: ليس نكاح غير الأكفاء حراما فأرد به النكاح، وإنما هو تقصير بالمرأة ~~والأولياء، فإذا رضوا صح ويكون حقا لهم تركوه، فلو رضوا إلا واحد فله فسخه. # وهذا هو كقول الهدوية، أنه يغتفر برضا (د) الأعلى والولي، ويرد على هؤلاء ~~تزويج النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت قيس القرشية من أسامة (¬1)، ~~وتقديمه على من هو مساو في النسب، مع أنه ما عرف أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عرض على أحد ms1475 من قرابتها إسقاط حقه، لو كان لهم حق في ذلك كما ذكر، ~~بل أمر بني بياضة بإنكاح أبي هند، وقال: "إنما هو امرؤ من المسلمين" (¬2). ~~فنبه على PageV07P146 # الوجه المقتضي لمساواتهم (أ)، وهو الاجتماع في وصف الإسلام. والله سبحانه أعلم. # 824 - وعن فاطمة بنت قيس أن (ب) النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: ~~"انكحي أسامة". رواه مسلم (¬1). # هي فاطمة بنت قيس بن خالد الأكبر الفهرية القرشية، أخت الضحاك بن قيس، ~~يقال: إنها كانت أكبر منه بعشرين سنة. وكانت من المهاجرات الأول، وهي راوية ~~لحديث الدجال والجساسة وحديث العدة، روى عنها أبو سلمة بن عبد الرحمن وعروة ~~بن الزبير والشعبي، وكانت ذات جمال وفضل وكمال، وكانت عند أبي عمرو بن حفص ~~بن المغيرة فطلقها، وزوجها النبي - صلى الله عليه وسلم - من أسامة بن زيد ~~مولاه، والحديث قال لها النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك (ج) لما أخبرته ~~بعد انقضاء عدتها من طلاق أبي عمرو بن حفص، أن معاوية بن أبي سفيان وأبا ~~جهم خطباني. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أما أبو جهم فلا يضع ~~عصاه عن عاتقه، وأما معاوية فصعلوك لا مال له، انكحي أسامة بن زيد". ~~فكرهته، ثم قال: "انكحي أسامة". فنكحته، فجعل الله فيه خيرا واغتبطت. هذا ~~لفظ مسلم. # والحديث فيه دلالة على عدم اعتبار (د) المساواة في النسب، وأنه يستوي PageV07P147 # المولى وغيره، وفيه حجة واضحة على رد قول الثوري، وكذا على من قال: إن ~~الكفاءة معتبرة، وإن تركها يغتفر برضا [الولي] (أ). فإن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يعرض على أحد من أوليائها، فلو كان لهم حق في ذلك لآذنهم ~~[فيه] (ب)، وقد تقدم في الحديث الأول ما فيه كفاية. والمصنف رحمه الله ~~تعالى أورد [هذا] (ج) الحديث بعد الحديث الأول؛ للتنبيه على أن هذا الحديث ~~هو المعول (د) عليه بعد ظهور ضعف الحديث الأول. # 825 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"يا بني بياضة، أنكحوا أبا هند، ms1476 وأنكحوا إليه". وكان حجاما. رواه أبو داود ~~والحاكم بسند جيد (¬1). # الحديث أخرجاه من طريق [محمد بن عمرو] (ه) عن أبي سلمة عن أبي هريرة ~~مرفوعا. وهذا الحديث أورده المصنف للتنبيه على ما ذكر في الحديث الأول، ~~وذكر بعض الهدوية أنه قد يكتسب الشرف في الصفات فيساوي النسب، وأن من جملة ~~ذلك إذا أمر الإمام بتعظيم شخص، فإنه يكون حكمه حكم شرف النسب، واحتج بهذا ~~الحديث، وهو بعيد، فإنه كان شائعا في الصحابة رضوان الله عليهم اعتبار ~~مساواتهم في الصحبة واطراح ما PageV07P148 # سواها، ولذلك نكح بلال هالة بنت عوف أخت عبد الرحمن بن عوف، وعرض عمر رضي ~~الله عنه على سلمان الفارسي نكاح ابنته، وأضرب عن ذلك سلمان لما قال له بعض ~~ولد عمر: إنه شرف بالمصاهرة لأمير المؤمنين. فصده ذلك وترك، بل في هذا ~~دلالة واضحة على أن سلمان رضي الله عنه ترفع عن الوضاعة التي يعتبر الرفعة ~~بها من لا فهم له في مقاصد الشريعة ونحوها؛ للعادات الجاهلية والمألوفات ~~النفسية المائلة إلى التكبر والتفاخر. # وأبو هند اسمه يسار، وهو الذي حجم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو ~~مولى بني بياضة، وقيل: إن اسمه سالم بن أبي سالم. وقيل: عبد الله بن هند. ~~وقيل: سنان. غلبت عليه كنيته. روى عنه ابن عباس وأبو هريرة وجابر (¬1). # 826 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: خيرت بريرة على زوجها حين عتقت. ~~متفق عليه في حديث طويل. ولمسلم عنها أن زوجها كان عبدا. وفي رواية عنها: ~~كان حرا. والأول أثبت. وصح عن ابن عباس رضي الله عنه عند البخاري أنه كان ~~عبدا (¬2). # قوله: "خيرت". هذا بعض من حديث عائشة، وهو: قالت: كانت في بريرة ثلاث ~~سنن؛ إحدى السنن أنها أعتقت فخيرت في زوجها. الحديث PageV07P149 # أخرجه البخاري في باب: لا يكون بيع الأمة طلاقا. وظاهر هذا اللفظ يدل على ~~ثبوت الخيار للأمة وإن كان زوجها حرا، ولكن البخاري جزم بأنه كان عبدا، ~~وهذا اللفظ وإن كان مطلقا ولكنه مقيد بغيرها من الروايات؛ لأن القصة واحدة، ms1477 ~~والإجماع على ثبوت الخيار إذا كان الزوج عبدا، واختلف العلماء إذا كان حرا؛ ~~فذهب الجمهور إلى أنه لا يثبت الخيار. قالوا: لأن العلة في ثبوت الخيار إذا ~~كان عبدا هو عدم المكافأة من العبد للحرة في كثير من الأحكام، فإذا عتقت ~~ثبت لها الخيار من البقاء في عصمته أو المفارقة؛ لأنها في وقت العقد عليها ~~لم تكن من أهل الاختيار. وذهبت العترة والشعبي والنخعي والثوري وأبو حنيفة ~~وأصحابه إلى أنه يثبت الخيار وإن كان زوجها حرا، واحتجوا بحديث الأسود بن ~~يزيد عن عائشة، أن زوج بريرة كان حرا (¬1). وعللوا ذلك بأنها (أ) عند ~~تزويجها لم يكن لها اختيار، لأن (ب) سيدها يزوجها وإن كرهت، فإذا عتقت تجدد ~~لها حال لم يكن قبل ذلك. وأجاب الجمهور عن ذلك بأن حديث الأسود اختلف فيه ~~على راويه؛ هل هو من قول الأسود، أو رواه عن عائشة، أو هو من قول غيره، وهو ~~إبراهيم النخعي كما أخرجه البيهقي (¬2) عن آدم شيخ البخاري، ولفظه: قال ~~الحكم (ج): قال إبراهيم: وكان زوجها حرا، فخيرت من زوجها. فظهر أن PageV07P150 # هذه مدرجة. قال إبراهيم بن أبي طالب أحد حفاظ الحديث، وهو من أقران مسلم، ~~فيما أخرجه البيهقي (¬1) عنه: خالف الأسود الناس في زوج بريرة. # وقال الإمام أحمد (¬2): إنما يصح أنه كان حرا عن الأسود وحده، وما جاء عن ~~غيره فليس بذاك، وصح عن ابن عباس وغيره أنه كان عبدا، ورواه علماء المدينة، ~~وإذا روى علماء المدينة شيئا وعملوا به فهو أصح. وأخرج أبو داود (¬3) من ~~طريق عفان عن ابن عباس بلفظ: إن زوج بريرة كان عبدا أسود يسمى مغيثا، ~~فخيرها النبي - صلى الله عليه وسلم - وأمرها أن تعتد. وساقه أحمد (¬4) عن ~~عفان عن همام مطولا. وأخرج البخاري (¬5) عن ابن عباس ذلك من طريقين؛ قال في ~~أحدهما: ذاك مغيث عبد بني فلان؛ يعني زوج بريرة. وفي الأخرى: كان زوج بريرة ~~عبدا أسود يقال له: مغيث. وهكذا جاء من غير وجه أن اسمه مغيث؛ وهو بضم ~~الميم وكسر المعجمة ثم ms1478 تحتانية ساكنة ثم مثلثة، ووقع عند العسكري بفتح ~~المهملة وتشديد التحتانية وآخره باء موحدة، والأول أثبت، وبه جزم ابن ~~ماكولا (¬6) وغيره، ووقع عند المستغفري في "الصحابة" أن اسمه مقسم. قال ~~المصنف (¬7) رحمه الله: وما أظنه إلا تصحيفا. قال الدارقطني (¬8) في ~~"العلل": لم يختلف على عروة عن عائشة PageV07P151 # أنه كان عبدا، وكذا قال جعفر بن محمد بن علي عن أبيه عن عائشة، وأبو ~~الأسود وأسامة بن زيد عن القاسم، وأما ما أخرجه قاسم بن [أصبغ] (أ) في ~~"مصنفه"، وابن حزم (¬1) من طريقه، عن عروة عن عائشة أن زوج بريرة كان حرا. ~~فهو وهم من أحمد بن يزيد المعلم أو من موسى بن معاوية، فإن الحفاظ من أصحاب ~~هشام ثم من أصحاب جرير راويه (5) عن هشام قالوا: كان عبدا. منهم إسحاق بن ~~راهويه وحديثه عند النسائي (¬2)، وعثمان بن أبي شيبة وحديثه عند أبي داود ~~(¬3)، وعلي بن حجر وحديثه عند الترمذي (¬4)، وأصله عند مسلم (¬5)، وأحال به ~~على رواية أبي أسامة (¬6) عن هشام، وفيها أنه كان عبدا. وقد روى شعبة (¬7) ~~عن عبد الرحمن بن القاسم، فقال: كان حرا. ثم رجع عبد الرحمن فقال: ما أدري. ~~قال الدارقطني (¬8): وقال عمران بن [حدير] (ج) عن عكرمة عن عائشة: كان حرا. ~~وهو وهم في PageV07P152 # شيئين؛ في قوله: حر. وفي قوله: عن عائشة. وإنما هو من رواية عكرمة عن ابن ~~عباس، ولم يختلف على ابن عباس أنه كان عبدا، وكذا جزم الترمذي (¬1) عن ابن ~~عمر، وحديثه عند الشافعي (¬2) والدارقطني (¬3) وغيرهما، وكذا أخرجه النسائي ~~(¬4) من حديث صفية بنت أبي عبيد قالت: كان زوج بريرة عبدا. وسنده صحيح. ~~وقال [النووي] (أ): يؤيد قول من قال: إنه كان عبدا. قول عائشة: كان عبدا، ~~ولو كان حرا لم يخيرها. فأخبرت وهي صاحبة القصة بأنه كان عبدا، ثم عللت ~~بقولها: ولو كان حرا لم يخيرها. ومثل هذا توقيف. ولكنه تعقب بأن الزيادة: ~~ولو كان حرا. إلخ. مدرجة من قول عروة، بين ذلك في رواية مالك وأبي داود ~~والنسائي (¬5)، وأما ما أخرجه أحمد (¬6) عن ms1479 إبراهيم عن الأسود عن عائشة ~~قالت: كان زوج بريرة حرا، فلما عتقت خيرت. الحديث. وأخرج ابن أبي شيبة (¬7) ~~أيضا بهذا السند عن عائشة قالت: كان زوج بريرة حرا. ومن وجه آخر (¬8) عن ~~إبراهيم PageV07P153 # عن الأسود أن عائشة حدثته أن زوج بريرة كان حرا حين أعتقت، فيحتمل أنه ~~مدرج من قول الأسود أو من دونه، فيكون من أمثلة ما أدرج في أول الخبر، وهو ~~نادر، ويدل على ذلك ما تقدم من الروايات المفصلة التي تقدمت، وأيضا فإن ~~القاسم ابن أخي عائشة وعروة ابن أختها، وتابعهما غيرهما، هما أعرف بحديث ~~عائشة وأقعد بالمشافهة منها، ويرجح ذلك عملها، فإنها كانت تذهب إلى أنه لا ~~خيار للأمة إذا كانت تحت حر. وقد حاول بعض الحنفية اعتبار طريق الجمع بين ~~الروايات بأن راوي: إنه كان عبدا. باعتبار ما كان عليه، وراوي: إنه كان ~~حرا. باعتبار ما صار إليه حال عتق بريرة وأنه أعتق، ويؤيد هذا بأن الحرية ~~تطرأ على الرق دون العكس، والجمع هو الأولى إذا أمكن، ويجاب عنه بأن في بعض ~~الألفاظ تصريحا بأنه كان عبدا في ذلك الوقت الذي خيرت فيه كما تقدم (¬1)، ~~والجمع يتعين مع استواء الروايات، وقد عرفت رجحان رواية كونه عبدا قوة ~~وكثرة وحفظا، ويتبين بما ذكرناه ضعف قول ابن القيم في "الهدي" (¬2): إن ~~حديث عائشة رواه ثلاثة؛ الأسود، وعروة، والقاسم؛ فأما الأسود فلم يختلف عنه ~~أنه كان حرا، وأما عروة فعنه روايتان صحيحتان تتعارضان (أ)، [إحداهما] (ب): ~~أنه كان حرا، والثانية: أنه كان عبدا، وأما عبد الرحمن بن القاسم فعنه ~~روايتان صحيحتان؛ [إحداهما] (ب): أنه كان حرا، والثانية: الشك. انتهى. وقد PageV07P154 # عرفت ما في حديث الأسود وغيره، وكذلك قول الإمام المهدي في "البحر"، في ~~الرد على من قال: لا خيار في الحر. قلنا: بل اجتهاد، يعني قول عائشة: ولو ~~كان حرا لما خيرها. ومعارض بما روينا، والعلة ملكها نفسها؛ بدليل قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "ملكت نفسك فاختاري" (¬1). ولم يفصل. انتهى. فبما ~~ظهر لك لا تقوم المعارضة. # وقال ابن ms1480 القيم (¬2): مبنى خلاف الفقهاء على تحقيق المناط في إثبات ~~الخيار، وفيه ثلاثة مآخذ؛ أحدها: زوال الكفاءة، وهو قولهم: كانت تحت ناقص. ~~الثاني: أن عتقها أوجب للزوج ملك طلقة ثالثة عليها لم تكن مملوكة له ~~بالعقد، وهذا مأخذ أصحاب أبي حنيفة، وبنوه على أصلهم أن الطلاق معتبر ~~بالنساء لا بالرجال. الثالث: ملكها نفسها. وضعف الأول بأنه مبني على أن ~~الكفاءة معتبرة في الدوام كما هي معتبرة في الابتداء، مع أن ذلك غير معتبر؛ ~~إذ لا يشترط دوام الشروط واستمرارها، وكذلك الكفاءة؛ فإنه لو فسق الزوج لم ~~يثبت الخيار، وهو اختيار الحنابلة والمالكية، والثاني بأنه لا مناسبة بين ~~ثبوت طلقة ثالثة وبين ثبوت الخيار لها، ورجح المأخذ الثالث بأن السيد عقد ~~عليها بحكم الملك حيث كان مالكا لرقبتها ومنافعها، والعتق يقتضي تمليك ~~الرقبة والمنافع للمعتق، وهذا مقصود العتق وحكمته، فإذا ملكت رقبتها ملكت ~~بضعها ومنافعها، ومن جملتها منافع البضع، فلا يملك عليها إلا باختيارها، ~~فخيرها الشارع بين أن تقيم مع زوجها وبين أن تفسخ PageV07P155 # نكاحه، إذ قد ملكت منافع بضعها. وقد جاء في بعض طرق حديث بريرة أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - قال لها: "ملكت نفسك فاختاري". وهذا كلام محقق إلا أنه لا ~~دليل على العلة المذكورة، والمناسبة تفيد الظن، وهي معارضة بمناسبة ~~الكفاءة، وقد تأيدت مناسبة الكفاءة بقول عائشة: ولو كان حرا لما خيرها. ~~فإنه يدل على أن العلة عدم كفاءة العبد للحر، ويختص هذا الحكم من بين سائر ~~شروط النكاح من اعتبار استمراره كما يعتبر في الابتداء، ولا مانع من ذلك ~~ويدل عليه ورود هذا الحكم. وأما قوله: "ملكت نفسك فاختاري". فإنه يحتمل أن ~~المراد من ذلك أنها استقلت بأمر النظر في (أ) مصالحها من غير إجبار عليها ~~من سيدها كما كانت من قبل يجبرها سيدها على الزواج (ب)، بل هذا هو المتبادر ~~فلا يثبت المدعى، فتأمل ذلك. وقد يحتج للجمهور بما أخرجه النسائي (¬1) من ~~حديث ابن موهب عن القاسم بن محمد قال: كان لعائشة غلام وجارية. قالت: فأردت ~~أن ms1481 أعتقهما، فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ابدئي ~~بالغلام قبل الجارية". ولولا أن التخيير يمتنع إذا كان الزوج حرا لم يكن ~~للبداية بعتق الغلام فائدة، فإذا بدأت به عتقت تحت حر، فلا يكون لها خيار. ~~وفي "سنن النسائي" (¬2) أيضا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"أيما أمة كانت تحت عبد فعتقت فهي بالخيار ما لم يطأها زوجها". إلا أن PageV07P156 # الحديث الأول قال (أ) فيه (ب) أبو جعفر العقيلي (¬1): هذا خبر لا يعرف ~~إلا [بعبيد] (ج) الله بن عبد الرحمن بن موهب وهو ضعيف (¬2). وقال ابن حزم ~~(¬3): هو خبر لا يصح، ثم لو صح لم يكن فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أنهما كانا ~~زوجين، ولو كانا زوجين، يحتمل أن [يكون] (د) البداية بالرجل، لفضل عتقه على ~~الأنثى، فإن عتق أنثيين (ه) يقوم مقام عتق رجل واحد، كما في الحديث الصحيح، ~~وأما الحديث الثاني فهو من رواية [حسن] (و) بن [عمرو] (ز) بن أمية الضمري، ~~وهو مجهول. # وقوله: "خيرت". فيه دلالة على أنه تقع الفرقة بلفظ الاختيار، وظاهر قول ~~الهدوية في تفاريع المذهب أنه لا بد من لفظ الفسخ ورضا المفسوخ، أو حكم ~~الحاكم مع التشاجر، وأن هذا عام في جميع الفسوخ (ح)، وأن الفسخ لا يكون له ~~حكم الرجعي، بل حكم الطلاق البائن، فلا يثبت للزوج الرجعة، وبعضهم قال: له ~~الرجعة. وتمسك بما جاء في بعض ألفاظ PageV07P157 # الحديث، قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو راجعتيه (أ) ". ولا حجة في ~~ذلك؛ لأن المراد بمراجعتها أن ترجع إلى عصمة نكاحه، ولو بعقد مجدد، كما في ~~قوله تعالى: {فلا جناح عليهما أن يتراجعا} (¬1). ولو كان له ذلك لم يكن ~~فائدة لفسخها، وإطلاق التخيير لها يدل على أنه على التراخي؛ إذ لو كان ~~فوريا (ب) لبين لها ذلك. وقد ذهب إلى ذلك الهدوية وأبو حنيفة ومالك وأحمد، ~~وللشافعي ثلاثة أقوال؛ هذا أحدها، والثاني (ج): أنه على الفور، والثالث: ~~أنه إلى ثلاثة أيام. وقيل: بقيامها من مجلس الحاكم. وقيل: من مجلسها. ms1482 ~~والقولان للحنفية، ولكنه لا يبطل خيارها إلا إذا مكنته من نفسها عالمة ~~بالعتق وثبوت الخيار؛ لما رواه أحمد (¬2) بإسناده عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا أعتقت (د) الأمة فهي بالخيار ما لم يطأها؛ إن تشأ (ه) فارقته، ~~وإن وطئها فلا خيار لها (و)، ولا تستطع فراقه". وظاهر الحديث أن الوطء مانع ~~من الخيار مطلقا. وقد ذهب إليه الحنابلة، وكذا في رواية الدارقطني (¬3): ~~"إن وطئك فلا خيار لك". وإذا فسخت الأمة استحقت المهر إذا كان بعد الدخول، PageV07P158 # وإن وطئت بعد العتق قبل العلم [فإن] (أ) لها الفسخ. وقال الإمام يحيى: ~~إنها تستحق مهر المثل في الطرف الثاني، لأنها وطئت وقد صار معرضا للفسخ، ~~فأشبه النكاح الفاسد، وإن كانت الأمة صغيرة أو مجنونة لم يثبت الخيار ~~لوليها، بل تنتظر، وإن طلقها قبل أن تفسخ صح الطلاق، وأحد قولي الشافعي، ~~أنها إذا فسخت بطل الطلاق، وإن طلقها بعد الفسخ لم يقع، كما إذا طلقها بعد ~~الطلاق البائن. # واعلم أن هذا الحديث ذكره الأئمة في مواضع، في الزكاة، وفي البيع، وفي ~~النكاح، وفي العتق. وقد ذكره المصنف بطوله في البيع، ودل على أحكام كثيرة، ~~فلنذكر بعضا منها جمعا للفائدة، وهو جواز كتابة الزوجين الرقيقين، ويلحق به ~~جواز بيع أحدهما دون الاخر، وجواز كتابة من لا مال له ولا حرفة، وهذا ~~محتمل، فإنه لا يلزم من طلبها الإعانة ألا يكون لها حرفة، وبيع المكاتب إذا ~~رضي ولو لم يعجز نفسه، وأن المكاتب عبد ما بقي عليه درهم، وأن البيع يكون ~~إلى من يعتقه، وأن بيع الأمة المزوجة لا يكون طلاقا، وأن عتقها ليس طلاقا ~~ولا فسخا، وأن بيعها لا يبيح لمشتريها وطأها، وأن السيد لا يمنع المكاتب من ~~الاكتساب، وأن الكسب من حين الكتابة يكون له، وجواز السؤال للمكاتب، وأن ~~ذلك لا يقتضي تعجيزه، وجواز سؤال ما لا يضطر السائل إليه في الحال، وجواز ~~الاستعانة بالمرأة المزوجة، وجواز تصرفها في مالها بغير إذن زوجها، وحصول ~~الأجر حتى في الشراء بالزيادة عن ثمن المثل لقصد ms1483 التقرب بالعتق، وجواز ~~الزيادة في الثمن من PageV07P159 # مطلق التصرف، وأن الرقيق له أن يسعى في فكاك رقبته من الرق، وبطلان ~~الشروط الفاسدة في المعاملات، وصحة الشروط المشروعة؛ لقوله في الحديث: "كل ~~شرط ليس في كتاب الله فهو باطل". وأنه لا يصح إن شرط على المعتق بقاء ~~الخدمة بعد العتق، وأن من شرط شرطا فاسدا وهو جاهل لتحريمه لا يستحق ~~العقوبة، وأن السيد يقبل من المكاتب ولو كان من الصدقة، وكذلك إذا سلمه قبل ~~حلول النجوم، وأن التبرع (أ) عن المكاتب يصح ويعتق، وجواز إبطال الكتابة ~~وفسخ عقدها إذا تراضى السيد والعبد، وثبوت الولاء للمعتق، والرد على من ~~خالفه، ومشروعية الخطبة في الأمر المهم والقيام فيها، وتقديم الحمد ~~والثناء، وقول "أما بعد" عند ابتداء الكلام في الحاجة، وأنه لا يعين اسم من ~~يراد الإنكار عليه، وأن استعمال السجع في الكلام لا يكره إلا إذا قصد إليه ~~ووقع متكلفا، وفيه جواز اليمين فيما لا يجب فيه، ولا سيما عند العزم على ~~فعل الشيء، وأن لغو اليمين لا كفارة فيه، لأن عائشة حلفت ألا تشترط، ثم قال ~~لها النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اشترطي". ولم ينقل كفارة، وفيه مناجاة ~~الاثنين بحضرة الثالث في الأمر يستحيي منه المناجي ويعلم أن من ناجاه يعلم ~~الثالث به، ويستثنى ذلك من النهي الوارد فيه، وجواز سؤال الثالث عن ~~المناجاة المذكورة إذا ظن أن له تعلقا به، وجواز إظهار السر في ذلك، ولا ~~سيما إن كان فيه مصلحة للمناجي، وجواز المساومة في المعاملة والتوكيل فيها ~~ولو للرقيق، واستخدام الرقيق في الأمر الذي يتعلق بمواليه وإن لم يأذنوا في ~~ذلك بخصوصه، وثبوت الولاء للمرأة المعتقة، وأن الكافر لا يرث عتيقه المسلم، ~~وأن الولاء لا يوهب ولا يباع، PageV07P160 # وفي رواية أن "الولاء لمن أعطى الورق" (¬1). المراد به المالك لا من باشر ~~الإعطاء بالوكالة، وفي رواية الثوري (¬2): "لمن أعطى الورق وولي النعمة". ~~وفهم بعضهم من قوله في بعض الطرق أنها عتقت فدعاها فخيرها، أن الخيار على ~~الفور؛ لأن الفاء تقتضي ذلك، ms1484 وقد تقدم الخلاف في ذلك (¬3). وفي القصة ذكر ~~محبة مغيث وتعجب النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد يستدل به على إبطال قول ~~من زعم استحالة أن يحب أحد الشخصين الآخر والآخر يبغضه؛ لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "ألا تعجب من حب مغيث بريرة ومن بغض بريرة مغيثا؟ ". ولعل ذلك ~~أكثري، ولذلك تعجب منه - صلى الله عليه وسلم -، واعتبار الكفاءة في الحرية، ~~وسقوط ذلك برضا المرأة التي لا ولي لها، وجواز دخول النساء الأجانب بيت ~~الرجل وإن كان غائبا، وأن المكاتبة لا يلحقها في الكتابة ولدها ولا زوجها، ~~وتحريم الصدقة على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأن موالي أزواج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لا تحرم عليهم الصدقة وإن حرمت على الأزواج، وجواز ~~أكل الغني [مما] (أ) تصدق به على الفقير وبالبيع أولى، وجواز أكل الإنسان ~~من طعام من يظن رضاه، وأن المعتقة لا حجر عليها من معتقها (ب) بل تصرف في ~~مالها، وجواز الصدقة على من يمونه غيره؛ لأن عائشة كانت تمون بريرة، وأن من ~~أهدي لأهله شيء له أن يشرك نفسه معهم في الإخبار عن ذلك؛ لقوله: "وهو لنا ~~هدية". وأن للمرأة أن PageV07P161 # تدخل إلى (أ) بيت زوجها ما لا يملكه بغير إذنه، وأن تتصرف في بيته بالطبخ ~~وغيره بآلاته ووقوده، وجواز أكل المرء ما يجده في بيته إذا غلب الحل في ~~العادة، وأنه ينبغي تعريفه بما يخشى توقفه عنه، واستحباب السؤال عما يستفاد ~~به علم أو أدب أو بيان حكم أو رفع شبهة، وقد يجب، وسؤال الرجل عما لم يعهده ~~في بيته، وأن هدية الأدنى للأعلى لا تستلزم الإثابة مطلقا، وقبول الهدية ~~ولو قل (ب) قدرها جبرا للمهدي، وأن الهدية تملك بوضعها في بيت المهدي له ~~ولا يحتاج إلى التصريح بالقبول، وأن لمن تصدق عليه بصدقة أن يتصرف فيها كيف ~~شاء ولا ينقص أجر المتصدق، وأنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إذا لم ~~يكن فيه شبهة، ولا عن الذبيحة إذا ذبحت بين المسلمين، وفيه مشاورة المرأة ms1485 ~~زوجها في التصرفات، وسؤال العالم عن الأمور الدينية، وإعلام العالم بالحكم ~~لمن رآه يتعاطى أسبابه ولو لم يسأل، ومشاورة المرأة إذا ثبت لها حكم ~~التخيير في فراق زوجها والإقامة عنده، وأن على الذي يشاور بذل النصيحة، ~~وجواز مخالفة المشير فيما يشير به في غير الواجب، واستحباب شفاعة الحاكم في ~~الرفق بالخصم حيث لا ضرر ولا إلزام، ولا لوم على من خالف ولا غضب ولو عظم ~~قدر الشافع. وترجم له النسائي (¬1): شفاعة الحاكم في الخصوم قبل فصل الحكم. ~~ولا يجب على المشفوع عنده القبول، وأن [التصميم] (ج) في الشفاعة لا يسوغ ~~فيما يشق الإجابة فيه على المسئول، وحسن الشفاعة قبل أن يسألها المشفوع PageV07P162 # له؛ لأنه لم ينقل أن مغيثا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - (أأن يشفع ~~له، وفي بعض الروايات أن العباس هو الذي سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أ) في ذلك، ويحتمل أن يكون [مغيث] (ب) سأل العباس في ذلك، وأن العباس ابتدأ ~~من قبل نفسه شفقة منه على مغيث، وأنه يستحب إدخال السرور على المؤمن. وقد ~~ذكر الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة (ج) أن الشافع يؤجر وإن لم تحصل إجابته. ~~ومما ذكر في قصة مغيث أنه كان يتبعها في سكك المدينة ودموعه تنحدر، وأن فرط ~~الحب يذهب الحياء، وأنه يعذر من كان كذلك إذا كان بغير اختيار منه، فيعذر ~~أهل المحبة في الله إذا حصل لهم الوجد من سماع ما يفهمون منه الإشارة إلى ~~أحوالهم، حيث يظهر منهم ما لا يحصل عن اختيار كالرقص ونحوه (¬1)، والإصلاح ~~بين المتنافرين من زوجين وغيرهما ولا سيما بين الزوجين إذا كان بينهما ولد، ~~كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنه أبو ولدك" (¬2). وقد قيل: إنه أبو ~~ولدها بالقوة، وأنه لم يكن ثم ولد موجود. وهو خلاف الظاهر. # قال المصنف (¬3) رحمه الله تعالى: ولم أقف على تسمية أحد من أولاد PageV07P163 # بريرة. ولذلك قيل: إنه لم يكن ثم ولد. # وأنه ينبغي أن يذكر الشافع ما يكون سببا للتراجع كما ذكر - صلى الله ms1486 عليه ~~وسلم -، وأنه يجوز شراء الأمة دون ولدها، إلا أنه قد يدفع بأن الشراء هنا ~~للعتق وهو يجوز العتق (أ)، وأنه يجوز نسبة الولد إلى أمه، كما قال: "أبو ~~ولدك". وأنه يجوز خطبة الكبير والشريف لمن دونه، وحسن الأدب في الخطاب ولو ~~من الأعلى لمن دونه، وحسن التلطف في الشفاعة، وأن للعبد أن يخطب مطلقته ~~بغير إذن سيده إذا كان قد وقع الفسخ، وأن خطبة المعتدة لرجوعها إلى زوجها ~~الأول لا تضر، وأن فسخ النكاح لا رجعة فيه إلا بنكاح جديد؛ لقوله: "لو ~~راجعتيه". وأن الحب والبغض بين الزوجين لا لوم فيه على أيهما، وأنه يجوز ~~للمحب البكاء على فراق حبيبه، وعلى ما يفوته من الأمور الدنيوية، والدينية ~~بالطريق الأولى، وأنه لا عار على الرجل في إظهار حبه لزوجته، وأن المرأة ~~إذا بغضت زوجها لم يكن لوليها إكراهها على عشرته. وفي هذا المأخذ خفاء، وأن ~~المرأة إذا أحبته لم يكن لوليها التفريق بينهما، وأنه يجوز للرجل الميل إلى ~~امرأة يطمع في تزويجها أو رجعتها، وأنه يجوز للرجل تكليم مطلقته في الطرق ~~واستعطافها واتباعها أين سلكت، ولعله يقال: عند الأمن من الفتنة. وجواز ~~الإخبار عن حال الشخص بما يفهم من حاله وإن لم يفصح كما قال - صلى الله ~~عليه وسلم - للعباس، وأنه ينبغي استفصال ما احتمل، فإن بريرة لما احتمل أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - آمر لها أو شافع سألته عن ذلك، وفيه غاية ~~الوقار والتأني منها، وأن كلام الحاكم بين الخصمين لا يكون حكما حتى يقصد ~~به فصل شجارهما، وأن المطلوب منه قضاء حاجة يطلب لنفسه الراجح حيث اشترطت ~~عائشة PageV07P164 # الولاء لها إذا صبت (أ) الثمن، وأنه يصح التبرع بقضاء الدين على المدين، ~~وهذا بناء على أن عائشة لم تتملك الرقبة وإنما فكت نجوم الكتابة [وأخذتها] ~~(ب)، كما تقدم في البيع (¬1)، وأنه يفتي الرجل زوجته وقريبه بما له فيه حظ ~~وغرض إذا كان حقا، وأنه يحكم الحاكم للزوجة بالحق، وأنه يجوز لمشتري الرقيق ~~أن يتحدث بأن شراءه ليعتقه ترغيبا ms1487 للبائع في تسهيل البيع، وأنه يجوز ~~المعاملة بالدراهم والدنانير عددا إذا كان قدرها معلوما، لقولها: أعدها. ~~ولقولها: تسع أواقي. ويستنبط (ج) منه جواز بيع المعاطاة إذ لم يذكر عقد، ~~وأنه يجوز عقد البيع بالكناية، لقوله: "خذيها". وكذا في قوله - صلى الله ~~عليه وسلم - في حديث الهجرة: "قد أخذتها بالثمن" (¬2). وأن حق الله مقدم ~~على حق الآدمي؛ لقوله: "شرط الله أحق وأوثق". ومثله: "دين الله أحق أن ~~يقضى" (¬3). وأنه يجوز أن يكون مالك الرقيق اثنان فصاعدا كما في قوله: كانت ~~لناس من الأنصار. ويحتمل أن مالكها واحد، وكان ذلك على المجاز في إطلاق ~~الناس على الواحد، وأن ظاهر اليد هو الملك، إذ لم يسأل عن وجه تملك ~~البائعين، وأن مشتري السلعة لا يجب عليه السؤال عن ذلك إلا PageV07P165 # عند الريبة، وأنه يستحب للعالم إظهار أحكام العقد إذا كان العاقد يجهلها، ~~وأن حكم الحاكم لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، وأنه يقبل الواحد العدل وخبر ~~العبد والأمة، وأن البيان بالفعل أقوى من البيان بالقول، وأنه يجوز تأخير ~~البيان إلى وقت الحاجة، والمبادرة إليه عند الحاجة، وأن الحاجة إذا اقتضت ~~بيان حكم عام وجب إعلامه أو ندب بحسب الحال، وفي رواية ابن عباس أنها أمرت ~~أن تعتد بعدة (أ) الحرة (¬1) اعتبارا بالمرأة لا بالرجل، وقد وقع في بعض ~~طرقه: تعتد بحيضة (¬2). وهو مرجوح، وأن تسمية الأحكام سننا وإن كانت واجبة ~~جائز كما ورد في بعض ألفاظه، وتسمية غير الواجب سنة هو اصطلاح حادث، وأنه ~~يجوز للسيد إجبار (ب) أمته بتزويج من لا تختاره إما لسوء خلقه أو خلقه ~~والزوجة بخلافه، فإنه قد قيل: إن بريرة كانت جميلة غير سوداء وزوجها ~~بخلافها وقد زوجت به وظهر منها الكراهة بعد العتق، وأن أحد الزوجين قد يبغض ~~الآخر ولا يظهر له، وأنه يعلم صاحب الحق بما يستحقه إذا جهله، وأنه يطلق ~~الأهل على السيد (ج) وإطلاق العبيد على الأرقاء، وأنه يجوز أن يسمى العبد ~~مغيثا، وأن مال الكتابة لا حد لأكثره، وأن للمعتق أن يقبل الهدية ms1488 من معتقه ~~ولا يقدح ذلك في ثواب العتق، وأنه يجوز الهدية لأهل الرجل من دون استئذانه، ~~وقبول المرأة لذلك PageV07P166 # حيث لا ريبة، وأنه ينبغي للرجل أن يسأل عما لم يعهده في بيته كما في سؤال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن اللحم، وأنه ينبغي للإنسان السؤال عن ~~أحوال منزله وما عهده فيه، وأنه لا يجب السؤال عن أصل المال الواصل إليه ~~إذا لم يظن تحريمه أو يظهر فيه شبهة؛ إذ لم يسأل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عمن تصدق على بريرة ولا عن حاله، وقد جاء في رواية أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - هو الذي أرسل إلى بريرة بالصدقة (¬1). # وهذا ما ذكر في فوائد هذا الحديث الشريف وهي مائة واثنتان وعشرون فائدة، ~~وقد وسع فيه بأبسط من ذلك بتفاصيل وزوائد متعلقة بالفوائد. والله ولي ~~التوفيق. # 827 - وعن الضحاك بن فيروز الديلمي عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، إني ~~أسلمت وتحتي أختان. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "طلق أيتهما ~~شئت". رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وصححه ابن حبان والدارقطني ~~والبيهقي، وأعله البخاري (¬2). # الضحاك تابعي، حديثه في المصريين، روى عن أبيه، وروى عنه أبو PageV07P167 # وهب الجيشاني، قال البخاري (¬1): لا يعرف سماع بعضهم من بعض. والجيشاني، ~~بفتح الجيم وسكون الياء تحتها نقطتان والشين المعجمة وبالنون، وأبوه فيروز، ~~بفتح الفاء وضم الراء المهملة وبعدها واو ساكنة، وزاي، الديلمي منسوب إلى ~~الديلم وهو الجيل المعروف بفتح الدال المهملة، وهو قاتل الأسود العنسي، ~~وتوفي في خلافة معاوية. # الحديث فيه دلالة على أن نكاح الكافر معتبر (أ)، وإن كان مخالفا لنكاح ~~الإسلام، وأن مثل هذا المخالف لا يخرج من عهدة النكاح إلا بطلاق بعد ~~الإسلام، ويبقى [بعد الإسلام] (ب) بغير عقد مجدد، وقد ذهب إلى هذا الشافعي ~~ومالك وأحمد وداود. وذهب العترة وأبو حنيفة وأبو يوسف والثوري إلى أنه لا ~~يقر منه إلا ما وافق الإسلام؛ فإن كان نكاح الأختين أو العشر مثلا مرتبا ~~بقي معه الأول الموافق، وإن كان غير مرتب وكان في ms1489 عقد واحد، فإنه لا يحل له ~~من ذلك إلا بعقد جديد، وتأولوا مثل هذا الحديث المذكور هنا وحديث غيلان في ~~نكاح العشر بأن الإمساك بعقد، والطلاق المذكور هنا مراد به الاعتزال لا ~~الطلاق الحقيقي، والتأويل هذا متكلف، يستبعد أن يخاطب بمثل هذا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - من كان لا يعرف الشريعة، قريب عهد بالمألوف المخالف، وأما ~~قوله في حديث غيلان: "أمسك أربعا وفارق سائرهن". فالفرقة وإن كانت تحتمل ~~الاعتزال، ولكنها تطلق على الطلاق، PageV07P168 # كما في قوله تعالى: {أو فارقوهن بمعروف} (¬1). مع أنه في قوله: "أمسك ~~أربعا". لم يقل: إن كانت الأوائل. بل ظاهره إطلاق الإمساك لمن شاء، سواء كن ~~متقدمات أو متأخرات. وقال في "نهاية المجتهد" (¬2): إن سبب الاختلاف معارضة ~~القياس للأثر، والمراد قياس ما كان قبل الإسلام على ما بعد الإسلام؛ وهو ~~أنه كما ليس له أن يعقد بعشر أو بأختين بعد الإسلام فكذلك قبله، والأثر ~~هذان الحديثان. ولكنه يجاب عنه أن القياس عند الجمهور يبطل إذا صادم الأثر. ~~والله أعلم. # 828 - وعن سالم عن أبيه أن غيلان بن سلمة أسلم وله عشر نسوة، فأسلمن معه، ~~فأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - يتخير منهن أربعا. رواه أحمد والترمذي ~~وصححه ابن حبان والحاكم وأعله البخاري وأبو زرعة وأبو حاتم (¬3). # غيلان، صاحب القصة؛ هو غيلان بن سلمة الثقفي، ووقع في (أ) كتب الغزالي ~~تبعا لشيخه في "النهاية": ابن غيلان، وهو خطأ (¬4). وحكى PageV07P169 # الخطيب (¬1) في اسمه ثلاثة أقوال؛ أولها: غيلان بن سلمة، ثانيها: عروة بن ~~مسعود، ثالثها: مسعود (أ) بن عبد ياليل؛ أسلم بعد فتح الطائف ولم يهاجر، ~~وهو أحد وجوه ثقيف ومقدميهم (ب)، وكان شاعرا محسنا، مات في آخر خلافة عمر، ~~روى عنه عبد الله بن عمر، وعروة بن غيلان، وبشر بن عاصم، ونافع أبو السائب ~~مولاه، وكان أسلم قبله، فلما أسلم غيلان رد عليه ولاءه، أخرج الإمام أحمد ~~الحديث في "مسنده" (¬2) عن ابن علية ومحمد بن جعفر جميعا عن معمر، ولفظه أن ~~ابن سلمة الثقفي أسلم وتحته عشر نسوة، ms1490 فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "اختر منهن أربعا". فلما كان في عهد عمر طلق نساءه، وقسم ماله بين بنيه، ~~فبلغ ذلك عمر، فقال: إني لأظن الشيطان مما يسترق من السمع، سمع بموتك فقذفه ~~في نفسك، وأعلمك أنك لا تمكث إلا قليلا، وايم الله لتراجعن نساءك، ولترجعن ~~مالك أو لأورثهن منك، ولآمرن بقبرك فيرجم كما يرجم (ج) قبر أبي رغال. ~~وأخرجه الترمذي وابن ماجه (¬3) وابن حبان من طرق عن معمر؛ منهم ابن علية ~~وغندر ويزيد بن زريع وسعيد وعيسى بن يونس، كلهم من أهل البصرة. قال البزار ~~(¬4): جوده معمر بالبصرة، وأفسده باليمن فأرسله. PageV07P170 # وقال الترمذي (¬1): قال البخاري: هذا الحديث غير محفوظ، والمحفوظ ما رواه ~~شعيب عن الزهري. قال: أول حديث جاء عن محمد بن سويد الثقفي أن غيلان أسلم. ~~الحديث. قال البخاري: وأما حديث الزهري عن سالم عن أبيه فإنما هو أن رجلا ~~من ثقيف طلق نساءه، فقال له عمر: لترجعن نساءك أو لأرجمنك (أ). وحكم مسلم ~~في "التمييز" (¬2) عن معمر بالوهم فيه. وقال ابن أبي حاتم عن أبيه وأبي ~~زرعة: المرسل أصح. وحكى الحاكم (¬3) عن مسلم أن هذا الحديث مما وهم فيه ~~معمر بالبصرة، قال: فإن رواه عنه ثقة خارج البصرة حكمنا له بالصحة. وقد أخذ ~~ابن حبان والحاكم والبيهقي بظاهر هذا [الحديث] (ب)، فأخرجوه من طرق عن معمر ~~من حديث أهل الكوفة وأهل خراسان وأهل اليمامة عنه. قال المصنف رحمه الله ~~تعالى (¬4): ولا يفيد ذلك، فإن هؤلاء كلهم إنما سمعوا منه بالبصرة، وإن ~~كانوا من غير أهلها، وعلى تقدير تسليم أنهم سمعوا منه بغيرها، فحديثه الذي ~~حدث به في غير بلده مضطرب؛ لأنه كان يحدث في بلده من كتبه على الصحة، وأما ~~إذا رحل فحدث من حفظه شيئا وهم فيه، اتفق على ذلك أهل العلم به كابن ~~المديني والبخاري وابن أبي حاتم PageV07P171 # ويعقوب بن شيبة وغيرهم. قال الأثرم عن أحمد: هذا الحديث ليس بصحيح، ~~والعمل عليه. وأعله بتفرد معمر بوصله وتحديثه به في غير بلده. وقال ابن ms1491 عبد ~~البر (¬1): طرقه كلها معلولة. وقد أطال الدارقطني في "العلل" تخريج طرقه. ~~ورواه ابن عيينة (¬2) ومالك (¬3) عن الزهري مرسلا، وكذا رواه عبد الرزاق ~~(¬4) عن معمر، وقد وافق معمرا على وصله بحر بن كنيز السقاء عن الزهري (¬5)، ~~لكن بحر ضعيف، وكذا وصله يحيى بن سلام عن مالك (¬6)، ويحيى ضعيف، ولكنه ~~يؤيد وصله ما أخرجه النسائي (¬7) عن أيوب عن نافع وسالم [عن] (أ) ابن عمر، ~~أن غيلان بن سلمة الثقفي أسلم وعنده عشر نسوة. الحديث، وفيه: فأسلم وأسلمن ~~معه. وفيه: فلما كان زمن عمر طلقهن، فقال له عمر: راجعهن. ورجال إسناده ~~ثقات، ومن هذا الوجه أخرجه الدارقطني (¬8)، واستدل به ابن PageV07P172 # القطان على صحة حديث معمر. # والحديث فيه دلالة على أنه يتخير أربعا من غير نظر إلى أن نكاح العشر كان ~~مرتبا أو غير مرتب، ومن شاء من متقدمة أو متأخرة، وقد تقدم الكلام عليه، ~~والله أعلم. # 829 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: رد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ابنته زينب على أبي العاص بن الربيع بعد ست سنين بالنكاح الأول ولم يحدث ~~نكاحا. رواه أحمد والأربعة إلا النسائي، وصححه أحمد والحاكم (¬1). # الحديث أخرجه أحمد من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني داود بن الحصين عن ~~عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنه. وقال الترمذي (¬2): لا بأس بإسناده. ووقع ~~في رواية بعضهم: بعد سنتين (¬3)، وفي [أخرى] (أ): بعد ثلاث (¬4). وقد جمع ~~بين الروايات على أن المراد PageV07P173 # بالست ما بين هجرة زينب وإسلامه، فإنه أسر ببدر، وأرسلت [زينب] (أ) من ~~مكة في فدائه، فأطلق لها بغير فداء، وشرط النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~عليه أن يرسل له بزينب، فوفى له بذلك، وأسلم عام (ب)، وهاجر إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وقتل يوم اليمامة (¬1) في خلافة أبي بكر. واسمه مقسم ~~(¬2)، بكسر الميم وسكون القاف وفتح السين المهملة، وهو ابن الربيع بن عبد ~~العزى بن عبد شمس القرشي، وإليه الإشارة في الحديث الصحيح بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - في حقه: "حدثني فصدقني، ووعدني ms1492 فوفى لي" (¬3). والمراد ~~بالسنتين أو الثلاث ما بين نزول قوله تعالى: {لا هن حل لهم} (¬4) وقدومه ~~مسلما، فإن بينهما PageV07P174 # سنتين وأشهرا. # والحديث فيه دلالة على أن الزوجة إذا أسلمت قبل زوجها فالنكاح باق ~~بينهما، يعني لا ينفسخ، وإن كان المداناة (¬1) محرمة بعد نزول قوله تعالى: ~~{لا هن حل لهم ولا هم يحلون لهن} (¬2). وهذا قد روي عن علي رضي الله عنه، ~~أخرجه حماد بن سلمة عن قتادة عن سعيد بن المسيب بأن علي بن أبي طالب رضي ~~الله عنه قال في الزوجين الكافرين يسلم أحدهما: هو أملك ببضعها ما دامت في ~~دار هجرتها (¬3). وذكر سفيان بن عيينة عن مطرف [بن طريف] (أ) عن الشعبي عن ~~علي: هو أحق بها ما لم تخرج من مصرها (¬4). وذكر ابن أبي شيبة (¬5) عن ~~[معتمر] (ب) بن سليمان عن معمر عن الزهري: إن أسلمت ولم يسلم زوجها فهما ~~على نكاحهما إلا أن يفرق بينهما سلطان. وذهب إلى مثل هذا بعض أهل الظاهر، ~~وأفتى به حماد شيخ أبي حنيفة، والخلاف في هذا للجمهور، فقالوا: إذا أسلمت ~~الحربية PageV07P175 # وزوجها حربي وهي مدخولة، فإن أسلم وهي في العدة فالنكاح باق، وإن أسلم ~~بعد انقضاء عدتها وقعت الفرقة بينهما بذلك. وادعى في "البحر" الإجماع على ~~ذلك، وكذلك ابن عبد البر (¬1) أشار إلى الإجماع، ونسب الخلاف إلى بعض أهل ~~الظاهر ورده بالإجماع، وتأولوا الحديث؛ إما بأن يقال: إن عدة زينب لم تكن ~~قد انقضت، وذلك بعد نزول آية التحريم لبقاء المسلمة تحت الكافر وهو مقدار ~~سنتين وأشهر (أكما تقدم ذكره أ)، لأن الحيض قد يتأخر مع بعض النساء، فردها ~~عليه لما كانت العدة غير منقضية، وهذا حاصل جواب البيهقي (¬2)، وهو قريب، ~~أو أن المراد بقوله: رد. هو أنه لما أسر أبو العاص يوم بدر قرر نكاحه وهي ~~مستقرة عنده بمكة، وكان ذلك قبل التحريم لبقاء المسلمة تحت المشرك. ورد هذا ~~ابن القيم في "الهدي النبوي" (¬3)، وقال: لا يعرف [اعتبار] (ب) العدة بشيء ~~من الأحاديث، ولا كان النبي - صلى الله عليه ms1493 وسلم - يسأل المرأة هل انقضت ~~عدتها أم لا؟ ولا ريب أن الإسلام لو كان بمجرده فرقة لم تكن فرقة رجعية، بل ~~بائنة، فلا أثر للعدة في بقاء النكاح، وإنما أثرها في منع نكاحها للغير، ~~فلو كان الإسلام قد نجز الفرقة بينهما، لم يكن أحق بها في العدة، ولكن الذي ~~[دل عليه PageV07P176 # حكمه، (أ) - صلى الله عليه وسلم - أن النكاح موقوف، فإن أسلم قبل انقضاء ~~عدتها فهي زوجته، وإن انقضت عدتها فلها أن تنكح من شاءت، وإن أحبت انتظرته، ~~فإن أسلم كانت زوجته من غير حاجة إلى تجديد نكاح، ولا أنعلم أحدا] (ب) جدد ~~بعد الإسلام نكاحه البتة، بل كان الواقع أحد الأمرين؛ إما افتراقهما [و] ~~(ج) نكاحها غيره، وإما بقاؤها عليه وإن تأخر إسلامه. وأما تنجيز الفرقة أو ~~مراعاة العدة فلا نعلم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قضى بواحد ~~منهما مع كثرة من أسلم في عهده وقرب إسلام أحد الزوجين من الآخر وبعده منه، ~~ولولا إقراره - صلى الله عليه وسلم - الزوجين على نكاحهما وإن تأخر إسلام ~~أحدهما عن الآخر بعد صلح الحديبية وزمن الفتح -لقلنا بتعجيل الفرقة ~~بالإسلام من غير اعتبار عدة؛ لقوله تعالى: {لا هن حل لهم ولا هم يحلون ~~لهن}. وقوله تعالى: {ولا تمسكوا بعصم الكوافر}. وقد روى مالك في "موطئه" ~~(¬1) عن ابن شهاب قال: كان بين إسلام صفوان بن أمية وبين إسلام امرأته بنت ~~الوليد بن المغيرة نحو من شهر (د)، أسلمت يوم الفتح وبقي صفوان حتى شهد ~~حنينا والطائف وهو كافر، ثم أسلم، ولم يفرق النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بينهما، واستقرت عنده امرأته بذلك النكاح. قال ابن عبد البر (¬2): وشهرة ~~هذا PageV07P177 # الحديث أقوى من إسناده. # وقال ابن شهاب (¬1): أسلمت أم حكيم يوم الفتح وهرب زوجها عكرمة حتى أتى ~~اليمن، فارتحلت أم حكيم حتى قدمت عليه باليمن، فدعته إلي الإسلام، فأسلم ~~وقدم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح، فلما [قدم على] (أ) ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وثب [إليه] (ب) ms1494 فرحا وما عليه رداء حتى ~~بايعه، [فثبتا] (ج) على نكاحهما ذلك. [قال] (د) ابن شهاب: ولم يبلغنا أن ~~امرأة هاجرت إلى [الله و] (ه) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وزوجها ~~كافر مقيم بدار الكفر إلا فرقت هجرتها بينها وبينه إلا أن يقدم زوجها ~~مهاجرا قبل انقضاء عدتها. ذكره مالك في "الموطأ" (¬2)، ومن المعلوم أن أبا ~~سفيان خرج فأسلم عام الفتح قبل دخول النبي - صلى الله عليه وسلم -[مكة] ~~(و)، ولم تسلم هند امرأته حتى فتح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مكة، ~~فبقيا على نكاحهما، وأسلم حكيم بن حزام قبل امرأته، وخرج أبو سفيان بن ~~الحارث وعبد الله بن أبي أمية عام الفتح فلقيا النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بالأبواء، فأسلما [قبل PageV07P178 # منكوحتيهما، فبقيا على نكاحهما] (أ)، ولم يعلم أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فرق بين أحد ممن أسلم وبين امرأته. وجواب من أجاب بتجديد نكاح ~~من أسلم في غاية البطلان، و [من] (ب) القول على رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بلا علم. # ثم قال في اعتبار العدة (¬1): قال ابن شبرمة: كان الناس على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يسلم الرجل قبل المرأة، والمرأة قبل الرجل، ~~فأيهما أسلم قبل انقضاء عدة المرأة فهي امرأته، وإن أسلم بعد العدة فلا ~~نكاح بينهما. ولكنه منقطع. انتهى (¬2). # وذهب الخلال وأبو بكر صاحبه وابن المنذر وابن حزم وهو مذهب الحسن وطاوس ~~وعكرمة وقتادة والحكم -قال ابن حزم: وهو قول عمر ابن الخطاب وجابر بن عبد ~~الله وابن عباس، وبه قال حماد بن زيد والحكم بن عتيبة وسعيد بن جبير وعمر ~~بن عبد العزيز وعدي بن عدي الكندي [والحسن البصري وقتادة] (ج) والشعبي ~~وغيرهم- وإحدى الروايتين عن أحمد (ب)، أنه تقع الفرقة بالإسلام من غير توقف ~~على مضي العدة كسائر أسباب الفرقة، كالرضاع والخلع والطلاق، وقد تعقب ابن ~~حزم في الرواية عن عمر؛ فإنه قد ثبت عنه من طريق حماد بن سلمة، عن أيوب ~~وقتادة، كلاهما عن ابن سيرين، عن ms1495 عبد الله بن يزيد الخطمي أن نصرانيا أسلمت PageV07P179 # امرأته، فقال عمر: إن أسلم فهي امرأته، وإن لم يسلم فرق بينهما. فلم ~~يسلم، ففرق بينهما. وكذلك قال لعبادة بن النعمان التغلبي وقد أسلمت امرأته: ~~إما أن تسلم وإلا نزعتها منك. فأبى، فنزعها منه (¬1). فهذه الآثار صريحة في ~~خلاف ما حكاه ابن حزم عن عمر، ومتمسكهم آثار، فروي عن عمر وابن عباس وجابر ~~أنهم فرقوا بين الرجل وبين امرأته بالإسلام، وهي آثار مجملة ليست بصريحة في ~~تعجيل الفرقة بالإسلام، وقد عارضها الرواية عن عمر وعن علي، و (أ) مثل هذا ~~صرح به الإمام المهدي في "البحر"، قال: إذا أسلم أحدهما دون الآخر انفسخ ~~النكاح إجماعا؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تناكح بين أهل ملتين" ~~(¬2). [فالحربية المدخولة] (ب) إنما تبين بمضي العدة، فهي قبل مضيها ~~كالمطلقة رجعيا، (ج أي إن ج) أسلم كان كالرجعة؛ [لأن] (د) له مداناتها مع ~~الكفر، فإن مضت العدة قبل الرجعة إلى الإسلام بانت. اقتضى ذلك خبر أبي ~~سفيان وعكرمة وصفوان، لولاه كان إسلام أحدهما كردته، لكن فرق الدليل. فأما ~~غير المدخولة فتبين بنفس الإسلام كلو طلقت. وهذا تخريج المؤيد وتخريج أبي ~~طالب. فأما الذمية فلا تبين إلا بأحد أمرين، إما بعرض الإسلام، أو بمضي ~~العدة، إذ كفر PageV07P180 # الذمي أخف؛ بدليل جواز تقريره، لكن إذا عرض عليه الإسلام فامتنع، استأنفت ~~المدخولة لا غيرها، إذ عرض على عمر ذمي أسلمت امرأته، فعرض عليه الإسلام ~~فامتنع، ففرق بينهما بعد امتناعه، ولم ينكره أحد، المؤيد وتخريجه والشافعي، ~~بل حكمهما كالحربيين أسلم أحدهما، وقد مر. إذ هو معنى أوجب الفرقة فاقتضاها ~~في الحال كالطلاق. قلنا: فرق خبر عمر. أبو العباس: والفرق بين ذلك وردة ~~أحدهما أن كفر الردة أغلظ، بدليل جواز إقرار الذمي على دينه لا المرتد، ~~ولأنه قد طعم حلاوة الإيمان بخلاف الأصلي، فجعل حكمه أغلظ بأن بانت بمجرد ~~الردة من دون انتظار عدة، فأما مضي العدة فموجب للفرقة اتفاقا كحربيين أسلم ~~أحدهما. أبو حنيفة: بل يعرض الإسلام على المتأخر منهما، ms1496 حربيا كان أم ذميا، ~~إن كان في دار الإسلام، فإن أسلم بقي النكاح، والا فسخه الحاكم بطلقة وتعتد ~~المدخولة، فإن لم يعرض الإسلام فالنكاح باق ما بقيا في دارنا، مدخولة كانت ~~أم لا، فإن كان المتأخر في دار الحرب بانت بانقضاء العدة. قلت: لا تأثير ~~للدار، بل الملة؛ للخبر. مالك: إن أسلم الزوج بانت في الحال لا الزوجة، ~~فبعد العدة في المدخولة لا غيرها، ففي الحال، قلنا: لا وجه له. انتهى. وحكى ~~في "نهاية المجتهد" (¬1) عن مالك، أنه إذا أسلم الرجل قبل المرأة وقعت ~~الفرقة إذا عرض عليها الإسلام فأبت. انتهى. فظهر من ذلك أن الحديث المذكور ~~يقضي بما ذكره في "الهدي النبوي"، وأن البينونة بعد انقضاء العدة ثبتت من ~~قول ابن شهاب والحديث المنقطع عن ابن شبرمة، وأن عرض الإسلام في حق الذمي ~~إنما ثبت عن عمر، ولكنه في حكم الإجماع لعدم المخالف، والله أعلم. PageV07P181 # 830 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رد ابنته زينب على أبي العاص (أ) بنكاح جديد (¬1). قال الترمذي (¬2): حديث ~~ابن عباس أجود إسنادا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب. # حديث عمرو بن شعيب تكلم فيه البخاري (¬3)، وعلته تدليس حجاج بن أرطاة، ~~وله علة أشد من ذلك وهي ما ذكره أبو عبيد (¬4) في كتاب النكاح عن يحيى ~~القطان، أن حجاجا لم يسمعه من عمرو بن شعيب، وإنما حمله عن العرزمي، ~~والعرزمي ضعيف جدا (¬5)، وكذا قال أحمد (¬6) عقب (ب) تخريجه، قال: والعرزمي ~~لا يساوي حديثه شيئا. قال: والصحيح أنهما أقرا على نكاحهما الأول. وجنح ابن ~~عبد البر (¬7) إلى ترجيح ما دل عليه حديث عمرو بن شعيب، وأن حديث ابن عباس ~~لا يخالفه. قال: والجمع بين الحديثين أولى من إلقاء أحدهما، فحمل قوله في ~~حديث ابن عباس بالنكاح الأول؛ PageV07P182 # أي بشروطه، وأن معنى: لم يحدث شيئا. أي لم يزد على ذلك شيئا. قال: وحديث ~~عمرو بن شعيب تعضده الأصول، وقد صرح فيه بوقوع عقد جديد، ومهر جديد، والأخذ ~~بالصريح ms1497 أولى من الأخذ بالمحتمل (أ)، ويؤيده مذهب ابن عباس، فإنه قائل بما ~~دل عليه حديث عمرو بن شعيب، فإن كانت الرواية عنه المخرجة في السنن ثابتة، ~~فلعله كان يرى تخصيص ما وقع في قصة أبي العاص بذلك العهد كما جاء ذلك عن ~~أتباعه كعطاء ومجاهد؛ ولهذا أفتى بخلاف ظاهر ما جاء عنه في ذلك الحديث، على ~~أن الخطابي (¬1) قال في إسناد ابن عباس: هذه نسخة ضعفها علي بن المديني ~~وغيره من علماء الحديث. وهو يشير إلى أنه من رواية داود بن الحصين عن ~~عكرمة. قال: وفي حديث عمرو بن شعيب زيادة ليست في حديث ابن عباس، والمثبت ~~يقدم على النافي، غير أن الأئمة رجحوا إسناد حديث ابن عباس. انتهى. # والكلام فيما (ب) دل عليه الحديث تقدم (ج) في الحديث الأول. # وقوله: والعمل على حديث عمرو بن شعيب. هذا حكاه الترمذي عن يزيد بن ~~هارون، فإنه حدث بالحديثين عن ابن إسحاق وعن حجاج بن أرطاة، ثم قال يزيد: ~~حديث ابن عباس أقوى إسنادا، والعمل على حديث عمرو بن شعيب. يريد عمل أهل ~~العراق. وقال الترمذي (¬2) في حديث ابن PageV07P183 # عباس: لا يعرف وجهه. وأشار بذلك إلى أن ردها إليه بعد ست سنين أو بعد ~~سنتين أو بعد ثلاث مشكل؛ لاستبعاد أن تبقى في العدة هذه المدة، وقد عرفت ~~الجواب عن ذلك. # 831 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: أسلمت امرأة فتزوجت، فجاء زوجها ~~(أ) فقال: يا رسول الله، إني كنت أسلمت وعلمت بإسلامي. فانتزعها رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - من زوجها الآخر وردها إلى زوجها الأول. رواه أحمد ~~وأبو داود وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم (¬1). # الحديث فيه دلالة على أن الزوج إذا أسلم قبل أن تزوج امرأته بعد إسلامها ~~أن النكاح باق بينهما، وظاهره من غير فرق بين أن تكون المرأة قد انقضت ~~عدتها أو لا، فإنه لم يستفصل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك وهو في محل ~~البيان، فترك الاستفصال يدل على عودها إلى زوجها إذا كان زواجها ms1498 وقع بعد ~~إسلام الزوج، وهذا يقوي ما ذهب إليه صاحب "الهدي" (¬2) كما تقدم قريئا. ~~وأما احتمال أن يكون ترك الاستفصال لكونه - صلى الله عليه وسلم - عرف قرب ~~العهد من الزوجة بالإسلام، وأن إسلامه وقع قبل تجويز انقضاء العدة -فبعيد ~~متكلف، والله أعلم. PageV07P184 # 832 - وعن زيد بن كعب بن عجرة، عن أبيه قال: تزوج رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - العالية (أ) من بني غفار (¬1)، فلما دخلت إليه ووضعت ثيابها ~~رأى بكشحها بياضا، فقال: "البسي ثيابك والحقي بأهلك". وأمر لها بالصداق. ~~رواه الحاكم (¬2). وفي إسناده جميل بن زيد وهو مجهول، واختلف عليه في شيخه ~~اختلافا كثيرا. # وقع في الحديث اختلاف عن جميل، فقيل: عنه. كما في الأصل، وقيل: عن ابن ~~عمر. وقيل: عن (ب زيد بن كعب ب). وقيل: عن كعب بن زيد. وأخرجه بن عدي، ~~وأخرجه أبو نعيم في "الطب"، والبيهقي من حديث ابن عمر من دون تعيين اسمها ~~ونسبها، وإنما هو بلفظ (ج): تزوج بامرأة (¬3). وجميل بن [زيد] (د) هو ~~الطائي، قال ابن معين (¬4): ليس بثقة. وقال البخاري (¬5): لم يصح حديثه. ~~وروى أبو بكر بن عياش (ه عن جميل ه) قال: هذه أحاديث ابن عمر ما سمعت من ~~ابن عمر شيئا، إنما قالوا لي: اكتب PageV07P185 # أحاديث ابن عمر. فقدمت المدينة فكتبتها (¬1). وقال إسماعيل بن زكريا: ~~حدثنا جميل بن زيد، ثنا ابن عمر قال: تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~امرأة وخلى سبيلها (¬2). وروى أبو معاوية (¬3) والقاسم ليت مالك (¬4) ~~وغيرهما عن جميل عن زيد بن كعب أو كعب بن زيد. وذكر الحديث. # الحديث فيه دلالة على (أ) أن البرص منفر (ب)؛ لرده - صلى الله عليه وسلم ~~-، وأما كونه يفسخ به النكاح فلا يدل على ذلك صريحا؛ لاحتمال قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إلحقي بأهلك". أنه قصد به الطلاق، فقد خرجت منه ~~بالطلاق، وقد اختلف العلماء في فسخ النكاح بالعيوب؛ فذهب ابن عباس، وابن ~~عمر، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب (¬5)، والعترة جميعا، والشافعي، ~~وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، إلى أن ms1499 النكاح يفسخ بالعيوب، وإن اختلفوا في ~~تفصيل ذلك، فروى (ج) أصغ، عن ابن وهب، عن عمر وعلي: لا ترد النساء إلا PageV07P186 # من العيوب الأربعة؛ الجنون، والجذام، والبرص، والداء في الفرج (¬1). وهو ~~منقطع، وقد رواه سفيان، عن عمرو بن دينار (أ)، عن ابن عباس (¬2) متصلا، ~~وروى يحيى بن سعيد الأنصاري، عن ابن المسيب قال: قال عمر: أيما امرأة زوجت ~~وبها جنون، أو جذام، أو برص، فدخل بها ثم اطلع على ذلك، فلها مهرها بمسيسه ~~إياها، وعلى الولي الصداق بما دلس كما غره (¬3). وأهل الحديث قاطبة مجمعون ~~على قبول رواية ابن المسيب عن عمر. والخلاف للناصر في أحد قوليه في البرص، ~~قال: لأنه (ب) ليس بمفسد للبدن. وزاد الإمام أحمد: أن تكون المرأة فتقاء ~~منخرقة ما بين السبيلين. وزاد الهدوية: العفلة (¬4) في المرأة، والقرن ~~(¬5)، والرتق (¬6). وأما الرجل فيشارك المرأة في الثلاثة، وبالجب (¬7) ~~والعنة خلافا للهدوية في العنة، وزاد أصحاب أحمد: PageV07P187 # نتن الفرج والفم، وانخراق مجرى البول والمني في الفرج، والقروح السيالة ~~فيه، والبواسير والناصور، والاستحاضة، واستطلاق البول و (أ) النجو (¬1)، ~~والخصي وهو قطع البيضتين، والسل وهو سلهما، والوجاء وهو رضهما. ووافق ~~الهدوية في الثلاثة الأخيرة، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أن المرأة ترد بكل ~~عيب ترد به الجارية في البيع، ونسب هذا القول الإمام المهدي إلى القاضي ~~حسين [و] (ب) ابن كج، وأكثرهم لا يعرف هذا القول ولا مظنته ولا من قاله، ~~وحكاه [أبو] (ج) عاصم العباداني في كتاب "طبقات أصحاب الشافعي"، ورده ~~الإمام المهدي بأنه لا دليل على ذلك، وارتضى هذا القول ابن القيم، واحتج له ~~في "الهدي النبوي" (¬2)، قال: والقياس أن كل عيب ينفر الزوج الآخر منه، ولا ~~يحصل به مقصود النكاح من المودة والرحمة، يوجب الخيار، وهو أولى من البيع، ~~كما أن الشروط المشروطة في النكاح أولى بالوفاء من الشروط في البيع، ومن ~~تدبر مقاصد الشرع في مصادره وموارده وعدله وحكمته وما اشتمل عليه من ~~المصالح -لم يخف عليه رجحان هذا القول وقربه من قواعد الشريعة. ثم قال: ~~وكذلك ms1500 حكم قاضي الإسلام حقا الذي يضرب المثل بعلمه ودينه وحكمه، شريح، قال ~~عبد الرزاق: عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: خاصم رجل إلى شريح، PageV07P188 # فقال: إن هؤلاء قالوا لي: إنا نزوجك أحسن الناس. فجاءوا لي بامرأة عمياء. ~~فقال شريح: إن كان دلس لك بعيب لم يجز. فتأمل هذا القضاء، وقوله: إن كان ~~دلس لك بعيب. كيف يقتضي أن كل عيب دلست به المرأة فللزوج الرد به. وقال ~~الزهري: يرد النكاح من كل داء عضال. وبما عرفت أن الدليل على الفسخ هو ~~الحديث المذكور وهو محتمل إلا أن في رواية أحمد [ما] (أ) يقرب الاحتجاج به ~~على الفسخ، وهي عن زيد بن كعب بن عجرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- تزوج امرأة من بني غفار، فلما دخل عليها وضع ثوبه وقعد على الفراش أبصر ~~بكشحها بياضا فاماز (¬1) عن الفراش، ثم قال: "خذي عليك ثيابك". ولم يأخذ ~~مما آتاها شيئا (¬2). فاللفظ هذا أظهر في قصد الرد وبعده (ب) عن إفادة ~~الطلاق، ويتأيد ذلك بما روي عن علي وعمر وابن عباس، فإن قضاءهم بذلك مما ~~يدل صريحا بأن هذا أمر ثابت معمول به، ويكون نصا في العيوب المنصوصة ~~الواردة، وقياسا فيما شاركها في المعنى المناسب للعوض المقصود من النكاح، ~~فيتأيد ما ذهب إليه ابن كج وابن القيم (ج من التعميم ج) لما وجد فيه ذلك ~~المعنى، وقد روى في "البحر" (¬3) عن علي أنه فسخ العذيوط، وهو بالعين ~~المهملة المكسورة بعدها ذال ساكنة ثم ياء PageV07P189 # مفتوحة (أ) باثنتين من أسفل، وواو ساكنة آخره طاء مهملة، وهو من يتغوط ~~عند الجماع، وذهب إليه السرخسي من أصحاب الشافعي، وذكره في "الكافي" وفي ~~"الزوائد"، وكذا إذا كان بوالا عند الجماع أو حباقا (¬1)، وأجاب الإمام (ب) ~~المهدي بأن ذلك اجتهاد من علي رضي الله عنه فلا يلزمنا. قال الإمام يحيى: ~~ووجه ذلك هو أن هذه حالة تعاف وتستقذر فأشبه البرص، فافهم أن ذلك قياس، ~~وإذا قاس هذه المذكورة اطرد القياس فيما وجد فيه المعنى، ولعل ms1501 القائلين ~~بانحصار العيوب أخذوا بمفهوم الحصر كما في الرواية عن علي وعمر، ولكنهم لم ~~يقتصروا عليها فلزمهم العمل بالقياس، وذهب الإمام يحيى، وهو أحد قولي ~~الشافعي، إلى أنه لا يفسخ بالسل والخصي، قالوا: لأنه يمكنه الوطء، بل جماعه ~~أكثر، إذ لا ينزل فلا يفتر. قال الإمام المهدي: وهو قوي إن كان كذلك. وإذا ~~عم الزوجين العيب لم يبطل الخيار، وإن اتفق جنسه؛ إذ قد يعاف من غيره ما لا ~~يعاف من نفسه. وأحد قولي الشافعي يبطل؛ لاستوائهما. قال الإمام يحيى: ~~والصرع عيب وإن تباعدت نوباته. وقال ابن الجليل: لا لنا تنفيره وإيحاشه. ~~المرتضى: ولا فسخ بعدم البكارة ولو شرطها. أبو العباس: لكن يسقط ما زاد من ~~المهر لأجلها. والخلاف في الفسخ بالعيوب لداود الظاهري وابن حزم ومن ~~تابعهما، فقالوا: لا يفسخ النكاح بعيب البتة. وكأنهم لما لم يكن في الحديث PageV07P190 # تصريح بردها (أ) من دون احتمال طلاق، ولما في [رواته] (ب) من جهالة ~~واختلاف، وعقد النكاح قد ثبت فلا يرتفع إلا برافع ثابت بنص صحيح؛ ولذا قال ~~ابن القيم (¬1): إن القول بالتعميم هو القياس، يعني إذا بني على دلالة ~~الحديث والآثار على ما دلت عليه وقيس ما ناسبها في المعنى، أو قول ابن حزم ~~ومن تابعه، يعني على فرض عدم العمل بالحديث، وأما الاقتصار على عيبين أو ~~أربعة أو ستة أو سبعة أو ثمانية دون ما هو أولى منها أو مساو لها فلا وجه ~~له، فالعمى والخرس والطرش وكونها مقطوعة اليدين والرجلين أو أحدهما، أو كون ~~الرجل كذلك -من أعظم المنفرات، والسكوت عنه من أقبح التدليس والغش، وهو ~~مناف للدين، والإطلاق إنما ينصرف إلى السلامة فهو كالمشروط عرفا، وقد قال ~~أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمن تزوج امرأة وهو لا يولد له: ~~أخبرها أنك عقيم. فماذا يقول رضي الله عنه في العيوب التي هذا عندها كمال ~~لا نقص. انتهى كلامه رحمه الله تعالى. # 833 - وعن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: أيما ms1502 رجل ~~تزوج امرأة فدخل بها فوجدها برصاء أو مجنونة [أو مجذومة] (ج)، فلها الصداق ~~بمسيسه إياها، وهو له على من غره منها. PageV07P191 # أخرجه سعيد بن منصور ومالك وابن أبي شيبة، ورجاله ثقات (¬1). وروى سعيد ~~(¬2) أيضا عن علي نحوه وزاد: أو بها قرن، فزوجها بالحيار، فإن مسها فلها ~~المهر بما استحل من فرجها. # ومن طريق سعيد بن السيب أيضا (أ) قال: قضى عمر في العنين أن يؤجل سنة. ~~ورجاله ثقات (¬3). # أخرجه سعيد بن منصور، عن هشيم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن ابن السيب، ~~عن عمر. وهو في "الموطأ" عن يحيى، وعن الشافعي (¬4) عن مالك، وعن [ابن] (ب) ~~أبي شيبة عن ابن إدريس، عن يحيى. # وحديث علي أخرجه سعيد أيضا، وحديث العنين أخرجه البيهقي (¬5) من رواية ~~ابن المسيب عن عمر وتابعه العلماء عليه، ونقله البيهقي (¬6) عن علي ~~والمغيرة وغيرهما، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (¬7) عنهما وعن ابن مسعود. PageV07P192 # تقدم الكلام على الرد بالعيوب. # وقوله: وهو له على من غره منها. هذا ذهب إليه الهادي ومالك وأصحاب ~~الشافعي، والعلة المناسبة لذلك هو أنه غرم لحقه بسببه، إلا أنهم اشترطوا ~~علمه بالعيب، فأما إذا جهل فلا رجوع عليه، وقد أومئ إلى ذلك في الأثر، فإن ~~قوله: على من غره. يدل على العلم، إذ لا غرر منه إلا مع ذلك، إلا أنه ذكر ~~الإمام يحيى في "الانتصار" أنه يرجع على المحرم كالأب والجد إذا فرط بترك ~~الاستعلام وإن لم يعلم [بالعيب] (أ). ومالك قال: إن كان يظن به لقربه منها ~~أنه عالم بالعيب مثل الأب والأخ رجع عليه، فعلق الحكم بالمظنة، لا غير ~~المحرم كابن العم إلا حيث علم، والقول له في عدم العلم مع يمينه، ويرجع على ~~من علم من الأولياء وإن لم يكن مباشرا للعقد؛ إذ هو مدلس. هذا قول الإمام ~~يحيى، ولكنه يرد عليه أنه لا بسبب (ب) منه، لعدم مباشرته (ج) للعقد، وإن ~~كان لعدم بذله للنصيحة الواجبة لزم غيره من الأجانب. ولا قائل به، فإن تعذر ~~الرجوع على الولي ms1503 كان الرجوع على المرأة عند المؤيد بالله إذا كانت حرة، ~~وعند أبي طالب ولو كانت أمة، للتدليس منها الذي هو وجه الضمان. وذهب أبو ~~العباس والإمام يحيى إلى أنه لا رجوع على المرأة؛ لأنه قد استوفى بدله ~~منها، وهو الوطء، فلو رجع عليها كان كآخذ الغرم مرتين بخلاف الولي المدلس، ~~فلم [يأخذ] (د) منه شيئا PageV07P193 # يسقط به أرش تدليسه، وعلى قول المؤيد وأبي طالب أنه يرجع على المرأة ~~بالمهر كاملا. وللإمام يحيى وجه، أنه يرجع عليها بما زاد على أقل المهر، إذ ~~لا يخلو الوطء عن عوض. وهو قول مالك؛ لأنه قال: يرجع بالصداق كله إلا ربع ~~دينار فقط. وذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أنه لا رجوع له على أحد. قالوا: ~~قياسا على النكاح الفاسد الذي وطئ [فيه] (أ)؛ فإنه يلزمه المهر بالمسيس. ~~ويرد عليهم بالأثر المذكور، وحديث تأجيل العنين. العنين هو العاجز عن الوطء ~~لعدم انتشار ذكره، وهو مأخوذ من عن الشيء إذا عرض، لتعرض الإحليل إلى أحد ~~جانبي الفرج وعدم ثباته، أو من عنان الدابة للينه ورخاوته (ب)، والمرأة ~~توصف به إذا كانت لا تشتهي الوطء، ويسمى السرس بمهملتين ككتف، وكأمير ~~بزيادة ياء، ويطلق السرس على الذي لا يأتي النساء ومن لا يولد له، والفحل ~~الذي لا يلقح. كذا في "القاموس" (¬1)، ومصدر عن هنا (ج) عنانة وعنينة ~~وعنينية (د) بزيادة الياء المصدرية، وقول الفقهاء عنة بضم العين أو بكسرها ~~خطأ، والعنة الخطيرة (ه). كذا في "شرح البحر"، والأثر يدل على أن ذلك عيب ~~يفسخ به النكاح بعد تحققه، وهو PageV07P194 # بعد إمهاله سنة. وقد ذهب إليه علي وعمر وابن مسعود والمغيرة (أوعثمان ~~ومعاوية أ) وسمرة والحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة والباقر والصادق وزيد ~~بن علي والناصر والمؤيد بالله والإمام يحيى وأبو حنيفة والشافعي ومالك، ~~وقياسا على المجبوب، إلا أنهم اختلفوا في التأجيل، فعمر وابن مسعود أجلوه ~~سنة، وعثمان ومعاوية وسمرة لم يؤجلوه، والحارث بن عبد الله أجله عشرة أشهر، ~~وذهب الهادي والقاسم والمرتضي وأبو طالب وأبو العباس ms1504 وأحمد وداود والحكم بن ~~عتيبة من التابعين إلى أنه لا فسخ بذلك. قالوا: لأن امرأة رفاعة شكت منه ~~ذلك، ولم يخيرها - صلى الله عليه وسلم -، وهو في موضع التعليم. قال الإمام ~~الهدي ردا عليهم: قلنا: لعل زوجها أنكر، والظاهر معه. قالوا: أمر علي (ب) ~~امرأة شكت ذلك بالصبر، وقال: لا أستطيع أن أفرق بينكما. قلت: لعل ذلك فيمن ~~عرضت له العنة بعد الدخول. قالوا: كمن عجز للمرض. قلنا: هو بالمجبوب (ج) ~~أشبه. انتهى. # وأقول: إن الاحتجاج بقصة أبي ركانة أظهر، لما نكح امرأة من مزينة، فجاءت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة ~~-لشعرة أخذتها من رأسها- ففرق بيني وبينه. فأخذت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - حمية، فدعا بركانة لاخوته، ثم قال لجلسائه: "أترون فلانا يشبه منه ~~كذا وكذا من عبد يزيد، وفلانا -لابنه الآخر- يشبه منه كذا وكذا؟ ". قالوا: ~~نعم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لعبد يزيد: "طلقها". ففعل. الحديث. ~~أخرجه PageV07P195 # أبو داود (¬1) عن ابن عباس، فإنه - صلى الله عليه وسلم - أمره بالطلاق ~~بعد أن طلبت المفارقة بالفسخ للعنة، واحتمال أنه - صلى الله عليه وسلم - لم ~~تثبت عنده العنة بقولها -بما يفهم من تعرف الشبه بينه وبين أولاده- بعيد؛ ~~لأن العنة قد تكون من امرأة دون امرأة، وقد تحدث بعد أن كان بخلافها، ولم ~~يستفصل ذلك - صلى الله عليه وسلم -، ولا طلب منه إجابة الدعوى، بل عدل إلى ~~طريقة أجمل في دفع ما يخشى من الضرر بالإمساك، وهو طلب الطلاق منه؛ فدل على ~~أن هذا العيب لا يقتضي الفسخ. # وأما حديث رفاعة، فإنما قالت زوجته: كنت عند رفاعة القرظي فأبت طلاقي، ~~فتزوجت عبد الرحمن بن الزبير، إنما معه مثل هدبة الثوب. فقال: "أتريدين أن ~~ترجعي إلى رفاعة؟ لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك" (¬2) الحديث. فلم ~~تطلب الفرقة بينها وبين عبد الرحمن، ولعله قد كان فارقها بالطلاق، وإنما ~~طلبها رجوعها إلى رفاعة، وهذا أيضا صريح في رواية "الموطأ" (¬3)، ولفظه: أن ~~رفاعة طلق امرأته تميمة بنت ms1505 وهب في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ثلاثا؛ فنكحت عبد الرحمن بن الزبير، فاعترض عنها فلم يستطع أن يمسها، ~~ففارقها، فأراد رفاعة أن ينكحها وهو زوجها الأول. الحديث. فصرح بأنه طلقها، ~~وهذه الرواية تفسر الرواية الأولى؛ لاتحاد القصة، فلا يستقيم الاحتجاج به ~~فتنبه، ولا حاجة إلى ما أجاب به الإمام المهدي، وعلى القول باختلاف ~~القصتين، فقد ذكر الطلاق أيضا في كل PageV07P196 # واحدة منهما، وقد تقدم الكلام في كل (أ) منهما مستوفى فارجع إليه. # وقال ابن المنذر (¬1): اختلفوا في المرأة تطالب الرجل بالجماع؛ فقال ~~الأكثر: إن وطئها بعد أن دخل بها مرة واحدة لم يؤجل أجل العنين. وهو قول ~~الأوزاعي والثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وإسحاق. وقال أبو ثور: إن ترك ~~جماعها لعلة أجل لها سنة، وإن كان لغير علة فلا تأجيل. وقال عياض: اتفق ~~كافة العلماء على أن للمرأة حقا في الجماع، فيثبت الخيار لها إذا تزوجت ~~المجبوب والمسوح (¬2) جاهلة بهما، ويضرب للعنين أجل سنة لاختبار زوال ما ~~به. انتهى. # [وقال الفقيه (ب) أبو منصور: وإذا أقر بالعنة فسخ في الحال من غير إمهال. ~~ونظره الإمام يحيى، وروي خلافه عن أكثر العترة و (ج) الفقهاء. انتهى] (د). PageV07P197 ### || AUTO باب عشرة النساء # 834 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ملعون من أتى امرأة في دبرها". رواه أبو داود والنسائي (¬1) ~~واللفظ له، ورجاله ثقات لكن أعل بالإرسال. # الحديث روي بألفاظ ومن طرق متعددة إلى أبي هريرة وإلى غيره من الصحابة، ~~منهم علي بن أبي طالب وخزيمة وعمر وعلي بن طلق وطلق بن علي وابن مسعود ~~وجابر وابن عباس وابن عمرو بن العاص والبراء وعقبة بن عامر وأنس وأبو ذر، ~~وجميع الطرق متكلم فيها، ولكنه مع الكثرة يقوي بعضها بعضا لا سيما مع ~~اختلاف الطرق واختلاف الروي عنهم من الصحابة. # والحديث فيه دلالة على تحريم الإتيان في دبر المرأة، وقد ذهب إلى هذا ~~العترة جميعا، وأكثر الفقهاء قالوا: لقوله تعالى: {نساؤكم حرث لكم} ms1506 (¬2). ~~فشبههن بالحرث، والحرث المطلوب منه نبات الزرع، فكذلك النساء يكون الغرض من ~~إتيانهن هو (أ) طلب التناسل لا قضاء الشهوة، وهذا لا يكون إلا في القبل، ~~وهذا وإن (ب لم يكن ب) فيه تعرض لتحريم ما عدا القبل إلا أنه يفهم من PageV07P199 # قوله: {فأتوهن من حيث أمركم الله} (¬1). أن الإباحة وقعت لذلك المحل، ~~فيبقى ما عداه على التحريم، إذ الأصل هو تحريم المباشرة إلا ما أحل بالعقد، ~~وهذا بيان لما حل بالعقد عليهن، فيوقف عليه، ولا يقاس غيره عليه، لعدم ~~المشابهة في كونه محلا للزرع، وأما تحليل الاستمتاع فيما عدا الفرج فهو ~~مأخوذ من دليل آخر، كما ورد في إباحة الاستمتاع بما عدا الفرج في حق ~~الحائض، ولهذا الحديث ونحوه، وهو ما أخرجه الترمذي والنسائي (¬2) وابن ماجه ~~(1) عن علي رضي الله عنه: "إن الله لا يستحيي من الحق، لا تأتوا النساء في ~~أعجازهن". وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: سئل عن الرجل يأتي المرأة ~~في دبرها، فقال؛ "هي اللوطية الصغرى" (¬3). وأخرجه النسائي (¬4) أيضا ~~وأعله، والمحفوظ عن عبد الله بن عمرو من قوله. كذا أخرجه عبد الرزاق (¬5) ~~وغيره. وذهبت الإمامية إلى حله في الزوجة وفي الأمة، بل وفي المملوك. وروى ~~محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري -أحد فقهاء المالكية، وتفقه بالشافعي ~~وبأبيه، وثقه ابن أبي حاتم (¬6) PageV07P200 # والنسائي (¬1)، وروى عنه، وهو في غاية من الزهد والورع، وله تصانيف ~~عديدة، منها كتاب "الرد على الشافعي" -عن الشافعي رحمه الله أنه قال: لم ~~يصح عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تحريمه ولا في (أ) تحليله شيء، ~~والقياس أنه حلال. روى هذا ابن أبي حاتم بسماعه من محمد المذكور، وكذلك ~~الطحاوي (¬2)، وأخرجه عنه في "مناقب الشافعي" (¬3) له، وأخرجه الحاكم (¬4) ~~في "مناقب الشافعي" عن الأصم عنه، وأخرجه عن الخطيب (¬5) عنه، عن أبي سعيد ~~بن موسى، عن الأصم، وروى الحاكم (5) عنه قال: قال لنا الشافعي كلاما كلم به ~~محمد بن الحسن، فقلت: في مسألة إتيان المرأة في دبرها؛ قال: سألني ms1507 محمد بن ~~الحسن فقلت له: إن كنت تريد [المكابرة] (ب) وتصحيح الروايات وإن لم تصح ~~فأنت أعلم، وإن تكلمت بالمناصفة كلمتك. قال: على المناصفة. قلت: فبأي شيء ~~حرمته؟ قال: بقول الله تعالى: {فأتوهن من حيث أمركم الله} (¬6). وقال: ~~{فأتوا حرثكم أنى شئتم} (¬7). والحرث لا يكون إلا في الفرج. قلت: فيكون ذلك ~~محرما لما سواه؛ قال: نعم. قلت: فما تقول لو وطئها بين ساقيها، أو في ~~أعكانها أو PageV07P201 # تحت بطنها، أو أخذت ذكره بيدها، أفي ذلك حرث؟ قال: لا. قلت: أفتحرم ذلك؟ ~~قال: لا. قلت: فلم تحتج بما لا حجة فيه؟ قال: فإن الله قال: {والذين هم ~~لفروجهم حافظون} (¬1) الآية. قال: فقلت له: إن هذا ما يحتجون به للجواز، إن ~~الله أثنى على من حفظ فرجه من غير زوجه وما ملكت يمينه. فقلت: أنت تتحفظ من ~~زوجتك وما ملكت يمينك؟ انتهى. وبما ذكرناه أولا في الاحتجاج للتحريم، يؤخذ ~~الجواب عن هذا. قال الحاكم: لعل الشافعي كان يقول بذلك في القديم، فأما في ~~الحديث، فالمشهور أنه حرمه. انتهى. مع أن الربيع كذب رواية محمد بن عبد ~~الله عن الشافعي، قال الربيع: كذب، والله الذي لا إله إلا هو قد نص الشافعي ~~على تحريمه في ستة كتب، روى هذا أبو العباس الأصم، وحكاه عنه جماعة، منهم ~~الماوردي في "الحاوي" وأبو نصر بن الصباغ في "الشامل" وغيرهم. قال المصنف ~~رحمه الله (¬2): تكذيب الربيع [لمحمد] (أ) لا معنى له؛ فإنه قد تابعه عليه ~~عبد الرحمن بن عبد الله عن الشافعي، وأخرجه أحمد بن أسامة بن أبي السمح ~~[المصري] (ب) عن أبيه، قال: سمعت عبد الرحمن. فذكر نحوه عن الشافعي. وأخرج ~~الحاكم عن الأصم، عن الربيع قال: قال الشافعي: قال الله تعالى: {نساؤكم حرث ~~لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}. احتملت الآية معنيين؛ أحدهما: أن تؤتى المرأة ~~من حيث شاء زوجها، لأن {أنى شئتم} تأتي بمعنى أين شئتم. ثانيها: أن الحرث ~~إنما يراد به النبات وموضعه دون ما سواه. PageV07P202 # فاختلف أصحابنا في ذلك، وأحسب (أ) كلا من ms1508 الفريقين تأولوا ما وصفت من ~~احتمال الآية. قال: وطلبنا الدلالة من السنة فوجدنا حديثين مختلفين؛ أحدهما ~~ثابت، وهو حديث خزيمة في التحريم. قال: فأخذنا به. انتهى. وهو قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا تأتوا النساء في أدبارهن". أخرجه الشافعي (¬1) من ~~حديث خزيمة بن ثابت، وفي إسناده [عمرو بن أحيحة (¬2) وهو مجهول الحال، ~~واختلف في إسناده] (ب) اختلافا كبيرا، وقد أطنب النسائي (¬3) في تخريج طرقه ~~وذكر الاختلاف فيه، وقال البزار (¬4): لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا لا ~~في الحظر ولا في الإطلاق، وكل ما روي فيه عن خزيمة بن ثابت من طريق فيه ~~فغير صحيح. انتهى. وكذا روى الحاكم عن أبي علي النيسابوري، ومثله عن ~~النسائي، وقاله قبلهما البخاري، وذكر الجويني في "مختصره" أن بعضهم أقام ما ~~رواه محمد عن الشافعي قولا للشافعي، ولكنه يكون مرجوعا عنه كما قال الربيع، ~~وهذا أولى من تكذيبه، فإنه لا خلاف في ثقته وأمانته، ولعل محمدا اغتر بكون ~~الشافعي قص له القصة التي وقعت له بطريق المناظرة بينه وبين محمد بن الحسن، ~~ولا شك أن العالم في المناظرة يتقلد القول وهو لا يختاره، فيذكر أدلته إلى ~~أن ينقطع خصمه، PageV07P203 # وروي مثل هذا عن مالك، قال القاضي أبو الطيب (¬1) في تعليقه: نص في كتاب ~~"السر" عن مالك على إباحته، ورواه عنه أهل مصر وأهل المغرب (أ). انتهى. وقد ~~أنكر الأبهري من المالكية كتاب "السر"، وأنكروا رواية [ذلك عن مالك، وكذا ~~قال الرافعي أن أصحابه العراقيين لم يثبتوا الرواية] (ب)، والرواية عن مالك ~~إنما هو في دبر الزوجة فقط، فأما رواية جواز ذلك في دبر الذكر المملوك فغلط ~~فاحش، ورواية نشوان ذلك في رسالة "الحور العين" غير صحيحة، ولعله مأخوذ من ~~تشنيع المعري على علماء الإسلام ذلك في قوله (¬2): # وأجاز مالك الفقاح (¬3) تطرفا. # وهم منزهون عن ذلك. قال المصنف رحمه الله (¬4): وكتاب "السر" وقفت (ج) ~~عليه في كراسة لطيفة من رواية الحارث بن مسكين عن عبد الرحمن بن القاسم، عن ~~مالك، وهو يشتمل (د) على نوادر ms1509 من المسائل، وفيها كثير مما يتعلق بالخلفاء، ~~ولأجل هذا سمي كتاب "السر"، وفيه هذه المسألة، وقد رواها أحمد بن أسامة ~~التجيبي وهذبه ورتبه على الأبواب، PageV07P204 # وأخرج له أشباها ونظائر في كل باب، وروى فيه من طريق معن بن عيسى قال: ~~سألت مالكا عنه، فقال: ما أعلم فيه تحريما. وقال ابن رشد (أ) في كتاب ~~"البيان والتحصيل في شرح العتبية": روى العتبي، عن ابن القاسم، عن مالك أنه ~~قال وقد سأله عن ذلك مختليا به، فقال: حلال ليس به بأس. قال ابن القاسم: ~~ولم أدرك أحدا أقتدي به في دين يشك (ب) فيه، والمدنيون يروون فيه الرخصة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. يشير بذلك إلى ما روي عن ابن عمر وأبي سعيد؛ ~~أما حديث ابن عمر فله طرق رواه عنه نافع وزيد بن أسلم و [عبيد] (ج) الله بن ~~عبد الله بن عمر وسعيد بن يسار (د) وغيرهم، أما نافع فاشتهر عنه من طرق ~~كثيرة جدا، منها ما أخرجه مالك مما رواه خارج "الموطأ" عن نافع قال: قال ~~ابن عمر: أمسك علي المصحف يا نافع. فقرأ حتى أتى على هذه الآية: {نساؤكم ~~حرث لكم}. فقال: [أتدري] (ه) يا نافع فيم أنزلت هذه الآية (و) قلت: لا. ~~قال: فقال لي: في رجل من الأنصار أصاب امرأته في دبرها، فأعظم ذلك [الناس] ~~(ز)، فأنزل الله تعالى: {نساؤكم حرث لكم} الآية. قال نافع: فقلت لابن عمر: ~~من دبرها في قبلها؟ قال: لا، إلا في دبرها (¬1). قال أبو ثابت: PageV07P205 # وحدثني به الدراوردي عن مالك وابن أبي ذئب، وأخرج البخاري (¬1) في تفسير ~~سورة "البقرة" من حديث ابن عون، عن نافع مثله، إلا أنه أبهم الآية. قال: ~~حتى انتهى إلى مكان فقال: أتدري فيما أنزلت؟ قلت: لا. قال: [أنزلت] (أ) في ~~كذا وكذا. ثم مضى. وأخرج (¬2) من حديث أيوب، عن نافع، عن ابن عمر في قوله ~~تعالى: {نساؤكم حرث لكم}. قال: يأتيها في دبرها. قال: ورواه محمد بن يحيى ~~بن سعيد، عن أبيه، عن [عبيد] (ب) ms1510 الله بن عمر، عن نافع. هكذا وقع عنده. ~~انتهى. والرواية الأولى المبهمة تفسيرها في "تفسير إسحاق بن راهويه"، فإنه ~~ساق مثل ما ساق، وذكر الآية وهي: {نساؤكم حرث لكم}. وعبر عن كذا وكذا، ~~فقال: أنزلت [في] (ج) إتيان النساء في أدبارهن. وكذا رواه الطبراني (د) من ~~طريق ابن علية، عن ابن عون، ورواية عبد الصمد هي في "تفسير إسحاق" (¬3) ~~أيضا عنه. وقال فيه (ه): يأتيها في الدبر. ورواية محمد بن يحيى أخرجها ~~الطبراني في "الأوسط" (¬4) بلفظ: إنها أنزلت: {نساؤكم حرث لكم}. رخصة في ~~إتيان PageV07P206 # الدبر. وأما زيد بن أسلم فأخرج الرواية عنه النسائي والطبراني (¬1) (أ). ~~وأما عبيد الله بن عبد الله بن عمر فأخرج عنه النسائي (¬2). وأما سعيد بن ~~يسار فروى عنه النسائي والطحاوي والطبراني (¬3) (ب) من طريق عبد الرحمن بن ~~القاسم قال: قلنا لمالك: إن عندنا [الليث بن سعد] (ج) يحدث عن الحارث بن ~~يعقوب، عن سعيد بن يسار قال: قلت لابن عمر: إنا نشتري الجواري فنحمض لهن. ~~والتحميض (د) الإتيان في الدبر، فقال: أف، أو يفعل هذا مسلم؟ فقال مالك: ~~أشهد (ه) على ربيعة [لحدثني] (و) عن سعيد بن يسار أنه سأل ابن عمر عنه، ~~فقال: لا بأس به. وأما حديث أبي سعيد فأخرج أبو يعلى وابن مردويه وابن جرير ~~والطحاوي (¬4) من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، ~~أن رجلا أصاب امرأة في دبرها PageV07P207 # فأنكر الناس ذلك عليه، وقالوا: ثفرها. فأنزل الله عز وجل هذه الآية. # وعلقه النسائي (¬1) عن هشام بن سعد، عن زيد. وهذا السبب في نزول هذه ~~الآية مشهور، وكأن حديث أبي سعيد لم يبلغ ابن عباس وبلغه حديث ابن عمر ~~فوهمه فيه؛ فروى أبو داود (¬2) من طريق مجاهد، عن ابن عباس قال: ابن عمر ~~أوهم والله يغفر له، إنما كان هذا الحي من الأنصار وهم أهل وثن (أ) مع هذا ~~الحي من يهود وهم أهل كتاب، وكانوا يأخذون بكثير من فعلهم، وكان أهل الكتاب ~~لا يأتون النساء إلا على ms1511 حرف وذلك أستر (ب) ما تكون المرأة، فأخذ ذلك ~~الأنصار عنهم، وكان هذا الحي من قريش يتلذذون بالنساء مقبلات ومدبرات ~~ومستلقيات، فتزوج رجل من المهاجرين امرأة من الأنصار فذهب يفعل بها ذلك ~~فامتنعت، فسرى [أمرهما] (ج) حتى بلغ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فأنزل الله: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}. مقبلات ومدبرات ~~ومستلقيات في الفرج. # وأخرج أحمد والترمذي (¬3) من وجه آخر صحيح عن ابن عباس قال: جاء عمر ~~فقال: يا رسول الله، هلكت؛ حولت رحلي البارحة. فأنزلت هذه الآية: {نساؤكم ~~حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}. "أقبل وأدبر، واتق PageV07P208 # الدبر والحيضة". ومثل هذا أخرج أحمد (¬1) عن أم سلمة، وفي "الصحيحين" ~~وغيرهما (¬2) عن جابر أن نزول هذه الآية في اليهود (أ)، كانت تقول: إذا أتى ~~الرجل امرأته من خلفها في قبلها جاء الولد أحول. فأنزل الله: {نساؤكم حرث ~~لكم} الآية. والجواب عن هذه الروايات بأنها معارضة بمثلها في سبب النزول، ~~وإذا تعارض المبيح والحاظر فالحظر أرجح على المختار؟ ولقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (¬3). وأما تغليط (ب) نافع في ~~روايته عن ابن عمر، فيرده ما أخرجه النسائي عن سالم بن عبد الله بن عمر ~~(¬4)، قال النسائي: عن عبد الرحمن بن القاسم: قلت لمالك: إن ناسا يروون عن ~~سالم أنه قال: كذب العبد على أبي. فقال مالك (ج): أشهد على يزيد بن رومان ~~أنه أخبرني عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه مثل ما قال نافع. فعرفت أن ~~التغليط (د) غير صحيح عن سالم. وقول الإمام المهدي في "البحر" (¬5) قلنا: ~~قد غلط نافع في روايته عن ابن عمر. فبنى على هذه الرواية المدفوعة. وقال ~~الإمام يحيى: لا وجه للتغليط ولتكذيب الربيع؛ إذ المسألة اجتهادية، والواجب ~~الحمل على السلامة. انتهى. وهذا التعليل لا PageV07P209 # يستقيم؛ إذ [التغليط] (أ) إنما هو لصحة الرواية بخلاف ما روى الراوي، ~~والتكذيب كذلك، فتنبه (ب). قال الإمام المهدي: وذكر أبو حامد الجاحري (ج) ~~وبعض أهل المذهب أنها قطعية ms1512 (د). ولعل حجته التواتر المعنوي بالتحريم ~~وإجماع أهل البيت، فحينئذ للتغليط حكم. انتهى. قال المصنف (¬1) رحمه الله: ~~فائدة، ما تقدم نقله عن المالكية لم ينقل عن أصحابهم إلا عن (ه) ناس قليل. ~~قال القاضي عياض: كان القاضي أبو (و) محمد عبد الله بن إبراهيم الأصيلي ~~يجيزه ويذهب فيه إلى أنه غير محرم، وصنف في إباحته محمد بن سحنون ومحمد بن ~~شعبان، ونقل ذلك عن [جمع] (ز) كثير من التابعين. وفي كلام ابن العربي و ~~[المازري] (ح) ما يومئ إلى جواز ذلك أيضا (¬2). وحكى ابن بزيزة في "تفسيره" ~~عن عيسى بن دينار أنه كان يقول: هذا أحل من الماء البارد. وأنكره كثير منهم ~~أصلا. وقال PageV07P210 # القرطبي في "تفسيره" وابن عطية قبله (¬1): لا ينبغي لأحد أن يأخذ بذلك ~~ولو ثبتت الرواية فيه؛ لأنها من الزلات. وذكر الخليلي في "الإرشاد" (¬2) عن ~~ابن وهب أن مالكا رجع عنه. وفي "مختصر ابن الحاجب" (¬3) عن مالك إنكار ذلك ~~وتكذيب من نقله عنه، لكن الذي روى ذلك عن ابن وهب غير موثوق (أ) به، ~~والصواب ما حكاه الخليلي؛ فقد ذكر الطبري عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن ~~وهب، عن مالك أنه أباحه. وروى الثعلبي في "تفسيره" (¬4) من طريق المزني ~~قال: كنت عند ابن وهب وهو يقرأ علينا رواية مالك، فجاءت هذه المسألة، فقام ~~رجل فقال له: يا أبا محمد، ارو لنا ما رويت. فامتنع أن يروي لهم ذلك، وقال: ~~أحدكم يصحب العالم، فإذا تعلم منه لم يوجب له من حقه ما يمنعه من أقبح ما ~~يروي عنه. و [أبي] (ب) أن (ج) يروي (د) ذلك. وروي عن مالك كراهيته وتكذيب ~~من نقله عنه من وجه آخر أخرجه الخطب في "الرواية عن مالك" من طريق إسماعيل ~~بن [حصن] (ه)، عن إسرائيل بن روح (و)، قال: سألت مالكا عنه فقال: ما أنتم PageV07P211 # قوم عرب، هل يكون الحرث إلا موضع الزرع؟ قلت: يا أبا عبد الله، إنهم ~~يقولون ذلك. قال: يكذبون علي. والعمدة في هذه الحكاية على إسماعيل؛ فإنه ms1513 ~~واهي الحديث، وقد روينا في "علوم الحديث" للحاكم (¬1) قال: حدثنا أبو ~~العباس محمد بن يعقوب، ثنا العباس بن الوليد البيروتي، ثنا أبو عبد الله ~~بشر بن (أ) بكر، سمعت الأوزاعي يقول: (ب يتجنب أو يترك (ب) من قول أهل ~~الحجاز خمس، ومن قول أهل العراق خمس؛ من [قول] (ج) أهل الحجاز؛ استماع ~~الملاهي، والمتعة، وإتيان النساء في أدبارهن، والصرف، والجمع بين الصلاتين ~~من غير عذر، ومن [قول] (ج) أهل العراق؛ شرب النبيذ، وتأخير العصر حتى يكون ~~ظل الشيء أربعة أمثاله، ولا جمعة إلا في سبعة أمصار، والفرار من الزحف، ~~والأكل بعد الفجر في رمضان. وروى عبد الرزاق، عن معمر قال: لو أن رجلا أخذ ~~بقول أهل المدينة في استماع الغناء، وإتيان النساء في أدبارهن، وبقول أهل ~~مكة في المتعة والصرف، وبقول أهل الكوفة في المسكر -كان شر عباد الله. وقال ~~أحمد بن أسامة التجيبي: ثنا أبي، سمعت الربيع بن سليمان الجيزي يقول: أنا ~~أصبغ، قال: سئل القاسم عن هذه المسألة وهو في الجامع فقال: لو جعل لي ملء ~~(د) هذا المسجد ذهبا ما فعلته. قال: وحدثنا أبي قال: سمعت الحارث بن مسكين PageV07P212 # يقول: سألت ابن القاسم عنه فكرهه لي. قال: وسأله [غيري] (ب) فقال: كرهه ~~مالك. انتهى. # 835 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا ينظر الله إلى رجل أتى رجلا أو امرأة في دبرها". رواه الترمذي ~~والنسائي وابن حبان (¬1) وأعل بالوقف. # الحديث رواه النسائي (¬2) موقوفا، وهو أصح عندهم من المرفوع. # تقدم الكلام فيما يتعلق بالحديث في الحديث الأول. # 836 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يؤذي جاره، واستوصوا بالنساء ~~خيرا؛ فإنهن خلقن من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، إذا ذهبت تقيمه ~~كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيرا". متفق عليه (¬3)، ~~واللفظ PageV07P213 # للبخاري. ولمسلم (¬1): "فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت ~~تقيمها ms1514 كسرتها، وكسرها طلاقها". # الحديث هو حديثان؛ ذكر البخاري الأول في كتاب الأدب (¬2)، والثاني، وهو: ~~"استوصوا" إلخ. في بدء الخلق (¬3) وهو من طريق حسين بن علي الجعفي شيخ شيخ ~~البخاري. # وأخرج مسلم (¬4) الحديث الثاني، وذكر بدل الأول: "من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فإذا شهد أمرا فليتكلم بخير أو ليسكت". والذي يظهر أنها ~~أحاديث كانت عند حسين الجعفي عن زائدة (أ)، فربما جمع، وربما أفرد، وربما ~~استوعب، وربما اقتصر. وزاد في رواية الإسماعيلي (¬5): "من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فليحسن قرى ضيفه". وفيه دلالة على تحريم إيذاء الجار، وهو يدل ~~بمفهوم (ب) الشرط أن من آذى الجار فليس بمؤمن (ج) بالله واليوم الآخر، وهذا ~~وإن كان يلزم منه إثبات الكفر لمن كان كذلك، ولكنه محمول على قصد المبالغة ~~بأن من حق الإيمان ذلك، فلا ينبغي للمؤمن PageV07P214 # الاتصاف به، وقد عد إيذاء الجار من الكبائر، وورد في ذلك أحاديث كثيرة، ~~وكفى في ذلك التوصية في كتاب الله سبحانه وتعالى بالجار. # وحد الجار إلى أربعين بيتا؛ كما أخرج الطبراني (¬1) أنه أتى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - رجل فقال: يا رسول الله، إني نزلت في محلة بني فلان، وإن ~~أشدهم لي أذى أقربهم (أ) لي جوارا. فبعث - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر ~~وعمر وعليا يأتون (ب) المسجد فيقومون على بابه فيصيحون: "ألا إن أربعين ~~دارا جار، ولا يدخل الجنة من خاف جاره بوائقه". # وأخرج الطبراني في "الكبير" و"الأوسط" (¬2): "إن الله ليدفع بالمسلم ~~الصالح عن مائة بيت من جيرانه البلاء". وهذا فيه زيادة على الأول. والأذى ~~وإن كان محرما في حق غير الجار، إلا أنه في حق الجار أشد، فلا يغتفر منه ~~شيء وإن كان يسيرا، بل ما يعد في العرف أذ ى، بخلاف إيذاء غيره فإنه لا ~~يكون كبيرة (ج) إلا إذا كان فيه ضرر بحيث لا يحتمل عادة، ووجه الفرق بينهما ~~ظاهر لما علم من الأحاديث الصحيحة من تأكد حرمة الجار والمبالغة في رعاية ~~حقوقه، حتى كان من حقه ألا يؤذيه بقتار ms1515 (¬3) قدره PageV07P215 # إلا أن يغرف له من مرقته، ولا يحجب عليه الريح إلا بإذنه، وإن اشترى ~~فاكهة أهدى إليه منها (¬1). وغير ذلك من الحقوق التي دلت عليها السنة ~~الصحيحة. # وقوله: "استوصوا". أي اقبلوا الوصية. والمعنى: إني أوصيكم بهن خيرا، أو ~~بمعنى: يوصي بعضكم بعضا فيهن خيرا. # [وقوله: "فإنهن خلقن من ضلع"] (أ). أي: خلقن خلقا فيه اعوجاج، فكأنهن ~~خلقن من أصل معوج، فعبر عنهن بالضلع لما كان معوجا، والضلع بكسر الضاد وفتح ~~اللام، وقد يسكن، واحد الأضلاع، أو المراد بالضلع ضلع آدم الذي خلق منه ~~حواء -بالمد- فإنها (ب) -كما قاله الفقهاء- خلقت من ضلع آدم - عليه السلام ~~- كما قال تعالى: {خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها} (¬2). وبين النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنها خلقت من ضلع من ضلع آدم كما أخرجه ابن إسحاق ~~(¬3) في "المبتدأ" عن ابن عباس، أن حواء خلقت من ضلع آدم الأقصر الأيسر وهو ~~نائم. وأخرجه أيضا ابن أبي حاتم وغيره (¬4) من حديث مجاهد. وكأن المعنى أن ~~النساء خلقن من أصل خلق من شيء معوج، وهذا لا يخالف تشبيه المرأة بالضلع، ~~بل يستفاد منه نكتة التشبيه فإنها عوجاء مثله؛ PageV07P216 # لكون أصلها منه. # وقوله: "وإن أعوج شيء في الضلع". ذكره تأكيدا لمعنى الكسر؛ لأن الإقامة ~~أمرها أظهر في الجهة العليا، أو إشارة إلى أنها خلقت من أعوج أجزاء الضلع ~~مبالغة في إثبات هذه الصفة لهن، ويحتمل أن يكون ضرب ذلك مثلا لأعلى المرأة؛ ~~لأن أعلاها (أ) رأسها وفيه لسانها وهو الذي يحصل منه الأذى، وأعوج هنا هو ~~من باب الصفة لا من التفضيل، والظاهر أنه للتفضيل، وقد جاء ذلك شاذا، ووجهه ~~لعدم الالتباس بالصفة، والامتناع إنما هو للبس، والضمير [في]، (ب) "تقيمه"، ~~وفي "كسرته" للضلع لا لأعلى الضلع، وهي تذكر وتؤنث، وقد جاء في رواية ~~للبخاري (¬1): "أقمتها كسرتها". والضمير للضلع، ويحتمل أن يكون للمرأة، كما ~~في رواية مسلم. # والحديث فيه دلالة على حسن ملاطفة النساء، والإحسان إليهن، والصبر على ~~عوج أخلاقهن، واحتمال ضعف عقولهن، وكراهة طلاقهن بلا سبب، وأنه ms1516 لا يطمع ~~الزوج في سلامة حالهن. # وقوله: "استمتعت بها وبها عوج". قال النووي (¬2) (ج) رحمه الله تعالى: ~~ضبطه بعضهم هنا بفتح العين، وضبطه بعضهم بكسرها، ولعل PageV07P217 # الفتح أكثر، وضبطه الحافظ ابن عساكر وآخرون بالكسر، وهو الأرجح. # قال أهل اللغة: العوج بالفتح في كل منتصب، كالحائط والعود وشبهه، وبالكسر ~~ما كان في بساط أو أرض أو معاش أو دين، ويقال: فلان في دينه عوج. بالكسر. ~~هذا كلام أهل اللغة. وقال صاحب "المطالع": قال أهل اللغة: العوج بالفتح في ~~كل شخص مرئي، وبالكسر فيما ليس بمرئي كالرأي والكلام. قال: وانفرد عنهم أبو ~~عمرو (أ) الشيباني، فقال: كلاهما بالكسر ومصدرهما بالفتح. # "وكسرها طلاقها". فيه دلالة على أنه لا ينبغي المسارعة بإيقاع الطلاق ~~تبرما من الخلق الذي فيه اعوجاج؛ فإن ذلك لازم لجميع هذا النوع، وأن المرضي ~~المنتخب من النساء معدوم. والله أعلم. # 837 - وعن جابر رضي الله عنه قال: كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في غزاة، فلما قدمنا المدينة ذهبنا لندخل فقال: "أمهلوا حتى تدخلوا ليلا ~~-يعني عشاء- لكي تمتشط الشعثة وتستحد المغيبة". متفق عليه (¬1). وفي رواية ~~للبخاري (¬2): "إذا [أطال] (ب) أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلا". PageV07P218 # الحديث فيه دلالة على أنه ينبغي عدم المسارعة للقادم إلى أهله من غير أن ~~يكون منهم شعور بقدومه، فإن في قوله "أمهلوا". دلالة على [أن] (أ) التأني ~~والتأخير للقدوم، وكأنهم قدموا آخو النهار، وكان يمكنهم الوصول أول (ب) ~~الليل، فأمروا (ج) بالتأخير إلى وقت العشاء ليعلم أهلهم بقدومهم، وهذا لا ~~يعارضه النهي عن الطروق بالليل كما في رواية البخاري؛ فإنه (د) مع عدم ~~شعورهم بالقدوم، ولذلك ترجم البخاري (¬1) الباب بقوله: لا يطرق الرجل أهله ~~ليلا إذا أطال (ه) الغيبة مخافة أن يتخونهم أو يلتمس عثراتهم. وهذه الترجمة ~~هي لفظ الحديث الذي أورده في بعض طرقه، لكن اختلف في إدراج هذه الزيادة، ~~فاقتصر البخاري على اللفظ الذي وقع الاتفاق على رفعه، وأتى (و) ببقيته في ~~الترجمة. وقد جاء من رواية وكيع عن جابر قال: نهى رسول ms1517 الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يطرق الرجل أهله ليلا يتخونهم أو يطلب عثراتهم. وأخرجه مسلم ~~(¬2) عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأخرجه النسائي (¬3) من رواية أبي نعيم عن ~~سفيان كذلك، وأخرجه أبو عوانة (¬4) من وجه آخر عن سفيان PageV07P219 # كذلك، وأخرجه مسلم (¬1) من رواية عبد الرحمن بن مهدي عن سفيان به، لكن ~~قال في آخره: قال سفيان: لا أدري هذا في الحديث أم لا؟ يعني: أن يتخونهم أو ~~يطلب عثراتهم. ثم ساقه مسلم (¬2) من رواية شعبة مقتصرا (أ) على المرفوع ~~كرواية البخاري. والعثرة: هي الزلة. # وقوله: "تمتشط الشعثة". بفتح المعجمة وكسر العين المهملة ثم مثلثة، أطلق ~~عليها ذلك، لأن التي يغيب زوجها مظنة لعدم التزين. # وقوله: "وتستحد". بحاء مهملة؛ أي تستعمل الحديدة وهي الموسى. و "المغيبة" ~~بضم الميما وكسر المعجمة بعدها تحتانية ساكنة ثم موحدة مفتوحة، أي غاب عنها ~~زوجها، والمراد إزالة الشعر عنها. وعبر بالاستحداد، لأن الغالب استعماله في ~~إزالة الشعر، وليس في ذلك ما يدل على منع إزالته بغير الموسى، وهذا إنما هو ~~مع طول الغيبة التي هي مظنة الأمن من الهجوم على الحال التي يكره أن يجد ~~أهله على غير أهبة من التنطيف والتزين المطلوب من المرأة؛ فيكون ذلك سبب ~~النفرة بينهما، ويؤخذ منه كراهة مباشرة الرجل امرأته في الحال التي هي فيها ~~غير متنظفة. # وقوله: "إذا أطال (ب) أحدكم الغيبة". فيه دلالة على أن الذي لا يطيل ~~الغيبة؛ كأن يخرج لحاجته نهارا ويرجع ليلا لا كراهة له في ذلك. PageV07P220 # وقوله: "فلا يطرق أهله". قال أهل اللغة (¬1): الطروق بالضم المجيء بالليل ~~من سفر أو من غيره على غفلة، ويقال لكل آت بالليل: طارق. ولا يقال (أفي ~~النهار أ) إلا مجازا. وقال بعض أهل اللغة: أصل الطروق الدفع والضرب، وبذلك ~~سميت الطريق؛ لأن المارة تدقها بأرجلها، وسمي الآتي بالليل طارقا؛ لأنه ~~يحتاج غالبا إلى دق الباب. وقيل: أصل الطروق السكون، ومنه: أطرق رأسه. فلما ~~كان الليل يسكن فيه سمي الآتي طارقا. # وقوله: "ليلا". ظاهره النهي عن الطرق في ms1518 الليل، وأما وصول النهار مع عدم ~~شعور الأهل بذلك فلا كراهة، والحكم يختلف باختلاف علة النهي، فإن كان لأجل ~~ما تحتاج [إليه] (ب) المرأة من التزين والتنظيف، فهذا حاصل في الليل ~~والنهار، وإن كان لما أشار إليه في ترجمة البخاري: مخافة أن يتخونهم ويتطلب ~~(ج) عثراتهم. فيكون الليل جزءا من العلة، لأن الأمر الأغلبي فيما (د) يظن ~~من الريبة (ه) يكون في الليل ويندر في النهار، ويحتمل أن يكون ذلك معتبرا ~~في العلة على كلا التقديرين، فإن الغرض من التنظيف والتزين، إنما هو لتحصيل ~~إكمال الغرض من قضاء الشهوة، وذلك في الأغلب يكون في الليل، فالقادم في ~~النهار يتأتى لزوجته التنظيف والتزين PageV07P221 # لوقت المباشرة وهو الليل بخلاف القادم في الليل، وكذلك ما يخشى منه من ~~العثور على ما لا يرضاه من وجود أجنبي هو في الأغلب يكون في الليل. وقد ~~أخرج ابن خزيمة (¬1) عن ابن عمر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن تطرق النساء ليلا، فطرق رجلان كلاهما فوجد مع امرأته ~~ما يكره. وأخرج (¬2) من حديث ابن عباس نحوه وقال فيه: فكلاهما وجد مع ~~امرأته رجلا. ووقع في حديث محارب عن جابر أن عبد الله بن رواحة أتى امرأته ~~ليلا وعندها امرأة تمشطها، فظنها رجلا فأشار إليها بالسيف، فلما ذكر ذلك ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يطرق الرجل (أ) أهله ليلا. أخرجه أبو ~~عوانة (¬3) في "صحيحه". # ويؤخذ من الحديث الإغضاء عن تتبع عثرات الأهل ومحبة الستر مهما أمكن قبل ~~أن يطلع على ما لا (أ) يرضاه الشرع، والحث على التواد والتحاب خصوصا بين ~~الزوجين مع اطلاع كل منهما على ما جرت العادة بستره، حتى إن كل واحد منهما ~~لا يخفى عنه من عيوب الآخر شيء في (ب) الغالب، ومع ذلك فنهى عن الطروق لئلا ~~يطلع على ما ينفر نفسه عنه، فيكون مراعاة ذلك في غير الزوجين بطريق الأولى. PageV07P222 # ويدل على أن الاستحداد و (أ) نحوه مما تتزين به المرأة ليس داخلا في ms1519 ~~النهي عن تغيير الخلقة، والتحريض على ترك التعرض لما يوجب سوء الظن ~~بالمسلم. # 838 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن من شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة الرجل يفضي إلى ~~امرأته وتفضي إليه ثم ينشر [سرها] (ب) ". أخرجه مسلم (¬1). # قوله: "من شر الناس". لفظ مسلم: "أشر". وقعت به الرواية، قال القاضي ~~(¬2): وأهل النحو يقولون: لا يجوز أشر وأخير، وإنما يقال: هو خير منه، وشر ~~منه. قال: وقد جاءت الأحاديث الصحيحة باللغتين جميعا، وهي حجة في جوازهما ~~جميعا وأنهما لغتان. # والحديث يدل على تحريم إفشاء الرجل ما يجري بينه وبين امرأته من أمور ~~الاستمتاع، ووصف تفاصيل ذلك، وما يجري من المرأة فيه من قول أو فعل ونحوه، ~~وأما مجرد ذكر الجماع، فإن لم تكن فائدة ولا إليه حاجة فمكروه؛ لأنه خلاف ~~المروءة، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ~~فليقل PageV07P223 # خيرا أو ليصمت" (¬1). فإن كان إليه حاجة أو ترتبت (أ) عليه فائدة؛ بأن ~~تنكر عليه إعراضه عنها، أو تدعي عليه العجز عن الجماع، أو نحو ذلك، فلا ~~كراهة في ذكره، كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "إني لأفعله أنا وهذه" (¬2). # وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي طلحة: "أعرستم الليلة" (¬3). ~~وقال لجابر: "الكيس الكيس" (¬4). # 839 - وعن حكيم بن معاوية، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، ما حق زوج ~~أحدنا عليه؟ قال: "تطعمها إذا أكلت، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ~~ولا تقبح، ولا تهجر إلا في البيت". رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ~~ماجه، وعلق البخاري بعضه، وصححه ابن حبان والحاكم (¬5). PageV07P224 # هو حكيم بن معاوية بن حيدة، بفتح الحاء المهملة وسكون الياء المنقوطة ~~باثنتين من أسفل والدال المهملة، القشيري بضم القاف و [فتح] (أ) الشين ~~المعجمة وسكون الياء، أعرابي حسن الحديث، روى عن أبيه، وسمع منه ابنه بهز، ~~بفتح الباء الموحدة وسكون الها وبالزاي المعجمة، الجريري، بضم الجيم وفتح ~~الراء الأولى وسكون [الياء] (أ) ms1520 الأولى (¬1). # الحديث فيه دلالة على وجوب نفقة الزوجة وكسوتها، وأنه يجب بقدر الوسع، لا ~~يكلف فوق وسعه (ب)، وذلك لأنه قرن نفقتها بنفقة الزوج، فمتى قدر على تحصيل ~~النفقة، وجب عليه ألا يختص بها دون زوجته، ولعله مقيد بما زاد على قدر سد ~~خلته؛ لحديث: "ابدأ بنفسك" (¬2) وغيره. # وقوله: "ولا تضرب الوجه". يدل على أنه يجب في التأديب اجتناب الوجه. # وقوله: "ولا تقبح". أي: لا تسمعها المكروه، ولا تشتمها؛ بأن تقول: قبحك ~~الله. وما أشبهه من الكلام. # وقوله: "ولا تهجر إلا في البيت". المراد أنه إذا رابه منها أمر، PageV07P225 # واستفزه الغضب، وأراد التأديب لها بالهجر، فيهجرها في المضجع، ولا يتحول ~~عنها إلى دار أخرى، أو يحولها إليها، والله أعلم. # وقوله: وعلق البخاري بعضه. قال البخاري بعد أن بوب: باب هجرة النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - نساءه في غير بيوتهن: ويذكر عن معاوية بن حيدة يرفعه (أ): ~~"ولا تهجر إلا في البيت". والأول أصح. فقول البخاري: والأول أصح. يعني أن ~~إسناد رواية (ب) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هجر نساءه إلى المشربة ~~شهرا (¬1) - أصح إسنادا من حديث معاوية. # والمراد أن الهجران يجوز أن يكون في البيوت، وفي غير البيوت، والحق أن ~~ذلك يختلف باختلاف الأحوال؛ فربما كان الهجران في البيوت أشد من الهجران في ~~غيرها، وبالعكس، بل الغالب أن الهجران في غير البيوت آلم للنفوس وخصوصا ~~النساء؛ لضعف نفوسهن. واختلف أهل التفسير في المراد بالهجران؛ فالجمهور على ~~أنه ترك الدخول عليهن والإقامة عندهن، على ظاهر الآية. وهو من الهجران، ~~يعني البعد. وقيل: يضاجعها ويوليها ظهره. وقيل: يمتنع من جماعها. وقيل: ~~يجامعها ولا يكلمها. وقيل: من الهجر وهو الإغلاظ في الكلام. وقيل: من ~~الهجار، وهو الحبل الذي يربط به البعير، أي أوثقوهن في البيوت. قاله الطبري ~~واستدل له (ج)، ووهاه ابن العربي (¬2). PageV07P226 # 840 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: كانت اليهود تقول: إذا أتى ~~الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول. فنزلت: {نساؤكم حرث لكم} ~~(¬1) الآية. ms1521 متفق عليه، واللفظ لمسلم (¬2). # ولفظ البخاري: سمعت جابرا يقول: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها ~~جاء الولد أحول. فنزلت: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}. هذا لفظ ~~البخاري، وفيه احتمال أن يكون موافقا لما رواه ابن عمر (¬3)، إلا أن رواية ~~مسلم مفسرة له، فهي من طريق البخاري عن ابن المنكدر، وكذا أخرجه الإسماعيلي ~~من طريق يحيى بن أبي زائدة عن سفيان الثوري بلفظ: باركة مدبرة في فرجها من ~~ورائها (¬4). # وأخرجه مسلم من طريق أبي حازم عن ابن المنكدر بلفظ: إذا أتيت المرأة من ~~دبرها فحملت (¬5). فقوله: فحملت. يدل على أن مراده أن الإتيان في الفرج لا ~~في الدبر. # وأخرج مسلم أيضا من حديث جابر زيادة من طريق الزهري عن ابن المنكدر بلفظ: ~~إن شاء مجبية، وإن شاء غير مجبية، غير أن ذلك في صمام واحد (¬6). إلا أن ~~هذه الزيادة تشبه أن تكون من تفسير الزهري؛ بخلوها من PageV07P227 # رواية غيره من أصحاب ابن المنكدر، مع كثرتهم. # والمجبية بجيم وموحدة، أي: باركة، والصمام بكسر المهملة وتخفيف الميم هو ~~المنفذ. # واعلم أنه اختلفت الروايات في سبب نزول الآية الكريمة على أربعة أقوال؛ ~~فالقول الأول كما ذكره المصنف من رواية "الصحيحين"، أنه في إتيان المرأة من ~~ورائها في قبلها، وهذا المعنى خرجه جماعة من المحدثين عن جابر وغيره، ~~واجتمع فيه ستة وثلاثون طريقا، وفي بعضها التصريح بأنه لا يحل إلا في ~~القبل، وبعضها غير مصرح بذلك، وفي أكثرها الرد على اعتراض اليهود. القول ~~الثاني، أنها [أنزلت] (أ) في إتيان دبر الزوجة وحله. وأخرج عن ابن عمر في ~~سبب نزول الآية في ذلك من اثني عشر طريقا. القول الثالث، أنها نزلت في حل ~~العزل عن الزوجة. وقد أخرجه وكيع، وابن أبي شيبة، وابن منيع، وعبد بن حميد، ~~وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم، وابن مردويه، ~~والضياء في "المختارة" عن ابن عباس (¬1). وأخرج وكيع وابن أبي شيبة (¬2) عن ~~أبي ذراع عن ابن عمر قال: قول الله تعالى: {فأتوا حرثكم أنى شئتم}. ms1522 قال: إن ~~شاء عزل، وإن PageV07P228 # شاء غير العزل. وأخرجه ابن أبي شيبة وابن جرير (¬1) عن سعيد بن المسيب في ~~قول الله تعالى: {نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم}. قال: إن شئت ~~فاعزل، وإن شئت فلا تعزل. القول الرابع: أن: {أنى شئتم}. بمعنى: إذا شئتم. ~~أخرجه عبد بن حميد (¬2) عن ابن الحنفية في قوله: {فأتوا حرثكم أنى شئتم}. ~~قال: إذا شئتم. # 841 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا ~~الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا. فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره ~~الشيطان أبدا". متفق عليه. هذا لفظ مسلم (¬3). # قوله: "إذا أراد". فيه دلالة على (أ) أن الذكر يكون قبل الشروع، وهذه ~~الرواية مفسرة لغيرها من الروايات كرواية البخاري: "أما لو أن أحدهم يقول ~~حين يأتي أهله".التي ظاهرها أن الذكر حال المباشرة، فيحمل هذا على المجاز، ~~وهو أن الذكر قريب من وقت الفعل، حتى كأنه [متحد به] (ب). # وقوله: "باسم الله، اللهم جنبنا". وجاء في لفظ البخاري: "ذكر PageV07P229 # الله ثم قال: اللهم جنبني". ولكن المصرح فيه ب: "باسم الله". تكون مفسرة ~~للذكر، وصيغة المثنى تحتمل أن يريد المتكلم نفسه وزوجه، أو لقصد التعظيم، ~~وجاء في رواية الطبراني (¬1) عن أبي أمامة: "جنبني وجنب ما رزقتني من ~~الشيطان الرجيم". # وقوله: "فإنه إن يقدر بينهما". في رواية البخاري: "ثم قدر بينهما ولد أو ~~قضي ولد". كذا بالشك. وفي رواية الكشميهني (¬2): "ثم قدر بينهما في ذلك". ~~أي الحال، "ولد". وفي رواية سفيان بن عيينة (¬3): "فإن قضى الله بينهما ~~ولدا". ومثله في رواية إسرائيل (¬4)، وفي رواية شعبة (¬5): "فإن كان بينهما ~~ولد". ولمسلم من طريقه (¬6): "فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك". وفي رواية ~~جرير (¬7): "ثم قدر أن يكون". وفي رواية همام (¬8): "فرزقا ولدا". # وقوله: "لم يضره الشيطان أبدا". وجاء في رواية لمسلم وأحمد (¬9): PageV07P230 # "لم يسلط عليه الشيطان - (أأو: لم يضره الشيطان- "أ). [وفي] (ب) رواية: ms1523 ~~"لم يضره شيطان". وفي سائر ألفاظ البخاري بالتعريف، واللام للعهد الجاري ~~(ج) لسبق ذكره في الدعاء. وفي لفظ لأحمد (¬1): "لم يضر ذلك الولد الشيطان ~~أبدا". وفي مرسل الحسن عند عبد الرزاق (¬2): "إذا أتى الرجل أهله فليقل: ~~باسم الله، اللهم بارك لنا فيما رزقتنا، ولا تجعل للشيطان نصيبا فيما ~~رزقتنا". فكان يرجى إن حملت أن يكون ولدا صالحا. # قال القاضي عياض: نفي الضرر على جهة العموم في جميع أنواع الضرر غير ~~مراد، وإن كان الظاهر العموم في جميع الأحوال من صيغة النفي مع التأبيد؛ ~~وذلك لما ثبت في الحديث الصحيح أن كل بني آدم يطعن الشيطان في بطنه حين ~~يولد، إلا مريم وابنها (¬3)، فإن في هذا الطعن نوع ضرر في الجملة مع أن ذلك ~~سبب صراخه، فاختلف العلماء في الضرر المنفي؛ فقيل: المعنى لم يسلط عليه من ~~أجل تركه التسمية، بل يكون من جملة العباد الذين قيل فيهم: {إن عبادي ليس ~~لك عليهم سلطان} (¬4). ويؤيده PageV07P231 # مرسل الحسن المذكور. وقيل: المراد لم يطعن في بطنه. وهو بعيد؛ لمنابذته ~~ظاهر الحديث الصحيح المذكور، وليس تخصيصه بأولى من تخصيص هذا. وقيل: المراد ~~لم يصرعه. وقيل: لي يضره في بدنه. وقال ابن دقيق العيد: يحتمل ألا يضره في ~~دينه أيضا، ولكن يلزم منه العصمة، وليست إلا للأنبياء، ولكنه قد يقال: إن ~~العصمة في حق من ذكر على جهة الوجوب. وفي حق من دعي لأجله بهذا [الدعاء] ~~(أ) على جهة الجواز، فلا ممانع أن يوجد من لا يصدر منه معصية عمدا، وإن لم ~~يكن ذلك واجبا له. وقال الداودي: معنى: "لم يضره". أي لم يفتنه عن دينه إلى ~~الكفر، وليس المراد عصمته منه عن المعصية. وقيل: لم يضره بمشاركة أبيه في ~~جماع أمه، كما جاء عن مجاهد: إن الذي يجامع ولا يسمي؛ يلتف الشيطان [على] ~~(ب) إحليله فيجامع معه (¬1). ولعل هذا أقرب الأجوبة، ويؤيد الحمل على ~~الأول، [بأن] (ج) الكثير ممن يعرف هذا الفضل العظيم يذهل عنه عند إرادة ~~المواقعة، والقليل الذي يستحضره ويفعله لا يقع ms1524 معه الحمل، فإذا كان ذلك ~~نادرا لم يبعد. # وفي الحديث من الفوائد أيضا استحباب التسمية والمحافظة على ذلك PageV07P232 # حتى في حالة الملاذ كالوقاع. وفيه الاعتصام بذكر الله ودعائه من الشيطان، ~~والتبرك باسمه، و [الاستعاذة] (أ) به من جميع الأسواء. وفيه [الاستشعار] ~~(ب) بأنه الميسر لذلك العمل والمعين عليه. وفيه إشارة إلى أن الشيطان ملازم ~~لابن آدم لا ينصرف عنه إلا إذا ذكر الله. وفيه رد على من منع المحدث من ذكر ~~الله. إلا أن رواية: "إذا أراد". تبعد ذلك، إلا أنه يقال: إنه عند إرادة ~~الوطء يتقدمه مسيس وغير ذلك مما ينقض الوضوء؛ كما ذلك معروف من الخلقة ~~الحيوانية، والله أعلم. # 842 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه (ج عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ج) ~~قال: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء لعنتها الملائكة حتى ~~تصبح". متفق عليه، واللفظ للبخاري (¬1). ولمسلم (¬2): "كان الذي في السماء ~~ساخطا عليها، حتى يرضى عنها". # قوله: "إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه".المراد بالفراش الجماع، كناية ~~عنه، كما في قوله: "الولد للفراش" (¬3). لمن يطأ في الفراش، والكناية PageV07P233 # عن الأشياء التي يستحيا منها كثير في القرآن والسنة. وظاهر الحديث أن ~~استحقاقها للعن إذا كان ذلك في الليل؛ لقوله: "حتى تصبح". وكأن السر في ذلك ~~تأكد الداعي في الليل وقوة الباعث عليه، ولا يلزم من المفهوم حل الامتناع ~~في النهار؛ لأن التقييد [لأجل] (أ) الحالة [الأغلبية] (ب) وندرة ذلك في ~~النهار. # وفي حديث مسلم عدم التقييد بذلك، وكذلك في حديث جابر، أخرجه ابن خزيمة ~~وابن حبان مرفوعا: "ثلاثة لا تقبل لهم صلاة ولا تصعد لهم إلى السماء حسنة؛ ~~العبد الآبق حتى يرجع، والسكران حتى يصحو، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى ~~يرضى" (¬1). فهذا مطلق [يتناول] (ج) الليل والنهار. # وقوله: "فأبت أن تجيء". زاد البخاري من رواية أبي عوانة عن الأعمش في بدء ~~الخلق: "فبات غضبان عليها" (¬2). وهذه الزيادة يتجه وقوع اللعن لأجلها؛ ~~لأنها حينئذ يتحقق ثبوت معصيتها، بخلاف ما إذا لم يغضب من ذلك، فإنه ms1525 يكون ~~إما لأنه عذرها، وإما لأنه ترك حقه من ذلك. PageV07P234 # وفي الرواية الأخرى للبخاري: "إذا باتت المرأة مهاجرة" (¬1). ظاهره ~~المفاعلة من الجانبين، والظاهر أنه ليس شرطا في (أ) ذلك، وأن المراد إذا ~~هجرت وهي ظالمة له؛ بأن تكون هي البادئة بالهجرة، فهجرها غضبا منها، أو ~~هجرته هي من دون أن يحصل منه هجر، وأما لو بدأها بالهجرة ظالما لها فلا. ~~ووقع في رواية لمسلم: "إذا باتت هاجرة". بلفظ اسم الفاعل. # وقوله: "لعنتها الملائكة". فيه دلالة على أن منع الحقوق في الأبدان كانت ~~أو في الأموال مما يوجب سخط الله تعالى، إلا أن يتغمدها بعفوه، وأنه يجوز ~~لعن العاصي المسلم إذا كان على وجه الإرهاب عليه؛ لئلا يواقع المعصية، فإذا ~~واقع المعصية دعي له بالتوبة والهداية. كذا قال المهلب. قال المصنف (¬2) ~~رحمه الله: ليس هذا التقييد مستفادا من الحديث، بل من أدلة أخرى. ثم قال: ~~[والحق أن] (ب) من منع اللعن أراد به معناه اللغوي، وهو الإبعاد من الرحمة، ~~وهذا لا يليق أن يدعى به على المسلم، بل يطلب له الهداية والتوبة والرجوع ~~عن المعصية. والذي أجازه أراد به معناه العرفي، وهو مطلق السب، ولا يخفى أن ~~محله إذا كان بحيث يرتدع العاصي به وينزجر، ولعن الملائكة لا يلزم منه جواز ~~اللعن منا، فإن التكليف يختلف. انتهى. # ويفهم منه أن الملائكة تدعو على أهل المعاصي ما داموا فيها، وذلك يدل PageV07P235 # على أنهم يدعون لأهل الطاعة ما داموا فيها؛ كما قال تعالى: {ويستغفرون ~~للذين آمنوا} (¬1) الآية. والمراد (أبالملائكة هنا أ) هم الحفظة أو غيرهم، ~~ذلك محتمل، يرشد إلى التعميم ما في رواية مسلم: "كان الذي في السماء". إذا ~~أريد به سكانها من الملائكة، ويدل على استجابة دعاء الملائكة من خير أو شر؛ ~~ولذلك خوف منه - صلى الله عليه وسلم -. وعلى أن الزوجة تساعد الزوج، وتطلب ~~مرضاته، وأن صبر الرجل على ترك الجماع أقل من صبر المرأة، وأن منع ذلك منه ~~مع وجود داعيه مشوش على الرجل، ولأن ذلك سبب التناسل المقصود من ms1526 النكاح. ~~قال ابن أبي جمرة: وفيه إشارة إلى ملازمة طاعة الله، والصبر على عبادته ~~جزاء على مراعاته لعبده، حيث لم يترك شيئا من حقوقه إلا جعل له من يقوم به، ~~حتى جعل ملائكته تلعن من أغضب عبده بمنع شهوة من شهواته، فعلى العبد أن ~~يوفي حقوق ربه التي طلبها منه، وإلا فما أقبح الجفاء من الفقير المحتاج إلى ~~الغني الكثير الإحسان! # وقوله: "حتى تصبح". جاء في الرواية الأخرى في البخاري (¬2): "حتى ترجع". ~~وهي أكثر فائدة، والأولى محمولة على الغالب كما تقدم، و (ب) في رواية ~~الطبراني: "وامرأة عصت زوجها حتى ترجع". وصححه الحاكم (¬3). ومعنى الحديث ~~أن اللعنة تستمر عليها حتى تزول المعصية بطلوع PageV07P236 # الفجر والاستغناء [عنها] (أ)، أو بتوبتها ورجوعها إلى الفراش، والله أعلم. # 843 - وعن ابن عمر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن ~~الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة. متفق عليه (¬1). # الواصلة هي التي تصل الشعر بشعر آخر، سواء كانت فاعلة ذلك لنفسها أو ~~لغيرها. والمستوصلة هي التي تطلب فعل ذلك، ويفعل لها. ويقال لها: [موصلة] ~~(ب). والحديث يدل على تحريم الوصل، ولعن الواصلة و [المستوصلة] (ج) مطلقا؛ ~~سواء كانت مزوجة أو غير مزوجة، وسواء كانت من ذوات الريب أم لا. وسواء كان ~~شعرا لمحرم أو غيره، وسواء كان من شعر آدمي أو غيره. وقد ذهب إلى هذا ~~الجمهور. والهدوية منعت الوصل بشعر غير المحرم [من] (د) بني آدم، وصرح به ~~الفقيه محمد بن يحيى؛ لأنه يتعلق بالنظر إليه التحريم بعد انفصاله. وقال ~~الفقيه يحيى: إنه يجوز الوصل (ه)، لأنه بعد انفصاله لا يتعلق به التحريم. ~~وقد روي مثل هذا عن عائشة (¬2)، وتأولت الحديث [بأن الواصلة] (و) التي تفجر ~~في نفسها، ثم تصل ذلك PageV07P237 # [بالقيادة] (أ). وهي رواية ضعيفة، والصحيح عنها مثل كلام الجمهور. وقول ~~الهدوية منابذ للحديث. # وقال الإمام يحيى: إن ذلك لا يحرم إلا على ذوات الريبة. وهو أيضا منابذ ~~للأحاديث المصرحة، كما في رواية عائشة: أن جارية من الأنصار تزوجت، وأنها ~~مرضت فتمعط شعرها، ms1527 فأرادوا أن يصلوها، فسألوا النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: "لعن الله الواصلة والمستوصلة". أخرجه البخاري (¬1). فهذا صريح أن ~~ذلك ليس للريبة. قال النووي (¬2): قد فصل أصحابنا فقالوا: إن وصلت شعرها ~~بشعر آدمي، فهو حرام بلا خلاف سواء كان رجلا أو امرأة، [و] (ب) سواء شعر ~~المحرم والزوج وغيرهما؛ لعموم الأحاديث، و [لأنه] (ج) يحرم الانتفاع بشعر ~~الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل (د يدفن شعره د) وظفره وسائر أجزائه، وإن ~~وصلته بشعر غير آدمي؛ فإن كان شعرا نجسا، وهو شعر الميتة وشعر ما لا يؤكل ~~إذا انفصل في حياته، فهو حرام أيضا؛ للحديث، ولأنه حمل نجاسة في صلاته ~~وغيرها عمدا، وسواء في هذين النوعين المزوجة وغيرها من النساء والرجال. ~~وأما الشعر الطاهر من غير الآدمي، فإن لم يكن لها زوج أو سيد فهو حرام ~~أيضا، وإن كان فثلاثة أوجه؟ أحدها، لا يجوز لظاهر الأحاديث. والثاني، لا ~~يحرم. وأصحها (ه) عندهم إن فعلته بإذن PageV07P238 # الزوج أو السيد جاز، وإلا فهو حرام. قالوا: وأما تحمير الوجه والخضاب ~~والسواد، وتطريف (¬1) الأصابع، فإن لم يكن لها زوج ولا سيد، أو كان وفعلته ~~بغير إذنه فحرام. وإن أذن جاز على الصحيح. هذا تلخيص كلام أصحابنا. وقال ~~القاضي عياض: اختلف العلماء في المسألة؛ فقال مالك والطبري وكثيرون أو ~~الأكثرون: الوصل ممنوع بكل شيء [سواء] (أ) وصلته بشعر أو صوف أو خرق. ~~واحتجوا بحديث جابر، أخرجه مسلم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زجر أن ~~تصل المرأة برأسها شيئا (¬2). قال الليث بن سعد: النهي مختص بالوصل بالشعر، ~~ولا بأس بوصله بصوف وخرق وغير ذلك. وقال بعضهم: يجوز جميع ذلك. وهو مروي عن ~~عائشة (¬3)، ولا يصح عنها (ج). قال القاضي رحمه الله: فأما ربط خيوط الحرير ~~الملونة ونحوها مما لا يشبه الشعر فليس بمنهي عنه؛ لأنه ليس بوصل ولا بمعنى ~~مقصود من الوصل، وإنما هو للتجمل والتحسين. انتهى. والمعنى المناسب هو ما ~~في ذلك من الخداع للزوج، فما كان لونه مغايرا للون الشعر لا خداع فيه، ولا ~~يرد ms1528 جواز ذلك [بإذن الزوج] (ج)؛ لأنه مظنة للخداع، فإنه قد يطلع على ذلك من ~~يصفه لغير الزوج، فتخرج من عقدة ذلك الزوج، ويتزوجها ذلك الموصوف له. ~~فالخداع حاصل. PageV07P239 # وقوله: "والواشمة والمستوشمة". الواشمة بالشين المعجمة فاعلة الوشم، وهي ~~أن تغرز إبرة أو مسلة ونحوهما في ظهر الكف [أو] (أ) المعصم [أو] (أ) الشفة، ~~وغير ذلك من بدن المرأة حتى يسيل الدم وتحشو ذلك الموضع بالكحل أو النورة ~~فيخضر. وقد يفعل ذلك بدارات ونقوش وقد يكثر وقد يقلل، وفاعلته واشمة، وقد ~~وشمت تشم وشما، والمفعول بها موشومة، فإن طلبت فعل ذلك من غيرها فهي ~~مستوشمة. # والحديث يدل على تحريمه على الفاعلة والمفعول بها (ب باختيارها، ويدل ب) ~~على تحريم هذا اللعن، ولا يكون اللعن إلا على فعل محرم. بل قال القاضي ~~عياض: إن هذه المذكورات من الكبائر للعن فاعله. وخلاف الإمام يحيى يأتي في ~~هذا، والحديث في غير (ج) رواية ابن عمر منبه على العلة، وهي تغيير خلق ~~الله، فهو يدفع ما فصل به الإمام يحيى. وموضع الوشم يحكم بطهارته عند من ~~قال: الاستحالة مطهرة؛ لأن الدم استحال وصار جلدا. وأما عند الشافعية فهو ~~نجس. قال النووي (¬1): فإن أمكن إزالته بالعلاج وجب إزالته، وإن لم يكن إلا ~~بالجرح؛ فإن خاف منه التلف أو [فوات] (د) عضو أو شينا فاحشا في عضو ظاهر لم ~~تجب إزالته، وإذا تاب لم يبق عليه إثم، وإن لم PageV07P240 # يخف شينا من ذلك ونحوه لزمه إزالته، ويعصي في تأخيره، وسواء في هذا الرجل ~~والمرأة. انتهى. # 844 - وعن جدامة بنت وهب رضي الله عنها قالت: حضرت (أ) رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في أناس وهو يقول: "لقد هممت أن أنهى عن الغيلة، فنظرت في ~~الروم وفارس فإذا هم يغيلون أولادهم، فلا يضر ذلك أولادهم شيئا". ثم سألوه ~~عن العزل، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ذلك الوأد الخفي ". ~~رواه مسلم (¬1). # هي جدامة بضم الجيم وبالدال المهملة -ويروى بالذال المعجمة أيضا، وقال ~~الدارقطني (¬2): هو تصحيف- بنت وهب الأسدية، أخت ms1529 عكاشة بن محصن. وقال ~~الطبري (¬3): هي جدامة بنت جندل، هاجرت. قال: والمحدثون قالوا فيها: جدامة ~~(ج) بنت وهب الأسدية، أخت عكاشة بن محصن الأسدي المشهور، وتكون أخته من ~~أمه، ويكون وهب غير أبي عكاشة. أسلمت بمكة وبايعت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وهاجرت مع قومها، وكانت تحت أنيس بن قتادة، تصغير أنس، من بني عمرو ~~بن عوف، روت عنها عائشة رضي الله عنها (¬4). PageV07P241 # قوله: "أن أنهى عن الغيلة". قال أهل اللغة: الغيلة هنا بكسر الغين، ويقال ~~لها: الغيل بفتح الغين مع فتح الياء، والغيال بكسر الغين، كما ذكره مسلم ~~(¬1) في رواية (أ). وقال جماعة من أهل اللغة: بالفتح المرة الواحدة، ~~وبالكسر الاسم من الغيل. وقيل: إن أريد بها وطء المرضع يجوز بالكسر والفتح. ~~واختلف العلماء ما المراد بها في هذا الحديث؛ فقال مالك في "الموطأ" (¬2)، ~~والأصمعي وغيره (¬3) من أهل اللغة: هي أن يجامع امرأته وهي مرضع، يقال منه: ~~أغال الرجل وأغيل، إذا فعل ذلك. قال ابن السكيت (¬4) رحمه الله: هي أن ترضع ~~المرأة وهي حامل، يقال منه: غالت وأغيلت. فكأن المنهي عنه في الحديث ما ~~يؤدي إلى ذلك وهو الوطء، فإنه يؤدي إلى الحبل الذي يحصل به ضرر الولد. وسبب ~~همه بالنهي أنه يخاف منه ضرر الولد الرضيع، والأطباء يقولون: إن ذلك اللبن ~~داء. والعرب تكرهه وتتقيه، ولكن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد ذلك الهم ~~وبين عدم الضرر الذي تزعمه العرب والأطباء بأن فارس والروم تفعل ذلك ولا ~~ضرر يحدث مع الأولاد. ويكون الهم أولا من باب الاجتهاد منه - صلى الله عليه ~~وسلم -، فيدل على جواز الاجتهاد، وبه قال جمهور أهل الأصول. # وقوله: "فإذا هم يغيلون". هو بضم الياء؛ لأنه من أغال يغيل. PageV07P242 # وقوله: ثم سألوه عن العزل. هو أن ينزع بعد الإيلاج لينزل خارج الفرج. وهو ~~يفعل لأحد أمرين؛ أما في حق (أ) الأمة فلكراهة مجيء الولد من الأمة؛ إما ~~أنفة من ذلك، وإما (ب لئلا يتعذر ب) بيع الأمة إذا صارت أم ولد، أو لغير ~~ذلك. وأما ms1530 في حق الحرة؛ فإنه يكون إما لأجل خشية إضرار الرضيع، أو كراهة ~~لحصول الولد. # وقوله: "الوأد الخفي". الوأد دفن البنت وهي حية. وكانت العرب تفعله خشية ~~الإملاق، وقد تفعله خشية العار. والحديث يدل على تحريم العزل، فإنه شبهه ~~بالوأد وهو محرم. وقد اختلف السلف في حكم العزل؛ فقال ابن عبد البر (¬1): ~~لا خلاف بين العلماء أنه لا يعزل عن الزوجة الحرة إلا بإذنها؛ لأن الجماع ~~من حقها ولها المطالبة به، وليس الجماع المعروف إلا ما لا يلحقه عزل. ~~ووافقه في نقل الإجماع ابن هبيرة (¬2)، وتعقب بأن المعروف عند الشافعية أن ~~المرأة لا حق لها في الجماع أصلا. والهدوية توافق في ذلك إلا المؤلى منها ~~والمظاهرة، ثم في خصوص هذه المسألة عند الشافعية خلاف مشهور في جواز العزل ~~عن الحرة بغير إذنها. قال الغزالي (¬3) وغيره: يجوز. وهو المصحح عند ~~المتأخرين، واحتج الجمهور لذلك بحديث عن عمر أخرجه أحمد وابن ماجه (¬4) ~~بلفظ: نهى عن العزل عن الحرة إلا بإذنها. وفي PageV07P243 # إسناده ابن لهيعة (¬1). والوجه الآخر للشافعية، الجزم بالمنع إذا امتنعت. ~~وفيما إذا رضيت وجهان؛ أصحهما الجواز. # وأما الأمة فإن كانت زوجة فهي مرتبة على الحرة، [إن] (أ) جاز فيها ففي ~~الأمة أولى، وإن امتنع فوجهان؛ أصحهما الجواز تحرزا من إرقاق الولد. وإن ~~كانت سرية جاز بلا خلاف إلا في وجه حكاه الروياني في المنع مطلقا، كمذهب ~~ابن حزم، وإن كانت السرية مستولدة، فالراجح الجواز فيها مطلقا (ب)؛ لأنها ~~ليست راسخة في الفراش. وقيل: حكمها حكم الأمة المزوجة. و (ج) الأمة المزوجة ~~عند المالكية تحتاج إلى إذن سيدها، وهو قول أبي حنيفة والراجح عن أحمد. ~~وقال أبو يوسف ومحمد: الإذن لها. وهي رواية عن أحمد، وعنه: بإذنها وإذن ~~سيدها. وعنه: يباح العزل مطلقا. ودليل من قال بالتفصيل ما أخرجه عبد الرزاق ~~(¬2) بسند صحيح عن ابن عباس قال: تستأمر الحرة في العزل، ولا تستأمر الأمة ~~السرية، فإن كانت أمة تحت حر فعليه أن يستأمرها. وهو موقوف، ولو كان مرفوعا ~~كان متعين العمل به؛ لكونه ms1531 نصا في المسألة. قال ابن العربي (¬3): يبعد ~~القول بمنع العزل عند من يقول: إنه لا حق للزوجة في الوطء. وعن الشافعي ~~وأبي حنيفة: لها حق في وطأة واحدة يستقر بها المهر. قال: فإذا كان الأمر ~~كذلك، فكيف لها حق PageV07P244 # في العزل؟ فإن خصوه (أ) بالوطأة الأولى فيستقيم. وعن مالك: أن لها حق ~~مطالبته إذا قصد بتركه إضرارها. انتهى. وما نقله عن الشافعي غريب، والمعروف ~~عند أصحابة أن لا حق لها أصلا. وجزم ابن حزم بوجوب الوطء وتحريم العزل، ~~واحتج بحديث جدامة هذا. وأجاب الجمهور بأن حديث جدامة معارض بحديثين؛ ~~أحدهما أخرجه النسائي والترمذي (¬1) وصححه من طريق معمر عن جابر، قال: كانت ~~لنا جوار وكنا نعزل، فقالت اليهود: إن تلك الموءودة الصغرى. فسئل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: "كذبت اليهود، لو أراد الله خلقه لم ~~تستطع رده". وأخرجه النسائي (¬2) من طريق هشام و [علي] (ب) بن المبارك ~~وغيرهما، عن أبي سعيد نحوه. ومن طريق أبي عامر (ج) عن أبي هريرة نحوه. ومن ~~طريق سليمان الأحول أنه سمع عمرو بن دينار يسأل أبا سلمة بن عبد الرحمن عن ~~العزل فقال: زعم أبو سعيد. فذكر نحوه. قال: فسألت أبا سلمة: أسمعته من أبي ~~سعيد؟ قال: لا، ولكن أخبرني رجل عنه. والحديث الثاني في النسائي من وجه ~~آخر، عن محمد بن عمر، وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة. وهذه طرق يقوى بعضها (د) PageV07P245 # ببعض، وجمع البيهقي (¬1) بينهما بأن حديث جدامة محمول على التنزيه، وهذا ~~أولى من تضعيف حديث جدامة كما ذهب إليه البعض، قال: لأنه معارض بما هو أكثر ~~طرقا، مع أنه قد صرح بتكذيب اليهود، فكيف يثبته! فهذا دفع للحديث الصحيح ~~الثابت في "الصحيح" بالتوهم. وبعضهم ادعى أنه منسوخ، ويرد عليه بأن ذلك ~~يستقيم إذا عرف التاريخ، ولم يعرف. وقال الطحاوي (¬2): يحتمل أن حديث جدامة ~~قاله - صلى الله عليه وسلم - موافقة لأهل الكتاب قبل أن ينزل عليه فيه، ثم ~~أعلمه الله بالحكم، وهو كان يحب موافقة أهل الكتاب فيما ms1532 لم ينزل عليه فيه ~~وحي. وتعقبه ابن رشد ثم ابن العربي (¬3) بأنه لا يجزم بشيء تبعا لليهود ثم ~~يصرح بتكذيبهم فيه. ومنهم من ضعف معارض حديث جدامة للاختلاف في إسناده، وقد ~~عرفت طرقه و [تقوية] (أ) بعضها لبعض، والجمع ممكن. ورجح ابن حزم (¬4) حديث ~~جدامة بأن حديث غيرها موافق لأصل الإباحة، وحديثها مانع، فمن ادعى أنه أبيح ~~بعد المنع فعليه البيان، وأجيب بأن حديثها ليس صريحا في المنع، ولا يلزم من ~~تسميته وأدا خفيا التحريم، وبعضهم خصه بالعزل عن الحامل؟ لأن المني يغذوه، ~~فقد يؤدي العزل إلى موته، أو إلى ضعفه المفضي إلى موته، فيكون وأدا خفيا. ~~وجمعوا أيضا بين تكذيب اليهود في قولهم: الموءودة الصغرى. وبين PageV07P246 # إثبات كونه وأدا خفيا، بأن قولهم: الموءودة الصغرى. يقتضي أنه وأد ظاهر، ~~لكنه صغير بالنسبة إلى دفن المولود بعد وضعه حيا. وقوله: "الوأد الخفي". ~~أنه ليس في حكم الظاهر أصلا فلا يترتب عليه حكمه، فالتكذيب لا يعارضه هذا ~~الحديث، وشبهه بالوأد اشتراكهما في قطع حياة، فالوأد قطع حياة محققة، وهذا ~~إنما قطع ما قد يؤدي إلى الحياة. وقال ابن القيم (¬1): إنما كذبت اليهود ~~لأن في زعمهم أن العزل لا يتصور معه الحمل أصلا، فأكذبهم وأخبر أنه إذا شاء ~~الله خلقه لم يمنع منه العزل، وإذا لم يرد خلقه لم يكن وأدا حقيقة، ولكنه ~~سماه وأدا لما تعلق به من قصد منع الحمل. # واختلف العلماء في علة النهي عن العزل؛ فقيل: لتفويت حق المرأة. # وقيل: لمعاندة [القدر] (أ). وهذا الثاني هو الذي تقتضيه معظم الأخبار ~~الواردة في ذلك، وهو مبني على عدم التفرقة بين الحرة والأمة. وقال إمام ~~الحرمين (¬2): موضع المنع أن ينزع لقصد الإنزال خارج الفرج خشية العلوق، ~~ومتى فقد ذلك لم يمنع. وكأنه راعى سببي المنع، فإذا فقدا بقي أصل الإباحة، ~~فله أن ينزع متى شاء. ويتفرع عن حكم العزل حكم معالجة المرأة إسقاط النطفة ~~قبل نفخ الروح؛ فمن قال بالمنع هناك ففي هذه أولى، ومن قال بالجواز يمكن أن ~~يلتحق (ب) ms1533 به هذا، ويمكن أن يفرق بأنه أشد؛ لأن العزل لم يقع فيه تعاطي ~~السبب، ومعالجة السقط يقع بعد تعاطي PageV07P247 # السبب. ويلتحق بهذه المسألة تعاطي المرأة ما يقطع الحبل من أصله، وقد ~~أفتى بعض متأخري الشافعية بالمنع، وهو مشكل على قولهم بإباحة العزل مطلقا، ~~والله أعلم. # 845 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله، إن ~~لي جارية وأنا أعزل عنها، وأنا أكره أن تحمل، وأنا أريد ما يريد الرجال، ~~وإن اليهود تحدث أن العزل الموءودة الصغرى. قال: "كذبت يهود، لو أراد الله ~~أن يخلقه ما استطعت أن تصرفه". رواه أحمد (أأبو داود أ) واللفظ له والنسائي ~~والطحاوي (¬1) ورجاله ثقات. # الحديث تقدم الكلام عليه. # و (ب) قوله: "لو أراد الله أن يخلقه" إلخ. معناه أن النفس التي قدر الله ~~خلقها لا بد من خلقها، وإن سبقكم الماء فلا تقدرون على دفعه، ولا ينفعكم ~~الحرص على ذلك، فقد يسبق الماء من غير شعور من العازل، لا راد لما قضى ~~الله. وقد أخرج أحمد والبزار وصححه ابن حبان (¬2) من حديث أنس، أن رجلا سأل ~~عن العزل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لو أن الماء الذي يكون PageV07P248 # منه الولد أهرقته على صخرة لأخرج الله منها ولدا". وله شاهدان في ~~"الكبير" للطبراني (¬1) عن ابن عباس، وفي "الأوسط" له عن ابن مسعود (¬2). # 846 - وعن جابر رضي الله عنه قال: كنا نعزل على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - والقرآن ينزل، لو كان [شيئا] (أ) ينهى عنه لنهانا عنه القرآن. ~~متفق عليه (¬3). ولمسلم (¬4): فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم ~~ينهنا عنه. # قوله: كنا نعزل. بنون جمع المتكلم والبناء للفاعل، ووقع في رواية ~~الكشميهني (¬5): كان يعزل. بضم أوله وفتح الزاي على البناء للمفعول. # وقوله: على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. جاء في رواية ابن ~~عيينة حدثنا بذكرها، وفي أخرى (ب) له ب (عن) بحذفها. # وقوله: لو كان شيئا. إلخ. هذه الزيادة لم يذكرها البخاري، ورواها مسلم ~~(¬6)، عن ms1534 إسحاق بن راهويه، عن سفيان. فساقه بلفظ: كنا نعزل PageV07P249 # والقرآن ينزل. قال سفيان: لو كان شيئا ينهى عنه لنهانا عنه القرآن. فهذا ~~ظاهر في أن سفيان قاله استنباطا. فالمصنف هنا تبع ما فعله صاحب "العمدة" ~~(¬1) ومن تبعه من جعل الزيادة من جملة الحديث، وليس الأمر كذلك. وقال ~~المصنف رحمه الله في "فتح الباري" (¬2): تتبعت المسانيد فوجدت أكثر رواته ~~عن سفيان لا يذكرون هذه الزيادة، وبنى ابن دقيق العيد في "شرح العمدة" (1)، ~~على أن ذلك من الحديث فشرحه وقال: استدلال جابر بالتقرير من الله غريب، ~~ويمكن أن يكون استدل بتقرير الرسول - صلى الله عليه وسلم -، لكنه مشروط ~~بعلمه بذلك. انتهى. لكنه يكفي في علمه به قول الصحابي أنه فعله في عهده. ~~والمسألة مشهورة في الأصول وفي علم الحديث، وهي أن الصحابي إذا أضافه إلى ~~زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان له حكم الرفع عند الأكثر؛ لأن الظاهر ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اطلع على ذلك وأقره لتوفر دواعيهم على ~~سؤالهم إياه عن الأحكام. وإذا لم يضفه فله حكم الرفع أيضا عند قوم. وهذا من ~~الأول. وأن جابرا صرح بوقوعه في عهده - صلى الله عليه وسلم -، وقد ورد عدة ~~طرق تصرح باطلاعه على ذلك، والذي يظهر لي أن الذي استنبط ذلك سواء كان هو ~~جابرا أو سفيان أراد بنزول القرآن ما هو (أ) أعم من [المتعبد] (ب) بتلاوته ~~أو غيره مما يوحى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فكأنه يقول: فعلناه PageV07P250 # في زمن التشريع، ولو كان حراما لم نقر عليه. وإلى ذلك يشير قول ابن عمر: ~~كنا نتقي الكلام والانبساط إلى نسائنا هيبة أن ينزل فينا شيء على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما مات النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~تكلمنا وانبسطنا. أخرجه البخاري (¬1). # وقد أخرجه مسلم (¬2) أيضا من طريق أبي الزبير عن جابر قال: كنا نعزل على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبلغ ذلك نبي الله فلم ينهنا. ومن ~~وجه آخر (¬3)، عن أبي الزبير، عن ms1535 جابر، أن رجلا أتى رسول ألله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: إن لي جارية وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل. فقال: ~~"اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها". فلبث الرجل ثم أتاه فقال: إن ~~الجارية قد حبلت. قال: "قد أخبرتك". ووقعت هذه القصة عنده (¬4) من طريق ~~سفيان بن عيينة بإسناد له آخر إلى جابر، وفي آخره فقال: "أنا عبد الله ~~ورسوله". وأخرجه أحمد وابن ماجه وابن أبي شيبة (¬5) بسند آخر على شرط ~~الشيخين بمعناه. ففي هذه الطرق ما أغنى عن الاستنباط؛ فإن في أحدها التصريح ~~بالاطلاع، وفي الأخرى التصريح في حق الأمة. # 847 - وعن أنس رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يطوف ~~على نسائه بغسل واحد. أخرجاه واللفظ لمسلم (¬6). PageV07P251 # تقدم الكلام في هذا الحكم في باب الغسل، والحديث قد يتعلق به من يقول: إن ~~القسم لم يكن واجبا على النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن العربي ~~(¬1): إنه كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ساعة من النهار لا يجب [عليه] ~~(أ) فيها القسم، وهي بعد العصر فإن اشتغل عنها كانت بعد المغرب. وفي ~~البخاري (¬2) ما يومئ إلى هذا وهو عن عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - إذا انصرف من العصر دخل على نسائه فيدنو من إحداهن، ~~فدخل على حفصة فاحتبس أكثر ما كان يحتبس. فقوله: فيدنو من إحداهن. يحتمل ~~الوقاع، ولكنه قد جاء في رواية ابن أبي الزناد عن هشام بزيادة: بغير وقاع ~~(¬3). ثم إن في حديث أنس في البخاري بلفظ: كان يطوف على نسائه في الليلة ~~الواحدة وله يومئذ تسع نسوة. وهو يرد على ما قاله ابن العربي، ولأنه يستبعد ~~بعد المغرب أن يسع ذلك الفعل مع الانتظار لصلاة العشاء، لا سيما على جهة ~~الاستمرار. ويظهر على قول من ذهب إلى عدم وجوب القسم عليه - صلى الله عليه ~~وسلم - كما ذهب إليه طوائف من أهل العلم، وهو ظاهر قوله تعالى: {ترجي من ~~تشاء منهن} (¬4) الآية. وبه جزم ms1536 الإصطخري من الشافعية، والمشهور عندهم وعند ~~الأكثرين الوجوب، ويجيبون عن هذا الحديث بأنه كان يفعل هذا برضا صاحبة ~~النوبة، كما استأذنهن أن يمرض في بيت عائشة، ويحتمل أن يكون PageV07P252 # فعله عند استيفاء القسمة، ثم يستأنف القسمة. وقيل: يفعله عند إقباله من ~~السفر، لأنه إذا سافر قرع بينهن فيسافر بمن يخرج سهمها. فإذا انصرف استأنف ~~وهو أخص من الاحتمال الثاني. ويحتمل أن يكون ذلك قبل وجوب القسمة. # وقوله في رواية البخاري: وله يومئذ تسع نسوة. وفي رواية أيضا للبخاري ~~(¬1): [وهن] (أ) إحدى عشرة. قال ابن حبان (¬2): يجمع بين الروايتين بأن ~~يحمل ذلك على حالتين؛ إحداهما كن تسع زوجات، والأخرى إحدى عشرة؛ فالأولى في ~~أول قدومه المدينة حيث كان تحته تسمع نسوة، والحالة الثانية في آخر الأمر ~~حيث اجتمع عنده إحدى عشرة. ولكن هذا وهم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~لما قدم المدينة لم يكن تحته امرأة سوى سودة، ثم دخل على عائشة بالمدينة، ~~ثم تزوج أم سلمة وحفصة وزينب بنت خزيمة في السنة الرابعة، ثم تزوج زينب بنت ~~جحش في الخامسة، ثم جويرية في السادسة، ثم صفية وأم حبيبة وميمونة في ~~السابعة، هؤلاء جميع من دخل بهن من الزوجات بعد الهجرة على المشهور، واختلف ~~في ريحانة وكانت من نساء بني قريظة، فجزم ابن إسحاق (¬3) أنه عرض عليها أن ~~يتزوجها ويضرب عليها الحجاب فاختارت البقاء في ملكه، والأكثر أنها ماتت في ~~سنة عشر قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -، PageV07P253 # وكذا ماتت زينب بنت خزيمة بعد دخولها عليه بقليل، قال ابن عبد البر (¬1): ~~مكثت عنده شهرين أو ثلاثة. فعلى هذا، لم يجتمع عنده من (أ) الزوجات أكثر من ~~تسع، مع أن سودة كانت وهبت يومها لعائشة. ولعله ضم مارية وريحانة إليهن، ~~وأطلق عليهن لفظ نسائه تغليبا. وقد جمع الدمياطي (¬2) في "سيرته" زوجات ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ممن دخل بها، أو عقد عليها وطلقها. قبل ~~الدخول، أو خطبها ولم يعقد عليها، فبلغت ثلائين. وفي "المختارة" (¬3) من ~~وجه آخر عن أنس، تزوج خمس ms1537 عشرة، ومات عن تسع. وفي "المواهب" (¬4) أن جملة ~~من عقد بهن ثلاث وعشرون امرأة. وقد سرد أسماءهن أبو الفتح اليعمري، ومغلطاي ~~(2)، فزدن على العدد الذي ذكر الدمياطي. والحق أن في الأسماء اختلافا في ~~البعض، فحصل التكثير بالنظر إلى الاختلاف في الاسم مع اتحاد المسمى. والله أعلم. # وفي الحديث دلالة على أنه - صلى الله عليه وسلم - أكمل الرجال في ~~الرجولية حيث كان له هذه القوة، وقد أخرج البخاري (¬5)، أنه كان له قوة ~~ثلاثين رجلا. وفي PageV07P254 # رواية الإسماعيلي (¬1): قوة أربعين رجلا. وفي "صفة الجنة" لأبي نعيم (1) ~~مثله، وزاد: من رجال أهل الجنة. ومن حديث ابن عمر (أ)، وأخرجه مرفوعا: ~~"أعطيت قوة أربعين في البطش والجماع" (1). وعند أحمد، والنسائي، وصححه ~~الحاكم (¬2) من حديث زيد بن أرقم: "إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة ~~رجل في الأكل والشرب والجماع والشهوة". قال القاضي (¬3): والحكمة في طوافه ~~عليهن في الليلة الواحدة هو تحصينهن، وكأنه أراد بذلك عدم تشوقهن (ب) ~~للأزواج. قال المصنف (3): وفي هذا نظر؛ لأن الأزواج محرمة عليهن بعده. ~~انتهى. ولعله أراد إكمال الكفاية لهن بأمر النكاح التي تشتاق إليه النساء ~~من غير نظر إلى خصوصية الزوج المواقع، ثم قال: والأولى أن ذلك إنما كان ~~لإرادة العدل بينهن في ذلك. والله أعلم. PageV07P255 ### || AUTO باب الصداق # هو بفتح الصاد وكسرها، وأصله من الصدق؛ لإشعاره بصدق رغبة الزوج في ~~الزوجة. ويقال: صدق (أ) بفتح الصاد وضم الدال، (ب وبضم الصاد وإسكان الدال ~~ب)، وبفتحهما، وبضمهما، وبالفتح وسكون الدال، فهذه سبع لغات، وله ثمانية ~~أسماء مجموعة في قوله (¬1): # صداق ومهر نحلة وفريضة ... حباء وأجر ثم عقر علائق # قال الله تعالى: {وآتوا النساء صدقاتهن} (¬2). وقال: {على أن تأجرني ~~ثماني حجج} (¬3). وكان الصداق في شرع من قبلنا للأولياء، كما قاله صالحب ~~"المستعذب على المذهب". # 848 - وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه أعتق ~~صفية وجعل عتقها صداقها. متفق عليه (¬4). PageV07P257 # قوله: أنس (أ) أعتق صفية. هي أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب من سبط ms1538 ~~هارون بن عمران - عليه السلام -، وأمها ضرة بنت سموءل، كانت تحت كنانة بن ~~أبي الحقيق، وقتل يوم خيبر في المحرم سنن سبع، ووقعت في السبي فاصطفاها ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأعتقها وتزوجها وجعل عتقها صداقها، ~~وماتت سنة خمسين، وقيل: سنة اثنتين وخمسين. وقيل غير ذلك، ودفنت (ب في ~~البقيع ب)، وروى عنها أنس بن مالك وابن عمر ومسلم بن صفوان. وحيي بضم الحاء ~~المهملة وفتح الياء تحتها نقطتان وتشديد الأخرى. وأخطب، بفتح الهمزة وسكون ~~الخاء المعجمة وفتح الطاء المهملة والباء الموحدة، وضرة، بفتح الضاد ~~المعجمة وتشديد الراء. وسموءل، بفتح السين المهملة وفتح الميم وسكون الواو ~~وفتح الهمزة وباللام. والحقيق، بضم الحاء المهملة وفتح القاف الأولى وسكون ~~الياء تحتها نقطتان. # وفي قوله: جعل عتقها صداقها. دلالة على أنه يصح أن يجعل العتق مهرا؛ ~~وصورة ذلك الصحيحة، أن تقول: قد جعلت عتقك مهرك فأنت حرة على أن يكون العتق ~~مهرك (ج). [أو: أعتقتك على أن تزوجيني نفسك، ويكون العتق مهرك] (د). أو: ~~أنت حرة بشرط أن يكون العتق مهرك. ثم تقبل في المجلس، ثم يقول: تزوجتك به. ~~وروى عن طاوس أنه لا يحتاج إلى التزويج بعد ذلك ويصح أن يتولى الطرفين إذا ~~كان هو الولي وإن كان لها PageV07P258 # عصبة أحرار كان العقد إلى الولي وكذا إذا قال: أعتقتك على أن يكون العتق ~~مهرك. فقبلت ثم يقول: تزوجتك به، وإذا امتنعت من قبول العتق لم يصح العتق ~~ولا التزويج، وإذا امتنعت من النكاح [نفذ] (أ) العتق ولزمها السعاية في ~~قيمتها إذ لم يعتق (ب) إلا بعوض. وقال مالك وزفر: لا يلزم إذ لا دليل. ~~وجوابه القياس على سائر المتلفات عند تعذر الرجوع بالعين، وأما إذا قال: ~~أعتقتك وجعلت عتقك مهرك. أو: أنت حرة وعليك أن تزوجيني نفسك. أو: أشرط عليك ~~أن تزوجي بي (ج). فتعتق ولا يلزمها أن تزوج به ولا تسعى. والحيلة في ~~إلزامها التزويج أن يقول: إن علم الله أني إذا أعتقتك تزوجتك فأنت حرة على ~~أن يكون العتق ms1539 مهرك. وتقبل ثم يتزوجها فيصح (د إذ ينكشف د) تقدم الحرية. ~~فإن امتنعت بطل العتق، وهذا الحكم ذهب إليه العترة جميعا والثوري وسعيد بن ~~المسيب وإبراهيم النخعي وطاوس والزهري وأبو يوسف وأحمد وإسحاق. # وذهب الجمهور إلى أنه لا يصح أن يكون العتق مهرا، وأنه إذا فعل مثل ذلك ~~استحقت عليه مهر المثل إذ صارت حرة فلا يستباح وطؤها إلا بالمهر. وفي نص ~~الشافعي أن من أعتق أمته على أن يتزوجها فقبلت عتقت ولم يلزمها أن تتزوج ~~به، لكن يلزمها له قيمتها؛ لأنه لم يرض بعتقها مجانا فصار كسائر الشروط ~~الفاسدة، فإن رضيت وتزوجته على مهر PageV07P259 # يتفقان عليه، كان لها (أ) ذلك المسمى، وعليها له قيمتها، فإن اتحدا ~~تقاصا. وأجابوا عن ظاهر الحديث بأجوبة أقربها إلى لفظ الحديث، أنه أعتقها ~~بشرط أن يتزوجها فوجب له عليها قيمتها وكانت معلومة فتزوجها بها. وفي حديث ~~أنس أخرجه البخاري (¬1) في باب المغازي بلفظ: ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها. ~~قال عبد العزيز راويه، فقال ثابت لأنس بعد أن روى هذا الحديث: ما أصدقها؟ ~~قال: نفسها فأعتقها. وهذا الحديث ظاهر في أن المجعول مهرا هو العتق، ويحتمل ~~ما ذكر في التأويل. فقوله: نفسها. أي عوض نفسها، وهو قيمتها. وأجاب بعضهم ~~بأن هذا من خصائص النبي - صلى الله عليه وسلم -، جعل العتق صداقا، وجزم به ~~الماوردي (¬2). وقال بعض: معنى الحديث أنه أعتقها ثم تزوجها، فلما لم يعلم ~~أنه ساق إليها [صداقا] (ب) قال: أصدقها نفسها. أي لم يصدقها شيئا فيما ~~أعلم. ولم ينف أصل الصداق، ولذلك قال أبو الطيب [الطبري] (ج) من الشافعية ~~وابن المرابط من المالكية ومن تبعهما: إنه من قول أنس قاله تظننا من قبل ~~نفسه، ولم يرفعه. وقد يتأيد هذا [بما] (د) أخرجه البيهقي (¬3) من حديث ~~أميمة -ويقال: أمة الله- بنت رزينة عن PageV07P260 # أمها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعتق صفية وخطبها وتزوجها وأمهرها ~~[رزينة] (أ)، وكان أتى بها سبية من قريظة والنضير. وهذا الحديث ضعيف ~~الإسناد لا تقوم به حجة، ومعارض بما أخرجه ms1540 الطبراني (¬1) وأبو الشيخ (¬2) ~~من حديث صفية نفسها قالت: أعتقني النبي - صلى الله عليه وسلم - وجعل عتقي ~~صداقي. وهذا موافق لحديث أنس، وفيه رد على من قال: إن أنسا قال ذلك بناء ~~على ما ظنه، ثم إن هذا الحديث خالف ما عليه كافة أهل السير، أن صفية من سبي ~~خيبر. ويحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها بغير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، ~~وهذا خاص [بالنبي] (ب) - صلى الله عليه وسلم - دون غيره. قال ابن الصلاح ~~(2): معنى الحديث أن العتق حل محل الصداق وإن لم يكن صداقا. قال: وهذا ~~كقولهم: الجوع زاد من لا زاد له. قال: وهذا الوجه أصح الأوجه وأقربها إلى ~~لفظ الحديث. وتبعه النووي في "الروضة" (¬3)، وممن جزم بأن ذلك خاص بالنبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، يحيى بن أكثم فيما أخرجه البيهقي (¬4) قال: وكذا ~~نقله المزني عن الشافعي. وقال: وموضع الخصوصية أنه أعتقها مطلقا وتزوجها ~~بغير مهر ولا ولي ولا شهود، وهذا بخلاف غيره. ويتقوى دعوى الخصوصية بكثرة ~~خصوصيات النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV07P261 # في النكاح، والملجئ للجمهور إلى ما ذكر من التأويل معارضة القياس للواقعة ~~المذكورة. ويتقرر القياس بوجهين؛ أحدهما، أن عقدها على نفسها إما أن يقع ~~قبل عتقها وهو محال لتناقض الحكمين؛ الحرية والرق، فإن الحرية حكمها ~~الاستقلال، والرق ضده، وأما بعده فذلك غير لازم لها، وقد أزال جواز إجبارها ~~بعتقها. الوجه الثاني، أنا إذا جعلنا العتق صداقا إما (أ) أن يتقرر [العقد] ~~(ب) حالة الرق، وهو محال لتناقضهما، أو حالة الحرية فيلزم سبقيتها (ج) على ~~العقد، فيلزم وجود العتق حالة فرض عدمه وهو محال؛ لأن الصداق لا بد أن ~~يتقدم تقرره على الزوج إما نصا وإما حكما، حتى تملك الزوجة طلبه، ولا يتأتى ~~مثل ذلك في العتق فاستحال أن يكون صداقا. والجواب عن الوجه الأول، بأن ~~العقد يكون بعد العتق، وإذا امتنعت من العقد لزمها السعاية بقيمتها ولا ~~محذور في ذلك. وعن الوجه الثاني بأن [العتق] (د) هو منفعة تصح المعاوضة ~~عنها، والمنفعة إذا كانت كذلك ms1541 صح العقد عليها مثل سكنى الدار وخدمة الزوج ~~ونحو ذلك، ومثل هذه المناسبات لا تعارض القصة المذكورة وهي أيضا منابذة بما ~~أخرجه الطحاوي (¬1) من طريق نافع عن ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- جعل PageV07P262 # عتق جويرية بنت الحارث (أالقرظية النضرية أ) صداقها. وأخرج أبو داود (¬1) ~~من طريق عروة عن عائشة في قصة جويرية أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لها لا جاءت تستعين به في كتابتها: "هل لك أن أقضي (ب) كتابتك وأتزوجك". ~~قالت: قد فعلت. وقد استشكله ابن حزم (¬2) بأنه يلزم منه إذا (ج) كان أدى ~~عنها (د) كتابتها أن يصير ولاؤها لمكاتبها. وأجيب بأنه ليس في الحديث تصريح ~~بذلك. فيحتمل أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - عوض ثابت بن قيس عنها ~~فصارت له فأعتقها وتزوجها كما صنع في قصة صفية، أو يكون ثابت وهبها [للنبي] ~~(ه) - صلى الله عليه وسلم - لما بلغه رغبته فيها. ولا يقال: إن ثواب العتق ~~عظيم لا ينبغي أن يفوت في جعله مهرا وكان يمكن جعل المهر غيره، ويجاب بأنه ~~في حق صفية يجوز أن يكون مهرها الذي تطيب به نفسها [شيئا كثيرا] (و) يعتاده ~~مثلها؛ لأنها من بيت الملك ولم يكن كذلك عند النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فجعل صداقها نفسها، وذلك عندها أشرف من المال الكثير. والله أعلم. # 849 - وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: سألت عائشة PageV07P263 # رضي الله عنها زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -: كم كان صداق رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -؟ قالت: كان صداقه لأزواجه اثنتي (أ) عشرة أوقية ~~ونشا. قالت: أتدري ما النش؟ قال (ب): لا. قالت: نصف أوقية، فتلك خمسمائة ~~درهم، فهذا صداق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأزواجه. رواه مسلم (¬1). # هو أبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف الزهري القرشي المدني، أحد ~~الفقهاء السبعة المشهورين بالفقه بالمدينة في قول، من مشاهير التابعين ~~وأعلامهم، ويقال: إن اسمه كنيته، وهو كثير الحديث واسع الرواية، سمع ابن ~~عباس وأبا ms1542 هريرة وابن عمر وعائشة وغيرهم، روى عنه الزهري، [ويحيى بن أبي ~~كثير] (ج)، ويحيى بن سعيد الأنصاري والشعبي ومحمد بن إبراهيم بن الحارث، ~~مات سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة أربع ومائة. وله اثنتان وسبعون سنة، وفي ~~[قول] (د) عوض (¬2) أبي سلمة، أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن ~~المغيرة بن عبد الله بن عمر (ه) بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد الفقهاء ~~السبعة بالمدينة، كنيته اسمه، ومولده (و)، PageV07P264 # وتوفي سنة ستين (أ). كذا ذكره ابن خلكان (¬1). # قوله: أوقية. هي بضم الهمزة وتشديد الياء، والمراد أوقية الحجاز، وهي ~~أربعون درهما، والنش بفتح النون والشين المعجمة المشددة. وقد استدل بهذا ~~أصحاب الشافعي على أنه يستحب كون الصداق خمسمائة درهم كما كان إصداقه - صلى ~~الله عليه وسلم - لنسائه (ب)، وأما أم حبيبة زوج النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ورضي الله عنها فكان صداقها أربعة آلاف درهم، وأربعة (ج) آلاف دينار ~~(¬2)، ولكن هذا لم يكن منه - صلى الله عليه وسلم -، وإنما تبرع به النجاشي ~~من ماله إكراما لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولم يكن بأمر من النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - ولا عقد به، وكذا صفية كان صداقها عتقها، وكذا ~~جويرية، وكذلك خديجة لم يكن مهرها كذلك (¬3)، ولعله بنى على الأكثر، ولا حد ~~لأكثره، بحيث تبطل الزيادة [إجماعا] (د)؛ لقوله تعالى: {وآتيتم إحداهن ~~قنطارا} (¬4). وقد اختلفوا PageV07P265 # في تفسير القنطار؛ فقال معاذ بن جبل (¬1): ألف ومائتا أوقية [ذهبا] (أ). ~~وقال أبو سعيد الخدري (¬2): هو ملء مسك ثور ذهبا. [وقال ابن عباس من أهل ~~اللغة: سبعون ألف مثقال] (ب). وقال أبو صالح (¬3): مائة رطل ذهبا. [وقد] ~~(ج) أراد عمر رضي الله عنه قصر أكثره على قدر مهور أزواج النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - ورد الزيادة إلى بيت المال، فردت عليه امرأة محتجة (د) بقوله ~~تعالى: {وآتيتم إحداهن قنطارا}. فرجع وقال: كلكم أفقه من عمر (¬4). وقال ~~الإمام يحيى: في تقدير أكثر المهر روايات، أربعون ألف درهم. كما أصدق عمر ~~أم كلثوم بنت علي، وقيل: ms1543 عشرة آلاف. كما أصدق ابن (ه) عمر بنات أخيه عبيد ~~الله، وقيل: مائة ألف درهم. كما أصدق الحسن بعض أزواجه، وقيل: مائة ألف ~~مثقال. كما أصدق مصعب سكينة بنت الحسين، وقيل عائشة بنت طلحة. وقيل: ~~أربعمائة مثقال. كما أصدق النبي - صلى الله عليه وسلم - أم حبيبة بنت أبي ~~سفيان. ولعل الإمام يحيى أراد بذلك أنه تكره PageV07P266 # الزيادة على ما فعله السلف لا أن الزائد لا يلزم. # 850 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما تزوج علي فاطمة رضي الله عنهم ~~قال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أعطها شيئا". قال: ما عندي شيء. ~~قال: "فأين درعك الحطمية؟ ". رواه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم (¬1). # فاطمة رضي الله عنها ولدتها خديجة وقريش تبني البيت قبل النبوة بخمس ~~سنين، وقيل: سنة إحدى وأربعين من الفيل. وهي أصغر بناته في قول، وهي سيدة ~~نساء العالين تزوجها على في السنة الثانية من الهجرة في شهر رمضان وبنى ~~عليها في ذي الحجة. وقيل: تزوجها في رجب. وقيل: في صفر. وقيل: بعد غزوة ~~أحد. فولدت له الحسن والحسين والمحسن وزينب ورقية وأم كلثوم، وماتت ~~بالمدينة بعد موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بستة أشهر. وقيل: بثلاثة. ~~ولها ثمان وعشرون سنة. وقيل: تسع (أ) وعشرون. وأهل البيت يقولون: ثماني ~~عشرة. وغسلها علي وصلى عليها، [ودفنت] (ب) ليلا. روى عنها علي بن أبي طالب ~~وابناها الحسن والحسين وابن عباس وابن مسعود وعائشة وأم سلمة وأسماء بنت عميس. # ظاهر هذه الرواية أنه لم يكن مهر مذكور مسمى عند العقد وإن كان PageV07P267 # يحتمل أنه تسمى المهر عند العقد وتأجل به، ولكنه - صلى الله عليه وسلم - ~~أمره بتقديم شيء منه ليكون ذلك آنس للزوجة وأجمل لها عند النساء، كما ذلك معروف. # وقوله: "الحطمية". بضم الحاء المهملة وفتح الطاء المهملة، منسوب إلى ~~الحطم، سميت بذلك لأنها تحطم السيوف، أي تكسرها. وقيل: العريضة الثقيلة. ~~وقيل: منسوبة إلى بطن من عبد القيس، يقال لهم: حطمة بن محارب. كانوا يعملون ~~الدروع، وهذا أشبه الأقوال. ms1544 ذكره في "النهاية" (¬1). وذكر الإمام المهدي في ~~"البحر" (¬2)، أن مهر فاطمة رضي الله عنها اثنتا عشرة أوقية، قيمتها ~~أربعمائة وثمانون درهما، وقيل: باع علي راحلته بمائة وأربعين درهما، ودرعه ~~بثمانية وستين درهما. والله أعلم. # 851 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أيما امرأة نكحت على صداق أو حباء أو عدة قبل عصمة النكاح ~~فهو لها، وما كان بعد عصمة النكاح فهو لمن أعطيه، وأحق ما أكرم الرجل عليه ~~ابنته أو أخته". رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي (¬3). # الحديث من رواية عمرو بن شعيب، وقد يضعف (أ) بأنه وجده من صحيفة، وفيه ~~دلالة على أن ما سماه الزوج قبل عقد النكاح فهو للزوجة وإن PageV07P268 # كان تسميته لغيرها من أب أو أخ. وكذلك ما كان عند العقد وأن النكاح صحيح. ~~وقد ذهب إلى هذا الهادي وأبو طالب، وهو مذهب مالك، وهو قول عمر بن عبد ~~العزيز (¬1) والثوري وأبي عبيد، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الشرط لازم، ~~والصداق صحيح، وذهب الشافعي إلى أن تسمية المهر تكون فاسدة، ولها صداق ~~المثل. قال في " [نهاية] (أ) المجتهد" (1): وسبب اختلافهم تشبيه النكاح في ~~ذلك بالبيع، فمن شبهه بالوكيل يبيع السلعة ويشرط لنفسه حباء قال: لا يجوز ~~النكاح كما لا يجوز البيع. ومن جعل النكاح في ذلك مخالفا للبيع قال: يجوز. ~~وأما تفريق مالك فلأنه اتهمه إذا كان الشرط في عقد النكاح، أن يكون ذلك ~~[الذي] (ب) اشترط لنفسه نقصانا من صداق مثلها، ولم يتهمه إذا كان بعد ~~انعقاد النكاح والاتفاق على الصداق. انتهى. وقال الإمام المهدي في "البحر": ~~إن المرأة تستحق ما شرط مع مهرها لغيرها، إذ هو عوض بضعها، فإن تبرعت به من ~~بعد، جاز. # قال في "شرح البحر": وهو قديم قولي الشافعي. واختاره الإمام يحيى وقال في ~~"الكافي": إن هذا القول خلاف الإجماع. والصحيح أن ما شرطه الولي لنفسه سقط ~~(ج). قال: وعليه عامة السادة والفقهاء. انتهى (د). PageV07P269 # قال الشافعي، يعني في (أخير قوليه ms1545 أ): بل تفسد التسمية بذلك، إذ جعله ~~لغيرها خلاف موجب التسمية فأفسدها. قلنا: لا جهالة فيه تقتضي الفساد (ب). ~~أبو يوسف: إن شرط للزوج أو لمن يختص بالزوجة كالأب، صح ولزم، إذ هو في حق ~~الزوج حظ، وفي حق قرابتها صلة منها. محمد (ج): أو (د) شرط للزوج صح، إذ هو ~~حظ. قلنا: جعله عوض بضعها يقتضي كونه لها، فلا وجه لما قالوا. انتهى. وهذا ~~التعليل الأول (ه) وهو قوله: إذ هو عوض بضعها. هو محصول قول صاحب "نهاية ~~المجتهد" (¬1): فلأنه اتهمه. إلخ. إلا أن الإمام جزم بأن ذلك لما كان مع ~~المهر فهو داخل فيه، فكان لها، ولو ذكر للغير، وهو خلاف الظاهر مع ~~استيفائها المهر وذكره للغير، وصاحب "النهاية" لم يجزم بذلك، وإنما هو يتهم ~~(و) أن ذلك من جملة المهر، واشترطه لنفسه، ونقص من مهر المثل، فكان في جعله ~~لها سدا لذريعة التحيل على مهرها. وأما تفصيل أبي يوسف، فإذا كان الشرط ~~للزوج فهو حظ من المهر؛ لأنه لا يثبت له على نفسه دين يطالب به، ولا معنى ~~لاشتراطه لنفسه إلا عدم لزومه له، فيكون حظا. وأما إذا كان لقرابة PageV07P270 # الزوجة فهو صلة لهم، وقد ندب إلى ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ~~في قوله: "وأحق ما أكرم الرجل عليه" الحديث. ثم قال في "البحر" (¬1): محمد: ~~إن شرط للزوج صح، إذ هو حط. قلنا: جعله عوض بضعها يقتضي كونه لها، فلا وجه ~~لما قالوا. انتهى. هذا قد عرفت ما عليه فتنبه. ثم قال: فرع: فإن شرط قبل ~~العقد فرشوة. يعني حيث امتنع من التزويج إلا به، إذ هو على واجب، وبعده صلة ~~حلال؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "أحق ما أكرم الرجل علي بنته وأخته". ~~انتهى. وظاهر الحديث أن هذا تستحقه الزوجة؛ لأنه قبل عصمة النكاح، وأما ~~بعده فهو صلة، إلا أن يمتنع الولي من تسليم الزوجة إلا به، فإنه يكون ~~حراما؛ لأنه في مقابلة واجب، فهو رشوة، وأما ما يكون في العرف يسلم ~~لإتلافه، كالطعام ms1546 ونحوه، فإن شرط في العقد كان مهرا، وما يسلم (أ) قبل ~~العقد يكون إباحة يصح الرجوع فيه مع بقائه، إذا كان في العادة يسلم للتلف، ~~وإن كان يسلم للبقاء رجع في قيمته بعد تلفه، إلا أن يمتنعوا من زواجته، رجع ~~بقيمته في الطرفين جميعا، وإذا ماتت الزوجة أو امتنع هو من التزوج (ب) كان ~~له الرجوع فيما بقي وفيما سلم للبقاء وفيما أتلف قبل الوقت الذي يعتاد ~~التلف فيه، لا (ج) فيما عدا ذلك، وما سلمه بعد العقد، هبة أو هدية، على حسب ~~الحال، أو رشوة إن لم تسلم إلا به، وإذا كان الطعام الذي يفعل في وليمة ~~العرس مما ساقه الزوج إلى ولي الزوجة، وكان مشروطا مع العقد لصغيرة وفعل ~~ذلك، جاز التناول منه لمن يعتاد لمثله، كالقرابة PageV07P271 # وغيرهم، لأن الزوج إنما شرطه وسلمه ليفعل لذلك، لا ليبقى ملكا للزوجة، ~~والعرف معتبر في هذا، وكذا الكبيرة، ولا يعتبر رضاها في إتلافه. # وقوله في الحديث: "على صداق". المراد به المهر. # وقوله: "أو حباء". بكسر المهملة والباء المنقوطة بواحدة من أسفل والمد، ~~المراد به العطة للغير أو للزوجة زائدا على المهر. # وقوله: "أو عدة". المراد بها ما وعد الزوج بتسليمه وإن لم يكن حاضرا عند ~~العقد. والله أعلم. # 852 - وعن علقمة، عن ابن مسعود، أنه سئل عن رجل تزوج امرأة ولم يفرض لها ~~صداقا، ولم يدخل بها حتى مات. فقال ابن مسعود: لها مثل صداق نسائها، لا وكس ~~ولا شطط، وعليها العدة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: قضى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بروع بنت واشق، امرأة منا، مثل ما ~~قضيت. ففرح بها ابن مسعود. رواه أحمد، والأربعة (¬1)، وصححه الترمذي ~~وجماعة. # هو علقمة بن قيس أبو شبل بن مالك من بني بكر بن النخع النخعي، PageV07P272 # روى عن عمر وعبد الله بن مسعود، روى عنه إبراهيم والشعبي وابن سيرين، وهو ~~تابعي مشهور كبير، اشتهر بحديث ابن مسعود وصحبته، وهو عم الأسود النخعي، و ~~(أ) مات سنة إحدى ms1547 وستين (¬1). # قوله في الحديث: لا وكس. بفتح الواو وسكون الكاف وبالسين المهملة، أي: لا ~~نقص عليها في مهرها (ب). # ولا شطط. بفتح الشين المعجمة وبالطائين المهملتين، أي: لا زيادة لها في ~~المهر على نسائها. # الحديث صححه أيضا ابن مهدي، وقال ابن حزم: لا مغمز فيه لصحة إسناده. وكذا ~~قال البيهقي في "الخلافيات"، وقال الشافعي (¬2) لا أحفظه من وجه يثبت مثله. ~~وقال: لو ثبت حديث بروع لقلت به. # وقال الشافعي في "الأم" (2) في هذا الحديث: فإن كان ثبت عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فهو أولى الأمور، ولا حجة في قول أحد دون النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وإن كبر، ولا شيء في قوله إلا طاعة الله بالتسليم له، ولم ~~أحفظه عنه من وجه يثبت مثله؛ مرة يقال: عن معقل بن سنان، ومرة: عن معقل بن ~~يسار، ومرة: PageV07P273 # عن بعض أشجع، لا يسمى. هذا تضعيف الشافعي له بالاضطراب، وضعفه الواقدي ~~بأنه حديث ورد إلى المدينة من أهل الكوفة فما عرفه علماء المدينة. وقد روي ~~عن علي رضي الله عنه رده (أ) بأن (ب) معقل بن سنان أعرابي بوال على عقبيه. ~~وأجيب عن ذلك، أما الاضطراب فهو غير قادح، فإنه متردد بين صحابي وصحابي ~~(ج)، ومثل هذا غير قادح، وأما الجهالة لكونه بعض أشجع فكذلك؛ لأنهم صحابة، ~~ولا يضر جهالة الصحابة، مع أن رواية بعض أشجع قد فسرت بالرواية بمعقل، فقد ~~تبين المبهم، وأما عدم معرفة علماء المدينة له فلا يضر ذلك مع عدالة ~~الراوي. وأما ما روي عن علي رضي الله عنه فلم يصح ذلك عنه، كذا ذكره في ~~"البدر المنير" (¬1). وروى الحاكم في "المستدرك" (¬2): سمعت أبا عبد الله ~~محمد بن يعقوب يقول: سمعت الحسن بن (د) سفيان يقول: سمعت حرملة بن يحيى ~~قال: سمعت الشافعي يقول: إن صح حديث بروع بنت واشق قلت به. قال الحاكم: ~~قلت: قد [صح] (ه) الحديث فقل به. وذكر الدارقطني الاختلاف فيه في "العلل" ~~(¬3) ثم PageV07P274 # قال: وأحسنها إسنادا حديث قتادة إلا أنه لم يحفظ ms1548 اسم الصحابي. # قال المصنف (¬1) رحمه الله: وطريق قتادة عند أبي داود وغيره، وله شاهد من ~~حديث عقبة بن عامر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - زوج امرأة رجلا فدخل ~~بها ولم يفرض لها صداقا، فحضرته الوفاة فقال: أشهدكم أن سهمي بخيبر لها. ~~الحديث أخرجه أبو داود والحاكم (¬2). انتهى. # الحديث فيه دلالة على أن المرأة تستحق كمال المهر وإن لم يسم لها الزوج، ~~بالموت (أ)، وإن لم يدخل بها الزوج ولا خلا بها، والذي تستحقه مهر المثل. # وقد ذهب إلى هذا ابن مسعود، وأبو حنيفة وأصحابه، وابن شبرمة، وابن أبي ~~ليلى، وإسحاق بن راهويه، وأحمد، للحديث المذكور (¬3). وقد قال به ابن مسعود ~~اجتهادا، فوافق الدليل، ولأن الموت كالدخول. وذهب علي، وابن عباس، وابن ~~عمر، وزيد بن ثابت (¬4)، والهادي، ومالك وأصحابه، والأوزاعي، وأحد قولي ~~الشافعي، وعن القاسم أنها (ب) لا تستحق إلا الميراث، ولا تستحق مهرا ولا ~~متعة، إذ لم ترد المتعة إلا للمطلقة، PageV07P275 # ولأن الصداق عوض، فإذا لم يستوف المعوض عنه لم يلزم، قياسا على ثمن ~~المبيع. وأما الاحتجاج بالحديث، فقال الإمام المهدي: رواياته مضطربة. كما ~~عرفت أولا. وقال علي: لا نقبل قول أعرابي بوال (أ) على عقبيه. وقد تقدم ~~الجواب عن ذلك، ومع صحة الحديث فالعمل به أولى من القياس المذكور، ولذلك ~~رجح جماعة من محققي الشافعية العمل به، وذلك لازم على ما هو طريقة الشافعي ~~من العمل بالحديث إذا صح واطراح قوله الخالف. وروي عن القاسم، وأحد قولي ~~الناصر، أنها تستحق المتعة دون المهر؛ لقوله تعالى: {وصية لأزواجهم متاعا ~~إلى الحول} (¬1). قال الإمام المهدي: قلنا: أراد النفقة. يعني (ب) نفقة ~~العدة. وأما الميراث فعند زيد بن علي ومالك في رواية عنهما (ج) أنها لا ~~تستحقه، وعند الجمهور أنها تستحقه، وادعى في "الغيث" الإجماع على ذلك. # ومعقل بن سنان (¬2) بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف، هو أبو ~~محمد، وقيل: [أبو] (د) عبد الرحمن. وقيل: أبو يزيد. وقيل: أبو سنان. أشجعي. ~~شهد فتح مكة ونزل الكوفة وحديثه فيهم، وقتل يوم ms1549 الحرة صبرا، روى عنه ابن ~~مسعود، وعلقمة بن قيس، ومسروق بن الأجدع، PageV07P276 # ونافع بن [جبير] (أ)، والحسن البصري، والشعبي. وبروع -يروون [أهل] (ب) ~~الحديث ذلك بكسر الباء الموحدة من أسفل وسكون الراء المهملة وفتح الواو ~~وبالعين المهملة، وأهل اللغة (¬1) يفتحون الباء ويقولون: إنه (ج) ليس في ~~العربية فعول إلا خروع، لنبت معروف، وعتود، اسم واد -بنت واشق، على زنة ~~فاعل، وبالشين المعجمة وبالقاف، واسم زوجها هلال بن مرة، ذكره ابن منده في ~~"المعرفة"، وهو في "مسند أحمد" (¬2) أيضا. والله أعلم. # 853 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "من أعطى في صداق امرأة (د) سويقا أو تمرا فقد استحل". أخرجه أبو ~~داود (¬3) وأشار إلى ترجيح وقفه. # الحديث أخرجه من رواية [موسى بن] (ه) مسلم بن رومان، وهو ضعيف (¬4)، ~~والموقوف أقوى، وأخرجه الشافعي (¬5) بلاغا. PageV07P277 # الحديث فيه دلالة على أنه يصح أن يكون المهر من غير الدراهم والدنانير، ~~وهو مطلق [في السويق] (أ) والتمر، وظاهره وإن قل، وقد تقدم الخلاف في قدر ~~المهر في حديث الواهبة نفسها (¬1). # 854 - وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أجاز نكاح امرأة على نعلين. أخرجه الترمذي (¬2) وصححه، وخولف في ذلك (¬3). # هو أبو محمد عبد الله بن عامر بن ربيعة العنزي (¬4) بفتح العين المهملة ~~وسكون النون وبالزاي، وفي نسبه خلاف كثير، وقد يقال: العدوي؛ لأن أباه ~~عامرا حليف بني عدي بن كعب، قبض النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في أربع ~~سنين أو خمس، وله أخ أكبر منه اسمه عبد الله (¬5) وكنيته أبو محمد أيضا، ~~استشهد يوم الطائف، ومات عبد الله الأصغر سنة خمس وثمانين، وقيل: سنة ~~تسعين، وروى عنه زياد مولاه، وأبوه عامر، شهد بدرا والمشاهد كلها، وكان ~~أسلم قديما وهاجر الهجرتين، روى عنه ابنه عبد الله وابن عمر وابن الزبير ~~(¬6)، مات سنة اثنتين وثلاثين. وقيل: سنة خمسين. # الحديث فيه دلالة على الاكتفاء بالقليل من المهر ولو نعلان ولفظ PageV07P278 # الحديث: ms1550 أن امرأة من بني فزارة تزوجت على نعلين، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "رضيت من نفسك ومالك بنعلين؟ ". قالت: نعم. فأجازه. وقد ~~عرفت فيما تقدم الكلام على ذلك. # 855 - وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: زوج النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- رجلا امرأة بخاتم من حديد. أخرجه الحاكم (¬1)، وهو طرف من الحديث الطويل ~~المتقدم في أوائل النكاح (¬2). # 856 - وعن علي رضي الله عنه قال: لا يكون المهر أقل من عشرة دراهم. أخرجه ~~الدارقطني (¬3) موقوفا وفي سنده مقال. # وقد روي مثل هذا من حديث جابر مرفوعا، وفيه مقال كما تقدم في حديث ~~الواهبة نفسها (¬4). # 857 - وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "خير الصداق أيسره". أخرجه أبو داود وصححه الحاكم (¬5). # الحديث فيه دلالة على أن أفضل المهر أقله، وأن الكثرة في المهر على خلاف ~~الأفضل، وإن كان ذلك جائزا كما أشارت إليه الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: ~~{وآتيتم إحداهن قنطارا} (¬6). وقد استدلت بالآية المرأة PageV07P279 # التي نازعت عمر رضي الله عنه في ذلك، كما أخرجه عبد الرزاق (¬1) من طريق ~~أبي عبد الرحمن السلمي قال: قال عمر: لا تغالوا في مهور النساء. فقالت ~~امرأة: ليس ذلك لك يا عمر، إن الله يقول: (وآتيتم إحداهن قنطارا من ذهب) ~~-قال: وكذلك هي قراءة ابن مسعود- فقال عمر: امرأة خاصمت عمر فخصمته. وأخرجه ~~الزبير بن بكار (¬2) من وجه آخر منقطع: فقال عمر: امرأة أصابت ورجل أخطأ. ~~وأخرجه أبو يعلى (¬3) من وجه آخر عن مسروق عن عمر فذكره متصلا مطولا، وأصل ~~قول عمر: لا تغالوا في صدقات النساء. عند أصحاب "السنن"، وصححه ابن حبان ~~والحاكم (¬4) لكن ليس فيه قصة المرأة. # 858 - وعن عائشة رضي الله عنها أن عمرة بنت الجون تعوذت من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - حين أدخلت عليه، يعني لما تزوجها، فقال: "لقد عذت ~~بمعاذ". فطلقها، وأمر أسامة فمتعها بثلاثة أثواب. أخرجه ابن ماجه (¬5)، وفي ~~إسناده راو متروك. وأصل القصة في "الصحيح" (¬6) من ms1551 حديث أبي أسيد الساعدي. PageV07P280 # وأخرجه أيضا أبو نعيم في كتاب "الصحابة" (¬1) وفي الإسناد: عبيد بن ~~القاسم عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. وعبيد متروك (¬2). # واعلم أنه وقع الاختلاف في اسم المذكورة وفي قصتها فقيل أن اسمها أميمة ~~بنت النعمان بن شراحيل، والجون جدها فنسبت إليه وهو الصحيح، وقيل [أن] (أ) ~~اسمها أسماء بنت النعمان بن أبي الجون، وكذا ذكر الكلبي (¬3) أنها أسماء ~~بنت النعمان بن شراحيل بن الأسود بن الجون الكندية، وكذا ابن إسحاق (¬4) ~~جزم بتسميتها أسماء، وكذا محمد بن حبيب (¬5) وغيرهما، وقد يجمع بين ~~الروايتين بأن اسمها أسماء ولقبها أميمة، ووقع في نسبها أيضا عن ابن (ب) ~~إسحاق (4) أنها أسماء بنت كعب الجونية، وهو يحتمل أن في آبائها من هو مسمى ~~بكعب فنسبت إليه، وقيل: هي أسماء بنت الأسود بن الحارث بن النعمان. وقيل: ~~اسمها العالية بنت ظبيان بن [عمرو] (ج). وحكى ابن سعد (¬6) أيضا أن اسمها ~~عمرة بنت يزيد بن عبيد. وقيل: بنت PageV07P281 # يزيد بن الجون. وقد روى ابن سعد (¬1)، عن الواقدي، عن ابن أخي الزهري، عن ~~الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الكلابية. وذكر مثل حديث الباب، ولعله تصحف عليه من الكندية إلى الكلابية، ~~وقد ذكر ابن سعد للكلابية قصة أخرى بهذا السند إلى الزهري، وقال: اسمها ~~فاطمة بنت الضحاك بن سفيان. واستعاذت منه وطلقها، وكانت تلقط البعر وتقول: ~~أنا الشقية. قال: وتوفيت سنة ستين. ومن طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده، أن الكندية لما وقع التخيير اختارت قومها ففارقها، فكانت تقول: أنا ~~الشقية. ومن طريق سعيد (أ) بن أبي هند أنها أستعاذت منه فأعاذها. وظاهر هذا ~~أنهما قصتان، وقد روى ابن سعد (¬2) من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى ~~قال: لم تستعذ منه امرأة غيرها. # قال المصنف (¬3): وهو الذي يغلب على الظن؛ لأن ذلك إنما وقع للمستعيذة ~~بالخديعة المذكورة، فيبعد أن تخدع امرأة أخرى بعدها بمثل ما خدعت به بعد ~~شيوع الخبر بذلك. # وقوله: تعوذت ms1552 من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. اختلفت الرواية في ~~سبب تعوذها؛ ففي الخبر من حديث أبي أسيد (¬4): لما دخل عليها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: PageV07P282 # "هبي نفسك لي". قالت: وهل تهب الملكة نفسها لسوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع ~~يده عليها لتسكن. فقالت: أعوذ بالله منك. قال: "قد عذت بمعاذ". ثم خرج ~~علينا فقال: "يا أبا أسيد، اكسها رازقيتين (أ) وألحقها بأهلها". والسوقة ~~بضم السين المهملة للواحد والجمع من الرعية، وقيل لهم بذلك لأن الملك ~~يسوقهم فيستاقون له على مراده، وأما أهل السوق فالواحد منهم سوقي. قال ابن ~~المنير (¬1): وهذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية، والسوقة عندهم من ليس ~~بملك كائنا من كان، والرازقيتين براء مهملة ثم زاى ثم قاف، مثنى، ثياب من ~~كتان بيض طوال، قاله أبو عبيدة، وقال غيره: تكون في داخل بياضها زرقة، ~~والرازقى [الضعيف] (ب). وفي رواية لابن سعد (¬2): فأهوى إليها ليقبلها، ~~وكان إذا اجتلى (¬3) النساء أقعى وقبل. وفي رواية لابن سعد (¬4): فدخل ~~عليها داخل من النساء وكانت من أجمل النساء، فقالت: إنك من الملوك، فإن كنت ~~تريدين أن تحظي عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإذا جاءك فاستعيذي منه. # ووقع عند ابن سعد (¬5)، عن هشام بن محمد، عن عبد الرحمن بن PageV07P283 # الغسيل بإسناد البخاري، أن عائشة وحفصة دخلتا عليها أول ما قدمت، ~~(أفمشطتاها وخضبتاها أ) وقالت لها إحداهما: إن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول: أعوذ بالله منك. قال ابن عبد ~~البر (¬1): أجمعوا (ب) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج [الجونية] ~~(ج)، واختلفوا في سبب [فراقه] (د)؛ فقال قتادة: لما دخل عليها دعاها، ~~فقالت: تعال أنت. فطلتها. وقيل: كان بها (ه) وضح (¬2) كالعامرية. قال: وزعم ~~بعضهم أنها قالت: أعوذ بالله منك. فقال: "قد عذت بمعاذ، وقد أعاذك الله ~~مني". وطلقها. وقال: هذا باطل، إنما قال له هذا (و) امرأة من بني عنبر (ز)، ~~وكانت جميلة، فخافت نساؤه أن تغلبهن عليه فقلن لها: إنه ms1553 يعجبه أن يقال له: ~~أعوذ بالله منك. ففعلت فطلقها. # قال المصنف رحمه الله (¬3): ولا أدري لم حكم ببطلان ذلك مع كثرة الروايات ~~الواردة فيه وثبوته في حديث عائشة في "صحيح البخاري"، وقد PageV07P284 # جاءت في القصة [بألفاظ] (أ) مختلفة غير هذا. # وقوله: "قد عذت بمعاذ". هو بفتح الميم، ما يستعاذ به، أو اسم مكان العوذ، ~~والتنوين فيه للتعظيم. وفي رواية ابن سعد (¬1) فقال بكمه على وجهه، وقال: ~~"عذت معاذا". ثلاث مرات. وفي أخرى له (¬2) فقال: "أمن عائذ الله". # وقوله: فطلقها. ظاهر هذا اللفظ أنه طلقها بلفظ الطلاق، وقد جاء مثله في ~~روايات، وجاء في رواية البخاري (¬3) لحديث عائشة بلفظ: "الحقي بأهلك". بكسر ~~الهمزة، فعل أمر. وفي الأخرى لأبي أسيد (¬4): "ألحقها بأهلها". وهو يحتمل ~~أن الطلاق وقع بقوله: "الحقي بأهلك". فإنه كناية الطلاق، و (ب) رواية من ~~روى أنه طلقها روى الحكم الشرعي (ج) الواقع بهذا اللفظ، وهذا يناسب إيراد ~~البخاري له في باب من طلق، وهل يواجه المرأة بالطلاق؟ فكأنه لم يجزم بأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قصد بهذا اللفظ الطلاق (د)؛ لجواز أنه وقع ~~منه لفظ آخر، وأما قوله لأبي أسيد: "ألحقها بأهلها". فلعله قال PageV07P285 # ذلك له بعد قوله لها: "الحقي بأهلك". ولا منافاة في ذلك، مع أنه قد جاء ~~في لفظ البخاري (أ) في آخر الأشربة (¬1) من طريق أبي حازم، عن سهل بن سعد ~~قال: ذكر للنبي - صلى الله عليه وسلم - امرأة من العرب، فأمر أبا أسيد ~~الساعدي أن يرسل إليها، فقدمت فنزلت في أجم بني ساعدة، فخرج النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - حتى جاءها فدخل عليها، فإذا امرأة منكسة رأسها، فلما ~~كلمها قالت: أعوذ بالله منك. قال: "أعذتك مني (ب) ". فقالوا لها: أتدرين من ~~هذ؟! هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء ليخطبك. قالت: كنت أشقى من ~~ذلك. فإن كانت القصة واحدة فلا يكون قوله في الحديث "ألحقها بأهلها". ولا ~~غيره تطليقا؛ لعدم سابقية العقد. وإن كانت القصة متعددة فهو يحتمل، فلعل ~~هذه المرأة هي الكلابية ms1554 التي وقع فيها الاضطراب، ووقع في رواية ابن سعد ~~(¬2) عن أبي أسيد تمام القصة، وهو أنه لما ردها إلى أهلها تصايحوا وقالوا: ~~إنك لغير مباركة، فما دهاك؟ قالت: خدعت. قال: فتوفيت في خلافة عثمان. قال ~~(¬3): وحدثني هشام بن محمد، عن أبي خيثمة زهير بن معاوية، أنها ماتت كمدا. ~~ثم روى (¬4) بسند فيه الكلبي أن المهاجر بن أبي أمية تزوجها فأراد عمر ~~معاقبتها، فقالت: ما ضرب علي الحجاب، ولا سميت أم المؤمنين. فكف عنها. وعن ~~الواقدي: سمعت. PageV07P286 # وقوله: "ومتعها بثلاثة أثواب". فيه دلالة على ثبوت متعة المطلقة قبل ~~الدخول، التي لم يفرض لها صداق. والظاهر من القصة أن هذه المرأة لم يكن قد ~~فرض لها صداق، وهو مجمع على وجوب المتعة في حقها، إلا ما روي عن الليث ~~ومالك كما سيأتي. # وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في "سننه" ~~(¬1)، عن ابن عباس في قوله تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم ~~تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة} (¬2). قال المس النكاح، والفريضة الصداق. ~~{ومتعوهن} قال: هو على الرجل يتزوج المرأة ولم يسم لها صداقا، ثم يطلقها ~~قبل أن يدخل بها، فأمره الله أن يمتعها على قدر عسره ويسره، فإن كان موسرا ~~متعها بخادم أو نحو ذلك، وإن كان معسرا متعها بثلاثة أثواب أو نحو ذلك. # وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (¬3)، عن ابن عباس قال: متعة ~~الطلاق أعلاه الخادم، ودون ذلك الورق، ودون ذلك الكسوة. # وأخرج عبد الرزاق، وابن المنذر، والبيهقي (¬4)، عن ابن عمر، أنه أمر ~~موسعا بمتعة. فقال: تعطي كذا وتكسو (أ) كذا. فحسبت فوجدت ثلاثين درهما. PageV07P287 # وأخرج عبد الرزاق (¬1)، وعبد بن حميد، عن ابن عمر قال: أدنى ما يكون من ~~المتعة ثلاثون درهما. # وأخرج ابن جرير (¬2) عن ابن عباس قال: إذا طلق الرجل امرأته قبل أن يفرض ~~وقبل أن يدخل بها، فليس لها إلا المتاع. # واختلف العلماء في وجوبها في غير المذكورة، فذهب علي وعمر والحسن بن علي ~~وابن عمر والشافعي إلى وجوب ms1555 المتعة مع الدخول في حق من لم يسم لها؛ لعموم ~~قوله تعالى: {وللمطلقات متاع بالمعروف} (¬3). وذهب العترة، وأبو حنيفة، ~~وأصحابه، وأحد قولي الشافعي، إلى أن الواجب مهر المثل، ولا تجب المتعة، إذ ~~الآية الكريمة [شرط] (أ) فيها عدم المس، وهذا قد مس، وعموم قوله تعالى: ~~{وللمطلقات متاع بالمعروف}. مخصوص بمن لم يكن قد دخل بها، أو (ب) أراد ~~بالمتاع النفقة. وقوله تعالى: {فتعالين أمتعكن} (¬4). يحتمل نفقة العدة، ~~وقد ذهب الليث إلى أن المتعة لا تجب مطلقا. قال المصنف (¬5) رحمه الله: وبه ~~قال مالك، واحتج له بعض أصحابه بأن المتعة لم تقدر، ولو كانت واجبة كانت ~~مقدرة. وتعقب PageV07P288 # بأن عدم التقدير لا يلزم منه عدم الوجوب كما في نفقة القريب. واحتج بعضهم ~~بأن شريحا كان يقول: متع إن كنت محسنا، متع إن كنت متقيا. ولا دلالة فيه ~~(أ) على ترك الوجوب. وذهبت طائفة من السلف إلى أن لكل مطلقة متعة من غير ~~استثناء. وعن الشافعي مثله وهو الراجح. وكذا في كل فرقة إلا (ب) في فرقة ~~وقعت بسبب منها. كذا ذكره المصنف في "الفتح" (¬1)، وهذا الذي نسبه إلى ~~طائفة من السلف لعله الذي ذكر عن علي وعمر ومن تقدم في حق من طلقت ولم يسم ~~لها، وهو مقتضى احتجاجهم بعموم قوله: {وللمطلقات متاع}. فتنبه، والله أعلم. PageV07P289 ### || AUTO باب الوليمة # هي من الولم وهو الجمع؛ لأن الزوجين يجتمعان. قاله الأزهري (¬1) وغيره. ~~قال ابن الأعرابي (¬2): أصلها تمام الشيء واجتماعه. والفعل منها أولم، وتقع ~~على كل طعام يتخذ لسرور حادث من عرس وإملاك وغيرهما واستعمالها مطلقة في ~~العرس أكثر وأشهر، وفي غيره بالتقييد فيقال: وليمة إعذار أو نحوه. مع أن ~~لكل من الولائم اسما يخصه، كالعقيقة للولادة، والخرس لسلامة المرأة من ~~الطلق، وقد نظم بعضهم أسماء الطعام المتخذ لسبب فبلغها اثني عشر حيث قال (¬3): # أسامي الطعام اثنان من بعد عشرة ... سأسردها مقرونة ببيان # وليمة عرس ثم خرس ولادة ... عقيقة مولود وكيرة بان # وضيمة ذي موت نقيعة قادم ... عذيرة أو إعذار يوم ختان # ومأدبة الخلان ms1556 لا سبب لها ... حذاق صغير عند ختم قران # وعاشره في النظم تحفة زائر ... قرى الضيف مع نزل له بقران (أ) # فوليمة العرس ما تتخذ عند الدخول وما يتخذ عند الإملاك، وتسمى الشنداخ ~~بشين معجمة مضمومة وبفتح ثم نون ساكنة ثم دال مهملة مفتوحة PageV07P290 # وآخره خاء معجمة، مأخوذ من قولهم: فرس شندخ. أي يتقدم غيره لأنه يتقدم ~~الدخول. وقد صرح بذلك الشافعي في "الأم" (¬1) فقال: الوليمة التي تعرف ~~وليمة العرس وكل دعوة على إملاك أو نفاس أو ختان أو حادث سرور. وبهذا ~~الأخير تكون ثلاثة عشر. والخرس، بضم الخاء المعجمة وسكون الراء وآخره سين ~~مهملة أو صاد مهملة، لسلامة المرأة من الطلق، وقيل: طعام الولادة، ويقال: ~~خرسة بزيادة الهاء، والعقيقة في سابع المولود وسيأتي، والوكيرة (أمن الوكر ~~أ) وهو المأوى. والوضيمة، بكسر الضاد المعجمة. والنقيعة مأخوذة من النقع ~~وهو الغبار، يصنعها القادم أو غيره له. والعذيرة والإعذار بمعنى واحد، ~~والإعذار بالهمزة المكسورة والعين المهملة والذال المعجمة، والمأدبة، بضم ~~الدال أو فتحها (ب)، إن كانت لقوم مخصوصين سميت النقرى بفتح النون والقاف ~~والألف مقصورا، وإن كانت عامة سميت الجفلى بفتح الجيم والفاء مقصورا، ~~والحذاق من حذق بالشيء إذا صار ماهرا. كذا ذكره ابن الصباغ. وقال ابن ~~الرفعة: هو الذي يصنع عند ختم القرآن، ويحتمل ختم قدر مقصود منه، ويحتمل أن ~~يطرد ذلك في حذقه لكل صناعة. # والنزل ما يقدم للضيف حين ينزل، والقرى ما يفعل له فيما بعد. # 859 - وعن أنس بن مالك وضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رأى على PageV07P291 # عبد الرحمن بن عوف أثر صفرة فقال: "ما هذا"؟ قال: يا رسول الله، إني ~~تزوجت امرأة على وزن نواة من ذهب. فقال: "بارك الله لك، أولم ولو بشاة". ~~متفق عليه واللفظ لمسلم (¬1). # قوله: رأى على عبد الرحمن أثر صفرة. جاء في هذا المعنى ألفاظ في البخاري ~~وغيره ففي (أ) رواية زهير (¬2): فمكثنا ما شاء الله، ثم جاء وعليه وضر ~~صفرة. بفتح الواو والضاد المعجمة المفتوحة، آخره راء، أي: ms1557 أثر. وفي رواية ~~الثوري والأنصاري: فلقيه النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬3). زاد ابن سعد ~~(¬4): في سكة من سكك المدينة وعليه وضر من صفرة (¬5). وفي رواية حماد بن ~~زيد، عن ثابت: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى على عبد الرحمن بن عوف ~~أثر صفرة. وفي رواية حماد بن سلمة (¬6): وعليه ردع زعفران. والردع، بفتح ~~الراء المهملة والدال المهملة الساكنة والعين المهملة، هو أثر الزعفران، ~~وفي رواية معمر عن ثابت عند أحمد (¬7): وعليه وضر من خلوق. والخلوق بضم ~~الخاء هو PageV07P292 # طيب يصنع من زعفران وغيره، وفي حديث مالك (¬1)، أن عبد الرحمن بن عوف جاء ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وعليه أثر صفرة، ونحوه في رواية عبد ~~الرحمن نفسه (¬2)، وفي رواية عبد العزيز بن صهيب (¬3): فرأى النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عليه (أ) بشاشة العرس. والبشاشة بالباء الموحدة والشين ~~المعجمة أي أثره وحسنه أو فرحه وسروره، يقال: بشر فلان بفلان. أي أقبل عليه ~~فرحا به، وللطبراني في "الأوسط" (¬4) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بسند ~~فيه ضعف أن عبد الرحمن بن عوف أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد ~~خضب بالصفرة فقال: "ما هذا الخضاب، أعرست؟ " قال: نعم. وفي رواية زهير (¬5) ~~وابن علية (¬6) وابن سعد (¬7) وغيرهم، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "مهيم؟ ". ومعناه ما شأنك، أو ما هذا؟ وهي كلمة استفهامية مبنية على ~~السكون. # وفي تركيبها أو بساطتها قولان لأهل اللغة. وقال ابن مالك (¬8): هي اسم PageV07P293 # فعل بمعنى أخبر. وفي الطبراني (¬1)، وكان كلمته إذا أراد أن يسأل عن ~~الشيء، ووقع في رواية ابن السكن (¬2): "مهين" بنون بدل الميم، ووقع في ~~رواية للبخاري (¬3) وغيره "ما هذا؟ " # وقد يستدل بهذا على جواز التزعفر للعروس، وأنه مخصص لعموم النهي عن ~~التزعفر للرجال، ولكنه يحتمل أن تلك الصفرة كانت في ثيابه دون جسده، وقد ~~ذهب إلى مثل هذه التفرقة المالكية، ونقل مالك ذلك عن علماء المدينة، وفيه ~~حديث أبي موسى (¬4) رفعه: "لا يقبل الله صلاة رجل في جسده شيء من خلوق". ms1558 ~~فإن مفهومه أن ما عدا الجسد لا يتناوله الوعيد. ومنع ذلك أبو حنيفة ~~والشافعي ومن تبعهما في الثوب أيضا، وتمسكوا بأحاديث واردة في ذلك وهي ~~صحيحة، وأجابوا عن (أ) قصة عبد الرحمن بأجوبة؛ أحدها: أن ذلك كان قبل ~~النهي، ويؤيده أن القصة في أوائل الهجرة، وأكثر من روى النهي ممن تأخرت ~~هجرته. ثانيها: أن الصفرة التي تعلقت به من جهة زوجته فكان ذلك غير مقصود ~~له، ورجحه النووي (¬5) وعزاه للمحققين، وبنى عليه البيضاوي ورتب عليه ~~الاعتذار عن الاستنكار لذلك إذ كان الاستفهام للإنكار. ثالثها: أنه احتاج ~~إلى التطيب للدخول PageV07P294 # على أهله ولم يجد من طيب الرجال شيئا فتطيب من طيب المرأة، فصادف أن فيه ~~الصفرة فاستباح القليل منه عند عدم غيره كما قد جاء نظير ذلك في طيب ~~الجمعة، أنه إذا لم يجد طيبا تطيب من طيب أهله وظاهره الإذن ولو ظهر أثره. ~~رابعها: أنه كان يسيرا و (أ) لم يبق إلا أثره. خامسها: أن النهي عن التزعفر ~~للرجال ليس على التحريم؛ بدلالة تقريره لعبد الرحمن فإنه لم يأمره بإزالته. ~~سادسها: أن العروس يستثنى من النهي، ولا سيما إذا كان شابا (ب). ذكر ذلك ~~أبو عبيد (¬1)، قال: وكانوا يرخصون للشاب في ذلك أيام عرسه. قال: وقيل: كان ~~في (ج) أول الإسلام من تزوج لبس ثوبا مصبوغا علامة لزواجه ليعان على ~~وليمته، قال: وهذا غير معروف. # وقوله: على وزن نواة من ذهب. كذا وقع الجزم به في رواية ابن عيينة (¬2) ~~والثوري (¬3)، وكذا في رواية حماد بن سلمة، عن ثابت وحميد (3)، وفي رواية ~~زهير (3) وابن علية (¬4): نواة من ذهب. بحذف: وزن، أو قال: بوزن. PageV07P295 # وكذا في حديث عبد الرحمن نفسه بالشك (¬1)، أي بالشك من عبد الرحمن، فالشك ~~يحتمل أنه من عبد الرحمن أو من الراوي، وفي رواية شعبة ابن الحجاج عن عبد ~~العزيز بن صهيب (1): على وزن نواة. بحذف لفظ: ذهب. وعن قتادة (¬2) بزيادة: ~~من ذهب. وكذا أخرجه مسلم (¬3) من طريق أبي عوانة عن قتادة، ولمسلم (¬4) من ~~رواية شعبة، عن أبي حمزة، ms1559 عن أنس: على (أ) وزن نواة. قال: فقال رجل من ولد ~~عبد الرحمن: من ذهب. ورجح الداودي (¬5) رواية من قال: على نواة من ذهب. ~~واستنكر رواية من روى: وزن نواة. واستنكاره هو المنكر؛ لأن الذين جزموا ~~بذلك أئمة حفاظ، وقال عياض (5): لا وهم في الرواية، لأنها إن كانت نواة تمر ~~أو غيره، أو كان للنواة قدر معلوم صلح أن يقال في كل ذلك: وزن نواة. واختلف ~~في المراد بقوله: نواة. فقيل: المراد واحدة نوى التمر كما يوزن بنوى ~~الخروب، وأن القيمة عنها يومئذ كانت خمسة دراهم. وقيل: كان قدرها يومئذ ربع ~~دينار. ورد بأن نوى التمر يختلف في الوزن، فكيف يجعل معيارا لما يوزن به؟ ~~وقيل: من ذهب. عبارة عما قيمته خمسة دراهم من الورق. وجزم به الخطابي (¬6)، PageV07P296 # واختاره الأزهري (¬1)، ونقله عياض عن أكثر العلماء، ويؤيده أن في رواية ~~للبيهقي (¬2) من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة: وزنا نواة من ذهب قومت خمسة ~~دراهم. حكاه ابن قتيبة (¬3)، وجزم به ابن فارس (¬4)، وجعله البيضاوي (¬5) ~~الظاهر، ووقع في رواية حجاج بن أرطاة عن قتادة عند البيهقي (2): قومت ثلاثة ~~دراهم وثلثا. وإسناده ضعيف، ولكن جزم به أحمد، وقيل: ثلاثة ونصف. وقيل: ~~ثلاثة وربع. وعن بعض المالكية النواة عند أهل المدينة ربع دينار. ويؤيد هذا ~~ما وقع عند الطبراني في "الأوسط" (¬6) في آخر الحديث، قال أنس: حزرناها ربع ~~دينار. وقد قال الشافعي: النواة ربع النش (أ)، والنش نصف أوقية، والأوقية ~~أربعون درهما، فيكون خمسة دراهم. وكذا قال أبو عبيد (¬7) [أن] (ب) عبد ~~الرحمن بن عوف دفع خمسة دراهم، وهي تسمى نواة، كما تسمى الأربعون الأوقية. ~~وبه جزم أبو عوانة (¬8) وآخرون. PageV07P297 # وقوله: "بارك الله لك". يؤخذ منه الدعاء للمعرس بالبركة، ونهي عما كان ~~عليه الجاهلية من قولهم للمعرس: بالرفاء والبنين. ووقع هذا اللفظ مقدما على ~~قوله: "أولم". كما هنا في رواية حماد بن سلمة عن ثابت وحميد (¬1)، وفي ~~غيرها بتقديم "أولم" ولقد نال عبد الرحمن بركة دعوته - صلى الله عليه وسلم ~~- حتى قال عبد الرحمن ms1560 كما في آخر الرواية [عند البخاري] (أ): فلقد رأيتني ~~ولو رفعت حجرا لرجوت أن أصيب ذهبا أو فضة. حتى ورثت بعض نسائه ربع الثمن ~~مائة ألف، فتكون جملة تركته ثلاثة آلاف ألف ومائتي ألف، فإن كانت دراهم فهي ~~قليلة بالنسبة إلى مخلف الزبير، وإن كانت دنانير فهي أكثر. # وقوله: "أولم ولو بشاة". يدل على وجوب وليمة العرس، وقد ذهب إليه أهل ~~الظاهر ووجه معروف عند الشافعية جزم به سليم الرازي، وقال: إنه ظاهر نص ~~"الأم" (¬2)، ونقله عن النص أيضا الشيخ أبو إسحاق في "المهذب" (¬3)، وقال ~~ابن بطال (¬4): هي مندوبة ولا أعلم أحدا قال بوجوبها. وفي "المغني" (¬5) عن ~~أحمد أنها سنة، والجمهور على أنها مندوبة، ويحملون الأمر على الندب، ويقوي ~~القول بالوجوب ما رواه أحمد (¬6) من حديث PageV07P298 # بريدة قال: لما خطب علي فاطمة رضي الله عنها، قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: إنه لا بد للعرس من وليمة. وسنده لا بأس به، وظاهره اللزوم، ~~وهو قريب إلى معنى الوجوب، وإن كان يحتمل أن المراد بذلك اللزوم عرفا، وما ~~أخرجه أبو الشيخ والطبراني في "الأوسط" (¬1) من طريق مجاهد عن أبي هريرة، ~~رفعه: "الوليمة حق وسنة، فمن دعي ولم يجب فقد عصى" الحديث. وهذا كذلك فيه ~~احتمال كما قال ابن بطال (¬2): معنى "حق" أي ليست بباطل، بل يندب إليها، ~~ومعنى "سنة" فضيلة، وليس المراد بالحق الوجوب. ثم قال: ولا أعلم أحدا ~~أوجبها. كذا قال، وقد عرفت الخلاف، وأحسن ما يقال في قرينة حمل الأمر على ~~الندب: إنه لم يثبت الأمر لغير عبد الرحمن، كما قال الشافعي فيما نقله عنه ~~البيهقي (¬3)، قال: لا أعلمه أمر بذلك غير عبد الرحمن، ولا أعلم أنه هو - ~~صلى الله عليه وسلم - ترك الوليمة. فجعل ذلك مستندا في كون الوليمة ليست ~~بحتم، وقوله - صلى الله عليه وسلم - لعبد الرحمن بعد وقوع الدخول إنما هو ~~استدراك لما فات، وهو يدل على تأكد فعلها، وقد اختلف السلف في وقتها، هل هو ~~عند العقد أو عقبه أو عند الدخول، [أو عقبه، ms1561 أو موسع من ابتداء العقد إلى ~~انتهاء الدخول] (أ) على أقوال؛ فحكى عياض (¬4) أن الأصح عند المالكية ~~استحبابه بعد الدخول، وعن جماعة منهم أنه عند العقد، وعن PageV07P299 # ابن حبيب عند العقد وبعد الدخول، وقال في موضع آخر: يجوز قبل الدخول ~~وبعده، وذكر ابن السبكي (¬1) أن أباه قال: لم أر في كلام الأصحاب تعين ~~وقتها. وأنه استنبط من قول البغوي: ضرب الدف في النكاح جائز في العقد ~~والزفاف قبل وبعد قريبا منه. أن وقتها موسع من حين العقد، قال: والمنقول من ~~فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها بعد الدخول. وكأنه يشير إلى قصة ~~زينب بنت جحش، وقد ترجم عليه البيهقي (¬2): وقت الوليمة. انتهى. وما نفاه ~~من تصريح الأصحاب متعقب بأن الماوردي صرح بأنها عند الدخول، وحديث أنس في ~~هذا الباب صريح في أنها بعد الدخول، لقوله فيه (¬3): أصبح عروسا بزينب فدعا ~~القوم. واستحب بعض المالكية أن تكون عند البناء ويقع الدخول عقيبها وعليه ~~عمل الناس. # وقوله: "ولو بشاة". "لو" هنا وصلية لبيان أقل ما يفعله، ويستفاد منه أن ~~الإكثار لمن يقدر على ذلك أولى؛ قال القاضي عياض (¬4): أجمعوا على أنه لا ~~حد لأكثرها، وأما أقلها فكذلك، ومهما تيسر أجزأ، والمستحب أنها على قدر ~~حالة الزوج. انتهى. # وظاهر الحديث يدل على أن الشاة أقل ما يجزئ إلا أنه قد ثبت عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه أولم على بعض نسائه بأقل من شاة، كما في أم سلمة ~~وغيرها (¬5)، PageV07P300 # وأولم على زينب بشاة، وقال أنس: لم يولم على غير زينب بأكثر مما أولم ~~عليها. وظهر في ذلك من المعجزة من البركة في الشاة حتى أشبع المسلمين خبزا ~~ولحما، والأظهر أنه أولم على ميمونة بنت الحارث -لما تزوجها بمكة في عمرة ~~القضية، وطلب من أهل مكة أن يحضروا وليمتها فامتنعوا (أ) - بأكثر من ذلك ~~لوجود التوسعة عليه في تلك الحال، فإن ذلك بعد فتح خيبر، وقد وسع الله على ~~المسلمين منذ فتحها عليهم، ويحمل قول أنس بأنه لم يولم بأكثر من ذلك. ms1562 ~~باعتبار ما وقع من البركة في الشاة، وشبع الناس منها. والله أعلم. وقال ~~صاحب "التنبيه" من الشافعية (¬1): إن الشاة حد لأكثر الوليمة. ودعوى عياض ~~الإجماع يدفعه، وقال ابن أبي عصرون (¬2): أقلها للموسر شاة، وهو مأخوذ من ~~الحديث. # 860 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا دعى أحدكم إلى وليمة فليأتها". متفق عليه (¬3). # ولمسلم (¬4): "إذا دعا أحدكم أخاه فليجب؛ عرسا كان أو نحوه". # الحديث فيه دلالة على الإجابة إلى الوليمة، والوليمة وردت في بعض PageV07P301 # روايات ابن عمر مطلقة، وظاهره عرس أو غيره، بل صرح في بعض رواياته عند ~~مسلم وأبي داود (¬1) بقوله: "عرسا أو نحوه". وفي بعض ألفاظه كما في رواية ~~مسلم (¬2) من حديث عبيد الله بن عمر العمري عن نافع: "إذا دعي أحدكم إلى ~~وليمة عرس فليجب" والجمع بين اختلاف الألفاظ أن بعضهم اقتصر على بعض ~~الألفاظ، وبعضهم استوفى اللفظ الوارد جميعه، ويكون ذلك زيادة من الحافظ ~~فتقبل، وهو المروي عن عبد (أ) الله بن عمر أن الأمر بالإجابة [لا يختص ~~بالعرس، وقد أخذ بظاهره الظاهرية وبعض الشافعية، فقالوا بوجوب الإجابة] (ب) ~~إلى الدعوة مطلقا، ونقله ابن عبد البر (¬3) عن عبيد الله بن الحسن العنبري ~~قاضي البصرة، وزعم ابن حزم (¬4) أنه قول جمهور الصحابة والتابعين، ويرد ~~عليه أن عثمان بن أبي العاص وهو من مشاهير الصحابة، قال في وليمة الختان ~~(¬5): لم يكن يدعى لها. إلا أنه قد يدفع بأنه (ج) لو دعي [لها] (ب) ~~لأجابوا. وأخرج عبد الرزاق (¬6) بإسناد صحيح PageV07P302 # عن ابن عمر، أنه دعي لطعام، فقال رجل من القوم: أعفني. فقال ابن عمر (أ): ~~لا عافية لك في هذا فقم. وأخرج الشافعي (¬1) وعبد الرزاق بسند صحيح عن ابن ~~عباس، أن ابن صفوان دعاه، فقال: إني مشغول، وإن لم يعفني جئته. و (ب) جزم ~~بعدم الوجوب في غير وليمة النكاح المالكية والحنفية والحنابلة وجمهور ~~الشافعية، وبالغ السرخسي منهم [فنقل] (ج) فيه الإجماع، ولفظ الشافعي: إتيان ~~دعوة الوليمة حق والوليمة التي تعرف وليمة ms1563 العرس، وكل دعوة دعي إليها رجل ~~وليمة، فلا أرخص لأحد في تركها، ولو تركها لم يتبين لي أنه عاص في تركها، ~~كما تبين [لي] (د) في وليمة العرس. انتهى. # ففرق بين وليمة العرس وغيرها، وفي "البحر" (¬2) حكى إجماع العترة في عدم ~~وجوب الإجابة في جميع الولائم، وأنها مستحبة، وقد نقل ابن عبد البر ثم عياض ~~ثم النووي (¬3) [الاتفاق] (ه) على القول بوجوب الإجابة لوليمة العرس، وفيه ~~نظر، إلا أن المشهور من قول العلماء الوجوب، وصرح جمهور الشافعية والحنابلة ~~بأنها فرض عين، ونص عليه مالك، وعن بعض الشافعية والحنابلة أنها مستحبة، ~~وذكر اللخمي من المالكية أنه المذهب، وكلام PageV07P303 # صاحب "الهداية" يقتضي الوجوب مع تصريحه بأنها سنة، فكأنه أراد أنها وجبت ~~بالسنة، وليست فرضا كما عرف من قاعدتهم، وعن بعض الشافعية والحنابلة هي فرض ~~كفاية، وحكى ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" (¬1): وقد يسوغ ترك الإجابة ~~على القول بالوجوب وعلى القول بالندب لأعذار، منها: أن يكون في الطعام ~~شبهة، أو يخص بها الأغنياء، أو يكون هناك من يتأذى بحضوره معه، أو لا (أ) ~~يليق مجالسته، أو يدعوه لخوف شره، أو لطمع في جاهه، أو ليعاونه على باطل، ~~أو يكون هناك منكر من خمر، أو لهو، أو فرش حرير، أو ستر لجدار البيت، أو ~~صور في البيت، أو يعتذر إلى الداعي فيتركه، أو كانت في الثالث كما سيأتي ~~(¬2). وقد بوب البخاري (¬3)، وقال: باب هل يرجع إذا رأى منكرا في الدعوة؟. ~~هكذا أورد الترجمة بالاستفهام ولم يجزم، ثم قال: ورأى ابن مسعود سورة في ~~البيت فرجع، كذا في رواية البعض، وفي رواية الباقين: أبو مسعود، وهو ~~الصواب. فأخرجه البيهقي (¬4) عن أبي مسعود عقبة بن عمرو، أن رجلا صنع طعاما ~~فدعاه، فقال: أفي البيت صورة؟ قال: نعم. فأبى أن يدخل حتى تكسر الصورة. ~~وسنده صحيح، ثم قال (¬5): ودعا ابن عمر أبا أيوب فرأى في البيت سترا على PageV07P304 # الجدار، فقال ابن عمر: غلبنا عليه النساء. فقال: من كنت أخشى عليه فلم ~~أكن أخشى عليك، والله لا ms1564 أطعم لكم طعاما. [فرجع] (أ). وهذا المعلق وصله ~~أحمد في كتاب "الورع" (¬1)، ومسدد (¬2) في "مسنده"، ومن طريقه الطبراني ~~(¬3) عن سالم بن عبد (ب) الله بن عمر قال: أعرست (¬4) في عهد أبي، فآذن ~~الناس، وكان أبو أيوب فيمن آذنا وقد ستروا بيتي ببجاد (¬5) أخضر، فأقبل أبو ~~أيوب فاطلع فرآه، فقال: يا عبد الله، أتسترون الجدر؟ فقال أبي -واستحيا-: ~~غلبنا عليه النساء يا أبا أيوب. فقال: من خشيت أن تغلبه النساء. فذكره. ~~وروى المصنف (¬6) رحمه الله من وجه آخر القصة وفيها: فأقبل أصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يدخلون الأول فالأول، حتى أقبل أبو أيوب. وفيه: فقال ~~عبد الله: أقسمت عليك لترجعن. فقال؛ وأنا أعزم على نفسي ألا أدخل يومي هذا. ~~ثم انصرف. وأخرج أحمد في كتاب "الزهد" (¬7) أن رجلا دعا ابن عمر إلى عرس، ~~فإذا بيته قد ستر بالكرور (ج)، فقال ابن عمر: PageV07P305 # يا فلان، متى تحولت الكعبة في بيتك؟ ثم قال لنفر معه من أصحاب محمد - صلى ~~الله عليه وسلم -: ليهتك كل رجل ما يليه. قال ابن بطال (¬1): لا يجوز ~~الدخول في الدعوة يكون فيها منكر؛ لما في ذلك من إظهار الرضا بها. ونقل ~~مذاهب القدماء في ذلك، وحاصله إن كان هناك محرم وقدر على إزالته فأزاله فلا ~~بأس، وإن لم يقدر [فليرجع] (أ)، وإن كان مما يكره كراهة تنزيه فلا يخفي ~~الورع. انتهى. # [وقصة] (ب) أبي أيوب والصحابة الذين دخلوا تحتمل أن أبا أيوب كان يرى ~~تحريم الستر، فلذلك رجع، وغيره لا يراه فلذلك دخلوا، ويحتمل أن كراهة ذلك ~~للتنزيه، فأبو أيوب عمل بالورع والتشدد في ذلك فرجع، وغيره تسامحوا بالدخول ~~في ذلك، وقد فصل العلماء ذلك؛ قالوا: إن كان لهوا مما اختلف فيه فيجوز ~~الحضور، والأولى الترك، وإن كان حراما كشرب الخمر نظر، فإن كان المدعو ممن ~~إذا حضر رفع لأجله فليحضر، وإن لم يكن كذلك؛ ففيه للشافعية وجهان (ج): # أحدهما: يحضر وينكر بحسب قدرته، وإن كان الأولى [ألا] (د) يحضر، قال ~~البيهقي (¬2): وهو ظاهر نص الشافعي، وعليه ms1565 جرى العراقيون PageV07P306 # من أصحابه. وقال صاحب "الهداية" من الحنفية (¬1): لا بأس أن يقعد ويأكل ~~إذا لم يكن يقتدى به، فإن كان ولم يقدر على منعهم فليخرج؛ لما فيه من شين ~~الإيمان والدين، وفتح باب المعصية، وحكي عن أبي حنيفة أنه قعد، وهو محمول ~~على أنه وقع له ذلك قبل أن يصير مقتدى (أ) به، وهذا بعد الحضور، فإن علم ~~قبله لم تلزمه الإجابة. # والوجه الثاني للشافعية: تحريم الحضور لأنه كالراضي بالمنكر، وصححه ~~المراوزة، فإن لم يعلم حتى حضر نهاهم، فإن لم ينتهوا خرج إلا أن يخاف على ~~نفسه، وعلى هذا جرى الحنابلة، وكذا اعتبر المالكية في الإجابة (ب ألا يكون ~~ب) منكر، وكذا اعتبر الهدوية وغيرهم من العترة، وإذا كان من أهل الهيئة لا ~~ينبغي له أن يحضر موضعا فيه لهو أصلا. حكاه ابن بطال وغيره عن مالك، ويؤيد ~~منع الحضور حديث عمران بن الحصين: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~إجابة طعام الفاسقين. أخرجه الطبراني في "الأوسط" (¬2)، وأما مع وجود ~~المحرم فما أخرجه النسائي (¬3) من حديث جابر مرفوعا: "من كان يؤمن بالله ~~واليوم الآخر فلا يقعد على مائدة يدار عليها الخمر". وإسناده جيد، وأخرجه ~~الترمذي (¬4) من وجه آخر عن جابر فيه [ضعف] (ج)، وأبو داود (¬5) من PageV07P307 # حديث ابن عمر بسند فيه انقطاع، وأحمد (¬1) من حديث عمر. # وأما حكم ستر البيوت والجدران ففي جوازه اختلاف قديم، وجزم جمهور ~~الشافعية بالكراهة، وصرح الشيخ [أبو] (أ) نصر المقدسي منهم بالتحريم، واحتج ~~بحديث عائشة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله [لم] (ب) ~~يأمرنا أن نكسو الحجارة والطين". وجذب الستر حتى هتكه. وأخرجه مسلم (¬2)، ~~قال البيهقي (¬3): هذه اللفظة تدل على كراهة ستر الجدار، وإن كان في بعض ~~ألفاظ الحديث أن المنع كان بسبب الصورة، وقال غيره: ليس في السياق ما يدل ~~على التحريم، وإنما فيه نفي الأمر بذلك، ونفي الأمر لا يستلزم ثبوت النهي، ~~لكن يمكن أن يحتج بفعله - صلى الله عليه وسلم - في هتكه، (ج وأخرج ج) في ms1566 ~~التحريم حديث ابن عباس عند أبي داود (¬4) وغيره: "ولا تستروا [الجدر] (د) ~~بالثياب". وفي إسناده ضعف، وله شاهد مرسل عن علي بن الحسين أخرجه ابن وهب ~~ثم البيهقي (3) من طريقه، وعند سعيد PageV07P308 # ابن منصور (¬1) من حديث سلمان موقوفا، أنه أنكر ستر البيت؛ وقال: أمحموم ~~بيتكم، أو تحولت الكعبة عندكم؟ ثم قال: لا أدخله حتى يهتك. وأخرح الحاكم ~~والبيهقي (¬2) من حديث محمد بن كعب عن عبد الله بن يزيد (1) الخطمي أنه رأى ~~بيتا مستورا فقعد وبكى، وذكر حديثا عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فكيف ~~بكم إذا سترتم بيوتكم؟ " الحديث. وأصله في النسائي (¬3). # 861 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من ~~يأباها، ومن لم يجب الدعوة فقد عصى الله ورسوله". أخرجه مسلم (¬4). # 862 - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائما فليصل، كان كان مفطرا فليطعم". أخرجه ~~مسلم أيضا (¬5). وله (¬6) من حديث جابر رضي الله عنه نحوه، وقال: "إن شاء ~~طعم، وإن شاء ترك". # الحديث الأول أخرجه مسلم من طريق مرفوعا، وأخرجه البخاري (¬7) PageV07P309 # موقوفا على أبي هريرة أنه كان يقول: شر الطعام طعام الوليمة؛ يدعى لها ~~الأغنياء، ويترك الفقراء، ومن ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله. ووقع في ~~رواية الإسماعيلي (¬1) من طريق معن بن عيسى عن مالك: "المساكين" بدل: ~~"الفقراء". وذكر ابن عبد البر (¬2) أن جل رواة مالك لم يصرحوا برفعه، وقال ~~فيه روح بن القاسم عن مالك بسنده: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~وكذا أخرجه الدارقطني في "غرائب مالك" (1). وكذا أخرجه أبو الشيخ (1) من ~~طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة مرفوعا صريحا، وأخرج له شاهدا من حديث ابن ~~عمر كذلك (1). # قوله: "شر الطعام .. " إلى آخره. أي من شر الطعام طعام الوليمة. # وقوله: "يمنعها" جملة استئنافية (أ) لبيان الوجه المقتضي لكونه من شر ~~الطعام، وهذا بالنظر إلى أغلب أحوال الوليمة، ms1567 وأنها متصفة بهذه الصفة ~~المقتضية لشرية طعامها، ومع هذه الصفة إن من لم يجب الدعوة إليها فهو عاص، ~~وتكون الدعوة سببا لأكل المدعو شر الطعام، وأراد بقوله: "يمنعها من ~~يأتيها": الفقراء، "ويدعى إليها من يأباها": هم الأغنياء، فلو دعوا الجميع ~~لم يكن شرا. # وقد أخرج ابن حبيب (¬3) عن أبي هريرة أنه كان يقول: أنتم العاصون في PageV07P310 # الدعوة، تدعون من لا [يأتي] (أ)، وتدعون من يأتي (ب). ووقع في رواية ~~الطبراني (¬1) من حديث ابن عباس: "بئس الطعام طعام الوليمة؛ يدعى إليه ~~الشبعان، ويحبس عنه الجيعان". # ويعني الحديث الإخبار بما يقع من الناس بعده - صلى الله عليه وسلم - من ~~مراعاة الأغنياء في الولائم وتخصيصهم بالدعوة وإيثارهم بطيب الطعام ورفع ~~مجالسهم وتقديمهم وغير ذلك مما هو الغالب في الولائم. والله المستعان. # وقوله: "ومن لا يجب الدعوة". هي بفتح الدال على المشهور، وضمها قطرب في ~~"مثلثه" وغلطوه في ذلك (¬2)، قال النووي (¬3): دعوة النسب بكسر الدال، وعكس ~~ذلك بنو تيم الرباب ففتحوا دال دعوة النسب وكسروا دال دعوة الطعام، وما ~~نسبه لتيم الرباب نسبه صاحبا "الصحاح" (¬4) و "المحكم" (¬5) لبني عدي (ج) ~~الرباب. والله أعلم. # والظاهر أن المراد بالدعوة هنا هي وليمة العرس، فتكون (د) اللام للعهد PageV07P311 # الخارجي، وقد تقدم أن الوليمة إذا أطلقت من غير تقييد انصرفت إلى طعام ~~العرس، وسائر الولائم تقيد. # وقوله: "فقد عصى الله ورسوله". هذا يدل على وجوب الإجابة، إذ المعصية ~~إنما تكون بترك (أ) الواجب، ووقع في رواية لابن عمر عند أبي عوانة (¬1): ~~"من دعي إلى وليمة فلم يأتها فقد عصى الله ورسوله". # [وقد تقدم الخلاف في حكم الإجابة في الحديث الذي قبل هذا] (ب). # وقوله: "فإن كان صائما فيصل". اختلف العلماء في المراد بالصلاة؛ فقال ~~الجمهور: معناه: فليدع لأهل الطعام بالمغفرة والبركة ونحو ذلك، وأصل الصلاة ~~في اللغة الدعاء، وقيل: المراد: الصلاة الشرعية، أي يشتغل بالصلاة ليحصل له ~~فضلها ويتبرك أهل المكان والحاضرون. # وقوله: "وإن كان مفطرا فليطعم". ظاهره تحتم الأكل، وفي الرواية الأخرى: ~~"إن شاء طعم وإن شاء ms1568 ترك". ظاهرها التخيير، وقد اختلف العلماء في ذلك، ~~والأصح عند الشافعية أنه لا يجب الأكل [لا] (ج) في وليمة العرس ولا في ~~غيرها، ومن أوجبه اعتمد الرواية الأولى وتأول الثانية على من كان صائما، ~~ومن لم يوجبه اعتمد رواية التخيير وحمل رواية "فليطعم" على الندب. وإذا قيل ~~بوجوب الأكل فأقله لقمة، ولا يلزمه الزيادة؛ لأنه PageV07P312 # يسمى أكلا، ولأنه إذا كان الحكمة في الأمر بالأكل هو إيناس صاحب الطعام ~~وإزالة ما يقع في نفسه أن الامتناع عن الأكل [تنزه] (أ) من الطعام لئلا ~~يكون فيه شبهة، فاللقمة الواحدة تزيل ذلك. وأما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب ~~عليه الأكل، لكن إذا كان صومه فرضا لم يجز له الأكل؛ لأن الفرض لا يجوز ~~الخروج منه، وإن كان نفلا جاز له الفطر وتركه، فإن كان يشق على صاحب الطعام ~~صومه فالأفضل الفطر وإلا فإتمام الصوم. # 863 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "طعام أول يوم حق، وطعام يوم الثاني سنة، وطعام يوم الثالث سمعة". ~~رواه الترمذي (¬1) واستغربه ورجاله رجال الصحيح، وله شاهد عن أنس عند ابن ~~ماجه (¬2). # الحديث أخرجه الترمذي بزيادة: "ومن سمع سمع الله به". وقال: لا نعرفه إلا ~~من حديث زياد بن عبد الله البكائي (¬3)، وهو كثير الغرائب والمناكير. قال ~~المصنف رحمه الله (¬4): وزياد مختلف فيه وشيخه فيه عطاء بن PageV07P313 # السائب (¬1)، وسماع زياد منه بعد اختلاطه. انتهى. فلا يصح قول المصنف هنا ~~أن رجاله رجال الصحيح. # وحديث ابن ماجه أخرج عن أبي هريرة مثله، وفي إسناده عبد الملك بن حسين ~~(¬2) وهو ضعيف، وأخرج ابن عدي والبيهقي مثله عن أبي هريرة (¬3)، وفي إسناده ~~بكر بن خنيس (¬4) وهو ضعيف، وله طريق أخرى عن مروان بن معاوية عن عوف عن ~~الحسن عن أنس نحوه، قال ابن أبي حاتم (¬5): إنه سأل أباه عنه، فقال؛ إنما ~~هو عن الحسن عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا. وأخرج الطبراني (¬6) ~~عن ابن عباس مرفوعا: "طعام في العرس يوم سنة، وطعام ms1569 يومين فضل، طعام ثلاثة ~~أيام رياء وسمعة". وسنده ضعيف. # وأخرج أبو داود والنسائي (¬7) من طريق قتادة، عن رجل من ثقيف تردد في ~~اسمه؛ هل زهير بن [عثمان أو] (أ) غيره، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: PageV07P314 # "الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة". وقال البخاري ~~(¬1): لا يصح إسناده ولا يصح لزهير صحبة. إلا أن البغوي أخرجه في "معجم ~~الصحابة" (¬2) فيمن اسمه زهير، ولم يذكر له غيره، وقال: لا أعلم له اسما ~~غيره. وقال ابن عبد البر (¬3): يقال: إنه مرسل. وغلط ابن [قانع] (أ) (¬4) ~~فذكره في "الصحابة" فيمن اسمه معروف، وذلك أنه وقع في "السنن" وفي "المسند" ~~(¬5): عن رجل من ثقيف يقال له معروف. أي يثنى عليه خير. وهذه الأحاديث وان ~~كان كل منها لا يخلو من مقال، فإن مجموعها يدل على أن للحديث أصلا. # الحديث فيه دلالة على شرعية الضيافة يومين، ويفهم من كونها أول يوم حق ~~وجوبها، فإن الحق هو الثابت اللازم، وقد تقدم الكلام في ذلك، وكونها في ~~اليوم الثاني سنة، أي طريقة مستمرة، يعتاد الناس فعلها، يعني لا يدخل ~~صاحبها الرياء والتسميع، وأما اليوم الثالث فهو رياء وسمعة، فيكون فعلها ~~حراما والإجابة إليها كذلك، وقد وقع في رواية أبي داود والدارمي (¬6) في ~~آخر حديث زهير بن عثمان: قال قتادة: بلغني عن سعيد بن المسيب أنه PageV07P315 # دعي أول يوم وأجاب، ودعي ثاني يوم فأجاب، ودعي ثالث يوم فلم يجب، وقال: ~~أهل رياء وسمعة. فكأنه بلغه الحديث فعمل بظاهره، إن ثبت ذلك عنه، وقد عمل ~~بهذا العلماء من الهدوية والشافعية والحنابلة، قال النووي (¬1): إذا أولم ~~ثلاثا فالإجابة في اليوم الثالث مكروهة، في الثاني (أ) لا تجب قطعا، ولا ~~يكون استحبابها فيه كاستحبابها في اليوم الأول. وقد حكى صاحب "التعجيز" ~~(¬2) في وجوبها في اليوم الثاني وجهين، وقال في "شرحه": أصحهما الوجوب. وبه ~~قطع الجرجاني؛ لوصفه بأنه معروف أو سنة. وذهب الحنابلة إلى الوجوب في اليوم ~~الأول، والثاني سنة، تمسكا بظاهر الحديث. وأما الكراهة فأطلقها بعضهم لظاهر ms1570 ~~الحديث، وقال العمراني (¬3): يكره إذا كان المدعو في اليوم الثالث هو ~~المدعو في اليوم الأول. وكذا الروياني (3)، وهذا قريب؛ لأنه إذا كان المدعو ~~كثيرين وهو شاق (ب) جمعهم في يوم واحد، فدعا في كل يوم فريقا، لم يكن في ~~ذلك رياء وسمعة غالبا، وجنح البخاري إلى أنها لا بأس بالضيافة ولو إلى سبعة ~~أيام حيث قال (¬4): باب حق إجابة الوليمة والدعوة، ومن أولم سبعة أيام ~~ونحوه، PageV07P316 # ولم يوقت النبي - صلى الله عليه وسلم - يوما ولا يومين. وأشار بذلك إلى ~~ما أخرجه ابن أبي شيبة (¬1) من طريق حفصة بنت سيرين قالت: لما تزوج أبي دعا ~~الصحابة سبعة أيام، فلما كان يوم الأنصار دعا أبي بن كعب وزيد بن ثابت ~~وغيرهما، فكان أبي صائما، فلما طعموا دعا أبي. وأخرجه البيهقي (¬2) من وجه ~~آخر أتم سياقا منه، وأخرجه عبد الرزاق (¬3) من وجه آخر إلى حفصة وقال فيه: ~~ثمانية أيام. وقد أشار إليه البخاري بقوله: [و] (أ) نحوه. لأن القصة واحدة، ~~فإطلاقه حق الإجابة وذكره لهذا يدل على ترجيحه. وقوله: ولم يوقت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. تصريح بإطلاق الإجابة سواء طالت أو قصرت مدة ~~الضيافة، وذهب إلى هذا المالكية، قال عياض (¬4): استحب أصحابنا لأهل السعة ~~كونها أسبوعا. قال: وقال بعضهم: محله إذا دعا في كل يوم من لم يدع قبله. ~~وظاهر الحديث الإطلاق، إلا أنه قد يحمل على ما إذا وقع رياء وسمعة، إلا أنه ~~بالغ في ذلك [فجعله] (ب) كله رياء وسمعة -مبالغة- لما كان ذلك هو الغالب، ~~فإذا أمن الرياء فلا كراهة في الثالث كما وقع من السلف. والله أعلم. PageV07P317 # 864 - وعن صفية بنت شيبة قالت: أولم النبي - صلى الله عليه وسلم - على ~~بعض نسائه بمدين من شعير. أخرجه البخاري (¬1). # هي صفية بنت شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الحجبي من بني عبد الدار بن قصي، ~~اختلف في رؤيتها للنبي - صلى الله عليه وسلم -؛ فقيل: إنها لم تره. وكذا ~~جزم ابن سعد وابن حبان بأنها تابعية (¬2)، قال الدارقطني (¬3): هذا من ~~الأحاديث التي ms1571 تعد فيما أخرج البخاري من المراسيل. لكن ذكر المزي في ~~"الأطراف" (¬4) أن البخاري أخرج في كتاب الحج (¬5) عقيب حديث أبي هريرة ~~وابن عباس في تحريم مكة، قال: وقال أبان بن صالح عن الحسن بن مسلم عن صفية ~~بنت شيبة قالت: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله. قال: ووصله ابن ~~ماجه (¬6) من هذا الوجه. قال المصنف (3) رحمه الله تعالى: وكذا وصله ~~البخاري في "التاريخ" (¬7). ثم قال المزي: لو صح هذا لكان صريحا في صحبتها، ~~لكن أبان بن صالح (¬8) ضعيف. كذا أطلق هنا، ولم ينقل في ترجمة أبان بن صالح PageV07P318 # في "التهذيب" (¬1) تضعيفه عن أحد، بل نقل توثيقه عن يحيى بن معين وأبي ~~حاتم وأبي زرعة وغيرهم، إلا أن ابن عبد البر ضعفه في "التمهيد" (¬2) لما ~~ذكر حديث جابر في استقبال قاضي الحاجة القبلة، وكأنه التبس عليه بأبان بن ~~أبي عياش البصري صاحب أنس، فإنه ضعيف باتفاق (¬3). وذكر المزي حديث صفية ~~بنت شيبة، قالت: طاف النبي - صلى الله عليه وسلم - على بعير يستلم الركن ~~بمحجن (¬4) وأنا أنظر إليه. أخرجه أبو داود وابن ماجه (¬5)، قال المزي: هذا ~~يضعف قول من أنكر أن تكون لها [رؤية] (أ)؛ فإن إسناده حسن. # وقوله: على بعض نسائه. قال المصنف رحمه الله (¬6): لم أقف على تعيين ~~اسمها صريحا، وأقرب ما يفسر به: أم سلمة، فقد أخرج ابن سعد (¬7) عن شيخه ~~الواقدي بسند له إلى أم سلمة، قالت: لما خطبني النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-. فذكر قصة تزويجه بها، قالت: فأدخلني بيت زينب بنت خزيمة، فإذا جرة فيها ~~شيء من شعير فأخذته فطحنته، ثم عصدته (¬8) في PageV07P319 # البرمة، وأخذت شيئا من إهالة فأدمته (¬1)، فكان ذلك طعام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. وأخرج ابن سعد أيضا وأحمد (¬2) بإسناد صحيح إلى أبي بكر ~~بن عبد الرحمن بن الحارث أن أم سلمة أخبرته. فذكر قصة خطبتها وتزويجها، ~~وفيه: قالت: وأخرجت حبات شعير كانت في جرتي وأخرجت شحما فعصدته له، ثم بات، ~~ثم أصبح. الحديث أخرجه النسائي (¬3) أيضا، لكن لم (أ) يذكر ms1572 المقصود هنا، ~~وأصله في "مسلم" (¬4) من وجه آخر بدونه. # وأما ما أخرجه الطبراني في "الأوسط" (¬5) من طريق شريك عن حميد عن أنس ~~قال: أولم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أم سلمة بتمر وسمن. فهو ~~وهم من شريك؛ لأنه كان سيئ الحفظ (¬6)، [أو] من الراوي عنه -وهو [جندل] (ج) PageV07P320 # ابن والق (¬1) - فإن مسلما والبزار ضعفاه (¬2)، وقواه أبو حاتم الرازي ~~والبستي (¬3)، وإنما المحفوظ من حديث حميد عن أنس أن ذلك في قصة صفية. كذلك ~~أخرجه النسائي (¬4)، وقد ذكره البخاري (¬5) مطولا في كتاب النكاح عن حميد ~~عن أنس. # ويحتمل أنه أراد ببعض نسائه هو ما وقع في وليمة علي بفاطمة رضي الله ~~عنهما، وأراد ببعض نسائه؛ أي: من ينسب إليه من النساء في الجملة، فقد أخرج ~~الطبراني (¬6) من حديث أسماء بنت عميعر قالت: لقد أولم علي بفاطمة فما كانت ~~وليمة في ذلك الزمان أفضل من وليمته، رهن درعه عند يهودي بشطر شعير. ولعله ~~أريد بمدين من شعير؛ لأن المدين نصف الصاع، فكأنه قال: شطر صاع. فينطبق على ~~القصة (أ) التي في الباب، ويكون نسبة الوليمة إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مجازية، إما لكونه الذي وفى اليهودي ثمن شعيره أو لغير ذلك. # وقوله: "بمدين من شعير". قال المصنف رحمه الله تعالى (¬7): كذا وقع في ~~رواية كل من رواه عن الثوري فيما وقفت عليه ممن قدمت ذكره، إلا PageV07P321 # عبد الرحمن بن مهدي فوقع في روايته: بصاعين من شعير. أخرجه النسائي (¬1) ~~والإسماعيلي (¬2) من روايته، وهو وإن كان أحفظ من رواه عن الثوري، لكن ~~العدد الكثير أولى بالضبط من الواحد، كما قال الشافعي في غير هذا، والله ~~أعلم. انتهى. # 865 - وعن أنس رضي الله عنه قال: أقام النبي - صلى الله عليه وسلم - بين ~~خيبر والمدينة ثلاث ليال يبنى عليه بصفية، فدعوت السلمين إلى وليمته، فما ~~كان فيها من خبز ولا لحم، وما كان فيها إلا أن (أ) أمر بالأنطاع فبسطت، ~~فألقى عليها التمر والأقط (¬3) والسمن. متفق عليه واللفظ للبخاري (¬4). # قوله: يبنى عليه بصفية. ms1573 أي: يبنى عليه خباء جديد مع صفية أو بسببها، ~~فالباء بمعنى "مع" للمصاحبة أو السببية، والمراد الاختلاء بصفية، وفيه ~~دلالة على [إيثار] (ب) المرأة الجديدة بثلاثة أيام ولو كان في السفر، ولذلك ~~بوب له البخاري: باب البناء بالمرأة في السفر. ويؤخذ من هذه القصة أنه يجوز ~~تقديم الاشتغال بالعمل الخاص قبل الأعمال العامة إذا كان لا PageV07P322 # يفوت به غرض (أ)، والاهتمام بوليمة العرس، وأنها تجزئ من دون الشاة، ~~وإشهار النكاح وإشاعته، وفي القصة أن أبا أيوب حرس النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في جميع الليلة التي بنى فيها على صفية خشية عليه منها (¬1)، والتمر ~~والأقط والسمن، ومجموع هذا إذا خلط بعضه على بعض سمي حيسا كما جاء في رواية ~~مسلم (¬2)، أنه - صلى الله عليه وسلم - لما أصبح قال: "من كان عنده فضل زاد ~~فليأتنا به". قال أنس: فجعل الرجل يجيء بفضل التمر وفضل السويق حتى جعلوا ~~من ذلك سوادا -بفتح السين المهملة- أي شيئا كثيرا حيسا، فجعلوا يأكلون من ~~ذلك الحيس ويشربون من حياض إلى جنبهم من ماء السماء. وفي رواية له (¬3): ~~فجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وليمتها التمر والأقط بالسمن، فحصت ~~الأرض أفاحيص، أي: حفرت شيئا يسيرا، وجيء بالأنطاع فوضعت فيها، وجيء بالأقط ~~والتمر والسمن فشبع الناس. # والأنطاع [جمع نطع] (ب) وفيه أربع لغات مشهورات، فتح النون وكسرها مع فتح ~~الطاء وإسكانها، أفصحهن كسر النون [مع] (ج) فتح الطاء، وتجمع أيضا على نطوع. # وفي هذه القصة دلالة على أن الإنسان إذا كان يعرف صدق المودة PageV07P323 # وسماحة النفس من صاحبه فلا عليه أن يسأله طعامه. # 866 - وعن رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا اجتمع ~~داعيان فأجب أقربهما بابا، فإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق". رواه أبو داود ~~(¬1) وسنده ضعيف. # الحديث أخرجه أبو داود قال: حدثنا هناد بن السري عن عبد السلام بن حرب عن ~~أبي خالد الدالاني عن أبي العلاء الأودي عن حميد بن عبد الرحمن الحميري عن ~~رجل من أصحاب النبي - صلى الله عليه ms1574 وسلم -. الحديث، وضعف سنده. # أما رجال الإسناد فهناد قال الذهبي في "الكاشف" (¬2): هناد بن السري أبو ~~السري التميمي الدارمي الحافظ الزاهد عن شريك وعبثر، وعنه مسلم وأصحاب ~~"السنن الأربع"، والسراج، وكان يقال له: راهب الكوفة. لتعبده. وعبد السلام ~~بن حرب [النهدي] (أ) الكوفي أبو بكر الملائي (¬3) عن أيوب وخصيف وعطاء بن ~~السائب، وعنه ابن معين وهناد، ثقة عاش ستا وتسعين. انتهى. # وأما أبو خالد يزيد بن عبد الرحمن الدالاني بفتح الدال واللام مفتوحة PageV07P324 # بين ألفين ونون، نسبة إلى دالان بطن من همدان، وثقه أبو حاتم الرازي ~~(¬1)، وقال أحمد (¬2): لا بأس به. # وأبو العلاء داود بن عبد الله الأودي بفتح الهمزة وسكون الواو، وبعد ~~الدال المهملة المكسورة ياء النسب، وثقه أحمد (¬3). # وحميد بن عبد الرحمن [الحميري] (أ) البصري، قال ابن سيرين (¬4): (ب هو ~~أفقه ب) أهل البصرة. فرجال الإسناد موثقون، وجهالة الصحابي غير قادحة، [فلم ~~يظهر في وجه الضعف] (ج) الذي ذكره المصنف، وللحديث شاهد أيضا في البخاري ~~(¬5) من حديث عائشة رضي الله عنها [قلت] (د): يا رسول الله، إن لي جارين ~~فإلى أيهما أهدي؟ قال: "إلى أقربهما منك بابا". # الحديث فيه دلالة على أن الأحق (ه) بالإجابة إذا اجتمع داعيان هو PageV07P325 # السابق، فإن استويا قدم الجار، والجار على مراتبه (أفي تقديم أ) من كان ~~أقرب بابا إلى الداعي، فإن استويا قال الإمام يحيى: فإنه يقرع بينهما. قال ~~الإمام المهدي: وكذا من المرجحات كون أحدهما من أهل البيت، وكذا إذا كان ~~أحدهما من أهل العلم والورع والله أعلم. قال الإمام يحيى: وفي إجابة دعوة ~~الذمي عند من أجاز طعامه تردد، الأصح لا تستحب؛ لكراهة طعامهم. قال الإمام ~~المهدي: ولأن في الحضور نوع تعظيم. [انتهى. ويرد عليه أن عموم أحاديث ~~الإجابة شامل فحيث جاز الحضور] (ب) فلا كراهة، وقد أجاب النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # 867 - وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا آكل متكئا". رواه البخاري (¬1). # الاتكاء مأخوذ من الوكاء، والتاء بدل من ms1575 (ج) الواو، والوكاء هو ما يشد به ~~الكيس أو غيره، كأنه أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوطاء الذي تحته، ~~ومعناه الاستواء على وطاء متمكنا. [قال الخطابي (¬2): المتكئ هنا هو ~~المتمكن من جلوسه من التربع وشبهه المعتمد على الوطاء تحته. قال: وكل من ~~استوى قاعدا على وطاء فهو متمكن] (ب)، والعامة لا تعرف المتكئ إلا من PageV07P326 # مال في قعوده معتمدا على أحد شقيه. ومعنى الحديث: إذا أكلت لم أقعد متكئا ~~فعل [من] (أ) يريد الاستكثار من الأكل، ولكن آكل بلغة؛ فيكون قعودي له (ب) ~~مستوفزا، ومن حمل الاتكاء على الميل إلى أحد الشقين تأول ذلك على مذهب ~~الطب، بأن ذلك فيه ضرر، فإنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلا، ولا يسيغه ~~هنيئا، وربما تأذى به. والله أعلم. # 868 - وعن عمر بن أبي سلمة قال: قال (ج) رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "يا غلام، سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك". متفق عليه (¬1). # الحديث فيه دلالة على شرعية التسمية عند الأكل، وهذا مجمع عليه، وكذا ~~يستحب التحميد، بأن يقول: الحمد لله. في آخره، ويقاس على الطعام غيره من ~~الشراب، قال العلماء: ويستحب أن يجهر بالتسمية ليسمع غيره، وينبهه عليها، ~~ولو ترك التسمية في ابتداء الطعام عامدا أو ناسيا أو جاهلا أو مكرها أو ~~عاجزا لعارض كان له أن يسمي، ويقول: باسم الله أوله وآخره. لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله، فإن نسي أن يذكر الله ~~في أوله، فليقل: باسم الله أوله وآخره". رواه أبو داود والترمذي (¬2) ~~وغيرهما، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. PageV07P327 # والتسمية في شرب الماء واللبن والعسل والمرق والدواء، وسائر المضروبات ~~مستويات (أ) كالتسمية على الطعام فيما [ذكر] (ب)، وتحصل التسمية بقوله: ~~باسم الله. فإن قال: بسم الله الرحمن الرحيم. فأحسن، وسواء في استحباب ~~التسمية الطاهر والجنب والحائض، وينبغي أن يسمي كل واحد من الآكلين، فإن ~~سمى واحد منهم حصل أصل السنة. نص عليه الشافعي، ويستدل له بأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أخبر أن ms1576 الشيطان إنما يتمكن من الطعام إذا لم يذكر اسم ~~الله عليه (¬1). وهذا قد ذكر اسم الله عليه. # وقوله: "كل بيمينك". فيه دلالة على استحباب الأكل باليمين، وكذلك الشرب؛ ~~لحديث ابن عمر: "إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن ~~الشيطان يأكل بشماله، ويشرب بشماله" (¬2). وكان نافع يزيد فيها: "ولا يأخذ ~~بها، ولا يعطي بها" (¬3). وهذا إذا لم يكن عذر، فإن [كان عذر منع الأكل ~~والشرب باليمين، من مرض أو جراحة أو غير ذلك] (ج)، [فلا كراهة] (د). # وفيه دلالة على أنه ينبغي اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين، PageV07P328 # وأن للشيطان يدين، وفي رواية مسلم (¬1): أن رجلا أكل عند رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بشماله، فقال: "كل بيمينك". فقال: لا أستطع. قال: "لا ~~استطعت، ما منعه إلا الكبر". قال: فما رفعها إلى فيه. # في الحديث دلالة على [أن] (أ) الأكل بالشمال من المكروهات التي يدعى على ~~فاعلها إذا كان بلا عذر؛ بل تمردا ومخالفة. وفي الأحاديث دلالة على أن ~~الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في كل حال، حتى في حال الأكل، واستحباب ~~تعليم الآكل أدب الأكل إذا خالفه. # وقوله: "وكل مما يليك". فيه دلالة على أنه ينبغي [تعليم] (ب) حسن العشرة ~~للجليس، [وألا] (ج) يحصل من الإنسان ما يسوء جليسه مما فيه سوء عشرة، وترك ~~مروءة، فقد يتقذره صاحبه لا سيما في الأمراق وغيرها كالثريد، فإن كان تمرا ~~[أو] (د) أجناسا مختلفة، فقد نقل إباحة اختلاف الأيدي في الطبق، فإن ثبت ~~ذلك كان مخصصا، وإلا كان الأمر على عمومه حتى يثبت مخصص. # وقد أخرج الترمذي (¬2) من حديث عكراش بن ذؤيب قال: أتينا بجفنة PageV07P329 # كثيرة الثريد والوذر -جمع وذرة، قطعة من اللحم لا عظم فيها-[فخبطت] (أ) ~~بيدي في نواحيها، وأكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من بين يديه، فقبض ~~بيده اليسرى (ب) على يدي اليمنى، ثم قال: "يا عكراش، كل من موضع واحد، فإنه ~~طعام واحد". ثم أتينا بطبق فيه ألوان التمر، فجعلت آكل من بين يدي، وجالت ms1577 ~~يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الطبق، فقال: "يا عكراش، كل من حيث ~~شئت، فإنه غير لون واحد". ثم أتينا بماء فغسل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يديه، ومسح ببلل كفيه وجهه وذراعيه ورأسه، وقال: "يا عكراش، هذا ~~الوضوء مما غيرت النار". # فهذا مخصص لذلك، ويخص مما إذا لم يبق تحت [يد] (ج) الآكل [شيء] (ج)؛ كان ~~له أن يتبع ذلك ولو من سائر الجوانب، كما أخرج البخاري ومسلم (¬1) من حديث ~~أنس أن خياطا دعا النبي - صلى الله عليه وسلم - لطعام صنعه، قال: فذهبت مع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فقرب خبز شعير ومرقا فيه دباء (¬2) وقديد، ~~فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتبع الدباء من حوالي القصعة -أي ~~جوانبها- فلم أزل أحب الدباء بعد يومئذ. # وقال النووي (¬3): يحتمل وجهين: PageV07P330 # أحدهما: أن التقدير: من حوالي جوانبه وناحيته من الصحفة، لا من حوالي ~~جميع جوانبها، فقد أمرنا بالأكل مما يلي الإنسان. # والثاني: أن يكون من جميع جوانبها، وإنما نهي عن ذلك لئلا يتقذر الجليس، ~~ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يتقذره أحد، بل يتبركون ببصاقه - صلى ~~الله عليه وسلم - وبنخامته، ويدلكون بذلك وجوههم، وشرب بعضهم بوله، وبعضهم ~~دمه. انتهى. # وما ذكرناه أولى، فإن في قول أنس (¬1): فلما رأيت ذلك جعلت ألقيه إليه ~~ولا أطعمه. دلالة على [تطلبه] (أ) من جميع القصعة لمحبته لأكله، وأما الأكل ~~مما يليه فهو لا يدل على اختصاصه بزيادة المحبة والله أعلم. # ويستثنى أيضا ألا يأكل من وسط القصعة كما أخرج الترمذي، وقال: حديث صحيح ~~حسن، وابن ماجه، والدارمي (¬2) من حديث ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أنه أتي بقصعة من ثريد فقال: "كلوا من جوانبها ولا ~~تأكلوا من وسطها؛ فإن البركة تنزل في وسطها". وفي رواية أبي داود (¬3) قال: ~~"إذا أكل أحدكم طعاما فلا يأكل من أعلى الصحفة، ولكن يأكل من أسفلها؛ فإن ~~البركة تنزل من أعلاها". PageV07P331 # 869 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي - صلى الله ms1578 عليه وسلم - أتي ~~بقصعة من ثريد، فقال: "كلوا من جوانبها، ولا تأكلوا من وسطها، فإن البركة ~~تنزل في وسطها". رواه الأربعة (¬1)، وهذا لفظ النسائي وسنده صحيح. تقدم ~~الكلام فيه. # 870 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ما عاب رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - طعاما قط، كان إذا اشتهى شيئا أكله، وإن كرهه تركه. متفق عليه (¬2) (ب). # الحديث متفق عليه من رواية أبي هريرة من طريق الأعمش عن أبي حازم عن أبي ~~هريرة، ورواه مسلم (¬3) من طريق أبي معاوية عن الأعمش عن أبي يحيى مولى آل ~~جعدة عن أبي هريرة، وأنكر عليه الدارقطني (¬4) هذا الإسناد الثاني وقال: ~~وهو معلل. ولكن مسلم (¬5) قد بين علته كما وعد في خطبته وذكر الاختلاف فيه، ~~ولهذه العلة لم يذكر البخاري حديث أبي معاوية، ولا خرجه من طريقه، بل خرجه ~~من طريق آخر. PageV07P332 # وفي الحديث دلالة أن من أدب الطعام المتأكد ترك عيبه، بأن يقول: هو (أ) ~~مالح، أو قليل الملح، أو حامض، أو رقيق، أو غليظ، أو غير ناضج ونحو ذلك. ~~وأما كراهة النبي - صلى الله عليه وسلم - لأكل الضب وتركه له (¬1)، فليس من ~~عيب الطعام، وإنما هو إخبار بأن هذا الطعام الخاص لا يشتهي أكله، فحكمه ~~بالنسبة إليه حكم من يترك أكل الطعام لأجل شبعه. والله سبحانه أعلم. # 871 - وعن جابر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا ~~تأكلوا بالشمال؛ فإن الشيطان يأكل بالشمال". رواه مسلم (¬2). # في الحديث دلالة على كراهة الأكل بالشمال، وقد تقدم ذلك قريبا، وفيه ~~دلالة وفي غيره من الأحاديث الصحيحة على ما ذهب إليه الجماهير من العلماء ~~من السلف والخلف، من المحدثين ومن الفقهاء والمتكلمين، أن الشيطان يأكل، ~~وأن هذه الأحاديث على ظواهرها من أنه يأكل حقيقة، إذ العقل لا يحيله، ~~والشرع لم ينكره، بل الأشبه قبوله واعتقاده. والله سبحانه أعلم. # 872 - وعن أبي قتادة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إذا شرب أحدكم فلا يتنفس في الإناء". متفق عليه ms1579 (¬3). PageV07P333 # ولأبي داود عن ابن عباس نحوه، وزاد: "أو ينفخ فيه". وصححه الترمذي (¬1). # الحديث فيه دلالة على كراهة التنفس في الإناء قبل إبانته من الفم، والعلة ~~في الكراهة خشية أن يقذره على غيره، لما عسى أن يخرج شيء (أمن الفم أ) ~~فيتصل بالماء فيتقذره غيره، وعليه يحمل حديث أنس، وهو: أنه كان - صلى الله ~~عليه وسلم - يتنفس في الشراب ثلاثا. أي في أثناء الشراب، لا أنه في إناء ~~الشراب، متفق عليه (¬2)، وزاد في رواية مسلم: ويقول: "إنه أروى". أي أقمع ~~للعطش "وأبرأ" أي أكثر برءا؛ لما فيه من الهضم، ومن (ب) سلامته من التأثير ~~في برد المعدة، "وأمرأ" أي أكثر مراءة (¬3)، لما فيه من السهولة. # وقوله: "أو ينفخ فيه". فيه دلالة على كراهة النفخ في الإناء، وذلك كراهة ~~أن يخرج شيء إلى الإناء من فضلات الفم من ريق أو غيره فيقذره على غيره، وفي ~~حديث أبي سعيد الخدري أخرجه الترمذي والدارمي (¬4)، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نهى عن النفخ في الشراب، فقال رجل: القذاة أراها في الإناء؟ PageV07P334 # قال: "أهرقها". قال: فإني لا أروى من نفس واحد؟ قال: "فأبن القدح عن فيك، ~~ثم تنفس". # وفي الشرب ثلاث مرات من حديث ابن عباس، أخرجه الترمذي (¬1) قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "لا تشربوا واحدا -أي شربا واحدا- كشرب البعير، ~~ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسموا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم". # وقد ورد من مكروهات الشراب الشرب من في السقاء، كما في حديث ابن عباس، ~~أخرجه الشيخان (¬2): نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن (أالشرب من ~~في السقاء. وأخرجا (¬3) من حديث أبي سعيد قال: نهى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن أ) اختناث الأسقية. زاد في رواية (¬4): واختناثها أن يقلب ~~رأسها ثم يشرب منه. وقد عارض هذا حديث كبشة، قالت: [دخل] (ب) علي رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فشرب من في قربة معلقة قائما، فقمت إلى فيها ~~فقطعته؛ أي أخذته سقاء نتبرك به ونستشفي به. رواه الترمذي وابن ماجه ms1580 (¬5) ~~وقال الترمذي: PageV07P335 # حديث حسن غريب صحيح. وقد جمع بين الحديثين بأن النهي إنما هو في السقاء ~~الكبير، والقربة هي صغيرة، أو النهي إنما هو للتنزيه؛ لئلا يتخذ عادة دون ~~الندرة، وعلة النهي أنه قد تكون فيه دابة، فتخرج إلى في الشارب فيبتلعها مع ~~الماء، كما روي أنه شرب رجل من في (أ) السقاء فخرجت [منه] ب حية. # والشرب قائما. أخرج مسلم (¬1) من حديث أبي هريرة، قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا يشربن (ج أحد منكم ج) قائما، فمن نسي فليستقئ". وفي ~~[رواية] (د) عن أنس (¬2): زجر عن الشرب قائما. وفي رواية (¬3): نهى عن ~~الشرب قائما، قال قتادة: قلنا: فالأكل؟ قال: أشر وأخبث. وقد عارض عن ابن ~~عباس: سقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من زمزم فشرب وهو قائم. أخرجه ~~مسلم (¬4). وفي رواية أخرى (¬5): أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرب ~~من زمزم وهو قائم. وفي "صحيح البخاري" (¬6): أن عليا رضي الله عنه شرب ~~قائما، PageV07P336 # وقال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل كما رأيتموني فعلت. ~~وأحسن ما قيل في الجمع أن النهي للتنزيه، وفعله - صلى الله عليه وسلم - ذلك ~~لبيان الجواز، فلا يكون مكروها، بل هو واجب لتبيين حكم شرعي، وقد جاء مثل ~~هذا في أحكام كثيرة، فقد يفعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - مرة أو ~~مرتين على حسب ما يقتضيه الحال من البيان، ويواظب على الأفضل فيستحب لمن ~~شرب قائما التقيؤ للحديث الصحيح [الوارد] (أ) في ذلك سواء كان عامدا أو ~~ناسيا، ولا وجه لقول عياض: إنه لا خلاف بين أهل العلم أن من شرب ناسيا ليس ~~عليه أن يتقيأ. فإن هذا على وجه (ب) الاستحباب لا الوجوب، وفي كلامه مغالطة ~~بما يفهم أن ذلك واجب، فإن الأمر إذا وجدت قرينة تصرفه عن الوجوب إلى الندب ~~صح ذلك. وذكر الناسي في الحديث محمول على ما هو الأولى بالعاقل، أنه إذا ~~وقع منه ذلك نادرا فلا يكون إلا على جهة النسيان لا العمد، وإلا ms1581 فالعامد ~~كالناسي. # ومن المكروهات الشرب من ثلمة القدح، وهو موضع الكسر منه. وقد أخرج أبو ~~داود (¬1) من حديث أبي سعيد الخدري: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الشرب من ثلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب. وعلة النهي أنها لا تتماسك ~~عليها شفة الشارب، فإذا شرب منها تصبب الماء على وجهه وثوبه، أو لأنه يجتمع ~~فيها الوسخ (ج). PageV07P337 # ومن آداب الشرب أنه إذا كان عند الشارب جلساء، وأراد إدارته عليهم بدأ ~~بالأيمن كما أخرج الشيخان (¬1) من حديث أنس، أنه أعطى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - القدح فشرب وعلى يساره أبو بكر، وعن يمينه أعرابي، فقال عمر: ~~أعط أبا بكر يا رسول الله، فأعطى الأعرابي الذي عن يمينه ثم قال: "الأيمن ~~فالأيمن". وفي رواية: "الأيمنون الأيمنون، ألا فيمنوا". وأخرجا (¬2) من ~~حديث سهل بن سعد، قال: أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - بقدح فشرب منه، ~~وعن يمينه غلام أصغر القوم، هو عبد الله بن عباس، والأشياخ عن يساره، فقال: ~~"يا غلام، أتأذن أن أعطيه الأشياخ؟ " فقال: ما كنت لأوثر بفضل منك أحدا يا ~~رسول الله. فأعطاه إياه. PageV07P338 ### || AUTO باب القسم # 873 - وعن عائشة رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقسم لنسائه فيعدل ويقول: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني ~~فيما تملك ولا أملك". رواه الأربعة، وصححه ابن حبان والحاكم، ولكن رجح ~~الترمذي إرساله (¬1). # وكذا أعله النسائي والدارقطني (¬2)، وقال أبو زرعة (¬3): لا أعلم أحدا ~~تابع حماد بن سلمة على وصله، لكن صححه ابن حبان والحاكم من طريق حماد بن ~~سلمة، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن عبد الله بن يزيد، عن عائشة موصولا. قال ~~الترمذي: رواية حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة مرسلا أصح. # والحديث فيه دلالة على أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يقسم بين نسائه ~~ويعدل، واختلف العلماء هل كان واجبا عليه القسم أو غير واجب؟ فذهب بعض أهل ~~التفسير (¬4) إلى أنه غير واجب، وفسر به قوله تعالى: {ترجي PageV07P339 # من تشاء} ms1582 (¬1) الآية. وقال: أباح الله له أن يترك التسوية والقسم بين ~~أزواجه، حتى إنه ليؤخر من يشاء منهن عن نوبتها، ويطأ من يشاء في غير ~~نوبتها، وجعل ذلك من خصائصه - صلى الله عليه وسلم -، فجعل الضمير في قوله: ~~{منهن}. عائدا إلى أزواجه اللاتي أمر بتخييرهن، وذهب إليه أبو سعيد ~~الإصطخري من الشافعية، وصرح به الإمام المهدي في "البحر"، وجعله لنفسه ولم ~~ينسبه إلى أحد، واحتج بالآية، والظاهر من قول سائر الأئمة أن ذلك واجب عليه. # وقوله: ويعدل. فيه دلالة على أن خلاف التسوية من الجور. # وقوله: "فيما أملك". وهو عمل الجوارح من المبيت مع كل واحدة نوبتها. # وقوله: "فلا تلمني فيما تملك ولا أملك". قال الترمذي: يعني به الحب ~~والمودة. كذا فسره أهل العلم. انتهى. # فيه دلالة على أن عمل القلب لا يستطع الإنسان عليه، وأن الله سبحانه ~~وتعالى واهب ذلك وسالبه، وأن العبد لا يملك ذلك، وقد فسر بمثل هذا قوله ~~تعالى: {واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه} (¬2). والله سبحانه أعلم. # 874 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من PageV07P340 # كانت له امرأتان فمال إلى إحداهما، (أوترك الأخرى أ) جاء يوم القيامة ~~وشقه مائل". رواه أحمد والأربعة، وسنده صحيح (¬1). # وأخرجه ابن حبان والحاكم (¬2)، ولفظ الحاكم: "إذا كان عند الرجل امرأتان ~~فلم يعدل بينهما، جاء يوم القيامة وشقه مائل أو ساقط". وإسناده على شرط ~~الشيخين، قاله الحاكم وابن دقيق العيد، واستغربه الترمذي مع تصحيحه، وقال ~~عبد الحق (¬3): هو خبر ثابت، لكن علته أن هماما تفرد به، وأن [هماما] (ب) ~~رواه عن قتادة. # الحديث فيه دلالة على أنه يجب على الزوج التسوية بين الزوجات، ويحرم عليه ~~الميل إلى إحداهن دون الآخرة، وقد ذهب إلى هذا أكثر الأمة، وأنه إذا قسم ~~بين الزوجات وجب عليه التسوية لقوله تعالى: {فلا تميلوا كل الميل} (¬4). ~~قال في "البحر": وقد ذهب قوم مجاهيل إلى أن من له زوجتان فله أن يقف مع ~~إحداهما ليلة ومع الأخرى ثلائا، إذ له أن ms1583 ينكح PageV07P341 # أربعا، فله إيثار أيهما شاء بالليلتين، ومثله عن الناصر، لكن حمله أصحابه ~~على الحكاية دون أن يكون مذهبه، ثم قال في جوابه: قلنا: الليلتان لا ~~يستحقان قبل نكاح الأربع، فلا وجه لما قالوه. انتهى. وهذا إذا قسم، وأما ~~إذا لم يقسم، لم يجب عليه شيء، بل له الانفراد عنهن إذ الاستمتاع حق له لا ~~يلزمه استيفاؤه، فإن أراد من البعض جاز له. # 875 - وعن أنس رضي الله عنه قال: من السنة إذا تزوج الرجل البكر على ~~الثيب أقام عندها سبعا، ثم قسم، وإذا تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا، ثم قسم. ~~متفق عليه واللفظ للبخاري (¬1). # قوله: من السنة. أي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذا هو المتبادر ~~من قول الصحابي ذلك، ويدل عليه قول سالم للزهري -لما سأله عن قول ابن عمر ~~للحجاج: إن كنت تريد السنة- هل تريد سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ ~~فقال له سالم: وهل تعنون (أ) بذلك إلا سنته (ب) - صلى الله عليه وسلم - ~~(¬2)؟ أي (ج) ولمثل هذا حكم الرفع؛ ولهذا قال أبو قلابة [راويه] (د) عن ~~أنس: ولو شئت لقلت: إن أنسا رفعه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. يعني ~~ويكون رواية بالمعنى، إذ معنى: من السنة. هو الرفع، وهو PageV07P342 # جائز عنده، لكنه رأى أن المحافظة على قول أنس أولى، وذلك لأن كونه مرفوعا ~~إنما هو بطريق اجتهادي محتمل، والرفع نص، وليس للراوي أن ينقل ما هو محتمل ~~إلى ما هو نص غير محتمل. كذا ذكره ابن دقيق العيد (¬1) وقد نسب (أهذا قول ~~أبي قلابة أ) بشر بن المفضل وهشيم إلى خالد راويه عن أبي قلابة (¬2) ولا ~~منافاة، لاحتمال أن يكونا جميعا قالا ذلك، وكذا البخاري (¬3) قال في ~~الرواية الأخرى من طريق عبد الرزاق قال خالد: ولو شئت لقلت: رفعه. وقد ~~أخرجه أبو عوانة (¬4) في "صحيحه" من طريق أبي قلابة الرقاشي وقال فيه: قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال: هو غريب، لا أعلم من قاله غير أبي ~~قلابة. انتهى. وقد أخرج الإسماعيلي (¬5) من ms1584 طريق أيوب من رواية عبد الوهاب ~~الثقفي، عن أبي قلابة، عن أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~وصرح برفعه، وكذا أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه" وابن حبان (¬6) والدارقطني ~~(¬7) والدارمي (¬8) من طرق مختلفة إلى أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس مصرحا ~~برفعه. PageV07P343 # وقوله: على الثيب. فيه دلالة على أن هذا الحكم لمن كان له زوجة قبل ~~الجديدة، وقال ابن عبد البر (¬1): جمهور العلماء على أن ذلك حق للمرأة بسبب ~~الزفاف، وسواء كان عنده زوجة أو لا. واختاره النووي، وإطلاق الشافعي يعضده، ~~وفي رواية للبخاري بلفظ: إذا تزوج البكر أقام عندها سبعا. الحديث (¬2). ولم ~~يقيده بما إذا تزوجها على غيرها إلا أن القاعدة حمل المطلق على المقيد كما ~~في حديث أنس التقييد ب "على الثيب". # وفي قوله: ثم قسم. كذلك دلالة على وجود الزوجة الأخرى، وقد ذهب إلى ~~التأثير المذكور الجمهور، والخلاف (أفي ذلك أ) للكوفيين، فقالوا: إن البكر ~~والثيب سواء، وللأوزاعي فقال: إن للبكر ثلاثا وللثيب يومين. وفيه حديث ~~مرفوع عن عائشة أخرجه الدارقطني (¬3) وسنده ضعيف جدا، وظاهر الحديث أن ذلك ~~واجب، واختلف أصحاب مالك، فقال ابن القاسم: إنه واجب، وقال ابن عبد الحكم: ~~بل مستحب. وسبب الخلاف حمل فعله - صلى الله عليه وسلم - على الندب أو على ~~الوجوب؟ وقد عرفت أن ذلك روي من قوله - صلى الله عليه وسلم -، وظاهره ~~الوجوب. وروى الإمام المهدي عن أبي حنيفة وأصحابه والحكم (ب) وحماد، أنه ~~إنما يجب التقديم، وليس ذلك إيثارا، فتقضي البواقي مثله؛ إذ القسم حق زوجي ~~فلا يفترق فيه الجديدة والقديمة كالنفقة، قلنا: PageV07P344 # النص منع القياس. قال المهدي البصري وابن المسيب: للبكر ليلتان، وللثيب ~~ليلة؛ إذ القصد رفع الدور يعني في القسم بالنكاح الجديد، وهو يحصل بذلك، ~~لكن حق البكر آكد لشدة الرغبة فيها ففضلت. قلنا: لا نسلم، بل بعيد للنصوص ~~الواردة، ثم اختلف العلماء؛ هل ذلك حق للزوج أو للزوجة الجديدة؟ فذهب ~~الجمهور إلى أن ذلك حق للزوجة، وقال بعض المالكية: حق له على بقية زوجاته. ~~واعلم ms1585 أنه لا يجب على الزوج أن يستغرق جميع الأوقات في المقام عند الزوجة ~~في السبعة الأيام أو الثلاثة، وقد نص الشافعي على كراهة تأخره عن صلاة ~~الجماعة وسائر أعمال البر التي كان يفعلها، وقال الرافعي: هذا في النهار، ~~وأما في الليل فلا لأن المندوب لا يترك له الواجب، وقد قال الأصحاب: يسوي ~~بين الزوجات في الخروج إلى الجماعة، وفي سائر أعمال البر، فيخرج في ليالي ~~الكل، أو لا يخرج أصلا، فإن خصص حرم عليه وعدوا هذا من الأعذار في ترك ~~الجماعة، وقال ابن دقيق العيد (¬1): أفرط بعض الفقهاء، فجعل مقامه عندها ~~عذرا في إسقاط الجمعة، وأجيب بأنه قياس قول من يقول بوجوب المقام عندها، ~~وهو قول الشافعية، ورواه ابن القاسم عن مالك وعنه يستحب، وهو وجه للشافعية ~~فعلى الأصح يتعارض عنده الواجبان فيقدم حق الآدمي، ومقتضى قول الهدوية أنه ~~لا يترك الجماعة ولا غيرها من الواجبات، وإن رخص فيه كما قالوا في حق ~~الزوجة أنها لا تمنع عن واجب كان رخص فيه كالصوم في السفر والصلاة أول ~~الوقت. ويجب الموالاة في السبع وفي الثلاث فلو فرق وجب الاستئناف، ولا فرق ~~بين الحرة والأمة، وقيل: هي على النصف مما للحرة، PageV07P345 # فلو تزوج أخرى في مدة السبع أو الثلاث فالظاهر أنه يتم ذلك، لأنه قد صار ~~مستحقا لها. # 876 - وعن أم سلمة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لما تزوجها أقام عندها ثلاثا، وقال: "إنه ليس بك (أ) على أهلك هوان، إن شئت ~~سبعت لك، كان سبعت لك سبعت لنسائي". رواه مسلم (¬1). # زاد مسلم في رواية (¬2): "وإن شئت ثلثت ثم درت". قالت: ثلث. وفي رواية ~~(¬3): دخل عليها فلما أراد أن يخرج أخذت بثوبه، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن شئت زدتك وحاسبتك به، للبكر سبع، وللثيب ثلاث". # الحديث فيه دلالة على أنه إذا تعدى الزوج المدة المقدرة برضا المرأة سقط ~~حقها من الإيثار، ووجب عليه القضاء لذلك، وأما إذا كان بغير رضاها فحقها ~~ثابت، وهو مفهوم ms1586 من قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن شئت". # وقوله: "ليس بك (أ) على أهلك هوان". معناه: لا يلحقك هوان ولا نضع (ب) من ~~حقك شيئا بل تأخذينه كاملا، ثم بين ذلك بأنها مخيرة بين ثلاث بلا قضاء، ~~وبين سبع ويقضي لسائر نسائه، قال القاضي عياض (¬4): PageV07P346 # والمراد ب "بأهلك" هنا نفسه - صلى الله عليه وسلم -؛ أي: إني لا أفعل ~~فعلا به هوانك علي. # وفيه دلالة على استحباب ملاطفة الأهل والعيال وغيرهم، وتقريب الحق من فهم ~~المخاطب ليرجع إليه، والعدل بين الزوجات، والله أعلم. # 877 - وعن عائشة رضي الله عنها، أن سودة بنت زمعة وهبت [يومها] (أ) ~~لعائشة، (ب وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ب) يقسم لعائشة رضي الله ~~عنها يومها ويوم سودة. متفق عليه (¬1). # هي سودة بنت زمعة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان تزوجها بمكة ~~بعد موت خديجة ودخل عليها بها (ج) وهاجرت معه، وكان العقد بها بعد أن عقد ~~على عائشة، وأما الدخول بعائشة فكان متأخرا. كذا في مسلم (¬2)، قال ابن ~~الجوزي (¬3): والدخول بعائشة كان بعد سودة بالاتفاق، وهبت يومها لعائشة، ~~وزاد البخاري (¬4) في الهبة: وليلتها. وزاد في آخره: تبتغي بذلك رضا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. وفي رواية لمسلم (2): لما أن كبرت سودة وهبت PageV07P347 # يومها. وأخرجه أبو داود (¬1) وبين فيه السبب بسند مسلم: كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - لا يفصل بعضنا على بعض في القسم. الحديث. وفيه: ولقد ~~قالت سودة بنت زمعة حين أسنت وخافت أن رفارقها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: يا رسول الله، يومي لعائشة. فقبل ذلك منها، ففيها وأشباهها نزلت: ~~{وإن امرأة خافت من بعلها نشوزا أو إعراضا} (¬2) الآية. وقد رواه سعيد بن ~~منصور (¬3) عن أبي الزناد مرسلا، لم يذكر فيه عائشة، وعند الترمذي (¬4) من ~~حديث ابن عباس موصولا، وكذا قال عبد الرزاق (¬5) عن معمر بمعنى ذلك، ~~فتواردت هذه الروايات على أنها خشيت الطلاق فوهبت، وأخرج ابن سعد (¬6) بسند ~~رجاله ثقات من رواية القاسم بن أبي بزة (أ) مرسلا، ms1587 أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - طلقها، فقعدت له (ب) على طريقه، فقالت: والذي بعثك بالحق ما لي ~~في الرجال حاجة، ولكني أحب أن أبعث مع نسائك يوم القيامة، فأنشدك بالذي ~~أنزل عليك الكتاب، هل طلقتني لوجدة وجدتها علي؟ قال: "لا". قالت: فأنشدك ~~لما راجعتني. فراجعها، قالت: فإني جعلت يومي وليلتي لعائشة حبة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. وكانت سودة تحت ابن عم لها يقال له: السكران بن PageV07P348 # عمرو، أخو سهيل بن عمرو، أسلم معها وهاجرا جميعا إلى أرض الحبشة الهجرة ~~الثانية، فلما قدما إلى مكة مات زوجها، ويقال: إنه مات بالحبشة. وأمها ~~اسمها الشموس بنت قيس [من بني] (أ) عدي بن النجار، توفيت سودة بالمدينة في ~~شوال سنة أربع وخمسين، وزمعة بفتح الزاي والميم، والعين المهملة، قال ابن ~~الأثير (¬1): وسمعنا أهل الحديث والفقهاء يسكنون الميم. # والحديث فيه دلالة على أن المرأة لها أن تهب نوبتها. وللفقهاء في ذلك ~~تفصيل؛ وهو أنها إن وهبت لضرتها استحقتها بشرط أن يرضى الزوج، وذلك لأن ~~الزوج له حق في الزوجة، فليس لها أن تسقط حقه منها إلا برضاه، كان وهبت ~~للزوج أو قالت: خص بها من شئت. فذكر أصحاب الشافعي أن له أن يخص بها من ~~شاء، وكذا ذكر الفقيه علي الوشلي للهدوية، وقال الإمام يحيى في "الانتصار": ~~ليس له ذلك، بل تصير كالمعدومة. وقال الفقيه حسن النحوي: إن قالت [له] (ب): ~~خص بها من شئت. فله ذلك، لا إذا أطلقت الهبة له، وأما إذا أسقطت ليلتها ~~كانت كالمعدومة، ويصح من الصغيرة المميزة إذ لا غضاضة عليها، وكذا من ~~الأمة، ومثل هذه الهبة إنما هي إسقاط حق فلا تفتقر إلى قبول، ويصح الرجوع ~~لأن الحق متجدد. قال أصحاب الشافعي: فإذا رجعت ولم يعلم برجوعها حتى مضت ~~نوبتها فلا قضاء عليه، كما في PageV07P349 # رجوع المبيح عن الإباحة قبل أن يعلم المباح له، فإنه لا ضمان عليه. والله ~~سبحانه أعلم. # 878 - وعن عروة قال: قالت عائشة رضي الله عنها: يا ابن أختي، كان رسول ms1588 ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكثه ~~عندنا، وكان قل يوم إلا (أ) وهو يطوف علينا جميعا، فيدنو من كل امرأة من ~~غير مسيس، حتى يبلغ التي هو (ب) يومها، فيبيت عندها. رواه أحمد وأبو داود ~~واللفظ له، وصححه الحاكم (¬1). # ولمسلم (¬2) عن عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إذا صلى العصر دار على نسائه ثم يدنو منهن. الحديث. # رواية أحمد: ما من يوم إلا وهو يطوف علينا جميعا امرأة امرأة فيدنو ويلمس ~~من غير مسيس حتى يفضي إلى التي هو (ب) يومها فيبيت عندها. # الحديث فيه دلالة على أن للرجل إيناس من لم يكن في يومها واللمس وغيره من ~~التقبيل، وفي الحديث ذكر ما كان عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - من حسن ~~الخلق وملاطفة الأهل. PageV07P350 # وقوله: فيدنو منهن. زاد (أ) ابن [أبي] (ب) الزناد، عن هشام بن عروة (¬1): ~~بغير وقاع. وهذا يدفع ما ذهب إليه ابن العربي بأنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان له ساعة من النهار لا يجب عليه القسم فيها وهي بعد العصر. قال المصنف ~~(¬2) رحمه الله: ولم أجد لذلك دليلا. ثم قال المصنف (¬3) في باب دخول الرجل ~~على نسائه، وذكر هذا الحديث من دولت الزيادة: وجدت له دليلا ولكنه يحمل ~~المطلق على المقيد، فلا يتم الدليل له. # 879 - وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يسأل في مرضه الذي مات فيه: "أين أنا غدا؟ ". يريد يوم عائشة، فأذن له ~~أزواجه يكون حيث شاء، فكان في بيت عائشة. متفق عليه (¬4). # قوله: كان يسأل. ذكره البخاري (¬5) في آخر (ج) كتاب المغازي بزيادة: وكان ~~أول ما بدئ به في مرضه في بيت ميمونة. PageV07P351 # وقوله: فأذن له أزواجه. الحديث. وقع في رواية أحمد (¬1) عن عائشة أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - قال لنسائه: "إني لا أستطيع أن أدور بيوتكن، فإن شئتن ~~أذنتن لي". وذكر ابن سعد (¬2) بإسناد صحيح عن الزهري أن فاطمة رضي ms1589 الله ~~عنها هي التي خاطبت أمهات المؤمنين، فقالت لهن: إنه يشق عليه الاختلاف. ~~والجمع ممكن بأنه استأذن هو - صلى الله عليه وسلم - وفاطمة رضي الله عنها كذلك. # ووقع في رواية ابن أبي مليكة (¬3) أن دخوله - صلى الله عليه وسلم - بيتها ~~كان يوم الاثنين، ومات يوم الاثنين الذي يليه. # وفي الحديث دلالة أنه إذا أذنت المرأة كان ذلك مسقطا لحقها من النوبة، ~~وظاهر الرواية أن الإذن وقع منهن الجميع بأن الأمر إليه، يكون حيث شاء، فخص ~~عائشة. وترجم البخاري (¬4) في كتاب النكاح، باب إذا استأذن الرجل نساءه في ~~أن يمرض في بيت بعضهن فأذن له. وساق اللفظ المذكور هنا، وظاهر الترجمة أنه ~~استأذن بالكون في بيت عائشة على التعيين، ولكن لفظ الحديث لا يدل عليه ~~بخصوصه، ولعل ذلك مفهوم من قرائن الأحوال، أنه لا يعدل عن بيت عائشة، ~~فالترجمة مطابقة لما قصد من اللفظ. والله أعلم. # 880 - وعنها رضي الله عنها، قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها [معه] (أ). متفق ~~عليه (¬5). PageV07P352 # قوله: إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه. المراد القرعة بينهن لتعيين من ~~يسافر بها منهن، وليست القرعة مختصة بحال السفر، بل إذا أراد القسم بين ~~زوجاته فعليه القرعة في البداية بأيهن إلا أن يرضين بشيء، جاز بلا قرعة. # وظاهر الحديث وجوب القرعة في السفر وقد ذهب إليه الشافعي، وذهبت الهدوية ~~إلى أن له السفر بمن شاء، ولا تجب القرعة، ووجهه أنه لا يجب عليه القسم في ~~السفر، ويحملون الحديث أن ذلك لمكارم أخلاقه وحسن شمائله في رعاية حق ~~الزوجات - صلى الله عليه وسلم -، ولا يجب القضاء لغير من سافر بها. وقال ~~أبو حنيفة: يجب القضاء سواء كان سفره بقرعة أو بغير قرعة. وقال الشافعي: إن ~~كان بقرعة لم يجب القضاء، وإن كان بغير قرعة وجب عليه القضاء. # وأخرج ابن سعد (¬1) حديث عائشة المذكور وزاد فيه: فكان إذا خرج سهم غيري ~~عرف فيه الكراهية. واستدل به على مشروعية ms1590 القرعة في القسمة بين الشركاء ~~وغير ذلك، والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبار القرعة، قال عياض ~~(¬2): هو مشهور عن مالك وأصحابه؛ لأنها من باب الخطر والقمار، وحكي عن ~~الحنفية إجازتها. انتهى. # واحتج من منع من المالكية بأن بعض النسوة قد تكون أنفع في السفر من ~~غيرها، فلو خرجت القرعة للتي لا نفع لها في السفر لأضر بحال الزوج، PageV07P353 # وكذا قد يكون بعض النساء أقوم برعاية مصالح بيت الرجل في الحضر، فلو خرج ~~عليها القرعة بالسفر لأضر بحال الرجل من رعاية مصالح الحضر. وقال القرطبي ~~(¬1): تختص مشروعية القرعة بما إذا اتفقت أحوالهن لئلا يخص واحدة فيكون ~~ترجيحا بلا مرجح. وهذا منهم تخصيص للحديث بالمعنى الذي شرع لأجله الحكم، ~~والجري على ظاهره كما ذهب إليه الشافعي أقوم. والله أعلم. # 881 - وعن عبد الله بن زمعة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد". رواه البخاري (¬2). # هو عبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى، صحابي ~~مشهور، وأمه قريبة أخت أم سلمة أم المؤمنين، وكانت تحته زينب بنت أم سلمة، ~~ليس له في "البخاري" سوى هذا الحديث، عداده في أهل المدينة، روى عنه عروة ~~بن الزبير وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. # وتمام الحديث في البخاري: "ثم يجامعها". وفي رواية أبي معاوية (¬3)؛ ~~"ولعله أن يضاجعها". وفي رواية لأحمد بزيادة (¬4): "من آخر الليل" عن ابن ~~عيينة. وله عند النسائي (¬5): "آخر النهار". وفي رواية ابن نمير (¬6) PageV07P354 # والأكثر: "في آخر يومه". وفي رواية وكيع (¬1): "آخر الليل، أو من آخر ~~الليل". وكلها متقاربة. # وقوله: "لا يجلد". في نسخ البخاري بصيغة النهي، وفي كتاب التفسير في سورة ~~"الشمس" (¬2) بلفظ: "يعمد أحدكم". وقد أخرجه الإسماعيلي (¬3) عن محمد بن ~~يوسف شيخ البخاري بصيغة الخبر بحذف "لا" ورفع "يجلد". وفي رواية أبي معاوية ~~وعبدة بن سليمان (¬4): "إلام يجلد". وفي رواية وكيع وابن نمير (¬5): "علام ~~يجلد". وفي رواية ابن عيينة (5): وعظهم [في] (أ) النساء، فقال: ms1591 "يضرب ~~أحدكم". ومعنى الخبر والاستفهام هنا الإنكار، فهو موافق للنهي. # و: "جلد العبد". بالنصب على أنه مفعول مطلق للنوع، أي مثل جلد العبد، وفي ~~رواية لمسلم (¬6): "ضرب الأمة". وللنسائي (5) من طريق ابن PageV07P355 # عيينة: "كما يضرب العبد أو الأمة". وفي رواية أحمد [بن] (أ) سفيان (¬1): ~~"جلد البعير". وللبخاري في باب الأدب (¬2): "ضرب الفحل أو العبد". والمراد ~~بالفحل البعير، وفي رواية أبي داود (¬3) من حديث لقيط: "ولا تضرب ظعينتك ~~ضربك أمتك". # والحديث فيه دلالة على جواز تأديب الرقيق بالضرب الشديد، والإيماء إلى ~~جواز ضرب الزوجة دون ذاك، وترتيب قوله: "ثم يجامعها". يدل على أن علة النهي ~~أن ذلك لا يستحسنه العقلاء في مجرى العادات؛ لأن الجماع والمضاجعة إنما ~~تليق مع ميل النفس والرغبة في العشرة، والمجلود غالبا ينفر ممن جلده، وإذا ~~كان ولا بد من التأديب كان تأديبا مستحسنا لا يحصل معه النفور التام كما ~~قال سبحانه وتعالى {واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع ~~واضربوهن} (¬4). وقد جاء النهي عن ضرب النساء مطلقا، فعند أحمد وأبي داود ~~والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (¬5) من حديث إياس بن عبد الله بن أبي ~~ذباب، بضم المعجمة وبموحدتين الأولى خفيفة، رفعه: "لا تضربوا إماء الله". ~~فجاء عمر فقال: PageV07P356 # قد ذئر (أ) النساء على أزواجهن -بفتح المعجمة وكسر الهمزة بعدها راء، أي ~~نشز، بنون ومعجمة وزاي. وقيل: معناه غضب واستب- فأذن لهم فضربوهن، فأطاف ~~بآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نساء كثير، فقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لقد أطاف بآل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سبعون امرأة كلهن ~~يشتكين أزواجهن، ولا تجدون أولئك أخياركم". وله شاهد من حديث ابن عباس في ~~"صحيح ابن حبان" (¬1)، وآخر مرسل من حديث أم كلثوم بنت أبي بكر عند البيهقي ~~(¬2)، قال الشافعي: يحتمل أن يكون النهي للكراهة، والإذن فيه قرينة على ذلك ~~فيكون مباحا، ويحتمل أن يكون قبل نزول الآية بضربهن ثم أذن بعد نزولها فيه. ~~وعلى قاعدة من يبني العام على الخاص مطلقا كالشافعي أن يقول: الضرب في ~~الآية مقيد ms1592 بالنشوز، والمطلق في الحديث مقيد بذلك، والنهي العام مخصص بحالة ~~النشوز، والتأويل المذكور إنما يحتاج إليه من يجعل العام المتأخر ناسخا ~~للخاص المتقدم، فإذا جهل التاريخ حصل التعارض واحتاج إلى التأويل. والله ~~سبحانه أعلم. # وقد أخرج النسائي (¬3) في الباب حديث عائشة رضي الله عنها: ما ضرب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة له ولا خادما قط، ولا ضرب بيده شيئا قط ~~إلا في (ب) سبيل الله، أو تنتهك محارم الله، فينتقم لله. ولكن ذلك لكرم ~~خلقه - صلى الله عليه وسلم - ورأفته بالمؤمنين ورحمته للعالمين. PageV07P357 ### || AUTO باب الخلع # الخلع -بضم المعجمة وسكون اللام- في اللغة: فراق الزوجة على مال، مأخوذ ~~من خلع الثوب؛ لأن المرأة لباس الرجل مجازا، وضم المصدر تفرقة بين الحقيقي ~~والمجازي، وفي الشرع: فراق الرجل زوجته بعوض للزوج مع شرائط. # وأجمع العلماء على مشروعيته، إلا بكر بن عبد الله المزني التابعي المشهور ~~فإنه قال: لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئا؛ لقوله ~~تعالى: {فلا تأخذوا منه شيئا} (¬1). فأوردوا عليه قوله تعالى: {فلا جناح ~~عليهما فيما افتدت به} (¬2). فادعى نسخها بآية "النساء". أخرجه ابن أبي ~~شيبة وغيره (¬3) عنه، ورد عليه بآية "النساء" أيضا: {فإن طبن لكم عن شيء ~~منه نفسا فكلوه} (¬4). وبقوله تعالى: (فلا جناح عليهما أن يصالحا) (¬5). ~~وبالحديث، وانعقد الإجماع بعده على اعتباره، وبأن آية "النساء" مخصصة بآية ~~"البقرة" وبآيتي "النساء" الآخرتين والحديث. # وهو مكروه إلا لخشية ألا يقيما حدود الله أو أحدهما، وذكر المصنف (¬6) ~~رحمه الله تعالى أنه لا كراهة فيه إذا خشيا أن يئول الطلاق إلى التثليث، PageV07P359 # وذكر أبو بكر بن دريد أن أول خلع وقع في الدنيا أن عامر بن الظرب -بفتح ~~المعجمة وكسر الراء ثم موحدة- زوج ابنته من ابن أخيه عامر بن الحارث بن ~~الظرب، فلما دخلت عليه نفرت منه، فتشكى إلى أبيها، فقال: لا أجمع عليك فراق ~~أهلك ومالك، وقد خلعتها منك بما أعطيتها. قال: فزعم العلماء أن هذا كان أول ~~خلع كان في العرب، وأما في الإسلام فهو ms1593 في قصة امرأة ثابت في حديث الباب. # 882 - وعن ابن عباس رضي الله عنه أن امرأة ثابت بن قيس أتت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، ثابث بن قيس ما أعيب عليه في خلق ~~ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام. فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أتردين عليه حديقته؟ ". قال: فقالت: نعم. فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة". رواه البخاري (¬1)، وفي ~~رواية (¬2) له (أ): وأمره بطلاقها. # ولأبي داود والترمذي (¬3) وحسنه أن امرأة ثابت بن قيس اختلعت منه، فجعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عدتها حيضة. # وفي رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند ابن ماجه (¬4) أن ثابت بن ~~قيس كان دميما، وأن امرأته قالت: لولا مخافة الله إذا دخل علي لبصقت في ~~وجهه. PageV07P360 # ولأحمد (¬1) من حديث سهل بن أبي حثمة: وكان ذلك أول خلع في الإسلام. # قوله: امرأة ثابت. اختلفت الرواية في إبهام اسم المرأة، وفي تعيين اسمها؛ ~~فأبهم البخاري في هذه الطريق، وسماها في طريق مرسلة (¬2) عن عكرمة بجميلة. ~~وفي أخرى مرسلة (¬3): أن أخت عبد الله بن أبي. وفي رواية النسائي والطبراني ~~(¬4) من حديث الربيع بنت (أ) معوذ: أنها جميلة بنت عبد الله بن أبي. وبذلك ~~جزم ابن سعد في "الطبقات" (¬5)، وقال: أسلمت وبايعت، وكانت تحت حنظلة بن ~~أبي عامر غسيل الملائكة، فقتل عنها بأحد وهي حامل فولدت له عبد الله بن ~~حنظلة، فخلف عليها ثابت بن قيس، فولدت له ابنه محمدا، ثم اختلعت منه، ~~فتزوجها مالك بن الدخشم، ثم خبيب بن إساف. وأخرج الدارقطني والبيهقي (¬6) ~~-وسنده قوي مع إرساله- عن أبي الزبير أن اسمها زينب بنت عبد الله بن أبي ~~ابن سلول. ولا ينافي الذي قبله لاحتمال أن يكون لها اسمان، وإلا فالرواية ~~الأولى أولى؛ لوصلها وتأييدها بقول أهل النسب، وبه جزم الدمياطي، وأنها أخت ~~عبد الله بن عبد الله بن أبي، شقيقته، أمهما خولة بنت المنذر بن حرام، ووهم ~~الدمياطي البخاري حين قال: جميلة أخت عبد ms1594 الله بن أبي، ورد عليه بأن علي ~~مقام PageV07P361 # البخاري يبعد عن الوهم، ولكنه قال: أخت عبد الله بن أبي. وأراد بعبد الله ~~عبد الله بن عبد الله بن أبي، ولكنه نسبه إلى جده أبي، كما وقع في رواية ~~قتادة نسبتها إلى جدتها سلول، وهذا وجه الجمع، وأما ابن الأثير والنووي ~~(¬1) فجزما بأنها أخت عبد الله بن أبي، ووهما من قال أنها بنت عبد الله. ~~وبعضهم جمع بين الروايات [بأن] (أ) أخت عبد الله بن أبي جميلة تزوجها ثابت ~~وخالعها، وكذلك بنت عبد الله بن أبي تزوجها وخالعها واحدة بعد واحدة، ولا ~~يخفى بعده، والأصح عدم التعدد لا سيما مع اتحاد المخرج، وقد سماها النسائي ~~وابن ماجه (¬2) من طريق محمد بن إسحاق مريم المغالية؛ بفتح الميم وتخفيف ~~الغين المعجمة نسبة إلى مغالة ينسب إليها بنو عدي بن النجار، اسم امرأة من ~~الخزرج، ومنهم عبد الله بن أبي وحسان بن ثابت وجماعته من الخزرج، فإذا كان ~~عبد الله من بني مغالة فالنسبة صحيحة، والوهم وقع في تسميتها مريم، مع أنه ~~يحتمل أن لها اسما ثالثا، أو بعضها لقب. وقول ثالث أن اسمها حبيبة بنت سهل، ~~أخرجه مالك (¬3) في "الموطأ" عن حبيبة بنت سهل، أنها كانت تحت ثابت بن قيس ~~بن شماس، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج إلى الصبح فوجد حبيبة ~~عند بابه في الغلس، فقال: "من هذه؟ ". فقالت: أنا حبيبة بنت سهل. قال: "ما ~~شأنك؟ ". قالت: لا أنا ولا ثابت بن قيس -لزوجها- الحديث. وأخرجه أصحاب ~~"السنن الثلاثة" PageV07P362 # وصححه ابن خزيمة وابن حبان (¬1) من هذا الوجه، وأخرجه أبو داود (¬2) من ~~طريق أخرى عن عائشة أن حبيبة بنت سهل كانت عند ثابت. قال ابن عبد البر ~~(¬3): اختلف في امرأة ثابت بن قيس؛ فذكر البصريون أنها جميلة بنت أبي، وذكر ~~المدنيون أنها حبيبة بنت سهل. قال المصنف (¬4) رحمه الله تعالى: والذي يظهر ~~أنهما قصتان [وقعتا] (أ) لامرأتين، لشهرة الخبرين، وصحة الطريقين، واختلاف ~~السياقين، وقد [أخرج] (ب) البزار (¬5) من حديث عمر قال: أول ms1595 مختلعة في ~~الإسلام حبيبة بنت سهل كانت تحت ثابت بن قيس. الحديث. وهذا يقتضي أن ثابتا ~~تزوج حبيبة قبل جميلة، ويقوي ما ذكره البصريون أن محمد بن ثابت بن قيس من ~~(ج) جميلة كما تقدم. # وقول رابع ذكره ابن الجوزي في "تنقيحه" (¬6) أنها سهلة بنت حبيب. قال ~~المصنف (4) رحمه الله: وما أظنه إلا مقلوبا، والصواب حبيبة بنت PageV07P363 # سهل، وقد ترجم لها ابن سعد في "الطبقات" (¬1)، فقال: بنت سهل بن ثعلبة بن ~~الحارث، وأخرج حديثها عن يحيى بن سعيد، قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت ~~ابن قيس، وكان في خلقه شدة. فذكر نحو حديث مالك، وزاد في آخره: وقد كان ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هم أن يتزوجها، ثم كره ذلك لغيرة ~~الأنصار، وكره أن يسوءهم في نسائهم. # وثابت بن قيس بن شماس، بفتح الشين المعجمة وتشديد الميم والسين المهملة، ~~خزرجي أنصاري، شهد أحدا وما بعدها من المشاهد، من أكابر الصحابة وأعلام ~~الأنصار، شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - بالجنة، وكان خطيب الأنصار ~~وخطيب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، استشهد يوم اليمامة سنة اثنتي ~~عشرة، روى عنه أنس بن مالك ومحمد وإسماعيل وقيس أولاده. # قوله: ما أعتب. بضم المثناة من فوق، ويجوز كسرها، من العتاب، يقال: عتبت ~~على فلان. أعتب عتبا، والاسم المعتبة، والعتاب هو الخطاب بإدلال، وقد روي ~~بكسر العين المهملة وتحتانية ساكنة من العيب، وهو أليق بالمراد. # قوله: في خلق ولا دين. بضم الخاء المعجمة واللام، ويجوز إسكانها، ~~والمعنى: أنها لا تريد مفارقته لسوء خلقه ولا لنقصان دينه، زاد البخاري ~~(¬2) في رواية: ولكني لا أطيقه. وزاد الإسماعيلي ثم البيهقي (¬3) ذكر ~~التمييز PageV07P364 # بلفظ: لا أطيقه بغضا. ولا ينافي هذا ما في رواية النسائي (¬1) أنه كسر ~~يدها؛ لأنه قد يغتفر مثل هذا مع المودة، فالباعث لها هو البغض، وكذا في قصة ~~حبيبة بنت سهل عند أبي داود (¬2) أنه ضربها فكسر بعضها, لكنها لم تشك منه ~~ذلك، وإنما صرحت بأنه سيئ الخلق دميمه (أ) كما في حديث عمرو ms1596 بن شعيب عند ~~ابن ماجه (¬3): كانت حبيبة بنت سهل عند ثابت بن قيس، وكان رجلا دميما (ب). ~~الحديث، وكذا في رواية عبد الرزاق (¬4) قال: بلغني أنها قالت: يا رسول ~~الله، في (ج) من الجمال ما ترى، وثابت دميم (د). وفي رواية معتمر (¬5) (ه) ~~عن ابن عباس: أول خلع كان في الإسلام امرأة ثابت بن قيس؛ أتت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأس ثابت أبدا، إني ~~رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادا، وأقصرهم قامة، ~~وأقبحهم وجها، فقال: "أتردين عليه حديقته؟ ". قالت: نعم وإن شاء زدته. ففرق ~~بينهما. PageV07P365 # قوله: ولكني أكره الكفر في الإسلام. أي أكره إن أقمت عنده أن أقع فيما ~~يقتضي الكفر، والمراد وقوع ما يضادد الإسلام من النشوز وفرك (أ) الزوج، ~~وغير ذلك مما يتوقع من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها إذا كان بالضد منها، ~~فأطلقت على ما ينافي مقتضى الإسلام الكفر مبالغة في ذلك، كما في قوله ~~تعالى: {ومن كفر فإن الله غني عن العالمين} (¬1). ويحتمل مجاز الحذف، أي ~~أكره لوازم الكفر، أو أن شدة البغض قد يحملها على الكفر الحقيقي وإظهاره ~~ليقع بذلك فسخ النكاح عند تعذر الطلاق، وأما احتمال أنه يحملها على الكفر ~~بأمره لها، فيدفعه قولها: ما أعتب عليه في خلق ولا دين. # قوله: "أتردين عليه؟ ". وفي رواية: "فتردين؟ ". والفاء عاطفة على مقدر ~~محذوف، وفي رواية: "تردين؟ ". بحذف الاستفهام، والمعنى: عليه. # وقوله: "حديقته". أي بستانه. وفي حديث عمر (¬2): كان تزوجها على حديقة نخل. # قوله: قالت: نعم. زاد في حديث عمر: فقال ثابت: أيطيب ذلك يا رسول الله؟ ~~قال: "نعم". PageV07P366 # قوله: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة". الأمر للإرشاد والإصلاح، لا ~~للإيجاب، ووقع في رواية جرير بن حازم (¬1): فردت عليه وأمره ففارقها. # الحديث فيه دلالة على صحة الخلع، وعلى أنه يحل أخذ العوض من المرأة، وفي ~~ذلك أقوال، فذهب إلى ذلك الهادي والقاسم والناصر والزهري والنخعي وداود ~~وعطاء وأهل الظاهر، واختاره ابن المنذر إلا أنه يشترط نشوز ms1597 المرأة كما في ~~قصة ثابت، ولقوله تعالى: {إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله} (¬2). وقوله ~~تعالى: {إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} (¬3). وذهب أبو حنيفة والشافعي ومالك ~~والمؤيد بالله وأكثر أهل العلم إلى أنه يصح الخلع بالتراضي بين الزوجين، ~~وإن كانت الحال مستقيمة بينهما، ويحل العوض، لقوله تعالى: {فإن طبن لكم عن ~~شيء منه نفسا} (¬4) الآية. ولم يفرق، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إلا ~~بطيبة من نفسه" (¬5). ولأنه إذا جاز الأكل من الصداق، ولم يحصل لها به عوض ~~فمع حصول العوض أولى، والحديث لا يدل على منع هذه الحال، وقوله تعالى: {إلا ~~أن يخافا}. يحتمل أن يراد به حقيقة الخوف الذي هو الظن والحسبان في حصول ~~ذلك في المستقبل، فيدل على جوازه، وإن كان الحال مستقيما بينهما مقيمين ~~حدود الله في الحال، فيؤيد ما قاله الجمهور، ويحتمل أن يراد به العلم بوقوع ~~إلا أن يخافا ألا يقيما، PageV07P367 # فيتأيد به القول الأول؛ لأنه لا يتأتى العلم إلا بتحققه في الحال، وذهب ~~الحسن وسعيد بن جبير وابن سيرين إلى أنه لا يصح الخلع إلا بحضور السلطان، ~~أخرج عن الحسن سعيد بن منصور (¬1)، وأخرج عن ابن سيرين حماد بن زيد، ~~واختاره أبو [عبيد] (أ)، واستدل لذلك بقوله تعالى: {فإن خفتم ألا يقيما ~~حدود الله} (¬2). وقوله تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما} (¬3). والخطاب لغير ~~الزوجين، وهو خطاب للولاة بالاتفاق، وقرأ حمزة أول الآية: (إلا أن يخافا) ~~(¬4) مبنيا للمفعول، قال الطحاوي: هذا القول شاذ، مخالف لما عليه الجم ~~الغفير، والقياس يرده أيضا؛ فإن الطلاق جائز من دون الحاكم فكذا الخلع، وقد ~~حكم [عمر] (ب) بخلافه، قال البخاري (¬5): وأجاز عمر الخلع دون السلطان. أي ~~بغير إذنه، وقد وصله ابن أبي شيبة (¬6) من طريق خيثمة بن عبد الرحمن، قال: ~~أتي بشر بن مروان وهو والي المدينة في خلع كان بين رجل وامرأة فلم يجزه، ~~فقال له عبد الله بن شهاب الخولاني: قد أتي عمر في خلع فأجازه. والآية ~~الكريمة خرجت على حكم الغالب، وقد أنكر قتادة هذا على الحسن، ms1598 فأخرج سعيد بن ~~أبي عروبة PageV07P368 # في كتاب النكاح عن قتادة عن الحسن فذكره. قال قتادة: وما أخذ الحسن هذا ~~إلا عن زياد. يعني حين كان أميرا لمعاوية على العراق، وزياد ليس أهلا لأن ~~يقتدى به. وذهب أبو قلابة والحسن البصري ومحمد بن سيرين إلى أنه لا يجوز ~~أخذ الفدية منها إلا أن يرى على بطنها رجلا. أخرجه ابن أبي شيبة (¬1)، ~~وكأنهم لم يبلغهم الحديث، واستدل ابن سيرين بظاهر قوله تعالى: {إلا أن ~~يأتين بفاحشة مبينة} (¬2). وهو يحتمل أن يراد بالفاحشة النشوز، ولكن الظاهر ~~أن المراد بها الزنى؛ لأن الآية الكريمة مراد بها أن الرجل لا يجوز له ~~العضل، وهو المهاجرة لزوجته والإيذاء لها لتفتدي منه، إلا إذا أتت بفاحشة ~~مبينة جاز له مهاجرتها لتفتدي منه، ولا يجب عليه أن يفضحها بالقذف لها، بل ~~هذه الحالة أسلم فيجوز له أن يفتدي منها بما تراضيا عليه ويطلقها، فلا ~~مخالفة للحديث، ويتأول ما ذهب إليه أبو قلابة بهذه الحال، وذهب ابن المنذر ~~إلى أنه لا يجوز أخذ الفداء إلا إذا وقع الشقاق منهما جميعا، وإن كان من ~~أحدهما لم يجز، وهو موافق لظاهر الآيتين ولا يطابق الحديث، وأجاب الطبري ~~(¬3) عن ظاهر الآية بأنه نسب إليهما عدم الإقامة؛ لأنه إذا كان من الزوجة ~~عدم القيام بحقوق الزوج التي أمرت بها، كان ذلك حاملا للزوج على مثل ذلك ~~بحسب الأغلب، فينسب إليهما جميعا الفعل، فلا يتم الاستدلال. # ودل الحديث على أنه يأخذ منها مثل ما سلم إليها أو قدر ذلك، وأما PageV07P369 # الزيادة عليه؛ فذهب عطاء وطاوس والزهري وأحمد وإسحاق والأوزاعي والهدوية ~~إلى أنه لا يزداد شيئا لهذا الحديث، وقد وقع عند ابن ماجه والبيهقي (¬1) في ~~رواية سعيد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس في آخر حديث الباب: فأمره أن ~~يأخذ منها ولا يزداد. ورواه ابن جريج عن عطاء مرسلا، وفي رواية ابن المبارك ~~وعبد الوهاب عنه: أما الزيادة فلا. وزاد ابن المبارك عن مالك، وفي رواية ~~الثوري: وكره أن يأخذ منها أكثر مما أعطى. ms1599 وذكر ذلك كله البيهقي (¬2)، قال: ~~ووصله الوليد بن مسلم عن ابن جريج بذكر ابن عباس فيه. أخرجه أبو الشيخ، ~~قال: وهو غير محفوظ. يعني الصواب إرساله، وفي مرسل أبي الزبير عند ~~الدارقطني والبيهقي (¬3): "أتردين عليه حديقته التي أعطاك؟ ". قالت: نعم ~~وزيادة. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أما الزيادة فلا, ولكن ~~حديقته". قالت: نعم. فأخذ ماله، وخلى سبيلها. ورجال إسناده ثقات، ووقع في ~~بعض طرقه: سمعه أبو الزبير من غير واحد. فإن كان فيهم صحابي فهو صحيح، وإلا ~~فيعتضد بما سبق، لكن ليس فيه دلالة على أن ذلك شرط في الخلع، فقد يكون ذلك ~~على سبيل المشورة رفقا بها، وأخرج عبد الرزاق (¬4) عن علي: لا يأخذ منها ~~فوق ما أعطاها. وعن طاوس وعطاء والزهري مثله. وأخرج إسماعيل بن إسحاق عن ~~ميمون بن مهران: من أخذ أكثر مما أعطى لم يسرح بإحسان. بل أخرج عبد الرزاق ~~(¬5) PageV07P370 # بسند صحيح عن سعيد بن المسيب قال: ما أحب أن يأخذ منها ما أعطاها، ليدع ~~لها شيئا. وذهب الشافعي ومالك إلى أنه تحل الزيادة إذا كان النشوز من قبل ~~المرأة، قال مالك: لم أزل أسمع أن الفدية تجوز بالصداق وبأكثر منه لقوله ~~تعالى: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به}. ولحديث حبيبة بنت سهل، فإذا كان ~~النشوز من قبلها حل للزوج ما أخذ منها برضاها، وإن كان من قبله لم يحل له ~~ويرد عليها إن أخذ، وتمضي الفرقة، وقال الشافعي: إذا كانت غير مؤدية لحقه ~~(أ) كارهة له، حل له أن يأخذ؛ لأنه يجوز له أخذ ما طابت نفسها [بغير] (ب) ~~سبب، فبالسبب أولى. وقال إسماعيل القاضي (¬1): ادعى بعضهم أن المراد بقوله ~~تعالى: {فيما افتدت به}. أي: بالصداق. وهو مردود لأنه لم يقيد في الآية ~~بذلك، وحكى في "البحر" الخلاف في أنه يجوز أخذ الزيادة مطلقا عن الحنفية ~~والشافعية والمؤيد بالله والإمام يحيى، واحتج لهم بحديث أبي سعيد الخدري ~~(¬2) أنه قال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأخته: "وزيديه". ذكره في "أصول ~~الأحكام"، وقد روي عن عثمان ms1600 أخرجه في "أمالي أبي القاسم بن بشران" من طريق ~~شريك عن عبد الله بن محمد بن عقيل، عن الربيع بنت معوذ قالت: اختلعت من ~~زوجي بما دون عقاص (¬3) PageV07P371 # رأسي، فأجاز ذلك عثمان. وفي رواية البيهقي (¬1) قالت في آخره: فدفعت إليه ~~كل شيء، حتى أجفت الباب بيني وبينه. فمعنى: دون العقاص، أي سوى، وقال سعيد ~~بن منصور (¬2): حدثنا هشام، عن مغيرة، عن إبراهيم: كان يقال: الخلع ما دون ~~عقاص رأسها. وعن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: يأخذ من المختلعة حتى ~~عقاصها. ومن طريق قبيصة بن ذؤيب: إذا خلعها جاز أن يأخذ منها أكثر مما ~~أعطاها. ثم تلا: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به}. وسنده صحيح، وأخرج ابن ~~سعد (¬3) في ترجمة الربيع بنت معوذ من طبقات النساء أنها قالت لزوجها: لك ~~كل شيء وفارقني. قال: قد فعلت. فأخذ والله كل شيء حتى فراشي، فجئت عثمان ~~وهو محصور، فقال: الشرط أملك، خذ كل شيء حتى عقاص رأسها. قال ابن بطال ~~(¬4): ذهب الجمهور إلى أنه يجوز للرجل أن يأخذ في الخلع أكثر مما أعطاها. ~~وقال مالك: لم أر أحدا ممن يقتدى به يمنع ذلك، لكنه ليس من مكارم الأخلاق. # قوله: "اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة". الأمر بقوله: "اقبل"، و"طلقها". ~~أمر إرشاد، والحديث فيه دلالة على أن الواقع من ثابت هو لفظ الطلاق دون ~~الخلع، وأن المواطأة على رد المهر لأجل الطلاق يكون خلعا، وأما إذا وقع ~~بلفظ الخلع فمذهب الهدوية وهو قول للشافعي نص عليه في PageV07P372 # كتبه الجديدة، وقول جمهور العلماء: إنه طلاق، سواء وقع بلفظ الخلع وما ~~يصرف منه، أو بغير لفظه بنيته. وقد نص الشافعي في الإملاء على أنه من صرائح ~~الطلاق، وحجتهم أنه لفظ لا يملكه إلا الزوج فكان طلاقا, ولو كان فسخا لما ~~جاز على غير الصداق كالإقالة، وهو يجوز عند الجمهور بما قل وكثر، فدل على ~~أنه طلاق. # والثاني: وهو قول للشافعي في القديم، وذكره في أحكام القرآن من الجديد ~~أنه فسخ وليس بطلاق، وصح ذلك عن ابن ms1601 عباس [أخرجه عبد الرزاق (¬1)، و] (أ) ~~عن ابن الزبير، وروي عن عثمان وعلي وعكرمة وطاوس، وهو مشهور مذهب أحمد، وقد ~~وقع في بعض طرق حديث الباب عند أبي داود والترمذي (¬2) أنه أمرها أن تعتد ~~بحيضة. وعند أبي داود والنسائي وابن ماجه (¬3) من حديث الربيع بنت معوذ أن ~~عثمان أمرها أن تعتد بحيضة، قالت: وتبع عثمان في ذلك قضاء رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في امرأة ثابت بن قيصر. وفي رواية النسائي والطبراني (¬4) ~~من حديث الربيع بنت معوذ أن ثابت بن قيس ضرب امرأته. فذكر نحو حديث الباب، ~~وقال في آخره: "خذ الذي لها، وخل سبيلها". قال: نعم، فأمرها أن تتربص حيضة PageV07P373 # و [تلحق] (أ) بأهلها. قال الخطابي (¬1): في هذا أقوى دليل لمن قال: إن ~~الخلع فسخ، وليس بطلاق. إذ لو كان طلاقا لم يكتف بحيضة [للعدة] (ب). انتهى. ~~والإمام أحمد قال: لا بد من ثلاثة أقراء. مع أنه يقول: إن الخلع فسخ. # والثالث: أنه لا يقع به فرقة إلا إذا نوى به الطلاق. نص عليه الشافعي في ~~"الأم"، وقواه السبكي من المتأخرين، وذكر محمد بن نصر المروزي في كتاب ~~"اختلاف العلماء" (¬2) أنه آخر قوله الشافعي. # والرابع: ذهب إليه أبو ثور، وهو أنه إن كان بلفظ الطلاق فهو طلاق، وإن ~~كان بلفظ المفاداة فهو فسخ، وأجابوا عن الحديث بأنه مرسل ومضطرب؛ فإنه روي ~~أنه جعل عدتها حيضة ونصفا. # وفائدة الخلاف؛ أنه هل تعتد به في التطليقات أم لا؟ وجمهور من رأى أنه ~~طلاق يجعله بائنا, لأنه لو كان للزوج الرجعة لم يكن لافتدائها فائدة، وقال ~~أبو ثور: إن لم يكن بلفظ الطلاق لم يكن له عليها رجعة، وإلا كان له الرجعة. ~~واحتج من جعله طلاقا بأن الفسخ إنما يقتضي الفرقة التي لا اختيار للزوج ~~فيها، وهذا راجع إلى الاختيار فليس بفسخ، واحتج من لم يره طلاقا بأن الله ~~تبارك وتعالى ذكر في كتابه الطلاق فقال: {الطلاق مرتان}. ثم PageV07P374 # ذكر الافتداء، ثم قال: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى ms1602 تنكح زوجا غيره} ~~(¬1) الآية. فلو كان الافتداء طلاقا لكان الطلاق الذي لا تحل له [فيه] (أ) ~~إلا بعد زوج هو الطلاق الرابع، وسبب الخلاف، هل اقتران العوض بهذه الفرقة ~~يخرجها من نوع فرقة الطلاق إلى نوع فرقة الفسخ أم لا يخرجها؟ وهذا مذهب ابن ~~عباس رضي الله عنه. وعن إبراهيم بن سعد بن أبي وقاص أن رجلا سأل ابن عباس ~~رضي الله عنه عن رجل طلق امرأته طلقتين، ثم اختلعها، قال: نعم لينكحها، فإن ~~الخلع ليس بطلاق، ذكر الله عز وجل الطلاق في أول الآية وآخرها، والخلع فيما ~~بين ذلك، فليس الخلع بشيء. ثم قال: {الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح ~~بإحسان}. ثم قرأ: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره}. # واختلف العلماء في أنه يلحق الطلاق الخلع أم لا؟ فذهب أبو حنيفة والثوري ~~إلى أنه يلحق، واستنبطوا ذلك من قوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من ~~بعد}. بعد (ب) ذكر الافتداء، واستدلوا بآثار ضعيفة، وذهب العترة ومالك ~~والشافعي وأحمد وإسحاق وأبو ثور إلى أن الخلع لا يلحقه طلاق، واحتجوا بما ~~رواه عطاء (¬2) عن ابن عباس وابن الزبير، أنهما قالا في المختلعة: لا ~~يلزمها طلاق؛ (ج لأنه طلاق ج) ما لا يملك. وذهب الحسن ومالك إلى أنه PageV07P375 # يلحقها في القرب لا في البعد، يعني الوقت القريب، قال البصري: والقرب أن ~~يطلقها بائنا في المجلس لا بعده. وقال مالك: بل متصلا بالخلع، والمنفصل ~~بعيد. والجواب أنه لا تأثير للقرب والبعد. # وجمهور العلماء إلى أن الزوج ليس له الرجعة على المختلعة في العدة وإلا ~~خلا الافتداء عن الفائدة، وروي عن سعيد بن المسيب وابن شهاب أنهما قالا: إن ~~رد لها ما أخذ منها في العدة أشهد على رجعتها (¬1). وفي "البحر" عنهما أنه ~~يخير بين أخذ العوض ولا رجعة، أو تركه (أ) وله الرجعة، فمتى قبضه بطل ~~خياره. انتهى. # وأبو ثور يقول: له ذلك (ب) إن كان بلفظ الطلاق. والجمهور اتفقوا على أن ~~له أن يتزوجها برضاها في ms1603 عدتها، وقالت فرقة: لا يتزوجها هو ولا غيره في ~~العدة. وسبب الخلاف؛ هل المنع من النكاح في العدة حكم تعبدي (ب) أو لأجل ~~استبراء الرحم؟ وهذه الأحكام المتعلقة بالحديث، وقد ذكر الفقهاء للخلع ~~شروطا وألفاظا وتقاسيم، تفصيلها في كتب الفروع، ورجوعها إلى أقيسة ونظائر ~~من أحكام الطلاق والعقود، ولا شاهد على شيء من ذلك في الكتاب العزيز ولا في ~~السنة النبوية وأحكام الصحابة، واعلم أن الخلع يسمى فدية وافتداء وصلحا ~~ومبارأة، وهي تئول إلى معنى واحد، وهو بذل المرأة PageV07P376 # العوض على طلاقها (أإلا أن أ) اسم الخلع يختص ببذلها جميع ما أعطاها، ~~والصلح ببعضه، والفدية بأكثره، والمبارأة بإسقاطها عنه حقا لها عليه. والله ~~أعلم. PageV07P377 # البدر التمام شرح بلوغ المرام # للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي # (1048 ه -1119 ه) # تحقيق # علي بن عبد الله الزبن # عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية # قدم له # فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان # رئيس مجلس القضاء الأعلى # الجزء الثامن PageV08P001 # البدر التمام شرح بلوغ المرام PageV08P003 # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة الأولى # 1428 - ه - 2007 م PageV08P004 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO كتاب الطلاق # الطلاق في اللغة: حل الوثاق، مشتق من الإطلاق وهو الإرسال والترك، وفلان ~~طلق اليد بالخير، أي كثير البذل. وفي الشرع: حل عقدة التزويج (أ). وهو ~~موافق لبعض مدلوله اللغوي، قال إمام الحرمين (¬1): هو لفظ جاهلي ورد الشرع ~~بتقريره. وطلقت المرأة بفتح الطاء وضم اللام -وبفتحها أيضا- وهو أفصح، وبضم ~~الطاء وكسر اللام المثقلة، فإن خففت فهو خاص بالولادة، والمضارع فيهما (ب) ~~بضم اللام، والمصدر في الولادة: طلقا ساكنة اللام، فهي طالق فيهما. # وهو ينقسم إلى حرام ومكروه وواجب ومندوب و (ج) جائز. أما (د) الأول: فهو ~~الطلاق البدعي، والثاني: إذا وقع بغير سبب مع استقامة الحال، والثالث: إذا ~~كانت غير عفيفة، وعند البعض أن ذلك مثال للمندوب، وأن الواجب في صورة ~~الشقاق بينهما ورأى ذلك الحكمان، والرابع: قال النووي (¬2): لا PageV08P005 # يوجد مثاله. وصوره غيره بما إذا كان لا يريدها ولا تطيب نفسه ms1604 أن يتحمل ~~مؤنتها من غير حصول غرض الاستمتاع، فقد صرح الجويني (¬1) (أأن الطلاق أ) في ~~هذه الصورة لا يكره. # 883 - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه ~~الحاكم، ورجح أبو حاتم إرساله (¬2). # أخرجوه (ب) من حديث محارب بن دثار عن ابن عمر، [وأخرجه] (ج) أبو داود ~~والبيهقي (¬3) مرسلا ليس فيه ابن عمر، ورجح أبو حاتم والدارقطني في "العلل" ~~(¬4) والبيهقي المرسل، وأورده ابن الجوزي في "العلل المتناهية" (¬5) بإسناد ~~ابن ماجه، وضعفه بعبيد الله بن الوليد [الوصافي] (د)، وهو ضعيف (¬6)، PageV08P006 # ولكنه لم ينفرد به -فقد تابعه معرف بن واصل (¬1) - إلا أن المنفرد عنه ~~بوصله محمد بن خالد الوهبي (¬2). ورواه الدارقطني (¬3) من حديث مكحول عن ~~معاذ بن جبل بلفظ: "ما خلق الله شيئا أبغض إليه من الطلاق". وإسناده ضعيف ~~ومنقطع أيضا. # الحديث فيه دلالة على أن ثم أشياء من الحلال مبغوضة إلى الله تعالى، وأن ~~الطلاق أبغضها، فيكون البغض مجازا عن كون ذلك لا ثواب ولا [قربة من فعله] ~~(أ)، وحق العاقل أن يختار الأعمال التي تكون وسيلة إلى نيل رضا الله تعالى ~~مبعدة عن المساوئ، وقد مثل بعضهم للمبغوض (5) من الحلال: الصلاة المكتوبة ~~في غير المسجد لغير عذر. والله أعلم. # 884 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فسأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن ذلك، فقال: "مره فليراجعها، ثم ليمسكها حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم ~~إن شاء أمسك بعد، وإن شاء طلق قبل أن يمس، فتلك العدة التي أمر الله أن ~~تطلق PageV08P007 # لها النساء". متفق عليه (¬1). وفي رواية لمسلم (¬2): " [مره] (أ) ~~فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا". وفي أخرى للبخاري (¬3): "وحسبت ~~تطليقة". وفي رواية لمسلم (¬4): قال ابن عمر: أما أنت (¬5) طلقتها واحدة أو ~~اثنتين، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمرني أن أراجعها، ثم أمسكها ~~حتى ms1605 تحيض حيضة أخرى، [ثم أمهلها حتى تطهر، ثم أطلقها قبل أن أمسها] (ب)، ~~وأما أنت طلقتها ثلاثا، فقد عصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك. # وفي رواية أخرى (¬6): قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه: فردها علي، ولم ~~يرها (ج) شيئا وقال: "إذا طهرت فليطلق أو ليمسك". # قوله: طلق امرأته. قال النووي (¬7) نقلا عن ابن باطيش: اسمها آمنة PageV08P008 # بنت غفار. قال المصنف رحمه الله (¬1): [ومستند] (أ) ابن باطيش في "أحاديث ~~قتيبة" جمع سعيد [العيار] (ب) بسند فيه ابن لهيعة، أنها آمنة بنت عمار ~~-بعين مفتوحة ثم ميم مثقلة- والأول أقوى، وفي "مسند أحمد" (¬2) -بسند على ~~شرط الشيخين- أن عبد الله طلق امرأته النوار. ويمكن الجمع بأن اسمها آمنة ~~ولقبها النوار، [وأوردها الذهبي في آمنة، وأبوها غفار. [ضبطه ابن نقطة] (ج) ~~(¬3) بكسر المعجمة وتخفيف الفاء. # وزاد الليث عن نافع: تطليقة واحدة. أخرجه مسلم (¬4). من طريق ابن سيرين ~~(¬5) قال: مكثت عشرين سنة يحدثني من لا أتهم أن ابن عمر طلق امرأته ثلاثا ~~وهي حائض، فأمر أن يراجعها، فكنت لا أتهمهم، ولا أعرف وجه الحديث حتى لقيت ~~أبا غلاب يونس بن جبير، وكان ذا ثبت (¬6)، فحدثني أنه سأل ابن عمر، فحدثه ~~أنه طلق امرأته تطليقة وهي حائض. PageV08P009 # وأخرجه الدارقطني والبيهقي (¬1) من طريق الشعبي قال: طلق ابن عمر امرأته ~~وهي حائض واحدة. ومن طريق عطاء الخراساني عن الحسن عن ابن عمر أنه طلق ~~امرأته تطليقة وهي حائض (¬2). # قوله: فسأل عمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك. جاء في روايات ~~في "الصحيحين" (¬3): فأتى عمر النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك. ~~وأخرجه الدارقطني (¬4)، وزاد البخاري (¬5) في التفسير عن سالم أن ابن عمر ~~أخبره. الحديث، وفيه زيادة: فتغيظ فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ~~ولم تكن هذه الزيادة في غير رواية سالم، وهو أجل من روى الحديث عن ابن عمر. # وفي الحديث إشعار بأنهم قد فهموا [النهي عن] (أ) الطلاق في الحيض، وإلا ~~لم يتغيظ النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يبادر ms1606 عمر بالسؤال ليتعرف ما ~~يكون حكم هذا النهي. وقال ابن دقيق العيد: تغيظ النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- إما لأن المعنى الذي يقتضي النهي كان ظاهرا، أو لأنه كان ينبغي مشاورة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: "مره فليراجعها". فيه دلالة على أن ابن عمر مأمور بالمراجعة من ~~قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - لظهور القرينة بأن الأمر ليس باختيار عمر ~~لابنه، وإنما هو PageV08P010 # لأجل كونه متعبدا بالحكم، فيكون [عمر] (أ) مبلغا عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - الحكم، فهو مثل قوله تعالى: {قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا ~~الصلاة} (¬1). ونحوه، فنحن مأمورون من الله تعالى بإقامة الصلاة، والنبي - ~~صلى الله عليه وسلم - مبلغ، فلا يقال: هذا متنزل على الخلاف في مسألة الأمر ~~بالأمر بالشيء ليس أمرا بالشيء كما اختاره ابن الحاجب. # واختلف العلماء في وجوب المراجعة، فذهب مالك إلى وجوب الرجعة ورواية عن ~~أحمد، والمشهور عنه -وهو قول الجمهور- أنها مستحبة، قالوا: لأن ابتداء ~~النكاح لا يجب، فاستدامته كذلك، فكان القياس قرينة على أن الأمر للندب، ~~وصحح صاحب "الهداية" (¬2) من الحنفية أنها واجبة، والحجة ورود الأمر، ولأن ~~الطلاق لما كان محرما في الحيض كانت استدامة النكاح فيه واجبة. # فلو تمادى الذي طلق في الحيض حتى طهرت، قال مالك وأكثر أصحابه: يجبر على ~~الرجعة أيضا. وقال أشهب منهم: إذا طهرت لم تجب الرجعة، وأما بعد انقضاء ~~العدة فاتفاق أنه لا رجعة، وكذا لو طلقها في طهر قد وطئها فيه لا رجعة عليه ~~اتفاقا، كذا نقله ابن بطال (¬3) وغيره. # قال المصنف (¬4) رحمه الله تعالى: بل الخلاف فيه ثابت قد حكاه PageV08P011 # الحناطي (أ) من الشافعية وجها. واتفقوا على أنه لو طلق قبل الدخول وهي ~~حائض لم يؤمر بالمراجعة، إلا ما نقل عن زفر فقال: يؤمر بالمراجعة. # قوله: "ثم ليمسكهما". أي يستمر بها في عصمته. # قوله: "حتى تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر". وقع في هذه وفي غيرها أن الطلاق في ~~الطهر الذي بعد الحيضة التي لا طلاق فيها، واختلف العلماء في جواز الطلاق ~~في الطهر ms1607 الأول؛ فذهب إلى أنه يحرم الطلاق في ذلك الطهر مالك (¬1)، ~~وللشافعية (ب) وجهان أصحهما المنع، وبه قطع المتولي، وهو الذي يقتضيه ظاهر ~~الأمر. وقال ابن تيمية في "المحرر" (¬2): ولا يطلقها في الطهر المتعقب له ~~فإنه بدعة. وذهب أبو حنيفة، وعن أحمد، أن الانتظار إلى الطهر الثاني مستحب، ~~والحجة لذلك ما أخرجه مسلم (¬3) من رواية محمد بن عبد الرحمن عن سالم بلفظ: ~~"مره فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا". قال الشافعي: غير نافع إنما ~~روى: "حتى تطهر من الحيضة التي طلقها فيها، [ثم] (ج) إن شاء أمسك، وإن شاء ~~طلق". رواه يونس بن جبير وأنس بن سيرين وسالم. ولأن التحريم إنما كان لأجل ~~الحيض، فإذا زال زال موجب التحريم، فجاز طلاقها في هذا الطهر كما يجوز في ~~الطهر الذي PageV08P012 # بعده، وكما يجوز في الطهر الذي لم يتقدم طلاق في حيضته. وأجيب عن ذلك بأن ~~رواية نافع فيها زيادة، وهي زيادة من ثقة حافظ مقبولة، مع أنه قد روى ~~الزهري عن سالم (¬1) موافقته لرواية نافع، فتحمل الرواية على اختصار ~~الراوي، وعن المناسبة المذكورة بأنها معارضة للنص، ومعارضة بمناسبة أقوى ~~منها، وهو أن الغرض من ذلك إيواء المرأة ولذلك سماه إمساكا، ويدل على ذلك ~~أنه قد ورد في رواية عبد الحميد بن جعفر: "مره أن يراجعها، فإذا طهرت مسها، ~~حتى إذا طهرت أخرى فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها" (¬2). فإذا كان مأمورا ~~بأن يمسها في ذلك الطهر، فكيف [يبيح] (أ) له أن يطلقها فيه وقد ثبت النهي ~~عن الطلاق في طهر جامعها فيه؟ # وقال الشافعي: يحتمل أن ذلك ليكون تطليقها وهي تعلم عدتها إمام يحمل أو ~~حيض، أو ليكون تطليقها بعد علمه بالحمل وهو غير جاهل بما صنع إذ يرغب فيمسك ~~للحمل، أو ليكون إن كانت سألت الطلاق غير حامل أن تكف (ب) عنه. # وقيل: الحكمة فيه ألا تصير الرجعة لغرض الطلاق، فإذا أمسكها زمانا يحل له ~~فيه طلاقها ظهرت فائدة الرجعة؛ لأنه قد يجامعها مع طول المدة فيذهب ما في ~~نفسه من ms1608 سبب طلاقها فيمسكها. وقيل: إن الطهر الذي يلي PageV08P013 # الحيضة التي طلقها [فيها] (أ) كقرء واحد، فلو طلقها في الطهر كان كمن طلق ~~في الحيض، فلزم أن يتأخر إلى الطهر الثاني. # قوله: "قبل أن يمس". فيه دلالة على أن الطلاق في الطهر بعد أن مس يكون ~~بدعيا حراما، وقد صرح بذلك الجمهور، وقال بعض المالكية: إنه يجبر على ~~الرجعة إذا طلق فيه كما إذا طلقها وهي حائض. والمشهور عندهم أن ذلك في ~~الحائض دون الطاهر، وقالوا: إذا طلقها وهي حائض يجبر على الرجعة، فإن امتنع ~~أدبه الحاكم، فإن أصر ارتجع الحاكم عليه. وهل يجوز له وطؤها بذلك الارتجاع؟ ~~في ذلك روايتان لهم أصحهما الجواز. وداود يقول: يجبر على الرجعة إذا طلقها ~~حائضا, ولا يجبر إذا طلقها نفساء. وهو جمود منه على لفظ الدليل من غير ~~اعتبار القياس، والجمهور أن النفاس كالحيض في جميع أحكامه. # واختلف الفقهاء في المراد بقوله: "طاهرا"؛ في أن المراد به انقطاع الدم، ~~أو لا بد من الغسل؟ فعن أحمد روايتان، والراجح اعتبار الغسل (ب)؛ لما PageV08P014 # في رواية النسائي (¬1): "فإذا اغتسلت من حيضتها الأخرى فلا يمسها حتى ~~يطلقها، وإن شاء أن يمسكها فليمسكها". وهذا مفسر لقوله: "فإذا طهرت". ~~فليحمل عليه، ويتفرع من هذا أن العدة هل تنقضي بانقطاع الدم وترتفع الرجعة ~~أو لا بد من الاغتسال؟ فيه خلاف أيضا. # قوله: "فتلك العدة التي أمر الله". أي أذن، وهذا بيان لمعنى قوله تعالى: ~~{فطلقوهن لعدتهن} (¬2). بل في رواية مسلم (¬3): قال ابن عمر: وقرأ النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: {يا أيها النبي} الآية. # وفي الحديث دلالة على أن الأقراء الأطهار، للأمر بطلاقها في الطهر، ~~وقوله: {فطلقوهن لعدتهن}. أي وقت ابتداء عدتهن. ومن قال: هي الحيف. يقول في ~~معنى الآية: مستقبلات لعدتهن. ولكن الحديث يرد عليه. # قوله: "طاهرا أو حاملا". فيه دلالة على أن طلاق الحامل سني، وقد ذهب إلى ~~هذا الجمهور، وعن أحمد رواية أنه ليس بسني ولا بدعي. # قوله: "وحسبت تطليقة". هو بضم الحاء مبني للمفعول من الحساب، وهو ms1609 جعلها ~~واحدة من الثلاث الطلقات التي يملك الزوج، ولم يصرح PageV08P015 # بالفاعل، وقد صرح به في غير هذه الرواية كما في "مسند ابن وهب" (¬1)، ~~أخرجه عن ابن أبي ذئب وزاد في آخره: قال ابن أبي ذئب في الحديث عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -: "وهي واحدة". قال ابن أبي ذئب: وحدثني حنظلة بن أبي ~~سفيان: سمع سالما يحدث عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك. # وأخرجه الدارقطني (¬2) من [طريق] (أ) يزيد بن هارون عن ابن أبي ذئب وابن ~~إسحاق جميعا عن نافع عن ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "هي ~~واحدة". وعند الدارقطني (¬3) في رواية شعبة عن أنس بن سيرين عن ابن عمر في ~~القصة: فقال عمر: يا رسول الله، أفتحتسب بتلك التطليقة؟ قال: "نعم". ورجاله ~~إلى شعبة ثقات. وعنده (¬4) من طريق [سعيد] (ب) بن عبد الرحمن الجمحي عن ~~عبيد الله بن [عمر] (ج) عن نافع عن ابن عمر أن رجلا قال (¬5): إني طلقت ~~امرأتي البتة وهي حائض. فقال (¬6): عصيت ربك وفارقت امرأتك. قال: فإن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أمر ابن عمر أن يراجع امرأته. قال: إنه PageV08P016 # أمر ابن عمر أن يراجعها بطلاق بقي له، وأنت لم تبق ما ترتجع به امرأتك. # فظهر من هذا أن الحاسب هو النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن القصة ~~واحدة، فبعض الروايات تفسر بعضا. # والحديث فيه دلالة على وقوع الطلاق على الحائض، وقد ذهب إلى هذا الجمهور ~~من السلف والخلف، والخلاف فيه لطاوس وخلاس بن عمرو، وحكاه الخطابي (¬1) عن ~~الخوارج والروافض، وحكاه في "البحر" عن الباقر والصادق والناصر وابن عليه ~~وهشام بن الحكم وأبي عبيدة. ابن عبد البر (¬2): لا يخالف في ذلك إلا أهل ~~البدع والضلال -يعني الآن- قال: وروي مثله عن بعض التابعين، وهو شذوذ. ~~وحكاه ابن العربي (¬3) وغيره عن ابن علية، يعني إبراهيم بن إسماعيل بن علية ~~الذي قال الشافعي (¬4) في حقه: إبراهيم ضال، جلس في باب الضوال يضل الناس. ~~وكان بمصر، وله مسائل يتفرد بها، وكان ms1610 متفقهاء المعتزلة، وقد غلط فيه من ظن ~~أن المنقول عنه المسائل الشاذة أبوه، وحاشاه فإنه من كبار أهل السنة. # ونصر هذا المذهب ابن حزم الظاهري، ورجحه ابن تيمية وتلميذه ابن قيم ~~الجوزية، واحتجوا بما جاء في رواية مسلم وأبي داود والنسائي (¬5) في القصة ~~وفيه: فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليراجعها". وقال: "إذا ~~طهرت PageV08P017 # فليطلق أو ليمسك (أ) ". ولفظ مسلم والنسائي وأبي داود: فردها علي. زاد ~~أبو داود: ولم يرها شيئا. وإسناده على شرط الصحيح، فإن مسلما أخرجه من ~~رواية حجاج بن محمد عن ابن جريج، وساقه على لفظه، ثم أخرجه من رواية أبي ~~عاصم عنه وقال نحو هذه القصة، ثم أخرجه من رواية عبد الرزاق عن ابن جريج ~~قال مثل حديث حجاج، وفيه بعض الزيادة، فأشار إلى هذه الزيادة ولعله طوى ~~ذكرها عمدا، وقد أخرج أحمد (¬1) الحديث عن روح بن عبادة عن ابن جريج ~~فذكرها، فلا يتخيل انفراد عبد الرزاق بها. # قال أبو داود (¬2): روى هذا الحديث عن ابن عمر جماعة، وأحاديثهم كلها على ~~خلاف ما قال أبو الزبير. # وقال ابن عبد البر (¬3): قوله: ولم يرها شيئا. منكر لم يقله غير أبي ~~الزبير (¬4)، وليس بحجة فيما خالفه فيه مثله، فكيف بمن هو أثبت منه؟! ولو ~~صح فمعناه عندي -والله أعلم- ولم يرها شيئا مستقيما؛ لكونها لم تقع على ~~السنة. PageV08P018 # وقال الخطابي (¬1): قال أهل الحديث: لم يرو أبو الزبير حديثا أنكر من ~~هذا، ويحتمل أن معناه: لم يرها شيئا تحرم معه المراجعة، أو لم يرها شيئا ~~جائزا في السنة ماضيا في الاختيار، وإن كان لازما له مع الكراهة. # ونقل البيهقي في "المعرفة" (¬2) عن الشافعي أنه ذكر رواية أبي الزبير ~~فقال: نافع أثبت من أبي الزبير، والأثبت من الحديثين أولى أن يؤخذ به إذا ~~تخالفا، وقد وافق نافعا غيره من أهل الثبت. قال: وبسط الشافعي القول في ~~ذلك، وحمل قوله: ولم يرها شيئا. على أنه لم يعدها شيئا صوابا غير خطأ، بل ~~يؤمر صاحبه ألا يقيم عليه؛ لأنه أمره بالمراجعة، ms1611 ولو كان طلقها طاهرا لم ~~يؤمر بذلك، فهو كما يقال للرجل إذا أخطأ في فعله، أو أخطأ في جوابه: لم ~~يصنع شيئا. أي لم يصنع شيئا صوابا. قالوا: فقوله: لم يرها شيئا. يدل (أ) ~~على عدم الاعتداد بتلك الطلقة، ودعوى تفرد أبي الزبير غير مسلمة، فقد رواه ~~عبد الوهاب الثقفي عن [عبيد] (ب) الله عن نافع أن ابن عمر قال في الرجل ~~يطلق امرأته وهي حائض، قال ابن عمر: لا يعتد بذلك. أخرجه محمد ابن عبد ~~السلام الخشني (ج) عن بندار عنه، وإسناده صحيح، وأخرجه (د) ابن PageV08P019 # حزم (¬1). [وعن] (أ) الشعبي بإسناد صحيح (¬2) قال: إذا طلق الرجل امرأته ~~وهي حائض لم يعتد بها في قول ابن عمر. وروى سعيد بن منصور (¬3) من طريق عبد ~~الله بن مالك عن ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض، فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ليس ذلك بشيء". وهذه متابعات لأبي الزبير. واحتج لهم في ~~"البحر" بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل بدعة ضلالة" (¬4). وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم - "البدعة شرك الشرك". # واحتج ابن القيم بما حاصله أنه منهي عن الطلاق في حال الحيض، وقال (¬5): ~~الطلاق ينقسم إلى حلال وحرام، فالقياس أن حرامه باطل كالنكاح وسائر العقود، ~~وأيضا فهو طلاق منع منه الشرع، فأفاد منعه عدم جواز إيقاعه، فكذلك يفيد عدم ~~نفوذه، وإلا لم يكن للمنع فائدة؛ لأن الزوج لو وكل رجلا أن يطلق امرأته على ~~وجه، فطلقها على غير الوجه المأذون فيه، لم ينفذ، فكذلك لم يأذن الشارع ~~للمكلف في الطلاق إلا إذا كان مباحا، فإذا طلق طلاقا محرما لم يصح، وأيضا ~~فكل ما حرمه الله من العقود مطلوب الإعدام، فالحكم ببطلان ما حرمه أقرب إلى ~~تحصيل هذا المطلوب. PageV08P020 # وتأول ابن حزم (¬1) الأمر بالمراجعة بأن المراد بها الارتجاع إلى ما كان ~~عليه من العشرة؛ لأنه كان قد اجتنبها, وليس المراد الرجعة بالطلاق. # والجواب عما احتجوا: أما الحديث فرواية الاعتداد أقوى وأصرح لا تحتمل ~~التأويل، ورواية أبي الزبير محتملة التأويل كما تقدم عن ms1612 الشافعي، ويحتمل ~~-كما قال ابن عبد البر (¬2) - أنه لم يرد بقوله: لم يرها شيئا. أي الطلقة، ~~وإنما الضمير عائد إلى الحيضة، أي لم ير الاعتداد بتلك الحيضة في العدة، ~~يعني أن الطلاق إذا كان في الحيضة كانت العدة من الحيضة المستقبلة، وقد روي ~~عن ابن عمر هذا منصوصا أنه يقع عليها الطلاق ولا تعتد بتلك الحيضة (¬3). ~~وهذا التأويل يتعين المصير إليه لصحة الرواية. # وأما الاحتجاج ب: "كل بدعة ضلالة". ونحوه، فالجواب عنه بأن مضمونه أنه ~~منهي عن ذلك، والنهي يقتضي الفساد، وليس ذلك بمسلم مطلقا، والمختار أن ~~اقتضاءه الفساد إذا كان النهي لذات المنهي عنه (أ) أو لوصف ملازم، وأما ~~[إذا كان الوصف مفارقا] (ب) فهو لا يقتضي الفساد، كالنهي عن البيع وقت ~~النداء للجمعة، وهنا النهي عن الطلاق لوصف يفارق الطلاق، وهو الحيض، وإن ~~سلمنا ذلك فهو عام، وهذا الذي نحن فيه PageV08P021 # خاص قام الدليل على اعتباره. وأجاب الإمام المهدي بأن البدعة المراد بها ~~ما كان في الاعتقاد لا في العمليات. # وأما ما احتج به ابن القيم، فالجواب عنه بأنه مبني على أن النهي يقتضي ~~الفساد، وقد عرفت ما فيه. # وقال ابن القيم: لم يرد التصريح بأن ابن عمر احتسب بتلك الطلقة إلا في ~~رواية سعيد بن جبير عنه عند البخاري (¬1)، وليس فيها تصريح بالرفع. قال: ~~[فانفراد] (أ) سعيد بن جبير بذلك كانفراد أبي الزبير بقوله: لم يرها شيئا. ~~فإما أن يتساقطا، وإما أن ترجح رواية أبي الزبير لتصريحها بالرفع، وتحمل ~~رواية سعيد بن جبير على أن أباه هو الذي حسبها عليه بعد موت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في الوقت الذي ألزم الناس فيه بالطلاق الثلاث، بعد أن ~~كانوا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يحتسب عليهم به ثلاثا إذا ~~كان بلفظ واحد. # والجواب عنه ما مر من طرق متعددة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حسبها ~~عليه طلقة، وما في "صحيح مسلم" (¬2) من رواية أنس بن سيرين ولفظه: سألت ابن ~~عمر عن امرأته التي طلق، ms1613 فقال: [طلقتها] (ب) وهي حائض، فذكر ذلك عمر للنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - فقال: "مره فليراجعها، فإذا طهرت فليطلقها لطهرها". ~~قال: PageV08P022 # فراجعتها، ثم طلقتها لطهرها. قلت: فاعتددت (أ) بتلك الطلقة وهي حائض؟ ~~فقال: ما لي لا أعتد بها، وإن كنت عجزت واستحمقت؟! وعند مسلم (¬1) أيضا من ~~طريق ابن أخي ابن شهاب عن عمه عن سالم في حديث الباب: وكان عبد الله بن عمر ~~طلقها تطليقة فحسبت من طلاقها، فراجعها كما أمره رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وله (¬2) من رواية الزبيدي عن ابن شهاب، قال ابن عمر: فراجعتها، ~~وحسبت لها التطليقة التي طلقتها. وعند الشافعي (¬3) عن مسلم بن خالد عن ابن ~~جريج أنهم أرسلوا إلى نافع يسألونه: هل حسبت تطليقة ابن عمر على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: نعم. فظهر بطلان ما قاله (ب) ابن القيم ~~رحمه الله تعالى. # ودل الحديث على تحريم الطلاق في الحيض. # وأن الرجعة يستقل بها الزوج من دون رضا المرأة والولي؛ لأنه جعل ذلك ~~إليه، ولقوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن} (¬4). # وأن الأب يقوم عن ابنه البالغ الرشيد في الأمور التي تقع له مما يحتشم ~~الابن من ذكره، وينفي عنه ما لعله يلحقه من العقاب على فعله شفقة منه وبرا. PageV08P023 # وأن طلاق الطاهر هو الذي لا يلام عليه. # وأن الحامل لا تحيض؛ لقوله: "ثم ليطلقها طاهرا أو حاملا". فدل على أن ~~الحامل لا تحيض؛ لإطلاق الطلاق فيه. وأجيب بأن حيض الحامل لما لم يكن له ~~أثر في تطويل العدة لم يعتبر؛ لأن عدتها بوضع الحمل. # وأن الأقراء في العدة هي الأطهار. # وقال الغزالي (¬1): يستثنى من تحريم طلاق الحائض طلاق المخالعة؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل حال امرأة ثابت هل هي (أ) طاهر أو ~~حائض مع أمره له بالطلاق. والشافعي يذهب إلى أن ترك الاستفصال في مقام ~~الاحتمال ينزل منزلة العموم في الأقوال. قال الإمام المهدي جوابا: لنا ~~عموم: {فطلقوهن لعدتهن} (¬2). ولم يفصل، وتركه - صلى الله عليه وسلم - ~~البحث اتكالا على ms1614 الآية أو لغير ذلك، أو عرف طهرها. # وقال أيضا: لا بدعة في طلاق المؤلي منها لتضيق الطلاق عند المطالبة. قال ~~الإمام المهدي: لنا ما مر، ولكنه مع تسليم القاعدة المذكورة يكون بين ~~الدليلين عموم وخصوص من وجه، فالتعارض حاصل إلا أن يظهر مرجح لأحدهما. # وظهر أن طلاق الحامل والآيسة من الحيض والضهياء (¬3) والصغيرة لا PageV08P024 # يتقيد (أ) بوقت؛ أما الحامل فقد تقدم الكلام فيه، وأما الصغيرة والآيسة ~~والضهياء فلعدم المانع إلا أنه يستحب الكف عن جماعها شهرا عند العترة ~~والحنفية والشافعية لقيام الشهور فيها مقام الحيض، وقال زفر: بل يجب كوجوب ~~الفصل بين الجماع والطلاق في ذوات الحيض بحيضة. ويجاب عليه بأنه إنما وجب ~~هناك ليتقرر براءة الرحم، وهي هنا متقررة. # قوله في رواية مسلم: وأما أنت طلقتها ثلاثا فقد عصيت ربك. الحديث. فيه ~~دلالة على أن تطليق الحائض ثلاثا عصيان؛ لأنه قد وقع الطلاق، ولم يمكن ~~تداركه بالرجعة (ب)، وهو يحتمل أن العصيان وقع بسبب الطلاق في وقت الحيض ~~وحده، أو مع ذلك اعتبار كونه ثلاثا، والظاهر أنه مجموع الأمرين في هذه ~~الرواية, والمراد أن العصيان في هذه الصورة عصيان بليغ لا يمكن تداركه ~~بالرجعة، وأما إذا كانت واحدة أو اثنتين فهو وإن كان عصيانا لكنه يمكن ~~التدارك فيه بالرجعة. # وفيه دلالة على وقوع الثلاث الطلقات وإن كانت بلفظ واحد، وسيأتي الكلام فيه. # ويؤخذ من هذا أن إرسال الثلاث بدعة، وسيأتي أيضا قريبا. # 885 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان الطلاق على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر، طلاق الثلاث واحدة، PageV08P025 # فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم ~~فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم. فأمضاه عليهم. رواه مسلم (¬1). # الحديث أخرجه مسلم من طريق عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن طاوس عن ~~أبيه عن ابن عباس، وأخرج من طريق عبد الرزاق عن ابن جريج عن ابن طاوس عن ~~أبيه أن أبا الصهباء قال ms1615 لابن عباس: أتعلم أنما كانت الثلاث تجعل واحدة على ~~عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؟ قال ~~ابن عباس: نعم. ومن طريق حماد بن زيد (¬2) عن أيوب عن إبراهيم بن ميسرة عن ~~طاوس، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم يكن طلاق الثلاث على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - واحدة؟ قال: كان ذلك، فلما كان في عهد عمر ~~تتابع الناس في الطلاق، فأجازه عليهم. وهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود ~~(¬3)، ولكنه لم يسم إبراهيم بن ميسرة، وقال بدله: عن غير واحد. ولفظه: أما ~~علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة؟ # واعلم أنه قد استشكل هذا الحديث، بأنه كيف يصح من عمر رضي الله عنه أن ~~يخالف الأمر الذي كان في أيام النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى وفاته، ~~وتلاه عصر الصديق وصدر خلافته، وظاهره الإجماع على ذلك، وحاشا على مقام عمر ~~واقتفائه للسنة النبوية أن يخالف ويشرع حكما غير ما كان في عهد النبوة؟! ~~وأجيب عن ذلك بوجوه؛ أولها: أن ذلك الحكم كان مشروعا ثم PageV08P026 # نسخ، وناسخه وارد في عصر النبوة، ولكنه لم يشتهر النسخ، وبقي على الحكم ~~المنسوخ جمع ممن لم يطلع على الناسخ في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وفي عصر أبي بكر وفي صدر خلافة عمر، ثم اشتهر الإنكار من عمر، والعمل ~~بالناسخ، وإعلام الكافة به (أ)، وهذا غير بعيد كما في حديث تحريم المتعة ~~(¬1)، ولا يلزم من هذا أن يكون قد وقع العمل بالخطأ في عهد النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، إذ لا محذور في أن يعمل من لم يبلغه الناسخ بالمنسوخ، ~~وإنما المحذور أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - قرر ذلك، إذ لا يجوز ~~منه التقرير على محرم، ولم يكن في لفظ الرواية ما يدل على ذلك بعد ورود ~~الناسخ، وما روي مما يدل عليه يحمل أنه وقع قبل نسخ الحكم ولم ينقل الراوي ~~ذلك (أ) كما هو ms1616 في كثير من السنة، ولذلك كان لمعرفة أسباب الوقائع فوائد ~~جزيلة، ولا يعترض بأن وقوع ذلك في عصر أبي بكر ظاهره الإجماع، ولا يجوز ~~الإجماع على الخطأ، لأنا نقول: لم يكن في الرواية ما يقضي بالإجماع، وإنما ~~ظاهرها العمل بذلك، ويجوز أن يكون بقي على العمل بذلك من لم يطلع على ~~الناسخ، ومثل هذا الجواب نقل البيهقي عن الشافعي، حيث قال في الجواب عن ~~فتيا ابن عباس بخلاف ما رواه، وأنه كان يقول بلزوم الثلاث: يشبه أن يكون ~~ابن عباس علم شيئا نسخ ذلك. قال البيهقي: ويقويه ما أخرج أبو داود (¬2) من ~~طريق يزيد النحوي عن عكرمة عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو PageV08P027 # أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك. وظهر مما قررناه بطلان ما قال ~~المازري (¬1): وزعم بعضهم أن هذا الحكم منسوخ، وهو غلط، فإن عمر لا ينسخ، ~~ولو نسخ -وحاشاه- لبادر الصحابة إلى إنكاره، وإن أراد القائل أنه نسخ في ~~زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا يمتنع، لكن يخرج عن طاهر الحديث. انتهى. # ثانيها: أن الحديث مضطرب، قال القرطبي في "المفهم" (¬2): وقع فيه مع ~~الاختلاف عن ابن عباس الاضطراب في لفظه، وظاهر سياقه أن هذا الحكم منقول عن ~~جميع أهل ذلك العصر، والعادة تقضي أن يظهر ذلك وينتشر، ولا ينفرد به ابن ~~عباس، فهذا يقضي التوقف من العمل بظاهره، إن لم يقتض القطع ببطلانه. # ثالثها: أن هذا الحديث ورد في صورة خاصة، وهو في قول المطلق: أنت طالق، ~~أنت طالق، أنت طالق. وهو أنه كان في عصر النبوة وما بعده الناس في سلامة ~~الصدور والصدق في الأمور، إذا ادعى أحدهم أن اللفظ الثاني تأكيد لما قبله، ~~لا تأسيس طلاق آخر، قبلت دعواه وصدق في ذلك، ورأى عمر تغير أحوال الناس ~~وكثرة الدعاوى الباطلة، فرأى من المصلحة أن يجري المتكلم على ظاهر قوله، ~~ولا يصدق في دعوى ضميره، ولا بأس في ذلك، فهو في الحقيقة عمل بمقتضى اللفظ ~~حقيقة، وقد أشار إلى هذا ابن [سريج] ms1617 (أ) ولم يجزم به، وارتضاه القرطبي ~~(¬3)، قال النووي (1): وهو أصح PageV08P028 # الأجوبة، وفي (أ) لفظ الحديث ما يشعر بهذا، وهو قوله: إن الناس استعجلوا ~~في أمر كانت لهم فيه أناة. وذلك أن السلف [لعلمهم] (ب) بمقاصد الكتاب من ~~التأني على الفراق الكلي كما قال تعالى: {لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك ~~أمرا} (¬1). كانوا لا يسارعون إلى البينونة الكلية، بل يتدرجون في الأمر ~~عسى أن يحصل الائتلاف والرجوع عن الشقاق والنفار، وكان الخلف قد أدركهم بعض ~~الغفلة فيتعاجلون إلى البينونة الكلية ويقصدونها، فمن ادعى التأكيد كان ~~خلاف الظاهر مما ادعاه. # رابعها: أن معنى قوله: كان طلاق الثلاث واحدة. يعني أن الطلاق الذي كان ~~يوقع على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما يوقع في الغالب واحدة، ~~لا يطلقون ثلاثا، فقوله: كان طلاق الثلاث. يعني أن هذا طلاق الثلاث الذي ~~يوقعونه يوقع في ذلك العهد واحدة، وقوله: فلو أمضيناه عليهم. يعني أجريناه ~~على حكم ما شرع من وقوع الثلاث. وهذا الجواب يتنزل عليه قوله: استعجلوا في ~~أمر كانت لهم فيه أناة. تنزلا قريبا من غير تكلف، فيكون معناه الإخبار عن ~~اختلاف عادة الناس في إيقاع الطلاق لا في وقوعه، فالحكم متقرر، وقد رجح هذا ~~التأويل ابن العربي ونسبه إلى أبي زرعة، وكذا البيهقي (¬2) أخرجه عن أبي ~~زرعة قال: معناه: إنما تطلقون أنتم PageV08P029 # ثلاثا، كانوا يطلقون واحدة. # خامسها: ما ذكر بعضهم أن هذا ليس له حكم الرفع إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بل يكون موقوفا على ابن عباس، وأجيب عنه بأن الأصح في مثل: كنا ~~نفعل، وكانوا يفعلون في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -. أنه مرفوع. # سادسها: أن المراد من قوله: طلاق الثلاث واحدة. هو لفظ البتة، إذا قال ~~القائل: أنت طالق البتة -كما سيأتي في حديث ركانة- وذلك أن ابن عباس هو ~~راوي حديث البتة، وكان لفظ البتة يحتمل البينونة الكلية والتي دونها، فإذا ~~قال القائل: أنت طالق البتة. قبل تفسيره بالواحدة وبالثلاث، فلما كان في ~~عصر عمر لم يقبل ms1618 منهم التفسير بالواحدة. واستشهد بقوله: إن الناس استعجلوا ~~في أمر كان لهم فيه أناة. كما تقدم نظير هذا التأويل، وأشار إلى هذا ~~البخاري (¬1) بأن أدخل في هذا الباب الآثار التي فيها البتة، والأحاديث ~~التي فيها التصريح بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتة إذا ~~أطلقت حملت على الثلاث إلا إذا أراد المطلق واحدة فيقبل، فروى بعض الرواة ~~(أ) البتة بلفظ الثلاث، وهذا أيضا قريب جمعا بين الروايات، لا سيما وابن ~~عباس عامل بخلاف ظاهر الرواية، كما أخرج أبو داود (¬2) بسند صحيح من طريق ~~مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل، فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت ~~حتى ظننت أنه يردها إليه، PageV08P030 # فقال: ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يابن عباس، يابن عباس! إن ~~الله قال: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا} (¬1). وإنك لم تتق الله، فلا أجد ~~لك مخرجا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك. وأخرج أبو داود له (أ) متابعات عن ~~ابن عباس بنحوه. # وقوله: كانت لهم فيه أناة. هو بفتح الهمزة؛ أي مهلة وبقية استمتاع ~~لانتظار الرجعة. # 886 - وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه قال: أخبر النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام غضبان، ثم قال: "أيلعب ~~بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟! ". حتى قام رجل، فقال: يا رسول الله، ألا ~~أقتله؟ رواه النسائي ورواته موثقون (¬2). # هو محمود بن لبيد بن رافع الأنصاري الأشهلي من بني عبد الأشهل، ولد على ~~عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وحدث عنه أحاديث، قال البخاري (¬3): له ~~صحبة. وقال أبو حاتم (¬4): لا يعرف له صحبة. وذكره مسلم (¬5) في التابعين ~~في الطبقة الثانية منهم، وقال ابن عبد البر (¬6): والصواب قول البخاري. PageV08P031 # فأثبت له صحبة، وكان محمود بن لبيد أحد العلماء، روى عن ابن عباس وعتبان ~~بن مالك بكسر العين المهملة وسكون التاء فوقها نقطتان وبالباء الموحدة، مات ~~سنة ست وتسعين، وقد ترجم أحمد له في "مسنده" (¬1)، وأخرج له عدة أحاديث ليس ~~فيها شيء صرح فيه بالسماع، ms1619 وقد قال النسائي (¬2): لا أعلم أحدا رواه غير ~~مخرمة بن بكير، يعني ابن الأشج، عن أبيه. انتهى. # والحديث فيه دلالة على أن جمع الطلقات الثلاث بدعة، ومثله ما أخرج سعيد ~~بن منصور (¬3) عن أنس، أن عمر كان إذا أتي برجل طلق امرأته ثلاثا أوجع ~~ظهره. وسنده صحيح، وقد تقدم حديث ابن عباس في ذلك (¬4). وقد ذهب إلى هذا ~~أيضا ابن مسعود (¬5) والهدوية وأبو حنيفة ومالك. وذهب الحسن بن علي، وعبد ~~الرحمن بن عوف، وابن سيرين، والشافعي، وأحمد، والإمام يحيى، إلى أن جمع ~~الثلاث ليس بدعة ولا مكروها، قالوا: لقوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن} (¬6). ~~وقوله تعالى: {الطلاق مرتان} (¬7). ولما سيأتي في حديث المتلاعنين أنه ~~طلقها ثلاثا (¬8). فلو كان محرما إرسال الثلاث لأنكر عليه ذلك. والجواب ~~عليهم أن الآيتين PageV08P032 # مطلقتان، وما تقدم مصرح بأن إرسال الطلقات محرم، فيكون ذلك مقيدا ~~للإطلاق، وأما حديث المتلاعنين فلأنه لما لم تكن المرأة محلا للطلاق لم يكن ~~ذلك محرما، والحديث هذا لم يكن فيه تصريح بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمضى عليه الثلاث أو لم يمض عليه وجعلها واحدة. # 887 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: طلق أبو ركانة أم ركانة، فقال له ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "راجع امرأتك". فقال: إني طلقتها ثلاثا. ~~قال: "قد علمت، راجعها". رواه أبو داود (¬1). # وفي لفظ أحمد (¬2): طلق ركانة امرأته في مجلس واحد ثلاثا، فحزن عليها، ~~فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فإنها واحدة". وفي سندهما ابن ~~إسحاق (¬3) وفيه مقال. # وقد روى أبو داود (¬4) من وجه آخر أحسن منه، أن ركانة طلق امرأته سهيمة ~~البتة، فقال: والله ما أردت بها إلا واحدة. فردها إليه النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # الحديث أخرجه أبو داود، وأحمد، وأبو يعلى (¬5)، وصححه من طريق محمد بن ~~إسحاق، عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، PageV08P033 # وابن إسحاق وشيخه (¬1) مختلف فيهما، بل وعكرمة (¬2) فيه مقال. وأجيب عن ~~ذلك بأن العلماء قد عملوا بمثل هذا الإسناد في عدة من الأحكام مثل ms1620 حديث: ~~أنه رد النبي - صلى الله عليه وسلم - ابنته زينب على أبي العاص بالنكاح ~~الأول (¬3). وليس كل مختلف فيه مردودا. وقد روى الخطابي (¬4) أن الإمام ~~أحمد كان يضعف طرق هذا الحديث كلها، ورواية أبي داود الأخرى عن نافع بن ~~عجير بن عبد يزيد بن ركانة أن ركانة. الحديث. وأخرجها الشافعي (¬5) أيضا، ~~والترمذي (¬6) عن عبد الله بن علي بن يزيد بن ركانة عن أبيه عن جده، قال ~~الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وسألت محمدا عن هذا الحديث، فقال: فيه ~~اضطراب. وصححه أبو داود وابن حبان والحاكم (¬7)، وقال ابن عبد البر في ~~"التمهيد": ضعفوه، واختلفوا هل هو من مسند ركانة، أو مرسل عنه؟ وفي الباب ~~عن ابن عباس رواه أحمد والحاكم (¬8)، وهو معلول أيضا. # والحديث فيه دلالة على أن إرسال الثلاث التطليقات في مجلس واحد يكون طلقة ~~واحدة، وقد اختلف الناس فيها على أربعة مذاهب؛ الأول: أنه PageV08P034 # يقع بها الثلاث التطليقات. وقد ذهب إلى هذا عمر، وابن عباس، وعائشة، ~~ورواية عن علي، والناصر، والمؤيد بالله، والإمام يحيى، والأئمة الأربعة، ~~وجماهير من السلف والخلف وبعض الإمامية. الثاني: أنه لا يقع به شيء؛ لأنه ~~بدعة. وهذا قول الرافضة كما تقدم. الثالث: أنه تقع به واحدة رجعية. وهو ~~مروي عن أبي موسى الأشعري، ورواية عن علي وابن عباس، وهو قول طاوس وعكرمة ~~وجابر بن زيد، وذهب إليه الهادي، والقاسم، والباقر، والصادق، وعبد الله بن ~~الحسن، وموسى بن عبد الله، ورواية عن زيد بن علي، واختاره من الحنابلة شيخ ~~الإسلام ابن تيمية. الرابع: أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها؛ فتقع الثلاث ~~على المدخول بها، وتقع على غير المدخولة واحدة. وهذا قال به جماعة من أصحاب ~~ابن عباس. وهو مذهب إسحاق بن راهويه، فيما حكاه عنه محمد بن نصر المروزي في ~~كتاب "اختلاف العلماء" (¬1). # أما المذهب الأول: فمنهم من يقول بأن إرسال الثلاث واقع أيضا، وهو سنة ~~أيضا؛ وهم الشافعي، وأبو ثور، وأحمد بن حنبل في إحدى الروايتين عنه، وجماعة ~~من أهل الظاهر. واحتجوا عليه ms1621 بقوله تعالى: {فإن طلقها فلا تحل له من بعد} ~~الآية (¬2). ولم يفرق بين أن تكون الثلاث مجموعة أو متفرقة، وقوله تعالى: ~~{وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن} (¬3). ولم PageV08P035 # يفرق، وقوله: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن} الآية (¬1). ~~ولم يفرق، وقال: {وللمطلقات متاع بالمعروف} (¬2). ولم يفرق، وبما أخرجاه في ~~"الصحيحين" (¬3): أن عويمر العجلاني طلق امرأته ثلاثا بحضرة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ولم ينكر عليه. وفي "صحيح البخاري" (¬4) من حديث ~~القاسم بن محمد عن عائشة، أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت فطلق، فسئل ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أتحل للأول؟ قال: "لا، حتى يذوق عسيلتها ~~كما ذاق الأول". فلم ينكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فهذا يدل على ~~إباحة جمع الثلاث وعلى وقوعها، وفي "الصحيحين" (¬5) في حديث فاطمة بنت قيس، ~~أن زوجها طلقها ثلاثا، فانطلق خالد بن الوليد في نفر إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يسألونه: هل لها نفقة؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ليس لها نفقة، وعليها العدة". وفي "صحيح مسلم" (¬6)، أنها أتت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: "كم طلقك؟ ". قلت: ثلاثا. فقال: "صدق، ليس لك ~~نفقة". وفي لفظ له (¬7): قلت: يا PageV08P036 # رسول الله، صلى الله عليك، إن زوجي طلقني ثلاثا، وأنا أخاف أن يقتحم علي. ~~وقد روى عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1) عن يحيى بن العلاء، عن عبيد الله بن ~~الوليد [الوصافي] (أ)، عن إبراهيم بن [عبيد] (ب) الله بن عبادة بن الصامت، ~~عن داود، عن عبادة بن الصامت، قال: طلق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق ~~أبي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر له ذلك، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ما اتقى الله جدك؛ أما ثلاث فله، وأما تسعمائة وسبع ~~وتسعون فعدوان وظلم، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له". # ورواه بعضهم عن صدقة بن أبي عمران، عن إبراهيم بن عبيد (ج) الله بن عبادة ~~بن الصامت، عن أبيه، عن جده، قال: طلق بعض آبائي ms1622 امرأته، فانطلق بنوه إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: يا رسول الله، إن أبانا قد (د) ~~طلق أمنا ألفا، فهل له من مخرج؟ فقال: "إن أباكم لم يتق الله فيجعل له ~~مخرجا، بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه" ~~(¬2). PageV08P037 # وأخرج محمد بن (أ) شاذان عن [معلى] (ب) بن منصور، عن شعيب بن رزيق، أن ~~عطاء الخراساني حدثهم، عن الحسن، قال: حدثنا عبد الله بن عمر أنه طلق ~~امرأته وهي حائض، ثم أراد أن يتبعها تطليقتين أخريين عند القرءين الباقيين، ~~فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "يابن عمر، ما هكذا أمرك ~~الله، أخطأت السنة". وذكر الحديث. وفيه: فقلت: يا رسول الله، لو كنت طلقتها ~~ثلاثا، أكان لي أراجعها؟ قال: "لا، كانت تبين، وتكون معصية" (¬1). وحديث ~~ركانة، أنه طلقها البتة. الذي مر، وهو أرجح من حديث: ثلاثا؛ لأن راويه (ج) ~~ولد الرجل فهو أعلم به، بخلاف حديث: ثلاثا، فإنه من رواية ابن جريج عن بعض ~~بني رافع، وهو محتمل أن يكون عبيد الله (¬2)، وهو ثقة معروف، وإن كان غيره ~~من إخوته، (د فهو مجهول د) العدالة لا تقوم به حجة، وأما الطريق التي فيها ~~ابن إسحاق ففيه مقال، فدل ظاهر الآيات على وقوع الطلاق مطلقا من غير نظر ~~إلى كونه في مجلس أو PageV08P038 # مجالس، وهذه الأحاديث تؤيد ظاهر الآيات، وتبين المراد منها، ويزيدها ~~بيانا وتأكيدا لبقاء حكمها عمل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من ~~بعده، وهم أعلم بسنته، وأشد اقتفاء لحكمه، فروى وكيع، عن الأعمش، عن حبيب ~~ابن أبي ثابت، قال: جاء رجل إلى علي بن أبي طالب فقال: إني طلقت امرأتي ~~ألفا. فقال له علي: بانت منك بثلاث، واقسم سائرهن بين نسائك (¬1). وروى عبد ~~الرزاق (¬2)، عن سفيان الثوري، عن سلمة بن كهيل، ثنا زيد بن وهب، أنه رفع ~~إلى عمر بن الخطاب رجل طلق امرأته الفا، فقال له عمر: أطلقت امرأتك؟ فقال: ~~إنما كنت ألعب. فعلاه عمر بالدرة وقال: ms1623 إنما يكفيك من ذلك ثلاث. وروى وكيع، ~~عن جعفر بن برقان، عن معاوية ابن أبي يحيى، قال: جاء رجل إلى عثمان بن عفان ~~فقال: طلقت امرأتي ألفا. قال: بانت منك بثلاث (¬3). وروى عبد الرزاق (¬4)، ~~عن سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة، عن سعيد بن جبير، قال: قال رجل لابن ~~عباس: طلقت امرأتي ألفا. فقال له ابن عباس: ثلاث تحرمها عليك، وبقيتها عليك ~~وزر، اتخذت آيات الله هزوا. وروى عبد الرزاق (¬5) أيضا، عن معمر، عن ~~الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، قال: جاء رجل إلى ابن مسعود، فقال: إني طلقت ~~امرأتي تسعا وتسعين. فقال له ابن مسعود: PageV08P039 # ثلاث تبينها، وسائرهن (أ) عدوان. وأخرج عبد الرزاق والبيهقي (¬1) عن ~~علقمة بن قيس، قال: أتى رجل ابن مسعود، فقال: إن رجلا طلق امرأته البارحة ~~مائة. قال: قلتها مرة واحدة؟ قال: نعم. قال: تريد أن تبين منك امرأتك؟ قال: ~~نعم. قال: هو كما قلت. قال: وأتاه رجل، فقال: رجل طلق امرأته عدد النجوم. ~~قال: قلتها مرة واحدة؟ قال: نعم. قال: تريد أن تبين منك امرأتك؟ قال: نعم. ~~قال: هو كما قلت. ثم قال: قد بين الله أمر الطلاق؛ فمن طلق كما أمره الله ~~فقد بين له، ومن لبس على نفسه جعلنا به لبسه، والله لا تلبسون على أنفسكم ~~ونتحمله عنكم، هو كما تقولون. وذكر أبو داود (¬2) في "سننه"، عن محمد بن ~~إياس أن ابن عباس، وأبا هريره، وعبد الله بن عمرو بن العاص، سئلوا عن البكر ~~يطلقها زوجها ثلاثا، [قالوا] (ب): لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. وأخرج ~~الطبراني والبيهقي (¬3)، عن سويد بن غفلة (ج)، عن الحسن بن علي بن أبي طالب ~~في قصة، أنه قال: سمعت جدي -أو قال: حدثني أبي، أنه سمع جدي- يقول: أيما ~~رجل طلق امرأته ثلاثا عند الأقراء أو ثلاثا مبهمة، لم تحل له حتى تنكح زوجا ~~غيره. فهؤلاء أعيان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حكموا بأن ~~الثلاث واقعة جملة، فلو كان ثابتا غير هذا لم يخف عليهم، مع ms1624 أن ابن عباس ~~اشتهر عنه ذلك، ومن PageV08P040 # البعيد أن يروي شيئا ويتعمد العمل بخلافه، ما ذاك إلا لكون ما رواه مرادا ~~به ما تقدم من التأويل، ولا يكون هذا من ترك العمل بالحديث إذا خالف مذهب ~~الراوي، وإنما هو من باب ترجيح التأويل وإن كان مخالفا للظاهر لهذه ~~القرينة، وأجيب من جانب من قال: إن الثلاث واحدة. وهو المذهب الثالث: [أما] ~~(أ) عن الآيات الكريمة، فهي ألفاظ مطلقة مقيدة بالسنة، وأما طلاق الملاعن، ~~فإن التقرير لا يدل على الجواز، ولا على وقوع الثلاث، لأنا نقول: إن النهي ~~إنما وقع فيما يكون رافعا لنكاح كان مطلوب الدوام، والملاعن إنما يريد ~~الفراق سواء كان فراقه بنفس اللعان أو بتفريق الحاكم، فلا يدل على المطلوب، ~~ويمكن الجواب عنه بأنه قد طلقها في حال يصح منه فيه (ب) الطلاق، فحرمت عليه ~~بالطلاق قبل أن يفرق الحاكم، فلو كان لا يحرمها الطلاق لاحتاج إلى تفريق، ~~ولم يرو، إلا أنه لا يستقيم إلا على قول من يشترط في الفرقة تفريق الحاكم، ~~وأما على قول الشافعي: إن الفرقة تقع بلعان الزوج أو بلعانهما. كما هو مذهب ~~أحمد على إحدى الروايات عنه، فلا، إلا أنه قد يقال: في سكوت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وعدم إنكاره عليه تقرير على أن ذلك مشروع في البينونة على ~~حسب ما اعتقده، وإلا لبين له أنه لا فائدة في جمع الثلات لإرادة البينونة ~~فتأمل، وأما حديث عائشة فلم يكن فيه تصريح بأنه وقع الثلاث في مجلس واحد، ~~فلا يدل على المطلوب، وقد يجاب عنه بأن عدم استفصاله - صلى الله عليه وسلم ~~- هل كان في مجلس أو مجالس، يدل على أنه لا فرق في ذلك، وكذلك حديث فاطمة ~~فيه ما ذكر إلا أنه قد يقال: لا يصح PageV08P041 # الاحتجاج به في هذا الحكم لمخالفتكم له في إثبات النفقة، فكيف تقرون به ~~في طرف وتردونه في طرف؟ مع أن في "الصحيحين" (¬1) في خبرها نفسها من رواية ~~الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: ms1625 أن زوجها أرسل إليها بتطليقة ~~كانت بقيت لها من طلاقها. وفي لفظ في "الصحيح" (¬2): أنه طلقها آخر ثلاث ~~تطليقات. وهو سند صحيح متصل، فلا يصح الاحتجاج به، وأما حديث عبادة بن ~~الصامت (¬3) ففي إسناده يحيى بن العلاء (¬4) وإبراهيم بن عبيد الله (¬5)، ~~وهما ضعيفان، ثم إن والد عبادة بن الصامت لم يعرف أنه أدرك الإسلام فضلا عن ~~جده، وأما حديث عبد الله بن عمر (3) فأصله صحيح بلا شك، لكن قوله: لو كنت ~~طلقتها ثلاثا أكانت تحل لي؟ إنما جاءت من رواية شعيب بن رزيق وهو الشامي، ~~وبعضهم يقلبه ويقول: رزيق بن شعيب. وكيفما كان فهو ضعيف، قال في "الميزان" ~~(¬6): رزيق بن شعيب ضعفه ابن حزم. # وأما المذهب الثاني: فحجتهم أن ذلك بدعة، والبدعة مردودة؛ PageV08P042 # لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" ~~(¬1). وقد مر (أ) الجواب عنه (ب) (¬2). # وأما المذهب الثالث: فحجتهم ما مر في (ج) حديثي ابن عباس، وفيهما صراحة ~~[في المطلوب] (د)، واحتج في "البحر" (¬3) بقوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان}. فجعل وقوع الثالثة كالمشروط بأن يكون في حال يصح من الزوج ~~فيها الإمساك: إذ من حق كل مخيرين أن يصح أحدهما في الحال التي يصح فيها ~~الآخر وإلا بطل التخيير، فإذا لم يصح الإمساك إلا بعد الرجعة لم تصح ~~الثالثة إلا بعدها لذلك، وإذا لزم في الثالثة وحديث مثله في الثانية، إذ لم ~~يفصل بينهما أحد، والجواب عنهما هو أن حديث ركانة وإن اختلفت طريقاه ففي ~~طريقهما ابن إسحاق، وهو معارض برواية البتة، وهي أرجح، فبقي إما الاطراح أو ~~التأويل برجوع الثلاث إلى حديث البتة الذي فيه احتمال أن يريد بها (ب) ~~الثلاث أولى، ولذلك استحلفه النبي - صلى الله عليه وسلم -، والتأويل أولى؛ ~~إذ فيه إعمال الروايات كلها وتفسير بعضها لبعض في القصة الواحدة كما هو ~~الواجب، فضعف الاحتجاج به، وأما ما PageV08P043 # احتج به في "البحر" بأن الإمساك بالمعروف مترتب على الرجعة فيكون التسريح ~~مرتبا عليها، فالجواب عنه أنه لم يكن في ms1626 اللفظ ما يدل على الحصر، وأنه لا ~~يقع الطلاق إلا بعد الرجعة، وإنما غاية ذلك أنه تعريف للحكم المشروع ~~المأذون فيه من دفع الضرار، مثل قوله تعالى: {فطلقوهن لعدتهن}. فكما وقع ~~الطلاق عند خلاف ذلك كما في حديث ابن عمر كذلك في هذه الحالة، وإنما يستقيم ~~الاحتجاج على أصل من لا يقول بوقوع البدعي، وإذا تأملت ما تلوناه عليك من ~~حجج الفريقين لم يخف عليك الراجح من المذهبين، فهذا نهاية إقدام الفريقين ~~في هذا المقام الضنك والمعترك الصعب، وبالله التوفيق. # وأما المذهب الرابع الذي فرقوا بين المدخول بها وغيرها، فحجتهم ما وقع في ~~رواية أبي داود كما تقدم (¬1): أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا ~~قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ ~~الحديث، ومن جهة القياس أنه إذا قال: أنت طالق. بانت منه بذلك، فإذا أعاد ~~اللفظ لم يصادف محلا للطلاق فكان لغوا، وجعلوا هذا تأويلا لحديث عمر. ~~والجواب عنه ما مر من ثبوت ذلك مطلقا في حق المدخولة وغيرها، وقد ورد في ~~ذلك آثار؛ فأخرج سعيد بن منصور والبيهقي (¬2) عن أنس بن مالك، قال عمر بن ~~الخطاب في الرجل يطلق ثلاثا قبل أن يدخل بها، قال: هي ثلاث، لا تحل له حتى ~~تنكح زوجا غيره. وأخرج البيهقي (¬3) من طريق PageV08P044 # عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي رضي الله عنه، فيمن طلق امرأته ثلاثا قبل ~~أن يدخل بها: لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره. # وأخرج البيهقي (¬1) عن ابن مسعود قال: المطلقة ثلاثا قبل أن يدخل بها ~~بمنزلة التي (أقد دخل أ) بها. وأخرج مالك والشافعي وأبو داود والبيهقي ~~(¬2)، عن محمد بن إياس بن البكير قال: طلق رجل امرأته ثلاثا قبل أن يدخل ~~بها، ثم بدا له أن ينكحها، فجاء يستفتي، فذهبت معه أسأل له، فسألت أبا ~~هريرة وعبد الله بن عباس عن ذلك، فقالا: لا نرى أن تنكحها حتى تنكح زوجا ~~غيرك. قال: إنما كان طلاقي إياها واحدة. قال ابن ms1627 عباس: إنك أرسلت من يدك ما ~~كان لك من فضل. وأخرج مالك والشافعي وأبو داود والبيهقي (¬3) عن معاوية بن ~~أبي عياش الأنصاري أنه كان جالسا مع عبد الله بن الزبير وعاصم بن عمر، ~~فجاءهما محمد بن إياس بن البكير، فقال: إن رجلا من أهل البادية طلق امرأته ~~ثلاثا قبل أن يدخل بها، فماذا تريان؟ فقال ابن الزبير: إن هذا الأمر ما لنا ~~فيه قول، اذهب إلى ابن عباس وأبي هريرة، فإني تركتهما عند عائشة فاسألهما. ~~فذهب فسألهما، قال ابن عباس لأبي هريرة: أفته يا أبا هريرة، فقد جاءتك ~~معضلة. فقال أبو هريرة: الواحدة تبتها، والثالثة تحرمها حتى تنكح زوجا ~~غيره. وقال ابن عباس مثل ذلك. PageV08P045 # وأخرج مالك والشافعي [والبيهقي] (أ) (¬1)، عن عطاء بن يسار قال: جاء رجل ~~ليسأل عبد الله بن عمرو بن العاص عن رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يمسها، ~~فقلت: إنما طلاق البكر واحدة. فقال عبد الله بن عمرو: إنما أنت قاص، ~~الواحدة تبتها والثلاث تحرمها حتى تنكح زوجا غيره. واعلم أن ظاهر الأحاديث ~~والآثار أنه لا فرق بين أن يقول: أنت طالق ثلاثا. أو: أنت طالق أنت طالق. # وفي كتب الفروع فرقوا بين ذلك في حكاية الخلاف. قال في "البحر": فصل؛ ~~علي، عمر، وابن مسعود، وزيد، ثم العترة، والفريقان: والثلاث بألفاظ على غير ~~المدخولة واحدة لبينونتها بالأولى. مالك والنخعي وعن الشافعي: بل بثلاث، إذ ~~هو كالكلمة الواحدة كانت كذا ثلاثا. قلنا: بل الألفاظ تخالف اللفظ. مسألة: ~~الباقر، والصادق، والهادي، والقاسم، والحسن البصري، وطاوس، وأحمد، وجابر بن ~~زيد: فإن قال: أنت طالق كذا ثلاثا. فواحدة أيضا كالألفاظ؛ إذ قوله: ثلاثا. ~~منفصلة فوقع واحدة بما قبله. علي، عمر، ابن عباس، ابن عمر، ثم زيد، الناصر، ~~الداعي، المؤيد، الإمام يحيى، الفريقان، مالك: بل بتثليث أيضا؛ إذ قوله: ~~ثلاثا. تفسير لطالق، وهو يحتملها، قلنا: ينبني على أن الطلاق يتوالى، وقد ~~أبطلناه، سلمنا، فطالق وحده لا يحتملها. انتهى. وهذا في غير المدخولة. ~~والله أعلم. # 888 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه ms1628 قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: PageV08P046 # "ثلاث جدهن جد وهزلهن جد؛ النكاح، والطلاق، والرجعة". رواه الأربعة إلا ~~النسائي وصححه الحاكم (¬1). # وفي رواية لابن عدي (¬2) من وجه آخر ضعيف: "الطلاق والعتاق والنكاح". # وللحارث بن أبي أسامة (¬3) من حديث عبادة بن الصامت رفعه: "لا يجوز اللعب ~~في ثلاث؛ الطلاق، والنكاح، والعتاق، فمن قالهن فقد وجبن". وسنده ضعيف. # الحديث باللفظ الأول وأخرجه ابن ماجه والدارقطني (¬4)، وهو من حديث عطاء ~~عن يوسف بن ماهك، قال الترمذي: حسن. وقال الحاكم: صحيح. وهو من رواية عبد ~~الرحمن بن حبيب بن [أردك] (أ)، وهو مختلف فيه (¬5)؛ قال النسائي (¬6): منكر ~~الحديث. ووثقه غيره، فهو على هذا حسن. PageV08P047 # والضعف في الرواية الآخرة بسبب ابن لهيعة (¬1)، وفيه أيضا انقطاع. وأخرج ~~عبد الرزاق (¬2)، عن إبراهيم بن محمد، عن صفوان بن سليم، [عن أبي ذر رفعه] ~~(أ): "من طلق وهو لاعب فطلاقه جائز، ومن أعتق وهو لاعب فعتاقه جائز، ومن ~~نكح وهو لاعب فنكاحه جائز". وهو منقطع أيضا. # الحديث فيه دلالة على وقوع طلاق الهازل، وأنه لا يحتاج الصريح إلى نية. ~~وقد ذهب إلى هذا أكثر العترة والحنفية والشافعية، ولعموم قوله تعالى: ~~{الطلاق مرتان} (¬3). ولم يفصل، وذهب الباقر والصادق والناصر وأحمد ومالك ~~إلى أنه يفتقر اللفظ الصريح إلى النية؛ لقوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق} ~~(¬4). والعزم هو الإرادة، قال الإمام المهدي في "البحر" جوابا: قلنا: أراد ~~حيث يفتقر لا الصرائح؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث هزلهن" الحديث. ~~والطلاق في الهزل غير مقصود ولا منوي، ولأنه إزالة ملك كالعتق، أو حل عقد ~~كالإقالة. انتهى. # ولا يخفى ضعف الاحتجاج بالآية وركة الجواب، فإن الآية الكريمة وردت في حق ~~المؤلي، واختلف العلماء في تفسيرها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من ~~الأئمة، هل يكفي في حق المؤلي التصميم على الطلاق PageV08P048 # وتطلق بذلك أو لا بد من إعادة الطلاق؟ فالذي قال: يكفي التصميم. يقول: ~~الطلاق، والطلاق وقع بالإيلاء، والتصميم على المفارقة به، وهذا خاص بالمؤلي ~~لما كان الإيلاء غير صريح في الطلاق. والأولى في الاحتجاج ms1629 لهم قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "الأعمال بالنيات" (¬1). ويجاب عنه بأنه عام مخصوص أو مؤول. # 889 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلم". متفق عليه (¬2). # ورواه ابن ماجه (¬3) بلفظ: "عما توسوس به صدورها". بدل: "ما حدثت به ~~أنفسها". وزاد في آخره: "وما استكرهوا عليه". # قال المصنف رحمه الله (¬4): وأظن الزيادة هذه مدرجة، كأنها دخلت على هشام ~~بن عمار من حديث في حديث، والله أعلم. # لفظ "أنفسها" منصوب على مفعولية "حدثت"، وذكر المطرزي عن أهل اللغة أنهم ~~يقولونه بالضم، يريدون بغير اختيار. # والحديث حجة في أن الطلاق لا يقع بحديث النفس. وهو قول الجمهور، وروي عن ~~ابن سيرين والزهري وعن مالك رواية ذكرها أشهب PageV08P049 # عنه بأنه إذا طلق في نفسه وقع الطلاق. وقوى ذلك ابن العربي بأن من اعتقد ~~الكفر بقلبه ومن أصر على المعصية أثما، وكذلك الرياء بالعمل، وكذا من قذف ~~مسلما بقلبه، وكل ذلك من أعمال القلب دون اللسان، والجواب عنه بالحديث ~~المذكور وقوله تعالى: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} (¬1)، وحديث النفس ~~يخرج عن الوسع، وما ذكر ابن العربي الجواب عنه بأن الكفر هو من عمل القلب ~~فهو مخصوص، وكذلك الرياء فهو مخصوص، والمصر على المعصية، فالإثم على عمل ~~المعصية المتقدم على الإصرار، وكذا نقول في الرياء: إنه متعلق بالعمل الذي ~~فعله، وكذا العجب، واحتج الخطابي بالإجماع على أن من عزم على الظهار لا ~~يصير مظاهرا. قال (¬2): وكذلك الطلاق، وكذا لو حدث نفسه بالقذف لم يكن ~~قاذفا. قال: ولو كان حديث النفس يؤثر لأبطل الصلاة. واحتج الطحاوي بهذا ~~الحديث للجمهور فيمن قال لامرأته: أنت [طالق] (أ). ونوى في نفسه ثلاثا، أنه ~~لا يقع إلا واحدة خلافا للشافعي ومن وافقه، قال: لأن الخبر دل على أنه لا ~~يجوز وقوع الطلاق بنية لا لفظ معها. وتعقب بأنه لفظ بالطلاق ونوى الفرقة ~~التامة فهي نية صحبها لفظ، واحتج به أيضا لمن ms1630 قال لامرأته: يا فلانة. ونوى ~~(ب) بذلك طلاقها، أنه (ج) لا تطلق، خلافا PageV08P050 # لمالك وغيره؛ لأن الطلاق لا يقع بالنية دون اللفظ، ولم يأت بصيغ لا صريحة ~~ولا كناية، واستدل به على أن (أ) من كتب الطلاق طلقت امرأته؛ لأنه عزم ~~بقلبه وعمل بكتابته. وهو قول (ب) الجمهور وشرط مالك فيه الإشهاد على ذلك. # 890 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه". رواه ابن ماجه ~~والحاكم (¬1). وقال أبو حاتم (¬2): لا يثبت. # قال النووي في الطلاق من "الروضة" (¬3) في تعليق الطلاق: حديث حسن. وكذا ~~قال في أواخر "الأربعين" (¬4) له. انتهى، وقد أخرجوه من حديث الأوزاعي، ~~واختلف عليه؛ فقيل: عنه عن عطاء، عن عبيد بن (ج) عمير، عن ابن عباس بهذا ~~اللفظ. وللحاكم والدارقطني والطبراني (¬5) "تجاوز". وهي رواية بشر بن بكر. ~~ورواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي ولم PageV08P051 # يذكر عبيد بن عمير (¬1)، قال البيهقي (¬2): جوده بشر بن بكر (¬3) وهو من ~~الثقات، وقال الطبراني في "الأوسط" (¬4): لم يروه عن الأوزاعي -يعني مجودا- ~~إلا بشر، وتفرد به الربيع بن سليمان. وللوليد فيه إسنادان آخران، قال ابن ~~أبي حاتم (¬5): سألت أبي عنها، فقال: هذه أحاديث منكرة، كلها (أ) موضوعة. ~~وقال في موضع آخر [عنه] (ب): لم يسمعه الأوزاعي من عطاء، إنما سمعه (ج من ~~رجل ج) لم يسمه، أتوهم أنه عبد الله بن عامر الأسلمي، أو إسماعيل بن مسلم. ~~قال: ولا يصح هذا الحديث ولا يثبت إسناده. وقال عبد الله بن أحمد في ~~"العلل" (¬6): سألت أبي عنه فأنكره جدا، وقال: ليس يروى هذا إلا عن الحسن ~~عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ونقل الخلال عن أحمد (¬7)، قال: من زعم ~~أن الخطأ والنسيان مرفوع فقد خالف كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فإن الله أوجب في قتل النفس الخطأ الكفارة. PageV08P052 # يعني من زعم ارتفاعها على العموم في خطاب الوضع والتكليف، وأورده [محمد] ~~(أ) بن نصر في كتاب "الاختلاف" ms1631 (¬1) في باب طلاق المكره، وقال: ليس له ~~إسناد يحتج بمثله. ورواه العقيلي في "تاريخه" (¬2) من حديث الوليد عن مالك ~~به. ورواه البيهقي، وقال الحاكم: هو صحيح غريب تفرد به الوليد عن مالك. ~~وقال البيهقي في موضع آخر: ليس بمحفوظ عن مالك. ورواه الخطيب في كتاب ~~"الرواة عن مالك" في ترجمة سوادة بن إبراهيم (¬3) عنه، وقال: سوادة مجهول، ~~والخبر منكر عن مالك. ورواه ابن ماجه (¬4) من حديث أبي ذر، وفيه شهر بن ~~حوشب (¬5)، وفي إسناده انقطاع. ورواه الطبراني من حديث أبي الدرداء ومن ~~حديث ثوبان (¬6)، وفي إسنادهما ضعف. # الحديث فيه دلالة على أن الأحكام الأخروية من العقاب معفوة عن الأمة ~~المحمدية، إذا صدرت عن خطأ ونسيان وإكراه، كما في قوله: {ربنا لا PageV08P053 # تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا} (¬1). وأما ابتناء الأحكام والآثار الشرعية ~~عنها ففي ذلك تفصيل وخلاف بين العلماء، أما طلاق الناسي فأخرج ابن أبي شيبة ~~(¬2) عن الحسن أنه كان يراه كالعمد إلا إذا اشترط، وأخرج (¬3) عن عطاء أنه ~~كان لا يراه شيئا. ويحتج بالحديث، وهو قول الجمهور، وأما طلاق الخاطئ فذهب ~~الجمهور إلى أنه لا يقع، وعن الحنفية فيمن أراد أن يقول لامرأته شيئا فسبقه ~~لسانه، فقال: أنت طالق. يلزمه الطلاق، وأما طلاق المكره فاختلف السلف فيه؛ ~~فأخرج ابن أبي شيبة (¬4) عن إبراهيم النخعي أنه يقع، لأنه شيء افتدى به ~~نفسه، وبه قال أهل الرأي، وعنه: إن ورى المكره لم يقع، وإلا [وقع] (أ). قال ~~الشعبي (4): إن أكرهه اللصوص وقع، وإن أكرهه السلطان لم يقع. ووجه بأن ~~السلاطين من شأنهم أن يقتلوا مخالفهم غالبا بخلاف اللصوص. وذهب الجمهور إلى ~~عدم اعتبار ما يقع من المستكره، واحتج عطاء بقوله تعالى: {لا من أكره وقلبه ~~مطمئن بالإيمان} (¬5). قال عطاء: الشرك أعظم من الطلاق. أخرجه سعيد بن ~~منصور (¬6) بسند صحيح، وقرره الشافعي بأن الله لما وضع الكفر عمن تلفظ PageV08P054 # به حال الإكراه، وأسقط عنه أحكام الكفر، فكذلك يسقط عن المكره ما دون ~~الكفر؛ لأن الأعظم إذا سقط سقط ما هو دونه بطريق الأولى. ms1632 # 891 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: إذا حرم امرأته ليس بشيء. وقال: ~~لقد كان لكم في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أسوة حسنة. رواه البخاري ~~(¬1). ولمسلم (¬2): إذا حرم الرجل عليه امرأته فهو يمين يكفرها. # الحديث فيه دلالة على أن تحريم الزوجة لا يكون طلاقا، وهو المراد يقوله: ~~ليس بشيء. وإن كان يلزمه كفارة يمين، وقد روى البخاري (¬3) بالإسناد الذي ~~روى به هذه الرواية المطلقة زيادة "يكفر". وأخرج الإسماعيلي (¬4) من طريق ~~محمد بن المبارك الصوري، عن معاوية بن سلام، بإسناد هذا الحديث: إذا حرم ~~الرجل امرأته، فإنما هي يمين يكفرها. فعرف أن المراد بقوله: ليس بشيء. أي ~~ليس بطلاق. وأخرج النسائي (¬5)، وابن مردويه، من طريق سالم الأفطس، عن سعيد ~~بن جبير، عن ابن عباس: أن رجلا جاءه، فقال: إني جعلت امرأتي علي حراما. ~~قال: كذبت، ما هي عليك بحرام. ثم تلا: {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله ~~لك} (¬6). قال له: عليك رقبة. انتهى. PageV08P055 # ويحتمل أنه أراد بقوله: ليس بشيء. أي لا يلزم فيه شيء. والأول أولى. # الحديث فيه دلالة على أن تحريم الرجل لامرأته لا يكون طلاقا، ويلزم في ~~ذلك كفارة يمين كما صرح به في رواية مسلم واحتمله في (أ) رواية البخاري، ~~والمسألة اختلف فيها السلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم والخلف من الأئمة ~~المجتهدين. وانتهت أقوالهم إلى ثلاثة عشر قولا أصولا وتفرعت إلى عشرين مذهبا: # الأول: أن التحريم لغو لا شيء فيه لا في الزوجة ولا في غيرها، لا طلاق ~~ولا إيلاء ولا ظهار ولا يمين، وقد ذهب إلى هذا مسروق، فأخرج وكيع (¬1) عن ~~إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي، عن مسروق أنه قال: ما أبالي حرمت امرأتي ~~أو قصعة من ثريد. وأخرج عبد الرزاق (¬2)، عن الثوري، عن صالح بن مسلم، عن ~~الشعبي أنه قال في تحريم المرأة: لهي أهون علي من نعلي. وأخرج (¬3) ابن ~~جريج قال: أخبرني عبد الكريم عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن أنه قال: ما أبالي ~~حرمتها -يعني امرأته- أو حرمت ماء ms1633 النهر. وعن قتادة (¬4): سأل رجل حميد بن ~~عبد الرحمن الحميري عن ذلك PageV08P056 # فقال: قال الله تعالى: {فإذا فرغت فانصب (7) وإلى ربك فارغب} (¬1). وأنت ~~رجل تلعب، فاذهب فالعب. وهذا قول الظاهرية، والحجة على هذا أن التحريم ~~والتحليل إنما هو إلى الله تعالى، كما قال تعالى: {ولا تقولوا لما تصف ~~ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام} (¬2). وقال تعالى: {يا أيها النبي لم ~~تحرم ما أحل الله لك} (¬3). فإذا لم يجعل لنبيه أن يحرم، فكيف يجعل لغيره ~~التحريم؟! قالوا: وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كل عمل ليس عليه ~~أمرنا فهو رد" (¬4). والتحريم كذلك، فيكون مردودا باطلا، ولأنه لا فرق بين ~~تحليل الحرام وتحريم الحلال، فكما كان الأول باطلا يكون الثاني كذلك. ~~وقوله: هي علي حرام. إن أراد به الإنشاء فإنشاء التحريم ليس إليه، وإن أراد ~~به الإخبار فهو كذب، قالوا: ونظرنا إلى ما عدا هذا القول، فوجدناها أقوالا ~~مضطربة لا برهان عليها من الله، فتعين القول بهذا. # الثاني، أن تحريم الزوجة طلاق ثلاث. وهذا رواه ابن حزم (¬5) عن علي ابن ~~أبي طالب وزيد بن ثابت وابن عمر. وهو قول الحسن ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ~~ليلى (¬6). وروي عن الحكم بن عتيبة. ورواه في "البحر" أيضا عن علي وزيد بن ~~ثابت. قال ابن القيم (¬7): الثابت عن زيد بن ثابت PageV08P057 # وابن عمر هو ما رواه أيضا ابن حزم (¬1)، من طريق الليث بن سعد، عن يزيد ~~ابن أبي حبيب، عن [ابن هبيرة] (أ)، عن قبيصة، أنه سأل زيد بن ثابت وابن عمر ~~عمن قال لامرأته: أنت علي حرام. فقالا جميعا: كفارة يمين. ولم يصح عنهما ~~خلاف ذلك، وأما علي فقد روى أبو محمد (¬2)، من طريق يحيى القطان، ثنا ~~إسماعيل بن أبي خالد، عن الشعبي قال: يقول رجال في الحرام: هي حرام حتى ~~تنكح زوجا غيره، لا، والله ما قال ذلك علي، وإنما قال علي: ما أنا بمحلها ~~ولا محرمها عليك، إن شئت فتقدم وإن شئت فتأخر. وأما الحسن فقد روى أبو محمد ~~(¬3)، من ms1634 طريق قتادة، عنه أنه قال: كل حلال علي حرام، فهي يمين. ولعل أبا ~~محمد غلط على علي، وزيد، وابن عمر من مسألة الخلية والبرية والبتة، فإن ~~أحمد حكى عنهم أنها ثلاث، وقال: هو عن علي وابن عمر صحيح. فوهم أبو محمد، ~~وحكاه في: أنت علي حرام. وهو وهم ظاهر، فإنهم فرقوا بين التحريم، فأفتوا ~~فيه بأنه يمين، وبين الخلية فأفتوا فيها بثلاث، ولا أعلم أحدا قال: إنه ~~ثلاث بكل حال. انتهى. # وحجة أهل هذا القول أن التحريم يجعل كناية عن الطلاق، وأعلى أنواعه تحريم ~~الثلاث، فيحمل على ذلك احتياطا في تحريم البضع، ولأنه قد PageV08P058 # أفتوا في الخلية والبرية بأنها ثلاث، كما تقدم، وغاية ما يستفاد من ~~الخلية والبرية هو التحريم، فإذا صرح بالتحريم فهو أولى أن يكون ثلاثا، ~~ولأن الواحدة لا تحرم إلا إذا كانت بعوض أو قبل الدخول، فإذا أطلق التحريم ~~انصرف إلى التحريم المطلق الذي يثبت، سواء كان قبل الدخول أو بعده، وبعوض ~~أو غيره وهو الثلاث. # الثالث: أنه ثلاث في حق المدخول بها لا يقبل منه غير ذلك، وإن كانت غير ~~مدخول بها وقع ما نواه من واحدة واثنتين وثلاث، فإن أطلق فواحدة، فإن قال: ~~لم أرد طلاقا. فإن كان قد تقدم كلام يجوز صرفه إليه قبل منه، وإن كان ~~ابتداء لم يقبل، وإن حرم أمته أو طعامه أو متاعه فليس بشيء. وهذا مذهب ~~مالك، وحجته أن المدخول بها لا يحرمها إلا الثلاث، وغير المدخول بها تحرمها ~~الواحدة، والزائدة عليها ليست من لوازم التحريم، وهذا المذهب نسبه في ~~"نهاية المجتهد" (¬1) إلى علي بن أبي طالب وزيد بن ثابت. # الرابع: أنه إذا نوى الطلاق كان طلاقا، ثم إن نوى به الثلاث فثلاث، وإن ~~نوى دونها فواحدة بائنة، وإن نوى يمينا فهو يمين فيها كفارة، وإن لم ينو ~~شيئا فهو إيلاء فيه حكم الإيلاء، فإن نوى الكذب صدق في الفتيا، وإن لم ينو ~~شيئا فيكون في القضاء إيلاء، وإن صادف غير الزوجة كالأمة والطعام PageV08P059 # وغيره فهو يمين فيه كفارتها. ms1635 وهذا مذهب أبي حنيفة، وحجة هذا القول أن لفظ ~~التحريم لا يفيد عددا بوضعه، وإنما يقتضي بينونة يحصل بها التحريم، فإن نوى ~~الثلاث كان ثلاثا، وإن نوى دون الثلاث أفاد البينونة بواحدة بدون عوض، ~~ويكون كما إذا قال: أنت طالق طلقة بائنة (أ). فإن الرجعة حق، فإذا أسقطها ~~سقطت، ولأنه إذا ملك إبانتها بعوض يأخذه منها ملك الإبانة بدونه، فإنه محسن ~~بتركه لأن العوض حق له، فإذا أسقطه كان له ذلك، وهو صريح في الإيلاء، فإذا ~~لم ينو شيئا كان إيلاء كما روي في قصة التحريم في حق النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. # الخامس: أنه إن نوى به الطلاق كان طلاقا، ويقع ما نواه، فإن أطلق وقعت ~~واحدة، وإن نوى الظهار كان ظهارا، وإن نوى اليمين كان يمينا، وإن نوى تحريم ~~عينها من غير طلاق ولا ظهار، فعليه كفارة يمين، وإن لم ينو شيئا ففيه ~~قولان، أحدهما: لا يلزمه شيء. والثاني: يلزمه كفارة يمين. وإن صادف جارية، ~~فنوى عتقها وقع العتق، وإن نوى تحريمها لزمه بنفس اللفظ كفارة يمين، وإن ~~نوى الظهار منها، لم يصح، ولم يلزمه شيء، وقيل: يلزمه كفارة يمين. وإن لم ~~ينو شيئا ففيه قولان؛ أحدهما: لا يلزمه شيء. والثاني: عليه كفارة يمين. وإن ~~صادف غير الزوجة والأمة لم تحرم، ولم يلزمه شيء. وهذا مذهب الشافعي، وحجة ~~هذا القول أن اللفظ أفاد التحريم، والتحريم متردد بين التحريم بالطلاق أو ~~بالظهار أو بالإيلاء، فإذا صرفه إلى بعضها بالنية انصرف إليه؛ لأنه استعمله ~~فيما هو صالح له، وكذا عتق الأمة؛ لأن العتق يحرمها عليه، وتحريم PageV08P060 # العين يلزمه بنفس اللفظ كفارة يمين؛ لظاهر قوله تعالى: {قد فرض الله لكم ~~تحلة أيمانكم} (¬1). وحديث ابن عباس هذا. # السادس: أنه ظهار بإطلاقه وإن لم ينوه، إلا أن ينوي به الطلاق أو اليمين ~~فينصرف إلى ما نواه. وهذا ظاهر مذهب أحمد. وعنه رواية ثانية أنه بإطلاقه ~~يمين إلا أن يصرفه بالنية إلى الظهار أو الطلاق، فينصرف إلى ما نواه. وعنه ~~رواية أخرى ثالثة، أنه ms1636 ظهار بكل حال، ولو نوى غيره. وعنه رواية رابعة حكاها ~~أبو الحسين في "فروعه" أنه طلاق بائن. وإذا قال المتكلم بالتحريم: أعني به ~~الطلاق - متصلا، فعنه روايتان؛ إحداهما: أنه طلاق، فيتفرع عنه أنه هل يلزمه ~~الثلاث، أو واحدة؟ على روايتين. والثانية: أنه ظهار أيضا، كما لو قال: أنت ~~علي كظهر أمي، أعني به الطلاق. هذا تحقيق مذهبه، وحجة هذا القول أن اللفظ ~~صريح في التحريم، وتحريم الإنسان لزوجته منكر من القول وزور، لأن التحليل ~~والتحريم إلى الله سبحانه، فيكون هذا ظهارا، لأن الظهار هو منكر وزور، ~~وغايته تحريم الزوجة، وهذا قد صرح فيه بالتحريم، وإنما صح صرفه إلى الطلاق ~~بالنية، لأنه يصلح كناية عنه، وكذلك إذا نوى به اليمين كان يمينا لصلاحيته ~~الكناية عن اليمين، لأن المآل إلى التحريم الذي هذا اللفظ صالح له، وأما ~~الرواية بأنه ظهار ولا ينصرف إلى غيره فمرجعه إلى أنه لما كان صريحا في ~~الظهار، وقد نسخ الله تعالى ما كان عليه أمر الجاهلية من جعل الظهار طلاقا، ~~فصار اللفظ غير محتمل للطلاق فلا تؤثر النية، ويتخرج على أصل أحمد الفرق PageV08P061 # بين أن يقصد إنشاء التحريم وبين الحلف به، فيكون في الحلف به حالفا يلزمه ~~كفارة يمين، وفي تنجيزه أو تعليقه بشرط مقصود مظاهرا يلزمه كفارة الظهار، ~~وهذا يوافق المنقول عن ابن عباس أنه جعله مرة ظهارا ومرة يمينا. # السابع: أنه إن نوى به ثلاثا، فهي ثلاث، وإن نوى به واحدة، فواحدة بائنة، ~~وإن نوى به يمينا، فهي يمين، وإن لم ينو شيئا فهي كذبة لا شيء فيها. وهذا ~~مذهب سفيان الثوري حكاه ابن حزم (¬1)، وحجة هذا القول تؤخذ مما تقدم. # الثامن: أنه طلقة واحدة بائنة بكل حال. وهذا مذهب حماد بن أبي سليمان، ~~وحجة هذا القول أنه قد أراد تحريم الزوجة، والتحريم الحقيقي إنما هو ~~بالطلاق الثلاث أو بالطلقة البائنة، فيقتصر على أقل مراتبه وهو الطلقة ~~البائنة. # التاسع: أنه إذا نوى ثلاثا فثلاث، وإن نوى واحدة، أو (أ) لم ينو شيئا، ~~فواحدة بائنة. وهذا ms1637 مذهب إبراهيم النخعي حكاه ابن حزم (1)، وحجته أن الثلاث ~~يحتملها اللفظ، فإذا نوى صح ذلك، وإن لم ينو اقتصر على أقل المراتب. # العاشر: أنه طلقة رجعية. حكاه ابن الصباغ وصاحبه أبو بكر الشاشي PageV08P062 # عن الزهري عن عمر بن الخطاب، وحجته أن التحريم المطلق يصدق بالواحدة لا ~~سيما على قول من يجعل الطلقة الرجعية محرمة للوطء، فيقتصر على ذلك والزيادة ~~لا موجب لها. # الحادي عشر: أن هذا يقتضي تحريم الزوجة، ولم يذكروا طلاقا ولا ظهارا ولا ~~يمينا، بل ألزموه بموجب تحريمه. قال ابن حزم (¬1): صح هذا عن علي ورجال من ~~الصحابة لم يسموا، وعن أبي هريرة، وصح عن الحسن وخلاس بن عمرو وجابر بن زيد ~~وقتادة أنهم أمروه باجتنابها فقط، وهذا القول مرجعه إلى التوقف في حكمه، ~~والاقتصار على صريح اللفظ. # الثاني عشر: التوقف في ذلك لا يحرمها المفتي على الزوج ولا يحلها له كما ~~رواه الشعبي عن علي أنه قال: ما أنا بمحلها ولا محرمها عليك، إن شئت فتقدم، ~~وإن شئت فتأخر (¬2). وهذا القول يخالف الذي قبله، من حيث إن الأول جزم ~~بالتحريم وإن توقف في أي نوع، وهذا لم يجزم بالتحريم. # الثالث عشر: الفرق بين أن يوقع التحريم منجزا أو معلقا تعليقا مقصودا، ~~وبين أن يخرجه مخرج اليمين، فالأول ظهار بكل حال، ولو نوى به الطلاق ولو ~~وصله بقوله: أعني به الطلاق. والثاني يمين يلزمه كفارة يمين، فإذا قال: أنت ~~علي حرام. أو: إذا دخل رمضان فأنت علي حرام. فظهار، وإذا قال: إن سافرت، أو ~~إن كلمت هذا، أو كلمت فلانا، فامرأتي علي PageV08P063 # حرام. فيمين مكفرة، وهذا ذهب إليه ابن تيمية. # وقوله: لقد كان لكم. الحديث. فيه استشهاد أنه لا يحرم بالتحريم ما حرمه ~~على نفسه، فإن الأسوة بالنبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد أنكر الله عليه ~~تحريم ما أحل الله له، ولا يلزم من ظاهره أنه لا كفارة، بل الكفارة لازمة ~~كما قال تعالى: {قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم} (¬1). وكما ثبت في بعض ~~ألفاظ الحديث عن ابن ms1638 عباس: فعاتبه الله في ذلك، وجعل له كفارة اليمين. ~~أخرجه البخاري (¬2). وأشار ابن عباس إلى قصة التحريم في قوله تعالى: {لم ~~تحرم ما أحل الله لك} (¬3). واختلف العلماء في السبب، هل المراد تحريم ~~العسل أو تحريم مارية أو غير ذلك؟ وقد أخرج النسائي (¬4) بسند صحيح عن أنس: ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به حفصة ~~وعائشة حتى حرمها، فأنزل الله تعالى هذه الآية: {يا أيها النبي لم تحرم}. ~~وهذا أصح طرق هذا السبب، وله شاهد مرسل أخرجه الطبري (¬5) بسند صحيح عن زيد ~~بن أسلم التابعي الشهير قال: أصاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم ~~إبراهيم ولده في بيت بعض نسائه، فقالت: يا رسول الله، في بيتي وعلى فراشي؟! ~~فجعلها عليه حراما، فقالت: يا رسول الله، كيف تحرم عليك الحلال؟ فحلف بالله ~~لا يصيبها، فنزلت. قال زيد بن أسلم: فقول الرجل لامرأته: أنت علي PageV08P064 # حرام. لغو، وإنما تلزمه كفارة يمين إن حلف. والتأسي وقع بفعل النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فإنه حرم على نفسه وكفر عن يمينه، وليس من تناول (أ) ~~الخطاب للأمة فإن خطاب النبي - صلى الله عليه وسلم - الخاص به ليس خطابا ~~للأمة على ما هو الصحيح. # 892 - وعن عائشة رضي الله عنها: أن ابنة الجون لما أدخلت على رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك. قال: "لقد عذت ~~بعظيم، الحقي بأهلك". رواه البخاري (¬1). # قوله: أن ابنة الجون. اختلف في اسم ابنة الجون؛ ففي كتاب أبي نعيم في ~~"معرفة الصحابة" أن اسمها عمرة بنت الجون (¬2)، وفي إسناده عبيد بن القاسم ~~(ب) (¬3) وهو متروك، وفي رواية للبخاري (¬4) أن اسمها أميمة بنت النعمان بن ~~شراحيل، وجزم الكلبي بأن اسمها أسماء بنت النعمان بن شراحيل بن الأسود بن ~~الجون الكندية (¬5)، وكذا محمد بن إسحاق ومحمد بن حبيب (¬6) وغيرهما، ولعل ~~اسمها أسماء ولقبها أميمة، ووقع في "المغازي" أنها أسماء PageV08P065 # بنت كعب الجونية (¬1)، فلعل في نسبها من اسمه كعب فنسبت إليه، وقيل: ms1639 ~~أسماء بنت (أ) الحارث بن النعمان، وقد وقع في نسخة الصغاني للبخاري أن ابنة ~~الجون الكلبية (¬2)، وقد روى ابن سعد (¬3)، عن الواقدي، عن ابن أخي الزهري، ~~عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: تزوج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الكلابية. فذكر مثل حديث الباب، والظاهر أن الكلابية تصحيف الكندية، ~~والكلابية قصة أخرى ذكرها ابن سعد (¬4) أيضا بهذا السند إلى الزهري، وقال: ~~اسمها فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، استعاذت منه فطلقها، فكانت تلقط البعر ~~وتقول: أنا الشقية. قال: وتوفيت سنة ستين. ومن طريق عمرو بن شعيب عن أبيه ~~عن جده، أن الكندية لما وقع التخيير اختارت قومها، ففارقها، فكانت تقول: ~~أنا الشقية (¬5). ومن طريق [سعيد] (ب) بن أبي هند، أنها استعاذت منه ~~فأعاذها (5). ومن طريق PageV08P066 # الكلبي، اسمها العالية بنت ظبيان بن عمرو (¬1)، وحكى ابن سعد (¬2) أيضا ~~أن اسمها عمرة بنت يزيد بن عبيد وقيل: بنت يزيد بن الجون، وقال ابن عبد ~~البر (¬3): أجمعوا على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تزوج الجونية، ~~واختلفوا في سبب فراقه لها، فقال قتادة: لما دخل عليها دعاها فقالت: تعال ~~أنت. فطلقها، وقيل: كان بها وضح (¬4) كالعامرية (¬5)، قال: وزعم بعضهم أنها ~~قالت: أعوذ بالله منك. فقال: "قد عذت بمعاذ؛ وقد أعاذك الله مني". فطلقها. ~~قال: وهذا باطل، وإنما قاله لامرأة من بني [العنبر] (أ) وكانت جميلة، فخافت ~~نساؤه أن تغلبهن عليه، فقلن لها: إنه يعجبه أن يقال له: أعوذ بالله منك. ~~ففعلت فطلقها، ولكن الحكم [بالبطلان] (ب) غير قويم مع ثبوت ذلك في "الصحيح" ~~وكثرة الروايات، والقول الذي نسبه إلى قتادة ذكر مثله أبو سعيد النيسابوري ~~عن شرقي بن قطامي (¬6)، قال ابن سعد (2): اختلف علينا اسم الكلابية؛ PageV08P067 # فقيل: فاطمة بنت الضحاك بن سفيان. وقيل: عمرة بنت يزيد بن عبيد. وقيل: ~~سنا (أ) بنت سفيان بن عوف. وقيل: العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف. فقال ~~بعضهم: هي واحدة واختلف في اسمها. وقال بعضهم: بل كن جميعا ولكل واحدة منهن ~~قصة غير قصة صاحبتها. ثم ترجم الجونية، ms1640 فقال: أسماء بنت النعمان. ثم أخرج ~~من طريق عبد الواحد بن أبي عون، قال: قدم النعمان بن أبي الجون الكندي على ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله، ألا أزوجك أجمل أيم ~~في العرب؛ كانت تحت ابن عم لها فتوفي، وقد رغبت (ب) فيك؟ قال: "نعم". قال: ~~فابعث من يحملها إليك. فبعث معه أبا أسيد الساعدي، قال أبو أسيد: فأقمت ~~ثلاثة أيام، ثم تحملت معي في محفة (¬1)، فأقبلت بها حتى قدمت المدينة، ~~فأنزلتها في بني ساعدة، ووجهت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في ~~بني عمرو بن عوف فأخبرته. الحديث. قال ابن أبي عون (¬2): وكان ذلك في ربيع ~~الأول سنة تسع. ثم أخرج ذلك من طريقين، وفي تمام القصة، قيل لها: استعيذي ~~منه؛ فإنه أحظى لك عنده. وخدعت لما رئي من جمالها، وذكر لرسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - من حملها على ما قالت، فقال: "إنهن صواحب يوسف وكيدهن". # وقد اختلفت الروايات في سبب طلاقها؛ هل هو بسبب الاستعاذة كما PageV08P068 # في حديث عائشة وحديث أبي أسيد، أو أنها كرهت لما بسط يده إليها كما في ~~رواية سهل عن أبيه؟ فيحتمل أن القصة واحدة، وأنه وقع مجموع الأمرين واقتصر ~~الراوي على البعض، وأن القصة متعددة، ويدل عليه أن الذي في [حديث] (أ) أبي ~~أسيد اسمها أسماء، والذي في حديث سهل اسمها أميمة، وقد أخرج البخاري أيضا ~~في باب الأشربة (¬1) من حديث أبي أسيد فذكر الحديث وأنها نزلت في أجم (¬2) ~~بني ساعدة، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى جاءها فدخل عليها، فإذا ~~امرأة منكسة رأسها، فلما كلمها قالت: أعوذ بالله منك. فقال: "أعذتك مني". ~~فقالوا لها: أتدرين من هذا؟ هذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء ~~ليخطبك. قالت: كنت أنا أشقى من ذلك. فظاهر هذه القصة أنه لم يكن قد عقد ~~بها، ولذا قال المصنف رحمه الله تعالى: يحمل على تعدد القصة، وأن هذه لم ~~يكن قد عقد بها والأخرى قد عقد بها. وأما القول ms1641 بأن الكلابية مستعيذة، ~~والكندية كذلك، وأن قصتهما متفقة، فمستبعد؛ لأن الاستعاذة يستبعد أن تكون ~~من امرأتين بالخديعة، فإن العادة تقضي بشيوع ذلك، فلا يكاد يحصل مع واحدة ~~بعد أن يبلغها ما وقع مع غيرها. # وقوله: "الحقي بأهلك". فيه دلالة على أنه طلاق، لأنه لم يرو أنه زاد PageV08P069 # غير ذلك فيكون كناية طلاق، إذا أريد به الطلاق كان طلاقا. قال البيهقي ~~(¬1): زاد ابن أبي ذئب عن الزهري: "الحقي بأهلك". جعلها تطليقة. قال: وهذا ~~من قول الزهري، وجاء في قصة كعب بن مالك لا قيل له: "اعتزل امرأتك". قال: ~~الحقي بأهلك فكوني عندهم (¬2). فلم يرد الطلاق فلم تطلق، وقد ذهب إلى هذا ~~الجمهور من العلماء منهم الأئمة الأربعة وغيرهم، وكذا غيره من الألفاظ ~~المحتملة للطلاق مثل: أنت حرام. وقد حكم علي وابن عمر في قوله: أنت خلية. ~~أنها ثلاث (¬3). وقال عمر: واحدة، وهو أحق بها (¬4). وفرق معاوية بين رجل ~~وامرأته قال لها: إن خرجت فأنت خلية (¬5). وقال علي وزيد في البرية: إنها ~~ثلاث (¬6). وقال عمر: هي واحدة، وهو أحق بها (¬7). وكذا يقع الطلاق من ~~العجمي والتركي، فعرف من هذا أن الطلاق يقع باللفظ الذي يحتمله مجازا إذا ~~نواه. وقال أهل الظاهر: لا يقع الطلاق بقوله: الحقي بأهلك. قالوا: و (أ) PageV08P070 # النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن عقد على ابنة الجون، وإنما أرسل ~~إليها ليخطبها، قالوا: ويدل على ذلك ما جاء في حديث أبي أسيد في "صحيح ~~البخاري" (¬1) أنه قال لها: "هبي لي نفسك". فقالت: وهل تهب الملكة نفسها ~~للسوقة؟ فأهوى ليضع يده عليها لتسكن، فقالت: أعوذ بالله منك. ولكنه يبعده ~~قوله: فأهوى ليضع يده عليها. وفي رواية: فلما دخل عليها (¬2). فإن مثل ذلك ~~لا يكون إلا مع زوجة، وإن كان الدخول يحتمل أنه لم يرد به الدخول على ~~الزوجة، وإنما هو الدخول إلى المحل للخطبة منها، وعرض الأمر عليها، والنبي ~~- صلى الله عليه وسلم - له أن يتزوج من [غير] (أ) عقد الولي له، ومن غير ~~إذن الزوجة، فكان مجرد إرساله إليها ms1642 أو إحضارها ورغبته فيها كافيا في ذلك، ~~ويكون قوله: "هبي لي نفسك". تطييبا لخاطرها واستمالة لقلبها، ويؤيده قوله ~~في رواية لابن سعد (¬3): أنه اتفق مع أبيها على مقدار صداقها، وأن أباها ~~قال له: إنها رغبت فيك. # واعلم أن التي لم يدخل بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يضرب عليها ~~الحجاب، لا يكون لها حكم زوجات النبي - صلى الله عليه وسلم - في تحريم ~~النكاح على الغير، كما روي أنه تزوج بهذه المهاجر بن أبي أمية، فأراد عمر ~~معاقبتها، فقالت: ما ضرب علي الحجاب، ولا سميت أم المؤمنين. فكف عنها (¬4). ~~وعن الواقدي (¬5): PageV08P071 # سمعت من يقول: إن عكرمة بن أبي جهل خلف عليها. قال: وليس ذلك بثبت (أ). ~~والله أعلم. وروي أنها توفيت في خلافة عثمان وأنها ماتت كمدا (¬1). # 893 - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لا طلاق إلا بعد نكاح، ولا عتق إلا بعد ملك". رواه أبو يعلى، وصححه ~~الحاكم، وهو معلول. وأخرج ابن ماجه عن المسور بن مخرمة مثله، وإسناده حسن، ~~لكنه معلول أيضا (¬2). # الحديث أخرجه الحاكم (¬3) من طريق محمد بن المنكدر، قال الدارقطني (¬4): ~~الصحيح مرسل ليس فيه جابر. قال يحيى بن معين (¬5): لا يصح عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا طلاق قبل نكاح". وأصح شيء فيه حديث ابن المنكدر عمن ~~سمع طاوسا عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا. وقال أبو داود الطيالسي ~~(¬6): حدثنا ابن أبي ذئب، حدثني من سمع عطاء عن جابر نحوه. ورواه ابن أبي ~~شيبة (¬7) عن وكيع عن ابن أبي ذئب عن عطاء وابن المنكدر عن PageV08P072 # جابر. واستدركه الحاكم (¬1) من حديث وكيع، وهو معلول. ورواه أبو قرة في ~~"سننه" عن ابن جريج عن عطاء عن جابر مرفوعا (¬2). وقال ابن عبد البر (¬3): ~~روي من وجوه إلا أنها عند أهل العلم بالحديث معلولة. # وحديث المسور اختلف فيه عن الزهري؛ فقال علي بن الحسين بن واقد: عن هشام ~~عن سعيد عن الزهري عن عروة عن المسور. وقال حماد بن خالد: عن ms1643 هشام بن سعد ~~عن الزهري عن عروة عن عائشة، وعن أبي بكر الصديق، وأبي هريرة، وأبي موسى ~~الأشعري، وأبي سعيد الخدري، وعمران بن حصين، وغيرهم. ذكرها البيهقي في ~~"الخلافيات" (¬4)، وأما الحاكم (¬5) فصححه من حديث جابر وقال: أنا متعجب من ~~الشيخين كيف أهملاه؟! فقد صح على شرطهما من حديث ابن عمر وعائشة وعبد الله ~~بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر. انتهى. # وقد تكلم على جميع طرقه، قال البيهقي (4): أصح حديث فيه حديث عمرو بن ~~شعيب عن أبيه عن جده، قال الترمذي (¬6): هو أحسن شيء روي في الباب. وهو عند ~~أصحاب "السنن" (¬7) بلفظ: "ليس على رجل طلاق PageV08P073 # فيما لا يملك" الحديث. ورواه البزار (¬1) من طريقه بلفظ: "لا طلاق قبل ~~نكاح، ولا عتق قبل ملك". وقال البيهقي في "الخلافيات" (¬2): قال البخاري: ~~أصح شيء فيه وأشهره حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وحديث الزهري عن ~~عائشة، وعن علي، ومداره على جويبر عن الضحاك في النزال بن سبرة عن علي، ~~وجويبر متروك (¬3). ورواه ابن الجوزي في "العلل" (¬4) من طريق أخرى عن علي، ~~وفيه عبد الله بن زياد بن سمعان وهو متروك (¬5). وفي "الطبراني" (¬6) من ~~طريق [عبد الله بن أبي أحمد بن جحش] (أ) عن علي، وعن المسور بن مخرمة. رواه ~~ابن ماجه (¬7) بإسناد حسن. # الحديث فيه دلالة على أنه لا يقع الطلاق على المرأة الأجنبية، فإن كان ~~ذلك تنجيزا فإجماع، وإن كان تعليقا بالنكاح، كأن يقول: إن نكحت فلانة فهي ~~طالق. فللعلماء في ذلك ثلاثة أقوال: # فذهب الشافعي وأحمد وداود -وهو مذهب زيد بن علي والهدوية والصادق، وأخرجه ~~البخاري عن اثنين وعشرين من الصحابة والتابعين إلى PageV08P074 # أنه لا يصح منه مطلقا سواء كانت معينة أو لا، وذهب أبو حنيفة وأصحابه وهو ~~أحد قولي المؤيد بالله إلى أنه يصح التعليق مطلقا، وذهب مالك في المشهور ~~عنه وربيعة والثوري والليث وابن أبي ليلى وابن مسعود و [أصحاب] (أ) مالك- ~~إلى التفصيل وهو أنه إن خص، بأن يقول: كل امرأة أتزوجها من بني فلان أو من ~~بلد ms1644 كذا فهي طالق. أو قال: في وقت كذا. وقع الطلاق، وإن عمم بأن يقول: كل ~~امرأة أتزوجها فهي طالق. لم يقع شيء، قال صاحب "نهاية المجتهد" (¬1): سبب ~~الخلاف، هل من شرط وقوع الطلاق وجود الملك متقدما بالزمان على الطلاق، أم ~~ليس من شرطه؟ فمن قال: هو من شرطه، قال: لا يتعلق الطلاق بالأجنبية. ومن ~~قال: ليس من شرطه إلا وجود الملك فقط. قال: يقع. وأما الفرق بين التخصيص ~~والتعميم فاستحسان مبني على المصلحة، وذلك أنه إذا وقع التعميم، فلو قلنا ~~بوقوعه امتنع منه التزويج، فلم يجد سبيلا إلى النكاح الحلال فكان من باب ~~النذر بالمعصية، وأما إذا خصص فلا يمتنع منه ذلك. انتهى. # وقال في "الهدي" (¬2): إن القائل: إن تزوجت فلانة فهي طالق. مطلق ~~لأجنبية؛ فإنها حين أنشأ الطلاق أجنبية، والمتجدد هو نكاحها، فهو كما لو ~~قال لأجنبية: إن دخلت الدار فأنت طالق. فدخلت وهي زوجته لم تطلق إجماعا. ~~انتهى. PageV08P075 # والقول الأول هو الراجح لعموم الحديث المذكور، وإن كان في إسناده مقال ~~فهو متأيد بكثرة الطرق، وأيضا فقد روى الحاكم (¬1) من طريق ابن عباس قال: ~~ما قالها ابن مسعود، وإن كان قالها فزلة من عالم. في الرجل يقول: إن تزوجت ~~فلانة فهي طالق. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ~~ثم طلقتموهن} (¬2). ولم يقل: إذا طلقتموهن ثم نكحتموهن، ورواه عنه بلفظ آخر ~~وفي آخره: فلا يكون طلاق حتى يكون نكاح (¬3). وهذا علقه البخاري (¬4)، ~~وأخرج الدارقطني (¬5) من حديث زيد بن علي بن الحسين بن علي عن آبائه أن ~~رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، إن أمي عرضت ~~علي قريبة لها أن أتزوجها فقلت: إن تزوجتها فهي طالق ثلاثا. فقال: "هل كان ~~قبل ذلك من ملك؟ " قال: لا. قال: "لا بأس، تزوجها". وإسناده ضعيف، وأورده ~~(¬6) أيضا عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال عم لي: اعمل لي عملا حتى أزوجك ~~بنتي. فقلت: إن تزوجتها فهي طالق ثلاثا. ثم بدا لي أن أتزوجها، فأتيت النبي ~~- صلى ms1645 الله عليه وسلم -. فذكر الحديث. وفيه علي بن [قرين] (أ) (¬7) وهو ~~متروك، ولكن هذه PageV08P076 # الأحاديث بعضها يشد بعضا فيترجح العمل بها والله أعلم. # والخلاف في العتق كالخلاف في الطلاق فيصح عند أبي حنيفة وأصحابه والأصح ~~من روايتين عن أحمد وعليه أصحابه، وفرق على أصله صاحب "الهدي" (¬1) بين ~~العتق والطلاق؛ بأن العتق له قوة وسراية، فإنه يسري إلى ملك الغير، ولأنه ~~يصح أن يجعل الملك سببا للعتق، كما لو اشترى عبدا ليعتقه عن كفارة أو نذر، ~~أو اشتراه بشرط العتق، ولأن العتق من باب القرب والطاعات وهو يصح النذر ~~بها، وإن لم يكن المنذور به مملوكا، كقولك: لئن آتاني الله من فضله لأتصدقن ~~بكذا وكذا. # 894 - وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا نذر لابن آدم فيما لا يملك، ولا عتق له فيما لا يملك، ولا ~~طلاق له فيما لا يملك". أخرجه أبو داود والترمذي وصححه (¬2)، ونقل عن ~~البخاري أنه أصح ما ورد فيه (¬3). # تقدم الكلام في ذلك وسيأتي ما يتعلق بالنذر. # 895 - وعن عائشة رضي الله تعالى عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن ~~المجنون حتى يعقل أو يفيق". رواه أحمد والأربعة إلا الترمذي وصححه PageV08P077 # الحاكم، وأخرجه ابن حبان (¬1). # وقال يحيى بن معين (¬2): ليس يرويه إلا حماد بن سلمة عن حماد بن أبي ~~سليمان. يعني عن إبراهيم عن الأسود عنها، ورواه أبو داود والنسائي وأحمد ~~والدارقطني والحاكم وابن حبان وابن خزيمة (¬3) من طرق عن علي، وفيه قصة جرت ~~له مع عمر علقها البخاري (¬4)، ووصل البغوي في "الجعديات" (¬5) عن علي بن ~~الجعد عن شعبة عن الأعمش عن أبي ظبيان عن ابن عباس، أن عمر أتي بمجنونة قد ~~زنت وهي حبلى، فأراد أن يرجمها، فقال له علي: أما بلغك أن القلم قد وضع عن ~~ثلاثة؟ فذكره، وتابعه ابن نمير ووكيع وغير واحد عن الأعمش (¬6)، ورواه جرير ~~بن حازم ms1646 عن الأعمش فصرح فيه بالرفع (¬7)، وعلق البخاري (¬8) أيضا عن علي ~~رضي الله عنه: كل PageV08P078 # طلاق جائز إلا طلاق المعتوه. ووصله البغوي في "الجعديات" (¬1) عن [عابس] ~~(أ) بن ربيعة أن عليا قال: كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه. وهكذا أخرجه ~~سعيد بن منصور (¬2) عن علي، وأخرج الترمذي (¬3) مثله من حديث أبي هريرة ~~مرفوعا وزاد في آخره: "المغلوب على عقله". # والمعتوه: بفتح الميم وسكون المهملة وضم المثناة وسكون الواو بعدها هاء، ~~وهو الناقص العقل فيدخل فيه الطفل والمجنون والسكران. # والحديث فيه دلالة على أن الثلاثة لا يتعلق بهم الخطاب التكليفي، وهذا ~~مجمع عليه حيث كان الصغير لا يميز، وأما الخطاب الوضعي ففيه تفصيل، وهو إن ~~صدر من الأفعال التي توجب حكما وضعيا كالجنايات فالحكم لازم على تفاصيل ~~مذكورة في علم الفروع، وأما الألفاظ كالطلاق ونحوه، فالظاهر الإجماع في حق ~~النائم أنه لا يقع منه، وأما الصبي فالجمهور أنه لا يقع منه حتى يبلغ، وروي ~~عن الحسن وابن المسيب أنه يصح منه إذا عقل وميز (¬4)، وحده عند أحمد أن ~~يطيق الصيام ويحصي الصلاة، وعن عطاء إذا بلغ اثنتي عشرة سنة، وروي عن عمر ~~وعن مالك رواية إذا ناهز الاحتلام. ذكره في "المختصر"، والمشهور عن مالك ~~أنه لا يلزمه حتى يبلغ. PageV08P079 # وقوله في الحديث: "حتى يكبر". محتمل أن يراد به البلوغ، وأن يراد به ما ~~ذكر، والعلماء مختلفون أيضا بما يحصل البلوغ، فالاحتلام في حق الذكر مع ~~إنزال النبي بلوغ إجماعا، وفي حق الأنثى عند الهدوية، وكذا عندهم الإمناء ~~في حال اليقظة (أإذا كان أ) لشهوة، والخلاف للمنصور فيما كان عن جماع، وكذا ~~خروجه لغير شهوة، قال الإمام المهدي: لأنه قد كمل انعقاده، ونبات الشعر ~~الأسود المتجعد في العانة بعد التسع السنين بلوغ عند الهدوية. وقال أبو ~~حنيفة: لا يكون بلوغا. وقال الشافعي: يكون بلوغا في حق أولاد المشركين. وله ~~في المسلم قولان، ومضي خمسة عشر سنة منذ الولادة بلوغ في حق الذكر والأنثى؛ ~~لحديث ابن عمر، أنه لم يجزه النبي - صلى الله عليه ms1647 وسلم - وهو ابن أربع ~~عشرة سنة، وأجازه في السنة الثانية، وهو في خمس عشرة سنة (¬1). وقال أبو ~~حنيفة: ويكون بمضي ثماني عشرة للذكر وسبع عشرة للأنثى، وفي حق الأنثى الحيض ~~والحبل، وقال الإمام يحيى: الحبل ليس في نفسه سببا للبلوغ، وإنما هو كاشف ~~عن نزول المني الذي هو سبب، والحكم لأولهما. وقال أبو مضر من الهدوية: لا ~~تبلغ في الحيض إلا بعد إكمال الثلاث. وقال أبو جعفر: لا تبلغ بالحبل حتى ~~يحصل النفاس، واخضرار الشارب في الرجل عند الفم سبب للبلوغ، وعند المنصور ~~بالله تفلك الثدي بلوغ في حق المرأة. # وفي قوله: "وعن المجنون حتى يفيق". فيه دلالة على أن طلاق المجنون PageV08P080 # لا يقع، وهو مجمع عليه، والعلة فيه ذهاب العقل، واختلف العلماء في ~~السكران، هل حكمه حكم العاقل فيقع طلاقه، أو حكم المجنون فلا يقع؟ فذهب إلى ~~الأول علي رضي الله عنه وابن عباس وابن عمر والحسن البصري والزهري والنخعي ~~وابن المسيب [والضحاك] و (أ) (ب) سليمان بن يسار والهادي وزيد بن علي ~~والمؤيد وأبو حنيفة وأصحابه ومالك والشافعي، وذهب إلى الثاني [عثمان] (أ) ~~وجابر بن زيد وعمر بن عبد العزيز وطاوس والقاسم بن محمد والناصر وأبو طالب ~~وتخريج أبي العباس والطحاوي والبتي وربيعة والليث وإسحاق بن راهويه والمزني ~~ويحيى بن سعيد الأنصاري وحميد بن عبد الرحمن وأبو ثور والشافعي في أحد ~~قوليه والمصحح عنه الأول، واستقر على ذلك مذهب أحمد وصرح برجوعه إليه فقال ~~في رواية عنه: الذي لا يأمر بالطلاق إنما أتى خصلة واحدة وهو تحليلها ~~لزوجها، والذي يأمر بالطلاق أتى بخصلتين حرمها عليه وأحلها لغيره، وقال في ~~رواية الميموني: قد كنت أقول: إن طلاق السكران يجوز حتى غلب علي أنه لا ~~يجوز طلاقه؛ لأنه لو أقر لم يلزمه، ولو باع لم يجز بيعه، والجناية لا ~~تلزمه. قال أبو بكر (ج) عبد العزيز: وبهذا أقول. وهو مذهب أهل الظاهر كلهم. ~~احتج بعضهم لأهل القول الأول بقوله تعالى: {لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى} ~~(¬1). فإنه نهاهم عن قربان الصلاة ms1648 حال السكر، والنهي يقتضي PageV08P081 # التكليف، والمكلف يصح منه الإنشاءات، ولأن إيقاع الطلاق عقوبة له، ولأن ~~ترتيب الطلاق على التطليق من باب ربط الأحكام بأسبابها فلا يؤثر فيه السكر، ~~ولأن الصحابة رضي الله عنهم أقاموه مقام الصاحي في كلامه؛ فإنهم قالوا: إذا ~~شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وحد المفترى ثمانون (¬1). لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "لا قيلولة (¬2) في الطلاق". أخرجه سعيد بن منصور في ~~"سننه" (¬3)، ولما رواه عطاء بن عجلان عن عكرمة عن ابن عباس عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه والمغلوب على عقله" ~~(¬4). ولأن الصحابة أوقعوا عليه الطلاق، أخرج أبو عبيد (¬5) أن رجلا طلق ~~امرأته وهو سكران، فرفع إلى عمر بن الخطاب، وشهد عليه أربع نسوة ففرق ~~بينهما. وأخرج (5) من حديث سعيد بن المسيب أن معاوية أجاز طلاق السكران. # وأجيب عن هذا الاستدلال؛ أما الآية الكريمة: فليس توجيه النهي إلى ~~السكران بألا يقرب الصلاة وإنما هو نهي عن السكر الذي يلزم من إدامته ~~الدخول في الصلاة وهو عليه، أو أنه نهي للثمل (¬6) الذي يعقل الخطاب، وقد ~~احتج بالآية أهل القول الثاني؛ لقوله: {حتى تعلموا ما تقولون}. فقال PageV08P082 # بعضهم: إنه سبحانه جعل قول السكران غير معتبر؛ لأنه لا يعلم ما يقول، ~~والقول بأنه مكلف باطل، إذ الإجماع منعقد على أن شرط التكليف العقل، ومن لا ~~يعقل ما يقول فليس بمكلف، وكان يلزم لو كان مكلفا أن يقع طلاقه إذا كان ~~مكرها على شربها أو غير عالم بأنها خمر، وهم لا يقولون به، وأما كون ذلك ~~وقع في حقه مع عدم العقل عقوبة، فاعتبار وقوعه عقوبة يحتاج إلى دليل، ولا ~~دليل عليه، وأما جعله من ربط الأحكام بأسبابها كالجنايات، فهذا محل نزاع، ~~فإنه قال عثمان البتي: لا يلزمه عقد ولا بيع ولا حد إلا حد الخمر فقط. وهذا ~~إحدى الروايتين عن أحمد أنه كالمجنون في كل فعل يعتبر له العقل. والذين ~~اعتبروا أفعاله كالليث دون أقواله فرقوا بفرقين: # أحدهما: أن إسقاط أفعاله ms1649 ذريعة إلى تعطيل القصاص، إذ كل من أراد قتل غيره ~~أو الزنى أو السرقة سكر وفعل ذلك، وليس هذا من مقاصد الشرع أنه إذا فعل ~~جرما واحدا لزمه حكمه، وإذا تضاعف جرمه بالسكر وفعل المحرم الآخر سقط عنه ~~الحكم، وهذا مما تأباه قواعد الشرع وأصوله. # والفرق الثاني: أن إلغاء أقواله لا يتضمن مفسدة؛ لأن (أ) القول المجرد من ~~غير العاقل لا مفسدة فيه بخلاف الأفعال، فإن مفاسدها لا يمكن إلغاؤها إذا ~~وقعت، فإلغاء أفعاله ضرر محض وفساد مستشر، بخلاف أقواله، فإن صح الفرقان ~~بطل الإلحاق، وإن لم يصحا كانت التسوية بين أقواله وأفعاله متعينة، ثم إن ~~قولهم: إنه من ربط الأحكام بأسبابها. إن أرادوا أن السبب هو إصدار لفظ ~~الطلاق مطلقا، لزمهم وقوع الطلاق من المجنون والنائم PageV08P083 # والسكران وإن لم يعص بالسكر، وإن قالوا: إن ذلك مشروط بالشروط، وهي ~~البلوغ والعقل وغيرهما. فالسكران خارج عن ذلك الاعتبار، فلا يثبت كون لفظ ~~السكران سببا إلا بدليل، ولم يثبت ذلك حتى يربط به الحكم، وهل النزاع إلا ~~في هذا؟! # وأما أن الصحابة جعلوه كالصاحي في قولهم: إذا شرب سكر. إلى آخره، فقال ~~ابن حزم (¬1): هو خبر مكذوب، قد نزه الله عليا وعبد الرحمن عنه، وفيه من ~~المناقضة ما يدل على بطلانه، فإن فيه إيجاب الحد على من هذى، والهاذي لا حد عليه. # وأما حديث: "لا قيلولة في الطلاق". فخبر لا يصح، ولو صح لوجب حمله على ~~طلاق مكلف يعقل دون من لا يعقل، ولهذا لم يدخل فيه طلاق المجنون والصبي ~~والمبرسم، وخبر: "كل طلاق جائز إلا طلاق المعتوه". مثله، لا يصح، ولو صح ~~لكان في حق المكلف، مع أن السكران إما معتوه أو ملحق به، وقد ادعت طائفة ~~أنه معتوه، وقالوا: المعتوه في اللغة الذي لا عقل له ولا يدري ما يتكلم به، ~~وأما أن الصحابة أوقعوا طلاقه، فالصحابة مختلفون، فأخرج ابن أبي شيبة (¬2) ~~عن عثمان أنه قال: ليس لمجنون ولا سكران طلاق. وقال عطاء: طلاق السكران لا ~~يجوز. وقال ابن طاوس ms1650 عن أبيه: طلاق السكران لا يجوز. وقال القاسم بن محمد: ~~لا يجوز طلاقه. وصح عن عمر بن العزيز أنه أتي بسكران طلق فاستحلفه بالله ~~الذي لا إله إلا هو، لقد طلقها وهو لا يعقل؛ فحلف فرد عليه امرأته، وضربه PageV08P084 # الحد (¬1). وأما الرواية عن ابن عباس فهي من طريقين في إحداهما الحجاج بن ~~أرطاة (¬2)، وفي الثانية إبراهيم بن أبي يحيى (¬3)، وهي معارضة أيضا بما ~~أخرجه ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور جميعا (¬4) عن هشيم عن [عبد] (أ) الله ~~بن طلحة الخزاعي عن أبي يزيد [المديني] (ب) عن عكرمة عن ابن عباس قال: ليس ~~لسكران ولا مضطهد طلاق. والمضطهد بضاد معجمة ساكنة، ثم طاء مهملة مفتوحة، ~~ثم هاء ودال مهملة، وهو المغلوب المقهور. # وروى ذلك البخاري (¬5) تعليقا، قال ابن عباس: طلاق السكران والمستكره ليس ~~بجائز. أي بواقع. واحتجوا أيضا بأنه عاص بفعله لم يزل عنه الخطاب بذلك ولا ~~الإثم (ج)؛ لأنه يؤمر بقضاء الصلوات وغيرها مما وجب عليه قبل وقوعه في ~~السكر أو فيه. وأجاب الطحاوي بأنه لا يختلف حكم فاقد العقل بين أن يكون ~~ذهاب عقله بسبب من جهته أو من جهة غيره، إذ لا PageV08P085 # فرق بين من عجز عن القيام في الصلاة بسبب من قبل الله أو من قبل نفسه، ~~كمن كسر رجل نفسه، فإنه يسقط عنه فرض القيام، وتعقب بأن القيام انتقل إلى ~~بدل وهو القعود، فافترقا، وأجاب ابن المنذر (¬1) عن الاحتجاج بقضاء الصلوات ~~بأن النائم يجب عليه قضاء الصلاة، ولا يقع طلاقه، فافترقا، وقال ابن بطال ~~(¬2): الأصل في السكران العقل، والسكر شيء طرأ على عقله، فمهما وقع منه من ~~كلام مفهوم فهو محمول على الأصل، حتى يثبت فقدان عقله. # واحتج أهل القول الثاني بما وقع في قصة حمزة، قال البخاري (¬3): قال علي: ~~بقر حمزة خواصر شارفي، فطفق النبي - صلى الله عليه وسلم - يلوم حمزة، فإذا ~~حمزة قد ثمل محمرة عيناه، ثم قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيد لأبي. فعرف النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أنه قد ثمل، فخرج ms1651 وخرجنا معه. قال ابن القيم (¬4): ~~وهذا القول لو قاله غير سكران لكان ردة وكفرا، فلم يؤاخذ بذلك حمزة. يعني: ~~فدل على أن قول السكران غير معتبر. والجواب عنه بأن الخمر كانت مباحة ~~حينئذ، والقائلون باعتبار طلاق السكران، إنما هو إذا كان عاصيا بها، وبما ~~تقدم من الآثار، وقد عرفت الجواب عن ذلك. وقال ابن المرابط (¬5): إذا تيقنا ~~ذهاب عقل السكران لم يلزمه طلاق، وإلا لزمه. ومثله ذكر الإمام يحيى، وقال PageV08P086 # ابن رشد المالكي في "نهاية المجتهد" (¬1): سبب الخلاف اختلافهم، هل حكمه ~~حكم المجنون أم بينهما فرق؟ فمن قال: هو والمجنون سواء، إذ (أ) كان كلاهما ~~فاقد العقل، ومن شرط التكليف العقل. قال: لا يقع. ومن قال: الفرق بينهما أن ~~هذا السكران أدخل الفساد على عقله بإرادته، والمجنون بخلاف ذلك. ألزم ~~السكران الطلاق، وذلك من باب التغليظ عليه. انتهى. # وإذا تنبهت لما تلونا عليك، وهو معظم ما ذكره العلماء في المسألة، لم ~~يترجح أي القولين بدليل واضح، والله سبحانه أعلم بالصواب. واعلم أن السبكي ~~ذكر في الحديث سؤالين (¬2). # أحدهما: أن قوله: "حتى يبلغ". و: "حتى يستيقظ". و: "حتى يفيق". عادات ~~مستقبلة، والفعل المعني بها هو رفع ماض، والماضي لا يجوز أن يكون غايته ~~مستقبلة؛ لأن مقتضى كون الفعل ماضيا كون إجراء المعنى جميعا ماضيه، والغاية ~~ظرف المعنى، ويستحيل أن يكون المستقبل ظرفا للماضي؛ لأن الآن [فاصل] (ب) ~~بينهما، والغاية إما داخلة في المعنى فيكون ماضيا، وإما خارجة مجاورة، ~~فالمجاور هو الآن، فيكون الآن هو الغاية لا المستقبل الذي الآن فاصل بينه ~~وبين المعنى. PageV08P087 # الثاني: أن الرفع يستدعي سبق وضع، ولم يكن القلم موضوعا. # وأجاب عن الأول بالتزام حذف في الكلام، وهو رفع القلم، فلا يزال مرتفعا ~~حتى يبلغ، إذ هو مرتفع حتى يبلغ. وعن الثاني أن الرفع لا يستدعي تقدم وضع، ~~والبيهقي قال (¬1): إن الأحكام إنما نيطت بخمس عشرة سنة من عام الخندق، ~~وقبل ذلك كانت تتعلق بالتمييز. فإن ثبت هذا، احتمل أن يكون المراد بهذا ~~الحديث انقطاع ذلك الحكم، وبيان ms1652 أنه ارتفع التكليف عن الصبي وإن ميز حتى ~~يبلغ، فيصح فيه أنه رفع بعد الوضع، وهذا الاعتبار صحيح في النائم، فإنه كان ~~عليه التكليف قبل نومه، وفي المجنون أيضا إذا كان المجنون بعد التكليف، ~~والله أعلم. PageV08P088 ### | AUTO كتاب الرجعة # 896 - عن عمران بن حصين رضي الله عنه، أنه سئل عن الرجل يطلق، ثم يراجع ~~ولا يشهد؛ فقال: أشهد على طلاقها، وعلى رجعتها. رواه أبو داود (¬1) هكذا ~~موقوفا، وسنده صحيح. # وأخرجه البيهقي (¬2) بلفظ: أن عمران بن حصين سئل عمن راجع امرأته ولم ~~يشهد، فقال: أرجع في غير سنة! فليشهد (أ) الآن. وزاد الطبراني (¬3) في ~~رواية: [وليستغفر] (ب) الله. # الحديث فيه دلالة على شرعية الرجعة، وقد أجمع المسلمون على أن الزوج يملك ~~رجعة زوجته في الطلاق الرجعي، ما دامت في العدة، من غير اعتبار رضاها ورضا ~~وليها، إذا كان الطلاق بعد المسيس، وكان الحكم بصحة الرجعة مجمعا عليه، لا ~~(ج) إذا كان مختلفا فيه، كما في التي مر عليها ثلاثة أطهار، أو ثلاث حيض ~~دون ثلاثة أطهار، والتي انقطع حيضها (د) لعارض وقد مضت عليها ثلاثة أشهر، ~~والتي مضت عدتها ولم PageV08P089 # تعلم بالطلاق، فإنه مع اختلاف المذهب بين الزوجين لا يثبت حكم الرجعة إلا ~~بحكم؛ لقوله تعالى: {وبعولتهن أحق بردهن في ذلك} (¬1). # والحديث فيه دلالة على وجوب الإشهاد، ومثله قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل ~~منكم} (¬2). وقد ذهب إلى وجوب الإشهاد الشافعي في قوله القديم، واختاره في ~~رواية الربيع وكذا الناصر، وذهب إلى أن الإشهاد مستحب مالك والشافعي في ~~الجديد والهدوية وأبو حنيفة وأصحابه، واحتج لذلك في "البحر" بحديث ابن عمر ~~(¬3)، وهو قوله: "فليراجعها". ولم يذكر الإشهاد، فلو كان واجبا لذكره، وقد ~~يقال: إنه لم يذكره لكونه قد عرف حكمه؛ لأن القصة وقعت بعد نزول سورة ~~"الطلاق"، وقد ذكر فيها الإشهاد. وقال في "نهاية المجتهد" (¬4): إن قياس ~~الرجعة على سائر الحقوق التي ينشئها الإنسان لنفسه، وهي لا يجب فيها ~~الإشهاد، فكان قرينة على حمل الأمر على الندب. انتهى. أو لأن قوله تعالى: ~~{وأشهدوا ms1653 ذوي عدل منكم}. مرتب على قوله: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن ~~بمعروف}. وهو لا يجب الإشهاد على الطلاق اتفاقا بينهم، فكذلك الرجعة. قال ~~الموزعي في "تيسير (أ) البيان": وقد اتفق الناس على أن الطلاق من غير إشهاد ~~جائز، وأما الرجعة فيحتمل أن تكون في معنى الطلاق؛ لأنها قرينته فلا يجب ~~فيها الإشهاد، ولأنها حق للزوج، فلا يجب PageV08P090 # عليه الإشهاد على قبضه، ويحتمل أن يجب الإشهاد، وهو ظاهر الخطاب. انتهى. # وأما الحديث فلا حجة واضحة [فيه] (أ)؛ لاحتمال الاجتهاد من الصحابي، إذ ~~الاجتهاد له مسرح في هذا الحكم فيمكن استنباطه من الآية. # فمن قال بوجوب الإشهاد لا تكون الرجعة عنده إلا بالقول ولا يصح بالفعل، ~~ولا بد أن يكون القول صريحا غير كناية؛ لأن الشهود لا يطلعون على النية، ~~ولفظها الصريح: راجعتك. وما يصرف منه، وهذا مجمع عليه، و: رددتك. و: ~~أمسكتك. الأصح أنه صريح، لقوله تعالى: {أحق بردهن} (¬1). وقوله تعالى: ~~{فأمسكوهن بمعروف} (¬2). وكذا: تزوجتك. و: نكحتك. صريح؛ لأنهما صريحان في ~~ابتداء النكاح، فكذا في دوامه. والكناية: أعدت الحل الكامل بيني وبينك. أو: ~~أدمت المعيشة. وقال الإمام يحيى: لا تنعقد الرجعة بالكناية وإن نواها ~~كالنكاح. وقال الشافعي: تنعقد بالكناية قياسا على الطلاق. قال الإمام ~~المهدي: تشبيهها بالنكاح أولى. # والقائلون بعدم وجوب الإشهاد اختلفوا في الرجعة بالفعل؛ فقال الشافعي ~~والإمام يحيي وأبو طالب: محرم فلا تحل به، ولأن الله سبحانه وتعالى ذكر ~~فيها الإشهاد، فأفهم أنها لا تكون إلا بما يمكن معه الإشهاد، وهو القول. ~~ويتفرع على قولهم أنه إذا وطئ لزم المهر في أحد قولي الشافعي، وسواء راجعها ~~بعده أم لا، وفي القول الآخر والإمام يحيى: لا يلزم المهر. إذ PageV08P091 # أصل ملك النكاح باق، بدليل التوارث، ولا تستأنف العدة عندهم، إذ يتداخلان ~~لكونهما من واحد. # والقائلون بأنها تكون بالفعل اختلفوا؛ هل من شرطه النية أم لا؟ فقال ~~مالك: لا يكون بالفعل إلا إذا نوى به الرجعة. لأن الفعل عنده ينزل منزلة ~~القول مع النية، وقال أبو حنيفة وأصحابه والعترة وإسحاق والليث والنخعي: ms1654 ~~يصح به وإن لم ينو وإن أثم بذلك؛ لأن العدة مدة تخيير، والتخيير يصح بالقول ~~(أوالفعل أ). وقال أحمد: بل تصح الرجعة به ولا إثم؛ لعموم قوله تعالى: {إلا ~~على أزواجهم} (¬1). وهي زوجة. ومقدمات الوطء جميعها رجعة عند الهدوية، وقال ~~أبو حنيفة: التقبيل واللمس ونظر الفرج رجعة لا نظر سائر الجسد. وقال مالك: ~~التقبيل ليس برجعة. وعند من اعتبرها بالفعل تصح بوطء المجنون كإتلاف ما فيه ~~خيار، ولو حائضة أو محرمة أو مكرهة (أأو مكرها أ) لا بلفظه، والسكران على ~~الخلاف في طلاقه إذا راجع باللفظ، ولا حد عند من منع الرجعة بالفعل وإن ~~علما، لشبهة الزوجية. # ويحرم على الزوج مضاررة الزوجة بالرجعة؛ لقوله تعالى: {ولا تضاروهن} ~~(¬2). وقوله: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} (¬3). ويجب عليه إعلام ~~الزوجة بالرجعة لئلا تزوج غيره، فإن تزوجت جاهلة فالنكاح باطل، وهي لزوجها ~~الذي ارتجعها، وقد ذهب إلى هذا الجمهور PageV08P092 # من العلماء، ومنهم الشافعي وأبو حنيفة والكوفيون، وقال به داود، وهو مروي ~~عن علي رضي الله عنه، وذهب مالك فيما صرح به في "الموطأ" (¬1) إلى أنها ~~للثاني دخل بها أو لم يدخل. (أوبه أ) قال الأوزاعي والليث والبصري. وروى ~~ابن القاسم عن مالك أنه رجع عنه، وقال: الأول أولى بها إلا أن يدخل الثاني. ~~وأثبت المدنيون من أصحابه قوله الأول، قالوا: ولم يرجع عنه؛ لأنه أثبته في ~~"موطآته" إلى يوم مات وهو يقرأ عليه، وهو قول عمر بن الخطاب، رواه عنه مالك ~~في "الموطأ". وقد روي عن عمر أنه قال: إن الزوج الذي ارتجعها مخير بين أن ~~تكون امرأته، أو يرجع عليها بما كان أصدقها (¬2). وحجة مالك ما رواه ابن ~~وهب عن [يونس] (ب) عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه قال: مضت السنة في ~~الذي يطلق امرأته، ثم يراجعها، ثم يكتمها رجعتها فتحل، فتنكح زوجا غيره، ~~أنه ليس له من أمرها شيء، ولكنها لمن تزوجها (¬3). وقد قيل: إن هذا الحديث ~~إنما يروى عن ابن شهاب فقط، وحجة القول الأول أن العلماء قد أجمعوا ms1655 على أن ~~الرجعة صحيحة وإن لم تعلم بها المرأة، بدليل أنهم قد أجمعوا على أن الزوج ~~الأول أحق بها قبل أن تزوج، وإذا كانت الرجعة صحيحة كان زواج الثاني فاسدا، ~~فإن نكاح الغير لا تأثير له في إبطال الرجعة، لا قبل الدخول ولا بعده، وهو PageV08P093 # الأظهر إن شاء الله تعالى. ويشهد لذلك ما أخرجه الترمذي (¬1) عن سمرة بن ~~جندب، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أيما امرأة [تزوجها] (أ) ~~اثنان فهي للأول منهما، ومن باع بيعا من رجلين فهو للأول منهما". # واختلف العلماء في مقدار ما يجوز للزوج أن يطلع عليه من الرجعية ما دامت ~~في العدة؛ فقال [مالك] (ب): لا يخلو معها، ولا يدخل عليها إلا بإذنها، ولا ~~ينظر إلى شعرها، ولا بأس أن يأكل معها إذا [كان] (ج) معهما غيرهما. وحكى ~~ابن القاسم أنه رجع عن إباحة الأكل معها. وقال أبو حنيفة: لا بأس أن تزين ~~الرجعية لزوجها وتطيب له، و [تشوف] (د) له، وتبدي له الثياب والكحل. وبه ~~قال الثوري (ه) وأبو يوسف والأوزاعي والهدوية. وكلهم قالوا: لا يدخل عليها ~~إلا أن تعلم بدخوله بقول، أو حركة بتنحنح أو خفق. PageV08P094 # 897 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه لما طلق امرأته قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لعمر: "مره فليراجعها". متفق عليه (¬1). # تقدم الكلام في ذلك (¬2). PageV08P095 ### || AUTO باب الإيلاء والظهار والكفارة # الإيلاء أصله في اللغة: الحلف على الشيء، يقال فيه: آلى يؤلي إيلاء، ~~وتألى تأليا، وأتلى ائتلاء، ويستعمل بمعنى اليمين، وجمعه ألايا بالتخفيف ~~كعطايا، قال الشاعر (¬1): # قليل الألايا حافظ ليمينه ... فإن سبقت منه الألية برت # فجمع بين المفرد والجمع. وفي الشرع: الامتناع باليمين من وطء الزوجة، ~~ولهذا عدي فعله ب"من" في قوله: {يؤلون من نسائهم} (¬2). # لتضمينه معنى: يمتنعون. # والظهار: بكسر الظاء مشتق من الظهر؛ لقول القائل: أنت علي كظهر أمي. ~~وإنما خص الظهر من بين الأعضاء لأن كل مركوب من الحيوان يسمى ظهرا، لحصول ~~الراكب على ظهره، فشبهت الزوجة به، أو أنه كنى بالظهر عن البطن؛ ms1656 لما كان ~~ذكر البطن كالتصريح بذكر العورة، وكأن الظهر [عمود البطن] (أ) كما قال عمر ~~رضي الله عنه: يجيء أحدهم على عمود بطنه (¬3). # 898 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: آلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- من نسائه وحرم، فجعل الحرام حلالا، وجعل لليمين كفارة. رواه الترمذي، PageV08P097 # ورواته ثقات، ورجح الترمذي إرساله على وصله (¬1). # وفيه دلالة على جواز حلف الرجل من زوجته، ولكن لم يكن في الحديث تصريح ~~بالإيلاء المصطلح عليه في عرف الشرع، وهو الحلف من وطء الزوجة، وقول أكثر ~~أهل العلم أن الإيلاء لا بد فيه من التصريح بالامتناع من الوطء لا مجرد ~~الامتناع من الزوجة، والخلاف فيه لحماد بن [أبي] (أ) سليمان شيخ أبي حنيفة، ~~وهو مسبوق بالخلاف أيضا، وقد أخرج الطبري (¬2) من طريق سعيد بن المسيب: إن ~~حلف ألا يكلم امرأته يوما أو يومين فهو إيلاء، إلا إن كان (5) يجامعها ولا ~~يكلمها فليس بمؤل. # وكان إيلاؤه شهرا كما ثبت في "صحيح البخاري" (¬3)، واختلفت الروايات في ~~سبب إيلائه - صلى الله عليه وسلم - وفي تحريمه؛ ففي رواية البخاري (¬4) ~~لحديث ابن عباس عن عمر رضي الله عنه لما سأله عن المرأتين اللتين قال الله ~~تعالى: {إن تتوبا} (¬5) الحديث الطويل. قال عمر: فاعتزل النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - نساءه من أجل ذلك الحديث الذي أفشته حفصة إلى عائشة. ولم يفسر ~~في هذه الرواية الحديث الذي أفشته حفصة، وفيه أيضا: وكان قال: "ما أنا ~~بداخل عليهن PageV08P098 # شهرا". من شدة موجدته عليهن حين (أ) عاتبه الله. وهذا أيضا مبهم، وذكر ~~محمد بن الحسن المخزومي في كتابه "أخبار المدينة" بسند له مرسل أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - كان يبيت في المشربة، ويقيل عند أراكة على خلوة بئر كانت ~~هناك. والمراد بالمعاتبة قوله تعالى: {يا أيها النبي لم تحرم} الآية (¬1). ~~وفي "الصحيحين" أن الذي حرم على نفسه العسل (¬2)، أو تحريم مارية (¬3). ~~ووقع في رواية يزيد بن رومان عن عائشة عند ابن مردويه (¬4) بالجمع بين ~~القولين، وفي آخره بعد أن ذكر قصة العسل أن ms1657 حفصة في يومها استأذنته أن تأتي ~~أباها، فأذن لها فذهبت، فأرسل إلى جاريته مارية فأدخلها بيت حفصة، قالت ~~حفصة: فرجعت فوجدت الباب مغلقا، فخرج ووجهه يقطر، وحفصة تبكي، فعاتبته، ~~فقال: "أشهدك أنها علي حرام، انظري لا تخبري بهذا امرأة، وهي عندك أمانة". ~~فلما خرجت قرعت حفصة الجدار الذي بينها وبين عائشة، فقالت: ألا أبشرك، إن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حرم أمته. فنزلت. # وأخرج ابن مردويه (4) من طريق الضحاك عن ابن عباس أنها وجدت معه مارية، ~~فقال: "لا تخبري عائشة حتى أبشرك ببشارة، إن أباك يلي هذا الأمر PageV08P099 # بعد أبي بكر إذا أنا مت". فذهبت إلى عائشة فأخبرتها، فعاتبها على ذلك، ~~ولم يعاتبها على أمر الخلافة، فلهذا قال الله تعالى: {عرف بعضه وأعرض عن ~~بعض} (¬1). وأخرج الطبراني (¬2) نحوه عن أبي هريرة، وفيهما ضعف. # وأخرج ابن سعد (¬3) سببا رابعا من طريق عمرة عن عائشة، قالت: أهديت لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - هدية، فأرسل إلى كل امرأة من نسائه نصيبها، ~~فلم ترض زينب بنت جحش بنصيبها، فزادها مرة أخرى فلم ترض، فقالت عائشة: لقد ~~[أقمأت] (أ) وجهك؛ ترد عليك الهدية؟ فقال: "لأنتن أهون على الله من أن ~~[تقمئنني] (ب)، لا أدخل عليكن شهرا" الحديث. # ومن طريق الزهري عن عروة عن عائشة نحوه وفيه: ذبح ذبحا فقسمه بين أزواجه. ~~الحديث (¬4). # وسببا خامسا أخرجه مسلم (¬5) من حديث جابر قال: جاء أبو بكر والناس جلوس ~~بباب النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يؤذن لأحد منهم، فأذن لأبي بكر فدخل، ~~ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له، فوجد النبي - صلى الله عليه وسلم - جالسا ~~وحوله نساؤه. فذكر الحديث. وفيه: "هن حولي كما ترى يسألنني النفقة". فقام PageV08P100 # أبو بكر إلى عائشة، وقام عمر إلى حفصة، ثم اعتزلهن شهرا. فذكر نزول آية ~~التخيير. قال المصنف رحمه الله تعالى (¬1): واللائق بمكارم أخلاقه - صلى ~~الله عليه وسلم - وسعة صدره، وكثرة صفحه، أن يكون مجموع هذه الأشياء سببا ~~لاعتزالهن. # وقوله: وحرم. أي حرم مارية، أو العسل، كما ذكر في ms1658 الأسباب، فيندفع بذلك ~~احتمال تحريم جماع نسائه حتى يكون من باب الإيلاء على ما ذهب إليه الجمهور، ~~وقد جزم ابن بطال وجماعة أنه - صلى الله عليه وسلم - امتنع من جماع نسائه ~~في ذلك الشهر. قال المصنف (¬2): ولم أقف على نقل صريح في ذلك، فإنه لا يلزم ~~من ترك دخوله عليهن ألا تدخل إحداهن عليه في المكان الذي اعتزل فيه، إلا إن ~~كان المكان المذكور من المسجد، فيتم استلزام عدم الدخول عليهن -مع استمرار ~~الإقامة في المسجد- العزم على ترك الوطء لامتناع الوطء في المسجد. # 899 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: إذا مضت أربعة أشهر يوقف المؤلي ~~حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق. أخرجه البخاري (¬3). # اعلم أن الإيلاء وقع الخلاف فيه بين العلماء في الأمر الذي يعلق به PageV08P101 # الإيلاء، وفي مدته، وفي اعتبار اللفظ فيه، وفي أنه [يكون] (أ) طلاقا بعد ~~مضي المدة، وبما يحصل الفيء، فأما ما يعلق به الإيلاء، فهو ترك الجماع ~~للزوجة صريحا أو كناية، وقد تقدم الرواية عن ابن المسيب أنه قد يكون مؤليا ~~بترك الكلام، وكذا أخرج الطبري (¬1) عن القاسم بن محمد وسالم بن عبد الله ~~بن عمر فيمن قال لامرأته: إن كلمتك سنة فأنت طالق. قال: إن مضت أربعة أشهر ~~ولم يكلمها طلقت، وإن كلمها قبل سنة فهي طالق. وأخرج من طريق يزيد بن الأصم ~~أن ابن عباس قال: ما فعلت امرأتك لعهدي بها سيئة الخلق؟ قال: لقد خرجت وما ~~أكلمها. قال: [أدركها] (ب) قبل مضي أربعة أشهر، فإن مضت فهي تطليقة (¬2). ~~ففيه دلالة على أن الإيلاء يقع بترك الكلام، وبغير قسم أيضا. # وأما المدة: فهي مطلقة أو مؤقتة، فالمطلقة ينعقد الإيلاء فيها عند ~~الأكثر، وذهب أبو العباس إلى أنه لا ينعقد، لقوله تعالى: {أربعة أشهر} ~~(¬3). والجواب أن الأربعة إنما هي مدة التربص لا مدة الإيلاء، فلا دلالة. ~~وأما المؤقتة: فذهب العترة والحنفية وجماعة من التابعين إلى أنها تنعقد ~~بالأربعة الأشهر؛ لظاهر الآية الكريمة، إلا أن أبا حنيفة يقول: إنها تطلق ~~إذا ms1659 مضت الأربعة ولم يفئ. وعند غيره أنها لا تطلق، ولكن للمرأة المطالبة PageV08P102 # بالفيء أو بالطلاق، والموقع للطلاق يقول: إن الآية تدل على ذلك من ثلاثة أوجه: # أحدهما: أن عبد الله بن مسعود قرأ: (فإن فاءوا فيهن فإن الله غفور رحيم) ~~(¬1). فإضافة الفيئة إلى المدة يدل على استحقاق الفيئة فيها، وهذه القراءة ~~إما أن تجرى مجرى خبر الواحد فيوجب العمل، وإن لم يكن قرآنا. # الثاني: أن الله جعل مدة الإيلاء أربعة أشهر، فلو كانت الفيئة (أبعدها ~~لزادت أ) على مدة النص، وذلك غير جائز. # الثالث: أنه لو وطئها في مدة الإيلاء لوقعت الفيئة موقعها، فدل على ~~استحقاق الفيئة فيها. # وذهب الجمهور من العلماء، وروي عن بضعة عشر من الصحابة؛ منهم عثمان وعلي ~~وعائشة وابن عمر، ويروى عن عمر أيضا، ومنهم أحمد والشافعي ومالك، إلى أنه ~~لا يكون مؤليا إلا بأكثر من أربعة أشهر، والأربعة الأشهر إنما هي مدة ~~لإمهال الزوج، لا تستحق الزوجة المطالبة فيها، فبعد مضيها يثبت لها ~~المطالبة بالفيء أو بالطلاق، ويحبسه الحاكم حتى يطلق، أو يوقع الحاكم عنه ~~الطلاق على الخلاف في ذلك، قالوا: لأن الله جعل لهم مدة التربص أربعة أشهر، ~~فلا تستحق المطالبة فيها (ب) بل تكون المطالبة فيما PageV08P103 # بعدها، فكانت كأجل الدين؛ لأن الله تعالى يقول: {فإن فاءوا}. بفاء ~~التعقيب وهو بعد الأربعة، فلو كانت المدة أربعة أو أقل لكانت المدة قد ~~انقضت، فلا تطالب بعدها، والتعقيب هو للمدة لا (أ) للإيلاء؛ لبعده، ولأن ~~الله سبحانه وتعالى خير في الآية بين الفيئة والعزم على الطلاق، فيكونان في ~~وقت واحد، وهو بعد مضي الأربعة، ولو كان الطلاق يقع بمضي الأربعة والفيئة ~~قبل مضيها لم يكن تخييرا؛ لأن حق المخير بينهما أن يقع أحدهما في الوقت ~~الذي يصح فيه الآخر كالكفارة، وهذا الوجه أشار إليه الشافعي، ولأن الله ~~تعالى لما جعل مدة الانتظار أربعة أشهر، فلا سبيل عليه مدة بقائها، فإذا ~~مضت كان عليه السبيل؛ إما أن يفيء، وإما أن يطلق، كما لو قال: أجلتك أربعة ~~أشهر. ms1660 لم يكن له الطالبة حتى تنقضي المدة، ولأن الله سبحانه وتعالى أضاف ~~عزم الطلاق إلى الرجل، وليس انقضاء المدة من فعل الرجل، ولذلك كانت عائشة ~~إذا حلف الرجل ألا يأتي امرأته فيدعها خمسة أشهر، لا ترى ذلك شيئا حتى ~~يوقف، وتقول: كيف قال الله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان} (¬1). ~~وذهب الحسن والنخعي وقتادة وابن أبي ليلى إلى أن الإيلاء يقع بقليل الزمان ~~وكثيره. ويروى عن عبد الله بن مسعود (¬2). ودليلهم ظاهر قوله تعالى: {يؤلون ~~من نسائهم}. من غير تقييد، وقد يجاب عنه بأن الله سبحانه وتعالى ضرب PageV08P104 # الأربعة الأشهر ليرجع فيها المؤلي عن المضاررة والعمل بمقتضى يمينه، وذلك ~~يقتضي أن تزيد المدة على أربعة أشهر. وروي عن ابن عباس أن المؤلي من حلف لا ~~يصيب امرأته أبدا. # والفيئة في اللغة بمعنى الرجوع، والمراد بها هنا هو رجوع الزوج إلى وطء ~~الزوجة، وهذا في حق القادر، وأما المعذور فيبين عذره، ويقول: لو قدرت لفئت. ~~وعند الهدوية أن يقول: رجعت عن يميني. وقال عكرمة: فيئة المعذور بالنية. ~~وإليه ذهب أبو ثور وأحمد؛ وذلك لأن الفيئة هو الرجوع عن اليمين، وهي عبارة ~~عن التوبة عن المضاررة من الزوج لزوجته، والتوبة لا تحتاج إلى لفظ إلا أنه ~~يقال: هي توبة متعلقة بالاستحلال من حق الغير، ولابد من الإفهام بذلك، وهو ~~يكون باللفظ، وتجب الكفارة مع الوطء، وهو قول أكثر أهل العلم، ويروى عن ابن ~~عباس وزيد بن ثابت، وهو الجديد للشافعي، وقال النخعي والحسن والقديم من ~~قولي الشافعي: لا كفارة تجب. # وظاهر الآية الكريمة عموم الحكم للحر والعبد وأنهما سواء، وبهذا قال ~~الشافعي وأحمد وأبو ثور وأهل الظاهر، وذهب مالك إلى تنصيف مدته قياسا على ~~تنصيف حده وطلاقه، ويروى عن الزهري وعطاء وإسحاق، وذهب أبو حنيفة إلى ~~اعتبار نقصان المدة بالنساء لا بالرجال؛ قياسا على العدة، وبه قال الحسن ~~والنخعي، وقد يرد قياس مالك بالفرق بين الحكمين؛ لأن الحد حق لله، ومبناه ~~على الدرء والإسقاط، والإيلاء حق للآدمي ومبناه على التغليظ والاحتياط، ~~وأما ms1661 قياسه على الطلاق فهو معارض بقياسه على الفيئة؛ لأن الشارع ضرب ~~المدتين توسعة (أ) للأزواج في أداء ما PageV08P105 # وجب [منه] (أ) دفع الضرار، ويرد على قياس أبي حنيفة ذلك على العدة، بأن ~~حكم الإيلاء جعل الله اعتباره إلى الرجال، وحكم العدة اعتباره إلى النساء، ~~فكيف يعتبر حكم وجب للرجال بحكم وجب للنساء؟ # وعموم الآية يقتضي صحة الإيلاء من كل زوجة، صغيرة أو كبيرة، رتقاء (¬1) ~~أو قرناء (¬2)، أو مريضة، أو غير ذلك. والفقهاء مختلفون في ذلك، فمنهم من ~~أخذ بالعموم، ومنهم من جعل ذلك في حق الصالحة للجماع (ب)، وهو من خصص ~~العموم بالمعنى، وهو عدم المضاررة في حق من لم تكن صالحة للجماع، حتى ذهب ~~مالك إلى أن من قصد المضاررة بترك الوطء و (ج) لم يؤل بلسانه يكون مؤليا، ~~والجمهور على خلافه. # وأجمعوا على أن الإيلاء يتعلق بالزوجة دون المملوكة؛ لقوله تعالى: {يؤلون ~~من نسائهم} (¬3). وقوله تعالى: {وإن عزموا الطلاق} (¬4). وليس في الإماء ~~طلاق؛ ولأنه لا يجب للمملوك على مالكه شيء من المؤنة. PageV08P106 # واعلم أن الإيلاء في لسان العرب هو الحلف مطلقا، قال الشاعر (¬1): # فآليت لا أنفك أحدو قصيدة ... تكون وإياها بها مثلا بعدي # ومن أهل العلم من ذهب إلى أن الإيلاء هنا كما (أ) في اللغة، ينعقد بكل ~~يمين على الامتناع من الوطء، سواء حلف بالله أو بغيره، وبه قال الجمهور ~~والشافعي في الجديد، ويروى عن ابن عباس، وقال به أبو حنيفة وأصحابه ومالك، ~~وذهب العترة وقول الشافعي في القديم إلى أنه لا ينعقد إلا بالحلف بالله ~~تعالى، قالوا: لأنه لا يكون يمينا إلا ما كان بالله تعالى، فلا تشمله الآية. # 900 - وعن سليمان بن يسار قال: أدركت بضعة عشر رجلا من أصحاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كلهم كانوا يقفون المؤلي. رواه الشافعي (¬2). # هو أبو أيوب، ويقال: أبو عبد الرحمن، سليمان بن يسار مولى ميمونة زوج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأخو عطاء بن يسار، بفتح الياء تحتها نقطتان ~~وتخفيف السين المهملة، من أهل المدينة، وكبار ms1662 التابعين، كان فقيها فاضلا ~~ثقة عابدا ورعا حجة، وهو أحد فقهاء المدينة السبعة، قال الحسن بن محمد: ~~سليمان بن يسار أفهم عندنا من سعيد بن المسيب. ولم يقل: أعلم ولا أفقه. روى ~~عن ابن عباس وأبي هريرة وأم سلمة، روى عنه الزهري ويحيى بن سعيد PageV08P107 # الأنصاري وغيرهما من الأعلام، مات سنة سبع ومائة وهو ابن ثلاث وسبعين سنة. # وأخرج الشافعي (¬1) بلفظ: بضعة عشر رجلا. وأخرج إسماعيل القاضي (¬2) من ~~طريق يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سليمان بن يسار، قال: أدركت بضعة عشر رجلا ~~من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قالوا: الإيلاء لا يكون طلاقا ~~حتى يوقف. وأخرج الدارقطني (¬3) من طريق سهيل بن أبي صالح عن أبيه أنه قال: ~~سألت اثني عشر رجلا من الصحابة عن الرجل يؤلي، فقالوا: ليس عليه شيء حتى ~~تمضي أربعة أشهر فيوقف، فإن فاء وإلا طلق. وأخرج إسماعيل (2) عن سليمان بن ~~يسار من وجه آخر، قال: أدركنا الناس يقفون الإيلاء إذا مضت الأربعة. وأخرج ~~البخاري (¬4) أن (أ) ابن عمر كان يقول في الإيلاء الذي يسمي الله: لا يحل ~~لأحد (ب) بعد الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزم بالطلاق، كما أمر الله ~~سبحانه. وقال البخاري (¬5): قال لي إسماعيل، هو ابن أبي أويس (ج): حدثني ~~مالك عن نافع عن ابن PageV08P108 # عمر: إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق، ولا يقع عليه الطلاق حتى يطلق. ~~ويذكر ذلك عن عثمان وعلي وأبي الدرداء وعائشة واثني عشر رجلا من أصحاب ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. انتهى. # وأثر ابن عمر أخرجه الإسماعيلي من طريق معن بن عيسى عن مالك بلفظ: أنه ~~كان يقول: أيما رجل آلى من امرأته، فإذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق أو ~~يفيء، ولا يقع عليه طلاق إذا مضت حتى يوقف. وكذا أخرجه الشافعي (¬1) عن ~~مالك، وزاد: فإما أن يطلق وإما أن يفيء. وهذا تفسير للآية من ابن عمر، ~~وتفسير الصحابة في مثل هذا له حكم الرفع عند البخاري ومسلم كما نقله ~~الحاكم، وأثر عثمان وصله ms1663 الشافعي وابن أبي شيبة وعبد الرزاق (¬2) من طريق ~~طاوس أن عثمان بن عفان كان يوقف المؤلي، فإما أن يفيء وإما أن يطلق. وفي ~~سماع (أ) طاوس من عثمان نظر. وأخرجه إسماعيل القاضي في "الأحكام" (¬3) من ~~وجه آخر منقطع عن عثمان أنه كان لا يرى الإيلاء شيئا، وإن مضت أربعة أشهر ~~حتى يوقف. ومن طريق سعيد بن جبير عن عمر نحوه، وهذا منقطع أيضا، فالطريقان ~~عن عثمان يعضد أحدهما الآخر، وجاء عن عثمان خلافه، فأخرج عبد الرزاق ~~والدارقطني (¬4) من طريق عطاء الخراساني، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن ~~عثمان وزيد PageV08P109 # ابن ثابت: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة. وقد سئل أحمد عن ذلك ~~فرجح رواية طاوس، وأما أثر علي فوصله الشافعي وأبو بكر بن أبي شيبة (¬1) من ~~طريق [عمرو] (أ) بن سلمة أن عليا وقف المؤلي. وسنده صحيح، وأخرج مالك (¬2) ~~عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي نحو قول [ابن] (ب) عمر: إذا مضت الأربعة ~~أشهر لم يقع عليه الطلاق حتى يوقف؛ فإما أن يطلق وإما أن يفيء. وهذا منقطع، ~~يعتضد بالذي قبله. وروي [عن] (ج) زيد بن علي عن أبيه، عن جده. رواه عنه في ~~"أصول الأحكام". وأخرج سعيد بن منصور (¬3) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى: ~~شهدت عليا أوقف رجلا عند الأربعة بالرحبة؛ إما أن يفيء وإما أن يطلق. وسنده ~~صحيح أيضا، وأخرج إسماعيل القاضي (¬4) من طريق سعيد بن المسيب أن أبا ~~الدرداء قال: يوقف في الإيلاء عند انقضاء الأربعة؛ فإما أن يطلق وإما أن ~~يفيء. وسنده صحيح إن ثبت سماع ابن المسيب من أبي الدرداء. وأما أثر عائشة ~~فأخرج عبد الرزاق (¬5) عن معمر عن قتادة أن أبا الدرداء وعائشة قالا. فذكر ~~مثله، وهذا منقطع. وأخرج سعيد بن منصور (¬6) بسند صحيح عن عائشة بلفظ: أنها PageV08P110 # كانت لا ترى الإيلاء شيئا حتى يوقف. وللشافعي (¬1) عنها نحوه. وسنده صحيح ~~أيضا (أ). # الأثر المذكور وما عضده من الآثار، يدل على إيقاف المؤلي بعد مضي ~~الأربعة، والمراد بإيقافه هو ms1664 أنه يطالب؛ إما بالفيء أو بالطلاق، ولا يقع ~~الطلاق بمجرد مضي المدة، وهذا هو الذي ذهب إليه الجمهور من الصحابة ~~والعلماء، وذهب الكوفيون إلى أنه إن فاء بالجماع قبل انقضاء المدة استمرت ~~عصمته، وإن مضت المدة وقع الطلاق بنفس مضي المدة، ولا عدة؛ لأنه لا تربص ~~على المرأة بعد انقضائها. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إنه يكون الطلاق بائنا؛ ~~إذ لا فائدة للمرأة لو كان رجعيا. وذهب النخعي إلى أنها تكون رجعية؛ إذ لا ~~مقتضي للبينونة، ولما روي عن علي رضي الله عنه: إذا مضت أربعة أشهر فهي ~~تطليقة (¬2). كذا رواه الإمام المهدي في "البحر"، ولكنه أخرجه الطبري (¬3) ~~بسند لا بأس به عن علي: إن مضت الأربعة الأشهر ولم يفئ طلقت طلقة بائنة. ~~وأخرجه (3) بسند صحيح عن ابن مسعود أيضا، وبسند حسن عن علي وزيد بن ثابت ~~مثله (3). وعن جماعة من التابعين من الكوفيين وغيرهم كابن الحنفية وقبيصة ~~بن ذؤيب وعطاء والحسن وابن PageV08P111 # سيرين مثله. وأخرج (أمن طريق أ) ابن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن ~~وربيعة ومكحول والزهري والأوزاعي: تطلق، لكن طلقة رجعية. وأخرج سعيد بن ~~منصور (¬1) من طريق جابر بن زيد: إذا آلى فمضت أربعة أشهر، طلقت بائنا ولا ~~عدة عليها. وأخرج إسماعيل القاضي (¬2) في "أحكام القرآن" بسند صحيح عن ابن ~~عباس مثله. واخرج سعيد بن منصور (¬3) من طريق مسروق: [إذا مضت الأربعة بانت ~~بطلقة وتعتد بثلاث حيض. وأخرج إسماعيل (2) من وجه آخر عن مسروق] (ب) عن ابن ~~مسعود مثله. وأخرج ابن أبي شيبة (¬4) بسند صحيح عن أبي قلابة أن النعمان بن ~~بشير آلى من امرأته، فقال ابن مسعود: إذا مضت أربعة اشهر فقد بانت منه (ج) ~~بتطليقة. # فإذا عرفت ما تلوناه عليك من تعارض الآثار واختلاف علماء الصحابة ~~والتابعين في ذلك، فالرجوع إلى الترجيح، وهو ترجيح القول الأول بظاهر ~~الآية، وهو أن قوله سبحانه وتعالى: {فإن الله سميع عليم} (¬5). بعد قوله: ~~{وإن عزموا الطلاق}. فيه إيماء إلى أن عزم الطلاق بقول ليناسبه السماع، PageV08P112 # ولو كان يقع بمجرد مضي ms1665 المدة لكفى ذكر {عليم} من دون {سميع} كما هو ~~المعروف من بلاغة كتاب الله سبحانه، وإحكام نظمه، ورصانة مبانيه، وإشارة ~~فواصله إلى ما دلت عليه الجملة السابقة، ولأنه قال بذلك جمهور الصحابة، ~~والترجيح قد يقع بالأكثر. # واعلم أنه إذا طلق فعند الجمهور أن الطلاق يكون رجعيا، إلا أن مالكا قال: ~~لا تصح رجعته إلا إن جامع في العدة، وإذا فاء فإن كان قادرا كان فيئه ~~بالوطء، وإن كان عاجزا كان فيئه باللفظ، بأن يقول: رجعت عن يميني. أو: ندمت ~~على يميني، وإذا قدرت على الوطء فعلته. ومتى قدر أجبر على الوطء، ولا إمهال ~~إلا إذا كان مقيدا الإيلاء بمدة، فيمهل بعد مضي ما قيد به يوما أو يومين، ~~لضعف حكمه بعد مضي المدة، إذ لا حنث، قال الإمام يحيى: ويمهل حتى يأكل ~~ويشرب أو يصلي أو يخف الشابع أو ينام الناعس إجماعا، للمسامحة في ذلك، لا ~~شهرا ونحوه إجماعا، وفي الثلاثة الأيام وجهان: يلزم فصلا بين قليل المدة ~~وكثيرها، ولا؛ إذ لا عذر. انتهى. # وإذا كان غائبا فإن كان دون مسافة القصر رجع فورا ولا إمهال، وإن كان ~~مسافة القصر فاء باللفظ، وكان حكمه حكم العاجز، وذكر الإمام المهدي في ~~"البحر" أنه يرجع فورا أيضا إن (أ) لم يستوطن ذلك الكان، فإن استوطنه طلبها ~~إليه. وكذا إن كان محرما كان فيئه باللفظ، فإن أراد الوطء كان لها منعه؛ ~~لأن فعله منكر، وكذا إذا كان مظاهرا منها قبل التكفير، فيجبر على العتق، ~~ويمهل حتى يشتري رقبة يوما أو يومين، وإن كان معسرا PageV08P113 # ووجب عليه الصوم، فاء باللفظ لطول المدة، ولها منعه إذا طلب الوطء قبل ~~التكفير، والله سبحانه أعلم. # 901 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كان إيلاء الجاهلية السنة ~~والسنتين، فوقت الله أربعة أشهر، فإن كان أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء. ~~أخرجه البيهقي (¬1). # وأخرجه الطبراني (¬2) أيضا من حديث ابن عباس، وقال الشافعي: كانت العرب ~~الجاهلية تحلف بثلاثة أشياء؛ الطلاق، والظهار، والإيلاء، فنقل الله سبحانه ~~الإيلاء والظهار عما كانا ms1666 عليه في الجاهلية من إيقاع الفرقة على الزوجة إلى ~~ما استقر عليه حكمهما في الشرع، وبقي حكم الطلاق على ما كان عليه. # الحديث فيه دلالة على أن أقل ما ينعقد به الإيلاء أربعة أشهر، وقد تقدم ~~الكلام على ذلك. # 902 - وعن ابن عباس رضي الله عنه، أن رجلا ظاهر من امرأته، ثم وقع عليها، ~~فأتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إني وقعت عليها قبل أن أكفر. قال: ~~"فلا تقربها حتى تفعل ما أمرك الله به". رواه الأربعة وصححه الترمذي، ورجح ~~النسائي إرساله (¬3)، PageV08P114 # ورواه البزار (¬1) من وجه آخر عن ابن عباس، وزاد فيه: "كفر ولا تعد". # الحديث بلفظ النسائي، وفي رواية له (¬2): "اعتزلها حتى تقضي ما عليك". ~~وفي رواية لأبي داود (¬3) قال: "فاعتزلها حتى تكفر عنك". ورجاله ثقات، ~~وأعله أبو حاتم والنسائي بالإرسال (¬4)، وقال ابن حزم (¬5): رواته ثقات ولا ~~يضره إرسال من أرسله. وطريق البزار عن خصيف عن عطاء عن ابن عباس بلفظ، أن ~~رجلا قال: يا رسول الله، إني ظاهرت من امرأتي، رأيت ساقها في القمر ~~فواقعتها قبل أن أكفر. قال: "كفر ولا تعد". # قوله: أن رجلا ظاهر من امرأته. لم أر تسمية الرجل المظاهر، والظهار كما ~~عرفت في اشتقاقه أنه مشتق من الظهر، وهو قول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر ~~أمي. [فيكنون] (أ) بالظهر الذي هو محل الركوب، ويشبهون به المرأة، كما أن ~~الزوجة موطوءة للزوج، فكنوا بالظهر عما يستهجن ذكره، وأضافوا الظهر إلى ~~الأم؛ لأنها أم المحرمات. # قال الشافعي رحمه الله تعالى: سمعت من أرضى من أهل العلم بالقرآن يذكرون ~~أن أهل الجاهلية كانوا يطلقون بثلاث؛ الظهار والإيلاء والطلاق، PageV08P115 # فأقر الله سبحانه الطلاق طلاقا، وحكم في الإيلاء أن يمهل المؤلي أربعة ~~أشهر، ثم جعل عليه أن يفيء أو يطلق، وحكم في الظهار بالكفارة، وأعلم سبحانه ~~وتعالى بأنه محرم تحريما مغلظا؛ لا فيه من المنكر والزور والكذب والإجماع ~~على تحريمه. # واختلف العلماء فيما إذا شبهها بغير ظهر أمه؛ فذهب العترة ومالك والشافعي ~~في أظهر قوليه أنه يكون ظهارا. ms1667 وقال في القول الآخر: لا يكون ظهارا. وقال ~~أبو حنيفة: يكون الظهار بالعضو الذي يحرم النظر إليه. # واختلفوا أيضا إذا شبهها بغير الأم من المحارم؛ فذهب أكثر العترة إلى أنه ~~لا يكون ظهارا؛ نظرا إلى ظاهر النص الوارد. وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة ~~وأصحابه والناصر والإمام يحيى إلى أنه يصح بغير الأم من المحارم ولو من ~~الرضاع؛ نظرا إلى المعنى المعلل به، فيثبت بالقياس على الأم، إذ العلة ~~التحريم المؤبد، وهو حاصل. وقال ابن القاسم من أصحاب [مالك] (أ): ولو من ~~الرجال. وذهب مالك وأحمد والبتي إلى أنه ينعقد، وإن لم يكن المشبه به محرما ~~على التأبيد كالأجنبية، بل قال أحمد: حتى في (ب) البهيمة. # وعموم الخطاب بالآية يقضي أن الظهار يصح من زوج مكلف حرا أم عبدا، مسلما ~~أم كافرا، سليما أم خصيا أم مجبوبا (ج). # واشترط العترة وأبو حنيفة وأصحابه والنخعي الإسلام في المظاهر؛ لأن PageV08P116 # من لوازمه الكفارة، وهي لا تصح من الكافر، ولو كان التحريم يرتفع بغير ~~الكفارة، لم يكن تحريم ظهار، فإن من لوازمه الكفارة إلا في المؤقت، ولم ~~يشترطه الشافعي وأصحابه وزيد بن علي فقالوا: يصح من الكافر؛ لعموم الخطاب، ~~ويكفر بالعتق والإطعام لا الصوم، فإنه متعذر في حقه. وأجيب بأن العتق ~~والإطعام إذا خرجا لأجل الكفارة كانا قربة، وهي لا تصح من الكافر. # ولا يصح الظهار من الأمة المملوكة عند العترة والحنفية والشافعية؛ لأن ~~قوله تعالى: {من نسائهم} (¬1). لا يتناول المملوكة في عرف اللغة، وللاتفاق ~~في الإيلاء أنها غير داخلة في عموم النساء، وقياسا على الطلاق. وذهب مالك ~~والثوري وعطاء وجماعة، وروى العمراني ذلك عن علي أنه يصح من الأمة؛ لعموم ~~لفظ النساء. إلا أن عطاء قال: لا يجب إلا نصف الكفارة. وقال الأوزاعي: إن ~~كان يطأ الأمة صح الظهار منها، وإن لم تكن موطوءة له فهي يمين يلزم فيها ~~الكفارة، ويصح من الأمة المزوجة، والخلاف لموسى بن جعفر والبستي من ~~الناصرية، قالوا: لأن المراد من قوله تعالى: {من نسائهم}. الحرائر. والجواب ~~أن الظاهر ms1668 هو الزوجات. # ويصح من العبد لزوجته عند الأكثر، وقال قوم: لا يصح؛ لتعذر التكفير. ~~والجواب أن الصوم لا يتعذر في حقه فيتعين عليه. وقال مالك: إنه يصح أن يكفر ~~بالإطعام بإذن مولاه. وقال أبو ثور: إن أعطاه سيده عبدا صح أن يكفر به. ~~والجواب أن الإطعام والإعتاق فرعا الملك، وهو لا يملك. PageV08P117 # واختلف العلماء في إضافة النساء إلى الضمير في قوله تعالى: {من نسائهم}. ~~هل هي في الزوجات، كما هو الظاهر؛ لدلالة الإضافة على الاختصاص، أو فيمن ~~يصح للرجل نكاحها وإن لم تكن في الحال زوجة، والإضافة تصح لأدنى اختصاص؟ ~~فقال بالأول الشافعي وداود وأبو ثور، وهو قول ابن عباس، وقال بالثاني مالك ~~وأبو حنيفة والثوري والأوزاعي، وهو قول عمر رضي الله عنه، وفرق قوم بين أن ~~يقول: كل امرأة أتزوجها فهي علي كظهر أمي. فلا يصح، وبين أن يعين أو يقيد، ~~بأن يقول: إن تزوجت فلانة. أو: من قرية كذا. أو: قبيلة كذا. فيصح، وبه قال ~~ابن أبي ليلى. # واختلفوا أيضا هل الظهار كالطلاق أو كاليمين؟ فمن قال بالأول، قال: لا ~~يصح من المرأة الظاهرة من زوجها، ولا يلزم به شيء. وبه قال مالك والشافعي، ~~ومن جعله كاليمين أوجب عليها كفارة ظهار، ومن العلماء من أوجب عليها كفارة يمين. # والحديث فيه دلالة على أنه يحرم وطء المظاهرة قبل التكفير، هو مجمع على ~~التحريم؛ لقوله تعالى: {من قبل أن يتماسا} (¬1). ولا يسقط بالوطء قبل ~~التكفير ولا يتضاعف، بل هي بحالها كفارة واحدة كما قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: "حتى تفعل ما أمرك الله". قال الصلت بن دينار: سألت عشرة من ~~الفقهاء عن المظاهر يجامع قبل أن يكفر، فقالوا: كفارة واحدة. قال: وهم ~~الحسن وابن سيرين [ومورق] (أ) وبكر وقتادة وعطاء وطاوس ومجاهد PageV08P118 # وعكرمة. قال: والعاشر أراه نافعا. وهذا قول الأئمة. الأربعة، وصح عن ابن ~~عمر وعمرو بن العاص أن عليه كفارتين (¬1). وذكر سعيد بن منصور (¬2) عن ~~الحسن وإبراهيم في الذي يظاهر ثم يطؤها قبل أن يكفر: عليه ثلاث كفارات. ~~وذكر ms1669 عن الزهري وسعيد بن جبير وأبي يوسف أن الكفارة تسقط. ووجهه أنه فات ~~وقتها ولم يبق له سبيل [إلى] (أ) إخراجها قبل المسيس. والجواب عن هذا أن ~~فوات وقت الأداء لا يسقط الواجب في الذمة كالصلاة والصيام وسائر العبادات، ~~ووجه وجوب الكفارتين أن إحداهما للظهار الذي اقترن به العود، والثانية ~~للوطء المحرم، كالوطء في رمضان نهارا، وكوطء المحرم، ولا يعلم لإيجاب ~~الثلاث وجه إلا أن يكون عقوبة على إقدامه [على الحرام] (ب). # والحديث فيه دلالة على تحريم الوطء، واختلف العلماء في تحريم المقدمات؛ ~~فذهب العترة وأبو حنيفة ومالك وأحد قولي الشافعي إلى أن حكمه حكم المسيس في ~~التحريم، ولأنه شبهها بمن يحرم في حقها الوطء ومقدماته، وذهب الثوري وأحد ~~قولي الشافعي إلى أنه لا تحرم؛ لأن المسيس هو الوطء وحده، ولا يشمل ~~المقدمات إلا مجازا، ولا يصح أن يراد؛ لئلا يجمع بين الحقيقة والمجاز. وذهب ~~الأوزاعي إلى أنه يحل له الاستمتاع بما PageV08P119 # فوق الإزار كالحائض. # 903 - وعن سلمة بن صخر رضي الله عنه قال: دخل رمضان، فخفت أن أصيب ~~امرأتي، فظاهرت منها، فانكشف لي منها شيء ليلة، فوقعت عليها، فقال لي رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "حرر رقبة". فقلت: لا أملك إلا رقبتي. قال: ~~"فصم شهرين متتابعين". قلت (أ): وهل أصبت الذي أصبت إلا من الصيام؟ قال: ~~"أطعم عرقا من تمر ستين مسكينا". أخرجه أحمد والأربعة إلا النسائي، وصححه ~~ابن خزيمة وابن الجاورد (¬1). # هو سلمة بن صخر البياضي بفتح الباء الموحدة وتخفيف الياء تحتها نقطتان ~~وبالضاد المعجمة، أنصاري خزرجي كان أحد البكائين، روى عنه سليمان بن يسار ~~وابن المسيب، قال البخاري (¬2): ولا يصح حديثه. يعني هذا الذي في الظهار. # الحديث رووه (ب) بلفظ: كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيري، فلما ~~دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئا، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر ~~رمضان، فبينا هي تحدثني ذات ليلة، فكشف لي منها PageV08P120 # شيء، فما نشبت أن نزوت عليها. الحديث، وأعله عبد الحق (¬1) بالانقطاع، ~~وأن سليمان ms1670 لم يدرك سلمة، حكى ذلك الترمذي (¬2) عن البخاري. وقال الترمذي ~~(¬3): اسم سلمة سلمان أيضا. ورواه الحاكم والبيهقي (¬4) من طريق محمد بن ~~عبد الرحمن بن ثوبان وأبي سلمة بن عبد الرحمن، أن سلمة بن صخر البياضي جعل ~~امرأته عليه كظهر أمه إن غشيها حتى يمضي رمضان. والحديث استدل به الرافعي ~~على صحة الظهار المعلق، ولفظ البيهقي فيه تعليق وتوقيت، والذي في "السنن" ~~توقيت من دون تعليق. # الحديث دل على ترتيب خصال الكفارة كما نص عليه تعالى، وأن الواجب تقديم ~~الإعتاق للرقبة إن أمكنت، وقد أجمع أهل العلم على الترتيب الذي ذكر الله ~~سبحانه، وأطلق في الحديث كما في الآية الكريمة الرقبة، ولم يشترط فيها ~~الإيمان كما قيدها سبحانه في آية القتل، فأخذ بالإطلاق طاوس والنخعي وزيد ~~بن علي وأبو حنيفة وأبو يوسف وأجازوا عتق الذمية، ولم يؤخذ بالتقييد الذي ~~في آية القتل لاختلاف السبب، وأشار الزمخشري (¬5) إلى أن القياس غير معتبر؛ ~~لعدم الاشتراك في العلة، فإن المناسبة في آية القتل أنه لما أخرج رقبة ~~مؤمنة من صفة الحياة إلى الموت كان كفارته (أ) إدخال رقبة مؤمنة في حياة ~~الحرية، وإخراجها عن موت الرقية، فإن الرق يقتضي سلب PageV08P121 # التصرف عن المملوك، فأشبه الموت الذي يقتضي سلب التصرف عن الميت، وكان في ~~إعتاقه إثبات التصرف، فأشبه الإحياء الذي يقتضي إثبات التصرف للحي. وذهب ~~أكثر العترة ومالك والشافعي إلى أنه لا يجزئ إعتاق الكافرة، وذلك لأنه لما ~~قيد في كفارة القتل بالإيمان، فكذلك يقيد المطلق (أفي كفارة أ) الظهار وإن ~~اختلف السبب. وفي السنة ما يدل على اشتراط الإيمان في الكفارة، كما روي عن ~~معاوية بن الحكم (¬1) السلمي قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقلت: يا رسول الله، إن جارية لي كانت ترعى غنما، فجئتها وفقدت شاة من ~~غنمي، فسألتها عنها، فقالت: أكلها الذئب. [فأسفت] (ب) عليها، وكنت من بني ~~آدم، فلطمت وجهها، وعلي رقبة، أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أين الله؟ ". فقالت: في السماء. فقال: "من أنا؟ ms1671 ". فقالت: ~~أنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". فسؤال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لها عن الإيمان، وعدم سؤاله عن صفة ~~الكفارة وسببها، وترك الاستفصال مع قيام الاحتمال ينزل منزلة العموم في ~~المقال، وهذه قاعدة بنى عليها الشافعي في كثير من المواضع، وإطلاق الرقبة ~~يتناول إجزاء المعيبة (ج) بأي عيب كان، وقد ذهب إليه أكثر العترة وداود، ~~وذهب أبو ثور والليث وزفر إلى أنه لا يجزئ المعيب قياسا على الهدايا ~~والضحايا بجامع التقريب إلى الله تعالى، وذهب الشافعي إلى أنه إن كان كامل ~~المنفعة PageV08P122 # كالأعور أجزأ، وإن نقصت منافعه لم يجزئ، إذا كان ذلك ينقصها نقصانا ظاهرا ~~كالأقطع والأعمى؛ إذ العتق تمليك المنفعة وقد نقصت، وذهب أبو حنيفة إلى أن ~~المعتبر كمال الأعضاء والمنافع، فلا يجزئ ذاهب عضوين أخوين، ولا أصم ولا ~~أبكم، ولا ذاهب رجل ويد من جانب، ويجزئ من خلاف. وتجزئ الأمة الرتقاء عند ~~الهدوية والحنفية والشافعية، والمجبوب ونحوه، خلافا لمالك، ومن أطبق جنونه ~~فللشافعي فيه قولان، ويجزئ ولد الزنى خلافا للأوزاعي والزهري وطاوس والنخعي ~~والشعبي؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولد الزنى شر الثلاثة" (¬1). وقال ~~الشافعي: لا يجزئ ذو المرض الخوف كالسل والإسهال والحمى المطبقين (أ)، ولا ~~مقطوع الإبهام أو أصبعين من يد، أو أنملتي السبابة والوسطى لا الخنصر ~~والبنصر، ولا أصلخ، بالصاد المهملة والخاء المعجمة، وهو الذي لا يتكلم ولا ~~يسمع. وفي "القاموس" (¬2): هو الأصم. ويجزئ المدبر عند العترة والشافعي ~~والبتي؛ لكمال رقه، إذ يجوز بيعه في حال. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا يجزئ؛ ~~إذ استحق العتق بالتدبير. ولا تجزئ أم الولد عند من حرم بيعها، لاستحقاقها ~~العتق. وذهب الباقر والصادق والإمامية ورواية عن الشافعي إجزاؤها. # ولا يجزئ المكاتب إذا كره فسخ الكتابة، وذهب إلى هذا الهدوية والشافعي ~~ومالك والأوزاعي والثوري، وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا قد PageV08P123 # أدى شيئا من مال الكتابة لم يجز وإن رضي بالفسخ؛ لكونه صار غير كامل. # وذهب أبو ثور وابن أبي ليلى إلى أنه يجزئ ما ms1672 بقي عليه درهم لبقاء الملك، ~~ولا يجزئ ذو رحم محرم، لاستحقاقه الحرية بملكه، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى ~~أنه إذا تملكه ناويا لعتقه عن الكفارة أجزأ عن الكفارة؛ لأنه اقترن سببا ~~العتق، وهما الملك والعتق عن الكفارة، فيرجح العتق عن الكفارة؛ لما فيه من ~~القربة؛ ولفظ الرقبة ظاهر في كمالها، فلا يجزئ عتق البعض، والأصح عند ~~الشافعية أنه يصح عتق البعض ويجزئ إذا كان الباقي جزءا؛ لأنه يتبعض العتق ~~عندهم ولا يسري، [وأما] (أ) على قول من يقول بالسراية، فلا يصح ذلك، إلا أن ~~الهدوية وأبا يوسف ومحمدا يقولون في المشترك إذا أعتقه أحد الشركاء: فإن ~~كان موسرا فهو ضامن لحصة الشريك، فهو كمعتق الكل فيجزئه، وإن كان معسرا لم ~~يجزئه؛ لوجوب السعاية على العبد، فلم يكن معتقا للكل، ومقتضى قواعد الهدوية ~~لا بد أن ينوي عتق الجميع؛ لأنهم اشترطوا أن يتناول العتق كل الرقبة، فلو ~~نوى عتق حصته لم يجزئه؛ ولو ضمن النصف الآخر. وقال أبو حنيفة: لا يجزئ ~~مطلقا لتبعيض العتق؛ لأنه لا يعتق إلا نصيبه ويبقى نصيب الشريك. ومثله عن ~~الناصر إلا أنه يقول بوجوب السعاية عن الموسر والمعسر. # ويجزئ عتق من كان مغصوبا على مالكه لكمال الملك خلافا لأكثر أصحاب ~~الشافعي؛ لأنه مغلوب على منافعه، فلا يحصل القصد بالعتق، والجواب بأن ~~الحرية قد حصلت وإن كانت منافعه مغصوبة. ولا يجزئ عتق PageV08P124 # نصفين من عبدين، وقال الشافعي: يجزئه، إذ النصفان كالرقبة الكاملة. # قوله: قال: "فصم شهرين متتابعين". والمعتبر في الشهر برؤية الهلال إذا ~~صام من أوله، وإن كان ناقصا عن الثلاثين، وإن ابتدأ الصوم بعد مضي يوم أو ~~أيام وجب عليه إتمام ثلاثين يوما، وإن أفطر وجب الاستئناف إلا لعذر كالمرض، ~~أو السفر الذي يخشى الضرر من الصيام فيه، أو لتخلل "أيام العيدين والتشريق، ~~وإذا وطئ في الشهرين استأنف فيها؛ لأنه سبحانه قال: {من قبل أن يتماسا} ~~(¬1). فلا بد أن يكون الصيام متقدما على التماس، إلا أنه إن وطئ نهارا ~~متعمدا استأنف إجماعا؛ لقوله تعالى: {متتابعين}. وإن ms1673 وطئها ليلا فذهب ~~البصري والهدوية وأبو حنيفة ومحمد والثوري والنخعي إلى أنه يستأنف ولو ~~ناسيا؛ لقوله تعالى: {من قبل أن يتماسا}. وذهب الشافعي وأبو يوسف إلى أنه ~~لا يضر ويجوز؛ إذ علة النهي إفساد الصوم، ولا فساد بوطء الليل. والجواب أن ~~الآية عامة. وإن وطئ نهارا ناسيا استأنف أيضا عند البصري والنخعي والثوري ~~والهدوية وأبي حنيفة ومحمد؛ إذ الآية عامة، وذهب الناصر والإمام يحيى ~~والشافعي وأبو يوسف إلى أنه لا يضر؛ لأنه لم يفسد الصوم، فكذا التتابع، ~~والجواب أنه ليس العلة فساد الصوم، وإنما عموم الدليل للأحوال كلها دل على ~~أنه لا تتم الكفارة به إلا من قبل التماس. وسر المسألة أنه سبحانه أوجب ~~أمرين؛ أحدهما تتابع الشهرين، والثاني وقوع صيامهما قبل التماس، فلا يكون ~~قد أتى بما أمر به إلا بمجموع الأمرين. PageV08P125 # وإن أفطر لعذر مأيوس ثم زال بنى على صومه عند الهدوية ومالك وأحمد وأحد ~~قولي الشافعي، وقال أبو حنيفة وللشافعي: بل يستأنف لاختياره التفريق. قلنا: ~~العذر صيره كغير الختار. وإن كان العذر مرجوا، فكذلك يبني (أ) عليه عند أبي ~~طالب وأبي العباس. وقال المؤيد بالله والإمام يحيى والناصر: لا يبني عليه، ~~لأن الرجاء صيره كالمختار. والجواب أنه لا اختيار مع العذر. # واعلم أن ظاهر قوله تعالى: {فمن لم يجد فصيام}. أنه لا يعدل إلى الصوم ~~[إلا] (ب) إذا لم يجد الرقبة، وأما إذا وجدها وإن كان يحتاجها لخدمته ~~للعجز، فلا يصح منه الصوم، ولا يقاس ما هنا على التيمم، فإنه يصح وإن وجد ~~الماء إذا احتيج إليه، وذلك لأن التيمم قد شرع مع العذر، فكأن الاحتياج ~~إليه كالعذر. والصوم قال سبحانه فيه: {فمن لم يستطع}. ومن له عذر كالزمانة ~~والمرض، هو غير مستطيع، فيجوز له العدول إلى الإطعام، إلا أن ظاهر حديث أوس ~~أن شدة الشبق إلى الجماع يكون عذرا في العدول إلى الإطعام وإن لم يحصل عليه ~~ضرر في تركه، وللشافعية في ذلك نظر، هل يكون عذرا حتى يعد صاحبه غير مستطيع ~~للصوم أو لا؟ والصحيح ms1674 عندهم اعتبار ذلك، ويلحق به من يجد رقبة لا غناية ~~عنها، فإنه يسوغ له الانتقال إلى الصوم مع وجودها؛ لكونه في حكم غير ~~الواجد. PageV08P126 # والإطعام هو كما نص عليه تعالى "إطعام ستين مسكينا"، (أولا بد أن يكون ~~ستين مسكينا أ) عند الهدوية ومالك وأحمد والشافعي، وذهب أبو حنيفة وأصحابه ~~وأحد قولي زيد بن علي وأحد قولي الناصر إلى أنه يقوم مقام ذلك إطعام واحد ~~ستين يوما أو أكثر من واحد بقدر طعام ستين مسكينا، قالوا: لأنه في اليوم ~~الثاني مستحق كقبل الدفع إليه. والجواب أن الظاهر من الآية الكريمة هو ~~تغاير المساكين بالذات، ولأحمد ثلاثة أقوال؛ كقول الجمهور، وكقول أبي ~~حنيفة، والثالث: إن وجد غير المسكين لم يجز الصرف إليه، وإلا أجزأ إعادة ~~الصرف إليه. وهو أصح الأقوال على مذهبه. # وقوله: "أطعم عرقا من تمر". لفظ الترمذي (¬1) في رواية له: فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - لفروة بن عمرو: "أعطه ذلك العرق -وهو مكتل ~~يأخذ خمسة عشر صاعا، أو ستة عشر صاعا- أطعم (ب) ستين مسكينا". وأخرجه عبد ~~الرزاق في "المصنف" (¬2)، وفي رواية له (¬3) قال: "اذهب إلى صاحب صدقة بني ~~زريق (ج) فقل له، فليدفعها إليك، فأطعم عنك منها وسقا ستين مسكينا، ثم ~~استعن (د) بسائره عليك وعلى عيالك". وفي رواية لأبي داود PageV08P127 # والترمذي (¬1): قال: "فأطعم وسقا من تمر بين ستين مسكينا". وجاء في رواية ~~أبي داود (¬2) في حديث أوس بن الصامت قال: " (أفإني سأعينه أ) بعرق من ~~تمر". قلت: يا رسول الله، وإني أعينه بعرق آخر. قال: "قد أحسنت". قال: ~~"فأطعمي بها عنه ستين مسكينا". قال: والعرق ستون صاعا. وفي رواية أخرى (¬3) ~~نحوه إلا أنه قال: والعرق مكتل يسع ثلاثين صاعا. قال أبو داود: هذا أصح ~~الحديثين. وفي رواية عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: العرق زنبيل يأخذ خمسة ~~عشر صاعا (¬4). وفي رواية لهذا الخبر (¬5): قال: فأتي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بتمر فأعطاه إياه، وهو قريب من خمسة عشر صاعا. وفي رواية أخرى ~~(¬6): أن النبي - صلى ms1675 الله عليه وسلم - أعطاه خمسة عشر صاعا من شعير إطعام ~~ستين مسكينا. وهي من رواية عطاء عن أوس، قال أبو داود (6): لم يدرك عطاء ~~أوسا. وفي رواية عبد بن حميد (¬7) عن عكرمة قال: فأتي النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بشيء من تمر، فقال له: "خذ هذا فاقسمه". فقال: ما بين لابتيها ~~أفقر مني! فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "كله أنت وأهلك". وفي ~~رواية عبد PageV08P128 # ابن حميد (¬1) عن يزيد بن زيد الهمداني: فأعانه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - بخمسة عشر صاعا. إلخ. وفي رواية ابن سعد (¬2) عن عمران بن أنس ذكر ~~القصة إلى أن قال: "فمريه فليأت أم المنذر بنت قيس، فليأخذ منها شطر وسق، ~~فليتصدق به على ستين مسكينا". [قال] (أ): فجعل يطعم مدين من تمر كل مسكين. ~~وأخرج الطبراني (¬3) من حديث ابن عباس القصة بطولها إلى أن قال: "فمريه ~~فلينطلق إلى فلان فليأخذ منه شطر وسق من تمر، فليتصدق به على ستين مسكينا ~~وليراجعك". فالحديث اختلفت الروايات في قدر ما أمر به النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وما أعان المذكورين (سلمة بن صخر وأوس بن الصامت) (ب)، ~~والعلماء اختلفوا في ذلك أيضا؛ فذهب الهدوية والمؤيد بالله وأبو حنيفة ~~وأصحابه والثوري إلى أن الواجب ستون صاعا من تمر أو ذرة أو شعير أو زبيب، ~~أو نصفه من بر، ولأبي حنيفة رواية أن الزبيب كالبر لكل مسكين نصف صاع. قال ~~الإمام المهدي في "البحر" (¬4): لإعانته - صلى الله عليه وسلم - سلمة بن ~~صخر بستين صاعا تمرا، فقيس عليه غيره. انتهى. وأنت خبير بما قدمنا من ~~الروايتين فلا يتم الاحتجاج، وقال الشافعي: الواجب لكل مسكين مد، والمد ربع ~~الصاع، وهو مد النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال الإمام المهدي (¬5) في ~~الاحتجاج PageV08P129 # له: لإعانته - صلى الله عليه وسلم - الواطئ في رمضان بعرق خمسة عشر صاعا ~~تمرا، قلنا: في كفارة وطء رمضان لا الظهار، فافترقا، سلمنا، فحديث سلمة بن ~~صخر أرجح، إذ هو صاحب القصة، وصاحب العرق مجهول. انتهى كلامه. # ولا يخفى ما ms1676 فيه من القصور، فإن حديث سلمة فيه الرواية بخمسة عشر صاعا، ~~وأكثر الروايات لحديث أوس بن الصامت، ومع التعارض فالترجيح للكثرة، وأكثر ~~الروايات بخمسة عشر صاعا، واختلفت الرواية عن مالك، فرواية كالشافعي (أ)، ~~والمشهورة عنه أنه مد بمد هشام، ومد هشام مد ونصف مد بمد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، وقيل: مدان. وقيل: مد وثلث. لأن به يحصل الكفاية (ب) في ~~الغداء والعشماء، وأنكر الشافعي هذا على مالك، فقال: من شرع لكم مد هشام ~~وقد أنزل الله تعالى الكفارات على نبيه - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يولد ~~هشام؟! وفي رواية عن أبي حنيفة أن لكل مسكين مدين (ج) قياسا على فدية الأذى ~~كما في حديث كعب بن عجرة (¬1). # والحديث فيه دلالة على أن الكفارة لا تسقط بالعجز عن أنواعها، وهذا قول ~~الشافعي وإحدى الروايتين عن أحمد، وذهبت طائفة إلى سقوطها بالعجز كما تسقط ~~الواجبات بالعجز عنها وعن أبدالها، وذهبت طائفة إلى أن كفارة رمضان لا تبقى ~~في ذمته بل تسقط، وأما غيرها فلا تسقط، وهذا الذي صححه أبو البركات بن ~~تيمية، واحتج القائل بسقوطها بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV08P130 # أمره أن يأكلها هو وعياله، والرجل لا يكون مصرفا لكفارته، كما لا يكون ~~مصرفا لزكاته، وأرباب القول الأول يقولون: إذا عجز عنها وكفر الغير عنه جاز ~~أن يصرفها إليه كما في قصة المجامع في نهار رمضان. وهذا مذهب أحمد؛ رواية ~~واحدة عنه في كفارة وطء رمضان، وروايتان في سائر الكفارات، وفي بعض روايات ~~الحديث دلالة على أنه إذا أعسر بالكفارة وكفر عنه غيره، جاز صرف كفارته ~~إليه، وقريب من هذا الزكاة إذا قبضها منه الإمام صح أن ترد إليه كما ذكره ~~الهدوية، وهي الرواية الصحيحة عن الإمام أحمد. # واعلم أن قصة سلمة بن صخر لم تكن هي السبب في نزول الآية الكريمة الواردة ~~في الظهار، وأن ظاهر القصة كما في بعض رواياتها، أنه ظاهر ظهارا مؤقتا في ~~شهر رمضان تحرزا أن يفاجئه طلوع الفجر وهو مباشر لزوجته، كما ms1677 في بعض ~~الروايات مصرحا بذلك، لما كان عليه من شدة الداعي إلى النكاح، وإن صادفه ~~الفجر وهو مباشر للزوجة لا يقدر على النزع، فظاهر منها إلى انقضاء شهر ~~رمضان، وأنه قد كان نزل آية الظهار فعرف حكمه. وأما سبب الآية فهو قصة أوس ~~بن الصامت، وكان الظهار في الجاهلية طلاقا، ولذلك جادلت زوجته في ذلك؛ فقال ~~الإمام المهدي في "البحر": إن السبب هو قصة أوس كما في رواية البخاري، أو ~~قصة سلمة كما في رواية الترمذي، وهم، وقد عرفت ما تلوناه عليك من روايات ~~الترمذي، وقد استشكل التقي السبكي شمول الآية الكريمة لقصة أوس بن الصامت ~~من جهة تقدم السبب وتأخر النزول، فكيف ينعطف على ما مضى مع أن الآية لا ~~تشمل إلا من وجد منه الظهار بعد نزولها؛ لأن قوله تعالى: {الذين PageV08P131 # يظاهرون} (¬1). مبتدأ متضمن لمعنى الشرط بدليل الفاء في قوله: {فتحرير ~~رقبة} (¬2). والمبتدأ المتضمن لمعنى الشرط مستقبل. وأجاب عنه بأن دخول ~~الفاء في الخبر يستدعي العموم في كل مظاهر، وذلك يشمل الحاضر والمستقبل. ~~قال: وأما دلالة الفعل على الاختصاص بالمستقبل ففيه نظر. كذا قال. انتهى. # وأنت خبير بأن هذا الجواب لا يدفع الإشكال. ويمكن أن يقال: إن الآية ~~الكريمة تدل على ما ذكر، ودخول قصة أوس ثبتت ببيان النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن الآية الكريمة في حقه وفي حق من سيكون منه في المستقبل، أو أن ~~المقام مقام الماضي؛ لأنه في بيان حكمه، إلا أنه عبر بصيغة المستقبل مجازا، ~~للتنبيه على أن الحكم لا يختص به، وأن ذلك له ولغيره، ورجح التعبير ~~بالمستقبل؛ لأن المقصود الأصلي هو شرع الحكم في المستقبل، ومثل هذا واقع كثير. # وتدل قصة أوس بن الصامت على أنه إذا قصد بلفظ الظهار الطلاق لم يقع ~~الطلاق وكان ظهارا، وقد ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل والشافعي وغيرهما والإمام ~~يحيى، قال الشافعي: ولو ظاهر يريد طلاقا كان ظهارا، أو طلق يريد ظهارا كان ~~طلاقا. هذا لفظه، ونص أحمد أنه إذا قال: أنت علي كظهر ms1678 أمي. أعني به الطلاق. ~~كان ظهارا ولا تطلق به. وكذا قال في "البحر" بعد ذكر كلام الإمام، إذ لا ~~حكم لنيته ما لم يوضع له اللفظ حقيقة أو مجازا. وعلله ابن القيم في "الهدي" ~~(¬3) بأن الظهار كان طلاقا في PageV08P132 # الجاهلية فنسخ، فلم يجز أن يعاد إلى الأمر المنسوخ، وأيضا فأوس بن الصامت ~~إنما نوى به الطلاق لما كان عليه، وأجرى عليه حكم الظهار دون الطلاق، وأيضا ~~فإنه صريح في حكمه، فلم يجز جعله كناية في الحكم الذي أبطله الله بشرعه ~~(أ)، وقضاء الله [أحق] (ب)، وحكم الله أوجب. قال: وفيه خلاف شاذ أنه يكون ~~طلاقا. وقواه الإمام المهدي، قال في "البحر": قلت: بل تطلق إذ هو كناية ~~طلاق، إذ كان موضوعا له في الابتداء. والجواب عنه ما مر من كلامه. وأما قول ~~الإمام في "البحر": قلت: وخبر أوس مخالف للقياس، إذ قصد به الطلاق حيث كان ~~طلاقا في الجاهلية، ولقول امرأته خولة: اللهم إن أوسا طلقني. الخبر. ~~والمعلوم أن من قصد به الطلاق لم يكن مظاهرا، لكن لما أراد الله سبحانه نقل ~~هذا اللفظ في الشرع عن التحريم المطلق إلى تحريم خاص، جعل طلاق أوس ظهارا ~~ترخيصا له لأجل شكاء زوجته وابتهالها كما حكى الله عنها، وأعلى ما ينقل ~~اللفظ إلى معنى آخر وهو الظهار، ما لم يصرفه اللافظ إلى غير ما نقل إليه، ~~فلا يقاس على حكم أوس فيمن قصد بظهاره الطلاق؛ لخصوصيته بما (ج) ذكرنا، ~~وهذا أمر واضح اقتضاه البرهان كما ترى. انتهى. # فقوله: مخالف للقياس. غير مستقيم، إذ هذا من إثبات حكم شرعي مخالف لما ~~كان عليه في الجاهلية، فلم يكن هناك قاعدة شرعية عامة أخرج هذا الحكم من ~~بين أفرادها حتى يكون مخالفا لقياسها، فإن الشرع إذا جعل PageV08P133 # هذا اللفظ لا يحتمل الطلاق بصريحه ولا يتعلق به، وبين أنه منكر من القول ~~وزور -لم يكن حقيقة ولا مجازا في الطلاق، فالحكم ثابت فيه وفي غيره؛ إما ~~بالقياس أو بدلالة قوله - صلى الله عليه وسلم -: "حكمي على ms1679 الواحد حكمي على ~~الجماعة" (¬1). وهذا وإن كان فيه مقال، فقد ثبت من طريق صحيحة: "ما قولي ~~لامرأة واحدة إلا كقولي لمائة امرأة" (¬2). وهو في معناه فتنبه لذلك. PageV08P134 ### || AUTO باب اللعان # اللعان مأخوذ من اللعن، لأن الملاعن يقول في الخامسة: لعنة الله عليه إن ~~كان من الكاذبين. واختير لفظ اللعان دون الغضب في التسمية؛ لأنه قول الرجل، ~~وهو الذي بدئ به في الآية، وهو أيضا يبدأ به، وله أن يرجع عنه فيسقط عن ~~المرأة بغير عكس، وقيل: سمي لأن اللعن الطرد والإبعاد، وهو مشترك بينهما، ~~وإنما خصت المرأة بلفظ الغضب لعظم الذنب بالنسبة إليها؛ لأن الرجل إذا كان ~~كاذبا كان ذنبه القذف فقط، والمرأة إذا كانت كاذبة فقد خانت زوجها لتلويث ~~فراشه، وعرضت بإلحاق من ليس من الزوج به، وأثبتت له الميراث وهو لا يستحقه، ~~والرحامة فيما بينه وبين أقارب الأب. # واللعان والالتعان والملاعنة بمعنى، ويقال: تلاعتا والتعنا ولاعن الحاكم ~~بينهما. والرجل ملاعن والمرأة ملاعنة. لوقوعه غالبا من الجانبين. # والإجماع على أن اللعان مشروع، وعلى أنه لا يجوز مع عدم التحقيق، واختلف ~~في وجوبه على الزوج، فذكر في "الشفاء" للأمير حسين أنه يجب إذا كان ثم ولد ~~وعلم أنه لم يقربها. وقال في "مهذب الشافعي" (¬1) و (أ) "الانتصار": إنه مع ~~غلبة الظن بالزنى من المرأة أو العلم يجوز ولا يجب، ومع عدم الظن يحرم. قال ~~والعلماء: والحكمة في مشروعية اللعان هو حفظ الأنساب ودفع المضرة عن ~~الأزواج. PageV08P135 # 904 - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سأل فلان فقال: يا رسول الله، ~~أرأيت أن لو وجد أحدنا امرأته على فاحشة، كيف يصنع؟ إن تكلم تكلم بأمر ~~عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك. فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن ~~الذي سألتك عنه قد ابتليت به. فأنزل الله الآيات في سورة "النور"، فتلاهن ~~عليه، ووعظه وذكره، وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا، ~~والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها. ثم دعاها فوعظها كذلك، قالت: لا، والذي ~~بعثك ms1680 بالحق إنه لكاذب. فبدأ بالرجل فشهد أربع شهادات بالله، ثم ثنى ~~بالمرأة، ثم فرق بينهما. رواه مسلم (¬1). # قوله: سأل فلان. ورد في هذه الرواية مبهما، وقد ورد تفسيره في غيرها من ~~حديث ابن عمر بأنه عويمر العجلاني، وقد جاء في "الصحيحين" (¬2) أنه من ~~الأنصار، وهو من الأنصار بالحلف، وكذا سمي في رواية سهل بن سعد (¬3) ~~بعويمر، وكذا قال ابن العربي وأبو العباس القرطبي (¬4)، وأما ملاعنة هلال ~~بن أمية، فهي من رواية أنس وابن عباس (¬5). # واختلف العلماء أيهما كان سبب نزول آية اللعان، قال النووي في "شرح PageV08P136 # مسلم" (¬1): قال بعضهم: السبب عويمر العجلاني، واستدل بقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - لعويمر: "قد أنزل الله فيك وفي صاحبتك". وقال جمهور العلماء: ~~سبب نزولها قصة هلال بن أمية، وكان أول رجل لاعن في الإسلام، قال الماوردي ~~في "الحاوي": قال الأكثرون: قصة هلال بن أمية أسبق من قصة العجلاني. قال: ~~والنقل فيهما مشتبه ومختلف. وقال ابن الصباغ في "الشامل": قصة هلال تبين أن ~~الآية نزلت فيه أولا. قال: وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - لعويمر: "إن ~~الله قد أنزل فيك وفي صاحبتك". فمعناه: ما نزل في قصة هلال؛ لأن ذلك حكم ~~عام لجميع الناس. قال المصنف رحمه الله تعالى (¬2)، وسبقه النووي، وسبق ~~النووي الخطيب البغدادي: يحتمل أن يكون هلال سأل أولا، ثم سأل عويمر، ونزلت ~~في شأنهما معا. وكذا قال أبو العباس القرطبي: يحتمل أن تكون القضيتان ~~متقاربتي الزمان، فنزلت في شأنهما معا. انتهى. # ويحتمل أن تكون الآية أنزلت على النبي - صلى الله عليه وسلم - مرتين، أي ~~كرر نزولها عليه كما قاله بعض العلماء في "الفاتحة"، وقصة اللعان كانت في ~~السنة الأخيرة من زمان النبي - صلى الله عليه وسلم - كما في حديث البخاري ~~(¬3) المذكور في الحدود عن الزهري، قال: قال سهل بن سعد: شهدت المتلاعنين ~~وأنا ابن خمس عشرة سنة. ووقع في نسخة [أبي] (أ) اليمان (¬4) عن الزهري عن ~~سهل بن PageV08P137 # سعد، قال: توفي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنا ابن خمس عشرة سنة. ms1681 ~~لكن جزم الطبري وأبو حاتم (¬1) وابن حبان (¬2) بأن اللعان كان في شعبان سنه ~~تسع، وجزم به غير واحد من المتأخرين، ووقع في حديث عبد الله بن جعفر عند ~~الدارقطني (¬3) أن قصة اللعان كانت منصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~تبوك، وهو قريب من قول الطبري ومن وافقه، لكن في إسناده الواقدي، فلا بد من ~~تأويل أحد القولين إن أمكن، وإلا فحديث الزهري أصح، [مع] (أ) أن التوجه إلى ~~تبوك كان في رجب، وقد ثبت في "الصحيحين" (¬4) أن هلال بن أمية أحد الثلاثة ~~الذين تيب عليهم، وفي قصته أن امرأته استأذنت له النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أن تخدمه، فأذن لها بشرط ألا يقربها، فقالت: إنه لا حراك به. وفيه: ~~أن ذلك كان بعد أن مضى لهم أربعون يوما، فكيف تقع قصة اللعان في الشهر الذي ~~انصرفوا فيه من تبوك، ويقع لهلال مع كونه فيما ذكر من الشغل بنفسه وهجران ~~الناس له؟ وقد ثبت في حديث ابن عباس أن آية اللعان نزلت في حقه، وكذا عند ~~مسلم من حديث أنس، وكذا في حديث ابن عباس عند أبي داود (¬5)، ولعلها كانت ~~في شعبان سنه عشر لا تسع، وكانت الوفاة النبوية في شهر ربيع الأول سنة إحدى ~~عشرة باتفاق، فيلتئم حينئذ مع PageV08P138 # حديث سهل بن سعد، ووقع عند مسلم (¬1) من حديث ابن مسعود بتعيين اليوم دون ~~الشهر، فقال: كنا ليلة جمعة في المسجد. فذكر القصة، واسم امرأة عويمر خولة ~~بنت عاصم، قاله ابن منده في كتاب "الصحابة" وتبعه أبو نعيم (¬2)، ولا تعرف ~~لها رواية، وكأن سلفهما في ذلك ابن الكلبي (¬3)، وحكى القرطبي عن مقاتل بن ~~سليمان أنها خولة بنت قيس، وذكر ابن مردويه (3) أنها بنت أخي عاصم، فأخرج ~~من طريق الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عاصم بن عدي لما نزلت: {والذين ~~يرمون المحصنات} (¬4). قال: يا رسول الله، أنى لأحدنا أربعة شهداء؟ فابتلي ~~به في بنت أخيه، وفي سنده مع إرساله ضعف، وأخرج ابن أبي حاتم في "التفسير" ~~(¬5) عن مقاتل ms1682 بن حيان، قال: لما سأل عاصم عن ذلك ابتلي به في أهل بيته، ~~فأتاه ابن عمه، تحته ابنة عمه، رماها بابن [عمه] (أ)، المرأة والزوج ~~والخليل بنو عم عاصم. وعند ابن مردويه (3) في مرسل ابن أبي ليلى PageV08P139 # المذكور أن الرجل الذي رمى عويمر امرأته به هو شريك ابن سحماء، [واسم ~~والد شريك] (أ) عبدة بن مغيث بن الجد بن العجلان، وعويمر العجلاني هو عويمر ~~بن أشقر في رواية القعنبي عن مالك، وكذا عند أبي داود وأبي عوانة (¬1) من ~~رواية الزهري، وفي "الاستيعاب" (¬2): عويمر بن أبيض. وعند الخطيب (¬3): ~~عويمر بن الحارث بن زيد بن الجد بن عجلان، ولعل أباه كان يلقب أشقر أو ~~أبيض، وشريك ابن سحماء كان أخا للبراء بن مالك، ولكن أم البراء هي أم أنس ~~وهي أم سليم، ولعله كان أخاه من الرضاعة، وفي تفسير مقاتل (¬4) أن والدة ~~شريك التي يقال لها: سحماء. كانت حبشية، وقيل: كانت يمانية. وعند الحاكم ~~(¬5) من مرسل ابن سيرين كانت أمة سوداء. وحكى عبد الغني بن [سعيد] (ب) (4) ~~وأبو نعيم في "الصحابة" (¬6) أن لفظ شريك صفة له لا اسم، وأنه كان شريكا ~~لرجل يهودي، يقال له: ابن PageV08P140 # سحماء. وحكى البيهقي في "المعرفة" (¬1) عن الشافعي أن شريك بن سحماء كان ~~يهوديا، وأشار عياض (1) إلى بطلانه، وجزم بذلك النووي (¬2) تبعا له، وقال: ~~كان صحابيا، وكذا عده جمع من الصحابة، فيجوز أن يكون أسلم بعد ذلك، ويعكر ~~على هذا قول ابن الكلبي (1): إنه شهد أحدا. وكذا قول غيره: إن أباه شهد ~~بدرا. وهذا هو الذي قذف به امرأته هلال بن أمية، ولا يمتنع أن يتهم شريك ~~ابن سحماء بالمرأتين معا، ولا سيما مع قربه من امرأة عويمر واختلاطه بهلال ~~بن أمية، فقد ذكر البيهقي في "الخلافيات" (1) من مرسل ابن سيرين أنه كان ~~يأوي إلى منزل هلال. وسيأتي في باب حد القذف أن أول لعان كان في قصة هلال، ~~ونذكر هناك زيادة بحث في هذا (¬3) إن شاء الله تعالى. # ووقع في "السيرة لابن حبان" (¬4) في حوادث سنة ms1683 تسع: ثم لاعن بين عويمر بن ~~الحارث العجلاني وهو الذي يقال له: عاصم. [وبين امرأته بعد العصر في ~~المسجد] (أ). قال المصنف رحمه الله (¬5): والذي يظهر لي أنه تحريف، وكأنه ~~كان في الأصل: الذي سأل له عاصم. كما ثبت في PageV08P141 # البخاري (¬1) أن عويمرا قال لعاصم أن يسأل له النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وكان عاصم بن عدي بن الجد بن العجلان سيد بني العجلان. # وقوله: إن سكت سكت على مثل ذلك. أي على أمر عظيم. # وقوله: فلم يجبه. السبب في ترك الجواب هو ما قال الشافعي (¬2): كانت ~~المسائل فيما لم ينزل فيه حكم [زمن] (أ) نزول الوحي ممنوعة، لئلا ينزل في ~~ذلك ما يوقعهم في مشقة وعنت، كما قال الله تعالى: {لا تسألوا عن أشياء} ~~(¬3). وكما ورد في الحديث المخرج في "الصحيح" (¬4): "أعظم الناس جرما من ~~سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته". وقد استمر جماعة من السلف على ~~كراهة السؤال عما لم يقع، لكن عمل الأكثر على خلافه، فلا يخفى ما فرعه ~~الفقهاء من المسائل قبل وقوعها. وقال النووي (¬5): المراد كراهة المسائل ~~التي لا يحتاج إليها، لا سيما ما كان فيها هتك ستر مسلم، أو إشاعة فاحشة، ~~أو شناعة عليه، وليس المراد المسائل المحتاج إليها إذا وقعت، فقد كان ~~المسلمون يسألون عن النوازل، فيجيبهم - صلى الله عليه وسلم - بغير كراهة، ~~وكان - صلى الله عليه وسلم - يحب التيسير (ب) على أمته. وفي حديث PageV08P142 # جابر: ما نزلت آية اللعان إلا لكثرة السؤال. أخرجه الخطيب في "المبهمات" (¬1). # وقوله: فلما كان بعد ذلك. إلى آخره. ظاهره أن سؤال عويمر وقع قبل أن ~~يبتلى بالقصة، لكنه وقع في نفسه إرادة الاطلاع على الحكم فابتلي به، كما ~~يقال: البلاء موكل بالمنطق. ولذلك قال: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به. ~~ويحتمل أنه قد كان وقع، فسأل عنه أولا ولم يصرح به، عسى أن يحصل المخرج قبل ~~أن يفصح بالأمر، فلما لم يحصل له أفصح به، ويحتمل أنه قد كان وقع معه ريبة ~~من ms1684 المرأة لإدراك مخايل الفجور فيها، فسأل، ثم وقع ذلك الأمر بمشاهدته. # وقوله: ووعظه وذكره. من عطف التفسير، فإن التذكير هو الوعظ، وعذاب الدنيا ~~بالحد -لأجل القذف إن كان كاذبا- أهون من عذاب الآخرة الموعود به في قوله ~~تعالى: {لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم} (¬2). # وقوله: فبدأ بالرجل. إلى آخره. ظاهره شرعية البداءة بالرجل كما هو مقدم ~~في الآية الكريمة، ولكن الآية الكريمة العطف فيها بالواو، وهي لا تقتضي ~~الترتيب، وقد قام الإجماع بأن تقديم الرجل سنة، واختلف العلماء في الوجوب، ~~فذهب الجمهور منهم الشافعي والهادي والقاسم والمؤيد وأبو طالب وأبو العباس ~~والإمام يحيى وأشهب من المالكية ورجحه ابن العربي، PageV08P143 # إلى أن التقديم واجب، والحجة على ذلك أن فعل النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- للآية الكريمة، ففيه دلالة على أن التقديم معتبر واجب، ولقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - لهلال: "البينة وإلا حد في ظهرك" (¬1). فكان لدفع الحد عن ~~الرجل، فلو بدأ بالمرأة لكان دافعا لأمر لم يثبت، ولأن الرجل يمكنه أن يرجع ~~بعد أن يلتعن، فيندفع عن المرأة. وذهب أبو حنيفة وابن القاسم من المالكية ~~إلى أنه يصح البداءة بالمرأة؛ لأن الآية الكريمة لا تدل على لزوم البداءة ~~بالرجل، ولم يكن في الحديث صيغة دلالة. والجواب عنه ما تقدم، وإذا بدئ ~~بالمرأة فعند الأولين يجب الإعادة ما لم يحكم الحاكم، وعند الشافعي: يعيد ~~ولو حكم؛ لمخالفة النص. والجواب عنه: أن المسألة ظنية، والحكم [ينفذ] (أ) ~~في الظني. # وقوله: ثم فرق بينهما. فيه دلالة على أنه لا تقع الفرقة إلا بتفريق ~~الحاكم، ولا تقع بمجرد اللعان. وقد ذهب إلى هذا الهدوية والحنفية ورواية عن ~~أحمد، وقال به محمد بن أبي صفرة من المالكية، ثم اختلفوا في هذا التفريق لو ~~أكذب نفسه؛ فقال أبو حنيفة ومحمد بن [الحسن] (ب) وعبيد الله بن الحسن: إنه ~~يجوز له نكاحها. وهو رواية عن أحمد، وقال أبو يوسف: هو تحريم مؤبد (¬2). ~~والذي عليه جمهور العلماء حصول الفرقة باللعان من غير توقف على تفريق، وبه ~~قال مالك والشافعي ms1685 (¬3) وأحمد وزفر، ثم قال PageV08P144 # الشافعي وبعض المالكية: تحصل الفرقة بتمام لعانه وإن لم تلتعن هي. وقال ~~أحمد: لا يحصل ذلك إلا بتمام لعانهما معا. وهو المشهور عند المالكية وبه ~~قال أهل الظاهر، قالوا: وهي فرقة فسخ، وحرمة مؤبدة. وأجاب الجمهور عن هذا ~~الحديث بأنه ليس معناه إنشاء الفرقة بينهما، بل إظهار ذلك، وبيان حكم الشرع ~~فيه، ويدل لذلك قوله عليه الصلاة والسلام: "لا سبيل لك عليها". وهو في ~~"الصحيحين" (¬1) وغيرهما، قال ابن دقيق العيد (¬2): يحتمل أن يكون: "لا ~~سبيل لك عليها". راجعا إلى المال. وقوله في حديث سهل، وهو في "صحيح مسلم" ~~(¬3): فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ذلكم التفريق بين كل متلاعنين". ~~قال أبو بكر بن العربي (¬4): أخبر عليه الصلاة والسلام بقوله: "ذلكم". عن ~~قوله: "لا سبيل لك عليها". وقال: كذا حكم كل متلاعنين. وإن كان الفراق لا ~~يكون إلا بحكم فقد نفذ الحكم فيه من الحاكم الأعظم - صلى الله عليه وسلم - ~~بقوله: "ذلكم التفريق بين كل متلاعنين". ولو أشار إلى الطلاق لتزوجها بعد ~~زوج بحكم القرآن. وروى أبو داود وغيره (¬5) من طريق عباد بن منصور عن عكرمة ~~عن ابن عباس. الحديث، وفيه: وقضى -أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~لا بيت لها عليه ولا قوت؛ من أجل أنهما يتفرقان من غير طلاق، ولا متوفى ~~عنها. وروى أبو داود (¬6) أيضا من حديث سهل بن سعد في حديث المتلاعنين قال: ~~فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق PageV08P145 # بينهما، ثم لا يجتمعان أبدا. وروي البيهقي (¬1) في حديث سهل: ففرق رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما وقال: "لا يجتمعان أبدا". وعن علي وابن ~~مسعود قالا (1): مضت السنة في المتلاعنين ألا يجتمعا أبدا. وعن عمر بن ~~الخطاب (1): [يفرق] (أ) بينهما، ولا يجتمعان أبدا. والخلاف في هذه المسألة ~~بين أبي حنيفة والجمهور قريب المدرك من الخلاف بينهم وبينه في استحقاق ~~القاتل السلب وفي إحياء الموات هل يقف كل منهما على إذن الإمام، ويجعل قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "من قتل قتيلا ms1686 له عليه بينة فله سلبه تنفيلا" ~~(¬2). وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أحيا أرضا ميتة فهي له" (¬3) - ~~إذنا حكميا نحتاج معه في كل وقت إلى إذن الإمام في كل زمان كما أذن هو في ~~ذلك الزمان؟ كما جعل تفريقه عليه الصلاة والسلام هنا بين المتلاعنين بطريق ~~الحكم والقضاء، حتى يحتاج في كل واقعة إلى تفريق القاضي، والجمهور يجعلون ~~ذلك في المواضع الثلاثة بيانا للشرع العام المطرد، سواء قاله الإمام أم لم ~~يقله؛ وقال عثمان البتي (¬4): لا أثر للعان في الفرقة، ولا يحصل به فراق ~~أصلا، وسبقه إلى ذلك مصعب بن الزبير، ففي "صحيح مسلم" (¬5): أنه لم يفرق ~~بين المتلاعنين. PageV08P146 # وحكاه الطبري عن جابر بن زيد (¬1)، وحكي عن طائفة من فقهاء البصرة، وحجته ~~في ذلك ما وقع في حديث سهل روايته لقصة عويمر أنه قال بعد التلاعن: كذبت ~~عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. أخرجه في "الصحيحين" (¬2) وسيأتي قريبا، فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم ينكر عليه الطلاق بعد اللعان، بل هو أنشأ طلاقها، ونزه ~~نفسه أن يمسكها، وقرره على قوله: إن أمسكتها. وفيه إشعار بإمكان الإمساك. ~~وأجيب عن ذلك بأن الطلاق وقع منه بغير إذن من النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، والطلاق لم يزد التحريم الواقع باللعان إلا تأكيدا، فلا يحتاج إلى ~~إنكاره ودفع حكمه، وأما قوله: كذبت عليها إن أمسكتها. فهو لا يدل على أن ~~إمساكها بعد اللعان مأذون فيه شرعا، وإنما بادر إلى فراقها، وإن كان الأمر ~~صائرا إليه وذهب أبو عبيد إلى أن الفرقة تقع بمجرد القذف. # واختلف العلماء في فرقة اللعان؛ هل هي فسخ أو طلاق بائن؟ فذهب الهدوية ~~والناصر والمؤيد والشافعي وأحمد وغيرهم إلى أنها فسخ، قالوا: لأنها توجب ~~تحريما مؤبدا فكانت فسخا كفرقة الرضاع؛ لقوله: "لا يجتمعان أبدا". ولأن ~~اللعان ليس صريحا في الطلاق ولا كناية فيه. وذهب أبو حنيفة ورواية عن محمد ~~بن الحسن إلى أنها طلاق بائن، قالوا: لأنها لا ms1687 تكون إلا من زوجة، فهي من ~~أحكام النكاح المحضة، فهي طلاق؛ إذ هو من أحكام النكاح المختصة به، بخلاف ~~الفسخ فإنه قد يكون من أحكام غير النكاح؛ كالفسخ بالعيب. والجواب أنه لا ~~يلزم من اختصاصه بالنكاح أن PageV08P147 # يكون طلاقا، كما أنه لم يلزم فيه نفقة ولا غيرها، فإن أكذب نفسه بعد ~~اللعان، فاختلف العلماء القائلون بتأبيد التحريم؛ فقال أبو حنيفة: تحل له ~~لزوال المعنى المحرم. وقال مالك [والشافعي] (أ): لا تحل له أبدا لقوله: "لا ~~سبيل لك عليها". وهو مذهب سعيد بن المسيب، قال (¬1): فإن أكذب نفسه فهو ~~خاطب من الخطاب. وقال سعيد بن جبير (¬2): ترد إليه ما دامت في العدة. وقال ~~الهادي في "المنتخب": إنه يرتفع تأبيد التحريم أيضا، وتعود إليه إذا أراد ~~رجوعها بعقد جديد (ب). وأما سائر الأحكام فيلزمه الحد ويلحق به نسب الولد ~~إذا كان الولد حيا، فإن كان قد مات لم يرثه، وإن كان للولد ولد فحكى أبو ~~جعفر في "شرح الإبانة" عن الهادي أنه يثبت نسب الولد ويرث منه، وقال الناصر ~~والشافعي: إنه يثبت نسب الولد المنفي سواء كان له ولد أم لا. # واعلم أن ظاهر الحديث هذا والآية الكريمة في اللعان أنه يصح اللعان بين ~~كل زوجين؛ سواء كانا مسلمين أو كافرين، حرين أو عبدين، عدلين أو فاسقين، ~~محدودين في قذف أو أحدهما كذلك، وقد ذهب إلى هذا الحسن وابن المسيب وربيعة ~~وسليمان بن يسار والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق، وذهب أهل الرأي والأوزاعي ~~والثوري والعترة إلى أنه لا يصح؛ PageV08P148 # لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا لعان بين مملوكين ولا كافرين". رواه ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده؛ أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (¬1)، وذكر ~~الدارقطني (¬2) من حديثه أيضا عن أبيه عن جده مرفوعا: "أربعة ليس بينهم ~~لعان؛ ليس بين الحر والأمة لعان، وليس بين الحرة والعبد لعان، وليس بين ~~المسلم واليهودية لعان، وليس بين المسلم والنصرانية لعان". وذكر عبد الرزاق ~~(¬3) في "مصنفه" عن ابن شهاب، قال: من وصية النبي - صلى الله عليه ms1688 وسلم - ~~لعتاب بن أسيد أن لا لعان بين [أربعة] (أ). فذكره. وأجاب الأولون عن حديث ~~عمرو بن شعيب، بأن من دون عمرو ليس فيهم من يحتج به. قاله ابن عبد البر، ~~وأما حديث الدارقطني ففي طريق الحديث عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، وهو ~~متروك بإجماعهم، فالطريق به مقطوعة، وأما حديث عبد الرزاق فهو من مراسيل ~~الزهري، وهي ضعيفة عندهم، وعتاب بن أسيد كان عاملا للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على مكة، ولم يكن بمكة يهودي ولا نصراني حتى يوصيه ألا يلاعن ~~بينهما، فبقي العمل بإطلاق الآية الكريمة، والحديث على العموم، واحتج بعض ~~القائلين بالمنع، بأن اللعان جعل بدل الشهادة وقائما مقامها عند عدمها، ولا ~~يصح إلا ممن تصح منه الشهادة، ولهذا تحد المرأة بلعان الزوج إذا نكلت، ~~ولقوله تعالى: {فشهادة أحدهم} (¬4). فسماه شهادة. وأجاب الآخرون عن PageV08P149 # ذلك، بأنه قد ورد قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لولا ما مضى من الأيمان ~~لكان لي ولها شأن" (¬1). فسماه يمينا، واليمين يصح من الكافر والعبد، وهذه ~~الرواية بهذا اللفظ، وإن كانت مخالفة لما في "صحيح البخاري" (¬2) فإن لفظه: ~~"لولا ما مضى من كتاب الله". فهي من رواية عباد بن منصور، ولم يقدح فيه إلا ~~بأنه قدري، وقد ثبت في الصحيح الاحتجاج بجماعة من القدرية والشيعة ممن علم ~~صدقه. وأما تسميته شهادة فلقول الملتعن في يمينه: أشهد بالله. فسمى ذلك ~~شهادة وإن كان يمينا اعتبارا بلفظها، وهو مصرح به فيه بالقسم وجوابه، ولو ~~قال الحالف: أشهد بالله. انعقدت يمينه بذلك، سواء نوى اليمين أو أطلق، ~~والعرب تعد ذلك يمينا في لغاتها (أ) واستعمالها، قال قيس (¬3): # وأشهد عند الله أني أحبها ... فهذا لها عندي فما عندها ليا # وقد قال جماعة: إن اليمين تنعقد بقول الحالف: أشهد. وإن لم يذكر معه لفظ ~~المقسم به من غير نية اليمين، كما في رواية عن أحمد، والرواية الثانية تكون ~~يمينا مع النية، كما هو قول الأكثر، ويتلقى بما يتلقى به القسم، قال في ~~"الهدي النبوي" (¬4): والصحيح أنه جامع للأمرين الشهادة ms1689 واليمين، ولهذا ~~اعتبر فيه ما يعتبر في اليمين من التأكيد في الجواب، فهو يمين مقرونة PageV08P150 # بالشهادة، وشهادة مقرونة باليمين، وجعل الملتعن لقبول قوله كالشاهد، فإن ~~نكلت المرأة مضت شهادته وحدت، وإن التعنت عارضت شهادته فسقط الحد عنها. انتهى. # وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يصح من أخرس؛ إذ لا يصح قذفه، ~~ولا من خرساء؛ إذ لا يحد قاذفها، وذهب الشافعي ومالك إلى أنه يصح من الأخرس ~~كطلاقه. وصرح به البخاري (¬1)، قال: وإذا قذف الأخرس [امرأته] (أ) بكتابة ~~-بمثناة ثم موحدة- أو إشارة أو إيماء معروف، فهو كالمتكلم؛ لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قد أجاز الإشارة في الفرائض -في الأمور المفروضة- وهو قول ~~بعض أهل الحجاز وأهل العلم، أي من غيرهم، وخالف الحنفية والأوزاعي وإسحاق، ~~وهو رواية عن أحمد اختارها بعض المتأخرين، ثم قال: وقال الله تعالى: ~~{فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا} (¬2). وجه الاستدلال أن ~~مريم نذرت ألا تتكلم، فكانت في حكم الأخرس، فأشارت إشارة مفهمة، اكتفوا بها ~~عن معاودة سؤالها، وإن كانوا أنكروا عليها ما أشارت به، قال: وقال الضحاك ~~-أي ابن مزاحم-: {إلا رمزا}. أي: إشارة. ثم قال: وقال بعض الناس: لا حد ولا ~~لعان بالإشارة من الأخرس وغيره، ثم زعم إن طلق بكتاب أو إشارة أو إيماء ~~جاز، وليس بين الطلاق والقذف فرق، فإن قال: القذف لا يكون إلا بكلام. قيل PageV08P151 # له: وكذلك الطلاق لا يكون إلا بكلام -أي وأنت وافقت على وقوعه بغير ~~الكلام- فيلزمك مثله في الحد واللعان. ثم قال: وإلا بطل الطلاق والقذف، ~~وكذلك العتق، يعني: إما أن يقال بصحتها جميعها بالإشارة، أو لا تعتبر ~~الإشارة فيها، والتفرقة تحكم بغير دليل، وبعض الحنفية وافق في هذا البحث ~~وقال: القياس بطلان الجميع، لكن عملنا به في غير اللعان والحد استحسانا. ~~ومنهم من قال: منعناه لأنها غير صريحة. وهذه عمدة من وافق الحنفية من ~~الحنابلة وغيرهم، ورده ابن التين بأن المسألة مفروضة فيما إذا كانت الإشارة ~~مفهمة إفهاما واضحا، لا يبقى معه ms1690 ريبة (¬1). ومثل هذا قول الإمام يحيى، ~~فإنه قال: إن أفهم بكتابته أو إشارته صح؛ إذ هو كالناطق. قال الإمام المهدي ~~في "البحر": قلنا: ليس بصريح. # 905 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال للمتلاعنين: "حسابكما على الله تعالى، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها". ~~قال: يا رسول الله، مالي. قال: "إن كنت صدقت عليها فهو بما استحللت من ~~فرجها، وإن كنت كذبت عليها فذاك أبعد لك منها". متفق عليه (¬2). # قوله: "حسابكما على الله". مبين بقوله: "أحدكما كاذب". فإذا كان أحدهما ~~كاذبا فالله هو المتولي لجزائه، المميز للصادق عن الكاذب، وأما في العمل ~~الدنيوي فالأيمان قد دفعت مجازاة الكاذب. PageV08P152 # وقوله: "لا سبيل لك عليها". هو حكم بالفرقة بينهما، وقد تقدم الكلام في ~~ذلك. وقوله: مالي. أراد به الصداق الذي سلمه إليها، يريد أن يرجع له، ~~فأجابه - صلى الله عليه وسلم - بأنك استوفيته بدخولك عليها، وتمكينها لك من ~~نفسها، وأوضح له بتقسيم مستوعب، فقال: إن كنت صادقا فيما ادعيته عليها فقد ~~استوفيت حقك منها قبل ذلك، وإن كنت كذبت عليها فذلك أبعد لك عن مطالبتها؛ ~~لئلا تجمع علينا الظلم في عرضها، ومطالبتها بمال قبضته منك قبضا صحيحا ~~تستحقه. وقد انعقد الإجماع على أن المدخول بها تستحق جميعه، واختلف في غير ~~المدخول بها، فالجمهور على أن لها النصف كغيرها من المطلقات قبل الدخول، ~~وقال أبو الزناد والحكم وحماد: لها جميعه. وقيل: لا شيء لها أصلا. قاله ~~الزهري، وروي عن مالك. # 906 - وعن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"ابصروها (أ)، فإن جاءت به أبيض سبطا، فهو لزوجها، وإن جاءت به أكحل جعدا، ~~فهو للذي رماها به". متفق عليه (¬1). # الحديث أخرجه مسلم والنسائي (¬2) في قصة هلال بن أمية، وتمام النعت في ~~هذه الرواية في الأول: "قضيء العين". وقضيء العين بالقاف والضاد المعجمة ~~مهموزا فعيل هو فاسد العين، "فهو لهلال". وفي الطرف الثاني: PageV08P153 # " [أحمش] (أ) الساقين". وأحمش (ب) الساقين: أي دقيقهما، والحموشة الدقة، ms1691 ~~وقال النووي (¬1): (ج ممتلئ الساقين: وهو بالخاء المعجمة ج). والسبط: بفتح ~~المهملة وكسر الباء الموحدة وإسكانها وبعدها طاء مهملة، هو التام الخلق من ~~الرجال. كذا ذكره ابن الأثير (¬2). والأكحل: الذي منابت أجفانه سود، كأن ~~فيها كحلا، وهي خلقة. والجعد من الرجال: القصير، وقال الهروي: الجعد -بفتح ~~الجيم- في صفات الرجال تكون مدحا وتكون ذما، فإذا كان مدحا فله معنيان؛ ~~أحدهما، أن يكون معصوب الخلق شديد الأسر. والثاني، أن يكون شعره غير سبط، ~~لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم. وأما الجعد المذموم فله معنيان؛ أحدهما ~~للقصير التردد، والآخر النحيل، يقال: جعد الأصابع، وجعد اليدين. أي نحيل، ~~وقد جاء في صفة الولد في قصة عويمر العجلاني (¬3): "إن جاءت به أحمر قصيرا ~~كأنه وحرة، فلا أراها إلا قد صدقت وكذب عليها، وإن جاءت به أسود أعين ذا ~~أليتين، فلا أراه إلا قد صدق عليها". فجاءت به على المكروه من ذلك. PageV08P154 # وفي أخرى للبخاري ومسلم (¬1): "فإن جاءت به أدعج العينين، عظيم الأليتين، ~~فلا أراه إلا قد صدق، وإن جاءت به أحيمر كأنه وحرة، فلا أراه إلا كاذبا". ~~فجاءت به على النعت المكروه. وفي رواية ابن عباس لقصة العجلاني: وكان ذلك ~~الرجل مصفرا، قليل اللحم، سبط الشعر، وكان الذي ادعى عليه أنه وجده مع أهله ~~خدلا آدم، كثير اللحم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم ~~بين". فوضعت شبيها بالذي ذكر زوجها أنه وجده عندها. أخرجه مسلم والبخاري ~~والنسائي (¬2). وفي رواية ابن عباس لقصة هلال (¬3): "إن جاءت به أصيهب، ~~أريصح، أثيبج، ناتئ الأليتين، حمش الساقين، فهو لهلال، وإن جاءت به أورق ~~جعدا جماليا، خدلج الساقين، سابغ الأليتين، فهو للذي رميت به". وفي رواية ~~(¬4): "فإن جاءت به أكحل العينين، سابغ الأليتين، خدلج الساقين". وجاء في ~~رواية ابن مسعود عند مسلم وأبي داود (¬5): فلما أدبرا، قال: "لعلها أن تجيء ~~به أسود جعدا". فجاءت به أسود جعدا. والمراد بالأحمر هنا هو الأبيض الذي ~~فيه حمرة. والوحرة بفتح الحاء المهملة: دويبة [كالعظاءة] (أ) تلصق الأرض، ~~وأراد المبالغة في قصره. ms1692 والأعين: واسع العين. والأدعج: شديد سواد العين مع ~~سعتها، PageV08P155 # ورجل أدعج: أسود. والآدم: شديد السمرة. والخدل: الغليظ من الرجال. ~~والأصيهب: تصغير الأصهب وهو الأشقر، والأصهب من الإبل: الذي يخالط بياضه ~~حمرة. والأريصح بالصاد والحاء المهملتين تصغير الأرصح، والصاد بدل من ~~السين، والأصل الأرسح. والأرصع بالصاد والعين المهملتين بمعناه، فعلى هذا ~~قد أبدل السين صادا العين حاء (¬1). والأثيبج تصغير الأثبج وهو الناتئ ~~الثبج، وهو ما بين الكتفين، وإنما جاء بهذه الصفات مصغرة لكونها صفة ~~لمولود. والأورق هو الأسمر. والجمالي العطم الخلقة كأنه الجمل في القدر. ~~والخدلج الضخم. وسابغ الأليتين عظيمهما. # الحديث فيه دلالة على أن اللعان يصح للمرأة الحامل، ولا يؤخر اللعان إلى ~~بعد الوضع، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، والخلاف في ذلك للهدوية وأبي يوسف ~~ومحمد، وهو مروي عن أبي حنيفة وأحمد، فقالوا: لا تلاعن لنفي الحمل؛ لجواز ~~أن يكون ريحا فينفش، فلا يكون للعان حينئذ معنى، والحديث يرد عليهم، ولأن ~~الحمل مظنون بأمارات تدل عليه، ولذلك ثبت للحامل أحكام تخالف الحائل؛ ~~كالنفقة، والفطر في الصيام إذا خافت على الولد، وتأخير الحد والقصاص، وغير ~~ذلك، كاستلحاق الحمل. ودل الحديث أيضا على أنه ينتفي الولد باللعان وإن لم ~~يصرح بنفيه، وإن لم يذكر النفي في اليمين، وقد ذهب إلى هذا أبو بكر عبد ~~العزيز من أصحاب أحمد؛ عملا بظاهر الأحاديث، وقال به بعض أصحاب مالك وأهل ~~الظاهر، وذهبت الهدوية إلى أنه يصح نفي الولد وهو حمل، ويؤخر اللعان إلى ~~بعد PageV08P156 # الوضع، وذلك إذا وضعت لدون ستة أشهر من وقت النفي لا أكثر، لجواز أن ~~الحمل كان بعد النفي، وقال أبو حنيفة: لا يصح نفي الحمل واللعان عليه، فإن ~~لاعنها حاملا ثم أتت بالولد لزمه عنده، ولم يتمكن من نفيه أصلا؛ لأن اللعان ~~لا يكون إلا بين الزوجين، وهذه قد بانت (أ) بلعانها في حال حملها، وقال ~~مالك والشافعي وجماعة من أهل الحجاز: يصح نفي الحمل وينتفي عنه؛ للأحاديث ~~التي مرت. قال الشافعي: يحتاج الرجل إلى ذكر الولد دون المرأة. وقال ~~الحربي: ms1693 يحتاجان إلى ذكره. وقال الشافعي: إذا لم ينف الولد في الملاعنة ولم ~~يتعرض له، فله أن يعيد اللعان لانتفائه، ولا إعادة على المرأة، وإن أمكنه ~~النفي والرفع إلى الحاكم فأخر لغير عذر حتى ولدت لم يكن له أن ينفيه كما في ~~الشفعة. وكلامهم مبني بأنه وقع من هلال وعويمر التصريح بنفي الولد، ولا ~~مستند في الأحاديث، فإنه لم يذكر في روايته، وتجويز أنه وقع لا يفيد، إلا ~~أنه [أخرج] (ب) مالك (¬1) عن نافع عن ابن عمر: أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لاعن بين رجل وامرأته، وانتفى من ولده، ففرق بينهما، وألحق الولد ~~بالمرأة. وفي حديث سهل (¬2): وكانت حاملا فأنكر حملها. ولكن ذلك لا يثبت ~~اشتراط الانتفاء، مع أن قوله: وكانت حاملا. بين البخاري PageV08P157 # أنه من قول الزهري، وقد جاء في رواية البخاري (¬1) من طريق عبد الرحمن بن ~~القاسم عن ابن عباس في قصة هلال بلفظ: فوضعت شبيها بالرجل الذي ذكر زوجها ~~أنه وجد عندها، فلاعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما. ظاهره أن ~~الملاعنة تأخرت إلى وضع الحمل، قال المصنف رحمه الله (¬2): قد أوضحت أن ~~رواية ابن عباس هذه هي في القصة التي في حديث سهل بن سعد، وتقدم قبل من ~~حديث سهل أن اللعان وقع بينهما قبل أن تضع، فعلى هذا تكون الفاء في قوله: ~~فلاعن. معقبة بقوله: فأخبره بالذي وجد عليه امرأته. ويحتمل -على بعد- أن ~~يكون مرتين؛ مرة بسبب القذف، ومرة بسبب الانتفاء، والله أعلم. انتهى. # 907 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر رجلا أن يضع يده عند الخامسة على فيه، وقال: "إنها موجبة". رواه أبو ~~داود [والنسائي] (أ) ورجاله ثقات (¬3). # أخرجه أبو داود والنسائي من حديث كليب بن شهاب عن ابن عباس، وأخرجه أبو ~~داود (¬4) من رواية عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس، ولم PageV08P158 # يذكر فيه الأمر بوضع الرجل يده على فم الملاعن عند الخامسة، وأما المرأة ~~فلم يذكر في رواية أنه أمر امرأة أن ms1694 تضع يدها على في المرأة، وإن أوهم ذلك ~~كلام الرافعي (¬1). # وقوله: "إنها موجبة". أي: موجبة لحلول اللعنة عليه إن كان كاذبا. فيه ~~دلالة على أنه مشروع من الحاكم المبالغة في منع الحالف من الحلف خشية أن ~~تكون يمينه فاجرة فتحل العقوبة [به] (أ)؛ ولذلك لم يكتف النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بوعظهما باللفظ حتى كان المنع بالفعل. # 908 - وعن سهل بن سعد رضي الله عنه في قصة المتلاعنين، قال: لما فرغا من ~~تلاعنهما، قال: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها. فطلقها ثلاثا قبل أن ~~يأمره رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. متفق عليه (¬2). # تقدم الكلام في ذلك. # 909 - وعن ابن عباس رضي الله عنه، أن رجلا جاء إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقال: إن امرأتي لا ترد يد لامس. قال: "غربها". قال: أخاف أن تتبعها ~~نفسي. قال: "فاستمتع بها". رواه أبو داود (¬3) والبزار ورجاله ثقات. PageV08P159 # وأخرجه النسائي (¬1) من وجه آخر عن ابن عباس بلفظ قال: "طلقها". قال: لا ~~أصبر عنها. قال: "فأمسكها". # أخرجه أبو داود والنسائي (¬2) أيضا من حديث عكرمة عن ابن عباس، وأخرجه ~~النسائي من رواية عبد الله بن عبيد بن عمير، وأخرجه الشافعي (¬3) من طريق ~~عبد الله المذكور، قال: جاء رجل. فذكره مرسلا، وقد اختلف في إسناده ~~وإرساله، قال النسائي: المرسل أولى بالصواب. وقال في الموصول: إنه ليس ~~بثابت. يعني من رواية عبد الله، وأطلق عليه النووي الصحة (¬4)، يعني رواية ~~أبي داود، ولكن نقل ابن الجوزي عن أحمد أنه قال: لا يثبت عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في هذا الباب شيء، وليس له أصل. فتمسك بهذا ابن الجوزي، ~~فأورد الحديث في "الموضوعات" (¬5) مع أنه أورده بإسناد صحيح، وله طريق أخرى ~~أخرجها أبو حاتم (¬6) عن مولى لبني هاشم، فقال: جاء رجل. فذكره، ورواه ~~الثوري فسمى الرجل [هشاما] (أ) مولى بني هاشم، وأخرجه الخلال (4) والطبراني ~~والبيهقي (¬7) من وجه آخر عن عبيد الله PageV08P160 # ابن [عمرو] (أ)، ولفظه: لا تمنع يد لامس. # قوله: لا ترد يد لامس. اختلف العلماء ms1695 في معنى ذلك، فقيل: معناه الفجور، ~~وأنها لا تمتنع ممن يطلب منها الفاحشة. وبهذا قال أبو عبيد والخلال ~~والنسائي وابن الأعرابي والخطابي والغزالي والنووي، واستدل به الرافعي على ~~هذا الحكم، وعلى هذا أنه لا يجب تطليق من فسقت بالزنى، إذا كان الرجل لا ~~يقدر على مفارقتها، وقيل: المراد أنها تبذر، ولا تمنع أحدا طلب منها شيئا ~~من مال زوجها، وبهذا قال أحمد والأصمعي ومحمد بن ناصر ونقله عن علماء ~~الإسلام وابن الجوزي، وأنكر على من ذهب إلى القول الأول، وقال في "النهاية" ~~(¬1): وهو أشبه بالحديث؛ لأن المعنى الأول يشكل على ظاهر قوله تعالى: {وحرم ~~ذلك على المؤمنين} (¬2). وإن كان في معنى الآية وجوه كثيرة، ورجح القاضي ~~أبو الطيب المعنى الأول؛ لأن السخاء مندوب إليه إذا كان من مالها، وإن كان ~~من مال الزوج فهو يمكنه التحفظ من ذلك، فلا يوجب المسارعة إلى الطلاق، ~~ولكنه يرد عليه ما ذكر، إلا أن يقال: إنه قد روي بلفظ: "أمسكها". بدل قوله: ~~"استمتع بها". وهو يحتمل أمسمكها عن الزنى. فيزول المحظور من نكاح الزانية. ~~أو: أمسكها عن التبذير بالمال. فكذلك مع أنه يحتمل أن يكون المراد بأنها لا ~~ترد يد لامس لمن أراد لمسها لمن يتلذذ بها من دون جماع، وإلا لكان قاذفا ~~لها، PageV08P161 # أو أنها تمتنع ممن أراد منها الفاحشة ولم يكن قد وقع منها ذلك، وإنما ~~أدرك منها مخايل المساهلة وعدم التحرز، والله أعلم (¬1). # 910 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول حين نزلت آية التلاعنين: "أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس ~~منهم، فليست من الله في شيء، ولم يدخلها الله جنته، وأيما رجل جحد ولده وهو ~~ينظر إليه، احتجب الله عنه، وفضحه على رءوس الأولين والآخرين". أخرجه أبو ~~داود والنسائي وابن ماجه وصححه ابن حبان (¬2). # الحديث أخرجوه من حديث سعيد المقبري عن أبي هريرة، تفرد به عنه عبد الله ~~بن يونس، وهو لا يعرف إلا بهذا الحديث، ففي تصحيحه نظر، وصححه أيضا ms1696 ~~الدارقطني (1) مع اعترافه بتفرد عبد الله. وفي الباب عن ابن عمر في "مسند ~~البزار" (2)، وفيه إبراهيم بن يزيد [الخوزي] (أ) وهو ضعيف، وروى أحمد (¬3) ~~من طريق مجاهد عن ابن عمر نحوه، وأخرجه الطبراني في "الأوسط" (¬4) عن عبد ~~الله بن أحمد عن أبيه عن وكيع، وقال: تفرد به PageV08P162 # وكيع. # قوله: "وهو ينظر إليه". لعل المراد به: وهو يعلم أنه ولده. أو أنه قيد ~~أغلبي، وإلا فجحد الولد محرم، وإن لم يكن مشاهدا للجاحد. # 911 - وعن عمر رضي الله عنه قال: من أقر بولده طرفة عين، فليس له أن ~~ينفيه. أخرجه البيهقي (¬1)، وهو حسن موقوف. # أخرجه البيهقي من رواية [مجالد] (أ) عن الشعبي عن شريح عن عمر. ومن طريق ~~قبيصة بن ذؤيب (1) أنه كان يحدث عن عمر، أنه قضى في رجل أنكر ولدا من ~~المرأة وهو في بطنها، ثم اعترف به وهو في بطنها، حتى إذا ولدت أنكره، فأمر ~~به عمر، فجلد ثمانين جلدة لفريته عليها، ثم ألحق به الولد. وإسناده حسن. # الحديث فيه دلالة على أنه لا يصح النفي بعد الإقرار بالولد، وهذا مجمع ~~عليه، وأما إذا سكت بعد أن علم بالولد ولم ينفه، فقال المؤيد: إنه يلزمه ~~وإن لم يعلم أن له النفي؛ لأن ذلك حق يبطل بالسكوت، وذلك كالشفيع إذا أبطل ~~شفعته قبل علمه باستحقاقها. وذهب أبو طالب وأبو العباس إلى أن له النفي متى ~~علم أن له النفي، إذ لا يثبت التخيير من دون علم، فإن سكت عند العلم لحق ~~ولم يمكن من (ب) النفي بعد ذلك، ولا يعتبر PageV08P163 # عندهم فور ولا تراخ، بل السكوت كالإقرار. وقال الإمام يحيى والشافعي: إن ~~نفيه يكون على الفور، وحد الفور ألا يتراخى إلا قدر ما يلبس، أو ينتعل، أو ~~يسرج دابته، أو يأكل، أو يحرز ما يخشى ضياعه، أو يصلي، أو يجهز ميته، أو ~~يكون في زيارة من حضر موته، أو نحو ذلك، ثم يأتي الحاكم للنفي، إذ مثل هذه ~~لا يعد تراخيا عرفا، وأحد قولي الشافعي أن له إلى ثلاثة ms1697 أيام بعد الولادة؛ ~~لقوله تعالى: {تمتعوا في داركم ثلاثة أيام} (¬1). وقد قال في القصة: {عذاب ~~قريب} (¬2). وقال أبو حنيفة: القياس الفور، والاستحسان يسوغ التراخي يوما ~~أو يومين لينظر في أمره. وعن أبي حنيفة: بل إلى سبعة أيام ليكمل التأمل. ~~وعن أبي يوسف ومحمد: بل آخر مدة النفاس، أربعين يوما. وقال مجاهد وعطاء: ~~النفي على التراخي، ما لم يقر به، إذ دليل ذلك لم يعتبر الفور. وأجاب عن ~~ذلك الإمام يحيى بأنه خيار شرع لدفع ضرر يلحق بالسكوت، فكان على الفور ~~كخيار الأمة إذا [أعتقت] (أ). وقال الإمام الهدي في "الغيث": إنه حق يبطل ~~بالسكوت الطويل، فيبطل بالقليل. وأنت خبير بركة الجواب. ومن إذا سكت وهي ~~حامل وقد علم بالحمل، فقال مالك: لم يكن له نفيه بعد الولادة. وقال ~~الشافعي: إذا علم الزوج بالحمل، وأمكنه الحاكم من اللعان ولم يلاعن، لم يكن ~~له أن ينفيه. وقال أبو حنيفة: لا ينفى الولد وهو حمل، وإنما يكون PageV08P164 # النفي بعد الوضع. ومقتضى قول الهدوية أنه يصح النفي في وقت الحمل - أنه ~~إذا لم ينفه لم يكن له النفي بعد الولادة، وهو الظاهر من إطلاق الأدلة، ~~والله أعلم. # 912 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله، إن امرأتي ~~ولدت غلاما أسود. قال: "هل لك من إبل؟ ". قال: نعم. قال: "فما ألوانها؟ ". ~~قال: حمر. قال: "فهل فيها من أورق؟ ". قال: نعم. قال: "فأنى ذلك؟ ". قال: ~~لعله نزعه عرق. قال: "فلعل ابنك هذا نزعه عرق". متفق عليه (¬1). وفي رواية ~~لمسلم (¬2): وهو يعرض بأن ينفيه. وقال في آخره: ولم يرخص له في الانتفاء منه. # قوله: أن رجلا. جاء في روايه للبخاري (¬3): أن أعرابيا. وللنسائي (¬4): ~~رجلا من أهل البادية. وعند ألي داود (¬5): أعرابيا من بني فزارة. وكذا عند ~~مسلم وأصحاب "السنن" (¬6)، واسم هذا الأعرابي ضمضم بن قتادة، ذكره عبد ~~الغني في "المبهمات" (¬7). PageV08P165 # وقوله: إن امرأتي ولدت غلاما. قال المصنف رحمه الله تعالى (¬1): لم أقف ~~على اسم المرأة ولا على اسم الغلام. والمرأة من بني ms1698 عجل، وزاد البخاري في ~~رواية يونس: وإني أنكرته. أي استنكرته بقلبي. ولم يرد الإنكار باللفظ، وإلا ~~لكان تصريحا [بالنفي] (أ) لا تعريضا، بقوله: أسود. والتعريض بقوله: أسود. ~~لأن المعنى: إني أبيض فكيف يكون مني الغلام الأسود؟ # وقوله: "أورق". بوزن أفعل، وهو الذي فيه سواد وليس بحالك، بل يميل إلى ~~الغبرة، ومنه قيل للحمامة: ورقاء. # وقوله: "فأنى ذلك؟ ". بفتح النون الثقيلة، أي: من أين أتاها اللون ~~المخالف لها؟ هل هو بسبب فحل من غير لونها طرأ عليها، أو لأمر آخر؟ # وقوله: "لعله نزعه". بالضمير في "لعل"؛ اسمها، وهذا ثبت في رواية كريمة، ~~وهي في غيرها من نسخ البخاري بحذف الضمير، ويكون "نزعه" منصوب باسمية ~~"لعل"، وجوز ابن مالك بأن الاسم ضمير الشأن محذوف، فتكون "نزعه" مرفوعة، ~~والمعنى أنه يحتمل أن يكون في أصولها ما هو باللون المذكور فاجتذبه إليه. # وقوله: "نزعه عرق". المراد بالعرق الأصل من النسب، شبهه بعرق الشجرة، ~~ومنه قولهم: فلان عريق في الأصالة. أي أن أصله مناسب. PageV08P166 # وكذا: معرق في الكرم أو اللؤم. وأصل النزع الجذب، فكأنه جذبه إليه لشبهه، ~~يقال فيه: نزع الولد لأبيه وإلى أبيه، ونزعه أبوه ونزعه إليه. وقد يطلق على الميل. # وقوله: "فلعل ابنك" إلخ. فيه ضرب المثل، وتشبيه المجهول بالمعلوم تقريبا ~~لفهم السامع، قال الخطابي (¬1): هو أصل في قياس الشبه. وقال ابن العربي ~~(¬2): فيه دليل على صحة القياس والاعتبار بالنظير. وتوقف فيه ابن دقيق ~~العيد؛ لأن هذا تشبيه في أمر وجودي، و [النزاع] (أ) إنما هو في التشبيه في ~~الأحكام الشرعية. # ودل الحديث على أنه لا يجوز الانتفاء من الولد بالقرينة الدالة على عدم ~~انتسابه إليه، وأن الولد يلحق به، وإن كان لونه يخالف لون أبيه، قال ~~القرطبي (¬3) -وقد سبقه ابن رشد- لا خلاف في أنه لا يحل نفي الولد باختلاف ~~الألوان المتقاربة؛ كالسمرة والأدمة ولا في البياض والسواد، إذا كان قد أقر ~~بالوطء ولم تمض مدة الاستبراء. وكأنه أراد في مذهبه، وإلا فالخلاف ثابت عند ~~الشافعية بتفصيل؛ وهو إن لم ينضم إليه قرينة ms1699 زنى لم يجز النفي، وإن اتهمها ~~فأتت بولد على لون الرجل الذي اتهمها به جاز النفي على الصحيح، وعند ~~الحنابلة يجوز النفي مع القرينة مطلقا، والخلاف PageV08P167 # إنما هو عند عدمها، والحديث يحتمل؛ لأنه لم يذكر في الحديث أن معه قرينة ~~على الزنى، وإنما هو مجرد مخالفة اللون. # وفي الحديث دلالة على تقديم حكم الفراش على ما يشعر به مخالفة الشبه. ~~وفيه الاحتياط للأنساب (أوإثباتها مع الإنكار أ)، والزجر عن تحقيق ظن ~~السوء. وقال القرطبي (¬1): يؤخذ منه منع المسلسل، وأن الحوادث لا بد لها أن ~~تستند إلى أول ليس بحادث. # وفي قوله في رواية لمسلم: وهو يعرض بنفيه. يدل على أن التعريض بالقذف لا ~~يثبت حكم القذف حتى يقع التصريح، خلافا للمالكية في أن التعريض الذي يجب ~~فيه القذف عندهم إنما هو ما يفهم منه القذف كما يفهم من التصريح. وقد يجاب ~~بأن الزيادة لم تكن في أصل الحديث، أو المراد أن صورته صورة التعريض وليس ~~بتعريض حقيقة؛ لأنه إنما جاء سائلا مستفتيا عن الحكم لا وقع له من الربية، ~~فلما ضرب له المثل أذعن. وقال المهلب (1): التعريض إذا كان على جهة السؤال ~~لا حد فيه، وإنما يجب الحد في التعريض إذا كان على سبيل الواجهة والمشاتمة. ~~وقال ابن المنير (1): [الفرق] (ب) بين الزوج والأجنبي في التعريض؛ أن ~~الأجنبي يقصد الأذية المحضة، والزوج قد [يعذر] (ج) بالنسبة إلى صيانة ~~النسب، والله أعلم. PageV08P168 ### || AUTO باب العدة والإحداد # العدة اسم لمدة تتربص بها المرأة عن التزويج بعد وفاة زوجها أو فراقه ~~لها؛ إما بالولادة أو الأقراء أو الأشهر، والإحداد بالحاء المهملة بعدها ~~دالان مهملتان بينهما ألف، والحداد أيضا، يقال: أحدت المرأة تحد إحدادا. ~~وحدت تحد بضم الحاء وكسرها. كذا ذكره الجمهور، وتقول: امرأة حاد. ولا تقول: ~~امرأة (أ) حادة. قال أهل اللغة: أصل الإحداد المنع، ومنه سمي البواب حدادا ~~لمنعه الداخل، وسميت العقوبة حدا؛ لأنها تردع عن المعصية. وقال ابن ~~درستويه: معنى الإحداد منع المعتدة نفسها الزينة، وبدنها الطيب، ومنع ~~الخطاب من خطبتها، ms1700 ولا يطمع فيها كما منع الحد المعصية. وقال الفراء: سمي ~~الحديد حديدا للامتناع به. ويروى بالجيم. حكاه الخطابي، قال: يروى بالحاء ~~والجيم، وبالحاء أشهر، والجيم مأخوذة من جددت الشيء إذا قطعته، فكأن المرأة ~~انقطعت عن الزينة. وقال أبو حاتم: أنكر الأصمعي حدت، ولم يعرف إلا أحدت. ~~وقال الفراء: كان القدماء يؤثرون أحدت، والأخرى أكثر في كلام العرب. وفي ~~الشرع: ترك الطيب والزينة (¬1). # 913 - عن المسور بن مخرمة أن سبيعة الأسلمية رضي الله عنها نفست بعد وفاة ~~زوجها بليال، فجاءت النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنته أن تنكح، فأذن ~~لها، فنكحت. رواه البخاري (¬2) وأصله في "الصحيحين". وفي PageV08P169 # لفظ (¬1): أنها وضعت بعد وفاة زوجها بأربعين ليلة. وفي لفظ لمسلم (¬2): ~~قال الزهري: ولا أرى بأسا أن تزوج وهي في دمها غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر. # هو أبو (أعبد الله أ) المسور؛ بكسر الميم وسكون السين المهملة وفتح ~~الواو، ابن مخرمة؛ بفتح الميم والخاء المعجمة الساكنة والراء المهملة ~~المفتوحة، الزهري القرشي ابن أخت عبد الرحمن بن عوف، ولد بمكة بعد الهجرة ~~بسنتين، وقدم به المدينة في ذي الحجة سنة ثمان، وهو أصغر من ابن الزبير ~~بأربعة أشهر، وقبض النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ابن ثماني سنين، وسمع ~~منه وحفظ عنه، وحدث عن عمر وعبد الرحمن بن عوف، وكان فقيها فاضلا، لم يزل ~~بالمدينة إلى أن قتل عثمان، وانتقل إلى مكة ولم يزل بها إلى أن مات معاوية، ~~وكره بيعة يزيد، ولم يزل مقيما بمكة إلى أن نفذ يزيد عسكره وحاصر مكة وبها ~~ابن الزبير، فأصاب المسور حجر من حجارة المنجنيق وهو يصلي في الحجر فقتله، ~~وذلك في مستهل ربيع الأول سنة أربع وستين، روى عنه عروة بن الزبير وعلي بن ~~الحسين وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وأبو أمامة بن سهل (ب) بن حنيف وابن ~~أبي مليكة. PageV08P170 # وقوله: أن سبيعة. بمهملة وموحدة ثم مهملة، تصغير [سبع] (أ)، ووقع في ~~البخاري (¬1) في المغازي: سبيعة بنت الحارث. وذكرها ابن سعد (¬2) في ~~المهاجرات، ms1701 ووقع في رواية لابن إسحاق عند أحمد (¬3): سبيعة بنت أبي برزة ~~الأسلمي. فإن كان محفوظا فهو أبو برزة آخر غير الصحابي المشهور، وهو إما ~~كنية للحارث والد سبيعة، [أو] (ب) نسبت في الرواية المذكورة إلى جدها. # ونفست؛ بضم النون وكسر الفاء، أي ولدت. # وقوله: وفاة زوجها بليال. كذا أبهم المدة في هذه الرواية، وقد ثبت عند ~~أحمد (3) في رواية محمد بن إبراهيم التيمي عن أبي سلمة عن سبيعة: بشهرين. ~~وفي رواية داود بن عاصم (ج) (¬4): فولدت لأدنى من أربعة أشهر. وهذه فيها ~~إبهام، وفي رواية يحيى بن أبي [كثير] (د) في البخاري (¬5) في تفسير سورة " ~~الطلاق ": فوضعت بعد موته بأربعين ليلة، كذا في رواية [شيبان] (ه) PageV08P171 # عنه، وفي رواية حجاج عند النسائي (¬1): بعشرين ليلة. وعند ابن أبي حاتم ~~من رواية أيوب عن يحيى: بعشرين ليلة أو خمس عشرة ليلة. ووقع في رواية ~~الأسود: فوضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يوما أو خمسة وعشرين يوما. كذا ~~عند الترمذي والنسائي (¬2)، وعند ابن ماجه (¬3): ببضع وعشرين [ليلة] (أ). ~~وكأن الراوي ألغى الشك، وأتى بلفظ يشمل الأمرين. ووقع في رواية عبد ربه بن ~~سعيد (¬4): بنصف شهر. وكذا في رواية شعبة (ب): [بلفظ] (ج): خمسة عشر، نصف ~~شهر. وكذا في حديث ابن مسعود عند أحمد (¬5). والجمع بين هذه الروايات ~~متعذر؛ لاتحاد القصة، ولعل ذلك هو السر في إبهام من أبهم المدة، إذ (د) محل ~~الخلاف أن تضع لدون أربعة أشهر وعشر، وهو هاهنا كذلك، فأقل ما قيل في هذه ~~الروايات: نصف شهر. وأما ما وقع في بعض الشروح أن في البخاري رواية: عشر ~~ليال. وفي رواية الطبراني (¬6): ثمان أو سبع. فهو في مدة إقامتها بعد الوضع ~~إلى أن استفتت PageV08P172 # النبي - صلى الله عليه وسلم - لا في مدة بقية الحمل، وأكثر ما قيل فيه ~~(أ) بالتصريح: شهرين. وبغير التصريح: دون أربعة أشهر. # وزوجها هو سعد بن خولة، توفي في حجة الوداع، وهو المذكور في حديث زيارة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لسعد بن أبي وقاص، ورثى ms1702 له النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن مات بمكة وهي مهاجره؛ لكراهة عود المهاجر إلى أرض هاجر ~~منها، ونقل ابن عبد البر (¬1) الاتفاق على أنه توفي في حجة الوداع بمكة، ~~واعترض الاتفاق بأن محمد بن [سعد] (ب) (¬2) ذكر أنه مات قبل الفتح، وذكر ~~الطبري (ج) أنه مات سنة سبع، وقد ذكر في البخاري في تفسير سورة "الطلاق" ~~أنه قتل، ومعظم الروايات أنه مات، وهو المعتمد، إلا أنه إذا صحت رواية ~~القتل فهي لا تنافيها رواية الموت، وإن لم تصح فالعمل على رواية الموت. # وقوله: فأذن لها أن تنكح. في الحديث دلالة على أن الحامل المتوفى عنها ~~تنقضي عدتها بوضع الحمل، وإن لم يمض عليها أربعة أشهر وعشر، فيجوز لها أن ~~تنكح، وقد ذهب إلى هذا الجماهير من الصحابة ومن بعدهم من علماء الأمصار ~~محتجين بالحديث الصحيح، وبقوله تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن} (¬3). والآية وإن كان ما قبلها في PageV08P173 # المطلقات ولكن ذلك لا يخصص العموم. وذهب علي وابن مسعود والشعبي والهدوية ~~والمؤيد بالله والناصر إلى أنها تعتد بآخر الأجلين؛ إما وضع الحمل إن تأخر ~~عن الأربعة الأشهر والعشر، أو بالمدة المذكورة إن تأخرت عن وضع الحمل، ~~قالوا: لقوله تعالى: {والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن ~~أربعة أشهر وعشرا} (¬1). فالآية الكريمة فيها عموم وخصوص من وجه، وقوله ~~تعالى: {وأولات الأحمال أجلهن}. كذلك، فجمع بين الدليلين بالعمل بهما، ~~والخروج من العهدة بيقين، بخلاف ما إذا عمل بأحدهما. أجاب عن ذلك الأولون ~~بأن حديث سبيعة نص في الحكم مبين (أ) بأن آية "النساء القصرى" شاملة ~~للمتوفى عنها، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الله في زوائد (ب) "السند" وأبو يعلى ~~والضياء في "المختارة" (¬2) وابن مردويه، عن أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول ~~الله، {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}. أهي المطلقة ثلاثا [أو] (ج) ~~المتوفى عنها؟ قال: "هي المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها". # وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه والدارقطني (¬3) من وجه آخر PageV08P174 # عن أبي بن كعب قال: لما نزلت ms1703 هذه الآية قلت لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: يا رسول الله، هذه الآية مشتركة أو مبهمة؟ قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "أية آية؟ ". قلت: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن ~~حملهن}، المطلقة والمتوفى عنها؟ قال: "نعم". # وأخرج عبد الرزاق وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وعبد بن حميد وأبو داود ~~والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وابن ~~مردويه (¬1) من طرق عن ابن مسعود، أنه بلغه أن عليا يقول: تعتد آخر ~~الأجلين. فقال: من شاء لاعنته، أن الآية التي في سورة "النساء القصرى" نزلت ~~بعد سورة "البقرة"؛ {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}. بكذا (أ) وكذا ~~شهر (ب)، وكل مطلقة ومتوفى عنها (ج) زوجها فأجلها أن تضع. # وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والطبراني وابن مردويه عن ~~ابن مسعود (¬2) قال: من شاء حالفته أن سورة "النساء الصغرى" أنزلت بعد ~~الأربعة الأشهر وعشر، {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}. PageV08P175 # وأخرج عبد بن حميد (¬1) عن ابن مسعود قال: من شاء لاعنته أن الآية التي ~~في "النساء القصرى"؛ {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} نسخت ما في ~~"البقرة". # وأخرج ابن مردويه (¬2) عن ابن مسعود قال: نسخت سورة "النساء القصرى" كل ~~عدة، {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} أجل كل حامل؛ مطلقة أو متوفى ~~عنها زوجها أن تضع حملها. # وأخرجه الحاكم في "التاريخ" والديلمي (¬3) عن ابن مسعود مرفوعا. # وأخرج عبد بن حميد والبخاري والطبراني وابن مردويه (¬4) عن ابن مسعود ~~قال: أتجعلون عليها التغليظ ولا تجعلون لها الرخصة؟ أنزلت سورة "النساء ~~القصرى" بعد الطولى؛ {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}، إذا وضعت فقد ~~انقضت العدة. # وأخرج ابن مردويه (¬5) عن أبي سعيد الخدري قال: نزلت سورة "النساء ~~القصرى" بعد التي في "البقرة" بسبع سنين. # وأخرج عبد الرزاق (¬6) عن أبي بن كعب قال: قلت لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: إني أسمع الله يذكر: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}، ~~والحامل التوفى عنها زوجها أن تضع حملها؟ فقال ms1704 لي النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "نعم". PageV08P176 # وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد والبخاري ومسلم وأبو داود ~~والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن مردويه (¬1) عن ~~أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كنت أنا وابن عباس وأبو هريرة، فجاء رجل ~~فقال: أفتني في امرأة ولدت بعد زوجها بأربعين ليلة، أحلت؟ فقال ابن عباس: ~~تعتد آخر الأجلين. قلت أنا: {وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن}. قال ابن ~~عباس: ذلك في الطلاق. قال أبو سلمة: أرأيت لو أن امرأة جرت حملها سنة، فما ~~عدتها؟ قال ابن عباس: آخر الأجلين. قال أبو هريرة: أنا مع ابن أخي. يعني ~~أبا سلمة. فأرسل ابن عباس غلامه كريبا إلى أم سلمة يسألها هل مضت في ذلك ~~سنة؟ فقالت: قتل زوج سبيعة الأسلمية وهي حبلى، فوضعت بعد موته بأربعين ~~ليلة، فخطبت فأنكحها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن مردويه (¬2) عن أبي السنابل بن ~~بعكك، أن سبيعة بنت الحارث وضعت بعد وفاة زوجها بثلاثة وعشرين يوما، ~~[فتشوفت] (أ) للنكاح، فأنكر ذلك عليها، أو عيب عليها، فسئل رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: "إن تفعل فقد خلا أجلها". PageV08P177 # وأخرج ابن مردويه (¬1) عن عائشة قالت: مكثت امرأة ثلاثا وعشرين ليلة، ~~فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك، فقال: "استفلحي لأمرك". ~~يقول: تزوجي. # وأخرج ابن أبي شيبة وابن مردويه (¬2) عن سبيعة الأسلمية أنها توفي زوجها، ~~فوضعت بعد وفاته بخمس وعشرين ليلة، فتهيأت، فقال لها أبو السنابل بن بعكك: ~~قد أسرعت، اعتدي آخر الأجلين أربعة أشهر وعشرا. قالت: فأتيت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فأخبرته، فقال: "إن وجدت زوجا صالحا فتزوجي". # وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة وعبد بن حميد (¬3) عن المسور بن مخرمة، ~~أن زوج سبيعة الأسلمية توفي وهي حامل، فلم تمكث إلا ليال يسيرة حتى نفمست، ~~فلما تعلت -أي: برئت- من نفاسها ذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فأذن لها فنكحت. # وأخرج عبد بن ms1705 حميد (¬4) عن الحسن، ان امراة توفي عنها زوجها، فولدت بعد ~~أيام، فاختضبت وتزينت، فمر بها أبو السنابل بن بعكك فقال: كذبت، إنما هو ~~آخر الأجلين. فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبرته بذلك، فقال: PageV08P178 # "كذب أبو السنابل، تزوجي". # وأخرج عبد بن حميد (¬1) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، أنه تمارى هو وابن ~~عباس في المتوفى عنها زوجها وهي حبلى، فقال ابن عباس: آخر الأجلين. وقال ~~أبو سلمة: إذا ولدت فقد حلت. فجاء أبو هريرة فقال: أنا مع ابن أخي. لأبي ~~سلمة، ثم أرسلوا إلى عائشة فسألوها. فقالت: ولدت سبيعة بعد وفاة زوجها ~~بليال، فاستأذنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمرها فنكحت. # وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد (¬2) عن عبيد الله بن عبد الله، قال: أرسل ~~مروان عبد الله بن عتبة إلى سبيعة بنت الحارث يسألها عما أفتاها رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -، فأخبرته أنها كانت عند سعد بن خولة، فتوفي عنها في ~~حجة الوداع، وكان بدريا، فوضعت حملها قبل أن تمضي أربعة أشهر وعشر من ~~وفاته، فلقيها أبو السنابل بن بعكك حين تعلت من نفاسها، وقد اكتحلت وتزينت، ~~فقال: لعلك تريدين النكاح! إنها أربعة أشهر وعشر من وفاة زوجك. قالت: فأتيت ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له، وذكرت له ما قال أبو السنابل. ~~فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اربعي بنفسك (¬3)، فقد حل ~~أجلك إذا وضعت حملك". # وأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد (¬4) عن علي في الحامل إذا وضعت بعد ~~وفاة زوجها، قال: تعتد أربعة أشهر وعشرا. PageV08P179 # وأخرج ابن أبي شيبة (¬1) عن سعيد بن المسيب، أن عمر استشار علي ابن أبي ~~طالب وزيد بن ثابت، قال زيد: قد حلت. وقال علي: أربعة أشهر وعشرا. قال زيد: ~~أرأيت إن كانت نسئا (¬2). قال علي: فآخر الأجلين. [قال عمر] (أ): لو وضعت ~~ذا بطنها وزوجها على نعشه لم يدخل حفرته لكانت قد حلت. # وأخرج ابن المنذر (¬3) عن مغيرة، قال: [قلت للشعبي] (ب): ما أصدق أن علي ms1706 ~~بن أبي طالب كان يقول: عدة المتوفى عنها زوجها آخر الأجلين. قال: بلى، فصدق ~~به كأشد ما صدقت بشيء؛ كان علي يقول: إنما قوله: {وأولات الأحمال أجلهن أن ~~يضعن حملهن}. في المطلقة. # فهذه الأحاديث المروية في تفسير الآية الكريمة تدل على أن الآية معمول ~~بعمومها في جميع العدد، وأن عموم آية "البقرة" مخصص بهذه الآية الكريمة، ~~ومع تأخر نزولها كما في هذه الروايات يكون تخصيصها لعموم الآية السابقة ~~متفقا عليه، قال الإمام المهدي في "البحر" بعد أن ذكر حجة القول الأول ~~بحديث سبيعة: قلت: إن تأخر الخبر عن آية الأشهر فقوي، وإلا فهي أقوى للجمع. ~~انتهى. يعني أن الحديث إذا كان متأخرا كان PageV08P180 # مخصصا لعموم آية "البقرة"؛ لأن السنة المتأخرة تكون مخصصة لعموم القرآن، ~~وأما مع تقدم قصة سبيعة أو مع جهل التاريخ يكون العمل بالآية، فعلى الأول ~~(أ) لكونها ناسخة لحديث سبيعة، و (ب) مع جهل التاريخ لترجيح الآية. # وأقول: أولا، كلام "البحر" مبني على قول من لم يبن العام على الخاص ~~مطلقا، ويقول: إن العام المتأخر ناسخ للخاص المتقدم. وثانيا، أنه قد ثبت ~~بما تلونا عليك في قصة الأسلمية أنها متأخرة عن الآية، فهو معمول بالحديث، ~~وآية سورة "النساء القصرى" متأخرة النزول مبين (ج) المراد بعمومها من ~~السنة، فالعمل بذلك صحيح. وقال الجمهور: إنه يجوز العقد عليها وإن لم تطهر ~~من النفاس كما تقدم في حديث ابن شهاب. وقال الشعبي والحسن والنخعي وحماد بن ~~أبي سليمان: لا تنكح حتى تطهر. ولعل مستندهم ما وقع في بعض ألفاظ حديث ~~سبيعة: فلما تعلت من نفاسها. ولا حجة لهم (د) في ذلك؛ لأن "تعلت" تحتمل أن ~~يراد به برئت من ألم النفاس، وإن كان الدم باقيا، ويحتمل طهرت، والأول ~~أرجح، فإنه قد جاء ما هو صريح كما في قوله: "حل أجلك إذا وضعت حملك". ~~وغيره، وكذا هو ظاهر الآية الكريمة، وهو قوله: {أن يضعن حملهن}. وإن حرم ~~وطؤها لعلة أخرى وهو بقاء دم النفاس، وقد اختلف في الوضع الذي تنقضي PageV08P181 # به ms1707 العدة؛ فذهب العترة والشافعي إلى أنه يشترط فيه أن يكون لاحقا بمن ~~اعتدت منه المرأة، كلو نكحت وهي حامل من زنى ثم طلقها الزوج أو مات عنها ~~فلا تنقضي عدتها بذلك، وقال أبو حنيفة: إنها تنقضي به العدة لعموم {أن يضعن ~~حملهن}. والجواب: أن الخطاب للناكحات الحاملات عن الأزواج. ولا بد من وضع ~~الحمل جميعه، وإذا كان متخلقا فإجماع، وأما إذا كان غير متخلق فإن كان مضغة ~~لا تخلق فيها، فذهب العترة إلى أنه لا تنقضي به العدة؛ لجواز أنه دم منعقد، ~~وقال في "المنهاج" وشرحه "العجالة": وبمضغة فيها صورة آدمي خفية أخبر بها ~~القوابل (¬1). أي فإن العدة تنقضي بها أيضا، ومثل هذا رواه الإمام المهدي ~~عن الشافعي، ثم قال: فإن لم يكن صورة -أي بينة ولا خفية- وقلن -أي ~~القوابل-: هي أصل آدمي. انقضت على المذهب، لأن القصد من العدة معرفة براءة ~~الرحم، وهي تحصل برؤية الدم. فمثل هذا أول، أي قول أول، للشافعي، والقول ~~الثاني: إنها لا تنقضي. وهو مخرج من الغرة (أ) وأمية الولد كما نص عليه ~~فيهما، والأول فرق بأن الأصل براءة الذمة من الغرة، فلا تجب بالشك، وأمية ~~الولد منوطة باسم الولد، وهذا لا يسمى ولدا، والعدة منوطة باسم الحمل، وهذا ~~[لا] (ب) يسمى حملا بخلاف العلقة، وهذه الطريقة هي الصحيحة أن المسألة على ~~القولين، والطريقة الثانية القطع بالأول. انتهى. PageV08P182 # وقال النووي في "شرح مسلم" (¬1): وقال العلماء من أصحابنا وغيرهم: سواء ~~كان الحمل ولدا أو أكئر، كامل الخلقة أو ناقصها، أو علقة أو مضغة، فتنقضي ~~العدة بوضعه إذا كان فيه صورة خلق آدمى، سواء كان صورة خفية تختص النساء ~~بمعرفتها، أم جلية يعرفها كل أحد. وتوقف ابن دقيق العيد فيه من جهة أن ~~الغالب في إطلاق وضع الحمل هو الحمل التام المتخلق، وأما خروج المضغة ~~والعلقة فهو نادر، والحمل على الغالب أقوى. قال المصنف (¬2) رحمه الله ~~تعالى: ولهذا نقل عن الشافعي قول بأن العدة لا تنقضي بوضع قطعة لحم ليس ~~فيها صورة بينة ولا خفية، وظاهر ms1708 الحديث والآية الكريمة الإطلاق فيما تحقق ~~كونه حملا، وأما ما لا يتحقق كونه حملا فلا؛ لجواز أنه (أ) قطعة لحم، ~~والعدة لازمة بيقين فلا تنقضي بالمشكوك فيه. # 914 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرت بريرة أن تعتد بثلاث حيض. رواه ~~ابن ماجه (¬3) ورواته ثقات، لكنه معلول. # الحديث تأيد بما أخرجه أحمد (¬4) عن عفان عن همام بحديث بريرة مطولا، ~~وفيه أنها تعتد عدة الحرة. وقد جاء في بعض طرقه: تعتد بحيضة. وهي مرجوحة، ~~ويحتمل أن أصله: تعتد بحيض. فيكون المراد الجنس لما استبرئ (ب) به ولا يقصد ~~الموحدة الفردية، وإنما المقصد الموحدة النوعية، PageV08P183 # والتأويل أولى، وهو يدل على أن العدة معتبرة بالمرأة -عند من يجعل عدة ~~المملوك دون عدة الحر- لا بالزوج، على القول الأظهر أن زوجها كان مملوكا. # 915 - وعن الشعبي عن فاطمة بنت قيس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في ~~المطلقة ثلاثا: "ليس لها سكنى ولا نفقة". رواه مسلم (¬1). # هو أبو عمرو عامر بن شراحيل بن عبد الله الشعبي الهمداني الكوفي، تابعي ~~جليل القدر، فقيه كبير، قال: أدركت خمسمائة من الصحابة أو أكثر يقولون: علي ~~وطلحة والزيير [في الجنة] (أ). قال ابن عيينة: كان ابن عباس في زمانه، ~~والشعبي في زمانه، والثوري في زمانه. ولد لست سنين خلت من خلافة عثمان ومات ~~سنة أربع ومائة، وله اثنتان وستون سنة، وفي "الكاشف" (¬2) أنه ولد في خلافة ~~عمر. وفي "مرآة الزمان" لليافعي (¬3) أنه مات وله بضع وثمانون سنة. مر به ~~ابن عمر وهو يحدث بالمغازي، فقال: شهدت القوم وهو أعلم بها مني. وقال ابن ~~سيرين لأبي بكر الهذلي (ب): الزم الشعبي، فلقد رأيته يستفتى وأصحاب النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بالكوفة. وقال الزهري: العلماء أربعة؛ ابن المسيب ~~بالمدينة، والشعبي بالكوفة، والحسن البصري PageV08P184 # بالبصرة، ومكحول بالشام. # الحديث أخرجه مسلم وأخرجه بألفاظ غير هذا موافقة في المعنى، وهو يدل على ~~أن المطلقة ثلاثا لا تستحق سكنى ولا نفقة، وقد ذهب إلى هذا ابن عباس، ~~والحسن، وعطاء، والشعبي، وأحمد في إحدى الروايات عنه، ms1709 والقاسم، والإمامية، ~~وإسحاق بن راهويه وأصحابه، وداود، وسائر أهل الحديث، فقالوا: لا تجب النفقة ~~ولا السكنى. وذهب عمر بن الخطاب، وعمر بن عبد العزيز، والناصر، والإمام ~~يحيى، وأبو حنيفة، والثوري، وأهل الكوفة، إلى وجوب النفقة والسكنى؛ قالوا: ~~أما السكنى فلقوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم} (¬1). وأما النفقة فلأنها ~~محبوسة عليه. وذهب الشافعي ومالك وآخرون إلى وجوب السكني لها دون النفقة؛ ~~لقوله تعالى: {أسكنوهن من حيث سكنتم}. وأما النفقة فلقوله تعالى: {وإن كن ~~أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن}. ومفهوم الشرط يدل على أنها لا ~~تحب لغير الحامل، وأما الرجعية التي ليست بحامل فوجوب النفقة لها بدليل ~~الإجماع، وذهب الهادي والمؤيد إلى وجوب النفقة دون السكني في البائن، ~~قالوا: لقوله تعالى: {وللمطلقات متاع} (¬2). وإذ حبست بسببه كالرجعية، ولا ~~سكنى لها؛ [لأن] (أ) قوله تعالى: {من حيث سكنتم}. يدل على أن ذلك حيث يكون ~~الزوج، وهو يقتضي الاختلاط، ولا يكون ذلك PageV08P185 # إلا في حق الرجعية. قالوا: وأما تقييد النفقة بحالة الحمل فليس ذلك للعمل ~~بالمفهوم، وإنما هو لما كانت مدة الحمل قد تطول بحسب الأغلب فاستبعد وجوب ~~الإنفاق فيها كلها، فنبه بالتقييد على وجوبها فيها وإن طالت المدة. ورده ~~ابن السمعاني بأنه لا أغلبية في طول مدة الحمل، بل تكون تارة أقصر، وتارة ~~مساوية، وتارة أطول، فلا تظهر فائدة غير التخصيص. # واعلم أنه قد طعن علي حديث فاطمة بنت قيس قديما وحديثا بثمانية مطاعن؛ ~~أولها، ما رواه مسلم (¬1) في "الصحيح" عن أبي إسحاق قال: كنت مع الأسود بن ~~يزيد جالسا في المسجد الأعظم ومعنا الشعبي، فحدث الشعبي بحديث فاطمة بنت ~~قيس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجعل لها سكنى ولا نفقة، فأخذ ~~الأسود كفا من حصى فحصبه به، فقال: ويلك! تحدث بمثل هذا؟ قال عمر: لا نترك ~~كتاب ربنا وسنة نبينا - صلى الله عليه وسلم - لقول امرأة، لا ندري أحفظت أم ~~نسيت، لها السكنى والنفقة، قال الله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا ~~يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} ms1710 (¬2). قالوا: فهذا عمر قال: سنة نبينا. ~~وقد ثبت أن قول الصحابي (أ): سنة نبينا. مرفوع، وإذا تعارضت رواية عمر ~~ورواية فاطمة، كانت روايته أرجح. # الثاني، قول عائشة رضي الله عنها: ما لفاطمة (ب) بنت قيس خير إن PageV08P186 # تذكر هذا الحديث. أخرجه في "الصحيحين" (¬1). وفي "صحيح البخاري" (¬2) عن ~~عائشة قالت: إن فاطمة كانت في مكان وحش (¬3)، فخص على ناحيتها، فلذلك أرخص ~~لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. يعني في الخروج. # الثالث، ما روى عبد الله بن صالح كاتب الليث، قال: حدثني الليث بن سعد ~~حدثني جعفر عن ابن هرمز عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، قال: كان محمد بن أسامة ~~بن زيد يقول: كان أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئا من ذلك، يعني من انتقالها في ~~عدتها، رماها بما في يده (¬4). # الرابع، أن مروان لما حدث بحديث فاطمة، قال: لم نسمع هذا إلا من امرأة، ~~سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها (¬5). # الخامس، ما رواه أبو داود في "سننه" (¬6)، قال سعيد بن المسيب: إنها كانت ~~امرأة لسنة، فوضعت على يدي ابن أم مكتوم. # السادس: ما رواه أبو داود (¬7) عن سليمان بن يسار، قال في خروج فاطمة: ~~إنها كانت من سوء الخلق. PageV08P187 # السابع، ما أخرجه النسائي (¬1) من إنكار الأسود بن يزيد على الشعبي لما ~~أفتى بذلك، وقال: ويلك! لم تفتي بمثل هذا؟ قال عمر لها: إن جئت بشاهدين ~~يشهدان أنهما سمعاه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإلا لم نترك ~~كتاب ربنا لقول امرأة. # الثامن، ما أخرجه أبو محمد بن حزم (¬2) عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وقد ~~ذكر حديث فاطمة بنت قيس، ثم قال: فأنكر الناس عليها ما كانت تحدث من خروجها ~~قبل أن تحل. فالوا: وقد عارض رواية فاطمة صريح رواية عمر في إيجاب النفقة ~~والسكنى؛ فروى حماد بن سلمة عن حماد بن أبي [سليمان] (أ)، أنه أخبره ~~إبراهيم النخعي بحديث الشعبي عن فاطمة بنت قيس، فقال له إبراهيم: إن عمر ~~أخبر بقولها، فقال: لسنا بتاركي آية من كتاب الله ms1711 وقول النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - لقول امرأة؛ لعلها أوهمت، سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "لها السكنى والنفقة". انتهى. # وقد أجيب عن المطاعن بما حاصله أنها تضمنت أربعة أمور؛ أحدها، كون الراوي ~~امرأة، ولم تقترن بشاهدين عدلين يتابعانها على حديثها. ثانيها، أن الرواية ~~تخالف ظاهر القرآن. الثالث، أن خروجها من المنزل لم يكن لأنه لا حق لها في ~~السكنى، بل لإيذائها أهل زوجها بلسانها. الرابع، معارضة روايتها لرواية ~~عمر. PageV08P188 # وأجيب عنها: أما الأول، فكون الراوي امرأة غير قادح، فكم من سنن ثبتت عن ~~النساء، يعلم ذلك من اطلع على السنن، وعرف مسانيد الصحابة، وعدم متابعة ~~غيرها لها من الصحابة لا يقدح أيضا، فإن من قبل رواية الواحد، وهم الأكثر، ~~لا يفرقون بين المرأة والرجل، وأما عمر رضي الله عنه فإنه قد فعل مثل هذا ~~في حق أبي موسى الأشعري في خبر الاستئذان (¬1) حتى شهد اثنان، ولعل ذلك ~~للتردد في الحفظ، وإلا فقد قبل خبر الضحاك بن سفيان الكلابي في توريث امرأة ~~أشيم (أ) من الدية (¬2)، وقبل لعائشة رضي الله عنها عدة أحاديث تفردت بها. # وأما الثاني، وهو مخالفتها لظاهر القرآن، فإن الجمع ممكن بحمل هذا الحديث ~~على التخصيص لبعض أفراد العام، أو نسخ مع التراخي، والتخصيص بخبر الواحد ~~صحمح إلا عند الحنفية، فلا مخالفة حينئذ. # وأما الثالث، وهو أن خروجها كان لفحش في لسانها، فهو مستبعد في حقها، فهي ~~من خيار الصحابة وفضلائهم من المهاجرات الأول، وكان لو أمرها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بكف لسانها لم تخالفه. # وأما الرابع، وهو معارضة روايتها برواية عمر، وهي تورد من وجهين، أحدهما، ~~قوله: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا. وأن هذا من حكم المرفوع. والثاني، ~~قوله: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "لها السكنى والنفقة". PageV08P189 # والجواب عن ذلك، بأن الإمام أحمد أنكر هذه الزيادة من قول عمر، وجعل ~~يتبسم ويقول: أين في كتاب الله إيجاب النفقة والسكنى للمطلقة ثلاثا؟ وقال: ~~لا يصح هذا عن عمر. قاله أبو الحسن ms1712 الدارقطني، وأما حديث إبراهيم النخعي ~~الذي مر، فإبراهيم لم يسمعه من عمر، فإنه لم يولد إلا بعد موت عمر بسنين، ~~فذلك على تقدير ثبوته لا يكون إلا بواسطة، والواسطة قد تكون ممن قصر حفظه ~~وثقته في رواية الحديث، ولو كان ذلك ثابتا لروي لفاطمة في دفع حديثها ~~وانقطعت حجتها. وقد تناظر في هذه المسألة ميمون بن مهران وسعيد بن المسيب، ~~فذكر له ميمون حديث فاطمة، فقال له سعيد: تلك امرأة فتنت الناس. فقال له ~~ميمون: لئن كانت إنما أخذت بما أفتاها به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ما فتنت الناس، وإن لنا في رسول الله أسوة حسنة. مع أن حديث فاطمة احتج به ~~جماعة من الفقهاء في عدة أحكام، فمالك والشافعي وجمهور الأمة يحتجون به في ~~سقوط نفقة المبتوتة إذا كانت حائلا، والشافعي نفسه احتج به على جواز جمع ~~الثلاث؛ لأن في بعض ألفاظه؛ فطلقني ثلاثا. واحتج به من يرى جواز نظر المرأة ~~إلى الرجال، واحتج به الأئمة كلهم على جواز خطبة الرجل على خطبة أخيه إذا ~~لم تكن المرأة قد سكنت إلى الخاطب الأول، وعلى جواز ذكر ما في الرجل إذا ~~كان على وجه النصيحة لمن استشاره أن يزوجه أو يعامله أو يسافر معه، وأن ذلك ~~ليس بغيبة، وعلى جواز نكاح القرشية من غير القرشي، وعلى وقوع الطلاق وإن لم ~~يكن الزوج حاضرا عند الزوجة، وعلى PageV08P190 # جواز التعريض بالخطبة في حق البائن، والله أعلم. # 916 - وعن أم عطية رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "لا تحد امرأة على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا، ولا ~~تلبس ثوبا مصبوغا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيبا إلا إذا طهرت، نبذة ~~من قسط وأظفار". متفق عليه، وهذا لفظ مسلم (¬1). ولأبي داود والنسائي (¬2) ~~من الزيادة: "ولا تختضب". وللنسائي (¬3): "ولا تمتشط". الحديث. # قوله: "لا تحد امرأة". فيه دلالة على أنه لا يحل للمرأة الإحداد على غير ~~الزوج، أبا كان أو غير أب، فوق ms1713 الثلاث، وأنه يجوز الإحداد الثلاث أو أقل ~~منها، وكأن هذا القدر أبيح لأجل غلبة الطباع البشرية للإنسان، وأنه لا يكاد ~~يقدر أن يدفع الجزع والحزن ويتسلى عن المصائب بالكلية، وكانت الشريعة على ~~الحنيفية السهلة وتوسيع الأمر إذا ضاق؛ لطفا من الله ورحمة، كما أراد ~~بعباده اليسر، ولم يحملهم على الإصر والعسر، وقد أخرج أبو داود في ~~"المراسيل" (¬4)، من حديث عمرو بن شعيب، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~رخص للمرأة أن تحد على أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام. فلو صح ~~كان مخرجا للأب من هذا العموم، ولكنه مرسل أو معضل؛ لأن عمرو بن شعيب PageV08P191 # إنما أدرك صغار الصحابة وروى عنهم القليل، وجل روايته عن التابعين. # وقوله: "امرأة". يخرج الصغيرة. وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة وأصحابه وتخريج ~~أبي (أ) العباس للهادي، والخلاف للجمهور، قالوا (ب): وذكر المرأة خرج مخرج ~~الغالب، ولأن التكليف على وليها يمنعها من الطيب والزينة، ولأن العدة واجبة ~~على الصغيرة كالكبيرة، ولأنه لا تحل خطبتها، وكذا في الرواية الأخرى: "لا ~~يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر" (¬1). فالتقييد بالإيمان إنما هو لأن ~~المؤمنة هي المعتبرة في بيان ما يجب عليها ويحرم، وإن كانت الكافرة كذلك، ~~والخلاف لأبي ثور وبعض المالكية. # وقوله: "على ميت". ظاهره [أنه] (ج) لا إحداد على المطلقة، فإن كان رجعيا ~~فإجماع، وإن [كان] (د) بائنا، فذهب أنه لا إحداد عليها الجمهور، وهو مذهب ~~الهادي، والمؤيد، والإمام يحيى، والشافعي، ومالك، وربيعة، ورواية عن أحمد، ~~لظاهر التقييد بالميت، فالمفهوم أن غيره لا إحداد عليه، ولأن الإحداد إنما ~~شرع لقطع ما يدعو إلى الجماع، وكان هذا في حق [المنبتة] (ه) لتعذر رجوعها ~~إلى الزوج، وأما المطلقة بائنا، فلأنه (و) يصح أن PageV08P192 # تعود مع زوجها بعقد إذا لم تكن مثلثة، وذهب علي وزيد بن علي وتخريج أبي ~~العباس للهادي وأبو حنيفة وأصحابه وأبو [عبيد] (أ) وأبو ثور إلى وجوب ~~الإحداد على المطلقة بائنا قياسا على المتوفى عنها، وقال به بعض الشافعية ~~والمالكية، قالوا: لأنهما اشتركتا في ms1714 العدة واختلفتا في سببها، ولأن العدة ~~تحرم النكاح فحرمت دواعيه، والإحداد معقول المعنى، وهو أن إظهار الزينة ~~والطيب والحلي مما يدعو المرأة إلى الرجال، ويدعو الرجال إليها، فلا يؤمن ~~أن تكذب في انقضاء عدتها استعجالا لذلك، فمنعت من دواعي ذلك وسدت إليه ~~الذريعة. # وهذا الحديث لا يدل على وجوب الإحداد رأسا، وإنما المفهوم يدل على حله ~~على الزوج المدة المذكورة، وقال بوجوبه في حق المنبتة الأكثر، ويدل على ذلك ~~حديث أم سلمة أخرجه أبو داود (¬1)، أنه قال: "المتوفى عنها زوجها لا تلبس ~~المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تكتحل، ولا تختضب". وأخرج ~~أيضا (¬2) عنها قالت: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حين توفي ~~أبو سلمة وقد جعلت علي صبرا، فقال: "ما هذا يا أم سلمة؟ ". قلت: صبر يا ~~رسول الله، ليس فيه طيب. قال: "إنه يشب الوجه، فلا تجعليه إلا بالليل، ~~وتنزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب، ولا بالحناء، فإنه خضاب". قالت: قلت: ~~يا رسول الله، بأي شيء أمتشط؟ قال: "بالسدر، تغلفين (ب) به رأسك". وذهب ~~الحسن البصري فيما رواه عنه حماد بن PageV08P193 # سلمة عن حميد أنه قال (¬1): إن المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها زوجها (أ) ~~يكتحلان، ويمتشطان، ويتطيبان، ويختضبان، وينتعلان، ويصبغان ما [شاءتا] (ب). ~~ومثله الحكم بن عتيبة فيما رواه عن شعبة: أن المتوفى عنها لا تحد. وكذا نقل ~~الخلال بسنده عن أحمد عن هشيم عن داود عن الشعبي، أنه كان لا يعرف الإحداد ~~(¬2)، قال أحمد: ما كان بالعراق أشد تبحرا من هذين. يعني الحسن والشعبي. ~~قال: وخفي ذلك عليهما. انتهى. وحجتهما ما رواه أحمد (¬3) وصححه ابن حبان، ~~عن أسماء بنت عميس، قالت: دخل علي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليوم ~~الثالث من قتل جعفر بن أبي طالب، فقال: "لا تحدي بعد يومك". هذا لفظ أحمد، ~~وفي رواية له ولابن حبان والطحاوي (¬4): لما أصيب جعفر أتانا النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: "تسلبي ثلاثا، ثم اصنعي ما شئت". وأخرج ابن حزم (1) ~~من طريق [الخشني] (ج) محمد ms1715 بن عبد السلام عن عبد الله بن شداد بن الهاد، أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لامرأة جعفر بن أبي طالب: "إذا PageV08P194 # كان ثلاثة أيام فالبسي، أو بعد ثلاثة أيام". شك شعبة. ومن طريق حماد بن ~~سلمة عن عبد الله بن شداد بن الهاد (¬1)، أن أسماء بنت عميس استأذنت النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أن تبكي على جعفر وهي امرأته، فأذن لها ثلاثة أيام، ~~ثم بعث إليها بعد ثلاثة أيام، أن تطهري واكتحلي. قالوا: وهذا ناسخ لأحاديث ~~الإحداد؛ لأنه بعدها، فإن أم سلمة أمرت بالإحداد بعد موت زوجها، وموته ~~متقدم على قتل جعفر رضي الله عنهما. وقد أجيب عن هذا بأجوبة؛ منها، أنه ~~مخالف للأحاديث الصحيحة، وقد أجمعوا على خلافه. ولا يخفى ما في هذا الجواب ~~من الركة. ومنها، أن جعفرا قتل شهيدا، والشهداء أحياء عند ربهم. وهذا كذلك، ~~فإنه كان يلزم جريه في حق غيره من الشهداء كحمزة وغيره. ومنها، أن أحاديث ~~وجوب الإحداد ناسخة لهذه الأحاديث المبيحة. ذكره الطحاوي، ودعوى النسخ لا ~~تصح مع ما قد عرفت من تأخر قصة أسماء بنت عميس، بل الأمر بالعكس. ومنها، ~~أنه يحتمل أن أسماء فعلت من الإحداد قدرا زائدا على ما يجب عليها، فنهيت ~~بعد الثلاث عن ذلك الزائد، ووسع لها في الثلاث لشدة ما ألم بها من المصيبة. ~~ومنها، أنه يحتمل أنها كانت حاملا، فوضعت بعد الثلاثة الأيام فانقضت عدتها، ~~وحديث: "تسلبي ثلاثا". يحمل على أنه - صلى الله عليه وسلم - اطلع على أن ~~عدتها تنقضي بعد الثلاث، ويكون من أعلام النبوة. ومنها، أنه يحتمل أنه كان ~~قد أبان طلاقها، فتكون عدتها عدة طلاق ولا إحداد عليها، كما سبق الخلاف. # ومنها، أن حديث عبد الله بن شداد إن كانت روايته لذلك عن قول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فهو منقطع؛ لأنه لم يسمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ولا رآه، وإن كان PageV08P195 # روايته عن أسماء فقد قال البيهقي (¬1): إنه لم يسمع من أسماء. وهذه العلة ~~مدفوعة، فقد صححه ms1716 أحمد لكنه قال: إنه مخالف للأحاديث الصحيحة. وأما طريق ~~حماد بن سلمة ففيها الحجاج بن أرطاة (¬2)، ولا يعارض بحديثه حديث الأثبات ~~فرسان الحديث. # وهذه الأجوبة لا يخفى عليك ما فيها، وقد روى ابن حبان لفظ "تسلبي"، فقال: ~~"تسلمي". بالميم بدل الباء، وقد فسرها بأنه أمرها بالتسليم لأمر الله ~~تعالى، قال: ولا مفهوم للتقييد بالثلاث؛ لأن الحكمة كون القلق يكون في ~~ابتداء الأمر أشد. ويدفع هذا التصحيف التكلف فيه التأويل ما وقع في رواية ~~البيهقي وغيره (¬3): فأمرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أتسلب ~~ثلاثا. فتبين خطؤه. # وقوله: "أربعة أشهر وعشرا". قيل: الحكمة فيه أن الولد يتكامل تخليقه، ~~وينفخ فيه الروح بعد مضي مائة وعشرين يوما، وهي زيادة على أربعة أشهر ~~بنقصان الأهلة، فجبر الكسر إلى العقد على طريق الاحتياط، وذكر العشر مؤنثا ~~لإرادة الليالي، والمراد مع أيامها عند الجمهور، فلا تحل حتى تدخل الليلة ~~الحادية عشرة، وعن الأوزاعي وبعض السلف: تنقضي بمضي الليالي العشر بعد ~~الأشهر، وتحل في أول اليوم العاشر. # وقوله: "ثوبا مصبوغا". ظاهره يعم المعصفر والمزعفر وغير ذلك، قال PageV08P196 # ابن المنذر (¬1): أجمع العلماء على أنه لا يجوز للحادة لبس الثياب ~~المعصفرة ولا المصبغة إلا ما صبغ بسواد، فرخص فيه مالك والشافعي؛ لكونه لا ~~يتخذ للزينة، بل هو من لباس الحزن. وقال المهدي في "البحر": ويحرم من ~~اللباس المصبوغ للزينة ولو بالمغرة، وهو (أ) تراب أحمر، وهو المشق أيضا وما ~~في منزلته؛ لحسن صنعته، والمطرز والمنقوش بالصبغ والحلي جميعا. وقال الإمام ~~يحيى: لها لبس البياض والسواد والأكهب (¬2) وما بلي صبغه والخاتم والودع ~~والزقر (¬3). ومثله ذكر ابن دقيق العيد (¬4) في الأبيض من الثياب، ومنع بعض ~~المالكية المرتفع منها الذي يتزين به، وكذلك الأسود إذا كان مما يتزين به، ~~وقال النواوي (¬5): رخص أصحابنا فيما لا يتزين به ولو كان مصبوغا، واختلف ~~في الحرير، والأصح عند الشافعية منعه مطلقا، مصبوغا أو غير مصبوغ؛ لأنه ~~أبيح للنساء التزين به، والحادة ممنوعة من التزين، فكان في حقها كما في حق ~~الرجال، وفي التحلي ms1717 بالذهب والفضة وباللؤلؤ ونحوه وجهان، الأصح جوازه، وفيه ~~نظر من جهة المعنى في المقصود بلبسه، وفي المقصود بالإحداد، فإنه عند ~~تأملهما يترجح المنع، والله أعلم. انتهى. # وقوله: "إلا ثوب عصب". بعين مهملة مفتوحة ثم صاد ساكنة مهملة PageV08P197 # ثم باء موحدة، والثوب مضاف إلى العصب، وثوب العصب من برود اليمن، وهو ما ~~يعصب غزله؛ أي يربط ثم يصبغ ثم ينسج معصوبا، فيخرج موشى لبقاء ما عصب منه ~~أبيض لم ينصبغ، وإنما يعصب السدى دون اللحمة، وقال صاحب "المنتهى" (¬1): هو ~~المفتول من برود اليمن. وذكر أبو موسى المديني في "ذيل الغريب" (¬2) عن بعض ~~أهل اليمن، أنه من دابة بحرية تسمى [فرس] (أ) فرعون يتخذ منها الخرز (ب) ~~وغيره ويكون أبيض. وهذا غريب، وأغرب منه قول السهيلي (¬3): إنه نبات لا ~~ينبت إلا باليمن. وعزاه لأبي حنيفة الدينوري. وأغرب منه قول الداودي (1): ~~المراد بثوب العصب الأخضر، وهي الحبرة. قال المصنف (1) رحمه الله تعالى: ~~وليس له سلف في ذلك. # وفيه دلالة على جواز لبس ما صبغ غزله قبل نسجه كالمعصوب؛ لعدم الزينة، ~~ويلحق به ما كان صبغه لغير الزينة مثل السواد، أو كان الصبغ لتقبيح المصبوغ ~~أو لستر الوسخ، قال الشافعي (¬4) رحمه الله تعالى: وفي الثياب زينتان؛ ~~أحدهما، جمال الثياب على اللابسين. والثاني، الستر للعورة. فالثياب زينة ~~لمن يلبسها، وإنما نهيت الحادة عن زينة بدنها ولم تنه عن ستر عورتها، فلا ~~بأس أن تلبس كل ثوب من البياض، لأن البياض ليس يزين، PageV08P198 # وكذلك الصوف والوبر، وكل ما ينسج على وجهه ولم يدخل عليه صبغ؛ من خز أو ~~غيره، وكذلك كل صبغ لم يرد به التزين كالسواد وما صبغ لتقبيح، أو لنفي ~~الوسخ عنه، فأما ما كان من زينة، أو وشي في ثوب أو غيره، فلا تلبسه الحادة، ~~وذلك لكل حرة أو أمة، كبيرة أو صغيرة، مسلمة أو ذمية. انتهى كلامه. # قال ابن عبد البر (¬1): وقول الشافعي في هذا الباب نحو قول مالك، وقال ~~أبو حنيفة: لا تلبس ثوب عصب ولا خز، وإن لم يكن مصبوغا، ms1718 إذا أرادت به ~~الزينة، وإن لم ترد به الزينة فلا بأس بلبس الثوب المصبوغ، وإذا اشتكت ~~عينها اكتحلت. انتهى. وظاهر كلام الأئمة أن مدار النهي على التعليل ~~بالزينة، فالمعصوب إذا كان فيه زينة منعت منه، ويكون الحديث مخصصا بالمعنى ~~المناسب للمنع. وقال [أبو] (أ) محمد بن حزم (¬2): إنها تجتنب الثياب ~~المصبغة فقط، ومباح لها أن تلبس بعد ما شاءت من حرير أبيض أو أصفر من لونه ~~الذي لم يصبغ، والصوف الذي من أصله أصفر من غير صبغ، ومباح لها أن تلبس ~~المنسوج بالذهب، والحلي كله من الذهب والفضة والجوهر والياقوت والزمرد وغير ~~ذلك. وهذا جمود منه على ظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تلبس ثوبا ~~مصبوغا". ويرد عليه في حل الحلي ما في "سنن أبي داود" (¬3) من حديث أم ~~سلمة، أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "المتوفى عنها زوجها لا PageV08P199 # تلبس المعصفر من الثياب، ولا الممشقة، ولا الحلي، ولا تكتحل، ولا تختضب". ~~إلا أنه قال (¬1): لا يصح الحديث؛ لأنه من رواية إبراهيم بن طهمان بن سعيد ~~الخراساني. ورد عليه بأن إبراهيم من الحفاظ الأثبات الثقات، وقد صحح حديثه ~~ابن المبارك، وأحمد بن حنبل وأبو حاتم (أ) وثقاه، وقال ابن معين والعجلي: ~~لا بأس به. وقال أبو حاتم: صدوق حسن الحديث. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: ~~كان ثقة في الحديث، لم يزل الأئمة يشتهون حديثه، ويرغبون فيه، ويوثقونه. ~~وقال أبو داود: ثقة. وقال إسحاق بن راهويه: كان صحيح الحديث، حسن الرواية، ~~كثير السماع، ما كان بخراسان أكثر حديثا منه، وهو ثقة، وروى له الجماعة. ~~وقال يحيى بن أكثم القاضي: كان من أنبل من حدث بخراسان والعراق والحجاز ~~وأوثقهم وأوسعهم علما. وقال المسعودي: سمعت مالك بن سليمان يقول: مات ~~إبراهيم بن طهمان سنة ثمان وستين ومائة بمكة، ولم يخلف مثله (¬2)، وإنما ~~قدح عليه بالإرجاء، كذا ذكر الدارقطني (¬3)، وقد قيل: إنه رجع عن ذلك. # وقوله: "ولا تكتحل". فيه دلالة على تحريم الاكتحال على الحادة من دون ~~حاجة، وهو قول الجمهور من العلماء، ms1719 وقالت طائفة من أهل PageV08P200 # العلم: يجوز مع كراهة؛ جمعا بين أدلة التحريم والحل، وهو قوله لأم سلمة: ~~"اجعليه بالليل وامسحيه بالنهار". وقال بعض الشافعية: للسوداء أن تكتحل. ~~وكأنهم خصصوا عموم النهي بالمعنى المقصود من الحكم، وهو أن التحريم إنما هو ~~لأجل الزينة، وظاهر النهي سواء دعت إليه حاجة أم لا، وقد ذهب إلى هذا [أبو] ~~(أ) محمد بن حزم، فقال (¬1): لا تكتحل ولو ذهبت عيناها، لا ليلا ولا نهارا، ~~وحجته ما في حديث أم سلمة المتفق عليه (¬2): أن امرأة توفي عنها زوجها ~~فخافوا على عينها، فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستأذنوه في الكحل، ~~فما أذن فيه، بل قال "لا". مرتين أو ثلاثا. وذهب الجمهور من العلماء كمالك ~~وأحمد وأبي حنيفة والشافعي وأصحابهم إلى أنه يجوز الاكتحال بالإثمد ~~للتداوي، وحجتهم حديث أم سلمة الذي أخرجه أبو داود (¬3)، أنها قالت في كحل ~~الجلاء: لا تكتحلي به إلا من أمر لا بد منه يشتد عليك، فتكتحلين بالليل، ~~وتغسلينه بالنهار. وقوله (¬4) - صلى الله عليه وسلم -[لأم سلمة] (ب) وقد ~~جعلت على وجهها صبرا، فقال: "إنه يشب الوجه". فقال: "لا تجعليه إلا بالليل، ~~وتنزعيه بالنهار". قال أبو عمر ابن عبد البر (¬5): وهذا عندي وإن كان ~~مخالفا لحديثها الآخر الناهي عن الكحل مع الخوف على PageV08P201 # العين، إلا أنه يمكن الجمع بأنه عرف من حال التي نهاها أن حاجتها إلى ~~الكحل خفيفة غير ضرورية، والإباحة في الليل لدفع الضرر بذلك، فلو كان لا ~~يغني الوضع في الليل جاز لها في النهار، والضرورة تنقل المحرم إلى الإباحة، ~~ولذلك جعل مالك حديث الإباحة في الليل مفسرا لحديث النهي، وقد ذكر مالك في ~~"موطئه" (¬1) أنه بلغه عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار، أنهما كانا ~~يقولان في المرأة يتوفى عنها زوجها: إنها (أ) إذا خشيت على بصرها من رمد ~~بعينها، أو شكوى أصابتها، أنها تكتحل وتداوى بالكحل، وإن كان فيه طيب. قال ~~أبو عمر (¬2): لأن القصد إلى التداوي لا إلى الطيب، والأعمال بالنيات. وقال ~~أبو محمد بن قدامة ms1720 في "المغني" (¬3): إنما تمنع الحادة من الكحل بالإثمد؛ ~~لأنه الذي (أ) تحصل به الزينة، فأما الكحل بالتوتيا (¬4) والعنزروت (ب) ~~(¬5) ونحوهما فلا بأس به؛ لأنه لا زينة فيه، بل يقبح العين. قال: ولا تمنع ~~من جعل الصبر على غير وجهها من بدنها، لأنه إنما منع منه في الوجه لأنه ~~يصفره فيشبه الخضاب، فلهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنه يشب ~~الوجه". قال: ولا تمنع من تقليم PageV08P202 # الأظفار، ونتف الإبط، وحلق الشعر المندوب إلى حلقه، ولا من الاغتسال ~~بالسدر، والامتشاط به؛ لحديث أم سلمة، ولأنه يراد للتنظيف لا للطيب. قال ~~الإمام يحيى: ولها أن تدهن بالزيت والسمن. # وقوله: "ولا تمس طيبا". فيه دلالة على تحريم الطيب، ولا خلاف في تحريمه ~~عند من أوجب الإحداد، وهو شامل للمسك والعنبر والكافور والند (¬1) والغالية ~~(¬2) والزباد (¬3) والذريرة (¬4) والبخور، والأدهان المطيبة كماء الورد ~~وماء القرنفل وماء زهر الرانج وغير ذلك. # وقوله: "إلا إذا طهرت". يعني إذا اغتسلت عند الطهر من الحيض. # وقوله: "نبذة". بضم النون، القطعة من الشيء. # وقوله: "من قسط". بقاف مضمومة، "وأظفار". بالواو العاطفة، ويقال: كست. ~~بالكاف. قال أبو عبد الله البخاري (¬5): القسط والكست مثل الكافور ~~والقافور. أي يجوز في كل منهما الكاف والقاف، ويقال بإبدال الطاء في القسط ~~بالتاء المثناة. قال النووي (¬6): القسط والأظفار نوعان معروفان من البخور، ~~وليسا من مقصود الطيب، رخص فيه للمغتسلة من PageV08P203 # الحيض لإزالة الرائحة الكريهة، تتبع به أثر الدم، لا للطيب. قال المصنف ~~رحمه الله تعالى (¬1): المقصود من التطيب بهما أن يخلطا في أجزاء أخر من ~~غيرهما، ثم تسحق فتصير طيبا، والمقصود بهما هنا كما قال [الشيخ] (أ) أن ~~تتبع بهما أثر الدم لإزالة الرائحة لا للتطيب. وزعم الداودي أن المراد أنها ~~تسحق القسط وتلقيه في الماءآخر غسلها لتذهب رائحة الحيض، واستدل به على ~~جواز استعمال ما فيه منفعة لها، وإن كانت ممنوعة منه، إذا استعملته لغير ~~الوجه الذي منعت منه، والله أعلم. # وقوله: "ولا تمتشط". النهي محمول على الامتشاط بما فيه طيب، تفسره رواية ~~أبي داود المتقدمة: ms1721 "ولا تمتشطي بالطيب". والله أعلم. # 917 - وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: جعلت على عيني صبرا بعد أن توفي ~~أبو سلمة، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنه يشب الوجه، فلا ~~تجعليه إلا بالليل، وانزعيه بالنهار، ولا تمتشطي بالطيب ولا بالحناء، فإنه ~~خضاب". قلت: بأي شيء أمتشط؟ قال: "بالسدر". رواه أبو داود والنسائي (¬2) ~~وإسناده حسن. # 918 - وعنها رضي الله عنها، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابنتي مات ~~عنها زوجها، وقد اشتكت عينها، أفتكحلها؟ قال: "لا". متفق عليه (¬3). PageV08P204 # الحديث أخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن وهب، وفي إسناده المغيرة بن ~~الضحاك (¬1)، عن أم حكيم بنت أسيد (¬2)، عن أمها، عن [مولاة] (أ) لها، عن ~~أم سلمة، وقد أعله عبد الحق والمنذري (¬3) بجهالة حال المغيرة ومن فوقه، ~~ويؤيده ما رواه الشافعي (¬4) عن مالك، أنه بلغه. فذكر نحوه، ويؤيده رواية ~~"الصحيحين" في جوابه على المرأة المذكورة، والمرأة السائلة هي عاتكة بنت ~~نعيم أخت عبد الله بن نعيم، وزوجها المغيرة المخزومي، وقع مسمى في "موطأ ~~ابن وهب" (¬5)، وقد تقدم ما يتعلق بفقه الحديث. # وقوله: "أفتكحلها؟ ". هو بضم الحاء. # 919 - وعن جابر رضي الله عنه قال: طلقت خالتي، فأرادت أن تجد نخلها، ~~فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "بل (ب) جدي ~~نخلك، فإنك عسى أن تصدقي، أو تفعلي معروفا". رواه مسلم (¬6). PageV08P205 # بوب له مسلم (¬1): باب جواز خروج المعتدة البائن. فذكره، وأخرجه أبو داود ~~والنسائي (¬2) بزيادة: طلقت خالتي ثلاثا. دل على جواز خروج المعتدة في عدة ~~البائن من منزلها في النهار للحاجة إلى ذلك، ولا يجوز لغير حاجة، وقد ذهب ~~إلى ذلك علي والقاسم والمنصور بالله وأبو حنيفة، كما أذن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وعلله بالصدقة أو فعل معروف، وظاهره التعليق بالغرض الديني أو ~~الدنيوي، ولقوله تعالى: {لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن} (¬3) الآية. ~~فالآية مطلقة في النهي عن الخروج، والحديث مقيد ذلك بالغرض، وظاهر الآية ~~الإطلاق في البائن والرجعي، قالوا: ويجوز الخروج للحاجة والعذر ليلا ms1722 ~~ونهارا. قالوا: ومن العذر الخوف وخشية انهدام المنزل ونحو ذلك. قال الإمام ~~يحيى: ومن العذر إخراج صاحب المنزل إياها عند انقضاء مدة الإجارة، أو لأجل ~~تعذر الأجرة والإفلاس. قال: لقوله تعالى: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} ~~(¬4). ومثل هذا ذكره في "عجالة المنهاج" للشافعية، قال: وكذا إذا تأذت ~~بالجيران أو هم بها، أذى شديدا؛ إزالة للضرر، وقال الله تعالى: {لا تخرجوهن ~~من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة}. والفاحشة مفسرة بالبذاءة؛ ~~إما على الأحماء، أو غيرهم. انتهى. # وذهب مالك والثوري والليث والشافعي وأحمد وآخرون إلى أنه يجوز PageV08P206 # خروجها في النهار مطلقا (أ)، وحكاه في "البحر" عن أحد قولي الشافعي إلى ~~أنه يجوز الخروج في النهار مطلقا دون الليل، قالوا: للحديث المذكور، وقياسا ~~على عدة الوفاة. قال الإمام المهدي: قلنا: الجداد عذر، والوفاة صيرتها في ~~حكم الأجنبية. وقد يجاب عنه بأنه إن أراد بالعذر ما يدعو إليه غرض، فالحق ~~ما ذهب إليه المجوزون مطلقا، وإن أراد بالعذر هو الأمر الذي تدعو إليه ~~الحاجة، ويحصل الضرر بفواته، فالحديث يدل على خلافه، فإنه علله بالصدقة أو ~~فعل المعروف. # وقوله: أن تجد. بالدال المهملة، كذا في النهاية (¬1)، ويدل الحديث على ~~استحباب الصدقة من التمر عند جذاذه، والهدية، واستحباب التعريض لصاحبه بفعل ~~ذلك، والتذكير بالمعروف والبر. وخالة جابر ذكرها أبو موسى (¬2) في "ذيل ~~الصحابة" في المبهمات. # 920 - وعن فريعة بنت مالك، أن زوجها خرج في طلب أعبد له فقتلوه، قالت: ~~فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن أرجع إلى أهلي، فإن زوجي لم ~~يترك لي مسكنا يملكه ولا نفقة، فقال: "نعم". فلما كنت في الحجرة ناداني، ~~فقال: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله". قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر ~~وعشرا. قالت: فقضى به بعد ذلك عثمان. أخرجه أحمد والأربعة وصححه الترمذي ~~والذهلي وابن حبان PageV08P207 # والحاكم وغيرهم (¬1). # هي الفريعة، بضم الفاء وفتح الراء وسكون الياء وبالعين المهملة، بنت مالك ~~بن سنان، ويقال لها: الفارعة. وهي أخت أبي سعيد الخدري، شهدت بيعة الرضوان، ms1723 ~~ولها رواية، حديثها عند أهل المدينة، روت عنها زينب بنت كعب بن عجرة. # الحديث أخرجوه كلهم من حديث سعد بن إسحاق بن كعب، عن عمته زينب بنت كعب ~~بن عجرة، عن الفريعة، قال ابن عبد البر (¬2): هذا حديث معروف مشهور عند ~~علماء الحجاز والعراق. وأعله عبد الحق تبعا لابن حزم (¬3) بجهالة حال زينب ~~(¬4)، [وقال] (أ) (¬5): سعد بن إسحاق غير مشهور العدالة، مالك وغيره يقول ~~فيه: إسحاق بن سعد. وسفيان يقول: PageV08P208 # سعيد. وتعقب بأن زينب هذه من التابعيات، وهي امرأة أبي سعيد، روى عنها ~~سعد بن إسحاق وليس بسعيد، وقد ذكرها ابن حبان في كتاب "الثقات" (¬1)، والذي ~~غر أبا محمد قول علي بن المديني (¬2): لم يرو عنها غير سعد بن إسحاق. هذا ~~مدفوع أيضا؛ فإنه قد روى عنها [سليمان] (أ) بن محمد بن كعب بن عجرة حديث: ~~اشتكى الناس عليا، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - خطيبا، فسمعته يقول: ~~"يأيها الناس، لا تشكوا عليا، فوالله إنه لأخشن في ذات الله أو في سبيل ~~الله" (¬3). فهي امرأة تابعية كانت تحت صحابي، روى عنها الثقات ولم يطعن ~~فيها بحرف، واحتج الأئمة بحديثها وصححوه، وأيضا فإن سعد بن إسحاق (¬4) وثقه ~~يحيى بن معين والنسائي والدارقطني. وقال أبو حاتم (¬5): صالح. وذكره ابن ~~حبان في [كتاب] (ب) "الثقات" (¬6). وقد روى عنه الناس؛ حماد بن زيد، وسفيان ~~الثوري، وعبد العزيز الدراوردي، وابن جريج، ومالك بن أنس، ويحيى بن سعيد ~~الأنصاري، والزهري وهو أكبر منه، وحاتم بن إسماعيل، وداود بن قيس، PageV08P209 # وخلق سواهم من الأئمة، ولم يعلم فيه بقدح ولا بجرح، ومثل هذا يحتج به ~~اتفاقا. # الحديث فيه دلالة على أن المتوفى عنها تعتد في بيتها الذي نوت الاعتداد ~~فيه ولا تخرج منه إلى غيره؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "امكثي في ~~بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله". وقد ذهب إلى هذا جماعة من الصحابة والتابعين ~~ومن بعدهم؛ فروى سعيد بن المسيب أن عمر رد نسوة من ذي الحليفة حاجات أو ~~معتمرات، توفي عنهن أزواجهن (¬1). وقال عبد الرزاق ms1724 (¬2) عن مجاهد: كان عمر ~~وعثمان يرجعانهن حاجات أو معتمرات من الجحفة أو ذي الحليفة. وأخرج أن امرأة ~~زارت أهلها وهي متوفى عنها في عدتها، فضربها الطلق، فأتوا عثمان فقال: ~~احملوها إلى بيتها وهي تطلق (¬3). وأخرج عن ابن عمر أنه كانت له ابنة تعتد ~~من وفاة زوجها، فكانت تأتيهم بالنهار فتحدث إليهم، فإذا كان الليل أمرها أن ~~ترجع إلى ييتها (¬4). وأخرج ابن أبي شيبة (¬5)، أن عمر رخص للمتوفى عنها أن ~~تأتي أهلها بياض يومها، وأن زيد بن ثابت رخص لها في بياض يومها. وأخرج عبد ~~الرزاق (¬6) عن ابن مسعود في نساء نعي إليهن أزواجهن، وشكين الوحشة، فقال ~~ابن مسعود: يجتمعن بالنهار، ثم ترجع كل امرأة منهن إلى بيتها بالليل. وأخرج ~~الحجاج بن المنهال أن امرأة سألت أم PageV08P210 # سلمة بأن أبي مريض، وأنا في عدة، أفآتيه أمرضه؟ قالت: نعم، [ولكن] (أ) ~~بيتي أحد طرفي الليل في بيتك (¬1). وأخرج سعيد بن منصور (¬2) أنه سئل ~~الشعبي عن ذلك، فقال: كان أكثر أصحاب ابن مسعود أشد شيء في ذلك، يقولون: لا ~~تخرج. وكان الشيخ -يعني علي بن أبي طالب- يرحلها. وأخرج حماد بن سلمة أن ~~عروة بن الزبير قال: المتوفى عنها زوجها تعتد في بيتها إلا أن ينتوي أهلها ~~فتنتوي معهم (¬3). وأخرج سعيد بن منصور (¬4) عن القاسم بن محمد، وسالم بن ~~عبد الله، وسعيد بن المسيب، قالوا: لا تبرح المتوفى عنها حتى تنقضي عدتها. ~~وأيضا عن عطاء وجابر كذلك (¬5). وأخرج وكيع (¬6) عن إبراهيم النخعي: لا بأس ~~أن تخرج بالنهار، ولا تبيت إلا في منزلها. وأخرج حماد عن ابن سيرين في ~~مريضة نقلها أهلها بعد وفاة زوجها، ثم سألوا، فكلهم يأمرهم أن ترد إلى ~~بيتها. قال ابن سيرين: فرددناها في نمط (¬7). وقال بهذا أحمد، ومالك، ~~والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم، والأوزاعي، وأبو عبيد، وإسحاق. وقال ابن ~~عبد البر (¬8): وبه يقول جماعة فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر، ~~وقضى به PageV08P211 # عثمان بمحضر من المهاجرين والأنصار، وتلقاه أهل الشام والحجاز والعراق ~~ومصر بالقبول، ولم يطعن أحد منهم في حديث الفريعة ms1725 ولا في رواته. # ويجب لها السكنى في مال زوجها؛ لقوله تعالى: {غير إخراج} (¬1). والآية ~~الكريمة وإن كان قد نسخ منها استمرار النفقة والكسوة حولا، فالسكنى باق ~~حكمها مدة العدة كما قال الشافعي رحمه الله تعالى (¬2): حفظت عمن أرضى به ~~من أهل العلم أن نفقة المتوفى عنها زوجها وكسوتها حولا منسوختان بآية ~~الميراث، ولم أعلم مخالفا فيما وصفت من نسخ نفقة المتوفى عنها زوجها ~~وكسوتها سنة أو أقل من سنة. ثم قال: ثم احتمل سكناها [إذ] (أ) كان مذكورا ~~مع نفقتها بأن يقع عليها اسم المتاع أن يكون منسوخا في السنة وأقل منها، ~~كما كانت الكسوة والنفقة منسوخة، واحتمل أن يكون نسخ في السنة، وأثبت في ~~عدة المتوفى عنها حتى تنقضي بآخر (ب) هذه الآية، يعني قوله: {غير إخراج}. ~~وأن تكون داخلة في جملة المعتدات؛ فإن الله تعالى يقول في المطلقات: {لا ~~تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة} (¬3). فلما فرض ~~الله سبحانه في المعتدة من الطلاق السكنى، وكانت المعتدة من الوفاة في ~~معناها، احتملت أن يجعل لها السكنى؛ لأنها في معنى المعتدات، فإن [كان] (ج) ~~هذا PageV08P212 # هكذا، فالسكنى لها في الكتاب منصوص أو في معنى من نص لها بالسكنى، وإن لم ~~يكن هذا ففرض السكنى لها في السنة. وهذا ما فهم من حديث الفريعة، وهذا أصح ~~قوليه رحمه الله تعالى. وقال الشافعي في كتاب العدد (¬1): الاختيار لورثة ~~الميت أن يسكنوها، وإن لم يفعلوا فقد ملكوا المال دونه، ولأن قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "امكثي في بيتك". وقد ذكرت أنه لا بيت لزوجها -يدل على ~~وجوب سكونها في بيت زوجها إذا كان له بيت بالطريق الأولى. وهذا القول ذهب ~~إليه الإمام يحيى، وقواه الإمام المهدي في "البحر" قال: قلت: وهو قوي. وذهب ~~جمع من الصحابة والتابعين والأئمة إلى أنه لا سكنى للمتوفى عنها؛ فأخرج عبد ~~الرزاق (¬2)، عن عروة بن الزبير، أن عائشة كانت تفتي المتوفى عنها بالخروج ~~في عدتها، وخرجت بأختها أم كلثوم حين قتل عنها طلحة بن ms1726 عبيد الله إلى مكة ~~في عمرة. وأخرج عن ابن عباس، أنه قال: إنما قال الله عز وجل: تعتد أربعة ~~أشهر وعشرا. ولم يقل: تعتد في بيتها. فتعتد حيث شاءت (¬3). ومثله أخرجه علي ~~بن المديني (¬4). وأخرج عبد الرزاق (¬5) أن جابر بن عبد الله يقول: تعتد ~~المتوفى عنها حيث شاءت. وأخرج عن الشعبي أن علي بن أبي طالب كان يرحل ~~المتوفى عنهن في عدتهن (¬6). وأخرج عن طاوس وعطاء أنهما قالا: المتوفى PageV08P213 # عنها والمبتوتة تحجان وتعتمران وتنتقلان وتبيتان (¬1). وأخرج عن عطاء ~~قال: لا يضر المتوفى عنها أين اعتدت (¬2). وقال ابن عيينة، عن عمرو بن ~~دينار، عن عطاء وأبي الشعثاء قالا جميعا: المتوفى عنها تخرج في عدتها حيث ~~شاءت (¬3). وأخرج ابن أبي شيبة (¬4)، عن عطاء: المطلقة ثلاثا والمتوفى عنها ~~تحجان في عدتهما. قال (¬5): الحسن يقول مثل ذلك. وأخرج ابن وهب عن عمر بن ~~عبد العزيز، أن المتوفى عنها وهي في سفر تلحق بأهلها ودار أبيها فتعتد ~~فيهما (¬6). وأخرج عن يحيى بن سعيد الأنصاري في رجل توفي بالإسكندرية ومعه ~~امرأته [وله بها دار] (أ) وله بالفسطاط دار، فقال: إن أحبت أن تعتد حيث ~~توفي زوجها فلتعتد، وإن أحبت أن ترجع إلى دار زوجها وقراره بالفسطاط فتعتد ~~فيها فلترجع (6). وأخرج مثل ذلك عن ابن عمر (6). وذهب إلى هذا القول الهادي ~~في أنه لا تجب لها السكنى، وأن الواجب (ب) عليها ألا تبيت إلا في منزلها، ~~وحجتهم كما تقدم في كلام ابن عباس أن الله أمرها باعتداد أربعة أشهر وعشر، ~~ولم يأمرها بمكان معين. وما PageV08P214 # أخرجه أبو داود (¬1)، عن ابن عباس أنه قال: نسخت هذه الآية عدتها عند ~~أهلها، فتعتد حيث شاءت. قال عطاء: ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث ~~شاءت. والجواب ما عرفت في حكاية القول الأول، وأن النسخ غير ثابت، والسنة ~~قائمة بثبوت السكنى في حديث الفريعة من غير وضوح المعارض، قال في "الهدي" ~~(¬2): وعلى القول بثبوت السكنى، فهو حق عليها إذا تركه لها الورثة، ولم يكن ~~عليها فيه ضرر، أو كان المسكن لها، ms1727 فلو حولها الوارث أو طلبوا منها الأجرة، ~~لم يلزمها المسكن، وجاز لها التحول، وفي انتقالها إلى حيث شاءت، أو يتعين ~~[عليها] (أ) السكون في أقرب المساكن إلى مسكن الوفاة قولان، فإن خافت هدما ~~أو غرقا، أو [نحو ذلك أو] (ب) حولها صاحب المنزل لكونه [عارية] (ب)، أو ~~إجارة انقضت مدتها، أو منعها السكنى تعديا، أو امتنع من إجارته، أو طلب ~~أكثر من أجرة المثل، أو لم تجد ما تكتري به، أو لم تجد إلا من مالها، فلها ~~أن تنتقل؛ لأنها حال عذر، ولا يلزمها بذل أجرة المسكن، وإنما الواجب عليها ~~فعل السكنى لا تحصيل المسكن، فإذا تعذرت السكنى سقطت. هذا قول أصحاب أحمد ~~والشافعي، فإن قيل: فهل السكنى حق على الورثة تقدم الزوجة به على الغرماء ~~أو على الميراث، أو لا حق لها في التركة سوى PageV08P215 # الميراث؟ قيل: هذا موضع اختلف فيه؛ فقال الإمام أحمد: إن كانت حائلا فلا ~~سكنى لها في التركة ولكن عليها ملازمة المنزل إذا بذل لها كما تقدم، وإن ~~كانت حاملا ففيه روايتان؛ إحداهما: أن الحكم كذلك. والثاني: أن لها السكنى ~~حق ثابت في المال تقدم به على الورثة والغرماء، ويكون من رأس المال. ولا ~~تباع الدار في دينه بيعا يمنعها سكناها (أ) حتى تنقضي عدتها، وإن تعذر ذلك ~~فعلى الوارث أن يكتري لها منزلا من مال الميت، فإن لم يفعل أجبره الحاكم، ~~وليس لها أن تنتقل عنه إلا لضرورة، وإن اتفق الوارث والمرأة على نقلها عنه ~~لم يجز؛ لأنه يتعلق بهذه السكنى حق الله تعالى، فلم يجز اتفاقهما على ~~إبطالها. هذا مقتضى نص الأئمة، وهو منصوص أحمد، وعنه رواية ثالثة، أن ~~للمتوفى عنها السكنى بكل حال حاملا كانت أو حائلا، فصار في مذهبه ثلاث ~~روايات؛ وجوبها للحامل والحائل، وإسقاطها في حقهما، ووجوبها للحامل دون ~~الحائل. هذا تحصيل مذهبه في المتوفى عنها. وأما مذهب مالك، فلها السكنى ~~حاملا كانت أو حائلا، وإيجاب السكنى عليها مدة العدة، قال أبو عمر (¬1): ~~فإذا كان المسكن بكراء، فقال مالك: هي ms1728 أحق بسكناه من الورثة والغرماء، وهو ~~من رأس مال المتوفى، إلا أن يكون إجارة مع الزوج، وأراد أهل المسكن ~~إخراجها، وإذا كان المسكن لزوجها، لم يبع في دينه حتى تنقضي عدتها. وقال ~~غيره من أصحاب مالك: هي أحق بالسكنى من الورثة والغرماء، إذا كان الملك PageV08P216 # للميت، أو كان قد أدى كراءه. وفي "التهذيب": لا سكنى لها في مال الميت، ~~وإن كان موسرا. وروى محمد عن مالك أن الكراء لازم للميت في ماله، ولا تكون ~~الزوجة أحق به، وتحاص الورثة في السكنى، وللورثة إخراجها، إلا أن تحب ~~السكنى في حصتها، أو تؤدي كراء حصتهم. وأما مذهب الشافعي، فإن له في سكنى ~~المتوفى عنها قولين؛ أحدهما: لها السكنى حاملا كانت أو حائلا. والثاني: لا ~~سكنى لها حاملا كانت أو حائلا. ويجب عنده ملازمتها للمسكن في العدة بائنا ~~كانت أو متوفى عنها، وملازمة البائن للمنزل آكد من ملازمة المتوفى عنها؛ ~~فإنه يجوز للمتوفى عنها الخروج نهارا لقضاء حوائجها، ولا يجوز ذلك للبائن ~~في أحد قوليه وهذا القديم، ولا يوجبه في الرجعية بل تستحقه. وأما أحمد ~~فعنده ملازمة المتوفى عنها آكد من الرجعية، ولا يوجبه في البائن، وأورد ~~أصحاب الشافعي على نصه بوجوب ملازمة المنزل على المتوفى عنها مع نصه في أحد ~~القولين، على أنه لا سكنى لها، وقالوا: كيف يجتمع النصان؟ وأجابوا بجوابين؛ ~~أحدهما: أنه لا يجب عليها ملازمة المنزل على ذلك القول، لكن لو التزم ~~الوارث أجرة المسكن وجبت عليها اللازمة حينئذ. وأطلق أكثر أصحابه الجواب ~~هكذا. والثاني: أن ملازمة المنزل واجبة عليها، ما لم يكن عليها فيه ضرر، ~~بأن تطالب بالأجرة، أو يخرجها الوارث أو المالك، فيسقط حينئذ. وأما أصحاب ~~أبي حنيفة، فقالوا: لا يجوز للمطلقة الرجعية ولا للبائن الخروج من بيتها ~~ليلا ولا نهارا، وأما المتوفى عنها فتخرج نهارا وبعض الليل، ولكن لا تبيت ~~إلا في منزلها. قالوا: والفرق أن المطلقة نفقتها في مال زوجها، فلا يجوز ~~لها الخروج كالزوجة، بخلاف المتوفى عنها، فإنها لا PageV08P217 # نفقة لها، فلا بد أن ms1729 تخرج في النهار لإصلاح حالها. قالوا: وعليها أن تعتد ~~في المنزل الذي يضاف إليها بالسكنى حال وقوع الفرقة، قالوا: فإن كان نصيبها ~~من دار الميت لا يكفيها أو أخرجها الورثة من نصيبهم انتقلت؛ لأن هذا عذر، ~~والسكون في بيتها عبادة، والعبادة تسقط بالعذر. قالوا: فإن عجزت عن كراء ~~البيت الذي هي فيه لكثرته، فلها أن تنتقل إلى بيت أقل منه كراء. وهذا من ~~كلامهم يدل على أن أجرة السكن عليها، وإنما يسقط عنها لعجزها عن أجرته. ~~ولهذا صرحوا بأنها تسكن في نصيبها من التركة إن كفاها، وهذا لأنه لا سكنى ~~عندهم للمتوفى عنها حاملا كانت أو حائلا، إنما عليها أن تلزم مسكنها الذي ~~توفي زوجها وهي فيه ليلا ونهارا، فإن بذله لها الورثة، وإلا كانت الأجرة ~~عليها. فهذا تحرير مذاهب الناس في هذه المسألة ومآخذ الخلاف فيها، وبالله ~~التوفيق. انتهى كلام "الهدي النبوي". # وأما مذهب الهادي، فهي لا تستحق السكنى حائلا كانت أو حاملا، ولا تبيت ~~إلا في منزلها، ويجوز لها الخروج نهارا. ومذهب زيد بن علي أنه لا سكنى لها، ~~ولها الخروج من موضع عدتها والانتقال إلى غيره. # 921 - وعن فاطمة بنت قيس رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، إن زوجي ~~طلقني ثلاثا، وأخاف أن يقتحم علي. قالت: فأمرها فتحولت رواه مسلم (¬1). # الحديث فيه دلالة على أن المطلقة بائنة يجب عليها الاعتداد في بيتها، PageV08P218 # وأنه يجوز الخروج للعذر، وقد تقدم الكلام على أحكام الحديث (¬1). # وقوله: يقتحم علي. أي يدخل بغير رضاي، والاقتحام هو الدخول في الأمر على ~~كره وشدة. # 922 - وعن عمرو بن العاص قال: لا تلبسوا علينا سنة نبينا؛ عدة أم الولد ~~إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر. رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه، ~~وصححه الحاكم، وأعله الدارقطني بالانقطاع (¬2). # الحديث؛ قال ابن المنذر (¬3): ضعفه أحمد وأبو عبيد. وقال محمد بن موسى ~~(¬4): سألت أبا عبد الله عنه، فقال: لا يصح. وقال الميموني (¬5): رأيت أبا ~~عبد الله يعجب من حديث عمرو بن العاص هذا، ثم قال: [أين] ms1730 (أ) سنة النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في هذا؟ وقال: أربعة أشهر وعشر، إنما هي عدة الحرة من ~~النكاح، وإنما هذه أمة خرجت من الرق إلى الحرية. وقال المنذري: في إسناد ~~حديث عمرو مطر بن طهمان أبو رجاء الوراق، وقد ضعفه غير واحد، وقال PageV08P219 # المزي في "التهذيب" (¬1): قال أبو طالب: سألت أحمد بن حنبل عن مطر ~~الوراق، فقال: كان يحيى بن سعيد يضعف حديثه عن عطاء. وفال عبد الله بن أحمد ~~بن حنبل: سألت أبي عن مطر الوراق، قال: كان يحيى بن سعيد يشبه حديث مطر ~~الوراق بابن أبي ليلي في سوء الحفظ. قال عبد الله: فسألت أبي عنه، فقال: ما ~~أقربه بابن أبي ليلى في عطاء خاصة. وقال: مطر في عطاء ضعيف الحديث. قال عبد ~~الله: قلت ليحيى بن معين: مطر الوراق؟ فقال: ضعيف في حديث عطاء بن أبي ~~رباح. وقال النسائي: ليس بالقوي، وبعد فهو ثقة. وقال أبو حاتم الرازي (¬2): ~~صالح الحديث. وذكره ابن حبان في كتاب "الثقات" (¬3)، واحتج به مسلم، فلا ~~وجه لضعف الحديث به، وإنما علة الحديث أنه من رواية قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو ~~بن العاص، ولم يسمع منه. قاله الدارقطني. وقال الدارقطني (¬4): هو موقوف ~~على عمرو؛ لأنه لم يقل: لا تلبسوا علينا سنة نبينا. والصواب: لا تلبسوا ~~علينا ديننا. فهو موقوف. وله علة أخرى ذكرها البيهقي وهي الاضطراب، فإنه قد ~~روي على ثلاثة أوجه؛ أحدها: هذا. والثاني: عدة أم الولد عدة الحرة. ~~والثالث: عدتها إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر، فإذا عتقت فعدتها ~~ثلاث حيض. والأقاويل الثلاثة عنه ذكرها البيهقي (¬5)، PageV08P220 # وقال: قال الإمام أحمد: حديث منكر. وقد روى خلاس (أ) عن علي مثل رواية ~~قبيصة عن عمرو، ولكن خلاس بن عمرو (ب) (¬1) قد تكلم في حديثه؛ فقال أيوب ~~(¬2): لا يروى عنه فإنه صحفي، وكان مغيرة لا يعبأ بحديثه. وقال أحمد (¬3): ~~روايته عن علي يقال: إنها كتاب. وقال البيهقي (¬4): روايات خلاس عن علي ~~ضعيفة عند أهل العلم بالحديث، يقال: هي من صحيفة. ومع ذلك ms1731 فقد روى مالك، عن ~~نافع (¬5)، عن ابن عمر في أم الولد يتوفى عنها سيدها، قال: تعتد بحيضة. فإن ~~ثبت عن علي وعمرو ما روي عنهما فهي مسألة نزاع بين الصحابة. # الحديث فيه دلالة على أن أم الولد إذا توفي عنها سيدها، أن عدتها عدة ~~الزوجة الحرة المتوفى عنها. وقد ذهب إلى هذا الأوزاعي والإمام يحيى، وهو ~~رواية عن الناصر، وهو قول الظاهرية وإسحاق. وروي عن ابن المسيب وسعيد بن ~~جبير والحسن وابن سيرين (¬6)، قالوا: قياسا على الحرة، فإنها لما PageV08P221 # عتقت بالموت وهي موطوءة للسيد، فقد صارت عدة حرة بسبب الموت، وهي أربعة ~~أشهر وعشر. وذهب مالك والشافعي وأحمد والليث وأبو ثور وجماعة إلى أن عدتها ~~حيضة، وبه قال ابن عمر، وهو قول عروة بن الزبير والقاسم بن محمد والشعبي ~~والزهري. قال مالك: فإن كانت ممن لا تحيض اعتدت ثلاثة أشهر ولها السكنى. ~~وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري: عدتها ثلاث حيض. وهو قول علي وابن مسعود ~~رضي الله عنه وعطاء والنخعي. وقال قوم: عدتها نصف عدة الحرة. وعند الهدوية ~~وهو قول مكحول، ونسبه في "البحر" إلى القاسمية، أنها تعتد بحيضتين. وحجة ~~مالك ومتابعيه أنها ليست زوجة فتعتد عدة الوفاة، ولا مطلقة فتعتد عدة ثلاث ~~حيض، فلم يبق إلا استبراء رحمها، وذلك يكون بحيضة تشبيها بالأمة يموت عنها ~~سيدها، وذلك مما لا خلاف فيه. وحجة أبي حنيفة أن العدة إنما وجبت عليها وهي ~~حرة وليست بزوجة فتعتد عدة الوفاة، ولا بأمة فتعتد عدة أمة، فوجب أن يستبرأ ~~رحمها بعدة الأحرار. وحجة من أوجب عليها نصف عدة الحرة تشبيهها بالزوجة ~~الأمة، وحجة قول الهدوية هو تشبيهها بعدة البائع والمشتري، فإنهم يوجبون ~~على البائع الاستبراء بحيضة، وعلي المشتري كذلك، والجامع زوال الملك، وندبت ~~ثالثة، قال في "البحر": لقول علي (أ) رضي الله عنه وهو توقيف. قال في ~~"الغيث": ولأن عدة الوفاة لما خالفت عدة الطلاق PageV08P222 # في الحرة على سبيل الوجوب، خالفت هنا على سبيل الاستحباب. قال ابن رشد ~~المالكي (¬1): سبب الخلاف أنها مسكوت عنها، ms1732 وهي مترددة الشبه بين الأمة ~~والحرة، فأما من شبهها بالزوجة الأمة فضعيف، وأضعف منه من شبهها بعدة الحرة ~~المطلقة. انتهى. وإذا عرفت ما ذكرناه من رجوع الأقوال إلى ما ذكر، فالرجوع ~~إلى ما دل عليه حديث عمرو أولى؛ لأنه (أ) وإن كان فيه المقال المذكور فقد ~~تأيد بغيره (ب) وبالقياس المذكور، والله أعلم. # 923 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: إنما الأقراء الأطهار. أخرجه مالك ~~في قصة بسند صحيح (¬2). # الحديث قال الشافعي (¬3): أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة، ~~أنها قالت وقد جادلها في ذلك ناس، وقالوا: إن الله يقول: {ثلاثة قروء} ~~(¬4). فقالت عائشة: صدقتم، وهل تدرون ما الأقراء؟ الأقراء الأطهار. قال ~~الشافعي: أخبرنا مالك، عن ابن شهاب قال: ما أدركت أحدا من فقهائنا إلا وهو ~~يقول هذا. يريد الذي قالت عائشة. # الحديث فيه دلالة على أن الأقراء التي ذكرت في العدة هي الأطهار، PageV08P223 # واعلم أن القرء -بفتح القاف وضمها- يطلق في اللغة على الطهر وعلى الحيض، ~~واختلفوا هل هو مشترك بينهما، أو حقيقة في أحدهما مجاز في الآخر؟ قال ~~الجوهري (¬1): القرء بالفتح الحيض، والجمع أقراء وقروء، وفي الحديث: [دعي ~~الصلاة] (أ) أيام أقرائك" (¬2). والقرء أيضا الطهر، وهو من الأضداد (¬3). ~~وقال أبو عبيد (ب) (¬4): الأقراء الحيض. ثم قال: الأقراء الأطهار. وقال ~~الكسائي (¬5): والقرء؛ أقرأت المرأة، إذا حاضت. وقال ابن فارس (¬6): القروء ~~أوقات، يكون للطهر مرة، وللحيض مرة، والواحد قرء، ويقال: القرء هو الطهر. ~~ثم قال: وقوم يذهبون إلى أن القرء الحيض. فحكى قول من جعله مشتركا بين ~~أوقات الطهر والحيض، وقول من جعله لأوقات الطهر، وقول من جعله لأوقات ~~الحيض، وكأنه لم يختر واحدا منهما، بل جعله لأوقاتهما، قال: وأقرأت المرأة ~~إذا خرجت من الحيض إلى الطهر، ومن الطهر إلى الحيض. وفي كلامه دلالة على ~~أنه لا يقال للطهر إلا إذا كان الحيض متقدما عليه أو متأخرا عنه، فلا يقال ~~لطهر الصغيرة والآيسة: قرء. PageV08P224 # والأظهر أنه لفظ مشترك. وذهب الإمام يحيى والهادي إلى أنه حقيقة في الحيض ~~مجاز في ms1733 الطهر. وذهب بعض الشافعية إلى العكس، والأكثر منهم إلى الاشتراك، ~~ولا خلاف أن المراد به في قوله تعالى: {ثلاثة قروء}. أحدهما لا مجموعهما، ~~وذهب عبد الله بن عمر (أ) وزيد بن ثابت وعائشة (¬1) -وهو مروي عن الفقهاء ~~السبعة فقهاء المدينة، وأبان بن عثمان، والزهري، وعامة فقهاء المدينة- ~~ومالك، والشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه -وهو مروي عن علي رضي الله ~~عنه (¬2) - أن الأقراء الأطهار المراد بها في الآية الكريمة في قوله تعالى: ~~{ثلاثة قروء}. قال الشافعي (¬3): ويدل على ذلك دلالتان؛ إحداهما، الكتاب ~~الذي دل عليه السنة، والأخرى، اللسان؛ فالكتاب قال الله تعالى: {فطلقوهن ~~لعدتهن} (¬4). وقد قال - صلى الله عليه وسلم - في حديث ابن عمر: "ثم تطهر، ~~ثم إن شاء أمسك، وإن شاء طلق، فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها ~~النساء" (¬5). وفي حديث أبي الزبير، أنه سمع ابن عمر يذكر طلاق امرأته ~~حائضا، فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا طهرت فليطلق أو ~~يمسك". وتلا النبي - صلى الله عليه وسلم -: إذا طلقتم النساء فطلقوهن لقبل ~~عدتهن، أو في قبل PageV08P225 # عدتهن) " (¬1). قال الشافعي: أنا شككت، فأخبر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الله عز وجل أن العدة بالطهر دون الحيض وقرأ: (فطلقوهن لقبل ~~عدتهن). وهو أن يطلقها طاهرا، لأنها (أ) حينئذ تستقبل (ب) عدتها، ولو طلقت ~~حائضا لم تكن مستقبلة عدتها إلا بعد الحيض. واللسان، هو أن القرء اسم معناه ~~الحبس، تقول العرب: هو يقرأ الماء في حوضه. و: في سقائه. وتقول العرب: يقرأ ~~الطعام في شدقه. يعني يحبس الطعام في شدقه. وتقول العرب إذا حبس الرجل ~~الشيء: قرأه. يعني خبأه، وقال عمر: العرب تقرأ في صحافها. أي تحبس في ~~صحافها. وقال الأعشى (¬2): # أفي (ج) كل عام أنت جاشم غزوة ... تحل (د) لأقصاها عزيم عزائكا # مورثة عزا وفي الحي (ه) رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا # فالقرء في البيت بمعنى الطهر؛ لأنه ضيع أطهارهن في غزاته وآثرها عليهن. ~~وذهب جماعة من أكابر الصحابة وغيرهم إلى أن الأقراء ms1734 هي الحيض، أبو بكر وعمر ~~وعثمان وعلي وابن مسعود وأبو موسى وعبادة بن PageV08P226 # الصامت وأبو الدرداء وابن عباس ومعاذ بن جبل (¬1). وهو قول أصحاب عبد ~~الله بن مسعود كلهم؛ كعلقمة والأسود وإبراهيم وشريح، وقول الشعبي والحسن ~~وقتادة، وقول أصحاب ابن عباس؛ سعيد بن جبير وطاوس، وهو قول سعيد بن المسيب، ~~وهو قول أئمة الحديث؛ كإسحاق بن إبراهيم وأبي عبيد القاسم والإمام أحمد، ~~فإنه رجع إليه واستتقر عليه مذهبه، وكان يقول أولا: إنه الطهر. وهو قول ~~أئمة أهل الرأي، كأبي حنيفة وأصحابه، قالوا: لأنه لم يستعمل في كلام الشارع ~~إلا للحيض كقوله - صلى الله عليه وسلم - للمستحاضة: "دعي الصلاة أيام ~~أقرائك" (¬2). وقوله تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن} ~~(¬3). وهذا هو الحيض أو (أ) الحمل؛ لأن المخلوق في الرحم هو أحدهما. وبهذا ~~قال السلف والخلف، هو الحمل والحيض. وقال بعضهم: الحمل. وبعضهم: الحيض. ولم ~~يقل أحد: إنه الطهر. ولما رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي (¬4) من حديث ~~عائشة، أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها ~~حيضتان". قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث مظاهر بن أسلم (¬5)، ~~ومظاهر لا PageV08P227 # يعرف له في العلم غير هذا الحديث. ولفظ الدارقطني (¬1) فيه: "طلاق العبد ~~اثنتان". وروى ابن ماجه (¬2)، من حديث عطية العوفي، عن ابن عمر، قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "طلاق الأمة اثنتان، وعدتها حيضتان". وأخرج ~~ابن ماجه (¬3)، عن عائشة رضي الله عنها قالت: أمرت بريرة أن تعتد ثلاث حيض. ~~وأخرج النسائي (¬4): أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر امرأة ثابت بن ~~قيس بن شماس لما اختلعت، أن تتربص حيضة واحدة، وتلحق بأهلها. ومثله في "سنن ~~أبي داود" (¬5). وفي الترمذي (¬6)، أن الربيع بنت معوذ اختلعت على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم -، أو ~~أمرت، أن تعتد بحيضة. وروى أحمد وابو داود (¬7) في سبايا أوطاس: "لا توطأ ~~حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة". وقد أجيب ms1735 من جانب من قال: ~~الأقراء الأطهار. بجوابين؛ مجمل ومفصل؛ أما المجمل؛ فهو أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فسر العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء بالأطهار، ~~فلا التفات بعد ذلك إلى شيء يخالفه، ولأن عائشة أم المؤمنين زوج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - تكلمت فيما يتعلق بالنساء، وهو العدة، وقالت: إن ~~الأقراء الأطهار. و: PageV08P228 # إذا قالت حذام فصدقوها ... فإن القول ما قالت حذام (¬1) # وأما الجواب المفصل؛ فحديث: "دعي الصلاة أيام أقرائك" (¬2). فقد أجاب عنه ~~الشافعي، قال (¬3): زعم إبراهيم بن إسماعيل بن علية: الأقراء الحيض. واحتج ~~بحديث سفيان عن أم سلمة أنه - صلى الله عليه وسلم - قال في امرأة استحيضت ~~أن تدع الصلاة أيام أقرائها. قال الشافعي: وما حدث بهذا سفيان قط، إنما قال ~~سفيان، عن أم سلمة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "تدع الصلاة ~~عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن (أ) " (¬4). أو قال: "أيام أقرائها". ~~الشك من أيوب الذي روى عنه سفيان لا يدري قال هذا [أو] (ب) هذا، فجعله هو ~~حديثا على ناحية ما يريد، فليس هذا بصدق. قال (¬5): وقد أخبرنا مالك، عن ~~نافع، عن سليمان بن يسار، عن أم سلمة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "لتنتظر عدد الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها ~~الذي أصابها، ثم لتدع الصلاة، ثم لتغتسل ولتصل". "ونافع أحفظ عن سليمان من ~~أيوب، يقول بمثل أحد معنيي أيوب الذي رواهما. انتهى كلامه. وأما قوله ~~تعالى: {ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في PageV08P229 # أرحامهن} (¬1). فإنه الحيض أو الحبل أو كلاهما، ولا ريب أن الحيض داخل في ~~ذلك، ولعن تحريم كتمانه لا يدل على أن القروء المذكورة في الآية هي الحيض، ~~فإنها إذا كانت الأطهار فإنها تنقضي [بالطعن] (أ) في الحيضة الرابعة أو ~~الثالثة، فكتمان الحيض يلزم منه عدم معرفة انقضاء الطهر الذي تتم به العدة، ~~فتكون دلالة الآية على أن القروء الأطهار أظهر. وأما حديث عائشة: "طلاق ~~الأمة طلقتان، وقرؤها حيضتان". فهو ms1736 حديث ضعيف من حديث مظاهر بن أسلم، قال ~~فيه أبو حاتم الرازي (¬2): منكر الحديث. وقال يحيى بن معين: لا يعرف. وضعفه ~~أبو عاصم أيضا (¬3). وقال أبو داود (¬4): هذا حديث مجهول. وقال الخطابي ~~(¬5): أهل الحديث ضعفوا هذا الحديث. وقال البيهقي (¬6): لو كان ثابتا قلنا ~~به إلا [أنا لا نثبت] (ب) حديثا يرويه من نجهل عدالته. وقال الدارقطني (3): ~~الصحيح عن القاسم بخلاف هذا. ثم روى عن زيد بن أسلم قال: سئل القاسم عن ~~الأمة كم تطلق؟ قال: طلاقها اثنتان، وعدتها حيضتان. قال: فقيل له: أبلغك عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا؟ PageV08P230 # فقال: لا. وقال البخاري في "تاريخه" (¬1): مظاهر بن أسلم عن القاسم عن ~~عائشة يرفعه: "طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان". قال أبو عاصم: أخبرنا ~~ابن جريج عن مظاهر، ثم لقيت مظاهرا فحدثنا به، وكان أبو عاصم يضعف مظاهرا، ~~وأخرج من حديث يحيى بن سليمان في قصة أنه قال القاسم: إن هذا ليس في كتاب ~~الله ولا سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولكن عمل به المسلمون. ~~انتهى. فهو يضعف رفع الحديث. # وأما حديث ابن عمر فعطية العوفي (¬2) ضعفه غير واحد من الأئمة، وقد قال ~~الدارقطني (¬3): الصحيح عن ابن عمر، ما رواه سالم ونافع أنه كان يقول: طلاق ~~العبد الحرة تطليقتان، وعدتها ثلاثة قروء، وطلاق الحر الأمة تطليقتان، ~~وعدتها عدة الأمة حيضتان. قال الشافعي رحمه الله تعالى (¬4): أخبرنا مالك ~~عن نافع عن ابن عمر أنه قال: إذا طلق الرجل امرأته، فدخلت في الدم من ~~الحيضة الثالثة، فقد برئت منه، ولا ترثه، ولا يرثها. فهذا مذهب عائشة وابن ~~عمر أن الأقراء الأطهار بلا شك، فكيف يكون عندهما عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - خلاف ذلك ولا يذهبان إليه؟! وحديث بريرة يجاب عنه بمثل هذا، وأما ~~الاستدلال بالاستبراء بحيضة، فالاستبراء لا شك أنه ورد بحيضة، وهو النص عن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو قول جمهور الأمة، والقول الصحيح من ~~قولي PageV08P231 # الشافعي. والفرق بين الاستبراء والعدة أن العدة وجبت قضاء لحق ms1737 الزوج، ~~فاختصت بزمان حقه وهو الطهر، وبأنها تتكرر، فيعلم منها البراءة بواسطة ~~الحيض، بخلاف الاستبراء. # وقد أجيب عن هذه الأجوبة؛ أما قول الشافعي: ما حدث بهذا سفيان. فجوابه أن ~~الشافعي لم يسمع ذلك عن سفيان، فقال بموجب ما سمعه، لكنه قد سمعه من سفيان ~~من لا يستراب في حفظه وأمانته وعدالته، وقد ثبت في "السنن" من حديث فاطمة ~~بنت أبي حبيش أنها سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال لها: "إذا ~~جاء قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء". ~~رواه أبو داود بإسناد صحيح (¬1). # وأما حديث سفيان الذي قال فيه: "لتنتظر عدد الليالي والأيام التي كانت ~~تحيضهن من الشهر" (¬2). فهو لا يعارض، فإنه قد يكون [رواية] (أ) بالمعنى، ~~وهي جائزة ومفسرة أن المراد بالقروء أيام الحيض، فإنه لو لم يكن ذلك اللفظ ~~هو المراد بالآخر، لما (ب) جاز من الراوي أن يبدل اللفظ بلفظ آخر غير ~~مرادف، فمثل أيوب [السختياني] (ج) الذي لا مدافع له عن الإمامة والعدالة ~~والصدق والورع لا يحمل إلا على هذا المحمل الصحيح. PageV08P232 # وأما حديث عائشة رضي الله عنها (¬1)، فهو وإن كان في طريقه مظاهر، فهو ~~معتضد بغيره، فيصح العمل به، وقد أخرج الحاكم (¬2) من حديث عثمان بن [سعد] ~~(أ) القرشي، عن ابن أبي مليكة، قال: جاءت فاطمة بنت أبي حبيش إلى عائشة. ~~وذكر الحديث. ثم قال: "قولي لها: فلتدع الصلاة في كل شهر أيام قروئها". قال ~~الحاكم: هذا حديث صحيح، وعثمان بن [سعد] (أ) الكاتب (¬3) بصري ثقة عزيز ~~الحديث يجمع حديثه. قال البيهقي (¬4): قد تكلم فيه غيره، ولكنه قد تابعه ~~الحجاج بن أرطاة على ابن أبي مليكة عن عائشة. وفي "المسند" (¬5)، أن رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة: "إذا أقبلت أيام أقرائك فأمسكي ~~عليك". وفي "سنن أبي داود" (¬6) من حديث عدي بن ثابت في المستحاضة: "تدع ~~الصلاة أيام أقرائها، ثم تغتسل وتصلي". وفيها عن فاطمة بنت أبي حبيش أنه ~~قال لها - صلى الله عليه وسلم ms1738 -: "فإذا أتى قرؤك فلا تصلي، فإذا مر قرؤك ~~فتطهري ثم صلي ما بين [القرء إلى القرء] (ب) ". وقد يرد على هذا بأن إطلاق ~~القرء هنا على الحيض لعله من كلام الراوي، غير لفظ "الحيض" PageV08P233 # إلى "القرء" رواية بالمعنى. وأما حديث مظاهر فهو وإن كان مظاهر ممن لا ~~يحتج به، ولكنه قد يعضد بغيره فيقوى ويحتج به. وأما عمل عائشة بخلاف ما ~~روت، فهو لا يقدح فيه، فإن [المعول] (أ) عليه أن مخالفة الراوي لا توجب رد ~~حديثه، وأن المعتبر بما روى لا بما رأى. وأما تضعيف حديث ابن عمر بعطية ~~العوفي فهو وإن ضعفه أكثر أهل الحديث، فقد احتمل الناس حديثه وخرجوه في ~~السنن. وقال يحيى بن معين في رواية عباس (5) الدوري عنه (¬1): صالح الحديث. ~~وقال ابن عدي (¬2): روى عنه جماعة من الثقات، وهو مع ضعفه يكتب حديثه. ~~فيعتضد به وإن لم يعتمد عليه وحده. # وأما مخالفة مذهب ابن عمر، فلا تكون قادحة كما عرفت. # وأما الفرق بين الاستبراء والعدة، فالجميع حق للزوج، فإن الحائض للزوج ~~الاستمتاع منها في زمن الحيض كما له الوطء في زمن الطهر، فلا يصلح فارقا. # 924 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما: طلاق الأمة تطليقتان، وعدتها حيضتان. ~~رواه الدارقطني، وأخرجه مرفوعا وضعفه (¬3). PageV08P234 # وأخرجه أبو داود والترمذي وابن ماجه (¬1) من حديث عائشة، وصححه الحاكم، ~~وخالفوه فاتفقوا على ضعفه. # تقدم (أ) الكلام على الحديث، وهو يدل على أن الأمة تخالف الحرة، وأن ~~الأمة تبين من زوجها بطلقتين. وهذه المسألة اختلف فيها السلف والخلف على ~~أربعة أقوال؛ الأول: أن طلاق العبد والحر سواء. وهذا مذهب أهل الظاهر ~~جميعهم، حكاه عنهم أبو محمد بن حزم (¬2)، واحتجوا بعموم النصوص الواردة في ~~الطلاق من غير فرق بين عبد وحر. # الثاني: أنه إذا كان أحد الزوجين رقا، كان الطلاق اثنتين. وهذا رواه حماد ~~بن سلمة، عن [عبيد] (ب) الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: الحر يطلق ~~الأمة تطليقتين وتعتد حيضتين، والعبد يطلق الحرة تطليقتين وتعتد ثلاث حيض ~~(¬3). وذهب إلى ms1739 هذا عثمان البتي. # الثالث: أن الطلاق بالرجال، فيملك الحر ثلاثا وإن كانت زوجته أمة، والعبد ~~اثنتين وإن كانت زوجته حرة. وهذا قول الشافعي، ومالك، وأحمد في ظاهر كلامه، ~~وهو قول زيد بن ثابت، وعائشة، وأم سلمة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عباس ~~(¬4)، والقاسم، وسالم، وأبي سلمة، PageV08P235 # وعمر بن عبد العزيز، ويحيى بن سعيد، وربيعة، وأبي الزناد، وسليمان بن ~~يسار، وعمرو بن شعيب، وابن المسيب، وعطاء، واحتج في "البحر" لهذا القول ~~بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الطلاق بالرجال، والعدة بالنساء" (¬1). ولم ~~أر من خرجه. وقال في الجواب: قلنا: أراد أن الطلاق إنما يقع من الرجل لا ~~المرأة. # الرابع: أن الطلاق بالنساء كالعدة، كما روى (أ) شعبة، عن أشعث بن سوار، ~~عن الشعبي، عن مسروق، عن ابن مسعود: السنة الطلاق، والعدة بالنساء (¬2). ~~وروى عبد الرزاق (¬3)، عن محمد بن يحيى، وغير واحد، عن عيسى، عن الشعبي، عن ~~اثني عشر رجلا من الصحابة، قالوا: الطلاق والعدة بالمرأة. هذا لفظه. وهو ~~قول الحسن، وابن سيرين، وقتادة، وإبراهيم، والشعبي، وعكرمة، ومجاهد، ~~والثوري، والحسن بن حي، وأبي حنيفة وأصحابه. فهذه الأقوال الأربعة كما ~~عرفت، وسبب الخلاف أن الأحاديث الواردة قد عرفت ما فيها من الضعف، ووردت ~~الآثار عن الصحابة وهي متعارضة، وليس بعضها أولى من بعض، وبقي القياس ~~وتجاذبه طرفان؛ طرف المطلق، وطرف المطلقة، فمن راعى طرف المطلق، قال: هو ~~الذي يملك الطلاق فيتنصف في حقه كما تتنصف عليه سائر أحكام الحر. ومن PageV08P236 # راعى طرف المطلقة، قال: الطلاق يقع عليها وتلزمها العدة والتحريم ~~وتوابعها فيتنصف برقها. ومن نصف برق أي الزوجين كان راعى الأمرين وأعمل ~~الشبهين. ومن قال بأنهما كالحر رأى أن الآثار لم تثبت، والمنقول عن الصحابة ~~متعارض، والقياس كذلك، فلم يتعلق بشيء من ذلك، وتمسك بإطلاق النصوص الدالة ~~على أن الطلاق الرجعي طلقتان، ولم يفرق الله بين حر وعبد، ولا بين حرة ولا ~~أمة، {وما كان ربك نسيا} (¬1). قالوا: والحكمة التي جعل الطلاق الرجعي ~~لأجلها [اثنتين] (أ)، هي في الحر والعبد سواء. قالوا: وقد ms1740 قال مالك: إن له ~~أن ينكح أربعا كالحر؛ لأن حاجته إلى ذلك كحاجة الحر. وقال الشافعي وأحمد: ~~أجله في الإيلاء كأجل الحر؛ لأن ضرر الزوجة في الصورتين. وقال أبو حنيفة: ~~إن طلاقه وطلاق الحر سواء، إذا كانت المرأتان حرتين؛ لإطلاق نصوص الطلاق ~~وعمومها للحر والعبد. وقال أحمد بن حنبل والناس معه: صيامه في الكفارات ~~كلها وصيام الحر سواء، وحده في السرقة والشراب حد الحر سواء. # وإذا طلق العبد زوجته تطليقتين ثم عتق بعد ذلك، هل يبقى ذلك الحكم، ويكون ~~حكمها حكم المثلثة، أو يكون له حكم الحر؟ في ذلك أربعة أقوال للفقهاء؛ ~~أحدها: أنها لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، حرة كانت أو أمة. وهذا قول ~~الشافعي [وأحمد] (ب) في إحدى الروايتين عنه. # الثاني: أن له أن يعقد عليها عقدا مستأنفا من غير اشتراط زوج وإصابة PageV08P237 # منه. وقد ذهب إلى هذا أحمد في إحدى الروايتين عنه، وإحدى الروايتين ~~للشافعية. وأخرج أصحاب "السنن" من حديث أبي حسن مولى بني نوفل (¬1)، أنه ~~استفتى ابن عباس في مملوك كانت تحته مملوكة فطلقها تطليقتين ثم عتقا بعد ~~ذلك، هل يصلح له أن يخطبها؟ قال: نعم، قضى بذلك رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - (¬2). قال الإمام أحمد (¬3)، عن عبد الرزاق: إن ابن المبارك قال ~~[لعمر: من أبو حسن هذا؟ لقد] (أ) تحمل صخرة عظيمة. انتهى. # قال المنذري (¬4): وأبو حسن هذا قد ذكر بخير وصلاح. وقد وثقه أبو زرعة ~~وأبو حاتم الرازيان (¬5)، غير أن الراوي عنه عمر بن معتب (¬6)، وقد قال علي ~~بن المديني (¬7): هو منكر الحديث. وقال النسائي (¬8): ليس بالقوي. # الثالث: أن له أن يرتجعها في عدتها، وأن ينكحها بعدها بدون زوج ولو لم ~~يعتق. وهذا مذهب أهل الظاهر جميعهم، فإن عندهم الحر والعبد في PageV08P238 # الطلاق سواء. وروى سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي معبد مولى ~~ابن عباس، عن ابن عباس، أن عبدا له طلق امرأته طلقتين، فأمره ابن عباس أن ~~يراجعها فأبى، فقال ابن عباس: هي لك فاستحلها بملك اليمين ms1741 (¬1). # القول الرابع: أن زوجته إن كانت حرة ملك عليها تمام الثلاث، وإن كانت أمة ~~حرمت عليه حتى تنكح زوجا غيره. وهذا قول أبي حنيفة. # وقوله: وعدتها حيضتان. فيه دلالة على أن عدة الأمة نصف عدة الحرة، إلا ~~أنه لما لم يمكن أن تجعل العدة حيضة ونصفا كملت حيضتين، كما روى حماد بن ~~زيد، عن عمرو بن أوس الثقفي، أن عمر بن الخطاب قال: لو استطعت أن أجعل عدة ~~الأمة حيضة ونصفا لفعلت. فقال له رجل: يا أمير المؤمنين، فاجعلها شهرا ~~ونصفا (¬2). وقد روى عبد الرزاق (¬3)، عن ابن جريج، قال: أخبرني أبو ~~الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: جعل لها عمر حيضتين؛ يعني الأمة. ~~وأخرج عن عتبة بن مسعود عن عمر: ينكح العبد اثنتين، ويطلق تطليقتين، وتعتد ~~الأمة حيضتين، فإن لم تحض فشهرين. أو قال: شهرا ونصفا (¬4). وأخرج عن ابن ~~مسعود قال: يكون عليها نصف العذاب، ولا يكون لها نصف الرخصة (¬5)؟! وقال ~~ابن وهب: PageV08P239 # أخبرني رجال من أهل العلم أن نافعا وابن قسيط ويحيى بن سعيد وربيعة وغير ~~واحد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين قالوا: عدة ~~الأمة حيضتان (¬1). ورواه (1) عن القاسم بن محمد، وقال القاسم: مع أن هذا ~~ليس في كتاب الله عز وجل، ولا نعلمه سنة من رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، ولكن قد مضى أمر الناس على هذا. وروي ذلك بإسناد صحيح عن علي (¬2) رضي ~~الله عنه. ورواه الزهري عن زيد بن ثابت (¬3). وأخرجه مالك (¬4)، عن نافع، ~~عن عبد الله بن عمر. وهو مذهب فقهاء المدينة؛ سعيد بن المسيب، والقاسم، ~~وسالم، وزيد بن أسلم، وعبد الله بن عتبة، والزهري، ومالك، وفقهاء مكة؛ ~~كعطاء بن أبي رباح، ومسلم بن خالد، وغيرهما، وفقهاء البصرة؛ كقتادة، ~~والحسن، وابن سيرين، وفقهاء الكوفة؛ كالثوري، وأبي حنيفة وأصحابه، وفقهاء ~~الحديث، كأحمد، وإسحاق، والشافعي، وأبي ثور، وغيرهم. فالحديث يدل على هذا، ~~وهو متأيد بعمل الصحابة وبالقياس على الحد. وذهب الظاهرية كما قاله أبو ~~محمد بن حزم (¬5) أنه مذهب أبي ms1742 سليمان، وجميع أصحابنا إلى أن عدة الأمة ~~كعدة الحرة سواء؛ لعموم آيات العدد الثلاث للحرة والأمة، قال (¬6): لأن ~~الله تعالى علمنا العدد في الكتاب، فقال: {والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة ~~قروء} (¬7). {والذين يتوفون PageV08P240 # منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا} (¬1). وقال تعالى: ~~{واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم ~~يحضن وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن حملهن} (¬2). وقد علم الله تعالى إذ ~~أباح لنا زواج الإماء أن عليهن العدد المذكورات، وما فرق عز وجل بين حرة ~~ولا أمة في ذلك، {وما كان ربك نسيا} (¬3). قال: وثبت عمن سلف مثل قولنا؛ ~~قال (¬4) محمد بن سيرين: ما أرى عدة الأمة إلا كعدة الحرة، إلا أن تكون مضت ~~في ذلك سنة، فالسنة أحق أن تتبع. قال (4): وذكر أحمد بن حنبل أن قول مكحول: ~~إن عدة الأمة في كل شيء كعدة الحرة. انتهى كلامه. # ومثل هذا (أ) في كتب الهدوية؛ قال الإمام المهدي في "البحر": مسألة: ~~والأمة كالحرة في عدتها إذ لم يفصل الدليل. انتهى كلامه. ولم يحك خلافا. ~~والجواب عن ذلك أن العمومات في الآيات الثلاث مخصوصة بالأحاديث المتقدمة، ~~وهي وإن كانت فيها مقال ولكنها متأيدة بآثار (ب) كثيرة، بل ظاهر ما تقدم ~~أنه إجماع الصحابة، والإجماع كاف في PageV08P241 # التخصيص، والقياس كذلك مؤيد، مع أن الآيات إذا تأمل الفطن لسياقها وجدها ~~لا تتناول الإماء، فإن قوله: {فلا جناح عليهما فيما افتدت به}. في حق ~~الحرائر، فإن افتداء الأمة إلى سيدها لا إليها، وكذا قوله تعالى: {فلا جناح ~~عليهما أن يتراجعا} (¬1). فجعل ذلك إلى الزوجين، والمراد به العقد، وفي ~~الأمة ذلك يختص بسيدها، وكذا قوله تعالى: {فإذا بلغن أجلهن فلا جناح عليكم ~~فيما فعلن في أنفسهن بالمعروف} (¬2). والأمة لا فعل لها في نفسها، مع أن ~~ابن سيرين لم يجزم بذلك وأخبر به عن رأيه، والرواية عن مكحول لم يذكر لها ~~ابن حزم سندا، وإنما حكاه عن أحمد عنه، فلم يبق معهم أحد من السلف إلا رأي ~~ابن سيرين المعلق ms1743 على عدم سنة متبعة. # وفي الاعتداد بالأشهر في حق الصغيرة والآيسة ثلاثة أقوال وهي للشافعي، ~~وهي ثلاث روايات عن أحمد، فأكثر الروايات أنها شهران. رواه عنه جماعة من ~~أصحابه، وهو إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب. ذكرها الأثرم وغيره عنه. ~~وحجة هذا القول أن عدتها بالأقراء حيضتان، فجعل كل شهر مكان حيضة. والقول ~~الثاني: أن عدتها شهر ونصف. نقلها عنه الأثرم والميموني. وهذا قول علي بن ~~أبي طالب، وابن عمر، وابن المسيب، وأبي حنيفة، والشافعي في أحد أقواله. ~~وحجته أن التنصيف في الأشهر ممكن فينصف بخلاف. والقول الثالث أن عدتها ~~ثلاثة أشهر كوامل. وهو إحدى الروايتين عن عمر، وقول ثالث للشافعي. وحجة هذا ~~القول أن العدة إنما هي لأجل براءة الرحم، وهي لا تحصل بدون ثلاثة أشهر في ~~حق الحرة والأمة PageV08P242 # جميعا؛ لأن الحمل يكون نطفة أربعين يوما، ثم علقة أربعين يوما، ثم مضغة ~~أربعين، وهو الطور الثالث الذي يمكن أن يظهر فيه الحمل، وهو بالنسبة إلى ~~الحرة والأمة سواء، بخلاف الأقراء، فإن الحيضة الواحدة يعلم بها براءة ~~الرحم، ولذا اكتفي بها في استبراء الأمة. # 925 - وعن رويفع بن ثابت رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسقي ماءه زرع غيره". أخرجه ~~أبو داود والترمذي، وصححه ابن حبان، وحسنه البزار (¬1). # هو رويفع، تصغير رافع، بضم الراء المهملة، ابن ثابت بن سكن، من بني مالك ~~بن النجار، الأنصاري، عداده في المصريين، توفي سنة ست وأربعين. # الحديث، وأخرجه الحاكم (¬2) من حديث ابن عباس في خبر أوله: أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم، وقال: "لا تسق ~~ماءك زرع غيرك". وأصله في النسائي (¬3). # الحديث فيه دلالة على أنه يحرم وطء الحامل من غير الواطئ، سواء كان ذلك ~~الحمل لاحقا بغيره أم لا، وذلك كالأمة المشتراة إذا كانت حاملا من PageV08P243 # غيره والمسبية. و (أ) ظاهر الحديث إذا كان الحمل متحققا، وأما إذا كان ~~الحمل غير متحقق ms1744 وتملك (ب) الأمة بسبي أو شراء أو غيره، فسيأتي، ويدخل في ~~عموم الحديث (ج) ما إذا زنت المرأة المزوجة أو وطئت غلطا؛ أنه لا يجوز ~~للزوج أن يطأها حتى يستبرئها بحيضة، وقد ذهب إلى وجوب العدة على الزانية ~~(د) مالك وإسحاق بن راهويه وربيعة، وقيل: يستبرئ بحيضة. وذهب العترة، ~~والفريقان الحنفية والشافعية، وابن سيرين، إلى أنه لا عدة على زانية، ~~قالوا: لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "الولد للفراش" (¬1). ولأن عمر جلد ~~الغلام والصبية، وزوج الغلام بالصبية، ولم ينكر؛ فدل على عدم وجوب ~~الاستبراء. والجواب عنه: أن الوطء مظنة الحمل، فيجب الاجتناب كما في حق من ~~تحقق حملها، ولا يدل قوله: "الولد للفراش". على المدعى؛ لأن المراد أنه غير ~~لاحق بالزاني فقط، ومذهب الإمام أحمد بن حنبل أنه لا يجوز نكاح الزانية ~~بالكلية، حتى تتوب ويرتفع عنها اسم الزانية والبغي والفاجرة؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - فرق بين الرجل وبين المرأة التي (ه تزوج بها ه)، ~~فوجدها حبلى، وجلدها الحد، وقضى لها بالصداق. أخرجه أبو داود (¬2). وهذا ~~صريح في بطلان العقد على الحاملة من زنى. قال المصنف رحمه الله تعالى في PageV08P244 # "التلخيص" (¬1): هذا. الحديث -يعني حديث رويفع- احتج به الحنابلة على ~~فساد نكاح الحامل من الزنى، واحتج به الحنفية على امتناع وطئها، وأجاب ~~الأصحاب عنه بأنه ورد في السبي، لا في مطلق النساء، وتعقب بأن العبرة بعموم ~~اللفظ. انتهى. # وقوله: "زرع غيره". استعارة أصلية مصرحة بشبه الحمل بالزرع، بجامع ~~[النماء] (أ) وتولده عن المادة الشبيهة (ب) بالماء. # 926 - وعن عمر رضي الله عنه في امرأة المفقود: تتربص أربع سنين، ثم تعتد ~~أربعة أشهر وعشرا. أخرجه مالك والشافعي (¬2). # أخرجه من حديث يحيى بن سعيد، [عن سعيد] (ج) بن المسيب، عن عمر: أيما (د) ~~امرأة فقدت زوجها، فلم تدر أين هو، فإنها تنتظر أربع سنين، ثم تنتظر أربعة ~~أشهر وعشرا. ورواه عبد الرزاق (¬3)، عن ابن جريج، عن يحيى به. ورواه أبو ~~عبيد (¬4)، عن محمد بن كثير، عن الأوزاعي، عن PageV08P245 # الزهري، عن سعيد، عن ms1745 عمر وعثمان به. ورواه البيهقي (¬1) من طرق (أ) أخرى ~~عن عمر. وقال ابن أبي شيبة (¬2): ثنا غندر، ثنا شعبة، عن منصور، عن مجاهد، ~~عن ابن أبي ليلى، عن عمر نحوه. وللدارقطني (¬3) من طريق عاصم (ب) الأحول عن ~~أبي عثمان، قال: أتت (ج) امرأة عمر بن الخطاب فقالت: استهوت (د) الجن ~~زوجها. فأمرها أن تتربص أربع سنين، ثم أمر ولي الذي استهوته الجن أن ~~يطلقها، ثم أمرها بعد أن تعتد أربعة أشهر وعشرا. # وأخرج ابن أبي شيبة (2)، قال: حدثنا عبد الأعلى، عن معمر، عن الزهري، عن ~~سعيد بن المسيب، أن عمر بن الخطاب وعثمان قالا في امرأة المفقود: [تربص ~~أربع] (ه) سنين، وتعتد أربعة أشهر وعشرا. # وأخرج أبو [عبيد] (و) (¬4)، عن جابر بن زيد أنه شهد ابن عباس وابن عمر ~~تذاكرا امرأة المفقود، فقالا: تتربص [بنفسها] (ز) أربع PageV08P246 # سنين، ثم تعتد عدة الوفاة. # الحديث فيه دلالة على أن امرأة المفقود بعد مضي المدة المذكورة تبين من ~~زوجها، وقد ذهب إلى هذا عمر، ومالك، وأحمد، وإسحاق، وأحد قولي الشافعي، ~~وروي أيضا عن ابن مسعود و (أ) عن جمع من التابعين، كالنخعي، وعطاء، ~~والزهري، ومكحول، والشعبي (¬1)، واتفق أكثرهم على أن التأجيل من يوم يرفع ~~أمرها إلى الحاكم، وعلى أنها تعتد عدة الوفاة بعد مضي الأربع السنين، وذهب ~~أبو يوسف، ومحمد، ورواية عن أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي، أنها لا تخرج عن ~~عهد الزوجية حتى يصح لها موته أو طلاقه أو ردته، ولا بد أن تتيقن ذلك، ~~قالوا: لأن عقدها ثابت بيقين، فلا يرتفع إلا بيقين. وقال المؤيد بالله: إنه ~~يكفي في ذلك الظن الغالب الحاصل بخبر العدل. واحتج في "البحر" بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان" (¬2) الآتي. ~~وروى الشافعي (¬3) من طريق المنهال (¬4) بن عمرو، عن عباد (ب) بن عبد الله، ~~عن علي، أنه قال في امرأة المفقود: إنها لا تتزوج. وذكر في مكان آخر تعليقا ~~(¬5)، فقال: وقال علي في امرأة المفقود: امرأة PageV08P247 # ابتليت، فلتصبر لا تنكح حتى يأتيها ms1746 يقين موته. وقال البيهقي (¬1): هو عن ~~علي مطولا مشهور (أ). وأخرج عبد الرزاق (¬2) أن عليا قال في امرأة المفقود: ~~هي امرأة ابتليت، فلتصبر حتى يأتيها موت أو طلاق. وأخرج (¬3) أيضا عن علي ~~قال: تربص حتى تعلم أحي هو أو ميت. وقال (¬4) عن ابن جريج أنه قال: بلغني ~~أن ابن مسعود وافق عليا. وأخرج (¬5) من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى، أن ~~عمر لما عاد المفقود مكنه من أخذ زوجته. وفيه انقطاع مع ثقة رجاله، قالوا: ~~فإن لم تتيقن ما تقدم، تربصت العمر الطبيعي. قال القاسم: وهو مائة وعشرون ~~سنة من مولده. وقال المؤيد بالله: مائة وخمسون سنة إلى مائتين. وقال الإمام ~~يحيى: لا وجه للتربص، لكن إن ترك لها الغائب ما يقوم بها فهو كالحاضر؛ إذ ~~لم يفتها إلا الوطء، وهو حق له لا لها، وإلا فسخها الحاكم عند مطالبتها من ~~دون انتظار؛ لقوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضرارا} (¬6)، {فإمساك بمعروف أو ~~تسريح بإحسان} (¬7)، "لا ضرر (ب) PageV08P248 # ولا ضرار في الإسلام" (¬1). والحاكم شرع لرفع المضارة في الظهار ~~والإيلاء، وهذا أبلغ، والفسخ مشروع كالعيب ونحوه. قال: والتقدير بالعمر ~~الطبيعي والأربع لا دليل عليه من كتاب أو سنة؛ لأنهم إن جوزوا لها النكاح ~~بمضيها (أ) لأجل الضرر، فأي ضرر أبلغ من تربصها هذه المدة، وإن كان لحصول ~~اليقين ببينونتها، فلا يقين بذلك، وإن كان لنص أو قياس، فلا شيء منهما. قال ~~الإمام المهدي: أما الطبيعي فقدروه عند تعذر اليقين والبينة الكاملة، ليحصل ~~أقوى مراتب الظن؛ [إذ لا قرينة أقوى من ذلك فيطلبوها، ولابد مع مضي المدة ~~من حصول الظن] (ب)، ولا يكفي مجرد المدة، وإلا لزم فيمن غاب وقد بقي يومان ~~من عمره الطبيعي أن تزوج امرأته، ولا قائل به. قال الإمام المهدي: ولا شك ~~أن في التربص المذكور حرجا، فالفسخ قوي. قال الإمام يحيى: فإن غلب في الظن ~~موته لأي الأمارات القوية، جاز تزويجها بلا فسخ، وتعتد من عند الظن كلو ~~قامت بينة، فإن عاد رجعت إليه، بخلاف الفسخ. وهذا الذي ذكره ms1747 الإمام يحيى ~~إحداث قول ثالث رافع للقولين السابقين اللذين ظهرا في أيام السلف من ~~الصحابة ومن بعدهم. # واعلم أنه قال عبد الرزاق (¬2): أخبرنا الثوري، عن يونس بن خباب (ج)، PageV08P249 # عن مجاهد، عن الفقيد الذي فقد، قال: دخلت الشعب فاستهوتني الجن، فمكثت ~~أربع سنين، فأتت امرأتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأمرها أن تتربص أربع ~~سنين من حين رفعت أمرها إليه، ثم دعا وليه فطلقها، ثم أمرها أن تعتد أربعة ~~أشهر وعشرا، ثم جئت بعدما تزوجت، فخيرني عمر بينها وبين الصداق الذي ~~اصدقتها. ورواه ابن أبي شيبة (¬1) من طريق يحيى بن جعدة، عن عمر به. ورواه ~~البيهقي (¬2) من طريق أخرى. والله أعلم. # وقال بالتخيير هذا القائلون بأنها تعتد. وقال أكثرهم: إن اختار الأول ~~الصداق، غرمه له الثاني. وخالف سعيد بن السيب في المفقود في صف القتال؛ ~~أنها تربص سنة واحدة، وفي غير الصف أربع سنين. وفرق مالك بين القتال في (أ) ~~دار الحرب أو (أ) دار الإسلام. # 927 - وعن المغيرة بن شعبة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"امرأة المفقود امرأته حتى يأتيها البيان". أخرجه الدارقطني بإسناد ضعيف (¬3). # أخرجه الدارقطني بلفظ: "حتى يأتيها الخبر". وأخرجه البيهقي (¬4) PageV08P250 # بلفظ: "حتى يأتيها البيان". ولكن ضعفه أبو حاتم (¬1)، والبيهقي (¬2)، ~~وعبد الحق (¬3)، وابن القطان (¬4)، وغيرهم. # الحديث تقدم الكلام عليه في الحديث الذي قبله. # 928 - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لا يبيتن رجل عند امرأة إلا أن يكون ناكحا، أو ذا محرم". أخرجه مسلم (¬5). # في لفظ مسلم زيادة: "عند امرأة ثيب". بزيادة لفظ: "ثيب". وجاء في بعض نسخ ~~مسلم: "أو ذات محرم". # وقوله: "ناكحا". المراد أن يكون ذلك الرجل زوجا للمرأة، أو يكون ذا محرم، ~~وهذا هو الظاهر، وقد فسره بعضهم بأن المراد بالناكح هي المرأة المزوجة، ~~يعني وزوجها حاضر، فيبيت قريبها في بيتها بحضرة الزوج. وهذا التفسير خلاف ~~الظاهر، قال العلماء: وإنما خص الثيب بالذكر لكونها التي يدخل إليها غالبا، ~~وأما البكر فمصونة متصونة في ms1748 العادة، مجانبة للرجال أشد مجانبة، فلم يحتج ~~إلى ذكرها، وهو أيضا من باب الأولى، لأنه إذا نهي عن الثيب التي يتساهل ~~الناس في الدخول عليها في العادة، فالبكر PageV08P251 # أولى. والحديث يدل على أنه يحرم الخلوة بالأجنبية، وإباحة الخلوة ~~بالمحرم، وهذان الأمران مجمع عليهما. وضابط المحرم: هو (أ) كل من حرم عليه ~~نكاحها على التأبيد بسبب مباح لحرمتها. فقولنا: على التأبيد. احتراز من أخت ~~الزوجة، وعمتها، وخالتها، ونحوهن. وقولنا: بسبب مباح. احتراز من أم ~~الموطوءة بشبهة وبنتها، فإنها حرام على التأبيد، لكن لا بسبب مباح، فإن وطء ~~الشبهة لا يوصف بأنه مباح ولا محرم، ولا بغيرهما من أحكام الشرع الخمسة، ~~لأنه ليس فعل مكلف. وقولنا: لحرمتها. احتراز من الملاعنة، فهي حرام على ~~التأبيد؛ لا لحرمتها، بل [تغليظ] (ب) عليهما. # 929 - وعن ابن عباس رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~يخلون رجل بامرأة إلا مع ذي محرم". أخرجه البخاري (¬1). # الحديث، الكلام عليه تقدم فيما قبله. # 930 - وعن أبي سعيد رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في ~~سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة". ~~أخرجه أبو داود وصححه الحاكم (¬2). PageV08P252 # وله شاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما في الدارقطني (¬1). # وحديث ابن عباس قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن توطأ حامل ~~حتى تضع، أو حائل حتى تحيض. قال الدارقطني: إن ابن صاعد قال: إن [العابدي] ~~(أ) راويه من حديث ابن عيينة تفرد بوصله وغيره أرسله، ورواه الطبراني في ~~"الصغير" (¬2) من حديث أبي هريرة بإسناد ضعيف، وأبو داود (¬3) من حديث ~~رويفع بن ثابت بلفظ: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على ~~امرأة من السبي حتى يستبرئها بحيضة". وروى ابن أبي شيبة (¬4) عن علي رضي ~~الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن توطأ الحامل حتى ~~تضع، أو الحائل حتى تستبرأ بحيضة. لكن في إسناده ضعف وانقطاع. # قوله: أوطاس. هو اسم واد ms1749 في ديار هوازن، وهو موضع حرب حنين. كذا قال ~~القاضي عياض (¬5). وقد ذهب إليه بعض أهل السير، قال المصنف رحمه الله تعالى ~~(5): والراجح أن وادي أوطاس غير وادي حنين، ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن ~~الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما PageV08P253 # انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى بجيلة، وطائفة إلى ~~أوطاس، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - عسكرا مقدمهم أبو عامر الأشعري ~~إلى من مضى إلى أوطاس كما يدل عليه حديث الباب؛ يعني حديث البخاري (¬1)، ثم ~~توجه هو بعساكره إلى الطائف، وقال أبو عبيد البكري (¬2): أوطاس واد في ديار ~~هوازن. انتهى. # الحديث فيه دلالة على أنه يجب استبراء المسبية إذا أراد السابي وطأها، ~~فإن كانت حاملا فبوضع الحمل، وإن كانت غير ذات حمل فبحيضة، وهذا المنصوص ~~عليه، لأنه ورد في حق السابين (أ)، وقيس على (ب) السابي المشتري والمتملك ~~بأي وجه من وجوه التمليك بجامع ابتداء التملك (ج)، وقد ذهب إلى هذا العترة ~~والحنفية والشافعية ومالك والثوري والنخعي، وظاهر قوله: "ولا غير ذات حمل ~~حتى تحيض حيضة". يعم البكر والثيب، وقياسا على العدة حيث تجب مع العلم ~~ببراءة الرحم، ويؤيده قول عمر: من ابتاع جارية قد بلغت الحيض فليتربص بها ~~حتى تحيض، فإن كنت لم تحض فليتربص (د) خمسا وأربعين ليلة (¬3). وقد وجبت ~~العدة على الصغيرة والآيسة، PageV08P254 # والاستبراء عدة، فتجب على الجميع، وذهب جماعة إلى أن الاستبراء إنما يكون ~~في حق من لم يعلم براءة رحمها، وأما من علم براءة رحمها، فلا استبراء ~~عليها، وهذا رواه عبد الرزاق (¬1) عن ابن عمر قال: إذا كانت الأمة عذراء لم ~~يستبرئها إن شاء. ورواه البخاري (¬2) في "الصحيح" عنه، وذكر حماد بن سلمة ~~(¬3)، قال: حدثنا علي بن زيد عن أيوب [بن] (أ) عبد الله اللخمي عن ابن عمر ~~قال: وقعت في سهمي جارية يوم جلولاء كأن عنقها إبريق فضة. قال ابن عمر: فما ~~ملكت نفسي أن جعلت أقبلها والناس ينظرون. وأخرج البخاري في "الصحيح" (¬4) ~~مثل ذلك عن علي رضي ms1750 الله عنه من حديث بريدة، قال: بعث رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عليا إلى خالد -يعني باليمن- ليقبض الخمس، فاصطفى علي منها ~~صبية، وأصبح وقد اغتسل، فقلت لخالد: أما ترى إلى هذا؟! وفي رواية: فقال ~~خالد لبريدة: ألا ترى ما صنع هذا؟! قال بريدة: وكنت أبغض عليا، فلما قدمنا ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - ذكرت له، فقال: "يا بريدة، أتبغض عليا؟ ~~". فقلت: نعم. فقال: "لا تبغضه، فإن له في الخمس أكثر من ذلك". فهذه ~~الجارية إما أن تكون بكرا فلم ير علي وجوب استبرائها (ب)، وإما أن تكون في ~~آخر حيضة فاكتفى PageV08P255 # بالحيضة قبل تملكه لها، وعلى كل تقدير فلا بد أن تكون قد تحقق براءة ~~رحمها، ويؤيد هذا ما أخرجه الإمام أحمد (¬1) من حديث رويفع: "من كان يؤمن ~~بالله واليوم الآخر فلا ينكحن ثيبا من السبايا حتى تحيض". ويكون هذا (أ) ~~مخصصا لعموم: "ولا غير ذات حمل حتى تحيض". وإلى هذا يرجع مذهب مالك. وقال ~~أبو عبد الله [المازري] (ب) من المالكية: والقول الجامع في ذلك أن كل أمة ~~أمن عليها الحمل فلا يلزم فيها الاستبراء، وكل من غلب على الظن كونها ~~حاملا، أو شك في حملها، أو تردد في فيه، فالاستبراء لازم فيها، وكل من غلب ~~على الظن براءة رحمها لكنه يجوز حصوله، فإن المذهب على قولين في ثبوت ~~الاستبراء وسقوطه، ثم خرج على ذلك الفروع المختلفة كاستبراء الصغيرة التي ~~تطيق الوطء والآيسة، وفيه روايتان عن مالك. قال صاحب "الجواهر": ويجب في ~~الصغيرة إذا كانت ممن قارب سن الحمل كبنت ثلاث عشرة وأربع عشرة، وفي إيجاب ~~الاستبراء إذا كانت ممن يطيق الوطء ولا يحمل مثلها كبنت تسع وعشر روايتان، ~~أثبته في رواية ابن القاسم، ونفاه في رواية ابن عبد الحكم، وإن كانت ممن لا ~~يطيق الوطء فلا استبراء فيها. قال: ويجب الاستبراء ممن جاوزت سن الحيض ولم ~~تبلغ سن اليأس مثل ابنة الأربعين والخمسين، وأما التي قعدت عن المحيض ~~وتأيست عنه، فهل يجب فيها الاستبراء أو لا ms1751 يجب؟ روايتان لابن القاسم PageV08P256 # وابن عبد الحكم. قال [المازري] (أ): ووجه استبراء الصغيرة التي تطيق ~~الوطء والآيسة، لأنه يمكن فيهما الحمل على الندور، أو [لمخافة] (ب) ~~الذريعة، لئلا تدعي في مواضع الإمكان أن لا إمكان. قال: ومن ذلك استبراء ~~الأمة خوفا أن تكون زنت، وهو المعبر عنه بالاستبراء لسوء الظن، وفيه قولان، ~~والنفي لأشهب. قال: ومن ذلك استبراء من كان الغالب على السادات عدم وطئهن، ~~ومن ذلك استبراء من باعها مجبوب أو امرأة أو ذو محرم، ففي وجوبه روايتان عن ~~مالك، ومن ذلك [استبراء] (ج) المكاتبة [إذا كانت] (د) تتصرف ثم عجزت فرجعت ~~إلى سيدها، فابن القاسم يثبت الاستبراء، وأشهب ينفيه، ومن ذلك استبراء ~~البكر. قال أبو الحسن اللخمي: هو مستحب على وجه الاحتياط غير واجب. وقال ~~غيره من أصحابه: هو واجب. ومن ذلك إذا استبرأ البائع الأمة وعلم المشتري ~~أنه قد استبرأها، فإنه يجزئ استبراء البائع عن استبراء المشتري، ومن ذلك ~~إذا أودعه أمة فحاضت عند المودع حيضة ثم اشتراها، لم يحتج إلى استبراء ثان، ~~وأجزأت تلك الحيضة عن استبرائها، وهذا بشرط ألا تخرج، ولا يكون سيدها يدخل ~~عليها، ومن ذلك أن يستبرئها من زوجته، أو ولد له صغير في عياله وقد حاضت ~~عند البائع، فابن القاسم يقول: إذا كانت لا تخرج أجزأه ذلك. وأشهب يقول: ~~إذا كانت مع المشتري في دار وهو ذاب عنها وناظر في أمرها أجزأه (ه) ذلك، PageV08P257 # سواء كانت تخرج أو لا تخرج، ومن ذلك أن سيد الأمة إذا كان غائبا فحين قدم ~~اشتراها منه رجل قبل أن تخرج، أو خرجت وهي حائض، فاشتراها قبل أن تطهر، فلا ~~استبراء عليه، ومن ذلك إذا بيعت (أ) وهي حائض في أول حيضها، فالمشهور من ~~مذهبه أن ذلك يكون استبراء لها، لا تحتاج إلى حيضة مستأنفة، ومن ذلك الشريك ~~يشتري نصيب شريكه من الجارية، وهي تحت يد المشتري منهما وقد حاضت في يده، ~~فلا استبراء عليها (ب). انتهى كلامه. # وهذا الكلام ينبئ أن مأخذ مالك في الاستبراء إنما ms1752 هو للعلم ببراءة الرحم، ~~فحيث لا تعلم ولا تظن البراءة وجب الاستبراء، وحيث تعلم أو تظن البراءة فلا ~~استبراء. وقال بهذا أبو العباس بن سريج والإمام أبو العباس بن تيمية، ~~واختاره الإمام محمد بن أبي بكر المعروف بابن قيم الجوزية، وهذا الذي ذكروه ~~قوي، فإن الحكم ليس بتعبدي محض، بل له معنى معقول مناسب للحكم، وهو براءة ~~الرحم للبعد من اختلاط الأنساب، والأحاديث الواردة في سبايا أوطاس منبهة ~~على هذا التعليل؛ ففي "صحيح مسلم" (¬1) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله ~~عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس، ~~فلقي عدوا فقاتلوهم فظهروا عليهم وأصابوا سبايا، وكان ناس من أصحاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - تحرجوا من غشيانهن من أجل أزواجهن من ~~المشركين، فأنزل الله عز وجل في ذلك: PageV08P258 # {والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم} (¬1). أي فهن حلال لكم. فكأن ~~التحرج إنما هو في حق من يظن أنها قد وطئها زوج، وفيه من حديث أبي الدرداء ~~(¬2) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مر بامرأة مجح (¬3) على باب فسطاط، ~~فقال: "لعله [يريد] (أ) أن يلم بها؟ ". قالوا: نعم. فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره؛ كيف يورثه وهو ~~لا يحل له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ ". وفي الترمذي (¬4) من حديث عرباض ~~بن سارية، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في ~~بطونهن. وفيه من حديث (ب) رويفع بن ثابت (¬5)، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يسقي ماءه ولد غيره". قال ~~الترمذي: حديث حسن. ولأبي داود (¬6) من حديثه أيضا: "لا يحل لامرئ يؤمن ~~بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها". وذكر البخاري ~~(¬7) في "صحيحه" عن ابن عمر: إذا وهبت الوليدة التي توطأ، أو بيعت، أو ~~عتقت، فلتستبرأ بحيضة، ولا تستبرأ العذراء. وأخرج عبد الرزاق (¬8) عن معمر ~~عن طاوس: ms1753 لا PageV08P259 # يقعن رجل على حامل ولا حائل حتى تحيض. فهذه الأحاديث فيها إيماء إلى أن ~~العلة الحمل أو تجويزه، وقد عرفت أن الحكم منصوص في السبايا، وقيس عليه ~~انتقال الملك بالشراء وغيره، وذهب داود الظاهري وعثمان البتي إلى أنه لا ~~يجب الاستبراء في غير السبي، أما داود فلأنه لا يثبت الحكم بالقياس، ولأن ~~الشراء ونحوه عقد كالتزويج، وأجيب بأنه قد روي عن علي رضي الله عنه: من ~~اشترى جارية فلا يقربها حتى تستبرأ بحيضة (¬1). وقد تقدم مثله عن عمر (¬2) ~~رضي الله عنه، ولا يقاس على النكاح للفرق، فإن النكاح لا يقتضي ملك الرقبة. ~~كذا ذكره في "البحر"، ولا يخفى ركة الجواب، إذ لا دخل لملك الرقبة في هذا ~~الحكم مع اشتراكهما في الوصف المناسب، وهو العلم ببراءة الرحم المفضي إلى ~~اختلاط الأنساب. وإطلاق هذه الأحاديث في السبايا، وتوقيت الوطء بوضع الحمل ~~أو الحيضة، (أيقضي بحل أ) الوطء، وإن لم يدخلن (ب) في الإسلام، فإنه لو كان ~~الإسلام شرطا لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وإلا لزم تأخير البيان ~~عن وقت الحاجة، مع أن فيهم حديثي عهد بالإسلام يخفى عليهم هذا الحكم، وحصول ~~الإسلام من جميع السبايا، وكانوا عدة آلاف بعيد، بل في غاية البعد أن ~~يسلموا جميعهم دفعة واحدة، لا تتخلف عن الإسلام منهن جارية واحدة من غير ~~عرض الإسلام ولا إكراه عليه، ولم يكن لهن رغبة وبصيرة في الدخول في الإسلام ~~يقتضي المبادرة إلى الإسلام قبل PageV08P260 # كل شيء، فمقتضى هذه السنة وعمل الصحابة في عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قاض بجواز الوطء من دون إسلام، وقد ذهب إلى هذا طاوس وغيره، وقواه ~~صاحب "المغني" (¬1) وقوى أدلته. والله أعلم. # 931 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"الولد للفراش وللعاهر الحجر". متفق عليه من حديثه (¬2). # ومن حديث عائشة رضي الله عنها في قصة (¬3)، وعن ابن مسعود عند النسائي ~~(¬4)، وعن عثمان عند أبي داود (¬5). # الحديث ذكره البخاري من طرق، قال ابن عبد البر ms1754 (¬6) هو أصح ما روي، فإنه ~~جاء عن بضعة وعشرين نفسا من الصحابة. قال المصنف (¬7) رحمه الله: وفي الباب ~~عن عمر (أ) وعثمان وابن مسعود وابن الزبير وابن عمرو وأبي أمامة وعمرو (ب) ~~بن خارجة وزيد بن أرقم، وزاد شيخنا: معاوية PageV08P261 # وابن عمر. وزاد ابن منده (¬1) في "تذكرته": معاذ بن جبل وعبادة بن الصامت ~~وأنس بن مالك وعلي بن أبي طالب والحسين بن علي وعبد الله بن حذافة وسعد بن ~~أبي وقاص وسودة بنت زمعة. وقد وقع لي من حديث ابن عباس وأبي مسعود البدري ~~(أ) وواثلة بن الأسقع وزينب بنت جحش، وجميع هؤلاء وقع عندهم: "الولد للفراش ~~وللعاهر الحجر". انتهى. # والحديث فيه دلالة على ثبوت نسب الولد بالفراش من الأب، واختلف العلماء ~~في معنى "الفراش"؛ فذهب الأكثر أنه اسم للمرأة، وقد يعبر به عن حالة ~~الافتراش، وذهب أبو حنيفة إلى أن الفراش اسم للزوج، ونقل ابن الأعرابي (1) ~~ذلك، وأنشد عليه قول جرير (¬2): # * باتت تعانقه وبات فراشها * # البيت، وهو إما أن يكون مع الحرة، فلا يثبت الفراش منها إلا بإمكان الوطء ~~في نكاح صحيح أو فاسد، وهذا مذهب الهادي والشافعي وأحمد، وذهب أبو حنيفة ~~إلى أنه يثبت بنفس العقد، وإن علم أنه لم يجتمع بها، بل ولو طلقها عقيبه في ~~المجلس. # وذهب ابن تيمية (¬3) إلى أنه لا بد من معرفة الدخول المحقق، وقال: إن PageV08P262 # الإمام أحمد أشار إليه في رواية حرب، فإنه قال فيمن طلق قبل البناء وأتت ~~امرأته بولد فأنكره: إنه ينتفي عنه بغير لعان. # واختار هذا القول ابن القيم (¬1)، قال: وهل يعد أهل اللغة والعرف المرأة ~~فراشا قبل البناء بها؟! وكيف تأتي الشريعة بإلحاق نسب من لم يبن بامرأته ~~ولا دخل بها ولا اجتمع بها، بمجرد إمكان ذلك؟! وهذا الإمكان قد يقطع ~~بانتفائه عادة، فلا تصير المرأة فراشا إلا بدخول محقق. انتهى كلامه. # وقد ترجح القول الأول بأن ذلك هو اللائق بالاحتياط في لحوق النسب، ومعرفة ~~الوطء المحقق يتعذر معرفته في حق [غير] (أ) الزوجين، والإشكال إنما هو مع ms1755 ~~تناكرهما، ففي ثبوته مع إمكان الوطء احتياط في ثبوت النسب، وإلا كان ذريعة ~~لكثير ممن يريد مجرد سفح الماء من غير أن يلحقه ولد أن ينكر وجود الوطء ~~منه، والشهادة متعذرة، وقد جعل الله له المخرج باللعان، إذا لم يكن منه الولد. # ويشترط أن تأتي بالولد بعد مضي أقل مدة الحمل، وهذا مجمع عليه، إلا أن ~~أبا حنيفة يقول: من يوم العقد. وعند الجمهور من إمكان الوطء؛ لما أومأ إليه ~~النص، وهو قوله تعالى: {وحمله وفصاله ثلاثون شهرا} (¬2). وقوله PageV08P263 # تعالى: {وفصاله في عامين} (¬1). فإنه يعلم منه أن أقل مدة الحمل ستة ~~أشهر، وإنما اشترط مضي أقل مدة الحمل؛ لأنها لو ولدت لأقل من ذلك، قطعنا ~~أنه من قبل العقد، إلا أنه إذا عاش مدة أكثر مما لغير الناقص فذلك لازم، ~~وينتفي بغير لعان، وإن عاش المدة التي يعيش الناقص، كان لاحقا وجرى له حكم ~~الولد، ويشترط إمكان البلوغ من الزوجين، فلا يلحق بمن كان دون التسع اتفاقا ~~إذ لم يعتد ولد لمثله، ويلحق بابن العشر اتفاقا، إذ قد يمني مثله ولو كان ~~نادرا، إذ قد حصل الإمكان، وفي ابن التسع تردد؛ قال الشافعي: لا يلحق، إذ ~~لا يمني مثله. وقال الإمام يحيى وأبو إسحاق: يلحق، إذ قد تحيض المرأة لتسع، ~~فيجوز الإمناء في الصبي. والقصد الإمكان، وأما إذا كان النكاح باطلا فلا ~~يكفي الإمكان، بل لا بد من تحقق الوطء إذ لا حكم للعقد، ويثبت الفراش للخصي ~~والمجبوب؛ لإمكان إلقاء الماء في الرحم، ولا عبرة بقول الأطباء أن ماءه ~~رقيق لا يخلق منه ولد، وإذا حاضت المرأة ثلاث حيض بعد الطلاق، ثم تزوجت ~~فأتت بولد لدون ستة أشهر، لم يلحق بالأول ولا بالثاني، لأن الحيض يتعذر مع ~~الحمل، والظاهر أنه حيض. وقال الشافعي: بل يلحق بالأول. لأنه لا يتعذر ~~الحيض مع الحمل عنده. # وهذا الكلام في الزوجة، وأما فراش الأمة، فظاهر الحديث أنه شامل له، وأنه ~~يثبت الفراش للأمة بالوطء، إذا كانت مملوكة للواطئ، أو في شبهة ملك، إذا ~~اعترف ms1756 به السيد، أو ثبت بوجه، فإن الحديث ورد في وليدة زمعة، ولفظه في ~~رواية عائشة رضي الله عنها قالت: اختصم سعد بن أبي وقاص PageV08P264 # وعبد بن زمعة في غلام، فقال سعد: يا رسول الله، هذا ابن أخي عتبة (أ) بن ~~أبي وقاص، عهد إلي أنه ابنه، انظر إلى شبهه. وقال عبد بن زمعة: هذا أخي يا ~~رسول الله، ولد على فراش أبي من وليدته. فنظر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إلى شبهه، فرأى شبها بينا بعتبة، فقال: "هو لك يا عبد بن زمعة، ~~الولد للفراش وللعاهر الحجر، واحتجبي منه يا سودة". فلم تره سودة قط (¬1). ~~والحديث كان في فتح مكة، فإنه أثبت الولد بفراش زمعة للوليدة المذكورة، ~~فسبب الحكم ومحله إنما كان في الأمة، وهذا قول الجمهور، وذهب إليه الشافعي ~~ومالك والنخعي وأحمد وإسحاق، ونسبه الإمام يحيى إلى مذهب الهدوية، وذهب أبو ~~حنيفة -وهو مذهب الهدوية والثوري- أن الأمة لا يثبت فراشها إلا بدعوى ~~الولد، ولا يكفي الإقرار بالوطء، فإن لم تدعه فلا نسب له وكان ملكا لمالك ~~الأمة، وإذا قد ثبت فراشها فما ولدته بعد ذلك لحق بالسيد، وإن لم يدع ~~المالك ذلك، قالوا: فالفرق بين الحرة والأمة أن عقد النكاح في الحرة إنما ~~يراد للاستفراش [والوطء] (ب) بخلاف ملك اليمين، فإن الوطء والاستفراش تابع ~~وأغلب المنافع غيره، وأجيب عن ذلك بأن الكلام في الأمة التي اتخذت للوطء، ~~فإن الغرض من الاستفراش قد حصل بها، فإذا عرف الوطء كانت فراشا، ولا يحتاج ~~إلى استلحاق، وهذا الحديث شاهد له؛ فإن عبد بن زمعة لما قال: ولد على فراش ~~أبي. ألحقه النبي - صلى الله عليه وسلم - بزمعة، ولم ينظر إلى الشبه البين ~~الذي فيه المخالف للملحق به، وهذا في حق الأمة المذكورة، PageV08P265 # ولا يجوز تخصيصه منه، فإن العام الوارد على سبب خاص يكون نصا في السبب لا ~~يصح تخصيصه، والخلاف فيه عند أهل الأصول في نوع السبب أو في عينه، والأرجح ~~أنه في نوعه، وأجابت الحنفية ومن قال بقولهم، بأن النبي ms1757 - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يلحقه بعبد على أنه أخ له، وإنما ألحقه به مملوكا، ويدل عليه (أ) ~~أن اللام ظاهرها التمليك في قوله: "هو لك". ويؤكده أنه قد جاء في بعض ~~ألفاظه: "هو لك عبد" (¬1). وجاء في رواية: "احتجبي منه يا سودة، فليس لك ~~بأخ" (¬2). ورجاله رجال الصحيح، إلا شيخ مجاهد وهو يوسف مولى آل (ب) الزبير ~~(¬3)، وقد طعن البيهقي في سنده (¬4) وقال: فيه جرير (¬5) وقد نسب في آخر ~~عمره إلى سوء الحفظ، وفيه يوسف وهو غير معروف. وأجيب عن ذلك بأن قوله: "هو ~~لك". اللام فيه للاختصاص لا للملك، ورواية: "هو لك عبد" (1). باطلة لا تصح ~~أصلا، ومعارضة بالرواية الصحيحة المصرحة بالأخوة، وهو ما أخرجه الإمام ~~البخاري (¬6): "هو لك، هو أخوك يا عبد بن PageV08P266 # زمعة". قالوا: أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - سودة بالاحتجاب [منه] ~~(أ)، فلو كان أخا لها لم يأمرها بالاحتجاب منه. وأجيب عن ذلك بأنه على سبيل ~~الاحتياط والورع والصيانة لأمهات المؤمنين من بعض المباحات مع الشبهة، وذلك ~~لما رآه - صلى الله عليه وسلم - في الولد من الشبه البين بعتبة بن أبي ~~وقاص. وفي الحديث دلالة على أن لغير الأب أن يستلحق الولد، مثل استلحاق (ب) ~~عبد بن زمعة للأخ المذكور، بإقراره أن الفراش لأبيه، وظاهر الرواية وإن لم ~~يصدقه سائر الورثة، فإن سودة لم يذكر منها تصديق ولا إنكار، وإن كان سكوتها ~~وعدم إنكارها لما ادعاه أخوها، قد يدعى أنه قائم مقام الإقرار منها، وقد ~~اتفق أهل العلم على أن للأب أن يستلحق، فأما الجد فإن كان الأب موجودا لم ~~يؤثر استلحاقه شيئا، وإن كان معدوما، وهو كل الورثة، صح إقراره وثبت نسب ~~المقر به، وإن كان بعض الورثة وصدقوه فكذلك، وإلا لم يثبت نسبه، إلا أن ~~يكون أحد الشاهدين فيه مع شاهد آخر، والحكم في الأخ كالحكم في الجد سواء، ~~والأصل في ذلك أن من حاز المال ثبت النسب بإقراره، واحدا كان أو جماعة، ~~وهذا أصل مذهب أحمد والشافعي؛ لأن الورثة قاموا مقام ms1758 الميت وحلوا محله، ~~ومذهب الهدوية أنه لا يصح الاستلحاق من غير الأب، وإنما المقر به يشارك ~~المقر في الإرث دون النسب، ومذهب الشافعي أن الإقرار من الوارث هو إقرار ~~خلافة ونيابة عن الميت، وكذا مذهب أحمد فلا يشترط عدالة المستلحق بل ولا ~~إسلامه، وقالت المالكية: هو إقرار شهادة، فتعتبر فيه أهلية الشهادة. وحكى ~~ابن القصار عن مذهب مالك أن الورثة إذا أقروا PageV08P267 # بالنسب لحق، وإن لم يكونوا عدولا، والمعروف من مذهب مالك خلافه، ويدل ~~الحديث على أن للوصي أن يستلحق لموصيه، ويكون كالوكيل له؛ لأن سعدا لم ينكر ~~عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ما وقع منه من الدعوى، والفراش يثبت ~~أيضا بالبينة بأن المدعى ولد على الفراش، أو أنه ابنه أقر به، والحديث يدل ~~عليه، وذهبت المالكية إلى أن مثل هذا الحديث مما يدل على (أ) مشروعية حكم ~~بين حكمين، وهو أن يأخذ الفرع [شبها] (ب) من أكثر من أصل، فيعطى أحكاما؛ ~~لأن الفراش يقتضي إلحاقه بزمعة، والشبه إلحاقه بعتبة، فأعطي الفرع حكما بين ~~حكمين؛ فروعي الفراش في إثبات النسب، وروعي الشبه البين بعتبة في أمر سودة ~~بالاحتجاب، قالوا: وهذا أولى التقديرات، فإن الفرع إذا دار بين أصلين فألحق ~~بأحدهما فقط، فقد أبطل شبهه بالثاني من كل وجه، فإذا ألحق بكل واحد منهما ~~من وجه، كان أولى من إلغاء أحدهما من كل وجه. وهذا من أحسن الأحكام وأبينها ~~وأوضحها، ولا يمتنع ثبوت النسب من وجه دون وجه كما ذهب أبو حنيفة والأوزاعي ~~وغيرهم، أنه لا يحل أن يتزوج ابنته من الزنى، وإن كان لها حكم الأجنبية، ~~واعترض ذلك ابن دقيق العيد (¬1) بأن هذا الحكم إنما هو إذا دار الفرع بين ~~أصلين شرعيين، يقتضي الشرع الإلحاق بكل واحد منهما من حيث النظر، يعني ~~القياس على أصلين، وههنا لا يقتضي الشرع إلا إلحاق هذا الولد بالفراش، ~~والشبه ها هنا غير PageV08P268 # مقتض للإلحاق، فالحكم بأن الأمر بالاحتجاب للاحتياط [أولى] (أ)، وأنت ~~خبير بأن المثبت لذلك لم يجعله من باب الإلحاق بأصلين، وإنما ms1759 أثبت هذا ~~الحكم بدليل شرعي سني، وحكمه - صلى الله عليه وسلم - على الواحد حكم على ~~الجماعة، فيكون هذا الحكم -وهو إثبات النسب بالنظر إلى ما يجحب للمدعى من ~~أحكام البنوة- ثابتا له، وبالنظر إلى ما يتعلق بالغير من النظر إلى المحارم ~~غير ثابت، وهو وقوف على مدلول الواقعة، والحديث يدل على أن الولد لا يثبت ~~إلا بالفراش، لإفادة هذه الصيغة الحصر، ولكن ثبوت الفراش قد يكون بالعقد ~~بالشروط المتقدمة أو بظهور الوطء في حق الأمة وغيرها من المغلوط بها، ونحو ~~ذلك كما تقدم، وإذا قد ثبت الفراش، فلا ينفى من الحرة الولد إلا بلعان كما ~~تقدم، وأما الأمة فإذا قد ولدت وادعاه على القول باشتراط الدعوى، أو بثبوت ~~الوطء عند من لم يشترط الدعوى، فما حدث من الولد لحق نسبه من دون تجديد ~~دعوى، وذهب الناصر إلى وجوب الدعوى في كل ولد وإلا لم يلحق، فإذا أراد نفي ~~الولد من الأمة بعد ثبوت الفراش لم يكن له ذلك عند الهدوية، وذهب الشافعية؛ ~~قال الرافعي: وهو المنصوص للشافعي. وقال في "الروضة": هو المذهب والمنصوص. ~~ونسبه في "البحر" إلى الحنفية، وهو مروي عن المنصور بالله، أن للسيد النفي ~~للولد إذا علم أنه ليس منه. وقد أخرج ذلك البيهقي (¬1) عن عمر وابن عباس ~~وزيد بن ثابت؛ أنهم أنكروا أولادا من جواريهم ونفوهم. وقد يقوى هذا القول ~~بأن الله سبحانه جعل للأزواج المخرج من لحوق من لم يكن PageV08P269 # منهم باللعان في حق الزوجات، فلو لم يكن للسيد النفي لزم أن يلحق به من ~~لم يكن منه، واللعان غير مشروع في حقه، وكان في ذلك الحكم غاية العبث ~~والحرج، والله سبحانه أحكم. # واختلف العلماء في القافة هل يثبت بها النسب أم لا؛ فذهب العترة وأبو ~~حنيفة إلى أنه لا يثبت النسب بها؛ لأن قوله: "الولد للفراش". يدل على أن ~~القافة غير معتبرة؛ لإفادة مثل هذا التركيب الحصر. وذهب الشافعي وغيره إلى ~~ثبوت النسب بها، إلا أنه إنما يكون فيما أشكل من وطأين محرمين؛ كالمشتري ~~والبائع يطأان ms1760 الجارية في طهر قبل الاستبراء، كذا قال النواوي (¬1)؛ لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قرر مجززا المدلجي في قوله: هذه الأقدام ~~بعضها من بعض. في حق أسامة وزيد -أخرج القصة البخاري ومسلم (¬2) - فقرر ~~قوله، واستبشر بذلك، ودخل على عائشة وأسارير وجهه تبرق، وأخبرها بما قاله ~~المدلجي. وقال - صلى الله عليه وسلم - في حق الملاعنة: "إن جاءت به على نعت ~~كذا، فهو لشريك بن سحماء" (¬3). وقال: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" ~~(¬4). وقال في جواب أم سليم لما قالت: أو تحتلم المرأة؟ فقال: "مم يكون ~~الشبه؟! " (¬5). وقال: "إن (أ) ماء الرجل إذا سبق ماء المرأة كان الشبه له، ~~وإذا PageV08P270 # سبق ماؤها كان الشبه لها" (¬1). وأخرج سعيد بن منصور (¬2) عن عمر، في ~~امرأة وطئها رجلان في طهر، فقال القائف: قد اشتركا فيه جميعا. فجعله ~~بينهما. قال الشعبي: وعلي يقول: هو ابنهما وهما أبواه يرثانه. أخرجه سعيد ~~(2) أيضا. وروى الأثرم بإسناده عن سعيد بن المسيب في رجلين اشتركا في طهر ~~امرأة، فحملت فولدت غلاما يشبههما، فرفع ذلك إلى عمر فدعا القافة فنظروا، ~~فقالوا: نراه يشبههما. فألحقه بهما وجعله يرثهما ويرثانه (¬3). ولا يعرف في ~~الصحابة قط من يخالف عمر وعليا في ذلك، بل حكم عمر بهذا في المدينة وبحضرة ~~المهاجرين والأنصار ولم ينكره منهم منكر، وأجابت الحنفية عن ذلك، بأن نسب ~~أسامة قد ثبت بالفراش، وسرور النبي - صلى الله عليه وسلم - بقول القائف ~~إنما هو لإلزام الخصم الذي يقول بالقافة؛ لأن المنافقين كانوا يحبون الطعن ~~في نسب أسامة، وكانت العرب تعتبر القافة، فكان في قول القائف إقناع للخصم، ~~وقطع للجاجه في الباطل وتماديه في العناد، فلم يكن سكوت النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عن إنكارها واستبشاره دلالة على ثبوتها طريقا في إثبات النسب، ~~وبأن قصة الملاعنة تدل على عدم اعتبار الشبه؛ لأنه لو كان معتبرا لما لاعن ~~ولقال: انتظروها، فإن جاءت به كذا فهو لكذا. فما فعل اللعان إلا لأنه لا ~~يعتبر، وبأن ما ذكر من الشبه بسبب المني لا يدل على اعتبار ذلك ms1761 في ثبوت ~~النسب، وبأن حكم علي وعمر قد وقع فيه الاختلاف، فقد روي ذلك، وروي عن عمر ~~أن القائف قال له: قد اشتركا فيه. فقال له PageV08P271 # عمر: [وال] (أ) أيهما شئت (¬1). فلم يعتبر قول القائف. # والجواب عن ذلك؛ أما قصة أسامة، فإن الاحتجاج بها إنما هو لسكوت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - عن إنكار كونها طريقا يثبت بها النسب، مع أنه لم يسبق ~~من النبي - صلى الله عليه وسلم - إظهار إنكارها حتى يقال: إن تقريره لا ~~يكون مثبتا لها. وإن ذلك مثل مضي كافر ذمي إلى كنيسته مما قد عرف إنكاره، ~~ولم ينكره في الحال اعتمادا على ذلك، فكان سكوته عن إنكارها تقريرا لثبوتها ~~طريقا، والاستبشار بذلك يزيده وضوحا. # وأما قصة الملاعنة، فالنسب كان ثابتا بالفراش، والفراش هو أقوى ما يثبت ~~به، فلا تعارضه القافة، فإنها إنما تعتبر مع الاحتمال عند القائل بها، فلا ~~يعارض الفراش ويبطل حكمه إلا الأيمان التي شرعها الله سبحانه لدفعه، فيكون ~~معنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" (¬2). ~~أي لولا ما شرعه الله من الأيمان، ولم يشرع القافة في مثل ذلك، وأما ثبوت ~~الشبه بسبق المني فهو مثبت للشبه الذي يستند إليه القائف، وهو محصل للظن ~~الذي ثبت اعتباره في كثير من الأحكام الشرعية. # وأما قصة الذي ولدت امرأته ولدا أسود مخالفا للون أبيه (¬3)، فلم يمكنه ~~من النفي بمخالفة الشبه لثبوت ما هو أقوى منه، وهو الفراش، فلم يقو (ب) PageV08P272 # على معارضته، مع أن في الجواب بقوله: "لعلها نزعة عرق" (¬1). ما يدل على ~~أن الشبه معتبر، وأما ما روي عن عمر بقوله: [وال] (أ) أيهما شئت (ب). فهو ~~غير ثابت ولا يعرف صحته [عن عمر] (ج)، مع أن قوله: [وال]، (أ) أيهما شئت. ~~لم يكن فيه إبطال لقول القائف، فإن القائف قد حكم باشتراكهما فيه. # ومسألة إذا ألحقه القائف باثنين، فيها خلاف أيضا، ذهب الشافعي إلى إبطال ~~قوليهما، قال: لأنه لا يكون للرجل إلا أب واحد. وقال الجمهور: بل يصح ms1762 أن ~~يلحقه باثنين. ونص أحمد في رواية مهنا (¬2) إلى أنه يصح أن يلحقه بثلاثة، ~~وقال صاحب "المغني" (¬3): إنه يلحق بمن ألحقه القائف وإن كثروا؛ لأنه إذا ~~جاز إلحاقه باثنين جاز إلحاقه بأكثر من واحد. وقد جوز الهدوية والحنفية في ~~الأمة المشتركة والمشتراة الموطوءة في طهر واحد، وادعاه الشركاء - لحوقه ~~بهم. وقال محمد بن الحسن: لا يلحق بأكثر من ثلاثة. وقال أبو حامد: لا يلحق ~~بأكثر من اثنين. وهو قول أبي يوسف، قال الملحقون: إنه إذا جاز تخلق الولد ~~من ماء اثنين، جاز من أكثر من ذلك. وقد أخرج أبو داود والنسائي (¬4) من ~~طريقين، في إسناد إحداهما من لا يحتج به، PageV08P273 # والطريق الأخرى كل رجالها ثقات إلا احتمال الإرسال فيها، أن عليا رضي ~~الله عنه أتى إليه ثلاثة وهو باليمن وقعوا على امرأة واحدة في طهر واحد ~~يتنازعون في ولد، فسأل اثنين أن يقرا لهذا، قالا: لا. حتى سألهم جميعا، ~~فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا. فأقرع بينهم، فألحق الولد بالذي صارت عليه ~~القرعة، وجعل عليه ثلثي الدية، قال: فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فضحك حتى بدت نواجذه. فهذه القصة رجع فيها إلى القرعة، وقد اختلف الفقهاء ~~في هذا الحكم؛ فذهب إسحاق بن راهويه إلى العمل بظاهر هذا، وقال: هو السنة ~~في دعوى الولد. وكان الشافعي يقول به في القديم، وأما الإمام أحمد بن حنبل ~~فسئل عن هذا ورجح عليه حديث القافة، وقال: حديث القافة أحب إلي. وبقي ~~الكلام في تغريم الدية، ولعله يقال: إنه لما تعين له بالقرعة صار حكمه حكم ~~المتلف للولد عليهما، وضمان الحر بالدية كمن أتلف عبدا له شريك فيه، فإنه ~~يضمن حصة الشريك، والله أعلم. # وقوله: "وللعاهر الحجر". العاهر الزاني، يقال: عهر. أي زنى. ويختص ~~بالليل، ومعنى: له الحجر. أي له الخيبة، ولا حق له في الولد، وعادة العرب ~~أنها تقول: له الحجر. و: بفيه الأثلب. وهو التراب. ونحو ذلك، يريدون ليس له ~~إلا الخيبة. وقيل: المراد بالحجر هنا، أنه يرجم بالحجارة. وهو ضعيف؛ ms1763 لأنه ~~لا يرجم بالحجارة إلا المحصن. PageV08P274 ### || AUTO باب الرضاع # هو بفتح الراء وكسرها، والرضاعة بفتح الراء وكسرها، وقد رضع يرضع بفتح ~~الضاد في الماضي وكسرها في المضارع رضعا كضرب يضرب ضربا، وأرضعته أمه، ~~وامرأة مرضع؛ أي لها ولد ترضعه، فإن أردت حدوث ذلك المعنى قلت: مرضعة. ~~بالهاء. # 932 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا تحرم المصة والمصتان". أخرجه مسلم (¬1). # المصة، الواحدة من المص، وهو أخذ اليسير من الشيء، كذا في "الضياء" (¬2)، ~~وفي "القاموس" (¬3): مصصته بفتح العين وكسرها: [شربته] (أ) شربا رفيقا. # والحديث فيه دلالة على أن مص الصبي للثدي مرة أو مرتين لا يحرم ولا يكون ~~للرضاع به حكم، وأما الزائد على ذلك كالثلاث، فيؤخذ من مفهوم العدد أن ذلك ~~يحرم، وقد ذهب إلى هذا أبو ثور وأبو عبيد وابن المنذر وداود بن علي ~~الظاهري، وهو رواية عن أحمد، وقد اختلف العلماء في هذا؛ PageV08P275 # فذهبت طائفة من السلف والخلف إلى أنه يحصل التحريم بقليل الرضاع وكثيره، ~~وهو مروي عن علي وابن عباس (¬1)، وهو قول سعيد بن المسيب والحسن والزهري ~~وقتادة والحكم وحماد والأوزاعي والثوري، وهو مذهب الهادي والقاسم وأبي ~~حنيفة ومالك. وحده ما وصل الجوف [بنفسه] (أ)، وزعم الليث بن سعد أن ~~المسلمين أجمعوا على أن قليل الرضاع وكثيره يحرم منه ما يفطر الصائم، وهذا ~~رواية عن الإمام أحمد. # وذهب الشافعي، وهو رواية عن أحمد، إلى أنه لا يثبت بأقل من خمس رضعات، ~~وهو قول عبد الله بن مسعود وعبد الله بن الزبير (¬2)، وعطاء وطاوس، وهو ~~إحدى روايات ثلاث عن عائشة، ورواية (¬3) أنه لا يحرم أقل من سبع، والثالثة ~~(¬4): لا يحرم أقل من عشر. # وحجة الأولين أنه سبحانه علق التحريم باسم الرضاع، فحيث وجد اسمها وجد ~~حكمها، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يحرم من الرضاعة ما يحرم من ~~النسب" (¬5). وهو موافق لإطلاق القرآن، وثبت في "الصحيحين" (¬6) عن PageV08P276 # عقبة بن الحارث، أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، فجاءت أمة سوداء فقالت: ms1764 ~~قد أرضعتكما. فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "كيف وقد زعمت ~~أن قد أرضعتكما؟ ". ولم يسأل عن عدد الرضاع، قالوا: ولأنه قد يتعلق به ~~التحريم، فاستوى قليله وكثيره كالوطء الموجب له، ولأن إنشاز العظم وإنبات ~~اللحم يحصل بقليله وكثيره، ولأن أصحاب العدد قد اختلفت أقوالهم في الرضعة ~~وحقيقتها واضطربت أشد الاضطراب، وما كان هكذا لم يجعله الشارع نصابا؛ لعدم ~~ضبطه والعلم به. # وحجة من قال بتحريم ما زاد على الاثنتين، أنه قد ثبت عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أنه قال: "لا تحرم المصة والمصتان". وفي رواية (¬1): "الإملاجة ~~والإملاجتان". وفي حديث آخر (¬2): أن رجلا قال: يا رسول الله، هل تحرم ~~المصة الواحدة؟ قال: "لا". وهذه الأحاديث صحيحة رواها مسلم في "صحيحه"، فهي ~~دالة نصا على أن الواحدة والاثنتين لا تحرمان، ويؤخذ من مفهوم العدد أن ~~الزائد على ذلك يحرم، ويدل عليه عموم الآية الكريمة. قالوا: ولأن ما يعتبر ~~فيه العدد والتكرار يعتبر فيه الثلاث، ولأنها أول مراتب الجمع، وقد اعتبرها ~~الشارع في مواضع كثيرة، وحجة من اعتبر الخمس ما سيأتي من حديث عائشة رضي ~~الله عنها، وقد أخبرت عائشة بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توفي والأمر ~~على ذلك (¬3). وقوله - صلى الله عليه وسلم - لسهلة بنت سهيل: "أرضعي سالما ~~خمس رضعات تحرمي عليه" (¬4). والعمل به لا يخالف حديث: "المصة PageV08P277 # والمصتان"؛ لأن ذلك دلالة مفهوم، وهذا دلالة مفهوم، ويرجع إلى الترجيح ~~بينهما بأن هذا نص على المقصود، لأنه لبيان أول مراتب التحريم، فلو لم يكن ~~أول مراتب التحريم، وجوزنا أن التحريم حاصل بدونها، كان فيه تلبيس على ~~السامع، ولم يبين له وقت الحاجة، بخلاف دلالة: "لا تحرم المصة والمصتان". ~~فإنه يدل على أن هذا القدر لا يحرم، وإن كان الثلاث والأربع مثل هذا، ~~والاقتصار على هذا القدر لا يوقع في الخطأ، والاعتراض على حديث عائشة بأنها ~~روت ذلك قرآنا، والقرآن لا يثبت بخبر الواحد، ولم تروه خبرا عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فإذا لم يثبت كونه قرآنا، ولم ms1765 تروه خبرا، فلا يعمل به - ~~مندفع بأنه وإن لم يثبت كونه قرآنا ولا تجري [عليه] (أ) أحكام القرآن من ~~أحكام اللفظ، فقد روته عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فله حكم الخبر في ~~جواز العمل؛ لأنهما حكمان متغايران، وقد عمل بمثل ذلك الفقهاء؛ فالشافعي ~~وأحمد في هذا الموضع، وأبو حنيفة احتج بقراءة ابن مسعود في صيام الكفارة: ~~(فصيام ثلاثة أيام متتابعات) (¬1). ومالك وأصحابه في فرض الأخ من الأم ~~السدس بقراءة أبي: (وله أخ أو أخت من أم) (¬2). والناس كلهم احتجوا بهذه ~~القراءة، وكانت سند الإجماع، وهذا مثل رواية عمر: (الشيخ والشيخة إذا زنيا) ~~(¬3). PageV08P278 # وحجة من قال بالسبع ما أخرجه ابن أبي خيثمة (¬1) بإسناد صحيح عن عائشة ~~رضي الله عنها، رواها عبد الله بن الزبير، وعبد الرزاق (¬2) من طريق عروة: ~~كانت عائشة تقول: لا تحرم دون سبع رضعات أو خمس. # وحجة من قال بالعشر ما أخرجه في "الموطأ" (¬3) عن عائشة رضي الله عنها: ~~لا يحرم دون العشر. وعن حفصة كذلك (¬4)، وهذان المذهبان لا حجة لهما ظاهرة ~~إلا على القول بأن قول الصحابي يكون حجة، ولكنه لا يعارض ما تقدم من ~~الأحاديث المرفوعة، والموقوف دون المرفوع لا يقوى على المعارضة. # وقد سئل طاوس عن قول من يقول: لا يحرم من الرضاع دون سبع رضعات. فقال: قد ~~كان ذلك، ثم حدث بعد ذلك أمر جاء بالتحريم، المرة الواحدة [تحرم] (أ) (¬5). # وقد روي مذهب آخر، وهو الفرق بين أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وغيرهن، قال طاوس: كان لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - رضعات محرمات، ~~ولسائر الناس رضعات معلومات، ثم ترك ذلك بعد (¬6). PageV08P279 # والرضعة فعلة من الرضاع، فهي مرة منه؛ كضربة وجلسة وأكلة، فمتى التقم ~~الثدي فامتص منه ثم تركه باختياره من غير عارض كان ذلك رضعة، والقطع العارض ~~لتنفس أو استراحة يسيرة أو لشيء يلهيه ثم يعود عن قرب لا يخرجه عن كونه ~~رضعة واحدة، كما أن الآكل إذا قطع أكلته بذلك ثم عاد عن قريب كان ذلك أكلة ~~واحدة، وهذا مذهب ms1766 الشافعي، وللشافعية فيما إذا قطعته المرضعة ثم عاد إليه ~~الصبي وجهان، هل ذلك رضعتان -لأن الرضاع يكون من الراضع والمرضع- أو رضعة ~~واحدة؟ لأن الاعتبار بفعل الرضيع، كما أنه لو رضع وهي نائمة صح ذلك. [وكذلك ~~إذا انتقل من ثديها الأول إلى ثديها الآخر أنها رضعة واحدة أو أنها] (أ) ~~رضعتان، لأنه ارتضع وقطعه باختياره؟ ومذهب الإمام أحمد بن حنبل فيه تفصيل. # قال صاحب "المغني" (¬1): إذا قطع قطعا بينا باختياره كان ذلك رضعة، فإن ~~عاد كانت رضعة أخرى، وإن قطع لضيق نفس أو للانتقال من ثدي إلى ثدي أو لشيء ~~يلهيه، أو قطعت عليه المرضعة، نظر؛ فإن لم يعد قريبا فهي رضعات، وإن عاد في ~~الحال ففيه وجهان؛ أحدهما أن الأولى رضعة، فإذا عاد فهي رضعة أخرى. والثاني ~~أن جميع ذلك رضعة كما هو مذهب الشافعي، والله أعلم. PageV08P280 # 933 - وعنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "انظرن من ~~إخوانكن، فإنما الرضاعة من المجاعة". متفق عليه (¬1). # لفظ الحديث: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل عليها وعندها رجل، ~~فكأنه تغير وجهه، كأنه كره ذلك، فقالت: إنه أخي. فقال: "انظرن من إخوانكن، ~~فإنما الرضاعة من المجاعة". # قال المصنف (¬2) رحمه الله تعالى: لم أقف على اسمه وأظنه ابنا لأبي ~~القعيس، وغلط من قال: هو عبد الله بن يزيد رضيع عائشة. لأن عبد الله هذا ~~تابعي باتفاق الأئمة، وكأن أمه التي أرضعت عائشة عاشت بعد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فولدته، فلهذا قيل له: رضيع عائشة. وقوله في الحديث: "انظرن من ~~إخوانكن". بلفظ "من" في رواية الكشميهني، وفي رواية غيره: "ما إخوانكن". ~~والأولى أوجه؛ لأن "من" لمن يعقل، والمعنى الأمر بالتأمل فيما وقع من ~~الرضاع، هل هو رضاع صحيح بشرطه، من وقوعه في زمن الرضاع ومقدار الإرضاع؟ ~~فإن الحكم الذي ينشأ من الرضاع، إنما يكون إذا وقع الرضاع المشترط، قال ~~المهلب: المعنى: انظرن ما سبب هذه الأخوة، فإن حرمة الرضاع إنما هي في ~~الصغر، حين تسد الرضاعة المجاعة. وقال أبو عبيد (¬3): معناه أن ms1767 الذي إذا ~~جاع كان طعامه الذي يشبعه اللبن من الرضاع، لا حيث يكون الغذاء بغير ~~الرضاع. PageV08P281 # وقوله: "فإنما الرضاعة من المجاعة". تعليل للباعث على إمعان النظر ~~والفكر، بأن الرضاعة التي تثبت بها الحرمة وتحل بها الخلوة هي حيث يكون ~~الرضيع طفلا يسد اللبن جوعته؛ لأن معدته ضعيفة يكفيها اللبن، وينبت بذلك ~~لحمه فيصير جزءا من المرضعة، فيشترك في الحرمة مع أولادها، فهو في قوة: [لا ~~رضاعة] (أ) معتبرة إلا المغنية عن المجاعة، أو المطعمة من المجاعة. كقوله ~~تعالى: {أطعمهم من جوع} (¬1). ويؤيده حديث ابن مسعود الآتي: "لا رضاع إلا ~~ما أنشز العظم وأنبت اللحم" (¬2). وحديث أم سلمة: "لا يحرم من الرضاع إلا ~~ما فتق الأمعاء" (¬3). أخرجه الترمذي وصححه. والحديث فيه دلالة على أن ~~الرضاع إنما يثبت له الحكم حيث كان الصبي يحتاجه لسد جوعته، وهو من يعتاد ~~مثله الاكتفاء باللبن، وتعلق الحكم بالمظنة وإن كان الناس يختلف حالهم في ~~ذلك ولم يكن فيه تحديد. مدة ولا تقدير ما الذي يحصل به ذلك، ففيه إجمال ~~بالنظر إلى هذا الحكم، قال المصنف (¬4) رحمه الله تعالى: يمكن أن يستدل به ~~على أن الرضعة الواحدة لا تحرم؛ لأنها لا تغني من جوع، وإذا كان يحتاج إلى ~~تقدير فأولى ما يؤخذ به ما قدرته الشريعة وهو خمس رضعات، واستدل به على أن ~~التغذية بلبن المرضعة تحرم، سواء كان بشرب أم أكل بأي صفة كان؛ وجورا PageV08P282 # أو سعوطا (¬1)، أو غير ذلك، لأن ذلك يسد من الجوع. وهذا قول الجمهور، ~~وخالفت الهدوية والحنفية في الحقنة فقالوا: لا توجب تحريما. وقال الليث ~~وأهل الظاهر: إن الرضاع المحرم إنما يكون بالتقام الثدي ومص اللبن منه. وهو ~~جمود على مسمى الرضاع كما هو مذهبهم. # 934 - وعنها قالت: جاءت سهلة بنت سهيل فقالت: يا رسول الله، إن سالما ~~مولى أبي حذيفة معنا في بيتنا، وقد بلغ ما يبلغ الرجال. فقال: "أرضعيه ~~تحرمي عليه". رواه مسلم (¬2). # الحديث فيه دلالة على أن الرضاع يثبت له حكم التحريم ولو كان الراضع ~~كبيرا بالغا، وهذا ms1768 مذهب عائشة، ورواه مالك (¬3) عن ابن شهاب أنه سئل عن ~~رضاعة الكبير، فقال: أخبرني عروة بن الزبير بحديث أمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - سهلة بنت سهيل برضاع سالم ففعلت، وكانت تراه ابنا لها. قال ~~عروة: فأخذت بذلك عائشة أم المؤمنين، فمن كانت تحب أن يدخل عليها من ~~الرجال، فكانت تأمر أختها أم كلثوم وبنات أخيها يرضعن من أحبت أن يدخل ~~عليها من الرجال. وقال عبد الرزاق (¬4): ثنا ابن جريج قال: سمعت عطاء بن ~~أبي رباح وسأل رجل فقال: سقتني امرأة من لبنها بعد ما كنت رجلا كبيرا، ~~أفأنكحها؟ قال عطاء: لا تنكحها. فقلت له: وذلك رأيك؟ قال: نعم، كانت عائشة ~~تأمر بذلك بنات أخيها. وهذا قول ثابت عن PageV08P283 # عائشة، ويروى عن علي (¬1) وعروة بن الزبير، وهو قول الليث بن [سعد] (أ) ~~وأبي محمد بن حزم، ولم ينسبه في "البحر" إلا إلى عائشة وداود الظاهري، ~~وحجتهم هذا الحديث، وهو حديث صحيح لا يمتري أحد في صحته، صريح في أن رضاع ~~الكبير يحرم مثل رضاع الصغير، قالوا: وهو مبين للمراد من قوله تعالى. ~~{حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة} (¬2) أن المراد إنما هي الرضاعة ~~الموجبة للنفقة للمرضعة، والتي يجبر عليها الأبوان رضيا أم كرها، ويزيد ذلك ~~وضوحا آخر الآية، وهو قوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن ~~بالمعروف}. وقوله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة} ~~(¬3). مطلق غير موقت الرضاع فيه بوقت، فهذا الحديث يبين أن (ب) الإطلاق ~~مقصود، والرد بأن هذا خاص بسالم كما قال بعض أزواج رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، كما روي عن أم سلمة أنها قالت: ما نرى هذا إلا خاصا بسالم، ~~وما ندري لعله رخصة لسالم (¬4) -لا يدفع الحديث، لأن ذلك تظنن، ولا يعارض ~~السنة الصحيحة، ولذلك قالت عائشة: أما لك في رسول الله أسوة حسنة (¬5)؟ ~~فسكتت أم سلمة ولم PageV08P284 # تنطق بحرف، ولو كان خاصا بسالم لبينه النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ~~بين اختصاص أبي بردة بالتضحية بالجذعة من المعز (¬1). ودعوى النسخ؛ لأن ms1769 هذه ~~القصة كانت في أول الهجرة نزلت عقيب نزول قوله تعالى: {ادعوهم لأبآئهم} ~~(¬2). ولأن راوي أحاديث الصغير ابن عباس (¬3) وأبو هريرة وأم سلمة (¬4) لا ~~تتم، فإن النسخ إنما يصح ويتم إذا عرف التاريخ والتقدم والتأخر وعدم احتمال ~~التأويل، وهذه منتفية، وكون ابن عباس وأبي هريرة من المتأخرين لا يفيد ~~التاريخ؛ لأنهما لم يصرحا بالسماع، وهو يجوز أنهما سمعا من غير النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، مع أن في بعض روايات سالم ما يدل على أن قصتها متأخرة عن ~~اعتبار الحولين، فإنها قالت: كيف أرضعه وهو رجل كبير؟ فاستنكارها يدل على ~~أن هذا التحليل بعد اعتقاد التحريم، والتأويل أيضا ممكن كما أولت الآية ~~الكريمة. # وذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء إلى أن الرضاع المعتبر ما ~~كان في الصغر، واختلفوا في قدر ذلك على أقوال؛ فذهب العترة والشافعي وأحمد ~~وأبو يوسف ومحمد إلى أنه يشترط أن يكون في الحولين، ولا يحرم ما كان ~~بعدهما، وصح ذلك عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وابن عباس وابن عمر (¬5)، ~~وروي عن سعيد بن المسيب والشعبي وابن PageV08P285 # شبرمة، وهو قول سفيان وإسحاق وأبي عبيد وابن حزم وابن المنذر وداود ~~وجمهور أصحابه. # وقالت طائفة: الرضاع المحرم ما كان قبل الفطام. ولم يقدروه بزمن. صح ذلك ~~عن أم سلمة وابن عباس، وروي عن علي (¬1)، ولم يصح عنه، وهو قول الحسن ~~والزهري وقتادة وعكرمة والأوزاعي، قال الأوزاعي: إن فطم وله عام واحد [و] ~~(أ) استمر فطامه ثم رضع في الحولين لم يحرم هذا الرضاع شيئا، فإن تمادى ~~رضاعه ولم يفطم، فإنه ما كان في الحولين يحرم، وما كان بعدهما فإنه لا يحرم ~~وإن تمادى الرضاع. # وقالت طائفة: المحرم ما كان في الصغر. ولم يوقته هؤلاء بوقت، وروي هذا عن ~~ابن عمر وابن المسيب وأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - خلا عائشة (¬2). ~~وقال أبو حنيفة وزفر: ثلاثون شهرا. وعن أبي حنيفة رواية أخرى كقول أبي يوسف ومحمد. # وقال مالك في المشهور من مذهبه (¬3): يحرم في الحولين وما قاربهما، ولا ~~حرمة ms1770 له بعد ذلك. ثم روي عنه اعتبار أيام يسيرة، وروى عنه شهران، وروي عنه ~~شهر ونحوه، وروى عنه الوليد بن مسلم وغيره أن ما كان بعد PageV08P286 # الحولين من رضاع بشهر أو شهرين أو ثلاثة فإنه عندي من الحولين. وهذا هو ~~المشهور عند كثير من أصحابه، والذي رواه عنه أصحاب "الموطأ" وكان يقرأ عليه ~~إلى أن مات. قوله فيه: وما كان من الرضاع بعد الحولين، فإن قليله وكثيره لا ~~يحرم شيئا، إنما هو بمنزلة الماء. هذا لفظه، وقال (¬1): إذا فصل الصبي قبل ~~الحولين، واستغنى بالطعام عن الرضاع، فما ارتضع بعد ذلك لم يكن للرضاع حرمة. # وقال الحسن بن صالح وابن أبي ذئب وجماعة من أهل الكوفة: مدة الرضاع ثلاث ~~سنين، فما زاد عليها لم يحرم. # وقال عمر بن عبد العزيز: مدته إلى سبع سنين. وكان يزيد بن هارون يحكيه ~~عنه كالمتعجب من قوله، وروي عنه خلاف هذا. وحكي عن ربيعة أن مدته حولان ~~واثنا عشر يوما. # وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن الرضاع يعتبر فيه الصغر، إلا فيما دعت ~~إليه الحاجة كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله [على] (أ) المرأة ويشق ~~احتجابها عنه كحال سالم مع امرأة أبي حذيفة، فمثل هذا الكبير إذا أرضعته ~~للحاجة أثر رضاعه، وأما من عداه فلا بد من الصغر، وفي هذا جمع للأحاديث ~~الواردة، والعمل بها ممكن، وهو الواجب ما أمكن، وحجة القائلين باعتبار ~~الحولين قوله تعالى: {حولين كاملين لمن أراد أن يتم PageV08P287 # الرضاعة}. فدل على أنه لا حكم لما بعدهما فلا يتعلق به التحريم، وقد تقدم ~~بيان المراد من الآية، وحديث ابن عباس: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين". ~~وحديث ابن مسعود: "لا يحرم من الرضاع إلا ما أنشز العظم وأنبت اللحم". ~~ورضاع الكبير لا ينبت لحما ولا ينشز عظما. والجواب ممكن عن الاحتجاج ~~المذكور، بأن المراد ب: "لا رضاع إلا ما كان في الحولين". أي الرضاع ~~المحتاج إليه في حق الصغير النافع له، المغني عن الطعام والشراب. وأما حديث ~~ابن مسعود ms1771 فقد يدعى فيه أن رضاع الكبير بفعل ما ذكر، ويكون الغرض منه بيان ~~أن القليل لا ينفع كالمصة، فإنها لا تنبت لحما، ويؤيده ذكر الخمس الرضعات ~~أو العشر. وحديث: "لا رضاع إلا ما كان في الثدي" (¬1). قد يصلح متمسكا لمن ~~يقول: الرضاع لا يكون إلا قبل الفطام. وإن فسر الثدي بأيام الحولين كان حجة ~~لأهل الحولين، وأما حجة من اعتبر الفطام فحديث أم سلمة: "يحرم من الرضاع ما ~~كان قبل الفطام". وحديث ابن عباس: "لا رضاع بعد الفطام". علق الحكم ~~بالفطام، وحديث: "الرضاعة من المجاعة". يفهم منه ذلك، فإن المراد سد الجوع، ~~ولا يكون سد الجوع إلا فيمن لا يستغني بغير الرضاع، ويجاب عنه بأن الحكم ~~معلق بالحالة الأغلبية، وإلا فقد لا يرضع أحد غير أيام اللبأ (¬2) ويستغني ~~بغير الرضاع، وأما حجة من قال بالثلاث أو بالسبع فلم أقف عليها، والله أعلم. # 935 - وعنها أن أفلح أخا أبي القعيس جاء يستأذن عليها بعد الحجاب، قالت: ~~فأبيت أن آذن له، فلما جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أخبرته PageV08P288 # بالذي صنعته، فأمرني أن آذن له علي، وقال: "إنه عمك". متفق عليه (¬1). # أفلح بالفاء والحاء المهملة مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقيل: ~~مولى أم سلمة زوج النبي - صلى الله عليه وسلم -. والقعيس بقاف، وعين وسين ~~مهملتين، مصغرا، وجاء في رواية مسلم: هو أفلح بن قعيس. قال المصنف (¬2): ~~والمحفوظ أفلح أخو أبي القعيس، ويحتمل أن يكون اسم أبيه قعيسا أو اسم جده ~~فنسب إليه، فتكون كنيته -أي الأخ- أبا القعيس، وافقت اسم أبيه أو اسم جده، ~~ويؤيده ما وقع في الأدب (¬3) من طريق عقيل عن الزهري: [فإن] (أ) أخا [أبي] ~~(ب) القعيس. وكذا وقع عند النسائي (¬4) من طريق وهب بن كيسان عن عروة، وفي ~~مسلم (¬5) من رواية ابن عيينة عن الزهري: أفلح بن أبي القعيس. وكذا لأبي ~~داود (¬6) عن هشام بن عروة عن أبيه، ولمسلم (¬7) من طريق ابن جريج عن عطاء ~~أخبرني عروة أن عائشة قالت: استأذن علي عمي من الرضاعة أبو ms1772 PageV08P289 # الجعد. قال: فقال لي هشام: إنما هو أبو القعيس. وكذا عند مسلم (¬1) من ~~طريق أبي معاوية عن هشام: استأذن عليها أبو القعيس. وسائر الرواة عن هشام ~~قالوا: أفلح أخا أبي القعيس. كما هو المشهور، ووقع عند سعيد بن منصور ~~والطبراني (¬2) أن الذي استأذن عليها أبو القعيس. واسم أبي القعيس وائل بن ~~أفلح الأشعري، وكذا سماه الدارقطني، وحكى هذا ابن عبد البر (¬3)، وحكى أيضا ~~أن اسمه الجعد، فعلى هذا يكون أخوه وافق اسمه اسم أبيه، ويحتمل أن يكون أبو ~~القعيس [نسب] (أ) لجده، ويكون اسمه وائل بن قعيس بن أفلح، قال ابن عبد ~~البر: لا أعلم لأبي القعيس ذكرا إلا في هذا الحديث. # الحديث فيه دلالة على ثبوت حكم الرضاع في حق زوج المرضعة وأقاربه ~~كالمرضعة، وذلك لأن سبب اللبن هو ماء الرجل والمرأة معا، فوجب أن يكون ~~الرضاع منهما، كالجد لما كان سبب ولد الولد أوجب تحريم ولد الولد به لتعلقه ~~بولده، ولذلك قال ابن عباس في هذا الحكم: اللقاح واحد. أخرجه ابن أبي شيبة ~~(¬4)، فإن الوطء يدر اللبن، فللرجل فيه نصيب، وقد ذهب إلى هذا الجماهير من ~~الصحابة والتابعين، والعترة، وفقهاء الأمصار؛ PageV08P290 # كالأوزاعي في أهل الشام، والثوري وأبي حنيفة وصاحبيه في أهل الكوفة، وابن ~~جريج في أهل مكة، ومالك في أهل المدينة، والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور ~~وأتباعهم، والحديث يدل دلالة صريحة على ذلك، وفي رواية سفيان عند أبي داود ~~(¬1) زيادة تصريح، قالت: دخل علي أفلح، فاستترت منه، فقال: أتستترين مني ~~وأنا عمك؟ قلت: من أين؟ قال: أرضعتك امرأة أخي. قلت: إنما أرضعتني المرأة ~~ولم يرضعني الرجل. الحديث. ووقع في رواية شعيب (¬2) في آخره من الزيادة قال ~~عروة: فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاع ما يحرم من النسب. وفي رواية ~~سفيان بن عيينة (¬3): ما تحرمون من النسب. وظاهره الوقف، وقد جاء في رواية ~~مسلم (¬4) في هذا الحديث قال - صلى الله عليه وسلم -: "لا تحتجبي منه، فإنه ~~يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب". والخلاف في ذلك عن ابن ms1773 عمر وابن الزبير ~~ورافع بن خديج وزينب بنت أم سلمة (¬5) وعائشة في رواية مالك في "الموطأ" ~~وسعيد بن منصور في "السنن" (¬6) وأبي عبيد في كتاب النكاح بإسناد حسن -وعن ~~سعيد بن المسيب وأبي سلمة والقاسم وسالم وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار ~~والشعبي وإبراهيم النخعي وأبي قلابة وإياس بن معاوية، PageV08P291 # أخرجها ابن أبي شيبة وعبد الرزاق وسعيد بن منصور (¬1) وابن المنذر وعن ~~ابن سيرين وربيعة الرأي وإبراهيم بن علية وابن بنت الشافعي وداود وأتباعه، ~~وأغرب عياض ومن تبعه في تخصيصهم ذلك بداود وإبراهيم، قالوا: لا يثبت حكم ~~الرضاع للرجل؛ لأن الرضاع إنما هو للمرأة التي اللبن منها، ويدل على ذلك ~~قول الله تعالى: {وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم} (¬2). ولما روي أن عبد الله بن ~~الزبير أرسل إلى زينب بنت أم سلمة يخطب ابنتها أم كلثوم على حمزة بن ~~الزبير، وكان حمزة أمه الكلبية، وكانت زينب قد رضعت من أسماء بنت أبي بكر ~~زوجة الزبير، فقالت: لا تحل له هي ابنة أخته. فقال عبد الله: إنما أردت ~~المنع، أما ما ولدت أسماء فهم إخوتك، وأما ما كان من عدا أسماء فليسوا لك ~~بلإخوة، فأرسلي فسلي عن هذا. فأرسلت فسألت وأصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - متوافرون، فقالوا لها: إن الرضاعة من قبل الرجل لا تحرم شيئا. ~~فأنكحتها إياه، فلم تزل عنده حتى هلك عنها (¬3). قالوا: ولم ينكر ذلك ~~الصحابة رضي الله عنهم. والجواب عن ذلك أن الآية الكريمة لم يكن فيها ما ~~يعارض الحديث، فإن ذكر الأمهات لا يدل على أن ما عداهن ليس كذلك، فإنه ~~مفهوم لقب. وقوله: PageV08P292 # {وأخواتكم من الرضاعة}. [يحتمل] (أ) للتناول على فرض ثبوت حكم اللبن ~~للرجل وعدم التناول على تقرير عدمه، وأما سؤال الصحابة، فالمسألة اجتهادية، ~~ولعل من قال بالجواز يذهب إلى هذا اجتهادا منه، واجتهاد الصحابي لا يكون ~~حجة على الصحيح، ولا تصح دعوى الإجماع لسكوت الصحابة عن الإنكار، لأن ~~المسألة اجتهادية، وقد صح عن علي (¬1) القول باعتباره، وكذا عن ابن عباس ~~أخرجه البخاري لما سئل ms1774 عن الحل، فقال: لا، اللقاح واحد (¬2). إلا أنه يلزم ~~الحنفية ذلك، لأن عائشة عملت بخلاف ما روت، والعمل عندهم بما رأى لا بما ~~روى، وألزم الشافعي والمالكية مثل ذلك، وذلك أنهم يقدمون عمل أهل المدينة ~~على الخبر الآحادي، وقد قال عبد العزيز بن محمد عن ربيعة: إن لبن الفحل لا ~~يحرم. قال عبد العزيز: وهذا رأي فقهائنا إلا الزهري. قال الشافعي: فيلزمهم ~~على هذا؛ إما يردوا هذا الخبر وهم لم يردوه، أو يردوا ما خالف الخبر، يعني ~~من عمل أهل المدينة، فيخالفون أصلهم. انتهى. # والحديث قد يستدل به على أن قليل الرضاع يحرم كما يحرم كثيره، لعدم ~~الاستفصال فيه، ويجاب عنه بأن عدم الذكر لا يدل على أنه لم يستفصل في نفس ~~الأمر، وعلى أن من شك في أمر يتوقف عنه حتى يسأل العلماء عنه، وأن من اشتبه ~~عليه الأمر طالب المدعي ببيانه، وأنه يجب الحجاب PageV08P293 # من الأجانب، وأن المحرم يستأذن على محرمه، وأن المرأة لا تأذن في بيت ~~الرجل إلا بإذنه، وقد جاء في رواية (¬1) زيادة: "تربت يداك". وهو يؤخذ من ~~الزيادة أنه لا ينبغي الجزم بالحكم قبل الاستثبات فيه، والله سبحانه أعلم. # 936 - وعنها رضي الله عنها قالت: كان فيما أنزل من القرآن: (عشر رضعات ~~معلومات يحرمن). ثم نسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وهن فيما يقرأ من القرآن. رواه مسلم (¬2). # الحديث تقدم الكلام في أحكامه (¬3). # وقوله: معلومات. فائدة التقييد به بأنه لا يثبت حكم الرضاع إلا بعد تعدد ~~الرضعات، وأنه لا يكفي في ذلك الظن، ويشترط تحقق العشر، وإلا فالرجوع إلى ~~الأصل وهو عدم ثبوت حكم الرضاع. # وقوله: فيما يقرأ. بضم الياء، يعني أن النسخ بخمس رضعات تأخر إنزاله جدا ~~حتى إنه - صلى الله عليه وسلم - توفي وبعض لم الناس يقرأ خمس رضعات، ~~ويجعلها قرآنا متلوا؛ لكونه لم يبلغه النسخ لقرب عهده، فلما بلغهم النسخ ~~بعد ذلك رجعوا عن ذلك، وأجمعوا على أنه لا يتلى. # والنسخ على ما هو معروف ثلاثة أنواع؛ أحدها، ms1775 ما نسخ حكمه وتلاوته ك: (عشر ~~رضعات). والثاني، ما نسخ تلاوته دون حكمه ك: (خمس رضعات)، وك: (الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا PageV08P294 # فارجموهما) (¬1). والثالث، ما نسخ حكمه وبقيت تلاوته، وهو الأكثر، كقوله ~~تعالى: {والذين يتوفون منكم} الآية (¬2). وقد تقدم تحقيق القول في حكم هذا ~~الحديث. # 937 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أريد على ابنة حمزة، فقال: "إنها لا تحل لي، إنها ابنة أخي من الرضاعة، ~~ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب". متفق عليه (¬3). # الحديث، قوله: أريد. القائل له بذلك علي رضي الله عنه كما أخرجه مسلم من ~~حديثه، وابنة حمزة اختلف في اسمها على سبعة أقوال؛ أمامة وعمارة وسلمى ~~وعائشة وفاطمة وأمة الله ويعلى. وحكى المزي (¬4) في أسمائها أم الفضل، وجزم ~~ابن بشكوال (¬5) بأن ذلك كنية، والنبي - صلى الله عليه وسلم - رضع من ثويبة ~~أمة أبي لهب بعد أن أرضعت حمزة، ثم أرضعت أبا سلمة. # وقوله: "ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب". وذلك بالنظر إلى المرضع، وأن ~~أقاربه أقارب للرضيع، وأما أقارب الرضيع فلا علاقة بينهم وبين PageV08P295 # المرضع، فلا يثبت [لهم] (أ) حكم من الأحكام، والأحكام التي تثبت في ~~الرضاع هي: جواز النظر، والخلوة، والمسافرة، لا غير ذلك من التوارث ووجوب ~~الإنقاق والعتق بالملك والشهادة والعقل وإسقاط القصاص. قال القرطبي (¬1): ~~وقع في رواية (¬2): "ما يحرم من الولادة". وفي رواية: "ما يحرم من النسب". ~~وهو دال على جواز نقل الرواية بالمعنى. قال: ويحتمل أن يكون النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال اللفظين في وقتين. # 938 - وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء، وكان قبل الفطام" .. رواه ~~الترمذي وصححه هو والحاكم (¬3). # قوله: "فتق الأمعاء". أي سلك فيها؛ من الفتق بمعنى الشق، والأمعاء جمع ~~المعى، بفتح الميم وكسرها. # تقدم الكلام في الحديث. # 939 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لا رضاع إلا في الحولين. رواه ~~الدارقطني وابن عدي (¬4) مرفوعا ms1776 وموقوفا ورجحا الوقوف. PageV08P296 # الحديث أخرجه الدارقطني من حديث عمرو بن دينار عن ابن عباس، وقال: تفرد ~~برفعه الهيثم بن جميل (¬1) عن ابن عيينة، وكان ثقة حافظا. وقال ابن عدي: ~~يعرف بالهيثم، وغيره لا [يرفعه] (أ) وكان يغلط. ورواه سعيد بن منصور (¬2) ~~عن ابن عيينة فوقفه. وقال البيهقي (¬3): الصحيح أنه موقوف. وروى البيهقي ~~(3) عن عمر وابن مسعود التحديد بالحولين. # وهو يدل على اعتبار الحولين، وإن كان يحتمل أن النفي إنما هو لنفع الرضاع ~~للمولود، أو لما يجب على الأب فيه تسليم أجرة المرضعة، ويكون معناه ما دلت ~~عليه الآية الكريمة، وقد تقدم الكلام في ذلك. # 940 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا رضاع إلا ما أنشز العظم، وأنبت اللحم". أخرجه أبو داود (¬4). # الحديث أخرجه أبو داود بلفظ: "لا رضاع إلا ما أنشز". إلخ، من حديث أبي ~~موسى الهلالي عن أبيه عن ابن مسعود. وأبو موسى (¬5) وأبوه، قال أبو حاتم ~~(¬6): مجهولان. لكن أخرجه البيهقي (¬7) من وجه آخر، من PageV08P297 # حديث أبي حصين عن أبي عطية مع قصة. # قوله: "أنشز". ويروى بالراء المهملة، أي شد العظم وقواه، من الإنشار ~~بمعنى الإحياء، وروي بالزاي المعجمة، أي رفعه وأعلاه وأكبر حجمه، وهو من ~~النشز المرتفع من الأرض. كذا في "النهاية" (¬1). # تقدم الكلام في الحديث. # 941 - وعن عقبة بن الحارث رضي الله عنه، أنه تزوج أم يحيى بنت أبي إهاب، ~~فجاءت امرأة فقالت: قد أرضعتكما. فسأل النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~"كيف وقد قيل؟ ". ففارقها عقبة، فنكحت زوجا غيره. أخرجه البخاري (¬2). # هو أبو سروعة عقبة بن الحارث بن عامر القرشي النوفلي، وذكر أهل النسب أن ~~أبا سروعة أخوه، وأنهما أسلما جميعا يوم الفتح، وعداد عقبة في أهل مكة، روى ~~عنه عبد الله بن أبي مليكة وعبيد بن أبي مريم، وقيل: إن ابن أبي مليكة لم ~~يسمع منه، وأن عبيد بن أبي مريم بينهما. وسروعة بكسر السين المهملة وسكون ~~الراء وفتح الواو والعين المهملة، وعبيد بضم العين المهملة، ms1777 وأم يحيى ~~صحابية واسمها غنية بفتح العجمة وكسر النون بعدها ياء تحتانية مثقلة، وفي ~~النسائي (¬3) اسمها زينب، ولعل غنية لقبها، وإهاب بكسر الهمزة وبالباء ~~الموحدة. PageV08P298 # قوله: فجاءت امرأة. قال المصنف (¬1) رحمه الله تعالى: لم أعرف اسمها، ~~واحتمل أنها مملوكة، أو غير مملوكة، وجزم الإمام أحمد بن حنبل بأنها أمة، ~~رواه عنه جماعة كأبي طالب ومهنا وحرب وغيرهم، وقال الإسماعيلي: قد جاء في ~~بعض طرقه: فجاءت مولاة لأهل مكة. قال: وهذا اللفظ يطلق على الحرة [التي] ~~(أ) عليها الولاء، فلا دلالة فيه على أنها كانت رقيقة. وتعقب بأنه صرح ~~البخاري في كتاب الشهادة بأنها أمة سوداء، وما عرفت عن أحمد. # والحديث فيه دلالة على أن شهادة المرضعة تقبل وحدها، وبوب على ذلك ~~البخاري، وقال: باب شهادة المرضعة. وقد ذهب إلى هذا الإمام أحمد بن حنبل ~~كما قال علي بن [سعيد] (ب): سمعت أحمد يسأل (ج) عن شهادة المرأة الواحدة في ~~الرضاع، فقال: تجوز على قول عقبة بن الحارث. وهو قول الأوزاعي، ونقل عن ~~عثمان وابن عباس والزهري والحسن (¬2) وإسحاق، وروى عبد الرزاق (¬3) عن ابن ~~جريج عن ابن شهاب، قال: فرق عثمان بين ناس تناكحوا بقول امرأة سوداء أنها ~~أرضعتهم. قال ابن شهاب: الناس يأخذون [بذلك] (5) من قول عثمان. واختاره أبو ~~عبيد إلا أنه قال: PageV08P299 # يجب على الرجل [المفارقة] (أ)، ولا يجب على الحاكم الحكم بذلك، وإن شهد ~~معها غيرها وجب الحكم به. وروي عن مالك أيضا. وفي رواية [عنه] (ب): بشرط أن ~~يفشو ذلك. وروي عن مالك أنه لا يقبل في الرضاع إلا شهادة امرأتين. وبه قال ~~ابن القاسم [من] (ج) أصحابه: بشرط أن يفشو قولهما (د) بذلك قبل الشهادة. ~~ومن المالكية من لم يشترط الفشو، وهو مذهب مطرف وابن الماجشون. # وذهب العترة والحنفية إلى أنه لا يقبل في الرضاع إلا رجلان أو رجل ~~وامرأتان كغيره من الأحكام، ولا تكفي شهادة المرضعة، لأنها تقرر فعلها، قال ~~في "البحر": لقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين} (¬1) الآية. # وقد أخرج أبو عبيد (¬2) من طريق عمر وعلي ms1778 بن أبي طالب وابن عباس والمغيرة ~~بن شعبة، أنهم امتنعوا من التفرقة بين الزوجين بذلك، وقال عمر: فرق بينهما ~~إن جاءت بينة، وإلا فخل بين الرجل والمرأة، ولو فتح هذا الباب لم تشأ امرأة ~~أن تفرق بين زوجين إلا فعلت. وذهب الشافعي إلى أنها تقبل مع ثلاث نسوة بشرط ~~ألا تتعرض لطلب أجرة. # وهذه الأقوال راجعة إلى عموم دليل الشهادة، وقد اعتبر فيها العدد، PageV08P300 # وأجابوا عن هذا الحديث بأنه محمول على الاستحباب والتحرز عن مظان ~~الاشتباه، والجواب عنه بأن ذلك خلاف الظاهر لا سيما مع ذكر أنه تكرر سؤاله ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - في ذلك أربع مرات (¬1)، وأجابه بقوله: "كيف ~~وقد قيل؟ " (¬2). وفي بعضها: "دعها". وفي رواية الدارقطني (¬3): "لا خير لك ~~فيها". ولو كان من باب الاحتياط لأمره بالطلاق مع أن في جميع الروايات لم ~~يذكر الطلاق، ولا منع بن أن يكون هذا الحكم مخصوصا من عموم الشهادة المعتبر ~~فيها [العدد] (أ)، كما اعتبر أكثر المخالفين لهذا في عورات النساء شهادة ~~المرأة الواحدة، مع أن العلة واحدة في ذلك، لأنه قلما يطلع عليه الرجال، ~~فالضرورة داعية إلى اعتبار ذلك. # 942 - وعن زياد السهمي قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~تسترضع الحمقاء. أخرجه أبو داود (¬4)، وهو مرسل، وليست لزياد صحبة. # الحمقاء: المرأة خفيفة العقل. والنهي عن ذلك لما أن الطباع تكتسب. PageV08P301 ### || AUTO باب النفقات # النفقات: جمع نفقة، والمراد بها الشيء الذي يبذله الإنسان فيما يحتاجه هو ~~أو غيره من الطعام والشراب وغيره. # 943 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: دخلت هند بنت عتبة امرأة أبي سفيان ~~على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله، إن أبا سفيان ~~رجل شحيح، لا يعطيني هن النفقة ما يكفيني ويكفى بني إلا ما أخذت من ماله ~~بغير علمه، فهل علي في ذلك من جناح؟ فقال: "خذي من ماله بالمعروف ما يكفيك ~~ويكفى بنيك". متفق عليه (¬1). # قوله: دخلت هند. هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن ms1779 عبد مناف، أسلمت ~~بعد إسلام زوجها أبي سفيان، وهو أسلم [بعد] (أ) أن أخذته خيل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في ليلة الفتح وأجاره العباس، ثم دخل مكة مسلما، ~~فغضبت هند لإسلامه وأخذت بلحيته، ثم إنها بعد استقرار النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بمكة جاءت فأسلمت وبايعت، قتل أبوها عتبة وعمها شيبة وأخوها ~~الوليد بن عتبة يوم بدر فشق عليها، فلما قتل الحمزة رضي الله عنه يوم أحد ~~فرحت بذلك، وعمدت إلى بطه فشقته وأخذت كبده فلاكتها ثم لفظتها، ماتت في ~~المحرم سنة أربع عشرة يوم مات أبو قحافة والد أبي بكر، وأخرج ابن سعد في PageV08P303 # "الطبقات" (¬1) ما يدل على أنها عاشت بعد ذلك، وأن عثمان لما أفرد معاوية ~~بولاية الشام (أ) وأشخص أبا سفيان إلى معاوية ومعه ابناه عتبة وعنبسة، ~~فكتبت هند إلى معاوية: قد قدم عليك أبوك وأخواك فاحمل أباك على فرس وأعطه ~~أربعة آلاف درهم، واحمل عتبة على بغل وأعطه ألفي درهم، واحمل أخاك عنبسة ~~على حمار وأعطه ألف درهم. ففعل ذلك، فقال أبو سفيان: أشهد الله أن هذا عن ~~رأي هند. وكان عتبة [منها] (ب)، وعنبسة من غيرها، أمه عاتكة بنت أبي أزيهر ~~الأسدي (ج). وذكر الميداني في "الأمثال" (1) أنها عاشت بعد أبي سفيان، وأن ~~رجلا سأل معاوية أن يزوجه أمه، فقال: إنها قعدت عن الولد. وكانت وفاة أبي ~~سفيان في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين. # وأبو سفيان هو صحر بن حرب بن أمية بن عبد شمس، [زوجها] (د)، وكان قد رأس ~~في قريش بعد وقعة بدر وسار بهم في أحد، وساق الأحزاب يوم الخندق، ثم أسلم ~~ليلة الفتح. # قولها: رجل شحيح. الشح البخل مع حرص، فيكون أخص من هذا الوجه من البخل، ~~والبخل يختص بمنع المال، والشح بكل شيء، وقيل: PageV08P304 # الشح لازم [كالطبع] (أ)، والبخل غير لازم. قال القرطبي (¬1): لم ترد هند ~~وصف أبي سفيان بأن هذا حاله مطلقا بل حاله معها، فإن كثيرا من الرؤساء يفعل ~~ذلك مع أهله ويؤثر الأجانب، وفي بعض ms1780 ألفاظ البخاري (¬2): رجل مسيك. بكسر ~~الميم وتشديد السين على المبالغة، وقيل: بوزن شحيح. قال النووي (1): هذا هو ~~الأصح من حيث اللغة، وإن كان الأول أشهر في الرواية. # وفي هذا دلالة على جواز ذكر الإنسان بما يكره إذا كان على وجه الاشتكاء ~~أو الاستفتاء، وهو أحد المواضع التي يجوز فيها الغيبة. # والذكر بصيغة التعطم في قولها: إن أبا سفيان. بالكنية. وقد يقال: إن ~~الكنية كانت أشهر فيه من اسمه، فهو وجه تخصيصها. # والحديث فيه دلالة على وجوب كفاية الزوجة والأولاد، وظاهره عموم الولد ~~ولو كان كبيرا لعدم الاستفصال، وإن كان ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~عارف بأولادها وهم صغار. والظاهر أن فيهم من كان بالغا كمعاوية، فإنه أسلم ~~مع أبيه عام الفتح وعمره نحو من ثماني وعشرين سنة. وقد يجاب عنه بأنها ~~واقعة عين لا عموم لها، إلا أن جوابه عليها بقوله: "وبنيك". عموم لفظ، وهو ~~لا يقصر على سببه. PageV08P305 # وفيه ذكر الكفاية من غير تقدير للنفقة، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من ~~العلماء ومنهم الهادي والقاسم والمؤيد وأبو طالب، وهو قول الشافعي حكاه عنه ~~الجويني، وهو مطابق لقوله تعالى: {وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف} ~~(¬1). وذهب الشافعي إلى تقديرها بالأمداد، فعلى الموسر كل يوم مدان، ~~والمتوسط مد ونصف، والمعسر مد، وهذا رواية عن مالك أيضا، وذكبر في ~~"المنتخب" للهادي أن الموسر عليه ثلاثة أمداد سوى الإدام، والمعسر (أ) مد ~~ونصف، وفي "الفنون" للهادي: في كل يوم مدان، وفي كل شهر درهمان للإدام. ~~وقال القاضي أبو يعلى (¬2): الواجب رطلان من الخبز في كل يوم في حق الموسر ~~والمعسر، وإنما يختلفان في صفته وجودته؛ لأن الموسر والمعسر مستويان في قدر ~~المأكول، وإنما يختلفان في الجودة [والرداءة] (ب) وغيرها. قال النواوي ~~(¬3): وهذا الحديث حجة على من اعتبر التقدير. قال المصنف رحمه الله (¬4): ~~ليس صريحا في الرد عليهم، ولكن التقدير بما ذكر يحتاج إلى دليل، فإن ثبت ~~حملت الكفاية في الحديث على ذلك المقدر. # وقولها: إلا ما أخذت من ماله بغير علمه. في ms1781 هذا دلالة على أن الأم PageV08P306 # لها أن تنفق على أولادها، وأن لها ولاية على (أ) ذلك مع تمرد الأب، وعلى ~~أن من تعذر عليه استيفاء ما يجب له جاز له ذلك بغير حكم؛ وذلك لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يبين لها أن ذلك حرام عليها، فإنها قالت: هل علي ~~من جناح. وأجاب عليها بإباحة الأخذ في المستقبل، فيدل (ب) أن الماضي كذلك. ~~ولا يقال: إن الإباحة في المستقبل حكم منه - صلى الله عليه وسلم -. وذلك ~~جائز بالحكم إجماعا، بخلاف الماضي فإنه سكت عن جوابه. لأنا نقول: هي سألت ~~عما وقع منها في الماضي، فلو كان ذلك غير جائز لبين ذلك ولما ألغى الجواب ~~عنه وعدل إلى الأمر لها بالأخذ، مع أنه قد جاء في لفظ للبخاري (¬1) ذكره في ~~باب المظالم أنه قال: "لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف". وظاهره نفي الحرج ~~قبل الأمر وبعده. # ويستدل به على جواز القضاء على الغائب، كما قال الرافعي في القضاء على ~~الغائب: احتج أصحابنا على الحنفية [بمنعهم] (ج) القضاء على الغائب بقصة ~~هند، وكان [ذلك] (5) قضاء من النبي - صلى الله عليه وسلم - على زوجها وهو ~~غائب. قال النواوي (¬2): لا يصح الاستدلال بمثل هذه القصة؛ لأنها كانت بمكة ~~وكان أبو سفيان حاضرا بها، وشرط القضاء على الغائب أن يكون غائبا عن PageV08P307 # البلد أو [مستترا] (أ) لا يقدر عليه أو متعذرا، ولم يكن هذا في أبي ~~سفيان، فلا يكون هذا قضاء ويكون إفتاء، وقد وقع في كلام الرافعي في مواضع ~~أنه إفتاء. انتهى. # وقد أخرج ابن سعد في "طبقاته" (¬1) أن أبا سفيان كان جالسا معها في ~~المجلس. ورجال إسناده رجال الصحيح، إلا أنه أرسل (ب) عن الشعبي أن هندا لما ~~بايعت لي جاء قوله: {ولا يسرقن} (¬2). قالت: قد كنت أصبت من مال أبي سفيان. ~~فقال أبو سفيان: فما أصبت من مالي فهو حلال لك. ويمكن تعدد القصة، فإن هذا ~~وقع لما بايعت، ثم جاءت مرة أخرى فسألت عن الحكم، وتكون فهمت من الأول ~~إحلال ms1782 أبي سفيان لها ما مضى، فسألت عما يستقبل، لكن يشكل على ذلك ما أخرجه ~~ابن منده في "المعرفة" (¬3) عن عروة قال: قالت هند لأبي سفيان: إني أريد أن ~~أبايع. قال: فإن فعلت فاذهبي معك برجل من قومك. فذهبت إلى عثمان فذهب معها، ~~فدخلت منتقبة، فقال: "بايعي على ألا تشركي" الحديث. وفيه: فلما فرغت قالت: ~~يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل بخيل. الحديث. قال: "ما تقول يا أبا سفيان؟ ~~". قال: أما يابسا فلا، وأما رطبا فأحله. وذكر أبو نعيم PageV08P308 # في "المعرفة" (¬1) أن عبد الله بن محمد تفرد به، وهو ضعيف (¬2)، وأول ~~حديثه يقضي بأن أبا سفيان كان غائبا، وآخره يدل على أنه حاضر (أ)، إلا أن ~~يحتمل أنه كان غائبا فأرسل إليه لما شكت [منه] (ب)، ويؤيده ما أخرجه الحاكم ~~في تفسير "الممتحنة" من "المستدرك" (¬3) أنه لما اشترط: {ولا يسرقن}، قالت ~~هند: لا أبايعك على السرقة، إني أسرق من زوجي. فكف حتى أرسل إلى أبي سفيان ~~يتحلل لها منه، فقال: أما الرطب فنعم، وأما اليابس فلا. وهذا المذكور يدل ~~على أنه قضاء على حاضر، ويرد (ج) على هذا تبويب البخاري (¬4) بقوله: باب ~~القضاء على الغائب. وذكر (د) هذا الحديث في الباب، فقد رجح أنه كان غائبا، ~~وتكفي الغيبة عن مجلس الحكم وإن لم يكن خارجا عن البلد كما هو الظاهر. # ويرجح كونه قضاء لا إفتاء التعبير بصيغة الأمر حيث قال: "خذي". ولو كانت ~~فتيا لقال: لا حرج عليك إذا أخذت. ولأن الأغلب من تصرفاته الحكم، ويرجح ~~كونه فتيا وقوع الاستفهام في القصة، وتفويض تقدير ما PageV08P309 # تأخذ إليها، ولو كان قضاء لم يفوض ذلك إليها وهي المدعية، ولأنه لم ~~يستحلفها على ما ادعت ولا كلفها (أ) البينة. وقد يجاب عن ذلك بأن الاستفهام ~~لا ينافي طلبها الحكم، وتقدير النفقة أنه وكلها في ذلك إلى العرف في ~~الكفاية، وهو في حكم المقدر، وأنه حكم بعلمه بصدقها، فلم يطلب منها اليمين ~~ولا البينة، ويكون ذلك حجة لمن يجيز للحاكم أن يحكم بعلمه، مع ms1783 أنه يجوز أن ~~يقال: كل حكم صدر من الشارع فإنه ينزل منزلة الإفتاء بذلك الحكم في تلك ~~الواقعة. # وفي الحديث دلالة على أن الحاكم أو الفتي يجوز له الإطلاق، ولا يحتاج إلى ~~أن يقيد ذلك بأن يقول: إن ثبت ذلك كان كذا. فإن قيد جاز. وأنه يجوز ~~الاعتماد على العرف في الأمور (ب) التي ليس فيها تحديد شرعي. وأنه يجوز ~~للمرأة الخروج من بيتها لحاجتها. والله أعلم. # 944 - وعن طارق المحاربي قال: قدمنا المدينة، فإذا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قائم على المنبر يخطب الناس ويقول: "يد المعطي العليا، وابدأ ~~بمن تعول، أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك". رواه النسائي، وصححه ~~ابن حبان والدارقطني (¬1). # هو طارق بن عبد الله المحاربي، روى عنه جامع بن شداد، وربعي - PageV08P310 # بكسر الراء وسكون الباء الموحدة وكسر العين المهملة وتشديد الياء- ابن ~~حراش، بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء وبالشين المعجمة. # قوله: "يد المعطي العيا". فيه تفسير للحديث الآخر: "اليد العليا خير من ~~اليد السفلى". وقد فسر في "النهاية" (¬1) اليد العليا بالمعطية أو ~~بالمنفقة، واليد السفلى بالسائلة أو المانعة. # وفي قوله: "وابدأ بمن تعول". فيه دلالة على وجوب الإنفاق على القريب، وقد ~~فصل ذلك في وجوب التقديم، فالأم قبل الأب. إلى آخر ما ذكر. # والحديث فيه دلالة على أن الأم تقدم على الأب في البر عند ألا يتسع المال ~~للوفاء بذلك، بتقديم الأم في اللفظ. قال عياض (¬2): ذهب الجمهور إلى أن ~~الأم تفضل في البر على الأب. وقيل: يكونان سواء. ونقله بعضهم عن مالك، ~~والصواب الأول. وقد ذهب إلى أنهما سواء بعض الشافعية، لكن نقل الحارث ~~المحاسبي (2) الإجماع على تفضيل الأم في البر، وفيه نظر. والمنقول عن مالك ~~ليس صريحا في ذلك، فقد ذكره ابن بطال (¬3) قال: سئل مالك: طلبني أبي ~~فمنعتني أمي. قال: أطع أباك ولا تعص أمك. قال ابن بطال: هذا يدل على أنه ~~يرى أنهما سواء في البر. كذا قال، وليس الدلالة بواضحة. قال: وسئل الليث عن ~~المسألة بعينها فقال: أطع أمك ms1784 فإن لها ثلثي PageV08P311 # البر. وهذا كلام الليث على مقتضى الرواية التي كرر فيها ذكر الأم مرتين ~~والأب مرة واحدة، وقد أخرجها البخاري في "الأدب المفرد" وأحمد وابن ماجة ~~وصححه الحاكم (¬1) ولفظه: "إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ~~ثم يوصيكم بآبائكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب". وأخرج الحاكم (¬2) من حديث ~~أبي رمثة -بكسر الراء والثاء المثلثة وسكون الميم-: "أمك أمك (أ) وأباك، ثم ~~أختك وأخاك، ثم أدناك أدناك". مثل حديث طارق في الجمع بالواو بين الأم ~~والأب، إلا أن حديث البخاري (¬3) عن أبي هريرة -بذكر الأم ثلاث مرات، ثم ~~الأب معطوف ب "ثم"- صريح في تقديم الأم على الأب كما ذكره الجمهور، وسائر ~~الروايات تقيد بذلك. # وفي "البحر" للإمام المهدي: مسألة: ومن لا يجد إلا لأحد أبويه فوجوه؛ ~~الأب أولى لولايته والانتساب إليه. الثاني: الأم للخبر. الثالث: سواء، إذ ~~لا ترجيح. انتهى. # والأولى الاهتداء بما هدى إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ونبه على ~~علة ذلك في كتاب الله سبحانه وتعالى حيث قال: {حملته أمه وهنا على وهن} ~~(¬4). PageV08P312 # وقال: {حملته أمه كرها ووضعته كرها} (¬1). بعد التوصية بالوالدين، فما ~~ذاك إلا لزيادة الحق والعناية بها. # وقوله: "وأختك" إلى آخره. فيه دلالة على وجوب إنفاق القريب المعسر، فإنه ~~تفسير لقوله: "وابدأ بمن تعول". فقد جعل المذكورين من عياله، وما ذاك إلا ~~لوجوب النفقة عليهم، وقد ذهب إلى هذا عمر وابن أبي ليلى والحسن بن صالح ~~والهادي (أ) وأبو ثور، إلا أنه قيد قول المذكورين في "البحر" بأن يكون ~~القريب وارثا بالنسب، واحتج على ذلك بقوله تعالى: {وعلى الوارث مثل ذلك} ~~(¬2). واللام للجنس، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صدقة وذو رحم ~~محتاج" (¬3). وقال أبو حنيفة وأصحابه: يلزم النفقة للرحم المحرم فقط؛ إذ ~~القصد الصلة والمواساة، وأما غير المحارم فالنكاح عوض عن الصلة. قلنا: لا ~~دليل على ذلك. وقال الشافعي وأصحابه: بل للأصول والفصول (¬4) فقط؛ لقوله - ~~صلى الله عليه وسلم - لمن قال: معي دينار: "أنفقه على ولدك" الخبر (¬5). ~~ولم يذكر الأقارب. قلنا: ولا الوالدين. فجوابكم ms1785 جوابنا. وقال مالك: بل ~~للوالد والولد فقط؛ لقوله تعالى: {لا تضار والدة} الآية (2). ولم يذكر ~~غيرهما، والمراد: في الإنفاق قلنا: لدليل آخر. انتهى كلام "البحر". PageV08P313 # والذي في "المنهاج" و"شرحه" (¬1) أن النفقة تجب لفقير غير مكتسب، زمنا أو ~~صغيرا أو مجنونا، لعجزه عن كفاية نفسه، وفي معنى الزمن: العاجز بالمرض ~~والعمى. قاله البغوي، وإن لم يكن زمنا أو صغيرا أو مجنونا فأقوال: أحسنها: ~~تجب؛ لأنه يقبح أن يكلف قريبه الكسب مع اتساع ماله. والثاني: المنع، للقدرة ~~على الكسب، فإنه نازل منزلة المال. والثالث: تجب نفقة الأصل على الفروع دون ~~العكس؛ لأنه ليس من المصاحبة بالمعرف أن يكلف أصله التكسب على كبر السن، ~~قال في "عجالة المحتاج (أ) " (¬2): الثالث أظهر، والله أعلم. انتهى. وفي ~~"كنز الدقائق" (¬3) للحنفية: يلزم لقريب محرم فقير عاجز عن الكسب بقدر ~~الإرث. فهذا المنقول يخالف ما ذكره في "البحر". # وفي قوله: "ثم أختك وأخاك". فيه مثل ما تقدم عند الاجتماع. # فائدة: اختلف العلماء في نفقة الزوجة والأقارب هل تسقط [للماضي] (ب) أم ~~يجب التسليم لما قد مضى؟ على أقوال؛ الأول، أنهما يسقطان بمضي الزمان. وهذا ~~مذهب أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد. والثاني، أنهما لا يسقطان إذا ~~كان القريب طفلا. وهذا وجه للشافعية. والثالث، أنه PageV08P314 # تسقط نفقة القريب دون نفقة الزوجة. وهذا قول الهادي والمشهور من مذهب ~~الشافعي وأحمد ومالك. والذين أسقطوها بمضي الزمان، منهم من قال: إذا كان ~~الحاكم قد فرضها لم تسقط. وهذا قول بعض الشافعية والحنابلة، ومنهم من قال: ~~لا يؤثر فرض الحاكم في وجوبها شيئا إذا سقطت بمضي الزمان. وذكر أبو البركات ~~في "المحرر" (¬1) أن نفقة الزوجة تلزم إذا كان قد فرضها الحاكم، ونفقة ~~القريب لا تلزم بالفرض إلا أن يستدان عليه بإذن الحاكم. ورجح هذا القول ابن ~~القيم في "الهدي" (¬2) وقال: إنه الأصوب نقلا وتوجيها. قال: وإنما ذكر ~~استقرارها بالفرض في "الوسيط" و"الوجيز" و"شرح الرافعي" وفروعه. والذين ~~قالوا: تسقط بالمطل. عللوا سقوطها بأنها إنما شرعت للمواساة لأجل إحياء ~~النفس، وهذا قد انتفى بالنظر ms1786 إلى الماضي، وأما نفقة الزوجة فهي واجبة لا ~~لأجل المواساة، ولذلك يجب مع غنى الزوجة، ولإجماع الصحابة على عدم سقوطها، ~~فإنه صح عن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن ~~نسائهم، فأمرهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما مضى (¬3). ~~ولم يخالف عمر في ذلك أحد منهم. والمسقطون لنفقة الزوجة بالمطل قالوا: إن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر لهند أن تأخذ لما مضى. والزوجة إنما ~~وجب لها بالعقد المهر، وأما النفقة فإنما وجبت لكونها معه عانية أسيرة، فهي ~~من جملة عياله، ونفقتها مواساة، ولأن نفقتها بالمعروف PageV08P315 # كنفقة القريب، وما وجب بالمعروف فهو مواساة لإحياء نفس؛ إما بسبب الملك، ~~أو بسبب الحبس، أو لكونه بينه وبين من يواسيه رحامة وقرابة، فإذا استغنى ~~(أ) بمضي الزمان فلا وجه لإلزام الزوج بها، ولأن نفقة الزوجة تجب يوما ~~فيوما، فهي كنفقة القريب، وما مضى فقد استغنت عنه الزوجة، فلا وجه لإلزام ~~الزوج به، وقد صرح أصحاب الشافعي بأن كسوة الزوجة وسكناها يسقطان بمضي ~~الزمان إذا قيل: إنهما متاع لا تمليك. فإن لهم في ذلك وجهين. # 945 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". رواه مسلم (¬1). # في الحديث دلالة على وجوب إنفاق المملوك وكسوته، وهذا أمر مجمع عليه، ~~وظاهر الحديث أنه لا يتعين إطعامه مما يأكله السيد، وأن الواجب من أي طعام ~~(ب) يكفيه، وقد جاء تقييده بالمعروف في رواية، ويحمل الأمر بالتسوية في ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما تلبسون، ~~ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم". أخرجه مسلم (¬2) من حديث PageV08P316 # أبي ذر- على الاستحباب لا الإيجاب، وهذا مجمع عليه، والواجب النفقة ~~بالمعروف بحسب البلدان والأشخاص، سواء كان من جنس نفقة السيد ولباسه أو ~~دونه أو فوقه، حتى لو قتر على نفسه تقتيرا خارجا عن عادة أمثاله؛ إما زهدا، ~~وإما شحا، لا يحل له ms1787 التقتير على المملوك وإلزامه بموافقته إلا برضاه. # وقوله: "ولا يكلف من العمل إلا ما يطيق". أجمع العلماء على ذلك، وأنه إذا ~~كان العمل لا يطيقه وجب على السيد أن يعينه بنفسه أو بغيره. # 946 - وعن حكيم بن معاوية القشيري، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، ما ~~حق زوجة أحدنا عليه؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت". # الحديث تقدم في عشرة النساء (¬1). # 947 - وعن جابر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث ~~الحج بطوله، قال في ذكر النساء: "ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف". ~~أخرجه مسلم (¬2). # الحديث فيه دلالة على وجوب نفقة الزوجة وكسوتها بالمعروف، وهو مجمع عليه، ~~وقد تقدم تفصيل ذلك قريبا. # 948 - وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال PageV08P317 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت". ~~رواه النسائي، وهو عند مسلم بلفظ: "أن يحبس عمن يملك قوته" (¬1). # الحديث فيه دلالة على وجوب النفقة على من يجب [إيقاته] (أ)، فإنه إذا كان ~~يلحقه الإثم الذي هو الكفاية عن أن ينضم إليه غيره من المآثم في استحقاق ~~العقاب - دل على المبالغة في الوجوب. # والمراد ب "من يقوت": من تلزمه نفقته من أهله وعياله وعبيده، وهو من: ~~قاته يقوته، إذا حفظه. ويقال: أقاته يقيته، إذا أعطاه قوته. وقد فسر المقيت ~~من أسماء الله تعالى بالحفيظ، أو الذي يعطي الخلائق أقواتهم. # وقوله: وهو عند مسلم. إلى آخره. هو خاص بنفقة المملوك، وأصله أنه جاء عبد ~~الله بن عمر قهرمان له، فقال له: أعطيت الرقيق قوتهم؟ قال: لا. قال: فانطلق ~~فأعطهم، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كفى بالرجل إثما أن ~~يحبس عمن يملك قوته". وفي رواية لمسلم أخرى مثل رواية النسائي (¬2)، # وقد تقدم الكلام في تفصيل من تجب نفقته، والله أعلم. # 949 - وعن جابر رضي الله عنه يرفعه في الحامل المتوفى [عنها] (ب)، قال: ~~"لا نفقة لها". أخرجه البيهقي، ورجاله ثقات، لكن قال: PageV08P318 # المحفوظ وقفه ms1788 (¬1). # وثبت نفي النفقة في حديث فاطمة بنت قيس كما تقدم، رواه مسلم (¬2). # الحديث أخرجه البيهقي (¬3) من طريق الربيع عن الشافعي قال: أخبرنا عبد ~~المجيد، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: ليس للمتوفى عنها زوجها ~~نفقة، حسبها الميراث. موقوفا. وقد رواه محمد بن عبد الله الرقاشي قال: ~~حدثنا حرب بن العالية، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في الحامل المتوفى عنها زوجها: "لا نفقة لها" (¬4). وأخرج (4) عن ~~ابن الزبير أنه كان يعطي لها النفقة، حتى بلغه أن ابن عباس قال: لا نفقة ~~لها. فرجع عن قوله ذلك، يعني في الحامل المتوفى عنها زوجها. ورواه عطاء بن ~~أبي رباح، عن ابن عباس قال: لا نفقة لها، وجبت المواريث (4). # والحديث فيه دلالة على أن المتوفى عنها لا نفقة لها، والنص في حق الحامل، ~~والحائل (¬5) بالطريق الأولى، والمراد أن الحامل مخرجة عن عموم قوله PageV08P319 # تعالى: {وإن كن أولات حمل فأنفقوأ عليهن} (¬1). وأن الآية باق تحت عمومها ~~المطلقات. # وقد اختلف العلماء في نفقة المتوفى عنها هل تجب أم لا؟ فذهب ابن عمر ~~والهادي والقاسم والناصر والحسن بن صالح إلى وجوبها؛ لقوله تعالى: {متاعا ~~إلى الحول} (¬2). ونسخ المدة لا يوجب نسخ النفقة؛ لأنها نسخت بقوله تعالى: ~~{أربعة أشهر وعشرا} (¬3). ولم يذكر فيها النفقة، فنسخ المدة لا يوجب نسخ ما عداها. # وذهب الشافعية والحنفية ومالك والمؤيد بالله إلى أنه لا نفقة للمتوفى ~~عنها. قالوا: لأنها قد نسخت الآية الكريمة، وهي قوله تعالى: {متاعا إلى ~~الحول}. لأنه كان تحب النفقة بالوصية، فلما نسخت الوصية بالمتاع؛ إما بقوله ~~تعالى: {يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا}. وإما بآية المواريث، وإما بقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "لا وصية لوارث" (¬4). ووجوب التربص أربعة أشهر ~~وعشرا لا يوجب النفقة -فلا دليل حينئذ على وجوب نفقة المتوفى عنها حائلا أو ~~حاملا، والأصل براءة الذمة. وعلل في "البحر" قولهم بأنه لا استمتاع، ~~ووجوبها لأجله، بدليل سقوطها بالنشوز، قلنا: بل لأجله أو حبسها بسببه. ~~قالوا: لا، كالمستبرأة (أ). قلنا: ms1789 حبس المستبرأة (ب) غير مستند PageV08P320 # إلى عقد، فضعف. انتهى. # وذهب علي وابن مسعود وشريح وابن أبي ليلى إلى أنها تجب للحامل لا للحائل؛ ~~لقوله: {وإن كن أولات حمل} (¬1) الآية. قلنا: العلة تعمهما، وهي حبسهما عن ~~الأزواج. كذا في "البحر"، وكان الأولى أن نقول: إن آية الطلاق وردت في ~~المطلقات، فلا تتناول المتوفى عنهن. # وأما حديث فاطمة بنت قيس فقد تقدم الكلام عليه، وهو وارد في حق المطلقة ~~بائنا (¬2)، والله أعلم. # 950 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "اليد العليا خير من اليد السفلى، ويبدأ أحدكم بمن يعول، تقول ~~المرأة: أطعمني أو طلقني". رواه الدارقطني (¬3)، وإسناده حسن. # أخرجه الدارقطني من حديث عاصم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة رضي الله عنه ~~مرفوعا (¬4)، إلا أن في حفظ عاصم (¬5) شيئا. وأخرجه البخاري (¬6) موقوفا ~~على أبي هريرة. وفي رواية الإسماعيلي (6) قالوا: يا أبا هريرة، شيء تقوله ~~من رأيك أو من قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: هذا من كيسي. ~~بكسر الكاف للأكثر، أي من حاصله، إشارة إلى أنه من استنباطه PageV08P321 # مما فهمه من الحديث الرفوع، ووقع في رواية الأصيلي (¬1) بفتح الكاف، أي ~~من فطنته. # وتقدم الكلام في اليد العليا. # وقولى: "ابدأ بمن تعول". أي من تجب عليك نفقته، يقال: عال الرجل أهله، ~~إذا مانهم، أي قام بما يحتاجون إليه من قوت وكسوة، وهو أمر بتقديم ما يجب ~~على ما لا يجب. # وفي تمام كلام أبي هريرة في البخاري: ويقول العبد: أطعمني واستعملني. وفي ~~رواية الإسماعيلي؛ ويقول خادمك: أطعمني وإلا بعني (أ). ويقول الابن: إلى من ~~تدعني؟ وفي رواية النسائي والإسماعيلي (¬2): تكلني. # وقد استدل بهذا على أن المرأة إذا أعسر الزوج بنفقتها كان لها أن تطلب ~~التفريق، وهو قول جمهور العلماء، وسيأتي، وبأن الولد تجب نفقته ولو كان كبيرا. # قال ابن المنذر (¬3): اختلف في نفقة من بلغ من الأولاد ولا مال له ولا ~~كسب؛ فأوجبت طائفة النفقة لجميع الأولاد أطفالا كانوا أو بالغين، إناثا PageV08P322 # وذكرانا، ms1790 إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها، وذهب الجمهور إلى أن الواجب ~~أن ينفق عليهم حتى يبلغ الذكر أو تتزوج الأنثى، ثم لا نفقة على الأب إلا إن ~~كانوا زمنى، فإن كانت لهم أموال فلا وجوب على الأب، وألحق الشافعي ولد ~~الولد وإن سفل بالولد في ذلك. انتهى. وبأن الواجب نفقة العبد أو بيعه، وذلك واضح. # 951 - وعن سعيد بن المسيب، في الرجل لا يجد ما ينفق على أهله، قال: يفرق ~~بينهما. أخرجه سعيد بن منصور (¬1) عن سفيان عن أبي الزناد عنه قال: قلت ~~لسعيد: سنة؟ فقال: سنة. وهذا مرسل قوي. # الحديث رواه الشافعي (¬2) عن سفيان عن أبي الزناد، قال: قلت لسعيد بن ~~المسيب. فذكره، قال الشافعي (2): والذي يشبه أن يكون قول سعيد: سنة. بسنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومراسيل سعيد معمول بها لما عرف من ~~عادته أنه لا يرسل إلا عن ثقة، إلا أنه قال ابن حزم (¬3): لعله أراد سنة ~~عمر. وهذا خلاف الظاهر، ورواه عبد الرزاق (¬4)، عن الثوري، عن يحيى بن ~~سعيد، عن سعيد بن المسيب، وأخرجه أيضا الدارقطني (¬5)، قال: حدثنا عثمان بن ~~أحمد بن السماك وعبد الباقي بن قانع وإسماعيل بن علي قالوا (أ): أخبرنا PageV08P323 # أحمد بن علي [الخزاز] (أ)، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الباوردي، قال: ~~حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا حماد بن سلمة، عن يحيى بن سعيد، عن سعيد ~~بن المسيب في (5) الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته، قال: يفرق بينهما. ~~وبهذا الإسناد إلى حماد بن سلمة، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي ~~هريرة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثله (¬1)، وأخرجه البيهقي (¬2) ~~بهذا الإسناد. # وهذا الحديث يدل على أن للزوجة إذا أعسر زوجها عن الإنفاق عليها لعدم ~~المال وتعذر التكسب بأي وجه -أن تفسخ نكاح الزوج، وقد ذهب إلى هذا علي وعمر ~~وزيد بن ثابت وأبو هريرة والحسن البصري وابن المسيب وحماد وربيعة ومالك ~~والشافعي، في الأظهر من قوليه، وأحمد والإمام يحيى، وحجتهم على ذلك ما ~~عرفت، ms1791 ويتأيد بقوله تعالى: {فإمساك بمعروف} (¬3). {ولا تضاروهن} (¬4). من ~~نحوها، وبالقياس على العيب الطارئ، وذهب طاوس والزهري والثوري والهدوية ~~وأبو حنيفة وأصحابه وهو قول للشافعي إلى أنه لا فسخ بالإعسار عن النفقة، ~~قالوا: لقوله تعالى: {لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما ~~آتاه الله PageV08P324 # لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها} (¬1). وإذا لم يكلفه الله تعالى النفقة ~~في هذه الحال فقد ترك ما لا يجب عليه ولا يأثم بتركه، فلا يكون سببا ~~للتفريق بينه وبين حبه وسكنه وتعذيبه بذلك، ولأنه قد روى مسلم (¬2) في ~~"صحيحه" عن جابر قال: دخل أبو بكر وعمر على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- فوجداه حوله نساؤه [واجما] (أ) ساكنا، فقال (¬3): يا رسول الله، لو رأيت ~~بنت خارجة سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت [عنقها] (ب). فضحك النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وقال: "هن حولي كما ترى يسألننى النفقة". فقام أبو بكر ~~إلى عائشة يجأ عنقها، وقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها، كلاهما يقول: تسألين ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما ليس عنده؟! فقلق: والله لا نسأل رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - شيئا أبدا ما ليس عنده. واعتزلهن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - شهرا. فقالوا: فهذا أبو بكر وعمر يضربان ابنتيهما ~~بحضرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ سألتاه نفقة لا يجدها، فلو كان ~~ذلك لهما وهما طالبتان لحق لم يقرهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~ما صنعا، ولبين أن لهما أن تطالبا مع الإعسار حتى يثبت على تقدير ذلك ~~المطالبة بالفسخ، ولم يزل الصحابة منهم الموسر والمعسر، وكان معسروهم أكثر، ~~ولم يعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV08P325 # أحدا منهم أن لزوجته الفسخ، ولا فسخ [أحد] (أ) منهم، ولأن المرأة لو طال ~~مرضها حتى تعذر على الزوج جماعها وجبت عليه النفقة، ولم يمكن من الفسخ، ~~فكذلك في جانب الزوج، وأما حديث ابن المسيب فهو مرسل، والسنة محتملة، وأما ~~حديث أبي هريرة الذي رواه في: "الصحيح" (¬1): "تقول المرأة: ms1792 أطعمني أو ~~طلقني". وقال أبو هريرة: إنه من كيسه، فلعل هذا الحديث بمعناه ويكون ~~موقوفا، وقد يجاب عن ذلك بأن الآية الكريمة لا تدل على عدم النفقة بالكلية، ~~فإنه قال: {فلينفق مما آتاه الله}. وقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} ~~(¬2). لا يدل على عدم الفسخ، فإنه إنما يدل على سقوط الوجوب عنه، وأما ~~الفسخ فهو حق للمرأة تطالب به، وبأن قصة أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لم يعدموا النفقة بالكلية، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قد استعاذ ~~من الفقر المدقع (¬3)، ولعل ذلك أنه فيما زاد على قوام البدن، وفي بعض ~~الأوقات مما قد يعتاد الناس التسامح به في حق النفس وحق من ينفقونه، وأيضا ~~أنهن لم يسألن الطلاق أو الفسخ، ولا ترضى نفوسهن بذلك ولو عدمن الحياة، وقد ~~خيرهن الله سبحانه [فاخترن] (ب) الرسول والدار الآخرة، فلا يصح الاحتجاج ~~بذلك، وأما سائر الصحابة فكذلك، ولذلك لا قيل لمالك بذلك، قال: ليس PageV08P326 # الناس اليوم كذلك، إنما تزوجته رجاء. يعني أن نساء الصحابة كن يردن ~~الآخرة وما عند الله، ولم يكن مرادهن الدنيا، فلم يكن يبالين بعسر أزواجهن، ~~وأما نساء اليوم فإنما يتزوجن رجاء الدنيا من الأزواج والنفقة والكسوة، ~~وأما حديث ابن المسيب فقد عرفت أنه من مراسيله، والمختار العمل بها. # وقوله: السنة. ظاهر أن المراد بها سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وحديث أبي هريرة المرفوع يؤيده (¬1)، وإسناده لا بأس به، والآيات تؤيد ذلك، ~~وبأنه قد ثبت في الإيلاء والظهار المطالبة بالطلاق والحبس حتى يطلق، وعند ~~اللبس بالمطلقة (أ) أيضا إذا تمرد عن الطلاق فسخ النكاح الحاكم. # واختلفوا في تأجيله بالنفقة؛ فقال مالك: إنه يؤجل شهرا ونحوه، فإن انقضى ~~الأجل وهي حائض أخر حتى تطهر. وعند الشافعية في الأظهر أنه يمهل ثلاثة ~~أيام، لأنها مدة قريبة، ولها الفسخ صبيحة الرابع إلا أن يسلم نفقته، ~~لانتفاء الضرر إذن، ولو مضى يومان بلا نفقة وأنفق الثالث وعجز الرابع [بنت] ~~(ب)، لتضررها بالاستئناف فتصبر يوما آخر ويفسخ في تاليه، وقيل: يستأنف ms1793 ~~لزوال العجز الأول، ولها الخروج زمان المهلة لتحصيل النفقة، لأنه إذا لم ~~يوف ما عليه لا يملك الحجر عليها، وعليها الرجوع ليلا إلى منزل الزوج، لأنه ~~وقت الدعة، وعلى القول بأنه طلاق لا بد من الرفع إلى PageV08P327 # الحاكم ليجبره على الإنفاق أو يطلق عنه، وهو أحد وجهين عند المالكية، ~~والوجه الثاني أنه فسخ، فترافعه إلى الحاكم ليثبت الإعسار ثم تفسخ هي، ولا ~~يسقط عليها الفسخ برضاها له؛ لأن النفقة حق يتجدد، وكذا لو نكحته عالمة ~~بإعساره، وقال حماد بن أبي [سليمان] (أ): يؤجل سنة ثم يفسخ، قياسا على ~~العنين. وقال عمر بن عبد العزيز: يضرب له شهر أو شهران. وعند أحمد روايتان، ~~إلا أن في مذهب أحمد أنها إذا اختارت الفسخ رفعته إلى الحاكم، فيخير (ب) ~~الحاكم بين أن يفسخ عليه، أو يجبره على الطلاق، أو يأذن لها في الفسخ، فإن ~~فسخ أو أذن في الفسخ فهو فسخ لا طلاق، ولا رجعة له وإن أيسر في العدة، وإن ~~أجبره على الطلاق فطلق رجعيا فله رجعتها، وظاهر كلام أحمد أنه إذا رضيت ~~بإعساره لم يتجدد لها الحق كالعيب، وقد روى ابن وهب عن ابن لهيعة عن محمد ~~بن عبد الرحمن، أن رجلا شكا إلى عمر بن عبد العزيز بأنه أنكح ابنته رجلا لا ~~ينفق عليها، فأرسل إلى الزوج فأتى، فقال: أنكحني وهو يعلم أن ليس في شيء. ~~فقال عمر: أنكحته وأنت تعرفه، فما الذي أصنع؟ اذهب بأهلك (¬1). وقد روي عنه ~~الفسخ وضرب الأجل شهرا، وأنه لا فسخ مطلقا، وقد حكي في المسألة عن [عبيد] ~~(ج) الله بن الحسن العنبري قاضي البصرة أن الزوج إذا أعسر بالنفقة حبس حتى ~~يجد ما ينفقه. رواه ابن حزم وصاحب "المغني" (¬2) وغيرهما، PageV08P328 # وهو قول عجيب، لأي شيء يسجن وما يغني عنه السجن أو عن زوجته؟! ويجمع له ~~بين عذاب الفقر وعذاب السجن والبعد عن أهله. وفي المسألة أيضا مذهب آخر، ~~وهو أن الزوجة إذا كانت موسرة وزوجها معسر كلفت النفقة على زوجها، ولا ترجع ~~عليه إذا ms1794 أيسر من بعد. وهذا مذهب أبي محمد بن حزم (¬1)؛ محتجا بقوله تعالى: ~~{وعلى الوارث مثل ذلك}. والزوجة وارثة، ولكن يرد عليه سياق الآية الكريمة، ~~فإنها في حق المولود الصغير. ورجح ابن القيم (¬2) أنه إذا غير الرجل المرأة ~~بأنه ذو مال فتزوجته فظهر معدما لا شيء له، أو كان ذا مال وترك الإنفاق على ~~امرأته ولم تقدر على أخذ كفايتها من ماله بنفسها ولا بالحاكم- أن لها ~~الفسخ، وإن تزوجته عالمة بعسرته، أو كان موسرا ثم أصابته جائحة اجتاحت ~~ماله، فلا فسخ لها في ذلك. واختلف أيضا العلماء في الفسخ بالإعسار بالصداق؛ ~~فذهب الجمهور إلى أنه لا يثبت، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والصحيح من مذهب ~~أحمد، واختاره عامة أصحابه، وهو قول كثير من أصحاب الشافعي، وفصل الشيخ أبو ~~إسحاق وأبو علي بن أبي هريرة، فقالا: إن كان قبل الدخول ثبت به الفسخ، وإن ~~كان بعده لم يثبت. وهو أحد الوجوه في مذهب أحمد. وفي "عجالة المحتاج على ~~المنهاج" أن في إعساره بالمهر أقوالا (أ)؛ أظهرها: يفسخ [قبل الوطء] (ب) ~~للعجز عن تسليم العوض مع بقاء PageV08P329 # [المعوض] (أ) كالإفلاس، لا بعده (¬1) لتلف [المعوض] (ب)، فصار العوض دينا ~~في الذمة. والثاني: يثبت مطلقا؛ أما قبل الوطء فلما تقدم، وأما بعده فلأن ~~البضع لا يتلف بوطأة واحدة. والثالث: المنع مطلقا؛ لأنه ليس لها في فوات ~~المهر وتأخيره مثل ضرر فوات النفقة، وليس هو على قياس الأعواض حتى يفسخ ~~العقد بتعذره. والقطع بالفسخ قبل الدخول عزاه الرافعي لجماعة، ونسبه في ~~"الشرح الصغير" للأكثرين، والمصنف تبع "المحرر" في ترجيح طرد الخلاف في ~~الحالين، وصرح الرافعي بأن هذا الخيار على الفور، ومقتضى ما في "التتمة" خلافه. # الثاني: لو قبضت بعضه وأعسر الزوج بباقيه ليس لها الفسخ، وإن كان قبل ~~الدخول. قاله ابن الصلاح في "فتاويه"، والرافعي وغيره أطلق المسألة. انتهى. # 952 - وعن عمر رضي الله عنه أنه كتب إلى أمراء الأجناد في رجال غابوا عن ~~نسائهم؛ أن يأخذوهم بأن ينفقوا أو يطلقوا، فإن طلقوا بعثوا بنفقة ما ms1795 حبسوا. ~~أخرجه الشافعي ثم البيهقي بإسناد حسن (¬2). # الحديث أخرجه البيهقي من طريق الشافعي بإسناده، قال: أخبرنا مسلم PageV08P330 # ابن خالد (أ) عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، أن عمر بن ~~الخطاب، ورواه ابن المنذر من طريق عبد الرزاق عن عبيد الله بن عمر به وأتم ~~إسنادا، وهو في "مصنف عبد الرزاق" (¬1)، وذكر أبو حاتم (¬2) في "العلل" عن ~~حماد بن سلمة عن [عبيد] (ب) الله به، قال: وبه نأخذ. # الحديث فيه دلالة على أن نفقة الزوجة لا تسقط بالمطل، وقد تقدم الكلام ~~فيه، وأن الزوج إذا لم ينفق أجبر على الطلاق مع إيساره، وهذا كما عرفت ~~اختاره ابن القيم، والله أعلم. # 953 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، عندي دينار؟ قال: "أنفقه على نفسك". قال: ~~عندي آخر؟ قال: "أنفقه على ولدك". قال: عندي آخر؟ قال: "أنفقه على أهلك". ~~قال: عندي آخر؟ قال: "أنفقه على خادمك". قال: عندي آخر؟ قال: "أنت أعلم". ~~أخرجه الشافعي واللفظ له وأبو داود، وأخرجه النسائي والحاكم بتقديم الزوجة ~~على الولد (¬3). # الحديث. قال ابن حزم (¬4): اختلف يحيى القطان والثوري، فقدم يحيى PageV08P331 # الزوجة على الولد، وقدم سفيان الولد على الزوجة، فينبغي ألا يقدم أحدهما ~~على الآخر بل يكونان سواء؛ لأنه قد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~إذا تكلم تكلم ثلاثا (¬1)، فيحمل أن يكون في إعادته إياه قدم الولد مرة، ~~ومرة قدم الزوجة، فصارا سواء. # قال المصنف (¬2) رحمه الله تعالى: وفي "صحيح مسلم" (¬3) من رواية جابر ~~[تقديم] (أ) الأهل على الولد من غير تردد، فيمكن أن يرجح إحدى الروايتين. # 954 - وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده، قال: قلت: يا رسول الله، من أبر؟ ~~قال: "أمك". قلت: ثم من؟ قال: "أمك". قلت: ثم من؟ قال "أمك". قلت: ثم من؟ ~~قال: "أباك، ثم الأقرب فالأقرب". أخرجه أبو داود [والترمذي] (ب) وحسنه (¬4). # وأخرجه (ج) والحاكم (¬5)، وأخرجه أبو داود (¬6) من طريق كليب بن ms1796 منفعة ~~الحنفي عن جده نحوه. # تقدم الكلام على الحديث (¬7). PageV08P332 ### || AUTO باب الحضانة # الحضانة مصدر بكسر الحاء المهملة، من حضن الصبي حضنا وحضانة بالكسر، جعله ~~في حضنه أو رباه، [كاحتضنه [(أ)، والطير بيضه حضنا وحضانا وحضانة بكسرهما ~~وحضونا، وهو مأخوذ من الحضن بكسر الحاء، وهو ما دون الإبط إلى الكشح، [أو] ~~(ب) لصدر والعضدان وما بينهما، وجانب الشيء وناحيته، كذا في "القاموس" ~~(¬1)، ولم يضبطه في الضياء بالكسر، وما أطلق فهو مفتوح. وهي في الشرع: حفظ ~~من (ج) لا يستقل بأمره وتربيته ووقايته عما يهلكه أو يضره. # 955 - وعن عبد الله بن [عمرو] (د) رضي الله عنهما، أن امرأة قالت: يا ~~رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، ~~كان أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني. فقال لها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أنت أحق به ما لم تنكحي". رواه أحمد وأبو داود وصححه الحاكم (¬2). # الحديث. PageV08P333 # قال المصنف رحمه الله (¬1): أخرجوه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن ~~جده. ووقع في الأصل (¬2) "ابن عمر" بضم العين، وهو وهم، وإنما هو ابن عمرو ~~بن العاص. # وقوله: وعاء. [بفتح] الواو والد، وقد يضم، كذا في "القاموس" (¬3)، وهو ~~الظرف، والسقاء ككساء [جلد] (أ) السخلة إذا أجذع، يكون للماء واللبن، ~~والحواء بكسر الحاء والمد اسم المكان الذي يحوى الشيء؛ أي يضمه ويجمعه، ~~والمراد من هذا أن الأم شاركت الأب في الولادة وزادت عليه بهذه الخصوصيات، ~~فكان الولد أمس بها وأقرب رحما (ب)، فاستحقت التقدم عند المنازعة في الولد، ~~وفي هذا تنبيه على المعنى المقتضي للحكم وأن المعاني والعلل معتبرة في ~~إثبات الأحكام مستقرة في الفطر السليمة حتى فطر النساء، فالحديث يدل على ~~أنه إذا تنازع الأبوان في حضانة الصغير الذي لا يستغني بنفسه، فالأم أحق به ~~ما لم يحصل ما يمنعها من الحضانة، والظاهر أن هذا الحكم مجمع عليه، وقد قضى ~~به أبو بكر بين عمر وزوجته من الأنصار أم ولده عاصم بعد أن PageV08P334 # طلقها وأخذ ولده ms1797 منها، فقال أبو بكر: خل بينها وبين ولدها. قال ابن عبد ~~البر (¬1): رلي ي هذا من وجوه منقطعة ومتصلة، تلقاه أهل العلم بالقبول ~~(أوالعمل أ)، ورواه مالك في "الموطأ" (¬2). قال بهابن عبد البر: وفيه دليل ~~[على أن عمر] (ب) كان مذهبه في ذلك خلف مذهب أبي بكر، لكنه سلم [للقضاء] ~~(ج) وقضى به في خلافته، ولم يخالفهما أحد من الصحابة. وقد أخرج مثل هذا عبد ~~الرزاق (¬3) عن ابن عباس، وفي آخر القصة أنه قال: ريحها وفراشها وحرها خير ~~له منك حتى يشب ويختار لنفسه. وقال في رواية الثوري (¬4): الأم أعطف وألطف ~~وأرحم وأحنى وأخبر وأرأف، هي أحق بولدها ما لم تتزوج. # وقوله: "ما لم تنكحي". فيه دلالة على أن حق الحضانة للأم يبطل بالنكاح، ~~وقد ذهب إلى هذا العترة وأبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد في المشهور عنه، ~~وقال ابن المنذر (¬5): أجمع على هذا كل من أحفظ عنه من أهل PageV08P335 # العلم. وقضى به شريح (¬1). وهذا هو المدلول عليه بمفهوم الشرط. # وذهب الحسن البصري (¬2)، وهو قول أبي محمد بن حزم (¬3)، إلى أن الحضانة ~~لا تسقط بالنكاح. قال ابن حزم: فإن أنس بن مالك كان عند والدته وله من ~~العمر عشر سنين، وأتى به أبو طلحة زوج والدته إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وكان عند والدته وهي مزوجة، وكذا أم سلمة تزوجت بالنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وبقي ولدها في كفالتها، وكذا ابنة حمزة قضى بها النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لخالتها وهي مزوجة. قال ابن حزم: وما احتج به الجمهور من ~~حديث عبد الله بن عمرو ففيه مقال، وأنه صحيفة، وكذلك ما احتجوا به مما رواه ~~عبد الرزاق (¬4) من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: كانت امرأة من ~~الأنصار تحت رجل من الأنصار، فقتل عنها يوم أحد، وله منها ولد، فخطبها عم ~~ولدها ورجل إلى أبيها، فأنكح الآخر، فجاءت (أ) النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- فقالت: أنكحني أبي رجلا لا أريده، وترك عم ولدى، فأخذ مني ولدي. فدعا ~~رسول ms1798 الله - صلى الله عليه وسلم - أباها، فقال: "أنت الذي لا نكاح لك، ~~اذهبي فانكحي عم ولدك". فلم ينكر أخذ الولد منها لما تزوجت، بل أنكحها عم ~~الولد لتبقى لها الحضانة- فهو مرسل. وأجيب عنه بأن حديث عمرو بن شعيب (¬5) ~~قبله الأئمة وعملوا PageV08P336 # به؛ كالبخاري وأحمد وابن المديني والحميدي وإسحاق بن راهويه وأمثالهم، ~~فلا يلتفت إلى القدح فيه، وأما حديث أبي سلمة (¬1) فهو من كبار التابعين، ~~وقد حكى القصة عن الأنصارية، ولا ينكر لقاؤه لها، فلا يتحقق الإرسال، ولو ~~تحقق الإرسال فمرسل جيد له شواهد مرفوعة وموقوفة، فليس الاعتماد عليه وحده، ~~والإسناد كان كان فيه رجل مجهول، فإنه قال: أبو الزبير، عن رجل صالح من أهل ~~المدينة. فهو من باب تعديل الراوي لمن روى عنه، كان لم يذكر اسمه فهو خارج ~~عن الجهالة، فإن التدليس إنما أكثر (أ) في المتأخرين أن يقع التدليس مع غير ~~ثقة، وأبو الزبير (¬2) وإن كان قد يقع منه التدليس فليس معروفا بالتدليس عن ~~المتهمين والضعفاء، فإن تدليسه من جنس تدليس السلف عن غير متهم ولا مجروج، ~~وأما ما احتج به فهو لا يتم إلا مع طلب من تنتقل إليه الحضانة، وأما مع عدم ~~طلبه فلا نزاع في أن للأم المزوجة أن تقوم بولدها، حيث لا منازع لها، ولم ~~يذكر في القصص المذكورة أنه حصل نزاع في ذلك، وذهب الإمام أحمد في إحدى ~~الروايتين عنه؛ نص عليه في رواية مهنا بن يحيى الشامي، فقال (¬3): إذا ~~تزوجت الأم وابنها صغير أخذ منها. قيل له: والجارية مثل الصبي؟ قال: لا، ~~الجارية تكون مع أمها إلى سبع سنين. وقال ابن أبي موسى: وعن أحمد أن الأم PageV08P337 # أحق بحضانة البنت وإن تزوجت إلى أن تبلغ. # وقول رابع: أنها إذا تزوجت بنسيب من الطفل لم تسقط حضانتها. # ثم اختلف أصحاب هذا القول على ثلاثة أقوال: # أحدها: أن المشروط أن يكون الزوج نسيبا للطفل فقط. وهذا ظاهر قول أحمد. # الثاني: أنه يشترط مع ذلك أن يكون ذا رحم محرم. وهو قول أصحاب أبي حنيفة ms1799 ~~والهدوية. # الثالث: [أنه يشترط أن يكون بين الزوج وبين الطفل إيلاد؛ بأن يكون جدا ~~للطفل. وهذا قول مالك وبعض أصحاب أحمد] (أ). # 956 - [و] (ب) عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن امراة قالت: يا رسول الله، ~~إن زوجي يريد أن يذهب بابني، وقد نفعني وسقاني من بئر أبي عنبة (¬1). فجاء ~~زوجها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا غلام، هذا أبوك، وهذه أمك، ~~فخذ بيد أيهما شئت". فأخذ بيد أمه فانطلقت به. رواه أحمد والأربعة وصححه ~~الترمذي (¬2). PageV08P338 # الحديث أخرجوه من حديث هلال بن (أأبي ميمونة أ) عن أبي هريرة، وفي رواية ~~ابن أبي شيبة (¬1) عن أبي هريرة، قال؛ جاءت امراة إلى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقال: "استهما فيه". وصححه ابن القطان. # الحديث فيه دلالة على أن الصغير بعد استغنائه بنفسه يخير بين الأم والأب، ~~وقد ذهب إلى هذا الشافعي وأصحابه والإمام يحيى؛ لهذا الحديث، وأخرج البيهقي ~~(¬2) من طريق الشافعي، أن عمر خير غلاما بين أبيه وأمه. وأخرج أيضا من طريق ~~الشافعي عن عمارة الجرمي قال: خيرني علي رضي الله عنه بين أمي وعمي، ثم قال ~~لأخ في أصغر مني: وهذا أيضا لو قد بلغ مبلغ هذا لخيرته. قال الشافعي: قال ~~إبراهيم في روايته مثله، وزاد في الحديث: وكنت ابن سبع أو ثمان سنين. وفي ~~رواية يحيى القطان (¬3) أنه اختصم فيه أمه وعمه إلى علي بن أبي طالب، قال: ~~فخيرني علي ثلاثا، كلهن أختار أمي ومعي أخ لي صغير، فقال علي: هذا إذا بلغ ~~مبلغ هذا خير. وذهب إلى هذا إسحاق بن راهويه، قال حرب بن إسماعيل: سألته: ~~إلى متى يكون الصبي مع الأم إذا طلقت؟ قال: أحب أن يكون مع الأم (ب) إلى PageV08P339 # سبع سنين، ثم يخير. قلت له: أترى التخيير؟ قال: شديدا (أ). قلت (ب): فأقل ~~من سبع سنين لا يخير؟ قال: قد قال بعضهم إلى خمس، وأنا أحب إلى سبع. # وذهب الإمام أحمد إلى أن الصغير إلى دون سبع سنين أمه أولى، كان بلغ سبع ms1800 ~~سنين فالذكر فيه ثلاث روايات؛ [إحداها] (ج) -وهي الرواية الصحيحة المشهورة ~~من مذهبه- أنه يخير، وهي اختيار أصحابه، وإن لم يخير أقرع بينهما، كان رجع ~~في اختياره نقل إليه. # والثانية: أن الأب أحق به من دون تخيير. # والثالثة: الأم أحق به كما قبل السبع. # وفي الأنثى، المشهور من مذهبه أن الأم أحق بها إلى تسع سنين، فإذا بلغت ~~تسع سنين فالأب أحق بها من غير تخيير، ورواية عنه أن الأم أحق بها حتى ~~تبلغ، ولو تزوجت الأم، ورواية عنه أنها تخير بعد التسع كالذكر. # وذهبت الهدوية ومالك وأبو حنيفة إلى أنه لا يخير، إلا أنه قالت الهدوية ~~وأبو حنيفة: إن الأم أولى بهما إلى وقت الاستغناء بالنفس، ومتى حصل ~~الاستغناء بالنفس فالأب أولى بالذكر، والأم بالأنثى. # وقال مالك: الأم أحق بالولد، ذكرا كان أو أنثى. وروى ابن القاسم: حتى ~~يبلغ، ولا يخير بحال. PageV08P340 # وفي رواية الإمام المهدي في "البحر" أن الأم أولى بالأنثى حتى تزوج ويدخل ~~بها الزوج، والذكر للأب حتى يبلغ، إذ لا استغناء قبل ذلك. # وقال الليث بن سعد: الأم أحق بالابن حتى يبلغ ثمان سنين، وبالبنت حتى ~~تبلغ، ثم الأب أحق بهما بعد ذلك. # وقال الحسن بن حي: الأم أولى بالبنت حتى [يكعب] (أ) ثدياها، وبالغلام حتى ~~ينفع، فيخيران بعد ذلك بين أبويهما. # وحجة من لم يقل بالتخيير عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: "أنت أحق به ~~ما لم تنكحي". ولو كان الاختيار إلى الصغير لم تكن أحق به. والجواب عنه بأن ~~هذا؛ إما عام باعتبار الزمان المقدر، أو مطلق خصص أو قيد بما ثبت من ~~التخيير، فلا معارضة. # ودليل من قال بتخيير الذكر دون الأنثى، أن التخيير وقع في حق الولد الذكر ~~في حديث أبي هريرة، ولكنه في حديث رافع الآتي قريبا في رواية أن المخير ~~أنثى، فإذا صح ذلك فلا يتم الاحتجاج، مع أن القياس للأنثى على الذكر بجامع ~~الصغر (ب) صحيح، وإن أمكن أن يقال: وصف الذكورة صالح لاعتباره في التخيير. ~~وذلك لأن الولد الذكر ms1801 للاعتناء بشأنه ومحبته عند والدته لا يكون اختياره ~~لأحدهما منفرا للآخر عنه، بخلاف الأنثى فإنها إذا اختارت الأم مثلا كان ذلك ~~منفرا للأب عن محبتها مع ما جبلت نفوس كثير من الناس ولا سيما الأعراب على ~~بغض الإناث، فيكون ذلك مفضيا PageV08P341 # إلى تضييع حقها ومنعها عن كثير من المصالح، ولأن الصغير ينقل إلى من ~~اختار ثانيا، وفي حق الأنثى ذلك ينافي ما يعتبر في حقهن من الحجاب ولزوم ~~البيوت وعدم صيانتها عن البروز. # وإذا لم يختر الصبي واحدا منهما، ففي وجه في مذهب أحمد والشافعي يكون ~~للأم بلا قرعة، لأن الحضانة كانت لها، وإنما نقل عنها باختياره، وإذا لم ~~يختر بقي على الأصل، والأظهر أنه يقرع بينهما، وقد جاءت القرعة في رواية في ~~حديث أبي هريرة أخرجه البيهقي (¬1) بلفظ: فقال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "استهما". فقال الرجل: من يحول بيني وبين ولدي؟ فقال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - للابن: "اختر أيهما شئت". فاختار أمه فذهبت به. فذكر ~~الاستهام دليل على اعتباره، لكن الاختيار مقدم عليه، والقرعة هي طريق شرعي ~~يعتبر عند تساوي المستحقين، وقدم الاختيار عليها لاتفاق ألفاظ الحديث عليه ~~وعمل الخلفاء الراشدين به. # واعلم أن الحضانة معتبر فيها رعاية حق الحاضن، ومصلحة المحضون، ولهذا قال ~~مالك والليث: إذا لم تكن الأم في موضع حرز وتحصين أو كانت غير مرضية، فللأب ~~أخذ البنت منها. وكذلك الإمام أحمد في الرواية المشهورة عنه، وكذا الأب ~~فإنه تعتبر قدرته على الحفظ والصيانة، فإن كان مهملا لذلك، أو عاجزا عنه، ~~أو غير مرضي، أو ذا دياثة، والأم بخلافه، فهي أحق بلا ريب. وقال في "الهدي ~~النبوي" (¬2): إن من قدم بتخيير أو PageV08P342 # قرعة أو بنفسه، فإنما هو إذا حصلت به مصلحة الولد، ولو كانت الأم أصون من ~~الأب وأغير منه قدمت عليه، ولا التفات إلى قرعة ولا اختيار الصبي في هذه ~~الحالة، فإنه ضعيف العقل يؤثر البطالة واللعب، فإذا اختار من يساعده على ~~ذلك لم يلتفت إلى اختياره، وكان عند من هو أنفع ms1802 له وخير، ولا تحتمل الشريعة ~~غير هذا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قد قال: "مروهم بالصلاة لسبع، ~~واضربوهم على تركها لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع" (¬1). والله تعالى يقول: ~~{يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} ~~(¬2). وقال الحسن: علموهم وأدبوهم وفقهوهم. فإذا كانت الأم تتركه في المكتب ~~أو تعلمه القرآن، والصبي يؤثر اللعب ومعاشرة أقرانه، وأبوه يمكنه من ذلك، ~~فأمه أحق به ولا تخيير ولا قرعة، وكذلك العكس، ومتى أخل أحد الأبوين بأمر ~~الله ورسوله في الصبي وعطله والآخر مراع له فهو أحق وأولى به، وسمعت شيخنا ~~رحمه الله يقول: تنازع أبوان صبيا عند الحاكم، فخيره بينهما فاختار أباه، ~~فقالت أمه: سله لأي شيء يختاره. فسأله، فقال: أمي تبعثني كل يوم [للمكاتب] ~~(أ) والفقيه يضربني، وأبي يتركني ألعب مع الصبيان. فقضى به للأم، وقال: أنت ~~أحق به. قال شيخنا: وإذا ترك أحد الأبوين تعليم الصبي وأمره الذي أوجبه ~~الله عليه فهو عاص، ولا ولاية له عليه، بل كل من لم يقم بالواجب في ولايته ~~فلا ولاية PageV08P343 # له، بل إما أن يرفع يده عن الولاية ويقام من يفعل الواجب، وإما أن يضم ~~إليه من يقوم بالواجب معه، إذ المقصود طاعة الله ورسوله بحسب الإمكان. قال ~~شيخنا: وليس هذا الحق من جنس الميراث الذي يحصل بالرحم والنكاح والولاء، ~~وسواء كان الوارث فاسقا أو صالحا، بل هذا من جنس الولاية التي لا بد فيها ~~من القدرة على الواجب والعلم به وفعله بحسب الإمكان. قال: فلو قدر أن الأب ~~تزوج امرأة لا تراعي مصلحة ابنته ولا تقوم بها، وأمها أقوم بمصلحتها من تلك ~~الضرة، فالحضانة هنا للأم قطعا. انتهى كلامه، وهو كلام حسن لا بد من ~~اعتباره، والله أعلم. # 957 - وعن رافع بن سنان رضي الله عنه أنه أسلم، وأبت امرأته أن تسلم، ~~فأقعد النبي - صلى الله عليه وسلم - الأم في ناحية والأب في ناحية، وأقعد ~~الصبي بينهما، فمال إلى أمه فقال: "اللهم اهده". فمال إلى أبيه، فأخذه. ~~أخرجه أبو داود ms1803 والنسائي وصححه الحاكم (¬1). # الحديث في سنده اختلاف كثير وألفاظ مختلفة (¬2)، قال ابن المنذر: لا ~~يثبته أهل النقل، وفي إسناده مقال. المقال في عبد الحميد بن جعفر بن رافع ~~(¬3) ضعفه الثوري ويحيى بن سعيد، وثبت عند الدارقطني أن الصبي أنثى، واسمها ~~عميرة، وقال ابن الجوزي: رواية من روى أنه كان غلاما أصح. وقال ابن القطان: ~~لو صح رواية من روى أنها بنت، لاحتمل أن تكون قصتين، لاختلاف المخرجين. PageV08P344 # الحديث فيه دلالة على ثبوت الحضانة للأم الكافرة وإن كان ولدها مسلما، ~~فإن التخيير دليل ثبوت الحق، فلو كان لا حق لها في الحضانة لم يخير الصغير، ~~وقد ذهب أهل الرأي وابن القاسم وأبو ثور إلى هذا، وذهب الجمهور إلى أنه لا ~~حضانة للكافرة على ولدها المسلم، قالوا: لأن الحاضن حريص على تربية الطفل ~~على دينه، وأن ينشأ عليه، فيصعب بعد كبره وعقله انتقاله عنه، وقد يغيره عن ~~فطرة الله التي فطر عليها عباده، ولأن الله سبحانه قطع الموالاة بين ~~المسلمين والكفار، وجعل المسلمين بعضهم أولياء بعض. وأجابوا عن الحديث بما ~~عرفت من التضعيف وبما فيه من الاضطراب، فروي أنه كان الخير ابنا، وروي ~~بنتا، وقال إمام الحرمين: إن هذه القصة كانت في مولود غير مميز. والجواب ~~غير مفيد، فإن المانعين لم يفرقوا، وبالنسخ قال القاضي مجلي، ولعل النسخ ~~وقع بقوله تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيل} (¬1). وبأنه ~~هو قد عرف أن دعاءه يستجاب، وأن الصبي يختار الأب، ولا يخفى بعد الأجوبة، ~~وأن أشدها تضعيف الحديث، ومن العجب أن المثبتين لحضانة الكافرة لا يثبتون ~~حضانة الفاسق، وقد اشترط العدالة وعدم الفسق أصحاب أحمد والشافعي والهدوية ~~وغيرهم، واشتراطها في غاية البعد، ولو اشترط في الحاضن العدالة لضاع أطفال ~~العالم ولعظمت المشقة على الأمة واشتد العنت، ولم يزل من [حين] (أ) ظهر ~~الإسلام إلى أن تقوم الساعة أطفال الفساق بينهم لا يتعرض PageV08P345 # لهم أحد في الدنيا مع كونهم الأكثرين، ولم يعلم في الإسلام أنه انتزع ~~[طفل] (أ) من أبويه أو من أحدهما بفسقه، ms1804 ولم يزل الفسق في الناس، ولم يمنع ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أحد من الصحابة فاسقا من تربية ابنه ~~وحضانته له، [مع العلم] (5) بأنه وقع في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~وخلفائه شرب الخمر والزنى والسرقة وغير ذلك، ولم ينتزع طفل من أبيه لذلك. ~~وقد اشترط في الحاضن أن يكون عاقلا، فلا حضانة لمجنون ولا لمعتوه ولا طفل، ~~لأنهم محتاجون إلى من يحضنهم ويكفلهم. وقد اشترط الحرية، قالوا: لأن ~~المملوك لا ولاية له على نفسه، فلا يتولى غيره، والحضانة ولاية، وقد ~~اشترطها الهدوية وأصحاب الأئمة الثلاثة، وقال مالك في حر له ولد من أمة: إن ~~الأم أحق به إلا أن تباع فتنتقل، فيكون الأب أحق بها. وهذا صحيح، لأن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قال: "لا قوله والدة عن ولدها" (¬1). وقال: "من فرق ~~بين الدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة" (¬2). ومنافعها وإن ~~كانت مملوكة للسيد، فحق الحضانة وإن استغرق وقتا فهو مستثنى من ذلك ~~كالأوقات التي تستثنى للمملوك في حاجة نفسه وعبادة ربه. # 958 - وعن البراء بن عازب رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قضى في ابنة حمزة لخالتها، وقال: "الخالة بمنزلة الأم". أخرجه البخاري ~~(¬3). PageV08P346 # وأخرجه أحمد (¬1) من حديث علي فقال: "والجارية عند خالتها، فإن الحالة ~~والدة". # الحديث فيه دلالة على ثبوت حق الخالة في الحضانة وأنها بمثابة الأم، وكأن ~~التشبيه بالأم يقضي بأنها أولى من الأب ومن أم الأم، ولكن خص ذلك الإجماع، ~~وظاهره أن حضانة المرأة المزوجة أولى من الرجال، فإن عصبة المذكورة من ~~الرجال موجودون طالبون للحضانة، كما تدل عليه القصة، واختصام علي وزيد ~~وجعفر بعد خروجهم من مكة في عمرة القضاء، وتبعتهم بنت حمزة -واسمها عمارة، ~~وقيل: فاطمة. وقيل: أمامة. وقيل: أمة الله. وقيل: سلمى. وأمامة هو المشهور- ~~وهي تنادي: يا عم يا عم. فأخذ علي بيدها، ثم تنازع فيها الثلاثة. وفي رواية ~~للبخاري (أ): حتى ارتفعت أصواتهم، فأيقظوا النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~نومه. فقال علي: أنا ms1805 أخرجتها وهي بنت عمي. زاد أبو داود (¬2): وعندي ابنة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي أحق بها. وقال جعفر: بنت عمي، ~~وخالتها تحتي. أي زوجتي، وقال زيد بن حارثة: بنت أخي. أراد أنه وآخى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بينه وبين حمزة، فقضى بها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لخالتها. وفي رواية ابن عباس (¬3): فقال: "جعفر أولى بها". وفي حديث ~~علي عند أبي داود وأحمد (¬4): "وأما الجارية فأقضي بها PageV08P347 # لجعفر". وفي رواية [أبي سعيد السكري] (أ): "ادفعاها إلى جعفر، فإنه ~~أوسعكم". وقال: "الخالة بمنزنة الأم". وقد استشكل كثير من الفقهاء هذا، فإن ~~القضاء إن كان لجعفر فليس محرما لها، وهو وعلي سواء في القرابة، كان كان ~~للخالة فهي مزوجة، ولهذا إن ابن حزء (¬1) طعن في القصة بجميع طرقها، وقد رد ~~عليه في ذلك؛ وكفى بصحتها عند البخاري، وإنما غرد تضعيف علي ابن المديني ~~لإسرائيل (¬2)، ولكنه أبي تضعيفه سائر أهل الحديث ووثقوه وثبتوه، قال أحمد ~~(¬3): ثقة. تعجب من حفظه، وقال أبو حاتم (¬4): هو أتقن أصحاب أبي إسحاق. ~~وهو كان يحفظ حديث أبي إسحاق كما يحفظ السورة من القرآن، وسائر الطرق كذلك ~~لا مطعن فيها وقد رد عليه، فإن كان الحكم للخالة كما هو الظاهر، فالنكاح لا ~~يسقط حقها من حضانة البنت كما هو إحدى الروايتين عن أحمد، أو لأن نكاحها ~~تقريب من المحضونة، فلا تسقط حضانتها كما هو المشهور في مذهب أحمد، أو لأن ~~الحق في المزوجة للزوج، فإذا رضي بالحضانة وأحب بقاء الطفل في حجره لم تسقط ~~الحضانة، وهذا وجه صحيح، فإن السر في ذلك مراعاة حق الزوج وتوفر المرأة ~~لمطالبه منها، والحضانة تشغل عن ذدك، فإذا رضي بذلك أسقط حقه، وقد ذهب إلى ~~هذا الحسن البصري ويحيى بن حمزة، وهو مذهب [أبي] (ب) محمد بن حزم، أو PageV08P348 # لأن النكاح إنما يسقط حضانة الأم وحدها حيث كان المنازع لها الأب، وأما ~~غيرها فلا يسقط حقها من الحضانة بالتزويج، أو الأم والمنازع لها غير الأب، ~~وهذا فيه جمع بين حديث ms1806 "أنت أحق به ما لم تنكحي" (¬1) وبين هذه القصة، وقد ~~ذهب إلى هذا محمد بن جرير الطبرى، وقد يتأيد ذلك بما عرف من أن المرأة ~~المطلقة يشتد بغضها لزوجها المطلق ولمن يتعلق به، فقد يبلغ بها الشأن إلى ~~أن تهمل ولدها من الزوج الأول قصدا لإغاظته، وتبالغ في التحبب عند الزوج ~~الثاني بتوفير حقه، هذا إذا كان الحكم للخالة، وإن كان القضاء لجعفر فهو ~~دليل على أن ابن العم وغيره من العصبة لهم حق في الحضانة، وأنهم أولى من ~~الأجانب، ولكنه يحتمل أن المراد بقوله: فقضى بها لجعفر. أنه قضى بها لزوجة ~~جعفر، ولكن لما كان جعفر هو القيم بالزوجة المتصرف في أعمالها، أطلق أن ~~القضاء له في ذلك وإن كان لزوجته، بل وفي قوله: "فإنه أوسعكم". ما يدل على ~~أن المعتبر في الحضانة هو القيام بالمحضون، فمن كان أقوم قياما كان هو ~~الأولى، وقد احتج به بأن الخالة أولى من العمة، فإن العمة كانت موجودة، ~~خلافا لأحمد فإنه قال: العمة أولى من الخالة. إلا أنه يقال: لا دلالة؛ لأن ~~العمة لم تطلب، وهذا إنما هو مع الطلب. وفي قوله: "إن الخالة أم". يعني في ~~هذا الحكم الخاص، لأنها تقرب منها في الحنو والشفقة والاهتداء إلى ما يصلح ~~الولد، فلا يتم احتجاج من قال: إن الخالة ترث، لأن الأم ترث، وأن القرابة ~~من جهة الأم أولى من جهة الأب. # فائدة: بقيت أمامة في كفالة جعفر حتى قتل، وأوصى بها جعفر إلى علي رضي ~~الله عنه، فمكثت عنده حتى بلغت، فعرضها على النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV08P349 # فقال: "هي ابنة أخي من الرضاعة" (¬1). # 959 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه، فإن لم يجلسه معه فليناوله لقمة أو ~~لقمتين". متفق عليه، واللفظ للبخاري (¬2). # الحديث. قوله: "أحدكم". منصوب؛ مفعول "أتى"، و"خادمه" مرفوع؛ فاعل "أتى"، ~~والخادم يطلق على الذكر والأنثى، أعم من أن يكون مملوكا أو حرا، ومحمله إذا ~~كان الخادم ms1807 حرا، فإن كانت أنثى والخدوم ذكرا، أن يكون محرما، وكذا في صورة العكس. # وقوله: "فإن لم يجلسه". وقع في رواية عند أحمد والترمذي (¬3)، عن (أ) أبي ~~هريرة: "فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه فليناوله". وفي رواية لأحمد (¬4) ~~عنه: "فادعه، فإن أبي فأطعمه منه". ولابن ماجه (¬5): "فليدعه فليأكل معه، ~~فإن لم يفعل". والضمير في قوله: "فإن أبى". وفي قوله: PageV08P350 # "فإن لم يفعل". يحتمل أن يكون للسيد، [والمعنى] (أ): إذا ترفع السيد عن ~~مؤاكلة غلامه. ويحتمل أن يكون للخادم، والمعنى أنه إذا تواضع من مؤاكلة ~~سيده. واللفظ المذكور في هذا الكتاب يؤيد الأول، وفي رواية لأحمد (¬1): ~~أمرنا أن ندعوه، فإن كره أحدنا أن يطعم معه فليطعمه في يده. كذلك صريح في الأول. # وقوله: "فليناوله لقمة". اللقمة بالضم اللام و (ب) هو ما يلتقم، وقد فتح. ~~وقد رواه الترمذي (¬2) بلفظ: "لقمة فقط". ولفظ البخاري (¬3): "فليناوله ~~أكلة أو أكلتين، أو لقمة أو لقمتين". بضم الهمزة في الأكلة، وهو شك من ~~الراوي بين الأكلة أو اللقمة. وفي لفظ مسلم (3): "فإن كان الطعام مشفوها". ~~بالشين المعجمة والفاء، أي قليلا (¬4) وهو كذا مفسر في رواية أبي داود ~~(¬5)، "فليضع في يده منه أكلة أو أكلتين". قال أبو داود (¬6): يعني لقمة أو ~~لقمتين. ومقتضى ذلك أنه لا يجب إشباع الخادم من هذا المعين (ج)، PageV08P351 # بل يشبعه منه أو من غيره. وهو يبين المراد من حديث أبي ذر (¬1): "أطعموهم ~~مما تطعمون". أنه ليس المراد إلزام المؤاكلة للخادم، وإنما المراد ألا ~~يستأثر عليه بشيء، بل يشركه في كل شيء. وقد نقل ابن المنذر عن جميع أهل ~~العلم (¬2)، أن الواجب إطعام الخادم من غالب القوت الذي يأكل منه مثله في ~~تلك البلدة، وكذلك الإدام والكسوة، و (أ) أن للسيد أن يستأثر بالنفيس من ~~ذلك، وإن كان الأفضل المشاركة. وقال الشافعي بعد أن ذكر الحديث (¬3): هذا ~~عندنا والله أعلم على وجهين: أولاهما بمعناه (ب)، أن إجلاسه معه أفضل، فإن ~~لم يفعل فليس بواجب، أو (ج) يكون الخيار بين أن يجلسه أو يناوله، وقد ms1808 يكون ~~اختيارا (د) غير حتم. انتهى. # وفي تمام الحديث: "فإنه ولي حره وعلاجه". دلالة على أن ذلك يتعلق بالخادم ~~الذي له عناية في تحصيل الطعام، فيندرج في ذلك الحامل للطعام؛ لوجود المعنى ~~فيه وهو تعلق نفسه به، إلا أن في ترجمة البخاري وهو قوله: باب (ه) الأكل مع ~~الخادم (¬4). ما يدل على أن المقصود به عموم الخادم، PageV08P352 # وإن لم تكن له عناية في تحصيل الطعام، والله أعلم. # 960 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"عذبت امرأة في هرة، سجنتها حتى ماتت، فدخلت النار فيها؛ لا هي أطعمتها ~~وسقتها إذ هي حبستها، ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض". متفق عليه (¬1). # قوله: "عذبت امرأة". قال المصنف رحمه الله تعالى (¬2): لم أقف على اسمها، ~~ووقع في رواية أنها "حميرية"، وفي أخرى أنها "من بني إسرائيل" وكذا لمسلم ~~(¬3)، والجمع ممكن؛ لأن طائفة من حمير دخلوا في اليهودية، فقوله: "من بني ~~إسرائيل". نسبة إلى دينها لأنها على دين بني إسرائيل، ونسبتها إلى حمير ~~نسبة إلى قبيلتها، (أوقد وقع للبيهقي أ) في كتاب "البعث" (¬4) ما يدل على ذلك. # وقوله: "في هرة". أي بسبب هرة، والهرة أنثى السنور، والهر الذكر، ويجمع ~~الهر على هررة، كقرد وقردة، وتجمع الهرة على هرر كقربة وقرب. # وقوله: "من خشاش الأرض". بفتح المعجمة، ويجوز ضمها PageV08P353 # وكسرها، وشينين معجمتين بينهما ألف، والمراد هوام الأرض وحشراتها من فأرة ~~ونحوها. قال النووي (¬1): وروي بالحاء المهملة، والمراد نبات الأرض. قال: ~~وهو ضعيف أو غلط (أ). وجاء في رواية: "من حشرات الأرض" (¬2). # والحديث فيه دلالة على تحريم قتل الهر، فإن العذاب إنما يكون على فعل (ب) ~~محرم، فإن ظاهر الحديث أنها (ج) عذبت بسبب قتلها بالحبس، قال القاضي عياض ~~(¬3): يحتمل أن تكون المرأة عذبت بالنار حقيقة أو بالحساب؛ لأن من نوقش ~~الحساب عذب. انتهى. والاحتمال الأول هو الأظهر، بل هو مصرح في روايات مسلم ~~وغيره، ثم يحتمل أن تكون المرأة كافرة فعذبت بكفرها، وزيدت عذابا بسبب ذلك، ~~وهذا أخرجه ms1809 الحافظ أبو نعيم في "تاريخ أصبهان" (¬4)، وكذا البيهقي في ~~"البعث والنشور" (¬5)، قال النووي (1): والأظهر أنها كانت مسلمة، وإنما ~~دخلت النار بهذه المعصية. والتحذير المقصود من الحديث إنما يتم على هذا ~~التقدير. PageV08P354 # والحديث فيه دلالة أيضا على جواز اتخاذ الهرة ورباطها إذا لم يهمل ~~إطعامها وسقيها. ويلتحق بذلك غير الهرة فيما كان في معناها، قال القرطبي ~~(¬1): ويدل على أن الهر لا يملك، وإنما يجب إطعامه على من حبسه. انتهى. ولا ~~يخفى أنه ليس في الحديث ما يدل على ذلك، بل في رواية همام (¬2) ما يدل بأن ~~الهرة تملك، وهو قوله: "في هرة لها". فإن اللام تدل على الاختصاص، وهو يكون ~~بالملك، فيكون في الحديث دلالة على أن الحيوان المملوك إذا سيبه مالكه في ~~محل يكون فيه طعامه وسقيه جاز ذلك، والله أعلم. PageV08P355 ### | AUTO كتاب الجنايات # الجنايات جمع جناية، مصدر من جنى الذنب عليه يجنيه جناية، أي جر إليه، ~~وجمع المصدر لاختلاف أنواعه، فإنها (أ) تكون في النفس وفي الأطراف. # 961 - عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني محمد رسول الله ~~إلا بإحدى ثلاث؛ الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق ~~للجماعة". متفق عليه (¬1). # الحديث فيه دلالة على أنه لا يحل قتل المسلم إلا لأحد (ب) الأسباب ~~الثلاثة. # وقوله: "الثيب الزاني". المراد به الزاني المحصن، والمراد (ج) رجمه ~~بالحجارة حتى يموت، وهذا حكم مجمع عليه، وسيأتي إيضاحه وشروطه (د) إن شاء ~~الله تعالى. # وقوله "النفس بالنفس". المراد به القصاص بشروطه، وسيأتي أيضا إن PageV08P357 # شاء الله تعالى. وقد يستدل بعمومه أصحاب أبي حنيفة في قتل (أ) المسلم ~~بالذمي والحر بالعبد، وجمهور العلماء على خلافه، منهم مالك والشافعي وأحمد ~~والليث. # وقوله: "التارك لدينه". هو عام في كل مرتد عن الإسلام بأي ردة كان، فيقتل ~~إن لم يرجع إلى الإسلام، ويتناول أيضا كل خارج عن الجماعة ببدعة أو بغي أو ~~غيرهما، والخوارج إذا قاتلوا وأفسدوا، ويرد ms1810 الصائل، فإنه يجوز قتله دفعا ~~إلا أنه يقال: إنه مندرج تحت قوله: "التارك لدينه المفارق للجماعة". أو ~~المراد في هؤلاء أنه يجوز قتلهم قصدا، وهو لا يقتل قصدا، وقتله دفعا. # وقوله: "يشهد أن لا إله إلا الله". تفسير لقوله: "مسلم". # وقوله: "الثيب الزاني". وقع في نسخ مسلم "الزان" بحذف الياء وهي لغة ~~صحيحة، قرئ بها في السبع في قوله تعالى: {الكبير المتعال} (¬1). وفي غيره، ~~والأشهر في اللغة إتيان الياء في كل هذا. # 962 - وعن عائشة رضي الله عنها عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لا يحل قتل مسلم إلا بإحدى ثلاث خصال؛ زان محصن فيرجم، أو رجل يقتل (ب) ~~مسلما متعمدا فيقتل، ورجل يخرج من الإسلام، فيحارب الله PageV08P358 # ورسوله؛ فيقتل، أو يصلب، أو ينفى من الأرض". رواه أبو داود والنسائي ~~وصححه الحاكم (¬1). # الحديث، الكلام فيه تقدم في الذي قبله. # وفي قوله: "يخرج من الإسلام". يكون استثناؤه مما قبله لشموله له، باعتبار ~~ما كان عليه، وإلا فقد صار غير مسلم في الحال بعد خروجه من الإسلام. # 963 - وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء". متفق عليه (¬2). # الحديث فيه دلالة على تعظيم الذنب الكائن بسبب [دم] (أ) ابن آدم، فإن ~~البداية إنما تكون بالأهم، وذلك لأن الذنب يعظم بعظم المفسدة وتفويت ~~المصلحة، وإعدام البنية الإنسانية غاية في ذلك، وقد ورد في التغليظ في ذلك. ~~النص في كتاب الله سبحانه وتعالى، وأحاديث صحيحة، وأخبار (ب) شهيرة. # و"أول" مضاف إلى "ما" الموصولة، والعائد محذوف، والتقدير: يقضى فيه. ~~ويجوز أن تكون "ما" مصدرية، والمعنى: أول قضاء يكون في PageV08P359 # الدماء. ويجوز أن يكون المصدر بمعنى اسم المفعول، أي أول مقضى يكون في ~~الدماء. و "في الدماء" خبر على كل تقدير. # ولا يعارض الحديث حديث: "أول ما يحاسب العبد عليه صلاته". أخرجه أصحاب ~~"السنن" من حديث أبي هريرة (¬1). لأن الأول محمول على ما يتعلق بمعاملات ~~الخلق، والثاني ms1811 فيما يتعلق بعبادة الخالق (أ)، وقد جمع النسائي (¬2) في ~~روايته في حديث ابن مسعود ولفظه: "أول ما يحاسب العبد عليه صلاته، وأول ما ~~يقضى بين الناس في الدماء". وحديث علي (¬3): أنا أول من يجثو للخصومة يوم ~~القيامة. يعني هو ورفيقاه حمزة وعبيدة، وخصومهم عتبة وشيبة ابنا ربيعة ~~والوليد بن [عتبة] (ب)، مندرج في ذلك، وفي حديث الصور عن أبي هريرة: "أول ~~ما يقضى بين الناس في الدماء، ويأتي كل قتيل قد حمل رأسه، فيقول: يا رب، سل ~~هذا فيم قتلني" الحديث (¬4). وفي حديث نافع بن جبير عن ابن عباس يرفعه: ~~"يأتي المقتول معلق رأسه بإحدى يديه، ملبيا قاتله بيده الأخرى، تشخب أوداجه ~~دما، PageV08P360 # حتى يقفا بين يدي الله" (¬1) الحديث. هذا في الدماء، والقضاء في الأموال ~~في حديث ابن عمر رفعه: "من مات وعليه دينار أو درهم، قضي من حسناته". أخرجه ~~ابن ماجه (¬2). وقد استشكل إعطاء الثواب، وهو لا يتناه في مقابلة العقاب ~~وهو متناه، وأجيب بأنه محمول على أنه يعطي من أجر حسناته ما يوازي عقوبة ~~سيئاته من غير المضاعفة التي يضاعف بها الله سبحانه وتعالى الحسنات؛ لأن ~~ذلك من محض الفضل الذي يخص الله به من يشاء من عباده. كذا قاله البيهقي ~~(¬3). وهذا لا يستقيم إلا على أصول أهل السنة، ولا يناسب أصول العدلية ~~المعتزلة. والله سبحانه أعلم. # 964 - وعن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه". رواه أحمد والأربعة، و [حسنه] ~~(أ) الترمذي (¬4). # وهو من رواية الحسن البصري، عن سمرة، وقد اختلف في سماعه PageV08P361 # منه (أ). وفي رواية أبي داود والنسائي: "ومن خصى عبده خصيناه". وصحح ~~الحاكم (¬1) هذه الزيادة. # الحديث ضعفه يحيى بن معين (¬2)، وقال: إن الحسن لم يسمع من سمرة شيئا، هو ~~كتاب. وقال في [الحديث] (ب): ذاك في سماع البغداديين، ولم يسمع الحسن من ~~سمرة. وذهب بعضهم إلى أنه لم يسمع منه غير حديث العقيقة (¬3). وأما علي بن ~~المديني فكان يثبت سماع الحسن ms1812 من سمرة (¬4). وقال قتادة [راويه] (ج) عن ~~الحسن: ثم إن الحسن نسي هذا الحديث، وقال: "لا يقتل حر بعبد" (¬5). ولكن ~~يقال: يحتمل أن الحسن لم ينسه، وإنما لم يعمل به لضعفه (¬6). # والحديث فيه دلالة على أن السيد يقاد بالعبد في النفس والأطراف، ويقاس ~~عليه إذا كان القاتل غير السيد بقياس الأولى، وقد ذهب إلى هذا إبراهيم ~~النخعي (د)، وهو متأيد بعموم قوله تعالى: PageV08P362 # {النفس بالنفس} الآية (¬1). وذهب أبو حنيفة وصاحباه إلى أنه يقتل الحر ~~بالعبد إذا كان القاتل غير السيد؛ لعموم الآية الكريمة وتخصيص السيد ~~بأحاديث المثلة الآتية (أ)، ولم يثبت القود. وذهب العترة جميعا، والشافعي، ~~ومالك، وأحمد، وأبو ثور، إلى أنه لا يقاد الحر بالعبد مطلقا؛ وذلك لما يفهم ~~من دليل الخطاب من قوله تعالى: {الحر بالحر} (¬2). فهو يحتمل أن يكون ~~معناه: أن الحر لا يقتل بغير الحر، لما يستفاد من تعريف المبتدأ من القصر، ~~وحديث سمرة ضعيف أو منسوخ، أو خرج مخرج التحذير من وقوع مثل ذلك، وقد يحتج ~~لنسخه بما أخرجه البيهقي (¬3) من حديث عمر: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا يقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده". أخرجه في قصة من مثل ~~بأمته. قال أبو صالح (3): وقال الليث: وهذا القول معمول به. وأخرجه من طريق ~~أخرى (3)، وفي الطريقين عمر بن عيسى (ب) (¬4)، PageV08P363 # ويذكر عن البخاري (¬1) أنه منكر الحديث. وأخرج من حديث عبد الله بن عمرو ~~(¬2) في قصة زنباع لما جب عبده وجدع أنفه، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من مثل بعبده أو حرق بالنار، فهو حر، وهو مولى الله ورسوله". ~~فأعتقه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يقتص من (أ) سيده. وفيه ~~المثنى بن الصباح (¬3) وهو ضعيف لا يحتج به. # ورواه الحجاج بن أرطاة من طريق أخرى (2)، ولا يحتج به، ورواه سوار أبو ~~(ب) حمزة (¬4)، وهو ليس [بالقوي] (ج). # وأخرج أيضا (2) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رجلا قتل عبده ~~متعمدا، فجلده النبي - صلى الله عليه ms1813 وسلم - مائة جلدة، ونفاه سنة، ومحا ~~سهمه من المسلمين ولم يقده به وأمره أن يعتق رقبة، وأخرج (2) أيضا عن علي ~~رضي الله عنه قال: أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برجل قتل عبده ~~متعمدا، فجلده رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مائة، ونفاه سنة، ومحا ~~سهمه من المسلمين، ولم يقده به. PageV08P364 # وفي (أ) طريقه إسماعيل بن عياش، لكن رواه عن الأوزاعي (¬1)، وروايته عن ~~الشاميين قوية، لكن من دونه محمد بن عبد العزيز الشامي (¬2)، قال فيه أبو ~~حاتم (¬3): لم يكن عندهم بالمحمود، وعنده غرائب. ورواه ابن عدي من حديث عمر ~~مرفوعا (¬4)، وفيه عمر بن عيسى الأسلمي، وهو منكر الحديث. # وأخرج (¬5) أيضا عن عمرو بن شعيب، أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا ~~يقولان: لا يقتل المؤمن بعبده، ولكن يضرب، ويطال حبسه، ويحرم سهمه. قال ~~(5): وأسانيد هذه الأحاديث ضعيفة، لا تقوم بشيء منها الحجة، إلا أن أكثر ~~أهل العلم على ألا يقتل الرجل بعبده، وقد رويناه عن سليمان بن يسار والشعبي ~~والزهري وغيرهم. # وأخرج ابن أبي شيبة (¬6)، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن PageV08P365 # أبا بكر وعمر رضي الله عنهما كانا لا يقتلان الحر بقتل العبد. وأخرج ~~البيهقي (¬1) عن علي رضي الله عنه: من السنة ألا يقتل حر بعبد. وفي إسناده ~~جابر الجعفي (¬2). # وأخرج (¬3) عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يقتل ~~حر بعبد". قال: وفي إسناده ضعف. ضعفه بجويبر (¬4) وغيره من المتروكين. # وأخرج (3) عن قتادة، عن الحسن قال: لا يقاد الحر بالعبد. # وأخرج (3) عن أبي جعفر، عن بكير، أن السنة مضت (أ) بألا يقتل الحر المسلم ~~بالعبد، وإن قتله عمدا، وعليه العقل. # وأخرج (3) عن ابن شهاب أنه قال: لا قود بين الحر والعبد في شيء، إلا أن ~~العبد إذا قتل الحر عمدا قتل به. قال (3): وروينا عن ابن جريج عن عطاء مثله. # فهذه الأحاديث وإن كان فيها ضعف فبعضها يقوي بعضا، فيمكن أن يدعى التخصيص ~~بها لعموم قوله تعالى: {النفس PageV08P366 # بالنفس} (¬1). وتأيدها بمفهوم ms1814 قوله: {الحر بالحر} (¬2). وأما قتل العبد ~~بالحر فإجماع. # 965 - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "لا يقاد الوالد بالولد". رواه أحمد والترمذي وابن ماجه، ~~وصححه ابن الجارود والبيهقي (¬3). وقال الترمذي: إنه مضطرب. # الحديث، في إسناد الترمذي الحجاج بن أرطاة، وطريق أحمد والدارقطني ~~والبيهقي أيضا أصح منها، وقد ذكر البيهقي قصة المدلجي (¬4) الذي حذف ابنه ~~بالسيف حتى نزف الدم منه ومات، وصحح البيهقي سنده، لأن رواته ثقات. ورواه ~~الترمذي من حديث سراقة (¬5)، وإسناده ضعيف، وفيه اضطراب واختلاف على عمرو ~~بن شعيب عن أبيه عن جده؛ فقيل: عن عمرو (أ). وقيل: عن سراقة. PageV08P367 # وقيل: بلا واسطة. وهي عند أحمد (¬1)، وفيها [ابن لهيعة، ورواه الترمذي ~~أيضا وابن ماجه (¬2) من حديث ابن عباس وفي إسناده] (أ) إسماعيل بن مسلم ~~المكي (¬3) وهو ضعيف، لكن تابعه (ب) [عبيد الله بن الحسن] (ج) العنبري عن ~~عمرو بن دينار. قاله البيهقي (¬4). وقال عبد الحق (¬5): هذه الأحاديث كلها ~~معلولة، لا يصح منها شيء. وقال الشافعي (¬6): حفظت عن عدد (د) من أهل العلم ~~لقيتهم، ألا يقتل الوالد بالولد، وبذلك أقول. قال البيهقي (¬7): طرق هذا ~~الحديث منقطعة. وأكده الشافعي بأن عددا من أهل العلم يقولون به. # والحديث فيه دلالة على أن الوالد لا يقاد بابنه إذا قتله عمدا، سواء كان PageV08P368 # بالذبح أو بغيره، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من الصحابة؛ علي، وعمر، ~~وعثمان، وغيرهم، والحنفية، والشافعية، وأحمد، وإسحاق، والعترة جميعا. وذهب ~~مالك إلى أنه يقاد بالولد إذا أضجعه وذبحه. قال: لأن ذلك عمد (أ) حقيقة لا ~~يحتمل غيره. وأما إذا كان على غير هذه الصفة مما كان يحتمل عدم تعمد إزهاق ~~الروح وقضد التأديب من الأب، وإن كان في حق غيره يحكم فيه بالعمد، وذللث ~~كما روي في قصة المدلجي الذي حذف ابنه بالسيف، وإنما فرق بين الأب وغيره، ~~وذللث لأن الأب لما (ب) له من الشفقة على ابنه، وغلبة قصد التأديب عند فعله ~~ما يغضب الأب -فيحمل (¬1) على عدم قصد ms1815 القتل كما في قصة المدلجي، فإنه لما ~~أغضب الولد والده حذفه بالسيف، بخلاف غيره من سائر الناس، فإن الظاهر في ~~مثل استعمال الجارح في المقتل (ج) هو قصد العمد، والعمدية أمر خفي لا يحكم ~~بإثباتها إلا بما يظهر من قرائن الأحوال، والفرق هذا حسن، إلا أن الجمهور ~~عللوا الحكم في حق الأب لثبوت حقه على الابن، وقالوا: إن الأب سبب في وجود ~~الولد، فلا يكون الولد سببا في إعدامه، فيبقى الدليل على عمومه، ألا يقاد ~~الوالد بالولد، واستشهاد عمر بالحديث على قصة المدلجي لا يكون مخصصا ~~لعمومه، بل هي مندرجة من PageV08P369 # جملة أفراده. وذهب [البتي] (أ) إلى أنه يجب القود؛ لعموم: {النفس بالنفس} ~~(¬1) وغيرها. ويجاب بأن العموم مخصوص، ولعله لم يثبت عنده الخبر، وقد عرفت ~~ما فيه، فبقي عنده العموم سالما من التخصيص، ويلزمه الدية كما في قصة ~~المدلجي، فإن عمر قال له: اعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم ~~عليك. فلما قدم عليه عمر أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة وثلاثين جذعة وأربعين ~~خلفة، ثم قال: أين أخو المقتول؟ فقال: هأنذا. قال: خذها، فإن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "ليس لقاتل شيء". # ولا يرث من الدية إجماعا ولا من غيرها أيضا عند الجمهور، وذهب بعض أصحاب ~~الشافعي وفقهاء البصرة إلى أنه يرث من المال دون الدية لآيات المواريث -قال ~~الإمام المهدي في "البحر": لنا عموم الخبر، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا يرث القاتل" (¬2). # ولا كفارة عليه لعمده عند زيد بن علي، والهادي، والناصر - وأبو حنيفة ~~وأصحابه، وأحد قولي الشافعي. # وذهب مالك، وأحد قولي الشافعي، والقاسم، إلى وجوب الكفارة لسقوط القود ~~كالخطأ، والجد من قبل الأب أو من قبل الأم كالأب في سقوط القود، وذهب بعض ~~أصحاب الشافعي والحسن بن صالح إلى أنه يقاد PageV08P370 # ممن عدا الأب كالأم والجد، قال في "البحر": (أمخالف للإجماع أ)؛ إذ يعمهم ~~لفظ الوالد. # 966 - وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: قلت لعلي رضي الله عنه: هل عندكم ms1816 ~~شيء من الوحي غير القرآن؟ قال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إلا فهم ~~يعطيه الله رجلا في القرآن، وما في هذه الصحيفة. قلت: وما في هذه الصحيفة؟ ~~قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل مسلم بكافر. رواه البخاري (¬1). # وأخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي (¬2)، من وجه آخر عن علي وقال فيه: ~~"المؤمنون تتكافأ دماؤهم، ويسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم، ولا ~~يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده". وصححه الحاكم (¬3). # قوله: هل عندكم؟ الخطاب لعلي رضي الله عنه، والجمع إما [لتعليته] (ب) على ~~غيره من أهل البيت، وإن كانوا غائبين، أو للتعظيم، وقد جاء مثل هذا في قوله ~~(¬4): PageV08P371 # *ولو شئت حرمت النساء سواكم* # وقوله: شيء من الوحي. قد جاء هذا في البخاري بألفاظ؛ في باب العلم (¬1): ~~هل عندكم كتاب؟ قال: لا. وفي الجهاد (¬2): هل عندكم شيء من الوحي؟ وفي ~~الديات (¬3): هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ وفي "مسند إسحاق بن راهويه" ~~(¬4): هل علمت شيئا من الوحي؟ # قال المصنف رحمه الله تعالى (¬5): وإنما مسألة أبو جحيفة عن ذلك؛ لأن ~~جماعة من الشيعة كانوا يزعمون لأهل البيت، لا سيما علي، اختصاصا بشيء من ~~الوحي لم يطلع عليه غيرهم، وقد سأل عليا رضي الله عنه عن هذه المسألة أيضا ~~قيس بن عباد (أ)، بضم العين المهملة وتخفيف الموحدة، والأشتر النخعي (¬6). # وقوله: [لا] (ب). رد لمن يعتقد اختصاصه بشيء من الوحي، والظاهر PageV08P372 # أن المسئول [عنه] (أ) هو ما يتعلق بالأحكام الشرعية من الوحي الشامل ~~لكتاب الله العجز، ولسنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإن الله سبحانه ~~وتعالى سماها وحيا، [إذ] (ب) فسر قوله: {وما ينطق عن الهوى (3)} (¬1). بما ~~هو أعم من القرآن، ويدل عليه قوله: وما في هذه الصحيفة. ويؤيده أيضا ما ~~أخرجه أحمد والبيهقي في "الدلائل" (¬2)، أن عليا كان يأمر بالأمر، فيقال: ~~قد فعلناه. فيقول: صدق الله ورسوله. فقال له الأشتر: هذا الذي تقول، هو شيء ~~عهده إليك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة من دون الناس؟ فذكره ~~بطوله. ms1817 فلا يلزم منه نفي ما ينسب إلى علي رضي الله عنه من علم الجفر (¬3) ~~وغيره، أو (ج) أن يقال: إنه مندرج في قوله: إلا فهم يعطيه الله رجلا في ~~القرآن. فإنه كما ينسب إلى كثير مما فتح الله عليه بأنواع العلوم، ونور ~~بصيرته، يستنبط ذلك من القرآن. PageV08P373 # وقوله: إلا فهم. استثناء من لفظ شيء، ويكون مرفوعا على البدلية، ويجوز ~~نصبه على الاستثناء، والفهم بمعنى المفهوم، وهو المأخوذ من فحوى لفظ ~~القرآن، أو من معناه، إما بالقياس أو بغيره، فيكون الاستثناء متصلا، وإن ~~كان بمعناه المصدري كان البدلية على مذهب بني تميم في المنقطع، ويكون ~~المعنى أن من أعطاه الله الفهم كان عنده الزيادة، ويكون علي رضي الله عنه ~~مندرجا في ذلك اندراجا أوليا لتحقق الفهم عنده، واشتهاره [بمعرفة ما] (أ) ~~خفي ودق من الأحكام وغيرها. # وقوله: وما في هذه الصحيفة. أي الورقة المكتوبة. وللنسائي (¬1) من طريق ~~الأشتر: فأخرج كتابا من قراب سيفه. # وقوله: العقل. أي الدية، وإنما سميت الدية عقلا، لأنهم كانوا يعطون فيها ~~الإبل، ويربطونها بفناء دار المقتول بالعقال، وهو الحبل، ووقع في رواية ابن ~~ماجه (¬2) بدل العقل الديات. والمراد أحكامها ومقاديرها وأصنافها. # وقوله: فكاك. بكسر الفاء وفتحها، وقال الفراء: الفتح أفصح. والمعنى أن ~~فيها حكم تخليص الأسير من يد العدو، والترغيب في ذلك. # وقوله: ولا يقتل مسلم. بنصب "يقتل" لعطفه على الاسم وهو فكاك، أو العقل، ~~يعني أنه مكتوب حكم تحريم قتل المسلم بالكافر في PageV08P374 # الصحيفة مع هذه الأمور، وقد جاء في رواية البخاري ومسلم (¬1): قال: ما ~~عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله وهذه الصحيفة. فإذا فيها: "المدينة حرم". ~~ولمسلم (¬2): وأخرج صحيفة [مكتوب] (أ) فيها: "لعن الله من ذبح لغير الله". ~~الحديث. ولأحمد (¬3): فيها فرائض الصدقة. والجمع بين هذه الأحاديث، أن ~~الصحيفة واحدة وروى كل ما حفظه منها (ب)، وهو يدل على أنه لا يقتل المسلم ~~بالكافر قودا، وقد ذهب إلى هذا الجمهور. وذهبت الحنفية إلى أنه يقتل المسلم ~~بالذمي إذا قتله بغير استحقاق ولا يقتل بالمستأمن. والشعبي ms1818 والنخعي: يقتل ~~باليهودي والنصراني دون المجوسي. واحتجوا بقوله: "ولا ذو عهد في عهده". فإن ~~هذا اللفظ ظاهره أنه معطوف على قوله: مؤمن. فلا بد من تقدير في الثاني، كما ~~في الطرف الأول، فيقدر: ولا ذو عهد في عهده بكافر. ولابد من تقييد الكافر ~~في المعطوف بلفظ الحربي، لأن الذمي يقتل بالذمي ويقتل بالمسلم، وإذا كان ~~التقييد لا بد منه في المعطوف، وهو مطابق للمعطوف عليه، فلا بد من تقدير ~~مثل ذلك في المعطوف عليه، فيكون التقدير: لا يقتل مؤمن بكافر حربي. ومفهوم ~~حربي أنه يقتل بالذمي بدليل مفهوم المخالفة، و (ج) إن كانت الحنفية PageV08P375 # لا تعمل بالمفهوم، فالظاهر أنهم يقولون: الحديث يدل على أنه لا يقتل ~~بالحربي صريحا، وأما قتله بالذمي فبعموم قوله تعالى: {النفس بالنفس} (¬1). ~~ولما (أ) رواه عبد الرحمن [بن البيلماني] (ب)، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قتل مسلما بمعاهد، وقال: "أنا أكرم من وفى بذمته". أخرجه ~~البيهقي (¬2). فهذا الحديث مرسل، وقد جاء في رواية عمار بن مطر: عن ابن ~~البيلماني، عن ابن عمر مرفوعا. قال البيهقي: وهو خطأ من وجهين، أحدهما: ~~وصله بذكر ابن عمر. والآخر: أنه رواه عن إبراهيم، عن ربيعة، وإنما يرويه ~~إبراهيم عن ابن المنكدر، والحمل فيه على عمار بن مطر الرهاوي (¬3)، فقد كان ~~يقلب الأسانيد، ويسرق (ج) الأحاديث، حتى كثر ذلك في رواياته، وسقط (د) عن ~~حد الاحتجاج به. قال الدارقطني (¬4): ابن البيلماني (¬5) ضعيف لا تقوم به ~~حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما PageV08P376 # يرسله؟ وقال أبو عبيد القاسم بن سلام (¬1): هذا حديث ليس بمسند، ولا يجعل ~~مثله إماما تسفك به دماء السلمين. قال: [وقد أخبرني عبد الرحمن بن مهدي، عن ~~عبد الواحد بن زياد، قال] (¬2): قلت لزفر: إنكم تقولون: إنا ندرأ الحد ~~بالشبهات. وإنكم جئتم إلى أعظم الشبهات فأقدمتم عليها. قال: وما هو؟ قال: ~~قلت: المسلم يقتل بالكافر. قال: فاشهد أنت على رجوعي عن هذا. قال: وكذلك ~~قول أهل الحجاز لا يقيدونه به. # وأما قوله: "ولا ذو عهد في عهده". فإن ms1819 ذا العهد الرجل من أهل دار الحرب، ~~يدخل إلينا بأمان، فقتله محرم على السلمين حتى يرجع إلى مأمنه، وأصل هذا من ~~قوله تعالى: {وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم ~~أبلغه مأمنه} (¬3). وقال علي بن المديني (¬4): حديث ابن البيلماني هذا إنما ~~يدور على إبراهيم بن أبي يحيى (¬5) ليس له وجه حجاج، إنما أخذه عنه. وهذا ~~غير مسلم، وقد أخرجه أبو داود في "المراسيل" (¬6)، PageV08P377 # والطحاوي (¬1)، من طريق سليمان بن بلال، عن ربيعة، عن ابن البيلماني. # وذكر الشافعي في "الأم" (¬2) كلاما حاصله أن حديث ابن البيلماني كان في ~~قصة المستأمن الذي قتله عمرو بن أمية. قال: فعلى هذا لو ثبت لكان منسوخا؛ ~~لأن حديث: "لا يقتل مسلم بكافر". خطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~الفتح -كما في رواية عمرو بن شعيب (¬3) - وقضية عمرو بن أمية متقدمة على ~~ذلك بزمان. وخطبة يوم الفتح كانت بسبب [القتيل الذي قتلته] (أ) خزاعة وكان ~~له عهد، فخطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "لو قتلت مؤمنا (ب) بكافر ~~لقتلته (ج) به" (¬4). وقال: "لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده" ~~(¬5). فأشار بحكم الأول إلى ترك اقتصاصه من الخزاعي بالمعاهد الذي قتله، ~~وبالحكم (د) الثاني إلى النهي عن الإقدام على ما فعله (ه) PageV08P378 # القاتل المذكور، والله أعلم. # وقد يؤيد القول بعدم الاقتصاص بقصة اليهودي الذي لطمه المسلم لما قال: لا ~~والله الذي اصطفى موسى على البشر. فلطمه المسلم، فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يثبت له الاقتصاص (¬1)، وهو حجة على الكوفيين الذين يثبتون ~~الاقتصاص باللطمة، وأما من لا يثبت الاقتصاص باللطمة فلا يستقيم التأييد ~~عنه. وذهب مالك والليث إلى أنه يقتل المسلم بالذمي إذا قتله غيلة، و (أ) ~~والغيلة أن يضجعه فيذبحه. وقد يستأنس لهذا القول بما روى عمرو بن دينار ~~(¬2)، أن عمر رضي الله عنه كتب في مسلم قتل نصرانيا: إن كان القاتل قتالا ~~فاقتلوه، وإن كان غير قتال فذروه ولا تقتلوه. وأخرج البيهقي (¬3)، عن ~~سفيان، عن عمرو ms1820 بن دينار، عن شيخ قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ~~مسلم قتل معاهدا، فكتب: إن كانت طيرة في غضب فأغرم أربعة آلاف، وإن كان لصا ~~عاديا فاقتله. وأخرج (3) عن عمرو بن دينار، عن القاسم بن أبي بزة، أن رجلا ~~مسلما قتل رجلا من أهل الذمة بالشام، فرفع إلى أبي عبيدة بن الجراح، فكتب ~~فيه إلى عمر، فكتب عمر: إن كان ذلك منه خلقا فقدمه فاضرب عنقه، وإن كانت هي ~~طيرة طارها فأغرمه ديته أربعة آلاف. فهذا يدل على أن معتاد القتل يقتل، وما ~~قال مالك في القاتل غيلة PageV08P379 # كذلك (أ)، وهو يفهم من التعليل بقوله: [إن] (ب) كانت طيرة في غضب. ~~فالقاتل غيلة لم يكن طيرة في غضب، وكذا المضجع له الذابح لم يكن طيرة في ~~غضب، وقد عمل بهذا الهادي فيمن اعتاد قتل عبيده، أنه يقتل، وكذا في حق الأب ~~إذا قتل ابنه وكان له عادة، ولكن قال الشافعي (¬1): قلنا: ولا يعمل بحرف من ~~هذا؛ لأن هذه الأحاديث منقطعات أو ضعاف، أو تجمع الانقطاع والضعف جميعا، ~~وقد أخرج الطبراني عن الحسن بن ميمون (¬2) عن عبد (ج) الله بن عبد الله ~~مولى بني هاشم، عن أبي الجنوب الأسدي قال: أتي علي بن طالب برجل من ~~المسلمين قتل رجلا من أهل الذمة. قال: فقامت عليه البينة، فأمر بقتله، فجاء ~~أخوه، فقال: إني قد عفوت. قال: فلعلهم هددوك وفرقوك وقرعوك (د)؟ قال: لا، ~~ولكن قتله لا يرد علي أخي، وعوضوني ورضيت. قال: أنت أعلم، من كان له ذمتنا، ~~فدمه كدمنا، وديته كديتنا. كذا قال: حسن. في رواية أبان. وفي رواية غيره: ~~حسين بن ميمون (¬3). وفي إسناده أبو الجنوب (¬4)، قال الدارقطني (¬5): هو ~~ضعيف PageV08P380 # الحديث. قال الشافعي في القديم (¬1): وفي حديث أبي جحيفة عن علي رضي الله ~~عنه: ما دلكم أن عليا (أ) يروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا ويقول ~~بخلافه؟ انتهى. # وقوله: "تتكافأ دماؤهم". أي تتساوى في القصاص والديات. والكفء: النظير ~~والمساوي. ومنه الكفاءة في النكاح؛ وهو أن ms1821 يكون الزوج مساويا للمرأة في ~~حسبها ودينها ونسبها وبيتها، وغير ذلك، والمراد أنه لا فرق بين الشريف ~~والوضيع في الدم، وهو على خلاف ما كان عليه الجاهلية من المفاضلة وعدم ~~المساواة. # وقوله: "يسعى بذمتهم أدناهم". يعني أنه (ب) إذا أمن المسلم حربيا، كان ~~أمانه أمانا من جميع المسلمين، ولو كان ذلك المسلم امرأة، بشرط أن يكون ~~المؤمن مكلفا، فإنه يكون أمانا من الجميع، فلا يجوز نكث ذلك. # وقوله: "وهم يد على من سواهم". أي هم مجتمعون على أعدائهم، لا يسعهم ~~التخاذل، بل يعاون (ج) بعضهم بعضا على جميع الأديان والملل، كأنه جعل ~~أيديهم يدا واحدة، وفعلهم فعلا واحدا. # 967 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن جارية وجد رأسها قد رض بين ~~حجرين، فسألوها: من صنع بك هذا؟ فلان؟ فلان؟ حتى PageV08P381 # ذكروا (أ) يهوديا، فأومأت برأسها، فأخذوا اليهودي فأقر، فأمر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن يرض رأسه بين حجرين. متفق عليه (¬1)، واللفظ لمسلم. # الحديث فيه دلالة على أن القتل بالمثقل (5) يوجب القصاص كالقتل بالمحدد ~~(ج)، وقد ذهب إليه العترة، والشافعي، ومالك، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف، ~~وغيرهم؛ لظاهر (د) الحديث، والمعنى المناسب ظاهر قوي لصيانة الدماء من ~~الإهدار، ولأن القتل بالمثقل (ب) كالقتل (ه) بالمحدد في إزهاق الروح، فلو ~~لم يجب القصاص أدى ذلك إلى أن يتخذ ذريعة إلى إهدار القصاص، وفات الغرض ~~المقصود من إثبات القصاص، وهو الحياة التي قال فيها سبحانه وتعالى: {ولكم ~~في القصاص حياة} (¬2). وذهب أبو حنيفة، والشعبي، والنخعي، إلى أنه لا قصاص ~~في المثقل، واحتج بحديث النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش (و) " (¬3). وفي لفظ آخر ~~برواية أخرى (¬4) عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: PageV08P382 # "إن لكل شيء خطأ إلا السيف -يعني الحديدة- ولكل خطأ أرش". وفي رواية أخرى ~~عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "كل شيء سوى الحديدة خطأ، ~~ولكل خطأ أرش". أخرجه البيهقي (¬1). ومدار ms1822 هذا الحديث على جابر الجعفي ~~(¬2)، وقيس بن الربيع (¬3)، ولا يحتج بهما، ويعتذر عن هذا الحديث بأنه حصل ~~من الرضخ الجرح، والأصح من مذهبه أنه يوجب القصاص، أو أن اليهودي كان عادته ~~قتل الصبيان، فهو من الساعين في الأرض فسادا، ويجاب عنه بأن الحديث المذكور ~~قد عرف ضعفه، وهذا الحديث صحيح لا يقاومه ذلك، وما ذكر من الاعتذارات خلاف ~~الظاهر، مع أن أبا حنيفة لا يقف على مفاد الحديث، فإنه يثبت القتل بالمحدد؛ ~~من حديد أو حجر أو خشب، أو كان معروفا بقتل الناس [بالمنجنيق] (أ) أو ~~بالإلقاء في النار، واختلفت الرواية عنه في مثقل الحديد كالدبوس (¬4)، وأما ~~إذا كانت الجناية بما لا يقصد به القتل غالبا وتعمد القتل به كالعصا والسوط ~~واللطمة و [القضيب] (ب) والبندقة ونحوها؛ فقال مالك والليث والهدوية: يجب PageV08P383 # فيها القود. وقال الشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق ~~وأبو ثور وجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم: لا قصاص فيه، ~~وهو شبه العمد، وفيه الدية؛ مائة من الإبل مغلظة، منها أربعون خلفة (¬1) في ~~بطونها أولادها. أخرجه الشافعي (¬2) عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال ~~ابن أبي ليلى (¬3): إن قتل بالحجر أو العصا؛ فإن كرر ذلك فهو عمد، وإلا ~~فخطأ. وقال عطاء وطاوس (3): شرط العمد أن يكون بسلاح. # وقوله: قد رض رأسهما بين حجرين. وفي رواية لمسلم (¬4): فقتلها بحجر فجيء ~~بها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وبها رمق. وفي رواية (¬5): قتل جارية ~~من الأنصار على حلي لها، ثم ألقاها في قليب، ورضخ رأسها بالحجارة، فأمر به ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرجم حتى يموت، فرجم حتى مات. والجمع بين ~~الروايات، وهو أنه إذا وضع رأسها على حجر ورمى بحجر آخر فقد رجم، وقد رض، ~~وقد رضخ، وقيل: يحتمل أنه رجمها الرجم المعروف مع الرضخ؛ لقوله: ثم ألقاها ~~في قليب. ويدل الحديث على أن الرجل يقتل بالمرأة، ويقتص منه أيضا فيما دون ~~النفس، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وظاهر قول البخاري أنه إجماع؛ لأنه قال ~~(¬6): وقال ms1823 أهل العلم: يقتل الرجل بالمرأة. وحكى ابن PageV08P384 # المنذر (¬1) الإجماع على ذلك، وحكى القاضي أبو الوليد الباجي في ~~"المنتقى" (¬2) عن الحسن البصري أنه لا يقتل الذكر بالأنثى، وحكاه الخطابي ~~في "معالم السنن" (¬3)، ودليله مفهوم قوله تعالى: {والأنثى بالأنثى} (¬4). ~~ويرد عليه بقوله تعالى: {النفس بالنفس} (¬5). وإن كان ذلك لا يستقيم إلا ~~على القول بأن شرع من قبلنا يلزمنا ما لم ينسخ، وبالحديث المذكور، ويتأيد ~~ذلك بالإجماع المذكور، أو بأنه قول الأكثر والمخالف نادر، وقد أخرج البيهقي ~~(¬6)، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه قال: كان من أدركت من فقهائنا ~~الذين ينتهى إلى قولهم؛ منهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن ~~محمد، وأبو بكر بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد ~~الله بن عتبة، وسليمان بن يسار في مشيخة جلة سواهم من نظرائهم أهل فقه ~~وفضل، وربما اختلفوا في الشيء، فأخذنا بقول أكثرهم وأفضلهم رأيا، وكان الذي ~~وعيت عنهم على هذه القصة، أنهم يقولون: المرأة تقاد من الرجل عينا بعين، ~~وأذنا بأذن، وكل شيء من الجراح على ذلك، وإن قتلها قتل بها. ورويناه عن ~~الزهري وغيره. وروى سفيان الثوري عن المغيرة عن إبراهيم قال: القصاص بين ~~الرجل والمرأة في العمد. وعن جابر عن الشعبي مثله، وعن جعفر بن برقان عن ~~عمر بن PageV08P385 # عبد العزيز مثله، قال البيهقي (¬1): وروينا عن الشعبي وإبراهيم بخلافه ~~فيما دون النفس. وذهب القاسم والهادي والناصر وأبو طالب، ورواه ابن المنذر ~~(¬2) عن علي رضي الله عنه بسند فيه انقطاع، وروي عنه مثل قول الجمهور، ~~ورواه أيضا عن عثمان البتي - إلى أن يقاد الرجل بالمرأة ويتوفى ورثته نصف ~~ديته، قالوا: لتفاوتهما في الدية، وقد قال تعالى: {والجروح قصاص} (¬3). ~~والقصاص المساواة، والجواب عنه بما تقدم من الحديث، والتأييد بما تقدم ولم ~~يذكر زيادة، والمساواة قد وقعت بالاقتصاص؛ لأن المراد المساواة في الجرح ~~ألا يزيد المقتص على ما وقع فيه من الجرح. # ويدل الحديث على أنه يكون القود بمثل ما قتل به، وقد ذهب إلى ms1824 هذا ~~الجمهور، وهو متأيد بقوله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} ~~(¬4). وبقوله تعالى: {فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم} (¬5). وبما رواه ~~البراء رضي الله عنه أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "من [عرض عرضنا] (أ) ~~له (¬6)، ومن حرق حرقناه، ومن غرق غرقناه". أخرجه البيهقي (¬7). وهذا فيما ~~كان PageV08P386 # السبب الذي قتل به يجوز فعله، وأما إذا كان لا يجوز فعله كمن قتل بالسحر، ~~فإنه لا يمكن فعله. واختلف مذهب أصحاب الشافعي فيما إذا قتل باللواط أو ~~بإيجار (¬1) الخمر، فمنهم من قال: يسقط اعتبار المماثلة للتحريم كما في ~~السحر. ومنهم من قال: يدس فيه خشبة، ويوجر الخل، وإذا اختار ولي الدم القتل ~~بالسيف كان له. إلا أن بعضهم استثنى من قتل بالخنق، فقال: لا يعدل إلى ~~السيف. وادعى أنه عدول إلى أشد، وأن الخنق يغيب الحس، فيكون أسهل، واختلف ~~فيمن قتل بعصا فاقتص بالضرب بالعصا فلم يمت، هل يكرر عليه؟ فقيل: يكرر. ~~وقيل: إن لم يمت قتل بالسيف. وكذا فيمن قتل بالتجويع. وذهبت العترة ~~والكوفيون منهم أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا يكون الاقتصاص إلا بالسيف، ~~واحتجوا بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا قود إلا بالسيف". وهو ضعيف ~~أخرجه البزار وابن عدي (¬2) من حديث أبي بكرة، وذكر البزار الاختلاف فيه مع ~~ضعف إسناده، وقال ابن عدي: طرقه كلها ضعيفة. وهو أيضا على خلاف قاعدة ~~الحنفية من أن آحادي السنة لا يخصص الكتاب ولا ينسخه، واحتجوا بالنهي عن ~~المثلة، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" (¬3). ~~ويجاب عنه بأنه مخصوص بما ذكر من [الاقتصاص] " (أ). # ويدل قوله: فأقر. على أن الإقرار في القتل يكفي مرة واحدة؛ إذ لا دلالة ~~على التكرير. PageV08P387 # 968 - وعن عمران بن حصين رضي الله عنه، أن غلاما لأناس فقراء قطع أذن ~~غلام لأناس أغنياء، فأتوا النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يجعل لهم شيئا. ~~رواه أحمد والثلاثة (¬1) بإسناد صحيح. # أخرجه أبو داود، قال: حدثنا أحمد بن حنبل، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: ~~حدثني أبي، ms1825 عن قتادة، عن أبي نضرة، عن عمران بن حصين. # الحديث فيه دلالة على عدم غرامة الفقير، إلا أنه قال البيهقي (¬2): إن ~~كان المراد بالغلام فيه المملوك فإجماع أهل العلم على أن جناية العبد في ~~رقبته، فهو يدل والله أعلم على أن الجناية كانت خطأ، وأن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إنما لم يجعل عليه شيئا؛ لأنه التزم أرش جنايته، فأعطاه من ~~عنده متبرعا بذلك، وقد حمله أبو سليمان الخطابي (¬3) رحمه الله على أن ~~الجاني كان حرا، [و] (أ) كانت الجناية خطأ، وكانت عاقلته فقراء، فلم يجعل ~~عليهم شيئا؛ إما لفقرهم، وإما لأنهم لا يعقلون الجناية الواقعة على العبد، ~~إن كان المجني عليه مملوكا. قال البيهقي: وقد يكون الجاني غلاما حرا غير ~~بالغ، وكاهما جنايته عمدا، فلم يجعل أرشها على عاقلته، وكان فقيرا فلم ~~يجعله في الحال عليه، PageV08P388 # أو رآه على عاقلته فوجدهم فقراء، فلم يجعله عليه لكون جنايته في حكم ~~الخطأ، ولا عليهم لكونهم فقراء. والله أعلم. انتهى. # وقول البيهقي: ولم يجعل أرشها على عاقلته. هذا هو مذهب الشافعي, أن عمد ~~الصغير يكون في ماله ولا تحمله العاقلة. وقوله: أو رآه على عاقلته. يعني مع ~~احتمال أنه خطأ، وهو اتفاق، أو مع احتمال أنه عمد كما ذهب إليه العترة وأبو ~~حنيفة ومالك. والله أعلم. # 969 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنهما، أن رجلا طعن رجلا ~~بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أقدني. فقال: ~~"حتى تبرأ". ثم جاء إليه فقال: أقدني. فأقاده، ثم جاء إليه فقال. يا رسول ~~الله، عرجت. فقال: "قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله وبطل عرجك". ثم نهى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقتص من جرح حتى يبرأ صاحبه. رواه أحمد ~~والدارقطني (¬1)، وأعل بالإرسال. # الحديث من رواية عمرو بن شعيب، والإعلال فيها بالإرسال قد دفع بأنه [لا ~~إرسال فيها] (أ)، وأن عمرو بن شعيب لقي جده. وأخرجه أبو بكر بن أبي شيبة ~~(¬2): ثنا ابن علية عن أيوب ms1826 عن عمرو بن دينار عن جابر. الحديث. وكذا أخرجه ~~عثمان بن أبي شيبة (2) بالإسناد، قال أبو الحسن الدارقطني PageV08P389 # الحافظ (¬1): أخطأ فيه ابنا أبي شيبة، وخالفهما أحمد بن حنبل وغيره فرووه ~~عن ابن علية عن أيوب عن عمرو مرسلا، وكذلك قال أصحاب عمرو بن دينار عنه وهو ~~المحفوظ مرسلا. وأخرج البيهقي (¬2) من حديث جابر بإسناد آخر، وقال: تفر به ~~عبد الله الأموي عن ابن جريج، وعنه يعقوب بن حميد. وأخرج (2) من حديث جابر ~~قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "تقاس الجراحات، ثم يستأنى بها سنة، ~~ثم يقضى فيها بقدر ما انتهت إليه". وفي إسناده ابن لهيعة (¬3)، وكذا رواه ~~جماعة من الضعفاء عن أبي الزبير عن جابر، ومن وجهين آخرين عن جابر، ولم يصح ~~شيء من ذلك (¬4)، وروي من وجه آخر عن ابن عباس (2). # الحديث فيه دلالة على أنه لا يقتص في الجراحات حتى يحصل البرء من ذلك ~~وتؤمن السراية، ولكنه غير واجب لتمكينه - صلى الله عليه وسلم - أن يقتص، ~~وقد ذهب إلى هذا الشافعي، وذهب العترة وأبو حنيفة ومالك إلى أنه يجب ~~الانتظار إلى أن يندمل الجرح وتؤمن السراية، قال الإمام المهدي في "البحر": ~~وهذا الحديث معارض بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اصبروا حتى يستقر الجرح" ~~الخبر. وهو أصرح ومطابق للقياس، ولعله خشي موت الجاني فعجل. انتهى. PageV08P390 # والخبر المذكور هو أن صفوان بن المعطل جرح حسان بن ثابت، فجاء رهطه من ~~الأنصار ليقتص لهم، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اصبروا حتى يستقر ~~الجرح، فإن اندمل أخذتم القصاص في الجرح، وإن صار نفسا أخذتم القصاص في ~~النفس" (¬1). ولا يخفى أن [الوجوب] (أ) لا يتم وأنه يكون محمولا على الندب ~~بقرينة التمكين من الاقتصاص في الحديث المذكور، فلا تتم المعارضة. وقوله: ~~ومطابق للقياس. لم يظهر ما قيس عليه. وقوله: ولعله خشي موته. لا يخفى ما ~~فيه من البعد، والله أعلم. # 970 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت ~~إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا ms1827 إلى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن دية جنينها ~~غرة؛ عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وورثها ولدها ومن معهم، ~~فقال حمل بن النابغة الهذلي: يا رسول الله، كيف نغرم من لا شرب ولا أكل، ~~ولا نطق ولا استهل؟ فمثل ذلك يطل. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إنما هذا من إخوان الكهان". من أجل سجعه الذي سجع. متفق عليه (¬2). # وأخرجه أبو داود والنسائي من حديث ابن عباس، أن عمر رضي الله عنه سأل من ~~شهد قضاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الجنين، قال: فقام حمل بن PageV08P391 # النابغة فقال: كنت بين [يدي] (أ) امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى. فذكره ~~مختصرا، وصححه ابن حبان والحاكم (¬1). # قولي: اقتتلت امرأتان. اسمهما مليكة بنت عويم، وأم عفيف بنت مسروح. فضربت ~~أم عفيف مليكة. كذا في رواية الطبراني (¬2)، وفي رواية ابن عباس: أم عطيف ~~(¬3). وبه جزم الخطيب في "المبهمات" (¬4)، وزاد بعض شراح "العمدة" (¬5): ~~وقيل: أم مكلف. وقيل: أم مليكة. # وقوله: من هذيل. في رواية الطبراني (¬6): أن (ب) إحداهما عامرية. وفي ~~رواية لمسلم (¬7): من بني لحيان. بكسر اللام وفتحها؛ بطن من هذيل. # وقوله: فرمت إحداهما الأخرى بحجر. زاد في رواية (¬8): فأصابت PageV08P392 # بطنها وهي حامل. وفي رواية أبي داود (¬1): فضربت إحداهما الأخرى بمسطح. ~~وعند مسلم (¬2) عن المغيرة بن شعبة: ضربت امرأة ضرتها بعمود فسطاط وهي ~~حبلى، فقتلتها. وفي رواية (¬3): فضربت الهذلية العامرية بعمود فسطاط أو ~~خباء. وفي حديث عويم (¬4): بمسطح بيتها. # وقوله: فقتلتها وما في بطنها. وفي رواية (¬5): فقتلت ولدها في بطنها. وفي ~~رواية (¬6): فقتلتها وجنينها. وفي رواية (¬7): فطرحت جنينها. وفي رواية أبي ~~داود (¬8): فأسقطت غلاما قد نبت شعره. وفي رواية لمسلم (¬9): في جنين امرأة ~~سقط ميتا. # وقوله: غرة؛ عبد أو أمة. بتنوين "غرة"، و"عبد" بدل، وهكذا ضبطه الجمهور، ~~قال القاضي عياض (¬10): ورواه بعضهم بالإضافة. قال: والأول أوجه وأقيس. ~~وذكر صاحب "المطالع" (¬11) الوجهين، ثم قال: الصواب PageV08P393 # رواية التنوين. ويؤيده ما في "صحيح البخاري" (¬1): قضى النبي ms1828 - صلى الله ~~عليه وسلم - بالغرة عبد أو أمة. و "أو" هنا للتقسيم لا للشك، قال الباجي ~~(¬2): يحتمل أن يكون للشك، وأن المرفوع من الحديث (ألفظ: بغرة. وأ) لفظ: ~~عبد أو أمة. شك من الراوي في المراد بها. قال الجوهري (¬3): كأنه عبر ~~بالغرة عن الجسم كله كما قالوا: أعتق رقبة. وأصل الغرة بياض في الوجه، ~~ولهذا قال أبو عمرو (¬4): المراد بالغرة الأبيض منها خاصة. قال: ولا يجزئ ~~الأسود. وقال: ولولا أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أراد بالغرة معنى ~~زائدا على شخص العبد والأمة لما نكرها، واقتصر على لفظ: عبد أو أمة. وهو ~~خلاف ما اتفق عليه الفقهاء أنه لا يتعين الأبيض، ويجزئ الأسود، وإنما ~~المعتبر أن يكون قيمتها عشر دية الأم، أو نصف عشر دية الأب. # قال أهل اللغة (¬5): الغرة عند العرب أنفس الشيء، وأطلقت هنا على ~~الإنسان؛ لأن الله تعالى خلقه في أحسن تقويم. وقال داود: إنه يحزئ ما يطلق ~~عليه اسم الغرة كالفرس. وقد وقع في حديث أبي هريرد: عبد أو أمة أو فرس أو ~~بغل (¬6). وكذا وقع عند عبد الرزاق (¬7) في رواية ابن طاوس عن أبيه PageV08P394 # مرسلا بلفظ: غرة عبد أو أمة أو فرس. وأشار البيهقي (¬1) إلى أن ذكر الفرس ~~في المرفوع وهم، وأن ذلك أدرج من بعض رواته على سبيل التفسير للغرة، وذكر ~~أنه في رواية حماد بن زيد عن عمرو بن دينار عن طاوس بلفظ: فقضى أن في ~~الجنين غرة. قال طاوس: الفرس غرة. وكذا أخرجه الإسماعيلي (¬2) عن عروة بن ~~الزبير، وكأنهما رأيا المعنى المشهور للغرة إنما هو في الفرس، وقد استعمل ~~للآدمي كما في حديث الوضوء (¬3)، وقد تطلق على الشيء النفيس؛ آدميا كان أو ~~غيره، ذكرا أم أنثى. # وعلى قول الجمهور أقل ما يجزئ من العبد والأمة، أن يكون سليما من العيوب؛ ~~لأن الغرة الخيار، وزاد الشافعي اشتراط ألا ينقص عن سبع سنين، لأن من كان ~~دون ذلك لا يستقل بنفسه. قال بعضهم: لا يؤخذ ما زاد على خمس عشرة سنة في ~~الذكر، ms1829 و [في] (أ) الأنثى ما زاد على عشرين. والأظهر أنه يجزئ وإن جاوز ~~الستين، ما لم يضعفا ويخرجا عن الاستقلال؛ لأن ذلك يجرى مجرى العيب. # والحديث فيه دلالة على أن الجنين إذا مات بسبب الجناية وجب فيه الغرة، ~~وظاهره الإطلاق، سواء انفصل عن أمه وخرج ميتا، أو مات في بطنها، ولابد أن ~~يعلم كونه جنينا، بأن يخرج منه يد أو رجل، وإلا فالأصل براءة الذمة وسقوط ~~الدية، وإن كان الإمام المهدي صرح PageV08P395 # في "الأزهار" (¬1) على أصل الهدوية بأنه لا شيء فيمن مات بقتل أمه إن لم ~~ينفصل، فهو مبني على أنه لم يتحقق ثبوت الجنين، وأما إذا تحقق ثبوته، وهو ~~بخروج شيء منه، فالغرة لازمة فيه. # وظاهر ألفاظ الحديث أنه لا بد أن يكون قد تخلق وجرى فيه الروح ليتصف بأنه ~~قتلته الجناية، والشافعية فسروه بما ظهر فيه صورة الآدمي؛ من يد أو أصبع أو ~~غيرهما، وإن لم تظهر فيه الصورة، وشهد أهل الخبرة بأن ذلك أصل الآدمي، ~~فحكمه كذلك إذا كانت تلك الصورة صورة خفية، وكذا إذا لم توجد فيه صورة خفية ~~ولكنه أصل آدمى على ما هو غير الأظهر عندهم، والأظهر أنها لا تجب، وإن شك ~~أهل الخبرة أنه أصل آدمي، لم يجب فيه شيء اتفاقا. والحديث ورد في جنين حرة، ~~وأما جنين الأمة فلعله يخصص بالقياس على ديتها، وكما أن الواجب قيمتها في ~~ضمانها، فيكون (أ) في جنينها الأرش، منسوب إلى القيمة، وقياسه على جنين ~~الحرة، فإن اللازم فيه نصف عشر الدية، فيكون اللازم نصف عشر القيمة، وتأتي ~~في أهل الذمة على الخلاف في الدية، وتجب الغرة عند الهدوية بعينها مقومة ~~بخمسمائة، وعند الصادق والباقر الواجب عشر الدية، وقد روي ذلك عن علي. # قال الإمام المهدي: في الجمع بين العين والقيمة [جمع] (ب) بين الأدلة PageV08P396 # فوجب، ومهما أمكن العبد أو الأمة لم يلزم الولي قبول غيرهما؛ إذ هما ~~الواجب كوجوب أجناس الدية، فلم يلزم قبول غيرهما، فإن تعذرا فوجهان؛ ذهب ~~الإمام يحيى إلى أنه ينتقل إلى خمس ms1830 من الإبل، إذ هي الأصل في الديات، وإذ ~~روي عن عمر وعن زيد بن ثابت ولم يخالفا. وقيل: يعدل إلى القيمة كما إذا ~~[أتلف عبدا] (أ)، والغرة لازمة لأجل الولد لا لأجل الأم، فلو احترجت الأم ~~بالولادة لزم لها أرش الجراحة، وإن كان مجردا [لم تجب] (ب) فيه حكومة. ويدل ~~الحديث على أن اللازم في المرأة المذكورة هو الدية، ولا يجب القصاص، وهذا ~~مما يستدل به من أثبت شبه العمد، أو أن ذلك [بحجر] (ج) أو عمود صغير لا ~~يقصد به القتل بحسب الأغلب، فتجب فيه الدية على العاقلة ولا قصاص (د)، ~~وبهذا التوجيه لا يتم احتجاج الحنفية بأنه لا يجب القصاص في القتل بالمثقل. # وقوله: وقضى بدية المرأة على عاقلتها. والمراد بالعاقلة هم العصبة، وقد ~~جاء مفسرا بأنهم من عدا [الولد] (ه) وذوي الأرحام؛ كما في حديث أسامة بن ~~عمير عند البيهقي (¬1) فقال أبوها: إنما يعقلها بنوها. فاختصموا إلى رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "الدية على العصبة، وفي الجنين غرة". ~~وبهذا PageV08P397 # بوب البخاري (¬1): باب جنين المرأة، وأن العقل على الوالد وعصبة الوالد ~~لا على الولد. # وقوله: وورثها ولدها ومن معهم. يعني: أن المرأة التي قضى عليها النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بالغرة توفيت؛ فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بأن ميراثها لبنيها (أ) وزوجها، وأن العقل على عصبتها. وهذا لفظ مسلم [في] ~~(ب) رواية. فعلى هذا فقوله: فورثها. الضمير يعود إلى القاتلة - ولدها ومن ~~مع الولد، وهو الزوج، (ج إلا أن النووي ج) قال: إن الميتة هي المجني عليها. ~~وتأول قوله: قضى عليها بالغرة. أي قضى لها، والضمير في قوله: والعقل على ~~عصبتها. أي القاتلة، وفيه تعسف، والملجئ له التصريح في الروايات أنها ماتت ~~المجني عليها، ولكن لا مانع أن تموت الجانية أيضا عقيب الجناية، والله أعلم. # وفيه دلالة على أن الولد ليس (د) من العصبة، قال الشافعي (¬2): ولم أعلم ~~مخالفا في أن العاقلة العصبة، وهم القرابة من قبل الأب. # وقوله: فقال حمل بن النابغة. بفتح ms1831 الحاء المهملة والميم، وهو ابن مالك بن ~~النابغة، منسوب إلى جده في الحديث، وحمل هو زوج المرأة القاتلة وهو PageV08P398 # من عصبتها، وجاء في رواية: أن القائل (أ) أبوها، وأنه قال: يعقلها بنوها. # وفي حديث عويم عند الطبراني (¬1): فقال أخوها العلاء بن مسروح: يا رسول ~~الله، أنغرم. الحديث. وعند أبي يعلى (¬2) من حديث جابر: فقالت عاقلة ~~القاتلة. ويمكن الجمع بين الروايات بأن يكون كل من أبيها وأخيها وزوجها ~~قالوا ذلك؛ لأنهم كلهم من عصبتها. # وقوله: فمثل ذلك يطل. روي بالياء المضمومة على صيغة المضارع [المجهول] ~~(ب)، وتشديد اللام، ومعناه: يهدر ويلغى ولا يضمن. وروي بالباء الموحدة ~~وتخفيف اللام على أنه فعل ماض من البطلان، وهو بمعنى الملغى أيضا، وكلتا ~~الروايتين في "الصحيحين" وغيرهما، قال النووي (¬3): وأكثر نسخ بلادنا ~~بالمثناة، ونقل القاضي أن جمهور الرواة في "صحيح مسلم" ضبطوه بالموحدة. قال ~~أهل اللغة: يقال: طل دمه. بضم الطاء، وأطل، أي هدر، وأطله الحاكم وطله أي ~~أهدرها، وجوز بعضهم: طل دمه بفتح الطاء في اللازم، وأباها الأكثرون. # وقوله: "إنما هذا من إخوان الكهان". قال العلماء: إنما ذم سجعه لوجهين: PageV08P399 # أحدهما: أنه عارض به حكم الشرع ورام إبطاله. والثاني: أنه تكلفه في ~~مخاطبته. # وهذان الوجهان من السجع مذمومان، وأما السجع الذي ورد عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في بعض الأوقات، وهو مشهور في الحديث فليس من هذا؛ لأنه ~~لا يعارض [حكم الشرع] (ب)، ولا يتكلفه، فلا نهي فيه، بل هو حسن. ويؤيده ما ~~في بعض رواياته (¬1): "أسجع كسجع الأعراب؟ ". فأشار إلى أن بعض السجع هو ~~المذموم لا كله، والله أعلم. # وحديث أبي داود (¬2) في سؤال عمر رضي الله عنه أخرجه أيضا البخاري (¬3) ~~من حديث المغيرة: أن عمر سأل عن إملاص المرأة، وهي التي يضرب بطها فتلقي ~~جنينها، فقال: أيكم سمع من النبي - صلى الله عليه وسلم - فيه شيئا؟ فقال ~~المغيرة: قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغرة، عبد أو أمة. فقال عمر: ~~من شهد معك؟ فقام محمد بن مسلمة فشهد بذلك. وتفسير الإملاص ms1832 في هذه الرواية ~~أخص من قول أهل اللغة: إن الإملاص أن تزلقه المرأة قبل الولادة. هكذا نقله ~~أبو داود في "السنن" (¬4) عن أبي عبيد، وهو كذلك في "الغريب" (¬5) له. وقال ~~الخليل (¬6): أملصت المرأة والناقة: إذا رمت ولدها. PageV08P400 # وقال ابن القطاع (¬1): أملصت الحامل ألقت ولدها. ووقع في بعض الروايات: ~~ملاص. بغير ألف؛ كأنه اسم للمصدر المنسوب إلى الولد؛ يقال: ملاص الولد. أو ~~اسم لتلك الولادة كالخداج. وقال هشام (1): الملاص الولد. ولعله بتقدير ~~مضاف؛ أي خروج الولد. وقال صاحب "البارع" (1): الإملاص الإسقاط؛ وإذا قبضت ~~على شيء فسقط من يدك، تقول: أملص من يدي إملاصا وملص ملصا. # 971 - وعن أنس رضي الله عنه أن الربيع بنت النضر عمته كسرت ثنية جارية، ~~فطلبوا إليهم العفو فأبوا، فعرضوا الأرش فأبوا، فأتوا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فأبوا إلا القصاص، وأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~بالقصاص، فقال أنس بن النضر: يا رسول الله، أتكسر ثنية الربيع؟ لا، والذي ~~بعثك بالحق، لا تكسر ثنيتها. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا أنس، ~~كتاب الله القصاص". فرضي القوم، فعفوا، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره". متفق عليه (¬2) ~~واللفظ للبخاري. # الربيع: بضم الراء والباء الموحدة المفتوحة وبعدها ياء مشددة مكسورة أخت ~~أنس بن النضر، عمة أنس بن مالك، وفي "سنن البيهقي" (¬3): الربيع بنت معوذ. ~~قال المصنف رحمه الله تعالى (¬4): وهو غلط، والمحفوظ أنها بنت النضر. PageV08P401 # وقوله: كسرت ثنية جارية. في البخاري في كتاب [الديات] (أ): لطمت جارية ~~فكسرت ثنيتها. وفي رواية الفزاري (¬1): جارية من الأنصار. وفي رواية معتمر ~~(¬2): امرأة بدل جارية. وهو [يبين] (ب) أن المراد بالجارية المرأة الشابة، ~~لا المرأة الرقيقة. ووقع في البخاري (¬3) في كتاب [الديات] (أ) أيضا بلفظ: ~~وجرحت [أخت] (ج) الربيع إنسانا (د). قال أبو ذر (¬4): كذا وقع، والصواب ~~الربيع بنت النضر. وكذا قال الكرماني (¬5)، ثم قال: إلا أن يقال: هذه امرأة ~~أخرى، لكن لم ينقل عن أحد. كذا قال. وقد ms1833 ذكر جماعة أنهما [قصتان] (ه)، وكذا ~~وقع في مسلم (¬6) أن أخت الربيع أم حارثة، وأنها قالت أم الربيع: يا رسول ~~الله، أيقتص من فلانة؟ الحديث. وجزم ابن حزم (¬7) بأنهما [قصتان] (و) ~~صحيحتان وقعتا لامرأة واحدة؛ إحداهما أنها جرحت إنسانا PageV08P402 # فقضى عليها بالضمان، والأخرى أنها كسرت ثنية جارية فقضى عليها بالقصاص، ~~وحلفت أمها في الأولى، وأخوها في الثانية. وقال البيهقي (¬1) بعد أن أورد ~~الروايتين: ظاهر الخبر يدل على أنهما [قصتان] (أ). قال المصنف رحمه الله ~~(¬2): في [القصتين] (ب) مغايرات؛ منها: هل الجانية الربيع أو أختها؟ وهل ~~الجناية كسر الثنية أو الجراحة؟ وهل الحالف أم الربيع أو أخوها أنس؟ # وقوله: فطلبوا. أي أهل الجانية، إليهم، أي أهل المجني عليها، [العفو] (ج) ~~فأبوا، أي أهل المجني عليها - العفو بغير أرش، فعرضوا الأرش، فأبوا. زاد ~~البخاري في باب الصلح لفظ: إلا القصاص (¬3). # وقوله: فأمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالقصاص. فيه دلالة على ~~الاقتصاص في العظم، فأما السن بكمالها ففي ذلك نص قوله تعالى: {والسن ~~بالسن} (¬4). وإن كان ذلك [حكاية] (د) عن المكتوب في التوراة، فشرع من ~~قبلنا يلزمنا إذا ورد على لسان نبينا - صلى الله عليه وسلم - من غير إنكار ~~له، كما هو المختار. وقد قام الإجماع على قلع السن بالسن في العمد، وأما ~~الكسر فهذا الحديث PageV08P403 # دليل عليه إذا عرفت المماثلة، وأمكن ذلك من دون سراية إلى غير الواجب، ~~قال أبو داود (¬1): قلت لأحمد: كيف في السن؟ قال: تبرد. أي يبرد من سن ~~الجاني بقدر ما كسر من سن المجني عليه. وقال بعضهم: الحديث محمول على ~~القلع، وأنه أراد (أ) بقوله: كسرت. قلعت، وهو بعيد. # وقد قام الإجماع أنه لا قصاص في العظم الذي يخاف منه ذهاب النفس، [أو] ~~(ب) لم تتأت فيه المماثلة بألا يوقف على قدر الذاهب، وقال الشافعي والليث ~~والحنفية: لا قصاص في العظم غير السن، لأن دون العظم حائل من جلد ولحم ~~وعصب، [يتعذر] (ج) معه المماثلة، فلو أمكنت لحكمنا بالقصاص، ولكن لا يصل ~~إلى العظم حتى ms1834 ينال ما دونه مما لا يعرف قدره. # وقال الطحاوي (¬2): اتفقوا على أنه لا قصاص في عظم الرأس، فيلحق به سائر ~~العظام. وتعقب بأنه قياس مخالف للنص، فإن في هذا الحديث كسر الثنية، وأمر ~~بالقصاص. # وقوله: أتكسر ثنية الربيع. قد يؤول هذا الإنكار بأنه لم يرد به الرد ~~للحكم والمعارضة، وإنما أراد به أن يؤكد النبي - صلى الله عليه وسلم - طلب ~~الشفاعة منهم، وأكد طلبه من النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقسم. وقيل: إن ~~ذلك قبل أن يعلم أن القصاص PageV08P404 # حتم، وأنه مخير بينه وبين الدية أو العفو. وقيل: إنه لم يرد الإنكار، ~~وإنما قاله توقعا ورجاء من فضل الله أن يلهم الخصوم الرضا؛ حتى يعفوا أو ~~يقبلوا الأرش، وقد وقع الأمر على ما أراد، فألهمهم العفو. وفي الحلف دلالة ~~على أنه يجوز الحلف فيما يظن وقوعه. # وقوله (أ): "كتاب الله القصاص". المشهور الرفع على أنه مبتدأ وخبر، ويجوز ~~النصب على المصدر والفعل محذوف أي كتب كتاب الله، والقصاص مفعول به لكتاب ~~أو للفعل المقدر أو على الإغراء، والقصاص بدل من كتاب، أو منصوب بفعل ~~محذوف، أو القصاص مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والمعنى في ذلك: حكم كتاب ~~الله القصاص، فهو على تقدير حذف مضاف، وقيل: المراد بالكتاب الحكم. أي: حكم ~~الله القصاص. وقيل: أشار إلى قوله تعالى: {والجروح قصاص} (¬1). وقيل: إلى ~~قوله: {وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به} (¬2). وقيل: إلى قوله: ~~{والسن بالسن} (1). # وقوله: "إن من عباد الله" إلخ. هذا تعجب منه - صلى الله عليه وسلم - ~~بوقوع مثل هذه؛ من حلف أنس على نفي فعل الغير مع إصرار الغير على إيقاع ذلك ~~الفعل، وكأن قضية (ب) ذلك أن العادة أن يحنث في يمينه، فألهم الله الغير ~~العفو، فبر PageV08P405 # قسم أنس، وأن هذا الاتفاق وقع إكراما من الله لأنس ليبر يمينه، وأنه من ~~جملة عباد الله الذين يجيب دعاءهم، ويعطيهم مآربهم (أ). # وفيه جواز الثناء على من وقع له ذلك عند أمن الفتنة عليه، والله أعلم. # 972 - وعن ابن ms1835 عباس رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من قتل في عميا أو رميا، بحجر، أو سوط، أو عصا، فعقله عقل الخطأ، ~~ومن قتل عمدا فهو قود، ومن حال دونه فعليه لعنة الله". أخرجه أبو داود ~~والنسائي وابن ماجه بإسناد قوي (¬1). # الحديث أخرجه (ب). # قوله: "عميا" بكسر العين المهملة وتشديد اليم والقصر فعيلى من العمى، ~~كالرميا من الرمي، والخصيصى من [التخصيص] (ج)، وهي مصادر، والمراد أن يوجد ~~بينهم قتيل فيعمى أمره، ولا يتبين قاتله، وقد استعمل العمياء في معنى غير ~~جهالة، كما في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ينزو الشيطان بين الناس فيكون ~~دما في عمياء في غير ضغينة" (¬2). أي: في غير جهالة، من غير حقد وعداوة. PageV08P406 # الحديث فيه دلالة على أن من لم يعرف قاتله، أنه يجب فيه الدية، وتكون على ~~العاقلة، وظاهره من دون أيمان القسامة، وهو قريب من مذهب الناصر، إلا أن ~~الناصر يقول: الدية تكون في بيت المال. واحتج بما روي عن عمر (¬1) رضي الله ~~عنه، أنه قتل رجل في الطواف، ولم يعرف قاتله، فاستشار عمر الصحابة، وكان ~~فيهم علي رضي الله عنه، فأشار بأن ديته تكون في بيت المال. إلا أنه يحتمل ~~أن يكون ذلك لكونهم غير محصورين، وروي مسدد في "مسنده" (¬2) من طريق يزيد ~~بن مذكور أن رجلا زحم يوم الجمعة فمات، فوداه علي من بيت المال. قال ابن ~~بطال (¬3): قد اختلف في ذلك على عمر وعلي (¬4): هل تجب ديته في بيت المال ~~[أو لا؟ وبه] (أ) قال إسحاق. أي قال بالوجوب؛ وتوجيهه من حيث المعنى؛ أنه ~~مسلم مات بفعل قوم من المسلمين، فوجبت ديته في بيت مال السلمين، ويحتج له ~~بما ورد في قصة اليمان والد حذيفة أنه قتله بعض المسلمين، وهو يظن أنه من ~~المشركين، فوداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬5). ورجاله ثقات. PageV08P407 # وذهب الحسن البصري إلى أن ديته تجب على جميع من حضر؛ وذلك لأنه مات ~~بفعلهم، فلا يتعداهم إلى غيرهم، وقد يحتج له بما وقع ms1836 في لفظ البخاري (¬1) ~~أنه قال حذيفة: غفر الله لكم. يعني: أن ضمانه قد لزم الحاضرين بقوله: غفر ~~الله لكم. في معنى: عفوت عنكم. والعفو إنما هو عن شيء قد استحق. ولا حجة في ~~ذلك. وقول للشافعي أنه يقال لوليه: ادع على من شئت واحلف. فإن حلف استحق ~~الدية، وإن نكل حلف المدعى عليه على النفي، وسقطت المطالبة، وتوجيهه أن ~~الدم لا يجب إلا بالطلب، وقال مالك: إنه يهدر. وتوجيهه أنه إذا لم يعلم ~~قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد. وذهبت الهدوية إلى أن الحاضرين الذين ~~وقع بينهم القتل إن كانوا منحصرين لزمت القسامة، وجرى فيه حكمها من الأيمان ~~والدية، وإن كانوا غير منحصرين كانت الدية في بيت المال، وهو أخذ من ~~القولين الأولين بطرف من كل قول. # وقوله: "أو رميا بحجر" إلى آخره. تقدم الكلام في ذلك، وهو حجة أيضا لمن ~~يثبت شبه العمد. # وقوله: "ومن قتل عمدا فهو قود". يدل على أن موجب القتل العمد هو القود ~~عينا، وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة وأصحابه، ورواية ابن القاسم عن مالك وزيد ~~بن علي والداعي والطبري وأحد قولي الشافعي ورواية عن أحمد، واحتجوا بما ~~تقدم من حديث الربيع (¬2) حيث قال: "كتاب الله PageV08P408 # القصاص". وقوله تعالى: {كتب عليكم القصاص} (¬1). قالوا: فالواجب هو ~~القصاص، وأما الدية فإنها لا تجب إلا إذا رضي الجاني، ولا يجبر الجاني على ~~تسليم الدية، وذهب الهدوية والناصر وقول للشافعي ولأحمد ولمالك، وهو مذهب ~~أبي ثور وداود وأكثر فقهاء المدينة من أصحاب مالك وغيرهم، ورواية أشهب عن ~~مالك إلى أن موجب القتل أحد الأمرين؛ إما القصاص، وإما الدية، قالوا: لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين؛ إما أن يقيد، ~~وإما أن يدي" (¬2). وقوله تعالى: {وأداء إليه بإحسان} (1). قال الأولون: ~~معنى: "بخير النظرين": أن ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم ~~الدية. ويجاب بأن التقييد خلاف الظاهر، ويجاب عنه بأنه أوجب المصير إليه ~~الجمع بينه وبين المعارض له. # وقال في "الهدي" ms1837 (¬3): في المسألة ثلاثة أقوال، وهي روايات عن الإمام أحمد: # أحدها: أن الواجب أحد شيئين؛ إما القصاص، أو الدية، والخيرة في ذلك إلى ~~الولي بين أربعة أشياء: العفو مجانا، والعفو إلى الدية، والقصاص، ولا خلاف ~~بين تخييره بين هذه الثلاثة، والرابعة: المصالحة إلى أكثر من الدية. فيه ~~وجهان؛ أشهرهما مذهبا جوازه. والثاني: ليس له العفو على مال إلا الدية أو ~~دونها. وهذا أرجح دليلا، فإن اختار الدية سقط القود، ولم يملك طلبه بعد، ~~وهذا مذهب الشافعي وإحدى الروايتين عن مالك. PageV08P409 # والقول الثاني: أن موجبه القود عينا، وأنه ليس له أن يعفو إلى الدية إلا ~~برضا الجاني، فإن عفا إلى الدية ولم يرض الجاني فقوده بحاله، وهذا مذهب ~~مالك في الرواية الأخرى وأبي حنيفة. # والقول الثالث: أن موجبه القود عينا مع التخيير بينه وبين الدية، وإن لم ~~يرض الجاني، فإذا عفا عن القصاص إلى الدية فرضي الجاني فلا إشكال، وإن لم ~~يرض فله العود إلى القصاص، فإن عفا عن القود مطلقا؛ فإن قلنا: الواجب أحد ~~شيئين. فله الدية، وإن قلنا: الواجب القصاص عينا. سقط حقه منها، فإن قيل: ~~فما تقولون لو مات القاتل؟ قيل: في ذلك قولان؛ أحدهما: تسقط الدية. وهو ~~مذهب أبي حنيفة؛ لأن الواجب عندهم القصاص عينا، وقد زال محل استيفائه بفعل ~~الله تعالى، فأشبه ما لو مات العبد الجاني، فإن أرش الجناية لا ينتقل إلى ~~ذمة السيد (أ)، وهذا بخلاف تلف الرهن و [موت] (ب) الضامن؛ حيث لا يتلف الحق ~~لثبوته في ذمة الراهن والمضمون عنه، فلم يسقط بتلف الوثيقة. # وقال الشافعي وأحمد: تتعين الدية في تركته؛ لأنه تعذر استيفاء القصاص من ~~غير إسقاط، فوجا الدية لئلا يذهب حق الورثة من الدم والدية مجانا، ولو ~~اختار القصاص، ثم رجع إلى الدية والعفو عنه، ففيه وجهان؛ أحدهما: له ذلك؛ ~~لأنه انتقال من أعلى إلى أدنى. وثانيهما: ليس له ذلك؛ لأنه لما اختار ~~القصاص أسقط حقه من الدية، فليس له الرجوع إليها. وهذا الحديث -يعني: "فهو ~~بخير النظرين"- لا يعارض قوله - صلى ms1838 الله عليه وسلم -: PageV08P410 # "من قتل عمدا فهو قود". لأن هذا يدل على ثبوت القود بالقتل العمد، وذلك ~~يدل على أن الخيرة له بين استيفائه هذا الواجب، وبين بدله، وهو الدية فلا ~~تعارض. انتهى. # 973 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إذا أمسك الرجل الرجل وقتله الآخر، يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك". رواه ~~الدارقطني موصولا ومرسلا، صححه ابن القطان، ورجاله ثقات، إلا أن البيهقي ~~[رجح المرسل] (¬1) (أ). # الحديث من رواية سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية عن نافع عن ابن عمر ~~مرفوعا، قال البيهقي (¬2) رحمه الله: هذا غير محفوظ. وقد قيل: عن إسماعيل ~~عن سعيد بن المسيب مرفوعا. والصواب عن سفيان عن إسماعيل بن أمية، قال: قضى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في رجل أمسك رجلا وقتله الآخر، قال: ~~"يقتل القاتل ويحبس الممسك". وعن سفيان عن جابر عن عامر عن علي رضي الله ~~عنه أنه قضى بذلك. وكذلك رواه ابن المبارك عن معمر عن إسماعيل بن أمية، ~~يرفعه قال: "اقتلوا القاتل واصبروا الصابر". يعني: احبسوا الذي حبسه. # الحديث فيه دلالة على أنه لا قتل على الممسك، والقود يلزم القاتل، PageV08P411 # ويلزم الممسك الحبس، وقد ذهب إلى هذا العترة والحنفية والشافعية، ولقوله ~~تعالى: {فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى} (¬1). وذهب مالك ~~والنخعي وابن أبي ليلى إلى أنهما يقتلان جميعا؛ إذ هما مشتركان في قتله، ~~لأنه لولا الإمساك لما انقتل. وأجيب بأن النص منع الإلحاق، وأيضا فإن حكم ~~ذلك حكم الحافر للبئر والمردي إليها، فإن الضماق على المردي دون الحافر ~~اتفاقا، وذهب ربيعة إلى أنه يحبس الممسك حتى يموت. ومثله ذكر الأمير الحسين ~~في "الشفا"، قال: لفعل علي رضي الله عنه. وظاهر هذا الخلاف أن ذلك واجب في ~~ضمانه، وأجيب عنه بأن فعل علي رضي الله عنه إنما فعله للتأديب والتعزير، ~~فعرض موته في أثناء الحال، وليس حبسه مقصودا إلى أن يموت. والجمهور يحملون ~~الحديث في حبس الصابر أنه يحبس تأديبا، وهو موكول ms1839 إلى نظر الإمام من غير ~~تحديد، وهو خلاف ظاهر الحديث؛ فإن قوله: "يقتل الذي قتل، ويحبس الذي أمسك". ~~من غير بيان، يقضي بما ذكره ربيعة، والتقييد زيادة بغير دليل. والله أعلم. # 974 - وعن عبد الرحمن بن البيلماني أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل ~~مسلما بمعاهد، وقال: "أنا أولى من وفى بذمته". أخرجه عبد الرزاق هكذا ~~مرسلا، ووصله الدارقطني بذكر ابن عمر فيه، وإسناد الوصول واه (¬2). # تقدم الكلام في الحديث قريبا (¬3). PageV08P412 # 975 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قتل غلام غيلة؛ فقال عمر رضي الله ~~عنه: لو اشترك فيه أهل صنعاء لقتلتهم به. أخرجه البخاري (¬1). # الأثر أخرجه البخاري بأصح إسناد، ولم يصرح فيه بعدد القاتلين، وقد أخرجه ~~ابن أبي شيبة (¬2) من وجه آخر (أ) أن عمر رضي الله عنه قتل سبعة من أهل ~~صنعاء برجل. إلخ. و [أخرجه] (ب) "الموطأ" (¬3) بسند آخر عن يحيى بن سعيد عن ~~سعيد بن المسيب، أن عمر رضي الله عنه قتل خمسة أو ستة برجل قتلوه غيلة، ~~وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعا. وتمالأ بهمزة بعد اللام، ~~أي توافق. وأخرجه قاسم بن أصبغ والطحاوي والبيهقي (¬4) عن ابن وهب، قال: ~~حدثني جرير بن حازم أن المغيرة بن حكيم الصنعاني حدثه عن أبيه، أن امرأة ~~بصنعاء غاب عنها زوجها، وترك في حجرها ابنا له من غيرها غلاما، يقال له: ~~أصيل. فاتخذت المرأة بعد زوجها خليلا، فقالت له: إن هذا الغلام يفضحنا ~~فاقتله. فأبى، فامتنعت منه فطاوعها، فاجتمع على قتل الغلام الرجل ورجل آخر، ~~والمرأة وخادمها، فقتلوه، ثم قطعوه PageV08P413 # أعضاء، وجعلوه في عيبة -بفتح المهملة وسكون التحتانية ثم موحدة مفتوحة، ~~وهي وعاء من أدم- وطرحوه في ركية -بفتح الراء وكسر الكاف وتشديد التحتانية، ~~وهي البئر التي لم تطو- في ناحية القرية، ليس فيها ماء. [فذكر] (أ) القصة ~~وفيه: فأخذ خليلها فاعترف، ثم اعترف الباقون فكتب يعلى -وهو يومئذ أمير- ~~بشأنهم إلى عمر رضي الله عنه، فكتب عمر، فقتلهم جميعا، وقال: والله لو أن ~~أهل صنعاء اشتركوا في ms1840 قتله لقتلتهم أجمعين. وأخرجه أبو الشيخ في كتاب ~~"الترهيب" (¬1) من وجه آخر. # وفي "فوائد أبي الحسن بن رزقويه" (¬2) بسند جيد إلى أبي المهاجر عبد الله ~~بن عميرة من بني قيس بن ثعلبة قال: كان رجل يسابق الناس كل سنة بأيام، فلما ~~قدم وجد مع وليدته سبعة رجال يشربون، فأخذوه فقتلوه. فذكر القصة في ~~اعترافهم وكتاب الأمير إلى عمر وفي جوابه: أن اضرب أعناقهم، واقتلها معهم، ~~فلو أن أهل صنعاء اشتركوا في دمه لقتلتهم. وهذه القصة غير الأولى، وسنده جيد. # وقوله: غيلة. بكسر الغين المعجمة؛ أي سرا. والأثر فيه دلالة على أنه تقتل ~~الجماعة بالواحد، وقد ذهب إلى هذا الجمهور من فقهاء الأمصار، وهو مروي عن ~~علي وعمر وابن عباس وابن عمر (¬3) وغيرهم، ويحتج لذلك بما PageV08P414 # روي عن عمر من الأثر المذكور، وما أخرجه البخاري (¬1) عن علي رضي الله ~~عنه في رجلين شهدا على رجل بالسرقة، فقطعه علي رضي الله عنه، ثم أتياه ~~بآخر، فقالا: هذا الذي سرق، وأخطأنا على الأول. فلم يجز شهادتهما على ~~الآخر، وأغرمهما دية الأول، وقال: لو أعلم أنكما تعمدتما لقطعتكما. ولا فرق ~~بين القصاص في الأطراف والنفس. وذهب الناصر والباقر والصادق وابن سيرين ~~والإمامية، وروي في "البحر" ورواية عن مالك إلى أنه يختار الورثة واحدا من ~~الجماعة، ورواية عن مالك: يقرع بينهم؛ فمن خرجت عليه القرعة قتل، ويلزم ~~الباقون الحصة من الدية. قالوا: لأن الكفاية معتبرة، ولا تقتل الجماعة ~~بالواحد كما أن الحر لا يقتل بالعبد. # وأجاب في "البحر" عليهم، بأنهم لم يقتلوا لصفة زائدة في المقتول، بل لكون ~~كل منهم قاتلا. # وذهب ربيعة وداود، وهو قول ابن الزبير والزهري، وروي عن جابر، إلى أنه لا ~~قصاص على الجماعة، بل الدية رعاية للمماثلة، ولا وجه لتخصيص أحدهم. # وأجاب في "البحر" بأن هذا القول مخالف للإجماع، والأولى الجواب بأن حكم ~~عمر في عصر الصحابة، ولا مخالف له، فصار إجماعا. # وقال في "نهاية المجتهد" (¬2): عمدة من قتل بالواحد الجماعة النظر إلى PageV08P415 # المصلحة، فإنه مفهوم أن القتل إنما شرع ms1841 [ليقي] (أ) القتل كما نبه عليه ~~الكتاب العزيز في قوله تعالى: {ولكم في القصاص حياة ياأولي الألباب} (¬1). ~~وإذا كان ذلك كذلك، فلو لم يقتل الجماعة بواحد لتذرع الناس إلى القتل بأن ~~يتعمدوا بالجماعة، لكن للمعترض أن يقول: إن هذا إنما كان يلزم لو لم يقتل ~~من الجماعة، فأما إن قتل منهم واحد، وهو الذي يظن إتلافه غالبا على الظن، ~~فليس يلزم أن يبطل الحد، حتى يكون سببا للتسلط على إذهاب النفوس، وعمدة من ~~قتل الواحد بالواحد قوله تعالى: {وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين ~~بالعين}. وأما قطع الجماعة بالواحد وكذا سائر الجروح، فذهب إليه الجمهور، ~~وقال به مالك والشافعي، وقد تقدم الرواية عن علي رضي الله عنه، وقالت ~~الحنفية: ذلك خاص بالنفس. # 976 - وعن أبي شريح الخزاعي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"فمن قتل له قتيل بعد مقالتي هذه، فأهله بين خيرتين؛ إما أن يأخذوا العقل، ~~أو يقتلوا". أخرجه أبو داود والنسائي (¬2)، وأصله في "الصحيحين" من حديث ~~أبي هريرة بمعناه (¬3). PageV08P416 # أبو شريح اسمه خويلد بن عمرو الكعبي الخزاعي؛ وقيل: اسمه عمرو بن خويلد. ~~وقيل: كعب بن عمرو. وقيل: هانئ بن عمرو. والأول أصح وأكثر، أسلم قبل الفتح، ~~مات بالمدينة سنة ثمان وستين، وروى عنه نافع بن جبير وسفيان بن أبي العوجاء ~~وعطاء بن يزيد الليثي، وهو مشهور بكنيته، عداده في أهل الحجاز، وشريح بضم ~~الشين المعجمة والحاء المهملة (¬1). # الحديث قاله النبي - صلى الله عليه وسلم - عام الفتح في اليوم الثاني لما ~~قتلت خزاعة رجلا من بني ليث بقتيل لهم في الجاهلية، اسم القاتل خراش بن ~~أمية واسم المقتول ابن الأثوع بالثاء المثلثة والعين المهملة، قال النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في أثناء كلامه: "ثم إنكم معشر خزاعة قتلتم هذا الرجل ~~من هذيل، وإني عاقله". ثم قال: "فمن قتل له ... " الحديث. وقد جاء في رواية ~~لأبي داود وابن ماجه وعلقه الترمذي من وجه آخر (¬2) عن أبي شريح بلفظ: ~~"فإنه يختار إحدى ثلاث؛ إما أن يقتص، وإما أن ms1842 يعفو، وإما أن يأخذ الدية، ~~فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه". أي إن أراد زيادة على القصاص أو الدية. # وقوله: "فأهله بين خيرتين". دليل على أن الخيار إلى ورثة المقتول، وقد ~~تقدم الخلاف في ذلك. PageV08P417 ### || AUTO باب الديات # الديات بتخفيف التحتانية: جمع دية، كعدات جمع عدة، وأصلها ودية مصدر ودى ~~القتيل يديه، إذا أعطى وليه ديته، ويسمى ما يعطى ورثة القتيل دية؛ تسمية ~~بالمصدر، وفاء الكلمة محذوف معوض عنه تاء التأنيث، والأمر منه على حرف ~~واحد، تقول: د القتيل، بدال مكسورة، وإذا وقفت ألحقت به هاء السكت، والدية ~~أعم مما لا قصاص فيه وفيما فيه القصاص، ولو كان القصاص هو الأصل كما في ~~العمد عند البعض. # 977 - وعن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن جده، أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - كتب إلى أهل اليمن. فذكر الحديث وفيه: "إن من اعتبط مؤمنا قتلا ~~عن بينة فإنه قود، إلا أن يرضى أولياء المقتول، وإن في النفس الدية مائة من ~~الإبل، وفي الأنف إذا أوعب جدعه الدية، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين ~~الدية، وفي الذكر الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين ~~الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة ~~ثلث الدية، وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل أصبع من أصابع اليد ~~والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل، وفي الموضحة خمس من الإبل، ~~وإن الرجل يقتل بالمرأة، وعلى أهل الذهب ألف دينار". أخرجه أبو داود في ~~"المراسيل"، والنسائي، وابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان، PageV08P419 # واختلفوا في صحته (¬1). # أبو بكر اسمه كنيته، ولي القضاء بالمدينة لعمر بن عبد العزيز، حدث عن ~~عروة بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن وعمر بن عبد العزيز، وروى عنه ابنه ~~محمد وعبد الله ويحيى بن سعيد الأنصاري وغيرهم (¬2). # الحديث أخرجه أبو داود في "المراسيل" عن ابن شهاب، قال: قرأت في كتاب ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعمرو بن حزم حين بعثه إلى نجران، ms1843 وكان ~~الكتاب عند أبي بكر بن حزم. ورواه النسائي وابن حبان والحاكم والبيهقي (¬3) ~~موصولا مطولا من حديث الحكم بن موسى عن يحيى بن حمزة عن سليمان بن داود ~~حدثني الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده، وفرقه ~~الدارمي (¬4) في "مسنده" عن الحكم مقطعا. وقد اختلف أهل الحديث في صحة هذا ~~الحديث؛ فقال أبو داود في "المراسيل" (¬5): قد أسند هذا الحديث ولا يصح، ~~والذي في إسناده سليمان بن داود وهم، إنما هو سليمان بن أرقم. وقال في موضع ~~آخر (¬6): لا أحدث PageV08P420 # به، وقد وهم الحكم في قوله: سليمان بن داود. وقد حدثني محمد بن الوليد ~~الدمشقي، أنه قرأ في أصل يحيى بن حمزة: سليمان بن أرقم. وهكذا قال أبو زرعة ~~الدمشقي (¬1): أنه الصواب، وتبعه صالح بن محمد جزرة وأبو الحسن الهروي ~~وغيرهما (¬2). وقال ابن حزم (¬3): صحيفة عمرو بن حزم منقطعة، لا تقوم بها ~~حجة، وسليمان بن داود متفق على تركه (¬4). وقال عبد الحق (¬5): سليمان بن ~~داود هو الذي يروي هذه النسخة عن الزهري ضعيف، ويقال: إنه سليمان بن أرقم. ~~وتعقبه ابن عدي (¬6)، فقال: هذا خطأ، إنما هو سليمان بن داود، وقد جود ~~الحكم بن موسى. وقال أبو زرعة (¬7): عرضت على أحمد، فقال: سليمان بن داود ~~[هذا ليس بشيء. وقال ابن حبان: سليمان بن داود] (5) اليمامي ضعيف، وسليمان ~~بن داود الخولاني ثقة (¬8)، وكلاهما يروي عن الزهري، والذي روى حديث ~~الصدقات هو الخولاني، فمن ضعفه فإنما ظن أن الراوي هو اليمامي. PageV08P421 # وصححه الحاكم وابن حبان والبيهقي (¬1)، ونقل عن أحمد أنه قال (¬2): أرجو ~~أن يكون صحيحا. قال: وقد أثنى على سليمان بن داود الخولاني هذا أبو زرعة ~~وأبو حاتم وعثمان بن سعيد وجماعة من الحفاظ. قال الحاكم (¬3): وحدثني أبو ~~أحمد الحسين بن علي عن ابن أبي حاتم عن أبيه أنه سئل عن حديث عمرو بن حزم، ~~فقال: سليمان بن داود عندنا ممن لا بأس به. وقد صحح الحديث بالكتاب المذكور ~~جماعة من الأئمة لا من حيث الإسناد ms1844 بل من حيث الشهرة؛ فقال الشافعي في ~~"رسالته" (¬4): لم يقبلوا هذا الحديث حتى يثبت (أ) عندهم أنه كتاب رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن عبد البر (¬5): هذا كتاب مشهور عند ~~أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم معرفة يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ ~~لأنه أشبه التواتر في مجيئه لتلقي الناس له بالقبول والمعرفة. قال: ويدل ~~على شهرته ما روى ابن وهب عن مالك عن الليث بن [سعد] (ب) عن يحيى بن سعيد ~~عن سعيد بن المسيب قال: وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. وقال العقيلي (¬6): هذا حديث PageV08P422 # ثابت محفوظ، إلا أنا نرى أنه كتاب غير مسموخ عمن فوق الزهري. وقال يعقوب ~~بن سفيان (¬1): لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابا أصح من كتاب عمرو بن ~~حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين يرجعون ~~إليه ويدعون رأيهم. وقال الحاكم (¬2): قد شهد عمر بن عبد العزيز وإمام عصره ~~الزهري بالصحة لهذا الكتاب. ثم ساق ذلك بسنده إليهما، وقد وصله نعيم بن ~~حماد عن ابن المبارك عن معمر عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن جده ~~(¬3)، وجده محمد بن عمرو بن حزم ولد في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~ولكن لم يسمع منه (¬4)، وكذا أخرجه عبد الرزاق (¬5) عن معمر من طريقه. # قوله: كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن. ذكر فيه الفرائض ~~والسنن والديات. # وقوله: "اعتبط". هو بالعين المهملة والطاء المهملة افتعل، من عبط الناقة، ~~إذا ذبحها من غير مرض ولا داء، ومات عبطة: أي صحيحا شابا من غير هرم، قال ~~أمية (¬6): # من لم يمت عبطة يمت ... هرما للموت كأس والمرء ذائقها # واعتبط كعبط، قال تأبط شرا (¬7): PageV08P423 # ومن لم يعتبط يسأم ويهرم ... وتسلمه المنون إلى انقطاع # والمراد في الحديث أن يقتله بلا جناية كانت منه، ولا جريرة توجب قتله، ~~فإن القاتل يقاد به. وكذا قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من قتل مؤمنا ms1845 ~~فاعتبط (أ) بقتله، لم يقبل الله منه صرفا ولا عدلا" (¬1). قال الخطابي في ~~"معالم السنن" (¬2): [معنى] (ب): اعتبط بقتله، أي قتله ظلما لا عن قصاص. ~~وذكر نحو هذا، إلا أنه قال أبو داود (¬3) في آخر الحديث: قال خالد بن دهقان ~~راوي الحديث: سألت يحيى بن يحيى الغساني عن قوله: "اعتبط (أ) بقتله". فقال: ~~الذي يقاتل في الفتنة، فيرى أنه على هدى لا يستغفر الله منه. وهذا التفسير ~~يدل على أنه من الغبطة بالمعجمة، وهي الفرح والسرور وحسن الحال؛ لأن القاتل ~~يفرح بقتل خصمه، وإذا كان المقتول مؤمنا وفرح بقتله دخل في هذا الوعيد. # وقوله: "وإن في النفس الدية مائة من الإبل". فيه دلالة على أن الإبل هي ~~الواجبة في الدية، وقد روى ابن قتيبة (¬4) أن أول من قضى بأنها مائة من ~~الإبل أبو سيارة، وقيل: عبد المطلب. وجاءت الشريعة مقررة، وقد ذهب إلى هذا ~~القاسم والشافعي، قالوا: وبقية الأصناف كانت مصالحة لا تقديرا شرعيا. إلا ~~أن في آخر هذا الحديث: "وعلى أهل PageV08P424 # الذهب ألف مثقال (أ) ". وظاهره أنه أصالة، وإن كان يحتمل أنهم لما عدموا ~~الإبل، وجب عليهم الذهب عوضا عن الإبل، وكان قيمة المائة في ذلك العصر ألف ~~مثقال. وقد روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن عمر حين استخلف قام خطيبا ~~وقال: إن الإبل قد غلت. ففرضها على أهل الورق اثني عشر ألف درهم، وعلى (ب ~~أهل الذهب ألف دينار ب)، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي ~~شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة (¬1). وأخرج أبو داود والنسائي (¬2)، عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ~~يقوم دية الخطأ على أهل القرى أربعمائة دينار، أو عدلها من الورق، ويقومها ~~على أثمان الإبل؛ إذا غلت رفع في قيمتها، وإذا (ج هاجت ورخصت ج) نقص من ~~قيمتها، وبلغت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما بين أربعمائة ~~إلى ثمانمائة، وعدلها من الورق ثمانية آلاف درهم. قال: ms1846 وقضى على أهل البقر ~~بمائتي بقرة، ومن كان دية عقله في شاء فألفي شاة. فعلى قول الشافعي لا يؤخذ ~~إلا قيمة الإبل، وهذا قوله بمصر. وذهب مالك -وقول الشافعي في العراق ورواه ~~في "البحر" عن أبي حنيفة- أنها تكون على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل ~~الورق اثني عشر ألف درهم. وأخرج أبو داود (¬3) عن ابن عباس، أن رجلا من بني ~~عدي قتل، فجعل PageV08P425 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ديته اثني عشر ألفا. وفي رواية النسائي ~~(¬1) أن رجلا قتل رجلا على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فجعل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ديته اثني عشر ألفا. وفي رواية الترمذي (¬2) ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جعل الدية اثني عشر ألفا. وفي أخرى عن ~~عكرمة، ولم يذكر ابن عباس، وسيأتي ذلك في حديث ابن عباس. وعند أهل العراق ~~من الورق عشرة آلاف درهم، وذلك لقول عمر (¬3): هي على أهل الذهب ألف دينار، ~~وعلى أهل الورق اثنا عشر ألفا. وأهل العراق قالوا: إن عمر قوم الدينار ~~بعشرة دراهم. وأجمعوا على تقويم المثقال بها في الزكاة. وذهب الهادي ~~والمؤيد وأبو يوسف ومحمد بن الحسن والفقهاء السبعة المدنيون، أنها على أهل ~~الشاء ألفا (أ) شاة، وعلى أهل البقر مائتا بقرة، وعلى أهل البرود مائتا (ب) ~~حلة، وحجتهم ما روي عن عمر، ورواه أيضا زيد بن علي، وروي عن عمر بن عبد ~~العزيز أنه كتب إلى الأجناد أن الدية كانت على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - مائة بعير (¬4) قال: فإن كان الذي أصابه من الأعراب فديته من ~~الإبل، لا يكلف الأعرابي الذهب ولا الورق، فإن لم يجد الأعرابي مائة من ~~الإبل فعدلها من الشاء ألفا (أ) شاة. وأجاب الأولون بأنه لو جاز أن تقوم ~~بالشاء والبقر لجاز أن تقوم بالطعام على أهل الطعام، وبالخيل على أهل PageV08P426 # الخيل، وهذا لا يقول به أحد، ويجاب عنه بأن ذلك ورد به الأثر فاقتصر ~~عليه، مع أنه أخرج أبو داود (¬1) عن عطاء، أن رسول الله ms1847 - صلى الله عليه ~~وسلم - قضى في الدية على أهل الإبل [مائة] (أ) من الإبل، وعلى أهل البقر ~~مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل ~~القمح شيئا لم يحفظه محمد بن إسحاق. وفي رواية عنه عن جابر قال: فرض رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. وذكر ما تقدم، قال: وعلى أهل الطعام شيئا لا ~~أحفظه. أخرجه أبو داود (¬2). فهذا يدل على تيسير الأمر، وأنه لا يجحب على ~~من عليه الدية إلا من النوع الذي يجده ويعتاد التعامل به في ناحيته، وأن ~~تلك أصول كما ذهب إليه الهادي، فيما عدا [الخيل] (ب) والطعام. # وقوله: "وفي الأنف إذا أوعب جدعه". أي قطع جميعه، والفعل مبني للمفعول، ~~وجدعه نائب كتاب الفاعل. والأنف مركبة من قصبة ومارن وأرنبة وروثة؛ القصبة: ~~هي العظم المنحدر من مجتمع الحاجبين، والمارن: الغضروف الذي يجمع المنخرين، ~~والروثة: طرف الأنف، ولهذا يقال: فلان يضرب بلسانه إلى روثة أنفه (¬3). وفي ~~"القاموس" (¬4): المارن الأنف أو طرفه أو ما لان منه. والأرنبة طرف الأنف، ~~والروثة طرف الأرنبة. PageV08P427 # والحديث يدل على أنه إذا قطعت من العظم المنحدر من مجتمع الحاجبين أن ~~فيها الدية، وهذا مجمع عليه، وظاهره وإن لم يذهب الشم، ويلزم في كل واحد من ~~هذه الأربعة وحده حكومة عند الهادي، وذهب الناصر والفقهاء إلى أن في المارن ~~الدية، وفي بعضه حصته، قال الإمام المهدي في "البحر": قلت: المارن وحده لا ~~يسمى أنفا، وإنما الدية في الأنف. انتهى. # ويجاب عنه بأن الشافعي (¬1) روى عن طاوس، قال: عندنا في كتاب رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في الأنف إذا قطع مارنه مائة من الإبل. قال الشافعي: ~~وهذا أبين من حديث آل حزم. قال في "عجالة المنهاج": والمارن ما لان من ~~الأنف وخلا عن العظم. قاله الرافعي في "المحرر". قال: ويشتمل على ثلاث ~~طبقات؛ الطرفين والوتيرة بينهما. وقال الماوردي: هو ما لان من الحاجز بين ~~النخرين المتصل بقصبة الأنف. وإن الدية إنما تكمل (أ) باستيعابه مع ~~المنخرين، في كل ms1848 من طرفيه والحاجز ثلث، توزيعا للدية على المنخرين والحاجز. ~~وقيل: في الحاجز حكومة، [وفيهما] (ب) دية؛ لأن الجمال وكمال المنفعة فيهما ~~دون الحاجز. وهذا ما حكي عن [النص] (ج) وصححه البغوي. انتهى. وقد أخرجه ~~البيهقي من حديث عمرو بن شعيب (¬2)، قال: قضى PageV08P428 # النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا جدعت ثندوة الأنف بنصف العقل؛ خمسون من ~~الإبل، أو عدلها من الذهب والورق. قال في "النهاية" (¬1): أراد بالثندوة ~~هنا روثة الأنف، وهي طرفه ومقدمه. # وقوله: "وفي اللسان الدية". والمراد به إذا قطعه من أصله، أو قطع منه ما ~~منع الكلام، وهذا مجمع عليه، وإن قطع منه ما بطل به بعض الحروف فحصته ~~معتبرة بعدد الحروف، وقيل: بحروف اللسان فقط وهي ثمانية عشر حرفا، لا حروف ~~الحلق وهي ستة، ولا حروف الشفة وهي أربعة، والأول أولى؛ لأن النطق لا يتأتى ~~إلا باللسان. # قوله: "وفي الشفتين الدية". وحد الشفتين من تحت المنخرين إلى منتهى ~~الشدقين في عرض الوجه، وفي طوله من أعلى الذقن إلى أسفل الخدين، وهذا مجمع ~~عليه. والجمهور أن في كل واحدة منهما نصف الدية على سواء، وذهب زيد بن ثابت ~~(¬2) إلي أن في العليا ثلثا، وفي السفلى ثلثين من الدية؛ إذ منافعها أكثر؛ ~~لحفظها (أ) الطعام والشراب. # قوله: "وفي الذكر الدية". إذا قطع من أصله ففيه الدية، وهذا مجمع عليه، ~~وإن قطع الحشفة ففيها الدية عند مالك وبعض أصحاب الشافعي، واختاره الإمام ~~المهدي لمذهب الهدوية. وعند مالك أنه يلزم في قطع الذكر PageV08P429 # دية للحشفة وحكومة لباقي الذكر. وذهب الإمام يحيى والشافعي إلى أنه لا ~~فرق بين العنين والسليم، والصغير والكبير، وذهب البعض إلى أن فيه ثلث ~~الدية. والجمهور إلى أن في ذكر العنين والخصي حكومة إلا أنه إذا كان زال ~~منه قوة الإيلاج، وإلا لزم فيه الدية. والله سبحانه أعلم. # قوده: "وفي البيضتين الدية". وهو مجمع على ذلك، والجمهور أن في [إحداهما] ~~(أ) نصف الدية. وروي عن سعيد بن المسيب أن في البيضة اليسرى ثلثي الدية، ~~لأن الولد يكون منها، وفي ms1849 اليمنى ثلث الدية (¬1). ورواه في "البحر" عن علي ~~رضي الله عنه. وقد جاء في لفظ: "في الأنثيين الدية". وهما البيضتان، كذا في ~~"القاموس" و"الضياء" و"الصحاح" (¬2)، وذكر في " الغيث" شرح "الأزهار" أن ~~الأنثيين هما الجلدتان المحيطتان بالبيضتين. # قوله: "وفي الصلب الدية". وهو مجمع عليه، فإن ذهب النبي مع الكسر فديتان. # قوله: "وفي العينين الدية". وهو مجمع عليه، وفي أحدهما النصف، واختلف ~~العلماء في الأعور إذا ذهبت عينه الصحيحه (ب) بالجناية؛ فذهب PageV08P430 # الأوزاعي والنخعي والهادي والحنفية والشافعية إلى أن الواجب فيها نصف ~~الدية، إذ لم يفصل الدليل، وهو ما في حديث عمرو بن حزم، وفي العين نصف ~~الدية، وقياسا على من له يد واحدة، فليس له إلا نصف الدية، وهو مجمع عليه، ~~وذهب علي وعمر وعثمان وابن عمر والزهري ومالك والليث وأحمد وإسحاق إلى أن ~~الواجب فيها الدية كاملة، لأنها في معنى العينين. واختلفوا أيضا في القود ~~منه إذا جنى على عين واحدة، فالجمهور على ثبوت القود، وذهب أحمد إلى أنه لا قود. # قوله: "وفي الرجل الواحدة نصف الدية". وحد الرجل التي تجب فيها الدية من ~~مفصل الساق، فإن قطع من الركبة لزم نصف الدية، وحكومة في الزائد. # قوله؛ "وفي المأمومة ثلث الدية". المأمومة: هي ما بلغت أم الرأس، وأم ~~الرأس قال في "القاموس" (¬1): هو الدماغ أو الجلدة الرقيقة (أ) التي عليها. # قوله: "وفي الجائفة ثلث الدية". هي مأخوذة من الجوف، والجوف قال في ~~"القاموس" (¬2): هو البطن. وقال (2): الجائفة: هي [طعنة تبلغ الجوف، وكذا ~~قال في "الضياء": الجائفة هي] (ب) الطعنة التي تبلغ الجوف أو تنفذه، ومنه ~~الحديث: "في الجائفة ثلث الدية". وقال في "النهاية" (¬3): PageV08P431 # في الجوف في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولا تنسوا الجوف وما وعى" ~~(¬1). أي ما دخل إليه من الطعام والشراب، وقال في الجائفة (¬2): هي الطعنة ~~التي تنفذ إلى الجوف، يقال: جفته إذا أصبت جوفه، وأجفته (أ) الطعنة وجفته ~~بها، والمراد [بالجوف] (ب) كل ما له قوة محيلة [كالبطن] (ج) والدماغ. انتهى. # فظاهر كلام "النهاية" أن الجائفة تشمل ms1850 ما كان له عمق، وإن لم تكن في ~~البطن، وقريب منه ما ذكره الإمام المهدي في "البحر"، وهي ما وصل جوف العضو ~~من ظهر أو صدر أو ورك أو عنق أو (د) ساق أو عضد؛ مما له جوف، ثلث الدية. ~~قال الإمام يحيى: وإنما تكون في المجوف، وأما غير المجوف فلا؛ كلو جرح أنفه ~~حتى وصل باطنها فحكومة. انتهى. # وقال الإمام المهدي في "الغيث": الجائفة هي من ثغرة النحر إلى المثانة، ~~وهي ما بين السبيلين. وكلام "البحر" والإمام يحيى متأول بأن ما كان في سائر ~~الأعضاء ففيه ثلث دية ذلك العضو، وكلام "الغيث" هو الأنسب بالحديث، فإن ~~تعظيم الأرش إنما هو لما يخشى من الضرر، والضرر الكامل إنما هو في ذلك ~~المحل، وكذا في الدماغ، كما قال في "النهاية"، إلا أنه مأمومة، ولكنه قد ~~تكون الجناية في داخل الرأس من غير أن تكون مأمومة، PageV08P432 # فتكون جائفة، وأما إذا مرقت الجائفة، وخرجت من الجانب الآخر، فهي ~~جائفتان، وفيها ثلثا الدية، وقد أخرج البيهقي (¬1) عن سعيد بن المسيب أن ~~رجلا رمى رجلا فأصابته جائفة فخرجت من الجانب الآخر، فقضى فيها أبو بكر رضي ~~الله عنه بثلثي الدية. والله أعلم. # وقال في "نهاية المجتهد" (¬2): اتفقوا على أن الجائفة من جراح الجسد، لا ~~من جراح الرأس، وأنها لا يقاد منها، وأن فيها ثلث الدية، وأنها جائفة متى ~~وقعت في الظهر والبطن، واختلفوا إذا وقعت في غير ذلك من الأعضاء فنفذت إلى ~~تجويفه؛ فحكى مالك (¬3) عن سعيد بن المسيب أن في كل جراحة نافذة إلى تجويف ~~عضو من الأعضاء -أي عضو كان- ثلث دية ذلك العضو. وحكى عن ابن شهاب أنه كان ~~[لا] (أ) يرى ذلك، وهو الذي اختاره مالك؛ لأن القياس عنده في هذا لا يسوغ، ~~وإنما [سنده] (ب) في ذلك الاجتهاد من غير توقيف. وأما سعيد فإنه قاس ذلك ~~على الجائفة؛ على نحو ما روي عن عمر رضي الله عنه في موضحة الجسد. انتهى. # قوله: "وفي المنقلة خمس عشرة". وهي التي تخرج منها صغار ms1851 العظام وتنتقل في ~~أماكنها، وقيل: التي تنقل العظم، أي: تكسره. كذا في "النهاية" (¬4)، وفي ~~"القاموس" (¬5): الشجة التي تنقل منها فراش العظام، وهي PageV08P433 # قشور تكون على العظم دون اللحم. وقال الإمام المهدي في "البحر": وهي ما ~~تنقل (أ) عظما في (ب) الرأس. فكلام الإمام المهدي أخص مما ذكر في ~~"النهاية". # قوله: "وفي كل أصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل". # وهذا ذهب إليه جمهور العلماء، وأن الأصابع في ذلك على سواء، وأن كل أنملة ~~فيه ثلث العشر إلا الإبهام فالنصف، وذهب إلى هذا علي وابن مسعود وابن عباس ~~(¬1)، وقد روي عن عمر رضي الله عنه، أنه قضى في الإبهام والتي تليها بعقل ~~نصف الدية، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تليها بتسع، وفي الخنصر بست، ورجع عن ~~ذلك (¬2)، وروي عن مجاهد أنه قال: في الإبهام خمس عشرة، وفي التي تليها ~~عشر، وفي الوسطى [عشر] (ج)، وفي التي تليها ثمان، وفي الخنصر سبع (¬3). # قوله: "وفي السنن خمس". ظاهره العموم لكل سنن في مقدم الفم أو في جوانبه، ~~وهو قول جمهور العلماء، وبه قال ابن عباس (¬4)، وروى مالك (¬5) عن عمر أنه ~~قضى في الضرس بجمل. وروى عن علي وعن ابن PageV08P434 # عباس وعن عمر: في كل ثنية خمسون دينارا، وفي الناجذ أربعون، وفي الناب ~~ثلاثون، وفي كل ضرس خمس وعشرون. وقول للشافعي: في كل سن خمس من الإبل إلى ~~تمام الدية، ثم لا شيء. وقال سعيد بن المسيب: في الأضراس بعيران. وأجاب ~~الجمهور بأن قوله: "وفي السنن خمس". يشمل الثنايا وغيرها من الأسنان، ~~وقياسا على الأصابع في عدم المفاضلة. # قوله: "وفي الموضحة خمس". والموضحة: هي التي توضح العظم، أي تكشفه، ذهب ~~إلى هذا العترة والحنفية والشافعية، وقال به أبو بكر وعمر وزيد بن ثابت ~~(¬1)، ولم يخالفهم أحد من الصحابة. وذهب مالك إلى أنهما إن كانت في الأنف ~~أو اللحي الأسفل فحكومة، وإلا فنصف العشر. وذهب ابن المسيب إلى أن في ~~الموضحة عشر الدية. والمراد بالموضحة إذا كانت في الرأس، وحكم الوجه حكم ~~الرأس إجماعا؛ ms1852 إذ هما كالعضو الواحد. # قوله: "وأن الرجل يقتل بالمرأة". تقدم الكلام عليه قريبا (¬2). # وقوله: "وعلى أهل الذهب" إلخ. تقدم الكلام عليه في أول هذا البحث (¬3). # 978 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"دية الخطأ أخماسا؛ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنات PageV08P435 # مخاض، وعشرون بنات لبون، وعشرون بني لبون". # أخرجه الدارقطني، وأخرجه الأربعة بلفظ: "وعشرون بنو مخاض". # بدل: "بني لبون" (¬1). # وإسناد الأول أقوى. وأخرجه ابن أبي شيبة (¬2) من وجه آخر موقوفا، وهو أصح ~~من المرفوع. # وأخرجه أبو داود والترمذي (¬3) من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~رفعه: "الدية ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة في بطونها أولادها". # الحديث أخرجه الدارقطني بأسانيد، (أإلا أن البيهقي اعترض الدارقطني بعد ~~أن ساق الحديث بأسانيده- وفيها أ): "بنو مخاض". بدل: "بني لبون" - وقال ~~(¬4): إن جعل الدارقطني بني لبون غلط منه. إلا أن البيهقي PageV08P436 # قال: إنه قد رآه في رواية محمد بن إسحاق بن خزيمة في كتابه، وهو إمام في ~~رواية وكيع عن سفيان وقال: "بنو لبون". فلم يكن حينئذ الغلط من الدارقطني، ~~فلعل الخلاف فيه من فوق (¬1)، وقال البيهقي (¬2): وفي رواية سعيد بن بشير ~~عن قتادة عن أبي مجلز عن أبي عبيدة عن ابن (أ) مسعود كذلك: "بني لبون". ~~ورواه من حديث يحيى بن أبي زائدة عن أبيه، وغيره عن أبي إسحاق عن علقمة عن ~~ابن مسعود: "بني مخاض". # وقوله: وإسناد الأول أقوى؛ لأن حديث أبي داود فيه خشف بن مالك الطائي ~~(¬3)، قال الدارقطني (¬4): وهو رجل مجهول، لم يروه عنه إلا زيد بن جبير بن ~~حرمل الجشمي، ولم يروه عن زيد إلا حجاج بن أرطاة (¬5)، والحجاج مشهور ~~بالتدليس، وبأنه يحدث عمن [لم] (ب) يلقه (ج) ولم يسمع منه. قال (¬6): ورواه ~~جماعة من الثقات عن الحجاج واختلفوا عليه فيه. قال البيهقي (¬7): وكيفما ~~كان فالحجاج غير محتج به، وخشف مجهول، والصحيح أنه موقوف على (د) عبد الله ~~بن مسعود، والصحيح عن عبد الله أنه PageV08P437 # جعل أحد أخماسها بني المخاض، ms1853 في الأسانيد التي ذكرناها، لا (أ) كما توهمه ~~شيخنا أبو الحسنن الدارقطني رحمنا الله وإياه. # وحديث عمرو بن شعيب في دية العمد، ولفظه: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من قتل متعمدا، دفع إلى أولياء المقتول، فإن شاءوا قتلوا، وإن ~~شاءوا الدية، وهي ثلاثون حقة، وثلائون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه ~~فهو لهم" (¬1). وذلك لتشديد العقل. # الحديث فيه دلالة على أن دية الخطأ أخماس كما ذكر، وقد ذهب إلى هذا ~~الشافعي ومالك وجماعة من العلماء، وهو مذهب أبي حنيفة، إلا أن أبا حنيفة ~~جعل مكان "بني لبون" "بني مخاض" كما في رواية الأربعة لحديث ابن مسعود. # وذهب الحسن البصري والشعبي والهادي والمؤيد وأبو طالب إلى أن الدية أرباع ~~في الخطأ، وفي العمد أسقط منها ابن اللبون، واحتج لذلك في "البحر" بما رواه ~~السائب بن يزيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "دية الإنسان خمس ~~وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون بنات ~~مخاض" (¬2). وهذا الحديث لم أره في شيء من الأصول الستة، وهو مروي عن علي ~~(¬3) وعن عمر بن عبد العزيز. إلا أن PageV08P438 # الرواية عن علي في الخطأ فقط أخرجها البيهقي (¬1)، ولم يثبت في ذلك حديث ~~مرفوع. وحديث عمرو بن شعيب أخرجه البيهقي (¬2) في قتل العمد بلفظ: "من قتل ~~عمدا دفع إلى ولي المقتول، فإن شاء قتله، وإن شاء أخذ الدية". فذكر الحديث. ~~وأخرجه بهذا اللفظ أبو داود والترمذي والنسائي (¬3). # واعلم أنه وقع الخلاف في الدية في أسنانها (أ)، وفي أنها تكون أرباعا أو ~~أخماسا أو أثلاثا، فذهب الهادي والمؤيد وأبو ثور إلى أنها أرباع مطلقا. كما ~~تقدم، وذهب الشافعي ومالك إلى أن الدية تختلف باعتبار العمد وشبه العمد ~~والخطأ، فقالوا: إنها أثلاث. كما تقدم في العمد وشبه العمد، وكذا عند ~~الشافعي إذا وقع الخطأ في الحرم، أو قتل محرما من النسب، أو في الأشهر ~~الحرم، قال: لأن الصحابة رضي الله عنهم غلظوا في هذه الأحوال، وإن اختلفوا ~~في كيفية التغليظ، ولم ms1854 ينكر ذلك أحد من الصحابة فكان إجماعا، والمراد ~~بالحرم حرم مكة، لا حرم المدينة، ولا تغليظ في حال الإحرام؛ لأن حرمته ~~عارضة على الأصح، وعند مالك أن شبه العمد ما كان في قصة المدلجي كما مر ~~(¬4)، وقد ذهب إلى التغليظ (ج) جماعة من السلف PageV08P439 # منهم عمر وعثمان وابن عباس (¬1) والزهري وداود وابن المسيب وعطاء وجابر ~~بن زيد وسليمان بن يسار والنخعي وأحمد وإسحاق وغيرهم. # فائدة: وردت الأحاديث الصحيحة في عند الأشهر الحرم بالبداية برجب، وذهب ~~الكوفيون أنه يبدأ بمحرم، وتكون الأربعة من سنة واحدة. # 979 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"وإن أعتى الناس على الله ثلاثة، من قتل في حرم الله، أو قتل غير قاتله، أو ~~قتل لذحل الجاهلية". أخرجه ابن حبان في حديث صححه (¬2). # وأخرج الحديث عمر بن شبة (¬3) من طريق عمرو بن دينار عن الزهري عن عطاء ~~بن يزيد قال: قتل رجل بالمزدلفة -يعني في غزوة الفتح- فذكر القصة، وذكر ~~الحديث بلفظ: "وما أعلم أحدا أعتى على الله من ثلاثة؛ رجل قتل في الحرم" ~~الحديث. ومن طريق [مسعر] (أ)، عن عمرو بن مرة، عن الزهري بلفظ: "إن أجرأ ~~الناس على الله". فذكر نحوه، وقال: "وطلب بذحل (ب) الجاهلية". وأخرج ~~البيهقي (¬4) عن أبي شريح الخزاعي، أن PageV08P440 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "أعتى الناس على الله من قتل غير ~~قاتله، أو طلب بدم في الجاهلية من أهل الإسلام، أو بصر عينيه ما لم يبصر". ~~وأخرج (¬1) من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: وجد في قائم سيف ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتاب: "إن أعدى الناس على الله -وفي حديث ~~سليمان (¬2): "إن أعتى الناس على الله- القاتل غير قاتله، والضارب غير ~~ضاربه، ومن تولى غير مواليه فقد كفر بما أنزل الله على محمد - صلى الله ~~عليه وسلم -". # قوله: "أعتى الناس". أفعل تفضيل. أي: زاد في العتو على غيره من الناس وإن ~~شاركوه في الأصل، والعتو: التجبر والتكبر. # وقوله: "ومن ms1855 قتل في حرم الله". فيه دلالة على أن المعصية في الحرم تزيد ~~على المعصية في غيره. وقد أخرج الثوري في "تفسيره" (¬3) عن السدي عن مرة عن ~~ابن مسعود، قال: ما من رجل يهم بسيئة فتكتب عليه، إلا أن رجلا لو هم بعدن ~~أن يقتل رجلا بالبيت الحرام إلا أذاقه الله تعالى من عذاب أليم. وهو سند ~~صحيح، وقد ذكر شعبة أن السدي رفعه لهم، وكان شعبة يرويه موقوفا (¬4). وظاهر ~~الحديث أن فعل الصغيرة في الحرم أشد من فعل الكبيرة في غيره، وهو ظاهر قوله ~~تعالى: {ومن يرد فيه بإلحاد بظلم} الآية (¬5). فإن تنكير "الإلحاد" يحتمل ~~جنس الإلحاد ولو حقر؛ إذ لا دلالة على جعل التنوين للتعطم. # وقوله: "أو قتل غير قاتله". يعني يكون له الدم عند شخص فيقتل PageV08P441 # غيره ممن لا يكون له مشاركة في القتل. # وقوله: "أو قتل [لذحل] (أ) الجاهلية". الذحل بفتح الذال المعجمة وسكون ~~الحاء المهملة، وهو الثأر، أو طلب المكافأة بجناية جنيت عليه من قتل أو ~~غيره، والذحل: العداوة أيضا، والمراد هنا: هو أن يكون له دم استحقه في ~~الجاهلية فطلبه في الإسلام. وقد فسره حديث أبي شريح. قال المهلب وغيره ~~(¬1): والمراد أن هؤلاء الثلاثة أعتى أهل المعاصي، وأبغضهم إلى الله، وإلا ~~فالشرك أبغض إلى الله من جميع المعاصي. # 980 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "ألا إن دية الخطأ وشبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، ~~منها أربعون في بطونها أولادها". أخرجه أبو داود والنسائي وابن ماجه، وصححه ~~ابن حبان (¬2). # الحديث قال ابن القطان (¬3): هو صحيح، ولا يضره الاختلاف. # وقد تقدم الكلام على ذلك. # 981 - وعن ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "هذه وهذه سواء" يعني الخنصر والإبهام. رواه البخاري (¬4). PageV08P442 # ولأبي داود والترمذي (¬1): "الأصابع سواء، والأسنان سواء؛ الثنية والضرس ~~سواء". ولابن حبان (¬2): "دية أصابع اليدين والرجلين سواء؛ عشرة من الإبل ~~لكل إصبع". # تقدم الكلام في ذلك. # 982 ms1856 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رفعه قال: "من تطبب ولم يكن بالطب ~~معروفا، فأصاب نفسا فما دونها فهو ضامن". أخرجه الدارقطني، وصححه الحاكم، ~~وهو عند أبي داود والنسائي وغيرهما (¬3) إلا أن من أرسله أقوى ممن وصله. # قوله: "من تطبب". صيغة "تفعل" تستعمل لمعنى تكلف الشيء كتحكم وتشجع ~~وتصبر؛ أي تكلف ذلك، ف "تطبب"؛ أي تكلف الطب ولم يكن عارفا له، وهو من الطب ~~بكسر الطاء فعل الطبيب، وبفتح الطاء الماهر العالم بالأمور بمعنى الطيب، ~~وبضم الطاء اسم موضع، والمراد به علاج الجسم. # والحديث فيه دلالة على أن من لم يكن له خبرة بعلاج الجسم فهو متطبب، ~~فالطبيب من كان له شيخ معروف، ويثق من نفسه بجودة الصنعة وإحكام المصلحة، ~~قال في "الهدي النبوي" (¬4): الطبيب الحاذق هو الذي يراعي في علاجه عشرين ~~أمرا؛ أولها: النظر في نوع المرض من أي الأمراض هو. PageV08P443 # الثاني: النظر في سببه. # الثالث: قوة المريض أو ضعفه. # الرابع: مزاج البدن الطبيعي ما هو. # الخامس: المزاج الحادث على غير المجرى الطبيعي. # السادس: سن المريض. # السابع: عادته. # الثامن: الوقت الخاص من فصول السنة وما يليق به. # التاسع: بلد المريض وتربيته. # العاشر: حال الهواء في وقت المرض. # الحادي عشر: النظر في الدواء المضاد لتلك العلة. # الثاني عشر: النظر في قوة الدواء ودرجته، والموازنة بينهما وبين قوة ~~المريض. # الثالث عشر: أن يكون قصده إزالة العلة على وجه يأمن معه حدوث ما هو أصعب منه. # الرابع عشر: أن يعالج بالأسهل فالأسهل. # الخامس عشر: أن ينظر في العلة؛ هل يمكن علاجها بإزالتها أو بتقليلها أو ~~توقيفها ومنع زيادتها؟ وإلا وجب عليه ترك العلاج ومنع نفسه من الطمع. # السادس عشر: ألا يتعرض للخلط (¬1) قبل نضجه باستفراغ، بل PageV08P444 # الواجب تقديم إنضاجه. # السابع عشر: أن يكون له خبرة باعتلال القلوب والأرواح وأدويتها، فإن ~~انفعال البدن وطبيعته عن النفس والقلب أمر [مشهود] (أ)، فعلى الطبيب الحاذق ~~أن يتفقد قلبه ويقوي روحه بالإقبال على الله تعالى بما يقربه إليه؛ لأن هذه ~~لها تأثير في دفع ms1857 العلل أعظم من الأدوية، ولكن بحسب استعداد النفس وقبولها ~~وعقيدتها. # الثامن عشر: التلطف بالمريض والرفق به كالتلطف بالصبي. # التاسع عشر: أن يستعمل أنواع العلاجات الطبيعية والإلهية والعلاج ~~[بالتخييل] (ب)، فإن لحذاق الأطباء في [التخييل] (ج) أمورا عجيبة ولا يصل ~~إليها الدواء، فالطيب الحاذق يستعين على المرض بكل معين. # العشرون: وهو ملاك أمر الطبيب أن يجعل علاجه وتدبيره دائرا على أركان ~~ستة؛ حفظ الصحة الموجودة، ورد الصحة المفقودة بحسب الإمكان، وإزالة العلة ~~أو تقليلها بحسب الإمكان، واحتمال أدنى المفسدتين لإزالة أعظمهما، وتفويت ~~أدنى المصلحتين لتحصيل أعظمهما، فعلى هذه الأصول الستة مدار العلاج، وكل ~~طبيب لا تكون هذه [أخيته] (د) التي يرجع إليها فليس بطيب. انتهى. PageV08P445 # والطبيب (¬1) شامل لمن طب بوصفه وقوله، وهو الذي يخص باسم الطبائعي، ~~وبمروده (¬2) وهو الكحال، وبمبضعه (¬3) ومراهمه، وهو الجرائحى، وبموساه وهو ~~الخاتن، وبريشته وهو الفاصد، وبمحاجمه ومشرطه وهو الحجام، وبخلعه ووصله ~~ورباطه وهو المجبر، وبمكواته وناره وهو الكواء، وبقربته وهو [الحاقن] (أ). ~~وسواء كان طبه لإنسان أو لغيره من الحيوان، قاسم الطبيب لغة يشمل هؤلاء. # والحديث فيه دلالة على أن المتعاطي للطب يضمن على أي حال كان إعناته، ~~بالمباشرة أو بالسراية، وسواء كان عمدا أو خطأ، وقد ادعى في "شرح الإبانة" ~~الإجماع على ذلك، ونسب في "البحر" الخلاف إلى الإمام يحيى في سراية جناية ~~المتعاطي، وأنه لا يضمن، وعلل ذلك بعض المفرعين على مذهب الهادي بأنه عمل ~~عمل الأطباء، وهو مأذون من جهة المعالج، وذكر في "نهاية المجتهد" (¬4) ولم ~~ينسبه إلى أحد، والظاهر أنه عند المالكية، أنه إذا أعنت كان عليه الضرب ~~والسجن والدية قيل: في ماله. وقيل: على العاقلة. انتهى. # وأما إعنات الطبيب الحاذق فإن كان بالسراية لم يضمن اتفاقا؛ لأنها سراية ~~فعل مأذون فيه من جهة الشرع، ومن جهة المعالج، وهكذا سراية كل PageV08P446 # مأذون فيه، لم يتعد الفاعل في سببها؛ كسراية الحد، وسراية القصاص عند ~~الجمهور خلافا لأبي حنيفة في إيجابه الضمان بها. والشافعي فرق بين الفعل ~~المقدر شرعا كالحد وغير المقدر كالتعزير؛ فلا يضمن ms1858 في المقدر ويضمن في غير ~~المقدر؛ لأنه راجع إلى الاجتهاد فهو في مظنة العدوان، وإن كان الإعنات ~~بالمباشرة فهو مضمون عليه؛ إن كان عمدا فعليه، وإن كان خطأ فعلى عاقلته. ~~والله أعلم. # 983 - وعنه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال: "في المواضح خمس خمس من ~~الإبل". رواه أحمد والأربعة، وزاد أحمد: "والأصابع سواء؛ كلهن عشر عشر من ~~الإبل". وصححه ابن خزيمة وابن الجارود (¬1). # 984 - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين". رواه أحمد والأربعة. ولفظ أبي داود: ~~"دية المعاهد نصف دية الحر". وللنسائي: "عقل المرأة مثل عقل الرجل، حتى ~~يبلغ الثلث من ديتها". وصححه ابن خزيمة (¬2). # 985 - وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "عقل شبه العمد ~~مغلظ مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبه، وذلك أن ينزو الشيطان PageV08P447 # فتكون دماء بين الناس في غير ضغينة ولا حمل سلاح". أخرجه الدارقطني وضعفه (¬1). # حديث المواضح أخرجه البيهقي (¬2) عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب، أن ~~أباه أخبره عن عبد الله بن عمرو. الحديث. وأخرجه من طريق أخرى عن سعيد بن ~~أبي عروبة عن مطر عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وأخرجه (¬3) من حديث ~~عباد بن العوام عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أن أبا بكر وعمر رضي الله ~~عنهما قالا: في الموضحة في الوجه والرأس سواء. وقد تقدم الخلاف في الموضحة. # وأخرج البيهقي (3) عن سليمان بن يسار أنه كان يقول: الموضحة في الوجه مثل ~~الموضحة في الرأس، إلا أن يكون في الوجه عيب فيزاد في موضحة الوجه بقدر عيب ~~الوجه، ما بينه وبين نصف عقل الموضحة - خمسة وعشرون دينارا. قال: وروينا في ~~ذلك عن عمر بن عبد العزيز وفقهاء أهل المدينة من التابعين. # حديث عقل أهل الذمة، الحديث أخرجه البيهقي (¬4) من طرق عن عمرو بن شعيب. # وهو يدل على أن أهل الذمة من اليهود والنصارى ديتهم نصف دية المسلم، وقد ~~جاء في بعض ألفاظه: أن ms1859 عقل أهل الكتابين نصف عقل PageV08P448 # المسلمين. وقد ذهب إلى هذا مالك، وأجاب عنه البيهقي (¬1) بأن ذلك لما كان ~~قيمة المائة من الإبل ثمانمائة دينار بثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب ~~يومئذ النصف من دية المسلمين، وروى ذلك عن عمرو بن شعيب، وأن ذلك كان في ~~عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى استخلف عمر. فذكر خطبته في رفع الدية ~~حين غلت الدية (أ)، قال: وترك دية أهل الذمة لم يرفعها فيما رفع من الدية، ~~فيحتمل أن يكون والله أعلم قوله: على النصف من دية المسلم. راجعا إلى ~~ثمانية آلاف درهم، فتكون ديته في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أربعة ~~آلاف درهم، فلم يرفعها عمر فيما رفع من الدية علما منه بأنها في أهل الكتاب ~~توقيت، وفي أهل الإسلام تقويم. # قال: ويؤكد هذا ما أخرجه من حديث عمرو بن شعيب، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فرض على كل مسلم قتل رجلا من أهل الكتاب أربعة آلاف. فظاهره أن ~~ذلك [مقدر] (ب) بذلك، واحتج في "البحر" لمالك بمناسبة، وهي نقصان الكافر ~~فلم يساو (ج) المسلم، ورد عليه بأن القياس لا يعارض النص، وكأنه غفل عن هذا ~~النص الذي رجع إليه مالك. # وذهب الثوري والزهري وجماعة من التابعين والهدوية وأبو حنيفة وأصحابه إلى ~~مساواة الذمي للمسلم في الدية؛ لقوله تعالى: {وإن كان من قوم بينكم وبينهم ~~ميثاق فدية مسلمة} (¬2). فذكر الدية PageV08P449 # والظاهر فيها الإكمال، وبما أخرجه البيهقي (¬1)، عن ابن جريج عن الزهري، ~~أنها كانت دية اليهودي والنصراني في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ~~دية السلم، وأبي بكر، وعمر، وعثمان. فلما كان معاوية أعطى أهل المقتول ~~النصف، وألقى النصف في بيت المال. قال: ثم قضى عمر بن عبد العزيز في النصف، ~~وألقى ما كان جعل معاوية. وبما أخرجه (1) أيضا عن عكرمة عن ابن عباس قال: ~~جعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دية العامريين دية الحر المسلم، وكان ~~لهما عهد. وأخرجه (1) من طريق أخرى بلفظ: جعل دية العاهدين دية ms1860 المسلم. ~~وأخرج (1) أيضا عن ابن عباس قال: ودى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~رجلين من المشركين، وكانا منه في عهد دية الحرين المسلمين. وأخرج (1) عن ~~ابن عمر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "دية ذمي دية مسلم". وفي ~~لفظ: ودى ذميا دية مسلم. # والجواب عن هذا أن الآية الكريمة فيها إجمال، وحديث الزهري رده الشافعي ~~بأنه مرسل، ومراسيل الزهري قبيحة، وأن الرواية الأولى عن عمر أصح، وحديث ~~عكرمة في إسناده سعيد بن المرزبان البقال (¬2)، ولا يحتج بحديثه، وهو في ~~الطريق الأخرى، وحديث ودى. في إسناده الحسن بن عمارة (¬3)، وهو متروك، ~~وحديث ابن عمر في إسناده أبو كرز (¬4)، وهو PageV08P450 # متروك، وذهب الشافعي والناصر إلى أن دية الذمي أربعة آلاف، فتكون ثلث ~~الدية؛ لأن الدية عنده اثنا عشر ألفا، واحتج بقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~في حديث ابن حزم (¬1): "في النفس المؤمنة مائة من الإبل". فمفهوم قوله: ~~"المؤمنة". أن غير المؤمنة بخلافها، وبما أخرجه (¬2) عن سعيد بن المسيب، أن ~~عمر بن الخطاب قضى في دية اليهودي والنصراني بأربعة آلاف، وفي دية المجوسي ~~بثمانمائة. وأخرج (2) عن سعيد بن المسيب، أن عثمان قضى فيه بأربعة آلاف. ~~فقضاء عمر مبين لما أجمل في مفهوم الصفة، ولم يصح ما تقدم من الروايات فيما ~~يخالف ذلك، وذهب الإمام أحمد بن حنبل إلى أنه إن قتل عمدا فمثل المسلم، وإن ~~قتل خطأ فالنصف، ورد عليه في "البحر" بأن الدليل لم يفصل، ولعله يجاب عنه ~~بأنه قد ورد ما يدل عليهما فالجمع بينهما بما ذكر إعمال للدليلين، وهو أولى ~~من العمل بأحدهما دون الآخر. # وقوله: "عقل المرأة". الحديث أخرجه النسائي (¬3) من حديث عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده، وهو من رواية إسماعيل بن عياش عن ابن جريج، قال الشافعي (¬4): ~~وكان مالك يذكر أنه السنة، وكنت أتابعه عليه وفي نفسي منه شيء، ثم علمت أنه ~~يريد أنه سنة أهل المدينة فرجعت عنه. # وأخرج البيهقي (¬5) عن الشافعي، أنه لما قال ابن المسيب: هي السنة. PageV08P451 # أشبه أن تكون عن ms1861 النبي - صلى الله عليه وسلم - أو عن عامة من أصحابه، ولا ~~تكون فيما قال سعيد: السنة. إذا كان كان يخالف القياس والعقل إلا علم اتباع ~~فيما نرى والله أعلم. وقد كنا نقول به على هذا المعنى، ثم وقفت عنه، وأسأل ~~الله الخيرة؛ لأنا قد نجد منهم من يقول: السنة. ثم لا نجد لقوله: السنة. ~~نفاذا بها عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، والقياس أولى بنا فيها. # والحديث فيه دلالة على أن جراحات المرأة يكون أرشها كأرش جراحات الرجل ~~إلى الثلث، وما زاد على الثلث كانت جراحة المرأة مخالفة، والمخالفة بأن ~~اللازم فيها نصف ما لزم في الرجل؛ وذلك لأن دية النفس هي على النصف من دية ~~الرجل؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث معاذ (¬1): "دية المرأة على ~~النصف من دية الرجل". وهو إجماع، فيقاس ما دل عليه مفهوم المخالفة من أرش ~~جراحة المرأة على الدية الكاملة، وقد ذهب إلى هذا عمر وجمهور فقهاء المدينة ~~وهو قول مالك وأصحابه وأحمد وإسحاق، ورواه مالك (¬2) عن سعيد بن المسيب، ~~وعن عروة بن الزبير وهو قول زيد بن ثابت وعمر بن عبد العزيز، وذهب علي وابن ~~شبرمة والليث والثوري والعترة والحنفية والشافعية إلى أن دية المرأة ~~وجراحاتها على النصف من الرجل، وأخرج البيهقي (¬3) عن الشعبي أن عليا رضي ~~الله عنه كان يقول: جراحات النساء على النصف من دية الرجل فيما قل وكثر. ~~وأخرج (3) بإسناد منقطع عن إبراهيم النخعي عن عمر وعن علي مثله، وأخرج (3) ~~عن إبراهيم عن ابن PageV08P452 # مسعود بإسناد منقطع، وأخرج (¬1) عن الشعبي عن زيد بن ثابت مثل ذلك، ~~وحجتهم ما تقدم من حديث معاذ. # وقوله: "دية المرأة" الحديث. يشمل القليل والكثير، وهو مجمع عليه في ~~الدية الكاملة، ولا فرق بين القليل والكثير، والفرق بينهما مخالف للقياس؛ ~~ولذلك قال ربيعة لسعيد بن المسيب لما سأله: كم في إصبع المرأة؟ قال سعيد: ~~عشر. قال: كم في اثنتين؟ قال: عشرون، قال: كم في ثلاث؟ قال: ثلاثون، قال: ~~كم في أربع؟ قال: عشرون. قال ربيعة: ms1862 حين عظم جرحها واشتدت مصيبتها نقص ~~عقلها. قال (أ): أعراقي أنت؟ قال ربيعة: قلت: بل عالم متثبت أو جاهل متعلم. ~~قال: يابن أخي، إنها السنة (¬2). وأجاب في "البحر" و"الانتصار" عن الحديث ~~المذكور بأنه مرسل مخالف للأصول في الأروش وقيم المتلفات، وغيره أرجح منه. ~~هذا لفظ "البحر"، ولفظ "الانتصار": أن الحديث من مراسيل سعيد بن المسيب، ~~والمرسل مختلف فيه متردد في قبوله. انتهى. # ولا يخفى عليك أن الحديث رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والصحيح في ~~حديثه الاتصال، وقد تكرر مثل هذا، وأما قوله: مخالف للأصول في الأروش. ~~فالمراد به أن أروش الجنايات مثل قيم المتلفات، وقيم المتلفات لا تختلف في ~~شيء من المواضع من الثلث وما زاد عليه، فيجاب عنه PageV08P453 # بأن النص إذا ورد عمل به وإن خالف القياس، والقياس لا يرجع إليه إلا إذا ~~عدم النص. وأما قوله: وغيره أرجح منه. فلا يسلم الرجحان، فإن المعارض آثار ~~وهذا نص، وذهب ابن مسعود وشريح إلى أنهما يتساويان حتى يبلغ أرشها خمسا من ~~الإبل ثم ينصف، فيكون في موضحتها بعيران ونصف ثم ينصف. هكذا في "البحر" ~~و"الانتصار"، وفي رواية البيهقي (¬1) عن ابن مسعود، قال: إلا السن ~~والموضحة. # وروى سعيد بن منصور (¬2) عن هشيم أخبرني مغيرة عن إبراهيم قال: كان فيما ~~جاء به عروة البارقي إلى شريح من عند عمر، أن الأصابع سواء؛ الخنصر ~~والإبهام، وأن جراح الرجال والنساء سواء في السنن والموضحة، وما خلا ذلك ~~فعلى النصف. وفي "نهاية المجتهد" (¬3): وقالت طائفة: حد دية جراحة المرأة ~~مثل دية جراحة الرجل إلى الموضحة، فإنها تكون على النصف من دية الرجل، وهو ~~الأشهر من قول ابن مسعود، وهو مروي عن عثمان، وبه قال شريح وجماعة، وذهب ~~سليمان بن يسار إلى أنهما يستويان حتى يبلغ أرشها خمس عشرة من الإبل، ثم ~~ينصف فيكون في منقلتها سبع ونصف، وذهب الحسن البصري إلى أنهما يتساويان إلى ~~النصف ثم ينصف. # وقوله: "عقل شبه العمد". الحديث أخرجه البيهقي (¬4) بإسناده عن PageV08P454 # عمرو بن شعيب، ولم يضعفه البيهقي. ms1863 # والحديث فيه دلالة على أنه حيث وقع الجرح ولم يكن ثم قصد إلى الجرح، ولم ~~يكن ذلك بالسلاح بل كان بحجر أو عصا أو نحوهما -أنه شبه العمد لا يوجب ~~القصاص، وإنما فيه الدية فقط، وأن فيه الدية مغلظة كالعمد، كما تقدم ~~التغليظ في العمد على الخلاف فيه (أ)، وقد تقدم الخلاف في شبه العمد، ~~والقائل به الحنفية والشافعية، والله أعلم. # 986 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قتل رجل رجلا على عهد رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ديته اثني عشر ~~ألفا. رواه الأربعة ورجح النسائي وأبو حاتم إرساله (¬1). # الحديث رواه أصحاب "السنن" من حديث عكرمة، واختلف فيه على عمرو بن دينار، ~~فقال محمد بن مسلم الطائفي عنه عن عكرمة. هكذا، وقال ابن عيينة: عن عمرو بن ~~دينار مرسلا. قال ابن أبي حاتم (¬2) عن أبيه: المرسل أصح. وتبعه عبد الحق، ~~وقد رواه الدارقطني (¬3) من حديث محمد بن ميمون عن ابن عيينة موصولا، قال ~~محمد بن ميمون: وإنما قال لنا فيه: ابن عباس. مرة واحدة، وأكثر ذلك كان ~~يقول: عن عكرمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. PageV08P455 # ورواه عبد الرزاق في "مصنفه" (¬1) عن ابن عيينة عن عمرو عن عكرمة مرسلا. ~~قال ابن حزم (¬2): وبهذا رواه مشاهير أصحاب ابن عيينة. وأخرج البيهقي (¬3) ~~من حديث أنس، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لأن أجلس مع ~~قوم" الحديث. وفي آخره: "أحب إلى من أن أعتق ثمانية من ولد إسماعيل، دية كل ~~رجل منهم اثنا عشر ألفا". وأخرج البيهقي (¬4) عن علي وعائشة وأبي هريرة ~~وعمر بن الخطاب مثل ذلك. # والحديث فيه دلالة على أن الدية من الفضة اثنا عشر ألفا، وقد ذهب إلى هذا ~~مالك، وقول الشافعي بالعراق، ورواه أهل المدينة عن عمر بن الخطاب (4)، قال ~~الشافعي (¬5): روى عطاء ومكحول وعمرو بن شعيب وعدد من الحجازيين عن عمر، ~~ولم أعلم بالحجاز أحدا خالف فيه [عنهم] (أ)، ولا عن عثمان بن عفان، وذهب ~~أهل العراق والهادي ms1864 والمؤيد إلى أنها عشرة آلاف درهم، قال في "البحر": لقول ~~علي به، وهو توقيف. ورواه محمد بن الحسن الشيباني (¬6) عن عمر قال: بلغنا ~~عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه فرض على أهل الذهب ألف دينار في الدية، ~~وعلى أهل الورق عشرة PageV08P456 # آلاف درهم، قال: حدثنا بذلك أبو حنيفة عن الهيثم عن الشعبي عن عمر بن ~~الخطاب. والله أعلم. # 987 - وعن أبي رمثة قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعي ابني، ~~فقال: "من هذا؟ ". فقلت: ابني وأشهد به. قال: "أما إنه لا يجني عليك ولا ~~تجني عليه". رواه النسائي وأبو داود وصححه ابن خزيمة وابن الجارود (¬1). # أبو رمثة بكسر الراء وسكون الميم، وبالثاء المثلثة وهو رفاعة بن يثربي ~~بفتح الياء المنقوطة باثنتين من أسفل وسكون الثاء المثلثة وبالراء وبالباء ~~الموحدة بعدها ياء النسبة، التيمي، ويقال: التميمي. وفي اسمه خلاف كبير. ~~وقيل: عمارة. وقيل: يثربي بن عوف. وقيل غير ذلك، قدم على النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مع أبيه، وعداده في الكوفيين، روى عنه إياد بن لقيط. # الحديث أخرجه أيضا أحمد والحاكم (¬2)، وأخرج أحمد وأبو داود والترمذي ~~وابن ماجه (¬3) من حديث عمرو بن الأحوص، أنه شهد حجة الوداع مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: "لا يجني جان إلا على نفسه، لا يجني جان PageV08P457 # على ولده". وأحمد وابن ماجه (¬1) من رواية الخشخاش العنبري نحو حديث أبي ~~رمثة، ولأحمد والنسائي (¬2) معناه من رواية ثعلبة بن زهدم، وللنسائي وابن ~~ماجه وابن حبان (¬3) من رواية طارق المحاربي، ولابن ماجه (¬4) من رواية ~~أسامة بن شريك. # والحديث فيه دلالة على أنه لا يطالب أحد بجناية غيره، سواء كان قريبا ~~كالأب والولد أو غيرهما أو أجنبيا، فالجاني يطالب وحده بجنايته ولا يطالب ~~بجنايته غيره، وهو كقوله تعالى: {ولا تزر وازرة وزر أخرى} (¬5). # والجناية الذنب والجرم، وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب أو ~~القصاص في الدنيا والآخرة، ولا يرد على ذلك ما قد ثبت من تحمل العاقلة في ~~جناية الخطأ والقسامة، فإن ذلك ليس من ms1865 تحمل عقوبة الجناية، وإنما هو من باب ~~النصرة والتعاضد فيما بين المسلمين. PageV08P458 ### || AUTO باب دعوى الدم والقسامة # القسامة بفتح القاف وتخفيف المهملة، وهي مصدر أقسم قسما وقسامة، والقسامة ~~هي الأيمان تقسم على أولياء المقتول، إذا ادعوا الدم، أو على المدعى عليهم ~~الدم، وخص القسم على الدم بلفظ القسامة، وقال إمام الحرمين (¬1): القسامة ~~عند أهل اللغة اسم للقوم الذين يقسمون، وعند الفقهاء اسم للأيمان. وقال في ~~"المحكم" (¬2): القسامة. الجماعة يقسمون على الشيء أو يشهدون به، ويمين ~~القسامة منسوبة إليهم، ثم أطلقت على الأيمان نفسها، وفي "القاموس" (¬3): ~~القسامة: الجماعة يقسمون على الشيء ويأخذونه أو يشهدون. وفي "الضياء": ~~القسامة الأيمان تقسم على خمسين رجلا من أهل البلد أو القرية التي يوجد ~~فيها القتيل (أ)؛ لا يعلم قاتله ولا يدعي أولياؤه قتله على أحد بعينه. # 988 - عن سهل بن أبي حثمة عن [رجال من كبراء] (ب) قومه، أن عبد الله بن ~~سهل ومحيصة بن مسعود خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أن عبد ~~الله بن سهل قد قتل وطرح في عين، فأتى يهود فقال: أنتم والله قتلتموه. ~~قالوا: والله ما قتلناه. فأقبل هو وأخوه PageV08P459 # حويصة وعبد الرحمن بن سهل، فذهب محيصة ليتكلم، فقال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "كبر كبر". يريد السن، فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة وقال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يأذنوا ~~(أ) بحرب". فكتب إليهم في ذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه. فقال لحويصة ~~ومحيصة وعبد الرحمن بن سهل: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ ". قالوا: لا. ~~قال: "فيحلف لكم يهود؟ ". قالوا: ليسوا مسلمين. فوداه رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من عنده، فبعث إليهم مائة ناقة، قال سهل: فلقد ركضتني منها ~~ناقة حمراء. متفق عليه (¬1). # سهل هو أبو محمد، ويقال: أبو يحيى. ويقال: أبو عمارة. ويقال: أبو عبد ~~الرحمن. وهو بالسين المهملة، ابن أبي حثمة، وأبو حثمة عبد الله بن ساعدة بن ~~عامر بن الأوس الأنصاري، وقال المصنف رحمه الله ms1866 تعالى في "الفتح" (¬2): ~~اسمه عامر بن ساعدة بن عامر. ويقال: اسم أبيه عبد الله، واشتهر هو بالنسبة ~~إلى جده، وهو من بني حارثة؛ [بطن من] (ب) الأوس. # وحثمة بالحاء المهملة المفتوحة وسكون الثاء المثلثة، ولد سنة ثلاث من ~~الهجرة، سكن الكوفة، وعداده في أهل المدينة، كانت وفاته في زمن مصعب بن ~~الزبير، روى عنه أبو هريرة ونافع بن جبير وعبد الرحمن بن مسعود. PageV08P460 # قوله: عن رجال من كبراء قومه. كذا في رواية لمسلم، وفي رواية لمسلم (¬1) ~~عن مالك: أنه أخبره عن رجل من كبراء قومه. وفي رواية الشافعي (¬2): أنه ~~أخبره هو ورجال من كبراء قومه. وفي رواية أبي داود (¬3): عن سهل ورافع بن ~~خديج. وفي رواية البيهقي (¬4): عن بشير بن يسار مولى بني حارثة، أن رافع بن ~~خديج وسهل بن أبي حثمة وسويد بن النعمان حدثوه. وفي كثير من الروايات ~~للبخاري ومسلم والبيهقي (¬5) وغيرهم من دون توسيط لأحد. # وقوله: أن عبد الله بن سهل ومحيصة. وهو بضم الميم وفتح الحاء المهملة ~~وكسر الياء المشددة التحتانية وفتح الصاد المهملة، وهو ابن مسعود، ومحيصة ~~ابن عم عبد الله بن سهل بن زيد، ومحيصة بن مسعود بن زيد. # وقوله: خرجا. وجاء في رواية البخاري: انطلقوا إلى خيبر. وهي محمولة على ~~أنه كان معهما [تابع] (أ)، وقد وقع في رواية محمد بن إسحاق (¬6): فخرج عبد ~~الله بن سهل في أصحاب له يمتارون تمرا. وزاد في PageV08P461 # رواية لمسلم (¬1): في زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهي يومئذ ~~صلح وأهلها يهود. # وقوله: في جهد. بفتح الجيم وضمها بمعنى الطاقة والمشقة. # وقوله: فأتى محيصة. يعني إلى عبد الله بن سهل، يعني بعد أن تفرقا كما هو ~~في رواية البخاري. # وقوله: فأخبر، وفي رواية (¬2): ثم إذا محيصة يجد عبد الله بن سهل قتيلا، ~~ويمكن الجمع بأنه أخبرنا أولا ثم طلبه فوجده قتيلا، وفي رواية (¬3): يتشحط ~~في دمه قتيلا. أي يضطرب فيتمرغ في دمه، فدفنه. # وقوله: فطرح في عين. في البخاري (¬4) بالشك: فقير. بفاء مفتوحة ثم قاف ~~مكسورة؛ ms1867 أي حفير أو عين. وفي رواية ابن إسحاق: فوجد في عين قد كسرت عنقه ~~وطرح فيها. # وقوله: "كبر كبر". بصيغة الأمر، والثاني تأكيد للأول، وفي رواية البخاري: ~~"الكبر الكبر". بضم الكاف وسكون الباء الموحدة وهو منصوب على الإغراء. # وقوله: يريد السن. المراد به: يتكلم من كان أكبر سنا، وكان محيصة أصغر من ~~حويصة، وفي رواية يحيى بن سعيد (¬5): أن الذي تكلم عبد PageV08P462 # الرحمن. وكان عبد الرحمن بن سهل أصغر القوم مع أنه ولي الدم، إلا أنهم ~~لما كانوا متعاضدين في طلب الدم، كانوا في حكم المستحقين له. # وقوله: فتكلم حويصة. [هو بضم] (أ) الحاء المهملة وتشديد الياء مصغرا، وقد ~~روي التخفيف في الاسمين معا ورجحه طائفة. # وقوله: وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إما أن يدوا صاحبكم" ~~إلخ. قد يستدل (ب) به للحنفية في أن الدعوى في القتل تصح على غير معين؛ لأن ~~الأنصار ادعوا على اليهود أنهم قتلوا صاحبهم، وسمع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - دعواهم، وأجيب بأن هذا الذي ذكره الأنصار ليس على صورة الدعوى ~~بين الخصمين، وإنما هو إخبار بما وقع، فذكر لهم قصة الحكم على التقديرين، ~~ومن ثم كتب إلى يهود بعد أن دار بينهم الكلام المذكور، ويؤخذ منه أن مجرد ~~الدعوى لا توجب إحضار المدعى عليه ما لم يظهر ما يقوي الدعوى. # وقوله: "إما أن يدوا صاحبكم". يؤخذ منه أن المتعين في القسامة هو الدية، ~~ولا يثبت بها القصاص. # وقوله: "وإما أن يأذنوا بحرب من الله". فيه دلالة على أن من أبى من تسليم ~~ما يجب عليه يجوز محاربته، وأن ذلك يكون نقضا للذمة في حق من عقدت له؛ ~~لأنها كانت صلحا وأهلها يهود. # وقوله: فكتبوا: إنا والله ما قتلناه. فيه دلالة على الاكتفاء بالكتابة ~~وبخبر الواحد مع إمكان المشافهة. PageV08P463 # وقوله: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم؟ " إلى آخره. الحديث فيه دلالة على ~~مشروعية القسامة، وأصل من أصول الشرع وقاعدة من قواعد الإسلام، وركن من ~~مصالح العباد، وبه أخذ جماهير الأئمة والسلف من الصحابة والتابعين ms1868 وعلماء ~~الأمة وفقهاء الأمصار من الحجازيين والكوفيين والشاميين، وإن اختلفوا في ~~صورة الأخذ به على ما يأتي تفصيله، ولم تر الأخذ به طائفة من السلف، ولم ~~يروا القسامة، ولم يثبتوا [بها] (أ) حكما؛ منهم الحكم بن عتيبة وأبو قلابة ~~وسالم بن عبد الله وسليمان بن يسار وقتادة ومسلم بن خالد وإبراهيم بن علية، ~~واليه ينحو البخاري -إلا أن المصنف رحمه الله تعالى قال (¬1): الذي يظهر أن ~~البخاري لا يضعف القسامة من حيث هي، إلا أنه يوافق الشافعي في أنه [لا قود ~~بها] (ب)، ويخالفه في أن اليمين تكون على المدعى عليه؛ لأن الروايات اختلفت ~~في ذلك، فترجع على المتفق عليه أن اليمين على المدعى عليه- وعمر بن عبد ~~العزيز باختلاف عنه. قالوا: لأن القسامة مخالفة لأصول الشرع المجمع على صحتها: # فأولا: أن الشرع ورد أنه لا يجوز الحلف إلا على ما علمه قطعا، أو شاهده ~~حسا، وقد ورد في هذا الحكم تحليف أولياء الدم، وهم لم يشهدوا القتل، وهذا ~~على قول غير الحنفية. # ومنها: أن من الأصول أن الأيمان ليس لها تأثير في إثبات الدم. PageV08P464 # ومنها: أن من الأصول أن البينة على المدعي، واليمين على المنكر. ومنها: ~~أن هذا الحديث لم يكن فيه حكم من النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقسامة، ~~وإنما كانت حكما جاهليا فتلطف لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليريهم ~~كيف لا يلزم الحكم بها على أصول الإسلام. # والجواب عن مخالفة الأصول، بأن سنة القسامة سنة بنفسها منفردة مخصصة ~~للأصول كسائر السنن المخصصة للحاجة إلى شرعيتها، حياطة لحفظ الدماء وردع ~~المعتدين، وذلك لأن القتل لما كان يكثر، وقد يقل حضور الشهود عليه؛ لأن ~~القاتل إنما يتحرى بالقتل مواضع الخلوات، ويترصد أوقات الغفلات -جعلت هذه ~~السنة حفظا للدماء، فصارت أصلا مستقلا يتبع و (أ) يستعمل، ولا تطرح سنة ~~بسنة، وعدى اعتبار هذه المصلحة الإمام مالك في حق الأموال أيضا، فإنه أجاز ~~شهادة المسلوبين على السالبين، وإن كانوا مدعين؛ لأن قاطع الطريق إنما يفعل ~~ذلك مع الغفلة والانفراد عن ms1869 الناس، ولعله يقول بمثل ذلك في حق المسروق، فإن ~~الشهادة على السرقة متعذرة بحسب الأغلب. # ثم الجمهور القائلون بثبوت القسامة اختلفوا، هل يجب فيها القود أو الدية؟ ~~فذهب معظم الحجازيين إلى إيجاب القود بها إذا كمل شروطها، وهو قول الزهري، ~~وربيعة، وأبي الزناد، ومالك، والليث، والأوزاعي، والشافعي في أحد قوليه، ~~وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وداود، وروي ذلك عن بعض الصحابة كابن الزبير، ~~واختلف عن عمر بن عبد العزيز، PageV08P465 # وقال أبو الزناد: قتلنا بالقسامة والصحابة متوافرون، إني لأرى أنهم ألف ~~رجل، فما اختلف منهم اثنان. # قال المصنف رحمه الله تعالى (¬1): إنما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن ~~زيد بن ثابت، كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي (¬2) من رواية عبد الرحمن ~~أبي الزناد عن أبيه، وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه رأى [عشرين] (أ) من ~~الصحابة فضلا عن ألف، وحجتهم حديث الباب، وهو قوله: "أتحلفون وتستحقون دم ~~صاحبكم؟ ". وفي رواية عند مسلم (¬3): "يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع ~~برمته". وأن هذا يدل على القصاص، فإن استحقاق الدم منهم منه، أنه إذا كان ~~القتل عمدا استحق القصاص، فإنه موجب القصاص، ولا سيما رواية: "يدفع برمته". ~~فإن هذا العطف مستعمل في دفع القاتل إلى أولياء القتول للقتل، مع أن قوله: ~~"دم صاحبكم". يحتمل أن يراد بالصاحب القاتل، والإضافة للملابسة التي بينهم ~~باعتبار ما لزمه من الحق، ويفسره رواية قوله: "فيدفع برمته". وقول هؤلاء: ~~إنه يبدأ في التحليف بالمدعين. كما في هذه الرواية، وكما في حديث أبي هريرة ~~(¬4): "البينة على المدعي، واليمين على المدعى عليه، إلا القسامة". وفي ~~إسناده لين، ويتأيد ذلك بأن جنبة المدعي إذا قويت بشهادة PageV08P466 # أو شبهة صارت اليمين له، وههنا الشبهة قوية، فصار المدعي في القسامة ~~مشبها بالمدعى عليه المؤيد بالبراءة الأصلية مما ادعي عليه، وهذه الشبهة ~~التي مع المدعي مؤيدة لصحة دعواه حتى كأن الظاهر معه. وذهب الهدوية، ~~والثوري، وأبو حنيفة وأصحابه، والكوفيون، وكثير من أهل البصرة، وبعض أهل ~~المدينة، والأوزاعي، إلى أنه يحلف المدعى عليهم ولا يمين ms1870 على المدعين، ~~فيحلف خمسون رجلا من أهل القرية خمسين يمينا: ما قتلناه ولا علمنا قاتله. ~~فإن حلفوا، فقال الكوفيون والهدوية: يلزمهم الدية. واحتجوا بما روي عن زياد ~~بن أبي مريم، أن رجلا قال للرسول - صلى الله عليه وسلم -: إن أخي قتل بين ~~قريتين، فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: "يحلف منهم خمسون رجلا". ~~فقال: ما لي من أخ غير هذا! فقال: "نعم، ومن الإبل مائة" (¬1). وما أخرجه ~~البيهقي (¬2) عن أبي سعيد، أن قتيلا وجد بين حيين، فأمر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - أن يقاس إلى أيهما أقرب، فوجد أقرب إلى أحد الجانبين (أ) بشبر. ~~قال أبو سعيد: كأني أنظر إلى شبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فألقى ~~ديته عليهم. وأخرج (2) عن أبي إسرائيل الملائي نحوه. قال البيهقي: تفرد أبو ~~إسرائيل عن عطية العوفي بذلك، وكلاهما لا يحتج به. وأخرج أيضا (ب) البيهقي ~~(¬3) عن الشعبي، أن PageV08P467 # قتيلا وجد في خربة وادعة همدان، فرفع إلى عمر بن الخطاب، فأحلفهم خمسين ~~يمينا: ما قتلنا، ولا علمنا قاتلا. ثم غرمهم الدية، قال: يا معشر همدان، ~~حقنتم دماءكم بأيمانكم، فما يبطل دم هذا الرجل المسلم؟ # وأخرج عبد الرزاق وابن أبي شيبة والبيهقي (¬1) عن الشعبي، أن قتيلا وجد ~~بين وادعة وشاكر، فأمرهم عمر بن الخطاب أن يقيسوا ما بينهما، فوجدوه إلى ~~وادعة أقرب، فأحلفهم عمر خمسين يمينا؛ كل رجل: ما قتلته، ولا علمت قاتلا. ~~ثم أغرمهم الدية، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لا أيماننا دفعت عن أموالنا، ~~ولا أموالنا دفعت عن أيماننا. فقال عمر: كذلك الحق. # وأخرج البيهقي (¬2) عن الشعبي، أنه قتل رجل، فأدخل عمر بن الخطاب الحجر ~~المدعى عليهم خمسين رجلا، فأقسموا: ما قتلنا، ولا علمنا قاتلا. # وأخرج الدارقطني والبيهقي (¬3) عن سعيد بن المسيب قال: لما حج عمر حجته ~~الأخيرة وجد رجلا من المسلمين قتيلا بفناء وادعة، فقال لهم: [هل] (أ) علمتم ~~لهذا القتيل قاتلا منكم؟ قالوا: لا. فاستخرج منهم خمسين شيخا فأدخلهم ~~الحطيم فاستحلفهم بالله رب هذا البيت الحرام، ورب هذا PageV08P468 # البلد الحرام، ms1871 ورب هذا الشهر الحرام، لم تقتلوه، ولا علمتم له قاتلا. ~~فحلفوا بذلك، فلما حلفوا قال: أدوا ديته مغلظة. قال رجل منهم، يا أمير ~~المؤمنين، أما تجزيني يميني من مالي؟ قال: إنما قضيت عليكم بقضاء نبيكم - ~~صلى الله عليه وسلم -. قال البيهقي (¬1): رفعه إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - منكر، وفيه عمر بن [صبح] (أ) (¬2). أجمعوا على تركه. وأخرج مالك ~~والشافعي وعبد الرزاق والبيهقي (¬3) عن سليمان بن يسار وعراك بن مالك، أن ~~رجلا من بني سعد بن ليث أجرى فرسا، فوطئ على أصبع رجل من جهينة، فنزي منها ~~فمات، فقال عمر بن الخطاب للذين ادعي عليهم: أتحلفون بالله خمسين يمينا ما ~~مات منها؟ فأبوا وتحرجوا من الأيمان؛ فقال للآخرين: احلفوا أنتم. فأبوا، ~~فقضى عمر بشطر الدية على السعديين. وأخرج ابن أبي شيبة (¬4) عن الحسن، أن ~~أبا بكر وعمر والجماعة الأولى لم يكونوا يقتلون بالقسامة. وأخرج عبد الرزاق ~~وابن أبي شيبة والبيهقي (¬5) عن عمر، أن القسامة إنما توجب العقل ولا تشيط ~~الدم. تشيط بالشين المعجمة: أي لا تهلك الدم رأسا بحيث تهدره. # فهذه الأحاديث مصرحة بتحليف المدعى عليهم وتغريمهم الدية بعد اليمين، ~~والجواب من جانب الأولين بأن الحديثين فيهما المقال، والآثار المروية PageV08P469 # عن عمر لا تعارض الحديث الصحيح وحديث أبي هريرة المصرح بمخالفة القسامة ~~لغيرها من الأحكام، وقد يجاب عنه بأن في رواية البخاري (¬1) ذكر يمين ~~اليهود من غير ذكر يمين الأنصار، ذكره في باب القسامة. وفي رواية يحيى بن ~~سعيد تقديم أيمان المدعين، فتعارضت الروايتان، ومع التعارض يرجع إلى ~~الترجيح، والراجح موافق القياس، وهو أحاديث تقديم يمين المدعى عليهم. # وذهب بعض أهل الكوفة، وكثير من أهل البصرة، وبعض أهل المدينة، والأوزاعي ~~إلى أنهم إن حلفوا اليمين برئوا، وإن نقصوا عن الخمسين أو نكلوا حلف ~~المدعون على رجل واحد واستحقوا، وإن نقصت أيمانهم عادت الدية. وقال الزهري: ~~إذا نكل منهم واحد بطلت الدية في حق الجميع. وقال عثمان البتى من فقهاء ~~البصرة: يبدأ المدعى عليهم بالأيمان، فإن حلفوا فلا شيء عليهم. # واعلم ms1872 أن القسامة لا تثبت بمجرد دعوى القتل على المدعى عليهم من دون شبهة ~~إجماعا، إلا ما روي عن الأوزاعي، فإنه قال: وجود الإنسان في محلة، وإن لم ~~يكن عليه أثر قتل ونحوه، يوجب القسامة. وروي عن داود أيضا. وأما مع الشبهة ~~فاختلف العلماء بما تثبت به القسامة منها؛ فذهب أبو حنيفة وأصحابه والهدوية ~~إلى أن الذي تثبت به القسامة هو وجود الميت وبه أثر القتل في محل يختص ~~بمحصورين، فالقسامة تثبت عليهم إذا لم يدع المدعي على غيرهم ولا تثبت في ~~غيرها. قالوا: لأن الأحاديث وردت في PageV08P470 # مثل هذه الحالة. وذهب مالك والليث والشافعي إلى أنه لا يثبت بهذا قسامة، ~~إلا إذا كان بين المقتول وبين أهل تلك المحلة عداوة، كما كان في قضية خيبر؛ ~~لأنه قد يقتل الرجل الرجل ويلقيه في محلة طائفة لينسب إليهم، قال الإمام ~~المهدي: قلنا: لم يثبت اللوث في أخبار القسامة، والبيان لا يجوز تأخيره عن ~~وقت الحاجة. وقد يجاب عنه بأن في قصة خيبر قد ثبت ذلك، وهي أصح ما ورد في ~~الباب، وذهب المشترطون للوث إلى أنه لا بد من الاقتران بشبهة تغلب الظن ~~بالحكم بها، وذكروا من ذلك ست صور: # الأولى: أن يقول المقتول في حياته: دمي عند فلان، إذ هو قتلني أو ضربني. ~~وإن لم يكن به أثر، أو يقول: جرحني. ويذكر العمد، فهذا موجب للقسامة عند ~~مالك والليث (أ)، وادعى مالك أنه مما أجمع عليه الأئمة قديما وحديثا. قال ~~القاضي [عياض] (ب) (¬1): ولم يقل بهذا من فقهاء الأمصار (ج) غيرهما، ولا ~~روي عن غيرهما، وخالفا في ذلك العلماء كافة، واشترط بعض المالكية وجود ~~الأثر والجرح في كونه قسامة، واحتج مالك بقصة بقرة بني إسرائيل: {فقلنا ~~اضربوه ببعضها} (¬2). قال: فحيي الرجل وأخبر بقاتله. والجواب بأن ذلك معجزة ~~لنبي، وتصديقها قطعي يقيني PageV08P471 # فعلي، واحتج أصحاب مالك أيضا بأن القاتل يطلب غفلة الناس، فلو لم يقبل ~~خبر المجروح أدى ذلك إلى إبطال الدماء غالبا. قالوا: ولأنها حالة يتحرى ~~فيها المجروح الصدق، ويتجنب الكذب ms1873 والمعاصي، ويتزود التقوى والبر، فوجب ~~قبول قوله. واختلف المالكية في أنه هل يكتفى في الشهادة على قوله بشاهد أم ~~لا بد من اثنين؟ # الثانية: شهادة من ليسوا عدولا أو شاهد واحد، وقد قال هذا مالك والليث. # الثالثة: إذا شهد عدلان [بالجرح، فعاش] (أ) بعده أياما ثم مات قبل أن يصح ~~من ذلك؛ فقال مالك والليث: هو لوث تثبت به القسامة. وقال الشافعي وأبو ~~حنيفة، وهو قول الهدوية: إنه يثبت بذلك القصاص. # الرابعة: أن يوجد المتهم عند المقتول، أو قريبا منه، أو آتيا من جهته ~~ومعه آلة القتل، وعليه أثره من لطخ دم أو غيره، وليس هناك سبع ولا غيره مما ~~يمكن إحالة القتل عليه، أو تفرق جماعة عن قتيل، فهذا لوث يوجب القسامة عند ~~مالك والشافعي. # الخامسة: أن يقتتل طائفتان، فيوجد بينهما قتيل، ففيه القسامة عند مالك ~~والشافعي، وفي رواية عن مالك أن القسامة تكون على الطائفة التي ليس هو ~~منها، وإن كان من غير الطائفتين كان عليهما، وكذا عند الهدوية، وإذا كانت ~~جراحته مما تختص بإحدى الطائفتين كالرمي ونحوه كانت PageV08P472 # القسامة على أهل جراحته. # السادسة: أن يوجد الميت في زحمة الناس، قال الشافعي: تثبت به القسامة ~~وتجب به الدية. وقال مالك: هو هدر. وقال الثوري وإسحاق: تجب ديته في بيت ~~المال. وروي مثله عن عمر وعلي (¬1)، وذهب داود إلى أن القسامة لا تثبت إلا ~~إذا وجد القتيل في مدينة أو قرية كبيرة وهم أعداء للمقتول، وهو رواية عن ~~أحمد ليكون مثل قضية أهل خيبر. # ثم اعلم أنه على قول من يقول: إنه يستحق القود بالقسامة؛ إن كانت الدعوى ~~على واحد معين ثبت القود عليه، وإن كانت الدعوى على جماعة حلفوا عليهم. ~~وتثبت [عليهم] (أ) الدية على الصحيح عند الشافعي، وعلى قول للشافعي يجب ~~القصاص عليهم، وقال أشهب وغيره: يحلف الأولياء على من شاءوا ولا يقتلون إلا ~~واحدا يختاره الورثة، ويسجن الباقون عاما، ويضربون مائة مائة. وهو قول لم ~~يسبق إليه، والأيمان إنما هي أيمان الورثة، ويلزمهم الأيمان ذكورا كانوا ms1874 أو ~~إناثا، عمدا كان أو خطأ. هذا مذهب الشافعي، وبه قال أبو ثور وابن المنذر، ~~ووافق مالك إذا كان القتل خطأ، وأما في العمد فقال: يحلف الأقارب خمسين ~~يمينا، ولا يحلف النساء ولا الصبيان. ووافقه ربيعة والليث والأوزاعي وأحمد ~~وداود وأهل الظاهر، وإن كان الوارث واحدا حلف خمسين يمينا. وقال مالك: إذا ~~كان ولي الدم PageV08P473 # واحدا ضم إليه آخر من العصبة، ولا يستعان بغيرهم. وقال الليث: لم أسمع ~~أحدا يقول: إنها تنزل عن ثلاثة أنفس. وقال الزهري، عن سعيد بن المسيب: أول ~~من نقص القسامة عن الخمسين معاوية (¬1). قال الزهري: وقضى به عبد الملك، ثم ~~رده عمر بن عبد العزيز إلى الأمر الأول. # وقوله: فوداه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عنده. هكذا وقع [في] ~~(أ) رواية أي [ليلى] (ب). وفي رواية يحيى بن سعيد: فعقله النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - من عنده (¬2). أي أعطى ديته. وفي راية حماد بن زيد: من قبله ~~(¬3). بكسر القاف وفتح الموحدة، أي من جهته. وفي رواية الليث: فلما رأى ذلك ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى عقله (¬4). وجاء في البخاري (¬5)، من ~~رواية سعيد بن عبيد، زيادة: من إبل الصدقة. وظاهرها المعارضة لرواية: من ~~عنده. وجمع بعضهم بين الروايتين باحتمال أن يكون اشتراها من إبل الصدقة ~~بمال دفعه مات عنده، أو المراد بقوله: من عنده. من بيت المال المرصد ~~للمصالح، وأطلق عليه اسم الصدقة؛ لما كان معدا لمصالح المسلمين. وقد حكى ~~القاضي عياض (¬6) عن PageV08P474 # بعض العلماء جواز صرف الزكاة في المصالح العامة، واستدل بهذا الحديث ~~وغيره، وقد جاء في حديث أبي [لاس] (أ) قال: حملنا النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على إبل الصدقة في الحج (¬1). وقد قيل: إن زيادة: من إبل الصدقة. ~~يعني في (ب) حديث الباب، غلط، والأولى ألا يغلط الراوي ما أمكن؛ لاحتمال ما ~~ذكر من التأويل، ويحتمل أيضا أن يكون تسلف ذلك من إبل الصدقة ليدفعه من مال ~~الفيء، أو أن أولياء القتيل كانوا مستحقين للصدقة فأعطاهم، أو أن ذلك من ms1875 ~~سهم التأليف تألفا لهم واستجلابا لليهود. # 989 - وعن رجل من الأنصار، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أقر ~~القسامة على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بين ناس من الأنصار في قتيل ادعوه على اليهود. رواه مسلم (¬2). # الحديث فيه دلالة على أن اعتبار القسامة كان ثابتا في الجاهلية، وأقره ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، واستدل بهذا الحديث من أثبت القود بالقسامة، ~~قال المصنف رحمه الله تعالى (¬3): وهذا يتوقف (ج) على أن الجاهلية كانوا ~~يقودون PageV08P475 # بالقسامة. وأقول: قد جاء في رواية البيهقي (¬1) لهذا الحديث عن أبي سلمة ~~وسليمان بن يسار، عن أناس من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -، أن ~~القسامة كانت في الجاهلية قسامة الدم، فأقرها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - على ما كانت عليه في الجاهلية، وقضى بها رسهول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بين أناس من الأنصار من بني حارثة ادعوا على اليهود. # وقوله: قسامة الدم. يدل على أن الجاهلية كانوا يقيدون بالقسامة، فاستقام ~~استدلال المستدل بالحديث بالزيادة المذكورة في هذه الرواية، وقد أخرج ~~البخاري (¬2) في قصة الهاشمي المقتول، فقال أبو طالب للقاتل: اختر منا إحدى ~~ثلاث؛ إن شئت أن تؤدي مائة من الإبل، فإنك قتلت صاحبنا خطأ، وإن شئت حلف ~~خمسون من قومك أنك لم تقتله، فإن أبيت قتلناك به. فهذا يدل على ثبوت القتل ~~بالقسامة في الجاهلية أيضا، والله أعلم. PageV08P476 ### || AUTO باب قتال أهل البغي # البغي مصدر بغى عليه، بفتح الغين المعجمة، بغيا بفتح الباء وسكون ~~المعجمة: علا وظلم وعدل عن الحق، وله معان كثيرة، وفي الاصطلاح: هو الخروج ~~عن طاعة الإمام وترك الانقياد، أو منع حق إليه، أو منعه من قبض ما استحق ~~قبضه أو من إقامة ما أمره إليه، مع محاربته أو العزم عليها، وله تأويل في ذلك. # 990 - عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من حمل علينا السلاح فليس منا". متفق عليه (¬1). # قوله: "حمل علينا". جاء ms1876 عند مسلم (¬2) من حديث سلمة بن الأكوع: "من سل ~~علينا السيف". والمراد حمله لقتال المسلمين بغير حق، يكنى به عن المقاتلة ~~أو القتل اللازم لحمل السيف في الأغلب، ويحتمل بقاؤه على معناه الحقيقي، ~~أي: حمله لإرادة القتال به؛ لقرينة قوله: "علينا". # وقوله: "فليس ما". أي على طريقتنا، أو: ليس متبعا لطريقتنا؛ لأن من حق ~~المسلم على المسلم أن ينصره ويقاتل دونه لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه ~~لإرادة قتاله، ونظيره: "من غشنا فليس منا" (¬3). و: "ليس منا PageV08P477 # من ضرب الخدود وشق الجيوب" (¬1). وهذا في حق من لا يستحل ذلك، وأما من ~~يستحله، فإنه يكفر باستحلال المحرم بشرطه، لا بمجرد حمل السلاح، وقد ذهب ~~كثير من السلف إلى إطلاق لفظ الخبر من غير تعرض لتأويله، ليكون أبلغ في (أ) ~~الزجر، وكان سفيان بن عيينة ينكر على من يصرفه عن ظاهره، ويرى أن الإمساك ~~على تأويله أولى بما ذكرناه. # والحديث فيه دلالة على تحريم قتال المسلمين والتشديد فيه، وخروج من قاتل ~~البغاة من أهل الحق بدليل خاص، فيحمل الحديث على البغاة، وعلى من بدأ ~~بالقتال ظالما. والله أعلم. # 991 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة ومات، فميتته جاهلية". أخرجه مسلم (¬2). # قولي: "خرج عن الطاعة". أي: طاعة الخليفة الذي وقع الاجتماع عليه. # وقولى: "وفارق الجماعة". المراد بمفارقة الجماعة هو الخروج عن طاعة ~~الإمام الذي قد اتفقت الكلمة عليه وانتظم شمل المسلمين بحياطته. # وقولى: "فميتته جماهلية". بكسر الميم، مصدر نوعي مراد بها نوع من ~~الميتات، وهو كونها تشبه موت من مات وهو في الجاهلية، والشبه به PageV08P478 # محذوف؛ أي [ميتة] (أ) جاهلية منسوبة إلى الجاهل، والمراد بها من مات على ~~الكفر قبل الإسلام، ووجه التشبيه أنه لا لم يكن تحت حكمة الإمام وخرج عن ~~طاعته أشبه الجاهلية من حيث هم فوضى لا إمام لهم. # 992 - وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "تقتل عمارا الفئة ms1877 الباغية". رواه مسلم (¬1). # تمام الحديث: "يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" (¬2). # وهو حديث مشهور من حديث أبي قتادة (¬3) وأبي سعيد الخدري وأم سلمة، ~~وأخرجه البخاري (¬4) من حديث أبي سعيد بلفظ: "ويح عمار يدعوهم إلى الجنة ~~ويدعونه إلى النار". # وقد أخرجه الترمذي (¬5) من حديث خزيمة بن ثابت، والطبراني من حديث عمر ~~(5) وعثمان (¬6) وحذيفة (¬7) وأبي أيوب (¬8) وزياد (ب) (¬9) وعمرو بن PageV08P479 # حزم (¬1) ومعاوية (¬2) وعبد الله بن عمرو (أ) (1) وأبي رافع (¬3) ومولاة ~~لعمار بن ياسر وغيرهم. وقال ابن عبد البر (¬4): تواترت الأخبار بهذا، وهو ~~من أصح الحديث. وقال ابن دحية (1): لا يطعن في صحته، ولو كان غير صحيح لرده ~~معاوية، وإنما قال معاوية: قتله من جاء به. ولو كان فيه شك لرده معاوية ~~وأنكره، حتى أجاب عمرو بن العاص على معاوية، فقال: فرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قتل حمزة؟!. ونقل ابن الجوزي (¬5) عن [الخلال] (ب) في "العلل" ~~(¬6) أنه حكى عن أحمد أنه قال: قد روي هذا الحديث من ثمانية وعشرين طريقا ~~ليس فيها طريق صحيح (ج). وحكى أيضا عن [أحمد ويحيى بن معين] (ج) وابن أبي ~~خيثمة أنهم قالوا: لم يصح (¬7). # والحديث فيه دلالة على حقية عمار ومن كان تابعا له [عمار] (د)، وهو علي ~~رضي الله عنه، وأن معاوية وأهل صفين بغاة على علي رضي الله عنه. PageV08P480 # 993 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "هل تدري يا بن أم عبد، كيف حكم الله فيمن بغى من هذه الأمة؟ ". قال: ~~الله ورسوله أعلم. قال: "لا يجهز على جريحها، ولا يقتل أسيرها، ولا يطلب ~~هاربها، ولا يقسم فيئها". رواه البزار، والحاكم (¬1) وصححه فوهم؛ لأن في ~~إسناده كوثر بن حكيم وهو متروك، وصح عن علي من طرق (أ) نحوه موقوفا. أخرجه ~~ابن أبي شيبة والحاكم (¬2). # كوثر بن حكيم، قال البخاري (¬3): إنه متروك. وقال ابن عدي (¬4): هذا ~~الحديث غير محفوظ. وقال البيهقي (¬5): كوثر ضعيف. # وحديث علي أخرجه البيهقي (1) عن أبي أمامة، قال: شهدت صفين، فكانوا لا ~~يجيزون (¬6) على ms1878 جريح، ولا يقتلون موليا، ولا يسلبون قتيلا. وأخرج البيهقي ~~(5) عن أبي فاختة، أن عليا رضي الله عنه أتي بأسير يوم صفين، فقال: لا ~~تقتلني صبرا. فقال علي رضي الله عنه: لا أقتلك صبرا PageV08P481 # إني أخاف الله رب العالمين. فخلى سبيله، ثم قال: أفيك خير، [تبايع]؟ (أ) ~~قال الشافعي: والحرب يوم صفين قائمة. # قوله: "لا يجهز على جريحها". أي لا يتم قتل من كان جريحا، من: أجهز على ~~الجريح، وجهز؛ أي ثبت قتله وأسرعه وتمم عليه، وفي رواية: "لا يذفف". بالذال ~~المعجمة، وهو في معنى يجهز. # والحديث فيه دلالة على جواز قتل الباغي في القتال، وهو مجمع على جوازه؛ ~~لقوله تعالى: {فقاتلوا التي تبغي} (¬1). وروي عن الناصر والمرتضى والحسن ~~البصري ومحمد بن عبد الله النفس الزكية وأبي حنيفة، أن قتالهم أفضل من قتال ~~الكفار، قالوا: لما يلحق من (ب) الضرر بالمسلمين من أجلهم، حتى قال الحسن ~~البصري: أما المؤمن فقد ألجمه الخوف وذكر العرض على الله تعالى، [وأما ~~الكافر] (ج) فقد طرده السيف، وأما الغساق فهم في الحجرات يمرحون، وغيرهم ~~اعتبروهم (أ) بأفعالهم الخبيثة. وروي أن أبا حنيفة قال لرجل رجع عن غزو ~~الكفار، وقد قتل أخوه مع محمد بن عبد الله، فقال أبو حنيفة له: خروج أخيك ~~مع محمد بن عبد الله أفضل عندي من خروجك إلى الغزو. فقال له الرجل: هلا ~~خرجت أنت معه. قال أبو حنيفة: كانت عندي ودائع للناس قد تعين علي ردها. ~~وأراد بذلك الفقه الذي يحتاج الناس إليه، وتلا قوله تعالى: PageV08P482 # {أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها} (¬1). يعني بموت العلماء ~~(¬2). إلا أن قتالهم إنما يكون بعد تقديم دعائهم إلى الحق وتبيين شبههم؛ ~~لقوله تعالى: {فأصلحوا بينهما} (¬3). وندب تكرير الدعاء ثلاث مرات كما فعل ~~علي رضي الله عنه في يوم الجمل. أخرجه البيهقي (¬4)، أن عليا لم يقاتل أهل ~~الجمل حتى دعا الناس ثلاثا، حتى إذا كان يوم الثالث دخل عليه الحسن والحسين ~~وعبد الله بن جعفر فقالوا: قد أكثروا فينا الجراح. فقال: يا بن ms1879 أخي، والله ~~ما جهلت شيئا من أمرهم إلا ما كانوا فيه. وقال: صب لي ماء. فصب له ماء، ~~فتوضأ به ثم صلى ركعتين، حتى إذا فرغ رفع يديه ودعا ربه، وقال لهم: إن ~~ظهرتم على القوم، فلا تطلبوا مدبرا، ولا تجيزوا على جريح، وانظروا ما حضرت ~~به الحرب من آلته (ب) فاقبضوه، وما كان سوى ذلك فهو لورثته. قال رحمه الله: ~~هذا منقطع، [والصحيح] (ج) أنه لم يأخذ شيئا ولم يسلب قتيلا. # ويجب إمهالهم إذا طلبوا المهلة للنظر والتثبت مدة معلومة. # وقوله: "لا يجهز على جريحها ولا يقتل أسيرها". حكم خاص بالبغاة مخالف ~~لقتال الكفار؛ وذلك لأن قتلهم إنما هو لدفعهم عن المحاربة. PageV08P483 # وظاهر قوله: "ولا يطلب هاربها". أنه لا يجوز ذلك ولو كان متحيزا إلى فئة، ~~وقد ذهب إلى هذا الشافعي، قال: لأن القصد دفعهم في تلك الحال وقد وقع. ~~وذهبت الهدوية وأبو حنيفة والمروزي أن الهارب إلى فئة يقتل؛ إذ لا يؤمن ~~عوده، والحديث يرد عليه، وكذا ما تقدم من كلام علي رضي الله عنه. # وقوله: "ولايقسم فيئها". فيه دلالة على أن البغاة لا تغنم أموالهم، وإن ~~أجلبوا بها إلى دار الحرب، وقد ذهب إلى هذا محمد بن عبد الله النفس الزكية ~~والحنفية والشافعية، ويتأيد هذا الحديث ما بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه" (¬1). وأخرج البيهقي (¬2) عن ~~الدراوردي عن جعفر بن محمد عن أبيه، أن عليا رضي الله عنه كان لا يأخذ ~~سلبا. وأخرج أيضا (2) عن أبي بكر بن أبي شيبة عن جعفر بن محمد عن أبيه، أن ~~عليا يوم البصرة لم يأخذ من متاعهم شيئا. وأخرج عن أبي أمامة (¬3)، قال: ~~شهدت يوم صفين، وكانوا لا يجيزون على جريح، ولا يقتلون موليا، ولا يسلبون ~~قتيلا. وأخرج أيضا (¬4) عن عرفجة عن أبيه، قال: لا قتل علي رضي الله عنه ~~أهل النهر جال في عسكرهم، فمن كان يعرف شيئا أخذه، حتى بقيت قدر ثم رأيتها ~~أخذت بعد. وذهب أكثر (أ) العترة وأبو ms1880 يوسف إلى أنه يغنم ما أجلبوا به من ~~مال وآلة حرب ويخمس؛ لقول علي رضي الله عنه: لكم العسكر وما PageV08P484 # حوى. ويجاب عنه بأن الحديث مصرح بأن أموالهم لا تغنم، وقول علي رضي الله ~~عنه مؤيد للحديث، وهذا المروي عنه لا يقوى على المعارضة. # واختلف العلماء في تضمين البغاة ما أتلفوه من الدماء والأموال؛ فذهب ~~الإمام يحيى والحنفية إلى أنهم لا يضمنون ما أتلفوا في القتال؛ لقوله ~~تعالى: {حتى تفيء إلى أمر الله} (¬1). ولم يذكر ضمانا. وأخرج البيهقي (¬2) ~~عن ابن شهاب أنه قال: قد هاجت الفتنة الأولى فأدركت -يعني الفتنة- رجالا ~~ذوي عدد من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ممن شهد معه بدرا، ~~وبلغنا أنهم كانوا يرون أن يهدر أمر (أ) الفتنة، ولا يقام فيها على رجل ~~قاتل في تأويل القرآن قصاص فيمن قتل، ولاحد في سباء امرأة سبيت، ولا يرى ~~عليها حد، ولا بينها وبين زوجها ملاعنة، ولا يرى أن [يقذفها] (ب) أحد إلا ~~جلد الحد، ويرى أن ترد إلى زوجها الأول بعد أن تعتد فققضي عدتها من زوجها ~~الآخر، [ويرى] (ج) أن يرثها زوجها الأول. وأخرج (¬3) عن علي رضي الله عنه، ~~أنه قال يوم الجمل بعد أن أكثر الناس عليه الكلام في ذلك: أرأيتم ما عددتم ~~فهو تحت قدمي هاتين. وأخرج (¬4) عن أبي حبيبة مولى طلحة، قال: PageV08P485 # دخلت مع عمران بن طلحة على علي بعدما فرغ من أصحاب الجمل، ثم قال له علي ~~بعد كلام: إنا لم نقبض أرضكم هذه السنين (أ) إلا مخافة أن ينتهبها الناس، ~~يا فلان، انطلق معه إلى ابن قرظة، مره فليعطه [غلة] (ب) هذه السنين، ويدفع ~~إليه أرضه. وذهب الشافعي -قال في "البحر": وحكاه أبو جعفر عن أصحابنا- إلى ~~أنه يقتص ممن قتل البغاة. قال الشافعي (¬1) رحمه الله تعالى: قال الله ~~تعالى: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا} (¬2). وقال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فيما يحل دم المسلم: "وقتل نفس بغير نفس" (¬3). وروي ~~عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من ms1881 اعتبط مسلما بقتل فهو قود يده" ~~(¬4). واحتج (¬5) بما رواه محمد بن جعفر، أن عليا رضي الله عنه قال في ابن ~~ملجم بعدما ضربه: أطعموه واسقوه، وأحسنوا إساره، فإن عشت فأنا ولي دمي؛ ~~أعفو إن شئت، وان شئت استقدت، وان مت فقتلتموه فلا تمثلوا. وقد يجاب عنه ~~بأن ذلك عموم، وقد عارضه إطلاق قوله: "ولا يجهز على جريحها " الحديث. فإن ~~ظاهر الإطلاق أنه سواء كان قد قتل أو لا - والآية الكريمة التقييد بالغاية، ~~يدل المفهوم أنه لا يتبعه بعد الفيء، وهو متأيد أيضا بما PageV08P486 # شاع بين الصحابة، كما رواه ابن شهاب. والله أعلم. # 994 - وعن عرفجة بن شريح: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ~~"من أتاكم وأمركم جميع يريد أن يفرق جماعتكم فاقتلوه". أخرجه مسلم (¬1). # هو عرفجة بن شريح، بضم الشين المعجمة وفتح الراء وسكون الياء وبالحاء ~~المهملة. وقيل: ابن ضريح بضم الضاد المعجمة وفتح الراء وسكون الياء والحاء ~~المهملة. وقيل: ذريح بفتح الذال المعجمة وكسر الراء وبالحاء المهملة. وقيل: ~~صريح بضم الصاد المهملة وفتح الراء وبالحاء المهملة. وقيل: شراحيل. وقيل: ~~سريج. بالسين المهملة والجيم. الكندي، ويقال: الأشجعي. ويقال: الأسلمي. ~~عداده في أهل الكوفة. # الحديث فيه [دلالة] (أ) على أن من فرق بين جماعة المسلمين؛ وذلك بأن يخرج ~~عن طاعة الإمام الذي قد اجتمعت عليه كلمة المسلمين، يقتل بعد أن [نهي] (ب) ~~عن ذلك فلم ينته، فإذا قتل فقد صار دمه هدرا. PageV08P487 ### || AUTO باب قتال الجاني وقتل المرتد # 995 - عن عبد الله بن [عمرو] (أ) رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "من قتل دون ماله فهو شهيد". رواه أبو داود والنسائي ~~والترمذي وصححه (¬1). # وأخرجه البخاري (¬2) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وأخرجه أصحاب ~~"السنن" وابن حبان والحاكم (¬3) من حديث سعيد بن زيد، وأخرجه مسلم (¬4) من ~~طريق ثابت بن عياض عن عبد الله بن عمرو، وذكر قصة منع عبد الله لعنبسة بن ~~أبي سفيان من إجراء الماء من حائط لآل عمرو بن العاص، ms1882 وكان المنع لما يدخل ~~عليه من الضرر. # والحديث فيه دلالة على أنه يجوز المقاتلة لن قصد أخذ مال غيره بغير حق، ~~سواء كان المال قليلا أو كثيرا. وهو قول الجمهور. وقال بعض المالكية: لا ~~تجوز المقاتلة عن المال القليل. قال القرطبي (¬5): سبب الخلاف في ذلك أنه ~~هل ذلك لدفع المنكر، فلا يفترق الحال بين القليل والكثير، أو من PageV08P489 # باب دفع الضرر، فيختلف الحال في ذلك؟ وحكى ابن المنذر (¬1) عن الشافعي ~~أنه من أريد ماله أو نفسه أو حريمه ولم يمكن الدفع إلا بالقتل فله ذلك، ~~وليس عليه عقل ولا دية ولا كفارة، لكن ليس له أن يقصد القتل. قال ابن ~~المنذر (¬2): والذي عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر إذا أريد ظلما ~~بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على استثناء ~~السلطان؛ للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه. وفرق ~~الأوزاعي بين الحال التي للناس فيها جماعة وإمام فحمل الحديث عليها، وأما ~~في حال الاختلاف والفرقة فليستسلم ولا يقاتل أحدا. ويؤيد قول الجمهور ما ~~أخرجه مسلم (¬3) من حديث أبي هريرة بلفظ: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ ~~قال: "فلا تعطه". قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله". قال: أرأيت إن ~~قتلني؟ قال: "فأنت شهيد". قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "فهو في النار". وظاهر ~~الحديث إطلاق الأحوال. والله أعلم. # 996 - وعن عمران بن حصين قال: قاتل يعلى بن أمية رجلا، فعض أحدهما صاحبه، ~~فانتزع يده من فمه فنزع ثنيته، فاختصما إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فقال: "يعض أحدكم أخاه كما يعض الفحل، لا دية له". متفق عليه واللفظ لمسلم (3). # قوله: فعض أحدهما صاحبه. لم يصرح في الرواية من العاض، ولا من PageV08P490 # المعضوض، وقد جاء في بعض رواياته (¬1): أن أجيرا ليعلى عض رجل ذراعه. ~~وجاء في بعضها (¬2): أن رجلا من بني تميم قاتل رجلا فعض يده. ويعلى هو من ~~بني تميم، وقد استبعد القرطبي (¬3) أن يكون يعلى مع جلالة قدره عاضا، وأجيب ms1883 ~~بأنه لا استبعاد فقد يكون ذلك في أول إسلامه. وقال النووي (¬4): إن في ~~الرواية الأولى -يعني في مسلم- أن المعضوض يعلى، وفي الرواية الثانية ~~والثالثة أن المعضوض هو أجير يعلى، وقال الحفاظ: الصحيح المعروف أن المعضوض ~~أجير يعلى لا يعلى. قال: ويحتمل أنهما قضيتان جرتا ليعلى ولأجيره في وقت أو ~~وقتين. وتعقبه في "شرح الترمذي" (¬5) بأنه ليس في رواية مسلم ولا رواية ~~غيره في "الكتب الستة" ولا غيرها أن يعلى هو المعضوض لا صريحا ولا إشارة. ~~قال في "شرح الترمذي": فيتعين أن يكون يعلى هو العاض. # وقوله: فانتزع يده. وجاء في رواية لمسلم (¬6): عض ذراع رجل. وجاء في ~~رواية للبخاري (¬7): فعض إصبع صاحبه. وفي الجمع بين الإصبع والذراع بعد، ~~ويبعد أن يحمل على تعدد القصة لاتحاد المخرج، إلا أنه يترجح ذكر الذراع؛ ~~فإنها وقعت في رواية بديل بن ميسرة عن عطاء عند مسلم (¬8)، PageV08P491 # وكذا في رواية الزهري عن صفوان عند النسائي (¬1)، ووافقه سفيان بن عيينة ~~عن ابن جريج في رواية إسحاق بن راهويه عنه (1)، وفي حديث سلمة بن أمية عند ~~النسائي (¬2)، وانفرد إسماعيل ابن علية عن ابن جريج بلفظ الأصبع (1)، فلا ~~تقاوم الروايات المتعاضدة على ذكر الذراع. # وقوله: فنزع ثنيته. وقع بصيغة الإفراد في رواية هشام (¬3)، ووقع في رواية ~~الأكثر للبخاري (¬4): فوقعت ثنيتاه. بصيغة التثنية، وللكشميهني (¬5): ~~ثناياه. بصيغة الجمع، وقد تترجح رواية التثنية؛ لأن رواية الجمع مطابقة لها ~~عند من يجيز في [الاثنين] (أ) صيغة الجمع، ورواية الإفراد ترد إليها بحمله ~~على إرادة الجنس، إلا أنه وقع في رواية محمد بن بكر (¬6): فانتزع إحدى ~~ثنيتيه. فهذه مصرحة بالوحدة، والحمل على تعدد الواقعة بعيد لاتحاد الخرج. # وقوله: فاختصما. بصيغة التثنية. وفي رواية البخاري (4): فاختصموا. ~~والمراد يعلى وأجيره ومن انضم إليهما ممن يلوذ بهما أو بأحدهما. وفي رواية ~~(¬7): فرفع إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. وفي رواية (¬8): فاستعدى ~~عليه. وفي PageV08P492 # رواية (¬1): فانطلق. وفي رواية (¬2): فأتينا (أ). وفي رواية: فأتياه (ب). # وقوله: "أيعض". هو بفتح أوله وفتح العين المهملة والضاد المعجمة ثقيلة، ~~وفي رواية ms1884 (¬3): "يعمد أحدكم إلى أخيه فيعضه". وأصل ماضيه عضض بكسر الضاد ~~الأولى يعضض بفتحها في المضارع، فأدغمت ونقلت حركتها إلى ما قبلها. # وقوله: "الفحل". المراد به الذكر من الإبل، ويطلق على غيره من ذكور ~~الدواب. # وجاء في رواية: "يقضمها" (¬4). بسكون القاف وفتح الضاد المعجمة على ~~الأفصح، وهو الأكل بأطراف الأسنان. # وقوله: "لا دية له". وفي رواية (¬5): فأبطله. وقال: "أردت أن تأكل لحمه؟ ~~". وفي رواية (3): "ثم تأتي تلتمس العقل؟ لا عقل لها". فأبطلها. وفي رواية ~~(¬6): "تأمرني أن آمره أن يدع يده في فيك تقضمها قضم الفحل، PageV08P493 # ارفع يدك حتى يقضمها ثم انتزعها". وفي رواية (¬1): "إن شئت أمرناه فعض ~~يدك، ثم انتزعها أنت". وفي رواية (¬2): فأهدرها. # والحديث فيه دلالة على أن هذه الجناية التي وقعت لأجل الدفع عن الضرر ~~تهدر، ولا ضمان على الجاني، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، وقالوا: لا يلزمه ~~شيء؛ لأنه في حكم الصائل. واحتجوا أيضا بالإجماع على أن من شهر على آخر ~~سلاحا ليقتله، فدفع عن نفسه فقتل الشاهر، أنه لا شيء عليه، قالوا: ولو جرحه ~~المعضوض في موضع آخر لم يلزمه شيء. وشرط الإهدار أن يتألم المعضوض، وألا ~~يمكنه تخليص يده بغير ذلك، من ضرب شدقه أو فك [لحييه] (أ) ليرسلها، ومهما ~~أمكن التخلص بدون ذلك فعدل عنه إلى الأثقل لم يهدر. وعند الشافعية وجه أنه ~~يهدر على الإطلاق، ووجه أنه لو دفعه بغير ذلك ضمن. وعن مالك روايتان؛ ~~أشهرهما يجب الضمان. # وأجابوا عن هذا الحديث باحتمال أن يكون سبب الإهدار شدة العض لا النزع، ~~فيكون سقوط ثنية العاض بفعله لا بفعل المعضوض؛ إذ لو كان من فعل صاحب اليد ~~لأمكنه التخلص من غير قلع، ولا يجوز الدفع بالأثقل مع إمكان الأخف. وقال ~~بعض المالكية: العاض قصد العضو نفسه، والذي استحق [في] (ب) إتلاف ذلك العضو ~~غير ما فعل به، فوجب أن يكون كل PageV08P494 # منهما ضامنا ما جناه على صاحبه، كمن قلع عين رجل، فقطع الآخر يده، ورد ~~عليه بأنه قياس في مقابلة النص، فهو فاسد. وقال بعضهم: ms1885 لعل أسنانه كانت ~~متحركة فسقطت عقيب النزع. وسياق الحديث يدفع [هذا] (أ) الاحتمال، وتمسك ~~بعضهم بأنها واقعة عين ولا عموم فيها، ورد عليه بأن البخاري (¬1) أخرج من ~~حديث أبي بكر رضي الله عنه، أنه وقع عنده مثل ما وقع عند النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وقضى فيه بمثله. فدل على تعدي الحكم في غير ما ورد فيه. # وما شرطه الجمهور في الإهدار إنما هو من باب التقييد بما قد عرف حكمه من ~~القواعد الكلية، وكذا إجراء الحكم في غير جناية الفم، بأن يكون في عضو آخر ~~من باب القياس، وقد قال يحيى بن عمر: لو بلغ مالكا هذا الحديث لم يخالفه. ~~وكذا قال ابن بطال (¬2). وقال الداودي (¬3): لم يروه مالك؛ لأنه من رواية ~~أهل العراق. وقال عبد الملك: كأنه لم يصح الحديث عنده؛ لأنه أتى من قبل ~~المشرق. # قال المصنف (3) رحمه الله تعالى: وهو مسلم في حديث عمران، وقد أخرجه ~~مسلم، وأما طريق يعلى بن أمية فرواه أهل الحجاز وحملها عنهم أهل العراق، ~~واعتذر بعض المالكية بفساد الزمان، ونقل القرطبي عن بعض أصحابهم إسقاط ~~الضمان. قال: وضمنه الشافعي، وهو مشهور مذهب PageV08P495 # مالك. وتعقب بأن المعروف عن الشافعي أنه لا ضمان، وكأنه انعكس على ~~القرطبي. والله أعلم. # 997 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال أبو القاسم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فحذفته بحصاة، ففقأت ~~عينه، لم يكن [عليك] (أ) جناح". متفق عليه (¬1)، وفي لفظ لأحمد والنسائي ~~وصححه ابن حبان (¬2): "فلا دية (ب) ولا قصاص". # قوله: "اطلع عليك بغير إذن". الحديث فيه دلالة على أن من قصد النظر إلى ~~محل غيره مما لا يجوز الدخول إليه إلا بإذن مالكه -أنه يجوز للمنظور إليه ~~دفعه بما ذكر، وإن فقأ عينه فلا ضمان عليه فيها، وأما إذا كان مأذونا له في ~~النظر فالجناح غير مرفوع على من جنى على الناظر، وكذا إذا كان المنظور إليه ~~في محل لا يحتاج إلى الإذن منه، ولو نظر ms1886 منه ما لا يحل له النظر إليه؛ لأن ~~التقصير من المنظور إليه، وقد ذهب إلى هذا الشافعي وغيره. # وذهبت المالكية إلى أنه لا يقصد المنظور إليه إضرار العين ولا غيرها، ~~وأنه إن فعل ذلك وجب القصاص والدية، قالوا: لأن المعصية لا تدفع بمعصية. ~~وأجيب بأن هذا الدفع المأذون فيه ليس بمعصية. وقد وافق المالكية في جواز PageV08P496 # دفع الصائل ولو أدى إلى هلاكه ولا ضمان فيه، والحديث منابذ لقولهم وراد ~~عليهم، وقد أجابوا عنه بأنه ورد على سبيل التغليظ والإرهاب، ويجاب عنه بأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -[جعل] (أ) يختل -بفتح الياء التحتية وسكون ~~الخاء المعجمة بعدها مثناة مكسورة، من الختل، وهو الإصابة- ليطعنه -بضم ~~العين المهملة بناء على المشهور أن الفعل في المضارع بضم العين وبالفتح ~~للقول، وقيل: هما سواء- فإن ظاهر فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على ~~أن ذلك على جهة الحقيقة. # وقال يحى بن [عمر] (ب) من المالكية: لعل مالكا لم يبلغه الخبر. واعتل بعض ~~المالكية في تأويل الحديث بالإجماع على أن من قصد النظر إلى عورة غيره أن ~~ذلك لا يبيح فقء عينه ولا سقوط ضمانها، فكذلك إذا كان النظر إلى المذكور ~~وهو في بيته وتجسس الناظر إلى ذلك. ونازع القرطبي في ثبوت هذا الإجماع، ~~وقال: إن الحديث يتناول كل مطلع. قال: لأن الحديث المذكور فيه إنما هو مظنة ~~الاطلاع على العورة، فبالأولى نظر العورة المحقق. وقد يجاب بأن النظر إلى ~~البيت غير منحصر في نظر العورة فقط، بل هو عام لنظر الحريم، وما يقصد صاحب ~~البيت ستره من الأمور التي لا يجب اطلاع أحد عليها، فلم يكن ذلك أولى. # وقال ابن دقيق العيد (¬1): تصرف الفقهاء في هذا الحكم بأنواع من ~~التصرفات: PageV08P497 # منها: أن يفرق بين أن يكون هذا الناظر واقفا في الشارع، أو في خالص ملك ~~المنظور إليه، أو في سكة منسدة الأسفل، اختلفوا فيه، والأشهر أن لا فرق، ~~ولا يجوز مد العين إلى حرم الناس بحال، وفي وجه للشافعية أنه لا تفقأ إلا ~~عين ms1887 من وقف في ملك المنظور إليه. # ومنها: أنه هل يجوز رمي الناظر قبل النهي والإنذار؟ فيه وجهان للشافعية؛ ~~أحدهما: لا. على قياس الدفع في البداية بالأهون. والثاني نعم. وإطلاق ~~الحديث يشعر بهذين الأمرين معا؛ أعني لا فرق بين مواقف الناظر، وأنه لا ~~يحتاج إلى الإنذار، ويدل عليه فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. # ومنها: أنه لو سمع إنسان، فهل يلحق السمع بالنظر؟ # وفي الحديث إشعار بأنه إنما يقصد العين بشيء خفيف كالمدرى والبندقة ~~والحصاة؛ لقوله: "فحذفته". قال الفقهاء: أما إذا زرقه (¬1) بالنشاب، أو ~~رماه بحجر يقتله، فقتله، فهذا قتيل يتعلق به القصاص أو الدية. # ومما تصرف فيه الفقهاء أن هذا الناظر إذا كان له محرم في الدار أو زوجة ~~أو متاع لم يجز قصد عينه؛ لأن له في النظر شبهة. وقيل: لا يكفي أن يكون له ~~في الدار محرم، إنما يمتنع قصد عينه إذا لم يكن فيها إلا محارمه. # ومنها: أنه إذا لم يكن في الدار إلا صاحبها، فله الرمي إن كان مكشوف ~~العورة، ولا ضمان، وإلا فوجهان؛ أظهرهما لا يجوز رميه. # ومنها: أن الحرم إذا كانت في الدار مستترات، أو في بيت، ففي وجه PageV08P498 # لا يجوز قصد عينه؛ لأنه لا يطلع على شيء. قال بعض الفقهاء: والأظهر ~~الجواز؛ لإطلاق الأخبار، وأنه لا تنضبط أوقات الستر والتكشف، فالاحتياط حسم الباب. # ومها: أن ذلك إنما يكون إذا لم يقصر صاحب الدار، فإن كان بابه مفتوحا أو ~~ثم كوة واسعة، أو ثلمة مفتوحة؛ فينظر فإن كان مجتازا لم يجز قصده، وإن كان ~~وقف وتعمد؛ فقيل: لا يجوز قصده لتفريط صاحب الدار بفتح الباب وتوسيع الكوة. ~~وقيل: يجوز لتعديه بالنظر. وأجري هذا الخلاف فيما إذا نظر من سطح بيته، أو ~~نظر المؤذن من المئذنة، لكن الأظهر ها هنا عندهم جواز الرمي؛ لأنه لا تقصير ~~من صاحب الدار. ثم قال: واعلم أن ما كان من هذه التصرفات الفقهية داخلا تحت ~~إطلاق الحديث، فهو مأخوذ منها (أ)، وما لا، فبعضه مأخوذ من الأخبار من فهم ms1888 ~~المعنى المقصود بالحديث، وبعضه مأخوذ من القياس وهو قليل فيما ذكر. انتهى كلامه. # واعلم أنه يؤخذ من هذا الحديث صحة قول الفقهاء: إنها تهدم الصوامع ~~المحدثة المعورة، وكذا تعلية الملك إذا كانت معورة، وهو مروي عن القاسم ~~الرسي، ويحتج له بما أخرجه ابن عبد الحكم في " فتوح مصر" (¬1) عن يزيد بن ~~أبي حبيب، قال: أول من بنى غرفة بمصر خارجة بن حذافة، فبلغ ذلك عمر بن ~~الخطاب، فكتب إلى عمرو بن العاص: سلام عليك، أما بعد، فإنه PageV08P499 # بلغني أن خارجة بن حذافة بنى غرفة، ولقد أراد أن يطلع على عورات جيرانه، ~~فإذا أتاك كتابي هذا فاهدمها إن شاء الله تعالى، والسلام. والله أعلم. # 998 - وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن حفظ الحوائط بالنهار على أهلها، وأن حفظ الماشية بالليل على ~~أهلها، وأن على أهل الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل. رواه أحمد والأربعة ~~إلا الترمذي، وصححه ابن حبان (¬1)، وفي إسناده اختلاف. # الحديث مداره على الزهري، وقد اختلف عليه؛ فرواه الليث عن الزهري عن ابن ~~محيصة، ولم يذكر أن القضية في ناقة البراء. # ورواه مالك في "الموطأ" (¬2) عن الزهري عن حرام بن [سعد] (أ) بن محيصة ~~بلفظ: أن ناقة للبراء دخلت حائط قوم فأفسدت فيه، فقضى رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن على أهل الأموال حفظها بالنهار، وما أفسدته المواشي بالليل ~~فهو ضامن على أهلها. PageV08P500 # ورواه معن بن عيسى (¬1) عن مالك فزاد فيه: عن جده محيصة. # ورواه معمر (¬2) عن الزهري عن حرام عن أبيه، ولم يتابع عليه. أخرجه أبو ~~داود وابن حبان (2). # ورواه الأوزاعي، وإسماعيل بن أمية، وعبد الله بن عيسى، كلهم (¬3) عن ~~الزهري عن حرام عن البراء، وحرام لم يسمع من البراء. قاله عبد الحق تبعا ~~لابن حزم (¬4). # ورواه النسائي (¬5) من طريق محمد بن أبي حفصة عن الزهري عن سعيد بن ~~المسيب عن البراء. # ورواه ابن عيينة (¬6) عن الزهري عن حرام وسعيد بن المسيب، أن البراء. # ورواه ابن جريج (¬7) عن ms1889 الزهري أخبرني أبو [أمامة] (أ) بن سهل، أن ناقة ~~البراء. PageV08P501 # ورواه ابن أبي ذئب (¬1) عن الزهري قال: بلغني أن ناقة البراء. # وأخرجه البيهقي (¬2) من هذه الطرق المذكورة مع الاختلاف. وقال الشافعي ~~(¬3) رحمه الله تعالى: أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله. قال البيهقي ~~(¬4): وروينا عن الشعبي عن شريح، أنه كان يضمن ما أفسدت الغنم بالليل، ولا ~~يضمن ما أفسدت بالنهار. ويتأول هذه الآية: {وداوود وسليمان إذ يحكمان في ~~الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم} (¬5). وكان يقول: النفش بالليل. وأخرج عن ~~الشعبي قال: أتي شريح بشاة أكلت عجينا، فقال: نهارا أو ليلا؟ قالوا: نهارا. ~~فأبطله، وقرأ: {إذ نفشت فيه غنم القوم}. وقال: إنما النفش بالليل. وفي ~~رواية قتادة عن الشعبي: أن شريحا رفعت إليه شاة أصابت غزلا، فقال الشعبي: ~~أبصروه؛ فإنه سيسألهم: أبليل كان أم بنهار؟ فسألهم، فقال: إن كان بليل فقد ~~ضمنتم، وإن كان بنهار فلا ضمان عليكم. قال: وقال: النفش بالليل، والهمل ~~بالنهار. وروى مرة عن مسروق: {إذ نفشت فيه غنم القوم}. قال: كان كرما، ~~فدخلت فيه ليلا، فما تركت فيه خضرا. # والحديث فيه دلالة على أنه لا يضمن مالك البهيمة ما جنته في النهار؛ لأنه ~~يعتاد إرسالها بالنهار، ويضمن ما جنته [بالليل] (أ)؛ لأنه يعتاد حفظها PageV08P502 # بالليل، وقد ذهب إلى هذا مالك والشافعي، وأطلقه الإمام المهدي في "البحر" ~~لمذهب الهدوية، وحجتهم الحديث والآية الكريمة في قصة داود كذلك، وإن كان ~~الاحتجاج بها مبنيا على أن شرع من قبلنا يلزمنا. # وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أنه لا ضمان على أهل الماشية مطلقا، وحجتهم ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "العجماء جرحها جبار" (¬1). قال الطحاوي: إلا ~~أن تحقيق مذهب أبي حنيفة، أنه لا ضمان إذا أرسلها مع حافظ، وأما إذا أرسلها ~~من دون حافظ ضمن، وهذا التقييد خارج عن الدليل، وكذلك أصحاب مالك يقيدون ~~قولهم بأنها إذا سرحت الدواب في مسارحها المعتادة للرعي، وأما إذا كانت في ~~أرض مزروعة لا مسرح فيها، فهم يضمنون ليلا ونهارا. # وذهب بعضهم إلى أنه يضمن مالكها ms1890 ما أفسدت ليلا ونهارا، قال: لأنه متعد ~~بإرسالها، والأصول قاضية بأن المتعدي ضامن، وقد ذهب إلى هذا الليث، إلا أنه ~~قال: لا يضمن أكثر من قيمة الماشية. # وقول رابع: أنه لا يضمن ما أتلفت مما لا يقدر على حفظه، ويضمن ما أمكنه ~~حفظه. وهو مروي عن عمر رضي الله عنه، وجعل الإمام يحيى الحكم منوطا باعتياد ~~الحفظ، فإن كان يعتاد الحفظ في النهار والإرسال في الليل انعكس الحكم، وضمن ~~جنايتها نهارا لا ليلا، وهو مصادم لحديث ناقة البراء، ولحديث: "العجماء ~~جرحها جبار". وللآية الكريمة، ولعله يقول: إن الحديثين مقيد إطلاقهما ~~بالمعنى المناسب. ثم قال الإمام المهدي بعد ذلك: مسألة: ويضمن الراعي ما ~~أكلت الغنم في مرعاها إذ عليه حفظها، فإن أبعدها PageV08P503 # عن الزرائع وغفل يسيرا فتعدت لم يضمن، إذ يعذرون في اليسير مع إبعادها، ~~ولو سرحها ليلا فدخلت بساتين ذات حيطان وأبواب فلا ضمان؛ إذ التفريط بفتح ~~الأبواب بخلاف الزروع التي بلا حيطان. انتهى. # فهذه المسألة لا تستقيم إلا على ما ذكره الإمام يحيى، إذا كان يعتاد ~~حفظها، وهو خارج عن الأقوال الأربعة. # 999 - وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه في رجل أسلم ثم تهود: لا أجلس حتى ~~يقتل، قضاء الله ورسوله. فأمر به فقتل. متفق عليه (¬1). وفي رواية لأبي ~~داود (¬2): وكان قد استتيب قبل ذلك. # الحديث فيه دلالة على أنه يقتل المرتد عن الإسلام، وأنه يقتل من غير ~~استتابة؛ لقوله: لا أجلس حتى يقتل. وقد جاء في رواية أبي داود التصريح ~~بذلك، بقول معاذ: لا أنزل عن دابتي حتى يقتل. فقتل. إلا أنه في قول أحد ~~الرواة: وكان قد استتيب قبل ذلك. ولأبي داود (¬3) في رواية: فدعاه أبو موسى ~~عشرين ليلة أو قريبا منها، وجاء معاذ فدعاه، فأبى فضرب عنقه. قال أبو داود: ~~رواه عبد الملك بن عمير عن أبي بردة. فلم يذكر الاستتابة، وكذا ابن فضيل عن ~~الشيباني. وقال المسعودي عن القاسم، يعني ابن عبد الرحمن PageV08P504 # في هذه القصة: فلم ينزل حتى ضربت عنقه وما استتابه (¬1). إلا ms1891 أن الرواية ~~التي لم يذكر فيها الاستتابة لا تعارض ما ذكرت فيها الاستتابة، ولعل معاذا ~~قد كان بلغه استتابة أبي موسى له. # وقد ذهب الجمهور إلى وجوب الاستتابة، واستدل ابن القصار لذلك بالإجماع ~~السكوتي؛ لأن عمر كتب في أمر المرتد: هلا حبستموه ثلاثة أيام، وأطعمتموه كل ~~يوم رغيفا، لعله يتوب فيتوب الله عليه (¬2). قال: ولم ينكر ذلك أحد من ~~الصحابة، وقد قال الله تعالى: {فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة ~~فخلوا سبيلهم} (¬3). # وذهب الحسن وطاوس وأهل الظاهر، ونقله ابن المنذر (¬4) عن معاذ وعبيد بن ~~عمير -وأشار إليه البخاري، فإنه ذكر البخاري في الباب الآيات التي لا ذكر ~~للاستتابة فيها- إلى أنه لا يستتاب المرتد وأنه يقتل في الحال، قالوا: ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من بدل دينه فاقتلوه". وبهذه، قصة معاذ. ~~قال الطحاوي: ذهب هؤلاء إلى أن حكم المرتد حكم الحربي الذي بلغته الدعوة، ~~فإنه يقاتل من قبل أن يدعى، قالوا: وإنما تشرع الدعوة لمن خرج عن الإسلام ~~لا عن بصيرة، وأما من خرج عن بصيرة فلا. ثم نقل عن أبي يوسف موافقتهم، لكن ~~قال: إن جاء مبادرا بالتوبة خلي سبيله ووكل أمره إلى الله. وعن ابن عباس ~~وعطاء: إن كان أصله مسلما لم يستتب، وإلا استتيب (¬5). PageV08P505 # ثم اختلف القائلون بالاستتابة، هل يكتفى بالمرة أو لا بد من ثلاث في ~~مجلس، أو في يوم أو في ثلاثة أيام؟ وعن علي (¬1): يستتاب شهرا. وعن النخعي ~~(¬2): يستتاب أبدا. كذا نقل عنه، والتحقيق أنه في حق من تكررت منه الردة. # وقوله: قضاء الله. يجوز فيه الرفع على خبرية مبتدأ محذوف، ويجوز نصبه على ~~أنه مصدر حذف فعله؛ أي أقضي قضاء الله، والمراد بقضاء الله ورسوله هو قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "من بدل دينه فاقتلوه". وقد جاء هذا التفسير مصرحا ~~به في رواية أيوب بعد: قضاء الله ورسوله. أن من رجع عن دينه فاقتلوه. أو ~~قال: "من بدل دينه فاقتلوه". # 1000 - وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله ms1892 ~~عليه وسلم -: "من بدل دينه فاقتلوه". رواه البخاري (¬3). # الحديث فيه دلالة على قتل المرتد إذا لم يرجع إلى الإسلام، ولفظ "من" عام ~~يشمل المذكر والمؤنث (أ)، فتقتل المرأة إذا ارتدت عن الإسلام، والخلاف في ~~ذلك لمن يقول: إن "من" لا تعم المؤنث، وأنها لعموم المذكر، إذ يقول بأنه ~~عموم مخصوص، والقائلون بأنها لا تقتل هم الحنفية، قالوا: PageV08P506 # لأنه قد ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - النهي عن قتل النساء لما ~~رأى امرأة مقتولة، وقال: "ما كانت هذه لتقاتل" (¬1). # وأجاب الجمهور بأن "من" عامة للرجال والنساء، وأما النهي المذكور فإنما ~~هو في الكافرة الأصلية كما وقع في سياق قضية (أ) النهي، فيكون النهي مخصوصا ~~بما فهم من العلة؛ وهو لما كانت لا تقاتل، فالعلة في النهي عن قتلها إنما ~~هو لتركها المقاتلة، وكان ذلك في حق الكفار الأصليين المتحزبين للقتال، وهي ~~عموم قوله: "من بدل". سالما عن [المعارض] (ب)، ويؤيد هذا أن ابن عباس راوي ~~الحديث قال: إنها تقتل المرتدة. أخرجه ابن المنذر (¬2). وأخرج أيضا ~~والدارقطني (¬3) أن أبا بكر الصديق قتل امرأة مرتدة في خلافته والصحابة ~~متوافرون، ولم ينكر ذلك عليه أحد. وهو حديث حسن. # وأخرج (¬4) أيضا مرفوعا في قتل المرتدة لكن بسند ضعيف. ووقع في حديث معاذ ~~(¬5) بإسناد حسن، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما بعثه إلى اليمن، قال ~~له: "أيما رجل ارتد عن الإسلام فادعه، فإن عاد وإلا فاضرب عنقه، وأيما ~~امرأة ارتدت عن الإسلام فادعها، فإن عادت وإلا فاضرب عنقها". وهو نص في محل PageV08P507 # النزاع، فيجب المصير إليه، ويؤيده من جهة النظر أن الكافرة الأصلية ~~تسترق، فتكون غنيمة للمجاهدين، والمرتدة لا تسترق عندهم، فلا تغنم، فلا ~~يترك قتلها، وأيضا اشتراك الرجال والنساء في الحدود كلها؛ الزنى وغيره، ومن ~~جملة الحدود رجم المحصنة، فهو مخصص [الحديث] (أ) النهي عن قتل النساء. # وظاهر الحديث إطلاق التبديل، [فيتناول] (ب) من تنصر بعد أن كان يهوديا، ~~وغير ذلك من الأديان الكفرية، وقد ذهب إلى هذا الشافعية، وسواء كان من ~~الأديان ms1893 التي يقرر عليها بالجزية أم لا؛ لإطلاق هذا اللفظ. وأجاب بعض ~~الحنفية بأن المراد بالتبديل إنما هو بكفر بعد إسلام، وإطلاق الحديث متروك ~~الظاهر اتفاقا في حق الكافر إذا أسلم، فإنه كان متناولا له الإطلاق، وبأن ~~الكفر ملة واحدة، فلو تنصر اليهودي لم يخرج عن دين الكفر، فكأن المراد: من ~~بدل دين الإسلام بدين آخر؛ لأن الدين في الحقيقة هو الإسلام، قال الله ~~تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} (¬1). وإن كان ظاهر قوله تعالى: {ومن ~~يبتغ غير الإسلام دينا} (¬2). وظاهره أن غير الإسلام يسمى دينا، وأنه لن ~~يقبل منه. وأجيب بأن الآية ظاهرة فيمن ارتد عن الإسلام أنه لا يقر على ذلك، ~~ولم يكن في الآية أيضا أنه لا يقر على جزية، وإنما عدم القبول والخسران في ~~الآخرة، ومع كونه يقرر بالجزية صادقا PageV08P508 # عليه أنه لن يقبل منه، وقد أخرج الطبراني (¬1) عن عكرمة عن ابن عباس ~~رفعه: "من خالف في دينه دين الإسلام فاضربوا عنقه". فصرح بدين الإسلام. # والحديث شامل للزنديق؛ فيقتل الزنديق ويستتاب كغيره من المرتدين، وكما ~~روي عن علي (¬2) رضي الله عنه، أنه استتاب السبئية الذين قالوا: إنه إله. ~~ثلاثة أيام، وعرض عليهم التوبة وأحرقهم بالنار في اليوم الثالث، وقال: # إني إذا رأيت أمرا منكرا ... أوقدت ناري ودعوت قنبرا # وقد ذهب إلى قبول توبة الزنديق العترة والشافعى، قال الشافعي في ~~"المختصر": وأي كفر ارتد إليه مما يظهر أو يسر من الزندقة وغيرها ثم تاب ~~سقط عنه القتل. وقال: يستتاب الزنديق كما يستتاب المرتد. وعن أبي حنيفة ~~وأحمد روايتان وهو المشهور عن المالكية. وحكي عن مالك: تقبل منه التوبة إذا ~~جاء تائبا وإلا فلا. وبه قال أبو يوسف، واختاره الأستاذ أبو إسحاق ~~الإسفراييني وأبو منصور البغدادي. وعن بقية الشافعية أوجه كالمذاهب ~~المذكورة، ووجه يفرق بين من كان داعية فلا تقبل توبته، وتقبل ممن كان غير ~~داعية، وذهب ابن الصلاح إلى أنها تقبل توبته ويعزر، فإن عاد قتل بغير ~~استتابة، واحتج القائلون [باستتابتهم] (أ) بقوله تعالى: {إلا الذين تابوا ~~وأصلحوا} ms1894 (¬3). وبقوله: {اتخذوا أيمانهم جنة} (¬4). فإنهم لم يعاجلوا ~~بالقتل، بل أمهلوا حتى حلفوا، PageV08P509 # فدل على الإمهال للاستتابة، وأن إظهار الأيمان يحصن من القتل، وقد قام ~~الإجماع على أن أحكام الدين على الظاهر، والله يتولى السرائر، وقد قال - ~~صلى الله عليه وسلم - لأسامة: "هلا شققت عن قلبه" (¬1). وقال للذي ساره في ~~قتل رجل: "أليس يصلي؟ ". قال: نعم. قال: "أولئك الذين نهيت عن قتلهم" (¬2). ~~والأحاديث في هذا كثيرة، واستدل لمن لم يقبل التوبة، بأن توبة الزنديق لا ~~تعرف، قالوا: وإنما لم يقتل النبي - صلى الله عليه وسلم - المنافقين ~~للتأليف، والجواب عنه بأن الظاهر من أحوال النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~التغاضي عن المنافقين مع ظهور الإسلام وقوة شوكته، وطلب جماعة من الصحابة ~~لقتل من ظهر نفاقه، وإجابته - صلى الله عليه وسلم - في حق البعض بقوله: ~~"أليس يصلي؟ "."أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟ " وذلك للاكتفاء بظاهر ~~الإسلام، وإن ظهر منه ما يدل على أن باطنه يخالف ما ظهر منه، وأن الأحكام ~~الشرعية [بنيت] (أ) على المعاملة بالظاهر والله يتولى السرائر، فمهما كانت ~~اليد مع المسلمين، فحكم الإسلام جار عليه. # والزنديق بكسر أوله وسكون ثانيه، قال أبو حاتم (¬3): هو فارسي معرب أصله ~~زنده كرد، أي يقول بدوام الدهر؛ لأن زنده الحياة، وكرد العمل، ويطلق على من ~~يكون دقيق النظر في الأمور. وقال ثعلب (¬4): ليس في كلام العرب زنديق، ~~وإنما قالوا: زندقي. لمن يكون شديد التحيل، وإذا أرادوا ما PageV08P510 # تريد العامة، قالوا: ملحد ودهري. بفتح الدال، أي يقول بدوام الدهر، وإذا ~~قالوا بالضم: أرادوا كبر السن. وقال الجوهري (¬1): الزنديق من الثنوية. كذا ~~قال. وفسره بعض شراح البخاري بأنه الذي يدعي أن مع الله إلها آخر، وتعقب ~~بأنه يلزم منه أن يطلق على كل مشرك، والتحقيق ما ذكره من صنف في الملل، أن ~~أصل الزنادقة (أ) اتباع ديصان ثم ماني ثم مزدك، وديصان: بفتح الدال المهملة ~~وسكون الياء المثناة من تحت بعدها صاد مهملة، وماني: بتشديد النون وقد ~~تخفف، ومزدك: بزاي ساكنة ودال مهملة مفتوحة ms1895 ثم كاف، وحاصل مقالاتهم أن ~~النور والظلمة قديمان، و [أنهما] (أ) امتزجا، فحدث العالم كله منهما، فمن ~~كان من أهل الشر فهو من الظلمة، ومن كان من أهل الخير فهو من النور، وأنه ~~يجب السعي في تخليص النور من الظلمة، وإلى ذلك أشار المتنبي (¬2) حيث قال ~~في قصيدته المشهورة: # وكم لظلام الليل عندك من يد ... تخبر أن المانوية تكذب # وكان بهرام جد كسرى تحيل على ماني حتى حضر عنده، وأظهر له أنه قبل ~~مقالته، ثم قتله وقتل أصحابه، وبقيت منهم بقايا اتبعت مزدك المذكور، وقام ~~الإسلام والزنديق يطلق على من يعتقد ذلك، وأظهر جماعة منهم الإسلام خشية ~~القتل، ومن ثم أطلق [الاسم] (ب) على كل من أسر الكفر وأظهر الإسلام، حتى ~~قال مالك: الزنديق ما كان عليه المنافقون، وكذا PageV08P511 # أطلق جماعة من الفقهاء الشافعية وغيرهم، أن الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ~~ويخفي الكفر، فإن أرادوا اشتراكهم في الحكم فهو كذلك وإلا فأصلهم ما ذكر، ~~وقد قال النووي في لغات "الروضة ": الزنديق: الذي لا ينتحل دينا. وقد قال ~~محمد بن معن في "التنقيب على المهذب": الزنادقة من الثنوية، يقولون ببقاء ~~الدهر وبالتناسخ. قال: ومن الزنادقة الباطنية، وهم قوم زعموا أن الله تعالى ~~خلق شيئا، ثم خلق منه شيئا آخر، فدبر العالم بأسره، ويسمونهما العقل ~~والنفس، وتارة العقل الأول والعقل الثاني، وهو من قول الثنوية في النور ~~والظلمة، إلا أنهم غيروا الاسمين. قال: ولهم مقالات سخيفة في النبوات، ~~وتحريف الآيات، وفرائض العبادات. وقيل: إن سبب تفسير الفقهاء الزنديق بما ~~يفسر به المنافق، قول الشافعي في "المختصر": وأي كفر ارتد إليه. المتقدم، ~~وهذا لا يلزم منه اتحاد الزنديق والمنافق، بل كل زنديق منافق من غير عكس، ~~وقد كان من أطلق عليه في الكتاب والسنة المنافق من يظهر الإسلام ويبطن ~~عبادة الوثن أو اليهودية، وأما الثنوية فلا يحفظ أن أحدا منهم أظهر الإسلام ~~في العهد النبوي، والله أعلم. # ومن تكرر منه الردة والإسلام فتوبته مقبولة عند الأكثر، وقال أبو حنيفة ~~والشافعي: ويعزر في الثالثة، ms1896 وذهب أحمد وإسحاق والمروزي من أصحاب الشافعي ~~إلى أنها لا تقبل منه التوبة؛ لقوله تعالى: {لم يكن الله ليغفر لهم ولا ~~ليهديهم سبيلا} (¬1). والجواب: أن الآية محمولة على الذين بقوا على الكفر، ~~لا من قد تاب؛ لإطلاق قوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر PageV08P512 # {لهم ما قد سلف} (¬1). وقوله: {لا تقنطوا من رحمة الله} (¬2). # 1001 - وعن ابن عباس، أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وتقع فيه، فينهاها فلا تنتهي، فلما كان ذات ليلة أخذ المعول فجعله ~~في بطنها، واتكأ عليها فقتلها، فبلغ ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: "ألا اشهدوا أن دمها هدر". رواه أبو داود (¬3) ورواته ثقات. # الحديث فيه دلالة على أنه يقتل من سب النبي - صلى الله عليه وسلم - ويهدر ~~دمه، فإن كان مسلما كان سب النبي - صلى الله عليه وسلم - ردة عن الإسلام؛ ~~فيقتل، قال ابن بطال (¬4): من غير استتابة. ونقل ابن المنذر (¬5) عن الليث ~~والأوزاعي أنه يستتاب، وإن كان من أهل العهد فإنه يقتل إلا أن يسلم، ونقل ~~ابن المنذر (5) عن الليث [و] (أ) الشافعي وأحمد وإسحاق أنه يقتل أيضا من ~~غير استتابة، وعن الكوفيين أنه يعزر المعاهد ولا يقتل، واحتج الطحاوي على ~~ذلك بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يقتل اليهود الذين قالوا: "السام ~~عليك" (¬6). ولو كان هذا من مسلم لكان ردة؛ لأن ما هم عليه من الكفر أشد من ~~السب، وقد يقال: إن دماءهم إنما حقنت بالعهد، وليس في العهد أنهم يسبون ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن سبه منهم انتقض عهده، فيصير كافرا بلا ~~عهد، فيهدر دمه إلا أن يسلم. والله أعلم. PageV08P513 # البدر التمام شرح بلوغ المرام # للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي # (1048 ه- 1119 ه) # تحقيق # علي بن عبد الله الزبن # عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية # قدم له # فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان # رئيس مجلس القضاء الأعلى # الجزء التاسع PageV09P001 # البدر التمام شرح بلوغ المرام PageV09P003 # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة ms1897 الأولى # 1428 - ه-2007 م PageV09P004 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO كتاب الحدود # هو جمع حد، وأصل الحد ما يحجز به بين شيئين، فيمنع اختلاطهما، وحد الدار ~~ما يميزها، وحد الشيء وصفه المحيط [به] (أ) المميز له عن غيره. # وسميت هذه العقوبات حدودا لكونها تمنع عن المعاودة، وكذلك يسمى البواب ~~حدادا، والحد أيضا يطلق على التقدير، وهذه العقوبات مقدرة من الشارع، فسميت ~~حدودا، قال الراغب (¬1): ويطلق الحد على نفس المعاصي؛ كقوله تعالى: {تلك ~~حدود الله فلا تقربوها} (¬2). وعلى فعل فيه شيء مقدر، كقوله تعالى: {ومن ~~يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} (¬3). وكأنها لما فصلت بين الحرام والحلال ~~سميت حدودا، فمنها ما زجر عن فعله، ومنها ما زجر عن الزيادة فيه والنقصان. # وقذ حصر بعض العلماء ما قيل بوجوب الحد فيه في سبعة عشر شيئا، بعضها متفق ~~عليه، وبعضها مختلف فيه. PageV09P005 # فالمتفق عليه: الردة، والمحاربة قبل القدرة، والزنى، والقذف به، وشرب ~~الخمر سواء أسكر أم لا، والسرقة. # والمختلف فيه: جحد العارية، وشرب ما يسكر كثيره من غير الخمر، والقذف ~~بغير الزنى، والتعريض بالقذف، واللواط ولو بمن يحل له نكاحها، وإتيان ~~البهيمة، والسحاق، وتمكين المرأة غير إنسان كالقرد وغيره من الدواب من ~~وطئها، والسحر، وترك الصلاة تكاسلا، والفطر في رمضان. PageV09P006 ### || AUTO باب حد الزاني # 1002 - عن أبي هريرة رضي الله عنه وزيد بن خالد الجهني أن رجلا من ~~الأعراب أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، أنشدك ~~الله إلا قضيت لي بكتاب الله. فقال الآخر، وهو أفقه منه: نعم، فاقض بيننا ~~بكتاب الله وأذن لي. فقال: "قل". قال: إن ابني كان عسيفا على هذا، فزنى ~~بامرأته، وإني أخبرت أن على ابني الرجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، ~~فسألت أهل العلم فأخبروني أنما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على ~~امرأة هذا الرجم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "والذي نفسي بيده ~~لأقضين بينكما بكتاب الله؛ الوليدة والغنم رد عليك، وعلى ابنك جلد مائة ~~وتغريب عام، واغد يا أنيس ms1898 إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها". متفق عليه ~~(¬1)، وهذا اللفظ لمسلم. # قوله: أنشدك الله. بفتح أوله ونون ساكنة وضم الشين المعجمة؛ أي: أسألك ~~بالله. وضمن أنشدك معنى أذكرك (1) رافعا نشيدتي، أي صوتي، هذا أصله، ثم ~~استعمل في كل مطلوب مؤكد، ولو لم يكن هناك رفع صوت، فلا يرد أنه كيف يرفع ~~(ب) صوته عند النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد نهى الله عنه. وذكر PageV09P007 # أبو علي الفارسي (¬1) أن بعضهم رواه بضم الهمزة وكسر المعجمة، وهو غلط. # وقوله: إلا قضيت لي. إلا للاستثناء، وهو استثناء مفرغ من مفعول أسأل ~~المأخوذ من مفعول معنى أنشدك، والمعنى: لا أسألك إلا القضاء بكتاب الله، ~~ودخل لفظ "إلا" على الفعل المؤول بالمصدر، وإن لم يكن معه حرف مصدري لضرورة ~~افتقار المعنى إليه؛ كما في: تسمع بالمعيدي. و: {وسواء عليهم أأنذرتهم} ~~(¬2). ويصح أن يقال: إن الحرف المصدري مقدر. وإن لم يكن هذا من المواضع ~~التي يقدر فيها الحرف، إلا أنه قد جاء في غيرها قليلا، وجوز المصنف رحمه ~~الله أن تكون "إلا" جواب القسم، قال (¬3): لما فيها من معنى الحصر، ~~وتقديره: أسألك بالله لا تفعل شيئا إلا القضاء. انتهى. # وهذا فيه تجوز؛ لأن الجواب هو المنفي المقدر، والاستثناء من متعلقات ~~المقدر، وليس هو الجواب في الحقيقة، وسؤال الأعرابي القضاء بكتاب الله؛ لأن ~~مقصده بالمناشدة المسارعة [إلى ما طلب] (أ) من إراحته من الخصومة، ~~والمبادرة إلى الالتذاذ بحكم الشريعة السمحة، فقوله: بكتاب الله. لم يكن له ~~مفهوم، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن حكمه إلا بما أوحي إليه، ~~فذكره إنما هو لما PageV09P008 # كان حكمه بكتاب الله -وقد كان بعض من جهل حكم الله حكم بخلافه للالتذاذ ~~بذكر المحكوم به- الحق الذي يثلج له الصدر، والمراد بكتاب الله ما حكم به ~~وكتب على عباده، وقيل: القرآن. وحكم الزنى قد عرف من القرآن، وإن كان الرجم ~~غير مصرح به في القرآن، ولكنه قد ثبت في السنة، وحكم السنة واجب بنص ~~القرآن: {وما آتاكم الرسول فخذوه} (¬1). أو قد دل ms1899 عليه إجمالا بقوله تعالى: ~~{أو يجعل الله لهن سبيلا} (¬2). وبيان الإجمال بالسنة وهو الرجم في حق ~~المحصن والجلد في غيره، أو لكونه قد نزلت الآية المنسوخة، وهي: الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما. ولعل القضية قبل النسخ، أو لم يعلم الأعرابي ~~بالنسخ. وقيل: المراد بكتاب الله ما فيه من النهي عن أكل المال بالباطل؛ ~~لأن خصمه كان أخذ منه الغنم والوليدة بغير حق، ورجح المصنف (¬3) رحمه الله ~~تعالى أن المراد بكتاب الله ما يتعلق بجميع أفراد القصة مما وقع به الجواب. # قوله: وهو أفقه منه. قال ابن العربي في شرح الترمذي (¬4): يحتمل أن يكون ~~الراوي كان عارفا بهما قبل أن يتحاكما، فوصف الثاني بأنه أفقه من الأول؛ ~~إما مطلقا، وإما في هذه القضية الخاصة، واستدل بحسن أدبه في استئذانه وترك ~~رفع صوته، إن كان الأول رفعه، وتأكيده السؤال على فقهه، PageV09P009 # وقد ورد أن " ... حسن السؤال نصف العلم" (¬1). # قوله: فقال: إن ابني. ظاهر السياق أن القائل هو الثاني، وجزم الكرماني ~~(¬2) بأن القائل هو الأول، واستدل بما وقع في كتاب الصلح عن آدم عن ابن أبي ~~ذئب (¬3): فقال الأعرابي: إن ابني. بعد قوله في أول الحديث: جاء أعرابي. ~~وفيه: فقال خصمه. وهذه الزيادة شاذة، والمحفوظ ما في سائر الطرق كما في ~~رواية سفيان في هذا الباب. # قوله: عسيفا على هذا. زاد شعيب في روايته: والعسيف الأجير (¬4). وهذا ~~التفسير مدرج في الحديث، وكأنه من قول الزهري، وهي عادته في إدخال التفسير، ~~والعسيف بمهملتين الأجير وزنا ومعنى، والجمع عسفاء كأجراء؛ ويطلق أيضا على ~~الخادم وعلى العبد وعلى السائل، وقيل: يطلق على من يستهان به. وفسره عبد ~~الملك بن حبيب بالغلام الذي لم يحتلم، وإن ثبت ذلك فإطلاقه على صاحب هذه ~~[القصة] (أ) باعتبار حاله في ابتداء الاستئجار، ووقع في رواية النسائي (¬5) ~~بلفظ: كان ابني أجيرا لامرأته. ويسمى الأجير عسيفا؛ لأن المستأجر يعسفه في ~~العمل، والعسف الجور، أو هو بمعنى الفاعل؛ لكونه يعسف الأرض بالتردد إليها، ~~يقال: عسف الليل PageV09P010 # عسفا. إذا أكثر السير فيه، ويطلق العسف ms1900 أيضا على الكفاية، والأجير يكفى ~~المستأجر الأمر الذي أقامه فيه ولفظ "على" في: على هذا. بمعنى عند، وقد جاء ~~في رواية: عسيفا في أهل هذا (¬1). وكأن الرجل استخدمه فيما تحتاجه امرأته ~~من الأمور فلذلك وقع ما وقع. # وقوله: فإني أخبرت. على البناء للمجهول، كذا في رواية الحميدي (¬2)، وفي ~~رواية أبي بكر الحنفي (¬3): فقال لي. وكذا عند أبي عوانة (¬4)، ووقع في ~~رواية عمرو بن شعيب (¬5): فسألت من لا يعلم فأخبرني. # وقوله: وخادم (¬6). المراد بالخادم الجارية المعدة للخدمة، وفي رواية: ~~ووليدة (¬7). # وقوله: أهل العلم. قال المصنف رحمه الله تعالى (¬8): لم أقف على أسمائهم، ~~ولا على أعدادهم، ولا على اسم الخصمين، ولا الابن ولا المرأة، وفي رواية ~~ابن أبي ذئب (¬9): فزعموا. # وفي قوله: جلد مائة. بالإضافة للأكثر، وقرأه بعضهم بتنوين جلد ونصب مائة، ~~ولم يثبت رواية. PageV09P011 # وقوله: "والذي نفسي بيده". في رواية مالك (¬1): "أما والذي". # وقوله: "لأقضين". بتشديد النون للتأكيد. # وقوله: "بكتاب الله". في رواية عمرو بن شعيب: "بالحق". وهي ترجح التفسير ~~الأول بكتاب الله. # وقوله: [رد] (أ) بمعنى مردود من إطلاق المصدر بمعنى اسم المفعول، # وفيه دلالة على أن المال في الصلح الباطل لا يحل، وأنه يجب رده. # وقوله: "وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام". محمول على أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - علم أن الابن لم يكن قد أحصن حتى يجب عليه الرجم، وأنه اعترف بالزنى ~~بناء على أنه كان حاضرا، وقد جاء في رواية للبخاري (¬2). إن ابني هذا. ~~بالإشارة، أو أنه على تقدير الاعتراف إذا وقع منه، وكذا وقع في رواية عمرو ~~بن شعيب بلفظ: وابني لم يحصن (¬3). # وقوله: "واغد يا أنيس". بنون ومهملة مصغرا، قال ابن السكن في كتاب ~~"الصحابة" (¬4): لم أدر من هو، ولا حدث له رواية ولا ذكر إلا في هذا ~~الحديث. وقال ابن عبد البر (¬5): هو ابن الضحاك الأسلمي. وقيل: ابن مرثد. ~~وقيل: ابن أبي مرثد. وضعف الأخير هذا، بأن أنيس بن أبي مرثد PageV09P012 # صحابي مشهور، وهو غنوي، بالغين المعجمة والنون، لا أسلمي، وهو بفتحتين ~~غير مصغر، ms1901 وغلط أيضا من زعم أنه أنس بن مالك؛ لأنه أنصاري، لا أسلمي، ووقع ~~في رواية [شعيب] (أ) وابن أبي ذئب (¬1): "وأما أنت يا أنيس -لرجل من أسلم- ~~فاغد". وفي رواية معمر (¬2): لرجل من أسلم، يقال له: أنيس. وفي رواية مالك ~~(¬3): "وأمر أنيسا الأسلمي أن يأتي امرأة الآخر. والمراد بقوله: "اغد". ~~الغدو والذهاب والتوجه، كما يطلق الرواح على ذلك، لا الذهاب في ذلك الوقت. # وقوله: "فإن اعترفت فارجمها". ظاهر الحديث أنه يكفي الاعتراف مرة واحدة ~~كغيره من سائر الأحكام، وقد ذهب إلى هذا أبو بكر والحسن البصري ومالك ~~والشافعي وحماد والثوري والبتي وداود الظاهري، وذهبت العترة وأبو حنيفة ~~وأصحابه وابن أبي ليلى وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، وهو الراجح عند ~~الحنابلة إلى أنه يشترط في الإقرار بالزنى أن يتعدد أربع مرات كما سيأتي في ~~حديث ماعز، أنه رده أربع مرات، وقد جاء في الرواية من كلام الراوي: فلما ~~شهد على نفسه أربع شهادات. فإن فيه إشعارا بأن العدد هو العلة في تأخير ~~إقامة الحد عليه، وإلا لأمر برجمه في أول مرة، وفي حديث ابن عباس أخرجه أبو ~~داود (¬4) أنه قال لماعز: "قد شهدت PageV09P013 # على نفسك أربع شهادات؛ اذهبوا به فارجموه". ويؤيده القياس على شهود الزنى ~~دون غيره من الحدود. وقد أجيب عن ذلك بأنه قد اضطربت الرواية، فجاء: "أربع ~~مرات". في رواية أبي هريرة (¬1)، وكذا في حديث جابر بن سمرة من طريق أبي ~~عوانة عن سماك: فشهد على نفسه أربع شهادات. أخرجه مسلم (¬2). # وأخرجه مسلم (¬3) من طريق شعبة عن سماك، قال: فرده مرتين. وفي أخرى: ~~مرتين أو ثلاثا. قال شعبة: فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: إنه رده أربع مرات. ~~ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم (¬4) أيضا: فاعترف بالزنى ثلاث مرات. وبأن ~~لم يكن في اللفظ ما يدل على أنه لا يعتبر ما دونها؛ لأنها حكاية فعل. ~~وقوله: "قد شهدت على نفسك أربع مرات". حكاية لما قد وقع منه، فالمفهوم غير ~~معتبر، والقياس على أنه قد اعتبر في الشهادة أربعة فاسد؛ ms1902 لأن المال اعتبر ~~فيه عدلان والإقرار يكفى فيه مرة واحدة، وحديث أنيس أطلق فيه الاعتراف، وهو ~~يصدق بالمرة الواحدة، فلو كان الأربع معتبرة لذكرها؛ لأنه بيان في وقت ~~الحاجة، وقد يدفع هذا بأنه قد عرف أن الإقرار في الزنى لا بد فيه من أربع ~~مرات (أمن قصة ماعز، وهو محتمل أ)، PageV09P014 # (أومع تقدير ثبوت أنه وقع في قصة ماعز أربع مرات أ)، فهو يحتمل أن ذلك ~~لزيادة الاستثبات، فإنه جاء عند مسلم (¬1) في قصة الغامدية حيث قالت لما ~~جاءت: طهرني. فقال: "ويحك، ارجعي فاستغفري". فقالت: أراك تريد أن ترددني ~~كما رددت ماعزا، إنها حبلى من الزنا. فلم يؤخر إقامة الحد عليها إلا لكونها ~~حبلى، فلما وضعت أمر برجمها، ولم يستفسرها مرة أخرى، ولا اعتبر تكرير ~~إقرارها، ولا تعدد المجالس. # وقد أجيب عن الاضطراب بالجمع بين الروايات؛ أما رواية: مرتين. [فتحمل] ~~(ب) على أنه اعترف مرتين في يوم واحد ومرتين في يوم آخر؛ لما يشعر به قول ~~بريدة: فلما كان من الغد. فاقتصر الراوي على إحداهما، ومراده اعترف مرتين ~~في يومين، فيكون من ضرب اثنين في اثنين، وقد وقع عند أبي داود (¬2) من طريق ~~إسرائيل عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس: جاء ماعز فاعترف بالزنى ~~مرتين. وأما رواية الثلاث، فكأن المراد الاقتصار على المرات التي رده فيها، ~~فإنه في الرابعة لم يرده، بل استثبت وسأله عن عقله، وقد جاء عند أبي داود ~~(¬3) من حديث أبي هريرة: فشهد على نفسه أنه أصاب امرأة حرائا أربع مرات، لم ~~كل ذلك يعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فأقبل في الخامسة، ~~فقال: "أتدري ما الزنى؟ ". والمراد PageV09P015 # بالخامسة الصفة التي وقعت منه عند السؤال والاستثبات؛ لأن صفة الإعراض ~~وقعت أربع مرات، وصفة الإقبال عليه للسؤال وقع بعدها. # وتمام الحديث: فغدا عليها فاعترفت فرجمها (¬1). كذا في رواية الأكثر ~~(¬2)، ووقع في رواية الليث (¬3): فاعترفت فأمر بها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فرجمت. واختصره ابن أبي ذئب (¬4)، فقال: فغدا عليها فرجمها. ~~ونحوه في ms1903 رواية صالح بن كيسان (¬5)، وفي رواية عمرو بن شعيب (¬6): وأما ~~امرأة هذا فترجم. ورواية الليث أتمها؛ لأنها تشعر بأن أنيسا أعاد جوابها ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأمر برجمها، ويحتمل أن يكون المراد أمره ~~الأول المعلق على اعترافها، فيتحد مع رواية الأكثر. قال المصنف (¬7) رحمه ~~الله تعالى: والذي يظهر أن أنيسا لما اعترفت أعلم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - مبالغة في الاستثبات، مع كونه كان علق له رجمها على اعترافها. ولكنه ~~لا بد من أن يقال: إن أنيسا أعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - ومعه غيره ~~ممن يصح أن يثبت بشهادته حد الزنى. لكنه اختصر ذلك في الرواية، وإن كان قد ~~استدل به بعض بأنه يجوز للحاكم أن يحكم بإقرار الزاني من غير أن يشهد عليه ~~غيره، وأنيسا قد فوض إليه النبي - صلى الله عليه وسلم - الحكم، وقد يجاب ~~عنه بأنها واقعة عين، ويحتمل أن يكون PageV09P016 # أنيس قد أشهد قبل رجمها، قال القاضي عياض (¬1): احتج به قوم بجواز حكم ~~الحاكم في الحدود ونحوها بما أقر به الخصم عنده. وهو أحد قولي الشافعي، وبه ~~قال أبو ثور، وأبي ذلك الجمهور، والخلاف في غير الحدود أقوى. قال: وقصة ~~أنيس يطرقها احتمال معنى الإعذار، أو أن قوله: "فارجمها". بعد إعلامي أو ~~أنه فوض الأمر إليه، والمعنى: فإذا اعترفت بحضرة من يثبت ذلك بقولهم حكمت، ~~وقد دل قوله: فأمر بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرجمت. أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -هو الذي حكم فيها بعد أن أعلمه أنيس باعترافها. انتهى. # واعلم أن بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى المرأة ليس لأجل إثبات ~~الحد عليها، فإنه - صلى الله عليه وسلم - قد أمر باستتار (أ) من أتى ~~الفاحشة (¬2)، وبالستر عليه كما قال لهزال (¬3)، ونهى عن التجسس (¬4)، ~~وإنما ذلك لأنه لما قذفت المرأة بالزنى بعث إليها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لتنكر، فتطالب بحد القذف، أو تقر بالزنى فيسقط عنه، فكان منها ~~الإقرار، فأوجبت على نفسها الحد، ويؤيد هذا ما أخرجه أبو ms1904 داود والنسائي ~~(¬5) عن ابن عباس: أن رجلا أقر أنه زنى بامرأة، فجلده النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - مائة، ثم سأل المرأة فقالت: كذب. فجلده جلد الفرية ثمانين. وقد ~~سكت PageV09P017 # عليه أبو داود وصححه الحاكم واستنكره النسائي، وقد تضمن الحديث فوائد ~~وآداب يطول الكلام بذكرها. # 1003 - وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر ~~جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم". رواه مسلم (¬1). # قوله: "قد جعل الله لهن سبيلا". هو إشارة إلى ما وقع في قوله تعالى: {أو ~~يجعل الله لهن سبيلا} (¬2). فبين النبي - صلى الله عليه وسلم - أن هذا هو ~~السبيل الذي جعله الله تعالى. # وقوله: "البكر". المراد بالبكر هو من لم يجامع في نكاح صحيح، وهو حر بالغ ~~[عاقل] (أ). # وقوله: "بالبكر" ليس هذا التقييد معتبرا، بل هو مثل التقييد الذي يخرج ~~مخرج الغالب، فإن البكر يجب عليه الجلد وحده، سواء كان مع بكر أو مع ثيب ~~كما في [قصة] (ب) العسيف. # وقوله: "ونفي سنة". الحديث فيه دلالة على وجوب التغريبا عاما، PageV09P018 # وأن ذلك من تمام الحد، وقد ذهب إلى هذا الخلفاء الأربعة (¬1) وذهب إليه ~~مالك والشافعي وأحمد وإسحاق والثوري والزهري وابن أبي ليلى وأبو يوسف، ~~وادعى محمد بن نصر في كتاب "الإجماع" (¬2) الاتفاق على نفي الزاني البكر، ~~إلا عن الكوفيين، وقال ابن المنذر (2): أقسم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في قصة العسيف أنه يقضي بكتاب الله، ثم قال: "إن عليه جلد مائة، وتغريب ~~عام". وهو المبين لكتاب الله، وخطب بذلك عمر رضي الله عنه على رءوس الناس ~~(¬3)، وعمل به الخلفاء الراشدون، فلم ينكره أحد فكان إجماعا. # وذهبت الهدوية وأبو حنيفة وحماد إلى أن التغريب غير واجب؛ إذ لم يذكر في ~~آية النور، والتغريب زيادة على النص، وهو ثابت بخبر الواحد، فلا يعمل به، ~~لأنه يكون ناسخا، وهذا قول الحنفية. # والجواب أن الحديث مشهور لكثرة طرقه، ومن عمل به ms1905 من الصحابة، وقد عملت ~~الحنفية بمثله، بل بدونه كنقض الوضوء بالقهقهة، وجواز الوضوء بالنبيذ، وغير ~~ذلك مما هو زيادة على ما في القرآن، ولا نسلم أن ذلك نسخ، فإن الزيادة على ~~النص إذا لم يخرج بها المزيد عليه عن أن يكون [مجزيا] (أ) لا يكون نسخا، ~~لأن النسخ رفع حكم شرعي، وإنما يكون نسخا PageV09P019 # زيادة ركعة خامسة، ونحو ذلك؛ كما هو مقرر في الأصول، وأجاب الإمام المهدي ~~في "البحر" من جانب الهدوية على الحديث بقوله: قلت: التغريب عقوبة لا حد؛ ~~لقول علي رضي الله عنه: جلد مائة وحبس سنة. ولنفي عمر رضي الله عنه في ~~الخمر ولم ينكر، ثم قال: لا أنفي بعدها أحدا (¬1)، والحدود لا تسقط. انتهى، ~~ولا يخفى ضعف الاحتجاج بقول علي فإنه مؤيد لقول الجمهور، وأما نفي عمر في ~~الخمر فذلك اجتهاد منه في زيادة العقوبة على شارب الخمر، ثم عارض المصلحة ~~التي رآها مفسدة فتركها، ولا تلازم بين ذلك وبين حديث النفي إلا باحتمال أن ~~يكون ذلك وقع زيادة عقوبة، لا زيادة حد، والاحتمال لا يعارض الصريح، وأجاب ~~الطحاوي (¬2) بأن التغريب منسوخ بحديث: "إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها". ثم ~~قال في الثالثة: "فليبعها" (¬3). والبيع يفوت التغريب، قال: وإذا سقط عن ~~الأمة سقط عن الحرة؛ لأنها في معناها، ويتأكد بحديث: "لا تسافر المرأة إلا ~~مع ذي محرم" (¬4). قال: وإذا انتفى عن النساء انتفى عن الرجال. كذا قال، ~~وهو مبني على أن العموم إذا خص سقط الاستدلال [به] (أ)، وهو مذهب ضعيف، ولا ~~يخفى ضعف هذا الجواب؛ أما أولا: فإنه في الأمة، فغاية ما PageV09P020 # يفيده أنه مخصص للأمة من حكم التغريب. # وأما ثانيا: فإن عدم الذكر لا يدل على مخالفة ما ذكر حكمه، وظاهر الحديث ~~أن التغريب عام للذكر والأنثى، والحر والعبد، وقال مالك والأوزاعي، وروي عن ~~علي رضي الله عنه: إن المرأة لا تغرب. قالوا: لأنها عورة، وفي نفيها تضييع ~~لها، وتعريض للفتنة؛ ولهذا نهيت عن السفر مع غير محرم، إلا أن القائلين ~~بتغريبها، يقولون بالتغريب لها ms1906 مع محرمها، وأجرته منها إذ وجبت بجنايتها. ~~وقيل: في بيت المال كأجرة الجلاد. وأما الرق فذهب مالك وأحمد والحسن وإسحاق ~~وحماد وقول للشافعي إلى أنه لا ينفى، قالوا: لأن نفي الرق عقوبة لمالكه؛ ~~لمنعه منفعته مدة نفيه، وتصرف الشرع يقضي أنه لا يعاقب غير الجاني، ومن ثم ~~سقط فرض الجهاد والحج عن المملوك، وذهب الثوري وداود والطبري وقول للشافعي ~~إلى أنه ينفى لعموم أدلة التغريب، وقوله تعالى: {فعليهن نصف ما على ~~المحصنات من العذاب} (¬1). وينصف في حق المملوك لعموم الآية، وفي قول ~~للشافعي: لا ينصف التغريب، هو طرد سنة، وأقله مسافة القصر لتحصل الغربة، ~~ولأنه غرب عمر من المدينة إلى الشام (¬2)، وغرب عثمان إلى مصر (¬3)، ومن ~~كان غريبا لا وطن له غرب إلى غير البلد الذي كان فيه، وذلك موكول إلى نظر ~~الإمام، وروي في "البحر" عن علي والباقر والصادق وأحد قولي الناصر أنه حبس ~~سنة، ثم قال في الجواب عليهم: PageV09P021 # قلنا: مخالف لوضع لفظ التغريب. # وقوله: "والثيب". المراد بالثيب من قد وطئ في نكاح صحيح وهو بالغ عاقل ~~حر، والرجل والمرأة في ذلك سواء، ويستوي في هذا الكافر والسلم، والرشيد ~~والمحجور عليه لسفه. # وقوله: "جلد مائة والرجم". والحديث فيه دلالة على أنه يجمع في حد الثيب ~~بين الجلد والرجم، والرجم ثابت إجماعا، إلا ما حكاه القاضي أبو بكر بن ~~العربي عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه، والجمع بينهما أخرجه ~~البخاري (¬1) وغيره عن علي رضي الله عنه في حق شراحة -بضم الشين المعجمة ~~وتخفيف الراء المهملة ثم حاء مهملة- الهمدانية -بسكون الميم وبالدال ~~المهملة- فجلدها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ~~ورجمتها بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. قال الشعبي: قيل لعلي: ~~جمعت بين حدين! فأجاب بما ذكر (¬2). قال الشعبي: وقال أبي ابن كعب بمثل ذلك ~~(¬3). قال الحازمي (¬4): ذهب إلى هذا أحمد وإسحاق وداود وابن المنذر، وهو ~~مذهب العترة وداود، وذهب الجمهور إلى أنه لا يجمع بينهما في حق الثيب، وهي ~~رواية عن أحمد أيضا، قالوا: وحديث عبادة ms1907 بن الصامت المذكور منسوخ، والناسخ ~~له ما ثبت في قصة ماعز أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رجمه، ولم يذكر ~~الجلد. قال الشافعي رحمه الله تعالى: فدلت PageV09P022 # السنة على أن الجلد ثابت على البكر، ساقط عن الثيب، والدليل على أن قصة ~~ماعز متراخية عن حديث عبادة أن حديث عبادة ناسخ لما شرع أولا؛ من حبس ~~الزاني في البيوت فنسخه الجلد، وزيد الثيب الرجم، وذلك صريح في حديث عبادة، ~~ثم نسخ الجلد في حق الثيب، وذلك مأخوذ من الاقتصار في قصة ماعز والغامدية ~~والجهنية واليهوديين، ولم يذكر الجلد مع الرجم، قال ابن المنذر (¬1): عارض ~~بعضهم الشافعي، فقال: الجلد ثابت بكتاب الله، والرجم ثابت بسنة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كما قال علي، وقد ثبت الجمع بينهما في حديث عبادة، ~~وعمل به علي، ووافقه أبي، وليس في قصة ماعز ومن ذكر معه تصريح بسقوط الجلد ~~عن المرجوم، لاحتمال أن يكون ترك ذكره لوضوحه ولكونه الأصل، وقد احتج ~~الشافعي بنطر هذا حين عورض في إيجاب العمرة، بأن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أمر من سأله أن يحج عن أبيه، ولم يذكر العمرة، فأجاب الشافعي بأن ~~السكوت عن ذلك لا يدل على سقوطه، قال: فكذا ينبغي أن يجاب هنا، لكن الشافعي ~~يقول (¬2): إن قصة ماعز جاءت من طرق متنوعة بأسانيد مختلفة، لم يذكر في شيء ~~منها أنه جلد، وكذلك الغامدية والجهنية وغيرهما، فدل عدم ذكره على عدم ~~وقوعه، ودل عدم وقوعه على عدم وجوبه. وقال الإمام المهدي في الرد على دليل ~~الجمهور: قلنا: معارض بفعل علي، وهو توقيف. انتهى. # ويقال عليه: إن عليا رضي الله عنه ظاهر قوله [أنه] (أ) فعل ذلك اجتهادا PageV09P023 # منه جمعا بين الدليلين، لما قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. فعمل بالدليلين اجتهادا منه ببقاء حكمهما ~~وكأنه لم يظهر له ما نسخ ذلك فوجب إعمال الدليلين، والله أعلم. # واعلم أن ثبوت الجلد كان بسورة النور، ونزولها كان في قصة الإفك، وقد ~~اختلف: هل ms1908 كان سنة أربع أو خمس أو ست؟ والرجم كان بعد ذلك، فقد حضره أبو ~~هريرة، وإسلامه سنة سبع، وابن عباس كذلك حضره، وهو إنما جاء مع أمه إلى ~~المدينة سنة تسع. # 1004 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أتى رجل من المسلمين رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت. ~~فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله، إني زنيت. فأعرض عنه، ~~حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "أبك جنون؟ ". قال: لا. قال: "فهل ~~أحصنت؟ ". قال: نعم. فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "اذهبوا به ~~فارجموه". متفق عليه (¬1). # قوله: فتنحى تلقاء وجهه. أي: انتقل من الناحية التي كان فيها إلى الناحية ~~التي يستقبل بها وجه النبي - صلى الله عليه وسلم -. وتلقاء مصدر أقيم مقام ~~الظرف، أي مكان تلقاء، فحذف مكان. وليس من المصادر "تفعال" بكسر أوله غير ~~هذا ولفظ تبيان، وما عداهما فتفتح التاء، وأما الأسماء غير المصادر فبهذا PageV09P024 # الوزن كثير. وهذا المذكور لفظ شعيب. وفي رواية ابن مسافر (¬1): فتنحى لشق ~~وجه النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أعرض قبله. بكسر القاف وفتح ~~الموحدة. # وقوله: ثنى ذلك عليه. وهو بمثلثة بعدها نون خفيفة، أي: كرر. وجاء في لفظ ~~[حتى] (أ) ردد (¬2) بدالين، وفي لفظ [حتى رد] (أ) بدال مدغمة (¬3). # وقوله: أربع مرات. وقع في رواية أبي ذر (¬4) في لفظ: أربع شهادات. # وأخرج مسلم (¬5) من حديث جابر بن سمرة من طريق أبي عوانة عن سماك: فشهد ~~على نفسه أربع شهادات. وأخرجه (¬6) من طريق شعبة عن سماك قال: فرده مرتين. ~~وفي أخرى: مرتين أو ثلاثا. قال شعبة: فذكرته لسعيد بن جبير، فقال: إنه رده ~~أربع مرات. ووقع في حديث أبي سعيد عند مسلم (¬7) أيضا: فاعترف بالزنى ثلاث مرات. # والجمع بينهما؛ أما رواية: مرتين. فتحمل على أنه اعترف مرتين في يوم PageV09P025 # واحد، ومرتين في يوم آخر، لما يشعر به ms1909 قول بريدة (¬1): فلما كان من الغد. ~~فاقتصر الراوي على أحدهما، أو مراده اعترف مرتين في يومين، فيكون من ضرب ~~اثنين في اثنين، وقد وقع عند أبي داود (¬2) من حديث ابن عباس: جاء ماعز ~~فاعترف بالزنى مرتين. وقد تقدم ذلك قريبا. # وقوله: [فقال] (أ) "أبك جنون؟ ". وقع في رواية بريدة (¬3). فسأل، "أبه ~~جنون؟ ". فأخبر أنه ليس بمجنون. وفي لفظ (¬4): فأرسل إلى قومه، فقالوا: ما ~~[نعلمه] (ب) إلا وفي العقل من صالحينا. وفي حديث أبي سعيد (¬5): ثم سأل ~~قومه، فقالوا: ما نعلم به بأسا، إلا أنه أصاب شيئا، يرى أنه لا يخرجه منه ~~إلا أن يقام فيه الحد. وفي مرسل سعيد (¬6): بعث إلى أهله، فقال: "أيشتكي؟ ~~أبه جنون؟ ". فقالوا: يا رسول الله، إنه لصحيح. ويجمع بينهما بأنه سأله، ثم ~~سأل عنه احتياطا، فإن فائدة سؤاله أنه لو ادعى الجنون لكان في ذلك دفع (ج) ~~لإقامة الحد عليه، حتى يظهر خلاف دعواه، PageV09P026 # فلما أجاب بأنه لا جنون به سأل عنه؛ لاحتمال أن يكون كذلك، ولا يعتد ~~بقوله، وفيه دلالة على أنه يجب على الإمام أن يستفصل عن الأمور التي لا يجب ~~معها الحد، فإن قصر في ذلك، ضمن إن تعمد وإلا كان خطأ، وضمان الخطأ في بيت ~~المال، وقد يدفع بأنه لم يقع استفصال في قصة العسيف، ويجاب بأن عدم ذكر ذلك ~~لا يدل على عدم وجوده، فإنه قد يروي الراوي بعض الواقع. والله أعلم. # وقوله: "أحصنت؟ ". بفتح الهمزة، المراد تزوجت، وهذا معناه هنا جزما؛ لأن ~~الحكم في الزنى إنما افترق في حق من تزوج ومن لم يتزوج. # قوله: قال: نعم. # وهذا الحديث قد روي بزيادات، ففي حديث بريدة (¬1) قبل هذا قال: "أشربت ~~خمرا؟ ". قال: لا. وفيه: فقام رجل فاستنكهه، فلم يجد منه ريحا. وفي حديث ~~ابن عباس (¬2): "لعلك قبلت، أو غمزت -بغين معجمة وزاي- أو نظرت". والمعنى: ~~أنك تجوزت بإطلاق لفظ الزنى على مقدماته. وفي رواية نعيم (¬3) فقال: "هل ~~ضاجعتها؟ ". قال: نعم. قال: "فهل باشرتها؟ ". قال: نعم. قال: "هل جامعتها؟ ~~". قال: نعم. وفي ms1910 حديث ابن عباس المذكور، فقال (¬4): "أنكتها؟ ". لا يكني؛ ~~بفتح الياء التحتانية وسكون الكاف، من الكناية، أو أنه ذكر هذا اللفظ ~~صريحا، ولم PageV09P027 # يكن عنه بلفظ آخر كالجماع، ويحتمل أن يجمع بأنه ذكره بعد ذكر الجماع؛ لأن ~~الجماع قد يحمل على مجرد الاجتماع. وفي حديث أبي هريرة (¬1): "أنكتها؟ ". ~~قال: نعم. قال: "حتى دخل ذلك منك في ذلك منها؟ ". قال: نعم. قال: "كما يغيب ~~المرود في المكحلة، والرشاء في البئر؟ ". قال: نعم. قال: "تدري ما الزنى؟ ~~". قال: نعم، أتيت منها حراما، ما يأتي الرجل من امرأته حلالا. قال: "فما ~~تريد بهذا القول؟ ". قال: تطهرني. فأمر به فرجم. وفي رواية النسائي (¬2): ~~"هل أدخلته وأخرجته؟ ". قال: نعم. # والحديث فيه دلالة أنه يندب تلقين ما يسقط الحد، وأن الإقرار لا بد فيه ~~من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير المواقعة، وقد روي عن جماعة من الصحابة ~~تلقين المقر، كما أخرج مالك (¬3) عن أبي الدرداء وعن علي في قصة شراحة، ~~وقال أبو ثور: التلقين إنما هولمن يظن منه أنه يجهل حكم الزنى، وعند ~~المالكية: لا يلقن من اشتهر بانتهاك [الحرمات] (أ). وقد يستدل بما في حديث ~~(ب) بريدة من قوله: "أشربت خمرا؟ ". أن السكران لا يصح إقراره بالزنى. قال ~~المازري (¬4): استدل به بعضهم على أن طلاق PageV09P028 # السكران لا (أ) يقع، وتعقبه عياض بأنه لا يلزم من درء الحد به ألا (ب) ~~يقع طلاقه لوجود تهمته على ما يظهر من عدم العقل. قال: ومذهبنا إلزامه ~~بجميع أحكام الصحيح؛ لأنه أدخل ذلك على نفسه، وهو حقيقة مذهب الشافعي، ~~واستثنى من أكره ومن شرب ما ظن أنه غير مسكر، ووافقه بعض متأخري المالكية. ~~وقال النووي (¬1): الصحيح عندنا صحة إقرار السكران، ونفوذ أقواله فيما له ~~وعليه. قال: والسؤال عن شربه الخمر محمول عندنا على أنه لو كان سكرانا لم ~~يقم عليه الحد. انتهى. # ولعله يقال: المراد به: يؤخر إقامة الحد إلى بعد الصحو؛ لجواز أن يكون له ~~شبهة يدعيها. وذهب الليث إلى أنه يعمل بأفعاله ولا يعمل بأقواله؛ لأنه يلتذ ms1911 ~~بفعله ويشفي غيظه ولا يفقه أكثر ما يقول، وقد قال الله تعالى: {لا تقربوا ~~الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} (¬2). # وقوله: "اذهبوا به فارجموه". فيه دلالة على أنه لا يجب أن يكون أول من ~~يرجم الإمام فيمن يثبت عليه بالإقرار، وقد ذهب إلى هذا الشافعي والهادي، ~~وإنما يستحب ذلك. قال ابن دقيق العيد: وإن كان الفقهاء قد استحبوا أن يبدأ ~~الإمام بالرجم إذا ثبت الزنى بالإقرار ويبدأ (ج) PageV09P029 # الشهود به إذا ثبت بالبينة، كأن الإمام لما كان عليه التثبت والاحتياط، ~~قيل له: ابدأ. لكون (أ) ذلك زاجرا عن التساهل في الحكم وداعيا إلى غاية ~~التثبت، وأما في الشهود فظاهر، لأن قتله بقولهم. وذهب أبو حنيفة واختاره ~~الهدوية إلى أن ذلك واجب، ويرد عليهم بهذا الحديث. وظاهر قوله: "فارجموه". ~~أنه لم يحفر له حفيرة، بل وقع التصريح في حديث أبي سعيد عند مسلم (¬1)، ~~فقال: ما حفرنا له ولا أوثقناه. ولكن وقع في حديث بريدة عند مسلم (¬2): ~~فحفر له حفيرة. ويمكن الجمع بأن النفي (ب) حفيرة لا يمكنه الوقوف فيها، ~~والمثبت عكسه، أو أنهم لم يحفروا له في أول الأمر ثم لما فر فأدركوه حفروا ~~له حفيرة، فانتصب لهم فيها حتى فرغوا منه، أو أنهم حفروا له في أول الأمر، ~~ثم لما وجد مس الحجارة خرج من الحفيرة فتبعوه، وهذا أوجه، ويؤيده ما في لفظ ~~البخاري (¬3): فلما أذلفته الحجارة -بالذال المعجمة والقاف؛ أي بلغت منه ~~الجهد- هرب، فأدركناه بالحرة فرجمناه. زاد معمر في روايته (¬4) حتى مات. ~~وذهبت الشافعية إلى أنه لا يحفر للرجل، وفي وجه: يتخير الإمام. وفي المرأة ~~أوجه ثلاثة، ثالثها: يحفر إن ثبت زناها PageV09P030 # بالبينة لا بالإقرار. وعن الأئمة الثلاثة في المشهور عنهم: لا يحفر. وعند ~~الهدوية الحفر مندوب للرجل والمرأة. وقال أبو يوسف وأبو ثور: يحفر للرجل ~~والمرأة. وقد أخرج أبو داود (¬1) من حديث يزيد بن نعيم بن هزال (أ) أنه قال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هلا رددتموه إلي". وفي رواية (¬2): ~~"تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه". وفيه ms1912 دلالة على أنه يقبل من المقر ~~الرجوع عن الإقرار، وقد ذهب إلى هذا الهدوية، وهو مذهب الشافعي وأحمد، فإذا ~~هرب ترك لعله يرجع، وعند المالكية (ب [في المشهور] ب): لا يترك إذا هرب. ~~وقيل: إن المقر يقام عليه الحد إذا أخذ على الفور، فإن لم يؤخذ ترك. وعند ~~الحنفية: إذا أخذ في الحال أقيم عليه الحد، وإن أخذ بعد أيام ترك. وعن ~~أشهب: إن ذكر عذزا يقبل ترك، وإلا فلا. ونقله القعنبي عن مالك، وحكى اللخمي ~~عنه قولين فيمن رجع إلى شبهة، ومنهم من قيده بما بعد إقراره عند الحاكم، ~~واحتجت المالكية بأن الذين رجموه حين مات بعد أن هرب لم يلزموا بديته، فلو ~~شرع تركه لوجبت عليهم الدية. والجواب: أنه لم يصرح بالرجوع، ولم يقل أحد: ~~إن الحد يسقط بمجرد الهرب. PageV09P031 # 1005 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: لما أتى ماعز بن مالك إلى النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال له: "لعلك قبلت، أو غمزت، أو نظرت؟ ". قال: لا يا ~~رسول الله. رواه البخاري (¬1). # قوله: "قبلت". أي المرأة، فحذف (أ) المفعول للعلم به، والمراد المرأة ~~المذكورة، ولم يعين محل التقبيل. # وقوله: "أو غمزت". بالغين المعجمة والزاي؛ أي بعينك، أو يدك، أي أشرت، أو ~~المراد: تعمدت بيدك الجس، أو وضعها على عضو الغير، وإلى ذلك الإشارة بقوله ~~في رواية زيادة: "أو لمست". # وقوله: "أو نظرت". والمراد أنه أطلق على كل واحدة من هذه المذكورات لفظ ~~الزنى مجازا، وذلك كما جاء في حديث: "العين تزني وزناها النظر" (¬2). # الحديث فيه دلالة على أنه يلقن المقر الشبهة التي إذا قالها سقط عنه ~~الحد، وأن الإقرار بالزنى لا بد فيه من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل PageV09P032 # غير المواقعة. # 1006 - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه خطب فقال: إن الله بعث محمدا ~~بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان فيما أنزل عليه آية الرجم، قرأناها ~~ووعيناها وعقلناها، فرجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده، ~~فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ms1913 ما نجد الرجم في كتاب الله. فيضلوا ~~بترك فريضة أنزلها الله، وإن الرجم حق في كتاب الله على من زنى إذا أحصن من ~~الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. متفق عليه (¬1). # قوله: أنه خطب. كانت الخطبة بعد رجوعه من الحج وقدم المدينة. # وقوله: آية الرجم. لم يذكرها البخاري، وقد أخرج الإسماعيلي (¬2) من رواية ~~جعفر الفريابي عن علي بن عبد الله شيخ البخاري فيه، فقال بعد قوله: أو ~~الاعتراف: وقد قرأناها: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة. وقد رجم رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - ورجمنا بعده. فسقط من رواية البخاري من قوله: وقد. ~~إلى قوله: البتة. ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدا، فقد أخرجه النسائي ~~(¬3) عن محمد بن منصور عن سفيان كرواية جعفر، ثم قال: لا أعلم PageV09P033 # أحدا ذكر في هذا الحديث: الشيخ والشيخة. غير سفيان، وينبغي أن يكون وهم ~~في ذلك، وقد وقعت هذه الزيادة في هذا الحديث من رواية "الموطأ" (¬1) عن ~~يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب قال: لما صدر عمر من الحج وقدم المدينة، ~~خطب الناس فقال (أ): أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، ~~وتركتم على الواضحة. ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم؛ أن يقول [قائل] ~~(ب): لا نجد حدين في كتاب الله. فقد رجم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ورجمنا، والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله. ~~لكتبتها بيدي: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة (ج). قال مالك: الشيخ ~~والشيخة: الثيب والثيبة. ووقع في "الحلية" (¬2) في ترجمة داود بن أبي هند: ~~لكتبتها في آخر القرآن. وفي رواية أبي معشر (¬3) بلفظ: قد قرأنا: الشيخ ~~والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم. وأخرجه ~~(د) النسائي وصححه الحاكم (¬4) من حديث أبي بن كعب PageV09P034 # قال: ولقد كان فيها -أي في سورة "الأحزاب"- آية الرجم: الشيخ. فذكر مثله. ~~ومن حديث زيد بن ثابت (¬1): سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[يقول] ~~(أ): الشيخ والشيخة. مثله، ms1914 إلى قوله: البتة. ومن رواية أبي أمامة بن سهل ~~(¬2) أن خالته أخبرته قالت: [لقد] (أ) أقرأناها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. فذكره، إلى قوله: البتة. وزاد (ب): بما قضيا من اللذة. وهذا من نسخ ~~التلاوة وبقاء الحكم، وهو قسم من أقسام النسخ كما هو مبين في الأصول. # وقوله: فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. أي في الآية المذكورة التي نسخت ~~تلاوتها وبقي حكمها، وقد وقع ما خشي عمر، فإنه قد أنكر الرجم طائفة من ~~الخوارج أو معظمهم وبعض العتزلة، وهذا إما من التحديث الذي وصف رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - به عمر، أو أنه قد سمع ذلك، وقد أخرج عبد الرزاق ~~والطبراني (¬3) عن ابن عباس أن عمر قال: سيجيء قوم يكذبون بالرجم. الحديث. ~~وفي رواية عند النسائي (¬4): وأن ناسا يقولون: ما بال الرجم؟! PageV09P035 # [وإنما] (أ) في كتاب الله الجلد؛ ألا قد رجم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وقوله: أو كان الحبل. بفتح المهملة والموحدة، وفي رواية معمر (¬1): ~~الحمل. أي وجدت المرأة الخلية (ب) من زوج أو سيد حبلى، و [لم] (ج) تذكر ~~شبهة ولا إكراها، فيه دلالة على أنه يثبت الحد بالحبل المذكور، وهذا مذهب ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وذهب إليه مالك وأصحابه، وقالوا: إذا حملت ولم ~~يعلم لها زوج ولا سيد، ولا عرفنا إكراهها، لزمها الحد، إلا أن تكون غريبة ~~طارئة، وتدعي أنه من زوج أو سيد. قالوا: ولا تقبل دعواها الإكراه إذا لم ~~تقم بذلك بينة عند الإكراه قبل ظهور الحبل. وقال الشافعي وأبو حنيفة ~~وجماهير العلماء وذكره القاضي زيد في شرحه من الهادوية: إنه لا حد عليها ~~إلا ببينة أو اعتراف؛ لأن [الحدود تسقط] (د) بالشبهات, وقد يستأنس لهذا بما ~~روي عن علي في قصة شراحة (¬2) , أنه قال لها: أستكرهت؟ قالت: لا. قال: فلعل ~~رجلا أتاك في نومك؟ فسؤالها عن الاستكراه بعد الإقرار يدل على أن الاستكراه ~~مسقط للحد ما لم يصرح بعدمه, ولكن قول عمر لما ذكر في خطبته ولم ينكر عليه، ms1915 ~~دليل PageV09P036 # قوي، فإنه ينزل منزلة الإجماع، وأجاب الطحاوي (1) بتأويل ذلك على أن ~~المراد أن الحبل إذا كان من زنى وجب فيه الرجم، ولا بد من ثبوت كونه من ~~زنى، ولا يخفى تكلفه، فإن عمر جعل الحبل مقابلا للاعتراف. # وقوله: أو الاعتراف. أي الإقرار بالزنى والاستمرار عليه. وقد تقدم الكلام فيه. # 1007 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجلدها الحد ولا يثرب ~~عليها، ثم إن زنت فليجلدها الحد ولا يثرب عليها، ثم إن زنت الثالثة فتبين ~~زناها فليبعها ولو بحبل من شعر".متفق عليه (2) , وهذا لفظ مسلم. # قوله (فتبين زناها) ظاهر الحديث أنه إذا علم السيد بزنا أمته جلدها وإن ~~لم تقم الشهادة، وقد ذهب إليه بعض العلماء ويحتمل أنه إذا تبين زناها بما ~~يتبين به في حق الحرة، وهو الشهادة أو الإقرار والشهادة تقام عند الحاكم ~~عند الأكثر، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى أنها تقام عند السيد # وقوله (فليجلدها) فيه دلالة على أن ولاية الحد إلى السيد وقد PageV09P037 # ذهب إلى هذا الشافعي، وذهب الهادي إلى أن ولاية إقامة الحد إلى الإمام، ~~إن كان في الزمان إمام، وإلا فإلى السيد، قال: جمعا بين الأدلة. أو (أ) أن ~~قوله: "فليجلدها". بأمر الإمام، وهو (ب) بعيد، والمراد فليجلدها الحد ~~الواجب عليها المعروف من صريح قوله تعالى: {فعليهن نصف ما على المحصنات من ~~العذاب} (¬1). وقد وقع في رواية النسائي (¬2): "فليجلدها بكتاب الله". # وقوله: "ولا يثرب عليها". التثريب (ج) بمثناة ثم مثلثة ثم موحدة هو ~~التعنيف وزنا ومعنى، وقد جاء أيضا بلفظ: "ولا يعنفها". عند النسائي (¬3)، ~~والمراد أنه لا يجمع عليها العقوبة بالجلد وبالكلام. وقيل: المراد: ولا ~~يقنع بالتعنيف دون الجلد، وهو بعيد. قال ابن بطال (¬4): يؤخذ منه أن كل من ~~أقيم عليه الحد لا يعزر بالتعنيف واللوم، وإنما يليق ذلك بمن صدر منه قبل ~~أن يرفع إلى الإمام للتحذير والتخويف، فإذا رفع وأقيم عليه الحد كفاه. ~~ويؤيد PageV09P038 # هذا نهي النبي ms1916 - صلى الله عليه وسلم - عن سب الذي أقيم عليه حد الخمر، ~~وقال: "لا تكونوا عونا للشيطان على أخيكم" (¬1). # وقوله: "ثم إن زنت" إلى آخر الحديث. فيه دلالة على أن الزاني إذا تكرر ~~منه الزنى بعد إقامة الحد عليه تكرر عليه الحد، وأما إذا زنى مرات من دون ~~تخلل إقامة الحد، لم يجب عليه إلا حد واحد. وظاهر قوله: "فليبعها". أنه لا ~~يعيد عليها الحد. وقال المصنف رحمه الله تعالى في "فتح الباري" (¬2): ~~الأرجح أنه يجلدها قبل البيع، ثم يبيعها، والسكوت عنه للعلم بأن الحد لا ~~يترك، ولا يقوم البيع مقامه. وقال في "شرح مسلم" للنووي (¬3): وفيه إشارة ~~إلى أن العقوبة في التعزيرات إذا لم يحصل بها المقصود من الزجر لا تفعل، ~~فيعدل عن الحد إلى ترك شرط إقامته على السيد، وهو بالإخراج عن الملك، ولذلك ~~قال: "فليبعها". ولم يقل: فليجلدها كلما تكرر منها الزنى. كذا ذكره ابن ~~دقيق العيد (¬4)، وقال: قد تعرض إمام الحرمين لشيء من ذلك، فقال: إذا علم ~~المعزر أن التأديب لا يحصل إلا بالضرب المبرح فليتركه؛ لأن المبرح يهلك، ~~وليس له الإهلاك، [وغير المبرح لا يفيد] (أ)، PageV09P039 # وهذا البيع المأمور به مستحب ليس بواجب عند الجمهور، وادعى بعض الشافعية ~~أن سبب صرف الأمر عن (أ) الوجوب أنه منسوخ، وممن حكاه ابن الرفعة في ~~"المطلب" (¬1)، ويحتاج إلى ثبوت. وقال ابن بطال (¬2): حمل الفقهاء الأمر ~~بالبيع على الحض (ب) على مباعدة من تكرر منه الزنى؛ لئلا يظن بالسيد الرضا ~~بذلك، ولما في (ج) ذلك من الوسيلة إلى تكثير أولاد الزنى. قال: وحمله بعضهم ~~على الوجوب، ولا سلف له (د) من الأمة، فلا يشتغل به، وقد ثبت النهي عن ~~إضاعة المال، فكيف يجب بيع ما له قيمة خطيرة بالحقير؟ انتهى. # وظاهر هذا أن الإجماع صرف الأمر عن الوجوب، وقال داود وأهل الظاهر: هو ~~واجب، وفيه دلالة على ترك مخالطة الفساق وأهل المعاصي وفراقهم، وأنه يجوز ~~بيع الشيء الثمين بالثمن الحقير، وهذا مجمع عليه إذا كان البائع عالما به، ~~فإن كان ms1917 جاهلا فكذلك عند الجمهور، ولأصحاب مالك فيه خلاف، إلا أنه يلزم ~~البائع أن يعرف الشتري العيب الذي فيها؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ~~غشنا فليس منا" (¬3). إلا أنه يقال: كيف أحب لأخيه PageV09P040 # المسلم شراءها وهو لا يرتضيه لنفسه؟ والجواب عنه: أن ذلك لكونها قد تستعف ~~عند المشتري بأن يعفها لنفسه (أ) أو يزوجها أو يصونها لهيبته أو الإحسان ~~إليها. وفي الحديث دلالة أنه يقام الحد على الأمة وإن لم تكن قد أحصنت، وإن ~~كانت الآية الكريمة مشروطا فيها بالإحصان، فالآية بيان حد المحصنة، وأن ~~عليها نصف الجلد لا الرجم؛ لأنه لا يتنصف، ولعل هذا هو فائدة التقييد ~~بالشرط، وهذا الحديث فيه بيان حد الأمة مطلقا، وفي خطبة علي (¬1): يأيها ~~الناس، أقيموا على أرقائكم الحد، من أحصن منهم (ب) ومن لم يحصن. وإن كان ~~الطحاوي (¬2) أشار إلى إعلال لفظ: ومن لم يحصن. وقال: لم يذكرها من الرواة ~~غير مالك. فقد أنكر الحفاظ ذلك على الطحاوي، وقالوا: قد رواها ابن عيينة ~~ويحيى بن سعيد عن ابن شهاب كما قال مالك (¬3). وهذا قول الجمهور، وذهب ~~جماعة من السلف إلى (ب) أنه لا حد على من لم يكن قد أحصن من العبيد ~~والإماء، وممن قاله ابن عباس وطاوس وعطاء وابن جريج وأبو عبيد (¬4). والله ~~سبحانه أعلم. # 1008 - وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: PageV09P041 # "أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم". رواه أبو داود (¬1)، وهو في مسلم ~~(¬2) موقوف. # وأخرجه البيهقي مرفوعا (¬3)، وقد غفل الحاكم فاستدركه (¬4). # الحديث فيه دلالة على أن ولاية إقامة الحد إلى السيد على الذكور والإناث، ~~سواء مع الإحصان ومع عدمه، في الزنا وغيره، وقد ذهب إليه الشافعي وغيره من ~~السلف، وقال مالك: إن كانخما الأمة مزوجة كان أمر الحد إلى الإمام، إلا أن ~~يكون زوجها عبدا لسيد الأمة، فأمرها إلى السيد. واستثنى مالك القطع في ~~السبرقة، وهو وجه للشافعية. وفي آخر يستثنى حد الشرب، واحتج [المالكية] (أ) ~~بأن في القطع مثلة، فلا يأمن السيد أن ms1918 يدعى عليه إرادة المثلة، فيمنع من ~~مباشرته القطع؛ سدا للذريعة، وبعض المالكية فرع على هذا التعليل بأن ذلك ~~حيث كان ثبوته بالإقرار لا إذا كان بالبينة، فالعلة منتفية، وظاهر الحديث ~~أن السيد له الإقامة سواء كان فيه صلاحية أو لا، وقد ذهب إليه بعض ~~الشافعية، قالوا: لأن سبيله سبيل الاستصلاح فلا يفتقر إلى أهلية. وقال ابن ~~حزم: يقيمه السيد إلا إن كان كافرا. قال: لأنهم PageV09P042 # لا يقرون إلا بالصغار، وفي تسليطه على إقامة الحد منافاة لذلك، وقد روي ~~عن جماعة من الصحابة إقامة الحد على المملوك من دون أمر الإمام، فأخرج ~~البيهقي (¬1) عن ثمامة (¬2) بن أنس قال: شهدت أنس بن مالك يضرب إماءه الحد ~~إذا زنين، تزوجن أو نم يتزوجن. وأخرج عن عبد الله بن عمر أنه حد جارية له ~~زنت. وأخرج (¬3) عن [عمرو] (أ) بن مرة، قال: سمعت سعيد بن جبير يقول: إذا ~~زنت الأمة لم تجلد الحد ما لم تزوج. فسألت عبد الرحمن بن أبي ليلى، فقال: ~~أدركت بقايا الأنصار وهم يضربون الوليدة من ولائدهم في مجالسهم إذا زنت. ~~قال الشافعي: وابن مسعود رضي الله عنه يأمر به، وأبو برزة رضي الله عنه يحد ~~وليدته. وأخرج (3) عن أشعث إجازة، عن أبيه قال: شهدت أبا برزة ضرب أمة له ~~فجرت. وأخرج (3) عن خارجة بن زيد عن زيد رضي الله عنه، أنه حد جارية له. ~~وأخرج (3) عن ابن أبي الزناد [عن أبيه] (ب) عن الفقهاء الذين ينتهى إلى ~~قولهم من أهل المدينة، كانوا يقولون: لا ينبغي لأحد أن يقيم شيئا من الحدود ~~دون السلطان، إلا أن للرجل أن يقيم حد الزنى على عبده وأمته. وأخرج الشافعي ~~(¬4) عن مالك PageV09P043 # عن نافع، أن عبدا لابن عمر سرق وهو آبق، فأرسل به عبد الله إلى سعيد بن ~~العاص -وهو أمير المدينة- ليقطع يده، فأبى سعيد بن العاص أن يقطع يده، ~~وقال: لا تقطع يد [الآبق] (أ) إذا سرق. فقال له ابن عمر: في أي كتاب الله ~~وجدت هذا؟ فأمر به ابن عمر فقطعت يده. ms1919 ورواه عبد الرزاق (¬1) في "مصنفه" عن ~~معمر عن أيوب عن نافع، أن ابن عمر قطع يد غلام له سرق، وجلد عبدا له زنى، ~~من غير أن يرفعهما إلى الوالي. ورواه من وجه آخر (¬2)، وأخرج مالك في ~~"الموطأ" والشافعي (¬3) عنه عن عبد الله بن أبي بكر عن عمرة، قالت: خرجت ~~عائشة إلى مكة ومعها غلام لبني عبد الله بن أبي بكر الصديق. فذكرت قصة فيها ~~أنه سرق واعترف، فأمرت به عائشة فقطعت يده. وأخرج مالك في "الموطأ" (¬4) ~~أنه بلغه أن حفصة قتلت جارية لها سحرتها، وكانت قد دبرتها. ورواه عبد ~~الرزاق (¬5) من وجه آخر، وفيه: فأمرت بها عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب ~~فقتلها، فأنكر ذلك عثمان بن عفان، فقال له ابن عمر: ما تنكر على أم ~~المؤمنين؟ امرأة سحرت واعترفت. PageV09P044 # وأخرج الشافعي وعبد الرزاق (¬1) عن عمرو بن دينار عن الحسن بن محمد بن ~~علي، أن فاطمة بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدت جارية لها زنت. ~~ورواه ابن وهب (¬2) عن ابن جريج عن عمرو بن دينار، أن فاطمة بنت رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - كانت تجلد وليدتها خمسين إذا زنت. وذهب الأوزاعي ~~والثوري إلى أنه لا يقيم السيد إلا حد الزنى (¬3)، وقالت الحنفية: لا ~~يقيمها إلا الإمام أو من أذن له. واحتج الطحاوي (¬4) لذلك بما أخرجه من ~~طريق مسلم بن يسار قال: كان أبو عبد الله، رجل من الصحابة، يقول: الزكاة ~~والحدود والفيء والجمعة إلى السلطان. قال الطحاوي (4): لا نعلم له مخالفا ~~من الصحابة. وتعقبه ابن حزم فقال (2): بل خالفه اثنا عشر نفسا من الصحابة. ~~وقد سمعت ما روي عن جماعة من الصحابة، وفيه كفاية للرد على الطحاوي، وأنت ~~خبير أن قول الهدوية: ويحد العبد -حيث لا إمام- سيده. أخذ من قول المانعين ~~(أ) والمجيزين بطرف فلا يكون خارقا للإجماع، ولكنه تفصيل، وهو يحتاج إلى دليل. # 1009 - وعن عمران بن حصين، أن امرأة من جهينة أتت نبي الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا نبي ms1920 الله، أصبت PageV09P045 # حدا فأقمه علي. فدعا نبي الله - صلى الله عليه وسلم - وليها، فقال: "أحسن ~~إليها، فإذا وضعت فأتني بها". ففعل، فأمر بها فشكت عليها ثيابها، ثم أمر ~~بها فرجمت، ثم صلى عليها، فقال عمر: أتصلي عليها يا نبي الله وقد زنت؟! ~~فقال: "لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت ~~أفضل من أن جادت بنفسها لله". رواه مسلم (¬1). # قوله: امرأة من جهينة. المرأة هذه هي الغامدية, وغامد بغين معجمة ودال ~~مهملة أبو قبيلة؛ بطن من جهينة، واسمه عمرو (أ) بن عبد الله، ولقب غامدا ~~لإصلاحه أمرا كان في قومه، وقد روى هذه القضية أبو هريرة وأبو سعيد وجابر ~~بن عبد الله وجابر بن سمرة وابن عباس، روى عنهم مسلم (¬2)، وروى أيضا هو ~~وأبو داود (¬3) عن بريدة وعن عمران بن حصين، وروى عن عمران أيضا الترمذي ~~والنسائي (¬4). # وقوله: "أحسن إليها". هذا الإحسان له سببان: # أحدهما: الخوف عليها من أقاربها أن تحملهم الغيرة ولحوق العار بهم PageV09P046 # أن يؤذوها، فأوصى بالإحسان إليها تحذيرا لهم من ذلك. # والثاني: لرحمتها إذ قد تابت، وحرص على الإحسان إليها؛ لما في نفوس الناس ~~من النفرة من مثلها وإسماع الكلام المؤذي. # وقوله: "فإذا وضعت فأتنى بها". ففعل، إلى آخره. ظاهر هذه الرواية أنه كان ~~رجمها عقيب الوضع، وفي رواية أخرى لمسلم (¬1): أنها إنما رجمت بعد أن فطمت ~~ولدها وأتت به وفي يده كسرة خبز. والروايتان صحيحتان، وهي [قصة] (أ) واحدة، ~~وهذه رواية صريحة لا يمكن تأويلها، فيتعين تأويل الأولى بأن فيها طيا وحذفا ~~لما ذكر في الرواية الثانية. # وقوله: فشكت. أي شدت، وقد جاء في بعض النسخ: شدت. وهو في معنى شكت، وهو ~~مستحب شد الثياب وجمعها عليها وشدها بحيث لا تنكشف في تقلبها وتكرار ~~اضطرابها. واتفق العلماء على أن المرأة ترجم قاعدة، وأما الرجل فالجمهور ~~على أنه يرجم قائما، وقال مالك: قاعدا. وقال غيره: يخير الإمام بينهما. # وقوله: ثم أمر بها فرجمت. وفي بعض الروايات (1): وأمر الناس فرجموها. فيه ~~دلالة على ms1921 أنه لم يحضر، وأنه لا يجب على الإمام الحضور، وقد تقدم. PageV09P047 # وقوله: ثم صلى عليها. هذه الرواية فيها التصريح بأنه - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى على المرأة، ويؤيده قول عمر رضي الله عنه: أتصلي عليها؟ وإن كان ~~يحتمل أنه بصيغة المبني للمفعول كما قال القاضي (¬1) في رواية مسلم: فصلي ~~عليها، ثم دفنت، أنه قال الطبري: إنها بضم الصاد وكسر اللام. قال: وكذا هو ~~في رواية ابن أبي شيبة وأبي داود (¬2). قال: وفي رواية لأبي داود (¬3): ثم ~~أمرهم أن يصلوا. وإن كان أكثر الرواة لمسلم بفتح الصاد واللام كالرواية ~~المذكورة في هذا الكتاب، إلا أنه يمكن الجمع بين الروايات بأن معنى: صلى ~~عليها. بفتح الصاد: أمر بالصلاة عليها، والإسناد إلى السبب مجاز عقلي، وقول ~~عمر: أتصلي؟ أي تأمر بالصلاة عليها، فلا تتخالف الروايات، ويمكن أيضا ~~التأويل لرواية أبي داود: أمرهم أن يصلوا. أي أمرهم أن يأتموا به ويصلوا ~~معه، فالتأويل ممكن في الروايتين، ولم يذكر مسلم أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- صلى على ماعز، وقد ذكر ذلك البخاري (¬4)، وقد اختلف العلماء رحمهم الله ~~تعالى في الصلاة على المرجوم، فكرهها مالك وأحمد للإمام وأهل الفضل دون ~~باقي الناس، قالا: ويصلي عليه غير الإمام وأهل الفضل. وقال الشافعي (1) ~~وآخرون: يصلي عليه الإمام وأهل الفضل وغيرهم. فالخلاف بين الشافعي ومالك ~~إنما هو في الإمام وأهل الفضل، وأما غيرهم فاتفقا على أنهم يصلون. وقال ~~جماهير العلماء: يصلى على الفساق والمقتولين في الحدود والمحاربة PageV09P048 # وغيرهم. وقال الزهري (¬1): لا يصلي أحد على المرجوم وقاتل نفسه. وقال ~~قتادة: لا يصلى على ولد الزنى. واحتج الجمهور بهذا الحديث، وأجاب أصحاب ~~مالك عنه بجوابين؛ أحدهما: تضعيف رواية الصلاة لكون الأكثر لم يذكروها. ~~والثاني: تأويلها بأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بالصلاة، أو دعا، فسمي ~~صلاة على مقتضاها في اللغة. ورد ذلك بأن الزيادة ثابتة في الصحيح، وزيادة ~~الثقة مقبولة، وبأن التأويل إنما يصار إليه إذا اضطر إلى ارتكابه، وليس هنا ~~شيء من ذلك، فوجب العمل على ظاهره، والرجوع إلى الحق ms1922 أحق. # وقوده: "لقد تابت توبة". يدل على أن التوبة لا تسقط بها الحدود، وهذا أصح ~~القولين في مذهب الشافعي، وهو قول غيرهم. والقول الثاني: أن الحد يسقط ~~بالتوبة، وأما حد المحارب قبل القدرة فيسقط بالتوبة عند الجمهور، كما في ~~قوله تعالى: {إلا الذين تابوا من قبل أن تقدروا عليهم} (¬2) الآية. وعند ~~ابن عباس وغيره: لا يسقط الحد. # وقوله: "جادت بنفسها". أي كرمت. # 1010 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: رجم رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - رجلا من أسلم، ورجلا من اليهود، وامرأة. رواه مسلم (¬3). ~~وقصة اليهوديين في "الصحيحين" (¬4) من حديث ابن عمر. PageV09P049 # قوله: رجلا من أسلم. هو ماعز بن مالك الأسلمي، والمرأة الجهنية وهي ~~الغامدية. # وقوله: وقصة اليهوديين في الصحيحين. وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أمر بهما فرجما. وفيها من الفوائد. وجوب الحد على الكافر الذمي إذا زنى، ~~وهو قول الجمهور، وفيه خلاف عند الشافعية لعدم شرط الإحصان الموجب للرجم، ~~وهو الإسلام، حتى نقل ابن عبد البر (¬1) الاتفاق على أن شرط الإحصان الموجب ~~للرجم هو الإسلام، ورد عليه بأن الشافعي وأحمد لا يشترطان ذلك، ويؤيد ~~مذهبهما وقوع التصريح بأن اليهوديين اللذين زنيا كانا قد أحصنا، وذهب ~~المالكية ومعظم الحنفية وربيعة شيخ مالك إلى مثل قول بعض الشافعية من ~~اشتراط الإسلام، وأجابوا عن الحديث بأنه - صلى الله عليه وسلم - إنما ~~رجمهما بحكم التوراة، وليس هو في حكم الإسلام في شيء، وإنما هو من باب ~~تنفيذ الحكم عليهم بما في كتابهم، فإن في التوراة الرجم على المحصن وعلى ~~غيره، قالوا: وكان ذلك أول دخول النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة، ~~وكان مأمورا باتباع حكم التوراة والعمل بها حتى نسخ ذلك في شرعه، فرجم ~~اليهوديين على ذلك الحكم، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: {واللاتي يأتين الفاحشة ~~من نسائكم}. إلى قوله: {أو يجعل الله لهن سبيلا} (¬2). ثم نسخ ذلك بالتفرقة ~~بين من أحصن وبين من لم يحصن. انتهى. # وقد يجاب عن هذا بأنه جاء في رواية الطبري (¬3) من طريق ms1923 أن أحبار PageV09P050 # اليهود اجتمعوا في بيت [الدراس] (أ)، وقد زنى رجل منهم بعد إحصانه بامرأة ~~منهم قد أحصنت. فذكر القصة فصرح فيها بالإحصان. وقال مالك (¬1): إنما رجم ~~اليهوديين؛ لأن اليهود يومئذ لم يكن لهم ذمة فتحاكموا إليه. وتعقبه الطحاوي ~~(1) بأنه لو لم يكن واجبا ما فعله، قال: وإذا أقام الحد على من لا ذمة له، ~~فلأن يقيمه على من له ذمة أولى. مع أن قتل المرأة الحربية عند مالك لا ~~يجوز، إلا أن يقول: إن ذلك كان قبل النهي عن قتل النساء. قال القرطبي (¬2): ~~ويعكر عليه أن مجيئهم سائلين يوجب لهم عهدا كما لو دخلوا لغرض التجارة، ~~فإنهم في أمان إلى أن يردوا إلى مأمنهم، إلا أن يقول: السائل عن ذلك ليس هو ~~صاحب الواقعة. وقال ابن العربي (¬3): إنما رجمهما لإقامة الحجة عليهم بما ~~لا يراه في شرعه مع قوله: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله} (¬4). ومن ثم ~~استدعى شهودهم لتقوم عليهم الحجة منهم. ومثل هذا أجابت به الحنفية عن رجم ~~اليهوديين بأنه وقع بحكم التوراة، ورده الخطابي (¬5) بأن الله تعالى قال: ~~{وأن احكم بينهم بما أنزل الله}. وإنما جاءه القوم سائلين عن الحكم عنده ~~كما دلت عليه الرواية، فنبههم على ما كتموه من حكم التوراة، ولا جائز أن ~~يكون حكم الإسلام عنده مخالفا لذلك؛ لأنه لا يجوز الحكم بالمنسوخ، فدل على ~~أنه إنما حكم بالناسخ، وقد جاء في PageV09P051 # حديث أبي هريرة (¬1): "فإني أحكم بما في التوراة". لكن في سنده رجل مبهم، ~~مع أنه يحتمل أن يكون معناه: إني أحكم بما في التوراة موافقا لشريعتي. ولا ~~يسلم أيضا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم بذلك أول ما قدم المدينة، ~~فإنه قد جاء في بعض طرقه الصحيحة، أنهم تحاكموا إليه وهو في المسجد بين ~~أصحابه، والمسجد لم يكمل بناؤه إلا بعد مدة من دخوله المدينة، وفي القصة ~~أنهم شهدوا من اليهود، فيدل على قبول شهادة أهل الذمة بعضهم على بعض، قال ~~القرطبي (¬2): والجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على ms1924 مسلم ولا كافر؛ ~~لا في حد ولا في غيره، في السفر والحضر، وقد قبل شهادتهم جماعة من التابعين ~~ؤبعض الفقهاء (أ). وقد ذهب إلى ذلك الهدوية، فقالوا: تقبل شهادة ملي على ~~مثله. واستثنى أحمد بن حنبل حالة السفر، فتجوز شهادة الكافر على غيره إذا ~~لم يوجد مسلم، وقال النووي (¬3): الظاهر أنه رجمهما بالاعتراف، فإن ثبت ~~حديث جابر (¬4) بالشهادة، فلعل الشهود كانوا مسلمين، ولعله يجوز أن يكون ~~حكمه بما أطلعه الله تعالى عليه، وإنما كانت الشهادة في الظاهر لإلزامهم ~~الحجة، وفي الحديث دلالة على أن أنكحة الكفار صحيحة؛ لأن ثبوت الإحصان فرع ~~عن ثبوت صحة النكاح، وأن الكفار مخاطبون بفروع الشرائع، وأن اليهود كانوا ~~ينسبون إلى PageV09P052 # التوراة ما لم يكن فيها كما وقع في القصة. # 1011 - وعن سعيد بن سعد بن عبادة رضي الله عنهما قال: كان بين أبياتنا ~~رويجل ضعيف، فخبث بأمة (أ) من إمائهم، فذكر ذلك سعد لرسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: "اضربوه حده". فقالوا: يا رسول الله، إنه أضعف من ذلك. ~~فقال: "خذوا عثكالا فيه مائة شمراخ، ثم اضربوه به ضربة واحدة". ففعلوا. ~~رواه أحمد والنسائي وابن ماجه (¬1) وإسناده حسن، لكن اختلف في وصله ~~وإرساله. # هو سعيد بن سعد الأنصاري، قيل: له صحبة. روى عن أبيه، وعنه ابنه شرحبيل ~~وأبو أمامة بن سهل، قال الواقدي وغيره: صحبته صحيحة وكان واليا لعلي بن أبي ~~طالب رضي الله عنه على اليمن (¬2). # وقوله: اختلف في وصله وإرساله. فأخرجه الشافعي (¬3) عن سفيان عن يحيى بن ~~سعيد وأبي الزناد، كلاهما عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، ورواه أيضا ~~البيهقي، وقال: هذا هو المحفوظ عن أبي أمامة مرسلا (¬4). PageV09P053 # ورواد أحمد وابن ماجه من حديث أبي الزناد (¬1) عن أبي أمامة بن سهل بن ~~حنيف عن سعيد بن سعد بن عبادة موصولا. ورواه الدارقطني (¬2) من حديث فليح ~~عن أبي حازم عن سهل بن [سعد] (أ)، وقال: وهم فيه فليح، والصواب عن أبي حازم ~~عن أبي أمامة بن سهل. ورواه أبو داود (¬3) من حديث ms1925 الزهري عن أبي أمامة عن ~~رجل من الأنصار. ورواه النسائي (¬4) من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن ~~أبيه (¬5). ورواه الطبراني (¬6) من حديث أبي أمامة بن سهل عن أبي سعيد ~~الخدري، فإن كانت الطرق كلها محفوظة، فيكون أبو أمامة قد حمله عن جماعة من ~~الصحابة (ب). # قوله: رويجل. تصغير رجل للتحقير كما هو الأصل في التصغير، وقد جاء في ~~رواية: أنه كان مقعدا (¬7). وفي رواية: رجل مخدج ضعيف (¬8). # وبوب عليه البيهقي (¬9): باب الضرير في خلقته لا من مرض. PageV09P054 # وقوله: خبث [بأمة] (أ). وفي رواية: أصاب امرأة حبل فرمته به فاعترف (¬1). # وقوله: "عثكالا". قد جاء في رواية: "بإثكال" (¬2). وفي رواية: "بأثكول" ~~(¬3). والإثكال والأثكول هو العثكال، والعثكال بكسر العين المهملة وثاء ~~مثلثة كقرطاس: العذق والشمراخ، ويقال: عثكول وعثكولة بضم العين. كذا في ~~"القاموس" (¬4). # قوله: "فيه مائة شمراخ". الشمراخ غصن دقيق في أعلى الغصن، وكعصفور لغة ~~فيه. كذا في "الضياء"، وفي "القاموس" (¬5): الشمراخ بالكسر: العثكال عليه ~~بسر أو عنب كالشمروخ. انتهى. # والمراد هنا بالعثكال الغصن الكبير الذي يكون عليه أغصان صغار، وهو للنخل ~~كالعنقود للعنب، وكل واحد من تللث الأغصان يسمى شمراخا. والحديث يدل على ~~أنه إذا كان المحدود لا يحتمل تكرار الضرب لضعف أو مرض، فإنه يضرب بما ~~يحتمله مجموعا كالعثكول ونحوه، وقد ورد هذا التخفيف في حق من هو مأيوس ~~البرء كما جاء في الروايات: أنه مخدج. أي ناقص الخلقة، أو: أنه كان مقعدا. ~~وهذا قول الجمهور، وذهب الناصر PageV09P055 # والمؤيد بالله إلى أنه لا يحد المريض وإن فات الحد، وأما إذا كان المرض ~~يرجى زواله فإنه يؤخر اتفاقا، وكذلك لشدة الحر والبرد إذا خيف على المحدود ~~معهما إجماعا، قالوا: ولا بد أن تباشر المحدود جميع الشماريخ؛ ليقع المقصود ~~من الحد. وروي عن الإمام يحيى وصاحب "الكافي" أنه يجزئ وإن لم تباشره جميع ~~الشماريخ، قالوا: لأن الاعتماد كاف، ولأنه ظاهر الحديث، وكذا قوله تعالى: ~~{وخذ بيدك ضغثا} الآية (¬1). قال الإمام المهدي في الرد عليه: قلنا: يقل ~~الألم بذلك كالساتر الغليظ. انتهى. ms1926 # ويجاب عنه بأن الغرض من هذه الرخصة هو تقليل الألم فلا يتم الرد، والله أعلم. # 1012 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به، ومن ~~وجدتموه (أ) على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة". رواه أحمد والأربعة (¬2)، ~~ورجاله موثقون إلا أن فيه اختلافا. # الحديث أخرجه أحمد وأبو داود، واللفظ له، والترمذي وابن ماجه PageV09P056 # والحاكم والبيهقي من حديث عكرمة عن ابن عباس (¬1) إلى قوله: "والمفعول ~~به". واستنكره النسائي (¬2)، ورواه ابن ماجه والحاكم من حديث أبي هريرة ~~(¬3)، وإسناده أضعف من الأول بكثير، وقال ابن الطلاع في "أحكامه" (2): لم ~~يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه رجم في اللواط، ولا أنه حكم ~~فيه، وثبت عنه أنه قال: "اقتلوا الفاعل والمفعول به". رواه عنه ابن عباس ~~وأبو هريرة، وفي حديث أبي هريرة: "أحصنا أم لم يحصنا". كذا قال. وحديث أبي ~~هريرة لا يصح، وقد أخرجه البزار من حديث عاصم بن عمر العمري عن سهيل عن ~~أبيه عنه (أ)، وعاصم (3) متروك. وقد رواه ابن ماجه من طريقه بلفظ: "فارجموا ~~الأعلى والأسفل" (¬4). # وحديث ابن عباس مختلف في ثبوته. # وأخرج البيهقي (¬5) من حديث سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس في البكر ~~يوجد على اللوطية، قال: يرجم. وأخرج (5) من طريق يحيى بن معين، أنه سئل ابن ~~عباس عن حد اللوطي، قال: ينظر أعلي بناء في القرية فيرمى به منكسا ثم يتبع ~~بالحجارة. وأخرج (2) أن عليا رضي الله عنه رجم PageV09P057 # لوطيا. قال الشافعي (¬1): وبهذا نأخذ برجم اللوطي محصنا كان أو غير محصن. ~~وأخرج البيهقي (¬2) أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه جمع الناس في حق رجل ~~ينكح كما تنكح النساء، فسأل أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ~~ذلك؛ فكان من أشدهم يومئذ قولا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قال: إن هذا ~~ذنب لم تعص به أمة من الأم إلا أمة واحدة، صنع الله بها ما قد علمتم، نرى ~~أن ms1927 نحرقه بالنار. فاجتمع رأي أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ~~أن يحرقه بالنار، فكتب أبو بكر رضي الله عنه إلى خالد بن الوليد يأمره أن ~~يحرقه بالنار. وفي إسناده إرسال، وروي من وجه آخر عن جعفر بن محمد عن أبيه ~~عن علي رضي الله عنه في غير هذه القصة قال: يرجم ويحرق بالنار (2). قال ~~البيهقي (2): ويذكر عن ابن أبي ليلى عن رجل من همدان أن عليا رجم رجلا ~~محصنا في عمل قوم لوط. هكذا ذكره الثوري (1) مقيدا بالإحصان، وهشيم رواه عن ~~ابن أبي ليلى مطلقا. وأخرج (2) عن عطاء أنه قال في اللوطي: حده حد الزاني. ~~وأخرج (2) عن ابن الزبير في سبعة أخذوا في اللواطة، أربعة منهم قد أحصنوا ~~وثلاثة لم يحصنوا، فأمر بالأربعة فأخرجوا من المسجد فرضخوا بالحجارة، وأمر ~~بالثلاثة فضربوا الحدود وابن عمر وابن عباس في المسجد. وأخرج (2) عن الحسن ~~في الرجل يأتي البهيمة ويعمل عمل قوم لوط، قال: هو بمنزلة الزاني. وأخرج ~~(2) عن إبراهيم النخعي قال: إن PageV09P058 # اللوطي بمنزلة الزاني؛ إن كان محصنا رجم، وإن كان غير محصن جلد الحد. قال ~~البيهقي (¬1): وإلى هذا رجع الشافعي فيما زعم الربيع بن سليمان. وأخرج (1) ~~عن أبي موسى، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أتى الرجل ~~الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان". وفي إسناده محمد ~~بن عبد الرحمن (¬2)، قال البيهقي: لا أعرفه. والحديث منكر بهذا الإسناد. # وقوله: "من وجدتموه". هذا حديث مستقل من رواية ابن عباس، أخرجه بهذا ~~اللفظ البيهقي (1) من حديث عمرو بن أبي عمرو عن عكرمة عن ابن عباس قال: ~~فقيل لابن عباس: ما شأن البهيمة؟ فقال: ما سمعت عن (أ) رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في ذلك شيئا، ولكن أرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~كره أن يؤكل من لحمها، أو ينتفع بها بعد ذلك العمل. # وأخرج البيهقي (¬3) عن عاصم ابن بهدلة عن أبي رزين عن ابن عباس، أنه سئل ~~عن الذي يأتي البهيمة، قال: لا حد عليه. ms1928 ثم قال: قال أبو داود: حديث عاصم ~~يضعف حديث عمرو بن أبي عمرو، قال البيهقي: قد رويناه PageV09P059 # من أوجه عن عكرمة، ولا أرى عمرو بن أبي عمرو يقصر عن عاصم بن بهدلة في ~~الحفظ، كيف وقد تابعه على روايته جماعة، وعكرمة عند أكثر الأئمة من الثقات ~~الأثبات. انتهى. # وقال الترمذي: حديث عاصم أصح، ولما رواه الشافعي في كتاب اختلاف علي وعبد ~~الله من جهة عمرو بن أبي عمرو، قال: إن صح قلت به. فأشار إلى تضعيفه. وكذا ~~أخرجه عبد الرزاق عن إبراهيم بن محمد عن داود بن الحصين عن عكرمة. ويقال: ~~إن أحاديث عباد بن منصور عن عكرمة إنما سمعها من إبراهيم بن أبي يحيى عن ~~داود عن عكرمة، وكان يدلسها بإسقاط رجلين، وإبراهيم ضعيف، وإن كان الشافعي ~~يقوي أمره. وقد أخرج البيهقي عن جابر بن زيد قال: [من أتى البهيمة] (أ) ~~أقيم PageV09P060 # عليه الحد. وأخرج (¬1) عن عكرمة قال: سئل الحسن بن علي رضي الله عنه عن ~~رجل أتى بهيمة، قال: إن كان محصنا رجم. قال (1): وروينا عن الحسن البصري ~~أنه قال: هو بمنزلة الزاني. # فقول المصنف رحمه الله تعالى: إلا أن فيه اختلافا. هو في حديث البهيمة، ~~وقد سمعت الاختلاف الذي وقع على ابن عباس، ولكنه لا يضعف الحديث على ~~الصحيح، فإن حديث عاصم موقوف على ابن عباس، ولعل ذلك اجتهاد من ابن عباس، ~~فإن للاجتهاد مساغا، فيكون من اجتهاد الصحابي بخلاف ما روى، وذلك لا يقدح ~~فيما روى على المختار. # وقد أخرجه أبو يعلى الموصلي (¬2) من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه". وقد رواه ~~ابن عدي (¬3) عن أبي يعلى, ثم قال: قال لنا أبو يعلى: بلغنا أن عبد الغفار ~~بن عبد الله بن الزبير (¬4) شيخ أبي يعلى رجع عنه، وذكر ابن عدي أنهم كانوا لقنوه. # والحديث فيه دلالة على تحريم إتيان الذكر، وهو كبيرة, قد ورد الوعيد ~~عليها وعقاب فاعلها في كتاب الله عز في حق ms1929 قوم، وشرع PageV09P061 # من قبلنا لازم اتباعه في شرعنا على المختار، والأحاديث المتواترة من حيث ~~المعنى في تحريم ذلك، واختلف العلماء في عقوبة الفاعل؛ فذهب الحسن البصري ~~وأبو طالب والإمام يحيى، وهو نص الهادي في "الأحكام"، ورواه أبو طالب عن ~~القاسم، واختيار المؤيد بالله، وقول للشافعي، أنه يحد حد الزاني؛ قياسا على ~~الزاني بجامع الإيلاج المحرم في فرج محرم، ولا تقدم من حديث أبي موسى (¬1) ~~وغيره من الآثار، وهي وإن لم تكف في الاستدلال مع ضعف الحديث فهي متقوية ~~بالقياس. وذهب الناصر، ورواه المؤيد بالله عن القاسم، وقول قديم للشافعي، ~~إلى أن حده القتل؛ محصنا كان أو بكرا، الفاعل والمفعول به، وحجتهم الحديث ~~المذكور وغيره، وهو عام للمحصن وغيره، ولكنه محتمل للتخصيص؛ إما بالقياس ~~المذكور، أو بالحديث على فرض صحته بأن ذلك في حق المحصن، وذهب المرتضى وأبو ~~حنيفة وقول للشافعي، ورواه في "البحر" عن المؤيد بالله أنه يعزر ولا يقتل. ~~ولعلهم يقولون: إن القياس على الزاني لا يتم؛ فإنه قد يكون من تمام العلة ~~كراهة اختلاط الأنساب، فلا يتم الجامع، والأحاديث فيها ما عرفت لا تقوم ~~بمثل هذا الموجب لاستباحة دم المسلم، ولم يثبت حكم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا فعله، فوجب الدرء، ولا سيما مع قول النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لأن تخطئ في العفو خير من أن تخطئ في العقوبة" (¬2). وحكى في "الشفا" ~~إجماع الصحابة على قتل الفاعل والمفعول به، فإن تم الإجماع فهو حجة قائمة، ~~وقال أحمد بن أبي بكر البوصيري في كتاب "إتحاف السادة الهرة بزوائد ~~المسانيد العشرة" (¬3): PageV09P062 # قال البغوي: اختلف أهل العلم في حد اللوطي، فذهب قوم إلى أن حد الفاعل حد ~~الزنى؛ إن كان محصنا يرجم، وإن لم يكن محصنا يجلد مائة. وهو قول سعيد بن ~~المسيب وعطاء بن أبي رباح والحسن وقتادة والنخعي، وبه قال الثوري ~~والأوزاعي، وهو أظهر قولي الشافعي، ويحكى أيضا عن أبي يوسف ومحمد بن الحسن، ~~وعلى المفعول به عند الشافعي على هذا القول جلد مائة وتغريب عام، رجلا ms1930 كان ~~أو امرأة، محصنا كان أو غير محصن. وذهب قوم إلى أن اللوطي يرجم، محصنا كان ~~أو غير لم محصن. رواه سعيد بن جبير ومجاهد عن ابن عباس، وروى ذلك عن ~~الشعبي، وبه قال الزهري، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق. وروي حماد بن إبراهيم ~~عن إبراهيم النخعي، قال: لو كان الحد يستقيم أن رجم مرتين لرجم اللوطي. ~~والقول الآخر للشافعي أنه يقتل الفاعل والمفعول به، كما جاء في الحديث. ~~وقال الحافظ المنذري: حرق اللوطية بالنار أربعة من الخلفاء؛ أبو بكر الصديق ~~وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير وهشام بن عبد الملك. والله أعلم. # وقوله: "ومن وجدتموه وقع على بهيمة" إلخ. الحديث فيه دلالة على تحريم ~~إتيان البهيمة، ويؤيده قوله تعالى: {فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون} ~~(¬1). وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله من وقع على بهيمة" (¬2). ~~ويدل على أن عقوبة الفاعل هي القتل. وقد ذهب إليه الشافعي في قول له، وذهب ~~القاسم وقول للشافعي إلى أنه يوجب حد [الزنى] (أ) كقتل المرأة قياسا على ~~الزاني، PageV09P063 # وعموم الحديث مخصص في حق المحصن قياسا على الزاني، وذهب المؤيد وأحمد بن ~~حنبل والناصر والإمام يحيى وأبو حنيفة وقول للشافعي ومالك إلى أنه يعزر فقط ~~إذ ليس بزنى، والحديث فيه ما عرفت من الاختلاف. # وقوله: "واقتلوا البهيمة". فيه دلالة على أن البهيمة تقتل ولا يحل أكلها ~~لأمره بقتلها على كل حال، فلو كانت تحل لما حل قتلها إلا عند إرادة ~~الانتفاع بها، وكذا لو كانت غير مأكولة، لئلا تأتي بولد مشوه، وقد ذهب إلى ~~هذا علي رضي الله عنه وقول للشافعي. وذهب الهدوية وقول للشافعي وأبو حنيفة ~~وأبو يوسف إلى أنه يكره أكلها، وظاهره أنه لا (أ) يجب القتل، قال الخطابي ~~(¬1): الحديث هذا معارض بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن قتل الحيوان إلا ~~لمأكلة. قال الإمام المهدي في "البحر": فيحمل على أنه أراد عقوبته بذبحها ~~إذا (ب) كانت له وهي مأكولة؛ جمعا بين الأدلة. قال: وإذا التبست البهيمة، ~~فلا ضمان ms1931 على الواطئ، ولا يلزمه الفحص إجماعا. انتهى. # وظاهره أن الواقع على البهيمة يلزمه قيمتها؛ لأنه في حكم المتلف لها. ~~والله أعلم. # 1013 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب ~~وغرب، وأن أبا بكر ضرب وغرب". رواه الترمذي ورجاله ثقات، إلا PageV09P064 # أنه اختلف في رفعه ووقفه (¬1). # وأخرجه البيهقي مرفوعا (¬2)، وأخرجه كذلك موقوفا (2)، وأخرجه أيضا ~~[موقوفا] (أ) (¬3)، أن عليا رضي الله عنه جلد ونفى من البصرة إلى الكوفة، ~~أو قال: من الكوفة إلى البصرة. وأخرجه عن أبي بن كعب موقوفا. وقد تقدم ~~الكلام على التغريب. والله أعلم. # 1014 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - المخنثين من الرجال، والمترجلات من النساء، وقال: "أخرجوهم من ~~بيوتكم". رواه البخاري (3). # قوله: لعن. اللعن من النبي - صلى الله عليه وسلم -[يقع] (ب) على ضربين: # أحدهما: يراد به الزجر عن الشيء الذي وقع اللعن بسببه، وهو يدل على قبح ~~ذلك الشيء، فإنه من علامات الكبائر. وقد يقع للزجر عن الشيء في حال الحرج ~~والغضب، وذلك يكون رحمة لمن لعنه إذا كان غير مستحق للعن كما جاء ذلك عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح (¬4). # وقوله: المخنثين. وهو بكسر النون وبفتحها، من تشبه بخلقة النساء في PageV09P065 # حركاته وكلامه وغير ذلك من الأمور المختصة بالنساء، وأما هيئة اللباس فهو ~~يختلف باختلاف عادات الناس؛ فإن كان من عادة أهل بلدة الاستواء في اللباس ~~فلا محذور في ذلك، وهذا الذم في حق من تعمد ذلك باختياره، وأما من كان ذلك ~~من أصل خلقته فيؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدريج، وهذا يؤخذ من ~~الحديث الآخر وهو: "لعن الله المتشبهين" (¬1). فهو يدل على قصد التشبه، ~~[وأطلق النووي] (أ) (¬2) أنه لا يجب على المخنث الخلقي تكلف خلاف ما هو ~~عليه، ويحمل كلامه على أنه إذا لم يقدر على التغيير، وظاهر اللفظ تحريم ~~تشبه الرجال بالنساء، وكذا العكس من حديث آخر، إلا أنه مبني على أن اللعن ~~لقبح الفعل، ms1932 وهو محتمل، مع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأذن ~~للمخنثين بالدخول على النساء، وإنما نفى من سمع منه وصف المرأة بما لا يفطن ~~[له] (ب) إلا من كان له إربة، فهو لأجل تتبع أوصاف الأجنبية، وكذلك من خضب ~~كفيه بالحناء لخشية الفتنة، وكذلك من نفاهم عمر إنما هو لخشية الفتنة كما ~~يدل عليه القصص، وقد استوفى تعداد المغربين أبو الحسن المدائني في "كتاب ~~المغربين" (¬3)، فلا يدل اللعن علي التحريم. # وقوله: والمترجلات من النساء. المراد المتشبهات بالرجال، وقد جاء في PageV09P066 # حديث أبي داود (¬1) عن عكرمة: فقلت له: ما المترجلات من النساء؟ قال: ~~المتشبهات بالرجال. قال ابن التين (¬2): المرأد باللعن في هذا الحديث: من ~~تشبه من الرجال بالنساء في الزي، ومن تشبه من النساء بالرجال كذلك، فأما من ~~انتهى في التشبه بالنساء من الرجال إلى أن يؤتى في دبره، وبالرجال من ~~النساء إلى أن تتعاطى السحق، فإن لهذين المصنفين من اللوم والعقوبة أشد ممن ~~لم يصل إلى ذلك. قال: وإنما أمر بإخراج من تعاطى ذلك من البيوت (أ)؛ لئلا ~~يفضي الأمر بالتشبه إلى تعاطي ذلك الأمر المنكر. # 1015 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا". أخرجه ابن ماجه، وإسناده ضعيف (¬3). # وأخرجه الترمذي والحاكم من حديث عائشة رضي الله عنها بلفظ: "ادرءوا ~~الحدود عن المسلمين ما استطعتم". وهو ضعيف أيضا (¬4). # ورواه البيهقي عن علي من قوله بلفظ: ادرءوا الحدود بالشبهات (¬5). # تمام حديث عائشة: "فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن PageV09P067 # يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة". وفي إسناده يزيد بن زياد ~~الدمشقي وهو ضعيف (¬1)، قد قال فيه البخاري: منكر الحديث (¬2). وقال ~~النسائي: متروك الحديث (¬3). ورواه وكيع عنه موقوفا (¬4)، وهو أصح، قال ~~الترمذي: وقد روي عن غير واحد من الصحابة أنهم قالوا ذلك (¬5). وقال ~~البيهقي في "السنن": رواية الوقف أقرب إلى الصواب. قال: ورواه رشدين عن ~~عقيل عن الزهري، ورشدين ضعيف أيضا، ورويناه عن ms1933 علي مرفوعا: "ادرءوا الحدود، ~~ولا ينبغي للإمام أن يعطل الحدود". وفيه المختار بن نافع (¬6)، وهو منكر ~~الحديث، قاله البخاري؛ قال: وأصح ما فيه حديث سفيان الثوري عن عاصم عن ~~[أبي] (أ) وائل عن عبد الله بن مسعود قال: ادرءوا الحدود بالشبهات، ادفعوا ~~القتل عن المسلمين ما استطعتم. وروي عن عقبة بن عامر ومعاذ أيضا موقوفا، ~~وروي منقطعا وموقوفا على عمر (¬7). قال المصنف رحمه الله تعالى: ورواه ~~[أبو] (ب) محمد بن حزم في كتاب PageV09P068 # "الإيصال" من حديث عمر موقوفا عليه بإسناد صحيح، وفي ابن أبي شيبة (¬1) ~~من طريق إبراهيم النخعي عن عمر: لأن أخطئ في الحدود بالشبهات أحب إلى من أن ~~أقيمها بالشبهات. وفي "مسند أبي حنيفة" للحارثي (¬2) من طريق مقسم عن ابن ~~عباس بلفظ: "ادرءوا الحدود بالشبهات". مرفوعا. # الحديث فيه دلالة على أنه يدرأ الحد إذا ادعى من لزمه شبهة يجوز وقوعها؛ ~~وذلك إذا ادعى الإكراه، أو أن المرأة أتيت وهي نائمة، أو نحو ذلك، ولا ~~يحتاج إلى إقامة شهادة على (أ) تلك الشبهة التي ادعاها. والله أعلم. # 1016 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "اجتتبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن ألم فليستتر بستر ~~الله وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله عز وجل". ~~رواه الحاكم، وهو في "الموطأ" من مراسيل زيد بن أسلم (¬3). # الحديث أخرجه الحاكم في "المستدرك" عن ابن عمر، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قام بعد رجم الأسلمي، فقال: "اجتنبوا" الحديث. قال المصنف رحمه الله ~~تعالى (¬4): ورويناه في "جزء هلال الحفار" عن حسين بن يحيى القطان عن PageV09P069 # [حفص بن عمرو الربالي] (أ) عن عبد الوهاب الثقفي عن يحيى بن سعيد ~~الأنصاري به إلى قوله: "فليستتر بستر الله". وصححه ابن السكن، وذكره ~~الدارقطني في "العلل" وقال: روي عن عبد الله بن دينار مسندا ومرسلا، ~~والمرسل أشبه. وفي "الموطأ" عن زيد بن أسلم، أن رجلا اعترف على نفسه بالزنى ~~على عهد رسول الله ms1934 - صلى الله عليه وسلم -، فدعا له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - بسوط. الحديث، ثم قال: "أيها الناس، قد آن لكم أن تنتهوا عن ~~حدود الله، فمن أصاب من هذه القاذورات". فذكره، وفي اخره: "نقم عليه كتاب ~~الله". ورواه الشافعي (¬1) عن مالك، قال: وهو منقطع. وقال ابن عبد البر ~~(¬2): لا أعلم هذا الحديث أسند بوجه من الوجوه. ومراده بذلك من حديث مالك، ~~وأما حديث الحاكم فهو مسند، مع أن إمام الحرمين في "النهاية" قال: إنه صحيح ~~متفق على صحته. قال ابن الصلاح: وهذا مما يتعجب منه العارف بالحديث، وله ~~أشباه بذلك كثيرة أوقعه فيها اطراحه صناعة الحديث التي يفتقر إليها كل فقيه ~~وعالم. انتهى. ولكنه ورد على ابن الصلاح بأن الحاكم ذكر أنه على شرطهما، ~~فلعل إمام الحرمين أراد بالاتفاق على صحته أنه على شرط الصحة. والله أعلم. # قوله: "اجتنبوا هذه القاذورات". الأمر للوجوب؛ فإن القاذورة المراد بها ~~الفعل القبيح والقول السيئ مما نهى الله سبحانه وتعالى عنه مما يجب عليه PageV09P070 # حد كالزنى وشرب الخمر. والحديث يدل على أنه يجب على من فعل معصية أن ~~يستتر بستر الله تعالى، ولا يفضح نفسه بالإقرار بذلك الفعل، ويبادر إلى ~~التوبة، وان أخبر أحدا بذلك ندب له أن يأمره بالتوبة، ويستره عن الناس، كما ~~جرى لماعز مع أبي بكر ثم عمر، فإنهما أمراه بالستر والتوبة (¬1). وقولة - ~~صلى الله عليه وسلم - لهزال: "لو سترته بثوبك لكان خيرا لك" (¬2). وذكر ~~الثوب مبالغة؛ أي. لو لم تجد السبيل إلى ستره [إلا] (أ) بردائك ممن علم ~~أمره كان أفضل مما أشرت عليه به من الإظهار. # وقوله: "بيد لنا صفحته". أي يظهر لنا حقيقة أمره، استعار الصفحة التي هي ~~جانب الوجه للأمر المظهر؛ لإظهارها عند الإقرار بالشيء والمواجهة بالخطاب. # وقوله: "نقم عليه كتاب الله". أي الحد الذي وجب بكتاب الله تعالى، وفيه ~~دلالة على أنه إذا ظهر عند الإمام أو الحاكم ما يوجب الحد باستكمال شروطه ~~وجب إقامته وحرم العفو، وهو في معنى قوله: "تعافوا الحدود فيما بينكم، ms1935 فما ~~بلغني من حد فقد وجب". ترجم له أبو داود (¬3): العفو عن الحد ما لم بيلغ ~~السلطان. وصححه الحاكم (¬4)، وسنده إلى عمرو بن شعيب صحيح. PageV09P071 ### || AUTO باب حد القذف # القذف في اللغة بمعنى الرمي بالشيء، يقال: قذفه بالحجر. أي رماه به، ومنه ~~قوله تعالى: {بل نقذف بالحق على الباطل} (¬1). وفي الشرع: الرمي بوطء يوجب ~~الحد على المقذوف. # 1017 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: لما نزل عذري قام رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - على المنبر، فذكر ذلك، وتلا القرآن، فلما نزل أمر برجلين ~~وامرأة فضربوا الحد. أخرجه أحمد والأربعة وأشار إليه البخاري (¬2). # قولها: عذري. أي البراءة لها مما نسب إليها أهل الإفك، والمراد بالقرآن ~~الذي تلاه هو ما أنزل في (أ) التبرئة، وهو قوله تعالى: {إن الذين جاءو ~~بالإفك}. إلى قوله: {ورزق كريم} (¬3) ثماني عشرة آية. كذا رواه ابن أبي ~~حاتم والحاكم في "الإكليل" من مرسل سعيد بن جبير (¬4)، وفي البخاري (¬5): PageV09P072 # العشر الآيات إلى قوله تعالى: {والله يعلم وأنتم لا تعلمون}. # وفي رواية عطاء الخراساني عن الزهري: إلى قوله: {والله غفور رحيم} (¬1). ~~وعدد الآيات إلى هذا الموضع ثلاث عشرة آية، فلعل قول عائشة: عشر آيات. مجاز ~~بطريق إلغاء الكسر. وفي رواية الحكم بن عتيبة (أ) مرسلا عند الطبراني: ~~فأنزل الله خمس عشرة آية من سورة النور حتى بلغ: {الخبيثات للخبيثين} (¬2). ~~وهذا فيه تجوز، وعدة الآي إلى هذا الموضع ست عشرة. وعند أبي داود (¬3) من ~~طريق حميد الأعرج عن الزهري [عن عروة] (ب) عن عائشة: جلس رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وكشف الثوب عن وجهه ثم قال: "أعوذ بالله السميع العليم من ~~الشيطان الرجيم: {إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم}. وفي رواية ابن إسحاق ~~(¬4): ثم خرج إلى الناس فخطبهم وتلا عليهم. ويجمع بين الروايتين بأنه قرأ ~~ذلك عند (ج) عائشة، ثم خرج فقرأها على الناس. # وقوله: أمر برجلين وامرأة. الرجلان هما حسان ومسطح، والمرأة حمنة بنت ~~جحش، وظاهر هذا أن عبد الله بن أبي لم يقم عليه الحد، وكذا ms1936 في PageV09P073 # حديث أبي هريرة عند [البزار] (أ) (¬1)، وبنى على ذلك ابن القيم (¬2)، وهو ~~وجه قول من قال: إن للإمام إسقاط الحد وتأخيره لمصلحة. وأخرج الحاكم (¬3) ~~في "الإكليل" عن الحسن بن زيد عن عبد الله بن أبي بكر، أنه من جملة من حده. ~~ويفهم من البخاري في آخر رواية هشام بن عروة حيث قال (¬4): وكان الذي تكلم ~~به مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد الله بن أبي. وصحح الماوردي أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم يحدهم، واستند إلى أن الحد إنما يثبت ببينة أو ~~إقرار، وورد عليه بأنه قد ثبت ما يوجبه بنص القرآن الكريم، وحد القذف يثبت ~~بعدم ثبوت ما قذفوا به، ولا يحتاج في إثباته إلى بينة، والذي ذكر إنما هو ~~في حد الزنى والسرقة والشرب. والله أعلم. # 1018 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: أول لعان كان في الإسلام، أن ~~شريك بن سحماء قذفه هلال بن أمية بامرأته، فقال له رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -.: "البينة وإلا فحد في ظهرك"الحديث. أخرجه أبو يعلى، ورجاله ~~ثقات (¬5)، و (ب) في البخاري نحوه من حديث ابن عباس رضي الله عنه (¬6). PageV09P074 # حديث أنس أخرجه أبو يعلى، وأخرجه مسلم (¬1) أيضا من طريق هشام بن حسان عن ~~محمد بن سيرين عن أنس، وأخرجه البخاري من طريق هشام بن حسان عن عكرمة عن ~~ابن عباس، وقد أعل هذا الحديث باختلاف الطريقين عن هشام، والجمع ممكن بأن ~~لهشام شيخين؛ أحدهما محمد بن سيرين، والآخر عكرمة، فروي الحديث من ~~الطريقين، وأخرج البخاري إحداهما، ومسلم الأخرى. # وقوله: أول لعان. قد اختلفت الروايات في سبب نزول آية اللعان؛ ففي رواية ~~ابن عباس وأنس أنها في قصة هلال، وفي حديث سهل -أخرجه البخاري أيضا- أنها ~~نزلت في قصة عويمر العجلاني؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "قد أنزل الله ~~فيك وفي صاحبتك" (¬2). ومن العلماء من رجح أنها نزلت في شأن عويمر، ومنهم ~~من رجح أنها نزلت في شأن هلال، وصادف مجيء عويمر أيضا، فكانت في شأنهما ~~معا، وقد ms1937 جنح النووي (أ) إلى هذا (¬3)، وسبقه الخطيب (¬4) وقال: لعله اتفق ~~كونهما معا في وقت واحد، مع أنه روى البزار (¬5) PageV09P075 # من طريق زيد بن [يثيع] (أ) عن حذيفة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لأبي بكر: "لو رأيت مع أم رومان رجلا ما كنت فاعلا به؟ ". قال: كنت ~~فاعلا به (ب) شرا. قال: "فأنت يا عمر؟ ". قال: كنت أقول: لعن الله الأبعد. ~~قال: فنزلت. وأجاب ابن الصباغ في "الشامل" (¬1) بأن الآية نزلت في هلال، ~~وأما قوله لعويمر: "قد نزل فيك وفي صاحبتك". فمعناه [ما] (ج) نزل في قصة ~~هلال. وجوز القرطبي (¬2) أن تكون الآية نزلت مرتين، والجمع بين الروايات ~~وحملها على الوجه الممكن أولى، وقد أنكر أبو عبد الله بن أبي صفرة أخو ~~المهلب بن أبي صفرة ذكر هلال بن أمية، قال: وهو خطأ، والصحيح أنه عويمر. ~~وقال ابن العربي (¬3): قال الناس: هو وهم من هشام بن حسان ولم يقله غيره، ~~وإنما القصة لعويمر العجلاني. وقال النووي في "البهمات": اختلفوا في ~~الملاعن علي ثلاثة أقوال؛ عويمر العجلاني، وهلال بن أمية، وعاصم بن عدي. ثم ~~نقل عن الواحدي أن أظهر هذه الأقوال أنه عويمر، وقد تعقب على هذا بأن ~~التخطئة خطأ، فإن حديث هلال ثابت في "الصحيحين"، ولم يتفرد به هشام بن ~~حسان، بل وافقه عباد بن PageV09P076 # منصور (¬1)، وكذا جرير بن حازم عن أيوب أخرجه الطبري (أ) وابن مردويه ~~موصولا (¬2)، قال: لما قذف هلال بن أمية امرأته. وترجيح الواحدي مرجوح؛ لأن ~~الجمع الممكن أولى من (ب) الترجيح. وقوله: وعاصم بن عدي. فيه نظر؛ لأن ~~عاصما إنما أتى إليه عويمر، وذكر له أن يسأل له النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فلم يكن ملاعنا. # والحديث فيه دلالة على أن الزوج إذا عجز عن البينة وجب عليه الحد، ولكنه ~~نسخ وجوب الحد بالملاعنة، ويكون هذا من نسخ السنة بالقرآن. والله أعلم. # وإن كانت الآية الأولى، وهي قوله تعالى: {والذين يرمون المحصنات} (¬3). ~~سابقة على آية اللعان، كانت هذه الآية إما ناسخة على فرض تراخي ms1938 النزول عند ~~من (ج يشترطه لقذف ج) الزوج، أو مخصصة إذا لم يتراخ النزول؛ لعموم: {والذين ~~يرمون المحصنات}. أو تكون هذه الآية قرينة على أن قوله تعالى: {والذين ~~يرمون المحصنات}. عموم أريد به الخصوص، PageV09P077 # وهو من عدا القاذف لزوجته مجازا، من استعمال العام في الخاص بخصوصه. # 1019 - وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة: لقد أدركت أبا بكر وعمر وعثمان ~~ومن بعدهم، فلم أرهم يضربون المملوك في القذف إلا أربعين. رواه مالك ~~والثوري في "جامعه" (¬1). # هو أبو عمران عبد الله بن عامر اليحصبي (¬2)؛ بفتح الياء تحتها نقطتان ~~وسكون الحاء المهملة وكسر الصاد المهملة وقد تفتح وبالباء الموحدة، القارئ ~~الشامي، كان عالما ثقة حافظا فيما رواه، من التابعين في الطقة الثانية، أحد ~~القراء السبعة، روى عن واثلة بن الأسقع ومعاوية ولقيهما، وقرأ القرآن على ~~المغيرة بن أبي شهاب المخزومي عن عثمان بن عفان، ولد سنة إحدى وعشرين من ~~الهجرة في أولها، ومات يوم عاشوراء سنة ثماني عشرة ومائة بدمشق، وله سبع ~~وتسعون سنة، وتولى القضاء [زمن] (أ) الوليد بن عبد الملك. # والحديث فيه دلالة على أن الحد هنا ينصف على المملوك، كما في PageV09P078 # حد (أ) الزنى، وقد ذهب إلى هذا الخلفاء الأربعة، وعليه جمهور فقهاء ~~الأمصار، وذلك للقياس على حد الزنى، فيكون مخصصا لعموم قوله تعالى: {والذين ~~يرمون} الآية (¬1). وذهب ابن مسعود (¬2) وعمر بن عبد العزيز والأوزاعي وأبو ~~ثور والظاهرية إلى أنه لا ينصف، قالوا: لعموم الآية الكريمة. والجواب ما عرفت. # 1020 - وعن أبي هرورة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من قذف مملوكه يقام عليه الحد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال". ~~مفق عليه (¬3). # الحديث فيه دلالة على أن السيد إذا قذف عبده لا يقام عليه الحد؛ لأنه لو ~~وجب عليه الحد [في الدنيا] (ب) لذكره كما ذكر الحد يوم القيامة، بل ولأنه ~~لو حد في الدنيا لم يجب عليه الحد يوم القيامة، كما قد جاء في هذا أن الحد ~~كفارة لمن أقيم عليه. ms1939 وأما إذا قذف المملوك غير مالكه، فأجمع العلماء على ~~أنه لا يجب الحد، ومستند الإجماع القياس على تنصيف الحد لو وجب عليه، فلم ~~يساو الحر، فكذلك لا يساوي الحر في أنه يحد قاذفه لنقصان مرتبته، فلم يجب ~~حد على قاذفه، إلا أم الولد، فإن في قذفها PageV09P079 # خلافا؛ فذهبت الهدوية والشافعي وأبو حنيفة وأبو يوسف إلى أنه لا حد على ~~قاذفها؛ لأنها مملوكة قبل موت السيد، وقال مالك وجماعة ومنهم الحسن البصري ~~وأهل الظاهر: إنه يجب الحد. وأخرج عبد الرزاق (¬1) عن معمر عن أيوب عن ~~نافع، أنه سأل ابن عمر عن قذف أم الولد، فقال: يضرب الحد صاغرا. وهذا سند ~~صحيح، وذهب محمد بن الحسن الشيباني إلى أنه إن كان معها ولد حد قاذفها، ~~وإلا لم يحد. PageV09P080 ### || AUTO باب حد السرقة # 1021 - عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا تقطع يد السارق إلا في ربع دينار فصاعدا". متفق عليه (¬1) واللفظ ~~لمسلم. ولفظ البخاري: "تقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدا". وفي رواية ~~لأحمد (¬2): "اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا فيما هو أدنى من ذلك". # الحديث فيه دلالة على أنه يعتبر في الشيء المسروق أن يبلغ هذا القدر وهو ~~ربع دينار فأكثر من ذلك؛ لأن معنى قوله: "فصاعدا". أي فزائدا على ذلك، وهو ~~منصوب على الحالية، ويستعمل بالفاء وبثم، ولا يستعمل بالواو، قال ابن جني ~~(¬3): هو حال مؤكدة؛ لأن معناه: ولو زاد. وإذا زاد لم يكن إلا صاعدا. وقد ~~جاء في بعض ألفاظ الحديث: "فما فوقه". بدل قوله: "صاعدا". # واشتراط النصاب هو قول الجمهور، والخلاف في ذلك للحسن PageV09P081 # البصري والخوارج والظاهرية، فقالوا: يقطع في القليل والكثير. وقال به أبو ~~عبد الرحمن ابن بنت الشافعي (¬1)؛ لعموم قوله تعالى: {والسارق والسارقة ~~فاقطعوا أيديهما} الآية (¬2). وربما احتجوا بما أخرجه البخاري (¬3) من حديث ~~أبي هريرة رضي الله عنه، أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله السارق ~~يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده". والجواب عليهم (أ): أن ms1940 ~~الآية الكريمة مطلقة في جنس المسروق وقدره، والحديث بيان لها، وأما البيضة ~~فليس المقصود أنه يقطع بسرق البيضة والحبل، وإنما المراد تحقير شأن السارق ~~وخسارة ما ربحه من السرقة؛ وهو أنه إذا تعاطى هذه الأشياء الحقيرة وصار ذلك ~~خلقا له، جرأه على سرقة ما هو أكثر؛ الذي يبلغ قدر ما يقطع به، فليحذر هذا ~~القليل قبل أن تملكه العادة، فيتعاطى سرقة ما هو أكثر من ذلك. ذكر معنى هذا ~~التأويل [الخطابي] (ب) (¬4) وسبقه إليه ابن قتيبة (¬5)، ونظير هذا قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "من بنى لله مسجدا ولو كمفحص قطاة" (¬6). وقوله: PageV09P082 # "تصدقي ولو بظلف محرق" (¬1). ومن المعلوم أن مفحص القطاة لا يصح تسبيله ~~(¬2)، ولا الصدقة بالظلف [المحرق] (أ)؛ لعدم الانتفاع بهما فيما قصدوا، ~~إنما المراد المبالغة في الترغيب، وأن القاصد لتسبيل المسجد يصل إلى الخير ~~الذي ينتفع به، وأما تأويل الأعمش للحديث بأن المراد بالبيضة بيضة الحديد، ~~والحبل حبل السفن، فغير مناسب؛ لأنهما ليسا علما لكثرة المسروق ولا لقلته، ~~فلا يناسب المقام من تقبيح حال (ب) السارق ودناءة همته وخسران صفقته، ~~وبعضهم صحيح تأويل الأعمش بما أخرجه ابن أبي شيبة (¬3) عن حاتم بن إسماعيل ~~عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي رضي الله عنه، أنه قطع يد سارق في بيضة ~~حديد، ثمنها ربع دينار. ورجاله ثقات مع انقطاعه، فيبطل حينئذ احتجاج المحتج ~~به، إذا كان هذا الحديث واردا في سياق هذه القصة. والقائلون بأن الموجب ~~للقطع هو نصاب معروف اختلفوا في ذلك اختلافا كثيرا، انتهت الأقوال إلى ~~عشرين قولا، والمشهور المستند إلى أدلة ثابتة هو قولان؛ أحدهما: قول فقهاء ~~الحجاز والشافعي وغيرهم. # والثاني: قول فقهاء العراق وأكثر أهل البيت. PageV09P083 # أما فقهاء الحجاز فإنهم أوجبوا القطع في ثلاثة دراهم من الفضة، وربع ~~دينار من الذهب، واختلفوا فيما يقوم به غير الذهب والفضة؛ فقال مالك في ~~المشهور: يقوم بالدراهم لا بربع دينار؛ يعني إذا اختلف صرفهما، مثل أن يكون ~~ربع الدينار صرف درهمين مثلا. وقال الشافعي: الأصل في تقويم الأشياء هو ms1941 ~~الذهب؛ لأنه الأصل في جواهر الأرض كلها. قال الخطابي (¬1): ولذلك إن الصكاك ~~القديمة كان يكتب فيها: عشرة دراهم وزن سبعة مثاقيل. فعرفت الدراهم ~~بالدنانير وحصرت بها، حتى قال الشافعي: إن الثلاثة الدراهم إذا لم تكن ~~قيمتها ربع الدينار لم توجب القطع. ويحتج له بما أخرجه ابن المنذر من طريق ~~عمرة (¬2): أتي عثمان بسارق سرق أترجة، قومت بثلاثة دراهم من حساب الدينار ~~باثني عشر، فقطع. ومن طريق جعفر بن محمد عن أبيه، أن عليا رضي الله عنه قطع ~~في ربع دينار (أ) كانت قيمته درهمين ونصفا (¬3). وقال مالك: يقوم بالدراهم ~~لا بربع الدينار. وكل واحد منهما إذا سرق معتبر في نفسه لا يقوم بالآخر. ~~وذكر بعض البغداديين عنه أنه ينظر في تقويم العروض بما كان غالبا في نقود ~~أهل البلد (¬4). قال ابن رشد من المالكية: وأظن أن في المذهب من يقول: إن ~~ربع الدينار يقوم بالثلاثة دراهم. وقال يقول الشافعي في التقويم أبو ثور ~~والأوزاعي وداود، وقال يقول مالك PageV09P084 # في التقويم بالدراهم أحمد. # وأما فقهاء العراق فالنصاب الموجب للقطع عندهم هو عشرة دراهم، ولا يجب في ~~أقل من ذلك. # فعمدة القول الأول حديث عائشة رضي الله عنها، وهو مبين لإطلاق الآية ~~الكريمة، وهو حديث ثابت في "الصحيحين"، وإن رواه مالك موقوفا فقد أسنده غيره. # وعمدة القول الثاني ما أخرجه مالك (¬1) عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قطع في مجن (¬2) قيمته ثلاثة دراهم. وأخرجاه في ~~"الصحيحين" (¬3)، وأخرجه البيهقي (¬4) من طرق متعددة بهذا اللفظ، قالوا: ~~فقد ثبت أنه قطع في المجن، ولكن [قيمته] (أ) ليس كما في هذه الرواية: ثلاثة ~~دراهم. بل قيمته عشرة دراهم، فأخرج البيهقي والطحاوي (¬5) من حديث محمد بن ~~إسحاق عن أيوب بن موسى عن عطاء عن ابن عباس قال: كان ثمن المجن على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقوم عشرة دراهم. وروي محمد بن إسحاق عن ~~عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كان ثمن (ب) المجن على PageV09P085 # عهد رسول ms1942 الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة دراهم (¬1). فهذه الرواية ~~معارضة للرواية الأولى أن قيمته ثلاثة دراهم، وإذا كان هذا الاختلاف فيما ~~بين الصحابة في قيمة المجن، فالواجب الاحتياط فيما يستباح به العضو المحرم ~~قطعه إلا بحقه، فيجب الأخذ بالمتيقن وهو الأكثر، وبمثل هذا قال ابن العربي ~~المالكي (¬2) حيث قال: ذهب سفيان الثوري مع جلالته في الحديث على أن القطع ~~لا يكون إلا في عشرة دراهم؛ وذلك أن اليد محترمة بالإجماع، فلا تستباح إلا ~~بما أجمع عليه، والعشرة متفق على القطع بها عند الجميع، فيتمسك به ما لم ~~يقع الاتفاق على ما دون ذلك. وهذا كلام حسن، وقد أجيب عن حديث ابن عباس بأن ~~محمد بن إسحاق قد خالفه الحكم بن [عتيبة] (أ)؛ فرواه عن عطاء ومجاهد عن ~~أيمن الحبشي قال: كان يقال: لا يقطع السارق إلا في ثمن المجن وأكثر. قال: ~~وكان ثمن المجن يومئذ دينارا (¬3). قال البخاري (¬4): تابعه شيبان عن ~~منصور، وأيمن الحبشي من أهل مكة مولى ابن أبي (ب) عمرة (ج) المكي، سمع ~~عائشة، [روى] (د) عنه ابنه عبد الواحد بن أيمن. قال PageV09P086 # البيهقي (¬1): وروايته عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منقطعة. وكذا ~~حديث ابن عمر [أخرجاه] (أ) في "الصحيحين": أن قيمته ثلاثة دراهم. وأخرج ~~البيهقي (¬2) من حديث عائشة رضي الله عنها، قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا يقطع السارق فيما دون ثمن المجن". فقيل لعائشة رضي لله عنها: ~~ما ثمن المجن؟ قالت: ربع دينار. قال الشافعي رحمه الله تعالى (¬3): وربع ~~الدينار موافق لرواية ثلاثة دراهم؛ وذلك أن الصرف على عهد رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - اثنا عشر درهما، وكان كذلك بعده، وفرض عمر الدية على أهل ~~الورق اثنى عشر ألف درهم، وعلى أهل الذهب ألف دينار. وأخرج (¬4) أن سارقا ~~سرق في زمن عثمان أترجة، فأمر بها عثمان فقومت ثلاثة دراهم من صرف اثني عشر ~~درهما دينار، فقطع يده. قال مالك: وهي الأترجة التي يأكلها [الناس] (ب). ~~وأخرج (¬5) عن علي من حديث جعفر عن أبيه ms1943 عن علي: القطع في ربع دينار ~~فصاعدا. ومن حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي، أنه قطع يد سارق في بيضة من ~~حديد؛ ثمن ربع دينار (¬6). # إذا عرفت هذا، فقد ظهر صحة الاحتجاج بحديث الباب، وما اعتل به PageV09P087 # الطحاوي في إعلاله، بأن الزهري اضطرب فيه لاختلاف الرواة عنه، فإن ابن ~~عيينة رواه بلفظ: كان يقطع. وهذا كان كان هذا اللفظ ظاهرا في الإخبار عن ~~زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا أن التقويم لما وقع لأجله القطع من ~~عندها، فقولها: في ربع دينار. أي بما غلب في ظنها تقويمه به، ويحتمل أن ~~تكون قيمته أكثر في نفس الأمر، وهذا غير وارد، فإن من البعيد أن تجزم ~~بالأمر بالنظر إلى ظنها، ثم التقويم لا يتفاوت في العادة مثل هذا التفاوت، ~~بأن يكون مقومه له بربع دينار، وهو يسوى عند غيرها دينارا [أو] (أ) يقل منه ~~قليلا، وجل الرواة عن الزهري رووه بلفظ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومثل ~~هذا لا يكون اضطرابا مع إمكان الترجيح، مع أن ابن عيينة قد رواه مثل رواية ~~الأكثر من لفظ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وخالف في بعض رواياته، فيكون ~~الاضطراب في روايته، فلا تكون قادحة في رواية غيره، ولا يسلم ترجيح روايته ~~في الزهري كما ادعاه الطحاوي؛ فإن يحيى بن معين وأحمد بن صالح المصري رجحا ~~يونس عليه، مع أنه يجوز أن تكون عائشة أخبرت يقول النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وبفعله، فنقل عنها الروايتان، ولا مخالفة بينهما، مع أن حديث ابن ~~إسحاق في تقويم المجن بعشرة دراهم رواه الطحاوي بلفظ: كان قيمة المجن الذي ~~قطع فيه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عشرة دراهم. وفيه الاحتمال الذي ~~أورده في حديث عائشة، وفي إسناده اضطراب كثير، وفي لفظ الطحاوي من رواية ~~أيمن ابن أم أيمن: لا يقطع السارق إلا في حجفة (¬1). وقومت يومئذ على عهد ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV09P088 # دينارا أو عشرة دراهم. وفي لفظ له: أدنى ما يقطع فيه السارق ms1944 ثمن المجن، ~~وكان يقوم يومئذ بدينار. وجمع المذاهب في المسألة العشرين: # الأول: القطع في كل قليل وكثير، تافه أو غير تافه. وهو قول أهل الظاهر ~~والخوارج والحسن البصري [وأبي] (أ) عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وإن كان ~~الإمام المهدي ذكر في "البحر" (¬1) أنه قام الإجماع على أنه لا يقطع في ~~اليسير كالبصلة، ولعله يحمل قولهم في التافه، هو ما كان له قيمة في نفسه. # ومقابل هذا القول القول الثاني: أنه لا يجب القطع إلا في أربعين درهما أو ~~أربعة دنانير. نقله القاضي عياض (¬2) عن إبراهيم النخعي. # الثالث: مثل الأول (ب إلا الشيء التافه ب)؛ لحديث عروة: لم يكن القطع في ~~الشيء التافه (¬3). وروي عن ابن الزبير، أنه قطع في نعلين (¬4). وعثمان في ~~فخارة (2). وعمر بن عبد العزيز في مد أو مدين (2). # الرابع: تقطع في درهم فصاعدا. وهو قول عثمان البتي (2) -بفتح PageV09P089 # الموحدة وتشديد التاء المثناة- من فقهاء البصرة، وربيعة من فقهاء ~~المدينة، ونسبه القرطبي إلى عثمان ظنا أنه الخليفة، فأطلق. # الخامس: في درهمين. وهو قول الحسن البصري، جزم به ابن المنذر عنه (¬1). # السادس: فيما زاد على درهمين ولم يبلغ الثلاثة. أخرجه أبن أبي شيبة (¬2) ~~بسند قوي عن أنس: أن أبا بكر قطع في شيء ما يساوي درهمين. # وفي لفظ: لا يساوي ثلاثة دراهم. # السابع: في ثلاثة دراهم، ويقوم ما عداها بها ولو كان ذهبا. وهو رواية عن ~~أحمد، وحكاه الخطابي عن مالك (¬3). # الثامن: مثله، لكن إذا كان المسروق ذهبا فنصابه ربع دينار، وإن كان فضة ~~فنصابه ثلاثة دراهم، وإن كان غيرهما؛ فإن بلغت قيمته ثلاثة دراهم قطع به، ~~وإن لم تبلغ لم يقطع ولو كان نصف دينار. وهو قول لمالك المعروف عند أتباعه، ~~وهو رواية عن أحمد، ويحتج له بما أخرجه أحمد (1) من تأويل عمرة لحديث ~~عائشة: اقطعوا في ربع دينار، ولا تقطعوا في أدنى من ذلك. قالت: وكان ربع ~~الدينار قيمته ثلاثة دراهم. ويجاب عنه بأن المرفوع نص فلا يرجع إلى ~~الموقوف. # التاسع: مثله، إلا أنه إذا كان المسروق من ms1945 غيرهما فما بلغ قيمة PageV09P090 # أحدهما [قطع به] (أ). وهذا هو المشهور عن أحمد، ورواية عن إسحاق (¬1). # العاشر: مثله، لكن لا يكتفي بأحدهما إلا إذا كانا غالبين، فإن كان أحدهما ~~غالبا فهو المعول عليه. وهو قول جماعة من المالكية، وهذا هو الحادي عشر. # الثاني عشر: ربع دينار أو ما بلغ قيمته من فضة أو عرض. وهو مذهب الشافعي ~~كما تقدم تقريره، وهو قول عائشة وعمرة وأبي بكر بن حزم وعمر بن عبد العزيز ~~والأوزاعي والليث، ورواية عن إسحاق وعن داود، ونقله الخطابي (¬2) وغيره عن ~~عمر وعثمان وعلي، وقد أخرجه ابن المنذر عن عمر بسند منقطع (¬3). # الثالث عشر: أربعة دراهم. نقله عياض عن بعض الصحابة، ونقله ابن المنذر عن ~~أبي هرورة وأبي سعيد (3). # الرابع عشر: ثلث دينار. حكاه ابن المنذر عن أبي جعفر الباقر (3). # الخامس عشر: خمسة دراهم. وهو قول ابن شبرمة وابن أبي ليلى من فقهاء ~~الكوفة، ونقل عن الحسن البصري (¬4)، وعن [سليمان بن] (ب) يسار PageV09P091 # أخرجه النسائي (¬1)، وجاء عن عمر: لا تقطع الخمس إلا في خمس. أخرجه ابن ~~المنذر (¬2) من طريق منصور عن مجاهد عن سعيد بن المسيب عنه، وأخرج ابن أبي ~~شيبة (¬3) عن أبي هريرة وأبي سعيد مثله، ونقله أبو زيد الدبوسي عن مالك وشذ بذلك. # السادس عشر: عشرة دراهم أو ما بلغ قيمتها من ذهب أو عرض. (أوهو قول أكثر ~~أهل البيت وأبي حنيفة والثوري، وقد تقدم تقرره. # السابع عشر: دينار أو ما بلغ قيمته من فضة أو عرض أ). حكاه ابن حزم عن ~~طائفة، وجزم ابن المنذر بأنه قول النخعي (¬4). # الثامن عشر: دينار أو عشرة دراهم أو ما يساوي أحدهما. حكاه ابن حزم أيضا ~~(4)، وأخرجه ابن المنذر (¬5) عن علي بسند ضعيف، وعن ابن مسعود بسند منقطع، ~~قال: وبه قال عطاء (¬6). # التاسع عشر: ربع دينار فصاعدا من الذهب، ومن غير الذهب كالفضة والعروض في ~~القليل والكثير. وهو قول ابن حزم، ونقل ابن عبد البر نحوه عن PageV09P092 # داود، إلا إذا كان الشيء تافها، واحتج بأن التحديد في الذهب ثبت ms1946 منصوصا، ~~ولم يثبت التحديد صريحا في غيره، فتبقى الآية الكريمة على عمومها. # العشرون: المعتبر في التقويم بغالب نقد البلد؛ إن ذهبا قوم ما عداه به، ~~وإن فضة قوم بالفضة. وهذا مخرج من قول جماعة من المالكية. # 1022 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع ~~في معين قيمتة ثلاثة دراهم. متفق عليه (¬1). # تقدم الكلام فيه. # 1023 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده". ~~متفق عليه (¬2). # تقدم الكلام فيه. # 1024 - وعن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "أتشفع في حد من حدود الله؟ ". ثم قام فخطب. فقال: "أيها الناس، إنما ~~أهلك الذين من قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم ~~الضعيف أقاموا عليه الحد". متفق PageV09P093 # عليه (¬1) واللفظ لمسلم. وله (¬2) من وجه آخر عن عائشة رضي الله عنها ~~قالت: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بقطع يدها. # الحديث ورد في قصة المخزومية، واسمها فاطمة بنت الأسود بن عبد [الأسد] ~~(أ) بن عبد الله بن عمر، وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصحابي الجليل ~~الذي كان زوج أم سلمة قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -، قتل أبوها كافرا ~~يوم بدر، قتله الحمزة بن عبد المطلب، ووهم من زعم أن له صحبة، وهي منسوبة ~~إلى مخزوم بن يقظة -بفتح التحتانية والقاف بعدها ظاء معجمة مشالة- بن مرة ~~بن كعب بن لؤي بن غالب بن مخزوم، ومخزوم أخو كتاب بن مرة الذي ينسب إليه ~~بنو عبد مناف. وقيل: هي أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد. وهي بنت عم ~~المذكورة، أخرجه عبد الرزاق (¬3). والأول أصح، وقد ذكره ابن عبد البر في ~~"الاستيعاب"، وابن سعد في ترجمتها (ب) في "الطبقات" (¬4). وأما عبد الغني ~~في "المبهمات" (¬5) فقال: PageV09P094 # فاطمة بنت أبي الأسود بنت أخي أبي (أ) سلمة. ولا منافاة؛ ms1947 لاحتمال أن يكون ~~الأسود كنيته أبو الأسود. وأما أم عمرو فلها قصة أخرى، ذكر ابن سعد (¬1) ~~أنها خرجت ليلا فوقعت بركب نزلوا، فأخذت عيبة (¬2) لهم، فأخذها القوم ~~فأوثقوها، فلما أصبحوا أتوا بها النبي - صلى الله عليه وسلم -، فعاذت بحقوي ~~أم سلمة، فأمر بها النبي - صلى الله عليه وسلم - فقطعت. وكان ذلك في حجة ~~الوداع، وقصة المخزومية في عام الفتح، وأخطأ ابن الجوزي لما جعلها واحدة ~~وأنها أم عمرو (¬3)، وابن طاهر وابن بشكوال (¬4) ترددا في القصة بين فاطمة ~~وأم عمرو، بناء على أنها قصة واحدة. # وقوله: "أتشفع في حد من حدود الله؟ ". الاستفهام فيه للإنكار، وكأنه قد ~~كان سبق من النبي - صلى الله عليه وسلم - المنع من الشفاعة في الحد، فحسن ~~الإنكار والجواب (ب) بالإنكار على أسامة. # وأصل الحديث واللفظ اللبخاري: أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي ~~سرقت، فقالوا: من يكلم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن يجترئ عليه ~~إلا أسامة حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فكلم رسوله الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، فقاله: "أتشفع ... " الحديث. وبعد قوله: "أقاموا عليه ~~الحد": "وايم الله، لو أن فاطمة بنت PageV09P095 # محمد سرقت لقطع محمد يدها". # وقد جاء أنها عاذت بأم سلمة، وأخرج الحاكم موصولا وأبو داود (¬1) تعليقا ~~أنها عاذت بزينب بنت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد استشكل بأن ~~زينب قد سبق موتها في جمادى في سنة سبع، وهذه غزوة الفتح في رمضان سنة ~~ثمان، وقيل: المراد زينب بنت أبي سلمة ربيبة النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~ونسبتها إلى النبي مجاز، وقد جاء مصرحا في رواية أحمد (¬2): بربيب (أ) ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقد جاء أيضا من رواية عبد الرزاق (¬3) أنها ~~عاذت بعمر بن أبي سلمة، فأتى إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أي ~~أبه، إنها عمتي. وأراد بالعمة وإن كانت بنت عمه، لكبر سنها. والجمع بين ~~الروايات أنها عاذت بأم سلمة وبنتها، وأنهم شفعوا فلم يشفعهم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فطلب الجماعة من قريش من أسامة ms1948 الشفاعة عسى أن يخصه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - بالقبول، ولذلك قالوا: حب رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -. (ب فلذلك رد ب) عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالإنكار، وقد جاء في رواية أنه قال: استغفر لي يا رسول الله. وقد جاء في ~~مرسل حبيب بن أبي ثابت (¬4): فلما أقبل أسامة ورآه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "لا تكلمني". فظاهره أنه لم يتكلم، وهي تخالف رواية البخاري: ~~فكلمه. ويمكن الجمع بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أقبل عرف ما يريد PageV09P096 # من الكلام، فقال: "لا تكلمني". ثم حصل منه الاجتراء وكلم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، ولذلك جاء في رواية النسائي (¬1): فزبره. بفتح الزاي ~~والموحدة؛ أي: أغلظ له في النهي حتى نسبه إلى الجهل. وفي رواية (¬2): فكلمه ~~فتلون وجه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ففي هذا دلالة على أنه وقع ~~الكلام من أسامة بعد النهي؛ لما عرف من خلق النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الكريم من حسن التعليم، وأنه ما زبر إلا لما وقع الاجتراء بعد النهي. وظاهر ~~الإطلاق أن الشفاعة في الحد لا تصلح، وإن لم يكن قد رفع (أ) إلى السلطان، ~~إلا أن البخاري أورد الحديث بعد أن ترجم الباب: باب كراهة الشفاعة في الحد ~~إذا رفع إلى السلطان. وكأنه أشار إلى ما ورد في بعض طرقه من مرسل حبيب بن ~~أبي ثابت، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لأسامة لما شفع فيها: "لا ~~تشفع في حد، فإن الحدود إذا انتهت إلي فليس بمترك". وله شاهد من حديث عمرو ~~بن شعيب، عن أبيه، عن جده رفعه: "تعافوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من ~~حد فقد وجب". فترجم له أبو داود (¬3): العفو عن الحد ما لم يبلغ السلطان. ~~وصححه الحاكم (¬4). وسنده إلى عمرو ابن شعيب صحيح، وأخرج أبو داود أيضا، ~~وأحمد، وصححه الحاكم (¬5)، من طريق يحيى بن راشد، قال: خرج علينا ابن عمر ~~فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "من حالت شفاعته ms1949 دون حد ~~من حدود الله PageV09P097 # فقد ضاد الله في أمره". وأخرجه ابن أبي شيبة (¬1) من وجه [آخر] (أ) أصح ~~منه عن ابن عمر موقوفا. وللمرفوع شاهد من حديث أبي هريرة في "الأوسط" ~~للطبراني (¬2)، وقال: "فقد ضاد الله في ملكه". وأخرجه أبو يعلى (¬3) عن ~~علي، فذكر قصة ثم قال: قالوا: يا رسول الله -وقد أتي بسارق- أفلا عفوت؟ ~~قال: "ذلك سلطان سوء الذي يعفو عن الحدود بينكم". وأخرج الطبراني (¬4) عن ~~عروة بن الزبير قال: لقي الزبير سارقا فشفع فيه، فقيل له: حتى يبلغ الإمام. ~~قال: إذا بلغ الإمام فلعن الله الشافعي والمشفع. وأخرج ابن أبي شيبة (¬5) ~~بسند حسن أن الزبير وعمارا وابن عباس أخذوا سارقا فخلوا سبيله، قال عكرمة: ~~فقلت: بئس ما صنعتم حين خليتم سبيله. فقالوا: لا أم لك، أما لو كنت أنت ~~لسرك أن يخلى سبيلك. وأخرجه الدارقطني (¬6) مرفوعا من حديث الزبير موصولا ~~بلفظ: "اشفعوا ما لم يصل إلى الوالي، فإذا وصل إلى الوالي فعفا فلا عفا ~~الله عنه". والموقوف هو المعتمد، وفي حديث صفوان عند أحمد، وأبي داود، ~~والنسائي، وابن ماجه، والحاكم (¬7) في قصة الذي PageV09P098 # سرق رداءه، وأراد ألا يقطعه النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "هلا ~~قبل أن تأتيني به؟ ". وحديث ابن مسعود في قصة الذي سرق، فأمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بقطعه، وقال: "إنه ينبغي للإمام إذا انتهى إليه حد أن ~~يقيمه، والله عفو يحب العفو" (¬1). وادعى ابن عبد البر الإجماع (¬2)، وكذا ~~في "البحر" أنه يجب على السلطان الإقامة إذا بلغه الحد. وذكر الخطابي وغيره ~~(¬3) عن مالك أنه فرق بين من عرف بأذية الناس وغيره، فقال: لا يشفع في ~~الأول مطلقا قبل الرفع وبعده، وفي الثاني تحسن الشفاعة قبل الرفع لا بعده. ~~وفي حديث عائشة مرفوعا: "أقيلوا ذوي الهيئات زلاتهم إلا في الحدود" (¬4). ~~ويستفاد منه جواز الشفاعة فيمن يقتضي منه التعزير، ونقل ابن عبد البر ~~الاتفاق على ذلك (¬5)، وتحمل الأحاديث الواردة في الستر على المسلم أن ذلك ~~قبل الرفع إلى الإمام. # وقوله: "إنما أهلك". كذا في ms1950 رواية قتيبة، وجاء في رواية أبي الوليد: ~~"إنما ضل". وفي رواية سفيان عن النسائي (¬6): "إنما هلك بنو إسرائيل". ~~وظاهر الحصر أنه كان سبب هلاك من تقدم على جهة العموم، و (أ) بني إسرائيل ~~كما في رواية سفيان؛ بسبب تضييع حد السرقة. ولعل المراد من PageV09P099 # "أهلك" بسبب تضييع الحدود، فيكون عاما مخصوصا، وذكر حد السرقة في هذا ~~الحديث؛ لأنه من جملة تضييع الحدود لأجل المحاباة، وقد أخرج أبو الشيخ في ~~كتاب "السرقة" (¬1) عن عائشه مرفوعا، أنهم عطلوا الحدود عن الأغنياء، ~~وأقاموها على الضعفاء. وقد ذكر عن بني إسرائيل في قصة اليهوديين اللذين ~~زنيا، وفي حديث ابن عباس أنهم كانوا يأخذون الدية من الشريف إذا قتل عمدا، ~~والقصاص من الضعيف (¬2)، وغير ذلك. # وقوله: "إذا سرق فيهم الشريف تركوه". جاء في رواية سفيان عند النسائي: ~~"إذا أصاب فيهم الشريف الحد تركوه ولم يقيموه عليه". # وفي رواية إسماعيل بن أمية: "وإذا سرق فيهم الوضيع قطعوه". # وقوله: كانت امرأة تستعير المتاع وتجحده. تقدم الكلام في المرأة، وهذه ~~الرواية أخرجها مسلم، وأبو داود (¬3)، وأخرجه النسائي (¬4) من حديث الزهري ~~بلفظ: استعارت [امرأة] (أ) على ألسنة ناس -يعرفون وهي لا تعرف-[حليا] (ب) ~~فباعته وأخذت ثمنه. الحديث. وأخرجه عبد الرزاق (¬5) بسند صحيح إلى أبي بكر ~~بن عبد الرحمن أن امرأة جاءت، فقالت: إن PageV09P100 # فلانة، [تستعيرك] (أ) حليا. فأعارتها إياه، فمكثت لا تراه، فجاءت إلى ~~التي استعارت لها تسألها، فقالت: ما استعرتك شيئا. فرجعت إلى الأخرى ~~فأنكرت، فجاءت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعاها فسألها، فقالت: ~~والذي بعثك بالحق ما استعرت منها شيئا. فقال: "اذهبوا إلى بيتها تجدوه تحت ~~فراشها". فأتوه فأخذوه، وأمر بها فقطعت. الحديث. # وأخرج النسائي (¬1) أيضا عن إسحاق بن راهويه [عن سفيان] (ب) عن الزهري عن ~~عروة بلفظ: كانت مخزومية تستعير المتاع وتجحده. الحديث. وأخرج أبو داود ~~والنسائي وأبو عوانة في "صحيحه" (¬2) من طريق أيوب عن نافع عن ابن عمر، أن ~~امرأة مخزومية كانت تستعير المتاع وتجحده، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بقطع يدها. وأخرجه ms1951 النسائي وأبو عوانة (¬3) أيضا من وجه آخر عن عبيد الله ~~بن عمر عن نافع بلفظ: استعارت حليا. فهذه الروايات تصحح رواية الاستعارة، ~~وبهذا يرد على من قدح في الرواية بأن معمرا تفرد (ج) عن الزهري بقوله: ~~استعارت وجحدت. فإنه قد تابعه عن الزهري شعيب ويونس، وتأيدت بما عرفت من ~~الطرق الدالة على ثبوت الرواية. # والحديث فيه دلالة على أن جاحد العارية يجحب عليه القطع، وقد ذهب PageV09P101 # إلى هذا أحمد بن حنبل وإسحاق وأهل الظاهر، وانتصر له ابن حزم من ~~الظاهرية، وفيه دلالة واضحة، فإنه رتب القطع على جحد العارية في القصة ~~المذكورة، وذهب الجمهور إلى أنه لا يوجب القطع، قالوا: لأن الآية الكريمة ~~ذكر فيها السارق، والجاحد لا يسمى سارقا. ورد هذا ابن القيم (¬1)، وقال: إن ~~الجحد داخل في اسم السرقة. قال: ولا يلزم القطع في جحد الغاصب والمختلس؛ ~~للفرق في ذلك، وهو أن السارق وجاحد العارية لا يمكن الاحتراز منهما، بخلاف ~~المختلس والمنتهب. قال: ولا شك أن الحاجة ماسة بين الناس إلى العارية، فلو ~~علم المعير أن المستعير إذا جحد لا شيء عليه [لجر] (أ) ذلك إلى سد باب ~~العارية، وهو خلاف ما تدل عليه حكمة الشرع، بخلاف ما إذا علم أنه يقطع، فإن ~~ذلك يكون أدعى لاستمرار العارية. انتهى. # وقد [فر من] (ب) هذا بعض من قال بذلك، فخص القطع بمن استعار على لسان ~~غيره مخادعا للمستعار منه، ثم تصرف في العارية، وأنكرها لما طولب بها، فإن ~~هذا لا يقطع بمجرد الخيانة، بل لمشاركة السارق في أخذ المال خفية. [غير] ~~(ج) أن ابن المنذر نقل عن إياس بن معاوية أنه قال: المختلس يقطع. وكأنه ~~ألحقه بالسارق؛ لاشتراكهما في الأخذ خفية، ولعله يسميه PageV09P102 # سارقا كما قال ابن الجوزي. وأخرج (أ) البيهقي (¬1) عن الفقهاء من أهل ~~المدينة أنهم كانوا يقولون: على الطرار (¬2) القطع. وكانوا يقولون: لا ~~[قطع] (ب) إلا فيما بلغت قيمته ربع دينار فصاعدا. وقال الجمهور: إنه ورد ~~حديث المخزومية من طريق عائشة وجابر وعروة بن الزبير ومسعود بن ms1952 الأسود، ~~أخرجها البخاري ومسلم والبيهقي وغيرهم مصرحا فيه بذكر السرقة، بل في رواية ~~مسعود أنها سرقت قطفة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وحديث مسعود صححه ~~الحاكم، وأخرجه ابن ماجه، وعلقه أبو داود والترمذي (¬3). وأخرجه أبو الشيخ ~~في "كتاب السرقة"، ووقع في مرسل حبيب بن أبي ثابت أنها سرقت حليا (¬4). ~~والجمع ممكن بأن يكون الحلي في القطيفة، فسرقت الظرف والمظروف، وأفرد ~~الرواة ذكر أحدهما عن الآخر. وأخرج عبد الرزاق (¬5) من حديث عمرو بن دينار، ~~أن الحسن أخبره قال: سرقت امرأة -قال عمرو: وحسبت أنه قال: من ثياب الكعبة. ~~الحديث. وسنده إلى الحسن صحيح. PageV09P103 # وقد يمكن الجمع مع بعده أن ذلك الثوب هو قطيفة، وأنه من ثياب الكعبة، ~~ولعله كان في بيت النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يوضع على الكعبة، ~~وهو مهدى لها، والأرجح الأول، فتقرر أن المذكورة قد وقع منها السرقة، ~~فرواية أنها جحدت العارية لا تدل على أن القطع كان لها؛ أما أولا: فلأنها ~~مخالفة لمفهوم الآية الكريمة، فإن مفهوم الصفة يدل على أنه لا قطع بغير ~~السرقة. وثانيا: إمكان أن يقال: إن ذكر العارية إنما هو لمجرد التعريف بما ~~اشتهر من وصف المرأة المذكورة، فالعارية وجحدها قد صار لها خلقا معروفا، ~~فعرفت المرأة به، والقطع كان للسرقة. وهذا معنى ما أجاب به الخطابي (¬1)، ~~وتلقاه عنه غيره من الأئمة كالبيهقي والنووي (أ) (¬2). ويؤيد هذا ما قيل في ~~ذكر فاطمة رضي الله عنها، وقد نزهها الله تعالى وطهرها عن نسبة مثل هذا ~~النقص إليها. ويؤيد هذا حديث (¬3): "ليس على خائن، ولا مختلس، ولا منتهب، ~~قطع". وهو حديث قوي، أخرجه الأربعة، وصححه أبو عوانة والترمذي من طريق ابن ~~جريج عن أبي الزبير عن جابر رفعه. وصرح ابن جريج في رواية النسائي بقوله: ~~أخبرني أبو الزبير. وقال النسائي: رراه الحفاظ من أصحاب ابن جريج عنه عن ~~أبي الزبير، ولم يصرح أحد منهم بالتحديث عن أبي الزبير، في لا أحسبه سمعه ~~منه. وصرح ابن القطان بأنه من معنعن أبي الزبير، إلا ms1953 أنه يخدش فيه أن أبا ~~الزبير مدلس، وقد عنعنه عن جابر. لكن أخرجه ابن حبان من وجه آخر عن جابر ~~بمتابعة أبي الزبير، PageV09P104 # وأخرجه عبد الرزاق (¬1) بتصريح سماع أبي الزبير من جابر، فقوي الحديث، ~~وأجمعوا على العمل [به] (أ) إلا من شذ، كما نقل عن إياس بن معاوية. # 1025 - وعن جابر رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ليس ~~على خائن، ولا منتهب، ولا مختلس، قطع". رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي ~~وابن حبان (¬2). # الحديث أخرجوه، والحاكم والبيهقي (¬3) من حديث أبي الزبير عن جابر. وفي ~~رواية عند ابن حبان (¬4) عن ابن جريج عن عمرو بن دينار وأبي الزبير عن ~~جابر. وليس فيه ذكر "الخائن". ورواه ابن الجوزي في "العلل" (¬5) من طريق ~~مكي بن إبراهيم عن ابن جريج، وقال: لم يذكر فيه "الخائن". غير مكي. # قال المصنف (¬6) رحمه الله تعالى: قد رواه ابن حبان (¬7) أيضا من حديث ~~سفيان عن أبي الزبير عن جابر بلفظ: "ليس على المختلس ولا على الخائن PageV09P105 # قطع". وقال ابن أبي حاتم في "العلل" (¬1) عن أبيه: لم يسمعه ابن جريج من ~~أبي الزبير، إنما سمعه من ياسين بن معاذ الزيات، وهو ضعيف (¬2). وكذا قال ~~أبو داود، [وزاد] (أ): وقد رواه المغيرة بن أسلم عن أبي الزبير عن جابر. ~~وأسنده النسائي (¬3) من حديث المغيرة. ورواه سويد بن نصر عن ابن المبارك عن ~~ابن [جريج] (5): أخبرني أبو الزبير (¬4). وله شاهد من حديث عبد الرحمن بن ~~عوف، رواه ابن ماجه (¬5) بإسناد صحيح، وآخر من رواية الزهري عن أنس، أخرجه ~~الطبراني في "الأوسط" (¬6) في ترجمة أحمد بن القاسم، ورواه ابن الجوزي في ~~"العلل" (¬7) من حديث ابن عباس وضعفه. # قوله: "ليس على خائن". والمراد بالخائن الذي يظهر ما لا يضمره في نفسه، ~~والخائن هنا هو الذي يأخذ المال خفية من مالكه مع إرائه له النصيحة والحفظ، ~~والخائن أعم، فإنه قد تكون الخيانة في غير المال، ومنه {خائنة الأعين} ~~(¬8). أي: ما يخون النظر من مسارقة النظر إلى ما لا يحل. PageV09P106 # و "المنتهب": المغير، ms1954 من النهبة، وهي الغارة والسلب. ولعل المراد به هنا ~~ما كان على جهة الغلبة والقهر. و "المختلس": السالب، من: اختلسه إذا سلبه، ~~قال في "النهاية" (¬1) في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس في النهبة ولا ~~الخليسة قطع". أي ما يؤخذ سلبا ومكابرة. # وقد تقدم الكلام في أحكام الحديث قريبا. # 1026 - وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "لا قطع في ثمر ولا أكثر". رواه المذكورون، وصححه أيضا ~~الترمذي وابن حبان (¬2). # وأخرج الحديث أيضا مالك والحاكم والبيهقي (¬3)، واختلفوا في وصله ~~وإرساله، وقال الطحاوي (¬4): هذا الحديث تلقته الأمة بالقبول. ورواه أحمد ~~وابن ماجه (¬5) من حديث أبي هريرة، وفيه سعد بن سعيد المقبري، وهو ضعيف ~~(¬6). PageV09P107 # والثمر، قال المنذري (أ): المراد به ما كان معلقا في النخل قبل أن يجذ. ~~وعلى هذا تأوله الإمام الشافعي، وقال: حوائط المدينة ليست بحرز وأكثرها ~~تدخل من جوانبها. والثمر (ب): اسم جامع للرطب واليابس من التمر والعنب ~~وغيرهما. كذا قاله في "البدر المنير"، والكثر؛ بفتح الكاف والثاء المثلثة: ~~الجمار، كما وقع في رواية النسائي. ويقال: طلعها. وقد أكثر النخل. أي: طلع. ~~ذكره في "الصحاح" (¬1). # وأخرج أبو داود والنسائي وابن ماجه والحاكم (¬2) من حديث عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الثمر العلق، ~~فقال: "من سرق منه شيئا بعد أن [يؤويه] (ج) الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه ~~القطع". وأخرج ابن أبي شيبة، وفي "الموطأ" (¬3)، عن عبد الله بن عبد الرحمن ~~بن أبي حسين، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا قطع في ثمر ~~معلق، ولا في حريسة جبل". وهو معضل. # الحديث فيه دلالة على أنه لا يجب القطع في سرقة الثمر والكثر، PageV09P108 # وظاهره سواء كان على أصل المنبت له أو قد جد. وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة، ~~ولذلك قال في الكثر: ولا يقطع بفاكهة رطبة ولو على شجر. وكذا قال في "نهاية ~~المجتهد" (¬1). وقال أبو حنيفة، لا قطع ms1955 في الطعام، ولا فيما أصله مباح؛ ~~كالصيد، والحطب، والحشيش. وعمدته في منعه القطع في الطعام الرطب قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا قطع في ثمر ولا كثر" انتهى. وقال في "الكنز": ولا ~~يقطع بخشب أو حشيش وقصب وسمك وطير وصيد وززنيخ (¬2) ونورة (¬3). قال في ~~"الهداية" (¬4): لأن ذلك تافه؛ لأن ما صورته في الأصل غير مرغوب فيه، حقير ~~تقل الرغبات [فيه] (أ)، والطباع لا تضن به -أي تبخل- فقلما يوجد أخذه على ~~كره (ب) من المالك، فلا حاجة إلى شرع الزاجر، ولهذا لم يجب القطع بسرقة ما ~~دون النصاب، ولأن الحرز فيها ناقص، ألا ترى أن الخشب تلقى على الأبواب، ~~وإنما تدخل الدار للعمارة لا للإحراز، والطر يطير، والصيد يفر. واستثنى ~~الإمام المهدي لأبي حنيفة الساج (¬5) PageV09P109 # والآبنوس (¬1) [والصندل] (أ) والمصوغ (ب) والذهب والفضة. وكذا في ~~"الكنز". وأما الإمام المهدي فقال في "البحر": مسألة؛ الهدوية والحنفية: ~~ولا قطع فيما أخذ من منبته ولو أحرز عليه إلا بعد قطعه. فجعل كلام الحنفية ~~فيما كان معلقا في أصله، وهذا هو المذكور في حديث عمرو بن شعيب المتقدم. ~~وذهب الجمهور إلى أنه يجب القطع في كل محرز، سواء كان على أصله باقيا أو قد ~~جذ، كان أصله مباحا؛ كالحشيش أو غيره. قالوا: لعموم الآية الكريمة ~~والأحاديث الواردة في اشتراط النصاب، وأما حديث: "لا قطع في ثمر". فقال ~~الشافعي: إنه خرج على ما كان عليه عادة أهل المدينة من عدم إحراز حوائطها، ~~فذلك لعدم الحرز، فإذا أحرزت الحوائط كانت كغيرها. # 1027 - وعن أبي أمية المخزومي رضي الله عنه قال: أتي رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - بلص قد اعترف اعترافا، ولم يوجد معه متاع، فقال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "ما إخالك سرقت". قال: بلى. فأعاد عليه مرتين أو ~~ثلاثا، فأمر به فقطع، وجيء به، فقال: "استغفر الله وتب إليه". فقال: أستغفر ~~الله وأتوب إليه. فقال: "اللهم تب عليه". ثلاثا. أخرجه أبو داود واللفظ له، ~~وأحمد والنسائي (¬2)، ورجاله ثقات. PageV09P110 # وأخرجه الحاكم (¬1) من حديث أبي هريرة، فساقه ms1956 بمعناه وقال فيه: "اذهبوا ~~به فاقطعوه ثم احسموه". وأخرجه البزار (¬2) أيضا وقال: لا بأس بإسناده. # أبو أمية المخزومي لا يعرف له اسم، عداده في أهل الحجاز، روى عنه أبو ~~المنذر مولى أبي ذر له هذا الحديث (¬3). قال الخطابي (¬4): في إسناده مقال. # قال: والحديث إذا رواه مجهول لم يكن حجة، ولم يجب الحكم به. قال عبد الحق ~~(¬5): أبو المنذر (¬6) [المذكور] (أ) في إسناده لم يرو عنه إلا إسحاق بن ~~عبد الله بن أبي طلحة. # وحديث أبي هريرة أخرجه أبو داود في "المراسيل" (¬7) من حديث محمد بن عبد ~~الرحمن بن ثوبان. ووصله الدارقطني والحاكم والبيهقي (¬8) بذكر أبي هريرة، ~~ورجح ابن خزيمة وابن المديني وغير واحد إرساله، وصحح ابن PageV09P111 # القطان الموصول (¬1). # والحديث فيه دلالة على أنه يشرع للإمام تلقين السارق أن ينكر السرقة، وقد ~~روي أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لسارق: "أسرقت؟ قل: لا". قال الرافعي ~~(1): ولم يصححوا هذا الحديث. وكذا قال الغزالي في "الوسيط" (¬2): وقوله: ~~"قل: لا". لم تصححه الأئمة. وقال الجويني في "النهاية" (1): سمعت بعض أئمة ~~الحديث لا يصحح هذا اللفظ. وذكر في تعليق الشيخ أبي حامد وغيره أن أبا بكر ~~[قال] (أ) لسارق أقر عنده. وقد رواه البيهقي (¬3) موقوفا على أبي الدرداء، ~~أنه أتى بجارية سرقت، فقال لها: أسرقت؟ قولي: لا. فقالت: لا. فخلى سبيلها. ~~وفي "مصنف عبد الرزاق" (¬4) عن ابن جريج قال: سمعت عطاء يقول: كان من مضى ~~يؤتى إليهم بالسارق فيقول: أسرقت؟ قل: لا. وسمى [أبا] (ب) بكر وعمر. وعن ~~معمر عن ابن طاوس عن عكرمة بن خالد قال: أتي عمر بن الخطاب برجل فسأله: ~~أسرقت؟ قل: لا. فقال: لا. فتركه (¬5). PageV09P112 # وروى ابن أبي شيبة (¬1) من طريق أبي المتوكل، أن أبا هريرة أتي بسارق ~~-وهو يومئذ أمير- فقال: أسرقت؟ قل: لا. مرتين أو ثلاثا. وفي "جامع سفيان" ~~عن حماد عن إبراهيم قال: أتي [أبو] (أ) مسعود الأنصاري بامرأة سرقت جملا، ~~فقال: أسرقت؟ قولي: لا (¬2). فهذه الروايات تدل على ثبوت التلقين. واحتج به ~~الإمام المهدي على أنه لا يثبت ms1957 إلا بالإقرار (ب) مرتين، كما [هو] (ج) مذهب ~~العترة وابن أبي ليلى وابن شبرمة وأحمد وإسحاق. قال: وذهب الفريقان ومالك ~~أن الإقرار يكفي مرة واحدة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من أبدى لنا ~~صفحته أقمنا عليه حق الله" (¬3). ولم يفصل. قلنا: لا ينافي ما ذكرناه. ~~انتهى كلامه في "البحر". # وأنت خبير بأن التلقين الظاهر من الحديث إنما هو لإسقاط الحد لا لإعادة ~~الجواب ليثبت عليه الحد، وأن ذلك لو كان شرطا لبين، وقد جاء في رواية أنه ~~قال له: "لا إخالك سرقت". ثلاث مرات. ولا قائل بأنه يشترط في الإقرار ثلاث ~~مرات، فما كان ذلك إلا لقصد التلقين، وقد ذكر عدة أحاديث كما في حديث المجن ~~ورداء صفوان، ولم يذكر إعادة لفظ آخر، PageV09P113 # والآية الكريمة تؤيد ذلك. والله سبحانه أعلم. # وإذا رجع عن الإقرار إلى غير شبهة يدعيها، فعن مالك روايتان. وظاهر ~~الحديث خلافه، فإن قوله: لا. رجوع عن الإقرار من دون ادعاء شبهة. والله أعلم. # وقوله: "ثم احسموه". ظاهر الحديث وجوب الحسم، والمراد به الكي بالنار، أي ~~يكوى محل القطع لينقطع الدم؛ لأن منافذ الدم تنسد به، لأنه ربما استرسل ~~الدم فيؤدي إلى التلف. وفي "البحر" (¬1): وندب حسم موضع القطع، ويكون بإذن ~~السارق، فإن كره لم يحسم. انتهى. # وهو مشكل، لأنه يؤدي إلى تلفه، وهو لا يجاب إلى إتلاف نفسه، والأمر ~~بالقطع والحسم فيه دلالة على أنه يتولى ذلك الإمام، وتكون أجرة القطع من ~~بيت المال، وكذلك قيمة الدهن الذي يحسم به؛ لأن ذلك واجب على غيره. وإن ~~اختار أن يقطع نفسه فوجهان، قال الإمام: أصحهما أنه لا يمكن من ذلك، ~~كالمقتص منه، فإنه لا يمكن من قتل نفسه، وسائر الحدود كذلك، لأن الله ~~سبحانه وتعالى نهى الإنسان عن قتل نفسه، فقال: {ولا تقتلوا أنفسكم} (¬2). ~~ووجهه أنه يمكن من قطع نفسه لحصول المقصود من الزجر، بخلاف القصاص، ~~فالمقصود التشفي، وهو لا يحصل بفعل نفسه. PageV09P114 # ومن السنة أن تعلق يد السارق في عنقه، وقد أخرج البيهقي (¬1) من حديث ابن ~~محيريز ms1958 قال: قلت لفضالة بن عبيد: أرأيت تعليق يد السارق في العنق، أمن ~~السنة؟ قال: نعم، رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قطع سارقا، ثم أمر ~~بيده فعلقت في عنقه. وفي إسناده حجاج بن أرطاة، وقد ضعفه النسائي (¬2)، ~~وكذلك من رواه عن حجاج، وهو المقدمي (أ) عمر بن علي (¬3). قال المصنف (¬4) ~~رحمه الله: هما مدلسان. وأخرج (¬5) أن عليا رضي الله عنه قطع سارقا، فمروا ~~به ويده معلقة في عنقه. # 1028 - وعن عبد الرحمن بن عوف، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لا يغرم السارق إذا أقيم عليه الحد". رواه النسائي (¬6)، وبين أنه منقطع، ~~وقال أبو حاتم (¬7): هو منكر. # الحديث رواه النسائي من حديث المسور بن إبراهيم، عن عبد الرحمن PageV09P115 # ابن عوف. والمسور لم يدرك جده عبد الرحمن بن عوف، قال النسائي: هو مرسل ~~وليس بثابت. وكذا أخرجه البيهقي (¬1)، وزاد في إعلاله بأنه اختلف على ~~المفضل بن فضالة قاضي مصر؛ فروي عنه عن يونس بن يزيد الأيلي عن سعد بن ~~إبراهيم عن المسور عن عبد الرحمن، كما في رواية النسائي. وروي عنه عن يونس ~~عن الزهري. عن سعد. وروي عنه عن يونس عن سعد بن إبراهيم عن أخيه المسور. ~~قال: فإن كان سعد [هذا] (أ) ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، فلا يعرف في ~~التواريخ له أخ معروف بالرواية يقال له: المسور. ولا يثبت للمسور الذي ينسب ~~إليه سجد بن محمد بن المسور بن إبراهيم سماع من جده عبد الرحمن، ولا رؤية ~~ولا رواية، فهو منقطع، وإن كان غيره، فلا نعرفه ولا نعرف أخاه، ولا يحل ~~لأحد من مال أخيه إلا ما طابت به نفسه. انتهى. # ولعل النسائي أشار بقوله: وليس بثابت. إلى هذا الذي ذكره البيهقي. والله أعلم. # الحديث فيه دلالة على أن العين المسروقة إذا تلفت في يد السارق لم يغرمها ~~بعد أن وجب عليه القطع، سواء أتلفها قبل القطع أم بعده. وقد ذهب إلى هذا ~~الهدوية. ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة، وهو المشهور. قال ms1959 في "شرح الكنز": ~~لأن وجوب الضمان ينافي القطع؛ لأنه يتملكه بأداء PageV09P116 # الضمان مستندا إلى وقت الأخذ فيبرأ به، ورد على ملكه، [فينتفي] (أ) ~~القطع، وما يؤدي إلى انتفائه فهو المنتفي، ولأن اجتماع حقين في حق واحد ~~مخالف للأصول، فصار القطع بدلا من الغرم، ولذلك إذا ثنى سرقة (ب) ما قد قطع ~~به لم يقطع. وذهب الشافعي وأحمد وأبو ثور والليث، ورواه الحسن عن أبي حنيفة ~~وجماعة، إلى أنه يغرم؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "على اليد ما أخذت ~~حتى ترد" (¬1). والحديث لا تقوم [به] (ج) حجة مع ما سمعت فيه، وقد قال الله ~~تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل} (¬2). و: "لا يحل مال امرئ مسلم ~~إلا بطيبة من نفسه" (¬3). ولأنه اجتمع في السرقة حقان؛ حق لله تعالى وحق ~~للآدمي، فاقتضى كل حق موجبه، ولأنه قام الإجماع بأنه إذا كان موجودا بعينه ~~أخذ منه، فيكون إذا لم يوجد في ضمانه؛ قياسا على سائر الأموال الواجبة، ~~واجتماع الحقين بسبب السرقة غير مخالف للأصول، فإن الحكمة فيهما مختلفة؛ ~~فالقطع لحكمة الزجر، والتغريم لتفويت حق الآدمي، كما في الغصب. وذهب مالك ~~وأصحابه إلى أنه يغرم إن كان موسرا، وإن كان معسرا لم يتبع. وحكى عنه ابن ~~القاسم أنه PageV09P117 # يشترط دوام اليسر (أ) إلى يوم القطع. # وهذا استحسان من مالك مبني على غير قياس. كذا قال ابن رشد (¬1). وقال ~~الإمام المهدي في "البحر": كنفقة (ب) القريب، والجامع كونه مالا يثبت في ~~الذمة لا بمعاوضة. قال: وما خرج عن يده وتعذر رده فكالتالف، وإن أمكن ~~استرجع كالباقي. قيل: إلا حيث يوجب الاسترجاع ضمانا. قلت: وهو قوي. انتهى. # ووجهه أنه حيث كان يوجب ضمانا يكون حكمه حكم التضمين للفائت، فهو قياس ~~على ما ورد فيه الحديث. والله أعلم. # 1029 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، عن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، أنه سئل عن الثمر (ج) المعلق، فقال: "من أصاب بفيه ~~من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه، ومن خرج ms1960 بشيء منه فعليه الغرامة ~~والعقوبة، ومن خرج بشيء منه بعد أن يؤويه الجرين، فبلغ ثمن المجن، فعليه ~~القطع". أخرجه أبو داود والنسائي وصححه الحاكم (¬2). PageV09P118 # المراد بالثمر (أ) المعلق ما كان معلقا في النخل قبل أن يجذ ويجرن. كذا ~~قال المنذري. والثمر (ب) اسم جامع للرطب واليابس من التمر والعنب وغيرهما. # وقوله: "خبنة". بضم الخاء، وهي معطف الإزار وطرف الثوب، أي لا يخبئ في ~~ثوبه، يقال: أخبن الرجل، إذا خبأ شيئا في خبنة ثوبه أو سراويله. # وقوله: "الجرين". هو موضع التمر الذي يجفف فيه، مثل البيدر للحنطة. # والحديث فيه دلالة على أنه إذا أخذ المحتاج بفيه لسد فاقته، فإن ذلك مباح ~~له، ثم إذا خرج بشيء منه؛ فإن كان قبل أن يجذ فعليه الغرامة والعقوبة، وإن ~~كان بعد أن قطع وأواه الجرين وبلغ نصاب القطع فعليه القطع. وهذا بناء على ~~الأغلب؛ [لأن] (ج) الجرين يكون محرزا، وأما إذا كان بغير إحراز فلا قطع ~~فيه. وقد تقدم الكلام في الثمر المعلق. # وأما قوله: "فعليه الغرامة والعقوبة". وقد جاءت الغرامة مفسرة في رواية ~~البيهقي (¬1): "غرامة مثليه"، والعقوبة: "جلدات نكال". # والحديث يدل على جواز العقوبة بالمال، فإن "غرامة مثليه" من باب العقوبة، ~~وقد قال به الشافعي في القديم ثم رجع عنه، وقال: لا تضعف (د) PageV09P119 # الغرامة على أحد في شيء، إنما العقوبة في الأبدان لا في الأموال. وقال: ~~ذلك منسوخ، والناسخ له قضاء النبي - صلى الله عليه وسلم - على أهل الماشية ~~أن ما أفسدته بالليل فهو ضامن على أهلها (¬1). قال: وإنما يضمنونه بالقيمة. ~~وقد تقدم الكلام فيه في كتاب الزكاة في حديث بهز (¬2). والله أعلم. # 1030 - وعن صفوان بن أمية رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال له لما أمر بقطع الذي سرق رداءه فشفع فيه: "هلا كان قبل أن تأتيني به". ~~أخرجه أحمد والأربعة، وصححه ابن الجارود والحاكم (¬3). # الحديث أخرجوه من طرق؛ منها، عن طاوس عن صفوان، ورجحها ابن عبد البر ~~(¬4)، وقال: إن سماع طاوس من صفوان ممكن؛ لأنه أدرك ms1961 زمن عثمان، وقال: أدركت ~~سبعين شيخا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.وقال البيهقي (¬5): ~~روي [عن] (أ) طاوس عن ابن عباس، وليس بصحيح. ورواه مالك عن الزهري عن عبد ~~الله بن صفوان عن أبيه، أنه طاف بالبيت وصلى، ثم لف رداء له من برد، فوضعه ~~تحت رأسه فنام، فأتاه لص فاستله من تحت PageV09P120 # رأسه فأخذه. فذكر الحديث. أخرجه ابن ماجه (¬1). وله شاهد في "الدارقطني" ~~(¬2) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وسنده ضعيف. وأخرج البيهقي (¬3) ~~من رواية الشافعي عن مالك، أن صفوان بن أمية قيل له: من لم يهاجر هلك. فقدم ~~صفوان المدينة فنام في المسجد متوسدا رداءه، فجاء سارق فأخذ رداءه من تحت ~~رأسه، فأخذ السارق فجاء به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأمر به رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بقطع يده، فقال صفوان: إني لم أرد هذا، هو ~~عليه صدقة. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "فهلا قبل أن تأتيني ~~به". وأخرجه (3) من طريق أخرى عن غير مالك عن طاوس عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - بمثله. وقد روي من وجه آخر عن طاوس عن ابن عباس موصولا، وليس ~~بصحيح. وأخرج (3) عن عطاء بن أبي رباح قال: بينما صفوان بن أمية مضطجع ~~بالبطحاء، إذ (أ) جاء إنسان فأخذ برده من تحت رأسه، فأتى به النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، فأمر بقطعه، فقال: إني أعفو عنه وأتجاوز. قال: "فهلا قبل ~~أن تأتينا (ب) به". وأخرج (3) من حديث حميد ابن أخت صفوان عن صفوان قال: ~~كنت نائما في المسجد على خميصة لي ثمن ثلاثين درهما، فجاء رجل فاختلسها ~~مني. فأخذ الرجل فأتى به النبي PageV09P121 # - صلى الله عليه وسلم -، فأمر به ليقطع. قال: فأتيته فقلت: أتقطعه من أجل ~~ثلاثين درهما؟ أنا أبيعه وأنسئه ثمنها. قال: "ألا كان هذا قبل أن تأتيني ~~به؟ ". هكذا رواه جماعة عن عمرو بن حماد. قال الشافعي: ورداء صفوان كان ~~محرزا باضطجاعه عليه، فقطع النبي - صلى الله عليه وسلم - سارق ردائه. ms1962 # الحديث فيه دلالة على أنه يقطع سارق ما كان مالكه حافظا له، وإن لم يكن ~~مغلقا عليه في مكان، فإن الأحاديث الواردة في القصة بعضها بأنه كان نائما ~~وهو تحت رأسه في المسجد، وبعضها في البطحاء كما عرفت، وقد ذهب إلى هذا ~~الشافعي والمالكية والحنفية، قال ابن رشد من المالكية (¬1): وإذا توسد ~~النائم شيئا، فتوسده له حرز، على ما جاء في حديث صفوان. وقال في "الكنز" ~~للحنفية: ومن سرق من المسجد متاعا وربه عنده قطع؛ لأنه وإن كان غير محرز ~~بالحائط (أ)، لأن المسجد ما بني لإحراز الأموال -فلم يكن المال محرزا ~~بالمكان. واسترجح هذا الإمام المهدي في "البحر"، ورد على الإمام يحيى ~~القائل، بأنه لا يقطع، بخبر صفوان. # وفيه دلالة على أنه لا تجوز الشفاعة بعد الرفع إلى الإمام، وقد تقدم ~~الكلام. # وجاء في الرواية التي تقدمت أنه تصدق به على السارق ولم يسقط عنه، ففيه ~~دلالة على أن التملك بعد الرفع لا يسقط القطع. وقد ذهب إلى PageV09P122 # هذا مالك والشافعي؛ لأنه قد رفع، ولا عفو بعد الرفع. وذهب أبو حنيفة إلى ~~أنه يسقط الحد مطلقا، سواء كان قبل الرفع أو بعده؛ إذ هو شبهة، وحد السرقة ~~يدرأ بها. ويجاب بالحديث. وأما إذا اتهبه قبل الرفع [أو] (أ) تملكه؛ فذهب ~~العترة وأبو يوسف وابن أبي ليلى وبعض أصحاب الحديث وقول عن الشافعي، أنه ~~يسقط، وذهب الشافعي ومالك وأحمد وإسحاق إلى أنه لا يسقط؛ لعموم الآية ~~الكريمة، ولحديث صفوان. # وقوله: "فهلا كان قبل أن تأتيني به". وهذا اللفظ محتمل لأن يكون المراد: ~~هلا كان التصدق قبل أن تأتيني. يعني: ولا تأتي به؛ لأنه إذا تصدق عليه ~~تركه. ويحتمل أن يكون المراد: هلا كان التصدق قبل أن تأتي به. وأن الإتيان ~~به بعد التصدق لا يضر، فيكون حجة للقول الأول. وأما العفو عن السارق قبل ~~الرفع، فيسقط به إجماعا. # واختلف العلماء في اعتبار الحرز، وأنه شرط في القطع؛ فذهب الظاهرية ~~وطائفة من أهل الحديث، ونسبه الإمام المهدري في "البحر" إلى أحمد ms1963 وإسحاق ~~والخوارج وزفر، إلى أنه لا يشترط الحرز، وأنه يقطع من سرق النصاب مطلقا. ~~وحجتهم ظاهر الآية الكريمة، واشتراط النصاب دل عليه الحديث الصحيح، فكان ~~مقيدا لإطلاق الآية الكريمة، والإطلاق في الحرز باق على إطلاقه. وذهب ~~الجمهور إلى اشتراط الحرز، وأنه لا قطع فيما لم يحرز. قالوا: لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "فإذا آواه الجرين". وقوله: "لا قطع في ثمر، ولا في ~~حريسة جبل، فإذا آواه الجرين والمراح، فالقطع فيما بلغ ثمن المجن" (¬1). PageV09P123 # ولأن الإحراز مأخوذ في مفهوم السرقة، فإن السرقة والاستراق هو المجيء ~~مستترا لأخذ مال غيره من حرز. كذا فسره في "القاموس" (¬1)، وكذا قال ابن ~~الخطب في "تيسير البيان" أن السرقة أخذ المال على حين خفية من الأعين مع ~~قيام (أ) ملاحظها (ب) أو ما يقوم مقامها من الأحراز الموجبة للاستخفاء في ~~العادة، ومنه قولهم: فلان يسارق النظر إلى فلان. إذا راقب غفلته لينظر ~~إليه. فالحرز ركن في السرقة لا تتصور إلا به، لا شرط في وجوب القطع، ولهذا ~~لا يقال لمن خان أمانته: سارق. انتهى كلامه، وهو كلام حسن، فإنه لا يفترق ~~الحال بين الخائن والمنتهب والمختلص والسارق إلا بالحرز، لا بالأخذ خفية، ~~فإن الأخذ خفية واقع في (ج) غير المنتهب. # وحريسة الجبل؛ قيل: هي السرقة نفسها، تقول: حرس يحرس حرسا. إذا سرق. ~~وقيل: هي المحروسة. يعني: ليس فيما يحرس بالجبل إذا سرق قطع؛ لأنه ليس ~~بموضع حرز. وحريسة الجبل: الشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلى مأواها. ~~والمراح الموضع الذي تأوي إليه الماشية ليلا. كذا في "جامع الأصول" (¬2). # واعلم أنه اختلف المشترطون للحرز؛ فقال الشافعي ومالك والإمام PageV09P124 # يحيى: إن لكل مال حرزا يخصه، فحرز الماشية ليس حرزا للذهب والفضة. وقال ~~أبو حنيفة والهدوية: ما أحرز فيه مال فهو حرز لغيره؛ إذ الحرز ما وضع لمنع ~~الداخل والخارج ألا يخرج، (أوما أ) ليس كذلك فليس بحرز، لا لغة ولا شرعا، ~~والدار المفتوح بابها لا تكون حرزا إلا إذا كان فيها حافظ، والباب الخارجي ~~إذا كان فيه ms1964 إكليل حرز لنفسه ولما داخله، والخيم المطنبة مشدودة الأذيال ~~حرز. وتردد المؤيد (ب) في المضروبة في البراري. قال الإمام يحيى [والطحاوي] ~~(ج): والمساجد والشوارع والخانكات (د) ليست حرزا ولو ثم حارس؛ إذ قد يشغل ~~فيذهل عن المتاع وينام عنه. ويرد عليه حديث صفوان. # وذهب جماعة من السلف والشافعي ومالك والهادي وأبو يوسف إلى أن النباش ~~سارق يقطع؛ لأنه أخذ المال خفية من حرز له. وقد روي عن علي رضي الله عنه: ~~حد النباش حد السارق. وعن عائشة: سارق أمواتنا كسارق أحيائنا (¬1). وقال ~~الثوري وأبو حنيفة ومحمد: لا يقطع؛ لأنه ليس بحرز، ولا يكون القبر حرزا ~~لغير الكفن المشروع. وكذا الكعبة والمسجد حرزان لآلاتهما وكسوتهما. ذهب إلى ~~هذا الشافعي والهدوية. وقد تقدم PageV09P125 # في حديث المخزومية أنها سرقت من ثياب الكعبة. وعثمان رضي الله عنه قطع من ~~سرق قبطية من منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬1). ولم ينكر عليه. ~~وهي ثوب من كتان ينسج في مصر. وذهب أبو حنيفة وأصحابه والإمام يحيى إلى أنه ~~لا قطع. # وذهب أبو حنيفة والشافعي والهدوية إلى أنه لا يقطع من سرق من بيت المال. ~~وقد روي عن عمر أنه لا قطع عليه (¬2). ولم يذكر. وذهب مالك وقول للشافعي ~~إلى أنه يقطع. # ولا قطع في الخمس والغنيمة إجماعا وإن لم يكن غانما، إذ قد يشارك فيها ~~بالرضخ أو من الخمس. # 1031 - وعن جابر قال: جيء بسارق إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~"اقتلوه". فقالوا: يا رسول الله، إنما سرق. قال: "اقطعوه". فقطع، ثم جيء به ~~الثانية فقال: "اقتلوه". فذكر مثله. ثم جيء به الثالثة. فذكر مثله .. ثم ~~جيء به الرابعة كذلك. ثم جيء به الخامسة فقال: "اقتلوه". أخرجه أبو داود ~~والنسائي واستنكره (¬3). # وأخرج (¬4) من حديث الحارث بن حاطب نحوه. وذكر الشافعي (¬5) أن PageV09P126 # القتل في الخامسة منسوخ. # قال النسائي: حديث منكر، ومصعب بن ثابت ليس بالقوي في الحديث (¬1). وحديث ~~الحارث أخرجه النسائي والحاكم (¬2). وأخرج أبو نعيم في "الحلية" (¬3) عن ~~عبد الله بن [زيد] (أ) الجهني. وقال ms1965 ابن عبد البر (¬4): حديث القتل منكر لا ~~أصل له. وقد قال الشافعي: هذا الحديث منسوخ لا خلاف فيه عند أهل العلم. قال ~~ابن عبد البر: وهذا يدل على أن ما حكاه أبو مصعب عن عثمان وعمر بن عبد ~~العزيز أنه يقتل لا أصل له. وجاء في رواية النسائي بعد ذكر قطع قوائمه ~~الأربع: ثم سرق الخامسة في عهد أبي بكر، فقال أبو بكر: كان رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أعلم بهذا حين قال: "اقتلوه". ثم دفعه إلى فتية من قريش ~~فقتلوه. ثم قال النسائي: لا أعلم في هذا الباب حديثا صحيحا. # والحديث فيه دلالة على قتل السارق في الخامسة، وأن قوائمه الأربع تقطع في ~~الأربع المرات. وقد نسب الباجي (¬5) هذا القول في "اختلاف PageV09P127 # العلماء" إلى مالك. قال: وله قول آخر أنه لا يقتل. وقال عياض: لا أعلم ~~أحدا من أهل العلم قال به إلا ما ذكره أبو مصعب صاحب مالك في "مختصره" عن ~~مالك وغيره من أهل المدينة، ونسب ذلك إلى قول رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - وعمر بن عبد العزيز. انتهى. ونقل المنذري (¬1) تبعا لغيره الإجماع ~~أنه لا يقتل. ولعلهم أرادوا أنه استقر على ذلك الإجماع بعد خلاف مالك. وقال ~~بعضهم: كان القتل خاصا بذلك الرجل، وكأن النبي - صلى الله عليه وسلم - اطلع ~~على أنه واجب القتل، فلذلك أمر بقتله من أول مرة، ولعله كان من المفسدين في الأرض. # والواجب في القطع قطع اليمنى إجماعا، وقراءة ابن مسعود مبينة: (فاقطعوا ~~أيمانهما) (¬2). فإن عاد قطعت الرجل اليسرى عند الأكثر؛ قياسا على المحارب، ~~ولفعل الصحابة. وعن طاوس: يده اليسرى؛ لقربها من اليمين. ورواية عنه أنه ~~يسقط القطع. فإن عاد في الثالثة؛ فذهب أبو حنيفة والعترة إلى أنه يحبس، وقد ~~روى البيهقي (¬3) من حديث علي رضي الله عنه، أنه قال بعد أن قطع رجله وأتي ~~به في الثالثة: بأي شيء يتمسح؟ وبأي شيء يأكل؟ لا قيل له: تقطع يده اليسرى. ~~ثم قال: أقطع رجله؟! على أي شيء يمشي؟ إني لأستحي ms1966 من الله. ثم ضربه وخلده ~~في السجن. وأخرج (¬4) أن أبا بكر رضي الله عنه أراد أن يقطع رجلا بعد اليد ~~والرجل، فقال عمر رضي الله عنه: السنة اليد. وذهب الشافعي ومالك إلى أنه ~~يقطع في كل مرة PageV09P128 # طرفا؛ لما رواه أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في ~~السارق: "إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا ~~يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله". أخرجه الدارقطني (¬1)، وفي إسناده الواقدي ~~(¬2). ورواه الشافعي (¬3) عن بعض أصحابه عن ابن أبي ذئب عن الحارث بن عبد ~~الرحمن عن أبي سلمة عن أبي هريرة مرفوعا: "السارق إذا سرق فاقطعوا يده، ثم ~~إن سرق فاقطعوا رجله، ثم إن سرق فاقطعوا يده، ثم إن سرق فاقطعوا رجله". ~~ونحوه عن عصمة بن مالك، رواه الطبراني والدارقطني (¬4). وإسناده ضعيف. ~~وأجاب الإمام المهدي في "البحر" (¬5) عن ذلك بأن عمل الصحابة بخلافه دليل ~~نسخه، أو أنه عارضه دليل عرفوه. انتهى. ويرد عليه ما أخرجه البيهقي من حديث ~~القاسم بن محمد عن أبيه، أن أبا بكر رضي الله عنه أراد أن يقطع رجلا بعد ~~اليد والرجل، فقال عمر رضي الله عنه: السنة اليد. وأخرج (¬6) عن ابن عباس ~~قال: شهدت عمر قطع يدا بعد يد ورجل. وقال بعد رواية إنكار علي على عمر لما ~~أراد أن يقطع رجل مقطوع اليد والرجل: فلا ينبغي أن تقطع رجله فتدعه ليس له ~~قائمة يمشي عليها؛ إما أن [تعزره] (أ)، أو تستودعه السجن. قال: فاستودعه ~~السجن. الرواية الأولى عن عمر أولى أن تكون صحيحة، وكيف تصح هذه عن عمر وقد ~~أنكر في الرواية الأولى PageV09P129 # قطع الرجل بعد اليد والرجل وأشار باليد؟ فهذان شيخا الإسلام قطعا في كل ~~سرقة، فكيف [يتم] (أ) قوله: عمل الصحابة بخلافه؟ وقوله: أو أنه عارضه دليل ~~عرفوه. مجرد تحسين ظن لا يكفي في الاحتجاج، لا سيما مع وجود الرواية ~~المخالفة. # والقطع يكون من مفصل الكف، إذ هو أقل ما يسمى يدا، ولأن اليد كانت محترمة ~~قبل السرقة، ms1967 فلما (5) جاء الأمر بقطع اليد -واليد تطلق على جميعها إلى ~~الإبط، وعلى بعضها إلى المرفق، وعلى بعضها إلى مفصل الكف- فمع الاحتمال يجب ~~الاقتصار على المتيقن (ج)، ولفعله - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه ~~الدارقطني (¬1) من رواية عمرو بن شعيب: أتي [النبي] (أ) - صلى الله عليه ~~وسلم - بسارق، فقطع من مفصل الكف. وفي إسناده مجهول. وأخرج ابن أبي شيبة ~~(¬2) من مرسل رجاء بن حيوة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قطع من ~~المفصل. وأخرجه أبو الشيخ (¬3) من وجه آخر عن رجاء عن عدي رفعه. وعن جابر ~~رفعه. وأخرج (د) سعيد بن منصور (¬4) عن عمر أيضا. وذهب ابن سريج (ه) ~~والإمامية ورواية عن علي رضي الله عنه، أنه يقطع من أصول الأصابع، إذ هو ~~أقل ما يسمى يدا. PageV09P130 # ويجاب عنه بأنه لا يسمى يدا، ولا يقال: مقطوع [اليد] (أ). لا لغة ولا ~~عرفا، وإنما يقال: مقطوع الأصابع. وذهب الزهري والخوارج إلى أنه يقطع من ~~الإبط، إذ هو اليد الحقيقية. والجواب، أن الكف هو المراد، وبين الآية ~~الحديث، وفعل علي وأبي بكر وعمر ولم ينكر، والرواية عن علي روتها الإمامية، ~~فهي غير مقبولة. كذا قال الإمام المهدي. وهو غير مسلم، فإنه أخرج عبد ~~الرزاق (¬1) عن معمر عن قتادة عن علي، أنه قطع اليد من الأصابع، والرجل من ~~مشط القدم. وهو منقطع، ورجاله رجال الصحيح. ولكنه معارض بما أخرجه عبد ~~الرزاق (¬2) من وجه آخر أن عليا كان يقطع الرجل من [الكعب] (ب). وذكر ~~الشافعي في (ج كتاب الاختلاف عن علي وابن مسعود ج) (¬3)، أن عليا كان يقطع ~~من يد السارق الخنصر والبنصر والوسطى خاصة، ويقول: أستحي من الله أن أتركه ~~بلا عمل. وكذا القدم يقطع من مفصل القدم. وذهبت الإمامية، ورواية عن علي ~~رضي الله عنه، أنه من معقد الشراك (¬4)، وهو نصف القدم. وأجيب بأن ذلك لا ~~يسمى رجلا في اللغة، والمتعارف إنما هو من مفصل القدم، وقياسا على اليد. ~~والله أعلم. PageV09P131 ### || AUTO باب حد الشارب وبيان المسكر # 1032 - وعن أنس بن مالك رضي ms1968 الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أتي برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين. قال: وفعله أبو بكر رضي ~~الله عنه، فلما كان عمر استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف: أخف الحدود ~~ثمانون. فأمر به عمر. متفق عليه (¬1). # ولمسلم (¬2) عن علي في قصة الوليد بن عقبة: جلد النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أربعين، و (أ) أبو بكر أربعين، وجلد عمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب ~~إلي. وفي هذا الحديث: أن رجلا شهد عليه أنه رآه يتقيأ الخمر، فقال عثمان: ~~إنه لم يتقيأها حتى شربها. # قوله: أتي برجل قد شرب الخمر. الخمر مصدر (ب) خمر كضرب ونصر، وهي (ج) ~~مؤنثة وقد تذكر، ويقال أيضا: خمرة. (د لواحد الخمر، سمى د) به الشراب ~~المعتصر من العنب إذا غلا وقذف بالزبد. ويطلق على ما هو أعم من ذلك، وهو ما ~~أسكر من العصير أو من النبيذ أو غير ذلك، قال PageV09P132 # صاحب القاموس (¬1): والعموم أصح لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب، وما ~~كان شرابهم إلا من نبيذ البسر والتمر، وسميت بذلك لأنها تخمر العقل، أي ~~تستره. ومنه خمار المرأة لستره وجهها. والخامر (أ) هو من يكتم شهادته، ~~فيكون بمعنى اسم الفاعل أي الساترة للعقل، وقيل: لأنها تغطى حتى تشتد. ~~ومنه: "خمروا آنيتكم" (¬2). أي غطوها. فيكون بمعنى اسم المفعول. وقيل: ~~لأنها تخالط العقل ومنه خامره. إذا خالطه. وقيل: لأنها تترك حتى تدرك. ~~ومنه: اختمر العجين. أي بلغ إدراكه، ومنه: خمرت الرأي. أي تركته حتى ظهر ~~وتحرر، ولا مانع من صحة هذه الأقوال كلها لثبوتها عن أهل اللغة؛ وأهل ~~المعرفة باللسان. قال ابن عبد البر (¬3): الأوجه كلها موجودة في الخمر؛ ~~لأنها تركت حتى أدركت وسكنت، فإذا شربت خالطت العقل حتى تغلب عليه وتغطيه، ~~فبين أن الخمر تطلق على عصير العنب المشتد حقيقة إجماعا، وتطلق على غيره، ~~لكن هل حقيقة أم مجازا؟ ومع كونه مجازا هل مجاز لغة أو من باب القياس على ~~الخمر الحقيقية عند من يثبت التسمية بالقياس؟ قال الراغب في ms1969 تفسيره لمفردات ~~القرآن (¬4): سمي الخمر لكونه خامرا للعقل أي ساترا له، وهو عند بعض الناس ~~اسم لكل مسكر، وعند بعضهم للمتخذ من العنب والتمر، وعند بعضهم لغير PageV09P133 # المطبوخ، فرجح أن كل شيء يستر العقل يسمى خمرا. وكذا قال أبو نصر بن (أ) ~~القشيري في تفسيره (¬1): سميت الخمر خمرا لسترها العقل، [أو] (ب) لاختمارها ~~(ج). وكذا قال غير واحد من أهل اللغة؛ منهم أبو حنيفة الدينوري وأبو نصر ~~الجوهري، ونقل عن ابن الأعرابي قال: سميت الخمر خمرا لأنها تركت حتى خمرت، ~~واختمارها تغير رائحتها. ويقال: سميت بذلك لمخامرتها العقل. وجزم ابن سيدة ~~في "المحكم" (¬2) بأن الخمر حقيقة إنما هي للعنب وغيرها من المسكرات يسمى ~~خمرا مجازا. وقال صاحب "الهداية" (¬3)، من الحنفية: الخمر عندنا ما اعتصر ~~من ماء العنب إذا اشتد، وهو المعروف عند أهل اللغة وأهل العلم. قال: وقيل: ~~هو اسم لكل مسكر، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل مسكر خمر (د) " (¬4). ~~وقوله: "الخمر من هاتين الشجرتين" (¬5). ولأنه مخامر للعقل، وذلك موجود في ~~كل مسكر. قال: ولنا إطباق أهل اللغة على تخصيص الخمر بالعنب، ولهذا اشتهر ~~استعماله فيه. وقال الخطابي (¬6): زعم قوم أن العرب لا تعرف الخمر إلا من ~~العنب؛ فيقال لهم: PageV09P134 # إن الصحابة الذين سموا غير المتخذ من العنب خمرا عرب فصحاء، فلو لم يكن ~~هذا الاسم صحيحا لما أطلقوه. وقال ابن عبد البر (¬1): قال الكوفيون: الخمر ~~من العنب؛ لقوله تعالى: {أعصر خمرا} (¬2). قال: فدل على أن الخمر هو ما ~~يعتصر لا ما ينتبذ. قال: ولا دليل فيه على الحصر. وقال أهل المدينة وسائر ~~الحجازيين وأهل الحديث كلهم: كل مسكر خمر، وحكمه حكم ما اتخذ من العنب. ~~وقال القرطبي (¬3): الأحاديث الواردة عن أنس وغيره على صحتها وكثرتها تبطل ~~مذهب الكوفيين القائلين بأن الخمر لا يكون إلا من العنب، وما كان من غيره ~~لا يسمى خمرا، ولا يتناوله اسم الخمر، وهو قول مخالف للغة العرب وللسنة ~~الصحيحة وللصحابة؛ لأنهم لما نزل تحريم الخمر، فهموا من الأمر باجتناب ~~الخمر تحريم كل ما ms1970 يسكر، ولم يفرقوا بين ما يتخذ من العنب وبين ما يتخذ من ~~غيره بل سووا بينهما، وحرموا ما كان من غير عصير العنب، وهم أهل اللسان، ~~وبلغتهم نزل القرآن، فلو كان عندهم تردد لتوقفوا عن الإراقة حتى يستفصلوا ~~ويتحققوا التحريم، ثم خطبة عمر على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~ألا إن الخمر قد حرمت، وهي من خمسة؛ من العنب والتمر والعسل والحنطة ~~والشعير، والخمر ما خامر العقل (¬4). وعمر من أهل اللغة، وإن كان يحتمل أنه ~~أرد أن هذا هو الذي تعلق به التحريم لا أنه المسمى في اللغة؛ لأنه بصدد ~~بيان الأحكام الشرعية، ولعل ذلك صار اسما شرعيا لهذا النوع فتكون حقيقة ~~شرعية، PageV09P135 # وإن كان مجازا لغويا، وقال ابن المنذر: القائل بأن الخمر من العنب ومن ~~غيره عمر وعلي وسعد (¬1) وابن عمر وأبو موسى وأبو هريرة وابن عباس وعائشة، ~~ومن التابعين ابن المسيب (أ [وعروة والحسن وسعيد بن جبير وآخرون، وهو قول ~~مالك والأوزاعي والثوري وابن المبارك] أ) والشافعي وأحمد وإسحاق وعامة أهل ~~الحديث، ويمكن التأويل بما ذكرنا أن المراد الحقيقة الشرعية، [وقد روى] (ب) ~~الشيخان وأبو داود والترمذي والنسائي (¬2) "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام". ~~وروى أبو داود: "كل مسكر خمر، وكل خمر حرام". وأخرج أحمد وأبو يعلى (¬3): ~~"ألا فكل مسكر خمر، وكل (ج) حرام". وفي الصحيحين (¬4) أنه - صلى الله عليه ~~وسلم - سئل عن البتع -أي نبيذ العسل- فقال: "كل شراب أسكر فهو حرام". قال ~~الخطابي: إن الآية لما نزلت في تحريم الخمر، وكان مسماها مجهولا للمخاطبين، ~~بين أن مسماها هو ما أسكر، فيكون مثل لفظ الصلاة والزكاة وغيرهما من ~~الحقائق PageV09P136 # الشرعية. هذا معنى كلامه، وهو بناء على أن مسمى الخمر في اللغة هو ماء ~~العنب وحده، ثم قال: لا يأتينا أن الشارع ليس مقصوده تعليم اللغات بل تعليم ~~الأحكام. ثم قال: ووجه آخر وهو أن المراد بكون هذه المذكورات خمرا أي أنها ~~كالخمر في التحريم، فلا نقل للفظ الخمر عن معناه اللغوي، وقد حصل المقصود ~~من تحريم ms1971 ما أسكر من ماء العنب أو غيره؛ إما بنقل اللفظ إلى الحقيقة ~~الشرعية أو (أبالتشبيه والإلحاق أ) الشرعي. # قوله: فجلده بجريدتين نحو أربعين. فيه دلالة على أن الحد يكون بالجريد، ~~والجريد هو سعف النخلة، وقد اختلف العلماء في أنه هل يتعين الجلد بالجريد ~~أم (ب) لا؟ على ثلاثة أقوال، وهي أوجه للشافعية (¬1)؛ أصحها: يجوز الجلد ~~بالسوط، ويجوز الاقتصار على الضرب بالأيدي والنعال [والثياب] (ج). ثانيها: ~~يتعين الجلد. ثالثها: يتعين الضرب. # وحجة الراجح أنه فعل في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يثبت نسخه، ~~والجلد في # عهد الصحابة، فدل على جوازه، وحجة الآخر ما قاله الشافعي في "الأم": لو ~~أقام عليه الحد بالسوط فمات، وجبت الدية. فسوى بينه وبين ما إذا زاد، فدل ~~على أن الأصل الضرب بغير السوط، وصرح أبو الطيب ومن تبعه بأنه لا يجوز ~~بالسوط، وصرح القاضي حسين بتعيين السوط، واحتج بأنه إجماع الصحابة، ونقل عن ~~النص في القضاء -يعني عن نص الشافعي في باب PageV09P137 # القضاء- ما يوافقه، وينظر على دعوى إجماع الصحابة بما قال النووي في شرح ~~مسلم (¬1): أجمعوا على الاكتفاء بالجريد والنعال وأطراف الثياب. ثم قال: ~~والأصح جوازه بالسوط، وشذ من قال: هو شرط، وهو غلط منابذ للأحاديث الصحيحة. ~~قال المصنف رحمه الله تعالى (¬2): وتوسط بعض المتأخرين؛ فعين السوط ~~للمتمردين وأطراف الثياب والنعال للضعفاء، ومن عداهم بحسب ما يليق بهم وهو ~~متجه. وهذا اللفظ هو رواية شعبة عن قتادة، وأخرج النسائي (¬3) من طريق يزيد ~~بن هارون عن شعبة: فضربه بالنعال نحوا من أربعين، ثم أتى به أبو بكر فصنع ~~به مثل ذلك، ورواه همام عن قتادة بلفظ: فأمر قريبا من عشرين رجلا فجلده (أ) ~~كل واحد (¬4) جلدتين بالجريد والنعال. أخرجه أحمد والبيهقي (¬5)، وهذا يجمع ~~بين ما اختلف فيه على شعبة، وأن جملة الضربات كانت نحو أربعين لا (ب) أنه ~~جلده بجريدتين أربعين، رواه سعيد بن أبي عروبة عن قتادة بلفظ: جلد بالجريد ~~والنعال أربعين. علقه أبو داود بسند صحيح، ووصله البيهقي (¬6). # وقوله: فلما كان عمر استشار ms1972 ... إلخ. في رواية مسلم: فلما كان PageV09P138 # عمر ودنا الناس من الريف والقرى، قال. ما ترون؟ وأخرج مالك في "الموطأ" ~~(¬1) عن ثور بن زيد أن عمر استشار في الخمر، فقال له علي بن أبي طالب: نرى ~~(أ) أن تجلده ثمانين، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. ~~فجلد عمر في الخمر ثمانين. وهذا معضل، وقد وصله النسائي والطحاوي (¬2) عن ~~ثور عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ إن الشراب كانوا يضربون على عهد رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بالأيدي والنعال والعصا حتى توفى، فكانوا في خلافة ~~أبي بكر أكثر منهم، فقال أبو بكر: لو فرضنا لهم حدا. فتوخى نحو ما كانوا ~~يضربون في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم -، فجلدهم أربعين حتى توفى، ثم ~~كان عمر فجلدهم كذلك، حتى أتى برجل فذكر قصته وأنه تأول قوله تعالى: {ليس ~~على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا}. وأن ابن عباس ناظره في ~~ذلك، واحتج ببقية الآية، وهو قوله تعالى: {إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا ~~الصالحات} (¬3). والذي يرتكب ما حرمه الله، ليس بمتقي. فقال عمر: ما ترون؟ ~~فقال علي: فذكره. وزاد بعد قوله: وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون ~~جلدة. فأمر به عمر فجلده ثمانين. ولهذا الأثر عن علي طرق؛ منها: ما أخرجه ~~[الطبراني] (ب) والطحاوي والبيهقي (¬4) وفيه PageV09P139 # أن رجلا من بني كلب، يقال له: ابن وبرة. أخبره أن خالد بن الوليد بعثه ~~إلى عمر، وقال: إن الناس قد انهمكوا في الخمر واستخفوا العقوبة. فقال عمر ~~رضي الله عنه لمن حوله: ما ترون؟ قال: ووجدت عنده عليا وطلحة والزبير وعبد ~~الرحمن بن عوف في المسجد، فقال علي ... فذكر مثل رواية ثور الموصولة. # وأخرج عبد الرزاق (¬1) عن عكرمة، أن عمر شاور الناس في الخمر فقال له ~~علي: إن السكران إذا سكر هذى. الحديث. # ومنها: ما أخرج ابن أبي شيبة (¬2) في رواية أبي عبد الرحمن السلمي عن علي ~~قال: شرب نفر من أهل الشام الخمر، وتأولوا الآية المذكورة، فاستشار عمر ~~فيهم، فقلت: ms1973 أرى أن تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين وإلا ضربت أعناقهم، ~~لأنهم استحلوا (أ) ما حرم الله، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين. ~~وأخرج أبو داود والنسائي (¬3)، أن خالد بن الوليد كتب إلى عمر: إن الناس قد ~~انهمكوا في الشراب، وتحاقروا العقوبة. قال: وعنده المهاجرون والأنصار ~~فسألهم، واجتمعوا على أن يضربه ثمانين، وقال علي. فذكر مثله. وأخرج عبد ~~الرزاق (¬4) عن ابن جريج، ومعمر عن ابن شهاب قال: PageV09P140 # فرض أبو بكر في الخمر أربعين سوطا، وفرض فيها (أ) عمر ثمانين. قال ~~[الطحاوي (¬1)] (ب) جاءت الأخبار متواترة عن علي أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يسن في الخمر شيئا، وجاء في حديث عقبة بن الحارث وعبد الرحمن بن ~~أزهر، أنه أتي النبي - صلى الله عليه وسلم - برجل شرب الخمر، فقال للناس: ~~اضربوه. فمنهم من ضربه بالنعال ومنهم من ضربه بالعصا، ومنهم من ضربه ~~بالجريد، ثم أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترابا فرمى به في وجهه. ~~إلا إنه متعقب بما أخرجه مسلم (¬2)، أن عثمان أمر عليا بجلد الوليد بن عقبة ~~في الخمر، فقال لعبد الله بن جعفر: اجلده، فجلده فلما بلغ أربعين، قال: ~~أمسك، جلد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين، وجلد أبو بكر أربعين، ~~وجلد عمر ثمانين، وكل سنة، وهذا أحب إلي. فإن فيه الجزم بأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - جلد أربعين، وسائر الأخبار ليس فيها عدد إلا رواية: نحو ~~الأربعين. ولكنه يجاب بأن ذلك لا يخالف. # قوله: لم يسن. لأن المراد بالسنة هو الطريقة التي استمرت، وضرب أربعين ~~مرة واحدة، لا يلزم أن تكون سنة حيث لم يحافظ عليها كما في الروايات الأخر ~~التي لم يذكر فيها عدد، ورواية: نحو الأربعين. إنما هي للتقريب لا للتحقيق، ~~وتضعيف الطحاوي لحديث مسلم بأن في رواته (ج) PageV09P141 # عبد الله بن فيروز الداناج (¬1) بنون وجيم، وهو ضعيف؛ فقد وثقه أبو زرعة ~~والنسائي، وقال الترمذي (¬2) أنه سأل البخاري عن الحديث فقواه، وكفى بتصحيح ~~مسلم له، وتلقاه الناس بالقبول. وقال ابن عبد البر (¬3): إنه ms1974 أثبت شيء في ~~هذا الباب. # وقول علي: وكل سنة. يراد (أ) أن ذلك جائز (ب) قد وقع، لا محذور فيه، وبعض ~~الرواة روى أيضا: أن عليا جلد الوليد ثمانين. وأخرج الطحاوي والطبري (¬4) ~~من طريق أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين أن عليا رضي الله عنه جلد الوليد ~~بسوط له طرفان. ومن طريق عروة مثله (¬5)، لكن قال: له ذنبان. وفي الطريقين ~~ضعف. قال البيهقي (¬6): يحتمل أن يكون ضربه بالطرفين عشرين، فأراد ~~بالأربعين ما اجتمع من عشرين وعشرين. واستدل الطحاوي أيضا على ضعف [الحديث] ~~(ج) بأن عليا لا يرجح فعل عمر على فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - بناء ~~منه على أن قوله: وهذا أحب إلي. إشارة إلى الثمانين، وهو خلاف الظاهر، وبأن ~~القياس من علي لا يكون مع معرفة النص PageV09P142 # بالأربعين، ويجاب عنه بأنه إنما وقع الاستشارة في أمر زائد على المعتاد ~~لدفع الجرأة من الشاربين، فلا محذور في القياس، ولا مخالفة للنص، ويتأيد ~~هذا بما عند الدارقطني (¬1) في بعض طرق حديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن، ~~كان عمر إذا أتي بالرجل الضعيف تكون منه الزلة جلده أربعين. قال: وكذلك ~~عثمان جلد أربعين وثمانين. وفي رواية عبد الرزاق (¬2) عن عبيد (أ) بن عمير، ~~من كبار التابعين، أنهم كانوا يضربون شارب الخمر بالأيدي والنعال، فلما كان ~~عمر فعل ذلك حتى عتوا (ب)، فجعله أربعين سوطا، فلما رآهم لا يتناهون، جعله ~~ثمانين سوطا وقال: هذا أخف الحدود. يريد (ج) ما ذكر أولا، والحديث فيه ~~دلالة على ثبوت الحد (د) على شارب الخمر، قال القاضي عياض، وكذا الإمام ~~الهدي في "البحر": إنه يجب الحد إجماعا، وتعقب دعوى الإجماع بأن الطبري ~~وابن المنذر وغيرهما حكوا عن طائفة من أهل العلم أن الخمر لا حد فيها، ~~وإنما فيها التعزير، واستدلوا بالأحاديث الواردة في ذلك، فإن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لم ينص فيها على حد معين، وإنما فيها الضرب المطلق، ~~وأصرحها حديث أنس، وفيه: نحو الأربعين. ولم يجزم بالأربعين، وقد قال عبد ~~الرزاق (¬3): أخبرنا ms1975 ابن PageV09P143 # جريج ومعمر: سئل ابن شهاب كم جلد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ~~الخمر؟ فقال: لم يكن فرض فيها حدا، كان يأمر من حضره أن يضربوه بأيديهم ~~ونعالهم، حتى يقول لهم: "ارفعوا". وورد أنه لم يضربه أصلا فيما أخرجه أبو ~~داود والنسائي (¬1) بسند قوي عن ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لم يوقت (أ) في الخمر حدا. قال ابن عباس: وشرب رجل فسكر، فانطلق به ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما حاذى دار العباس انفلت (ب)، فدخل ~~على العباس فالتزمه، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فضحك، ولم يأمر ~~فيه بشيء. وأخرج الطبري (ج) (¬2) من وجه آخر عن ابن عباس رضي الله عنه: ما ~~ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الخمر إلا أخيرا، ولقد غزا تبوك ~~فغشى حجرته من الليل سكران، فقال: "ليقم إليه رجل فيأخذ بيده، حتى يرده إلى ~~رحله". والجواب عن ذلك أن الإجماع من الصحابة انعقد على وجوب الحد؛ لأن أبا ~~بكر تحرى ما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب به السكران فصيره حدا، ~~واستمر عليه، وكذا استمر عليه من بعده وإن اختلفوا في العدد، ويجاب عن حديث ~~ابن عباس في الذي استجار بالعباس بأن ذلك كان قبل أن يشرع، ثم شرع الجلد، ~~ولم يطلع أكثرهم على تعيينه صريحا مع اعتقادهم أن فيه الحد المعين، ومن ~~[ثم] (ه) توخى أبو PageV09P144 # بكر ما فعل بحضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - فاستقر عليه الأمر، ثم ~~رأى عمر ومن وافقه الزيادة على الأربعين، إما حدا ثبت بالقياس وإما تعزيرا، ~~وذهب الجمهور إلى أنه يجب الحد على السكران، وأنه ثمانون، ومنهم العترة ~~وأبو حنيفة ومالك وأحمد وأحد القولين للشافعي، قالوا: لقيام الإجماع عليه ~~في عهد عمر، فإنه لم ينكر عليه أحد، وتعقب بأن عليا رجع عن ذلك، واقتصر على ~~الأربعين، وقد تقدم ذلك، ويرد عليه أيضا، بأن عليا جلد النجاشي الشاعر في ~~خلافته ثمانين (¬1). وإسناده غير صحيح، وذهب الشافعي في القول ms1976 المشهور عنه ~~وأحمد في رواية وأبو ثور وداود إلى أن حده أربعون؛ وذلك لأن الأربعين التي ~~استقر عليها الأمر في أيام أبي بكر ورجوع علي إليها، والمشورة من علي في ~~عهد عمر لانهماك الناس في الخمر، فكانت الأربعون تعزيرا واقفة على نظر ~~المصلحة من الإمام، وبهذا تمسكت الشافعية، قالوا: أقل ما في حد الخمر للحر ~~أربعون، وتجوز الزيادة فيه إلى الثمانين على سبيل التعزير، ولا يتجاوز ~~الثمانين، وأما قول علي: وكل سنة. فمعناه: أن (أ) الاقتصار على الأربعين ~~سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - وصار إليه أبو بكر رضي الله عنه، والوصول ~~إلى الثمانين سنة عمر ردعا للشاربين الذين احتقروا العقوبة الأولى، ووافقه ~~من ذكر في زمانه؛ إما أن تكون الزيادة حدا، إذا جوز إثبات الحد بالقياس كما ~~ذهب إليه البعض، وإما أنه عقوبة تعزير بناء على أنه يجوز أن يبلغ بالتعزير ~~قدر الحد، ولعلهم لم يبلغهم الحديث (ب) الناهي عن ذلك، [ويؤيد] (ج) أن ~~الزيادة PageV09P145 # كانت تعزيرا، ما أخرجه أبو عبيد (¬1) في غريب الحديث بسند صحيح عن أبي ~~رافع عن عمر أنه أتي بشارب، فقال لمطيع بن الأسود: إذا أصبحت غدا فاضربه، ~~فجاء عمر فوجده يضربه ضربا شديدا، فقال: كم ضربته؟ قال: ستين، قال: اقتص ~~عنه بعشرين. قال أبو [عبيد] (أ): يعني اجعل شدة ضربك له قصاصا بالعشرين ~~التي بقيت من الثمانين. فيؤخذ منه أن الزيادة على الأربعين ليست بحد، إذ لو ~~كانت حدا لما جاز النقص منه بشدة الضرب، إذ لا قائل به إلا أن فيما أخرجه ~~البخاري (¬2) عن علي أنه قال: ما كنت لأقيم حدا على أحد فيموت؛ فأجد (ب) في ~~نفسي إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وديته، وذلك أدن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يسنه. دلالة على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يذكر ~~الأربعين في لفظه، ولا استمر عليها في فعله، وأن الضرب كان يختلف حاله؛ ~~فلذلك أنه إذا حصل من الضرب إعنات بإفضاء القتل، دل على أنه غير سائغ شرعا ms1977 ~~فيضمنه؛ لأن التأديب من حقه ألا يفضي إلى النفس، وهو غير مأمور به، فقد ~~تعدى المقيم له بخلاف الحد المعين من الشارع، فإنه إذا حصل الإعنات كان من ~~سبب مأمور به فلا تعدي من المقيم، ووقع في رواية الشعبي (¬3): فإنما هو شيء ~~صنعناه. ولعله يجمع بين هذه الرواية وما تقدم من قوله: كل سنة. أنه قدر (ج) ~~الضرب الواقع من النعال PageV09P146 # والجريد في رواية، وأطراف الثياب والأيدي في رواية بمقدار الأربعين ~~الضربة وكان هذا القدر سنة، ولكنه على جهة التقريب لا التحقيق. # وقوله: إنه لم يسنه. أي تحقيقا، ولعل البخاري يميل إلى عدم التقرير، وأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقتصر في ضرب (أ) الشارب إلى ما يليق ~~بحاله، ولذلك لم يترجم بالعدد أصلا ولا أخرج في العدد حديثا صريحا. وقال ~~الشافعي (¬1): إن ضرب بغير السوط فلا ضمان، وإن جلد بالسوط ضمن، قيل: ~~الدية. وقيل: قدر تقاوت ما بين الجلد بالسوط وبغيره، والدية في ذلك على ~~عاقلة الإمام، وكذا لو زاد على الأربعين ومات. # وقوله: إنه رآه يتقيأها. هذا في قصة الوليد بن عقبة، شهد عليه رجلان؛ ~~أحدهما، حمران (ب) أنه شرب الخمر، وشهد آخر أنه رآه يتقيأ، فقال عثمان: إنه ~~لم يتقيأ حتى شربها. فيه دلالة على أنه تكفي الشهادة على القيء وكذا الشم، ~~وقد ذهب إلى هذا الهدوية ومالك والناصر؛ لأن الصحابة أقاموا على الوليد ~~الحد ولم ينكر، وذهب الشافعية والحنقية إلى أنه لا تكفي الشهادة على القيء ~~والشم، وأجابوا عن هذه الواقعة بأن عثمان قد علم شرب الوليد، فقضى بعلمه، ~~ولعل مذهبه جواز قضاء القاضي بعلمه في الحدود، (ج وفيه ضعف ج). PageV09P147 # 1033 - وعن معاوية [عن النبي - صلى الله عليه وسلم -] (أ) أنه قال في ~~شارب الخمر: "إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب فاجلدوه، ثم إذا شرب الثالثة ~~فاجلدوه، ثم إذا شرب الرابعة فاضربوا عنقه". أخرجه أحمد وهذا لفظه، ~~والأربعة (¬1) وذكر الترمذي (¬2) [ما يدل] (ب) على أنه منسوخ، وأخرج ذلك ~~أبو داود (¬3) صريحا عن الزهري. # الحديث ms1978 أخرجوه عن معاوية مرفوعا، وأخرجه الشافعي (¬4) في رواية حرملة ~~عنه، وأبو داود وأحمد والنسائي والدارمي وابن المنذر، وصححه ابن حبان (¬5) ~~كلهم عن أبي هريرة مرفوعا، وقد أخرجه (*) ابن أبي شيبة (¬6) من رواية أبي ~~صالح عن أبي سعيد، والمحفوظ أنه عن معاوية بدل أبي سعيد، PageV09P148 # وأخرجه أبو داود (¬1) من رواية أبان العطار، وذكر الجلد ثلاث مرات بعد ~~الأولى، ثم قال: فإن شربوا فاقتلوهم. ثم ساقه أبو داود (¬2) من طريق حميد ~~بن يزيد عن نافع عن ابن عمر قال: وأحسبه قال في الخامسة: "ثم إن شربها ~~فاقتلوه". كذا قال. وكذا في حديث غطيف (أ): في الخامسة. قال أبو داود (¬3): ~~وفي رواية عمر بن أبي سلمة عن أبيه، وسهيل بن أبي صالح عن أبيه كلاهما عن ~~أبي هريرة: في الرابعة. وكذا في رواية (ب بن أبي نعم ب) عن ابن عمر. وقد ~~أخرج حديث الأربع أحمد والدارمي والطبراني وصححه الحاكم (¬4) من حديث ~~الشريد بن [سويد] (ج) الثقفي. وأخرج أحمد والحاكم والطبراني وابن منده في ~~"المعرفة" (¬5) ورواته ثقات من حديث شرحبيل الكندي، وأخرجه الطبراني وابن ~~منده (¬6) وفي سنده ابن لهيعة من حديث أبي PageV09P149 # الرمداء -براء مهملة وميم ساكنة ودال مهملة وبالمد، وقيل: بموحدة ثم ذال ~~معجمة- وهو بلوي، وفي سياق حديثه- أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر ~~بضرب عنقه، وأنه ضرب عنقه، فإن ثبت هذا كان فيه رد على من يقول: إدن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لم يعمل به. وأخرجه الطبراني الحاكم (¬1) من حديث ~~جرير، وقد روي عن عبد الله بن (أعمرو بن العاص أ) من طريقين وفيهما مقال، ~~وعن ابن (ب) عمر ونفر من الصحابة وعن جابر وعن رجل من الصحابة، وقال ~~الترمذي (¬2): سمعت محمدا، يعني البخاري، يقول: حديث معاوية في هذا أصح. # والحديث فيه دلالة على (ج) قتل الشارب إذا تكرر منه أربع مرات، وقد ذهب ~~إلى هذا بعض أهل الظاهر واستمر عليه ابن حزم، واحتج له وادعى أن لا إجماع ~~على ترك القتل، وأورد من مسند الحارث بن أبي أسامة ما ms1979 أخرجه هو والإمام ~~أحمد (¬3) من طريق الحسن عن عبد الله بن عمرو أنه قال: ائتوني برجل أقيم ~~عليه الحد، يعني ثلاثا، ثم سكر فإن لم أقتله فأنا كاذب. وهذا منقطع؛ لأن ~~الحسن لم يسمع من عبد الله بن عمرو كما جزم به ابن المديني وغيره، فلا حجة ~~فيه، وذهب الجمهور إلى أن القتل منسوخ، فأخرج الطحاوي (¬4) عن ابن المنكدر ~~أنه بلغه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - جلد PageV09P150 # ابن (أالنعيمان فضربه أ) بعد الرابعة. وأخرج الشافعي وعبد الرزاق وأبو ~~داود (¬1) من رواية الزهري عن قبيصة بن ذؤيب، قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "من شرب الخمر فاجلدوه، إلى أن قال: ثم إذا شرب في ~~الرابعة فاقتلوه". قال: فأتى برجل قد شرب فجلده، ثم أتى به قد شرب فجلده ب) ~~ثم أتى به وقد شرب فجلده ب)، ثم أتى به الرابعة قد شرب فجلده فرفع القتل عن ~~الناس، وكانت رخصة. وعلقه الترمذي (¬2)، فقال: روى الزهري، وأخرجه الخطيب ~~في "المبهمات" (¬3) عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن قبيصة، وقال: قال: أتى ~~برجل من الأنصار يقال له: نعيمان. فضربه أربع مرات. فرأى المسلمون أن القتل ~~قد أخر، وأن الضرب قد وجب، وقبيصة بن ذؤيب من أولاد الصحابة ولد في عهد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يسمع منه (¬4)، ورجاله ثقات مع إرساله ~~وأعله الطحاوي (¬5) بما أخرجه من طريق الأوزاعي أن الزهري راويه قال: بلغني ~~عن قبيصة. ولكنه معارض بأن في رواية ابن وهب عن يونس أخبرني الزهري أن ~~قبيصة حدثه أنه بلغه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬6)، PageV09P151 # وهذا أصح؛ لأن يونس أحفظ لحديث الزهري من الأوزاعي، والظاهر أن واسطة ~~قبيصة صحابي، وإبهام الصحابي لا يضر، فيكون له حكم الصحيح، ويتأيد بما ~~أخرجه عبد الرزالتي عن ابن المنكدر مثله (¬1)، وكذا أخرجه النسائي (¬2) عن ~~جابر. قال الشافعي (¬3) بعد تخريجه: هذا مما لا اختلاف فيه بين أهل العلم. ~~وقال الترمذي (¬4): لا نعلم بين أهل العلم اختلافا في القديم والحديث، وقال ~~في "العلل" آخر الكتاب ms1980 (¬5): جميع ما في هذا الكتاب قد عمل به بعض أهل ~~العلم إلا هذا الحديث، وحديث الجمع بين الصلاتين في الحضر. وقال الخطابي ~~(¬6): إن حديث الأمر بالقتل ليس على ظاهره، وإنما المراد به الردع ~~والتحذير. ثم قال: ويحتمل أنه نسخ بالإجماع من الأمة فتقرر النسخ. وأما ~~الاعتراض بأن حديث معاوية متأخر لأنه إنما أسلم بعد الفتح، ولم يكن في ~~[الأحاديث الدالة] (أ) على النسخ ما يدل على [تأخر هذا] (ب). ويجاب عنه بأن ~~تأخر إسلام الصحابي لا يكون قرينة على التأخر؛ لأنه قد يروى عن غيره كما ~~ذلك مقرر في الأصول، ثم لا يسلم أن معاوية أسلم بعد الفتح، فإنه قد قيل: ~~إنه أسلم PageV09P152 # قبل الفتح، وقيل: في الفتح، وقصة ابن النعيمان كانت بعد ذلك؛ لأن عقبة بن ~~الحارث حضرها إما بحنين وإما بالمدينة، وهو إنما أسلم في الفتح وحنين وحضور ~~عقبة [إلى] (أ) المدينة كان بعد الفتح جزما، وقد عمل بالناسخ الصحابة، ~~فأخرج عبد الرزاق في مصنفه (¬1) بسند فيه لين عن عمر، أنه جلد أبا محجن ~~الثقفي في الخمر ثماني مرات. وأورد نحو ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وأخرج حماد ~~بن سلمة في مصنفه (¬2) من طريق أخرى رجالها ثقات أن عمر جلد أبا محجن في ~~الخمر أربع مرات ثم قال له: أنت خليع. فقال: أما إذ خلعتني فلا أشربها أبدا. # 1034 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه". متفق عليه (¬3). # الحديث فيه دلالة على أن المحدود لا يضرب في وجهه، وكذلك لا يضرب في ~~المراق (¬4) والمذاكير، وقد روي عن علي أنه قال للجلاد: اضربه في أعضائه، ~~وأعط كل عضو حقه، واتق وجهه ومذاكيره. أخرجه ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ~~وسعيد بن منصور والبيهقي (¬5) من طرق عن علي، PageV09P153 # واجتناب المذاكير والمراق؛ لأنه لا يؤمن عليه من ضربها، واختلف العلماء ~~في الرأس فذهب ابن الصباغ والماسرخسي من أصحاب الشافعي إلى أنه لا يضرب ~~فيه، إذ هو غير مأمون. وذهب ms1981 الهدوية وأبو يوسف إلى أنه يضرب فيه لقول علي: ~~واضرب الرأس. وقول أبي بكر للجلاد: اضرب الرأس فإن الشيطان فيه. أخرجه ابن ~~أبي شيبة (¬1)، وذكره أبو بكر الرازي في [كتاب] (أ) "أحكام القرآن" (¬2) في ~~حق رجل انتفى من أبيه، فقال أبو بكر: اضرب الرأس فإن الشيطان في الرأس. ~~وفيه ضعف وانقطاع، وذهب مالك إلى أنه لا يضرب إلا في رأسه. # 1035 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا تقام الحدود في المساجد". رواه الترمذي والحاكم (¬3). # الحديث أخرجه الترمذي وابن ماجه (¬4)، وفي إسناده إسماعيل بن مسلم المكي ~~وهو ضعيف من قبل حفظه (¬5). وأخرجه أبو داود والحاكم وابن السكن وأحمد ~~والدارقطني والبيهقي (¬6) من حديث حكيم بن حزام، ولا PageV09P154 # بأس بإسناده، ورواه البزار (¬1) من حديث جبير بن مطعم، وفيه الواقدي، ~~ورواه ابن ماجه (¬2) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده نهى أن يجلد الحد ~~في المسجد وفيه ابن لهيعة (¬3)، وأخرج ابن أبي شيبة (¬4) عن طارق بن شهاب ~~قال: أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه برجل في حد، فقال: أخرجاه من المسجد، ~~ثم اضرباه. وسنده على شرط الشيخين، وأخرج (4) عن علي، أن رجلا جاء إلى علي ~~فساره فقال: يا قنبر أخرجه من المسجد، فأقم عليه الحد. وفي سنده مقال. # والحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز إقامة الحدود في المساجد، وقد ذهب ~~إليه الكوفيون والشافعي وأحمد وإسحاق، وذهب الشعبي وابن أبي ليلى إلى ~~جوازه. وقال مالك: لا بأس بالضرب بالسياط اليسيرة، فإذا كثرت الحدود فليكن ~~ذلك خارج المسجد. قال ابن بطال (¬5): وقول من نزه المسجد أولى. # 1036 - وعن أنس رضي الله عنه قال: لقد أنزل الله تحريم الخمر وما ~~بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر. أخرجه مسلم (¬6). PageV09P155 # الحديث فيه دلالة على أن نبيذ التمر يسمى خمرا، وقد تقدم الكلام في ذلك. # 1037 - وعن عمر رضي الله عنه قال: نزل تحريم الخمر، وهي من خمسة: من ~~العنب، والتمر، والعسل، والحنطة، والشعير، والخمر ما خامر ms1982 العقل. متفق عليه. # وأخرجه الثلاثة (¬1). # تقدم الكلام عليه. # 1038 - وعن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام". أخرجه مسلم. # والثلاثة (¬2). PageV09P156 # الحديث فيه دلالة على أن كل مسكر يسمى خمرا، وفيه الاحتمال الذي قد مر. # وقوله: "وكل مسكر حرام". عام لكل ما أسكر، سواء كان من النبيذ أو من ~~العصير، ولكنه يحتمل أن يراد أنه يحرم القدر المسكر، ويحرم تناوله مطلقا ~~وإن قل، وإن لم يسكر، إذا كان في ذلك الجنس [صلاحية الإسكار] (أ)، قال ~~الطحاوي: اختلفوا في تأويل الحديث؛ فقال بعضهم: أراد به جنس ما يسكر، وقال ~~بعضهم: أراد [به] (ب) ما يقع السكر عنده، ويؤيده أن القاتل لا يسمى قاتلا ~~حتى يقتل، قال: ويدل [له] (ج) حديث ابن عباس رفعه: "حرمت الخمر قليلها ~~وكثيرها، والسكر من كل شراب". وهو حديث أخرجه النسائي (¬1)، ورجاله ثقات، ~~إلا أنه اختلف في وصله وانقطاعه، وفي رفعه ووقفه، وعلى تقدير صحته فقد رجح ~~الإمام أحمد وغيره أن الرواية فيه بلفظ: "والمسكر". بضم الميم وسكون السين، ~~لا (السكر) بضم ثم سكون، أو بفتحتين، وعلى تقدير ثبوته فهو حديث فرد، معارض ~~بعموم أحاديث صحيحة كثيرة، وقد ذهب إلى أنه يحرم المسكر (د) قليله وكثيره ~~-الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء؛ كعلي، وعمر، وابن عباس، وابن عمر، ~~وابن مسعود، وأبي هريرة، وسعد بن أبي وقاص، PageV09P157 # وعائشة، والنخعي، وأحمد، وإسحاق، والشافعي، ومالك، والعترة جميعا، وحجتهم ~~هذا الحديث، وحديث جابر الآتي (¬1)، وما أخرجه أبو داود (¬2) من حديث ~~عائشة: "كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق؛ فملء الكف منه حرام". وأخرجه ~~ابن حبان والطحاوي (¬3) من حديث سعد بن أبي وقاص، أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره". وجاء أيضا عن علي عند ~~الدارقطني (¬4)، وعن ابن عمر عند ابن إسحاق والطبراني، وعن خوات بن جبير ~~عند الدارقطني والحاكم والطبراني (¬5)، وعن زيد بن ثابت عند الطبراني (¬6)، ~~وفي أسانيدها مقال، ولكنها تزيد الأحاديث الصحيحة قوة وشهرة، قال ms1983 أبو مظفر ~~بن السمعاني: الأخبار [في ذلك] (أ) كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها. ~~وذهب الكوفيون ومنهم إبراهيم النخعي، وسفيان الثوري، وابن أبي ليلى، وشريك، ~~وابن شبرمة، وأبو حنيفة وأصحابه، وأكثر علماء البصرة على أنه يحل دون ~~المسكر من غير عصير العنب والرطب، [قالوا] (ب): لأنه لا يسمى خمرا إلا ~~مجازا، ولما أخرجه PageV09P158 # البيهقي (¬1) في حديث عبد القيس، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"فإن اشتد متنه فاكسروه بالماء، فإن أعياكم فأهريقوه". ثم قال البيهقي: ~~الروايات الثابتة عن وفد عبد القيس خالية عن هذه اللفظة، وقد روي عن أبي ~~هريرة في هذه القصة أنه قال: "فإن خشي شدته فليصب عليه الماء". فلا يتم ~~الاحتجاج لهم، وأخرج من حديث ابن عباس (¬2)، أنه قال لهم: "إذا اشتد صبوا ~~عليه الماء". وقال في الثالثة أو الرابعة: "فإذا اشتد فأهريقوه". وهو من ~~رواية قيس بن [حبتر] (أ)، وقد خالفه أبو جمرة عن ابن عباس، فذكر الكسر ~~بالماء من قول ابن عباس، وأنه قال: إذا خشيت شدته فاكسره بالماء. وأخرج ~~(¬3) عن عائشة رضي الله عنها مرفوعا: "لا تنبذوا في الدباء والمزفت، ولا ~~النقير ولا [الحنتم] (ب)، ولا تنبذوا البسر والرطب جميعا، ولا التمر ~~والزبيب جميعا، وما كان سوى ذلك فاشتد [عليكم] (ج) فاكسروه بالماء". وفي ~~إسناده ثمامة بن [كلاب] (د) (¬4) وهو مجهول، وفي حديث عكرمة بن PageV09P159 # عمار (¬1)، عن أبي كثير السحيمي، عن أبي هريرة مرفوعا، أنه قال: "إذا ~~رابك من شرابك ريب فشن عليه الماء، أمط عنك حرامه واشرب حلاله". وفيه ضعف؛ ~~لأن عكرمة (¬2) اختلط في آخر عمره وساء حفظه، فروى ما لم يتابع عليه، وقال ~~عبد الله بن يزيد المقرئ، [عن عكرمة بن عمار] (أ) لفظ: "إذا رابك". قاله ~~أبو هريرة. وذكره إسحاق الحنظلي في مسنده، وأخرج (¬3) من حديث الكلبي: أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - طاف بالبيت، واستسقى رهطا من قريش، فأتي ~~بنبيذ زبيب، فوجد له رائحة شديدة، ثم دعا بدلو من ماء زمزم فصبه على ~~الأناء، وقال: "إذا اشتد عليكم ms1984 شرابه فاصنعوا به هكذا". أخرجه من طريقين، ~~ولكن الكلبي متروك (¬4)، وقد رواه عن أبي صالح باذان (¬5)، وهو ضعيف، ~~وأخرجه (¬6) عن يحيى بن يمان من طريقين بزيادة: ثم شرب فقال رجل: أهو حرام ~~يا رسول الله؟ قال: "لا". وفي رواية قال: "حلال". لكن قال علي بن عمر: هذا ~~حديث معروف PageV09P160 # بيحيى بن يمان (¬1)، ويقال: إنه انقلب عليه الإسناد، واختلط بحديث ~~الكلبي. وقال ابن نمير: يحيى بن يمان سريع النسيان، وحديثه عن أبي مسعود ~~خطأ، إنما هو عن الكلبي عن أبي صالح. وقد قال عبد الرحمن بن مهدي: لا تحدث ~~بهذا (¬2). وقد أخرج (¬3) مثل هذا من حديث عكرمة عن بن عباس في قصة طواف ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأنه قال: "إذا اشتد عليكم فاقتلوه بالماء". ~~وفي إسناده يزيد بن أبي زياد (¬4)، وهو ضعيف لا يحتج به لسوء حفظه، وأما ما ~~روي في حديث عكرمة، أنه شرب منه النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل أن يخلط ~~بالماء. فهو مخالف لسائر الروايات، وأخرج (¬5) عن ابن عمر قال: جاء رجل إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - فوجد منه ريحا فقال: "ما هذه الريح؟ ". فقال: ~~نبيذ، قال: "فأرسل إلي منه". فأرسل إليه فوجده شديدا، فدعا بماء فصبه عليه ~~ثم شوب، ثم قال: "إذا اغتلمت أشربتكم فاكسروها بالماء". وجاء في رواية عن ~~عبد الملك: "فاقطعوا متونها بالماء". وفي إسناده عبد الملك بن نافع، ابن ~~أخي القعقاع بن [شور] (أ)، وهو رجل مجهول، اختلفوا في اسمه واسم PageV09P161 # أبيه، فقيل: هكذا. وقيل: عبد الملك بن القعقاع. وقيل: ابن أبي القعقاع. ~~وقيل: مالك بن القعقاع. وقال يحيى بن معين: هم يضعفونه. وقال البخاري: عبد ~~الملك بن نافع ابن أخي القعقاع بن شور، عن ابن عمر في النبيذ، لم يتابع ~~عليه. وقال النسائي: عبد الملك بن نافع ليس بمشهور، ولا يحتج بحديثه، ~~والمشهور عن ابن عمر خلاف حكايته (¬1). ولحديث أبي عون الثقفي (¬2)، عن عبد ~~الله بن شداد، عن ابن عباس، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "حرمت ~~الخمر لعينها ms1985 [قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب] (أ) ". وهذا نص لا يحتمل ~~التأويل، ولكنه قد روي: "والمسكر من غيرها". ولحديث شريك بإسناده إلى أبي ~~بردة بن [نيار] (ب)، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إني كنت ~~نهيتكم عن الشراب في الأوعية فاشربوها فيما بدا لكم، ولا تسكروا". أخرجه ~~الطحاوي (¬3)، وروي عن ابن مسعود أنه قال: شهدت تحريم النبيذ كما شهدتم، ثم ~~شهدت تحليله فحفظت ونسيتم. وهذا اللفظ يحتمل تحريم الانتباذ في الظروف، ثم ~~نسخ ذلك، ولا روي عن أبي موسى قال: بعثني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنا ومعاذ إلى اليمن فقلنا: يا رسول الله، إن بها شرابين يصنعان من البر ~~والشعير؛ أحدهما يقال له: المزر. والآخر يقال له: PageV09P162 # البتع. فما نشرب؟ فقال - صلى الله عليه وسلم -: "اشربا ولا تسكرا". أخرجه ~~الطحاوي (¬1)، ولقوله تعالى: {تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا} (¬2). والمراد ~~بالسكر؛ إما الخمر فإن كانت الآية قبل التحريم فلا حجة، وإن كانت بعده ~~فكذلك، ويكون المراد الجمع بين العتب والمنة، وإن كان المراد به النبيذ فهي ~~حجة على حله؛ لأنه لا يسمى لغة خمرا، سواء كانت بعد تحريم الخمر أو قبله؛ ~~لأن الظاهر من سياق الآية الكريمة أنها للامتنان، وإن كان فيها احتمال ~~العتب والامتنان لتقييد الرزق بالحسن دون السكر، واحتجوا من جهه النظر بأن ~~الله سبحانه علل تحريم الخمر بالصد عن ذكر الله تعالى ووقوع العداوة ~~والبغضاء، وهذه العلة إنما توجه في القدر المسكر لا فيما دون ذلك، فوجب أن ~~يكون هذا القدر هو الحرام، إلا ما انعقد عليه الإجماع من تحريم قليل الخمر ~~وكثيرها، و [للعلة] (أ) التي نص عليها الشارع لما ابتنى عليها من القياس ~~حكم المنصوص عليه. والجواب عن هذه الأحاديث ما عرفت في أكثرها من الضعف، ~~حتى قال إسحاق بن راهويه: سمعت عبد الله بن إدريس الكوفي يقول: قلت لأهل ~~الكوفة: يا أهل الكوفة، إنما حديثكم الذي تحدثونه في الرخصة في النبيذ عن ~~العميان والعوران والعمشان، أين أنتم عن أبناء المهاجرين والأنصار؟ (¬3). ~~فلا ms1986 يعارض الأحاديث المعمول بها المتكاثرة التي PageV09P163 # بعضها يقول بعضا كما قد عرفت، وأيضا فإن هذه الأحاديث محتملة الدلالة على ~~ما طلبوه، فإن كسر الشدة قد يكون لاشتداد حلاوتها أو لحموضتها، ومع ~~الاحتمال لا يحتج به؛ وكذا حديث: "اشرلا ولا تسكرا"، وحديث: "فاشربوها فيما ~~بدا لكم ولا تسكروا"، فإنهما معارضان بما هو أقوى، ولو سلم التساوي تساقط ~~الاحتجاج بها، ورجع إلى إثبات حكم النبيذ بالقياس على الخمر، وأيضا فإن لفظ ~~الخمر قد تناولها شرعا، وإن لم يتناولها لغة، والحقيقة الشرعية مقدمة على ~~اللغوية، والقياس مؤيد لأحاديث التحريم، فإن الشارع حرم قليل الخمر سدا ~~لذريعة التوصل إلى القدر المسكر، وهذا موجود في النبيذ، فإن شرب النبيذ ~~قليله يدعو إلى شرب كثيره، فيناسبه سد الذريعة، والآية الكريمة لا حجة فيها ~~للاحتمال، والقياس الذي ذكروه معارض بهذا القياس المذكور، فترجح ما ذهب ~~إليه الجمهور من تحريم القليل من النبيذ كالكثير، وكذا يحرم ما أسكر وإن لم ~~يكن مشروبا كالحشيشة وغيرها، وقد جزم [النووي] (أ) وغيره والإمام المهدي ~~-صرح بذلك في "الأزهار"- بأنها مسكرة، وجزم آخرون بأنها مخدرة وليست ~~بمسكرة. قال المصنف رحمه الله تعالى (¬1): وهو مكابرة؛ لأنها تحدث ما يحدث ~~الخمر من الطرب والنشاة والمداومة عليها والانهماك فيها، وإذا سلم عدم ~~الإسكار فهي مفترة، وقد أخرج أبو داود (¬2)، أنه نهى PageV09P164 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن كل مسكر ومفتر. قال الخطابي (¬1): ~~المفتر: كل شراب يورث الفتور والخدر في [الأطراف] (أ). وحكى [العراقي] (ب) ~~وابن تيمية الإجماع على تحريم الحشيشة، قال: ومن استحلها فقد كفر. قال: ~~وإنما لم يتكلم فيها الأئمة الأربعة؛ لأنها لم تكن في زمنهم، وإنما ظهرت في ~~آخر المائة السادسة وأول المائة السابعة، حين ظهرت دولة التتار. وذكر ~~المازري (ج) قولا: إن النبات الذي فيه شدة مطربة يجب فيه الحد. وكذا ذكر ~~ابن تيمية في كتاب "السياسة" (¬2): إن الحد واجب في الحشيشة كالخمر. قال: ~~لكن لما كانت جمادا وليست شرابا تنازع الفقهاء في نجاستها على ثلاثة أقوال ~~في مذهب أحمد وغيره. وقال ms1987 ابن البيطار -وإليه انتهت الرئاسة في معرفة خواص ~~النبات والأعشاب-: إن الحشيشة وتسمى القنب توجد في مصر، مسكرة جدا إذا ~~تناول منها الإنسان قدر درهم أو درهمين، ومن أكثر منها أخرجته إلى حد ~~الرعونة، وقد استعملها قوم فاختلت عقولهم، وأدى بهم الحال إلى الجنون، ~~وربما قتلت، قال بعض العلماء: وفي أكلها مائة وعشرون مضرة دينية ودنيوية، ~~وقبائح خصالها موجودة في الأفيون، بل وفيه زيادة مضار. وكذا قال ابن دقيق ~~العيد في الجوزة: إنها مسكرة. ونقله عنه المتأخرون من الحنفية والشافعية ~~والمالكية واعتمدوه، وحكى [القرافي] (د) عن PageV09P165 # بعض فقهاء عصره أنه فرق في إسكار الحشيشة بين كونها ورقا أخضر فلا إسكار ~~فيها، بخلافها بعد التحميص فإنها تسكر، قال: والصواب أنه لا فرق؛ لأنها ~~ملحقة بجوزة الطب والزعفران والعنبر والأفيون والبنج، وهي من المسكرات ~~المخدرات، ذكر ذلك ابن القسطلاني في "تكريم المعيشة". وقال الزركشي: إن هذه ~~المذكورات تؤثر في متعاطيها للمعنى الذي يدخله في حد السكران، فإنهم قالوا: ~~السكران هو الذي اختل كلامه المنظوم، وانكشف ستره المكتوم. وقال بعضهم: هو ~~الذي لا يعرف السماء من الأرض، ولا الطول من العرض. ثم نقل عن [القرافي] ~~(أ) أنه خالف في ذلك. والأولى أن يقال: إن أريد بالإسكار تغطية العقل، فهذه ~~كلها صادق عليها معنى الإسكار، وإن أريد بالإسكار تغطية العقل مع نشاة وطرب ~~فهي خارجة عنه، فإن إسكار الخمر يتولد عنه النشاة والنشاط والطرب والعربدة ~~والحمية، والسكران بالحشيشة وغيرها تكون فيه ضد ذلك، فيتقرر من هذا أنها ~~تحرم لمضرتها للعقل، ودخولها في الفتن المنهي عنها, ولا يجب الحد على ~~متعاطيها؛ لأن قياسها على الخمر قياس مع الفارق مع انتفاء بعض أوصافه. # والحديث يدل على حرمة الخمر العنبي، سواء كان نيئا أو مطبوخا، وقد وردت ~~آثار في شرب المطبوخ قبل أن يصير خمرا، وهو الباذق -بالباء الموحدة والذال ~~المعجمة المفتوحة- كذا ضبطه ابن التين، وقال القابسي: بكسر الذال، وأنكر ~~الفتح، وهو فارسي معرب أصله باذه، وهو الطلاء -بكسر الطاء المهملة والمد- ~~وهو أن يطبخ العصير حتى يصير ms1988 مثل طلاء PageV09P166 # الإبل. وقال ابن قرقول: الباذق: المطبوخ من عصير العنب إذا أسكر، أو إذا ~~طبخ بعد أن اشتد. وذكر ابن سيده في "المحكم"، أنه من أسماء الخمر. وقال ~~الداودي: إنه يشبه الفقاع، إلا أنه ربما اشتد وأسكر، وكلام من هو أعرف منه ~~بذلك يخالفه، ويقال للباذق أيضا: المثلث، إشارة إلى أنه ذهب منه بالطبخ ~~ثلثاه، وكذلك المنصف، وهو ما ذهب نصفه، ويسمى مينختج، بفتح الميم وسكون ~~التحتانية وضم الموحدة وسكون الخاء المعجمة وفتح المثناة وآخره جيم، ومنهم ~~من يضم المثناة أيضا، وفي "مصنف ابن أبي شيبة" [بالباء] (أ) بدل المثناة ~~التحتية وبحذف الميم والياء من أوله. فذكر البخاري (¬1) تعليقا عن عمر و ~~[أبي] (5) عبيدة ومعاذ: شرب الطلاء على الثلث. أي رأوا جواز شرب الطلاء، ~~إذا طبخ فصار على الثلث، ونقص منه الثلثان، وقد أخرج مالك في "الموطأ" ~~(¬2)، أن عمر حين قدم الشام، شكا إليه أهل الشام وجاء الأرض وثقلها وقالوا: ~~لا يصلحنا إلا هذا الشراب. فقال عمر: اشربوا العسل. قالوا: ما يصلحنا ~~العسل. فقال رجل من أهل الأرض: هل لك أن نجعل لك من هذا الشراب شيئا لا ~~يسكر؟ فقال: نعم. فطبخوه حتى ذهب منه ثلثان، وبقي الثلث فأتوا به عمر، ~~فأدخل فيه إصبعه، ثم رفع يده فتبعها يتمطط، فقال: هذا الطلاء مثل طلاء ~~الإبل، فأمرهم عمر أن يشربوه، وقال عمر: اللهم إني لا أحل لهم شيئا حرمته ~~عليهم. ومثله أخرجه سعيد بن PageV09P167 # منصور من طريق أبي مجلز [عن عامر بن عبد الله] (أ)، ومن طريق ابن المسيب. ~~وأخرج النسائي (¬1) أيضا، أنه كتب عمر: اطبخوا شرابكم، حتى يذهب نصيب ~~الشيطان منه، فإن للشيطان اثنين، ولكم واحد. وهذه أسانيدها صحيحة. وقد دل ~~قوله: فإني لا أحل لهم ... إلى آخره. أنه لا يحل المسكر منه، وأخرج النسائي ~~(¬2) من طريق ابن سيرين في قصة نوح عليه السلام، أنه لما ركب فقد الحبلة ~~(¬3)، فقال له الملك: إن الشيطان أخذها. ثم أحضرت له ومعها الشيطان، فقال ~~له الملك: إنه شريكك فيها، فأحسن الشركة. قال: ms1989 له النصف. قال: أحسن. قال: ~~له الثلثان ولي الثلث. قال: أحسنت، وأنت محسان، أن تأكله عنبا وتشربه ~~عصيرا، وما طبخ على الثلث، فهو لك ولذريتك، وما جاز عن الثلث، فهو من نصيب ~~الشيطان. وأخرج أيضا (2) من وجه آخر عن ابن سيرين عن أنس بن مالك. ومثله لا ~~يقال بالرأي، فيكون له حكم المرفوع، وأخرج أبو مسلم الكجي، وسعيد بن منصور، ~~وابن أبي شيبة (¬4)، من طريق قتادة، عن أنس، أن أبا عبيدة ومعاذ بن جبل ~~وأبا طلحة كانوا يشربون من الطلاء ما طبخ على الثلث، وذهب ثلثاه، وأخرج ~~النسائي (¬5) حل ذلك عن أبي موسى وأبي PageV09P168 # الدرداء، وأخرج ابن أبي شيبة (¬1) ذلك عن علي، وأبي أمامة، وخالد بن ~~الوليد وغيرهم، وقال البخاري (¬2) تعليقا: وشرب أبو جحيفة والبراء على ~~النصف. وقد أخرج ابن أبي شيبة (¬3) عن البراء، أنه كان يضرب على النصف. أي ~~إذا طبخ فصار على النصف، وأخرج (¬4) أيضا عن أبي جحيفة. قال (¬5): ووافقهما ~~جرير وأنس، ومن التابعين ابن الحنفية وشريح، وأطبق الجميع على أنه إن كان ~~يسكر حرم. وقال أبو عبيد في "الأشربة": بلغني أن النصف يسكر، فإن كان ذلك ~~فهو حرام. والذي يظهر أن ذلك يختلف باختلاف أعناب البلاد، فقد قال ابن حزم ~~إنه شاهد من العصير ما إذا طبخ إلى الثلث ينعقد، ولا يصير مسكرا أصلا، ومنه ~~ما إذا طبخ إلى النصف كذلك، ومنه ما إذا طبخ إلى الربع كذلك، بل قال إنه ~~شاهد منه ما يصير [ربا خاثرا] (أ) لا يسكر، وما لو طبخ حتى لا يبقى غير ~~ربعه لا يخثر ولا ينفك السكر عنه، قال: فوجب أن يحمل ما ورد عن الصحابة من ~~أمر الطلاء على ما لا يسكر بعد الطبخ. وللحنفية تفصيل وتحقيق، وهو أن أبا ~~حنيفة قال: الخمر هو النيء من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد، فحرم ~~قليلها وكثيرها. قال أبو حنيفة: إن الغليان بداية الشدة، وكماله بقذف الزبد PageV09P169 # وبسكونه، إذ به يتميز الصافي من الكدر. وأحكام الشرع قطعية، فتناط ~~بالنهاية، كالحدود، وإكفار ms1990 المستحل، وحرمة البيع، والنجاسة، وعند صاحبيه ~~إذا اشتد صار خمرا, ولا يشترط القذف بالزبد؛ لأن الاسم يثبت به والمعنى ~~المقتضي للتحريم، وهو المؤثر في الفساد وإيقاع العداوة، والطلاء؛ وهو ~~العصير إن طبخ حتى يذهب أقل من ماء ثلثيه، والسكر، وهو النيء من ماء الرطب، ~~ونقيع الزبيب، وهو النيء من ماء الزبيب، والكل حرام إن غلا واشتد، وحرمتها ~~دون الخمر، والحلال منها أربعة؛ نبيذ التمر والزبيب، إن طبخ أدنى طبخ وإن ~~اشتد، إذا شرب ما لا يسكر بلا لهو وطرب، والخليطان، وهو أن يخلط ماء التمر ~~وماء الزبيب، ونبيذ العسل والتين، والبر والشعير والذرة طبخ أو لا، والمثلث ~~العنبي. انتهى كلامهم على ما حققه في "الكنز". # وحجة أبي حنيفة الآثار المتقدمة، وذلك لأن اسم الخمر لا يتناولها، فلا ~~تدل الآية الكريمة على تحريمها، وقد جاء حديث (¬1): "والسكر -بضم السين- من ~~كل شراب". بهذه الرواية كما عرفت، ففيه دلالة على أن ما عدا الخمر لا يحرم ~~منه إلا السكر، وهذا فيما يقصد به التقوي، وأما ما قصد به التلهي والطرب ~~فلا يحل اتفاقا، وذهب الجمهور ومنهم الشافعي ومالك وقول لمحمد بن الحسن ~~الشيباني صاحب أبي حنيفة إلى أن الطلاء لا يحل وإن ذهب نصفه أو ثلثاه ~~بالطبخ، وحجتهم الأحاديث التي مرت، فإن عمومها أن المسكر يحرم قليله وكثيره ~~على أي صفة كان، وهذه الآثار المروية لا تعارض العمومات السابقة إلا إذا ~~كان لها حكم الوقف، ولم يكن PageV09P170 # للاجتهاد فيها مساغ، فالموقوف يعمل به عند الأكثر من المحققين بهذا ~~الشرط، وقد أخرج البخاري (أ) عن ابن عباس، لما سألة أبو الجويرية عن ~~الباذق، فقال: سبق محمد - صلى الله عليه وسلم - الباذق، ما أسكر فهو حرام، ~~قال: الشراب الحلال الطب لا الحرام الخبيث. ولفظ البخاري (¬1) قال: الشراب ~~الحلال الطيب، قال: ليس بعد الحلال الطيب إلا الحرام الخبيث. وأخرج البيهقي ~~(¬2) عن ابن عباس، أنه أتاه قوم فسألوه عن الطلاء، فقال ابن عباس: وما ~~طلاؤكم هذا؟ إذا سألتموني فبينوا لي الذي تسألوني عنه. فقالوا: هو العنب، ~~يعصر ms1991 ثم يطخ ثم يجعل في الدنان. قال: وما الدنان؟ قالوا: دنان مقيرة، قال: ~~مزفتة؟ قالوا: نعم. قال: أيسكر؟ قالوا: إذا أكثر منه أسكر. قال: فكل مسكر ~~حرام. وأخرج أيضا (2)، أنه قال في الطلاء: إن النار لا تحل شيئا ولا تحرمه. ~~وأخرج أيضا (¬3) عن عائشة في سؤال أبي مسلم الخولاني قال: يا أم المؤمنين، ~~إنهم يشربون شرابا لهم -يعني أهل الشام- يقال له: الطلاء. فقالت: صدق الله ~~وبلغ حبي، سمعت [حبي] (ب) رسول الله - صلى الله عليه وسلم -[يقول] (ج): "إن ~~أناسا من أمتي يشربون الخمر، يسمونها بغير اسمها". وأخرج (¬4) مثله عن أبي ~~مالك الأشعري عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "ليشربن PageV09P171 # أناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، وتضرب على رءوسهم المعازف، يخسف ~~الله بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير". وأخرج (¬1) عن عمر رضي الله عنه ~~أنه قال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه يشرب الطلاء و [أنا] (أ) ~~سائل عما يشرب، فإن كان [يسكر] (ب) جلدته، فجلده عمر الحد تاما. وأخرج (1) ~~عن أبي عبيد (¬2) أنه قال: جاءت في الأشربة [آثار] (ج) كثيرة مختلفة عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه وكل له تفسير، [فأولها] (د) الخمر، ~~وهي ما غلا من عصير العنب، فهذا مما لا اختلاف في تحريمه بين المسلمين، ~~إنما الاختلاف في غيره، ومنها: السكر، وهو نقيع التمر الذي لم تمسه النار، ~~وفيه يروى عن ابن مسعود أنه قال: السكر خمر. ومنها: البتع -بكسر الباء ~~الموحدة، والتاء الثناة أي الساكنة، والمهملة- وهو نبيذ العسل، ومنها: ~~الجعة -بكسر الجيم- وهي نبيذ الشعير، ومنها: المزر، وهو من الذرة. جاء ~~تفسير هذه الأربعة عن ابن عمر، وزاد ابن المنذر في الرواية عنه قال: والخمر ~~من العنب، والسكر من التمر، ومنها: السكركة، جاء عن أبي موسى أنها من ~~الذرة، ومنها: الفضيخ، وهو ما افتضخ من البسر من غير أن تمسه نار، وسماه ~~ابن عمر PageV09P172 # الفضوخ، قال أبو عبيد: فإن كان مع البسر تمر، فهو الذي يسمى الخليطين. ~~قال أبو عبيد: ms1992 وبعض العرب تسمي الخمر بعينها الطلاء، قال عبيد بن الأبرص (¬1): # هي الخمر [بالهزل] (أ) تكنى ... الطلاء كما الذئب يكنى أبا جعده # قال: وكذلك الخمر يسمى الباذق. وهذه آثار تؤيد العمل بالعموم، ومع ~~التعارض فالترجيح للمحرم على المبيح كما ذهب إليه المحققون. # 1039 - وعن جابر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"ما أسكر كثيره فقليله حرام". أخرجه أحمد والأربعة وصححه ابن حبان (¬2). # الحديث حسنه الترمذي ورجاله ثقات، ورواه النسائي والبزار والدارقطني وابن ~~حبان (¬3) من طريق عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه بلفظ: نهى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن قليل ما أسكر كثيره. وفي الباب عن علي أخرجه ~~الدارقطني (¬4)، وعن عائشة أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، PageV09P173 # وابن حبان، وأعله الدارقطني (¬1) بالوقف. وعن خوات أخرجه في "المستدرك" ~~(¬2). وعن [سعد] (1) أخرجه النسائي (¬3). وعن ابن عمرو أخرجه ابن ماجه ~~والنسائي أيضا (¬4). وعن ابن عمر وزيد بن ثابت أخرجه الطبراني (¬5). وقد ~~تقدم الكلام فيه وفي ما يؤيده (¬6). والله أعلم. # 1040 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - ينبذ له الزبيب في السقاء، فيشربه يومه، والغد، وبعد الغد، فإذا كان ~~مساء الثالثة شربه وسقاه، فإن فضل شيء أهراقه. أخرجه مسلم (¬7). # هذه الرواية إحدى روايات مسلم، وقد جاء في لفظ مسلم في اليوم الثالث ~~بلفظ: والغد إلى العصر. فإن بقي شيء سقاه الخادم أو أمر به فصب (¬8). وقد ~~جاء في لفظ: ينبذ له في سقاء من ليلة الاثنين، فيشربه يوم الاثنين ~~والثلاثاء إلى العصر. فإن فضل منه شيء سقاه الخادم، أو صبه (¬9). PageV09P174 # وفي لفظ له: إلى مساء الثالثة ثم يأمر به فيسقى أو يهراق (¬1). وفي لفظ: ~~فلما أصبح -يعني في اليوم الثالث- أمر بما بقي منه فأهريق (¬2). وجاء في ~~حديث عائشة: نبذ غدوة وشربه عشية، وينبذه عشيا ويشربه غدوة (¬3)، وهذا لا ~~يخالف حديث ابن عباس، فإن الشرب في يوم لا يمنع الشرب فيما زاد وحديث ابن ~~عباس مصرح بالزيادة، أو محمول حديث عائشة ms1993 بما إذا كان في زمن الحر يخشى ~~عليه الشدة إذا زاد على اليوم، وحديث ابن عباس في أيام البرد، أو كان ذلك ~~في القليل، وحديث ابن عباس في الكثير. وقد احتج من جوز شرب النبيذ برواية: ~~سقاه الخادم أو أمر به فصب. فإن سقى الخادم دليل على جواز شربه، وإنما تركه ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - تنزها منه على عن مقاربة ما لا يحل. وأجيب ~~عنه بأنه لم يبلغ حد الإسكار، وإنما بدا فيه بعض تغير في طعمه من حموضة أو ~~نحوها، فسقاه الخادم مبادرة لخشية الفساد، ويحتمل أن تكون "أو" للتنويع؛ ~~لأنه قال: سقاه الخادم، أو أمر به فأهريق. أي إن كان بدا في طعمه بعض ~~التغير فلم يشتد، سقاه الخادم، وإن اشتد أمر بإهراقه. وبهذا جزم النووي (¬4). # وقوله: فإن فضل منه شيء. بفتح الضاد وكسرها. والله أعلم. PageV09P175 # 1041 - وعن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". أخرجه البيهقي وصححه ابن حبان (¬1). # الحديث أخرجاه من حديث أم سلمة قالت: نبذت نبيذا في كوز، فدخل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - وهو يغلي، فقال: "مما هذا؟ ". قلت: اشتكت ابنة لي ~~فنعت لها هذا. فقال: "إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم". وفي لفظ ~~أحمد (¬2) وابن حبان: "إن الله لم يجعل شفاءكم في حرام". وذكره البخاري ~~(¬3) تعليقا، عن ابن مسعود. # والحديث فيه دلالة على أنه يحرم التداوي بالخمر؛ لأنها إذا لم يكن فيها ~~شفاء فتحريم شربها بأن، لا يرفعه تجويز أن يدفع به الضرر عن النفس. وقد ذهب ~~إلى هذا الشافعي والعترة، قالوا: إلا إذا غص بلقمة، ولم يجد ما يسوغها به ~~إلا الخمر، فإنه يجوز ذلك. وادعى في "البحر" الإجماع على ذلك؛ قال الإمام ~~المهدي في "البحر" (¬4): وكذا لو خشي التلف بالعطش، أو من قادر توعده. قال: ~~وكذا إذا خشي من علته التلف وقطع بزوالها بها، حل التداوي بها كمن غص ~~بلقمة، ويقاس عليه غير الخمر من ms1994 النجاسات. وقال أبو حنيفة: يجوز التداوي ~~بالخمر مطلقا كالترياق المتخذ من لحوم الأفاعي، وهو نجس. هكذا ذكره في ~~"البحر" (4)، وفي "ملتقى الأبحر" في PageV09P176 # فقه الحنفية ما لفظه: ولا يجوز الانتفاع بالخمر ولا أن يداوى بها جرح ~~(أ)، ولا يسقي آدميا ولو صبيا للتداوي، ولا تسقى الدواب. هذا كلامه، ولم ~~يحك خلافا بينهم، ثم قال الإمام المهدي ردا على أبي حنيفة: قلنا: لا نسلم ~~للخبر، إلا حيث استحال النجس سلمنا, ففي الخمر من التغليظ ما ليس في غيرها. ~~انتهى كلامه. # وأراد بالخبر هو حديث أم سلمة، وأقول: لا نسلم حل الترياق فالقياس عليه ~~غير صحيح، وأنه قد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا أبالي ~~ماذا أتيت إن أنا أكلت ترياقا، أو علقت تميمة، أو قلت شعرا" (¬1). أو كما ~~قال، فهذا يقتضي تحريم الترياق. وكذلك التداوي بالنجس المجمع عليه؛ كالبول ~~والغائط والدم فإنه محرم إجماعا، والمختلف في نجاسته كبول الإبل، فيه خلاف. ~~ذهب الهادي والناصر وأبو طالب والشافعي وأبو حنيفة أنه يحرم التداوي به، ~~وذهب الباقر والقاسم وأبو يوسف إلى أنه يجوز. قال الإمام المهدي: والأولى ~~أن المختلف فيه في حق من مذهبه التحريم، حكمه حكم المجمع عليه، فإذا قيس ~~على الخمر في حق من غص بلقمة، فإذا خشي التلف، وقطع بالبرء جاز ذلك وإلا لم ~~يجز. ثم قال: وإن لم يخش التلف، وقطع بارتفاع الضرر به ففيه تردد، الأقرب ~~الجواز، كما يجوز ترك الواجب خشية الضرر، وإن لم يقطع لم يجز لما مر. ~~انتهى. ومثله للإمام شرف الدين. والقياس على ترك الواجب غير صحيح؛ لأن هذا ~~فعل محصور، وهو أغلظ PageV09P177 # من ترك الواجب. # 1042 - وعن وائل الحضرمي، أن طارق بن سويد سأل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الخمر يصنعها للدواء، فقال: "إنها ليست بدواء، ولكنها داء". ~~أخرجه مسلم وأبو داود وغيرهما (¬1). # الحديث فيه دلالة على تحريم التداوي بالخمر كالحديث الأول؛ لأنها إذا لم ~~تكن دواء قد سلب عنها صلاحيتها للدواء، لم يكن شيء مقتضيا لتناولها فهي ~~باقية ms1995 على أصل التحريم. والله سبحانه وتعالى أعلم. PageV09P178 ### || AUTO باب التعزير وحكم الصائل # التعزير مصدر عزر، وهو مأخوذ من العزر، وهو الرد والمنع، ويستعمل في معنى ~~الدفع عن الشخص كدفع أعدائه عنه، ومنعهم من إضراره، ومنه قوله تعالى: ~~{وآمنتم برسلي وعزرتموهم} (¬1). وهو هنا عبارة عن فعل ما (أ) يؤلم بمن وقع ~~منه معصية لا توجب الحد، سمى بذلك لدفعه عن إتيان القبيح، ويكون بالقول ~~وبالفعل بحسب ما يليق به، والصائل اسم فاعل من صال على قرنه إذا سطا عليه ~~واستطال. # 1043 - عن أبي بردة الأنصاري رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "لا يجلد فوق عشرة أسواط، إلا في حد من حدود الله". متفق ~~عليه (¬2). # الحديث روي: "لا يجلد". بوجهين؛ أحدهما: فتح الياء وكسر اللام. والثاني: ~~بضم الياء وفتح اللام بصيغة النهي مجزوما، وبصيغة النفي مرفوعا، ويؤيد ~~الجزم رواية: "لا تجلدوا" (¬3). # وقوله: "فوق عشرة أسواط". وفي رواية: "عشر جلدات" (¬4). وفي PageV09P179 # رواية: "لا عقوبة فوق عشر ضربات" (¬1). # وقوله: "إلا في حد من حدود الله تعالى". المراد به ما ورد عن الشارع فيه ~~عدد من الضرب أو عقوبة مخصوصة؛ كالقطع والرجم، ونحوه، والمتفق عليه من ذلك ~~الزنى، والسرقة، وشرب الخمر، وحد المحارب، والقذف بالزنى، والقتل في الردة، ~~والقصاص في النفس والأطراف على الخلاف في كونه حدا، واختلف في أشياء كثيرة ~~يستحق مرتكبها العقوبة هل تسمى حدا أو لا؟ وهي جحد العارية، واللواط، ~~وإتيان البهيمة، وتحميل المرأة الفحل من البهائم عليها، والسحاق، وأكل الدم ~~والميتة ولحم الخنزير في حال الاختيار، والسحر، والقذف بشرب الخمر، وترك ~~الصلاة تكاسلا، والفطر في رمضان، والتعريض بالزنى. # وذهب بعض العلماء إلى أن الحد هنا مراد به عقوبة المعصية مطلقا، قال: ~~وتخصيصهم الحد بالعقوبة في الأشياء المخصوصة، إنما هو أمر اصطلاحي من ~~الفقهاء بعد أن كان عرف الشرع إطلاق الحد في عقوبة كل معصية كبرت أو صغرت. ~~ونسب هذا ابن دقيق العيد إلى بعض المعاصرين له. والتزم هذه المقالة ابن قيم ~~الجوزية وقال: المراد بالحدود ms1996 هنا هي أوامر الله ونواهيه لقوله تعالى: {ومن ~~يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه} (¬2). وغير ذلك، وأن المراد بالنهي في الحديث ~~إنما هو في التأديب للمصالح كتأديب الأب ابنه الصغير, ولعل المعاصر لابن ~~دقيق العيد هو ابن تيمية، ولذلك PageV09P180 # انتصر تلميذه ابن القيم [لقوله] (أ)، واعترض عليه بأنه قد ظهر أن اصطلاح ~~الشارع للحدود المذكورة قد وقع، ويدل عليه ما تقدم في قياس الخمر على ~~القذف، فإن في لفظة عبد الرحمن: "أخف الحدود ثمانون" (¬1). فهو مصرح بأن ~~الحد متعارف للشارع في المعينات، فاعترضه ابن دقيق العيد (¬2) بأنا إذا ~~حملناه على ما ذكره، لم يبق لنا شيء تمتنع فيه الزيادة، إذ ما عدا المحرم ~~لا يجوز فيه التعزير، والتأديب ليس بتعزير. قلت: ويؤيد أن الأدب ليس ~~بتعزير، أن البخاري (¬3): بوب باب التعزير والأدب. فعطفه عليه، والأصل في ~~العطف المغايرة. # وقال المصنف رحمه الله تعالى (¬4): ويحتمل أن يفرق بين مراتب المعاصي، ~~فما ورد فيه تقدير لا [يزاد] (ب) عليه، وهو المستثنى في الأصل، وما لم يرد ~~فيه تقدير، فإن كان كبيرة جازت الزيادة فيه، وأطلق عليه اسم الحد كما في ~~الآيات المشار إليها والتحق بالمستثنى، وإن كان صغيرة فهو المقصود بمنع ~~الزيادة، وقد ذهب إلى العمل بظاهر هذا الحديث الليث وأحمد في المشهور عنه ~~وإسحاق وبعض الشافعية، وقال مالك والشافعي و [صاحبا] (ج) PageV09P181 # أبي حنيفة وزيد بن علي والمؤيد والإمام يحيى (أ): إنه تجوز الزيادة على ~~العشرة، ولكن لا يبلغ أدنى الحدود. وفي كونه هل يعتبر حد الحر أو حد العبد؟ ~~قولان. وذهب الهادي والقاسم والناصر وأبو طالب أنه يكون في كل دون حد جنسه؛ ~~لأن عليا جلد من وجده مع امرأة من غير زنى مائة سوط إلا سوطين، وأفتى بذلك. ~~وذهب الشافعي إلى أن تعزير الحر دون أدنى حده، وتعزير العبد دون أدنى حد ~~العبد. وهو مقتضى قول الأوزاعي. وقال الباقون: هو إلى رأي الإمام بالغا ما ~~بلغ. وهو اختيار أبي ثور وأبي يوسف ومحمد. وهو مذهب مالك وأصحابه، كما رواه ms1997 ~~النووي (¬1). وروي عن عمر أنه كتب إلى أبي موسى، ألا تجلد في التعزير أكثر ~~من عشرين. وعن عثمان: ثلاثين. وعن عمر أنه بلغ بالسوط مائة في ضربه من نقش ~~على خاتمه، وضرب صبيا أكثر من الحد. وكذا عن ابن مسعود، وعن مالك وعطاء ~~وأبي ثور: [لا يعزر] (ب) إلا من تكرر بغيه، ومن وقع منه مرة واحدة معصية لا ~~حد فيها فلا يعزر، وعن أبي حنيفة: لا يبلغ أربعين. وعن ابن أبي ليلى وأبي ~~يوسف: لا يزاد على خمس وتسعين جلدة، وفي رواية عن مالك وأبي يوسف: لا يبلغ ~~ثمانين. وأجاب هؤلاء عن الحديث بما تقدم في كلام ابن دقيق العيد، وأن ذلك ~~مختص بالجلد بالسوط، وأما الضرب بالعصا مثلا وباليد فتجوز الزيادة، لكن لا ~~يجاوز أدنى الحدود. وهذا رأي الإصطخري من الشافعية، وكأنه لم يقف على ~~الرواية الواردة بلفظ الضرب، أو أنه PageV09P182 # منسوخ، دل على نسخه إجماع الصحابة، ورد بأنه قال به بعض التابعين، وهو ~~قول الليث بن سعد أحد فقهاء الأمصار، أو أنه قد قام الإجماع بأن التعزير ~~يخالف الحد، فإذا أخذنا بالعشر وافق الحد في أن له قدرا معلوما، والإجماع ~~خلاف ما دل عليه الحديث، ولا يخفى ما في هذا الكلام من الركة، ونقل القرطبي ~~أن الجمهور قالوا بما دل عليه الحديث، وعكسه النووي، وهذا المعتمد، فإنه لا ~~يعرف القول به في أحد من الصحابة، واعتذر الداودي عن مالك فقال: لم يبلغ ~~[مالكا] (أ) هذا الحديث، فكان يرى العقوبة بقدر الذنب، وهذا يقتضي أنه لو ~~بلغه ما عدل عنه. فيجب على من بلغه أن يأخذ به. والله أعلم. # 1044 - وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم إلا الحدود". رواه أحمد وأبو داود والنسائي (¬1). # الحديث أخرجه أيضا ابن عدي والعسكري والعقيلي (¬2) من حديث عمرة عن عائشة ~~مرفوعا، وقال العقيلي: له طرق لا يثبت منها شيء. وهو عند الشافعي وابن حبان ~~(¬3) في "صحيحه"، إلا أن في إسناد ابن حبان والعسكري ms1998 أبا بكر بن نافع (¬4)، ~~ضعفه أبو زرعة، وفي الباب عن ابن عمر، PageV09P183 # رواه أبو الشيخ في كتاب الحدود بسند ضعيف، وعن ابن مسعود رفعه بلفظ: ~~"تجاوزوا عن ذنب السخي، فإن الله يأخذ بيده عند عثراته". رواه الطبراني في ~~"الأوسط" (¬1). # وقوله: "أقيلوا". مأخوذ من إقالة البائع وهو موافقته على نقض البيع، ~~والمراد هنا موافقته على ترك المؤاخذة له على الذنب، وذوو الهيئات هم الذين ~~لا يعرفون بالشر، فيزل أحدهم الزلة. كذا فسره الشافعي، والهيئة سورة الشيء ~~وشكله وحالته. يريد به ذوي الهيئات الحسنة الذين يلزمون هيئة واحدة وسمتا ~~واحدا, ولا تختلف حالتهم بالتنقل من هيئة إلى هيئة. وعثراتهم جمع عشرة، وهي ~~واحدة، عثرا مصدر من عشر كضرب، والمراد هنا الزلة. قال الماوردي: المراد ~~هنا الصغائر أول معصية تقع من الإنسان. # وقوله: "إلا الحدود". قد تقدم الكلام في أن الحد إذا [رفع] (أ) لم يجز ~~تأخيره، وأما قبل المرافعة فقد تقدم التفصيل فيمن يترك ولا يرافع (¬2). # 1045 - وعن علي رضي الله عنه قال: ما كنت لأقيم على أحد حدا فيموت فأجد ~~في نفسي، إلا شارب الخمر، فإنه لو مات وديته. أخرجه البخاري (¬3). # قوله: لأقيم. اللام هي لام الجحود، لتأكيد النفي. PageV09P184 # وقوله: فيموت فأجد. بالنصب فيهما بالعطف على أقيم. ومعنى أجد من الوجد، ~~وهو الحزن. # وقوله: يموت. مسبب عن أقيم، وأجد مسبب عنهما جميعا. # وقوله: إلا شارب الخمر. يحتمل الاستثناء أن يكون متصلا منصوبا على تقدير: ~~ما أجد من موت أحد يقام عليه الحد شيئا إلا موت شارب الخمر، ويحتمل أن يكون ~~منقطعا منصوبا أو مرفوعا على أنه جملة تامة، أي لكن شارب الخمر إذا مات. # الحديث فيه دلالة على أن من مات بالتعزير -وهو ما لم ينص الشارع على ~~مقداره- أنه يضمنه الإمام. وقد ذهب إلى هذا الجمهور لهذا, ولقول علي لعمر ~~-لما قال له عبد الرحمن بن عوف في حق المرأة التي أسقطت ولدها: إنك مؤدب ~~فلا شيء عليك- إن اجتهد فقد أخطأ، وإن لم يجتهد فقد غشك (¬1). وذهبت ~~الهدوية إلى أنه لا ms1999 شيء فيمن مات بحد أو تعزير، فاستوى التعزير على الحد ~~بجامع أن الشارع قد أذن فيهما، والجواب ما تقدم من أن التعزير إذا أعنت فيه ~~ينكشف أن ذلك غير مأذون فيه، وأما الحد فهو مأذون فيه، ولا يقال: إن الحد ~~مع الإعنات غير مأذون فيه لأنه مأذون في أصله، والخطأ إنما هو في صفته، ~~وأما التعزير فيكشف أنه غير مأذون من أصله، قالوا: وقول علي في حق الشارب ~~إنما هو للاحتياط، ولا يخفى عليك أنه مصرح بأن ذلك واجب، وقد تقدم تمامه، ~~بأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يسنه. وقال الطبري: إن كان على ~~مغلظ كوطء أجنبية في غير الفرج فلا PageV09P185 # ضمان، وإن كان على مخفف كإساءة أدب في مجلس الحكم ضمن. قال الإمام ~~المهدي: قلت: وهو قريب، إذ المخفف أشبه بضرب الزوجة. انتهى. # وظاهر كلامه أن ضرب الزوجة إذا أعنت مضمون بلا خلاف، وقال الإمام في ~~"البحر": والتعزير إلى الإمام والسيد والزوج للولاية، وليس للأب تعزير ولده ~~الكبير إذ لا ولاية عليه، وضرب ولده الصغير ليس بتعزير إذ لا معصية له، ~~وكذا المعلم، فإن أتلف ضمن لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا توى (¬1) على ~~مال المسلم" (¬2). فكذا الزوج. انتهى. ثم قال: مسألة الإمام يحيى: وليس ~~للزوج التعزير في غير النشوز وترتيبه ترتيب الآية؛ الوعظ ثم الهجر ثم ~~الضرب، وهذا يقتضي سقوطه بالتوبة، ويكون ضربا غير مبرح إذ المجحف مهلك، ~~واليسير لا يجدي، وللسيد تعزير عبده فيما يتعلق بحق الله والخلق أو بنفسه؛ ~~كالتمرد عن الخدمة وسوء الأدب إجماعا، وسقط التعزير بالتوبة، واحتج على ذلك ~~البخاري بقضية المجامع في نهار رمضان (¬3). # وقوله: وديته. بتخفيف الدال المهملة وسكون الياء، أي: غرمت ديته. وقال ~~النووي في شرح مسلم (¬4): قال بعض العلماء: الوجه أن يقال: فديته بالفاء. ~~وقد أجمع العلماء على أن من وجب عليه حد فجلده الإمام أو جلاده الحد الشرعي ~~فمات، فلا دية فيه ولا كفارة، لا على الإمام ولا على جلاده ولا في بيت ~~المال، وأما من مات ms2000 من التعزير فمذهبنا وجوب PageV09P186 # الضمان للدية والكفارة، وفي محل ضمانه قولان للشافعي، أصحهما: تجب ديته ~~على عاقلة الإمام، والكفارة في مال الإمام. والثاني: تجب الدية في بيت ~~المال. وفي الكفارة على هذا وجهان لأصحابنا؛ أحدهما: في بيت المال أيضا. ~~والثاني: في مال الإمام. هذا مذهبنا. وقال جماهير العلماء: لا ضمان فيه على ~~الإمام. ولا على عاقلته، ولا في بيت المال. والله أعلم. انتهى. وظاهر قول ~~الهدوية أن الدية تكون في بيت المال؛ لأن خطأ الإمام في بيت المال، ~~والكفارة تكون في ماله، وهذا في خطأ الإمام، وأما في التعزير فكلامهم مثل ~~قول الجمهور، وقد تقدم النقل عن الجمهور خلاف ما نقله النووي. # 1046 - وعن عبد الله بن خباب رضي الله عنه قال: سمعت أبي يقول: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "تكون فتن، فكن فيها عبد الله المقتول، ~~ولا تكن القاتل". أخرجه ابن أبي خيثمة والدراقطني (¬1). وأخرج أحمد (¬2) ~~نحوه عن خالد بن عرفطة. # حديث خباب رواه أبو بكر بن أبي شيبة وأحمد بن منيع وأبو يعلى وأحمد بن ~~حنبل (¬3)، ومدار أسانيدهم على راولم يسم، فإن في طريقه أيوب، عن حميد بن ~~هلال، عن رجل من عبد القيس كان مع الخوارج ثم فارقهم، قال: دخلوا قرية فخرج ~~عبد الله بن خباب صاحب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - PageV09P187 # ذعرا يجر رداءه، فقال: والله لقد رعبتموني. قالوا: ألم تر؟! قال: والله ~~لقد رعبتموني. قالوا: أنت عبد الله بن خباب؟ قال: نعم. قال: هل سمعت من ~~أبيك شيئا تحدثنا به؟ قال: سمعته يحدث عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~أنه ذكر فتنة "القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، ~~والماشي فيها خير من الساعي، فإن أدركك ذلك، فكن عبد الله المقتول". قال ~~أيوب: ولا أعلمه إلا قال: "ولا تكن عبد الله القاتل". قال: أنت سمعت هذا من ~~أبيك يحدث به عن النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم. فقدموه على ضفة ~~النهر فضربوا عنقه فسأل دمه امذقر. قال ms2001 في "النهاية" (¬1) ما لفظه: في حديث ~~ابن خباب: فقتله الخوارج على شاطئ نهر، فسال دمه في الماء فما امذقر، قال ~~الراوي: فأتبعه بصري، كأنه شراك أحمر. قال أبو عبيد: أي ما امتزج بالماء. ~~وقال شمر: الامذقرار: أن يجتمع الدم ثم يتقطع قطعا ولا يختلط بالماء، يقول: ~~لم يكن كذلك، ولكنه سال وامتزج. وهذا يخالف الأول، وسياق الحديث يشهد ~~للأول، أي أنه مر فيه كالطريقة الواحدة لم يختلط به، ولذلك شبهه بالشراك ~~الأحمر، وهو سير من سيور النعل، وذكر المبرد هذا الحديث في "الكامل"، قال: ~~فأخذوه وقربوه إلى شاطئ النهر فذبحوه فامذقر دمه، أي جرى مستطيلا متفرقا. ~~هكذا رواه بغير حرف النفي، ورواه بعضهم بالباء، وهو معناه. انتهى. وبقروا ~~أم ولده عما في بطنها. وحديث خالد بن عرفطة، أخرجه أحمد والحاكم والطبراني ~~أيضا وابن قانع (¬2) من حديث حماد بن سلمة عن علي بن زيد بن جدعان عن خالد ~~بن عرفطة بلفظ: PageV09P188 # "ستكون فتنة بعدي وأحداث واختلاف، فإن استطعت أن تكون عبد الله المقتول ~~لا القاتل فافعل". وعلي بن زيد (¬1) ضعيف، وأخرج أحمد والترمذي (¬2) من ~~حديث سعد بن أبي وقاص قال: فإن دخل علي بيتي وبسط يده إلي ليقتلني؟ قال: ~~"كن كابن آدم". وأخرج أحمد (¬3) من حديث ابن عمر بلفظ: "ما يمنع أحدكم إذا ~~جاء أحد يريد قتله أن يكون مثل ابني آدم، القاتل في النار، والمقتول في ~~الجنة". وروى أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وابن حبان (¬4) من حديث ~~أبي موسى الأشعري، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في الفتنة: ~~"كسروا فيها قسيكم وأوتاركم، واضربوا سيوفكم بالحجارة، فإن دخل على أحدكم ~~بيته، فليكن كخير ابني آدم". وصححه القشيري في "الاقتراح" على شرط الشيخين. # قوله: "تكون فتن". مضارع كان التامة، لا تحتاج إلى خبر. الحديث فيه دلالة ~~على ترك القتال عند ظهور الفتن، والتحذير من الدخول فيها. قال القرطبي: ~~اختلف السلف في ذلك، فذهب سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة ~~وغيرهم (¬5) إلى أنه يجب الكف ms2002 عن المقاتلة، فمنهم من قال: يجب عليه أن يلزم ~~بيته. وقالت طائفة: يجب عليه التحول عن بلد الفتنة أصلا. ومنهم من قال: ~~يترك المقاتلة حتى لو أراد أحدهم قتله PageV09P189 # لم يدفعه عن نفسه. ومنهم من قال: يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله، وهو ~~معذور إن قتل أو قتل. وذهب جمهور العلماء والتابعين إلى وجوب نصر الحق ~~وقتال الباغين، وحملت هذه الأحاديث الواردة على من ضعف عن القتال، أو قصر ~~نظره عن معرفة صاحب الحق. وبعضهم قال بالتفصيل: وهو أنه إذا كان القتال بين ~~طائفتين لا إمام لهم فالقتال حينئذ ممنوع، وتنزل الأحاديث على هذا، وهو قول ~~الأوزاعي. وقال الطبري: إنكار المنكر واجب على من يقدر عليه، فمن أعان ~~المحق أصاب ومن أعان المخطئ أخطأ، وإن أشكل عليه الأمر فهي الحالة التي ورد ~~النهي عن القتال فيها. وذهب البعض إلى أن الأحاديث وردت في حق ناس مخصوصين، ~~وأن النهي مخصوص بمن خوطب بذلك: وقيل: إن النهي إنما هو في آخر الزمان حيث ~~يحصل التحقيق، والمقاتلة إنما هي طلب الملك، وقد أتى هذا في حديث ابن ~~مسعود، قال: قلت: يا رسول الله، ومتى ذلك؟ قال: "أيام الهرج". قلت: ومتى؟ ~~قال: "حين لا يأمن الرجل جليسه" (¬1). # وفي قوله: "فكن عبد الله المقتول، ولا تكن القاتل". فيه دلالة على أنه لا ~~يجب المدافعة عن النفس بل ظاهر النهي التحريم، إلا أن قوله في حديث خالد: ~~"فإن استطعت". يدل على أنها لا تحرم المدافعة، وكذلك قوله: "كخير ابني ~~آدم". فيحمل النهي على الكراهة دون التحريم. والله أعلم. # 1047 - وعن سعيد بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من قتل دون ماله فهو شهيد". رواه الأربعة وصححه الترمذي (¬2). PageV09P190 # وأخرجه ابن حبان والحاكم (¬1) وفيه: "من قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل ~~دون ماله فهو شهيد". وأخرج البخاري (¬2): "من قتل دون ماله فهو شهيد". من ~~حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. # الحديث فيه دلالة على جواز الدفع عن المال. ms2003 وهو قول الجمهور، وشذ من ~~أوجبه، وأنه إذا قتل كان شهيدا، وكذا إذا قتل لا ضمان عليه لعدم التعدي ~~منه، والظاهر أن ذلك مجمع عليه إلا أن بعض المالكية قالوا: لا يجوز إذا كان ~~المال قليلا، قال القرطبي: سبب الخلاف عندنا هل الإذن في ذلك من باب تغيير ~~المنكر، فلا يفترق الحال بين القليل والكثير، أو من باب دفع الضرر فيختلف ~~الحال؟ إلا أنه لا يحسن إن كفى الدفع باللين، فإن فعل ما فيه زيادة على قدر ~~الدفع كان متعديا ولزمه الضمان. وكذلك عن الأهل، وإذا كان يخشى انتهاك محرم ~~في حق الأهل وجب عليه دفعا لوقوع المنكر، وكذلك في حق غير الأهل، إذا كان ~~لا يندفع الفاعل عن فعل المنكر إلا [بالقتل] (أ) فهو من باب دفع المنكر، ~~وقد ورد من حديث سعد بن عبادة PageV09P191 # قوله: لو رأتيت رجلا مع امرأتي لضربته غير مصفح (¬1). بكسر الفاء وفتحها، ~~وقرر قوله النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "أتعجبون من غيرة سعد؟ ". ~~وهو يدل على أن له أن يعاجله بالقتل وإن كان يندفع بغير القتل، وقد اختلف ~~العلماء في ذلك؛ فقال الجمهور: عليه القود. وقال أحمد، وإسحاق (¬2)، وهو ~~قول الهدوية: إن أقام بينة أنه وجده مع امرأته هدر دمه. وقال الشافعي: يسعه ~~فيما بينه وبين الله تعالى قتل الرجل، إن كان ثيبا وعلم أنه نال منها ما ~~يوجب الغسل، ولكن لا يسقط عنه القود في ظاهر الحكم. وحكى ابن المنذر عن ~~الشافعي (¬3) قال: من أريد ماله أو نفسه أو حريمه فله الاختيار، أن يكلمه ~~أو يستغيث، فإن امتنع لم يكن له قتاله وإلا فله أن يدافعه ولو أتى على ~~نفسه، وليس عليه قتل ولا دية ولا كفارة، لكن ليس له عمد قتله. وقد أخرج عبد ~~الرزاق (¬4) بسند صحيح إلى هانئ بن حزام، أن رجلا وجد مع امرأته رجلا ~~فقتلهما، فكتب عمر كتاب العلانية أن يقيدوه به، وكتابا في السر أن يعطوه ~~الدية. وقال ابن المنذر: جاءت الأخبار عن عمر في ذلك مختلفة ms2004 وعامة أسانيدها ~~منقطعة. وقد ثبت عن علي رضي الله عنه، أنه سئل عن رجل قتل رجلا وجده مع ~~امرأته فقال: إن لم يأت بأربعة شهداء وإلا فليعط برمته (¬5). قال الشافعي: ~~وبهذا نأخذ عن علي، ولم نعلم لعلي مخالفا في ذلك. قال ابن المنذر: والذي ~~عليه أهل العلم أن للرجل أن يدفع عما ذكر، إذا أريد ظلما PageV09P192 # بغير تفصيل، إلا أن كل من يحفظ عنه من علماء الحديث كالمجمعين على ~~استثناء السلطان للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره وترك القيام عليه. ~~وفرق الأوزاعي بين الحال التي للناس فيها جماعة وإمام فحمل الحديث عليها، ~~وأما في حال الاختلاف والفرقة فليستسلم ولا يقاتل أحدا، ويرد عليه ما وقع ~~في حديث أبي هريرة عند مسلم (¬1) بلفظ: أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ ~~قال: "فلا تعطه". قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال: "قاتله". قال: أرأيت إن ~~قتلني؟ قال: "فأنت شهيد". قال: أرأيت إن قتلته؟ قال: "فهو في النار". كذا ~~أورده المصنف (¬2). ولكنه يرد عليه بأن هذا حديث أبي هريرة مطلق غير مقيد ~~بحال الفتنة وغيرها، وأحاديث ترك المقاتلة في الفتنة مقيدة بحال الفتنة، ~~ومع التعارض فالعمل بالمقيد كما هو المختار عند جماعة من المحققين ومنهم ~~الشافعي، فيندفع إيراده على هذا الوجه، وعلى قول من يقول بالتعارض مع جهل ~~التاريح يتعارضان. والله سبحانه أعلم. PageV09P193 ### | AUTO كتاب الجهاد # الجهاد بكسر الجيم مصدر جهدت جهادا أي: بلغت المشقة، وهذا معناه لغة، وهو ~~في الشرع: بذل (أ) الجهد في قتال الكفار، ويطلق أيضا على مجاهدة النفس ~~والشيطان والفساق؛ فأما مجاهدة النفس فعلى تعلم أمور الدين [ثم] (ب) على ~~العمل بها، ثم على تعليمها. وأما مجاهدة الشيطان فعلى دفع ما يأتي به من ~~الشبهات وما يزينه من الشهوات. وأما مجاهدة الكفار فتقع باليد والمال ~~واللسان والقلب. وأما الفساق فباليد ثم اللسان ثم القلب. قيل: كان فرض عين ~~على المهاجرين. وقال السهيلي (¬1): كان فرضا على الأنصار دون غيرهم. ~~والمراد في حق الأنصار إذا طرق المدينة عدو، وفي حق المهاجرين إذا أريد ms2005 ~~قتال عدو ابتداء، وبعد النبي - صلى الله عليه وسلم - فرض كفاية على الأشهر، ~~ويكفي عند الجمهور فعله في السنة مرة؛ إذ الجزية بدل عنه، وهي في السنة ~~مرة، وأول شرعيته بعد الهجرة على الصحيح. # 1048 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق". رواه ~~مسلم (¬2). # الحديث فيه دلالة على أنه يجب العزم على فعل الواجب، فإن كان الواجب من ~~الواجبات المطلقة كالجهاد وجب العزم على فعله عند إمكان PageV09P194 # الفعل، فإن كان من الواجبات المؤقتة وجب العزم على الفعل عند دخول الوقت، ~~وقد ذهب إلى هذا جماعة من أهل الأصول. # وقد اختلف العلماء في [المتمكن] (أ) من الصلاة في أول وقتها فأخرها بنية ~~أن يفعلها في أثنائه فمات قبل فعلها، أو أخر الحج بعد التمكن إلى سنة أخرى ~~فمات قبل فعله، هل يأثم أو لا؟ والأصح عند الشافعية أنه يأثم في الحج دون ~~الصلاة؛ لأن مدة الصلاة قريبة فلا ينسب إلى تفريط بالتأخير بخلاف الحج. ~~وقيل: يأثم فيهما. وقيل: لا يأثم فيهما. وقيل: يأثم في الحج الشيخ دون الشاب. # وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: فنرى أن ذلك كان على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: نرى. بضم النون، أي: نظن. وهذا الذي قاله محتمل. وقال غيره: إنه ~~عام. والمراد أن من فعل ذلك فقد أشبه المنافقين المتخلفين عن الجهاد في هذا ~~الوصف، فإن ترك الجهاد أحد شعب النفاق. # وفي الحديث دلالة على أن من نوى فعل عبادة، فمات قبل فعلها لا يتوجه عليه ~~من الذم ما يتوجه على من مات ولم ينوها، والله أعلم. # 1049 - وعن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم". رواه أحمد والنسائي وصححه ~~الحاكم (¬1). PageV09P195 # الحديث فيه دلالة على الأمر بالجهاد بما ذكر، وقد أمر بالجهاد بالنفس ~~والمال في كتاب الله تعالى في مواضع، وهذا ms2006 فرض كفاية كما عرفت، إلا أن فيما ~~أخرج البخاري (¬1) عن أبي هريرة أنه قال، قال النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "من آمن بالله ورسوله، وأقام الصلاة، وصام رمضان، كان حقا على الله أن ~~يدخله الجنة؛ جاهد في سبيل الله، أو جلس في أرضه التي ولد فيها". ما يدل ~~على أن الأمر أمر ندب، والله تعالى أعلم. # 1050 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت: يا رسول الله، على النساء ~~جهاد؟ قال: "نعم، جهاد لا قتال فيه، الحج والعمرة". رواه ابن ماجه وأصله في ~~البخاري (¬2). # لفظ البخاري: قالت عائشة رضي الله عنها: استأذنت النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في الجهاد، فقال: "جهادكن الحج". وفي لفظ آخر للبخاري (¬3): فسأله ~~نساؤه عن الجهاد، فقال: "نعم الجهاد الحج". وروى النسائي (¬4) عن أبي هريرة ~~بلفظ: "جهاد الكبير -أي العاجز- والضعيف والمرأة الحج والعمرة". # والحديث فيه دلالة على أن المرأة لا يجب عليها الجهاد، وأنه يحصل لهن ~~الثواب الذي يقوم مقام ثواب الرجال في الجهاد؛ الحج والعمرة، وذلك لأن ~~المطلوب منهن التستر والبعد عن الرجال الأجانب، وذلك ينافي ما PageV09P196 # يحتاج إليه في الجهاد من البروز والقرب من [القرن] (أ) ورفع الصوت ~~والاشتهار، ولذلك كان الحج أفضل لهن من الجهاد، وليس فيه منع لهن عن التطوع ~~بالجهاد؛ ولذلك أردف البخاري (¬1) هذا بأبواب خروج النساء للغزو وقتالهن ~~وغير ذلك. # وقد أخرج مسلم (¬2) من حديث أنس أن أم سليم اتخذت خنجرا يوم حنين، فقالت ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -: اتخذته، إن دنا مني أحد من المشركين بقرت ~~بطنه. فهو يدل على جواز القتال، وإن كان فيه مأخذ بأنها لا تقاتل إلا ~~مدافعة، وليس ذلك من باب الجهاد المشروع للرجال من قصد العدو إلى مصفه، وفي ~~البخاري إيماء إلى أن جهادهن بسقي المقاتلين ومداواة الجرحى ومناولة ~~السهام، ولم يصرح بمقاتلتهن في الأبواب، والله سبحانه أعلم. # 1051 - وعن [عبد الله بن عمرو] (ج) رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - يستأذنه في الجهاد، فقال: "أحي والداك؟ " قال: ms2007 نعم. ~~قال: "ففيهما فجاهد". متفق عليه (¬3). # ولأحمد وأبي داود (¬4) من حديث أبي سعيد نحوه، وزاد: "ارجع PageV09P197 # فاستأذنهما، فإن أذنا لك، وإلا فبرهما". # قوله: جاء رجل. قال المصنف (¬1) رحمه الله تعالى: يحتمل أن يكون هذا ~~الرجل هو جاهمة بن العباس بن مرداس فقد روى النسائي وأحمد (¬2) من طريق ~~معاوية بن جاهمة أن أباه جاهمة جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~يا رسول الله، أردت الغزو، وجئت لأستشيرك. فقال: "هل لك من أم؟ ". قال: ~~نعم. قال: "الزمها". الحديث. # وقوله: "ففيهما فجاهد". استعمل لفظ الجهاد هنا مشاكلة لما استأذن فيه، ~~والمراد بالمعنى المستعمل فيه هو إتعاب النفس في القيام بمصالحهما وإرغامها ~~في طلب ما يرضيهما، وبذل المال في قضاء حوائجهما بجامع وهو يحمل الكلفة ~~والمشقة فيكون لفظ: "فجاهد" استعارة تبعية، وحسن موقعه المشاكلة، ويحتمل أن ~~تكون العلاقة الضدية؛ لأن الجهاد فيه إنزال الضرر بالمجاهد، فاستعمل في ~~إنزال النفع بالوالدين؛ للمشاكلة المذكورة. # والحديث فيه دلالة على أن فرض الجهاد ساقط مع عدم رضا الوالدين، وقد ذكر ~~هذا في "مهذب الشافعي" (أ) (¬3)، وكذا ذكره النووي في "المنهاج" (¬4) وذهب ~~إليه الإمام يحيى والأمير الحسين صاحب "الشفا"، PageV09P198 # وظاهر الحديث: وإن لم يتضررا بفقده. وظاهره سواء كان الجهاد فرض عين في ~~حقه أو فرض كفاية، ونسبه المصنف (¬1) رحمه الله تعالى إلى جمهور العلماء، ~~وقال: إنه يحرم الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما بشرط أن يكونا مسلمين؛ ~~لأن برهما فرض عين، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن. وذهب بعض ~~الهدوية أنه لا يسقط عنه إلا إذا تضرر الوالدان، وكان كفاية، لا إذا تعين ~~عليه فهو فرض عين، وبر الوالدين كذلك فيتعارضان، ولعلهم يتفقون على تقديم ~~الجهاد؛ لأن مصلحته لحفظ الدين، وهو مقدم على حفظ مصلحة البدن، ولعله يكون ~~هذا من باب التخصيص بالمعنى المعتبر المناسب. # وقد أخرج ابن حبان (¬2) من طريق أخرى عن عبد الله بن [عمرو] (أ): جاء رجل ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن أفضل الأعمال، قال: ~~"الصلاة"، ثم قال: ms2008 مه؟ قال: "الجهاد". فقال: إن لي والدين. فقال: "آمرك ~~بوالديك خيرا". فقال: والذي بعثك نبيا لأجاهدن ولأتركنهما. قال: "فأنت ~~أعلم". وهذا متمسك لما ذهب إليه بعض الهدوية، ويحتمل أن يكون هذا في الجهاد ~~المتعين على المذكور جمعا بين الدليلين، ولا فرق لين أن يكون الولد حرا أو ~~رقيقا؛ لوجوب البر في حق الجميع، ولو أذن السيد للعبد لم يكف، ويقاس على ~~الجهاد خروج الولد لتعلم العلم أو نحوه من الواجبات، ويفترق الحال بين كونه ~~فرض عين أو فرض كفاية على الخلاف الذي مر. PageV09P199 # والحديث فيه دلالة أيضا على فضل بر الوالدين، وتعظيم حقهما، وكثرة الثواب ~~على برهما، وأن برهما قد يكون أفضل من الجهاد، والمستشار يشير بالنصيحة ~~المحضة، وأنه ينبغي للمكلف أن يستفصل عن الأفضل في أعمال الطاعة ليعمل به؛ ~~لأنه لما سمع فضل الجهاد فبادر إليه، ثم لم يقنع حتى يستأذن فيه، فدل على ~~ما هو أفضل منه في حقه، [ولولا] (أ) السؤال ما حصل له العلم بذلك. # وحديث أبي سعيد صححه ابن حبان (¬1). # 1052 - وعن جرير البجلي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أنا بريء من كل مسلم يقيم بين المشركين". رواه الثلاثة، وإسناده ~~صحيح (¬2)، ورجح البخاري إرساله (¬3). # الحديث رجح أيضا أبو حاتم وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس ~~بن أبي حازم (¬4)، ورواه الطبراني موصولا (¬5). PageV09P200 # الحديث فيه دلالة على وجوب الهجرة من دار المشركين. # 1053 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا هجرة بعد الفتح، ولكن جهاد ونية". متفق عليه (¬1). # قوله: "لا هجرة". أي من مكة، "بعد الفتح". أي فتح مكة. والحديث يدل ~~بمفهومه على أن الهجرة قبل الفتح كانت ثابتة مشروعة، وأنه لم يبق لها ذلك ~~الحكم لمن هاجر بعد الفتح، والهجرة من مكة إلى المدينة في زمن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أجمعت الأمة على وجوبها، حتى قال البغوي والواحدي: إنها ~~شرط في الإسلام. وذلك لقلة المسلمين بالمدينة واحتياجهم إلى الاجتماع، فلما ms2009 ~~فتح الله سبحانه مكة دخل الناس في دين الله أفواجا، فسقط فرض الهجرة إلى ~~المدينة، وبقى فرض الجهاد والنية. # واختلف العلماء في الهجرة من غير مكة؛ فقال أبو عبيد (¬2): لا تجب ~~الهجرة؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر من أسلم من العرب ~~بالمهاجرة إليه ولم ينكر عليهم مقامهم ببلدهم، ولأنه - صلى الله عليه وسلم ~~- كان إذا بعث سرية قال لأميرهم: "إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعهم إلى ~~ثلاث خصال -أو: ثلاث خلال- فأيتهن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم ~~إلى التحول عن دارهم إلى دار المهاجرين، وأعلمهم أنهم إن فعلوا ذلك، أن لهم ~~ما للمهاجرين، وأن عليهم ما على المهاجرين، فإن أبوا واختاروا دارهم، ~~فأعلمهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين، يجرى عليهم حكم الله الذي PageV09P201 # يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم من الفيء والغنيمة نصيب إلا أن يجاهدوا ~~مع المسلمين". وسيأتي الحديث (¬1). وقوله تعالى: {والذين آمنوا ولم ~~يهاجروا} (¬2). الآية، فلم يسلب عنهم الإيمان بعدم المهاجرة. # وذهب الجمهور إلى وجوبها لحديث جرير المذكور آنفا، وأخرج النسائي (¬3) من ~~طريق بهز بن حكيم عن أبيه عن جده مرفوعا: "لا يقبل الله من مشرك عملا بعد ~~ما أسلم، أو يفارق المشركين". وعموم قوله تعالى: {إن الذين توفاهم الملائكة ~~ظالمي أنفسهم} (¬4). وقد أرسل بها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة. # وأجاب من لم يوجب الهجرة بأن حديث: "لا هجرة بعد الفتح". عام ناسخ لما ~~سبقه وإن كان فيه احتمال أنه لا هجرة من مكة، وبأن هذه الأحاديث في حق من ~~لم يأمن على دينه، وأما من أمن على دينه وأمكنه استكمال الواجبات، فهو خارج ~~من ذلك، ويكون هذا جمعا بين الأحاديث التي ظاهرها التعارض، ويكون الحكم بعد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - هكذا؛ وهو أن من لم يمكنه استكمال ما يجب ~~عليه من دينه تجب عليه المهاجرة إلى دار يمكنه الاستكمال فيها، ومن أمكنه ~~الاستكمال لا تجب عليه الهجرة، وقد ذهب إلى هذا أيضا الهادي والقاسم ~~والإمام يحيى. # وقال الجمهور: إن الهجرة من ms2010 دار الفسق التي تظهر فيها المعاصي PageV09P202 # تستحب ولا تجب، إلا أن يغلب على رزقها الحرام، وجب الخروج لطلب الحلال؛ ~~فإن طلب الحلال فريضة. واختار الإمام المهدي واستقر به لمذهب الهدوية (¬1) ~~أنها تجب الهجرة عن دار الكفر وعن دار الفسق إلى خلي عما هاجر لأجله، أو ما ~~فيه دونه، بنفسه وأهله إلا لمصلحة أو عذر. واحتج بما تقدم من الحديث، وقد ~~حكي وجوب الهجرة عن دار الفسق للقاسم وأسباطه، وذكره المؤيد بالله، قال: ~~وهو الظاهر من مذهب أهل البيت. وقال أكثر المعتزلة وأكثر الفقهاء وحكاه في ~~"الكافي" عن السادة أنها لا تجب الهجرة عن دار الفسق. ودليل من أوجب من دار ~~الفسق القياس على دار الكفر بجامع ظهور المعاصي فيهما, ولقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا يحل لعين ترى الله يعصى فتطرف حتى تغير أو تنتقل". أخرجه ~~(أ). ويجاب بمعارضة الأحاديث التي مرت، والله أعلم. # وقوله: "ولكن جهاد ونية". قال الطيبي وغيره (¬2): هذا الاستدراك يقتضي ~~مخالفة حكم ما بعده لما قبله، والمعنى: أن الهجرة التي هي مفارقة الوطن ~~التي كانت مطلوبة [على] (ب) الأعيان إلى المدينة أنقطعت، إلا أن المفارقة ~~بسبب الجهاد باقية، وكذلك المفارقة بسبب نية صالحة كالفرار من دار الكفر، ~~والخروج في طلب العلم، والفرار بالدين من الفتن، والنية في PageV09P203 # جميع ذلك. وقال النووي (¬1): المعنى: أن الخير الذي انقطع بانقطاع الهجرة ~~يمكن تحصيله بالجهاد والنية الصالحة. و"جهاد" معطوف بالرفع على محل اسم لا. # وقال ابن العربي (¬2): الهجرة هي الخروج من دار الحرب إلى دار الإسلام، ~~وكانت فرضا في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واستمرت بعده لمن خاف ~~على نفسه، والتي انقطعت بالأصالة هي القصد إلى النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- حيث كان. # فائدة: قال ابن أبي جمرة (2): إن الحديث يمكن تنزيله على مراتب أحوال ~~المسالك، فإنه أولا يؤمر بأن يهجر مألوفاته حتى يحصل له الفتح، فإذا حصل ~~أمر بالجهاد، وهو مجاهدة النفس والشيطان مع النية الصالحة في ذلك. # 1054 - وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: ms2011 قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". متفق ~~عليه (¬3). # الحديث أخرجه البخاري (¬4) في باب من قاتل للمغنم هل ينقص من أجره PageV09P204 # من حديث أبي موسى: قال أعرابي للنبي - صلى الله عليه وسلم -: الرجل يقاتل ~~للمغنم، والرجل يقاتل ليذكر، ويقاتل ليرى مكانه، من في سبيل الله؟ فقال: ~~"من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". وأخرجه أيضا في ~~باب: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا. وهذا الأعرابي السائل، يمكن أن ~~يفسر بلاحق بن [ضميرة] (أ) الباهلي، فإنه ذكر حديثه أبو موسى [المديني] في ~~"الصحابة" من طريق عفير بن معدان: سمعت لاحق بن [ضميرة] (أ) الباهلي، قال: ~~وفدت على النبي كيم فسألته عن الرجل يلتمس الأجر والذكر؟ فقال: "لا شيء ~~له". الحديث، وفي إسناده ضعف، وقد أخرجه الطبراني (¬1) من وجه آخر عن أبي ~~موسى، أنه قال: يا رسول الله. فذكره. ويبعد أن أبا موسى أبهم نفسه وعبر ~~عنها بلفظ: أعرابي. فلعل ما وقع في "الطبراني" وهم. # والحديث فيه دلالة على أن حصول الأجر لا يكون إلا لمن قاتل لهذه الفضيلة، ~~يدل عليه الجواب بالشرط والجزاء، ومفهوم الشرط أن من خلا عن هذه الخصلة ~~فليس في سبيل الله كما هو المعتبر من مفهوم المخالفة، ولكن يبقى الكلام إذا ~~ضم إليها قصد غيرها، وهو المغنم مثلا، هل هو في سبيل الله أو لا؟ والحديث ~~يحتمل أنه لا يخرج عن كونه في سببل الله مع التشريك، لأنه قد قاتل لتكون ~~كلمة الله هي العليا، ويتأيد بقوله تعالى: {ليس PageV09P205 # عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم} (¬1). فإن ذلك لا ينافي فضيلة الحج ~~فكذلك غيره، وكذلك ما أخرجه أبو داود (¬2) بإسناد حسن عن عبد الله بن حوالة ~~قال: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أقدامنا لنغنم، فرجعنا ~~ولم نغنم شيئا، فقال: "اللهم لا تكلهم إلى ... " الحديث. وقال [الطبري] ~~(أ): إنه إذا كان أصل المقصد إعلاء كلمة الله تعالى لم يضر ms2012 ما حصل من غيره ~~ضمنا. وبذلك قال الجمهور، فالحاصل أنه ينظر إلى أصل الباعث، فإن كان الباعث ~~هو إعلاء لكلمة الله كان في سبيل الله وإن انضم إليه غيره، وإن كان الباعث ~~غيره لم يكن في سبيل الله وإن حصل، وبقي الكلام إذا استوى قصدهما، وظاهر ~~الحديث والآية أن ذلك لا يضر، ولكن يعارضه ما رواه أبو داود والنسائي (¬3) ~~من حديث أبي أمامة بإسناد جيد قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلا ~~غزا يلتمس الأجر والذكر، ما له؟ قال: "لا شيء له". فأعادها ثلاثا، كل ذلك ~~يقول: "لا شيء له". ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله ~~تعالى لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا، وابتغى به وجهه". وقال ابن ~~أبي جمرة (¬4): ذهب المحققون إلى أنه إذا كان الباعث الأول قصد إعلاء كلمة ~~الله لم يضره ما انضاف إليه. انتهى. PageV09P206 # وجوابه - صلى الله عليه وسلم - على السائل بقوله: "من قاتل ... " إلخ، ~~باللفظ الجامع دون تعيين حد المسئول عنه؛ إحالة للسامع على الاجتهاد وإعمال ~~الروية في تعيين ما هو في سبيل الله، فيكون ادعي في تحري إخلاص المقصد ~~وتحرير النية الصالحة مع ما قد تقرر في الأذهان أن الأعمال بالنيات. وفي ~~ترديد النظر في الأقسام المحتملة زيادة عمل؛ [لرجاء] (؟) إدراك الفضيلة، ~~وقال المصنف (¬1) رحمه الله تعالى: إنما أجاب بذلك لأنه لو أجابه بأن جميع ~~ما سأله عنه ليس في سبيل الله، احتمل أن يكون ما عدا ذلك في سبيل الله، ~~وليس كذلك، فعدل إلى لفظ جامع، عدل به عن الجواب عن ماهية القتال إلى حال ~~المقاتل، فتضمن الجواب وزيادة. ويحتمل أن يكون الضمير في قوله: "فهو". ~~راجعا إلى القتال الذي في ضمن "قاتل"، أي: قتاله قتال في سبيل الله. وقال ~~ابن بطال (¬2): إنما عدل النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى لفظ جامع فأفاد ~~دفع الالتباس، وزيادة الإفهام. انتهى. # وقد اشتمل طلب إعلاء كلمة الله على طلب رضاه، وطلب ثوابه، وطلب دحض ~~أعدائه، فكلها متلازمة، ms2013 ويتلخص مما ذكر في الحديث أن القتال منشؤه القوة ~~العقلية، والقوة الغضبية، والقوة الشهوانية، ولا يكون في سبيل الله إلا ~~الأول، فإنه قد ذكر في الرواية الأولى القتال للذكر، وهو السمعة، والقتال ~~للرياء، ومرجعهما إلى القوة الشهوانية، وقد جاء في رواية منصور (¬3) PageV09P207 # والأعمش (¬1) زيادة: ويقاتل حمية. أي لمن يقاتل لأجله من أهل أو عشيرة أو ~~صاحب، وفي رواية منصور أيضا زيادة: ويقاتل غضبا. أي لأجل حظ نفسه، ومرجعهما ~~إلى القوة الغضبية. والله أعلم. # 1055 - وعن عبد الله بن السعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا تنقطع الهجرة ما قوتل العدو". رواه النسائي وصححه ~~ابن حبان (¬2). # هو أبو محمد عبد الله بن السعدي، والسعدي مختلف في اسمه، فقيل: هو قدامة ~~-بضم القاف وتخفيف الدال المهملة- وقيل: عمرو. وقيل: [عبد الله] (أ) بن ~~وقدان -بفتح الواو وسكون القاف وبالدال المهملة والنون- المالكي. وإنما قيل ~~له: السعدي. لأنه كان مسترضعا في بني سعد بن بكر، وإنما قيل له: المالكي؛ ~~لأنه نسب إلى جده مالك بن حسل -بكسر الحاء المهملة وسكون السين وباللام- له ~~صحبة ورواية, وروى عن عمر بن الخطاب، وروى عنه حويطب بن عبد العزي، وأبو ~~إدريس الخولاني، وعبد الله بن محيريز، وقد اختلف عليه في ذكر حديثه، فأخرجه ~~الحميدي في "الجمع بين الصحيحين": عبد الله بن السعدي، وفي رواية أخرى: عن ~~ابن السعدي المالكي. وأخرجه أبو داود (¬3): عن ابن الساعدي. PageV09P208 # وأخرجه النسائي (¬1) في موضع: عن ابن الساعدي المالكي، وفي موضع آخر (¬2) ~~مثل الحميدي، سكن عبد الله الأردن ومات بالشام سنة سبع وخمسين. # والحديث أخرجه أيضا البغوي وابن السكن، وأخرج أبو داود (¬3) عن معاوية ~~مرفوعا: "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا تنقطع التوبة حتى تطلع ~~الشمس من مغربها". # وفي الحديث دلالة على أن حكم الهجرة بأن إلى يوم القيامة، فإن قتال العدو ~~مستمر، ولكنه لا يدل على وجوبها، والظاهر أن فضيلة الهجرة وثوابها مجمع ~~عليه، وأما الوجوب ففيه ما تقدم من الخلاف. # 1056 - وعن نافع قال: أغار رسول ms2014 الله - صلى الله عليه وسلم - علي بني ~~المصطلق وهم غارون، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، حدثني بذلك عبد الله بن ~~عمر رضي الله عنه. متفق عليه (¬4). # هو أبو عبد الله نافع بن سرجس -بفتح السين المهملة الأولى وسكون الراء ~~وكسر [الجيم] (أ) - مولى عبد الله بن عمر، كان ديلميا، من كبار التابعين ~~المدنيين، سمع ابن عمر وأبا سعيد الخدري، وروى عنه الزهري، PageV09P209 # وأيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر بن حفص، وعاصم بن عمر بن الخطاب، ~~ومالك بن أنس، وهو من المشهورين بالحديث ومن الثقات الذين يؤخذ عنهم ويجمع ~~حديثهم ويعمل به، ومعظم حديث ابن عمر عليه، قال مالك: كنت إذا سمعت حديث ~~نافع عن ابن عمر لا أبالي ألا أسمعه من أحد. مات سنة سبع عشرة [ومائة] (أ)، ~~وقيل: سنة عشرين. # قوله: علي بن المصطلق. المصطلق -بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء وكسر ~~اللام بعدها قاف- وهم بطن شهير من خزاعة، وهو المصطلق بن سعد بن عمرو بن ~~ربيعة، يقال: إن المصطلق [لقب] (5)، واسمه جذيمة بفتح الجيم بعدها ذال ~~معجمة مكسورة. # وقوله: وهم غارون -بالغين المعجمة وتشديد الراء- جمع غار بالتشديد، أي: ~~غافلون، أي: أخذهم على غرة. # والحديث فيه دلالة على جواز المقاتلة قبل الدعاء إلى الإسلام في حق ~~الكفار الذين بلغتهم الدعوة من غير إنذار. وفي المسألة ثلاثة مذاهب حكاها ~~المازري والقاضي أبو بكر بن العربي (¬1)؛ أحدها: أنه يجب الإنذار مطلقا. ~~قاله مالك وغيره، والحديث هذا يرد عليه. # والثاني: لا يجب مطلقا. وورد عليه حديث بريدة الآتي بعد هذا، أخرجه مسلم، ~~وفيه: "وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث PageV09P210 # خصال أو خلال، فأيتهن أجابوك فأقبل منهم وكف عنهم، ثم ادعهم إلى الإسلام ~~فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم". فإن قوله: "ثم ادعهم إلى الإسلام". يدل ~~على وجوب الدعاء. # والثالث: يجب إن لم تبلغهم الدعوة، ولا يجب إن بلغتهم، لكن يستحب، وهذا ~~هو الصحيح، وبه يحصل التوفيق بين الأدلة، وبه قال نافع مولى ابن عمر، ~~والحسن البصري، والثوري، والليث، والشافعي، وأبو ثور، ms2015 وابن المنذر، ~~والجمهور، قال ابن المنذر: وهو قول أكثر أهل العلم. وقد تظاهرت الأحاديث ~~الصحيحة على معناه، فمنها هذا الحديث، وحديث قتل كعب بن الأشرف (¬1)، وقتل ~~ابن أبي الحقيق (¬2) وغير ذلك. وادعى الإمام المهدي في "البحر" الإجماع على ~~وجوب دعوة من لم تبلغه دعوة الإسلام. # وقوله: سبى ذراريهم. دلالة على جواز استرقاق العرب؛ لأن بني المصطلق عرب ~~من خزاعة، وقد ذهب إليه جمهور العلماء وقول الشافعي في الجديد، وقال به ~~مالك وجمهور أصحابه وأبو حنيفة والأوزاعي، وذهب جماعة من العلماء، منهم ~~سعيد بن المسيب والزهري والشعبي، ورواية عن عمر لحديث معاذ مرفوعا يوم ~~حنين: "لو كان الاسترقاق جائزا على العرب لكان اليوم، إنما هو أسر أو ~~فداء". وضعفه البيهقي بالواقدي (¬3)، ورواه PageV09P211 # الطبراني (¬1) من طريق أخرى، وفيها يزيد بن عياض وهو أشد ضعفا من الواقدي ~~- إلى أنهم لا يسترقون، وهو قول الشافعي في القديم. وذهب الهدوية إلى جواز ~~استرقاق العربي الكتابي، ولا يسترق غير الكتابي، وأما ذراري العرب فيسترقون ~~مطلقا. واختلفوا هل يثبت بعد البلوغ استرقاقهم ولو كانوا غير كتابيين، أو ~~ذلك لا يثبت إلا في الكتابيين؟ والله سبحانه أعلم. # 1057 - وعن سليمان بن بريدة عن أبيه، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه بتقوى الله وبمن معه من ~~المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله، قاتلوا من كفر ~~بالله، اغزوا ولا تغلوا, ولا تغدروا, ولا تمثلوا, ولا تقتلوا وليدا، وإذا ~~لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال، فأيتهن أجابوك إليها فأقبل ~~منهم وكف عنهم؛ ادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك فأقبل منهم، ثم ادعهم إلى ~~التحول من دارهم إلى دار المهاجرين، فإن أبوا فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب ~~المسلمين، ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء إلا أن يجاهدوا مع المسلمين، ~~فإن هم أبوا فسلهم الجزية، فإن هم أجابوك فاقبل منهم، فإن هم أبوا فاستعن ~~بالله وقاتلهم، وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه ms2016 ~~فلا تفعل، ولكن اجعل لهم ذمتك؛ فإنكم أن تخفروا ذمتكم أهون من [أن] (أ) ~~تخفروا ذمة الله، وإن PageV09P212 # أرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تفعل، بل على حكمك، فإنك لا تدري ~~أتصيب فيهم حكم الله أم لا". أخرجه مسلم (¬1). # قوله: على جيش. الجيش الجند، أو السائرون إلى الحرب، أو غيره، والسرية ~~قطعة من الجيش تخرج منه تغير وترجع إليه. قال إبراهيم الحربي (¬2): هي ~~الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها، قالوا: سميت سرية لأنها تسري في الليل ويخفى ~~ذهابها، وهي فعيلة بمعنى فاعلة، يقال: سري وأسرى، إذا ذهب ليلا. والغلول ~~بضم الغين المعجمة: الخيانة مطلقا، أو خاص بالمغنم، يقال: أغل وغل غلولا، ~~والغدر مصدر غدر، وهو ضد الوفاء، ومضارعه يغدر بالضم والكسر، والوليد الصبي. # وفي هذه الكلمات من الحديث فوائد مجمع عليها وهي تحريم الغدر، وتحريم ~~الغلول، وتحريم قتل الصبيان، وتحريم المثلة، وفيه استحباب وصية الإمام ~~أمراءه وجيوشه بتقوى الله، والرفق بمن معه من المسلمين، وتعريفهم ما ~~يحتاجون في غزوهم، وما يجب عليهم، وما يحل لهم، وما يكره، وما يستحب. # وقوله: "ادعهم إلى الإسلام". هو بيان لقوله "ثلاث خصال". وقد وقع في نسخ ~~"مسلم" جميعها "ثم ادعهم" بزيادة "ثم" قال القاضي عياض (¬3): الصواب إسقاط ~~"ثم". وقد جاء إسقاطها في كتاب أبي عبيد وفي PageV09P213 # "سنن أبي داود" وغيرهما (¬1)، لأنه تفسير للخصال الثلاث، وقال المازري ~~(¬2): ليست ["ثم" هنا زائدة، بل] (أ) دخلت لاستفتاح الكلام. وفيه دلالة على ~~وجوب الدعاء إلى الإسلام. وقد تقدم الكلام عليه في الحديث الذي قبله. # وقوله: "ثم ادعهم إلى التحول ... " إلى آخره. فيه دلالة على أنه يندب ~~الهجرة من البادية التي لا يكون فيها من يعلم شرائع الدين، ولا يجب ذلك، ~~وفيه دلالة على أن الفيء والغنيمة لا يستحقها إلا المهاجرون، وأن الأعراب ~~لا حق لهم فيها، وأن حقهم في سهم الفقراء والمساكين من الزكاة، وقد ذهب إلى ~~هذا الشافعي وقال: لا يعطى أهل الفيء من الزكاة، ولا أهل الزكاة من الفيء. ~~وقال مالك وأبو حنيفة وهو مذهب الهدوية: إن ms2017 المالين على سواء، ويجوز صرف كل ~~واحد منهما في مصرف الآخر. وقال أبو عبيد (¬3): هذا الحديث منسوخ، قال: ~~وإنما كان هذا الحكم في أول الإسلام لمن لم يهاجر، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ~~{وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} (¬4). وهذا الذي ادعاه من النسخ لا يسلم له. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "فسلهم الجزية ... " إلى آخره. والحديث ~~فيه دلالة على أن الجزية تقبل من كل كافر سواء كان عربيا أو عجميا، كتابيا ~~أو غير كتابي؛ لعموم قوله: "عدوك". وقد ذهب إلى هذا مالك والأوزاعي ~~وغيرهما، PageV09P214 # وذهب الشافعي إلى أنها لا تقبل إلا من أهل الكتاب والمجوس عربا كانوا أو ~~عجما، وذلك لقوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون} (¬1). بعد ~~ذكر أهل الكتاب، ولقوله - صلى الله عليه وسلم -: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" ~~(¬2). وما عداهم فداخلون في عموم قوله تعالى: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة} ~~(¬3). وقوله: {فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} (¬4). والحديث وارد قبل ~~الفتح بدليل الأمر بالتحول والهجرة، والعموم في الآيات بعد الهجرة، فيكون ~~الحديث عمومه منسوخا، أو يتأول أن: "عدوك". يراد به من كان من أهل الكتاب، ~~وهم يسمون مشركين، وذهب العترة وأبو حنيفة إلى أن الجزية لا تقبل من العربي ~~غير الكتابي؛ لعموم قوله: {فاقتلوا المشركين}. وتقبل من الكتابي ومن العجمي ~~وإن كان غير كتابي، قال في "البحر": لأنه أمر تعالى بالقتل ولم يذكر ~~الجزية. ولا يخفى ضعف الاحتجاج. # وقوله: "ذمة الله و (أ) ذمة نبيه". الذمة هي عقد الصلح والمهادنة، وهذا ~~نهي تنزيه لا تحريم، والظاهر أن ذلك إجماع، وإنما وقع النهي لأنه ينقض ~~الذمة من لا يعرف حقها، وينتهك حرمتها بعض من لا يعرف التحريم وسواد الجيش، ~~وإلا فنقض الذمة محرمة على كل حال، سواء كانت PageV09P215 # معقودة على ذمة الله أو على ذمة المسلمين. # وقوله: "أن تخفروا". بضم التاء، من أخفر، تقول: أخفرت الرجل. إذا نقضت ~~عهده، وخفرته بمعنى أمنته وحميته، فالهمزة للسلب، كقولك: أعجمت الكتاب. أي: ~~أزلت عجمته، وخفرته أي: أمنته. # وقوله: "فلا تنزلهم على ms2018 حكم الله ... " إلى آخره. هذا النهي أيضا محمول ~~على التنزيه والاحتياط، وفيه حجة لمن يقول: الحق مع واحد، وليس كل مجتهد ~~مصيبا؛ لأنه لو كان الحق ما أدى إليه الاجتهاد لكان ذلك حكم الله تعالى؛ ~~لأنه لا مراد لله سبحانه وتعالى معين، بل مراد الله تعالى تابع لما أدى ~~إليه نظر المجتهد. وقد يجاب عنه بأن الحديث [مبني] (أ) على الاحتياط، وذلك ~~لأن المجتهد عند من يقول: إن الحق غير معين. قد لا يوفي الاجتهاد حقه، فلا ~~يكون صوابا على كل تقدير موافقا لحكم الله، ولذلك حمل على التنزيه، أو يقال ~~بأن ذلك إنما كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأنه لا يأمن أن ~~ينزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - وحي ناسخ لما قد كان علمه قبل، ~~فيكون منه الحكم بناء على بقاء حكم المنسوخ، وأما بعد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فهذا المعنى قد انتفى. والأول أولى، والله أعلم. # 1058 - وعن كعب بن مالك رضي الله أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان ~~إذا أراد غزوة ورى بغيرها. متفق عليه (¬1). PageV09P216 # وفي لفظ للبخاري (¬1): قلما يريد غزوة يغزوها إلا ورى بغيرها، حتى كانت ~~غزوة تبوك، فغزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حر شديد، واستقبل ~~سفرا بعيدا ومفازا، واستقبل غزو عدو كثير، فجلى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا ~~أهبة عدوهم. الحديث. # وقوله: ورى. أي سترها وأظهر غيرها، قال في "الضياء": ورى الأمر، أخفاه ~~وأظهر غيره، ومنه الحديث. وكذا في "القاموس" (¬2)، وقيل: هو في الحرب أخذ ~~العدو على غرة. وقيده السيرافي (¬3) في "شرح سيبويه" بالهمز، قال: وأصحاب ~~الحديث لم يضبطوا فيه الهمز، فكأنهم سهلوها. وذكره في "القاموس" في باب ~~الياء، وفي الحديث دلالة على أنه ينبغي للإنسان ألا يظهر ما يريد أن يفعله ~~في المستقبل. وهو مطابق لمعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "استعينوا على ~~أموركم بالكتمان" (¬4). # 1059 - وعن معقل أن النعمان بن مقرن قال: شهدت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا لم يقاتل أول النهار أخر القتال ms2019 حتى تزول الشمس، PageV09P217 # وتهب الرياح، وينزل النصر. رواه أحمد والثلاثة، وصححه الحاكم، وأصله في ~~البخاري (¬1). # هو معقل بن مقرن (¬2) المزني، أخو النعمان بن مقرن، يكنى أبا عمارة، ~~وكانوا سبعة إخوة كلهم [هاجر وصحب] (أ) النبي - صلى الله عليه وسلم - وليس ~~[ذلك] (ب) لأحد من العرب سواهم، كذا قاله محمد بن عبد الله بن نمير، وذكر ~~الواقدي أن الصحابة منهم خمسة والله أعلم (ج) (¬3). # الحديث أخرجه البخاري من حديث النعمان بن مقرن في باب الجزية بلفظ: إذا ~~لم يقاتل أول النهار انتظر حتى تهب الأرواح، وتحضر الصلوات. والحكمة في ~~التأخير أن أوقات الصلاة مظنة إجابة الدعاء، وهبوب الريح قد PageV09P218 # وقع به النصر في الأحزاب فصار مظنة لذلك، وقد جاء هذا المعنى مصرحا في ~~رواية للترمذي (¬1) لحديث النعمان، وفيها انقطاع، قال: غزوت مع النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فكان إذا طلع الفجر أمسك حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قاتل، ~~فإذا انتضف النهار أمسك حتى تزول الشمس، فإذا زالت قاتل، فإذا دخل وقت ~~العصر أمسك حتى يصليها، ثم يقاتل، وكان يقال: عند ذلك تهيج رياح النصر، ~~ويدعو المؤمنون لجيوشهم في صلاتهم. وقد علل بأن الرياح تهب عاليا بعد ~~الزوال فيحصل [بها] (أ) تبريد حدة السلاح [والحرب] (ب)، والزيادة في ~~النشاط، والريح جاء جمعها على أرواح؛ لأن الياء في ريح أصلها الواو، وإنما ~~قلبت ياء لكسر ما قبلها، فجاء الجمع على الأصل لعدم المقتضي لقلبها ياء ~~فيه، وقد حكى ابن جني جمعها على أرياح حملا للجمع على المفرد، وجمعت على ~~رياح، ومقتضى القلب باق، ولا يعارض هذا ما ثبت أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يغير صباحا؛ لأن هذا في الإغارة، وذلك عند المصافة للقتال. # 1060 - وعن الصعب بن جثامة رضي الله عنه قال: سئل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن الذراري من المشركين، يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم، ~~فقال: "هم منهم". متفق عليه (¬2). PageV09P219 # قوله: سئل عن الدار. هكذا في مسلم، وفي بعض نسخ مسلم: عن الذراري. وفي ~~لفظ البخاري: عن أهل الدار. ms2020 وهو تصريح بالمضاف المحذوف في رواية مسلم، وأما ~~رواية الذراري جمع ذرية، فقد حكم القاضي عياض بأنها تصحيف وباطلة (¬1)، ~~ويجاب عليه بأن لها وجها، والمعنى: سئل عن حكم صبيان المشركين الذين ~~يبيتون، فيصاب من نسائهم وصبيانهم بالقتل، فقال: "هم من آبائهم". أي: لا ~~بأس على من أصابهم؛ لأن أحكام آبائهم جارية عليهم. # وقوله: يبيتون. بصيغة الفعل المضارع المستند إلى المفعول الذي لم يسم ~~فاعله، والمراد به الإغارة عليهم في الليل على غفلة مع اختلاطهم بصبيانهم ~~ونسائهم، فيصاب النساء والصبيان من غير قصد لقتلهم ابتداء، والسائل هو ~~الصعب، وقد وقع مصرحا في "صحيح ابن حبان" (¬2) عن الصعب قال: سألت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم؟ قال: "نعم". ~~وقد ذهب إلى جواز قتل النساء والصبيان في البيات الشافعي ومالك وأبو حنيفة ~~والجمهور. # وقوله: "هم منهم". أي: في حكم الدنيا. وليس المراد إباحة قتلهم قصدا، بل ~~إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا به، فإذا أصيبوا لاختلاطهم بهم جاز ~~قتلهم، وقد أخرج ابن حبان في حديث الصعب زيادة: ثم نهى عنهم يوم حنين. وهي ~~مدرجة في حديث الصعب، وفي "سنن أبي داود" PageV09P220 # في آخره (¬1): قال سفيان: قال الزهري: ثم نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان. ويؤيد أن النهي في حنين ما في ~~البخاري (¬2): فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأحدهم: "الحق خالدا فقل ~~له: لا تقتل ذرية ولا عسيفا". والعسيف بمهملتين وياء: الأجير، وأول مشاهد ~~خالد مع النبي - صلى الله عليه وسلم - كانت غزوة حنين، وأخرج الطبراني في ~~"الأوسط" (¬3) من حديث ابن عمر، قال: لما دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~مكة أتي بامرأة مقتولة، فقال: " [ما] (أ) كانت هذه تقاتل". فنهى. وأخرج أبو ~~داود في "المراسيل" (¬4) عن عكرمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى ~~امرأة مقتولة بالطائف، فقال: "ألم أنه عن قتل النساء؟! من صاحبها؟ ". فقال ~~رجل: أنا يا رسول الله؛ أردفتها، فأرادت أن تصرعني فتقتلني فقتلتها. فأمر ~~بها ms2021 أن توارى. وقد ذهب إلى العمل بظاهر النهي وعمومه مالك والأوزاعي وقالا: ~~لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال، حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان ~~أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان لم [يجز] (ب) رميهم ~~ولا تحريقهم. وقد ذهب إلى هذا الهدوية؛ إلا أنهم قالوا في قتل الترس: إنه ~~يجوز قتل النساء والصبيان إذا كان يخشى قتل من صالوا عليه إذا لم يقتلوا، ~~فإنه يجوز قتل النساء والصبيان، PageV09P221 # وأما إذا ترسوا بمسلم فلا يجوز قتله إلا إذا خشي استئصال المسلمين، وذهب ~~الشافعي والكوفيون إلى جواز قتل المرأة إذا قاتلت، وقال ابن حبيب من ~~المالكية: لا يجوز القصد إلى قتلها إذا قاتلت إلا إن باشرت القتل أو قصدت ~~إليه. قالوا: وكذلك الصبي المراهق. ويحتج لما ذهب إليه الشافعي وغيره بما ~~أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان (¬1) من حديث رياح -بكسر الراء المهملة ~~وياء تحتانية باثنتين- بن الربيع التميمي، قال: كنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - في غزوة، فرأى الناس مجتمعين فرأى امرأة مقتولة، فقال: ~~"ما كانت هذه لتقاتل! ". فمفهومه أنها لو قاتلت لقتلت، وءان كان يحتمل أن ~~المرأة ليست مظنة للقتال، وليس ذلك صفة هذا النوع فيدافع بغير القتل ما ~~أمكن مثل الصائل من الحيوانات، وقد اتفق الجميع كما نقل ابن بطال (¬2) ~~وغيره على منع القصد إلى قتل النساء والولدان؛ أما النساء فلضعفهن، وأما ~~الولدان فلقصورهم عن فعل الكفر، ولما في استبقائهم من الانتفاع [بهم] (أ)، ~~إما بالرق أو الفداء. وحكى الحازمي قولا (¬3) بجواز قتل النساء والصبيان ~~على ظاهر حديث الصعب، وزعم أنه ناسخ لأحاديث النهي، وهو غريب. # وفي الحديث دلالة على جواز العمل بالعام حتى يرد الخاص؛ لأن الصحابة ~~تمسكوا بالعمومات الدالة على قتل أهل الشرك، ثم نهى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - عن قتل النساء والصبيان، فخصص ذلك العموم. وقد يستدل به على جواز PageV09P222 # تأخير البيان عن وقت الخطاب إلى وقت الحاجة. وقوله: "هم منهم". يعني أن ~~أولاد الكفار حكمهم في الدنيا حكم آبائهم، وأما ms2022 في الآخرة ففيهم إذا ماتوا ~~قبل البلوغ ثلاثة مذاهب؛ الصحيح: أنهم في الجنة. والثاني: أنهم في النار. ~~والثالث: الوقف. # 1061 - وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لرجل تبعه يوم بدر: "ارجع، فلن أستعين بمشرك". رواه مسلم (¬1). # الحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز الاستعانة بالمشرك في القتال، وقد ذهب ~~إلى هذا طائفة من العلماء، وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابة إلى جواز ذلك؛ ~~لأنه - صلى الله عليه وسلم - استعان بصفوان بن أمية يوم [حنين] (أ)، ~~واستعان يوم حنين بجماعة من المشركين وتألفهم بالغنائم، واستعان بيهود بني ~~قينقاع ورضخ لهم. أخرجه أبو داود في "المراسيل" (¬2)، وأخرجه الترمذي عن ~~الزهري مرسلا (¬3)، ومراسيل الزهري ضعيفة، قال الذهبي في "التذكرة" (¬4): ~~لأنه كان حافظا، ففي إرساله شبهة تدليس. وصحح البيهقي من حديث أبي حميد ~~الساعدي أنه ردهم (¬5). قال المصنف رحمه الله تعالى (¬6): ويجمع PageV09P223 # بين الروايات بأن الذي رده يوم بدر تفرس فيه الرغبة في الإسلام، فرده ~~رجاء أن يسلم فصدق ظنه، أو أن الاستعانة كانت ممنوعة ثم رخص فيها، وهذا ~~أقرب، ولكنهم شرطوا أن يستقيموا على أوامره ونواهيه، واشترطت الهدوية أن ~~يكون معه مسلمون يستقل بهم في إمضاء الأحكام، وقال الشافعي وآخرون: إن كان ~~للكافر حسن الرأي في المسلمين، ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعين به، ~~وإلا فيكره، وحمل الحديث على هذين الحالين، كذا ذكره النووي في "شرح مسلم" ~~(¬1)، ونسب الإمام المهدي في "البحر" (¬2) إلى أحد قولي الشافعي أنه لا ~~يستعان بمشرك على باغ، ورد عليه بأنه قد استعان النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- بخزاعة، ولا فرق بين الفسق والشرك مع جواز القتل، قال: ويجوز الاستعانة ~~بالمنافق إجماعا؛ لاستعانته - صلى الله عليه وسلم - بعبد الله بن أبي ~~وأصحابه، ويجوز الاستعانة بالفساق على الكفار إجماعا، وعلى البغاة عندنا؛ ~~لاستعانة علي بالأشعث (¬3). انتهى كلامه. فإذا حضر الكافر القتال رضخ (¬4) ~~له ولا سهم. # 1062 - وعن ابن عمر رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى ~~امرأة مقتولة في بعض مغازيه، فأنكر ms2023 كعل النساء والصبيان. متفق عليه (¬5). PageV09P224 # تقدم الكلام على الحديث (¬1). # 1063 - وعن سمرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اقتلوا ~~شيوخ المشركين واستبقوا شرخهم". رواه أبو داود وصححه الترمذي (¬2). # وأخرجه أحمد أيضا (¬3). وهو من رواية الحسن عن سمرة. # قوله: "شيوخ". جمع شيخ، والشيخ من استبانت فيه السن، أو من بلغ خمسين سنة ~~أو إحدى وخمسين سنة كما في "القاموس" (¬4)، والمراد هنا الرجال المسان أهل ~~الجلد والقوة على القتال، ولم يرد الهرمى، والشرخ: الصغار الذين لم يدركوا. ~~كذا في "النهاية" (¬5). والشرخ -بالشين والخاء المعجمتين بينهما راء مهملة- ~~أيضا: أول الشباب، قال حسان (¬6): # [إن] (أ) شرخ الشباب والشعر الأس ... ود ما لم [يعاص] (ب) كان جنونا # والحديث يحتمل أن يراد به أنه يقتل من كان بالغا، فعبر عنه بالشيخ من PageV09P225 # باب التغليب، ويستبقى من كان صغيرا، فيكون موافقا لما تقدم من النهي عن ~~قتل الصبي، ويحتمل أن يراد به استبقاء من كان في أول الشباب وإن كان بالغا؛ ~~رجاء أن يسلم، كما قال أحمد بن حنبل: الشيخ لا يكاد يسلم، والشاب أقرب إلى ~~الإسلام. فيكون الحديث مخصوصا بمن يجوز تقريره على الكفر بالجزية، والله أعلم. # 1064 - وعن علي رضي الله عنه، أنهم تبارزوا يوم بدر. رواه البخاري وأخرجه ~~أبو داود مطولا (¬1). # لفظ البخاري في المغازي: عن علي رضي الله عنه أنه قال: أنا أول من يجثو ~~بين يدي الرحمن للخصومة يوم القيامة. وقال قيس (أ): وفيهم أنزلت: {هذان ~~خصمان اختصموا في ربهم} (¬2). قال: هم الذين تبارزوا يوم بدر؛ حمزة، وعلي، ~~وعبيدة -أو أبو عبيدة- بن الحارث، رضي الله عنهم، وشيبة بن ربيعة، وعتبة، ~~والوليد بن عتبة. # وأخرج (¬3) عن قيس بن عباد قال: قال علي رضي الله عنه: فينا نزلت هذه ~~الآية {هذان خصمان اختصموا في ربهم}. انتهى. لم يذكر في هذه PageV09P226 # الرواية تفصيل المبارزين، وذكر ابن إسحاق (¬1): أن عبيدة بن الحارث وعتبة ~~بن ربيعة كانا أسن القوم، فبرز [عبيد] (أ) لعتبة، وحمزة لشيبة، وعلي ~~للوليد. وعند موسى بن عقبة (¬2): أنه برز حمزة لعتبة، ms2024 وعبيدة لشيبة، فقتل ~~علي وحمزة من بارزهما، واختلف عبيدة ومن بارزه بضربتين، فوقعت الضربة في ~~ركبة عبيدة فمات منها لما رجعوا بالصفراء (¬3)، ومال حمزة وعلي إلى الذي ~~بارز عبيدة فأعاناه على قتله. # الحديث فيه جواز المبارزة، وقد ذهب إلى هذا الجمهور، والخلاف في ذلك ~~للحسن البصري، وشرط الأوزاعي والثوري وأحمد وإسحاق إذن الأمير كما في هذه ~~الرواية، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذن للمذكورين بالمبارزة. وفي ~~الحديث دلالة على جواز إعانة المبارز رفيقه، والله أعلم. # 1065 - وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال: إنما أنزلت هذه الآية فينا معشر ~~الأنصار. يعني قوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} (¬4). قاله ردا ~~على من أنكر على من حمل على صف الروم حتى دخل فيهم. رواه الثلاثة وصححه ~~الترمذي وابن حبان والحاكم (¬5). PageV09P227 # الحديث أخرجوه من طريق أسلم بن يزيد أبي عمران، قال: كنا بالقسطنطينية، ~~فخرج صف عظيم من الروم، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم حتى دخل فيهم، ~~ثم رجع مقبلا، [فصاح] (أ) الناس: سبحان الله، ألقى بيده إلى التهلكة! فقال ~~أبو أيوب: أيها الناس، إنكم تؤولون هذه الآية على هذا التأويل، وإنما نزلت ~~هذه الآية فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصره، قلنا ~~بيننا سرا: إن أموالنا قد ضاعت، فلو أنا أقمنا فيها وأصلحنا ما ضاع منها. ~~فأنزل الله تعالى هذه الآية، فكانت التهلكة الإقامة التي أردنا. وصح عن ابن ~~عباس وجماعة من التابعين نحو ذلك في تأويل الآية (¬1). # والحديث فيه دلالة على جواز دخول الواحد في صف القتال ولو ظن الهلاك، كما ~~أنكر أبو أيوب على من تأول الآية. وذكر الإمام يحى وجهين إذا ظن الهلاك، ~~أحدهما: يجب الهرب، لقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} و: لا ~~(¬2)؛ إذ قال له رجل: يا رسول الله، أرأيت لو انغمست في المشركين فقاتلتهم ~~حتى قتلت، أإلى الجنة؟ قال: "نعم" (¬3). ومن انغمس PageV09P228 # فيهم غلب في ظنه أنه يقتل، هكذا في "البحر"، وقال المصنف رحمه الله تعالى ~~(¬1) في مسألة حمل ms2025 الواحد على العدد الكثير من العدو: وصرح الجمهور بأنه ~~إذا كان لفرط شجاعته وظنه أنه يرهب العدو بذلك، أو يجرئ المسلمين عليهم، أو ~~نحو ذلك من المقاصد الصحيحة فهو حسن، ومتى كان مجرد تهور فممنوع، لا سيما ~~إن ترتب على ذلك وهن في المسلمين. والله أعلم. # 1066 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: حرق رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نخل بني النضير وقطع. متفق عليه (¬2). # في الحديث دلالة على أنه يجوز إفساد مال أهل الحرب بالتحريق والقطع ~~لمصلحة يراها الإمام في ذلك، بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - حرق البويرة ~~-بالباء الموحدة مصغر بؤرة وهي الحفرة، وهي هنا مكان معروف بين المدينة ~~وتيماء، وهي من جهة قبلة مسجد قباء إلى جهة الغرب، ويقال لها أيضا ~~[البويلة] (أ) باللام بدل الراء- ونزلت الآية: {ما قطعتم من لينة} الآية ~~(¬3). لما قال المشركون: إنك تنهى عن الفساد في الأرض، فما بال قطع PageV09P229 # الأشجار وتحريقها؟ وفيها قال حسان شعرا: # وهان على سراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير # وقوله: سراة. بفتح المهملة وتخفيف الراء جمع سري، وهو الرئيس، والنضير ~~بفتح النون وكسر الضاد المعجمة: قبيلة [كبيرة] (أ) من اليهود. وكان الكفار ~~بعد الهجرة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - على ثلاثة أقسام (¬1): # قسم وادعهم على ألا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود ~~الثلاثة؛ قريظة والنضير وقينقاع -ونون قينقاع مثلثة، والأشهر فيها الضم- ~~وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش. وقسم تاركوه وانتظروا ما يئول إليه ~~أمره كطوائف العرب؛ فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، والعكس كبني ~~بكر، ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا كالمنافقين، فكان أول من نقض ~~العهد بني قينقاع، فحاربهم في شوال بعد وقعة بدر، فنزلوا على حكمه، فأراد ~~قتلهم فاستوهبهم [منه] (ب) عبد الله بن أبي، وكانوا حلفاءه فوهبهم له، ~~وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات، ثم نقض العهد بنو النضير، وكان رئيسهم حيي ~~بن أخطب. واختلف أهل السير في سبب نقض العهد، فأخرج ابن مردويه (¬2) بإسناد ~~صحيح ms2026 إلى معمر PageV09P230 # عن الزهري، قال: أخبرني عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، عن رجل ~~من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: كتب كفار قريش إلى عبد الله بن ~~أبي وغيره ممن يعبد الأوثان قبل بدر، يهددونهم بإيوائهم النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وأصحابه ويتوعدونهم أن يغزوهم [بجميع] (أ) العرب، فهم ابن أبي ~~ومن معه بقتال المسلمين، فأتاهم النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "ما ~~كادكم أحد بمثل ما كادتكم قريش! يريدون أن تلقوا بأسكم بينكم". فلما سمعوا ~~ذلك عرفوا الحق فتفرقوا، فلما كانت وقعة بدر، كتب كفار قريش بعدها إلى ~~اليهود: إنكم أهل الحلقة والحصون. [يتهددونهم] (ب)، فأجمع بنو النضير على ~~الغدر، فأرسلوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -: اخرج إلينا في ثلاثة من ~~أصحابك، ويلقاك ثلاثة من علمائنا، فإن آمنوا بك اتبعناك. [ففعل] (ب)، ~~فاشتمل اليهود الثلاثة على الخناجر، فأرسلت امرأة من بني النضير إلى أخ لها ~~من الأنصار مسلم، تخبره بأمر بني النضير، فأخبر أخوها النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قبل أن يصل إليهم، فرجع وصبحهم بالكتائب فحصرهم يومه، ثم غدا ~~علي بني قريظة فحاصرهم فعاهدوه، فانصرف عنهم إلى بني النضير، فقاتلهم حتى ~~نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل إلا السلاح، فاحتملوا حتى ~~أبواب بيوتهم، فكانوا يخربون [بيوتهم بأيديهم] (ج) فيهدمونها، ويحملون ما ~~يوافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر إلى الشام. PageV09P231 # وكذا أخرجه عبد بن حميد في "تفسيره" (¬1) عن عبد الرزاق، وذكر ابن إسحاق ~~(¬2) وغيره غير هذا السبب، وسيأتي قريبا من آخر الباب في حديث ابن عمرو هذا ~~أصح إسنادا، قال الزهري عن عروة: كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر (¬3)، ~~وكانت منازلهم ونخلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - حتى نزلوا على الجلاء، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا. وجزم ~~ابن إسحاق بأن قصتهم كانت بعد أحد وبعد قضية بئر معونة (3)، ورجحه الداودي ~~على ما حكاه عنه ابن التين، ولم [يسلم] (أ) ms2027 منهم إلا يامين بن عمير، وأبو ~~سعيد بن وهب، فأحرزا أموالهما. ثم نقضت قريظة العهد بعد وقعة الخندق. # وفي الآية الكريمة تصريح بأن المقطوع من النخل هو اللين، قال السهيلي ~~(¬4): في تخصيصها بالذكر إيماء إلى أن الذي يجوز قطعه من شجر العدو هو ما ~~لا يكون معدا للاقتيات؛ لأنهم كانوا يقتاتون العجوة والبرني (¬5) دون ~~اللينة، وكذلك ترجم البخاري في التفسير (¬6): باب {ما قطعتم من لينة}. نخلة ~~ما لم تكن برنية أو عجوة. وقيل: اللينة الدقل، فعلى هذا لا PageV09P232 # يتم الاحتجاج بالآية ولا بالحديث على جواز إفساد النافع من المال، وفي ~~"القاموس" و"الضياء" على كلام السهيلي، وفي "معالم التنزيل" (¬1): اللينة ~~فعلة من اللون ويجمع على ألوان، وقيل: من اللين، ومعناه النخلة الكريمة، ~~وجمعها ليان، فعلى هذا يتم الاحتجاج بالاية والحديث على ما ذكر، لأن الآية ~~والحديث وردا في قصة واحدة، ويؤيده ما رواه ابن إسحاق والبيهقي وموسى بن ~~عقبة (¬2)، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر مالك بن عوف بهدم أبنية ~~الطائف وقطع الأعناب. وقد ذهب الجمهور إلى جواز التحريق والتخريب في بلاد ~~العدو، وكرهه الأوزاعي والليث وأبو ثور، واحتجوا بوصية أبي بكر لجيوشه أن ~~لا تفعلوا شيئا من ذلك. وأجاب الطبري بأن النهي محمول على القصد لذلك، ~~بخلاف ما إذا أصابوا ذلك في حال القتال، وكما وقع في نصب المنجنيق على ~~الطائف، وهو نحو مما أجيب به في قتل النساء والصبيان، ولهذا قال أكثر أهل ~~العلم: ونهي أبي بكر لأنه علم أن تلك البلاد تفتح فأراد بقاءها على ~~المسلمين. والله سبحانه وتعالى أعلم. # 1067 - وعن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا تغلوا؛ فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا ~~والآخرة". رواه أحمد والنسائي، وصححه ابن حبان (¬3). PageV09P233 # الغلول: بضم المعجمة واللام أي: الخيانة في المغنم، قال ابن قتيبة (¬1): ~~سمي بذلك لأن آخذه يغله في متاعه، أي يخفيه، ونقل النووي (¬2) الإجماع على ~~أنه من الكبائر. # وفي الحديث دلالة على تعظيم شأن الغل، ms2028 وأن صاحبه يشتهر بذلك يوم القيامة، ~~وقد نبه على ذلك قوله تعالى: {يأت بما غل يوم القيامة} (¬3). وفسره النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - في رواية أبي هريرة أخرجها البخاري (¬4)، قال: قام ~~فينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكر الغلول، فعظمه وعظم أمره، ~~فقال: "لا ألفين أحدكم يوم القيامة على رقبته شاة لها ثغاء، وعلى رقبته فرس ~~له حمحمة، يقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك شيئا، قد أبلغتك، ~~وعلى رقبته بعير له رغاء يقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا أملك لك ~~شيئا، قد أبلغتك، وعلى رقبته صامت، فيقول: يا رسول الله أغثني. فأقول: لا ~~أملك لك شيئا، قد أبلغتك". انتهى. # فدل الحديث أنه يأتي الغال بهذه الحالة الشنيعة يوم القيامة، وهو معنى ~~قوله في حديث عبادة: "عار". ويدل على أن هذا الذنب لا يغفر بالشفاعة، وإن ~~كان - صلى الله عليه وسلم - له الشفاعة العظمى يوم القيامة، إلا أنه يحتمل ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - أبرز هذا الوعيد في مقام الزجر والتغليظ، كما ~~في قوله تعالى: {ومن كفر} (¬5) بعد آية الحج، ويحتمل أن يكون ذلك الأمر لا ~~بد منه عقوبة PageV09P234 # ليفتضح على رءوس الأشهاد، وبعد ذلك أمره إلى الله سبحانه وتعالى. قال ابن ~~المنذر (¬1): أجمعوا على أن الغال يعيد ما غل قبل القسمة. وأما بعدها؛ فقال ~~الثوري والأوزاعي والليث ومالك: يدفع إلى الإمام خمسه ويتصدق بالباقي. وكان ~~الشافعي لايرى ذلك، ويقول: إن كان ملكه فليس عليه أن يتصدق به، وإن كان لم ~~يملكه فليس له الصدقة بمال غيره. قال: والواجب أن يدفعه إلى الإمام ~~كالأموال الضائعة. # 1068 - وعن عوف بن مالك رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قضى بالسلب للقاتل. رواه أبو داود وأصله عند مسلم (¬2) (¬3). # الحديث رواه أبو داود وابن حبان والطبراني (¬4) بزيادة: ولم يخمس السلب. ~~وحديث مسلم فيه قصة لعوف بن مالك مع خالد بن الوليد. # الحديث فيه دلالة على أن السلب يستحقه القاتل؛ سواء كان بشرط PageV09P235 # الإمام أو لم يكن، وسواء ms2029 كان القاتل مقبلا أو منهزما، ممن يستحق السهم في ~~المغنم أم لا، فإن قوله: قضى بالسلب للقاتل. يدل على أن هذا حكم مطلق غير ~~مقيد. قال الشافعي: وقد حفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الحكم في ~~مواطن؛ منها يوم بدر، كما في حديث قاتلي أبي جهل (¬1)، فإنه حكم [بسلبه] ~~(أ) لمعاذ ابن الجموح لما كان هو المؤثر في قتل أبي جهل، وكذا في قتل حاطب ~~بن أبي بلتعة لرجل يوم أحد فأعطاه النبي - صلى الله عليه وسلم - سلبه. ~~أخرجه البيهقي (¬2). ومنها حديث جابر أن عقيل بن أبي طالب قتل يوم مؤتة ~~رجلا فنفله النبي - صلى الله عليه وسلم - سلبه (¬3). وكان ذلك الحكم مقررا ~~في الصحابة، حتى قال عبد الله بن جحش يوم أحد: اللهم ارزقني رجلا شديدا ~~فأقاتله ويقاتلني، ثم ارزقني عليه الظفر حتى أقتله وآخذ سلبه. رواه الحاكم ~~والبيهقي (¬4) بإسناد صحيح، وكما في قتل صفية يوم الخندق لليهودي، وقولها ~~لحسان: انزل واسلبه. فقال: ما لي بسلبه حاجة. أخرجه أحمد (¬5) بإسناد قوي، ~~وقول عمر لعلي (2) في قتله [عمرو بن عبد ود] (ب) يوم الخندق: هلا استلبت ~~درعه، فإنه ليس للعرب خير منها. فإن هذه القصص تدل على أن هذا الحكم كان PageV09P236 # متقررا عند الصحابة، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم حنين (¬1): ~~"من قتل قتيلا فله سلبه". بعد القتال لا ينافي ذلك بل هو مؤيد للحكم ~~السابق، وقد ذهب إلى أنه يستحق القاتل سلب القتيل سواء قال بذلك أمير الجيش ~~أم لا، [الأوزاعي] (أ) والليث، والثوري، وأبو ثور، وأحمد، وإسحاق، وابن ~~جرير، والشافعي، والإمام يحيى، وأن هذا قضاء من النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- لا يتوقف على قول أحد، وقال أبو حنيفة ومالك والهدوية ومن [تابعهم] (ب): ~~لا يستحق القاتل ذلك بمجرد القتل، بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنائم، إلا ~~إذا قال الأمير قبل القتال: من قتل قتيلا فله سلبه. وحملوا الحديث على هذا، ~~وهو يتوجه في قوله يوم حنين: "من قتل قتيلا فله سلبه". وأما في حديث: ms2030 قضى ~~بالسلب للقاتل. فبعيد، فإن ظاهر قوله: قضى. أن ذلك حكم مطلق، إلا أن مالكا ~~قال: يكره للإمام أن يقول ذلك، لأنه يضعف نيات المجاهدين، ولم يقل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ذلك إلا بعد انقضاء الحرب، حتى قال مالك: لم يبلغني ~~ذلك في غير حنين. ويجاب عنه بما تقدم من القصص، وعن الحنفية لا كراهة في ~~ذلك، وسواء قاله قبل الحرب أو في أثنائها، وذهب بعض إلى أن السلب مفوض إلى ~~رأى الإمام، وقرره الطحاوي وغيره؛ قالوا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أعطى سلب أبي جهل معاذ بن الجموح مع أنه قال له ولمشاركه في قتله: "كلاكما ~~قتله". لما أرياه سيفيهما (¬2). وأجيب عنه بأن PageV09P237 # النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما حكم لمعاذ لكونه الذي أثر في قتله لما ~~رأى عمق الجناية في سيفه، وقال: "كلاكما قتله". تطييبا لنفس صاحبه. وقال ~~الشافعي: يستحق القاتل السلب بشرط أن يقتل كافرا متمنعا في حال القتال، ~~والأصح أنه يستحقه من لا يسهم له بم كالمرأة والصبي والعبد كغيرهم. وعن ~~مالك: لا يستحقه إلا من يسهم له. واشترط الأوزاعي والشاميون أن يكون قتله ~~قبل التحام القتال، واشترط الجمهور أن يكون المقتول من المقاتلة، لا إذا ~~كان امرأة أو صبيا يجوز قتلهما، وقال [أبو ثور] (أ) وابن المنذر: لا يشترط. # واختلفوا في تخميس السلب؛ وللشافعي قولان، الصحيح منهما عند أصحابه أنه ~~لا يخمس، وهو ظاهر الأحاديث، وبه قال أحمد، وابن جرير، وابن المنذر، ~~وآخرون، وقال مالك، ومكحول، والأوزاعي: يخمس. وهو قول ضعيف للشافعي، وقال ~~عمر بن الخطاب وإسحاق بن راهويه: يخمس إذا كثر. وعن مالك رواية أن الإمام ~~بالخيار، واختارها إسماعيل القاضي. وجاء في حديث "من قتل قتيلا له عليه ~~بينة فله سلبه" (¬1). فيه تصريح بأنه لا يقبل قوله من دون بينة، وقد ذهب ~~إلى هذا الليث والشافعي ومن وافقهما من المالكية وغيرهم. وقال مالك ~~والأوزاعي: يعطاه بقوله بلا بينة. قالا: لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~في هذه الرواية قبل قول واحد ولم ms2031 يحلفه، فلو كان يحتاج إلى بينة لما كفى ~~قول واحد. وقد يجاب عنه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم القاتل بطريق ~~من الطرق مع تصريحه بذكر البينة، ولعله يقال: إن في هذه القصة PageV09P238 # قد أقر من هو في يده، وإقراره شهادة مع الشاهد الذي شهد له، ولا يقال: ~~إنه عمل بالإقرار. لأنه غير مستحق له، فإن المال يكون من الغنيمة لجميع ~~الجيش، والله أعلم. # 1069 - وعن مكحول رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نصب ~~المنجنيق على أهل الطائف. أخرجه أبو داود في "المراسيل" (¬1)، ورجاله ثقات، ~~ووصله العقيلي (¬2) بإسناد ضعيف عن علي رضي الله عنه. # هو أبو عبد الله مكحول بن عبد الله الشامي من سبي كابل، كان مولى لامرأة ~~من قيس، وكان سنديا لا يفصح، وقال الواقدي: كان مولى لامرأة من هذيل. وقيل: ~~مولى لسعيد بن العاص. وقيل: مولى لبني ليث. وهو معلم الأوزاعي وسعيد بن عبد ~~العزيز، وهو عالم الشام، ولم يكن أبصر منه بالفتيا في زمانه، سمع من أنس بن ~~مالك، وواثلة -بكسر الثاء المثلثة- بن الأسقع -بالسين المهملة والقاف- وأبي ~~هند الداري، وغيرهم، وروى عنه الزهري، وحميد الطويل، والأوزاعي، ويحيى بن ~~يحيى الغساني، وابن جريج، وربيعة الرأي، وعطاء الخراساني، مات سنة ثماني ~~عشرة ومائة. وقيل: ثلاث عشرة. وقيل: ست عشرة. # الحديث أخرجه أيضا الترمذي (¬3) عن ثور [راويه] (أ) عن مكحول، ولم PageV09P239 # يذكر مكحولا، فهو معضل. وروى أبو داود (¬1) من مرسل يحيى بن أبي كثير، ~~قال: حاصرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شهرا. قال الأوزاعي: فقلت ~~ليحيى: أبلغك أنه رماهم [بالمجانيق؟] (أ) فأنكر ذلك، وقال: ما نعرف ما هذا. ~~وروى أبو داود في "السنن" (¬2) أنه حاصرهم بضع عشرة ليلة. وقال السهيلي: ~~ذكره الواقدي كما ذكره مكحول، وزعم أن الذي أشار به سلمان الفارسي، وروى ~~ابن أبي شيبة (¬3)، عن عبد الله بن سنان، أنه - صلى الله عليه وسلم - حاصر ~~أهل الطائف خمسة وعشرين يوما. ومن حديث عبد الرحمن بن عوف شيئا من ذلك، وفي ~~"الصحيحين" (¬4) من ms2032 حديث ابن عمر: حاصر أهل الطائف شهرا. ولمسلم (¬5) عن ~~أنس، أن المدة كانت أربعين ليلة. # والحديث فيه دلالة على أنه يجوز قتل الكفار -إذا تحصنوا- بالمنجنيق، ~~ويقاس عليه غيره، وإن هلك بالمنجنيق من لا يجوز قتله من الصبيان والنساء، ~~وقد تقدم الكلام في ذلك (¬6). # 1070 - وعن أنس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل مكة ~~وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: ابن خطل متعلق بأستار PageV09P240 # الكعبة. فقال: "اقتلوه". متفق عليه (¬1). # قوله: دخل مكة. يعني عام الفتح، دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~أعلى مكة، وأمر خالدا بالدخول من أسفلها، من غير إحرام، وكان ذلك خاصا به؛ ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - ممنوع أن يقاس عليه غيره من الأمة، وكان - صلى ~~الله عليه وسلم - قد علم أن من عتاة الأمة من يترخص ويستند إلى فعله - صلى ~~الله عليه وسلم - كما فعله [عمرو] (أ) بن سعيد وأجاب على ابن شريح بالجواب ~~الصادم للنص الصريح، فمنع الإلحاق، وقال لأصحابه: فإن أحد ترخص لقتال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم. # وقوله: وعلى رأسه المغفر. يعني بغير إحرام، وقد جاء في رواية أبي عبيد ~~القاسم بن سلام (¬2) بزيادة: من حديد. وكذا رواه عشرة من أصحاب مالك خارج ~~"الموطأ"، وهو عند ابن عدي أيضا (¬3). # وقوله: فقال: ابن خطل. ابن خطل اسمه عبد الله بن خطل، بفتح الخاء المعجمة ~~وفتح الطاء المهملة، من بني [تيم] (1)، أحد التسعة الذين لم يؤمنهم النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بعد أن أمن الناس، وأمر بقتلهم وإن تعلقوا بأستار ~~الكعبة، PageV09P241 # ثم أسلم ستة منهم وقتل ابن خطل، والحارث بن نفيل بن وهب، ومقيس بن صبابة، ~~وإحدى القينتين لابن خطل، وكان قد أسلم فبعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~الأنصار، وكان معه مولى له يخدمه مسلم، فنزل منزلا وأمر مولاه أن يذبح له ~~تيسا ويصنع له طعاما ونام، فاستيقظ ولم يصنع له شيئا، فعدا عليه فقتله، ثم ~~ارتد مشركا، وكانت ms2033 له قينتان تغنيان بهجاء النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فأمر بقتلهما معا، فقتلت إحداهما واستؤمن للأخرى فأمنها. # وقوله: فقال: "اقتلوه". وجاء في الرواية عن الوليد بن مسلم عن مالك ~~زيادة: فقتل. أخرجه ابن عائذ وصححه ابن حبان (¬1)، وقد اختلف في قاتله، ~~فجزم ابن إسحاق بأن سعيد بن حريث وأبا برزة الأسلمي اشتركا في قتله، وحكى ~~الواقدي فيه أقوالا؛ منها: أن قاتله شريك بن عبدة العجلاني، ورجح أنه أبو ~~برزة، قال الخطابي: قتله النبي - صلى الله عليه وسلم - بحق ما جناه في ~~الإسلام، فدل على أن الحرم لا يعصم من إقامة واجب، [ولا] (أ) يؤخره عن ~~وقته. انتهى. وقد ذهب إلى هذا مالك والشافعي، وأنه يستوفى الحدود في الحرم ~~كما يستوفى في الحل، وهو اختيار ابن المنذر، وقالوا: لعموم الأدلة الدالة ~~على استيفاء الحدود والقصاص بكل مكان وزمان؛ ولهذه القصة وبما يروى # عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أن الحرم لا يعيذ عاصيا، ولا فارا بدم ~~ولا خربة (¬2)، وبأنه لو PageV09P242 # ارتكبه في الحرم لا يعيذه، وكذلك إذا لجأ إلى الحرم. وذهب الجمهور من ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى العمل بقوله - صلى الله عليه وسلم - في ~~خطبة ثاني [يوم الفتح] (أ) في تحريم الحرم فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما، ~~وعموم قوله تعالى: {ومن دخله كان آمنا} (¬1). وكان ذلك متأصلا في عهد ~~إبراهيم - صلى الله عليه وسلم - أن الحرم يعيذ العصاة، واستمر في الجاهلية، ~~وقام الإسلام على ذلك، وكانت العرب في جاهليتها يرى أحدهم قاتل أبيه وابنه ~~في الحرم فلا يهيجه، وأخرج الإمام أحمد (¬2) عن عمر بن الخطاب أنه قال: لو ~~وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه. وعن عبد الله بن عمر (¬3) أنه ~~قال: لو وجدت فيه قاتل عمر ما ندهته (¬4). وعن ابن عباس (¬5) قال: لو وجدت ~~قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه. وهذا قول جمهور التابعين، وإليه ~~ذهب أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل ~~الحديث، وهو مذهب ms2034 العترة، وأجيب عما احتج به الأولون: أما عموم PageV09P243 # الأدلة لاستيفاء الحدود للمكان والزمان بالعموم غير مسلم لعدم التصريح ~~بالزمان والمكان وإنما ذلك مطلق، والمطلق وإن كان حكمه حكم العام لكنه مقيد ~~بحديت الحرم، وهو متأخر، فإف في حجة الوداع والحدود قد شرعت، وأما قوله: إن ~~الحرم لا يعيذ. فليس بحديث، وإنما هو قول العاتي عمرو بن سعيد بن العاصي، ~~تأبيا من الإذعان للحق، فلا يلتفت إليه، وأما قتل ابن خطل ومن ذكر معه ~~فإنما كان ذلك في الساعة التي أحل النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها ~~القتال بمكة، واستمرت من صبيحة يوم الفتح إلى العصر، ثم عادت حرمتها كما ~~كانت، وكان قتل عبد الله بن خطل وقت الضحى، ما بين زمزم ومقام إبراهيم، ثم ~~قال - صلى الله عليه وسلم - (¬1): "لا يقتل قرشي بعد هذا صبرا". ورجاله ~~ثقات، إلا أن في إسناده أبا معشر (¬2)، وفيه مقال. # وأما إذا ارتكب في الحرم ما يوجب الحد، فالأصل هذا غير مسلم، فإن ~~القائلين بالإعاذة اختلفوا؛ فذهب بعض العترة أنه يخرج من الحرم ولا يقام ~~عليه فيه حتى يخرج، وروى أحمد (¬3) عن طاوس عن ابن عباس قال: من سرق أو قتل ~~في الحرم أقيم عليه في الحرم. وذكر الأثرم عن ابن عباس أيضا: من أحدث حدثا ~~في الحرم أقيم عليه ما أحدث فيه من شيء (¬4). والله سبحانه وتعالى يقول: ~~{ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم PageV09P244 # فاقتلوهم} (¬1). والفرق بينه وبين الملتجئ إليه، أن الجاني فيه هاتك ~~لحرمة الحرم، والملتجئ معظم لها؛ ولأنه لو لم يقم الحد على من جنى فيه من ~~أهله لعظم الفساد في الحرم، وأدى إلى أنه من أراد الفساد قصد إلى الحرم ~~ليسكنه ويفعل فيه ما يقضي شهوته. ووقع خلاف أيضا في القصاص فيما دون النفس ~~وفي الحد بغير القتل، وفي ذلك روايتان منصوصتان عن الإمام أحمد؛ فمن منع ~~الاستيفاء نظر إلى عموم الأدلة العاصمة بالنسبة إلى النفس وما دونها، ومن ~~فرق قال: سفك الدم إنما ينصرف إلى القتل، ms2035 ولا يلزم من تحريمه في الحرم ~~تحريم ما دونه؛ لأن حرمة النفس أعظم، والانتهاك بالقتل أشد، ولأن الحد فيما ~~دون النفس جار مجرى تأديب السيد لعبده فلم يمنع منه. # 1072 - وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قتل يوم بدر ثلاثة صبرا. أخرجه أبو داود في "المراسيل" (¬2)، ورجاله ثقات. # هو أبو عبد الله سعيد بن جبير الأسدي مولى بني والبة بطن من بني أسد بن ~~خزيمة، كوفي، أحد أعلام التابعين، سمع ابن مسعود وابن عباس وابن عمر وابن ~~الزبير وأنسا، وسمع منه عمرو بن دينار وأيوب وجعفر بن إياس، قتله الحجاج بن ~~يوسف في شعبان سنة خمس وتسعين وله تسع وأربعون سنة -ومات الحجاج في رمضان ~~من السنة، ويقال مات بعده بستة أشهر، ولم يسلط بعده على قتل أحد- ودفن ~~بظاهر واسط العراق، وقبره بها PageV09P245 # يزار (¬1)، وجبير بضم الجيم وفتح الباء الموحدة. # قوله: كمل يوم بدر ثلاثة صبرا. هم: المطعم بن عدي، والنضر بن الحارث، ~~وعقبة بن أبي معيط، قال المصنف (¬2) رحمه الله تعالى: إن قوله: المطعم بن ~~عدي. تحريف، والصواب طعيمة بن عدي، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة (¬3)، ووصله ~~الطبراني في "الأوسط" (¬4) بذكر ابن عباس. # 1073 - وعن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - فدى رجلين من المسلمين برجل مشرك. أخرجه الترمذي وصححه، وأصله عند ~~مسلم (¬5). # الحديث فيه دلالة على جواز مفاداة الأسير من المسلمين بأسير كافر، وقد ~~ذهب إلى هذا الجمهور، وقال أبو حنيفة (¬6): لا يجوز المفاداة، ويتعين إما ~~قتل الأسير، أو استرقاقه. وقال مالك: إنه لا يجوز في الأسير إلا القتل، أو ~~الاسترقاق، أو مفاداته بأسير. وقال أبو يوسف ومحمد (¬7): يجوز المفاداة ~~بغيره، أو قتل الأسير، أو استرقاقه، أو مفاداته بالمال. وذهب الجمهور إلى ~~جواز المن، والفداء بأسير، أو القتل، أو الاسترقاق، وقال PageV09P246 # الإمام يحيى (أ) بجوازها وبجواز الفداء بالمال، وفي قوله تعالى: {فإما ~~منا بعد وإما فداء} (¬1) جواز الأمرين، وأخذ الفداء كما وقع في ms2036 قصة بدر، ~~ونزل العتاب على ذلك، وهي منسوخة بقوله تعالى: {فإما منا بعد وإما فداء}. ~~ووقع من النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل الأسير كما في النضر وعقبة بن ~~أبي معيط، والمن كما في قضية أبي عزة، فإنه من عليه في يوم بدر على ألا ~~يقاتل، فعاد إلى القتال يوم أحد، فأسره وقتله، وقال في حقه: "لا يلدغ ~~المؤمن من جحر مرتين" (¬2). # 1074 - وعن صخر بن [العيلة] (ب) رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم". أخرجه أبو داود ~~(¬3)، ورجاله موثقون. # هو أبو حازم صخر -بفتح المهملة وسكون المعجمة فراء- ابن [العيلة] (5) ~~-بفتح العين المهملة وسكون الياء تحتها نقطتان وباللام، ويقال: العيلة، ~~بتشديد الياء المكسورة، ويقال: ابن أبي العيلة- الأحمسي البجلي، عداده في ~~أهل الكوفة وحديثه عندهم، ويقال: إن العيلة أمه. روى عنه عثمان بن أبي حازم ~~وهو ابن أبيه (¬4). PageV09P247 # وفي الباب عن أبي هريرة مرفوعا: "من أسلم على شيء فهو له". # أخرجه أبو يعلى (¬1)، وضعفه ابن عدي بياسين الزيات (¬2) راويه عن الزهري، ~~قال البيهقي (¬3): إنما يروي عن ابن أبي مليكة، وعن عروة مرسلا. ومرسل عروة ~~أخرجه سعيد بن منصور (¬4) برجال ثقات. # الحديث فيه دلالة على أن الكفار إذا أسلموا حرم قتلهم وملكوا أموالهم، ~~إلا أن في ذلك تفصيلا وهو أنه إذا كان الإسلام طوعا من دون قتال فأرضهم ~~باقية على ملكهم، وذلك كأرض اليمن، والواجب عليهم في أموالهم الزكاة التي ~~فرض الله سبحانه وتعالى، وإن أسلموا بعد القتال فالإسلام قد حقن دماءهم، ~~وأما أموالهم؛ فالمنقول غنيمة، وغير المنقول فيء، وقد اختلف العلماء في ~~ذلك؛ فقال مالك (¬5): لا تقسم الأرض وتكون وقفا يقسم خراجها في مصالح ~~المسلمين؛ من أرزاق المقاتلة، وبناء القناطر والمساجد، وغير ذلك من سبل ~~الخير، إلا أن يرى الإمام في وقت من الأوقات أن المصلحة تقتضي القسمة، فإن ~~له أن يقسم الأرض. # وأيد هذا القول ابن القيم (¬6) في "الهدي النبوي"، وقال: إن الأرض PageV09P248 # ليست داخلة في الغنيمة التي تقسم. قال: ms2037 فإن الله سبحانه وتعالى لم يحل ~~لأحد من الأنبياء قسمة المغنم، وكان ذلك مما اختص به النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وقد قال الله سبحانه وتعالى في حل الأرض التي بأيدي الكفار لقوم ~~موسى: {ياقوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم} (¬1). وكان غير ~~الأرض تنزل له نار من السماء تأكله. قال: وقال به جمهور الصحابة، وكان عليه ~~سيرة الخلفاء الراشدين، ونازع في ذلك بلال وأصحابه عمر وطلبوا أن يقسم ~~بينهم الأرض وهي في الشام التي فتحوها، وقالوا له: خذ خمسها واقسمها. فقال ~~عمر رضي الله عنه: هذا غير المال، ولكن أحبسه فيئا يجري عليكم وعلى ~~المسلمين. فقال بلال. وأصحابه: اقسمها بيننا. فقال عمر رضي الله عنه: اللهم ~~اكفني بلالا وذويه. فما حال الحول ومنهم عين تطرف (¬2)، ثم وافق سائر ~~الصحابة عمر رضي الله عنه، وكذلك جرى في فتوح مصر والعراق وأرض فارس وسائر ~~البلاد التي فتحت عنوة، لم يقسم منها الخلفاء الراشدون قرية واحدة، ولا يصح ~~أن يقال أنه استطاب نفوسهم ووقفها برضاهم، فإنهم قد نازعوه فيها، وهو ~~[يأبى] (أ) عليهم. ثم قال: ووافقه جمهور الأئمة، وإن اختلفوا في كيفية ~~إبقائها بلا قسمة، فظاهر مذهب الإمام أحمد وأكثر نصوصه على أن الإمام مخير ~~فيها تخيير مصلحة لا تخيير شهوة، فإن كان الأصلح للمسلمين قسمتها قسمها، ~~وإن كان الأصلح أن يقفها على جماعتهم وقفها، وإن كان الأصلح قسمة البعض ~~ووقف البعض فعله، فإن PageV09P249 # رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل الأقسام الثلاثة، فإنه قسم أرض ~~قريظة والنضير، وترك قسمة مكة، وقسم بعض خيبر وترك بعضها لما ينوبه من ~~مصالح المسلمين. # وعن أحمد رواية ثانية، أنها تصير وقفا بنفس الظهور والاستيلاء عليها من ~~غير أن [ينشئ] (أ) الإمام وقفها، وهو مذهب مالك، وعن أحمد رواية ثالثة أنه ~~يقسمها بين الغانمين كما يقسم بينهم المنقول إلا أن يتركوا حقهم منها، وهو ~~مذهب الشافعي بناء من الشافعي أن آية "الأنفال" وآية "الحشر" متواردتان، ~~وأن الجميع يسمى فيئا وغنيمة، ولكنه يرد عليه أن ظاهر ms2038 سوق آيات "الحشر" أن ~~الفيء غير الغنيمة، وأن له مصرفا [عاما] (ب)، ولذلك قال عمر رضي الله عنه ~~(¬1): إنها عمت الناس بقوله: {والذين جاءوا من بعدهم} (¬2) ولا [يبقى حق] ~~(ج) لمن جاء من بعدهم إلا إذا بقيت محتبسة للمسلمين، إذ لو استحقها ~~المباشرون للقتال وقسمت بينهم توارثها ورثة أولئك، وكانت القرية والبلد ~~تصير إلى امرأة واحدة أو صبي صغير. # وأجاب البيهقي (¬3) بأن عمر رضي الله عنه قسم أرض خيبر لما أجلاهم، وقال: ~~من كان له سهم من خيبر فليحضر حتى [نقسمها] (د) بينهم. ثم PageV09P250 # قسمها عمر رضي الله عنه بين من شهد خيبر من أهل الحديبية. وما فعله عمر ~~رضي الله عنه في قصة بلال، فإنما فعل ذلك لما رآه من المصلحة، ودعا عليهم ~~حيث خالفوه. ثم قال: وقد روينا في كتاب القسم في فتح مصر أنه رأى ذلك ورأى ~~الزبير بن العوام قسمتها كما قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خيبر. ~~وأخرج البيهقي (¬1) عن أسلم، قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: لولا أني ~~أترك الناس ببانا -بموحدتين الثانية ثقيلة وبعد الألف نون- أي فقراء معدمين ~~لا شيء لهم- ما فتحت قرية إلا قسمناها كما قسم رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - خيبر. ويجاب عنه بأن العمل بالآية الكريمة أولى لاحتمال ما عداها، ~~وهو لا يمكن العمل بها إلا مع وقف الأرض للانتفاع بغلتها. # وقال أبو حنيفة (¬2): الإمام مخير بين القسمة بين الغانمين، أو يقرها ~~لأربابها على خراج، أو ينتزعها منهم ويقرها مع آخرين بالخراج. وذهبت ~~الهدوية إلى أنه يفعل فيها الأصلح من وجوه أربعة؛ إما القسمة بين الغانمين، ~~أو أن يتركها لأهلها على خراج، أو يتركها على مقاتلة من عليها، أو يمن بها ~~عليهم. وقالوا: وقد فعل مثل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم -. والله ~~سبحانه أعلم. # 1075 - وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال في أسارى بدر: "لو كان المطعم بن عدي حيا ثم كلمني في هؤلاء النتنى ~~لتركتهم له". رواه ms2039 البخاري (¬3). PageV09P251 # المطعم بن عدي والد جبير، و"النتنى" جمع نتن بالنون والتاء المثناة من ~~فوق، والمراد به أسارى بدر، وصفهم بالنتن لما هم عليه من الشرك، كما وصفوا ~~بالنجس. # وقوله: "لتركتهم له". يعني بغير فداء، وبين السبب في ذلك ابن شاهين (¬1)، ~~وأنه كان له يد، وذلك ما وقع منه حين رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من ~~الطائف ودخل في جوار المطعم بن عدي، وقد ذكر ابن إسحاق (¬2) القصة في ذلك ~~مبسوطة وكذلك الفاكهي (1) بإسناد حسن مرسل، وأن المطعم أمر أولاده الأربعة ~~فلبسوا السلاح وقام كل واحد منهم عند ركن من الكعبة، فبلغ ذلك قريشا، ~~فقالوا له: أنت الرجل الذي لا تخفر ذمتك. وقيل: إن اليد التي له هي أنه كان ~~من أشد من سعى في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش في قطيعة بني هاشم ومن معهم ~~من المسلمين حتى حصروهم في الشعب. وروى الطبراني (1) عن جبير قال: مات ~~المطعم بن عدي قبل وقعة بدر، وله بضع وتسعون سنة. وذكر الفاكهي (1) بإسناد ~~مرسل أن حسان بن ثابت رثاه لما مات؛ مجازاة له على ما صنع للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم -. # 1076 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن ~~أزواج، فتحرجوا، فأنزل الله تعالى: {والمحصنات من النساء PageV09P252 # إلا ما ملكت أيمانكم} (¬1) الآية. أخرجه مسلم (¬2). # قوله: يوم أوطاس. أوطاس، قال القاضي عياض (¬3): هو واد في ديار هوازن، ~~وهو موضع قرب حنين. قال المصنف (¬4) رحمه الله تعالى: والراجح أن وادي ~~أوطاس هو وادي حنين، ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي ~~حنين، وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، وطائفة إلى ~~بجيلة، وطائفة إلى أوطاس. وقال أبو عبيد البكري (¬5): أوطاس واد في ديار ~~هوازن. والحديث فيه دلالة على أنه ينفسخ نكاح المسبية بالسبي، فيكون ~~الاستثناء في الآية متصلا، وقد ذهب إلى هذا الشافعي، وهو مذهب الهدوية، ~~وظاهره سواء سبي معها زوجها أو لا، وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن سبي معها ~~زوجها لم ms2040 ينفسخ النكاح، وإن سبيت وحدها انفسخ النكاح، نظرا من أبي حنيفة أن ~~الموجب للفسخ اختلاف الدار لا طروء الملك، وعن مالك قولان؛ أحدهما: أن ~~السبي يوجب الفسخ مطلقا كمذهب الشافعي. والثاني: لا يوجب الفسخ مطلقا. # والحديث وظاهر الآية المفسرة بالحديث المبين لسبب نزولها حجة للشافعي، ~~وفيه دلالة على جواز الوطء ولو قبل الإسلام، سواء كانت كتابية أو وثنية، ~~فالآية الكريمة عامة، وقصة [سبايا] (أ) أوطاس لم يذكر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV09P253 # عرض الإسلام عليهن، مع أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع، وهم حديثو ~~عهد بالإسلام، يبعد عن جميع الغانمين معرفة اشتراط إسلامهن؛ والسبايا عدة ~~ألوف أصابهن السبي على كره بعد قتال الرجال وتشريدهم والإخراج من ديارهم، ~~بيعد منهن المسارعة إلى الإسلام غاية البعد، وكذلك ما رواه الترمذي (¬1) عن ~~عرباض بن سارية أن [النبي] (أ) - صلى الله عليه وسلم - حرم وطء السبايا حتى ~~يضعن ما في بطونهن. فجعل للتحريم غاية واحدة، وهي وضع الحمل، ولو كان ~~متوقفا على الإسلام لبينه. وما أخرجه أبو داود في "السنن" وأحمد في ~~"المسند" (¬2) مرفوعا: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على ~~امرأة من السبي حتى يستبرئها". ولم يذكر الإسلام، وما أخرجه أحمد (¬3): "من ~~كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن شيئا من السبايا حتى تحيض حيضة". ~~ولم يذكر الإسلام، ولم يعرف ذكر اشتراط الإسلام في المسبية في موضع واحد ~~البتة. وقد ذهب إلى هذا طاوس وغيره، واسترجحه صاحب "المغني" (¬4) من ~~الحنابلة ورجح أدلته، وذهب الشافعي وغيره من الأئمة إلى أنه لا يجوز وطء ~~المسبية بالملك حتى تسلم إذا لم تكن كتابية، وسبايا أوطاس هن وثنيات، فلا ~~بد من التأويل بأن حلهن بعد الإسلام. ويرد عليه ما عرفت، والله سبحانه ~~وتعالى أعلم. PageV09P254 # 1077 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - سرية وأنا فيهم قبل نجد، فغنموا إبلا كثيرة، فكانت سهمانهم اثني عشر ~~بعيرا، ونفلوا بعيرا بعيرا. متفق عليه (¬1). # قوله. سرية. هي بفتح السين المهملة ms2041 وكسر الراء وتشديد الياء التحتانية، ~~وهي التي تخرج بالليل، والسارية التي تخرج بالنهار، وقيل: سميت بذلك لأنها ~~تخفي ذهابها، وهذا يقتضي أنها مأخوذة من الستر، وليس كذلك لاختلاف المادة، ~~والسرية قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهي من مائة إلى خمسمائة، وما ~~زاد على خمسمائة يقال له: منسر. بالنون ثم المهملة، فإن زاد على ثمانمائة ~~سمي جيشا، وما بينهما يسمى هبطة، فإن زاد على أربعة آلاف يسمى جحفلا، فإن ~~زاد فجيش جرار، والخميس الجيش العظيم، وما افترق من السرية يسمى بعثا، ~~والعشرة فما دونها تسمى حفيرة، والأربعون عصبة، وإلى ثلاثمائة تسمى مقنبا ~~بقاف ونون ثم باء موحدة، فإن زاد سمى جمرة بالجيم، والكتيبة ما اجتمع ولم ينتشر. # وهذه السرية ذكرها البخاري بعد غزوة الطائف، والذي ذكره أهل المغازي أنها ~~كانت قبل التوجه لفتح مكة، فقال ابن سعد (¬2): أنها كانت في شعبان سنة ~~ثمان. وذكر غيره أنها كانت قبل مؤتة، ومؤتة كانت في جمادى سنة ثمان، وقيل ~~كانت في رمضان، قالوا: وكان أبو قتادة أميرها، وكانوا PageV09P255 # خمسة وعشرين، وغنموا من غطفان بأرض محارب مائتي بعير وألفي شاة، # ولكنه لا يستقيم قسمة السهمان المذكورة على هذا القدر فتنبه. # وقوله: قبل نجد. بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهتها. # وقوله: إبلا كثيرة. في رواية مسلم (¬1): فأصبنا إبلا وغنما. # وقوله: وكانت سهمانهم. أي أنصباؤهم، والمراد به: بلغ نصيب كل واحد منهم ~~هذا القدر. # وقوله: اثني عشر بعيرا. جاء في رواية "الموطأ" عند أكثر رواته (¬2): اثني ~~عشر أو أحد عشر. بالشك، ولم يروه بغير شك إلا الوليد بن مسلم، فإنه رواه عن ~~شعيب ومالك (¬3) بغير شك، وكأنه حمل [رواية] (أ) مالك على رواية شعيب، وأبو ~~داود (¬4) رواه عن مالك والليث بغير شك، وأما عن نافع فرواه أصحابه من غير ~~شك إلا مالكا (¬5). # قوله: ونفلوا. بصيغة الماضي المجهول، والنفل زيادة يزادها الغازي على ~~نصيبه من المغنم، وفي رواية ابن إسحاق (¬6) أن التنفيل كان من الأمير، قبل ~~أن PageV09P256 # يصلوا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، والقسم كان ms2042 بعد الوصول إلى ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -، قسم ذلك بينهم وبين الجيش؛ لأن الجيش إذا ~~انفرد منه قطعة فغنمت كانت الغنيمة للجميع، وذلك حيث كانت الغنيمة بقوة رد ~~الجيش مع قرب الجيش إذا كانوا بحيث يلحقهم غوثه لو احتاجوا، وظاهر رواية ~~الليث عن نافع عند مسلم (¬1): أن ذلك كان من أمير الجيش؛ التنفيل والقسم، ~~والنبي - صلى الله عليه وسلم - مقرر لذلك؛ لأنه قال: ولم يغيره النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -. وعند مسلم (¬2) في رواية عبيد (أ) الله بن عمر: ونفلنا ~~رسول الله بعيرا بعيرا. # قال النووي (¬3): نسب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - لما كان مقررا ~~لذلك، وفي رواية أبي داود (¬4) عن ابن إسحاق بلفظ: فأصبنا نعما كثيرا، ~~وأعطانا أميرنا بعيرا بعيرا لكل إنسان، ثم قدمنا إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فقسم بيننا غنيمتنا، فأصاب كل رجل اثني عشر بعيرا بعد الخمس. وأخرجه ~~أبو داود (¬5) من طريق أخرى ولفظه: بعثنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~في جيش قبل نجد، وانبعثت سرية من الجيش، فكان سهمان الجيش اثني عشر بعيرا ~~اثني عشر بعيرا، ونفل أهل السرية بعيرا بعيرا، فكانت سهمانهم ثلاثة عشر ~~بعيرا ثلاثة عشر بعيرا. وأخرجه ابن عبد البر (¬6) من هذا الوجه، وقال في ~~روايته: إن ذلك الجيش أربعة آلاف. ويمكن PageV09P257 # الجمع بين هذه الروايات بأن التنفيل كان من الأمير قبل الوصول إلى النبي ~~- صلى الله عليه وسلم -، ثم بعد الوصول إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قسم النبي - صلى الله عليه وسلم - على الجيش، وأن قسم السرية تولى قبضه ~~وحمله الأمير، وقسم ذلك على أصحابه، فمن نسب ذلك إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فلكونه الذي قسم أولا، ومن نسب ذلك إلى الأمير فباعتبار أنه تولى ~~ذلك لأصحابه آخرا، وفي هذا دلالة على شرعية التنفيل، إلا أن عمرو بن شعيب ~~(¬1) قال: إن هذا يختص بالنبي - صلى الله عليه وسلم - دون من بعده. وكره ~~مالك أن يكون التنفيل بشرط من الأمير بأن يقول: من فعل كذا فله ms2043 نفل كذا. ~~قال: لأنه يكون القتال للدنيا. قال: فلا يجوز. # واختلف العلماء في النفل، هل يكون من أصل الغنيمة أم من غيرها من الخمس ~~أو من خمس الخمس، أو مما عدا الخمس؟ والأصح عند الشافعية أن ذلك من خمس ~~الخمس، ونقله منذر بن سعيد عن مالك، وهو شاذ عندهم، وقال الأوزاعي وأحمد ~~وأبو ثور وغيرهم: النفل من أصل الغنيمة. وقال مالك وطائفة: لا نفل إلا من ~~الخمس. وقال الخطابي (¬2): أكثر ما روي من الأخبار يدل على أن النفل من أصل ~~الغنيمة. والذي يقرب من حديث الباب أنه من الخمس، وروى مالك (¬3) أيضا عن ~~أبي الزناد، أنه سمع سعيد بن المسيب قال: كان الناس يعطون النفل من الخمس. ~~قال المصنف (¬4) رحمه الله تعالى: وظاهره اتفاق الصحابة على ذلك. وقال ابن ~~عبد البر (¬5): إن أراد الإمام PageV09P258 # تفضيل بعض الجيش لمصلحة فيه، فذلك من الخمس، وإن انفردت قطعة وأراد أن ~~ينفلها، فذلك من غير الخصر بشرط ألا يزيد على الثلث. انتهى. وهذا الشرط ~~قاله الجمهور، وقال الشافعي: هو راجع إلى ما يراه الإمام من الصلاح، ويدل ~~على ذلك قوله تعالى: {قل الأنفال لله والرسول} (¬1)، ففوض إليه أمرها، ~~وظاهر الحديث إذا كان النفل من أصل الغنيمة أنه لا خمس فيه. # 1078 - وعنه رضي الله عنه قال: قسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوم ~~خيبر للفرس سهمين وللراجل سهما. متفق عليه (¬2) واللفظ للبخاري. ولأبي داود ~~(¬3): أسهم لرجل ولفرسه ثلاثة أسهم؛ سهمين لفرسه وسهما له. # تمام حديث البخاري، قال: فسره نافع فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة ~~أسهم، وإن لم يكن له فرس فله سهم. وقد رواه البخاري (¬4) بطريق أخرى: أنه ~~جعل للفرس سهمين ولصاحبه سهما. وهذه الرواية موافقة لتفسير نافع. # والحديث فيه دلالة على أن سهم الفرس اثنان من غير سهم صاحبها، PageV09P259 # و [رواية أبي] (أ) داود موافقة لذلك، وكلها عن عبيد الله العمري، وقد ذهب ~~إلى هذا الناصر والقاسم ومالك والشافعي، وذهب أبو حنيفة والهادي إلى أن ~~الفرس لها سهم ولصاحبها ms2044 سهم، محتجين بما أخرجه أبو داود (¬1) من حديث مجمع ~~بن جارية -بالجيم والياء التحتانية- في قصة خيبر في حديث طويل، قال: فأعطى ~~للفارس سهمين وللراجل سهما. وأجيب بأن ما رواه البخاري مقدم، لا سيما مع ~~ضعف حديث أبي داود، وقد يؤيد بما أخرجه الدارقطني (¬2) من حديث أبي بكر بن ~~أبي شيبة بلفظ: أسهم للفارس سهمين. قال الدارقطني عن شيخه أبي بكر ~~النيسابوري: إنه وهم فيه الرمادي أو شيخه مع أن ابن أبي شيبة رواه في ~~"مصنفه" (¬3) بهذا الإسناد بلفظ: للفرس. وكذلك أخرجه ابن أبي عاصم (¬4) في ~~كتاب "الجهاد" له بلفظ: أسهم للفرس. فيحمل قوله: أسهم للفارس سهمين. أي: ~~أسهم للفارس سهمين بسبب فرسه غير سهمه المختص به، والجمع بين [الروايات] ~~(ب) ما أمكن هو الواجب، لا سيما مع كون الرواية الأولى أثبت، وهي متضمنة ~~لزيادة علم، وقد أخرج أبو داود (¬5) من حديث أبي PageV09P260 # عمرة، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أعطى للفرس سهمين ولكل إنسان ~~سهما، فكان للفارس ثلاثة أسهم. وأخرج النسائي (¬1) من حديث الزبير، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب له أربعة أسهم؛ سهمين لفرسه، وسهما له، ~~وسهما لقرابته. وقد نقل عن أبي حنيفة أنه كره أن تفضل بهيمة على مسلم، وهذه ~~شبهة ضعيفة لا تعارض النصوص، مع [أن] (أ) السهام في الحقيقة كلها للرجل، مع ~~أن المعنى المقتضي لتضعيف سهم الفرس واضح، وهو أن الفرس يحتاج إلى مؤنة ~~[لخدمتها] (ب) وعلفها، وبأنه يحصل [بها] (ج) من الإرهاب في الحرب ما لا ~~يخفى، وقد روي عن علي وعمر وأبي موسى مثل قول أبي حنيفة (¬2)، لكن الثابت ~~عن علي وعمر مثل القول الأول (¬3). وإن حضر بفرسين، فقال الليث وأبو يوسف ~~وأحمد وإسحاق (¬4): يسهم لهما أربعة أسهم. وقد أخرج الدارقطني (¬5) بإسناد ~~ضعيف عن أبي [عمرة] (د) قال: أسهم لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~لفرسي أربعة أسهم، ولي سهما، فأخذت خمسة أسهم. وذهب الجمهور إلى أنه لا ~~يسهم إلا لفرس واحدة، وهو قول مالك، وأما لأكثر من PageV09P261 # فرسين فإجماع، وإذا ms2045 مات الفرس قبل حضور القتال، فقال مالك: يسهم لها. ~~وقال الجمهور: لا يسهم لها إلا إذا حضر بها القتال. وإذا مات الفرس في ~~الحرب استحق صاحبه، وإن مات صاحبه استحق الورثة. وعن الأوزاعي فيمن وصل إلى ~~موضع القتال فباع فرسه: يسهم له، لكن يستحق البائع مما غنموا قبل البيع، ~~والمشتري مما بعده، وما اشتبه قسم. وقال غيره: يوقف حتى يصطلحا. ولو اشترى ~~فرسا في دار العدو قد دخل إليها راجلا؛ فقال أبو حنيفة: لا يسهم له إلا ~~سهم. ومن غزا في البحر ومعه فرس، فقال الأوزاعي والشافعي: يسهم للفرس. ~~والفرس يشمل العربي والهجين، والمراد بالهجين ما يكون أحد أبويه عربيا ~~والآخر غير عربي. وقيل: الهجين الذي أبوه فقط عربي، وأما الذي أمه عربية ~~فقط فيسمى المقرف. وعن أحمد: الهجين البرذون. وفي "المراسيل" (¬1) لأبي ~~[داود] (ب) عن مكحول، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - هجن الهجين يوم ~~[خيبر] (ج)، وعرب العراب، فجعل للعربي سهمين والهجين سهما. وهو منقطع، وقد ~~أخرجه الشافعي (¬2) عن عمر في قصة مشورة المنذر الوادعي، ولكنه منقطع، وقد ~~أخذ بهذا أحمد، وعنه رواية كغيره من العلماء، وعنه: إن فعلت البراذين ما ~~تفعله الخيل سوى بينهما وإلا فضلت العربية. وعن الليث: يسهم للبراذين ~~والهجين دون سهم الفرس. # 1079 - وعن معن بن يزيد قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: PageV09P262 # "لا نفل إلا بعد الخمس". رواه أحمد وأبو داود وصححه الطحاوي (¬1). # هو أبو يزيد معن بن يزيد بن الأخنس (¬2) -بفتح الهمزة وسكون الخاء ~~المعجمة وفتح النون وبالسين المهملة- من بني بهثة -بضم الباء الموحدة ~~وبالثاء المثلثة- بن سليم -بضم السين وفتح اللام- السلمي، له ولأبيه ولجده ~~صحبة، شهدوا بدرا فيما قيل، ولا يعلم أنه اتفق من شهد هو وأبوه وجده بدرا ~~غيرهم، وقيل: لا يصح شهوده بدرا. يعد في الكوفيين، روى عنه أبو جوصرية ~~الجرمى ووائل بن كليب. # وقوله: "لا نفل". النفل: بفتح النون والفاء: الغنيمة، والمراد به هنا ما ~~يزيده الإمام لمن شاء من الغانمين على نصيبه، وقد اتفق العلماء ms2046 على جواز ~~ذلك، واختلفوا من أي شيء يكون النفل وفي مقداره، وهل يجوز الوعد به قبل ~~الحرب؟ وظاهر الحديث أن النفل إنما يكون بعد تخميس الغنيمة، ولك (¬3) فيه ~~احتمال أن يكون النفل من الخمس أو يكون من أصل الغنيمة قبل أن تقسم، فقال ~~مالك وغيره: إن النفل إنما يكون من الخمس. وقد روى هذا الشافعي (¬4) عن ~~مالك عن أبي الزناد عن سعيد بن المسيب، قال: ما كانوا ينفلون إلا من الخمس. ~~وذهب الشافعي وغيره إلى أنه يكون من خمس الخمس الذي هو حظ الإمام، وذهب ~~أحمد وأبو عبيد وغيرهم إلى أن PageV09P263 # التنفيل يكون من جملة الغنيمة، والسبب في الاختلاف أن قوله تعالى: ~~{واعلموا أنما غنمتم من شيء} (¬1) يدل على أن الغنيمة قد صارت ملكا ~~للغانمين، فلا يجوز التنفيل منها، وإنما يكون من الخمس، وقوله تعالى: ~~{يسألونك عن الأنفال} (¬2) الآية. أن للنبي - صلى الله عليه وسلم - التصرف ~~في الغنيمة، فمن قال: إن قوله: {واعلموا}. ناسخ لقوله: {قل الأنفال لله ~~والرسول} (2). قال: لا يكون النفل إلا من الخمس. ومن قال: إن الآية الأولى ~~غير منسوخة. قال: إن التنفيل إلى رأي الرسول، له أن ينفل وله ألا ينفل، ~~وكذلك ما تقدم من حديث ابن عمر (¬3)، أنه كان كل سهم اثني عشر بعيرا، و ~~[نفلوا] (أ) بعيرا بعيرا، فيه دلالة على أن النفل كان من الخمس، إذ لا ~~فائدة في التنفيل إذا كان التنفيل لجميع العسكر، إلا أن يقال: إن التنفيل ~~اختص ببعضهم وهم السرية، وحديث حبيب بن مسلمة الآتي، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - كان ينقل الربع للسرايا بعد الخمس في البدأة، وينفلهم ~~الثلث بعد الخمس في الرجعة. يعني في بدأة غزوه وفي انصرافه، فظاهره أن ~~التنفيل من غير الخمس، وأنه لبعض العسكر؛ [لأنه] (ب) جعل ذلك للسرايا، وأما ~~المقدار فالذين أجازوا التنفيل من رأس الغنيمة قال بعضهم: لا يجوز أن ينفل ~~أكثر من الثلث أو الربع، كما دل عليه حديث حبيب بن مسلمة. وقال بعضهم: PageV09P264 # للإمام أن ينفل السرية جميع ms2047 ما غنمت نظرا إلى ظاهر قوله تعالى: {قل ~~الأنفال لله}. وقد روى [الحكم] (أ) (¬1) من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان ينفل قبل أن تنزل فريضة الخمس من ~~المغنم. الحديث. وهو مرسل. والله أعلم. # 1080 - وعن حبيب بن مسلمة رضي الله عنه قال: شهدت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - نفل الربع في البدأة والثلث في الرجعة. رواه أبو داود وصححه ~~ابن الجارود وابن حبان والحاكم (¬2). # هو أبو عبد الرحمن حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري (¬3)، و (ب) يقال ~~له: حبيب الروم. لكثرة مجاهدته إياهم، ولاه عمر بن الخطاب أعمال الجزيرة إذ ~~عزل عنها عياض بن غنم، وضم [إلى] (ج) حبيب أرمينية وأذربيجان، وكان فاضلا ~~مجاب الدعوة، مات بالشام، ويقال: بأرمينية، سنة اثنتين وأربعين، وروى عنه ~~عبد الرحمن بن أمية الضمري وابن أبي مليكة. وحبيب بالحاء المهملة المفتوحة ~~وباءين موحدتين بينهما ياء تحتية، PageV09P265 # ومسلمة بفتح الميم واللام. # الحديث أخرج نحوه الترمذي وابن ماجه وابن حبان (¬1) في "صحيحه" عن عبادة ~~بن الصامت. وقد فسر الخطابي (¬2) الحديث بما حاصله أن السرية إذا ابتدأت ~~السفر نفلها الربع، فإذا أقفلوا ثم رجعوا إلى العدو ثانية كان لهم الثلث؛ ~~لأن نهوضهم بعد القفول أشق عليهم وأخطر، وفيه دلالة على أن التنفيل من ~~الغنيمة، وأن التنفيل يكون إلى نظر الإمام يفعله لمصلحة. # 1081 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - رضي الله عنهما قال: كان رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة، ~~سوى قسمة عامة الجيش. متفق عليه (¬3). # 1082 - وعنه قال: كنا نصيب في مغازينا العسل والعنب فنأكله ولا نرفعه. ~~رواه البخاري (¬4). ولأبي داود (¬5): فلم يؤخذ منهم الخمس. وصححه ابن حبان (¬6). # قوله: ينفل بعض من يبعث ... إلخ. فيه دلالة على أن التنفيل ليس واجبا بل ~~ذلك جائز واقف أيضا على حسب ما يراه من الصلاح. PageV09P266 # وقوله: كنا نصيب في مغازينا. الحديث، قد جاء في رواية الإسماعيلي (¬1) ~~بلفظ: كنا نصيب السمن والعسل. ms2048 وجاء من طريق جرير بن حازم (¬2) في أيوب ~~بلفظ: أصبنا طعاما وأغناما يوم اليرموك فلم يقسم. وللأول حكم المرفوع ~~للتصريح بكونه في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بخلاف الأخير؛ فإن يوم ~~اليرموك بعد النبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: لا نرفعه. أي: ولا نحمله على سبيل الإدخال له، ويحتمل: ولا نرفعه ~~إلى متولي أمر الغنيمة ونستأذنه في أكله اكتفاء منه بما سبق من الإذن. وقد ~~ذهب الجمهور إلى أنه (أ) يجوز للغانمين أخذ القوت وما يصلح به، وكل طعام ~~يعتاد أكله عموما، وكذلك علف الدواب قبل القسمة سواء كان بإذن الإمام أو ~~بغير إذنه، وذهب قوم إلى أن ذلك غلول لا يجوز. # ودليل الجمهور هذا الحديث، وحديث ابن مغفل أخرجه البخاري ومسلم (¬3)، ~~قال: أصبت جراب شحم يوم خيبر، فقلت: لا أعطي منه أحدا. فالتفت فإذا رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يبتسم. وهذه الأحاديث مخصصة لأحاديث الغلول، ~~ودليل المانع عموم أحاديث الغلول، ويجاب عنه بالتخصيص. واتفقوا على جواز ~~ركوب دوابهم ولبس ثيابهم واستعمال PageV09P267 # سلاحهم في حال الحرب ورد ذلك بعد انقضاء الحرب، وشرط الأوزاعي فيه إذن ~~الإمام، وعليه أن يرده كما فرغت حاجته ولا يستعمله في غير الحرب ولا ينتظر ~~برده انقضاء الحرب لئلا يعرضه للهلاك، لحديث رويفع بن ثابت الآتي (¬1) ~~مرفوعا: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذ دابة من المغنم فيركبها، ~~حتى إذا عجفها ردها إلى المغانم". وذكر في الثوب كذلك، وهو حديث حسن أخرجه ~~أبو داود والطحاوي (¬2). ونقل عن أبي يوسف أنه حمله على ما إذا كان الآخذ ~~غير محتاج، وقال الزهري (¬3): لا يأخذ شيئا من الطعام ولا غيره إلا بإذن ~~الإمام. وقال سليمان بن موسى (¬4): له أن يأخذ إلا إذا نهى الإمام. وقال ~~مالك: يباح ذبح الأنعام للأكل، كما يجوز أخذ الطعام. وقيده الشافعي ~~بالضرورة إلى الأكل حيث لا طعام. # وقوله: فلم يؤخذ منهم الخمس. فيه دلالة على أنه لا يجب تخميس المأكول، ~~والله أعلم. # 1083 - وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله ms2049 عنه، قال: أصبنا طعاما يوم ~~خيبر، فكان الرجل يجيء فيأخذ منه مقدار ما يكفيه، ثم ينصرف. أخرجه أبو داود ~~وصححه ابن الجارود والحاكم (¬5). PageV09P268 # الحديث فيه دلالة على جواز أخذ الطعام من المغنم قبل القسمة كما تقدم، ~~وفيه دلالة أيضا على أن ذلك قبل التخميس. وقد تقدم الكلام عليه قريبا. # 1084 - وعن رويفع بن ثابت رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يركب دابة من فيء ~~المسلمين، حتى إذا أعجفها ردها فيه، ولا يلبس ثوبا من فيء المسلمين، حتى ~~إذا أخلقه رده فيه". أخرجه أبو داود، والدارمي (¬1)، ورجاله ثقات لا بأس بهم. # الحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز ركوب الدابة ولا لبس الثوب من المغنم ~~قبل أن يقسم، وظاهره ولو كان محتاجا إلى ذلك، وإن كان النهي محتملا تقييده ~~بحالة الإعجاف والإخلاق، وأما الركوب الذي لا يضعف الدابة، واللبس الذي لا ~~يخلق الثوب فجائز، وقد تقدم ذكر الخلاف فيه. # 1085 - وعن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: "يجير على المسلمين بعضهم". أخرجه ابن أبي شيبة، ~~وأحمد (¬2)، وفي إسناده ضعف. وللطيالسي (¬3) من حديث عمرو بن العاص: "يجير ~~على المسلمين أدناهم". وفي PageV09P269 # "الصحيحين" (¬1) عن علي رضي الله عنه: "ذمة المسلمين واحدة يسعى بها ~~أدناهم". زاد ابن ماجه (¬2) من وجه آخر: "ويجير عليهم أقصاهم". وفي ~~"الصحيحين" (¬3) من حديث أم هانئ: "قد أجرنا من أجرت". # حديث أبي عبيدة (أ) في إسناده حجاج بن أرطاة، وهو ضعيف، وهو مدلس، وقد ~~رواه معنعنا (ب) عن الوليد بن أبي مالك. # وحديث عمرو رواه الطيالسي في "مسنده" مرفوعا، ورواه أحمد (¬4) من حديث ~~أبي هريرة: "يجير على المسلمين أدناهم". ورواه أيضا من حديث أبي عبيدة ~~بلفظ: "يجير على المسلمين بعضهم". # وحديث علي متفق عليه أنه قال: ما عندي إلا كتاب الله، وهذه PageV09P270 # الصحيفة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ أن ذمة المسلمين واحدة، ~~فمن أخفر مسلما فعليه ms2050 لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. وقد تقدم في كتاب ~~الجنايات بأتم من هذا (¬1). # وزيادة ابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب بلفظ: "يد المسلمين على من سواهم، ~~تتكافأ دماؤهم، ويجير عليهم أدناهم، ويرد عليهم أقصاهم، وهم يد على من ~~سواهم". # وحديث أم هانئ رواه الترمذي (¬2) بلفظ: "أمنا من أمنت". وقد أجارت الحارث ~~بن هشام وعبد الله بن أبي ربيعة. كذا رواه الحاكم، والأزرقي (¬3)، عن ~~الواقدي. # الحديث فيه دلالة على صحة أمان الكافر من كل مسلم، سواء كان ذكرا أم ~~أنثى، حرا أم عبدا، سواء كان ذلك بإذن من الإمام أو بغيره، فإن قوله في ~~رواية: "بعضهم". شامل لذلك، وكذلك في رواية: "أدناهم". فإن الأدنى نص صريح ~~في الوضيع، والشريف مدلول بمفهوم الفحوى، وقد وقع خلاف في بعض الأطراف، قال ~~ابن المنذر (¬4): أجمع أهل العلم على جواز أمانها إلا عبد الملك بن ~~الماجشون وسحنون، فإنهما يقولان: إن ذلك موقوف على إذن الإمام. قالا: وقال ~~على: "أجرنا من أجرت يا أم هانئ". PageV09P271 # إنما هو إجازة منه لأمانها، فلو لم يؤمن لم يصح أمانها. والجمهور حملوه ~~على النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أمضى ما قد وقع منها وأنه قد انعقد ~~أمانها، ويؤيد هذا عموم: "المسلمين". للنساء، كما هو المختار عند بعض أئمة ~~الأصول، أو من باب التغليب لقرينة. والعبد اشترط أبو حنيفة أن يكون قد ~~قاتل، وإلا لم يصح أمانه. وقال سحنون: إن أذن له سيده في القتال صح أمانه، ~~وإلا فلا. قالا: لأن الأمان من شرطه الكمال، والعبد ناقص بالعبودية، فوجب ~~أن يكون للعبودية تأثير في إسقاطه، قياسا على تأثيرها في إسقاط كثير من ~~الأحكام الشرعية، فيخصص العموم بهذا القياس. وأما الصبي، فقال ابن المنذر ~~(¬1): أجمع أهل العلم أن أمان الصبي غير جائز. قال المصنف رحمه الله تعالى ~~(¬2): وكلام غيره يشعر بالتفرقة بين المراهق وغيره، وكذلك المميز الذي ~~يعقل، والخلاف عن المالكية والحنابلة. وأما المجنون فلا يصح أمانه بلا ~~خلاف. وأما الكافر الذهبي، فقال الأوزاعي: إذا غزا مع المسلمين وأمن، فإن ms2051 ~~شاء الإمام أمضاه، وإلا فليرده إلى مأمنه. وأما الأسير في أرض الحرب، فكلام ~~الهدوية أنه لا يصح تأمينه، لأنهم قالوا: لا بد أن يكون المؤمن متمنعا من ~~الكفار. وكذا حكى ابن المنذر (¬3) هذا عن الثوري، فقال: لا يصح تأمين ~~الأسير. # فائدة: أم هانئ اختلف في اسمها، فقيل: فاختة. كذا رواه الطبراني (3) PageV09P272 # أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "مرحبا بفاختة أم هانئ". وادعى ~~الحاكم (¬1) تواتره. وقال الشافعي: اسمها هند. وقيل: فاطمة. حكاه ابن ~~الأثير. وقيل: عاتكة. حكاه ابن حبان وأبو موسى. وقيل: جمانة. حكث الزبير بن ~~بكار. وقيل: رملة. حكاه ابن البرقي. وقيل: جمانة أختها. وقيل: ابنتها (¬2). # 1086 - وعن عمر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدع إلا مسلما" رواه ~~مسلم (¬3). # الحديث فيه دلالة على عزمه - صلى الله عليه وسلم - على إخراج اليهود ~~والنصارى من جزيرة العرب، وأخرجه أحمد والبيهقي (¬4) بزيادة: "لئن عشت إلى ~~قابل". ومن المتفق عليه (¬5) عن ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أوصى عند موته: "أخرجوا المشركين من جزيرة العرب" الحديث. وأخرج البيهقي ~~(¬6) من حديث مالك، عن إسماعيل بن أبي حكيم، أنه سمع عمر بن عبد العزيز ~~يقول: بلغني أنه كان من آخر ما تكلم به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن قال: "قاتل الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، لا يبقين ~~دينان بأرض العرب". وأخرج (6) من حديث مالك، عن ابن شهاب، أن رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - قال: "لا PageV09P273 # يجتمع دينان في جزيرة العرب". قال مالك: قال ابن شهاب: ففحص عمر عن ذلك ~~حتى أتاه الثلج (¬1) واليقين عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ~~"لا يجتمع دينان في جزيرة العرب". فأجلى يهود خيبر. قال مالك: وقد أجلى ~~يهود نجران وفدك. وأخرج (¬2) من حديث ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لا تكن قبلتان في بلد واحد". # وجزيرة العرب؛ أخرج البيهقي (2) عن سعيد ms2052 بن عبد العزيز: هي ما بين الوادي ~~-يعني وادي القرى- إلى أقصى اليمن إلى تخوم العراق إلى البحر. وأخرج (¬3) ~~عن [أبي عبيد، عن] (أ) أبي عبيدة، قال: جزيرة العرب ما بين حفر أبي موسى ~~إلى أقصى اليمن في الطول -وحفر أبي موسى بفتح الحاء المهملة وفتح الفاء ~~أيضا، وهو قريب من البصرة- وأما العرض فيما بين رمل يبرين إلى منقطع ~~السماوة. قال: وقال الأصمعي: جزيرة العرب من أقصى عدن أبين إلى ريف العراق ~~في الطول، وأما في العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف ~~الشام. وأخرج (¬4) عن [أبي] (ب) عبد الرحمن المقري، أن جزيرة العرب من لدن ~~القادسية إلى لدن قعر عدن إلى البحرين. PageV09P274 # وحكي عن مالك أن جزيرة العرب هي المدينة. والصحيح المعروف عن مالك أنها ~~مكة والمدينة واليمامة واليمن. وقال عبد العزيز بن يحيى المدني (¬1): سمعت ~~مالكا يقول: جزيرة العرب (أ) المدينة ومكة واليمن، فأما مصر فمن بلاد ~~المغرب، والشام من بلاد الروم، والعراق من بلاد فارس. وفي "القاموس" (¬2): ~~جزيرة العرب ما أحاط به بحر الهند والشام ثم دجلة [والفرات، أو] (ب) ما بين ~~عدن أبين إلى أطراف الشام طولا، ومن جدة إلى ريف العراق عرضا. انتهى. # وسميت جزيرة لإحاطة البحار بها -يعني بحر الهند، وبحر القلزم، وبحر فارس، ~~والحبشة- وانقطاعها عن المياه العظيمة. وأصل الجزر في اللغة القطع. وأضيفت ~~إلى العرب، لأنها التي كانت بأيديهم قبل الإسلام، وديارهم التي هي أوطانهم ~~وأوطان أسلافهم. # وظاهر هذه الأحاديث يدل على وجوب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب. ~~وقد قال بهذا مالك، والشافعي وغيره، إلا أن الشافعي وغيره كالهدوية خصوا ~~ذلك بالحجاز، وقال الشافعي (¬3): وإن سأل من يؤخذ منه الجزية أن يعطيها، ~~ويجرى عليه الحكم، على أن يسكن الحجاز، لم يكن له ذلك، والحجاز مكة ~~والمدينة واليمامة ومخاليفها كلها. وفي "القاموس" (¬4): PageV09P275 # الحجاز حجاز مكة والمدينة والطائف ومخاليفها؛ [لأنها] (أ) حجزت بين نجد ~~وتهامة، أو بين نجد والسراة، أو لأنها احتجزت بالحرار الخمس، حرة بني سليم ~~وواقم وليلى وشوران والنار. وقال ms2053 الشافعي (¬1): لم أعلم أحدا أجلى أحدا من ~~أهل الذمة من اليمن، وقد كانت [بها] (ب) ذمة، وليست اليمن بحجاز، فلا ~~يجليهم أحد من اليمن، ولا بأس أن يصالحهم على مقامهم باليمن. قال البيهقي ~~(¬2): قد جعلوا اليمن من أرض العرب، والجلاء وقع على أهل نجران، وذمة أهل ~~الحجاز دون ذمة أهل اليمن؛ لأنها ليست بحجاز، لا لأنهم لم يروها من أرض ~~العرب، [والجلاء] (ج) في الحديث تخصيص، وفي حديث أبي عبيدة بن الجراح دليل ~~أو شبه دليل على موضع الخصوص. والله أعلم. انتهى. # وقول البيهقي: دليل أو شبه دليل. يعني أن حديث أبي عبيدة أخرجه أحمد ~~والبيهقي (¬3) أنه قال: آخر ما تكلم به النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب". فيه ذكر بعض أفراد العام، ~~وهو يهود الحجاز محكوما عليه بما حكم به على العام، وهو [إخراج] (د) اليهود PageV09P276 # والنصارى من جزيرة العرب، لا يقتضي التخصيص عند الأكثر، وإن كان يقتضيه ~~عند أبي ثور من أصحاب الشافعي، فهو دليل عند أبي ثور وشبه دليل عند غيره، ~~إلا أن التخصيص متأيد بحديث معاذ لما بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~إلى اليمن وأمره بتقرير الجزية على كل حاتم دينارا أو عدله معافريا (¬1). ~~وهذا خاص باليمن، وورد بعده حديث الوصية. فعلى مقتضى ما ذهب إليه الشافعي، ~~ورجحه كثير من المتأخرين، أن الخاص المتقدم مخصص للعام المتأخر، فهو مخصص ~~لليمن، وهو دليل واضح. ويترجح أيضا بعمل الخلفاء الراشدين على تقريرهم في ~~اليمن. وأما أهل نجران فإنهم سألوا الجلاء، أو لما قد ورد فيهم بخصوصهم، ~~كما في حديث أبي عبيدة، ولذلك لما أجلاهم عمر رضي الله عنه وأتوا إلى علي ~~رضي الله عنه في خلافته يسألونه العود إلى أرضهم، قال: إن عمر كان رشيد ~~الأمر. أخرجه ابن أبي شيبة (¬2). ولا يبعد أن يكون ترك التعرض لهم في أيام ~~الخلفاء الراشدين ومن بعدهم إجماعا سكوتيا متكررا، ومثله قد يفيد القطع، ~~كما حققه جماعة من أهل الأصول، مع أن حديث ms2054 الأمر بالإخراج يحتمل أن يكون في ~~حال سكونهم بغير جزية، كما كان عليه أهل خيبر الذين أجلاهم عمر، ولذلك قال ~~عمر لليهود: من كان منكم عنده عهد من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فليأت به، وإلا فإني مجليكم. أخرجه عبد الرزاق (¬3). وأما حال إعطاء الجزية ~~فمخالف ذلك كما كان عليه من في اليمن. PageV09P277 # قال النووي (¬1): قال العلماء رحمهم الله تعالى: ولا يمنع الكفار من ~~التردد مسافرين إلى الحجاز، ولا يمكثون فيه أكثر من ثلاثة أيام، قال ~~الشافعي وموافقوه: إلا مكة وحرمها فلا يجوز تمكين كافر من دخوله بحال، فإن ~~دخل في خفية وجب إخراجه منها، فإن مات ودفن فيه نبش وأخرج ما لم يتغير. هذا ~~مذهب الشافعي وجماهير الفقهاء. وجوز أبو حنيفة دخولهم الحرم. وحجة الجماهير ~~قوله تعالى: {إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا} ~~(¬2). انتهى. # 1087 - وعنه رضي الله عنه قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على ~~رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب، فكانت للنبي - صلى الله ~~عليه وسلم - خاصة، وكان ينفق على أهله نفقة سنة، وما بقي يجعله في الكراع ~~(¬3) والسلاح عدة في سبيل الله عز وجل. متفق عليه (¬4). # قوله: أموال بني النضير. بفتح النون وكسر الضاد المعجمة، هم قبيلة كثيرة ~~من اليهود، وادعهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد قدومه إلى المدينة على ~~ألا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، ووادع قريظة وقينقاع. وكان بنو النضير ~~منازلهم ونخلهم بناحية المدينة، فنكثوا العهد، وسار منهم كعب بن الأشرف في PageV09P278 # الأربعين راكبا إلى قريش، فحالفهم على رأس ستة أشهر من وقعة بدر كما ذكره ~~الزهري. وذكر ابن إسحاق في "المغازي" (¬1) أن ذلك بعد قصة أحد وبئر معونة، ~~وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم يستعينهم في دية رجلين قتلهما ~~عمرو بن أمية الضمري من بني عامر قد أمنهما النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ولم يشعر بذلك، فجلس النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى جنب جدار لهم، ~~فتمالئوا على إلقاء صخرة عليه ms2055 من فوق ذلك الجدار، وقام لذلك عمرو بن جحاش ~~بن كعب، فأتاه الخبر من السماء، فقام مظهرا أنه يقضي حاجة، وقال لأصحابه: ~~"لا تبرحوا". ورجع مسرعا إلى المدينة، فاستبطأه أصحابه، فأخبروا أنه توجه ~~إلى المدينة فلحقوا به، فأمر بحربهم والمسير إليهم، فتحصنوا، فأمر بقطع ~~النخل والتحريق، وحاصرهم ست ليال -في رواية ابن إسحاق- وكان ناس من ~~المنافقين بعثوا إليهم أن اثبتوا وتمنعوا، فإن قوتلتم قاتلنا معكم. ~~فتربصوا، فقذف الله في قلوبهم الرعب فلم [ينصروهم] (أ)، فسألوا أن يجلوا عن ~~أرضهم على أن لهم ما حملت الإبل، فصولحوا على ذلك إلا الحلقة -بفتح الحاء ~~وفتح اللام، وهو السلاح- فخرجوا إلى أذرعات وأريحا من الشام، وآخرون إلى ~~الحيرة، ولحق آل أبي الحقيق وآل حيي بن أخطب بخيبر، وكانوا أول من أجلي من ~~اليهود، كما قال الله تعالى: {لأول الحشر} (¬2). وكانوا من سبط لم يصبهم ~~جلاء، والحشر (ب) الثاني من خيبر في أيام عمر PageV09P279 # رضي الله عنه، وكانت أموال بني النضير خالصة لرسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -، فقسمها بين المهاجرين لحاجتهم وفقرهم، ولم يعط الأنصار شيئا إلا ~~ثلاثة نفر كانت لهم حاجة، أبو دجانة، وسهل بن حنيف، والحارث بن الصمة. # وقوله: مما أفاء الله على رسول. الفيء: ما أخذ بغير قتال، والظاهر أنه لا ~~خمس فيه. قال في "نهاية المجتهد" (¬1): وعند الجمهور، لا خمس فيه، وعن ~~الشافعي في أحد أقواله، أنه يجب فيه الخمس، ولم يقل به غيره. انتهى. # وقوله: مما لم يوجف عليه المسلمون. الإيجاف: هو الإسراع في المشي، وذلك ~~لأن أرض بني النضير كانت على ميلين من المدينة، فمشوا إليها رجالا غير رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -، فإنه ركب جملا أو حمارا، ولم تنل أصحابه مشقة ~~في ذلك. والمعنى أن المسلمين لم يجروا الخيل والإبل في استفتاح بني النضير. # وقوله: وكان ينفق على أهله. أي مما استبقاه لنفسه، والمراد أنه يعزل لهم ~~نفقة سنة، ولكنه كان ينفقه قبل انقضاء السنة في وجوه الخير، ولا يتم عليه ~~السنة، ولهذا توفى - صلى الله ms2056 عليه وسلم - ودرعه مرهونة على شعير استدانه ~~لأهله، ولم يشبع ثلاثة أيام متوالية. وقد تظاهرت الأحاديث بكثرة جوعه وجوع ~~أهل بيته. وفيه دلالة على جواز ادخار قوت سنة، [وجواز] (أ) الادخار للعيال، ~~ولا يقدح في التوكل. PageV09P280 # وأجمع العلماء على جواز الادخار مما يستغله الإنسان من أرضه، وأما إذا ~~أراد أن يشتري من السوق ويدخره، فإن كان في وقت ضيق الطعام لم يجز، بل ~~يشتري ما لا يحصل به تضييق على المسلمين، كقوت أيام أو شهر، وإن كان في وقت ~~سعة اشترى قوت سنة وأكثر. وهذا التفصيل نقله القاضي عياض (¬1) عن أكثر ~~العلماء، وعن قوم إباحته مطلقا. # 1088 - وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: غزونا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - خيبر فأصبنا فيها غنما، فقسم فينا رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - طائفة، وجعل بقيتها من المغنم. رواه أبو داود (¬2)، ورجاله لا بأس بهم. # الحديث فيه دلالة على التنفيل، وأنه من أصل الغنيمة، وقد مر الكلام فيه. # 1089 - وعن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس الرسل". رواه أبو داود والنسائي، ~~وصححه ابن حبان (¬3). # قوله: "لا أخيس بالعهد". معناه: لا أنقض العهد ولا أفسده، من خاس الشيء ~~في الوعاء إذا فسد، ويدل على أن العهد يرعى مع الكفار رعايته PageV09P281 # مع المسلم. ومعنى: "ولا أحبس الرسل". أن الرسالة تقتضي جوابا، والجواب لا ~~يصل إلى المرسل إلا على لسان الرسول بعد انصرافه، فكأنه به عقد له العهد ~~مدة غيبته ورجوعه. وفي رواية: "البرد". جمع بريد، وهو المستعجل في مشيه. # 1090 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-[قال] (أ): "أيما قرية أتيتموها فأقمتم فيها فسهمكم فيها، وأيما قرية عصت ~~الله ورسوله، فإن خمسها لله ولرسوله، ثم هي لكم". رواه مسلم (¬1). # قال القاضي عياض (¬2): يحتمل أن يكون المراد بالقرية الأولى هي التي لم ~~يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب، بل أجلي عنها ms2057 أهلها أو صالحوا، فيكون ~~سهمهم فيها -أي حقهم- من العطاء كما يصرف الفيء، ويكون المراد بالثانية ما ~~أخذت عنوة، فتكون غنيمة، يخرج منها الخمس والباقي للغانمين، وهو معنى قوله: ~~"ثم هي لكم". أي باقيها. وقد احتج به من لم يوجب الخمس في الفيء. قال ابن ~~المنذر (2): لا يعلم أحد قبل الشافعي قال بالخمس في الفيء. والله أعلم. PageV09P282 ### || AUTO باب الجزية والهدنة # مأخوذ من جزأت الشيء إذا قسمته، ثم سهلت الهمزة. وقيل: من الجزاء؛ أي ~~لأنها جزاء تركهم ببلاد الإسلام. أو من الإجزاء؛ لأنها تكفي من توضع عليه ~~في عصمة دمه، وهي تكون مع أهل الذمة، والهدنة هي متاركة أهل الحرب مدة ~~معلومة لمصلحة، واختلف في سنة مشروعيتها، فقيل: في سنة ثمان. وقيل: في سنة ~~تسع. وقد دل قوله تعالى: {حتى يعطوا الجزية} (¬1) الآية. على أنها لا تؤخذ ~~إلا من أهل الكتاب، والمراد بأهل الكتاب اليهود والنصارى بالاتفاق. # 1091 - عن عبد الرحمن بن عوف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذها ~~-يعني الجزية- من مجوس هجر. رواه البخاري، وله طريق في "الموطأ" فيها ~~انقطاع (¬2). # الانقطاع: هو ما يذكر قريبا عن ابن شهاب، أنه بلغه ... إلخ. وقد رواه ~~الشافعي (¬3) عن مالك. # الحديث فيه دلالة على أخذ الجزية من مجوس هجر نصا، ويلحق بهم غيرهم من ~~المجوس، وقد ورد فيهم عموما، وهو ما أخرجه الشافعي (3) من PageV09P283 # حديث عبد الرحمن، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ذكر المجوس، فقال: لا ~~أدري كيف أصنع في أمرهم؟ فقال له عبد الرحمن: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب". # وأخرج الشافعي (¬1) أيضا، عن ابن شهاب، أنه بلغه أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أخذ الجزية من مجوس البحرين، وأن عثمان بن عفان رضي الله عنه ~~أخذها من البربر. زاد ابن وهب في روايته أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~أخذها من مجوس فارس. قال البيهقي (¬2): وابن شهاب إنما أخذ حديثه هذا عن ~~ابن المسيب، وابن المسيب حسن المرسل، كيف وقد ms2058 انضم إليه ما تقدم. # وأخرجه البيهقي (2) عن ابن المسيب، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أخذ الجزية من مجوس [هجر] (أ). وقد أخرج أبو داود والبيهقي (¬3)، عن ابن ~~عباس رضي الله عنه قال: جاء رجل من مجوس هجر إلى النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، فلما خرج قلت له: ما قضى الله ورسوله فيكم؟ قال: شرا. قلت: مه. ~~قال: الإسلام أو القتل. قال عبد الرحمن بن عوف: قبل منهم الجزية. قال ابن ~~عباس: وأخذ الناس بقول عبد الرحمن، وتركوا ما سمعت أنا. وأخرج الطبراني ~~(¬4) عن مسلم ابن العلاء الحضرمي في آخر حديثه بلفظ: "سنوا بالمجوس سنة أهل ~~الكتاب". وأخرج البيهقي (¬5)، عن المغيرة في حديثه الطويل مع فارس، وقال ~~فيه: فأمرنا PageV09P284 # نبينا رسول ربنا - صلى الله عليه وسلم - أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله ~~وحده، أو تؤدوا الجزية. وكان أهل فارس مجوسا. # فهذه الأحاديث تدل على أخذ الجزية من المجوس عربا كانوا أو عجما، وقد ذهب ~~إلى هذا جمهور السلف والخلف، وروي عن الحنفية أنه تؤخذ من مجوس المعجم، ولا ~~تؤخذ من مجوس العرب، والحديث دليل عليهم. # واختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية، فذهب أبو حنيفة والعترة إلى أنها ~~تؤخذ من أهل الكتاب عجما كانوا أو عربا، ومن غير الكتابي العجمي، ولا تقبل ~~من العربي الذي ليس بكتابي، وروى في "البحر" قولا للشافعي أنه تقبل من ~~العربي الذي ليس بكتابي إلا القرشي، ولعل حجتهم ما تقدم في حديث بريدة: ~~"فإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى الإسلام، فإن أجابوك وإلا فسلهم ~~الجزية" (¬1). وتخصيص قريش لما ظهر من النبي - صلى الله عليه وسلم -، لم ~~يأخذها من أحد من قريش ولا دعاهم إليها، والمشهور عن الشافعي أنها تقبل من ~~أهل الكتاب عجما كانوا أو عربا ومن المجوس، ولا تقبل من غيرهم، وحديث بريدة ~~وارد على من ذهب إلى التقييد، وقد يجاب عنه بأن حديث بريدة متقدم، وآية ~~"براءة" في قتال المشركين عامة متأخرة في عام الفتح فتكون ناسخة، إلا ما ~~ذكر فيها من آية ms2059 الجزية من أهل الكتاب وحديث المجوس. ولكنه لا يتم الجواب ~~على قول من بنى العام على الخاص مطلقا، أو يجعل الخاص المتقدم مخصصا للعام ~~المتأخر، فيلزم الشافعي العمل به دون أبي حنيفة، وفي حديث: "سنوا بهم سنة ~~أهل الكتاب". ما يدل على أن المجوس ليسوا أهل كتاب، وقد روى الشافعي وعبد ~~الرزاق (¬2) وغيرهما PageV09P285 # بإسناد حسن عن علي رضي الله عنه: كان المجوس أهل كتاب يقرءونه وعلم ~~يدرسونه، فشرب أميرهم الخمر، فوقع على أخته أو علي بنته، فلما أصبح دعا أهل ~~الطمع فأعطاهم، وقال: إن آدم كان ينكح أولاده بناته. فأطاعوه وقتل من ~~خالفه، فأسري على كتابهم وعلى ما في قلوبهم منه، فلم يبق عندهم منه شيء. ~~وروى عبد بن حميد (¬1) في تفسير سورة "البروج" عن علي نحوه، وقال في آخره: ~~فوضع الأخدود لمن خالفه. إلا أنه يقال بعد أن أسري على كتابهم وعلى ما في ~~قلوبهم من الكتاب: لم يبقوا حينئذ أهل كتاب؛ لأن الظاهر من إطلاق إضافة ~~الأهل إلى الكتاب أن يكون الكتاب معروفا عندهم معلومة ألفاظه، فلا يدخلوا ~~في عموم الآية؛ ولذلك احتيج إلى الاحتجاج بحديث عبد الرحمن. وقال الإمام ~~يحيى: وأما المتمسكون بصحف إبراهيم وإدريس وزبور داود فلهم حكم الكتابيين ~~في الجزية والمناكحة والذبائح. وقيل: يكونون كالوثني؛ لأن كتبهم لم يكن ~~فيها أحكام بل مواعظ وقصص، فلا حكم لها، وأما الصابئة من النصارى والسامرية ~~من اليهود فلهم حكمهم. وقيل: لا؛ لمخالفتهم كتابهم، وأما عابدو الأفلاك، ~~يعني الأفلاك السبعة فكالوثني. قال الإمام يحيى: ولذراري أهل الكتاب حكمهم ~~في أخذ الجزية وتقريرهم، سواء بدلوا كتبهم أم لا؛ لعموم: {ولا يدينون دين ~~الحق من الذين أوتوا الكتاب} (¬2). # انتهى ما رواه في "البحر" عن الإمام يحيى وغيره. PageV09P286 ### ||| AUTO أخذ الجزية من المشركين # 1092 - وعن عاصم بن عمر عن أنس، وعن عثمان بن أبي سليمان رضي الله عنهم ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث خالد بن الوليد إلى أكيدر دومة ~~الجندل، فأخذوه، فحقن دمه، وصالحه على الجزية. رواه أبو داود (¬1). # هو ms2060 أبو عمرو عاصم بن عمر بن الخطاب العدوي القرشي، أمه جميلة بنت أخت ~~عاصم بن ثابت. وقيل: ابن بنت عاصم. والأول أكثر، ولد قبل وفاة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - بسنتين، وكان وسيما جسيما، خيرا فاضلا، شاعرا، مات ~~سنة سبعين قبل موت أخيه عبد الله بأربع سنين، وهو جد عمر بن عبد العزيز ~~لأمه، روى عنه أبو أمامة بن سهل بن خيف وعروة بن الزبير (¬2). # وعثمان هو عثمان بن أبي سليمان بن جبير بن مطعم القرشي المكي، سمع أبا ~~سلمة بن عبد الرحمن، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وابن أبي مليكة، وروى ~~عنه ابن عيينة وإسماعيل بن أمية وابن جريج (¬3). # وقوله: بعث خالدا .. إلخ. بعثه النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو بتبوك ~~إلى أكيدر -مصغرا- ابن عبد الملك الكندي، قال الشافعي رحمه الله تعالى ~~(¬4): الكندي PageV09P287 # والغساني صاحب دومة الجندل، بضم الدال، ويقال: دوماء الجندل بالضم أيضا. ~~وقال (¬1): "إنك تجده يصيد البقر". فمضى خالد حتى إذا كان من حصنه بمبصر ~~العين في ليلة مقمرة أقام، وجاءت بقر الوحش حتى حكت قرونها بباب القصر، ~~فخرج إليها أكيدر في جماعة من خاصته، فتلقتهم خيل رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فأخذوا أكيدر، وقتلوا أخاه حسان، فحقن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - دمه، وكان نصرانيا، واستلب خالد حسان قباء من ديباج مخوصا ~~بالذهب وبعث به إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأجار خالد أكيدر من ~~القتل حتى يأتي به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أن يفتح له دومة ~~الجندل ففعل، وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس، وأربعمائة درع وأربعمائة ~~رمح، فعزل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - صفيه خالصا، ثم قسم الغنيمة ~~وأخرج الخمس، فكان للنبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم قسم ما بقي في أصحابه، ~~فصار لكل واحد منهم خمس فرائض، وكان مع خالد أربعمائة فارس ثم قدم به خالد ~~إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعاه إلى الإسلام فأبى وأقر بالجزية ~~(¬2). وفيه دلالة على أن الجزية ms2061 تؤخذ من عربي كتابي، والخلاف فيه لأبي يوسف ~~فقال (¬3): لا يقر العربي على الجزية ولو كان كتابيا. قال الشافعي (¬4): ~~ولولا أنا نأثم بتمني باطل وددنا أن الذي قاله أبو يوسف كما قال، وألا يجرى ~~صغار على عربي ولكن الله أجل في أعيننا من أن نحب غير ما قضى به. انتهى. PageV09P288 ### ||| AUTO مقدار الجزية # 1093 - وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: بعثني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - إلى اليمن، فأمرني أن آخذ من كل حالم دينارا، أو عدله معافريا. ~~أخرجه الثلاثة، وصححه ابن حبان والحاكم (¬1). # الحديث أعله ابن حزم (¬2) بالانقطاع، وأن مسروقا لم يلق معاذا، وفيه نظر. ~~وقال الترمذي: حديث حسن، وذكر أن بعضهم رواه مرسلا، وأنه أصح. وقال أبو ~~داود (¬3): إنه منكر، قال: وبلغني عن أحمد أنه كان ينكر هذا الحديث إنكارا ~~شديدا. قال البيهقي (¬4): إنما المنكر رواية أبي معاوية عن الأعمش عن ~~إبراهيم عن مسروق عن معاذ، فأما رواية الأعمش عن أبي وائل عن مسروق فإنها ~~محفوظة، قورواها عن الأعمش جماعة؛ منهم سفيان الثوري (¬5)، وشعبة (¬6)، ~~ومعمر (¬7)، وجرير (¬8)، وأبو عوانة (8)، ويحيى بن PageV09P289 # سعيد"؛ وحفص بن غياث، وقال بعضهم: عن معاذ، وقال بعضهم: إن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لما بعث معاذا إلى اليمن. أو ما في معناه. # والحديث فيه دلالة على تقدير الجزية بالدينار من الذهب على كل حالم؛ أي ~~محتلم، والمراد البالغ، سمى البالغ حالا باعتبار الأغلب، وقد جاء في بعض ~~رواياته بلفظ محتلم، فظاهره: سواء كان غنيا أو فقيرا. وقد ذهب إلى هذا ~~الشافعي، قال (¬1): أقل ما يؤخذ من الجزية دينار، ويجوز الصلح بأكثر من ~~ذلك. وذهب العترة وأبو حنيفة وأصحابه إلى أن الجزية تكون من الغني ثمانية ~~وأربعين درهما، ومن المتوسط أربعة وعشرين درهما، ومن الفقير اثني عشر ~~درهما، وذلك كما وضعه عمر على أهل السواد لما بعث عثمان بن خيف (¬2). # قال الإمام المهدي: ولم ينكر فكان إجماعا. وذهب مالك إلى أن القدر الواجب ~~في ذلك إن كانوا من أهل الذهب فأربعة دنانير، وإن ms2062 كانوا من أهل الفضة ~~فأربعون درهما، كما فعل عمر (¬3)، وضيافة ثلاثة أيام، ومع ذلك أرزاق ~~المسلمين لا يزاد على ذلك ولا ينقص. وقال أحمد بن حنبل: الجزية دينار أو ~~عدله من المعافري لا يزاد عليه ولا ينقص؛ عملا منه بحديث معاذ، وأن ذلك حد ~~لا يزاد عليه ولا ينقص. والشافعي جعل ذلك حدا في جانب القلة، وأما الزيادة ~~فتجوز كما فعله عمر، وكما أخرجه أبو داود (¬4) من PageV09P290 # حديث ابن عباس، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صالح أهل نجران على ألفي ~~حلة، النصف في صفر، والنصف في رجب يؤدونها إلى المسلمين، وعارية ثلاثين ~~درعا، وثلاثين فرسا، وثلاثين بعيرا، وثلاثين من كل صنف من أصناف السلاح، ~~يعيرونها المسلمين ضامنين لها حتى يردوها عليهم إن كان باليمن كيد. قال ~~الشافعي، رحمه الله تعالى (¬1): وقد سمعت أهل العلم من المسلمين ومن أهل ~~الذمة من أهل نجران، يذكر أن قيمة ما أخذ من كل واحد أكثر من دينار، وروى ~~عن عمر أنه قال: دينار الجزية اثنا عشر درهما. وفي رواية: عشرة دراهم (¬2). ~~فجعل ذلك من باب التقويم، ولعل الذهب كان الدينار منه يساوي ما ذكر من ~~الفضة، وحديث معاذ متأيد بأحاديث أخرجها البيهقي (¬3). وقد ذهب البعض أنه ~~لا توقيف في الجزية على حد في القلة ولا في الكثرة، وأن ذلك موكول إلى نظر ~~الإمام، ويجعل هذه الأحاديث محمولة على التخيير والنظر في المصلحة. # وقوله: على كل حالم. فيه دلالة على أن الجزية تجب على الذكر دون الأنثى، ~~قال ابن رشد (¬4): اتفقوا على أنها تجب بثلاثة أوصاف؛ الذكورية والبلوغ ~~والحرية. قال: لأنها عوض عن القتل، وهو لا يقتل النساء والصبيان والعبيد، ~~واختلفوا في المجنون والمقعد والشيخ وأهل الصوامع والفقير. قال: وكل هذه ~~مسائل اجتهادية، ليس فيها توقيف شرعي، وسبب اختلافهم هل PageV09P291 # يقتلون أم لا؟ ومثل هذا ما ذكره الإمام المهدي حيث قال: وإنما تؤخذ ممن ~~جوز قتله، ولم يحك فيه في "البحر" خلافا في هذا. وقد أخرج البيهقي (¬1)، عن ~~الحكم بن عتيبة أن النبي - صلى ms2063 الله عليه وسلم - كتب إلى معاذ باليمن: "على ~~كل حالم أو حالمة دينار أو قيمته". وهو منقطع، وقد وصله أبو شيبة، عن الحكم ~~بن عتيبة، عن مقسم عن ابن عباس رضي الله عنه بلفظ: "فعلى كل حالم دينار أو ~~عدله من المعافر، ذكرا أو أنثى، حرا أو مملوكا". قال البيهقي (¬2): وأبو ~~شيبة ضعيف. وأخرج من كتاب عمرو بن حزم: "وعلى كل حالم ذكر أو أنثى حر أو ~~عبد دينار واف أو عوضه من الثياب" (2). وفي إسناده انقطاع. وأخرج من حديث ~~عروة نحوه، وفيه انقطاع أيضا (2). قال الشافعي رحمه الله تعالى (¬3): سألت ~~محمد بن خالد وعبد الله بن عمرو بن مسلم وعددا من علماء أهل اليمن، وكلهم ~~حكوا لي عن عدد مضوا قبلهم يحكون عن عدد مضوا، كلهم ثقة أن صلح النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لهم كان لأهل ذمة اليمن على دينار كل سنة، ولا يثبتون أن ~~النساء كن فيمن يؤخذ منه الجزية، وقال عامتهم: ولم يؤخذ من زروعهم، وقد كان ~~لهم زروع، ولا من مواشيهم شيئا علمنا. وقال لي بعضهم؛ قد جاءنا بعض الولاة ~~فخمس زروعهم، فأنكر ذلك عليه، فكل من وصف أخبرني أن عامة ذمة أهل اليمن من ~~حمير. قال: وسألت عددا كثيرا من ذمة أهل اليمن متفرقين في بلدان اليمن، ~~كلهم أثبت PageV09P292 # لي لا يختلف قولهم أن معاذا أخذ منهم دينارا عن كل بالغ منهم، وسموا ~~البالغ حالما، قالوا: وكان في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - مع معاذ ~~أن على كل حالم دينارا. وكذلك روى الشافعي (¬1)، عن مطرف بن مازن قال: ليس ~~أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخذ من النساء ثابتا عندنا. وأما ما رواه ~~عبد الرزاق (¬2)، عن معمر، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن مسروق، عن معاذ أن ~~على كل حالم أو حالمة دينارا، فمعمر إذا روى عن غير الزهري يغلط كثيرا. ~~والله أعلم. وقد حمله ابن خزيمة إن كان محفوظا على أخذها منها إذا طابت بها نفسا. # وقوله: معافريا. بفتح الميم؛ أي ثيابا ms2064 منسوبة إلى معافر، وهي بلد باليمن ~~واسم أبي حي بن همدان تنسب إليها الثياب، وأعلم أن ظاهر سياق حديث معاذ ~~وحديث بريدة مر أنه يجب قبول الجزية ممن بذلها ويحرم قتله، ويفهم من قوله ~~سبحانه وتعالى: {حتى يعطوا الجزية} (¬3). أن غاية وجوب قتال أهل الكتاب إلى ~~إعطاء الجزية، وينقطع وجوب القتال بذلك، وأما جوازه وعدم قبول الجزية فلا ~~تدل عليهما الآية، إلا أنه إذا كان الأمر بالقتال مغيى بهذه الغاية، فينتفي ~~الأمر عند حصول الغاية، وإذا انتفى الأمر كان محصورا؛ لأنه يرجع إلى ~~التحريم العقلي لإيلام الحيوان، فلا يكون ذلك مباحا؛ لعدم دليل الإباحة. ~~والله أعلم (¬4). PageV09P293 # 1094 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتم أحدهم في طريق ~~فاضطروه إلى أضيقه". رواه مسلم (¬1). # الحديث فيه دلالة على أنه لا يبتدئ المسلم اليهودي والنصراني بالسلام إذا ~~كان منفردا عن مسلم، وأن النهي على ظاهره من اقتضائه التحريم، وقد ذهب إلى ~~هذا أكثر العلماء وعامة السلف، وذهب طائفة إلى جواز الابتداء لهم بالسلام، ~~وروي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز (¬2). وهو وجه لبعض الشافعية، ~~حكاه الماوردي، قال: لكنه يقول: السلام عليك، ولا يقال: السلام عليكم. ~~بالجمع. ويحتج لذلك بعموم قوله تعالى: {وقولوا للناس حسنا} (¬3). وعموم ~~الأحاديث الواردة في (أ) إفشاء السلام، ويجاب عن ذلك بأنه عموم مخصوص. وذهب ~~بعض الشافعية إلى أنه يكره ولا يحرم. ويجاب عنه بأن النهي حقيقة في ~~التحريم، وحكى القاضي عياض (¬4) أنه يجوز ابتداؤهم به للضرورة والحاجة ~~والسبب. وهو قول علقمة والنخعي. وعن الأوزاعي أنه قال: إن سلمت فقد سلم ~~الصالحون، وإن PageV09P294 # تركت فقد ترك الصالحون. وأما إذا كان مع المسلم كافر فيجوز الابتداء ~~بالسلام ويقصد بذلك المسلم، وقد سلم النبي - صلى الله عليه وسلم - على مجلس ~~فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، وظاهر مفهوم "لا تبدءوا". أنه يجوز ~~الجواب عليهم بل يجب، ولعموم قوله تعالى: {وإذا حييتم بتحية} (¬1). الآية، ~~وقد جاء الأمر بذلك ms2065 في عدة أحاديث، قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سلم ~~عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم" (¬2). وفي رواية: إن أهل الكتاب يسلمون ~~علينا فكيف نرد عليهم؟ قال: "قولوا: وعليكم" (¬3). وفي رواية: "إن اليهود ~~إذا سلموا عليكم يقول أحدهم: السام عليكم. فقل (أ): عليك" (¬4). وفي رواية: ~~"فقل: وعليك" (¬5). أخرجها مسلم وغير ذلك. وقد اتفق العلماء على الرد على ~~أهل الكتاب إذا سلموا، لكن لا يقال لهم: وعليكم السلام، بل يقتصر على: ~~وعليكم. أو بدون الواو فيقول: عليكم. وقد جاء ذلك في روايات (ب) مسلم، ~~وأكثرها بإثبات الواو. وقال الخطابي (¬6): عامة المحدثين يروون هذا الحرف: ~~"وعليكم"، بالواو، وكان ابن عيينة يرويه بغير الواو. قال الخطابي: وهذا هو ~~الصواب؛ لأنه إذا حذف الواو صار كلامه بعينه مردودا عليهم، خاصة وإذ أثبت ~~الواو اقتضى المشاركة معهم فيما قالوه. قال PageV09P295 # النووي (¬1): إثبات الواو وحذفها جائز إن صحت به الروايات، وإن الواو وإن ~~اقتضت المشاركة، فالموت هو علينا وعليهم فلا امتناع. قال القاضي عياض: وقال ~~بعضهم: يقول: عليكم السلام. بكسر السين؛ أي الحجارة. وهذا ضعيف. فإن النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - لم يقر (أ) عائشة لما قالت في الجواب عليهم: بل ~~عليكم السام واللعنة. قال: "يا عائشة، إن الله يحب الرفق في الأمر كله". ~~فالوقوف على الأدب النبوي والخلق المرضي هو الواجب. # وقوله "فاضطروه". فيه دلالة على أنه لا يترك للذمي صدر الطريق، بل يدفع ~~إلى أضيقه إذا كان في الوقت الذي يطرقه المسلمون، فإن خلت الطريق عن الزحمة ~~فلا حرج، ويكون دفعه إلى أضيق الطريق بحيث لا يقع في [وهدة] (ب)، ولا يصدمه ~~جدار ونحوه. والله أعلم. # 1096 - وعن المسور بن مخرمة ومروان، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - خرج ~~عام الحديبية. فذكر الحديث بطوله، وفيه: "هذا ما صالح عليه محمد بن عبد ~~الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عشر سنين يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن ~~بعض". أخرجه أبو داود، وأصله في البخاري (¬2). وأخرج مسلم (¬3) بعضه من ~~حديث أنس وفيه: أن من جاء PageV09P296 # منكم ms2066 لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا. فقالوا: نكتب هذا يا ~~رسول الله؟ قال: "نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم ~~فسيجعل الله له فرجا ومخرجا". # الحديث فيه دلالة على جواز مهادنة المسلمين مدة معلومة من غير جزية ~~لمصلحة للمسلمين يراها الإمام، كما وقع في صلح الحديبية، فإنه كان على عشر سنين. # وفي قوله: "هذا ما صالح" إلى آخره. دليل على أنه يجوز أن يكتب في أول ~~الوثائق وكتب الأملاك والصداق والعتاق ونحوها: هذا ما اشترى فلان. أو نحوه. ~~وهذا الذي عليه جمهور العلماء، وعليه عمل المسلمين في جميع الأزمان ~~والبلدان من غير إنكار، وأنه يكتفى (أ) بذكر الاسم المشهور من غير زيادة ~~عليه، خلافا لمن قال: لا بد من أربعة أسماء، المذكور وأبيه (ب) وجده ونسبه، ~~وأنه يجوز مثل هذا الشرط، وهو أن نرد من جاءنا من الرجال مسلما ويكون الرد ~~تخلية (ج) لا مباشرة كما وقع في القصة المذكورة (د)، وعدم رد النساء لنزول ~~قوله تعالى: {فلا ترجعوهن إلى الكفار} (¬1). فكانت ناسخة لعموم (ه رد ~~الجميع ه)، وقيل: مخصص. وقيل: إن الصلح إنما وقع PageV09P297 # في حق الرجال دون النساء. وطلب قريش رجوع أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، ~~إنما هو إرادة منهم أن يعمموا ذلك في حق الجميع، فأبى الله ذلك وأنزل فيه، ~~وذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - الحكمة في ذلك بقوله: "إنه من ذهب منا" ~~إلى آخره. # فائدة: جاء في هذا الحديث أنه كتب الكاتب (أ): "هذا ما قاضى عليه". وفي ~~رواية: "كاتب" (¬1). وفي رواية: "صالح عليه محمد رسول الله" (¬2). فقال ~~سهيل بن عمرو: لو نعلم أنك رسول الله ما كذبناك ولا صددناك عن البيت، اكتب: ~~محمد بن عبد الله. ثم قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أرني مكانها". (ب ~~فأراه مكانها ب) فمحاها وكتب: بن عبد الله. فظاهر هذا اللفظ أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كتب ذلك بيده على ظاهر هذا اللفظ، وهذا لفظ مسلم (¬3). ~~وقد ذكر البخاري ms2067 (¬4) نحوه، وقال فيه: أخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- الكتاب وكتب. وزاد في طريق أخرى (¬5): ولا يحسن أن يكتب فكتب. فقيل: إن ~~الله تعالى أجرى ذلك على يده، إما بأن كتب ذلك (ج) بيده وهو غير عالم بما ~~يكتب، أو PageV09P298 # أن الله تعالى علمه ذلك حينئذ حتى كتب، وجعل هذا زيادة في معجزته، فإنه ~~كان أميا، فكما علمه ما لم يكن يعلم من العلم وجعله يقرأ ما لم يقرأ ويتلو ~~ما لم يكن يتلو (أ)، كذلك علمه أن يكتب ما لم يكن يكتب وخط ما لم يخط بعد ~~النبوة، أو أجرى ذلك على يده (ب). قالوا: وهذا لا يقدح في وصفه بالأمية وقد ~~جاء (ب مؤيدا لهذا ب) آثار عن الشعبي (¬1) وبعض السلف، وأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - لم يمت حتى كتب، وقد روي مثل هذا عن أبي ذر وغيره، وذهب ~~الأكثرون إلى منع هذا، وأنه يبطله (ج) وصف الله تعالى له بالأمية وقوله ~~تعالى: {وما كنت تتلو من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك} (¬2). وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" (¬3). وهذا اللفظ ~~الواقع في الرواية أنه كتب، أي أمر بالكتابة كما جاء في رجم ماعز وقطع ~~السارق وجلد الشارب ونحو ذلك؛ أي أمر بذلك، والقرينة على هذا ما جاء (د) في ~~الرواية الأخرى أنه قال لعلي: "اكتب: محمد بن عبد الله". وأجاب الأولون عن ~~قوله: [ولا تخطه بيمينك}. أي من قبل تعليمه، كما قال: {وما كنت تتلو من ~~قبله من PageV09P299 # كتاب}. أي من قبل التعليم، فإن المعجزة أنه كان أولا أميا، ثم جاء ~~بالقرآن وبعلوم (أ) لا يعلمها الأمي. ورواية البخاري: ولا يحسن أن يكتب ~~فكتب. نص صريح في أنه الكاتب بنفسه، فالعدول إلى غيره مجاز لا ضرورة إليه، ~~وأما أمره لعلي فيمكن الجمع بأنه أمر أولا، ثم لما لم يكتب علي ويمح الاسم ~~الشريف قال له - صلى الله عليه وسلم -: "أرني مكانها". فأراه مكانها، ~~فمحاها وكتب، وكأن عليا رضي الله عنه ms2068 لم يستحسن محي (ب) ذكر رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -، فلم يبادر إلى ذلك رجاء إعفائه عن ذلك. والله سبحانه أعلم. # 1097 - وعن عبد الله بن عمرو (ج) رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من قتل معاهدا لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة ~~أربعين عاما". أخرجه البخاري (¬1). # الحديث أخرجه البخاري في الجزية في باب: إثم من قتل معاهدا بغير جرم. ~~وذكره في الديات (¬2) في باب: من قتل ذميا بغير جرم. وذكر في PageV09P300 # الحديث: "معاهدا"، والمراد بالمعاهد من له عهد مع (أ) المسلمين، سواء كان ~~بعقد جزية، أو بأمان من مسلم، أو عقد هدنة من سلطان، وقد جاء في رواية ~~للبخاري (¬1) بلفظ: "من قتل نفسا معاهدا له ذمة الله وذمة رسوله" الحديث. ~~ولم يكن في هذه الرواية تقييد: "بغير جرم". وقد جاء في بعض روايات البخاري ~~(¬2) تقييد بلفظ: "بغير حق". وأخرج النسائي وأبو داود (¬3) بلفظ: "بغير ~~حلها". والتقييد مستفاد أيضا من قواعد الشرع. # وقوله: "لم يرح". بفتح الياء والراء المهملة وأصله يراح؛ أي لم يجد ~~الريح. وحكى ابن التين ضم أوله وكسر الراء. قال: والأول أجود وعليه الأكئر. ~~وحكى ابن الجوزي فتح أوله وكسر ثانيه؛ من راح يريح. # وقوله: "من مسيرة أربعين". كذا وقع لجميع الطرق التي في البخاري، وجاء ~~عند الإسماعيلي "سبعين عاما". وكذا عند الترمذي (¬4) من حديث أبي هريرة: ~~"سبعين خريفا". وكذا عند البيهقي (¬5) من رواية صفوان بن سليم عن ثلاثين من ~~أبناء أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وكذا عند أحمد (¬6) PageV09P301 # عن رجل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. وعند الطبراني (¬1) من حديث أبي ~~هريرة بلفظ: "من مسيرة مائة عام". وفي الطبراني (¬2) عن أبي بكرة: "خمسمائة ~~عام". وفي "الموطأ" (¬3) من حديث آخر كذلك. وفي "مسند الفردوس" (¬4) عن ~~جابر: "إن ريح الجنة ليدرك من مسيرة ألف عام". وقد جمع العلماء بين هذه ~~الروايات المختلفة؛ فقال ابن بطال (¬5): الأربعين والسبعين هي باعتبار ~~المدة التي تكون عمرا للإنسان، فمن بلغ عمره أربعين ms2069 سنة، وهي زمان الأشد، ~~زاد عمله ويقينه وندمه (أ)، فكأنه قد وجد ريح الجنة الذي يبعثه على الطاعة، ~~والسبعون هي آخر المعترك، ويعرض [عندها] (ب) الندم وخشية هجوم الأجل فتزداد ~~الطاعة، فكأنه قد وجد ريح الجنة، وقال في الخمسمائة: إنها مدة الفترة بين ~~الأنبياء، فمن جاء في آخرها وآمن بالنبيين يكون أفضل من غيره. وقال ~~الكرماني (¬6): إن العدد ليس مقصودا في نفسه، والمقصود المبالغة في ~~التكثير؛ لأن الأربعين اشتملت على الآحاد؛ آحاده عشرة، والمائة عشرات، ~~والألف مئات، والسبعين (¬7) عدد فوق العدد الكامل؛ وهو ستة، إذ أجزاؤه PageV09P302 # مقدرة وهي النصف والثلث والسدس بغير زيادة ولا نقصان، والخمسمائة هي بعد ~~ما بين السماء والأرض. وقال المصنف (¬1) رحمه الله تعالى ما حاصله أن ذلك ~~الإدراك في موقف القيامة، وأنه يتفاوت بتفاوت مراتب الأشخاص، فالذي يدركه ~~من مسيرة خمسمائة أفضل من صاحب السبعين، إلى آخر ذلك. قال: وقد أشار إلى ~~ذلك شيخنا في "شرح الترمذي". ثم قال: ورأيت نحوه في كلام ابن العربي. قال ~~ابن بطال (¬2): وقد احتج المهلب بهذا الحديث على أن المسلم إذا قتل المعاهد ~~أو الذمي لا يقتص منه. قال: لأنه اقتصر فيه على الوعيد الأخروي دون ~~الدنيوي. وقد تقدم الكلام في ذلك. PageV09P303 ### || AUTO باب السبق والرمي # السبق بفتح السين وإسكان الباء الموحدة مصدر، وهو المراد هنا، وبالتحريك ~~الرهن الذي يوضع لذلك. والرمي مصدر رمى يرمي رميا، والمراد المناضلة ~~بالسهام. # 1098 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: سابق النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالخيل التي قد ضمرت من الحفياء، وكان أمدها ثنية الوداع، وسابق بين الخيل ~~التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وكان ابن عمر فيمن سابق. متفق ~~عليه (¬1). زاد البخاري: قال سفيان: من الحفياء إلى ثنية الوداع خمسة أميال ~~أو ستة، ومن الثنية إلى مسجد بني زريق ميل (أ). # 1099 - وعنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سابق بين الخيل وفضل القرح ~~في الغاية. رواه أحمد وأبو داود، وصححه ابن حبان (¬2). # قوله: سابق. فاعل؛ واقع من ms2070 فاعلين على معناه الحقيقي. # وقوله: التي ضمرت. والتضمير هو أن تعلف الخيل حتى تسمن PageV09P305 # وتقوى، ثم يقلل علفها بقدر القوت وتدخل بيتا وتغشى بالجلال حتى تحمى ~~فتعرق، فإذا جف عرقها خف (أ) لحمها وقويت على [الجري] (ب). # والحفياء بفتح المهملة وسكون الفاء بعدها تحتانية ومد، مكان خارج ~~المدينة، يمد ويقصر، وحكى الحازمي (¬1) تقديم الياء التحتانية على الفاء. # وحكى عياض (1) ضم أوله وخطأه. # وقوله: أمدها. أي غايتها، قال النابغة (¬2): # * سبق الجواد إذا استولى على الأمد * # وثنية الوداع (ج) قريب من المدينة، سميت بذلك؛ لأن الخارج من المدينة ~~يمشي معه المودعون إليها. وبني زريق بتقديم الزاي. # والحديث فيه دلالة على مشروعية المسابقة، وأنه ليس من العبث، بل من ~~الرياضة المحمودة الموصلة إلى تحصيل المقاصد في الغزو والانتفاع بها عند ~~الحاجة، وهي دائرة بين الاستحباب والإباحة بحسب الباعث على ذلك. قال ~~القرطبي (¬3): لا خلاف في جواز المسابقة على الخيل وغيرها من الدواب PageV09P306 # وعلى الأقدام، وكذا الترامي بالسهام واستعمال الأسلحة، لما في ذلك من ~~التدريب على الحرب. ويدل الحديث على جواز إضمار الخيل، ولا خفاء في استحباب ~~ذلك في الخيل المعدة للغزو. ويدل عى أنه يشرع بيان الابتداء والانتهاء، ~~وعلى أنه لا يساوى بين الخيل القوية وغيرها، ويدل عليه أيضا قوله: وفضل ~~القرح. وهي جمع قارح، والقارح ما كملت سنه؛ كالبازل (¬1) في حق الإبل. # 1100 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر". رواه أحمد والثلاثة وصححه ابن ~~حبان (¬2). # 1101 - وعنه رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من أدخل ~~فرسا بين فرسين وهو لا يأمن أن يسبق فلا بأس به، فإن أمن فهو قمار". رواه ~~أحمد وأبو داود (¬3) وإسناده ضعيف. # وروى حديث أبي هريرة الشافعي والحاكم (¬4) من طرق، وصححه ابن القطان وابن ~~دقيق ألعيد، وأعل الدارقطني (¬5) بعضها، ورواه PageV09P307 # [الطبراني] (أ) وأبو الشيخ من حديث ابن عباس (¬1). # وحديث: "من أدخل" إلخ. قال الطبراني في "الصغير" (¬2): تفرد ms2071 به سعيد بن ~~بشير عن قتادة عن سعيد بن المسيب، وتفرد به عن سعيد الوليد، وتفرد به عنه ~~هشام بن (ب) خالد. قال المصنف (¬3) رحمه الله تعالى: ورواه أبو داود عن ~~محمود بن خالد عن الوليد، لكنه أبدل قتادة بالزهري، ورواه أبو داود وباقي ~~من ذكر قبل من طريق سفيان بن حسين عن الزهري، وسفيان هذا ضعيف في الزهري ~~ومختلف فيه فيما يروي عن غيره (¬4)، وقد رواه معمر وشعيب وعقيل عن الزهري ~~عن رجال من أهل العلم من غير رفع. قاله أبو داود، قال: وهذا أصح عندنا. ~~وقال أبو حاتم: أحسن أحواله أن يكون موقوفا على سعيد بن المسيب؛ فقد رواه ~~يحيى بن سعيد عن سعيد من قوله. انتهى. وكذا هو في "الموطأ" عن الزهري عن ~~سعيد. وقال ابن أبي خيثمة: سألت ابن معين عنه فقال: هذا باطل. وضرب على أبي ~~هريرة، وقد غلط الشافعي سفيان بن حسين في روايته عن الزهري عن سعيد عن أبي ~~هريرة. PageV09P308 # قوله: "لا سبق". وهو بفتح السين والباء الموحدة مفتوحة، ما يجعل للسابق ~~على سبقه من جعل. قاله الخطابي (¬1) وابن الصلاح، وحكى ابن دريد فيه ~~الوجهين. # وقوله: "إلا في خف" إلخ. الخف كناية عن الإبل، والحافر عن الخيل، والنصل ~~عن السهم، وذلك بتقدير حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه؛ أي ذي خف أو ~~ذي حافر أو ذي نصل، ونصل السهم حديدته، وسمي السباق بالخيل رهانا، وبالسهام ~~نضالا؛ بالضاد المعجمة. # والحديث فيه دلالة على أنه يجوز السباق على جعل، فإن كان السبق من غير ~~المتسابقين كالإمام يجعله حل ذلك بلا خلاف، وإن كان من المتسابقين ولم يدخل ~~معهما محلل وهو ثالث لا يكون منه شيء لم يحل؛ لأن ذلك قمار، وضابط القمار ~~أن يكون كل منهما غانما أو غارما، وإن كان من (أ) أحدهما حل؛ لأنه ليس ~~بقمار، إذ ليس كل منهما غانما غارما، وهذا عند الجمهور. # وفي قوله: "وهو لا يأمن أن يسبق". دلالة على ما ذهب البعض أنه يشترط في ~~المحلل ألا يكون ms2072 متحقق السبق وإلا كان قمارا، ولكنه خارج عن حقيقة القمار، ~~ولعل الوجه أن المقصود إنما هو الاختبار (ب) للخيل، فإذا كان معلوم السبق ~~فات الغرض الذي شرع لأجله. وأما المسابقة من غير جعل PageV09P309 # فمباحة إجماعا. # وقد قصر السباق على ما في الحديث مالك والشافعي، واقتصر بعض العلماء على ~~الخيل، وأجازه عطاء في كل شيء. قال الإمام الهدي في "البحر": وفي الفيلة ~~وجهان؛ أصحهما يصح، إذ هو ذو خف. وذهب أحمد إلى أنه لا يصح، إذ لا يصح منه ~~الكر والفر، كالبقر. وهذان الوجهان في البغال والحمير. قال الإمام المهدي: ~~هي ذات حافر يعمها الحديث، وتصح على الأقدام مجانا؛ لمسابقته - صلى الله ~~عليه وسلم - عائشة، ومع العوض وجهان؛ قال الإمام يحيى وأصحاب الشافعي: ~~الأصح الجواز، إذ يحتاج إلى ذلك في الجهاد. وقال الشافعي (¬1): لا يصح ~~للحديث، ويصح في الطير بلا عوض لاختصاصها بمنافع. وبالعوض وجهان؛ أصحهما ~~الجواز إذ تعين في الجهاد بحمل كتب الأسرار. وقيل: لا. وتصح في السفن ~~مجانا. وفي العوض وجهان، تصح، إذ قد يقاتل عليها كالخيل. وقيل: لا، إذ ليست ~~بآلة حرب. ويصح بين الهجين (¬2) والعتيق (¬3)، وبين البخاتي (أ) والعراب ~~(¬4). وفي الجنسين وجهان، المنع، إذ القصد الاختبار، واختلاف الجنسين ظاهر. ~~وقيل: يصح إن تقارب جريهما، كالبغل والحمار، والبخاتي والفرس، لا مع معرفة PageV09P310 # الفضل لأيهما، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "وقد أمن أن يسبقهما". # وعلى قول من جوز السباق على عوض فشروط عقده خمسة: # الأول: كون العوض معلوما عينا أو في الذمة حالا أو مؤجلا كالأجرة. # الثاني: أن يكون المكان معلوم الابتداء والانتهاء. # الثالث: أن يكون قدر ما يقع به السبق معلوما بأقدام، وإن كان مطلقا فأقله ~~ما يعد به سابقا، ولو بعض العنق إن كان العنقان مستويين، وإلا بالكتد (¬1) ~~من الفرس وهو المسح (أ) (¬2)، ومن الإبل الكاهل، ومن الإنسان الكاهل وهو ~~مجتمع المنكبين. وقال سفيان الثوري: يكفي السبق بالأذن. # الرابع: تعيين المركوبين بالإشارة. وفي الاستغناء بوصف الغائب وجهان؛ قال ~~الإمام يحيى: الأصح ألا يكفي. # الخامس: إمكان سبق كل ms2073 منهما، فلو علم عجز أحدهما لم يصح، إذ القصد ~~الخبرة، وعقد السباق غير لازم، إذ هو تمليك عين بغير عوض كالوصية، أو بذل ~~عوض فيما لم يتيقن حصوله كالقراض عند العراقيين من الشافعية وقول للشافعي، ~~وللشافعي قول أنه لازم كالإجارة، وإن شرط أن PageV09P311 # يصير إلى غير السابق شيء من السبق فسد العقد؛ إذ موجبه ألا يفوت على ~~السابق شيء. # وخيل الحلبة عشرة مرتبة، وقد جمعها على الترتيب الإمام المهدي رحمه الله تعالى: # مجل مصل مسل لها ... ومرتاح عاطفها والحظي # ومسحنفر ومؤملها ... وبعد اللطيم السكيت النظي (أ) # وقال الجوهري: ترتيبها المجلى ثم المصلى ثم المسلى ثم [التالي] (ب) ثم ~~العاطف ثم المرتاح ثم المؤمل ثم الحظي ثم اللطيم ثم السكيت. # وقد جمعها بعضهم في قوله: # سبق المجلي والمصلي بعده ... ثم المسلي بعد والمرتاح # ولعاطف وحظيها ومؤمل ... ولطيمها وسكيتها إيضاح # والعاشر المنعوت منها فشكل ... فافهم هديت فما عليك جناح # قال في "النهاية" (¬1): وسمى المصلي لأن رأسه عند [صلا] (ج) السابق، وهو ~~ما عن يمين الذنب وشماله. قال القتيبي: والسكيت مخفف ومشدد وهو بضم السين. ~~قال في "الكفاية": والمحفوظ عن العرب المجلى والمصلى PageV09P312 # والسكيت، وباقي الأسماء محدثة. # وشروط السبق بالنضال (¬1): ذكر عدد الرميات، وتبيين جنس السهام، وقدر ~~الإصابة مرة أو مرتين، وتقدير المسافة بين الرامي والغرض، فإن كان لا يصاب ~~في مثلها في أغلب الأحوال لم يصح. وقد قدر مسافة الإصابة بخمسين ومائتي ~~ذراع، وما زاد إلى ثلائمائة وجهان؛ يصح العقد عليه إذ تعتاد الإصابة فيه. ~~وقيل: لا يصح؛ لقلة (أ) الإصابة، وقد روي عن عقبة بن عامر أنه رمى على ~~أربعمائة ذراع (¬2). ويكون الغرض قدر شبر أو أكثر، ولابد من ذكر من يبدأ ~~بالرمي؛ لئلا يتشاجرا. وفي "البيان": وإذا تشاجروا في البداية قرع بينهم، ~~وفيمن يقف عن يمين الغرض كان ذلك لمن له البداية، وإذا شرطوا استقبال الشمس ~~أو استدبارها صح، وإن لم يذكر ذلك ثم اختلفوا أجيب من طلب استدبارها؛ لأنه ~~أقوم للإصابة في العادة، ولا بد من بيان صفة الإصابة، ms2074 من قرع -وهو إصابة ~~الغرض من غير تأئير فيه -أو خسق -وهو إصابته مع الخدش فيه -أو مرق -وهو ~~إصابته مع النفوذ (أ) فيه- أو خرم -وهو إصابته مع قطعه من جانب. # 1102 - وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو على المنبر يقرأ: " {وأعدوا لهم ما استطعتم من PageV09P313 # قوة} (¬1)، ألا إن القوة الرمي، ألا إن القوة الرمي، [ألا إن القوة ~~الرمي] " (أ). رواه مسلم (¬2). # الحديث فيه تفسير المراد بالقوة في الآية الكريمة، ويدل على فضيلة الرمي ~~والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد في سبيل الله، وكذلك المثاقفة (¬3) ~~وسائر أنواع السلاح، والمراد بهذا التمرن (ب) على القتال والتدرب و [التحذق ~~فيه] (ج) ورياضة الأعضاء بذلك. PageV09P314 ### | AUTO كتاب الأطعمة # 1103 - عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"كل ذي ناب من السباع فأكله حرام". رواه مسلم (¬1). وأخرجه من حديث ابن ~~عباس رضي الله عنه بلفظ: نهى. وزاد: "وكل ذي مخلب من الطير" (¬2). # الحديث فيه دلالة على تحريم ما له ناب يتقوى به ويصطاد من السباع، وقد ~~ذهب إلى هذا العترة والشافعي وأبو حنيفة وأحمد وداود، والخلاف في ذلك لمالك ~~في رواية ابن القاسم عنه، أنه يكره من السباع ما كان له ناب. وعلى هذه ~~الرواية عول جمهور أصحابه، وهو المنصور عندهم. # وذكر مالك في "الموطأ" (¬3) حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أنه قال: "أكل كل ذي ناب من السباع حرام". ثم قال: وعلى ذلك الأمر ~~هو المعول عندنا. وذهب إلى هذا أشهب. هكذا حكى ابن رشد (¬4) عن مالك، وفي ~~"البحر": وعن مالك: بل يجوز أكل كل حيوان إلا الأسد والنمر والفهد والذئب. ~~وعنه تحريم لحوم السباع من الوحوش. والقائلون بتحريم السباع اختلفوا في جنس ~~السباع المحرمة؛ فقال أبو حنيفة (¬5): كل ما أكل اللحم فهو PageV09P315 # سبع حتى الفيل [والضبع] (أ) واليربوع والسنور. وقال الشافعي (¬1): يحرم ~~من السباع ما يعدو على الناس؛ كالأسد والنمر والذئب. وأما الضبع والثعلب ms2075 ~~فيحلان عنده لأنهما لا يعدوان. وقد ورد الحديث بحل الضبع كما سيأتي (¬2)، ~~وأما الثعلب فقد ورد في تحريمه حديث أخرجه ابن ماجه وهو ضعيف (¬3). # وحجة من أباح لحوم السباع قوله تعالى: {قل لا أجد في ما أوحي إلي} الآية ~~(¬4). فالآية تدل على أن المحرم إنما هو ما ذكر في الآية، فيحل ما عداها. ~~وقد قال بهذا من السلف -فيما حكاه ابن عبد البر- ابن عباس على اختلاف عليه، ~~وكذا عائشة، وجاء عن ابن عمر من وجه ضعيف، وقال به الشعبي وسعيد بن جبير. # وأجاب الجمهور بأن الآية مكية، وحديث أبي هريرة بعد الهجرة، فيكون ناسخا، ~~على قول من يجوز نسخ القرآن بالسنة. # وقد يجاب بأن الآية خاصة ببهيمة الأنعام ردا على من حرم بعضها كما ذكر ~~الله سبحانه قبلها من قوله: {وقالوا ما في بطون هذه الأنعام خالصة} (¬5) ~~إلى آخر الآيات. فقيل في الرد عليهم: {قل لا أجد في ما PageV09P316 # أوحي إلي} الآية. إن الذي أحللتموه هو المحرم والذي حرمتموه هو الحلال، ~~وإن ذلك افتراء على الله سبحانه. وقرن بها لحم الخنزير؛ لكونه شاركها في ~~علة التحريم وهو كونه رجسا، وقد نقل إمام الحرمين (¬1) عن الشافعي أنه يقول ~~بقصر العام على سببه إذا ورد في مثل هذه القصة؛ لأنها وردت في الكفار الذين ~~يحلون الميتة والدم والخنزير وما أهل لغير الله به، ويحرمون كثيرا مما ~~أباحه الشرع، فكان الغرض من الآية بيان حالهم وأنهم يضادون الحق، فكأنه ~~قيل: لا حرام إلا ما أحللتموه. مبالغة في الرد عليهم. وأما ما حكاه القرطبي ~~(¬2) عن قوم أن الآية الكريمة نزلت في حجة الوداع فتكون ناسخة للأحاديث ~~المعارضة لها، فهو مردود بأن الكثير من العلماء صرحوا بأنها مكية، وهو ~~متأيد بأن ما قبل الآية رد على المشركين فيما اختلقوه من التحريم والتحليل، ~~وذلك قبل الهجرة قطعا. # وقوله: "وكل ذي مخلب من الطير". المخلب بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح ~~اللام بعدها موحدة، هو للطير كالظفر لغيره، لكنه أشد منه وأغلظ وأحد، فهو ~~له كالناب للسبع، وقد ms2076 أخرج الترمذي (¬3) من حديث جابر تحريم كل ذي مخلب من ~~الطير، ومن حديث العرباض بن سارية (¬4)، وزاد: يوم خيبر. # فيه دلالة على تحريم أكل ما له مخلب من الطير. قال النووي (¬5) في PageV09P317 # "شرح مسلم": وقد ذهب إلى هذا الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وداود والجمهور، ~~وقال مالك: يكره ولا يحرم. والإمام المهدي في "البحر" نسب التحريم إلى ~~العترة والفريقين الحنفية والشافعية. وابن رشد في "نهاية المجتهد" (¬1) ~~قال: وأما سباع الطير فالجمهور على أنها حلال، لمكان الآية المذكورة، ~~وحرمها قوم لما جاء في حديث ابن عباس؛ يعني الحديث المذكور. وقال: إلا أن ~~هذا الحديث لم يخرجه الشيخان وإنما ذكره أبو داود. انتهى. وقد ذهل عن تخريج ~~مسلم له، ووقع الخلاف في غراب الزرع؛ فقال أبو طالب والإمام يحيى: إنه حرام ~~كالأبقع. وعند الحنفية والشافعية أنه يحل، قالوا: لأنه يأكل الحب، وليس من ~~سباع الطير ولا من الخبائث. # 1104 - وعن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يوم خيبر عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في لحوم الخيل. متفق عليه (¬2). وفي ~~لفظ البخاري: ورخص. # الحديث فيه دلالة على تحريم الحمر الأهلية، وقد ذهب إلى هذا جماهير ~~الصحابة والتابعين ومن بعدهم، لما ورد في ذلك من الأحاديث الصحيحة. وقد وقع ~~في أكثر الروايات أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وجد القدور تغلى بلحمها ~~فأمر بإراقتها، وقال: "لا تأكلوا من لحومها شيئا" (¬3). PageV09P318 # وفي رواية: نهينا عن لحوم الحمر الأهلية (¬1). وفي رواية: أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "هريقوها واكسروها". فقال رجل: يا رسول الله، أو ~~نهريقها ونغسلها، قال: "أو ذاك" (¬2). وفي رواية: نادى منادي النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: ألا إن الله ورسوله [ينهيانكم] (أ) عنها، فإنها رجس من ~~عمل الشيطان (¬3). وفي رواية: ينهيانكم عن لحوم الحمر، فإنها رجس أو نجس. ~~[وأكفئت] (ب) القدور بما فيها (¬4). وقال ابن عباس: ليست بحرام. وفي رواية ~~ابن جريج عن ابن عباس: وأبي ذلك البحر (¬5)، وتلا قوله تعالى: {قل لا أجد ~~في ما أوحي ms2077 إلي} الآية. وروي ذلك عن عائشة (¬6). وعن مالك ثلاث روايات ~~أشهرها أنها مكروهة كراهة تنزيه شديدة، والثانية حرام، والثالثة مباحة. ~~وحجتهم الآية الكريمة. وجاء في رواية ابن مردويه وصححه الحاكم (¬7) عن ابن ~~عباس في سبب نزول هذه الآية، قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون ~~أشياء تقذرا، فبعث الله نبيه وأنزل كتابه، وأحل حلاله وحرم حرامه، فما PageV09P319 # أحل فيه فهو حلال، وما حرم فيه فهو حرام، وما سكت عنه فهو عفو. وتلا هذه الآية. # وأخرج أبو داود (¬1) عن غالب بن أبجر، قال: أصابتنا سنة، فلم يكن في مالي ~~ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، فأتيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلت: ~~إنك حرمت لحوم الحمر الأهلية وقد أصابتنا سنة. فقال: "أطعم أهلك من سمين ~~حمرك، فإنما حرمتها من جهة جوال القرية". يعني الجلالة. وأخرج الطبراني ~~(¬2) عن أم نصر المحاربية، أن رجلا سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~عن الحمر الأهلية، فقال: "أليس ترعى الكلأ وتأكل الشجر؟ ". قال: نعم. قال: ~~"فأصب من لحومها". وأخرجه ابن أبي شيبة (¬3) من طريق رجل من بني مرة قال: ~~سألت. فذكر نحوه. وأجابوا عن أحاديث النهي بما أخرجه الطبراني وابن ماجه ~~(¬4) عن ابن عباس قال: إنما حرم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الحمر ~~الأهلية مخافة قلة الظهر. وفي حديث ابن أبي أوفى (¬5): فتحدثنا أنه إنما ~~نهى عنها لأنها لم تخمس. والجواب عن حديث ابن عباس بأنه لا يتم الاستدلال ~~به إلا فيما لم يأت فيه نص من النبي - صلى الله عليه وسلم - بالتحريم، وقد ~~تواترت الأخبار بذلك، والتنصيص على التحريم مقدم على عموم التحليل، مع أنه ~~قد أخرج البخاري (¬6) في المغازي عن ابن عباس أنه توقف في النهي عن الحمر ~~هل من PageV09P320 # لمعنى خاص أو للتأبيد؟ ففيه عن الشعبي عنه أنه قال: لا أدري أنهى عنه ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أجل أنه كان حمولة الناس فكره أن تذهب ~~حمولتهم، أو حرمها البتة يوم خيبر. وهذا التردد أصح من الخبر الذي ms2078 جاء عنه ~~بالجزم بالعلة المذكورة، وقد أخرج الدارقطني (¬1) بسند قوي عن ابن عباس: ~~نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الحمر الأهلية وأمر بلحوم ~~الخيل. وحديث غالب إسناده ضعيف والمتن شاذ مخالف للأحاديث الصحيحة. وحديث ~~أم نصر وما أخرجه ابن أبي شيبة في إسنادهما مقال، ولو ثبتا احتمل أن يكون ~~قبل التحريم، وحديث الطبراني وابن ماجه إسناده ضعيف، فتقرر العمل بالمحرم. ~~والتصريح بأنها رجس أو نجس دافع لاحتمال ما ذكر من أن ذلك لأجل الجلالة ~~والخمس، أو كون ذلك لحاجة الظهر. # وقوله: وأذن في لحوم الخيل. ورواية البخاري: ورخص. فيه دلالة على حل لحم ~~الخيل، وقد ذهب إلى ذلك زيد بن علي والشافعي وصاحبا أبي حنيفة وأحمد وإسحاق ~~والجمهور من السلف، واحتجوا بهذا الحديث وغيره من الأحاديث المتواترة. ~~وأخرج ابن أبي شيبة (¬2) بسند على شرط الشيخين عن عطاء أنه قال لابن جريج: ~~لم يزل سلفك يأكلونه. قال ابن جريج: قلت له: أصحاب رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -؟ قال: نعم. وأخرج في "الصحيح" (¬3) عن أسماء بنت أبي بكر قالت: ~~نحرنا على عهد رسول الله PageV09P321 # - صلى الله عليه وسلم - فرسا فأكلناه. وسيأتي في رواية أخرى قالت: أكلنا ~~لحم فرس عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم ينكره (¬1). وأخرج ~~الدارقطني (¬2) عن ابن عباس بسند قوي: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عن لحوم الحمر الأهلية وأمر بلحوم الخيل. وذهب أبو حنيفة إلى كراهة أكل ~~الخيل؛ قال أبو حنيفة في "الجامع الصغير": أكره لحم الخيل. فحمله أبو بكر ~~الرازي على التنزيه، وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيه التحريم، وليس هو عنده ~~كالحمار الأهلي. وصحح أصحاب "المحيط" و "الهداية" و "الذخيرة" التحريم، وهو ~~قول أكثر الحنفية، وصح القول بالكراهة عن الحكم بن عتيبة (أ) ومالك. قال ~~الفاكهي: المشهور عند المالكية الكراهة، والصحيح عند المحققين منهم ~~التحريم. وروى ابن القاسم وابن وهب عن مالك التحريم. وقال القرطبي في "شرح ~~مسلم" (¬3): مذهب مالك الكراهة. وفي "نهاية المجتهد" (¬4): الرواية عن مالك ~~بالتحريم، وروي ms2079 ذلك عن أبي حنيفة أيضا. وأخرج ابن أبي شيبة وعبد الرزاق ~~(¬5) عن ابن عباس القول بالكراهة، إلا أن في الإسناد ضعفا، وذهب الأكثر من ~~العترة إلى تحريم الخيل؛ لقوله تعالى: {لتركبوها} (¬6). فجعل المنة في ~~جعلها هو PageV09P322 # الركوب، فلو كانت للأكل لما اقتصر على بعض النعم، وكان ما ترك منها هو ~~الأعظم، فإن الأكل لبقاء بنية الإنسان بغير واسطة، والحكيم لا يمتن بأدنى ~~النعم ويترك أعلاها، ولا سيما وقد وقع الامتنان بالأكل فيما ذكر قبلها من ~~الأنعام، ولأن اللام للتعليل فالعلة المنصوصة تقتضي أنها لم تخلق لغيره، ~~ولأنها عطف عليها البغال والحمير، فدل على اشتراكها معها في حكم التحريم، ~~ولأنه لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة بها فيما وقع به الامتنان من الركوب ~~والزينة. # هذه وجوه أربعة تلخص ما وقع به التمسك من الآية الكريمة، ولما أخرجه أبو ~~داود والبيهقي (¬1) عن صالح بن يحيى بن المقدام عن أبيه عن جده عن خالد بن ~~الوليد قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن لحوم الخيل والبغال ~~والحمير وكل ذي ناب من السباع. وفي رواية بزيادة: يوم خيبر. قال البيهقي: ~~هذا إسناد مضطرب مخالف لحديث الثقات. وقال البخاري (¬2): يروي عن صالح ثور ~~بن يزيد وسليمان بن سليم، فيه نظر. وقال موسى بن هارون (¬3): لا يعرف صالح ~~بن يحيى ولا أبوه إلا بجده، وهو ضعيف (¬4). # وضعف الحديث أيضا أحمد والدارقطني والخطابي وابن عبد البر PageV09P323 # وعبد الحق (¬1). قال المصنف (¬2) رحمه الله تعالى: شهود خالد لخيبر خطأ، ~~فإنه لم يسلم إلا بعدها على الصحيح، والذي جزم به الأكثر أن إسلامه كان سنة ~~الفتح، وكذا قال مصعب الزبيري (¬3) وهو أعلم الناس بقريش، وذكر أن خالدا فر ~~من مكة في عام القضية حتى لا يرى النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة. فهذا ~~متمسك المحرمين من جهة النقل، ومن جهة القياس أنها تشبه في الخلقة البغال ~~والحمير في الهيئة وزهومة اللحم والغلظ وصفة الروث وأنها لا تجتر، فبعدت عن ~~الأنعام التي [تؤكل] (أ) وأشبهت ما لا يؤكل. والجواب عن ms2080 الآية الكريمة؛ أما ~~الامتنان بالركوب فخصه لأنه غالب ما ينتفع بالخيل عند العرب، فخوطبوا بما ~~يتبادر إلى أفهامهم. وأما كون اللام للتعليل فهو لا يقتضي الحصر وأنها لم ~~تخلق إلا لذلك، وإنما خص الركوب والزينة من بين سائر المنافع [لكونهما] (ب) ~~أغلب ما يطلب له الخيل، ونظيره حديث البقرة المذكور في "الصحيحين" (¬4) حين ~~خاطبت راكبها فقالت: إنا لم نخلق لهذا، إنما خلقنا للحرث. مع أنها ينتفع ~~بها في الأكل وغيره، فذكرت أغلب المنافع منها. وأما العطف عليها فهي من ~~دلالة الاقتران، وهي ضعيفة. وأما أنه لو أبيح أكلها لفاتت منفعة الركوب ~~لكونها تفنى، فهذا يلزم في سائر الأنعام؛ PageV09P324 # فإن الإبل حل أكلها ولم تفت بذلك منفعة الحمل عليها وغيرها. وأما الحديث ~~فقد عرفت ما فيه، فلا يقاوم الأحاديث الصحيحة المحلة لها. وأجاب أبو داود ~~(¬1) بأن حديث خالد منسوخ، ولم يبين ناسخه، وكذا قال النسائي (¬2): ~~الأحاديث في الإباحة أصح، وهذا إن صح كان منسوخا. وكأنه لما تعارض عنده ~~الحديثان، ورأى في حديث خالد: نهى. وفي حديث جابر: أذن. حمل الإذن على نسخ ~~التحريم، وهذا احتمال لا يثبت به النسخ. وقرر الحازمي (¬3) النسخ، وقال: ~~حديث خالد ذهب نفر إلى أن الحكم فيه منسوخ. وذكر حديث جابر، ثم قال: قالوا: ~~والرخصة تستدعي سابقية منع، وكذلك لفظ الإذن، قالوا: ولو لم يرد لفظ الرخصة ~~والإذن لكان يمكن أن يقال: القطع بنسخ أحد الحكمين متعذر؛ لاستبهام التاريخ ~~في الجانبين، وإذ ورد لفظ الإذن تبين أن الحظر مقدم والرخصة متأخرة، فتعين ~~المصير إليها. قال: وقال الآخرون ممن أجاز الأكل: الاعتماد على الأحاديث ~~التي تدل على جواز الأكل لثبوتها وكثرة رواتها، وأما حديث النهي فهو ورد في ~~[قضية] (أ) معينة وليس هو مطلقا دالا على الحظر. ثم قال: وذلك إنما نهى عن ~~أكل [الخيل] (ب) يوم خيبر؛ لأنهم تسارعوا في طبخها قبل أن تخمس، فأمر النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - بإكفاء القدور تشديدا عليهم وإنكارا لصنيعهم، PageV09P325 # ولذلك أمر أولا بكسر القدور ثم رجع إلى غسلها. قال: وروينا ms2081 هذا عن عبد ~~الله بن أبي أوفى، فاعتقدوا أن سبب التحريم في المنهيات واحد، حتى نادى ~~منادي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم ~~الحمر الأهلية، فإنها رجس. فتبين أن سبب التحريم مختلف، فيكون قوله: رخص. ~~و: أذن. دفعا لهذه الشبهة. انتهى. ولكنه يعكر عليه بأن الأمر بإكفاء القدور ~~إنما كان لطخهم فيها الحمر -كما هو مصرح به في "الصحيح"- لا الخيل، فلا يتم ~~ما أراد، فالأولى الجواب بما تقدم من معارضة الأحاديث الصحيحة. وأما ~~القياس، فالجواب أنه ساقط عند وجود النص. والله سبحانه أعلم. # 1105 - وعن ابن أبي أوفى قال: غزونا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~سبع غزوات نأكل الجراد. متفق عليه (¬1). # قوله: سبع عزوات. في رواية شعبة (¬2) عن أبي يعفور: سبع أو ست. بالشك. ~~وفي رواية سفيان (¬3) وأبي عوانة (¬4) وإسرائيل (¬5) عن أبي يعفور: سبع. ~~مجزوما به. وكذا أخرجه الترمذي (¬6) من وجه آخر عن الثوري، وأفاد PageV09P326 # أن سفيان بن عيينة روى هذا الحديث عن أبي يعفور: ست غزوات. وكذا أخرجه ~~أحمد بن حنبل (¬1) عن ابن عيينة جازما بالست. وكذا قال الترمذي (¬2): قال ~~ابن عيينة: ست. وقال غيره: سبع. قال المصنف (¬3) رحمه الله تعالى: ودلت ~~رواية شعبة على أن شيخهم كان يشك، فيحمل على أنه جزم مرة بالسبع، ثم لما ~~طرأ عليه الشك صار يجزم بالست لأنه المتيقن، ولكنه وقع عند ابن حبان (¬4) ~~من رواية أبي الوليد شيخ البخاري فيه: سبعا أو ستا. شك شعبة، ووقع في ~~"توضيح ابن مالك" (¬5): سبع غزوات أو ثماني. وقال: الأجود أن يقال: أو ~~ثمانيا. لأن ثماني منصرف، لأن الياء ياء النسب، والألف مبدل عن أحد يائي ~~النسب، فليس مثل جواري. قال: وإنما ورد بغير تنوين لأنه مضاف، فحذف المضاف ~~إليه وأبقي المضاف على ما هو عليه قبل الحذف، أوأنه كتب المنصوب بغير ألف ~~على لغة ربيعة. # وقوله: نأكل الجراد. هذا لفظ مسلم من دون زيادة، وفي رواية البخاري ~~بزيادة لفظ: معه. وكذا في رواية غير البخاري إلا النسائي ms2082 (¬6). فيه دلالة ~~على حل أكل الجراد. وقال النواوي (¬7): وهو إجماع. وقد أخرج ابن ماجه (¬8) ~~عن أنس أنه قال: كن أزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - يتهادين الجراد في ~~الأطباق. PageV09P327 # وفي "الموطأ" (¬1) من حديث ابن عمر: سئل عن الجراد، فقال: وددت أن عندي ~~قفعة (أ) آكل منها. إلا أن ابن العربي في "شرح الترمذي" (¬2) فصل بين جراد ~~الحجاز وجراد الأندلس، فقال في جراد الأندلس: لا يؤكل؛ لأنه ضرر محض. ولكنه ~~إذا ثبت ذلك، فتحريمه لأجل الضرر، فهو مستثنى كغيره من الضارات. وفي زيادة ~~"معه". يحتمل أن يراد المعية في الغزو تأكيدا لقوله: غزونا مع رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. دون ما عطف عليه من الأكل، ويحتمل المعية في الأكل، ~~ويتأيد هذا بما وقع في رواية أبي نعيم (¬3) في "الطب": ويأكله معنا. وهذا ~~يرد على الصيمري من الشافعية حيث زعم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عافه ~~كما عاف الضب، ومستنده ما أخرجه أبو داود (¬4) من حديث سلمان: سئل فيم عن ~~الجراد، فقال: "لا آكله ولا أحرمه". وأعله المنذري بالإرسال، ووصله ابن ~~ماجه (¬5)، وما أخرجه ابن عدي (¬6) في ترجمة ثابت بن زهير عن نافع عن ابن ~~عمر، أنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الضب، فقال: "لا آكله ولا أحرمه". ~~وسئل عن الجراد، فقال مثل ذلك، إلا أن ثابتا قال [فيه] (ب) PageV09P328 # النسائي (¬1): ليس بثقة (¬2). # وذهب الجمهور إلى أنه يؤكل على أي حال ولو مات بغير سبب، والمشهور عن ~~المالكية اشتراط التذكية بأن يكون سبب آدمي؛ إما أن يقطع رأسه أو [بعضه] ~~(أ) أو يسلق أو يلقى في النار حيا أو يشوى، فإن مات حتف أنفه أو في وعاء لم ~~يحل، وحجة الجمهور حديث ابن عمر: "أحلت لنا ميتتان ودمان؛ السمك والجراد، ~~والكبد والطحال". أخرجه أحمد والدارقطني (¬3) مرفوعا وقال: إن الموقوف أصح. ~~ورجح البيهقي (¬4) الموقوف، إلا أنه قال: له حكم الرفع. ولفظ الجراد جنس، ~~والواحدة منه جرادة، تقع على الذكر والأنثى كحمامة، ويسمى جرادا لأنه لا ~~ينزل على شيء إلا جرده، ms2083 أو لأنه أجرد، أي أملس، يقال: نوق جرد. أي ملس، ~~وخلقة الجراد عجيبة فيها عشر من خلقة جبابرة الحيوان، وجه فرس، وعينا فيل، ~~وعنق ثور، وقرنا أيل، وصدر أسد، وبطن عقرب، وجناحا نسر، وفخذا جمل، ورجلا ~~نعامة، وذنب حية. وقد أحسن القاضي محيي الدين [الشهرزوري] (ب) في وصف ~~الجراد في ذلك بقوله (¬5): PageV09P329 # لها فخذا بكر ورجل نعامة ... وقادمتا نسر وجؤجؤ ضيغم # حبتها أفاعي الرمل بطنا وأنعمت ... عليها جياد الخيل بالرأس والفم # والجراد من صيد البر وإن كان أصله بحريا عند الأكثر من العلماء، وقيل: ~~إنه بحري. لما روى ابن ماجه (¬1) من حديث أنس مرفوعا: "إن الجراد نثرة حوت ~~من البحر". أي عطسته، فيحل للمحرم اصطياده. وأخرج أبو داود والترمذي وابن ~~ماجه (¬2) بسند ضعيف عن أبي هريرة أنه قال: خرجنا مع رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - في حج أو عمرة، فاستقبلنا رجل من جراد، فجعلنا نضربهن بنعالنا ~~وأسواطنا، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "كلوه فإنه من صيد البحر". وأخرج ~~أبو داود والترمذي (¬3) من حديث أبي المهزم -بضم الميم وكسر الزاي المعجمة ~~وفتح الهاء بينهما، واسمه يزيد بن سفيان- عن أبي هريرة: قال أصبنا ضربا من ~~جراد، وكان رجل يضرب بسوطه وهو محرم، فقيل له: إن هذا لا يصلح. فذكر ذلك ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "إنما هو من صيد البحر". ولكن أبو ~~المهزم ضعيف باتفاق (¬4)، وظاهر هذا أنه لا جزاء على المحرم في قتل الجراد؛ ~~لأنه من صيد البحر، وجمهور العلماء على لزوم الجزاء فيه. قال ابن المنذر: ~~لم يقل أنه لا جزاء فيه إلا أبو سعيد الخدري وعروة بن الزبير. واحتج PageV09P330 # الجمهور بما رواه الشافعي (¬1) بإسناد صحيح أو حسن، عن عبد الله بن أبي ~~عمار قال: أقبلت مع معاذ بن جبل وكعب الأحبار في أناس محرمين من بيت المقدس ~~بعمرة، حتى إذا كنا ببعض الطريق وكعب على نار يصطلي فمرت به رجل من جراد، ~~فأخذ جرادتين فقتلهما ونسي إحرامه، ثم ذكر إحرامه فألقاهما، فلما قدمنا ~~المدينة دخل القوم على ms2084 عمر رضي الله عنه ودخلت معه، فقص القصة على علي وعمر ~~فقال: ما جعلت على نفسك يا كعب؟ قال: درهمين. قال: بخ، درهمان خير من مائة ~~جرادة، اجعل ما جعلت في نفسك. وبإسناد الشافعي (¬2) الصحيح عن القاسم بن ~~محمد قال: كنت جالسا عند ابن عباس، فسأله رجل عن جرادة قتلها وهو محرم، ~~فقال ابن عباس رضي الله عنه: قبضة من طعام، ولتأخذن بقبضة جرادات. قال ~~الشافعي: أشار بذلك إلى أن فيها القيمة على المحرم. وفي الحرم ولو عم ~~الجراد المسالك ولم يجد بدا من وطئه فالأظهر أنه لا ضمان. كذا ذكره الدميري (¬3). # 1106 - وعن أنس رضي الله عنه في قصة الأرنب قال: فذبحها فبعث بوركها إلى ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقبله. متفق عليه (¬4). # الحديث، لفظ البخاري عن أنس قال: أنفجنا أرنبا ونحن بمر الظهران، فسعى ~~القوم فلغبوا، فأخذتها فجئت بها إلى أبي طلحة فذبحها، فبعث PageV09P331 # بوركيها -أو قال: بفخذيها- إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقبلها. ~~وجاء في رواية (¬1). بعجزها. # قوله: في قصة الأرنب. هي واحدة الأرانب، وهي حيوان يشبه العناق، قصير ~~اليدين، طويل الرجلين، عكس الزرافة، يطأ الأرض على مؤخر قوائمه، وهو اسم ~~جنس يطلق على الذكر والأنثى، وذكرها يقال [له] (أ): الخزز. بضم الخاء ~~المعجمة وزايين معجمتين مفتوحة أولاهما، بوزن عمر، ويقال للأنثى: عكرشة. ~~ولصغيرها: خرنق (ب). بكسر الخاء المعجمة، فهي أولا خرنق، ثم سخلة، ثم أرنب، ~~ويكون عاما ذكرا وعاما أنثى. # والحديث فيه دلالة على حل أكلها. وقوله: فقبلها. لا يدل على أنه أكل ~~منها. وفي رواية البخاري (¬2) في كتاب الهبة، قال الراوي -وهو هشام بن ~~زيد-: قلت لأنس: وأكل منه؟ قال: وأكل منه. ثم قال: فقبله. فكأنه تردد في ~~الأكل فلم يجزم وجزم بالقبول، ولذلك رجع إليه، وقد أخرج الدارقطني (¬3) من ~~حديث عائشة: أهدي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أرنب وأنا نائمة ~~فخبأ لي منها العجز، فلما قمت أطعمني. وهذا يشعر بأنه أكل منها، ولكن ~~إسناده فيه ضعف، ووقع في "الهداية" (¬4) للحنفية ms2085 أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أكل PageV09P332 # من الأرنب حين أهدي إليه مشويا وأمر أصحابه بالأكل منه. قال المصنف (¬1) ~~رحمه الله تعالى: وكأنه تلقاه من حديثين؛ فأوله من حديث البخاري وقد ظهر ما ~~فيه، والآخر من حديث أخرجه النسائي (¬2) من طريق موسى بن طلحة عن أبي ~~هريرة: جاء أعرابي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - بأرنب قد شواها، ~~فوضعها بين يديه، فأمسك وأمر أصحابه أن يأكلوا. ورجاله ثقات، إلا أنه اختلف ~~على موسى بن طلحة اختلافا كثيرا، وقد أخرج البيهقي (¬3) الأمر بأكلها من ~~حديث محمد بن صفوان وجابر بن عبد الله وغيرهما. وقد وقع الإجماع على حل ~~أكلها، وجاء عن عبد الله بن عمر وعن عكرمة من التابعين وعن محمد بن أبي ~~ليلى من الفقهاء -وهو مذهب الهادي- أنها مكروهة (¬4). وحجتهم حديث خزيمة بن ~~جزء (¬5): قلت: يا رسول الله، ما تقول في الأرنب؟ قال: "لا آكله ولا ~~أحرمه". قلت: فإني آكل ما لا تحرمه، ولم يا رسول الله؟ قال: "نبئت أنها ~~تدمى". وسنده ضعيف. وأخرج أبو داود والبيهقي (¬6) من حديث ابن [عمرو] (أ) ~~أنه جيء بها إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يأكلها ولم ينه عنها. ~~وزعم أنها تحيض. وأخرج البيهقي (¬7) عن عمر وعمار مثل PageV09P333 # ذلك، وأنه أمر بأكلها ولم يأكل منها. وكذا أخرج عن عمر في "مسند إسحاق بن ~~راهويه" (¬1)، ولكن عدم أكله لا يدل على الكراهة، وحكى الرافعي عن أبي ~~حنيفة التحريم. قال المصنف رحمه الله (1): وغلط النووي في النقل عن أبي ~~حنيفة حلها. # وقوله في صدر الحديث: أنفجنا. بفاء مفتوحة وجيم ساكنة، أي: أثرنا. # وقوله: بمر الطهران. مر بفتح الميم وتشديد الراء، والظهران بفتح المعجمة ~~وبلفظ المثنى، اسم موضع على مرحلة من مكة، وهو الذي يسميه عوام المصريين ~~بطن مرو، والصواب مر بتشديد الراء. # وقوله: فلغبوا. بالغين المعجمة وموحدة؛ أي: تعبوا. وزنا ومعنى، وقال ~~النووي (¬2): بفتح الغين المعجمة في اللغة الصحيحة والمشهورة، وفي لغة ~~ضعيفة كسرها، حكاها الجوهري (¬3) وغيره وضعفوها. # فائدة: ذكر الدميري في "حياة الحيوان" (¬4) أن ms2086 الذي يحيض من الحيوان ~~المرأة والضبع والخفاش والأرنب، ويقال: إن الكلبة كذلك. والله أعلم. # 1107 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن قتل أربع من الدواب؛ النملة والنحلة والهدهد والصرد. رواه أحمد PageV09P334 # وأبو داود، وصححه ابن حبان (¬1). # الحديث رجاله رجال الصحيح، قال البيهقي (¬2): هو أقوى ما ورد في هذا ~~الباب. ثم رواه من حديث سهل بن سعد، وزاد فيه الضفدع، وفيه عبد المهيمن بن ~~عباس بن سهل بن سعد وهو ضعيف (¬3). # الحديث فيه دلالة على تحريم قتل الأربع المذكورة (أ)، ويلزم منه تحريم ~~أكلها؛ لأنه لو حل أكلها لما نهى عن القتل، وجعل الإمام المهدي في "البحر" ~~أصول تحريم الحيوان سبعة أشياء هذا أحدها، والقول بتحريم أكلها هو قول ~~الجمهور، وفي كل واحدة خلاف إلا في النمل فالظاهر أنه إجماع، وإنما الرافعي ~~نقل وجها عن أبي الحسن العبادي أنه يجوز بيعه في قرية من الأهواز تسمى عسكر ~~مكرم؛ لأنه يعالج بها السكر، بفتح السين والكاف، وفي نصيبين؛ لأنه يعالج به ~~العقارب الطيارة. وعن الخطابي (¬4) أن النهي الوارد في قتل النمل المراد به ~~السليماني، أي لانتفاء الأذى منه دون الصغير، وكذا في "شرح السنة" (¬5). ~~والعقارب الطيارة المراد بها الجرارة، وقد جاء في حديث خوات بن جبير عن ~~أبيه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يؤكل ما حملت النملة PageV09P335 # بفيها وقوائمها. أخرجه أبو نعيم في "الطب". وأما النحلة فقد روي عن بعض ~~السلف أنه أباح أكلها. وأما الهدهد فقيل: إنه يحل أكله. وهو مأخوذ من قول ~~الشافعي: إنه يلزم الفدية في قتله. وعنده لا يجب الفدية إلا في الصيد ~~المأكول. وأما الصرد فهو طائر فوق العصفور، وقال مالك: إنه يؤكل. قال ~~الفاضي أبو بكر بن العربي (¬1): إنما نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~قتله، لأن العرب كانت تتشاءم به، فنهى عن قتله ليزول ما في قلوبهم من ~~اعتقاد التشاؤم. وقول للشافعي مثل مالك، لأنه أوجب فيه الجزاء على المحرم ~~إذا قتله. ms2087 # 1108 - وعن ابن أبي عمار قال: قلت لجابر رضي الله عنه: الضبع صيد هي؟ ~~قال: نعم. قلت: قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: نعم. رواه ~~أحمد والأربعة، وصححه البخاري وابن حبان (¬2). # هو عبد الرحمن بن أبي عمار المكي، وثقه أبو زرعة والنسائي ولم يتكلم فيه ~~أحد، وسمي القس لعبادته (¬3). ووهم ابن عبد البر في إعلاله (¬4)، وصحح PageV09P336 # الحديث المذكور البيهقي وابن خزيمة (¬1). قال الشافعي (¬2): وما يباع لحم ~~الضباع إلا بين الصفا والمروة. وفي رواية أبي داود زيادة: ويجعل فيه كبش ~~إذا صاده المحرم. # والحديث فيه دلالة على حل أكل الضبع، وقد تقدم ذكر الخلاف فيه (أ). ويحتج ~~لمن قال بالتحريم بعموم لفظ: "كل ذي ناب من السباع" المتقدم (¬3)، وبما ~~أخرجه الترمذي (¬4) من حديث خزيمة بن [جزء] (ب) قال: "أو يأكل الضبع أحد؟ ~~". ويجاب عنه بأن العموم مخصوص. وهذا الحديث في إسناده عبد الكريم أبو ~~أمية، والراوي عنه إسماعيل بن مسلم، وهو متفق على ضعف عبد الكريم (¬5). وقد ~~روي إباحتها عن علي رضي الله عنه (¬6). # 1109 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما، أنه سئل عن القنفذ فقال: {قل لا أجد ~~في ما أوحي إلي محرما} (¬7) الآية. فقال شيخ عنده: سمعت أبا هريرة يقول: ~~ذكر عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "خبيثة من الخبائث". PageV09P337 # أخرجه أحمد وأبو داود وإسناده ضعيف (¬1). # الحديث (أضعف بجهالة أ) الشيخ المذكور. وقال الخطابي (¬2): ليس إسناده ~~بذاك. وقد أخرجه أبو داود من حديث عيسى بن نميلة -بالنون- عن أبيه. وقال ~~البيهقي (¬3): فيه ضعف ولم يرو إلا بهذا الإسناد. قال البيهقي: لم يرو إلا ~~من وجه ضعيف. وعن سعيد بن جبير قال: جاءت أم حفيد بقنفذ إلى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - فوضعته بين يديه فنحاه ولم يأكله. وفيه إرسال. ~~والقنفذ بضم القاف وفتحها الذكر منه، وكنيته أبو سفيان وأبو الشوك، والأنثى ~~أم دلدل (¬4). # الحديث فيه دلالة على أنه يحرم أكله؛ لأن المستخبث محرم، وقد ذهب إلى هذا ~~أبو طالب والإمام يحيى. وقال الرافعي: في القنفذ وجهان؛ ms2088 أحدهما، أنه يحرم. ~~وبه قال أبو حنيفة وأحمد؛ لما روى في الخبر أنه من الخبائث. والثاني، وهو ~~الأصح، أنه يحل. وقال القفال (¬5): إن صح الخبر فهو حرام، وإلا رجعنا إلى ~~العرب، والمنقول عنهم أنهم يستطيبونه. وذهب PageV09P338 # مالك وابن أبي ليلى إلى أنه حلال، والحديث فيه ما سمعت. وذهب المؤيد إلى ~~أنه يكره أكله كالضب. ويتأيد القول بحله بما أخرج أبو داود (¬1) من حديث ~~ملقام بن التلب (أ) عن أبيه قال: صحبت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فلم أسمع لحشرة الأرض تحريما. والحشرة صغار دواب الأرض كاليرابيع والضباب ~~والقنافذ، إلا أن قوله: لم أسمع. لا تصريح فيه بالحل؛ لجواز أن يكون غيره ~~قد سمع التحريم، وعلى أنه لم يسمع فيه التحريم فالخلاف بين الأصوليين في ~~الأصل في الأشياء الحظر أو الإباحة، وهي مسألة مشهورة، وذهب بعضهم إلى أن ~~الإطلاق لا يصح، فلا بد من أن يكون بعضها محظورا وبعضها مباحا، والدليل ~~يغني عن حكمه في مواضعه. ورخص في اليربوع والوبر ونحوهما عروة والشافعي ~~والهدوية، وكرهه ابن سيرين وأصحاب الرأي. وسئل عنه مالك فقال: لا أدري. وفي ~~تحريمه حديث رواه أبو داود (¬2)، وليس إسناده بذاك. # 1110 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن الجلالة وألبانها. أخرجه الأربعة إلا النسائي، وحسنه الترمذي ~~(¬3). PageV09P339 # وأخرج الحاكم والدارقطني والبيهقي (¬1) من حديث ابن عمرو بن العاص نحوه ~~وقال: حتى تعلف أربعين ليلة. ورواه أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم (¬2) ~~من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده بلفظ: نهى عن لحوم الحمر الأهلية وعن ~~الجلالة وعن ركوبها. ولأبي داود (¬3): أن يركب عليها أو يشرب ألبانها. # الحديث فيه دلالة على تحريم لحم الجلالة؛ وهي التي تأكل العذرة ~~والنجاسات، سواء كانت من الإبل أو البقر أو الغنم أو الدجاج، وكذا شرب ~~لبنها، وسواء كان الغالب على علفها النجاسة أو غيرها، وقيل: لا تكون جلالة ~~إلا إذا غلب على علفها النجاسة. وهذا مقتضى كلام النووي (¬4) في "التحرير"، ~~والصحيح أنه لا اعتبار ms2089 بالكثرة بل بالرائحة والنتن كما جزم به النووي. وذكر ~~مثل هذا الإمام يحيى، قال: ولا يطهر بالطبخ وإلقاء التوابل وإن زال الريح ~~إذ ليس باستحالة بل تغطية، وحرمت لأنها صارت من الخبائث. وقيل: تكره لأن ~~النهي الوارد فيه إنما كان لتغير اللحم، وهو لا يوجب التحريم بدليل المذكى ~~إذا [جف] (أ). وهذا نقله الرافعي في "الشرح والتذنيب" عن إيراد الأكثرين، ~~فإن علفت طاهرا وطاب لحمها بأن PageV09P340 # زال عنها التغير حل لزوال العلة. وقد ذهب إلى العمل بظاهر الحديث أحمد ~~والثوري. قال الإمام المهدي في "البحر" ردا عليهما: ولا وجه له. ويجاب عنه ~~بأن الوجه النهي عن ذلك. وقال الخطابي (¬1): كرهه أحمد وأصحاب [الرأي] (أ) ~~والشافعي، وقالوا: لا تؤكل حتى تحبس أياما. وفي حديث، أن البقر تعلف أربعين ~~يوما ثم يؤكل لحمها. وكان ابن عمر يحبس الدجاجة (ب ثلاثة أيام ب). ولم ير ~~بأكلها بأسا مالك من دون حبس. انتهى. وقال المهدي: المذهب: ويكره ما علت ~~جله، أو استوى هو أو علفه قبل حبسه. ثم قال: فإن لم تحبس وجب غسل أمعائها ~~ما لم يستحل ما فيه استحالة تامة. وقال المذهب والفريقان: وندب حبس الجلالة ~~قبل الذبح؛ الدجاجة ثلاثة أيام، والشاة سبعة، والبقرة والناقة أربعة عشر. ~~وقال مالك: لا وجه له. قلنا: لتطيب أجوافها. انتهى. وقد عرفت أن في الحديث: ~~تحبس أربعين ليلة. وكان الوقوف مع السنة هو الواجب. وقوله: وألبانها. يعني ~~أن حكم لبن الجلالة حكم لحمها. فالحديث يدل على تحريم لبنها، ولعله يجيء في ~~اللبن الخلاف الذي في اللحم، وكذا البيض، وفي رواية الركوب، يكون حكم ~~الركوب حكمهما، ولعله إذا كان بغير حائل على وجه يترطب الراكب بجسمها. وحكم ~~السخلة (¬2) المغتذية بلبن كلبة حكم الجلالة. # 1111 - وعن أبي قتادة في قصة الحمار الوحشي: فأكل منه PageV09P341 # النبي - صلى الله عليه وسلم -. متفق عليه (¬1). # تقدم قصة الحمار في كتاب الحج. والحمار الوحشي يقال له أيضا: حمار وحش. ~~وهو العير، وربما أطلق العير عليه وعلى الحمار الأهلي، ويسمى الفراء (¬2). # والحديث فيه دلالة ms2090 على أنه يحل أكله، وهو مجمع على حل أكله، إلا ما روي ~~عن مطرف أنه إذا أنس واعتلف صار كالأهلي، وأهل العلم على خلافه. # فائدة: يقال: إن الحمار الوحشي يتعمر مائتي سنة وأكثر. وذكر ابن خلكان ~~(¬3) في ترجمة يزيد بن زياد (¬4) أن حمارا وحشيا عاش أكثر من مائتي سنة. ~~وألوانه مختلفة، والأخدرية أطولها عمرا وأحسنها شكلا، وهي منسوبة إلى أخدر؛ ~~فحل كان لكسرى أردشير، توحش واجتمع [بعانات] (أ) فضرب فيها، فالمتولد منها ~~يقال له: أخدري. وقال الجاحظ (ب): أعمار حمر الوحش تزيد على أعمار الحمر ~~الأهلية، ولا نعرف حمارا أهليا عاش أكثر من PageV09P342 # حمار أبي سيارة، وهو عميلة بن خالد (أ) كان له حمار أسود أجاز [الناس] ~~(ب) عليه من مزدلفة إلى منى أربعين سنة. # 1112 - وعن أسماء بنت أبي بكر قالت: نحرنا على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - فرسا فأكلناه. متفق عليه (¬1). # مع زيادة: ونحن بالمدينة. تقدم الكلام في حل الخيل والخلاف فيه. وهذا ~~الحديث فيه دلالة على الحل، وقد جاء في رواية الدارقطني (¬2) زيادة: فأكلنا ~~نحن وأهل بيت النبي - صلى الله عليه وسلم -. ويستفاد من قولها: ونحن ~~بالمدينة. أن ذلك بعد فرض الجهاد. وفيه رد (ج) على من قال: إنها حرمت لعلة ~~أنها من آلات الجهاد، والحل كان قبل فرض الجهاد. ولا يقال: إن ذلك من فعلهم ~~ولم يذكر تقرير (د) النبي - صلى الله عليه وسلم - لهم على ذلك. لأن الظاهر ~~من مثل هذه الصيغة دعوى تقرير النبي - صلى الله عليه وسلم - واطلاعه على ~~ذلك، إذ من البعيد أن يقدموا على فعل شيء في زمن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ولا يعلمون حله، وهذا هو المختار عند أهل الأصول المحققين أن قول ~~الصحابي: كنا نفعل. و: كانوا يفعلون على عهد رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -. له (ه) حكم الرفع، وإذا كان هذا في مطلق الصحابة فكيف PageV09P343 # بآل أبي بكر واتصالهم برسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟! وأما مع زيادة ~~الدارقطني فالأمر أشد ظهورا. # وقولهما: نحرنا. ms2091 وقد جاء في رواية الدارقطني: ذبحنا. وفي هذا دلالة على ~~أن الذبح والنحر بمعنى واحد، إذ القصة واحدة، وإن كان النووي (¬1) قال: ~~اختلاف الرواة بلفظ: نحرنا، و: ذبحنا. يدل على تعدد القصة. وقال: ويجوز أن ~~تكون قصة (أ) واحدة، وأحد اللفظين مجاز عن الآخر. # والنحر إنما هو للإبل خاصة؛ وهو الضرب بالحديدة في لبة البدنة حتى تفرى ~~أوداجها، والذبح، وهو قطع الأوداج، في غير الإبل، وقد جاءت أحاديث في ذبح ~~الإبل وفي نحر غيرها. وقال ابن التين (¬2): الأصل في الإبل النحر وفي غيرها ~~الذبح، وجاء في القرآن في البقرة: {فذبحوها} (¬3). وفي السنة: نحرها. وقد ~~اختلف العلماء في ذبح ما ينحر ونحر ما يذبح، فأجازه الجمهور، ومنع ابن ~~القاسم من المالكية. وروى إسماعيل بن أبي أويس عن مالك فيمن نحر البقر، قال ~~مالك: بئس ما صنع. وتلا الآية (¬4). وعن أشهب: إن ذبح بعيرا من غير ضرورة ~~لم يؤكل. وقال ابن عباس (¬5): موضع الذكاة الحلق واللبة، بفتح اللام وتشديد ~~الباء. وعن عمر مثله (5). وجاء PageV09P344 # أيضا مرفوعا من وجه واه (¬1). واللبة: موضع القلادة من الصدر وهي المنحر. ~~والذبح: قطع الودجين، بفتح الدال المهملة والجيم، وهما عرقان محيطان ~~بالحلقوم. وقولهم: الأوداج. من باب التغليب على الحلقوم والمريء، فسميت ~~الأربعة أوداجا (أ). وذهبت الحنفية إلى أنه يكفي قطع ثلاثة أوداج من أي ~~جانب. وعن أبي يوسف ثلاث روايات، أحدها، كالقول الذي قبله. والثاني، قطع ~~الحلقوم واثنين من الثلاثة الباقية. والثالثة، الحلقوم والمريء وأحد ~~الودجين. وحكى ابن المنذر (¬2) عن محمد بن الحسن، أنه إذا قطع الحلقوم ~~والمريء وأكثر من نصف الأوداج أجزأ. وقال الشافعي (¬3): يكفي قطع الحلقوم ~~والمريء وإن لم يقطع الودجين. قال: لأنهما قد يسلبان من الإنسان وغيره ~~فيعيش. وعن الثوري: إن قطع الودجين أجزأ ولو لم يقطع الحلقوم والمريء. وعن ~~مالك: يشترط قطع الحلقوم والودجين. واحتج له بقوله - صلى الله عليه وسلم - ~~في حديث رافع: "ما أنهر الدم" (¬4). وإنهاره إجراؤه؛ وذلك يكون بقطع ~~الأوداج لأنها مجرى الدم. وأما المريء فهو مجرى الطعام، وليس به ms2092 من الدم ما ~~يحصل به إنهاره. ورواية عن مالك أنه يكفي قطع الودجين، وعنه اشتراط قطع ~~الأربعة. وذهب الهدوية إلى أنه يشترط ذبح PageV09P345 # الأربعة، ولا يجب استكمالها، فيعفى إذا بقي من كل دون ثلثه. والوجه أنه ~~يطلق الكل على الأكثر. # 1113 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: أكل الضب على مائدة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. متفق عليه (¬1). # هذا الحديث بهذا اللفظ من رواية ابن عباس. والحديث قال: أهدت خالتي أم ~~حفيد، بضم الحاء المهملة وبالفاء، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~سمنا وأقطا وأضبا، فأكل من السمن والأقط وترك الضب تقذرا، وأكل على مائدة ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وفي رواية له (¬2): فدعا بهن فأكلن (أ) ~~على مائدته وتركهن كالمتقذر لهن، ولو كن حراما ما أكلن على مائدة رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - (ب ولا أمر ب) بأكلهن. وجاء في روايات (¬3) أنه كان ~~معه خالد بن الوليد. وفي بعض الروايات (¬4) أنه روي ذلك عن خالد بن الوليد. ~~وفي ذلك روايات أخر. # قال الحميدي: وعلى روايات ذكر خالد عول البخاري وجعله من PageV09P346 # مسند خالد. والجمع بين هذه الروايات أن ابن عباس كان حاضرا هو وخالد بن ~~الوليد، وكانت ميمونة خالتهما جميعا، وكأن ابن عباس استثبت في الرواية من ~~خالد لكونه الذي باشر السؤال للنبي - صلى الله عليه وسلم - عنه كما جاء في ~~الروايات، وهو الذي اجتر الضب وأكله، وكان ابن عباس ربما رواه عنه. وقد جاء ~~في رواية الطحاوي (¬1) أنها أهدت ضبا وقنفذا. وذكر القنفذ فيه غريب. # والحديث فيه دلالة على حل أكله. وحكى القاضي عياض عن قوم تحريمه، وعن ~~الحنفية كراهته. وأنكر ذلك النووي وقال (¬2): لا أظنه يصح عن أحد، فإن صح ~~فهو محجوج بالنص ولإجماع من قبله. قال الطحاوي (¬3) في معنى الآثار: كره ~~قوم أكل الضب، منهم أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن. قال (¬4): واحتج ~~محمد بحديث عائشة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أهدي له ضب فلم يأكله، ~~فقام عليهم سائل ms2093 فأرادت عائشة أن تعطيه، فقال لها رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أتعطنه ما لا تأكلين؟ ". إلا أنه لا يدل على الكراهة؛ لأن ~~الصدقة حقها أن تكون مما يحبه المتصدق. كذا قاله الطحاوي. إلا أنه يحتج ~~لذلك بما أخرجه أبو داود (¬5) بإسناد حسن عن عبد الرحمن بن شبل، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - نهى عن الضب. وفي إسناده إسماعيل بن عياش، ولكن رجاله PageV09P347 # شاميون وهو في الشاميين قوي (¬1). فقول الخطابي (¬2): ليس إسناده بذاك. ~~غير مسلم، وكذا قول ابن حزم (¬3): فيه ضعفاء ومجهولون. غير مسلم؛ فإن رجاله ~~ثقات، وقول البيهقي (¬4): تفرد به إسماعيل بن عياش، وليس بحجة. مدفوع بما ~~عرفت. وأخرج أبو داود (¬5) من حديث عبد الرحمن بن حسنة، أنهم طبخوا ضبابا، ~~فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن أمة من بني إسرائيل مسخت دواب في الأرض، ~~فأخشى أن يكون هذه، فألقوها". وأخرجه أحمد (¬6)، وصححه ابن حبان (¬7) ~~والطحاوي (¬8)، وسنده على شرط الشيخين. وقد يجاب عن هذا بأنه وقع من النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - قبل أن يعلم أن الممسوخ لا ينسل (¬9). وقد أخرج ~~الطحاوي (¬10) عن عبد الله بن مسعود قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن القردة والخنازير؛ أهي مما مسخ؟ قال: "إن الله لم يهلك قوما -أو ~~يمسخ قوما- فيجعل لهم نسلا ولا عاقبة". وأصل الحديث في مسلم (¬11). ويتعجب ~~من ابن العربي حيث قال (¬12): قولهم: إن الممسوخ لا ينسل. دعوى، فإنه أمر ~~لا PageV09P348 # يعرف بالعقل، وإنما طريقه النقل، وليس فيه أمر يعول عليه. ولعله غفل عما ~~في "صحيح مسلم"، وبأن كونه ممسوخا لا يقتضي تحريم أكله، فإن كونه آدميا قد ~~زال حكمه ولم يبق له أثر أصلا، وإنما كره - صلى الله عليه وسلم - الأكل منه ~~لما وقع عليه من سخط الله سبحانه وتعالى، كما كره الشرب من مياه ثمود. ~~ومسألة تحريم أكل الآدمي إذا مسخ حيوانا مأكولا لم يتعرض لها الفقهاء، ~~وظاهر كلام الهدوية في قولهم: إنه يعتبر في الحيوان بالأم. أن أول ~~الممسوخات لا يحل أكلها؛ لأن أمها ms2094 آدمية، وأما نسلها -إذا فرض- فيحل؛ لأن ~~أمهاتها حيوان من الأنعام التي جنسها يؤكل. # وفي قوله: "فأخشى". دلالة على عدم الجزم بما ذكر، وإنما ذلك من باب ~~التقذر (أ) والبعد عن الشبهة. وأخرج مسلم (¬1) من حديث يزيد بن الأصم، أنه ~~قال بعض القوم عند ابن عباس: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الضب: ~~"لا آكله ولا أنهى عنه ولا أحرمه". فقال ابن عباس: بئس ما قلتم، ما بعث (ب) ~~نبي الله إلا محرما أو محللا. # وأخرج الحديث أبو بكر بن أبي شيبة (¬2) شيخ مسلم بالسند الذي ساقه مسلم ~~بلفظ: "لا آكله ولا أنهي عنه ولا أحله ولا أحرمه". ولعل مسلما حذف زيادة: ~~"ولا أحله". عمدا لشذوذها؛ فإن في حديث PageV09P349 # ابن (أ) عمر: "لا آكله ولا أحرمه". ولم يذكر: "ولا أحله". ويزيد بن الأصم ~~وإن كان ثقة فهو أخبرنا بها عن قوم كانوا عند ابن عباس وكانوا مجهولين، ولم ~~يقل يزيد أنهم أصحاب ابن عباس، ويتأول لفظ: "ولا أحله". بأني لا أحله على ~~وجه أكله لا على معنى التحريم؛ لقوله: "ولا أحرمه". فيتحصل من هذا كراهة ~~أكله لا تحريمه، ويتأيد هذا بما جاء في رواية لمسلم (¬1): "كلوه، فإنه ~~حلال، ولكنه ليس من طعامي". # 1114 - وعن عبد الرحمن بن عثمان رضي الله عنه أن طبيبا سأل رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - عن الضفدع يجعلها في دواء، فنهى عن قتلها. أخرجه أحمد ~~وصححه الحاكم (¬2). # هو عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي القرشي، ابن أخي طلحة بن ~~عبيد الله، صحابي، وقيل: إنه أدرك النبي - صلى الله عليه وسلم -، وليست له ~~رواية. وأسلم يوم الحديبية، وقيل: يوم الفتح. وقتل مع عبد الله بن الزبير ~~في يوم واحد، روى عنه ابناه معاذ وعثمان، ومحمد بن المنكدر (أ)، وأبو سلمة ~~بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب (¬3). PageV09P350 # الحديث أخرجه أحمد وأبو داود (¬1) والنسائي (¬2) والبيهقي (¬3) بلفظ: ذكر ~~طبيب عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دواء وذكر الضفدع يجعل فيه، ~~فنهى رسول الله - صلى الله ms2095 عليه وسلم - عن قتل الضفدع، قال البيهقي (3): هو ~~أقوى ما ورد في النهي عن قتل الضفدع. وأخرج (¬4) من حديث أبي هريرة النهي ~~عن قتل الصرد والضفدع والنملة والهدهد. وفي إسناده إبراهيم بن الفضل وهو ~~متروك (¬5). وأخرج (¬6) من حديث سهل بن سعد مثله، وفي إسناده عبد المهيمن ~~بن عباس بن سهل بن سعد وهو ضعيف (¬7). وأخرج (3) من حديث عبد الله بن عمرو ~~موقوفا: لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما ~~خرب بيت المقدس قال: يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم. قال البيهقي: ~~(أإسناد صحيح أ). وعن أنس: لا تقتلوا الضفادع، فإنها مرت على نار إبراهيم ~~فجعلت في أفواهها الماء وكانت ترشه على النار. PageV09P351 # والحديث فيه دلالة على تحريم أكلها؛ لأنه نهي عن قتلها، وهو يقتضي تحريم ~~الأكل، وهو إجماع، لأنه لو حل أكلها لما حرم قتلها. قال بعض الفقهاء: ~~المناسب لتحريمها أنها كانت جار الله سبحانه في الماء الذي كان عليه العرش ~~قبل خلق السماوات والأرض، قال الله تعالى: {وكان عرشه على الماء} (¬1). ~~والله سبحانه أعلم. # والضفدع بوزن الخنصر واحد الضفادع، والأنثى ضفدعة، وقد يقال بفتح الدال، ~~قال الخليل (¬2): ليس في الكلام فعلل إلا أربعة أحرف؛ درهم، وهجرع للطويل، ~~وهثلع للأكول، و [قلعم] (أ) وهو اسم. وقال ابن الصلاح (¬3): الأشهر فيه من ~~حيث اللغة كسر الدال، وفتحها أشهر في ألسنة العامة وأشباه العامة من ~~الخاصة، وقد أنكره بعض أئمة اللغة. PageV09P352 ### || AUTO باب الصيد والذبائح # 1115 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو صيد أو زرع، انتقص من أجره كل يوم ~~قيراط". متفق عليه (¬1). # الحديث ورد بلفظ: "اتخذ" (¬2)، و: "اقتنى"، و: "أمسك". في روايات ~~"الصحيحين". وجاء بلفظ: أمر بقتل الكلاب إلا كلب صيد أو غنم. في حديث ابن ~~عمر. وزيادة: "أو زرع". وردت في حديث أبي هريرة، فقيل لابن عمر، فقال ابن ~~عمر: إن لأبي هريرة زرعا (¬3). ويقال: إنه أراد ابن عمر أن ms2096 أبا هريرة لما ~~كان صاحب زرع كان له عناية في حفظها؛ لأن من كان مشتغلا بشيء احتاج إلى ~~تعرف أحكامه، وقد روي ذلك من حديث سفيان بن أبي زهير (¬4) وعبد الله بن ~~مغفل (¬5)، والعطف ب "أو" في الثلاثة للتنويع لا للتشكيك. # والحديث فيه دلالة على المنع من اتخاذ الكلاب، وهو يحتمل الكراهة بدليل ~~نقص بعض الثواب على التدريج، فلو كان حراما لذهب الثواب مرة PageV09P353 # واحدة. والوجه المناسب لمنع اتخاذها من دون حاجة هو ما يحصل منها من ~~ترويع الناس وامتناع دخول الملائكة للبيت الذي هم فيه. كذا ذكره ابن عبد ~~البر (¬1). ولكنه يحتمل أن يكون حراما وتكون العقوبة في اتخاذه نقصان ~~القيراط، يعني أن الإثم الحاصل باتخاذه يوازن قدر قيراط من أجر المتخذ له. ~~وأما حكمة التحريم فلما في بقائها في البيت من التسبب إلى امتناع دخول ~~الملائكة إليه، الذين دخولهم يقرب إلى فعل الطاعة والبعد عن المعصية، ~~وبعدهم يتسبب إلى القرب من المعصية وترك الطاعة، ولما فيها من أذى المسلمين ~~ولتنجيسها للأواني، وقد يغفل صاحبها فيستعمل الإناء المتنجس وقد سبب في ~~نجاسته باتخاذ الكلاب. وقد ذهب إلى تحريم اقتناء الكلب الشافعية، إلا ~~المستثنى. ذكره النووي (¬2). واختلف العلماء هل نقصان القيراط من عمل ماض ~~أو من الأعمال المستقبلة؟ فقال ابن التين (¬3): إن ذلك من العمل المستقبل. ~~وقد حكى الروياني (3) في "البحر" اختلافا في ذلك، وقد جاء في رواية: ~~"قيراطان". واختلف العلماء في الجمع بين الروايتين؛ فقيل: الحكم بالزائد هو ~~الواجب؛ لأن في ذلك زيادة على الناقص فقد حفظ ما لم يحفظ غيره، أو أنه ~~باعتبار كثرة الإضرار (أ) -كما في المدن- ينقص قيراطان، وقلته (ب) -كما في ~~البوادي- ينقص قيراط، أو أن بعض القيراطين PageV09P354 # في المدينة المشرفة والقيراط في غيرها، أو قيراط من عمل النهار وقيراط من ~~عمل الليل. فالمقتصر في الرواية باعتبار كل واحد من الليل والنهار، والمثنى ~~باعتبار مجموعهما. واختلف في القيراط هنا هل هو كالقيراط المذكور في ~~الجنازة؟ فقيل بالتسوية، وقيل: الذي في الجنازة من باب الفضل ففيه التوسعة، ms2097 ~~وهذا من باب العقوبة فهو محمول على العدل، وهي النظر إلى جانب الموازنة. ~~وذكر في الحديث الثلاثة المستثناة فلا ضرر على متخذها، ويقاس عليه حفظ ~~الدور إذا احتيج إلى ذلك. كذا أشار إليه ابن عبد البر (¬1). واتفقوا على أن ~~المأذون في اتخاذه إنما هو غير العقور، وأما العقور فلا يتخذ؛ لأنه مأمور ~~بقتله، ويجوز تربية الجرو الصغير للمنفعة التي يئول إليها إذا كبر. وقد ~~استدل بجواز الاتخاذ على طهارة المتخذ، لأن في ملابسته مع الاحتراز عنه ~~مشقة شديدة، فالإذن في اتخاذه إذن في مكملات مقصوده، كما أن المنع من ~~لوازمه مناسب للمنع من اتخاذه، وهو استدلال قوي يمكن أن يخصص عموم غسل ~~الإناء مما ولغ فيه الكلب. # وفي الحديث دلالة على الحث على تكثير الأعمال الصالحة، والتحذير من العمل ~~بما ينقصها، والتنبيه على أسباب الزيادة فيها والنقص منها لتجتنب، ولطف ~~الله سبحانه بإباحة ما يحتاج إليه في تحصيل أمر المعاش وحفظه. وقد ورد ~~الأمر بقتل الكلاب؛ أخرجه مسلم (¬2) في "صحيحه" من حديث ابن عمر وابن ~~المغفل. قال القاضي عياض (¬3): ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث في ~~قتل الكلاب إلا ما استثني. قال: وهذا مذهب PageV09P355 # مالك وأصحابه. قال: وذهب آخرون إلى جواز اتخاذها جميعا ونسخ الأمر بقتلها ~~والنهي عن اقتنائها إلا الأسود البهيم. قال: وعندي أن النهي كان أولا نهيا ~~عاما عن اقتنائها جميعا، وأمر بقتل جميعها، ثم نهى عن قتل ما سوى الأسود، ~~ومنع الاقتناء في جميعها إلا المستثنى. انتهى. والمأمور بقتله هو الأسود ~~البهيم وذو النقطتين؛ فإنه شيطان، والمراد بالبهيم الخالص السواد، ~~والنقطتان معروفتان فوق عينيه، وأخذ أحمد من التعليل في الحديث وبعض ~~الشافعية أنه لا يحل صيده. وقال الجمهور: يحل صيده؛ لأن الحديث لم يقصد به ~~إخراجه عن جنس الكلاب، ولهذا إذا ولغ في (أ) إناء وجب غسله كما يغسل من ~~الكلب الأبيض. والله أعلم. # 1116 - وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا أرسلت كلبك المعلم فاذكر اسم ms2098 الله، فإن أمسك عليك فأدركته حيا ~~فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله، وإن وجدت مع كلبك كلبا غيره ~~وقد قتل فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قتله، وإن رميت سهمك فاذكر اسم الله، ~~فإن غاب عنك يوما ولم تجد فيه إلا أثر سهمك فكل إن شئت، وإن وجدته غريقا في ~~الماء فلا تأكل". متفق عليه (¬1)، وهذا لفظ مسلم. # قوله: "إذا أرسلت كلبك المعلم". فيه دلالة على أنه لا يعتبر صيد PageV09P356 # الكلب إلا إذا أرسله صاحبه، فلو استرسل بنفسه لم يحل ما اصطاده عند ~~الجمهور، وحكي عن الأصم إباحته، قال: لأن المعتبر التعليم. وحكى ابن المنذر ~~(¬1) عن عطاء والأوزاعي أنه يحل إن كان صاحبه أخرجه للاصطياد. # ولا بد أن يكون معلقا، فأما غير المعلم فمجمع على أنه لا يحل صيده. وحد ~~التعلم أن يغرى فيقصد، ويزجر فيقعد. ذكره أبو طالب. وقال الشافعي: التعليم ~~هو قبول الإرسال والإغراء حتى يمتثل الزجر في الابتداء لا بعد العدو، ويترك ~~أكل ما أمسك. ومثل هذا ذكر الإمام يحيى؛ أنه إنما يعتبر امتثاله للزجر قبل ~~الإرسال، أما بعد إرساله على الصيد فذلك يتعذر. # وقوله: "فاذكر اسم الله". دليل على وجوب التسمية، وقد أجمع المسلمون على ~~التسمية عند الإرسال وعند الذبح والنحر، واختلفوا في أن ذلك واجب أو سنة؛ ~~فذهب الهدوية والناصر وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنها واجبة على الذاكر لها، ~~لا تحل ذبيحته ولا صيده إذا تركها عمدا. قالوا: لقوله تعالى: {ولا تأكلوا ~~مما لم يذكر اسم الله عليه} (¬2). ولما تقدم من الحديث، وعفي عن الناسي ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "رفع عن أمتي الخطأ والنسيان" (¬3). ولما ~~سيأتي من حديث ابن عباس في آخر الباب، ولأنه كالأخرس. # وذهب من قال بسنتها؛ وهم ابن عباس وزيد بن ثابت وأبو هريرة، PageV09P357 # ورواية عن مالك وأحمد، قالوا: لقوله تعالى: {إلا ما ذكيتم} (¬1). فأباح ~~التذكية من غير اشتراط التسمية ولا وجوبها، ولقوله تعالى: {وطعام الذين ~~أوتوا الكتاب حل لكم} (¬2). وهم لا يسمون، ولحديث عائشة الآتي أنهم قالوا: ms2099 ~~يا رسول الله، إن قوما حديث عهد بالجاهلية يأتوننا بلحمان لا ندري أذكروا ~~اسم الله أم لم يذكروا، فنأكل منها؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "سموا وكلوا". رواه البخاري (¬3). # وأجابوا عن حجة الأولين أن قوله تعالى: {ولا تأكلوا} الآية. المراد به ما ~~ذبح للأصنام؛ كما قال تعالى: {وما ذبح على النصب} (1)، {وما أهل به لغير ~~الله} (¬4). لأن الله تعالى قال: {وإنه لفسق} (3). وقد أجمع المسلمون على ~~أن من أكل متروك التسمية عليه فليس بفاسق، فوجب حملها على ما ذكر؛ جمعا ~~بينها وبين الآيات السابقة وحديث عائشة، إلا أنه يقال: إن حديث عائشة لا ~~يدل على المقصود؛ لأنه إنما حل حملا على السلامة للذابحين؛ بأنهم قد سموا ~~لكونهم مسلمين. # وذهب الظاهرية إلى أنه يحرم ما تركت عليه التسمية ولو نسيانا، وهو مروي ~~عن ابن سيرين وأبي ثور. قالوا: لظاهر الآية الكريمة وحديث عدي ولم يفصل (أ) ~~وقد عرفت الجواب عنه، وذهب أحمد، على ما هو الصحيح PageV09P358 # من مذهبه، أن التسمية شرط في صيد الجوارح. # وقوله: "فإن أدركته حيا فاذبحه". فيه دلالة على أنه يجب عليه التذكية إذا ~~وجد فيه الحياة، ولم يحل إلا بالذكاة، وهو مجمع عليه، وقد نقل عن الحسن ~~البصري والنخعي خلافه، ولعله باطل (¬1). قال في "البحر": إجماعا. وأما إذا ~~أدركه ولم يبق فيه حياة مستقرة؛ بأن كان قد قطع حلقومه ومريئه، أو خرق ~~أمعاءه، أو أخرج حشوه (¬2)، فيحل من غير ذكاة. قال النووي (¬3): بالإجماع. ~~قالت الشافعية: ويستحب إمرار السكين على حلقه. واختار الإمام المهدي لمذهب ~~الهدوية إلى أنه إذا بقي فيه رمق وجب تذكيته، والرمق إمكان التذكية لو ~~حضرته آلة. # وقوله: "وإن أدركعه وقد قتل ولم يأكل". فيه دلالة على أنه إذا أكل منه ~~حرم أكله. وقد جاء في هذه الرواية معللا لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه". وهذا ناظر إلى قوله تعالى: {فكلوا ~~مما أمسكن عليكم} (¬4). ولم يكن ممسكا على صاحبه، وقد أخرج أحمد (¬5) من ~~حديث ابن عباس: ms2100 "إذا أرسلت الكلب فأكل [من] (أ) الصيد PageV09P359 # فلا تأكل، فإنما أمسك على نفسه، وإذا أرسلته فقتل ولم يأكل فكل، فإنما ~~أمسك على صاحبه". وأخرجه البزار (¬1) من وجه آخر عن ابن عباس، وابن أبي ~~شيبة (¬2) من حديث [أبي] (أ) رافع نحوه بمعناه. وقد ذهب إلى هذا ابن عباس ~~وأبو هريرة وعطاء وسعيد بن جبير والحسن والشعبي والنخعي وعكرمة وقتادة وأبو ~~حنيفة وأصحابه وأحمد وإسحاق وأبو ثور وابن المنذر وداود. # وذهب علي وابن عمر وسلمان وسعد بن أبي وقاص، ومالك، وهو قول ضعيف ~~للشافعي، إلى أنه يحل، قالوا: لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي ~~ثعلبة الخشني، قال: يا رسول الله، إن لي كلابا مكلبة، فأفتني في صيدها. ~~قال: "كل مما أمسكن عليك". قال: وإن أكل منه؟ قال: "وإن أكل منه". أخرجه ~~أبو داود (¬3) بإسناد حسن. وفي حديث سلمان: "كله وإن لم تدرك منه إلا نصفه" ~~(¬4). قال الإمام المهدي في "البحر": ويحمل خبر عدي بأن ذلك في كلب قد ~~اعتاد الأكل فخرج عن التعليم، ثم حديث أبي ثعلبة أرجح لكثرة العامل به. ~~انتهى. PageV09P360 # وأجاب بعضهم بأن حديث عدي محمول على كراهة التنزيه، وحديث أبي ثعلبة ~~لبيان أصل الحل، قال بعضهم: ومناسبة ذلك أن عديا كان موسرا فاختير له ~~الأولى، بخلاف أبي ثعلبة فإنه كان من الأعراب العسرين. وبعضهم بأنه يحمل ~~على الذي مات من شدة العدو أو من الصدمة وأكل منه الكلب. ولا يخفى بعد هذا. ~~وأجاب أهل القول الأول بأن الحديثين تعارضا، لكن حديث عدي مرجح؛ لأنه مخرج ~~في "الصحيحين"، ودلالته صريحة، مبينة بالمناسب للتحريم، مؤيدة بظاهر قوله ~~تعالى: {فكلوا مما أمسكن عليكم} (¬1). ومقتضاها أن الذي أمسكه من غير إرسال ~~يحرم، فكذلك ما أكل منه، لأنه في حكم ما استرسل بنفسه، ويتقوى أيضا ~~بالشواهد، كحديث ابن عباس. وأما جواب الإمام المهدي وما ذكر بعده فلا تخفى ركته. # وقوله: "وإن وجدت". إلخ. فيه دلالة على أنه لا يحل ما احتمل أن المؤثر في ~~قتله غير المرسل؛ لوجود الشك في ذلك، فيغلب ms2101 جانب الحظر، ولهذه القاعدة ~~اختلفوا في أكل الصيد إذا غاب مصرعه؛ فقول لمالك أنه إذا وجد به أثرا من ~~الكلب، أنه يؤكل ما لم يبت، فإذا بات كره. وقال بالكراهة الثوري. وقال عبد ~~الوهاب من المالكية: إنه لا يؤكل إذا كان من أثر الكلب، وإن كان من السهم ~~ففيه خلاف. وقال ابن الماجشون: يؤكل منهما جميعا إذا وجد منفوذ المقاتل. ~~وقال مالك في "المدونة" (¬2): لا PageV09P361 # يؤكل منهما جميعا إذا بات وإن وجد منفوذ المقاتل. وقال الشافعي: القياس ~~ألا تأكله إذا غاب عنك مصرعه. وقال أبو حنيفة: إذا توارى والكلب في طلبه ~~فوجده المرسل مقتولا جاز أكله ما لم يترك الكلب الطلب. وتخريج أبي طالب ~~ورواه في "البحر" عن أصحاب أبي حنيفة أنه لا يحل إلا أن يشاهد الإصابة ~~ولحقه فورا فيجدها في مقتل، ولا يجوزها من غيره، ولا أنه مات بغيرها. ~~انتهى. وحد الفور ألا يتراخى عن اللحوق بقدر التذكية، وذلك بناء على أن ~~اللحوق من تمام الاصطياد. # وقد اختلفت الأحاديث، فروى مسلم والنسائي وأبو داود والترمذي (¬1) عن أبي ~~ثعلبة الخشني عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الذي يدرك صيده بعد ثلاث، ~~قال: "كل ما لم ينتن". وروى مسلم (¬2) عن أبي ثعلبة أيضا عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "إذا رميت سهمك فغاب عنك مصرعه فكل ما لم يبت". وفي ~~حديث عدي في رواية (¬3): "إذا وجدت سهمك فيه ولم تجد فيه أثر سبع، وعلمت أن ~~سهمك قتله فكل". # وقوله: "وإن وجدته غريقا فلا تأكل". ظاهر هذا أنه لا يؤكل وإن كان السهم ~~قد أنفذ مقاتله. وقد ذهب إلى هذا أبو حنيفة، قال: PageV09P362 # [لا يؤكل] (أ) إن وقع في ماء منفوذ المقاتل ويؤكل إن تردى. وقال عطاء ~~(¬1): لا يؤكل أصلا إذا أصيبت المقاتل ووقع في ماء أو تردى من موضع عال؛ ~~لإمكان أن يكون زهوق نفسه من قبل التردي أو الماء قبل زهوقها من قبل إنفاذ ~~المقاتل. # واعلم أنه وقع الإجماع على حل ما قتله الكلب، إلا الأسود، ففيه ms2102 ما تقدم ~~من الخلاف، واختلف العلماء فيما عداه من السباع، كالفهد والنمر وغيرهما، ~~وكذلك الطيور؛ فذهب مالك، كما رواه عنه ابن شعبان (¬2)، أنه يحل بجميع ~~الحيوانات إذا قبلت التعليم وعلمت، حتى السنور، وذهب إليه أصحاب مالك، وبه ~~قال فقهاء الأمصار، وهو مروي عن ابن عباس، وقال جماعة، ومنهم مجاهد: لا يحل ~~ما صاده غير الكلب إلا بشرط إدراك ذكاته. وبعضهم خص البازي بحل ما قتله. ~~وقوله تعالى: {مكلبين}. يحتمل أن تكون مشتقة من الكلب، بسكون اللام، اسم ~~العين، فيكون حجة لمن خص الكلب بالحل، ويحتمل أن يكون مشتقا من الكلب، بفتح ~~العين، وهو مصدر، بمعنى التكليب؛ وهو التضرية. ويقوي هذا عموم قوله: {من ~~الجوارح مكلبين}. فإن الجوارح المراد به الكواسب على أهلها، وهو عام. وعلى ~~جعل {مكلبين} مشتقا من الكلب بالسكون يقاس عليه PageV09P363 # سائر الكواسب من السباع والطير مما يقبل التعليم. ودليل من خص البازي ما ~~أخرجه الترمذي (¬1) من حديث عدي بن حاتم قال: سألت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن صيد البازي فقال: "ما أمسك عليك فكل". # 1117 - وعن عدي قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن صيد ~~المعراض، فقال: "إذا أصبت بحده فكل، وإذا أصبت بعرضه فقتل فإنه وقيذ فلا ~~تأكل". رواه البخاري (¬2). # المعراض بكسر الميم وسكون المهملة وآخره معجمة، وهو سهم لا ريش له ولا ~~نصل. كذا قال الخليل (¬3). وقال ابن دريد (¬4) وتبعه ابن سيده (¬5): إنه ~~سهم طويل له أربع قذذ رقاق فإذا رمي به اعترض. وقال الخطابي (¬6): نصل عريض ~~له ثقل ورزانة. وقيل (3): عود رقيق الطرفين غليظ الوسط. وقيل (3): خشبة ~~ثقيلة آخرها عصا محدد رأسها وفد لا يحدد. وقال النووي (¬7): هذا هو ~~المشهور. وقال ابن التين (3): المعراض عصا في طرفها حديد يرمي به الصائد، ~~فما أصاب بحده فهو ذكي يؤكل، وما أصاب بعرضه فهو وقيذ. والوقيذ بقاف وآخره ~~ذال معجمة بوزن عظيم؛ أي موقوذ، وهو ما قتل PageV09P364 # بعصا أو حجر أو ما لا حد فيه، والموقوذة المضروبة بخشبة حتى تموت من ~~وقذته، أي ms2103 ضربته. وقال ابن عمر (¬1): المقتولة بالبندقة تلك الموقوذة. # والحديث فيه دلالة على أنه يحل صيد المعراض إذا كان خارقا للجلد حتى يخرق ~~معه اللحم، فإذا لم يكن له حد لم يحل. وقد ذهب إلى هذا الشافعي ومالك وأبو ~~حنيفة وأحمد، وهو مذهب الهدوية، وذهب مكحول والأوزاعي وغيرهما من فقهاء ~~الشام إلى أنه يحل صيد المعراض مطلقا. وكذا قالوا في صيد البندقة أنه يحل. ~~وذهب إلى هذا ابن أبي ليلى، وحكي عن سعيد بن المسيب (¬2). وقال الجمهور: لا ~~يحل صيد البندقة لأنه كالمعراض. # وقوله: "فإنه وقيذ". أي كالوقيذ، من باب التشبيه البليغ، وذلك لأن الوقيذ ~~المقتول بالضرب بالعصا من دون حد، وهذا شاركه في العلة وهو القتل بغير حد. # 1118 - وعن أبي ثعلبة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"إذا رميت بسهمك فغاب عنك فأدركته فكله (أ) ما لم ينتن". أخرجه مسلم (¬3). # تقدم الكلام في الصيد إذا غاب وإذا بات، وقد جاء في رواية فيمن يدرك (ب) ~~صيده بعد ثلاث: "فكله ما لم ينتن". والحديث فيه دلالة على أنه PageV09P365 # يحرم أكل اللحم المنتن، وهو محمول على أنه يضر الآكل، أو أنه قد صار ~~مستخبثا. وقد جاء النهي عن أكل المستخبث، أو يحمل على التنزيه، ويقاس عليه ~~سائر اللحوم والأطعمة المنتنة. والله أعلم. # 1119 - وعن عائشة رضي الله عنها أن قوما قالوا للنبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: إن قوما يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا. فقال: ~~"سموا الله عليه أنتم وكلوه". رواه البخاري (¬1). # قوله: إن قوما. قال المصنف (¬2) رحمه الله تعالى: لم أقف على تعيينهم، ~~ووقع في رواية مالك (¬3): سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. # وقوله: أذكر. بضم الذال على البناء للمجهول. وجاء في رواية (¬4): أذكروا. ~~بالضمير بصيغة المعلوم. وفي رواية (¬5): لا ندري أيذكرون. وفي رواية أبي ~~داود (¬6) بلفظ: أم لم يذكروا، أفنأكل منها؟ وتمام الحديث في البخاري قالت: ~~وكانوا حديثي عهد بالكفر. وفي رواية مالك زيادة في آخره: وذلك في أول ~~الإسلام. ms2104 # الحديث فيه دلالة على أن التسمية على الذبح غير واجبة. قال المهلب (2): ~~لأن التسمية على الأكل ليست واجبة بالإجماع وقد قامت مقام التسمية على ~~الذبح، فدلت على عدم وجوبها. قال: والأمر في حديث PageV09P366 # عدي (¬1) وأبي ثعلبة (¬2) محمول على الندب، وذلك لأنهما كانا يصيدان على ~~ما عهداه في الجاهلية، فعلمهما النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر الصيد ~~والذبح؛ فرضه ومندوبه، لئلا يقعا في مشتبه ويأخذا بأكمل الأحوال في ~~المستقبل، وأما الذين سألوا عن أكل اللحم المذكور، فإنهم سألوا عن أمر قد ~~وقع ويقع من غيرهم ليس لهم قدرة على الأخذ بالأكمل، فبين لهم أصل الحل. ~~والأولى أن يقال: إن الحديث لا دلالة له (أ) على ذلك، وإنما دلالته على أنه ~~لا عليكم أن تعلموا ذلك؛ لأنه يحمل على الصحة جميع ما يجلب إلى أسواق ~~المسلمين، وكذا ما ذبحه أعراب السلمين؛ لأنهم قد عرفوا التسمية. قال ابن ~~عبد البر (¬3): لأن المسلم لا يظن به في كل شيء إلا الخير حتى يتبين خلاف ~~ذلك. ويكون الجواب بقوله: "فسموا" إلى آخره. من تلقي السائل بغير ما يتطلب؛ ~~تنبيها على أنه الأولى بأن يهتم به، فكأنه قال: لا تهتموا أنتم بالسؤال عن ~~ذلك، بل الذي يهمكم أنتم أن تذكروا اسم الله وتأكلوا. وهذا من الأسلوب ~~الحكيم. وقد ذهب بعضهم إلى أن هذا الحديث منسوخ بآية "الأنعام": {ولا ~~تأكلوا} (¬4) الآية. وتمسك بالزيادة التي في رواية مالك. وأجيب عنه بأن ~~الحديث وقع في حق أعراب المدينة، وآية "الأنعام" مكية بالاتفاق. وقد جاء في ~~رواية ابن عيينة (¬5): "اجتهدوا أيمانهم وكلوا". أي: حلفوهم على أنهم سموا ~~حين ذبحوا. والزيادة غريبة لكن ابن عيينة PageV09P367 # ثقة، إلا أن روايته مرسلة، ولكنها متأيدة بما أخرجه الطبراني (¬1) من ~~حديث أبي سعيد نحوه لكن [قال] (أ): "اجتهدوا أيمانهم أنهم ذبحوها". ورجاله ~~ثقات. ولعله يقال: إن ذلك على وجه الندب للاحتياط في الورع عن المشتبه. ~~ويدل على هذا ما أخرجه الطحاوي في "المشكل" (¬2): سأل ناس من الصحابة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فقالوا: أعاريب ms2105 يأتوننا بلحمان وجبن وسمن، ما ~~ندري ما كنه إسلامهم. قال: "انظروا ما حرم الله عليكم فأمسكوا عنه، وما سكت ~~عنه فقد عفا لكم، وما كان ربك نسيا، اذكروا اسم الله". ففيه دلالة على ~~الاحتياط بالنظر في ذلك، وأن الله سبحانه وتعالى قد عفا عما سكت عنه ولم ~~ينص على تحريمه مثل طعام الأعرابي الذي فيه احتمال الشبهة، والله سبحانه ~~أعلم. وقد ذكر الغزالي في "الإحياء" (¬3) أن من المشتبه ما يتأكد الاستحباب ~~في التورع عنه، وهو ما يقوى فيه دليل المخالف كمتروك التسمية عند ذبحه، فإن ~~الآية ظاهرة في تحريم الأكل منه على جهة العموم والأخبار المتواترة في ~~الأمر بها، ولكن لما صح من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمن يذبح ~~على اسم الله سمى أم لم يسم" (¬4).واحتمل أن يكون عاما موجبا لصرف الآية ~~والأخبار عن ظاهرها، واحتمل أن يحمل على الناسي، وهذا الاحتمال الثاني ~~أولى. انتهى. لكن قوله: لما صح من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -. غير ~~صحيح، فإن الحديث قال النووي (¬5): هو مجمع على ضعفه. وقد PageV09P368 # أخرجه البيهقي (¬1) من حديث أبي هريرة وقال: منكر لا يحتج به. وقد أخرج ~~أبو داود في "المراسيل" (¬2) عن الصلت السدوسي (أ) أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "ذبيحة المسلم حلال ذكر الله أو لم يذكر". وهو مرسل جيد، ~~فقد ذكر ابن حبان الصلت في "الثقات" (¬3). وأما حديث أبي هريرة ففيه مروان ~~بن سالم وهو متروك (¬4)، ولكنه قد ثبت ذلك عن ابن عباس (¬5)، واختلف (ب) في ~~رفعه ووقفه، ومع انضمامه إلى المرسل المذكور يقوى ولا يبلغ درجة الصحة. # 1120 - وعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - نهى عن الخذف وقال: "إنها لا تصيد صيدا ولا تنكأ عدوا، ولكنها تكسر ~~السن وتفقأ العين". متفق عليه واللفظ لسلم (¬6). # قوله: نهى عن الحذف. هو بالخاء والذال المعجمتين وبالفاء؛ وهو رمي ~~الإنسان بحصاة أو نواة أو نحوها، يجعلها بين أصبعيه السبابتين أو الإبهام ~~والسبابة. PageV09P369 # وقال ابن ms2106 سيده (¬1): خذف بالشيء يخذف [خذفا: رمى] (أ)، وخص بعضهم به ~~الحصى. قال: والمخذفة التي يوضع فيها الحجر ويرمى بها الطير، وتطلق على ~~المقلاع أيضا. قاله في "الصحاح" (¬2). # وقوله: "إنها لا تصيد صيدا". قال المهلب (¬3): أباح الله الصيد على صفة ~~معينة، فقال: {تناله أيديكم ورماحكم} (¬4). وليس الرمي بالبندقة ونحوها من ~~ذلك، وإنما هو وقيذ. انتهى. وأطلق الشارع أن الخذف لا يصاد به؛ لأنه ليس ~~مما يجهز به، وذلك لأنه إنما يقتل الصيد بقوة راميه لا بحده، وقد اتفق ~~العلماء إلا من شذ منهم على تحريم أكل ما قتلته البندقة والحجر. # وقوله: "ولا (ب ينكأ". بفتح الياء ب) والهمزة في آخره. قال النووي (¬5): ~~هكذا هو في الروايات. قال القاضي عياض: وكذا رويناه. قال: وفي بعض الروايات ~~المشهورة: "ينكى". بفتح الياء وكسر الكاف غير مهموز. قال القاضي: وهو أوجه ~~هنا، لأن المهموز إنما هو من: نكأت القرحة. وليس هذا موضعه إلا بتجوز، ~~وإنما هذا من النكاية، يقال: نكيت العدو وأنكيته نكاية. ونكأت بالهمزة (ج) ~~لغة فيه. قال: فعلى هذه اللغة تتوجه رواية شيوخنا. PageV09P370 # وقوله: "وتفقأ العين" مهموز. والحديث فيه دلالة على النهي عن الخذف؛ لأنه ~~لا مصلحة فيه ويخاف [مفسدته] (أ)، ويلحق به كل ما كان فيه مفسدة. والمراد ~~هنا أن الخذف قد يكسر سن المرمي ويفقأ عينه لغير غرض يعود على الرامي، ~~ويحتمل أنه قد يصيب غير الرمي من آدمي، ولذلك كره الحسن البصري رمي البندقة ~~في القرى والأمصار (¬1)، ومفهومه أنه لا يكره في الفلاة، فجعل (5) مدار ~~النهي خشية إدخال الضرر على أحد من الناس، والظاهر من الحديث إنما هو ~~باعتبار الصيد، لأنه يعرضه للتلف لغير أكل، وقد ورد النهي عن ذلك، وأما إذا ~~كان الرمي بالبندق وبالخذف إنما هو لتحصيل الصيد وكان الغالب فيه عدم قتله، ~~فإنه يجوز ذلك إذا أدركه الصائد وذكاه، كرمي الطيور الكبار بالبنادق. كذا ~~قال النووي (¬2). وقد أخرج البيهقي (¬3) عن ابن عمر أنه كان يقول: المقتولة ~~بالبندقة تلك الموقوذة. وأخرج ابن أبي شيبة (¬4) عن سالم بن عبد ms2107 الله بن ~~عمر والقاسم بن محمد أنهما كانا يكرهان البندقة إلا ما أدركت ذكاته. وكذا ~~مالك (¬5) بلغه أن القاسم كان يكره ما قتل بالمعراض والبندقة. وأخرج ابن ~~أبي شيبة (4) عن مجاهد أنه قال: لا تأكل إلا أن تذكي. وأخرج (4) عن إبراهيم ~~النخعي: لا PageV09P371 # تأكل ما أصابت البندقة إلا أن تذكي. وأخرج عبد الرزاق (¬1) عن عطاء: إن ~~رميت صيدا ببندقة فأدركت ذكاته فكله، وإلا فلا تأكله. وأخرج ابن أبي شيبة ~~(¬2) عن الحسن: إذا رمى الرجل الصيد بالجلاهقة -وهي بضم الجيم وتشديد اللام ~~وكسر الهاء بعدها قاف، وهي البندقة بالفارسية (أ)، والجمع جلاهق- فلا جمل ~~إلا أن تدرك ذكاته. # 1121 - وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لا تتخذوا شيئا فيه الروح غرضا". رواه مسلم (¬3). # الحديث فيه دلالة على تحريم جعل الحيوان كالغرض الذي يجعل منصة للرمي من ~~الرماة كما تجعل الجلود وغيرها غرضا للرمي، ويدل على أن النهي للتحريم قوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "لعن الله من فعل هذا" (¬4). لما مر وطائر قد نصب ~~وهم يرمونه، والحكمة في النهي أن فيه تعذيب الحيوان وإتلاف نفسه وتضييع ~~ماليته، وتفويت ذكاته إن كان مذكى، ولمنفعته إن كان غير مذكى. # والمراد بقوله: "شيئا فيه الروح". الحيوان. # والغرض بالغين المعجمة محرك (ب) الراء: هدف يرمى إليه، ثم جعل اسما لكل ~~غاية يتحرى إدراكها. PageV09P372 # 1122 - وعن كعب بن مالك رضي الله عنه، أن امرأة ذبحت شاة بحجر، فسئل ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك، فأمر بأكلها. رواه البخاري (¬1). # قوله: أن امرأة. وجاء في لفظ في (أ) البخاري: جارية. وفي لفظ: أمة. # ولفظ: أمة. فيه قيد زائد فيكون مفسرا لقوله: امرأة. # فيه دلالة على أنه يصح التذكية من المرأة. وهذا قول الجمهور، وقد نقل عن ~~محمد بن عبد الحكم عن مالك كراهته (¬2)، وفي "المدونة" (¬3) جوازه، وفي ~~"نهاية المجتهد" (¬4) لابن رشد أنه جائز غير مكروه من المرأة والصبي. قال: ~~وهو مذهب مالك، وكره ذلك أبو مصعب. انتهى. وفي وجه للشافعية: يكره ذبح ms2108 ~~المرأة الأضحية. وعند سعيد بن منصور (¬5) بسند صحيح عن إبراهيم النخعي، أنه ~~قال في ذبيحة المرأة والصبي: لا بأس إذا أطاق (ب) الذبيحة وحفظ التسمية. ~~وهو قول الجمهور. # وقوله: فسئل النبي - صلى الله عليه وسلم -. قد بين في لفظ للبخاري (¬6) ~~أن السائل كعب بن مالك. PageV09P373 # وفي الحديث دلالة أنه يحل (أ) أكل ما ذبح بغير إذن المالك. والخلاف في ~~ذلك لطاوس وعكرمة وإسحاق بن راهويه وأهل الظاهر. وحجتهم أمر النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - بإهراق ما في قدور من ذبح من الغنم قبل القسمة بذي ~~الحليفة من تهامة ما بين حاذة (ب) وذات عرق. أخرجه البخاري ومسلم (¬1). ~~وأجيب عنه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أمر بإراقة المرق، وأما ~~اللحم فهو باق جمع ورد إلى المغنم. فإن قيل: إنه لم ينقل أنه جمع ورد إلى ~~المغنم. قلنا: ولم ينقل أنهم أتلفوه وأحرقوه، فيجب تأويله بما ذكرنا موافقا ~~للقواعد الشرعية. والحديث فيه دلالة على أن التذكية تصح بالحجر الحاد إذا ~~فرى (¬2) الأوداج، وقد جاء في لفظ في هذه الرواية أنها كسرت الحجر وذبحت، ~~والحجر إذا كسر يكون فيه الحد. # قال في "الفتح" (¬3): ويدل الحديث على تصديق الأجير الأمين فيما اؤتمن ~~عليه حتى يظهر عليه دليل الخيانة، وجواز تصرف المودع بغير إذن المالك ~~للمصلحة كما جاء في هذه القصة أنها رأت بالشاة الموت فذبحتها. وقال [ابن] ~~(ج) القاسم: إذا ذبح الراعي شاة بغير إذن المالك وقال: خشيت عليها من ~~الموت. لم يضمن على ظاهر هذا الحديث. وتعقب بأن الجارية كانت PageV09P374 # أمة لصاحب الغنم، فلا يتصور تضمينها، وعلى تقدير أن تكون غير ملكه فلم ~~ينقل في الحديث أنه أراد تضمينها، وكذا لو أنزى على الإناث فحلا بغير إذن ~~أهلها فهلكت. قال ابن القاسم: لا يضمن، لأنه من صلاح المال. والله أعلم. # 1123 - وعن رافع بن خديج رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكل، ليس السن والظفر؛ أما السن ~~فعظم، وأما الظفر ms2109 فمدى الحبشة". متفق عليه (¬1). # قوله: "ما أنهر الدم". بالراء المهملة، أي أساله وصبه بكثرة، شبه بجري ~~الماء في النهر، وهذا هو المشهور في الروايات. وذكره أبو ذر الخشني (¬2) ~~بالزاي المعجمة وقال: النهز بمعنى الدفع. وهو غريب. قال العلماء: في هذا ~~دلالة صريحة بأنه يشترط في الذكاة ما يقطع ويجري الدم ولا يكفي رضها ودمغها ~~بما لا يجري. قال بعض العلماء: والحكمة في اشتراط الذبح وإنهار الدم تميز ~~حلال الشحم واللحم من حرامهما، وتنبيه على أن تحريم الميتة لبقاء دمها. # وقوله: "وذكر اسم الله عليه". لفظ "عليه" في رواية أبي داود (¬3). # وأما في "الصحيحين" فمحذوفة، والمعنى على ذكرها. PageV09P375 # وقوله: "فكل، ليس السن والظفر". منصوبان على الاستثناء لإخراجهما من عموم ~~ما يحل به الذبح، فدل على أنه يحل الذبح بكل محدد، فدخل في ذلك السيف ~~والسكين والحجر والخشب والزجاج والقصب والخزف والنحاس وسائر الأشياء ~~المحدودة. والظفر يدخل فيه ظفر الآدمي وغيره من كل الحيوانات، وسواء المتصل ~~والمنفصل، والطاهر والنجس. والسن يدخل فيه سن الآدمي وغيره، والطاهر ~~والنجس، والمتصل والمنفصل. # وقوله: "أما السن فعظم". فيه بيان العلة المانعة للتذكية بالسن بأنها ~~كونها عظما، وكأنه - عليه السلام - قد قرر أولا أن العظم لا يحل به الذبح. ~~قال ابن الصلاح في "مشكل الوسيط" (¬1): ولم أر من ذكر للمنع من الذكاة ~~بالعظم معنى معقولا. وعلله النووي (¬2) بأن الذبح بالعظم تنجيس للعظم فيكون ~~كالاستجمار بالعظم، وقد ثبت أنه طعام الجن (¬3). وهذا معنى مناسب. وقد ذهب ~~إلى ما دل عليه الحديث الشافعي وأصحابه. وقال به النخعي والحسن بن صالح ~~والليث وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وفقهاء الحديث والجمهور. وقال أبو ~~حنيفة وصاحباه: لا يجوز بالسن والعظم المتصلين، ويجوز بالمنفصلين. وعن مالك ~~روايات أشهرها جوازه بالعظم دون السن كيف كانا. والثانية كمذهب الجمهور. ~~والثالثة كأبي حنيفة. والرابعة حكاها عنه ابن المنذر: يجوز بكل شيء حتى ~~بالسن والظفر. PageV09P376 # واحتجوا بما أخرجه أبو داود (¬1) من حديث عدي بن حاتم: "أمر الدم بما ~~شئت". والجواب أنه مخصص بهذا الحديث. # وعن ابن جريج ms2110 جواز الذكاة بعظم الحمار دون القرد (¬2). وهذه الأقوال ~~منابذة للحديث (أ). # وقوله: "وأما الظفر فمدى الحبشة". مدى جمع مدية بالدال المهملة؛ أي وهم ~~كفار وقد نهيتم عن التشبه بهم، وقد يعترض على هذا التعليل بأن الحبشة تذبح ~~بالسكين أيضا فيلزم المنع من ذلك للشبه، وأجيب بأن الذبح بالسكين هو الأصل ~~وهو غير مختص بالحبشة ولحق بها ما أشبهها، وهذا مختص بهم فمنع منه، وعلل ~~ابن الصلاح (¬3) بأن ذلك إنما هو لما يحصل به من التعذيب للحيوان، ولا يحصل ~~به إلا الخنق الذي هو ليس على صورة الذبح، وقد قالوا: إن الحبشة تدمي مذابح ~~الشاة بالظفر حتى تزهق نفسها خنقا. وقد ذكر في "المعرفة" للبيهقي (¬4) من ~~رواية حرملة عن الشافعي أنه حمل الظفر في هذا الحديث على النوع الذي يدخل ~~في الطيب وهو من بلاد الحبشة وهو لا يفري، فيكون في معنى الخنق. PageV09P377 # 1124 - وعن جابر رضي الله عنه قال: نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يقتل شيء من الدواب صبرا. رواه مسلم (¬1). # الحديث فيه دلالة على تحريم إمساك الحيوان حيا ثم يرمى حتى يموت، ويسمى ~~ذلك صبرا، وكذلك كل من قتل في غير معركة ولا حرب ولا خطأ فإنه مقتول صبرا، ~~والصبر الحبس. # 1125 - وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ~~ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته". رواه مسلم (¬2). # هو أبو يعلى شداد بن أوس بن ثابت النجاري الأنصاري (¬3)، وهو ابن أخي ~~حسان بن ثابت، يقال: إنه شهد بدرا. ولا يصح، ونزل بيت المقدس وعداده في أهل ~~الشام، روى عنه ابنه يعلى ومحمود بن الربيع وضمرة بن حبيب، مات بالشام سنة ~~ثمان وخمسين وهو ابن خمس وسبعين، وقيل: مات سنة إحدى وأربعين. وقيل: سنة ~~أربع وستين. قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: كان شداد بن أوس ممن أوتي ~~العلم والحلم. # قوله: "كتب الإحسان". أي: أوجب. [والإحسان] ms2111 (أ) هو فعل PageV09P378 # الحسن الذي هو ضد القبيح، فيتناول الحسن شرعا والحسن عرفا. # والقتلة بكسر القاف مصدر للنوع، وهي الحالة والهيئة التي يكون عليها ~~القتل، وهو عام في ذبح الحيوان من البهائم المأكولة، والقتل قصاصا وحدا ~~ونحو ذلك. # وقوله: "فأحسنوا الذبحة". بكسر الذال وبالهاء مصدر نوعي، ووقع في كثير من ~~نسخ "مسلم": "فأحسنوا الذبح". بفتح الذال وبغير هاء مصدر توكيدي. # وقوله "وليحد". هو بضم الياء، يقال: أحد السكين وحددها واستحدها. والشفرة ~~بفتح الشين المعجمة: السكين العظيمة وما عظم من الحديد وحدد. # وقوله: "وليرح ذبيحته". بضم الياء، وهو في معنى ما قبله، فإن الإراحة ~~تكون بإحداد السكين وتعجيل إمرارها وغير ذلك. ويستحب ألا يحدد السكين بحضرة ~~الذبيحة، وألا يذبح واحدة بحضرة أخرى. # 1126 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "ذكاة الجنين ذكاة أمه". رواه أحمد وصححه ابن حبان (¬1). # الحديث أخرجه أحمد في "مسنده" عن أبي عبيدة الحداد، عن يونس بن أبي ~~إسحاق، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد. وأخرجه الترمذي (¬2) من طريق PageV09P379 # مجالد، عن أبي الوداك، عن أبي سعيد، ورواه أبو داود (¬1) مثله، ورواه ~~الدارقطني (¬2) بلفظ: "إذا سميتم على الذبيحة فإن ذكاته ذكاة أمه". وقد ~~ضعفه (أ) عبد الحق (¬3) وقال: لا يحتج بأسانيده كلها. وخالفه الغزالي في ~~"الإحياء" (¬4) وقال: هو حديث صحيح. وتبع في ذلك إمامه فإنه قال في ~~"الأساليب": هو حديث صحيح لا يتطرق احتمال إلى متنه ولا ضعف إلى سنده. وفي ~~هذا نظر، والحق أن فيها ما تنتهض به الحجة باعتبار مجموع الطرق، فإن مجالدا ~~(¬5) وإن كان ضعيفا فمتابعته بما رواه أحمد متابعة قوية، وكذا بما رواه ~~الحاكم (¬6) عن عطية عن أبي سعيد، وعطية (¬7) وإن كان لين الحديث فهو معتبر ~~في المتابعة، وأما أبو الوداك فلم يصرح أحد (ب) بضعفه، وقد احتج به مسلم، ~~وقال يحيى بن معين: ثقة (¬8). ووثقه الذهبي في "الكاشف" (¬9)، واسمه جبر بن ~~نوف البكالي. ومن هذا الوجه صححه ابن PageV09P380 # حبان وابن دقيق العيد. وفي الباب عن ms2112 جابر وأبي أمامة وأبي الدرداء وأبي ~~هريرة (¬1). قاله الترمذي (¬2). وفيه أيضا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~وابن مسعود وأبي أيوب والبراء بن عازب وابن عمر وابن عباس وكعب بن مالك ~~(¬3)، وطوقها ضعيفة، وضعفها ينجبر بتعدد الطرق. # والحديث فيه دلالة على أن الجنين إذا خرج ميتا من بطن أمه بعد ذبحها حل ~~أكله وكانت ذكاته حاصلة بذكاة أمه، وقد ذهب إلى هذا الشافعي وأبو يوسف ~~ومحمد والثوري؛ وذلك لأن هذا الحديث صريح في ذلك، فإن الحديث لفظه قال: ~~سألنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن البقرة أو الناقة أو الشاة ~~ينحرها أحدنا فيجد في بطها جنينا أيأكله أم يلقيه؟ فقال: "كلوه إن شئتم، ~~فإن ذكاته ذكاة أمه". وقد جاء في بعض روايات البيهقي (¬4): "في ذكاة أمه". ~~وفي رواية له (4): "بذكاة أمه". والمراد من هذا أنها حاصلة بسبب ذكاة أمه، ~~فإن الباء للسببية، وكذلك "في" قد تستعمل للسببية وإن كانت للظرفية، ~~فالمعنى: كائنة في ذكاة أمه، والمعنى واحد، واشترط مالك أن يكون قد PageV09P381 # أشعر؛ وذلك لما ورد في حديث ابن عمر، رواه أحمد بن عصام عن مالك عن نافع ~~عن ابن عمر مرفوعا: "إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه". قال الخطيب (¬1): ~~تفرد به أحمد بن عصام (¬2) وهو ضعيف. وهو في "الموطأ" (¬3) موقوف على ابن ~~عمر وهو أصح، ولفظه: إذا نحرت الناقة فذكاة ما في بطنها في ذكاتها إذا كان ~~قد تم خلقه ونبت شعره، فإذا خرج من بطن أمه حيا ذبح حتى يخرج الدم من جوفه. ~~وروي من طرق عن ابن عمر، (أوروي عن جماعة من الصحابة، وروى معمر عن الزهري ~~عن كعب بن مالك أ) قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقولون: إذا أشعر الجنين فذكاته ذكاة أمه (¬4). ويتأيد بالقياس، فإن الذكاة ~~إنما هي فيما له حياة، والحياة لا تكون في الجنين إلا إذا نبت شعره وتم ~~خلقه. وأجيب عن اشتراط نبات الشعر بالمعارضة بما تقدم من إطلاق الأحاديث ~~التي مرت، وبما رواه ابن ms2113 المبارك عن ابن أبي ليلى قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - "ذكاة الجنين ذكاة أمه، أشعر أولم يشعر". وفيه ضعف؛ لأن ~~ابن أبي ليلى سيئ الحفظ (¬5)، ذكر هذا الحديث في "نهاية المجتهد" (¬6) لابن ~~رشد المالكي. وأخرج البيهقي (¬7) من حديث ابن PageV09P382 # المبارك عن مجاهد عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - قال في الجنين: "ذكاته ذكاة أمه، أشعر أو لم يشعر". ~~وروي من أوجه عن ابن عمر مرفوعا. قال البيهقي: ورفعه عنه ضعيف، والصحيح أنه ~~موقوف. والقياس معارض بأن الجنين جزء من أمه فلا معنى لاشتراط الحياة فيه. ~~وذهب العترة وأبو حنيفة والحسن بن زياد إلى أن الجنين إذا خرج ميتا من ~~المذكاة، صيدا كان أو غيره، فإنه يكون ميتة. قالوا: لعموم قوله تعالى: ~~{حرمت عليكم الميتة} (¬1). ولو خرج حيا ثم مات. وإليه ذهب [أبو] (أ) محمد ~~بن حزم (¬2). قال الإمام المهدي في "البحر": والحديث متأول بأن المراد ذكاة ~~الجنين كذكاة أمه إن خرج حيا. انتهى. وقد يجاب عنه بأن الحديث روي بالرفع ~~على أن قوله: "ذكاة أمه". مبتدأ مؤخر، و: "ذكاة الجنين". خبر مقدم، كقوله (¬3): # * بنونا بنو أبنائنا ... * # وهو يحتمل أن يكون المعنى: ذكاة أم الجنين هي ذكاة للجنين. وهذا PageV09P383 # الذي يدل عليه سياق الحديث، وحديث: "في ذكاة أمه". ورواية الباء، فتكون ~~هذه الرواية مفسرة للمراد، وهذا الذي فهمه الشافعي ومن ذهب إلى قوله. ~~ويحتمل أن يكون المعنى على التشبيه البليغ ويكون في الكلام قلب التشبيه، ~~والمعنى: ذكاة الجنين كذكاة أمه، فيشترط له ذكاة إذا خرج حيا، وإن خرج ميتا ~~كان ميتة، فلا يتم الاحتجاج به، ولكن هذا الاحتمال مرجوح لما عرفت من سياق ~~الحديث. وقد روي بالنصب، فيكون المعنى على التشبيه ونصبه على المصدرية ~~بتقدير مضاف؛ أي مثل ذكاة أمه، والعامل فيه النصب المصدر المبتدأ وخبره ~~محذوف، أي ذكاة الجنين كائنة أو حاصلة مثل ذكاة أمه. وأجيب بأنها غير ~~صحيحة، وإن صحت فهو يحتمل النصب على الظرفية ms2114 بتقدير ظرف محذوف، والتقدير: ~~ذكاة الجنين حاصلة وقت ذكاة أمه. والله سبحانه أعلم. # فائدة: قال ابن المنذر (¬1): ولم يرو عن أحد من الصحابة ولا من العلماء ~~أن الجنين لا يؤكل إلا باستئناف الذكاة فيه، إلا ما روي عن أبي حنيفة. ~~انتهى. قلت: وكذلك ما عرفت من مذهب العترة والحسن بن زياد. # 1127 - وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"المسلم يكفيه اسمه، فإن نسي أن يسمي حين يذبح فليسم ثم ليأكل". أخرجه ~~الدارقطني، [وفيه راو في حفظه ضعف] (أ)، وفي إسناده محمد بن يزيد بن سنان ~~(¬2) وهو صدوق ضعيف الحفظ. وأخرجه عبد الرزاق بإسناد PageV09P384 # صحيح إلي ابن عباس موقوفا عليه (¬1). # وله شاهد عند أبي داود في "مراسيله" (¬2) بلفظ: "ذبيحة المسلم حلال، ذكر ~~اسم الله عليها أو لم يذكر". ورجاله موثقون (أ). # وأخرج البيهقي (¬3) الحديث من طريق أخرى عن ابن عباس فيمن ذبح ونسي ~~التسمية، قال: المسلم فيه اسم الله وإن لم يذكر التسمية. وأخرج أيضا (¬4) ~~من طريق أخرى عن ابن عباس قال: إذا ذبح المسلم ونسي أن يذكر اسم الله ~~فليأكل، فإن المسلم فيه اسم من أسماء الله تعالى. # تقدم الكلام في أول الباب على أحكام الحديث. # وقوله في الحديث: "المسلم يكفيه اسمه". الضمير يعود إلى المسلم، يفسره ~~الحديث الأخير، والمعنى أن المسلم في حكم المسمي لما كان اسمه مشتملا على ~~اسم الله سبحانه وتعالى. PageV09P385 ### || AUTO باب الأضاحي # الأضاحي جمع أضحية، بضم الهمزة ويجوز كسرها، ويجوز حذف الهمزة وتفتح ~~الضاد، والجمع ضحايا، ويجوز أضحاة بفتح الهمزة والجمع أضحي، وبه سمي يوم ~~الأضحى، وهو يذكر ويؤنث، وكأن تسميتها اشتقت من اسم الوقت الذي تشرع فيه، ~~والضحو والضحوة والضحية -كعنبة (أ) - ارتفاع النهار، والضحى بضم الضاد ~~مؤنثة وتذكر، وتصغر ضحيا بلا هاء، والضحاء بفتح الضاد والمد (ب إذا كبرت ~~انتصاف النهار ب)، وبالضم والقصر الشمس. كذا في "القاموس" (¬1)، وفي ~~"الضياء": والضحي بعد الضحوة، وهو مؤنث تصغير ضحى بغير هاء، فرقا بينه وبين ~~تصغير ضحوة. # والأضحية من ms2115 شرائع الدين بلا خلاف. # واختلف العلماء في حكمها؛ فذهب الجمهور من الصحابة والتابعين والفقهاء ~~إلى أنها سنة مؤكدة. بل قال ابن حزم (¬2): لا يصح عن أحد من الصحابة أنها ~~واجبة. وهي عند الشافعية سنة مؤكدة على الكفاية، وفي وجه PageV09P387 # للشافعية من فروض الكفاية. وذهب أبو حنيفة وجماعة إلى أنها واجبة على ~~المقيم والموسر. وعن مالك في رواية عنه مثله، لكنه لم يقيد بالمقيم. ونقل ~~عن الأوزاعي وربيعة والليث مثله. وذهب أبو يوسف ومحمد وأشهب إلى مثل قول ~~الجمهور. وقال أحمد: يكره تركها مع القدرة (أ). وفي رواية عنه أنها واجبة. ~~وعن محمد بن الحسن: هي سنة غير مرخص في تركها. قال الطحاوي: وبه نأخذ. # احتج القائل بأنها سنة غير واجبة بما أخرجه مسلم والبيهقي (¬1) من حديث ~~أم سلمة قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل العشر فأراد ~~أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره ولا من بشره شيئا". قال الشافعي رحمه الله ~~تعالى: إن قوله: "فأراد أحدكم". يدل على عدم الوجوب. وبما أخرجه البيهقي ~~(¬2) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، أن رجلا أتى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت بيوم الأضحى ~~عيدا جعله الله لهذه الأمة". فقال الرجل: فإن لم أجد إلا منيحة [أبي] (ب) ~~أو شاة [أبي] (ب) وأهلي ومنيحتهم، أذبحها؟ قال: "لا، ولكن قلم أظفارك، وقص ~~شاربك، واحلق عانتك، فذلك تمام أضحيتك عند الله عز وجل". وأخرج (¬3) من ~~حديث ابن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ثلاث هن علي ~~فرائض وهي PageV09P388 # لكم تطوع؛ النحر، والوتر، وركعتا الضحى". ومن طريق أخرى (¬1) عن ابن عباس ~~رفعه قال: "كتب علي النحر ولم يكتب عليكم". وبزيادة من بعض رواته: "وأمرت ~~بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها". وأخرج (¬2) من حديث [جابر] (أ)، أن رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - صلى للناس يوم النحر، فلما فرغ من خطبته وصلاته دعا ~~بكبش فذبحه هو بنفسه وقال: "باسم الله والله أكبر، ms2116 اللهم عني وعمن لم يضح ~~من أمتي". وروي ذلك عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة وأنس بن مالك عن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - بمعناه (2). فقوله: "وعمن لم يضح من أمتي". ظاهره ~~الإطلاق لمن كان يتمكن من الأضحية ومن كان لا يتمكن. وأخرج (¬3) عن أبي بكر ~~وعمر أنهما كانا لا يضحيان خشية أن يقتدى بهما. وكذا قال الشافعي (¬4): ~~بلغنا أن أبا بكر الصديق وعمر رضي الله عنهما كانا لا يضحيان كراهة أن ~~يقتدى بهما، فيظن من رآهما أنها واجبة. وأخرج البيهقي (3) عن عكرمة أن ابن ~~عباس كان إذا حضر الأضحى أعطى مولى له درهمين فقال: اشتر بهما لحما، وأخبر ~~الناس أنه PageV09P389 # [أضحى (أ)] ابن عباس. وروى أن بلالا ضحى بديك (¬1)، وعن أبي مسعود عقبة ~~بن [عمرو] (ب) الأنصاري (¬2) قال: لقد هممت أن أدع الأضحية -وإني لمن ~~أيسركم- مخافة أن تحسب النفس أنها عليها (ج) حتم واجب. وعن ابن عمر بعد أن ~~سأله رجل عن شيء من أمر الأضحية فبين له ابن عمر صفتها ثم قال له ابن عمر: ~~لعلك تحسبه حتما؟ قلت: لا ولكنه أجر وخير وسنة. قال: نعم. قال الشافعي ~~(¬3): وأما أمر أبي بردة بإعادة الضحية فيحتمل أن يكون إنما أمره أن يعود ~~لأن الضحية واجبة، ويحتمل أن يكون أمره أن يعود إن أراد أن يضحي؛ لأن ~~الضحية قبل الوقت ليست بضحية تجزئه، فيكون من عداد من ضحى. واحتج القائل ~~بوجوبها بقوله - صلى الله عليه وسلم - في رواية مخنف -بكسر الميم وسكون ~~الخاء المعجمة وفتح النون- بن سليم- بضم السين: "يأيها الناس على أهل كل ~~بيت في كل عام أضحية وعتيرة، هل تدرون ما العتيرة؟ التي تسمونها الرجبية". ~~أخرجه أصحاب "السنن الأربعة" وأحمد (¬4) من حديث عبد الله بن عوف عن أبي ~~رملة عنه، وهذا لفظ الترمذي وقال: حسن غريب، لا نعرف هذا الحديث إلا من هذا PageV09P390 # الوجه. قال الخطابي (¬1): أبو رملة مجهول (¬2)، وهذا الحديث ضعيف المخرج. ~~ولمحافظة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها حتى لم يتركها في سفره، ولما ~~سيأتي في حديث ms2117 جندب بن سفيان (¬3) بقوله: "فليذبح". والأمر للوجوب، وحديث ~~أبي هريرة (¬4) الآتي بقوله فيه: "فلا يقربن مصلانا". دلالة على الوجوب؛ ~~لأنه لما نهى من كان ذا سعة عن قربان المصلى إذا لم يضح دل على أنه قد ترك ~~واجبا فكأنه قال: لا فائدة في التقرب بالصلاة مع ترك هذا الواجب. ولقوله ~~تعالى: {فصل لربك وانحر} (¬5). فأخرج ابن جرير وابن المنذر (¬6) عن ابن ~~عباس في قوله: {فصل لربك وانحر}. قال: الصلاة المكتوبة والنحر يوم الأضحى. ~~وأخرج ابن جرير (¬7) عن قتادة: {فصل لربك وانحر}. قال: صلاة الأضحى، والنحر ~~نحر البدن. وأخرج ابن أبي حاتم (¬8) عن سعيد بن جبير: {وانحر}. قال: انحر ~~البدن. وأخرج ابن جرير (¬9) عن أنس قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ينحر قبل أن يصلي، فأمر أن يصلي ثم ينحر. فالأمر بالنحر ظاهر في الوجوب، ~~وأجيب بأن هذه الأحاديث لم يكن فيها تصريح بالوجوب، مع ما عرفت من الضعف في ~~بعضها، وبأنها معارضة بما تقدم الدال على عدم الوجوب فيكون قرينة على حمل ~~ما فيه احتمال الوجوب PageV09P391 # على السنية المتأكدة المشابهة للواجب في أنه لا يحسن تركها، وأما الآية ~~الكريمة، فهو يحتمل أن يكون المقصود بقوله: {فصل لربك وانحر}. (أ [أي: انحر ~~أ) له لا كما يفعله الجاهلية من النحر للأصنام. والمقصود خصه بهذه القربة، ~~وقد ذكر في تفسيرها (¬1) أن النحر رفع اليدين عند التكبير، أو وضعهما على ~~الصدر في الصلاة. فلا احتجاج حينئذ. # 1128 - وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، ويسمي ويكبر ويضع رجله على صفاحهما [متفق ~~عليه] (ب) (¬2). # وفي لفظ (¬3): ذبحهما بيده. وفي لفظ: سمينين. ولأبي عوانة (ج) (¬4) في PageV09P392 # صحيحه: ثمينين. بالمثلثة بدل السين، وفي لفظ لمسلم (¬1): ويقول: "باسم ~~الله والله أكبر". وله (¬2) من حديث عائشة رضي الله عنها: "أمر بكبش أقرن ~~يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، ليضحي به، فقال: "اشحذي ~~المدية". ثم أخذها فأضجعه ثم ذبحه وقال: باسم الله، اللهم تقبل ms2118 من محمد وآل ~~محمد ومن أمة محمد". # الكبش الثني من الحمل، أو إذا خرجت رباعيته، والأملح قال ابن الأعرابي ~~وغيره: هو الأبيض الخالص. وقال الأصمعي: هو الأبيض ويشوبه شيء من سواد. ~~وقال أبو حاتم: هو الذي يخالط بياضه حمرة. وقال بعضهم: هو الأسود تعلوه ~~حمرة. وقال الكسائي: هو الذي فيه بياض وسواد. والبياض أكثر. قال الخطابي ~~(¬3): هو الأبيض الذي في خلل صوفه طبقات (أ) سود. وقال الداودي: هو المتغير ~~الشعر ببياض وسواد. والأقرنين أي لكل واحد منهما قرنان حسنان. قال العلماء: ~~يستحب الأقرن لهذا .. # وأجمع العلماء على جواز التضحية بالأجم الذي لم يخلق له قرنان، واختلفوا ~~في مكسور القرن؛ فجوزه الشافعي وأبو حنيفة والجمهور سواء كان يدمى أولا. ~~وذهب مالك إلى أنه يكره إذا كان يدمى، وجعله عيبا، وذهب إلى مثله الإمام ~~المهدي، ذكره في "البحر" وفي "الأزهار" وغيره من كتب الهدوية، أنه لا يجزئ ~~إذا كان القرن الذاهب مما تحله الحياة. # وأجمعوا على استحباب استحسانها واختيار أكملها، وأجمعوا على PageV09P393 # استحباب الأملح، قال النواوي (¬1): قال أصحابنا: أفضلها البيضاء، ثم ~~الصفراء، ثم الغبراء وهي التي لا يصفو بياضها، ثم البلقاء وهي التي بعضها ~~أبيض وبعضها أسود، ثم السوداء. # وأما قوله في حديث عائشة: يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد. ~~فمعناه أن قوائمه وبطنه وما حول عينيه أسود. # وقوله: ويسمي ويكبر. فيه دلالة على شرعية التسمية، وقد تقدم الخلاف هل ~~ذلك على جهة الوجوب أو غيره. # وقوله: ويكبر. يدل على شرعية التكبير على الأضحية والهدي. # وقوله: "يضع رجله على صفاحهما". أي صفحة العنق، وهي جانبه، وإنما فعل هذا ~~ليكون أثبت له وأمكن لئلا تضطرب الذبيحة برأسها فتمنعه من إكمال الذبح أو ~~تؤذيه، وهذا أصح من الحديث الذي جاء بالنهي عن هذا. # وقوله: ذبحهما بيده. يدل على أنه يستحب للمضحي أن يتولى الذبح بنفسه، ولا ~~يوكل إلا لعذر، وحينئذ يستحب له الحضور، والوكيل لا بد أن يكون مسلما عند ~~من يشترط إسلام الذابح، وعند من لا يشترط جاز أن يستنيب ms2119 كتابيا وكره كراهة ~~تنزيه، إلا مالكا في إحدي الروايتين عنه فإنه لم يجوز ذلك، ويجوز أن يستنيب ~~صبيا وامرأة حائضا، لكن يكره توكيل الصبي، وفي كراهة توكيل الحائض وجهان ~~عند الشافعية، قالوا: والحائض أولى من الصبي، والصبي أولى من الكتابي. ~~والأفضل لمن وكل أن يوكل مسلما فقيها بباب الذبائح والضحايا؛ لأنه أعرف ~~بشروطها وسننها. # وقوله ثمينين. بالثاء أي أعلى ثمنا. # والمدية: يجوز في الميم الثلاث حركات، وهي السكين، بالدال المهملة. # والشحذ: بالشين المعجمة والحاء المهملة والذال المعجمة، وهو في الحديث ~~بصيغة الأمر، بفتح الحاء المهملة، أي: حدديها، وهو موافق PageV09P394 # للحديث السابق: "إذا قتلتم فأحسنوا القتلة" (¬1). # وقوله: فأضجعه. فيه دلالة على استحباب الإضجاع للغنم وأنها لا تذبح قائمة ~~ولا باركة بل مضجعة؛ لأنه أرفق بها، وبهذا جاءت الأحاديث وأجمع عليه ~~المسلمون، واتفق العلماء -والمسلمون عملوا به- على أن إضجاعها يكون على ~~جانبها الأيسر؛ لأنه أسهل على الذابح في أخذ السكين باليمين وإمساك رأسها ~~باليسار. # وقوله: "اللهم تقبل من محمد". يدل على أنه يستحب الدعاء بقبول التضحية. ~~قال أصحاب الشافعي: ويستحب أن يقول: اللهم منك وإليك تقبل مني. وكذا في ~~"البحر"، وكرهه أبو حنيفة، وكره مالك: اللهم منك وإليك. وقال: هي بدعة. ~~وذكره الإمام المهدي في "البحر" أنه يقول عند توجيهها القبلة: {وجهت وجهي} ~~إلى: {وأنا أول المسلمين} (¬2). وقد أخرج ابن ماجه (¬3) من حديث جابر أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - ضحى بكبشين وقال حين وجههما: " {وجهت وجهي} الآية. ~~إلى: {وأنا أول المسلمين} (¬4). اللهم منك ولك، عن محمد وأمته". # وقوله: "وآل محمد". فيه دلالة على جواز التضحية من الرجل عنه، PageV09P395 # وعن أهل بيته وإشراكهم معه في الثواب، وقد ذهب إليه الجمهور، وكرهه ~~الثوري وأبو حنيفة وأصحابه، وزعم الطحاوي (¬1) أن هذا الحديث منسوخ أو ~~مخصوص، وغلطه العلماء، فإن النسخ والتخصيص لا يصح: لمجرد الدعوى، ويدل على ~~أنه يصح أن ينوب المكلف عن غيره في فعل الطاعات وإن لم يكن من الغير أمر أو ~~وصية. وقد تقدم بيان ذلك في آخر كتاب الجنائز (¬2)، ويدل على أن ms2120 الآل هم ~~القرابة لعطف الآمة، وقد تقدم في خطبة الكتاب (¬3). # 1129 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من كان له سعة ولم يضح فلا يقربن مصلانا". رواه أحمد وابن ماجه ~~وصححه الحاكم (¬4)، لكن رجح الأئمة (¬5) غيره وقفه. # قد تقدم الكلام في الاحتجاج به على وجوب الأضحية، والجواب عن هذا بأن ~~نهيه عن قربان المسجد للمبالغة في أنه ترك سنة مؤكدة بقرينة ما تقدم (¬6). # 1130 - وعن جندب بن سفيان رضي الله عنه قال: شهدت PageV09P396 # الأضحى مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما قضى صلاته بالناس نظر ~~إلى غنم قد ذبحت فقال: "من ذبح قبل الصلاة فليذبح شاة مكانها، ومن لم يكن ~~ذبح فليذبح على اسم الله". متفق عليه (¬1). # هو أبو عبد الله جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي العلقي الأحمسي، ويقال ~~له: جندب البجلي، وجندب العلقي، وجندب الأحمسي، وجندب [الخير] (أ)، وابن أم ~~جندب. كان بالكوفة ثم انتقل إلى البصرة، ثم خرج منها، ومات في فتنة ابن ~~الزبير بعد أربع سنين، روى عنه سلمة بن كهيل، والأسود بن قيس، والحسن ~~البصري، ومحمد بن سيرين، وبكر بن عبد الله المزني. البجلي بفتح الباء ~~الموحدة وفتح الجيم، والعلقي بفتح العين وفتح اللام وبالقاف. # الحديث فيه دلالة على أن وقت ذبح الأضحية إنما يكون بعد الصلاة للعيد، ~~وأنه لا يجزئ قبل ذلك، وظاهر هذا اللفظ أن المعتبر صلاة المضحي، وإن كان ~~يحتمل أن اللام في قوله: "الصلاة". للعهد الخارجي، وأنه مشار به إلى قوله: ~~فلما قضى صلاته. فيكون المعتبر صلاة الإمام لا صلاة المضحي، فإذا ضحى بعد ~~صلاته مع الإمام فقد أخذ بالإجماع. قال ابن المنذر (¬2): وأجمعوا على أنها ~~لا تجوز قبل طلوع فجر يوم النحر، واختلفوا PageV09P397 # فيما بعده، فقال الشافعي وداود وآخرون: يدخل وقتها (أ) إذا طلعت الشمس، ~~ومضى قدر صلاة العيد وخطبتين، فإذا ذبح بعد هذا الوقت أجزأه، سواء صلى ~~الإمام أو لا، وسواء صلى المضحي أم لا، وسواء كان من أهل ms2121 الأمصار أو من أهل ~~القرى أو البوادي أو المسافرين. وقال عطاء وأبو حنيفة: يدخل وقتها في حق ~~أهل القرى والبوادي إذا طلع الفجر، ولا يدخل في حق أهل الأمصار حتى يصلي ~~الإمام ويخطب، فإن ذبح قبل ذلك لم يجزه (ب). وقال مالك: لا يجوز ذبحها قبل ~~صلاة الإمام وخطبته وذبحه. وقال أحمد: لا يجوز قبل صلاة الإمام ويجوز بعدها ~~قبل ذبح الإمام. وسواء عنده أهل القرى والأمصار. ونحوه عن الحسن والأوزاعي ~~وإسحاق بن راهويه. وقال الثوري: يجوز بعد صلاة الإمام قبل خطبته وفي ~~أثنائها. وقال ربيعة فيمن (ج) لا إمام له: إن ذبح قبل طلوع الشمس لا يجزئه، ~~وبعد طلوعها يجزئه. وذهبت (د) الهدوية إلى أنه إن كان المضحي ممن لا تلزمه ~~الصلاة كان أول وقتها من طلوع الفجر، وإن كان ممن تلزمه الصلاة فمن بعد أن ~~يصلي، وهذا الحديث لا يوافق ظاهره شيئا من هذه الأقوال. قال القرطبي (¬1): ~~ظواهر الأحاديث تدل على تعليق الذبح بالصلاة، لكن لما رأى الشافعي أن من لا ~~صلاة عليه مخاطب بالتضحية حمل الصلاة على وقتها. PageV09P398 # وقال ابن دقيق العيد (¬1): هذا اللفظ أظهر في اعتبار فعل الصلاة، وهو ~~قوله في رواية: "من ذبح قبل أن يصلي فليذبح مكانها أخرى". قال: لكن إن ~~أجريناه على ظاهره اقتضى أنه لا تجزئ الأضحية في حق من لم يصل العيد، فإن ~~ذهب إليه أحد فهو أسعد الناس بظاهر هذا الحديث، وإلا وجب الخروج عن هذا ~~الظاهر في هذه الصورة، ويبقى ما عداها في محل البحث، وقد جاء في رواية ~~مسلم: "قبل أن يصلي أو نصلي". الأولى بالياء والثانية بالنون، وهو شك من ~~الراوي، فلفظ: "أن يصلي" بالياء موافق للرواية، ورواية النون تكون متمسكا ~~لمن يقول: المعتبر صلاة الإمام. ويؤيده ما أخرجه الطحاوي (¬2) من حديث ~~جابر؛ أن رجلا ذبح قبل أن يصلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فنهى أن ~~يذبح أحد قبل الصلاة. وصححه ابن حبان (¬3)، ويتأيد ذلك بقوله في حديث ~~البراء (¬4): "إن أول ما نصنع أن نبدأ بالصلاة، ms2122 ثم نرجع فننحر". وقد جاء في ~~رواية الطحاوي (¬5) [عن مسلم] (أ) عن جابر، أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- صلى يوم النحر بالمدينة، فتقدم رجال فنحروا وظنوا أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قد نحر، فأمرهم أن يعيدوا. فهذا متمسك لمن يعتبر نحر الإمام، ~~ولكنه PageV09P399 # يلزم أنه إذا لم ينحر الإمام أن يسقط عن الناس مشروعية النحر. والظاهر ~~أنه لم يقل به أحد. وقد تقدم (¬1) قريبا أن أبا بكر وعمر كانا يتركان ~~التضحية، ولم يعلم أن أحدا أمر الناس بترك الذبح، أو قال في ذلك العصر: إن ~~المذبوح ليس بضحية. والجمهور يتأولون الحديث على أن المراد زجرهم عن ~~التعجيل الذي قد يؤدي إلى فعلها قبل الوقت. ولهذا جاء في باقي الأحاديث ~~التقييد بالصلاة، وأن من ضحى بعدها أجزأه. إلا أنه يجوز أن يقال: إن ~~المعتبر ذبح المصلي. وما أفادته الأحاديث من صلاة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لا يخالف ذلك؛ لأنه من المعلوم في ذلك الوقت أنه لم يكن أحد قد صلى ~~قبل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فإنهم في ابتداء تقرير الشريعة وتعريف ~~الأحكام، ولم يكن قد تقرر تعريف صلاة العيد ولا حكم الأضحية. # وقوله: "على اسم الله". جاء في رواية لمسلم (¬2): "باسم الله". والمعنى ~~متحد؛ فإن الجار والمجرور متعلق بمحذوف تقديره: قائلا باسم الله. و"على" ~~تفيد هذا المعنى، وإن كانت للاستعلاء؛ لأن العامل للفظ في حكم المستعلى ~~عليه. وقال القاضي عياض (¬3): يحتمل أن تكون الباء أو "على" بمعنى اللام؛ ~~أي لله. أو تكون بمعنى: بسنة الله. قال: وأما كراهة بعضهم أن يقال: أفعل ~~كذا على اسم الله؛ لأن اسمه على كل شيء. فضعيف. قال المصنف رحمه الله تعالى ~~(3): ويحتمل وجها خامسا وهو أن يكون معنى "باسم الله" مطلق الإذن في ~~الذبيحة، لأن مقتضى السياق المنع قبل ذلك والإذن بعده، PageV09P400 # كما يقال للمستأذن: باسم الله. أي ادخل. # 1131 - وعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: قام فينا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - فقال: "أربع لا تجوز في ms2123 الضحايا، العوراء البين عورها، ~~والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين [ظلعها]، والكسراء (أ) التي لا ~~تنقي". رواه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان (¬1). # والحديث أخرجه أبو داود والنسائي وغيرهم، عن عبيد بن فيروز، وادعى الحاكم ~~(¬2) أن مسلما أخرجه، وأنه مما أخذ عليه؛ لأنه من رواية سليمان بن عبد ~~الرحمن عن عبيد بن فيروز، وقد اختلف الناقلون عنه فيه. ذكر هذا في كتاب ~~الضحايا، وذكره (¬3) في كتاب الحج من هذه الطريق وصححه، وقال: لم يخرجاه. ~~قال المصنف رحمه الله (¬4): وهو مصيب هنا. يعني قوله: ولم يخرجاه -مخطئ ~~هناك. في قوله: أن مسلما أخرجه. PageV09P401 # وقال النووي في "شرح مسلم" (¬1): لم يخرجه البخاري ومسلم في "صحيحيهما"، ~~ولكنه صحيح، أخرجه أصحاب "السنن" بأسانيد صحيحة وحسنة. قال أحمد بن حنبل: ~~ما أحسنه من حديث! وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. # الحديث فيه دلالة على أن المانع من إجزاء التضحية هو هذه الأربعة العيوب ~~لا غيرها، وإن كان أشد منها، وقد ذهب إلى هذا الظاهرية، وقوفا على النص، ~~وذهب الجمهور إلى أنه يقاس عليها ما كان أشد منها من العيوب، أو مساويا ~~بالقياس؛ وذلك كالعمياء ومقطوعة الساق، وأما ما كان عورها غير تام وكان بعض ~~النظر باقيا، فذكر الإمام المهدي في "البحر" أنه يعفى عما كان الذاهب الثلث ~~فما دون، وكذا في العرج قال: ألا يصل إلى المنحر على الأربع. والحديث يحتمل ~~ذلك بقوله: "البين عورها". و: "البين ظلعها". ومن المرض والعجف ما يعافه ~~المترفون. وقال الشافعي في العرجاء: إذا تأخرت عن الغنم لأجله فهو بين. # وقوله: "ظلعها". أي اعوجاجها. # وقوله: "التي لا تنقي". بضم التاء المثناة فوق وإسكان النون وكسر القاف، ~~أي التي لا نقي لها بكسر النون وإسكان القاف وهو المخ؛ يقال: هذه ناقة ~~منقية. أي فيها نقي وهو المخ. وفي رواية النسائي (¬2): "والعجفاء". بدل ~~"الكسراء". PageV09P402 # 1132 - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا تذبحوا إلا مسنة، إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن". رواه ~~مسلم (¬1). # المسنة هي ms2124 الثنية من كل شيء؛ من الإبل والبقر والغنم فما فوقها. والحديث ~~فيه دلالة على أنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال، وقد نقل ~~القاضي عياض (¬2) الإجماع عليه. ونقل العبدري (2) وغيره من الشافعية عن ~~الأوزاعي أنه قال: يجزئ الجذع من الإبل والبقر والغنم. وحكي هذا عن عطاء. ~~والثني من الإبل ما قد تم له خمس سنين، ومن البقر والغنم والمعز ما تم له ~~سنتان. والجذع من الإبل ما كان له أربع سنين، ومن غيرها ما كان له سنة، وقد ~~قيل في البقر: إن المسنة ما دخلت في السنة الرابعة، أو التي دخلت في ~~الثالثة. وظاهر الاستثناء بقوله: "إلا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من ~~الضأن". أنه لا يجزئ الجذع من الضأن مع إمكان الثني. وقد حكى عن ابن عمر ~~والزهري (2) العمل بهذا، إلا أن قولهما أنه لا يجزئ ولو مع تعسر الثني. ~~وقالا: لا يجزئ الجذع. والجمهور ذهبوا إلى خلافه، وأن الحديث محمول على ~~الاستحباب. والقرينة ما جاء في الأحاديث من التضحية بالجذع، وهو حديث أم ~~بلال قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ضحوا بالجذع من الضأن". ~~أخرجه أحمد وابن جرير الطبري والبيهقي (¬3). ورواه ابن ماجه (¬4) من حديث ~~أم بلال بنت هلال عن أبيها PageV09P403 # بلفظ: "يجوز الجذع من الضأن أضحية". وأشار الترمذي (¬1) إلى هذه الرواية. ~~ومن حديث أبي هريرة: "نعمت الأضحية الجذع من الضأن أضحية" (¬2). وقد روي ~~موقوفا (¬3). وروى ابن وهب (¬4) من حديث عقبة بن عامر بلفظ: ضحينا مع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بجذع من الضأن. # 1133 - وعن علي رضي الله عنه: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بعوراء، ولا مقابلة ولا مدابرة، ولا خرقاء ~~ولا شرقاء. أخرجه أحمد والأربعة، وصححه الترمذي وابن حبان والحاكم (¬5). # الحديث أعله الدارقطني (¬6)، وأخرجه البيهقي (¬7) وفسر الحديث قال: ~~المقابلة ما قطع طرف أذنها، والمدابرة ما قطع من جانب الأذن، والشرقاء ~~المشقوقة، والخرقاء المثقوبة الأذنين. وأخرج (7) عن علي: نهى رسول الله - ~~صلى ms2125 الله عليه وسلم - أن نضحي بعضباء الأذن والقرن. قال قتادة: وسألت سعيد ~~بن المسيب PageV09P404 # عن العضب، فقال: النصف فما زاد. إلا أنه أخرج (1) من حديث حجية بن عدي ~~قال: كنا عند علي، فأتاه رجل فقال: البقرة؟ فقال: عن سبعة. قال: القرن؟ ~~قال: لا يضرك. قال: العرجاء؟ قال: إذا بلغت المنسك أمرنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن نستشرف العين والأذن. فهذا يدل على أن المراد بالأول ~~-إن صح- نهي التنزيه في القرن. قال الشافعي (¬2) رحمه الله: وليس في القرن ~~نقص. يعني ليس في نقصه أو فقده نقص في اللحم. # قوله: أن نستشرف العين والأذن. أي يشرف (أ) عليهما ويتأملان؛ كي لا يقع ~~نقص وعيب فيهما. وقيل: إن ذلك مأخوذ من الشرف بضم الشين، وهو خيار المال. ~~أي أمرنا أن نتخيرهما. وروي عن الشافعي أن معناه أن نضحي بواسع العينين ~~طويل الأذنين. # الحديث فيه دلالة على أنه لا تجزئ التضحية (أ) بما ذكر، وهو ظاهر مذهب ~~الهدوية. وقال الإمام يحيى أنه يكره التضحية بها وتجزئ. قال الإمام المهدي: ~~وهو قوي؛ إذ لا ينقص لحمها بذلك، بخلاف العوراء والعرجاء؛ فإن رعيهما ينقص ~~بذلك فينقص بذلك اللحم. ويتأيد هذا التأويل بما تقدم من حديث البراء (¬3)، ~~وجاء النهي عن التضحية بالمصفرة، بضم الميم وإسكان الصاد المهملة وفتح ~~الفاء في حديث عتبة بن PageV09P405 # عبد السلمي: أخرجه أبو داود والحاكم (¬1)، قال في "النهاية" (¬2): قيل: ~~هي المهزولة؛ لخلوها عن السمن، وفي رواية: المصفورة. قيل: هي المستأصلة ~~الأذن، سميت بذلك لأن صماخها صفر من الأذن أي: خلو. وإن رويت المصفرة ~~بالتشديد فللتكثير. # وأما مقطوع الألية والذنب فجاء في الحديث (أ) أنه يجزئ، كما في حديث أبي ~~سعيد: اشتريت كبشا لأضحي به، فعدى الذئب فأخذ منه الألية، فسألت النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، فقال: "ضح به". أخرجه أحمد وابن ماجه والبيهقي (¬3) ~~من حديثه، ومداره على جابر الجعفي. وشيخه محمد بن قرظة غير معروف، ويقال: ~~إنه لم يسمع من أبي سعيد. قال البيهقي (¬4): ورواه حماد بن سلمة عن الحجاج ~~بن ms2126 أرطاة عن عطية عن أبي سعيد أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ~~شاة قطع ذنبها يضحي بها؟ قال: "ضح بها". وظاهر الحديث أن ذلك لا يضر، ~~واستدل به في "المنتقى" (¬5) على أن العيب الحادث بعد تعيين الأضحية لا ~~يضر، فلا يتم دليلا على إجزاء ما كان ذاهبا من قبل. وذهبت الهدوية والإمام ~~يحيى إلى أن مسلوبة الألية والذنب لا تجزئ. وقال ابن رشد في "نهاية ~~المجتهد" (¬6): سبب الخلاف بين العلماء أنه ورد في هذا PageV09P406 # الباب من الأحاديث الحسان حديثان متعارضان، فذكر النسائي عن أبي بردة أنه ~~قال: يا رسول الله، أكره النقص يكون في القرن والأذن. فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ما كرهته فدعه ولا تحرمه على غيرك". وذكر (¬1) عن علي ~~بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ~~نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بشرقاء ولا خرقاء ولا مدابرة ولا بتراء. ~~والشرقاء المثقوبة الأذن، والمدابرة التي قطع من جنبتي أذنها من خلف. فمن ~~رجح حديث أبي بزدة قال: لا يتقى إلا العيوب الأربعة وما هو أشد منها. ومن ~~جمع بين الحديثين، بأن حمل حديث أبي بردة على اليسير الذي هو غير بين، ~~وحديث علي رضي الله عنه على الكثير الذي هو بين -ألحق بحكم المنصوص عليها ~~ما هو مساو لها، ولذلك [جرى] (أ) أصحاب هذا المذهب إلى التحديد فيما يمنع ~~الإجزاء مما يذهب من هذه الأعضاء، فاعتبر بعضهم ذهاب الثلث من الأذن ~~والذنب، وبعضهم اعتبر الأكثر. وكذلك الأمر في ذهاب الأسنان وأطباء الثدي ~~(¬2)، وأما القرن، فإن مالكا قال: ليس ذهاب جزء منه عيبا، إلا أن يكون ~~يدمى. فإنه عنده من باب المرض، ولا خلاف في أن المرض [البين] (ب) يمنع ~~الإجزاء. وخرج أبو داود (¬3)، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن أعضب ~~الأذن والقرن (¬4). واختلفوا في الصكاء، وهي التي خلقت بغير أذنين؛ فذهب PageV09P407 # مالك والشافعي إلى أنها لا تجوز. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إذا كان خلقة ~~جاز ms2127 كالأجم (¬1). ولم يختلف الجمهور أن قطع الأذن كله أو أكثره عيب، وكل ~~هذا الاختلاف راجع إلى ما قلنا. واختلفوا في الأبتر، فقوم أجازوه؛ لحديث ~~(أ) جابر الجعفي عن أبي سعيد، وجابر عند أكثر المحدثين لا يحتج به. وقوم ~~منعوه؛ لحديث علي رضي الله عنه. انتهى كلامه. # والحديث أخرجه أبو داود (¬2) عن يزيد ذو مصر قال: أتيت [عتبة] (ب) بن عبد ~~السلمي فقلت: يا أبا الوليد، إني خرجت ألتمس الضحايا فلم أجد شيئا يعجبني ~~غير ثرماء، فكرهتها، فما تقول؟ قال: أفلا جئتني بها. قلت: سبحان الله! تجوز ~~عنك ولا تجوز عني. قال: نعم، إنك تشك ولا أشك، إنما نهى رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عن المصفرة والمستأصلة والبخقاء والمشيعة والكسراء، ~~والمصفرة التي تستأصل أذنها حتى تبدو أصماخها، والمستأصلة التي استؤصل ~~قرنها من أصله، والبخقاء التي تبخق عينها، والمشيعة التي لا تتبع الغنم ~~عجفا و (ج) ضعفا، والكسراء الكسيرة. هذا لفظ أبي داود. وقوله: غير ثرماء. ~~أي غير ساقطة السن، يقال: ثرمت الشاة. إذا سقطت ثنيتها. والبخق، بالباء ~~الموحدة والخاء المعجمة، هو ذهاب العين التي لم يكن PageV09P408 # فيها بصر، أو ذهاب بصر العين وهي باقية. كذا في "النهاية" (¬1)، والمشيعة ~~إن كانت بصيغة اسم الفاعل بكسر الياء فهي التي لا تزال تتبع الغنم عجفا، أي ~~لا تلحقها، فهي أبدا تشيعها، أي تمشي وراءها. وإن فتحت الياء بصيغة اسم ~~المفعول فلأنها تحتاج إلى من يشيعها، أي يسوقها؛ لتأخرها عن الغنم. وقال في ~~"البحر" في المشيعة: إن كان لهزال لم تجز، وإن كان للكسل كرهت. وفي ذاهب ~~الأسنان وجهان، الإمام يحيى: أصحهما يجزئ إن لم تهزل لأجلها. # 1134 - وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: أمرني رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - أن أقوم على بدنه، وأن أقسم لحومها وجلودها وجلالها (¬2) ~~على الفقراء والمساكين، ولا أعطي في جزارتها منها شيئا. متفق عليه (¬3). # والحديث فيه قصة النحر، وكان ذلك يوم النحر في حجة الوداع، وكانت البدن ~~مائة بدنة، فنحر - صلى الله عليه وسلم ms2128 - سبعا بيده. كذا في رواية أنس في ~~"الصحيحين" (¬4): ثم أخذ الحربة هو وعلي فنحرا ثلاثا وستين كما في حديث ~~[غرفة] (أ) بن الحارث الكندي أنه شاهد النبي - صلى الله عليه وسلم - يومئذ ~~وقد أخذ أعلى PageV09P409 # الحزبة، وأمر عليا أن يأخذ أسفلها ونحرا بها البدن، ثم انفرد علي بنحر ~~الباقي من المائة. كما جاء في حديث جابر (¬1)، وما أخرجه أحمد وأبو داود ~~(¬2) من حديث علي أنه نحر - صلى الله عليه وسلم - ييده ثلاثين، وأمرني ~~فنحرت سائرها. فقد انقلب على الراوي، فإن الذي نحر ثلاثين علي. وحديث أنه ~~قرب لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمس بدن فطفقن يزدلفن إليه بأيهن ~~يبدأ (¬3). لا ينافي ما تقدم؛ فإن الإبل لم تقرب دفعة واحدة، وإنما كانت ~~تقرب أرسالا، فقرب أولا خمسا ثم قرب بعد ذلك غيرها، فذبح ائنتين حتى كانت ~~سبعا بيده، ثم شاركه علي كما ذكر، وأما حديث أبي بكرة الذي في "الصحيحين" ~~(¬4): ثم انكفأ إلى كبشين أملحين [فذبحهما] (أ) بعد أن خطب يوم النحر. فهو ~~لا يخالف ما تقدم؛ فذبح النبي - صلى الله عليه وسلم - الغنم ثم نحر البدن ~~في ذلك. وروى أبو بكرة ما رأى وأنس ما رأى، واقتصر أحد الراويين على بعض ما ~~رآه في ذلك اليوم. وقد أشار إلى هذا الجمع [أبو] (ب) محمد بن حزم، و [هو] ~~(ج) أولى مما قال غيره: إن أبا بكرة ذكر ما كان من النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في المدينة. ويؤيد ما قال ابن حزم ما ثبت في "الصحيحين" (¬5) عن ~~عائشة، أنه ضحى - صلى الله عليه وسلم - يؤمئذ عن أزواجه بالبقر. فهو يدل ~~أنه جمع بين الثلاثة الأنواع. وأطلقت PageV09P410 # اسم الأضحية على الهدي؛ لأن ما كان في منى يسمى هديا، وما كان في غير منى ~~يسمى أضحية. وقد جاءت ألفاظ [أنه] (أ) ذبح عن أزواجه بقرة، و: البقر (¬1). ~~وفي لفظ: دخل علينا وفي يده لحم بقر، فقيل: ذبح رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - عن أزواجه (¬2). فإذا كان لفظ بقرة مقدرا مفعولا ms2129 ل: ذبح. فهو حجة ~~لإسحاق أن البقرة عن عشرة، خلاف الشافعي وأحمد وغيرهما أن البقرة عن سبعة، ~~وبهذا الجمع الذي ذكرنا يندفع توهم اختلاف الروايات. # وقد دل الحديث على فوائد؛ منها استحباب سوق البدن، والبدن تطلق على الإبل ~~والبقر والغنم (ب). هذا قول أكثر أهل اللغة (¬3)، إلا أن استعمالها في ~~الأحاديث وفي كتب الفقه في الإبل خاصة. وجواز النيابة في النحر والتصدق، ~~وأنه يتصدق باللحم والجلال والجلود، وأنها تجلل، وأن يكون الجلال حسنا. ~~وأنه لا يعطى الجزار منها شيئا؛ لأن ذلك يكون في حكم البيع من الجزار ~~لاستحقاقه الأجرة. وهذا الذي دل عليه الحديث من تحريم البيع ذهب إليه ~~الجمهور من الأئمة؛ أهل البيت والشافعية، وبه قال عطاء والنخعي ومالك وأحمد ~~وإسحاق، وحكى ابن المنذر (3) عن ابن عمر وأحمد PageV09P411 # وإسحاق أنه لا بأس ببيع جلد الهدي والتصدق بثمنه، قال: ورخص في بيعه أبو ~~ثور. وقال النخعي والأوزاعي: لا بأس أن يشتري به الغربال والفأس والميزان ~~ونحوها. وقال الحسن البصري: يجوز أن يعطي الجزار جلدها. وهذا منابذ للسنة. # والتجليل سنة، وهو مختص بالإبل، وهو مشهور العمل عن السلف، وممن [رآه] ~~(أ) مالك والشافعي وأبو ثور وإسحاق وغيرهم قالوا: ويكون بعد الإشعار لئلا ~~يتلطخ بالدم، ويستحب أن تكون قيمتها ونفاستها بحسب حال المهدي. وكان بعض ~~السلف يستحب أن يجلل بالوشي، وبعضهم بالحيرة (¬1) وبعضهم بالقباطي (¬2) ~~والملاحف والأزر، قال مالك: ويشق على الأسنمة إن كان الجلال قليل الثمن. ~~قال: وتركه ابن عمر استبقاء للثياب، لأنه كان يجلل بالجلال المرتفعة من ~~الأنماط والبرود والحير. قال: وكان لا يجلل حتى يغدو من منى إلى عرفات. ~~قال: وقد روي أنه كان يجلل من ذي الحليفة، وكان يعقد أطراف الجلال على ~~[أذيالها] (ب) فإذا مشى ليله نزعها، فإذا كان يوم عرفة جللها، وإذا كان ~~[عند] (ج) النحر نزعها؛ لئلا يصيبها الدم. وكان ابن عمر يكسوها الكعبة، ~~فلما كسيت الكعبة (د) تصدق بها. PageV09P412 # وحكم الأضحية حكم الهدي فيما تقدم من أنه لا يبيع لحم الأضحية ولا جلدها ~~ولا يعطه ms2130 الجازر. ذكره الإمام يحيى، وحكاه في "البحر" عن مذهب الهدوية وأبي ~~حنيفة. وقال ابن رشد في "نهاية المجتهد" (¬1): والعلماء متفقون فيما علمت ~~أنه لا يجوز بيع لحمها، واختلفوا في جلدها وشعرها مما ينتفع به؛ فقال ~~الجمهور: لا يجوز. وقال أبو حنيفة: يجوز بيعه بغير الدنانير والدراهم. يعني ~~بالعروض. وقال عطاء: يجوز بكل شيء، دراهم وغير ذلك. وإنما فرق أبو حنيفة ~~بين الدراهم وغيرها؛ لأنه رأى أن المعاوضة بالعروض هي من باب الانتفاع؛ ~~لإجماعهم على أنه يجوز أن ينتفع به. انتهى. # وفي "الأزهار" (¬2): ويكره البيع. وهو مخالف لما حكاه في "البحر"، ~~والصحيح ما في "البحر"، للقياس على الهدي، لتعلق القربة بذلك، وإن كانت ~~الأضحية سنة فذلك قبل تعيينها، والله أعلم. # 1135 - وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: نحرنا مع رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة. رواه مسلم (¬3). # الحديث فيه دلالة على جواز الاشتراك في البدنة والبقرة، وأنهما سواء عن ~~سبعة، وهذا في الهدى. وحكم الأضحية حكم الهدي، وقد ذهب إلى هذا زيد بن علي ~~وأحمد بن عيسى - في رواية صاحب "الكافي "، والشافعية والحنفية. PageV09P413 # قال النووي (¬1): سواء كانوا متفرقين أو مجتمعين، وسواء كانوا مفترضين أو ~~متطوعين، وسواء كانوا متقربين أو بعضهم متقربا وبعضهم طالب لحم. وروي هذا ~~عن ابن عمر وأنس، وبه قال أحمد بن حنبل. ومالك ذهب إلى أنه لا يجوز ~~الاشتراك في الهدي، وإنما يكون الاشتراك في هدي التطوع، وعنده هدي الإحصار ~~غير واجب، وروى ابن القاسم (¬2) عنه أنه لا يصح الاشتراك لا في هدي التطوع ~~ولا في الواجب. وهذا رد للحديث. وعند أبي حنيفة أن الاشتراك يجوز في الهدي ~~[المتقرب] (أ) وإن لم يكن واجبا عند أحدهم، ولا يشارك من لم يكن متقربا. ~~والهدوية اشترطوا في الاشتراك اتفاق [الفرض] (ب) ولا يصح مع الاختلاف. ~~قالوا: لأن الذبح شيء واحد فلا يتبعض بأن يكون بعضه واجبا وبعضه غير واجب. # وذهب الهدوية إلى أن البدنة عن عشرة والبقرة عن سبعة؛ ms2131 لما رواه ابن عباس، ~~قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سفر فحضر الأضحى ~~واشتركنا، في البقرة سبعة وفي البعير عشرة. أخرجه الترمذي والنسائي (¬3). ~~وفي "أصول الأحكام" و "الشفا" عن الحسن بن علي مثل ذلك في الأضحية مرفوعا، ~~وقاسوا الهدي على الأضحية، ويجاب عنه بأنه لا يقاس مع وجود النص في الهدي. ~~وقال ابن رشد (¬4). وأجمعوا على أنه لا يجوز أن يشترك في النسك PageV09P414 # أكثر من سبعة، وإن كان قد روي من حديث رافع بن خديج أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عدل البعير بعشر شياه. أخرجه (أ) في "الصحيحين" (¬1). ومن طريق ~~ابن عباس وغيره: البدنة عن عشرة. قال الطحاوي: وإجماعهم دليل على أن الآثار ~~في ذلك غير صحيحة. انتهى. ويجاب عنه بأن الإجماع غير مسلم، ولعله تجوز فيه؛ ~~لأنه قول الأكثر. # وهذا في الإبل والبقر، وأما الغنم فذهب الهدوية إلى أن الشاة تجزئ عن ~~ثلاثة في الأضحية؛ وذلك لما تقدم من تضحية النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~بالكبش عن محمد وآل محمد. قالوا: وظاهر الحديث يقضي أن يجزئ عن أكثر (أ)، ~~ولكن الإجماع قصر الإجزاء (ب) على الثلاثة. وذهب الأكثر إلى أن الشاة لا ~~تجزئ إلا عن واحد، وادعى ابن رشد (¬2) الإجماع على ذلك. وذهب مالك أنه يجوز ~~أن يذبح الشاة عن نفسه وعن أهل بيته لا على جهة الاشتراك بل إذا كان ملكه ~~للمضحى منفردا؛ لما تقدم من حديث علي رضي الله عنه، وكذا ما أخرجه في ~~"الموطأ" (¬3) عن أبي أيوب الأنصاري قال: كنا نضحى بالشاة الواحدة يذبحها ~~الرجل عنه وعن أهل بيته، ثم تباهى الناس بعد. وكره أبو حنيفة والثوري ~~الاشتراك. PageV09P415 # فائدة (أ): السنة لمن أراد أن يضحي ألا يأخذ من شعره ولا من ظفره إذا أهل ~~هلال ذي الحجة حتى يضحي. أخرجه مسلم (¬1) من أربع طرق من حديث أم سلمة: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا دخل العشر فأراد أحدكم أن يضحي فلا ~~يمس من شعره ولا بشره شيئا". قال الشافعي ms2132 (¬2) رحمه الله تعالى: فإن قال ~~قائل: ما دل على أنه اختيار لا واجب؟ يعني عدم الأخذ من الشعر والظفر، قيل ~~له: روى مالك (¬3)، عن عبد الله بن أبي بكر، عن [عمرة] (ب)، عن عائشة قالت: ~~أنا فتلت قلائد هدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيدي، ثم قلدها رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - بيده، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - شيء أحله الله له حتى نحر الهدى. قال الشافعي ~~رحمه الله تعالى: وفي هذا دلالة على ما وصفت، وعلى أن المرء لا يحرم ~~بالبعثة بهديه يقول: البعثة بالهدي أكبر (ج) من إرادة الضحية. أخرج الحديث ~~في "الصحيحين" (¬4) من طريقين. وقد ذهب إلى هذا الشافعي والإمام يحيى ~~وغيرهم، وذهب أحمد بن حنبل وإسحاق إلى أنه يحرم ذلك؛ نظرا إلى ظاهر النهي، ~~ومقتضاه التحريم حقيقة. ويجاب عنه بحديث عائشة. وذهب مالك وأبو حنيفة إلى ~~أنه لا يسن ذلك. والحديث يرد عليهما. كذا PageV09P416 # روى الخلاف في "البحر". قال أصحاب الشافعي: والحكمة في النهي أن يبقى ~~كامل الأجزاء؛ ليعتق من [النار] (أ). وقيل: للتشبه بالمحرم. ولا يصح هذا؛ ~~لأنه لا يعتزل النساء ولا يترك الطيب واللباس وغير ذلك مما يتركه المحرم. # فائدة أخرى: أجمع العلماء على جواز الضحايا من جميع بهيمة الأنعام، ~~واختلفوا في الأفضل من ذلك؛ فذهب مالك إلى أن الأفضل من الضحايا الكباش ثم ~~البقر ثم الإبل، وفي الهدي الإبل أفضل ثم الكباش. وقد قيل عنه: الإبل ثم ~~البقر. وذهب الشافعي إلى أن الأفضل الإبل ثم البقر ثم الكباش. وبه قال أشهب ~~وابن شعبان. وحجة مالك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يرو عنه أنه ضحى ~~إلا بكبش، ولكن في "البخاري" (¬1) من حديث ابن عمر ما يدل على أنه نحر ~~الإبل، وهو قوله أنه كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يذبح وينحر ~~بالمصلى. والنحر في الإبل، ويدل على ذلك عطفه على: يذبح. وأما الهدي ~~فالإبل؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم ms2133 - أهدى الإبل كما قد مر. وقوله ~~تعالى: {وتركنا عليه في الآخرين} (¬2). إذا فسر ذلك بالأضحية. وقد فدى ~~إبراهيم بالكبش، فيدل على أن الكبش أفضل في الأضحية. وحجة الشافعي قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "من راح في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، ومن راح ~~في الساعة PageV09P417 # الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الثالثة فكأنما قرب كبشا" (¬1). ~~فحمل هذا على جميع التقرب بالحيوان، وأما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقد ضحى بالأمرين، ولكنه يتأيد بالقياس على الهدي، والإجماع على أنه لا ~~يجوز الضحية بغير بهيمة الأنعام، إلا ما حكي عن الحسن بن صالح، أنه يجوز ~~التضحية ببقرة الوحش عن سبعة والظبي عن واحد. وما روي عن أسماء بنت أبي بكر ~~قالت: ضحينا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالخيل (¬2). وعن أبي ~~هريرة أنه ضحى بذلك (¬3). ومدة النحر اليوم العاشر ويومان بعده عند العترة ~~ومالك وأبي حنيفة وأحمد وغيرهم، قال في "البحر": إذ روي عن علي رضي الله ~~عنه، وهو توقيف. وذهب الشافعي وأصحابه والأوزاعي، أن أيام الأضحى أربعة؛ ~~يوم النحر وثلاثة أيام بعده. وروي عن جماعة أن الأضحى يختص باليوم العاشر. ~~وذهب إلى هذا حميد بن عبد الرحمن ومحمد بن سيرين وداود الظاهري. وعن سعيد ~~بن جبير وأبي الشعثاء مثله إلا في منى فيجوز ثلاثة أيام، ويتمسك لهذا بحديث ~~عبد الله بن عمرو رفعه: "أمرت بيوم الأضحى عيدا جعله الله لهذه الأمة". ~~الحديث صححه ابن حبان (¬4)، وعن جماعة أن الذبح إلى آخر يوم من ذي الحجة. ~~وهي أقوال للسلف، قال ابن رشد (¬5): PageV09P418 # سبب اختلافهم شيئان (أ)، أحدهما، الاختلاف في الأيام المعلومات ما هي في ~~قوله تعالى: {ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما ~~رزقهم من بهيمة الأنعام} (¬1). فقيل: يوم النحر ويومان بعده. وهو المشهور، ~~وقيل: العشر الأول من ذي الحجة. والسبب الثاني، معارضة دليل الخطاب في هذه ~~الآية لحديث جبير بن مطعم مرفوعا أنه قال: "كل فجاج مكة منحر، وكل أيام ~~التشريق ذبح" (¬2). فمن قال ms2134 في الأيام المعلومات أنها يوم النحر ويومان ~~بعده في هذه الآية ورجح دليل الخطاب فيها على الحديث المذكور قال: لا نحر ~~إلا في هذه الأيام. ومن رأى الجمع بين الحديث والآية وقال: لا معارضة ~~بينهما؛ إذ الحديث اقتضى حكما زائدا على ما في الآية، مع أن الآية ليس ~~المقصود منها تحديد (ب) أيام النحر، والحديث المقصود منه ذلك. قال: يجوز ~~الذبح في اليوم الرابع [إذ] (ج) كان باتفاق من أيام التشريق. و [لا] (د) ~~خلاف بينهم أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق وأنها ثلاثة أيام بعد يوم ~~النحر؛ إلا ما روي عن سعيد بن جبير أنه قال: يوم النحر من أيام التشريق، ~~وإنما اختلفوا في الأيام المعلومات على القولين. وأما من قال يوم النحر ~~فقط؛ فبناء (ه) على أن PageV09P419 # المعلومات العشر الأول. قالوا: وإذا كان الإجماع قد انعقد على أنه لا ~~يجوز الذبح منها إلا في اليوم العاشر، وهي محل الذبح المنصوص عليها، فواجب ~~أن يكون الذبح إنما هو يوم النحر فقط. و [قد] (أ) ذهب مالك في المشهور عنه ~~إلى أنه لا يجوز الذبح في ليالي أيام النحر. وذهب غيره إلى جواز ذلك، وسبب ~~الاختلاف هو أن اليوم يطلق على اليوم والليلة، مثل قوله تعالى {تمتعوا في ~~داركم ثلاثة أيام} (¬1). وقد يطلق على النهار دون الليل، كما في قوله ~~تعالى: {سبع ليال وثمانية أيام حسوما} (¬2). فعطف الأيام على الليالي، ~~والعطف للمغايرة. ولكن بقي النظر في أيهما هو أظهر، [والمحتج] (ب) ~~بالمغايرة على أنه [لا] (ج) يصح في الليل، يكون ذلك بناء على العمل بمفهوم ~~اللقب، ولم يقل به إلا الدقاق، إلا أن يقال: دل الدليل على أنه يجوز ~~بالنهار، والأصل في الذبح الحظر، فيبقى الليل على الحظر، وعلى مجوزه في ~~الليل الدليل. انتهى مع اختصار. # فائدة أخرى: يستحب أن يكون المتولي للذبح المضحي، والاتفاق على جواز ~~التوكيل، كما تقدم في حديث على رضي الله عنه، واختلف العلماء إذا ذبحها ~~غيره بغير إذنه؛ فقيل: لا يجوز. وقيل بالفرق بين أن ms2135 يكون صديقا أو ولدا ~~فيجوز، وإن كان أجنبيا أنها لا تجوز. PageV09P420 # والمستحب للمضحي أن يأكل ويتصدق. واستحب له (أ) كثير من العلماء أن ~~يقسمها أثلاثا؛ ثلثا للادخار وثلثا للصدقة وثلثا للأكل؛ لقوله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "كلوا وتصدقوا وادخروا" (¬1). ولعل الظاهرية يوجبون التجزئة. ~~وقال عبد الوهاب المالكي (¬2): أوجب قوم الأكل وليس بواجب في المذهب. وقال ~~ابن المواز (2): له أن يفعل أحد الأمرين؛ إما الأكل أو التصدق بالكل. PageV09P421 ### || AUTO باب العقيقة # العقيقة الذبيحة التي تذبح للمولود، وأصل العق الشق والقطع، وقيل ~~للذبيحة: عقيقة. لأنها يشق حلقها. وقد يقال للشعر الذي يخرج على رأس ~~المولود من بطن أمه: عقيقة. لأنه يحلق، وجعل الزمخشري الشعر أصلا والشاة ~~المذبوحة مشتقة منه، قال امرؤ القيس (¬1): # أيا هند لا تنكحي (أ) بوهة ... عليه [عقيقته] (ب) أحسبا # البوهة: الأحمق. زيد أنه من حمقه لم يحلق شعره الذي ولد عليه، والأحسب: ~~الشعر الأحمر الذي يضرب إلى البياض. وقد جاء في صفة شعر النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -: إن انفرقت عقيقته فرق (¬2)، أي شعره، يسمى عقيقة تشبيها بشعر ~~المولود، وسميت الذبيحة عقيقة باسم سببها، وأما عقوق الأمهات الوارد في ~~الحديث فهو مشتق من العق الذي هو الشق والقطع. # 1136 - وعن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عق عن ~~الحسن والحسين كبشا كبشا. رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة وابن الجارود PageV09P422 # وعبد الحق، لكن رجح أبو حاتم إرساله (¬1). # وأخرج ابن حبان (¬2) من حديث أنس نحوه، وأخرج البيهقي والحاكم وابن حبان ~~(¬3) من حديث عائشة (أ) نحوه بزيادة: يوم السابع وسماهما وأمر أن يماط عن ~~رءوسهما الأذى. قال الحسن البصري (¬4): إماطة الأذى حلق الرأس. وصححه ابن ~~السكن (¬5) بأتم من هذا، وفيه: وكان أهل الجاهلية يجعلون قطنة في دم ~~العقيقة ويجعلونها على رأس المولود، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أن يجعلوا مكان الدم خلوقا. ورواه أحمد والنسائي (¬6) من حديث بريدة وسنده ~~صحيح. ورواه الحاكم (¬7) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، والطبراني ~~في "الصغير" (¬8) من ms2136 حديث قتادة عن أنس، والبيهقي (¬9) من حديث فاطمة. ~~ورواه الترمذي والحاكم والبيهقي (¬10) من حديث علي. PageV09P423 # الحديث فيه دلالة على شرعيتها في الجملة، وقد اختلف العلماء في حكمها؛ ~~فذهب الجمهور إلى أنها سنة، وذهبت الظاهرية والحسن البصري إلى وجوبها، وذهب ~~أبو حنيفة إلى أنها ليست فرضا ولا سنة، وقيل أنها عنده تطوع، ويحتج للجمهور ~~بفعله - صلى الله عليه وسلم - مع قوله وقد سئل عن العقيقة فقال: "لا أحب ~~العقوق، ومن ولد له ولد فأحب أن ينسك عن ولده فليفعل" (¬1). فهذا يدل على ~~عدم الوجوب، وهو يحتمل الإباحة، ولكن فعله - صلى الله عليه وسلم - يدل على ~~السنية، وأما القائل بوجوبها فلحديث عائشة الآتي، فإن الأمر حقيقة في ~~الإيجاب، ولكنه يجاب عنه بأن ذلك إذا لم تقم قرينة تقضي (أ) بأن يحمل على ~~غير الوجوب، والقرينة قوله: "فأحب أن ينسك عن ولده". وهذا الحديث حجة لأبي ~~حنيفة، ولكنه لا ينافي السنية فلا يتم احتجاجه، وذهب محمد بن الحسن ~~الشيباني إلى أنها كانت في الجاهلية فنسخت في الإسلام، والجواب عنه بأن ~~المنسوخ إنما هو التدمية للمولود كما تقدم في حديث عائشة. # وفي زيادة: يوم سابعه. في حديث عائشة يدل على أنه لا يصح قبل السابع ولا ~~بعده، وادعى في "البحر" الإجماع، ونظر عليه؛ وذلك لأن النووي (¬2) ذكر عن ~~أصحاب الشافعي قولا أنه يعق قبل السابع (ب كذلك عن الكبير ب)، PageV09P424 # وكذا ابن رشد (¬1)، قال: وأجاز بعضهم أن يعق عن الكبير؛ لما روى أنس أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - عق عن نفسه بعد البعثة. وأخرجه البيهقي (¬2) ~~وقال: منكر. وفيه عبد الله بن محرر (¬3)، بالحاء المهملة وراءين مهملتين، ~~وهو ضعيف جدا. وأخرجه أبو الشيخ (¬4) من طريق أخرى عن أنس. قال النواوي ~~(¬5): حديث باطل. وأخرجه من رواية أبي بكر المستملي عن الهيثم بن جميل (أ) ~~عن عبد الله بن المثنى من حديث أنس، وفي ابن المثنى (¬6) مقال. وأخرجه ~~الطبراني (¬7) أيضا من هذه الطريق، وإن كان الترمذي والعجلي (¬8) وثقاه فهو ~~من الشيوخ الذين لا يقبل ما تفردوا ms2137 به، وقد أخرجه الضياء (¬9) بهذا الإسناد ~~في "الأحاديث المختارة مما ليس في الصحيحين"، ويحتمل مع فرض صحته أن يكون ~~ذلك من خصائصه، وقال السيوطي في كتاب "المقصد في عمل المولد" أنه فعل ذلك ~~إظهارا للشكر على اتخاذ الله تعالى إياه رحمة للعالمين PageV09P425 # وتشريعا (أ) لأمته، فينبغي لنا أيضا إظهار الشكر لمولده بالاجتماع وإطعام ~~الطعام ونحو ذلك من وجوه القربات وإظهار المسرات (¬1). انتهى. # وقال مالك لا يعد في الأسبوع اليوم الذي ولد فيه إن ولد نهارا. وكذا نقله ~~البويطي (ب) عن الشافعي، ونقل الرافعي وجهين رجح الحسبان (ج)، وقال عبد ~~الملك بن الماجشون: يحتسب. وقال ابن القاسم: إن عق ليلا لم يجزه. واختلف ~~أصحاب مالك في مبدأ وقت الإجزاء؛ فقيل: وقت الضحايا، أعني ضحى. وقيل: بعد ~~الفجر قياسا على قول مالك في الهدايا. ولا شك أن من أجاز الضحايا ليلا أجاز ~~العقيقة ليلا، وقد قيل: يجوز في السابع الثاني والثالث، وكذا أخرج البيهقي ~~(¬2) عن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"العقيقة تذبح لسبع ولأربع عشرة ولإحدى وعشرين". # 1137 - وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أمرهم أن يعق عن الغلام شاتان مكافئتان وعن الجارية شاة. رواه الترمذي (¬3) ~~وصححه، وأخرج أحمد والأربعة (¬4) عن أم كرز الكعبية نحوه. PageV09P426 # حديث أم كرز أخرجه البيهقي (¬1) في طرق ست، وفي بعضها مقال، وحديث عائشة ~~(1) من طريقين، وأخرج (1) عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "إن اليهود تعق عن الغلام شاة ولا تعق عن الجارية، فعقوا ~~عن الغلام شاتين وعن الجارية شاة". وأخرجه أبو داود والنسائي (¬2) من حديث ~~عمرو بن شعيب، وأخرجه أحمد (¬3) من حديث أسماء بنت يزيد. # ومكافئتان. قال النووي (¬4): هو بكسر الفاء وبعدها همزة، هكذا صوابه عند ~~أهل اللغة، والمحدثون يقولونه بفتح الفاء. قال أحمد وأبو داود (¬5): ومعناه ~~متساويتان أو متقاربتان. قال الخطابي (¬6): والمراد التكافؤ في السن فلا ~~تكون [إحداهما] (أ) مسنة والأخرى غير مسنة، بل تكون ms2138 مما تجزئ في الأضحية، ~~وقيل: معناه أنهما متساويتان. وقيل: معناه أن تذبح إحداهما مقابلة للأخرى. # والحديث فيه دلالة على اختلاف العقيقة عن الذكر وعن الأنثى. وقد ذهب إلى ~~هذا الشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وداود، والإمام يحيى، ومذهب الهدوية ومالك ~~إلى أنه يجزئ عن الذكر والأنثى شاة، لما تقدم من PageV09P427 # حديث ابن عباس. وأجيب عنه بأن حديث ابن عباس فعل وهذا (أقول، وهو أ) ~~أقوى، وقد روي أيضا من طرق كثيرة فهو أرجح، مع (ب) أن أبا الشيخ (¬1) أخرج ~~حديث ابن عباس من وجه آخر عن عكرمة عن ابن عباس بلفظ: كبشين كبشين. ومن ~~حديث عمرو بن شعيب مثله (1). مع أنه قد يقال: إن في اقتصار النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - دلالة على أنه يجوز أن يفعل مثل ذلك للذكر وأن التثنية ~~ليست بمتعينة، وإن كانت هي المستحبة، والفرد جائز غير مستحب. ويحتمل أنه ~~إنما فعل ذلك لكونه المتيسر، ولم يتسير الاثنان، مع مناسبة العلة لهذا ~~الحكم، فإنه إذا كانت العقيقة مشروعة؛ لما فيها من التقرب لاستبقاء المولود ~~فأشبهت الدية التي دية المرأة على النصف من دية الرجل، وفي إطلاق لفظ ~~"شاتان" دلالة على أنه لا يشترط فيها ما يشترط في الأضحية، وفيه وجهان ~~للشافعية؛ أصحهما: يشترط. وهو بالقياس، وقد (ج) ذكر شاتان على أنه يتعين ~~الغنم للعقيقة، وبه ترجم أبو الشيخ الأصفهاني (¬2)، ونقله ابن المنذر (2) ~~عن حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر، وقال البندنيجي من الشافعية (2): لا نص ~~للشافعي في ذلك، وعندي لا يجزئ غيرها. واختلف قول مالك في الإجزاء، وأما ~~الأفضل عنده فالكبش مثل الأضحية، والجمهور على إجزاء الإبل والبقر أيضا، ~~وفيه حديث عند الطبراني وأبي الشيخ (¬3) عن أنس رفعه: "يعق عنه من الإبل ~~والبقر والغنم". PageV09P428 # ونص أحمد على اشتراط كاملة. وذكر الرافعي بحثا أنه يجوز اشتراك سبعة في ~~الإبل والبقر، كما في الأضحية. # 1138 - وعن سمرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"كل غلام مرتهن بعقيقته، تذبح عنه يوم سابعه ويحلق ويسمى". ms2139 رواه أحمد ~~والأربعة (¬1)، وصححه الترمذي. # الحديث ذكره البخاري (¬2) مجملا ولم يسق لفظه، وكأنه اكتفى عن إيراده ~~لشهرته، وهو من رواية الحسن عن سمرة، وأخرج نحوه البزار (¬3) وأبو الشيخ ~~(¬4) في كتاب "العقيقة" عن ابن سيرين عن أبي هريرة، فالحديث يتقوى برواية ~~التابعيين الجليلين عن الصحابيين، إلا أنه لم يقع في حديث أبي هريرة لفظ: ~~"ويسمى". # وقوله: "مرتهن". قال الخطابي (¬5): اختلف الناس في هذا؛ فذهب أحمد بن ~~حنبل إلى أنه يريد أنه إذا مات وهو طفل ولم يعق عنه لم يشفع لأبويه. وقيل: ~~المعنى أن العقيقة لازمة لا بد منها، فشبه لزومها للمولود بلزوم الرهن ~~للمرهون في يد المرتهن. وهذا يقوي قول الظاهرية بالوجوب، وقيل: PageV09P429 # المعنى أنه مرهون بأذى شعره، ولذلك جاء: "فأميطوا عنه الأذى" (¬1). ويقوي ~~قول أحمد ما أخرجه البيهقي (¬2) عن عطاء الخراساني، وأخرج ابن حزم (¬3) عن ~~بريدة الأسلمي قال: إن الناس يعرضون يوم القيامة على العقيقة كما يعرضون ~~على الصلوات الخمس. وهذا لو ثبت لكان دليلا لمن قال بالوجوب. قال ابن حزم ~~(3): ومثله عن فاطمة بنت الحسين. وقوله: "يذبح عنه يوم سابعه". فيه دلالة ~~على أن العقيقة موقتة بالسابع، وأنها تفوت بعده، وهذا قول مالك، وقال أيضا: ~~إن (أ) مات قبل السابع سقطت العقيقة. وفي رواية ابن وهب عن مالك أنه إن فات ~~السابع الأول فالثاني. قال ابن وهب: ولا بأس أن يعق عنه في السابع الثالث. ~~ونقل الترمذي (¬4) عن أهل العلم أنهم يستحبون أن تذبح العقيقة في السابع، ~~فإن لم يتهيأ فيوم الرابع عشر، فإن لم يتهيأ فيوم أحد وعشرين. قال المصنف ~~رحمه الله تعالى (¬5): ولم أر هذا صريحا إلا عن أبي عبد الله البوشنجي، ~~ونقله صالح بن أحمد عن أبيه (ب وورد فيه ب) حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه ~~(¬6) PageV09P430 # ولكن من رواية إسماعيل بن مسلم، قال الطبراني (¬1): تفرد به وهو ضعيف. ~~وعند الحنابلة في اعتبار الأسابيع بعد ذلك [روايتان] (أ)، وعند الشافعية أن ~~ذكر السابع للاختيار لا للتعيين، فنقل الرافعي أنه يدخل وقتها بالولادة. ~~قال: وذكر ms2140 السابع في الخبر بمعنى أنه لا تؤخر عنه اختيارا. ثم قال: ~~والاختيار ألا يؤخر عن البلوغ، فإن تأخرت (ب) إلى البلوغ سقطت عمن كان يريد ~~أن يعق عنه، لكن إن أراد هو أن يعق عن نفسه فعل. وأخرج ابن أبي شيبة (¬2) ~~عن ابن سيرين قال: لو أعلم أني لم يعق عني لعققت عن نفسي. واختاره القفال، ~~ونقل عن نص الشافعي ألا يعق عن كبير، وهو يحتمل أنه لا يعق عنه الغير إذا ~~كبر، وأما هو عن نفسه فيصح. وأخرج عبد الرزاق (¬3) عن قتادة أن من لم يعق ~~عنه أجزته أضحيته عن العقيقة. # ولفظ: "تذبح". بضم التاء مغيرا للمجهول لم يدل على تعيين الذابح، وأنه ~~يصح أن يتولى ذلك أجنبي، وعند الشافعي يتعين على من تلزمه النفقة للمولود، ~~وعند الحنابلة يتعين الأب إلا أن يموت أو يمتنع، وفي كون النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - عق عن الحسنين [ما] (ج) يقوي الاحتمال الأول، ولعله يحتمل أن PageV09P431 # يكون مؤيدا لقول الحنابلة أنه يصح من غير الأب (أ) إذا تعذر منه الفعل، ~~والتعذر يجوز أن يكون لإعسار الأبوين، أو أنه تبرع بإذنهما، أو أن قوله: ~~عق. أي أمر الأب أن يعق عنهما، أو أن ذلك من خصائصه - صلى الله عليه وسلم ~~-، أو لكونه للحسنين كالأب. # وأخرج أحمد (¬1) من حديث أبي رافع: لما ولدت فاطمة حسنا قالت: يا رسول ~~الله، ألا أعق عن ابني بدم؟ قال: "لا ولكن احلقي رأسه ثم تصدقي بوزن شعره ~~فضة". ففعلت، فلما ولدت حسينا فعلت مثل ذلك. وهذا يحتمل أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - كان عق عنه ثم استأذنته فاطمة أن تعق هي عنه أيضا فمنعها، ~~وكأنه لكونه تبرع بالعقيقة، أو كان لضيق ما عندهم فأرشدها إلى نوع من ~~الصدقة أخف، أو أنه لم يكن قد فعل لتعسره عليه وعليهم ثم فعل ذلك. # ونص مالك على أنه يعق عن اليتيم من ماله، ومنعه الشافعية. # "ويحلق رأسه". أي جميعه؛ لثبوت النهي عن القزع. وحكى المازري (ب) كراهة ~~حلق رأس الجارية. وعن ms2141 بعض الحنابلة: يحلق. وهو ظاهر إطلاق الحديث. وفي حديث ~~علي عند الترمذي والحاكم (¬2) في حديث PageV09P432 # العقيقة عن الحسن والحسين: "يا فاطمة، احلقي رأسه وتصدقي بزنة شعره". ~~قال: فوزناه فكان درهما أو بعض درهم. وأخرج سعيد بن منصور (¬1) من مرسل ~~[أبي جعفر] (أ) الباقر أن فاطمة كانت إذا ولدت [ولدا حلقت] (ب) شعره وتصدقت ~~بزنته ورقا. # وقوله: "ويسمى". رواها أكثر أصحاب قتادة بالسين، وقال همام عن قتادة: ~~"يدمى" بالدال. قال أبو داود (¬2): خولف همام، وهو وهم منه ولا يؤخذ به. ~~وروى (¬3) من غير طريق قتادة بلفظ: "يسمى". وقد استشكل ما قاله أبو داود؛ ~~فإن تمام رواية همام ما يدل على تحقيق ما رواه، وذلك أنهم سألوا قتادة عن ~~الدم كيف نصنع به؟ فقال: إذا ذبحت العقيقة أخذت منها صوفة واستقبلت به ~~أوداجها، ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل على رأسه مثل الخيط، ثم يغسل ~~رأسه بعد ويحلق. فيبعد مع هذا الضبط أن يقال: إن هماما وهم عن قتادة في ~~قوله: "ويدمى". إلا أن يقال: إن أصل الحديث: "ويسمى" ولكن قتادة بعد أن ~~ذكر: "ويسمى" ذكر الدم حاكيا عما كان أهل الجاهلية يصنعونه. # وقال ابن عبد البر (¬4): هذا الذي تفرد به همام إن كان حفظه فهو PageV09P433 # منسوخ. وحمل بعضهم التسمية على التسمية عند الذبح؛ لما أخرج ابن أبي شيبة ~~(¬1) من طريق هشام عن قتادة قال: يسمي على العقيقة كما يسمي على الأضحية: ~~باسم الله، عقيقة فلان. ومن طريق سعيد نحوه عن قتادة (1) وزاد: اللهم منك ~~ولك، عقيقة فلان، باسم الله والله أكبر. ثم يذبح. # وقد ورد ما يدل على النسخ في عدة أحاديث؛ منها ما أخرجه ابن حبان (¬2) في ~~"صحيحه" عن عائشة قالت: كانوا في الجاهلية إذا عقوا عن الصبي خضبوا قطنة ~~بدم العقيقة، فإذا حلقوا رأس المولود وضعوها على رأسه، فقال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "اجعلوا مكان الدم خلوقا". زاد أبو الشيخ (¬3): ونهى أن ~~يمس رأس المولود بدم. وأخرج ابن ماجه (¬4) عن يزيد بن عبد المزني أن النبي ~~- صلى ms2142 الله عليه وسلم - قال: "يعق عن الغلام ولا يمس رأسه بدم". وهذا مرسل؛ ~~فإن يزيد لا صحبة له، وقد وصله البزار (¬5) من هذه الطريق وقال: عن يزيد بن ~~عبد المزني عن أبيه. ومع هذا فقد قالوا إنه مرسل. وأخرج أبو داود والحاكم ~~(¬6) من حديث عبد الله بن بريدة عن أبيه قال: كنا في الجاهلية -فذكر نحو ~~حديث عائشة ولم يصرح برفعه - فلما جاء الله بالإسلام كنا نذبح شاة ونحلق ~~رأسه ونلطخه بزعفران. وهو شاهد لحديث عائشة، ولهذا PageV09P434 # كره الجمهور التدمية. ونقل ابن حزم (¬1) عن ابن عمر وعطاء استحباب ~~التدمية. # قال في "نهاية المجتهد" (¬2): وحكم لحمها وجلدها حكم لحم الضحايا في ~~الأكل والصدقة ومنع البيع. PageV09P435 ### | AUTO كتاب الأيمان والنذور # الأيمان بفتح الهمزة، جمع يمين، وأصل اليمين في اللغة اليد، وأطلقت على ~~الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كل بيمين صاحبه. وقيل: لأن اليد اليمين ~~من شأنها حفظ الشيء، فسمي الحلف بذلك لحفظه المحلوف عليه، ويسمى المحلوف ~~عليه يمينا لتلبسه بها. ويجمع اليمين أيضا على أيمن كرغيف وأرغف. # وعرفت شرعا بأنها توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله تعالى. # والنذور جمع نذر، وأصله الإنذار بمعنى التخويف، وعرفه الراغب (¬1) بأنه ~~إيجاب ما ليس بواجب لحدوث أمر. # 1139 - عن ابن عمر رضي الله عنه، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه أدرك عمر بن الخطاب رضي الله عنه في ركب وعمر يحلف بأبيه، فناداهم رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "ألا إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن ~~كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت". متفق عليه (¬2). وفي رواية لأبي داود ~~والنسائي (¬3) عن أبي هريرة: "لا تحلفوا بآبائكم وأمهاتكم ولا بالأنداد، ~~ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون". PageV09P437 # الحديث فيه دلالة على أن الحلف بالآباء منهي عنه، وقد اختلف العلماء هل ~~النهي للتحريم أو للتنزيه؟ فللمالكية قولان، (أقال ابن دقيق العيد: المشهور ~~عندهم الكراهة أ). والحنابلة اختلفوا في ذلك، والمشهور عن ابن حنبل ~~التحريم، وبه جزم الظاهرية. وقال ابن عبد البر (¬1): لا يجوز الحلف بغير ms2143 ~~الله بالإجماع. ومراده بنفي الجواز الكراهة أعم من التحريم والتنزيه، فإنه ~~قال في موضع آخر (¬2): أجمع العلماء على أن اليمين بغير الله مكروهة منهي ~~عنها لا يجوز لأحد الحلف بها. والخلاف عند الشافعية؛ لأن الإمام الشافعي ~~قال (¬3): أخشى أن يكون الحلف بغير الله معصية. فأشعر بالتردد، وجمهور ~~أصحابه على أنه للتنزيه، وقال إمام الحرمين (¬4): المذهب القطع بالكراهة. ~~وجزم غيره بالتفصيل، وقال الماوردي (4): لا يجوز لأحد أن يحلف أحدا بغير ~~الله تعالى؛ لا بطلاق ولا بعتاق ولا نذر، وإذا حلف الحاكم أحدا بشيء من ذلك ~~وجب عزله. وذهب الإمام يحيى إلى أنه يكره الحلف بغير الله، وصرح الإمام ~~المهدي في "الأزهار" (¬5) أن الحلف بغير الله لا يقتضي الإثم ولا الكفارة ~~ما لم يسو في التعظيم أو يضمن كفرا أو فسقا. انتهى. والأولى أن يقول: أو ~~إثما. بدل قوله: فسقا. PageV09P438 # وظاهر الحديث التحريم، والمناسبة (أ) للنهي أن الحلف يقتضي تعظيم المحلوف ~~به، وحقيقة العظمة مختصة بالله فلا يضاهى به غيره، وقد وردت أحاديث صريحة ~~في التحريم، وهو ما أخرجه أبو داود والحاكم (¬1) واللفظ له من حديث ابن عمر ~~أنه قال - صلى الله عليه وسلم -: "من حلف بغير الله فقد كفر". وفي رواية ~~للحاكم (¬2) أيضا: "كل يمين يحلف بها دون الله شرك". ورواه أحمد (¬3) بلفظ: ~~"من حلف بغير الله فقد أشرك". # وحجة من قال بعدم التحريم ما جاء في حديث الأعرابي: "أفلح وأبيه إن صدق" ~~(¬4). وما وقع في القرآن من الإقسام بغير الله، فيكون النهي محمولا على ~~الكراهة. # وأما قوله: "فقد كفر". وقوله: "فقد أشرك". فقال الترمذي (¬5): قد حمل بعض ~~العلماء مثل هذا على التغليظ، كما حمل بعضهم قوله: "الرياء شرك" (¬6). على ~~ذلك، وفسر قوله تعالى: {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} (¬7). أي: لا يرائي. ~~وقال الماوردي: فيه تأويلان؛ أحدهما: فقد أشرك بين الله وبين غيره في ~~التعظيم وإن لم يصر من الكافرين المشركين. وثانيهما: صار PageV09P439 # كافرا به بعد أن اعتقد لزوم يمينه بغير الله كاعتقاد لزومها بالله. # وأجيب عن الحديث بأن قوله: "وأبيه". ms2144 لم يقصد به القسم، وإنما قصد به مجرد ~~التوكيد، أو قاله قبل أن يعلم كراهة ذلك. وقال ابن عبد البر (¬1): هذه ~~اللفظ غير محفوظة، وقد جاءت عن راويها بلفظ: "أفلح والله إن صدق". وزعم ~~بعضهم أن راويها صحف: "والله" ب: "أبيه". # وأما تأويل الحديثين بالتغليظ فإنما يدفع القول بكفر من قال بذلك، وأما ~~التحريم فلا يدفعه، فإن التغليظ إنما كان لأجل التحريم. وقول أبي بكر في ~~الذي سرق حلي ابنته فقال: وأبيك ما ليلك بليل سارق. أخرجه "الموطأ" (¬2) ~~وغيره، فتأول بما ذكر من قصد التأكيد. # وقوله: "ولا تحلفوا بالأنداد". الأنداد جمع ند، والند هو من (أ) يجعل ~~شريكا في العبادة. وقد أخرج مسلم (¬3) قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ~~حلف منكم فقال في حلفه: واللات والعزى. فليقل: لا إله إلا الله". وأخرج ~~النسائي (¬4) من حديث سعد بن أبي وقاص أنه حلف باللات والعزى. قال: فذكرت ~~ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: "قل: لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. وانفث عن يسارك ثلاثا، وتعوذ ~~بالله من الشيطان PageV09P440 # الرجيم، ثم لا تعد". وأخرج النسائي (¬1) عن قتيلة -امرأة من جهينة- أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يقولوا: ورب الكعبة. بعد ذكر الإشراك ~~بقولهم: والكعبة. # والحديث فيه دلالة على تحريم الحلف بالأصنام. وأما أنه يكفر بذلك فظاهر ~~قوله: "فليقل: لا إله إلا الله". أنه لا يكفر؛ لأنه لو كفر لوجب تمام ~~الشهادتين بالإقرار بالنبي - صلى الله عليه وسلم -. # وقال ابن المنذر (¬2): اختلف فيمن قال: أكفر بالله ونحو ذلك إن فعلت كذا. ~~(أثم فعل أ)؛ فقال ابن عباس وأبو هريرة وعطاء وقتادة وجمهور فقهاء الأمصار: ~~لا كفارة عليه، ولا يكون كافرا إلا إن أضمر ذلك بقلبه. وقال الأوزاعي ~~والثوري والحنفية وأحمد وإسحاق: هو يمين، وعليه الكفارة إذا حنث. وقال ابن ~~المنذر: الأول أصح؛ لقوله: "من حلف باللات والعزى فليقل: لا إله إلا الله". ~~ولم يذكر كفارة. وكذا قال: "من حلف بملة سوى ms2145 الإسلام فهو كما قال" (¬3). ~~فأراد التغليظ في ذلك حتى لا يجترئ أحد عليه. # ونقل أبو الحسين بن القصار (¬4) من المالكية عن الحنفية أنهم احتجوا ~~لإيجاب الكفارة بأنه إنما وجبت في اليمين لإيجابها الامتناع من الفعل، PageV09P441 # وهذا كذلك، وتضمن كلامه تعظيم الإسلام، وقياسا على الظهار، فإنه منكر من ~~القول وزور، وهذا كذلك. ولكنه كان يلزم أن تجب فيه كفارة الظهار ولا يقولون ~~به. ويرد عليهم أنهم قالوا: إذا قال: وحق الإسلام. لا تجب عليه الكفارة إذا ~~حنث، (أوبه قالت أ) الحنفية، إلا إذا قال: أنا مبتدع أو بريء من النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -. فلا كفارة، وكذا قوله: هو يهودي إن فعل كذا. # وظاهر قوله: "فليقل: لا إله إلا الله". وجوب ذلك، وذهب الجمهور إلى أنه ~~مستحب، وكأن القرينة على الحمل على الاستحباب أن وجوبه إنما يكون إذا قلنا ~~بأنه يقتضي الكفر، ولو قلنا بذلك لوجب تمام الشهادتين، فدل الاقتصار على أن ~~ذلك لا على سبيل الوجوب، وإنما هو كالأمر بازدياد الذكر. # وقوله: "ولا تحلفوا بالله إلا وأنتم صادقون". يدل على تحريم الحلف على ~~الشيء وهو يعتقد كذبه، وهذه اليمين هي الغموس المحرمة، والله أعلم. # 1140 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "يمينك على ما يصدقك به صاحبك". وفي رواية: "اليمين على نية ~~المستحلف". أخرجهما مسلم (¬1). # الحديث فيه دلالة على أن اليمين تكون على ما يقصده المحلف، ولا تنفع نية ~~الحالف إذا نوى بها غير ما أظهره. وظاهر الحديث الإطلاق، سواء كان PageV09P442 # المحلف له الحاكم أو المدعي للحق. وقد أفهم الحديث أنه حيث (أ) كان ~~المحلف له التحليف؛ لأن قوله: "على ما يصدقك به صاحبك". إنما هو حيث كان ~~المحلف له التحليف وهو حيث كان صادقا فيما ادعاه على الحالف، وأما لو كان ~~على خلاف ذلك كانت النية نية الحالف، وقد اعتبر الشافعية والفقيه محمد بن ~~يحيى من الهدوية أن يكون المحلف الحاكم وإلا كانت النية نية الحالف. # قال النووي (¬1): وأما إذا حلف ms2146 بغير استحلاف وورى فتنفعه التورية ولا ~~يحنث، سواء حلف ابتداء من غير تحليف أو حلفه غير القاضي أو غير نائبه في ~~ذلك، ولا اعتبار بنية المستحلف -بكسر اللام- غير القاضي، وحاصله أن اليمين ~~على نية الحالف في كل الأحوال إلا إذا استحلفه القاضي أو نائبه في دعوى ~~توجهت (ب) عليه فتكون اليمين على نية المستحلف، وهو مراد الحديث، أما إذا ~~حلف بغير استحلاف القاضي في دعوى فالاعتبار بنية الحالف، وسواء في هذا كله ~~اليمين بالله تعالى أو بالطلاق والعتاق، إلا أنه إذا حلفه القاضي بالطلاق ~~والعتاق تنفعه التورية، ويكون الاعتبار بنية الحالف؛ لأن القاضي ليس له ~~التحليف بالطلاق والعتاق وإنما يستحلف بالله تعالى. وقال (1): التورية وإن ~~كان لا يحنث بها فلا يجوز فعلها، حيث يبطل بها حق المستحق، وهذا مجمع عليه. ~~انتهى. PageV09P443 # ونقل القاضي عياض (¬1) عن مالك وأصحابه اختلافا وتفصيلا فقال: لا خلاف ~~بين العلماء أن الحالف من غير استحلاف ومن غير تعلق حق بيمينه، له نيته ~~ويقبل قوله، وأما إذا حلف لغيره في حق أو وثيقة متبرعا أو بقضاء عليه فلا ~~خلاف أنه يحكم عليه بظاهر يمينه، سواء حلف متبرعا باليمين أو باستحلاف. ~~وأما فيما بينه وبين الله تعالى فقيل: اليمين على نية المحلوف له. وقيل: ~~على نية الحالف، وقيل: إن كان مستحلفا فعلى نية المحلوف له وإن كان متبرعا ~~باليمين فعلى نية الحالف، وهذا قول عبد الملك وسحنون، وهو ظاهر قول مالك ~~وابن القاسم، وقيل عكسه، وهي رواية عن يحيى عن ابن القاسم أيضا، وحكي عن ~~مالك أن ما كان من ذلك على وجه المكر والخديعة فهو فيه آثم حانث، وما كان ~~على وجه العذر فلا بأس به، وقال ابن حبيب عن مالك (¬2): ما كان على المكر ~~والخديعة فله نيته، وما كان في حق فهو على نية المحلوف له. انتهى. # 1141 - وعن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا منها فكفر عن ~~يمينك وأت ms2147 الذي هو خير". متفق عليه (¬3)، وفي لفظ البخاري (¬4): PageV09P444 # "فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك". وفي رواية لأبي داود (¬1): "فكفر عن ~~يمينك ثم ائت الذي هو خير". وإسنادها (أ) صحيح. # قوله: "على يمين". أي المحلوف منه، سماه يمينا مجازا، والضمير في: ~~"غيرها" يعود إلى اليمين بمعناها المجازي، وأنث الضمير نظرا (ب) إلى لفظ: ~~"يمين" فإنه مؤنث. # الحديث فيه دلالة على أن من حلف على فعل شيء أو تركه وكان الحنث خيرا من ~~التمادي على اليمين استحب له الحنث وتلزمه الكفارة، وهذا متفق عليه، ~~والإجماع على أنه لا تجب الكفارة قبل الحنث، وعلى أنه يجوز تأخيرها إلى بعد ~~الحنث، وعلى أنه لا يصح تقديمها قبل اليمين. ودل الحديث على أنه يجوز تقديم ~~الكفارة على الحنث بعد وقوع اليمين لا سيما حديث: "ثم ائت". فإن "ثم" تدل ~~على الترتيب مع المهلة، وأما الرواية التي العطف فيها بالواو فهي لا تدل ~~على شيء؛ لجواز عطف المتأخر على المتقدم والعكس فيها. # وقد ذهب إلى جواز تقديم الكفارة على الحنث مالك والأوزاعي والثوري ~~والشافعي وأربعة عشر صحابيا وجماعات من التابعين (¬2)، وهو قول جماهير ~~العلماء؛ لكن قالوا: يستحب كونها بعد الحنث. وظاهره جميع PageV09P445 # أنواع الكفارة، واستثنى الشافعي (¬1) الكفارة بالصوم فقال: لا يجوز قبل ~~الحنث؛ لأنها عبادة بدنية لا يجوز تقديمها على وقتها كالصلاة وصوم رمضان، ~~وأما التكفير بالمال فيجوز تقديمه كما يجوز تعجيل الزكاة. واستثنى بعض ~~أصحابه (¬2) حنث المعصية فقال: لا يجوز تقديم كفارته؛ لأن فيه إعانة على ~~المعصية. وظاهر هذا أن الشافعي لم يحتج بالحديث، وذلك لاختلاف الرواية، ~~ولذلك قال البيهقي رحمه الله تعالى (¬3): واحتجاج الشافعي في هذه المسألة ~~بما أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، أنبأ الربيع قال: ~~قال الشافعي: وإن كفر قبل الحنث بإطعام رجوت أن يجزئ عنه، وذلك أنا نزعم أن ~~لله حقا على العباد في أنفسهم وأموالهم، فالحق الذي في أموالهم إذا قدموه ~~قبل محله أجزأ، وأصل ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تسلف من العباس ms2148 ~~صدقة عام قبل أن يدخل، وأن المسلمين قد قدموا صدقة الفطر قبل أن يكون ~~الفطر، فجعلنا الحقوق التي في الأموال قياسا على هذا. انتهى. فظاهر ~~الاحتجاج إنما هو بالقياس. # وذهب أبو حنيفة وأصحابه وأشهب المالكي وهو مذهب الهدوية ونسبه الإمام ~~المهدي في "البحر" إلى العترة -إلى أنه لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث ~~بكل حال، وذلك لأن سبب وجوب الكفارة عند الأئمة هو مجموع الحنث واليمين، ~~فلا يصح التقديم قبل سبب الوجوب، وعند أبي حنيفة أن السبب هو الحنث فكذلك، ~~والاحتمال حاصل في ذلك، فإنه يحتمل أن PageV09P446 # يكون السبب هو اليمين والحنث شرط، ويحتمل أن يكون المجموع هو السبب، أو ~~أن كل واحد منهما سبب. فعلى التقدير الأول والثالث يجوز التقديم، وعلى ~~التقدير الثاني لا يجوز. وأما الاحتجاج بالحديث فعلى صحة رواية "ثم" يتعين ~~العمل به من جواز التقديم، ولا تعارض [بينها] (أ) وبين رواية الواو؛ لأن ~~الترتيب يصدق مع الجمعية المطلقة التي تدل عليها الواو. # 1142 - وعن ابن عمر رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من حلف على يمين فقال: إن شاء الله. فلا حنث عليه". رواه أحمد ~~والأربعة، وصححه ابن حبان (¬1). # الحديث قال الترمذي (¬2): لا نعلم أحدا رفعه غير أيوب السختياني، وقال ~~ابن علية: كان أيوب تارة يرفعه وتارة لا يرفعه. قال: ورواه مالك وعبيد الله ~~بن عمر وغير واحد موقوفا. وهو في "الموطأ" (¬3) موقوف. وقال PageV09P447 # البيهقي (¬1): لا يصح رفعه (أ) إلا عن أيوب مع أنه شك فيه، وتابعه على ~~لفظه عبد الله العمري، وموسى بن عقبة، وكثير بن فرقد، وأيوب بن موسى، وحسان ~~بن عطية، كلهم عن نافع مرفوعا. ورواية أيوب بن موسى أخرجها ابن حبان في ~~"صحيحه" (¬2)، ورواية كثير أخرجها النسائي والحاكم في "مستدركه" (¬3)، ~~ورواية موسى أخرجها ابن عدي (¬4) في ترجمة داود بن عطاء أحد الضعفاء (¬5). # الحديث فيه دلالة على أنه إذا حلف على شيء وقال: إن شاء الله تعالى. أنه ~~لا يحنث إذا فعل المحلوف على تركه، أو ترك المحلوف ms2149 على فعله، فيكون ~~الاستثناء مانعا لانعقاد اليمين، أو حالا لها بعد الانعقاد، وهما احتمالان، ~~وللاحتمالين فائدة أنه على الأول يشترط إرادة الاستثناء قبل الفراغ واتصال ~~الاستثناء، وعلى الثاني لا يشترط الاتصال وإن اختلفوا في مقدار الانفصال، ~~وقد ذهب إلى ظاهر الحديث الجمهور، وادعى القاضي أبو بكر بن العربي الإجماع ~~على ذلك، وقال (¬6): أجمع المسلمون على أن قوله: إن شاء الله. يمنع انعقاد ~~اليمين بشرط كونه متصلا. قال: ولو جاز PageV09P448 # منفصلا كما روي عن (أ) بعض السلف، لم يحنث أحد قط في يمين ولم يحتج إلى ~~كفارة. قال: واختلفوا في الاتصال؛ فقال مالك، والأوزاعي، والشافعي، ~~والجمهور: هو أن يكون قوله: إن شاء الله. متصلا باليمين من غير سكوت بينهما ~~ولا تضر سكتة التنفس. وعن طاوس، والحسن، وجماعة من التابعين، أن له ~~الاستثناء ما لم يقم من مجلسه. وقال قتادة: ما لم يقم أو يتكلم. وقال عطاء: ~~قدر حلبة ناقة. وقال سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر. وعن ابن عباس: له ~~الاستثناء أبدا متى تذكره. وتأول بعضهم هذا المنقول عن هؤلاء على أن مرادهم ~~أنه يستحب له (ب) قول: إن شاء الله. تبركا، أو يجب على ما ذهب إليه بعضهم؛ ~~لقوله تعالى: {واذكر ربك إذا نسيت} (¬1). فيكون الإتيان بالاستثناء المذكور ~~رافعا للإثم الحاصل بتركه، أو لتحصيل ثواب الندب على القول باستحبابه، ولم ~~يريدوا به حل اليمين ومنع الحنث. # وذهب الجمهور بأن الاستثناء مانع للحنث في الحلف بالله وفي غيره؛ كالطلاق ~~والعتق وغير ذلك من الظهار والنذر والإقرار. وقال مالك والأوزاعي: لا ينفع ~~الاستثناء إلا في الحلف بالله دون غيره. واستقواه ابن العربي قال (¬2): لأن ~~الاستثناء أخو الكفارة، وقد قال الله تعالى: {ذلك PageV09P449 # كفارة أيمانكم إذا حلفتم} (¬1). فلا يدخل في ذلك إلا اليمين الشرعية، وهي ~~الحلف بالله تعالى. وذهب أحمد أنه لا يدخل العتق. واحتج بما ورد في حديث ~~(أ) معاذ رفعه: "إذا قال لامرأته: أنت طالق إن شاء الله تعالى. لم تطلق، ~~وإن قال لعبده: أنت حر إن شاء الله. فإنه حر" ms2150 (¬2). قال البيهقي: تفرد به ~~حميد بن مالك وهو مجهول (¬3)، واختلف عليه في إسناده. وقال الحسن، وقتادة، ~~وابن أبي ليلى، والليث: يدخل في الجميع إلا الطلاق. قالوا: لأن الطلاق لا ~~تحله الكفارة، وهي أغلظ على الحالف من النطق بالاستثناء، فلا يحله الأضعف ~~وهو الاستثناء. # وذهبت (ب) الهدوية إلى أن الاستثناء بقوله: إن شاء الله. يعتبر فيه أن ~~يكون المحلوف عليه مما يشاؤه الله تعالى أو لا يشاؤه، فإن كان مما يشاؤه ~~الله تعالى، بأن يكون واجبا، أو مندوبا، أو مباحا، في المجلس؛ ذكره الفقيه ~~يحيى من مفرعي الهدوية، أو حال التكلم، ذكره الفقيه علي الوشلي؛ لأن مشيئة ~~الله حاصلة في الحال، فلا تبطل اليمين بل تتقيد به، وإن كان لا يشاؤه، بأن ~~يكون محظورا أو مكروها، فلا تنعقد اليمين. فجعلوا حكم الاستثناء بالمشيئة ~~حكم التقييد بالشروط، يقع المعلق عند وقوع المعلق به، وينتفي بانتفائه. ~~وكذا قوله: إلا أن يشاء الله. فإن PageV09P450 # حكمه حكم: إن شاء الله تعالى. # وذهب المؤيد بالله أنه إذا قال: أنت طالق إن شاء الله تعالى. أن الطلاق ~~يقع بكل حال؛ لأن معناه: إن بقاني الله تعالى وقتا أقدر على طلاقك. فلو مات ~~قبل أن يمضي وقت يمكن أن تطلق فيه لم تطلق. ولا يخفى منابذة هذه الأقوال ~~للحديث، وعدم مناسبة القول الأخير للمعنى اللغوي أيضا، وظاهر قوله: "فقال: ~~إن شاء الله". وقوله - صلى الله عليه وسلم - في قصة سليمان - عليه السلام ~~-: "لو قال: إن شاء الله. لم يحنث" (¬1). أن الاستثناء لا يكفي بالنية؛ ~~لأنه رتبه على القول. وبهذا قال الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد، ~~والعلماء كافة، إلا ما حكي عن بعض المالكية أن قياس قول مالك صحة الاستثناء ~~بالنية من غير لفظ. كذا ذكر النووي (¬2)، وأشار إلى هذا البخاري (¬3) وبوب ~~عليه ب: باب النية في الأيمان. يعني بفتح الهمزة، وذلك لأن النية عمل، وقد ~~صح: "الأعمال بالنيات" (¬4). ومذهب الهدوية أنه يصح الاستثناء بالنية، وإن ~~لم يلفظ بالعموم إلا من عدد منصوص، فلا بد من الاستثناء باللفظ، فإذا ms2151 قال: ~~أنت طالق ثلاثا. ونوى: إلا واحدة. لزمه حكم الثلاث، ونحو ذلك، وهذا مقتضى ~~ما ذكره نجم الدين في "لا" التي لنفي الجنس أنها نص في الاستغراق، فلا ~~يخصصها إلا مقارن متصل. والله سبحانه أعلم. # 1143 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: كانت يمين النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: PageV09P451 # "لا ومقلب القلوب". رواه البخاري (¬1). # قوله: كانت يمين النبي - صلى الله عليه وسلم -. هكذا في لفظ، وفي لفظ ~~(¬2): كثيرا ما كان. وفي لفظ (¬3): أكثر أيمان النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا ومصرف القلوب". زاد الإسماعيلي من رواية وكيع: التي يحلف عليها. وفي ~~أخرى له (¬4): التي يحلف بها. والمراد اليمين التي كان يواظب على القسم بها ~~أو يكثر. وقد ذكر البخاري في الباب أربعة ألفاظ أحدها: "والذي نفسي بيده" ~~(¬5) وكذا: "نفس محمد بيده" (¬6). فبعضها مصدر بلفظ "لا". [وبعضها بلفظ: ~~"أما"] (أ). وبعضها بلفظ: "وايم". ثانيها: "لا ومقلب القلوب". وفي رواية ~~الزهري: "مصرف القلوب" (¬7). ثالثها: "والله" (¬8). رابعها: "ورب الكعبة" ~~(¬9). ولابن أبي شيبة (¬10): كان إذا اجتهد في اليمين قال: "لا والذي نفس ~~أبي القاسم بيده". ولابن ماجه (¬11): [كانت] (ب) يمين رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV09P452 # التي يحلف بها: "أشهد عند الله، والذي نفسي بيده". ومنها: لاها الله ~~(¬1). ولكنه لم يحلف بها - صلى الله عليه وسلم -، ولكنه قرر عليها أبا بكر. # قوله: "لا" نفي للكلام السابق، و"مقلب القلوب"، هو المقسم به، والمراد ~~بتقلب القلوب هو تقليب أعراضها وأحوالها، لا تقليب ذات القلب. قال الراغب ~~(¬2): تقليب الله القلوب والأبصار صرفها عن رأي إلى رأي، والتقلب (أ) ~~التصرف، قال الله تعالى: {أو يأخذهم في تقلبهم} (¬3). قال: وسمي قلب ~~الإنسان قلبا لكثرة تقلبه، ويعبر بالقلب عن المعاني التي تختص به من الروح ~~والعلم والشجاعة، ومنه قوله تعالى: {وبلغت القلوب الحناجر} (¬4). أي ~~الأرواح. وقوله: {لمن كان له قلب} (¬5). أي علم وفهم. وقوله تعالى: ~~{ولتطمئن به قلوبكم} (¬6). أي تثبت به شجاعتكم. وقال القاضي أبو بكر بن ~~العربي (¬7): القلب جزء من البدن، خلقه الله تعالى وجعله للإنسان محل العلم ms2152 ~~والكلام وغير ذلك من الصفات الباطنة (ب)، وجعل ظاهر البدن محل التصرفات ~~الفعلية والقولية، ووكل به PageV09P453 # ملكا يأمر بالخير وشيطانا يأمر بالشر، والعقل بنوره يهديه، والهوى بظلمته ~~يغويه، والقضاء مسيطر (أ) على الكل، والقلب يتقلب بين الخواطر الحسنة ~~والسيئة، واللمة من الملك تارة، ومن الشيطان أخرى، والمحفوظ من حفظه الله ~~تعالى. انتهى. # وفي الحديث دلالة على صحة القسم بصفة من صفات الله وإن لم تكن صفة ذات، ~~وقد ذهب إلى هذا الهدوية، فإنهم قالوا: الحلف بالله أو بصفة (ب) لذاته أو ~~لفعله لا تكون على ضدها، وصفة الذات كالعلم والقدرة، ولكنهم قالوا: لا بد ~~من إضافتها إلى الله تعالى، كعلم الله وقدرته، وصفة الفعل؛ كالعهد والأمانة ~~إذا أضيفت إلى الله تعالى، والمراد بعهد الله صدق الله فيما وعد وعقد، ~~والأمانة، وكذا ذمة الله أي ضمانه والتزامه بإثابة المطيع، وقد جاء النهي ~~عن الحلف بالأمانة، وهو حديث بريدة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من حلف بالأمانة فليس منا". أخرجه أبو داود (¬1). وذلك لأن (ج) ~~الأمانة ليست من صفاته تعالى بل من فروضه. ذكره في "المعالم" (¬2). وقولهم: ~~لا تكون على ضدها. احتراز من الرضا والغضب والإرادة والمشيئة، فلا تنعقد ~~بها اليمين. وذهب ابن حزم، وهو ظاهر كلام المالكية والحنفية، بأن جميع ~~الأسماء الواردة في القرآن والسنة الصحيحة، وكذا الصفات، صريح في اليمين ~~وتجب به الكفارة. وهو وجه غريب PageV09P454 # للشافعية، وعندهم وجه أغرب منه؛ أنه ليس في شيء من ذلك صريح إلا لفظ ~~الجلالة. والأحاديث ترده، والمشهور (أعندهم وأ) عند الحنابلة أنها ثلاثة ~~أقسام؛ أحدها، ما يختص به تعالى؛ كالرحمن، ورب العالمين، وخالق الخلق، فهو ~~صريح تنعقد به اليمين، سواء قصد الله تعالى أم أطلق. # ثانيها، ما يطلق عليه تعالى وقد يقال على غيره لكن بقيد؛ كالرب، والخالق، ~~فتنعقد به اليمين، إلا أن يقصد به غير الله تعالى. # ثالثها، ما يطلق عليه وعلى غيره على السواء؛ كالحي، والموجود، والمؤمن، ~~فإن نوى غير الله تعالى أو أطلق فليس بيمين، وإن نوى ms2153 به الله تعالى انعقد ~~على الصحيح، فمثل: والذي نفسي بيده. ينصرف عند الإطلاق إلى الله تعالى ~~جزما، وإن نوى به غيره، كملك الموت مثلا، لم يخرج عن الصراحة، وكذا: الذي ~~فلق الحبة، ومقلب القلوب. صريح لا يشاركه غيره، وكذا: الذي أعبده، أو: أسجد ~~له، أو: أصلي له، صريح. وفرقت (ب) الحنفية بين العلم والقدرة، فقالوا: إن ~~حلف بقدرة الله انعقدت به اليمين، وإن حلف بعلم الله لم ينعقد به؛ لأن ~~العلم يعبر به عن المعلوم، كقوله تعالى: {قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا} ~~(¬1). ويجاب بأن ذلك مجاز، والكلام في المعنى الحقيقي. # 1144 - وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه قال: جاء أعرابي PageV09P455 # إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، ما الكبائر؟ فذكر ~~الحديث، وفيه: "اليمين الغموس". وفيه: قلت: وما اليمين الغموس؟ قال: "الذي ~~يقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب". أخرجه البخاري (¬1). # قوله: جاء أعرابي. قال المصنف (¬2) رحمه الله: لم أقف على اسم هذا ~~الأعرابي. # وقوله: ما الكبائر؟ هي جمع كبيرة، وقد اختلف العلماء في المعاصي، هل ~~تنقسم إلى صغيرة وكبيرة أو جميعها كبيرة؟ فذهب جماعة منهم الأستاذ أبو ~~إسحاق الإسفرايني والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين في "الإرشاد"، ~~وابن القشيري في "المرشد"، وحكاه ابن فورك عن الأشاعرة، واختاره في ~~"تفسيره"، واعتمد ذلك السبكي، إلى أنها كلها كبائر، وقال القاضي عبد ~~الوهاب: لا يمكن أن يقال في معصية: إنها صغيرة. إلا على معنى أنها تصغر ~~باجتناب غيرها. وأخرج مثل هذا الطبراني (¬3) عن ابن عباس بإسناد منقطع، أنه ~~ذكر عنده الكبائر فقال: ما نهى الله عنه فهو كبيرة. وفي رواية عنه (¬4): كل ~~شيء عصي الله فيه (أ) فهو كبيرة. # وذهب الجماهير من العلماء إلى أن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر؛ PageV09P456 # لقوله تعالى: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان} (¬1). وقوله تعالى: ~~{الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم} (¬2). وقوله تعالى: {إن ~~تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم} (¬3). وفي الأحاديث الصحيحة ~~ما هو صريح في ذلك؛ ولذلك ms2154 قال الغزالي (¬4): لا يليق إنكار الفرق بين ~~الكبائر والصغائر، وقد عرفا من مدارك الشارع. وقال بعضهم: إنه لا خلاف في ~~المعنى، وإنما الخلاف في التسمية والإطلاق؛ لإجماع الكل على أن من المعاصي ~~ما يقدح في العدالة، ومنها ما لا يقدح، وإنما فر الأولون من تسمية المعصية ~~صغيرة نظرا إلى عظمة الله وشدة عقابه وإجلاله عز وجل عن تسمية معصيته ~~صغيرة. ثم اختلف القائلون بالفرق في حد الكبيرة؛ فقال النووي في "الروضة" ~~(¬5): هي ما لحق صاحبها عليها بخصوصها وعيد شديد بنص كتاب أو سنة. ولفظ: ~~شديد. قيد واقع لا مخصص. وقال البغوي (¬6): كل معصية أوجبت الحد. وهذا الحد ~~منتقض بكبيرة وقع النص عليها بأنها كبيرة ولا حد؛ كأكل الربا، وعقوق ~~الوالدين، وغير ذلك. وقال بعضهم: كل ما نص الكتاب على تحريمه، أو وجب في ~~جنسه حد، أو ترك فريضة تجب فورا، والكذب في الرواية واليمين وكل قول خالف ~~الإجماع العام. وقال بعضهم: كل جريمة (أ) تؤذن بقلة اكتراث PageV09P457 # مرتكبها بالدين ورقة الديانة مبطلة للعدالة، وكل جريمة لا تؤذن بذلك، بل ~~يبقى حسن الظن ظاهرا بصاحبها، لا تبطل العدالة. وذهب إلى هذا ابن القشيري ~~في "المرشد"، واختاره الإمام السبكي وغيره، إلا أن هذا ما جعله ضابطا إلا ~~لما يخل العدالة، وقد شمل صغائر الخسة وليست بكبائر، إلا أنه قد شمل جميع ~~ما عد من الكبائر. وقال الماوردي (¬1): الكبيرة ما أوجب الحد أو توجه إليه ~~الوعيد. وقال ابن عطية: كل ما وجب فيه حد، أو ورد فيه وعيد بالنار، أو جاءت ~~فيه لعنة. وقال الحليمي (¬2) فيما نقله عنه القاضي حسين: إنها كل محرم ~~لعينه منهي عنه لمعنى في نفسه، فإن فعله على وجه يجمع وجهين أو وجوها من ~~التحريم، كان فاحشة، فالزنى كبيرة، وبحليلة الجار فاحشة، والصغيرة تعاطي ما ~~تنقص رتبته عن رتبة المنصوص عليه، أو تعاطيه على وجه دون المنصوص عليه، فإن ~~تعاطاه على وجه يجمع وجهين أو وجوها من التحريم كان كبيرة، فالقبلة واللمس ~~والمفاخذة صغيرة، ومع حليلة الجار كبيرة، فما ms2155 من ذنب إلا وفيه صغيرة ~~وكبيرة، وقد تنقلب الصغيرة كبيرة بما ينضم إليها، والكبيرة فاحشة كذلك، إلا ~~الكفر بالله، فإنه ليس من نوعه صغيرة. # وقال بعضهم: إنها كل فعل نص الكتاب على تحريمه. يعني بلفظ التحريم. وقال ~~الواحدي (¬3): إنه لا حصر لها على وجه تعرفه (أ) العباد، وإنما PageV09P458 # ذلك أخفاه الله سبحانه ليجتهد العباد في اجتناب المنهي عنه رجاء أن تجتنب ~~الكبائر، كما أخفى الصلاة الوسطى وليلة القدر. وقال الحسن، وابن جبير، ~~ومجاهد، والضحاك: كل ذنب وعد فاعله بالنار. وقال الغزالي (¬1): كل معصية ~~يقدم المرء عليها من غير إشعار خوف ووجدان (أ) ندم تهاونا واستجراء عليها، ~~فهي كبيرة، وما كان من فلتات النفس ولا ينفك عن ندم يمتزج بها وينغص التلذذ ~~بها، فليس بكبيرة. وقال مرة أخرى (¬2)؛ لا مطمع في معرفة الكبائر مع الحصر، ~~إذ لا يعرف ذلك إلا بالسمع، ولم يرد. وقال ابن عبد السلام (¬3): الكبيرة ما ~~تشعر بتهاون مرتكبها بدينه (ب) إشعار أصغر الكبائر المنصوص عليها. قال: ~~وإذا أردت الفرق لون الصغيرة والكبيرة فأعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر ~~المنصوص عليها، فإن نقصت عن أقل الكبائر فهي صغيرة، وإلا فكبيرة. ويرد عليه ~~أن الإحاطة بمفاسدها كلها حتى يعلم أقلها مفسدة في غاية الندور بل التعذر ~~والاستحالة، إذ لا يطلع على ذلك إلا الشار - صلى الله عليه وسلم -. وقال ~~الجلال البلقيني (¬4) على ما لخصه البارزي في "تفسيره" الذي على "الحاوي": ~~التحقيق أن الكبيرة كل ذنب قرن به وعيد أو لعن بنص كتاب أو سنة، أو علم أن ~~مفسدته كمفسدة ما قرن به وعيد أو حد PageV09P459 # أو لعن، أو أكبر من مفسدته، أو أشعر بتهاون مرتكبه في دينه إشعار (أ) ~~أصغر الكبائر المنصوص عليها بذلك، كما لو قتل من يعتقده معصوما فظهر أنه ~~مستحق لدمه، أو وطئ امرأة ظانا أنه زان بها، فإذا هي زوجته أو أمته. وأول ~~الضابط يؤيده قول ابن عباس: الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار، أو لعنة، أو ~~غضب، أو عذاب. رواه عنه ابن جرير (¬1). وآخره ms2156 مثل قول ابن عبد السلام. وذهب ~~آخرون إلى تعريفها بالعد من غير حد؛ فعن ابن عباس (¬2) وجماعة أنها ما ذكره ~~الله تعالى في أول سورة "النساء" إلى قوله: {إن تجتنبوا كبائر ما تنهون ~~عنه}. وقيل: سبع. ويستدل له (ب) بخبر "الصحيحين" (¬3): "اجتنبوا السبع ~~الموبقات؛ الشرك بالله عز وجل، والسحر، وقتل النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات ~~الغافلات المؤمنات". وفي رواية لهما (¬4): "الكبائر؛ الشرك بالله، والسحر، ~~وعقوق الوالدين، وقتل النفس". زاد البخاري: "واليمين الغموس". ومسلم بدلها: ~~"وقول الزور". وروي عن علي رضي الله عنه أنها سبع (¬5). وكذا عن عطاء وعبيد ~~بن عمير. وقيل: PageV09P460 # خمس عشرة. وقيل: أربع عشرة. وقيل: أربع. ونقل عن ابن مسعود (¬1). وعنه ~~أنها ثلاث (¬2). وعنه أنها عشر (¬3). وعن ابن عباس كما رواه عبد الرزاق ~~والطبري (¬4): هي إلى السبعين أقرب منها إلى السبع. وقال سعيد بن جبير: هي ~~إلى السبع المائة أقرب. وروى الطبري (¬5) هذه المقالة عن سعيد، عن ابن ~~عباس، أن رجلا قال لابن عباس: كم الكبائر، سبع هي؟ قال: هي إلى سبعمائة ~~أقرب منها إلى سبع، غير أنه لا كبيرة مع الاستغفار، ولا صغيرة مع الإصرار. ~~وقد عد العلائي في "قواعده" خمسة وعشرين، وهو ما نص النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - على أنه كبيرة، وهو الشرك بالله، والقتل، والزنى؛ وأفحشه بحليلة ~~الجار، والفرار من الزحف، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، ~~والسحر، والاستطالة في عرض السلم بغير حق، وشهادة الزور، واليمين الغموس، ~~والنميمة، والسرقة، وشرب الخمر، واستحلال بيت الله الحرام، ونكث الصفقة، ~~وترك السنة، والتعرب بعد الهجرة، واليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، ~~ومنع ابن السبيل من فضل الماء، وعدم التنزه من البول، وعقوق الوالدين، ~~والتسبب إلى شتمهما، والإضرار في الوصية. وقد تعقب بأن السرقة لم ينص على ~~أنها كبيرة، وإنما في "الصحيحين" (¬6): "ولا يسرق السارق حين يسرق وهو ~~مؤمن". وفي رواية النسائي (¬7): "فإن فعل PageV09P461 # ذلك فقد خلع ربقة (¬1) الإسلام من عنقه، فإن تاب ms2157 تاب الله عليه". وقد جاء ~~في أحاديث صحيحة النص على الغلول (¬2) -وهو إخفاء بعض الغنيمة- بأنه كبيرة، ~~وقد جاء في حديث الجمع بين الصلاتين لغير عذر (¬3)، ومنع الفحل (¬4). ~~[ولكنه] (أ) حديث ضعيف. وقال أبو طالب المكي (¬5): الكبائر سبع عشرة؛ أربع ~~في القلب؛ الشرك، والإصرار على المعصية، والقنوط، والأمن من المكر. وأربع ~~في اللسان؛ القذف، وشهادة الزور، والسحر، وهو كل كلام يغير الإنسان أو شيئا ~~من أعضائه، واليمين الغموس، وهي التي يبطل بها حقا أو يثبت بها باطلا. ~~وثلاث في البطن؛ أكل مال اليتيم ظلما، وأكل الربا، وشرب كل مسكر. واثنتان ~~في الفرج؛ الزنى واللواط. واثنتان في اليد؛ القتل والسرقة. وواحدة في ~~الرجل؛ الفرار من الزحف. # وواحدة في جميع الجسد؛ عقوق الوالدين. # وقوله: فذكر الحديث [و] (ب) فيه: "الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل ~~النفس، واليمين لغموس". وفي رواية غندر، عن شعبة: "وعقوق الوالدين -أو قال: ~~-اليمين الغموس". شك شعبة. أخرجه البخاري (¬6) في PageV09P462 # أوائل الديات. وأخرجه الإسماعيلي (¬1) عن شعبة بلفظ: "الكبائر؛ الإشراك ~~بالله، واليمين الغموس، وعقوق الوالدين -أو قال: قتل النفس". وفي رواية ~~شيبان (¬2)، عن فراس: "الإشراك بالله". قال: ثم ماذا؟ قال: "ثم عقوق ~~الوالدين". قال: ثم ماذا؟ قال: "اليمين الغموس". ولم يذكر قتل النفس. قلت: ~~وما اليمين الغموس؟ قال: "التي اقتطع مال امرئ مسلم هو فيها كاذب". والقائل ~~هو عبد الله بن عمرو راوي الخبر، والمجيب النبي - صلى الله عليه وسلم -. ~~ويحتمل أن يكون السائل من دون عبد الله، والمجيب هو عبد الله أو من دونه. ~~قال المصنف رحمه الله (¬3): الحديث أخرجه في "صحيح ابن حبان" (¬4) بالسند ~~الذي أخرجه البخاري، فقال في آخره بعد قوله: "ثم اليمين الغموس". قلت ~~لعامر: ما اليمين الغموس؟ إلخ. فظهر أن السائل عن ذلك فراس، والمسئول ~~الشعبي وهو عامر. فلله الحمد على ما أنعم، ثم لله الحمد، ثم لله الحمد، ~~فإني لم أر من تحرر (أ) له ذلك من الشراح. انتهى. # وهذه المذكورات في الحديث أنها الكبائر قد جاءت في الأحاديث الصحيحة أنها ~~من أكبر الكبائر، ولا ms2158 منافاة في ذلك، إلا أنه يدل على أن في الذنوب كبيرا ~~وأكبر، وقد جاء في الحديث أيضا تسمية أكبر (ب) غير ما ذكر، PageV09P463 # مثل ما جاء في حديث ابن مسعود (¬1): أي الذنب أعظم؛ فذكر فيه الزنى ~~بحليلة الجار. وحديث أبي هريرة: "إن من أكبر الكبائر استطالة المرء في عرض ~~رجل مسلم". أخرجه ابن أبي حاتم (¬2) بإسناد حسن. وحديث بريدة يرفعه: "من ~~أكبر الكبائر". وذكر منها منع فضل الماء، ومنع الفحل. أخرجه البزار (¬3) ~~بسند ضعيف. وغير ذلك. # وقوله: "الغموس". هو بفتح الغين المعجمة وضم الميم وآخره سين مهملة، قيل: ~~سميت بذلك لأنها تغمس صاحبها في الإثم ثم في النار. فهي فعول بمعنى فاعل. ~~وقيل: الأصل في ذلك أنهم كانوا إذا أرادوا أن يتعاهدوا أحضروا جفنة فجعلوا ~~فيها طينا أو دما أو رمادا، ثم يحلفون عندما يدخلون أيديهم فيها، ليتم لهم ~~المراد من جميد ما أرادوا، فسميت بذلك إذا غدر صاحبها غموسا؛ لكونه بالغ في ~~نقض العهد، وكأنها على (أ) هذا مأخوذة من اليد المغموسة، فيكون فعول بمعنى ~~مفعولة. # وظاهر الحديث أنه لا يلزم كفارة في اليمين الغموس؛ لأن الكفارة لم تذكر ~~في الحديث، ولأنها قرنت بما لا يكفره إلا التوبة ولا كفارة فيها. ونقل ابن ~~المنذر ثم ابن عبد البر (¬4) اتفاق العلماء على أنه لا كفارة فيها. وهو PageV09P464 # مذهب الهدوية، ولكن الاستدلال بما ذكر غير صحيح، فإن عدم الذكر لا ينفي ~~أن يكون لها دليل آخر، وكذا الاقتران بما لا كفارة له، فإن الجمع بين مختلف ~~الأحكام واقع، إلا أنه يحتج لذلك بما أخرجه ابن الجوزي في "التحقيق" (¬1) ~~عن أبي هريرة، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ليس فيها ~~كفارة، يمين صبر (¬2) يقتطع بها مالا بغير حق". وظاهر سند الحديث الصحة، ~~إلا أن فيه عنعنة بقية (¬3)، وفي إسناده أبو المتوكل. وقد أخرجه أحمد (¬4) ~~بهذا السند، وقال: عن التوكل (¬5)، أو أبي المتوكل (5). وهذا ليس هو أبا ~~المتوكل الناجي الثقة (¬6)، بل آخر مجهول. وبما رواه آدم بن أبي إياس في ms2159 ~~"مسند شعبة"، وإسماعيل القاضي في "الأحكام" (¬7)، عن ابن مسعود: كنا نعد ~~الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا ~~ليقتطعه. قالوا: ولا مخالف له من الصحابة. وذهب الحكم، وعطاء، والأوزاعي، ~~ومعمر، والشافعي، إلى وجوب الكفارة في اليمين الغموس؛ لقوله تعالى: {ولكن ~~يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان} (¬8). PageV09P465 # واليمين المغموسة معقودة، والكفارة وإن لم ترفع الإثم كله فيما كان ~~المحلوف عليه مال الغير، لكنها قد نفعته في الجملة، فإن ضم إلى الكفارة ~~التحلل من حق الغير نفعه مجموعهما. والحديث (أ) قد عرفت ما فيه. وأثر ابن ~~مسعود تكلم في صحته ابن حزم (¬1)، واحتج ابن حزم بالقياس على من جامع في ~~نهار رمضان متعمدا وفيمن أفسد حجه. وقد يجاب عنه بأن هذا يستقيم فيمن لم ~~يقتطع مال الغير، وأما من اقتطع مال الغير، فقد ثبت وعيده بالنار، وقد عرفت ~~الجواب عن هذا، والله أعلم. # 1145 - عن عائشة رضي الله عنها في قوله تعالى: {لا يؤاخذكم الله باللغو ~~في أيمانكم} (¬2). قالت: هو قول الرجل؛ لا والله. و: بلى والله. أخرجه ~~البخاري، ورواه أبو داود مرفوعا (¬3). # الحديث فيه دلالة على أن لغو اليمين لا حنث فيه، وقد (ب) فسرت عائشة ~~اللغو بما لا يكون عن قصد الحلف، وإنما جرى على اللسان من غير قصد للحلف، ~~وهذا أنسب، لموافقته الوضع اللغوي للغو (ب)؛ وذلك لأن اللغو حقيقة فيما كان ~~باطلا وما لا يعتد به من القول، ومنه قيل لولد الناقة PageV09P466 # الذي لا يعتد به في الدية: لغو. وقد ذهب إلى هذا الشافعي، ونقله ابن ~~المنذر (¬1) وغيره عن ابن عمر، وابن عباس، وغيرهما من الصحابة، وعن القاسم، ~~وعطاء، والشعبي، وطاوس، والحسن. وعن أبي قلابة: لا والله، وبلى والله. لغة ~~من لغات العرب لا يراد بها اليمين، وهي من (أ) صلة الكلام. ودليلهم تفسير ~~عائشة رضي الله عنها؛ لكونها شهدت التنزيل، وقد جزمت بأن الآية نزلت فيما ~~ذكر. وقد رواه أبو داود مرفوعا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لغو ~~اليمين هو ms2160 كلام الرجل في بيته: كلا والله، وبلى والله". وأشار أبو داود ~~(¬2) إلى أنه اختلف على عطاء وعلى إبراهيم الصائغ في رفعه ووقفه. وقد أخرج ~~ابن أبي عاصم، وابن وهب، وعبد الرزاق (¬3)، عن معمر، كلهم عن الزهري، عن ~~عروة، عن عائشة: لغو اليمين ما كان في المراء والهزل والمراجعة في الحديث ~~الذي لا يعقد عليه القلب. وهذا موقوف. وأخرج الطبري (¬4) من طريق الحسن ~~مرفوعا في قصة الرماة: وكان أحدهم إذا رمى حلف أنه أصاب، فيظهر أنه أخطأ، ~~فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أيمان الرماة لغو لا كفارة لها ولا ~~عقوبة". ولكنه من مراسيل الحسن وهو غير ثابت. # وذهب أبو حنيفة، والهدوية، وغيرهم، إلى أن لغو اليمين هو ما حلف على ~~الشيء يظن صدقه فينكشف خلافه. وبه قال ربيعة، ومالك، PageV09P467 # ومكحول، والأوزاعي، والليث. وعن أحمد روايتان. وأخرجه عبد الرزاق (¬1) عن ~~الحسن. وذهب طاوس إلى أن اللغو أن يحلف وهو غضبان. وأخرجه الطبري (أ) (¬2) ~~من طريق طاوس، عن ابن عباس. وروي عن علي؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لا يمين في إغلاق". وعن ابن عباس أن اللغو أن يحرم ما أحل الله له. أخرجه ~~الطبري (¬3) من طريق سعيد بن جبير، عن ابن عباس. ولكنه معارض بما صح عن ابن ~~عباس من وجوب الكفارة فيه. أخرجه البخاري (¬4). وقال بعض أهل العلم: إن ~~اللغو ما يجب نقضه؛ لأن اللغو واجب الرفع. فقال الشعبي ومسروق: هو أن يحلف ~~على معصية فلا يكفر. ويروى عن ابن عباس أيضا (¬5). وقال بعضهم: هو أن يقول: ~~إن فعلت كذا فهو كافر بالله، أو مشرك، أو يهودي، أو نصراني. فلا كفارة إذا ~~فعل ذلك، ولكن يقال: ليس ذلك لغوا؛ لأنه مؤاخذ باليمين المحرمة، وإنما لم ~~تلزم كفارة. وقد ذهب إلى عدم لزوم الكفارة مالك والشافعي، وهو (ب) قول ~~الهدوية. وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى لزوم الكفارة، وتجال بعضهم: إن اللغو ما ~~تجب فيه الكفارة؛ لأنها إذا لزمت الكفارة لم يتعلق PageV09P468 # حنث بالحالف. وأجيب بأن الله تعالى رفع المؤاخذة عن اللغو ms2161 مطلقا، فلا إثم ~~ولا كفارة، فكيف يفسر اللغو بما فيه الكفارة، وثبوت الكفارة من لوازم ~~الحنث؟ والأظهر من هذه الأقوال هو القولان الأولان. والله أعلم. # 1146 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن لله تسعة وتسعين اسما، من أحصاها دخل الجنة". متفق عليه (¬1). ~~وساق الترمذي وابن حبان (¬2) الأسماء، والتحقيق أن سردها إدراج من بعض ~~الزوائد (أ). # لفظ "اسما" منصوب على التمييز في معظم الروايات، وحكى السهيلي (¬3) أنه ~~روي بالجر، وخرجه على لغة من يعرب "تسعين" بالحركات، فيجعل النون محل ~~الإعراب وتضاف مع بقاء النون، مثل قوله (¬4): # * وقد جاوزت حد الأربعين* # بكسر النون. # قوله: "تسعة وتسعين". ظاهر الحديث أن الأسماء الحسنى منحصرة في PageV09P469 # هذا العدد بدلالة مفهوم العدد، ويحتمل أن الحصر في هذه الأسماء باعتبار ~~ما ذكر بعده من قوله: "من أحصاها دخل الجنة". وهو خبر المبتدأ، والمعنى أن ~~هذه التسعة والتسعين لها فضيلة تختص (أ) بها من بين (ب) سائر الأسماء، وهو ~~أن حفظها سبب لدخول الجنة، وليس المقصود حصر الأسماء فيها؛ لثبوت غيرها، ~~فهي كثيرة، وذهب الجمهور إلى هذا، ونقل النووي (¬1) اتفاق العلماء عليه، ~~وقال: ليس في الحديث حصر أسماء الله تعالى، وليس معناه أنه ليس له اسم غير ~~هذه التسعة والتسعنن، وإنما مقصود الحديث أن هذه الأسماء من أحصاها دخل ~~الجنة. ويدل عليه حديث ابن مسعود الذي أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان (¬2): ~~"أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من ~~خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك". وعند مالك (¬3): وأسألك بأسمائك ~~الحسنى ما علمت منها وما لم أعلم. قال الخطابي (¬4): خصصها بالذكر لكونها ~~أكثر الأسماء وأثبتها (ج) معاني. وحكى القاضي أبو بكر بن العربي (4) عن ~~بعضهم PageV09P470 # أن لله ألف اسم. ونقل الفخر الرازي (¬1) عن بعضهم أن لله أربعة آلاف اسم، ~~قال: استأثر الله بعلم ألف منها، وأعلم الملائكة بالبقية، والأنبياء بألفين ~~منها وسائر الناس بألف. وهذه دعوى تحتاج إلى دليل. وقد ms2162 ورد في حديث قيام ~~الليل: "أنت المقدم وأنت المؤخر" (¬2). وفي "صحيح البخاري" (¬3) حديث أنه ~~وتر يحب الوتر. وذهب ابن حزم إلى أن الأسماء منحصرة في هذا العدد لا تزيد ~~عليه، قال في "المحلى" (¬4) بعد أن روى حديث "الصحيح": قال الله تعالى: {إن ~~هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم} (¬5). فصح أنه لا يحل لأحد أن يسمي ~~الله تعالى إلا بما سمى به نفسه، وصح أن أسماءه لا تزيد على تسعة وتسعين ~~اسما؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مائة إلا [واحدا] (أ) ". فنفى ~~الزيادة وأبطلها، وظاهره أنها موجودة في القرآن. وحكى الفخر الرازي (¬6) عن ~~الأكثر أن ذكر العدد المذكور تعبد (ب) لا يعقل معناه، كما قيل في عدد ~~الصلوات. وعن أبي خلف السلمي أن ذكر هذا العدد إشارة إلى أن الأسماء لا ~~تؤخذ قياسا. وقيل: الحكمة فيه أن العدد زوج وفرد، والفرد أفضل من الزوج، ~~ومنتهى الأفراد من غير تكرار تسعة وتسعون؛ لأن مائة وواحدا PageV09P471 # يتكرر فيه الواحد. وقيل: الكمال في العدد حاصل في المائة؛ لأن الأعداد ~~ثلاثة أجناس، آحاد وعشرات ومئات، والألف مبتدأة لآحاد أخر، فأسماء الله ~~مائة استأثر الله منها بواحد، وهو الاسم الأعظم، فلم يطلع عليه أحد، فكأنه ~~قيل: إن لله مائة لكن واحد منها عند الله. وقيل: إن مكمل المائة هو ~~الجلالة. وجزم بذلك السهيلي (¬1) وقال: الأسماء الحسنى على عدد درجات ~~الجنة، والذي يكمل المائة "الله"، ويؤيده قوله تعالى: {ولله الأسماء ~~الحسنى} (¬2). فالتسعة والتسعون لله، فهي زائدة عليه، وبه تكمل المائة. # وقوله: "من أحصاها دخل الجنة". هكذا في رواية سفيان من طريق ابن أبي عمر ~~(¬3). وفي رواية علي بن المديني (¬4)، ووافقه الحميدي، وكذا عمرو الناقد ~~عند مسلم (¬5) بلفظ: "من حفظها". وفي "تفسير ابن مردويه" [و] (أ) عند أبي ~~نعيم (¬6)، من طريق ابن سيرين، عن أبي هريرة بلفظ: "من دعا بها دخل الجنة". ~~وفي سنده حصين بن [مخارق] (ب) وهو ضعيف (¬7)، وزاد خليد PageV09P472 # ابن دعلج في روايته: "وكلها في القرآن" (¬1). وكذا وقع من (أ) قول سعيد ~~بن عبد العزيز. ms2163 وفي حديث ابن عباس وابن عمر معا بلفظ: "من أحصاها دخل ~~الجنة، وهي في القرآن" (¬2). # وقد اختلفوا في تفسير الإحصاء، فقال الخطابي (¬3): يحتمل وجوها؛ أحدها، ~~أن يعدها حتى يستوفيها، يعني: لا يقتصر على بعضها، بل يدعو الله بها كلها ~~ويثني عليه بجميعها، فيستوجب الموعود عليه من الثواب. ثانيها، أنه بمعنى ~~الإطاقة، كقوله تعالى: {علم أن لن تحصوه} (¬4). ومنه حديث: "استقيموا ولن ~~تحصوا" (¬5). أي: تبلغوا كنه الاستقامة. والمعنى: من أطاق القيام بحق هذه ~~الأسماء والعمل بمقتضاها، وهو أن يعتبر معانيها، فيلزم نفسه بواجبها، فإذا ~~قال: الرزاق. وثق بالرزق، وكذا سائر الأسماء. ثالثها، المراد الإحاطة ~~بمعانيها، من قول العرب: فلان ذو حصاة. أي: ذو عقل ومعرفة. انتهى. # قال القرطبي (3): المرجو من كرم الله تعالى أن من حصل له إحصاء هذه PageV09P473 # الاسماء على إحدى (أ) هذه المراتب مع صحة النية أن يدخله الله الجنة، ~~وهذه المراتب الثلاث للسابقين والصديقين وأصحاب اليمين. وقيل: "أحصاها" أي: ~~عرفها؛ لأن العارف بها لا يكون إلا مؤمنا. وقيل: عدها معتقدا؛ لأن الدهري ~~لا يعترف بالخالق، والفلسفي لا يعترف بالقادر. وقيل: "أحصاها" أي: أراد بها ~~إعظامه تعالى. وقيل: "أحصاها": عمل بها، فإذا قال: الحكيم. سلم لجميع ~~أوامره، لأن جميعها على (ب) مقتضى الحكمة، وإذا قال: القدوس. استحضر كونه ~~منزها عن جميع النقائص. واختاره أبو الوفاء بن عقيل (¬1). وقال ابن بطال ~~(¬2): هو أن ما كان يسوغ الاقتداء به سبحانه فيها، كالرحيم والكريم، فيمرن ~~العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف [بها] (ج)، وما كان يختص به سبحانه، ~~كالجبار والعظيم، فعلى العبد الإقرار بها والخضوع لها وعدم التحلي بصفة ~~منها، وما كان فيه (د) معنى الوعد يقف فيه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه ~~(د) معنى الوعيد يقف منه عند الخشية والرهبة، ويؤيد هذا أن حفظها لفظا من ~~دون اتصاف كحفظ القرآن من دون عمل لا ينفع، كما جاء: "يقرءون القرآن لا ~~يجاوز حناجرهم" (¬3). ولكن PageV09P474 # هذا الذي ذكره لا يمنع من ثواب من قرأها سردا وإن كان متلبسا بمعصية، وإن ~~كان ms2164 ذلك مقام الكمال الذي لا يقوم به إلا أفراد الرجال. قال النواوي (¬1): ~~وقال البخاري وغيره من المحققين: معناه: حفظها. وهذا ظاهر، فإن إحدى ~~الروايتين تكون مفسرة للأخرى. وبه قال ابن الجوزي (¬2). ولكنه يحتمل لفظ: ~~"حفظها" الحفظ المعنوي، فلا يكفي حفظها سردا. وقيل: المراد بحفظها حفظ ~~القرآن جميعه، لأنها موجودة في القرآن مفرقة فيه. وقال ابن عطية (¬3): إنه ~~يتضمن إحصاؤها وحفظها الإيمان بها، والتعظيم لها، والرغبة فيها، والاعتناء ~~بمعانيها. وهذا قريب مما فصله ابن بطال، وكذا ما قاله أبو نعيم الأصفهاني ~~(3): إن المراد به العلم والعقل بمعاني الأسماء والإيمان بها. وكذا ما قال ~~أبو عمنكي مر الطلمنكي (3) أن يكون عالما بمعاني الأسماء، مستفيدا بذكرها ~~ما تدل عليه من المعاني. وقال أبو العباس بن معد (3): يحتمل معنيين؛ هو أن ~~يتتبعها من الكتاب والسنة حتى يحصل عليها، أو أن يحفظها بعد أن يجدها ~~محصاة. ثم قال: وللإحصاء معان أخر، منها الإحصاء الفقهي؛ وهو العلم ~~بمعانيها وتنزيلها على الوجوه المحتملة شرعا، ومنها الإحصاء النظري، وهو أن ~~يعلم معنى كل اسم بالنظر في الصيغة ويستدل عليه بأثره الساري في الوجود، ~~فلا تمر على موجود إلا ويظهر لك فيه معنى من معاني تلك الأسماء، وتعرف خواص ~~بعضها، وموقع القيد بمقتضى كل اسم. قال: وهذا أرفع مراتب الإحصاء. قال: PageV09P475 # وتمام ذلك أن يتوجه إلى الله تعالى من العمل الظاهر والباطن بما يقتضيه ~~كل اسم من الأسماء، فيعبد الله بما يستحقه من الصفات المقدسة التي وجبت ~~لذاته. قال: فمن حصلت له جميع مراتب الإحصاء حصل على الغاية، ومن منح منحى ~~من مناحيها (أ) فثوابه بقدر ما قال. فهذا ما قيل في تفسير الإحصاء، وقد قيل ~~غير ذلك إلا أنه يرجع إلى بعض ما ذكر. # وقوله: وساق الترمذي. إلى آخره. الحديث رواه الترمذي، وابن خزيمة، وابن ~~حبان، والحاكم (¬1)، من حديث الوليد بن مسلم، عن [شعيب] (ب)، عن أبي ~~الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة وسرد الأسماء. وقال الترمذي (¬2): لا نعلم ~~في كثير شيء من الروايات ذكر الأسماء (ج) إلا ms2165 في هذا الحديث. ثم قال: هذا ~~حديث غريب حدثنا به غير واحد عن صفوان بن صالح، [ولا نعرفه إلا من حديث ~~صفوان بن صالح] (د)، وهو ثقة. # وقد اختلف العلماء في سرد الأسماء، هل هو مرفوع أو مدرج من بعض الرواة؛ ~~فمشى كثير منهم على الأول، واستدلوا به على جواز تسمية الله تعالى بما لم ~~يرد في القرآن بصيغة الاسم، لأن كثيرا من هذه الأسماء PageV09P476 # كذلك. وذهب آخرون إلى أن التعيين مدرج؛ لخلو أكثر الروايات عنه. ونقله ~~عبد العزيز النخشبي (أ) عن كثير من العلماء. قال الحاكم (¬1) بعد تخريج ~~الحديث من طريق صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم: صحيح على شرط الشيخين، ~~ولم يخرجاه بسياق الأسماء، والعلة فيه عندهما تفرد الوليد بن مسلم. قال: ~~ولا أعلم خلافا عند أهل الحديث أن الوليد أوثق وأحفظ وأجل وأعلم من بشر بن ~~شعيب [وعلي بن عياش وغيرهما من أصحاب شعيب. يشير إلى أن بشرا وعليا وأبا ~~اليمان رووه عن شعيب] (ب) بدون سياق الأسماء. وقد تعقب هذا بأنه ليس العلة ~~تفرد الوليد، وإنما العلة الاختلاف عليه والاضطراب وتدليسه، واحتمال ~~الإدراج، فقد جاء في رواية عثمان الدارمي (¬2)، عن هشام بن عمار، عن الوليد ~~بإسناده إلى أبي هريرة. فذكره بدون التعيين. قال الوليد: وحدثنا سعيد بن ~~عبد العزيز مثل ذلك، وقال: "كلها في القرآن، هو الله الذي لا إله إلا هو ~~الرحمن الرحيم". وسرد الأسماء. وأخرجه أبو الشيخ بن حيان (ج) (¬3) من رواية ~~أبي عامر القرشي، عن الوليد بن مسلم بسند آخر، فقال: حدثنا زهير بن محمد، ~~عن موسى بن عقبة، عن الأعرج، عن أبي هريرة. قال زهير: فبلغنا أن غير واحد ~~من أهل PageV09P477 # العلم قال: إن أولها أن تفتتح بلا إله إلا الله. وسرد الأسماء. وهذه ~~الطريق أخرجها ابن ماجه، وابن أبي عاصم، والحاكم (¬1)، من طريق عبد الملك ~~بن محمد الصنعاني، عن زهير بن محمد. لكن سرد الأسماء أولا فقال بعد قوله: ~~"من حفظها دخل الجنة"- "الله، الواحد، الصمد". إلى آخره. ثم قال بعد ms2166 أن ~~انتهى العد (أ): قال زهير: فبلغنا عن غير واحد من أهل العلم أن أولها يفتتح ~~بقول: لا إله إلا الله له الأسماء الحسنى. # قال المصنف (¬2) رحمه الله: والوليد بن مسلم أوثق من عبد الملك بن محمد ~~الصنعاني، ورواية الوليد تشعر بأن التعيين مدرج، وقد تكرر في رواية الوليد ~~عن زهير ثلاثة أسماء، وهي الأحد الصمد الهادي، ووقع بدلها في رواية عبد ~~الملك: المقسط القادر الوالي (ب) الرشيد، وعند الوليد [أيضا: الوالي ~~الرشيد] (ج)، وعند عبد الملك: [الوالي الراشد. وعند الوليد: العادل المنير، ~~وعند عبد الملك] (ج): الفاطر القاهر. واتفقا في البقية. وأما رواية الوليد، ~~عن شعيب، وهي أقرب الطرق إلى الصحة، وعليها عول غالب من شرح الأسماء ~~الحسنى، (د فساقها عنه د) الترمذي (¬3): هو الله الذي لا إله إلا PageV09P478 # هو الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار ~~المتكبر الخالق البارئ المصور الغفار القهار الوهاب الرزاق الفتاح العليم ~~القابض الباسط الخافض الرافع المعز المذل السميع البصير الحكم العدل اللطيف ~~الخبير الحليم العظيم الغفور الشكور العلي الكبير الحفيظ المقيت الحسيب ~~الجليل الكريم الرقيب المجيب الواسع الحكيم الودود المجيد الباعث الشهيد ~~الحق الوكيل القوي المتين الولي الحميد المحصي المبدئ المعيد المحصي المميت ~~الحي القيوم الواجد الماجد الواحد الصمد القادر المقتدر المقدم المؤخر ~~الأول الآخر الظاهر الباطن الوالي (أ) المتعالي البر التواب المنتقم العفو ~~الرءوف مالك الملك ذو الجلال والإكرام المقسط الجامع الغني المغني المانع ~~الضار النافع النور الهادي البديع الباقي الوارث الرشيد الصبور. وقد أخرجه ~~الطبراني (¬1) عن أبي زرعة الدمشقي، عن صفوان بن صالح، فخالف في عدة أسماء، ~~فقال: القائم الدائم بدل القابض الباسط، والشديد (ب) بدل الرشيد، والأعلى ~~المحيط مالك يوم الدين، بدل الودود المجيد الحكيم. ووقع عند ابن حبان (¬2) ~~عن الحسن بن سفيان، عن صفوان: الرافع بدل المانع. ووقع في (صحيح ابن خزيمة" ~~(¬3) في رواية صفوان أيضا مخالفة في بعض الأسماء: الحاكم بدل الحكم (ج)، ~~والقريب بدل الرقيب، والمولى بدل الوالي، والأحد بدل المغني. PageV09P479 # ووقع في رواية البيهقي ms2167 وابن منده (¬1) من طريق موسى بن أيوب، عن الوليد: ~~المغيث، بالمعجمة والمثلثة بدل المقيت، بالقاف والمثناة. ووقع في رواية ~~زهير وصفوان، عن الوليد المخالفة في ثلاثة وعشرين اسما، فليس في رواية زهير ~~وصفوان عن الوليد: [الفتاح القهار الحكم العدل الحسيب] (أ) الجليل المحصي ~~المقتدر المقدم المؤخر البر المنتقم الغني النافع الصبور البديع الغفار ~~الحفيظ الكبير الواسع الأحد مالك الملك ذو الجلال والإكرام. وذكر بدلها: ~~الرب الفرد الكافي القاهر المبين -بالموحدة- الصادق الجميل البادئ -بالدال- ~~القديم البار -بتشديد الراء- الوفي البرهان الشديد الواقي -بالقاف- القدير ~~الحافظ العادل المعطي العالم الأحد [الأبد] (أ)، الوتر ذو القوة. ووقع في ~~رواية عبد العزيز بن الحصين (¬2) اختلاف آخر، فسقط فيها مما في رواية صفوان ~~من القهار إلى تمام خمسة عشر اسما على الولاء، [وسقط منها أيضا القوي ~~الحليم الماجد القابض الباسط الخافض الرافع المعز الذل المقسط الجامع الضار ~~النافع الوالي الرب، فوقع فيها مما في رواية موسى بن عقبة الذكورة آنفا ~~ثمانية عشر اسما على الولاء] (أ) وفيها أيضا: الحنان المنان الجليل الكفيل ~~المحيط القادر الرفيع الشاكر [الأكرم] (ب) الفاطر الخلاق الفاتح المثبت ~~-بالمثلثة ثم الموحدة- العلام المولى (ج) النصير ذو الطول ذو المعارج ذو ~~الفضل الإله PageV09P480 # المدبر -بتشديد الموحدة. قال الحاكم (¬1): إنما أخرجت رواية عبد العزيز ~~بن الحصين شاهدا لرواية الوليد، عن شعبة، لأن الأسماء التي زادها على ~~الوليد كلها في القرآن. كذا قال، وقد أورد عليه أنه ليس الأمر كذلك؛ وإنما ~~تؤخذ من القرآن بضرب من التكلف، لا أن جميعها أورد فيه (أ) بصورة الأسماء. # والأسماء الحسنى على أربعة أقسام؛ الأول، الاسم العلم، وهو الله، وقد ~~اختلف فيه هل مرتجل أو منقول؟ واختلف أيضا في اشتقاقه. والثاني ما يدل على ~~الصفات الثابتة للذات، كالعليم، والقدير، والسميع، والبصير. والثالث، ما ~~يدل على إضافة أمر ما إليه؛ كالخالق، والرازق. والرابع، ما يدل على سلب شيء ~~عنه؛ كالعلي، والقدوس. # واختلف أيضا هل هي توقيفية؟ بمعنى أنه لا يجوز لأحد أن يشتق من الأفعال ~~الثابتة لله اسما إلا إذا ورد نص في ms2168 الكتاب أو السنة، فقال الفخر الرازي ~~(¬2): المشهور عن أصحابنا أنها توقيفية. وقالت المعتزلة والكرامية: إذا دل ~~العقل على معنى للفظ ثابت في حق الله تعالى جاز إطلاقه على الله. وقال ~~القاضي أبو بكر والغزالي (¬3): الأسماء توقيفية دون الصفات. قال الغزالي: ~~كما ليس لنا أن نسمي النبي - صلى الله عليه وسلم - باسم لم يسمه به أبوه ~~ولا أمه ولا PageV09P481 # سمى به نفسه، فكذلك في حق الله تعالى. # واتفقوا أنه لا يجوز أن يطلق عليه اسم أو صفة توهم نقصا، فلا يقال: ماهد، ~~ولا زارع، ولا فالق. وإن جاء في القرآن: {فنعم الماهدون} (¬1). {أأنتم ~~تزرعونه أم نحن الزارعون} (¬2). {فالق الحب والنوى} (¬3) ونحوها، ولا يقال: ~~ماكر، ولا بناء، وإن ورد: {ومكر الله} (¬4). {والسماء بنيناها} (¬5). وقال ~~أبو القاسم القشيري (¬6): الأسماء تؤخذ توقيفا من الكتاب والسنة والإجماع، ~~فكل اسم ورد فيها (أ) وجب إطلاقه في وصفه، وما لم يرد لم يجز ولو صح معناه. ~~قال ابن حزم (¬7): قد صح عندي قريب من ثمانين اسما اشتمل عليها القرآن، ~~فليطلب الباقي من الصحاح. والذي التقطه ابن حزم (¬8) هو: الله الرحمن ~~الرحيم العليم الحكيم الكريم العظيم الحليم القيوم الأكرم السلام التواب ~~الرب الوهاب الغني الكبير الخبير القدير البصير الغفور الشكور الغفار ~~القهار الجبار المتكبر المصور البر المقتدر البارئ العلي الولي القوي PageV09P482 # المحيي (أ) الإله [القريب] (ب) المجيب السميع الواسع العزيز الشاكر ~~القاهر الآخر الظاهر المجيد الحميد الودود الصمد الأحد الواحد الأول الأعلى ~~المتعال الخالق الخلاق الرزاق الحق اللطيف الرءوف العفو الفتاح المبين ~~المتين المؤمن المهمين الباطن القدوس [الملك] (ج) المليك الأكبر الأعز ~~السيد السبوح الوتر المحسن الجميل الرفيق المعز القابض الباسط الباقي ~~المعطي المقدم المؤخر الدهر. فهذه أحد وثمانون اسما (د). قال القرطبي (¬1): ~~وفاته: الصادق المستعان المحيط الحافظ الفعال الكافي النور الفاطر البديع ~~الفالق الرافع المخرج. قال المصنف (1) رحمه الله تعالى: والذي ذكره ابن حزم ~~لم يقتصر فيه على ما في القرآن، بل ذكر ما اتفق له العثور عليه منه، وهو ~~[سبعة] (ه) وستون اسما في القرآن إلى ms2169 قولك: الملك. وما بعد ذلك التقطه من ~~الأحاديث، ومما لم يذكره وهو في القرآن: المولى النصير الشهيد الشديد الحفي ~~الكفيل [الوكيل] (و) الحسيب الجامع الرقيب النور البديع الوارث السريع ~~المقيت الحفيظ المحيط القادر الغافر الغالب الفاطر العالم القائم المالك ~~الحافظ المنتقم المستعان الحكم الرفيع PageV09P483 # الهادي الكافي [ذو الجلال والإكرام] (أ). فهذه [اثنان] (ب) وثلاثون، ~~وجميعها واضحة في القرآن، والحفي في قوله تعالى: {إنه كان بي حفيا} (¬1). ~~ثم قال المصنف (¬2) رحمه الله تعالى: وهذه تسعة وتسعون اسما منتزعة من ~~القرآن منطبقة على قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن لله تسعة وتسعين ~~اسما". موافقة لقوله تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} (¬3). فلله ~~الحمد على جزيل عطائه، وجليل نعمائه، وقد رتبتها على هذا الوجه ليدعى بها: ~~الله الرب الإله الواحد الرحمن الرحيم الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن ~~العزيز الجبار المتكبر الخالق البارئ المصور الأول الآخر الظاهر الباطن ~~الحي القيوم العلي العظيم التواب الحكيم الواسع الحليم الشاكر العليم الغني ~~(ج) الكريم العفو القدير اللطيف الخبر السميع البصير المولى (د) النصير ~~القريب المجب الرقيب الحسيب القوي الشهيد الحميد المجيد المحيط الحفيظ الحق ~~المبين الغفار القهار الخلاق الفتاح الودود الغفور الرءوف الشكور الكبير ~~المتعال المقيت المستعان الوهاب الحفي الوارث الولي القائم القادر الغالب ~~القاهر البر الحافظ الأحد الصمد المليك المقتدر الوكيل الهادي الكفيل ~~الكافي الأكرم الأعلى PageV09P484 # الرزاق ذو القوة المتين غافر إلذنب قابل التوب شديد العقاب ذو الطول رفيع ~~الدرجات سريع الحساب (أعالم الغيب والشهادة أ) فاطر السماوات والأرض بديع ~~السماوات والأرض نور السماوات والأرض مالك الملك ذو الجلال والإكرام. # وهذه الأسماء مائة واثنان (ب)، وإذا ضم ما ثبت في الأحاديث إلى هذه ~~المنتزعة من القرآن كانت زائدة على المائة زيادة كبيرة، وهذا أيضا مما يدل ~~على أنها غير منحصرة في العدد المذكور. # والحديث فيه دلالة على أن هذه (ج الأسماء لله ج) تعالى، فإذا وقع الحلف ~~بأي اسم منها انعقدت به اليمين، وفيها التفصيل الذي قد مر في شرح حديث: "لا ~~ومقلب القلوب". # 1147 - وعن ms2170 أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "من صنع إليه معروف فقال لفاعله: جزاك الله خيرا. فقد أبلغ في ~~الثناء". أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان (¬1). # قوله: "معروف". هو ضد المنكر، والمراد: من أحسن إليه. PageV09P485 # وقوله: "فقد أبلغ في الثناء". يدل على أن الدعاء للمحسن مكافأة له على ~~إحسانه، وقد ورد في الحديث أن الدعاء إذا عجز عن المكافأة مكافأة. # وذكر هذا الحديث في هذا الباب غير مناسب. والله أعلم. # 1148 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~أنه نهى عن النذر وقال: "إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل". ~~متفق عليه (¬1). # قوله: نهى عن النذر. هذا أول الكلام في النذور، والنذر في اللغة: التزام ~~خير أو شر، وفي الشرع: التزام المكلف شيئا لم يكن عليه، منجزا أو معلقا، ~~وهو قسمان: نذر تبرر ونذر لجاج، ونذر التبرر قسمان، أحدهما، ما يتقرب به ~~ابتداء: لله علي أن أصوم (أ) كذا. ويلحق به ما إذا قال: لله علي أن أصوم ~~كذا شكرا لله على ما أنعم به من شفاء مريضي. والثاني، ما يتقرب به معلقا ~~بشيء ينتفع به إذا حصل له، ك: إن قدم غائبي، أو كفاني شر عدوي، فعلي صوم ~~كذا. مثلا. # ونذر اللجاج وهو ما كان معلقا على فعل شيء أو تركه، وهو قسمان؛ أحدهما، ~~أن يعلقه على فعل حرام أو ترك واجب، فلا ينعقد في الراجح إلا إذا كان فرض ~~كفاية وكان في فعله مشقة فيلزمه، ويلحق به ما يعلقه (ب) على PageV09P486 # فعل مكروه. والثاني، ما يعلقه (أ) على فعل خلاف الأولى أو مباح أو ترك ~~مستحب؛ وفيه ثلاثة أقوال للعلماء؛ الوفاء، أو كفارة يمين، أو التخيير ~~بينهما. واختلف الترجيح عند الشافعية، وكذا عند الحنابلة، وجزم الحنفية ~~بكفارة اليمين في الجميع، والمالكية بأنه لا ينعقد أصلا. # وقوله: نهى عن النذر. ظاهر الحديث النهي عن النذر على جهة الإطلاق، وقد ~~اختلف العلماء في هذا النهي؛ فمنهم من ms2171 حمله على ظاهره، ومنهم من تأوله؛ قال ~~ابن الأثير في "النهاية" (¬1): تكرر النهي عن النذر في الحديث هو تأكيد ~~لأمره وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا ~~يفعل لكان في ذلك إبطال لحكمه وإسقاط للزوم الوفاء به إذ (ب) كان بالنهي ~~يصير معصية فلا يلزم، وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك الأمر لا يجر ~~لهم في العاجل نفعا، ولا يصرف عنهم ضرا، ولا يغير قضاء، فقال: لا تنذروا ~~على أنكم تدركون بالنذر شيئا لم يقدر الله لكم أو [تصرفون] (ج) عنكم ما ~~قدره عليكم، فإذا نذرتم فاخرجوا [عنه] (د) بالوفاء، فإن الذي نذرتموه لازم ~~لكم. انتهى. # ونسبه (ه) بعض شراح "المصابيح" إلى الخطابي، وأصله من (و) كلام أبي PageV09P487 # [عبيد] (أ) فيما نقله ابن المنذر في كتابه "الكبير"، وذلك معنى ما ذكر، ~~وقال المازري (¬1): ذهب بعض علمائنا إلى أن الغرض بهذا الحديث التحفظ في ~~النذر والحض على الوفاء به. قال: وهذا عندي بعيد من ظاهر الحديث. قال: ~~ويحتمل عندي أن يكون وجه الحديث أن الناذر يأتي بالقربة مستثقلا لها لما ~~صارت عليه ضربة لازب (¬2)، فلا ينشط للفعل نشاط مطلق الاختيار، أو لأن ~~الناذر يصير القربة كالعوض عن المنذور لأجله فلا تكون (ب) خالصة. ويدل عليه ~~قوله: "إنه لا يأتي بخير". وقوله: "إنه لا يقرب من ابن آدم شيئا لم يكن ~~الله قدره" (¬3). وهذا الاحتمال يخص نذر المجازاة، وقال القاضي عياض (¬4): ~~إن المعنى أنه لا يغالب القدر، والنهي لخشية أن يقع في ظن بعض الجهلة ذلك. ~~وذهب مالك إلى أن النذر مباح إلا (ج) إذا كان مؤبدا. قال القاضي (¬5): ~~وقوله: "لا يأتي بخير" أي أن عقباه لا تحمد، وقد يتعذر الوفاء به، أو أنه ~~لا يكون سببا لخير لم يقدر فيكون مباحا. PageV09P488 # وذهب أكثر الشافعية ونقله أبو علي السنجي (أ) عن نص الإمام الشافعي، أن ~~النذر مكروه؛ لثبوت النهي عنه، وكذا نقل عن المالكية وجزم به عنهم ابن دقيق ~~العيد (¬1)، وأشار ابن العربي (¬2) إلى ms2172 الخلاف عنهم، والجزم عن الشافعية ~~بالكراهة، قال: واحتجوا بأنه ليس طاعة محضة؛ لأنه لم يقصد خالص القربة، ~~وإنما قصد أن ينفع نفسه أو يدفع عنها ضررا بما التزم. وجزم الحنابلة ~~بالكراهة، وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم، وتوقف بعضهم في صحتها، وقال ~~الترمذي (¬3) بعد أن ترجم كراهة النذر وأورد حديث أبي هريرة، ثم قال: وفي ~~الباب عن ابن عمر: العمل على هذا عند بعض أهل العلم من أصحاب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وغيرهم، كرهوا النذر. وكذا قال ابن المبارك: يكره النذر ~~في الطاعة وفي المعصية؛ فإن نذر بالطاعة ووفى بالنذر كان له الأجر. # قال ابن دقيق العيد (¬4): وفيه إشكال على القواعد، فإنه يقتضي أن الوسيلة ~~إلى الطاعة طاعة كما أن الوسيلة إلى المعصية معصية، والنذر وسيلة إلى ~~التزام القربة، فيلزم أن يكون قربة، إلا أن الحديث دل على الكراهة. ثم قال: ~~الكراهة في نذر المجازاة، وأما نذر الابتداء فهو قربة محضة. وقال ابن أبي ~~الدم (¬5): هو خلاف الأولى وليس بمكروه. وأورد عليه بأن خلاف PageV09P489 # الأولى ما اندرج في عموم نهي، والمكروه ما نهي عنه بخصوصه، وقد ثبت النهي ~~عن النذر بخصوصه فيكون مكروها. وذهب النووي في "شرح المهذب" (¬1) إلى أن ~~النذر مستحب، وقال: إذا تلفظ به في الصلاة لا يبطلها؛ لأنها مناجاة لله ~~تعالى فأشبهت الدعاء. # قال المصنف (¬2) رحمه الله تعالى: وأنا أتعجب ممن انطلق لسانه بأنه ليس ~~بمكروه مع ثبوت النهي الصريح، فأقل درجاته أن يكون مكروها. وجمع ابن الرفعة ~~بين قول من قال بالاستحباب وبالكراهة، بأن الكراهة في نذر المجازاة، ~~والاستحباب في نذر الابتداء. وجزم به القرطبي (2) وتأول أحاديث النهي به ~~(¬3)، قال: وهذه حالة البخيل الذي لا يخرج من ماله شيئا إلا بعوض (أ) عاجل، ~~وهذا المشار إليه في الحديث. قال: وقد ينضم إليه اعتقاد جاهل يظن أن النذر ~~يوجب (ب) حصول الغرض، أو أن الله تعالى يفعل ذلك الغرض لأجل ذلك النذر، وقد ~~أشار إليه في الحديث؛ فإن النذر لا يرد من قدر الله شيئا، والحالة ms2173 الأولى ~~كفر أو تقارب الكفر، والثانية خطأ صريح، واختار التحريم في حق من له ~~الاعتقاد الفاسد، والكراهة في حق غيره. # وقد أخرج الطبري (¬4) بسند صحيح عن قتادة في قوله تعالى: {يوفون PageV09P490 # بالنذر} (¬1). قال: كانوا ينذرون طاعة الله تعالى من الصلاة والصيام ~~والزكاة والحج والعمرة وما افترض عليهم، [فسماهم] (أ) الله تعالى أبرارا. # وقوله: "إنه لا يأتي بخير". بإثبات الياء لأكثر الرواة، ووقع في بعض ~~النسخ (¬2): "لا يأت". بغير ياء، وليس بلحن، لأنه قد سمع في (ب) كلام العرب ~~نظيره، والباء في: "بخير". يحتمل أن تكون لتعدية (ج): "يأتي". والمعنى: لا ~~يجلب خيرا؛ لأن المقدور كائن لا محالة، ويحتمل أن تكون للسببية (د)، بمعنى ~~أنه لا يحصل بسبب خير في نفس الناذر، لأنه إنما (ه) فعله لتحصيل مراده لا ~~لغرض التقرب إلى الله تعالى. # وقوله: "وإنما يستخرج به (و) من البخيل". على البناء للمفعول في رواية ~~مالك وابن ماجه والنسائي (¬3)، وفي لفظ (¬4): "ولكنه شيء يستخرج به من ~~البخيل". وفي رواية للبخاري (¬5): "يستخرج الله به من البخيل". وقد جاء ~~الحديث بألفاظ كثيرة. قال ابن العربي (¬6): في الحديث دلالة على وجوب PageV09P491 # الوفاء بما التزمه الناذر؛ لأن الحديث نص على ذلك؛ لأنه لو لم يلزمه ~~إخراجه لما تم المراد من استخراج مال البخيل. # وقد تعارض هذا الحديث بما أخرجه الترمذي (¬1) من حديث أنس، أن الصدقة ~~تدفع ميتة السوء. ويجمع بينهما بأن الصدقة تكون سببا لدفع ميتة السوء، ~~والأسباب مقدرة كالمسببات، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لمن سأله عن ~~الرقى: هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: "هي من قدر الله". أخرجه أبو داود ~~والحاكم (¬2)، ونحوه قول عمر (¬3): نفر من قدر الله إلى قدر الله. ومثل ذلك ~~مشروعية الطب والتداوي. # وقال ابن العربي (¬4): النذر شبيه بالدعاء؛ فإنه لا يرد القدر ولكنه من ~~القدر، وقد ندب إلى الدعاء ونهي عن النذر؛ وذلك لأن الدعاء عبادة عاجلة ~~ويظهر به التوجه إلى الله تعالى والتضرع والخضوع، والنذر فيه تأخير العبادة ~~إلى حين الحصول وترك العمل (أ) إلى ms2174 حين الضرورة. # 1149 - وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "كفارة النذر كفارة يمين". رواه مسلم (¬5)، وزاد الترمذي (¬6) ~~فيه: PageV09P492 # "إذا لم يسم". وصححه، ولأبي داود (¬1) من حديث ابن عباس مرفوعا: "من نذر ~~نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرا في معصية فكفارته كفارة ~~يمين، ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين". وإسناده صحيح إلا أن ~~الحفاظ رجحوا وقفه. وللبخاري (¬2) من حديث عائشة رضي الله عنها: "ومن نذر ~~أن يعصي الله تعالى فلا يعصه". ولمسلم (¬3) من حديث عمران: "لا وفاء لنذر ~~في معصية". # قوله: "كفارة النذر كفارة يمين". ظاهر الحديث أن النذر سواء كان بمال ~~الناذر جميعه، أو ببعضه، أو بمال في الذمة، أو بفعل من الأفعال، أو خرج ~~مخرج الأيمان، كفارته كفارة يمين، ولا يجب الوفاء بما نذر به، وقد ذهب إلى ~~هذا جماعة من فقهاء أهل الحديث، كذا قال النووي (¬4)، وقال البيهقي (¬5) في ~~باب من جعل شيئا من ماله صدقة أو في سبيل الله أو في رتاج الكعبة (أ) على ~~معاني الأيمان: قال الشافعي رحمه الله تعالى: والذي يذهب إليه عطاء أنه ~~يجزئه من ذلك كفارة يمين، ومن قال هذا القول قاله في كل ما حنث فيه سواء ~~عتق أو طلاق، وهو مذهب عائشة ومذهب عدد من PageV09P493 # الصحابة. ثم أخرج (¬1) عن عطاء عن عائشة في رجل جعل ماله في المساكين ~~صدقة، قالت: كفارة يمين. وأخرج (1) عن (أ) صفية أنها سمعت عائشة وإنسان ~~يسألها عن الذي يقول: كل ماله في سبيل الله. أو: كل ماله في رتاج الكعبة. ~~ما يكفر ذلك؟ قالت عائشة: يكفره ما يكفر اليمين. وأخرج (1) عن عائشة أن ~~رجلا أو امرأة سألتها عن شيء كان بينها وبين ذي قرابة لها، فحلفت إن كلمته ~~فمالها في رتاج الكعبة. فقالت عائشة رضي الله عنها: يكفره ما يكفر اليمين. ~~وأخرج (¬2) عن سعيد بن المسيب، أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل ~~أحدهما صاحبه القسمة، فقال: لئن عدت تسألني ms2175 القسمة لم أكلمك أبدا. أو: كل ~~مال لي في رتاج الكعبة. فقال عمر رضي الله عنه: إن الكعبة لغنية عن مالك، ~~كفر عن يمينك، وكلم أخاك، فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة الرحم، ولا فيما ~~لم تملك". وأخرج (2) من طريق البخاري من حديث أبي رافع أنه كان مملوكا ~~لابنة عم عمر بن الخطاب فحلفت أن مالها في المساكين صدقة. فقال ابن عمر: ~~كفري يمينك. وأخرج (2) عن عائشة وأم سلمة مثله. قال البيهقي (2): وهذا في ~~غير العتق، فقد روي عن ابن عمر من وجه آخر أن العتاق يقع. وكذلك عن ابن ~~عباس، وأخرج (¬3) عن عمر وعائشة في الرجل يحلف بالمشي، أو ماله في ~~المساكين، أو في رتاج الكعبة، أنها يمين يكفرها إطعام عشرة مساكين. وأخرج PageV09P494 # الشافعي (¬1) في المشي إلى الكعبه عن عطاء، أنه يكفر كفارة يمين. وأخرج ~~البيهقي (¬2) عن عطاء فيمن قال: هو محرم بحجة. فحنث: كفارة يمين. قال ~~البيهقي: من قال بهذا القول يشبه أن يحتج. وذكر حديث مسلم المتقدم وحديث ~~عمرو بن شعيب: "إنما النذر ما ابتغي به وجه الله". مرفوعا. # وذهب غيرهم إلى تفصيل المنذور به؛ فإن كان المنذور به فعلا، فالفعل إن ~~كان غير مقدور فهو غير منعقد، وإن كان مقدوزا فإن كان جنسه واجبا لزم ~~الوفاء به عند الهدوية، ومالك، وأحد قولي الناصر، وأحد قولي الشافعي، وعند ~~أبي حنيفة وأصحابه. وذهب المروزي، والصيرفي، وأحد قولي الشافعي إلى أنه لا ~~ينعقد النذر المطلق بل يصير يمينا فيكفر. هكذا حكى الخلاف في "البحر"، وذهب ~~داود وأهل الظاهر، وذكر النووي في "شرح مسلم" (¬3) ما لفظه: أجمع المسلمون ~~على صحة النذر ووجوب الوفاء به إذا كان الملتزم طاعة، فإن كان معصية أو ~~مباحا؛ كدخول السوق لم ينعقد النذر ولا كفارة عليه عندنا. وبه قال جمهور ~~العلماء، وقال أحمد وطائفة: فيه كفارة يمين. قال: وأما الحقوق المالية ~~فمجمع عليها وأما البدنية ففيها خلاف قدمناه في مواضع من ms2176 هذا الكتاب. ثم ~~قال (¬4) في قوله - صلى الله عليه وسلم -: "كفارة النذر كفارة يمين": اختلف ~~العلماء في المراد به، فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج فهو مخير بين ~~الوفاء بالنذر أو الكفارة، وحمله مالك وكثيرون -أو الأكثرون- على النذر ~~المطلق كقوله: علي نذر. وحمله PageV09P495 # جماعة من فقهاء الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع ~~أنواع المنذورات بين الوفاء بما التزم ولنن كفارة يمين. انتهى كلامه، ولا ~~يخفى ما فيه من التدافع، ثم حكى في "البحر" الخلاف فيما إذا خرج مخرج ~~اليمين؛ فروى عن مذهب الهدوية أنه يلزم الوفاء به، قال: لعموم الدليل. وحكى ~~عن الصادق والباقر والناصر والشافعي أنه يخير بيين الوفاء والكفارة. قال ~~الإمام المهدي: وهو قوي. وقيل: لا يلزمه وفاء ولا كفارة، إذ شرط النذر ~~القربة، ولا قربة هنا. قلنا: الخبر، وهو قوله - صلى الله عليه وسلم -: "إن ~~شاء وفى وإن شاء كفر". أولى. وقال في النذر بالمال: إنه ينفذ من الثلث إذ ~~هو في أصل شرعه قربة تعلقت بالمال كالوصية. قلت: ولخبر صاحب (أ) بيضة الذهب ~~(¬1). وقال المؤيد: بل من جميع المال كالهبة. وقال الشافعي: بل يخير بين ~~الوفاء والتكفير في المطلق لما مر. وقال النخعي والحكم بن زياد: لا شيء ~~عليه. وقال ربيعة: بل يتصدق بقدر الزكاة إذ لم يوجب الله سبحانه في المال ~~سواها. هكذا حكى الخلاف. # وذكر ابن رشد في "نهاية المجتهد" (¬2) في تحقيق الخلاف في هذه المسألة ما ~~حاصله أنه وقع الاتفاق على لزوم النذر بالمال إذا كان في سبيل البر وكان ~~على جهة الخبر، وإن كان على جهة الشرط؛ فقال مالك: يلزم كالخبر، ولا كفارة ~~يمين في ذلك، إلا أنه إذا نذر بجميع ماله لزمه ثلث ماله إذا كان مطلقا، وإن ~~كان معينا المنذور به لزمه وإن كان جميع ماله، وكذا إذا كان PageV09P496 # المعين أكثر من الثلث. وذهب الشافعي إلى أنه تجب كفارة يمين لأنه ألحقها ~~بالأيمان، وذهب قوم أنه إذا نذر بجميع ماله لزمه إخراج الكل. وبه قال ~~إبراهيم ms2177 النخعي وزفر، وقال أبو حنيفة: يخرج جميع الأموال التي تحب الزكاة ~~فيها. وقال بعضهم: إن أخرج مثل زكاة ماله أجزأه. وفي المسألة قول خامس، وهو ~~أنه إذا كان المال كثيرا أخرج خمسه، وإن كان وسطا أخرج سبعه، وإن كان يسيرا ~~أخرج عشره. وحد هؤلاء الكثير بألفين، والوسط بألف، والقليل بخمسمائة، وذلك ~~مروي عن قتادة، فمن قال: يخرج جميع ماله. فقياسا على النذر الذي لم يكن ~~مشروطا، ومن قال بالثلث فلقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي لبابة ~~(¬1) وقد أراد أن يتصدق بماله كله: "يجزئك من ذلك الثلث". وكذلك حديث (¬2) ~~صاحب بيضة ذهب وقد قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: أصبت هذه من معدن، ~~فخذها فهي صدقة، ما أملك غيرها. فأعرض عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، ثم جاءه عن يمينه، ثم عن يساره، ثم من خلفه، فأخذها رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - وحذفه بها، فلو أصابه بها لأوجعه، فقال - صلى الله عليه ~~وسلم -: "يأتي أحدكم بما يملك فيقول: هذا صدقة. ثم يقعد يتكفف الناس، خير ~~الصدقة ما كان عن ظهر غنى". وهذا الحديث يكون حجة لمن يقول: إن النذر لا ~~يلزم ولو لم يكن مشروطا بشرط، ويوافق حديث عقبة بن عامر الذي مر. انتهى. ~~وقال في النذر المطلق حيث يقول الناذر: لله علي نذر: قال كثير من العلماء: ~~في ذلك كفارة يمين لا غير. وقال قوم: فيه كفارة الظهار. وقال قوم: فيه أقل ~~ما ينطلق عليه الاسم من القرب؛ صيام يوم، أو PageV09P497 # صلاة ركعتين. وإنما صار الجمهور إلى وجوب كفارة اليمين للثابت من حديث ~~عقبة بن عامر: "كفارة النذر كفارة يمين". وغيرهم اقتصر على أقل ما ينطلق ~~عليه اسم النذر وهو صلاة ركعتين، وصيام يوم، وأما كفارة الظهار فخارج عن ~~القياس. انتهى. # وقوله: "من نذر نذرا لم يسمه فكفارته كفارة يمين". تقدم الكلام فيه من ~~كلام "نهاية المجتهد". وهو قول الجمهور. # وقوله: "من نذر نذرا في معصية". الحديث فيه دلالة على وجوب الكفارة ولو ~~فعل المعصية، قد ms2178 ذهب إلى هذا السيد يحيى من الهدوية، واستقواه الإمام ~~المهدي في "البحر"، قال: لولا القياس. يعني القياس على سائر المنذورات أنها ~~إذا فعلت سقطت الكفارة. ويجاب عنه بأن النص أرجح من القياس. # وقوله: "ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين". الحديث فيه دلالة ~~على أنه لا يصح النذر بما لا يقدر على فعله، وظاهره حيث كان غير مقدور ~~عقلا؛ كصعود السماء، وصوم أمس، فإن كان غير مقدور شرعا، كحجتين في عام ~~واحد، لزمه حجتان في عامين، وكذا صوم يومين في يوم، لزمه صوم يوم واحد، ~~وذكر بعض مفرعي الهدوية أنه لا بد أن يكون مقدورا عقلا وشرعا. وقال ابن ~~الصباغ: إن للشافعي قولين في صوم أمس. وقال الإمام يحيى: بل قول واحد أنه ~~لا ينعقد. # وقوله في حديث عائشة: "فلا تعصه". وحديث عمران بن حصين: "لا وفاء لنذر في ~~معصية الله تعالى". يدل على أن النذر بالمعصية لا ينعقد ولا يلزمه كفارة ~~يمين ولا غيرها. وقد ذهب إلى هذا الشافعي ومالك وأبو PageV09P498 # حنيفة وداود وجمهور العلماء، وذهب الهدوية وأحمد بن حنبل إلى وجوب ~~الكفارة؛ لحديث ابن عباس وحديث عمران بن حصين وعائشة مرفوعا: "لا نذر في ~~معصية وكفارتة كفارة يمين". وأجيب عنه بأن حديث ابن عباس الراجح وقفه، ~~وحديث عمران وعائشة ضعيف باتفاق المحدثين، كذا قال النووي (¬1). قال المصنف ~~رحمه الله تعالى (¬2): قد صححه الطحاوي (¬3)، فأين الاتفاق؟! وزيادة حديث ~~عمران: "وكفارته كفارة يمين". هذا الحديث بهذه الزيادة رواه النسائي ~~والحاكم والبيهقي (¬4)، ومداره على محمد بن الزبير الحنظلي (¬5) وليس ~~بالقوي وهو وأبوه (¬6) مجهولان. وقد وقع في (1) طريق حديث عمران وقد اختلف ~~عليه فيه، وله طريق أخرى إسنادها صحيح إلا أنه معلول، ورواه الأربعة (¬7) ~~من حديث عائشة وفيه سليمان بن أرقم متروك (¬8). ورواه الدارقطني (¬9) وفي ~~سنده غالب بن [عبيد الله] (1) الجزري وهو متروك (¬10)، PageV09P499 # ورواه أبو داود (¬1) من حديث ابن عباس وإسناده حسن، لكن قال أبو داود: ~~وقفه أصح. # 1150 - وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: نذرت أختي أن تمشي ms2179 إلى بيت ~~الله حافية، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لتمش ولتركب". متفق ~~عليه (¬2) واللفظ لمسلم، ولأحمد والأربعة (¬3): فقال: "إن الله لا يصنع ~~بشقاء أختك شيئا، مرها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام". # الحديث فيه دلالة على أن النذر بالمشي إلى بيت الله لا يلزم الناذر، وله ~~أن يركب وإن أطاق المشي، وقد ذهب إلى هذا الشافعي، كذا ذكر عن الشافعي ~~الإمام المهدي، ولكن يلزم دم إذا كان الركوب لغير العجز، وذهب الهدوية إلى ~~أنه لا يجوز الركوب مع القدرة على المشي، فإذا عجز جاز الركوب ولزمه دم، ~~وحديث أخت عقبة وإن جاءت الرواية مطلقة فقد رواها أبو داود (¬4) مبينة أنها ~~ركبت للعجز. قال: إن أختي نذرت أن تحج ماشية، وإنها لا تطيق. فقال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "إن الله لغني عن مشي أختك، فلتركب ولتهد ~~بدنة". فيتأول قوله: "لتمش ولتركب". أي تمشي إن PageV09P500 # استطاعت، وتركب في الوقت الذي لا تستطع المشي فيه، أو لحقها مشقة ظاهرة ~~فتركب. وحديث أبي إسرائيل (¬1) وقد رآه النبي - صلى الله عليه وسلم - يهادى ~~بين ابنيه، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ما بال هذا؟ " فقالوا: نذر ~~أن يمشي. فقال: "إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه". وأمره أن يركب، فالأمر ~~بالركوب للعجز. # وقوله: "مرها فلتختمر". وقع في الرواية أنها نذرت أن تحج لله ماشية غير ~~مختمرة، قال: فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "مر أختك ~~فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام". وأخرجه البيهقي (¬2) وفي إسناده ~~اختلاف، والأمر بالصيام ثلاثة أيام لعله للنذر بعدم الاختمار، وهو نذر ~~معصية، فوجب كفارة يمين، وأما الركوب فلم يذكر الهدي لأجله، وقد جاءت فيه ~~روايات مختلفة، قال البخاري (2): لا يصح في حديث عقبة بن عامر الأمر ~~بالهدي. وقد أخرج أبو داود (¬3) من حديث ابن عباس، أن أخت عقبة بن عامر ~~نذرت أن تمشي إلى البيت، فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن تركب ~~وتهدي هديا. قال ابن دقيق العيد: إسناده على شرط الشيخين. # 1151 ms2180 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: استفتى سعد بن عبادة رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال: "اقضه ~~عنها". متفق عليه (¬4). الحديث. PageV09P501 # قوله: في نذر. لم يبين في هذه الرواية النذر ما هو، وقد جاء في رواية: ~~أفيجزئ عنها أن أعتق عنها؟ قال: "أعتق عن أمك". فظاهر هذه الرواية أن ~~المنذور به عتق، وإن كان يحتمل أنها نذرت نذرا مطلقا غير معين، فيكون في ~~الحديث حجة لمن قال: يلزم في النذر المطلق كفارة يمين. والإعتاق أعلى ~~كفارات الأيمان، فلذلك أمره أن يعتق عنها، وذهب بعضهم إلى أن النذر كان ~~صوما، واستند إلى حديث ابن عباس أن رجلا قال: يا رسول الله، إن أمي ماتت ~~وعليها صوم. الحديث، ورده ابن عبد البر (¬1) بأن هذا في سؤال امرأة؛ فإن في ~~بعض رواياته عن ابن عباس: جاءت امرأة فقالت: إن أختي ماتت. ورجح المصنف ~~رحمه الله تعالى (¬2) أنهما قضيتان، وكذلك ما أخرجه النسائي (¬3) عن سعد بن ~~عبادة قال: قلت: يا رسول الله، إن أمي ماتت، أفأتصدق عنها؛ قال: "نعم". ~~قلت: فأي الصدقة أفضل؟ قال: "سقي الماء". وأخرجه الدارقطني (¬4) في "غرائب ~~مالك"، فيكون في شأنها الأمران؛ قضاء النذر عنها والصدقة. # وفي الحديث دلالة على أنه ينفع الميت ما فعله غيره عنه من واجب أو تطوع ~~كما في رواية النسائي، وقد تقدم الكلام عليه في آخر كتاب الجنائز (¬5). PageV09P502 # وقد يفهم من الحديث أن الوصية لمن كان فقيرا غير واجبة عليه؛ لأن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليها ترك الوصية، ولكنه قد يجاب عنه بأنه لا ~~فائدة للإنكار؛ لتعذر الفعل بالموت، إلا أن يقال: فائدته تعريف الغير وجوب ~~الوصية، فلما أقر عليه دل على عدم الوجوب. # وأم سعد هي عمرة بنت مسعود -وقيل: سعد- بن قيس بن عمرو، أنصارية خزرجية، ~~ذكر ابن سعد (¬1) أنها أسلمت وبايعت، وماتت سنة خمس والنبي - صلى الله عليه ~~وسلم - في غزوة دومة الجندل وابنها سعد بن عبادة معه. قال: فلما ms2181 رجعوا جاء ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي على قبرها. وعلى هذا فالحديث مرسل ~~صحابي؛ لأن ابن عباس كان حينئذ مع أبويه بمكة، ويمكن أنه سمعه من سعد بن ~~عبادة، وقد جاء في رواية سليمان بن كثير (¬2)، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ~~ابن عباس، عن سعد بن عبادة، أنه استفتى. الحديث. # واعلم أن مذهب الجمهور أنه لا يلزم الوارث أن يقضي عن الميت النذر إذا ~~كان غير مالي، وكذا المالي إذا لم يخلف تركة، لكن يستحب، وقال أهل الظاهر: ~~يلزمه ذلك، لحديث سعد. والجواب أنه لا دلالة فيه على وجوب ذلك، ولعله تبرع ~~بذلك عنها برا منه لها، أو كان لها مال فقضاه من مالها. # 1152 - وعن ثابت بن الضحاك قال: نذر رجل على عهد رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - أن ينحر إبلا ببوانة، فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يسأله، فقال: "هل كان فيها PageV09P503 # وثن يعبد؟ ". قال: لا. قال: "فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟ ". فقال: لا. ~~فقال: "أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ولا ~~فيما لا يملك ابن آدم". رواه أبو داود والطبراني (¬1) واللفظ له، وهو صحيح ~~الإسناد، وله شاهد من حديث كردم عند أحمد (¬2). # هو ثابت بن الضحاك [الأشهلي] (أ)، قال البخاري (¬3): إنه ممن بايع تحت ~~الشجرة، حدث عنه أبو قلابة وغيره، توفي سنة خمس وأربعين. # وأخرجه أبو داود (¬4) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. ورواه ابن ~~ماجه (¬5) من حديث ابن عباس. ورواه أحمد (¬6) في "مسنده" من حديث عمرو بن ~~شعيب، عن ابنة كردم، عن أبيها أنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: إني نذرت أن أنحر ثلاثة من إبلي. فقال: "إن كان على وثن من أوثان ~~الجاهلية فلا". وفي لفظ لابن ماجه (¬7): عن ميمونة بنت كردم الثقفية أن ~~أباها لقي النبي - صلى الله عليه وسلم - وهي رديفة كردم وقال: إنى نذرت أن ~~أنحر ببوانة. فقال: "فهل فيها وثن؟ ". قال: لا. قال: ms2182 "فأوف بنذرك". PageV09P504 # وبوانة بضم الباء الموحدة وبعد الألف نون، موضع بين الشام وديار بكر. ~~قاله أبو عبيد (¬1)، وقال البغوي: أسفل مكة دون يلملم. وقال المنذري: هضبة ~~من وراء ينبع. وكذا في "النهاية" (¬2). # الحديث فيه دلالة على أنه إذا نذر بفعل صدقة أو غيرها في محل معين، فإذا ~~كان فعله في ذلك المحل جائزا لا يشوبه شيء من أعمال الجاهلية لزم الناذر ~~الوفاء بذلك، وقد ذهب إلى أنه يتعين المكان المنذور بالفعل فيه المنصور ~~بالله وأبو مضر من الهدوية، وظاهر الأثر يدل عليه، ولكنه يعارض بحديث: "لا ~~تشد الرحال". وسيأتي، فيكون قرينة على أن الأمر هنا للندب جمعا بين ~~الأحاديث. # 1153 - وعن جابر رضي الله عنه أن رجلا قال يوم الفتح: يا رسول الله، إني ~~نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت القدس. فقال: "صل ها هنا". ~~فسأله، فقال: "صل ها هنا". فسأله، فقال: "شأنك إذن". رواه أحمد وأبو داود ~~وصححه الحاكم (¬3). # وأخرج الحديث البيهقي (¬4)، وصححه أيضا ابن دقيق العيد في "الاقتراح". # الحديث فيه دلالة على أن المكان لا يتعين في النذر وإن عين. # 1154 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: PageV09P505 # "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد؛ مسجد الحرام، ومسجد الأقصى، ~~ومسجدي". متفق عليه (¬1) واللفظ للبخاري. # تقدم الكلام في الحديث في آخر باب الاعتكاف (¬2)، ولعل المصنف رحمه الله ~~تعالى ذكره للتنبيه على أن النذر لا يتعين فيه المكان في غير الثلاثة ~~المساجد، وقد ذهب مالك والشافعي إلى أنه يلزم الوفاء بالنذر بالصلاة في ~~الثلاثة المساجد، وقال أبو حنيفة: لا يلزمه الوفاء، وله أن يصلي في أي محل ~~شاء. وإنما يجب عنده المشي إلى المسجد الحرام إذا كان لحج أو عمرة، وقال ~~أبو يوسف: من نذر بالصلاة في بيت المقدس ومسجد النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- أجزأه الصلاة في المسجد الحرام عن ذلك. وما عدا هذه الثلاثة المساجد ~~فأكثر الناس على أنه لا يلزم، وذهب بعض إلى أن النذر إلى ms2183 غير الثلاثة مما ~~له فضل زائد يلزم؛ لما روي من فتوى ابن عباس في المرأة التي نذرت أن تمشي ~~إلى مسجد قباء فماتت، فقال لولدها: امش عنها. وقد تقدم الكلام في آخر كتاب ~~الاعتكاف. # 1155 - وعن عمر رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله، إني نذرت في ~~الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام. قال: "أوف بنذرك". متفق عليه ~~(¬3) وزاد البخاري (¬4) في رواية: "فاعتكف ليلة". PageV09P506 # الحديث فيه دلالة على وجوب الوفاء بالنذر من الكافر متى أسلم، وقد ذهب ~~إلى هذا بعض أصحاب الشافعي والمغيرة المخزومي وأبو ثور والبخاري وابن جرير. ~~وذهب الجمهور إلى أنه لا ينعقد النذر من الكافر، قال الطحاوي: لا يصح منه ~~التقرب بالعبادة، ولكنه يحتمل أن النبي - صلى الله عليه وسلم - فهم من عمر ~~أنه سمح بفعل ما كان نذر فأمره به، لأن فعله طاعة وليس هو ما كان نذر به في ~~الجاهلية. وقال بعض المالكية: إنما أمره بالوفاء استحبابا وإن كان التزمه ~~في حال لا ينعقد فيها. قال عمر: ولم أعتكف إلا بعد حنين. # وقد استدل به على أن الاعتكاف لا يلزمه الصوم، إذ الليل ليس ظرفا له، ~~وتعقب بأن في رواية شعبة عن عبد الله عند مسلم (¬1): "يوما" بدل "ليلة" ~~(أ)، وجمع ابن حبان (¬2) وغيره بأنه نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة ~~أراد بيومها، ومن أطلق يوما أراد بليلته، وقد ورد ذكر الصوم صريحا في رواية ~~أبي داود والنسائي (¬3): "اعتكف وصم". وهو ضعيف. # وفي الحديث حجة على من قال: أقل الاعتكاف عشرة أيام. وهو مالك، وعنه: يوم ~~أو يومان. # وأراد بقوله: في الجاهلية. ما قبل بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~وقد تقرر أنه نذر قبل إسلامه، وبين البعثة وإسلامه مدة. PageV09P507 # البدر التمام شرح بلوغ المرام # للإمام القاضي الحسين بن محمد المغربي # (1048 ه- 1119 ه) # تحقيق # علي بن عبد الله الزبن # عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية # قدم له # فضيلة الشيخ صالح بن محمد اللحيدان # رئيس مجلس القضاء الأعلى # الجزء ms2184 العاشر PageV10P001 # البدر التمام شرح بلوغ المرام PageV10P003 # حقوق الطبع محفوظة # الطبعة الأولى # 1428 - ه-2007 م PageV10P004 # بسم الله الرحمن الرحيم ### | AUTO كتاب القضاء # القضاء [في اللغة] (أ) بالمد في الأصل بمعنى إحكام الشيء والفراغ منه؛ ~~كقوله تعالى: {فقضاهن سبع سماوات} (¬1). وبمعنى إمضاء الأمر؛ كقوله تعالى: ~~{وقضينا إلى بني إسرائيل} (¬2). وبمعنى الحتم والإلزام؛ كقوله تعالى: {وقضى ~~ربك ألا تعبدوا إلا إياه} (¬3). وبمعنى إمضاء الحكم، وسمي القاضي حاكما ~~لأنه يمضي الأحكام. وشرعا: هو إلزام ذي الولاية بعد الترافع. وقيل: هو ~~الإكراه بحكم الشرع في الوقائع الخاصة لمعين أو جهة. فخرج الفتيا بقوله: ~~إلزام. إذ لا إلزام من المفتي، وبقيد الترافع يخرج إلزام من له ولاية بأمر ~~شرعي؛ كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبقوله: في الوقائع الخاصة. يخرج ~~إلزام مثلا بوجوب الصوم عموما، وقوله: أو جهة. يدخل فيه القضاء على بيت ~~المال أوله؛ كالحكم بنفقة فقير في بيت المال أو بوجوب الدية، وله كالميراث ~~لبيت المال، ويجوز أن يكون وجه تسميته بالقاضي لإيجابه الحكم على من وجب ~~عليه، وتسميته حاكما لمنعه الظالم من المظلوم، يقال: حكمت الرجل وأحكمته ~~إذا منعته. وسميت حكمة الدابة لمنعها [الدابة] (أ). PageV10P005 # والحكم في اللغة قد استعمل بمعنى المنع ونقل إلى المعنى الشرعي، وهو ~~الخطاب المتناول للأحكام الخمسة؛ لمنعها من فعل القبيح. # 1156 - عن بريدة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "القضاة ثلاثة؛ اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به ~~فهو في الجنة، ورجل عرف الحق ولم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل ~~لم يعرف الحق فقضى للناس على جهل فهو في النار". رواه الأربعة وصححه الحاكم (¬1). # وقال الحاكم في "علوم الحديث": تفرد به الخراسانيون ورواته مراوزة. قال ~~المصنف رحمه الله تعالى (¬2): له [طرق] (أ) غير هذه [جمعتها] (ب) في جزء مفرد. # 1157 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من ولي القضاء فقد ذبح بغير سكين". رواه أحمد والأربعة وصححه ابن ms2185 ~~خزيمة وابن حبان (¬3). PageV10P006 # الحديث معناه التحذير من الدخول في القضاء والحرص عليه، كأنه يقول: من ~~تصدى للقضاء فقد تعرض للذبح، فليحذره وليتوقه. # وقوله: "بغير سكين". يحتمل وجوها؛ أحدها: أن الذبح يكون عرفا وغالب عادته ~~بالسكين، فعدل به عن ظاهر العرف ليعلم أن الخوف هلاك دين من تعرض لذلك. أو ~~أراد أن الذبح [الوحي] (أ) هو ما يقع بالسكين وفيه خلاص الذبيحة من الألم، ~~فضرب الشارع المثل بذلك ليبعد طالبه عن طلبه والتعرض (ب) لشأنه. وقيل: ذبح ~~ذبحا معنويا، وهو لازم له؛ لأنه إن (ج) أصاب ورشد فقد أتعب نفسه في الدنيا؛ ~~للوقوف للحق وطلبه واستقصاء ما يجب عليه رعايته في النظر في الحكم، والوقوف ~~مع الخصمين بالتسوية بينهما (ه في العدل ه) والقسط، وإن أخطأ في ذلك لزمه ~~عذاب الآخرة، فلا بد له من التعب والنصب. قال أبو العباس أحمد بن القاص: ~~ليس في الحديث كراهية القضاء وذمه، إذ الذبح بغير سكين مجاهدة النفس وترك PageV10P007 # الهوى، والله تعالى يقول: {والذين جاهدوا فينا} (¬1). وقد جاء في حديث ~~أبي هريرة: "عليك بطريق قوم إذا فزع الناس أمنوا". قلت: من هم يا رسول ~~الله؟ قال: "هم قوم تركوا الدنيا فلم يكن في قلوبهم ما يشغلهم عن الله، قد ~~أجهدوا أبدانهم، وذبحوا نفوسهم في طلب رضا الله" الحديث. فذكر من صفات ~~هؤلاء الموصي بمتابعتهم ذبح النفوس، فدل ذلك على عظم ما بذلوا نفوسهم ~~لتحصيله وأنهكوها في رضا الله سبحانه، حتى صارت كأنها مذبوحة، فالحاكم ~~المجتهد في إنفاذ ما (أ) أمر الله به (أ) سبحانه له هذه الفضيلة المضاهية ~~لفضيلة الشهداء الذين لهم الجنة. والله سبحانه أعلم. # 1158 - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إنكم ستحرصون على الإمارة، وستكون ندامة يوم القيامة، فنعم المرضعة وبئست ~~الفاطمة". رواه البخاري (¬2). # قوله: "على الإمارة". يدخل فيها الإمارة العظمى وهي الخلافة، والصغرى وهي ~~الولاية على بعض البلاد، وهذا من أعلام النبوة؛ للإخبار به قبل وقوعه، ووقع ~~كما أخبر به. # وقوله: "ندامة". أي على ms2186 من لا يعمل فيها بما ينبغي. وزاد في رواية PageV10P008 # شبابة (¬1): "وحسرة". وجاء ذلك في رواية البزار والطبراني (¬2) بسند صحيح ~~عن عوف بن مالك بلفظ: "أولها ملامة، وثانيها ندامة، وثالثها عذاب يوم ~~القيامة، إلا من عدل". وجاء في حديث أبي هريرة موقوفا: الإمارة أولها ~~ندامة، وأوسطها غرامة، وآخرها عذاب يوم القيامة. أخرجه الطبراني (¬3)، ~~وأخرج (¬4) من حديث شداد بن أوس رفعه بلفظ: "أولها ملامة وثانيها ندامة". ~~ومن حديث زيد بن ثابت (¬5) رفعه: "نعم الإمارة لمن أخذها بحقها وحلها، وبئس ~~الشيء الإمارة لمن أخذها بغير حقها، تكون عليه حسرة يوم القيامة". وهذا ~~يقيد ما أطلق في (أ) الذي قبله، وهو مثلما أخرجه مسلم (¬6) عن أبي ذر قال: ~~قلت: يا رسول الله، ألا تستعملني؟ قال: "إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم ~~القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها". قال النووي ~~(¬7): هذا أصل عظيم في اجتناب الولاية، ولا سيما لمن كان فيه ضعف. وهو في ~~حق من دخل فيها بغير أهلية ولم يعدل، فإنه يندم على ما فرط منه إذا جوزي ~~[بالخزي] (5) يوم القيامة، وأما من كان أهلا PageV10P009 # وعدل فيها فأجره عظيم، كما تظاهرت به الأخبار، ولكن في الدخول فيها خطر ~~عظيم، ولذلك امتنع الأكابر منها. # وقوله: "فنعم المرضعة". الحديث. قال الداودي: أي نعمت المرضعة في الدنيا ~~وبئست الفاطمة أي بعد الموت؛ لأنه يصير إلى المحاسبة على ذلك، فهو كالذي ~~يفطم قبل أن يستغني، فيكون في ذلك هلاكه. وقال غيره: نعمت المرضعة؛ لما ~~فيها من حصول الجاه والمال ونفاذ الكلمة وتحصيل اللذات الحسية والوهمية حال ~~حصولها، وبئست الفاطمة عند الانفصال عنها بموت أو غيره وما (أ) يترتب عليها ~~من التبعات في الآخرة. وإنما ألحق التاء في "بئست" ولم يلحقها في "نعم" مع ~~أن الفاعل فيهما مؤنث للافتنان (ب)؛ لما كان لحوق التاء بأفعال المدح والذم ~~غير واجب، استعمل أحد الجائزين في لفظ والجائز الآخر في لفظ. وقال الصبي: ~~تأنيث الإمارة غير حقيقي، فترك تأنيث "نعم" وألحقها ب "بئس"، نظرا إلى كون ms2187 ~~الإمارة حينئذ داهية دهياء. قال: وإنما أنث المرضعة والفاطمة لما صور قوة ~~الحالتين المتجددتين في الإرضاع والفطام. # 1159 - وعن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ ~~فله أجر". متفق عليه (¬1). PageV10P010 # قوله: "إذا حكم الحاكم". أي إذا أراد أن يحكم فاجتهد؛ لأن الاجتهاد مقدم ~~على الحكم، ويحتمل أن يكون قوله: "فاجتهد". تفسيرا ل: "حكم". فتكون الفاء ~~تفسيرية لا للتعقيب. # وقوله: "فأصاب" أي صادف ما في نفس الأمر من حكم الله تعالى. # "فله أجران" الحديث فيه دلالة على أن الحق عند الله تعالى واحد، وأن لله ~~حكما معينا في كل جزئية، وأن المجتهد إذا أعمل فكره، واستقصى جهده في تحصيل ~~حكم من الأحكام، فحصل فيه مطلبا من تحريم أو تحليل، فإن وافق حكم الله ~~تعالى كان مصيبا، وإن لم يوافق كان مخطئا، وقد ذهب إلى هذا أكثر أهل ~~التحقيق من الفقهاء والمتكلمين، وهو مروي عن جماعة من قدماء أهل البيت وعن ~~الأئمة الأربعة، وهو الأصح عن الشافعي، وفي كلمات الصحابة رضي الله عنهم ما ~~يدل على ذلك، وفي قوله تعالى: {ففهمناها سليمان} (¬1) ما يدل على ذلك، وذهب ~~جماعة من المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم وأبي الهذيل وأبي عبد الله البصري ~~وقاضي القضاة، ومن أهل البيت كأبي طالب والمؤيد بالله والمنصور بالله وأحمد ~~بن الحسين -إلى أن الحق غير متعين، وأنه ليس لله تعالى في الأحكام الفروعية ~~الاجتهادية مراد معين، وإنما المطلوب من المجتهد العمل بما أدى إليه ~~اجتهاده، فما أدى إليه اجتهاده فهو مراد الله تعالى منه، قالوا: لأن الأجر ~~الذي حازه مع الخطأ إنما كان لأجل الإصابة للحق. قالوا: وتسميته مخطئا؛ لأن ~~الكلام وارد في حق من اجتهد وأخطأ النص بغير تعمد، لا في الحكم الذي لا نص ~~فيه. وقال PageV10P011 # القرطبي في "المفهم" -وما أحسن ما قال-: ينبغي أن يكون هذا الحكم المذكور ~~في الحديث مختصا بالحاكم لا يتعداه إلى سائر المجتهدين؛ لأن ms2188 الخصمين إذا ~~تحاكما إلى حاكم فهناك حق معين في نفس الأمر يتنازعه الخصمان، فإذا قضي به ~~لأحدهما بطل حق الآخر، فإذا كان المقضي له مبطلا فقد أخطأ الحاكم، والحاكم ~~لا يطلع على ذلك، فهذه الصورة لا يختلف فيها بأن المصيب واحد لكون الحق ~~واحدا أو في طرف واحد، وينبغي أن يختص الخلاف بأن المصيب واحد أو كل مجتهد ~~مصيب بالمسائل التي يستخرج الحق منها بطريق الدلالة. انتهى. # قلت: ويؤيد هذا حديث أم سلمة: "إنكم لتختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ~~ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت (أ) له من حق ~~أخيه شيئا فلا يأخذه، فإنما أقطع له به قطعة من النار". وسيأتي قرييا إن ~~شاء الله تعالى (¬1). # وقوله: "فله أجران". أجر الاجتهاد وأجر الإصابة، والذي أخطأ له أجر ~~الاجتهاد فقط، وقد جاء في حديث عمرو بن العاص (¬2) في الإصابة: "فلك عشر ~~حسنات". وكذلك في حديث عقبة بن عامر (¬3). وفي سند كل منهما ضعف. PageV10P012 # واعلم أن هذا الاختلاف في خطأ المجتهد وصوابه إنما هو في الاجتهاد في ~~الفروع، فأما أصول الدين فالمصيب فيها واحد عند الأكثر، والخلاف في ذلك ~~[لعبيد الله] (أ) بن الحسن العنبري وداود فصوبا المجتهدين فيه، وتأول ~~العلماء قولهما بأنهما أرادا المجتهدين من أهل الملة دون مجتهدي اليهود ~~والنصارى وغيرهم، وإن كان ظاهر احتجاجهم شاملا. # والحديث يدل على أن الحاكم لا يكون إلا مجتهدا، وهو المتمكن من أخذ ~~الأحكام من الأدلة الشرعية، ولكنه يعز وجوده بل كاد يعدم بالكلية (ب)، ومع ~~تعذره فمن شرطه أن يكون مقلدا مجتهدا في مذهب إمامه، ومن شرطه أن يتحقق ~~أصول إمامه وأدلته، وينزل أحكامه عليها فيما لم يجده منصوصا من مذهب إمامه، ~~وأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له PageV10P013 # الحكم فإن حكم فأصاب اتفاقا فلا أجر له بل هو آثم، وهو أحد الثلاثة الذي ~~مر ذكرهم (¬1)، وهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة ~~كلها ولا يعذر في شيء من ms2189 ذلك. وقال أبو حنيفة: يجوز أن يكون عاميا. وحكي عن ~~مذهب مالك. وقال الكرابيسي صاحب الشافعي في كتاب "أدب القضاء" (¬2): لا ~~أعلم بين (أ) العلماء ممن سلفى خلافا أن أحق PageV10P014 # الناس أن يقضي بين المسلمين من بان فضله وصدقه وعلمه وورعه، وأن يكون ~~قارئا لكتاب الله تعالى، عالما بأكثر أحكامه، عالما بسنن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -، حافظا لأكثرها، وكذا لأقوال الصحابة، عالما بالوفاق ~~والخلاف وأقوال فقهاء التابعين، يعرف الصحيح من السقيم، يتبع في النوازل ~~الكتاب، فإن لم يجد فالسنن, فإن لم يجد عمل بما اتفق عليه الصحابة، فإن ~~اختلفوا فما وجده أشبه بالقرآن ثم بالسنة ثم بفتوى أكابر الصحابة، ويكون ~~كثير المذاكرة مع أهل العلم والمشاورة لهم، مع فضل وورع، ويكون حافظا ~~للسانه و [بطنه] (أ) وفرجه فهما لكلام الخصوم، ثم لا بد أن يكون عاقلا ~~مائلا عن الهوى. ثم قال: وهذا وإن كنا نعلم أنه ليس على وجه الأرض أحد يجمع ~~هذه الصفات، ولكن يجب أن يطلب من أهل كل زمان (ب) أكملهم وأفضلهم. قال ابن ~~حبيب (¬1) عن مالك: لا بد أن يكون القاضي عالما عاقلا. قال ابن حبيب: فإن ~~لم يكن علم فعقل وورع؛ لأنه بالورع يعف، وبالعقل يسأل، وهو إذا طلب العلم ~~وجده، وإذا طلب العقل لم يجده. قال ابن العربي (1): واتفقوا على أنه لا ~~يشترط أن يكون غنيا؛ لقوله تعالى: {ولم يؤت سعة من المال قال إن الله} ~~الآية (¬2). قال: PageV10P015 # والقاضي لا يكون في حكم الشرع إلا غنيا؛ لأن غناه في بيت المال، فإذا منع ~~من بيت المال واحتاج كان تولية من يكون غنيا أولى من تولية من يكون فقيرا؛ ~~لأنه يصير في مظنة من يتعرض لتناول ما لا يجوز له تناوله. قال المصنف رحمه ~~الله تعالى (¬1): وهذا قاله بالنسبة إلى الزمان الذي كان فيه، ولم يدرك ~~زماننا هذا الذي صار من يطلب القضاء فيه يصرح بأن سبب طلبه الاحتياج إلى ما ~~يقوم به أوده، مع العلم بأنه لا يحصل له شيء من بيت ms2190 المال. # 1160 - وعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان". متفق عليه (¬2). # هذا الحديث لفظ مسلم، وقد ورد بألفاظ غير هذا. # وقوله: "لا يحكم أحد" إلخ. نهي (أ)، وظاهر النهي (ب) التحريم، وقد صرح ~~الإمام المهدي في "البحر" (¬3) بهذا، وأطلقه ولم ينسبه إلى أحد، وقال: ~~ويحرم قضاؤه حال تأذ بغضب أو (ج) ألم أو جوع أو احتقان أو نعاس غالب؛ ~~لمنافاته التثبت. وقريب من هذا ذكره ابن رشد في "نهاية المجتهد" (¬4)، ~~وظاهر PageV10P016 # كلام الجمهور حمل النهي على الكراهة، وبوب مسلم بذلك وقال باب كراهة قضاء ~~القاضي وهو غضبان. والبخاري بوب ذلك: باب هل يقضي القاضي أو يفتي (¬1) ~~المفتي وهو غضبان؟ وصرح النووي بالكراهة في ذلك (¬2)، وكأنهم حملوا النهي ~~على الكراهة نظرا إلى العلة المستنبطة المناسبة لذلك، وهو أنه لما رتب ~~النهي على الغضب، والغضب. بنفسه لا مناسبة فيه لمنع (ب) الحكم، وإنما ذلك ~~لما هو مظنة لحصوله، وهو تشوش الفكر، وشغله القلب عن استيفاء ما يجب من ~~النظر، وحصول هذا قد يفضي إلى الخطأ عن الصواب، ولكنه غير مطرد مع كل غضب ~~ومع كل إنسان، فإن أفضى الغضب إلى عدم تمييز الحق عن الباطل فلا كلام في ~~تحريمه، وإن لم يصل إلى هذا الحد فأقل أحواله الكراهة، قال النووي (1): ~~حديث اللقطة وجواب النبي - صلى الله عليه وسلم - مع الغضب، وكذلك الحكم في ~~قصة الزبير وهو غاضب. ولكنه يجاب عنه بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لا ~~يخرجه الغضب إلى غير الحق؛ فإنه معصوم. # وظاهر الحديث أنه لا فرق بين مراتب الغضب و (ج لا بين ج) أسبابه، وخصه ~~إمام الحرمين والبغوي (2) بما (د) إذا كان الغضب لغير الله تعالى، PageV10P017 # واستبعده الروياني (¬1) وغيره؛ لمخالفته ظاهر الحديث وللمعنى الذي لأجله ~~نهي عن الحكم، وكان الأولى أن يقال: إنه يختص بما إذا أدى الغضب إلى عدم ~~تمييز الحق من الباطل، فهو سبب النهي، وإن كان الغضب دون ذلك فإن ms2191 قلنا ~~بتحريم الحكم مع هذا، كان اعتبار الغضب المطلق لأنه منضبط، وهذا غير منضبط، ~~فتعلق الحكم بالمظنة، وسواء وجد معها المأمنة أو لا، فلا فرق بين مراتب ~~الغضب؛ كالسفر المعتبر للقصر، والإفطار وإن لم توجد المشقة، فلو حكم في حال ~~الغضب وصادف الحق نفذ الحكم وصح، وهذا مع القول بأن النهي للكراهة ظاهر، ~~وإن كان للتحريم فكذلك أيضا، إذا لم يكن فيه ذلك على وجه الجرأة، وإلا كان ~~قادحا في العدالة، فلا يصح الحكم لكونه لم يكن عدلا، وقال بعض الحنابلة: لا ~~ينفذ الحكم في حال الغضب لثبوت النهي، والنهي يقتضي الفساد. ولكنه متعقب ~~بأن الصحيح أن النهي لا يقتضي الفساد إلا إذا كان النهي لذات المنهي أو ~~لوصف ملازم، وهنا (أ) النهي لوصف مفارق للمنهي عنه، فإنه إنما نهى لما يؤدي ~~إلى تشويش (ب) الخاطر، فيكون كالنهي عن البيع وقت النداء للجمعة، وبعضهم ~~قال: ينفذ إذا كان الغضب بعد أن قد استبان له الحق، وإلا لم ينفذ. وهذا ~~القول خارج عن محل النزاع، ويقاس على القضاء في حال الغضب غيره من المشوشات ~~للخاطر؛ كالجوع والعطش وغلبة النعاس، وسائر ما يشغل القلب عن PageV10P018 # استيفاء النظر، وهو قياس مظنة، وكأن الحكمة في الاقتصار على الغضب ~~لاستيلائه على النفس وصعوبة مقاومته، بخلاف غيره، مع أنه قد أخرج البيهقي ~~(¬1) بسند ضعيف عن أبي سعيد رفعه: "لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان". ~~قال الشافعي في "الأم" (¬2): وأكره للحاكم أن يحكم وهو جائع أو تعب أو ~~مشغول القلب، فإن ذلك يضر العقل. # 1161 - وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إذا تقاضى إليك رجلان فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر، فسوف تدري كيف ~~تقضي". قال علي: فما زلت قاضيا بعد. رواه أحمد وأبو داود والترمذي وحسنه، ~~وقواه ابن المديني، وصححه ابن حبان (¬3). وله شاهد عند الحاكم من حديث ابن ~~عباس رضي الله عنه (¬4). # الحديث أخرجوه من طرق عن علي أحسنها رواية البزار (¬5) عن عمرو بن مرة، ~~عن ms2192 عبد الله بن سلمة، عن علي. وفي إسناده عمرو بن أبي المقدام (¬6)، واختلف ~~فيه على عمرو بن مرة، فرواه شعبة عنه عن أبي البختري (أ)، قال: PageV10P019 # حدثني من سمع عليا. أخرجه أبو يعلى (¬1) وإسناده صحيح لولا هذا المبهم، ~~ومنهم من أخرجه عن أبي البختري عن علي (¬2)، ومنها رواية [البزار] (ب) (¬3) ~~أيضا عن حارثة بن مضرب (ج)، عن علي قال. وهذا أحسن أسانيده، ومنها رواية ~~أبي داود (¬4) وغيره عن سماك بن حرب، عن حنش بن المعتمر (د)، عن علي. ~~وأخرجه النسائي (¬5) في "الخصائص"، والحاكم (¬6)، وقد رواه ابن حبان (¬7) ~~من رواية سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن علي، وفيه مقال. ومنها رواية ابن ~~ماجه (¬8) من طريق أبي البختري عن علي، وهو منقطع، وأخرجها البزار والحاكم (¬9). # الحديث فيه دلالة على أنه يجب على الحاكم أن يسمع دعوى المدعي ثم PageV10P020 # يسمع جواب المجيب، ولا يجوز له أن يبني الحكم على سماع دعوى المدعي قبل ~~أن يسمع جواب المجيب، (أفإن حكم أ) قبل سماع الآخر عمدا لم يصح قضاؤه، وكان ~~قدحا في عدالته، وإن كان خطأ لم يكن قدحا وأعاد الحكم على وجه الصحة. وهذا ~~حيث أجاب الخصم، فإن سكت عن الإجابة، أو قال: لا أقر ولا أنكر. فقال في ~~"البحر" الإمام يحيى، وعن مالك: يحكم عليه (ب) الحاكم لتصريحه بالتمرد، وإن ~~شاء حبسه حتى يقر أو ينكر. وقال أبو العباس: بل يلزمه الحق بسكوته، إذ ~~الإجابة تجب فورا، فإذا سكت كان كنكوله. (ج قلنا: النكول ج) الامتناع من ~~اليمين. وهذا ليس كذلك، وأحد قولي المؤيد بالله وابن أبي ليلى: بل يحبس حتى ~~يقر أو ينكر، ولا يحكم عليه. قلنا: التمرد كاف في جواز الحكم، إذ الحكم شرع ~~لفصل الشجار ودفع الضرار. انتهى. والأولى أن يقال: إن ذلك حكمه حكم الغائب، ~~فمن أجاز الحكم على الغائب أجازه على الممتنع عن الإجابة؛ لاشتراكهما في ~~عدم الإجابة. # والحديث فيه دلالة على أنه لا يحكم على الغائب لعدم سماعه لكلام الخصم، ~~وقد ذهب إلى هذا زيد بن ms2193 علي وابن أبي ليلى وأبو حنيفة، قالوا: ولأنه لو كان ~~الحكم جائزا على الغائب لم يكن الحضور واجبا. وذهب الهدوية والمؤيد بالله ~~ومالك والليث والشافعي وابن شبرمة والأوزاعي وإسحاق وإحدى الروايتين عن ~~أحمد إلى أنه يجوز الحكم على الغائب، PageV10P021 # واحتجوا بما تقدم من حديث هند وقد تقدم الكلام على ذلك مستوفى (¬1)، ~~وحملوا حديث علي على الحاضر، وبأن الغائب لا يفوت عليه حق؛ فإنه إذا حضر ~~فحجته قائمة، فيسمع ويعمل بمقتضاها ولو أدى إلى نقض الحكم؛ لأنه في حكم ~~المشروط، ولأنه كما إذا لم يمكن الإجابة حيث كان المدعى عليه (أ) صغيرا أو ~~مجنونا أو محجورا عليه، إلا أن هذا الوجه الآخر يدفع بأن المجنون والصغير ~~يملك عنهما وليهما، والمحجور إنما يبقى إقراره موقوفا، وعند المانعين أن من ~~هرب أو تستر بعد إقامة البينة فنادى عليه الحاكم ثلاثا، فإن جاء وإلا أنفذ ~~الحكم عليه، وأنكر ابن الماجشون صحة الرواية عن مالك، وأما ابن القاسم ~~فاستثنى عن مالك ما يكون للغائب فيه حجج؛ كالأرض والعقار إلا إن طالت غيبته ~~أو انقطع خبره، وقد جوز الحنفية الحكم على الغائب في نفقة الزوجة، فإذا ~~ادعت (ب) نفقتها على زوجها الغائب، وأن له وديعة عند آخر، وقدرت على الوديع ~~الوديعة، قضي لها مما عنده. # 1162 - وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي ~~له على نحو ما أسمع منه، فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فإنما أقطع له قطعة ~~من النار". متفق عليه (¬2). PageV10P022 # قوله: "ألحن". اللحن: الميل عن جهة الاستقامة، يقال: لحن فلان في كلامه. ~~إذا مال عن صحيح المنطق. وأراد: إن بعضكم يكون أعرف بالحجة وأفطن لها (أ) ~~من غيره. ويقال: لحنت (ب) لفلان. إذا قلت له قولا يفهمه ويخفى على غيره؛ ~~لأنك تميله بالتورية عن الواضح المفهوم. # وقوله: "على نحو مما أسمع منه". ظاهره الحكم بما يسمع الحاكم من كلام ~~المتخاصمين بما يثبت به ms2194 الحكم من سرد الدعوى، أو من إجابة المدعى عليه، أو ~~الإقرار من أي المتخاصمين، وكذلك بما يكون معهما من شهادة، وسواء كانت ~~صادقة في نفس الأمر أو كاذبة، ومثلها اليمين. # وقوله: "فمن قطعت له من حق أخيه". هكذا في بعض روايات مسلم، والمراد: من ~~قضيت له بشيء من مال أخيه. وأطلق عليه القطع استعارة، شبه القضاء بمال ~~الغير بقطع الشيء من الشيء، بجامع أنه بعد صاحب الملك عن الانتفاع بملكه؛ ~~لصيرورته مع الغير، كما أن المقطوع من الشيء المتصل بعضه ببعض يبعد عن ~~المقطوع منه. # وقوله: "قطعة من النار". يعني باعتبار ما يئول إليه، فإنه يئول إلى أنه ~~يعذب بسببه، فسماه نارا لما كان سببا لعذاب صاحبه بالنار، مثل قوله تعالى: ~~{إنما يأكلون في بطونهم نارا} (¬1). وتمامه في البخاري: "فليأخذها أو ~~ليتركها". والأمر للتهديد فيه، مثل قوله: {فمن شاء فليؤمن PageV10P023 # ومن شاء فليكفر} (¬1). والمراد منه: أن حكمي لا ينقل الشيء عن التحريم ~~إلى التحليل. فرجع الأمر إلى المحكوم له أن يختار لنفسه أي الأمرين، وزاد ~~عبد الله بن رافع في آخر الحديث: فبكى الرجلان وقال كل منهما: حقي لك. فقال ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أما إذا فعلتما فاقتسما وتوخيا الحق، ثم ~~استهما، ثم تحاللا". أخرجه أبو داود (¬2). وبكى الرجلان حين سمعا ذكر النار. # وقوله: حقي لك. الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -. فيه (أ) دلالة على ~~صحة هبة الشيء قبل ثبوته، والهبة للحاكم في حضرة المحكوم عليه والشريك قبل ~~أن يستأذن شريكه. # وقوله: "أما". بتخفيف الميم، فيه دلالة على أن الهبة لا تملك إلا ~~بالقبول، وأن الحاكم إذا لم يظهر له الحق توقف، ويأمرهما بالصلح والتحلل، ~~وأن الصلح لا (ب) يحل ملك الغير، وأن التحلل من المجهول يصح، ولعله كان في ~~يد ثالث لا يدعيه لنفسه، أو في يد واحد [طارئ] (ج) على الشيء مقر بطروئها. ~~والله سبحانه أعلم. # والحديث فيه دلالة على أن حكم الحاكم لا يحل للمحكوم له ما حكم به، مما ~~هو على خلاف ما هو ms2195 له في نفس الأمر، فإذا حكم الحاكم بشهادة شاهدين وظن ~~عدالتهما، وهما في الباطن كاذبان في مال، لم يحل PageV10P024 # للمحكوم له ذلك المال، وكذا لو شهدا بقتل لم يحل لولي الدم الإقصاص، أو ~~بزوجية امرأة لم تحل للمحكوم له، فحكم الحاكم صواب؛ لأنه قد حكم بما يجب ~~الحكم به في الظاهر، وهو غير مطالب بالتفتيش عن جلية الحال، ولذلك قال - ~~صلى الله عليه وسلم - في حق المتلاعنين: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن" ~~(¬1). ولو شاء الله لأطلع رسوله - صلى الله عليه وسلم - على باطن أمر ~~الخصمين بيقين، فلا يكون حكمه مخالفا لما في نفس الأمر من غير حاجة إلى ~~شهادة أو يمين، ولكن لما أمر الله تعالى أمته - صلى الله عليه وسلم - ~~باتباعه، والاقتداء بأقواله وأفعاله وأحكامه، أجرى له حكمهم في عدم الاطلاع ~~على باطن الأمور؛ ليكون حكم الأمة في ذلك حكمه، فأجرى الله تعالى حكمه في ~~ذلك على الظاهر، الذي يستوي فيه هو وغيره؛ ليصح الاقتداء به، وتطيب نفوس ~~العباد للانقياد للأحكام الظاهرة من غير نظر إلى الباطن، وقد ذهب إلى ما دل ~~عليه الحديث الجمهور من علماء الإسلام وفقهاء الأمصار من الصحابة والتابعين ~~فمن بعدهم، إلا في الأحكام التي يوقعها الحاكم، وذلك مثل بيع مال المفلس ~~إذا باعه لقضاء دينه بعد أن ظهر للحاكم إفلاسه، فإنه ينفذ باطنا وظاهرا, ~~ولو كان في نفس الأمر موسرا؛ لأن امتناعه من القضاء يبيح (أ) بيع ماله ~~لقضاء غريمه، وكذا في فسخ اللعان فإنه ينفذ ظاهرا وباطنا ولو (ب) كان الزوج ~~كاذبا عليها في نفس الأمر، والخلاف لأبي حنيفة أن حكم الحاكم ينفذ ظاهرا ~~وباطنا، فلو حكم الحاكم بشهادة زور أن هذه المرأة زوجة فلان حلت له عند أبي ~~حنيفة، PageV10P025 # واحتج بما روي عن علي رضي الله عنه أن رجلا خطب امرأة فأبت، فادعى أنه ~~تزوجها وأقام شاهدين، فقالت المرأة (أ): إنهما شهدا بالزور، فزوجني أنت منه ~~فقد رضيت. فقال: شاهداك زوجاك (ب). وأمضى عليها النكاح. وكذا إذا حكم ~~بشهادة أن هذا ms2196 باع من زيد أرضا أو نحوها، فإنها تحل الأرض للمحكوم له، ~~للزومه العوض، واحتج أيضا من حيث النظر بأن الحاكم قضى بحجة شرعية فيما (ج) ~~له ولاية الإنشاء فيه، فجعل الإنشاء [تحرزا] (د)؛ لأنه يملك إنشاء العقود ~~والفسوخ، فإن له أن يبيع أمة زيد من عمرو حال خوف هلاكها لحفظها، وحال ~~الغيبة، وإنشاء النكاح على الصغيرة، والفرقة على العنين، فلو لم ينفذ باطنا ~~وقد حكم مثلا بطلاق هذه المرأة، لبقيت حلالا للزوج الأول باطنا وللثاني ~~ظاهرا، فلو حصل مع الثاني نزع، لحلت لثالث ورابع، ولا يخفى فحشه، ويوافق ~~أبو حنيفة أنه إذا حكم الحاكم بتقرير يد من هو ثابت على ملك شيء بيمينه ~~بعدأن عجز المدعي عن البينة، أو ببقاء زوجية امرأة بعد أن عجزت عن إقامة ~~الشهادة على الطلاق (ه) وكذا الحكم المطلق الذي لا ينضاف إلى عقد، وكذا ~~القصاص وما كان فيه بسبب محرم، كالحكم بزوجية امرأة وينكشف أنها رضيعة، أن ~~الحكم لا يحل للمحكوم له ما حكم به، كذا ذكره الإمام المهدي في "الغيث"، ~~وذكر PageV10P026 # النواوي في "شرح مسلم" (¬1) أن أبا حنيفة لا يقول بحل الأموال، وظاهره ~~الإطلاق، وفي "ملتقى الأبحر" في فقه الحنفية ما لفظه: والقضاء بحل (أ) أو ~~حرمة ينفذ ظاهرا وباطنا ولو بشهادة زور؛ إذا ادعى بسبب معين، وعندهما لا ~~ينفذ باطنا بشهادة الزور، فلو قامت بينة زور أنه تزوجها وحكم بها (ب) حل ~~لها تمكينه، خلافا لهما، وفي الأملاك المرسلة (¬2) لا ينفذ باطنا اتفاقا. ~~انتهى. وأجيب عن ذلك بأن الأثر المروي عن علي رضي الله عنه لم يثبت، أو أن ~~عليا رضي الله عنه لما حكم بالشهادة التي تعين الحكم لأجلها، فعلي مصيب في ~~حكمه بالنظر إلى سبب الحكم، وإن كان مخالفا في نفس الأمر للحقيقة، فلا ~~مقتضى للاحتياط بإعادة العقد بالنظر إليه، وإن كان المحكوم له لا يحل له ~~إمساكها، فهو زان في نفس الأمر، وإذا أقر على نفسه لزمه الحد، والمرأة لها ~~أن تدفعه عن نفسها في باطن الأمر، وأما قولهم: ms2197 إن الحاكم يملك إنشاء ~~العقود. فهو مسلم أنما أصدره من الإيقاعات نفذ ظاهرا وباطنا، وكذا في ~~الظنيات ينفذ الحكم ولو خالف مذهب المحكوم له، ويحل له ذلك عند الجمهور، ~~ولا يلزم منه أن ينفذ حكمه فيما كان الحكم لتقرير ملك بسبب قد تقدم، أو ~~نكاح، أو طلاق، أو غير ذلك، حيث لم يطابق الحقيقة، وقد نبه على ذلك قوله ~~تعالى: {ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى PageV10P027 # الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس} (¬1)، فنهي سبحانه وتعالى عن أكل ~~المال بحكم الحاكم وسماه سبحانه باطلا وإثما، فإن قيل: ظاهر الحديث أنه يقع ~~من النبي - صلى الله عليه وسلم - حكم في الظاهر مخالف للباطن، وقد اتفق ~~الأصوليون على أنه - صلى الله عليه وسلم - لا يقر على خطأ في الأحكام. أجيب ~~بأنه لا تعارض بين ما دل عليه الحديث وما قرره الأصوليون؛ لأن مرادهم فيما ~~حكم فيه - صلى الله عليه وسلم - باجتهاده، والأكثرون على جواز الخطأ، ولا ~~يقر عليه كما في قضية (أ) الأسارى، والإذن (ب) للمتخلفين، وأما الحكم ~~الصادر عن الطريق التي قد فرضت كالحكم بالبينة أو بيمين المحكوم عليه، فإنه ~~إذا كان مخالفا للباطن فلا يسمى الحكم خطأ، بل الحكم صحيح؛ لأنه (ج) على ~~وفق ما وقع به التكليف، ووجوب العمل بالشاهدين وإن كانا شاهدي زور فالتقصير ~~منهما (د)، وأما الحاكم فلا حيلة له في ذلك ولا عيب عليه بسببه، بخلاف ما ~~إذا أخطأ في الاجتهاد الذي صدر الحكم علي وفقه، مثل أن يحكم بأن الشفعة ~~-مثلا- للجار، وكان الحكم في ذلك -مثلا- في علم الله أنه لا يثبت إلا ~~للخليط، فإنه إذا كان مخالفا للحق الذي في حكم الله بناء على وحدة الحق، ~~فيثبت فيه الخطأ للمجتهد، وهو الذي تقدم في حديث عمرو، أو الإصابة ويكون له ~~أجر واحد أو أجران. PageV10P028 # وفي الحديث دلالة على أنه ينبغي للحاكم موعظة المتخاصمين وتحذيرهم من ~~الدعوى الباطلة، وأنه ليس للحاكم أن يحكم بما خطر له من غير استناد (أ) إلى ~~أمر يكون مقتضيا للحكم ms2198 من بينة أو غيرها, ولذلك قال: "ألحن بحجته". وعلى أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما يحكم بالظاهر ولا يلزمه غيره، إلا أنه ~~إذا قامت البينة بخلاف ما يعلمه الحاكم علما يقينا لم يجز له أن يحكم بما ~~قامت به البينة، ونقل بعضهم الاتفاق عليه وإن وقع الخلاف في القضاء بما ~~يعلم الحاكم. والله سبحانه أعلم. # 1163 - وعن جابر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يقول: "كيف تقدس أمة لا يؤخذ من شديدهم لضعيفهم! ". رواه ابن حبان (¬1). ~~وله شاهد من حديث بريدة عند البزار (¬2)، وآخر من حديث أبي سعيد عند ابن ~~ماجه (¬3). # أخرج حديث جابر أيضا ابن خزيمة وابن ماجه (¬4)، وفي الباب عن PageV10P029 # قابوس بن المخارق (ب) عن أبيه، رواه الطبراني وابن قانع (¬1)، وعن خولة ~~-غير منسوبة- به. يقال: إنها امرأة حمزة. رواه الطبراني وأبو نعيم (¬2). ~~وروى الحاكم والبيهقي (¬3) من حديث عثمان بن جبلة [عن شعبة] (ب)، عن سماك، ~~عن شيخ، عن أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب رفعه: "إن الله لا يقدس أمة ~~لا تأخذ للضعيف من القوي حقه وهو غير متعتع". ورواه الحاكم (¬4) من حديث ~~شعبة، عن سماك، عن عبد الله بن أبي سفيان بن الحارث به في قصة. قال ~~البيهقي: المرسل أصح. وقال الحاكم: بل الموصول صحيح، والمرسل مفسر لاسم ~~المبهم الذي في الموصول. هذا معنى كلامه. # قوله: "كيف تقدس أمة". أي كيف تطهر، والتقديس التطهير، والمراد التطهير ~~من الذنوب، ومنه بيت القدس لأنه يتطهر فيه من الذنوب. والاستفهام هنا ~~للإنكار، أي لا تطهير من الذنوب مع كونهم موصوفين بهذه الصفة. # والحديث فيه دلالة على وجوب إنكار المنكر ونصرة الضعيف لأخذ PageV10P030 # الحق له. # 1164 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول. "يدعى بالقاضي العدل يوم القيامة فيلقى من شدة الحساب ما ~~يتمنى أنه لم يقض بين اثنين في عمره". رواه ابن حبان وأخرجه البيهقي (¬1)، ~~ولفظه: "في تمرة". # الحديث أخرجوه عن عمران بن حطان الخارجي، قال ms2199 العقيلي (¬2): لا يتابع ~~عليه في الرواية عن عائشة، ولم يتبين لي سماعه منها. انتهى. قال المصنف ~~رحمه الله تعالى (¬3): وقع في رواية الإمام أحمد (¬4) من طريقه قال: دخلت ~~على عائشة فذاكرتها حتى ذكرنا القاضي. # والحديث فيه الدلالة على المبالغة في التحذير من الدخول في القضاء، ~~وتعظيم خطره، وعلى أن الحاكم يحاسب بما قضى به بين المتخاصمين. فنسأل الله ~~تعالى التجاوز والمسامحة بمنه وإحسانه. # 1165 - وعن أبي بكرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة". رواه البخاري (¬5). # الحديث فيه دلالة على اشتراط كون الحاكم ذكرا, ولا يصح تولية امرأة PageV10P031 # الحكم، وكذا غير الحكم من أعمال المسلمين العامة، وذلك لما يحتاج إليه ~~الوالي من كمال الرأي، ورأي المرأة ناقص، ولا سيما في محافل الرجال، وذهب ~~الحنفية إلى جواز تولية المرأة الحكم، إلا الحدود فلا تتولاها، وذهب ابن ~~جرير إلى صحة توليتها جميع الأحكام. # 1166 - وعن أبي مريم الأزدي رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "من ولاه الله شيئا من أمر المسلمين فاحتجب عن حاجتهم وفقيرهم، ~~احتجب الله دون حاجته". أخرجه أبو داود والترمذي (¬1). # أبو مريم الأزدي هو صحابي، روى عنه ابن عمه أبو الشماخ وأبو المعطل ~~والقاسم بن مخيمرة. # الحديث أخرجه الحاكم (¬2) وأبو داود من حديث القاسم بن مخيمرة، عن أبي ~~مريم، وفيه قصة له مع معاوية، وأورد الحاكم (¬3) له شاهدا عن عمرو بن مرة ~~الجهني، وعنه رواه أحمد والترمذي (¬4)، ورواه الطبراني في "الكبير" (¬5) من ~~حديث ابن عباس بلفظ: "أيما أمير احتجب عن الناس فأهمهم احتجب الله عنه يوم ~~القيامة". وقال ابن أبي حاتم (¬6) عن أبيه في هذا الحديث: منكر. # وفيه دلالة على أنه يجب على من ولي من أمر المسلمين تسهيل PageV10P032 # الحجاب؛ ليصل إليه ذو الحاجة فيقضي حاجته، والفقير فيعطه من مال الله ~~الذي يسد خلته، وأن من لم يفعل ذلك منعه الله تعالى فضله ورحمته، وكنى عن ~~ذلك بالحجاب. # 1167 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ms2200 لعن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - الراشي والمرتشي في الحكم. رواه أحمد والأربعة وحسنه الترمذي وصححه ~~ابن حبان (¬1). وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو عند الأربعة إلا النسائي (¬2). # وحديث ابن عمرو بهذا اللفظ ولم يذكر لفظ: في الحكم. في رواية أبي داود، ~~وزادها الترمذي، [قال الترمذي] (أ): وقواه الدارمي. # قوله: الراشي. هو المعطي، والمرتشي. الآخذ، وزاد أحمد (¬3): والرائش. وهو ~~الذي يمشي بينهما، وهو السفير بين الآخذ والدافع وإن لم يأخذ على سفارته ~~أجرا، فإن أخذ فهو أبلغ، والرشوة يدخل في إطلاقها رشوة الحاكم ورشوة العامل ~~على أخذ الصدقات، وهي حرام بالإجماع. PageV10P033 # كذا قال في "شرح سنن أبي داود" لابن رسلان، ونقله الإمام المهدي عن "شرح ~~الإبانة" في "الغيث". ويدل على تحريمها أيضا قوله تعالى: {أكالون للسحت} ~~(¬1). قال الحسن وسعيد بن جبير (¬2) في "تفسيره": هي الرشوة. وقال مسروق ~~(¬3): سألت ابن مسعود عن السحت: أهو الرشوة في الحكم؟ قال: لا، {ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} و {الظالمون} و {الفاسقون}، ولكن ~~السحت أن يستعينك الرجل على مظلمة فيهدي لك، [فإن أهدى لك] (أ) فلا تقبل. ~~وقال أبو وائل شقيق بن سلمة أحد أئمة التابعين: القاضي إذا أخذ الهدية فقد ~~أكل السحت، وإذا أخذ الرشوة بلغت به الكفر. رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" ~~(¬4) بإسناد صحيح، وإنما استحقا العقوبة معا لاستوائهما في القصد و (ب) ~~الإرادة، وأما إذا أعطى المعطي ليتوصل إلى حق، أو يدفع عن نفسه ظلما، فإنه ~~لا يدخل في الوعيد، وقد أخذ ابن مسعود بأرض الحبشة في شيء فأعطى دينارين ~~حتى خلي سبيله (¬5)، وقال الحسن والشعبي (¬6): لا بأس بذلك وكذا الأخذ، PageV10P034 # إنما يستحق الوعيد حيث كان (أما أخذه أ) على حق يلزمه أداؤه، أو على باطل ~~يجب عليه تركه، ولكن لا يفعل ما ذكر حتى يصانع ويرشي، فإنها (ب) رشوة، وأما ~~إذا كان الحق لا يلزمه فعله، والترك لا يجب عليه، فالظاهر جواز الأخذ. # 1168 - وعن عبد (ج) الله بن الزبير رضي الله عنه ms2201 قال: قضى رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - أن الخصمين يقعدان بين يدي الحاكم. رواه أبو داود ~~وصححه الحاكم (¬1). # وأخرجه أحمد والبيهقي (¬2)، وقد أخرجوه من حديث مصعب بن ثابت بن عبد الله ~~بن الزبير، وقد ضعفه يحيى بن معين (¬3) وابن حبان (¬4). وقال الذهبي في ~~"الكاشف" (¬5): فيه لين؛ [لغلطه] (د). ولم يزد على ذلك، وقال PageV10P035 # ابن رسلان: روى عن جده مرسلا، وعن أبيه وعمه عامر. قال أبو حاتم (¬1): ~~صدوق كثير الغلط. وقال النسائي (¬2) وغيره: ليس بالقوي. # وقد جاء في حديث علي الذي مر: "فإذا جلس الخصمان بين يديك". والحديث ~~ظاهره يدل على أنه يتعين قعود الخصمين بين يدي الحاكم من غير تفرقة بين أن ~~يستويا أو لا؛ وذلك لما فيه من العدل بينهما والإقبال عليهما. قال الماوردي ~~(¬3): ولا يسمع منهما الدعوى وهما قائمان. قال ابن رسلان (¬4): إذا كانا ~~شريفين جلس أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله. انتهى. وهذا التخصيص يحتاج ~~إلى دليل، والله أعلم. PageV10P036 ### || AUTO باب الشهادات # هي جمع شهادة، وهي مصدر شهد يشهد، جمع المصدر لما أريد به أنواع ~~الشهادات. قال الجوهري (¬1): الشهادة خبر قاطع، والمشاهدة المعاينة، مأخوذة ~~من الشهود، أي: الحضور؛ لأن الشاهد مشاهد لما غاب عن غيره. وقيل: مأخوذة من ~~الإعلام. # 1169 - عن زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "ألا أخبركم بخير الشهداء؟ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها". ~~رواه مسلم (¬2). # الحديث فيه دلالة على أن الأفضل للشاهد أن يأتي بشهادته قبل أن يسأله من ~~له الشهادة أن يشهد له، وظاهر هذا معارض لحديث عمران المذكور عقيب هذا، ~~فإنه جعل الشهادة قبل أن يستشهد من صفات الذم للآتين بعد القرون التي فيها الخير. # واختلف العلماء في الترجيح فجنح ابن عبد البر (¬3) إلى ترجيح حديث زيد بن ~~خالد؛ لكونه من رواية أهل المدينة، فقدمه على رواية أهل العراق، وبالغ فزعم ~~أن حديث عمران لا أصل له، وجنح غيره إلى ترجيح حديث عمران؛ لاتفاق ~~"الصحيحين" على إخراجه، وحديث زيد من أفراد مسلم، ms2202 PageV10P037 # وذهب آخرون إلى الجمع بينهما، وأجابوا بأجوبة في الجمع (أ)؛ أحدها: أن ~~المراد بحديث زيد أنه إذا كان عند الشاهد شهادة بحق لا يعلم بالشهادة صاحب ~~الحق فيأتي إليه فيخبره بها، أو يموت صاحبها العالم بها ويخلف ورثة فيأتي ~~الشاهد إليهم أو إلى من يتحدث عنهم فيعلمهم بذلك. وهذا أحسن الأجوبة، وقد ~~أجاب به يحيى بن سعيد شيخ مالك ومالك وغيرهما. # الثاني: المراد به شهادة الحسبة، وهي ما لا تتعلق بحقوق الآدميين المختصة ~~بهم (ب) محضا، ويدخل في الحسبة ما يتعلق بحق الله أو ما فيه شائبة؛ كالعتاق ~~والوقف والوصية العامة والعدة والطلاق والحدود ونحو ذلك، وحديث عمران مراد ~~به الشهادة في حقوق الآدميين المحضة. # الثالث: أن المراد بقوله: "أن يأتي بالشهادة قبل أن يسألها". هو المبالغة ~~في الإجابة، فيكون لقوة استعداده كالذي أتى بها قبل أن يسألها, كما يقال في ~~حق الجواد: إنه ليعطي قبل الطلب. # وهذه الأجوبة مبنية على أن الشهادة عند الحاكم لا تصح أن تؤدى قبل أن ~~يطلبها صاحب الحق. وذهب البعض إلى جواز أداء الشهادة قبل السؤال على ظاهر ~~عموم حديث زيد، وتأول حديث عمران بتأويلات؛ أحدها: أنه محمول على شهادة ~~الزور، أي يؤدون شهادة لم يسبق لهم تحملها، وهذا حكاه الترمذي (¬1) عن بعض ~~أهل العلم. ثانيها: المراد بها الشهادة في الحلف، PageV10P038 # والمراد أن يأتي بالشهادة بلفظ الحلف بأن يقول الرجل: أشهد بالله ما كان ~~إلا كذا. وهذا جواب الطحاوي (¬1). ثالثها: أن المراد الشهادة على ما لا ~~يعلم ما سيكون من الأمور المستقبلة، فيشهد على قوم بأنهم من أهل النار، ~~وعلى قوم بأنهم من أهل الجنة، بغير دليل، كما يصنع ذلك أهل الأهواء. حكاه ~~الخطابي (¬2). رابعها: أن ينتصب شاهدا وليس من أهل الشهادة. خامسها: أن ~~يتسارع إلى الشهادة وصاحبها يعلم أنه شاهد له من قبل أن يسأله. والله أعلم. # 1170 - وعن عمران بن حصين رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم ms2203 يكون ~~قوم يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر ~~فيهم السمن". متفق عليه (¬3). # قوله: "إن خيركم قرني". القرن أهل زمان واحد متقارب اشتركوا في أمر من ~~الأمور المقصودة، ويقال: إن ذلك مخصوص بما إذا اجتمعوا في زمن [نبي] (أ) أو ~~رئيس يجمعهم على ملة أو مذهب أو عمل، ويطلق القرن على PageV10P039 # مدة من الزمان، واختلفوا في تحديدها من عشرة أعوام (أإلى مائة أ) وعشرين. ~~قال المصنف (¬1) رحمه الله تعالى: إنه لم ير من صرح بالتسعين ولا بمائة ~~وعشرة، وما عدا ذلك فقد قال به قائل. وذكر في "القاموس" (¬2) إطلاقه من ~~العشرة إلى مائة وعشرين، ولم يذكر فيها التسعين، ورجح الإطلاق على المائة، ~~وذكر الجوهري (¬3) الثلاثين والثمانين، وقد وقع في حديث عبد الله بن (ب) ~~بسر عند مسلم (¬4) ما يدل على أن القرن مائة. وقال صاحب "المطالع" (¬5): ~~القرن أمة هلكت فلم يبق منهم أحد. ولم يذكر صاحب "المحكم" (¬6) الخمسين، ~~وذكر من عشر إلى تسعين (¬7)، وهو القدر المتوسط من أعمار (ج) أهل كل زمن، ~~وهذا أعدل الأقوال، وبه صرح ابن الأعرابي وقال: إنه مأخوذ من الأقران. # والمراد بقرن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث الصحابة، وفي ~~صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - PageV10P040 # قوله: "وبعثت من خير قرون بني آدم" (¬1). وفي رواية بريدة عند أحمد (¬2): ~~"خير هذه الأمة القرن الذي بعثت فيهم". وقد ظهر أن الذي بين البعثة وآخر من ~~مات من الصحابة مائة سنة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل على الاختلاف ~~في وفاة أبي الطفيل، وإن اعتبر ذلك بعد وفاته - صلى الله عليه وسلم - فيكون ~~مائة سنة أو تسعين أو سبعا وتسعين. وأما قرن التابعين فإن اعتبر من سنة ~~مائة كان نحو سبعين أو ثمانين، وأما الذين بعدهم فإن اعتبر منها كان نحوا ~~من خمسين، فظهر بذلك أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار أهل كل زمان، والله ~~أعلم. واتفق أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله من عاش إلى ~~حدود العشرين ومائتين، ms2204 وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورا فاشيا وتغيرت ~~الأحوال تغيرا شديدا ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن. # وقوله: "ثم الذين يلونهم". أي القرن الذي بعدهم وهم التابعون. "ثم الذين ~~يلونهم". وهم أتباع التابعين، وهذا يقضي بأن الصحابة أفضل من التابعين، وأن ~~التابعين أفضل من أتباعهم، وظاهر التفضيل أنه بالنظر إلى كل فرد فرد، وقد ~~ذهب إلى هذا الجمهور، وذهب ابن عبد البر (¬3) إلى أن التفضيل إنما هو ~~بالنسبة إلى مجموع الصحابة، فإنهم أفضل ممن بعدهم لا كل فرد منهم، واحتج ~~على ذلك بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "مثل أمتي مثل المطر لا يدرى خير ~~أوله أم آخره". وهو حديث حسن له طرق قد يرتقي بها إلى الصحة، PageV10P041 # وإن كان النووي في "فتاويه" نسبه إلى "مسند أبي يعلى" (¬1) من حديث أنس ~~بإسناد ضعيف، وغفل عن رواية الترمذي (¬2) له بإسناد أقوى منه من حديث أنس ~~أيضا، وصححه ابن حبان (¬3) من حديث عمار، ويقويه ما أخرجه ابن أبي شيبة ~~(¬4) من حديث عبد الرحمن بن جبير بن نفير أحد التابعين بإسناد حسن قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليدركن المسيح أقواما إنهم لمثلكم أو ~~خير -ثلاثا- ولن يخزي الله أمة أنا أولها والمسيح آخرها". وأخرج أبو داود ~~والترمذي (¬5) من حديث ثعلبة رفعه: "تأتي أيام للعامل فيهن أجر خمسين". ~~قيل: منهم أو منا يا رسول الله؟ قال: "بل منكم". واحتج ابن عبد البر (¬6) ~~أيضا بحديث عمر رفعه: "أفضل الخلق إيمانا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ~~ولم يروني". أخرجه الطيالسي (¬7) وغيره لكن إسناده ضعيف فلا حجة فيه. وروى ~~أحمد والدارمي والطبراني (¬8) من حديث أبي جمعة قال: قال أبو عبيدة: يا ~~رسول الله، أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك. قال: "قوم يكونون من ~~بعدكم، يومنون بي ولم يروني". وإسناده حسن، وقد صححه الحاكم (¬9)، واحتج من ~~حيث القياس بأن السبب في كون القرن PageV10P042 # الأول خير القرون، أنهم كانوا غرباء في إيمانهم؛ لكثرة الكفار، وصبرهم ~~على أذاهم، وتمسكهم بدينهم. قال: فكذلك أواخرهم إذا أقاموا الدين ms2205 وتمسكوا ~~به وصبروا على الطاعة حين ظهرت المعاصي والفتن -كانوا أيضا غرباء، وزكت ~~أعمالهم في ذلك كما زكت أعمال أولئك، شهد له ما رواه مسلم (¬1) عن أبي ~~هريرة رفعه: "بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ، فطوبى للغرباء". ~~وأجيب عليه بالآيات الواضحة النيرة والأحاديث الصحيحة كحديث "الصحيحين" ~~(¬2): "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". و [هكذا] ~~(أ) حديث عمران وغيرهما من الأحاديث المصرحة بأفضلية الصحابة على غيرهم، ~~واستثنى ابن عبد البر (¬3) أهل بدر والحديبية؛ فقال بأفضليتهم على غيرهم، ~~وجمع الجمهور بين الأحاديث بأن الصحبة لها فضيلة ومزية لا يوازيها (ب) شيء ~~من الأعمال؛ فلمن صحب النبي - صلى الله عليه وسلم - فضيلتها وإن قصر عمله ~~وأجره باعتبار الاجتهاد في العبادة، وتكون خيرية من سيأتي من المذكورين ~~باعتبار كثرة الأجر بالنظر إلى ثواب الأعمال، وهذا قد يكون في حق بعض من ~~الصحابة، وأما مشاهير الصحابة فإنهم حازوا مراتب السبق في كل نوع من أنواع ~~الخير، PageV10P043 # وبهذا يحصل الجمع بين الأحاديث، وأيضا فإن المفاضلة بين الأعمال بالنظر ~~إلى الأعمال المتساوية في النوع، وفضيلة الصحبة مختصة بالصحابة لم يكن فيمن ~~عداهم شيء من ذلك النوع، وأما حديث أبي جمعة فلم تتفق الرواة (أ) على لفظه؛ ~~فقد رواه بعضهم بلفظ الخيرية، ورواه بعضهم بلفظ: قلنا: يا رسول الله، هل من ~~قوم أعظم منا أجرا؟ الحديث. أخرجه الطبراني (¬1)، وإسناد هذه الرواية أقوى ~~من إسناد الرواية المتقدمة، وأجاب النووي عن حديث: "مثل أمتي مثل المطر". ~~بما حاصله أن المراد ممن يشتبه عليه الحال في ذلك من أهل الزمان الذين ~~يدركون عيسى بن مريم - عليه السلام - ويرون ما في زمانه من الخير والبركة ~~وانتظام كلمة الإسلام ودحض أمر الكفر، فيشتبه الحال على من (ب) شاهد ذلك أي ~~الزمانين خير. وهذا الاشتباه مندفع بصريح قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"خير القرون قرني (ج) ". # وذكر في حديث عمران قرنين (ه) بعده، وكذا في حديث عائشة عند مسلم (¬2)، ~~وكذا عند الطبراني وسمويه (و) (¬3) من حديث بلال ms2206 بن سعد عن PageV10P044 # أبيه، وكذا من حديث عمر عند الطيالسي (¬1)، ووقع في حديث جعدة بن هبيرة ~~عند ابن أبي شيبة والطبراني (¬2) إثبات ثلاثة بعد قرن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، ورجاله ثقات، إلا أن جعدة مختلف في صحبته، ووقع في رواية ~~البخاري (¬3) لحديث عمران شك؛ قال: فلا أدري ذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة. ~~ووقع مثل هذا الشك في حديث ابن مسعود وأبي هريرة عند مسلم (¬4)، وفي حديث ~~بريدة عند أحمد (¬5). # وقوله: "ثم يكون بعدهم قوم". إلخ. ظاهر هذا أنه (أ) لم يكن في القرون ~~الثلاثة من يتصف بهذه الصفات، والظاهر في القرنين بعد الصحابة أنه قد كان ~~فيهم من هو متصف بالصفات المذمومة، ولكن هذا بحسب الأغلب. وقد استدل بهذا ~~الحديث على تعديل القرون الثلاثة وإن تفاوتت منازلهم في الفضل، ولكنه محمول ~~على الأغلب. # وقوله: "يخونون". بالخاء المعجمة والواو، مشتق من الخيانة، وهو كذا في ~~جميع نسخ البخاري، وزعم ابن حزم (¬6) أنه وقع في نسخته: PageV10P045 # "يحربون (أ) ". بسكون الحاء المهملة وبالراء بعدها باء موحدة، قال: فإن ~~كان محفوظا فهو من قولهم: حربه يحربه. إذا أخذ ماله (ب) وتركه بلا شيء، ~~ورجل محروب أي مسلوب. # وقوله: "ولا يؤتمنون". من الأمانة، أي: لا يثق الناس بهم ولا يعتقدونهم ~~أمناء. بأن تكون خيانتهم ظاهرة بحيث لا يبقى للناس اعتماد عليهم. ووقع في ~~أكثر نسخ مسلم: "ولا يتمنون". بتشديد التاء الفوقانية مثل قراءة ابن محيصن: ~~(فليؤد الذي اتمن) بالإدغام (¬1). # وقوله: "وينذرون". بفتح أوله وكسر الذال المعجمة وضمها، تقدم الكلام على ~~النذر (¬2). # وقوله: "ويظهر فيهم السمن". بكسر السين المهملة وفتح الميم بعدها نون، ~~أي: يحبون التوسع في المآكل والمشارب. وهي أسباب السمن، والمراد ذم من قصد ~~إلى حصوله لا من خلق كذلك. وقيل: أراد كثرة المال. وقيل: إنهم يتسمنون. أي ~~يتكثرون (ج) بما ليس فيهم، ويدعون ما ليس لهم من الشرف، وقد جاء في حديث ~~الترمذي (¬3) عن عمران بن حصين بلفظ: PageV10P046 # "ثم يجيء قوم يتسمنون ويحبون السمن". فجمع بين السمن أي التكثر (أ) بما ms2207 ~~ليس عنده وتعاطي أسباب السمن الحقيقي. # 1171 - وعن عبد الله بن عمرو (ب) رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر على ~~أخيه، ولا تجوز شهادة القانع لأهل البيت". رواه أحمد وأبو داود (¬1). # أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، ولفظ أبي داود: أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رد شهادة الخائن والخائنة. الحديث. وأخرج ~~الحديث ابن ماجه والبيهقي (¬2) أيضا، وسنده قوي، وساقه في "البدر المنير" ~~(¬3) من خمس طرق عن عمرو بن شعيب، وأخرجه الترمذي والدارقطني والبيهقي (¬4) ~~من حديث عائشة بلفظ: "لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة، ولا ذي غمر لأخيه، ولا ~~ظنين [في ولاء] (ج) ولا قرابة". وفيه يزيد بن زياد الشامي الواسطي، وهو ~~ضعيف (¬5)، وقال الترمذي (¬6): لا يعرف هذا من حديث الزهري إلا من هذا ~~الوجه، ولا يصح عندنا إسناده. وقال أبو زرعة PageV10P047 # في "العلل": منكر. وضعفه عبد الحق وابن حزم وابن الجوزي (¬1)، ورواه ~~الدارقطني والبيهقي (¬2) من حديث عبد الله بن عمر، وفيه عبد الأعلى (¬3)، ~~وهو ضعيف، وشيخه يحيى بن سعيد الفارسي (¬4)، وهو ضعيف. قال البيهقي (¬5): ~~لا يصح من هذا شيء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. # قوله: "الخائن والخائنة". ظاهره الخيانة في الأموال، كخيانة الوديعة، ~~والتطفيف بالكيل والوزن. وقال أبو [عبيد] (أ) (¬6): لا نراه خص به الخيانة ~~في أمانات الناس دون ما افترض الله على عباده وائتمنهم عليه؛ فإنه قد سمى ~~ذلك أمانة: قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول ~~وتخونوا أماناتكم} (¬7). فمن ضيع شيئا مما أمر الله تعالى به أو ركب ما نهى ~~عنه فليس ينبغي أن يكون عدلا. انتهى. # وقوله: "ولا ذي غمر": بكسر الغين المعجمة وسكون الميم بعدها راء مهملة، ~~فسره أبو داود (¬8) بالحنة، بكسر الحاء المهملة وتخفيف النون PageV10P048 # المفتوحة، لغة في الإحنة، وهو الحقد والشحناء، بالمد، والمراد به ~~العداوة. # وقوله: "على أخيه". المراد به السلم، والمقصود من ذكره التنبيه بأنه لا ms2208 ~~يحسن الحقد والعداوة بين المسلمين؛ لأنهم إخوة، وهو بحسب الأغلب، وإلا ~~فالكافر كذلك، لا يصح أن يشهد عليه وبينهما عداوة على سبب غير المخالفة في الدين. # وقوله: "القانع لأهل البيت". المراد به الخادم، والقانع المنقطع إلى ~~خدمتهم ويتبع حوائجهم وموالاتهم عند الحاجة. وتمام الحديث: وأجازها لغيرهم. ~~أي أجاز شهادة القانع لغير أهل البيت. # والعلة في رد شهادة المذكورين المناسبة لشرعية هذا الحكم، هو أن الشهادة ~~مبناها على تحصيل الظن المشهود عنده ليعمل (أ) بمقتضى ما شهدوا به، والخائن ~~غير موثوق بخبره؛ لأنه إذا لم يكن له تقوى تردعه عن ارتكاب محظورات الدين، ~~لم يكن له ما يردعه عن ارتكاب الكذب، فلا يحصل الظن بصدق خبره؛ لأنه مظنة ~~تهمة، أو مسلوب أهلية الشهادة والإخبار، وكذلك ذو الحقد والشحناء متهم في ~~تحري الصدق؛ لمحبته إنزال الضرر بمن قد حقد عليه، وأما قبول شهادة المسلم ~~على الكافر، وإن كان بينهما عداوة، (ب فهي عداوة دين، وعداوة ب) الدين لا ~~تقضي بأن يشهد عليه زورا؛ فإن الدين لا يسوغ ذلك، وكذا القانع إذا شهد لمن ~~هو خادم له فهو مظنة تهمة؛ لأنه يجلب لنفسه استمرار النفع عند من هو تابع ~~(ج) له، ويلحق به الوكيل والوصي، فلا تصح شهادتهما فيما لهما فيه التصرف. # والحديث فيه دلالة على اشتراط عدالة الشاهد على وفق قوله تعالى: PageV10P049 # {وأشهدوا ذوي عدل منكم} (¬1). فإن الخيانة إذا كانت في مال له خطر فذلك ~~غصب وأكل مال المسلم بغير حق، وكذلك عدم الوفاء بما افترض الله على عباده، ~~إذا كان ذلك مما هو واجب قطعي فهو كبيرة، ومرتكب الكبيرة غير عدل؛ لأن ~~العدالة في عرف الشرع محافظة دينية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، أو ~~ملكة نفسانية تحمل على ملازمة التقوى والمروءة، وهي تحقق باجتناب الكبائر ~~وعدم الإصرار على الصغائر، واجتناب خصال الخسة، وهي ما لا يفعلها أمثاله من ~~أهل زمانه ومكانه. قال الإمام يحيى والغزالي: فحمل [ذي] (أ) المنصب العالي ~~المتاع من السوق إلى بيته لا على وجه المجاهدة لنفسه جرح. ms2209 # والكافر الصريح الحربي لا تقبل شهادته على المسلم إجماعا, ولا على كافر ~~مثله أو غيره عند الأكثر، وذهب الحسن البصري وعثمان البتي وحماد وأبو حنيفة ~~وأصحابه إلى أنه تقبل شهادته على كافر ولو خالفه في الاعتقاد؛ إذ الكفر ملة ~~واحدة، وذهب الشعبي وداود والحكم وإسحاق وأبو عبيد (ب) وبعض الهدوية، وهو ~~المبني عليه عند المتأخرين منهم، إلى أنه تقبل على أهل ملته ولا تقبل على ~~غيرهم للعداوة، ولا تقبل [من] (أ) الذمي على المسلم إجماعا في غير الوصية ~~في السفر، وفيها خلاف أبي موسى الأشعري وابن PageV10P050 # أبي ليلى وشريح والنخعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل، وذهب إليه المنصور ~~بالله؛ لقوله تعالى: {أو آخران من غيركم} (¬1). # وأما صاحب البدعة التي تئول بدعته إلى كفر أو فسق عند من يقول بكفر ~~التأويل وفسقه؛ فالجمهور أنه تقبل شهادته وخبره، وكذا فسق التأويل، وفاسق ~~(أالجارحة لا تصح شهادته أ) إجماعا، للآية الكريمة وهذا الحديث، وإنما كان ~~خصال الخسة جرحا؛ لأن ترك المروءة دليل عدم الحياء الذي هو مظنة الجرأة؛ ~~لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا لم تستحي فاصنع ما شئت" (¬2). # وأما ذو الغمر فذهب إلى أن شهادته لا تقبل الهدوية ومالك والشافعي وأحمد؛ ~~لهذا الحديث، وذهب المؤيد بالله وأبو حنيفة إلى أن شهادته تقبل؛ قالوا: لأن ~~العدالة تمنع التهمة. والجواب: السنة منعت وقد صار مظنة تهمة، والنفس طموح. # وأما شهادة القانع فذهب إلى أنها لا تقبل الهادي والقاسم والناصر ~~والشافعي؛ قالوا: لاستغراق منافعه فأشبه العبد، وهو الذي يعبر عنه بالأجير ~~الخاص الذي منافعه مستغرقة لمن تبعه. وأما الأجير المشترك فتصح شهادته فيما ~~لا يتعلق بعمله، والخلاف للمؤيد بالله أنها لا تصح شهادة الأجير مطلقا، ~~وذلك لما يلحق من التهمة بالمحاباة. PageV10P051 # وأما المحاباة بالقرابة ففيها تفصيل وخلاف مستوفى في الفروع. وكذا بالرق ~~والولاء، فالعبد (أ) لسيده إلا يصح إجماعا، وأما لغيره ففيه خلاف. # 1172 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "لا تجوز شهادة بدوي على صاحب ms2210 قرية". رواه أبو داود وابن ماجه (¬1). # البدوي: هو من سكن البادية، والنسبة على خلاف القياس، والقياس بادوي، ~~ومسكنه المضارب والخيام، وهو غير مقيم في موضع خاص، بل يرتحل من مكان إلى ~~مكان، كذا ذكره ابن رسلان في "شرح سنن أبي داود"، ولم يذكر في "القاموس" ~~ولا في "الضياء" ولا في "النهاية" هذا التفسير. والقرية بفتح القاف ~~وبكسرها: المصر الجامع، والنسبة إليها قريي، وقروي. # والحديث فيه دلالة على أن شهادة البدوي لا تصح على القروي، وأما على مثله ~~فتصح، وقد ذهب إلى هذا أحمد بن حنبل وجماعة من أصحابه، قال أحمد: أخشى ألا ~~تقبل شهادة البدوي على صاحب القرية لهذا الحديث، ولأنه متهم حيث عدل عن أن ~~يشهد قرويا وأشهد بدويا. وذهب إلى هذا أبو [عبيد] (ب)، وكذا قال مالك إلا ~~أنه استثنى الدماء فتقبل فيها PageV10P052 # احتياطا للدماء، وعلل هذا في "النهاية" (¬1)، قال: إنما كره شهادة البدوي ~~لما فيه من الجفاء في الدين والجهالة بأحكام الشرع، ولأنهم في الغالب لا ~~يضبطون الشهادة على وجهها. وذهب الأكثر ومنهم الهدوية والشافعي وأبو حنيفة ~~وابن سيرين وأبو ثور، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة إلى قبول شهادتهم، ~~وحملوا الحديث على من لم تعرف عدالته من أهل البادية، والغالب عليهم أن ~~عدالتهم غير معروفة. واحتج الإمام المهدي على ذلك في "البحر" بما ثبت من ~~قبول النبي - صلى الله عليه وسلم - للأعرابي في شهادة رمضان (¬2). # 1173 - وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه خطب فقال: إن أناسا كانوا ~~يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وإن الوحي قد ~~انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم. رواه البخاري (¬3). # الحديث تمامه: فمن أظهر لنا خيرا أمناه وقربناه وليس إلينا (أ) من سريرته ~~شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه ولم نصدقه وإن ~~قال: إن سريرته حسنة. # فيه دلالة على أنه تقبل شهادة من لم توجد منه ريبة بالنظر إلى ظاهر ~~الحال، وأنه يكفي في التعديل ما يظهر من حال ms2211 المعدل من الاستقامة من غير ~~كشف عن سريرته؛ لأن ذلك متعذر، وكان في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قد يطلع PageV10P053 # على معرفة سريرة البعض بالوحي، وقد انقطع الوحي بموته - صلى الله عليه ~~وسلم -. # وقوله: أمناه. بفتح الهمزة وكسر الميم وتشديد النون. # 1174 - وعن أبي بكرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، أنه ~~عد شهادة الزور في أكبر الكبائر. متفق عليه في حديث (¬1). # الحديث في البخاري قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "ألا أنبئكم بأكبر ~~الكبائر؟ " ثلاثا. قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "الإشراك بالله، وعقوق ~~الوالدين". وجلس وكان متكئا فقال: "ألا وقول الزور". فما زال يكررها حتى ~~قلنا: ليته سكت. # الحديث فيه دلالة على تعظيم إثم شهادة الزور، والمراد بها أن يشهد الشاهد ~~بما لا يعلمه. قال الثعلبي في "تفسيره" (¬2): أصل الزور تحسين الشيء ووصفه ~~بخلاف صفته، حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فهو تمويه ~~الباطل بما يوهم أنه حق، وقد جعلها مساوية للشرك في أنها من أكبر الكبائر. ~~قال النووي (¬3): وليس هو على ظاهره المتبادر؛ وذلك لأن الشرك أكبر منها ~~بلا شك، وكذلك القتل، فلا بد من تأويله، وفي تأويله ثلاثة أوجه؛ أحدها: ~~الحمل على الكفر، فإن الكافر شاهد بالزور وقائل به. والثاني: الحمل على ~~المستحل ويصير بذلك كافرا. الثالث: أن التفضيل لها PageV10P054 # بالنظر إلى ما يناظرها في المفسدة، فهي أكبر مما يناظرها في المفسدة، وهي ~~التسبب إلى أكل المال بالباطل، وهذا التأويل هو متعين؛ لأن الحمل على الكفر ~~بعيد؛ فإنه قد ذكر الإشراك بالله، ولأنه خرج مخرج الزجر عن شهادة الزور في ~~الحقوق المالية، وأما قبح الكفر وكونه أكبر الكبائر فذلك معروف ولا يتشكك ~~فيه أحد من أهل القبلة، وظاهر الحديث أنه لا فرق في شهادة الزور بين أن ~~يكون المشهود به حقيرا أو عظيما، وقد يحتمل أن يقال مثل ما تقدم في حد ~~الكبيرة. انتهى كلام النووي مع تصرف فيه. # وفي تمام الحديث تهويل وتحذر؛ فإنه - صلى ms2212 الله عليه وسلم - جلس وكان ~~متكئا، ثم أتى بحرف التنبيه؛ ليلقي الخاطب سمعه لما يحذر منه، ثم أعاد ~~اللفظ ثلاث مرات، ولعل سبب الاهتمام بذلك كون قول الزور أو شهادة الزور ~~أسهل وقوعا على اللسان، والتهاون بها أكثر؛ فإن الإشراك ينبو عنه قلب ~~المسلم، والعقوق يصرف عنه حسن الطبع وكرم الخلق، وأما الزور فالحوامل عليه ~~كثيرة؛ كالعداوة والحسد وغيرهما، [فاحتيج] (أ) إلى الاهتمام بتعظيمه، ولأن ~~الإشراك مفسدته قاصرة لا (ب) تتعدى إلى غير المشرك القائم به الإشراك، وأما ~~المعبود فهو الغني عن الخلق، له ما في السماوات وما في الأرض، وقول الزور ~~متعد إلى المقول فيه؛ كما قال تعالى: {ومن يكسب خطيئة أو إثما ثم يرم به ~~بريئا فقد احتمل بهتانا وإثما مبينا} (¬1). وقد جاء في لفظ في البخاري: ~~"ألا وقول الزور PageV10P055 # وشهادة الزور" (¬1). وهو يحتمل أن يكون من عطف الخاص على العام، أو من ~~عطف الشيء على نفسه، زيادة في التحذير. # وقوله: حتى قلنا: ليته سكت. أي شفقة عليه وكراهية لما يزعجه، مما يدل على ~~نكارة الحال وشدتها، وهذا منهم لما كانوا عليه من الأدب معه - صلى الله ~~عليه وسلم - والمحبة والشفقة عليه. # 1175 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لرجل: "ترى الشمس؟ ". قال: نعم. قال: "على مثلها فاشهد أو دع". أخرجه ابن ~~عدي بإسناد ضعيف وصححه الحاكم فأخطأ (¬2). # الحديث أخرجه أيضا العقيلي وأبو نعيم في "الحلية" والبيهقي (¬3) من حديث ~~طاوس عن ابن عباس أنه سئل - صلى الله عليه وسلم - عن الشهادة فقال للسائل: ~~"ترى الشمس؟ ". قال: نعم. قال: "على مثلها فاشهد أو دع". وفي إسناده محمد ~~بن سليمان بن مشمول (أ) (¬4) ضعفه النسائي (¬5)، وقال البيهقي: لم يرو من ~~وجه يعتمد عليه. PageV10P056 # الحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز للشاهد أن يشهد إلا على ما يعلمه علما ~~يقينا كما يعلم الشمس بالمشاهدة، ولا تجوز الشهادة بالظن، فإن كانت الشهادة ~~على فعل فلا بد من رؤية ذلك الفعل، وإن كانت على صوت فلا ms2213 بد من سماع ذلك ~~الصوت ورؤية المصوت، أو التعريف بالمصوت بعدلين، أو عدل عند من يكتفي به، ~~إلا في مواضع فيجوز الشهادة بالظن، وبوب البخاري لذلك بقوله: باب الشهادة ~~على الأنساب والرضاع المستفيض، والموت القديم (¬1)، فعقد هذه الترجمة. وذكر ~~في الباب أربعة أحاديث في إثبات الرضاع، وثبوته إنما هو بالاستفاضة فيها، ~~لم يذكر فيها شهادة على رؤية الرضاع، وأشار بذلك إلى ثبوت النسب، فإنه من ~~لازم الرضاع ثبوت النسب، وأما ثبوت الرضاعة نفسها بالاستفاضة فهي مستفادة ~~من صريح الأحاديث، فإن الرضاعة المذكورة فيها كانت في الجاهلية وكان ذلك ~~مستفيضا عند من وقع له، وأما الموت القديم فمقيس على الرضاعة. قال ابن ~~المنير (¬2): واحترز البخاري بالقديم عن الموت الحادث، والمراد بالقديم ما ~~تطاول الزمان عليه، وحده بعض المالكية بخمسين سنة. وقيل: بأربعين سنة. # وحد الاستفاضة عند الهدوية شهرة في المحلة تثمر علما أو ظنا، وأقل من ~~يسمع منهم جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب. وقيل: خمسة. وقيل: أربعة. وقيل: ~~يكفي من عدلين. وقيل: يكفي من عدل واحد إذا سكن القلب إليه. وإنما اكتفي ~~بالشهرة في المذكورة، إذ لا طريق إلى التحقيق PageV10P057 # [بالنسب، لتعذر] (أ) التحقيق فيه بحسب الأغلب، والموت يشق فيه التحقيق، ~~ويلحق بما ذكر ما شابهها في هذا الوصف، وقد ذهب العترة والحنفية والشافعية ~~وأحمد إلى العمل بالشهرة في النسب والموت، وفي الولاء العترة وأبو يوسف ~~ومحمد وأحد قولي الشافعي؛ لأن الولاء كالنسب، وذهب أبو حنيفة وأحد قولي ~~الشافعي إلى أنها لا تكفي، وتوقف أبو العباس، وذهب العترة وأبو حنيفة ~~وصاحباه إلى أنها تكفي في النكاح، وذهبت الهدوية إلى أنها تكفي في الوقف ~~والوصية، وذهب المنصور بالله، وكذا في مصرف الوقف والوصية، وذهب العترة ~~وأبو حنيفة ومحمد إلى أنها تكفي في كونه قاضيا، وذهب الشافعي واختاره ~~الإمام المهدي إلى أنها تكفي في ثبوت الملك وثبوت اليد؛ لتعذر تعين الملك ~~كالنسب، هكذا حكى الخلاف الإمام المهدي في "البحر". وقال المصنف رحمه الله ~~تعالى في "الفتح" (¬1): اختلف العلماء في ضابط ما تقبل فيه ms2214 الشهادة ~~بالاستفاضة؛ فتصح عند الشافعية في النسب قطعا والولادة وفي الموت والعتق ~~والولاء والوقف والولاية والعزل (ب) والنكاح وتوابعه والتعديل والتجريح ~~والوصية والرشد والسفه والملك، على الراجح في جميع ذلك، وبلغها بعض ~~المتأخرين من الشافعية بضعة وعشرين موضعا، وهي مستوفاة في "قواعد العلائي"، ~~وعن أبي حنيفة: تجوز في النسب والموت والنكاح والدخول وكونه قاضيا، زاد أبو ~~يوسف الولاء، PageV10P058 # ومحمد الوقف. قال صاحب "الهداية" (¬1): وإنما أجيزا (أ) استحسانا، وإلا ~~فالأصل أن الشهادة لا بد فيها من المشاهدة. انتهى. # 1176 - وعن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قضى بيمين وشاهد. أخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وقال: إسناده جيد (¬2). # وعن أبي هريرة رضي الله عنه مثله. أخرجه أبو داود والترمذي، وصححه ابن ~~حبان (¬3). # وأخرج حديث ابن عباس الشافعي (¬4)، وزاد فيه: عن عمرو بن دينار أنه قال: ~~وذلك في الأموال. قال الشافعي: وهذا الحديث ثابت لا يرده أحد من أهل العلم ~~لو لم يكن فيه غيره، مع أن معه غيره مما شده. وقال البزار (¬5): في الباب ~~أحاديث حسان أصحها حديث ابن عباس. وقال ابن عبد البر (¬6): لا مطعن لأحد في ~~إسناده. كذا قال، ولكن قد قال عباس الدوري في "تاريخ يحيى بن معين" (¬7) ~~عنه: ليس بمحفوظ. وقال PageV10P059 # البيهقي (¬1): أعله الطحاوي بأنه لا يعلم قيسا يحدث عن عمرو بن دينار ~~بشيء. قال: وليس ما لا يعلمه الطحاوي لا يعلمه غيره. ثم روى (أ) البيهقي ~~(¬2) حديث الذي وقصته ناقته عن قيس بن سعد (ب) عن عمرو بن دينار، يعني فقد ~~ثبت روايته عنه، ثم قال البيهقي: وليس من شرط قبول الأخبار كثرة رواية ~~الراوي عمن روى عنه، ثم إذا روى الثقة عمن لا ينكر سماعه منه حديثا واحدا، ~~وجب قبوله وإن لم يرو عنه غيره، على أن قيسا قد تابعه محمد بن مسلم الطائفي ~~عن عمرو بن دينار في رواية عبد الرزاق، أخرجه أبو داود (¬3). وتابع عبد ~~الرزاق أبو حذيفة، وقال الترمذي في "العلل" (¬4): سألت محمدا عن هذا الحديث ~~فقال: ms2215 لم يسمعه عندي عمرو من ابن عباس. قال الحاكم (¬5): قد سمع عمرو من ~~ابن عباس عدة أحاديث، وسمع من جماعة من أصحابه، فلا ينكر أن يكون سمع منه ~~حديثا وسمعه من بعض أصحابه عنه، وأما رواية عصام البلخي وغيره ممن زاد فيه ~~بين عمرو وابن عباس طاوسا، فهم ضعفاء. قال البيهقي (¬6): ورواية الثقات لا ~~تعلل PageV10P060 # برواية الضعفاء. وحديث أبي هريرة أخرجه أيضا الشافعي (¬1). وقال ابن أبي ~~حاتم في "العلل" عن أبيه (¬2): هو صحيح. ورواه البيهقي (¬3) من حديث مغيرة ~~بن عبد الرحمن عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. ونقل عن أحمد أن حديث ~~الأعرج ليس في الباب أصح منه (¬4). وقد أخرج الحديث عن اثنين وعشرين من ~~الصحابة (¬5)، عمر، وجابر، وسعد بن عبادة، وعمارة بن حزم، وأبو هريرة، وأبي ~~بن كعب، وزيد بن ثابت، وسرق بن أسد، وعبد الله بن عمرو، وابن عباس، وقضى به ~~علي في العراق، وابن عمر، وأبو سعيد، وعامر بن ربيعة، وسهل بن سعد، ~~والمغيرة بن شعبة، وبلال بن الحارث، ومسلمة بن قيس، وأنس، وتميم الداري، ~~وزبيب بن ثعلبة -بضم الزاي وفتح الباء الموحدة ثم مثناة تحت ساكنة ثم باء ~~موحدة، وقيل: زنيب بالنون- وأم سلمة. # الحديث فيه في دلالة على أنه يثبت القضاء بشاهد ويمين، وقد ذهب إليه ~~جماهير من الصحابة والتابعين والأئمة وهم؛ علي وأبو بكر وعمر وعثمان وابن ~~عباس وأبي وعمر بن عبد العزيز وشريح والشعبي وربيعة وفقهاء المدينة السبعة ~~والناصر والهدوية ومالك والشافعي؛ لهذه الأحاديث الصحيحة، وذهب زيد بن علي ~~والزهري والنخعي والأوزاعي وابن شبرمة والثوري PageV10P061 # وأبو حنيفة وأصحابه وجمهور أهل العراق إلى أنه لا يجوز القضاء بشاهد ~~ويمين؛ قالوا: لقوله تعالى: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا ~~رجلين فرجل وامرأتان} (¬1). وهذا يقتضي الحصر، والزيادة بالشاهد واليمين ~~تخالفه، فإذا اعتبر مفهوم المخالفة كان المعنى: لا بغير ذلك. وزيادة الشاهد ~~واليمين تكون نسخا لمفهوم المخالفة عند من أثبته، أو على ما أصله الشيخ أبو ~~الحسن الكرخي وأبو عبد الله البصري أن الزيادة باعتبار ms2216 الشاهد واليمين على ~~ما دلت عليه الآية من الاقتصار على الشاهدين أو الرجل والمرأتين- نسخ ~~للاقتصار، وكذا على قول من قال: إن الزيادة على ما دل عليه (أالنص نسخ أ)؛ ~~لأنها قد رفعت أجزاء المزيد عليه من دونها مطلقا، سواء كانت الزيادة دالة ~~على زيادة شطر لشيء؛ كزيادة ركعة في الفجر وزيادة التغريب في الحد، أو شرط؛ ~~كزيادة وصف الإيمان في إعتاق رقبة بالإطلاق، وزيادة الطهارة على الطواف، أو ~~رفع مفهوم مخالفة كما في هذا الذي نحن فيه. قالوا: ولا يصح نسخ العلوم ~~بالمظنون، فوجب الاقتصار على ما دلت عليه الآية، وكذا قوله - صلى الله عليه ~~وسلم - في مخاصمة الأشعث بن قيس: "شاهداك أو يمينه". أخرجه البخاري ومسلم ~~(¬2). والجواب عن ذلك أن حديث ابن عباس صحيح كما عرفت، وهو متأيد بغيره كما ~~نبهناك عليه، والآية الكريمة إن سلمنا دلالتها على مفهوم المخالفة الذي دلت ~~عليه الآية PageV10P062 # الكريمة فالمفهوم ظني، فلا مانع أن ينسخها الحديث المذكور، وإن كان ظنيا ~~فهو من باب نسخ الظني بالظني، وكذا الاقتصار على منطوق الآية ظني، وعلى ما ~~حققه العلامة عضد الملة والدين والمدقق الفهامة سعد الدين رحمهما الله ~~تعالى في "شرح مختصر ابن الحاجب" أنه لا نسخ حينئذ، وحاصل ذلك أن المرفوع ~~بحديث الشاهد واليمين إنما هو عدم جواز الحكم به، وقوله تعالى: {واستشهدوا ~~شهيدين من رجالكم} الآية. لم يثبته لا بمنطوقه ولا بمفهوم المخالفة؛ وذلك ~~لأن الآية دلت على حصر طلب الاستشهاد؛ بمعنى أن اللازم رجلان على تقدير ~~الإمكان، ورجل وامرأتان على تقدير التعذر، فإن منع المفهوم كما هو رأي ~~الحنفية فلا نسخ، وإن سلم المفهوم فليس (أمفهوم قوله أ): {واستشهدوا شهيدين ~~من رجالكم}. وقوله: {فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان}. سواء. أن غير هذا ~~الاستشهاد ليس بمطلوب، بمعنى أن طلب الاستشهاد لم يتعلق إلا بهذين النوعين، ~~وأما أنه لا يصح الحكم بغير هذين النوعين، فلا دلالة عليه للنص، لا ~~بالمنطوق ولا بالمفهوم. انتهى. فيكون حديث الشاهد واليمين بيان حجة مستقلة ~~يثبت بها الحق، وأما ms2217 حديث: "شاهداك أو يمينه". فهذا الحديث مثله صحيح ظني ~~فيعمل به فيما دل عليه صريحا وإن خالف مفهوم: "شاهداك أو يمينه". وأجاب ~~الإمام المهدي في "البحر" عن حجة الآخرين بالآية بقوله: قلنا: لم يصرح ~~بإبطال ما روينا، فوجب الجمع. انتهى. وهذا الجواب مجمل لا يفيد المطلوب، ثم ~~قال: وتوقف المؤيد بالله. قلنا: لا وجه موجب للتوقف، إذ الحجة الضعيفة إذا ~~انضمت إلى القوية عمل بها، كالامرأتين مع الرجل. PageV10P063 # انتهى. ولا يخفى ركة الجواب والله أعلم. وفي وجه للشافعي وصححه الحنابلة ~~أنه لا يقضى بالشاهد واليمين إلا إذا عدم الشاهدان. # وقوله في زيادة الشافعي: وذلك في الأموال. يدل على أنه لا تثبت الحقوق ~~والحدود بهما، قال الإمام المهدي في "البحر": ولا يحكم بذلك إلا في حق ~~لآدمي محض لا في الحد والقصاص إجماعا ثم قال: ولا في وقف وعتق إلا عن بعض ~~أصحاب الشافعي. قلنا: فيهما (أ) حق لله تعالى فأشبها الحد. ثم قال: فرع: ~~الهدوية: ويحكم بذلك في الحقوق؛ كالنكاح والطلاق والرجعة والوكالة ~~والوصاية. الشافعي: لا، إلا في الأموال وتوابعها؛ كالإبراء والكفالة والرد ~~بالعيب. قلنا: والحقوق مقيسة، إذ لا فاصل. قلت: ويصح في غلة الوقف إذ هو ~~مالي. انتهى. ولا يخفى أن النص حجة للشافعي، إلا أن الحقوق إذا كانت تئول ~~إلى المال فقياسها قوي على المال، وأما الحق المحض فلا يصح قياسه لعدم ~~الجامع. ثم قال الإمام في "البحر": فرع: ولا يحكم بامرأتين ويمين، إذ ضم ~~ضعيف إلى ضعيف، كأربع نسوة أو يمينين. مالك: الامرأتان كالرجل. لنا ما مر، ~~وكما لا يكفي في النكاح. انتهى. # فائدة من "طبقات السبكي الكبرى" (¬1): حكى الكرابيسي عن معاوية أنه قبل ~~شهادة أم سلمة لابن أخيها، وأجاز زرارة شهادة أبي مجلز وحده، وأجاز شريح ~~شهادة أبي إسحاق وحده، وأجاز شريح أيضا شهادة أبي قيس PageV10P064 # على مصحف وحده. قال الكرابيسي: إن قال قائل: أجيز شهادة واحد. ارتد (أ)، ~~فإن تاب وإلا قتل. قال: فإن قال قائل: هؤلاء من العلماء. قيل له: إنما يهدم ~~الإسلام زلة ms2218 عالم ولا يهدمه ألف زلة جاهل. انتهى. # وقد أخذ أبو مضر من قول المؤيد بالله: إن خبر الواحد مع القرينة قد يفيد ~~العلم أن الحاكم إذا حصل له العلم بخبر الواحد جاز له الحكم إلا في الحدود. ~~قال أبو مضر: أو ظن مقارب. قال: ولا فرق بين أن يكون المخبر عدلا أو فاسقا. ~~قال الفقيه يحيى بن أحمد: هذا غلط، لأن الأمة أجمعت على اعتبار العدد. ومثل ~~كلام أبي مضر قال المنصور بالله، قالوا: لأن الشهادة العادلة لا تحصل إلا ~~الظن. والله سبحانه أعلم. PageV10P065 ### || AUTO باب الدعوى والبينات # الدعوى: اسم مصدر من ادعى شيئا (أإذا زعم أن له حقا أو باطلا، ومن دعاه ~~إذا صاح به أ)، والبينات: جمع بينة، وهي الحجة الواضحة، سميت الشهادة بينة ~~لوضوح الحق وظهوره بها. # 1177 - عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على ~~المدعى عليه". متفق عليه (¬1)، وللبيهقي بإسناد صحيح (¬2): "البينة على ~~المدعي، واليمين على من أنكر". # أخرجه البيهقي بإسناد حسن، قال المصنف رحمه الله (¬3): وزعم الأصيلي أن ~~قوله: "البينة". إلى آخره إدراج في الحديث، حكاه القاضي عياض، وفي الباب عن ~~مجاهد عن ابن عمر لابن حبان (3) في حديث، وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ~~أخرجه الترمذي (¬4)، وأخرجه الدراقطني (¬5) بإسناد ضعيف بمسلم بن خالد ~~الزنجي مولى بني مخزوم (ب)، قال الذهبي في PageV10P066 # "الكاشف" (¬1): وثق، ضعفه أبو داود الكثرة غلطه. # وهذا الحديث دل على قاعدة كبيرة (أ) من قواعد أحكام الشرع؛ وهو أنه لا ~~يقبل قول الإنسان فيما يدعيه لمجرد دعواه، بل يحتاج إلى بينة أو تصديق ~~المدعى عليه، فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك، وقد بين - صلى الله عليه ~~وسلم - الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه؛ لأنه لو أعطي بمجردها لادعى ~~قوم دماء قوم وأموالهم واستبيح ذلك، ولا يمكن المدعى عليه أن يصون دمه ~~وماله، وأما المدعي فيمكنه صيانتهما بالبينة، ودل على ما ms2219 ذهب إليه الجمهور ~~من سلف الأمة وخلفها أن اليمين تتوجه على كل من ادعي عليه حق (ب)، سواء كان ~~بينه وبين المدعي اختلاط أم لا، وقال مالك وجمهور أصحابه والفقهاء السبعة ~~المدنيون: إن اليمين لا تتوجه إلا على من بينه وبين المدعي خلطة؛ لئلا ~~[يبتذل] (ج) السفهاء أهل الفضل بتحليفهم مرارا في اليوم الواحد، فاشترطت ~~الخلطة دفعا لهذه المفسدة. والخلطة قيل: هي معرفته بمعاملته ومداينته بشاهد ~~أو شاهدين. وقيل: تكفي الشبهة، بأن تكون الدعوى مما يليق مثلها بمثله. ~~وقيل: أن يليق بالمدعي أن يعامل المدعى عليه بمثلها. وذهب الإصطخرى من ~~الشافعية أن قرائن الأحوال إذا شهدت PageV10P067 # بكذب المدعي لم يتلفت إلى دعواه، ويجاب عنهم بأن الحديث مطلق، ولم يدل ~~على اشتراط الخلطة كتاب ولا سنة ولا إجماع، ولعل المستند مثل حديث: "لا ضرر ~~ولا ضرار في الإسلام" (¬1). فإذا لم يكن بينهما ما يظن من أسباب الخلطة ~~التي تشكك في ثبوت الدعوى كان مجرد ضرار منهي عنه، قال العلماء: والحكمة في ~~كون البينة على المدعي أن جانب المدعي ضعيف؛ لأنه يدعي خلاف الظاهر، فكلف ~~الحجة القوية وهي البينة، فيقوى بها ضعف المدعي، وجانب المدعى عليه قوي؛ ~~لأن الأصل فراغ ذمته، فاكتفي منه باليمين. وهي حجة ضعيفة؛ لأن الحالف يجلب ~~النفع لنفسه ويدفع الضرر عنها. # وقد اختلف في تعريف المدعي والمدعى فقيل: المدعي من يخلى وسكوته. وقيل: ~~من معه أخفى الأمرين. والمدعى عليه بخلافه في الطرفين. # 1178 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - عرض ~~على قوم اليمين فأسرعوا، فأمرهم أن يسهم بينهم في اليمين أيهم يحلف. رواه ~~البخاري (¬2). # الحديث أخرجه البخاري عن أبي هريرة بهذا اللفظ، وأخرجه النسائي (¬3) أيضا ~~عن محمد بن رافع عن عبد الرزاق، وقال فيه: فأسرع الفريقان. وقد رواه أحمد ~~(¬4) عن عبد الرزاق شيخ شيخ البخاري فيه بلفظ: PageV10P068 # "إذا أكره الاثنان على اليمين فاستحباها فليستهما عليه". وأخرجه أبو نعيم ~~في "مسند إسحاق بن راهويه" (¬1) عن عبد الرزاق مثل رواية البخاري، و [تعقبه ~~بأنه ms2220 رآه] (أ) في أصل إسحاق عن عبد الرزاق باللفظ الذي رواه أحمد، وأخرجه ~~أبو داود (¬2) عن أحمد وسلمة بن شبيب عن عبد الرزاق بلفظ: "أو استحباها". ~~قال الإسماعيلي (¬3): هذا هو الصحيح. أي أنه بلفظ "أو" لا بالفاء ولا ~~بالواو، وقد أخرجها الإسماعيلي من طريق عبد الرزاق بالواو. # وحديث أبي هريرة المذكور أولا يحتمل أنه ورد في حق جماعة وجبت عليهم ~~اليمين؛ بأن يكونوا مدعى عليهم وتسارعوا من يحلف أولا، فإنه يقرع بينهم، ~~وأما رواية: "إذا (ب) أكره". فقال الخطابي (3): لا يراد به حقيقته (ج)؛ لأن ~~الإنسان لا يكره على اليمين، وإنما المعنى إذا توجهت اليمين على اثنين ~~وأرادا الحلف، سواء كانا كارهين لذلك بقلبهما، وهو معنى الإكراه، أو ~~مختارين لذلك بقلبهما، وهو معنى الاستحباب، وتنازعا أيهما يبدأ، فلا يقدم ~~أحدهما إلا بالقرعة، وهو المراد بقوله: "فليستهما". وقيل صورة الاشتراك في ~~اليمين أن يتنازع اثنان عينا ليست في يد واحد منهما، PageV10P069 # ولا بينة لواحد منهما، ويكون هذا موافقا لما رواه أبو داود والنسائي (¬1) ~~من طريق أبي رافع عن أبي هريرة، أن رجلين اختصما في متاع ليس لواحد منهما ~~بينة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "استهما على اليمين ما كان أحبا ~~ذلك أو كرها". ويكون مفهوم الحديث أن يحلف من خرجت له القرعة ويستحقها. ولم ~~أطلع على قول لأحد من الأئمة بمقتضى هذا المفهوم، والذي في كتب الفروع في ~~الشيء المدعى؛ إن كان عليه يد فالقول قول صاحب اليد واليمين عليه، وهو ~~الموافق لحديث ابن عباس، وإن لم يكن عليه يد فهو لمن بين أو حلف، فإن بينا ~~جميعا أو تحالفا فبينهما. ذكره الإمام يحيى، وإن نكلا فلا شيء لهما. وقالت ~~الهدوية: يقسم. وقال الفقهاء المفرعون على أصل الهادي: لا يقسم وإن حلفا، ~~إذ (أ) مع عدم البينة هو كاللقطة. وأجاب الإمام المهدي بالفرق، وذلك أن يد ~~الملتقط يد لبيت المال بخلاف ما لا يد عليه لأحد، فدعواه مع اليمين كاليد، ~~ولم يكتف بالدعوى، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لو أعطي ms2221 الناس ~~بدعاويهم". الحديث. # 1179 - وعن أبي أمامة الحارثي رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه، فقد أوجب الله له النار ~~وحرم الله عليه الجنة". فقال له رجل: وإن كان شيئا يسيرا يا رسول الله؟ ~~قال: "وإن كان قضيبا من أراك". رواه مسلم (¬2). PageV10P070 # الحديث فيه دلالة على وعيد من حلف ليأخذ حقا على غيره، أو يسقط عن نفسه ~~حقا استحقه غيره. # وفي لفظ: "حق". دلالة على حصول الوعيد على من غصب ما ليس بمال؛ كجلد ~~الميتة والسرجين (أ) (¬1) وغير ذلك من النجاسات التي ينتفع بها، وكذلك سائر ~~الحقوق التي ليست بمال؛ كحد القذف ونصيب الزوجة في القسم وغير ذلك، والمال ~~كذلك، فإنه يشمله الحق. # وقوله: "مسلم". التقييد بالمسلم ليس لإخراج غير المسلم، فأما على قول من ~~لا (ب) يقول بالمفهوم فالذكر لا يلزم منه أن غير المذكور بخلافه، وأما على ~~قول من يقول بالمفهوم فيقول: المفهوم هنا غير معمول به؛ لأن المخاطب بذلك ~~المسلمون، فخصهم بالذكر، أو لأن أكثر المعاملة بين المسلمين، فلا يلزم منه ~~مغايرة غير المسلم في الحكم، بل الذمي كذلك، ويحتمل أن تكون هذه العقوبة ~~العظيمة إنما تختص بمن اغتصب حق المسلم دون الذمي وإن كان محرما. # وقوله: "وإن كان قضيبا من أراك". مبالغة في تحريم حق المسلم، وأنه يستوي ~~فيه قليل الحق (ج) وكثيره. PageV10P071 # وقوله: "فقد أوجب الله له" إلخ. محمول على عدم التوبة، وأما إذا تاب ~~وتخلص مما عليه، فإن الله سبحانه وتعالى يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور ~~الرحيم. # وفيه دلالة لمذهب الجمهور أن حكم الحاكم لا ينفذ باطنا وإن نفذ ظاهرا، ~~وقد تقدم ذلك. # 1180 - وعن الأشعث بن قيس رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "من حلف على يمين يقتطع بها مال امرئ مسلم، هو فيها فاجر، لقي ~~الله وهو عليه غضبان". متفق عليه (¬1). # هو أبو محمد الأشعث -بالشين المعجمة والعين المهملة والثاء المثلثة- ابن ~~قيس بن معد يكرب الكندي، ms2222 قدم على النبي - صلى الله عليه وسلم - في وفد ~~كندة، وكان رئيسهم، وذلك في سنة عشر، كان رئيسا (أ) في الجاهلية، مطاعا في ~~قومه، وكان وجيها في الإسلام، وارتد عن الإسلام لما مات النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، ثم راجع الإسلام في خلافة أبي بكر، وخرج مع سعد بن أبي وقاص ~~إلى العراق فشهد القادسية والمدائن وجلولاء ونهاوند، ونزل الكوفة ومات بها ~~سنة اثنين وأربعين، وصلى عليه الحسن بن علي وهو بها أيام صالح معاوية، ~~وقيل: مات سنة أربعين بعد موت علي بأربعين يوما. روى عنه ابنه محمد وقيس ~~ابن PageV10P072 # ابنه وقيس بن أبي حازم وأبو وائل والشعبي وإبراهيم النخعي وعبد الرحمن بن ~~عدي الكندي (¬1). # قوله: "هو فيها فاجر". أي إذا كان متعمدا عالما بأنه غير محق، والتقييد ~~لا بد منه؛ لأنه لا وعيد يستحقه الحالف إلا إذا كان بهذه الصفة. # وقوله: "وهو عليه غضبان". وفي رواية: "معرض". المراد به إرادته بعد ~~المغضوب عليه من رحمته وتعذيبه وإنكار فعله وذمه (¬2)، وهو مقيد بأن يموت ~~ولم يتب، والله أعلم. # 1181 - وعن أبي موسى رضي الله عنه، أن رجلين اختصما في دابة ليس لواحد ~~منهما بينة، فقضى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينهما نصفين. رواه ~~أحمد وأبو داود والنسائي (¬3) وهذا لفظه، وقال: إسناده جيد. # وأخرج الحديث الحاكم (¬4)، وأخرجه البيهقي (¬5) وذكر الاختلاف فيه على ~~قتادة، وقال: هو معلول للاختلاف فيه على سعيد بن أبي عروبة؛ فقيل: عنه عن ~~قتادة عن سعيد بن أبي بردة عن أبيه عن أبي موسى. وقيل: عنه عن سماك بن حرب ~~عن تميم بن طرفة، قال: أنبئت أن رجلين. قال PageV10P073 # سماك بن حرب: أنا حدثت أبا بردة بهذا الحديث (¬1). فعلى هذا لم يسمع أبو ~~بردة هذا الحديث من أبيه، ورواه أبو كامل مظفر بن مدرك عن حماد عن قتادة عن ~~النضر بن أنس عن أبي بردة مرسلا، قال حماد: [فحدثت] (أ) به سماك بن حرب، ~~قال: أنا حدثت به أبا بردة (¬2). وقال الدارقطني والبيهقي والخطيب (¬3): ~~الصحيح أنه ms2223 عن سماك مرسلا، ورواه ابن أبي شيبة (¬4) عن [أبي] (ب) الأحوص عن ~~سماك عن تميم بن طرفة أن رجلين ادعيا بعيرا، فأقام كل واحد منهما البينة ~~أنه له، فقضى النبي - صلى الله عليه وسلم -[به] (ج) بينهما. ووصله الطبراني ~~(¬5) بذكر جابر بن سمرة فيه بإسنادين في أحدهما حجاج بن أرطاة (¬6) والراوي ~~عنه سويد بن عبد العزيز (¬7)، وفي [الآخر] (د) ياسين الزيات (¬8)، والثلاثة ~~ضعفاء. PageV10P074 # وهذا حديث أبي بردة في أكثر ألفاظه بعير. وفي لفظ: في شيء (¬1). وفي لفظ: ~~في دابة. وفي لفظ أبي داود: بعيرا أو دابة. وفي النسائي بلفظ: دابة. من غير شك. # الحديث محمول على أن الدابة في أيدي المتداعيين كما بوب على ذلك البيهقي ~~(¬2)، قال: باب المتداعيين يتنازعان المال وما يتنازعان في أيديهما معا، ثم ~~قال: قال الشافعي: فهو بينهما نصفان، فإن لم يجد واحد منهما بينة أحلفنا كل ~~واحد منهما على دعوى صاحبه. ثم ساق حديث أبي موسى. وقد ذكر الإمام المهدي ~~في "البحر" تفصيل المسألة والخلاف فيها، قال: ومتى كان المدعى في أيديهما ~~أو مقر لهما -قلت: أو لواحد غير معين- فلمن بين أو حلف أو نكل صاحبه دونه، ~~فإن بينا أو حلفا أو نكلا؛ ابن عمر وابن الزبير والثوري والهدوية وأبو ~~حنيفة وأصحابه والشافعي: يقسم نصفين؛ لفعله - صلى الله عليه وسلم - في ~~متداعيي البعير، لكن حيث بينا أو نكلا استحق كل واحد ما في يد خصمه ببينته، ~~والنكول كالإقرار، وحيث لا بينة يتحالفان ويقسم؛ إذ كل مدع ومنكر، فيحلف كل ~~فيما أنكره ولا يعطى ما ادعاه؛ لعدم البينة. الناصر ومالك والشافعي: بل ~~تتهاتر البينتان (أ)؛ لتيقن كذب PageV10P075 # إحداهما، ولا تحالف (أ) مع عدمهما، فتقر مع ذي اليد، كتساقط الخبرين ~~والقياسين حيث تعارضا. الإمام يحيى: بل يحتمل صدقهما؛ لصحة تصرف كل واحد في ~~كله تصرف المالك، فحملتا على الشركة؛ إذ الواجب التلفيق (¬1) ما أمكن. ~~للشافعي: يقرع بينهما. للشافعي: بل يوقف حتى يصطلحا. قلنا: لا دليل. انتهى. # ورواية: أنه أقام كل واحد منهما بينة. قال ابن رسلان في ms2224 "شرح السنن": ~~يحتمل أن تكون القصة في هذا الإسناد والذي قبله واحدة، إلا أن البينتين لما ~~تعارضتا تساقطتا وصارتا كالعدم، وحكم لهما نصفين؛ لاستوائهما في اليد، ~~ويحتمل أن يكون الحديث الأول في عين كانت في يدهما، ويدل عليه أن في رواية ~~ابن ماجه (¬2): اختصم إليه رجلان بينهما دابة. والحديث الثاني: كانت العين ~~في يد ثالث لا يدعيها. يدل عليه رواية النسائي (¬3) بلفظ: ادعيا دابة ~~وجداها عند رجل، فأقام كل واحد (ب) منهما شاهدين، فلما أقام كل واحد شاهدين ~~نزع من يده ودفع [إليهما] (ج) ليقتسماه بينهما نصفين. وهذا أظهر؛ لأن حمل ~~الإسنادين على معنيين متعددين أرجح من حملهما على معنى واحد. PageV10P076 # 1182 - وعن جابر (أ) رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من حلف على منبري هذا بيمين آثمة تبوأ مقعده من النار". رواه أحمد وأبو ~~داود والنسائي وصححه ابن حبان (¬1). # وأخرجه البيهقي (¬2) من طريق الشافعي. # الحديث فيه دلالة على عظم (ب) إثم من حلف اليمين الآثمة على منبر رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد اختلف العلماء في تغليظ التحليف بالمكان ~~والزمان، هل يجوز للحاكم أم لا؟ وهذا الحديث لا يدل على ذلك، وإنما فيه ~~دلالة على وعيد من فعل اليمين الفاجرة فقط، وقد ذكره البيهقي في باب تأكيد ~~اليمين بالمكان، فذهب العترة والحنفية إلى أنه لا تغليظ بمكان ولا زمان، ~~والحنابلة كذلك، والمراد أنه لا يجب على الحالف الإجابة إلى ذلك، وذهب ~~الجمهور إلى وجوب التغليظ؛ ففي المدينة المشرفة على المنبر، وفي مكة بين ~~الركن والمقام، وفي غيرهما في المسجد الجامع، واحتج من لم يقل بالتغليظ PageV10P077 # بالأحاديث الواردة في اليمين كقوله: "شاهداك أو يمينه" (¬1). وغيره، ولم ~~يذكر معها تغليظ؛ ولذلك بوب البخاري (¬2): باب: يحلف المدعى عليه حيثما ~~وجبت عليه اليمين ولا يصرف من موضع إلى غيره، وقال النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -: "شاهداك أو يمينه". ولم يخص مكانا دون مكان. انتهى. وهذا من جودة ~~فقه البخاري وقوة استنباطه، ولا يعترض عليه بما بوب قبله: باب: ms2225 اليمين بعد ~~العصر. وذكر فيه حديث أبي هريرة (¬3): "ثلاثة لا يكلمهم الله ... " الحديث، ~~وفيه: "ورجل ساوم بسلعته بعد العصر". انتهى. ولعله يقول: ورد التغليظ ~~بالزمان فيكون خاصا كما في الحديث، وكما في قوله تعالى: {تحبسونهما من بعد ~~الصلاة} (¬4). وقد فسرت بصلاة العصر، إلا أنه يرد عليه: القياس يقضي ~~بالتغليظ بالكان قياسا على الزمان. واحتج الجمهور لهذا بحديث جابر وحديث ~~أبي أمامة مرفوعا: "من حلف عند منبري هذا بيمين كاذبة يستحل بها مال امرئ ~~مسلم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفا ولا ~~عدلا". أخرجه النسائي (¬5) ورجاله ثقات، وأخرج الكرابيسي (¬6) في "أدب ~~القضاء" بسند قوي إلى سعيد ابن المسيب قال: ادعى مدع على آخر أنه اغتصب له ~~بعيرا، فخاصمه إلى عثمان، فأمره عثمان أن يحلف عند المنبر، فأبى أن يحلف ~~وقال: أحلف له PageV10P078 # حيث شاء غير المنبر. فأبى عليه عثمان أن يحلف إلا عند المنبر، فغرم له ~~بعيرا مثل بعيره ولم يحلف. وأخرج البيهقي (¬1) من طريق الشافعي عن أبي ~~غطفان (أابن طريف أ) المري قال: اختصم زيد من ثابت وابن مطيع إلى مروان بن ~~الحكم في دار، فقضى باليمين على زيد بن ثابت على المنبر، فقال زيد: أحلف له ~~مكاني. فقال مروان: لا والله إلا عند مقاطع الحقوق. فجعل زيد يحلف أن حقه ~~لحق، ويأبي أن يحلف على المنبر، فجعل مروان يعجب من ذلك. قال مالك: كره زيد ~~صبر اليمين. وأخرج (1) عن الشافعي قال: وبلغني أن عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه حلف على المنبر في خصومة كانت بينه وبين رجل، وأن عثمان رضي الله عنه ~~ردت عليه اليمين على المنبر فاتقاها وافتدى منها، وقال: أخاف أن يوافق قدر ~~بلاء فيقال: بيمينه. وأخرج (1) عن ابن عباس أنه سئل عن امرأة شهدت أنها ~~أرضعت امرأة وزوجها، فقال: استحلفها عند المقام؛ فإنها إن كانت كاذبة لم ~~يحل عليها الحول حتى يبيض ثدياها. فاستحلفت فحلفت، فلم يحل عليها الحول حتى ~~ابيض ثدياها. وأخرج (¬2) عن الشعبي قال: قتل رجل فأدخل عمر ms2226 بن الخطاب ~~الحجرة من المدعى عليهم خمسين رجلا، فأقسموا: ما قتلنا ولا PageV10P079 # علمنا قاتلا. وأخرج (¬1) عن عطاء بن أبي رباح، أن رجلا قال لامرأته: حبلك ~~على غاربك. مرارا، فأتى عمر بن الخطاب، فاستحلفه بين الركن والمقام: ما ~~الذي أردت بقولك؟ وهما مرسلان يؤكد أحدهما الآخر، وأخرج (1) من طريق ~~الشافعي عن المهاجر بن أبي أمية قال: كتب إلي أبو بكر الصديق رضي الله عنه ~~أن ابعث إلي بقيس بن مكشوح في وثاق، فأحلفه خمسين يمينا عند منبر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - ما قتل دادوي (أ). قال الشافعي (¬2): وهذا قول حكام ~~المكيين ومفتيهم. قال الشافعي: وأخبرني مسلم والقداح عن ابن جريج عن عكرمة ~~ابن خالد، أن عبد الرحمن بن عوف رأى قوما يحلفون بين المقام والبيت، فقال: ~~أعلى دم؟ فقالوا: لا. قال: فعلى عظيم من الأموال (ب)؟ قالوا: لا. قال: لقد ~~خشيت أن يبهأ (ج) الناس بهذا المقام. أي [يأنسوا] (د) به فتذهب (ه) هيبته ~~من (و) قلوبهم. قال أبو عبيد (¬3): بهأت بالشيء إذا أنست PageV10P080 # به. قال الشافعي (¬1): ذهبوا إلى أن العظيم من الأموال عشرون دينارا. و ~~[قال مالك] (أ): يحلف على ربع دينار. لانه نصاب السرقة عنده. فهذه الآثار ~~عن الصحابة تدل على أن التغليظ بالمكان شائع ذائع واجب إذا طلبه الخصم؛ ~~لأنه لو كان غير واجب لما امتنع البعض منه وافتدى منه بالمال. وقال الإمام ~~يحيى: إن التغليظ يستحب وليس بواجب. وقال أبو علي بن أبي هريرة من أصحاب ~~الشافعي: يستحب أيضا في القليل كالكثير؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ولو على أراك" (¬2). قال الإمام المهدي: والأقرب أنه موضع اجتهاد للحاكم ~~واستحسانه جنسا وقدرا. قال: كما أشار إليه الشافعي حيث قال: استحسنت له ~~ذلك. انتهى. وظاهر كلام الشافعي الذي نقله عنه البيهقي الوجوب. والله أعلم. # وقد ورد التغليظ بالزمان كما في قوله تعالى: {تحبسونهما من بعد الصلاة} ~~(¬3). قال الشافعي (¬4): وقال المفسرون: صلاة العصر. قال البيهقي (¬5): قد ~~روينا عن الشعبي في مثل قصة الآية الكريمة عن أبي موسى الأشعري: وأحلفهما ms2227 ~~بعد العصر ما خانا. وأخرج (5) في حديث الثلاثة الذين لا يكلمهم. الحديث: ~~"ورجل ساوم رجلا على سلعة بعد العصر، فحلف بالله لقد أعطي بها كذا وكذا. ~~فصدقه الآخر". PageV10P081 # (أعن أبي هريرة أ). وعن أبي هريرة (¬1) أيضا: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم ~~القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم؛ رجل حلف على مال امرئ مسلم بعد صلاة ~~العصر فيقتطعه ... " الحديث. أخرجاهما في "الصحيحين" (¬2)، و (ب) قال ~~الخطابي (¬3): خص وقت العصر بتعظيم الإثم فيه وإن كانت اليمين الفاجرة ~~محرمة في كل وقت؛ لأن الله تعالى (ج) عظم شأن هذا الوقت بأن جعل الملائكة ~~تجتمع فيه، وهو وقت ختام الأعمال، والأمور بخواتيمها، فغلظت العقوبة فيه؛ ~~لئلا يقدم عليها تجرؤا، فإن من تجرأ عليها فيه اعتادها في غيره. وكان السلف ~~يحلفون بعد العصر، وكذلك التحليف على المصحف. أخرج البيهقي (¬4) عن الشافعي ~~قال: أخبرني مطرف بن مازن (ج) بإسناد لا أحفظه أن ابن الزبير أمر أن يحلف ~~على المصحف. قال الشافعي: ورأيت مطرفا بصنعاء يحلف على المصحف. قال الشافعي ~~(¬5): وقذ كان من حكام الآفاق من يستحلف علي المصحف، وذلك عندي حسن. قال ~~الإمام يحيى: وفي المساجد لشرفها، وعلى المصاحف لحرمتها؛ فيضع يده على ~~المصحف. PageV10P082 # ويكره اختصاص شيء من الحجارة، إذ فيه تشبه (أ) بالوثنيين؛ كما يفعل في ~~مؤخر جامع صنعاء عند الحجر الأخضر، وهي في شرقي جامع صنعاء. انتهى (ب). # 1183 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم، ولا يزكيهم، ~~ولهم عذاب أليم، رجل على فضل ماء بالفلاة يمنعه ابن السبيل، ورجل بايع رجلا ~~بسلعة بعد العصر فحلف له بالله: لأخذها بكذا وكذا. فصدقه وهو على غير ذلك، ~~ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا، فإن أعطاه منها وفي، وإن لم يعطه ~~منها لم يف". متفق عليه (¬1). # قوله: "لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا ينظر إليهم". هذا كناية عن غضبه ~~تعالى عليهم، وإشارة إلى حرمانهم عما عند الله من المنازل ms2228 والقرب، فإن من ~~سخط على غيره واستهان به أعرض عنه وعن التكلم معه والالتفات نحوه، كما أن ~~من اعتد (ج) بغيره يقاوله ويكثر النظر إليه (¬2). # "ولا يزكيهم". أي: لا يطهرهم من الذنوب ولا يثني عليهم. PageV10P083 # "ولهم عذاب أليم". على ما فعلوا. # لفظ: "ولا ينظر إليهم". زادها جرير من رواية الأعمش وسقط من روايته لفظ: ~~"يوم القيامة". وسقط من روايته: "ولا يكلمهم". وثبت هذا اللفظ جميعه من ~~رواية معاوية عن الأعمش عند مسلم على وفق الآية التي في "آل عمران" وقال في ~~آخر الحديث: ثم قرأ هذه الآية: {إن الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنا ~~قليلا} (¬1). # وقوله: "رجل على فصل ماء". جاء في رواية (¬2): "رجل كان له فضل ماء منعه ~~من ابن السبيل". والمقصود واحد، وجاء في رواية البخاري "بالطريق" بدل ~~"الفلاة". وقد تقدم في كتاب البيع الكلام عليه (¬3). # وقوله: "لأخذها بكذا". جاء في رواية البخاري (¬4): "لقد أعطي بها كذا ~~وكذا". مضبوطا بضم الهمزة وكسر الطاء على البناء للمجهول، وفي بعض نسخه ~~بفتح الهمزة وفتح الطاء على البناء للفاعل، والضمير للحالف، وهي أرجح ~~لمطابقتها لرواية: "لأخذها بكذا". # وقوله: "فصدقه". أي المشتري. # وقوله: "وهو على غير ذلك". الضمير في "وهو" إلى الآخذ المدلول عليه ~~بالفعل بأقل مما ذكره الحالف، وفي نسخ البخاري (4): "فصدقه فأخذها" PageV10P084 # أي (أ) المشتري، "ولم يعط بها القدر". أي القدر الذي حلف أنه عوضها. # وقوله: "ورجل بايع إماما". جاء في رواية: "إمامه". وهذا حكم المؤلفة ~~قلوبهم. وفي الحديث وعيد شديد في نكث البيعة والخروج على الإمام؛ لما في ~~ذلك من تفريق الكلمة، ولما في الوفاء من تحصين الفروج والأموال وحقن ~~الدماء. # والأصل في مبايعة الإمام أن يبايعه على أن يعمل بالحق ويقيم الحدود ويأمر ~~بالمعروف وينهى عن المنكر، فمن جعل مبايعته لمال يعطاه دون ملاحظة المقصود ~~في الأصل، فقد خسر خسرانا مبينا، ودخل في الوعيد المذكور، وجاء في رواية ~~البخاري (¬1) عوض الثالث: "ورجل حلف على يمين كاذبة بعد العصر ليقتطع بها ~~مال رجل مسلم". قال الكرماني (¬2): ولا منافاة؛ لأن ms2229 التخصيص بعدد لا ينفي ~~ما زاد عليه، يعني أن [الراويين] (ب) حفظ أحدهما ما لم يحفظ الآخر، ~~فالمجتمع من الحديثين أربع خصال، وكل من الحديثين مصدر بثلاثة، فكأنه كان ~~في الأصل أربعة، فاقتصر كل من الراويين على واحد ضمه مع الاثنين اللذين ~~توافقا عليهما، فصار في رواية كل منهما ثلاثة، وقد أخرج مسلم (¬3) حديث أبي ~~هريرة ولكن قال: "وشيخ زان، PageV10P085 # وملك كذاب، وعائل مستكبر". وأخرج من حديث أبي ذر (¬1) عن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، المنان الذي لا ~~يعطي شيئا (أ) إلا منه، والمنفق سلعته بالحلف الفاجر، والمسبل إزاره". ~~ويجتمع من مجموع هذه الأحاديث تسع خصال، ويحتمل أن تبلغ عشرا، لأن النفق ~~سلعته بالحلف الكاذب مغاير للذي حلف: لقد أعطى بها كذا. لأن هذا خاص بمن ~~يكذب في أعمال الشراء، والذي قبله أعم منه، فتكون خصلة أخرى. # 1184 - وعن جابر رضي الله عنه، أن رجلين اختصما في ناقة فقال كل واحد ~~منهما: نتجت عندي. وأقاما (ب) بينة، فقضى بها رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - لمن هي في يده (¬2). # الحديث أخرجه البيهقي (¬3) ولم يضعف إسناده، وأخرج أيضا من طريق الشافعي ~~نحوه (3) إلا أن فيه: تداعيا دابة. ولم يضعف إسناده أيضا، وأخرج عبد الرزاق ~~(¬4) عن يحيى [بن] (ج) الجزار قال: اختصم إلى علي رجلان في دابة وهي في يد ~~أحدهما، فأقام هذا بينة أنها دابته فقضى بها للذي هي في PageV10P086 # يده. قال: وقال علي: إن لم تكن في يد واحد منهما، فأقام كل واحد منهما ~~بينة أنها دابته فهي بينهما. # الحديث فيه دلالة على أن اليد مرجحة للشهادة الموافقة لها، وقد ذهب إلى ~~هذا الشافعي ومالك وشريح والنخعي وأبو ثور والحكم (أ)، قال الشافعي رحمه ~~الله تعالى: يقال لهما: قد استويتما في الدعوى والبينة، وللذي (ب) هو في ~~يده سبب بكينونته في يده هو أقوى من سببك؛ فهو له بفضل قوة سببه، وفيه سنة ~~بمثل ما قلنا. فذكر الحديث. وذهب الناصر والهادي والمؤيد وأبو ms2230 طالب وأبو ~~العباس وأحمد بن حنبل إلى أنها ترجح بينة الخارج، وهو من لم تكن في يده، ~~قالوا: إذ شرعت له وللمنكر اليمين، وإذ قوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"البينة على المدعي" (¬1). يقتضي ألا تفيد بينة المنكر، وروي عن علي رضي ~~الله عنه أنه قال: من كان في يده شيء (ج) فبينته لا تعمل له شيئا. ذكره في ~~"البحر"، وقد يجاب عن ذلك بأن حديث جابر خاص وحديث: "البينة على المدعي". ~~عام، والخاص مخصص، وحديث علي رضي الله عنه معارض بما سبق. وذهب القاسم في ~~إحدى الروايتين عنه أنه يقسم بينهما؛ لأن اليد مقوية لبينة الداخل، فساوت ~~بينة الخارج، والرواية الأخرى كقول الشافعي، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى ~~أنها ترجح بينة الخارج حيث شهدت بملك مطلق أو مضاف إلى سبب يتكرر؛ كالمصبوغ ~~الذي يتكرر بسبب صبغته حسب (ج) PageV10P087 # الحاجة، وذلك فيما يصاغ من الذهب والفضة، وكخز مما ينسج مرتين أو كتان ~~ينقض (أ) ثم ينسج، إذ (ب) الإطلاق يحقق كونه مدعيا، والتكرار يفيد القوة، ~~فإن أضيف إلى سبب لا يتكرر؛ كنتاج وصوف ونحوه، فبينة الداخل؛ لقوتها باليد ~~وضعف الخارجة (ج). كذا حكى الخلاف الإمام المهدي - عليه السلام - في ~~"البحر"، والجواب عن الحنفية، أن العمل بالسنة أولى. وأخرج البيهقي (¬1) عن ~~شريح أن رجلين ادعيا دابة فأقام أحدهما البينة وهي في يده أنه نتجها، وأقام ~~الآخر بينة أنها دابته عرفها، فقال شريح: الناتج أحق من [العارف] (د). وهذا ~~الذي (ه ذهب إليه ه) يصلح أن يكون قولا غير ما قد حكى. # 1185 - وعن ابن عمر رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رد ~~اليمين على طالب الحق. رواهما الدارقطني (¬2) وفي إسنادهما ضعف. # الحديث أخرجه البيهقي (¬3) من طرق ومدارها (و) على محمد بن مسروق PageV10P088 # عن إسحاق بن الفرات، ومحمد بن مسروق (¬1) لا يعرف، وإسحاق بن الفرات ~~مختلف فيه. كذا قال المصنف (¬2) رحمه الله، وفي "الكاشف" للذهبي (¬3) قال: ~~هو قاضي مصر ثقة معروف. قال المصنف (2): ورواه تمام في "فوائده" من طريق ~~أخرى ms2231 عن نافع. وقد ذكر هذا الحديث البيهقي في باب النكول ورد اليمين. وضعفه ~~بتفرد سليمان بن عبد الرحمن الدمشقي إلا أنه قال: الاعتماد على غيره. وساق ~~في هذا الباب أحاديث القسامة، وأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أولياء ~~الدم بأن يحلفوا فأبوا، قال: "فيحلف (أ) يهود؟ ". وهو حديث "الصحيحين" ~~(¬4). وأخرج (¬5) من طريق الشافعي وغيره، أن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بدأ الأنصاريين فلما لم يحلفوا رد اليمين على يهود. ومن طريق مالك ~~مرسلة في "الموطأ" (¬6) كذلك، وأخرج (¬7) من طرق أنه قدم أيمان اليهود، ~~فلما قالوا: كيف نقبل أيمان قوم كفار؟ قال: "أفيقسم (ب) منكم خمسون أنهم ~~قتلوه (ج)؟ ". ولكن هذا خلاف رواية الجماعة، والجماعة أولى بالحفظ من PageV10P089 # الواحد، يعني ابن عيينة، قال الشافعي رحمه الله في كتاب القسامة (¬1): ~~كان ابن عيينة لا يثبت: أقدم النبي - صلى الله عليه وسلم - الأنصاريين في ~~الأيمان أو يهود؟ قال البيهقي (¬2): والقول قول من أثبت ولم يشك دون من شك، ~~والذين أثبتوه عدد كلهم حفاظ أثبات وبالله التوفيق. ثم أخرج (¬3) عن عمر في ~~قصة (أ) رجل من بني سعد بن ليث، أجرى فرسا فوطئ على أصبع رجل من جهينة فنزي ~~(ب) منها فمات، فقال عمر للذين (ج) ادعي عليهم: تحلفون خمسين يمينا ما مات ~~منها؟ فأبوا وتحرجوا من الأيمان، فقال للآخرين: احلفوا أنتم. فأبوا. زاد ~~أبو سعيد (¬4) في روايته بإسناده قال: قال الشافعي رحمه الله تعالى: فقد ~~رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليمين على الأنصاريين يستحقون، فلما ~~لم يحلفوا حولها على اليهود يبرءون بها، ورأى عمر رضي الله عنه اليمين على ~~الليثيين يبرءون بها، فلما أبوا حولها على الجهنيين يستحقون بها (د)، وكل ~~هذا تحويل يمين من موضع رئيت (ه) فيه إلى الموضع الذي يخالفه، فبهذا وما ~~أدركنا عليه أهل العلم ببلدنا يحكونه عن مفتيهم وحكامهم قديما وحديثا. ~~انتهى. PageV10P090 # فهذه الأحاديث هي المعتمدة في رد اليمين على المدعي إذا لم يحلف المدعى عليه. # الحديث فيه دلالة على ثبوت رد اليمين على المدعي، ms2232 والمراد به أنها تجب ~~اليمين على المدعي، ولكن إذا لم يحلف المدعى عليه، وقد ذهب مالك والشافعي ~~وفقهاء أهل الحجاز وطائفة من العراقيين إلى أنه إذا نكل المدعى عليه ~~فقالوا: لا يجب بنفس النكول شيء إلا إذا حلف المدعي، ولكن اليمين عند مالك ~~تكون في الموضع الذي يقبل فيه شاهد وامرأتان وشاهد ويمين، إلا في التهمة، ~~ولمالك في التهمة قولان، وعند الشافعي في كل موضع تجب فيه اليمين، وقال ابن ~~أبي ليلى: في كل موضع. وذهب الهدوية والناصر وأبو حنيفة وأصحابه وجمهور ~~الكوفيين إلى أنه يثبت الحق بالنكول من دون تحليف للمدعي، إلا أن أبا حنيفة ~~اشترط أن يكون النكول ثلاثا، واستثنى القصاص في النفس، وصاحباه: القصاص ولو ~~في دون النفس. (أوذهب الهادي إلى أنه لا يثبت به السبب، قال الإمام المهدي ~~في "البحر": قلت: ولا خلاف فيه أ). واحتج له في "البحر" بفعل عمر في قصة ~~(ب) من وطئ أصبع رجل (¬1)، وفعل عثمان لما قضى على عبد الله بن عمر في ~~الغلام الذي باعه وادعى المشتري أن به داء، وأمره عثمان أن يحلف لقد باعه ~~وما به داء، فأمر عثمان برد اليمين وارتجاع الغلام (¬2)، وبما روي عن ابن ~~عباس أنه قال لابن أبي PageV10P091 # مليكة: احكم بمثل هذا في امرأتين استعدت إحداهما على صاحبتها بأنها غرزت ~~فيها [إشفى] (أ)، فأنكرت المرأة ونكلت، فقرأ عليها: {إن الذين يشترون بعهد ~~الله وأيمانهم ثمنا قليلا} (¬1). ثم ضمنها الأرش (ب) (¬2) بالنكول (¬3). ~~ويجاب عما ذكر بأن فعل عمر وعثمان لم يكن الحكم بنفس النكول، بل مع تحليف ~~المدعي كما ذهب الأولون، وحديث ابن عباس يمكن حمله على زيادة تحليف المدعي ~~وإن لم يذكره الراوي، ليوافق غيره، وقال ابن رشد في "نهاية المجتهد" (¬4): ~~وعمدة من قضى بالنكول أن الشهادة لما كانت لإثبات الدعوى واليمين لإبطالها، ~~وجب إن نكل عن اليمين أن [تحقق] (ج) عليه الدعوى. قالوا: وأما نقلها من ~~المدعى عليه إلى المدعي فهو خلاف النص؛ لأن اليمين قد نص على أنها دلالة ~~المدعى عليه. انتهى. ms2233 ويجاب عنه بأن النص قد دل أيضا على ثبوتها على المدعي ~~كما عرفت، فالعمل به واجب، واعلم أن الفقهاء المفرعين (د) على المذاهب قد ~~ذكروا في مسائل كثيرة قبول يمين المدعي حيث لا يمكن إقامة البينة، وقد ~~يستأنس له بما ذكر في حديث القسامة وغيره. والله أعلم. PageV10P092 # 1186 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: دخل على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ذات يوم مسرورا تبرق أسارير وجهه، فقال: "ألم تري إلى مجزز المدلجي ~~نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال: هذه أقدام بعضها من بعض؟ ". ~~متفق عليه (¬1). # قوله: تبرق. بفتح التاء وضم الراء. أي: تضيء وتستنير من الفرح والسرور. ~~والأسارير: هي المخطوط التي في الجبهة، واحدها (أسر، والجمع أ) سرر وجمع ~~الجمع أسارير. # وقولى: "ألم تري"؟. وفي لفظ للبخاري (¬2): "ألم تسمعي؟ ". # ومجزز بضم الميم وفتح الجيم ثم زاي مشددة مكسورة ثم زاي أخرى. # وهذا هو الصحيح المشهور، وحكى القاضي عياض (¬3) عن الدارقطني وعبد الغني ~~أنهما حكيا عن ابن جريج (ب) أنه بفتح الزاي الأولى، وذكر مصعب الزبيري ~~والواقدي (¬4) أنه سمي مجززا لأنه كان إذا أخذ أسيرا في الجاهلية جز ناصيته ~~وأطلقه. وهذا يدفع رواية فتح الزاي الأولى من اسمه، ويدل على أن PageV10P093 # له اسما آخر، وهذا العلم طارئ عليه، ولكنه لم يذكره أحد، وكان مجزز عارفا ~~بالقيافة، وذكره ابن يونس (¬1) فيمن شهد فتح مصر، وقال: لا أعلم له رواية. ~~وعن ابن عبد البر وأبي علي الغساني، أنه قال ابن جريج: إنه محرز بضم اليم ~~والحاء المهملة الساكنة وكسر الراء المهملة وبعدها زاي، و (أ) هو ابن ~~الأعور بن جعدة المدلجي؛ نسبة إلى مدلج بن مرة بن عبد مناة بن كنانة (¬2)، ~~وكانت القيافة في بني مدلج وبني أسد، والعرب تعترف لهم بذلك، وليس خاصا بهم ~~(ب) على الصحيح، فقد أخرج يزيد بن هارون (¬3) في "الفرائض" بسند صحيح إلى ~~سعيد بن المسيب، أن عمر كان قائفا. أورده في قصة، وعمر قرشي ليس مدلجيا ولا ~~أسديا، لا أسد قريش ولا ms2234 أسد خزيمة. # وقوله: "آنفا"، بالمد أي قريبا، أو أقرب وقت. # قوله: "فقال: هذه أقدام بعضها من بعض؟ ". في رواية للبخاري (¬4): "ألم ~~تري أن مجززا المدلجي دخل فرأى أسامة وزيدا وعليهما قطيفة قد غطيا رءوسهما، ~~وبدت أقدامهما، فقال: إن هذه الأقدام بعضها من بعض؟ ". PageV10P094 # الحديث فيه دلالة على اعتبار القيافة في ثبوت النسب، وهي مصدر قاف قيافة، ~~يقال: فلان يقوف الأمر ويقتافه قيافة، مثل قفا الأثر واقتفاه. والقائف هو ~~الذي يتبع الآثار ويعرفها ويعرف شبه الرجل بأخيه وأبيه، والجمع القافة ~~(¬1)، وكأنه مقلوب من قفا يقفو. # وقد ذهب إلى اعتبارها مالك والشافعي وجماهير العلماء، قال النووي (¬2): ~~والمشهور عن مالك إثباتها في الإماء دون الحرائر. وفي رواية عنه إثياتها ~~فيهما. وروى الخلاف في "نهاية المجتهد" (¬3). واعتبارها يكون في الأمة ~~المتناسخة بالشراء أو المشتركة، ووطئها المشتريان في طهر، أو المشتركة ~~يطؤها الشريكان في طهر، وكذا الزوجة إذا تزوجها زوج في العدة جهلا في طهر ~~واحد، ووطئها في ذلك الطهر، وكذا في اللقيط إذا ادعاه اثنان، فإذا ألحق ~~القائف الولد بواحد لحق به، وإن أشكل عليه أو نفاه عنهما، فيترك الولد حتى ~~يبلغ وينتسب (أ) إلى من أراد منهما، وإن ألحقه بهما، فذهب عمر بن الخطاب ~~(¬4) ومالك والشافعي إلى أنه يترك حتى يبلغ فينتسب إلى من يميل إليه منهما. ~~وقال أبو ثور: ويستحبون أنه يكون ابنا لهما. وقال الماجشون ومحمد بن مسلمة ~~المالكيان: يلحق (ب) بأكثرهما له (ج) شبها. قال محمد بن PageV10P095 # مسلمة: إلا أن يعلم الأول فيلحق به. وروى في "نهاية المجتهد" (¬1) عن ~~مالك أنه ليس يكون ابنا لاثنين؛ لقوله تعالى: {إنا خلقناكم من ذكر وأنثى} ~~(¬2). وحجتهم هذا الحديث، ووجه الاحتجاج به أن سنة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - تنقسم إلى قول وفعل وتقرير، قالوا: وهذا (أ) من التقرير، وذلك لأن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأى فعلا من فاعل، أو علم به وكان ذلك ~~الفعل من الأفعال التي لم يعلم إنكاره عليها (ب وقد قدر عليها ب)، كمضي ~~كافر إلى كنيسة، أو ms2235 مع عدم القدرة، كما كان يشاهده من كفار مكة من عبادة ~~الأوثان وأذى المسلمين ولم ينكره؛ كان ذلك تقريرا، ودل على جوازه، فإن ~~استبشر به (ج) فأوضح، كما وقع في قصة مجزز، فإنه تكلم بانتساب أسامة إلى ~~زيد واستبشر به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدل على تقرير كون القيافة ~~طريقا إلى معرفة الأنساب، وما رواه مالك (¬3) عن سليمان بن يسار، أن عمر بن ~~الخطاب كان يليط (¬4) أولاد الجاهلية بمن ادعاهم في الإسلام، فأتى رجلان ~~كلاهما يدعي ولد امرأة، فدعا قائفا، فنظر إليه القائف فقال: لقد اشتركا ~~فيه. فضربه عمر بالدرة، ثم دعا المرأة فقال: أخبريني خبرك. فقالت: كان هذا ~~-لأحد الرجلين- يأتيني في إبل PageV10P096 # لأهلها، فلا يفارقها حتى [يظن و] (أ) تظن أنه قد استمر بها حمل، ثم انصرف ~~عنها، فأهريقت عليه دماء، ثم خلف عليها هذا -يعني الآخر- فلا أدري من أيهما ~~هو؟ فكبر القائف، فقال عمر للغلام؟ [وال] (ب) أيهما شئت. فقضى عمر بمحضر من ~~الصحابة رضي الله عنهم بالقيافة من غير إنكار من واحد منهم، فكان كالإجماع. ~~قالوا: وهو مروي عن ابن عباس (¬1) وأنس بن مالك (¬2)، ولا مخالف لهما من ~~الصحابة. وذهب العترة وأبو حنيفة والكوفيون وأكثر أهل العراق إلى أنه لا ~~يعمل بالقيافة في إثبات النسب، والحكم في ذلك الولد المذكور أن يكون ~~للشريكين أو المشتريين أو الزوجين، إلا أن في الزوجين [تفصيلا] (ج) عند ~~الهدوية، وهو أنه إذا ترتب فراشان حكم به للآخر إن أمكن، وإلا فللأول إن ~~أمكن، وإلا فلأيهما، وفي اللقيط يكون لمن ادعاه أولا، فإن اتفقوا كان لهم ~~الجميع إذا استووا، وإن كان أحدهم عبدا كان للحر، أو (د) كان كافرا كان ~~للمسلم، وإن تداعى امرأتان فيه لحق بهما. وقال أبو يوسف ومحمد: لا يلحق إلا ~~بامرأة واحدة. وقال إسحاق: يقرع بينهما. قالوا: وحديث أسامة ليس من باب ~~التقرير؛ وذلك لأن نسب أسامة كان معلوما إلى زيد، وإنما كان الكفار يقدحون ~~في نسب أسامة PageV10P097 # لكونه كان أسود شديد السواد، وكان زيد أبيض. كذا ms2236 قاله أبو داود (¬1) عن ~~أحمد بن صالح، وقال القاضي عياض (¬2): قال غير أحمد بن صالح: كان زيد أزهر ~~اللون، وأم أسامة هي أم أيمن، واسمها بركة، وكانت حبشية سوداء. قال القاضي: ~~هي بركة بنت محصن بن ثعلبة بن عمر بن حصن (أ) بن سلمة بن عمرو بن النعمان ~~(¬3)، وقد وقع في "الصحيح" (¬4) عن ابن شهاب، أن أم أيمن كانت حبشية وصيفة ~~لعبد الله والد النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويقال: كانت من سبي الحبشة ~~الذين قدموا زمن الفيل، فصارت لعبد المطلب فوهبها لعبد الله، وتزوجت قبل ~~زيد عبيدا الحبشي، فولدت له أيمن فكنيت به، واشتهرت به، وكان يقال لها: أم ~~الظباء. قال القاضي عياض (¬5): لو صح أن أم أيمن كانت سوداء لم ينكر سواد ~~ابنها أسامة؛ لأن السوداء قد تلد من الأبيض أسود. قال المصنف رحمه الله ~~تعالى (5): يحتمل أنها كانت صافية فجاء أسامة شديد السواد، فوقع الإنكار ~~لذلك، وذلك لأن القيافة إنما كانت من عادة الجاهلية، وقد جاء الإسلام بمحو ~~آثارها، وتغيير أعلامها، PageV10P098 # وطمس آثارها، فسكوته عن الإنكار على مجزز لا يكون تقريرا لفعله، ~~واستبشاره إنما هو لإلزام المعاند الطاعن في نسب أسامة بما يقوله ويعتمده، ~~فلا حجة في ذلك. ولكنه يرد عليه أنه لم يكن قد عرف من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إنكار القيافة، وليس كل ما كان يعتاد في الجاهلية غيره ~~الإسلام، فلا يبطل الاحتجاج، ويتأيد اعتبار هذا الحكم بما روي عن عمر، وعدم ~~الإنكار عليه من الصحابة، وهو جار مجرى الإجماع، مع أنه قد روى الثوري (أ) ~~عن صالح بن حي عن الشعبي عن زيد بن أرقم قال: كان علي رضي الله عنه باليمن، ~~فأتي بامرأة وطئها ثلاثة في طهر وأحد، فسأل كل واحد منهم أن يقر لصاحبه ~~بالولد، فأبوا، فأقرع بينهم وقضى بالولد للذي أصابته القرعة، وجعل عليه ~~ثلثي الدية، فرفع ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأعجبه وضحك حتى ~~بدت نواجذه (¬1). وهذا يخالف القولين السابقين. # واتفق القائلون بالقائف على أنه يشترط فيه ms2237 العدالة، واختلفوا في أنه هل ~~(ب) يشترط العدد أم يكتفى بواحد؟ والأصح عند أصحاب الشافعي الاكتفاء، وبه ~~قال ابن القاسم المالكي. وقال مالك: يشترط اثنان. وبه قال بعض أصحاب ~~الشافعي، والحديث يدل على أنه يكتفى بواحد. # واختلف أصحاب الشافعي في أنه هل يختص هذا الحكم ببني مدلج؟ والأصح أنه لا ~~يختص، ويدل عليه ما روي عن عمر. PageV10P099 ### | AUTO كتاب العتق # العتق الحرية، قال أهل اللغة: يقال فيه: عتق عتقا. بكسر العين، وعتقا ~~بفتحها أيضا. حكاها صاحب "المحكم" وغيره (¬1). وعتاقا وعتاقة بفتح العين ~~فهو عتيق وعاتق أيضا. حكاها الجوهري (¬2). وهم عتقاء، وأعتقه فهو معتق ~~وعتيق، وأمة عتيق وعتيقة، وإماء عتائق، وحلف بالعتاق أي الإعتاق. قال ~~الأزهري (¬3): هو مشتق من قولهم: عتق الفرس. إذا سبق ونجا، وعتق الفرخ إذا ~~طار واستقل، لأن العبد يتخلص بالعتق ويذهب حيث شاء. # قال الأزهري وغيره (3): وإنما قيل لمن أعتق نسمة: إنه أعتق رقبة وفك ~~رقبة. فخصت الرقبة دون سائر الأعضاء مع أن العتق تناول الجميع؛ لأن (أحكم ~~السيد أ) عليه وملكه له كحبل في رقبة العبد، وكالغل المانع له من الخروج، ~~فإذا أعتق فكأنه أطلقت رقبته من ذلك. # 1187 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلما، استنقذ الله بكل عضو منه عضوا من PageV10P101 # النار". متفق عليه (¬1). وللترمذي (¬2) وصححه عن أبي أمامة: "وأيما امرئ ~~مسلم أعتق امرأتين مسلمتين، كانتا فكاكه من النار". ولأبي داود (¬3) من ~~حديث كعب بن مرة: "وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من ~~النار". # الحديث فيه دلالة على فضيلة العتق، وأنه من أفضل الأعمال، ومما يحصل له ~~العتق من النار ودخول الجنة. # وقوله: "أيما امرئ مسلم". جاء في رواية البخاري (أ): "أيما رجل"، ~~والإسلام لابد من اعتباره، وإن صح العتق من الكافر، لكن لا نجاة له بسببه ~~من النار. # و (ب) قوله: "امرأ مسلما". يدل على أن هذه الفضيلة إنما هي في عتق الرقبة ~~المؤمنة، وأما غير المؤمنة فإنها ms2238 وإن كان (ج) في عتقها فضل بلا خلاف، لكن ~~دون المؤمنة، ولذلك وقع الإجماع في كفارة القتل على اشتراط الإيمان كما نص ~~عليه سبحانه وتعالى، وحكى القاضي عياض (¬4) عن مالك أن PageV10P102 # الأعلى (أ) ثمنا أفضل وإن كان كافرا، وخالفه الجمهور من الصحابة وغيرهم. # ويحتج لمالك بالحديث الذي يأتي عقيب هذا (¬1)، ويجاب بأنه مقيد بأن ~~الأعلى ثمنا من المسلمين. # وقوله: "بكل عضو". وقع في رواية مسلم (¬2): "إرب". والإرب بكسر الهمزة ~~وإسكان الراء: هو العضو، بضم (ب) العين وكسرها، ويدل على أن الأفضل عتق ~~كامل الأعضاء، فلا يكون خصيا ولا فاقد غيره من الأعضاء، وفي الخصي وغيره ~~الفضل العظيم، لكن الكامل أولى. وقال الخطابي (¬3): إذا كان في الخصي منافع ~~لا تكون في غيره، كان مثل غير الخصي، والأعلى (أ) ثمنا أفضل. وقد ورد ذلك ~~في الحديث الآتي. # وفي حديث أبي أمامة دلالة على أن عتق الذكر أفضل من عتق الأنثى. قال ~~القاضي عياض (¬4): وقد اختلف العلماء في ذلك؛ فقال بعضهم: الإناث أفضل، ~~لأنها إذا عتقت (د) كان ولدها حرا، سواء تزوجها حر أو PageV10P103 # عبد. وقال آخرون: عتق الذكر أفضل؛ لحديث أبي أمامة، ولما في الذكر من ~~المعاني العامة والمنفعة التي لا توجد في الإناث؛ من الشهادة والقضاء ~~والجهاد، وغير ذلك مما يختص بالرجال، إما شرعا وإما عادة، ولأن في الإماء ~~من لا ترغب في العتق، وتضيع به، بخلاف العبد. # وقوله: "بكل عضو عضوا". يدل على استغراق جميع الأعضاء. وتمام الحديث في ~~رواية البخاري: "حتى فرجه بفرجه". وهذه الغاية تؤكد الاستغراق، وقد استشكل ~~ابن العربي (¬1) عتق الفرج بالفرج، مع أن المعصية التي تتعلق بالفرج هي ~~الزنى، والزنى كبيرة لا تكفره إلا التوبة، إلا أن تكون المعصية غير الزنى، ~~كالملامسة بالفرج على غير الزنى في سائر الأعضاء، فهو ممكن إلا أن يقال: إن ~~العتق يرجح عند الموازنة بحيث تكون حسنات المعتق راجحة توازي سيئة الزنى، ~~مع أنه لا اختصاص لهذا بالزنى، فإن اليد يكون بها القتل، والرجل الفرار من ~~الزحف، وغير ذلك، فلا بد ms2239 من هذا الاعتبار. # 1188 - "وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: أي العمل أفضل؟ قال: "إيمان بالله، وجهاد في سبيله". قلت: فأي الرقاب ~~أفضل؟ قال: "أعلاها (أ) ثمنا، وأنفسها عند أهلها". متفق عليه (¬2). # الحديث فيه دلالة على تفضيل الجهاد على غيره، وقد تقدم في كتاب PageV10P104 # الصلاة أن الصلاة أول وقتها أفضل الأعمال (¬1)، والكلام هناك على الجمع ~~بين الأحاديث. # وقوله: "أعلاها ثمنا". بالعين المهملة لأكثر رواة البخاري، وللكشميهني ~~بالغين المعجمة، وكذا في رواية النسفي (¬2)، والمعنى متقارب. وفي رواية ~~لمسلم (¬3): "أكثرها ثمنا". وهي تبين المراد، تدل على أن الأكثر ثمنا ~~(أعتقه أفضل أ)، وظاهره: ولو كانت رقبتان متساويتان (ب) في جهة الخير، ~~وكانت إحداهما (ج) أكثر ثمنا على مشتريها (د) أن عتقها أفضل. قال النووي ~~رحمه الله تعالى (¬4): محله والله أعلم فيمن أراد أن يعتق رقبة واحدة، أما ~~لو كان مع شخص ألف درهم مثلا فأراد أن يشتري بها رقبة يعتقها (ه) فوجد رقبة ~~نفيسة ورقبتين مفضولتين، قال: فثنتان أفضل بخلاف الأضحية، فإن الواحدة ~~الثمينة أفضل، لأن المطلوب في العتق فك الرقبة، وفي الأضحية طيب اللحم. ~~انتهى. PageV10P105 # والأولى أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فإنه إذا كان شخص من العلم والعمل ~~وانتفاع المسلمين به بمحل عظيم، فعتقه أفضل من عتق جماعة ليس فيهم هذه ~~السمات، فيكون الضابط اعتبار الأكثر نفعا. # وقوله: "وأنفسها عند أهلها" أي (أ) ما كان اغتباطهم به أشد، وهو الموافق ~~لقوله تعالى: {لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون} (¬1). # 1189 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من أعتق شركا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم قيمة عدل، ~~فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق". متفق عليه (¬2). # ولهما (¬3) عن أبي هريرة رضي الله عنه: "وإلا قوم العبد عليه، واستسعي ~~غير مشقوق عليه". وقيل: إن السعاية مدرجة في الخبر. # قوله: "قيمة عدل". بفتح العين، لا زيادة فيه ولا نقص، ms2240 وقد جاء في رواية ~~النسائي (¬4): "لا وكس ولا شطط". والوكس بفتح الواو وسكون الكاف بعدها سين ~~مهملة: النقص، والشطط بمعجمة ثم مهملة مكررة والفتح: الجور. PageV10P106 # الحديث فيه دلالة على أن العبد المشترك إذا أعتق أحد الشريكين حصته فيه ~~وكان موسرا من تسليم قيمة حصة الشريك، فإنه يقوم حصة الشريك بقيمة مثله، ~~ولزمه تسليم ذلك، وعتق عليه العبد جميعه. وقد أجمع العلماء أن نصيب المعتق ~~يعتق (أ) بنفس الإعتاق، إلا ما حكاه القاضي عن ربيعة أنه لا يعتق نصيب ~~المعتق موسرا كان أو معسرا. وهو مذهب باطل مخالف للأحاديث الصحيحة كلها. ~~وحكى الإمام المهدي أن خلافه إنما هو في نصيب الشريك، سواء كان موسرا أو ~~(ب) معسرا. ولعله تأويل لقوله: وأما نصيب الشريك. فهذا حديث ابن عمر يدل ~~على أنه لا يعتق إلا إذا كان موسرا, ولا يعتق مع الإعسار. وفي المسألة ستة أقوال: # الأول: للهدوية، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، وبه قال ابن شبرمة ~~والأوزاعي والثوري وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وأحمد بن حنبل ~~وإسحاق وبعض المالكية أنه يعتق بنفس الإعتاق، ويقوم عليه نصيب شريكه بقيمته ~~يوم الإعتاق ويكون ولاؤه جميعه للمعتق، وحكمه من حين الإعتاق حكم الأحرار ~~في الميراث وغيره من الأحكام، وليس للشريك إلا المطالبة بقيمة نصيبه كما لو ~~قتله، ولو أعسر المعتق بعد ذلك استمر نفوذ العتق وكانت القيمة دينا في ~~ذمته، ولو مات أخذت من تركته، فإن لم يكن له تركة ضاعت القيمة واستمر عتق جميعه. # الثاني: أنه لا يعتق إلا بدفع القيمة، وهو المشهور من مذهب مالك، وبه قال ~~أهل الظاهر، وهو قول للشافعي. PageV10P107 # الثالث: مذهب أبي حنيفة أن للشريك الخيار، إن شاء استسعى العبد في نصف ~~قيمته، وإن شاء أعتق نصيبه والولاء بينهما جميعا، وإن شاء قوم نصيبه على ~~شريكه المعتق، ويرجع بما دفع إلى شريكه على العبد يستسعيه في ذلك، والولاء ~~كله للمعتق. قال: والعبد في مدة السعاية بمنزلة المكاتب في كل أحكامه. # الرابع: مذهب عثمان البتي: لا شيء على ms2241 المعتق إلا أن تكون جارية رائعة ~~(¬1) تراد للوطء، فيضمن ما أدخل على شريكه فيها من الضرر. # الخامس: محكي عن ابن سيرين أن القيمة في بيت المال. # السادس: محكي عن إسحاق بن راهويه أن هذا الحكم للعبيد دون الإماء. ويرد ~~قول إسحاق بما (أ) أخرجه الدارقطني (¬2) من طريق الزهري عن نافع عن ابن عمر ~~قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان له شريك في عبد أو ~~أمة". الحديث. وأخرج الطحاوي (¬3) من طريق ابن إسحاق عن نافع مثله، وقال ~~فيه: "حمل عليه ما بقي في ماله حتى يعتق كله". والجمع بين العبد والأمة ~~بنفي الفارق يقوي هذا، وقد قال إمام الحرمين (¬4): إدراك كون الأمة في هذا ~~الحكم كالعبد حاصل للسامع قبل التفطن لوجه الجمع والفرق. PageV10P108 # وظاهر الحديث سواء كان العبد مسلما أم كافرا, ولا خيار للعبد ولا للشريك ~~ولا للمعتق، بل ينفذ هذا الحكم وإن كرهوه كلهم رعاية لحق الله تعالى. # وقوله: "وإلا فقد عتق منه ما عتق" -بفتح العين من الأول، ويجوز فتح العين ~~وضمها في الثاني. كذا قاله الداودي (¬1)، وتعقبه ابن التين بأنه لم يقله ~~غيره، وإنما يقال: عتق. بالفتح، وأعتق بضم الهمزة، ولا يعرف عتق بضم أوله؛ ~~لأنه لازم غير متعد. أي: وإن لا يكن له مال فقد عتق حصة المعتق، وبقي حصة ~~الشريك مملوكة. # هذه الزيادة في الحديث ظاهرها أنها من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، وكذا رواه مالك (¬2) وعبيد الله العمري (¬3) فوصلاه بكلام النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وجعلاه منه، ورواه أيوب عن نافع (¬4) فقال: قال نافع: ~~وإلا فقد عتق منه ما عتق. ففصله من الحديث وجعله من قول نافع. قال أيوب ~~مرة: لا أدري هو من الحديث أم هو شيء قاله نافع؟ ولهذه الرواية قال ابن ~~وضاح (¬5): ليس هذا من كلام النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال القاضي (5): ~~وما قاله مالك وعبيد الله العمري أولى، وقد جوداه، وهما في نافع أثبت من ~~أيوب عند أهل هذا الشأن، كيف وقد شك أيوب فيه ms2242 PageV10P109 # كما ذكرناه؟ قال: وقد رواه يحيى بن سعيد عن نافع، وقال في هذا الموضع: ~~"وإلا فقد جاز ما صنع" (¬1). سيأتي به على المعنى، وقد أثبتها جرير بن حازم ~~عند البخاري (¬2)، وإسماعيل بن أمية عند الدارقطني (¬3)، وقد رجح الأئمة ~~رواية من أثبت هذه الزيادة من قوله - صلى الله عليه وسلم -، قال الشافعي ~~(¬4): لا أحسب عالما في الحديث يتشكك في أن مالكا أحفظ لحديث نافع من أيوب؛ ~~لأنه كان ألزم له، حتى ولو استويا، فشك أحدهما في شيء ولم يشك فيه صاحبه، ~~كان الحجة مع من لم يشك، ويؤيد ذلك قول عثمان الدارمي (¬5): قلت لابن معين: ~~مالك في نافع أحب إليك أو أيوب؟ قال: مالك. # وهذه الزيادة في الحديث ذهب إليها مالك والشافعي وأحمد وأبو [عبيد] (أ) ~~وجمهور علماء الحجاز. وفي المسألة أربعة مذاهب هذا أولها. # الثاني: ما ذهب إليه ابن شبرمة والأوزاعي وأبو حنيفة وابن أبي ليلى وسائر ~~الكوفيين وإسحاق بن راهويه، وهو مذهب الهدوية: أنه يستسعى العبد في حصة ~~الشريك ويعتق جميعه. واختلف هؤلاء في رجوع العبد بما أدى، وفي سعايته على ~~معتقه (أ)، فقال ابن أبي ليلي: يرجع به عليه. وقال PageV10P110 # أبو حنيفة وصاحباه: لا يرجع. بل هو عند أبي حنيفة في مدة السعاية بمنزلة ~~المكاتب، وعند الآخرين حر بالسعاية. # المذهب الثالث: مذهب زفر وبعض البصريين أنه يقوم على المعتق ويؤدي القيمة ~~إذا أيسر. # المذهب الرابع: حكاه القاضي عن بعض العلماء، أنه إن (أ) كان المعتق معسرا ~~بطل عتقه في نصيبه أيضا، فيبقى العبد كله رقيقا كما كان. # وقوله في حديث أبي هريرة: "وإلا قوم العبد واستسعي غير مشقوق عليه (ب) ". ~~يدل على ثبوت السعاية. # وقد احتج به من قال بوجوب السعاية، ولكنه جزم جماعة بأنه مدرج وليس من ~~الحديث. قال القاضي أبو بكر بن العربي (¬1): اتفقوا على أن ذكر الاستسعاء ~~ليس من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنه من قول قتادة. ونقل الخلال ~~في "العلل" (¬2) عن أحمد أنه ضعف رواية سعيد بن أبي عروبة في الاستسعاء، ~~وضعفه ms2243 أيضا الأثرم عن سليمان (ج) بن حرب (¬3)، واستند أن فائدة الاستسعاء PageV10P111 # ألا يدخل ضررا على الشريك، قال: لأنه لو كان مشروعا للزم إعطاؤه مثلا كل ~~شهر درهمين، وفي ذلك غاية الضرر. انتهى. قال النسائي (¬1): بلغني أن هماما ~~رواه فجعل هذا الكلام؛ أي الاستسعاء، من قول قتادة. وكذا قال (أ) ~~الإسماعيلي (1): إنما هو من قول قتادة مدرج على ما رواه (ب) همام. وقال ابن ~~المنذر والخطابي (¬2): هو من فتيا قتادة. وأخرج أبو داود (¬3) الحديث من ~~حديث همام عن قتادة، ولم يذكر الاستسعاء أصلا. # ورواه عن همام؛ عبد الله بن يزيد المقرئ، وذكر السعاية وفصلها عن الحديث. ~~كذا أخرجه الإسماعيلي وابن المنذر والدارقطني والخطابي والحاكم في "علوم ~~الحديث" والبيهقي والخطيب وكذا الدارقطني (¬4). فهؤلاء جزموا بأنه مدرج، ~~وقد رد قول من قال: إنه مدرج. بما اتفق عليه الشيخان (¬5) (ج من رفعه ج)؛ ~~فإنها في أعلى درجات التصحيح، وقد روى (د) PageV10P112 # إثباته من الحديث سعيد بن أبي عروبة عن قتادة (¬1)، وهو أعرف بحديث ~~قتادة؛ لكثرة ملازمته له وكثرة أخذه عنه من همام وغيره. وهشام وشعبة وإن ~~كانا أحفظ من سعيد، لكنهما لم ينافيا ما رواه، وإنما اقتصرا من الحديث على ~~بعضه، وليس المجلس واحدا حتى يتوقف في زيادة سعيد، فإن ملازمة سعيد لقتادة ~~كانت أكثر منهما، والإعلال بأن سعيدا اختلط، مردود؛ لأنه في "الصحيحين" ~~وغيرهما من رواية من روى عن سعيد قبل الاختلاط كيزيد بن زريع، ووافقه عليه ~~غيره، وقد أشار البخاري (¬2) إلى دفع هذا التعليل، فأخرج الحديث من رواية ~~يزيد بن زريع عن سعيد، وهو من أثبت الناس فيه، وسمع منه قبل الاختلاط، ثم ~~استظهر له برواية جرير بن حازم لمتابعته؛ لينفي عنه التفرد، ثم أشار إلى أن ~~غيرهما تابعهما، ثم (أ) قال: اختصره شعبة. وكأنه جواب لسؤال مقدر تقديره أن ~~شعبة أحفظ الناس لحديث قتادة، فكيف لم يذكر الاستسعاء؟ فأجاب بأن هذا لا ~~يؤثر فيه ضعفا؛ لأنه أورده (أ) مختصرا وغيره ساقه بتمامه، والعدد الكثير ~~أولى بالحفظ من الواحد، وقد جاء ذكر ms2244 الاستسعاء من حديث جابر أخرجه الطبراني ~~(¬3) وأخرجه البيهقي (¬4) من حديث رجل من بني عذرة، أن رجلا منهم أعتق ~~مملوكا له عند موته PageV10P113 # وليس له مال غيره، فأعتق رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلثه وأمره أن ~~يستسعي (أ) في الثلثين. وأخرج أبو داود (¬1) من حديث أبي المليح عن أبيه أن ~~رجلا أعتق شقصا له من غلام، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: ~~"ليس لله شريك". وفي رواية: فأجاز عتقه. وأخرجه النسائي (¬2) بإسناد قوي، ~~وأخرج أحمد (¬3) بإسناد حسن من حديث سمرة، أن رجلا أعتق شقصا له في مملوك ~~(ب)، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "هو [حر] (ج) كله، فليس لله ~~شريك". وقد عورضت هذه الأحاديث بما أخرجه أبو داود (¬4) من طريق ملقام (د) ~~عن أبيه، أن رجلا أعتق نصيبه من مملوك فلم يضمنه النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وإسناده حسن، وبحديث عمران بن حصين عند مسلم (¬5)، أن رجلا أعتق ستة ~~مملوكين له عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فجزأهم أثلاثا (د) ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة. ~~وسيأتي قريبا. وذلك لأنه لو كان الاستسعاء مشروعا لنجز من كل واحد منهم عتق ~~ثلثه وأمره بالسعاية في بقية قيمته لورثة PageV10P114 # الميت، إلا أنه قد يجاب عنه بأنها قضية عين، أو كان ذلك قبل شرعية ~~الاستسعاء. وأخرج النسائي (¬1) عن ابن عمر بلفظ: "من أعتق عبدا (أ) وله فيه ~~شركاء وله وفاء (ب)، فهو حر، ويضمن نصيب شركائه بقيمته بما أساء من ~~مشاركتهم، وليس على العبد شيء". # وبما تلوناه عليك عرفت صحة الحديثين، وظاهرهما التعارض، وقد جمع بينهما ~~بوجهين؛ أحدهما، أن قوله: "وإلا فقد عتق ما عتق منه". ليس معناه أنه يستمر ~~ملكه، وإنما المعنى أنه عتق ما عتق بإعتاق مالك الحصة، وحصة الشريك تعتق ~~بالسعاية، فيعتق العبد بعد تسليم ما عليه ويكون كالمكاتب، وهذا هو الذي جزم ~~به البخاري، والذي يظهر أنه في ذلك باختياره، لقوله: "غير مشقوق عليه". فلو ~~كان ms2245 ذلك على سبيل اللزوم بأن يكلف العبد الاكتساب والطلب حتى يحصل ذلك، حصل ~~له بذلك غاية المشقة، وهو لا يلزم في الكتابة بذلك عند الجمهور؛ لأنها غير ~~واجبة، هذا مثلها (ج)، وإلى هذا الجمع مال البيهقي (¬2) وقال: لا يبقى بين ~~الحديثين معارضة أصلا. وهو كما قال، إلا أنه يلزم منه أن يبقى الرق في حصة ~~الشريك إذا لم يختر (د) العبد الاستسعاء، ويحمل حديث أبي المليح وحديث سمرة ~~أن ذلك في حق PageV10P115 # الموسر فلا معارضة، وحديث الملقام في حق المعسر، وجمع أبو عبد الملك بأن ~~المراد بالاستسعاء أن العبد يستمر في خدمة سيده الذي لم يعتق رقيقا بقدر ~~ماله من الرق. # ومعنى "غير مشقوق عليه". أي: لا يكلفه سيده من الخدمة فوق ما يطيقه ولا ~~فوق حصته من الرق. إلا أنه يبعد هذا الجمع حديث الرجل من بني عذرة، هذا إذا ~~كان المعتق يملك بعض العبد، وأما إذا كان يملكه جميعا فأعتق بعضه، فجمهور ~~علماء الحجاز والكوفة والعراق أنه يعتق جميعه، وقال أبو حنيفة وأهل الظاهر: ~~يعتق منه ذلك القدر الذي عتق ويسعى في الباقي. وهو قول طاوس وحماد. وحجة ~~الأولين حديث أبي المليح وغيره. وبالقياس على عتق الشقص، فإنه إذا سرى إلى ~~ملك الشريك فبالأولى إذا لم يكن له شريك، وحجة أبي حنيفة أن السبب في حق ~~الشريك هو أنه لما يدخل على شريكه من الضرر، فإذا كان العبد له جميعه لم ~~يكن هناك ضرر، فلا قياس. وبما رواه إسماعيل بن أمية عن أبيه عن جده أنه ~~أعتق نصف عبده فلم ينكر النبي - صلى الله عليه وسلم - عتقه (¬1). والله أعلم. # 1190 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا يجزي ولد والده، إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه". رواه ~~مسلم (¬2). # قوله: "لا يجزي". بفتح أوله، أي, لا يكافئه بإحسانه وقضاء حقه، إلا أن ~~يعتقه. PageV10P116 # وقوله: "فيشتريه فيعتقه". ظاهره أنه لا يعتق بمجرد الشراء، وأنه لا بد من ~~الإعتاق بعد الشراء، وقد ذهب ms2246 إلى هذا الظاهرية، وذهب الجمهور إلى أنه يعتق ~~بنفس الشراء، ومعنى قوله: "فيعتقه". هو أنه لما شراه تسبب منه (أ) العتق، ~~فنسب إليه العتق مجازا، وإنما كان جزاء له؛ لأن العتق أفضل ما أنعم به أحد ~~على أحد، لتخليصه بذلك من الرق، فيكمل له أحوال الأحرار من الولاية والقضاء ~~والشهادة بالإجماع. والحديث نص في عتق الوالد، وهو مجمع عليه في (ب) حق ~~الأب والأم إلا داود الظاهري. # 1991 - وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حر". رواه أحمد والأربعة (¬1)، ورجح جمع من ~~الحفاظ أنه موقوف. # الحديث أخرجه أبو داود مرفوعا من رواية حماد وموقوفا من رواية سعيد (ج)، ~~وقال: سعيد (ج) أحفظ من حماد. فالوقف حينئذ أرجح، وأخرجه أيضا من طريق سعيد ~~(ج) عن قتادة، أن عمر بن الخطاب قال: من ملك. الحديث، فوقفه على عمر، وقال ~~أبو داود: ولم يحدث بهذا الحديث PageV10P117 # إلا حماد، وقد شك فيه. وقال علي بن المديني: هو حديث منكر. وقال البخاري ~~(¬1): لا يصح. رواه ابن ماجه والنسائي والترمذي والحاكم (¬2) من طريق ضمرة ~~عن الثوري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر. قال النسائي: حديث منكر. وقال ~~الترمذي: لم يتابع ضمرة عليه وهو خطأ. وقال [البيهقي] (أ) (¬3): وهم في هذا ~~الإسناد، والمحفوظ بهذا الإسناد: نهى عن بيع الولاء وعن هبته. ورد الحاكم ~~(2) هذا بأنه روى من طريق ضمرة الحديثين بالإسناد الواحد. وصححه ابن حزم ~~(¬4) وعبد الحق (¬5) وابن القطان، وضمرة بن ربيعة هذا لا يضر تفرده؛ لأنه ~~ثقة، لم يكن في الشام رجل يشبهه. # الحديث فيه دلالة على أنه إذا ملك من بينه وبينه رحامة محرمة للنكاح، ~~فإنه يعتق عليه؛ وذلك كالآباء وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا، والإخوة ~~وأولادهم والأخوال والأعمام لا أولادهم، وقد ذهب إلى هذا الهادي وأبو حنيفة ~~وأصحابه؛ للحديث المذكور، وذهب الشافعي إلى أنه لا يعتق إلا الآباء ~~والأبناء نصا في الحديث السابق على الآباء وقياسا للأبناء على الآباء. ms2247 ~~قالوا: ولأن البنوة صفة تنافي العبودية؛ لقوله تعالى: {وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا سبحانه بل عباد مكرمون} (¬6). فأفهمت الآية أنه يتنافى أن يكون PageV10P118 # عند الشخص أبناء له [عبيد] (أ)، وزاد مالك الإخوة والأخوات قياسا على ~~الآباء والأبناء، وذهب داود الظاهري إلى أنه لا يعتق أحد (ب) بهذا السبب، ~~واحتج بظاهر قوله في حديث أبي هريرة (¬1): "فيشتريه فيعتقه". فظاهره أن ~~الأب لا يعتق إلا بإعتاقه. وقد تقدم الجواب عنه. # 1192 - وعن عمران بن حصين رضي الله عنه، أن رجلا أعتق ستة مملوكين له (ب) ~~عند موته لم يكن له مال غيرهم، فدعا بهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ~~فجزأهم أثلاثا ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرق أربعة، وقال له قولا شديدا. ~~رواه مسلم (¬2). # القول الشديد في رواية النسائي وأبي داود (¬3) أنه قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لو شهدته قبل أن يدفن لم يدفن في مقابر المسلمين". وقد ذهب إلى ما ~~دل عليه الحديث -وهو أن حكم التبرع في المرض حكم الوصية فينفذ من الثلث- ~~مالك والشافعي وأحمد، ولكنهم اختلفوا، فذهب مالك إلى اعتبار التقويم، فإذا ~~كانوا ستة أعبد مثلا أعتق منهم الثلث بالقيمة، سواء كان الحاصل من ذلك ~~اثنين منهم أو أقل أو [أكثر] (ج)، ويكون تعيين المعتق بالقرعة، وبعضهم ذهب ~~إلى أن المعتبر العدد من غير تقويم، فإن كانوا ستة أعتق منهم اثنان، PageV10P119 # وإن كانوا مثلا سبعة أعتق منهم اثنان وثلث، ويكون ذلك بالقرعة، وهذا هو ~~ظاهر الحديث، إلا (أ) أنه يحتمل أنه تساوى في هذا قيمهم. # وذهب الهدوية وأبو حنيفة وأصحابه إلى أنه يعتق من كل عبد ثلثه، ويسعى كل ~~واحد في ثلثي قيمته للورثة. قالت الحنفية: إنه لا يعمل بهذا الحديث؛ لأنه ~~أحادي خالف الأصول الثابتة بالتواتر. وهذه قاعدة الحنفية، وذلك أن السيد قد ~~أوجب لكل واحد منهم العتق، فلو كان له مال لنفذ العتق في الجميع بالإجماع، ~~وإذا لم يكن له مال وجب أن ينفذ لكل واحد منهم بقدر الثلث الجائز فعل السيد ~~(ب) فيه. ولكنه يقال في ms2248 الرد عليهم: إن هذا ليس ثابتا في الأصول مطلقا ولو ~~أدخل ضررا على الغير، وهذا يدخل ضررا على الورثة وعلى العبيد المعتقين. ~~وإذا جمع العتق في أشخاص بأعيانهم حصل الوفاء بحق المعتق وحق الوارث، فلا ~~مخالفة للأصول. # وقوله: ثم أقرع بينهم. قال الخطابي (¬1): فيه إثبات القرعة في تمييز ~~الشائع. # 1193 - وعن سفينة رضي الله عنه قال: كنت مملوكا لأم سلمة فقالت: أعتقتك ~~واشترطت عليك أن تخدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما عشت. رواه أحمد ~~وأبو داود والنسائي والحاكم (¬2). PageV10P120 # الحديث فيه دلالة على صحة اشتراط الخدمة على العبد العتق، والعتق يصح أن ~~يعلق بشرط فيقع بوقوع الشرط، ويصح أن يكون معقودا على عوض مال أو غرض ~~كالخدمة، فيقع العتق بوقوع ذلك المعقود أو بالقبول لذلك، وإذا تعذرت الخدمة ~~لزم (أ) العبد القيمة، ولعل هذه العبارة وهي قولها: واشرطت (ب) عليك. يتنزل ~~منزلة العقد، كأنها قالت: على خدمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وقد ~~قال بهذا الهدوية، وروي عن عمر أنه أعتق رقيق الإمارة وشرط عليهم أن يخدموا ~~الخليفة بعده ثلاث سنين. قال ابن رشد في "نهاية المجتهد" (¬1): ولم يختلفوا ~~أن العبد إذا أعتقه سيده على أن يخدمه سنتين، أنه لا يتم عتقه إلا بخدمته. ~~وهو يوافق ما ذكرته الهدوية، وكذا عند الحنفية، قال في "ملتقى الأبحر": ولو ~~حرره على أن يخدمه سنة فقبل، عتق، وعليه أن يخدمه تلك المدة، فإن مات ~~المولى قبلها, لزمه قيمة نفسه، وعند محمد قيمة خدمته. # 1194 - وعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إنما الولاء لمن أعتق". متفق عليه في حديث (أ) (¬2). # تقدم الحديث -وهذا بعض من حديث بريرة المذكورة في البيع- والكلام عليه. PageV10P121 # وقوله: "والولاء لمن أعتق". يعني لا يثبت لغير المعتق بشرط، كما في حديث ~~بريرة، ولا بغيره كما في الحديث الآتي، و"إنما" للحصر، وهو إثبات الحكم ~~للمذكور ونفيه عما عداه، وقد استدل به على أنه لا ولاء بالإسلام خلافا ~~للهدوية والحنفية، ولا للملتقط خلافا لإسحاق. ms2249 # 1195 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "الولاء لحمة كلحمة النسب، لا يباع ولا يوهب". رواه الشافعي وصححه ~~ابن حبان والحاكم (¬1)، وأصله في "الصحيحين" (¬2) بغير هذا اللفظ. # الحديث أخرجه الشافعي عن محمد بن الحسن عن أبي يوسف عن عبد الله بن دينار ~~عن ابن عمر، ورواه ابن حبان في "صحيحه" من طريق [بشر] (أ) ابن الوليد عن ~~أبي يوسف، لكن قال: عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار. وكذا رواه ~~البيهقي (¬3)، وقال في "المعرفة" (¬4): كأن الشافعي حدث به من حفظه فنسي ~~عبيد الله بن عمر من إسناده، وقد رواه محمد بن الحسن في كتاب "الولاء" له ~~عن أبي يوسف عن عبيد الله بن عمر عن عبد الله بن دينار به (ب). وقال أبو ~~بكر النيسابوري (¬5): هذا خطأ بين، PageV10P122 # الثقات رووه عن عبد الله بن دينار بغير هذا اللفظ، وهذا اللفظ إنما هو ~~رواية الحسن المرسلة. ورواه البيهقي (¬1) من طريق ضمرة بن ربيعة عن الثوري ~~عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر، وقد جمع أبو نعيم طرق حديث النهي عن بيع ~~الولاء عن هبته في "مسند عبد الله بن دينار" له، فرواه عن نحو من خمسين ~~رجلا (أو أكثر أ) من أصحابه عنه، ورواه أبو جعفر الطبري في "تهذيبه"، وأبو ~~نعيم في "معرفة "الصحابة" (¬2)، والطبراني في "الكبير" من حديث عبد الله بن ~~أبي أوفى، وظاهر إسناده الصحة، وهو يعكر على البيهقي حيث قال (¬3) عقيب ~~حديث أبي يوسف: ويروى بأسانيد أخر كلها ضعيفة. # وقوله: وأصله في "الصحيحين" (¬4). أخرج البخاري من حديث عبد الله بن ~~دينار عن ابن عمر قال: نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن بيع الولاء وعن ~~هبته. وكذا أخرجه مسلم عنه، وقال مسلم بعد إخراجه عن عبد الله بن دينار: ~~الناس في هذا الحديث عيال عليه. وقال الترمذي (¬5) بعد تخريجه: حسن صحيح لا ~~نعرفه إلا من حديث عبد الله بن دينار، رواه عنه سعيد وسفيان ومالك. # وقوله: "الولاء ms2250 لحمة كلحمة النسب". وفي رواية: "كلحمة الثوب". وقد اختلف ~~في ضم اللام وفتحها؛ فقيل: هي في النسب مضمومة، وفي PageV10P123 # الثوب بالفتح وحده. وقيل: بالفتح في النسب والثوب، فأما بالضم فهو ما ~~(أيصاد به أ) الصيد، وفي "القاموس" (¬1) بفتح اللام وضمها في النسب والثوب. ~~ومعنى الحديث أن المخالطة في الولاء تحري مجرى النسب في الميراث، كما تخالط ~~(ب) اللحمة سد الثوب حتى يصيرا (ج) كالشيء الواحد. كذا في "النهاية" (¬2). ~~وقال ابن العربي (¬3): معناه أن المعتق أخرجه بالحرية إلى النسب حكما، كما ~~أن الأب أخرجه بالنطفة إلى الوجود حشا؛ لأن العبد كان كالمعدوم بالنظر إلى ~~الأحكام التي قصر فيها عن الحر، فلما شابه حكم النسب جعل للعتق (د) حكم ~~النسب. انتهى. # وقوله: "لا يباع ولا يوهب". فيه دلالة على أنه لا يصح بيع الولاء ولا ~~هبته؛ لأن ذلك أمر معنوي كالنسب لا يتأتى انتقاله؛ كالأبوة والأخوة ~~والجدودة التي لا يتأتى انتقالها، قال ابن بطال (¬4): أجمع العلماء على أنه ~~لا يجوز تحويل النسب. فإذا كان حكم الولاء حكم النسب، فكما لا ينتقل النسب ~~لا ينتقل الولاء، وكانوا في الجاهلية ينقلون (ه) بالولاء لا بالبيع وغيره، PageV10P124 # فنهى الشرع عن ذلك. وقال ابن بطال (¬1) وغيره: جاء عن عثمان جواز بيع ~~الولاء، وكذا عن عروة، وجاء عن ميمونة جواز هبة الولاء، فإنها وهبت ولاء ~~سليمان بن يسار لابن عباس. قال المصنف رحمه الله تعالى (¬2): قلت: قد أنكر ~~ذلك ابن مسعود في زمن عثمان، فأخرج عبد الرزاق (¬3) عنه أنه كان يقول: ~~أيبيع أحدكم [نسبه] (أ)؟ ومن طريق على: الولاء شعبة من النسب (¬4). ومن ~~طريق جابر أنه أنكر بيع الولاء وهبته (¬5). ومن طريق عطاء أن ابن عمر كان ~~ينكره (¬6)، ومن طريق عطاء عن ابن عباس: لا يجوز (¬7). وسنده صحيح، ومن ثم ~~فصلوا في النقل عن ابن عباس بين البيع والهبة. انتهي. وروى في "البحر" عن ~~مالك، أنه يجوز هبة الولاء وبيعه، ولم أره في غيره، ويحتج عليه بالحديث. PageV10P125 ### || AUTO باب المدبر والمكاتب وأم الولد # المدبر بفتح الباء: اسم ms2251 مفعول، هو الذي علق عتقه بموت مالكه؛ سمي بذلك ~~لأن الموت دبر الحياة، أو لأن فاعله دبر أمر دنياه وآخرته؛ أما دنياه ~~فباستمراره على الانتفاع بخدمة عبده، وأما آخرته فبتحصيل ثواب العتق، وهو ~~راجع إلى الأول؛ لأن تدبير الأمور راجع إلى النظر في العاقبة، فيرجع إلى ~~دبر الأمر وهو آخره. والمكاتب بفتح التاء اسم مفعول: من وقعت عليه الكتابة، ~~وبالكسر اسم فاعل: من تقع منه الكتابة، والكتابة مصدر بكسر الكاف وفتحها، ~~قال الراغب (¬1): اشتقاقها من كتب بمعنى أوجب، ومنه قوله تعالى: {كتب عليكم ~~الصيام} (¬2). {ن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا} (¬3). أو بمعنى ~~وجب وضم، ومنه كتب الخط، وعلى الأول فالمناسبة أن الكتابة يلتزم فيها أداء ~~المال المناسب، بمعنى (أ) الوجوب، أي: الثبوت، وعلى الثاني، فلما يكون عند ~~عقدها من كتابة نجوم الأداء وعقدها غالبا. قال الروياني (¬4): الكتابة ~~إسلامية ولم تكن تعرف في الجاهلية. وقال ابن التين (4): كانت الكتابة ~~متعارفة قبل الإسلام فأقرها PageV10P127 # النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقال ابن خزيمة في كلامه على حديث بريرة: ~~قيل: إن بريرة أول مكاتبة في الإسلام، وقد كانوا يكاتبون في الجاهلية ~~بالمدينة، وأول من كوتب في الإسلام من الرجال سلمان. وقال ابن التين حكاية ~~(¬1): أن أول من كوتب أبو المؤمل فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " ~~[أعينوه] " (أ). وأول من كوتب من النساء بريرة، وأول من كوتب بعد النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - أبو أمية مولى عمر، [ثم] (ب) سيرين مولى أنس. # وحقيقة الكتابة تعليق عتق على أداء مال أو نحوه من مالك أو نحوه لمملوك، ~~وهي (ج) على خلاف القياس عند من يقول: إن العبد لا يملك. وهي لازمة من جهة ~~السيد إلا إن عجز العبد، وجائزة غير واجبة عليه على الراجح من أقوال ~~العلماء. وأم الولد هي من ولدت من مالكها. # 1196 - وعن جابر رضي الله عنه، أن رجلا من الأنصار أعتق غلاما له (د)، عن ~~دبر لم يكن له مال غيره، فبلغ ذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ms2252 ~~"من يشتريه مني؟ " فاشتراه نعيم بن عبد الله بثمانمائة درهم. متفق عليه ~~(¬2). وفي لفظ البخاري: فاحتاج. وفي رواية النسائي (¬3): وكان عليه دين ~~فباعه PageV10P128 # بثمانمائة درهم فأعطاه وقال: "اقض دينك". # قوله: أن رجلا. اسمه مذكور، والغلام اسمه يعقوب. كذا في رواية مسلم وأبي ~~داود والنسائي (¬1)، والغلام قبطي. كذا في رواية مسلم (¬2) وابن أبي شيبة ~~(¬3)، ومات أول عام في إمارة ابن الزبير. # والحديث فيه دلالة على مشروعية التدبير، وهو متفق عليه، وله ألفاظ صريحة ~~وكناية، فصريحه (أ): أنت حر على دبر مني. أو: أنت مدبر. وأما: أنت حر بعد ~~موتي. فقال مالك (¬4): إذا قاله وهو صحيح، فالظاهر أنه وصية، والقول قوله ~~في ذلك، ويجوز رجوعه إلا أن يريد التدبير. وبه قال ابن (ب) القاسم، وقال ~~(أبو حنيفة): الظاهر أنه تدبير فليس له الرجوع. وقال به من أصحاب مالك ~~أشهب، إلا أن يكون هناك قرينة تدل على الوصية، مثل أن يكون على سفر، أو ~~يكون مريضا، أو ما أشبه ذلك من الأحوال التي جرت العادة أن يكتب الناس فيها ~~وصاياهم. وجعله الإمام المهدي في "البحر" صريح التدبير، وجعل في: دبرتك. ~~احتمال الصريح والكناية، واختلف العلماء: هل ينفذ من رأس المال أو من ~~الثلث؟ فذهب PageV10P129 # الجمهور إلى أنه ينفذ من الثلث، وذهب ابن مسعود والحسن البصري وسعيد بن ~~جبير والنخعي ومسروق والظاهرية إلى أنه ينفذ من رأس المال، وحجة الأولين ~~القياس على الوصية بجامع أنه مال ينفذ بعد الموت فيكون من الثلث، وبما ~~أخرجه البيهقي (¬1) من حدثنا علي بن ظبيان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ~~ابن عمر: "المدبر من الثلث". مرفوعا، ورواه الشافعي (¬2) أيضا عن علي بن ~~ظبيان وقال: قلت لعلي: كيف هو؟ قال: كنت أحدث به مرفوعا، فقال لي أصحابي: ~~ليس هو بمرفوع. فوقفته. قال الشافعي: و (أ) الحفاظ يقفونه على ابن عمر. ~~ورواه الدارقطني (¬3) من حديث عبيدة بن حسان (¬4) عن أيوب عن نافع مرفوعا ~~بلفظ: "المدبر لا يباع ولا يوهب، وهو حر من الثلث". قال أبو [حاتم] (ب) ~~(¬5): عبيدة ms2253 منكر الحديث. وقال الدارقطني في "العلل" (¬6): الأصح وقفه. ~~وقال العقيلي (¬7): لا يعرف إلا بعلي بن ظبيان وهو منكر الحديث (¬8). وقال ~~أبو زرعة (¬9): الموقوف أصح. بل قال PageV10P130 # أبو زرعة: بل (أ) رفعه باطل. وقال ابن القطان (¬1): المرفوع ضعيف. وقال ~~البيهقي (¬2): الصحيح موقوف كما رواه الشافعي. وروي من وجه آخر عن أبي ~~قلابة مرسلا، أن رجلا أعتق عبدا له عن دبر فجعله النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من الثلث، وعن علي كذلك موقوفا عليه، وروى بسنده عن عثمان بن أبي ~~شيبة أنه قال: حديث علي بن ظبيان خطأ (¬3). وعلي بن ظبيان هو قاضي بغداد ~~تفقه بأبي حنيفة. وحجة الآخرين القياس على الهبة ونحوها مما يخرجه الإنسان ~~من ماله في حال حياته فأشبه الهبة، وكأنهم رجعوا إلى القياس لما ضعف ~~الحديث، ولكنه يقال: هذا الحديث وإن ضعف فضعفه لأجل الوقف، إلا أنه مؤيد ~~بالقياس على الوصية، ويتأيد بصحة بيعه (ب) لإعسار صاحبه، فإن أكثر التصرفات ~~التي تنقض إنما هي ما لم تكن نافذة في حال الحياة، وهذا في الوصية لا في ~~غيرها، فهذا لما نقض كان كالوصية، وإن كان النقض لأجل إعسار السيد فهي قضية ~~عينية لا يمنع البيع لغيرها، وقد روي عن عائشة رضي الله عنها، أنها باعت ~~جارية سحرتها وقد كانت مدبرة (¬4). ولعل هذا حجة الهدوية الذين قالوا: إنه ~~يجوز بيع المدبر لفسق أو ضرورة. # والحديث فيه دلالة على صحة بيع المدبر ولكن في حق من لا مال له، PageV10P131 # كما في رواية البخاري، أو في قضاء الدين، كما في رواية النسائي، وقد احتج ~~بهذا الهادي والقاسم والمؤيد وأبو طالب، أنه لا يجوز بيعه إلا لضرورة، وذهب ~~إليه طاوس أيضا، وذهب مالك وأبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة إلى أنه ليس ~~للسيد أن يبيع مدبره، قالوا: لقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا ~~بالعقود} (¬1). ولأنه عتق إلى أجل فأشبه أم الولد، أو أشبه العتق المطلق، ~~إلا أن مالكا قال: إذا باعه إلى من يعتقه نفذ البيع والعتق، وقال أبو حنيفة ~~والكوفيون: البيع ms2254 مفسوخ سواء أعتقه المشتري أم لم يعتقه. وظاهر كلامهم أنه ~~لا يصح بيعه ولو للدين، والحديث يرد عليهم ويكون تخصيصا (ب) لعموم الآية، ~~وذهب الشافعي وأحمد وأهل الظاهر وأبو ثور وأهل الحديث، ونقله البيهقي في ~~"المعرفة" (¬2) عن أكثر الفقهاء، إلى أن للسيد أن يبيع مدبره، قالوا: لحديث ~~جابر، ولشبهه بالوصية، وينفذ غير البيع من الهبة والنذر كما يبطل الوصية، ~~والحديث لم يكن فيه قصر الحكم على حالة الحاجة والضرورة، وإنما الواقع ~~[جزئي] (أ) من جزئيات صور بيعه، وقياسه على الوصية يؤيد اعتبار الجواز ~~المطلق، وأبو حنيفة يجوز بيعه إذا كان التدبير مقيدا ك: إن مت في شهري أو ~~مرضي هذا. لشبهه بالمشروط، كذا روى الخلاف هذا عن أبي حنيفة في "البحر"، ~~وكذا في "ملتقى الأبحر"، ورده PageV10P132 # الإمام المهدي بأن الدليل لم يفصل (أ)، وبأن المختار في مثل هذا أنه ليس ~~بتدبير بل عتق معلق على شرط، وفيه تفصيل؛ أنه إن قصد به تنجيز العتق بطل ~~العتق؛ لأنه بعد موته قد صار في ملك الورثة، وإن قصد به الوصية كان وصية، ~~وقد تقدم الخلاف في هذا، وروي عن أحمد الجواز في المدبرة دون المدبر. وعن ~~الليث: يجوز إن شرط على المشتري عتقه. وعن ابن سيرين: يبيعه من نفسه. # 1197 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "المكاتب عبد ما بقي عليه من مكاتبته درهم". أخرجه أبو داود (¬1) ~~بإسناد حسن، وأصله عند أحمد والثلاثة وصححه الحاكم (¬2). # رووا الحديث من طرق، ورواه النسائي وابن حبان (¬3) من وجه آخر من حديث ~~عطاء عن عبد الله بن عمرو في حديث طويل ولفظه: "ومن كان مكاتبا على مائة ~~درهم فقضاها إلا أوقية فهو عبد". قال النسائي (¬4): هذا PageV10P133 # حديث منكر، وهو عندي خطأ. وقال ابن حزم (¬1): عطاء عندي هذا هو الخراساني ~~ولم يسمع من عبد الله بن عمرو. وقال الشافعي (¬2) في حديث عمرو بن شعيب: لا ~~أعلم أحدا روى هذا إلا عمرو بن شعيب، ولم أر من رضيت من ms2255 أهل العلم يثبته، ~~وعلى هذا فتيا المفتين. واخرج ابن أبي شيبة (¬3) موقوفا على عائشة رضي الله ~~عنها عن سليمان بن يسار قال: استأذنت على عائشة فعرفت صوتي فقالت: سليمان ~~(أ)؟ فقلت: سليمان. فقالت: أديت ما بقي عليك من كتابتك؟ قلت: نعم، إلا شيئا ~~يسيرا. قالت: ادخل فإنك عبد ما بقي عليك شيء. وأخرج الشافعي (¬4) أن زيد بن ~~ثابت قال في المكاتب: هو عبد ما بقي عليه درهم. # والحديث فيه دلالة على أن المكاتب إذا لم يوف ما عليه من مال الكتابة فهو ~~عبد له أحكام المملوك جميعها، وقد ذهب إلى هذا الجمهور؛ منهم عمر وابن عمر ~~وعائشة وأم سلمة والحسن وابن المسيب والزهري والثوري والهادي وأبو حنيفة ~~والشافعي ومالك، وقد روي عن علي (¬5)، أنه يعتق إذا أدى الشطر. ورواية عنه ~~(¬6) أنه يعتق منه بقدر ما أدى. وعن ابن PageV10P134 # مسعود (¬1): لو كاتبه على ما في أوقية وقيمته مائة فأدى المائة عتق. وهو ~~رواية عن عائشة وابن عمر وزيد بن ثابت (¬2). والأشهر عنهم مثل قول الجمهور، ~~وروي عن بعض من السلف أنه يعتق بعقد الكتابة. وعن بعض: إذا أدى الثلث. وقول ~~الجمهور هو الأولى، وهو متأيد بالآثار عن (1) الصحابة وقد صحت عنهم ~~الرواية, وروى ذلك مالك في "الموطأ" (¬3)، ولأنه أخذ بالاحتياط في ملك ~~السيد لا يزول إلا بما قد رضي به من تسليم ما عقد عليه، وشبهة من قال: يعتق ~~بعقد الكتابة. أنه شبه الكتابة بالبيع، فكأن المكاتب اشترى نفسه من سيده. ~~ومن ذهب إلى أنه يعتق منه بقدر ما أدى احتج بما أخرجه النسائي (¬4) من حديث ~~يحيى بن أبي كثير عن عكرمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يودى ~~المكاتب بحصة ما أدى دية حر وما بقى دية عبد". قال البيهقي (¬5): قال أبو ~~عيسى فيما بلغني عنه: سألت البخاري عن هذا الحديث فقال: روى بعضهم هذا ~~الحديث عن أيوب عن عكرمة عن علي رضي الله عنه. قال البيهقي: فاختلف على ~~عكرمة فيه، ورواية عكرمة عن علي مرسلة، ورواه حماد بن ms2256 زيد وإسماعيل بن ~~إبراهيم عن أيوب عن عكرمة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرسلا، وجعله ~~إسماعيل من قول عكرمة. وروي موقوفا عن علي PageV10P135 # من طرق أخرجها البيهقي، ومن طرق مرفوعا (¬1). وقد ذهب إلى هذا من الهدوية ~~المؤيد بالله وأبو طالب، وهذا الخلاف إنما هو في جري الأحكام على المكاتب ~~في الحدود والدية وغيرها. وأما بيع المكاتب فقد تقدم الكلام عليه في كتاب ~~البيع (¬2). # 1198 - وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا كان لإحداكن مكاتب وكان عنده ما يؤدي فلتحتجب منه". رواه أحمد ~~والأربعة (¬3) وصححه الترمذي. # الحديث من رواية سفيان عن الزهري. قال الشافعي (¬4): ولم أحفظ عن سفيان ~~أن الزهري سمعه من نبهان مكاتب أم سلمة (¬5). وقد روي من حديث معمر عن ~~الزهري، قال الشافعي: ولم أر من رضيت من أهل العلم يثبت واحدا من هذين ~~الحديثين. يعني حديث نبهان وحديث عمرو بن شعيب الذي مر وتعقب عليه البيهقي ~~بأن حديث عمرو قد روي من أوجه، وحديث نبهان قد صرح فيه معمر بسماع الزهري ~~من نبهان، إلا أن البخاري ومسلما لم يخرجا حديث نبهان في الصحيح، وكأنه لم ~~تثبت عدالته عندهما، أو لم يخرج من حد الجهالة برواية عدل عنه، وقد أخرجه ~~ابن PageV10P136 # خزيمة (¬1) عن أبي بكر بن إسحاق [الصغاني] (أ) عن قبيصة عن سفيان عن محمد ~~بن عبد الرحمن مولى [آل] (ب) طلحة عن مكاتب مولى أم سلمة يقال له: نبهان. ~~فذكر هذا الحديث، وأخرجه محمد بن يحيى الذهلي (¬2) عن محمد بن يوسف عن ~~سفيان بالإسناد الأول، فذكر حديث نبهان. # الحديث فيه دلالة على أن المكاتب إذا كان معه وفاء مال الكتابة، أنه قد ~~صار حرا فتحتجب منه سيدته، وظاهره: وإن لم يكن قد سلم ذلك. وهو يخالف حديث ~~عمرو بن شعيب، ولذلك تأوله الشافعي وقال (¬3): إن هذا يجوز أن يكون خاصا ~~بأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو احتجابهن عن المكاتب، وإن لم يكن ~~قد سلم مال الكتابة إذا كان ms2257 يجده، ولا (ج) منع من ذلك كما منع سودة من نظر ~~ابن زمعة إليها مع أنه قد قال: "الولد للفراش" (¬4). وهو قريب، وأما ما ~~رواه عبد الله بن زياد بن سمعان (¬5) عن ابن شهاب أن أم سلمة زوج النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قالت لنبهان مكاتبها: ادفع ما بقي من كتابتك إلى ابن ~~أخي ابن عبد الله بن أبي أمية فإني قد أعنته بها، ثم لا تكلمني إلا من وراء ~~حجاب. PageV10P137 # فبكى نبهان، فقالت أم سلمة: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال ~~لنا: "إذا كاتبت إحداكن عبدها [فليرها] (أ) ما بقي عليه شيء من كتابته، ~~فإذا قضاها فلا تكلمن إلا من وراء حجاب". فهو ضعيف، ورواية الثقات عن ~~الزهري بخلافه. # والحديث فيه دلالة بمفهومه، وهو مفهوم الشرط، أنه يجوز له النظر إذا لم ~~يكن معه وفاء مال الكتابة أولم يؤد ذلك، وذلك لأنه باق على ملك المكاتبة، ~~والمملوك يجوز له النظر إلى سيدته، وهو موافق لقوله تعالى: {أو ما ملكت ~~أيمانهن}. في سورة "النور" (¬1) وقد ذهب إلى هذا أكثر السلف، ورواه في ~~"البحر" عن عائشة وابن المسيب وأحد قولي الشافعي؛ للآية الكريمة ولحديث أم ~~سلمة، ويحتج أيضا لهم بقوله - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة لما تقنعت بثوب ~~إذا قنعت رأسها لم يبلغ رجليها وإذا غطت رجليها لم يبلغ رأسها فقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ليس عليك بأس، إنما هو أبوك وغلامك" (¬2). ثم قال: وذهب ~~الهدوية وأبو حنيفة وأصحابه وأحد قولي الشافعي إلى أن المملوك كالأجنبي؛ ~~بدليل صحة تزويجها إياه بعد العتق، وأجاب عن الآية بأن سعيد بن المسيب قال: ~~لا تغرنكم آية "النور" فالمراد بها الإماء (¬3). وأن سعيدا رجع عن مذهبه، ~~قال في "البحر": وخصهن بالذكر رفعا لتوهم مخالفتهن للحرائر في قوله تعالى: ~~{أو نسائهن}. إذ الإماء ليس من نسائهن، إذ الإضافة تقتضي أن المراد ~~أمثالهن، وقالت ميسون لمعاوية في الخصي: إن المثلة لا تحل ما حرم الله. ~~وأجاب عن حديث أم سلمة بأنه مفهوم لا يؤخذ به ms2258 انتهى. ولا يخفى PageV10P138 # عليك ما في هذا؛ فإن الآية ظاهرة في تعميم: {أو ما ملكت أيمانهن}. ولا ~~مساغ للتوهم الذي قال برفعه، وقول ميسون لا يعتد به، والمفهوم معمول به عند ~~الأكثر مع أن في كلام أم سلمة تصريح بجواز النظر عند ألا يفي، وفي كلام ~~عائشة وفعلها ذلك، وهن أعرف بمعاني خطابه - صلى الله عليه وسلم - لهن، ~~والله سبحانه أعلم (أ). # 1200 - وعن عمرو بن الحارث، أخي جويرية أم المؤمنين رضي الله عنها، قال: ~~ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند موته درهما ولا دينارا, ولا ~~عبدا ولا أمة، ولا شيئا، إلا بغلته البيضاء وسلاحه وأرضا جعلها صدقة. رواه ~~البخاري (¬1). # هو عمرو بن الحارث بن أبي ضرار، بكسر الضاد المعجمة وبراء خفيفة، ابن ~~عايذ، بالعين المهملة وباثنتين من أسفل تحتها نقطان وبالذال المعجمة، ابن ~~مالك بن جذيمة، وهو المصطلق بن سعد الخزاعي عداده في أهل الكوفة، روى عنه ~~أبو وائل شقيق بن سلمة وأبو إسحاق السبيعي (¬2). # الحديث فيه دلالة على ما كان عليه - صلى الله عليه وسلم - من الزهد في ~~الدنيا وإنفاق ما وصل إليه - صلى الله عليه وسلم -، وتنزهه عن أعراضها ~~وأدناسها، وخلو قلبه وقالبه عن PageV10P139 # الاشتغال بغير عبادة ربه سبحانه وتعالى، حتى نقله إلى الرفيق الأعلى ~~سالما عن الأغراض والأعراض، وكان ما قد ملكه من أرقائه إما قد مات أو معتقا. # وفيه دلالة على أن أم الولد تعتق بموت سيدها، فإن مارية القبطة أم ~~إبراهيم صلى الله على نبينا وعليه وسلم توفيت في زمن عمر بن الخطاب سنة ست ~~عشرة ودفنت بالبقيع، وهذا وجه ذكر الحديث هنا. وقد قيل: إنها ماتت في حياة ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. والأول هو الأشهر. # وقوله: ولا شيئا. على الأصح في رواية البخاري وكذا رواية الإسماعيلي ~~(¬1)، وفي رواية الكشميهني (1): ولا شاة. وفي رواية مسلم (¬2) عن عائشة ~~قالت: ما ترك رسول الله - صلى الله عليه وسلم - درهما ولا دينارا ولا شاة ~~ولا بعيرا ولا أوصى بشيء. # وقوله: وأرضا جعلها صدقة. ms2259 جاء في رواية أبي داود (¬3) أن صدقته - صلى ~~الله عليه وسلم - كانت في المدينة أرضا، قال: فكانت نخل بني النضير لرسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - خاصة، أعطاها [الله] (أ) إياه، فقال: {ما أفاء ~~الله على رسوله} (¬4). قال: فأعطى أكثرها للمهاجرين، وبقى منها صدقة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - التي في أيدي بني فاطمة. ولأبي داود (¬5) أيضا ~~من طريق ابن شهاب، قال: كانت PageV10P140 # لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاث صفايا؛ [بنو] (أ) النضير وخيبر ~~وفدك، فأما بنو النضير فكانت حبسا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسا لأبناء ~~السبيل، وأما خيبر فجزأها ما (ب) بين المسلمين، ثم قسم جزءا لنفقة أهله، ~~وما فضل منه جعله في فقراء المهاجرين. وجاء في رواية [أبي] (ج) إسحاق (¬1): ~~وأرضا جعلها لابن السبيل صدقة. # 1201 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - "أيما أمة ولدت من سيدها فهي حرة بعد موته". أخرجه ابن ماجه والحاكم ~~(¬2) بإسناد ضعيف، ورجح جماعة وقفه على عمر رضي الله عنه. # تقدم الكلام في هذا الحديث في كتاب البيع فخذه من هناك وافيا (¬3). # 1202 - وعن سهل بن حنيف رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "من أعان مجاهدا في سبيل الله، أو غارما في عسرته، أو مكاتبا في ~~رقبته، أظله الله يوم لا ظل إلا ظله". رواه أحمد، وصححه الحاكم (¬4). PageV10P141 # وأخرج الحديث البيهقي (¬1) أيضا، وقد تقدم بعض مباحث الحديث في تحقيق ~~الظل في باب الصدقة (¬2). والله أعلم. PageV10P142 ### | AUTO كتاب الجامع ### || AUTO باب الأدب # 1203 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "حق المسلم على المسلم ست؛ إذا لقيته فسلم عليه، وإذا دعاك فأجبه، ~~وإذا استنصحك فانصحه، وإذا عطس فحمد الله فشمته، وإذا مرض فعده، وإذا مات ~~فاتبعه". رواه مسلم (¬1). # قوله: "حق المسلم". الحق معناه ما لا ينبغي تركه، ويكون فعله إما واجبا ~~أو مندوبا ندبا مؤكدا شبيها بالواجب الذي لا ينبغي تركه، ويكون ms2260 استعماله في ~~المعنيين من باب استعمال المشترك في معنييه، فإن الحق مستعمل في معنى ~~الواجب. كذا ذكره ابن الأعرابي، وفي معنى الثابت، ومعنى اللازم، ومعنى ~~الصدق وغير ذلك، فيكون هنا مستعملا في الواجب والمندوب ندبا مؤكدا تشبيها ~~(أ) بالواجب، وكون بعض هذه المذكورة واجبا على خلاف فيه. # وقوله: "ست". جاء في رواية لمسلم (¬2): "خمس تجب للمسلم على أخيه، رد ~~السلام". وذكر الباقي، وأسقط منها "إذا استنصحك فانصح له". PageV10P143 # وقوله: "إذا لقيته فسلم عليه". من باب الالتفات من الغيبة إلى الخطاب. # والحديث فيه دلالة على شرعية الابتداء بالسلام، ونقل ابن عبد البر (¬1) ~~وغيره إجماع المسلمين أن ابتداء السلام سنة وأن رده فرض، وأقل السلام أن ~~يقول: السلام عليكم. فإن كان المسلم عليه واحدا فأقله: السلام عليك. ~~والأفضل أن يقول: السلام عليكم. ليتناوله وملائكته، وأكمل منه أن يزيد: ~~ورحمة الله. وأيضا: وبركاته. ولو قال: سلام عليكم. أجزأه. # واستدل العلماء لزيادة: ورحمة الله وبركاته. يقول الله تعالى إخبارا عن ~~سلام الملائكة بعد ذكر السلام: {رحمت الله وبركاته عليكم أهل البيت} (¬2). ~~وبقول المسلمين في التشهد: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. ~~وإذا كان المسلم جماعة فهو سنة كفاية في حقهم، إذا سلم بعضهم حصلت أصل سنية ~~السلام في حق جميعهم، فإن كان المسلم عليه واحدا تعين عليه الرد، وإن كانوا ~~جماعة كان الرد فرض كفاية في حقهم، فإذا رد واحد سقط عن الباقين، والأفضل ~~أن يبتدئ الجميع بالسلام وأن يرد الجميع. وعن أبي يوسف: يتعين على الجميع ~~الرد (¬3). ويكره أن يقول المبتدئ: عليكم السلام. فإن قاله استحق الجواب ~~على الصحيح المشهور، وقيل: لا يستحق. وقد صح أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "لا تقل: PageV10P144 # عليك السلام. فإن عليك السلام تحية الموتى" (¬1). # وأما صفة الرد فالأفضل والأكمل أن يقول: وعليكم السلام ورحمة الله ~~وبركاته. فيأتي بالواو، فلو حذفها جاز وكان تاركا للأفضل، ولو اقتصر على: ~~وعليكم السلام. أو على: عليكم السلام. أجزأه، فلو اقتصر على: عليكم. لم ~~يجزئه بلا خلاف، ولو قال: وعليكم. ms2261 بالواو، ففي إجزائه وجهان لأصحاب ~~الشافعي، فإذا قال المبتدئ: سلام عليكم. أو: السلام عليكم. أجزأه وكان ~~الجواب مثله. قال الله تعالى: {قالوا سلاما قال سلام} (¬2). ولكن بالألف ~~واللام أفضل، وأقل السلام ابتداء وردا أن يسمع صاحبه، ولا يجزئه دون ذلك، ~~ويشترط كون الرد على الفور، ولو أتى سلام من غائب مع رسول أو في ورقة، وجب ~~الرد على الفور، وجاء في رواية مسلم (¬3): "يسلم الراكب على الماشي والماشي ~~على القاعد والقليل على الكثير". وفي رواية البخاري (¬4): "والصغير على ~~الكبير". وهذا كله للاستحباب، فلو عكسوا جاز وكان خلاف الأفضل. PageV10P145 # ومفهوم قوله: "حق المسلم". أنه لا يسلم على الكافر ابتداء ولو ذميا، ~~وأخرج البخاري في "صحيحه" (¬1) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا ~~لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه". وفي "الصحيحين" (¬2) عن أنس رضي ~~الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا سلم عليكم أهل ~~الكتاب فقولوا: وعليكم". وفي "صحيح البخاري" (¬3) عن ابن عمر رضي الله عنه، ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سلم عليكم اليهود فإنما ~~يقول أحدهم: السام عليكم. فقل: وعليك". وفي ذلك أحاديث كثيرة، وقد قطع بأنه ~~لا يجوز ابتداؤهم بالسلام الأكثر، وقال بعض أصحاب الشافعي: يكره. وحكى ~~الماوردي وجها لبعض أصحاب الشافعي بجواز الابتداء بالسلام لهم، لكن يقتصر ~~المسلم على قوله: السلام عليك. وروي ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة (3) بن ~~محيريز (¬4)، وحكى القاضي عن جماعة أنه يجوز ابتداؤهم للضرورة والحاجة، وهو ~~قول علقمة والنخعي، وعن الأوزاعي قال: فإن سلمت فقد سلم الصالحون وإن تركت ~~فقد ترك الصالحون. ولو سلم على رجل ظنه مسلما فبان كافرا، استحب أن يسترد ~~سلامه ويقول له: رد علي سلامي. والغرض من ذلك أن يوحشه ويظهر له أنه ليس ~~بينهما ألفة. PageV10P146 # وروي أن ابن عمر، رضي الله عنهما، سلم على رجل، فقيل له: إنه يهودي. ~~فتبعه وقال له: رد علي سلامي (¬1). وفي ms2262 "الموطأ" (¬2) عن مالك أنه لا ~~يسترده، واختاره ابن العربي، وقال أبو سعد. لو أراد تحية ذمي فعلها بغير ~~السلام بأن يقول: هداك الله. أو (أ) أنعم الله صباحك. قال النووي (¬3): لا ~~بأس بذلك إذا احتاج إليه، وأما إذا لم يحتج إليه فالاختيار ألا يقول شيئا؛ ~~فإن في ذلك إيناسا وإظهار تودد. وأما إذا من على جماعة فيهم مسلم وكافر، ~~فالسنة أن يسلم عليهم ويقصد المسلم؛ كما في "الصحيحين" (¬4) عن أسامة رضي ~~الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على مجلس فيه أخلاط من ~~المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود فسلم عليهم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -. وفي "الصحيحين" (¬5) في كتاب النبي - صلى الله عليه وسلم - في قصة ~~هرقل، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب: "من محمد عبد الله ورسوله ~~إلى هرقل عظم الروم: سلام على من إتبع الهدى". # وأما جواب سلام الذمي ففي "الصحيحين" (¬6) عن أنس قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: PageV10P147 # "إذا سلم عليكم أهل الكتاب فقولوا: وعليكم". وفي "صحيح البخاري" (¬1) عن ~~ابن عمر رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا سلم ~~عليكم اليهود فإنما يقول أحدهم: السام عليك. فقل: وعليك". # وقد ذهب إلى هذا أكثر العلماء بأن يقتصر في الجواب بقوله: وعليكم. بإثبات ~~الواو وبحذفها، فإن كان بالواو فمعناه: وعليكم الموت. أي: نحن وأنتم فيه ~~سواء كلنا يموت، ويحتمل الواو للاستئناف لا للعطف، وتقديره: وعليكم ما ~~تستحقونه من الذم. ومع حذف الواو؛ تقديره: بل عليكم السام. واختار ابن حبيب ~~حذف الواو لئلا يقتضي التشريك، وقال غيره بإثباتها كما في أكثر الروايات، ~~وقال بعضهم: يقول: عليكم السلام. بكسر السين، أي الحجارة، وهذا ضعيف، قال ~~الخطابي (¬2): عامة المحدثين يروون هذا الحرف: وعليكم. بالواو، وكان ابن ~~عيينة يرويه بغير واو. قال الخطابي: وهذا هو الصواب؛ لأنه إذا حذف الواو ~~صار كلامه بعينه مردودا عليهم خاصة، وإذا أثبت الواو اقتضى المشاركة معهم ~~فيما قالوه. انتهى. # والصواب أن كلا الأمرين جائزان والمعنى ms2263 مستقيم عليهما، وثبوت الرواية ~~بالواو عند الأكثر، وحذفها عند ابن عيينة، وظاهر قوله: "فقولوا". يدل على ~~وجوب الرد على أهل الكتاب وهو متأيد بقوله تعالى: {وإذا PageV10P148 # حييتم بتحية} (أ) (¬1) الآية. فإن الآية مطلقة في حق المسلم وغيره، وذهب ~~إلى هذا أكثر العلماء وعامة السلف، وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يرد عليهم ~~السلام، ورواه ابن وهب وأشهب عن مالك (¬2)، ولكن الحديث يرد عليهم. # والسلام قيل: هو اسم من أسماء الله تعالى. فقوله: السلام عليكم: أي اسم ~~الله تعالى [عليكم] (ب). أي أنت في حفظ الله، كما يقال: الله معك. و: الله ~~يصحبك. وقيل: السلام بمعنى السلامة. أي السلامة ملازمة لك. والله أعلم. # وقوله: "وإذا دعاك فأجبه". المراد به إجابة دعوة الوليمة ونحوها من ~~الطعام، وقد تقدم ذلك في باب الوليمة من كتاب النكاح. # وقوله: "إذا استنصحك". أي طلب منك النصيحة فانصحه، يدل على وجوب بذل ~~النصيحة؛ لأن تركها من باب الغش، وليس منا من غش. PageV10P149 # وقوله: "وإذا عطس فحمد الله فشمته". الحديث فيه دلالة على شرعية الحمد ~~للعاطس، وقد اتفق العلماء على استحبابه، وأن يقول: الحمد لله. فلو زاد: رب ~~العالمين. لكان أحسن، وفي "سنن أبي داود" (¬1) وغيره بإسناد صحيح عن أبي ~~هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا عطس أحدكم ~~فليقل: الحمد لله على كل حال". قال: "وليقل أخوه أو صاحبه: يرحمك الله. ~~ويقول هو: يهديكم الله ويصلح بالكم". وفي "سنن الترمذي" (¬2) عن ابن عمر ~~رضي الله عنه، أن رجلا عطس إلى جنبه فقال: الحمد لله والسلام على رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -. فقال ابن عمر: وليس هكذا علمنا رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -؛ علمنا أن نقول: الحمد لله على كل حال (¬3). # وفي "صحيح البخاري" (¬4) عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله. وليقل له أخوه أو ~~صاحبه: يرحمك الله. فإذا قال له: يرحمك الله. فليقل: يهديكم الله ويصلح ~~بالكم". قال ms2264 العلماء: أي: شأنكم. وفي "موطأ مالك" (¬5) عن نافع عن ابن عمر ~~رضي الله عنه، أنه قال, إذا عطس فقيل له: يرحمك الله. يقول يرحمنا الله ~~وإياكم، ويغفر الله لنا ولكم. PageV10P150 # والتشميت سنة على الكفاية، لو قال بعض الحاضرين أجزأ عنهم، ولكن الأفضل ~~أن يقول له كل واحد؛ لظاهر قوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أبي هريرة ~~أخرجه البخاري (¬1) قال: "إن الله يحب العطاس ويكره التثاؤب، فإذا عطس ~~أحدكم وحمد الله، كان حقا على كل مسلم سمعه أن يقول: يرحمك الله تعالى". ~~واختلف أصحاب مالك في وجوبه؛ فقال القاضي عبد الوهاب: هو سنة ويجزئ تشميت ~~واحد. وقال ابن مريم: يلزم كل واحد منهم. وهو مذهب أهل الظاهر، واختاره ابن ~~العربي المالكي. ومفهوم الشرط يدل على أنه إذا لم يحمد لا يشمت. # وفي "الصحيحين" (¬2) عن أنس قال: عطس رجلان عند النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فشمت أحدهما ولم يشمت الآخر، فقال الذي لم يشمته: عطس فلان فشمته ~~وعطست فلم تشمتني؟ فقال: "هذا حمد الله تعالى وأنت لم تحمد الله تعالى". # وفي "صحيح مسلم" (¬3) عن أبي موسى الأشعري قال: سمعت رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - يقول: "إذا عطس أحدكم فحمد الله تعالى فشمتوه، فإن لم ~~يحمد الله فلا تشمتوه". وأقل الحمد والتشميت أن يرفع صوته بحيث يسمعة ~~صاحبه، ويستحب لمن حضر العاطس إذا لم (أيحمد الله أ) أن يذكره PageV10P151 # الحمد، ورواه في "معالم السنن" (¬1) عن إبراهيم النخعي، وهو من باب الأمر ~~بالمعروف، قال ابن العربي: لا يستحب. وفي كتاب ابن السني (¬2) بإسناد فيه ~~من لم يتحقق عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "إذا عطس أحدكم فليشمته جليسه، وإن زاد على ثلاث فهو ~~مزكوم ولا يشمت بعد ثلاث". # قال ابن العربي (¬3): قيل: يقال في الثانية: إنك مزكوم. كما في رواية ~~مسلم (¬4) عن سلمة بن الأكوع أنه قاله النبي في الثانية، وقيل: يقال في ~~الثالثة. كما في رواية أبي داود والترمذي (¬5) لحديث سلمة بن ms2265 الأكوع، أنه ~~قال في الثالثة: "رحمك الله هذا رجل مزكوم". وقيل: في الرابعة. والأصح أنه ~~في الثالثة. وأما ما رواه في "سنن أبي داود" و"الترمذي" (¬6) عن عبيد بن ~~رفاعة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يشمت العاطس ثلاثا ~~(أفإن زاد أ)، فإن شئت فشمته وإن شئت فلا". فهو حديث ضيعف، قال الترمذي: ~~إسناده مجهول. PageV10P152 # قال ابن العربي (¬1): والمعنى فيه: إنك لست ممن يشمت بعد هذا؛ لأن هذا ~~الذي بك زكام ومرض (ألا خفة أ) العطاس. ولكنه يدعى له بدعاء المسلم للمسلم ~~بالعافية والسلامة، ولا يكون من باب التشميت. # وناسب العطاس التحميد؛ لأن العطاس سببه محمود، وهو خفة الجسم التي تكون ~~لقلة الأخلاط وتخفيف الغذاء، وهو أمر مندوب إليه؛ لأنه يضعف الشهوة ويسهل ~~الطاعة، وهذه نعمة يحمد عليها. والتثاؤب بضد ذلك، ولذلك يؤمر برده ما ~~استطاع. # وإذا عطس وهو يصلي يستحب له أن يقول: الحمد لله. ويسمع نفسه، ذكره ~~النووي، قال (¬2): ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال؛ أحدها هذا واختاره ابن ~~العربي، والثاني: يحمد في نفسه، والثالث قاله سحنون: لا يحمد جهرا ولا في ~~نفسه. والسنة أن يضع العاطس يده أو ثوبه أو نحو ذلك على فمه، وأن يخفض ~~صوته، وفي "سنن أبي داود" و"الترمذي" (¬3) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ~~كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإذا عطس وضع يده أو ثوبه على فيه ~~وخفض -أو غض- بها صوته، شك الراوي، قال الترمذي (¬4): حديث حسن. وفي كتاب ~~ابن السني (¬5) عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه PageV10P153 # قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "إن الله عز وجل يكره رفع ~~الصوت بالتثاؤب والعطاس". وفيه (¬1) عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: سمعت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "التثاؤب الرفيع والعطسة الشديدة ~~من الشيطان". # وإذا سمع التحميد بعض الحاضرين دون بعض فيشمته من سمعه دون من لم يسمعه، ~~وحكى ابن العربي (¬2) خلافا في تشميت الذين لم يسمعوا الحمد إذا سمعوا ~~تشميت صاحبهم. # وإذا عطس يهودي، فأخرج أبو ms2266 داود والترمذي (¬3) وغيرهما بالأسانيد الصحيحة ~~عن أبي موسى قال: كان اليهود يتعاطسون عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله. فيقول: "يهديكم الله ويصلح بالكم". # والتسميت بالسين المهملة والمعجمة لغتان مشهورتان، قال الأزهري (¬4): قال ~~الليث: التسميت (أ) ذكر الله تعالى على كل شيء، ومنه قولك للعاطس: يرحمك ~~الله. وقال ثعلب: يقال: سمت العاطس وشمته إذا دعوت له بالهدى، وقصد السمت ~~المستقيم. قال: والأصل فيه السين المهملة فقلبت شينا معجمة. PageV10P154 # وقال صاحب "المحكم" (¬1): تسميت (أ) العاطس معناه: هداك الله إلى السمت. ~~قال: وذلك لما في العاطس من الانزعاج والقلق. # قال أبو عبيد (¬2) وغيره: الشين المعجمة على اللغتين. قال ابن الأنباري ~~(¬3): يقال منه: (ب شمته وسمت عليه ب). إذا دعوت له بخير، وكل داع بالخير ~~فهو مشمت ومسمت. # وقوله: "وإذا مرض فعده". فيه دلالة على شرعية عيادة المريض، وهي مشروعة ~~بالإجماع، وجزم البخاري بوجوبها، وقال (¬4): باب وجوب عيادة المريض. وقال ~~ابن بطال (¬5): يحتمل أن يكون الوجوب للكفاية، كإطعام الجائع وفك الأسير، ~~ويحتمل أن يكون الوارد فيها محمولا على الندب. وجزم الداودي (4) بالأول، ~~وقال الجمهور بالندب، وقد يصل إلى الوجوب في حق بعض دون بعض. وعن الطبري ~~(4): يتأكد في حق من ترجى بركته، ويسن فيمن يراعى حاله، ويباح فيما عدا ~~ذلك، وفي الكافر خلاف. ونقل PageV10P155 # النووي (¬1) الإجماع على عدم الوجوب، قال المصنف (¬2) رحمه الله تعالى: ~~يعني على الأعيان. و [هي] (أ) عامة في كل مرض، وقد استثنى الرمد، ولكنه قد ~~أخرج أبو داود (¬3) من حديث زيد بن أرقم قال: عادني رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - من وجع بعيني. وصحح الحديث الحاكم (¬4)، وأخرجه البخاري (¬5) ~~في "الأدب المفرد". وظاهر العيادة ولو في أول مرضه، وقد أخرج ابن ماجه (¬6) ~~من حديث أنس: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يعود إلا بعد ثلاث. تفرد ~~به [مسلمة] (ب) ابن علي (¬7) وهو متروك. وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه، ~~والقريب والأجنبي. # وقوله: و"إذا مات فاتبعه". كذلك فيه دلالة على شرعية اتباع ms2267 الجنائز, وهو ~~سنة بالإجماع، وسواء فيه من يعرفه ومن لا يعرفه، والقريب والأجنبي، وقد ~~تقدم في الجنائز (¬8). # 1204 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: PageV10P156 # "انظروا إلى من هو أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا ~~تزدروا نعمة الله عليكم". متفق عليه (¬1). # قوله: "أجدر". أي: أحق، والازدراء: الاحتقار، والمراد ب "أسفل منكم". أي: ~~في المال والخلق، وكذلك قوله: "فوقكم". وهو مصرح بهذا في حديث آخر أخرجه ~~مسلم (¬2) عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا نظر ~~أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه". وهذا ~~حديث جامع لأنواع من الخير؛ لأنه إذا رأى من فضل عليه في الدنيا طلبت نفسه ~~مثل ذلك، فاستصغر ما عنده من نعمة الله، وحرص على الازدياد ليلحق بذلك أو ~~يقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس، وأما إذا نظر في أمور الدنيا إلى من ~~هو دونه فيها، ظهرت له نعمة الله تعالى فشكرها وتواضع وفعل فيه الخير. # 1205 - وعن النواس بن سمعان رضي الله عنه قال: سألت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - عن البر والإثم، قال: "البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك ~~وكرهت أن يطلع عليه الناس". أخرجه مسلم (¬3). # هو النواس بفتح النون وتشديد الواو وبالسين المهملة، وسمعان بفتح السين ~~المهملة وكسرها وبالعين المهملة، الكلابي، ورد أبوه سمعان على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - وزوجه بابنته، وهي الكلابية التي تعوذت من النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، سكن PageV10P157 # النواس الشام، وهو معدود فيهم، له سبعة عشر حديثا، روى عنه جبير بن نفير ~~وأبو إدريس الخولاني، ووقع في "صحيح مسلم" نسبته إلى الأنصار، قال المازري ~~(¬1) والقاضي عياض (¬2): والمشهور أنه كلابي ولعله حليف الأنصار. # قوله: "البر حسن الحلق". ظاهر هذا حصر البر في حسن الخلق وأنهما في معنى ~~واحد، وقد فسر سبحانه وتعالى قوله: {ولكن البر من آمن} (¬3) إلى آخر الآية. ~~وهو بتقدير مضاف، ms2268 أي: بر من آمن بالله. أو: ذو البر من آمن. والمراد به أن ~~الخصال المذكورة هي نفس البر ويفسره قراءة من قرأ: (ولكن البار من آمن) ~~(¬4). فيكون المراد بحسن الخلق هو استكمال ما يجب شرعا، كما في قوله تعالى: ~~{وإنك لعلى خلق عظيم} (¬5). قال النووي (¬6): قال العلماء رحمهم الله ~~تعالى: البر يكون بمعنى الصلة وبمعنى الصدق وبمعنى اللطف، والمبرة وحسن ~~الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع (أ) حسن الخلق. PageV10P158 # وقال القاضي عياض (¬1): حسن الخلق مخالقة (أ) الناس بالجميل، والبشر ~~والتودد لهم والإشفاق عليهم واحتمالهم، والحلم عنهم والصبر عليهم في ~~والمكاره وترك الكبر والاستطالة عليهم، ومجانبة الغلظة والغضب والمؤاخذة. ~~وحكي فيه خلاف هل هو غريزة أو مكتسب؟ قال القاضي (¬2): والصحيح أن منه ما ~~هو غريزة ومنه ما هو مكتسب بالتخلق والاقتداء بغيره. # وقال السيد شريف الجرجاني رحمه الله في "تعريفات معاني العلوم" (¬3): حسن ~~الخلق هيئة راسخة تصدر عنها الأفعال المحمودة بسهولة ويسر من غير حاجة إلى ~~إعمال فكر وروية. انتهى. # وكأنه أراد ما أشار إليه القائل: # بشاشة الوجه وكف الأذى ... وبذلك المعروف حسن الخلق # فيكون المراد بحسن الخلق هو الخصال التي يحمد الشخص عليها عادة وشرعا، ~~وقد عد بعض العارفين مكاوم الأخلاق فقال: هي طلاقة الوجه، وإفشاء السلام ~~على من عرفت وعلى من لم تعرف حيث يحسن، وإطعام الطعام، وكظم الغيظ، وكف ~~الأذى عن الخلق، واحتماله منهم، والإيثار حيث يشرع، وترك الاستئثار، وترك ~~الانتصاف، وشكر المتفضل، والمجازاة على الإحسان بحسب الإمكان، والسعي في ~~قضاء حوائج ذوي الحاجات، PageV10P159 # وبذل الجاه في الشفاعات، والتحبب إلى الجيران والأقارب، وصلة الأرحام، ~~والرفق بالطلبة وإعانتهم ومواساتهم والصبر عليهم والنصيحة لهم، وهذه الخصال ~~كلها محمودة شرعا وعادة. # وقال بعضهم: علامات حسن الخلق أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير ~~الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الزلل، قليل الفضول، ~~وهو بر وصول، وقور صبور، رضي شكور، حليم رفيق، عفيف شفيق، لا لعان ولا ~~سباب، ولا نمام ولا مغتاب، ولا عجول ولا حقود، ولا بخيل ms2269 ولا حسود، هشاش ~~بشاش، يحب في الله ويرضى في الله. # والظاهر في الحديث أن المراد به ما دل الشرع على حسنه وجوبا أو ندبا أو ~~إباحة، وظهرت الدلالة عليه، ويدل عليه تفسير الإثم بقوله: "ما حاك في صدرك ~~وكرهت أن يطلع عليه الناس". أي: تحرك الخاطر في صدرك وترددت هل تفعله لكونه ~~لا لوم فيه، أو تتركه خشية اللوم عليه من الله سبحانه وتعالى ومن الناس فلا ~~يطلعون عليه لو فعلته؟ يعني: لم ينشرح لك صدرك (أ) وتحصل الطمأنينة بفعله ~~خوف كونه ذنبا. ويفهم منه أنه ينبغي ترك ما تردد في إباحته، ويؤيده قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" (¬1). # وأن الاحتياط في تغليب جنبة الحظر على الإباحة، والله أعلم. PageV10P160 # 1206 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس؛ ~~من أجل أن ذلك يحزنه". متفق عليه (¬1)، واللفظ لمسلم. # الحديث فيه دلالة على تحريم مناجاة اثنين ومعهما ثالث دونه، والمناجاة: ~~المسارة، يقال: انتجى القوم وتناجوا. أي تساروا، أي سار بعضهم بعضا، ويقاس ~~على ذلك مناجاة ثلاثة ومعهم رابع، وأما مناجاة اثنين من أربعة فلا محظور ~~فيه إلا إذا أذن الثالث لاثنين بالمناجاة جاز ذلك، وظاهر النهي العموم في ~~جميع الأزمان و (أ) في الحضر والسفر، وقد ذهب إلى هذا ابن عمر (¬2) ومالك ~~وأصحاب الشافعي وجماهير العلماء، وادعى بعضهم (ب) أن هذا منسوخ وأنه كان في ~~صدر الإسلام، فلما فشا الإسلام وحصل الأمان مع الناس نسخ حكمه، و (ج) كان ~~المنافقون يفعلون (د) ذلك بحضرة المؤمنين ليحزنوهم. وكان الحزن؛ لأنه قد ~~يتوهم الحاضر أن تناجي الاثنين من أجله لتدبير أمر فيه أو دسيسة غائلة، أو ~~أن ذلك من أجل الاختصاص بالكرامة. PageV10P161 # قال الخطابي (¬1): سمعت ابن أبي هريرة يحكي عن أبي عبيد بن حرب أنه قال: ~~هذا في السفر الذي لا يأمن الرجل في صاحبه على نفسه، أما في الحضر وبين ms2270 ~~ظهراني العمارة فلا. # وقوله: "يحزنه" بفتح الياء وضم الزاي من حزنه يحزنه، وبضم الياء وكسر ~~الزاي من أحزنه، وقد قرئ بهما في السبع. # 1207 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه، ولكن تفسحوا وتوسعوا" ~~متفق عليه (¬2). # قوله: "لا يقيم". بصيغة الخبر، والمراد به النهي، وفي لفظ لمسلم (¬3): ~~"لا يقيمن أحدكم الرجل من مجلسه". بصيغة النهي المؤكد، ظاهر النهي التحريم؛ ~~فمن سبق إلى موضع مباح من مسجد أو غيره يوم جمعة أو غيرها لصلاة أو لغيرها ~~من الطاعات، فهو أحق به ويحرم على غيره إقامته منه، إلا أنه يستثنى منه إذا ~~كان قد سبق لغيره (أ) حق فيه بأن يكون قد قعد فيه مصل إذا كان في المسجد ثم ~~قام منه لإعادة الوضوء أو يقضي شغلا يسيرا ثم يعود PageV10P162 # إليه، فإن له أن يقيم من كان قد قعد فيه، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به". أخرجه مسلم (¬1). وقد ذهب إلى ~~هذا الشافعية، وذكر مثل هذا في "البحر" للهدوية، وكذا في الأماكن المباحة ~~من قعد في موضع مخصوص لحرفة أو تجارة أو محل لقراءة في المسجد معتاد (أ) ~~لمقرئ، فإنه يكون أولى به ليس لأحد أن يقعد فيه إلا إذا طالت مفارقته لذلك ~~بحيث ينقطع معاملوه، ذكره الذويد (ب) في شرحه على "الأزهار"، وكذا النووي ~~في "شرح مسلم" (¬2)، وقال الإمام المهدي في "الغيث": يكون أحق به إلى ~~العشي. وقال الغزالي: هو أحق به الأبد ما لم يضرب. وقال بعض أصحاب الشافعي: ~~إن ذلك على وجه الندب لا على الوجوب. وهو مذهب مالك، وقال أصحاب الشافعي: ~~ولا فرق في المسجد بين أن يقوم منه ويترك له فيه سجادة ونحوها أم لا، فهو ~~أحق به في الحالين. قالوا: وإنما يكون أحق به في تلك الصلاة وحدها دون ~~غيرها، وظاهر الحديث الإطلاق. # ويدل الحديث على أنه إذا قام القاعد باختياره ms2271 وأقعد غيره في مكانه أنه ~~يجوز. وجاء في رواية عن ابن عمر أخرجها مسلم (¬3): وكان ابن عمر إذا قام له ~~رجل من مجلسه لم يجلس فيه. ولعل هذا تورع من ابن عمر، وليس PageV10P163 # قعوده حراما إذا قام برضاه؛ لأنه أسقط حق نفسه. وتورع ابن عمر لوجهين؛ ~~أحدهما، أنه ربما استحيى منه إنسان فقام له من مجلسه من طيب قلبه أو من ~~غيره، فسد ابن عمر هذا الباب، الثاني، أن الإيثار لمحل الفضلية مكروه وخلاف ~~الأولى، كالقيام من الصف الأول إلى الثاني، فترك ذلك ابن عمر لئلا يرتكب ~~أحد خلاف الأولى لأجله، والإيثار إنما عهد بحظوظ النفس وأمور الدنيا دون ~~الفضائل. # 1208 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده حتى يلعقها أو يلعقها". متفق ~~عليه (¬1). # قوله: "يلعقها". بفتح الياء من الثلاثي، أي يلعقها هو. وقوله: "أو ~~يلعقها". بضم الياء من الرباعي، أي يلعقها غيره، واللعق هو المص. # الحديث فيه دلالة وإرشاد إلى أن من سنن الأكل لعق اليد بعد الطعام حتي ~~يزيل ما عليها من أثر الطعام قبل أن يمسحها بالمنديل. وفيه دلالة على جواز ~~مسح اليد بالمنديل لكن بعد اللعق منه أو من غيره، وعلل ذلك - صلى الله عليه ~~وسلم - بأن لا يدري الآكل في أي الطعام البركة، هل فيما أكل أو فيما بقي ~~على الأصابع، أو ما بقي في الصحفة، أو ما سقط من اليد عند الأكل؟ كما في ~~رواية لمسلم (¬2) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بلعق الأصابع ~~والصحفة وقال: "إنكم لا PageV10P164 # تدرون في أيه البركة". وفي رواية لمسلم (¬1) "إذا وقعت لقمة أحدكم فليمط ~~ما عليها من الأذى وليأكلها، ولا يدعها للشيطان ولا يمسح يده بالمنديل حتى ~~يلعق أصابعه؛ فإنه لا يدري في أي طعامه البركة". # ومعنى الحديث -والله أعلم- أن الطعام الذي يحضره الإنسان فيه بركة ولا ~~يدري أن البركة فيما أكله، أو فيما بقي على أصابعه أو ما بقي في أسفل ~~القصعة، ms2272 أو في اللقمة الساقطة، فينبغي أن نحافظ على هذا كله لتحصل البركة. # وأصل البركة الزيادة وثبوت الخير، والمراد هنا ما تحصل به التغذية وتسلم ~~عاقبته من أذى ويقوي على طاعة الله تعالى وغير ذلك. وأراد بقوله: "فلا يمسح ~~أحدكم يده حتى يلعقها". أصابعه، كما فسر ذلك الأحاديث الأخر، وقد جاء مصرحا ~~به في هيئة أكله - صلى الله عليه وسلم -، أنه كان يأكل بثلاث أصابع (¬2). ~~فدل على أن السنة الأكل بالثلاث، ولا يضم الرابعة أو الخامسة إلا إذا احتاج ~~إلى ذلك؛ يأن يكون الطعام غير مشتد لا يحفظه الثلاث، فيستعين عليه بما ~~يمكنه التناول، ويلعق ما مسه الطعام من اليد. وقد أخرج سعيد بن منصور (¬3) ~~من مرسل ابن شهاب، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أكل أكل بخمس. ~~فيجمع بينه وبين حديث الثلاث بأنه إذا كان الطعام غير مشتد. # وإلعاق الغير للأصابع إذا كان ممن لا يتقذر ذلك؛ كالصبي والزوجة PageV10P165 # والخادم ونحوه، كمن يعتقد التبرك بالشخص. وقال البيهقي (¬1) إن "أو" في ~~قوله: "أو يعلقها". يحتمل أن يكون شكا من الراوي، ويحتمل أن ذلك مقصود إذا ~~كان محفوظا، وإذا تنجست اللقمة الساقطة أزال ما عليها من النجاسة وغسل ~~المتنجس إن أمكنه ذلك، فإن تعذر أطعمها حيوانا ولا يدعها للشيطان. وكذا ~~ذكره النووي (¬2) بناء على أنه يجوز تمكين الحيوان من أكل المتنجس، وعليه ~~الإجماع الفعلي خلفا عن سلف. # 1209 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ليسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير". ~~متفق عليه (¬3) وفي رواية لمسلم (¬4): "والراكب على الماشي". # تقدم الكلام عليه أول الباب. # 1210 - وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"يجزئ [عن] (أ) الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدهم، ويجزئ عن الجماعة أن يرد ~~أحدهم". رواه أحمد والبيهقي (¬5). PageV10P166 # تقدم الخلاف فيه قريبا (¬1). # فائدة: قد تكلم العلماء في الحكمة فيمن يشرع لهم الابتداء بالسلام؛ فقال ~~ابن بطال (¬2) عن المهلب: يسلم الصغير على ms2273 الكبير لأجل حق الكبير؛ لأنه أمر ~~بتوقيره والتواضع له، ويسلم القليل لأجل حق الكثير؛ لأن حقهم أعظم، ويسلم ~~المار على القاعد لشبهه بالداخل على أهل المنزل، ويسلم الراكب لئلا يتكبر ~~بركوبه فيرجع إلى التواضع. # قال ابن العربي (¬3): حاصل ما في الحديث أن المفضول بنوع ما يبدأ الفاضل، ~~فلو تعارضت الجهة بأن يكون الراكب مثلا كبيرا والماشي صغيرا بدأ الراكب. ~~كذا نقله ابن دقيق العيد عن ابن رشد (¬4)، وإن كانا راكبين أو ماشيين بدأ ~~الصغير، وظاهر هذه الأوامر الندب وخلافها مكروه، فلو ترك المأمور بالابتداء ~~فبدأه الآخر كان المأمور تاركا للمستحب والآخر فاعلا للسنة. كذا ذكره ~~المازري (4)، ويكون حكم سائر الصفات مثل هذا، وإذا تساوى المتلاقيان من كل ~~وجه فكل منهما مأمور بالابتداء وخيرهما من يبدأ بالسلام. وقد أخرج البخاري ~~من حديث جابر في "الأدب المفرد" (¬5) بسند PageV10P167 # صحيح "الماشيان إذا اجتمعا فأيهما يبدأ بالسلام فهو أفضل". وأخرج ~~الطبراني (¬1) بسند صحيح عن الأغر المزني: قال لي أبو بكر: لا يسبقك أحد ~~إلى [السلام] (أ). والترمذي (¬2) من حديث أبي أمامة مرفوعا: "إن أولى الناس ~~بالله من بدأ بالسلام". وقال: حسن. وأخرج الطبراني (¬3) من حديث أبي ~~الدرداء، قلنا: يا رسول الله (ب)، إنا نلتقى، فأينا يبدأ (ج) بالسلام؟ قال: ~~"أطوعكم لله". # قال النووي (¬4): يستثنى من العموم بابتداء السلام من كان مشتغلا بأكل أو ~~شرب أو جماع أو كان في الخلاء أو الحمام أو نائما أو ناعسا (د) أو مصليا أو ~~مؤذنا، ما دام متلبسا بشيء مما ذكر، إلا أن السلام على من كان في الحمام ~~إنما يكره إذا لم يكن عليه إزار، وإلا فلا كراهة، وقد ثبت في "صحيح مسلم" ~~(¬5) أن أم هانئ أتت النبي - صلى الله عليه وسلم -وهو يغتسل وفاطمة تستره ~~فسلمت عليه. الحديث. PageV10P168 # قال النووي (¬1): وأما السلام حال الخطبة في الجمعة فيكره؛ للأمر ~~بالإنصات، فلو سلم لم يجب الرد عند من قال: الإنصات واجب. ويجب عند من قال: ~~إنه سنة. وعلى الوجهين لا ينبغي أن يرد أكثر من واحد، وأما المشتغل ms2274 بقراءة ~~القرآن فقال الواحدي (¬2): الأولى ترك السلام عليه، فإن سلم عليه كفاه الرد ~~بالإشارة، وإن رد لفظا استأنف الاستعاذة وقرأ. قال النووي (2): فيه نظر، ~~والظاهر أنه يشرع السلام عليه، ويجب عليه الرد ثم (أ) قال: وأما من كان ~~مشتغلا بالدعاء مستغرقا فيه مستجمع القلب فيحتمل أن يقال: هو كالقارئ. ~~والأظهر عندي أنه يكره السلام عليه؛ لأنه يتنكد (ب) به ويشق عليه أكثر من ~~مشقة الأكل، وأما الملبي في الإحرام فيكره أن يسلم عليه؛ لأن قطع التلبية ~~مكروه، ويجب عليه الرد مع ذلك لفظا إن سلم عليه. قال: ولو تبرع واحد من ~~هؤلاء برد السلام، هل يشرع له أو يستحب؟ فيه تفصيل؛ إن كان مشتغلا بالبول ~~ونحوه يكره، وإن كان آكلا أو نحوه فيستحب، وإن كان مصليا لم يجز أن يقول: ~~عليك السلام. بلفظ الخطاب، فلو فعل بطلت صلاته إن علم التحريم لا إن جهل في ~~الأصح، وإن أتى بضمير الغيبة لم تبطل، ويستحب أن يرد بالإشارة، وإن رد بعد ~~فراغ الصلاة لفظا فهو أحب، وإن كان مؤذنا أو ملبيا لم يكره له الرد لفظا، ~~لأنه PageV10P169 # قدر يسير لا يبطل الموالاة. انتهى. # وما ذكره من بطلان الصلاة إذا كان بلفظ الخطاب ليس متفقا عليه عند ~~الشافعية؛ فعن الشافعي نص أنه لا تبطل؛ لأنه لا يريد حقيقة الخطاب بل ~~الدعاء، وذكر بعض الحنفية أن من جلس في المسجد للقراءة أو التسبيح أو ~~لانتظار الصلاة لم يشرع التسليم عليهم، وإن سلم عليهم لم يجب الرد، قال ~~(¬1): وكذلك الخصم إذا سلم على القاضي لا يجب عليه الرد، وكذلك الأستاذ إذا ~~سلم عليه تلميذه لا يجب عليه الرد. كذا قال ولا يوافق على الطرف الأخير. # ويندب أن يسلم من دخل بيتا ليس فيه أحد، لقوله تعالى: {فإذا دخلتم بيوتا ~~فسلموا على أنفسكم} الآية (¬2). وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" وابن أبي ~~شيبة (¬3) بإسناد حسن عن ابن عمر: يستحب إذا لم يكن في البيت أحد أن يقول: ~~السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. وأخرج [الطبري] (أ) عن ms2275 ابن عباس ~~نحوه (¬4). # ويدخل فيه من مر على من يظن أنه إذا سلم عليه لم يرد؛ لأنه قد يخطئ PageV10P170 # ظنه، قال النووي (¬1): وأما قول من لا تحقيق عنده أن ذلك يكون سببا ~~لتأثيم الآخر فهو غباوة، فإن المأمورات الشرعية لا تترك بمثل (أ) هذا. قال: ~~وينبغي لمن وقع له ذلك أن يقول له بعبارة لطيفة: رد السلام واجب، فينبغي أن ~~ترد ليسقط [عنك] (5) الفرض. وينبغي إذا تمادى على الترك أن يحلله من ذلك؛ ~~لأنه حق آدمي. ورجح ابن دقيق العيد في "شرح الإلمام" (¬2) المقالة التي ~~زيفها (ج) النووي بأن مفسدة توريط المسلم في المعصية أشد من مصلحة السلام ~~عليه، وامتثال حديث الأمر بالإفشاء يحصل مع غير هذا. والله أعلم. # 1211 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا تبدءوا اليهود والنصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق ~~فاضطروهم إلى أضيقه". أخرجه مسلم (¬3). # تقدم الكلام في بداية اليهود والنصارى بالسلام. # وقوله: "وإذا لقيتموهم في طريق". إلى آخره. المراد أنه إذا كان المسلمون ~~يطرقون فلا يتركون يمرون في وسط الطريق، بل في جانبه، لكن PageV10P171 # بحيث لا يقع في هوة ولا يصدمه جدار، وإن خلت الطريق عن المسلمين فلا حرج ~~أن يمروا في أيها شاءوا. # 1212 - وعنه رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا عطس ~~أحدكم فليقل: الحمد لله. وليقل له أخوه: يرحمك الله. فإذا قال: يرحمك الله. ~~فليقل: يهديكم الله ويصلح بالكم". أخرجه البخاري (¬1). # تقدم الكلام عليه (¬2). # 1213 - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لا يشربن أحدكم قائما". أخرجه مسلم (¬3). # وتمامه: "فمن نسى فليستقئ". وأخرجه أحمد من وجه آخر وصححه ابن حبان (¬4) ~~عن أبي صالح عنه بلفظ: "لو يعلم الذي يشرب وهو قائم لاستقاء". ولأحمد (¬5) ~~من وجه آخر عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلا ~~يشرب قائما فقال: "مه (أ) " فقال: لمه؟ قال: "أيسرك أن يشرب معك الهر؟ ". ~~قال: لا. ms2276 قال: "قد شرب معلث من هو شر منه؛ الشيطان". PageV10P172 # وهو من رواية شعبة عن أبي زياد (أ) [الطحان] (ب) مولى الحسن بن علي عنه، ~~وأبو زياد لا يعرف اسمه، وقد وثقه يحيى بن معين (¬1). # والحديث يدل على النهي عن ذلك، ولكن هل النهي محمول على حقيقته وهو ~~التحريم أو مصروف عن ظاهره؛ فذهب ابن حزم إلى الأول، وهو مقتضى قاعدة ~~الظاهرية. وذهب الجمهور إلى أنه محمول على خلاف الأولى، وبعضهم قال ~~بكراهته. قال المازري (¬2): قال بعض شيوخنا: لعل النهي منصرف إلى من أتى ~~أصحابه بماء فبادر ليشربه (ج) قائما قبلهم، استبدادا به وخروجا عن كون ساقي ~~القوم آخرهم شربا، وبعضهم أن في الشرب قائما ضررا ما، ولذلك كان القيء دواء ~~له، ويؤيده قول النخعي: إنما نهي عن ذلك لداء البطن. # وتكلم عياض على حديث أبي هريرة هذا بأن في سنده عمر بن حمزة (¬3)، وقد ~~خالف غيره ولا يحتمل منه مثل هذا، والصحيح أنه موقوف. انتهى. # وقد روى نحوه مسلم (¬4) من حديث أنس، واعترضه عياض بأنه من PageV10P173 # رواية قتادة عن أنس، وهو معنعن، وكان شعبة يترك من حديثه ما لم يصرح فيه ~~بالتحديث، هذا كلامه، وقد أجاب عنه المصنف رحمه الله (¬1) بأن قتادة قد ~~أشار في سند حديث أنس بالتحديث منه؛ فإن فيه: قلنا لأنس: فالأكل؟ قال: أشر ~~منه. واعترض عياض على رواية مسلم له من حديث أبي سعيد بأن في إسناده أبا ~~عيسى (¬2) وهو غير مشهور ولم يرو عنه إلا قتادة، وقد سبق إلى هذا الاعتراض ~~علي بن المديني وأجاب عنه المصنف رحمه الله (1) بأنه قد وثقه الطبري وابن ~~حبان. ومئل هذا يخرج في الشواهد، ودعوى اضطرابه مردودة؛ لأن لقتادة إسنادين ~~وهو حافظ. قال المصنف (1): وأما تضعيفه لحديث أبي هريرة بعمر بن حمزة فهو ~~مختلف في توثيقه، ومثله يخرج له مسلم في المتابعات، وقد تابعه الأعمش عن ~~أبي صالح عن أبي هريرة كما تقدم عند أحمد وابن حبان، فالحديث بمجموع طرقه ~~صحيح. انتهى. # فتقرر أن الحديث لا مطعن فيه، ولكنه ms2277 معارض بما أخرجه مسلم (¬3) عن ابن ~~عباس قال: سقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من زمزم، فشرب وهو قائم. ~~وفي الرواية الأخرى، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شرب من زمزم وهو ~~قائم. وفي "صحيح البخاري" (¬4)، أن عليا رضي الله عنه شرب قائما وقال: رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل كما رأيتموني فعلت. فطريق الجمع أنه ~~فعل ذلك - صلى الله عليه وسلم - لبيان الجواز، ولا PageV10P174 # يقال: إنه فعل مكروها أو خلاف الأولى؛ لأن البيان في حقه واجب، وقد وقع ~~مثل هذا في كثير من الأحكام مثل؛ توضئه مرة مرة مع أن المندوب الثلاث، ~~والطواف راكبا مع أن الأفضل المشي، وكذلك فعل علي رضي الله عنه، أنه شرب ~~قائما فرأى الناس كأنهم أنكروه، فقال: ما ينظرون؟! إن أشرب قائما فقد رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يشرب قائما، وإن أشرب قاعدا فقد رأيته ~~يشرب قاعدا. وصحح الترمذي (¬1) من حديث ابن عمر: كنا نأكل على عهد رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن نمشي، ونشرب ونحن قيام. وفي الباب عن سعد ~~بن أبي وقاص أخرجه الترمذي (¬2)، وفي عبد الله بن أنيس أخرجه الطبراني ~~(¬3)، وعن أنس أخرجه البزار والأثرم (¬4)، وعن (أعمرو بن شعيب أ) عن أبيه ~~عن جده أخرجه الترمذي (¬5) وحسنه، وعن عائشة أخرجه البزار وأبو علي الطوسي ~~في "الأحكام" (4). # وعن أم سليم نحوه أخرجه ابن شاهين (¬6) وغير ذلك، وثبت عن عمر PageV10P175 # وعن عثمان أخرجه في "الموطأ" (¬1)، وقال الأثرم (¬2): إن أحاديث الجواز ~~أقوى من أحاديث النهي فترجح. قال: ويدل على وهاء أحاديث النهي اتفاق ~~العلماء على أنه ليس على أحد أن يستقيء إذا شرب قائما، ومثله عن عياض، وقد ~~دفع ذلك النووي بأنه لا يلزم من عدم القول بوجوب الاستقاء عدم الاستحباب. # وبعضهم ادعى أن أحاديث الجواز ناسخة لأحاديث النهي؛ بقرينة عمل الخلفاء ~~الراشدين ومعظم الصحابة والتابعين، وأن استقاء النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- من زمزم في حجة الوداع متأخر. # وعكس ابن حزم (¬3) وادعى أن أحاديث النهي ناسخة ms2278 لأحاديث الجواز؛ لأن ~~الجواز مقرر لحكم الأصل من الإباحة، وأحاديث النهي ناقلة لذلك، فمن ادعى ~~الجواز بعد النهي فعليه البيان؛ فإن النسخ لا يثبت بالاحتمال. وجمع أبو ~~الفرج (2) بين الأحاديث بتأويل الشرب قائما بأن المراد بالقيام المشي، ~~يقال: قمت في الأمر، إذا مشيت فيه. وقصت في حاجتي إذا سعيت وقضيتها؛ وقوله ~~تعالى: {إلا ما دمت عليه قائما} (¬4). أي: مواظبا بالمشي إليه. وتأول عكرمة ~~حديث ابن عباس بأن المراد أنه شرب راكبا، والراكب يشبه القائم من حيث كونه ~~سائرا، وشبه القاعد من حيث كونه مستقرا على الدابة؛ وذلك لأن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - طاف على بعيره، إلا أنه PageV10P176 # يخدش فيه ما أخرجه أبو داود (¬1) عن عكرمة عن ابن عباس، أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - طاف على بعيره ثم أناخه فصلى ركعتين. فلعله حينئذ شرب من ~~زمزم قبل أن يعود إلى بعيره ويخرج إلى الصفا. # وأما شرب الراكب، فقد أخرج البخاري (¬2) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~شرب وهو واقف على بعيره، وقد تقدم في كتاب الصيام (¬3). # 1214 - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إذا انتعل أحدكم فليبدأ باليمين، فإذا نزع فليبدأ بالشمال، ولتكن اليمين ~~أولهما تنعل وآخرهما تنزع". أخرجه مسلم (¬4) إلى قوله: "بالشمال". وأخرج ~~باقيه مالك والترمذي وأبو داود (¬5). # ولفظ مسلم: "وإذا خلع" عوض: "وإذا نزع". # الحديث فيه دلالة على شرعية البداية باليمين في الانتعال، وظاهر الأمر ~~الوجوب ولكنه محمول على الاستحباب، ونقل القاضي عياض الإجماع على أن الأمر ~~للاستحباب، قال ابن العربي (¬6): البداءة باليمين مشروعة في جميع الأعمال ~~الصالحة؛ لفضل اليمنى حسا في القوة، وشرعا في الندب PageV10P177 # إلى تقديمها. قال النووي (¬1): يستحب البداءة باليمين في كل ما كان من ~~باب التكريم والزينة، والبداءة باليسار في ضد ذلك؛ كالدخول في الخلاء، ونزع ~~النعل، والخف، والخروج من المسجد، والاستنجاء، وغيره من جميع المستقذرات. ~~وقد مر بعض ذلك في الوضوء. # وقوله: "وإذا نزع". إلى آخره. قال الحليمي (¬2): إنما بدئ بالشمال عند ~~الخلع لأن اللبس كرامة؛ ms2279 لأنه وقاية للبدن، فلما كانت اليمنى أكرم من اليسرى ~~بدئ بها في اللبس وأخرت في النزع لتكون الكرامة لها أدوم وحظها منها أكثر. # قال ابن عبد البر (¬3): من بدأ في الانتعال باليسرى أساء؛ لمخالفته ~~السنة، ولكن لا يحرم عليه لبس نعله. وقال غيره: ينبغي له أن ينزع النعل من ~~اليسرى ثم يبدأ باليمنى، ويمكن أن يكون مراد ابن عبد البر ما إذا لبسهما ~~معا فبدأ باليسرى، فإنه لا يشرع له أن ينزعهما ثم يلبسهما على الترتيب ~~المأمور به؛ إذ قد فات محله. # وهذا الحديث لا دلالة فيه على استحباب لبس النعل؛ لأنه قال: "إذا انتعل". ~~وقد أخرج مسلم (¬4) من حديث جابر مرفوعا: "استكثروا من النعال، فإن الرجل ~~لا يزال راكبا ما انتعل". أي أنه يشبه الراكب في خفة المشقة وقلة التعب ~~وسلامة الرجل من أذى الطريق، وهذا يدل على PageV10P178 # الاستحباب، وهذا اللفظ في غاية البلاغة والفصاحة لم ينسج على منواله ولا ~~يؤتى بمثاله، وهو إرشاد إلى المصلحة وتنبيه على ما يخفف المشقة؛ فإن الحافي ~~المديم للمشي يلقى من الآلام والمشقة بالعثار وغيره ما يقطعه عن المشي ~~ويمنعه من الوصول إلى مقصده، بخلاف المنتعل فإنه لا يمنعه من إدامة المشي، ~~فيصل إلى مقصده كالراكب فلذلك شبه به. # 1215 - وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا يمش أحدكم ~~في نعل واحد ولينعلهما جميعا أو ليخلعهما جميعا". متفق عليه (¬1). # الحديث فيه دلالة على أنه لا يشرع المشي في نعل واحدة؛ قال العلماء: إن ~~ذلك مكروه. حملوا النهي على الكراهة، واختلفوا في علة الكراهة؛ فقيل: إن ~~النعل شرعت لوقاية الرجل عما يكون في الأرض من شوك أو نحوه، فإذا انفردت ~~إحدى الرجلين احتاج الماشي أن يتوقى لإحدى رجليه ما لا يتوقى للأخرى، فيخرج ~~بذلك عن سجية مشيته ولا يأمن مع ذلك العثار. وقيل: إنه قد ينسب فاعل ذلك ~~إلى ضعف الرأي لما لم يسو بين جوارحه. # وقيل: إنها مشية الشيطان. وقيل: لخروجها عن الاعتدال. # وقال البيهقي (¬2): الكراهة لما في ذلك من ms2280 الشهرة في اللباس. وقد ورد في ~~رواية لمسلم (¬3) عن أبي هريرة بلفظ: "إذا انقطع شسع أحدكم فلا يمش PageV10P179 # في نعل واحدة حتى يصلحها". ومن حديث جابر (¬1) بلفظ: "حتى يصلح نعله". ~~فقد يفهم من التقييد بالشرط أن ذلك إنما هو عند وقوع هذه الحالة وكانتا قبل ~~ذلك منتعلتين، وأما إذا لبسها ابتداء فلا نهي. ويجاب عنه بأن التقييد إنما ~~هو لكونه هو الغالب، فلا يعمل بالمفهوم، وبأنه قد يمكن أن يكون ذلك من باب ~~مفهوم الموافقة؛ وهو أنه إذا كره مع كون أصل الانتعال لهما جميعا أن ينفرد ~~أحدهما بالنعل لضرورة الانقطاع، فبالأولى الكراهة لذلك ابتداء، وقد عورض ~~هذا الحديث بما أخرجه الترمذي (¬2) عن عائشة قالت: ربما انقطع شسع رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - فمشى في النعل [الواحدة] (أ) حتى يصلحها. وقد ~~رجح البخاري (¬3) وغير واحد أن هذا موقوف على عائشة من فعلها، كما أخرج ~~الترمذي (¬4)، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، أنها مشت في نعل واحدة. وقال ~~الترمذي: هذا أصح. إلا أنه ذكر رزين (¬5) عنها قالت: قد رأيت رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - ينتعل قائما ويمشي في نعل واحدة غير ما مرة. وقال ~~القاسم بن محمد: رأيت عائشة تمشي بنعل واحدة -أو قال: في خف واحد- وهي تصلح ~~الأخرى. ولعل رواية الخف أصح؛ فإنه قد أخرج أبو داود (¬6) عن ابن أبي ~~مليكة، قال: قيل لعائشة: هل تلبس المرأة النعل؟ PageV10P180 # فقالت: قد لعن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجلة من النساء. ويمكن ~~الجمع بأنه إن صح أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل ذلك، ففعله ~~لبيان الجواز، وأن النهي ليس للتحريم، أو أن ذلك كان وقتا يسيرا كما قالت: ~~حتى يصلحها. وأما فعل عائشة لذلك فيحمل على أنها لم يبلغها النهي، أو كان ~~زمن الفعل يسيرا، أو أنها حملت النهي على التنزيه، وكذلك يحمل ما روي عن ~~علي وابن عمر (¬1) أنهما فعلا ذلك. والشسع بكسر الشين المعجمة وسكون ~~المهملة: أحد سيور النعل التي تكون في أصبع الرجل من ms2281 الرجل، والشراك بكسر ~~المعجمة وتخفيف الراء وآخره كاف: أحد سيور النعل التي تكون في وجهها، ~~وكلاهما يختل السير بفقده، وقد فهم البعض من قوله: "لا يمش". أنه لا كراهة ~~في وقوفه بنعل واحدة إذا عرض للنعل ما يحتاج إلى إصلاحها، وقد نقل عياض ~~(¬2) عن مالك أنه قال: يخلع الأخرى ويقف إذا كان في أرض حارة أو نحوها مما ~~يضر به المشي حتى يصلحها، أو يمشي حافيا إن لم يكن ذلك. فأفهم أنه لا يقعد ~~في نعل واحدة، إلا أن العلل التي ذكرت لا تظهر في القعود بنعل واحدة. # وقوله: "لينعلهما جميعا". أعاد الضمير إلى القدمين وإن لم يجر لهما ذكر؛ ~~لذكر ما يدل عليهما من النعل، وضبطه النووي (¬3) بضم الياء من أنعل ينعل، ~~أي: ألبس رجله نعلا. وأنعل دابته: جعل لها نعلا. كذا ذكره أهل PageV10P181 # اللغة، وذكر في "شرح الترمذي" (¬1) أن أهل اللغة قالوا: نعل بفتح العين ~~وحكى كسرها، وانتعل، أي: لبس النعال. فالياء مفتوحة على هذا، والضمير ~~للنعلين لا للقدمين، والحاصل أن الضمير إن كان للنعلين كانت الياء مفتوحة، ~~وإن كان للقدمين كانت الياء مضمومة، وقال صاحب "المحكم" (¬2): نعل الدابة ~~والبعير ونعلهما. بالتشديد فعلى هذا فيجوز الفتح مع عود الضمير إلى ~~القدمين. # وقوله: "أو ليخلعهما جميعا". أي النعلين، كذا في رواية مسلم، وفي رواية ~~البخاري: "أو ليحفهما جميعا". والضمير للقدمين، ويلحق بهذا كل لباس شفع ~~كالخفين. # وقد أخرج ابن ماجه (¬3) حديث أبي هريرة بلفظ: "لا يمشي أحدكم في نعل واحد ~~ولا خف واحد". وهو عند مسلم (¬4) من حديث جابر، وعند أحمد (¬5) من حديث أبي ~~سعيد، وعند الطبراني (¬6) من حديث ابن عباس، قال الخطابي (¬7): وكذا إخراج ~~(أ) اليد الواحدة من الكم دون الأخرى، PageV10P182 # والتردي على أحد (أ) المنكبين دون الآخر، والإلحاق يستقيم على بعض الوجوه ~~المناسبة، فتأمل. # والنعل مؤنثة تجمع على نعال؛ وهي ما لها قبالان أو قبال واحد واسع. # والقبال بكسر القاف وتخفيف الباء، هو الزمام، وهو السير الذي يعقد فيه ~~الشسع الذي يكون بين إصبعي الرجل. قال ابن ms2282 العربي (¬1): النعل لباس ~~الأنبياء، وإنما اتخذ الناس غيرها لما في أرضهم من الطين، وقد يطلق النعل ~~على كل ما يقي القدم. قال في "المحكم" (¬2): النعل والنعلة ما وقيت به ~~القدم، وكانت نعل النبي - صلى الله عليه وسلم - لها قبالان، سبتية، بكسر ~~السين المهملة وسكون الموحدة بعدها مثناة، منسوبة إلى السبت. قال أبو عبيدة ~~(¬3): أي المدبوغة. زاد أبو عمرو: بالقرظ. وقال بعضهم: هي التي حلق عنها ~~الشعر. وهو مأخوذ من السبت؛ لأن معناه القطع، وقيل: لأنها سبتت بالدباغ. ~~أي: لانت قال أبو عبيدة (¬4): كانوا في الجاهلية لا يلبس المدبوغة إلا أهل ~~السعة. وقد روي من حديث أنس (¬5) أنه أخرج نعلين لهما قبالان، فقال ثابت ~~البناني: هذه نعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. روي ذلك عن أنس، وكذا أخرج PageV10P183 # الترمذي عن ابن عباس في "الشمائل" (¬1): كان لنعل النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - قبالان مثنى شراكهما. ولا كراهة (أ) في لبسها في أي محل. وقال أحمد ~~(¬2): يكره لبسها في المقابر؛ لحديث بشير بن الخصاصية؛ قال: بينما أنا أمشي ~~في المقابر وعلي نعلان إذا رجل من خلفي ينادي: يا صاحب السبتيتين، إذا كنت ~~في (ب) هذا الموضع فاخلع نعليك. أخرجه أبو داود وصححه الحاكم (¬3)، وتعقب ~~ذلك الطحاوي (¬4) بأنه يجوز أن يكون الأمر بخلعها لأذى كان فيهما، وقد ثبت ~~في الحديث أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولوا عنه مدبرين (¬5). وهو دال على ~~جواز لبس النعال في المقابر، وقد ثبت في حديث أنس أن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - صلى في نعليه (¬6). فإذا جاز دخول المسجد بالنعل فالمقبرة أولى. قال ~~المصنف رحمه الله تعالى (¬7): ويحتمل أن يكون النهي لإكرام الميت، كما ورد ~~النهي عن الجلوس على القبر (¬8)، وقوله تعالى: {فاخلع نعليك} (¬9). إما ~~لتكريم PageV10P184 # مقام المناجاة، أو لما قيل: إنهما كانتا من جلد حمار غير مدبوغ فهو ~~للنجاسة. والله سبحانه أعلم. # 1216 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء". متفق عليه ms2283 (¬1). # قوله: "لا ينظر الله". النظر حقيقة في إدراك العين للمرئي، وهو هنا مجاز ~~عن الرحمة. أي: لا يرحم الله. لامتناع حقيقة النظر في حقه تعالى (¬2)، ~~والعلاقة هو السببية، فإن من نظر إلى غيره في حالة ممتهنة، أو إلى من لم ~~يكن بينه وبينه عداوة رحمه ووصله بإحسانه، وإذا استعمل في غير معناه ~~الحقيقي في حق غير الله تعالى، كان كناية إذا لم تمنع القرينة من إرادة ~~المعنى الحقيقي. # وقال في "شرح الترمذي" (¬3): عبر عن المعنى الكائن عند النظر بالنظر، لأن ~~من نظر إلى متواضع رحمه، ومن نظر إلى متكبر مقته، فالرحمة والمقت متسببان ~~عن النظر. PageV10P185 # وقوله: "إلى من جر" ظاهر "من" العموم للرجال والنساء، وقد فهمت ذلك أم ~~سلمة رضي الله عنها فقالت بعد ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا ~~الحديث: فكيف تصنع النساء بذيولهن؟ فقال: "يرخين شبرا". فقالت: إذن تنكشف ~~أقدامهن. قال: "فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه". أخرجه النسائي والترمذي (¬1)، ~~والمراد بالذراع ذراع اليد، وهو شبران بشبر اليد المعتدلة. # وجر الثوب: المراد به جره على الأرض، وهو الموافق لقوله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار". أخرجه البخاري (¬2). # وقوله: "خيلاء". الخيلاء: فعلاء بضم الخاء المعجمة ممدود، والخيلة والبطر ~~والكبر والزهو والتبختر كلها بمعنى واحد، يقال: خال واختال اختيالا. إذا ~~تكبر، و: هو رجل خال. أي متكبر، و: صاحب خال. أي صاحب كبر. والتقييد ~~بالخيلاء يدل بمفهومه أن جر الثوب لغير الخيلاء لا يكون داخلا في هذا ~~الوعيد. قال ابن عبد البر (¬3): مفهومه أن الجار لغير الخيلاء لا يلحقه ~~الوعيد (أإلا أنه أ) مذموم. وقال النووي (¬4): إنه مكروه وهذا نص الشافعي. ~~قال البويطي في "مختصره" عن الشافعي (¬5): قال: لا يجوز PageV10P186 # السدل في الصلاة ولا في غيرها للخيلاء، ولغيرها خفيف؛ لقول النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لأبي بكر. انتهى. وحديث أبي بكر أنه قال أبو بكر بعد أن ~~قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه ~~يوم القيامة". فقال ms2284 أبو بكر: يا رسول الله، إن إزاري يسترخي إلا أن ~~أتعاهده. فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنك لست ممن يفعله ~~خيلاء". أخرجه البخاري وأبو داود والنسائي (¬1)، فقوله: خفيف. ليس صريحا في ~~نفي التحريم، وقد صرحت السنة بأن أحسن الحالات أن يكون إلى نصف الساق ودون ~~ذلك لا حرج على فاعله إلى الكعبين، وما دون الكعبين فهو حرام إن كان ~~للخيلاء، وإن كان لغير الخيلاء فقال النووي (¬2) وغيره: إنه مكروه وقد يتجه ~~أن يقال: إن كان الثوب على قدر لابسه لكنه يسدله، فإن كان لا عن قصد كالذي ~~وقع لأبي بكر، فهو غير داخل في الوعيد، وإن كان الثوب زائدا على قدر لابسه ~~فهذا ممنوع من جهة الإسراف؛ فهو محرم لأجله ومن أجل التشبه (أ) بالنساء، ~~ومن حيث إن لابسه لا يأمن أن تعلق النجاسة به كما في حديث الترمذي والنسائي ~~(¬3) عن عبيد بن خالد قال: كنت أمشي وعلي برد أجره فقال لي رجل: "ارفع ثوبك ~~فإنه أتقى وأنقى" (أ). فنظرت فإذا هو النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقلت: ~~إنما هي بردة ملحاء -بفتح الميم ولام ساكنة وحاء مهمله ممدوا، أي فيها خطوط ~~سود PageV10P187 # وبيض- فقال: "ما لك في أسوة؛". قال: فنظرت فإذا إزاره إلى نصف ساقيه (أ). ~~وسنده جيد، ويعلل أيضا تحريم الإسبال بأنه مظنة للخيلاء. قال ابن العربي ~~(¬1): لا يجوز للرجل أن يجاوز بثوبه كعبه ويقول: لا أجره خيلاء. لأن النهي ~~قد تناوله لفظا، ولا يجوز لمن يتناوله اللفظ أن يخالفه، إذ صار حكمه أن ~~يقول: لا أمتثله؛ لأن تلك [العلة] (ب) ليست في. فإنها دعوى غير مسلمة، بل ~~إطالة ذيله دالة على تكبره. انتهى. # وحاصله أن الإسبال يستلزم جر الثوب، وجر الثوب يستلزم الخيلاء ولو لم ~~يقصده اللابس، ويؤيده ما أخرجه أحمد بن منيع (¬2) عن ابن عمر في أثناء حديث ~~رفعه: "إياك وجر الإزار؛ فإن جر الإزار من المخيلة". وأخرج الطبراني (¬3) ~~من حديث أبي أمامة: بينما نحن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ ~~لحقنا ms2285 عمرو بن زرارة الأنصاري في حلة؛ إزار ورداء قد أسبل، فجعل رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم - يأخذ بناحية ثوبه ويتواضع لله تعالى ويقول: "عبدك ~~وابن عبدك وأمتك". حتى سمعها عمرو، فقال: يا رسول الله، إني حمش الساقين ~~(¬4). فقال: "يا عمرو، إن الله تعالى قد أحسن كل شيء خلقه، يا عمرو، إن ~~الله PageV10P188 # لا يحب المسبل" (¬1) الحديث. وأخرجه [الطبراني] (أ) عن عمرو بن زرارة، ~~وفيه: وضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأربع أصابع تحت ركبة عمرو، ~~فقال: "يا عمرو، هذا موضع الإزار". ثم ضرب بأربع أصابع تحت الأربع فقال: ~~"يا عمرو، وهذا موضع الإزار" الحديث. ورجاله ثقات، وظاهره أن عمرا لم يقصد ~~الخيلاء وقد منعه (ب) منه لكونه مظنته، وغير هذا من الأحاديث الدالة على ~~منع الإسبال وإن لم يقصد به الخيلاء، وما يفهم منها من قصد إرادة العموم ~~معارض للمفهوم، فلا يخصص المفهوم. وما أخرجه ابن أبي شيبة (¬2) عن ابن ~~مسعود بسند جيد، أنه كان يسبل إزاره، فقيل له في (ج) ذلك فقال: إني أحمش ~~الساقين. فهو محمول على أنه أسبله قدرا زائدا على المستحب من نصف الساق، ~~ولعله فعل ذلك إلى الكعب أو أعلى منه وهو جائز، ولا يظن به أنه جاوز الكعب؛ ~~إذ لا حاجة إلى ذلك لحصول ستر الساق بدونه، ولعله لم يبلغه قصة عمرو بن زرارة. # وحكم غير الثوب والإزار حكمهما؛ ولذلك لما سأل شعبة محارب -بضم الميم ~~وبعدها حاء مهملة وبالراء المهملة المكسورة بعدها باء موحدة بوزن مقاتل- بن ~~دثار بكسر المهملة وتخفيف الثاء المثلثة -فقال شعبة: أذكر PageV10P189 # الإزار؟ قال: ما خص إزارا ولا قميصا (¬1). ومقصوده أن التعبير بالثوب ~~يشمل الإزار وغيره، ويؤيد ذلك ما أخرجه أصحاب السنن إلا الترمذي (¬2) عن ~~ابن عمر عن أبيه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "الإسبال في الإزار ~~والقميص والعمامة، من جر منها شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة". ~~وفي إسناده عبد العزيز بن [أبي] (أ) رواد، وفيه مقال. # قال ابن بطال: وإسبال العمامة المراد ms2286 به إرسال العذبة زائدا على ما جرت ~~به العادة. وقد أخرج النسائي (¬3) من حديث عمرو بن أمية أن النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - أرخى طرف عمامته بين كتفيه. انتهى. وكذلك أكمام القميص ~~تطويلها زائد على المعتاد كما يفعله بعض أهل الحجاز إسبال محرم، وقد نقل ~~القاضي عياض عن العلماء كراهة كل ما زاد على العادة وعلى المعتاد في اللباس ~~من الطول والسعة. والله أعلم. # 1217 - وعنه رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا ~~أكل أحدكم فليأكل بيمينه، وإذا شرب فليشرب بيمينه، فإن الشيطان يأكل بشماله ~~ويضرب بشماله". أخرجه مسلم (¬4). # الحديث فيه دلالة على استحباب الأكل والشرب باليمين وكراهتهما PageV10P190 # بالشمال، وقد زاد نافع الأخذ والإعطاء (¬1)؛ وهذا إذا لم يكن له عذر، فإن ~~عرض مانع من مرض أو جراحة أو غير ذلك، فلا كراهة في الشمال. وأنه ينبغي ~~اجتناب الأفعال التي تشبه أفعال الشياطين. وأن الشيطان يأكل ويشرب وأن له ~~يدين. والله أعلم. # 1218 - وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "كل واشرب والبس وتصدق في غير سرف ولا مخيلة". أخرجه أبو داود ~~وأحمد وعلقه البخاري (¬2)، ثبت هذا التعليق في البخاري للمستملي والسرخسي ~~فقط، وسقط للباقين ولم يصله البخاري في محل آخر. # وقوله: "في غير سرف". يدل على أن الإسراف منهي عنه؛ وهو عبارة عن مجاوزة ~~الحد في كل فعل أو (أ) قول، وهو في الإنفاق أشهر، وقد قال الله تعالى: {قل ~~ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم} (¬3)، وقال الله تعالى: {فلا يسرف في ~~القتل} (¬4). # وقوله: "ولا مخيلة". بوزن عطيمة وهي الخيلاء والتكبر. قال PageV10P191 # الراغب (¬1): الخيلاء في النفس، ووجه الحصر في الإسراف والمخيلة أن ~~المنوع من تناوله أكلا ولبسا وغيرهما، إما لمعنى فيه وهو تجاوز الحد وهو ~~الإسراف، وإما للتعبد كالحرير إن ثبتت علة النهي عنه وهو الراجح. ومجاوزة ~~الحد تتناول مخالفة ما ورد به الشرع، فدخل الحرام وقد يستلزم الإسراف الكبر ~~وهو المخيلة، قال الموفق عبد اللطيف البغدادي: ms2287 هذا الحديث جامع لفضائل ~~تدبير الإنسان نفسه، وفيه تدبير مصالح النفس والجسد في الدنيا والآخرة، فإن ~~السرف في كل شيء يضر بالجسد ويضر بالعيشة ويؤدي إلى الإتلاف، فيضر بالنفس ~~إذا كانت تابعة للجسد في أكثر الأحوال، والمخيلة تضر بالنفس حيث تكسبها ~~العجب، وتضر بالآخرة حيث تكسب الإثم، وبالدنيا حيث تكسب المقت من الناس. # وعلق البخاري (¬2) عن ابن عباس وقال: قال ابن عباس: كل ما شئت واشرب ما ~~شئت، ما أخطأك ثنتان، سرف أو مخيلة. PageV10P192 ### || AUTO باب البر والصلة # 1219 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من أحب أن يبسط [له] (أ) في رزقه وأن ينسأ له في أثره فليصل ~~رحمه". أخرجه البخاري (¬1). # قوله: "من أحب". لفظ البخاري: "من سره أن يبسط له في رزقه". # أي يوسع له (ب). # وقوله: "وأن ينسأ له (ج) ". بضم الياء وسكون النون بعدها مهملة ثم همزة، ~~أي يؤخر. # وقوله: "في أثره". أي أجله، وسمى الأجل أثرا لأنه ينقطع الأثر في الأرض ~~بانقطاع العمر. قال زهير (¬2): # والمرء ما عاش ممدود له أمل ... لا ينقضي العمر حتى ينتهي الأثر # قال ابن التين (¬3): ظاهر الحديث يعارض قوله تعالى: {فإذا جاء أجلهم لا PageV10P193 # يستأخرون ساعة ولا يستقدمون} (¬1). والجمع بينهما من وجهين؛ # أحدهما: أن الزيادة كناية عن البركة في العمر بسبب التوفيق إلى الطاعة ~~وعمارة وقته بما ينفعه في الآخرة وصيانته عن تضييعه في غير ذلك، ومثل هذا ~~ما جاء أن النبي - صلى الله عليه وسلم - تقاصر أعمار أمته بالنسبة إلى ~~أعمار من مضى من الأم فأعطاه الله ليلة القدر (¬2)، وحاصله أن صلة الرحم ~~تكون سببا للتوفيق للطاعة والصيانة عن المعصية، فيبقى بعده الذكر الجميل، ~~فكأنه لم يمت، ومن جملة ما يحصل له من التوفيق العلم الذي ينتفع به من ~~بعده، والصدقة الجارية عليه، والخلف الصالح. # وثانيهما: أن الزيادة على حقيقتها وذلك بالنسبة إلى علم الملك الموكل ~~بالعمر والذي في الآية بالنسبة إلى علم الله تعالى؛ كأن يقال للملك مثلا: ~~إن عمر ms2288 فلان -مثلا- ماثة إن وصل رحمه، وإن قطعها ستين. وقد سبق في علم الله ~~تعالى أنه يصل أو يقطع، فالذي في علم الله تعالى لا يتقدم ولا يتأخر، والذي ~~في علم الملك هو الذي يمكن فيه الزيادة والنقص، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ~~{يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب} (¬3). فالمحو والإثبات بالنسبة ~~إلى ما في علم الملك، وما في أم الكتاب وهو الذي في علم الله تعالى لا محو ~~فيه البتة، ويقال له: القضاء PageV10P194 # المبرم. ويقال للأول: القضاء المعلق. والوجه الأول أليق، فإن الأثر ما ~~يتبع الشيء فإذا أخر حسن أن يحمل على الذكر الحسن بعد فقد المذكور، ورجحه ~~الطيبي (¬1)، وأشار إليه في "الفائق" (¬2) قال: يجوز أن يكون المعنى أن ~~الله يبقي ذكر واصل الرحم في الدنيا طويلا، فلا يضمحل سريعا كما يضمحل ذكر ~~قاطع الرحم. ولما أنشد أبو تمام (¬3) قوله في بعض المراثي: # توفيت الآمال بعد محمد ... وأصبح في شغل عن السفر السفر # قال له أبو دلف: لم يمت من قيل فيه هذا الشعر. ومن هذه المادة قول ~~إبراهيم الخليل - عليه السلام -: {واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84)} ~~(¬4). وأخرج الطبراني في "الصغير" (¬5) بسند ضعيف عن أبي الدرداء قال: ذكر ~~عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من وصل رحمه أنسئ له في أجله فقال: ~~"إنه ليس زيادة في عمره؛ قال الله تعالى: {فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ~~ولا يستقدمون (34)} (¬6). ولكن الرجل يكون له الذرية الصالحة يدعون له من ~~بعده". وله في "الكبير" (¬7) من حديث أبي مشجعة الجهني يرفعه: "إن الله لا PageV10P195 # يؤخر نفسا إذا جاء أجلها وإنما هو زيادة العمر؛ ذرية صالحة". وجزم ابن ~~فورك (¬1) بأن المراد بزيادة العمر نفى الآفات عن صاحب البر في فهمه وعقله، ~~وقال غيره في أعم من ذلك وفي وجود البركة في رزقه وعلمه، ونحو ذلك، وجاء في ~~الباب عند الترمذي (¬2) عن أبي هريرة: إن صلة الرحم محبة في الأهل مثراة في ~~المال منسأة في الأثر. وعند أحمد (¬3) بسند رجاله ثقات عن عائشة ms2289 مرفوعا: ~~"صلة الرحم وحسن الجوار وحسن الخلق يعمران الديار ويزيدان في الأعمار". ~~وأخرج عبد الله بن أحمد (¬4) في زوائد "المسند" من حديث علي نحو حديث ~~الباب، وقال فيه: "ويندفع عنه ميتة السوء". ولأبي يعلى (¬5) من حديث أنس ~~رفعه: "إن الصدقة وصلة الرحم يزيد الله بهما في العمر ويدفع بهما ميتة ~~السوء". فجمع الأثرين (أ) وسنده ضعيف، وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" ~~(¬6) من حديث ابن عمر بلفظ: "من اتقى ربه ووصل رحمه ينسأ له في عمره وثرى ~~ماله وأحبه أهله". # 1220 - وعن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: PageV10P196 # "لا يدخل الجنة قاطع". (أيعني قاطع أ) رحم. متفق عليه (¬1). # الحديث أخرجه البخاري ومسلم من رواية مالك عن الزهري بحذف "رحم"، وأخرجه ~~البخاري في "الأدب المفرد" (¬2) بزيادة لفظ "رحم"، ومسلم جعل ذلك تفسيرا من ~~ابن عيينة عن الزهري، قال: قال سفيان: يعني قاطع رحم (¬3). وأخرج إسماعيل ~~القاضي في "الأحكام" (¬4) من طريق الأعمش، عن عطية، عن أبي سعيد، ومن طريق ~~أخرى عن أبي موسى رفعه: "لا يدخل الجنة مدمن خمر ولا مصدق بسحر ولا قاطع ~~رحم". أخرجه ابن حبان والحاكم (¬5)، ولأبي داود (¬6) من حديث أبي بكرة ~~رفعه: "ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما ادخر ~~(ب) له في الآخرة من قطعة الرحم". وللبخاري في "الأدب المفرد" (¬7) من ~~حديحث أبي هريرة رفعه: "إن أعمال أمتي تعرض عشية [كل] (ج) خميس ليلة الجمعة ~~فلا يقبل عمل PageV10P197 # قاطع رحم". وللطبراني (¬1) من حديث ابن مسعود: "إن أبواب السماء مغلقة ~~دون قاطع الرحم". وللبخاري في "الأدب المفرد" (¬2) من حديث ابن أبي أوفى ~~رفعه: "إن الرحمة لا تنزل على قوم فيهم قاطع رحم". قال الطيبي (¬3): يحتمل ~~أن يراد بالقوم الذين يساعدونه على قطيعة الرحم ولا ينكرون عليه، ويحتمل أن ~~يراد بالرحمة المطر وأنه يحتبس عن الناس عموما بشؤم التقاطع. # وقد دل الحديث أن قطع الرحم من الكبائر وأن ذلك من معاظم الذنوب، قال ~~القاضي عياض (¬4): ولا ms2290 خلاف أن قطع الرحم معصية وأن صلتها واجبة، ولكن ~~اختلفوا في حد الرحم التي يجب صلتها؛ فقيل هي الرحم التي يحرم النكاح ~~بينهما بحيث لو كان أحدهما ذكرا حرم على الآخر، فعلى هذا لا يدخل أولاد ~~الأعمام ولا أولاد الأخوال. واحتج هذا القائل بتحريم الجمع بين المرأة ~~وعمتها أو خالتها في النكاح لا يؤدي إليه من التقاطع، وقيل: هو من كان يتصل ~~بميراث، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ثم أدناك أدناك" (¬5). ~~انتهى. وقيل: من كان بينه وبين الآخر نسب سواء كان يرثه أو لا. قال القاضي ~~عياض (4). وصلة الرحم درجات بعضها أرفع من بعض، وأدناها ترك المهاجرة ~~وصلتها بالكلام ولو بالسلام، ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة فمنها واجب ~~ومنها مستحب، ولو وصل بعض PageV10P198 # الصلة ولم يصل غايتها لم يسم قاطعا، ولو قصر عما يقدر عليه وينبغي له لم ~~يسم واصلا. انتهى. وقال القرطبي (¬1): الرحم التي توصل عامة وخاصة؛ فالعامة ~~رحم الدين وتجب صلتها بالتوادد والتناصح والعدل والإنصاف والقيام بالحقوق ~~الواجبة والمستحبة، والرحم الخاصة تزيد بالنفقة على القريب وتفقد حاله ~~والتغافل عن زلته. وقال ابن أبي جمرة (أ) (1): تكون صلة الرحم بالمال ~~وبالعون على الحاجة ودفع الضرر وطلاقة الوجه والدعاء. والمعنى الجامع إيصال ~~ما أمكن من الخير ودفع ما أمكن من الشر بحسب الطاقة، وهذا في حق المؤمنين، ~~وأما الكفار والفساق فتجب المقاطعة لهم إذا (ب) لم تنفع الموعظة، واختلف ~~العلماء أيضا بما تحصل القطيعة للرحم، فقال أبو زرعة الولي بن العراقي: ~~تكون بالإساءة إلى الرحم. وقال غيره: تكون بترك الإحسان؛ لأن الأحاديث آمرة ~~بالصلة ناهية عن القطيعة ولا واسطة بينهما، والصلة أيضا نوع من الإحسان كما ~~فسرها بذلك غير واحد، والقطيعة ضدها وهي ترك الإحسان. انتهى. واختار شيخ ~~الإسلام أحمد بن حجر الهيتمي في كتابه "الزواجر" أن قطعة الرحم تكون بقطع ~~ما ألفه القريب منه من الصلة والإحسان لغير عذر شرعي، وسواء كان المألوف ~~مالا أو مكاتبة أو مراسلة أو زيارة أو غير ذلك، فقطع ذلك كله يعد ms2291 فعله ~~كبيرة إذا كان لغير عذر، والعذر في المال يكون إما لفقده أو لاحتياجه إليه ~~أو لتقديم غير القريب PageV10P199 # عليه لحاجته أو لأنه أصلح، وأما عذر الزيارة فيكون بالأعذار التي يسقط ~~معها وجوب حضور الجمعة؛ لأن كلا منهما فرض عين، وأما عذر المكاتبة ~~والمراسلة فهو ألا يجد من يثق به في أداء ما يرسله به. انتهى كلامه. وهو ~~كلام حسن إلا أنه ينبغي أن يقال: يقطع ما ألفه القريب مما قد عوده، أو ~~يعوده أمثاله لمثل ذلك القريب، وإلا لزم أن يكون معذورا بترك الإحسان من ~~أصله ويلزم منه ألا يحسن قريب إلى قريبه أصلا وهو المتبادر عرفا من القطع، ~~وإذا كان أحد الرحمين قد وصل أحدهما صاحبه فكافأه على ذلك فهو واصل، وأما ~~قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل الذي إذا ~~قطعت رحمه وصلها" (¬1). فقال ابن العربي (¬2) في "شرح الترمذي": المراد به ~~الكامل في الصلة. وقوله: "قطعت" ضبط في بعض الروايات بضم أوله وكسر ثانيه ~~مبني للمجهول وفي أكثرها بفتحتين، وقال الطيبي (¬3): معناه ليست حقيقة ~~الوصل ومن يعتد بصلته من يكافئ صاحبه بمثل فعله، ولكنه من يتفضل على صاحبه. ~~وقال المصنف رحمه الله تعالى (¬4): لا يلزم من نفي الوصل ثبوت القطع فهم ~~ثلاث درجات؛ مواصل، ومكافئ، وقاطع؛ فالمواصل هو الذي يتفضل ولا يتفضل عليه، ~~والمكافئ الذي لا يزيد في الإعطاء على ما يأخذ، والقاطع الذي لا يتفضل عليه ~~ولا يتفضل. وأقول: بالأولى من يتفضل عليه ولا يتفضل إنه قاطع، ثم قال ~~المصنف رحمه الله تعالى: وكما تقع المكافأة بالصلة من الجانبين كذلك تقع ~~بالمقاطعة من PageV10P200 # الجانبين فمن بدأ حينئذ فهو القاطع، فإن جوزي سمي من جازاه مكافئا. # فائدة: الرحم من أسماء المعاني، وهي قرابة ونسب (أ) لجمعه (ب) رحم والده، ~~ويتصل بعضه ببعض فسمى ذلك الاتصال رحما، وقد أخرج البخاري (¬1) مرفوعا: ~~"الرحم شجنة -بكسر الشين المعجمة وسكون الجيم بعدها نون وجاء بضم أوله ~~وفتحه- من الرحمن". أي أخذ اسمها من اسمه، وجاء في حديث عبد الرحمن ms2292 بن عوف ~~أخرجه في السنن (¬2) مرفوعا: "أنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمى". ~~ومعنى اشتقاقها من اسم الرحمن أنها أثر من آثار الرحمة، فلها مسكة بالرحمن، ~~فالقاطع لها منقطع من رحمة الله تعالى، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"قامت الرحم فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة. قال: نعم، أما ترضين أن ~~أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى. قال: فذلك لك". أخرجه مسلم (¬3)، ~~وفي رواية أخرى (¬4): "الرحم متعلقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن ~~قطعني قطعه الله". قال ابن أبي جمرة: الوصل من الله كناية عن عظم إحسانه، ~~وإنما خاطب الناس بما يفهمون، ولما كان أعظم ما يعطيه المحبوب لمحبه الوصال ~~وهو القرب وإسعافه بما يريد ومساعدته على ما يرضيه، وكأن PageV10P201 # حقيقة ذلك مستحيلة في حق الله تعالى، عرف أن ذلك كناية عن عظم إحسانه ~~لعبده. قال: وكذا القطع كناية عن حرمان الإحسان. قال القرطبي (¬1): وسواء ~~قلنا: إن القول المنسوب إلى الرحم على سبيل المجاز أو الحقيقة أو أنه على ~~جهة التقدير والتمثيل كأن يكون المعنى لو كانت الرحم ممن يعقل ويتكلم لقالت ~~كذا، كما في قوله تعالى: {لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا} ~~الآية. وفي آخرها: {وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون} (¬2). فمقصود ~~هذا الكلام الإخبار بتأكيد صلة الرحم وأنه تعالى أنزلها منزلة من استجار به ~~فأجاره فأدخله في حمايته، وإذا كان كذلك فجار الله غير مخذول. # 1221 - وعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، عن رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - قال: "إن الله حرم عليكم عقوق الأمهات ووأد البنات ومنعا وهات، وكره ~~لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال". متفق عليه (¬3). # قوله: "عقوق الأمهات". وهو جمع "أمهة"، وأمهة لغة في الأم قيل: هما ~~أصلان، أو أن الهاء زائدة والأصل (أ) "أم" عند غير المبرد؛ لأن المبرد لا ~~يعد الهاء من حروف الزيادة، ولا تطلق "أمهة" إلا على من يعقل PageV10P202 # بخلاف "أم" فإنها تعم، وخص النبي - صلى الله عليه وسلم - الأم بالذكر ms2293 هنا ~~وإن كان الأب مثلها إظهارا لعظم موقع عقوقها، وضابط العقوق المحرم هو أن ~~يحصل من الولد للأبوين أو لأحدهما إيذاء ليس بالهين عرفا، فيخرج من هذا ما ~~إذا حصل من الأبوين أمر أو نهي فخالفهما بما لا يعد في العرف مخالفته ~~عقوقا، فلا يكون ذلك عقوقا، وكذلك لو كان على الأبوين مثلا دين للولد أو حق ~~شرعي فرافعه إلى الحاكم فلا يكون ذلك عقوقا، كما وقع من بعض أولاد الصحابة ~~شكاية الأب إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - في اجتياحه لماله، فلم يعد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - شكايته عقوقا (¬1). فعلى هذا العقوق أن يؤذي ~~الولد أحد أبويه بما لو فعله مع غير أبويه كان محرما من جملة الصغائر، ~~فيكون ذلك في حق الأبوين كبيرة أو مخالفة الأمر أو النهي فيما يدخل فيه ~~الخوف على الولد من فوات نفسه أو عضو من أعضائه في غير الجهاد الواجب عليه، ~~أو مخالفتهما في سفر يشق عليهما وليس بفرض على الولد، أو في غيبة طويلة ~~فيما ليس لطلب علم نافع ولا كسب أو فيه وقيعة في العرض، [أو] (أ) ترك تعطم ~~الوالدين، فإنه لو قدم عليه أحدهما ولم يقم إليه أو قطب (¬2) في (ب) وجهه، ~~فإن هذا وإن لم يكن في حق الغير معصية فهو عقوق في حق الأبوين، وقد ذكر ~~معنى هذا التحقيق البلقيني في "فتاويه" وهذا خلاصته مع تصحيح في بعض ~~أطرافه. PageV10P203 # وقوله: "ووأد البنات". الوأد بسكون الهمزة هو دفن البنت وهي حية، وكان ~~أهل الجاهلية يفعلون ذلك كراهة لهن، ويقال: أول من فعل ذلك قيس بن عاصم ~~التميمي، وكان بعض أعدائه أغار عليه فأسر بنته فاتخذها لنفسه، ثم حصل بينهم ~~صلح فخير ابنته فاختارت زوجها، فآلى قيس على نفسه ألا يولد له بنت إلا ~~دفنها حية، فتبعه العرب على ذلك، وكان من العرب من يقتل أولاده مطلقا خشية ~~الإملاق أو لعدم النفقة، وكان صعصعة أول من فدى الموءودة، وذلك أنه كان ~~يعمد إلى من يريد أن يفعل ذلك فيفتدي ms2294 الولد منه بمال وإلى ذلك أشار الفرزدق ~~(¬1) بقوله: # وجدي الذي منع الوائدا ... ت وأحيا الوئيد فلم يوأد (أ) # وقد بقي كل من قيس وصعصعة إلى أن أدركا الإسلام ولهما صحبة، وإنما خص ~~البنات بالذكر؛ لأنه الغالب من فعلهم، وكان الوأد على طريقين عندهم؛ أحدهما ~~أن يأمر امرأته إذا اقترب وضعها أن تطلق بجانب حفرة، فإن وضعت ذكرا أبقته، ~~وإن وضعت أنثى طرحتها في الحفرة، وهذا في حق من يقتل البنت، ومنهم من كان ~~إذا صارت البنت سداسية قال لأمها: طيبيها وزينيها لأزور بها أقاربها. ثم ~~يبعد بها في الصحراء حتى يأتي البئر فيقول لها: انظري في البئر. فيدفعها من ~~خلفها ويطمها. # وقوله: "ومنعا وهات". المنع بسكون النون مصدر منع يمنع، وقد جاء PageV10P204 # في بعض ألفاظ البخاري (¬1) عن بعض رواته، "ومنع" بغير تنوين، ولعله ~~لمناسبة لفظ: "هات" والمراد به منع ما أمر بإعطائه # وقوله: "وهات". فعل أمر مجزوم بحذف الياء وهو مكسور التاء المثناة من ~~فوق، وهو من الإيتاء، قال الخليل (¬2): أصله آت فقلبت الهمزة هاء. والمراد ~~به طلب ما لا يستحق أخذه، ويحتمل أن يكون معناهما هو أن يمنع بره وإحسانه ~~من يسترفده (¬3)، ثم يطلب من الناس برهم فيبخل بما في يده ويسأل الناس تكثرا. # وقوله: "وكره لكم قيل وقال". وقع في أكثر الروايات بغير تنوين، وهو حكاية ~~للفظ الفعل، والمراد به نقل الكلام الذي يسمعه إلى غيره فيقول: قيل: كذا ~~وكذا. بغير ذكر القائل، وقال فلان: كذا وكذا. وإنما كره ذلك لما فيه من ~~الاشتغال بما لا يعني المتكلم، ولكونه قد يتضمن النميمة والغيبة والكذب، لا ~~سيما مع الإكثار من ذلك، فقلما يخلو عنه، ويجوز الإعراب فيهما وإجراؤهما ~~مجرى الأسماء بالنقل إلى الأسماء، وإن كان النقل من الفعل إلى اسم الجنس ~~قليلا، ولكن ورد فيه شطر صالح كما قيل في "الدئل"، وقد جاء في رواية ~~الكشميهني (¬4) للبخاري: "قيلا وقالا" بالنصب، قال الجوهري (¬5): قيل وقال ~~اسمان. يقال: كثير القيل والقال. PageV10P205 # قال ابن دقيق العيد (¬1): لو كانا اسمين لم يكن لعطف ms2295 أحدهما على الآخر ~~فائدة؛ لأنهما بمعنى القول. وقال المحب الطبري (1): في قيل وقال ثلاثة أوجه: # أحدهما: أنهما مصدران للقول، تقول: قلت قولا وقيلا وقالا. والمراد في ~~الحديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام لأنها تئول إلى الخطأ، وإنما كرره ~~للزجر عنه. # ثانيها: إرادة حكاية أقاويل الناس والبحث عنها ليخبر عنها فيقول: قال ~~فلان: كذا. وقيل له: كذا. والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه، وإما لما ~~يكرهه المحكي عنه. # ثالثها: إن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين كقوله: قال فلان: كذا. ~~وقال فلان: كذا. ومحل كراهة ذلك أن يكثر منه بحيث لا يؤمن من الزلل، وهو في ~~حق من ينقل بغير تثبت تقليدا لمن سمعه (أ) ولا يحتاط له، ويؤيد هذا الحديث ~~الصحيح: "كفى بالمرء إثما أن يحدث بكل ما سمع" أخرجه مسلم (¬2). # وقوله: "وكثرة السؤال". وهو إما المسألة في المال أو السؤال عن المشكلات ~~والمعضلات أو مجموع ذلك وهو الأولى، وقد تقدم في الزكاة تحريم مسألة المال ~~(¬3)، وقد ثبت النهي عن الأغلوطات. أخرجه أبو داود (¬4) من PageV10P206 # حديث معاوية وثبت عن جمع من السلف كراهة تكلف المسائل التي يستحيل وقوعها ~~عادة، أو يندر جدا لما في ذلك من التنطع والقول بالظن الذي لا يخلو صاحبه ~~عن الخطأ (أ)، وكذلك النهي عن المسائل التي ما قد نزل فيها شيء من الوحي في ~~زمان نزول الوحي، كما قال الله تعالى: {لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم ~~تسؤكم} (¬1). وذلك خاص بزمان نزول الوحي والبقاء على الإباحة الأصلية، كما ~~أشار النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى ذلك بقوله (¬2): "أعظم الناس جرما ~~عند الله من سأل عن شيء لم يحرم، فحرم من أجل مسألته". وأشار بقوله: "كثرة ~~السؤال". إلى أن بعض المسألة لا بد منها، وذلك فيما التبس على المكلف من ~~أمر الدين؛ وسأل ليتبين له حقيقة ما قد وقع في زمان الوحي وفي غيره فيما هو ~~أعم من ذلك، وكذلك سؤال المال للضرورة، وقد تقدم تفصيل ذلك في الزكاة، ~~وتأوله بعض العلماء بأن ms2296 المراد كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان، ~~أو كثرة سؤال إنسان معين عن تفاصيل حاله وكان مما يكرهه المسئول. # وقوله: "وإضاعة المال". المتبادر من الإضاعة ما لم تكن لغرض ديني ولا ~~دنيوي، وقيل: هو الإسراف في الإنفاق. وقيده بعضهم بالإنفاق في الحرام، ورجح ~~المصنف (¬3) رحمه الله تعالى أنه ما أنفق في غير وجهه المأذون PageV10P207 # فيه شرعا سواء كانت دينية أو دنيوية؛ لأن الله تعالى جعل المال قياما ~~لمصالح العباد، وفي التبذير تفوت تلك المصالح إما في حق صاحب المال أو في ~~حق غيره، قال: والحاصل في كثرة الإنفاق ثلاثة وجوه؛ الأول: الإنفاق في ~~الوجوه المذمومة شرعا، ولا شك في تحريمه. والثاني: الإنفاق في الوجوه ~~المحمودة شرعا، ولا شك في كونه مطلوبا ما لم يفوت حقا آخر أهم من ذلك ~~المنفق فيه. والثالث: الإنفاق في المباحات وهو ينقسم إلى قسمين؛ أحدهما: أن ~~يكون على وجه يليق بحال المنفق وبقدر ماله، فهذا ليس بإضاعة ولا إسراف. ~~والثاني: أن يكون فيما لا يليق به عرفا؛ فإن كان لدفع مفسدة إما حاضرة أو ~~متوقعة فذلك ليس بإسراف، وإن لم يكن لذلك فالجمهور على أنه إسراف. # قال ابن دقيق العيد (¬1): ظاهر القرآن أنه إسراف. وصرح بذلك القاضي حسين ~~(¬2) فقال في كتاب "قسم الصدقات": هو حرام. وتبعه الغزالي وجزم به الرافعي ~~في الكلام على الغارم وصحح في باب الحجر من "الشرح" وفي "المحرر" أنه ليس ~~بتبذير، وتبعه النووي، وقد تقدم في كتاب الزكاة البحث في جواز التصدق بجميع ~~المال، وأن ذلك يجوز لمن عرف من نفسه الصبر على المضايقة (¬3). # وقال الباجي من المالكية: إنه يحرم استيعاب جميع المال بالصدقة. قال: ~~ويكره كثرة إنفاقه في مصالح الدنيا ولا بأس به إذا وقع نادرا لحادث PageV10P208 # يحدث؛ كضيف أو عيد أو وليمة والاتفاق على كراهة الإنفاق في البناء الزائد ~~على قدر الحاجة، ولا سيما إن أضاف إلى ذلك المبالغة في الزخرفة، وكذلك ~~احتمال الغبن الفاحش في المبايعات بغير سبب، وأما إضاعة المال في المعصية ~~فلا يختص (أ) بارتكاب ms2297 الفواحش، بل يدخل فيها سوء عدم القيام على الرقيق ~~والبهائم حتى يهلكوا، ودفع مال من لم يؤنس منه الرشد إليه، وقسمة ما لا ~~ينتفع بجزئه كالجوهرة النفيسة. انتهى كلام الباجي. وقال السبكي في ~~"الحلبيات" (¬1): وأما إنفاق المال في الملاذ المباحة فهو موضع اختلاف، ~~فظاهر قوله تعالى: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك ~~قواما} (¬2). إن الزائد الذي لا يليق بحال المنفق إسراف، ومن بذل مالا ~~كثيرا في عرض يسير تافه عده العقلاء مضيعا. انتهى. # الحديث فيه دلالة على تحريم المحرمات الثلاث؛ فأما العقوق والوأد فلا ~~كلام في التحريم وأن ذلك من الكبائر، وأما المنع وهات فهو محرم على بعض ~~الوجوه التي مرت، فيحمل الحديث على ذلك وكراهة الثلاث تحتمل كراهة التحريم، ~~وهي محمولة على الوجوه المحرمة المذكورة في تفسيرها، ويحتمل كراهة التنزيه، ~~ويحمل أيضا على بعض الوجوه التي لا تقتضي التحريم. PageV10P209 # وفي رواية لأبي داود بلفظ: نهى. والنهى كذلك يحتمل التحريم والإرشاد، وإن ~~كان حقيقته (أ) التحريم، والله أعلم. # 1222 - وعن عبد الله بن [عمرو] (ب) رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "رضا الله في رضا الوالدين، وسخط الله في سخط الوالدين". ~~أخرجه الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم (¬1). # صححه الحاكم وقال: على شرط مسلم. ورجح الترمذي وقفه. # الحديث فيه دلالة على أنه يجب على الولد الوقوف على حال الذي يرضاه ~~الوالدان ولا يسخطهما؛ ففي ذلك سخط الله سبحانه وتعالى، فيقدم رضاهما على ~~فعل ما يجب عليه إذا كان من فروض الكفاية، كما ثبت في حديث ابن عمرو (¬2) ~~في الرجل الذي جاء يستأذن النبي - صلى الله عليه وسلم - للجهاد فقال له ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أحي والداك؟ ". قال: نعم. قال: "ففيهما ~~فجاهد". وفي رواية (¬3): "ارجع إليهما ففيهما المجاهدة". وفي رواية (¬4): ~~جئت أبايعك على الهجرة وتركت أبواي يبكيان. فقال: "ارجع إليهما فأضحكهما ~~كما أبكيتهما". وفي إسناده عطاء بن السائب (¬5) من رواية سفيان عنه، وأخرج ~~أبو داود (¬6) عن أبي سعيد PageV10P210 # الخدري، أن رجلا هاجر إلى ms2298 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من اليمن ~~فقال: يا رسول الله، إني قد هاجرت. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"هل لك أحد باليمن؟ ". فقال: أبواي. فقال: "أذنا لك؟ ". قال: لا. قال: ~~"فارجع فاستأذنهما، فإن أذنا لك فجاهد، وإلا فبرهما". وفي إسناده دراج أبو ~~السمح [المصرى] (أ) ابن سمعان (¬1)، ضعفه أبو حاتم وغيره، ووثقة يحيى، وفي ~~هذا أحاديث كثيرة، وقد ذهب إلى ظاهر الحديث الأمير الحسين ذكره في "الشفا" ~~وفي "مهذب الشافعي"، وأنه يتعين ترك الجهاد إذا لم يرض الأبوان، وكذلك غيره ~~من الواجبات، ولعله يستثنى من ذلك فرض العين؛ مثل الصلاة الواجبة وغير ذلك ~~فإنه يقدم فعل ذلك وإن لم يرض به الأبوان بالإجماع، وهو الواجب الذي لا ~~يؤدي إلى تلف الولد، وذهب الأكثر إلى أنه يجوز فعل الواجبات، وإن كان فرض ~~كفاية، والمندوبات والخروج لذلك وإن كره الوالدن ما لم يتضررا مضرة بدن ~~بسبب فقد الولد، وتحمل الأحاديث على المبالغة في رعاية حق الوالدين، وأنه ~~يتبع رضاهما فيما لم يكن في ذلك سخط الله تعالى، كما قال تعالى: {وإن ~~جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا ~~معروفا} (¬2). وإذا تعارض حق الأم وحق الأب فظاهر قوله تعالى: {حملته أمه ~~وهنا} (¬3) الآية. أن لها مزيد PageV10P211 # اختصاص بالبر، وكذلك قوله - صلى الله عليه وسلم - لما قال له رجل: من أحق ~~الناس بحسن صحابتي؟ فقال: "أمك". ثلاث مرات ثم قال: "أبوك". أخرجه البخاري ~~(¬1) بتقديم رضا الأم على رضا الأب، قال ابن بطال (¬2): مقتضاه أن يكون ~~للأم ثلاثة أمثال ما للأب. قال: وكأن ذلك لصعوبة الحمل ثم الوضع ثم الرضاع ~~ثم تشارك الأب في التربية. وقال القرطبي: المراد أن الأم تستحق على الولد ~~الحظ الأوفر من البر، وقد يقدم ذلك على حق الأب عند المزاحمة، وقال عياض: ~~ذهب الجمهور إلى أن الأم تفضل على الأب في البر. وقيل: هما سواء. ونقله ~~بعضهم عن مالك، ونقل الحارث المحاسبي الإجماع على تفضيل الأم في البر، ms2299 وذكر ~~ابن بطال (¬3) عن مالك لمن سأله وقال: طلبني أبي ومنعتني أمي: قال: أطع ~~أباك ولا تعص أمك. وهذا يدل على أنه يرى أنهما سواء، وقال الليث في مثل ~~هذا: أطع أمك فإن لها ثلثي البر. وهذا منه موافق للرواية التي ذكرت فيها ~~الأم مرتين والأب في الثالثة، وقد وقع هذا في رواية لمسلم (¬4)، وأخرج ~~البخاري في "الأدب المفرد" وأحمد وابن ماجه وصححه الحاكم (¬5) من حديث ~~المقدام بن معد يكرب مرفوعا: "إن الله يوصيكم بأمهاتكم ثم يوصيكم بأمهاتكم ~~ثم يوصيكم بآبائكم ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب". PageV10P212 # وأخرج الحاكم (¬1) من حديث أبي رمثة -بكسر الراء المهملة وسكون الميم ~~وبعدها مثلثة- انتهيت إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسمعته يقول: ~~"أمك وأباك ثم أختك وأخاك ثم أدناك أدناك". وأصل الحديث عند أصحاب السنن ~~(أ) الثلاثة وأحمد وابن حبان (¬2)، وظاهره التسوية بين الأب والأم، والمراد ~~بالأدنى: الأقرب إلى البار (ب). قال القاضي عياض: تردد بعض العلماء في الجد ~~والأخ والأكثر على تقديم الجد، وجزم به الشافعية وقالوا: يقدم الجد ثم الأخ ~~ويقدم من أدلى بسببين على من أدلى بسبب واحد، ثم القرابة من ذوي الرحم، ~~ويقدم منهم المحارم على من ليس بمحرم، ثم العصبات، ثم المصاهرة، ثم الولاء، ~~ثم الجار. وأشار ابن بطال إلى أن الترتيب حيث لا يمكن البر دفعة واحدة، ~~وجاء في حق المرأة تقديم (ج) الزوج، وهو ما أخرجه أحمد (¬3) والنسائي وصححه ~~الحاكم (¬4) من حديث عائشة رضي الله عنها: سألت النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: أي الناس أعظم حقا على المرأة؟ قال: "زوجها". قلت: فعلى الرجل؟ قال: ~~"أمه". ولعل مثل هذا مخصوص بما إذا حصل التضرر PageV10P213 # مع الوالدين فإنه يقدم حقهما على حق الزوج جمعا بين الأحاديث. # 1223 - وعن أنس رضي الله عنه، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى يحب لجاره أو لأخيه ما يحب لنفسه". متفق ~~عليه (¬1). # الحديث فيه دلالة على رعاية حق الأخ والجار، وقد وقع في مسلم بالشك، وكذا ~~هو ms2300 في "مسند عبد بن حميد" (¬2) على الشك، وهو في البخاري وغيره "لأخيه" من ~~غير شك. قال العلماء: معناه لا يؤمن الإيمان التام، وإلا فأصل الإيمان يحصل ~~لمن لم يكن بهذه الصفة، والمراد: يحب لأخيه من الطاعات والأشياء المباحة، ~~ويدل عليه ما جاء في رواية النسائي في هذا الحديث: "حتى يحب لأخيه من الخير ~~(أ) ما يحب لنفسه". # قال ابن الصلاح: وهذا قد يعد من الصعب الممتنع وليس كذلك؛ إذ معناه لا ~~يكمل إيمان أحدكم حتى يحب لأخيه في الإسلام ما يحب لنفسه من الخير، والقيام ~~بذلك يحصل بأن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها بحيث لا تنقص ~~النعمة على أخيه شيئا من النعمة عليه، وذلك يسهل على القلب السليم وإنما ~~يعسر على القلب الدغل (¬3) عافانا الله وإخواننا PageV10P214 # أجمعين. انتهى. # وهذا على رواية "الأخ"، وأما على رواية "لجاره" فظاهر الجار أعم من أن ~~يكون مسلما، أو كافرا، أو فاسقا، أو صديقا، أو عدوا، أو قريبا، أو أجنبيا، ~~والأقرب دارا، أو الأبعد، فمن اجتمعت فيه الصفات المقتضية لمحبة الخير له، ~~فهو في أعلى المراتب ومن كان فيه أكثرها فهو لاحق به وهلم جرا إلى الخصلة ~~الواحدة، فيعطي كل ذي حق حقه بحسب حاله، وقد روي عن عبد الله بن عمر أنه ~~ذبح شاة فأهدى منها لجاره اليهودي. أخرجه البخاري في "الأدب المفرد" ~~والترمذي (¬1) وحسنه، وقد أخرج الطبراني (¬2) من حديث جابر: "الجيران ~~ثلاثة؛ جار له حق وهو المشرك، له حق الجوار، وجار له حقان وهو المسلم، له ~~حق الجوار وحق الإسلام، وجار له ثلاثة حقوق؛ مسلم له رحم جار، له حق ~~الإسلام والرحم والجوار". قال القرطبي: الجار قد تطلق ويراد به الداخل في ~~الجوار، ويراد به المجاور في الدار وهو الأغلب. انتهى. ولعله المراد هنا؛ ~~فإذا كان جارا أخا أحب له ما يحب لنفسه، وإن كان كافرا أحب له الدخول في ~~الإيمان أولا مع ما يحب لنفسه من المنافع بشرط الإيمان، قال الشيخ أبو محمد ~~بن أبي جمرة: حفظ ms2301 حق الجار من كمال الإيمان والإضرار به من الكبائر؛ لقوله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذ جاره" ~~(¬3). قال: ويفترق الحال في ذلك بالنسبة إلى PageV10P215 # الجار الصالح وغيره، والذي يشمل الجميع إرادة الخير وموعظته بالحسنى ~~والدعاء له بالهداية وترك الإضرار له، إلا في الموضع الذي يحل له الإضرار ~~بالقول والفعل، والذي يخص (أ) الصالح هو جميع ما تقدم وغير الصالح كفه عن ~~الأذى وأمره بالحسنى على حسب مراتب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ~~والكافر يعرض الإسلام عليه والترغيب فيه برفق، والفاسق يعظه بما يناسبه ~~بالرفق ويستر عليه الله، وينهاه بالرفق، فإن نفع وإلا هجره قاصدا لتأديبه ~~على ذلك مع إعلامه بالسبب ليكف. ويقدم عند التعارض من كان أقرب إليه بابا، ~~كما في حديث عائشة قلت: يا رسول الله، إن لي جارين فإلى أيهما أهدي؟ قال: ~~"إلى أقربهما بابا". أخرجه البخاري (¬1). # والحكمة فيه أن الأقرب يرى ما يدخل بيت جاره من هدية وغيرها، فيتشوق لها ~~بخلاف الأبعد، وأن الأقرب أسرع إجابة لما يقع لجاره من المهمات، ولا سيما ~~في أوقات الغفلة، واختلف في حد الجوار فجاء عن علي رضي الله عنه: من سمع ~~النداء فهو جار. وقيل: من صلى معك صلاة الصبح في المسجد فهو جار. وعن ~~عائشة: حد الجوار أربعون دارا من كل جانب (¬2). وعن الأوزاعي مثله (¬3)، ~~وأخرج البخاري في "الأدب المفرد" (¬4) عن الحسن مثله، وأخرج ابن وهب، عن ~~يونس، عن ابن شهاب: أربعون PageV10P216 # دارا عن يمينه وعن يساره ومن خلفه ومن بين يديه (¬1). وهذا يحتمل أنه ~~كالأول، وأن يريد التوزيع فيكون من كل جانب عشرة. # 1224 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: سألت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندا وهو خلقك". قلت: ثم أي؟ قال: ~~"أن تقتل ولدك خشية أن يأكل معك". قلت: ثم أي؟ قال: "أن تزاني حليلة جارك". ~~متفق عليه (¬2). # قوله: "أي الذنب أعظم". تقدم الكلام في الذنوب وأن منها ما هو أعظم ms2302 من غيره. # وقوله: "ندا" الند: الضد والشبه، وفلان ند فلان ونديده: أي مثله. # كذا رواه شمر عن الأخفش. # وقوله: "مخافة أن يأكل معك". وفي لفظ مسلم: "أن يطعم معك". وهو في معنى ~~يأكل، وهو معنى قوله تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق} (¬3). أي فقر. # وقوله: "أن تزاني". أي تزني بها برضاها، وهذا يتضمن الزنى وإفسادها على ~~زوجها واستمالة قلبها إلى الزانى، وذلك أفحش، وهو مع PageV10P217 # امرأة الجار أقبح وأعظم جرما؛ لأن الجار يتوقع من جاره الذب عنه وعن ~~حريمه ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمرنا بإكرامه والإحسان إليه، فإذا ~~قابل هذا كله بالزنى بامرأته وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن ~~غيره منه، كان في غاية من القبح، والحليلة بالحاء المهملة وهي الزوجة سميت ~~بذلك لكونها تحل له، وقيل: لكونها تحل معه. # والحديث فيه دلالة على أن الشرك أعظم المعاصي وهو ظاهر لا خفاء به، وأن ~~القتل بغير حق يليه، وقد نص على هذا الشافعي في كتاب الشهادات في "مختصر ~~المزني" (¬1) أن القتل بعد الشرك، وبنى عليه أصحابه. وسائر الكبائر يختلف ~~أمرها باختلاف الأحوال والمفاسد المرتبة عليها، وعلى هذا يحمل ما جاء في ~~شيء منها: "أكبر الكبائر" والمراد: من أكبر الكبائر. كما تقدم الكلام على ذلك. # 1225 - وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "من الكبائر شتم الرجل والديه". قيل: وهل يسب الرجل ~~والديه؟! قال: "نعم؛ يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه". متفق ~~عليه (¬2). # قوله: "شتم الرجل والديه". المراد به التسبب إلى شتم الوالدين، فهو من ~~باب المجاز المرسل استعمال المسبب في السبب، وقد بين ذلك النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV10P218 # بقوله: "نعم؛ يسب أبا الرجل" إلى آخره. # والحديث فيه دلالة على رعاية حق الوالدين وأنه يجب الترك لما قد يؤدي إلى ~~سبهما، فإن المسبوب أبوه قد يجازي بذلك وقد لا يفعله، قال ابن بطال (¬1): ~~هذا الحديث أصل في سد الذرائع، ويؤخذ منه أن ms2303 من آل فعله إلى محرم حرم عليه ~~الفعل وإن لم يقصد إلى المحرم. وقد دل عليه قوله تعالى: {ولا تسبوا الذين ~~يدعون من دون الله} (¬2) الآية. واستنبط منه الماوردي (¬3) تحريم بيع الثوب ~~الحرير إلى من يتحقق منه لبسه، والغلام الأمرد إلى من يتحقى منه فعل ~~الفاحشة، والعصير ممن يتخذه خمرا، ويدل على أنه يعمل بالغالب؛ لأن الذي يسب ~~أبا الرجل قد لا يجازيه بالسب لكن الغالب هو المجازاة. ويستفاد من الحديث ~~جواز مراجعة الطالب لشيخه فيما يقوله مما أشكل عليه. # 1226 - وعن أبي أيوب رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال؛ يلتقيان فيعرض هذا ويعرض ~~هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام". متفق عليه (¬4). # الحديث فيه دلالة على أنه يحرم على المسلم هجران المسلم، فإن نفي الحل ~~دال على التحريم. PageV10P219 # وقوله: "فوق ثلاثة أيام (أ) " مفهومه أن الهجرة في الثلاثة الأيام رخصة، ~~قال العلماء: وإنما عفي عنها في الثلاثة الأيام؛ لأن الآدمي مجبول على ~~الغضب وسوء الخلق ونحو ذلك، فعفي عن الهجرة في الثلاثة الأيام؛ ليذهب ذلك ~~العارض تخفيفا على الإنسان ورفعا للإصر، ولأنه في اليوم الأول يسكن غضبه، ~~وفي الثاني يراجع نفسه، وفي الثالث يعتذر، وما زاد على ذلك قطع لحقوق ~~الأخوة. وقيل: إن الحديث لا يقضي بإباحة الهجرة في الثلاثة الأيام، وهو ~~مبني على عدم القول بالمفهوم. # وقوله: "يلتقيان" إلى آخره. تحقيق لمعنى الهجرة المنهي عنها، وهو على ~~الغالب من حال المتهاجرين عند اللقاء. # وقوله: "وخيرهما الذي يبدأ بالسلام". فيه دلالة على أن الهجرة تزول برد ~~السلام. وقد ذهب إلى هذا الجمهور؛ ومنهم الشافعي ومالك، ويستدل له بما رواه ~~الطبراني (¬1) من طريق زيد بن وهب عن ابن مسعود في أثناء حديث موقوف، وفيه: ~~ورجوعه أن يأتي ويسلم عليه. وقال أحمد وابن القاسم المالكي: إن كان يؤذيه ~~ترك الكلام لم يكف رد السلام، بل لا بد من الرجوع إلى الحال الذي كان ~~بينهما، وأحسن من هذا أنه ينظر ms2304 إلى حال المهجور، فإن كان خطابه بما زاد على ~~السلام عند اللقاء مما تطيب به نفسه ويزول عنه غل الهجر كان من تمام الوصل، ~~وتركه هجر، وإن كان لا PageV10P220 # يحتاج إلى ذلك كفى السلام. وقال ابن عبد البر (¬1): أجمعوا على أنه يجوز ~~الهجر فوق ثلاث لمن كانت مكالمته تجلب نقصا على المخاطب له في دينه، أو ~~مضرة تحصل عليه في نفسه أو دنياه، فرب هجر جميل خير من مخاطبة مؤذية، ~~انتهى. وكذلك هجر من صدر عنه ما يلام عليه شرعا وكان في هجره صلاح له فإنه ~~يحسن، بل قد يجب، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بهجر الثلاثة ~~المخلفين؛ وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع (¬2)، كما أفهم ~~قوله تعالى: {ضاقت عليهم الأرض بما رحبت} (¬3). وبوب البخاري لقصتهم في ~~الصحيح، وقد جرى بين السلف من الهجران فوق الثلاث، كما وقع من أبي ذر (¬4) ~~وابن مسعود (¬5) وعمار (¬6) في حق بعض الصحابة، وهو مذكور في تراجمهم، ~~واستمروا على ذلك حتى ماتوا، وقطع عثمان رضي الله عنه رزق ابن مسعود من بيت ~~المال، وبعد موته عول الزبير على عثمان في إجرائه لأولاده وقد كان وصيا ~~عليهم (¬7). وفي صحيح البخاري (¬8) أن عائشة رضي الله عنها نذرت أن لا تكلم ~~عبد الله بن الزبير لما هم بالحجر عليها، لما رأى من إنفاقها حتى كانت لا ~~تدع شيئا مما جاءها من رزق الله، PageV10P221 # فقال: أما والله، لتنتهين عائشة عن بيع رباعها أو لأحجرن عليها. فرأت أن ~~ذلك نوع عقوق منه؛ لأنه لم يكن عندها أحد في منزلته (أ) وهي خالته أخت أمه، ~~فرأت مجازاته ترك مكالمته. وهجر ابن مسعود من ضحك في جنازة (¬1)، وحذيفة من ~~شد الخيط للحمى، وهجر عمر من سأل عن معنى: {والذاريات ذروا}. و {والمرسلات} ~~(¬2). وهجرت عائشة حفصة، وعبد الرحمن هجر عثمان إلى أن مات، وطاوس هجر وهبا ~~إلى أن مات، وكان الثوري يتعلم من ابن أبي ليلى ثم هجره ومات ابن أبي ليلى ~~ولم يشهد جنازته (¬3)، وقد روي ms2305 عن أحمد بن حنبل أنه هجر أولاده وعمه وابن ~~عمه لما أخذوا جائزة السلطان، حتى قال الذهبي في "الميزان" (¬4): لا يقبل ~~جرح الأقران بعضهم على بعض سيما السلف، وحدهم رأس ثلاثمائة من الهجرة. ~~ونقول: إن الأمر مستمر إلى وقتنا، بل في وقتنا من هذا العجب العجاب الذي ~~نسأل الله تعالى السلامة منه، وأن يشرح صدورنا بالتسليم والإغضاء عن ~~العيوب، ويطهر الصدر من الغل والحوب بمنه وإفضاله، ويحمل ما وقع من ~~المذكورين وغيرهم من الأفاضل بأن الهجر لمصلحة دينية، وقد يكون مصيبا من ~~وقع منه في نظره، وقد يكون مخطئا، والعصمة مرتفعة في حق الجميع، والعفو من ~~الله تعالى مرجو للمقصر والمطيع، وقد PageV10P222 # ذكر الخطابي (¬1) أن هجر الوالد لولده والزوج لزوجته ونحو ذلك لا يتضيق ~~بالثلاث، واستدل بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - هجر نساءه شهرا (¬2)، ~~وكذلك ما صدر من. كثير من السلف في استجازتهم ترك مكالمة بعضهم بعضا مع ~~علمهم بالنهي عن المهاجرة، انتهى. # ولا يخفى أن ها هنا مقامين أعلى وأدنى، فالأعلى اجتناب الإعراض جملة وهو ~~يكون ببذل السلام والكلام والموادة بكل طريق، والأدنى بالاقتصار على السلام ~~دون غيره، والوعيد الشديد إنما وقع لمن يترك الأدنى، وأما الأعلى فمن تركه ~~من الأجانب لا يلحقه اللوم، بخلاف الأقارب فإنه يدخل في قطيعة الرحم، وإلى ~~هذا أشار ابن الزبير في قوله في هجر عائشة له: فإنها لا يحل لها قطيعتي. أي ~~إن كانت هجرتنى عقوبة على ذنبي فليكن لذلك أمد، وإلا فتأبيد ذلك يفضي إلى ~~قطيعة الرحم. # 1227 - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "كل معروف صدقة". أخرجه البخاري (¬3). # قوله: "كل معروف صدقة". المعروف ضد المنكر، والإخبار عنه بأنه صدقة من ~~التشبيه البليغ بحذف أداة التشبيه، والمقصود المبالغة بأن له حكم الصدقة في ~~الثواب، وأنه لا يحتقر الفاعل شيئا من المعروف ولا يبخل به، وقد جعل النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - كل تسبيحة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، والأمر PageV10P223 # بالمعروف صدقة، والنهي عن المنكر صدقة، ms2306 وقال: "في بضع أحدكم صدقة" (¬1). ~~والإمساك عن الشر صدقة (¬2)، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، والصدقة هي ما ~~يعطه المتصدق للتقرب إلى الله تعالى، فتشمل الصدقة النافلة والواجبة. # 1228 - وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق". # 1229 - وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا طبخت مرقة ~~فأكثر ماءها وتعاهد جيرانك". أخرجهما مسلم (¬3). # قوله: "بوجه طلق". يجوز في "طلق" إسكان اللام وكسرها، ويقال: طليق. ~~بزيادة الياء، ومعناه بوجه سهل منبسط. # وفي الحديث دلالة على فعل المعروف وما تيسر منه وإن قل، حتى طلاقة الوجه ~~عند اللقاء. # وقوله: "إذا طبخت مرقة". الحديث فيه دلالة على التوصية بحق الجار ~~والإحسان إليه وبيان عظيم حقه. # 1230 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من نفس عن مسلم كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب PageV10P224 # يوم القيامة، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة، ومن ~~يستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد ~~في عون أخيه". أخرجه مسلم (¬1). # قوله: "من نفس عن مسلم". لفظ مسلم (¬2): "من فرج" عوض "نفس". فيه دلالة ~~على فضيلة إعانة المسلم، وتفريج الكربة يكون إما بإعطائه من ماله صدقة أو ~~قرضه، أو بجاهه، ويدخل فيه ما كان يحصل به التفريج ولو بالإشارة والرأي ~~والدلالة على المقصد الذي يقصد. # وقوله: "ومن يسر على معسر". لم يكن هذا في مسلم (¬3)، وقد أخرجه غيره من ~~أهل السنن (¬4)، والتيسير على المعسر هو إنظاره في دينه أو إبراؤه من الدين. # وقوله: "ومن يستر (أ) مسلما". فيه دلالة على أنه ينبغي من المسلم أن يستر ~~ما اطلع عليه من زلات المسلم، وقد ورد التجاوز عن ذوي الهيئات عثراتهم إلا ~~الحدود (¬5)، وكذلك من لم يعرف منه معاودة المعاصي والفساد، PageV10P225 # كما جاء في حق ماعز: "هلا سترت عليه بردائك يا ms2307 هزال" (¬1). وأما المعروف ~~بالفساد والتمادي عليه فلا يستحب الستر عليه، بل ترفع قصته إلى من له ~~الولاية إذا لم يخف من ذلك مفسدة؛ لأن الستر عليه يطمعه في الإيذاء والفساد ~~وانتهاك الحرم وجسارة غيره على مثل فعله، هذا كله في ستر معصية وقعت ~~وانقضت، أما معصية تراه وهو متلبس بفعلها فالواجب المبادرة بإنكارها والمنع ~~منها على من قدر على ذلك، ولا يحل تأخيرها، فإن عجز لزمه رفعها إلى ولي ~~الأمر إذا لم يترتب على ذلك مفسدة، وأما جرح الرواة والشهود والأمناء على ~~الأوقاف والصدقات والأيتام ونحوهم فيجب جرحهم عند الخاصة، ولا يحل الستر ~~عليهم إذا رئي منهم ما يقدح في أهليتهم، وليس هذا من الغيبة المحرمة بل من ~~النصيحة الواجبة، وهذا مجمع عليه؛ قال العلماء: والقسم الأول الذي يستر فيه ~~هو مندوب، فلو رفعه إلى السلطان ونحوه لم يأثم بالإجماع، لكن هذا خلاف ~~الأولى، وقد يكون في بعض صوره ما هو مكروه. # وقوله: "والله في عون العبد" إلى آخره. لفظ مسلم (¬2): "من كان في حاجة ~~أخيه كان الله في حاجته". والمراد منه أن الله سبحانه وتعالى يعين المذكور ~~في قضاء حوائجه ويلطف به فيها جزاء وفاقا بجنس ما فعله من إعانة أخيه. # 1231 - عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: PageV10P226 # "من دل على خير فله مثل أجر فاعله". أخرجه مسلم (¬1). # الحديث فيه دلالة على فضيلة الدلالة على الخير، وأن ثواب الدلالة كثواب ~~الفعل، ومثله قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من سن في الإسلام سنة حسنة ~~فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن ~~في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده، كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص ~~من أوزارهم شيء" (¬2). # 1232 - وعن ابن عمر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ~~"من استعاذكم بالله فأعيذوه، ومن سألكم بالله فأعطوه، ومن أتى إليكم معروفا ~~فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له". ms2308 أخرجه البيهقي (¬3). # الحديث (أ) أخرجه أبو داود والنسائي وابن حبان في "صحيحه" والحاكم (¬4) ~~وصححه، وفيه زيادة: "ومن استجار بالله فأجيروه، ومن أتى إليكم معروفا ~~فكافئوه، فإن لم تجدوا فادعوا له حتى تعلموا أنكم قد كافأتموه". وفي رواية ~~(¬5): "فإن عجزتم عن مجازاته فادعوا له حتى تعلموا أن PageV10P227 # قد شكرتم فإن الله يحب الشاكرين". والترمذي (¬1) وقال: حسن غريب: "من ~~أعطي عطاء فوجد فليجز به، فإن لم يجد فليثن؛ فإن من أثنى فقد شكر ومن كتم ~~فقد كفره، ومن تحلى بباطل فهو كلابس ثوبي زور". وفي رواية جيدة لأبي داود ~~(¬2): "من أبلي -أي أنعم عليه إذ الإبلاء الإنعام- فذكره فقد شكره، وإن ~~كتمه فقد كفره". # وقوله: "استعاذكم بالله". أي: طلب الخلاص من العمل الذي يطلب منه؛ لأن ~~الاستعاذة بمعنى الالتجاء، فإذا طلب الالتجاء إلى الله تعالى بخلاصه. ~~"فأعيذوه". أي: خلصوه من ذلك. # وقوله: "ومن سألكم بالله فأعطوه". فيه دلالة على أنه يجب الإعطاء لمن سأل ~~بالله تعالى، وقد جاءت الأحاديث بلعن السائل بوجه الله ولعن المسئول إذا لم ~~يعطه؛ أخرج الطبراني (¬3) بسند رجاله رجال الصحيح إلا شيخه وهو ثقة على ~~كلام فيه، عن أبي موسى الأشعري أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "ملعون من سأل بوجه الله، وملعون من سئل بوجه الله ثم منع سائله ما ~~لم يسأل هجرا". بضم الهاء وسكون الجيم، أي أمرا قبيحا لا يليق، ويحتمل أنه ~~أراد ما لم يسأل سؤالا قبيحا، أي بكلام قبيح. وغير ذلك من الأحاديث، إلا أن ~~العلماء حملوا هذا على الكراهة، إلا أنه يمكن حمل الحديث على منع المضطر، ~~ويكون ذكره هنا أن منعه مع سؤاله بالله تعالى PageV10P228 # أقبح وأفظع، ويحمل لعن السائل على ما إذا ألح المسألة حتى أضجر المسئول. ~~وقد أفهم كلام الحليمي في "المنهاج" (¬1) أن منع السائل قد ينتهي إلى أن ~~يكون كبيرة، حيث قال: منع الزكاة كبيرة، ورد السائل صغيرة، فإن أجمع على ~~منعه، أو ضم مع المنع الانتهار والإغلاظ، كان كبيرة. قال: وهكذا إن رأى ~~محتاج طعام ms2309 رجل موسع عليه وتاقت إليه نفسه وسأله منه فرده فذاك كبيرة. ~~انتهى كلامه. واعترض الأذرعي الطرف الأخير وقال: إن رد السائل صغيرة. وحمله ~~الجلال البلقيني على المضطر، وحمل الطرف الأول في منع سائل الزكاة بأن ~~الفقير منحصر في ذلك البلد. # وقوله: "ومن أتى إليكم معروفا" إلى آخره. يدل على وجوب المكافأة للمحسن، ~~وهو من باب شكر المنعم، فتجب المكافأة أو الشكر للمنعم بالاعتراف له بحق ~~النعمة ولو بالدعاء والذكر باللسان، والله سبحانه أعلم. PageV10P229 ### || AUTO باب الزهد والورع # 1233 - عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول -وأهوى النعمان بأصبعيه إلى أذنيه-: "إن الحلال بين، وإن ~~الحرام بين، وبينهما مشتبهات لا يعلمهن كثير من الناس؛ فمن اتقى الشبهات ~~استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول ~~الحمى يوشك أن يقع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا ~~وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله (أ)، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ~~ألا وهي القلب". متفق عليه (¬1). # أجمع العلماء على عظم موقع هذا الحديث وكثرة فوائده، وأنه أحد الأحاديث ~~التي عليها مدار الإسلام، قال جماعة: هو ثلث الإسلام. وإن الإسلام يدور ~~عليه وعلى حديث: "الأعمال بالنية" (¬2)، وحديث: "من حسن إسلام المرء تركه ~~ما (ب لا يعنيه ب) " (¬3)، وقال أبو داود السجستاني (¬4): PageV10P231 # يدور على أربعة أحاديث. هذه الثلاثة، وحديث: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب ~~لأخيه ما يحب لنفسه" (¬1). وقفيل: حديث: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد ~~فيما في أيدي الناس يحبك الناس" (¬2). # قال العلماء رحمهم الله تعالى: وسبب عظم موقعه أنه - صلى الله عليه وسلم ~~- نبه فيه على إصلاح المطعم والمشرب والملبس وغيرها؛ بأنه ينبغي أن يكون ~~حلالا، وأرشد إلى معرفة الحلال، وأنه ينبغي ترك المشتبهات؛ فإنه سبب لحماية ~~دينه وعرضه، وحذر من مواقعة الشبهات، وأوضح ذلك بضرب المثل بالحمى، ثم بين ~~أهم الأمور، وهو مراعاة القلب، فقال عليه الصلاة والسلام: "ألا وإن في ms2310 ~~الجسد مضغة" إلى آخره. فبين أن بصلاح القلب يصلح باقي الجسد، وبفساده يفسد باقيه. # وأما قوله - عليه السلام -: "الحلال بين والحرام بين". فمعناه أن الأشياء ~~ثلاثة أقسام؛ حلال بين واضح لا يخفى حله، كالخبز والفواكه والزيت والعسل ~~والسمن ولبن مأكول اللحم وبيضه وغير ذلك من المطعومات، وكذلك الكلام والنظر ~~والمشي وغير ذلك من التصرفات، فإن هذه الأشياء حلال في أنفسها، واضحة الحل، ~~والحرام البين كالخمر والخنزير والميتة والدم والبول، وكذلك الزنى والكذب ~~والغيبة والنميمة والنظر إلى الأجنبية لشهوة، وأشباه ذلك، وأما المشتبهات ~~فهي التي (أ) ليست بواضحة الحل ولا الحرمة، فلهذا لا PageV10P232 # يعرفها كثير من الناس ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء فيعرفون حكمها بنص ~~أو قياس أو استصحاب وغير ذلك، فإذا تردد الشيء بين الحل والحرمة ولم يكن ~~فيه نص ولا إجماع، اجتهد فيه المجتهد وألحقه بأحدهما بالدليل الشرعي، وقد ~~يكون دليله غير خال عن الاحتمال، فيكون الورع تركه، ويكون داخلا في قوله - ~~عليه السلام -: "فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه". وما لم يظهر ~~للمجتهد فيه شيء وهو مشتبه، فهل يؤخذ بحله أو بحرمته أو يتوقف فيه؟ ثلاثة ~~مذاهب، وهي مخرجة على الخلاف المعروف في حكم الأشياء قبل ورود الشرع؛ فعند ~~من لا يثبت أن العقل حاكم قبل ورود الشرع لا حكم فيها (أبحل ولا حرمة أ) ~~ولا إباحة ولا غيرها؛ لأن التكليف إنما هو بعد ورود الشرع، ومن قال بحكم ~~العقل ففيها التحريم والإباحة والتوقف (ب). وقال الخطابي (¬1): ما شككت فيه ~~فالورع اجتنابه، وهو على ثلاثة أحوال؛ واجب، ومستحب، ومكروه، فالواجب ~~اجتناب ما يستلزم المحرم، والمندوب اجتناب معاملة من غلب على ماله الحرام، ~~والمكروه اجتناب الرخصة المشروعة. انتهى. # وقد ينازع في المندوب، فإنه إذا غلب الحرام الأولى أن يكون واجب ~~الاجتناب، وهو الذي بنى عليه الهدوية في معاملة (ج) الظالم فيما لم يظن PageV10P233 # تحريمه؛ لأن الذي غلب عليه الحرام يظن فيه التحريم. # وقال البخاري (¬1): باب من لم ير الوساوس من الشبهات. كمن يمتنع من أكل ~~الصيد خشية أن ms2311 يكون انفلت من يد إنسان، وكمن يترك شراء ما يحتاج إليه من ~~مجهول لا يدري أماله حرام أم حلال، ولا علامة تدل على ذلك التحريم، وكمن ~~يترك تناول شيء لخبر ورد فيه متفق على ضعفه (أ) ويكون دليل إباحته قويا ~~وتأويله ممتنع أو مستبعد. وقسم الغزالي (¬2) الورع أقساما؛ ورع الصديقين؛ ~~وهو ترك ما لم يكن بينة واضحة على (ب حله. وورع ب) المتقين؛ وهو ما لا شبهة ~~فيه ولكن يخاف أن يجر إلى حرام. وورع الصالحين، وهو ترك ما يتطرق إليه ~~احتمال التحريم، بشرط أن يكون لذلك الاحتمال موقع، وإلا فهو ورع الموسوسين، ~~وقد مر مثاله. قال: ووراء ذلك ورع الشهود، وهو ترك ما يسقط الشهادة أعم من ~~أن يكون حراما أم لا. انتهى. وغير الحرام وهو ما يخل بالمروءة، بأن لا ~~يفعله أمثال الفاعل، كالأكل في السوق وغير ذلك. # وقوله: "مشتبهات". ويروى " مشبهات"، بضم الميم وتشديد الموحدة، و ~~"مشتبهات"، بضم الميم وتخفيف الموحدة. PageV10P234 # وقوله: "فقد استبرأ لدينه وعرضه". بالهمز بوزن "استفعل"، من البراءة، أي ~~حصل له البراءة لدينه من الذم الشرعي، وصان عرضه عن كلام الناس فيه. # وقوله: "إن لكل ملك حمى". معناه: أن الملوك من العرب وغيرهم يكون لكل ~~واحد حمى يحميه من الناس ويمنعهم عن دخوله، فمن دخله أوقع به العقوبة، ومن ~~احتاط لنفسه لا يقارب ذلك الحمى خوفا من الوقوع فيه، ولله تعالى أيضا حمى، ~~وهو محارمه، أي المعاصي التي حرمها؛ كالقتل، والزني، والسرقة، والقذف، ~~والخمر، والكذب، والغيبة، والنميمة، وأكل المال بالباطل، وأشباه ذلك، وكل ~~هذا حمى الله، من دخله بارتكاب شيء من المعاصي استحق العقوبة، ومن قاربه ~~يوشك أن يقع فيه، فمن احتاط لنفسه لم يقاربه، فلا يتعلق بشيء لقربه من ~~المعصية، ولا يدخل في شيء من الشبهات. # وقوله: "ألا وإن في الجسد مضغة". المضغة القطعة من اللحم، سميت بذلك ~~لأنها تمضع في الفم لصغرها. # وقوله: "إذا صلحت" و "إذا فسدت". بفتح اللام والسين وضمهما، والفتح أشهر ~~وأفصح، والمراد تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، ms2312 مع أن صلاح الجسد ~~وفساده تابعان للقلب، وفي هذا الدلالة على أنه يجب أن يسعى الإنسان في صلاح ~~قلبه وحمايته عن الفساد، ويحتج بهذا الحديث على أن العقل في القلب لا في ~~الرأس، وقد حكي الأول أيضا عن الفلاسفة، والثاني عن الأطباء. قال المازري ~~رحمه الله تعالى (¬1): احتج PageV10P235 # القائلون بأنه في القلب بقوله تعالى: {فتكون لهم قلوب يعقلون بها} (¬1). # وقوله تعالى: {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب} (¬2). وبهذا الحديث، فإنه ~~جعل صلاح الجسد وفساده تابعا للقلب، مع أن الدماغ من جملة الجسد فيكون ~~صلاحه وفساده تابعا للقلب، فعلم أنه ليس محلا للعقل، واحتج القائلون بأنه ~~في الدماغ بأنه إذا فسد الدماغ فسد العقل، ويكون من فساد الدماغ الصرع في ~~زعمهم، ولا حجة لهم في ذلك، لأنه يجوز أن الله سبحانه وتعالى أجرى العادة ~~بفساد العقل عند فساد الدماغ مع أن العقل ليس فيه، ولا امتناع من ذلك. قال ~~المازري (¬3): لا سيما على أصولهم في الاشتراك الذي يذكرونه بين الدماغ ~~والقلب، وهم يجعلون بين رأس المعدة والدماغ اشتراكا. # وفي إشارة النعمان بأصبعيه إلى أذنيه تصريح بسماعه من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم -، وهو الذي ذهب إليه أهل العراق والجماهير من العلماء، قال ~~القاضي عياض (3): وقال يحيى بن معين: إن أهل المدينة لا يصححون سماع ~~النعمان من النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهذه حكاية ضعيفة أو باطلة. # وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام". ~~يحتمل وجهين؛ أحدهما: أنه من كثر تعاطيه الشبهات يصادف الحرام وإن لم ~~يتعمده، وقد يأثم به، وذلك إذا نسب إلى تقصير. والثاني: أنه يعتاد PageV10P236 # التساهل ويتمرن عليه، وينتقل من شبهة إلى شبهة أغلظ من الأولى، وهكذا حتى ~~(أ) يقع في الحرام عمدا، وهذا نحو قول السلف: إن المعاصي بريد الكفر. أي ~~تسوق إليه، عافانا الله من الشرك. # وقوله: "يوشك أن يقع فيه". يقال: أوشك يوشك. بضم الياء وكسر الشين، أي ~~يسرع ويقرب. # 1234 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال ms2313 رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - "تعس عبد الدينار والدرهم والقطيفة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط لم ~~يرض". أخرجه البخاري (¬1). # قوله: "تعس". بكسر العين المهملة ويجوز الفتح، أي سقط، والمراد هنا أنه ~~هلك. وقال ابن الأنباري (¬2): التعسر الشر، قال الله تعالى: {فتعسا لهم} ~~(¬3). أراد: ألزمهم الشر. وقيل: التعس البعد، أي: بعدا لهم. وقال غيره: ~~قولهم: تعسا لفلان. نقيض قولهم: لعا له. دعاء عليه بالعثرة، ولعا دعاء له ~~بالانتعاش. # و"عبد الدينار". أي: طالب الدينار الحريص على جمعه القائم على حفظه، شبهه ~~بالعبد لأنه لانغماسه في محبة الدنيا وشهواتها كالأسير الذي لا يجد خلاصا، ~~كالعبد الذي لا يخلص من أحكام الرقية، وليس المذموم مجرد PageV10P237 # ملك الدينار المنتفع به في حاجاته ومقاصده، فإن ذلك مما يمدح ويحمد، بل ~~قد يجب التملك ليسد به الخلة، وينفق على من يجب عليه الإنفاق. # والقطيفة هي الثوب الذي له خمل، والخميصة هي الكساء المربع (أ). # وقوله: "إن أعطي رضي". يؤذن بشدة الحرص على ذلك، وذكر البخاري (¬1) ~~الحديث في كتاب الجهاد بلفظ: "تعس عبد الدينار، وعبد الدرهم، وعبد الخميصة، ~~تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش". قال الطيبي (¬2): فيه ترق في الدعاء ~~عليه؛ لأنه إذا تعس انكب على وجهه، وإذا انتكس انقلب على رأسه. وقيل: التعس ~~الجر على الوجه، والنكس الجر على الرأس. و "شيك" بكسر المعجمة بعدها ياء ~~تحتانية ساكنة ثم كاف؛ أي إذا دخلت فيه شوكة لم يجد من يخرجها بالمنقاش، ~~وهو معنى قوله: "فلا انتقش". أو أن الطيب لا يتمكن من إخراجها، وجاز الدعاء ~~عليه لأنه قصر عمله على جمع الدنيا والاشتغال بها عن أمر الدين الذي أمر به. # وقوله: "إن أعطي". بضم أوله بتغيير صيغته، وهو يحتمل أن يكون ذما للمؤلف ~~الذي لا يرضى إلا بما أعطي من الدنيا، أو لمن لم يرض بقسمة الله تعالى له ~~من الرزق إذا قتر عليه ولا يرضيه إلا الغنى. # 1235 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: أخذ رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بمنكبي فقال: "كن ms2314 في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل". وكان ابن PageV10P238 # عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ ~~من صحتك لسقمك، ومن حياتك لموتك. أخرجه البخاري (¬1). # قوله: بمنكبي (أ). المنكب بكسر الكاف مجمع العضد والكتف، وضبط في بعض ~~الأصول بصيغة التثنية، وجاء في رواية الترمذي (¬2) عن الليث: أخذ ببعض جسدي. # وقوله: "كأنك غريب". الغريب هو الذي ليس له مسكن يأويه ولا سكن يأنس به. # وقوله: "أو عابر سبيل". من باب عطف الترقي، و "أو" ليست للشك بل للتخيير ~~أو الإباحة، يعني: قدر نفسك ونزلها منزلة من أردت من المذكورين، ويحتمل أن ~~يكون بمعنى "بل" للإضراب قصدا للترقي، يعني أن الناسك السالك ينزل نفسه ~~منزلة الغريب، ثم يترقى إلى أن يكون عابر سبيل؛ لأن الغريب قد يسكن في بلد ~~الغربة، بخلاف عابر السبيل القاصد إلى بلد شاسع، وبينهما أودية مردية، ~~ومفاوز مهلكة، وقطاع طريق، فإن من شأنه ألا يقيم لحظة ولا يسكن لمحة. وقال ~~ابن بطال (¬3): لما كان الغريب قليل الانبساط إلى الناس بل هو مستوحش ~~[منهم] (ب)، لا يكاد يمر بمن PageV10P239 # يعرفه فيأنس به، فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل لا ينفذ في ~~سفره إلا بقوته عليه وتخفيفه من الأثقال، غير متشبث بما يمنعه من قطع سفره، ~~معه زاده وراحلته يبلغانه إلى بغيته من قصده، فشبه السالك بهما (أ). وفي ~~هذا إشارة إلى إيثار الزهد في الدنيا، وأخذ البلغة منها والكفاف، فكما لا ~~يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن في ~~الدنيا إلى أكثر مما يبلغه المحل. # وقوله: وكان ابن عمر. إلى آخره. زاد عبدة في روايته عن ابن عمر: اعبد ~~الله كأنك تراه، وكن في الدنيا. الحديث (¬1). وزاد ليث في روايته: وعد نفسك ~~في (ب) أهل القبور (¬2). وهذا الموقوف عن ابن عمر جاء معناه في حديث ابن ~~عباس مرفوعا أخرجه الحاكم (¬3) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لرجل ~~وهو يعظه: "اغتنم خمسا قبل خمس؛ شبابك قبل ms2315 هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل ~~فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك". قال بعض العلماء: كلام ابن عمر ~~منتزع من الحديث المرفوع، وهو متضمن لنهاية تقصير الأمل، وأن العاقل ينبغي ~~له إذا أمسى لا ينتظر الصباح، وإذا أصبح لا ينتظر المساء، بل يظن (ج) أن ~~أجله يدركه قبل ذلك. PageV10P240 # وقوله: وخذ من صحتك لمرضك. يعني أن العمر لا يخلو من صحة ومرض، فإذا كنت ~~صحيحا فسر سير القصد، وزد عليه بقدر قوتك ما دامت فيك قوة، بحيث يكون ما ~~فعلت من الزيادة قائما مقام ما لعله يفوت حالة المرض والضعف، أو أن المعنى ~~أن تعمل ما تلقى نفعه بعد الموت، وبادر أيام صحتك بالعمل الصالح، فإن المرض ~~قد يطرأ فيمنع من العمل، فيخشى على من فرط في ذلك أن يصل إلى المعاد بغير ~~زاد، ولا يعارض هذا الحديث الذي أخرجه البخاري (¬1): "إذا مرض العبد أو ~~سافر كتب الله له ما كان يعمل صحيحا مقيما". لأنه ورد في حق من قد ثبت منه ~~العمل. وهذا الحديث في تحذير من لم يكن قد عمل عملا معتادا مداوما عليه، ~~فإنه إذا مرض ندم على ترك العمل فلا ينفعه الندم. # وقوله: وخذ من صحتك لمرضك. أي من زمن صحتك لمرضك، وجاء في رواية ليث: ~~لسقمك (¬2). # وقوله: ومن حياتك لموتك. في رواية ليث (2): قبل موتك. وزاد: فإنك لا تدري ~~يا عبد الله ما اسمك غدا. يعني هل يقال لك شقي أو سعيد: أو المراد: هل حي ~~أو ميت. # وفي الحديث دلالة على أنه ينبغي للعالم تأنيس المتعلم والواعظ المتعظ بمس ~~شيء من جسده، وتوجيه الخطاب إلى واحد وإن كان يراد الجمع، PageV10P241 # وحرص النبي - صلى الله عليه وسلم - على إيصال الخير إلى أمته، والحض على ~~ترك الدنيا والاقتصار على ما لا بد منه. # 1236 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من تشبه بقوم فهو منهم". أخرجه أبو داود وصححه ابن حبان (¬1). # الحديث في سنده ضعف، لكن له ms2316 شواهد عند البزار عن حذيفة (¬2) وأبي هريرة ~~(¬3)، وعن أنس في "تاريخ أصبهان" (¬4) لأبي نعيم والقضاعي (¬5) عن طاوس ~~مرسلا، ومن شواهده قوله - صلى الله عليه وسلم -: "من رضي عمل قوم كان ~~منهم". عن ابن (أ) مسعود، رواه أبو يعلى (¬6) مرفوعا. # الحديث فيه دلالة على أنه يحرم التشبه بالكفار والفساق فيما يختصون به، ~~من كلام، أو مشي، أو هيئة، أو لباس، وإذا تشبه بالكافر في زي يختص به، ~~واعتقد أن يكون بذلك مثله كفر، وإن لم يعتقد ففيه خلاف بين الفقهاء، قال في ~~"شرح الإبانة": إنه لا يكفر عند السادة والفقهاء. وهو قول أبي هاشم، ~~والقاضي عبد الجبار، لكن يؤدب. وقال أبو علي: إنه يكفر. وذهب إلى ذلك أبو ~~طالب، وهو ظاهر الحديث. PageV10P242 # 1237 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: كنت خلف النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - يوما فقال: "يا غلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، وإذا ~~سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله". رواه الترمذي (¬1)، وقال: حسن صحيح. # تمام الحديث: "واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء، لم ينفعوك ~~إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا على أن يضروك بشيء، لم يضروك إلا ~~بشيء قد كتبه الله عليك، رفعت الأقلام، وجفت الصحف". وجاء من رواية رزين ~~(¬2): فقال لي: "يا غلام، احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك -أو قال: ~~أمامك- تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة، إذا سألت فاسأل الله، وإذا ~~استعنت فاستعن بالله، فإن العباد لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم يكتبه ~~الله لك، لم يقدروا على ذلك، ولو اجتمعوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك ~~لم يقدروا على ذلك، جفت الأقلام، وطويت الصحف، فإن استطعت أن تعمل لله ~~بالرضا في اليقين فافعل، وإن لم تستطع فإن في الصبر على ما تكره خيرا ~~كثيرا، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا، ~~ولن يغلب عسر يسرين". وقد جاء نحو هذا في "مسند أحمد بن حنبل" (¬3) رحمه ms2317 الله. # قوله: "احفظ الله". أي احفظ أمر الله تعالى بملازمة طاعته وتقواه؛ فلا ~~يراك حيث نهاك، واحفظ حدوده ومراسيم واجباته؛ فلا تضيع منها PageV10P243 # شيئا، فإذا قمت بذلك تسبب منه أن يحفظك الله تعالى في دنياك ودينك، كما ~~قال الله تعالى: {فلنحيينه حياة طيبة} (¬1). فقوله: "يحفظك". مجزوم جواب ~~شرط الأمر. # وقوله: "تجده تجاهك". التاء في "تجاه" مبدلة من الواو وأصله وجاه، وهو ~~كناية عن كونه سبحانه وتعالى يقبل على العباد بقبول طاعتهم، ويجازي بالقليل ~~من العمل الكثير الطيب، فالمراد هنا أنه سبحانه وتعالى يكون مع المطيع في ~~كل أحواله بالحفظ والكلاءة والتأييد والإعانة. # وفي الحديث دلالة على أنه ينبغي للمؤمن إمحاض التوكل على الله تعالى، ~~والاعتماد عليه في جميع أحواله فيما سأل ورغب في حصوله، وفيما (أ) استعاذ ~~من حصوله والتجأ إلى الله تعالى في دفع مكروهه. والتوكل هو إسناد الأمر إلى ~~الله تعالى والوثوق به، ويكون بما عند الله أوثق بما عنده، ولا ينافيه ~~القيام بالأسباب، فإن الله سبحانه وتعالى جعل الأرزاق في الأغلب مشروطة ~~بشروط، فإذا طلب الإنسان رزقه بسبب فإن كان قد كتب له سبحانه وتعالى إدراك ~~شيء بذلك السبب شكر على حصوله، وإن حرم صبر على الحرمان ورضي بما قسم الله ~~له، ويعتقد أن الذي وصل إليه من الرزق من النعم الواصلة من الله تعالى، وأن ~~الفائت له منه لمصلحة له، فطلب الرزق لا ينافي التوكل على الله، فقد جاء في ~~الحديث: "كسب الحلال فريضة". أخرجه الطبراني والبيهقي والقضاعي (¬2)، عن ~~ابن مسعود مرفوعا، وفيه عباد PageV10P244 # ابن كثير وهو ضعيف، وله شواهد. وأخرج الديلمي (¬1)، عن أنس: "طلب الحلال ~~واجب على كل مسلم". وعن ابن عباس مرفوعا: "طلب الحلال جهاد". رواه القضاعي ~~(¬2). ومثله في "الحلية" (¬3)، عن ابن عمر. وبعضها يقوي بعضا، وشواهدها ~~كثيرة، والكسب الممدوح الذي يكون لطلب الكفاية له ولمن يعول، أو الزائد على ~~ذلك إذا كان لقصد إغاثة ملهوف، أو إعانة طالب علم أو مفت أو قاض وغيرهم، ~~ممن كان اشتغالهم بمصالح المسلمين لا بغير (ب) ذلك، ms2318 فإنه يكون من الإقبال ~~على الدنيا التي حبها رأس كل خطيئة، وأما العالم المشتغل بالتدريس والحاكم ~~المستغرق أوقاته في إقامة الشريعة، ومن كان من أهل الولايات العامة ~~كالإمام، فترك التكسب أولى بهم؛ لما فيه من الاشتغال عن القيام بما هم فيه، ~~ويرزقون من الأموال المعدة للمصالح. قال بعض العارفين: وإليه الإشارة بقوله ~~تعالى: {فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين} (¬4). بعد قوله: {ولقد نعلم أنك ~~يضيق صدرك} (¬5). وهو كلام حسن، بل وقوله تعالى: {رجال لا تلهيهم تجارة PageV10P245 # ولا بيع عن ذكر الله (أ)} (¬1). والله سبحانه أعلم. # 1238 - وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - فقال: يا رسول الله، دلني على عمل إذا عملته أحبني الله وأحبني ~~الناس. فقال: "ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما عند الناس يحبك ~~الناس". رواه ابن ماجه، وسنده حسن، (ب وصححه الحاكم ب) (¬2). # الحديث في إسناده خالد بن عمرو القرشي (¬3)، عن الثوري، عن أبي حازم، عن ~~سهل بن سعد الساعدي. وخالد مجمع على تركه بل نسب إلى الوضع، فلا يصح قول ~~الحاكم: إنه صحيح الإسناد. لكن قد رواه غيره عن الثوري (¬4). وأخرجه أبو ~~نعيم في "الحلية" (¬5) من حديث منصور بن المعتمر، عن مجاهد، عن أنس رفعه ~~نحوه. ورجاله ثقات ولم يثبت سماع مجاهد عن أنس، وقد رواه الأثبات فلم ~~يجاوزوا به مجاهدا. وكذا يروى من حديث ربعي بن خراش، عن الربيع بن خثيم، ~~رفعه مرسلا (¬6)، وقد حسن الحديث النووي (¬7) رحمه الله تعالى. PageV10P246 # الحديث فيه دلالة على فضيلة الزهد، وأن الزهد سبب في محبة الله للعبد، ~~التي هي أشرف المقاصد وأفضل المطالب، وكذلك الزهد فيما عند الناس؛ فإنه لا ~~يرق المرء لغيره ويستحكم عليه نفاذ ما طلب منه إلا إذا كان له طمع فيما عند ~~الناس، ويحصل بذلك إهانته والتبرم من حاله وكراهة مقامه. # 1239 - وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "إن الله يحب العبد التقي الغني ms2319 الخفي ". أخرجه مسلم (¬1). # قوله: "إن الله يحب". قال العلماء: محبة الله لعبده هي إرادته الخير له، ~~وهدايته ورحمته، ونقيض ذلك البغض، وهو إرادة عقابه وشقاوته (¬2). # وقوله: "التقي". وهو الآتي بما يجب عليه من التكاليف، و "الغني". المراد ~~به غنى النفس، وهو الغنى المحبوب؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "ولكن ~~الغنى غنى النفس" (¬3). # وأشار القاضي عياض (¬4) إلى أن المراد به غنى المال، وهو محتمل. # وقوله: "الخفي". بالخاء المعجمة، هذا هو الموجود في النسخ والمعروف في ~~روايات مسلم، وذكر القاضي عياض أن بعض رواة مسلم رووه بالمهملة، ومعناه ~~بالمعجمة الخامل المنقطع إلى العبادة والاشتغال بأمور نفسه، ومعناه ~~بالمهملة الوصول للرحم اللطيف بهم وبغيرهم من الضعفاء. # وفي الحديث دلالة على تفضيل الاعتزال وترك الاختلاط بالناس، وفي ذلك ~~خلاف، وقد يحمل هذا على ترك الاختلاط في أيام الفتنة، كما قد PageV10P247 # جاء الأمر بذلك صريحا. والله أعلم. # 1240 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". رواه الترمذي وقال: حسن (¬1). # وأخرج الحديث مالك (¬2) عن الزهري عن علي بن الحسين أن النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "من حسن إسلام المرء". الحديث. لما سأل رجل مالكا عن رجل ~~يشرب في الصلاة ناسيا فقال: ولم لا يأكل؟! ثم ذكر الحديث. # وهذا الحديث من جوامع الكلم التي أعطيها رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، وهو يعم الأقوال، كما روي أن في صحف إبراهيم - عليه السلام -: "من عد ~~[كلامه] (أ) من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه" (¬3). ويعم الأفعال، فيندرج ~~في هذا ترك التوسع في الدنيا وطلب المناصب والرئاسة، وحب المحمدة والثناء ~~وغير ذلك مما لا يحتاج إليه المرء في إصلاح دينه وكفايته من دنياه، ولا ~~يقال: إنه يكون من الاشتغال بما لا يعني ما ذكر العلماء من المسائل الفرضية ~~التي يندر وقوعها أو يعدم، وقد بالغ العلماء في تدوين ذلك وتخريجه وتنقيحه ~~وتصحيحه؛ لأنه صدر منهم ذلك لما عرفوه من وقوع الجهل بالشرائع في ms2320 الأعصار ~~المتأخرة، وتهدم أركانها كما قال - صلى الله عليه وسلم -: "بدأ الإسلام ~~غريبا وسيعود غريبا كما بدأ" (¬4). و: "أول ما يرفع من هذه الأمة من العلم ~~علم الفرائض" (¬5). PageV10P248 # و: "إن الله لا ينتزع العلم انتزاعا" (¬1) الحديث. وغير ذلك، فهذبوا ~~المسائل، وأتعبوا القرائح، وخرجوا التخاريج، وقدروا التقادير تسهيلا ~~للطالبين، وإرشادا للراغبين في نيل فضيلة التعليم والإرشاد والتفهم، لا ~~لطلب التعمق والتكلف والتنطع ليقال: إنه العالم المحقق، والفاحص المدقق. ~~والأعمال بالنيات، والله سبحانه وتعالى المجازي لكل أحد بما سعى وما جهر به ~~وما أخفى. # وقوله: "ما لا يعنيه". أي يهمه، من: عناه يعنوه ويعنيه، أي أهمه. # 1241 - وعن المقدام بن معد يكرب رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ما ملأ ابن آدم وعاء شرا من بطن". أخرجه الترمذي وحسنه (¬2). # وأخرج الحديث ابن ماجه وابن حبان في "صحيحه" (¬3)، وتمامه: "بحسب ابن آدم ~~أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة -وفي لفظ ابن ماجه: "فإن غلبت ابن آدم ~~نفسه، فثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنفسه". # الحديث فيه دلالة على ذم الشبع والامتلاء من الطعام، وأن ذلك شر، وهو ~~مشهور معروف عند علماء الطب، أن الشبع أصل الأدواء، وأكثرها سببا في فساد ~~البدن، وترادف العلل، وقد أجاب الواقدي على من قال: إنه لم يكن في القرآن ~~ذكر علم (أ) الطب بقوله تعالى: {وكلوا واشربوا ولا PageV10P249 # تسرفوا} (¬1). بناء على أن توسعة الأكل والشرب من الإسراف المضر ~~بالأبدان. # وهذا الحديث منبه على القدر المحتاج إليه الذي يكون بلغة للإنسان إلي حفظ ~~البدن مدة بقائه في الدنيا، وقد جاء في الحديث كثير طيب في (أ) التحذير من ~~توسيع الأكل. أخرج البزار (¬2) بإسنادين أحدهما ثقات مرفوعا: "أكثر الناس ~~شبعا في الدنيا أكثرهم جوعا يوم القيامة". قاله لأبي جحيفة لما تجشأ قال: ~~فما ملأت بطني منذ ثلاثين سنة. وأخرج الطبراني (¬3) بسند حسن "أن أهل الشبع ~~في الدنيا هم أهل الجوع غدا في الآخرة". زاد البيهقي (¬4): "الدنيا سجن ~~المؤمن وجنة الكافر". والطبراني (¬5) بسند جيد أنه - صلى ms2321 الله عليه وسلم - ~~رأى رجلا عظيم البطن فقال بأصبعه: "لو كان هذا في غير هذا لكان خيرا لك". ~~والبيهقي واللفظ له والشيخان (¬6) باختصار: "ليؤتين يوم القيامة بالعظيم ~~الطويل الأكول الشروب فلا يزن عند الله جناح بعوضة، اقرءوا إن شئتم: PageV10P250 # {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} (¬1). وابن أبي الدنيا (¬2) أنه - صلى ~~الله عليه وسلم - أصابه جوع يوما، فعمد إلى حجر فوضعه على بطنه ثم قال: ~~"ألا رب نفس طاعمة ناعمة في الدنيا جائعة عارية يوم القيامة، ألا رب مكرم ~~لنفسه وهو لها مهين، ألا رب مهين لنفسه وهو لها مكرم". وصح حديث: "من ~~الإسراف أن تأكل كلما اشتهيت" (¬3). والبيهقي (¬4) بسند فيه ابن لهيعة (¬5) ~~عن عائشة رضي الله عنها: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقد أكلت في ~~اليوم مرتين فقال: "يا عائشة، أما تحبين أن يكون لك شغل إلا جوفك!! الأكل ~~في اليوم مرتين من الإسراف، والله لا يحب المسرفين". وصح: "كلوا واشربوا ~~وتصدقوا والبسوا في غير إسراف ولا مخيلة". أخرجه أحمد والنسائي (¬6). ~~والبزار (¬7) بإسناد صحيح إلا أنه مختلف فيه: "إن من شرار أمتي الذين غذوا ~~بالنعيم ونبتت عليه أجسامهم". وابن أبي الدنيا والطبراني في "الكبير" و ~~"الأوسط" (¬8): "سيكون رجال من أمتي يأكلون ألوان الطعام، ويشربون ألوان ~~الشراب، ويلبسون ألوان الثياب، ويتشدقون في الكلام، فأولئك شرار أمتي". # فهذه الأحاديث تزهد في اختيار الطعامات، والتوسع في الأكل، وأن PageV10P251 # ذلك يجلب الغفلة والتثاقل عن العبادة، والميل إلى الدنيا والرغبة في ~~لذاتها. قال الحليمي (¬1) في قوله تعالى: {أذهبتم طيباتكم في حياتكم ~~الدنيا} الآية (¬2): إن الوعيد وإن كان للكفار الذين يسارعون في الطيبات ~~المحرمة؛ ولذا قال تعالى: {فاليوم تجزون عذاب الهون}. فقد يخشى مثله على ~~المنهمكين في الطيبات المباحة؛ لأن من تعودها مالت نفسه إلى الدنيا، فلم ~~يأمن أن يرتكب الشهوات والملاذ، كلما أجاب نفسه إلى واحدة منها دعته إلى ~~غيرها، فيعسر عليه عصيان نفسه في هؤى قط، وينسد باب العبادة دونه فلا ينبغي ~~أن يعود النفس بما تميل به إلى الشره ثم يصعب ms2322 تداركها، ولترض من أول الأمر ~~على السداد، فإن ذلك أهون من أن تدرب على الفساد ثم يجتهد في إعادتها إلى ~~الصلاح، والله أعلم. انتهى. وقد فهم عمر (¬3) رضي الله عنه أن الآية عامة، ~~ولذلك اجتهد في جهاد نفسه. نسأل الله تعالى السلامة والتوفيق لما يرضاه منا. # وقد أخرج الشيخان (¬4) وغيرهما حديث: "المسلم يأكل في معى واحد، والكافر ~~يأكل في سبعة أمعاء". وأخرج مسلم (¬5) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أضاف ضيفا كافرا، فأمر - صلى الله عليه وسلم - له بشاة فحلبت فشرب حلابها، ~~ثم أخرى حتى شرب حلاب سبع شياه، فقال - صلى الله عليه وسلم -: "إن المؤمن ~~يشرب في معى واحد، وإن الكافر يشرب في سبعة أمعاء" الحديث. وقد تأوله ~~العلماء بتأويلات، ومن PageV10P252 # جملتها أن المؤمن يقتصد في أكله، فيكون مطابقا لهذه الأحاديث، وقيل غير ~~ذلك، والله أعلم، والسبعة الأمعاء التي في الإنسان هي المعدة وثلاثة رقاق ~~وثلاثة غلاظ. # 1242 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"كل بني آدم خطاء، وخير الخاطئين التوابون". أخرجه الترمذي وابن ماجه (¬1). ~~وسنده قوي. # الحديث فيه دلالة على أن بني آدم كل واحد لا يخلو عن خطيئة، وظاهره وفي ~~حق الأنبياء عليهم السلام. وقد ذهب إلى هذا الجمهور من العلماء، فإنه يجوز ~~وقوع الخطيئة من النبي وتكون صغيرة في حقه مغفورة، ولا يجوز عليهم الكبائر ~~ولا صغائر الخسة، وقد ورد في كتاب الله سبحانه وتعالى ما يدل على ذلك، وقد ~~جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يحيى بن زكريا ما هم بخطيئة (¬2). ~~وقد روي أن يحيى بن زكريا صلى الله على نبينا وعليهما رأى إبليس ومعه ~~معاليق من كل شيء، فسأله عنها فقال: هي الشهوات التي أصيب بها بني آدم. ~~فقال: هل لي فيها شيء؟ فقال: ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة والذكر. قال: هل ~~غير ذلك؟ قال: لا. قال: لله علي ألا أملأ بطني من طعام أبدا. قال إبليس: ~~ولله علي ألا (أ) أنصح مسلما أبدا (¬3). PageV10P253 # فيكون ms2323 مخصصا لهذا العموم. ويؤيد هذا الحديث حديث: "لو لم تذنبوا لأتى ~~الله بقوم" الحديث (¬1). وقوله تعالى: {كلا لما يقض ما أمره} (¬2). بعد ذكر ~~الإنسان، وظاهره الاستغراق، والله سبحانه أعلم. # 1243 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"الصمت حكم وقليل فاعله". أخرجه البيهقي في "الشعب" (¬3) بسند ضعيف، وصحح ~~أنه موقوف من قول لقمان الحكيم. # الحديث فيه دلالة على حسن الصمت، وهو محمول على ترك الفضول من الكلام، ~~كما قال الله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم} الآية (¬4). وقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ألا وإن كلام المرء كله عليه" الحديث (¬5). وقوله: "من ~~حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" (¬6). وغير ذلك كثير. # وقوله: "حكم". أي منع من التكلم بما لا يعني، مأخوذ من الحكمة التي تمنع ~~الفرس من الجموح. PageV10P254 ### || AUTO باب الترهيب من مساوئ الأخلاق # 1244 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إياكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". ~~أخرجه أبو داود (¬1)، ولابن ماجه (¬2) من حديث أنس نحوه. # حديث ابن ماجه فيه زيادة: "والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، ~~والصلاة نور المؤمن، والصيام جنة". أي ساتر ووقاية من النار. وفي الباب ~~أحاديث كثيرة؛ أخرج أحمد والضياء والترمذي (¬3): "دب إليكم داء الأم قبلكم؛ ~~الحسد والبغضاء، هي الحالقة، حالقة الدين لا حالقة الشعر، والذي نفس محمد ~~بيده، لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أفلا أنبئكم ~~بشيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم". وأخرج ابن صصرى (أ): "الغل ~~والحسد يأكلان الحسنات، كما تأكل النار الحطب" (¬4). وأخرج الطبراني (¬5): ~~"ليس مني (ب) ذو حسد ولا نميمة ولا PageV10P255 # كهانة، ولا أنا منه". وأخرج الطبراني (¬1): "لا يزال الناس بخير ما لم ~~يتحاسدوا". وأخرج الحاكم والديلمي (¬2) أن إبليس يقول: ابغوا من بني آدم ~~البغي والحسد، فإنهما يعدلان عند الله الشرك. وأخرج الشيخان (¬3) قوله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا، ولا ~~تقاطعوا، وكونوا عباد ms2324 الله إخوانا، ولا يحل لسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث"، ~~وروي عنه - صلى الله عليه وسلم -: "أخوف ما أخاف على أمتي أن يكثر فيهم ~~المال، فيتحاسدون ويقتتلون" (¬4). ثم قال: "استعينوا على قضاء الحوائج ~~بالكتمان، فإن كل ذي نعمة محسود (أ) " (¬5). وفي رواية: "إن لنعم الله ~~تعالى أعداء". قيل: ومن أولئك؟ قال: "الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله ~~من فضله" (¬6). وفي رواية: "ستة يدخلون النار قبل الحساب لستة". قيل: من هم ~~يا رسول الله؟ قال: "الأمراء بالجور، والعرب بالعصبية، والدهاقين بالتكبر ~~-والدهقان هو القوي على التصرف- والتجار بالخيانة، وأهل الرساتيق بالجهالة ~~-وهم أهل السواد والقرى- والعلماء بالحسد" (¬7). PageV10P256 # وفي هذا المعنى أحاديث كثيرة. # وقوله: "إياكم والحسد". الضمير منصوب على التحذير، والمحذر منه الحسد، ~~والحسد مصدر حسده، بالفتح، يحسده بالضم، حسودا وحسدا، وقال الأخفش (¬1): ~~يحسد، بالكسر، حسدا وحسادة. والحسد هو أن يتمنى الحاسد زوال نعمة المحسود ~~إليه، وفي "القاموس" (¬2): نعمة المحسود أو فضيلته. وفي "الكشاف (¬3) في ~~تفسير قوله تعالى: {أم يحسدون الناس} (¬4): يتمنوا أن يكون لهم نعمة غيرهم. ~~وزيادة "القاموس" الفضيلة إنما هو زيادة تصريح، وإلا فالنعمة تشمل الفضيلة. ~~وقال المصنف (¬5) رحمه الله: الحسد تمني الشخص زوال النعمة عن مستحق لها، ~~أعم من أن يسعى في ذلك أو لا؛ فإن سعى كان باغيا، لأن لم يسع في ذلك ولا ~~أظهره، ولا تسبب (أ) في ذلك نظر؛ فإن كان المانع له من ذلك العجز بحيث لو ~~تمكن لفعل فهو مأزور، وإن كان المانع له من ذلك التقوى فقد يعذر؛ لأنه لا ~~يستطع دفع الخواطر النفسانية، فيكفيه في مجاهدتها ألا يعمل بها، ولا يعزم ~~على العمل بها. انتهى. وذكر مثل هذا في "الإحياء" (¬6) قال: فإن كان PageV10P257 # بحيث لو ألقي الأمر إليه ورد إلى اختياره، لسعى في إزالة النعمة عنه، فهو ~~حسود حسدا مذموما، وإن كان يزعه التقوى عن إزالة ذلك، فيعفى عنه ما يجده في ~~طبعه، من ارتياحه إلى زوال النعمة عن محسوده، مهما كان كارها لذلك من نفسه ~~بعقله ودينه. وهذا التفصيل يشير إليه ما ms2325 أخرجه عبد الرزاق (¬1) عن معمر عن ~~إسماعيل بن أمية مرفوعا: "ثلاث لا يسلم منها أحد؛ الطيرة، والظن، والحسد". ~~قيل: فما الخرج منها يا رسول الله؟ قال: "إذا تطيرت فلا ترجع، وإذا ظننت ~~فلا تحقق، وإذا حسدت فلا تبغ". وأخرج ابن عدي (¬2): "إذا حسدتم فلا تبغوا، ~~وإذا ظننتم فلا تحققوا، وإذا تطيرتم فامضوا، وعلى الله فتوكلوا". وأبو ~~نعيم: "كل ابن آدم حسود؛ ولا يضر حاسدا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل ~~باليد". وفي رواية (¬3): "كل ابن آدم حسود؛ وبعض الناس (أ) في الحسد أفضل ~~من بعض، ولا يضر حاسدا حسده ما لم يتكلم باللسان أو يعمل باليد". وعليه ~~يحمل الحديث الذي رواه في كتاب "الفردوس" وهو قوله عز وجل: "لا تقبلوا ~~أقوال العلماء بعضهم على بعض؛ فإن حسدهم عدد نجوم السماء، وإن الله لا ينزع ~~الحسد من قلوبهم حتى يدخلهم الجنة". ومؤلف الكتاب هو أبو منصور شهردار بن ~~أبي شجاع الديلمي. قال ابن الصلاح: يقال إنه كثير الأوهام. وقد اختصر PageV10P258 # أحاديثه [عبد المجيد القرشي الميانشي] (أ) في كتاب سماه "الانتقاء ~~والانتخاب" فأفاد وأجاد، وصرح جلال الدين الأسيوطي في "الجامع الكبير" بضعف ~~(ب) أحاديثه، وأن عزوه إليه في "الجامع" غير منبه على التضعيف مغن عن ذلك ~~(¬1). فهذه الأحاديث تدل على ما ذكر، وذلك لأن الخاطر في القلب من دون عمل ~~لا يستطيع الإنسان دفعه، فينبغي الاحتياط التام في مدافعة مثل هذا الخاطر، ~~ويكره من نفسه إمرار الخاطر فيها، ويكون إن شاء الله تعالى كفارة له. # وقال المحقق أحمد بن حجر الهيتمي في كتابه "الزواجر": إن للحسد مراتب، ~~وهي (ج) إما محبة زوال نعمة الغير وإن لم تنتقل للحاسد، وهذا غاية الحسد، ~~أو مع انتقالها إليه، أو انتقال مثلها إليه، وإلا أحب زوالها لئلا يتميز ~~عليه، أولا مع محبة زوالها، وهذا الأخير هو المعفو عنه من الحسد إن كان في ~~الدنيا، والمطلوب إن كان في الدين. انتهى. وهذا القسم الأخير يسمى غيرة، ~~وإن (د) كان في الدين فهو المطلوب، ولذلك قال العلماء: ms2326 ينبغي للقدوة إذا ~~كان يأمن على نفسه من الرياء أن يظهر صالحات أعماله، عسى أن تتحرك نفوس ~~العجزة بالغيرة فيفعلوا كفعله. ويحمل عليه ما رواه PageV10P259 # الشيخان (¬1) بن حديث ابن عمر أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا حسد إلا على [اثنتين] (أ)؛ رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به ~~آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالا فهو ينفق منه آناء الليل ~~وآناء النهار". والمراد أنه يغار ممن اتصف [بهاتين] (ب) الصفتين، فيقتدي به ~~من أثر في قلبه محبة السلوك في هذا المسلك، ولعل تسميته حسدا مجازا، وليس ~~من هذا المعنى قوله - صلى الله عليه وسلم -: "الغيرة من الإيمان، والمذاء ~~(ج) من النفاق". أخرجه الديلمي والقضاعي والبزار والبيهقي في "السنن" (¬2) ~~عن أبي سعيد مرفوعا وفيه: فقال رجل من أهل الكوفة لزيد بن أسلم [راويه] ~~(د): ما المذاء؟ فقال: الذي لا يغار على أهله. فإن المراد بالغيرة هنا ~~الغيرة على محارمه بألا يراد بهم سوءا، ومقابله الديوث الذي لا غيرة له. # والحديث فيه دلالة على تحريم الحسد، وأنه من الكبائر، فإنه إذا أكل ~~الحسنات فقد أحبطها، ولا يحبط إلا الكبيرة، ونسبة الأكل إليه مجاز، وهو من ~~باب الاستعارة بالكناية؛ شبه الحسد بالحيوان الذي يأكل قوته حتى PageV10P260 # يفنيه، ولا يبقى من صفته الأولى شيء، في أن الحسد تذهب معه الحسنات حتى ~~لا يبقى لها نفع لفاعلها، ونسبة الأكل استعارة تخييلية؛ لأن الحيوان من ~~لوازمه الأكل. # وفي قوله: "كما تأكل النار الحطب". تحقيق لذهاب الحسنات بالحسد، كما يذهب ~~الحطب بالنار ويتلاشى جرمه، فعلى العاقل أن يداوي هذا الداء ويزيله عن ~~قلبه، بمعرفة أن الحسد يضر الحاسد دينا ودنيا، ولا يضر المحسود دينا ولا ~~دنيا، إذ لا تزول نعمة بحسد قط، وإلا لم يبق لله نعمة على أحد حتى الإيمان؛ ~~لأن الكفار يحبون زواله عن المؤمنين، بل المحسود ينتفع بحسنات الحاسد له، ~~لأنه مظلوم من جهته، سيما إذا ظهرت آثار الحسد بالانتقاص: الغيبة وهتك ~~الستر وغيرها من أنواع الإيذاء، فيلقى الله ms2327 يوم القيامة مفلسا من الحسنات ~~محروما من نعم الآخرة، كما حرم من نعمة سكون القلب وسلامة الصدر في الدنيا، ~~بل في الحقيقة اعتراضه على ربه الذي أولى المحسود نعمته، فقد سخط القضاء، ~~ولم يرض بما اختار الله سبحانه ورضيه له ولمن حسده، وأشبه إبليس في اعتراضه ~~في حق آدم وإبائه على (أ) الذي أراده الله سبحانه، فنسأل الله تعالى ~~السلامة والتسليم لقضائه والرضا بماضي أحكامه. # 1245 - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". متفق عليه ~~(¬1). PageV10P261 # قوله: "ليس الشديد". أي: شديد القوة، "بالصرعة" لضم الصاد المهملة وفتح ~~الراء المهملة، وبالعين المهملة علي بناء فعلة كالهمزة واللمزة للمبالغة، ~~أي كثير الصرع لغيره، وبسكون الراء لمن يصرعه غيره كثيرا، قال ابن التين ~~(¬1): ضبطاه بفتح الراء، ورواه بعضهم بسكونها، وليس بشيء، لأنه عكس ~~المطلوب. قال: وضبط في بعض الكتب بفتح الصاد. ويدل على المعنى الأول ما جاء ~~في حديث ابن مسعود عند مسلم (¬2): "ما تعدون الصرعة فيكم؟ ". قالوا: الذي ~~لا يصرعه الرجال. # وقوله: "إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب". المراد بالشديد هنا هو ~~شدة القوة المعنوية، وهو مجاهدة النفس وإمساكها عن الشر، ومنازعتها للجوارح ~~بالانتقام ممن أغضبها، فالنفس في حكم الأعداء الكثيرين، وغلبتها فيما ~~تشتهيه، في حكم من هو شديد القوة في غلبة الجماعة الكثيرين فيما يريدونه منه. # وفيه إشارة إلى أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو، لأنه - صلى الله ~~عليه وسلم - جعل الذي يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة. # والغضب عند الحكماء هو حركة النفس إلى خارج الجسد لإرادة الانتقام، وفسره ~~أهل اللغة بضد الرضا، والرضا فسروه بضد السخط. # والحديث فيه دلالة على أنه يجب على من أغضبه امرؤ وأرادت النفس المبادرة ~~إلى الانتقام ممن أغضبه أن يجاهد نفسه ويمنعها عما طلبت، قال PageV10P262 # بعض العلماء: خلق الله الغضب من النار، وجعله غريزة في الإنسان، فمهما ~~قصد أو نوزع في غرض ما اشتعلت نار الغضب وثارت ms2328 حتى يحمر الوجه والعينان من ~~الدم؛ لأن البشرة تحكي لون ما وراءها، وهذا إذا غضب على من دونه واستشعر ~~القدرة عليه، وإن كان ممن فوقه تولد منه انقباض الدم من ظاهر الجلد إلى جوف ~~القلب، فيصفر اللون حزنا، وإن كان على النظير (أ) تردد الدم بين انقباض ~~وانبساط فيحمر ويصفر. ويترتب على الغضب تغير الظاهر والباطن، كتغير اللون ~~والرعدة في الأطراف، وخروج الأفعال على غير ترتيب، واستحالة الخلقة، حتى لو ~~رأى الغضبان نفسه في حال غضبه لسكن غضبه (ب) حياء من قبح صورته واستحالة ~~خلقته، هذا في الظاهر، وأما الباطن فقبحه أشد من الظاهر، لأنه يولد الحقد ~~في القلب والحسد وإضمار السوء على اختلاف أنواعه، بل أول شيء يقبح منه ~~باطنه، وتغير ظاهره (ج) ثمرة تغير باطنه، فيظهر في اللسان الفحش والشتم، ~~ويظهر في الأفعال بالضرب والقتل وغير ذلك من المفاسد، وقد جاءت الأحاديث في ~~النهي عن الغضب، والمراد النهي عن آثار الغضب، لأن الغضب أمر جبلي لا يزول ~~عن النفس. # وفيما يعالج به نفسه من وجد فيها الغضب أخرج ابن عساكر (¬1): PageV10P263 # "الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار، والماء يطفئ النار، فإذا غضب ~~أحدكم فليغتسل". وفي رواية: "فليتوضأ". وابن أبي الدنيا وابن عساكر (¬1): ~~"اجتنب الغضب". وابن عدي (¬2): "إذا غضب أحدكم فقال: أعوذ بالله. سكن ~~غضبه". وأحمد (¬3): "إذا غضب أحدكم فليسكت". وأحمد وأبو داود وابن حبان ~~(¬4): "إذا غضب أحدكم فليجلس، فإذا ذهب عنه الغضب، وإلا فليضطجع". وأبو ~~الشيخ: "الغضب من الشيطان، فإذا وجده أحدكم قائما فليجلس، وإذا وجده جالسا ~~فليضطجع". والمراد بالغضب المنهي عنه هو الغضب في غير الحق؛ ولذلك بوب ~~البخاري (¬5): باب ما يجوز من الغضب والشدة لأمر الله تعالى، وقال الله ~~تعالى: {جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم} (¬6). كأنه يشير إلى أن ~~الحديث الوارد في أنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصبر على الأذى إنما هو ~~فيما كان من حق نفسه، وأما إذا كان لله تعالى فإنه يمتثل فيه أمر الله ~~تعالى من الشدة، وذكر فيه خمسة أحاديث، وفي ms2329 كل منها ذكر غضب النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في أسباب مختلفة مرجعها إلى أن ذلك كان في أمر الله ~~تعالى، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد، وكفى بما ذكر الله تعالى في قصة موسى ~~صلى الله (أ) على نبينا وعليه: {ولما PageV10P264 # سكت عن موسى الغضب} (¬1) الآية. # 1246 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "الظلم ظلمات يوم القيامة". متفق عليه (¬2). # الحديث فيه دلالة على تحريم الظلم، وهو يشمل جميع أنواعه، سواء كان في ~~نفس أو مال أو عرض. # وقوله: "ظلمات يوم القيامة". قال القاضي عياض (¬3): قيل: هو على ظاهره ~~فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلا حيث يسعى نور المؤمنين ~~بين أيديهم وبأيمانهم، ويحتمل أن الظلمات مراد بها الشدائد، وبه فسروا قوله ~~تعالى: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} (¬4). أي من شدائدهما، ويحتمل ~~أنها كناية عن [الأنكال] (أ) والعقوبات، والله أعلم. # 1247 - وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، واتقوا الشح فإنه أهلك من ~~كان قبلكم". أخرجه مسلم (¬5). PageV10P265 # قوله: "واتقوا الشح". قال جماعة: الشح أشد البخل، وأبلغ في المنع من ~~البخل. وقيل: هو البخل مع الحرص. وقيل: البخل في بعض الأمور، والشح عام. ~~وقيل: البخل بالمال خاصة، والشح بالمال والمعروف. وقيل: الشح الحرص على ما ~~ليس عنده، والبخل بما عنده. # وقوله: "فإنه أهلك من كان قبلكم". يحتمل أن يريد الهلاك الدنيوي المفسر ~~بما بعده في تمام الحديث، وهو قوله: "حملهم على أن يسفكوا دماءهم ويستحلوا ~~محارمهم". وهذا هلاك دنيوي، والحامل لهم هو شحهم على حفظ المال وجمعه ~~وازدياده وصونه عن أن يذهب في النفقة، فطلبوا أن يصان بما ينضم إليه من مال ~~الغير الذي لا يدرك إلا بالإغارة المفضية إلى القتل واستحلال المحارم، ~~ويحتمل أن يراد الهلاك الأخروي الحاصل بما اقترفوه من هذه المظالم، ويحتمل ~~أن يراد مجموع هلاكي (أ) الدنيا والآخرة. # والحديث فيه دلالة على قبح ms2330 الشح وتحريمه، ويكون المحرم منه ما أدى إلى ~~منع واجب شرعي أو عرفي، وما زاد على ذلك فهو معدود من السخاء، وهو صفة كمال ~~ممدوح ما لم يفض إلى إسراف، كما قال الله تعالى في حق نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم -: {ولا تبسطها كل البسط} (¬1). وكما قيل (¬2): # * كلا طرفي قصد الأمور ذميم * # وخير الأمور أوسطها، وحاصل الأمر أن المال إذا كان موجودا فينبغي أن يكون ~~حال صاحبه الإيثار والسخاء واصطناع المعروف بالتي هي أحسن، PageV10P266 # ويكون الإنسان مع ذلك المال بما عند الله أوثق منه بما عنده، وإن كان ~~مفقودا يكون حال الإنسان القناعة والتكفف وقلة الطمع فهو أحمد في العقبى، ~~أراح للقلب في الدنيا. # 1248 - وعن محمود بن لبيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر الرياء". أخرجه أحمد ~~بإسناد حسن (¬1). # هو محمود بن لبيد بن رافع بن امرئ القيس بن زيد الأنصاري الأشهلي من بني ~~عبد الأشهل، ولد على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - وحدث عنه أحاديث، ~~قال البخاري (¬2): له صحبة. وقال أبو حاتم (2): لا نعرف له صحبة. وذكره ~~مسلم (¬3) في التابعين في الطبقة الثانية منهم، قال ابن عبد البر (¬4): ~~والصواب قول البخاري. فأثبت له صحبة. وهو أحد العلماء، روى عن ابن عباس ~~وعتبان بن مالك، مات سنة ست وتسعين، وعتبان بكسر العين وسكون التاء فوقها ~~نقطتان وبالباء الموحدة. # الحديث فيه دلالة على قبح الرياء، وأنه من أعظم المعاصي المحبطة للأعمال، ~~فإنه إذا كان أخوف الخوفات كان أعظمها وأخطرها، وتسميته شركا أصغر يدل على ~~أنه في رتبة تلي الشرك الأكبر الذي هو الظلم العظيم، والوبال المهلك ~~الوخيم. PageV10P267 # والرياء مصدر راءى فاعل، وهو يأتي على مفاعلة وفعال بكسر الفاء وفتح ~~العين وهو مهموز العين؛ لأنه من الرؤية، ويجوز فيه تخفيف الهمزة بقلبها ~~ياء، وقرأ السبعة بتحقيق (أ) الهمزة إلا حمزة في حال الوقف فخففها بقلبها ~~ياء ك: مئة (¬1). ولام الرياء في الأصل ياء وقعت بعد ألف زائدة فقلبت ms2331 همزة ~~ككساء، وحقيقة الرياء لغة هو أن يري غيره خلاف ما هو عليه، وشرعا هو أن ~~يفعل الطاعة أو يترك المعصية مع ملاحظة غير الله، أو يخبر بها أو يحب ~~الاطلاع عليها لقصد دنيوي إما مال أو عرض، وهو محرم إجماعا، وقد ذكره (ب) ~~الله سبحانه وتعالى ونبه على قبحه وتوعد مرتكبه بعقابه، كقوله تعالى: {فويل ~~للمصلين} (¬2) الآية، وقوله: {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا} (¬3). وغير ذلك، ~~والأحاديث الكثيرة المتعاضدة المهولة لعقاب (ج) المرائي، والإجماع من الأمة ~~على قبحه، والرياء ينقسم (د) إلى أقسام بعضها أشد من بعض، فأقبح أقسامه ما ~~كان في الإيمان، فإذا أرى أنه مؤمن وليس بمؤمن فهو حال المنافقين الذين قال ~~الله تعالى فيهم: {يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا} (¬4). ويقرب ~~منهم الباطنية الذين يظهرون أنهم موافقون في الاعتقاد وهم يبطنون خلافه، ~~ويقرب من ذلك من يفعل PageV10P268 # الفريضة إذا كان في الملأ، ويتركها في الخلاء خوف الذم، ويقرب من ذلك ~~الذي يفعل النوافل في الملأ لئلا ينتقص بعدم فعلها، ويتركها في الخلوة كسلا ~~وعدم احتفال بما يقربه من الثواب، ويقرب من ذلك من يحسن فعل العبادة ~~بالخضوع والخشوع واستكمال هيئاتها ومسنوناتها في الملأ، ويقتصر في الخلوة ~~على فعل الواجب من ذلك؛ لئلا يذم على ذلك، وقد يزين الشيطان لفاعل هذا بأنه ~~إنما فعله لئلا يقع الغير في عرضه، وفاته النظر الشديد بأنه كان الباعث له ~~على الفعل هو النظر إلى الخلق رجاء الثناء عليه، ولا بد من تفصيل فيما ~~يصحبه الرياء من الأعمال في صحته وعدم صحته، وحاصل ذلك أنه إذا كان الباعث ~~على أداء العبادة هو ملاحظة غير المعبود لغرض دنيوي فالعبادة غير صحيحة، ~~ويجب على المرائي إعادتها، فإذا كان الباعث مثلا على فعل الصلاة أو غيرها ~~هو محبة الثناء أو غيره فالصلاة باطلة؛ لأنه لم ينو العبادة للمعبود، وهذا ~~هو الشرك الأصغر، وإنما لم يكن شركا أكبر؛ لأنه لم يقصد بالعبادة تعظيم ~~المراءى، وإنما قصد أن يثني عليه مثلا، وأما السجود لغير الله فقد ms2332 قصد به ~~تعظيم المسجود له، وهذا هو السر في تسميته الشرك الأصغر، وكان شبيها بالشرك ~~الأكبر؛ لأن المرائي لما عظم قدر المخلوق عنده حتى حمله على الركوع والسجود ~~لله، فكان ذلك المخلوق هو المعظم بالسجود من وجه، وهذا هو الشرك الخفي لا ~~الجلي، وإن كان الباعث على الطاعة هو الامتثال لأمر الله وقصد محبة الثناء ~~مثلا واجتمع الباعثان عند نية العبادة ولم يستقل أحدهما بالانبعاث على ~~الفعل، فكذلك لا تصح العبادة، وقد أخرج الخطيب" (¬1) أن الله عز وجل يقول: ~~أنا خير شريك، فمن أشرك PageV10P269 # معي شيئا فهو لشريكي، يأيها الناس، أخلصوا أعمالكم لله، فإن الله لا يقبل ~~من الأعمال إلا ما خلص له، ولا تقولوا: هذا لله وللرحم. فإنه للرحم وليس ~~لله منه شيء. وإن كان كل واحد منهما مستقلا بحيث لو عدم باعث الرياء لفعل ~~الفعل، فهذا محل النظر، ولعله يكون مثل الصلاة في الدار المغصوبة، وفيها ~~الخلاف، وأما إذا كان الباعث خالصا وورد عليه وارد الرياء، فإن كان بعد ~~الفراغ من العمل لم يؤثر فيه، إلا إذا أظهر العمل للغير وتحدث به. وقد أخرج ~~الديلمي (¬1) مرفوعا: "إن الرجل ليعمل عملا سرا فيكتبه الله عنده سرا، فلا ~~يزال به الشيطان حتى يتكلم به فيمحى من السر ويكتب علانية، فإن عاد [فتكلم] ~~(أ) الثانية محي من السر والعلانية وكتب رياء". وقال الغزالي (¬2) في هذا ~~القسم: الأقيس أن ثوابه على عمله باق، ويعاقب على الرياء الذي قصده، وأما ~~إذا عرض عليه قصد الرياء في أثناء العبادة التي باعثها خالص، فإن تمحض قصد ~~الرياء أفسدها وأحبط ثوابها، وإن لم يتمحض ولكن غلب قصد القربة فهذا يتردد ~~في إفسادها، ومال (ج). الحارث المحاسبي (¬3) إلى أن العبادة تفسد. قال ~~الغزالي (¬4): والأظهر أن هذا القدر إذا لم يظهر أثره في العمل بحصول زيادة ~~فيه أنه لا يفسد العمل، لبقاء PageV10P270 # أصل النية الباعثة عليه والحاملة على إتمامه، وأما إذا كان باعث الرياء ~~مقارنا لباعث العبادة ثم ندم في أثناء العبادة، فأوجب البعض الاستئناف لعدم ~~انعقادها، وقال ms2333 بعض: يلغو جميع ما فعله إلا التحريم. وقال بعض: يصح؛ لأن ~~النظر إلى الخواتم، كما لو ابتدأ بالإخلاص وصحبه الرياء من بعد (أ). قال ~~(¬1): والقولان الأخيران خارجان عن قياس الفقه. وقد أخرج الواحدي في "أسباب ~~النزول" (¬2) جواب جندب بن زهير لما قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني ~~أعمل العمل لله، وإذا اطلع عليه سرني. فقال - صلى الله عليه وسلم -: "لا ~~شريك لله في عبادته". وفي رواية: "إن الله لا يقبل ما شورك فيه". رواه ابن ~~عباس. وروى عن مجاهد أيضا (2): جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~فقال: إني أتصدق، وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله، فيذكر ذلك مني، فيسرني ~~ذلك، وأعجب به. فلم يقل النبي - صلى الله عليه وسلم - شيئا حتى نزلت الآية. ~~فالحديث يدل على أن السرور بالاطلاع على العمل رياء، وظاهره ولو كان بعد ~~العمل، وقد عارضه ما أخرجه الترمذي (¬3) عن أبي هريرة، وقال: حديث غريب. ~~قال: قلت يا رسول الله، بينا أنا في بيتي في مصلاي، إذ دخل علي رجل، ~~فأعجبني الحال التي رآني عليها. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لك أجران". وفي "الكشاف (¬4) من حديث جندب قال له: "لك أجران؛ أجر السر PageV10P271 # وأجر العلانية". وقد ترجح هذا بظاهر قوله تعالى: {ومن الأعراب من يؤمن ~~بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند الله وصلوات الرسول} (¬1). فدل ~~على أن محبة الثناء من الرسول لا ينافي الإخلاص، ولا يعد من الرياء، وقد ~~يتأول الحديث الأول بأن المراد بقوله إذا اطلع عليه سرني. لمحبته للثناء ~~عليه، (أويكون الرياء في محبته للثناء أ) على العمل، وإن لم يخرج العمل عن ~~كونه خالصا، وحديث أبي هريرة لم يكن فيه تعرض لمحبته الثناء من المطلع ~~عليه، وإنما هو مجرد محبة (ب) لما صدر منه من العمل وعلم به غيره. أو يراد ~~بقوله: فيعجبني. يعني تعجبه شهادة الناس له بالعمل الصالح؛ لقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "أنتم شهداء الله في الأرض". وقال في حق من شهدوا له ms2334 ~~بالجنة: "وجبت" (¬2). # وقال الغزالي (¬3): أما مجرد السرور باطلاع الناس، إذا لم يبلغ أثره بحيث ~~يؤثر في العمل، فبعيد أن يفسد العبادة. وقد يطلق الرياء على أمر مباح، وهو ~~طلب نحو الجاه بغير عبادة، كأن يقصد بزينته في لباسه الثناء عليه بالنظافة ~~والجمال ونحو ذلك، وكالإنفاق على الأغنياء ليقال: إنه سخي. فهذا ليس داخلا ~~في حقيقة الرياء المحرم، وقد كان - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد PageV10P272 # الخروج سوى عمامته وشعره ونظر وجهه في الماء، فقالت عائشة: أو تفعل ذلك ~~يا رسول الله؟! فقال: "نعم، إن الله يحب من العبد أن يتزين لإخوانه إذا خرج ~~إليهم" (¬1). # 1249 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "آية المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان". ~~متفق عليه (¬2). ولهما (¬3) من حديث عبد الله بن عمرو: "وإذا خاصم فجر". # قوله: "آية المنافق". أي: علامته، والمنافق الذي يظهر الإيمان ويبطن ~~الكفر، وظاهر الحديث أنه يحكم بنفاق من اجتمع فيه الثلاث أو الأربع، وإن ~~كان مؤمنا مصدقا بشرائع الإسلام، وقد أجمع العلماء على أن من كان مصدقا ~~بقلبه مقرا بلسانه وفعل هذه الخصال، لا يحكم عليه بكفر ولا نفاق يخلد به في ~~النار؛ ولذلك عد جماعة من العلماء هذا الحديث مشكلا من حيث إن هذه الخصال ~~توجد في المسلم المصدق. # قال النووي (¬4): اختلف العلماء في معناه؛ فقال المحققون والأكثرون وهو ~~الصحيح المختار: إن هذه الخصال هي من خصال المنافقين، فإذا اتصف بها أحد من ~~المصدقين أشبه المنافق، فيطلق عليه اسم النفاق مجازا، فإن النفاق هو إظهار ~~ما يبطن خلافه، وهذا المعنى موجود في صاحب هذه PageV10P273 # الخصال؛ ويكون نفاقه في حق من حدثه ووعده وأتمنه وخاصمه وعاهده من الناس، ~~لا أنه منافق في الإسلام وهو يبطن الكفر، ومعنى تمام الحديث: "من كن فيه ~~كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خلة منهن كان فيه خلة من نفاق حتى يدعها". ~~أنه شديد الشبه بالمنافقين بسبب هذه الخصال. ثم قال (¬1): وهذا فيمن ms2335 كانت ~~الخصال غالبة من حاله لا من ندرت منه. وقيل: إن هذا في حق المنافقين الذين ~~كانوا في أيام النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ تحدثوا بإيمانهم فكذبوا، ~~وأتمنوا على دينهم فخانوا، ووعدوا في أمر الدين ونصره فأخلفوا، وفجروا في ~~خصوماتهم، وهذا قول سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح ورجع إليه الحسن البصري ~~بعد أن كان على خلافه، وهو مروي عن ابن عباس وابن عمر و [روياه] (أ) عن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال القاضي عياض (1): وإليه مال كثير من ~~أئمتنا، وحكى الخطابي قولا آخر أن معناه التحذير للمسلم أن يعتاد هذه ~~الخصال التي يخاف عليه منها أن تفضي به إلى حقيقة النفاق. وقال الخطابي ~~(¬2) أيضا عن بعضهم أن الحديث ورد في رجل معين منافق، وكان النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - لا يواجههم بصريح القول فيقول: فلان منافق. وإنما يشير ~~إشارة. انتهى مع بعض تصرف فيه. # والأقرب إلى سياق الحديث هو ما ذكره الخطابي، أن معناه التحذير. . . PageV10P274 # إلى آخره، وأن اجتماع هذه الخصال يفضي بصاحبها إلى نفاق الكفر، كما قال ~~الله تعالى: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما ~~وعدوه} (¬1). مع أن في قصته أنه أتى بزكاته في خلافة أبي بكر، وفي خلافة ~~عمر، وفي خلافة عثمان، ولم تقبل، مع أن ظاهر حاله أنه مصدق بوجوب الزكاة ~~وغيرها، ولكن النفاق داخل القلب بسبب المنع وإخلاف ما وعد الله به (¬2)، ~~ويكون المراد بالحديث التحذير من التخلق بهذه الأخلاق التي تورث صاحبها ~~النفاق الحقيقي الكامل، والخصلة الواحدة تكون في صاحبها شعبة من النفاق ~~يعاقب عليها وإن لم يكن عقاب منافق خالص. والله سبحانه أعلم. # وفي قوله: "ثلاث". أو: "أربع". لا تنافي بين ذلك، لأنه لا مانع أن يكون ~~للشيء علامات، كل واحدة قد تحصل بها صفة ذلك الشيء. # وقوله: "وإذا خاصم فجر". داخل في قوله: "وإذا حدث كذب". أي: مال عن الحق ~~وقال الباطل والكذب. قال أهل اللغة: وأصل الفجور الميل عن القصد. # 1250 - وعن ابن مسعود ms2336 رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: PageV10P275 # "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر". متفق عليه (¬1). # قوله: "سباب". بكسر السين المهملة مصدر سب، تقول: سبه سبا وسبابا. والسب ~~في اللغة الشتم والتكلم في عرض الناس [بما] (أ) لا يعني الساب. # والفسوق مصدر فسق، يقال: فسقا وفسوقا. والفسق معناه لغة الخروج، وشرعا ~~الخروج عن طاعة الله تعالى. # والحديث يدل على تحريم سب المسلم بغير حق، وهو حرام بالإجماع، وفاعله فاسق. # وقوله: "المسلم". ظاهره أنه يجوز سب الكافر، وأما مرتكب الكبيرة فهو داخل ~~في معنى المسلم، وإن كان في عصر النبوة ظاهر حالهم السلامة من ارتكاب ~~الكبيرة، فهو مراد به الإسلام الكامل، وذكر المسلم للتنويه بزيادة احترام ~~المسلم، وإن كان الذمي كذلك لا يجوز سبه؛ لتحريم أذيته، وأما الحربي فيجوز؛ ~~لأنه لا حرمة له ما لم يكن سبه بما هو كذب. # وقد اختلف العلماء في جواز سب الفاسق بما هو مرتكب له من المعاصي، فذهب ~~الأكثر إلى جوازه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اذكروا الفاسق بما فيه PageV10P276 # كي يحذره الناس" (¬1). وهو حديث ضعيف. وقال أحمد (¬2): منكر. وقال ~~البيهقي (¬3): ليس بشيء، فإن صح حمل على فاجر يعلن بفجوره، أو يأتي بشهادة، ~~أو يعتمد عليه [في أمانة] (أ)، فيحتاج إلى بيان حاله؛ لئلا يقع الاعتماد ~~عليه. انتهى كلام البيهقي. ونقل عن شيخه الحاكم أنه غير صحيح وأورده بلفظ: ~~"ليس للفاسق غيبة" (¬4). وأخرج (ب) الطبراني (¬5) في "الأوسط " و "الصغير" ~~بإسناد حسن رجاله موثقون، وفي "الكبير" (¬6) أيضا عن معاوية بن حيدة، قال: ~~خطبهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "حتى متى ترعون عن ذكر ~~الفاجر، اهتكوه حتى يحذره الناس". وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "من ألقى ~~جلباب الحياء فلا غيبة له". أخرجه البيهقي (¬7) من حديث أنس بإسناد ضعيف. ~~وأخرج رزين قوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا غيبة لفاسق ولا مجاهر، وكل ~~أمتي معافى إلا المجاهرين" (¬8). وفي "مسلم" (¬9) أيضا: "كل أمتي معافى إلا PageV10P277 # المجاهرين". وهم الذين جاهروا بمعاصيهم، فكشفوا ما ستر الله عليهم، ~~فيتحدثون ms2337 بها لغير ضرورة ولا حاجة، قال العلماء: يجوز أن يقال للفاسق: أنت ~~فاسق أو مفسد. وكذا في غيبته بشرط قصد النصيحة له أو لغيره؛ كبيان حاله أو ~~للزجر عن صنيعه لا لقصد الوقيعة به، فلا بد من قصد صحيح، ولكن قد ورد في ~~خصام أسيد لسعد: إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين (¬1). ولم ينكر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم -، وقول عمر بن الخطاب في قصة حاطب بن أبي بلتعة: دعني ~~أضرب عنق هذا المنافق. كما في "صحيح البخاري" (¬2)، ولم يشكر. وقول النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - لأبي ذر: "إنك امرؤ فيك جاهلية وكفر" (¬3). وقد بوب ~~الحفاظ لا يجوز الاغتياب فيه لأهل الإفساد، وأورد فيه البخاري (¬4) في حديث ~~عائشة رضي الله عنها، أن رجلا استأذن على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-، فلما رآه قال: "بئس أخو العشيرة، أو ابن العشيرة". فلما جلس تطلق النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في وجهه وانبسط له. قيل: والرجل عيينة بن حصن ~~الفزاري، وكان يقال له: الأحمق المطاع. وقد اختلف في حسن إسلامه، وقد كان ~~ارتد في زمن أبي بكر ثم أسلم وحضر بعض (أ) الفتوح في زمن عمر. فظاهر هذا ~~الجواز مطلقا، ويستثنى من تحريم سباب المسلم جواز الجواب على المبتدئ ~~بالسب؛ لقوله PageV10P278 # - صلى الله عليه وسلم -: "المستبان ما قالا، فعلى البادئ ما لم يعتد ~~المظلوم (أ) ". أخرجه مسلم (¬1). فيدل على أنه يجوز للمسبوب أن يجيب بسب من ~~ابتدأه، بشرط ألا يعتدي، ولا يكون ما سب به كذبا أو قذفا أو سببا لإتلافه، ~~فمن صور الجائز أن يقول له: يا ظالم. أو: يا أحمق. أو: جافي. أو نحو ذلك ~~مما لا يكاد أحد ينفك من هذه الأوصاف. ولا خلاف في جواز الانتصار، وقد ~~تظاهرت عليه الأدلة من الكتاب والسنة. قال الله تعالى: {ولمن انتصر بعد ~~ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل} (¬2). وقال الله تعالى: {والذين إذا أصابهم ~~البغي هم ينتصرون} (¬3). ومع هذا فالصبر والعفو أفضل، قال الله تعالى: ~~{ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن ms2338 عزم الأمور} (¬4). وقوله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "ما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا" (¬5). قال العلماء: وإذا انتصر المسبوب ~~استوفى ظلامته، وبرئ الأول من حقه وبقي عليه إثم الابتداء والإثم المستحق ~~لله تعالى. وقيل (ب): يرتفع عنه الإثم، ويكون على البادئ اللوم والذم لا الإثم. # وقوله: "وقتاله كفر". فيه دلالة على أنه يكفر من قاتل المسلم بغير حق، ~~وهذا لا خفاء فيه في حق من استحل قتال المسلم أو، قاتله لأجل PageV10P279 # إسلامه، وأما إذا كان المقاتلة لغير ذلك فإطلاق الكفر عليه مجاز، ويراد ~~به كفر الإحسان والنعمة، (أوأخوة الإسلام أ)، لا كفر الجحود، أو سماه كفرا ~~لأنه قد يئول إلى الكفر لما (ب) يحصل من المعاصي من الرين على القلب حتى ~~يعمى عن الحق، فقد يصير كفرا. أو أنه فعل كفعل الكافر الذي يقاتل المسلم. ~~والظاهر من المقاتلة هي المقاتلة المعروفة بالفعل المفضية إلى القتل. # قال القاضي عياض (¬1): ويجوز أن يكون المراد المشاررة والمدافعة. # 1251 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث". متفق عليه (¬2). # قوله: "إياكم والظن". من باب التحذير، فالضمير منصوب بفعل مقدر واجب ~~الحذف، و "الظن" معطوف عليه، والغرض منه التحذير من الظن، والمراد بالظن ~~هنا هو الظن بالمسلم شرا، مثل قوله تعالى: {اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض ~~الظن} (¬3). وهو ما يخطر في النفس من التجويز المحتمل للصحة PageV10P280 # والبطلان، فتحكم به وتعمل عليه. كذا فسر الحديث في "مختصر النهاية" ~~للسيوطي. قال الخطابي (¬1): والمراد التهمة، ومحل التحذير والنهي إنما هو ~~عن التهمة التي لا سبب [لها] (أ) يوجبها، كمن اتهم بالفاحشة ولم يظهر عليه ~~ما يقتضي ذلك. قال النووي (¬2): والمراد النهي عن تحقيق التهمة والإصرار ~~عليها وتقررها في النفس دون ما يعرض ولا يستقر، فإن هذا لا يكلف به كما في ~~حديث تجاوز الله تعالى عما تحدث به الأمة ما لم تتكلم أو تعمل (¬3). ونقله ~~القاضي عياض عن سفيان. # وظاهر الحديث النهي عن الظن، وإن ms2339 كان في حق من قد ظهر منه الشر والفحش، ~~ولكنه معارض بما جاء في الحديث: "احترسوا من الناس بسوء الظن". أخرجه ~~الطبراني في "الأوسط"، والبيهقي، والعسكري (¬4) عن أنس مرفوعا، قال ~~الطبراني: تفرد به بقية. ولأبي الشيخ والديلمي (¬5) عن علي رضي الله عنه من ~~قوله: الحزم سوء الظن. وأخرجه القضاعي في "مسند الشهاب" (¬6) عن عبد الرحمن ~~بن عائذ مرفوعا مرسلا، وكل طرقه ضعيفة PageV10P281 # وبعضها يتقوى ببعض. وأخرجه أحمد، والبيهقي (¬1)، عن مطرف بن عبد الله بن ~~الشخير أحد التابعين من قوله، وأخرجه تمام في "فوائده" (¬2) عن ابن عباس ~~مرفوعا بلفظ: "من حسن ظنه في الناس كثرت ندامته". # ونظمه بعضهم فقال (¬3): # لا يكن ظنك إلا سيئا ... إن سوء الظن من أقوى الفطن # ما رمى الأنفس في مكروهها ... أسفا أقوى من الظن الحسن # ولكنه محمول على الظن بأهل الشر والفجور، والأول على من لم يظهر منه شر ~~وكان ظاهر حاله السلامة، وقد روت عائشة رضي الله عنها (¬4): من أساء بأخيه ~~الظن فقد أساء بربه؛ لأن الله تعالى يقول: {اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض ~~الظن} (¬5). # وروي عن علي رضي الله عنه، أنه إذا استولى الصلاح على الزمان وأهله، ثم ~~أساء رجل الظن برجل لم يظهر منه خربة (¬6) فقد ظلم، وإذا استولى الفساد على ~~الزمان وأهله، وأحسن رجل الظن برجل، فقد غرر. # قال جار الله الزمخشري (¬7) رحمه الله تعالى: الظن ينقسم إلى واجب، ~~ومندوب، وحرام، ومباح؛ فالواجب حسن الظن بالله، والحرام سوء الظن PageV10P282 # به تعالى، وبكل من ظاهره العدالة من المسلمين، وهو المراد بقوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "إياكم والظن". الحديث. والمندوب حسن الظن بمن ظاهره ~~العدالة من المسلمين. والجائز مثل قول أبي بكر رضي الله عنه لعائشة: إنما ~~هو أخواك وأختاك (¬1). لما وقع في قلبه أن الذي في بطن امرأته أنثى، ومن ~~ذلك ظن السوء لمن اشتهر بين الناس بمخالطة الريب والمجاهرة بالخبائث، فلا ~~يحرم سوء الظن به؛ لأنه قد دل على نفسه، ومن ستر على نفسه لم يظن به إلا ~~خير، ومن دخل ms2340 في مداخل السوء اتهم، ومن هتك نفسه ظننا به السوء، والذي يميز ~~الظنون التي يجب اجتنابها عما سواها، أن كل ما لم يعرف له أمارة صحيحة، ~~وسبب ظاهر كان حراما واجبا الاجتناب؛ وذلك كأهل الستر والصلاح، ومن أنست ~~منه الأمانة في الظاهر، ومقابله بعكس ذلك. انتهى بمعناه في "الكشاف". # ويؤيد هذا التفصيل قوله تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات ~~بأنفسهم خيرا} (¬2). # وحمله بعضهم على العمل بالظن في الأحكام الشرعية، وأراد بالظن هو تغليب ~~أحد الجانبين (أ)، وهو بعيد لا يلتفت إليه؛ لعدم مناسبته سياق الحديث، ~~وعطف: "ولا تجسسوا" عليه كما في رواية البخاري. PageV10P283 # وقوله: "فإن الظن أكذب الحديث" الحديث. المراد بالظن الشيء المظنون، وهو ~~تحقيق الخاطر ولو بالفعل، وسماه حديثا تغليبا للقول على غيره، وإنما كان ~~أكذب الحديث، لأن الكذب مخالفة الواقع من غير استناد إلى أمارة، وهو قبيح ~~ظاهرا لا يحتاج إلى إظهار قبحه، وأما الظن فيزعم صاحبه أنه مستند إلى شيء، ~~فيخفى على السامع كونه كاذبا بحسب الغالب، فكان أشد الكذب. والله أعلم. # 1252 - وعن معقل بن يسار رضي الله عنه: سمعت رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته ~~إلا حرم الله عليه الجنة". متفق عليه (¬1). # الحديث أخرجه البخاري من رواية الحسن أن عبيد الله بن زياد عاد معقل بن ~~يسار في مرضه الذي مات فيه، فقال له معقل: إني محدثك حديثا سمعته من رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ما ~~من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصيحة لم يجد رائحة الجنة". وفي رواية ~~للبخاري (¬2) عن الحسن قال: أتينا معقل بن يسار نعوده، فدخل علينا عبيد ~~الله بن زياد، فقال له معقل: أحدثك حديثا سمعته من رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -، فقال: "ما من وال يلي رعية من المسلمين فيموت وهو غاش لهم إلا ~~حرم الله عليه الجنة". وما ذكره المصنف رحمه الله تعالى إحدى روايتي ms2341 مسلم. PageV10P284 # معقل بن يسار، بتحتانية ثم سين مهملة خفيفة هو المزني الصحابي المشهور، ~~توفي فيما ذكره البخاري (¬1) في "الأوسط" بالبصرة فيما بين الستين إلى ~~السبعين، وذلك في خلافة يزيد بن معاوية، وكان عبيد الله بن زياد أميرا على ~~البصرة في أيام معاوية وولده يزيد. # قوله: "ما من عبد". "من" زائدة لتأكيد معنى النفي، أي: ما عبد. # وقوله: "يسترعيه الله تعالى رعية". أي: طلب منه أن يكون راعيا، والراعي ~~هو القائم بمصالح ما ورعاه، وفي ننسخة الصاغاني (¬2) للبخاري بلفظ: ~~"استرعاه الله". # وقوله: "يموت يوم يموت". يعني: يدركه الموت وهو يتصف بالغش غير تائب منه. # وقوله: "وهو غاش لرعيته". الغش ضد النصح، وهو معنى قوله في الرواية ~~الثانية: "فلم يحطها بنصيحة". وكأنه لا واسطة بين الغش وعدم النصح، ويتحقق ~~الغش بظلمه لهم بأخذ أموالهم، أو سفك دمائهم، أو انتهاك أعراضهم، أو حبس ما ~~يستحقونه من مال الله سبحانه المعدود للمصارف، أو ترك تعريفهم ما يجب عليهم ~~في أمر دينهم أو دنياهم، أو بإهمال الحدود فيهم، أو عدم ردع المفسدين منهم، ~~أو ترك حمايتهم من عدوهم، أو تولية من يحابيه لا لغرض إصلاحهم، أو تولية من ~~غيره أولى بالقيام بحقوقهم. # وقد جاء في هذين الأخيرين تحذير خاص؛ ما رواه أبو بكر رضي الله عنه، أن ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ولي من أمر المسلمين شيئا فأمر ~~عليهم أحدا PageV10P285 # محاباة فعليه لعنة الله، لا يقبل الله منه صرفا ولا عدلا حتى يدخله ~~جهنم". أخرجه الحاكم (¬1) وصححه، لكن فيه من وثقه ابن معين في رواية، ووهاه ~~في غيرها (¬2). وأخرجه أحمد (¬3)، وأخرج الحاكم (¬4) وصححه، عن ابن عباس ~~رضي الله عنه، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من استعمل رجلا ~~من عصابة وفيهم من هو أرضى لله منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين". وفي ~~إسناده واه، إلا أن ابن نمير وثقه، وحسن له الترمذي غير ما حديث. قال ~~الحافظ المنذري (¬5) بعد أن ذكر ذلك: وصحح له الحاكم، ولا يضر في ~~المتابعات. # ويؤخذ منه ms2342 أن عزل الصالح وتولية من هو دونه يكون من الغش. # وقوله: "إلا حرم الله عليه الجنة". خبر "عبد" المجرور لفظا ب "من" ~~الزائدة واقع بعد "إلا" لقصد الحصر، أي: هو مقصور بالاتصاف بتحريم الجنة عليه. # والحديث يدل على أن الغش محرم وهو من الكبائر التي ورد الوعيد عليها ~~بعينها؛ فإن تحريم الجنة نص الله تعالى عليه في كتابه أن الله حرمها على ~~الكافرين، فهذا الذي اتصف بهذه الصفة إذا كان محرما عليه الجنة اقتضى أنه ~~من أهل النار الخالدين فيها، فأما على قاعدة العدلية (¬6) من تخليد صاحب ~~الكبيرة فلا إشكال عليه، بل يكون الحديث من حججهم، وأما على قاعدة PageV10P286 # من يقول: إن أهل التوحيد لا يخلد العصاة منهم في النار. فيحتاج إلى ~~تأويل؛ فقال بعضهم: يحمل هذا على من استحل، الغش فيكون كافرا مخلدا في ~~النار. وقال بعضهم: يحمل على الزجر والتغليظ، فكأنه قال: يمنع من الجنة ~~ويكون في النار أوقاتا متكاثرة مشابهة للخلود. ويتأيد هذا بما وقع في رواية ~~لمسلم (¬1) بلفظ: "لم يدخل معهم الجنة". ولا يلزم منه الخلود في النار. ~~وقال ابن بطال (¬2): هذا وعيد شديد على أئمة الجور، فمن ضيع من استرعاه ~~الله أو خانهم أو ظلمهم، فقد توجه إليه الطلب بمظالم العباد يوم القيامة، ~~فكيف يقدر على التحلل من ظلم أمة عظيمة؟ ومعنى: "حرم الله عليه الجنة". أي: ~~أنفذ عليه الوعيد، ولم يرض عنه المظلومين. ونقل ابن التين عن الداودي بأن ~~هذا ورد في حق الوالي الكافر؛ لأن المؤمن لا بد له من نصيحة. قال المصنف ~~(¬3) رحمه الله تعالى: وهذا احتمال بعيد والتعليل مردود؛ فإن الكافر قد ~~يكون ناصحا فيما تولاه ولا يمنعه ذلك الكفر. انتهى. ومن طالع التواريخ ورأى ~~نصيحة كثير من الأكاسرة والقياصرة وغيرهم من الملوك الكفرة لرعاياهم ~~وحمايتهم عن المظالم وقيامهم بحفظ ممالكهم والذب عنها تحقق ما قاله المصنف. # وقد روي مثل هذا الحديث [عن] (أ) غير معقل بن يسار. أخرج PageV10P287 # الطبراني (¬1) في "الكبير" من وجه آخر عن الحسن قال: قدم علينا عبيد ms2343 الله ~~بن زياد أميرا أمره علينا معاوية غلاما سفيها يسفك الدماء سفكا شديدا، ~~وفينا عبد الله بن مغفل المزني، فدخل عليه ذات يوم فقال له: انته عما أراك ~~تصنع. فقال له: وما أنت وذاك؟! قال: ثم خرج إلى المسجد، فقلنا له: ما كنت ~~تصنع بكلام مثل هذا السفيه على رءوس الناس؟ فقال: إنه كان عندي علم فأحببت ~~(أ) ألا أموت حتى أقول به على رءوس الناس. ثم قام، فما لبث أن مرض مرضه ~~الذي توفي فيه، فأتاه عبيد الله بن زياد يعوده، فذكر نحو حديث الباب. ~~ويحتمل أن القصة وقعت للصحابيين جميعا. # وفي الباب أحاديث كثيرة؛ أخرج مسلم (¬2): "ما من أمير يلي أمور المسلمين ~~لا يجهد لهم ولا ينصح لهم إلا لم يدخل معهم الجنة". ورواه الطبراني (¬3) ~~وزاد: "كنصيحته وجهده لنفسه". والطبراني (¬4) [بسند] (ب). رواته ثقات إلا ~~واحدا اختلف فيه: "من ولي من أمور المسلمين شيئا فغشهم فهو في النار". ~~والطبراني (¬5) بإسناد حسن: "ما من إمام ولا وال بات ليلة PageV10P288 # سوداء غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة". وفي رواية (¬1) له: "ما من ~~إمام يبيت غاشا لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة، وعرفها يوجد يوم القيامة ~~من مسيرة سبعين عاما". وغير ذلك من الوعيد الشديد الذي توعد به من كفر ~~بالله سبحانه وتعالى، نسأل الله تعالى السلامة من الأعمال المردية، ~~والأهواء المخزية، بمنه ورحمته. # 1253 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه". أخرجه مسلم (¬2). # قوله: "فشق عليهم". أي: أدخل عليهم المشقة، أي المضرة. قال صاحب "العين" ~~(¬3): تقول: شق الأمر عليك مشقة. أي: أضر بك. # وقوله: "فاشقق عليه". أي اجعل جزاءه من جنس عمله جزاء وفاقا، وتمام ~~الحديث: "ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به". رواه أبو عوانة ~~(¬4) في "صحيحه"، وقال فيه: "ومن ولي منهم شيئا فشق عليهم فعليه بهلة ~~الله". قالوا: يا رسول الله، وما بهلة الله؟ قال: "لعنة الله". ms2344 والحديث يدل ~~على أنه يجب على الوالي تيسير الأمر على من وليه، والرفق بهم، ومعاملتهم ~~بالعفو والصفح، وإيثار الرخصة على العزيمة في حقهم؛ لئلا PageV10P289 # يدخل عليهم المشقة. وقد عند بعض العلماء مشقة الوالي على من وليه من ~~الكبائر، وهو صريح حديث أبي عوانة؛ فإن اللعنة إنما تكون على من فعل ~~الكبيرة. والله أعلم. # 1254 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إذا قاتل أحدكم فليجتنب الوجه". متفق عليه (¬1). # 1255 - وعنه، أن رجلا قال: يا رسول الله، أوصني. قال: "لا تغضب". فردد ~~مرارا. قال: "لا تغضب". أخرجه البخاري (¬2). # قوله: "إذا قاتل". وفي رواية لمسلم (¬3): "إذا ضرب أحدكم". وفي رواية ~~(¬4): "فلا يلطمن الوجه". وفي رواية (¬5): "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب ~~الوجه فإن الله خلق آدم على صورته". # الحديث فيه دلالة على حرمة الوجه زيادة على سائر البدن، وأنه يترقى عن أن ~~يصاب بضرب أو لطم ولو في حد، وذلك لأن الوجه لطيف مجمع المحاسن، وأعضاؤه ~~نفيسة لطفة، وأكثر الإدراك بها، فقد يبطلها ضرب الوجه، وقد ينقصها، وقد ~~يشوه الوجه، والشين فيه فاحش؛ لأنه بارز ظاهر لا يمكن ستره، ومتى أصابه ضرب ~~لا يسلم من شين غالبا، ويدخل في النهي PageV10P290 # ما إذا أراد تأديب الولد أو الزوجة أو العبد؛ فإنه يجب اجتناب الوجه. # والتعليل بقوله: "فإن الله خلق آدم على صورته". أي: صورة هذا المضروب، ~~كما هو ظاهر عبارة مسلم. يعني أن الوجه الذي في المضروب هو على نحو ما خلق ~~آدم عليه، وآدم خلق في أكمل الأحوال وأشرف الصفات، فينبغي احترامه، والضمير ~~في: "صورته". يعود إلى المضروب. وقالت طائفة: يعود إلى آدم. والمعنى غير ~~مناسب. وقالت طائفة: يعود إلى الله تعالى. ويكون المراد بالإضافة التشريف ~~والاختصاص، كقوله: {ناقة الله} (¬1). وكما يقال في الكعبة: بيت الله. ~~وبعضهم جعله من أحاديث الصفات التي قال فيها جمهور السلف: نؤمن بأن ظاهرها ~~غير مراد، ولها معنى يليق بها في حق الله تعالى وإن خفي علينا، وأنه ليس ~~كمثله شيء. ms2345 وهو أسلم من التكلف. # قال المازري (¬2): هذا الحديث بهذا اللفظ ثابت، ورواه بعضهم: "إن الله ~~خلق آدم على صورة الرحمن" (¬3). وهذا ليس بثابت عند أهل الحديث، وكأن من ~~رواه رواه بالمعنى الذي وقع له، وغلط في ذلك. والله أعلم. # وقاله: أن رجلا قال: يا رسول الله، أوصني. الرجل جاء في رواية أحمد وابن ~~حبان والطبراني (¬4) مفسرا ومبهما، والتفسير بتسميته جارية - PageV10P291 # بالجيم- بن قدامة، ويحتمل أن يفسر المبهم بغيره، فقد جاء في رواية ~~للطبراني (¬1) من حديث سفيان بن عبد الله الثقفي: قلت: يا رسول الله، قل لي ~~قولا أنتفع به وأقلل. قال: "لا تغضب ولك الجنة". وفي حديث ابن عمر عند أبي ~~يعلى (¬2): قلت: يا رسول الله، قل لي قولا لعلي أعقله. وجاء في حديث أبي ~~الدرداء (¬3): دلني على عمل يدخل الجنة. # وفي حديث ابن [عمرو] (أ) عند أحمد (¬4): ما يباعدني من غضب الله. زاد أبو ~~كريب عن أبي بكر بن عياش عند الترمذي (¬5): ولا تكثر علي؛ لعلي أعيه. # وقوله: فردد مرارا. بين عثمان بن أبي شيبة (¬6) في روايته عددها قال: "لا ~~تغضب". ثلاثا. # وقوله: "لا تغضب". قال الخطابي (¬7): [اجتنب] (ب) أسباب الغضب ولا تتعرض ~~لما يجلبه، وأما نفس الغضب فلا يتأتى النهي عنه؛ لأنه أمر PageV10P292 # جبلي. وقال غيره: وقع النهي عما كان من قبيل ما يكتسب فيدفعه بالرياضة. ~~وقيل هو نهي عما ينشأ عنه الغضب، وهو الكبر؛ لكونه يقع عند مخالفة أمر ~~يريده فيحمله الكبر على الغضب، فالذي يتواضع حتى تذهب عنه عزة النفس يسلم ~~من شر الغضب. وقيل: معناه: لا تفعل ما يأمرك به الغضب. وإنما اقتصر النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - على هذه الخصلة، قال بعضهم: لعل السائل كان غضوبا، ~~وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر كل أحد بما هو أولى به. وقال ابن ~~التين (¬1): جمع النبي - صلى الله عليه وسلم - في قوله: "لا تغضب". خير ~~الدنيا والآخرة؛ لأن الغضب يئول إلى التقاطع ومنع الرفق، ويئول إلى أن يؤذي ~~الذي غضب عليه بما لا يجوز، فيكون نقصا في ms2346 دينه. انتهى. ويحتمل أن يكون من ~~باب التنبيه بالأعلى على الأدنى، لأن الغضب ينشأ عن النفس والشيطان، فمن ~~جاهدهما حتى يغلبهما مع ما في ذلك من شدة المعالجة، كان لقهر نفسه عن غير ~~ذلك بالأولى. وقد تقدم (¬2) قريبا كلام حسن يتعلق بالغضب. # 1256 - وعن خولة الأنصارية رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق، فلهم النار يوم ~~القيامة". أخرجه البخاري (¬3). PageV10P293 # الحديث فيه دلالة على أنه يحرم على من لم يستحق شيئا من مال الله تعالى ~~-بألا يكون من المصارف التي عين سبحانه وتعالى- أن يأخذه ويتملكه، وأن ذلك ~~من المعاصي الموجبة للنار، ويدخل في هذا النوع من كان بيده مال الله تعالى ~~من إمام أو وال، وصرفه في غير مصارفه اتباعا لتشهيه واختياره. # 1257 - وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ~~يروي عن ربه عز وجل قال: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم ~~محرما، فلا تظالموا". أخرجه مسلم (¬1). # قوله: "حرمت الظلم". التحريم في اللغة بمعنى المنع من الشيء. وفي الشرع: ~~ما يستحق فاعله العقاب. وهذا ممتنع في حق الله تعالى، ولكنه مراد به أنه ~~سبحانه متقدس ومتنزه عن الظلم، فأطلق عليه التحريم؛ لمشابهته الممنوع بجامع ~~عدم الشيء (¬2)، والظلم مستحيل (أ) في PageV10P294 # حقه تعالى؛ لأن الظلم هو التصرف في غير الملك، أو مجاوزة الحد، وكلاهما ~~مستحيل في حق الله تعالى؛ لأنه المالك للعالم كله، السلطان المتصرف كيف شاء. # وقوله: "فلا تظالموا". وفي رواية (¬1): "فلا تظلموا". و: "تظالموا". بفتح ~~التاء، مضارع بحذف حرف المضارعة، والمراد: لا يظلم بعضكم بعضا. وهو توكيد ~~لقوله: "وجعلته بينكم محرما". وزيادة في تغليظ تحريمه. # 1258 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "أتدرون ما الغيبة؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "ذكرك أخاك يما ~~يكره". قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: "إن كان فيه ما تقول فقد ~~اغتبته، وإن ms2347 لم يكن فقد بهته". أخرجه مسلم (¬2). # قوله: "ما الغيبة؟ ". هي بكسر الغين المعجمة. PageV10P295 # الحديث فيه تعريف الغيبة وبيان حقيقتها، وقد اختلف العلماء في حدها وفي ~~حكمها؛ فقال الراغب (¬1): هي أن يذكر الإنسان عيب أخيه من غير محوج إلى ذكر ~~ذلك. وقال الغزالي (¬2): هي أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه. وقال ابن ~~الأثير في "النهاية" (¬3): هي أن تذكر الإنسان في غيبته بسوء وإن كان فيه. ~~وقال النووي في "الأذكار" (¬4) تبعا للغزالي: ذكر المرء بما يكره؛ سواء كان ~~في بدن الشخص، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خلقه، أو خلقه، أو ماله، أو ~~والده، أو ولده، أو زوجه، أو خادمه، أو ثوبه، أو حركته، أو طلاقته، أو ~~عبوسه، أو غير ذلك مما يتعلق به ذكر سوء، سواء ذكر باللفظ، أو بالإشارة، أو ~~بالرمز. # قال النووي (¬5): ومن ذلك التعريض في كلام المصنفين، كقولهم: قال من يدعي ~~العلم. أو: بعض من ينسب إلى الصلاح. أو نحو ذلك مما يفهم السامع المراد به. ~~ومنه قولهم عند ذكره: الله يعافينا، الله يتوب علينا، نسأل الله السلامة. ~~ونحو ذلك، فكل ذلك من الغيبة. PageV10P296 # وظاهر الحديث أن الغيبة ليس من شرطها أن تكون في حق الغائب، فإن قوله: ~~"ذكرك أخاك بما يكره". يشمل الحاضر والغائب، وقد ذهب إلى هذا جماعة. ويكون ~~هذا الحد الأثري لها بيان معناها الشرعي. وأما اللغوي، فالاشتقاق من الغيب ~~يدل على أنها لا تكون إلا في الغيبة. ورجح تقي الدين وغيره، أن معناها ~~الشرعي موافق للغوي، وروى حديثا مسندا إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أنه قال: "ما كرهت أن تواجه به أخاك فهو غيبة" (¬1). فيكون هذا مخصصا لحديث ~~أبي هريرة. # قال ابن فورك في "مشكل القرآن" في تفسير "الحجرات": الغيبة ذكر العيب ~~بظهر الغيب. وقال سليم الرازي في "تفسيره": الغيبة أن يذكر الإنسان من خلفه ~~بسوء وإن كان فيه. وكذا ذكر الزمخشري (¬2)، وأبو نصر القشيري في "تفسيره"، ~~والمنذري (¬3)، والكرماني (¬4)، وابن خميس (أ) في جزء مفرد له في الغيبة، ~~والإمام المهدي صرح ms2348 بذلك في "الأزهار"، ولعل المستند هو الحديث المتأيد ~~بالاشتقاق. وأما ذكر العيب في الوجه فهو كذلك حرام؛ لما فيه من الأذى. وذكر ~~الأخ يدل على أن من لم يكن أخا فلا يكون عيبه غيبة، وأما الكافر الحربي ~~فإيذاؤه جائز، إلا أن يكون بانتقاص الخلقة، فالأولى عدم الجواز؛ لأن في ذلك ~~انتقاصا بفعل خالقها الذي أحسن كل PageV10P297 # شيء خلقه، وأما الذمي فحكمه حكم المسلم في تحريم الإيذاء في العرض، وقد ~~روى ابن حبان (¬1) في "صحيحه" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ~~سمع يهوديا أو نصرانيا فله النار". ومعنى: "سمع"، أسمعه ما يؤذي. وهذا دليل ~~واضح في التحريم للأذى. قال الغزالي: وأما المبتدع فإن كفر ببدعته ~~فكالحربي، وإلا فكالمسلم، وأما ذكره ببدعته فليس مكروها. وقال ابن المنذر: ~~في الحديث دلالة على أن من ليس بأخ؛ كاليهودي والنصراني وسائر أهل الملل ~~ومن قد أخرجته بدعته عن الإسلام، لا غيبة له. انتهى. وأما غيبة مرتكب ~~الكبيرة فقد تقدم الكلام فيه قريبا، ويجوز أن يقال: إن قوله: "أخاك". ليس ~~للتقييد، وإنما هو لترقيق المخاطب وتعريفه بخطئه، فإن الأخ لا يرضى بنقص ~~أخيه، فيكون النهي عاما، ولا يخرج منه إلا لمخصص، كما هو القاعدة المعروفة. # وقوله: "بما يكره". ظاهره أنه إذا كان المعيب لا يكره ما ذكر فيه من ~~العيب، كما قد يوجد فيمن يتصف بالخلاعة والمجون، أنه يجوز، ولا [بعد] (أ) ~~في جوازه، إلا أن يكون بانتقاص الخلقة، فالظاهر أنه لا يجوز؛ لما عرفت. # وقوله: "فقد بهته". بفتح الباء الموحدة وفتح الهاء المخففة، يعني: قلت ~~فيه البهتان. وهو الباطل، وأصل البهت أن يقال له الباطل في وجهه، فاستعمل ~~في معنى قول الباطل وإن كان في الغيبة، مجازا مرسلا من استعمال المقيد في ~~المطلق، وهو كما قال الله سبحانه وتعالى: {والذين PageV10P298 # يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتانا وإثما ~~مبينا} (¬1). # والحديث فيه دلالة على تفسير الغيبة المنهي عنها في قوله تعالى: {ولا ~~يغتب بعضكم بعضا} (¬2). # واختلف العلماء هل الغيبة من الكبائر أم ms2349 من الصغائر؟ فنقل أبو عبد الله ~~القرطبي (¬3) في "تفسيره" الإجماع على أن الغيبة من الكبائر؛ لأن حد ~~الكبيرة صادق عليها، ونص عليه الشافعي فيما نقله عنه الكواشي في كتابه ~~المعروف ب "آداب القضاء" من القديم، واستدل بقوله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"إن دماءكم وأعراضكم وأموالكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، ~~في شهركم هذا" (¬4). وجزم به الأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني في "عقيدته"، في ~~الفصل المعقود للكبائر، وكذا الحبلي في "شرح التنبيه"، وكذلك الكواشي في ~~"تفسيره"، وهو معدود من الشافعية. وقال: إنها من عظائم الذنوب. وذهب ~~الغزالي وصاحب "العدة" إلى أنها من الصغائر. قال الأذرعي: لم أر من صرح ~~بأنها من الصغائر غيرهما. وذهب الإمام المهدي وغيره من الهدوية إلى أنها ~~محتملة للكبر والصغر، على قاعدة المعتزلة أن ما لم يقطع بكبره فهو محتمل في ~~حق غير الأنبياء. وذهب الجلال البلقيني إلى أنها من الصغائر. قال: لأن الله ~~تعالى شبهها بكراهية أكل لحم الميت، فقال تعالى: {أيحب PageV10P299 # أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا} (¬1). قال بعض العلماء: قيل: معناه أنهم لا ~~بد أن يجيبوا بأن يقولوا: لا أحد. فقال لهم تعالى: {فكرهتموه}. وأما ~~الأحاديث فلم أر فيها ذكر [المغتاب] (أ) ولا وعيد العذاب. وقد روى أحمد ~~وأبو داود (¬2) عن أنس أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لما عرج بي ~~مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: ~~هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم". انتهى. وهذا لا يدل على ~~أنها كبيرة، إنما يدل على تحريمها والتنفير منها: الزجر عنها. انتهى كلام ~~الجلال. # ويجاب عليه (ب) بأن الآية الكريمة تدل على المبالغة في التنزه عن الغيبة، ~~كما أن الطبع ينفر ويتنزه عن إساغة لحم الأخ ميتا، وهي وإن لم يذكر فيها ~~صريح الوعيد بالنار فهو متضمن. قال الزركشي: والعجب ممن يعد أكل الميتة ~~كبيرة ولا يعد الغيبة كذلك، والله تعالى أنزلها منزلة أكل لحم الآدمي، وأما ~~ما ذكر أن الأحاديث لم يذكر فيها ms2350 وعيد المغتاب، فحديث المعراج صريح في ~~العقاب، وأي عقاب أعظم من ذلك؟. # وفي الحديث من وعيد المغتاب الكثير المهول لذلك أشد الهول. وقد PageV10P300 # ورد أيضا في حديث القبر المعذب صاحبه ما أخرجه أحمد وغيره (¬1) بسند صحيح ~~عن أبي [بكرة] (أ) رضي الله عنه، قال: بينا أنا أماشي رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - وهو آخذ بيدي ورجل عن [يساره] (ب)، فإذا نحن بقبرين أمامنا، ~~فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنهما ليعذبان، وما يعذبان في ~~كبيرة -وبكى- فأيكم يأتيني بجريدة؟ ". فاستبقنا فسبقته، فأتيته بجريدة ~~فكسرها نصفين، فألقى على هذا القبر قطعة وألقى على ذا القبر قطعة، قال: ~~"إنه يهون عليهما ما كانتا رطبتين، وما يعذبان إلا في الغيبة والبول". ~~وأخرج أحمد (¬2) بسند رواته ثقات إلا عاصما (¬3) أحد القراء السبعة قبله ~~جماعة، ورده آخرون، وحديثه حسن، أنه - صلى الله عليه وسلم - أتى على قبر ~~يعذب صاحبه، فقال: "إن هذا كان يأكل لحوم الناس". وأخرج ابن جرير (¬4) عن ~~أبي أمامة رضي الله عنه قال: أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقيع ~~الغرقد، فوقع على قبرين ثريين، فقال: "أدفنتم فلانا وفلانة؟ " -أو قال: ~~"فلانا وفلانا"- قالوا: نعم يا رسول الله. قال: "لقد أقعد فلان الآن فضرب". ~~ثم قال: "والذي نفسي بيده لقد ضرب ضربة ما بقي منه عضو إلا انقطع، ولقد ~~تطاير قبره نارا، ولقد صرخ صرخة سمعها PageV10P301 # الخلائق إلا الثقلين؛ الإنس والجن، ولولا تمرغ (أ) في قلوبكم وتزيدكم في ~~الحديث لسمعتم ما أسمع" (ب). قالوا: يا رسول الله، صلى الله عليك، وما ~~ذنبهما؟ قال: "أما فلان، فكان (ج) لا يستبرئ من البول، وأما فلان -أو قال: ~~فلانة- فإنه كان يأكل لحوم الناس". ورواه من طريق ابن جرير أحمد (¬1) لكن ~~بلفظ: "بالنميمة". وزاد فيه قال: يا رسول الله، حتى متى هما يعذبان؟ قال: ~~"غيب لا يعلمه إلا الله تعالى". # وقد يؤخذ من إيراد هذا الحديث في الغيبة، أن الغيبة نوع من النميمة، إذا ~~قيل باتحاد القصة؛ وذلك لأن النميمة هي إسماع المقول فيه ما ms2351 قاله القائل، ~~ولو سمعه القائل لكره أن ينقل عنه ذلك، فقد صدق: "ذكرك أخاك بما يكره". قال ~~المصنف (¬2) رحمه الله تعالى: إن الغيبة قد توجد في بعض صور النميمة؛ وهو ~~أن يذكره في غيبته مما يسوءه قاصدا بذلك الإفساد بينه وبين السامع، فيحتمل ~~أن تكون قصة الذي كان يعذب في قبره كانت كذلك، ويحتمل أن تكون القصة ~~متعددة، وأن عذاب القبر تكون من أسبابه الغيبة والنميمة، فبزيادة قيد ~~الإفساد تكون الغيبة أعم مطلقا، إذ لا يشترط فيها قصد الإفساد، وإذا قلنا: ~~إن الغيبة لا تكون إلا في الغيب يكون PageV10P302 # بينهما عموم وخصوص من وجه. # واعلم أنها قد تجب الغيبة أو تباح لغرض صحيح شرعي لا يتوصل إليه إلا بها، ~~وذلك لستة أسباب: # الأول، التظلم، فيجوز لمن ظلم أن يشكو ظلامته على من له قدرة على إزالتها ~~أو تخفيفها. الثاني، الاستعانة على تغيير المنكر بذكره لمن يظن قدرته على ~~إزالته، فيقول له: فلان فعل كذا. في حق من لم يكن مجاهرا بالمعصية. الثالث، ~~الاستفتاء بأن يقول لمفت: فلان ظلمني بكذا، فما طريقي إلى الخلاص؟ الرابع، ~~التحذير للمسلمين من الاغترار بالمذكور؛ كجرح الرواة، والشهود، والمتصدرين ~~لإفتاء أو إقراء مع عدم الأهلية (أ). # الخامس، ذكر من يجاهر بفسقه أو بدعته؛ كالمكاسين وذوي الولايات الباطلة، ~~فيجوز ذكرهم بما يجاهروا به دون غيره، وقد تقدم. # السادس، التعريف بالشخص بما فيه من العيب؛ كالأعور والأعرج والأعمش وغير ~~ذلك، ولا يراد به نقصه وغيبته. # وهذه الأسباب الستة مجمع عليها، وقد نظمها ابن أبي شريف، فقال: # الذم ليس بغيبة في ستة ... متظلم ومعرف ومحذر # ولمظهر فسقا ومستفت ومن ... طلب الإعانة في إزالة منكر # ودلت عليها الأحاديث، كالذي استأذن عليه - صلى الله عليه وسلم -، فقال: ~~"ائذنوا له، بئس أخو العشيرة". متفق عليه (¬1). وروى البخاري (¬2) حديث: ~~"ما أظن PageV10P303 # فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا". قال الليث: كانا منافقين، هما مخرمة ~~بن نوفل بن عبد مناف القرشي، وعيينة بن حصن الفزاري. وقوله: "أما معاوية ~~فصعلوك لا مال له، وأما أبو الجهم ms2352 فلا يضع العصا عن عاتقه" (¬1). # وقصة زيد بن أرقم يرفعه ما قال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ~~(¬2). وشكاية هند من أبي سفيان بأنه رجل شحيح (¬3). # لطيفة: ذكر بعضهم مناسبة كون النميمة والبول سببين في عذاب القبر؛ وذلك ~~أن البرزخ مقدمة للآخرة، وأول ما يقضى فيه يوم القيامة من حقوق الله تعالى ~~الصلاة، ومن حقوق العباد الدماء. ومفتاح الصلاة التطهر من الحدث والخبث، ~~ومفتاح الدماء الغيبة والسعي بين الناس بالنميمة، بنشر الفتن التي تسفك ~~الدماء بسببها. # 1259 - وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على ~~بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا ~~يخذله، ولا يحقره، التقوى ها هنا -ويشير إلى صدره ثلاث مرات- بحسب امرئ من ~~الشر أن يحقر أخاه، كل المسلم على المسلم حرام، دمه، وماله، وعرضه". أخرجه ~~مسلم (¬4). PageV10P304 # الحديث أخرجه مسلم من طرق (أ) بزيادة ونقصان، وهذه الطريق هي أتم الطرق، ~~إلا أن في بعض رواياته: "ولا تنافسوا" (¬1). عوض: "ولا تناجشوا". # وكذا في جميع الروايات عن مالك بلفظ: "ولا تنافسوا". بالفاء والسين ~~المهملة. وكذا أخرجه الدارقطني (¬2) في "الموطآت"، وكذا ذكره ابن عبد البر ~~(¬3) من رواية يحيى بن يحيى الليثي وغيره عن مالك. وفي جميع نسخ "البخاري" ~~(¬4) بلفظ: "ولا تناجشوا". والحاصل أنه وقع الاختلاف في هذه اللفظة من ~~الرواة عن أبي هريرة، وكذلك وقع الاختلاف من الرواة عن مالك، ولعل اللفظين ~~واقعان، إلا أن الراوي قد يختصر الرواية، وقد يذكر أحد اللفظين ويترك الآخر. # فقوله: "لا تحاسدوا". المحاسدة لا تكون إلا بين اثنين فصاعدا، ويكون ~~النهي عن وقوع الحسد من جانبين، وكذلك الحسد من جانب واحد بالأولى؛ لأنه ~~إذا ذم مع وقوعه مع المكافأة المتضمنة جزاء سيئة سيئة مثلها، فمع الانفراد ~~بطريق الأولى. وقد مر الكلام على الحسد قريبا (¬5). # وققوله: "ولا تناجشوا". بالجيم والشين المعجمة، من النجش، وقد مر PageV10P305 # الكلام عليه في البيع (¬1). # وأما رواية: "ولا تنافسوا". ms2353 من المنافسة، والتنافس الرغبة في الشيء ومحبة ~~الانفراد به (أ)، تقول: نافست في الشيء منافسة ونفاسا. إذا رغبت فيه. ~~والمعنى النهي عن الرغبة في الدنيا وأسبابها وحظوظها. # وقوله: "ولا تباغضوا". أي: لا تتعاطوا أسباب البغض؛ لأن البغض لا يكتسب ~~(ب) ابتداء. وقيل: المراد النهي عن الأهواء المضلة المفضية للتباغض. ~~والأولى أنه لأعم من هذا، فقد يكون للهوى، وقد يكون لظن السوء، وقد يكون ~~للحسد وغير ذلك. والتباغض: تفاعل، وفيه ما في قوله: "لا تحاسدوا". والمذموم ~~منه ما كان في غير الله تعالى، فأما ما كان لله تعالى فهو واجب يثاب فاعله ~~عليه؛ لأن في ذلك حقيقة الإيمان، أن تبغض في الله وأن تحب في الله. # وقوله: "ولا تدابروا". قال الخطابي (¬2): أي: لا تهاجروا، فيهجر أحدكم ~~أخاه، مأخوذ من تولية الرجل الآخر دبره إذا أعرض عنه حين يراه. وقال ابن ~~عبد البر (¬3): قيل للإعراض: مدابرة. لأن من أبغض أعرض، (ج ومن أعرض ج) ولى ~~دبره، والمحب بالعكس. وقيل: معناه: لا يستأثر أحدكم على PageV10P306 # الآخر. وقيل للمستأثر: مستدبر. لأنه يولي دبره حين يستأثر بشيء دون ~~الآخر. وقال [المازري] (أ) (¬1): معنى التدابر المعاداة؛ تقول: دابرته. أي: ~~عاديته. وحكى القاضي عياض (¬2) أن معناه: لا تخاذلوا -بالخاء (ج) المعجمة ~~والذال المعجمة- ولكن تعاونوا. والأول أولى. وقد فسره مالك في "الموطأ" ~~(¬3) بأخص منه، فقال إذ ساق الحديث عن الزهري: ولا أحسب التدابر إلا ~~الإعراض عن السلام، يدبر عنه بوجهه. وكأنه أخذه من بقية الحديث: "يلتقيان ~~فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" (¬4). فإنه يفهم أن صدور ~~السلام منهما أو من أحدهما يرفع ذلك الإعراض, ويؤيده ما أخرجه الحسين بن ~~الحسن المروزي (¬5) في "زيادات البر والصلة" لابن المبارك بسند صحيح، عن ~~أنس، قال: التدابر التصارم. # وقوله: "ولا بيع بعضكم". تقدم الكلام عليه في البيع (¬6). # وقوله: "وكونوا عباد الله إخوانا". "عباد الله" منصوب على أنه منادى ~~محذوف حرف النداء، أو على الاختصاص، بتقدير: أخص أو PageV10P307 # أعني. والمعنى: أنكم إذا تركتم هذه الخصال المتقدمة المنهي عنها صرتم ~~إخوانا، وإذا ms2354 اتصفتم بهاكنتم أعداء. والمراد بقوله: "كونوا" بمعنى: اكتسبوا ~~ما تصيرون به إخوانا مما سبق ذكره وغيره من الأمور المقتضية للتآخي إثباتا ~~ونفيا. وجملة: "كونوا". تشبه التعليل لما تقدم في قوة: اتركوا (أ) هذه ~~المنهيات لتكونوا إخوانا. # وقوله: "عباد الله". إشارة إلى أنكم عبيد الله، فحقكم أن تتواخوا بذلك. ~~وقال القرطبي (¬1): المعنى: كونوا كإخوان النسب في الشفقة والرحمة والمحبة ~~والمواساة والعاونة والنصيحة. وفي رواية لمسلم (¬2) زيادة: "كما أمركم ~~الله". أي: كما أمركم الله بهذه الأوامر المقدم ذكرها، فإنها جامعة لعاني ~~الأخوة. ونسبتها إلى الله؛ لأن الرسول بلغ عن الله. ويحتمل أن يكون أراد ~~بقوله: "كما أمركم الله". الإشارة إلى قوله تعالى: {إنما المؤمنون إخوة} ~~(¬3). فإنه خبر عن الحالة التي شرعت للمؤمنين، فهو بمعنى الأمر. # قال ابن عبد البر (¬4): تضمن الحديث تحريم بغض المسلم، والإعراض عنه، ~~وقطيعته بعد صحبته، بغير ذنب شرعي، والحسد له على ما أنعم الله به PageV10P308 # عليه، وأن تعامله معاملة الأخ النسيب (أ) ولا تبحث عن معايبه، ولا فرق في ~~ذلك بين الحاضر والغائب، والميت والحي. # وقوله: "المسلم أخو المسلم". أي أنهما كالأخوين بجامع الإسلام. # ولؤله: "لا يظلمه". قد مر تفسير الظلم (¬1)، والظلم حرم (ب) في حق المسلم ~~والكافر، وإنما خص المسلم بالذكر لمزيد شرف الإسلام. # وقوله: "ولا يخذله". قال العلماء: الخذل ترك الإعانة والنصر. # ومعناه: إذا استعان به في دفع ظالم ونحوه لزمه إعانته إذا أمكنه ولم يكن ~~له عذر شرعي. # وقوله: "ولا يحقره". هو بفتح الياء وسكون الحاء المهملة والقاف، أي: لا ~~يحتقره ولا يتكبر عليه ولا يستصغره ويستقله. قال القاضي عياض رحمه الله ~~تعالى (¬2): ورواه بعضهم: "لا يخفره". بضم الياء وبالخاء المعجمة وبالفاء، ~~أي: لا يغدر بعهده، ولا ينقض أمانه. قال: والصواب المعروف هو الأول، وهو ~~الموجود في "كتاب مسلم" بلا خلاف، وروي: "ولا يحتقره". وهذا يرد الرواية ~~الثانية. # وقوله: "التقوى ها هنا". إلخ. يعني أن الأعمال الظاهرة لا يحصل بها PageV10P309 # التقوى، وإنما تحصل بما يقع في القلب من عظمة الله تعالى وخشيته ~~ومراقبته، وأما مجرد ms2355 العمل الظاهر، فإنه قد يحصل مع النفاق والرياء والعجب، ~~ويكون زيادة في عقاب صاحبه. وجاء في رواية لمسلم (¬1): "إن الله لا ينظر ~~إلى أجسامكم ولا إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم". يعني أن مجازاته سبحانه ~~وتعالى ومحاسبته إنما تكون على ما في القلب دون الصور الظاهرة، ونظر الله ~~تعالى ورؤيته محيطة بكل شيء. ومقصود الحديث أن الاعتبار في هذا كله بالقلب، ~~وهو من نحو قوله - صلى الله عليه وسلم - "ألا إن في الجسد مضعة". الحديث ~~(¬2). واحتج البعض بهذا على أن العقل في القلب لا في الرأس، وقد سبق ذلك (¬3). # وقوله: "بحسب امرئ" إلخ. أي: يكفى. ولفظ "حسب" مبتدأ، والباء زائدة، و: ~~"أن يحقر أخاه". الخبر، أي أن هذه الخصلة الواحدة تكفي في أن يكون المتصف ~~بها من أهل الشر الذي يستحق به العقاب والنكال. # وقوله: "كل المسلم على المسلم" إلخ. أي أن هذه (أ) الثلاثة الأنواع (ب) ~~مستوية في التحريم، والأدلة من الكتاب والسنة والإجماع متضافرة على ~~تحريمها، بل والعقل أيضا. والله سبحانه أعلم. PageV10P310 # 1260 - وعن قطبة بن مالك قال: كان (أ) رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "اللهم جنبني منكرات الأخلاق والأعمال والأهواء والأدواء". أخرجه ~~الترمذي، وصححه الحاكم واللفظ له (¬1). # هو قطبة -بضم القاف وسكون الطاء المهملة وفتح الباء الموحدة- بن مالك ~~الثعلبي، ويقال: التغلبي. ويقال: الذبياني. يعني أنه اختلف في نسبه هل هو ~~إلى ثعلبة بالثاء المثلثة والعين المهملة، أو إلى تغلب بالتاء المثناة من ~~فوق والغين المعجمة، كوفي (¬2)، روى عنه يزيد بن علاقة، بكسر العين المهملة ~~وتخفيف اللام وبالقاف. # وقوله: "اللهم جنبني". أي: باعدني. # وقوله: "منكرات الأخلاق". الأخلاق جمع خلق، بضم الخاء المعجمة وضم اللام ~~ويجوز سكونها. قال الراغب (¬3): الخلق والخلق -يعني بالضم والفتح- في الأصل ~~بمعنى، كالشرب والشرب، لكن خص المفتوح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص ~~المضموم بالقوى والسجايا المدركة PageV10P311 # بالبصيرة. نتهى. # وفي دعائه - صلى الله عليه وسلم -: "اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي". ~~أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان (¬1). وفي حديث علي (¬2) رضي الله عنه في دعاء ms2356 ~~الافتتاح: "واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي (أ) لأحسنها إلا أنت". وقال ~~القرطبي في "الفهم" (¬3): الأخلاق أوصاف الإنسان التي يعامل بها غيره، وهي ~~محمودة ومذمومة؛ فالمحمودة على الإجمال، أن تكون مع غيرك على نفسك، فتنصف ~~منها ولا تنتصف لها، وعلى التفصيل؛ العفو، والحلم، والجود، والصبر، وتحمل ~~الأذى، والرحمة، والشفقة، وقضاء الحوائج، والتودد، ولين الجانب، ونحو ذلك، ~~والمذموم منها ضد ذلك، فقوله: "منكرات الأخلاق". المراد بها ضد محاسن ~~الأخلاق، وهو ضد الأشياء المذكورة؛ لأن المنكر ضد الحسن، والحسن هو المرغوب ~~فيه؛ إما من جهة العقل، وإما من جهة الفرض (ب)، وأكثر (ج) ما يقال في عرف ~~العامة فيما يدرك بالبصر، وأكثر ما جاء في الشرع فيما يدرك بالبصيرة، ~~والمراد هنا طلب البعد عن كل ما ينكر من الأخلاق شرعا أو عادة. # وقوله: "والأعمال". كذلك يراد به ما كان ينكر من العمل شرعا أو PageV10P312 # عادة. # وقوله: "والأهواء". جمع هوى، والهوى ما تشتهيه النفس من غير نظر إلى مقصد ~~يحمل (أ) عليه شرعا. # و: "الأدواء". جمع داء، وهي الأسقام المنفرة التي كان النبي (ب) - صلى ~~الله عليه وسلم - يتعوذ منها؛ كالجذام والبرص، أو المهلكة، كذات الجنب ~~(¬1)، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعيذ من سيئ الأسقام (¬2). # 1261 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله: - صلى الله عليه ~~وسلم - "لا تمار أخاك، ولا تمازحه، ولا تعده (ج) موعدا فتخلفه". أخرجه ~~الترمذي بسند فيه ضعف (¬3). # قوله: "لا تمار". من: مري، أي جحده، والمراد هنا الجدال، أي لا تجادل ~~أخاك. وقيل: المراء طعنك في كلام لإظهار خلل فيه لغير غرض سوى تحقير قائله، ~~وإظهار مزيتك عليه. والجدال هو ما يتعلق بإظهار المذاهب وتقريرها، والخصومة ~~لجاج في الكلام ليستوفى به مال أو غيره، ويكون تارة PageV10P313 # ابتداء، وتارة اعتراضا. والراء لا يكون إلا اعتراضا، وقد جاءت أحاديث ~~كثيرة في النهي عن الجدال في القرآن، وأنه كفر (¬1)، وروى الطبراني (¬2) أن ~~جماعة من الصحابة قالوا: خرج علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوما ~~ونحن نتمارى في شيء ms2357 من أمر الدين، فغضب غضبا شديدا لم يغضب مثله، ثم ~~انتهرنا فقال: "مهلا" (أ) يا أمة محمد، إنما هلك من كان قبلكم بهذا، ذروا ~~الراء لقلة خيره، ذروا الراء فإن المؤمن لا يماري، ذروا المراء فإن المماري ~~قد تمت خسارته، ذروا المراء فكفى (ب) إثما ألا تزال مماريا، ذروا المراء ~~فإن المماري لا أشفع له يوم القيامة، ذروا المراء فأنا زعيم (ج بثلاثة ~~أبيات ج) في الجنة؛ في رباضها -أي أسفلها- ووسطها وأعلاها، لمن ترك المراء ~~وهو صادق، ذروا المراء فإنه أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان". وروي ~~الشيخان (¬3): "إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم". أي الشديد الخصومة ~~الذي يحج مخاصمه، مأخوذ من لديدي الوادي، وهما جانباه؛ لأنه كلما احتج عليه ~~بحجة أخذ في جانب آخر. و: "الخصم". بفتح الخاء وكسر الصاد المهملة، هو ~~الحاذق في الخصومة. وهو محمول على المراء إذا لم يكن مقصودا به PageV10P314 # إظهار الحق، وكان القصد إنما هو إظهار الغلبة على الغير، أو كان الجدال ~~في نفس آيات القرآن، أو في معنى لا يسوغ الاجتهاد فيه، أو في أمير يوقع في ~~شك، أو شبهة، أو فتنة، أو خصومة، أو شحناء، أو نحو ذلك، وأما الاختلاف في ~~استنباط فروع الدين ومناظرة أهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة وإظهار الحق ~~وجدالهم في ذلك، فليس منهيا عنه بل مأمورا به، وفضيلة ظاهرة، وقد أجمع ~~المسلمون على هذا من عهد الصحابة رضي الله عنهم إلى الآن. # وقوله: "ولا تمازحه". من المزح، وهو المداعبة، والمراد المنهي عنه ما كان ~~باطلا، وأما ما كان حقا ولا يتسبب به شحناء، فهو جائز، كما قد وقع من النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - (¬1). وروي أبو هريرة أنهم قالوا: يا رسول الله، ~~إنك لتداعبنا. قال: "إني لا أقول إلا حقا". أخرجه الترمذي (¬2). فنبه أن ~~المزاح الحق لا حرج فيه. # وقوله: "ولا تعده موعدا فتخلفه". يدل على أنه لا يجوز إخلاف الوعد. وقد ~~تقدم قريبا أن ذلك من علامة النفاق (¬3)، ولعل المحرم منه ما ms2358 كان فيه ترك ~~واجب، وما لم (أ) يكن كذلك فهو مكروه. والله أعلم. PageV10P315 # 1262 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - "خصلتان لا تجتمعان في مؤمن؛ البخل وسوء الحلق". أخرجه الترمذي ~~(¬1) وفي إسناده ضعف. # الحديث فيه دلالة على قبح هاتين الخصلتين، وأنهما منافيتان للإيمان، وقد ~~ذم الله سبحانه وتعالى البخيل في كتابه، والأحاديث المتضافرة على ذمه ~~المتوعدة للبخيل بالعذاب والنكال. # واختلف العلماء في حد البخل المذموم؛ فحده بعضهم بأنه في الشرع منع ~~الزكاة، وألحق بها كل واجب، فمن منع ذلك كان بخيلا يناله العقاب الوارد في ~~الكتاب والسنة. قال الغزالي (¬2): وهذا الحد غير كاف، إذ من يرد اللحم أو ~~الخبز إلى قصاب أو خباز لنقص وزن حبة يعد بخيلا اتفاقا، وكذا من يضايق ~~عياله في لقمة أو تمرة أكلوها من ماله بعد أن سلم لهم ما فرضه لهم القاضي، ~~وكذا من بين يديه رغيف، فحضر من يظن أنه يشاركه، فأخفاه عنه يعد بخيلا. ~~انتهى. وهذا الكلام في البخيل عرفا لا من يستحق (أ) العقاب، فلا يرد نقضا. # وقال آخرون: البخيل الذي يستصعب العطية. وهذا الحد قاصر، فإنه إن أريد ~~أنه الذي يستصعب كل عطية، ورد عليه أن كثيرا من البخلاء لا PageV10P316 # يستصعب إعطاء الحبة، وإن أريد الكثير من العطية، فهذا لا يوجب الحكم ~~بالبخل. وبعضهم بأنه منع ما يطلب مما يقتنى. واعلم أن البخاري بوب باب حسن ~~الخلق وإلسخاء وما يكره من البخل، وذكر في الباب (¬1) حديث البردة التي ~~لبسها النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو محتاج إليها، ثم سأله رجل من ~~أصحابه البردة فأعطاه إياها، ثم لامه أصحابه. وقال في آخره: وقد علمت أنه ~~لا يسأل شيئا فيمنعه؟ وكان من (أ) عادته أنه إذا لم يكن مسوغا للإعطاء سكت ~~(ب) في جواب السائل، ولا يصرح بقوله (ج): لا أعطي. وأشار إلى أن بعض البخل ~~مكروه كما أن منه ما يحرم، ومنه ما يباح، بل ويستحب، بل ويجب. كذا ذكره (د) ~~المصنف ms2359 (¬2) رحمه الله. وقد أشار إلى ذلك قوله تعالى: {ولا تبسطها كل ~~البسط} (¬3). وقوله: {والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا} (¬4). # وأما قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬5): {لا أجد ما أحملكم عليه}. ~~وقوله PageV10P317 # للأشعريين: "والله لا أحملكم" (¬1). فلا إشكال فيه؛ فإن قوله: {لا أجد مآ ~~أحملكم}. لمن (أ) لا يغني في حقه السكوت، ولم يكن متماديا في الطلب، وفي ~~جواب الأشعريين لما تحققوا أنه لم يكن عنده شيء وتمادوا في السؤال، ويكون ~~القسم قطعا لطمع السائل، فلا ينافي قول الفرزدق (¬2). # * ما قال لا قط إلا في تشهده * # لأنه إذا لم يكن الإعطاء سائغا سكت. # وحده الإمام المهدي في "تكملة الأحكام" بأنه منع المال عما يجب صرفه فيه، ~~من تحصيل نفع، أو دفع ضرر أو ذم، وأراد بالنفع النفع في العاجل؛ من نفقته ~~على نفسه وأولاده ومن يجب عليه إنفاقه، وفي الآجل؛ كإخراج الزكاة وغيرها من ~~الواجبات المالية. وأراد بقوله: أو ذم. يعني: يدفع الذم عن نفسه بالإنفاق ~~فيما يحفظ به مروءته الذي يصون به عرضه عن الذم. وقد تكلم الهادي على هذا ~~في كتابه "الأحكام"، واحتج عليه بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "اجعل مالك ~~دون عرضك، وعرضك دون روحك، وروحك دون دينك" (ب) (¬3). PageV10P318 # وقوله "وسوء الخلق". المراد به الوصف المضاد لحسن الخلق. وقد تقدم الكلام ~~في حسن الخلق. وما خالف تلك الصفات فهو سوء الخلق، وقد تضافرت الأحاديث في ~~أنه ينافي الإيمان. # أخرج الحاكم والحارث (¬1) "سوء لخلق ويفسد العمل كما يفسد الخل العسل". ~~وابن منده (¬2): "سوء الخلق شؤم , وطاعة النساء ندامة , وحسن الملكة نماء". ~~والخطيب (¬3): "إن لكل شيء توبة إلا صاحب سوء الخلق، فإنه لا يتوب من ذنب ~~إلا وقع فيما هو شر منه". والصابوني (¬4): "ما من ذنب إلا وله عند الله ~~توبة إلا سوء الخلق، فإنه لا يتوب من ذنب إلا رجع إلى ما هو شر منه". ~~والترمذي وابن ماجه (¬5): "لا يدخل الجنة سيئ الخلق". وقوله - صلى الله ~~عليه وسلم - "ذهب حسن الخلق بخيري الدنيا والآخرة" (¬6). وأنه يدرك بحسن ms2360 ~~الخلق درجة الصائم القائم (¬7)، ودرجات الآخرة وشرف المنازل (¬8)، وإن سوء ~~الخلق ذنب لا يغفر (¬9)، وإن العبد ليبلغ من سوء خلقه أسفل درك جهنم (¬10). PageV10P319 # وغير ذلك. ولعله يحمل الحديث بأن الخصلتين لا تجتمعان في مؤمن كامل ~~الإيمان، أو أنه إذا اتصف بهما مستحلا لترك واجب قطعي، كالزكاة، فيكون ~~كافرا، أو أن ذلك خارج مخرج التحذير والتنفير عنهما. والله سبحانه أعلم. # 1263 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم". أخرجه مسلم (¬1). # تقدم الكلام عليه في حديث: "سباب المسلم فسوق (أ) " (¬2). # 1264 - وعن أبي صرمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من ضار مسلما ضاره الله تعالى، ومن شاق مسلما شق الله عليه". ~~أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه (¬3). # هو أبو صرمة الأنصاري -بكسر الصاد المهملة وسكون الراء- واسمه مختلف فيه؛ ~~فقيل: اسمه مالك بن قيس. وقيل: لبابة (ب بن قيس. وقيل: قيس ب) بن مالك بن ~~أبي أنس. وقيل: هانئ بن سعد. وهو مازني من بني مازن بن النجار، وهو مشهور ~~بكنيته، شهد بدرا وما بعدها من الشاهد، PageV10P320 # روى عنه محمد بن كعب القرظي، ومحمد بن قيس، وابن (أ) محيريز (¬1). # قوله: "من ضار مسلما". أي: أدخل عليه المضرة في نفسه أو عرضه أو ماله ~~بغير حق. # "ضاره الله تعالى". أي: جازاه من جنس فعله جزاء وفاقا. # "ومن شاق". أي: أدخل عليه المشقة، وهي المضرة أيضا (ب)، أو المشاقة ~~المنازعة، أي: نازعه ظلما وتعديا. # 1265 - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن الله يبغض الفاحش البذيء". أخرجه الترمذي وصححه (¬2)، وله من ~~حديث ابن مسعود رضي الله عنه رفعه: "ليس المؤمن بالطعان، ولا اللعان، ولا ~~الفاحش، ولا البذيء". وحسنه، وصححه الحاكم، ورجح الدارقطني وقفه (¬3). # قوله: "إن الله يبغض". مضارع بغض، كفرح. البغض، بضم الباء وسكون الغين, ~~مصدر بغض، وهو ضد المحبة. والمراد به إنزال العقوبة (¬4). PageV10P321 # و: "الفاحش". ms2361 اسم فاعل من الفحش، وهو كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح، ~~فيشمل القول والفعل والصفة، تقول: طويل فاحش الطول. وأكثر استعماله في ~~القوال. # و: "البذيء". فعيل من البذاء، وهو الكلام القبيح، وهو هنا في معنى فاحش، ~~فيكون مرادفا أتي به للتأكيد. # وقوله: "ليس المؤمن بالطعان". المراد (أبه الطعن أ)، وهو السب. يقال: طعن ~~في عرضه. أي: سبه. # و"اللعان". فعال، مبالغة فاعل، أي كثير اللعن، واللعنة في الدعاء يراد ~~بها (ب) الإبعاد من رحمة الله. يعني أن هذه (ج) ليست من أخلاق المؤمنين ~~الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم، والتعاون على البر والتقوى، وجعلهم ~~كالبنيان يشد بعضه بعضا، وكالجسد الواحد، وأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب ~~لنفسه، فمن دعا على أخيه المسلم باللعنة -وهي الإبعاد من رحمة الله تعالى- ~~فهو من نهاية المقاطعة والتدابر، وهذا غاية ما يدعو به المسلم على الكافر، ~~وقد جاء في الحديث أن: "لعن المؤمن كقتله" (¬1). لأن القاتل يقطعه عن منافع ~~الدنيا، وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة. أو أن معنى: PageV10P322 # "لعن المؤمن كقتله". يعني في الإثم. وهذا في حق من يكثر اللعن لا المرة ~~الواحدة , ويخرج منه من يجوز لعنه من الكفار، ومثل لعن الواصلة، والواشمة، ~~وآكل الربا، وشارب الخمر، وغير ذلك ممن ورد في الحديث لعنه، والمعنى أن هذه ~~الخصال ليست من أخلاق المؤمن، فمن تحلى بها فهو غير كامل الإيمان. والله أعلم. # 1266 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا تسبوا الأموات؛ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا". أخرجه البخاري. ~~مر الحديث بلفظه في آخر كتاب الجنائز (¬1). # 1267 - وعن حذيفة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "لا يدخل الجنة قتات". متفق عليه (¬2). # قوله: "قتات". هو بقاف ومثناة ثقيلة، وبعد الألف مثناة أخرى، وهو النمام، ~~وقد جاء عند مسلم في رواية أبي أوائل عن حذيفة بلفظ: "نمام". وقيل: الفرق ~~بين القتات والنمام, أن النمام (أ) الذي يحضر القصة فيبلغها (ب) , والقتات ~~الذي يسمع من ms2362 حيث لا يعلم به ثم ينقل (ج ما سمعه ج). PageV10P323 # قال الغزالي (¬1) ما ملخصه: ينبغي لمن حملت إليه النميمة ألا يصدق من نم ~~له، ولا يظن بمن نم عنه ما نقال عنه، ولا يبحث عن تحقيق ما ذكره له (أ)، ~~وأن ينهاه ويقبح فعله، وأن يبغضه إن لم ينزجر، وألا يرضى لنفسه ما نهى ~~النمام عنه، فينم على النمام فيصير نماما، وقد تكون النميمة واجبة، كما إذا ~~اطلع من شخص أنه يريد أن يؤذي شخصا ظلما فيحذره منه. قال العلماء: والنميمة ~~نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الإفساد بينهم. قال الإمام أبو حامد ~~الغزالي في "الإحياء" (¬2): اعلم أن النميمة إنما تطلق على الأكثر على من ~~ينم قول الغير إلى المقول فيه، كما تقول: فلان يتكلم فيك بكذا. قال: وليست ~~النميمة مخصوصة بهذا، بل حد النميمة كشف ما يكره كشفه، سواء كرهه المقول ~~عنه أو المقول إليه أو ثالث، وسواء كان الكشف بالكناية أو بالرمز أو ~~بالإيماء، فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه، ولو رآه ~~يخفي مالا لنفسه فذكره فهو نميمة. # والحديث يدل على أن النميمة محرمة وأنها من الكبائر (ب). قال الحافظ ~~المنذري (¬3): أجمعت الأمة على أن النميمة محرمة، وأنها من أعظم الذنوب PageV10P324 # عند لله تعالى وحديث: "وما يعذبان في كبير (أ) " (¬1). يراد (ب) به كبير ~~تركه والاحتراز عنه، أو ليس كبيرا في اعتقادكم، كما قال الله تعالى ~~{وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} (¬2). أو (ج) المراد به ليس أكبر ~~الكبائر. كما دل عليه قوله في الحديث: "بلى إنه كبير". إلا أنه إذا سلم ~~للغزالي أن النميمة مطلقة عن قيد قصد الإفساد، فهي نميمة محرمة، ولا تكون ~~كبير إلا مع قصد الإفساد، وقد ورد فيها أحاديث كثيرة، أخرج الطبراني (¬3): ~~"ليس مني (د) ذو حسد ولا نميمة ولا كهانة، ولا أنا منه". ثم " رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: {والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا ~~فقد احتملوا بهتانا وإثما مبينا} (¬4). وأحمد (¬5): "خيار عباد الله الذين ms2363 ~~إذا رءوا ذكر الله , وشر عباد الله المشاءون بالنميمة , المفرقون بين ~~الأحبة , الباغون للبرآء العيب". وأبو الشيخ (¬6): "الهمازون واللمازون , ~~والمشاءون بالنميمة , الباغون للبرآء العيب , يحشرهم الله PageV10P325 # تعالى في وجوه الكلاب". وروى كعب أنه أصاب بني إسرائيل قحط، فاستسقى موسى ~~صلى الله على نبينا وعليه وسلم مرات فما أجيب، فأوحى الله إليه: إني لا ~~أستجيب لك ولا لمن معك وفيكم نمام قد أصر على النميمة. فقال موسى: من هو يا ~~رب حتى نخرجه من بيننا؟ فقال: يا موسى، أنهاكم عن النميمة وأكون نماما! ~~فتابوا بأجمعهم فسقوا. وغير ذلك من الأحاديث المنبئة على أن النمام ممن ~~يستحق العقاب بالنار، نسأل الله السلامة من أخلاق السوء بمنه وإحسانه. # 1268 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"من كف غضبه كف الله عنه عذابه". أخرجه الطبراني في "الأوسط" (¬1)، وله ~~شاهد من حديث ابن عمر عند ابن أبي الدنيا (¬2). # تقدم الكلام قريبا في الغضب (¬3). # 1269 - وعن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "لا يدخل الجنة خب ولا بخيل ولا سيئ الملكة". أخرجه الترمذي ~~(¬4)، وفرقه حديثين، (أوفي سنده ضعف أ). PageV10P326 # قوله: "خب". الخب: الماكر الخداع. والبخيل؛ تقدم الكلام عليه (أ) (¬1) ~~وسيء الملكة، هو من يترك ما يجب عليه من حق من كان مملوكا له، إما بالتقصير ~~في المؤنة أو غيرها، كالأذى والتأديب الخارج عن الحد الذي يجوز. والله أعلم. # 1270 - وعن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من سمع حديث قوم وهم له كارهون، صب في أذنيه الآنك يوم القيامة". ~~يعني الرصاص. أخرجه البخاري (¬2). # قوله: "من سمع". هذا اللفظ في "بلوغ المرام"، والذي في روايات "البخاري": ~~"من استمع إلى حديث قوم". # وقوله: "وهم له كارهون". في "البخاري": "أو يفرون منه". بالشك، وقد جاء ~~في رواية عباد: "وهم يفرون منه". من غير شك. # وقوم "صب في أذنيه الآنك". وقع في رواية: "ومن استمع إلى حديث قوم ms2364 ولا ~~يعجبهم (ب أن يسمع ب) حديثهم، أذيب في أذنه الآنك". # والآنك بالمد وضم النون بعدها كاف: الرصاص المذاب. وقول المصنف: يعني ~~الرصاص. ليس في الحديث، وإنما هو تفسير من المصنف PageV10P327 # رحمه الله تعالى. وقيل: هو خالص الرصاص. وقال الداودي (¬1): هو القصطير. # والحديث يدل على أن استماع حديث من يكره محرم، وقد عد من الكبائر؛ لوعيده ~~بالعذاب؛ فإن الرصاص المذاب عذاب وأي عذاب، ولا يعارضه حديث: "لا يتناجى ~~اثنان دون الآخر" (¬2). لأن هذا فيما إذا أتى وهم يتناجون، فإنه يحرم على ~~الثالث الاستماع إذا عرف الكراهة. وقد أخرج البخاري في "الأدب الفرد" (¬3) ~~من رواية سعيد المقبري قال: مررت على ابن عمر ومعه رجل يتحدث، فقمت إليهما، ~~فلطم صدري وقال: إذا وجدت اثنين يتحدثان فلا تقم معهما حتى تستأذنهما. زاد ~~أحمد (¬4) في روايته من وجه آخر عن سعيد (أ): وقال: أما سمعت النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "إذا تناجى اثنان فلا يدخل معهما غيرهما حتى ~~يستأذنهما". قال ابن عبد البر (¬5): لا يجوز لأحد أن يدخل على المتناجيين ~~في حال تناجيهما. وقال المصنف (¬6) رحمه الله: ولا ينبغي للداخل القعود ~~عندهما ولو تباعد عنهما إلا بإذنهما؛ لأن افتتاحهما الكلام سرا وليس عندهما ~~أحد دل (ب) على أنهما لا يريدان PageV10P328 # الاطلاع عليه (أ)، وقد يكون لبعض الناس قوة فهم، إذا سمع بعض الكلام ~~استدل به على باقيه، فلا بد له من معرفة الرضى؛ فإنه قد يكون الإذن حياء، ~~وفي الباطن الكراهة. # ويلحق باستماع الحديث استنشاق الرائحة، ومس الثوب، أو استخبار صغار أهل ~~الدار ما يقول الأهل أو (ب) الجيران من الكلام، أو ما يعملون من الأعمال، ~~وأما لو أخبره عدل باجتماع أهل الدار على منكر، جاز له أن يهجم يستمع ~~الحديث لإزالة المنكر. والله سبحانه أعلم. # 1271 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس". أخرجه البزار بإسناد حسن (¬1). # قوله: "طوبى". على وزن فعلى , مصدر من الطيب , أو اسم شجرة في ms2365 الجنة يسير ~~الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها. # وقوله: "لمن شغله عيبه" أي: النظر في عيوبه وطلب إزالتها والستر عليها. # وقوله: "عن عيوب الناس". أي: عن ذكرها والتعرف لما يصدر منهم من العيوب. # 1272 - وعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من PageV10P329 # تعاظم في نفسه واختال في مشيته لقي الله وهو عليه غضبان". أخرجه الحاكم ~~ورجاله ثقات (¬1). # قوله: "تعاظم في نفسه". صيغة تفاعل تأتي لمعان؛ ومن معانيه أنه يأتي ~~بمعنى فعل، نحو: توانيت، بمعنى: ونيت، مع البالغة، وهو المقصود هنا ف ~~"تعاظم" بمعنى: عظم في نفسه؛ إما بمعنى أنه اعتقد أنه يستحق من التعظيم فوق ~~ما يستحقه غيره ممن لا يعلم استحقاقه الإهانة، أو يكون "تعاظم" بمعنى تعظم، ~~وهو وإن لم يكن قياسيا، فقد جاء تفاعل بمعنى يفعل. ذكره نجم الدين في شرحه ~~على "مقدمة التصريف"، و "يفعل" إما أن يكون بمعنى استفعل؛ أي: طلب أن يكون ~~عظيما. أو بمعنى: اعتقد في نفسه أنه عظيم ك "تكبر"، أي: اعتقد أنه كبير. ~~و"تعاظم" هنا بمعنى "تكبر" على أحد هذين المعنيين، والتكبر والكبر والكبرة ~~-بكسر الكاف وسكون الباء- والكبرياء , بمعنى واحد، وهو اعتقاد أنه يستحق من ~~التعظم فوق ما يستحقه غيره ممن لا يعلم استحقاقه الإهانة، على ما حده به ~~الإمام المهدي في "تكملة الأحكام". وفي "بداية الهداية" للغزالي أن العجب ~~والكبر والفخر نظر العبد إلى نفسه بعين العز والاستعظام، وإلى غيره بعين ~~الاحتقار، وعلامته الترفع في المجالس والتقدم، والاستنكار من أن يرد عليه ~~كلامه، وعلى الجملة فكل من رأى نفسه خيرا من عباد الله فهو متكبر. انتهى. ~~وفي "الكشاف" (¬2) في تفسير قوله تعالى: {إن في صدورهم إلا كبر} (¬3). أي: ~~إلا إرادة التقدم PageV10P330 # والرياسة، وألا يكون أحد فوقهم. وفي "تفسير أبي السعود" (¬1) في تفسير ~~الآية: أي: إلا تكبر عن الحق وتعظم عن التفكر والتعلم. أو: إرادة الرياسة ~~والتقدم على الإطلاق. أو: إرادة أن تكون النبوة فيهم دونك، حسدا أو بغيا , ~~ما هم ببالغي (أ) مقتضى ms2366 ذلك التكبر. انتهى. # ويظهر من كلام هؤلاء الأئمة أن الكبر يحصل وإن لم يكن صاحبه معتقدا ~~للمعنى , بل يكفي إظهار الترفع على الغير وإرادته , وقد يصحبه الاعتقاد , ~~وقد يخلو عند فلا يكون معناه الاعتقاد , وصريح في هذا المعنى ما أخرجه ~~مسلم، والحاكم، والترمذي (¬2)، من حديث ابن مسعود أنه قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من تكبر". قال رجل: يا ~~رسول الله، إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا. قال - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن الله جميل يحب الجمال، التكبر بطر الحق وغمط الناس". و ~~"غمط" بالطاء المهملة وبالظاء المعجمة , ومعناهما متقارب؛ قال في "النهاية" ~~(¬3): هو أن يجعل ما جعله الله (ب حياة توحيد - أي ثمرة ب) توحيده ومعبادته ~~- باطلا، وقيل: هو أن [يتجبر] (ج) عند الحق فلا يراه حقا. وقيل: هو أن ~~يتكبر PageV10P331 # عن الحق فلا يقبله. وقال النووي (¬1): معناه الارتفاع عن الناس ~~واحتقارهم، ودفع الحق وإنكاره، ترفعا وتجبرا. وجاء في رواية الحاكم: "ولكن ~~الكبر من بطر الحق وازدراء الناس". "بطر الحق": دفعه ورده. و "غمط الناس". ~~بفتح الغين المعجمة وسكون الميم وبالطاء المهملة، هو احتقارهم وازدراؤهم. ~~هكذا جاء مفسرا عند الحاكم، قاله عبد العظيم المنذري (¬2). ولفظة: "من" ~~رويت بكسر الميم على أنها حرف جر، وبفتحها على أنها موصولة. فهذا التفسير ~~النبوي يؤيد (أ) أن التكبر ليس من قبيل الاعتقاد، وليس بمعنى إرادة التقدم، ~~وإنما هو بمعنى عدم الامتثال ترفعا وتعززا، واحتقار الناس، ويكون مانعا ~~للخلق (ب) دون الجمع، فكبر إبليس جامع للأمرين، وكذلك كفار قريش، وبعض ~~الكفرة؛ للترفع والحسد، وقد يكون مع بعض المخالفين ترك الامتثال لاحتقار ~~الآمر له. والرجوع إلى التفسير الأثري أولى، ويحمل تفسيره بإرادة التقدم ~~على المجاز، لما كان ذلك حاملا على دفع الحق وإظهار حقارة الآمر، فبالغ في ~~السبب، (ج فأخبر به ج) عن المسبب، وجعل كأنه عينه، مثل: زيد صوم. # وقال الإمام المحقق أحمد بن محمد بن حجر الهيتمي (د) في كتابه "الزواجر": ~~إن ms2367 الكبر؛ إما باطن، وهو خلق في النفس، واسم الكبر بهذا PageV10P332 # أحق. وإما ظاهر، وهو أعمال تصدر من الجوارح، وهي ثمرات ذلك الخلق، وعند ~~ظهورها يقال: تكبر (أ). وعند عدمها يقال: كبر. والأصل هو خلق النفس الذي هو ~~الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبر عليه، فهو يستدعي متكبرا ~~عليه ومتكبرا به، وبه فارق العجب، (ب فإنه لا يستدعي غير المعجب به، حتى لو ~~فرض انفراده دائما أمكن أن يقع منه العجب دون الكبر , فالعجب ب) مجرد ~~استعظام الشيء , فإن صحبه من يرى أنه فوقه كان تكبرا, انتهي كلامه؛ وهو لا ~~يناسب تفسير الكبر في الحديث. # وقوله: "اختال في مشيته". الاختيال التكبر , وعطفه على "تعاظم في نفسه" ~~يناسبه كلام (ج) ابن حجر، ويحتمل أنه من عطف أحد نوعي الكبر على الآخر، ~~كأنه قال: من جمع بين نوعين من أنواع الكبر استحق هذا الوعهد، ولا يلزم منه ~~أن أحدهما لا يكون بهذه المثابة؛ لأنها قد وردت الأحديث في ذم الكبر مطلقا. # والحديث يدل على أن التكبر محرم، وأنه يوجب الغضب من الرب جل وعلا , ~~فيكون من الكبائر المهلكة. وفي التحذير منه أحاديث كثيرة مصرحة بوعيد ~~المتكبر بالنار. والله سبحانه أعلم. # 1273 - وعن سهل بن سعد رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "العجلة من الشيطان". أخرجه الترمذي (¬1) وقال: حسن. PageV10P333 # العجلة هي السرعة في الشيء، وهي تكون من الشيطان فيما كان الأناة مطلوبة ~~لتحصيل غرض أكمل من الحاصل من الأمر المعجل. والله أعلم. # 1274 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "الشؤم سوء الخلق". أخرجه أحمد (¬1)، وفي إسناده ضعف. # قوله: "الشؤم". ضد اليمن، وواوه منقلبة عن همزة، وشؤم الخلق المراد به ~~سوء الخلق. وقد تقدم الكلام قريبا عليه (¬2)، والمراد هنا أن الشيء الذي ~~تكره عاقبته ويخاف منه هو سوء الخلق. والله أعلم. # 1275 - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن اللعانين لا يكونون (أ) شفعاء ms2368 ولا شهداء يوم القيامة". أخرجه ~~مسلم (¬3). # قوله: "إن اللعانين". تقدم الكلام على معنى اللعن قريبا (¬4). # وقوله: "لا يكونون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة". معناه: لا PageV10P334 # يشفعون حين (أ) يشفع المؤمنون في إخوانهم. # ومعنى: "ولا شهداء". فيه ثلاثة أقوال؛ أصحها وأشهرها: لا يكونون شهداء ~~يوم القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات. والثاني: لا يكونون ~~شهداء في الدنيا ولا تقبل شهادتهم لفسقهم. والثالث: لا يرزقون الشهادة؛ وهي ~~القتل في سبيل الله تعالى، ف "يوم القيامة" يتعلق ب "شفعاء" وحده على ~~الأخيرين، ويحتمل أن يتعلق بهما؛ بمعنى أن شهادته لما لم تقبل في الدنيا لم ~~يكتب في الآخرة له ثواب من شهد بالحق، وكذلك لا يكون له في الآخرة ثواب من ~~قتل في الشهادة. والله أعلم. # 1276 - وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - "من عير أخاه بذنب لم يمت حتي يعمله". أخرجه الترمذي (¬1) وحسنه (ب) ~~, وسنده منقطع. # الحديث فيه دلالة على أنه لا يجوز أذية المؤمن ولو قد ارتكب ذنبا , وأنه ~~يجب الستر عليه، وهو كما تقدم في الغيبة، أنها لا تجوز ولو في حق الفاسق ~~إلا في المواضع الستة التي تقدمت) (¬2). PageV10P335 # وقوله: "لم يمت حتى يعمله". كأنه -ونعوذ بالله من ذلك- يكون عقوبته؛ سببا ~~لخذلانه وسلب التوفيق عنه حتى يعمل ذلك الذنب، وكأنه لما (أ) يصحبه من ~~العجب وعدم شكره لله تعالى على توفيقه ببعده من ذلك الذنب، وإن كان لا يخلو ~~من الذنوب (ب). نسأل الله تعالى التجاوز والعفو. # 1277 - وعن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "ويل للذي يحدث فيكذب ليضحك به القوم، وويل له ثم ~~ويل له". أخرجه الثلاثة (¬1) وإسناده قوي. # الحديث حسنه الترمذي، وأخرجه البيهقي (¬2)؛ فيه دعاء على الذي يكذب ~~بالويل ثلاث مرات، والويل مصدر بمعنى الهلاك، مرفوع على أنه مبتدأ، والخبر ~~الجار والمجرور. # وفيه دلالة على تحريم الكذب وإن لم يكن ضارا، وقد وردت الأحاديث الصحيحة ms2369 ~~في التحذير من الكذب على الإطلاق، مثل قوله: "إياكم والكذب؛ فإن الكذب يهدي ~~إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار". PageV10P336 # وسيأتي (¬1). وأخرج ابن حبان (¬2) في "صحيحه": "وإياكم والكذب فإنه مع ~~(أ) الفجور وهما في النار". والطبراني (¬3): (ب "وإياكم والكذب فإنه يهدي ~~إلى الفجور وهما في النار". وأحمد (¬4) من حديث ابن لهيعة: ما عمل النار؟ ~~قال "الكذب ب) بم إذا كذب العبد فجر، وإذا فجر كفر وإذا كفر دخل النار". و ~~(ج) البخاري (¬5): "رأيت الليلة رجلين أتياني قالا لي: الذي رأيته يشق شدقه ~~فكذاب يكذب الكذبة تحمل عنه حتى تبلغ الآفاق، فيصنع به إلى يوم القيامة". ~~والشيخان (¬6): "علامة المنافق ثلاث؛ إذا حدث كذب". الحديث، وزاد مسلم: ~~"وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم". وأخرجه أبو يعلى (¬7) بزيادة: "وإن صام وصلى ~~وحج واعتمر و (د) قال: إني مسلم". وأحمد والطبراني (¬8): "لا يؤمن العبد ~~الإيمان كله حتى يترك الكذب في المزاح والمراء وإن كان صادقا". وأبو يعلى ~~(¬9) بسند رواته رواة الصحيح: "لا PageV10P337 # يبلغ العبد الإيمان حتى يدع المزاح والكذب ويدع المراء: إن كان محقا". ~~وأحمد (¬1): "يطبع المؤمن على الخلال إلا الخيانة والكذب". وأخرجه الطبراني ~~والبيهقي وأبو يعلى (¬2) بسند رواته رواة الصحيح. وغير ذلك من الأحاديث ~~الكثيرة. وقد عد من الكبائر لشمول حد الكبيرة له، فإنه ورد الوعيد عليه ~~بعينه، وقد صرح الروياني في "البحر" -من الشافعية- أنه كبيرة وإن لم يضر، ~~وقال: من كذب قصدا ردت شهادته وإن لم يضر بغيره؛ لأن الكذب حرام بكل حال. ~~وروى في "البحر" حديثا مرسلا، أنه - صلى الله عليه وسلم - أبطل شهادة رجل ~~في كذبة كذبها. وقال الأذرعي: قد تكون الكذبة الواحدة كبيرة. وفي "الأم" ~~للشافعي (¬3): كل من كان منكشف الكذب مظهره غير مستتر به لم تجز شهادته. ~~ومثله ذكرته الهدوية في رد الشهادة، ونصوا أنه ليس بكبيرة كما ذكره الإمام ~~المهدي في "الأزهار" وغيره، ولكن لا يتم لهم الإطلاق، فإن الكذب على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - والكذب الضار للمسلم أو الذمي لا يمكن أحد أن يدعي ~~أنه ليس ms2370 بكبيرة، وأما القليل من الكذب الخالي عن الضرر، فصرح الرافعي نقلا ~~عن غيره أنه ليس بكبيرة، وكان مستندهم في ذلك ابتلاء أكثر الناس به، وذكر ~~الغزالي في "الإحياء" (¬4) تفصيلا، وقسم الكذب إلى واجب ومباح ومحرم، وقال: ~~إن كل مقصود محمود يمكن التوصل إليه بالصدق والكذب جميعا، فالكذب [فيه] (أ) ~~حرام، وإن أمكن PageV10P338 # التوصل إليه (أ) بالكذب وحده فمباح إن أبيح تحصيل ذلك المقصود، وواجب إن ~~وجب تحصيل ذلك، وهو إذا كان فيه عصمة من يجب إنقاذه، وكذا إذا خشي على ~~الوديعة من ظالم وجب الإنكار والحلف، وكذا إذا كان لا يتم مقصود حرب أو ~~إصلاح ذات البين، أو استمالة قلب المجني عليه إلا بالكذب فهو مباح، وكذا ~~إذا وقعت منه فاحشة كالزنى وشرب الخمر، وسأله السلطان فله أن يكذب ويقول: ~~ما فعلت. وله أن ينكر سر أخيه. ثم قال: ينبغي أن يقابل مفسدة الكذب ~~بالمفسدة المترتبة على الصدق؛ فإن كانت مفسدة الصدق أشد فله الكذب، وإن كان ~~بالعكس أو شك فيها حرم الكذب , وإن تعلق بنفسه استحب ألا يكذب، وإن تعلق ~~بغيره لم يجز المسامحة بحق الغير، والحزم تركه حيث أبيح. انتهى. وقال مسلم ~~في "الصحيح" (¬1): قال ابن شهاب: ولم أسمع يرخص -في شيء مما تقول الناس كذب ~~إلا في ثلاث؛ الحرب , وإصلاح بين الناس , وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة ~~زوجها. قال القاضي عياض (¬2): لا خلاف في جواز الكذب في هذه الثلاث الصور. ~~واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها ما هو؟ فقالت طائفة: هو على إطلاقه. ~~وأجازوا قول ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة. وقالوا: الكذب المذموم ما ~~فيه مضرة. واحتجوا بقول إبراهيم صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم: {بل PageV10P339 # فعله كبيرهم} (¬1)، و {إني سقيم} (¬2) , وقوله: "إنها أختي" (¬3). وقول ~~منادي يوسف: {أيتها العير إنكم لسارقون} (¬4). وقال آخرون؛ منهم الطبري: لا ~~يجوز الكذب في شيء أصلا. قالوا: وما جاء من الإباحة في هذا فالمراد به ~~التورية واستعمال المعاريض لا صريح الكذب. ذكر هذا في "شرح النووي" (¬5)، ~~ولكن أخرج ابن النجار ms2371 (¬6) عن النواس بن سمعان مرفوعا: "الكذب يكتب على ابن ~~آدم إلا ثلاثا؛ الرجل يكذب بين الرجلين ليصلح بينهما، والرجل يحدث امرأته ~~ليرضيها بذلك، والكذب في الحرب، والحرب خدعة". وأجرج البنرار (¬7) عن ثوبان ~~مرفوعا: "الكذب مكتوب إلا ما نفع به مسلما (أأو دفع أ) به عنه". وأخرج ~~الروياني (¬8) عن ثوبان: "الكذب كله إثم إلا ما نفع به مسلما (ب) أو دفع به ~~عن دين". # فهذا يدل على جواز الكذب من دون تورية ويكون مخصصا لأحاديث العموم على ما ~~هو القاعدة في تخصيص العام، وما ذكره الغزالي من الصور PageV10P340 # المباحة مقيسة فيما لم يتناولها المخصص، وأما الكذب الواجب فلدليل آخر. ~~واعلم أنه قد اختلف في تحقيق الكذب؛ فذهب الجمهور إلى أن حقيقته ما خالف ~~مقتضاه في الوقوع؛ فإذا قال: زيد في الدار. وانكشف أنه في الدار كان صدقا، ~~وإن لم يكن في الدار كان كذبا (أ)، ولو كان يعتقد أنه في الدار إلا أنه لا ~~يأثم في الإخبار في هذا الظرف. وقال النظام: ما خالف مقتضاه في الاعتقاد ~~وإن طابق الواقع. وقال الجاحظ: ما خالف الاعتقاد والواقع. وأثبت الواسطة ~~بين الصدق والكذب وتحقيق الأقوال في علم الأصول. # 1278 - وعن أنس رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - "كفارة من ~~اغتبته أن تستغفر له". رواه الحارث بن أبي أسامة (¬1) بسند ضعيف. # وأخرج الحديث ابن أبي شيبة في "مسند" , والبيهقي (¬2) في "شعب الإيمان"، ~~وغيرهما من حديث أنس بألفاظ مختلفة وفي أسانيدها ضعف، ورو من طرق أخر ~~بمعناه، والحاكم من حديث حذيفة، والبيهقي (¬3)، قال: وهو أصح، ولفظه: كان ~~في لساني ذرب على أهلي؛ فسألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال (ب): ~~"أين أنت من الاستغفار يا حذيفة؟ إني PageV10P341 # أستغفر الله في كل يوم مائة مرة". # والحديث يدل على أنه يكفي في ذنب الغيبة الاستغفار للمغتاب، ولا يحتاج ~~إلى الاستحلال، وذهب الهدوية وأصحاب الشافعي -ذكره النووي عنهم في ~~"الأذكار" (¬1) - أنه يجب الاستحلال إذا علم المغتاب، وأما إذا لم يعلم فلا ~~يجب بل لا ms2372 يستحب؛ لأنه يكون فيه إيحاش وإيغار للصدر (أ)، ويدل على هذا ما ~~أخرجه البخاري (¬2) من حديث أبي هريرة: "من كانت عنده مظلمة لأخيه في عرضه ~~أو شيء فليتحلله منه اليوم من قبل ألا يكون دينار ولا درهم؛ إن كان له عمل ~~صالح أخذ منه بقدر مظلمته، وإن لم يكن له حسنات أخذ من سيئات صاحبه فحمل ~~عليه". وأخرج نحوه البيهقي (¬3) من حديث أبي موسى، وهو يدل على أنه يجب ~~الاستحلال وإن لم يكن قد علم بما قيل فيه، ويمكن الجمع بين الحديثين بأن ~~حديث أنس في حق من لم يكن قد علم، وحديث أبي هريرة في حق من قد بلغه. والله أعلم. # 1279 - وعن عائشة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم". أخرجه مسلم (¬4). # الحديث فيه دلالة على تحريم كثرة الخصومة، وقد تقدم قريبا تحقيق معنى PageV10P342 # الحديث، وظاهره: وإن كانت الخصومة في حق. قال النووي في "الأذكار" (¬1): ~~فإن قلت: لا بد للإنسان من الخصومة لاستيفاء حقوقه. فالجواب ما جاب به ~~الغزالي (¬2) أن الذم إنما هو لمن خاصم بباطل أو بغير علم كوكيل القاضي , ~~فإنه يتوكل قبل أن يعرف الحق في أي جانب. # ويدخل في الذم من يطلب حقا، لكن لا يقتصر على قدر الحاجة، بل يظهر اللدد ~~والكذب للإيذء والتسلط على خصمه، وكذلك من يحمله على الخصومة محض الفساد ~~لقهر الخصم وكسره، وكذلك من يخلط الخصومة بكلمات تؤذي وليس إليها ضرورة في ~~التوصل إلى غرضه؛ فهذا هو المذموم، بخلاف المظلوم الذي ينصر حجته بطريق ~~الشرع من غير لدد وإسراف وزيادة لجاج على الحاجة من غير قصد عناد ولا ~~إيذاء، ففعله (أ) هذا ليس مذموما ولا حراما، لكن الأولى تركه ما وجد إليه ~~سبيلا؛ لأن ضبط اللسان في الخصومة على حد الاعتدال [متعذر] (ب). # وأخرج الشافعي في "الأم" (¬3) عن علي كرم الله وجهه (ج) أنه وكل في خصومة ~~وهو حاضر. قال: وكان يقول: إن الخصومة لها قحم وإن الشيطان يحضرها. وقحم ms2373 ~~بضم القاف وبالمهملة المفتوحة؛ أي شدة PageV10P343 # وورطة، وعد المطرزي في "المغرب" (¬1) فتح الحاء خطأ، فالورع ترك مباشرة ~~الخصومة وإن كان محقا. # وقد ورد في ذم الخصومة أحاديث كثيرة؛ قوله - صلى الله عليه وسلم - "من ~~جادل في خصومة بغير علم لم يزل في سخط الله حتى ينزع" (¬2). وقال - صلى ~~الله عليه وسلم -: "ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا جدلا". ثم تلى: ~~{ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون} (¬3). وأخرج الترمذي (¬4) -وقال: ~~غريب- عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "كفى بك ألا تزال مخاصما". قال بعض العلماء: عدم قبول شهادة (أ) وكلاء ~~القاضي مسألة غريبة. # وعد صاحب "العدة" أن من الصغائر كثرة الخصومة وإن كان الشخص محقا. ووجه ~~صاحب "الخادم" بأن كثرة الخصومة في الحق ترد بها الشهادة؛ لأنها تنقص ~~المروءة، لا لكونها معصية توجب الإثم، وتسميتها صغيرة مجاز؛ لأنها لما ردت ~~بها الشهادة أشبهت العصية التي ترد بها PageV10P344 # الشهادة، إلا أنه يؤيد (أ) ما قال في "العدة" ما قال في "الإحياء" (¬1) ~~أن المباح يصير صغيرة بالمواظبة عليه؛ كاللعب بالشطرنج. انتهى. إلا أنه ~~يمكن توجيه كون ذلك معصية بأن الخصومة لما كانت مظنة لوقوع ما لا يجوز ~~فيها، وضبط النفس في الخصومات الكثيرة (ب) في حكم المتعثر أو المتعذر، ~~فالإقدام على ذلك معصية، مثل من أقدم على قتل من لا يجوز، فانكشف أن ~~المقتول ممن يجوز قتله؛ فإنه قد أثم بنفس الإقدام وإن انتهى الحال إلى ~~السلامة، ويدل على هذا قول علي رضي الله عنه، والله سبحانه أعلم. PageV10P345 ### || AUTO باب الترغيب في مكارم الأخلاق # 1280 - عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن (أ) البر يهدي إلى ~~الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم ~~والكذب؛ فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال ~~الرجل يكذب (ب ms2374 ويتحرى الكذب ب) حتى يكتب عند الله كذابا". متفق عليه (¬1). # قوله: "عليكم بالصدق". أي الزموا الصدق، والمقصود الإغراء والحث عليه. ~~قال الراغب (¬2): أصل الصدق والكذب في القول؛ ماضيا كان أو مستقبلا، وعدا ~~كان أو غيره، ولا يكونان بالقصد الأول (ج إلا في القول، ولا يكونان في ~~القول ج) إلا في الخبر، وقد يكونان في غيره كالاستفهام والطلب. والصدق ~~مطابقة القول الضمير والمخبر عنه، فإن انخرم شرط لم يكن صدقا، بل إما أن ~~يكون كذبا أو مترددا بينهما على اعتبارين، كقول PageV10P346 # المنافق: محمد رسول الله. فإنه يصح أن يقال: صدق. لكون المخبر عنه كذلك، ~~ويصح أن يقال: كذب. لمخالفة قوله الضمير. والصديق من كثر منه لصدق، وقد ~~يستعمل الصدق والكذب في كل ما يحق في الاعتقاد ويحصل؛ نحو: صدق ظني. وفي ~~الفعل، نحو: صدق في القتال. ومنه: {قد صدقت الرؤيا} (¬1) انتهى ملخصا. وهذا ~~كلام الراغب موافق لقول الجمهور: إن الصدق ما طابق الواقع، والكذب ما خالف ~~الواقع، إلا أن الواقع له اعتباران؛ واقع بالنظر إلى اعتقاده، وواقع بالنظر ~~إلى نفس الأمر، فمثل قوله - صلى الله عليه وسلم - في جواب ذي اليدين: "كل ~~ذلك لم يكن". أي في الواقع بالنظر إلى ظنه (¬2)، وقوله تعالى: {والله يشهد ~~إن المنافقين لكاذبون (1)} (¬3) أي الواقع بالنظر على اعتقادهم وظنهم ~~الباطل، فلا يكون الصدق حينئذ إلا طابق الواقع، ولا يكون الكذب إلا ما خالف ~~الواقع. # وقوله: "يهدي". بفتح الياء، من الهداية، وهي الدلالة الموصلة إلى ~~المطلوب. # قوله: "إلى البر" بكسر البال الموحدة , وأصله التوسع في فعل الخيرات , ~~وهو اسم جامع اللخيرات كلها ,ويطلق على العمل الصالح الخالص الدائم. # وقوله: "وإن البر". إلى آخره. قال ابن بطال (¬4): مصداقه قوله تعالى: PageV10P347 # {إن الأبرار لفي نعيم} (¬1). # وقوله: "وما يزال الرجل يصدق". إلى آخره. قال ابن بطال (¬2): المراد ~~يتكرر منه الصدق حتى يستحق اسم المبالغة وهو صديق. # وقوله: "الفجور". أصل الفجر: الشق، فالفجور شق الديانة، ويطلق على الميل ~~إلى الفساد وعلى الانبعاث في المعاصي، وهو اسم جامع للشر. # وقوله: "وما يزال ms2375 الرجل يكذب". إلى آخره. المراد أنه إذا تكرر منه الكذب ~~استحق اسم المبالغة وهو كذاب. # وفي الحديث إشارة إلى أن من توقى الكذب بالقصد الصحيح إلى الصدق صار ~~الصدق له سجية حتى يستحق الوصف به، وكذلك عكسه، وأما ذم الكاذب ومدح الصادق ~~فهو حاصل على كل حال، والحديث فيه دلالة على تحريم الكذب على العموم، وقد ~~تقدم الكلام على هذا قريبا (¬3). # 1281 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "إياكم والظن؛ فإن الظن أكذب الحديث". متفق عليه (¬4). # قوله: "إياكم". ضمير جماعة المخاطبين منصوب على التحذير بفعل PageV10P348 # مقدر، والظن معطوف عليه. الحديث قد تقدم في الباب الأول فهو تكرير (¬1). # 1282 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إياكم والجلوس بالطرقات". قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من ~~مجالسنا نتحدث فيها. قال: "فأما إذا أبيتم فأعطوا الطريق حقه". قالوا: وما ~~حقه؟ قال: "غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن ~~المنكر". متفق عليه (¬2). # قوله: "إياكم". للتحذير، و: "الجلوس" بالنصب عطف على الضمير محذر منه، و: ~~"الطرقات". بضمتين جمع طرق، وطرق جمع طريق. # وقوله: قالوا. إلخ. قال القاضي عياض (¬3): فيه دليل (أ) على أنهم فهموا ~~أن الأمر ليس للوجوب، وأنه للترغيب فيما هو الأولى، إذ لو فهموا الوجوب لم ~~يراجعوه. # قال المصنف رحمه الله تعالى (3): ويحتمل أنهم رجوا وقوع النسخ تخفيفا لما ~~شكوا من الحاجة إلى ذلك، ويؤيده أن في مرسل يحيى بن يعمر: PageV10P349 # وظن القوم أنها عزمة. ووقع في حديث أبي طلحة: فقالوا: إنما قعدنا لغير ما ~~بأس نتحدث ونتذاكر (¬1). # وقوله: "فأما إذا أبيتم". لفظ البخاري (¬2): "فإذا أبيتم إلا المجلس". # وقوله: "فأعطوا الطريق حقه". في رواية "حقها". والطريق تذكر وتؤنث. ~~وقوله: قال: "غض البصر". إلى آخره. ذكر أربعة أشياء، وجاء في حديث أبي طلحة ~~(¬3) الأولى والثالثة، وزاد: "وحسن الكلام". وفي حديث أبي هريرة (¬4) ~~الأولى والثالثة، وزاد: "وإرشاد ابن السبيل، وتشميت العاطس إذا حمد". زاد ms2376 ~~أبو داود (¬5) في حديث عمر وكذا في مرسل يحيى بن يعمر (¬6): "وتغيثوا ~~الملهوف، وتهدوا الضال". وهو عند البزار (¬7) بلفظ: (أ "وإرشاد ابن السبيل، ~~وتشميت العاطس إذا حمد" أ). وفي حديث ابن عباس عند البزار (¬8) من الزيادة: ~~"وأعينوا على الحمولة". وفي حديث سهل PageV10P350 # ابن حنيف عند الطبراني (¬1) من الزيادة: "ذكر الله كثيرا". وفي حديث وحشي ~~بن حرب عند الطبراني (¬2) من الزيادة: "واهدوا الأغبياء، وأعينوا المظلوم". # ومجموع ما في هذه الأحاديث أربعة عشر أدبا. قال المصنف رحمه الله تعالى ~~(¬3): وقد نظمتها في ثلاثة أبيات: # جمعت آداب من رام الجلوس على الط ... ريق من قول خير الخلق إنسانا # أفش السلام وأحسن في الكلام وش ... مت عاطسا وسلاما رد إحسانا # في الحمل عاون ومظلوما أعن وأغث ... لهفان واهد سبيلا واهد حيرانا # بالعرف مر وانه عن نكر وكف أذى ... وغض طرفا وأكثر ذكر مولانا # فالعلة في النهي عن الجلوس في الطريق هو أن يتعرض للفتنة، فإنه قد ينظر ~~إلى الشواب ممن يخاف الفتنة على نفسه من النظر إليهن مع مرورهن لحوائجهن , ~~ومن التعرض لحقوق الله والمسلمين مما لا (أ) يلزم الإنسان إذا كان في بيته ~~, وقد يخشى على نفسه التقصير بالوفاء بتلك الحقوق، فندبهم PageV10P351 # الشارع إلى ترك التعرض حسما للمادة، فلما ذكروا له ضرورتهم لا فيه من ~~المصالح من تعاهد بعضهم بعضا ومذاكرتهم في أمور الدين ومصالح الدنيا وترويح ~~النفوس بالمحادثة في المباح، دلهم على ما يزيل المفسدة المذكورة. # ولكل من الآداب شواهد؛ فأما إفشاء السلام فسيأتي (¬1)، وأما إحسان ~~الكلام، فقال القاضي عياض (¬2): فيه ندب إلى حسن معاملة المسلمين بعضهم ~~لبعض، فإن الجالس على الطريق يمر به العدد الكثير من الناس فربما سألوه عن ~~بعض شأنهم ووجه طرقهم، فيجب أن يتلقاهم بالجميل من الكلام ولا يتلقاهم ~~بالضجر وخشونة اللفظ، وهو من جملة كف الأذى، وقد جاء في حديث أبي مالك ~~الأشعري يرفعه (¬3): "في الجنة غرف لمن أطاب الكلام". الحديث، وفي الصحيحين ~~(¬4): "اتقوا النار ولو بشق تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة". وأما تشميت (أ) ~~العاطس ms2377 فقد مضى، ورد السلام قد مضى (¬5)، وأما المعاونة على الحمل فله شاهد ~~في الصحيحين (¬6) من حديث PageV10P352 # أبي هريرة رفعه: "كل سلامى من الناس عليه صدقة". وفيه: "ويعين الرجل على ~~دابته فيحمله عليها وفع عليها متاعه صدقة". وأما إعانة (أ) المظلوم فقد ورد ~~من حديث البراء في السبع المأمور بها؛ ومنها (ب): "نصر المظلوم". أخرجه ~~البخاري (¬1)، وأما إغاثة الملهوف ففي حديث أبي ذر عند ابن [حبان] (ج) ~~"وتسعى بشدة ساقيك مع اللهفان المستغيث". وأخرج المرهبي (¬2) من حديث أنس ~~رفعه: "والله يحب إغاثة اللهفان". وأما إرشاد السبيل فروى الترمذي وصححه ~~ابن حبان (¬3) من حديث أبي ذر مرفوعا: "وإرشادك الرجل في أرض الضلال صدقة"، ~~وللبخاري في "الأدب المفرد" والترمذي وصححه (¬4) من حديث البراء رفعه: "من ~~منح منيحة أو هدى زقاقا كان له عدل عتق نسمة". وهدى بفتح الهاء وتشديد ~~الدال المهملة، والزقاق بضم الزاي وتخفيف القاف وآخره قاف، معروف، والمراد ~~من دل الذي لا يعرفه عليه إذا احتاج إلى دخوله، وأما هداية الحيران فله ~~شاهد في الذي قبله، وأما الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ففيهما أحاديث ~~كثيرة، وأما كف الأذى فالمراد به كف الأذى عن المارة بألا يجلس حيث يضيق ~~عليهم الطريق أو على PageV10P353 # باب منزل من يتأذى بجلوسه عليه أو حيث ينكشف عياله أو ما يريد التستر به ~~من حاله. قاله القاضي عياض (¬1)، قال: ويحتمل أن يكون المراد (أ) كف أذى ~~الناس بعضهم عن بعض. انتهى. وقد وقع في "الصحيح" (¬2): "فكف عن الشر فإنها ~~لك صدقة". وهو يؤيد الأول، وأما غض البصر فهو كما صرح به في هذا الحديث، ~~وأما كثرة ذكر الله تعالى ففيه عدة أحاديث وسيأتي منها في باب الدعاء. # 1283 - وعن معاوية قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من يرد ~~الله به خيرا يفقهه في الدين". متفق عليه (¬3). # الحديث فيه دلالة على فضيلة العلم، وأن من فاته العلم فقد فاته الخير ~~كله؛ فإنه رتب تفقهه على إرادة الله تعالى الخير. # وقوله: "يفقهه". مجزوم جواب (ب) الشرط؛ أي ms2378 يفهمه، مضارع فقهه المعدي إلى ~~المفعول بالتضعيف، وهو من: فقه، وهو بالضم إذا صار الفقه له سجية، ويقال: ~~فقه. بالفتح إذا سبق غيره إلى الفهم، وفقه بالكسر إذا فهم، (ج ونكر: "خيرا" ~~ج). لقصد العموم في (د) سياق الشرط، أو التنكير PageV10P354 # للتعظيم؛ لأن المقام يقتضيه , والمراد بالتفقه في الدين هو تعليم قواعد ~~الإسلام ومعرفة تفصيل الحلال والحرام , ومفهوم الجملة الشرطية أن من لم ~~يعرف قوعد الدين فقد حرم الخير كله، وقد أشار في رواية أبي يعلى إلى هذا ~~المفهوم، زاد في الحديث: "ومن لم يفقه في الدين لم يبال الله به" (¬1). ~~وهذا بيان ظاهر لفضل العلماء على سائر الناس، ولفضيلة التفقه في الدين على ~~سائر العلوم. # وتمام الحديث: "وإنما أنا قاسم والله عز وجل يعطي، ولن تزال هذه الأمة ~~قائمة على أمر الله لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله" (¬2). # 1284 - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ما من شيء في الميزان أثقل من حسن (أ) الخلق" أخرجه أبو داود ~~والترمذي وصححه (¬3). # في الحديث دلالة على أفضلية حسن الخلق، وأنه راجح في ميزان الأعمال , وقد ~~تقدم الكلام في تحقيقه (¬4). # 1285 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: PageV10P355 # "الحياء من الإيمان" متفق عليه (¬1). # الحديث أخرجه البخاري بلفظ: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مر على ~~رجل من الأنصار وهو يعظ أخاه في الحياء، فقال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "دعه فإن الحياء من الإيمان". قال المصنف (¬2) رحمه الله تعالى: لم ~~أعرف اسم هذين الرجلين، يعني الواعظ وأخاه، والمراد بقوله: يعظ أخاه. أي ~~ينصحه ويخوفه. وجاء في رواية للبخاري في "الأدب" (¬3) بلفظ: يعاتب أخاه في ~~الحياء؛ يقول: إنك لتستحي حتى لقد أضر بك الحياء. وقد جاء في سببه: وكان ~~الرجل كثير الحياء فكان ذلك يمنعه من استيفاء حقوقه فعاتبه أخوه على ذلك ~~فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "دعه". أي اتركه على هذا ms2379 الخلق ~~الحسن. ثم زاده في ذلك ترغيبا لحكمه بأنه من الإيمان. والحياء بالمد، وهو ~~في اللغة: تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به. وقد يطلق على ~~مجرد ترك الشيء بسببه، وفي الشرع: أخلق يبعث على اجتناب القبيح، ويمنع من ~~التقصير في حق ذي [الحق] (أ). والحياء وإن كان قد يكون غريزة، ولكن ~~استعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فلذلك كان من الإيمان، ~~وقد يكون كسبيا فهو من الإيمان. PageV10P356 # وقوله: "الحياء من الإيمان". ذكر ابن التين (¬1) عن أبي عبد الملك، أن ~~المراد به كمال الإيمان. وقال أبو عبيد الهروي (1): معناه أن المستحيي ~~ينقطع بحيائه عن المعاصي وإن لم يكن له تقية، فصار كالإيمان القاطع بينه ~~وبين المعاصي. وقد جاء في الحديث: "إن الحياء خير كله" (¬2)، و"لا يأتي إلا ~~بخير" (¬3). # واستشكل عمومه بأنه قد يحمل صاحبه على ترك إنكار المنكر والإخلال ببعض ~~الحقوق، وأجيب بأن المراد بالحياء في هذه الأحاديث ما يكون شرعيا، والحياء ~~الذي ينشأ عنه الإخلال بالحقوق ليس حياء شرعيا، بل هو عجز ومهانة، وإنما ~~يطلق عليه حياء لمشابهته الحياء الشرعي، وقد يجاب عنه بجواب أحسن؛ وهو أن ~~من كان الحياء من خلقه فالخير فيه أغلب، أو أنه إذا كان الحياء من خلقه كان ~~الخير فيه بالذات ولا ينافيه حصول التقصير في بعض الأحوال. قال القرطبي ~~(¬4): وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد جمع له النوعان من الحياء ~~المكتسب والغريزي، فكان في الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها وكان في ~~المكتسب في الذروة العليا - صلى الله عليه وسلم -. # وجعله من الإيمان مجاز، قال ابن قتيبة (¬5): معناه أن الحياء يمنع صاحبه ~~من ارتكاب المعاصي كما يمنع الإيمان فيسمى إيمانا، كما يسمى الشيء PageV10P357 # باسم ما قام مقامه. وهو مركب من خير وعفة؛ ولذلك لا يكون المستحيي كاشفا ~~وقل ما يكون الشجاع مستحيا. وقد يكون لمجرد الانقباض كما في بعض الصبيان. # 1286 - وعن أبي (أ) مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم ms2380 -: "إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي ~~فاصنع ما شئت". أخرجه البخاري (¬1). # قوله: "إن مما أدرك" إلخ. وقع في حديث حذيفة عند أحمد والبزار (¬2): "إن ~~آخر ما تعلق به أهل الجاهلية من كلام (ب) ... " الحديث. # و"الناس". مرفوع في جميع الروايات، والعائد إلى "ما" محذوف، ويجوز نصب: ~~"الناس". والعائد ضمير الفاعل، و "أدرك" بمعنى بلغ، و "إذا لم تستحي"، اسم ~~إن بتأويل هذا اللفظ أو الكلام وخبرها الجار والمجرور المتقدم. # وقوله: "النبوة الأولى". أي أنه مما اتفق عليه الأنبياء وندبوا إليه ولم ~~ينسخ فيما نسخ من شرائعهم؛ لأنه أمر أطبقت عليه العقول. ولفظ "الأولى" PageV10P358 # لم يكن في البخاري (¬1) وهي من زيادة أبي داود (¬2)، والمراد بها من كان ~~قبل نبينا عليهم الصلاة والسلام. # وقوله: "فاصنع ما شئت". هو أمر بمعنى الخبر؛ أي: صنعت ما شئت. وإنما عبر ~~عنه بلفظ الأمر للتنبيه على أن الذي يكف الإنسان عن مواقعة الشر هو الحياء، ~~فإذا تركه توفرت دواعيه إلى مواقعة الشر حتى صار كأنه مأمور بارتكاب كل شر، ~~أو الأمر للتهديد؛ أي: اصنع ما شئت فإن الله مجازيك على ذلك، أو (أ) معناه، ~~انظر إلى ما تريد أن تفعله فإن كان مما (ب) لا تستحيي منه فافعله، وإن كان ~~مما تستحيي منه فدعه، ولا تبال بالخلق، أو المراد الحث على الحياء والتنويه ~~بفضله؛ أي. كما لا يجوز صنع جميع ما شئت لم يجز ترك الاستحياء. # 1287 - وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل ~~خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو ~~أنى فعلت كذا كان كذا وكذا. ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل. فإن لو تفتح ~~عمل الشيطان". أخرجه مسلم (¬3). PageV10P359 # قوله: "القوي". المراد به عزيمة النفس والاجتهاد في أمر الآخرة، فيكون ~~صاحب هذا الوصف أكثر إقداما على العدو في الجهاد، وأسرع خروجا إليه، وذهابا ~~في ms2381 طلبه، وأشد عزيمة في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، والصبر على الأذى ~~في كل ذلك، واحتمال المشاق في ذات الله تعالى، وأرغب في الصلاة والصوم ~~والأذكار وسائر الطاعات وأنشط لها والمحافظة عليها ونحو ذلك. # وقوله: "وفي كل خير". معناه في كل من القوي والضعيف خير لاشتراكهما في ~~الإيمان مع ما يأتي به الضعيف من العبادات. # وقوله: "احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز". احرص، فعل أمر من ~~حرص، بفتحها، يحرص، وبكسرها في المضارع، ويجوز الفتح، من حرص بكسر الراء، ~~في الماضي، ومعناه احرص على طاعة الله تعالى والرغبة فيما عنده، واطلب ~~الإعانة من الله تعالى على أداء الطاعة، كما قال الله تعالى: {إياك نعبد ~~وإياك نستعين} (¬1)، "ولا تعجز". بكسر الجيم ويجوز الفتح، يعني لا تكسل عن ~~الطاعة ولا عن طلب الإعانة. # وقوله: "فلا تقل: لو" إلى آخره. قال بعض العلماء: هذا النهي إنما هو لمن ~~قاله معتقدا ذلك حتما، وأنه لو فعل ذلك لم يصبه قطعا، فأما من رد ذلك إلى ~~مشيئة الله تعالى وأنه لن يصيبه إلا ما شاء، فليس من هذا. [واستدل] (أ) ~~بقول أبي بكر في الغار: لو أن أحدهم رفع رأسه PageV10P360 # لرآنا (¬1). قال القاضي عياض (¬2): وهذا لا حجة فيه؛ لأنه إنما أخبر عن ~~مستقبل، وليس فيه دعوى لرد [قدر] (أ) بعد وقوعه. قال: وكذا جميع ما ذكره ~~البخاري (¬3) في باب ما يجوز من "اللو"، كحديث: "لولا حدثان عهد قومك ~~بالكفر لأتممت البيت على قواعد إبراهيم" (¬4). و: "لو كنت راجما بغير بينة ~~لرجمت هذه" (¬5). و: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك" (¬6). وشبيه ~~ذلك، فكله مستقبل لا اعتراض فيه على قدر، فلا كراهة فيه؛ لأنه إنما أخبر عن ~~اعتقاده فيما كان يفعل لولا المانع وعما هو في قدرته، فأما ما ذهب فليس في ~~قدرته. قال القاضي: فالذي عندي في معنى الحديث أن النهي على ظاهره وعمومه، ~~لكنه نهي تنزيه، ويدل عليه قوله - صلى الله عليه وسلم -: "فإن لو تفتح عمل ~~الشيطان". قال النووي (¬7): وقد جاء من ms2382 استمعال "لو" في الماضي قوله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى" (¬8). ~~وغير ذلك، فالظاهر أن النهي إنما هو عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه، فيكون ~~نهى تنزيه لا نهي تحريم، فأما من قاله تأسفا على ما PageV10P361 # فات من طاعة الله تعالى وما هو متعذر عليه من ذلك ونحو هذا، فلا بأس به، ~~وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود في الأحاديث، والله أعلم. # 1288 - وعن عياض بن حمار رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "إن الله تعالى أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ~~ولا يفخر أحد على أحد". أخرجه مسلم (¬1). # قوله: "أن تواضعوا". أي لا تكبروا بأن تعدوا لأنفسكم مزية على الغير في ~~استحقاق التعظيم، كما تقدم في الكبر، وجعل ثمرة التواضع وغايته أن: "لا ~~يبغي أحد على أحد". أي لا يظلمه؛ فإن البغي هو الظلم، و"لا يفخر أحد على ~~أحد". يعني يتكبر أحد على أحد، وجاء في هذا أحاديث كثيرة؛ أخرج الترمذي ~~وصححه والحاكم وصححه وابن ماجه (¬2) عن أبي بكرة رضي الله عنه قال: قال ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من ذنب أجدر -أي أحق- من أن يعجل ~~الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة من البغي وقطيعة ~~الرحم". والبيهقي (¬3): "ليس شيء مما عصي الله به هو أعجل عقابا من البغي". ~~وجاء في الأثر: لو بغى جبل على جبل لجعل الله الباغي منهما دكا (¬4). وكذلك ~~خسف الله بقارون لما بغى على قومه قال تعالى: {فخسفنا به وبداره الأرض} ~~(¬5). قال ابن عباس: من بغيه أنه جعل لبغية PageV10P362 # جعلا على أن ترمي موسى - صلى الله عليه وسلم - المبرأ من كل سوء بنفسها. ~~وفي الحديث دلالة على تحريم البغي والفجر، وهو مجمع على ذلك، والله أعلم. # 1289 - وعن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "من رد عن عرض أخيه بالغيب رد الله عن وجهه النار يوم ms2383 القيامة". أخرجه ~~الترمذي (¬1) وحسنه، ولأحمد (¬2) من حديث أسماء بنت يزيد نحوه. # الحديث فيه دلالة على فضيلة الرد عن عرض المسلم وهو أيضا واجب، لأنه من ~~باب النهي عن المنكر، وقد ورد الوعيد على تركه؛ أخرج أبو داود وابن أبي ~~الدنيا وغيرهما (¬3): "ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلما في موضع ينتهك فيه ~~حرمته وينتقص فيه من عرضه إلا خذله الله في موطن يحب فيه نصرته، وما من ~~امرئ مسلم ينصر امرأ مسلما في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته ~~إلا نصره الله في موطن يحب فيه نصرته". وأخرج أبو الشيخ (¬4): "من رد عن ~~عرض أخيه رد الله عنه عذاب النار يوم القيامة". وتلا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: {وكان حقا علينا نصر المؤمنين} " (¬5). وأبو داود وغيره، وأبو ~~الشيخ (¬6): "من حمى عرض أخيه في الدنيا بعث الله له ملكا يوم القيامة ~~يحميه من النار". والأصبهاني (¬7): PageV10P363 # "من اغتيب عنده أخوه فاستطاع نصرته فنصره، نصره الله في الدنيا والآخرة، ~~وإن لم ينصره أذله الله في الدنيا والآخرة". بل قد جاء في الحديث أن ~~المستمع أحد المغتابين (¬1)، يعني فعقابه عقاب المغتاب فلا يبرئه إلا إنكار ~~الغيبة والرد عن العرض إذا أمكن، أو تغيير المقام بالقيام منه إن أمكنه، أو ~~الخوض في كلام آخر، فإن عجز عن التغيير وجب الإنكار بالقلب والكراهة للقول، ~~وقد عد بعض المحققين السكوت كبيرة، وهو حسن؛ لورود هذا الوعيد، ولدخوله في ~~عموم ترك إنكار المنكر؛ ولكونه أيضا أحد المغتابين، فما ورد من وعيد ~~المغتاب استحقه، وإن احتمل أن تسميته مغتابا مجاز للمشابهة مبالغة في ذلك، ~~فلا يكون حكمه حكم المغتاب حقيقة، ولكن الأحوط التنزه لئلا يكون له حكمه ~~شرعا ويكون العقاب عند الله سبحانه وتعالى واحد، والله سبحانه وتعالى أعلم. # 1290 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع ~~أحد لله إلا رفعه الله تعالى". أخرجه ms2384 مسلم (¬2). # قوله: "ما نقصت صدقة من مال". يحتمل أن يراد بعدم النقصان أنه يبارك فيه ~~ويدفع عنه المفسدات، فيجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، وهذا مدرك بالحس ~~والعادة، ويحتمل أن يراد أنه يحصل بالثواب المرتب على فعل الصدقة جبر نقصان ~~عينها، وكأن الصدقة لم تنقص المال، لما يكتب الله من PageV10P364 # مضاعفة الحسنة إلى عشرة أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء، فقوله: "ما ~~نقصت". مجاز على الوجهين استعارة تبعية. # وقوله: "وما زاد الله" إلى آخره. يحتمل الحمل على ظاهره، وأن من عرف ~~بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب وزاده عزة وكرامة، فيكون حقيقة، ويحتمل ~~أن المراد الأجر في الآخرة والعز هناك فيكون مجازا. # وقوله: "ومما تواضع" إلى آخره. يحتمل أن يراد أن الله يرفعه في الدنيا، ~~ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة، ويرفعه الله عند الناس ويجل مكانه، ~~ويحتمل أن يراد أن الله تعالى يثيبه في الآخرة ويرفعه فيها بسبب تواضعه في ~~الدنيا. قال العلماء: وهذه الاحتمالات في الألفاظ الثلاثة موجودة في العادة ~~معروفة، وقد يكون المراد الاحتمالين معا في جميعها في الدنيا والآخرة، ~~والله أعلم. # 1291 - وعن عبد الله بن سلام رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "يا أيها الناس، أفشوا السلام، وصلوا الأرحام، وأطعموا ~~الطعام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام". أخرجه الترمذي ~~(¬1) وصححه. # قوله: "أفشوا السلام". الإفشاء بمعنى الإظهار، والمراد نشر السلام بين PageV10P365 # الناس لإحياء سنته (أ) ولو لغير معروف، وقد أخرج في "الصحيحين" (¬1) عن ~~عبد الله بن عمرو أن رجلا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: أي الإسلام ~~خير؟ قال: "تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف". # ولا بد من اللفظ المسمع، وقد أخرج البخاري في "الأدب المفرد" (¬2) بسند ~~صحيح عن ابن عمر: إذا سلمت فأسمع فإنها تحية من عند الله. قال النووي (¬3): ~~أقله أن يرفع صوته بحيث يسمع المسلم عليه، فإن لم يسمعه لم يكن آتيا ~~بالسنة، فإن شك استظهر، فإن دخل مكانا وفيه أيقاظ ونيام، فالسنة فيه ما ms2385 ثبت ~~في "صحيح مسلم" (¬4) عن المقداد قال: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يجيء من الليل فيسلم تسليما لا يوقظ نائما ويسمع اليقظان. # وإذا لقي جماعة فيكره أن يخص واحدا منهم بالسلام؛ لأن الغرض من الإفشاء ~~الألفة والإيناس، وفي هذا إيحاش. وقد جاء عند مسلم (¬5) من حديث أبي هريرة ~~مرفوعا: "ألا أدلكم على ما تحابون به؟ أفشوا السلام بينكم". PageV10P366 # وقد جاء في إفشاء السلام أحاديث كثيرة؛ أخرج النسائي (¬1) عن أبي هريره ~~رفعه: "إذا قعد أحدكم فليسلم، وإذا قام فليسلم؛ فليست الأولى أحق من ~~الآخرة". وغير ذلك ولا تكفي الإشارة باليد ونحوها. وقد أخرج النسائي (¬2) ~~بسند جيد عن جابر رفعه: "لا تسلموا تسليم اليهود فإن تسليمهم بالرءوس ~~والأكف". إلا أنه يستثنى من ذلك حالة الصلاة؛ فقد وردت أحاديث جيدة أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - رد السلام وهو يصلي إشارة، في حديث أبي سعيد (¬3)، ~~وفي حديث ابن مسعود (¬4)، وكذا من كان بعيدا بحيث لا يسمع التسليم تجوز ~~الإشارة إليه بالسلام، ويتلفظ مع ذلك بالسلام. وأخرج ابن أبي شيبة (¬5) عن ~~عطاء قال: يكره السلام باليد ولا يكره بالرأس. قال ابن دقيق العيد: وقد ~~يستدل بالأمر بإفشاء السلام من قال بوجوب الابتداء بالسلام، ويرد عليه بأنه ~~لو قيل بأن الابتداء فرض عين على كل أحد كان فيه حرج ومشقة، والشريعة على ~~التخفيف والتيسير، فيحمل على الاستحباب. انتهى. # ويستثنى أيضا من شرعية رد السلام من نهي عن ابتدائه بالسلام، كالكافر، ~~وقد تقدم الكلام (¬6) في ذلك وفي غيره من أحكام السلام قريبا. PageV10P367 # قال النووي (¬1): وفي التسليم على من لم تعرف إخلاص [العمل] (أ) لله ~~تعالى، واستعمال التواضع، وإفشاء السلام الذي هو شعار هذه الأمة. انتهى. مع ~~أنه لو ترك السلام على من لم يعرف قد يظهر له بعد أنه من معارفه فيوقعه في ~~الوحشة. وقال ابن بطال (¬2): في مشروعية السلام على غير معروف استفتاح (ب) ~~المخاطبة (ج) للتأنيس؛ ليكون المؤمنون كلهم إخوة فلا يستوحش أحد من أحد. # وأورد الطحاوي في "المشكل" (¬3) حديث أبي ذر في قصة ms2386 إسلامه وفيه: فانتهيت ~~إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد صلى هو وصاحبه فكنت أول من حياه ~~بتحية الإسلام. قال الطحاوي: وهذا لا ينافي حديث ابن مسعود في ذم السلام ~~للمعرفة؛ لاحتمال أن يكون أبو ذر سلم على أبي بكر قبل ذلك، أو لأن حاجته ~~عند النبي - صلى الله عليه وسلم - دون أبي بكر. انتهى. # ولعله يقال: إنه جمع في التسليم النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاحبه، ~~وخص النبي - صلى الله عليه وسلم - بالذكر لأنه المقصود أولا. # وقال المصنف (¬4): والأقرب أن يكون ذلك قبل تقرر الشرع بتعميم PageV10P368 # السلام. # وقوله: "وصلوا الأرحام". تقدم الكلام قريبا في صلة الرحم (¬1). # وقوله: " (أوتطعموا الطعام أ) ". ظاهره عموم الإطعام لمن يجب عليه ~~إنفاقه، أو من يلزمه إطعامه ولو عرفا وعادة، وكالصدقة على السائل للطعام ~~وغيره، إذا أريد به العموم فالأمر محمول على فعل ما هو أولى من تركه؛ ليشمل ~~الواجب والمندوب. # وقوله: "وصلوا بالليل واناس نيام". يحتمل أن يريد بها قيام الليل ~~المندوب، أو ما يشمل صلاة العشاء الآخرة، فإنه كما جاء في الحديث (¬2): ~~"إنكم تنتظرون صلاة (ب) ما انتظرها غيركم من أهل الأديان". # وقوله: "تدخلوا (ج) الجنة بسلام". يعني أن هذه الخصال من أرجى ما ينال به ~~الجنة، سالمين من جميع (د) مخاوف الآخرة، وإن كان لا بد من استكمال ~~الواجبات واجتناب المحرمات، أو المراد أنها سبب للتوفيق لأداء غيرها من ~~المشروعات، كما قال الله تعالى: {إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر} (¬3). ~~والله سبحانه وتعالى أعلم. PageV10P369 # 1292 - وعن تميم الدارمي رضي الله عنه قال: قال رسول الله عليه وسلم: ~~"الدين النصيحة". ثلاثا. قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه ~~ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم". أخرجه مسلم (¬1). # هو أبو رقية تميم بن أوس بن (أ) خارجة بن سود، بضم السين، بن (ب) جذيمة، ~~بفتح الجيم وكسر الذال المعجمة، بن ذراع بن عدي بن الدار بن هانئ بن حبيب ~~بن نمارة بن لخم، وهو مالك بن عدي (¬2)، فهو منسوب إلى جده دار، قاله ~~الجمهور. ووقعت نسبته ms2387 الداري في رواية القعنبي وابن القاسم. وجاء في رواية ~~يحيى بن بكر "للموطأ"، الديري بالياء منسوب إلى دير كان تميم فيه قبل ~~الإسلام، وكان نصرانيا، وذكر أبو الحسين الرازي (ج) في كتابه "مناقب ~~الشافعي" بإسناده الصحيح عن الشافعي النسبتين لتميم على ما ذكر، ومن ~~العلماء من قال (¬3): إن نسبة الداري إلى دارين وهو مكان عند البحرين، وهو ~~محل السفن، كان يجلب إليه العطر من الهند، وكذلك قيل للعطار: داري. ومنهم ~~من قال: إن ديري منسوب إلى قبيلة. وهو بعيد شاذ، حكى القولين صاحب ~~"المطالع"، وليس في "الصحيحين" و "الموطأ" داري ولا ديري إلا تميم، وكني ~~بأبي رقية بابنة له لم يكن له من الولد غيرها، PageV10P370 # أسلم سنة تسع وكان في جملة وفد الداريين منصرف النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - من تبوك، وكان يختم القرآن في ركعة، وربما ردد الآية الواحدة الليل ~~كله إلى الصباح، سكن المدينة ثم انتقل منها إلى الشام بعد قتل عثمان إلى أن ~~مات، وسكن بيت المقدس. وقيل: نزل بفلسطين. وهو أول من أسرج السراج في ~~المسجد (¬1)، وروي عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - قصة الدجال والجساسة ~~في خطبة فقال: "حدثني تميم الداري". وذكر القصة (¬2). وهذه منقبة لتميم، ~~وهو داخل في رواية الأكابر عن الأصاغر، وروى عنه جماعة من التابعين، ولم ~~يكن له في "صحيح مسلم" غير هذا الحديث، ولم يكن له في "صحيح البخاري" شيء، ~~وهذا الحديث المروي عنه هو العظيم الشأن. # قال جماعة من العلماء: إنه أحد الأربعة الأحاديث التي تجمع أمور الإسلام. ~~قال الإمام محيي الدين النووي (¬3) رحمه الله تعالى: ليس الأمر كما قالوه، ~~بل عليه مدار الإسلام، وتفصيل (أ) ذلك ما تسمعه إن شاء الله تعالى. قال ~~الإمام أبو سليمان الخطابي (¬4) رحمه الله تعالى: النصيحة كلمة جامعة ~~معناها حيازة الحظ للمنصوح له، ويقال: هو من وجيز الأسماء ومختصر الكلام، ~~وأنه ليس في كلام العرب كلمة مفردة تستوفي بها العبارة عن معنى هذه الكلمة، ~~كما قالوا في الفلاح: ليس في كلام العرب كلمة PageV10P371 # أجمع ms2388 لخير (أ) الدنيا والآخرة منه. قال: وقيل. النصيحة مأخوذة من نصح ~~الرجل ثوبه إذا خاطه، فشبهوا فعل الناصح فيما يتحراه من صلاح المنصوح له ~~بما يسده من خلل الثوب. قال: وقيل: إنها مأخوذة من نصحت العسل إذا صفيته من ~~الشمع الخليط. قال: ومعنى الحديث: عماد الدين وقوامه النصيحة، كقوله: "الحج ~~عرفة" (¬1). أي عماده ومعظمه عرفة. قال النووي (¬2) رحمه الله تعالى: أما ~~تفسير النصيحة وأنواعها، فقد ذكر الخطابي وغيره من العلماء فيها كلاما ~~نفيسا أنا أضم بعضه إلى بعض مختصرا؛ قالوا: أما النصيحة لله تعالى؛ فمعناها ~~منصرف إلى الإيمان به، ونفي الشرك عنه، وترك الإلحاد في صفاته، ووصفه بصفات ~~الكمال والجلال كلها، وتنزيهه تعالى عن جميع أنواع النقائص، والقيام بطاعته ~~واجتناب معصيته، والحب فيه والبغض، وموالاة من أطاعه ومعاداة من عصاه، ~~وجهاد من كفر به، والاعتراف بنعمته وشكره عليها، والإخلاص في جميع الأمور، ~~والدعاء إلى جميع الأوصاف المذكورة والحث عليها، والتلطف بجميع الناس أو من ~~أمكن منهم عليها. قال الخطابي: وحقيقة هذه الإضافة راجعة إلى العبد في نصحه ~~نفسه، والله تعالى غني عن نصح الناصح. # وأما النصيحة لكتابه سبحانه وتعالى، فالإيمان به بأنه كلام (ب) الله ~~تعالى PageV10P372 # وتنزيله، لا يشبه شيئا من كلام الخلق، ولا يقدر على مثله أحد، ثم يعظمه ~~ويتلوه حق تلاوته ويحسنها بالخشوع عندها وإقامة حروفه في التلاوة والذب عنه ~~لتأويل المحرفين، وتعرض الطاعنين، والتصديق بما فيه، والوقوف مع أحكامه، ~~وتفهم علومه (أوأمثاله أ)، والاعتبار بمواعظه، والتفكر في عجائبه، والعمل ~~بمحكمه، والتسليم لمتشابهه، والبحث عن عمومه وخصوصه وناسخه ومنسوخه، ونشر ~~علومه، والدعاء إليه وإلى ما ذكرنا من نصيحته. # وأما النصيحة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فتصديقه على الرسالة ~~والإيمان بجميع ما جاء به، وطاعته في أمره ونهيه، ونصرته حيا وميتا، ~~ومعاداة من عاداه وموالاة من والاه، وإعظام حقه، وتوقيره، وإحياء طريقته ~~وسنته، وبث دعوته، ونشر شريعته ونفي التهمة عنها، و [استثارة] (ب) علومها، ~~والتفقه في معانيها، والدعاء إليها، والتلطف في تعلمها وتعليمها، وإعظامها ~~وإجلالها والتأدب عند قراءتها، ms2389 والإمساك [عن] (ج) الكلام فيها بغير علم، ~~وإجلال أهلها لانتسابهم إليها، والتخلق بأخلاقهم، والتأدب بآدابهم، ومحبة ~~أهل بيته وأصحابه، ومجانبة من ابتدع في سنته أو تعرض لأحد من أصحابه، ونحو ذلك. # وأما النصيحة لأئمة المسلمين؛ فمعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وأمرهم به، ~~وتنبيههم وتذكيرهم برفق ولطف، وإعلامهم بما غفلوا عنه ولم PageV10P373 # يبلغهم من حقوق المسلمين، وترك الخروج عليهم، وتألف قلوب الناس لطاعتهم. # قال الخطابي: ومن النصيحة لهم الصلاة خلفهم، والجهاد معهم، وأداء الصدقات ~~إليهم، وترك الخروج بالسيف عليهم إذا ظهر منهم (أ) حيف أو سوء عشرة، وألا ~~يغروا بالثناء الكاذب عليهم، وأن يدعى لهم بالصلاح (ب). وهذا كله بناء على ~~أن المراد بأئمة المسلمين الخلفاء وغيرهم ممن يقوم بأمور المسلمين من أصحاب ~~الولايات، وهذا هو المشهور وحكاه أيضا الخطابي ثم قال: وقد يتأول ذلك على ~~الأئمة الذين هم علماء الدين وأن من نصحهم قبول ما رووه، وتقليدهم في ~~الأحكام، وإحسان الظن بهم. # وأما نصيحة عامة المسلمين، وهم من عدا ولاة الأمر، فإرشادهم لمصالحهم في ~~آخرتهم ودنياهم، وكف الأذى عنهم، فيعلمهم ما يجهلونه من دينهم ودنياهم، ~~ويعينهم عليه بالقول والفعل، وستر عوراتهم، وسد خلاتهم، ودفع المضار عنهم ~~وجلب المنافع لهم، وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر برفق وإخلاص، والشفقة ~~عليهم، وتوقير كبيرهم، ورحمة صغيرهم، وتخولهم بالموعظة الحسنة، وترك غشهم ~~وحسدهم، وأن يحب لهم ما يحب لنفسه من الخير، ويكره لهم ما يكره لنفسه من ~~المكروه، والذب عن أموالهم وأعراضهم وغير ذلك من أحوالهم بالقول والفعل، ~~وحثهم على التخلق بجميع ما ذكرناه من أنواع النصيحة، وتنشيط PageV10P374 # [هممهم] (أ) إلى الطاعات، وقد كان في السلف رحمهم الله تعالى من تبلغ به ~~النصيحة إلى الإضرار بدنياه، والله أعلم. هذا آخر ما تلخص في (ب) تفسير ~~النصيحة. قال ابن بطال (¬1) رحمه الله تعالى في هذا الحديث: إن النصيحة ~~تسمى دينا وإسلاما، وإن الدين يقع على العمل كما يقع على القول. قال: ~~والنصيحة فرض كفاية يجزئ فيها من قام به ويسقط عن الباقين. قال: والنصيحة ~~لازمة على ms2390 قدر الطاقة إذا علم الناصح أنه يقبل نصحه، ويطاع أمره، وأمن على ~~نفسه المكروه، فإن خشي أذى فهو في سعة (ج)، والله أعلم. انتهى كلام النووي. # 1293 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "أكثر ما يدخل الجنة تقوى الله وحسن الحلق". أخرجه الترمذي (¬2) ~~وصححه الحاكم. # 1294 - وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنكم لا تسعون ~~الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق". أخرجه أبو يعلى ~~وصححه الحاكم (¬3). PageV10P375 # 1295 - وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "المؤمن مرآة ~~أخيه المؤمن". أخرجه أبو داود بإسناد حسن (¬1). # قوله: "أكثر ما يدخل الجنة (أ) ". الحديث فيه دلالة على عظم تقوى الله ~~وحسن الخلق، وأما تقوى الله سبحانه وتعالى؛ فلأنها الجامع لفعل الطاعات ~~واجتناب المقبحات، فمن راعاها فقد استكمل العمل بشرائع الإسلام، وأما حسن ~~الخلق فهو كذلك وصف جامع لمحاسن العبادات والعادات، فكان الخصلتان من أعظم ~~أسباب دخول الجنة، وفيه دلالة على أنه قد يدخل الجنة غيرهما من الأعمال إلا ~~أنه قد يحمل الأكثر على الجميع إذا قيل: إن جميع الأعمال المقربة إلى دخول ~~الجنة لا تخلو عن الخصلتين الشريفتين، وأما إذا أريد أنه قد يدخل الجنة ~~بغير عمل، كمن يدخل بالشفاعة، وكما في الصغير والمجنون، ف "أكثر" مراد به ~~(أ) معناه الحقيقي، ويدل بمفهومه أنه قليل ما يدخل الجنة بغيرهما، وقد تقدم ~~الكلام قريبا (¬2) في تحقيق حسن الخلق، وجاءت فيه أحاديث كثيرة، أخرج ~~البخاري (¬3): "إن خياركم أحاسنكم أخلاقا". وفي رواية له (¬4): "إن من ~~خياركم أحاسنكم أخلاقا". أخرج أبو يعلى (¬5) من حديث أنس يرفعه: "أكمل ~~المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا". وللترمذي PageV10P376 # وحسنه والحاكم (1) وصححه من حديث أبي هريرة: "أحسن الناس إسلاما". ومثله ~~لأحمد (¬2) بسند رجاله ثقات من حديث جابر بن سمرة، وللترمذي (¬3) من حديث ~~جابر يرفعه: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحسنكم ~~أخلاقا". وأخرجه البخاري في "الأدب المفرد" (¬4) من حديث عمرو بن شعيب عن ~~أبيه عن جده. ms2391 وللبخاري في "الأدب المفرد" وابن حبان والحاكم والطبراني من ~~حديث أسامة بن شريك (¬5)، قالوا: يا رسول الله، من أحب عباد الله إلى الله؟ ~~قال: "أحسنهم خلقا". وفي رواية عنه: ما خير ما أعطي الإنسان؟ قال: "خلق ~~حسن". وقد تقدم حديث النواس بن سمعان، وهو عند البخاري في "الأدب المفرد" ~~(¬6)، وزاد الترمذي فيه والبزار (¬7). "وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ درجة صاحب ~~الصوم والصلاة". وأخرجه أبو داود، وابن حبان، والحاكم (¬8) من حديث عائشة، ~~والأحاديث في ذلك كثيرة. PageV10P377 # وحكى ابن بطال (¬1) تبعا للطبري (أ)، خلافا هل هو غريزة أو مكتسب؟ وتمسك ~~من قال: إنه غريزة. بحديث ابن مسعود: "إن الله قسم أخلاقكم كما قسم ~~أرزاقكم". وهو عند البخاري في "الأدب المفرد" (¬2). وقال القرطبي في ~~"المفهم" (¬3): الخلق جبلة في نوع الإنسان، وهم في ذلك متفاوتون، فمن [غلب] ~~(ب) عليه شيء منها، فإن كان محمودا فهو الحسن، وإلا فهو مأمور بالمجاهدة ~~فيه حتى يصير محمودا، وكذا إن كان ضعيفا فيرتاض صاحبه حتى يقوى. وقد وقع في ~~حديث الأشج العصري عند أحمد والنسائي والبخاري في "الأدب المفرد" وصححه ابن ~~حبان (¬4) أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "إن فيك لخصلتين يحبهما ~~الله؛ الحلم والأناة". قال: يا رسول الله، قديما كانا في أو حديثا؟ قال: ~~"قديما" (ج). قال: الحمد الله الذي جبلني على خلقين يحبهما. وتقدم حديث ~~الجنة وفيه: "ألا يسأل شيئا PageV10P378 # إلا أعطاه". فهو يدل على أن ذلك غريزي، والله سبحانه أعلم. # وقوله في الحديث الثاني: "لا تسعون الناس بأموالكم". المراد بالسعة شمول ~~الناس بإعطاء المال؛ لحقارة المال وكثرة الناس، وأن ذلك غير داخل في مقدرة ~~البشر، وأما شمول الأخلاق من البشر والطلاقة ولين الجانب وخفض الجناح، وغير ~~ذلك، فذلك ممكن، وهو مخصص بمن يجب الإغلاظ عليه كالكافر ومرتكب المنكر الذي ~~يحتاج إلى التخشين عليه، وعطف حسن الخلق على بسط الوجه من عطف العام على الخاص. # وقوله: "المؤمن مرآة أخيه". يعني أن المؤمن لأخيه المؤمن كالمرآة التي ~~ينظر فيها صورته ليطلع على ما فيها من ms2392 قذى فيزيله، فشبه المؤمن بالمرآة ~~لأخيه، وهو أنه إذا نظر فيه عيبا نصحه ونبهه على إزالته، وقد أخرج الحديث ~~أيضا الترمذي (¬1) وابن منيع، وهو داخل في حديث: "الدين النصيحة". # 1296 - وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خير من الذي لا ~~يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم". أخرجه ابن ماجه بإسناد حسن وهو عند ~~الترمذي إلا أنه لم يسم الصحابي (¬2). # الحديث فيه دلالة على فضيلة الصبر والعفو عن المظالم وكظم الغيظ، وهذه ~~الخصال إنما تكون مع من يخالط الناس، ويقل حصولها مع من لا يخالط. PageV10P379 # 1297 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "اللهم أحسنت خلقي فحسن خلقي". رواه أحمد وصححه ابن حبان (¬1). # قوله: "أحسنت خلقي". الخلق بفتح الخاء المعجمة وسكون اللام، المراد به ما ~~عليه الجسم من الأبعاد وكيفية أوضاعها، وتحسينه؛ هو اعتدال أوضاعها وسلامته ~~عن العيوب. فأما حسن الخلق فقد مر الكلام قريبا في تحقيقه (¬2)، وسؤاله - ~~صلى الله عليه وسلم - ذلك إنما هو اعتراف نحو الربوبية وتواضع لإظهار ~~العبودية، وإلا فهو مجبول على خلق كريم، وقد جمع الله سبحانه وتعالى له بين ~~حسن الخلق والخلق، فما أسنى جماله وأبهاه، وما أعز جنابه وأحماه (أ)، فصل ~~اللهم عليه وسلم صلاة ترفعه بها أعلى مقام وأسماه. PageV10P380 ### || AUTO باب الذكر والدعاء # الذكر: مصدر ذكر يذكر، وهو ما يجري على اللسان، والمراد هنا هو ذكر خاص، ~~وهو ذكر الله تعالى بالألفاظ التي ورد الترغيب في قولها والإكثار منها، مثل ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله والله أكبر، وما يلحق بهامش ~~الحولقة (¬1) والبسملة والاستغفار، ونحو ذلك، والدعاء بخيري الدنيا ~~والآخرة. # والدعاء مصدر دعا. والدعوة: المسألة الواحدة. والدعاء: الطلب. والدعاء ~~إلى الشيء: الحث علي فعله بقول (أ): دعوت فلانا. سألته. ودعوته: استعنته ~~(ب). ويطلق أيضا على رفعة القدر؛ كقوله تعالى: {ليس له دعوة في الدنيا ولا ~~في الآخرة} (¬2). كذا قال الراغب ms2393 (¬3). ويمكن رده إلى الذي قبله. ويطلق ~~الدعاء أيضا على العبادة. والدعوى بالقصر: الدعاء؛ كقوله تعالى: {وآخر ~~دعواهم} (¬4). والادعاء كقوله تعالى: {فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا} ~~(¬5). ويطلق الدعاء على التسمية؛ كقوله تعالى: PageV10P381 # {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} (¬1). وقال الراغب (¬2): ~~الدعاء والنداء واحد، لكن قد يتجرد النداء عن الاسم، والدعاء لا يكاد ~~يتجرد. وقال الإمام أبو القاسم القشيرى في "شرح الأسماء الحسنى" ما ملخصه ~~(¬3): جاء الدعاء في القرآن على وجوه؛ منها، العبادة: {ولا تدع من دون الله ~~ما لا ينفعك ولا يضرك} (¬4)، ومنها الاستغاثة: {وادعوا شهداءكم من دون ~~الله} (¬5). (أومنها أ) السؤال: {ادعوني أستجب لكم} (¬6). ومنها القول: ~~{دعواهم فيها سبحانك اللهم} (¬7). والنداء: {يوم يدعوكم} (¬8). والثناء: ~~{قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن} (¬9). انتهى. # والمراد هنا: الطلب من الله سبحانه وتعالى خير الدنيا وخير الآخرة، ~~والاستعاذة من شرورهما. # وأعلم أن العلماء اختلفوا في الأفضل؛ الدعاء أو (ب) التفويض والتسليم، PageV10P382 # وذهب الأكثر إلى أن الدعاء أفضل، واحتجوا بقوله تعالى: {ادعوني أستجب ~~لكم}. فإن الأمر أقل أحواله أن يكون للندب هنا. وقوله: {وإذا سألك عبادي ~~عني فإني قريب أجيب دعوة الداع} (¬1) الآية. ودلت عليه (أ) آثار كثيرة؛ ~~منها ما أخرجه الترمذي (¬2) من حديث أنصر رفعه: "الدعاء منع العبادة". ~~وحديث أبي هريرة رفعه: "من لم يسأل الله يغضب عليه". أخرجه البخاري في ~~"الأدب المفرد" والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، كلهم من رواية أبي صالح ~~الخوزي (¬3) -بضم الخاء المعجمة وسكون الواو ثم زاي معجمة- وهو مختلف فيه ~~(¬4)؛ ضعفه ابن معين (¬5)، وقواه أبو زرعة (¬6)، وليس هو أبا صالح السمان ~~(¬7) كما ظنه الحافظ ابن كثير (¬8). قال الطيبي (¬9): معناه أن من لم يسأل ~~الله يبغضه، والمبغوض مغضوب عليه، والله يحب أن يسأل. انتهى. PageV10P383 # وحديث ابن مسعود رفعه: "سلوا (أ) الله من فضله؛ فإن الله يحب أن يسأل". ~~أخرجه الترمذي (¬1)، وحديث ابن عمر رفعه: "إن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ~~ينزل، فعليكم عباد الله بالدعاء". وفي سنده لين، وقد صححه مع ذلك الحاكم ~~(¬2)، وأخرج الطبراني في "الدعاء" (¬3) بسند رجاله ms2394 ثقات إلا أن فيه عنعنة ~~بقية (¬4) عن عائشة مرفوعا: "إن الله يحب الملحين في الدعاء". وذهب طائفة ~~إلى أن ترك الدعاء والاستسلام للقضاء أفضل، وتأولوا الآية الكريمة بأن ~~المراد بالدعاء العبادة؛ لقوله في آخر الآية: {إن الذين يستكبرون عن ~~عبادتي} (¬5). ولحديث النعمان بن بشير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "الدعاء هو العبادة". ثم قرأ الآية. أخرجه الأربعة وصححه الترمذي ~~والحاكم (¬6). وأجاب الجمهور أن الدعاء من أعظم العبادة فأطلق في آخر الآية ~~العبادة على الدعاء لما كان الدعاء ركنها الأعظم، كقوله: "الحج عرفة" (¬7). ~~وقال الإمام تقي الدين السبكي رحمه الله (¬8): إن العبادة تشمل الدعاء فهي PageV10P384 # أعم، والدعاء أخص، فأريد بقوله: {ادعوني}. حقيقة الدعاء. # وقوله: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي}. مراد به العبادة من حيث عمومها ~~للدعاء، فالربط بين العلة والمعلل عموم العبادة للدعاء، وكونه جزئيا من ~~جزئيات العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء؛ لوجود الخاص في ~~ضمن العام، وعلى هذا، فالوعيد إنما هو في حق من ترك الدعاء استكبارا، ومن ~~فعل ذلك كفر، وأما تركه لمقصد من المقاصد، فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، ~~وإن كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك؛ لكثرة الأدلة ~~الواردة في الحض عليه. # وقال الطيبي في حديث النعمان (¬1): أن تحمل العبادة على المعنى اللغوي، ~~وهو التذلل، إذ الدعاء هو إظهار غاية التذلل والافتقار، ولذا ختم الآية ~~بقوله: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} الآية. وحكى القشيري في "الرسالة" ~~(¬2) الخلاف في الأفضل، ورجح أن الأفضل الدعاء؛ لكثرة الأدلة، ولما فيه من ~~إظهار الخضوع والافتقار. قال: وشبهة القول الآخر أن الداعي لا يعرف ما قدر ~~له، فدعاؤه إن كان على وفق المقدور (أ) فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على ~~خلافه فهو معاندة. ويجاب عن الأول، أن فعل الدعاء إنما هو لأجل كونه عبادة ~~فليس تحصيلا للحاصل، وعن الثاني أنه إذا (ب) كان PageV10P385 # يعتقد أنه لا يقع إلا ما قدر (أ) الله فلا معاندة؛ لأن الله تعالى خالق ~~الأسباب ومسبباتها (ب). قال: وقالت طائفة: ms2395 ينبغي أن يكون داعيا بلسانه ~~راضيا بقلبه. قال: والأولى أن يقال: إذا (ج) وجاء في قلبه إشارة الدعاء، ~~أفضل وبالعكس. ومن حجتهم قوله تعالى: {بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون إليه ~~إن شاء} (¬1). فجعل الكشف مقيدا بالمشيئة، وظاهر قوله: {ادعوني أستجب لكم} ~~(¬2). ألا تتخلف الاستجابة عن الدعاء، وفي الواقع ليس كذلك، أنه ليس كل داع ~~يستجاب له، ويجاب عنه بأنه ملتزم ألا تتخلف الإجابة عن الدعاء، ولكنها ~~تتنوع كما ورد في حديث عبادة بن الصامت، أخرجه الترمذي والحاكم (¬3) بإسناد ~~صحيح يرفعه: "ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف ~~عنه من السوء مثلها". ولأحمد (¬4) من حديث أبي هريرة: "إما أن يعجلها له، ~~وإما أن يدخرها له". وله (¬5) من حديث أبي سعيد يرفعه: "ما من مسلم يدعو ~~بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها PageV10P386 # إحدى ثلاث؛ إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن ~~يصرف عنه من السوء مثلها". وصححه الحاكم (¬1). # وللإجابة شروط؛ منها طيب المطعم والملبس؛ لحديث "فأنى يستجاب لذلك" (¬2). ~~ومنها ألا يستعجل؛ لحديث: "يستجاب لأحدكم ما لم يقل: دعوت فلم يستجب لي". ~~أخرجه مالك (¬3) # 1298 - عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "يقول الله تعالى: أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه". أخرجه ~~ابن ماجه وصححه ابن حبان وذكره البخاري تعليقا (¬4). # قوله: "مع عبدي مما ذكرني". أي بعلمي، كقوله تعالى: {إنني معكما أسمع ~~وأرى} (¬5). والمعية المذكورة أخص من المعية التي في قوله تعالى: {ما يكون ~~من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم} إلى قوله: {إلا هو معهم أين ما كانوا} (¬6). ~~أي معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية والإعانة، وأما قوله تعالى: ~~{وهو معكم أين ما كنتم} (¬7). فمعناه العلم PageV10P387 # والإحاطة، ويكون من باب الاستعارة التمثيلية، شبه إسبال الرحمة والتوفيق ~~وإحاطته بالنعم على الذاكر مع الرضى بحاله بحال الصاحب الملازم لمن (أ) ~~صحبه، فاستعمل فيه "مع" الدالة على معنى الصاحبة. وقال ابن ms2396 أبي حمزة (¬1): ~~معناه: أنا معه بحسب ما قصد من ذكره لي. قال: ثم يحتمل أن يكون الذكر ~~باللسان فقط أو بالقلب فقط أو بهما، أو بامتثال الأمر واجتناب النهي. قال: ~~والذي تدل عليه الأخبار أن الذكر على نوعين؛ أحدهما، مقطوع لصاحبه بما ~~تضمنه هذا الخبر، والثاني، على خطر. قال: والأول مستفاد من قوله تعالى: ~~{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره} (¬2). والثاني من الحديث الذي فيه: "من لم ~~تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر لم يزدد من الله إلا بعدا" (¬3). لكن إن كان ~~في حال المعصية يذكر الله بخوف ووجل مما [هو] (ب) فيه، فإنه يرجى له. ~~والحديث في البخاري (¬4) أخرجه عن أبي هريرة بلفظ قال: قال النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -: "يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ~~ذكرني؛ فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ ~~خير منهم، وإن تقرب إلي بشير تقربت إليه ذراعا، وإن تقرب إلي ذراعا تقربت ~~منه باعا، ومن أتاني يمشي أتيته هرولة". PageV10P388 # 1299 - وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ما عمل ابن آدم عملا أنجى له من عذاب الله من ذكر الله". أخرجه ~~ابن أبي شيبة والطبراني (¬1) بإسناد حسن. # الحديث فيه دلالة على فضيلة ذكر الله تعالى، وأنه المنجي من المخاوف في ~~الآخرة. # 1300 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "ما جلس قوم مجلسا يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة ~~وذكرهم الله فيمن عنده". أخرجه مسلم (¬2). # قوله: "حفتهم الملائكة". أي يدنون منهم ويقيمون حولهم، وقد جاء في حديث ~~البخاري: "فيحفونهم بأجنحتهم" (¬3). أي يدنون أجنحتهم حول الذاكرين. وهو في ~~معنى حديث مسلم؛ لأنهم إذا أدنوا أجنحتهم حولهم فقد حفوا بهم. # وقوله: "وغشيتهم الرحمة". أي صارت الرحمة محيطة بهم حتى صارت لهم كالغشاء ~~المحيط بالمغشي. # والحديث فيه دلالة على فضيلة مجالس الذكر والذاكرين، وفضل الاجتماع على ~~ذلك، وفيه ms2397 محبة الملائكة لبني آدم واعتناؤهم بهم، كما في PageV10P389 # تمام حديث البخاري، والمراد بالملائكة هنا هم الملائكة الطوافون لالتماس ~~أهل الذكر، كما جاء في رواية البخاري (¬1): "إن لله ملائكة يطوفون في الطرق ~~يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوما يذكرون الله تعالى تنادوا: هلموا إلى ~~حاجتكم". قال: "فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا" الحديث. والمراد ~~بالذكر في هذا الحديث، هو التسبيح والتكبير والتحميد والتمجيد، وهذا مذكور ~~في تمام حديث البخاري من جواب الملائكة، وفي رواية الإسماعيلي (¬2) زيادة: ~~"ويذكرونك". وفي حديث أنس عند البزار (¬3): "يعظمون آلاءك، ويتلون كتابك، ~~ويصلون على نبيك، ويسألونك لآخرتهم ودنياهم". ويؤخذ من هذا أنه لا يدخل في ~~مجالس الذكر قراءة الحديث، ومدارسة العلم الشريف ومذاكرته، والاجتماع على ~~صلاة النافلة، ولا يبعد أن يكون لمجالس التسبيح والتكبير ونحوهما خصوصية ~~زائدة، وإن كان الذكر يطلق على المواظبة على العمل بما أوجبه الله أو ندب ~~إليه؛ [كقراءة] (أ) الحديث، ومدارسة العلم، والتنفل بالصلاة. ثم الذكر يقع ~~باللسان ويؤجر عليه الناطق، ولا يشترط الاستحضار لمعناه، ولكن يشترط ألا ~~يقصد به غيره، وإن انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل، وإن انضاف إلى ~~ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل عليه من PageV10P390 # تعظيم الله تعالى ونفي النقائص عنه، ازداد كمالا، فإن وقع ذلك في عمل ~~صالح مما فرض من صلاة أو جهاد أو غيرهما ازداد كمالا، فإن صح التوجه، وأخلص ~~لله تعالى في ذلك، فهو أبلغ الكمال. # وقال الفخر الرازي (¬1): المراد بذكر اللسان: الألفاظ الدالة على التسبيح ~~والتحميد والتمجيد، والذكر بالقلب: التفكر في أدلة الذات والصفات، وفي أدلة ~~التكاليف من الأمر والنهي حتى يطلع على أحكامها، وفي أسرار مخلوقات الله ~~تعالى، والذكر بالجوارح؛ هو أن تفسير مستغرقة في الطاعات، ومن ثم سمى الله ~~الصلاة ذكرا؛ فقال: {فاسعوا إلى ذكر الله} (¬2). ونقل عن بعض العارفين قال: ~~الذكر على سبعة أنحاء؛ فذكر العينين بالبكاء، وذكر اللسان بالثناء، وذكر ~~الأذنين بالإصغاء، وذكر اليدين بالعطاء، وذكر البدن بالوفاء، وذكر القلب ~~بالخوف والرجاء، وذكر الروح بالتسليم والرضا. وقد وردت أحاديث كثيرة ms2398 تدل ~~على تفضيل الذكر على سائر الأعمال وعلى الجهاد؛ كما في حديث أبي الدرداء ~~مرفوعا، أخرجه الترمذي وابن ماجه وصححه الحاكم (¬3): "ألا أخبركم بخير ~~أعمالكم، وأزكاها عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إنفاق الذهب ~~والورق، وخير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم". ~~قالوا: بلى. قال: "ذكر الله عز وجل". # وقد ورد في فضل الجهاد كذلك أحاديث، وأنه أفضل من الذكر، كما PageV10P391 # في قوله: "إنه كالصائم لا يفطر والقائم لا يفتر" (¬1). وطريق الجمع، ~~والله أعلم، أن المراد بالذكر الذي هو أفضل الأعمال؛ هو الذكر الكامل الذي ~~يجتمع فيه ذكر اللسان والقلب بالتفكر في المعنى، واستحضار عظمة الله تعالى، ~~وأن الذي يحصل له ذلك يكون أفضل من الذي يقاتل الكفار من غير استحضار لذلك، ~~وأن أفضلية الجهاد إنما هي بالنسبة إلى ذكر اللسان المجرد، فمن ذكر الله ~~سبحانه جامعا للسان والقلب في حال صلاته، أو صيامه، أو تصدقه، أو جهاده، ~~فهو الذي بلغ الغاية القصوى. وأجاب القاضي أبو بكر بن العربي (¬2) بأنه: ما ~~من عمل صالح إلا والذكر مشترط في تصحيحه، فمن لم يذكر الله عند صدقته أو ~~صيامه فليس عمله كاملا، فصار الذكر أفضل الأعمال من هذه الحيثية، ويشير إلى ~~هذا حديث (أ) "نية المؤمن خير من عمله" (¬3). والله أعلم. # 1301 - وعنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما قعد قوم ~~مقعدا لم يذكروا الله تعالى، ولم يصلوا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~إلا كان حسرة عليهم يوم القيامة". أخرجه الترمذي (¬4)، وقال: حسن. # الحديث ورد بلفظ: "إلا كان عليهم حسرة" (¬5). وبلفظ: "إلا كان PageV10P392 # عليهم ترة" (¬1). والترة بكسر التاء المنقوطة بنقطين من أعلى وهي بمعنى ~~السيرة، كما في الرواية الأخرى. وقيل: هي النار. وقيل: الذنب. وقال ابن ~~الأثير (¬2): هي النقص. وقيل: التبعة. والهاء فيه عوض عن الواو المحذوفة ~~مثل "عدة"، ويجوز في "ترة" و "حسرة" الرفع على اسمية "كان"، والخبر ~~"عليهم"، ويجوز النصب على خبرية "كان"، واسمها ضمير المجلس. وزاد الترمذي ~~في آخره: "فإن ms2399 شاء عذبهم، وإن شاء غفر لهم". وفي رواية صححها الحاكم (¬3) ~~-واعترضه الذهبي بأن في سندها ضعفا- بلفظ: "أيما قوم جلسوا فأطالوا الجلوس ~~ثم تفرقوا قبل أن يذكروا الله عز وجل ويصلوا على نبيه - صلى الله عليه وسلم ~~-، إلا كان عليهم ترة من الله تعالى، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم". وفي ~~أخرى (¬4): "ما جلس قوم يذكرون (أ) الله عز وجل ثم لم يصلوا على نبيه - صلى ~~الله عليه وسلم -، إلا كان ذلك (ب) المجلس عليهم ترة، ولا قعد قوم لم ~~يذكروا الله تعالى إلا كان عليهم ترة". قال الحاكم: صحيح على شرط البخاري. ~~وفي أخرى عند أحمد (¬5): "ما جلس قوم مجلسا لم يذكروا الله تعالى إلا كان ~~عليهم ترة، وما من رجل مشى طريقا فلم PageV10P393 # يذكر الله تعالى إلا كان عليه ترة، وما من رجل أوى [إلى] (أ) فراشه فلم ~~يذكر الله عز وجل إلا كان عليه ترة". وفي أخرى (¬1): "إلا كان عليهم حسرة ~~يوم القيامة وإن دخلوا الجنة؛ للثواب". وفي أخرى بسند صحيح (¬2): "لا يجلس ~~قوم مجلسا لا يصلون فيه على النبي - صلى الله عليه وسلم -، إلا كان عليهم ~~حسرة وإن دخلوا الجنة؛ لما يرون من الثواب". وجاء بسند صحيح على شرط مسلم ~~(¬3): "ما اجتمع قوم ثم تفرقوا عن غير ذكر الله عز وجل والصلاة على نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم -، إلا قاموا عن أنتن جيفة". # وفي الحديث دلالة على وجوب الذكر والصلاة في المجلس، لا سيما إذا فسرت ~~الترة بالنار أو العذاب، ومع زيادة قوله: "فإن شاء عذبهم". فإن التعذيب ~~إنما هو للذنب، واحتمال أن يكون التعذيب بذنب آخر، وأنه مع الصلاة على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر الله تعالى يغفر لهم الذنوب، ومع عدمها ~~يكون الغفران واقفا على المشيئة (ب)، والحسرة تكون في الموقف لما فاتهم من ~~ثواب الذكر والصلاة، وإن صاروا إلى الجنة. # وقد ذكر أنه تشرع الصلاة عليه - صلى الله عليه وسلم - في أمور مخصوصة، ~~وهي ستة وأربعون؛ الأول: بعد الفراغ من الوضوء والغسل ms2400 والتيمم. وقد ورد في PageV10P394 # ذلك أحاديث ضعيفة: "إذا فرغ أحدكم من طهره فليقل: أشهد أن لا إله إلا ~~الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، ثم ليصل على النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فإذا قال، فتحت له أبواب الرحمة" (¬1). وفي رواية: "الجنة" (¬2). وله ~~طرق وربما رقي (أ) بها إلى درجة الحسن، ويقاس الغسل والتيمم، وفي رواية ~~أخرى ضعيفة (¬3): "لا وضوء لمن لا يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -". ~~أي لا وضوء كامل. # الثاني: الصلاة في التشهد الأخير -وفي الأوسط عند جماعة من الشافعية- وفي ~~قنوت الوتر، وقيل عليه قنوت الفجر بلفظ: "وصل على النبي". كذا رواه النسائي ~~(¬4)، ووهم من زاد عليه. "محمد وسلم". قال النووي (¬5): والحديث صحيح أو ~~حسن. واعترض عليه بأن فيه انقطاعا مع ما فيه من الاختلاف على راويه (ب) ~~وشذوذه. وعن بعض الصحابة أنه كان إذا دخل العشر -أي الأخيرة من رمضان- زاد ~~في قنوت رمضان: اللهم صل على محمد كما صليت على إبراهيم، اللهم بارك على ~~محمد كما باركت على إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم صل على عبدك ورسولك، ~~والسلام عليه ورحمة الله وبركاته. ونقل صاحب "الأنوار" عن العجلي، PageV10P395 # أنه يسن لمن قرأ آية في الصلاة فيها ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويسن أيضا للسامع، ورجح النووي ~~أنه لا يندب، والأحسن أن يصلي في نفسه، ونص أحمد على أنه يندب ذلك في ~~النافلة، وأطلق الحسن البصري ندبه. # الثالث: عقيب الصلاة، وقد روي حديث ضعيف (¬1): "من دعا بهؤلاء الدعوات في ~~دبر كل صلاة مكتوبة، حلت له الشفاعة مني يوم القيامة: اللهم أعط محمدا ~~الوسيلة و [اجعله] (أ) في المصطفين محبته، وفي العالين (ب) درجته، وفي ~~المقربين داره". # الرابع: عقيب إقامتها (¬2) وعقيب الأذان فتسن عقيبهما، ثم يقول: "اللهم ~~رب هذه الدعوة التامة". الحديث. روى مسلم (¬3): "إذا سمعتم المؤذن فقولوا ~~مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه بها عشرا، ~~ثم سلوا الله تعالى لي الوسيلة، ms2401 فإنها منزلة في الجنة لا تنبغي إلا لعبد من ~~عباد الله، وأرجو أن يكون هو أنا، فمن سأل الله تعالى لي الوسيلة حلت له ~~الشفاعة". ومعنى "حلت": وجبت. وقد ورد في رواية PageV10P396 # صحيحة (¬1)، ومعنى "وجبت": ثبتت. وقد جاء في رواية (¬2): "من قال حين ~~ينادي المنادي: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، صل على محمد، ~~وارض عني رضا لا سخط بعده. استجاب الله دعوته". وفي راوية البخاري (¬3): ~~"من قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة ... ". إلى آخره، ~~يحتمل أن المراد بعد الأذان، ويحتمل أن يكون حاله، ورواية مسلم مصرحة بأنه ~~يقول بعده. # الحامس: عند القيام لصلاة الليل من النوم؛ صح أنه - صلى الله عليه وسلم - ~~قال: "يضحك الله سبحانه من رجلين؛ رجل لقي العدو وهو على فرس من أمثل خيل ~~أصحابه، فانهزموا وثبت، فإن قتل استشهد، وإن بقي فذلك الذي يضحك الله تعالى ~~إليه، ورجل قام في جوف الليل لا يعلم به أحد، فتوضأ وأسبغ الوضوء، ثم حمد ~~الله تعالى ومجده وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - واستفتح القرآن، ~~فذلك الذي يضحك الله تعالى إليه، يقول: انظروا إلى عبدي قائما، لا يراه أحد ~~غيري" (¬4). # السادس: بعد الفراغ من التهجد؛ أخرج النسائي وابن ماجه (¬5) عن عائشة رضي ~~الله عنها قالت: كنا نعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - سواكه وطهوره، ~~فيبعثه الله تعالى لما شاء أن يبعثه من الليل، فيستاك ويتوضأ ويصلي تسع PageV10P397 # ركعات لا يجلس فيهن إلا عند الثامنة، ويحمد الله تعالى ويصلي على نبيه - ~~صلى الله عليه وسلم -، ويدعو بينهن ولا يسلم، ثم يصلي التاسعة ويقعد -وذكر ~~كلمة نحوها- ويحمد الله ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويدعو، ثم ~~يسلم تسليما يسمعنا، ثم يصلي ركعتين وهو قاعد. كذا استدل بالحديث على هذا ~~الأمر وليس فيه الصلاة بعد التمام، وإنما الصلاة في حال التشهد. والله أعلم. # السابع: عند دخول المسجد والخروج منه وعند القعود فيه؛ وقد جاء بسند حسن ~~لكنه غير متصل أنه - صلى الله عليه وسلم ms2402 - كان إذا دخل المسجد صلى على محمد ~~وسلم، ثم قال: "اللهم اغفر ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك". وإذا خرج صلى على ~~محمد، ثم قال: "اللهم اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك" (¬1). وقد جاء في ~~رواية ابن حبان وغيره (¬2) وأصله في مسلم (¬3) بلفظ: "إذا دخل أحد المسجد ~~فليسلم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ليقل: اللهم افتح لي أبواب ~~رحمتك". مكان "فضلك" في الدخول، وفي (أ) الخروج: "أبواب فضلك". وفي رواية ~~ضعيفة (¬4): "كان إذا دخل المسجد قال: بسم الله، اللهم صل على محمد". وإذا ~~خرح قال: "بسم الله، اللهم. صل PageV10P398 # على محمد". وفي أخرى (¬1): "إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم -، وليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك. وإذا خرج فليصل على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وليقل: اللهم اعصمني من الشيطان". قال ~~الحاكم: صحيح على شرط الشيخين. ورد عليه بأن فيه علة خفيت عليه، لكنه حسن ~~بشواهده. # الثامن: يوم الجمعة (أ). ورد في الصلاة عليه يوم الجمعة أحاديث كثيرة، ~~ومن ثم كتب عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى أن انشروا العلم يوم الجمعة؛ ~~فإن غائلة العلم النسيان، وأكثروا الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~يوم الجمعة. قال الشافعي (¬2) رحمه الله تعالى: أحب كثرة الصلاة على النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - في كل حال، وأنا (ب) في يوم الجمعة وليلتها أشد ~~استحبابا. وقد ورد في حديث: "مائتي مرة"، و "ثمانين مرة". في رواية، وفي ~~رواية زيادة يقول: "اللهم صل على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي ثمانين ~~مرة". وفي أخرى يقول بعد صلاة عصر يوم الجمعة: "اللهم صل على محمد النبي ~~الأمي وعلى الله وسلم تسليما، ثمانين مرة" (ج)، وفي أخرى: "مائة مرة" (¬4). ~~وفي أخرى: "أربعين مرة" (¬5). وفي أخرى: "ألف مرة". يقول: "اللهم صل PageV10P399 # على محمد النبي الأمي" (¬1). وفي أخرى (¬2) في سندها مجهول: "إذا كان يوم ~~الخميس بعث الله ملائكة معهم صحف من فضة وأقلام من ذهب، يكتبون يوم الخميس ~~وليلة الجمعة أكثر الناس صلاة ms2403 على النبي - صلى الله عليه وسلم - ". وفي ~~أخرى بسند ضعيف: "إن لله ملائكة خلقوا من النور، لا يهبطون إلا ليلة الجمعة ~~ويوم الجمعة، بأيديهم أقلام من ذهب -وروي من فضة- وقراطيس من نور لا يكتبون ~~إلا الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -" (¬3). وقد روي في الصلاة على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - في خصوص يوم السبت ويوم الأحد حديث وفيه أن ~~اليهود والنصارى تكثر سبه - صلى الله عليه وسلم - فيهما. وذكر الغزالي (¬4) ~~حديثا بلا إسناد في صلاة أربع ركعات ليلة الاثنين يصلي على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - في كل ركعة خمسا وسبعين مرة، مع أشياء أخر، ثم يسأل الله ~~حاجته، كان حقا على الله أن يعطه ما سأل". وتسمى صلاة الحاجة. وذكر المديني ~~حديثا في ليلة الثلاثاء في سنده من اتهم بالكذب، فيه صلاة أربع ركعات بعد ~~العتمة قبل الوتر يقرأ في كل ركعة أشياء مخصوصة، ثم بعد الفراغ يصلي على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - خمسين مرة، وذكر لذلك ثوابا كبيرا. # التاسع: في الخطب؛ كخطبة العيدين والجمعة والكسوفين والاستسقاء. وهي ركن ~~في الخطبة، فكان السلف يسمون الخطبة بغير الصلاة على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - البتراء. # العاشر: في أثناء تكبيرات العيد؛ لما صح عن ابن مسعود أنه علم الوليد PageV10P400 # ابن عقبة حين سأله عن ذلك أن يحمد الله ويصلي على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - ثم يدعو بين كل تكبيرتين، وصدقه على ذلك حذيفة وأبو موسى (¬1). # الحادي عشر: في صلاة الجنازة بعد التكبيرة الثانية عند الشافعية، وعند ~~الهدوية بعد الثانية والثالثة والرابعة، وهى ركن عند الشافعي. وقد ورد في ~~شرعيتها آثار عن الصحابة. قيل: ويسن عند إدخال الميت القبر. للحديث الحسن ~~أنه - صلى الله عليه وسلم - كان إذا وضع الميت في قبره قال: "بسم الله وعلى ~~سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2) ". ويحتمل أن الصلاة هنا لأجل ~~ذكره - صلى الله عليه وسلم -. وقد روي في رجب بخصوصه شيء ولم يصح. وفي ~~"موضوعات ابن الجوزي" (¬3) في ذلك أحاديث ms2404 واهية لا يعتد بها، وكذا في شعبان ~~لم يصح فيه بخصوصه، وإن ذكر ذلك ابن أبي الضيف من الشافعية في جزء له في ~~فضل شعبان، وذكر فيه عن جعفر وأبي اليمان ما لم يعرف له أصل. # الثاني عشر: في الحج عقيب التلبية. جاء عن القاسم وسنده ضعيف (¬4)، وعلى ~~الصفا والمروة صح عن عمر (¬5)، وجاء عن ابن عمر (¬6) أيضا، وعند PageV10P401 # استلام الحجر صح عن ابن عمر (¬1)؛ وفي الطواف، وفي الموقف؛ لحديث أخرجه ~~البيهقي (¬2): "ما من مسلم يقف عشية بالموقف فيستقبل القبلة بوجهه ثم يقول: ~~لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ~~مائة مرة، تم يقرأ: {قل هو الله أحد} مائة مرة، ثم يقول: اللهم صل على محمد ~~وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد وعلينا ~~معهم مائة مرة، إلا قال الله تعالى: يا ملائكتي، ما جزاء عبدي هذا؟ سبحني ~~وهللني وكبرني وعظمني وعرفني وأثنى علي وصلى على نبيي؟ اشهدوا أني قد غفرت ~~له وشفعته في نفسه، ولو سألني عبدي هذا لشفعته في أهل الموقف". قال البيهقي ~~(¬3): هذا غريب، ليس في إسناده من ينسب إلى الوضع. وقال غيره: بل كلهم ~~موثقون إلا رجل منهم فإنه مجهول، وقد روي نحوه بزيادات. وفي الملتزم؛ ذكره ~~النووي في "الأذكار" (¬4)، وذكر الشافعي وأصحابه (¬5) أنه يسن لمن فرغ عن ~~طواف الوداع أن يقف فيه ويقول: إن البيت بيتك ... إلى آخره، ثم يصلي على ~~النبي - صلى الله عليه وسلم -. قالوا: لأنه أرجى للإجابة. # الثالث عشر: الصلاة عليه عند قبره - صلى الله عليه وسلم -، جاء عن ابن ~~عمر أنه يصلي PageV10P402 # عند القبر (¬1). وعن غيره من الصحابه أنه يسلم (أ) عليه هناك (¬2). وذكر ~~جماعة من العلماء أنه يسن لمن هو قاصد للزيارة أن يكثر من الصلاة عليه في ~~الطريق - صلى الله عليه وسلم -، وكذا لمن رأى أثرا من آثاره. # الرابع عشر: عند الذبيحة، ذكره الشافعي (¬3)، وقال بكراهتها الحنفية ~~ومالك وأحمد، قالوا: لما فيها (ب) ms2405 من التشبه بالإهلال لغير الله. وهو مدفوع ~~بأن ذلك إنما يكون لو ذكر اسم النبي - صلى الله عليه وسلم - مع اسم الله، ~~وأما ذكر الصلاة عليه فلا تشبه. وأما حديث: "موطنان لا حظ لي فيهما؛ عند ~~العطاس والذبح". فهو غير صحيح، بل في سنده من اتهم بالوضع (¬4). # الخامس عشر: عند عقد البيع؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: "كل أمر ذي ~~بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علي فهو أقطع ممحوق من كل بركة". أخرجه ~~الديلمي (¬5) والحافظ عبد القادر الرهاوي في "الأربعين" (¬6) عن أبي هريرة، ~~وقال الرهاوي: غريب، تفرد بذكر الصلاة فيه إسماعيل بن أبي زياد الشامي، وهو ~~ضعيف جدا لا يعتد بروايته ولا بزيادته (¬7). وقد أخرج أبو الحسين أحمد بن PageV10P403 # محمد بن ميمون في "فضائل علي" (¬1) عن أبي هريرة: "كان كلام لا يذكر الله ~~فيه ولا يصلى علي فهو أقطع أكتع ممحوق من كل بركة". # السادس عشر: عند كتابة الوصية، روي عن [أبي بكرة نفيع أنه أمر] (أ) أن ~~يكتب في وصيته: هذا ما أوصى به نفيع، وهو يشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (¬2). وهو يحتمل أن الصلاة لذكر ~~اسمه لا لأجل الوصية. # السابع عشر: في خطبة التزويج، روي عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ~~{يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه} (¬3): اثنوا عليه في صلاتكم، وفي مساجدكم، ~~وفي كل موطن، وفي خطبة النساء فلا تنسوه (¬4). # وفعله (ب) عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه. # الثامن عشر: في طرفي النهار، وعند إرادة النوم، ولمن قل نومه. جاء حدثنا ~~في مائة صلاة [حين] (ج) يصلي قبل أن يتكلم، وفي المغرب مثل ذلك PageV10P404 # بسند (أ) غريب، وأنها تقضى لفاعل ذلك مائة حاجة (¬1)، وعند أن يأوي إلى ~~فراشه جاء حديث في بعض رواته مقال: أنه "من قرأ: "تبارك الملك" ثم قال: ~~اللهم رب الحلال والحرام، ورب البلد الحرام، ورب الركن والمقام، ورب المشعر ~~الحرام، بحق [كل] (ب) آية أنزلتها في شهر رمضان بلغ ms2406 روح محمد منا تحية ~~وسلاما. أربع مرات، وكل الله به ملكين حتى يأتيا محمدا - صلى الله عليه ~~وسلم - فيقولان: إن فلان بن فلان يقرأ عليك السلام ورحمة الله. فأقول: على ~~فلان بن فلان مني السلام ورحمة الله وبركاته" (¬2). ووصف بعضهم لمن قل نومه ~~أن يقرأ: {إن الله وملائكته يصلون على النبي} الآية. # التاسع عشر: عند إرادة السفر، ذكر النووي في "الأذكار" (¬3) أنه يفتتح ~~دعاءه بالتحميد والتسليم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ويدل عليه ~~حديث: "كل أمر ذي بال" (¬4). # العشرون: عند الركوب على الدابة، أخرجه الطبراني (¬5) أنه - صلى الله ~~عليه وسلم - قال: "من قال إذا ركب دابة: باسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء ~~في الأرض PageV10P405 # ولا في السماء، سبحان من ليس له سمي، {سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له ~~مقرنين} (¬1)، والحمد لله رب العالين، صلى الله على سيدنا محمد، وعليه ~~السلام. قالت الدابة: بارك الله عز وجل عليك من مؤمن؛ خففت على ظهري، وأطعت ~~ربك، وأحسنت إلى نفسك، بارك الله في سفرك، وأنجح حاجتك". # الحادي والعشرون: عند الخروج إلى السوق، وحضور دعوة، ونحوها. وقد روي عن ~~ابن مسعود أنه كان يثني على الله تعالى، ويصلي على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، ويدعو إذا حضر ذلك (¬2). # الثاني والعشرون: عند دخول المنزل، وعند نزول حادث من فقر أو خوف (أ) أو ~~حاجة. وقد ورد أن الصلاة عليه تنفي الفقر (¬3). # الثالث والعشرون: في الرسائل وبعد البسملة، وقد روى عن أبي بكر الصديق ~~أنه كتب إلى بعض مسألة: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر خليفة رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - إلى طريفة بن حاجر، سلام عليك، فإني أحمد إليك ~~الله الذي لا إله إلا هو، وأسأله أن يصلي على محمد - صلى الله عليه وسلم -، ~~أما بعد. إلى آخر الكتاب. وهذا يرد قول من قال: إن أول من أحدث ذلك في أول ~~(ب) PageV10P406 # الرسائل هارون الرشيد. # الرابع والعشرون: عند الهم والشدائد والكرب ووقوع الطاعون. وقد وردت ~~أحاديث أن ms2407 الصلاة سبب لكفاية مهمات الدنيا والآخرة (¬1). # الخامس والعشرون: عند خوف الغرق، وقد ذكر منام لبعض الصالحين عند خشية ~~الغرق، أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقول من في السفينة الصلاة ~~ألف مرة: اللهم صل على محمد صلاة تنجينا بها من جميع الآفات والأهوال، ~~وتقضي لنا بها جميع الحاجات، وتطهرنا بها من جميع السيئات، وترفعنا بها ~~عندك أعلى الدرجات، وتبلغنا بها أقصى الغايات في الدنيا وبعد الممات. ~~فقالوها ففرج الله عنهم. # السادس والعشرون: في أول الدعاء ووسطه وآخره، وقد وردت أحاديث (أفي ذلك ~~أ) وأن الدعاء محجوب حتى يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬2). # السابع والعشرون: عند طنين الأذن، وقد ورد حديث بسند ضعيف: "إذا طنت أذن ~~أحدكم فليصل علي، وليقل: ذكر الله من ذكرني بخير" (¬3). # الثامن والعشرون: عند خدر (¬4) الرجل، روي أن عمر وابن عمر وابن PageV10P407 # عباس خدرت أرجلهم، فقال رجل آخر: اذكر (أ) أحب الناس إليك. فقال عمر: يا ~~محمد صلى الله عليك. وقال ابن عمر: يا محمد. وقال ابن عباس: محمد صلى الله ~~عليه. فذهب خدرها (¬1). # التاسع والعشرون: عند العطاس، جاء حديث بسند ضعيف: "من عطس فقال: الحمد ~~على كل حال، ما كان من حال، وصلى الله على محمد وأهل بيته. أخرج الله من ~~منخره الأيسر طائرا يقول: اللهم اغفر لقائلها". وهي معتضدة (ب) برواية ~~أخرى، رفيها: أن الطائر أكبر من الذباب وأضعف من الجراد، يرف (ج) تحت العرش ~~يقول: "اللهم اغفر لقائلي". وعن ابن عمر أنه كان يقول: الحمد لله والسلام ~~على رسول الله، - صلى الله عليه وسلم - (¬2). وقال بعض: لا تسن (د)؛ لخبر ~~روي، وهو: "لا تذكروني في [ثلاثة] (ه) مواطن؛ عند العطاس، وعند الذبيحة، ~~وعند التعجب" (¬3). وفي رراية: "عند تسمية PageV10P408 # الطعام" (¬1). وهو غير صحيح، وفي سنده من اتهم بالوضع (¬2). وكذا روي عن ~~ابن عباس: موطنان لا يذكر فيهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ عند ~~العطاس وعند الذبيحة. ولا يصح، وقال جماعة: (ألا يصلى على أ) النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - مع الأكل ms2408 والشرب والجماع والعطاس و [نحوها] (ب). وقد عرفت ~~ما ذكر في العطاس، ويرد عليهم في الباقي بحديث: "كل أمر ذي بال" (¬3). وأما ~~عند التعجب فكرهها سحنون المالكي، وقال الحليمي من الشافعية: لا يكره، ك ~~"سبحان الله" عند التعجب. قال: وأما الصلاة عليه عند حصول ما يستقذر أو ~~يضحك (ج) منه فأخشى على صاحبه الكفر. وقال القونوي: لا يكفر إلا إذا كان ~~ذكره لها لاستقذارها أو لجعلها أضحوكة. وجزم العيني من الحنفية أنها تحرم ~~عند التعجب، وذكر النووي في "الأذكار" (¬4) أنه لا يؤمر بها أحد عند الغضب؛ ~~لئلا يحمله الغضب على الكفر. # الثلاثون: عند تذكر منسي أو خوف نسيان، جاء حديث بسند ضعيف: "إذا نسيتم ~~شيئا فصلوا علي تذكروه (د) إن شاء الله" (¬5). وله شاهد PageV10P409 # أيضا، حديث ضعيف مرسل وسنده منقطع، عن أبي هريرة قال: من خاف على نفسه ~~النسيان فليذكر الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم -. # الحادي والثلاثون: عند استحسان الشيء. ذكره ابن أبي حجلة. # الثاني والثلاثون: عند أكل الفجل، أخرج الديلمي (¬1): "إذا أكلتم الفجل ~~وأردتم ألا يوجد له ريح فاذكروني عند أول قضمة". ولا يصح مرفوعا، والأشبه ~~أنه من كلام ابن المسيب. # الثالث والثلاثون: عند نهيق الحمير، أخرج الطبراني وابن السني (¬2): "لا ~~ينهق الحمار حتى يرى شيطانا أو يتمثل له شيطان، فإذا كان ذلك فاذكروا الله ~~وصلوا علي". ويسن أيضا التعوذ. # الرابع والثلاثون: عقيب الذنب ليكفره، وقد ورد أنها كفارة للذنوب (¬3). # الخامس والثلاثون: عند عروض حاجة، وقد جاء فيه حديث: "من كانت له إلى ~~الله حاجة أو إلى أحد من بني آدم، فليتوضأ وليحسن وضوءه، وليصل ركعتين، ثم ~~يثني على الله سبحانه وتعالى، ويصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم ~~ليقل: لا إله إلا الله الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، والحمد ~~لله رب العالين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم PageV10P410 # مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل ذنب، لا تدع لي (أ) ذنبا إلا ~~غفرته، ولا هما إلا فرجته، ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها ms2409 يا أرحم ~~الراحمين". أخرجه الترمذي وابن ماجه والطبراني وغيرهم (¬1)، وقال الترمذي: ~~غريب، وفي إسناده مقال، وفائد راويه ضعيف (¬2). وقال الحاكم (¬3): حديث ~~فائد مستقيم، إلا أن الشيخين لم يخرجا له، وإنما أخرجت حديثه شاهدا، إلا ~~أنه يقبل مثله في فضائل الأعمال. وقد جاءت أحاديث وأدعية في صلاة الحاجة، ~~كلها ضعيفة. # السادس والثلاثون: في سائر الأحوال، وقد مر في الحاديث والعشرين أثر ابن مسعود. # السابع والثلاثون: فيمن اتهم بشيء وهو بريء منه، وقد روي فيه أحاديث لم ~~يصح منها شيء، وقد تقدم في الرابع والعشرين ما يدل على ثبوته. # الثامن والثلاثون: عند لقاء الإخوان، جاء بسند ضعيف جدا: "ما من متحابين ~~يستقبل (ب) أحدهما صاحبه فيصافحه فيصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~إلا لم يبرحا حتى تغفر لهما ذنوبهما، ما تقدم منها وما تأخر" (¬4). وفي ~~رواية: PageV10P411 # "ما من مسلمين" (¬1). # التاسع والثلاثون: عند تفرق القوم بعد اجتماعهم، وعند القيام من المجلس ~~في كل محل يجتمع فيه لذكر الله تعالى. وفيه الحديث المذكور عن أبي هريرة، ~~الذي هذا المبحث فيه. # الأربعون: عند ختم القرآن، كما دلت عليه الآثار الواردة بأنه من مواطن ~~إجابة الدعاء، فيكون من آكد مواطن الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - (¬2). # الحادي والأربعون: في الدعاء الوارد لحفظ القرآن الذي علمه النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - عليا رضي الله عنه لما شكا تفلت القرآن، وأمره بصلاة أربع ~~ركعات، وبعدها أن يحمد الله تعالى ويحسن الثناء عليه ويصلي على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - ويحسن وعلى سائر الأنبياء، إلى آخره. أخرجه الترمذي (¬3)، ~~وقال: إنه غريب. والحاكم (¬4) وقال: صحيح على شرطهما. وجزم الذهبي في موضع ~~بأنه موضوع، وفي آخر أنه باطل (¬5)، وابن الجوزى في "الموضوعات" (¬6). قال ~~السخاوي: وقال المنذري (¬7): طرق أسانيد هذا الحديث جيدة ومتنه غريب جدا. ~~ونحوه قال العماد ابن كثير: في المتن غرابة بل نكارة (¬8). ثم قال: PageV10P412 # قلت: والحق أنه ليس له علة إلا أنه عن [ابن جريج عن عطاء] (أ)، بالعنعنة، ~~أفاده شيخنا، وأخبرني غير واحد أنهم جربوا الدعاء ms2410 به فوجدوه حقا، والعلم ~~عند الله تعالى. # الثاني والأربعون: عند افتتاح كل كلام، كما نص عليه الشافعي (¬1)، حيث ~~قال: أن يقدم المرء بين يدي خطبته وكل أمر طلبه حمد الله والثناء عليه ~~سبحانه وتعالى والصلاة على رسوله - صلى الله عليه وسلم -. انتهى. ودليله ~~حديث: "كل أمر ذي بال". إلى آخره. # الثالث والأربعون: عند ذكره - صلى الله عليه وسلم -؛ لأحاديث وردت في ~~ذلك، منها حديث: "البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي". أخرجه الترمذي ~~والنسائي وابن حبان والحاكم وإسماعيل القاضي (¬2)، وأطنب في تخريج طرقه ~~وبيان الاختلاف فيه من حديث علي ومن حديث ابنه الحسين، ولا يقصر عن درجة ~~الحسن. وحديث: "رغم أنف رجل ذكرت عنده فلم يصل علي". أخرجه الترمذي (¬3) من ~~حديث أبي هريرة، صححه الحاكم (¬4)، وله شاهد من حديث أبي ذر في الطبراني، ~~وآخر عن أنس عند PageV10P413 # ابن أبي شيبة، وآخر مرسل عن الحسن عند سعيد بن منصور (¬1)، وأخرجه ابن ~~حبان (¬2) من حديث أبي هريرة بلفظ: "من ذكرت عنده فلم يصل عليك فمات فلم ~~يدخل الجنة فأبعده الله". وله شواهد كثيرة. وعند الحاكم (¬3) من حديث كعب ~~بن عجرة بلفظ: "بعد من ذكل رت عنده فلم يصل علي". وعند الطبراني (¬4) من ~~حديث جابر يرفعه: "شقي عبد ذكرت عنده فلم يصل علي". وعند عبد الرزاق (¬5) ~~من مرسل قتادة: "من الجفاء أن أذكر عند رجل فلا يصلي علي". # وقد استدل بهذه الأحاديث من أوجب الصلاة عليه كلما ذكر، لأن الدعاء ~~بالرغم والإبعاد والشقاء، والوصف بالبخل والجفاء يقتضي الوعيد، [والوعيد] ~~(أ) على الترك من علامات الوجوب، ومن حيث المعنى [أن] (أ) فائدة الأمر ~~بالصلاة عليه مكافأته على إحسانه، وإحسانه مستمر، فيتأكد إذا ذكر، وبقوله ~~تعالى: {لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا} (¬6). فلو كان إذا ~~ذكر لا يصلى عليه لكان كآحاد الناس. # وأجاب من لم يوجب بأجوبة؛ منها، أنه قول لا يعرف عن أحد من PageV10P414 # الصحابة ولا التابعين، فهو قول مخترع، وفي ذلك حرج ومشقة جاءت الشريعة ~~السمحة بخلافه، ولكان الثناء على الله ms2411 كلما ذكر أحق بالوجوب، ولم يقولوا ~~به. وقد أطلق القدوري أن هذا القول مخالف للإجماع المنعقد قبل قائله؛ لأنه ~~لا يحفظ عن أحد من الصحابة أنه خاطب النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا ~~رسول الله، صلى الله عليك (أ). ولأنه لو كان كذلك لم يتفرغ السامع لعبادة ~~أخرى. وقالوا في جواب الأحاديث بأنها خرجت مخرج المبالغة؛ لتأكيد ذلك وطلبه ~~في حق من اعتاد ترك الصلاة عليه ديدنا (ب)، ولا دلالة على وجوب تكرر (ج) ~~ذلك بتكرر ذكره في المجلس الواحد. والقائلون بالوجوب قالوا (5) في خمسة ~~أحوال، جمعها الفقيه صالح اليماني الشافعي رحمه الله تعالى حيث قال: # تجب الصلاة على النبي المصطفى ... والخلق في وقت الوجوب سيظهر # في العمر واحدة وثان كلما ... صلى وثالثها إذا ما يذكر # واختاره منا الحليمي الذي ... قد غاص في التحقيق وهو المكثر # [وكذا] (د) الطحاوي الذي من نهجه ... من منهج النعمان لا يستنكر # وكذلك اللخمي أعني من له ... من مالك فضل اتباع يشهر # ومن الحنابلة [ابن] (ه) ريطة والذي ... قالوه عندي راجح مستفخر PageV10P415 # ولكل مجلس الوجوب الرابع ... وكذا الدعاء مقدم ومؤخر # هذا الأخير من المذاهب كلها ... والله أعلم بالصواب وأخبر. # وحكى القاضي عياض (¬1) عن التجيبي أنه قال: واجب كل مؤمن ذكره - صلى الله ~~عليه وسلم - إن ذكر عنده أن يخشع ويخضع ويتوقر ويسكن من حركته، ويأخذ من ~~هيبته وإجلاله بما كان يأخذ به نفسه لو كان بين يديه، ويتأدب بما أدبنا ~~الله تعالى به. قال: وهذه كانت سيرة سلفنا الصالح وأئمتنا الماضين. وكان ~~مالك إذا ذكر النبي - صلى الله عليه وسلم - تغير لونه وانحنى حتى قيل له في ~~ذلك، فقال: لو رأيتم ما رأيت لما أنكرتم ما ترون (¬2)، وكان جعفر الصادق ~~إذا ذكر عنده النبي - صلى الله عليه وسلم - اصفر لونه، وعبد الرحمن بن ~~القاسم إذا ذكر عنده النبي - صلى الله عليه وسلم - كان نزف منه الدم وجف ~~لسانه في [فمه] (أ)، وابن الزبير إذا ذكر عنده النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- يبكي حتى لا ms2412 يبقى في عينه دمع، وكان الزهري إذا ذكر عنده النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - فكأنه ما عرفته ولا عرفك. وكان ابن عمر إذا بآية من آيات ~~ورده تخنقه العبرة ويسقط ويلزم اليوم واليومين، اللهم أذقنا حلاوة محبته، ~~ولا تسلك بنا غير سبيل سنته. # الرابع والأربعون: عند نشر العلم والوعظ وقراءة الحديث ابتداء PageV10P416 # وانتهاء. قال النووي في "الأذكار" (¬1): يستحب لقارئ الحديث وغيره مما في ~~معناه إذا ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يرفع صوته بالصلاة عليه ~~والتسليم، ولا يبالغ في الرفع. وكذا ذكر الخطيب البغدادي (¬2) وغيره. وذكر ~~العلماء من الشافعية وغيرهم أنه يستحب رفع الصوت بالصلاة على النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - كالتلبية. # الخامس والأربعون: عند الإفتاء كما ذكر في "روضة النووي" (¬3)، ويندب له ~~أيضا الاستعاذة والتسمية والحولقة (¬4)، و {رب اشرح لي صدري (25) ويسر لي ~~أمري (26) واحلل عقدة من لساني (27) يفقهوا قولي} (¬5)، وإن المفتي يلحق ~~بخطه ما أغلفه (¬6) السائل آخر السؤال من الدعاء أو الحمد لله أو الصلاة ~~على رسول الله؛ لجريان العادة بذلك وبيدو أيضا للحاكم قبل الحكم. # السادس والأربعون: عند كتابة اسمه - صلى الله عليه وسلم - قال ابن الصلاح ~~(¬7): ينبغي PageV10P417 # أن يحافظ على كتابة الصلاة والتسليم على رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- عند ذكره، ولا يسأم من تكريره، فإن ذلك من أكبر الفوائد التي يتعجلها ~~طلبة الحديث وكتبته، ومن أغفل حرم حظا عظيما، وكذا الثناء على الله سبحانه ~~وتعالى عند ذكر اسمه وكتابته، ولا يقتصر في كتابتها بلفظ "صلم" بدلا عن ~~إكمالها، ولا لفظ الصلاة من دون السلام، وقد روي في ذلك أحاديث من طرق ~~متعددة لا يصح منها شيء، وروي موقوفا من كلام جعفر الصادق: من صلى على رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - في كتاب، صلت عليه الملائكة غدوة ورواحا ما ~~دام اسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الكتاب (¬1). ورئي لأصحاب ~~الحديث بسبب ذلك منامات صالحة؛ لأحمد بن حنبل ولأبي زرعة وللشافعي رحمهم ~~الله تعالى. # واعلم أن العلماء اختلفوا في معنى صلاة ms2413 الله تعالى على نبيه؛ فقال أبو ~~العالية (¬2): هي بمعنى ثنائه عليه عند ملائكته، ومعنى صلاة الملائكة عليه ~~الدعاء له بحصول الثناء والتعظيم. # وعند ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان قال: فإن صلاة الله تعالى مغفرة، ~~وصلاة الملائكة الاستغفار. وعن ابن عباس (¬3) أن معنى صلاة الملائكة الدعاء ~~بالبركة. ونقل الترمذي (¬4) عن سفيان الثوري وغير واحد قالوا: صلاة الرب ~~الرحمة، وصلاة الملائكة الاستغفار. وقال الضحاك بن PageV10P418 # مزاحم: صلاة الله [رحمته] (أ). وفي رواية عنه: مغفرته. وصلاة الملائكة ~~الدعاء. أخرجهما إسماعيل القاضي (¬1) عنه، وكأنه يريد الدعاء بالمغفرة ~~ونحوه. قال المبرد: الصلاة من الله الرحمة، ومن الملائكة رقة تبعث على ~~استدعاء الرحمة. وتعقب بأن الله سبحانه وتعالى غاير بين الصلاة والرحمة في ~~قوله: {أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة} (¬2). وكذلك فهم الصحابة المغايرة ~~من قوله تعالى: {صلوا عليه وسلموا تسليما} (¬3). حتى تساءلوا عن كيفية ~~الصلاة مع تقدم ذكر الرحمة في تعليم السلام حيث جاء بلفظ: "السلام عليك ~~أيها النبي ورحمة الله وبركاته" (¬4). وأقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-، فلو كانت الصلاة بمعنى الرحمة لقال لهم: علمتم ذلك في السلام. وجوز ~~الحليمي (¬5) أن تكون الصلاة بمعنى السلام عليه، والحديث يرد عليه. # وقول أبي العالية أولى. والمراد من صلاة الملائكة هي طلب زيادة التعظيم ~~والثناء، وقيل: صلاة الله على خلقه تكون خاصة وتكون عامة، وصلاته على ~~أنبيائه هي ما تقدم من الثناء والتعظيم، وصلاته على غيرهم هي الرحمة PageV10P419 # التي وسعت كل شيء. ونقل القاضي عياض (¬1) عن (أأبي بكر أ) القشيري قال: ~~الصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - من الله تشريف وزيادة تكرمة، وعلى ~~من دون النبي رحمة. [فمعنى] (ب) قولنا: اللهم صل على محمد. عظم محمدا، ~~والمراد بالتعظيم؛ [بإعلاء] (ج) ذكره وإظهار دينه، وإبقاء شريعته في ~~الدنيا، وفي الآخرة بإجزال مثوبته وتشفيعه في أمته، والشفاعة العظمى ~~للخلائق أجمعين في المقام المحمود. ومشاركة الآل والأزواج بالعطف؛ يراد في ~~حقهم التعظيم اللائق بهم، وبهذا يظهر وجه اختصاص الصلاة بالأنبياء دون من ~~عداهم، ويتأيد هذا بما أخرجه ms2414 الطبراني (¬2) من حديث ابن عباس رفعه: "إذا ~~صليتم علي فصلوا على أنبياء الله؛ فإن الله بعثهم كما بعثني". فجعل العلة ~~البعثة، فتكون مختصة بمن بعث. # وأخرج ابن أبي شيبة (¬3) عن ابن عباس بسند صحيح قال: ما أعلم الصلاة ~~تنبغي من أحد على أحد إلا على النبي - صلى الله عليه وسلم -. وحكى القول به ~~عن مالك، وقال: ما تعبدنا به. وجاء نحوه عن عمر بن عبد العزيز. [و] (د) عن PageV10P420 # مالك: تكره. وقال عياض (¬1): عامة أهل العلم على الجواز. وقال سفيان ~~(¬2): يكره أن يصلي إلا على نبي. قال المصنف رحمه الله تعالى (أ): ووجدت ~~بخط بعض [شيوخي] (ب): مذهب مالك: لا تجوز الصلاة إلا على محمد. وهذا غير ~~معروف عن مالك، وإنما قال: أكره الصلاة على غير الأنبياء، وما ينبغي لنا أن ~~نتعدى ما أمرنا به. وخالفه يحيى بن يحيى فقال: لا بأس به. واحتج بأن الصلاة ~~دعاء بالرحمة فلا يمنع إلا بنص أو إجماع. # قال القاضي عياض (¬3): والذي أميل إليه قول مالك وسفيان، وهو قول ~~المحققين من المتكلمين والفقهاء. قالوا: يذكر غير الأنبياء بالرضا ~~والغفران. # والصلاة على غير الأنبياء -يعني استقلالا- لم تكن من الأمر [المعروف] ~~(ج)، وإنما أحدثت في دولة بني هاشم -يعني العبيديين- وأما الملائكة فلا ~~أعرف فيه حديثا، وإنما يؤخذ ذلك من الذي قبله حديث ابن عباس؛ لأن الله ~~سماهم رسلا. وأما المؤمنون فقالت طائفة: لا تجوز استقلالا وتجوز تبعا ~~[فيما] (د) ورد به النص، كالآل والزوجات ويقاس PageV10P421 # غيرهم، إلا أنه يقال: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما علمهم الصلاة ~~عليه ذكره الآل والزوجات والذرية ولم يذكر غيرهم، فيكون ذلك خاصا ولا يقاس ~~عليه، ويحتمل أن التنصيص لا يمنع القياس. وأما السلام فقال: قولوا: "السلام ~~علينا وعلى عباد الله الصالحين" (¬1). فأشار البخاري (¬2) إلى أنها تجوز ~~الصلاة ولو استقلالا؛ لأنه بوب: هل يصلى على غير النبي. ثم أورد قوله ~~تعالى: {وصل عليهم} (¬3). وأورد (1) حديث: "اللهم صل على آل أبي أوفى" ~~(¬4). وقد جاء مثله عن قيس بن سعد بن عبادة، ms2415 أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- رفع يديه وهو يقول: "اللهم اجعل صلواتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة". ~~أخرجه أبو داود والنسائي (¬5)، وسنده جيد، وفي حديث جابر أن امرأته قالت ~~للنبي - صلى الله عليه وسلم -: صل علي وعلى زوجي. ففعل. أخرجه أحمد مطولا ~~ومختصرا وصححه ابن حبان (¬6). وقوله تعالى: {هو الذي يصلي عليكم وملائكته} ~~(¬7). وفي صحيح مسلم (¬8) من حديث أبي هريرة مرفوعا: "إن الملائكة تقول ~~لروح المؤمن: صلى الله عليك وعلى جسدك". PageV10P422 # وأجيب بأن ذلك الذي صدر من الله ورسوله لا يلزم منه الإذن؛ لأنه لا يلزم ~~إيهام التسوية في التعظيم الذي كان سببا للمنع منا. وقال البيهقي (¬1): ~~يحمل المنع إذا وقع على جهة التعظيم لا إذا كان على وجه الدعاء بالرحمة ~~والبركة. وقال ابن القيم (¬2): يصلى على غير الأنبياء والملائكة وأزواج ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - وآله وذريته وأهل الطاعة على سبيل الإجمال، ~~ويكره في غير الأنبياء لشخص مفرد بحيث صار شعارا، ولا سيما إذا ترك في حق ~~مثله أو أفضل منه، كما يفعله الرافضة، فلو اتفق وقوع ذلك مفردا في بعض ~~الأحايين من غير أن يتخذ شعارا لم يكن به بأس. # واختلف في السلام على غير الأنبياء بعد الاتفاق على مشروعيته في تحية ~~الحي؛ فقيل: يشرع مطلقا. وقيل: تبعا. ولا يفرد بواحد لكونه صار شعارا ~~للرافضة، ونقله النووي (¬3) عن الشيخ أبي محمد الجويني. # 1302 - وعن أبي أيوب رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له. عشر مرات، كان كمن أعتق ~~[أربعة] (أ) أنفس من ولد إسماعيل". متفق عليه (¬4). # الحديث أخرجه مسلم (¬5) بلفظ: "من قال: لا إله إلا الله وحده لا PageV10P423 # شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير. عشر مرات، كان كمن ~~أعتق [أربعة] (أ) أنفس من ولد إسماعيل". # وفي رواية له (¬1) عن أبي هريرة، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-[قال] (ب): "من قال: لا إله إلا الله وحده ms2416 لا شريك له، له الملك وله ~~الحمد، وهو على كل شيء قدير في يوم مائة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكتب ~~له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزا من الشيطان يومه ذلك حتى ~~يمسي، ولم يأت أحد أفضل مما جاء به إلا أحد عمل أكثر من ذلك، ومن قال: ~~سبحان الله وبحمده. في يومه مائة مرة حطت خطاياه ولو كانت مثل زيد البحر". # وأخرج البخاري (¬2) حديث أبي هريرة: "في [يوم] (ج) مائة مرة". وأما حديث ~~أبي أيوب فذكر البخاري (2) قال: "من قال عشرا كان كمن أعتق رقبة من ولد ~~إسماعيل". فليس ذلك من المتفق عليه بتمامه. ومثله حديث البراء أخرجه ~~النسائي وصححه ابن حبان والحاكم (¬3). وأخرج الإمام أحمد والطبراني (¬4) من ~~طريق سعيد بن إياس الجريري عن أبي أيوب الأنصاري قال: لما قدم النبي - صلى ~~الله عليه وسلم - المدينة نزل علي فقال لي: "يا أبا أيوب، ألا PageV10P424 # أعلمك؟ ". قلت: بلى. قال: "ما من عبد يقول إذا أصبح: لا إله إلا الله ~~-فذكره- إلا كتب الله له بها عشر حسنات، ومحا عنه عشر سيئات، وإلا كن له ~~عند الله عدل عشر رقاب محررين، وإلا كان في جنة من الشيطان حتى يمسي، ومن ~~قالها حين يمسي إلا كان كذلك". # وروى أحمد (¬1)، من طريق عبد الله بن يعيش، عن أبي أيوب رفعه: "من قال ~~إذا صلى الصبح: لا إله إلا الله -فذكر بلفظ عشر مرات- كن كعدل أربع رقاب، ~~وكتب له بهن عشر حسنات، ومحي عنه بهن عشر سيئات، ورفع له بهن عشر درجات، ~~وكن له حرسا من الشيطان حتى يمسي، فإذا قالها بعد المغرب فمثل ذلك". وسنده ~~حسن، وأخرجه جعفر في "الذكر" (¬2) عن أبي أيوب رفعه قال: "من قال حين ~~يصبح". فذكر مثله، لكن زاد: "يحيي ويميت". قال فيه: "بعدل عشر رقاب، وكان ~~له مسلحة من أول نهاره إلى آخره، ولم يعمل يومئذ عملا يقهرهن، وإن قال مثل ~~ذلك حين يمسي فمثل ذلك". وأخرجه (2) أيضا من طريق القاسم بن عبد الرحمن ms2417 عن ~~أبي أيوب بلفظ: "من قال غدوة". فذكر نحوه، وقال في آخره: "وأجاره الله يومه ~~من النار، [ومن قالها عشية] (أ) كان له مثل ذلك". وطريق الجمع بين هذه ~~الروايات في عدد الرقاب مع اتحاد المخرج يقتضي الترجيح بينها، فالأكثر على ~~ذكر أربعة. PageV10P425 # وأما حديث أبي هريرة في "العشر" فإنه كقول "مائة مرة". فيكون مقابل كل ~~عشر مرات رقبة من قبيل المضاعفة، وأما ذكر "رقبة" بالإفراد في حديث أبي ~~أيوب فشاذ، والمحفوظ أربعة، وجمع القرطبي في "المفهم" (¬1) بأن ذلك باختلاف ~~أحوال الذاكرين في استحضارهم لمعاني الألفاظ بالقلوب، وإمحاض التوجه ~~والإخلاص لعلام الغيوب، فيكون اختلاف ثوابهم بمقدار ذلك وبحسبه، وعلى هذا ~~يتنزل اختلاف مقادير الثواب الوارد في الأحاديث بالنظر إلى عمل واحد، لكنه ~~يستقيم إذا تعددت مخارج الأحاديث، ويحتمل، فيما إذا تعددت، الاختلاف ~~باعتبار الزمان؛ كالتقييد بما بعد صلاة الصبح مثلا، وعدم التقييد إذا لم ~~يحمل المطلق على المقيد، وظاهر لفظ الحديث أن هذه لفظ الفضيلة تحصل لمن أتى ~~بالذكر في اليوم متواليا أو مفرقا، في أوله وفي آخره، لكن الأفضل أن يأتي ~~به متواليا في أول النهار ليكون حرزا في جميع نهاره، وكذا في أول الليل ~~ليكون له حرزا في جميع ليله، وأكمل ما ورد في لفظ هذا التهليل في حديث ابن ~~عمر عن عمر رفعه: "من قال حين يدخل السوق: لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت وهو حي لا يموت، بيده الخير، وهو على ~~كل شيء قدير". الحديث أخرجه الترمذي وغيره (¬2)، وهذا هو لفظ جعفر في ~~"الذكر" كما تقدم، إلا قوله: "وهو حي لا يموت". # تنبيه: ظاهر الحديث في التسبيح بتكفيره الخطايا وإن كانت مثل الزبد أنه ~~أفضل من التهليل، فإنه قال في التهليل: "محيت عنه مائة سيئة". وقد PageV10P426 # يجاب عنه بأنه انضاف في التهليل رفع الدرجات، وكتب الحسنات وعتق الرقاب، ~~والعتق يتضمن تكفير جميع السيئات، فإن من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها ~~عضوا منه من النار، ويدل على ms2418 أفضلية التهليل الحديث مرفوعا: "أفضل الذكر لا ~~إله إلا الله". أخرجه الترمذي والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (¬1) من ~~حديث جابر. و"أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله" (¬2). ~~وهو كلمة التوحيد والإخلاص، وهو اسم الله الأعظم، ومعنى التسبيح داخل فيه ~~التنزيه عما لا يليق بالله تعالى، وهو داخل في ضمن: "لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، له اللك وله الحمد وهو على كل شيء قدير". ولا يعارض هذا حديث ~~أبي ذر: قلت: يا رسول الله، أخبرني بأحب الكلام إلى الله؟ قال: "إن أحب ~~الكلام إلى الله: سبحان الله وبحمده". أخرجه مسلم (¬3). وفي رواية (¬4): ~~سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته؛ سبحان الله وبحمده". ~~لأن التهليل المذكور قد شمله، والتهليل صريح في التوحيد، في التسبيح متضمن ~~له، فمنطوق "سبحان الله" تنزيه الله تعالى، ومفهومه توحيد، ومنطوق "لا إله ~~إلا الله" توحيد، ومفهومه تنزيه، فتكون "لا إله إلا الله" أفضل؛ لأن ~~التوحيد أصل والتنزيه ينشأ عنه، والأفضلية إنما هي بالنسبة إلى كلام ~~الآدمي، وإلا فالقرآن أفضل الذكر. ولعله يقال: إن لفظ: "لا إله إلا الله" PageV10P427 # هي من القرآن. وهي مركب كامل في دلالته على معناه، وإن كانت بعض بابه، ~~فالأفضلية فيها على العموم من غير تخصيص بكلام الآدمي، وقد جاءت الأحاديث ~~في تعظيم فضلها على الإطلاق. # أخرج [الطبري (¬1)] (أ) عن عبد الله بن عمرو قال: إن الرجل إذا قال: لا ~~إله إلا الله. فهي كلمة الإخلاص التي لا يقبل الله عملا حتى يقولها، وإذا ~~قال: الحمد لله. فهي كلمة الشكر التي لم يشكر الله حتى يقولها. وعن ابن ~~عباس (¬2): من قال: لا إله إلا الله. فليقل على إثرها: الحمد لله. # وأخرج النسائي (¬3) بسند صحيح عن أبي سعيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~-: "قال موسى: يا رب، علمني شيئا أذكرك به. قال: قل: لا إله إلا الله" ~~الحديث. وفيه: "لو أن السماوات السبع والأرضين السبع جعلن في كفة ولا إله ~~إلا الله في كفة لمالت ms2419 بهن لا إله إلا الله". وذكر [ابن بطال] (ب) (¬4) عن ~~بعض العلماء أن الفضل الوارد في مثل هذه الأعمال الصالحة والأذكار، إنما هو ~~لأهل الفضل في الدين والطهارة من الجرائم العظام، وليس من أصر [على] (ج) ~~شهواته، وانتهك دين الله وحرماته بلاحق بالأفاضل المطهرين في ذلك، PageV10P428 # ويشهد له قوله تعالى: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات} (¬1). والله سبحانه أعلم. # 1303 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "من قال: سبحان الله وبحمده. مائة مرة حطت خطاياه، وإن كانت مثل ~~زيد البحر". متفق عليه (¬2). # قوله: "سبحان الله". أي تنزيه الله عن كل ما [لا] (أ) يليق به من كل نقص، ~~فيلزم نفي الشريك ونفي الصاحبة والولد وجميع الرذائل. ويطلق التسبيح ويراد ~~به جميع ألفاظ الذكر، ويطلق ويراد به صلاة النافلة، وسميت صلاة التسبيح ~~لكثرة التسبيح فيها، وسبحان اسم مصدر منصوب على المصدرية بتقدير فعل وهو ~~"سبحت" محذوف وجوبا لإضافة المصدر، وهو قائم مقام "تسبيح" مصدر "سبحت" ولا ~~يستعمل "سبحان" إلا مضافا، وهو يحتمل أن يكون المضاف إليه موصولا، أي: سبحت ~~الله. ويجوز أن يكون مضافا إلى الفاعل، أي: نزه الله سبحانه نفسه. والمشهور ~~الأول وقد جاء غير مضاف في الشعر كقوله (¬3): PageV10P429 # سبحانه ثم سبحانا نعوذ به ... وقبلنا سبح الجودي والجمد # و"بحمده". معطوف بتقدير متعلقه على فعل "سبحان". أي: أسبح الله وأتلبس ~~بحمده. والباء باء الملابسة. # وقوله: "مثل زيد البحر". مبالغة في كثرتها، أي أن خطاياه تكفر ولو بلغت ~~من الكثرة أي مبلغ. وقد تقدم الجمع بين هذا وبين حديث التهليل قريبا (¬1). # 1304 - وعن جويرية بنت الحارث رضي الله عنها قالت: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بالسماوات والأرض ~~لوزنتهن؛ سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه، وزنة عرشه ومداد كلماته". ~~أخرجه مسلم (¬2). # الحديث فيه دلالة على فضل هذه الكلمات، وأن قائلها مدرك فضيلة تكرار ~~القول بالعدد المذكور. # قوله: "عدد خلقه". المراد ms2420 به المبالغة في الكثرة؛ لأن خلقه بمعنى ~~مخلوقاته، ومخلوقات الله في السماوات والأرضين وما بينهما والجنة والنار. # وقوله: "ورضا نفسه". أي رضاه عمن رضي عنهم من النبيين والصديقين والشهداء ~~والصالحين، وهو لا ينقطع ولا ينقضي. PageV10P430 # وقوله: "وزنة عرشه". أي: وزنة ما لا يعلم قدر وزنه إلا الله تعالى. # وقوله: "ومداد كلماته". بكسر الميم، وهو ما تمد به الدواة كالحبر، ~~والكلمات هي معلومات الله تعالى ومقدوراته. وهي لا تنحصر ولا [تتناهى] (أ)، ~~ومدادها هو كل مدة يكتب بها معلوم أو مقدور، وذلك لا ينحصر؛ لتعلقه بغير ~~المنحصر، كما قال تعالى: {قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي} الآية (¬1). ~~والله أعلم. # 1305 - وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "الباقيات الصالحات؛ لا إله إلا الله، وسبحان الله، والله ~~أكبر، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله". أخرجه النسائي وصححه ابن ~~حبان والحاكم (¬2). # 1306 - وعن سمرة بن جندب رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "أحب الكلام إلى الله أربع، لا يضرك بأيهن بدأت، سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله اكبر". أخرجه مسلم (¬3). # قوله: "الباقيات الصالحات". أي الأعمال الصالحة. أي التي يبقى لصاحبها ~~أثرها أبد الآباد. وقد فسرها النبي - صلى الله عليه وسلم - بهذا الذكر ~~الشريف، وقد PageV10P431 # جاء في الحديث تفسيرها بما يشمل هذا المذكور وغيره؛ من الصلاة والصيام ~~والحج كما في حديث ابن عباس، أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه ~~(¬1): "الباقيات الصالحات". قال: هي ذكر الله؛ لا إله إلا الله، والله ~~أكبر، وسبحان الله، والحمد لله، وتبارك الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ~~وأستغفر الله، وصلى الله على رسول الله، والصيام، والصلاة، والحج، والصدقة، ~~والعتق، والجهاد، والصلة، وجميع أعمال الحسنات، وهن الباقيات الصالحات التي ~~تبقى لأهلهن في الجنة. # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (¬2)، عن قتادة في قوله ~~تعالى: {والباقيات الصالحات} (¬3). قال: كل شيء من طاعة الله فهو من ~~الباقيات ms2421 الصالحات. # وأخرج بن أبي حاتم وابن مردويه (2)، [عن قتادة] (أ)، أنه سئل عن الباقيات ~~الصالحات، فقال: كل ما أريد به وجه الله. # ولا معارضة بين هذا وبين حديث أبي سعيد؛ فإن الإخبار عن الباقيات ~~الصالحات بهذه الكلمات لا يقتضي الحصر اقتضاء كليا؛ فإن تعريف المبتدأ قد ~~يكون لغير إرادة الحصر، أو بأن ذكرها في حديث أبي سعيد للتنبيه على مزيد ~~فضلها حتى كأنها هي المعتبرة وحدها، فتفيد الحصر ادعاء ومبالغة لا حقيقة. ~~وقد وردت أحاديث كثيرة مؤيدة لحديث أبي سعيد؛ أخرج ابن أبي PageV10P432 # شيبة وابن المنذر (¬1) عن ابن عباس في قوله تعالى: {والباقيات الصالحات}. ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. # وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وأبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن ~~حبان، والحاكم وصححه، وابن مردويه (¬2) عن أبي سعيد، أن رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم - قال: "استكثروا من الباقيات الصالحات". قيل: وما [هن] (أ) ~~يا رسول الله؟ قال: "التكبير، والتهليل، والتسبيح، والتحميد، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم". # وأخرج سعيد بن منصور، وأحمد، وابن مردويه (¬3) عن النعمان بن بشير، أن ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا وإن سبحان الله، والحمد لله، ~~ولا إله إلا الله، والله أكبر [هن] (أ) الباقيات الصالحات". # وأخرج النسائي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني في "الصغير"، ~~والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي (¬4) عن أبي هريرة قال: قال رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم -: "خذوا جنتكم". قيل: يا رسول الله، أمن عدو قد ~~حضر؟ قال: "لا، بل جنتكم من النار قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله ~~إلا الله، والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مقدمات معقبات ومجنبات، PageV10P433 # و [هن] (أ) الباقيات الصالحات". # وأخرج الطبراني وابن شاهين في "الترغيب في الذكر"، وابن مردويه (¬1) عن ~~أبي الدرداء قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم [هن] (أ) الباقيات الصالحات، ms2422 وهن يحططن الخطايا كما تحط ~~الشجرة ورقها، وهن من كنوز الجنة". # وأخرج ابن مردويه (¬2) عن أنس بن مالك قال: مر رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - بشجرة يابسة، فتناول عودا من أعوادها، فتناثر كل ورقة عليها، فقال: ~~"والذي نفسي بيده إن قائلا يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله، والله أكبر. لتناثر الذنوب عن قائلها كما يتناثر الورق عن هذه ~~الشجرة، قول الله تعالى في كتابه، هي الباقيات الصالحات". # وأخرج أحمد (¬3) عن أنس، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن ~~سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر تنفض الخطايا كما ~~تنفض الشجرة ورقها". # وأخرج ابن أبي شيبة والنسائي والبيهقي في "الأسماء والصفات" (¬4) عن سمرة ~~بن جندب، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما من [الكلام] (ب) شيء ~~أحب PageV10P434 # إلى الله من الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، [هن] ~~(أ) أربع، فلا تكثر علي، لا يضرك بأيهن بدأت". # وأخرج ابن مردويه (¬1) عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن عجزتم عن الليل أن تكابدوه، والعدو أن تجاهدوه، فلا تعجزوا عن ~~قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، فإنهن ~~الباقيات الصالحات". # وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه (¬2) عن عائشة، أن النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - قال ذات يوم لأصحابه: "خذوا جنتكم". مرتين أو ثلاث ~~مرات. قالوا: من عدو حضر؟ قال: "بل من النار؛ [قولوا] (ب): سبحان الله، ~~والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم، فإنهن يجئن يوم القيامة مقدمات [ومجنبات] (ج) ومعقبات، وهن ~~الباقيات الصالحات". # وأخرج ابن مردويه (¬3) من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -: "إن نصبكم [الليل فلم] (د) تقوموه، وعجزتم عن PageV10P435 # النهار [فلم] (أ) تصوموه، وجبنتم عن العدو [فلم] (أ) تقاتلوه، فأكثروا ~~[من] (ب) سبحان الله، والحمد لله ولا إله إلا الله، ms2423 والله أكبر، فإنهن ~~الباقيات الصالحات". # وأخرج ابن أبي شيبة (¬1) عن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "الذين [يذكرون] (ج) من جلال الله؛ من تسبيحه، وتحميده، ~~وتكبيره، وتهليله، يتعاطفون حول العرش، لهن دوي كدوي النحل، يذكرون ~~بصاحبهن، أو لا يحب أحدكم ألا يزال عند الرحمن بشيء يذكر به؟ ". # وأخرج ابن أبي شيبة (¬2) عن عبد الله بن أبي أوفى قال: أتى رجل النبي - ~~صلى الله عليه وسلم - يذكر أنه لا يستطيع أن يأخذ من القرآن، وسأله شيئا ~~يجزئ من القرآن، فقال له: "قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، ~~والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله". # وأخرج ابن أبي شيبة (¬3) عن [موسى] (د) بن طلحة قال: قال رسول الله - صلى ~~الله عليه وسلم -: "كلمات إذا قالهن العبد وضعهن ملك في جناحه، ثم يعرج ~~بهن، فلا يمر على ملأ من اللائكة إلا صلوا عليه وعلى قائلهن، حتى يوضعن بين PageV10P436 # يدي الرحمن؛ سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، من ~~لا حول ولا قوة إلا بالله (أ)، أبرأه عن السوء". وغير ذلك من الأحاديث. # وقوله في حديث سمرة: "أحب الكلام". تقدم الكلام قريبا في معنى تفضيل هذه ~~الكلمات. # وقوله: "لا يضرك بأيهن بدأت". يعني أن الترتيب [غير] (ب) معتبر، وإنما ~~المعتبر الذكر بها. # 1307 - وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "يا عبد الله بن قيس، ألا أدلك على كنز من كنوز الجنة؟ لا حول ~~ولا قوة إلا بالله العلي العظيم". متفق عليه (¬1). زاد النسائي (¬2): "لا ~~ملجأ من الله إلا إليه". # قوله: "كنز من كنوز الجنة". أي أن ثوابها مدخر في الجنة نفيس، كما أن ~~الكنز أنفس أموالكم. فتسميتها "كنز" من إطلاق اسم المسبب على السبب، وهو ~~أنها لما كانت سببا للثواب في الجنة المعبر عنه بالكنز أطلق عليها اسمه، ~~واستعمال الكنز في الثواب أيضا مجاز، وجاء في حديث أبي أيوب PageV10P437 # الأنصاري تسميتها: "غراس الجنة". ms2424 وهو أنه مر - صلى الله عليه وسلم - ليلة ~~الإسراء على إبراهيم - عليه السلام - فقال له: مر أمتك فليكثروا من غراس ~~الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسع". فقال - صلى الله عليه وسلم -: "ومن ~~غراس الجنة لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم" (¬1). # قال العلماء: سبب ذلك أنها كلمة استسلام وتفويض إلى الله تعالى، واعتراف ~~بالإذعان له، وأنه لا مانع غيره، ولا راد لأمره، وأن العبد لا يملك شيئا من ~~الأمر. قال أهل اللغة: الحول عبارة عن الحركة والحيلة. أي لا حركة ولا ~~استطاعة ولا حيلة إلا بمشيئة الله. # وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في معناها: أي لا حول عن المعاصي ~~إلا بعصمة الله، ولا قوة على طاعة الله إلا بالله. قال عليه الصلاة ~~والسلام: "كذلك أخبرني جبريل عن الله تبارك وتعالى" (¬2). وروي عن علي رضي ~~الله عنه في معناها: أي أنا لا نملك مع الله شيئا، ولا نملك من دونه شيئا، ~~ولا نملك إلا ما ملكنا مما هو أملك به منا. وقيل: لا حول في دفع شر، ولا ~~قوة في تحصيل خير إلا بالله. ويعبر عن هذه الكلمة بالحوقلة والحولقة، ~~وبالأول جزم الأزهري (¬3)، والثاني الجوهري (¬4). # ويقال أيضا: لا حيل ولا قوة. في لغة غريبة حكاها الجوهري وغيره (¬5). PageV10P438 # وقوله: "لا ملجأ". مهموز من لجأ، وهو اسم لا. فإن كان مصدرا ميميا، ~~فقوله: "من الله". متعلق به، فيكون من المشبه بالمضاف منصوبا، وإن كان اسم ~~مكان فهو مبني على الفتح، و "منك" متعلق بمحذوف، أي: كائن. صفة لاسم "لا". ~~تقول: لجأت إلى فلان وعنه والتجأت وتلجأت. إذا أسندت إليه واعتضدت به أو ~~عدلت عنه إلى غيره، ف "لا ملجأ" هنا بمعنى: لا مستند من الله. أي: من قضائه ~~إلا إليه ولا معدل. والله أعلم. # 1308 - وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- قال: "إن الدعاء هو العبادة". رواه الأربعة (¬1)، وصححه الترمذي، وله ~~(¬2) من حديث أنس بلفظ: "الدعاء مخ العبادة". وله (¬3) من حديث أبي هريرة، ms2425 ~~رضي الله عنه رفعه: "ليس شيء أكرم على الله من الدعاء". وصححه ابن حبان ~~والحاكم (¬4). # تقدم الكلام على هذا في أول باب الذكر (¬5). # وقوله: "مخ العبادة ": أي خالصها؛ لأن مخ الشيء خالصه، وإنما كان مخها ~~لأمرين؛ أحدهما، أنه امتثال أمر الله، حيث قال: PageV10P439 # {ادعوني} (¬1). فهو محض العبادة وخالصها. الثاني، إذا رأى نجاح الأمور من ~~الله قطع أمله عن سواه، ودعواه لحاجته وحدد، وهذا هو أصل العبادة، ولأن ~~الغرض من العبادة الثواب عليها وهو المطلوب بالدعاء، وهذا عند من لم تكمل ~~له المعرفة، ومن كملت له المعرفة، فالعبادة عنده إنما هي لمجرد التعظيم ~~والامتثال والمحبة. والله سبحانه أعلم. # 1309 - وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ~~"الدعاء بين الأذان والإقامة لا يرد". أخرجه النسائي وصححه ابن حبان (¬2) وغيره. # الحديث بعينه تقدم في آخر باب الأذان (¬3). # 1310 - وعن سلمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~-: "إن ربكم حيي كريم؛ يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا". ~~أخرجه الأربعة إلا النسائي وصححه الحاكم (¬4). # قوله: "حيي". الحياء انقباض النفس عن القبيح مخافة الذم، وهو PageV10P440 # الوسط بين الوقاحة -التي هي الجرأة على القبائح وعدم المبالاة بها- ~~والخجل الذي هو [انحسار] (أ) النفس عن الفعل مطلقا. واشتقاقه من الحياة، ~~فإنه انكسار يعتري القوة الحيوانية فيردها عن أفعالها، فقيل: حيي الرجل. ~~كما قيل: نسي وحشي إذا اعتلت نساه. أي عرق النساء، وحشا أي قلبه. وهذا ~~المعنى الحقيقي لا يصح في حق الله تعالى، فهو مجاز مرسل في ترك الرد. أي لا ~~يردهما. والعلاقة أن الترك لازم للانقباض؛ كاستعمال الرحمة في الإنعام ~~اللازم بمعناها الحقيقي، ويحتمل أن يكون من باب الاستعارة التمثيلية، وهو ~~أنه شبه حاله تعالى في إجابة الدعاء أنه لا يختلف عن ذلك بحالة من يستحي من ~~رد سائله فيعطيه ما مسألة. # وقوله: "صفرا". أي خالية، وهو بكسر الصاد المهملة وسكون الفاء. # وفي قوله: "إذا رفع يده". دلالة على استحباب رفع اليد في ms2426 الدعاء، وقد ذهب ~~بعض إلى أن رفع اليد إنما هو مشروع في دعاء الاستسقاء، وتمسك بحديث أنس ~~(¬1): لم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - يرفع يديه في شيء من دعائه إلا ~~في الاستسقاء. وهو حديث صحيح، ولكنه يراد بنفي الرفع هو الرفع الذي وقع في ~~الاستسقاء، وهو حتى يرى بياض إبطيه، لا مطلق الرفع، ففي الاستسقاء الرفع ~~إلى حد الوجه، وفي غيره يكون الرفع إلى حد المنكبين، وقد روي في غير ~~الاستسقاء أنه رفع إلى أن رئي بياض إبطيه، ويجمع بينهما بأن رؤية اليباض في ~~غير الاستسقاء أقل منها في PageV10P441 # الاستسقاء. قال المنذري (¬1): وإذا تعذر الجمع، فرواية الإثبات مقدمة على ~~النفي. وقد جاء في الرفع أحاديث كثيرة أفردها المنذري في جزء، وروى الترمذي ~~(¬2) في حديث عمر رضي الله عنه قال: [كان] (أ) النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- إذا رفع يده في الدعاء لم يحطهما حتى يمسح بهما وجهه. وفي "سنن أبي داود" ~~(¬3) عن ابن عباس نحوه، وفي إسنادهما مقال. وقال الترمذي في الحديث الأول: ~~إنه غريب. وإن قال عبد الحق (¬4): إن الترمذي قال فيه: إنه صحيح. فليس ذلك ~~في النسخ المعتمدة. وعقد البخاري (¬5) لها بابا مفردا في "الأدب المفرد"، ~~وذكر في قصة قدوم الطفيل بن عمرو [على] (ب) النبي - صلى الله عليه وسلم -، ~~فقال: إن دوسا عصت فادع الله عليها. فاستقبل القبلة وهو رافع يده. الحديث. ~~وسنده صحيح، وأخرجه مسلم (¬6). # وحديث عائشة (¬7) أنها رأت النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو رافعا يديه ~~يقول: "اللهم إنما أنا بشر". الحديث، ولمسلم (¬8) في حديث الكسوف عن عبد ~~الرحمن بن PageV10P442 # سمرة: فانتهيت إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو رافع يديه يدعو. وفي ~~حديث عائشة (¬1) في دعائه لأهل البقيع: فرفع يديه ثلاث مرات. ومن حديث أبي ~~هريرة الطويل (¬2) في فتح مكة: فرفع يديه وجعل يدعو. وغير ذلك من الأحاديث ~~الصحيحة، وأما ما أخرجه مسلم (¬3) من حديث عمارة بن رويبة، براء مهملة ~~وموحدة مصغرا، أنه رأى بشر بن مروان يرفع يديه، فأنكر ذلك وقال: لقد ms2427 رأيت ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وما يزيد على هذا. يشير بالسبابة. فقد ~~حكى الطبري (¬4) عن بعض السلف أنه أخذ بظاهره وقال: السنة أن الداعي يشير ~~بإصبع واحدة. ورده بأنه إنما ورد في الخطيب حال الخطبة، وهو ظاهر في سياق ~~الحديث، فلا معنى للتمسك به في منع رفع اليدين في الدعاء مع ثبوت الأخبار ~~في شرعيتها. قال الطبري: وكره رفع اليدين في الدعاء ابن عمر وجبير بن مطعم، ~~ورأى شريح رجلا يرفع يديه داعيا، فقال: من تتناول بهما لا أم لك. وذكر ابن ~~التين عن عبد الله بن عمر بن غانم أنه نقل عن مالك أن رفع اليدين في الدعاء ~~ليس من أمر الفقهاء، قال: وقال في "المدونة" (¬5): ويختص الرفع بالاستسقاء، ~~ويجعل بطونهما إلى الأرض. وروى الطبري (4) عن ابن عمر، أنه إنما أنكر ~~رفعهما إلى حذو المنكبين، وقال: ليجعلهما حذو صدره. وكذلك أسنده الطبري عن ~~ابن عباس، وأخرج أبو داود والحاكم PageV10P443 # عنه (¬1) من وجه آخر قال: المسألة أن ترفع يديك حذو منكبيك، والاستسقاء ~~أن تشير بإصبع واحدة، والابتهال أن تمد يديك جميعا. وأخرج الطبري (¬2) من ~~وجه آخر عنه قال: يرفع يديه حتى يجاوز بهما رأسه. وأخرج البخاري في "الأدب ~~المفرد" (¬3) عن ابن عمر من طريق القاسم بن محمد: رأيت ابن عمر يدعو عند ~~القاص، يرفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه، باطنهما مما يليه، وظاهرهما مما ~~يلي وجهه. # واعلم أن الدعاء يتأكد استحبابه عقيب الصلوات، وقد روى الترمذي (¬4) من ~~حديث أبي أمامة قال: يا رسول الله، أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل، ~~وأدبار الصلوات المكتوبات". وعقد البخاري في "الصحيح": باب الدعاء بعد ~~الصلوات المكتوبات (¬5). # وزعم بعض العلماء أن الدعاء بعد الصلاة لا يشرع، متمسكا بالحديث الذي ~~أخرجه مسلم (¬6) من رواية عبد الله بن الحارث عن عائشة رضي الله عنهما: كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يلبث إلا قدر ما يقول: "اللهم أنت السلام، ~~ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". وقال ابن القيم في "الهدي ~~النبوي" (¬7): وأما الدعاء بعد ms2428 السلام من الصلاة مستقبل القبلة سواء الإمام PageV10P444 # والمنفرد والمأموم، فلم يكن ذلك من هدي النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~أصلا، ولا روي عنه بإسناد صحيح ولا حسن، وخصص بعضهم ذلك بصلاتي الفجر ~~والعصر، ولم يفعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا الخلفاء بعده، ولا ~~أرشد إليه أمته، وإنما هو استحسان رآه من رآه عوضا من السنة بعدهما. قال: ~~وعامة الأدعية المتعلقة بالصلاة إنما فعلها فيها وأمر بها فيها. قال: وهذا ~~اللائق بحال المصلي، فإنه مقبل على ربه يناجيه، فإذا سلم منها انقطعت ~~المناجاة وانتهى موقفه وقربه، فكيف يترك سؤاله في حال مناجاته والقرب منه ~~وهو مقبل عليه، ثم يسأل إذا انصرف عنه؟! ثم قال: لكن الأذكار الواردة بعد ~~المكتوبة يستحب لمن أتى بها أن يصلي على النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد ~~أن يفرغ منها، ويدعو بما شاء ويكون دعاؤه عقب هذه العبادة الثانية، وهي ~~الذكر لا لكونه دبر الصلاة المكتوبة. # ويجاب من حديث مسلم بأن المراد بالنفي المذكور نفي استمراره جالسا على ~~هيئته قبل السلام إلا مقدار ما يقول ما ذكر، وبينت أنه كان إذا صلى أقبل ~~بوجهه على أصحابه، فيحمل ما ورد من الدعاء بعد الصلاة على أنه كان يقول بعد ~~أن يقبل بوجهه على أصحابه، وهذا ما قاله ابن القيم من النفي مطلقا؛ بأن ذلك ~~قد ثبت عن معاذ بن جبل، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "يا معاذ، ~~إني والله أحبك، فلا تدع دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك ~~وحسن عبادتك". أخرجه أبو داود والنسائي وصححه ابن حبان والحاكم (¬1). وحديث ~~أبي بكرة في قوله: "اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر، وعذاب القبر". كان ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو بهن دبر كل صلاة، أخرجه PageV10P445 # أحمد والترمذي والنسائي وصححه الحاكم (¬1). وحديث زيد بن أرقم: سمعت رسول ~~الله - صلى الله عليه وسلم - يدعو بهن في دبر كل صلاة: "اللهم ربنا ورب كل ~~شيء". الحديث أخرجه أبو داود والنسائي (¬2). وحديث صهيب رفعه: كان ms2429 يقول إذا ~~انصرف من الصلاة: "اللهم أصلح لي ديني". الحديث. أخرجه النسائي وصححه ابن ~~حبان وغيره (¬3). # وأما التأويل بأن المراد بهذه دبر الصلوات هو أن يكون بعد التشهد قبل ~~[السلام] (أ)، فإنه قد ورد الأمر بالذكر دبر الصلاة، والمراد به بعد ~~التسليم إجماعا، فكذا هذا حتى يثبت ما يخالفه، وقد فهم بعض الحنابلة من ~~كلام ابن القيم نفي الدعاء بعد الصلاة مطلقا، وليس كذلك، فإن كلامه إنما هو ~~قبل الأذكار، وأما بعد الأذكار فيدعو، وقد وردت الأحاديث الصحيحة في ~~الأذكار بعد الصلاة في "الصحيحين"، وغيرهما (¬4): كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - إذا انصرف من الصلاة استغفر ثلاثا وقال: "اللهم أنت السلام، ~~ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام". قيل للأوزاعي: كيف الاستغفار؟ ~~قال: يقول: أستغفر الله، أستغفر الله. وحديث المغيرة في "الصحيحين" (¬5): ~~كان إذا فرغ من الصلاة وسلم قال: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ~~الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله PageV10P446 # ولا حول ولا قوة إلا بالله، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ~~ولا ينفع ذا الجد منك الجد". وعن عبد الله بن الزبير (¬1) أنه كان يقول دبر ~~كل صلاة حين يسلم: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد ~~وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ولا نعبد إلا إياه، له ~~النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا إله إلا الله مخلصين له الدين ولو ~~كره الكافرون". قال ابن الزبير: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يهلل ~~بهن دبر كل صلاة. وحديث الفقراء في "الصحيحين" (¬2) قال: "تسبحون، وتحمدون، ~~وتكبرون خلف كل صلاة ثلاثا وثلاثين". وحديث كعب بن عجرة (¬3)، قال: "معقبات ~~لا يخيب قائلهن أو فاعلهن دبر كل صلاة مكتوبة؛ ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث ~~وثلاثون تحميدة، وأربع و [ثلاثون] (أ) تكبيرة". وفي "صحيح مسلم" (¬4) عن ~~أبي هريرة مثل ذلك، لكن تمام المائة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك ms2430 له، له ~~الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير". وجاء من حديث ابن [عمرو] (ب): ~~"يسبح الله دبر كل صلاة عشرا، ويكبر عشرا، ويحمد عشرا، فذلك خمسون ومائة ~~باللسان وألف وخمسمائة في الميزان، ويكبر إذا أخذ مضجعه أربعا وثلاثين ~~ويحمد ثلاثا وثلائين، ويسبح ثلاثا وثلائين، فذلك مائة PageV10P447 # باللسان وألف [في الميزان] (أ). أخرجه أبو داود (¬1). # وقد جاءت أحاديث في قراءة آية الكرسي عقيب كل صلاة، والآيتين من "آل ~~عمران ": {شهد الله} (¬2). و: {قل اللهم مالك الملك} (¬3). وجاء في قراءة ~~المعوذتين دبر كل صلاة وقراءة "الفاتحة"؛ قال ابن بطال (¬4): في هذه ~~الأحاديث الحض على الذكر بعد الصلاة في أدبارها، وأن ذلك يوازي إنفاق المال ~~في طاعة الله تعالى؛ كما في حديث الفقراء. وسئل الأوزاعي عن الذكر بعد ~~الصلاة أفضل أم تلاوة القرآن؟ قال: لا شيء يعدل القرآن، ولكن هدي السلف الذكر. # ومنها أن الذكر المذكور يلي الصلاة المكتوبة، ولا يؤخر إلى أن تصلى ~~الراتبة؛ للتصريح في هذه الأذكار بأنها دبر الصلاة. # وحديث راتبة المغرب أنها ترفع مع المكتوبة (¬5) لا يعارض حديث الذكر؛ ~~فإنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصليها في البيت، فالفاصلة بينها وبين ~~الصلاة لا يضر. والله أعلم. # 1311 - وعن عمر رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~إذا PageV10P448 # مد يده في الدعاء لم يردهما حتى يمسح بهما وجهه. أخرجه الترمذي (¬1)، وله ~~شواهد؛ منها من حديث ابن عباس عند أبي داود (¬2)، ومجموعها يقتضي أنه حديث حسن. # فيه دلالة على شرعية مسح الوجه باليدين، وكأن المناسبة -والله سبحانه ~~أعلم- أنه لما كان الله سبحانه لا يردهما صفرا، فكأن الرحمة أصابتهما، ~~فناسب إفاضة ذلك على الوجه الذي هو أشرف الأعضاء وأحقها بالتكريم. # 1312 - وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة". أخرجه الترمذي ~~وصححه ابن حبان (¬3). # الحديث فيه دلالة على أفضلية إكثار الصلاة على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم -، وأن المكثر هو الأحق ms2431 بالشفاعة يوم القيامة. # والمراد ب "أولى بي" أي: شفاعتي. والله أعلم. # 1313 - وعن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم -: "سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي، لا إله إلا PageV10P449 # أنت خلقتني، وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما ~~صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي، فأغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا ~~أنت". أخرجه البخاري (¬1). # تمام الحديث قال: "ومن قالها من النهار موقنا بها، فمات من يومه قبل أن ~~يمسي، فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها، فمات قبل أن ~~يصبح فهو من أهل الجنة". # هو أبو يعلى شداد بن أوس بن ثابت النجاري الأنصاري، وهو ابن أخي حسان بن ~~ثابت، يقال: إنه شهد بدرا. ولا يصح. ونزل بيت المقدس، وعداده من أهل الشام، ~~وروى عنه ابنه يعلى، ومحمود بن الربيع، وضمرة بن حبيب. مات بالشام سنة ثمان ~~وخمسين وهو ابن خمس وسبعين. وقيل: مات سنة إحدى وأربعين. وقيل: سنة أربع ~~وستين. قال عبادة بن الصامت وأبو الدرداء: كان شداد ممن أوتي العلم والحلم. ~~واختلف في صحبة أبيه. وليس له في البخاري إلا هذا الحديث (¬2). # قوله: "سيد الاستغفار". قال الطيبي (¬3): لما كان هذا الدعاء جامعا ~~لمعاني التوبة كلها، استعير له اسم السيد، وهو في الأصل الرئيس الذي يقصد ~~إليه في الحوائج، ويرجع إليه في الأمور. وجاء في رواية الترمذي (¬4): "ألا ~~أدلك على سيد الاستغفار؟ ". وفي حديث جابر PageV10P450 # عند النسائي (¬1): "تعلموا سيد الاستغفار؟ ". # وقوله: "لا إله إلا أنت خلقتني". وقع هكذا في معظم الروايات، ووقع في ~~نسخة تعتمد بتكرير "أنت" فيقول: "لا إله إلا أنت، أنت خلقتني". ووقع عند ~~الطبراني (¬2) من حديث أبي أمامة زيادة: "من قال حين يصبح: اللهم لك الحمد، ~~لا إله إلا أنت". وباقيه نحو حديث شداد، وزاد فيه: "آمنت لك مخلصا لك ديني". # وقوله: "وأنا عبدك". جملة مؤكدة لقوله: "أنت ربي". ويحتمل أن يكون "عبدك" ~~بمعنى عابدك، فلا ms2432 يكون تأكيدا، ويؤيده عطف قوله: "وأنا على عهدك". وسقطت ~~الواو في رواية النسائي. قال الخطابي (¬3): يعني: أنا على ما عاهدتك عليه ~~وواعدتك من الإيمان بك، وإخلاص الطاعة لك، ما استطعت [من ذلك، ويحتمل أن ~~يريد: أنا مقيم على ما عهدت إلي من أمرك] (أ) ومتمسك به، ومتنجز وعدك في ~~[المثوبة] (ب) والأجر. # وقوله: "ما استطعت". اعتراف بالعجز والقصور عن كنه الواجب من حقه تعالى. ~~وقال ابن بطال (¬4): يريد بالعهد هو الذي أخذه الله على عباده حيث أخرجهم ~~أمثال الذر وأشهدهم على أنفسهم: {ألست PageV10P451 # بربكم} (¬1). فأقروا له بالربوبية، وأذعنوا له بالوحدانية، وبالوعد ما ~~قال على لسان نبيه؛ أن من مات لا يشرك بالله شيئا وأدى ما افترض عليه أن ~~يدخله الجنة. # واستدرك المصنف (¬2) على قوله: وأدى ما افترض عليه. أنه زيادة ليست بشرط ~~في هذا المقام؛ لأنه جعل العهد الميثاق المأخوذ وهو على التوحيد خاصة، ~~فالوعد هو إدخال الجنة من مات على ذلك. قال (¬3): وقوله: "ما استطعت". ~~إعلام لأمته أن أحدا لا يقدر على الإتيان بجميع ما يجب عليه لله تعالى، ولا ~~الوفاء بكمال الطاعة والشكر على النعم، فرفق الله بعباده ولم يكلفهم إلا وسعهم. # وقوله: "أبوء لك بنعمتك علي". سقط لفظ "لك" من رواية النسائي. و"أبوء": ~~بالموحدة والهمز ممدود، ومعناه: أعترف. وأصله البوء. ومعناه اللزوم، ومنه: ~~بوأه الله منزلا. أي أسكنه. فكأنه ألزمه به. # وقوله: "وأبوء لك بذنبي". أي أعترف أيضا، وقيل معناه: أحمله برغمي لا ~~أستطيع صرفه عني. والمراد بالذنب هو وقوع الذنب مطلقا، [لا أنه] (أ) الذنب ~~الذي وقع بسبب التقصير في الشكر. # وقوله: "فأغفر لي؛ إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت". يؤخذ منه أن من اعترف ~~بذنبه غفر له. وهذا الاستغفار فيه من بديع المعاني، وحسن PageV10P452 # الألفاظ، ما يحق له أن يسمى سيد الاستغفار؛ ففيه الإقرار لله وحده ~~بالإلهية والعبودية، والاعتراف بأنه الخالق، والإقرار بالعهد الذي أخذه ~~عليه، والرجاء بما وعد به، والاستعاذة من شر ما جنى العبد على نفسه، وإضافة ~~النعماء إلى موجدها، وإضافة الذنب إلى ms2433 نفسه، ورغبته في المغفرة، واعترافه ~~بأنه لا يقدر أحد على ذلك إلا هو، وفي كل ذلك الإشارة إلى الجمع بين ~~الشريعة والحقيقة، فإن تكاليف الشريعة لا تحصل إلا إذا كان في ذلك عون من ~~الله تعالى، وهذا القدر الذي يكنى عنه بالحقيقة، فلو اتفق أن [العبد] (أ) ~~خالف، وقامت الحجة ببيان المخالفة، لم يبق إلا أحد الأمرين، إما العقوبة ~~بمقتضي العدل، وإما العفو بمقتضى الفضل، ولكن من شرط الاستغفار حسن النية ~~والتوجه والأدب؛ فلو أن أحدا حصل الشروط واستغفر بغير هذا اللفظ الوارد، أو ~~استغفر أحد بهذا اللفظ الوارد، لكن أخل بالشروط؛ هل يتساويان؟ فالظاهر ألا ~~يكون سيد الاستغفار إلا إذا جمع الشروط المذكورة، وإن كان فضل الله أوسع، ~~فعلى العبد التوجه بقدر استطاعته. # والاستغفار استفعال من الغفران، وأصله الغفر، وهو إلباس الشيء ما يصونه ~~عما يدنسه، ويدنس كل شيء بحسبه، والغفران من الله للعبد أن يصونه عن ~~العذاب. # ويندب تقديم الاستغفار والتوبة على الدعاء؛ لأن الإجابة تشرع إلى من لم ~~يكن متلبسا بذنب، فإذا قدم التوبة والاستغفار قبل الدعاء، كان أمكن ~~لإجابته، ولا يختص بوقت، وقد أخرج البخاري (¬1) أنه قال - صلى الله عليه ~~وسلم -: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة". ~~رواه أبو هريرة. PageV10P453 # وفي رواية أنس (¬1): "إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة". وهو يحتمل ~~أنه يريد العدد المعين، وأن يريد المبالغة والأكثر، وقد جاء في طريق أخرى ~~من حديث أبي هريرة (¬2): "إني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة". وأخرج ~~النسائي (¬3) عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - جمع الناس ~~فقال: "يأيها الناس، توبوا إلى الله؛ فإني أتوب إليه في اليوم مائة مرة". ~~وله من حديث الأغر المزني رفعه مثله (¬4)، وهو عنده وعند مسلم (¬5): "إنه ~~ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله كل يوم مائة مرة". وقد استشكل وقوع ~~الاستغفار من النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو معصوم من تلبسه بالمعصية، ~~وأجيب عن ذلك بأجوبة؛ منها قول ابن الجوزي (¬6): إن الهفوات ms2434 البشرية لا ~~يسلم منها أحد، والأنبياء وإن عصموا من الكبائر فلم يعصموا من الصغائر. ~~ومنها قول ابن بطال (¬7): إن الأنبياء وإن كانوا أشد الناس اجتهادا في ~~العبادة؛ لما أعطاهم الله من المعرفة، فهم دائبون في شكره، معترفون له ~~بالتقصير. انتهى. يعني أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الذي يجب له تعالى. # ويحتمل أن يكون لاشتغاله بأمر نفسه؛ من أكل، وشراب، ونوم، PageV10P454 # وجماع، وإراحة النفس، ومخاطبة الناس والنظر في مصالحهم، ومداراة الناس ~~وتأليفهم، فيعد ذلك ذنبا بالنظر إلى المقام العلي، وهو حضوره في حظيرة ~~القدس. ومنها أن استغفاره تشريع لأمته، أو من ذنوب الأمة كالشفاعة لهم. # وقال الغزالي رحمه الله تعالى في "الإحياء" (¬1): كان - صلى الله عليه ~~وسلم - دائم الترقي، فإذا ارتقى إلى حال رأى ما قبلها دونها، فاستغفر من ~~الحالة السابقة. وقال السهروردي (¬2): لما كان روح النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وقلبه متحركين في العروج، وكانت خطى النفس تقصر عن مداهما في ~~العروج، فاقتضت الحكمة إبطاء حركة القلب؛ لئلا تنقطع علاقة النفس عنه ~~[فيبقى العباد] (أ) محرومين، وكان - صلى الله عليه وسلم - يفزع إلى ~~الاستغفار ليقيد الروح بحركة النفس. انتهى بمعناه. # وأما حديث الغين فاختلفوا في تفسيره؛ فقال القاضي عياض (¬3): المراد ~~بالغين فترات عن الذكر الذي شأنه أن يدام عليه، فإذا فتر عنه لأمر ما، عد ~~ذلك ذنبا فاستغفر له. وقيل: هو شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس. ~~وقيل: هو السكينة التي تغشى قلبه، والاستغفار لإظهار العبودية لله والشكر ~~لما أولاه. وقيل: هي حالة [خشية] (ب) وإعظام، والاستغفار PageV10P455 # شكرها. ومن ثم قال المحاسبي (¬1): خوف المقربين خوف إجلال وإعظام. وقال ~~السهروردي (¬2): لا يعتقد أن الغين في نفسه نقص، بل هو كمال أو تتمة كمال. ~~ثم (أ) مثل ذلك بجفن العين يسبل دمعها، ليدفع القذى عن العين مثلا؛ فإنه ~~يمنع العين من الرؤية، فهو من هذه الحيثية نقص، وفي الحقيقة هو كمال. هذا ~~محصل كلامه، قال: فهكذا بصيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - متعرضة للأغيرة ~~الثائرة من أنفاس الأغيار، ms2435 فدعت الحاجة إلى [الستر] (ب) على حدقة بصيرته؛ ~~صيانة لها ووقاية عن ذلك. انتهى. والله سبحانه أعلم. # وذكر السبكي في "الطبقات" (¬3) في ترجمة الرافعي في حديث الغين، وأنه ~~أنكره أبو نصر السراج صاحب كتاب "اللمع" في التصوف، ورد عليه بأن الحديث ~~صحيح، وروي عن شعبة أنه قال: سألت الأصمعي عن الحديث فقال: لو غان عن غير ~~قلب النبي - صلى الله عليه وسلم - لفسرته، وأما قلب النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - فلا أدري. فكان شعبة [يتعجب] (ج) منه. # وعن الجنيد (¬4): لولا أنه حال النبي - صلى الله عليه وسلم - لتكلمت فيه، ~~ولا يتكلم على حاله (د) إلا من كان مشرفا عليها، وجلت حاله أن يشرف على ~~[نهايتها] (ه) PageV10P456 # أحد من الخلق، وتمنى الصديق رضي الله عنه مع علو رتبته أن يشرف عليها، ~~فعنه: ليتني شهدت ما استغفر منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وعن أبي ~~سعيد الخراز (¬1): شيء لا يجده إلا الأنبياء وأكابر الأولياء؛ لصفاء ~~الأسرار، وهو كالغيم الرقيق الذي لا يدوم. وذكر الوجه الذي ذكره الغزالي في ~~الاستغفار، قال السبكي (¬2): وهذا ما كان يستحسنه والدي رحمه الله تعالى ~~ويقرره. انتهى مختصرا منه بعض الوجوه التي قد تقدمت. # 1314 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: لم يكن رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - يدع هؤلاء الكلمات حين يمسي وحين يصبح: "اللهم أسألك العافية ~~في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي، وآمن روعاتي، واحفظني من ~~بين يدي ومن خلفي، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي، وأعوذ بعظمتك أن أغتال من ~~تحتي". أخرجه النسائي وابن ماجه، وصححه الحاكم (¬3). # قوله: "العافية في ديني". فالمراد بها السلامة من كل ما ينقص الدين، ~~وكذلك الدنيا، وأما عافية الأهل فبالسلامة من عوارض البدن، والمال كذلك ~~السلامة مما ينقصه ويعوقه، وهو مجاز فيما عدا البدن. # وقوله: "اللهم استر عوراتي". جمع عورة، وهو كل ما يستحيا منه PageV10P457 # إذا ظهر. # وقوله: "وآمن روعاتي". جمع روعة، وهي الفزع. # وقوله: "واحفظني" إلى آخره. المراد الحفظ من جميع الجهات. # واستعاذ من ms2436 الاغتيال من تحت؛ لأن الاغتيال أخذ الشيء [خفية] (أ)، والعذاب ~~من تحت هو ما يخسف في الأرض؛ كما خسف بقارون، أو بالغرق؛ كما كان في فرعون ~~وقوم نوح. # 1315 - وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجأة ~~نقمتك، وجميع سخطك". أخرجه مسلم (¬1). # قوله: "وفجأة". هي بفتح الفاء وإسكان الجيم، مقصور، وفيها لغة بضم الفاء ~~وفتح الجيم والمد، وهي البغتة. # وهذا الحديث أخرجه مسلم عن أبي زرعة [الرازي] (ب) أحد حفاظ الإسلام ~~وأكثرهم حفظا، [و] (ج) لم يرو عنه مسلم في "صحيحه" غير هذا الحديث، وهو من ~~أقران مسلم، توفى بعد مسلم بثلاث سنين سنة أربع وستين ومائتين. PageV10P458 # 1316 - وعن عبد الله بن [عمرو] (أ) رضي الله عنه قال: كان رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - يقول: "اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين، وغلبة ~~العدو، وشماتة الأعداء". رواه النسائي وصححه الحاكم (¬1). # قوله: "غلبة الدين". المراد به ما ثقل قضاؤه على المدين، وأما [ما] (ب) ~~يغلب في ظنه أنه يتمكن من قضائه فلا يستعاذ منه؛ فإن النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - استدان وتكرر منه الاستدانة، ومات ودرعه مرهونة في آصع من شعير عند ~~يهودي (¬2). واستدان عمر وهو خليفة، وقال لما طعن: انظروا ما علي من الدين. ~~فحسبوه فوجدوه ثمانين ألفا (¬3). ومات الزبير وعليه دين كبير، وغيرهم من ~~الصحابة، وكذلك السلف؛ كطاوس وابن سيرين والشافعي وغيرهم. وقد روى عبد الله ~~بن جعفر مرفوعا (¬4): "إن الله تعالى مع المدين حتى يقضي دينه، ما لم يكن ~~فيما يكره الله تعالى". وكان عبد الله بن جعفر يقول لحارثة: اذهب فخذ لي ~~بدين؛ فإني أكره أن أبيت ليلة إلا والله معي، بعد ما سمعت من رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم -. PageV10P459 # وقد أخرج البيهقي في "شعب الإيمان" (¬1) عن القاسم مولى معاوية أنه بلغه ~~أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من تداين بدين وهو يريد أن ~~يقضيه، وحريص ms2437 على أن يؤديه، فمات ولم يقض دينه، فإن الله تعالى قادر على أن ~~يرضي غريمه بما شاء من عنده، ويغفر للمتوفى، ومن تداين وهو لا يريد أن ~~يقضيه، فمات على ذلك ولم يقض دينه، يقال له: أظننت أنا لا نوفي فلانا حقه ~~منك؟ فيؤخذ من حسناته فيجعل زيادة في حسنات رب الدين، وإن لم يكن له حسنات ~~أخذ من سيئات رب الدين فتجعل في سيئات الظالم". # فتكون الاستعاذة من الدين الذي لا يقدر المدين على قضائه، وإذا علم من ~~يريد الاستدانة من حاله أنه لا يتمكن من قضاء الدين حرم الاستدانة عليه، ~~وهو الذي ورد عنه - صلى الله عليه وسلم -: "من أخذ أموال الناس يريد أداءها ~~أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله". أخرجه البخاري، وقد ~~تقدم (¬2). # فمن علم من حاله أنه لا يتمكن من القضاء فقد أراد إتلافها، وقد قالت ~~عائشة للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ما أكثر ما تستعيذ من المغرم والمأثم! ~~-والمغرم هو الدين، والمأثم الإثم- قال - صلى الله عليه وسلم -: "إن الرجل ~~إذا غرم حدث فكذب، ووعد فأخلف" (¬3). # فالمستدين متعرض لهذا الأمر العظيم؛ فإنه قد يسأله صاحب الدين وهو لا ~~يتمكن من القضاء في الحال، فيكون منه الوعد الذي لا يفي فيه بما وعد، ~~فالاستعاذة من الدين سد للذريعة من الوقوع في هذا المحذور، وقد عوفي PageV10P460 # النبي - صلى الله عليه وسلم - من ذلك، وأعاذه الله تعالى منه، وهذا تعليم ~~لأمته وتحذير من الدخول فيما يؤدي إلى الإثم، ويقال: ما دخل هم الدين قلب ~~أحد إلا ذهب من عقله ما لا يعود إليه أبدا. أو أنه استعاذ بربه من وقوع ذلك ~~بأمته، ويؤيده أنه قد جاء في الرواية لفظ: "تعوذوا" (¬1). في غير هذا ~~الحديث، # ولا يعارض الاستعاذة أن المقضي واقع، لاحتمال أن يكون ما يقضى قد يقضى ~~مشروطا بألا يدعو، فإذا دعا كشف عنه، وفي ذلك إظهار العبد فاقته لربه ~~وتضرعه. # وقوله: "وغلبة العدو". المراد به الغلبة بالباطل؛ لأن العدو في الحقيقة ~~إنما هو المعادي لأمر ms2438 باطل، إما لأمر ديني، وإما لأمر دنيوي؛ كغصب الظالم ~~لحق غيره مع عدم القدرة على الانتصار منه، أو غير ذلك. # وقوله: "وشماتة الأعداء". هي فرح العدو بضر ينزل بعدوه، يقال: شمت به ~~بكسر الميم، يشمت بفتحها، فهو شامت، وأشمته غيره، والتعوذ في الحقيقة إنما ~~هو من وقوع سبب الشماتة، وهو نزول المضار وتغير الأحوال، وقال ابن بطال ~~(¬2): شماتة الأعداء ما ينكأ القلب ويبلغ من النفس أشد مبلغ. نعوذ بالله من ~~كل بلاء، ونسأله العافية من كل نازلة وطارقة. # 1317 - وعن بريدة رضي الله عنه قال: سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- رجلا يقول: اللهم إني أسألك بأني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت، ~~الأحد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد. فقال: "لقد PageV10P461 # سأل الله باسمه الذي إذا سئل به أعطى، وإذا دعي به أجاب". أخرجه الأربعة، ~~وصححه ابن حبان (¬1). # وفي رواية لأبي داود (¬2): "لقد سألت الله تعالى بالاسم الأعظم". قال ~~المنذري (¬3): قال شيخنا الحافظ أبو الحسن المقدسي: هذا -يعني الإسناد الذي ~~ساقه أبو داود- لا مطعن فيه، ولا أعلم أنه روي في هذا الباب حديث أجود ~~إسنادا منه. قال: وهو يدل على بطلان مذهب من ذهب إلى نفي القول بأن لله ~~تعالى اسما هو الاسم الأعظم. انتهى. # وهذا الدعاء الجليل متضمن لمعان لطيفة من التوحيد والثناء، فقوله: "أنك ~~أنت الله". إثبات للذات، وقوله: "لا إله إلا أنت". نفي للشريك وكل ما سواه، ~~وقوله: "الأحد". صفة كمال؛ لأن الأحد الحقيقي ما يكون منزه الذات عن (أ) ~~التركيب والتعدد وما يستلزم أحدهما، كالجسمية والتحيز والمشاركة في الحقيقة ~~وخواصها؛ كوجوب الوجود والقدرة الذاتية PageV10P462 # والحكمة المقتضية للألوهية. # و"الصمد" هو السيد الذي يصمد إليه في الحوائج ويقصد، والمتصف به على ~~الإطلاق، هو الذي يستغني عن غيره مطلقا وكل ما عداه يحتاج إليه، قال ~~الغزالي (¬1): ومن [جعله] (أ) الله مقصد عباده في أمر دينهم ودنياهم، وأجرى ~~على يده حوائج خلقه، فهو حظه من هذا الاسم. # وقوله: "الذي لم يلد". ms2439 [لأنه] (ب) لم يجانس ولم يفتقر إلى ما يعينه أو ~~يخلف عنه؛ لامتناع الحاجة و [الفناء] (ج) عليه. وإنما نفى عنه الولادة في ~~الماضي لأنه في سورة "الإخلاص" للرد على من قال: الملائكة بنات الله. وقول ~~من قال: المسيح وعزير ابن الله. وجاء في هذا الدعاء على وفق ما في السورة ~~الكريمة، ولانتفاء الولادة في الماضي والحال والمستقبل، أو ليجانس قوله: ~~{ولم يولد}. وهو إنما يكون في الماضي. # وقوله: {ولم يولد}. لأنه لا يفتقر إلى شيء ولم يسبقه عدم. # وقوله: {ولم يكن له كفوا أحد}. أي: لم يكن أحد يكافئه -أي يماثله- من ~~صاحبة ولا غيرها، ولفظ "أحد" اسم "يكن" و"كفوا" الخبر، PageV10P463 # و"له" متعلق ب {كفوا}؛ لبيان من [نفيت] (أ) عنه المكافأة، وإنما قدم ~~الخبر على الاسم لأن المقصود نفي المكافأة، فكان تقديمها أولى، وقدم الظرف ~~للاهتمام بذكر من [نفيت] (ب) عنه المكافأة. نقل صاحب "الانتصاف" (¬1) عن ~~سيبويه (¬2) أنه سمع بعض جفاة العرب يقول: ولم يكن أحد كفوا له. وجرى على ~~ما هو الأصل في الكلام؛ وخفي عن طبعه لطف المعنى الذي لأجله اقتضى تقدم ~~الظرف والخبر. # واعلم أن العلماء اختلفوا في أنه هل يوصف شيء من الأسماء بأنه الاسم ~~الأعظم أو لا؟ فذهب قوم (¬3) إلى إنكاره؛ كأبي جعفر الطبري وأبي الحسن ~~الأشعري وأبي حاتم ابن حبان والقاضي أبي بكر الباقلاني، فقالوا: لا يجوز ~~تفضيل بعض الأسماء على بعض. ونسب بعضهم ذلك إلى مالك، وأخذه عن قول مالك ~~أنه يكره أن تعاد سورة أو تردد دون غيرها من السور؛ لئلا يظن أن بعض القرآن ~~أفضل من بعض، [فيؤذن] (ج) باعتقاد نقصان المفضول عن الأفضل. وحملوا ما ورد ~~من ذلك على أن المراد بالأعظم: العظيم، وأن أسماء الله تعالى كلها عظيمة. ~~وعبارة أبي جعفر الطبري (3): اختلفت الآثار PageV10P464 # في تعيين [الاسم] (أ) الأعظم، والذي عندي أن الأقوال كلها صحيحة؛ إذ لم ~~يرد في خبر منها تعيين أنه الاسم الأعظم ولا شيء أعظم منه. فكأنه يقول: كل ~~اسم من أسمائه تعالى يجوز وصفه بكونه ms2440 أعظم، فيرجع إلى معنى: عظيم. وقال ابن ~~حبان (¬1): الأعظمية الواردة في الأخبار إنما يراد بها مزيد الثواب للداعي ~~بذلك، كما أطلق ذلك في القرآن والمراد به مزيد ثواب القارئ. # و [قيل] (ب): المراد بالاسم الأعظم كل اسم من أسماء الله تعالى دعا العبد ~~به ربه مستغرقا، بحيث لا يكون في فكره حالتئذ غير الله، فإن من تأتى له ذلك ~~استجيب له. ونقل معنى هذا عن جعفر الصادق والجنيد وغيرهما. # وقال آخرون: إن الاسم الأعظم معين. واختلفوا في ذلك؛ قال المصنف رحمه ~~الله (1): جملة ما وقفت عليه من ذلك أربعة عشر قولا؛ # الأول: أنه لفظ "هو". نقله الفخر الرازي عن بعض أهل الكشف، واحتج له بأن ~~من أراد أن يعبر عن كلام معظم بحضرته لا يقول له: أنت قلت كذا. وإنما يقول: ~~هو. تأدبا معه. # الثاني: لفظ "الله". لأنه اسم لم يطلق على غيره، ولأنه الأصل في الأسماء ~~الحسنى، ومن ثم أضيفت إليه. PageV10P465 # الثالث: "الله الرحمن الرحيم". ولعل سنده ما أخرجه ابن ماجه (¬1) عن ~~عائشة أنها سألت النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يعلمها الاسم الأعظم فلم ~~يفعل، فصلت ودعت: اللهم إني أدعوك الله، وأدعوك الرحمن، وأدعوك الرحيم، ~~وأدعوك بأسمائك الحسنى كلها، ما علمت منها وما لم أعلم. الحديث. # وفيه أنه - صلى الله عليه وسلم - قال لها: "إنه لفي الأسماء التي دعوت ~~بها". قلت: وسنده ضعيف، وفي الاستدلال به نظر لا يخفى، وجه النظر أنها جمعت ~~الأسماء كلها، فلم تتعين في الثلاثة الأسماء. # الرابع: "الرحمن الرحيم الحي القيوم". لما أخرج الترمذي من حديث أسماء ~~بنت يزيد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اسم الله الأعظم في هاتين ~~الايتين؛ {[و] (أ) وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم} (¬2)، ~~وفاتحة سورة "آل عمران": {الله لا إله إلا هو الحي القيوم}. أخرجه أصحاب ~~"السنن" إلا النسائي (¬3)، وحسنه الترمذي وفي نسخة صحيحة: وفيه نظر؛ لأنه ~~من رواية شهر بن حوشب (¬4). # الخامس: "الحي القيوم". أخرج ابن ماجه من حديث أبي أمامة (¬5): "الاسم ~~الأعظم ms2441 في ثلاث سور؛ سورة "البقرة"، و "آل عمران"، و "طه"". PageV10P466 # قال القاسم عن أبي أمامة (¬1): التمسته فيها فعرفت أنه الحي القيوم. ~~وقواه الفخر الرازي (¬2)، واحتج بأنهما يدلان من صفات العظمة بالربوبية ما ~~لا يدل على ذلك غيرهما كدلالتهما، وذلك لأن معنى الحي هو الفعال الدراك، ~~فمن لا فعل له ولا إدراك فهو ميت، والحي الكامل هو الذي يندرج جميع ~~المدركات تحت إدراكه حتى لا يشذ عن [علمه] (أ) مدرك وهو الله تعالى، فكل ~~شيء سواه فحياته بقدر إدراكه. والقيوم قال مجاهد (¬3) وأبو عبيدة (¬4): هو ~~القائم على كل شيء؛ أي [يدبر] (ب) أمر خلقه ويقوم به كل موجود، حتى لا ~~يتصور وجود شيء ولا دوام وجوده إلا به. قال ابن عباس: هو الذي لا يزول. ~~وفيه لغات؛ قيم، وقيام. # قال الغزالي (¬5): وحظ العبد منه بقدر استغنائه عما سوى الله تعالى، فكل ~~من قام بنفسه في أموره ولم يفتقر إلى مخلوق فهو قائم بالله تعالى. # السادس: "الحنان المنان بديع السماوات والأرض ذو الجلال والإكرام". أخرجه ~~أبو يعلى (¬6) من طريق السري بن يحيى عن رجل من طيئ PageV10P467 # وأثنى عليه، قال: كنت أسأل الله تعالى أن يريني الاسم الأعظم فرأيته ~~مكتوبا في الكوكب في السماء. # السابع: "ذو الجلال والإكرام". أخرج الترمذي (¬1) من حديث معاذ بن جبل ~~قال: سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يقول: يا ذا الجلال والإكرام. ~~فقال: "قد استجيب لك فسل". واحتج له الفخر (¬2) بأنه يشمل جميع الصفات ~~المعتبرة في الإلهية؛ لأن في الجلال إشارة إلى جميع السلوب، وفي الإكرام ~~إشارة إلى جميع الصفات (أ). # الثامن: "الله لا إله إلا هو الأحد الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له ~~كفوا أحد". أخرجه أبو داود (¬3)، وهو المذكور في الأصل. # التاسع: "رب، رب". أخرجه الحاكم (¬4) من حديث أبي الدرداء وابن عباس ~~[بلفظ: اسم الله الأكبر، رب رب. وأخرج ابن أبي الدنيا (¬5) عن عائشة]: (ب): ~~إذا قال [العبد] (ج): يا رب، يا رب. قال الله تعالى: لبيك عبدي، سل تعط". ~~ورواه مرفوعا. # العاشر: ms2442 دعوة ذي النون. أخرج النسائي والحاكم (5) عن فضالة بن عبيد PageV10P468 # رفعه: "دعوة ذي النون في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين، لم يدع بها رجل مسلم قط إلا استجاب الله له". # الحادي عشر: نقل الفخر الرازي (¬1) عن زين العابدين أنه سأل الله تعالى ~~أن يعلمه الاسم الأعظم، فرأى في المنام: هو الله الله الله لا إله إلا هو ~~رب العرش العظيم. # الثاني عشر: هو مخفي في الأسماء الحسنى. ويؤيده حديث عائشة المتقدم، لما ~~دعت ببعض الأسماء وبالأسماء الحسنى، فقال لها - صلى الله عليه وسلم -: "إنه ~~لفي الأسماء التي دعوت بها". # الثالث عشر: كلمة التوحيد. نقله عياض. # الرابع عشر: ما روي عن ابن عباس مرفوعا (¬2) أنه قوله تعالى: {قل اللهم ~~مالك الملك} إلى آخر الآية (¬3). وفي سنده جسر بن فرقد (¬4). انتهى مع ~~زيادة ألحقتها. # 1318 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - إذا أصبح يقول: "اللهم بك أصبحنا وبك أمسينا، وبك نحيا وبك نموت، ~~وإليك النشور". وفي المساء قال مثل ذلك، إلا أنه قال: "وإليك المصير". ~~أخرجه الأربعة (¬5). PageV10P469 # [قوله] (أ): "بك أصبحنا". أي: بقوتك وإيجادك أصبحنا , أي دخلنا في وقت ~~الصباح، والصباح من طلوع الفجر، والمساء من غروب الشمس. # وقولة: "وإليك النشور". يقال: نشر الميت، ينشر نشورا. إذا عاش بعد الموت، ~~وأنشره الله أحياه. وناسب في الصباح؛ لأنه يكون فيه القيام من النوم، ~~والنوم يشبه بالموت، والقيام منه بالحياة. وناسب في المساء: "وإليه ~~المصير"؛ لأنه ينام فيه، والنوم يشبه بالموت، والميت يقال في حقه: إنه صار ~~إلى الله تعالى. أي إلى دار جزائه من ثواب وعقاب. # 1319 - وعن أنس رضي الله عنه قال: كان أكثر دعاء رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم -: "ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار". ~~متفق عليه (¬1). رواه البخاري بلفظ الآية، وفي رواية أخرى (¬2) له بلفظ: ~~"اللهم [ربنا] (ب) آتنا في الدنيا حسنة". بزيادة "اللهم". وجاء في رواية ~~مسلم قال: سأل ms2443 قتادة أنسا: أي دعوة كان يدعو بها النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - أكثر؟ قال: "اللهم آتنا في الدنيا حسنة" إلخ. وأورده مسلم في رواية ~~أخرى من دون زيادة: "اللهم" (¬3). # وأخرج ابن أبي حاتم (¬4) من طريق أبي نعيم، ثنا عبد السلام أبو طالوت: ~~كنت عند أنس فقال له ثابت: إن إخوانك يسألونك أن تدعو لهم. فقال: PageV10P470 # اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. وذكر القصة ~~وفيها: إذا آتاكم الله ذلك فقد آتاكم الخير كله. قال القاضي عياض (¬1): ~~إنما كان يكثر الدعاء بهذه الآية؛ لجمعها معاني الدعاء كله من أمر الدنيا ~~والآخرة. قال: والحسنة عندهم ها هنا النعمة، [فسأل نعيم] (أ) الدنيا ~~والآخرة والوقاية من العذاب. نسأل الله تعالى أن يمن علينا بذلك. # وقد جاءت عن السلف عبارات مختلفة؛ فقال الحسن: الحسنة العلم والعبادة في ~~الدنيا، وفي الآخرة الجنة. أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح (¬2)، وعنه بسند ~~ضعيف (¬3): الرزق الطب والعلم النافع، وفي الآخرة الجنة. وتفسير الحسنة في ~~الآخرة بالجنة، نقله ابن أبي حاتم (¬4) أيضا عن السدي ومجاهد وإسماعيل بن ~~أبي خالد ومقاتل بن حيان. وعن ابن الزبير (¬5): يعملون في دنياهم وآخرتهم. ~~وعن قتادة (¬6): هي العافية في الدنيا والآخرة. وعن محمد بن كعب القرظي ~~(¬7): الزوجة الصالحة من الحسنات. ونحوه عن يزيد بن [أبي] (ج) مالك. وأخرج ~~ابن المنذر (¬8) من طريق سفيان الثوري قال: PageV10P471 # [الحسنة في الدنيا الرزق الطيب والعلم، وفي الآخرة الجنة. ومن طريق سالم ~~بن عبد الله بن عمر قال] (أ): الحسنة في الدنيا المنى. ومن طريق السدي (¬1) ~~قال: المال. ونقل الثعلبي عن السدي ومقاتل: حسنة الدنيا الرزق الحلال ~~الواسع والعمل الصالح، وحسنة الآخرة المغفرة والثواب. وعن عطية: حسنة ~~الدنيا العلم والعمل به، وحسنة الآخرة تيسير الحساب ودخول الجنة. وبسنده عن ~~عوف قال: من آتاه الله الإسلام والقرآن والأهل والمال والولد فقد آتاه الله ~~في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة. وأخرج ابن المنذر (¬2) عن سالم بن عبد ~~الله بن عمر قال: حسنة الدنيا الثناء. ونقل الثعلبي عن ms2444 سلف الصوفية أقوالا ~~أخرى متغايرة اللفظ متوافقة المعنى حاصلها السلامة في الدنيا والآخرة. ~~واقتصر في "الكشاف" (¬3) على ما رواه الثعلبي [عن] (أ) علي أنها في الدنيا ~~المرأة الصالحة، وفي الآخرة الحوراء، {وقنا عذاب النار}: المرأة السوء. ~~وقال الشيخ عماد الدين بن كثير (¬4): الحسنة في الدنيا تشمل كل مطلوب ~~دنيوي؛ من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، وولد بار، ورزق واسع، وعلم نافع، ~~وعمل صالح، ومركب هنى، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما تشمله عباراتهم فإنها ~~كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة، فأعلاها دخول ~~الجنة وتوابعه من الأمن [من الفزع الأكبر PageV10P472 # في العرصات وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة] (أ)، وأما الوقاية من ~~عذاب النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا؛ من اجتناب المحارم، وترك ~~الشبهات. قلت (¬1): أو العفو محضا. ومراده بقوله: وتوابعه. ما يلتحق به في ~~الذكر لا ما [يتبعه] (ب) حقيقة. والله سبحانه أعلم. # 1320 - وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - يقول: "اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت ~~أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم ~~اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني؛ أنت ~~المقدم وأنت المؤخر وأنت على كل شيء قدير". متفق عليه (¬2). # قوله: "اغفر لي خطيئتي". الخطيئة الذنب، يقال: خطئ يخطأ، ويجوز تسهيل ~~الهمزة بقلبها ياء فيقال: خطية. بالتشديد. # وقوله: "وجهلي". الجهل ضد العلم. # وقوله: "وإسرافي في أمري". الإسراف مجاوزة الحد في كل شيء، و"في أمري". ~~متعلق ب "إسرافي"، ويحتمل أن يتعلق بجميع ما تقدم. # وقوله: "جدي وهزلي". كذا في مسلم بلفظ "جدي" وفي البخاري: "جهلي وهزلي". ~~والذي في مسلم أنسب؛ لأن الجد بكسر الجيم ضد الهزل. PageV10P473 # وقوله: "وخطئي وعمدي". وقع في رواية الكشميهني (¬1) في طريق إسرائيل ~~بإفراد: "خطئي". وكذا ذكره البخاري في "الأدب المفرد" (¬2) بالطريق التي في ~~"الصحيح"، وهو المناسب لذكر العمد؛ لأن المراد به المصدر، ms2445 فيكون الخطأ كذلك ~~مصدرا مفردا، وجمهور رواة البخاري رووه بصيغة: "خطاياي". جمع خطيئة، وعطفه ~~على ما تقدم من عطف العام على الخاص؛ فإن الخطيئة تكون عن خطأ هزل وعن جد. ~~وتكرير هذه المعطوفات لتعديد الأنواع التي تقع من الإنسان، والاعتراف بها، ~~وإظهار أن النفس غير مبرأة من العيوب إلا من رحم علام الغيوب. # وقوله: "وكل ذلك عندي". أي: موجود أو ممكن. # وقوله: "ما قدمت". أي: ما مضى من الذنوب. "وما أخرت". أي: ما يكون في ~~المستقبل. وهذا شامل لجميع ما يتصف به الإنسان. # وقوله: "أنت المقدم". أي: تقدم من تشاء من خلقك، فيتصف بصفات الكمال، ~~ويتحقق بحقائق العبودية بتوفيقك. "وأنت المؤخر". أي: تؤخر بخذلانك وتبعيدك ~~من تشاء، فيصير في حضيض الصفات وأرذلها. # وقوله: "وأنت على كل شيء قدير". وقع في رواية علي (¬3) رضي الله عنه: "لا ~~إله إلا أنت". بدل قوله: "وأنت على كل شيء قدير". # قال الطبري (1) بعد أن ذكر استشكال صدور هذا الدعاء من النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - PageV10P474 # مع قوله: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر} (¬1). ما حاصله أنه - ~~صلى الله عليه وسلم - امتثل ما أمر الله به من تسبيحه وسؤاله المغفرة في ~~قوله تعالى: {فسبح بحمد ربك واستغفره} (¬2). قال: وزعم قوم أن استغفاره عما ~~يقع منه بطريق السهو والغفلة، أو بطريق الاجتهاد مما لا يصادف [ما] (أ) في ~~نفس الأمر. وتعقب بأنه لو كان كذلك للزم منه أن الأنبياء يؤاخذون بمثل ذلك، ~~فيكونون (ب) أشد حالا من أممهم. وأجيب بالتزامه. قال المحاسبي (¬3): ~~الملائكة والأنبياء أشد خوفا ممن دونهم، وخوفهم خوف إجلال وإعظام، ~~واستغفارهم من التقصير لا من الذنب المحقق. وقال عياض: يحتمل أن يكون قوله: ~~"اغفر لي خطيئتي". وقوله: "اغفر لي ما قدمت وما أخرت". على سبيل التواضع ~~والاستكانة والخضوع والشكر لربه لما علم أنه قد غفر له. وقيل: على ما مضى ~~من قبل النبوة. وقال قوم: على الصغيرة، ووقوعها منهم جائز. وقيل: هذا مثل ~~قوله: {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك}. ms2446 أي من ذنب أبيك آدم، {وما تأخر}. ~~من ذنوب أمتك. وقال القرطبي (¬4): وقوع الخطيئة من الأنبياء جائز، يعني غير ~~محال؛ [لأنهم] (أ) مكلفون، فيخافون وقوع ذلك، ويتعوذون منه. # وقوله في أول الحديث: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يدعو بهذا ~~الدعاء. قال PageV10P475 # المصنف رحمه الله تعالى (¬1): لم أر في شيء من طرقه محل الدعاء بذلك، وقد ~~وقع معظم آخره في حديث ابن عباس (¬2)، أنه - صلى الله عليه وسلم - كان ~~[يقوله] (أ) في صلاة الليل، وتقدم بيانه. ووقع في حديث علي عند مسلم أنه ~~كان [يقوله] (أ) في آخر الصلاة. واختلفت الرواية؛ هل كان يقوله قبل السلام ~~أو بعده؛ ففي رواية لمسلم (¬3): ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهد ~~والسلام: "اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أسرفت، وما ~~أعلنت، وما أنت أعلم به مني؛ أنت المقدم وأنت المؤخر لا إله إلا أنت". وفي ~~رواية له (¬4): وإذا سلم قال: "اللهم اغفر لي ما قدمت". إلى آخره. ويجمع ~~بينهما على إرادة السلام في الرواية الثانية؛ لأن مخرج الطريقين واحد. ~~وأورده ابن حبان في "صحيحه" (¬5) بلفظ: كان إذا فرغ من الصلاة وسلم. وهذا ~~ظاهر في أنه بعد السلام، ويحتمل أنه كان يقول ذلك قبل السلام وبعده. وقد ~~وقع في حديث ابن عباس نحو ذلك كما بينته في شرحه. انتهى. # 1321 - وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه ~~وسلم - يقول: "اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي ~~فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل ~~خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر". أخرجه مسلم (¬6). PageV10P476 # تضمن هذا الحديث الدعاء بخير الدنيا والآخرة، وفيه دلالة على أنه يجوز ~~الدعاء بالموت إذا خاف على نفسه الفتنة، وظاهره: ولو كانت الفتنة في الدنيا ~~بوقوع المضار، ولكنه معارض بحديث: "لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به" ~~(¬1). ويحمل هذا على أن المراد بالشر ما كان من الشرور المتعلقة ms2447 بالدين. ~~والله أعلم. # 1322 - وعن أنس رضي الله عنه قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~يقول: "اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني، وارزقني علما ينفعني". ~~رواه النسائي والحاكم (¬2)، وللترمذي (¬3) من حديث أبي هريرة نحوه، وقال في ~~آخره: "وزدني علما، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار". ~~وإسناده حسن. # في الحديث دلالة على أن العلم الذي يطلبه الإنسان ويسأل الله تعالى أن ~~يعلمه إياه إنما هو ما كان نافعا، والنفع الحقيقي ما كان يتعلق بأمر ~~المعاد، وما لم يكن بهذه المثابة فليس مطلوبا من الله تعالى ولا ينبغي ~~الاشتغال به. # 1323 - وعن عائشة رضي الله عنها، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علمها ~~هذا الدعاء: "اللهم إني أسألك من الحير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما ~~لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وأجله، ما علمت منه وما لم أعلم، ~~اللهم إني أسألك من خير ما سألك عبدك ونبيك، وأعوذ بك من PageV10P477 # شر ما عاذ به عبدك ونبيك، اللهم إني أسألك الجنة وما قرب إليها من قول أو ~~عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك أن تجعل كل ~~قضاء قضيته لي خيرا". أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم (¬1). # الحديث تضمن الدعاء بخير الدنيا والآخرة، والاستعاذة من شر الدنيا ~~والآخرة، وتكرير ما يؤدي هذا المعنى إظهارا للتخضع والتخشع واللجء إلى الله ~~سبحانه، والامتثال بما أمر به سبحانه وتعالى من إخلاص الدعاء له والتذلل ~~بين يديه، وإطالة الكلام مع الأحباب. # 1324 - وأخرج الشيخان (¬2) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ~~- صلى الله عليه وسلم -: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ~~ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". # قوله: "كلمتان". الكلمة مراد بها الكلام، [فإنها] (أ) قد تستعمل في معنى ~~الكلام، كقولهم: قال كلمة الشهادة. وهي خبر للمبتدأ وهو قوله: "سبحان ~~الله". وصح الابتداء به، وإن كان جملة؛ لأنه في معنى هذا ms2448 اللفظ، وقدم الخبر ~~لتشويق السامع إلى المبتدأ باعتبار ما ذكره بعده من الأوصاف. PageV10P478 # وقوله: "حبيبتان". أي محبوبتان. والمعنى: محبوب قائلهما (¬1). # ومحبة الله للعبد تقدم حقيقتها في كتاب الزهد قريبا. # وقوله: "إلى الرحمن". خص الرحمن بالذكر؛ لأن المقصود بيان سعة رحمة الله ~~تعالى على عباده؛ حيث يجازي على العمل القليل بالثواب الجزيل. # وقوله: "خفيفتان". تثنية خفيفة، فعيلة بمعنى فاعلة. # وقوله: "ثقيلتان". قال الكرماني (¬2): إن قيل: فعيل بمعنى مفعول يستوي ~~فيه المذكر والمؤنث، ولا سيما إذا كان موصوفه مذكورا، فما وجه التأنيث في: ~~"ثقيلتان"؟ ثم أجاب بأن ترك التأنيث جائز لا واجب، وأيضا ذاك إنما هو في ~~المفرد لا المثنى، أو أنه أنث لمزاوجة "خفيفتين"، أو لأنها بمعنى الفاعل، ~~أو أن التاء [للنقل] (أ)، وهو أنه نقل اللفظ من الوصفية إلى الاسمية، ~~والجواب الأحسن أنها بمعنى الفاعل فلا يرد السؤال، ولا يظهر وجه كونها ~~بمعنى المفعول [إذ] (ب) الفعل لازم، ووصف الكلمتين بالخفة والثقل لبيان قلة ~~العمل وكثرة الثواب، وفي هذه الألفاظ الثلاثة سجع مستعذب، وليس من السجع ~~المنهي عنه؛ لأن المنهي عنه ما كان متكلفا أو متضمنا لباطل، وأما ما جاء ~~عفوا من غير قصد إليه فلا محذور فيه، قال الطيبي (¬3): الخفة مستعارة ~~للسهولة، شبه سهولة جريانها على اللسان بما PageV10P479 # خف على الحامل من بعض الأمتعة فلا يتعبه، كالشيء الثقيل، وفيه إشارة إلى ~~أن سائر التكاليف صعبة شاقة على النفس ثقيلة، وهذه سهلة عليها، مع أنها ~~تثقل في الميزان كثقل الشاق من التكاليف، وقد سئل بعض السلف عن سبب ثقل ~~الحسنة، وخفة السيئة فقال: لأن الحسنة حضرت مرارتها وغابت حلاوتها فثقلت، ~~فلا يحملنك ثقلها على تركها، والسيئة حضرت حلاوتها وغابت مرارتها فلذلك ~~خفت، فلا تحملنك خفتها على ارتكابها. # والحديث فيه دلالة على ثبوت الميزان، وأنه ميزان له لسان وكفتان، ويميل ~~بالأعمال، وقد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة على ثبوته، والحمل على ~~الحقيقة هو المتبادر من اللفظ عند الإطلاق، والحمل على المجاز إنما هو يكون ~~عند تعذر حمل اللفظ على معناه الحقيقي، ms2449 وقد ذهب إلى ذلك أهل السنة قاطبة، ~~[وأنكره] (أ) الجمهور من المعتزلة، وقال المصنف رحمه الله تعالى حكاية عن ~~أبي إسحاق الزجاج (¬1): أنكرت المعتزلة الميزان وقالوا: هو عبارة عن العدل. ~~[فخالفوا] (ب) الكتاب والسنة؛ لأنه أخبر تعالى أنه يضع الموازين لوزن ~~الأعمال؛ ليرى العباد أعمالهم ممثلة ليكونوا على أنفسهم شاهدين. وقال ابن ~~فورك (1): أنكرت المعتزلة الميزان بناء منهم على أن الأعراض يستحيل وزنها؛ ~~إذ لا تقوم بأنفسها قال: وقد روى بعض المتكلمين عن ابن عباس أن الله تعالى ~~يقلب الأعراض أجساما فيزنها. انتهى. PageV10P480 # ونسب في "شرح القلائد" للنجري (¬1) الخلاف إلى مجاهد من التابعين وإلى ~~الإمام الهادي يحيى بن الحسين، وأن الميزان مجاز عن إقامة الحساب على ~~السواء للأعمال صغيرها وكبيرها بالعدل والنصفة من غير أن يظلم عباده مثقال ~~ذرة. قالوا: لأنه لا فائدة فيه؛ لعلم الخلق ضروريا يوم القيامة بعدل الله ~~وحكمته ومقادير ما يستحقونه من الثواب والعقاب. انتهى. وقد أخرج [الطبري] ~~(أ) (¬2) الرواية عن مجاهد. ثم اختلفوا في الميزان، هل هو ميزان واحد أو ~~لكل إنسان ميزان، أو لكل عمل ميزان؟ وقوله تعالى: {ونضع الموازين القسط} ~~(¬3). بلفظ الجمع يدل [على] (ب) التعدد، فذهب البعض إلى أن الجمع على ~~حقيقته، ويكون التعدد على أحد الوجهين. وذهب البعض إلى أنه ميزان واحد، ~~والجمع إنما هو باعتبار تعدد الأعمال الموزونة أو الأشخاص، ويؤيد تعدد ~~الأعمال قوله تعالى: {فمن ثقلت موازينه}. {ومن خفت موازينه} (¬4). ويحتمل ~~أن يكون الجمع PageV10P481 # للتفخيم، وأنه ميزان واحد. وقد أخرج أبو القاسم اللالكائي في "السنة" ~~(¬1) عن [سلمان] (أ) قال: يوضع الميزان وله كفتان، لو وضع في إحداهما ~~السماوات والأرض ومن فيهن لوسعته. # واختلف العلماء في الموزون؛ فذهب أبو علي الجبائي، واختاره الطيبي، إلى ~~أن الموزون هي الصحف. قالوا: لأن الأعمال أعراض فلا توصف بثقل ولا خفة، ~~ولحديث البطاقة. وقال أبو هاشم: الموزون نور؛ أمارة للخير، أو ظلمة؛ أمارة ~~للشر. وأورد عليه أن النور والظلمة أجزاء خفيفة لا ثقل فيها. وأجيب عنه بأن ~~الله تعالى لا بد أن يخلق فيها ms2450 ثقلا بقدر الثواب والعقاب. وذهب البعض إلى ~~أن الموزون هو الشخص. وذهب أهل السنة إلى أن الأعمال هي الموزونة، وأنها ~~تجسد أو تجعل في أجسام فتصير أعمال الطائعين في صورة حسنة، وأعمال المسيئين ~~في صورة قبيحة، ثم توزن. وقد أخرج أبو داود والترمذي وصححه ابن حبان (¬2) ~~عن أبي الدرداء عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: " [ما] (ب) يوضع ~~في الميزان يوم القيامة أثقل من خلق حسن". وفي حديث جابر مرفوعا: "توضع ~~الموازين يوم القيامة، فتوزن الحسنات والسيئات، فمن رجحت حسناته على سيئاته ~~مثقال حبة دخل الجنة، ومن رجحت سيئاته على حسناته مثقال حبة دخل النار". ~~قيل: فمن PageV10P482 # استوت حسناته [وسيئاته؟ قال: "أولئك] (أ) أصحاب الأعراف". أخرجه خيثمة في ~~"فوائده" (¬1)، وعند ابن المبارك في "الزهد" (¬2) عن ابن مسعود نحوه ~~[موقوفا] (ب)، وظاهر الأحاديث أن أعمال بني آدم توزن، وأن ذلك عام ~~[لجميعهم] (ج). وقال بعضهم: إنه يخص منه المؤمن الذي لا سيئة له، وله حسنات ~~كثيرة زائدة على محض الإيمان، فيدخل الجنة بغير حساب كما في حديث السبعين ~~الألف، وعكاشة (¬3) الذي سأل أن يلحق بهم وغيرهم ممن شاء الله أن يلحق بهم، ~~وهم الذي يمرون على الصراط كالبرق وكالريح وكأجاويد الخيل، ويخص أيضا ~~الكافر الذي لا ذنب له غير الكفر ولم يعمل حسنة، فإنه يقع في النار من غير ~~حساب ولا ميزان. # ونقل القرطبي (¬4) عن بعض العلماء أنه قال: الكافر مطلقا لا ثواب له ولا ~~حسنة توضع في ميزانه؛ لقوله تعالى: {فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا} (¬5). ~~ولحديث أبي هريرة في "الصحيح" [في] (أ) الكافر: "لا يزن عند الله جناح ~~بعوضة" (¬6). وقد تعقب بأن هذا مجاز عن حقارة القدر. PageV10P483 # ولا يلزم منه عدم الوزن. # والصحيح أن الكافر يوزن عمله، إلا أنه على وجهين؛ أحدهما، أن كفره يوضع ~~في كفة ولا يجد حسنة يضعها في الأخرى؛ لبطلان الحسنات مع الكفر، فتطيش التي ~~لا شيء فيها. قال القرطبي: وهذا ظاهر قوله تعالى: {ومن خفت موازينه فأولئك ~~الذين خسروا أنفسهم} (¬1). فإنه وصف ms2451 الميزان بالخفة. # والثاني، أنه قد يقع منه العتق والبر والصلة وسائر أنواع الخير المالية، ~~مما لو فعلها المسلم لكانت له حسنات، فمن كانت له جمعت ووضعت، غير أن الكفر ~~إذا قابلها رجح بها، ويحتمل أن هذه الأعمال توازن ما يقع منه من الأعمال؛ ~~كظلم غيره وأخذ المال وقطع الطريق، فإن ساوتها عذب بالكفر، وإن زادت عذب ~~بما [كان] (أ) زائدا على كفره، وإن زادت أعمال الخير منه طاح عقاب سائر ~~المعاصي وبقي عقاب الكفر كما جاء في قصة أبي طالب: "إنه لفي ضحضاح من نار" (¬2). # وقوله: "سبحان الله". تقدم الكلام في إعرابه ومعناه قريبا. # وقوله: "وبحمده". قيل: الواو للحال بتقدير المتعلق، أي: وأتلبس PageV10P484 # بحمده. أي بحمدي له من أجل توفيقه. وقيل: عاطفة على العامل في "سبحان". ~~أي أسبح وألتبس بحمده. ويحتمل أن تقدر: وأثني بحمده. فتكون متعلقة ب: أثني، ~~وتكون جملة مستقلة. وقال الخطابي (¬1) في حديث: "سبحانك اللهم وبحمدك" ~~(¬2). إن المعنى: وبقوتك التي هي نعمة، فوجب علي حمدك. أي: لا بحولي وقوتي. ~~فأقام المسبب، وهو الحمد، مقام سببه، وهو النعمة التي أوجبت الحمد. # قال الكرماني (¬3): صفات الله تعالى وجودية، كالعلم والقدرة، وهي صفات ~~الإكرام، وعدمية؛ كلا شريك له ولا مثل، وهي صفات الجلال، فالتسبيح إشارة ~~إلى صفات الجلال، والتحميد إشارة إلى صفات الإكرام، وترك التقييد مشعر ~~بالتعميم، والمعنى: أنزهه عن جميع [النقائص] (أ) وأحمده بجميع الكمالات. ~~قال: والنظم الطبيعي يقتضي تقديم التخلية، فقدم التسبيح الدال على التخلي ~~على التحميد الدال على التحلي، بالحاء المهملة، وذكر اسم الله تعالى؛ لأنه ~~الاسم الدال على الذات المقدسة الجامع لجميع الصفات والأسماء الحسنى، ووصفه ~~بالعظيم لأنه الشامل لسلب ما لا يليق به؛ [إذ] (ب) العظمة الكاملة مستلزمة ~~لعدم النظير والمثل ونحو ذلك، وكذا العلم بجميع المعلومات، والقدرة على ~~جميع المقدورات ونحو ذلك، وذكر PageV10P485 # التسبيح ملتبسا بالحمد ليعلم ثبوت الكمال له نفيا وإثباتا، وكرر تأكيدا، ~~ولأن الاعتناء بشأن التنزيه أكثر من جهة كثرة المخالفين، ولهذا جاء في ~~القرآن بعبارات مختلفة؛ نحو: "سبحان". و: "سبح". بلفظ ms2452 الأمر، و: "سبح". ~~بلفظ الماضي [و: يسبح. بلفظ] (أ) المضارع، ولأن التنزيهات تدرك بالعقل ~~بخلاف الكمالات فإنه يقصر عن إدراك حقائقها، كما قال بعض المحققين: الحقائق ~~الإلهية لا تعرف إلا بطريق السلب كما في العلم؛ لا يدرك منه إلا أنه ليس ~~بجاهل، فأما معرفة حقيقة [علمه] (ب) فلا سبيل إليه. انتهى. # وجاء في هذا الحديث الترغيب في الكلمتين الشريفتين على أسلوب [عظيم] (ج)، ~~وهو أن حب الرب سابق، وذكر العبد وخفة الذكر على لسانه تال، ثم بيان ما ~~فيهما من الثواب العظيم النافع يوم القيامة. # ودل الحديث على أنه ينبغي إدامة هذا الذكر لعظم نفعه وخفة عمله، وقد تقدم ~~فضل سبحان الله [وبحمده] (د) مائة مرة وحدها، فإذا أضيف إليها هذه الكلمة ~~الأخرى ازداد تحصيل الثواب وحصل به امتثال قوله تعالى: {وسبح بحمد ربك} ~~(¬1). وفي "صحيح مسلم" (¬2) عن أبي ذر: قلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ~~أي الكلام أحب إلى الله؟ قال: "ما PageV10P486 # اصطفى الله لملائكته [أو لعباده] (أ)؛ سبحان ربي وبحمده". وفي لفظ: "إن ~~أحب الكلام إلى الله سبحان الله وبحمده". # وقد ذكر البخاري هذا الحديث في باب الدعوات (¬1) بتقديم "سبحان الله ~~العظيم" على "سبحان الله وبحمده". وكذا هي عند أحمد بن حنبل (¬2). # هذا آخر ما وفق الله الكريم من هذا الشرح، والحمد لله الذي هدانا لهذا ~~وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ### | AUTO ختم الكتاب # ونختم هذا الكتاب بما أخرجه الإمام أبو عبد الرحمن بن شعيب النسائي (¬3) ~~عن عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم ~~- إذا جلس مجلسا أو صلى تكلم بكلمات، فسألته عن ذلك، فقال: "إن تكلم بكلام ~~خير [كان] (ب) طابعا عليه إلى يوم القيامة، وإن تكلم بغير ذلك كان كفارة ~~له؛ سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك". اللهم صل ~~على محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما صليت ~~على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارك PageV10P487 # على محمد النبي الأمي ms2453 وعلى آل محمد وأزواجه وذريته، كما باركت على ~~إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، في العالمين، إنك حميد مجيد، ولا حول ولا قوة ~~إلا بالله العلي العظيم، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه أجمعين. # تم الكتاب بمن العزيز الوهاب يوم الثلاثاء ليلة سابع وعشرين شهر رجب ~~المبارك سنة تسع وتسعين ومائة وألف بمحروس صنعاء في منازل الجامع الكبير، ~~حرسها الله بآي القرآن، ورزقنا وأهلها الأمن والإيمان بحق محمد وآله آمين ~~(¬1). بقلم العبد الفقير إلى الله، الغني به عمن سواه، الراجي لعفوه ~~ومغفرته، الفقيه أحمد بن محمد الحوذي وفقه الله لصالح الأعمال بعناية سيدي ~~الفقيه الفاضل الكامل صفي الإسلام أحمد بن محمد جلا حرسه الله وتولى حماه ~~وتولاه وجعل الجنة مأواه، وفتح عليه بالعلم والعمل به، بحق محمد الأمين ~~وآله الطاهرين (1)، إنه على ما يشاء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم، وصل اللهم وسلم على سيدنا ومولانا محمد وعلى آل سيدنا محمد وبارك ~~على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنك حميد مجيد ~~(أ). PageV10P488 # تم الفراغ من تحقيق هذا الجزء يوم الأحد ليلة ثامن وعشرين من شهر ذي ~~القعدة المحرم سنة 1427 ه في القاهرة. في حي المهندسين سائلا الله الأمن ~~لأهلها ولبلادي بلاد الحرمين - حيث كنت في هذا العام متفرغا من العمل. # وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # د. علي بن عبد الله الزبن# ¬ # ----NO PAGE NO------ ms2454