######OpenITI#
#META# 000.SortField :: Shia_001551
#META# 000.BookURI :: NOCODE
#META# 010.AuthorAKA :: NODATA
#META# 010.AuthorNAME :: الشيخ الماحوزي
#META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN
#META# 011.AuthorDIED :: 1121
#META# 019.AuthorDIED :: NODATA
#META# 020.BookTITLE :: كتاب الأربعين
#META# 020.BookTITLESUB :: NODATA
#META# 021.BookSUBJ :: مصادر الحديث الشيعية ـ القسم العام
#META# 022.BookVOLS :: 1
#META# 025.BookLANG :: NODATA
#META# 029.BookTITLEalt :: NODATA
#META# 030.LibURI :: Shia_001551
#META# 030.LibURIextra :: NODATA
#META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/1551_كتاب-الأربعين-الشيخ-الماحوزي
#META# 031.LibURL :: NODATA
#META# 031.LibURLFILE :: NODATA
#META# 031.LibURLextra :: NODATA
#META# 040.EdALL :: NODATA
#META# 040.EdEDITOR :: السيد مهدى رجائي
#META# 041.EdNUMBER :: الأولى
#META# 041.EdNumber :: NODATA
#META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA
#META# 044.EdPLACE :: NODATA
#META# 045.EdYEAR :: 1417
#META# 049.EdISBN :: NODATA
#META# 049.EdPAGES :: NODATA
#META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA
#META# 049.EdVOLUME :: NODATA
#META# 090.RecMISC :: NODATA
#META# 999.MiscINFO :: NODATA
#####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY#
#META#Header#End#
# بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي هدانا عند تفرق الأهواء للتمسك
~~بالثقلين: كتاب الله، والعترة الطاهرة، وألهمنا عند تشعب (1) المذاهب
~~والآراء التشبث (2) بالعروة الوثقى والحجة الظاهرة، وغرس في حدائق قلوبنا
~~غرائس ألطافه، فما زالت حجتنا دامغة للعقائد البائرة، مدحضة للمذاهب
~~الحائرة، وغذانا في عالم ألست بربكم (3) بأغذية محبة أهل البيت، وخلقنا من
~~فاضل طينتهم الفاخرة.
# والصلاة على محمد ذي المعاجز الباهرة، والبراهين القاهرة، والمعالم
~~العامرة، والأعراق الطاهرة، والأخلاق الزاهرة، وآله النجوم السائرة،
~~والأفلاك الدائرة.
# أما بعد: فيقول الفقير إلى اللطف السبحاني، المعتصم بالامداد الرباني أبو
~~الحسن سليمان بن عبد الله البحراني (4): إن الله سبحانه وله الحمد هداني
~~إلى الصراط المستقيم، وسلك بي المنهاج القويم، والسبيل المقيم، ووفقني عند
~~اختلاف الأهواء واضطراب الآراء للتمسك بأهل بيت نبيه الطاهرين، وأيدني
~~بعناياته الربانية، فلم
# PageV00P023
# أزل أتدرج في مدارج اليقين.
# وقد وفقني الله سبحانه لمطالعة جملة من كتب المخالفين وأصحتهم، وملاحظة
~~طائفة من دساتير هؤلاء المخذولين، ومصنفات أجلتهم، مثل معجم أبي القاسم
~~الطبراني (1)، ومطالب السؤول لكمال الدين محمد بن طلحة الشامي الشافعي (2)،
~~والفصول المهمة لنور الدين علي بن محمد المكي المالكي (3)، وكفاية الطالب
~~للشيخ أبي عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي (4)، والصواعق المحرقة
~~لابن حجر
# PageV00P024
# المكي، (1) وفرائد السمطين للحموي (2)، وجامع الأصول لابن الأثير (3)
~~الجزري الشافعي (4)، وغيرها.
# فوجدتها مشتملة على أحاديث، فخرجتها (2) غير كاذب، وعددها يفوت وهم
~~الحاذق والحاسب، تصرح بامامة مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) وخلافته،
~~وتنادي بجلالة قدره وعظمته، وتخبر بأن التمسك بالعترة الطاهرة موجب للفوز
~~في الآخرة، وأنهم كسفينة نوح وباب حطة، وناهيك بها منقبة فاخرة، ومكرمة
~~واضحة ظاهرة.
# فأحببت أن أجمع مختصرا محتويا على لمع من الأخبار، مشتملا على غرر من تلك
~~الآثار.
# هذا وأفواج العوائق المتراكمة تمنع عن تحقيق المرام، وأمواج العلائق
~~المتلاطمة تحجب عن نيل ذلك المقام، والدهر يماطل كما يماطل الغريم، وحوادث
~~الأقدار لا تنام ولا تنيم.
# فذكرت - بتوفيق الله عز مجده وسلطانه - طائفة من تلك الأخبار في هذه
# PageV00P025
# الرسالة، ورسمت جملة مقنعة من تلك الآثار ms001 في هذه المقالة.
# واخترت منها أربعين حديثا، عملا بما ورد عنه (صلى الله عليه وآله) من
~~قوله: (من حفظ على أمتي أربعين حديثا (1) مما يحتاجون إليه في أمور دينهم،
~~بعثه الله عز وجل يوم القيامة فقيها عالما) (2).
# وهذا الحديث مستفيض بين الفريقين، مشهور عند القبيلتين، بل نظمه بعضهم في
~~سلك الأخبار المتواترة، ورواه بمتون متقاربة وأسانيد متغايرة (3).
# ثم اني ذكرت في ذيل أكثرها أخبارا اخر بمعناها، ونبهت في معظمها على وجه
~~دلالتها، وحقيقة مغزاها، وأطلقت عنان القلم في بعضها حق الاطلاق، وسجلت (4)
~~على المخالفين في دفع ترهاتهم (5) الغير الرائجة عند الجهابذة الحذاق.
# وحيث خرج - بتوفيق الله - من القوة إلى الفعل، وحان حين ختامه، وبرزت
~~أزهاره من أكمامه، أحببت أن يعلو قدره، ويسموا في سماء الرفعة بدره.
# PageV00P026
# فرسمت على صفائح سبيكته سامي ألقاب من ألقى إليه الملك مقاليده، وملكه
~~المجد طريفه وتليده (1)، وسمت باسمه رؤوس المنابر في الآفاق، واستوى في
~~سماء الرفعة على سرير الملك بالإرث والاستحقاق المخصوص من العناية
~~السبحانية بالنفس القدسية، المكرم من الحضرة الربانية بالألطاف الخفية،
~~والرئاسة الانسية، مزيح ظلم الظلم عن بساط البسيطة بكواكب مواكبه، ومجلي
~~غمام الغموم بشموس غرائب الرغائب من نفائس مواهبه.
# إذا تغلغل فكر المرئ في طرف * من مجده غرقت فيه خواطره حلو خلائقه شوس
~~حقائقه * تحصى الحصى قبل أن تحصى مآثره وليس بدعا فان البحر راحته * جودا
~~وان عطاياه جواهره أعظم ملوك الأرض شأنا، وأعلاهم منزلا ومكانا، الذي تفتخر
~~أعاظم السلاطين باستلام سدة بابه، وتتبجح (2) أكابر الخواقين بتعفير الوجوه
~~على تراب أعتابه، وهو السلطان بن السلطان بن السلطان، أبو المظفر شاه سلطان
~~حسين بها درخان، خلد الله سبحانه على مفارق الأنام ظل سلطنته القاهرة،
~~وأطلع في سماء الرفعة والجلال شموس إقباله الزاهرة، وأجرى آثار معاليه على
~~صفحات الأيام، وربط أطناب دولته بأوتاد الخلود والدوام.
# وخدمت به حضرته العلية التي تطوف بكعبتها الرجال، وتشد إليها الرحال، ولا
~~زالت محط رحال الأكابر والأفاضل، ومخيم أرباب الماثر والفضائل.
# فان صادف من الحضرة السلطانية محل القبول، فهو ms002 حري بأن يسير في الآفاق
~~مسير الصبا والقبول، والله سبحانه أسأل أن يديم بهجة الدنيا بدوام أيامه
~~وإدامة انعامه، وأن يجعل دولته المنيعة ممتدة الأطناب، مرتفعة الأعلام، إلى
~~ظهور
# PageV00P027
# الصاحب المنتظر (ع)، انه تعالى القادر على ما يشاء، وبيده أزمة الأشياء،
~~وهو حسبي ونعم الوكيل.
# الحديث الأول [حديث من كنت مولاه فعلي مولاه] روى أبو القاسم سليمان بن
~~أحمد الطبراني (1) في معجمه، وهو عندي بنسخة صحيحة جدا (2)، قال: حدثنا
~~أحمد بن إبراهيم بن عبد الله بن كيسان الثقفي المدني الاصفهاني سنة تسع
~~وتسعين ومائتين، حدثنا إسماعيل بن عمرو البجلي، حدثنا مسعر، عن طلحة بن
~~مصرف، عن عمير بن سعد، قال: شهدت عليا على المنبر ناشدا (3) أصحاب رسول
~~الله (ص): من سمع رسول الله (ص) يقول يوم غدير خم ما قال؟ فليشهد، فقام
~~إثنا عشر رجلا منهم أبو هريرة وأنس بن مالك، فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله
~~(ص) يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد
# PageV00P028
# من عاداه (1).
# أقول: هذا من الأحاديث المشهورة (2)، وقوله صلى الله عليه وآله (من كنت
~~مولاه فعلي مولاه) من الأخبار المستفيضة التي لم ينفرد أحد بايرادها دون
~~أحد، بل أوردوها أصحاب الأصحة جميعهم بطرق متعددة ومتون متقاربة حتى نزلت
~~منزلة المتواتر الذي لا يتداخله الريب، ولا يتطرق إليه اللبس، بل هومن أعلى
~~مراتبه عند التحقيق، كما يشهد به الاستقراء والتتبع لمسانيد الخصوم وأصحتهم
~~(1).
# روى أحمد بن حنبل، وهو من عمدة محدثي القوم وأحد أئمتهم في مسنده، وموفق
~~الخوارزمي (4) في مناقبه، عن ابن عباس، عن بريدة الأسلمي، قال: غزوت مع علي
~~(ع) إلى اليمن، فرأيت منه جفوة، فقدمت على النبي (صلى الله عليه وآله)،
~~فذكرت عليا (ع) فنقصته، فرأيت وجه رسول الله (ص) قد تغير، وقال: يا بريدة
~~ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم (5)؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: من كنت
~~مولاه فعلي
# PageV00P029
# مولاه (1).
# وروى أحمد بن حنبل أيضا في مسنده، عن ابن عباس، عن بريدة الأسلمي، قال:
~~بعثنا النبي (ص) مع علي في ms003 سرية (2)، فلما قدمنا قال: كيف رأيتم صحابة
~~صاحبكم؟ قال: فأنا شكوته أو شكاه غيري، فرفعت رأسي وكنت رجلا مكبابا (3)،
~~فإذا النبي (ص) قد احمر وجهه، قال هو يقول: من كنت وليه فعلي وليه (4).
# وروى الترمذي في صحيحه - وهو من عظماء القوم وأساطين محدثيهم - عن عمران
~~بن الحصين، قال: بعث النبي (صلى الله عليه وآله) جيشا، واستعمل عليهم علي
~~بن أبي طالب (ع)، فمشي في السرية وأصاب جارية، فأنكروا عليه، وتعاقد عليه
~~أربعة من أصحاب رسول الله (ص)، فقالوا: إذا لقينا النبي (صلى الله عليه
~~وآله) أخبرناه بما صنع علي، وان المسلمون إذا رجعوا من سفر بدأوا بالنبي
~~(صلى الله عليه وآله) فسلموا عليه، ثم انصرفوا إلى رحالهم.
# فلما قدمت السرية سلموا على النبي (صلى الله عليه وآله)، فقام أحد
~~الأربعة فقال: يا رسول الله ألم تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا،
~~فأعرض عنه النبي (صلى الله عليه وآله)، فقام الثاني فقال مثل مقالته، فأعرض
~~عنه، ثم قام الثالث فقال مثل مقالتهما، فأعرض عنه، ثم قام الرابع فقال مثل
~~ما قالوا، فأقبل النبي (صلى الله عليه وآله) والغضب يعرف في وجهه وقال: ما
# PageV00P030
# تريدون من علي؟ ما تريدون من علي؟ ما تريدون من علي (1)؟ ان عليا مني
~~وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي (2).
# وروى أحمد بن حنبل في المسند المذكور عن بريدة، قال: بعث النبي (صلى الله
~~عليه وآله) بعثين (3) إلى اليمن، على أحدهما علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام)، وعلى الاخر خالد بن الوليد، فقال صلى الله عليه وآله: إذا التقيتم
~~فعلي على الناس، وإذا افترقتما فكل واحد منكما على جنده.
# قال: فلقينا زبيد (4) من أهل اليمن فاقتتلنا، فظهر المسلمون على
~~المشركين، فقتلنا المقاتلة، وسبينا الذرية، فاصطفى علي من السبي امرأة
~~لنفسه، قال بريدة
# PageV00P031
# كتب معي خالد بن الوليد إلى النبي (صلى الله عليه وآله) يخبره بذلك.
# فلما أتيت النبي (صلى الله عليه وآله) دفعت الكتاب فقرئ عليه، فرأيت
~~الغضب في وجهه، فقلت: يا رسول الله ms004 هذا مكان العائذ بك، بعثتني مع رجل
~~وأمرتني أن أطيعه ففعلت ما أرسلت به، فقال: يا بريدة لا تقع في علي، فإنه
~~مني وأنا منه، وهو وليكم بعدي (1).
# وهذه الأخبار صريحة في إمامته وخلافته، وظاهرة في تعيينه للخلافة، لا
~~ينكرها الامن يريد تغطئه وجه الحق بالخلف، وستر نور الشمس بالكف (2)
# PageV00P032
# وليس يصح في الأفهام شئ * إذا احتاج النهار إلى دليل ولنعم ما قال الفاضل
~~الجليل والوزير السعيد بهاء الدين علي بن عيسى بن أبي الفتح الأربلي (1)،
~~من عظماء علمائنا، في كتابه كشف الغمة، وهو كتاب حسن لم يعمل مثله.
# حيث قال ما نصه: ومن أغرب الأشياء وأعجبها أنهم يقولون: انه (صلى الله
~~عليه وآله) قال في مرضه: مروا أبا بكر يصلي بالناس، وهو نص (2) في توليته
~~الأمر، وتقليده أمر
# PageV00P033
# الأمة، وهو على تقدير صحته لا يدل على ذلك، ومتى سمعوا حديثا في أمر علي
~~(عليه السلام) نقلوه على وجهه وصرفوه عن مدلوله، فأخذوا في تأويله بما هو
~~أبعد محتملاته، منكبين (1) عن المفهوم من صريحه، وطعنوا في راويه وضعفوه،
~~وإن كان من أعيان رجالهم، وذوي الأمانة في غير ذلك عندهم (2) انتهى ملخصا.
# وسيأتي بسط الكلام في خبر الغدير، واستيفاء البحث فيه، وتقرير دلالته على
~~إمامته (عليه السلام) في الحديث الخامس عشر إن شاء الله تعالى.
# الحديث الثاني [قوله (صلى الله عليه وآله) هؤلاء حامتي وأهل بيتي] أبو
~~القاسم الطبراني في معجمه، قال: أخبرنا أحمد بن محمد بن مجاهد الاصفهاني،
~~حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان، حدثنا زافر، عن طعمة بن عمرو الجعفري (3)،
~~عن أبي الجحاف (4) داود بن أبي عوف، عن شهر بن حوشب، قال: لقيت أم سلمة
~~أعزيها على الحسين بن علي (عليهما السلام).
# فقالت: دخل علي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فجلس على منامة لنا،
~~فجاءت فاطمة بشئ فوضعته، فقال: ادعي لي حسنا وحسينا وابن عمك عليا، فلما
~~اجتمعوا عنده قال: هؤلاء حامتي وأهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا
~~(5).
# PageV00P034
# أقول: المنامة (1) هنا الدكان، وفي غيره هو القطيفة، ms005 قاله الهروي في كتاب
~~الغريبين.
# والقطيفة: دثار مخمل، قاله الجوهري في صحاحه (2).
# والخمل: هدب القطيفة، ونحوها أخملها جعلها ذات خمل، قاله الفيروزآبادي في
~~القاموس (3).
# والحامة بالحاء المهملة وتشديد الميم: خاصة الرجل من أهله وولده.
# الحديث الثالث [نزول آية التطهير في أصحاب الكساء (ع):] الطبراني في
~~الكتاب المذكور، قال: حدثنا الحسن بن أحمد بن حبيب الكرماني بطرسوس، حدثنا
~~أبو الربيع الزهراني، حدثنا عمار بن محمد، عن سفيان الثوري، عن أبي الجحاف
~~داود بن أبي عوف، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري (4)، في قوله عز وجل
~~(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) (5) قال: نزلت
~~في خمسة: في رسول الله صلى الله عليه وآله،
# PageV00P035
# وعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين رضي الله عنهم (1).
# أقول: الأخبار في هذا المعنى كثيرة جدا (2).
# روى أحمد بن حنبل في المناقب عن أبي سعيد الخدري نحوه (3).
# وروى مسلم في صحيحه عن عائشة (4)، قالت: خرج النبي صلى الله عليه وآله
~~ذات غداة وعليه مرط مرحل (5) من شعر أسود، فجاء الحسن بن علي (عليهما
~~السلام) فأدخله فيه، ثم جاء الحسين (عليه السلام) فأدخله فيه، ثم جاءت
~~فاطمة عليها السلام فأدخلها فيه، ثم جاء علي (عليه السلام) فأدخله فيه، ثم
~~قال (عليه السلام): (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
~~تطهيرا) (6).
# وروى أحمد بن حنبل في مسنده عن أم سلمة، قالت: بينا رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) في بيتي إذ قال الخادم (7): ان عليا وفاطمة بالسدة، قالت: فقال:
~~قومي فتنحي عن أهل بيتي.
# قالت: فقمت فتنحيت عن البيت قريبا، فدخل علي والحسن والحسين:
# PageV00P036
# وهما صغيران، فوضعهما في حجره فقبلهما، واعتنق عليا بإحدى يديه، وفاطمة
~~باليد الأخرى، وقبل فاطمة وقبل عليا، وأغدق (1) عليهم خميصة (2) سوداء،
~~وقال: اللهم إليك لا إلى النار وأهل بيتي، قالت أم سلمة فقلت: وأنا يا رسول
~~الله، قال: وأنت على خير (3).
# وأورده الشيخ نور الدين علي بن محمد المعروف بابن الصباغ المكي المالكي،
~~نقلا عن المسند في الفصول المهمة (4)، والفاضل الأربلي في ms006 كشف الغمة (5).
# وروى أحمد أيضا عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وآله كان يمر بباب
~~فاطمة عليها السلام ستة أشهر إذا خرج إلى الفجر يقول: الصلاة يا أهل البيت
~~إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (6).
# قال الحاكم في المستدرك: هذا حديث صحيح الاسناد على شرط مسلم ولم يخرجه
~~(7).
# وروى أحمد في المسند باسناده عن شداد بن عمارة، قال: دخلت على واثلة بن
~~الأسقع وعنده قوم، فذكروا عليا (عليه السلام) وشتموه وشتمته معهم، فلما
~~قاموا قال لي: لم شتمت هذا الرجل؟ قلت: رأيت القوم شتموه فشتمته.
# قال: ألا أخبرك بما رأيت عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقلت: بلى،
~~قال: أتيت فاطمة
# PageV00P037
# عليها السلام أسألها عن علي (عليه السلام) فقالت: توجه إلى النبي (صلى
~~الله عليه وآله)، فجلست أنتظره حتى جاء النبي (صلى الله عليه وآله)، فجلس
~~ومعه فاطمة وحسن وحسين آخذا كل واحد منهما بيده حتى دخل، فأدنى عليا (عليه
~~السلام) وفاطمة عليها السلام، فأجلسهما بين يديه وأجلس حسنا وحسينا كل واحد
~~منهما على فخذه، ثم لف عليهم ثوبه - أو قال:
# كساء - ثم تلا هذه الآية (إنما يريد الله) الآية (1).
# وذكر الترمذي في جامعة: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان من وقت
~~نزول هذه الآية إلى قريب ستة اشهر إذا خرج إلى الصلاة يمر بباب فاطمة عليها
~~السلام ثم يقول (صلى الله عليه وآله):
# (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) الآية (2).
# وروى الترمذي أيضا في الجامع عن عمر بن أبي سلمة ربيب رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله)، قال: نزلت هذه الآية على رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت) الآية، في بيت أم سلمة، فدعا
~~النبي صلى الله عليه وآله فاطمة وحسنا وحسينا فجللهم بكساء، وعلى (عليه
~~السلام) خلف ظهره، ثم قال: اللهم هؤلاء أهل البيتي فاذهب عنهم الرجس وطهرهم
~~تطهيرا، قالت أم سلمة: وانا معهم يا رسول الله، قال: أنت ms007 على مكانك وأنت
~~على خير (3).
# وروى الترمذي أيضا عن أم سلمة ان النبي (صلى الله عليه وآله) جلل الحسن
~~والحسين وفاطمة كساء، وقال: اللهم هؤلاء أهل البيتي وحامتي اذهب عنهم الرجس
~~وطهرهم تطهيرا، قالت أم سلمة: وانا معهم يا رسول الله؟ قال: انك على خير.
~~ثم قال الترمذي: هذا حسن صحيح (4).
# PageV00P038
# وأخرج معناه الحاكم في المستدرك انها نزلت في بيت أم سلمة إلى اخره،
~~وقال:
# هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجه (1).
# وروى الواحدي من عظمائهم في كتابه المسمى بأسباب النزول يرفعه بسنده إلى
~~أم سلمة رضي الله عنها انها قالت: كان النبي (صلى الله عليه وآله) في بيتها
~~يوما، فاتته فاطمة ببرمة فيها عصيدة (2)، فدخلت بها عليه، فقال لها: ادعي
~~زوجك وابنيك.
# فجاء علي والحسن والحسين (عليهم السلام)، فدخلوا وجلسوا يأكلون والنبي
~~صلى الله عليه وآله جالس على دكة تحته كساء خيبري، قالت: وانا في الحجرة
~~قريبا منهم، فاخذ النبي (صلى الله عليه وآله) الكساء فغشاهم به، ثم قال:
~~اللهم هؤلاء أهل البيتي وخاصتي، فاذهب عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا.
# قالت: فأدخلت رأسي البيت وقلت: انا معكم يا رسول الله؟ قال: انك إلى خير،
~~فأنزل الله تبارك وتعالى (إنما يريد الله ليذهب) الآية (3).
# وروى أحمد بن حنبل في مسنده باسناده إلى شهر بن حوشب، عن أم سلمة ان رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) قال لفاطمة: اتيني بزوجك وابنيك، فجاءت بهم
~~فالقى عليهم كساء فدكياء (4)، قالت: ثم وضع يده عليهم وقال: ان هؤلاء آل
~~محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وال محمد انك حميد مجيد، قالت أم سلمة:
~~فرفعت
# PageV00P039
# الكساء لادخل معهم فجذبه من يدي وقال: انك على خير (1).
# وروى أيضا باسناده عن عطاء بن أبي رياح، قال: حدثني من سمع أم سلمة تذكر
~~ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان في بيتها، فاتته فاطمة عليها السلام
~~ببرمة فيها حريرة (2) فدخلت بها عليه، فقال: لي زوجك وابنيك.
# قال: فجاء غلي والحسن والحسين (عليهم السلام)، فدخلوا وجلسوا يأكلون من
~~تلك ms008 الحريرة وهو وهم على منام له على دكان (3) تحته كساء الخيبري.
# قالت: وانا في الحجرة أصلي، فأنزل الله هذه الآية الكريمة (إنما يريد
~~الله ليذهب عنكم) الآية، قالت: فاخذ فضل الكساء وكساهم به، ثم اخرج يده
~~فالوي (4) بها إلى السماء، وقال: هؤلاء أهل البيتي وخاصتي، اللهم اذهب عنهم
~~الرجس وطهرهم تطهيرا، قالت: فأدخلت رأسي وقلت: انا منكم يا رسول الله، قال:
~~انك إلى خير انك إلى خير (5).
# وروى أيضا باسناده إلى شهر بن حوشب، قال: قالت أم سلمة زوجة النبي (صلى
~~الله عليه وآله) حين جاء نعي الحسين (عليه السلام) (6) لعنت أهل العراق،
~~فقالت: قتلوه قتلهم الله، وغروه وأذلوه لعنهم الله، فاني رأيت رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) وقد جاءته فاطمة غداة ببرمة (7) وقد صنعت له فيها
~~عصيدة تحملها في طبق حتى وضعتها بين يديه، فقال
# PageV00P040
# لها: أين ابن عمك؟ قال: هو في البيت، قال: اذهبي فادعيه واثنتي بابنيه.
# قالت: فجاءت تقود ابنيها كل واحد منهما بيد وعلي يمشي معهم (1) حتى دخلوا
~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأجلسهما في حجرة، وجلس علي عن يمينه،
~~وجلست فاطمة على يساره.
# قالت أم سلمة: فاجتذب من تحتي كساء خيبريا كان بساطا لنا على الميامة في
~~المدينة، فلفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) واخذ بشماله طرفي الكساء
~~والوى بيده إلى ربه عز وجل، وقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي اذهب عنهم الرجس
~~وطهرهم تطهيرا قلت: يا رسول الله الست من أهلك؟ قال: بلى، قالت: فأدخلني في
~~الكساء بعد ما قضى دعاءه لابن عمه على وابنيه ابنته فاطمة (2).
# قلت: قوله (عليه السلام) في جواب أم سلمة (بلى) مصادم للأخبار الصحيحة
~~المستفيضة الساقة الناطقة بخروجها من أهل بيته، مع أنه إنما يدل على أنها
~~من أهله لامن أهل بيته ، كم لا يخفى.
# ومن الاخبار المصرحة بخروج نسائه من أهل البيت ما رواه الحميدي في الجمع
~~بين الصحيحين في مسند زيد بن أرقم من عدة ي رق عنه (صلى الله عليه وآله)
~~قال: قام ms009 رسول الله (صلى الله عليه وآله) فينا خطيبا بماء يدعى خما (3) بين
~~مكة ومدينة، فحمد الله وأثناء عليه ووعظ وذكر.
# ثم قال: اما بعد أيها الناس إنما يوشك ان تأتيني رسل ربي فأجيب وانا تارك
~~فيكم الثقلين، أولهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله
~~واستمسكوا به، فحث على كتاب الله ورغب فيه.
# ثم قال: وأهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي، فقلنا: من أهل بيته نساؤه؟
~~قال ثم
# PageV00P041
# قال: ان المراد تكون مع الرجل العصر من الدهر ثم يطلقها، فترجع إلى أبيها
~~وقومها (1).
# وبالجملة فكونهم: هم المرادين من أهل البيت لا غير مما لا ينبغي الشك
~~فيه، لتواتره بين الخاصة والعامة.
# تحقيق حال وتفصيل اجمال:
# هذه الأخبار كما ترى تشهد بأنهم عليم السلام المعنيون بأهل البيت في آية
~~التطهير (2)، دون غيرهم من الأقارب، وتنادي بخروج النساء وانحطاطهن عن
# PageV00P042
# هذه المرتبة الجليلة والمنزلة العلية.
# فلا تركن إلى ما ذكرته العاملة الناصبة في بعض تفاسيرهم وأصولهم من نزول
~~هذه الآية الكريمة في شأن أزواج النبي (صلى الله عليه وآله) بدلالة السياق
~~وشهادة صدر الآية وعجزها، فإنه من جملة تحريفاتهم الباطلة السخيفة، وهو غلط
~~دراية ورواية.
# أما الرواية، فللأخبار التي نقلناها من كتبهم وأصحتهم من نزولها في شأن
~~ساداتنا صلوات الله عليهم لا غير، وخروج النساء وانحطاطهن عن هذه الرتبة
~~الجليلة، فدفعها بالراح مكابرة وعناد (1).
# وأما الدراية، فلقضية تذكير الضمير، لأنه لو كان نزولها في حق نسائه (صلى
~~الله عليه وآله) لقيل:
# يذهب عنكن ويطهركن بالتأنيث، كما قيل فيما قبلها وما بعدها. فلما كان
~~نزولها في أهل بيت النبي (صلى الله عليه وآله)، أعني: الحجج صلوات الله
~~عليهم وسلامه، جاء الضمير على التذكير، لأنهما متى اجتمعا غلب التذكير،
~~خصوصا مع كثرة الذكور، وملائمة السياق وصدر الآية وعجزها لا يجديهم نفعا،
~~إذ الخروج من حكم إلى آخر كثير في القرآن جدا (2)، كما نبه عليه شيخنا
~~الشهيد في أوائل الذكرى (3)، لا سيما بعد قيام القرينة، وهو تذكير الضمير
~~مع تأنيثه قبل وبعد، وشهادة ms010 النصوص الصحيحة المستفيضة.
# PageV00P043
# وبهذا يسقط ما ذكره القطب الفالي (1) في التقريب وغيره، من أن في الآية
~~الكريمة دلالة على دخول نسائه في أهل البيت (2)، بل يظهر دلالتها على عكس
~~ما قالوه، هذا مع مصادمته ما ذكروه للأخبار الصحيحة المتواترة.
# ثم لا يخفى عليك أن الآية صريحة الدلالة على عصمتهم سلام الله عليهم، لأن
~~الرجس لغة كل متقذر وكل مأثم والنجس، والثالث غير لائق هنا، اللهم الا أن
~~يراد به الأخباث المعنوية وهي الذنوب، فيرجع حينئذ إلى الأولين.
# وعلى أيهما حمل تم المطلوب، وهو الاستدلال بها على عصمتهم (عليهم
~~السلام)، لأن اللام في الرجس: إما للجنس، أو للاستغراق، إذ لا عهد خارجي،
~~والعهد الذهني غير مناسب لمقام البلاغة.
# وعلى التقديرين يلزم اذهاب كل ما فيه قذارة أو أوجب اثما. أما على الأول،
~~فلأن نفي الماهية نفي لكل جزئياتها من الخطأ وغيره. وأما على الثاني،
~~فأظهر.
# وبعض محققي علمائنا المتأخرين (3) جزم بالأول. ويمكن ترجيح الثاني، لأن
~~اللام تحمل على الاستغراق إذا لم يكن ثمة عهد خارجي، كما تقرر في محله، كيف
~~ومقام المدح أعدل شاهد على إرادة نفي جميع أفراد الرجس.
# فان قلت: الذي عليه محققوا الأصوليين أن المفرد المعرف لا يفيد العموم،
~~وهو الذي اختاره العلامة والمحقق وغيرهما من فحول أصحابنا.
# قلت: الظاهر من كلام جمع من الأصوليين أنه لا مجال لانكار إفادة المفرد
~~المعرف العموم في بعض الموارد حقيقة، كيف؟ ودلالة أداة التعريف على
~~الاستغراق حقيقة
# PageV00P044
# مما لا يتجه انكاره.
# بل قال المحقق الشيخ حسن بن الشهيد الثاني في المعالم: ان دلالة أداة
~~التعريف على الاستغراق حقيقة وكونه أحد معانيها مما لا يظهر فيه خلاف
~~بينهم، قال:
# والكلام إنما هو في دلالته على العموم مطلقا، بحيث لو استعمل في غيره كان
~~مجازا على حد صيغ العموم التي هذا شأنها (1) انتهى.
# ولي فيه نظر (2)، على (3) أن القرائن الحالية قائمة في الأحكام الشرعية
~~غالبا على
# PageV00P045
# إرادة العموم منه حيث لا عهد خارجي، كما في قوله تعالى ﴿وأحل ms011 الله البيع وحرم الربا﴾ (1) وقوله (عليه
~~السلام): إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ (2)، وغيرها لامتناع إرادة
~~الماهية والحقيقة من حيث هي هي. فإما أن يراد جميع أفرادها، أو بعضها من
~~غير تعيين، لكن إرادة الثاني تنافي الحكمة، فتعين إرادة الجميع.
# وقد تنبه لذلك المحقق الحلي من أصحابنا في مختصر الأصول، فإنه قال: ولو
~~قيل إذا لم يكن ثم معهود وصدر من حكيم، فان قرينة حاله تدل على الاستغراق
~~لم ينكر ذلك (3).
# واقتفى أثره شيخنا الشهيد الثاني في شرح الشرائع، وولده الفاضل في
~~المعالم (4) ومن المخالفين العلامة التفتازاني في التلويح، ومن أئمة
~~العربية نجم الأئمة، وفاضل الأمة المحقق الرضي الأسترآبادي قدس سره في شرح
~~الكافية الحاجبية، فإنه ذكر فيه أنه متى لم تقم قرينة مقالية ولا حالية على
~~إرادة الخصوص مبهما أو معينا، فاللام للاستغراق.
# قال: لأنه إذا ثبت كون اللفظ دالا على ماهية خارجية، فإما أن يكون لجميع
~~أفرادها، أو بعضها، ولا واسطة بينهما في الوجود الخارجي، بل يمكن تصورها في
~~الذهن خالية عن الكلية والبعضية، لكن كلامنا في المشخصات الخارجية، لأن
~~الألفاظ موضوعة بإزائها لا لما في الذهن، وإذا لم تكن للبعضية لعدم دليلها
~~- أي:
# PageV00P046
# التنوين - وجب كونه للكل، فعلي هذا قوله عليه الصلاة والسلام (الماء
~~طهور) أي:
# كل الماء (والنوم حدث) أي: كل النوم، إذ ليس في الكلام قرينة البعضية لا
~~مطلقة ولا معينة انتهى كلامه زيد اكرامه.
# ولقائل أن يقول أيضا: ان المفرد المحلى بلام الجنس، وإن لم يدل على
~~العموم في صورة الوجود والاثبات، الا أنه يدل عليه في صورة النفي والعدم،
~~وذلك لأن عدم الجنس ونفيه إنما يتحقق بعدم كل فرد من أفراده، إذ لو دخل فرد
~~منها في الوجود لدخل الجنس فيه في ضمنه، لوجود الكلي الطبيعي بوجود فرد من
~~أفراده، وليس الأمر كذلك في صورة الاثبات، إذ وجود الجنس يتحقق بوجود فرد
~~من أفراده، اللهم الا مع قيام القرائن الحالية أو المقالية على إرادة
~~العموم.
# ثم لا يخفي عليك ما في ms012 الآية الكريمة من المؤكدات (1) واللطائف، كما
~~يعلمه الحاذق في علم المعاني والبيان، وقد نبه عليه الشهيد في أوائل الذكرى
~~(2)، وعلى هذا يكون منطوق الآية الكريمة على أبلغ وجه، وأكده عدم جواز تلوث
~~ذيول أهل البيت (عليهم السلام) بالأرجاس الصورية والمعنوية، والأقذار
~~القلبية والبدنية، للقطع بأن صغائر الذنوب أرجاس ككبائرها، وبواطن الرذائل
~~أقذار كظواهرها (3).
# فان قلت: فأي فائدة في قوله تعالى (ويطهركم تطهيرا) بعد قوله (ليذهب
# PageV00P047
# عنكم الرجس أهل البيت)؟
# قلت: لعل فائدته التنبيه على طهارة قلوبهم القدسية عن جميع الكدورات
~~الكونية، والظلمات الهيولانية، والعلائق الدنية، وخلو أسرارهم عن التلوت
~~بغير الحضرة الأحدية السبحانية، ولهذا لم يكتف بالفعل وحده، بل أكده
~~بالمصدر تقريرا له وتحقيقا وحسما لمادة الشك على أبلغ وجه، كما بيناه
~~مستوفى في شروق الأنوار، وفي دقائق الأسرار، وغيرهما من مؤلفاتنا
~~ومجموعاتنا.
# جوهرة:
# استنبط المحقق الفيلسوف سلطان المحققين محمد بن محمد الطوسي عطر الله
~~مرقده من كلمات هذه الآية الكريمة أسماء الأئمة المعصومين سلام الله عليهم
~~مع النبي (صلى الله عليه وآله) بطريق الزبر والبينات المتعارف بين أهل
~~الجفر.
# تبصرة في حقيقة العصمة وأن الامام يجب أن يكون معصوما خلافا للعاملة
~~الناصبة العصمة لغة: المنع. وفي الاصطلاح: لطف خفي يمتنع من أفيض عليه معه
~~عن فعل القبائح والاخلال بالواجبات لا على جهة الوجوب الرافع للقدرة، كما
~~توهمه من لا تحقيق له، بل بمعنى أنه إذا فعله الله سبحانه بالمكلف اختار
~~الطاعات واجتنب المعاصي البتة، وحينئذ يكون وقوع المعصية عن المعصوم ممكنا
~~بالنظر إلى قدرته، PageV00P048
# ممتنعا بالنظر إلى عدم داعيه ووجود صارفه (1).
# فأهل العصمة هم الذين أعانهم الله سبحانه على قهر نفوسهم الأمارة بالسوء
~~أكمل قهر وأتمه، حتى صارت أسيرة في أيدي نفوسهم العاقلة، فلم تتلوث ذيولهم
~~بالمحارم، ولم تتشبث عزائمهم بالأكدار والمآثم، فهم خواص الخواص وأقطاب
~~اولي الاخلاص، وهم أهل الاستقامة المطلقة الشاملة، والعدالة الحقيقة
~~الكاملة.
# قال بعض الأعلام (2) من علمائنا العظام ونعم ما قال: إن العصمة هي
~~العدالة المطلقة الموجبة لارتكاب الصراط المستقيم، والنهج القويم، الذي يصل
~~صاحبه ms013 (3) بالأنوار القدسية والأسرار الجبروتية، المانعة من الميل إلى
~~جانبي الافراط والتفريط القاهرة لدواعي الشهوة والغضب الحاكمة (4) من
~~الوقوع على خلاف مقتضاها، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده على وفق
~~حكمته وطبق مراده.
# وأما العدالة، فإنها لا تكون مانعة من الوقوع في المعصية، لأن المراد من
~~العدالة الخاصة التجنب عن المعاصي الشرعية، وفعل الواجبات التكليفية، ومن
~~هو موصوف بذلك جائز منه الخروج عن مقتضاها، ووقوع ضدها منه عند غرض من
~~الأغراض بسبب استيلاء القوة الشهوية والغضبية عليه.
# وهذا لا ينكره عاقل، لأن هذه العدالة لا تقتضي قهر دواعي الشهوة والغضب،
~~وحينئذ جاز وقوع المعصية منهم وخروجهم بها عن مقتضى العدالة، ولا يكون
# PageV00P049
# مجرد الاتصاف بالعدالة الخاصة محصلا، لوجوب كون ما وقع منهم موافقا
~~للقواعد العقلية والقوانين الشرعية (1).
# ثم قال (2): وقد تقرر في الحكمة الحقة أن النفس بالطبع منجذبة إلى محبة
~~مشاهدة النور الأكمل، فكل ما كان الكمال أتم والنور أعظم والنفس أطهر عن
~~علائق الجسمانيات، كان الانجذاب إليه أسرع، والنفس له أطوع، والميل
~~والدواعي بواسطته أتم.
# وإذا كان الحال على ما قررناه، لا جرم وجب أن يكون الامام موصوفا بالعصمة
~~التي هي العدالة المطلقة والاستقامة الوسطى، ليتحقق له الكمال الأعلى
~~والنور الأسنى، ليعم (3) الانتفاع به، ويحصل كمال الجدوى لجميع الخلق عامهم
~~وخاصهم، فإنه الغاية القصوى من الولاية، والغرض الأقصى من الخلافة، وتمام
~~المتابعة بقوة الانجذاب.
# وهو بشدة العزم وقوة الداعي الحاصل عن العلم والتحقيق بالكمال المطلوب
~~لكل عاقل بسبب المعرفة التامة باتصافه بالكمال الأتم، والشرف الأعلى، ومتى
~~لم يحصل ذلك لم يحصل المقصود من الولاية، فضاعت الفائدة منها، وتعطل
~~وجودها، ولم يحصل تمام مسماها، فلا تكون حينئذ ولاية.
# فتلخص أن الامام لو لم يكن معصوما لما تحقق الغرض المقصود منه، لأجل عدم
~~الانتفاع به بواسطة عدم الانجذاب إليه، لعدم تحقق كماله (4) المستلزم لعدم
~~الأخذ بقوله والانتفاع بسيرته، لحصول نقصه عن درجات الكمال المساوية لسائر
~~الرعية، وعدم تميزه عنهم، فلم يتحقق له المزية عليهم الموجبة لتعظيمهم له،
~~فلا يتم ما ms014 طلب
# PageV00P050
# منه ونصب لأجله.
# وكل ذلك مخالف لما تقرر في الحكمة المتقنة، بل يلزم من عدم اتصاف الولي
~~بالعصمة قبح نصبه عقلا وشرعا، فيتحقق وجوب عصمة الامام (١).
# ومن أحسن ما استدل به أصحابنا على هذا المطلب قوله تعالى ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ (2)
~~وتقريره: أنه تعالى بشر خليله سلام الله عليه بالإمامة بقوله (اني جاعلك
~~للناس إماما) فقال: لفرط سروره بمكانها (ومن ذريتي) (3) فأجابه الله
# PageV00P051
# سبحانه بقوله (لا ينال عهدي الظالمين). فوجب أن يريد بالعهد الإمامة (١)
~~المقدم ذكرها، ليتطابق الجواب والسؤال.
# فإذا ثبت أن الظالم لا ينال الإمامة انعكس بعكس النقيض إلى قولنا كل من
~~ينال الإمامة ليس بظالم، وكل مذنب ظالم، لأن الظلم في الأصل هو انتقاص
~~الشئ.
# وقيل: وضع الشئ في غير موضعه، ومنه قولهم (من أشبه أباه فما ظلم) أي: فما
~~وضع الشئ في غير موضعه، كذا ذكره حجة الاسلام الطبرسي في مجمع البيان (٢).
# وقيل: هو التعدي عن حدود الله تعالى لقوله تعالى ﴿ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه﴾ (3).
# ولا شك أن فعل الصغيرة ولو كانت نادرة خروج عن الاستقامة والطاعة، وانه
~~نقص ووضع في غير المحل وتعد عن الحدود (4)، إذ حدود الله هي الأوامر
~~والنواهي، وأيضا ترك حكم الله ورفضه لا يتفاوت فيه الحال في الصغر والكبر،
~~فإنه يكون
# PageV00P052
# عاصيا، لا سيما بالنسبة إلى الأنبياء والأئمة (عليهم السلام).
# على أن بعض العلماء ذهب إلى أن الذنوب كلها كبائر (1) لاشتراكها في
~~مخالفة الأمر والنهي، وإن كان بعضها أكبر من بعض، والكبر والصغر عنده أمران
~~إضافيان، فيصدق الصغير والكبير على الذنب بالنسبة إلى ما فوقه وما تحته،
~~ينتج أن من ينال الإمامة ليس بمذنب، وكل من ليس بمذنب معصوم، ينتج أن من
~~ينال الإمامة معصوم.
# وقد نطق البيضاوي هنا بالحق، حيث قال في تفسير الآية التي نحن فيها: انها
~~تدل على عصمة الأنبياء من الكبائر قبل البعثة، وان الفاسق لا يصلح للإمامة
~~(2).
# ولصاحب الكشاف في هذا المقام كلام ms015 جيد، وهذا لفظه: قالوا في هذا دليل على
~~أن الفاسق لا يصلح للإمامة، وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته، ولا
~~تجب طاعته، ولا يقبل خبره، ولا يقدم للصلاة (3)، وكان أبو حنيفة يفتي سرا
~~بوجوب نصرة زيد بن علي وحمل المال إليه والخروج معه على اللص الثعلب المسمى
~~بالامام والخليفة، كالدوانيقي (4) وأشباهه.
# قالت له امرأة: أشرت على ابني بالخروج مع إبراهيم ومحمد ابني عبد الله بن
# PageV00P053
# الحسن حتى قتل، فقال: ليتني مكان ابنك. وكان يقول في المنصور وأشياعه:
# لو رادوا بناء مسجد وأرادوني على عد آجره لما فعلت.
# وعن ابن عيينة (1): لا يكون الظالم إماما قط، وكيف يجوز نصب الظالم
~~للإمامة؟
# والامام إنما هو لكف الظلمة، فإذا نصب من كان ظالما في نفسه، فقد جاء
~~المثل السائر: من استرعى الذئب ظلم (2) انتهى كلام صاحب الكشاف (3).
# ولا يخفى عليك أن ما ذكره البيضاوي مبني على أن فاعل الكبيرة وقتا ما
~~يصدق عليه أنه ظالم في الجملة، وقد نفى الله تعالى العهد الذي هو الإمامة
~~مطلقا عمن صدق عليه أنه ظالم في الجملة ولو في الماضي.
# ولا يخفى أن ذلك إنما يتم على تقدير كون المشتق حقيقة في من اتصف بالمبدأ
~~وقتا ما، وهذا لا يوافق ما عليه أصحابه من اشتراط بقاء المبدأ في صدق
~~المشتق حقيقة، وهو الذي صرح باختياره في منهاجه. اللهم الا أن يقال: من
~~المعلوم هنا إرادة المعنى المذكور، وإن كان مجازا. وفيه ما فيه.
# وعلى أي تقدير فالتقريب (4) أن قضية الآية الكريمة أن من كان ظالما، أي:
# اتصف بالظلم، أو يتصف بالظلم بالفعل، أو بالامكان على الخلاف بين أهل
~~المعقول لا تناله الإمامة مطلقا، وهذا النفي الاستغراقي عام منسحب على
~~الأوقات كلها، فتخصيصه بوقت دون آخر يحوج إلى مخصص معتد به ليتجه الخروج به
~~عن ظاهره، وليس فليس.
# PageV00P054
# وأنت خبير بأن اللازم من ذلك أن من اتصف بفسق ما وقتا ما لا يجوز أن يكون
~~نبيا أو إماما، فيلزم وجوب عصمتهم من أول العمر إلى آخره ms016 من الكبائر وغيرها
~~على رغمه ورغم أصحابه، وكأن هذا الكلام إنما صدر منه بغير روية، وأجراه
~~الله على لسانه ليكون حجة عليه وفضيحة له عند الله وعند الناس.
# ويفهم من كلام صاحب الكشاف اشتراط العدالة في القاضي والشاهد والراوي
~~وامام الجماعة، مع أنه حنفي المذهب، وذلك لا يلائم مذهب الحنفية.
# مع أنه قد أورد عليه أن الواسطة بين الظالم والعدل ثابتة، فلا يلزم من
~~نفي صلاحية الأول للإمامة اشتراط العدالة في الامام، الا أن يضم إلى ذلك
~~مقدمة أجنبية، وهي أن كل من لم يجوزها للفاسق لم يجوزها لغير العدل، والفصل
~~خرق للاجماع المركب (1).
# وقد يجاب بأنه لا واسطة بحسب الواقع بين وصفي العدالة والفسق، لأن
~~العدالة هي الملكة النفسانية المانعة عن فعل الكبائر والاصرار على الصغائر
~~ومنافيات المروة، فان كانت حاصلة فذاك، والا لزم الفسق، وتوسط مجهول الحال
~~إنما هو بين من علم فسقه أو عدالته.
# ولي في هذا الجواب نظر، لأن فقد الملكة المذكورة إن كان فسقا ولو كان
~~بفقد بعض مقتضياتها كالمروة مثلا، لم يلزم أن يكون من اتصف بالفقد المذكور
~~ظالما، وهذا بين لا سترة به.
# وكيف يتوهم أن فقد المروة ظلم؟ مع عدم ايجاب لوازم المروة شرعا، وعدم
~~تعلق التكليف بها، وقضية الآية إنما هو عدم جواز كون الظالم إماما،
~~والواسطة بين الظالم والعدل متحققة على هذا التقدير، وان لم يلزم من مجرد
~~فقد الملكة المذكورة
# PageV00P055
# الفسق، فكانت دائرة الاعتراض أوسع (1)، كما لا يخفى.
# على أن بعض الأفاضل المعاصرين في حواشي المعالم ادعى ثبوت الواسطة بين
~~العدالة والفسق، قال: لأن العدالة عندهم هي الملكة المذكورة، والفسق عندهم
~~هو الخروج عن الطاعة مع الايمان، فيتجه الواسطة، وهي عدم الخروج عن الطاعة
~~مع عدم المروة، فإنهما قد يجتمعان.
# ولقائل أن يقول، إن المعتبرين للمروة في العدالة يدعون التلازم بين ملكة
~~التقوى وبين المروة (2)، ويجعلون انفكاك ملكة التقوى عنها ممتنعا، وحينئذ
~~فلا يلزم الواسطة.
# وأما الذين لم يعتبروا فيها ذلك، كالعلامة في المختلف، والشيخ المفيد،
~~والمحقق في موضع ms017 من الشرائع، فاندفاع الاشكال عنهم أوضح.
# PageV00P056
# تنبيه:
# الظاهر من الآية الكريمة كون المراد بالعهد الإمامة، لما أسلفنا من
~~مطابقة الجواب للسؤال، وهو المروي عن الباقر والصادق (عليهما السلام)، فلا
~~يتجه الاستدلال بها على اشتراط العدالة في امام الجماعة، إذ الإمامة
~~المطلوبة هي الرئاسة العامة في الدين والدنيا، فتشمل النبوة والإمامة
~~بالمعنى الأخص.
# اللهم الا أن يقال: إن المسؤول وإن كان هو الخلافة والإمامة المطلقة، الا
~~أنه لا يبعد أن يكون المراد بالعهد ما هو أعم منها، فكأنه قال: ما أجوز
~~تفويض أمري إلى الظالم، وانه ظلم كما يفهم من الكشاف.
# وتجويز امامة الفاسق للجماعة تفويض أمر عظيم إليه، كما قاله المحقق
~~الأردبيلي في آيات الأحكام (1).
# وفيه تأمل، لما فيه من البعد، ولحصول التخالف بين السؤال والجواب في
~~الجملة، ولأن الأمر مجمل غير متضح، ولمنع كون امامة الفاسق للجماعة لو قيل
~~بتجويزها تفويضا إليه، فتدبر.
# تكميل نفعه جليل:
# من الأدلة التي استدل بها أصحابنا على وجوب كون الامام معصوما واثبات
~~الإمامة للمعصومين (عليهم السلام) قوله تعالي (يا أيها الذين آمنوا اتقوا
~~الله وكونوا مع
# PageV00P057
# الصادقين) (1) وقد ذكره المحقق الطوسي (قدس سره) في التجريد، والشهيد في
~~أوائل الذكرى (2) وغيرهما.
# وقد روى محمد بن الحسن الصفار في كتاب بصائر الدرجات باسناده عن بريد
~~العجلي، عن الباقر (عليه السلام) في تفسير هذه الآية ما يؤيد ما فهمه
~~أصحابنا رضي الله عنهم، منها قال: سألته عن قول الله تعالى (يا أيها الذين
~~آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) قال: إيانا عني (3).
# PageV00P058
# ووجه الاستدلال بها أنه تعالى أمر كافة المؤمنين بالكون مع الصادقين، ومن
~~المعلوم المستبين أنه ليس المراد به الكون معهم بأجسامهم، بل المعنى لزوم
~~طرائقهم ومتابعتهم في عقائدهم وأقوالهم وأفعالهم، والمراد بالصادقين من
~~يعلم صدقه في نفس الأمر في كل شئ، بدلالة حذف المتعلق، وغير المعصوم لا
~~يعلم صدقه كذلك، فلا يجب الكون معه، وهذا التقرير مذكور في الذكرى (1).
# وأيضا فمن المعلوم المستبين أن الله تعالى لا يأمر عموما بمتابعة من يعلم
~~صدور الفسق ms018 والمعاصي منه مع نهيه عنها، فلابد من أن يكونوا معصومين لا
~~يخطأون في شئ البتة حتى تجب متابعتهم في جميع الأمور، وقد أجمعت الأمة على
~~أن خطاب القرآن عام لجميع الأزمنة لا يختص بزمان دون زمان، لا بمعنى دخول
~~من لم يحضر الخطاب من طبقات الأمة المعدومين حال الخطاب فيه أصالة، فإنه
~~مذهب الحنابلة وشذوذ من غيرهم، بل بمعنى انسحاب الأحكام إليهم البتة، فإنه
~~من ضروريات الدين، كما بيناه في أوائل رسالة الجمعة، وحينئذ فلابد من وجود
~~معصوم في كل زمان ليصح أمر مؤمني كل زمان بمتابعته.
# فان قيل: يجوز أن يؤمر في كل زمان بمتابعة الصادقين الكائنين في زمن
~~الرسول (صلى الله عليه وآله)، فلا يتم وجود المعصوم في كل زمان، كما هو
~~مدعى الأمامية.
# قلت: لا شك أن المفهوم من الآية تعدد الصادقين، أي: المعصومين، قضية
~~لصيغة الجمع، وعلى القول بالتعدد يتعين (2) القول بما عليه الامامية، إذ لا
~~قائل من ا لامة
# PageV00P059
# بتعدد المعصومين في زمن الرسول (صلى الله عليه وآله) مع خلو سائر الأزمنة
~~عنهم (3)
# PageV00P060
# هذا مع قطع النظر وطي الكشح عما في الاحتمال المذكور من البعد عن الظاهر
~~PageV00P061
# ومنافرة النظم، كما لا يخفى على ذوي الأفهام السليمة والأذواق المستقيمة.
# نقض وإبرام وكلام على كلام امام العوام:
# قال إمام المخالفين الفخر الرازي في تفسيره الكبير في تفسير هذه الآية:
~~انه تعالى أمر المؤمنين بالكون مع الصادقين، ومتى وجب الكون مع الصادقين،
~~فلابد من وجود الصادقين، لأن الكون مع الشئ مشروط بوجود ذلك الشئ، فهذا يدل
~~على أنه لابد من وجود الصادقين في كل وقت، وذلك يمنع من اطباق الكل على
~~الباطل، فوجب ان أطبقوا على شئ أن يكونوا محقين، فهذا يدل على أن اجماع
~~الأمة حجة.
# فان قيل: لم لا يجوز أن يقال: إن المراد بقوله (كونوا مع الصادقين) أي:
~~كونوا على طريقة الصالحين، كما أن الرجل إذا قال لولده، كن مع الصالحين، لا
~~يفيد الا ذلك.
# سلمنا ذلك لكن نقول: إن هذا الأمر كان موجودا في ms019 زمان الرسول (صلى الله
~~عليه وآله)، وكان هذا أمرا بالكون مع الرسول (صلى الله عليه وآله)، فلا يدل
~~على وجود صادق في سائر الأزمنة.
# سلمنا ذلك لكن لم لا يجوز أن يكون ذلك الصادق هو المعصوم الذي يمتنع خلو
~~زمان التكليف عنه كما تقوله الشيعة؟
# والجواب عن الأول: أن قوله تعالى (كونوا مع الصادقين) أمر بموافقة (1)
~~الصادقين، ونهي عن مفارقتهم، وذلك مشروط بوجود الصادقين، وما لا يتم الواجب
~~الا به فهو واجب، فدلت هذه الآية على وجود الصادقين.
# وقوله (انه محمول على أن يكونوا على طريقة الصادقين) فنقول: انه عدول عن
# PageV00P062
# الظاهر من غير دليل.
# قوله (هذا الأمر مختص بزمان الرسول) قلنا: هذا باطل لوجوه:
# الأول: أنه ثبت بالتواتر الظاهر من دين محمد (صلى الله عليه وآله) أن
~~التكاليف المذكورة في القرآن متوجهة على المكلفين إلى قيام القيامة، فكان
~~الأمر في هذا التكليف كذلك.
# والثاني: أن الصيغة تتناول الأوقات كلها، بدليل صحة الاستثناء.
# والثالث: لما لم يكن الوقت المعين مذكورا في لفظ الآية، لم يكن حمل الآية
~~على البعض أولى من حملها على الباقي، فإما أن لا يحمل على شئ من الأوقات،
~~فيفضي إلى التعطيل وهو باطل، أو على الكل وهو المطلوب.
# والرابع: أن قوله (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) أمر لهم بالتقوى،
~~وهذا الأمر إنما يتناول من يصح منه أن لا يكون متقيا، وإنما يكون كذلك لو
~~كان جائز الخطأ، فكانت الآية دالة على أن من كان جائز الخطأ وجب كونه
~~مقتديا بمن كان واجب العصمة، وهم الذين حكم الله بكونهم صادقين.
# وترتب الحكم في هذا يدل على أنه إنما وجب على جائز الخطأ كونه مقتديا به،
~~ليكون مانعا لجائز الخطأ عن الخطأ، وهذا المعنى قائم في جميع الأزمان، فوجب
~~حصوله في كل الأزمان.
# قوله (لم لا يجوز أن يكون المراد هو كون المؤمن مع المعصوم الموجود في كل
~~زمان؟) قلنا: نحن نعترف بأنه لابد من معصوم في كل زمان، الا أنا نقول: إن
~~ذلك المعصوم هو مجموع ms020 الأمة، وأنتم تقولون: ان ذلك المعصوم واحد منهم.
# فنقول: هذا الثاني باطل، لأنه تعالى أوجب على كل واحد من المؤمنين أن
~~يكونوا مع الصادقين، وإنما يمكنه ذلك لو كان عالما بأن ذلك الصادق من هو؟
~~لأن الجاهل بأنه من هو، فلو كان مأمورا بالكون معه كان ذلك تكليف ما لا
~~يطاق، لأنا لا نعلم انسانا معينا موصوفا بوصف العصمة والعلم بأنا لا نعلم
~~هذا الانسان حاصل بالضرورة. PageV00P063
# فثبت أن قوله (كونوا مع الصادقين) ليس أمرا بالكون مع شخص معين، ولما بطل
~~هذا بقي أن المراد منه الكون مع جميع الأمة، وذلك يدل على أن قول مجموع
~~الأمة حق وصواب، ولا نعني بقولنا الاجماع حجة الا ذلك (1). انتهى كلامه.
# أقول: العجب من قول هذا الناصب كيف يقرب من الحق تارة، ويبعد عنه بمراحل
~~أخرى، فالحمد لله الذي أجرى على لسانه في أثناء كلامه ما يكفينا في ابرام
~~منقوضه ونقض ابرامه (2). ولنشير (3) إلى ما في كلامه من الخلل الفاضح
~~والتهافت الواضح.
# فنقول: ان كلامه هذا فاسد الاعتبار ناقص العيار.
# أما أولا، فلأنه قد اعترف بأنه سبحانه إنما أمر بذلك لحفظ الأمة عن الخطأ
~~في كل زمان، ومن المعلوم أن الاجماع متعذر أو متعسر الحصول في أكثر
~~الأعصار، مع انتشار علماء الاسلام في الأمصار، والاطلاع عليه أصعب، كما
~~بيناه في أوائل رسالة الجمعة، وليس له أن يقول المتمسك إنما هو الاجماع في
~~الأعصار الماضية، لأن ذلك مما لا يتيسر الاطلاع عليه غالبا.
# وأيضا فقد اعترف بأنه لابد من معصوم في كل زمان، الا أنه ادعى أن ذلك
~~المعصوم هو مجموع الأمة.
# وأما ثانيا، فلأن الاجماع على تقدير تسليم تحققه وامكان العلم به في تلك
~~(4)
# PageV00P064
# الأزمنة لا يتحقق الا في شذوذ من المسائل (1).
# وأما ثالثا، فإنه من المعلوم المستبين أن المأمورين بالكون غير من أمروا
~~بالكون معهم، وعلى ما زعمه يلزم اتحادهما، وفي هذا تأمل، إذ المأمور بالكون
~~الكلي العددي والمأمور بالكون معهم المجموعي، فلا يلزم اتحادهما، لكن اطلاق
~~الصادقين على المجموع من حيث ms021 المجموع من جهة الاجتماع مما لا يجوزه (2) من
~~مارس كلام البلغاء.
# وأما رابعا، فلأن المراد بالصادقين: إما الصادقون في الجملة، فيصدق على
~~جميع المسلمين، لصدقهم في الجملة، أو دائما، والأول لا يجوز ارادته، لأنه
~~يقتضي أن يكونوا مأمورين باتباع كل فرد فرد من أفراد المسلمين، كما هو قضية
~~عموم الجمع المحلى باللام، فتعين الثاني، وبه يتم التقريب، إذ قد عرفت فساد
~~ما اختاره من اطلاقه الصادقين على المجموع من حيث هومن جهة الاجتماع.
# وأما خامسا، فلأن ما ذكره من عدم العلم بالمعصوم وادعاؤه الضرورة عليه
~~سخيف جدا، لأن عدم علمه بذلك ناشئ عن التعصب والتصلب في مذهبه وتقصيره في
~~طلب الحق.
# ولو جانب التعسف والعناد، وسلك منهاج الرشد والسداد، لاجتنى ثمر
# PageV00P065
# الاجتهاد، وذاق حلاوة الأمنية بعد طول الجياد، مع أن كل مبتدع في الدين
~~يمكنه أن يتمسك بهذه الشبهة الواهية في عدم وجوب اختيار الحق، والتعبد
~~بالشرائع الحقة، والجواب عن الكل واحد، والله الهادي.
# وقد استدل العلامة الحلي عطر الله مرقده في المناهج (1) والألفين (2)
~~وكشف الحق (3) بأدلة أخرى، فليرجع إليها من أراد زيادة التحقيق، والله
~~الهادي إلى سواء الطريق.
# تتميم:
# نقل الشيخ الصدوق رحمه الله في كتابه علل الشرائع ومعاني الأخبار، عن
~~محمد بن أبي عمير، قال: ما سمعت ولا استفدت عن هشام بن الحكم في طول صحبتي
~~له شيئا أحسن من كلامه في صفة عصمة الامام، فاني سألته يوما عن الامام أهو
~~معصوم؟ فقال: نعم، فقلت: ما صفة العصمة فيه؟ وبأي شئ تعرف؟
# فقال: ان جميع الذنوب لها أربعة أوجه لا خامس لها: الحرص، والحسد،
~~والغضب، والشهوة، فهذه منفية عنه لا يجوز أن يكون حريصا على هذه الدنيا وهي
~~تحت خاتمه، لأنه خازن المسلمين، فعلى ماذا يحرص؟ ولا يجوز أن يكون حسودا،
~~لأن الانسان إنما يحسد من فوقه، وليس فوقه أحد، فكيف يحسد من هو دونه؟
# ولا يجوز أن يغضب لشئ من أمور الدنيا، الا أن يكون غضبه لله عز وجل، فان
~~الله قد فرض عليه إقامة الحدود أن ms022 لا تأخذه في الله لومة لائم، ولا رأفة في
~~دين الله
# PageV00P066
# حتى يقيم حدود الله عز وجل.
# ولا يجوز أن يتبع الشهوات، ويؤثر الدنيا على الآخرة، لأن الله عز وجل حبب
~~إليه الآخرة، كما حبب الينا الدنيا، فهو ينظر إلى الآخرة كما ننظر إلى
~~الدنيا، فهل رأيت أحدا يترك وجها حسنا لوجه قبيح، ونعمة دائمة لدنيا فانية
~~(1).
# وقال بعض الكاملين بعد نقل هذا الخبر أقول: الظاهر لمن له أدنى نصيب من
~~البصيرة أن الحارس المنصوب من الله عز وجل مجده لحراسة الأرض، بحيث يهلك
~~أهلها بهلاكه، يجب أن يكون معصوما من الخطأ والخطل والذنوب، مأمونا عن
~~الخيانة والزلل والعيوب، لأن الملك المتيقظ الماهر لا ينصب الجائر لحراسة
~~خزائنه في الدهور، فكيف ملك الملوك العالم بما في الصدور؟.
# ويشهد بهذا ما هو المروي عن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه
~~قال: ان الله خلق السماء وجعل لها سكانا وحرسا، ألا وان حرس السماء النجوم،
~~فإذا هلك النجوم هلك أهل السماء، وخلق الأرض وجعل لها سكانا وحرسا، ألا وان
~~حرس الأرض أهل بيتي، فإذا هلك أهل بيتي هلك أهل الأرض. (2) الحديث الرابع
~~[حديث الثقلين] الطبراني في معجمه قال: حدثنا الحسن بن محمد بن مصعب
~~الأشناني الكوفي، نا عباد بن يعقوب الأسدي، نا أبو عبد الرحمن المسعودي، عن
~~كثير النواء، عن عطية
# PageV00P067
# العوفي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
~~اني تارك فيكم الثقلين أحدهما أكبر من الاخر، كتاب الله عز وجل حبل ممدود
~~من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، وانهما لن يفترقا حتى يردا علي
~~الحوض (1).
# أقول: هذا الخبر من المشهورات (2)، وفيه دلالة قاطعة على عصمة العترة
~~(عليهم السلام) لحكمه (عليه السلام) بأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض،
~~ومعلوم أنه يستلزم عصمتهم.
# وقد فسر العترة بأهل بيته (عليهم السلام)، وقد تقدم تحقيق معناه، وأنهم
~~هم أصحاب العباء سلام الله عليهم. وإنما سمي الكتاب والعترة بالثقلين، لعظم
~~شأنهما بالنسبة إلى من عداهما، والعرب تطلق ms023 على ما له نفاسة وشأن اسم
~~الثقل، قاله في القاموس، قال: ومنه الحديث اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله
~~وعترتي (3).
# أقول: ومنه سمي الجن والإنس ثقلين، لعظم شأنهما بالنسبة إلى ما في الأرض
~~من الحيوانات.
# وقيل: سميا بذلك لرزانة رأيهما. وقيل: لأنهما مثقلان بالتكاليف.
# وروى الفاضل الجليل علي بن عيسى في كشف الغمة عن زيد بن أرقم (4)، قال:
# لما أقبل النبي (صلى الله عليه وآله) من حجة الوداع ونزل بغدير الجحفة
~~بين مكة والمدينة، فأمر
# PageV00P068
# بالدوحات (1) فقم ما تحتهن ونادى بالصلاة جامعة.
# قال: فخرجنا إلى النبي (صلى الله عليه وآله) في يوم شديد الحر، وان منا
~~من يجعل رداءه تحت قدميه من شدة الرمضاء (2)، حتى انتهينا إلى النبي (صلى
~~الله عليه وآله)، فأمر النبي (صلى الله عليه وآله) فصلى بنا، ثم انصرف.
# فقال: الحمد لله نحمده ونستعينه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات
~~أعمالنا، الذي لا هادي لمن أضل، ولا مضل لمن هدي، وأشهد أن لا إله إلا
~~الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
# أما بعد أيها الناس أنه لم يكن لنبي من العمر (3) الا نصف عمر الذي كان
~~قبله (وان عيسى لبث في قومه أربعين سنة، ألا واني قد شرعت في العشرين
~~الأواني، ألا واني أوشك أن أفارقكم، واني مسؤول وأنتم (5) مسؤولون هل بلغت؟
~~فما أنتم قائلون؟
# فقام من كل ناحية مجيب يقولون: نشهد أنك عبد الله ورسوله، وأنك قد بلغت
~~رسالاته، وجاهدت في سبيله، وصدعت بأمره، وعبدته حتى أتاك اليقين، فجزاك خير
~~ما جزى نبيا عن أمته.
# PageV00P069
# ثم قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا
~~عبده ورسوله، وأن الجنة حق، والنار حق، والبعث بعد الممات حق، وتؤمنون
~~بالكتاب كله؟ قالوا: بلى.
# قال: فاني أشهد الله قد صدقتم ثم صدقتم (1)، ألا واني فرطكم على الحوض
~~وأنتم تبعي (2)، توشكون أن تردوا علي الحوض، فأسألكم حين تلقونني عن ثقلي
~~كيف خلفتموني فيهما؟.
# قال: فعيل (3) علينا فلم ندر ما الثقلان حتى قام رجل من المهاجرين، ms024 فقال:
# بأبي (4) أنت وأمي ما الثقلان؟ قال: الأكبر منهما كتاب الله سبب طرف بيد
~~الله تعالى وطرف بأيديكم، فتمسكوا به ولا تزلوا ولا تضلوا، والأصغر منهما
~~عترتي لا تقتلوهم ولا تقهروهم، فاني سألت اللطيف الخبير أن يردا علي الحوض
~~فأعطاني، فقاهرهما قاهري، وخاذلهما خاذلي، ووليهما وليي، وعدوهما عدوي.
# ثم أعاد: ألا وانه لم تهلك أمة قبلكم حتى تدين بأهوائها وتظاهر على
~~نبيها، وتقتل من قام بالقسط منها، ثم أخذ بيد علي (عليه السلام) فرفعها
~~وقال: من كنت وليه فعلي
# PageV00P070
# وليه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (1).
# وهذا الخبر نقل من طرق المخالفين، وهو من أحاديث الغدير، وإنما ذكرناه في
~~هذا المقام لتضمنه لذكر الثقلين.
# وقال العلامة التفتازاني في شرح المقاصد: فان قيل: قال (عليه السلام):
~~اني تارك فيكم الثقلين، كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله
~~واستمسكوا به، وأهل بيتي إلى آخر الحديث. وقال: اني تارك فيكم ما ان أخذتم
~~به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل بيتي. ومثله يشعر بفضلهم على العالم
~~وغيره.
# قلت: نعم لاتصافهم بالعلم والتقوى مع شرف النسب، ألا ترى أنه (عليه
~~السلام) قرنهم بكتاب الله في كون التمسك بهم منقذا من الضلالة، ولا معنى
~~للتمسك بالكتاب الا الأخذ بما فيه الهداية، فكذا في العترة (2) انتهى.
# وهو منه انصاف لعله صدر منه بغير روية، والا فمع الجزم بكون التمسك بهم
~~منقذا من الضلال، فلزم عصمتهم وإمامتهم على رغمه ورغم أصحابه.
# جوهرة فاخرة:
# قال كمال الدين محمد بن طلحة الشامي في كتابه مطالب السؤول: وهذا الرجل
~~كان شيخا مشهورا وفاضلا مذكورا.
# قال الشيخ الجليل بهاء الدين علي بن عيسى الأربلي في كشف الغمة: أظنه مات
~~في سنة أربع وخمسين وستمائة، وحاله في ترفعه وزهده وتركه وزارة الشام،
~~وانقطاعه ورفضه الدنيا، حال معلومة قرب العهد بها، وفي انقطاعه عمل هذا
# PageV00P071
# الكتاب وكتاب الدائرة، وكان شافعي المذهب من أعيانهم ورؤسائهم، ما نصه:
# العترة (١) هي العشيرة. وقيل: هي الذرية، وقد وجد الأمران فيهم (عليهم
~~السلام)، فإنهم عشيرة النبي ms025 (صلى الله عليه وآله) وذريته. أما العشيرة (٢)،
~~فالأهل الأدنون وهم كذلك.
# وأما الذرية، فان أولاد بنت الرجل ذريته، ويدل عليه قوله تعالى عن
~~إبراهيم (عليه السلام) ﴿ومن ذريته داود
~~وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين × وزكريا وعيسى
~~ويحيى والياس كل من الصالحين﴾ (3) فجعل عيسى من ذرية إبراهيم (عليه
~~السلام)، ولم يتصل به الا من جهة مريم (4) انتهى كلامه.
# وقال علي بن عيسى نور الله مرقده بعد نقله أقول: مشيدا لما قاله الشيخ
~~كمال الدين، وذلك بما أورده صاحب كتاب الفردوس (5)، عن جابر بن عبد الله،
~~عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن الله تعالى جعل ذرية كل نبي في صلبه،
~~وأنه تعالى جعل ذريتي في صلب علي (6) (عليه السلام).
# PageV00P072
# ونقلت مما أخرجه الفراء المحدث (1) عن عمر، قال: سمعت النبي (صلى الله
~~عليه وآله) يقول: كل قوم فعصبتهم لأبيهم الا أولاد فاطمة، فاني أنا عصبتهم
~~وأنا أبوهم (2). انتهى كلامه أعلى الله مقامه.
# قلت: والمذكور في كتب الفروع أنه لو أوصى بشئ لعشيرته، كان لأقرب الناس
~~إليه، وهو أحد القولين للغويين والفقهاء.
# وفي القاموس: عشيرة الرجل بنو أبيه الأدنون أو قبيلته (3).
# وكلام الشيخ كمال الدين بن طلحة ناظر إلى المعنى الأول من المعنيين
~~المذكورين في القاموس، والعلامة في كتبه فسر العشيرة بالقرابة مطلقا نظرا
~~إلى العرف.
# والتحقيق أن العترة هم أهل البيت صلوات الله عليهم.
# وقد نقل صاحب الصراط المستقيم عن ابن مردويه الحافظ أنه أورد في كتاب
~~المناقب من مائة وثلاثين طريقا أن العترة علي وفاطمة والحسنان (عليهم
~~السلام)، ويدخل فيهم بقية الأئمة تغليبا، والله العالم.
# الحديث الخامس [قوله (صلى الله عليه وآله) مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح]
~~الطبراني في معجمه، قال: حدثنا الحسين بن أحمد بن منصور سجادة البغدادي، نا
~~عبد الله بن داهر الرازي، نا عبد الله بن عبد القدوس، عن الأعمش (4)، عن
~~أبي
# PageV00P073
# إسحاق، عن حنش بن المعتمر، أنه سمع أبا ذر الغفاري يقول: سمعت رسول الله
~~(صلى الله ms026 عليه وآله) يقول: مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها
~~نجا، ومن تخلف عنها هلك، ومثل باب حطة في بني إسرائيل (1).
# الحديث السادس [حديث السفينة] الطبراني في معجمه، حدثنا محمد بن عبد
~~العزيز بن محمد بن ربيعة الكلابي أبو مليك (2) الكوفي، نا أبي، نا عبد
~~الرحمن بن أبي حماد المقري، عن أبي سلمة الصائغ، عن عطية، عن أبي سعيد
~~الخدري، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنما مثل أهل بيتي
~~فيكم كمثل سفينة نوح من ركب فيها (3) نجا، ومن تخلف عنها غرق، وإنما مثل
~~أهل بيتي فيكم كمثل باب حطة في بني إسرائيل من دخله غفر له (4).
# أقول: هذان الخبران يشهدان بالإمامة لأهل بيته (عليهم السلام)، ويناديان
~~بوجوب اتباعهم صلوات الله عليهم، والأخبار بهذا المعنى متظافرة.
# روى نور الدين علي بن محمد المالكي المعروف بابن الصباغ في الفصول
~~المهمة، عن رافع مولى أبي ذر (رضي الله عنه).، قال: صعد أبو ذر على عتبة
~~باب الكعبة، وأخذ بحلقة (5) الباب، وأسند ظهره إليه، وقال: يا أيها الناس
~~من عرفني فقد عرفني،
# PageV00P074
# ومن أنكرني فأنا أبو ذر.
# سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح
~~من ركبها نجا، ومن تخلف عنها زخ (1) في النار. وسمعت رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) يقول: اجعلوا أهل بيتي منكم مكان الرأس من الجسد، ومكان العينين
~~من الرأس، فان الجسد لا يهتدي الا بالرأس، ولا يهتدي الرأس الا بالعينين
~~(2).
# وروى الحاكم في المستدرك وحكم بصحته عن أبي ذر، وهو آخذ بباب الكعبة،
~~قال: من عرفني فقد عرفني، ومن أنكرني فأنا أبو ذر، سمعت النبي (صلى الله
~~عليه وآله) يقول: ألا أن مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح، من ركبها نجا،
~~ومن تخلف عنها هلك (3).
# وروى الفقيه الشافعي ابن المغازلي (4) عدة أحاديث دالة على ما دل عليه
~~الحديثان، من أنهم (عليهم السلام) كسفينة نوح.
# فمنها: باسناده إلى بشر بن المفضل، قال: سمعت الرشيد يقول: سمعت المهدي ms027
~~يقول: سمعت المنصور يقول: حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس (رضي الله عنه)
~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من
~~ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك (5).
# ومنها: ما رواه باسناده عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس (رضي الله عنه) عن
~~النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركب
~~فيها نجا، ومن تخلف عنها
# PageV00P075
# غرق (1).
# ومنها: ما رواه أيضا في كتابه المذكور باسناده من طريقين إلى ابن
~~المعتمر، والى سعيد بن مسيب (2) بروايتهما معا، عن أبي ذر، قال: قال رسول
~~الله 9: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق (3).
# ومنها: ما رواه أيضا باسناده إلى سلمة بن الأكوع، عن أبيه، قال: قال رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله): مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا (4).
# ومما ينادي نداء مسمعا لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، بوجوب التمسك
~~بهم والاقتداء بآثارهم، ما رواه الثعلبي في تفسيره في تفسير قوله تعالى
~~(اهدنا الصراط المستقيم) عن مسلم بن حسان، قال: سمعت أبا بريدة يقول:
~~الصراط محمد وآله (5).
# قلت: ويشهد له ما ورد عن أئمتنا (عليهم السلام) من أن المغضوب عليهم في
~~الآية هم النصاب، والضالون اليهود والنصارى، كما رواه علي بن إبراهيم بن
~~هاشم، من عظماء أصحابنا وثقاتهم في تفسيره، بطريق حسن، عن حريز، عن أبي عبد
~~الله
# PageV00P076
# جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) (1).
# وروى أيضا في الكتاب المذكور عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة عنه (عليه
~~السلام) قال:
# المغضوب عليهم النصاب، والضالين الشكاك الذين لا يعرفون الامام (2).
# وهذا أولى مما اشتهر بين المفسرين من تفسير المغضوب عليهم باليهود،
~~والضالين بالنصارى، ومما قاله بعض المفسرين من أن المغضوب عليهم العصاة في
~~الفروع المخالفون في الاعتقادات.
# وذكر أمين الاسلام أبو علي الطبرسي (رحمه الله)، في تفسيره الكبير
~~الموسوم بمجمع البيان لصراط المستقيم تفاسير أربعة، رابعها: أنه النبي (صلى ms028
~~الله عليه وآله) والأئمة القائمون مقامه، قال:
# وهو المروي في أخبارنا (3). وهذا هوما نقلناه عن الثعلبي.
# ومما يصرح بوجوب التمسك بهم وينادي بجلالة قدرهم وعلو شأنهم، ما رواه
~~الحاكم في مستدركه وحكم بصحته، عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: خذوا عني من
~~قبل أن تشاب الأحاديث بالباطل، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:
~~أنا الشجرة، وفاطمة فرعها، وعلي لقاحها، والحسن والحسين ثمرتها، وشيعتنا
~~ورقها، وأصل الشجرة في جنة عدن، وسائر ذلك في الجنة (4).
# وما رواه الثعلبي أيضا في تفسيره في تفسير قوله تعالى (قل لا أسألكم عليه
# PageV00P077
# أجرا الا المودة في القربى) (1) قال: نظر رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~إلى علي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) وقال: أنا حرب لمن حاربكم
~~وسلم لمن سالمكم (2).
# وما رواه أحمد بن حنبل في مسنده، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): النجوم أمان لأهل السماء، فإذا ذهبت ذهبوا، وأهل بيتي أمان لأهل
~~الأرض، فإذا ذهب أهل بيتي ذهب أهل الأرض (3).
# وهذا يدل على ما عليه أصحابنا روح الله أرواحهم وقدس أشباحهم من عدم جواز
~~خلو العصر عن المعصوم: إما ظاهر مشهور، أو خائف مستور، وسنحقق ذلك في
~~الحديث السادس والثلاثين إن شاء الله تعالى.
# وروى صدر الأئمة من فحول عظمائهم، وهو موفق بن أحمد المكي في كتابه
~~باسناده إلى علي (عليه السلام) وابن عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله)
~~نحوه (4).
# ودلالة هذه الآية على امامتهم: ظاهرة، إذ ليست الإمامة الا الرئاسة
~~العامة الموجبة لتعين اقتداء الأمة بمن اتسم بها، وقد نطقت هذه الأخبار
~~بوجوب الاقتداء بهم (عليهم السلام) والتمسك بهم، فلا تغفل.
# الحديث السابع [حديث المنزلة] الطبراني في معجمه، حدثنا محمد بن محمد بن
~~عقبة الشيباني الكوفي، ثنا الحسن
# PageV00P078
# بن علي الحلواني، نا ناصر بن حماد أبو الحارث الوراق، ثنا شعبة، عن يحيى
~~بن سعيد الأنصاري، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص، أن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): أنت مني ms029 بمنزلة هارون من موسى الا
~~أنه لا نبي بعدي (1).
# أقول: هذا الخبر من الأخبار المتواترة (2) التي لا شك فيها، وقد رواه
~~أحمد بن حنبل من عدة طرق، فمنها: ما يرفعه إلى سعيد بن المسيب، قال: حدثنا
~~مصعب بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد، قال: دخلت على سعد (3).
# ورواه البخاري في صحيحه في باب مناقب علي بن أبي طالب (عليه السلام)،
~~قال:
# حدثني محمد بن بشار، حدثنا غندر، عن شعبة، عن سعد، قال: سمعت إبراهيم بن
~~سعد عن أبيه، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): أما ترضى أن تكون مني
~~بمنزلة هارون من موسى (4).
# فقلت: حديث حدثته عنك فحدثنيه حين استخلف النبي (صلى الله عليه وآله)
~~عليا على المدينة، قال: فغضب سعد وقال: من حدثك به؟ فكرهت أن أحدثه أن ابنه
~~حدثنيه فيغضب عليه.
# PageV00P079
# ثم قال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين خرج في غزاة تبوك استخلف
~~عليا (عليه السلام) على المدينة، فقال علي: يا رسول الله ما كنت أوثر أن
~~تخرج في وجه الا وأنا معك، فقال:
# أوما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي. وفي
~~بعض روايات أحمد بن حنبل الا النبوة (1).
# ورواه الحميدي في المجمع بين الصحيحين في الحديث الثامن من المتفق عليه
~~من عدة طرق (2).
# قال صاحب الطرائف قدس الله روحه وتابع كراماته وفتوحه ما نصه: وفي صحيح
~~البخاري من الجزء الخامس من سادس كراس، وهو نصف الجزء من النسخة المنقول
~~منها: أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج إلى تبوك واستخلف عليا (عليه
~~السلام)، فقال:
# أتخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من
~~موسى الا أنه لا نبي بعدي (3).
# ورواه البخاري أيضا في صحيحه في الجزء الرابع [على حد ربعه الأخير من
~~النسخة المنقول منها (4). ورواه مسلم في صحيحه في الجزء الرابع] (5) على حد
~~كراسين من آخره من النسخة المنقول منها.
# وأسنداه معا عن عدة طرق، وفي بعض رواياتهما في ms030 الحديث المذكور عن سعد بن
~~أبي وقاص أن ابن المسيب قال لسعد: أنت سمعت النبي (صلى الله عليه وآله)
~~يقول ذلك لعلي؟
# PageV00P080
# فوضع إصبعيه في اذنيه وقال: نعم والا فاسكتا (1).
# ورواه أيضا مسلم في صحيحه في الجزء الرابع في باب مناقب أمير المؤمنين
~~علي بن أبي طالب (عليه السلام) من عدة طرق، وقيل للراوي: أنت سمعته؟ - يعني
~~من النبي (صلى الله عليه وآله) - قال: نعم والا فصمتا (2).
# ورواه الشافعي ابن المغازلي في كتاب المناقب من أكثر من عشرة طرق، فمنها:
# ما اتفق عليه هو وأحمد بن حنبل يرفعانه إلى إسماعيل بن أبي خالد عن قيس،
~~قال:
# سأل رجل معاوية عن مسألة، فقال: سل عنها علي بن أبي طالب (عليه السلام)
~~فإنه أعلم (3)، قال له: يا أمير المؤمنين قولك فيها أحب إلي من قول علي.
# فقال: بئس ما قلت، ولؤم ما جئت به، كيف كرهت رجلا كان رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) يغره العلم غرا، ولقد قال له رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي، ولقد كان عمر بن
~~الخطاب يسأله فيأخذ عنه، ولقد شهدت عمر إذا أشكل عليه شئ قال: هاهنا علي؟
~~(4) قم لا أقام الله رجليك.
# وزاد ابن المغازلي فقال: ومحى اسمه من الديوان (5).
# PageV00P081
# وقد صنف القاضي أبو القاسم علي بن المحسن بن علي التنوخي - وهو من أعيان
~~رجالهم - كتابا سماه ذكر الروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال
~~لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): أنت مني بمنزلة هارون من
~~موسى الا أنه لا نبي بعدي، وبيان طرقها واختلاف وجوهها.
# رأيت هذا الكتاب من نسخة ثلاثين ورقة عتيقة عليها رواية، تاريخ الرواية
~~سنة خمس وأربعين وأربعمائة، روى التنوخي حديث أنت مني بمنزلة هارون من موسى
~~الا أنه لا نبي بعدي، عن عمر بن الخطاب، وأمير المؤمنين علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام)، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود.
# وعبد الله بن عباس، ms031 وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي هريرة، وأبي سعيد
~~الخدري، وجابر بن سمرة، ومالك بن الحويرث، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم،
~~وأبي رافع مولى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وعبد الله بن أبي أوفى،
~~وأخيه زيد بن أبي أوفى، وابن شريحة (1).
# وحذيفة بن أسيد، وأنس بن مالك، وأبي برزة (2) الأسلمي، وأبي أيوب
~~الأنصاري، وعقيل بن أبي طالب، وحبش بن جنادة السلوني، ومعاوية بن أبي
~~سفيان، وأم سلمة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله)، وأسماء بنت عميس، وسعيد
~~بن المسيب، ومحمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام)، وحبيب بن أبي ثابت،
~~وفاطمة بنت علي، وشرحبيل بن سعد.
# قال التنوخي: كلهم عن النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم شرح الروايات
~~بأسانيدها وطرقها (3).
# انتهى كلام صاحب الطرائف، أفاض الله عليه رواشح المراحم وسوانح العواطف.
# وسيأتي في الحديث الثالث والعشرين نقل هذا الخبر، أعني قوله (أنت مني
~~بمنزلة
# PageV00P082
# هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي) في جملة حديث طويل أخذناه من صحيحي
~~مسلم والترمذي، وسنحقق دلالته على الإمامة في ذيله إن شاء الله تعالى.
# تبصرة:
# قد تواترت الروايات في أصحة القوم ومسانيدهم عن سعد بن أبي وقاص لهذا
~~الخبر الشريف (1).
# ورووا عنه أيضا أنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: علي
~~مع الحق والحق مع علي، يدور معه حيث دار، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض
~~(2).
# وهذا كما ترى ناطق بإمامته، شاهد بعصمته سلام الله عليه، وقد استفاض
~~النقل واشتهر عن سعد المذكور مجانبته لأمير المؤمنين (عليه السلام).
# وذكر الفاضل الجليل أبو عبد الله محمد بن إدريس الحلي في سرائره أنه
~~امتنع عن بيعته (عليه السلام) يوم بويع (عليه السلام) بعد قتل عثمان مع
~~أسامة بن زيد، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن عمر، وهذا منه من جملة العجائب
~~الدالة على نفاقه وعدم تصديقه للرسول (صلى الله عليه وآله) في أقواله، وأنه
~~إنما أظهر الاسلام خوفا.
# ونعم ما قال العالم الرباني والعارف الصمداني كمال الدين ميثم بن علي ms032 بن
~~ميثم البحراني (3) في الاستغاثة في شأنه، حيث قال: وأما سعد بن أبي وقاص،
~~فرجل
# PageV00P083
# يروي عنه العام والخاص أنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~يقول في علي: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه،
~~وانصر من نصره، واخذل من خذله وأنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) يقول: علي مع الحق والحق مع علي، يدور معه حيث دار لن يفترقا حتى
~~يراد علي الحوض.
# وهذا وجد عنه في رواية جميع أصحاب الحديث حتى قد أودعوه كتابا لهم يعرف
~~بكتاب السنة، ثم رووا عنه بعد هذا كله أن عليا (عليه السلام) دعاه إلى
~~نصرته والخروج معه في حروبه، فامتنع عليه وقال له: ان أعطيتني سيفا يعرف
~~المؤمن من الكافر فيقتل الكافر وينبو عن المؤمن خرجت معك. قد جعل أصحاب
~~الحديث من الحشوية في مناقبه في ورعه بزعمهم.
# وهذا قول من لم يؤمن بالله ولا برسوله، لأنه ان لم يعرف المؤمن من الكافر
~~بزعمه، فقد شهد أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في علي (عليه
~~السلام) ما قد رواه، وليس يخلو حال سعد في خذلانه لعلي (عليه السلام)
~~بقعوده، أن يكون استحق بهذا القول من رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~اللعنة، ولم يتخوف من مخالفته.
# أو يكون ظن في نفسه أن دعوة الرسول غير مستجابة في ذلك ولا موجبة، ومن ظن
~~هذا وقصد الوجه الأول، فقد خرج من كل دين الله جل اسمه، ولا وجه آخر يتأول
~~في هذا المعنى بغير هذين الوجهين.
# وكذلك أيضا حاله فيما شهد به من قوله أنه سمع رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) يقول: علي مع الحق والحق مع علي يدور معه حيث دار، لا يخلو من أن
~~يكون كذب على PageV00P084
# رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): من كذب علي فليتبوء (١) مقعده من النار.
# أو أن يكون الراوون عن سعد هذا الخبر كذبوا ms033 على سعد، فان أقروا بالكذب
~~على سعد، لزمهم أيضا تكذيبهم فيما رووا عن الرسول من الشهادة للعشرة بالجنة
~~وفي غيره من جميع رواياتهم، حتى لا يصححوا عن سلفهم شيئا من الرواية، وكفى
~~بهذا خزيا عند من له فهم.
# أو أن يكون سعد لم يصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله) في اخباره، فيكفر
~~بغير خلاف.
# أو أن يكون سعد علم بذلك وتيقنه كما قال الرسول، فتهاون بالحق وعانده،
~~ومن تهاون به وعانده فقد كرهه، ومن كره الحق كان ممن قال الله فيه ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط
~~أعمالهم﴾ (٢) لأن جميع ما أنزل الله في كتابه وبعث به رسوله فهو الحق،
~~لقوله تعالى ﴿هو الذي أرسل رسوله
~~بالهدى ودين الحق﴾ (3) وقوله (وبالحق أنزلناه وبالحق نزل وما أرسلناك
~~الا مبشرا ونذيرا) (4).
# ومن كان هذا صفته كان إلى صفات الكفر أقرب منه إلى صفات الايمان، وكانت
~~الشهادة له بالنار أحرى من الشهادة له بالجنة (5). انتهى كلامه أعلى الله
~~مقامه.
# قلت: وله مع معاوية حديث في هذا المعنى يتضمن انكار معاوية عليه خذلانه
# PageV00P085
# لعلي (عليه السلام)، وتقاعده عن نصرته، مع روايته هذه الروايات في شأنه،
~~وهو ما أورده الحافظ طراز المحدثين أحمد بن موسى بن مردويه من عظماء
~~حفاظهم، ونقله عنه الفاضل الجليل بهاء الدين علي بن عيسى الأربلي الوزير في
~~كتابه كشف الغمة عن ابن عباس.
# قال: أقبل معاوية على سعد، فقال: وأنت يا سعد الذي لم تعرف حقنا من باطل
~~غيرنا، فتكون معنا أو علينا، قال سعد: اني لما رأيت الظلمة قد غشيت الأرض
~~قلت لبعيري: هخ (1)، فأنخته حتى إذا أسفرت (2) مضيت، قال: والله لقد قرأت
~~المصحف فما وجدت فيه هخ.
# فقال: أما إذا أبيت فاني سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي
~~(عليه السلام): أنت مع الحق والحق معك. قال: لتجيئن (3) بمن سمعه معك أو
~~لأفعلن، قال: أم سلمة.
# قال: فقام وقاموا معه حتى دخلوا على أم سلمة، ms034 قال: فبدأ معاوية فتكلم،
~~فقال: يا أم المؤمنين ان الكذابة قد كثرت على النبي (صلى الله عليه وآله)،
~~فلا يزال قائل يقول قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لم يقل، وان
~~سعدا روى حديثا زعم أنك سمعتيه معه، قالت: ما هو؟ قال: زعم أن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) قال لعلي: أنت مع الحق والحق معك.
# قالت: صدق في بيتي قاله، قال: فأقبل على سعد وقال: الان أنت ألوم (4) ما
~~كنت عندي، والله لو سمعت هذا من النبي (صلى الله عليه وآله) ما زلت خادما
~~لعلي حتى أموت (5).
# قال جامع الأحاديث عفى الله عنه: فليتعجب العاقل من سعد ونفاقه وتناقض
~~كلامه، حيث أجاب معاوية أولا بما هو صريح في شكه في الحق وعدم معرفته
~~لأهله،
# PageV00P086
# حيث قال: اني لما رأيت الظلمة قد غشيت الأرض إلى آخر كلامه، وهو ينادي
~~بشكه ويصرح بعدم معرفته امامه، ومن لم يعرف امامه مات ميتة جاهلية، كما
~~رواه الجميع (1).
# ثم قال ثانيا: أما إذا أبيت فاني سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول
~~لعلي: أنت مع الحق والحق معك. وهذا الذي رواه يشهد بعصمته، وعدم جواز الخطأ
~~عليه، وينادي بوجوب اتباعه، وأن الحق معه لا مع خصومه، وهو يناقض مقاله
~~الأول.
# فالعجب منه - أخزاه الله تعالى وخذله - كيف خذله (عليه السلام) وتأخر عن
~~نصرته، وامتنع عن بيعته يوم بايعه المهاجرون والأنصار وسائر المسلمين بعد
~~قتل عثمان، وعلل بما لا يشفي غليلا ولا يجدي نفعا، أم والله بارئ النسم
~~وفاطر اللوح والقلم ما ترك سعد - لعنه الله - نصرته (عليه السلام) الا حسدا
~~ونفاقا غريزيا وكفرا بما أنزل الله على رسوله، لأنه كان أحد الستة أصحاب
~~الشورى، وكان يرجو الخلافة بعد عثمان.
# وأعجب من كل عجب أنهم مع هذه الأفعال الشنيعة الصادرة عنه، وخذلانه
~~للامام العادل، وامتناعه عن بيعته، مع اعترافه بأن الحق معه، رووا في كتبهم
~~أنه قد بشره الرسول (صلى الله عليه وآله) في عشرة (2).
# ثم ليتعجب العاقل من معاوية حيث تجاهل ms035 عن فضائل علي (عليه السلام) ومعرفة
~~حقه، وهو أعرف الناس بحقه، وأشدهم اطلاعا على فضائله ومناقبه وجلالة قدره
~~وعلو شأنه، كما بيناه في رسالتنا الموسومة بشهادة الأعداء لسيد الأولياء.
# ثم ليتعجب العاقل من قوله (وأنت يا سعد الذي لم تعرف حقنا من باطل غيرنا
# PageV00P087
# فتكون معنا أو علينا) يسم نفسه مع كونه رئيس الطلقاء ومدة المنافقين
~~بالحق، ويسم عليا (عليه السلام) مع أنه سلطان سلسلة الأولياء وعمدة أساطين
~~الأوصياء، وباب مدينة علم سيد الأنبياء، بالباطل عتوا عن الحق، واستكبارا
~~ونفورا واصرارا، كأنه في شك من نفاق نفسه وكفره، وعدم صلوحه لمقام ولاية
~~جيش أو سرية، فضلا عن الرئاسة العامة والسياسة الدينية والدنيوية.
# ومما يشهد بكفره ونفاقه: ما أورده الفاضل الجليل بهاء الدين علي بن عيسى
~~الأربلي الوزير في كتابه كشف الغمة، ناقلا له عن كتاب الموفقيات للزبير بن
~~بكار الزبيري، الذي ألفه للأمير الموفق أبي أحمد طلحة الملقب بالناصر بن
~~المتوكل أخي المعتمد وولي عهده، ونصبهما ظاهر كما بينه في كشف الغمة.
# حدث الزبير بن بكار المذكور عن رجاله، عن مطرف (1) بن المغيرة بن شعبة،
~~قال: وفدت مع أبي المغيرة على معاوية، فكان أبي يأتيه فيتحدث عنده، ثم
~~ينصرف إلي، فيذكر معاوية ويذكر عقله ويعجب مما يرى منه، إذ جاء ذات ليلة
~~فأمسك عن العشاء، ورأيته مغتما.
# فانتظرته ساعة، وظننت أنه لشئ حدث فينا أوفي عملنا، فقلت: ما لي أراك
~~مغتما منذ الليلة؟ فقال: يا بني جئت من عند أخبث الناس، قلت: وما ذاك؟.
# قال: قلت له وقد خلوت به - يعني معاوية -: انك قد بلغت سنا، فلو أظهرت
~~عدلا وبسطت خيرا، فإنك قد كبرت، فلو نظرت إلى اخوتك من بني هاشم فوصلت
~~أرحامهم، فوالله ما عندهم اليوم شئ تخافه.
# فقال: هيهات هيهات ملك أخوتيم فعدل وفعل ما فعل، فوالله ما عدا أن هلك
~~فهلك ذكره، الا أن يقول قائل أبو بكر، ثم ملك أخو بني عدي، فاجتهد وشمر عشر
~~سنين، فوالله ما عدا أن هلك فهلك ذكره، الا أن يقول ms036 قائل عمر، ثم ملك عثمان
~~فملك
# PageV00P088
# رجل لم يكن أحد مثله، وفعل ما فعل وعمل به ما عمل، فوالله ما عدا أن هلك
~~فهلك ذكره وذكر ما فعل به.
# وان أخا بني هاشم يصاح به في كل يوم خمس مرات أشهد أن محمدا رسول الله،
~~فأي عمل يبقى بعد هذا لا أم لك لا والله الا دفنا دفنا.
# فانظر وفقك الله سبحانه إلى قول معاوية في النبي (صلى الله عليه وآله)
~~وعقيدته فيه بما ينادي بكفره (1) ويشهد بنفاقه.
# وروى الزبير بن بكار أيضا في الكتاب المذكور عن رجاله، عن الحسن البصري
~~أنه قال: أربع خصال في معاوية لو لم يكن فيه الا واحدة لكانت موبقة:
~~ابتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا
~~الصحابة وذووا الفضيلة. واستخلافه ابنه يزيد من بعده سكيرا خميرا، يلبس
~~الحرير، ويلعب بالطنابير. ودعاؤه زيادا وقد قال النبي (صلى الله عليه
~~وآله): الولد للفراش وللعاهر الجحر. وقتله حجر بن عدي وأصحابه، فيا ويله من
~~حجر وأصحاب حجر (2).
# ثم فليعجب (3) العاقل المتأمل من قوله لسعد عند رواية الخبر المذكور -
~~أعني:
# قوله (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): أنت مع الحق والحق معك -:
~~ولتجيئن بمن سمعه معك
# PageV00P089
# أو لأفعلن، تهديدا له بالأذى والقتل، مع أنه أحد العشرة المبشرة بالجنة
~~عندهم، وأحد الستة أصحاب الشورى، فكيف يتلقاه معاوية بهذا الأذى والتهديد؟
# والشك في خبره بل التكذيب.
# ولعمري أن معاوية أعرف من سعد بحقيقة هذا الخبر، وإنما أراد بهذا الكلام
~~التلبيس على العوام الذين هم منتظمون في سلك الأنعام، بل هم أضل سبيلا.
# ثم العجب العجاب من قوله (لو سمعت هذا من النبي (صلى الله عليه وآله) ما
~~زلت خادما لعلي حتى أموت) ولعمري أنه تلبيس سخيف، وتدليس طفيف، ولا يروج
~~عند من له أدنى مسكة وأقل حظ من البصيرة، إذ على تقدير تسليم ما ادعاه من
~~عدم سماع الخبر المذكور، يتوجه عليه أنه لا فرق بين سماعه من الرسول (صلى
~~الله عليه وآله) شفاها ms037 عنه، وبين ثبوته عنه بخبر الثقة.
# وإذا كان سعد من أوثق الصحابة عندهم، وأحد العشرة المبشرين بالجنة في
~~زعمهم، وأحد الستة أصحاب الشورى، كان من الواجب على معاوية قبول خبره
~~والعمل به، كيف؟ وقد وافقته على هذا الخبر أم سلمة رضي الله عنها، وهي زوج
~~الرسول وأم المؤمنين، فدل ذلك على أن ما ذكره تلبيس محض وتمويه بحت (1).
# والتحقيق أن حديث الحق مع علي وعلي مع الحق، من الأخبار المستفيضة
~~المتواترة، التي لا يتطرق إليها الريب ولا يعارضها الشك، وقد رواه
~~المخالفون في أصحتهم ومسانيدهم بطرق عديدة، وأسانيد متغايرة (2).
# روى العبدري في الجمع بين الصحاح الستة في الجزء الثالث منه في مناقب
~~أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من صحيح البخاري عن النبي
~~(صلى الله عليه وآله) قال: رحم الله
# PageV00P090
# عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار (1).
# ورواه أحمد بن موسى بن مردويه في كتاب المناقب من عدة طرق.
# فمنها: باسناده إلى محمد بن أبي بكر، قال: حدثتني عائشة أن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) قال: الحق مع علي وعلي مع الحق، لن يفترقا حتى يردا
~~علي الحوض (2).
# ومنها: باسناده إلى الأصبغ بن نباته، قال: لما أصيب زيد بن صوحان يوم
~~الجمل، أتاه علي (عليه السلام) وبه رمق، فوقف أمير المؤمنين علي بن أبي
~~طالب (عليه السلام) وهو لما به، فقال: رحمك الله يا زيد، فوالله ما عرفتك
~~الا خفيف المؤونة كثير المعونة.
# قال: فرفع رأسه وقال: وأنت رحمك الله، فوالله ما عرفتك الا بالله عارفا،
~~وبآياته عارفا، ما قاتلت معك من جهل، ولكني سمعت حذيفة بن اليمان يقول:
# سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: علي أمير البررة، وقاتل
~~الكفرة (3)، منصور من نصره، مخذول من خذله، وأن الحق معه يتبعه، ألا فميلوا
~~معه (4).
# ومنها: باسناده إلى ثابت مولى أبي ذر، عن أم سلمة، قالت: سمعت النبي (صلى
~~الله عليه وآله) يقول: علي مع القرآن والقرآن معه، لن يفترقا حتى يردا علي
~~الحوض (5).
# والأخبار في هذا ms038 المعنى كثيرة جدا، وفيما ذكرناه كفاية، والله الهادي.
# PageV00P091
# الحديث الثامن [عهد النبي (صلى الله عليه وآله) إلى علي (عليه السلام)
~~سبعين عهدا لم يعهده إلى غيره] الطبراني في معجمه، قال: حدثنا محمد بن سهل
~~بن الصباح الصفار الأصبهاني، نا أحمد بن الفرات الرازي [نا سهل بن عبدويه]
~~(1) نا عمرو بن أبي قيس، عن مطرف بن ظريف، عن المنهال بن عمرو، عن النهمي،
~~عن ابن عباس، قال: كنا نتحدث أن النبي (صلى الله عليه وآله) عهد إلى علي
~~بسبعين (2) عهدا لم يعهده إلى غيره (3).
# أقول: هذا الخبر كما ترى شاهد على اختصاصه به (صلى الله عليه وآله)،
~~وكونه وصيه وخليفته بعده، والا فكيف يخصه بالعهود؟ وهو من آحاد الرعية
~~والخليفة آخر غيره، والخليفة هو الخليق بأن يعهد إليه العهود، ويخص
~~بالأسرار المصونة عن الأغيار.
# وهذه العهود المذكورة في الخبر يمكن أن تكون متعلقة بما يفعله بعد الرسول
~~(صلى الله عليه وآله)
# PageV00P092
# من صبره على الهوان في مدة ولاية الثلاثة المتلصصين، والتسليم لأمر الله
~~سبحانه، وصبره على اغتصاب فدك والعوالي منه ومن زوجته بضعة الرسول (صلى
~~الله عليه وآله)، ونزع قميص الخلافة عنه جورا وعتوا، وقتال القاسطين
~~والناكثين والمارقين وما يحذو هذا الحذو.
# ويمكن أن يتعلق بالعلوم الإلهية والأحكام الدينية.
# ولعل الاقتصار على السبعين ليس للتحديد والتوقيت، لأنها صارت مثلا في
~~الكثرة، كما قال سبحانه ﴿ان تستغفر لهم
~~سبعين مرة﴾ (1) الآية. ومعلوم أنه ليس المراد حقيقة العدد، بل المراد
~~المبالغة في كثرة الاستغفار، كما نص عليه أئمة العربية والمفسرين، والله
~~أعلم.
# الحديث التاسع [ما ورد عن النبي (صلى الله عليه وآله) في محبة أهل بيته
~~(عليهم السلام)] الطبراني في معجمه، قال: حدثنا محمد بن محمد بن خلاد
~~الباهلي البصري، نا نصر بن علي الجهضمي، نا علي بن جعفر بن محمد بن علي بن
~~الحسين بن علي، عن أخيه موسى بن جعفر، عن أبيه جعفر بن محمد، عن أبيه محمد
~~بن علي، عن علي بن الحسين، عن ms039 أبيه، عن علي (عليهم السلام) أن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) أخذ بيد الحسن والحسين، فقال:
# PageV00P093
# من أحب هذين وأباهما وأمهما، كان معي في درجتي يوم القيامة (١).
# أقول: هذا الخبر من المشهورات بين القوم، المستفيضة المنقولة في مسانيدهم
~~وأصحتهم، وهو ينادي بجلالتهم، ويشهد بمزيد كراماتهم، حتى جعل محبهم في درجة
~~خاتم النبيين، ومن كان نبيا وآدم بين الماء والطين، وحسبك بها درجة كبرى لا
~~يلقاها الا ذو حظ عظيم.
# ومن الأخبار الواردة في هذا المعنى من طرقهم، ما رواه الثعلبي (٢) في
~~تفسير قوله تعالى ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا
~~الا المودة في القربى﴾ (3) باسناده عن جرير بن عبد الله البجلي، قال
~~سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:
# من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات مغفورا
~~له، ألا ومن مات على حب آل محمد مات تائبا، ألا ومن مات على حب آل محمد مات
~~مؤمنا مستكملا للايمان، ألا ومن مات على حب آل محمد بشره ملك الموت بالجنة
~~ثم منكر ونكير.
# ألا ومن مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس إلى بيت زوجها،
~~ألا ومن مات على حب آل محمد جعل الله زوار قبره ملائكة الرحمة، ألا ومن مات
~~على حب آل محمد مات على السنة والجماعة، ألا ومن مات على بغض آل محمد جاء
~~يوم القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله، ألا ومن مات على
# PageV00P094
# بغض آل محمد لم يشم رائحة الجنة (1).
# وهذا الخبر كما تراه قاطع الدلالة على جلالة قدرهم وعلو منزلتهم عند الحق
~~جل مجده وعز شأنه، حتى بلغ محبهم بحبهم بهذه الرتبة السنية، ونال بيمن
~~مودتهم هذه المقامة العلية، وما هو الا برهان اني (2) على امامتهم وكمال
~~ولايتهم، ودليل قطعي على طهارتهم وعصمتهم، ووجوب التمسك بهم والاقتفاء
~~بآثارهم، والاهتداء بمنارهم.
# ومما يناسب هذين الخبرين ويقاربهما في المدلول: ما رواه الشافعي ابن
~~المغازلي الفقيه في كتابه ms040 باسناده إلى جابر بن عبد الله، قال: قال رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم بعرفات وعلي تجاهه، ادن مني يا علي خلقت
~~أنا وأنت من شجرة، فأنا أصلها، وأنت فرعها، والحسن والحسين أغصانها، فمن
~~تعلق بغصن منها أدخله الله الجنة (3).
# وما رواه ابن المغازلي الشافعي أيضا في كتابه باسناده إلى عبد الله بن
~~عباس رضوان الله عليه، قال: سئل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الكلمات
~~التي تلقاها آدم من ربه فتاب عليه، قال: سأله بحق محمد وعلي وفاطمة والحسن
~~والحسين ألا تبت علي فتاب عليه (4).
# قلت: وهذا بعينه ما رويناه عن أهل البيت (عليهم السلام) في معنى الآية.
# قال أمين الاسلام أبو علي الطبرسي في تفسيره الكبير الموسوم بمجمع البيان
~~ما نصه: وقيل: وهي رواية تختص بأهل البيت (عليهم السلام)، أن آدم رأى
~~مكتوبا على العرش أسماء مكرمة معظمة، فسأل عنها، فقيل له: هذه أسماء أجل
~~الخلق منزلة عند
# PageV00P095
# الله، والأسماء: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، فتوسل
~~آدم إلى ربه بهم في قبول توبته ورفع منزلته (1) انتهى.
# وفي قوله (وهي رواية تختص بأهل البيت (عليهم السلام)) نظر، لما نقلناه عن
~~كتاب المناقب لابن المغازلي الفقيه من أجل عظمائهم (2) من حديث ابن عباس
~~المطابق لرواية أهل البيت (عليهم السلام).
# وروى أبو المؤيد الخوازمي في المناقب عن ابن عمر، قال: قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله):
# من أحب عليا قبل الله تعالى منه صلاته وصيامه وقيامه، واستجاب دعاءه، ألا
~~ومن أحب عليا أعطاه الله تعالى بكل عرق في بدنه مدينة في الجنة.
# ألا ومن أحب آل محمد آمن من الحساب والميزان والصراط، ألا ومن مات على حب
~~آل محمد فأنا كفيله بالجنة مع الأنبياء، ألا ومن أبغض آل محمد جاء يوم
~~القيامة مكتوبا بين عينيه آيس من رحمة الله (3).
# وعن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أول من
~~اتخذ علي بن أبي طالب (عليه السلام) أخا من أهل السماء ms041 إسرافيل، ثم
~~ميكائيل، ثم جبرئيل (عليهم السلام)، وأول من أحبه من أهل السماء حملة
~~العرش، ثم رضوان خازن الجنة، ثم ملك الموت، وان ملك الموت يترحم على محبي
~~علي بن أبي طالب (عليه السلام)، كما يترحم على الأنبياء (عليهم السلام)
~~(4).
# PageV00P096
# وعن الحسن البصري، عن عبد الله، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): إذا كان يوم القيامة صعد علي بن أبي طالب (عليه السلام) على
~~الفردوس، وهو جبل قد على في الجنة، وفوقه عرش رب العالمين، ومن سفحه (1)
~~يتفجر أنهار الجنة، وتتفرق في الجنة، وهو جالس على كرسي من نور يجري بين
~~يديه التسنيم، لا يجوز أحد الصراط الا ومعه براءة بولايته وولاية أهل بيته
~~ليشرف على الجنة، فيدخل محبيه الجنة ومبغضيه النار (2).
# وروى أبو المؤيد أيضا في كتاب المناقب عن علي (عليه السلام) عن النبي
~~(صلى الله عليه وآله) قال: يا علي لو أن عبدا عبد الله تعالى مثل ما أقام
~~نوح في قومه، وكان له مثل أحد ذهبا، فأنفقه في سبيل الله تعالى، ومد في
~~عمره حتى حج ألف عام على قدميه، ثم قتل مظلوما بين الصفا والمروة، ثم لم
~~يوالك، لم يشم رائحة الجنة ولم يدخلها (3).
# قلت: وقد روى أصحابنا عن أئمتنا صلوات الله عليهم ما يطابق ذلك.
# روى أبو حمزة الثمالي في الصحيح، قال: قال لنا علي بن الحسين (عليهما
~~السلام): أي البقاع أفضل؟ قلت: الله ورسوله وابن رسوله أعلم، فقال: ان أفضل
~~البقاع ما بين الركن والمقام، ولو أن رجلا عمر ما عمر نوح في قومه ألف سنة
~~الا خمسين عاما يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك المكان، ثم لقى الله تعالى
~~بغير ولايتنا لم ينتفع بذلك شيئا (4).
# وروى ثقة الاسلام في الكافي عن زرارة، عن الباقر (عليه السلام) أنه قال:
~~أما لو أن رجلا قام ليله وصام نهاره، وتصدق بجميع ماله، وحج جميع عمره، ولم
~~يعرف ولاية ولي الله فيواليه، ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له
~~على الله حق في
# PageV00P097
# ثوابه، ms042 ولا كان من أهل الايمان (1).
# وقد نظم هذا المعنى العلامة الفيلسوف أفضل المتأخرين ورئيس المحققين،
~~نصير الدين محمد بن محمد الطوسي قدس الله سره وبجنان الخلد سره في هذه
~~القطعة: (2) لو أن عبدا أتى بالصالحات غدا * وزار كل نبي مرسل وولي وصام ما
~~صام صواما بلا ملل * وقام ما قام قواما بلا كسل وحج كم حجة لله واجبة *
~~وطاف بالبيت حاف غير منتعل وطار في الجو لا يأوي إلى أحد * وغاص في البحر
~~مأمونا من البلل وأكسى اليتاما من الديباج كلهم * وأطعمهم من لذيذ البر
~~بالعسل وعاش في الناس آلافا مؤلفة * عار من الذنب معصوما من الزلل فليس في
~~الحشر يوم البعث ينفعه * الا محبة أمير المؤمنين علي أقول: وقد روى محمد بن
~~مسلم في الصحيح (3) ما هو أبلغ من ذلك، فإنه تضمن بطلان عبادات المخالفين
~~وعدم انتفاعهم بشئ منها، وهو الذي عليه أصحابنا المحققون، وقد حققنا ذلك في
~~رسالتنا الموسومة بكنه الصواب وفصل الخطاب في أحكام أهل الكتاب والنصاب.
# PageV00P098
# وفقهه اشتراط ولاية أهل البيت (عليهم السلام) ومحبتهم في صحة العبادات،
~~كما هو منطوق هذه الأخبار التي سردناها.
# ومن المعلوم عند المتيقظ المتفطن أن المرجئة والمجبرة ومن يحذو حذوهم
~~خالون عن الشرط، عاطلون من هذه الحلية البهية، لامتزاج محبة الطواغيت
~~الثلاثة الذين هم أعداء أهل البيت صلوات الله عليهم بلحمهم ودمهم، وصديق
~~العدو أحد الأعداء كعدو الصديق.
# وقد قرر المحقق نصير الملة والدين محمد بن محمد الطوسي قدس الله روحه،
~~فيما نقل عنه دليلا على بغضهم لأهل البيت (عليهم السلام) هكذا تقريره:
~~المخالفون يبغضون كل من أبغض أبا بكر وعمر وعثمان كائنا من كان، عرف باسمه
~~ونسبه أم لا، وأئمتنا (عليهم السلام) أبغضوا أبا بكر وعمر وعثمان بغضا
~~ظاهرا، ونسبوا إليهم جميع الشرور والقبائح التي وقعت بين الأمة، ينتج أنهم
~~يبغضون أئمتنا (عليهم السلام).
# والأولى قطعية، والثانية متواترة وان أنكرها الخصم، فان الحق لا يخرج
~~بالانكار عن كونه حقا، وحينئذ يكونون كفارا، كما أوعبنا الكلام فيه في
~~رسالتنا المذكورة، والله ms043 الهادي.
# وبهذا وضح لك أن ما ذكره الإمام الرازي، من عظماء المخالفين وأجلاء
~~فضلائهم، في تفسيره الكبير الموسوم بمفاتيح الغيب، من أن أصحاب المرجئة
~~المخذولين المسمين بأهل السنة والجماعة هم المحبون لعلي (عليه السلام)، وهم
~~الناجون الذين ليسوا بالمفرطين الغالين والمبغضين القالين.
# محض كذب وغرور وبهتان، وأنى لهم التناوش من مكان بعيد، إذ مصداق المحبة
~~الحقيقة المتابعة والاقتداء بآثاره صلوات الله عليه وآله وسلم، والاهتداء
~~بمناره الواضح، بل التحقيق أنهم ناصبون لأهل البيت (عليهم السلام)، متبعون
~~للطواغيت PageV00P099
# المتلصصة، كما بينا في رسالتنا المذكورة، وفي كتابنا الموسوم بمعراج أهل
~~الكمال (1) وغيرهما من مؤلفاتنا.
# وقد روى الصدوق قدس الله روحه في كتابه علل الشرائع والأحكام، باسناده
~~إلى علي بن خسرم، قال: سمعت أحمد بن حنبل من عظماء المخالفين وأحد أئمتهم
~~يقول: لا يكون الرجل سنيا من أهل السنة والجماعة حتى يبغض عليا (عليه
~~السلام) بغضا قليلا (2).
# وأظن أني وجدت نحوه في كتاب وفيات الأعيان، تأليف ابن خلكان في التاريخ
~~(3)، من أساطين علمائهم، وهذا ينادي على كفرهم وبغضهم لأهل البيت (عليهم
~~السلام).
# ومما ينطق بذلك ما شاهدته غير مرة من علمائهم وعوامهم استحلال دماء محبي
~~أهل البيت (عليهم السلام) وأموالهم، وانقباض وجوههم وتكدر طباعهم واختلاط
~~أمزجتهم عند سماعهم فضائلهم ومناقبهم:، وفي تفصيل ما شاهدته منهم طول يؤدي
~~نقله إلى الاملال.
# وما يشهد بذلك أن المذكور في تواريخهم وسيرهم أن أول من سماهم بأهل السنة
# PageV00P100
# والجماعة معاوية أو يزيد ابنه.
# ذكر ابن بطة في الإبانة أن معاوية سمى سنة أربعين سنة اجتماع الناس عليه
~~سنة وجماعة.
# وذكر الكرابيسي وهو من أهل الظاهر: أنه إنما سمى هذا الاسم يزيد بن
~~معاوية لما دخل رأس الحسين (عليه السلام)، فكان كل من دخل من ذلك الباب سمي
~~سنيا.
# وذكر العسكري من عظمائهم وذوي الأمانة عندهم أن معاوية سمى ذلك العام عام
~~السنة.
# وذكر ابن عبد ربه في كتاب العقد، قال: لما صالح الحسن (عليه السلام)
~~معاوية سمي ذلك العام الجماعة (1).
# أقول: إذا كان هذا أصل هذه التسمية، ms044 فقد صدق أحمد بن حنبل في قوله (لا
~~يكون الرجل من أهل السنة والجماعة حتى يبغض عليا (عليه السلام)) (2) ولعمري
~~أن الفرع المذكور مع أصله مما يشهد عليهم بالكفر والضلالة، وينادي
~~بانتظامهم في سلك أهل النصب والجهالة.
# ومما يشهد عليهم بالنصب والبغض لأهل البيت (عليهم السلام) منع أكثر
~~علمائهم من لعن يزيد بن معاوية لعنه الله تعالى، واتفاقهم على عدم جواز لعن
~~معاوية (3)، واعتقاد
# PageV00P101
# جلالته، واختلاق محاسن له هو عار منها، مع ما صدر من معاوية من الخروج
~~على الإمام العادل (عليه السلام)، وقتل عظماء المؤمنين، كعمار بن ياسر
~~وأضرابه، وقتل حجر بن عدي، وتقمصه بقميص الخلافة ظلما وعدوانا، واعلانه بسب
~~أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنابر.
# وقد تقدم فيما نقلناه عن الموفقيات للزبير بن بكار الزبيري ما ينادي
~~بكفره، وجحوده للرسول (صلى الله عليه وآله)، وحسده له (صلى الله عليه
~~وآله).
# وما صدر عن يزيد - لعنه الله - من قتل الحسين (عليه السلام)، وهو سيد
~~شباب أهل الجنة، وأحد أهل العباء وأصحاب المباهلة وآية التطهير، وأي كفر
~~أعظم من قتل الحسين (عليه السلام)، وهتك حرم رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) وبناته، وسبيهن وحملهن على أقتاب الجمال بغير وطاء إلى الشام، وقتله
~~الأنصار بالحرة، وغيرها من الوقائع الفضيعة والبدع الشنيعة.
# وقد روى الزمخشري من عظماء الحنفية في كتابه ربيع الأبرار أن سيدنا (صلى
~~الله عليه وآله) رأى يوما أبا سفيان راكبا على حمار، وقد جره يزيد من
~~أمامه، ومعاوية قد ساقه PageV00P102
# من خلفه، فقال صلوات الله وتسليماته عليه وآله: لعن الله الراكب والقائد
~~والسائق (1).
# ورواه العلامة الحلي - قدس الله روحه - في كتابه منهاج الكرامة، عن عبد
~~الله بن عمر، قال: أتيت النبي (صلى الله عليه وآله)، فسمعته يقول: يطلع
~~عليكم رجل يموت على غير سنتي، فطلع معاوية، فقام النبي (صلى الله عليه
~~وآله) يوما يخطب، فأخذ معاوية بيد ابنه يزيد وخرج ولم يسمع الخطبة، فقال
~~صلوات الله وتسليماته عليه: لعن الله القائد والمقود (2).
# وروى الشيخ الجليل أبو جعفر الكليني في ms045 كتاب الروضة من جامعه الكافي عن
~~ابن محبوب، عن عبد الله بن سنان، قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام)
~~يقول: ثلاثة هم أشرار (3) الخلق، ابتلي بهم خيار الخلق: أبو سفيان بن حرب
~~قاتل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعاداه، ومعاوية ابنه قاتل عليا (عليه
~~السلام) وعاداه، ويزيد بن معاوية قاتل الحسين (عليه السلام) وعاداه حتى
~~قتله (4).
# أقول: ومن هنا قال العارف الحكيم السنائي (5) بالنظم الفارسي:
# داستان پسر هند مگر نشنيدى * كه ازووسه كس اوبه پيمبر چه رسيد أو بنا حق
~~داماد پيمبر بستد * پسر اوسر فرزند پيمبر ببريد پدر اولب ودندان پيمبر
~~بشكست * مادر اوجگر عم پيمبر بمكيد بر چنين قوم تولعنت نكنى شرمت باد * لعن
~~الله يزيدا وعلى آل يزيد
# PageV00P103
# ومن أعجب العجائب اعتذار العلامة التفتازاني الحنفي من فحول عظمائهم في
~~شرح المقاصد عن منعهم لعن يزيد لعنه الله، حيث قال: فان قيل: من علماء
~~المذهب من لم يجوز اللعن على يزيد، مع علمهم بأنه يستحق ما يربو على ذلك
~~ويزيد. قلنا:
# تحاميا أن يرتقى إلى الأعلى فالأعلى (1) انتهى كلامه عليه ما يستحق.
# وهذا يشعر بأن امتناعهم عن لعن يزيد ليس تزكية له، وتبعيدا عن أن ينتظم
~~في سلك أهل اللعنة، بل لأنهم علموا أن ولايته من قبل أبيه، فترجع مفاسده
~~إليه، وهو من قبل عمر وعثمان، وهما من قبل أبي بكر، فترجع المفاسد إليه في
~~الحقيقة، فلو لعنوا يزيدا لبدعه الفضيعة، لزمهم لعن هؤلاء الطواغيت الذين
~~هم أئمتهم، ولقد أنصف التفتازاني كل الانصاف في هذا المقام.
# ومما يشهد بما ذكره ما رواه البلاذري من عظماء علمائهم في تاريخه، قال:
~~لما قتل الحسين بن علي (عليهما السلام) كتب عبد الله بن عمر إلى يزيد بن
~~معاوية: أما بعد فقد عظمت الرزية وجلت المصيبة، وحدث في الاسلام حدث عظيم،
~~ولا يوم كيوم الحسين.
# فكتب إليه يزيد: أما بعد يا أحمق فانا جئنا إلى بيوت منجدة، وفرش ممهدة،
~~ووسائد منضدة، فقاتلنا عليها، فان يكن الحق لنا فعن حقنا قاتلنا، ms046 وإن كان
~~لغيرنا فأبوك أول من سن هذا وابتز واستأثر بالحق على أهله.
# وكذا نقله صاحب الطرائف نور الله مرقده عن البلاذري (2)، والله العالم
~~بالحقائق.
# PageV00P104
# تنبيه:
# قد استفاضت الأخبار عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: حب علي حسنة لا
~~تضر معها سيئة، وبغضه سيئة لا ينفع معها حسنة (1). وقد رده الأعور في شبهه،
~~وأجبنا عن تلك الشبهة في مقام آخر مفرد، وأشرنا إلى بعض تلك الأجوبة في
~~الشهاب الثاقب.
# ومن تلك الأجوبة ما ذكره شيخنا أبو عبد الله المفيد قدس الله روحه في
~~ارشاده:
# أن الله تعالى آلا على نفسه أن لا يطعم النار لحم رجل أحب عليا (عليه
~~السلام) وان ارتكب الذنوب الموبقات وأراد الله أن يعذبه عليها، كان ذلك في
~~البرزخ وهو القبر ومدته، حتى إذا ورد القيامة وردها وهو سالم من عذاب الله،
~~فصارت ذنوبه لا تضره ضررا يدخله النار، قال: وبهذا جاء الأثر عن أحد آل
~~محمد (عليهم السلام) (2).
# وأحسن منه ما اختاره بعض الأعاظم من أصحابنا، وهو أن محبة علي (عليه
~~السلام) توجب الايمان الخاص والتشيع بقول مطلق، وحينئذ لا يضر معه سيئة،
~~لأن العصيان في غير الأصول الخمسة لا يوجب الخلود في النار، بل المفهوم من
~~أخبارنا الواردة عن أئمتنا (عليهم السلام) أن ذنوب الشيعة الإمامية مغفورة.
# روى الشيخ المفيد طاب ثراه في أماليه، عن صفوان الجمال أنه قال: دخلت على
~~الصادق سلام الله عليه، فقلت: جعلت فداك سمعتك تقول: شيعتنا في الجنة، وفي
~~الشيعة أقوام يذنبون ويرتكبون القبائح، ويشربون الخمور، ويتمتعون في
~~دنياهم.
# فقال (عليه السلام): نعم أهل الجنة، أن الرجل من شيعتنا لا يخرج من
~~الدنيا حتى يبتلي بسقم، أو بمرض، أو بدين، أو بجار يؤذيه، أو بزوجة سوء،
~~فان عوفي من ذلك كله
# PageV00P105
# شدد الله عليه النزع حتى يخرج من الدنيا ولا ذنب عليه.
# فقلت: لابد من رد المظالم.
# فقال سلام الله عليه: ان الله جعل حساب خلقه يوم القيامة إلى محمد وعلي
~~صلوات الله وتسليماته عليهما، فكلما كان على ms047 شيعتنا حسبناه من الخمس في
~~أموالهم، وكل ما كان بينهم وبين خالقهم استوهبناها لهم حتى لا يدخل أحد من
~~شيعتنا النار (1).
# ونقل الفاضل الجليل الشيخ إبراهيم بن سليمان القطيفي (2) - عطر الله
~~مرقده - في كتابه المسمى بالفرقة الناجية، عن كتاب البشارة لشيعة علي (عليه
~~السلام) حديثا أرجى من الأول.
# وهو أن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) دخل يوما على علي بن أبي
~~طالب سلام الله عليه، فقال: ما رأيتك أقبلت علي مثل هذا الاقبال.
# فقال صلوات الله وسلامه عليه: جئت لأبشرك، اعلم أن هذه الساعة نزل علي
~~جبرئيل (عليه السلام) وقال لي: الحق يقرؤك السلام ويقول: بشر عليا وشيعته
~~أن الطائع والعاصي منهم من أهل الجنة، فلما سمع مقالته خر لله ساجدا، ثم
~~رفع يديه إلى السماء، وقال: شهد الله علي أني وهبت حسناتي لشيعتي.
# فقالت فاطمة (عليها السلام): شهد الله علي أني وهبت لشيعة علي نصف
~~حسناتي، فقال الحسن والحسين (عليهما السلام) أيضا كذلك، فقال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): ما أنتم بأكرم مني شهد الله علي أني وهبت لشيعة علي
~~نصف حسناتي، فأوحى الله عز وجل إلى رسوله: ما
# PageV00P106
# أنتم بأكرم مني اني غفرت لشيعة علي ومحبيهم ذنوبهم (١).
# وقد ورد في تفسير أهل البيت (عليهم السلام) أن عليا (عليه السلام) قال
~~لعبد الله بن يحيى: الحمد لله الذي جعل تمحيص ذنوب شيعتنا في الدنيا
~~بمحبتهم، لتسلم بها (٢) طاعاتهم، واستحقوا عليها ثوابها، فقال عبد الله بن
~~يحيى: يا أمير المؤمنين وانا لا نجازى بذنوبنا الا في الدنيا؟.
# قال: نعم، أما سمعت قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): الدنيا سجن
~~المؤمن وجنة الكافر، ان الله يطهر شيعتنا من ذنوبهم في الدنيا بما يبتليهم
~~به من المحن بما يغفره لهم، فان الله تعالى يقول: ﴿وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن
~~كثير﴾ (3) حتى إذا وردوا القيامة توفرت عليهم طاعاتهم وعباداتهم.
# وان أعداء محمد (صلى الله عليه وآله) وأعدائنا يجازيهم عن طاعة ms048 تكون منهم
~~في الدنيا وإن كان لا وزن لها، لأنه لا اخلاص معها حتى إذا وافوا القيامة
~~حملت عليهم ذنوبهم وبغضهم لمحمد وآله وأخيار أصحابه فقذفوا في النار.
# ولقد سمعت محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: انه كان فيما مضى
~~قبلكم رجلان أحدهما مطيع لله مؤمن، والاخر كافر به مجاهر بعداوة أوليائه
~~وموالاة أعدائه، وكل واحد منهما ملك عظيم في قطر من الأرض.
# فمرض الكافر فاشتهى سمكة في غير أوانها، لأن ذلك الصنف من السمك كان في
~~ذلك الوقت في اللجج بحيث لا يقدر عليه أحد، فآيسته الأطباء من نفسه وقالوا:
# استخلف على ملكك من يقوم به، فان شفاءك في هذه السمكة التي اشتهيتها ولا
~~سبيل إليها، فبعث الله ملكا وأمره أن يزعج تلك السمكة إلى حيث يسهل أخذها،
# PageV00P107
# فأخذت له تلك السمكة، فأكلها وبرئ من مرضه وبقي في ملكه سنين بعدها.
# ثم إن ذلك الملك المؤمن مرض في وقت كان جنس ذلك السمك بعينه لا يفارق
~~الشطوط التي يسهل أخذه منها، وكانت علته مثل علة الكافر، فاشتهى تلك السمكة
~~ووصفها له الأطباء، وقالوا: طب نفسا فهذا أوانها تؤخذ لك فتأكل منها وتبرئ،
~~فبعث الله ذلك الملك وأمره أن يزعج جنس تلك السمكة عن الشطوط إلى اللجج
~~لئلا يقدر عليه، فلم توجد حتى مات المؤمن بحسرته (1).
# فتعجب الملائكة من ذلك وأهل ذلك البلد حتى كادوا يفتنون، لان الله تعالى
~~سهل على الكافر ما لا سبيل إليه، وعسر على المؤمن ما كان السبيل إليه
~~مسهلا.
# فأوحى الله تعالى إلى ملائكة السماء والى نبي ذلك الزمان في الأرض: اني
~~أنا الله الكريم المتفضل القادر، لا يضرني ما أعطي، ولا ينفعني ما أمنع،
~~ولا أظلم أحدا مثقال ذرة.
# فأما الكافر، فإنما سهلت له أخذ السمكة في غير أوانها، ليكون جزاء على
~~حسنة كان عملها، إذ كان حقا أن لا أبطل لأحد حسنة حتى يرد القيامة، ولا
~~حسنة في صحيفته ويدخل النار بكفره. ومنعت العابد تلك السمكة بعينها لخطيئة
~~صدرت منه، فأردت ms049 تمحيصها عنه بمنع تلك الشهوة واعدام ذلك الدواء حتى يأتيني
~~ولا ذنب عليه فيدخل الجنة.
# فقال عبد الله بن يحيى: يا أمير المؤمنين قد أفدتني وعلمتني (2).
# والأخبار في هذا المعنى كثيرة، وفيما ذكرناه كفاية، والله الهادي.
# PageV00P108
# الحديث العاشر [قوله (صلى الله عليه وآله) أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن
~~سالمتم] الطبراني في معجمه، قال: حدثنا محمد بن أحمد بن النضر الأزدي ابن
~~بنت معاوية بن عمرو، ثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، نا أسباط بن
~~نضر، عن السدي، عن صبيح مولى أم سلمة، عن زيد بن أرقم، أن النبي (صلى الله
~~عليه وآله) قال لعلي وفاطمة وحسن وحسين: أنا حرب لمن حاربتم، وسلم لمن
~~سالمتم (1).
# أقول: هذا الخبر من الأخبار المشهورة المستفيضة (2)، وقد رواه أحمد بن
~~حنبل في مسنده (3)، وغيره من فحول علمائهم.
# ولا يخفى على المتأمل المنصف أنه يدل على امامتهم وعصمتهم، وكمال
~~ولايتهم، ووجوب الاقتداء بهم، وأن محاربهم محارب الرسول (صلى الله عليه
~~وآله)، ومحارب الرسول كافر قطعا.
# فهو يدل دلالة قاطعة على كفر معاوية وابنه يزيد وطلحة والزبير وعائشة
~~وجميع محاربيهم.
# والعجب من مخالفينا يودعون أصحتهم وكتبهم ومسانيدهم هذه الأخبار الشاهدة
~~بفضائحهم، الناطقة بقبائحهم، ويعترفون بصحتها واستفاضتها، ولا يستحون مما
~~يلحقهم من عار ايرادها، وعدم التعويل على مفادها، والله المستعان.
# PageV00P109
# الحديث الحادي عشر [قوله (صلى الله عليه وآله) علي مع القرآن والقرآن
~~معه] الطبراني في معجمه، قال: حدثنا عباد بن سعيد الجعفي الكوفي، نا محمد
~~بن عثمان أبي البهلول الكوفي، نا صالح بن أبي الأسود، عن هاشم بن البريد،
~~عن أبي سعيد التيمي، عن ثابت مولى أبي ذر، عن أم سلمة رضي الله عنها، قالت:
~~سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: علي مع القرآن والقرآن معه، لا
~~يفترقا حتى يردا علي الحوض (1).
# أقول: هذا الحديث يكاد يبلغ حد التواتر أو بلغه (2). رواه الإمام أبو
~~المؤيد الخوارزمي في كتاب المناقب عن أم سلمة رضي الله عنها، والمتن بحاله
~~(3).
# ورواه أيضا عنها بطريق آخر، قالت: سمعت النبي ms050 (صلى الله عليه وآله) يقول:
~~علي مع القرآن والقرآن مع علي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض (4).
# وروى أيضا في الكتاب المذكور عن شهر بن حوشب، قال: كنت عند أم سلمة فسلم
~~رجل، فقيل: من أنت؟ فقال: أبو ثابت مولى أبي ذر، قالت: مرحبا بأبي ثابت
~~ادخل، فدخل فرحبت به وقالت: أين طار قلبك حين طارت القلوب مطائرها؟ قال: مع
~~علي بن أبي طالب (عليه السلام).
# قالت: وفقت والذي نفس أم سلمة بيده، لقد سمعت النبي (صلى الله عليه وآله)
~~يقول: علي مع القرآن والقرآن مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض، ولقد
~~بعثت ابني عمر
# PageV00P110
# وأخي عبد الله بن أبي أمية وأمرتهما أن يقاتلا مع علي (عليه السلام) من
~~قاتله، ولولا أن النبي 9 أمرنا أن نقر في حجالنا وفي بيوتنا لخرجت حتى أقف
~~في صف علي (عليه السلام) (1).
# والأخبار في هذا المعنى أكثر من أن تحصى، وهي ناطقة بإمامته (عليه
~~السلام)، مفصحة حق الافصاح عن كمال ولايته وحقية خلافته.
# وقوله (عليه السلام) (علي مع القرآن والقرآن معه) نص قاطع وبرهان واضح
~~على عدم جواز الخطأ عليه سلام الله عليه، كما لا يجوز على مصاحبه، أعني:
~~القرآن الكريم والذكر الإلهي الحكيم، إذ المعية من الجانبين دائمة، قضية
~~لقوله (عليه السلام) (لن يفترقا حتى يردا علي الحوض).
# فلا يرد ما قيل: إن القضية مطلقة عامة، فلا يتم التقريب، على أنه مع قطع
~~النظر عن جملة (لن يفترقا) لا يفهم من قضية المعية عند الاطلاق في المقامات
~~الخطابية بحسب العرف الا الدوام، بل المراد بها هنا هي الضرورة الذاتية أو
~~الأزلية (2)، كما لا يخفى على من له أدنى مسكة، ولو جعلت القضية المذكورة
~~احدى المطلقات لم يختص الحكم المذكور بعلي (عليه السلام)، وهو ظاهر.
# فان قلت: ما السر في قوله (والقرآن معه) بعد قوله (علي مع القرآن)
~~والمعية
# PageV00P111
# من النسب المتكررة، ففي الأول غنى عن الثانية، إذ المعية من الجانبين
~~البتة؟.
# قلت: لعل السر في هذا التكرير المبالغة في تحقق ms051 المعية، والاشعار وتبيين
~~الصريح من الرغوة في ذلك بدوامها وتقريرها على وجه الاطلاق وطريق العموم،
~~فوزانه وزان التأكيد اللفظي.
# ويخطر بالبال العليل أن السر فيه أن مدلول القضية الأولى مصاحبته (عليه
~~السلام) للقرآن، وهو ليس بنص في المراد من عصمته (عليه السلام)، لاحتمال أن
~~يراد به مداومته لقراءته وتعاهده ونحوهما، فدفع الاحتمال المذكور بالقضية
~~الثانية (1).
# ووجه اندفاعه بها أمران:
# أحدهما: أن المصاحب اسم مفعول باعتباره من حيث هو كذلك ينبغي أن يكون هو
~~أكمل المتصاحبين والمؤثر منهما بالقصد، كما يقال: صحبت الأمير، ولا يقال
~~صحبني إلا نادرا بنوع من التوسع.
# وحينئذ فاسناد المصاحبة بالاعتبار المذكور إلى القرآن لا يحسن حمله على
~~مداومته (عليه السلام) لدرسه وقراءته والتهجد به، كما احتمل في الأولى، لأن
~~هذا القدر يستدعي كونه (عليه السلام) مصاحبا له اسم فاعل وانه مصحوب، إذ
~~ماله إلى مدلول القضية الأولى ومفاد الجملة السابقة، فكيف صار مصاحبا وقد
~~كان مصحوبا بالاعتبار المذكور؟
# وحينئذ يتعين حمله على أنه ناص على إمامته قاطع على خلافته، مصدق لما حكم
~~به، شاهد بعصمته غير مفارق له في حال من الأحوال، وهو بهذا الاعتبار يحسن
~~جعله مصاحبا اسم فاعل، ويحسن جعله (عليه السلام) مصحوبا، وذلك ما أردناه،
# PageV00P112
# وفي هذا دقة وخفاء، فتأمله (1).
# الثاني: أن معنى القضية الأولى مداومة مولانا أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) لدرس القرآن، والتفكر في معانيه، والعمل بمقتضاه، وتمييز محكمه من
~~متشابهه، ومجمله من مبينه، وناسخه من منسوخه، وغيرها من مقاصده، وان أفعاله
~~(عليه السلام) وأقواله مطابقة لما فيه.
# ولو كان هذا معنى الثانية لزم التأكيد، والتأسيس خير منه، لأن الحمل على
~~الإفادة أولى من الحمل على الإعادة، فوجب حمل الثانية على تصديق القرآن له،
~~و دلالته على إمامته وخلافته ووجوب الاقتداء بآثاره والاقتفاء لمناره
~~ترجيحا للتأسيس على التأكيد، والإفادة على الإعادة، والله العالم.
# الحديث الثاني عشر [علي (عليه السلام) سيد المؤمنين وامام المتقين وقائد
~~الغر المحجلين] الطبراني في معجمه، قال: حدثنا محمد بن مسلم بن عبد العزيز
~~الأشعري الأصبهاني، نا مجاشع بن ms052 عمرو بهمدان سنة خمس وثلاثين ومائتين، نا
~~عيسى بن سوادة الرازي، نا هلال بن أبي حميد الوزان، عن عبد الله بن عكيم
~~الجهني، قال:
# قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان الله أوحى إلي في علي ثلاثة
~~أشياء ليلة أسري بي: انه سيد المؤمنين، وامام المتقين، وقائد الغر المحجلين
~~(2).
# PageV00P113
# أقول: هذا من الأخبار المستفيضة المروية في أكثر مسانيدهم وأصحتهم (1)،
~~وهو صريح في الإمامة، إذ لا معنى لسيد المؤمنين الا من يسودهم ويسوسهم،
~~وليس معنى الامام الا ذلك، لأنه ذو الرئاسة العامة في الدين والدنيا
~~بالنيابة عن النبي (صلى الله عليه وآله).
# وقوله (عليه السلام) (وامام المتقين) تأكيد لذلك، فان الامام حقيقة شرعية
~~أو عرفية في المعنى المذكور، وان أبيت الحمل على هذا المعنى وحملته على
~~معناه اللغوي، تمت دلالته أيضا على إمامته (عليه السلام) بالمعنى المصطلح،
~~إذ مفاد التركيب الإضافي حينئذ أنه من يقتدي به المتقون في الأقوال
~~والأفعال، ويأخذون منه معالم الحرام والحلال، وهل هذا الا معنى الامام، كما
~~لا يخفى على اولي الأفهام.
# فان قلت: الامام بالمعنى المصطلح هومن يقتدي به جميع الأمة برها وفاجرها
~~في أمور دينهم، ويعولون عليه في مهمات دنياهم، ولا يختص بالمتقين دون
~~غيرهم، فما فائدة الإضافة المذكورة؟
# قلت: أولا الفائدة في الإضافة الايذان باستحقاقه للإمامة، وضربه فيها
~~بالعرف الأقوى، وأخذه من سهامها بالرقيب والمعلى، فأضافه إلى المتقين ليفهم
~~أن أهل التقوى والصلاح من الأمة يقتدون به في جميع الأحكام، ويرجعون إليه
~~في عامة المهام، ويعولون على أقواله وأفعاله في الحلال والحرام لمعرفتهم
~~بجلالة قدره وشأنه، وفلج (2) حجته، وسطوع برهانه، وإحاطتهم علما بنص الله
~~سبحانه ورسوله عليه بالإمامة والوصية نصوصا جلية وخفية.
# وأما من عداهم، فلا عبرة باقتدائهم واقتفائهم، فإنهم أرقا شهواتهم وعبيد
# PageV00P114
# أهوائهم، همج (1) رعاع (2) أتباع كل ناعق، كمه (3) أبصار بصائرهم عن
~~اشراق (4) فجره المستطير الصادق، لا جرم أنهم تركوه ترك ظبي (5) ظله (6)،
~~وحرموا وبل معارفه وعلومه وطله.
# وثانيا: أن الإمامة بمعنى وجوب الاقتداء به مطلقا، عام النسبة إلى جميع
~~الأمة كما ms053 ذكر السائل، وهو يتم على إرادة المعنى العرفي. وأما المعنى
~~اللغوي، فمقتضاه من يقتدى به بالفعل، ومعلوم أن الاقتداء المطلق الفعلي
~~الوقوعي خاص بالمتقين، فالإضافة على بابها من إفادة الاختصاص، ولا ينافيه
~~عموم وجوب الاقتداء المطلق لكل آحاد الأمة، فتأمل (7).
# PageV00P115
# وثالثا: أن الإضافة المذكورة لأن المتقين هم المنتفعون بالعبر (١)
~~المتبعون للأثر، المستعدون للامتثال، لا للتخصيص على حد ما قاله أئمة
~~التفسير في قوله تعالى ﴿يا أيها الذين
~~آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ (2) الآية، أن فائدة
~~التخصيص بالمؤمنين مع أن الكفار مخاطبون بالفروع عندنا وعند محققي
~~المخالفين هو أنهم المستعدون للامتثال، المتهيأون لنيل مزية الخلاص من عهدة
~~التكليف، فلا تغفل.
# الحديث الثالث عشر [لعلي (عليه السلام) عصا يوم القيامة يذود بها
~~المنافقين عن الحوض] الطبراني في معجمه، قال: حدثنا محمد بن زيدان الكوفي
~~بمصر سنة خمس وثمانين ومائتين، نا سلام بن سليمان المدائني، نا شعبة، عن
~~زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): يا علي معك يوم القيامة عصا من عصي الجنة تذود بها
~~المنافقين عن حوضي (3).
# أقول: لا يبعد عندي أن يراد بالمنافقين الجاحدون لامامته المكذبون
~~بخلافته، وقد بينا فيما سبق أن الذين جحدوا إمامته ونقضوا بيعته وكل من
~~يحذو حذوهم ناصبون منافقون. وسنقرر ذلك فيما يأتي إن شاء الله تعالى
~~مستوفى.
# والخبر من شواهد إمامته وجلالته وأدلة خلافته وأفضليته على سائر الصحابة،
~~كما لا يخفى.
# PageV00P116
# الحديث الرابع عشر [قوله (صلى الله عليه وآله) علي وصيي في عترتي وأهل
~~بيتي وأمتي من بعدي] الحافظ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه (1) من
~~عظمائهم، قال: أخبرنا أبو بكر أحمد بن محمد السري بن يحيى التميمي، حدثنا
~~المنذر بن محمد بن المنذر، حدثنا أبي، عن عمي الحسين بن يوسف بن سعيد بن
~~أبي الجهم، حدثني أبي، عن أبان بن تغلب (2) عن علي بن محمد بن المنذر (3)،
~~عن أم سلمة زوج النبي (صلى الله ms054 عليه وآله)، وكانت من ألطف نسائه وأشدهن له
~~حبا، قال: وكان لها مولى يحضنها ورباها، وكان لا يصلي صلاة الا سب عليا
~~(عليه السلام) وشتمه، فقالت له: يا أبت ما حملك على سب علي؟
# قال: لأنه قتل عثمان وشرك في دمه.
# قالت له: لولا أنك مولاي وربيتني وانك عندي بمنزلة والدي ما حدثتك بسر
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولكن اجلس حتى أحدثك عن علي (عليه السلام)
~~وما رأيته في حقه، قد أقبل رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان يومي،
~~وإنما كان يصيبني في تسعة أيام يوم واحد.
# فدخل النبي (صلى الله عليه وآله) وهو متخلل في أصابع علي (عليه السلام)
~~واضعا يده عليه، فقال: يا أم سلمة أخرجي عن البيت وأخليه لنا، فخرجت وأقبلا
~~يتناجيان، وأسمع الكلام ولا أدري ما يقولان، حتى قلت: قد انتصف النهار،
~~فأقبلت وقلت: السلام عليكم ألج يا رسول الله؟ فقال النبي (صلى الله عليه
~~وآله): لا تلجي وارجعي مكانك.
# ثم تناجيا طويلا حتى قام عمود الظهر، فقلت: قد ذهب يومي وشغله علي،
~~فأقبلت أمشي حتى وقفت على الباب، وقلت: السلام عليكم ألج؟ فقال
# PageV00P117
# النبي 9: لا تلجي، فرجعت وجلست مكاني حتى إذا قلت: قد زالت الشمس الان
~~يخرج إلى الصلاة، فيذهب يومي ولم أر يوما قط أطول منه، فأقبلت أمشي حتى
~~وقفت، فقلت: السلام عليكم ألج؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): نعم فلجي.
# فدخلت وعلي واضع يده على ركبتي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أدنى
~~فاه من اذن النبي (صلى الله عليه وآله)، وفم النبي (صلى الله عليه وآله)
~~على اذن علي يتساران، وعلي يقول: أفأمضي وأفعل؟
# والنبي (صلى الله عليه وآله) يقول: نعم، فدخلت وعلي معرض وجهه عني حتى
~~دخلت وخرج.
# فأخذني النبي (صلى الله عليه وآله) وأقعدني في حجره، وأصاب مني ما يصيب
~~الرجل من أهله من اللطف والاعتذار، ثم قال: يا أم سلمة لا تلوميني، فان
~~جبرئيل (عليه السلام) أتاني من الله تعالى بما هو كائن بعدي، ms055 وأمرني أن
~~أوصي به عليا من بعدي، وكنت جالسا بين جبرئيل وبين علي، جبرئيل عن يميني
~~وعلي عن شمالي.
# فأمرني جبرئيل (عليه السلام) أن آمر عليا بما هو كائن بعدي إلى يوم
~~القيامة، فاعذريني ولا تلوميني، ان الله عز وجل اختار من كل أمة نبيا،
~~واختار لكل نبي وصيا، فأنا نبي هذه الأمة، وعلي وصيي في عترتي وأهل بيتي
~~وأمتي من بعدي.
# فهذا ما شهدت من علي، الان يا أبتاه فسبه أودعه، فأقبل أبوها يناجي الليل
~~والنهار، اللهم اغفر لي ما جهلت من أمر علي، فان وليي ولي علي، وعدوي عدو
~~علي، وتاب المولى توبة نصوحا، وأقبل فيما بقي من عمره يدعو الله أن يغفر له
~~(1).
# أقول: هذا الخبر من الأخبار الواضحة الدلالة على إمامته (عليه السلام)،
~~والناصة على خلافته ووصيته، وقد أورده صاحب الطرائف عطر الله مرقده ناقلا
~~له عن ابن مردويه من عظمائهم، ثم قال بعد ايراده له ما نصه:
# قال عبد المحمود: فهذه شهادة صريحة منهم بوصية علي (عليه السلام)، وكمال
~~لم يبلغ إليه
# PageV00P118
# أحد من القرابة والصحابة، ولا ادعاه ولا ادعي له (1). انتهى كلامه زيد
~~اكرامه.
# أقول: والأخبار المصرحة بوصيته (عليه السلام) كثيرة.
# منها: ما رواه العز المحدث الحنبلي، وهو عبد الرزاق بن رزق الله بن أبي
~~بكر الموصلي، مرفوعا إلى أنس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
~~علي أخي وصاحبي وابن عمي، وخير من أترك بعدي، يقضي ديني وينجز موعدي (2).
# وعن أنس، عن سلمان قال: قلت: يا رسول الله عمن نأخذ بعدك؟ وبمن نثق؟
# قال: فسكت عني حتى سألت عشرا، ثم قال: يا سلمان ان وصيي وخليفتي وأخي
~~ووزيري وخير من أخلفه بعدي علي بن أبي طالب، يؤدي عني وينجز موعدي (3).
# ومنها: ما رواه الشافعي ابن المغازلي في مناقبه في تفسير (والنجم إذا
~~هوى) يرفعه إلى ابن عباس (رضي الله عنه)، قال: كنت جالسا مع فتية من بني
~~هاشم عند النبي (صلى الله عليه وآله) إذ انقض كوكب، فقال رسول الله (صلى
~~الله ms056 عليه وآله): من انقض هذا النجم في منزله فهو الوصي من بعدي.
# فقام فتية من بني هاشم فنظروا، فإذا الكوكب قد انقض في منزل علي بن أبي
~~طالب (عليه السلام)، فقالوا: يا رسول الله غويت في حب علي، فأنزل الله
~~تعالى (والنجم إذا هوى × ما ضل صاحبكم وما غوى - إلى قوله: بالأفق الأعلى)
~~(4).
# ومنها: ما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند عائشة، عن الأسود
~~بن يزيد، قال: ذكروا عند عائشة أن عليا كان وصيا. وفي رواية أزهر أنهم
~~قالوا:
# PageV00P119
# انه وصي فلم تكذبهم، بل ذكرت أنها ما سمعت ذلك من النبي (صلى الله عليه
~~وآله) حين وفاته (١).
# ومنها: ما رواه الثعلبي في تفسير قوله تعالى ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ (2) يرفع الحديث إلى
~~البراء بن عازب، قال: لما نزلت (وأنذر عشيرتك الأقربين) جمع رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) بني عبد المطلب، وهم يومئذ أربعون رجلا، الرجل منهم يأكل
~~المسنة ويشرب العس (3).
# فأمر عليا (عليه السلام) أن يدخل شاة، فأدناها (4)، ثم قال: ادنوا بسم
~~الله، فدنا القوم عشرة عشرة، فأكلوا حتى صدروا، ثم دعا بقعب من لبن فجرع
~~منه جرعة، ثم قال لهم: اشربوا بسم الله، فشربوا حتى رووا، فبدرهم أبو لهب
~~وقال: هذا ما سحركم به الرجل.
# فسكت النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يتكلم، ثم دعاهم من الغد على مثل
~~ذلك الطعام والشراب، ثم أنذرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: يا
~~بني عبد المطلب اني أنا النذير إليكم من الله ولبشير، جئتكم بما لم يجئ به
~~أحدكم، جئتكم بالدنيا والآخرة، فأسلموا وأطيعوا واهتدوا (5)، ومن يؤاخيني
~~ويؤازرني ويكون وليي ووارثي ووصيي بعدي وخليفتي في أهلي ويقضي ديني؟ فسكت
~~القوم، وأعاد القول ثلاثا، في كل ذلك يسكت القوم ويقول علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام): أنا، فقال: أنت، فقام القوم وهم يقولون لأبي طالب: أطع ابنك
~~فقد امر عليك (6).
# PageV00P120
# ورواه أحمد بن حنبل في مسنده مع تغاير يسير (1).
# ومنها: ما رواه ابن خالويه ms057 (2) في كتاب الال، عن عبد الله بن مسعود، قال:
# خرج النبي (صلى الله عليه وآله) من بيت زينب بنت جحش حتى أتى بيت أم
~~سلمة، فجاء داق فدق الباب، فقال: يا أم سلمة قومي فافتحي له، قالت: فقلت:
~~ومن هذا يا رسول الله؟ الذي بلغ من خطره أن أفتح له الباب وأتلقاه بمعاصمي
~~(3)، وقد انزل في بالأمس آيات من كتاب الله.
# فقال: يا أم سلمة ان طاعة الرسول طاعة الله، وان معصية الرسول معصية
~~الله، فان بالباب رجلا ليس بنزق (4) ولا خرق (5)، وما كان ليدخل منزلا حتى
~~لا يرى (6) حسا، وهو يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله.
# قالت: ففتحت الباب، فأخذ بعضادتي الباب، ثم جئت حتى دخلت الخدر، فلما لم
~~يسمع وطأي دخل، ثم سلم على النبي (صلى الله عليه وآله).
# ثم قال (صلى الله عليه وآله): يا أم سلمة - وأنا من وراء الخدر - أتعرفين
~~هذا؟ فقلت: نعم هذا علي بن أبي طالب، فقال: هو أخي، سجيته سجيتي (7)، ولحمه
~~من لحمي، ودمه من دمي، يا أم سلمة هذا قاضي عداتي من بعدي، فاسمعي واشهدي.
# يا أم سلمة هذا وليي من بعدي، فاسمعي واشهدي، يا أم سلمة لو أن رجلا عبد
# PageV00P121
# الله تعالى ألف سنة بين الركن والمقام ولقى الله مبغضا لهذا أكبه (1)
~~الله في النار (2).
# وقد رواه الخطيب في كتاب المناقب، وفيه زيادة: ودمه من دمي وهو علي،
~~اسمعي واشهدي، وهو قاتل الناكثين والقاسطين والمارقين بعدي، فاسمعي واشهدي،
~~هو والله محيي سنتي، اسمعي واشهدي، لو أن عبدا عبد الله ألف عام من بعد ألف
~~عام بين الركن والمقام، ولقى الله مبغضا لعلي أكبه الله على منخريه في نار
~~جهنم (3) وأخرجه صاحب (4) الوسيلة في المجلد الخامس في فضل الصحابة، عن
~~علقمة بن عبد الله، كما رواه الخطيب بأدنى تغاير، الا أن فيه: وهو يبغض
~~عليا وعترته.
# وبالجملة فالأخبار متواترة ناطقة باثبات الوصية والخلافة له (عليه
~~السلام)، وقد ذكرنا منها نحوا من ثلاثمائة حديث في رسالتنا الموسومة بغاية
~~الطالب في اثبات الوصية ms058 لعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، وسنذكر إن شاء
~~الله تعالى في الأحاديث الآتية ما فيه كفاية.
# والعجب من مخالفينا أنهم يروون هذه الأخبار المستفيضة الدالة على كونه
~~(صلى الله عليه وآله) قد وصى أمير المؤمنين (عليه السلام)، وجعله وصيه
~~وقاضي عداته وخليفته، في كتبهم وأصحتهم ومسانيدهم وسيرهم وتواريخهم، ثم
~~ينكرون ما نقلوه، ويعدلون عما صححوه، ويقولون: انه (صلى الله عليه وآله)
~~مات ولم يوص إلى أحد، وينسبون إليه خلاف ما توجبه العقول عليه، ونقيض ما
~~أمر به وندب إليه.
# وما أحسن ما قاله بعض (5) علمائنا في هذا المقام في معرض التشنيع على
~~هؤلاء العوام المنتظمين في سلك الأنعام، حيث قال ما نصه: واني لأستطرف من
~~الأربعة
# PageV00P122
# المذاهب اقدامهم تارة على ترك العمل بوصايا نبيهم محمد (صلى الله عليه
~~وآله)، التي تضمنتها أخبارهم الصحاح المتقدم ذكر بعضها، واقدامهم تارة على
~~تقبيح ذكر نبيهم فيما نسبوه صلوات الله عليه وآله إلى اهمال رعيته وأمته،
~~وانه توفي وتركهم بغير وصية بالكلية.
# وقد روى مسلم في صحيحه في الجزء الثالث من أجزاء ستة في الثلث الأخير منه
~~في كتاب الوصية، باسناده إلى ابن شهاب، عن أبيه أنه سمع رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) قال: ما حق امرئ مسلم له شئ يوصي فيه يبيت ثلاث ليال الا
~~ووصيته عنده مكتوبة.
# وروى نحو ذلك من عدة طرق (١).
# فكيف تقبل العقول أن النبي (صلى الله عليه وآله) يقول ما لا يفعل، وقد
~~تضمن كتاب الله تعالى أيضا ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب
~~أفلا تعقلون﴾ (٢) قال الله تعالى عمن هو دون محمد (صلى الله عليه وآله)
~~من الأنبياء ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى
~~ما أنهاكم عنه﴾ (3).
# فكيف يأمر نبينا (صلى الله عليه وآله) بالوصية ولو في الشئ اليسير،
~~ويتركها هو في الأمر الكثير والجم الغفير؟ لا سيما وقد رووا أن الله تعالى
~~عرفه ما يحدث في أمته من الاختلاف العظيم، كما استفاضت به ms059 أخبارهم، ونطقت
~~به آثارهم. ما هكذا تقتضي صفات السياسة المرضية، وعموم الرحمة الإلهية،
~~وثبوت الشفقة المحمدية.
# وكيف يصدق عاقل أو جاهل أن محمدا (صلى الله عليه وآله) ترك الأمة بأسرها
~~كبيرها وصغيرها، غنيها وفقيرها، عالمها وجاهلها، في ظلم الحيرة والاختلاف
~~والاهمال والضلال، لقد أعاذه الله من هذه، ولقد نسبوه إلى غير صفاته
~~الشريفة، وما عرفوا
# PageV00P123
# أو عرفوا وجحدوا حقوق ذاته المعظمة المنيفة (1). انتهى كلامه ملخصا.
# وهو كلام متين، وستسمع لنا كلاما مستوفى في الحديث الحادي والعشرين.
# تنبيه:
# روى الشيخ أبو جعفر الطوسي شيخ طائفتنا ورئيس أصحابنا في الأمالي هذا
~~الخبر على وجه مغاير لما أوردناه، عن ابن مردويه من المخالفين، وهذه صورته:
# قال: بلغ أم سلمة أن عبدا لها يبغض عليا (عليه السلام) ويتناوله، فأحضرته
~~وقالت له:
# يا بني سمعت عنك كذا وكذا، فقال: نعم، فقالت: اجلس مكانك ثكلتك أمك حتى
~~أحدثك بحديث سمعته من النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم اختر لنفسك.
# انه كان ليلتي من النبي (صلى الله عليه وآله)، فأتيت الباب وقلت: أدخل يا
~~رسول الله؟ فقال:
# لا، فاكتأبت كآبة (2) شديدة، مخافة أن يكون ردني من سخطة، أو نزل في شئ
~~من السماء، ثم جئت ثانية فجرى ما جرى في الأولى، فأتيته الثالثة فأذن لي،
~~وقال لي:
# ادخلي.
# فدخلت وعلي (عليه السلام) جاث بين يديه وهو يقول: فداك أبي وأمي يا رسول
~~الله إذا كان كذا وكذا فما تأمرني؟ قال: اصبر، فأعاد القول ثانية، وهو
~~يأمره بالصبر، فأعاد القول ثالثة وهو يأمره بالصبر، فأعاد القول الرابعة،
~~فقال (صلى الله عليه وآله): يا علي إذا كان ذلك منهم فسل سيفك وضعه على
~~عاتقك واضرب قدما قدما حتى تلقاني وسيفك شاهر يقطر من دمائهم.
# ثم التفت (صلى الله عليه وآله) إلي وقال: ما هذه الكآبة يا أم سلمة؟
~~فقلت: للذي كان من ردك
# PageV00P124
# إياي يا رسول الله، فقال: والله ما رددتك عن موجدة، وانك لعلى خير من
~~الله ورسوله، ولكن أتيتيني وجبرئيل عن يميني وعلي عن شمالي، وجبرئيل يخبرني ms060
~~عن الأحداث التي تكون بعدي، وأمرني أن أوصي بذلك عليا.
# يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب أخي في الدنيا والآخرة، يا
~~أم سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب وزيري في الدنيا ووزيري في
~~الآخرة، يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب حامل لوائي في الدنيا
~~وحامل لوائي في الآخرة لواء الحمد غدا يوم القيامة.
# يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب وصيي وخليفتي من بعدي وقاضي
~~عداتي والذائد عن حوضي، يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا علي بن أبي طالب امام
~~المتقين، وقائد الغر المحجلين، وقاتل الناكثين والقاسطين والمارقين.
# قلت: يا رسول الله من الناكثون؟ قال: الذين يبايعونه بالمدينة وينكثون
~~بالبصرة. قلت: من القاسطون؟ قال: معاوية وأصحابه من أهل الشام. قلت: من
~~المارقون؟ قال: أصحاب النهروان، فقال مولى أم سلمة: فرجت عني فرج الله عنك،
~~والله لا سببت عليا أبدا (1).
# وأورد هذا الخبر أيضا الفاضل الجليل بهاء الدين علي بن عيسى الأربلي عطر
~~الله مرقده في كتابه كشف الغمة، ثم قال بعد ايراده له ما نصه:
# أقول: أبعد الله هذا العبد، وأبعد داره، ولا قرب منزله، ولا أدنى قراره،
~~لأنه حين كان مبغضا لعلي (عليه السلام) كان ذا عقيدة ذميمة وطريقة غير
~~مستقيمة، فلما عرف الصواب تاب عن سبه ولم يمل إلى صحبه، ولا قال أعتقد ما
~~يجب من حبه وأكون معه ومن حزبه، وهل يرضى بذلك الا من غطى الله على عينيه
~~وقلبه.
# PageV00P125
# ورضي الله عن أم المؤمنين أم سلمة، فقد أدت الأمانة في مقالها، وقدمت هذه
~~الشهادة أمام ارتحالها عن الدنيا وانتقالها وستجني رحمها الله ورضي عنها
~~ثمرة أعمالها (1). انتهى كلامه زيد اكرامه.
# وأنا أقول: الظاهر أن هذه القصة هي التي حكاها طراز المحدثين أحمد بن
~~موسى بن مردويه، وأن هذا العبد هو المولى الذي رباها، وقد تضمن حديث ابن
~~مردويه أنه تاب توبة نصوحا، وأنه كان يقول: اللهم اغفر لي ما جهلت من أمر
~~علي، ms061 فان وليي ولي علي وعدوي عدو علي.
# وهذه - كما ترى - توبة صادقة صحيحة، ومحبة خالصة صريحة، فما ذكره الفاضل
~~الأربلي غير وارد عليه، ودعاؤه عليه غير متوجه إليه، والله العالم
~~بالحقائق.
# درة ثمينة:
# قوله (عليه السلام) في هذا الحديث (إذا كان كذا وكذا فما تأمرني؟ فقال:
~~بالصبر) الظاهر أنه كناية عما جرى عليه وعلى أهل بيته وزوجته فاطمة (عليها
~~السلام) من الأمور الفضيعة من أول الطواغيت الثلاثة، ومن تابعه من السفهاء.
# من كف يده عن الخلافة والإمامة، واكراهه على البيعة للجبت، وغصب فاطمة
~~(عليها السلام) ميراثها من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومنعها فدكا
~~والعوالي، وضربها بالسوط، وعزمهم (2) على احراق بيتها صلوات الله عليها
~~وعلى أبيها وبنيها، وغيرها من الأمور المنكرة الفضيعة والأحوال الشنيعة.
# وقوله (عليه السلام) الثانية مثل ذلك، وأمره له (صلى الله عليه وآله)
~~بالصبر، هو كناية عما جرى عليه
# PageV00P126
# بعد موت الجبت من اغتصاب حقه من الإمامة ثانيا، حيث أوصى بها إلى الطاغوت
~~الفظ الغليظ من غير مشورة أهل المشورة، ورضا أهل النجدة والسابقة من عظماء
~~الصحابة.
# وما جرى عليه من اللص الثاني من الوقائع العجيبة والبدع الغريبة، من
~~منعهم (عليهم السلام) من الخمس، وتزوجه بأم كلثوم قهرا واكراها، ومنعه عن
~~المتعتين: متعة الحج ومتعة النساء، واسقاطه حي على خير العمل من الأذان،
~~وقتله سعد بن عبادة، وغيرها من البدع.
# واعادته (عليه السلام) القول المذكور في الثالثة وأمره (صلى الله عليه
~~وآله) بالصبر، كناية عما جرى عليه من الأحوال المنكرة بعد قتل الثاني، من
~~جعله الشورى في جملة ستة، لا ينالون شاؤه، ولا يدركون مداه وغايته، وتخاذل
~~الصحابة عنه، وبيعتهم بخديعة عبد الرحمن بن عوف لنعثل (1).
# وما جرى منه من البدع التي لا يفي الحصر بذكرها: من عفوه عن عبد الله بن
~~عمر قاتل هرمزان، وعدم أخذه الحد من الوليد بن عقبة، وقد شرب الخمر وقامت
~~عليه البينة العادلة بأنه قد قآها في المحراب، ومنعه المراعي من الجبال
~~والأودية، وأخذه عليها المال من المسلمين، وايوائه طريد ms062 رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) الحكم بن أبي العاص عمه وابنه مروان، وجعله مروان كاتبه
~~وصاحب تدبيره.
# PageV00P127
# وضربه عبد الله بن مسعود لما امتنع من دفع مصحفه إليه حتى كسر له ضلعان،
~~وحمل من موضعه وهو لما به عليل، فبقي أياما ومات من ذلك، واحراقه المصاحف،
~~وضربه عمار بن ياسر رضي الله عنه حتى أصابه فتق، ونفيه أبا ذر رضي الله عنه
~~إلى الربذة وغيرها، وقد صبر (عليه السلام) كما أمره سيد الأنبياء (صلى الله
~~عليه وآله) في هذه الوقائع الشنيعة والأحوال الفضيعة.
# واعادته (عليه السلام) القول في الرابعة، فأجاب (صلى الله عليه وآله)
~~بقوله: (يا علي إذا كان ذلك منهم فسل سيفك وضعه على عاتقك) كناية عما وقع
~~بعد بيعته (عليه السلام) بعد قتل عثمان، من انبثاق (1) بثوق البدع، ونجوم
~~(2) نجم الفتن من الناكثين لبيعته، وهم: طلحة والزبير وعائشة وأهل البصرة،
~~والقاسطين وهم أصحاب معاوية وأهل الشام، والمارقين وهم الخوارج لعنهم الله
~~أجمعين، فإنه (عليه السلام) قد ابلي العذر في قتالهم كما قال (صلى الله
~~عليه وآله).
# هذا ما خطر ببالي العليل في معنى الكلام، ولعله (عليه السلام) أراد معنى
~~آخر لم يهتد نظري الكليل إليه، ولم يعثر فكري العليل عليه، والله أعلم
~~بحقيقة الحال.
# جوهرة غالية:
# قد يسأل المخالفون عن مسالمته (عليه السلام) لأئمتهم الثلاثة المتلصصة،
~~وعدم منازعتهم ومحاربتهم ومعارضتهم، ومحاربته لأهل البصرة وفيهم عائشة
~~وطلحة والزبير، ومحاربته لأهل صفين مرة بعد أخرى.
# وقالوا: لو كان كما ذكرتم من أنه إنما ترك المنازعة والمحاربة للخلفاء
~~الثلاثة لعدم
# PageV00P128
# المكنة، لاتجه أن يقال: لم لا أبلى وأعذر واجتهد؟ فإنه إذا لم يصل إلى
~~مراده بعد الاعذار والاجتهاد كان معذورا.
# ثم قالوا: أوليس هو (عليه السلام) حارب أهل البصرة وفيهم عائشة زوجة رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) وطلحة والزبير، ومكانهما من الاختصاص والصحبة
~~والتقدم مكانهما، ولم يحشمه ظاهر هذه الأحوال من كشف القناع في حربهم، حتى
~~أتى على نفوس أكثر أهل العسكر.
# وهو المحارب (عليه السلام) لأهل صفين مرة ms063 بعد أخرى، مع تخاذل أصحابه
~~وتواكل أنصاره، وهو أنه في أكثر مقاماته ومواقفه لا يغلب في ظنه الظفر، ولا
~~يرجو لضعف من معه النصر، وكان مع ذلك كله مصمما ماضيا قدما لا تأخذه في
~~الله لومة لائم، ولم يظهر منه شئ من ذلك مع من تقدم والحال عندكم واحدة، بل
~~لو قلنا كانت أغلظ وأفحش، لأنها كانت مفتاح الشر، ورأس الخلاف، وسبب
~~التبديل والتغيير على زعمكم.
# وقد أجاب أصحابنا عن ذلك بوجوه صحيحة وطرق مليحة.
# منها: ما ذكره أبو القاسم الأجل المرتضى علم الهدى ذو المجدين عطر الله
~~مرقده في كتابه تنزيه الأنبياء، وملخصه: أن الأئمة (عليهم السلام) معصومون
~~عندنا من كبائر الذنوب وصغائرها، للدليل العقلي القاطع، وقد أشرنا إليه
~~فيما سبق، فمتى ورد عن أحدهم (عليهم السلام) ما ظاهره أنه ذنب أو خطيئة،
~~وجب أن نصرفه عن ظاهره، ونحمله على ما يوجبه الدليل العقلي.
# ولما ثبت أن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) امام معصوم عن الخطأ
~~والزلل، وجب حمل جميع أفعاله على الوجه الصحيح المحسن، والنمط المصحح
~~المسوغ، فان علمنا وجهه على وجه التفصيل فذاك، والا كفانا في ذلك الأمر
~~الاجمالي والعلم الحملي، بأن الظاهر غير مراد أنه ذو محمل صحيح ووجه سائغ.
# ثم قال نور الله ضريحه: وهذه الجملة كافية في جميع المشتبه من أفعال
~~PageV00P129
# الأئمة (عليهم السلام) وأقوالهم (1) انتهى كلامه أعلى الله مقامه.
# ومنها: ما أجاب به قدس الله سره في الكتاب المذكور على التفصيل باطناب
~~وتطويل واكثار من الأسؤلة والأجوبة، ونحن نذكر هنا محصله ونختصر مطوله، لأن
~~نقله يؤدي إلى الاطناب، ويخرج عن موضوع الكتاب.
# فنقول: من شرط انكار المنكر التمكن والقدرة، وأن لا يغلب في ظن المنكر أن
~~انكاره يؤدي إلى وقوع ضرر به لا يتحمل، ولا يخاف من انكاره وقوع ما هو أفحش
~~منه وأقبح، وهذه شروط قد شهدت بها الأدلة العقلية، ووافقنا عليها
~~المخالفون.
# وإذا كان الأمر على هذا، فتركه (عليه السلام) الانكار على الطواغيت
~~الثلاثة ومحاربته، مبني على عدم تمكنه وخوفه من ms064 الضرر العظيم العائد إليه
~~في نفسه وولده والى شيعته.
# ويجوز أن يكون لخوفه من ارتداد القوم عن الدين وخروجهم عن الاسلام،
~~ونبذهم شعار الشريعة الإلهية، فلا جرم كان الاغضاء أصلح في الدين إذا كان
~~الانكار البليغ والمعارضة البالغة تجر إلى ضرر عظيم لا يتلافى، ومشقة شديدة
~~لا تنحسم (2).
# قلت: ويؤيده ما نقله الشيخ العالم عز الملة والحق والدين الشيخ حسن
~~المهلبي الحلي (3) في الأنوار البدرية، عن بعض كتب المخالفين، وهو أن سيدة
~~النساء
# PageV00P130
# فاطمة (عليها السلام) عاتبته على ما حصل لها من القهر بمنعها ارثها، حتى
~~قالت له: ما كنت شجاعا الا بأبي، فأمهلها حتى أذن المؤذن، وقال: أشهد أن لا
~~إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله، وجذب بعض ذي الفقار وقال لها:
~~أيما أحب إليك ذكر أبيك هكذا إلى يوم القيامة أم تعود جاهلية؟ فقالت: رده
~~يا أبا الحسن.
# وهذا بعينه ذكره ابن أبي الحديد المعتزلي في آخر شرح نهج البلاغة.
# ثم قال (1) قدس الله روحه: ثم قد ذكرنا في كتابنا في الإمامة من أسباب
~~الخوف وامارات الضرر التي تناصرت بها الروايات ووردت من الجهات المختلفة ما
~~فيه مقنع للمتأمل، وانه (عليه السلام) غولط في الأمر وسوبق إليه وانتهزت
~~غرته (3)، واغتنمت الحال التي كان فيها متشاغلا بتجهيز النبي (صلى الله
~~عليه وآله) وسعى القوم إلى سقيفة بني ساعدة، وجرى لهم فيها مع الأنصار ما
~~جرى، فتم لهم عليه، كما اتفق من بشر بن سعد ما تم وظهر.
# وإنما توجه لهم من قهرهم الأنصار ما توجه، أن الاجماع قد انعقد على
~~البيعة، وأن الرضا وقع من جميع الأمة، وروسل أمير المؤمنين (عليه السلام)
~~ومن تأخر معه من بني هاشم وغيرهم مراسلة بليغة، وألزموا بالبيعة الزاما لا
~~اختيار فيه تهددوه على التأخر بأنواع التهديدات وأصناف التوعدات، وهذه
~~امارات بل دلالات قاطعة على أن الضرر في الانكار على القوم شديد والخطب
~~عظيم.
# بل نقول: إذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) قد نص على أمير المؤمنين
~~بالإمامة والوصية في مقامات ms065 شتى ومواضع متعددة بكلام لا يحتمل التأويل، ثم
~~إنهم مع سماعهم النصوص واستفاضتها بينهم على وجه لا يجحده ذو تحصيل أقبلوا
~~بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) بلا فصل يتنازعون في الأمر تنازع من لم
~~يعهد إليه بشئ فيه، ولم يسمع نصا على
# PageV00P131
# الإمامة، لأن المهاجرين قالوا: نحن أحق بالأمر، لأن الرسول (صلى الله
~~عليه وآله) منا ولكيت وكيت، والأنصار قالوا: نحن آويناه ونصرناه، فمنا أمير
~~ومنكم أمير. والنص لا يذكر فيما بينهم، ولم يطل العهد عليهم، فينسوه أو
~~يتناسوه ولا يتناسى.
# فعلم أنهم قد وطنوا نفوسهم على نبذ العهود، واطراح النصوص، ومخالفة
~~الرسول (صلى الله عليه وآله)، وتغيير ما أطد، وهدم ما أسس ومهد، وتواطئوا
~~على مخالفة نبيهم وجحود امامهم، والتعويل على أهوائهم السخيفة وآرائهم
~~الضعيفة.
# واستبان أنهم ما أقدموا على ذلك الأمر الفضيع والخطب الشنيع الا وهم على
~~غيره من الضرر العظيم أشد اقداما، فأي طمع يبقى في نزوعهم لوعظ أو تذكير.
# على أنا لا نسلم أنه صلوات الله عليه لم يقع منه انكار على وجه من
~~الوجوه، فان الرواية متظافرة بأنه (عليه السلام) لم يزل يتظلم ويتألم ويشكو
~~أنه مظلوم ومقهور في مقام بعد مقام، وخطاب بعد خطاب، وقد ذكرنا تفصيل هذه
~~الجملة في كتابنا الشافي في الإمامة، وأوردنا طرفا مما روي في هذا الباب.
# وبينا أن كلامه في هذا المعنى ترتب في الأحوال بحسب ترتبها في الشدة
~~واللين، وكان المسموع من كلامه (عليه السلام) في أيام أبي بكر، لا سيما في
~~صدرها وعند ابتغاء البيعة له ما لم يكن مسموعا في أيام عمر، ثم صرح (عليه
~~السلام) وقوى تعريضه في أيام عثمان، ثم انتهت الحال في أيام تسليم الأمر
~~إليه إلى أنه (عليه السلام) ما كان يخطب خطبة ولا يقف موقفا الا ويتظلم فيه
~~بالألفاظ المختلفة والوجوه المتباينة، حتى اشترك في معرفة ما في نفسه الولي
~~والعدو، والقريب والبعيد.
# فأما محاربة أهل البصرة، ثم أهل صفين، فلا يجري مجرى التظاهر بالانكار
~~على المتقدمين عليه صلوات الله ms066 عليه وآله، لأنه (عليه السلام) وجد على
~~هؤلاء أعوانا وأنصارا يكثر عددهم، ويرجى النصرة والظفر بمثلهم، لأن الشبهة
~~في فعلهم وبغيهم كانت PageV00P132
# زائلة عن جميع الأماثل وذوي البصائر، ولم يشتبه أمرهم الا على أغنام
~~وطغام (1) لا اعتبار لهم ولا فكر في نصرة مثلهم وتعين الغرض في قتالهم
~~ومجاهدتهم للأسباب التي ذكرناها.
# وليس هذا ولا شئ منه موجودا في من تقدم، بل الأمر فيه بالعكس مما ذكرناه،
~~لأن الجمهور والعدد الجم الغفير كانوا على موالاتهم وتعظيمهم وتصويبهم في
~~أقوالهم وأفعالهم، فبعض للشبهة، وبعض للانحراف عن أمير المؤمنين والمحبة
~~لخروج الأمر عنه، وبعض لطلب الدنيا وحطامها ونيل الرئاسات فيها.
# فمن جمع بين الحالتين وسوى بين الوقتين كمن جمع بين المتضادين، فكيف يقال
~~هذا ويطلب منه (عليه السلام) من الانكار على من تقدم مثل ما وقع منه متأخرا
~~في صفين والجمل، وكل من حارب معه (عليه السلام) في هذه الحروب الا القليل
~~كانوا قائلين بامامة المتقدمين عليه صلوات الله عليه، وفيهم من يعتقد
~~تفضيلهم على سائر الأمة، فكيف ينتصر ويتقوى في اظهاره الانكار على من تقدم
~~بقوم هذه صفتهم (2) انتهى كلامه ملخصا.
# وهو في غاية المتانة، وسيأتي في الحديث الثاني والعشرين تفصيل الأحوال
~~التي جرت يوم السقيفة، وتفصيل الدلالات القاطعة على الاكراه، وشدة التقية
~~ووفور الأعداء، وارتداد أكثر الصحابة، وتخاذلهم، وقلة الناصر منهم، فترقبه.
# ومما يشهد بأن تركه (عليه السلام) لمنازعة المتلصصين والطواغيت الثلاثة
~~وعدم محاربتهم لهم ليس الا لعدم المكنة، وان امساك يده كان مصلحة للدين
~~واحتياطا للمسلمين، ما روي عنه (عليه السلام) أنه قال: اني أغضيت وصبرت
~~اقتداء بالأنبياء: مثل جلوس
# PageV00P133
# نوح، حيث قال: ﴿رب اني مغلوب
~~فانتصر﴾ (١) ومثل قول لوط (عليه السلام) ﴿لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد﴾ (٢) وقول
~~حزقيل لموسى (عليه السلام) ﴿ان الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ (٣) وقول هارون لموسى
~~(عليه السلام) ﴿ان القوم استضعفوني ms067
~~وكادوا يقتلونني﴾ (٤) وقوله لنبينا (صلى الله عليه وآله) حين اشتد عليه
~~الأمر بمكة ﴿وإذ يمكر بك الذين
~~كفروا﴾ (5) الآية. (6) (7).
# PageV00P134
# وفي الديوان المنسوب إليه سلام الله عليه:
# اغمض عيني عن أمور كثيرة * واني على ترك الغموض قدير وما عن عمى اغضي
~~ولكن لربما * تعامى وأغضى المرء وهو بصير (١) والمروي أن يحيى بن أكثم
~~القاضي ناظر مولانا أبو جعفر الجواد (عليه السلام) في مجلس المأمون، فقال
~~القاضي: انه (عليه السلام) قدم الثلاثة المتلصصة على نفسه وسمع لهم وأطاع.
# فقال أبو جعفر (عليه السلام): أوما علمت أن أنبياء الله وأوصياءهم في
~~تقية إلى وقتنا هذا، أوما علمت أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) فر من
~~الكفر لما أرادوا قتله، ولم يكشف الغطاء على المنافقين، فصلى على عبد الله
~~بن أبي، وأنزل الله فيهم سورة بأسرها، فقال عز وجل ﴿إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله والله
~~يشهد أن المنافقين لكاذبون﴾ (٢) وقال (ولتعرفنهم في لحن القول) (٣) فلم
~~يكشف الغطاء عنهم، وأخفاهم حتى صاروا إلى الله، فقال تعالى ﴿ان المنافقين في الدرك الأسفل من
~~النار﴾ (4).
# PageV00P135
# وكذلك أبونا (عليه السلام) اتبع آثار الأنبياء، وأظهر الهدنة (1) مع
~~أعدائه خوفا على نفسه وعلى الدين، إذ لم يقدر على الإنكار عليهم، لاجتماع
~~الناس على الباطل واحتفالهم (2) على اعلاء كلمته، وابراز الضلالة من
~~أكمامها، ولولا ذلك لحدث أمر عظيم، وبرزت الشرور من أغلافها، وحل به
~~وبشيعته من أنواع النوائب التي تتصل مادتها إلى يوم القيامة (3).
# وأقول: انه على ما بيناه وذكرناه في تأويل الحديث المنقول عن الأمالي
~~يسقط السؤال المذكور بالكلية، لأنه إذا كان تركه الانكار والمحاربة في
~~ولاية اللصوص الثلاثة المتقدمين ومحاربته لأهل البصرة وصفين والنهروان عهدا
~~معهودا من النبي (صلى الله عليه وآله) كما علمته، ووصية سابقة منه سلام
~~الله عليه وآله، لم يكن للايراد المذكور محل، لأن عهده (صلى الله عليه
~~وآله) بذلك لا يستند إلى الرأي والاجتهاد، لما حققناه ms068 في الكتب الأصولية من
~~أنه (صلى الله عليه وآله) لم يتعبد بالرأي والاجتهاد، وانه غير لائق بشأنه
~~لأنه لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى.
# وذهب أكثر المخالفين إلى جواز الاجتهاد عليه (صلى الله عليه وآله).
~~واختلفوا في وقوعه، فقال به قوم، وأنكره آخرون، وتوقف فيه ثالث، وهو خيرة
~~الغزالي في المستصفى، وقد دللنا على حقية ما اخترناه في شرحنا على تهذيب
~~الأصول، وإذا كان وحيا من الله سبحانه لم يتجه السؤال، لتوجهه إلى حضرة من
~~لا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
# ويروى أن ابن عباس (رحمه الله)، سأله (عليه السلام) يوم اكره على بيعة
~~أبي بكر، فقال له: أين شجاعتك التي كانت في زمن رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله)، فلم يجبه حتى إذا كان يوم الجمل أجابه، وقال: يا بن عباس أتذكر يوما
~~قلت لي كذا وكذا، فقال صلوات الله عليه:
# لو قاتلت القوم وقتلتهم لم يكن معنا اليوم من هؤلاء أحد.
# PageV00P136
# وهذا الجواب منه يتعطف إلى ما ذكرناه فيما سبق من الاحتياط للمسلمين،
~~والنظر لحفظ دعائم الدين، الا أن الفرق بينهما لا يكاد يخفى على المحصل،
~~والله العالم.
# ختام في صفة لواء الحمد روى الخوارزمي في المناقب: أن النبي (صلى الله
~~عليه وآله) آخى بين المسلمين، فقال: يا علي أنت أخي وأنت مني بمنزلة هارون
~~من موسى غير أنه لا نبي بعدي، أما علمت يا علي أني أول من يدعى به يوم
~~القيامة، يدعى بي فأقوم عن يمين العرش في ظله، فأكسي حلة خضراء من حلل
~~الجنة.
# ألا واني أخبرك يا علي أن أمتي أول الأمم يحاسبون يوم القيامة، ثم أنت
~~أول من يدعى لقرابتك مني ومنزلتك عندي، ويدفع إليك لوائي، فتسير به بين
~~السماطين وآدم وجميع الخلق يستظلون به يوم القيامة، وطوله مسيرة ألف سنة،
~~سنانه ياقوتة حمراء، وقضيبه فضة بيضاء، وزجه درة خضراء، له ثلاث ذوائب من
~~نور: ذؤابة في المشرق، وذؤابة في المغرب، والثالثة وسط الدنيا.
# مكتوب عليه ثلاثة أسطر، الأول: بسم ms069 الله الرحمن الرحيم، والثاني: الحمد
~~لله رب العالمين، والثالث: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وطول كل سطر
~~مسير ألف سنة.
# وتسير بلوائي، والحسن عن يمينك، والحسين عن يسارك، حتى تقف بيني وبين
~~إبراهيم (عليه السلام) في ظل العرش، ثم تكسي حلة خضراء، ثم ينادي مناد من
~~تحت العرش: نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ أخوك علي، أبشر يا علي فإنك
~~تكسي PageV00P137
# إذا كسيت، وتدعى إذا دعيت، وتحيى إذا حييت (1).
# وأورد هذا الخبر أيضا الفاضل الجليل بهاء الدين علي بن عيسى الأربلي في
~~كتابه كشف الغمة (2).
# وقد استفاضت الأخبار بأنه (عليه السلام) حامل لواء الحمد يوم القيامة،
~~وقد أورده المخالفون في كتبهم ومصنفاتهم (3).
# قال بعض أصحاب الكمال: الظاهر أن من أراد أن يستظل بظلال رأفته (صلى الله
~~عليه وآله) وشفاعته، وحاول السلامة عن حر غضب الله جل شأنه وسخطه،
~~والاستظلال بظل عرشه يوم لا ظل الا ظله، لم يتيسر له ما يحاوله، ويستتم له
~~ما يريده الا بمتابعة حامل لوائه (عليه السلام) وقابل رشحات ولائه.
# ولا يخفى أن لكل متبوع لواء يعرف به، قدوة حق كان أو أسوة باطل، لأن
~~اللواء الصوري هي الراية العظيمة يرفع لرئيس الجيش. وأما اللواء المعنوي،
~~فهي المرتبة الكلية لجميع المراتب من الكمال، ولا مقام من مقامات عباد الله
~~الصالحين أرفع وأعلى من مقام الحمد دونه منتهى سائر المقامات.
# ولما كان سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحمد الخلائق في الدنيا
~~والآخرة، أعطاه الله لواء الحمد، ليأوي إلى لوائه الأولون والآخرون، واليه
~~الإشارة بقوله (صلى الله عليه وآله) (آدم ومن دونه تحت لوائي) وعلي صلوات
~~الله عليه هو حامل ذلك اللواء، إذ لم يطق أحد من أصحابه وقرابته (صلى الله
~~عليه وآله) حمل أسرار تلك المرتبة السنية الرفيعة، لأنه (عليه السلام) أقرب
~~الناس صورة ومعنى إليه (صلى الله عليه وآله)، وأكمل النفوس القدسية بعد
~~الكامل المطلق.
# وأما غيره من الصحابة والأرقاب، فأكثرهم عاطل من حلية القرب المعنوي،
~~مقصور على الصوري، وبين الحالين بون ms070 بعيد. وما أحسن ما قال بعض شعراء
# PageV00P138
# العجم في تحقير القرب الصوري المجرد، وانه غير نافع بل مضر في الحقيقة:
# دون شود از قرب بزرگان خراب * جيفه دهد بوى بدان آفتاب وقد خرجنا بهذا
~~التطويل إلى الاطناب، وتجاوزنا موضوع الكتاب، الا أن الحق أحق بالحماية في
~~كل باب، والمستعان ملهم الحق والصواب.
# الحديث الخامس عشر [حديث الغدير] الحافظ أبو الفتوح أسعد بن أبي الفضائل
~~بن خلف العجلي، من فحول محدثي العامة وعظمائهم وأساطينهم، في موجزه الذي
~~ألفه في فضل الخلفاء الأربعة، يرفعه بسنده إلى حذيفة بن أسيد الغفاري،
~~وعامر بن ليلى بن ضمرة، قالا: لما صدر رسول الله (صلى الله عليه وآله) من
~~حجة الوداع ولم يحج غيرها، أقبل حتى أتى الجحفة، فنهى عن شجرات متقاربة
~~بالبطحاء (1) أن لا ينزل تحتهن أحد، فلما أخذ القوم منازلهم بعث إليهن، فقم
~~(2) ما تحتهن حتى إذا ثوب (3) بالصلاة صلاة الظهر، فصلى بالناس تحتهن، وذلك
~~يوم غدير خم.
# ثم بعد فراغه من الصلاة قال: أيها الناس قد نبأني اللطيف الخبير أنه لم
~~يعمر نبي الا نصف عمر النبي الذي قد كان قبله، واني لأظن اني ادعى وأجيب،
~~واني مسؤول وأنتم مسؤولون، هل بلغت؟ فما أنتم قائلون؟ قالوا: قد بلغت وجهدت
~~ونصحت، فجزاك الله خيرا.
# قال: ألستم تشهدون أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وان جنته
~~حق،
# PageV00P139
# وان ناره حق، والبعث بعد الموت حق؟ قالوا: بلى نشهد، قال: أشهد، ثم قال:
~~أيها الناس ألا تسمعون ألا فان الله مولاي وأنا أولى بكم من أنفسكم، ألا
~~ومن كنت مولاه فعلي مولاه، وأخذ بيد علي ورفعها حتى نظرها القوم، ثم قال:
~~اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (1).
# أقول: هذا الخبر الشريف قد تضمن واقعة الغدير (2)، كالخبر الأول الذي
~~نقلناه في أول الكتاب عن معجم أبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، وقد
~~تقدم فيما سبق خبران آخران يتضمنان هذه الواقعة أيضا، ومسانيد القوم
~~وأصحتهم تشتمل على طرق كثيرة لهذا الخبر بمتون متغايرة ومداليل متقاربة، ms071
~~وعبارات مختلفة مطولة ومختصرة (3).
# وقد رواه محمد بن جرير الطبري (4) صاحب التأريخ من خمس وسبعين طريقا،
# PageV00P140
# وأفرد له كتابا سماه كتاب الولاية.
# وروى أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الحافظ المعروف بابن عقدة من مائة
~~وخمسة وعشرين طريقا، وأفرد له كتابا، وذكر الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن
~~الطوسي عطر الله مرقده في كتاب الاقتصاد (١) وغيره نحوه.
# ورواه الفقيه ابن المغازلي الشافعي في كتاب المناقب من اثني عشر طريقا،
~~ثم قال بعد روايته له: هذا حديث صحيح عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)،
~~وقد روى حديث يوم غدير خم نحو مائة نفس منهم العشرة (٢) وهو حديث ثابت لا
~~أعرف له علة، تفرد علي بهذه الفضيلة لم يشركه فيها أحد. انتهى كلامه (٣).
# فمن روايات الفقيه ابن المغازلي باسناده إلى جابر بن عبد الله الأنصاري،
~~قال:
# قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمنى واني لأدناهم إليه في حجة
~~الوداع، قال: لا ألفينكم ترجعون بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض، وأيم الله
~~لئن فعلتموها لترفني في الكتيبة التي تضاربكم.
# ثم التفت إلى خلفه، فقال: أو علي أو علي أو علي ثلاثا، فرأينا أن جبرئيل
~~(عليه السلام) غمزه، فأنزل الله تعالى على اثر ذلك (فاما نذهبن بك فانا
~~منهم منتقمون) بعلي بن أبي طالب ﴿أو نرينك الذي وعدناهم فانا عليهم مقتدرون﴾ (٤) ثم
~~نزلت (فاستمسك بالذي أوحي إليك) في أمر علي ﴿انك على صراط مستقيم﴾ (5)
# PageV00P141
# وان عليا لعلم للساعة لك ولقومك وسوف تسألون عن علي بن أبي طالب (١).
# ومنها: ما رواه في كتابه المذكور باسناده إلى الوليد بن صالح، عن ابن
~~امرأة زيد بن أرقم، قال: أقبل نبي الله (صلى الله عليه وآله) في حجة الوداع
~~حين نزل بغدير الجحفة بين مكة والمدينة، وساق الخبر بتمامه (٢). وقد نقلناه
~~فيما سبق في الحديث الرابع عن زيد بن أرقم من كتاب كشف الغمة.
# ومنها: ما رواه باسناده إلى عطية العوفي، قال: رأيت ابن أبي ms072 أوفى في
~~دهليز له بعد ما ذهب بصره، فسألته عن حديث، فقال: انكم يا أهل الكوفة فيكم
~~ما فيكم، قال: قلت: أصلحك الله اني لست منهم ليس عليك عار، قال: أي حديث؟
~~قال:
# قلت: حديث علي بن أبي طالب يوم غدير خم.
# فقال: خرج علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجته يوم غدير خم،
~~وقد أخذ بعضد علي (عليه السلام)، فقال: أيها الناس ألستم تعلمون أني أولى
~~بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا:
# بلى يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فعلي مولاه (٣).
# وروى الثعلبي في تفسيره أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ذلك بعد
~~ما نزلت آية ﴿يا أيها الرسول بلغ ما
~~انزل إليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ (4) (5).
# وذكر أيضا الفقيه ابن المغازلي الشافعي في المناقب باسناده إلى جابر بن
~~عبد الله
# PageV00P142
# الأنصاري فيما حضره وسمعه عن النبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك اليوم،
~~حيث تنحى أصحابه عنه بعد فراغه من مبعثه ونصه على علي (عليه السلام)
~~بالإمامة بعده، فخاف (عليه السلام) أن يكونوا كرهوا ذلك.
# فقال جابر: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزل بخم فتنحى الناس عنه،
~~ونزل معه علي بن أبي طالب (عليه السلام) فشق ذلك على النبي (صلى الله عليه
~~وآله) تأخر الناس، فأمر عليا فجمعهم، فلما اجتمعوا قام فيهم وهو متوسد يد
~~علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فحمد الله وأثنى عليه.
# ثم قال: أيها الناس أنه قد كرهت تخلفكم عني حتى خيل إلي أنه ليس شجرة
~~أبغض إليكم من الشجرة التي تليني، ثم قال: لكن علي بن أبي طالب أنزله الله
~~مني بمنزلتي منه، فرضي الله عنه كما أنا عنه راض، فإنه لا يختار على قربي
~~ومحبتي شيئا، ثم رفع يده وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من
~~والاه، وعاد من عاداه.
# قال: فابتدر الناس إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) يبكون ويتضرعون
~~ويقولون: يا رسول الله ms073 ما تنحينا عنك الا كراهية أن نثقل عليك، فنعوذ بالله
~~من سخط الله وسخط رسوله، فرضي رسول الله (صلى الله عليه وآله) عنهم عند ذلك
~~(1).
# وروى الزهري (2) من ثقات القوم وعظمائهم، قال: لما حج رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) حجة الوداع وعاد قاصدا المدينة قام بغدير خم، وهوما بين
~~مكة والمدينة، وذلك في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة الحرام وقت
~~الهاجرة (3)، فقال: أيها الناس اني مسؤول وأنتم مسؤولون هل بلغت؟ قالوا:
~~نشهد أنك قد بلغت ونصحت، قال:
# وأنا أشهد أني بلغت ونصحت.
# PageV00P143
# ثم قال: أيها الناس أليس تشهدون أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؟
~~قالوا:
# نشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، قال: وأنا أشهد مثل ما شهدتم.
# ثم قال: أيها الناس قد خلفت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي كتاب
~~الله وأهل بيتي، ألا وان اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا
~~علي الحوض، حوضي ما بين بصرى (1) وصنعاء (2)، عدد آنيته عدد النجوم، ان
~~الله سائلكم كيف خلفتموني في كتابه وفي أهل بيتي.
# ثم قال: أيها الناس من أولى الناس بالمؤمنين؟ قالوا: الله ورسوله أولى
~~بالمؤمنين، يقول ذلك ثلاث مرات، ثم قال في الرابعة وأخذ بيد علي: اللهم من
~~كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، يقولها ثلاث
~~مرات، ألا فليبلغ الشاهد الغائب (3).
# وروى عمدة محدثيهم أحمد بن حنبل في مسنده عن البراء بن عازب، قال: كنا مع
~~النبي (صلى الله عليه وآله) في سفر، فنزل بغدير خم، فنودي فينا الصلاة
~~جامعة، وكسح لرسول الله (صلى الله عليه وآله) تحت الشجرتين، فصلى الظهر
~~وأخذ بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال: ألستم تعلمون أني أولى
~~بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلى.
# قال: ألستم تعلمون أني أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا: بلى، قال: اللهم من
~~كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، قال: فلقيه عمر
~~بن الخطاب بعد ذلك، فقال له: ms074 هنيئا لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل
~~مؤمن ومؤمنة (4).
# PageV00P144
# وروى الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الشافعي هذا الحديث بلفظه
~~مرفوعا إلى البراء بن عازب رضي الله عنه (1).
# وروى أحمد بن حنبل أيضا في المسند، باسناده إلى زيد بن أرقم، قال: قال
~~ميمون بن عبد الله، قال: قال زيد بن أرقم وأنا أسمع: نزلنا مع رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) بواد يقال له: وادي خم، فأمر بالصلاة فصلاها.
# قال: فخطبنا وظلل لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بثوب على شجرة من
~~الشمس، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ألستم تعلمون؟ أو لستم تشهدون أني
~~أولى بكل مؤمن من نفسه؟ قالوا:
# بلى، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه
~~(2).
# وروى أيضا في الكتاب المذكور عن أبي ليلى الكندي أنه سأل زيد بن أرقم عن
~~قول النبي (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام): من كنت مولاه فعلي
~~مولاه، فقال زيد: نعم قالها رسول الله (صلى الله عليه وآله) أربع مرات (3).
# وروى فيه أيضا باسناده إلى زاذان أبي عمر، قال: سمعت عليا في الرحبة وهو
~~ينشد الناس: من سمع النبي (صلى الله عليه وآله) وهو يقول ما قال، فقام
~~ثلاثة عشر رجلا، فشهدوا أنهم سمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول:
~~من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (4).
# وروى الفقيه ابن المغازلي الشافعي في كتابه باسناده إلى عمير بن سهل (4)،
~~قال:
# PageV00P145
# شهدت عليا على المنبر ناشدا أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله): من
~~سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم يقول ما قال فليشهد، فقام
~~اثنا عشر رجلا منهم أبو سعيد الخدري وأبو هريرة وأنس بن مالك، فشهدوا أنهم
~~سمعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه،
~~اللهم وال من والاه وعاد من عاداه (1).
# وظني أن هذا الخبر هو الخبر الأول الذي نقلناه من معجم أبي ms075 القاسم
~~الطبراني بدليل اتحاد المتن، فيكون الصواب عمير بن سعد، والله أعلم
~~بالحقائق.
# وروى أحمد بن حنبل أيضا في الكتاب المذكور باسناده إلى أبي الطفيل، قال:
# خطب علي (عليه السلام) الناس في الرحبة، ثم قال، أنشد الله كل امرئ مسلم
~~سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول يوم غدير خم ما سمع لما قام، فقام
~~ثلاثون رجلا من الناس - وقال أبو نعيم: فقام أناس كثير - فشهدوا حين أخذ
~~بيده، فقال للناس: أتعلمون أني أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: نعم يا
~~رسول الله، فقال: من كنت مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه وعاد من
~~عاداه (2).
# وباسناده إلى شعبة بن أبي إسحاق، قال: اني سمعت عمر وذكر الحديث وزاد
~~فيه: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: اللهم وال من والاه، وعاد من
~~عاداه، وانصر من نصره، وأحب من أحبه، وابغض من أبغضه (3).
# وباسناده إلى سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن أبيه وربيعة الجرشي، أنه ذكر
~~علي عند رجل وعنده سعد بن أبي وقاص، فقال سعد: أتذكر عليا ان له مناقب أربع
~~لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من كذا وكذا - وذكر حمر النعم - قوله
~~لأعطين الراية، وقوله أنت مني بمنزلة هارون من موسى، وقوله من كنت مولاه
~~فعلي مولاه،
# PageV00P146
# ونسي سفيان واحدة (١).
# قلت: لعل التي نسيها سفيان هي نزول آية المباهلة في شأنه وابنيه وزوجته،
~~يدل على ذلك الحديث الثالث والعشرون (٢) الذي سنذكره إن شاء الله تعالى
~~منقولا عن صحيحي مسلم والترمذي، والرجل المذكور في هذا الحديث هو معاوية،
~~بدلالة التصريح به في الخبر المشار إليه، والله أعلم.
# وروى طراز المحدثين أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الحافظ باسناده إلى
~~أبي سعيد الخدري أن النبي (صلى الله عليه وآله) دعا الناس إلى غدير خم، أمر
~~بما كان تحت الشجرة من الشوك فقم، وذلك يوم الخميس، ثم دعا الناس إلى علي،
~~فأخذ بضبعه فرفعها (١)، حتى نظر الناس إلى بياض ابط رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله)، ثم ms076 لم يفترقا حتى نزلت هذه الآية ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم
~~الاسلام دينا﴾ (4).
# فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): الله أكبر على اكمال الدين واتمام
~~النعمة ورضا الرب برسالتي، والولاية لعلي، ثم قال: اللهم من كنت مولاه فعلي
~~مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.
# فقال حسان بن ثابت: يا رسول الله أتأذن لي أن أقول أبياتا من الشعر؟ قال:
# قل، فقال حسان: يا معشر مشيخة قريش اسمعوا شهادة رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله)، والأبيات هذه:
# يناديهم يوم الغدير نبيهم * بخم واسمع بالنبي مناديا بأني مولاكم نعم
~~ونبيكم * فقالوا ولم يبدوا هناك التعاميا
# PageV00P147
# إلهك مولانا وأنت ولينا * ولن تجدن منا لك اليوم عاصيا (1) فقال قم يا
~~علي فإنني * رضيتك من بعدي اماما وهاديا هناك دعا اللهم وال وليه * وكن
~~للذي عادا عليا معاديا قال: فلقيه عمر بن الخطاب بعد ذلك، فقال له: هنيئا
~~لك يا بن أبي طالب أصبحت وأمسيت مولى كل مؤمن ومؤمنة (2).
# قلت: وقد نقل هذه الأبيات لحسان بن ثابت أبو عبد الله محمد بن عمران
~~المرزباني في كتاب سرقات الشعر (3)، وهو من عظمائهم، وقد ينقل بعدها بيتان
~~آخران، وهما:
# ومن كنت مولاه فهذا وليه * وكن للذي عادا عليا معاديا فخص بها دون البرية
~~كلها * عليا وسماه الوزير المؤاخيا وروى ابن المغازلي الفقيه الشافعي في
~~كتاب المناقب، باسناده إلى أبي هريرة، قال: من صام يوم ثمانية عشر من ذي
~~الحجة، كتب الله له صيام ستين شهرا، وهو يوم غدير خم، لما أخذ النبي (صلى
~~الله عليه وآله) بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: ألست بأولى
~~بالمؤمنين من أنفسهم؟ قالوا: بلي يا رسول الله، قال: فمن كنت مولاه فعلي
~~مولاه، فقال عمر بن الخطاب: بخ بخ لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي ومولى كل
~~مؤمن ومؤمنة، فأنزل الله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي
~~ورضيت لكم ms077 الإسلام دينا) (4).
# قلت: وهذا يوافق ما رواه أبو بكر بن مردويه الحافظ في كتابه في تفسير هذه
~~الآية الكريمة، وهو بعينه المروي عن أئمتنا صلوات الله عليهم.
# PageV00P148
# قال أمين الاسلام أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي في تفسيره الكبير
~~الموسوم بمجمع البيان بعد ما نقل عن المفسرين من المخالفين ما تخرصوه
~~وتأولوا عليه الآية الكريمة بأهوائهم من الأقوال الباطلة التي لا تستند إلى
~~أثر نبوي، ولا تعتضد بخبر معصومي ما نصه: والمروي عن الامامين أبي جعفر
~~وأبي عبد الله (عليهما السلام) أنه إنما نزلت هذه الآية بعد أن نصب النبي
~~(صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) علما للأنام يوم غدير خم عند
~~منصرفه من حجة الوداع، قالا: وهي آخر فريضة أنزلها الله تعالى، ثم لم ينزل
~~بعدها فريضة (1) انتهي.
# ثم إنه (قدس سره) روى نحو ذلك من طريق المخالفين، فقال: حدثنا السيد
~~العالم أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني، قال: حدثني أبو القاسم عبيد الله
~~بن عبد الله الحسكاني، قال: أخبرنا أبو عبد الله الشيرازي، قال: أخبرنا أبو
~~بكر الجرجاني، قال: حدثنا أبو أحمد البصري، قال: حدثنا أحمد بن عمار بن
~~خالد، قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني.
# قال: حدثنا قيس بن الربيع، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخدري، أن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لما نزلت هذه الآية، قال: الله أكبر
~~على اكمال الدين، واتمام النعمة، ورضا الرب برسالتي، وولاية علي بن أبي
~~طالب من بعدي وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من
~~عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله.
# وقال علي بن إبراهيم في تفسيره: حدثني أبي، عن صفوان، عن العلاء ومحمد بن
~~مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: كان نزولها بكراع (2) الغميم،
~~فأقامها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالجحفة (3) انتهي.
# PageV00P149
# وروى الترمذي عن زيد بن أرقم (رضي الله عنه، قال: قال رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله): من كنت مولاه فعلي مولاه (1) (2).
# وقال أبو ms078 حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي في كتابه سر العالمين وكشف
~~الدارين (3)، وقد ألفه في أواخر عمره ما حكايته: لكن أسفرت الحجة عن وجهها،
~~وأجمع الجماهير على قوله صلوات الله وسلامه عليه في غدير خم: من كنت مولاه
~~فعلي مولاه، فقال عمر: بخ بخ لك يا بن أبي طالب، لقد أصبحت مولاي ومولى كل
~~مؤمن ومؤمنة.
# فهذا نص وتسليم ورضا وتحكيم، ثم بعد هذا غلب الهوى لحب الرئاسة، وحمل
~~عمود الخلافة، وعقود البنود، وخفقان الهوى في قعقعة الرايات، واشتباك
~~ازدحام الخيول، وفتح الأمصار، فسقاهم كأس الهوى، فعاد الخلاف الأول، فنبذوه
~~وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون (4). انتهى كلامه (5).
# PageV00P150
# هذا مع أنه المعروف عندهم بأنه حجة الاسلام، بل جعله ابن الأثير وغيره من
~~مجددي مذهب الشافعية في المائة الخامسة.
# فانظر وفقك الله إليه كيف أنصف من نفسه، واعترف بالحق الصريح، وسلك
~~المنهاج الصحيح، فهذا إن كان مذهبه فذاك.
# وقد ذكر جمع من متأخري أصحابنا أنه قد هبت عليه نسمات العناية السبحانية،
~~وفاضت عليه رشحات الهداية الربانية في أواخر عمره، فدان بالحق الصراح،
~~وانتظم في سلك الامامية رضوان الله عليهم. وممن صرح بذلك الشهيد الثالث
~~الشوشتري في مجالس المؤمنين (1)، ومولانا محسن الكاشي في المحجة البيضاء
~~(2) (3).
# وان لم يكن مذهبه، فقد أنطقه الله بالحق، وأجرى لسانه بالصدق، وقال ما
~~يكون عليه حجة في الدنيا والآخرة، ونطق بما لو اعتقد غيره لكان خصيمه في
~~محشره، فان الله تعالى عند لسان كل قائل، فلينظر القائل ما يقول، وأصعب
~~الأمور وأشقها أن يذكر الانسان شيئا يستحق به الجنة، ثم يكون ذلك موجبا
~~لدخوله النار، نعوذ بالله من ذلك.
# أحرم منكم بما أقول وقد * نال به العاشقون من عشقوا صرت كأني ذبالة نصبت
~~* تضئ للناس وهي تحترق
# PageV00P151
# وقد روى هذا الحديث النقاش من أئمتهم في تفسيره، والشيخ شهاب الدين أبو
~~حفص عمر بن محمد السهروردي من عظماء علمائهم في أعلام الهدى وعقيدة أرباب
~~التقى.
# وروى الإمام أبو الحسن علي بن أحمد الواحدي في كتابه ms079 المسمى بأسباب
~~النزول، يرفعه إلى أبي سعيد الخدري رضي الله عنه، قال: نزلت هذه الآية (يا
~~أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك) يوم غدير خم في علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام) (1).
# قلت: وهذا يطابق ما روي عن أئمتنا صلوات الله عليهم. روى أبو النضر محمد
~~بن مسعود العياشي في تفسيره، باسناده عن ابن أبي عمير، عن ابن أذينة، عن
~~الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس وجابر بن عبد الله، قالا: أمر الله محمدا
~~(صلى الله عليه وآله) أن ينصب عليا للناس، فيخبرهم بولايته، فتخوف رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) أن يقولوا حابى (2) ابن عمه، وأن يطعنوا في ذلك
~~عليه (3)، فأوحى إليه هذه الآية، فقام (عليه السلام) بولايته يوم غدير خم
~~(4).
# ورواه أمين الاسلام الطبرسي عطر الله مرقده عن السيد أبي الحمد، عن
~~الحاكم أبي القاسم الحسكاني، باسناده عن ابن أبي عمير في كتاب شواهد
~~التنزيل لقواعد التفضيل.
# ثم قال عطر الله مرقده: وفيه أيضا بالاسناد المرفوع إلى حنان (5) بن علي
~~الغنوي، عن أبي صالح، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في علي (عليه
~~السلام)، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده، فقال: اللهم من كنت
~~مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه
# PageV00P152
# وعاد من عاداه.
# وقد أورد هذا الخبر أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي في تفسيره
~~باسناده مرفوعا إلى ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية في علي (عليه السلام)
~~أمر النبي (صلى الله عليه وآله) أن يبلغ، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) بيد علي (عليه السلام)، فقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من
~~والاه وعاد من عاداه (1).
# ثم قال نور الله مرقده وقدس سره: وقد اشتهرت الروايات عن أبي جعفر وأبي
~~عبد الله (عليهما السلام) أن يستخلف عليا، فكان يخاف أن يشق ذلك على جماعة
~~من أصحابه، فأنزل الله سبحانه هذه الآية تشجيعا له على القيام بما أمره
~~بأدائه (2).
# انتهى كلامه زيد اكرامه.
# قلت: وتفسير الآية ms080 الكريمة على هذا الوجه أولى مما نقل عن الحسن، من أنه
~~تعالى بعث النبي (صلى الله عليه وآله) برسالة ضاق بها ذرعا، وكان يهاب
~~قريشا، فأزال الله تعالى بهذه الآية تلك الهيبة عن الحسن.
# وعن عائشة: من أنه أريد إزالة التوهم من أن النبي (صلى الله عليه وآله)
~~كتم شيئا من الوحي للتقية، مع أن ما ذكره الحسن يمكن تطبيقه على ما ذكرناه،
~~والعمل على الرواية المستفيضة بين الثقلين لا على الرأي المحض.
# وذكر جعفر بن بشير والشعبي أن سورة المائدة كلها مدنية الا قوله تعالى
~~(اليوم أكملت لكم دينكم) الآية، فإنه نزل والنبي (صلى الله عليه وآله) واقف
~~على راحلته في حجة الوداع.
# PageV00P153
# ونقل عن ابن عباس ومجاهد أنها مدنية (1) بأسرها، وحينئذ فما ذكره الحسن
~~لا يتم الا على ما ذكرناه، فليتأمل.
# ونقل أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره أن سفيان بن عيينة (2) سئل عن قول الله
~~عز وجل (سأل سائل بعذاب واقع) (3) في من نزلت؟ فقال للسائل: لقد سألتني عن
~~مسألة ما سألني عنها أحد قبلك، حدثني جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام)
~~أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما كان بغدير خم نادى الناس فاجتمعوا،
~~فأخذ بيد علي (عليه السلام) وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، فشاع ذلك وطار
~~في البلاد.
# فبلغ ذلك الحارث بن النعمان الفهري، فأتى النبي (صلى الله عليه وآله) على
~~ناقة له، فأناخ ناقته ونزل عنها، فقال: يا محمد أمرتنا أن نشهد أن لا إله
~~إلا الله، وانك رسول الله، فقبلنا منك، وأمرتنا بأن نصلي خمسا فقبلنا منك،
~~وأمرتنا بالزكاة فقبلنا منك، وأمرتنا بأن نصوم رمضان فقبلنا منك، وأمرتنا
~~بالحج فقبلنا منك، ثم لم ترض بهذا حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله، فقلت من
~~كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شئ
# PageV00P154
# منك أم من الله عز وجل؟.
# فقال النبي (صلى الله عليه وآله): والذي لا إله إلا الله هو (1) أن هذا
~~من أمر الله عز وجل، فولى الحارث بن النعمان يريد راحلته وهو ms081 يقول: اللهم
~~إن كان ما يقول محمد حقا فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم،
~~فما وصل إلى راحلته حتى رماه الله بحجر سقط على هامته، فخرج من دبره فقتله،
~~فأنزل الله تعالى (سأل سائل بعذاب واقع * للكافرين ليس له دافع × من الله
~~ذي المعارج) (2).
# وقد أورد هذا الخبر نور الدين علي بن محمد المكي المالكي المشهور بابن
~~الصباغ في الفصول المهمة (3) وغيره.
# وروى أبو إسحاق الثعلبي أيضا وابن الصباغ في الفصول، عن أمير المؤمنين
~~علي بن أبي طالب (عليه السلام)، قال: عممني رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~يوم غدير خم بعمامة، فسدل طرفها على منكبي، وقال: ان الله تعالى أمدني يوم
~~بدر وحنين بملائكة معتمين بهذه العمامة (4).
# قلت: وقد روى نحو هذا الخبر الحافظ أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد بن
~~عقدة في كتابه الذي أفرده في هذا الخبر وطرقه، وسماه كتاب الولاية، فذكره
~~في ترجمة عبد الله بن بشر المازني من طريقين إلى عبد الله بن بشر (5) قال
~~في الأول: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم غدير خم إلى علي (عليه
~~السلام) فعممه وأسدل
# PageV00P155
# العمامة بين كتفيه، وقال: هكذا أيدني ربي يوم حنين بالملائكة معممين قد
~~أسدلوا العمائم، وذلك حجز بين المسلمين وبين المشركين، ورسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) معتمد على قوس له عربية، فبصر برجل في آخر القوم وبيده قوس
~~فارسية، فقال: ملعون حاملها، عليكم بالقوس (1) العربية ورماح القنا (2)،
~~فإنها بها أيد الله لكم دينكم ومكن لكم في البلاد.
# وقال في الحديث الاخر: عمم رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا يوم غدير
~~خم عمامة أسدلها بين كتفيه، وقال: هكذا أيدني ربي بالملائكة، ثم أخذ بيده،
~~فقال: أيها الناس من كنت مولاه فهذا مولاه، والى الله من والاه وعادى الله
~~من عاداه.
# وقد أورد هذين الخبرين نقلا عن كتاب الولاية جمال السالكين وقدوة
~~الناسكين السيد العلامة رضي الدين علي بن موسى قدس الله روحه في كتاب
~~الأمان من أخطار الأزمان ms082 (3) وبالجملة فالذي وضح عندي وظهر لدي أن هذا
~~الخبر من المتواترات، بل هو في أعلى طبقاتها.
# فقول القوشجي في شرح التجريد: انه غير صحيح، ولم ينقله الثقات. مما يشهد
~~عليه بمحوضة جهالته، وينادي بصرافة غوايته وسذاجة ضلالته، وما ظننت أن أحدا
~~من العوام يقدم على هذا الكلام فضلا عمن يدعي الانتظام في سلك الأعلام،
~~والانخراط في عقد اولي الأفهام، ويتصدى لمقام النقض والابرام.
# وكيف لا يكون الأمر كذلك؟ وقد حضرني في هذا الوقت من طرق هذا الخبر
~~الواردة من جهتهم نحو من مائة طريق، أو يزيد على ذلك. وأما أصحابنا، فقد
~~رووه من أكثر من مائتي طريق كما بيناه في مكان مفرد.
# ولا يخفى على من له أدنى حظ من البصيرة أنه صريح في الإمامة، بل نص فيها
# PageV00P156
# غير قابل للتأويل، وان المراد بالمولى فيه هو الأولى بالتصرف.
# فان قلت: كيف يكون نصا فيما ذكرتم، ولفظة (المولى) مشتركة بين معان
~~متعددة.
# منها بمعنى الأولى، ومنه قوله تعالى في حق المنافقين ﴿مأواكم النار هي مولاكم﴾ (١) أي: أولى بكم، ذكره
~~البيضاوي (٢) والزمخشري (٣) وغيرهما.
# ومنها: الناصر، قال الله تعالى ﴿ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وان الكافرين لا مولى
~~لهم﴾ (٤) أي: لا ناصر لهم.
# ومنها: بمعنى الوارث، قال الله تعالى ﴿ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون﴾ (٥)
~~أي: وارثا، قاله ابن الصباغ المالكي في فصوله المهمة (٦)، والمحقق
~~الأردبيلي في آيات الأحكام (عليه السلام)).
# ومنها: العصبة، قال الله تعالى ﴿واني خفت الموالي من ورائي﴾ (٨) أي:
# خشيت عصبتي التي هي باقية بعدي تأخذ ارثي.
# ومنها: الصديق قال الله تعالى ﴿يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا﴾ (9) أي:
# حميم عن حميم، وصديق عن صديق.
# ومنها: المعتق، والجار، وابن العم، ومع الاشتراك لا يكون نصا ولا ظاهرا
~~في
# PageV00P157
# الإمامة.
# قلت: من كان له حظ من الادراك والشعور إذا خلع ربقة التقليد والعصبية ms083 لا
~~يشتبه عليه أن المراد بالمولى في الحديث المذكور هو الأولى بالتصرف.
# أما أولا، فلأنه معنى مشهور بين أهل اللغة متداول بينهم، ذكره أبو عبيدة
~~وغيره من أئمة أهل اللغة. وفي الخبر: أيما امرأة نكحت بغير اذن مولاها (1).
~~أي: الأولى بها والمالك لتدبير أمرها، وقال الأخطل في حق عبد الملك يمدحه:
# فأصبحت مولاها من الناس كلها * وأحرى قريش أن تهاب وتحمدا وتقول: السيد
~~مولى العبد، أي: الأولى بأمره وقال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتاب
~~العبارة عن صفات الله تعالى: أصل الولي الذي هو أولى أي: أحق، ومثله
~~المولى، نقله عنه أمين الاسلام أبو علي الطبرسي في تفسيره الكبير (2).
# والمنقول عن الفراء في كتاب معاني القرآن نحوه. وهو بهذا المعنى اسم لا
~~صفة، ليعترض بأنه من صيغة اسم التفضيل، وانه لا يستعمل استعماله.
# وأما ثانيا، فلأن صدر الخبر يدل على إرادة هذا المعنى، وهو قوله (صلى
~~الله عليه وآله) (ألست أولى بكم من أنفسكم) ومعنى كونه (صلى الله عليه
~~وآله) أولى بالمؤمنين من أنفسهم: إما كونه أحق بتدبيرهم، وحكمه عليهم أنفذ
~~من حكمهم على أنفسهم خلاف ما حكم به، لوجوب طاعته التي هي مقرونة بطاعة
~~الله تعالى، كما نقل عن أبي زيد، أو أنه أولى بهم في الدعوة، فإذا دعاهم
~~النبي (صلى الله عليه وآله) إلى شئ ودعتهم أنفسهم إلى خلافه كانت طاعته
~~أولى بهم من طاعة أنفسهم، كما نقل عن ابن عباس وعطاء، أو أن حكمه عليهم
~~أنفذ من حكم بعضهم على بعض.
# وهذه الوجوه نقلها شيخنا أمين الاسلام الطبرسي - عطر الله مرقده - في
~~كتاب
# PageV00P158
# مجمع البيان (١) في تفسير قوله تعالى ﴿النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم﴾ (2) والجامع
~~بينها إرادة الأولى بالتصرف المطلق في أحكام الدين والدنيا، فتقدم هذه
~~المقدمة التي هي كالقاعدة الممهدة، والضابطة المقررة على الجملة التي نحن
~~بصدد الكلام عليها من أقوم الشواهد، وأدل الدلائل على أن المراد بالمولى هو
~~الأولى بالتصرف المطلق بعده (صلى الله عليه وآله)، والا لم ms084 يكن لتقدم تلك
~~المقدمة والعطف عليها بالفاء المفرعة، كما جاء في بعض الطرق المذكورة في
~~مناقب الفقيه ابن المغازلي معنى وفائدة معتد بها.
# وأيضا فالمولى في مقدم الشرطية لا يراد به الا الأولى بالتصرف جزما، والا
~~لكان كلاما مزدولا، وقولا مغسولا منحولا، فيتعين إرادة هذا المعنى في تالي
~~القضية ليحسن التفريع ويسوغ الترتب والتلازم المستفاد من الشرطية، فلا
~~تغفل.
# وكذا التأمل في الخبر الأول الذي أورده أبو الفتوح في موجزه، ويشهد بذلك
~~وينادي به، حيث قال (صلى الله عليه وآله) فيه: أيها الناس ان الله مولاي
~~وأنا أولى بكم من أنفسكم، ألا ومن كنت مولاه فعلي مولاه.
# لأنه ابتدأ (صلى الله عليه وآله) بالاخبار بأن المتصرف في أمره كله،
~~والمالك لأزمة شؤونه، هو الواجب المطلق والمعبود بالحق جل شأنه، ليستفاد
~~منه أنه (صلى الله عليه وآله) في كل أحواله وعامة تصرفاته متابع للوحي
~~الإلهي، ومشايع للأمر الرباني، وانه لا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى.
# ولعل تأكيده ب (أن) والجملة الاسمية، مع أن الحكم المذكور مما لا ريب
~~فيه، لتنزيل الصحابة بمنزلة المنكرين لهذا الحكم، لتثاقلهم عن الحق
~~وكراهتهم لنصبه (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) علما للناس، حتى
~~كأنهم ينكرون أنه وحي من الله سبحانه،
# PageV00P159
# ويزعمون أنه حابا ابن عمه، وأخبار الخصوم صريحة في كراهة الصحابة لتعيينه
~~له (عليه السلام)، فيمكن ادعاء أن التأكيد مقتضى الظاهر، فتأمل.
# ثم إنه ثنا ذلك بالاخبار بأنه (صلى الله عليه وآله) هو المتصرف في شؤونهم
~~والمتولي لأحكام دينهم ودنياهم، فقال: وأنا أولى بكم من أنفسكم.
# ثم ثلث بالاخبار بأن أمير المؤمنين وباب مدينة العلم أولى بالتصرف في كل
~~من هو (صلى الله عليه وآله) أولى به من نفسه، وقدم عليه المقدمتين الأولتين
~~لما يعلمه منهم من أنهم لا تطيب أنفسهم بتقديمه (عليه السلام) عليهم، فسجل
~~عليهم بهما، وقطع بهما عرق الاختيار، وحسم بهما مادة الرجوع إلى الأهواء
~~الشيطانية، وأوجب التسليم إلى الله سبحانه والى الرسول (صلى الله عليه
~~وآله)، وعدم ms085 التعرض لنقض شئ مما أبرمناه، وهذا واضح عند المتأمل بعين
~~البصيرة.
# وكذا التأمل في الخبر الذي رواه ابن المغازلي الفقيه في كتاب المناقب، عن
~~جابر بن عبد الله الأنصاري (1)، فإنه نص صريح في إمامته (عليه السلام)، لا
~~سيما قوله في آخره:
# وان عليا لعلم للساعة لك ولقومك وسوف تسألون عن علي (عليه السلام).
# ومن تأمل في الخبر الذي رواه الزهري لم يذهب عليه أنه صريح في الإمامة بل
~~نص فيها، حيث استفسر النبي (صلى الله عليه وآله) فيه الصحابة عن أولى الناس
~~بالمؤمنين أربع مرات، وفي كل مرة يجيبونه بأن الله ورسوله أولى بالمؤمنين،
~~كل ذلك تأكيدا للحجة وقطعا للأعذار، ولو كان المراد بالمولى أحد تلك
~~المعاني الاخر لم يحتج إلى هذه التأكيدات البليغة والاستفسارات الكثيرة،
~~كما لا يخفى على ذي البصيرة الثاقبة.
# وأما ثالثا، فلأن الصحابة فهموا من ذلك ما فهمناه، وتحققوا أن مراده هو
~~ما رسمناه دون بقية معانيه، لأنهم هنوا عليا (عليه السلام) بذلك على وجه
~~بليغ، والتهنأة غير
# PageV00P160
# مستحسنة لو أريد غير هذا المعنى، بل تهنأة عمر بن الخطاب صريحة في إرادة
~~هذا المعنى، أعني قوله (بخ بخ لك يا أبا الحسن أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن
~~ومؤمنة) كما ذكره أبو حامد الغزالي في كتابه سر العالمين، وقد سبقت حكايته،
~~ورواه أبو بكر بن مردويه الحافظ، وأبو عبد الله المرزباني وغيرهما.
# ومما ينطق بفهمهم هذا المعنى الخبر الذي رواه أبو إسحاق الثعلبي في
~~تفسيره عن سفيان بن عيينة، المتضمن لنزول قوله تعالى (سأل سائل بعذاب واقع)
~~في الحارث بن النعمان الفهري، ومحاورته للرسول في ذلك، وقوله له (صلى الله
~~عليه وآله): ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبعي (1) ابن عمك تفضله علينا، فقلت
~~من كنت مولاه فعلي مولاه، فهذا شئ منك أم من الله عز وجل؟ فإنه صريح في
~~إرادة الأولى بالتصرف، كما لا يخفى على من له ذوق صحيح وفهم صريح.
# ولو كان المراد به الناصر أو الصديق أو نحوهما، لم يغضب الحارث بن
~~النعمان ms086 الفهري من ذلك، ولم يكن فيه تفضيل لعلي (عليه السلام) على الصحابة،
~~حتى يقول: ثم لم ترض بذلك حتى رفعت بضبعي ابن عمك تفضله علينا. وقوله (فهذا
~~شئ منك أو من الله) أدل دليل على ذلك، كما لا يخفى وأصرح. وقد روى النقاش
~~(2) هذا الخبر أيضا.
# وأما رابعا، فلأن غير ذلك من معاني المولى غير صالحة هاهنا، لاستحالة أن
~~يقوم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ذلك الوقت الشديد الحر ويدعو الناس
~~ويخبرهم بأشياء لا مزيد فائدة فيها، بأن يقول: من كنت ناصره أو صديقه أو
~~معتقه أو ابن عمه فعلي كذلك، مع أن الولاية والنصرة والمحبة عامة في جميع
~~المؤمنين، كما قال سبحانه
# PageV00P161
# ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء
~~بعض﴾ (1).
# ومن تأمل هذه القصة بعين البصيرة لم يخالجه الشك ولم يعترضه الريب فيما
~~حققناه، ولم ينزل (عليه السلام) بالناس على غير ماء ولا كلاء وقت الهاجرة
~~ويصعد على منبر من الرحال الا لأمر جليل القدر عظيم الشأن، وهو نصبه
~~للإمامة لا مجرد اظهار محبته ونصرته.
# وأما خامسا، فلأن ما رووه في تلك الحالة من نزول قوله تعالى (اليوم أكملت
~~لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) وقوله (عليه
~~السلام): الحمد لله على تمام النعمة وكمال الدين ورضا الرب برسالتي،
~~والولاية لعلي، كما رواه ا بن المغازلي في كتابه، وأبو القاسم الحسكاني في
~~شواهده، وأبو بكر بن مردويه الحافظ في مناقبه، ورواه أصحابنا عن أئمتنا
~~(عليهم السلام) يشهد بإرادة الإمامة والنص على الخلافة، كما لا يخفى على
~~المتأمل المنصف.
# وكذا ما رواه أبو الحسن الواحدي في كتابه أسباب النزول، عن أبي سعيد
~~الخدري، وأبو إسحاق الثعلبي، عن ابن عباس، والعياشي عن ابن عباس، وجابر بن
~~عبد الله الأنصاري، من نزول هذه الآية (يا أيها الرسول بلغ ما انزل إليك من
~~ربك) في علي بن أبي طالب (عليه السلام) يوم غدير خم، وأمره (صلى الله عليه
~~وآله) بنصبه له (2).
# PageV00P162
# وقد كنت في حداثة سني ms087 أتعجب من استفاضة هذا الخبر عند أساطين محدثي
~~المخالفين وفحول عظمائهم، وعدولهم عن محجته الواضحة وسبله اللائحة، وأقول:
# كيف يخفى على عاقل ما قصده (عليه السلام) من هذه الواقعة؟ وكيف يستحسن أن
~~ينسب رسول الملك الديان إلى ما يجري مجرى الهذيان.
# واجتمعت مع بعض الفضلاء المحجوبين عن حقائق اليقين، فجرت هذه القصة في
~~البين، فقال: ان المخالفين ينكرون هذا الخبر، كما يحكى أن ابن أبي داود (1)
~~منع
# PageV00P163
# صحته، والجاحظ في العثمانية طعن في رواته، فلا يكون مجمعا عليه بينهم،
~~وفي دلالته على المطلوب خفاء.
# فذكرت له أن ابن أبي داود تنصل من القدح فيه، وتبرأ مما قذفه محمد بن
~~جرير الطبري حين اخراجه للحديث من سبعين طريقا، والجاحظ إنما طعن في بعض
~~رواته لا فيه، وتلوت عليه من أخبار العامة المتضمنة لواقعة الغدير جملة
~~غالبة تنادي بالخلافة وتصرح بالإمامة (1)، والله الهادي.
# وقد بسطنا الكلام في هذا الخبر وذكرنا ما وقفنا عليه من الطرق، وأخرجناه
~~من طرق الفريقين في كتاب مفرد وسميناه بالبرهان القاطع.
# وبما حققناه ظهر سقوط ما ذكره ابن الأثير في النهاية الموضوعة في غريب
~~الحديث في تأويل الخبر، حيث قال: المراد بالمولى في الخبر المعتق، وحكي عن
~~بعضهم أن سبب ذلك أن أسامة قال لعلي (عليه السلام): لست مولاي، إنما مولاي
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من
~~كنت مولاه فعلي مولاه (2).
# PageV00P164
# وفيما قدمناه كفاية في اسقاط هذا الوهم وابطال الشبهة، وحديث الغدير
~~المروي في أسانيدهم وأصحتهم نص في خلافه.
# ومن البعيد بل من المقطوع بفساده أن يقوم (صلى الله عليه وآله) في هذا
~~الوقت الشديد الحر، وينزل في غير كلاء وماء للتنبيه على هذا المعنى السخيف،
~~ولم يدع أحد من محدثي العامة هذه القصة السخيفة، ولم نقف عليها في شئ من
~~مصنفاتهم سوى النهاية التي هي نهاية الغواية وغاية العماية.
# وبعض المخالفين نقل أن تلك القصة المختلقة (1) مع زيد لا أسامة، وهذا
~~يزيد فاسدا بأن زيدا قتل في سرية مؤتة ms088 (2) سنة ثمان من الهجرة، وهذا الكلام
~~في حجة الوداع سنة عشر، فأين أحدهما من الاخر. ولو سلم صحة هذه القصة
~~المختلقة بوجهها، لجاز أن يكون قال (عليه السلام) ذلك لهذا السبب في وقت
~~آخر غير يوم الغدير.
# ثم نقول لهذا الرجل الجاهل والمتجاهل: انه على هذا التقدير، فالخبر يدل
~~على إمامته (عليه السلام)، واستحقاقه للخلافة، لأن حقيقة الحديث غير مرادة
~~قطعا، لأن من أعتقه رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يكون علي (عليه
~~السلام) معتقا له على سبيل الحقيقة.
# فإما أن يقال: إنه كناية عن فرط الاتحاد وزيادة الاختصاص، الموجبة
~~لتساويهما في جميع الأمور والتصرفات.
# أو يقال: المراد بالمولى هو الأولى بالتصرف، وهو الذي يساعد عليه كمال
~~بلاغته (عليه السلام)، كما ورد عنه (صلى الله عليه وآله) من قوله: أوتيت
~~جوامع الكلم (3). والحق أنه في إمامته (عليه السلام) كالشمس في رابعة
~~النهار.
# PageV00P165
# وما أحسن ما قال الشيخ الأديب علي بن أحمد الفنجكردي (رحمه الله):
# لا تنكرن غدير خم انه * كالشمس في اشراقها بل أظهر ما كان مرفوعا باسناد
~~إلى * خير البرية أحمد لا ينكر فيه امامة حيدر وكماله * وجلاله حتى القيامة
~~يذكر أولى الأنام بأن يوالي المرتضى * من نأخذ الأحكام عنه ونأثر (1) ولقد
~~أجاد الكميت بن زيد (رحمه الله) في قوله:
# ويوم الدوح دوح غدير خم * أبان له الولاية لواطيعا ولكن الرجال تبايعوها
~~* فلم أر مثلها خطرا منيعا (2) فلم أبلغ بهم لعنا ولكن * أساء بذاك أولهم
~~صنيعا فصار لذاك أقربهم لعدل * إلى جور وأحفظهم مضيعا أضاعوا أمر قائدهم
~~فضلوا * وأقومهم لذي الحدثان ريعا (3) تناسوا حقه وبغوا عليه * بلا ترة
~~وكان لهم قريعا فقل لبني أمية حيث حلوا * وان خفت المهند والقطيعا أجاع
~~الله من أشبعتموه و * أشبع من بجوركم أجيعا بمحمود (4) السياسة هاشمي *
~~يكون حيا لامته ربيعا وليثا في المشاهد غير نكس * لتقويم البرية مستطيعا
~~يقيم أمورها ويذب عنها * ويترك جدبها أبدا مريعا (5)
# PageV00P166
# جوهرة سنية وحكاية بهية:
# قال الشيخ الجليل أبو الفتوح الرازي في تفسيره: ان يوما من أيام ms089 الغدير
~~جاء الشبلي، وهو من أعاظم تلامذة الجنيد، وأكابر عظماء الصوفية، إلى بعض
~~العلويين لتهنأة يوم الغدير، فقال له: أيها السيد أتدري لماذا رفع جدك
~~سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يد أبيك مولانا علي (عليه السلام)
~~يوم الغدير عند قوله (صلى الله عليه وآله) (من كنت مولاه فعلي مولاه).
# فسكت السيد ساعة، ثم قال: لا أدري وجهه.
# فقال الشبلي: ان النسوان اللاتي لم يعرفن جمال يوسف (عليه السلام) ولم
~~يرينه لمن زليخا وقلن امرأة العزيز تراود فتاها عن نفسه قد شغفها حبا انا
~~لنراها في ضلال مبين، فأرادت زليخا أن تظهر نبذا من جماله سلام الله عليه.
# فأحضرتهن في دارها، وأجلستهن في بيت من بيوتها، وألبست يوسف (عليه
~~السلام) أجمل الثياب وأفخرها، وقالت له: ان لهذا البيت بابين، فادخل من
~~أحدهما وأخرج من الاخر، وقالت للنسوان: أريد أن أريكن حبيبي يوسف، فإذا دخل
~~البيت فأهدين له هدية، فقلن: ما نهدي له؟ فدفعت بيد كل واحدة منهن أترجة
~~وسكينا، وقالت لهن: إذا دخل يوسف قطعن له من الأترج وأعطينه.
# فلما دخل يوسف (عليه السلام) البيت وشاهدن غرته السنية، واكتحلن بطلعته
~~البهية، وأردن قطع الأترج، فقطعن أيديهن لغاية الحيرة، ونهاية الدهشة من
~~جماله، وقلن:
# حاش لله ما هذا بشرا ان هذا الا ملك كريم، فقالت لهن زليخا: فذلكن الذي
~~لمتنني فيه، ومن هنا قال من قال بالفارسية:
# اگر ببينى ودست از ترنج بشناسى * روا بود كه ملامت كنى زليخا را فسيدنا
~~رسول الله صلوات الله وتسليماته عليه أشار في رفع يده سلام الله عليه في
~~يوم الغدير بأن هذا الرجل هو الرجل الذي إذا كلمتكم في شأنه بكلام، أو صوبت
~~PageV00P167
# رأيه بحديث، أظهرتم الكراهة، وأطلتم لسانكم بالملامة، فاليوم انظروا بعين
~~البصر والبصيرة، ان الله عز وجل بماذا يأمرني في حقه، وكيف ارتفع شأنه
~~وأمره عليكم.
# انتهى كلامه.
# وهو مما يستوجب أن يكتب بالنور على صفحات خدود الحور، ولعمري أنه في صحة
~~عقيدة الشبلي وصفاء طويته واخلاصه لأهل بيت الرسالة أوضح ms090 من فلق الصبح، مع
~~أن المعروف بين المؤرخين أنه من جملة المخالفين، والله أعلم.
# تبصرة:
# استفاضت الأخبار من طرق المخالفين بفضيلة يوم الغدير، حتى روى ابن
~~المغازلي باسناده إلى أبي هريرة أن صيامه يعدل ستين شهرا (1).
# وروى مسلم في صحيحه في المجلد الثالث، عن طارق بن شهاب، قال: قالت اليهود
~~لعمر: لو علمنا معشر اليهود نزلت هذه الآية (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت
~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا) ونعلم اليوم الذي أنزلت فيه لاتخذنا
~~ذلك اليوم عيدا (2).
# قال صاحب الطرائف بعد نقل هذا الخبر: وكذا كان يجب على أهل الاسلام أن
~~يكون ذلك اليوم عظيما عندهم، فأضاعه المخالفون لأهل البيت: إما عداوة
~~وحسدا، أو لغير ذلك. وما رأيت من أهل الاسلام من يحفظ اليوم وتعيين السنة
~~التي كان فيها، وتعيين الشهر والأسبوع واسم اليوم المذكور الا أهل البيت
~~(عليهم السلام) وشيعتهم (3) على
# PageV00P168
# التحقيق (1) انتهى.
# قلت: وقد روينا عن أئمتنا (عليهم السلام) أن هذا اليوم هو العيد الأكبر،
~~وانه أفضل أيام السنة، وقد روي أن صومه كفارة ستين سنة (2).
# وفي رواية أخرى: أن صومه يعدل ستين شهرا من أشهر الحرم (3).
# وعن الصادق (عليه السلام): أن صيام يوم غدير خم يعدل صيام عمر الدنيا لو
~~عاش انسان، ثم صام ما (4) عمرت الدنيا، لكان له ثواب ذلك، وصيامه يعدل عند
~~الله عز وجل في كل عام مائة حجة ومائة عمرة مبرورات متقبلات (5).
# وعنه (عليه السلام): من فطر فيه مؤمنا كان كمن فطر ألف ألف في غيره،
~~والدرهم فيه بألف ألف درهم (6). والأخبار في فضله لا تحصى.
# تتمة:
# يستحب في هذا اليوم صلاة ركعتين قبل الزوال بنصف ساعة، يقرأ في كل ركعة
~~الحمد مرة، وقل هو الله أحد عشر مرات، وآية الكرسي إلى قوله تعالى (هم فيها
~~خالدون) (عليه السلام)) عشر مرات، والقدر عشر مرات، روي ذلك عن الصادق
~~(عليه السلام).
# PageV00P169
# قال (عليه السلام): من اغتسل وصلى فيه ركعتين كذلك، عدلت عند الله عز وجل
~~مائة ألف حجة، ومائة ألف عمرة، وما سأل ms091 الله عز وجل حاجة من حوائج الدنيا
~~والآخرة الا قضيت له كائنة ما كانت الحاجة (1).
# ويستحب أن تصلي صلاته جماعة على الأصح (2) في الصحراء، بعد أن يخطب
~~الامام بهم، ويعرفهم فضل هذا اليوم، فإذا انقضت الخطبة تصافحوا وتهانوا.
# وقد ورد عنهم (عليهم السلام) أنه ينبغي أن يقال في تهنأته: الحمد لله
~~الذي أكرمنا بهذا اليوم، وجعلنا من الموفين بعهده الذي عهده الينا وميثاقه
~~الذي واثقنا به من ولاية ولاة أمره والقوام بقسطه، ولم يجعلنا من الجاحدين
~~والمكذبين بيوم الدين (3).
# فائدة:
# خم (4) بضم الخاء المعجمة وتشديد الميم اسم لغيضة (2) على ثلاثة أميال من
~~الجحفة عندها غدير مشهور يضاف إلى الغيضة: فيقال: غدير خم، ذكره الشيخ نور
# PageV00P170
# الدين المكي المالكي في الفصول المهمة، نقلا عن الشيخ محي الدين النووي
~~(٣).
# الحديث السادس عشر [نزول آية (إنما وليكم) في شأن علي (عليه السلام)] أبو
~~إسحاق أحمد بن محمد الثعلبي في تفسيره يرفعه بسنده، قال: بينما عبد الله بن
~~عباس جالس قريبا من بئر زمزم يقول قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو
~~يحدث الناس إذ أقبل رجل متلثم، فوقف فجعل عبد الله بن عباس لا يقول قال
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) الا قال الرجل قال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله)، فقال ابن عباس: سألتك بالله من أنت؟.
# فقال: أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا أبو ذر
~~الغفاري، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) بهاتين والا صمتا يقول: علي
~~قائد البررة وقاتل الكفرة، منصور من نصره، مخذول من خذله.
# وصليت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما من الأيام صلاة الظهر،
~~فسأل سائل في المسجد، فلم يعطه أحد شيئا، فرفع السائل يده إلى السماء وقال:
~~اللهم اشهد أني سألت في مسجد نبيك محمد (صلى الله عليه وآله)، فلم يعطني
~~أحد شيئا، وكان علي (عليه السلام) في الصلاة راكعا، فأومئ إليه بخنصره
~~اليمنى وفيها خاتم، فأقبل السائل فأخذ الخاتم من خنصره، وذلك بمرأى من
~~النبي (صلى ms092 الله عليه وآله) وهو في المسجد.
# فرفع رسول الله (صلى الله عليه وآله) طرفه إلى السماء وقال: اللهم ان أخي
~~موسى (عليه السلام) سألك فقال: (رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري) إلى آخر
~~الآية، فأنزلت عليه قرآنا ﴿سنشد عضدك بأخيك
~~ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون اليكما بآياتنا﴾ (2)
# PageV00P171
# اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك، اللهم اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي
~~وزيرا من أهلي، عليا اشدد به ظهري.
# قال أبو ذر الغفاري: فما استتم دعاؤه حتى نزل عليه جبرئيل (عليه السلام)
~~من عند الله عز وجل، قال: يا محمد اقرأ ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون
~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ (1) (2).
# أقول: هذا الخبر من الأخبار المستفيضة، وقد رواه الثعلبي من طرق متعددة،
~~وهو يدل على الإمامة من جهات متعددة.
# منها: قوله (قائد البررة) فان القائد هو الرئيس الذي يقود الجيش. قال ابن
~~الأثير في النهاية: في حديث علي (عليه السلام) (قريش قادة ذادة) أي يقودون
~~الجيوش، وهو جمع قائد (3) انتهى.
# فمعنى كونه (عليه السلام) قائد البررة هو رئاسته عليهم، ووجوب اقتدائهم
~~المطلق به، وهو مصداق الإمامة. وسر اضافته إلى البررة أنهم الفائزون برتبة
~~متابعته المطلقة القائمون بوظيفة طاعته. وأما الهمج (4) الرعاع أتباع كل
~~ناعق، فلا يؤبه بهم ولا يلتفت إليه.
# ومنها قوله (عليه السلام) بعد ذكر حكاية موسى وهارون: اللهم اشرح لي
~~صدري، ويسر لي أمري، واجعل لي وزيرا من أهلي عليا. فإنه ظاهر في الإمامة،
~~وصريح في أفضليته على سائر الصحابة، كما لا يخفى على ذي البصيرة الثاقبة،
~~لأن الوزير هو
# PageV00P172
# الذي يوازره، فيحمل عنه ما حمله من الأثقال، والذي يلتجئ الأمير إلى رأيه
~~وتدبيره فهو ملجئ له ومفزع، قاله ابن الأثير في النهاية (1).
# ومعلوم أن معنى الحديث حينئذ أنه (عليه السلام) سأل من الله تعالى أن
~~يجعل عليا (عليه السلام) حاملا لأثقاله، وملجى يلجئ إلى امداده، وهي مزية
~~جليلة لم تحصل لأحد من ms093 الصحابة.
# ومنها: نزول الآية المذكورة في شأنه، وهي تدل على الإمامة دلالة صريحة.
~~فهنا مقامان:
# المقام الأول في استفاضة نزول الآية في شأنه وهو أمر لا يمكن جحده، فقد
~~قال الثعلبي في تفسير الآية الكريمة: قال السدي وعتبة بن أبي حكيم وغالب بن
~~أبي عبد الله: إنما عنى بهذه الآية علي بن أبي طالب (عليه السلام)، لأنه مر
~~به سائل وهو راكع في المسجد، فأعطاه خاتمه (2).
# وكذلك قال جار الله الزمخشري الحنفي المعتزلي في كتاب الكشاف في التفسير
~~(3) وروى صاحب كتاب الجمع بين الصحاح الستة من علمائهم في الجزء الثالث في
~~تفسير سورة المائدة قوله تعالى (إنما وليكم الله ورسوله) الآية من صحيح
~~النسائي عن ابن سلام، قال: أتيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقلت: ان
~~قومنا حادونا لما صدقنا الله ورسوله، وأقسموا أن لا يكلمونا، فأنزل الله
~~تعالى (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) الآية.
# PageV00P173
# ثم أذن بلال لصلاة الظهر، فقام الناس يصلون، ومن بين ساجد وراكع إذ سأل
~~سائل، فأعطى علي (عليه السلام) خاتمه السائل وهو راكع، فأخبر رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله)، فقرأ علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) (إنما
~~وليكم الله ورسوله - إلى قوله - الغالبون) (١).
# ورواه الشافعي ابن المغازلي من خمس طرق، فمنها: عن عبد الله بن عباس (رضي
~~الله عنه) قال: مر سائل بالنبي (صلى الله عليه وآله) وفي يده خاتم، قال: من
~~أعطاك هذا الخاتم؟ قال:
# ذاك الراكع وكان علي يصلي، فقال: الحمد لله الذي جعلها في وفي أهل بيتي
~~(٢).
# ومن روايات الشافعي ابن المغازلي في المعنى يرفعه إلى علي بن عابس، قال:
# دخلت أنا وأبو مريم على عبد الله بن عطاء، قال أبو مريم: حدث عليا
~~بالحديث الذي حدثني به عن أبي جعفر، قال: كنت عند أبي جعفر جالسا إذ مر
~~عليه ابن عبد الله بن سلام، قلت: جعلت فداك هذا ابن الذي عنده علم الكتاب؟
~~قال: لا، ولكنه صاحبكم علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي نزلت فيه آيات ms094
~~من كتاب الله ﴿ومن عنده علم
~~الكتاب﴾ (٣) ﴿أفمن كان على بينة من ربه
~~ويتلوه شاهد منه﴾ (4) (إنما وليكم الله ورسوله) الآية (5).
# وقال أخطب خوارزم في الفصل السابع عشر في بيان ما أنزل الله من الآيات في
~~شأنه (عليه السلام) أنه خير الأنام، إلى قوله: فقال لهم النبي (صلى الله
~~عليه وآله): (إنما وليكم الله ورسوله - إلى قوله - وهم راكعون).
# ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج إلى المسجد والناس ما بين قائم
~~وراكع، فبصر بسائل،
# PageV00P174
# فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): هل أعطاك أحد شيئا؟ فقال: نعم خاتما
~~من ذهب، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله) من أعطاكه؟ فقال: ذلك القائم،
~~وأومئ بيده إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقال النبي (صلى الله عليه
~~وآله): على أي حال أعطاك؟ قال: أعطاني وهو راكع، فكبر النبي (صلى الله عليه
~~وآله) ثم قرأ (ومن يتول الله ورسوله) الآية، فأنشأ حسان بن ثابت في ذلك
~~شعرا:
# أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي * وكل بطئ في الهوى ومسارع أيذهب مدحي في
~~المحبين ضائعا * وما المدح في جنب الاله بضائع فأنت الذي أعطيت إذ كنت
~~راكعا * فدتك نفوس القوم يا خير راكع فأنزل فيك الله خير ولاية * فبينها في
~~محكمات الشرائع (1) وقال أبو الفضائل الطبرسي عطر الله مرقده في مجمع
~~البيان: حدثنا السيد أبو الحمد مهدي بن نزار الحسيني القائني، قال: حدثنا
~~الحاكم أبو القاسم الحسكاني، قال: حدثني أبو الحسن محمد بن القاسم الفقيه
~~الصيدلاني، قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن محمد الشعراني، قال: حدثنا
~~أبو علي أحمد بن علي بن رزين البياشاني، قال:
# حدثنا المظفر بن الحسين الأنصاري، قال: حدثنا السندي بن علي الوراق، قال:
# حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن قيس بن الربيع، عن الأعمش، عن
~~عباية بن ربعي، قال: بينا عبد الله بن عباس جالس على شفير زمزم، إلى آخر
~~الحديث المنقول عن الثعلبي آنفا.
# ثم قال: ms095 وروى أبو بكر الرازي في كتاب أحكام القرآن على ما حكاه المغربي
~~عنه والرماني والطبري أنها نزلت في علي (عليه السلام) حين تصدق بخاتمه وهو
~~راكع، وهو قول مجاهد والسدي، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله (عليهما
~~السلام)، وجميع علماء أهل البيت (عليهم السلام).
# وقال الكلبي: نزلت في عبد الله بن سلام وأصحابه لما أسلموا، فقطعت اليهود
# PageV00P175
# موالاتهم، فنزلت الآية. وفي رواية عطاء قال عبد الله بن سلام: يا رسول
~~الله أنا رأيت عليا تصدق بخاتمه وهو راكع فنحن نتولاه.
# وقد رواه لنا السيد أبو الحمد، عن أبي القاسم الحسكاني بالاسناد المتصل
~~المرفوع إلى أبي صالح، عن ابن عباس، قال: أقبل عبد الله بن سلام ومعه نفر
~~من قومه ممن قد آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله)، فقالوا: يا رسول الله
~~ان منازلنا بعيدة، وليس لنا مجلس ولا متحدث دون هذا المجلس، وان قومنا لما
~~رأونا آمنا بالله ورسوله وصدقناه رفضونا، وآلوا على نفوسهم أن لا يجالسونا
~~ولا يناكحونا ولا يكلمونا، فشق ذلك علينا، فقال لهم النبي (صلى الله عليه
~~وآله) (إنما وليكم الله ورسوله) الآية.
# ثم إن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع،
~~فبصر بسائل، فقال النبي عليه وآله السلام، هل أعطاك أحد شيئا؟ قال: نعم
~~خاتم من فضة، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): من أعطاكه؟ قال: ذلك القائم
~~وأومأ بيده إلى علي (عليه السلام)، فقال النبي (صلى الله عليه وآله):
# على أي حال أعطاك؟ قال: أعطاني وهو راكع، فكبر النبي (صلى الله عليه
~~وآله) ثم قرأ (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان الله حزب الله هم
~~الغالبون) فأنشأ حسان بن ثابت يقول في ذلك، وذكر الأبيات السابقة بأدنى
~~تغيير.
# ثم قال: وفي حديث إبراهيم بن الحكم بن ظهير أن عبد الله بن سلام أتى رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) مع رهط من قومه، فشكوا إلى الله ما لقوا من
~~قومهم، فبينا هم يشكون إذ نزلت هذه الآية، ms096 وأذن بلال فخرج رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) إلى المسجد وإذا مسكين يسأل، فقال عليه وآله السلام: ماذا
~~أعطيت؟ قال: خاتم من فضة، قال:
# من أعطاكه؟ قال: ذلك القائم، فإذا هو علي (عليه السلام)، قال: على أي حال
~~أعطاكه؟
# قال: أعطاني وهو راكع، فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقال (ومن
~~يتول الله ورسوله) الآية (1).
# PageV00P176
# وفي كتاب سر العالمين لأبي حامد الغزالي: أن الخاتم الذي تصدق به علي
~~(عليه السلام) على السائل خاتم سليمان بن داود (عليهما السلام)، وقع إلى
~~جماعة، فأهدوه إلى سيد المرسلين، فأعطاه (صلى الله عليه وآله) أمير
~~المؤمنين (عليه السلام)، وان السائل هو جبريل (عليه السلام) بأمر الملك
~~العلام في صورة المسكين، وكان ذلك عند صلاة الظهر، ونزلت الآية الكريمة في
~~ذلك بعد الفراغ (1).
# وقال الفاضل النيسابوري في تفسيره المشهور، بعد ما ذكر القصة وسبب نزول
~~الآية في شأنه (عليه السلام) قال: والمناقشة في هذا الأمر تطويل بلا طائل
~~(3) انتهى.
# مشيرا بذلك إلى أنه لا مجال للمناقشة في هذا الأمر، ونعم ما قال.
# وقال الفاضل علي القوشجي في شرح التجريد: انها نزلت باتفاق المفسرين في
~~علي بن أبي طالب (عليه السلام) حين أعطى السائل خاتمه وهو راكع في صلاته
~~انتهى.
# المقام الثاني في تقرير دلالتها على إمامته (عليه السلام) وهو يتوقف على
~~تمهيد مقدمات: الأولى: أن كلمة (إنما) للحصر باجماع أهل العربية وشهادة
~~الاستعمال، وقد بينا ذلك في كتبنا الأصولية.
# الثانية: أن المراد بالولي هو الأولى بالتصرف والتدبير، واستعمال الولي
~~في هذا المعنى شائع لغة وشرعا وعرفا.
# قال أبو العباس محمد بن يزيد المبرد في كتاب له في صفات الله تعالى: أصل
~~الولي
# PageV00P177
# الذي هو أولى أي: أحق بالتصرف (١). وذكر نحوه الفراء في كتاب معاني
~~القرآن.
# وقال حجة الإسلام أبو الفضائل الطبرسي في مجمع البيان: الولي هو الذي يلي
~~تدبير الأمر، فيقال: فلان ولي المرأة إذا كان يملك تدبير نكاحها، وولي الدم
~~من كان إليه المطالبة بالقود، والسلطان ولي أمر الرعية، ويقال: ولي عهد ms097
~~المسلمين، قال الكميت يمدح عليا (عليه السلام):
# ونعم ولي الأمر بعد وليه * ومنتجع التقوى ونعم المؤدب (٢) فكل هذه
~~الاستعمالات تفيد أنه الأولى بالتصرف، وهو حقيقة في هذا المعنى بشهادة
~~الآية والاستعمال، فيكون في غيره مجازا، لأن المجاز خير من الاشتراك، كما
~~تقرر في الأصول.
# وأيضا فلا يجوز أن يراد به هنا الصديق، لأن الكلام يكون حينئذ مغسولا
~~متهافتا عاريا عن الفائدة، ويستحيل صدوره عن الواجب الوجود ومنبع الحكم جل
~~برهانه وعظم شأنه، ولا الناصر لأن نصرة المؤمنين عامة، بدليل قوله تعالى ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء
~~بعض﴾ (3) والمراد هنا بعض مخصوص من المؤمنين، يشهد به الأخبار التي
~~أوردناها، فإنها تنادي بإرادة المعنى الأول.
# الثالثة: أن المراد بالذين آمنوا هنا بعض المؤمنين لوجهين:
# الأول: أنه تعالى وصفهم بوصف غير حاصل لجميعهم، وهو إيتاء الزكاة في حال
~~الركوع، إذ الجملة حالية باتفاق المفسرين لا معطوفة، للزوم التأكيد بغير
~~فائدة، ولصراحة الأخبار التي سردناها في إرادة الحالية، ولصيرورة الكلام
~~متهافتا معقدا حينئذ، كما هو واضح.
# الثاني: أن الضمير المذكور - أعني: الكاف والميم - مراد به كل المؤمنين،
~~بدلالة
# PageV00P178
# الآية التي قبل هذه، وهي قوله سبحانه ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي
~~الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في
~~سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع
~~العليم﴾ (١) وحينئذ يمتنع إرادة الجميع قطعا، للزوم أن يكون كل واحد
~~وليا لنفسه، فتعين إرادة البعض، وهو المطلوب.
# الرابعة: أن المراد بذلك البعض هو مولانا علي بن أبي طالب (عليه السلام)،
~~لاتفاق المفسرين من الفريقين على ذلك، كما اعترف به القوشجي من فضلاء
~~المخالفين وغيره، واستفاضت به الأخبار من طرقهم، كما أسلفناه في المقام
~~الأول.
# وإذا تقررت هذه المقدمات تلخص منها أنه صلوات الله عليه وعلى أبنائه
~~الطاهرين أولى بالمؤمنين، والمتصرف في شؤونهم الدينية والدنيوية، الناهض
~~بأعباء الرئاستين الصورية والحقيقية، ولا نعني بالأمام ms098 الا ذلك.
# تذنيب: (٢) اعترض علي القوشجي في شرح التجريد على هذا الاستدلال، بمنع
~~كون الولي بمعنى المتصرف في الدين والدنيا والأحق بذلك على ما هو خاصة
~~الامام، بل الناصر والمولى والمحب، بدلالة ما قبل الآية، وهو قوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا
~~اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾ (3) وولاية اليهود والنصارى
~~المنهي عن اتخاذها ليست على التصرف والإمامة، بل النصرة والمحبة وما بعدها،
~~وهو قوله تعالى (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فان حزب الله
# PageV00P179
# هم الغالبون) (1) فان المتولي هاهنا بمعنى المحبة والنصرة دون الإمامة،
~~فيجب أن يحمل ما بينهما أيضا على النصرة لتلائم أجزاء الكلام.
# ثم قال: على أن الحصر إنما يكون نفيا لما وقع فيه تردد ونزاع، ولا خفاء
~~في أن ذلك عند نزول الآية لم تكن امامة الأئمة الثلاثة. وأيضا ظاهر الآية
~~ثبوت الولاية بالفعل في الحال، ولا شبهة في أن امامة علي (عليه السلام)
~~إنما كانت بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، والقول بأنه كانت له ولاية
~~التصرف في أمر المسلمين في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) أيضا مكابرة،
~~وصرف الآية إلى ما يكون في المآل دون الحال لا يستقيم في حق الله تعالى
~~ورسوله.
# وأيضا (الذين) صيغة جمع لا تصرف إلى الواحد الا بدليل، وقول المفسرين أن
~~الآية نزلت في حق علي (عليه السلام) لا يقتضي اختصاصها واقتصارها عليه،
~~ودعوى انحصار الأوصاف فيه مبنية على جعل (وهم راكعون) حالا من ضمير يؤتون،
~~وليس بلازم، بل يحتمل العطف بمعنى أنهم يركعون في صلاتهم لا كصلاة اليهود
~~خالية عن الركوع، أو بمعنى أنهم خاضعون. انتهى كلامه أخزاه الله.
# وأنت خبير بأنه لا يساغ لحمل الولي على الناصر والمحب، كما بيناه في
~~المقام الثاني، إذ لا معنى للحصر حينئذ، كما سلف شرحه. وكون الولي في الآية
~~السابقة بمعنى المحب والناصر على تقدير تسليمه لا يقتضي كونه هنا أيضا
~~كذلك.
# هذا مع بعد الآية المذكورة عما نحن بصدد الكلام عليها، وكذا ms099 الآية
~~المتأخرة، و لا يلتفت إلى مجرد قصد تناسب الآي المتباعدة مع تضافر النصوص،
~~واجماع المفسرين على نزولها فيه (عليه السلام) الدال على اختصاصه بها،
~~المانع من إرادة الناصر والمحب، وهو نقل في أول كلامه اجماع المفسرين على
~~أنها نزلت في حقه (عليه السلام) حين تصدق بخاتمه في الصلاة راكعا.
# والأخبار المستفيضة بل المتواترة من طرقهم - كما نقلنا فيما سبق - صريحة
~~في
# PageV00P180
# ذلك، وفي اختصاصه (عليه السلام) بالأوصاف المذكورة، والحصر المذكور إضافي
~~بالنسبة إلى من يتوقع أنه ولي مثله في ذلك الزمان، ويكفي في صحة الحصر علمه
~~تعالى بأنه يقع فيه التردد، بل يجزم أكثر الأمة بخلافه.
# وأيضا فان أئمة الكفر لعنهم الله قد ظهر منهم في زمانه (صلى الله عليه
~~وآله) الطمع في الخلافة والتشاور للامارة. وقد تضافرت أخبار أهل البيت
~~(عليهم السلام) بأنهم لم يؤمنوا أصلا، وإنما أظهروا الوفاق وأخفوا النفاق،
~~وكان (عليه السلام) يصرح تارة ويعرض أخرى بامامة علي (عليه السلام)، وينص
~~على خلافته بعده، فيجدهم قد نبضت عروق حسدهم طمعا منهم في الرئاسة الدنية
~~الدنيوية الجزئية، فضلا عن الرئاسة الكلية.
# ومما يدل على حسدهم له (عليه السلام) وطمعهم في الامارة ما رواه
~~المخالفون في أصحتهم، وأورده البخاري ومسلم في صحيحيهما: أن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) قال يوم خيبر:
# لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله، ويحبه الله
~~ورسوله، فبات الناس يخوضون ليلتهم أيهم يعطاها.
# فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل منهم يرجو
~~أن يعطاها، فقال (صلى الله عليه وآله): أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: يا رسول
~~الله أرمد، فقال: أرسلوا إليه، فاتي به فبصق في عينيه ودعا له، فبرأ حتى
~~كأن لم يكن به وجع الحديث (1).
# وفي صحيح مسلم: قال عمر بن الخطاب: فما أحببت الامارة الا يومئذ، فتساورت
~~لها رجاء أن ادعى لها (2).
# قال نور الدين علي بن محمد المكي المالكي في كتابه الفصول المهمة في
~~معرفة الأئمة، بعد نقل ذلك ما نصه: ms100 قالت العلماء: قوله (تساورت لها) بالسين
~~المهملة أي:
# تطاولت لها وحرصت عليها حتى أبديت وجهي وتصديت لذلك ليتذكرني، قالوا:
# PageV00P181
# إنما كانت محبة عمر لها لما دلت عليه من محبة الله تعالى ومحبة رسوله
~~ومحبتهما له، والفتح على يديه، قاله الشيخ عبد الله اليافعي في كتابه
~~المرهم (3) انتهى.
# وسيأتيك إن شاء الله تعالى في كتابنا هذا ما يثلج الغليل، ويشفي العليل،
~~بما يصرح بكفرهم ونفاقهم وردهم على الرسول في حياته، واضمارهم الحسد لوصيه
~~وباب مدينة علمه.
# وما ذكره من أن مقتضى الآية ثبوت الولاية بالفعل في الحال واضح السقوط،
~~إذ لا محذور في اخباره تعالى بأنه الامام، وان كانت الإمامة بعد موته (صلى
~~الله عليه وآله) بغير فصل، وأي وصمة في ذلك؟ وأي بأس؟ ولا يلزم كون ولاية
~~الله ورسوله ليست حالية، كما توهمه مكابرة، إذ ولايتهما غير مقيدة بوقت.
~~وأما ولايته، فهي معلقة على وفاته (صلى الله عليه وآله).
# وأيضا فلنا أن نلتزم أن له ولاية التصرف في حياة النبي (صلى الله عليه
~~وآله). ودعوى أن هذه الدعوى مكابرة، مكابرة وعناد، لأنه قد قام الدليل
~~القاطع على عصمته (عليه السلام) من أول عمره إلى آخره، وحينئذ فيجب على
~~الأمة طاعته في أوامره ونواهيه، لأنه لا ينطق عن الهوى، بل عن الرسول (صلى
~~الله عليه وآله)، كما يشهد به عصمته (عليه السلام)، فيجب امتثال أوامره
~~ونواهيه، والأخبار شاهدة بذلك.
# كما في الأخبار التي تضمنت أنه (صلى الله عليه وآله) جعله وزيرا له، وقد
~~تقدم ذكر بعضها.
# ومعلوم أن الوزير له التصرف في أمور الرعية، لكن لا بالاستقلال بل
~~بالنيابة عن الملك والتبعية له، كما في الأخبار الناطقة بأنه قال (عليه
~~السلام): انه (عليه السلام) منه بمنزلة هارون من موسى.
# ومعلوم أن لهارون التصرف في الرعية في حياة موسى (عليه السلام)، لقوله
~~(اجعل لي وزيرا من أهلي * هارون أخي * اشدد به أزري * وأشركه في أمري)
~~وقوله
# PageV00P182
# تعالى (سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا فلا يصلون اليكما) وشواهد ذلك
~~كثيرة، وليس في ذلك ms101 محذور، ولا يلزم من تصرفه في الأمة حينئذ بالتبعية كونه
~~شريكا حقيقيا في النبوة والرئاسة المطلقة، بعد اتفاق المفسرين واستفاضة
~~الأخبار الصريحة بنزولها في شأنه (عليه السلام) ووجود أداة الحصر.
# ولا معنى لجعل (وهم راكعون) عطفا، أو جعل راكعون بمعنى خاضعون. هذا مع أن
~~الركوع حقيقة شرعية في الانحناء المخصوص، فحمله على الخضوع مجاز يحتاج إلى
~~دليل قائم وأنى له به.
# والصلاة حقيقة شرعية في ذات الركوع والسجود، فذكر الركوع بعدها تكرار محض
~~يوجب تهافت الكلام واختلال النظام، إذ على ما ذكره لا معنى لتوسط (ويؤتون
~~الزكاة) في البين، كما لا يخفى على من له انس بفن البيان.
# واجماع المفسرين على نزولها في شأنه حين تصدق بخاتمه في صلاته، نص في
~~حالية الجملة، كما لا يخفى على من له أدنى مسكة.
# وكلام الواحدي من عظماء المخالفين صريح في اجماع المفسرين على حالية
~~الجملة، حيث قال: استدل أهل العلم بهذه الآية على أن العمل القليل لا يقطع
~~الصلاة، وان دفع الزكاة إلى السائل في الصلاة جائز مع نية الزكاة انتهى.
# ومعلوم أن الاستدلال المذكور مبني على جعل الجملة حالية، كما لا يخفى.
# وقوله (الذين صيغة جمع لا ينصرف إلى الواحد الا بدليل) واضح السقوط، لأن
~~لفظة (الذين) وان كانت موضوعة للجمع، الا أن استعمالها في الواحد في مواضع
~~التفخيم مما لا مجال للتردد فيه، ولا ينكره الا مكابر مباهت، كالقوشجي
~~وأمثاله من السوفسطائية.
# على أن سيدنا الأجل المرتضى علم الهدى - قدس الله روحه ونور الله ضريحه -
~~ذكر في الشافي أنه لا يمتنع أن يكون بالعرف وكثرة الاستعمال قد دخلت في أن
~~تستعمل في الواحد المعظم أيضا على سبيل الحقيقة دون المجاز. PageV00P183
# يدل على ذلك أن قوله تعالى ﴿انا أرسلنا نوحا إلى قومه﴾ (1) وما أشبهه من الألفاظ،
~~لا يصح أن يقال: إنه مجاز. وكذلك قول أحد الملوك: نحن الذين فعلنا كذا، لا
~~يقال إنه خارج عن الحقيقة، لأن العرف قد ألحقه بباب الحقيقة، ولا شك في أن ms102
~~العرف يؤثر في الكلمات هذا التأثير، كما أثر في لفظة (غائط) وما أشبهها،
~~فهي حقيقة عرفية وان كانت مجازا لغويا (2).
# وأيضا فقد ورد في أخبارنا أنه قد وقع مثل هذا الفعل من الأئمة الأحد عشر
~~صلوات الله عليهم، وأنهم مرادون معه من الذين آمنوا.
# روى ثقة الاسلام في الكافي باسناده عن أحمد بن عيسى، عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) في قول الله عز وجل (إنما وليكم الله ورسوله الذين آمنوا)
~~قال: إنما يعني أولى بكم، أي: أحق بكم وبأموركم من أموالكم وأنفسكم (3)،
~~الله ورسوله والذين آمنوا، يعني: عليا وأولاده الأئمة (عليهم السلام) إلى
~~يوم القيامة.
# ثم وصفهم الله عز وجل فقال: (الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم
~~راكعون) وكان أمير المؤمنين (عليه السلام) في صلاة الظهر، وقد صلى ركعتين
~~وهو راكع وعليه حلة قيمتها ألف دينار، وكان النبي (صلى الله عليه وآله)
~~كساه إياها، وكان النجاشي أهداها إليه، فجاء سائل فقال: السلام عليك يا ولي
~~الله وأولى بالمؤمنين من أنفسهم، تصدق على مسكين، فطرح الحلة إليه، وأومئ
~~بيده إليه أن احملها.
# فأنزل الله عز وجل هذه الآية، وصير نعمة أولاده بنعمه، فكل من بلغ من
~~أولاده مبلغ الإمامة يكون بهذه النعمة مثله، فيتصدقون وهم راكعون، والسائل
~~الذي سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) من الملائكة، والذين يسألون الأئمة
~~(عليهم السلام) من أولاده يكونون
# PageV00P184
# من الملائكة (1).
# وما تضمنه هذا الخبر من أنه (عليه السلام) تصدق بحلة قيمتها ألف دينار،
~~لا ينافي ما رويناه ورواه المخالفون من أنه (عليه السلام) تصدق بخاتم،
~~لجواز وقوع الصدقة في حالة الصلاة مرتين، بل ثلاثا أو أكثر، وفي التعبير في
~~الآية الكريمة بالمضارع الدال على الاستمرار شهادة بذلك.
# وقوله (لا ينصرف إلى الواحد الا بدليل) قلت: أي دليل أوضح وحجة أقوم من
~~اجماع المفسرين، بل جميع أهل العلم، كما ذكره الواحدي وغيره، واعترف به
~~القوشجي المخذول، واستفاضت النصوص على نزولها فيه، وصراحة كلام الجميع،
~~ونصوص الخصوم في جعل الجملة حالية من فاعل يؤتون.
# قال بعض الأفاضل ms103 ونعم ما قال: الذي يقتضيه سلاسة النظم القرآني، ورشاقة
~~الأسلوب الفرقاني، هو أن الجملة حالية لا معطوفة، بل المفهوم من قول القائل
~~فلان يعطي وهو ضاحك، ليس الا أنه يعطي في هذه الحال، لا ثبوت الأمرين له في
~~وقتين، حتى لو قال الناطق بالكلام المذكور: اني لم أرد الا ثبوت الضحك له
~~في غير وقت الاعطاء، لكان خارجا عن سلسلة البلغاء، ولكان كلامه مغسولا
~~متهافتا واقعا في غير موقعه، ونسبة مثل ذلك إلى الذكر الحكيم الإلهي مما لا
~~ينبغي لذي مسكة التزامه انتهى.
# والاجماع الذي نقله الواحدي ناطق بحالية الجملة، وكون الركوع بالمعنى
~~الشرعي لا بمعنى الخضوع.
# وقوله أخزاه الله (وقول المفسرين أنها نزلت في حق علي (عليه السلام))
~~كلام طريف عجيب يضحك الثكلى، وما كنت أظن صدور مثله عن مثله، لأن كلام
~~المفسرين كما أحطت به خبرا ينادي بحالية الجملة، وكون الركوع بالمعنى
~~الشرعي، ويصرح بأن
# PageV00P185
# الآية الكريمة نزلت في مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) فلا مساغ لما
~~ذكره من منع انحصار الأوصاف في أمير المؤمنين (عليه السلام)، ومثله لا يخفى
~~عليه هذا، الا أن التعصب لمذهبه الفاسد والعناد حمله على ارتكاب الشطط
~~بتكثير السواد وتضييع المداد فيما هو بمراحل عن السداد، والله ولي التوفيق
~~والرشاد.
# جوهرة فاخرة:
# أورد بعض النواصب - خذله الله - أنكم رويتم أن أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) كان إذا دخل في صلاة يغيب حال اشتغاله بالصلاة عن ذاته وصفاته
~~وأحواله، وليس له حينئذ شعور بما سوى الحق حتى لو قرض جسده بالمقاريض لم
~~يشعر بذلك أصلا، وانهم كانوا يستخرجون النصال من جسده الشريف حال اشتغاله
~~بالصلاة، فلا يحس بذلك، فكيف أحس بالسائل ودفع إليه الخاتم؟
# وقد أجاب (1) بعض (2) الأكابر عن هذا الايراد، فقال:
# يعطي ويمنع لا تلهيه سكرته * عن النديم ولا يلهو عن الكأس أطاعه سكرة حتى
~~تمكن من * فعل الصحاة فهذا أفضل الناس
# PageV00P186
# وتحقيق الجواب أنه (عليه السلام) لا يطمح في حال الصلاة إلى غير المعبود
~~بالحق، ولا المام له بغيره، ولا شعور له بما ms104 عداه الا من حيث انتسابه إليه
~~جل شأنه، ولهذا كان شاعرا بالعبادة نفسها، محافظا على أركانها وأذكارها،
~~لكن لا من حيث ذواتها، بل من حيث أنها وصلة إليه جل مجده، ولا ريب أن
~~الالتفات إلى السائل من هذه الجهة، فلا ينافي شعوره به والتفاته إليه
~~استغراته في التوجه إلى جناب الربوبية، والانقطاع بشراشره إلى حضرة
~~الألوهية، كما توهمه الناصب بوهمه العليل، والله الهادي إلى سواء السبيل.
# الحديث السابع عشر [المناقب الثمانية لعلي (عليه السلام)] ابن المغازلي
~~الفقيه الشافعي باسناده في كتاب المناقب، يرفعه إلى أبي أيوب الأنصاري: أن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرض مرضه، فدخلت عليه فاطمة (عليها السلام)
~~تعوده، وهو ناقة من مرضه، فلما رأت ما برسول الله (صلى الله عليه وآله) من
~~الجهد والضعف خنقتها العبرة حتى جرت دمعتها.
# فقال لها: يا فاطمة إن الله تعالى اطلع إلى الأرض اطلاعة، فاختار منها
~~أباك فبعثه نبيا، ثم اطلع إليها الثانية فاختار منها بعلك، فأوحى الله
~~تعالى إلي فأنكحته إياك واتخذته وصيا، أما علمت أن لكرامة الله إياك زوجك
~~أعظمهم حلما، وأقدمهم سلما، وأعلمهم علما، فسرت بذلك (عليها السلام)
~~واستبشرت.
# ثم قال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا فاطمة له ثمانية أضراس
~~ثواقب: ايمان بالله وبرسوله، وحكمته، وتزويجه فاطمة، وسبطاه الحسن والحسين،
~~وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، وقضاؤه بكتاب الله تعالى.
# يا فاطمة انا أهل بيت أعطينا سبع خصال لم يعطها أحد من قبلنا - أو قال:
~~PageV00P187
# الأنبياء - ولا يدركها أحد من الآخرين غيرنا: نبينا أفضل الأنبياء وهو
~~أبوك، ووصينا أفضل الأوصياء وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء (1) وهو حمزة،
~~ومنا من له جناحان يطير بهما في الجنة حيث يشاء وهو جعفر ابن عمك، ومنا
~~سبطا هذه الأمة وهما ابناك، ومنا والذي نفسي بيده مهدي هذه الأمة (2).
# أقول: وروى هذا الخبر أيضا الدارقطني (3) صاحب الجرح والتعديل من أئمة
~~الحديث من المخالفين، وأبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي
~~في كتاب البيان في أخبار صاحب الزمان ms105 بزيادة ونقصان غير قادحين، عن أبي
~~هارون (4) العبدي، قال: أتيت أبا سعيد الخدري، فقلت له: هل شهدت بدرا؟ قال:
# نعم، فقلت: ألا تحدثني بما سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في
~~علي وفضله؟.
# فقال: بلى أخبرك أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مرض مرضة نقه منها،
~~فدخلت عليه فاطمة (عليها السلام) وأنا جالس عن يمين النبي (صلى الله عليه
~~وآله)، فلما رأت فاطمة ما برسول الله (صلى الله عليه وآله) من الضعف بدت
~~دموعها على خدها، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما يبكيك يا
~~فاطمة؟ قالت: أخشى الضيعة يا رسول الله.
# فقال: يا فاطمة ان الله تعالى اطلع على الأرض اطلاعة على خلقه، فاختار
~~منهم أباك فبعثه نبيا، ثم اطلع ثانية فاختار منهم بعلك، فأوحى الله إلي أن
~~أنكحه فاطمة، فأنكحته إياك واتخذته وصيا، أما علمت أنك لكرامة الله تعالى
~~إياك زوجك أغزرهم علما، وأكبرهم حلما، وأقدمهم سلما، فاستبشرت، فأراد رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله)
# PageV00P188
# أن يزيدها من مزيد الخير الذي قسمه الله تعالى لمحمد (صلى الله عليه
~~وآله).
# قال: فقال لها: يا فاطمة لعلي ثمانية أضراس - يعني: مناقب -: ايمان بالله
~~تعالى، ورسوله، وحكمته، وزوجته، وسبطاه الحسن والحسين، وأمره بالمعروف،
~~ونهيه عن المنكر.
# يا فاطمة انا أهل بيت أعطينا ست خصال لم يعطها أحد من الأولين ولا يدركها
~~أحد من الآخرين غيرنا: نبينا خير الأنبياء، ووصينا خير الأوصياء والأصفياء
~~وهو بعلك، وشهيدنا خير الشهداء وهو حمزة عم أبيك، ومنا سبطا هذه الأمة وهما
~~ابناك، ومنا مهدي الأمة الذي يصلي خلفه عيسى، ثم ضرب على منكب الحسين (عليه
~~السلام) وقال: من هذا مهدي هذه الأمة (1).
# ورواه نور الدين علي بن محمد المكي المالكي في الفصول المهمة في الفصل
~~الثاني عشر في ذكر القائم (عليه السلام) (2).
# وفي هذا الحديث مقامان:
# المقام الأول: في بيان ما لعله يحتاج إلى البيان:
# (وهوناقه) أي: قريب العهد بالمرض مشرف على الصحة.
# قال ابن الأثير في النهاية: فيه، يعني في ms106 الحديث (قالت أم المنذر: دخل
~~علينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعه علي (عليه السلام) وهوناقه) نقه
~~المريض ينقه فهو ناقة إذا برأ وأفاق، وكان قريب العهد بالمرض ولم يرجع إليه
~~كمال صحته وقوته (3) انتهى.
# (من الجهد) أي: الضعف والمشقة، وبالضم الوسع والطاقة، قاله في النهاية
~~الأثيرية (4). والجهد بالفتح أيضا الهزال والمرض، قاله في القاموس (5).
# PageV00P189
# وأجهد فلانا المرض وجهد البلاء هي الحالة الشاقة، قاله في النهاية (٦).
# (خنقتها العبرة) بفتح العين المهملة وسكون الموحدة والراء المهملة أخيرا:
# الدمعة قبل أن تفيض، أو تردد البكاء في الصدر، أو الحزن بلا بكاء، قاله
~~في القاموس (عليه السلام)).
# (اطلع إلى الأرض) الاطلاع الاشراف من مكان عال، وهو هنا مجاز عن علمه
~~سبحانه بخصوصياتها وسكانها وملاحظتها بعين عنايته.
# (ثمانية أضراس) فسره (عليه السلام) بالمناقب، ويحتمل أن يكون المفسر
~~الراوي، وهو استعارة من أحد الأسنان، لأن تلك المناقب توجب مضيه في الأمور،
~~وتشهد أنه ناقد (٨) العزيمة، وكل أمر عظيم جليل عجيب يسمى ضرسا، يقال: فلان
~~ضرس من الأضراس، أي: داهية من الدواهي المقام الثاني: الخبر المذكور يدل
~~على إمامته (عليه السلام) من وجوه متعددة:
# منها: قوله (عليه السلام) (ثم اطلع الثانية فاختار منها بعلك) فإنه يدل
~~على أنه أفضل الأمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، فيكون هو الامام، لقبح
~~تقديم المفضول على الفاضل ﴿أفمن يهدي إلى
~~الحق أحق أن يتبع أم من لا يهدي الا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون﴾ (٩)
~~﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا
~~يعلمون﴾ (10) والمخالف في ذلك مكابر.
# والعجب من ابن أبي الحديد المعتزلي في شرح نهج البلاغة، حيث نسب تقديم
~~الملاعين الثلاثة على أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى الله سبحانه، معترفا
~~بأفضليته (عليه السلام)
# PageV00P190
# عليهم، فقال في خطبة الشرح المذكور: وقدم المفضول على الفاضل لمصلحة
~~اقتضاها التكليف (١). وهو في غاية السخافة، لأنه نسب ما هو قبيح عقلا إلى
~~الله عز وجل، مع أنه عدلي المذهب، فقد خالف ms107 مذهبه.
# وأيضا فكيف نسب التقديم إليه تعالى؟ مع اعترافه في الشرح المذكور بالنص
~~على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإمامة والوصية، وان بيعة أبي بكر كانت
~~بالغلبة والاكراه ﴿قل هاتوا برهانكم ان
~~كنتم صادقين﴾ (2).
# والعجب أنه حمل الشكايات الواردة منه (عليه السلام) من الصحابة والتظلم
~~منهم في الخطبة الشقشقية وغيرها على ذلك المعنى، وانه كان أولى بها
~~لأفضليته عليهم، وان كانت امامتهم صحيحة، لجواز تقديم المفضول للمصلحة
~~المذكورة.
# وهذا كما ترى محمل سخيف جدا لا وجه له، لأن هذا التقديم ان كانت من الله
~~تعالى لم يحسن منه (عليه السلام) الشكاية مطلقا، لأن الشكاية حينئذ تكون
~~ردا على الله تعالى، والرد عليه سبحانه على حد الكفر المحض والشرك البحت،
~~فلا يصح نسبة ذلك إلى سيد الوصيين وأفضل الصحابة أجمعين، وباب مدينة علم
~~سيد المرسلين.
# وإن كان من الخلق، فإن كان هذا التقديم لمصلحة عامة علم بها جميع الخلق
~~غير مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، فهو أوضح فسادا من أن ينبه عليه،
~~لما فيه من نسبته (عليه السلام) إلى الجهل بما عرفه عامة الخلق، وإن كان لا
~~لمصلحة، كان تقديما بمجرد التشهي، والشكاية حينئذ على حقيتها (3) لا على ما
~~توهمه.
# وبالجملة فحمل الشكايات المذكورة على الوجه المذكور مما لا وجه له،
~~وسيأتي تحقيق ذلك أيضا على الوجه البسط إن شاء الله تعالى.
# ومنها: قوله (عليه السلام) (واتخذته وصيا) فإنه يدل على الإمامة
~~والخلافة. والأخبار
# PageV00P191
# الدالة على اثبات الوصية له (عليه السلام) كثيرة جدا.
# منها: ما رواه ابن المغازلي من عظماء الشافعية باسناده عن رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) أنه قال: لكل نبي وصي ووارث، وان وصيي ووارثي علي بن أبي
~~طالب (1).
# وروى ابن المغازلي في الكتاب المذكور، باسناده إلى نافع مولى ابن عمر:
~~قال:
# قلت لابن عمر: من خير الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ قال: ما
~~أنت وذاك لا أم لك، ثم قال: أستغفر الله خيرهم بعده من كان يحل له ما يحل ms108
~~له، ويحرم عليه ما يحرم عليه، قال: من هو؟ قال: علي سد أبواب المسجد وترك
~~باب علي، وقال له: لك في هذا المسجد ما لي وعليك فيه ما علي، وأنت وارثي
~~ووصيي تقضي ديني وتنجز عداتي، وتقتل على سنتي، كذب من زعم أنه يبغضك ويحبني
~~(2).
# ومنها: ما رواه في الكتاب المذكور باسناده، قال: دخل الأعمش على المنصور
~~وهو جالس للمظالم، فلما بصر به قال: يا سليمان تصدر، قال: أنا صدر حيث
~~جلست، ثم قال: حدثني الصادق (عليه السلام)، قال: حدثني الباقر (عليه
~~السلام)، قال حدثني السجاد (عليه السلام)، قال: حدثني الشهيد أبي أبو عبد
~~الله (عليه السلام)، قال: حدثني أبي وهو الوصي علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام)، قال: حدثني النبي (صلى الله عليه وآله)، قال: أتاني جبرئيل (عليه
~~السلام) آنفا، فقال: تختموا بالعقيق، فإنه أول حجر شهد لله تعالى
~~بالوحدانية، ولي بالنبوة، ولعلي بالوصية، ولولده بالإمامة، ولشيعتنا (3)
~~بالجنة.
# قال: فاستدار الناس بوجوههم نحوه، فقيل له: تذكر قوما فتعلم من لا نعلم،
~~فقال: الصادق جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والباقر
~~محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، والسجاد علي بن الحسين، والشهيد
# PageV00P192
# الحسين بن علي، والوصي هو التقي علي بن أبي طالب (عليهم السلام) (1).
# وهذا الخبر صريح في الإمامة غير قابل للتأويل بوجه، وهو من روايات الفقيه
~~علي بن المغازلي الشافعي من عظمائهم.
# ومنها: ما رواه أيضا في الكتاب المذكور عن جابر عنه (صلى الله عليه وآله)
~~قال: اني كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله عز وجل، فلما خلق الله آدم (عليه
~~السلام) ركب ذلك النور في صلبه، فلم يزل في نبي واحد حتى افترقنا من خلف
~~عبد المطلب، ففي النبوة وفي علي الخلافة (2).
# وفي خبر خزيمة: حتى قسمه جزئين: جزءا في صلب عبد الله، وجزءا في صلب أبي
~~طالب، فأخرجني نبيا، وأخرج عليا اماما (3).
# وقال عبد الحميد بن أبي الحديد الحنفي المعتزلي في شرح نهج البلاغة، بعد
~~ذكر ms109 أخبار مما يتضمن لفظ الوصية لعلي (عليه السلام): لو أردنا أن نأتي
~~بجميع ما ورد من الروايات في هذا الباب لأملأنا الطوامير.
# وقد صنف جماعة من العلماء كتبا في اثبات الوصية له (عليه السلام)، منهم
~~أبو الحسن علي بن الحسين المسعودي الهذلي (4) صاحب كتاب مروج الذهب، ومنهم:
~~الشيخ الفقيه
# PageV00P193
# ومنها: قوله (صلى الله عليه وآله) (زوجك أغزرهم علما وأكبرهم حلما
~~وأقدمهم سلما) فان من كان كذلك كان هو المستحق للرئاسة العامة والإمامة
~~الكبرى، وكيف يصح تقديم جاهل غبي صرف معظم عمره في عبادة الأصنام،
~~والاستقسام بالأزلام على باب مدينة العلم والحكمة، ومبرئ الأبرص والأكمه.
# وقد اتفقت كلمة النواصب على أنه (عليه السلام) أعلم الصحابة وأعظمهم
~~تبحرا في العلوم الشرعية واللدنية، حتى قال الغزالي من عظماء أئمة
~~الشافعية، وقد لقبوه بحجة الاسلام، وقالوا: انه قد بلغ درجة الاجتهاد
~~المطلق، في رسالة العلم اللدني ما نصه:
# قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ان رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~أدخل لسانه في في، فانفتح في قلبي ألف باب من العلم، وفتح لي من كل باب ألف
~~باب.
# وقال أيضا (عليه السلام): لو ثنيت لي الوسادة وجلست عليها لحكمت بين أهل
~~التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وأهل الفرقان بفرقانهم، وهذه
~~المرتبة لا تنال بمجرد التعلم، بل يتمكن المرأ في هذه المرتبة بقوة العلم
~~اللدني.
# وكذا قال (عليه السلام) لما حكى عن عهد موسى (عليه السلام) أن شرح كتابه
~~كان أربعين حملا:
# لو أذن الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) لأشرح في شرح الفاتحة حتى
~~يبلغ أربعين وقرا.
# قال الغزالي: وهذه الكثرة والسعة والافساح (1) في العلم لا يكون الا علم
~~عن اللدني (2).
# وقال أيضا في كتاب المنقذ من الضلال ما هذا لفظه: والعاقل يقتدي بسيد
~~العقلاء
# PageV00P194
# وقال أيضا في كتاب المنقذ من الضلال ما هذا لفظه: والعاقل يقتدي بسيد
~~العقلاء علي (عليه السلام)، حيث قال: لا يعرف الحق بالرجال اعرف الحق تعرف
~~أهله (1) فشهد أنه (عليه السلام) سيد العقلاء (2). وسيأتي بسط الكلام في ms110
~~سعة علمه (عليه السلام) في الحديث الثامن والثلاثين وما بعده بتوفيق الله
~~تعالى.
# وقد استفاضت الأخبار من طرق المخالفين بأنه (عليه السلام) أول من أسلم،
~~وأنه لم يشرك بالله طرفة عين.
# روى أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه من عظماء محدثيهم في كتاب المناقب،
~~باسناده إلى عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر (رضي الله عنه)، قال: دخلنا على
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقلنا: من أحب أصحابك إليك؟ فإن كان أمر
~~كنا معه، وان كانت نائبة كنا من دونه، قال: هذا علي أقدمكم سلما واسلاما
~~(3).
# وفي هذا الخبر نص على إمامته وخلافته، لقول أبي ذر (فإن كان أمر كنا معه،
# PageV00P195
# وان كانت نائبة كنا من دونه) وهذا من خواص الامام، فيجب حمل الجواب على
~~ما يطابق السؤال قضاء لحق البلاغة المصطفوية المشار بقوله (صلى الله عليه
~~وآله): أوتيت جوامع الكلم (1).
# وروى أحمد بن حنبل في مسنده يرفعه إلى عبد الله بن العباس (رضي الله عنه)
~~أنه قال: ان عليا أول من أسلم (2).
# وروى أحمد بن حنبل أيضا في المسند عن زيد بن أرقم أنه قال: أول من صلى مع
~~النبي (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب (3).
# ورواه الثعلبي وابن المغازلي أيضا (4).
# وروى أحمد بن حنبل في مسنده: أن عليا (عليه السلام) صلى مع رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) سبع سنين قبل أن يصلي معه أحد (5).
# وروى الفقيه الشافعي ابن المغازلي عن أبي أيوب الأنصاري عن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) أنه قال: صلت الملائكة علي وعلى علي سبع سنين، وذلك لم
~~يرفع إلى السماء شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله الا مني
~~ومنه (6).
# وروى الثعلبي في تفسيره: أن أول ذكر آمن بالنبي (صلى الله عليه وآله)
~~وصدقه علي بن أبي طالب صلوات الله عليه. قال الثعلبي: وهو قول ابن عباس،
~~وجابر، وزيد بن
# PageV00P196
# وروى الثعلبي أيضا في التفسير: أن أبا طالب قال لعلي (عليه السلام): يا
~~بني ما هذا الذي ms111 أنت عليه؟ قال: يا أبت آمنت بالله ورسوله، وصدقته فيما جاء
~~به، وصليت معه لله، فقال له: أما أن محمدا لا يدعو الا إلى خير فألزمه (١).
# وروى الفقيه ابن المغازلي في تفسير قوله تعالى ﴿والسابقون السابقون﴾ (2) من كتاب المناقب، عن ابن
~~عباس، قال: سبق يوشع بن نون إلى موسى (عليه السلام)، وصاحب يس إلى عيسى
~~(عليه السلام)، وسبق علي بن أبي طالب أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى محمد
~~(صلى الله عليه وآله) (3).
# وذكر نور الدين علي بن محمد المكي في الفصول المهمة: أنه لما نشأ علي بن
~~أبي طالب (عليه السلام) وبلغ سن التمييز أصاب أهل مكة جدب شديد وقحط مؤلم،
~~أجحف بذي المروءة، وأضر بذوي العيال إلى الغاية، فقال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) لعمه العباس - وكان أيسر بني هاشم -: يا عم ان أخاك أبا طالب
~~كثير العيال، وقد أصاب الناس ما ترى، فانطلق بنا إلى بيته لنخفف من عياله،
~~فتأخذ أنت رجلا وأنا رجلا فنكفلهما، قال العباس: افعل.
# فانطلقا حتى أتيا أبا طالب، فقالا: انا نريد أن نخفف عنك من عيالك حتى
~~ينكشف عن الناس ما هم فيه، فقال لهما أبو طالب: إذا تركتما لي عقيلا وطالبا
~~فاصنعا ما شئتما، فأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا فضمه إليه،
~~وأخذ العباس جعفرا فضمه إليه.
# فلم يزل علي (عليه السلام) مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بعث
~~الله محمدا (صلى الله عليه وآله) نبيا، فاتبعه علي (عليه السلام) وآمن به
~~وصدقه، وكان عمره إذ ذاك في السنة الثالثة عشرة من عمره ولم يبلغ الحلم.
# ثم قال: وأكثر الأقوال وأشهرها أنه لم يبلغ الحلم، وأنه أول من أسلم وآمن
# PageV00P197
# يبلغ الحلم.
# ثم قال: وأكثر الأقوال وأشهرها أنه لم يبلغ الحلم، وأنه أول من أسلم وآمن
~~برسول الله (صلى الله عليه وآله) من الذكور.
# ثم قال: وقد أشار علي بن أبي طالب (عليه السلام) إلى ذلك في أبيات قالها
~~ورواها عنه الثقات ms112 (1)، وهي هذه:
# محمد النبي أخي وصهري * وحمزة سيد الشهداء عمي وجعفر الذي يضحي ويمسي *
~~يطير مع الملائكة ابن أمي (2) وبنت محمد سكني وعرسي * منوط لحمها بدمي
~~وعظمي سبقتكم إلى الاسلام طرا (3) * صغيرا ما بلغت أوان حلمي فويل ثم ويل
~~ثم ويل * لمن يلقى الاله غدا بظلمي (4) وروى في الكتاب المذكور عن يحيى بن
~~عفيف الكندي، قال: حدثني أبي، قال:
# كنت جالسا مع العباس بن عبد المطلب بمكة في المسجد قبل أن يظهر أمر رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) فجاء شاب فنظر إلى السماء حتى خصت وطلعت الشمس
~~(5)، ثم استقبل الكعبة فقام يصلي، فجاء غلام فقام عن يمينه، ثم جاءت امرأة
~~فقامت خلفهما، فركع الشاب وركع الغلام والمرأة، ثم رفع فرفعا، ثم سجد
~~فسجدا، فقلت:
# PageV00P198
# يا بن عباس أمر عظيم أمر عظيم (١).
# فقال العباس: أتعرف هذا الشاب؟ قلت: لا، قال: هذا محمد بن عبد الله بن
~~عبد المطلب ابن أخي، أتدري من هذا الغلام؟ قلت: لا، قال: هذا علي بن أبي
~~طالب ابن أخي، ثم قال: أتدري من هذه الامرأة؟ قلت: لا، قال: هذه خديجة بنت
~~خويلد، ان ابن أخي هذا حدثني أن ربه رب السماوات والأرض أمره بهذا الدين
~~وهو عليه، ولا والله ما على ظهر الأرض اليوم على هذا الدين غير هؤلاء.
# وكان عفيف الكندي يقول بعد أسلم ورسخ في الاسلام: ليتني كنت رابعا لهم
~~(٢) وبالجملة فقد تواترت الأخبار من الطرفين بأنه (عليه السلام) أول من
~~أسلم، وانه لم يشرك بالله طرفة عين، وانه أسلم قبل أن يبلغ الحلم،
~~والملاعين الثلاثة المتلصصة طال ما سجدوا للأصنام واستقسموا بالأزلام، فكيف
~~يدعى مساواتهم له (عليه السلام) ﴿يا أهل الكتاب لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق
~~وأنتم تعلمون﴾ (3).
# وما أورده الأعور الواسطي (4) الأبتر من أراذل النصاب في هذا المقام: من
~~أن معنى كونه لم يشرك بالله طرفة عين، هو أنه أسلم قبل البلوغ، فلا يكون
~~ذلك من خصائصه، لأن سائر أطفال الصحابة الذين طرأ عليهم ms113 الاسلام، بل كل
~~مولود ولد من المسلمين إلى يوم القيامة الصالح منهم والطالح، لم يشرك بالله
~~طرفة عين. وأيضا
# PageV00P199
# راجحا على ايمان البالغ.
# في غاية السقوط ونهاية الفساد.
# أما أولا، فلأن تفسير عدم الشرك بالله طرفة عين بالاسلام قبل البلوغ غير
~~صحيح، بل هو خطأ صريح،، لأن تفسير الشئ يجب أن يكون بما يساويه في الصدق،
~~وهاهنا ليس كذلك، لوجود كل منهما دون الاخر في من أسلم حين البلوغ ولم يشرك
~~ومن أسلم قبله وأشرك.
# وأما ثانيا، فلأن الخاصة هنا هو المجموع المركب من كونه أول من أسلم،
~~وأنه لم يشرك بالله طرفة عين، وأطفال المسلمين لا يصدق عليهم ذلك، كما
~~توهمه أعمى القلب وأكمه البصر. بل المجموع مختص به لا يشركه فيه غيره، فان
~~خديجة وان كانت أول من أسلم من النساء، الا أن الخاصة الثانية ليست حاصلة
~~فيها.
# وأما ثالثا، فلأنا لو سلمنا حصول ذلك في من طرأ عليه الاسلام من الأطفال،
~~فلا يخرج عن أن يكون من خصائصه بالنسبة إلى الملاعين الثلاثة المتلصصين.
# وأما رابعا، فلأن الحكم بعد الشرك طرفة عين على جميع آحاد الأطفال حكم
~~غير صحيح ان أريد به نفس الأمر. وان أريد الظاهر لم يقدح في الاختصاص، لأن
~~المراد أنه (عليه السلام) لم يشرك أصلا طرفة عين باعتبار الواقع ونفس
~~الأمر، كما تواترت به الأخبار، لا باعتبار الظاهر كما فهمه، فأورد ما أورده
~~بوهمه الفاسد وفهمه الكاسد، وان الشياطين ليوحون إلى أوليائهم وان أطعتموهم
~~انكم لخاسرون.
# وأما خامسا، فلأن الشرك والارتداد يمكن على كل من لم يكن معصوما، فكيف
~~يدعى حصول تلك الخاصة في جميع آحاد أطفال المسلمين، قل هاتوا برهانكم ان
~~كنتم صادقين.
# وأما سادسا، فلأنه يلزم على اعتقاده الفاسد أن يكون نفسه كافرا، لأنه قرر
~~في كتابه أن من ادعى علم الغيب، فهو كافر، وان علم الغيب مخصوص بالله تعالى
~~وهو PageV00P200
# وهو قد ادعاه قال الشيخ الفاضل الشيخ الخضر (1) 1 في التوضيح الأنور في
~~الرد على هذا الخبيث الأعور: وان أردت ترتيب ms114 شكل (2) بديهي الانتاج على نظم
~~طبيعي ظاهر الاستنتاج، فقل الأعور ادعى علم الغيب، وكل من ادعى علم الغيب
~~فهو كافر، فالأعور كافر. أما الكبرى فباعترافه. وأما الصغرى، فلقوله لأن
~~سائر أطفال الصحابة الذين طرأ الاسلام عليهم بل كل مولود من المسلمين إلى
~~يوم القيامة الصالح منهم والطالح لم يشرك بالله طرفة عين، ومن أين له ذلك؟
~~انتهى.
# وهو في غاية الجودة.
# وأما سابعا، فلأن دعواه الاجماع على عدم صحة ايمان طفل الكافر مطلقا غلط
~~محض، فان المنقول (3) عن أبي حنيفة صحة اسلام الصبي قبل البلوغ الشرعي (4).
# قال جمال المحققين آية الله في العالمين العلامة الحلي 1 في شرح التجريد
~~في
# PageV00P201
# مباحث الإمامة: ان الصبي قد يكون رشيدا كامل العقل قبل سن البلوغ، فيكون
~~مكلفا، ولهذا حكم أبو حنيفة بصحة اسلام الصبي (1) انتهى.
# وقد حقق جماعة من فضلاء أصحابنا أن المعارف الخمس الدينية والعقائد
~~الكلامية واجبة على المميز (2)، وان لم يكن بالغا البلوغ الشرعي، وكيف تكون
# PageV00P202
# واجبة عليه ولا تصح منه؟.
# وممن صرح بذلك الشهيد الثاني عطر الله مرقده في بعض رسائله الكلامية (1)،
~~والشيخ المحقق الخضر في شرح الباب الحادي عشر، والشيخ الفاضل محمد بن علي
~~بن إبراهيم بن أبي جمهور في شرح زاد المسافرين.
# والشيخ الجليل المقداد بن عبد الله السيوري الأسدي في التنقيح في كتاب
~~الوصايا، قال عطر الله مرقده في الكتاب المذكور: التحقيق أن قوة التمييز
~~والتعقل ليس حصولها مشروطا بزمان البلوغ الشرعي، وهو أحد الثلاثة المتقدمة،
~~لجواز الحصول قبل ذلك، ولهذا كان الدليل مقتضيا للتكليف بالتكاليف العقلية
~~عند حصول تلك القوة، واستحقاق الثواب في مقابل القيام بتلك التكاليف (2)
~~انتهى.
# وهو الحق الذي يقتضيه النظر، كما بيناه في شرحنا الذي وضعناه على النافع
~~شرح الباب الحادي عشر.
# وأما ثامنا، فلأنا لو تنزلنا وسلمنا أن اسلام الصبي غير معتد به، فلا
~~يخفى أن الأخبار المتواترة الدالة على صحة اسلامه وكمال ايمانه وثبات يقينه
~~واعتداد النبي (صلى الله عليه وآله) بايمانه، مخصصة لعموم القضية المذكورة،
~~ويشهد لذلك أنه (عليه السلام) ms115 افتخر على الصحابة بذلك، فقال: أنا الصديق
~~الأكبر، آمنت قبل أن آمن أبو بكر، وأسلمت قبل أن أسلم. وقال (عليه السلام)
~~في الأبيات المشهورة عنه التي حكاها نور الدين المكي المالكي في الفصول
~~المهمة، وذكر أن الثقات رووها عنه:
# PageV00P203
# سبقتكم إلى الاسلام طرا صغيرا ما بلغت أوان حلمي (1) ولم يعارضه أحد من
~~الصحابة، بل وافقوا على ذلك، وهو اجماع منهم على أن اسلامه صحيح في أعلى
~~مراتب الصحة، وايمانه كامل في أقصى مراتب الكمال، ويقينه في أعلى مراتب
~~اليقين، والا لم يتم الافتخار.
# وأما تاسعا، فلأن أخبارنا قد وردت بايمان أبي طالب، وأنه لم يشرك قط، بل
~~كان على دين عيسى (عليه السلام)، وحين بعث محمد (صلى الله عليه وآله) آمن
~~به وصدقه، بل استفاضت الأخبار بأنه (عليه السلام) عالم بنبوته قبل بعثته،
~~مصدق برسالته قبل ولادته.
# ومما يشهد بذلك ما رواه ثقة الاسلام في كتاب الكافي، عن عبد الله بن
~~مسكان، قال: قال أبو عبد الله (عليه السلام): ان فاطمة بنت أسد جاءت إلى
~~أبي طالب تبشره بمولد النبي (صلى الله عليه وآله)، فقال أبو طالب: اصبري
~~سبتا أبشرك بمثله الا النبوة. وقال: السبت ثلاثون سنة. الخبر (2) (3).
# PageV00P204
# وما رواه أيضا عطر الله مرقده في الكتاب المذكور، عن المفضل بن عمر، قال:
# سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: لما ولد رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) فتح لامنة بياض فارس وقصور الشام، فجاءت فاطمة بنت أسد أم أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) إلى أبي طالب ضاحكة مستبشرة، فأعلمته ما قالت آمنة،
~~فقال لها أبو طالب: تتعجبين من هذا، انك تحبلين وتلدين بوصيه ووزيره (1).
# وما رواه عطر الله مرقده أيضا في الحسن، عن هشام بن سالم، عن أبي عبد
~~الله (عليه السلام) قال: ان مثل أبي طالب مثل أصحاب الكهف، أسروا الايمان
~~وأظهروا الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرتين (2).
# PageV00P205
# الشرك، فآتاهم الله أجرهم مرتين (1).
# وقال شيخنا الطبرسي رحمه الله: قد ثبت اجماع أهل البيت: على ايمانه رضي
~~الله عنه، واجماعهم حجة (2)، لأنهم ms116 أحد الثقلين اللذين أمر النبي (صلى الله
~~عليه وآله) بالتمسك بهما. ثم نقل عن الطبري وغيره من علمائهم الأخبار
~~والأشعار الدالة على ايمانه مما لا يحتمل نقله المقام.
# وبالجملة فقد تظافرت أخبار المخالفين بايمانه رضي الله عنه، فلا يضر
~~انكار الأعور الأبتر، ولنا في ايمانه رضي الله عنه رسالة جيدة جدا، أكثرنا
~~فيها الأدلة والبراهين، فليراجع إليها من أراد تحقيق الحال.
# وأما عاشرا، فلأن المقصود هنا تفضيل أمير المؤمنين (عليه السلام) باعتبار
~~توحيده الكامل على من أشرك بالله وعبد الأصنام، لا تفضيل الايمان على
~~الايمان، كما توهمه الأعور العديم العرفان. تلك عشرة كاملة.
# المقام الثالث: ما تضمنه الخبران من قوله (صلى الله عليه وآله) (ومنا
~~والذي نفسي بيده مهدي هذه الأمة) وفي الخبر الثاني (ثم ضرب على منكب الحسين
~~(عليه السلام) وقال: من هذا مهدي هذه الأمة) قد استفاضت به الأخبار من طرق
~~المخالفين وبلغت حد التواتر.
# PageV00P206
# وقد جمع الحافظ أبو نعيم أحمد بن عبد الله الاصفهاني من أعيان المخالفين
~~(1) أربعين حديثا في أمر المهدي خاصة (2)، وصنف الشيخ أبو عبد الله محمد بن
~~يوسف بن محمد الكنجي الشافعي في ذلك كتابا، سماه البيان في أخبار صاحب
~~الزمان.
# روى الشيخ أبو عبد الله في كتابه هذا باسناده عن رزين بن عبد الله، قال:
~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تذهب الدنيا حتى يملك العرب رجل من
~~أهل بيتي يواطي اسمه اسمي (3). هكذا أخرجه أبو داوود في سننه (4).
# وعن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه
~~قال: لو لم يبق من الدهر الا يوم واحد لبعث الله رجلا من أهل بيتي يملأها
~~عدلا كما ملئت جورا. أخرجه في سننه أيضا (5).
# وروى أبو داوود والترمذي في سننهما، كل واحد منهما يرفعه إلى أبي سعيد
~~الخدري، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: المهدي مني أجلى
~~(6) الجبهة، أقنى (عليه السلام)).
# الأنف، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما. وزاد أبو داوود:
~~ويملك سبع ms117 سنين. وقال: حديث ثابت حسن صحيح (8).
# ورواه أبو القاسم الطبراني في معجمه ((صلى الله عليه وآله))، وكذلك غيره
~~من أئمة الحديث.
# PageV00P207
# الدري، واللون منه لون عربي، والجسم جسم إسرائيلي، يملأ الأرض عدلا كما
~~ملئت جورا، يرضى بخلافته أهل السماوات والأرض والطير في الجو، يملك عشر
~~سنين (1).
# وباسناده عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): المهدي
~~طاووس أهل الجنة (2).
# ومما رواه أبو داوود أيضا يرفعه إلى أم سلمة رضي الله عنها، قالت: سمعت
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: المهدي من عترتي من ولد فاطمة (3).
# ومن ذلك ما رواه القاضي أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي في كتابه المسمى
~~بشرح السنة، وأخرجه مسلم والبخاري في صحيحيهما، يرفعه كل واحد منهما بسنده
~~إلى أبي هريرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): كيف أنتم إذا نزل
~~ابن مريم فيكم وامامكم منكم (4).
# ومن ذلك ما أخرجه أبو داوود والترمذي في سننهما يرفعانه بسندهما إلى عبد
~~الله بن مسعود، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو لم يبق من
~~الدنيا الا يوم واحد لطول الله ذلك اليوم حتى يبعث فيه رجلا من أمتي ومن
~~أهل بيتي، يواطي اسمه اسمي، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت جورا وظلما
~~(5).
# ومن ذلك ما رواه أبو إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي يرفعه بسنده
~~إلى
# PageV00P208
# أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): نحن ولد (1) عبد
~~المطلب سادة الجنة:
# أنا وحمزة وجعفر وعلي والحسن والحسين والمهدي (4).
# وعن علقمة بن عبد الله، قال: بينما نحن عند رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) إذ أقبل فئة من بني هاشم، فلما رآهم النبي (صلى الله عليه وآله)
~~اغرورقت عيناه وتغير لونه، قال: قلت: مالك يا رسول الله نرى في وجهك شيئا
~~نكرهه؟.
# قال النبي (صلى الله عليه وآله): انا أهل بيت اختار الله تعالى لنا
~~الآخرة على الدنيا، وان أهل بيتي سيلقون من بعدي تشريدا وتطريدا، حتى يأتي
~~قوم ms118 من قبل المشرق ومعهم رايات سود، فيسألون الحق فلا يعطونه، فيقاتلون،
~~فينصرون، فيعطون ما سألوا، فلا يقبلونه حتى يدفعوها إلى رجل من أهل بيتي،
~~فيملأها قسطا كما ملئت جورا، فمن أدرك ذلك منهم فليأتينهم ولو حبوا على
~~الثلج. أخرجه الحافظ أبو نعيم (3).
# وروى الحافظ أبو نعيم أيضا بسنده عن ثوبان، قال: قال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله): إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان، فآتوها ولو حبوا
~~على الثلج، فان فيها خليفة الله المهدي (4).
# والأخبار الواردة بهذا المعنى لا تحصى كثرة، ومن أراد الوقوف عليها
~~فليطالع:
# كتاب البيان للكنجي الشافعي، والأربعين لأبي نعيم الحافظ، والفصول المهمة
~~لنور الدين علي بن محمد المكي، ومطالب السؤول للشيخ كمال الدين بن طلحة
~~الشامي
# PageV00P209
# الشافعي وغيرها (1)، وقد تضمن كثير منها كونه (عليه السلام) من ولد فاطمة
~~(عليها السلام)، وأنه من ولد الحسين (عليه السلام).
# ومخالفونا قد اضطربوا هنا اضطرابا كثيرة، فمنهم من أقر به (عليه السلام)
~~وانه موجود، ووافقنا على أن الإمام الثاني عشر م ح م د بن العسكري (عليه
~~السلام)، لتواتر ذلك عن آبائه (عليهم السلام)، واطباق الشيعة على ذلك، وهم
~~أعرف بهذا الشأن، ومنهم الشيخ كمال الدين بن طلحة في مطالب السؤول، وابن
~~الخشاب الحنبلي في تاريخ مواليد ووفيات أهل البيت (عليهم السلام)، والشيخ
~~نور الدين المكي في الفصول المهمة. ومنهم من قال: انه لم يوجد بعد. ومنهم
~~من زعم أنه المسيح (عليه السلام).
# والقول الثالث أوضح فسادا من أن ينبه عليه، لمدافعته الأخبار المتواترة
~~من الطرفين المستفيضة بين القبيلين.
# وقد ذكر بعض علماء المخالفين في كتاب (2) ألفه في أخبار المهدي (عليه
~~السلام) نحوا من مائة وعشرة أحاديث، أكثرها بل كلها الا ما نذر ينادي بأنه
~~(عليه السلام) من العترة الطاهرة، ومن أهل البيت (عليهم السلام)، ومن ولد
~~فاطمة (عليها السلام)، ومن ولد الحسين (3) (عليه السلام).
# ومنها: ما نقله عن الجمع بين الصحاح الستة، باسناده عن أبي إسحاق، قال:
# قال علي (عليه السلام) ونظر إلى ابنه الحسين (عليه السلام) ms119 وقال: ان ابني
~~هذا سيد، كما سماه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وسيخرج من صلبه رجل
~~باسم نبيكم، يشبهه في الخلق، ولا يشبهه
# PageV00P210
# في الخلق، يملأ الأرض عدلا (1).
# وأخبار اخر تؤدي هذا المؤدى، تركنا نقلها لأدائها إلى التطويل، وقد
~~أفردنا لاستيفائها كتابا ضخما سميناه بالفوائد الحسان في أخبار صاحب
~~الزمان.
# وأما القول الثاني، فمما ينادي بفساده اجماع الشيعة رضوان الله عليهم،
~~وتواتر أخبارهم بولادته صلوات الله عليه وعلى آبائه، على نحو ولادة إبراهيم
~~وموسى (عليهما السلام)، وغيرهما ممن اقتضت المصلحة تستر ولادته.
# وقد استفاضت الأخبار عنهم باسمه ونسبه، وإنما عرفه الشيعة رضوان الله
~~عليهم دون غيرهم، لاختصاصهم بآبائه (عليهم السلام)، وتلزمهم بمحمد (صلى
~~الله عليه وآله) وعترته (عليهم السلام)، فان كل من تلزم بقوم كان أعرف
~~بأحوالهم وأسرارهم من الأجانب (2)، كما أن أصحاب الشافعي أعرف بحاله من
~~أصحاب غيره.
# هذا مع أن مخالفينا قد رووا ما يشهد بما عليه أصحابنا، من نسبه، واسمه،
~~ووجوده، وبقائه، وأنه ولد أبي محمد الحسن العسكري (عليه السلام) الثاني عشر
~~من الأئمة (عليهم السلام).
# كما رواه المسمى عندهم صدر الأئمة أخطب خوارزم موفق بن أحمد المكي في
~~كتابه، قال: حدثنا فخر القضاة نجم الدين أبو منصور محمد بن الحسين بن محمد
~~البغدادي فيما كتب إلي من همدان، قال: أبلغنا الامام الشريف نور الهدى أبو
~~طالب الحسن بن محمد الزينبي، قال: أخبرنا امام الأئمة محمد بن أحمد بن
~~شاذان، قال:
# حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الله الحافظ، قال: حدثنا علي بن سنان الموصلي،
~~عن
# PageV00P211
# أحمد بن محمد بن صالح، عن سلمان بن محمد، عن زياد بن مسلم، عن عبد
~~الرحمن، عن زيد بن جابر (1)، عن سلامة، عن أبي سليمان (2) راعي رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله)، قال:
# سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ليلة أسري بي إلى السماء قال
~~لي الجليل جل جلاله: (آمن الرسول بما انزل إليه من ربه) فقلت: (والمؤمنون)
~~قال: صدقت يا محمد، من خلفت في أمتك؟ قلت: خيرها، ms120 قال: علي بن أبي طالب؟
~~قلت: نعم يا رب.
# قال: يا محمد اني اطلعت إلى الأرض اطلاعة فاخترتك منها، فشققت لك اسما من
~~أسمائي، فلا اذكر في موضع الا ذكرت معي، فأنا المحمود وأنت محمد، ثم اطلعت
~~الثانية، فاخترت منها عليا وشققت له اسما من أسمائي، فأنا الأعلى وهو علي.
# يا محمد اني خلقتك وخلقت عليا وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ولده من
~~سنخ نوري، وعرضت ولايتكم على أهل السماوات والأرض، فمن قبلها كان عندي من
~~المؤمنين، ومن لم يقبلها (3) كان من الكافرين.
# يا محمد لو أن عبدا من عبيدي عبدني حتى ينقطع أو يصير كالشن البالي، ثم
~~أتاني جاحدا لولايتكم ما غفرت له حتى يقر بولايتكم. يا محمد تحب أن تراهم؟
~~فقلت:
# نعم يا رب، فقال لي: التفت عن يمين العرش.
# فالتفت فإذا بعلي، وفاطمة، والحسن، والحسين، وعلي بن الحسين، ومحمد بن
~~علي، وجعفر بن محمد، وموسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، وعلي بن
~~محمد، والحسن بن علي، ومحمد بن الحسن المهدي في ضحضاح (4) من نور قياما
# PageV00P212
# يصلون وهو في وسطهم - يعني: المهدي (عليه السلام) - كأنه كوكب دري.
# وقال: يا محمد هؤلاء الحجج، وهو الثائر من عترتك، وعزتي وجلالي أنه الحجة
~~الواجبة لأوليائي والمنتقم من أعدائي (1).
# وبالإسناد عن الإمام محمد بن أحمد بن علي بن شاذان، قال: حدثنا محمد بن
~~علي بن الفضل، عن محمد بن القاسم، عن عباد بن يعقوب، عن موسى بن عثمان، عن
~~الأعمش، قال: حدثني أبو إسحاق، عن الحارث وسعيد بن بشر، عن علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام).
# قال: قال رسول الله 9: أنا واردكم، وأنت يا علي الساقي، والحسن الذائد،
~~والحسين الامر، وعلي بن الحسين الفارط، ومحمد بن علي الناشر، وجعفر بن محمد
~~السائق، وموسى بن جعفر محصي المحبين والمبغضين وقامع المنافقين، وعلي بن
~~موسى مزين المؤمنين، ومحمد بن علي منزل أهل الجنة درجاتهم، وعلي بن محمد
~~خطيب شيعته ومزوجهم الحور العين، والحسن بن علي سراج أهل الجنة يستضيؤون
~~به، والمهدي ms121 شفيعهم يوم القيامة حيث لا يأذن الله الا لمن يشاء ويرضى (2).
# وبالاسناد السابق عن ابن شاذان، قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن علي العلوي
~~الطبري (3)، عن أحمد بن عبد الله، حدثني جدي أحمد بن محمد، عن أبيه، عن
~~حماد بن عيسى، عن عمر بن أذينة، قال: حدثنا أبان بن أبي عياش، عن سليم بن
~~قيس الهلالي، عن سلمان المحمدي، قال: دخلت على النبي (صلى الله عليه وآله)
~~وإذا الحسين (عليه السلام) على
# PageV00P213
# فخذه، وهو يقبل عينيه ويلثم فاه، ويقول: أنت (1) سيد ابن سيد أبو السادة،
~~أنت امام ابن امام أبو الأئمة، أنت حجة ابن حجة، أبو حجج تسعة من صلبك،
~~تاسعهم قائمهم (2).
# وهذه الأخبار كما ترى صريحة في معتقد الفرقة الناجية الامامية رضوان الله
~~عليهم، وناطقة بأن الأئمة: اثنا عشر، وأن القائم (عليه السلام) هو الثاني
~~عشر، وأنه ابن العسكري (عليه السلام).
# ولعمري أن المخالفين لو تركوا رواية هذه الأخبار الناطقة بفساد مذهبهم
~~وصحة عقيدة خصومهم لكانوا أعذر، فالحمد لله الذي أنطقهم وأجرى أقلامهم بما
~~هو حجة عليهم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، فما يتفوه بعض
~~المخذولين منهم من انكار وجوده (عليه السلام) وبقائه، مكابرة محضة واستبعاد
~~بحت.
# ومحققوهم ككمال الدين بن طلحة الشامي، ونور الدين المكي، ونصر بن علي
~~الجهضمي، وابن الخشاب الحنبلي، وعبد الرحمن الجامي في دلائل النبوة، وملا
~~حسين الكاشفي (3) في روضة الشهداء وغيرهم، قد وافقونا على وجوده وبقائه،
~~وأنه ابن العسكري (عليه السلام)، وهو الذي عليه أكابر الصوفية، كصدر الدين
~~القونوي والحموي وغيرهما.
# ارشاد ورفع استبعاد:
# ولد مولانا المهدي (عليه السلام) بسر من رأى ليلة النصف من شعبان سنة خمس
~~وخمسين
# PageV00P214
# ومائتين من الهجرة، هذا هو الصحيح، وعليه اعتمد ثقة الاسلام محمد بن
~~يعقوب الكليني في الكافي (1)، وغيره من عظماء أصحابنا. ومن المخالفين نور
~~الدين علي بن محمد المكي المالكي في كتاب الفصول المهمة (2).
# وروى ثقة الاسلام في الكافي أيضا عن الحسين بن محمد الأشعري، عن معلى بن
~~محمد، عن أحمد ms122 بن محمد، قال: خرج عن أبي محمد (عليه السلام) حين قتل
~~الزبيري: هذا جزاء من افترى على الله في أوليائه، زعم أنه يقتلني وليس لي
~~عقب، فكيف رأى قدرة الله، وولد له ولد فسماه م ح م د سنة ست وخمسين ومائتين
~~(3).
# والمعلى بن محمد ضعيف مضطرب المذهب، لا اعتماد على ما ينفرد به، وجزم
~~شيخنا المعاصر (4) - خلد الله ظلال إفاداته - بعدم قدحه في صحة الخبر، لأنه
~~من مشايخ الإجازة. وفيه نظر حررناه في تعليقات الخلاصة، والاعتماد على
~~الأول.
# وسنه إلى عامنا هذا، وهو العام الخامس بعد المائة والألف من الهجرة
~~النبوية، ثمانمائة واحدى وخمسون سنة.
# وقال الشيخ أبو عبد الله المفيد في الارشاد: الإمام القائم بعد أبيه
~~الحسن (عليه السلام) ابنه المسمى باسم رسول الله (صلى الله عليه وآله)،
~~المكنى بكنيته، ولم يخلف أبوه ولدا ظاهرا ولا غائبا غيره (5)، وخلفه غائبا
~~مستترا.
# وكان سنه عند وفاة أبيه خمس سنين، آتاه الله فيها الحكمة وفصل الخطاب،
~~وآتاه الحكمة كما آتاها يحيى صبيا، وجعله اماما في حال الطفولية، كما جعل
# PageV00P215
# عيسى بن مريم (عليه السلام) في المهد نبيا، وللنص عليه من الأئمة (عليهم
~~السلام) واحدا واحدا إلى أبيه (عليه السلام)، ونص أبوه عليه عند ثقاته
~~وخواص شيعته، وكان الخبر بغيبته ثابتا قبل وجوده، وبدولته مستفيضا قبل
~~غيبته، وهو صاحب السيف من أئمة الهدى (عليهم السلام) يقوم بالسيف.
# قال الله سبحانه (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة
~~وجعلهم الوارثين) إلى قوله ﴿ما كانوا يحذرون﴾ (١) وقال سبحانه ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها
~~عبادي الصالحون﴾ (2).
# وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لن تنقضي الأيام والليالي حتى يبعث
~~الله رجلا من أهل بيتي، يواطئ اسمه اسمي، يملأ الأرض عدلا وقسطا كما ملئت
~~ظلما وجورا (3) (4) وعن زارة قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول:
~~الأئمة اثنا عشر كلهم من آل محمد (عليهم السلام) علي بن أبي ms123 طالب وأحد عشر
~~من ولده (5).
# والنصوص الواردة عليه من آبائه صلوات الله عليهم متواترة، ومن أرادها
~~فليقف عليها في كتاب الكافي (6)، وارشاد المفيد (عليه السلام))، وكتاب كمال
~~الدين وتمام النعمة في اثبات الغيبة ورفع الحيرة لرئيس المحدثين محمد بن
~~علي بن بابويه القمي (8)، وكتاب ملاء الغيبة في طول الغيبة للشيخ جمال
~~الدين أبي عبد الله محمد بن إبراهيم
# PageV00P216
# الشهير بالنعماني (1)، وكتاب الغيبة للشيخ أبي جعفر الطوسي (2) وغيرها.
# واستبعد أكثر مخالفينا تعميره (عليه السلام) إلى هذا القدر، وهو استبعاد
~~محض لا يعارض الأدلة القاهرة العقلية الدالة على عدم جواز خلو عصر من
~~الأعصار عن معصوم يكون ناطقا عن الله سبحانه، كيلا تبطل حجج الله وبيناته.
# قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديث كميل بن زياد النخعي: اللهم بلى
~~لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة: إما ظاهر مشهور، أو مستور مغمور (3)، لئلا
~~تبطل حجج الله وبيناته (4).
# ولا يجوز التعويل على الاستبعاد المحض، والاستغراب البحت، واطراح الأدلة
~~القطعية العقلية والسمعية المتواترة المروية من طرق المخالف والمؤالف، مع
~~شمول قدرة الله سبحانه لجميع الممكنات، وعمومها للمقدورات وخوارق العادات،
~~وقد اتفق أطول من عمره (عليه السلام) في الأمم الماضية بكثير، كنوح، وشعيب،
~~والخضر، والياس، والسامري، وفرعون وغيرهم.
# قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف الكنجي الشافعي في كتاب البيان في
~~أخبار صاحب الزمان، بعد أن أكثر الأدلة على كونه (عليه السلام) حيا باقيا
~~منذ غيبته إلى الان ما نصه: ولا امتناع في بقائه كبقاء عيسى بن مريم والخضر
~~والياس من أولياء الله تعالى، وبقاء الأعور الدجال وإبليس اللعين من أعداء
~~الله، وهؤلاء قد ثبت بقاؤهم بالكتاب والسنة.
# أما عيسى (عليه السلام)، فالدليل على بقائه قوله تعالى (وان من أهل
~~الكتاب الا
# PageV00P217
# ليؤمنن به قبل موته) (1) ولم يؤمن به منذ نزول الآية إلى يومنا هذا أحد،
~~فلابد أن يكون هذا في آخر الزمان.
# وأما السنة، فما رواه مسلم في صحيحه، عن ابن سمعان في حديث طويل في قضية
~~الدجال، قال: فينزل عيسى بن مريم ms124 عند المنارة البيضاء بين مهرودتين (2)،
~~واضعا كفيه على أجنحة ملكين (3).
# وأيضا ما تقدم من قوله (عليه السلام): كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم
~~وامامكم منكم؟.
# وأما الخضر والياس، فقد قال ابن جرير الطبري: الخضر والياس باقيان يسيران
~~في الأرض.
# وأيضا ما رواه مسلم في صحيحه، عن أبي سعيد الخدري، قال: حدثنا رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) حديثا طويلا عن الدجال، وكان فيما حدثنا أن قال: يأتي
~~وهو محرم عليه أن يدخل نقاب (4) المدينة، فينتهي إلى بعض السباخ التي تلي
~~المدينة، فيخرج إليه يومئذ رجل هو خير الناس، أو من خير الناس، فيقول
~~الدجال: ان قتلت هذا
# PageV00P218
# ثم أحييته أتشكون في الأمر؟ فيقولون: لا، فيقتله ثم يحييه، ثم يقول حين
~~يحييه:
# والله ما كنت فيك قط أشد بصيرة مني الان، قال: فيريد الدجال أن يقتله فلن
~~يسلط عليه. وقال إبراهيم بن سعد: يقال إن هذا الرجل هو الخضر (١) وهذا لفظ
~~مسلم في صحيحه كما سقناه سواء.
# وأما الدليل على بقاء إبليس اللعين، فآي الكتاب العزيز، وهو قوله تعالى
~~﴿قال رب فانظرني إلى يوم يبعثون × قال
~~فإنك من المنظرين﴾ (٢).
# وأما بقاء المهدي (عليه السلام)، فقد جاء بالكتاب والسنة. أما الكتاب،
~~فقد قال سعيد بن جبير في تفسير قوله تعالى ﴿ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ (٣) قال:
~~هو المهدي من ولد فاطمة (عليها السلام). وأما من قال: انه عيسى (عليه
~~السلام)، فلا تنافي بين القولين، إذ هو مساعد للمهدي (عليه السلام) على ما
~~تقدم.
# وقد قال مقاتل بن سليمان ومن تابعه من المفسرين في قوله تعالى ﴿وانه لعلم للساعة﴾ (4) قال: هو
~~المهدي يكون في آخر الزمان، وبعد خروجه يكون امارات ودلالات الساعة وقيامها
~~انتهى.
# وقد نقله عنه أيضا نور الدين المكي المالكي في فصوله (5).
# وحكى السيد الجليل ذو الكرامات الباهرة والمآثر الظاهرة أبو القاسم رضي
~~الدين علي بن طاووس (6) عطر الله مرقده في بعض كتبه ms125 (عليه السلام)) ما
~~حاصله: انه اجتمع
# PageV00P219
# يوما في بغداد مع بعض فضلائها، فانجر الكلام إلى ذكر الإمام المهدي (عليه
~~السلام) وما تدعيه الامامية من حياته في هذه المدة الطويلة، فشنع ذلك
~~الفاضل وأنكره انكارا بليغا.
# قال السيد (رحمه الله): فقلت له: انك تعلم أنه لو حضر اليوم رجل وادعى
~~أنه يمشي على الماء، لاجتمع لمشاهدته كل أهل البلد، فإذا مشى على الماء
~~وعاينوه قضوا تعجبهم منه، ثم لوجاء في اليوم الثاني آخر وقال: أنا أمشي على
~~الماء أيضا، فشاهدوا مشيه عليه لكان تعجبهم أقل من الأول، فإذا جاء في
~~اليوم الثالث آخر وادعى أنه يمشي على الماء أيضا، فربما لا يجتمع للنظر
~~إليه الا قليل ممن شاهد الأولين، فإذا مشى سقط التعجب بالكلية.
# فإذا جاء رابع وقال: أنا أمشي على الماء كما مشوا، فاجتمع عليه جماعة ممن
~~شاهدوا الثلاثة الأول، ثم أخذوا يتعجبون منه تعجبا زائدا على تعجبهم الأول
~~والثاني والثالث، لتعجب العقلاء من نقص عقولهم وخاطبوهم بما يكرهون.
# وهذا بعينه حال المهدي (عليه السلام)، فإنكم رويتم أن إدريس (عليه
~~السلام) حي موجود في السماء من زمانه إلى الان، ورويتم أن الخضر كذلك في
~~الأرض حي موجود من زمانه إلى الان، ورويتم أن عيسى (عليه السلام) حي موجود
~~في السماء، وأنه سيعود إلى الأرض إذا ظهر المهدي (عليه السلام) ويقتدي به.
# فهذه ثلاثة نفر من البشر قد طالت أعمارهم زيادة على المهدي (عليه
~~السلام)، فكيف لا تتعجبون منهم؟ وتتعجبون أن يكون لرجل من ذرية النبي (صلى
~~الله عليه وآله) أسوة بواحد منهم، وتنكرون أن يكون من جملة آياته (صلى الله
~~عليه وآله) أن يعمر واحد من عترته وذريته زيادة على ما هو المتعارف من
~~الأعمار في هذا الزمان (1) انتهى.
# وقال عطر الله مرقده في الطرائف: وأما استبعاد من يستبعد منهم ذلك لطول
# PageV00P220
# عمره الشريف، فما يمنع من ذلك الا جاهل بالله وقدرته، وباخبار نبينا
~~وعترته، أو عارف يعاند بالجحود، كما حكى الله تعالى عن قوم فقال ﴿وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما
~~وعلوا﴾ (1).
# فكيف يستبعد بطول الأعمار؟ وقد تواترت كثير من الأخبار بطول عمر جماعة من
~~الأنبياء وغيرهم من المعمرين، وهذا الخضر باق على طول السنين، وهو عبد صالح
~~من بني آدم (عليه السلام)، ليس بنبي ولا حافظ شريعة، ولا بلطف في بقاء
~~التكليف، فكيف يستبعد طول حياة المهدي (عليه السلام)؟ وهو حافظ شريعة جده
~~محمد (صلى الله عليه وآله) ولطف في بقاء التكليف، وحجة في أحد الثقلين
~~اللذين قال النبي (صلى الله عليه وآله) فيهما: انهما لن يفترقا حتى يردا
~~علي الحوض. والمنفعة ببقائه في حالتي ظهوره واختفائه أعظم من المنفعة
~~بالخضر.
# وكيف يستبعد طول عمر المهدي (عليه السلام) من يصدق بالقرآن؟ وقد تضمن من
~~قصة أصحاب الكهف أعجب من هذا، لأنهم مضى لهم فيما تضمنه القرآن ثلاثمائة
~~سنين وازدادوا تسعا، وهم أحياء كالنيام، كما قال الله تعالى في كتابه
~~الكريم (وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال) (1) لئلا
~~تبلي جنوبهم بالأرض.
# فهؤلاء مجوفون محتاجون إلى طعام وشراب، وقد بقوا هذه المدة بنص القرآن
~~بغير طعام ولا شراب مما يأكل الناس، وبقوا بمقتضى ما تقدم من الخبر السالف
~~عند ذكر قصة أصحاب الكهف إلى زمان محمد نبيهم (صلى الله عليه وآله)، حين
~~بعث الصحابة على البساط للسلام عليهم، ويبقون - كما رواه الثعلبي - إلى زمن
~~المهدي (عليه السلام) على الصفة التي تضمنها القرآن من الحياة بغير طعام
~~مألوف ولا شراب معروف، فأيما أعجب بقاء هؤلاء، أو بقاء المهدي (عليه
~~السلام)؟ (3) انتهى كلامه أعلى الله مقامه، وهو جيد مفيد
# PageV00P221
# جدا.
# وبعض الحذاق من الأطباء جوز بقاء الانسان باعتبار مزاجه الطبيعي ما يقرب
~~من هذه المدة ويزيد عليها (1).
# وأما المنجمون، فقالوا: أكثر ما يعطي كوكب واحد من العمر من حيث هو مائة
~~وعشرون سنة، وجاز أن ينضم إليه عندهم أسباب اخر فتتضاعف العطية، قالوا:
# في مثل أن يتفق في طالع كثرة الهيلاجات فيه، والكدخدايات كلها في أوتاد
~~الطالع ناظرة إلى بيوتها ونظر السعود لها بالتثليث أو ms127 التسديس، وتكون
~~النحوس ساقطة، وحينئذ يحكمون لصاحب الطالع بطول العمر، وقد نقلنا جملة من
~~كلامهم في رسالة أفردناها في الرد على من استبعد بقاءه (عليه السلام).
# وذكر السيد الجليل رضي الدين المذكور في كتابه فرج المهموم في معرفة
~~الحلال والحرام من علم النجوم: أن بعض أكابر المنجمين وقف على زائجة مولد
~~مولانا المهدي (عليه السلام)، فقال: انه يعمر عمرا طويلا جدا (2).
# وبالجملة فليس للمخالفين الا الاخلاد إلى الاستبعاد المحض والتخمين
~~الكاذب،
# PageV00P222
# يريدون ليطفؤا نور الله بأفواههم ويأبى الله الا أن يتم نوره ولو كره
~~المشركون.
# اكمال وقطع اشكال تحقيق حول حديث من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة
~~جاهلية من الأخبار المستفيضة المتفق عليها بين علماء الاسلام قوله (صلى
~~الله عليه وآله): من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية (1) (2).
# واستقامته ظاهرة على مذهب أصحابنا قدس الله أرواحهم، من عدم خلو الأرض من
~~حجة ناطق عن الله تعالى، معصوم في الأقوال والأفعال والتقريرات من أول عمره
~~إلى آخره، لأن امام زماننا - كما سلف - هو مولانا الحجة المهدي (عليه
~~السلام).
# وما أورده المخالفون من أنه إذا لم يمكن التوصل إليه وأخذ المسائل
~~الدينية عنه، فأي ثمرة تترتب على مجرد معرفته حتى يكون من مات ولم يكن
~~عارفا به، فقد مات ميتة جاهلية.
# PageV00P223
# فهو واضح السقوط، إذ ليست الثمرة منحصرة في مشاهدته، وأخذ المسائل عنه،
~~بل نفس التصديق بوجوده (عليه السلام)، وانه خليفة الله في الأرض، أمر مطلوب
~~لذاته، ولكن من أركان الايمان، كتصديق من كان في عصر النبي (صلى الله عليه
~~وآله) بوجوده ونبوته.
# وقد روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري أن النبي (صلى الله عليه وآله) ذكر
~~المهدي (عليه السلام)، فقال: ذلك الذي يفتح الله عز وجل على يديه مشارق
~~الأرض ومغاربها، يغيب عن أوليائه غيبة لا يثبت فيها الا من امتحن الله قلبه
~~للايمان، قال جابر: فقلت: يا رسول الله هل لشيعته انتفاع به في غيبته؟ فقال
~~(صلى الله عليه وآله): اي والذي بعثني بالحق نبيا ms128 انهم ليستضيؤون بنوره
~~وينتفعون بولايته في غيبته، كانتفاع الناس بالشمس وان علاها السحاب (1).
# والعجب أن المخالفين حملوا امام الزمان (2) في الخبر المذكور على صاحب
~~الشوكة (3) من ملوك الدنيا كائنا من كان، عالما كان أو جاهلا، عادلا أو
~~فاسقا.
# ومن المعلوم أنه لا ثمرة لمعرفة الجاهل الفاسق، ليكون من مات ولم يعرفه
~~فقد مات ميتة جاهلية، وكيف يتوهم من له أدنى مسكة أن يكون معرفة شياطين بني
~~أمية وبني العباس المستهترين بالنرد والكأس والشطرنج السفاكين الهتاكين
~~فريضة؟ (4) وان جاهلها لو مات مات ميتة جاهلية، نعوذ بالله من الحور بعد
# PageV00P224
# الكور (1)، والضلالة بعد الهداية.
# ولما استشبع بعض المحققين من مخالفينا هذا الالتزام (2)، ذهب إلى أن
~~المراد بالامام في الحديث هو الكتاب العزيز، وهو أوضح فسادا من أن ينبه
~~عليه، فان إضافة الامام إلى زمان ذلك الشخص يشعر بتبديل الأئمة في كل
~~الأزمنة، والقرآن العزيز لا تبدل له بحمد الله على كرور الأعصار.
# وأيضا فما المراد بمعرفة الكتاب التي إذا لم تكن حاصلة في الانسان مات
~~ميتة جاهلية؟ ان أريد بها معرفة ألفاظه أو الاطلاع على معانيه لم يقل به
~~أحد، ولو قيل به لاشكل الأمر على أكثر الناس، بل أدى إلى اختلال النظام،
~~فان تكليف جميع آحاد الأمة بذلك مقتض للحرج العظيم، والمشقة الكثيرة مؤد
~~إلى تعطيل المعاش، واختلال نظام النوع. وان أريد مجرد التصديق بوجوده، ورد
~~عليهم ما أوردوه على أصحابنا.
# وأيضا فقد اعتذر (3) محققوهم عن سبق أبي بكر وعمر إلى سقيفة بني ساعدة،
# PageV00P225
# والاشتغال بالخلافة عن تجهيز الرسول (صلى الله عليه وآله)، بأن مبادرتهما
~~لذلك إنما هي لقوله (صلى الله عليه وآله) (من مات ولم يعرف امام زمانه مات
~~ميتة جاهلية) وهذا يدل على أن ليس المراد القرآن، وان المراد من لم يعرف
~~امام زمانه بالمصطلح.
# جوهرة فاخرة:
# اختلف علماؤنا في سبب غيبته (عليه السلام)، فقال جمع منهم: لا يجوز نسبته
~~إلى الله تعالى لحكمته، والامام لطف، فلا يليق بحكمته منعه، ولا إلى الامام
~~لعصمته، فلا يكون الاخلال من جهته، ms129 لعدم جواز الاخلال بالواجب عليه، فيكون
~~السبب من الرعية. فبكثرة عدوه منهم، وقلة ناصره، وتسلط شياطين الانس
~~وسلاطين الجور على أطراف الربع المعمور وجوانبه، خاف على نفسه، ودفع الضرر
~~عن النفس واجب، فاختفى عنهم.
# وذلك بعد لزوم الحجة للخلق، وكشف الحقيقة، وإزاحة العلة، وسد طرق الأعذار
~~عليهم، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، إذ ليس الواجب على الله
~~سبحانه سوى ايجاد الامام وتعيينه، وقد فعل ذلك، والواجب على الامام قبول
~~الإمامة وتحمله لأعبائها، وقد فعله أيضا، والواجب على الأمة متابعة الامام
~~وقبول أحكامه وامتثال أوامره ونواهيه وطاعته ونصرته على أعدائه، وهم لم
~~يفعلوا ذلك، فكانت الحجة لهم لازمة، لأنهم منعوا نفسهم اللطف الحافظ
~~للشريعة.
# وقال بعض الأعلام: انا لما أثبتنا أنه تعالى عدل حكيم لا يفعل قبيحا، ولا
~~يخل بواجب، وان أفعال الله تعالى معللة بالأغراض والمصالح، كان ذلك موجبا
~~لاعتقاد أن جميع أفعاله تعالى مشتملة على الغرض الصحيح، وان لم نعلم كنه
~~ذلك الغرض وحقيقة تلك الحكمة، إذ لا سبيل لنا إلى معرفة حقائق جميع
~~الأشياء، لعجز القوة البشرية عن ادراك جميع ذلك. PageV00P226
# ثم قال: وحينئذ نقول: جاز أن يكون الغيبة لأمر خفي ومصلحة استأثر الله
~~تعالى بعلمها، ولا يجب علينا البحث عن حقيقة تلك المصلحة والاطلاع على
~~كنهها، كما في خلق الحيات والمؤذيات.
# وقال بعض المتأخرين: ان السبب في غيبته (عليه السلام) استخلاص المؤمنين
~~من أصلاب المنافقين، محتجا بأنه (عليه السلام) إنما يظهر بالقيام بالسيف
~~واظهار الدعوة، فحينئذ لا يقبل ايمان نفس لم تكن آمنت من قبل، لأن قيامه من
~~اشراط الساعة وعلاماتها، مستشهدا بقوله تعالى (يوم يأتي بعض آيات ربك لا
~~ينفع نفسا ايمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في ايمانها خيرا) (1) وقال:
~~ان تلك الآية هو الإمام (عليه السلام).
# فائدة:
# ابتداء الغيبة الصغرى بعد وفاة مولانا أبي محمد الحسن بن علي العسكري
~~(عليه السلام)، وكانت وفاة العسكري (عليه السلام) يوم الجمعة لثمان خلون من
~~شهر ربيع الأول سنة ستين ومائتين، ms130 وحينئذ فيكون غيبة مولانا المهدي (عليه
~~السلام) وهو ابن خمس سنين، وهذا هو الصحيح (2).
# وقال نور الدين علي بن محمد المكي المالكي في الفصول المهمة: انه غاب في
~~السرداب والحرس عليه، وكان ذلك سنة ست وسبعين ومائتين من الهجرة، وتزعم
~~الشيعة أنه دخل السرداب في دار أبيه وأمه تنظر إليه، فلم يخرج إليها بعد
~~ذلك، وعمره يومئذ تسع سنين. وذكر ابن الأزرق في تاريخ ميافارقين أنه دخل
~~السرداب سنة خمس وسبعين ومائتين وعمره سبع عشرة سنة (1) انتهى.
# PageV00P227
# وما ذكره من أن ابتداء الغيبة سنة ست وسبعين ومائتين وهم. نعم ذكر جمع من
~~عظماء أصحابنا أن ابتداءها سنة ست وستون ومائتين، وهذا يوافق ما نقله عن
~~الشيعة رضي الله عنهم، من أن عمره إذ ذاك تسع سنين، وما ذكرناه نحن أوضح،
~~لأنه بعد موت أبيه لم يصل إليه الا آحاد قليلون، فلا يدافع الغيبة.
# وكان له (عليه السلام) في الغيبة الصغرى أبواب مرضيون وسفراء ممدوحون.
# قال الشيخ الجليل أحمد بن أبي طالب (1) الطبرسي (2) في كتاب الاحتجاج:
~~وأما الأبواب المرضيون والسفراء الممدوحون في زمن الغيبة:
# فأولهم الشيخ الموثوق به أبو عمرو عثمان بن سعيد العمري، نصبه أولا أبو
~~الحسن علي بن محمد العسكري (عليه السلام)، ثم ابنه أبو محمد الحسن بن علي
~~العسكري (عليه السلام)، فتولى القيام بأمورهما حال حياتهما (عليهما
~~السلام)، ثم قام بعد ذلك بأمر صاحب الزمان (عليه السلام)، وكانت توقيعاته
~~وجوابات المسائل تخرج على يده.
# فلما مضى لسبيله قام ابنه أبو جعفر محمد بن عثمان مقامه، وناب منابه في
~~جميع ذلك.
# فلما مضى لسبيله قام بذلك أبو القاسم الحسين بن روح من بني نوبخت.
# فلما مضى هو قام مقامه أبو الحسن علي بن محمد السمري. ولم يقم منهم أحد
# PageV00P228
# بذلك الا بنص عليه من قبل صاحب الزمان صلوات الله عليه، ونصب صاحبه الذي
~~تقدم عليه، ولم تقبل الشيعة قولهم الا بعد ظهور آية معجزة تظهر على يد كل
~~واحد منهم من قبل صاحب الأمر صلوات الله عليه تدل على ms131 صدق مقالتهم وصحة
~~نيابتهم.
# فلما حان رحيل أبي الحسن السمري عن الدنيا وقرب أجله، قيل له: إلى من
~~توصي؟ فأخرج توقيعا إليهم نسخته:
# بسم الله الرحمن الرحيم، يا علي بن محمد السمري أعظم الله أجر اخوانك
~~فيك، فإنك ميت ما بينك وبين ستة أيام، فاجمع أمرك، ولا توص إلى أحد يقوم
~~مقامك بعد وفاتك، فقد وقعت الغيبة التامة، فلا ظهور الا بعد اذن الله تعالى
~~ذكره، وذلك بعد طول الأمد وقسوة القلوب، وامتلاء الأرض ظلما وجورا، وسيأتي
~~إلى شيعتي من يدعي المشاهدة، ألا فمن ادعى المشاهدة قبل خروج السفياني
~~والصيحة فهو كذاب مفتر، ولا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم.
# فنسخوا هذا التوقيع وخرجوا من عنده، فلما كان اليوم السادس عادوا إليه
~~وهو يجود بنفسه، فقال له بعض الأصحاب: من وصيك بعدك؟ فقال: لله أمر هو
~~بالغه وقضى، فهذا آخر كلام سمع منه رضي الله عنه وأرضاه (1). انتهى كلامه
~~زيد اكرامه.
# أقول: وكان وفات أبي الحسن السمري قدس الله روحه بالنصف من شعبان سنة
~~ثمان وعشرين وثلاثمائة، وبه انتهت مدة الغيبة الصغرى.
# ختام:
# قال الشيخ محي الدين بن عربي، وهو من أكابر صوفية المخالفين، كما يظهر
~~لمن
# PageV00P229
# تتبع كلامه في الفتوحات المكية، في الكتاب المذكور في الباب الثلاثمائة
~~والستة والستين ما نصه: ان لله خليفة (1) يخرج من عترة رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) من ولد فاطمة (عليها السلام) يواطئ اسمه اسم رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله)، جده الحسين بن علي (عليهما السلام)، يبايع بين الركن
~~والمقام، يشبه رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الخلق - بفتح الخاء -
~~وينزل عنه في الخلق - بضم الخاء - أسعد الناس به أهل الكوفة، يعيش خمسا أو
~~سبعا أو تسعا، يضع الجزية، ويدعو إلى الله بالسيف، ويرفع المذاهب، فلا يبقى
~~الا الدين الخالص، أعداؤه مقلدة العلماء أهل الاجتهاد، لما يرونه يحكم
~~بخلاف ما ذهب إليه أئمتهم، فيدخلون كرها تحت حكمه خوفا من سيفه، وتفرح به
~~عامة المسلمين أكثر من خواصهم.
# يبايعه العارفون من ms132 أهل الحقائق عن شهود وكشف بتعريف الهي، له رجال
~~الهيون يقيمون دعوته وينصرونه، ولولا أن السيف بيده لأفتى الفقهاء بقتله،
~~ولكن الله يظهره بالسيف والكرم، فيطمعون ويخافون ويقبلون حكمه من غير
~~ايمان، ويضمرون خلافه، ويعتقدون فيه إذا حكم فيهم بغير مذهب أئمتهم أنه على
~~ضلال في ذلك.
# لأنهم يعتقدون أن أهل الاجتهاد وزمانه قد انقطع، وما بقي مجتهد في
~~العالم، وان الله لا يوجد بعد أئمتهم أحدا له درجة الاجتهاد. وأما من يدعي
~~التعريف الإلهي بالأحكام الشرعية، فهو عندهم مجنون فاسد الخيال (2).
# هذا كلامه، وهو صريح الدلالة على ما عليه أصحابنا رضوان الله عليهم، من
~~جهات عديدة (3) لا تخفى على من تأملها بعين البصيرة، وتناولها بيد غير
~~قصيرة.
# PageV00P230
# الحديث الثامن عشر [جريان سفينة نوح ببركة أسماء أصحاب الكساء:] السيد
~~الجليل ذو الكرامات والمقامات رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن محمد
~~الطاووس العلوي الفاطمي نور الله تربته ورفع في عليين رتبته، في كتاب
~~الأمان من أخطار الأزمان، قال: رويت عن شيخي محمد بن النجار متقدم أهل
~~الحديث بالمدرسة المستنصرية، وكان محافظا على مقتضى عقيدته، فيما رواه لنا
~~من الأخبار النبوية، من كتابه الذي جعله تذييلا على تاريخ الخطيب، فقال في
~~ترجمة الحسن بن أحمد المحمدي أبي محمد العلوي ما هذا لفظه:
# حدث عن القاضي أبي محمد الحسن بن عبد الرحمن (1) بن خلاد الرامهرمزي،
~~وأبي عبد الله الغالبي، وبكر بن أحمد بن مخلد، روى عنه أبو عبد الله الحسين
~~بن الحسن بن زيد الحسيني القصبي، أنبأنا القاضي أبو الفتح محمد (2) بن أحمد
~~بن بختيار الواسطي، قال: كتب إلي أبو جعفر (3) محمد بن الحسن بن محمد
~~الهمداني، قال:
# أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن بن زيد الحسيني القصبي بقراءتي عليه
~~بجرجان قال: حدثنا الشريف أبو محمد الحسن بن أحمد العلوي المحمدي ببغداد،
~~في شهر رمضان من سنة خمس وعشرين وأربعمائة.
# قال: حدثنا القاضي أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن بن خلاد، وبكر بن أحمد
~~بن مخلد، وأبو عبد الله الغالبي، ms133 قالوا: حدثنا محمد بن هارون المنصوري
~~العباسي، حدثنا أحمد بن شاكر، حدثنا يحيى بن أكثم القاضي، حدثنا المأمون،
~~عن عطية
# PageV00P231
# العوفي، عن ثابت البناني.
# عن أنس بن مالك، عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لما أراد الله
~~عز وجل أن يهلك قوم نوح (عليه السلام) أوحى الله إليه أن شق ألواح الساج،
~~فلما شقها لم يدر ما يصنع بها، فهبط جبرئيل (عليه السلام) وأراه هيئة
~~السفينة، ومعه تابوت فيه مائة ألف مسمار وتسعة وعشرون ألف مسمار.
# فسمر بالمسامير كلها السفينة، إلى أن بقيت خمسة مسامير، فضرب بيده إلى
~~مسمار منها، فأشرق في يده وأضاء، كما يضئ الكوكب الدري في أفق السماء،
~~فتحير من ذلك نوح (عليه السلام)، وأنطق الله ذلك المسمار بلسان طلق ذلق،
~~فقال: علي اسم خير الأنبياء محمد بن عبد الله، فهبط عليه جبرئيل فقال له:
~~يا جبرئيل ما هذا المسمار الذي ما رأيت مثله؟ قال: هذا باسم خير الأولين
~~والآخرين محمد بن عبد الله، أسمره في أولها على جانب السفينة اليمنى.
# ثم ضرب بيده على مسمار ثان، فأشرق وأنار، فقال نوح (عليه السلام): وما
~~هذا المسمار ؟ قال: مسمار أخيه وابن عمه علي بن أبي طالب، فأسمره على جانب
~~السفينة اليسار في أولها.
# ثم ضرب بيده إلى مسمار ثالث، فزهر وأشرق وأنار، فقال: هذا مسمار فاطمة،
~~فأسمره إلى جانب مسمار أبيها.
# ثم ضرب بيده إلى مسمار رابع، فزهر وأنار، فقال: هذا مسمار الحسن، فأسمره
~~إلى جانب مسمار أبيه.
# ثم ضرب بيده إلى مسمار خامس، فأشرق وأنار وبكى، فقال: يا جبرئيل وما هذه
~~النداوة؟ فقال: هذا مسمار الحسين بن علي سيد الشهداء، فأسمره إلى جانب
~~مسمار أخيه. PageV00P232
# ثم قال النبي (صلى الله عليه وآله): ﴿وحملناه على ذات ألواح ودسر﴾ (1) قال النبي (صلى
~~الله عليه وآله):
# الألواح خشب السفينة ونحن الدسر، لولانا ما سارت السفينة بأهلها.
# قال السيد الجليل بعد نقله: يقول أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن محمد
~~بن محمد ms134 الطاووس مصنف هذا الكتاب: وإنما ذكرت هذا الحديث لأنه برواية محمد
~~بن النجار الذي هومن أعيان أهل الحديث من الأربعة المذاهب وثقاتهم، وممن لا
~~يتهم فيما يرويه من فضائل أهل البيت: وعلو مقاماتهم، وما رأيته ولا رويته
~~من طرق شيعتهم إلى الان (2). انتهى كلامه نور الله مرقده.
# أقول: فتأمل أرشدك الله بتوفيقه إلى هذا الخبر، وانظر إلى علو درجات أهل
~~البيت ومقاماتهم، وانظر كيف كان نجاة سفينة نوح (عليه السلام) بأهلها، وهم
~~أصل كل من بقي من ولد آدم (عليه السلام) ببركاتهم.
# فالعجب من النواصب والمرجئة كيف جحدوا مقاماتهم، وقدموا عليهم الجبت
~~والطاغوت، افتراءا على الله، واجتراءا عليه جل برهانه، وهم يحسبون أنهم
~~يحسنون صنعا.
# الحديث التاسع عشر [حديث المؤاخاة] الترمذي في صحيحه بسنده عن عبد الله
~~بن عمر أنه قال: لما آخى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين صحابته، جاءه
~~علي (عليه السلام) وعيناه تدمعان، فقال: يا رسول الله آخيت بين أصحابك ولم
~~تؤاخ بيني وبين أحد، فسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أنت
# PageV00P233
# أخي في الدنيا والآخرة (1).
# أقول: أخبار القوم في دساتيرهم وأصحتهم متطابقة على هذا المضمون، وقد
~~رواه أبو داوود من عظمائهم في سننه (2).
# وروى الفقيه أبو الحسن بن المغازلي الشافعي عن أنس، قال: لما كان يوم
~~المباهلة وآخى النبي (صلى الله عليه وآله) بين المهاجرين والأنصار، وعلي
~~(عليه السلام) واقف يراه ويعرف مكانه، ولم يواخ بينه وبين أحد، فانصرف علي
~~(عليه السلام) باكي العين، فافتقده النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: ما
~~فعل أبو الحسن؟ قالوا: انصرف باكي العين يا رسول الله، قال: بلال اذهب
~~فأتني به.
# فمضى بلال إلى علي (عليه السلام) وقد دخل منزله باكي العين، فقالت فاطمة
~~(عليها السلام): ما يبكيك لا أبكى الله عينيك؟ فقال: ان النبي (صلى الله
~~عليه وآله) آخى بين المهاجرين والأنصار وأنا واقف يراني ويعرف مكاني ولم
~~يؤاخ بيني وبين أحد، فقالت: لا يحزنك انه لعله إنما أدخرك لنفسه، فقال
~~بلال: يا علي أجب رسول ms135 الله.
# فأتى علي (عليه السلام) فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): ما يبكيك يا
~~أبا الحسن؟ فقال: آخيت بين المهاجرين والأنصار يا رسول الله وأنا واقف
~~تراني وتعرف مكاني ولم تؤاخ بيني وبين أحد، قال: إنما ادخرتك لنفسي ألا
~~يسرك أن تكون أخا نبيك؟ فقال: بلى يا رسول الله وأنى لي بذلك.
# فأخذه بيده فأرقاه المنبر وقال: اللهم هذا مني وأنا منه الا أنه مني
~~بمنزلة هارون من موسى، ألا من كنت مولاه فعلي مولاه، قال: فانصرف علي قرير
~~العين، فأتبعه عمر بن الخطاب وقال: بخ بخ يا أبا الحسن أصبحت مولاي ومولى
~~كل مؤمن وكل مسلم (3).
# PageV00P234
# وروى ضياء الدين الخوارزمي في مناقبه، وهو من فحول عظمائهم وأساطين
~~علمائهم، عن عبد الله بن عباس (رضي الله عنه)، قال: لما آخى رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) بين أصحابه من المهاجرين والأنصار، وهو أنه آخى بين أبي
~~بكر وعمر، وآخى بين عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف، وآخى بين طلحة
~~والزبير، وآخى بين أبي ذر الغفاري والمقداد، ولم يؤاخ بين علي بن أبي طالب
~~وبين أحد منهم، خرج مغضبا حتى أتى جدولا من الأرض وتوسد ذراعه ونام فيه
~~تسفي الريح عليه.
# فمر عليه النبي (صلى الله عليه وآله)، فوجده على تلك الصفة، فوكزه برجله
~~وقال له: قم فما صلحت الا أن تكون أبا تراب، أغضبت حين آخيت بين المهاجرين
~~والأنصار، ولم أواخ بينك وبين أحد منهم، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون
~~من موسى الا أنه لا نبي بعدي، ألا من أحبك فقد حف بالأمن والايمان، ومن
~~أبغضك أماته الله ميتة جاهلية (1).
# وروى أحمد بن حنبل في مسنده، عن عمر بن عبد الله، عن أبيه، عن جده، أن
~~النبي (صلى الله عليه وآله) آخى بين الناس وترك عليا (عليه السلام) حتى بقي
~~آخرهم لا يرى له أخا، فقال:
# يا رسول الله آخيت بين الناس وتركتني، فقال (صلى الله عليه وآله): إنما
~~تركتك لنفسي، أنت أخي وأنا أخوك، وان ms136 ذكرك أحد فقل أنا عبد الله وأخو
~~رسوله، لا يدعيها بعدك الا كذاب (2).
# وبالاسناد عن زيد بن أبي أوفى، قال: دخلت على النبي (صلى الله عليه
~~وآله)، وذكر قصة مؤاخاة النبي (صلى الله عليه وآله) بين الصحابة، فقال علي
~~(عليه السلام): لقد ذهبت روحي وانقطع ظهري حين رأيته، فقلت: فعلت بأصحابك
~~ما فعلت غيري، فإن كان من سخط علي فلك
# PageV00P235
# العتبى والكرامة، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): والذي بعثني بالحق
~~نبيا ما اخترتك الا لنفسي، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي
~~بعدي، وأنت أخي ووارثي، فقال (عليه السلام): وما أرث منك يا رسول الله؟
# فقال: ما ورث الأنبياء قبلي، كتاب الله وسنة نبيهم، وأنت معي في قصري في
~~الجنة مع ابنتي فاطمة، وأنت أخي ورفيقي، ثم تلا النبي (صلى الله عليه وآله)
~~﴿اخوانا على سرر متقابلين﴾ (١)
~~المتحابون في الله ينظر بعضهم إلى بعض (٢).
# وبالاسناد عن عكرمة، عن ابن عباس: أن عليا (عليه السلام) كان يقول في
~~حياة النبي (صلى الله عليه وآله): ان الله تعالى يقول عن نبيه ﴿أفإن مات أو قتل﴾ (3) والله
~~لأقاتلن على ما قاتل عليه حتى أموت، والله اني أخوه ووليه وابن عمه ومن أحق
~~به مني (4).
# وروى الدارقطني مرفوعا إلى ابن عمر، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله)
~~لعلي (عليه السلام): أنت أخي في الدنيا والآخرة (5).
# ومن مناقب الفقيه أبي الحسن ابن المغازلي الشافعي بالاسناد، عن حذيفة بن
~~اليمان، قال: آخى النبي (صلى الله عليه وآله) بين المهاجرين والأنصار، فكان
~~يؤاخي بين الرجل ونظيره، ثم أخذ بيد علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال:
~~هذا أخي، قال حذيفة:
# فرسول الله (صلى الله عليه وآله) سيد المرسلين، وامام المتقين، ورسول رب
~~العالمين الذي ليس له شبه ولا نظير، وعلي أخوه (6).
# أقول: والأخبار في هذا المعنى كثيرة جدا، وقد تضمن كتاب كشف الغمة للوزير
# PageV00P236
# الجليل الكامل علي بن عيسى الأربلي، والفصول ms137 المهمة لنور الدين بن الصباغ
~~المكي المالكي، ومطالب السؤول للشيخ كمال الدين محمد بن طلحة الشامي
~~الشافعي، ومناقب الفقيه ابن المغازلي الشافعي، وغيرها، جملة مقنعة منها لا
~~يسع ذكرها المقام ، وهي كما ترى ناطقة بالإمامة، صريحة في النص عليه
~~بالخلافة.
# قال يحيى بن الحسن البطريق ونعم ما قال: قول النبي (صلى الله عليه وآله)
~~لعلي (عليه السلام) (أنت أخي في الدنيا والآخرة) أراد بذلك غاية المدح له،
~~ونهاية المبالغة في علو المنزلة، لأنه (صلى الله عليه وآله) لما آخى بين
~~المرء ونظيره لم يجد لعلي (عليه السلام) نظيرا، فهو نظيره من وجوه:
# نظيره في الأصل، بدليل شاهد النسب الصريح بينهما بلا ارتياب.
# ونظيره في العصمة، بدليل قوله تعالى ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم
~~تطهيرا﴾ (١).
# ونظيره في أنه ولي الأمة، بدليل قوله تعالى ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون
~~الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون﴾ (2).
# ونظيره في الأداء والتبليغ، بدليل الوحي الوارد عنه (عليه السلام) يوم
~~اعطاء سورة براءة لغيره، فنزل جبرئيل (عليه السلام) وقال: لا يؤديها الا
~~أنت أو من هو منك، فاستعادها منه وأداها علي (عليه السلام) بوحي من الله
~~تعالى في الموسم كما يأتي.
# ونظيره في كونه مولى الأمة، بدليل قوله (صلى الله عليه وآله): من كنت
~~مولاه فعلي مولاه، كما تقدم نقله من عدة طرق.
# ونظيره في مماثلة نفسهما، وان نفسه (عليه السلام) قامت مقام نفسه (صلى
~~الله عليه وآله)، لأن الله تعالى جعله نفس الرسول (صلى الله عليه وآله)،
~~بدليل قوله تعالى (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع
~~أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل
# PageV00P237
# فنجعل لعنة الله على الكاذبين) (1) فجعل نفس علي (عليه السلام) نفسه (صلى
~~الله عليه وآله)، لأنه (صلى الله عليه وآله) قال:
# تعالوا، والداعي لا يدعو نفسه وإنما يدعو غيره، فثبت أن المراد بنفسه في
~~الدعاء نفس علي (عليه السلام) ms138 كما سيجئ بيانه ان ساء الله تعالى.
# ونظيره في فتح بابه (عليه السلام) في المسجد، كفتح باب النبي (صلى الله
~~عليه وآله)، وجوازه في المسجد كجوازه، ودخوله المسجد جنبا كدخوله، كما
~~سنذكره فيما بعد (2).
# قلت: ونظيره في المن على أهل البصرة كمن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~على أهل مكة.
# ونظيره في الحج قرانا، ومساق الهدي، واحرامه بما أحرم به رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله)، حيث قال: اللهم احلالا كاحلال نبيك.
# ونظيره في كونه أبا للأرواح والنفوس في النشأة الروحية مثله، كما قال
~~(صلى الله عليه وآله): أنا وعلي أبوا هذه الأمة. نقله صاحب رسائل اخوان
~~الصفا.
# ونظيره في العروج، فإنه (صلى الله عليه وآله) عرج على البراق، كما
~~استفاضت به الأخبار، وهو (عليه السلام) عرج بصعوده على كتف رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله)، فعروجه (عليه السلام) في مسقط رأسه منكبي، وعروج رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) فلكي. وفي قوله سلام الله عليه في كيفية الواقعة
~~(اني لو شئت لنلت أفق السماء) إشارة جلية منه إلى ذلك المقام، وتلويح بل
~~تصريح بنيل فلك المرام، ومنها قال بعض الشعراء بالفارسية:
# أي سوره هل أتى شده تاج على * وى هردوجهان به علم محتاج على آن عرش مجيد
~~گشته معراج رسول * وين كتف رسول گشته معراج على وبالجملة فبينهما صلوات
~~الله عليهما تشاكل في جميع الأمور والأحكام والأحوال القدسية والمقامات
~~الإلهية، الا ما استثناه من الأمر الذي لا نظير له (صلى الله عليه وآله)
~~فيه، وهو النبوة بقوله (صلى الله عليه وآله) (الا أنه لا نبي بعدي) فلذلك
~~صح من النبي (صلى الله عليه وآله) أن يجعله أخاه
# PageV00P238
# في الدنيا والآخرة، لما ثبت له من هذه المشاكلة العامة والمشابهة التامة.
# ولابن الصباغ المالكي (1) هنا كلام سخيف، قال: الاخوة وحقيقتها بين
~~الشخصين كونهما مخلوقين من أصل واحد، وهذه الحقيقة منتفية هاهنا، فان النبي
~~(صلى الله عليه وآله) أبوه عبد الله وأمه آمنة، وأبوه أبو طالب وأمه فاطمة
~~بنت أسد، فتعين ms139 صرف حقيقة الاخوة إلى لوازمها، ومن لوازمها المناصرة
~~والمعاضدة والاشفاق، وتحمل المشاق والمحبة والمودة، فمعنى قوله (أنت أخي في
~~الدنيا والآخرة) اني ناصرك وعضدك وشفيق عليك ومعتن بك (2) انتهى كلامه
~~السخيف.
# وهو منه في نهاية الغرابة، فاني وجدته غير مشارك في الانصاف ومحبة أهل
~~البيت (عليهم السلام)، فالعجب منه كيف حمل الاخوة على النصرة والشفقة، وخفي
~~عليه أن المراد بها المماثلة، كما يفهمه من تأمل هذه القصة بعين البصيرة،
~~ومن قول حذيفة بن اليمان (فكان يؤاخي بين الرجل ونظيره) وقوله (صلى الله
~~عليه وآله) في حديث زيد بن أبي أوفى المذكور في مسند أحمد بن حنبل (ما
~~اخترتك الا لنفسي، فأنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي وأنت
~~أخي ووارثي) إلى آخره.
# ومن كان له ذوق صحيح وتأمل صائب، وخلع ربقة تقليد الاباء والأجداد من
~~عنقه، لا يرتاب في أن المراد من هذه القصة ليس الا بيان استحقاقه (عليه
~~السلام) للإمامة، والنص عليه بالخلافة، والائذان بجلالة قدره، وأنه مماثل
~~لخاتم الأنبياء في مقاماته الربانية، ودرجاته العرفانية، وأنه (عليه
~~السلام) الانسان المتأله العارف بالأسرار اللاهوتية، والبشر المتقدس الفائز
~~بالخواص القدسية، والمتسم بصفات الحضرة النبوية المحمدية.
# ولقد أجاد الشيخ الرئيس أبو علي بن سينا في رسالة المعراج، حيث قال: أمير
# PageV00P239
# المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) مركز الحكمة، وفلك الحقيقة،
~~وخزانة العقل، ولقد كان بين الصحابة كالمعقول بين المحسوس (1) انتهى.
# الحديث العشرون [التصريح بالخلافة في كلام الرسول الأعظم (صلى الله عليه
~~وآله)] محمد بن جرير الطبري، من عظماء محدثيهم في كتاب المستنير، عن الحسن
~~بن محمد بن جمل، قال: حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق، عن
~~عائشة، قالت: سألت رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الخليفة بعدك؟ قال:
~~خاصف النعل، قلت: ومن خاصف النعل يا رسول الله؟ قال: انظري، فنظرت فإذا هو
~~علي بن أبي طالب.
# أقول: هذا كما ترى نص في الإمامة، غير قابل للتأويل بوجه.
# وفي الصحاح الستة لرزين العبدري من ms140 الجزء الثالث في ذكر غزاة الحديبية من
~~سنن أبي داوود وصحيح الترمذي (2)، والاسناد الأول قال: لما كان يوم
~~الحديبية
# PageV00P240
# خرج الينا أناس من المشركين من رؤسائهم، فقالوا: قد خرج إليكم من أبنائنا
~~وأرقائنا، وإنما خرجوا فرارا من خدمتنا فارددهم الينا، فقال النبي (صلى
~~الله عليه وآله): يا معشر قريش لتنتهن عن مخالفة أمر الله، أو ليبعثن الله
~~عليكم من يضرب رقابكم بالسيف، قد امتحن الله قلوبهم للتقوى.
# قال بعض أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله): من أولئك يا رسول الله؟ قال:
~~منهم خاصف النعل، وكان (صلى الله عليه وآله) قد أعطى عليا (عليه السلام)
~~نعله يخصفها (1).
# وفي مسند أحمد بن حنبل عن علي (عليه السلام): أن سهيل بن عمرو أتى النبي
~~(صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد ان قوما لحقوا بك فارددهم علينا، فغضب
~~(صلى الله عليه وآله) حتى رؤي الغضب في وجهه، ثم قال: لتنتهن يا معشر قريش،
~~أو ليبعثن الله رجلا منكم، امتحن الله قلبه بالايمان، يضرب رقابكم على
~~الدين.
# قيل: يا رسول الله أبو بكر؟ قال: لا، قيل: فعمر؟ قال: لا ولكنه خاصف
~~النعل في الحجرة، قال علي (عليه السلام): أما اني سمعت النبي (صلى الله
~~عليه وآله) يقول: لا تكذبوا علي، فمن كذب علي متعمدا أولجته النار (2).
# وبالاسناد قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لتنتهن أو لأبعثن
~~عليهم رجلا يمضي فيهم أمري، يقتل المقاتلة، ويسبي الذرية، فقال أبو ذر: فما
~~راعني الا برد كف عمر في حجزتي من خلفي وقال: من تراه يعني؟ قلت: ما يعنيك
~~ولكن يعني خاصف النعل يعني عليا (عليه السلام) (3).
# PageV00P241
# وفي هذه الأخبار المتضمنة لخصف النعل كلها دلالة على استحقاقه (عليه
~~السلام) للإمامة.
# قال يحيى بن الحسن البطريق: ان النبي (صلى الله عليه وآله) إنما قال ذلك
~~تنويها بذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) ونصا عليه من وجوه:
# منها: أنه ولي الأمة بعده، لأنه قال: يضرب رقابكم على الدين بعد قوله
~~(امتحن الله قلبه للايمان) وجعل ذلك ببعث الله سبحانه ms141 له لا من قبل نفسه،
~~وهذا نص منه (صلى الله عليه وآله) ومن الله سبحانه على علي (عليه السلام)
~~باستحقاقه استيفاء حق الله تعالى ممن كفر، ولا يستحق ذلك بعد النبي (صلى
~~الله عليه وآله) الا الامام.
# ودليل صحته قوله (صلى الله عليه وآله) في خبر من هذه الأخبار (مني أو
~~قال: مثل نفسي) فدل على أن المراد بذلك التنويه باستحقاق الولاء لكونه مثل
~~نفسه في استحقاق الولاء.
# ويزيده بيانا قول عمر بن الخطاب وقسمه بالله تعالى أنه ما اشتهى الامارة
~~الا يومئذ، والمتهنأ لا يطلب ما هو دون قدره، بدليل قوله تعالى ﴿ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم﴾
~~(1) فالتمني يكون بما فضل به البعض لا بما استووا فيه.
# ويزيده بيانا ما تقدم في الخبر من قول أبي بكر: أنا هويا رسول الله؟ قال:
~~لا، فقال عمر: أنا هويا رسول الله؟ قال: لا. ولو لم يعلما أن ذلك كان علامة
~~من رسول الله (صلى الله عليه وآله) تدل على مستحق الخلافة والأمر بعده ما
~~تطاولا إلى طلب ذلك.
# فان قيل: انهما إنما طلبا ذلك لأنه أمر محبوب إلى كل أحد أن يكون قد
~~امتحن الله قلبه للايمان لا لموضع استحقاق الأمر بعده.
# قلنا: الذي يدل على أنه لاستحقاق الولاء دون ما عداه قوله (صلى الله عليه
~~وآله): ان منكم من يقاتل على تأويل القرآن، كما قاتلت على تنزيله. فجعل
~~القتالين سواء، لأنه (صلى الله عليه وآله) ذكرهما بكاف التشبيه، لأن انكار
~~التأويل كانكار التنزيل، لأن منكر التنزيل
# PageV00P242
# جاحد لقبوله، ومنكر التأويل جاحد لقبول العمل به، فهما سواء في الجحود،
~~وليس مرجع قتال الفريقين الا إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، أو إلى من
~~قام مقامه، فدل على أن الكناية إنما كانت لاستحقاق الإمامة (١). انتهى
~~كلامه أعلى الله مقامه.
# الحديث الحادي والعشرون [ما ورد في محبة الإمام علي (عليه السلام) وأهل
~~بيته (عليهم السلام)] نور الدين علي بن محمد المكي المالكي في الفصول
~~المهمة، قال: ms142 روى الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي في كتابه معالم
~~العترة النبوية مرفوعا إلى فاطمة، قالت: خرج علينا رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) عشية عرفة، وقال: ان الله عز وجل باهى بكم وغفر لكم عامة، ولعلي
~~خاصة، واني رسول الله إليكم غير محاب لقرابتي، ان السعيد كل السعيد من أحب
~~عليا في حياته وبعد موته.
# ورواه الطبراني أيضا في معجمه عن فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وزاد
~~فيه: ان الشقي كل الشقي من أبغض عليا في حياته وبعد موته (٢).
# أقول: الأخبار في هذا المعنى تبلغ حد التواتر، وهي ناطقة بإمامته
~~وخلافته، إذ مصداق المحبة طاعة المحبوب، كما قال الله سبحانه ﴿قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني
~~يحببكم الله﴾ (3) فليس معنى وجوب محبته الا وجوب طاعته، والاقتداء به
~~في الأحكام، والرجوع إليه في المهام.
# ومن الأخبار المصرحة بهذا المضمون ما رواه الترمذي والنسائي عن زر بن
~~حبيش، قال: سمعت عليا (عليه السلام) يقول: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة أنه
~~لعهد النبي
# PageV00P243
# الأمي أنه لا يحبني الا مؤمن، ولا يبغضني الا منافق (1).
# وعن أبي سعيد الخدري، قال: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله 9
~~الا ببغضهم عليا (2).
# وعن الحارث الهمداني، قال: جاء علي (عليه السلام) حتى صعد المنبر، فحمد
~~الله تعالى ثم قال: قضاء قضاه الله تعالى على لسان نبيكم (عليه السلام) لا
~~يحبني الا مؤمن، ولا يبغضني الا منافق، وقد خاب من افترى (3).
# ومن كتاب المناقب لأبي المؤيد، عن أبي بردة، قال: قال رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) ونحن جلوس ذات يوم: والذي نفسي بيده لا يزال قدم عن قدم
~~يوم القيامة حتى يسأل الله تبارك وتعالى الرجل عن أربع: عن عمره فيما
~~أفناه، وعن جسده فيما أبلاه، وعن ماله مما كسبه وفيما أنفقه، وعن حبنا أهل
~~البيت، فقال له عمر: ما آية حبكم؟
# فوضع يده على رأس علي (عليه السلام) وهو جالس إلى جانبه، وقال: آية حبي
~~حب هذا من بعدي ms143 (4).
# ومن كتاب الفردوس عن معاذ، عن النبي (صلى الله عليه وآله): حب علي حسنة
~~لا تضر معها سيئة، وبغضه سيئة لا تنفع معها حسنة (5).
# وقد تقدم لنا في نحو هذا الخبر كلام طويل في الحديث التاسع.
# PageV00P244
# الحديث الثاني والعشرون [قوله (صلى الله عليه وآله): علي قائد الغر
~~المحجلين] السيد الجليل ذو المقامات والكرامات والمفاخر زين السالكين،
~~وقدوة المتعبدين، وخلاصة آل طه ويس، أبو القاسم علي بن موسى بن جعفر بن
~~محمد بن محمد الطاووس في كتابه المسمى بكتاب اليقين في اختصاص مولانا علي
~~(عليه السلام) بإمرة المؤمنين ، قال الحافظ أبو بكر بن مردويه، وهو من
~~عظماء علماء الجمهور.
# وقد رأيت مدحه في كتاب معجم البلدان، لياقوت بن عبد الله الحموي في ترجمة
~~اسكاف، ما هذا لفظه: وممن ينسب إليها أبو بكر بن مردويه، ومات بإسكاف سنة
~~اثنين وخمسين وثلاثمائة، وكان ثقة (1).
# وذكر الحافظ أسعد بن عبد القاهر في كتاب رشح الولاء في شرح الدعاء في
~~اسناد الحديث المتضمن لوصف مولانا علي (عليه السلام) بأنه امام المتقين، عن
~~أبي بكر بن مردويه أنه الامام الحافظ طراز المحدثين أبو بكر بن أحمد بن
~~موسى بن مردويه (2).
# وذكر أخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد المكي في كتاب المناقب في الفصل
~~التاسع عشر في فضائل شتى، في جملة اسناده إلى أبي بكر أحمد بن مردويه ما
~~هذا لفظه: طراز المحدثين أحمد بن مردويه (3).
# وهذا لفظ حديثه من كتاب مناقب مولانا علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن
~~ابن عباس، قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) في صحن الدار وإذا رأسه في
~~حجر دحية بن خليفة الكلبي، فدخل علي (عليه السلام)، فقال: السلام عليك كيف
~~أصبح رسول الله، فقال: بخير، قال له دحية: اني لأحبك، وان لك مدحة أزفها
~~إليك، أنت أمير المؤمنين، وقائد الغر المحجلين، أنت سيد ولد آدم ما خلا
~~النبيين والمرسلين، لواء الحمد بيدك يوم
# PageV00P245
# القيامة، تزف أنت وشيعتك مع محمد وحزبه إلى الجنان رواء (1)، قد أفلح من
~~تولاك، وخسر من ms144 تخلاك، محبوا محمد محبوك، ومبغضو محمد مبغضوك، لن تنالهم
~~شفاعة محمد، ادن مني يا صفوة الله.
# فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله)، فوضعه في حجره، فانتبه فقال: ما هذه
~~الهمهمة؟ فأخبره الحديث، فقال: لم يكن دحية الكلبي كان جبرئيل (عليه
~~السلام) سماك باسم سماك الله سبحانه وتعالى به، وهو الذي ألقي محبتك في
~~قلوب المؤمنين، ورهبتك في صدور الكافرين.
# ثم قال السيد الجليل قدس الله روحه بعد نقل هذا الخبر ما نصه: ان من ينقل
~~هذا عن الله تعالى جل جلاله برسالة جبرئيل (عليه السلام) عن محمد (صلى الله
~~عليه وآله)، لمحجوج يوم القيامة بنقله إذا حضر بين يدي النبي (صلى الله
~~عليه وآله) وسأله يوم القيامة عن مخالفته لما نقله واعتمد عليه (2).
# قال جامع هذه الأحاديث أبو الحسن سليمان بن عبد الله البحراني: ان السيد
~~المذكور قدس الله سره قد نقل مضمون هذا الخبر، أعني: نصه (صلى الله عليه
~~وآله) بأنه أمير المؤمنين في الكتاب المذكور من ثلاثمائة طريق، كلها من طرق
~~المخالفين، من كتاب ابن مردويه وغيره. وقد ذكر الفاضل الجليل بهاء الدين
~~علي بن عيسى الأربلي في كتابه كشف الغمة (3) جملة منها، ونحن أيضا نذكر
~~منها نبذة، فان الثمرة الواحدة تدل على الشجرة، والا فحصر النصوص الواردة
~~في حقه ومدائحه ليس في طاقة البشر.
# ففيه ومن كتاب ابن مردويه، عن أنس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): يا أنس اسكب لي وضوء أو ماء، فتوضأ (صلى الله عليه وآله) وصلى ثم
~~انصرف، فقال: يا أنس أول من يدخل علي اليوم أمير المؤمنين، وسيد المسلمين،
~~وخاتم الوصيين، وامام الغر المحجلين، فجاء علي (عليه السلام) حتى ضرب
~~الباب، فقال: من هذا يا أنس؟ فقلت: هذا
# PageV00P246
# علي، قال: افتح له، فدخل (1).
# وعن ابن مردويه يرفعه إلى بريدة، قال: أمرنا النبي (صلى الله عليه وآله)
~~أن نسلم على علي (عليه السلام) بإمرة المؤمنين (2).
# وبالاسناد عن سالم مولى علي (عليه السلام)، قال: كنت مع علي (عليه
~~السلام) في أرض له ms145 وهو حرثها، حتى جاء أبو بكر وعمر فقالا: السلام عليك يا
~~أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقيل: كنتم تقولون في حياة النبي (صلى
~~الله عليه وآله) ذلك؟ فقال عمر: هو أمرنا بذلك (3).
# ومن مناقب ابن مردويه عن عبد الله، قال: دخل علي (عليه السلام) على النبي
~~(صلى الله عليه وآله) وعنده عائشة، فجلس بين النبي (صلى الله عليه وآله)
~~وبين عائشة، فقالت: ما كان لك مجلس غير فخذي، فضرب النبي (صلى الله عليه
~~وآله) على ظهرها فقال، مه لا تؤذيني في أخي، فإنه أمير المؤمنين، وسيد
~~المسلمين، وقائد الغر المحجلين يوم القيامة، يقعد على الصراط فيدخل أولياءه
~~الجنة، ويدخل أعداءه النار (4).
# وعنه عن أنس، قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) في بيت أم حبيبة بنت
~~أبي سفيان، فقال: يا أم حبيبة اعتزلينا فانا على حاجة، ثم دعا بوضوء فأحسن
~~الوضوء، ثم قال: ان أول من يدخل من هذا الباب أمير المؤمنين، وسيد العرب،
~~وخير المؤمنين (5)، وأولى الناس بالناس. قال أنس: فجعلت أقول: اللهم اجعله
~~رجلا من الأنصار.
# قال: فدخل علي (عليه السلام) فجاء يمشي حتى جلس إلى جنب النبي (صلى الله
~~عليه وآله)، فجعل النبي (صلى الله عليه وآله) يمسح وجهه بيده، ثم مسح بها
~~وجه علي بن أبي طالب، فقال علي (عليه السلام):
# PageV00P247
# وما ذاك يا رسول الله؟ قال: انك تبلغ رسالتي من يأتي بعدي، وتؤدي عني،
~~وتسمع الناس صوتي، وتعلم الناس من كتاب الله ما لا يعلمون (1).
# ومن المناقب عن أنس، قال: كنت خادما للنبي (صلى الله عليه وآله)، فبينا
~~أنا يوما أوضيه إذ قال: يدخل رجل وهو أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، وأولى
~~الناس بالمؤمنين، وقائد الغر المحجلين، قال أنس: اللهم اجعله رجلا من
~~الأنصار، فإذا هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) (2).
# ومن المناقب أيضا عن أنس، قال: بينا أنا عند النبي (صلى الله عليه وآله)
~~إذ قال: الان يدخل سيد المسلمين، وأمير المؤمنين، وخير الوصيين، وأولى
~~الناس بالنبيين، إذ طلع علي بن أبي طالب (عليه ms146 السلام)، فقال (3) النبي
~~(صلى الله عليه وآله) فأخذ (4) يمسح العرق من جبهته ووجهه، ويمسح به وجه
~~علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ويمسح العرق عن وجه علي (عليه السلام)
~~ويمسح به وجهه، فقال له علي (عليه السلام): يا رسول الله نزل في شئ؟
# قال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي،
~~أنت أخي ووزيري، وخير من أخلف بعدي، تقضي ديني، وتنجز موعدي، وتبين لهم ما
~~اختلفوا فيه من بعدي، وتعلمهم من تأويل القرآن ما لم يعلموا، وتجاهدهم على
~~التأويل كما جاهدتهم على التنزيل (5).
# ومن حلية الأولياء لأبي نعيم الحافظ، وشرح ابن أبي الحديد للنهج، عن أنس
~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا أنس اسكب لي وضوء، ثم قام
~~فصلى ركعتين، ثم
# PageV00P248
# قال: أول من يدخل عليك من هذا الباب امام المتقين، وسيد المسلمين، ويعسوب
~~المؤمنين، وخاتم الوصيين، وقائد الغر المحجلين، قال أنس: اللهم اجعله رجلا
~~من الأنصار وكتمت دعائي، فجاء علي (عليه السلام)، فقال: (صلى الله عليه
~~وآله): من جاء يا أنس؟ فقلت:
# علي، فقام إليه مستبشرا، فاعتنقه ثم جعل يمسح عرق وجهه، فقال علي (عليه
~~السلام): يا رسول الله لقد رأيت منك اليوم تصنع بي شيئا ما صنعته بي قبل،
~~قال: وما يمنعني وأنت تؤدي عني، وتسمعهم صوتي، وتبين لهم ما اختلفوا فيه
~~بعدي (1).
# ومن المناقب عن أبي رافع مولى عائشة، قال: كنت غلاما أخدمها، فكنت إذا
~~كان النبي (صلى الله عليه وآله) عندها أكون قريبا اعاطيها، قال: فبينا رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) عندها ذات يوم إذ جاء جاء فدق الباب، فخرجت إليه
~~فإذا جارية معها اناء مغطى، قال:
# فرجعت إلى عائشة فأخبرتها، فقالت: ادخلها، فدخلت، فوضعته (2) عائشة بين
~~يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فجعل يأكل وخرجت الجارية، فقال النبي
~~(صلى الله عليه وآله): ليت أمير المؤمنين وسيد المسلمين وامام المتقين عندي
~~يأكل معي، فجاء جاء فدق الباب، فخرجت إليه فإذا هو علي بن أبي ms147 طالب (عليه
~~السلام) قال: فرجعت فقلت: هذا علي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله):
~~ادخله، فلما دخل قال له النبي (صلى الله عليه وآله): مرحبا وأهلا لقد
~~تمنيتك مرتين، حتى لو أبطأت علي لسألت الله عز وجل أن يأتي بك، اجلس فكل
~~معي (3).
# ومن المناقب عن أنس بن مالك، قال: بينا أنا عند النبي (صلى الله عليه
~~وآله) إذ قال: يطلع الان، قلت: فداك أبي وأمي من ذا؟ قال: سيد المسلمين،
~~وأمير المؤمنين، وخير الوصيين، وأولى الناس بالنبيين، قال: فطلع علي، ثم
~~قال لعلي (عليه السلام): أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى (4).
# PageV00P249
# وعن الحافظ ابن مردويه، عن داود بن أبي عوف، قال: حدثني معاوية بن ثعلبة
~~الليثي، قال: ألا أحدثك بحديث لم يختلط؟ قلت: بلى، قال: مرض أبو ذر، فأوصى
~~إلى علي (عليه السلام)، فقال بعض من يعوده: لو أوصيت إلى عمر كان أجمل
~~لوصيتك من علي، قال: والله لقد أوصيت إلى أمير المؤمنين حقا حقا أمير
~~المؤمنين، والله انه للربيع الذي يسكن إليه، ولو قد فارقكم لأنكرتم الناس
~~وأنكرتم الأرض، قال: قلت: يا أبا ذر! انا لنعلم أن أحبهم إلى النبي أحبهم
~~إليك، قال: أجل، قلت:
# قل لنا فأيهم أحب إليك؟ قال: هذا الشيخ المظلوم المضطهد حقه، يعني علي بن
~~أبي طالب (1).
# وعن أبي ذر من طريق أخرى من كتاب المناقب، قال معاوية بن ثعلبة: مرض أبو
~~ذر مرضا شديدا حتى أشرف على الموت، فأوصى إلى علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام)، فقيل له: لو أوصيت إلى عمر بن الخطاب كان أجمل لوصيتك من علي،
~~فقال أبو ذر:
# أوصيت والله إلى أمير المؤمنين حقا حقا وانه لولي (2) الأرض الذي يسكن
~~إليه (3) (4) قال السيد العلامة رضي الدين (قدس سره): ومما نقلت من تاريخ
~~الخطيب مرفوعا إلى ابن عباس رضي الله عنه قال: قال الله (صلى الله عليه
~~وآله): ليس في القيامة راكب غيرنا ونحن
# PageV00P250
# أربعة، قال: فقام عمه العباس فقال: فداك أبي وأمي ومن؟ فقال: أما أنا ms148
~~فعلى دابة الله البراق، وأما أخي صالح فعلى ناقة الله التي عقرت، وعمي حمزة
~~أسد الله وأسد رسوله فعلى ناقتي العضباء.
# وأخي وابن عمي علي بن أبي طالب على ناقة من نوق الجنة، مدلجة الظهر،
~~رجلها من زمرد أخضر، مضبب بالذهب الأحمر، رأسها من الكافور الأبيض، وذنبها
~~من العنبر الأشهب، وقوائمها من المسك الأذفر، وعنقها (1) من لؤلؤ عليها قبة
~~من نور، باطنها عفو الله، وظاهرها رحمة الله، بيده لواء الحمد، فلا يمر
~~بملأ من الملائكة الا قالوا: هذا ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو حامل عرش رب
~~العالمين.
# فينادي مناد من لدن العرش - أو قال: من بطنان العرش -: ليس هذا ملكا
~~مقربا، ولا نبيا مرسلا، ولا حاملا عرش رب العالمين، هذا علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام)، أمير المؤمنين، وامام المتقين، وقائد الغر المحجلين إلى
~~جنات رب العالمين، أفلح من صدقه، وخاب من كذبه، ولو أن عبدا عبد الله بين
~~الركن والمقام ألف عام ألف عام، حتى يكون كالشن البالي ولقى الله مبغضا لآل
~~محمد أكبه الله على منخريه في جهنم (2).
# ومن مناقب الموفق بن أحمد الخوارزمي مرفوعا إلى علي (عليه السلام) قال:
~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما أسري بي إلى السماء إلى سدرة
~~المنتهى، وقفت بين يدي ربي عز وجل، فقال لي: يا محمد؟ قلت: لبيك وسعديك،
~~قال: لقد بلوت خلقي فأيهم رأيت أطوع لك؟ قال: قلت: يا رب عليا، قال صدقت يا
~~محمد، فهل اتخذت لنفسك خليفة يؤدي عنك ويعلم عبادي من كتابي ما لا يعلمونه؟
~~قال: قلت:
# اختر لي فان خيرتك خيرتي.
# PageV00P251
# قال: اخترت لك عليا فاتخذه لنفسك خليفة ووصيا، ونحلته حلمي وعلمي، وهو
~~أمير المؤمنين حقا، لم ينلها أحد قبله وليست لأحد بعده، يا محمد علي راية
~~الهدى وامام من أطاعني ونور أوليائي، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين، من
~~أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني، فبشره بذلك يا محمد.
# فقال النبي (صلى الله عليه وآله) قلت: يا رب فقد بشرته، فقال: أنا ms149 عبد
~~الله وفي قبضته، ان يعاقبني فبذنوبي لم يظلمني شيئا، وان يتمم لي وعدي فهو
~~مولاي، فأجل رب قلبه، واجعل ربيعه الايمان به، قال: قد فعلت ذلك غير أني
~~مختصه بشئ من البلاء لم أختص به أحدا من أوليائي، قال: رب أخي وصاحبي، قال:
~~قد سبق علمي أنه مبتلى، ولولا علي لم يعرف حزبي ولا أوليائي ولا أولياء
~~رسلي (1).
# ومن مناقب الخوارزمي، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): هذا علي بن أبي طالب لحمه من لحمي، ودمه من دمي، وهو مني بمنزلة
~~هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي.
# وقال (صلى الله عليه وآله): يا أم سلمة اسمعي واشهدي هذا علي أمير
~~المؤمنين، وسيد المسلمين، وعيبة علمي، وبابي الذي أوتي منه، أخي في الدين،
~~وخدني في الآخرة، ومعي في السنام الأعلى (2).
# ومن مناقب الخوارزمي، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: كان النبي (صلى
~~الله عليه وآله) في بيته، فغدا عليه علي (عليه السلام) بالغداة، فكان لا
~~يحب أن يسبقه عليه أحد، فدخل فإذا النبي (صلى الله عليه وآله) في صحن الدار
~~وإذا رأسه في حجر دحية الكلبي (3). وذكر نحوا من الحديث الذي نقلناه عن أبي
~~بكر بن مردويه الحافظ.
# أقول: والأخبار في هذا المعنى متواترة، تزيد على ما يعتبر في التواتر.
~~والعجب
# PageV00P252
# من خصومنا أنهم يروون في كتبهم ومصنفاتهم هذه الأخبار الشاهدة على
~~ضلالتهم، الناطقة بغوايتهم وعمايتهم، ولا يستحيون من عار نقلهم واطراحها،
~~وإذا كلموا في ذلك قالوا: انها أخبار آحاد، وهذا مما يضحك الثكلى، إذ قدمنا
~~أن السيد الجليل رضي الدين بن طاووس أوردها عن ثلاثمائة طريق.
# وليت شعري كيف ذهب عليهم أنه إذا لم يكن هذه الطرق المشفوعة بألوف في
~~معناها من طرق الخاصة متواترة معنى، فلا تواتر حينئذ، ولا يمكن ادعاه في
~~مادة من المواد، ومعجزات نبينا (صلى الله عليه وآله) من هذا القبيل، فان
~~التزموا ذلك لم تنهض لهم حجة على الملاحدة واليهود والنصارى، وغيرهم من أهل
~~الأهواء، ms150 وحسبك به شناعة.
# وقد حكى الفاضل الجليل بهاء الدين علي بن عيسى الأربلي في كتابه كشف
~~الغمة: أنه باحث بعض علمائهم من مدرسي مذهب أحمد بن حنبل، قال: فأوردت عليه
~~حديثا من مسند امامه، فقال: أحاديث المسند لم يلتزم أحمد فيها الصحة، فلا
~~تكون حجة علي، فأوردت عليه مثل ذلك من صحيح الترمذي، فطعن في رجل من رجاله،
~~فقلت له: أتعذر وأمتنع البحث معكم، فقال: كيف؟ قلت: لأنكم تطعنون فيما
~~نورده نحن وفيما توردونه أنتم عن مشائخكم وأئمتكم، فكيف يتحقق بيننا بحث،
~~أو تقوم ما ندعيه حجة؟ (1) انتهى.
# وربما قال بعضهم: ان هذه الأخبار ظنية المتن، فلا تنهض بمعارضة الاجماع
~~الذي هو حجة قطعية، المنعقد على امامة أبي بكر وخلافته.
# وأقول: أولا كيف ينعقد الاجماع؟ وأكابر الصحابة لم يحضروا السقيفة، ولم
~~يرضوا ببيعة أبي بكر، كسعد بن عبادة، وابنه قيس بن سعد، والعباس بن عبد
~~المطلب، وهو عم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأبنائه، ومولانا أمير
~~المؤمنين (عليه السلام)، وولديه
# PageV00P253
# سيدي شباب أهل الجنة، وسلمان، وأبي ذر، والمقداد، وعمار، وأسامة بن زيد،
~~وبلال بن رباح مؤذن الرسول، والبراء بن عازب (1)، وعبد الله بن مسعود،
~~ودحية الكلبي، وغيرهم ممن يطول تعداده من أكابر الصحابة وفضلائهم.
# وفي الديوان المنسوب إلى مولانا سلام الله عليه:
# فان كنت بالشورى ملكت أمورهم * فكيف بهذا والمشيرون غيب وان كنت بالقربى
~~حججت خصيمهم * فغيرك أولى بالنبي وأقرب (2) قوله (عليه السلام) (والمشيرون
~~غيب) يدل على أن المشار إليهم من أكابر الصحابة وأهل الفضل والجلالة لم
~~يحضروا السقيفة أصلا، فكيف يتصور انعقاد الاجماع، لأن لفظ (المشيرون)
~~الواقع في كلامه سلام الله عليه جمع محلى باللام، وهو يفيد الاستغراق عند
~~المحققين من أهل العربية، فيكون معنى كلامه (عليه السلام) أن كل من له
~~أهلية الشورى والاجماع ومن يعتنى بشأنه من الصحابة كان غائبا ولم يكن حاضرا
~~عند الشورى في السقيفة السخيفة، فلا يمكن اثبات خلافة الطواغيت بالاجماع
~~والشورى.
# قال امام المشككين ومقدام المخالفين فخر الدين محمد بن عمر بن ms151 الخطيب
~~الرازي الشافعي الأشعري في كتابه نهاية العقول: ان الاجماع لم ينعقد في زمن
~~أبي بكر أصلا، إذ كان سعد بن عبادة مع كونه من أفاخم الصحابة مخالفا لذلك،
~~حتى أنه لم يحضر جمعهم أصلا، وكان تظاهره بذلك مستمرا طول خلافة أبي بكر،
~~فلما توفي أبو بكر واستخلف عمر وكان غليظا شديد الايذاء للمؤمنين (3)،
~~فانهزم منه
# PageV00P254
# سعد بن عبادة مهاجرا من المدينة خائفا، فتوفي خارج المدينة، فتم انعقاد
~~الاجماع.
# انتهى.
# وهو صريح في عدم انعقاد الاجماع على إمامته أصلا في وقت من الأوقات فكيف
~~ببيعته؟ وكيف تنعقد بيعة لمن هو في بيعة غيره؟ أليس رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) قد وجه أبا بكر وعمر وغيرهما في جيش أسامة بن زيد قبل وفاته؟
~~وأمرهم يسمعون له ويطيعون ويصلون بصلاته ويأتمرون بأمره.
# وقال صلوات الله وسلامه عليه: نفذوا جيش أسامة، ولا يتخلفن أحد الا من
~~كان عاصيا لله ورسوله، فلما صار أسامة بعسكره على أميال من المدينة بلغهم
~~مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فرجع أبو بكر وعمر وأبو عبيدة بن
~~الجراح، فلما دخلوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) تغير لونه، وقال:
~~اني لا آذن لأحد أن يتخلف عن جيش أسامة، وهم أبو بكر بالرجوع إلى أسامة
~~واللحوق به فمنعه عمر.
# فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفعلوا ما فعلوا، قال عمر لأبي
~~بكر: اكتب إلى أسامة يقدم إليك، فان قدومه إليك يقطع الشنعة (1) عنا، فكتب
~~إليه أبو بكر:
# بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أبي بكر خليفة رسول الله إلى أسامة
~~بن زيد، أما بعد إذا أتاك كتابي هذا فاقبل إلي أنت ومن معك، فان المسلمين
~~قد أجمعوا علي، وولوني أمرهم، فلا تتخلف فتعصي ويأتيك ما تكره، والسلام.
# فأجابه أسامة وكتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله أسامة بن
~~زيد عامل رسول الله (صلى الله عليه وآله) على غزاة الشام إلى أبي بكر بن
~~أبي قحافة، أما بعد فقد أتاني كتابك ينقض ms152 أوله آخره، ذكرت في أوله أنك
~~خليفة رسول الله، وفي آخره أن
# PageV00P255
# الناس قد أجمعوا عليك وولوك أمرهم ورضوا بك.
# واعلم أني ومن معي من المهاجرين والأنصار، ما رضيناك ولا وليناك أمرنا،
~~فاتق الله ربك، وإذا قرأت كتابي هذا أقدم إلى امامك الذي بعثك معه النبي
~~(صلى الله عليه وآله) و لا تعصه، وانظر أن تدفع الحق إلى أهله، فإنهم أحق
~~منك، وقد علمت ما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في علي (عليه السلام)
~~يوم الغدير، وما طال العهد فتنساه.
# وانظر أن تلحق بمركزك ولا تتخلف، فتعصي الله ورسوله، استخلفني عليكم ولم
~~يعزلني، وقد علمت كراهية رسول الله (صلى الله عليه وآله) لرجوعكم عني إلى
~~المدينة، وقال: لا يتخلف أحد عن جيش أسامة الا كان عاصيا لله ورسوله.
# فيا لك الويل يا بن أبي قحافة تعدل نفسك بعلي بن أبي طالب، وهو وارث رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) ووصيه وابن عمه وأبو ولديه، فاتق الله أنت
~~وصاحبك، فإنه لكما بالمرصاد، وأنتما منه في غرور، والذي بعث محمدا بالحق ما
~~تركت أمة وصي رسولها ولا عصوا عهده الا استوجبوا من الله اللعنة والسخط.
# فلما وصل الكتاب إلى أبي بكر هم أن يخلعها من عنقه، فقال له عمر: لا تخلع
~~قميصا قمصك الله فتندم، فقال: يا عمر أكفر بعد اسلامي، فألح عليه عمر،
~~وقال:
# اكتب وأمر فلانا وفلانا جماعة من أصحاب رسول الله فكتبوا إليه أن أقدم
~~ولا تفرق جماعة المسلمين.
# فلما وصلتهم كتبهم قدم المدينة ووصل إلى علي (عليه السلام)، فعزاه برسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) وبكى بكاء شديدا، وضم الحسن والحسين (عليهما
~~السلام) إلى صدره، وقال: يا علي ما هذا؟
# قال سلام الله عليه: كما ترى، قال: فما تأمرني؟ فأخبره بما عهد إليه رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) من تركهم حتى يجد أعوانا.
# ثم أتى أبو بكر أسامة وسأله البيعة، فقال له أسامة: ان رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) أمرني عليك، فأنت من أمرك ms153 علي؟ والله لا أطيعك أبدا، ولا
~~حللت لك عهدي، فلا صلاة PageV00P256
# لك الا بصلاتي (1).
# وذكر الفاضل ابن أبي جمهور في كتاب المجلي: أن دحية الكلبي كان كثير
~~السفر إلى الشام، فلم يحضر موت النبي (صلى الله عليه وآله)، فلما قدم من
~~سفره وبلغه الخبر، قال: من الخليفة بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
~~فقيل له: ابن أبي قحافة، فقال متعجبا: وكيف ذلك؟
# وما فعل علي (عليه السلام)؟ وهو صاحبه يوم الغدير وغيره لنص الرسول،
~~فقيل: ها هو حاضر في بيته، ولم يصل إلى ذلك ولم يتمكن.
# فجاء حتى دخل المسجد وأبو بكر جالس والى جنبه عمر، والمسلمون حافون بهما،
~~فقال دحية: ما الذي أوصلك يا أبا بكر هذا المقام؟ وليس هولك، وإنما هو
~~لغيرك، وكيف جلست هذا المجلس وصاحبه حاضر؟ ألست سمعت كما سمعنا؟
# وشهدت كما شهدنا؟ أما كنت حاضرا يوم الغدير؟ وقد نص رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) على ابن عمه بالخلافة والإمامة، وحذر من مخالفته، وأمرنا وعامة
~~المسلمين بطاعته، مالك وهذا المقام؟ وكيف وصلت إليه ولست من أهله؟
# فقال له عمر: يا أبا عمارة انك غبت وحضرنا، ولم تشهد كما شهدنا، وان
~~الأمر يحدث بعده الأمر، فقال دحية: لا والله لم يحدث بعد ذلك الأمر أمر،
~~وإنما فعلتم ما فعلتم خلافا على الله ورسوله، ألا اني أشهدكم ان سكني
~~المدينة علي حرام، ثم إن دحية ارتحل بأهله إلى الشام، فلم يزل بها حتى مات
~~(2).
# ونقل شيخنا الشهيد الثاني قدس الله روحه، عن الشيخ أبي جعفر الطوسي في
~~الاختيار: أنه روي عن هشام بن سالم، عن أبي عبد الله، عن أبي البختري، قال:
# حدثنا عبد الله بن الحسن بن الحسن أن بلالا أبى أن يبايع أبا بكر (3)،
~~وان عمر أخذ
# PageV00P257
# بتلابيبه، فقال له: يا بلال هذا جزاء أبي بكر منك أن أعتقك فلا تجئ
~~تبايعه (1).
# فقال: إن كان أبو بكر أعتقني لله فليدعني له، وإن كان أعتقني لغير ذلك
~~فها أنا ذا (2)، وأما بيعته فما أبايع أحدا ms154 لم يستخلفه رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله)، وبيعة ابن عمه في أعناقنا إلى يوم القيامة (3)، فقال له عمر:
~~لا أبا لك لا تقم عندنا، فارتحل إلى الشام، وتوفي بدمشق بالطاعون، ودفن
~~بالباب الصغير، وله شعر (4) في المعنى، كذا وجد
# PageV00P258
# منسوبا إليه 1.
# وروى الفقيه رشيد الدين محمد بن علي بن شهرآشوب المازندراني في كتاب
~~المناقب في فضل آل أبي طالب: أن أبا بكر لما بويع للخلافة يوم السقيفة
~~اجتمعوا في أول جمعة، وقام أبو بكر على منبر رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) يخطب، فقام إليه علي (صلى الله عليه وآله) وذكره بحقه وما هو الواجب
~~له، وما قاله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حقه يوم الغدير وغيره من
~~المواقف التي نص فيها، وبين لهم بذلك وجوب الخلافة له من بعده، وأنه القائم
~~بالأمر دون من عداه، وذكره بإقامة الله وعيد الآخرة.
# ثم إنه سلام الله عليه استشهد جماعة من الصحابة، فقال: رحم الله امرئ سمع
~~مقالة رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم الغدير، فليقم وليشهد بما سمع،
~~فقام يومئذ من المسجد اثنا عشر رجلا، ستة من المهاجرين، وستة من الأنصار،
~~فشهدوا بحضرة الجماعة بما قاله النبي (صلى الله عليه وآله) في يوم الغدير،
~~وما أكده من الوصية في حقه (عليه السلام).
# وقالوا: يا أبا بكر رد الحق إلى أهله، انك سمعت كما سمعنا، وشهدت كما
~~شهدنا، أما تذكر قول النبي (صلى الله عليه وآله) لك ولعمر لما سلم على علي
~~بإمرة المؤمنين، فقلتما أفبأمر من الله ورسوله؟ فقال صلوات الله وتسليماته
~~عليه: نعم، فقمتما، أما أنت يا أبا بكر فقلت: السلام عليك يا أمير
~~المؤمنين، وأما أنت يا عمر فقلت: بخ بخ لك يا بن أبي طالب، أصبحت مولاي
~~ومولى كل مؤمن ومؤمنة، خف الله يا أبا بكر وانصف الرجل، ولا تظلم أهل البيت
~~حقهم، ولا تسلبهم ملكهم الذي جعل الله لهم، وتكلم كل واحد بكلام يشبه هذا
~~الكلام، حتى أفحم على المنبر، ولم يستطع أن ms155 يرد جوابا.
# فلما فرغ القوم من كلامهم قال أبو بكر: أيها الناس أقيلوني فلست بخيركم
~~وعلي فيكم، فقام إليه عمر عجلا، وقال: لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول
~~الله علينا في حياته، فكيف لا نقدمك بعد وفاته؟
# ثم قال: يا لكع إذا كنت لا تقوم بحجة فلم أقمت نفسك في هذا المقام؟ والله
~~لقد هممت أن أخلعها منك وأجعلها في أبي عبيدة، ثم أنزله من المنبر وخرجوا
~~من PageV00P259
# المسجد، ولم ينتظم في ذلك اليوم أمر جماعتهم (1) انتهى ملخصا.
# وبالجملة فالاجماع لم ينعقد أصلا، ومدعيه مكابر محجوج بما ذكرناه،
~~وامتناع سعد بن عبادة عن البيعة مشهور لا يكاد ينكر، وقد كان حاضرا في تلك
~~السقيفة السخيفة، حتى قال عمر: اقتلوا سعدا قتل الله سعدا، فقال سعد لأهله:
~~احملوني عن موضع الفتنة، فحمل من بينهم وادخل منزله ولم يبايع.
# وثانيا: أنه على تقدير تسليم الاجتماع الظاهري، فهو إنما يكون حجة لو لم
~~يعارضه نص من لا ينطق عن الهوى، ولا يجوز الاجتهاد والبيعة بالاختيار، مع
~~حصول النص القاطع، وتعيينه (صلى الله عليه وآله) باب مدينة علمه للإمامة،
~~كما وردت به الأخبار المتواترة التي نقلنا شطرا منها.
# وثالثا: أن المفهوم من مطالعة السير والتواريخ وكتب حديث الخاصة والعامة
~~أن انعقاد البيعة لأبي بكر لم يكن بالاختيار، بل بالحيلة والمكر والقهر
~~والغلبة والخديعة.
# فقد نقل أهل السير أنه لما صفق عمر وأبو عبيدة يديهما على يد أبي بكر
~~بالبيعة، وسلما عليه بالخلافة، تابعهم جماعة المنافقين والطلقاء ممن حضر
~~السقيفة، وألزموا سائر المسلمين ومن لم يحضرها بالمبايعة، ولم يرخصوا لأحد
~~منهم في تركها طوعا كان أو كرها.
# ومما ينطق بذلك ما رواه الفاضل الجليل ابن أبي الحديد في شرحه لنهج
~~البلاغة عن البراء بن عازب أنه قال: لم أزل محبا لأهل البيت:، فلما مات
~~النبي (صلى الله عليه وآله) أخذني ما يأخذ الوالهة من الحزن، فخرجت من
~~منزلي لأنظر ما يكون من أمر الناس، فإذا بأبي بكر وعمر وأبي عبيدة سائرين
~~ومعهم جماعة من الطلقاء ms156 والمنافقين ، وعمر شاهر سيفه، وكل من مروا به من
~~المسلمين قالوا له: بايع أبا بكر فقد بايعه الناس، فيبايع شاء ذلك أولم
~~يشأ.
# PageV00P260
# الله عذابه وضاعف عقابه.
# فانظر أيدك الله كيف عميت عين بصيرته، وكمهت حدقة فكرته، حتى جعل بيعة
~~الواحد والاثنين موجبا للخلافة مثبتا للإمامة، قاتله الله تأدت به المكابرة
~~إلى جعله الواحد اجماعا وحجة قاطعة، فخالف في ذلك ما عليه كافة الأصوليين
~~والمتكلمين.
# أليست الفروع مع سهولة الخطب فيها لا تثبت بالواحد والاثنين؟ بل لابد من
~~اجماع أهل الحل والعقد عليها، فكيف تثبت به الإمامة التي هي قائمة مقام
~~النبوة وجارية مجراها الا في تلقي الوحي من الجناب الإلهي جل شأنه؟
# قال كمال الدين محمد بن طلحة الشامي الشافعي في كتابه مطالب السؤول: لا
~~رتبة أعظم من الخلافة، ولا أعلى من مقامها، ولا حكم لملك في الملة
~~الاسلامية الا وهو مستفاد من أحكامها، ولا ذو إيالة ولا ولاية الا وهو
~~منقاد لسيرة زمامها، واقف في تصرفاتها بين نقضها وإبرامها، فهي المنصب
~~الأعلى والمتصف بها صاحب الدنيا والأمر والنهي متصل بأسبابه والجاه والمال،
~~محصل من أبوابه، والنباهة والشهرة تستفاد من اقترابه، والتقدم والتأخر
~~يرتاد من ارضائه واغضابه، وهو خليفة النبي (صلى الله عليه وآله) في أمته
~~لإقامة أحكامه وآدابه انتهى.
# فليت شعري كيف طبع الشيطان على قلب هذا المتعصب العنيد، فالتزم انعقادها
~~وثبوتها بالواحد والاثنين.
# ومن أعجب العجائب قوله (لم يقم دليل من عقل ولا سمع على اشتراط الاجماع)
~~وأي دليل قام له على الاكتفاء بالواحد في هذا الأمر الخطير والمنصب الجليل؟
~~ونحن في عويل من ثبوتها بالاجماع، وقد نوهنا على أنها لا تثبت بغير النص
~~وما يجري مجراه في كتابنا.
# وأظن أن الذي حداه عليه عدم تحقق الاجماع على خلافة أصحابه اللصوص
~~الثلاثة، كما ينبئ عنه قوله: لعلمنا أن الصحابة مع صلابتهم في الدين اكتفوا
~~به، كعقد PageV00P262
# عمر لأبي بكر وعبد الرحمن لعثمان انتهى.
# وهذا تصريح منه بعدم انعقاد الاجماع عليهما، فارتبك واحتال لمذهبه
~~الفاسد، واكتفى بعقد الواحد، ms157 وهو في مكان من الفساد، كما لا يخفى على ذوي
~~الرشاد، وقد أوعبنا الكلام في هذا المقام في معلقاتنا على مبحث الإمامة من
~~المواقف.
# تكميل في ذكر واقعة السقيفة على سبيل الاختصار (1) في أنه (عليه السلام)
~~امتنع عن بيعة أبي بكر، واظهار الشكاية منه وأخويه، واحتجاجه عليهم بمناقبه
~~الفاخرة والنصوص الظاهرة.
# قال بعض الأكابر من المخالفين: خلاصة واقعة السقيفة، أنه لما قبض رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) اجتمعت جماعة من الأنصار في سقيفة بني ساعدة،
~~وهي صفة كانوا يجتمعون بها، فخطبهم سعد بن عبادة، ومدحهم في خطبته، وحرضهم
~~على طلب الإمامة، ثم قال: أنجز الله لنبيكم الوعد وتوفاه، فشدوا أيديكم
~~بهذا الأمر فأنتم أحق الناس (2)، فأجابوه جميعا أن أصبت ولن نعدو أن نوليك.
# PageV00P263
# فبلغ هذا الخبر أبا بكر وعمر، فجاءا مسرعين إلى السقيفة، فقال أبو بكر
~~للأنصار:
# ألم تعلموا أنا معاشر المهاجرين أول الناس اسلاما، ونحن عشيرة رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله)، وأنتم أنصار الدين واخواننا في كتاب الله، ثم قالت
~~الأنصار: فمنا أمير ومنكم أمير، فقال عمر: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد
~~واحد.
# وبعد تفاقم الحال، وكثرة القيل والقال القريب إلى القتال، قال عمر وأبو
~~عبيدة لأبي بكر: لا ينبغي لأحد من الناس أن يكون فوقك، وأنت صاحب الغار
~~وثاني اثنين، وأمرك رسول الله بالصلاة، فأنت أحق بهذا الأمر، فبايعاه
~~وبايعه بشر بن سعد الخزرجي من الأنصار حسدا لسعد، وخوفا أن يصير الأمر
~~إليه، فبايعه القوم ممن حضر السقيفة (1).
# ولما انتهت إلى مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) أنباء السقيفة، قال:
~~ما قالت الأنصار؟
# PageV00P264
# قالوا: قالت: منا أمير ومنكم أمير، قال (عليه السلام): فهلا احتججتم
~~عليهم بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أوصى بأن يحسن إلى محسنهم،
~~ويتجاوز عن مسيئهم، قالوا: وما في هذا من الحجة عليهم؟ فقال سلام الله
~~عليه: لو كانت الامارة فيهم لم تكن الوصية بهم.
# ثم قال: فماذا قالت قريش؟ قالوا: احتجت بأنها شجرة الرسول، فقال (عليه
~~السلام):
# احتجوا بالشجرة وأضاعوا الثمرة، ms158 وأراد صلوات الله عليه بالثمرة نفسه وأهل
~~بيته، بمعنى أنهم ان كانوا أولى بالخلافة لكونهم شجرة رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله)، فنحن أولى منهم لكوننا ثمرته، وللثمرة اختصاص بالقرب لكونها
~~مقصودة بالذات من الشجرة وغرسها.
# وقد نقل عنه (عليه السلام) كلام في هذا المعنى، وهو قوله: ان كانت
~~الخلافة في قريش فأنا أحق بها، وان لم تكن في قريش فالأنصار على دعواهم.
~~وهذا منه صلوات الله عليه على طريق الالزام، والا فهو المنصوص بالنصوص
~~المتواترة، فلا حاجة به إلى هذه الاستدلالات، وقد اتفق أهل التواريخ على
~~أنه (عليه السلام) لم يبايع أبا بكر يوم السقيفة.
# وقال محمد بن جرير الطبري في تأريخه: انه لم يبايع أصلا، ولو أنه بايعه
~~كما بايع غيره لما وقع الخلاف في هذه الأمة في أمره سلام الله عليه خاصة من
~~بين الصحابة، وما هموا بقتله، وجمعوا الحطب على بابه، وهموا باحراق بيته
~~(1) وفيه ولداه سيدا
# PageV00P265
# شباب أهل الجنة، وريحانتا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفاطمة سيدة
~~نساء العالمين سلام الله عليهم أجمعين، ومنعوهم ميراثهم، وغلبوهم على خمسهم
~~(1).
# والمذكور في الجمع بين الصحيحين للحميدي من عظمائهم أنه (عليه السلام) لم
~~يبايع الا بعد ستة أشهر (2). وهذا على تقدير صحته لا ينافي ما قلناه، لأن
~~الظاهر أنه بمحض الاكراه والاجبار، وأماراته كثيرة:
# منها: هجومهم على بيت فاطمة (عليها السلام)، وجمعهم الحطب لاحراقه.
# ومنها: أمرهم قنفذا لعنه الله بضربها لما حالت بينهم وبين الباب، حتى كان
~~ذلك سببا لاسقاط حمل كان سماه النبي (صلى الله عليه وآله) محسنا.
# ومنها: كسرهم سيف الزبير ودفعهم في صدر المقداد وغيرها.
# وكل ذلك رواه الثقات من أهل السير من المخالفين، منهم الواقدي، والواحدي،
~~وابن أبي الحديد، ومحمد بن جرير الطبري في تأريخه وغيرهم (3).
# وروي عن حذيفة بن اليمان أنه قال: ما رحمت أحدا كرحمتي علي بن
# PageV00P266
# أبي طالب (عليه السلام)، وقد جئ به إلى أبي بكر ليبايعه، فقيل له: بايع،
~~فقال: وان لم أفعل فمه؟ فقيل: اذن والله نضرب الذي ms159 فيه عيناك، قال علي
~~(عليه السلام): ان تقتلوني فأنا عبد الله وأخو رسوله، فقال عمر: أما عبد
~~الله فنعم، وأما أخو رسول الله فالتراب بفيك، فقال (عليه السلام): يا بن
~~صهاك لولا كتاب من الله سبق لعلمت أينا الأذل، فاصفر وجه عمر ولم يقدر أن
~~يتكلم (1).
# ومن الأخبار المصرحة بشكايته منهم، ما رواه صاحب كتاب العاقبة من عظماء
~~الشافعية: أنه (عليه السلام) قال: أنا أول من يجثو بين يدي الله للخصومة مع
~~الثلاثة.
# وروى جماعة من مشاهير رواة الفريقين: أن عليا (عليه السلام) لما امتنع من
~~المبايعة له، جلس هو وعمر وجماعة من أصحابهما يديرون الفكر في أمره (عليه
~~السلام)، وما يكيدونه به، فقال لهم خالد بن الوليد: ان شئتم قتلته، فقال
~~أبو بكر: أو تفعل ذلك يا خالد؟
# قال: نعم، فقال له: افعل ذلك إذا كان وقت صلاة الصبح، صل إلى جانبه وسيفك
~~تحت ثيابك، فإذا جلس للتشهد فاقتله، والعلامة بيني وبينك عند التسليم بعد
~~التشهد قبله، فقال خالد: أفعل ذلك غدا.
# فأتى خالد وقام إلى جانب علي (عليه السلام) وسيفه معه، وكان الرجل يتفكر
~~في صلاته في عاقبة ذلك، فخطر بباله أنه إذا قتل خالد عليا (عليه السلام)
~~ثارت الفتنة، وأن بني هاشم يقتلونه.
# فلما فرغ من التشهد التفت أبو بكر إلى خالد قبل السلام، وقال: لا يفعلن
~~خالد ما أمرته به ثم سلم، فقال علي (عليه السلام) لخالد: أو كنت فاعلا؟
~~قال: نعم لولا أنه نهاني.
# فمد أمير المؤمنين (عليه السلام) يده إلى عنقه بإصبعين وعصره بهما حتى
~~كادت عيناه تسقطان، وجعل خالد يضرب بيديه ورجليه حتى أحدث في ثيابه، ولم
~~يقدر أحد أن يخلصه منه، وكل ما قرب منه أحد رمقه بعينه فيبعد خيفة منه:
~~فقال أبو بكر لعمر:
# PageV00P267
# هذه مشورتك المنكوسة.
# وكان سلام الله عليه إذا غضب وقام عرق الغضب بين عينيه تنحاه الصحابة،
~~فلم يقدر أحد على القرب منه، والتجأوا إلى عمه العباس (1)، فشفع إليه في
~~خالد، فأطلقه لأجله بعد أن كادت نفسه تتلف، ms160 وقد افتضح بين القوم.
# أقول: هذه الواقعة من أوضح الدلائل على ردتهم، وكفرهم، وانقلابهم،
~~واستحلالهم لقتله صلوات الله عليه، وبلوغهم المبلغ الفضيع في الجبر
~~والاكراه، والتمرد على الله عز مجده.
# وهذا الخبر مروي عند الكل، حتى أن بعض الشافعية استدل بهذه الواقعة على
~~جواز الكلام قبل التسليم في الصلاة للضرورة، اعتمادا على فعل أبي بكر ونهيه
~~خالدا عما واطأه عليه من قتله لمولانا (عليه السلام). وقال آخرون: لا يجوز
~~ذلك، فان أبا بكر قال ذلك بعد أن سلم في نفسه.
# وأما شكاياته (عليه السلام) من هؤلاء الثلاثة المتلصصين، فقد نقلها
~~المخالف والمؤالف، وكتاب نهج البلاغة مشحون بها.
# ومن ذلك قوله (عليه السلام) في الخطبة الشقشقية (2): أما والله لقد
~~تقمصها فلان (3) وانه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى (4)، ينحدر
~~عني السيل (5) ولا يرقى إلي
# PageV00P268
# الطير.
# ومنها: قوله فيها: فصبرت وفي العين قذى (1)، وفي الحلق شجى، أرى تراثي
~~نهبا.
# ومنها: قوله فيها: فواعجبا بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لاخر بعد
~~وفاته.
# ومنها: قوله: فصيرها في حوزة خشناء، يغلظ كلمها، ويخشن مسها، ويكثر
~~العثار فيها والاعتذار منها، فصاحبها كراكب الصعبة ان أشنق لها خرم، وان
~~أسلس لها تقحم.
# ومنها: قوله: فصبرت على طول المدة، وشدة المحنة، حتى مضى لسبيله، فجعلها
~~في ستة زعم أني أحدهم، فيا لله وللشورى، متى اعترض الريب في مع الأول منهم،
~~حتى صرت أقرن إلى هذه النظائر.
# ومنها: قوله: فصغى رجل منهم لضغنه، ومال الاخر لصهره مع هن وهن، حتى قام
~~ثالث القوم.
# ومنها: قوله: ولكنهم حليت الدنيا في أعينهم وراقهم زبرجها.
# ومنها: قوله: أما والذي فلق الحبة وبرأ النسمة لولا حضور الحاضر وقيام
~~الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء ألا يقاروا على كظة ظالم،
~~ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أولها،
~~ولألفيتم دنياكم عندي أهون من عفطة عنز.
# أقول: وهذه الخطبة من مشهورات خطبه، لا يشك فيها الا مكابر قليل البضاعة.
~~ومن مخذولي العامة وجهالهم من أنكر انتساب ms161 هذه الخطبة له (عليه السلام)،
~~وكأنه لما وجد فيها الطعن العظيم على أئمتهم الطواغيت الثلاثة.
# PageV00P269
# وهذه جهالة منه أو تجاهل (1)، فان هذه الخطبة على ما ذكره الشارحان لنهج
~~البلاغة، أعني: الشيخ الفاضل عبد الحميد بن أبي الحديد المعتزلي، والعالم
~~الرباني والعارف الصمداني كمال الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني، قد
~~اشتهرت بين العلماء قبل وجود السيد الرضي.
# قال الشارحان نقلا عن مصدق بن شبيب النحوي أنه قال: لما قرأت هذه الخطبة
~~على شيخي أبي محمد بن الخشاب، قلت: ان الناس ينسبونها إلى الشريف الرضي،
~~فقال: لا والله ومن أين للرضي هذا الكلام وهذا الأسلوب؟ فقد رأينا نظمه
~~ونثره لا يقرب من هذا الكلام، ولا ينتظم في سلكه، على أني رأيت هذه الخطبة
~~بخطوط العلماء الموثوق بنقلهم من قبل أن يخلق أبو الرضي فضلا عنه (2).
# ثم قال العالم الرباني والفاضل البحراني في شرحه: وقد وجدتها في موضعين
~~تاريخهما قبل مولد الرضي بمدة: أحدهما في كتاب الانصاف لأبي جعفر بن قبة
~~تلميذ أبي القاسم الكعبي، أحد شيوخ المعتزلة، وكانت وفاته قبل مولد الرضي.
~~والثاني:
# أني وجدتها في نسخة عليها خط الوزير أبي الحسن علي بن محمد بن الفرات،
~~وكان
# PageV00P270
# وزير المقتدر بالله، وذلك قبل مولد الرضي بنيف وستين سنة (1) انتهى.
# أقول: وأنا قد وجدتها في موضعين آخرين قبل زمان الرضي، وهما كتابا العلل
~~(2) ومعاني الأخبار (3) للشيخ الصدوق رئيس المحدثين محمد بن علي بن بابويه
~~القمي بسند معنعن. وبالجملة فهذه الخطبة مما يقطع بكونه من كلامه (عليه
~~السلام).
# ومن جملة شكاياته قوله (عليه السلام): واعجبا أتكون الخلافة بالصحابة ولا
~~تكون بالصحابة والقرابة (4).
# ومنها: قوله (عليه السلام) في النهج: لنا حق ان أعطيناه، والا ركبنا
~~اعجاز الإبل وان طال السرى (5) والاعجاز جمع عجز، واعجاز الإبل مؤخرها.
~~والسري سير الليل.
# PageV00P271
# قال السيد الرضي (رضي الله عنه): هذا من لطيف الكلام وفصيحه، ومعناه: انا
~~ان لم نعط حقنا كنا أذلاء، وذلك أن الرديف يركب عجز البعير، كالعبد والأسير
~~ومن يجري مجراهما (1).
# وقد ذكر أبو عبيد ms162 الهروي في الغريبين أن المعنى: أن لنا حقا إن نعطه
~~نأخذه، وإن نمنعه صبرنا على المشقة والمضرة، مثل راكب عجز البعير، أو
~~معناه: أنه إذا منعنا حقنا تأخرنا وتقدم غيرنا علينا، فكنا كالراكب رديفا
~~لغيره.
# وقال الأزهري: لم يرد (عليه السلام) ركوب المشقة، ولكنه ضرب أعجاز الإبل
~~مثلا لتأخره عن غيره في حقه من الإمامة وتقدم غيره عليه، وأراد ان منعنا
~~حقنا من الخلافة وأخرنا عن ذلك صبرنا، وان طالت الأيام.
# وقيل: يجوز أن يريد وان نمنعه نبذل الجهد في طلبه فعل من يضرب في ابتغاء
~~طلبه أكباد الإبل، ولا يبالي باحتمال طول السرى.
# ورده ابن الأثير الجزري الشافعي في نهاية، بأنه سلم وصبر على التأخر ولم
~~يقاتل، وإنما قاتل بعد انعقاد الإمامة له (2). وفيه نظر، إذ بذل الجهد لا
~~يتعين بالقتال وينحصر فيه، كما لا يخفى.
# أقول: وهذا مما اتفق على نقله أهل الغريب على اختلاف تفاسيرهم، ولا ربية
~~في صراحته في شكايته (عليه السلام) منهم، وهذا الكلام قاله (عليه السلام)
~~يوم السقيفة. وقال المخالفون: انه قاله يوم الشورى بعد وفاة عمر واجتماع
~~الجماعة لاختيار واحد من الستة.
# ولبعض متأخري علمائنا لهذا الكلام حل آخر، محصله: أن المفهوم من كلامه
~~(عليه السلام) أن الأمر بالأخرة يرجع إليه، ويدل عليه قول (ركبنا) لأن
~~الركوب
# PageV00P272
# كناية عن الوصول إلى المقصود، وان مدة ركوب المتقمصين للخلافة لما كانت
~~محفوفة بالظلم والعدوان كانت كالليل المظلم لعدم إنارتها حقيقة، فان الظلم
~~ظلمات يوم القيامة، ولذا كنا عنه بسير الليل، فقال: وان طال السرى انتهى.
# وهو وجه لطيف في نفسه، وإن كان بعيدا بالنسبة إلى ظاهر الكلام.
# وقد روي عن عكرمة عن ابن عباس، قال: لما كان من أمر أبي بكر وبيعة الناس
~~له وفعلهم بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ما فعلوا، لم يزل أبو بكر يظهر
~~له (عليه السلام) الانبساط، ويرى منه (عليه السلام) انقباضا، فكبر ذلك على
~~أبي بكر، فأحب لقاءه في الخلوة للاعتذار إليه، بأن الناس اجتمعوا عليه
~~وقلدوه أمرهم، وليس ms163 له في ذلك جناية.
# فدعاه يوما وخلا معه، فقال: والله يا أبا الحسن ما كان هذا الأمر مواطاة
~~مني ورغبة فيما وقعت فيه ولا حرصا عليه، ولا ثقة بنفسي فيما تحتاج إليه
~~الأمة، وتظهر لي الكراهة فيما صرت فيه، وتنظر إلي بعين السأمة.
# فقال له علي (عليه السلام): فما حملك عليه إذ لم ترغب فيه ولم تحرص عليه،
~~ولا وثقت بنفسك في القيام بما يحتاج إليه.
# فقال أبو بكر: حديث سمعته عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا تجتمع
~~أمتي على الضلالة.
# فلما رأيت اجتماعهم اتبعت حديثه وأعطيتهم الإجابة، ولو علمت أن أحدا
~~يتخلف لامتنعت عن ذلك.
# فقال علي (عليه السلام): أفكنت من الأمة أولم أكن؟ وكذلك العصابة مثل
~~سلمان وعمار وأبي ذر والمقداد وسعد بن عبادة ومن معه من الأنصار؟
# قال: كل من الأمة.
# فقال علي (عليه السلام): فكيف تحتج بالحديث مع تخلف هؤلاء عنك؟
# قال أبو بكر: ما علمت تخلفهم الا بعد ابرام الأمر والخوض فيه، ولو كنت
~~قعدت عن ذلك لتفاقم الأمر وارتدت العرب عن الدين، فلما خفت ذلك أجبتهم إلى
~~ما PageV00P273
# التمسوا مني.
# فقال (عليه السلام): أجل، ولكن أخبرني عن الذي يستحق الأمر بماذا يستحقه؟
# فقال أبو بكر: بالصدق، والنصيحة، والوفاء، وقمع المداهنة، والمحاباة،
~~وحسن السيرة، واظهار العدل، والعلم بالكتاب والسنة وفصل الخطاب، مع الزهد
~~في الدنيا، وقلة الرغبة فيها، وانصاف المظلوم من الظالم القريب والبعيد، ثم
~~سكت.
# فقال علي (عليه السلام): والسابقة والقرابة، فقال علي (عليه السلام): هل
~~تجد في نفسك هذه الخصال أم في؟ قال: بل فيك يا أبا الحسن.
# فلم يزل أمير المؤمنين (عليه السلام) يعد مناقبه التي جعلها الله له دون
~~غيره، حتى قال أبو بكر: أنت أحق الناس بهذا الأمر والمقام مني. فقال سلام
~~الله عليه: فما الذي غرك عن الله ورسوله وعن دينه؟ وأنت خلو مما يحتاج إليه
~~أهل دينه؟
# فبكى أبو بكر وقال: صدقت يا أبا الحسن، أنظرني هذا اليوم لأدبر ما أنا
~~فيه، وخرج من عنده وخلا ms164 بنفسه يومه، ولم يأذن لأحد بالدخول عليه، وعمر
~~يتردد في الناس لما بلغه من خلوته بعلي (عليه السلام).
# فبات أبو بكر ليلته، فرأى رسول الله (صلى الله عليه وآله) في منامه
~~متمثلا في مسجده، فقام إليه أبو بكر فسلم عليه، فولى وجهه عنه، فقال أبو
~~بكر: يا رسول الله أمرت بأمر لم أفعله، فقال: أرد عليك السلام وقد عاديت من
~~والاه الله ورسوله، رد الحق إلى أهله، قال: فقلت: من أهله؟ فقال: من عاتبك
~~عليه بالأمس.
# فأصبح أبو بكر وخرج إلى علي (عليه السلام)، فقال: أبسط يدك أبايعك وأخبرك
~~بما رأيت في منامي البارحة، قال ابن عباس: فمد علي سلام الله عليه يده
~~وبايعه أبو بكر، وسلم الأمر إليه، وقص علينا الرؤيا، وكتبنا من لفظه.
# وقال أبو بكر: نخرج إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأخبر الناس
~~بما جرى بيني وبين رسول الله، فخرجوا إليه، فنادى الصلاة جامعة، وصعد
~~المنبر وحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: معاشر الناس وليتكم ولست بخيركم،
~~أقيلوني أقيلوني. PageV00P274
# فقام إليه عمر وقال: والله والله لا أقلناك ولا استقلناك، فحطه عن منبره
~~وقال:
# يا خليفة رسول الله إياك والاغترار بسحر بني هاشم، فليس هذا بأول سحرهم،
~~فلم يزل يخدعه حتى رده عن رأيه وعزمه، وأمره بالثبات على ما هو عليه
~~والقيام به، ووافى أمير المؤمنين (عليه السلام) حتى جلس إلى قبر رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله)، فمر به عمر فقال:
# يا علي دون الذي ترومه وتريده خرط القتاد وسيوف حداد، فعلم بالأمر فقام
~~ورجع إلى بيته وهو يتلو هذه الآية (لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل
~~ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة) (1).
# ومن شكاياته (عليه السلام) في الديوان المنسوب إليه سلام الله إليه:
# لنا ما تدعون بغير حق * إذا ميز الصحاح من المراض عرفتم حقنا فجحدتموه *
~~كما عرف السواد من البياض كتاب الله شاهدنا عليكم * وقاضينا الاله فنعم قاض
~~(2) والشارح الشافعي الميبدي قال في ترجمة كلامه هذه ms165 الرباعية:
# أي قوم كه حق ما گرفتيد به زور * فردا چه جواب حق بگوييد به كور ديديد
~~وشنيديد كه ما بر حقيم * از بهر چه ساختيد خود را كر وكور ومما ينطق
~~بشكاياته ما رواه الحكم بن مروان (3)، عن جبير بن حبيب، قال:
# PageV00P275
# نزل بعمر بن الخطاب نازلة قام لها وقعد وترنح وتقطر، ثم قال: معشر
~~المهاجرين ما عندكم فيها؟ فقالوا: يا أمير المؤمنين أنت المفزع والمترع.
# فغضب ثم قال: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا، أما
~~والله أنا وإياكم لنعرف ابن بجدتها (١) والخبير بها، قالوا: كأنك أردت ابن
~~أبي طالب، قال: وأنى يعدل بي عنه، وهل طفحت (٢) جرة بمثله؟ قالوا: فلو بعثت
~~إليه، قال: هيهات هنا شمخ من هاشم، ولحمة من الرسول، واثرة من علم يؤتى لها
~~ولا يأتي، امضوا بنا إليه.
# فمضوا نحوه وأفضوا إليه وهو في حائط له عليه ثياب، يتوكأ على مسحاته (٣)،
~~وهو يقول: ﴿أيحسب الانسان أن يترك
~~سدى × ألم يك نطفة من مني يمنى × ثم كان علقة فخلق فسوى﴾ (4) ودموعه
~~تهمي على خديه، فأجهش القوم لبكائه، ثم سكن وسكنوا.
# فسأله عمر عن مسألته، فأصدر إليه بجوابها، فلوى عمر يديه، ثم قال: أما
~~والله لقد أرادك الحق ولكن أبى قومك، فقال سلام الله عليه: يا أبا حفص خفض
~~عليك من هنا ومن هنا (ان يوم الفصل كان ميقاتا) (5) فانصرف وقد أظلم وجهه،
~~وأنما ينظر من ليل.
# PageV00P276
# هكذا نقل الشيخ الجليل جمال العارفين أبو العباس أحمد بن فهد الحلي، في
~~عدة الداعي (1). وفي هذا كفاية لمن أنصف من نفسه.
# الحديث الثالث والعشرون [قوله (صلى الله عليه وآله): علي راية الهدى
~~وامام الأولياء ونور من أطاعني...] الشيخ الامام الحافظ أبو عبد الله محمد
~~بن يوسف بن محمد الكنجي الشافعي في كتابه كفاية الطالب، قال: أخبرنا عبد
~~اللطيف بن محمد بن علي القبيطي ببغداد، والشريف أبو تمام علي بن أبي الفخار
~~بن الواثق بالله بالكرخ، قالا: حدثنا أبو الفتح محمد بن ms166 عبد الباقي المعروف
~~بابن النبطي (2)، حدثنا أحمد بن أحمد الحداد، حدثنا الحافظ أبو نعيم أحمد
~~بن عبد الله، حدثنا أبو بكر الطلحي، حدثنا محمد بن علي بن رحيم، حدثنا عباد
~~بن سعيد الجعفي، حدثنا محمد بن عثمان بن أبي بهلول، حدثنا صالح بن الأسود،
~~عن أبي المطهر الرازي، عن الأعمش الثقفي، عن سلام الجعفي، عن أبي بردة،
~~قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان الله تعالى عهد إلي عهدا في
~~علي، فقلت: يا رب بينه لي، فقال: اسمع، قلت: سمعت، فقال: ان عليا راية
~~الهدى، وامام الأولياء، ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين،
~~من أحبه أحبني، ومن أبغضه أبغضني، فبشره بذلك.
# فجاء علي (عليه السلام) فبشرته، فقال: يا رسول الله أنا عبد الله وفي
~~قبضته، فان يعذبني فبذنوبي، وان يتم الذي بشرتني به فالله أولى بي، قال:
~~فقلت: اللهم أجل قلبه،
# PageV00P277
# واجعل ربيعه الايمان، فقال الله عز وجل: قد فعلت به ذلك، ثم إنه رفع إلي
~~أنه سيخصه من البلاء بشئ لم يخص به أحدا من أصحابي، فقلت: يا رب أخي
~~وصاحبي، فقال: ان هذا شئ قد سبق أنه مبتلى ومبتلى به. أخرجه الحافظ في
~~الحلية (1).
# قال الفاضل الجليل علي بن عيسى (2) في كتابه كشف الغمة: قرأت كتاب كفاية
~~الطالب على مصنفه أبي عبد الله الكنجي بإربل في مجلسين آخرهما الخميس سادس
~~عشر جمادي الآخرة من سنة ثمان وأربعين وستمائة، وأجازه لي وخطه بذلك عندي
~~(3) انتهى.
# أقول: هذا الخبر صريح في إمامته صلوات الله عليه وتسليماته، غير قابل
~~للتأويل.
# وتقرير ذلك: أن الراية هي العلم المقتفى، وقد شبهه (عليه السلام) في
~~اشتهار قدره ووجوب اقتفاء آثاره والاهتداء بمناره بالراية، فقال مؤكدا بأن
~~واسمية الجملة، لتردد المنافقين في الحكم المذكور عنادا، أو لصدوره عن مزيد
~~نشاط أن عليا (عليه السلام) راية الهدى.
# ثم صرح بما أراده من النص عليه بالإمامة وتعيينه للخلافة بقوله (وامام
~~الأولياء) فجعله قدوة للأولياء المقربين من الحضرة السبحانية المنسلخين عن
~~الكدورات الظلمانية.
# وهذا ms167 يؤيد ما عليه أئمة الكشف والعرفان وعظماء علماء الطريقة والصوفية
~~المتألهة، من أنه (عليه السلام) قطب دائرة الأولياء، وهو المسمى عندهم بقطب
~~الأقطاب،
# PageV00P278
# واللوح المحفوظ، وأحد الأبوين الروحانيين.
# وقد بين بعض المحققين من علمائنا (١) كون ولايته (عليه السلام) هي
~~الولاية المطلقة التي تستمد منها سائر الولايات الخاصة، وذكرناه نحن في غير
~~هذا المقام، ولكل مقام كلام، ولكل كلام أقوام.
# وقوله (ونور من أطاعني) تأكيد في التنصيص على إمامته، والتصريح بخلافته،
~~لافادته أنه النور الإلهي، المظهر للغوامض الدينية، الهادي إلى المقامات
~~العرفانية والأسرار الاسلامية، يهتدي به المطيعون للأوامر السبحانية،
~~ويقتدي به المؤيدون بالألطاف الربانية.
# وقوله (وهو الكلمة التي ألزمتها المتقين) فيه إشارة إلى أنه كلمة التقوى
~~المذكورة في قوله تعالى ﴿وألزمهم كلمة
~~التقوى﴾ (2) الآية.
# واطلاق الكلمة عليه صلوات الله عليه اطلاق شايع غير منكر، كاطلاقها على
~~عيسى (عليه السلام). وقد ورد في بعض الأخبار أن كلماته تعالى هم الأئمة
~~المعصومون (عليهم السلام) (3). وفي خبر آخر: أن كلمات الله التامة هم
~~الأنبياء والأولياء سلام الله عليهم (4) (5)
# PageV00P279
# قال الشيخ الفاضل عبد السميع الحلي (١) نور الله مرقده في بعض رسائله
~~الكلامية، في مبحث الكلام، بعد أن فسر الكلام بما فسره به المتكلمون من
~~أصحابنا من الحروف والأصوات المنظومة المسموعة من جسم كثيف، كالشجرة التي
~~خاطبت موسى (عليه السلام) ما هذا لفظه:
# وكما يطلق الكلام على ما ذكرناه، كذا يطلق على مجموع الكائنات، فإنه
~~سبحانه قد سمى بعض مخلوقاته بالكلمات، ولهذا قال تعالى (وكلمته ألقاها إلى
~~مريم) (١) وقد ورد في الحديث: أن كلمات الله التامة هم الأنبياء والأولياء.
# ثم قال قدس الله روحه: وإذا علم هذا من جهة النقل، جاز للعقل أن يسمي كل
~~موجود كلمة، وهذه الكلمات تسمى بالافاقية، ويسمى مجموع العالم كتابا، لكونه
~~جامعا لسائر الكلمات، كما يسمى القرآن كتابا، لاشتماله على جميع الكلمات
~~القرآنية، ولهذا قال عز من قائل ﴿لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد
~~كلمات ms168 ربي ولو جئنا بمثله مددا﴾ (3).
# ولا شك أن الكلمات القرآنية تنفد بنصف وقية من الحبر، وإذا لم يمكن حمل
~~هذه الآية على ظاهرها وجب تأويلها، وهو: إما بحملها على معاني الكلمات
~~القرآنية، لأن كل آية لها ظهر وبطن وحد ومطلع إلى سبعة أبطن.
# وقيل: إلى سبعين بطنا، ولهذا بدأ أمير المؤمنين (عليه السلام) لابن عباس
~~في شرح باء
# PageV00P280
# البسملة من أول الليل إلى آخره، ولم يتم شرحها، ثم قال: والله لو شئت
~~لأوقرت من شرحها سبعين بعيرا، فعلم من ذلك أنه لا نهاية لمعاني القرآن،
~~والبحر الواحد أو الأبحر السبعة متناهية.
# وإما أن تحمل الآية على الكلمات الافاقية، ولا شك في عدم تناهيها بحسب
~~الأشخاص، لأنه تعالى لم يزل خلاقا دنيا وآخرة، فكلامه شامل للتأويلين
~~ومنطبق عليها انتهى.
# وما ذكره جيد الا أنه ينبغي أن نعلم أنه لم يوجد في النقل اطلاق كلامه
~~على سائر الموجودات (1)، ولا تسمية كل موجود كلمة، بل إنما يطلق الكلمة على
~~الكمل من الأولياء والأنبياء كعيسى (عليه السلام)، فلا تغفل.
# وقوله (ألزمتها) معناه ألزمت المتقين بطاعتها واقتفائها والائتمام بها
~~والرجوع إليها في المهام والأخذ لمسائل الحلال والحرام، وهو تنصيص عليه
~~بالإمامة، كما لا يخفى.
# PageV00P281
# الحديث الرابع والعشرون [المناقب الثلاثة لعلي بن أبي طالب (عليه
~~السلام)] مسلم والترمذي في صحيحيهما، عن سعد بن أبي وقاص أن معاوية قال له:
~~ما منعك أن تسب أبا تراب؟ قال: أما ما ذكرت فثلاث قالهن له رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) فلن أسبه، ولأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم.
# سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول وقد خلفه في بعض مغازيه، فقال
~~علي (عليه السلام):
# خلفتني مع النساء والصبيان، فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أما
~~ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي.
# وسمعته يقول (صلى الله عليه وآله) يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يحب
~~الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فتطاولنا إليها، فقال (صلى الله ms169 عليه
~~وآله): ادعوا لي عليا، فاتي به أرمد، فبصق في عينه، فبرئ، فدفع إليه
~~الراية، ففتح الله على يديه.
# ولما نزلت هذه الآية (قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم)
~~الآية، دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا
~~(عليهم السلام) وقال: اللهم هؤلاء أهلي (1).
# أقول: هذا الخبر مشهور، وقد أورده الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف
~~الكنجي في كتابه كفاية الطالب كما أوردناه، ثم قال: هكذا رواه مسلم في
~~صحيحه وغيره من الحفاظ (2).
# وأورده أيضا نور الدين علي بن محمد المالكي المعروف بابن الصباغ في
~~الفصول
# PageV00P282
# المهمة (1).
# وقد تضمن ثلاثة أحاديث: حديث المنزلة، وحديث المحبة، وحديث المباهلة،
~~وكلها دالة على الأفضلية والإمامة، وقد بلغت حد التواتر.
# حديث المنزلة أما حديث المنزلة، فهو حديث مشهور نقله أساطين المخالفين
~~ومحدثوهم، كأحمد بن حنبل، ومسلم بن الحجاج، وأبي عبد الله الحميدي، ورزين
~~العبدري، وغيرهم كما سلف نقله في الحديث السابع (2).
# وتقرير الاستدلال به على الإمامة من وجوه:
# أحدها: أنه يدل على جميع المنازل الثابتة لهارون من موسى سوى النبوة لعلي
~~(عليه السلام) من النبي (صلى الله عليه وآله)، إذ لو لم يكن اللفظ محمولا
~~على كل المنازل لما صح الاستثناء، ومن المنازل الثابتة لهارون من موسى
~~استحقاق القيام مقامه بعد وفاته لو عاش بعده، وذلك أنه كان خليفة لموسى في
~~حياته، بدليل قوله (اخلفني في قومي).
# ولا معنى للخلافة الا القيام مقام المستخلف في التصرفات التي له، فوجب أن
~~يكون خليفة له بعد موته على تقدير بقائه، والا لكان عزله موجبا لنقصه
~~والنفرة عنه، وهو غير جائز على الأنبياء.
# الثاني: أن من منازل هارون بالنسبة إلى موسى (عليه السلام) أنه كان شريكا
~~له في الرسالة، ومن لوازمه استحقاق الطاعة بعد وفاة موسى (عليه السلام) لو
~~بقي، فوجب أن
# PageV00P283
# يثبت ذلك لعلي (عليه السلام)، الا أنه امتنع الشركة في الرسالة، فوجب أن
~~يبقى مفترض الطاعة على الأمة بعد النبي (صلى الله عليه وآله).
# الثالث: أن هارون (عليه السلام) لما ms170 كانت نبوته ثابتة، لا جرم كان
~~معصوما، فيجب على موسى (عليه السلام) أن يقدمه على غير المعصوم عقلا، لقبح
~~تقديم غير المعصوم على المعصوم عقلا وحينئذ فيجب أن يكون هارون بحيث لو بقي
~~لكان اماما وخليفة.
# الرابع: أن اليهود وغيرهم نقلوا أن موسى (عليه السلام) نص عليه وجعله
~~وصيه وخليفته بعده، فلما مات جعل الوصاية في يوشع بن نون، وأوصى إليه
~~بأسرار التوراة والألواح، وذلك على سبيل الوديعة لا على سبيل الاستقرار
~~ليوصلها إلى ولدي هارون شبر وشبير، وهو يدل على أن هارون لو عاش بعده لكان
~~خليفة بدل يوشع بن نون، وقد أثبت (صلى الله عليه وآله) لعلي (عليه السلام)
~~منه جميع منازل هارون من موسى (عليه السلام) فيلزم المدعى.
# اعترض القاضي الناصب في المواقف أولا بمنع صحة الحديث، وهو جهالة أو
~~تجاهل سبقه إليها الآمدي. وهو منهما عجيب، لأنا قد بينا في كتابنا الموسوم
~~بالشهاب الثاقب في الرد على النواصب كونه مشهورا مستفيضا بين الفريقين،
~~بالغا حد التواتر، وأوردناه من طرقهم وأسانيدهم في كتبهم وأصحتهم بما يزيد
~~على حد التواتر، وأوردنا في ذيل الحديث السابع ما يشهد باستفاضته وتواتره.
# والمحقق الشريف في شرحه للمواقف قال: ان المحققين على أنه صحيح، وإن كان
~~من قبيل الآحاد. وهو أيضا جهالة منه ونصب (1).
# وقد نقل جماعة من علمائنا (2) أنه كان من الامامية، وهذا الكلام منه
~~ونحوه مما
# PageV00P284
# ذكره في شرح المواقف ينادي بنصبه وتعصبه في الأباطيل. وقد صرح العلامة
~~(قدس سره) وغيره بتواتره، وقد بينا ذلك مستوفى في الشهاب الثاقب.
# وثانيا: بأنه لا عموم له في المنازل، بل المراد استخلافه على قومه في
~~قوله (اخلفني) كاستخلافه (عليه السلام) على المدينة في غزاة تبوك ولا يلزم
~~دوامه، فان قوله (اخلفني) لا عموم له، ولا يكون حينئذ عدم دوامه ولا عزله
~~إذا انتقل إلى مرتبة أعلى، وهو الاستقلال بالنبوة منفرا.
# وهذا أيضا من جهالاته وأباطيله، إذ لو لم يكن المراد جميع المنازل لما
~~حسن الاستثناء، لأن الاستثناء اخراج ما لولاه لدخل بأدوات مخصوصة، ms171 وحيث لا
~~اخراج لم يكن الاستثناء حقيقة بل مجازا، لأن الأصل في الاستثناء الاتصال.
# وتجويز الشارح (1) الجديد جعله منقطعا، عن الحق بمعزل لما بيناه، على أن
~~التحقيق الذي يقتضيه النظر، وصرح به جماعة من أعاظم علماء العربية، كبدر
~~الدين بن مالك وغيره، أن الاستثناء المنقطع هو اخراج ما لولاه لدخل في حكم
~~دلالة المفهوم، وعلى هذا فالعموم لازم جزما، والا لم يصح الاستثناء فتدبر.
# وقوله (ولا يلزم دوامه فان قوله اخلفني لا عموم له) منظور فيه، إذ عدم
~~التقييد يشهد بالعموم قطعا، والا لم يستفد منه سوى الخلافة لحظة واحدة، هذا
~~خلف، على أن ما ذكرناه من تقرير الاستدلال ونقلناه من اليهود يكذب ما قاله
~~أعمى الله قلبه.
# وقوله (ولا يكون حينئذ عدم دوامه) أوهن من بيت العنكبوت، لأنا نقول: مع
~~قطع النظر عن استمرار النبوة والاستقلال بالرسالة، فمن منازله أن يكون
~~خليفة
# PageV00P285
# قطعا بعد وفاة موسى (عليه السلام)، للطرق التي ذكرناها، فعزله أو عدم
~~دوام خلافته يكون نقصا البتة، على أن ما ذكرناه سابقا يبطل ما قاله.
# وثالثا: بأن الظاهر متروك لو حمل على إرادة عموم المنازل، بل لابد من
~~تخصيص العموم، لأن من منازل هارون كونه أخا نسبا ونبيا، وهذا من أفحش
~~جهالاته وأبرد خيالاته، لأن العام المخصوص حجة في الباقي عند المحققين من
~~الأصوليين، وهو الذي صرح باختياره في شرح المختصر للحاجبي، وأيضا فالمراد
~~الاخبار بمنازله المعنوية لا النسبية، إذ لا خفاء فيها، ولا يجهلها أحد من
~~الناس.
# وقوله (ان من منازل هارون كونه نبيا) سهو صريح وغلط فضيع، لأن تفارقهما
~~في النبوة لا يؤدي إلى ترك ظاهر الخبر من عموم المنازل لحصول استثناء
~~النبوة في الخبر، حيث قال: الا أنه لا نبي بعدي.
# حديث الراية والمحبة وأما حديث الراية والمحبة، فمشهور بين المخالفين.
# قال نور الدين بن الصباغ في الفصول المهمة ما نصه: وفي صحاح البخاري
~~ومسلم وغيرهما من الصحاح أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال يوم خيبر (1):
~~لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على ms172 يديه، يحب الله ورسوله ويحبه الله
~~ورسوله، فبات الناس يخوضون ليلتهم أيهم يعطاها؟
# فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كل منهم يرجو
~~أن يعطاها، فقال
# PageV00P286
# النبي (صلى الله عليه وآله): أين علي بن أبي طالب؟ فقيل: يا رسول الله
~~أرمد، قال: فأرسلوا إليه، فاتي به فبصق في عينيه، فدعا له فبرئ حتى كأن لم
~~يكن به وجع، فأعطاه الراية.
# قال علي (عليه السلام): أقاتلهم يا رسول الله حتى يكونوا مثلنا؟ قال:
~~أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الاسلام، فأخبرهم بما يجب
~~عليهم فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم، قال:
~~فمضى ففتح الله على يديه (1)، وفي ذلك يقول حسان بن ثابت:
# وكان علي أرمد العين يبتغي * دواء فلما لم يحس مداويا شفاه رسول الله منه
~~بتفلة * فبورك مرقيا وبورك راقيا وقال سأعطي الراية اليوم فارسا * كمينا
~~شجاعا في الحروب محاميا يحب إلها والإله يحبه * به يفتح الله الحصون
~~الأوابيا فخص بها دون البرية كلهم * عليا وسماه الولي المؤاخيا وفي صحيح
~~مسلم قال عمر بن الخطاب، فما أحببت الامارة الا يومئذ، فتساورت لها رجاء أن
~~ادعى لها (2).
# قال العلماء: فتساورت لها بالسين المهملة، أي: تطاولت لها وحرصت عليها
~~حتى أبديت وجهي وتصديت لذلك ليذكرني، قالوا: وإنما كانت محبة عمر لها لما
~~دلت عليه من محبة الله ورسوله (صلى الله عليه وآله) ومحبتهما له والفتح على
~~يديه، قال ذلك الشيخ عبد الله بن أسعد اليافعي في كتاب المرهم (3). انتهى
~~كلام صاحب الفصول المهمة.
# ورأيت مثل ما نقله في مواضع من كتبهم وأصحتهم، منها كتاب مصابيح الأنوار
# PageV00P287
# بتغيير ما من الصحاح، عن سهل بن سعد أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~قال يوم خيبر:
# لأعطين هذه الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله، فلما
~~أصبح الناس غدوا على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلهم يرجون أن يعطاها،
~~فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: ms173 هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال:
~~فأرسلوا إليه، فبصق رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عينيه، فبرئ كأن لم
~~يكن به وجع فأعطاه الراية، فقال علي (عليه السلام): يا رسول الله أقاتلهم
~~حتى يكونوا مثلنا، فقال: أنفذ على رسلك، وساق الحديث على نحو ما تقدم بحيث
~~لا يتغير به المعنى (1).
# وقال القاضي الناصب في المواقف: انه (صلى الله عليه وآله) بعد ما بعث أبا
~~بكر وعمر إلى خيبر، فرجعا منهزمين، فقال (صلى الله عليه وآله): لأعطين
~~الراية اليوم رجلا يحب الله ورسوله كرار غير فرار، وأعطاها عليا (عليه
~~السلام).
# وقال المحقق الشريف في شرحه: انه روي أنه (عليه السلام) بعث أبا بكر أولا
~~فرجع منهزما، وبعث عمر فرجع كذلك، فغضب النبي (صلى الله عليه وآله) لذلك،
~~فلما أصبح خرج إلى الناس ومعه رايته، فقال: لأعطين إلى آخره، فتعرض له
~~المهاجرون، فقال عليه الصلاة والسلام: أين علي؟ فقيل: انه أرمد العين، فتفل
~~في عينيه ودفع إليه الراية انتهى.
# وبالجملة فهذا خبر مستفيض بين الخاصة والعامة، متلقى (2) بالقبول عند كل
~~الأمة بحيث لم ينكره أحد، وهو يدل على اختصاصه (عليه السلام) من بين
~~الصحابة بهذه المزية، وهو قوله (يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله) وهذا
~~يدل على أفضليته على سائر الصحابة وأقربيته منهم إلى الله عز شأنه،
~~واختصاصه بالإمامة دونهم.
# وقول عمر المنقول في صحيح مسلم (فما أحببت الامارة الا يومئذ فتساورت)
# PageV00P288
# إلى آخر كلامه، نص صريح في فهمه هذا المعنى، وفي قيام عرق الحسد في وجهه،
~~وخوض الصحابة في من يعطاها، ورجاء كل منهم أن يكون هو المعني، كما نطقت به
~~الأخبار التي نقلناها شواهد صدق على أن المراد اختصاص هذا الوصف به (عليه
~~السلام) وعلى فهمهم أن من قيل فيه هذا القول لا يشق غباره ولا يدرك شأوه،
~~وأنه أفضل الصحابة وأحقهم بالإمامة.
# وما نقله الناصبان المعاندان القاضي في المواقف والشريف في شرحه، من
~~انهزام أبي بكر وعمر وفرارهما من الزحف، وغضب النبي (صلى الله عليه وآله)
~~لذلك ms174 شاهدا صدق على فسقهما، واقترافهما للكبيرة، وخروجهما عن الصلاحية
~~لامارة عسكر ورئاسة جيش، فكيف يصلحان للإمامة التي هي الرئاسة العامة في
~~أمور الدين والدنيا والخلافة العظمى والسياسة الكبرى؟
# وما نقله ابن الصباغ المالكي عن اليافعي الشافعي، أنه نقل عن علمائهم
~~وشياطينهم أنهم قالوا: إنما كان محبة عمر لها لما دلت عليه من محبة الله
~~ورسوله، ومحبتهما له أدل دليل على اختصاصه (عليه السلام) بهذا الوصف على
~~تقدير تسليم ذلك، والا فالتحقيق أن حب الطاغوت للامارة يومئذ إنما هو
~~لارتماسه في الكدورات الشهوية، وانهماكه في اللذات الدنيوية، فان حب الدنيا
~~رأس كل خطيئة.
# ومن أعجب العجائب وأغرب الغرائب أن القاضي المتعصب الناصب في المواقف
~~أورد هذا الخبر من طرق القائلين بقوله بكونه صلوات الله عليه أفضل الصحابة،
~~وهم الشيعة وأكثر متأخري المعتزلة ومن وافقهم، وقرره المحقق الشريف بأن ذلك
~~الذي حكيناه يدل على أن ما وصفه به لا يوجد في غيره، ويلزم منه أن يكون
~~أفضل ممن عداه.
# ثم أجاب القاضي بأن نفي هذا المجموع عمن سواه لا يجب أن يكون بنفي كل جزء
~~منه، بل يجوز أن يكون بنفي كونه كرارا غير فرار، ولا يلزم حينئذ الا فضيلة
~~مطلقا بل في كونه كرارا غير فرار، كذا قرره الشريف. PageV00P289
# وهو منهما جهالة أو تجاهل، فان المفهوم من هذه الواقعة، والمستفاد من
~~الأخبار التي سردناها، اختصاصه (عليه السلام) بكل وصف من تلك الصفات، وما
~~نقلناه عن اليافعي وابن الصباغ في توجيه قول عمر (ما أحببت الامارة) إلى
~~آخر كلامه يشهد بذلك.
# ثم نقول لهذين المتجاهلين: انه على ما ذكرتم يلزم اختصاصه (عليه السلام)
~~بكونه كرارا غير فرار، ومعلوم أنه يستلزم اتصاف من عداه بصفة الفرار من
~~الزحف والانهزام منه، وهو معصية فضيعة وكبيرة موبقة، فيكون أفضل ممن عداه
~~جزما.
# ثم نقول: انهزام الجبت والطاغوت وفرارهما: إما أن يكون جائزا، أو حراما،
~~فعلى الأول لا معنى لغضبه (عليه السلام)، وتعريضه بفرارهما بقوله (كرار غير
~~فرار) فان في هذا الكلام تعريضا ظاهرا بهما إذ ms175 فرا من الزحف، وأيضا فقد قام
~~الدليل القاطع على تحريم الفرار من الزحف، وعلى الثاني كيف يتصور صلاحيتهما
~~للإمامة مع ظهور فسقهما؟ وكيف يتصور كونهما أفضل منه (عليه السلام)؟ وهذا
~~واضح ولله الحمد.
# جوهرة من جواهر الأفكار لا من جواهر البحار:
# كل من كان ذا ذوق سليم وذهن مستقيم وديانة وافرة وقريحة نيرة ظاهرة، وخلع
~~عن عنقه قلادة التقليد للآباء والأجداد، وتحرى سلوك شارع الرشاد ومنهج
~~السداد، لا يشتبه عليه أن قصده (عليه السلام) بارساله اللصين المتمردين، مع
~~أنه يعلم بعاقبة حالهما، لأن ارسالهما أولا بالوحي من الجانب الإلهي، إذ
~~هولا ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى، ليس الا اظهار فضيحتهما وتبيين
~~نقصانهما، ليظهر لكل من له قلب حديد (1)، أو ألقى السمع وهو شهيد،
~~انتظامهما في سلك أهل الكبائر، وعدم
# PageV00P290
# صلوحهما للإمامة الكبرى، وارتقاء المنابر، وانهما بمعزل عن الصلاحية
~~لامارة على عسكر أو سرية، فكيف يصلحان للرئاسة العامة الدينية والدنيوية.
# وان الخليق بهذا المقام، والحقيق بالنقض والابرام، هو ذلك القرم الهام،
~~والبحر القمقام (1)، الذي لم يتلوث ذيله بكدورات الآثام، ولم تعرف له هزيمة
~~ولا نكول في موقف ولا مقام، وان وصفه (صلى الله عليه وآله) لهذا القرم
~~الهمام بالأوصاف العامة يجري مجرى الهذيان، فلا يليق نسبته إلى كلام رسول
~~الملك الديان.
# وان جميع من سواه ممن يطمح إليه الأبصار، وتثنى عليه الخناصر، سالكون
~~مسالك التلبيس، وناهجون مناهج إبليس، ليسوا ممن أحبه الله تعالى وأدناه إلى
~~حضرة قربه، وسقاه كؤوس لطفه وحبه (2)، وان مطمح نظرهم هي الدنيا الدنية،
~~والزهرات الردية، والشهوات البدنية، الا نفرا قليلا (3) لم يصلحوا لهذا
~~الأمر الجليل الشأن.
# ويؤيد هذا الذي ذكرناه ما رواه أبو عمرو الكشي قدس روحه في كتاب الرجال.
# عن علي بن الحكم، عن سيف بن عميرة، عن أبي بكر الحضرمي، قال: قال أبو
~~جعفر (عليه السلام): ارتد الناس الا ثلاثة نفر: سلمان، وأبو ذر، والمقداد،
~~فقلت: فعمار؟
# قال: كان جاض جيضة (4) ثم رجع، ثم قال: ان أردت الذي لم يشك ولم يدخله ms176
# PageV00P291
# شئ فالمقداد. فأما سلمان، فإنه عرض في قلبه أن عند أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) اسم الله الأعظم، ولو تكلم به لأخذتهم الأرض. وأما أبو ذر، فأمره
~~أمير المؤمنين (عليه السلام) بالسكوت، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأبى
~~الا أن يتكلم (1).
# وهذا الخبر مما يدلك على ضعف ايمان أكثر الصحابة، ومن ثم تطرق إليه
~~الفتور الذي عبر عنه (عليه السلام) بالارتداد تجوزا ومبالغة.
# فظهر اختصاصه (عليه السلام) بدرجة المحبة ومزيد الاخلاص، واستبان انفراده
~~بدرجات اليقين، وطبقات الاختصاص.
# ثم ليس نصبه (عليه السلام) في غزاة تبوك، واستخلافه (صلى الله عليه وآله)
~~على المدينة، وقوله له (عليه السلام) (ان المدينة لا تصلح الا بي أو بك)
~~كما رواه الفريقان، الا بمنزلة النص عليه بالإمامة، وتعيينه للخلافة.
~~ولعمري أنهم قد فهموا ذلك، ولكن طبع الشيطان على قلوبهم، فعولوا على
~~أهوائهم السخيفة، وخيالاتهم الضعيفة، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
# ومن أعجب العجائب أن عمدة عظمائهم، وواسطة عقد فضلائهم أبا حامد الغزالي
~~(2) الملقب عندهم بحجة الاسلام، ذكر في كتابه المسمى بالمستصفى: أن الصحابة
~~إنما بايعوا أبا بكر، لأنهم قاسوا الإمامة العامة على امامة الصلاة (3)،
~~لأنه (عليه السلام) قدمه يصلي بالناس.
# PageV00P292
# وأقول: يا سبحان الله كيف قاسوا الإمامة العامة على الإمامة في الصلاة؟
~~مع أن مذهبهم جواز الصلاة خلف كل أحد، برا كان أو فاجرا (1)، وقد نقلوا أنه
~~(صلى الله عليه وآله) صلى خلف عبد الرحمن بن عوف. ولم يتفطنوا لما قصده
~~(عليه السلام) في هذه الوقائع التي ذكرناها من النص على باب مدينة علمه
~~بالإمامة والخلافة كما بيناه، ان هذا الا تهافت ظاهر ونفاق واضح.
# وقد بينا في صحفنا وكتبنا أن ما نقلوه من صلاة أبي بكر بالناس في مرض
~~الرسول (صلى الله عليه وآله) ليس باذنه (صلى الله عليه وآله) ولا أمره،
~~واستوعبنا ذلك في الشهاب الثاقب، والله الهادي.
# تبصرة في قصة خيبر على وجه الاجمال ليظهر للناظر المتأمل جلالة قدره
~~(عليه السلام)، ونباهة شأنه، وسمو مكانه، وتبريزه على أقرانه.
# قال الشيخ الجليل والفاضل ms177 النبيل والوزير السعيد بهاء الدين علي بن عيسى
~~الأربلي في كتابه كشف الغمة: روى محمد بن يحيى الأزدي، عن مسعدة بن اليسع،
~~وعبد الله (2) بن عبد الرحيم، عن عبد الملك بن هشام، ومحمد بن إسحاق،
~~وغيرهم من أصحاب الآثار، قالوا: لما دنا النبي (صلى الله عليه وآله) من
~~خيبر قال للناس: قفوا، فوقفوا، فرفع يديه إلى السماء، وقال: اللهم رب
~~السماوات السبع وما أظللن، ورب
# PageV00P293
# الأرضين السبع وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، أسألك خير هذه القرية
~~وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها، ثم نزل (صلى الله عليه وآله)
~~تحت شجرة، وأقمنا بقية يومنا ومن غده.
# فلما كان نصف النهار نادى مناد النبي (صلى الله عليه وآله)، فاجتمعنا
~~إليه، فإذا عنده رجل جالس، فقال: ان هذا جاءني وأنا نائم، فسل سيفي وقال:
~~يا محمد من يمنعك مني اليوم؟ قلت: الله يمنعني منك، فشام السيف (1) وهو
~~جالس كما ترون لا حراك (به، فقلنا: يا رسول الله لعل في عقله شيئا، فقال:
~~نعم دعوه، ثم صرفه ولم يعاقبه.
# وحاصر خيبر بضعا (3) وعشرين ليلة، وكانت الراية لعلي (عليه السلام)، فعرض
~~له رمد أعجزه عن الحرب، وكان المسلمون يناوشون (4) اليهود من يدي حصونهم
~~وجنباتها.
# فلما كان ذات يوم فتحوا الباب، وكانوا قد خندقوا على أنفسهم، وخرج مرحب
~~برجله، فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) أبا بكر، فقال له: خذ هذه الراية،
~~فأخذها في جمع من المهاجرين واجتهد ولم يغن شيئا، وعاد يؤنب قومه الذين
~~اتبعوه ويؤنبونه. فلما كان من الغد تعرض لها عمر، فسار بها غير بعيد، ثم
~~رجع يجبن أصحابه ويجبنونه.
# فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ليست هذه الراية لمن حملها، جيؤوني
~~بعلي بن أبي طالب، فقيل له: انه أرمد، فقال: أرونيه رجلا يحب الله ورسوله
~~ويحبه الله ورسوله، فيأخذها بحقها ليس بفرار.
# فجاؤوا بعلي (عليه السلام) يقودونه إليه، فقال: ما تشتكي يا علي؟ قال:
~~رمدا ما أبصر معه، وصدعا برأسي، فقال له: اجلس وضع رأسك على فخذي، ms178 ففعل علي
~~(عليه السلام)
# PageV00P294
# ذلك، فدعا له النبي (صلى الله عليه وآله) وتفل في يده ومسحها على عينيه
~~ورأسه، فانفتحت عيناه، وسكن الصداع، وقال في دعائه له: اللهم قه الحر
~~والبرد، وأعطاه الراية وكانت بيضاء.
# وقال: امض بها، وجبرئيل معك، والنصر أمامك، والرعب مبثوث في صدور القوم،
~~واعلم يا علي أن اليهود يجدون في كتابهم أن الذي يدمر عليهم اسمه اليا،
~~فإذا لقيتهم فقل أنا علي بن أبي طالب، فإنهم يخذلون إن شاء الله تعالى.
# قال علي (عليه السلام): فمضيت بها حتى أتيت الحصن، فخرج مرحب وعليه درع
~~ومغفر وحجر قد ثقبه مثل البيضة على رأسه، وهو يقول:
# قد علمت خيبر أني مرحب * شاكي السلاح بطل مجرب فقلت:
# أنا الذي سمتني أمي حيدرة * كليث غابات شديد قسورة (1) (2) أكيلهم بالسيف
~~كيل السندرة (3)
# PageV00P295
# واختلفا بضربتين، فبدرته ضربة علي (عليه السلام)، فقد الحجر والمغفر
~~ورأسه، حتى وقع السيف في أضراسه وخر صريعا.
# وروي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) لما قال: أنا علي بن أبي طالب، قال
~~حبر منهم:
# غلبتم وما انزل على موسى، فخامرهم رعب شديد، ورجع من كان مع مرحب،
~~وأغلقوا باب الحصن، فصار إليه علي (عليه السلام) وعالجه حتى فتحه (1)،
~~وأكثر الناس لم يعبروا الخندق، فأخذ (عليه السلام) الباب وجعله جسرا على
~~الخندق حتى عبروا، فظفروا بالحصن وأخذوا الغنائم، ولما انصرفوا دحا به
~~بيمناه أذرعا، وكان يغلقه عشرون رجلا (2).
# حديث المباهلة وأما حديث المباهلة (3)، فقد ذكره الفريقان، وأورده
~~مخالفونا في سيرهم
# PageV00P296
# وتفاسيرهم وأصحتهم، ولم ينكره أحد منهم ولا من غيرهم من الفرق والطوائف.
# قال نور الدين ابن الصباغ في الفصول المهمة ما نصه: آية المباهلة هي قوله
~~تعالى ﴿ان مثل عيسى عند الله
~~كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون × الحق من ربك فلا تكن من
~~الممترين × فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا
~~وأبناءكم ونساءنا ونساءكم﴾ (1).
# وكان سبب نزول هذه الآية أنه لما قدم وفد ms179 نجران على رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) دخلوا عليه مسجده بعد صلاة العصر وعليهم ثياب الحبرات وأردية
~~الحرير لابسين الحلل، متختمين بخواتيم الذهب، يقول من رآهم من أصحاب النبي
~~(صلى الله عليه وآله): ما رأينا قبلهم وفدا مثلهم.
# وفيهم ثلاثة من أشرافهم يؤول أمرهم إليهم، وهم: العاقب واسمه عبد المسيح،
~~كان أمير القوم وصاحب رأيهم ومشورتهم، لا يصدرون الا عن رأيه. والسيد وهو
~~الأيهم، وكان ثمالهم وصاحب رأيهم ومجتمعهم.
# PageV00P297
# وأبو حارثة (1) بن علقمة، وكان أسقفهم وامامهم، وصاحب مدارسهم، وكان رجلا
~~من العرب من بني بكر بن وائل، ولكنه تنصر فعظمته الروم وملوكها وشرفوه ،
~~وبنوا له الكنائس ومولوه وأخدموه، لما علموه من صلابته في دينهم، وقد كان
~~يعرف أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وشأنه وصفته بما علمه من الكتب
~~المتقدمة، ولكنه حمله جهله على الاستمرار في النصرانية لما رأى من تعظيمه
~~ووجاهته عند أهلها.
# فتكلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع أبي حارثة (2) بن علقمة والعاقب
~~عبد المسيح، وسألهما وسألاه، ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد أن
~~تكلم مع هذين الحبرين منهم دعاهم (3) إلى الاسلام، فقالوا: قد أسلمنا،
~~فقال: كذبتم انه يمنعكم من الاسلام ثلاثة أشياء: عبادتكم الصليب، وأكلكم
~~الخنزير، وقولكم ان لله ولدا، فقالوا: هل رأيت ولدا بغير أب؟ فمن أبو عيسى؟
~~فأنزل الله تعالى (ان مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب) الآية.
# فلما نزلت هذه الآية مصرحة بالمباهلة دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~وفد نجران للمباهلة، وتلا عليهم الآية، فقالوا: حتى ننظر في أمرنا ونأتيك
~~غدا، فلما خلا بعضهم ببعض، قالوا للعاقب صاحب مشورتهم: ما ترى من الرأي؟
~~فقال: والله لقد عرفتم يا معاشر النصارى أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم
~~بالفصل من أمر صاحبكم (4)، ولله ما لاعن قوم قط نبيا (5) الا هلكوا عن
~~آخرهم، فاحذروا كل الحذر أن تكون آفة الاستئصال منكم، وان أبيتم الا الف
~~دينكم والإقامة عليه، فوادعوا الرجل وأعطوه الجزية، ثم انصرفوا إلى ms180 مقركم.
# PageV00P298
# فلما أصبحوا جاؤوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فخرج وهو محتضن
~~الحسين آخذا بيد الحسن، وفاطمة خلفه، وعلي خلفهم، وهو يقول: اللهم هؤلاء
~~أهل بيتي، إذا أنا دعوت أمنوا.
# فلما رأى وفد نجران ذلك وسمعوا قوله، قال كبيرهم: يا معشر النصارى اني
~~لأرى وجوها لو سألت من الله أن يزيل جبلا لأزاله، لا تبتهلوا (1) فتهلكوا،
~~ولا يبقى على وجه الأرض نصراني منكم إلى يوم القيامة، فاقبلوا الجزية،
~~فقبلوا الجزية ثم انصرفوا.
# فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): والذي نفسي بيده أن العذاب قد نزل
~~على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم الوادي عليهم
~~نارا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر، ولم يحل الحول على
~~النصارى حتى هلكوا.
# ثم قال ابن الصباغ في الفصول بعد نقل القصة، وسبب نزول هذه الآية: قال
~~جابر بن عبد الله رضي الله عنه: (أنفسنا وأنفسكم) محمد رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) وعلي (عليه السلام) (وأبناءنا) الحسن والحسين (ونساءنا) فاطمة
~~صلوات الله عليهم أجمعين.
# وهكذا رواه الحاكم في مستدركه عن علي بن عيسى، وقال: صحيح على شرط مسلم.
~~ورواه أبو داوود الطيالسي عن شعبة، عن الشعبي مرسلا. وروي عن ابن عباس
~~والبراء بن عازب رضي الله عنهما نحو ذلك (2) انتهى كلام صاحب الفصول.
# وفي هذه القصة بيان لفضل علي بن أبي طالب (عليه السلام) وجلالته
~~واستحقاقه الإمامة من بين الصحابة، وظهور معجز النبي (صلى الله عليه وآله)،
~~فان النصارى علموا بأنهم متى باهلوه حل بهم العذاب، لمعرفتهم بشأنه ونبوته،
~~فقبلوا الصلح ودخلوا تحت الهدنة.
# وان الله تعالى أبان أن عليا (عليه السلام) هو نفس النبي (صلى الله عليه
~~وآله) كاشفا بذلك عن بلوغه
# PageV00P299
# نهاية الفضل ومساواته للنبي (صلى الله عليه وآله) في الكمال والعصمة من
~~الآثام، وأن الله سبحانه جعله وزوجته وولديه حجة لنبيه (صلى الله عليه
~~وآله)، وبرهانا على دينه، ونص على الحكم بأن الحسن والحسين (عليهما السلام)
~~أبناؤه، وأن فاطمة (عليها السلام) نساؤه، المتوجهة إليهم ms181 الذكر والخطاب في
~~الدعاء إلى المباهلة والاحتجاج، وهذا فضل لم يشاركهم فيه أحد من الأمة، ولا
~~قاربهم في هذه المزية أحد من الصحابة.
# وقال العلامة قدس سره في منهاجه: اتفق الناس على أن المراد بالنفس في هذه
~~الآية هو علي (عليه السلام)، ولا يريد اتحاد النفس، فان ذلك محال، بل
~~المراد المساواة، والمساوي للأفضل الذي هو رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~يكون لا شك أفضل.
# وقد يمكن الاستدلال بهذا على ثبوت الولاء مطلقا من غير توسط الأفضلية،
~~بأن تقول: انه مساوي لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، فثبت له الولاية ثبت
~~لمساويه (1). انتهى كلامه أعلى الله مقامه.
# وهو جيد متين. وما أورده عليه بعض المخذولين من أنه ان أريد المساواة من
~~جميع الوجوه يلزم خلاف الاجماع، لأن المسلمين مجمعون على أن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) أفضل منه قطعا.
# نعم نقل عن بعض الغلاة القول بالمساواة، وكيف يتحقق المساواة مع انفراده
~~(صلى الله عليه وآله) عنه بالنبوة والرسالة والخواص. وان أريد المساواة في
~~الجملة لم يدل على الأفضلية قطعا، إذ لا يصدق أن مساوي الأفضل بهذا المعنى
~~أفضل، وان أخذ المساوي الذي هو موضوع الكبرى على الاطلاق أي من كل وجه، لم
~~يتحد الحد الأوسط، فلا ينتج القياس. وكذا يتجه على التقرير الثاني المطروح
~~منه حديث الأفضلية نحو ذلك.
# PageV00P300
# في غاية السقوط ونهاية الفتور، لأن أقرب المجازات الممكنة إلى الحقيقة
~~والتساوي في كل شئ، فيخرج منه ما قام الدليل على استثنائه، كالنبوة
~~والخواص، وأفضليته (صلى الله عليه وآله) على جميع أمته من هذا القبيل،
~~والله الهادي إلى سواء السبيل.
# وقال القاضي الناصب العضدي في المواقف في معرض الجواب عن الاستدلال
~~بالآية الكريمة على أفضليته (عليه السلام) على سائر الصحابة ما هذا لفظه:
~~وقد يمنع أن المراد علي وحده، بل جميع أقربائه وخدمه النازلون منزلة نفسه
~~داخلون فيه، يدل عليه صيغة الجمع. انتهى كلامه.
# وهو جهل منه، أو تجاهل عظيم، فإنه لا خلاف بين الأمة على اختلاف نحلها
~~وعقائدها وتفاوت ms182 مذاهبها في أنه (عليه السلام) وحده هو المراد بأنفسنا من
~~دون سائر الأقارب، كما يشهد به تتبع تفاسيرهم وسيرهم وأصحتهم وكتب أخبارهم.
# كصحيحي مسلم والبخاري، وصحيح الترمذي، ومستدرك الحاكم، والجمع بين الصحاح
~~الستة للعبدري، وصواعق ابن حجر، وجامع الأصول لأبي السعادات ابن الأثير
~~الجزري الشافعي، ومسند أحمد بن حنبل، ومناقب ابن مردويه، والفصول المهمة
~~لابن الصباغ المالكي، ومناقب الفقيه ابن المغازلي الشافعي وغيرهم.
# وهو أيضا بعينه مصرح به في تفاسيرهم، كالكشاف للعلامة محمود بن عمر
~~الزمخشري المعتزلي الحنفي، وتفسير الثعلبي، وتفسير أبي بكر النقاش، وتفسير
~~البيضاوي القاضي، والتقريب للعلامة الفالي المشهور بالقطب السيرافي، وتفسير
~~الإمام محمد بن الخطيب الرازي وغيرها. وفي سيرهم المشهورة، كسيرة عبد الملك
~~بن هشام وغيرها نحوه (1).
# PageV00P301
# فالعجب كل العجب من هذا الناصب حيث أنكر ذلك ورام ستره، وهل تستر الشمس
~~بالكف، أو يشتبه الحق بالخلف.
# ومن أعجب العجائب جمود المحقق الشريف على هذا المحال، وقبضه عنان الكلام
~~على ذلك المقال الواضح الاختلاق (١)، ولا غرو فان عين الرضا كليلة عن كل
~~عيب وان ظهر، وحب الشئ يصم السمع ويعمي البصر، وقد صدق من قال: الناس كلهم
~~أكياس، فإذا جاؤوا إلى الأديان افتضح الأكثرون.
# وأما تعلقه بالجمع، فهو أوهن من بيت العنكبوت.
# أما أولا، فلأن استعمال الجمع في الواحد شائع ذائع لا سبيل لانكاره
~~والتردد فيه، ولا سيما عند قصد التعظيم، بل جوز سيدنا الأجل ذو المجدين علم
~~الهدى المرتضى - عطر الله مرقده - في الشافي كونه حينئذ حقيقة عرفية، وإن
~~كان مجازا لغويا، وقد حكينا ذلك عنه في ذيل الحديث السادس عشر.
# وقد ذكر جمع من أئمة الأصول والعربية والتفسير: أن المراد بالناس في قوله
~~تعالى ﴿الذين قال لهم الناس
~~ان الناس قد جمعوا لكم﴾ (2) هو نعيم بن مسعود الأشجعي، وعلى كل حال فلا
~~كلام في وجوب المصير إلى المجاز عند تعذر الحقيقة.
# وأما ثانيا، فلأنه يجوز أن يكون المراد هنا النبي (صلى الله عليه وآله)
~~وعليا (عليه السلام)، كما يدل عليه ms183 خبر جابر المتقدم، وهو منقول من صحيح
~~مسلم، ومستدرك الحاكم، وفصول المهمة لابن الصباغ وغيرها، وحينئذ يكون حقيقة
~~على القول بأن أقل الجمع اثنان، وهو مذهب مالك وجماعة وعمر وزيد بن ثابت.
# فان قلت: الداعي لا يدعو نفسه؟
# قلت: يجوز أن يراد بدعائه (صلى الله عليه وآله) لنفسه الدعاء القلبي
~~والحث النفسي، ويكون
# PageV00P302
# المراد به النشاط في المباهلة وجمع الهمة.
# فان قلت: يلزم حينئذ استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وهو غير جائز عند
~~محققي الأصوليين؟
# قلت: لا نسلم لزوم ذلك، بل يجوز أن يكون من قبيل عموم المجاز.
# هذا والتحقيق هو الجواب الأول، وهو المطابق لأكثر الأخبار وكلام
~~المفسرين، وفي الجواب الثاني تكلف بعيد، ومنافرة تامة للأخبار المستفيضة
~~ونصوص المفسرين.
# قال الثعلبي في تفسيره: أبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة، وأنفسنا
~~علي بن أبي طالب انتهى. وبمثله صرح غيره.
# في تفسير الآية الكريمة:
# قال العلامة الزمخشري في الكشاف، وهو من أئمة المعتزلة وعظماء الحنفية،
~~وكان يتمدح بالاعتزال، وذكر أهل التاريخ أنه جاور بمكة المشرفة عشرين سنة،
~~حتى لقب بجار الله، وهو من فحول المخالفين، كثير التصانيف، ما نصه:
# يقال: بهلة الله على الكاذب منا ومنكم، والبهلة بالضم والفتح: اللعنة،
~~وبهله الله: لعنه وأبعده من رحمته من قولك أبهله إذا أهمله، وناقة باهل لا
~~صرار عليها، وأصل الابتهال هذا، ثم استعمل في كل دعاء ويجتهد فيه وان لم
~~يكن التعانا.
# وروي أيضا أنه لما دعاهم إلى المباهلة قالوا: حتى نرجع وننظر، فلما
~~تخالوا قالوا للعاقب وكان ذا رأيهم: يا عبد المسيح ما ترى؟ قال: والله يا
~~معاشر النصار أن محمدا نبي مرسل، ولقد جاءكم بالفصل من أمر صاحبكم، والله
~~ما باهل قوم نبيا قط، فعاش كبيرهم، ولا نبت صغيرهم، ولئن فعلتم لتهلكن، فان
~~أبيتم الا إلف دينكم والإقامة على ما أنتم عليه، فوادعوا الرجل وانصرفوا
~~إلى بلادكم. PageV00P303
# فأتوا النبي (صلى الله عليه وآله) وقد غدا محتضنا الحسين، وآخذا بيد
~~الحسن، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي يمشي خلفها، وهو يقول: إذا أنا دعوت فأمنوا. ms184
# فقال أسقف نجران: يا معشر النصارى اني لأرى وجوها لو شاء الله أن يزيل
~~بها جبلا عن مكانه لأزاله بها، فلا تباهلوا فتهلكوا ولا يبقى على وجه الأرض
~~نصراني إلى يوم القيامة، فقالوا: يا أبا القاسم رأينا أن لا نباهلك، وأن
~~نقرك على دينك ونثبت على ديننا.
# قال: إذا أبيتم المباهلة فأسلموا، يكن لكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم،
~~فأبوا، فقال: فاني أناجزكم، فقالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكن نصالحك
~~على أن لا تغزونا ولا تخيفنا ولا تردنا عن ديننا، على أن نؤدي إليك في كل
~~عام ألفي حلة في صفر، وألف في رجب، وثلاثين درعا عادية من حديد، فصالحهم
~~على ذلك.
# وقال: والذي نفسي بيده ان الهلاك قد تدلى على أهل نجران، ولو لاعنوا
~~لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادي نارا، ولاستأصل الله تعالى
~~نجران وأهله حتى الطير على رؤوس الشجر، ولما حال الحول على النصارى كلهم
~~حتى هلكوا.
# وعن عائشة: أن النبي (صلى الله عليه وآله) خرج وعليه مرط مرجل من شعر
~~أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم فاطمة، ثم علي، ثم قال:
~~(إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا).
# فان قلت: ما كان دعاؤه إلى المباهلة الا ليتبين الكاذب منه ومن خصمه،
~~وذلك أمر يختص به دون غيره وبمن يكاذبه، فما معنى ضم الأبناء والنساء؟
# قلت: ذلك آكد للدلالة على ثقته بحاله، واستيقانه بصدقه، حتى استجرأ على
~~تعريض أعزته وأفلاذ كبده، وأحب الناس إليه لذلك، ولم يقتصر على تعريض نفسه
~~له وعلى ثقته أيضا بكذب خصمه، وهلاكه مع أحبته وأعزته هلاك الاستئصال ان
~~تمت المباهلة.
# وخص الأبناء والنساء لأنهم أعز الأهل وألصقهم بالقلوب، وربما فداهم الرجل
~~PageV00P304
# بنفسه وحارب دونهم حتى يقتل، ومن ثم كانوا يسوقون منهم (1) الظغائن في
~~الحروب لتمنعهم من الهرب، ويسمون الذادة عنهم بأرواحهم حماة الحقائق،
~~وقدمهم في الذكر على الأنفس لينبه على لطف مكانهم وقرب منازلهم (2)، وليؤذن
~~بأنهم مقدمون على الأنفس مفدون بها.
# وفيه دليل لا شئ ms185 أقوى منه على فضل أصحاب الكساء (عليهم السلام)، وفيه
~~برهان واضح على صحة نبوة النبي (صلى الله عليه وآله)، لأنه لم يرو أحد من
~~مخالف ولا موافق أن النصارى أجابوا إلى المباهلة (3). انتهى كلامه.
# فانظر بعين التأمل والانصاف تعرف منه الصراط السوي، ولعمري لقد أجاد فيما
~~أفاد، لكن ما ذكره في وجه ضم أصحاب الكساء صلوات الله عليهم في المباهلة
~~غير خال عن تقصير، لأن العلة التي ذكرها تجري في أزواجه وسائر بناته
~~وأقاربه وعمه، وهولا يقول بالعموم، بل كلامه صريح في الخصوص كما لا يخفى.
# ولعل مراده أن أعز الناس عليه وأحبهم إليه هم هؤلاء:، فلهذا باهل بهم،
~~بخلاف الأزواج فإنهن ليست بتلك المثابة، ولا من فرسان تلك الحلبة، لقصورهن
~~صورة ومعنى، وتأخرهن من ذلك المقام الأسنى، وكذلك سائر الأقارب، لأن مجرد
~~القرب الصوري غير نافع إذا لم يجامعه القرب المعنوي والاتصال الروحاني، كما
~~ذكرناه في ذيل الحديث الرابع عشر.
# والأولى أن يقال: الوجه في ذلك هو مشاركتهم (عليهم السلام) له (صلى الله
~~عليه وآله) في العصمة والولاية، واستجابة الدعوة، والتنويه بشأنهم،
~~والدلالة على جلالة قدرهم، وسمو مكانهم، وقربهم من الحضرة السبحانية،
~~والساحة الصمدانية، والنص على
# PageV00P305
# مشاركتهم له في استحقاق الطاعة الكلية، والرئاسة المطلقة الإلهية (1)،
~~والسياسة الدينية والدنيوية، كما لا يخفى.
# وقد ذكر أبو بكر النقاش في تفسيره شفاء الصدور ما هذا لفظه: قوله تعالى
~~(قل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم) الآية، قال أبو بكر: جاءت الأخبار بأن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذ بيد الحسن (عليه السلام)، وحمل الحسين
~~(عليه السلام) على صدره - ويقال: بيده الأخرى - وعلي (عليه السلام) معه،
~~وفاطمة (عليها السلام) من ورائهم.
# فحصلت هذه الفضيلة للحسن والحسين (عليهما السلام) من بين جميع أبناء أهل
~~بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) وأبناء أمته، وحصلت هذه الفضيلة لفاطمة
~~بنت رسول الله (صلى الله عليه وآله) من بين بنات النبي وبنات أهل بيته
~~وبنات أمته، وحصلت هذه الفضيلة لأمير المؤمنين علي (عليه السلام) من بين
~~أقارب رسول الله ms186 (صلى الله عليه وآله) ومن بين أهل بيته وأمته، بأن جعله
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) كنفسه يقول: أنفسنا وأنفسكم.
# جرير، عن الأعمش، قال: كانت المباهلة ليلة احدى وعشرين من ذي الحجة، وكان
~~تزويج فاطمة (عليها السلام) يوم خمسة وعشرين من ذي الحجة، وكان يوم غدير خم
~~يوم ثمانية عشر من ذي الحجة (2) انتهى كلامه.
# فائدة جليلة:
# هذه الأخبار المستفيضة الناطقة بأن المراد بالأبناء في الآية الكريمة
~~الحسن والحسين (عليهما السلام) تدل دلالة قاطعة على أنهما (عليهما السلام)
~~ولدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتنادي بذلك، والأخبار العاضدة لذلك
~~لا تحصى كثرة:
# PageV00P306
# منها: قوله (صلى الله عليه وآله) في حق الحسين (عليه السلام) في الخبر
~~المشهور، ابني هذا امام ابن امام أخو امام الخبر.
# ومنها: قوله (صلى الله عليه وآله) في حقه وحق أخيه الحسن (عليه السلام):
~~ابناي هذان امامان قاما أو قعدا (١).
# ومنها: قوله تعالى ﴿ومن ذريته داود
~~وسليمان - إلى قوله - وعيسى والياس﴾ (2) ومعلوم أن عيسى لا ينسب له الا
~~بأمه.
# ومنها: ما رواه الحافظ عبد العزيز بن الأخضر الجنابذي من عظماء
~~المخالفين، مرفوعا إلى سفيان بن الحارث الثقفي، قال: رأيت رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) وهو مقبل على الناس مرة وعلى الحسن (عليه السلام) مرة
~~أخرى، فيقول: ان ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين
~~عظيمتين. أخرجه ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة (3).
# ومنها: ما رواه النسائي باسناده عن عبد الله بن شداد، عن أبيه، قال: خرج
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) لصلاة العشاء وهو حامل حسنا، فتقدم النبي
~~(صلى الله عليه وآله) للصلاة، فوضعه ثم كبر وصلى وسجد بين ظهراني صلاته
~~سجدة فأطالها، قال: فرفعت رأسي فإذا الصبي على ظهر رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى رسول الله 9 صلاته قال
~~الناس: يا رسول الله سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة، فأطلتها حتى ظننا أنه قد ms187
~~حدث أمر وأنه يوحي إليك، قال: كل ذلك لم يكن، ولكن ابني ارتحلني، فكرهت أن
~~أعجله حتى نزل (4).
# PageV00P307
# ومنها: قوله (صلى الله عليه وآله): لا تزرموا ابني - يعني: الحسن (عليه
~~السلام) أي لا تقطعوا عليه - بوله، لما بال في حجره. أخرجه ابن الأثير في
~~النهاية (1)، والزمخشري في الفائق (2).
# والجوهري في الصحاح (3)، ومن أصحابنا الشهيد الثاني عطر الله مرقده في
~~شرح اللمعة (4).
# ومنها: ما رواه الإمام الطبرسي - عطر الله مرقده - في الاحتجاج، عن أبي
~~أحمد هاني بن محمد العبدي، قال: حدثني أبو محمد ورفعه إلى موسى بن جعفر
~~(عليهما السلام) في جملة حديث طويل يحتوي على سؤالات الرشيد العباسي له
~~(عليه السلام) وجواباته عنها، إلى أن قال (عليه السلام) فيه:
# ثم قال لي - يعني الرشيد -: لم جوزتم للعامة والخاصة أن ينسبوكم إلى رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) ويقولون لكم: يا بني رسول الله، وأنتم بنو علي،
~~وإنما ينسب المرء إلى أبيه، وفاطمة إنما هي وعاء، والنبي جدكم من قبل أمكم؟
# فقلت: يا أمير المؤمنين لو أن النبي (صلى الله عليه وآله) نشر، فخطب إليك
~~كريمتك، هل كنت تجيبه؟ قال: سبحان الله ولم لا أجيبه؟ بل أفتخر على العرب
~~والعجم وقريش بذلك.
# فقلت له: لكنه لا يخطب إلي ولا أزوجه. فقال: ولم؟ فقلت: لأنه ولدني ولم
~~يلدك، فقال: أحسنت يا موسى.
# ثم قال: كيف قلتم انا ذرية النبي؟ والنبي لم يعقب، وإنما العقب بالذكر لا
~~الأنثى، وأنتم ولد الابنة ولا يكون ولدها عقبا له؟
# فقلت: أسألك بحق القرابة والقبر ومن فيه الا أعفيتني عن هذه المسألة،
~~فقال: لا أو تخبرني بحجتكم فيه يا ولد علي، وأنت يا موسى يعسوبهم وامام
~~زمانهم، كذا
# PageV00P308
# انهي إلي، ولست أعفيك في كل ما أسألك عنه حتى تأتيني بحجة من كتاب الله،
~~وأنتم تدعون معشر ولد علي أنه لا يسقط عنكم منه شئ ألف ولا واو الا تأويله
~~عندكم، واحتججتم بقوله عز وجل ﴿ما فرطنا في الكتاب من شئ﴾ (١) واستغنيتم عن ms188 رأي
~~العلماء وقياسهم.
# فقلت: تأذن لي في الجواب؟ قال: ها ت، فقلت: أعوذ بالله من الشيطان
~~الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم ﴿ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون
~~وكذلك نجزي المحسنين × وزكريا ويحيى وعيسى كل من الصالحين﴾ (2) من أبو
~~عيسى يا أمير المؤمنين؟ فقال: ليس لعيسى أب، فقلت: إنما ألحقناه بذراري
~~الأنبياء (عليهم السلام) من طريق مريم (عليها السلام)، وكذلك ألحقنا بذراري
~~النبي (صلى الله عليه وآله) من قبل امنا فاطمة (عليها السلام)، أزيدك يا
~~أمير المؤمنين؟ قال: هات.
# قلت: قول الله عز وجل (فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا
~~ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة
~~الله على الكاذبين) ولم يدع أحد أنه أدخله النبي (صلى الله عليه وآله) تحت
~~الكساء عند مباهلة النصارى الا علي بن أبي طالب وفاطمة والحسن والحسين
~~(عليهم السلام) فأبناءنا الحسن والحسين، ونساءنا فاطمة، وأنفسنا علي بن أبي
~~طالب (2) الحديث.
# وهو صريح في أنهما (عليهما السلام) ابنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)،
~~وكذلك جميع الأئمة (عليهم السلام).
# ومنها: ما رواه الشيخ أبو جعفر الطوسي، في الصحيح، عن محمد بن مسلم، عن
~~أحدهما (عليهما السلام) أنه قال: لو لم يحرم على الناس أزواج النبي (صلى
~~الله عليه وآله) لقوله تعالى (ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا
~~أزواجه من بعده أبدا) (3) حرم على
# PageV00P309
# الحسن والحسين (عليهما السلام)، لقوله الله عز وجل ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ (1) (2). دل
~~الخبر المذكور على أنه (صلى الله عليه وآله) أبوهما حقيقة، فيكونان ابنين
~~له حقيقة للنصائف.
# ومنها: ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده، باسناده إلى المستطل، قال: ان عمر
~~بن الخطاب خطب إلى علي (عليه السلام) أم كلثوم، فاعتل بصغرها، فقال له: لم
~~أكن أريد الباه، ولكن سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كل حسب
~~ونسب منقطع يوم القيامة ما ms189 خلا حسبي ونسبي، وكل قوم فان عصبتهم لأبيهم ما
~~خلا ولد فاطمة، فاني أنا أبوهم وعصبتهم (3). وبالجملة فشواهد ذلك لا تحصى
~~كثرة.
# ونقل الفاضل الجليل الحسن بن علي بن محمد الطبرسي في كتابه تحفة الأبرار
~~عن الشافعي الموافقة على ذلك، ونقله حجة الاسلام أبو علي الفضل بن الحسن
~~الطبرسي عطر الله مرقده في تفسيره الكبير (4)، عن أبي بكر الرازي، وهو من
~~عظماء المخالفين، ونقل صاحب تحفة الأبرار عن أبي حنيفة أنه أنكر ذلك، لأن
~~ولد البنت ليس بولد حقيقة، لقول الشاعر:
# بنونا بنو أبنائنا وبناتنا * بنوهن أبناء الرجال الأباعد ثم شنع عليه
~~بأنه ترك الكتاب والأخبار وأطرحهما، وعول على بيت أعرابي جلف جاف، وهو في
~~موضعه، وفي دلالة البيت على المدعى نظر.
# ومن هنا يظهر متانة ما ذهب إليه سيدنا الأجل علم الهدى عطر الله مرقده،
~~من استحقاق المنتسب بالأم إلى هاشم الخمس كالمنتسب بالأب، وهو الذي اختاره
~~ابن حمزة، لما تظافرت عليه الأدلة التي قدمناها وغيرها من كون ولد البنت
~~ولدا حقيقة،
# PageV00P310
# ولا وجه لرفض جميع تلك الأدلة المتعاضدة واطراح تلك الأخبار المستفيضة
~~بمجرد خبر واحد مرسل، وقد حققنا هذه المسألة في رسالة مفردة.
# ومن أصحابنا من وافق على كون ولد البنت ابنا حقيقة، ولم يوافق على
~~استحقاق الخمس، وهو اللائح من الشيخ الشهيد في اللمعة، فإنه في كتاب الخمس
~~منها اعتبر الانتساب إلى هاشم بالأب (1)، وفي كتاب الوقف قال: إذا وقف على
~~أولاده اشترك أولاد البنين والبنات، ومعلوم أنه مبني على كون ابن البنت
~~ابنا حقيقة، كما صرح به شيخنا الشهيد الثاني في شرحها (2).
# ومن أراد الوقوف على تحقيق الحال والإحاطة بالأقوال، فليرجع إلى رسالتنا
~~المشار إليها.
# جوهرة فاخرة:
# نقل حجة الاسلام أبو علي الفضل الطبرسي - عطر الله مرقده - في تفسيره
~~الكبير عن ابن أبي علان، وهو أحد أئمة المعتزلة أنه قال: ان كون المراد
~~بالأبناء في الآية المذكورة الحسن والحسين (عليهما السلام) يدل على أنهما
~~(عليهما السلام) كانا مكلفين، إذ المباهلة لا يجوز الا مع البالغين (3).
# وهو ms190 في غاية الغرابة ان أراد ما هو الظاهر من كلامه من بلوغهما (عليهما
~~السلام) في تلك الحال، كما فهمه عنه حجة الاسلام عطر الله مرقده، لاتفاق
~~أهل التواريخ والسير على أنهما حينئذ غير بالغين، وقد صرح بذلك جمع من
~~الأصوليين، منهم الإمام الرازي في المحصول، وجماعة من مختصري كلامه.
# PageV00P311
# وقال الفاضل نور الدين ابن الصباغ في الفصول المهمة: ان الحسن (عليه
~~السلام) ولد ليلة النصف من شهر رمضان سنة ثلاث من الهجرة (1).
# وقال في موضع آخر: انه يوم وفاة الرسول (صلى الله عليه وآله) كان ابن سبع
~~سنين (2).
# وقال: ان الحسين (عليه السلام) ولد لثلاث (3) خلون من شعبان المكرم سنة
~~أربع من الهجرة، وان له وقت وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) ست سنين
~~وشهورا (4).
# وقال ثقة الاسلام محمد بن يعقوب الكليني: ولد الحسن بن علي (عليهما
~~السلام) في شهر رمضان في سنة بدر سنة اثنتين من الهجرة، وروي أنه ولد في
~~سنة ثلاث انتهى (5).
# وقال: ولد الحسين (عليه السلام) في سنة ثلاث (6).
# وبالجملة فالقول ببلوغهما والحال هذه، بل حال موت الرسول (صلى الله عليه
~~وآله) مما ينادي على قائله بجهالته بالتواريخ والأخبار والسير. وأما قوله
~~(ان المباهلة لا تجوز الا مع البالغين) فهي دعوى عارية من الدليل، بل
~~الدليل قائم على خلافها.
# قال شيخنا الطبرسي، رحمه الله ان صغر السن ونقصانها عن حد بلوغ الحلم لا
~~ينافي كمال العقل، وإنما جعل بلوغ الحلم حدا لتعلق الأحكام الشرعية، وقد
~~كان سنهما (عليهما السلام) في تلك الحال سنا لا يمتنع معها أن يكونا كاملي
~~العقول، على أن عندنا يجوز أن يخرق الله العادات للأئمة، ويخصهم بما لا
~~يشركهم فيه غيرهم، فلو صح أن كمال العقل حينئذ غير معتاد في تلك السن، لجاز
~~ذلك فيهم إبانة لهم عمن سواهم،
# PageV00P312
# ودلالة على مكانهم من الله تعالى، واختصاصهم به (1). ومما يؤيده من
~~الأخبار قول النبي (صلى الله عليه وآله): ابناي هذان امامان قاما أو قعدا
~~(2) انتهى.
# وقد تقدم في ذيل الحديث السابع عشر في ms191 بحث اسلام أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) ما ينفعك في تحقيق هذا المقام.
# تكملة:
# قال حجة الاسلام الطبرسي - عطر الله مرقده - في التفسير المذكور في تفسير
~~نساءنا في الآية: اتفقوا أن المراد به فاطمة (عليها السلام)، لأنه لم يحضر
~~المباهلة غيرها من النساء، وهذا يدل على تفضيل الزهراء (عليها السلام) على
~~جميع النساء.
# ويعضده ما جاء في الخبر أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: فاطمة بضعة
~~مني يريبني ما رابها.
# وقال (عليه السلام): ان الله يغضب لغضب فاطمة ويرضى لرضاها. وقد صح عن
~~حذيفة أنه قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أتاني ملك
~~فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة أو نساء أمتي.
# وعن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، قالت: أسر النبي (صلى الله عليه وآله)
~~إلى فاطمة (عليها السلام) شيئا فضحكت، فسألتها، فقالت: قال لي: ألا ترضين
~~أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة، فضحكت لذلك (3) انتهى.
# أقول: ويشهد بذلك أيضا ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده، عن حذيفة بن
# PageV00P313
# اليمان، قال: سألتني أمي متى عهدك بالنبي؟ فقلت لها: منذ كذا وكذا ذكرت
~~مدة طويلة، فنالت مني وسبتني، فقلت لها: دعيني فاني آتي النبي (صلى الله
~~عليه وآله) واصلي معه المغرب لا أدعه حتى يستغفر لي ولك.
# قال: فأتيت النبي (صلى الله عليه وآله) فصليت معه المغرب والعشاء، ثم
~~انفتل (صلى الله عليه وآله) من صلاته فتبعته، فعرض له في طريقه عارض
~~فناجاه، ثم ذهب فتبعته، فسمع مشيي خلفه، فقال: من هذا؟ فقلت: حذيفة، فقال:
~~مالك؟ فحدثته بحديثي الذي بيني وبين أمي، فقال: غفر الله لك ولأمك.
# ثم قال: ما رأيت العارض الذي عرض لي؟ فقلت: بلى يا رسول الله، قال: هو
~~ملك من الملائكة لم يهبط إلى الأرض قط قبل هذا الليلة، استأذن ربه في أن
~~يسلم علي ويبشرني أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، وان فاطمة سيدة
~~نساء العالمين (1).
# وروى فيه أيضا عن عائشة، قالت: أقبلت فاطمة تمشي وكأن مشيها مشية رسول
~~الله ms192 (صلى الله عليه وآله)، فقال: مرحبا بابنتي، ثم أجلسها عن يمينه، وأسر
~~إليها حديثا، فبكت، فقلت، استخصك رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحديثه ثم
~~تبكين، ثم أسر إليها حديثا فضحكت، فقلت: ما رأيت كاليوم فرحا أقرب من حزن،
~~فسألتها عما قيل لها.
# قالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى قبض رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) فسألتها، فقلت: أسر إلي، فقال: ان جبرئيل (عليه
~~السلام) كان يعارضني بالقرآن في كل عام مرة، وانه عارضني به العام مرتين،
~~ولا أراه الا قد حضر أجلي، وانك أول أهل بيتي بي لحوقا ونعم السلف أنا لك،
~~فبكيت لذلك، فقال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء هذه الأمة، أو نساء
~~المؤمنين، فضحكت لذلك (2).
# PageV00P314
# وروى نور الدين المالكي في الفصول المهمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله): أول شخص يدخل علي الجنة فاطمة بنت محمد (1).
# وروى الحافظ عبد العزيز الأخضر الجنابذي في كتابه معالم العترة النبوية،
~~عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: إذا كان يوم القيامة قيل: يا أهل الجمع
~~غضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد، فتمر وعليها ريطتان خضراوان، وفي بعض
~~الروايات:
# حمراوان (2).
# ومن الكتاب المذكور قالت عائشة، ألا يسرك أني سمعت رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) يقول:
# سيدات نساء أهل الجنة أربع: مريم بنت عمران، وآسية بنت مزاحم، وفاطمة بنت
~~محمد، وخديجة بنت خويلد. وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون (3).
# ومن الكتاب المذكور باسناده، عن أنس أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال:
~~حسبك من نساء العالمين مريم ابنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد
~~(4).
# ومنه مرفوعا إلى قتادة، عن أنس أيضا، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): خير نسائها مريم، وخير نسائها فاطمة بنت محمد، وآسية امرأة فرعون
~~(5).
# وقال نور الدين المالكي المكي في الفصول المهمة: وروي باللفظ الصريح عن
~~أصحاب الصحيح يرويه كل من البخاري ومسلم والترمذي عن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) أنه قال: ms193 كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء الا مريم بنت
~~عمران، وآسية بنت مزاحم امرأة فرعون، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد
~~(6).
# PageV00P315
# ومن الفصول أيضا عن مجاهد، قال: خرج النبي (صلى الله عليه وآله) وهو آخذ
~~بيد فاطمة (عليها السلام) فقال: من عرف هذه فقد عرفها، ومن لم يعرفها فهي
~~فاطمة بنت محمد، وهي بضعة مني، وهي قلبي وروحي التي بين جنبي، فمن آذاها
~~فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله (1).
# ومنه أيضا عن الأصبغ بن نباته، عن أبي أيوب الأنصاري، قال: قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): إذا كان يوم القيامة جمع الله الأولين والآخرين في
~~صعيد واحد، ثم ينادي مناد من بطنان العرش، ان الجليل جل جلاله يقول: نكسوا
~~رؤوسكم وغضوا أبصاركم، فان هذه فاطمة بنت محمد تريد أن تمر على الصراط (2).
# ومنه عن أبي سعيد الخدري في حديثه عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه مر
~~في السماء السابعة (3) قال: فرأيت فيها لمريم ولأم موسى ولآسية امرأة فرعون
~~ولخديجة بنت خويلد قصورا من ياقوت، ولفاطمة بنت محمد سبعين قصرا من مرجان
~~أحمر مكللا باللؤلؤة، وأبوابها وأسترتها من عود (4).
# وبالجملة فمناقبها لا تستقصى، وفضائلها ومفاخرها يجل عن العد والاحصاء،
~~لأنها فتيلة سراج الملة المحمدية، ومشكاة الأنوار الإلهية، والبضعة
~~الحقيقية من الحضرة المقدسة النبوية.
# PageV00P316
# الحديث الخامس والعشرون [ورود علي (عليه السلام) وشيعته على الحوض
~~الكوثر] الشيخ الامام الحافظ أبو عبد الله محمد بن يوسف بن محمد الكنجي
~~الشافعي في كتاب كفاية الطالب، عن أبي ذر رضي الله عنه، قال: قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): يرد علي الحوض راية علي أمير المؤمنين وقائد الغر
~~المحجلين، فأقوم فآخذ بيده فيبيض وجهه ووجوه أصحابه، فأقول: ما خلفتموني في
~~الثقلين بعدي؟ فيقولون: تبعنا الأكبر وصدقناه، ووازرنا الأصغر ونصرناه
~~وقاتلنا معه، فأقول: ردوا رواء مرويين، فيشربون شربة لا يظمأون بعدها أبدا،
~~وجه امامهم كالشمس طالعة، ووجوههم كالقمر ليلة البدر، أو كأضواء نجم في
~~السماء (1).
# أقول: هذا الخبر مستفيض مشهور، نقله ms194 الشيخ الجليل بهاء الدين علي بن عيسى
~~الأربلي في كتابه كشف الغمة (2)، وهو نص صريح على الإمامة، وبرهان واضح على
~~الخلافة.
# والقائد هو الرئيس الذي يقود الجيش، كما تقدم في الحديث السادس عشر.
# والغر جمع الأغر من الغرة، وهو بياض يكون في وجه الفرس، ويطلق على
~~الشرفاء والعظماء المشهورين.
# والمحجل في الأصل هو الفرس الذي يرتفع البياض في قوائمه إلى موضع القيد،
~~ويجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين، لأنهما مواضع الأحجال وهي الخلاخيل
~~والقيود، قاله ابن الأثير في النهاية، ثم قال: ولا يكون التحجيل باليد
~~واليدين ما لم
# PageV00P317
# يكن معها رجل ورجلان (1).
# وحينئذ يجوز أن يجعل الغر المحجلون (2) كناية عن القرب والزلفى وجلالة
~~القدر والشأن، لأن الأغر المحجل أكرم أنواع الفرس عند العرب. ويحتمل أن
~~يقال: إنه كناية عن طهارتهم وملازمتهم للوضوء والعبادات.
# قال ابن الأثير في النهاية أيضا: أي بيض مواضع الوضوء من الأيدي والأقدام
~~(3).
# ويحتمل أنهما علامتان لأهل القرب والزلفى يوم القيامة في الوجه والأقدام،
~~والله أعلم.
# الحديث السادس والعشرون [مناقب أصحاب الكساء وفضلهم (عليهم السلام)]
~~الشيخ الحافظ مسعود بن ناصر السجستاني، من فحول عظمائهم وأساطين محدثيهم،
~~باسناده عن ربيعة السعدي، قال: أتيت حذيفة بن اليمان وهو في مسجد رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله)، فقال لي: من الرجل؟ قلت: ربيعة السعدي، فقال لي:
~~مرحبا بأخ لي قد سمعت به ولم أر شخصه قبل اليوم، حاجتك؟ قلت: ما جئتك في
~~طلب غرض من الأغراض الدنيوية، ولكني قدمت من العراق من عند قوم افترقوا خمس
~~فرق، فقال حذيفة: سبحان الله تعالى، وما دعاهم إلى ذلك والأمر واضح بين،
~~وما يقولون؟
# قال: قلت: فرقة تقول أبو بكر أحق بالأمر وأولى بالناس، لأن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله)
# PageV00P318
# سماه الصديق، وكان معه في الغار. وفرقة تقول عمر بن الخطاب، لأن رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) قال: اللهم أعز الدين بأبي جهل أو بعمر بن
~~الخطاب، فقال حذيفة: الله تعالى أعز الدين بمحمد (صلى الله عليه وآله) ولم
~~يعزه بغيره.
# وقالت ms195 فرقة أبو ذر الغفاري رضي الله عنه، لأن النبي (صلى الله عليه وآله)
~~قال: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر، فقال
~~حذيفة: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أصدق منه وأخير، وقد أظلته
~~الخضراء وأقلته الغبراء. وفرقة تقول سلمان الفارسي، لأن رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) يقول: أدرك العلم الأول والعلم الاخر، وهو بحر لا ينزف،
~~وهو منا أهل البيت، ثم اني سكت.
# فقال حذيفة: ما منعك من ذكر الفرقة الخامسة؟ قال: قلت: لأني منهم وإنما
~~جئت مرتادا لهم وقد عاهدوا الله أن لا يخالفونك وأن ينزلوا عند أمرك.
# فقال: يا ربيعة اسمع مني وعه واحفظه وقه، وبلغ الناس عني، اني رأيت رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) قد أخذ الحسين بن علي (عليهما السلام) ووضعه على
~~منكبه، وجعل يقي بعقبه، وهو يقول: أيها الناس انه من استكمال حجتي على
~~الأشقياء من بعدي التاركين ولاية علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ألا وان
~~التاركين ولاية علي بن أبي طالب هم المارقون من ديني، أيها الناس هذا
~~الحسين بن علي خير الناس جدا وجدة، جده رسول الله (صلى الله عليه وآله) سيد
~~ولد آدم، وجدته خديجة سابقة نساء العالمين إلى الايمان بالله ورسوله، وهو
~~الحسين خير الناس أبا واما، أبوه علي بن أبي طالب وصي رسول رب العالمين،
~~ووزيره وابن عمه، وأمه فاطمة بنت محمد رسول الله.
# وهذا الحسين خير الناس عما وعمة، عمه جعفر بن أبي طالب المزين بالجناحين
~~يطير بهما في الجنة حيث يشاء، وعمته أم هاني بنت أبي طالب، وهذا الحسين خير
~~الناس خالا وخالة، خاله القاسم بن رسول الله، وخالته زينب بنت محمد رسول
~~الله صلوات الله عليهم أجمعين.
# ثم وضعه عن منكبه ودرج بين يديه، ثم قال: أيها الناس هذا الحسين جده في
~~PageV00P319
# الجنة، وجدته في الجنة، وأبوه في الجنة، وأمه في الجنة، وعمه في الجنة،
~~وعمته في الجنة، وخاله في الجنة، وخالته في الجنة، وهو في ms196 الجنة، وأخوه في
~~الجنة.
# ثم قال: أيها الناس انه لم يعط أحد من ذرية الأنبياء الماضين ما أعطي
~~الحسين (عليه السلام)، ولا يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم (عليهم
~~السلام).
# ثم قال: أيها الناس لجد الحسين خير من جد يوسف، فلا تخالجنكم الأمور، فان
~~الفضل والشرف والمنزلة والولاية ليست الا لرسول الله وذريته وأهل بيته، فلا
~~يذهبن بكم الأباطيل.
# قال الشيخ الحافظ مسعود بن ناصر السجستاني: هذا الحديث حسن (1).
# أقول: هذا الخبر كما ترى نص في إمامته (عليه السلام)، وكونه أحق بالأمر
~~من غيره من الصحابة، وفي جلالة قدر أهل البيت (عليهم السلام)، لا سيما أبا
~~عبد الله الحسين (عليه السلام)، وهو خبر مشهور أورده السيد الجليل ذو
~~الكرامات والمقامات رضي الدين ابن طاووس 1 في الجزء الأول من الطرائف، وفيه
~~مقامات:
# المقام الأول في بيان ما لعله يحتاج إلى البيان (ما أظلت الخضراء) أي:
~~ألقت عليه ظلها، والخضراء: السماء. ويمكن ضبطه بالطاء المهملة، أي: أشرقت
~~عليه.
# (ولا أقلت الغبراء) أي: حملت الأرض.
# (على ذي لهجة) اللهجة: اللسان، ولهج بالشئ إذا ولع به، قاله ابن الأثير
~~في
# PageV00P320
# النهاية (1).
# (وعه) أمر وعى يعي، أي: حفظ وفهم، والهاء للسكت، أو ضمير راجع إلى متقدم
~~حكما، أي: ما أقول لك، والأول أولى.
# (هم المارقون من ديني) أي: الخارجون من الملة. قال ابن الأثير في
~~النهاية: في حديث الخوارج (يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية) أي
~~يجوزونه ويخرقونه، كما يخرق السهم الشئ المرمي به ويخرج منه (2) انتهى.
# (ودرج بين يديه) درج الصبي دروجا ودرجانا: مشى.
# (فلا تخالجنكم) أي: لا تقطعنكم ولا تخامرنكم الشبه.
# المقام الثاني في دفع شبهة الفرقة الأولى أما قولهم إن رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) سماه الصديق الأكبر، فهو كذب محض اختلقوه، وبهتان بحت
~~افتروه، وكيف يسمى بالصديق من لم يؤمن بالله طرفة عين، كما رواه أصحابنا عن
~~أئمتنا (عليهم السلام)، أنه وصاحبه عمر لم يؤمنا قط، وإنما أظهرا الاسلام
~~طمعا.
# روى رئيس المحدثين أبو جعفر محمد بن ms197 بابويه في كمال الدين وتمام النعمة،
~~والشيخ الجليل أحمد بن أبي طالب الطبرسي في كتاب الاحتجاج، عن سعد بن عبد
~~الله القمي، أن بعض النواصب سأله عن اسلامهما كان عن طوع ورغبة، أو كان عن
~~اكراه واجبار؟
# قال سعد: فاحترزت عن جوابه وقلت في نفسي: ان كنت أجبته بأنه كان عن
# PageV00P321
# طوع، فيقول: لا يكون على هذا الوجه ايمانهما عن نفاق. وان قلت: عن اكراه
~~واجبار، لم يكن في ذلك الوقت للاسلام قوة حتى يكون اسلامهما باكراه واجبار
~~وقهر [فرجعت عن هذا الخصم على حال ينقطع كبدي] (1) فأخذت طومارا وكتبت بضعا
~~وأربعين مسألة من المسائل الغامضة التي لم يكن عندي جوابها، وقلت: أدفعها
~~إلى صاحب مولاي أبي محمد الحسن (عليه السلام) الذي كان في قم أحمد بن
~~إسحاق.
# فلما طلبته كان هو قد ذهب، فمشيت على اثره، فأدركته وقلت الحال معه، فقال
~~لي: جئ معي إلى سر من رأى حتى نسأل عن هذه المسائل مولانا الحسن بن علي
~~(عليهما السلام). وساق الحديث إلى أن قال، ذكر أنه (عليه السلام) أمره
~~بسؤال مولانا المهدي (عليه السلام) عن تلك المسائل، وهو في ذلك الوقت طفل،
~~فسأله عنها.
# إلى أن قال (عليه السلام): وأما ما قال لك الخصم بأنهما أسلما طوعا أو
~~كرها، لم لم تقل بل أنهما أسلما طمعا، وذلك أنهما يخالطان اليهود ويخبران
~~بخروج محمد (صلى الله عليه وآله) واستيلائه على العرب من التوراة والكتب
~~المتقدمة (2)، وملاحم قصة محمد (صلى الله عليه وآله)، ويقولون لهما: يكون
~~استيلاؤه على العرب كاستيلاء بخت نصر على بني إسرائيل، الا أنه يدعي
~~النبوة، ولا يكون من النبوة في شئ.
# فلما ظهر أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فساعدا معه على شهادة أن
~~لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله طمعا أن يجدا من جهة ولاية رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) ولاية بلد إذا انتظم أمره، وحسن حاله، واستقامت
~~ولايته.
# فلما أيسا من ذلك وافقا على أمثالهما ليلة العقبة، وتلثما مثل من تلثم ms198
~~منهم، فنفروا بدابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتسقطه ويصير هالكا
~~بسقوطه بعد أن صعد العقبة في من
# PageV00P322
# صعد، فحفظ الله تعالى نبيه من كيدهم، ولم يقدروا أن يفعلوا شيئا، وكان
~~حالهما كحال طلحة والزبير إذ جاءا عليا (عليه السلام) وبايعاه طمعا أن تكون
~~لكل واحد منهما ولاية، فلما لم يكن ذلك وأيسا من الولاية نكثا بيعته وخرجا
~~عليه حتى آل أمر كل واحد منهما إلى ما يؤول أمر من ينكث العهود والمواثيق
~~(١).
# وقد ذكر جمع منهم أن هذه التسمية ليست من جهة الرسول (صلى الله عليه
~~وآله)، وهو المفهوم من كلام العلامة التفتازاني في شرح عقائد النسفي، وهو
~~المصرح به في الطرائف (٢) وغيره.
# قال صاحب الطرائف في الجزء الثاني ونعم ما قال: ومن طريف أمورهم أنهم
~~رووا في صحاحهم أن نبيهم (صلى الله عليه وآله) قال: ما أظلت الخضراء ولا
~~أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. ولم يرووا مثل ذلك لأحد من
~~الصحابة، ومع ذلك لم يسموه صديقا، وسمعت في كتابهم وصف جماعتهم بالتصديق،
~~فقال: ﴿والذين آمنوا بالله
~~ورسوله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين كفروا
~~وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم﴾ (3) ولم يسموا كل واحد من أولئك
~~صديقا.
# ورووا فيما تقدم من هذا الكتاب من مسند أحمد بن حنبل، وكتاب ابن شيرويه،
~~وكتاب ابن المغازلي، عن نبيهم (صلى الله عليه وآله) أنه قال: الصديقون
~~ثلاثة: حبيب النجار، وهو مؤمن آل يس. ومؤمن آل فرعون، وهو خربيل، وعلي بن
~~أبي طالب (عليه السلام)، وان علي بن أبي طالب (عليه السلام) أفضلهم (4).
# وما نراهم أطلقوا على هؤلاء الثلاثة أو على أحدهم لفظ الصديق، والعجب أن
# PageV00P323
# يكون علي بن أبي طالب (عليه السلام) أفضل الصديقين ولا يسمونه صديقا،
~~ويكون أول من صدق نبيهم (صلى الله عليه وآله) وآمن به، كما تقدم في
~~رواياتهم، وأنه كان يقول على رؤوس المنابر وبمجمع الأشاهد، كما رووا: أنا
~~الصديق الأكبر، ولم يسموه مع ms199 ذلك الصديق، وخصصوا هذه اللفظة بأبي بكر دون
~~غيره من سائر الصديقين، ان هذا مما تنفر عقول المستبصرين (1) انتهى كلامه.
~~وهو في موضعه.
# وما ذكره التفتازاني في شرح العقائد في وجه تسميته بالاسم المذكور، من
~~أنه صدق النبي (صلى الله عليه وآله) في النبوة من غير تعليم، وفي المعراج
~~بلا تردد.
# مع تسليمه لا يقتضي تخصيصه بالاسم المذكور، لأن أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) وخديجة قد سبقاه بالاسم والتصديق المذكور. وقد أسلفنا في ذيل
~~الحديث السابع عشر أن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) أول من أسلم،
~~وأوردنا جملة متفرقة من الأخبار من طرق الناصبة.
# وقال الناصب الفضولي الخنجي في نقضه لكتاب كشف الحق ونهج الصدق: ان
~~الباقر (عليه السلام) سمى أبا بكر صديقا.
# كما سماه الفاضل الجليل علي بن عيسى الأربلي في كتاب كشف الغمة أنه (عليه
~~السلام) سئل عن حلية السيف، فقال: لا بأس به، وقد حلى أبو بكر الصديق سيفه،
~~قال السائل: قلت: أنت تقول الصديق؟! قال: فوثب وثبة واستقبل الكعبة، وقال:
~~نعم الصديق نعم الصديق، فمن لم يقل الصديق فلا صدق الله تعالى قولا في
~~الدنيا ولا في الآخرة (2).
# وزعم أنه من طرق أصحابنا، وكأنه لم يتأمل في الكتاب المذكور بعض التأمل،
~~فان الخبر في الكتاب المذكور منقول من طرق المخالفين من كتاب صفوة الصفوة
~~لابن
# PageV00P324
# الجوزي الحنبلي، لا من طرقنا كما زعمه.
# وقد نقله نور الدين المالكي في الفصول المهمة، عن كتاب ابن الجوزي، فقال:
# ومن كتاب صفوة الصفوة لابن الجوزي، عن عروة بن عبد الله، قال: سألت أبا
~~جعفر محمد بن علي عن حلية السيف (1).
# فنسبة الحديث المذكور إلى أصحابنا فرية ما فيه مرية، وهكذا دأبه وضع
~~المفتريات واختلاق الأباطيل. ولو صح أنه (عليه السلام) قال ذلك، لكان على
~~وجه التقية، والتقية رحمة للشيعة.
# وقد قال الصادق (عليه السلام): التقية ديني ودين آبائي (2).
# وقال (عليه السلام): لا دين لمن لا تقية له (3).
# وروي عن نصر الخثعمي أنه قال: من عرف من أمرنا أنا لا نقول الا ms200 حقا
~~فليكتف بما يعلم منا، فان سمع منا خلاف ما يعلم فليعلم أن ذلك دفاع منا عنه
~~(4) والأخبار الواردة على سبيل التقية أكثر من أن تحصى.
# هذا ويحتمل أن يكون مراده (عليه السلام) بالصديق عليا (عليه السلام)،
~~لأنه الصديق حقيقة، كما تقدم بيانه، واستفاضت به الأخبار من طرقهم، ولما
~~توهم الراوي أنه أراد أبا بكر لشيوع اطلاق الصديق عليه زاد لفظ أبي بكر،
~~فهو من الحكاية لا المحكي، ومثل هذا يقع كثيرا في الحكايات والمحاورات.
# ثم إنه بناء على التوهم المذكور استبعد ذلك الاطلاق منه (عليه السلام)،
~~لمنافرة شعارهم (عليهم السلام)، وما هو معلوم ضرورة من مذهبهم، فقال: تقول
~~الصديق، فأجابه (عليه السلام) بقوله (نعم) إلى آخر كلامه، مريدا به عليا
~~(عليه السلام)، وهو تورية حسنة
# PageV00P325
# لطيفة، وسلوك هذا السبيل من التورية في كلامهم (عليهم السلام) أكثر من أن
~~يحصى.
# هذا مع أنه لا ضرورة لنا إلى تأويله، لأنه من روايات ابن الجوزي الحنبلي،
~~وهو بل أكثر أهل الخلاف لا يتحاشون عن الكذب واختلاق الأخبار. ومنهم من
~~يعتقد جوازه للترغيب والترهيب، وهم الكرامية وبعض المتصوفة ومن يحذو حذوهم.
# وحكى القرطبي في المغنم، عن بعض أهل الرأي أن ما وافق القياس الجلي، جاز
~~أن يعزى إلى النبي (صلى الله عليه وآله).
# وقد نقل القاضي الشريف الشوشتري في مجالس المؤمنين في ترجمة عبيد الله بن
~~محمد الإسماعيلي، من تواطئ أهل الهراة على الكذب ما يقضي منه العجب.
# أما الشبهة الثانية، فتقريرها: أن أبا بكر صاحب النبي (صلى الله عليه
~~وآله) في الغار، ولم يصحبه أحد سواه، فيكون أفضل الصحابة، وأولى بالخلافة
~~من غيره، وقد تقرر الشبهة بأن الله تعالى سماه صاحبا، فقال: ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن﴾ (1)
~~فيكون أفضل الأمة.
# والجواب عن التقرير الأول: أنهم رووا أن الرسول (صلى الله عليه وآله) لم
~~يستصحبه ولا أعلمه بخروجه، ولا أذن له في متابعته.
# روى محمد بن جرير الطبري - وهو من أعيان علمائهم وفحول محدثيهم، أثنى
~~عليه النووي في ms201 كتابه تهذيب الأسماء واللغات، وبالغ في اطرائه، وذكر في
~~مدحه والثناء عليه، وذكر أحواله نحوا من ورقين - في تأريخه في الجزء
~~الثالث: أن أبا بكر أتى عليا (عليه السلام) فسأله عن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله)، فأخبره أنه لحق بالغار من ثور، وقال:
# إن كان لك فيه حاجة فألحقه، فخرج أبو بكر مسرعا فلحق بنبي الله (صلى الله
~~عليه وآله) في الطريق، فسمع جرس أبي بكر في ظلمة الليل، فظنه من المشركين،
~~فأسرع
# PageV00P326
# رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فانقطع قبال نعله (1)، ففلق ابهامه حجر
~~فكثر دمها وأسرع السعي، فخاف أبو بكر أن يشق على رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله)، فرفع صوته وتكلم، فعرفه رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين أتاه
~~فلحقه، فانطلقا ورجل رسول الله 9 تسيل دما حتى انتهى إلى الغار مع الصبح
~~فدخلاه (2).
# وهذا كما ترى يشهد بأنه ما كان عنده علم من توجه النبي (صلى الله عليه
~~وآله) من مكة إلى المدينة، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) ستر ذلك عنه،
~~كما ستره عن أعدائه من المشركين، وأنه ما عرف توجه النبي (صلى الله عليه
~~وآله) الا من علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ولم يمكنه المقام بعد النبي
~~(صلى الله عليه وآله) خوفا من الكفار.
# وروى أحمد بن حنبل في مسنده عن ابن عباس حديثا طويلا يتضمن عشر خصال
~~جليلة، دل بها النبي (صلى الله عليه وآله) على منزلة علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام) يقول في جملته:
# فشرى علي نفسه، لبس ثوب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فجاء أبو بكر
~~وعلي (عليه السلام) نائم، قال أبو بكر: فحسبت أنه نبي الله، فقلت: يا نبي
~~الله، فقال له علي (عليه السلام): ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) انطلق
~~نحو بئر ميمون فأدركه، قال: فانطلق أبو بكر فدخل معه الغار (3).
# وهو كالخبر الأول في الدلالة على أن النبي (صلى الله عليه وآله) ما عرف
~~أبو بكر أمره، ولا أطلعه على سره، ms202 ولا صحبه إلى الغار، ولا تبعه معه إلى
~~الغار باذنه، ولا دخوله معه فيه بقوله.
# قال صاحب الطرائف: ما أحسن هذه الرواية عند الشيعة. وأما قولهم فيها أن
~~عليا (عليه السلام) أشار على أبي بكر بادراكه، فلا تصدق الشيعة بذلك،
~~ويروون خلاف
# PageV00P327
# هذا (1) انتهى.
# ولو سلمنا أنه (صلى الله عليه وآله) استصحبه وأمره بالخروج معه كما يقول
~~الخصم، لم يدل على جلالة قدره، أو محبة النبي (صلى الله عليه وآله) له، بل
~~ربما دل على ضد ذلك، فقد روى مخالفونا أيضا أنه (صلى الله عليه وآله) إنما
~~استصحبه إلى الغار خوفا منه أن يدل عليه الكفار.
# وروى ذلك أبو القاسم ابن الصباغ في كتاب النور والبرهان، فإنه روى فيه
~~مرفوعا، عن أحمد (2) بن إسحاق، قال: قال حسان: قدمت مكة معتمرا وناس من
~~قريش يقذفون أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فنام علي على فراشه
~~وخشي من ابن أبي قحافة أن يدلهم عليه، فأخذه معه ومضى إلى الغار. كذا حكاه
~~صاحب الطرائف عطر الله مرقده (3). وهذا هو الوجه اللائق باستصحاب هذا
~~المنافق.
# والعجب من النواصب كيف يستحسنون رواية مثل هذا وايداعه كتبهم ومصنفاتهم،
~~ثم يدعون أنه أفضل الأمة، وأنه الخليفة بالحق بعد الرسول (صلى الله عليه
~~وآله)، ما هذا الا من تعصب جاهلي، وتحكم شيطاني استولى على قلوبهم
~~المنكوسة، وران على بصائرهم المطموسة.
# قال في الطرائف: وقال صاحب هذا الكتاب في باب الهجرة إلى المدينة، رفعه
~~إلى سعيد بن المسيب، عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال سعيد: فقلت لعلي
~~بن الحسين (عليهما السلام): قد كان أبو بكر مع الرسول (صلى الله عليه وآله)
~~حين انتقل إلى المدينة، فأين فارقه؟
# فقال: ان أبا بكر لما قدم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى قبا، فنزل
~~بها ينتظر قدوم علي (عليه السلام)، قال له أبو بكر: انهض بنا إلى المدينة،
~~فان القوم قد فرحوا بقدومك، وهم يستبشرون اقبالك إليهم، فانطلق بنا ولا تقم
~~هاهنا تنتظر عليا، فما أظنه أن تنتظره شهرا ms203 ولا دهرا.
# PageV00P328
# فقال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): كلا بفيك الحجر ما أسرعه يقدم،
~~ولا أزيل قدما حتى يقدم علي ابن عمي وأخي في الله، وأحب أهل بيتي إلي، فقد
~~وقاني بنفسه من المشركين، وخفت غيره أن يدلهم علي.
# فغضب عند ذلك أبو بكر واشمأز وجهه ودخله من ذلك حسد لعلي (عليه السلام)،
~~وكان أول عداوة بدت منه لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، وأسرها في نفسه
~~حقدا، فانطلق حتى دخل المدينة وحده، وتخلف رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~ينتظر قدوم علي بن أبي طالب (عليه السلام).
# ثم قال صاحب الطرائف قدس الله روحه: قال عبد المحمود: وفي هذا الحديث ما
~~يكشف لك عن السرائر، وينبهك عن الحق الباهر، ان كنت من أهل البصائر وتخاف
~~من اليوم الآخر (1).
# وهو كما قال عطر الله مرقده، وبعد اللتيا والتي فليس مجرد الاستصحاب في
~~السفر دليلا على الفضيلة بوجه، فان الرجل يستصحب في سفره العبد والخادم،
~~وان كانا فاسقين ممقوتين عنده.
# ولو سلم لم يدل على الأفضلية وهو المدعى، ولو سلم لم يدل على الإمامة،
~~لأنهم لم يشترطوا في الامام كونه أفضل أهل زمانه، ومنهم من لم يشترط
~~عدالته.
# قال العلامة التفتازاني في شرح العقائد: لا يشترط أن يكون الامام أفضل
~~أهل زمانه، لأن المساوي في الفضيلة بل المفضول الأقل علما وعملا ربما كان
~~أعرف بمصالح الأمة ومفاسدها، وأقدر على القيام بواجبها، وخصوصا إذا كان نصب
~~المفضول أدفع للشر وأبعد عن إثارة الفتنة، ولهذا جعل عمر الإمامة شورى بين
~~ستة، مع القطع بأن بعضهم أفضل من البعض.
# ثم قال: ولا ينعزل الامام بالفسق والجور وظلم عباد الله، لأنه قد ظهر
~~الفسق وانتشر الجور من الأئمة والامراء بعد الخلفاء الراشدين، وكانوا
~~ينقادون لهم،
# PageV00P329
# ويقيمون الجمع والأعياد باذنهم، ولا يرون الخروج عليهم، ولأن العصمة ليست
~~شرط للإمامة ابتداء، فبقاء أولى. انتهى كلامه.
# وأما التقرير الثاني، فهو أوهن من بيت العنكبوت، لأن مطلق الصحبة لا
~~فضيلة فيها، لأن القرآن الكريم قد تضمن جعل ms204 الكافر صاحب المؤمن أو النبي في
~~مواضع:
# منها قوله تعالى ﴿قال له صاحبه
~~وهو يحاوره﴾ (1) الآية. ومنها قوله تعالى (قل إنما أعظكم بواحدة أن
~~تقوموا لله مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة) (2).
# وقد روى الطبرسي رحمه الله في الاحتجاج باسناده عن الأعمش في مناظرة أبي
~~جعفر محمد بن النعمان مؤمن الطاق مع ابن أبي حذرة، أن ابن أبي حذرة استدل
~~على أفضلية أبي بكر بآية الغار، فقال له أبو جعفر رضي الله عنه في جوابه:
~~أخبرني هل أنزل الله سكينته على رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلى
~~المؤمنين في غير الغار؟ قال ابن أبي حذرة:
# نعم، قال أبو جعفر: قد أخرج صاحبك في الغار من السكينة وخصه بالحزن،
~~ومكان علي (عليه السلام) في هذه الليلة أفضل من مكان صاحبك في الغار، فقال
~~الناس:
# صدقت (3).
# احتجاج الشيخ المفيد على عمر بن الخطاب وهاهنا حكاية طريفة، ورؤيا عجيبة
~~رآها شيخنا المتقدم أبو عبد الله المفيد عطر الله مرقده، يتضمن مناظرته
~~لعمر بن الخطاب في الاستدلال بالآية الكريمة، أحببت ايرادها هنا لما اشتملت
~~عليه من الفوائد الكثيرة والمباحث الجليلة.
# PageV00P330
# قال الشيخ الجليل أحمد بن أبي طالب الطبرسي - عطر الله مرقده - في
~~الاحتجاج: حدث الشيخ أبو علي الحسن بن محمد الرقي بالرملة في شوال سنة ثلاث
~~وعشرين وأربعمائة، عن الشيخ المفيد أبي عبد الله محمد بن محمد بن النعمان
~~رحمه الله أنه قال: رأيت في المنام سنة من السنين، كأني قد اجتزت في بعض
~~الطرق، فرأيت حلقة دائرة وفيها أناس كثيرة، فقلت: ما هذا؟ قالوا: هذه حلقة
~~فيها رجل يقص، فقلت: ومن هو؟ قالوا: عمر بن الخطاب.
# ففرقت الناس ودخلت الحلقة، فإذا أنا برجل يتكلم على الناس بشئ لم أحصله،
~~فقطعت عليه الكلام، وقلت: أيها الشيخ أخبرني ما وجه الدلالة على فضل صاحبك
~~أبي بكر عتيق ابن أبي قحافة من قول الله تعالى (ثاني اثنين إذ هما في
~~الغار)؟.
# فقال: وجه الدلالة على فضل أبي ms205 بكر من هذه الآية في ستة مواضع:
# الأول: أن الله تعالى ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وذكر أبا بكر،
~~فجعله ثانيه، فقال: (ثاني اثنين إذ هما في الغار).
# والثاني: أنه وضعهما بالاجتماع في مكان واحد لتأليفه بينهما، فقال: (إذ
~~هما في الغار).
# والثالث: أنه أضاف إليه بذكر الصحبة ليجمعه بينهما بما يقتضي الرتبة،
~~فقال:
# (إذ يقول لصاحبه).
# والرابع: أنه أخبر عن شفقة النبي (صلى الله عليه وآله) ورفقه به لموضعه
~~عنده، فقال: (لا تحزن).
# والخامس: أنه أخبر أن الله تعالى معهما على حد سواء ناصرا لهما ودافعا
~~عنهما، فقال: (ان الله معنا).
# والسادس: أنه أخبر عن نزول السكينة على أبي بكر، لأن رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) لم تفارقه السكينة قط، فقال: (فأنزل الله سكينته عليه) فهذه ستة
~~مواضع تدل على PageV00P331
# فضل أبي بكر من آية الغار، لا يمكنك ولا لغيرك الطعن فيها.
# فقلت له: حبرت بكلامك في الاحتجاج لصاحبك عنه، واني بعون الله سأجعل جميع
~~ما أتيت به كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف.
# أما قولك ان الله تعالى ذكر النبي (صلى الله عليه وآله) وجعل أبا بكر
~~ثانيه، فهو اخبار عن العدد، ولعمري لقد كانا اثنين، فما في ذلك من الفضل،
~~فنحن نعلم ضرورة أن مؤمنا ومؤمنا، أو مؤمنا وكافرا اثنان، فما أرى لك في
~~ذكر العدد طائلا تعتمده.
# وأما قولك انه وصفهما بالاجتماع في المكان الواحد لتأليفه بينهما، فإنه
~~كالأول، لأن المكان يجمع المؤمن والكافر، كما يجمع العدد المؤمنين
~~والكافرين. وأيضا فان مسجد النبي (صلى الله عليه وآله) أشرف من الغار، وقد
~~جمع المؤمنين والمنافقين والكفار، وفي ذلك قوله عز وجل ﴿فما للذين كفروا قبلك مهطعين عن اليمين وعن الشمال
~~عزين﴾ (١) وأيضا فان سفينة نوح (عليه السلام) قد جمعت النبي والشيطان
~~والبهيمة والكلب، فالمكان لا يدل على ما أوجبت من الفضيلة، فبطل فضلان.
# وأما قولك انه أضاف إليه بذكر الصحبة، فإنه أضعف من الفضلين الأولين، لأن
~~اسم الصحبة يجمع ms206 بين المؤمن والكافر، والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي
~~خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا﴾ (2) وأيضا اسم الصحبة تطلق بين
~~العاقل والبهيمة، والدليل على ذلك من كلام العرب الذي نزل القرآن بلسانهم،
~~فقال الله عز وجل (وما أرسلناك من رسول الا بلسان قومه) (3) انهم قد سموا
~~الحمار صاحبا، فقالوا:
# ان الحمار مع الحمار مطية * فإذا خلوت به فبئس الصاحب وأيضا فقد سموا
~~الجماد مع الحي صاحبا، فقالوا ذلك في السيف شعرا:
# PageV00P332
# زرت هندا وذاك غير اختيان * ومعي صاحب كتوم اللسان يعني: السيف. فإذا كان
~~اسم الصحبة يقع بين المؤمن والكافر، وبين العاقل والبهيمة، وبين الحيوان
~~والجماد، فأي حجة لصاحبك فيه؟.
# وأما قولك أنه قال: (لا تحزن) فإنه وبال عليه ومنقصة له، ودليل على خطئه،
~~لأن قوله (لا تحزن) نهي، وصورة النهي قول القائل (لا تفعل) لا يخلو: أن
~~يكون الحزن وقع من أبي بكر طاعة، أو معصية. فإن كان طاعة، فان النبي (صلى
~~الله عليه وآله) لا ينهى عن الطاعات، بل يأمر بها ويدعو إليها. وإن كان
~~معصية، فقد نهاه النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد شهدت الآية بعصيانه بدليل
~~أنه نهاه.
# وأما قولك أنه قال (ان الله معنا) فان النبي (صلى الله عليه وآله) قد
~~أخبر أن الله معه، وعبر عن نفسه بلفظ الجمع، كقوله (انا نحن نزلنا الذكر
~~وانا له لحافظون) (١) وقد قيل في هذا أيضا: ان أبا بكر قال: يا رسول الله
~~حزني على أخيك علي بن أبي طالب ما كان منه، فقال له النبي (صلى الله عليه
~~وآله): لا تحزن ان الله معنا، أي: معي ومع أخي علي بن أبي طالب.
# وأما قولك ان السكينة نزلت على أبي بكر، فإنه ترك للظاهر، لأن الذي نزلت
~~عليه السكينة هو الذي أيده الله بالجنود، وكذا يشهد ظاهر القرآن في قوله
~~(فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) فإن كان أبو بكر هو صاحب ms207
~~السكينة، فهو صاحب الجنود، وفي هذا اخراج للنبي (صلى الله عليه وآله) من
~~النبوة.
# على أن هذا الموضع لو كتمته عن صاحبك كان خيرا له، لأن الله تعالى أنزل
~~السكينة على النبي (صلى الله عليه وآله) في موضعين كان معه قوم مؤمنون
~~فشركهم فيها، فقال في أحد الموضعين ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وألزمهم
~~كلمة التقوى﴾ (2) وقال في الموضع الاخر (ثم أنزل الله سكينته على رسوله
~~وعلى
# PageV00P333
# المؤمنين وأنزل جنودا لم تروها) (1) ولما كان في هذا الموضع خصه وحده
~~بالسكينة، قال: (فأنزل الله سكينته عليه) فلو كان معه مؤمن لشركه معه في
~~السكينة، كما شرك من ذكرنا قبل هذا من المؤمنين، فدل اخراجه من السكينة على
~~اخراجه من الايمان، فلم يحر جوابا وتفرق الناس، واستيقظت من نومي (2).
# المقام الثالث في ابطال ما تعلقت به الفرقة الثانية أول ما يرد عليهم أن
~~هذا الحديث موضوع مختلق، كما يفهم من قول حذيفة رضي الله عنه: ان الله
~~تعالى أعز الدين بمحمد (صلى الله عليه وآله) ولم يعزه بغيره.
# ومما يشهد بوضعه أن عمر بن الخطاب في الجاهلية خامل الذكر لا يؤبه به ولا
~~يلتفت إليه، ولم يكن له نجدة ولا نباهة، وقد ذكر المخالفون أنه كان في
~~الجاهلية نخاس للحمير، وانه كان في غاية الدناءة، وانه بغير رشده، وان أباه
~~الخطاب كان حطابا، وانه قطع في السرقة في سوق عكاظ، وكان عمر يسمى في
~~الجاهلية عميرا، تهكما وسخرية، وقد نقلنا ذلك في رسالتنا المعمولة في فساد
~~نسبه الموسومة بالذخيرة يوم المحشر، فمن كان هذا شأنه وحاله كيف يعز
~~الاسلام به، ما هذا الا اختلاق من أهل النفاق، وافتراء من ذوي الشقاق.
# وذكر الفاضل الجليل الحسن بن علي الطبرسي في تحفة الأبرار (3): أن اقتران
~~عمر بأبي جهل في هذا الخبر يشهد بضد ما ادعاه الخصم، وينادي باشتراكهما في
~~الضلال، وهو كما قال: ولو دل هذا الخبر على فضيلة عمر لدل على فضيلة أبي
~~جهل،
# PageV00P334
# لانتظامهما في ms208 سلك.
# والذي يظهر لي أن الخبر المذكور على تقدير صحته ودونها خرط القتاد، لا
~~يدل على جلالة عمر ولا فضيلته، بل الوجه في دعائه (صلى الله عليه وآله) أن
~~هذين الملعونين لما اشتركا في البذاءة وخبث اللسان، وإهانة أهل الاسلام
~~والسفاهة عليهم، وتساويا في قبح الأخلاق وايذاء الرسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) وأصحابه والاستهزاء بهم، كما يعلم من مطالعة السير، أحب رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) أن يدخل واحد منهما في ظاهر الاسلام، ليكون في مقابلة
~~الاخر، فقد دل من لا سبقة (1) له، ويسلم المسلمون من تعاونهما واستظهارهما
~~بالوقاحة والسفاهة، ويسلم من شره وفتنته، مع أنهم قد رووا أن الله سبحانه
~~أعز السلام بعلي (عليه السلام) دون غيره من الصحابة.
# نقل الطبرسي - عطر الله مرقده - في تحفة الأبرار عن الصالحاني من
~~عظمائهم، أنه روى في كتاب المجتبى، أن النبي (صلى الله عليه وآله) تعلق
~~بأستار مكة يوم الفتح، وقال: اللهم أرسل إلى مشركي قريش من بني أمية عمي من
~~يعضدني، فنزل جبرئيل (عليه السلام) بالغضب، فقال: يا محمد ألم يعضدك ربك
~~بسيف من سيوفه على أعدائك علي بن أبي طالب، فلا يزال دينك قائما به ما بلغ
~~حتى يثلمه رجل من بني أمية، أقسم ربك قسما ليرهقه صعودا ويسفيه صديدا.
# وعن الكسائي في قصص الأنبياء: مكتوب على ساق العرش: لا إله إلا الله،
~~محمد رسول الله أيدته، ونصرته بعلي (2).
# وفي كتاب المناقب لأبي بكر بن مردويه، ومجتبى الصالحاني، ومنتهى المآرب
~~للقطان الاصفهاني، والتفسير المستخرج من التفاسير الاثني عشر للشيخ الحافظ
# PageV00P335
# محمد بن مؤمن الشيرازي: ان هذه الآية ﴿فان حسبك الله هو الذي أيدك بنصره والمؤمنين﴾ (1)
~~نزلت في علي (عليه السلام)، وانه هو المراد بالمؤمنين (2).
# المقام الرابع في دفع شبهة الفرقة الثالثة أول ما يرد عليهم أن المعلوم
~~من حال أبي ذر رضي الله عنه ائتمامه بمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)،
~~واقتداؤه به وانتظامه في سلك أتباعه.
# وقد روى المخالفون عنه أخبارا كثيرة صريحة ms209 في ذلك، وانه (عليه السلام) هو
~~وصي رسول الله (صلى الله عليه وآله) والخليفة من بعده:
# منها: الحديث السادس عشر الذي رواه الثعلبي في تفسيره، والحديثان
~~المذكوران في ذيل الحديث الثاني والعشرين المنقولان عن مناقب أبي بكر بن
~~مردويه، حيث قال فيهما: انه (عليه السلام) أمير المؤمنين حقا حقا، وانه أحب
~~الناس إلى النبي (صلى الله عليه وآله)، وانه الشيخ المظلوم المضطهد حقه،
~~وانه الربيع الذي يسكن إليه.
# ومنها: الحديث الخامس والعشرون المتقدم.
# ومنها: ما رواه ابن المغازلي الشافعي باسناده عنه رضي الله عنه، قال: قال
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله): من ناصب عليا الخلافة بعدي، فهو كافر وقد
~~حارب الله ورسوله، ومن شك في علي فهو كافر (3).
# وروى الشيخ الأجل أبو الفتوح الرازي في تفسيره: قوله تعالى (ان الله
~~اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض
~~والله سميع
# PageV00P336
# عليم) (1) عن معروف بن خربوذ، عن ابن عباس، قال: كنت في سنة من السنين في
~~موسم الحج، فرأيت رجلا على هيئة الأعراب عليه عمامة سوداء، فكلما حدثت
~~بحديث حدث به.
# ثم قال: معاشر الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني فأنا انبؤه
~~باسمي، أنا جندب ين جنادة البدري الغفاري، أنا صاحب رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله)، سمعته يقول في هذا المكان، والا صمت أذناي (ان الله اصطفى آدم
~~ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع
~~عليم).
# فأما الذرية فمن نوح، والآل من إبراهيم، والسلالة من إسماعيل، والعترة
~~الهادية والذرية الطاهرة من محمد (صلى الله عليه وآله)، والصديق الأكبر علي
~~بن أبي طالب، فأيتها الأمة المتحيرة بعد نبيها لو قدمتم من قدمه الله
~~ورسوله، وأخرتم من أخره الله ورسوله، لما عال ولي الله، ولما طاش سهم في
~~سبيل، ولا اختلف الأمة بعد نبيها الا كان تأويلها عند أهل البيت، فذوقوا
~~بما كسبتم، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (2).
# وروى الشيخ أبو الفتوح الكراجكي في كتابه كنز الفوائد، ms210 باسناده عن ابن
~~عباس، قال: رأيت أبا ذر الغفاري متعلقا بحلقة بيت الله الحرام، وهو يقول:
~~أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني أنبأته باسمي، أنا جندب بن
~~جنادة أبو ذر الغفاري، اني رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) في العام
~~الماضي، وهو آخذ بهذه الحلقة، وهو يقول:
# أيها الناس لو صمتم حتى تكونوا كالأوتاد، وصليتم حتى تكونوا كالحنايا،
~~ودعوتم حتى تقطعوا اربا اربا، ثم بغضتم علي بن أبي طالب أكبكم الله في
~~النار، قم يا أبا الحسن فضع خمسك في خمسي - يعني: كفك في كفي - فان الله
~~اختارني وإياك
# PageV00P337
# من شجرة واحدة، أنا أصلها وأنت فرعها، فمن قطع فرعها أكبه الله على وجهه
~~في النار، علي سيد المسلمين، وامام المتقين، يقتل الناكثين والمارقين
~~والجاحدين، علي مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي (1).
# وبالجملة فاختصاصه بأمير المؤمنين (عليه السلام) واقتداؤه به واعتقاده
~~إمامته وظلم من تقدمه، مما لا سبيل إلى جحده وانكاره.
# ثم إن الخبر المذكور عام مخصوص بالنبي (صلى الله عليه وآله) وأمير
~~المؤمنين (عليه السلام) قطعا، والى هذا أشار حذيفة رضي الله عنه بقوله (ان
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)) إلى آخر كلامه.
# فمحصل كلامه أن هذا الخبر ليس على عمومه، بل هو مخصوص بالنبي (صلى الله
~~عليه وآله) قطعا فيكون مخصوصا بأمير المؤمنين (عليه السلام)، لأنه يثبت له
~~جميع ما يثبت له (صلى الله عليه وآله) الا النبوة، لأنه نفسه بنص آية
~~المباهلة، فاستثناؤه (صلى الله عليه وآله) من العموم يستلزم اخراج أمير
~~المؤمنين (عليه السلام).
# ويمكن أن يكون مراد حذيفة رضي الله عنه أن هذا العموم لا ريب في أنه
~~مخصوص بغيره (صلى الله عليه وآله) للبراهين القاهرة العقلية والنقلية
~~الدالة على أنه (صلى الله عليه وآله) أصدق من أبي ذر، فيكون مخصوصا بغير
~~أمير المؤمنين (عليه السلام) للبراهين القطعية الدالة على أنه (عليه
~~السلام) أفضل من أبي بكر.
# والحاصل أنه كما خص العموم بالأدلة المنفصلة بغير النبي (صلى ms211 الله عليه
~~وآله)، فكذا يجب تخصيصه بغيره (عليه السلام) بغير ما ذكر.
# ويحتمل أن يكون مراده أن هذا العموم مخصوص بغير النبي 9 قطعا واجماعا،
~~فيضعف الاحتجاج به، حتى ذهب جمع من الأصوليين إلى أنه حينئذ ليس بحجة أصلا،
~~فلا يعارض الأدلة القطعية الناطقة بإمامته (عليه السلام)، وانه أفضل الناس
~~بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله).
# PageV00P338
# وليس مراد حذيفة ما يوهمه ظاهر كلامه من القدح في الخبر المذكور، وانه
~~غير صحيح، لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد أظلته الخضراء وأقلته
~~الغبراء، وهو أصدق من أبي ذر، فلا يصدق العموم، لأن الخبر المذكور مستفيض
~~مروي بأسانيد صحيحة، وقد اتفق عليه الفريقان، ولأن ما ذكره إنما ينهض
~~بالتخصيص، ولا يستلزم كون الخبر غير صحيح.
# وروى أصحابنا عن أئمتنا (عليهم السلام) في سبب هذا الخبر خبرا ناطقا بأن
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنما فوه به في هذا الخبر ووصفه بالصدق،
~~لأنه أخبر الصحابة بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) أفضل الأمة، وقسيم
~~الجنة والنار، وصديق هذه الأمة وفاروقها، وحجة الله عليها، فكذبوه وسألوا
~~النبي (صلى الله عليه وآله) عن ذلك، فقال: ما أظلت الخضراء و لا أقلت
~~الغبراء - يعني: من أولئك القوم - على ذي لهجة أصدق من أبي ذر. رواه الصدوق
~~عطر الله مرقده في كتاب علل الشرائع والأحكام، باسناده عن عباد بن صهيب، عن
~~الصادق (1) (عليه السلام).
# وهذا يدفع ما تعلقت به الفرقة المذكورة، ويحسم مادته بالكلية.
# وروى - عطر الله مرقده - في الكتاب المذكور وجها آخر يحسم تعلق الخصم
~~بالخبر المذكور، ويؤدي إلى المحجة البيضاء والطريقة الغراء.
# روى - عطر الله مرقده - باسناده عن أنس بن مالك، قال: أتى أبو ذر يوما
~~إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: ما رأيت كما رأيت البارحة،
~~قالوا: وما رأيت البارحة؟ قال: رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ببابه،
~~فخرج ليلا وأخذ بيد علي بن أبي طالب وقد خرجا إلى البقيع، فما زلت أقفو
~~أثرهما إلى أن أتيا مقابر ms212 مكة، فعدل إلى قبر أبيه، فصلى عنده ركعتين، فإذا
~~بالقبر قد انشق وإذا بعبد الله جالس وهو قول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن
~~محمدا عبده ورسوله، فقال: من وليك يا أبت؟
# PageV00P339
# فقال: ومن المولى يا بني؟ قال: هو هذا علي، قال: وان عليا وليي، قال:
~~فارجع إلى روضتك.
# ثم عدل إلى قبر أمه، فصنع به كما صنع عند قبر أبيه، وإذا بالقبر قد انشق،
~~فإذا هي تقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك نبي الله ورسوله، فقال لها:
~~من وليك يا أماه؟ فقالت: من المولى يا بني؟ فقال: هو هذا علي بن أبي طالب،
~~فقالت: وان عليا وليي، فقال: ارجعي إلى حفرتك وروضتك.
# فكذبوه ولببوه، وقالوا: يا رسول الله كذب عليك، فقال: وما كان من ذلك؟
# قالوا: ان جندب حكى عنك كيت وكيت، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ما
~~أظلت الخضراء وما أقلت الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر (1).
# وبالجملة فما تعلقت به هذه الفرقة مع مراغمتها للاجماع ومصادمتها للأدلة
~~القاطعة والبراهين القاهرة في غاية السقوط.
# المقام الخامس في ابطال شبهة الفرقة الرابعة مما يبطل ما ذكروه ما هو
~~المعلوم ضرورة من حال سلمان رضي الله عنه من كونه من خاصة خواص أمير
~~المؤمنين (عليه السلام)، وأحد الأركان الأربعة، وامتناعه عن بيعة أبي بكر
~~مما لا سبيل إلى انكاره.
# وانكاره على من تقدم على أمير المؤمنين (عليه السلام) مشهور، وقوله
~~بالفارسية (دانى وندانى، كردى ونكردى، دانى چه كردى، حق از صاحب حق بردى)
~~(1)
# PageV00P340
# مستفيض، كما في تحفة الأبرار وغيرها.
# وقد ذكر ابن قتيبة من عظماء المخالفين وفحولهم ثمانية عشر رجلا من
~~الصحابة، وقال: انهم رافضة، وعد منهم سلمان الفارسي. ولاختصاصه بأهل البيت
~~(عليهم السلام) قال (صلى الله عليه وآله): سلمان منا أهل البيت (1).
# وروى المخالفون عنه رضي الله عنه أحاديث ناطقة بأنه (صلى الله عليه وآله)
~~نص على أمير المؤمنين (عليه السلام) بالوصية والخلافة، وقد أسلفنا في ذيل
~~الحديث الرابع عشر خبرا نقلناه عن ms213 الغر المحدث الحنبلي، عن أنس، عن سلمان
~~أيضا في إمامته (عليه السلام) ووصيته وخليفته، وفي ذيل الحديث الثاني
~~والعشرين آخر نحوه، فتذكرهما.
# وروى الطبرسي - عطر الله مرقده - في الاحتجاج، عن سليم بن قيس الهلالي،
~~عن سلمان رضي الله عنه أن عليا (عليه السلام) حمل فاطمة (عليها السلام) على
~~حمار ليلا وأخذ بيد ابنيه الحسن والحسين (عليهما السلام)، فلم يدع أحدا من
~~أهل بدر من المهاجرين والأنصار الا أتاه في منزله، وذكر حقه ودعاه إلى
~~نصرته.
# فما استجاب له من جميعهم الا أربعة وأربعون رجلا، فأمرهم أن يصبحوا بكرة
~~محلقين رؤوسهم معهم سلاحهم، وقد بايعوه على الموت، فأصبح ولم يوافه منهم
~~أحد غير أربعة، قلت لسلمان: من الأربعة؟ قال: أنا وأبو ذر والمقداد والزبير
~~بن العوام، ثم أتاهم من الليلة الثانية فناشدهم، فقالوا: نصحبك بكرة، فما
~~وفا له منهم أحد غيرنا، ثم الليلة الثالثة، فما وافا أحد غيرنا الحديث (2).
# وروى فيه أيضا عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه، عن آبائه (عليهم
~~السلام)، قال: خطب الناس سلمان الفارسي رحمه الله بعد أن دفن النبي (صلى
~~الله عليه وآله) بثلاثة أيام، فقال: ألا يا أيها الناس اسمعوا عني حديثي ثم
~~اعقلوه (3) عني، ألا واني أوتيت علما كثيرا، فلو
# PageV00P341
# حدثتكم بكل ما أعلم من فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) لقال طائفة
~~منكم: هو مجنون وقالت طائفة أخرى: اللهم اغفر لقاتل سلمان.
# ألا ان لكم منايا، تتبعها البلايا، ألا وان عند علي بن أبي طالب صلوات
~~الله عليه علم المنايا، وعلم البلايا، وميراث الوصايا، وفصل الخطاب، وأصل
~~الأنساب، على منهاج هارون بن عمران من موسى (عليه السلام)، إذ يقول له رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) أنت وصيي في أهلي، وخليفتي في أمتي، وأنت مني
~~بمنزلة هارون من موسى، ولكنكم أخذتم بسنة بني إسرائيل، فأخطأتم الحق وأنتم
~~تعلون (1)، أما والله لتركبن طبقا عن طبق على سنة بني إسرائيل حذو النعل
~~بالنعل القذة بالقذة.
# أما والذي نفس سلمان بيده لو وليتموه عليا لأكلتم من فوقكم ومن ms214 تحت
~~أرجلكم (2)، ولو دعوتم الطير في جو السماء لأجابكم، ولو دعوتم الحيتان من
~~البحر لأتتكم، ولما عال ولي الله، ولا طاش لكم سهم من فرائض الله، ولا
~~اختلف اثنان في حكم الله، ولكن أبيتم فوليتموها غيره، فأبشروا بالبلايا،
~~واقنطوا من الرخاء (3)، وقد نابذتكم على سواء، فانقطعت العصمة فيما بيني
~~وبينكم من الولاء، عليكم بآل محمد (عليهم السلام)، فإنهم القادة إلى الجنة،
~~والدعاة إليها يوم القيامة، عليكم بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب.
# فوالله لقد سلمنا عليه بالولاية وإمرة المؤمنين مرارا جمة مع نبينا، كل
~~ذلك يأمرنا به ويؤكده علينا، فما بال القوم عرفوا فضله فحسدوه، وقد حسد
~~قابيل هابيل فقتله، أو كفارا قد ارتدت أمة موسى بن عمران، فأمر هذه الأمة
~~كأمر بني إسرائيل، فأين يذهب بكم؟
# أيها الناس ويحكم ما أنا وأبو فلان وفلان أجهلتم أم تجاهلتم؟ أم حسدتم أم
# PageV00P342
# تحاسدتم؟ والله لترتدن كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض بالسيف، يشهد الشاهد
~~على الناجي بالهلكة، ويشهد الشاهد على الكافر بالنجاة.
# ألا واني أظهرت أمري، وسلمت لنبيي، واتبعت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة
~~عليا أمير المؤمنين، وسيد الوصيين، وقائد الغر المحجلين، وامام الصديقين
~~والشهداء والصالحين (1).
# وقال العلامة - عطر الله مرقده - في خلاصة الأقوال: سلمان الفارسي مولى
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، يكنى أبا عبد الله، أول الأركان الأربعة،
~~حاله عظيم جدا مشكور لم يرتد (2) انتهى.
# وبالجملة فانتظامه في سلك خواصه وأتباعه (عليه السلام) مما لا مجال
~~لانكاره، ولا سبيل إلى ستر ضوء نهاره. وأما أنه رضي الله عنه أدرك العلم
~~الأول وأدرك العلم الاخر، فإنما يدل على غزارة علمه، وهو مما لا كلام فيه،
~~ولكن نسبة علمه رضي الله عنه إلى علم أمير المؤمنين (عليه السلام) كالقطرة
~~من البحر، والشذرة من عقد النحر، كما ستطلع عليه إن شاء الله.
# جوهرة ثمينة:
# روى ثقة الاسلام في الكافي باسناده عن مسعدة بن صدقة، عن أبي عبد الله
~~(عليه السلام) قال: ذكرت التقية يوما عند علي بن الحسين (عليهما السلام)،
~~فقال: والله لو ms215 علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، ولقد آخى رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) بينهما، فما ظنكم بسائر الخلق، ان علم العلماء صعب مستصعب،
~~لا يحتمله الا نبي مرسل، أو ملك مقرب، أو عبد مؤمن
# PageV00P343
# امتحن الله قلبه للايمان، فقال: وإنما صار سلمان من العلماء لأنه امرئ
~~منا أهل البيت، فلذلك نسبته إلى العلماء (1).
# وهذا الخبر ينادي بجلالة قدر سلمان رضي الله عنه، وغزارة علمه ونباهة
~~شأنه، وقد ذكر أصحابنا - عطر الله مراقدهم - فيه وجوها، كما في الغرر
~~والدرر (2) لعلم الهدى عطر الله مرقده، وأظهر ما قيل فيه: ان ضمير الفاعل
~~المستتر في (قتله) يعود إلى أبي ذر رضي الله عنه، والبارز يعود إلى سلمان،
~~أي: لقتل أبو ذر سلمان، والسر فيه أن بعض العلوم والمعارف مما لا تقبله
~~طباع أكثر الناس الواقفين على الظواهر ولا تروج عندهم، لقصورهم عن معرفة
~~حقيقتها، فيحكمون بكفر ذويها ووجوب قتله، لتقاعد بصائرهم عن كنه الباطن،
~~وانهارهم في رواية الظاهر.
# وفي الخبر النبوي: ان من العلم كهيئة المكنون، لا يعلمه الا أهل المعرفة
~~بالله.
# وقال أمير المؤمنين (عليه السلام): اندمجت على مكنون علم لو بحت به
~~لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطوى البعيدة (3).
# وقال (عليه السلام) في حديث كميل: ان هاهنا لعلما جما - وأشار بيده إلى
~~صدره - لو أصبت له حملة (4).
# وحيث كان سلمان رضي الله عنه آخذا من ذلك القبيل بالحظ الجليل، فائزا من
~~العلوم العليا بالرقيب والعلى، شاربا من الينبوع النبوي، مقتبسا من المشكاة
~~المرتضوية، عارجا إلى معارج الأسرار التي يجب صونها عن الأغيار، وقد ورد في
~~شأنه أنه محدث، وكان أبو ذر رضي الله عنه منحصرا في زاوية العلوم الظاهرية،
~~فنسبته إلى سلمان
# PageV00P344
# كنسبة موسى (عليه السلام) إلى الخضر، كما صرح به العالم الرباني كمال
~~الدين ميثم البحراني في شرح الإشارات.
# فلو اطلع أبو ذر رضي الله عنه على ما في قلب سلمان من العلوم الحقيقية
~~والحقائق الباطنية، لكفره واستحل قتله، كما أن موسى (عليه السلام) لما اطلع
~~على كنه ms216 الأمر في خرق السفينة، وقتل الغلام، وبناء الجدار، قابل الخضر
~~بالانكار، ووسمه بسمة العار.
# وفي بعض الأخبار: لو علم أبو ذر ما في بطن سلمان من الحكمة لكفره. رواه
~~المحقق ومولانا محسن الكاشاني في المحجة البيضاء.
# وقد تقدم فيما نقلناه من الاحتجاج قول سلمان رضي الله عنه: لو حدثتكم بكل
~~ما أعلم من فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) لقالت طائفة منكم هو مجنون،
~~وقالت طائفة أخرى:
# اللهم اغفر لقاتل سلمان. وهذا يزيد الوجه المذكور قربا وقوة.
# ومما ينسب إلى مولانا زين العابدين (عليه السلام) هذه الأبيات:
# اني لأكتم من علمي جواهره * كيلا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا وقد تقدم في
~~هذا أبو حسن * إلى الحسين ووصى قبله الحسنا يا رب جوهر علم لو أبوح به *
~~لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي * يرون أقبح ما
~~يأتونه حسنا ويحتمل أن يكون الضمير الفاعل عائد إلى (ما) الموصولة، أو
~~الموصوفة في قوله (ما في بطن سلمان) والبارز المفعول يعود إلى أبي ذر، أي:
~~لقتل العلم الذي في بطن سلمان أبا ذر لعدم احتماله له، لخفاء حقيقته عليه،
~~أو لعدم احتماله وكتمانه لضيق حوصلته عن ذلك فيبديه فيوقعه في الهلكة
~~والقتل. وحيث كان سلمان رضي الله عنه عارفا بغوامض اسراره، مستضيئا بأشعته
~~وأنواره، أمكنه احتماله. وفي عجز الحديث أعني: قول (عليه السلام) (ان علم
~~العلماء صعب مستصعب) تأييد لهذا التوجيه.
# وإنما أوردنا هذا الخبر وشرحه، لما تضمنه من غزارة علم سلمان رحمة الله
~~عليه، وجلالة قدره، ولأن هذا الخبر قد أشكل على كثير الطلبة، ففي بيانه
~~وشرحه فائدة PageV00P345
# عامة مع مناسبته المقام مناسبة تامة.
# المقام السادس في قول (صلى الله عليه وآله) ألا وان التاركين ولاية علي
~~بن أبي طالب (عليه السلام) هم المارقون من ديني نص هذا الكلام ينادي بأبلغ
~~وجه على كفر النواصب، إذ حقيقة الولاية الاتباع والائتمام، كما أشار إليه
~~جل مجده وسلطانه بقوله ﴿قل ان كنتم
~~تحبون الله فاتبعوني﴾ ms217 (1) والأخبار الناطقة بكفرهم أكثر من أن تحصى.
# منها: ما نقله السيد الجليل رضي الدين ابن طاووس رضي الله عنه في
~~الطرائف، عن كتاب ابن مردويه، وهو الثقة عندهم، قال: حدثنا أبو بكر أحمد بن
~~كامل، وأحمد بن محمد، عن عمر بن سعيد الأخمشي (2)، قال: حدثنا عبيد بن كثير
~~العامري، قال:
# حدثنا محمد بن علي الصير في، قال حدثنا إبراهيم بن إسماعيل اليشكري، عن
~~شريك، عن الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): علي خير البشر فمن أبى فقد كفر (3).
# وتقريب الاستدلال أنه دل بمنطوقه على كفر من أبى كونه (عليه السلام) خير
~~البشر، والمخالفون يأبون ذلك ويقولون: ان الشياطين الثلاثة المتلصصة خير
~~منه.
# ومنها ما رواه ابن المغازلي عن أبي ذر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): من ناصب عليا الخلافة بعدي فهو كافر (4). الحديث.
# PageV00P346
# وقد تقدم في المقام الثاني، لأن المراد بالشك فيه (عليه السلام) الشك في
~~أنه الخليفة بعد النبي (صلى الله عليه وآله)، فإذا كان الشاك في ذلك كافرا
~~فما ظنك بالجاحد؟
# ومنها: ما رواه أحمد بن حنبل في مسنده، والشافعي ابن المغازلي في المناقب
~~من عدة طرق: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يا أيها الناس من آذى عليا
~~فقد آذاني (1).
# وزاد ابن المغازلي عن النبي (صلى الله عليه وآله): يا أيها الناس من آذى
~~عليا فقد آذاني، ان عليا أولكم ايمانا وأوفاكم بعهد الله، يا أيها الناس من
~~آذى عليا بعث يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا، فقال جابر بن عبد الله
~~الأنصاري رضي الله عنه: يا رسول الله وان شهدوا أن لا إله إلا الله وأنك
~~رسول الله، فقال (صلى الله عليه وآله): يا جابر كلمة يحتجزون بها ألا تسفك
~~دماؤهم ولا تؤخذ أموالهم وأن لا يعطوا الجزية عن أيد وهم صاغرون (2).
# ومعلوم أن من أخرجه من مقامه وزعم أن اللصوص الثلاثة المتمردة أئمته،
~~وأنه من رعيتهم يجب عليه طاعتهم، وأن محاربه مؤمن مثاب، بل خليفة ms218 بالحق، مع
~~قوله (صلى الله عليه وآله): حربك يا علي حربي. فقد أمعن في أذاه، وانتظم في
~~سلك أعداه (3).
# ومنها: ما رواه أحمد بن مردويه الحافظ الثقة عندهم، قال: حدثنا أحمد بن
~~عبد الله بن الحسين، حدثنا عبد العزيز بن يحيى البصري، أخبرني أبو أحمد،
~~حدثنا مغيرة بن محمد المهلبي، حدثنا عبد الرحمن بن صالح الأزدي، حدثنا علي
~~بن هاشم بن البريد، حدثنا جابر بن يزيد الجعفي، عن صالح بن ميثم، عن أبيه،
~~قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) يقول: من لقي الله تعالى وهو جاحد ولاية علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام) لقي الله وهو عليه غضبان، لا يقبل الله منه شيئا من أعماله، فيوكل
~~به سبعون ملكا يتفلون في وجهه، ويحشره الله تعالى أسود الوجه أزرق العين.
# PageV00P347
# قلنا: يا بن عباس أينفع حب علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الآخرة؟
# قال: قد تنازع أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حبه حتى سألنا
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال: دعوني حتى أسأل الوحي، فلما هبط
~~جبرئيل (عليه السلام) سأله، فقال: أسأل ربي عز وجل عن هذا، فرجع إلى
~~السماء، ثم هبط إلى الأرض، فقال: يا محمد ان الله يقرأ عليك السلام، وقال:
~~أحب عليا فمن أحبه فقد أحبني، ومن أبغضه فقد أبغضني يا محمد، حيث تكن يكن
~~علي، وحيث يكن علي يكن محبوه، وان اجترحوا وان اجترحوا (1).
# ومن المعلوم الذي لا مرية فيه أن من نزله عن مقامه الذي جعله الله فيه
~~وقدم عليه من لا يقاس بفعله من آحاد العوام الذين هم أضل من الأنعام،
~~واعتقد أنهم أفضل منه (عليه السلام)، وأجل مقدارا وأعلى منارا، وأنه (عليه
~~السلام) من آحاد رعيتهم، وأن من حاربه في الجمل وصفين مؤمنون، وأنهم في
~~أعلى مراتب العدالة، وأسمى طبقات الجلالة، وأنهم مثابون على حربه (عليه
~~السلام).
# وأطبقوا على عدم جواز لعن معاوية، كما صرح به علامتهم التفتازاني في شرح ms219
~~العقائد، وأكثرهم على عدم جواز لعن ابنه يزيد، مع ما ظهر منهما من عداوتهما
~~لأهل البيت (عليهم السلام) واستئصالهم، وجعلهما سب أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) والسبطين سنة وشعارا.
# فمن كان حاله على هذا المنوال، فكيف يتصور نظمه في سلك أوليائه (عليه
~~السلام) ومحبيه وأتباعه، ان هذا الا غرور محض من قائلة، وحمق بحت من مدعيه،
~~هيهات هيهات، بل هم والله - يمينا بارة - من أنصب النصاب، وأعظمهم نصبا
~~وعداوة، كما أشرنا إليه في ذيل الحديث التاسع، وقد بسطنا الكلام في هذا
~~المقام في المعراج، وفي رسالتنا فصل الخطاب وكنه الصواب.
# PageV00P348
# ومن الأخبار الناطقة بذلك من طريق أهل البيت (عليهم السلام) ما رواه
~~الصدوق - عطر الله مرقده - في كتاب علل الشرائع والأحكام في باب نوادر
~~العلل والأحكام، باسناده عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) قال: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت، لأنك لا تجد رجلا يقول أنا
~~أبغض محمدا وآل محمد، ولكن الناصب من نصب لكم وهو يعلم أنكم تتولونا وأنكم
~~من شيعتنا (1).
# ومعلوم أن نصبهم لنا كالشمس في رابعة النهار، وهو دال على نصبهم لأئمتنا
~~(عليهم السلام)، وناهيك دليلا على ذلك ما هو المشاهد منهم من اعراضهم عن
~~مناقب أهل البيت:، وانقباض وجوههم عند سماع مدائح أحد الأئمة:، وانكارهم
~~زيارة قبورهم، وهجورهم لمشاهدهم، وتيمنهم بيوم عاشوراء وتصافحهم فيه،
~~واستعمالهم فيه الزينة.
# ومنعهم لعن قاتله يزيد بن معاوية، كما في الخلاصة وغيرها، بل صرح بعض
~~عظمائهم بأنه خليفة وامام بالحق، لانعقاد الاجماع عليه بعد قتل الحسين
~~(عليه السلام)، ولنص أبيه معاوية عليه، وأخذه البيعة له في حياته، وتأولوا
~~قتله الحسين (عليه السلام) تارة بأنه صدر عن خطأ في الاجتهاد، والمخطئ في
~~الاجتهاد مأجور لا مأزور، وتارة بمنع رضاه بقتله وانكاره أمره به، وهذا
~~انكار للضروريات، كما اعترف به علامتهم التفتازاني في شرح العقائد.
# وفي مستطرفات الشيخ الجليل أبي عبد الله محمد بن إدريس الحلي - عطر الله
~~مرقده - التي استطرفها من أصول الامامية في آخر سرائره فيما ms220 استطرفه من
~~كتاب مسائل الرجال ومكاتباتهم مولانا أبا الحسن علي بن محمد الهادي (عليه
~~السلام) في جملة مسائل محمد بن علي بن عيسى، قال: كتبت إليه أسأله عن
~~الناصب هل احتاج في امتحانه إلى أكثر من تقديمه الجبت والطاغوت واعتقاد
~~امامتهما؟ فرفع الجواب: من
# PageV00P349
# كان على هذا فهو ناصب (1).
# قال بعض المحققين (2) قدس سره ونعم ما قال: لا عداوة أعظم ممن قدم المنحط
~~عن مراتب الكمال، المنخرط في سلك الأغبياء والجهال، على من تسنم أوج
~~الجلال، حتى شك في أنه هو الله المتعال.
# وقد ذكر القاضي الشوشتري في مجالس المؤمنين وإحقاق الحق: أن ابن خلكان
~~الشامي من عظمائهم ذكر في تاريخه وفيات الأعيان في ترجمة علي بن الجهم
~~القرشي ما حاصله: أن التسنن ومحبة علي (عليه السلام) لا يجتمعان (3).
# ونقل الصدوق قدس سره في علل الشرائع والأحكام، عن أحمد بن حنبل صاحب
~~المذهب: أن بغض علي شرك في التسنن (4)، كما أوردناه في ذيل الحديث التاسع،
~~وقد أوعبنا البحث في ذلك في الرسالة المشار إليها.
# لا يخفى ما في الخبر المذكور من الدلالة على عظم فضيلة أهل البيت (عليهم
~~السلام) عموما، وعلى عظم فضيلة مولانا الحسين (عليه السلام) خصوصا، ولعمري
~~أنهم سلام الله عليهم شجرة النبوة، وموضع الرسالة ومختلف الملائكة، ومهبط
~~الوحي، ومعدن العلم، ومنار الهدى، والحجج على أهل الدنيا، خزائن أسرار
~~الوحي والتنزيل، ومعادن جواهر العلم والتأويل، الامناء على الحقائق،
~~والخلفاء على الخلائق، أولو الأمر الذين امر بطاعتهم.
# وأهل الذكر الذين حث على مسائلتهم، والموالي الذين امر الناس بموالاتهم
~~ومتابعتهم، وأهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا،
~~والراسخون في العلم، الذين عندهم علم القرآن كله تأويلا وتفسيرا، أحد
~~السببين
# PageV00P350
# اللذين من تعلق بهما فاز وسعد، وثاني الثقلين اللذين من تمسك بهما أسفر
~~عن حمد السرى صباحه، كمثل سفينة نوح من ركبها نجى، ومن تخلف عنها غرق.
# الذين إذا نطقوا نطقوا بالصواب، وأتوا بالحكمة وفصل الخطاب، قد والله
~~صعدوا ذرى الحقائق بأقدام النبوة والولاية، ونوروا سبع طبقات أعلام الفتوى ms221
~~بالهداية، ليوث الوغا، وغيوث الندى، وطعناء العدى، وفيهم السيف والقلم في
~~العاجل، ولواء الحمد والعلم في الأجل، خلفاء الدين، وخلفاء النبيين،
~~ومصابيح الأمم، ومفاتيح الكرم، فالكليم لبس حلة الاصطفاء لما عهدوا منه
~~الوقاء، وروح القدس في جنان الصاغورة ذاق من حدائقهم الباكورة، وشيعتهم
~~الفرقة الناجية والفئة الزاكية.
# فمن ذا يشق غبارهم؟ ومن ذا يحذو حذوهم أو ينال فخرهم؟ هيهات هيهات من
~~أمحل المحالات من ينال كمالهم، ومن أوضح الممتنعات النسج على منوالهم، ومن
~~دون نيل عشر معشار مناقبهم خرط القتاد، فإنها مقامات علية لا تنال بوفور
~~الاجتهاد، ولا تدرك بجودة الاستعداد.
# أين الوصول إلى سعاد ودونها * لجج البحار ودونهن قفار (1) بل هي قميص لم
~~تفصل على قد كل ذي قد، ونتائج لم يحصل مقدماتها جد كل ذي جد. ومن هنا قال
~~أمير المؤمنين (عليه السلام): نحن أهل بيت لا يقاس بنا أحد من الناس، فيما
~~رواه المخالف والمؤالف (2).
# قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المعتزلي، وهو من فحول الناصبة وشياطين
~~المعتزلة ما هذا لفظه: صدق علي (عليه السلام) في * قوله (نحن أهل بيت لا
~~يقاس بنا أحد من الناس) كيف يقاس بقوم فيهم رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله)، والأطيبان علي وفاطمة،
# PageV00P351
# والسبطان الحسن والحسين، والشهيدان أسد الله حمزة وذو الجناحين جعفر،
~~وسيد الوادي عبد المطلب، وساقي الحجيج العباس، وحليم البطحاء والنجدة أبو
~~طالب.
# وليس الخير الا فيهم، والأنصار أنصارهم، والمهاجر من هاجر إليهم ومعهم،
~~والصديق من صدقهم، والفاروق من فرق بين الحق والباطل فيهم، والحواري
~~حواريهم، وذو الشهادتين لأنه شهد لهم، وليس الخير الا فيهم ولهم ومنهم
~~ومعهم.
# وأبان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أهل بيته بقوله: اني تارك فيكم
~~الثقلين الخليفتين: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل
~~بيتي، نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (1).
# ولو كانوا كغيرهم لما قال عمر لما طلب مصاهرة علي (عليه السلام): اني
~~سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: كل سبب ونسب ms222 منقطع الا سببي
~~ونسبي (2).
# فأما علي (عليه السلام)، فلو أردنا ذكر أيامه الشريفة، وأوقاته (3)
~~الكريمة، ومناقبه السنية، لأملأنا الطوامير الطوال، العرق صحيح، والمنشأ
~~كريم، والشأن عظيم، والعمل جسيم، والعلم كثير، والبيان عجيب، واللسان خطيب،
~~والصدر رحيب، فأخلاقه وفق أعراقه، وحديثه يشهد لقديمه (4) انتهى كلامه.
# قلت: وروى ابن حجر في الصواعق المحرقة أخبارا كثيرة في فضائل أهل البيت
~~عموما، وفي فضائل علي والحسن والحسين (عليهم السلام) خصوصا، ولا بأس بذكر
~~نبذة منها، ولنقتصر على اثني عشر حديثا:
# الأول: أخرج أحمد والمحاملي والذهبي وغيرهم عن عائشة، قالت: قال رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله): قال جبرئيل (عليه السلام): قلبت مشارق الأرض
~~ومغاربها، فلم أجد
# PageV00P352
# رجلا أفضل من محمد (صلى الله عليه وآله)، وقلبت الأرض مشارقها ومغاربها،
~~فلم أجد بني أب أفضل من بني هاشم (1).
# الثاني: أخرج مسلم والترمذي وغيرهما عن واثلة: أن النبي صلى الله عليه
~~وآله قال: ان الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى من بني كنانة قريش،
~~واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم.
# وفي رواية: ان الله اصطفى من ولد آدم إبراهيم واتخذه خليلا، واصطفى من
~~ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل نزارا، ثم اصطفى من نزار مضر،
~~ثم اصطفى من مضر كنانة، ثم اصطفى من كنانة قريشا، ثم اصطفى من قريش بني
~~هاشم، ثم اصطفى من بني هاشم بني عبد المطلب، ثم اصطفاني من بني عبد المطلب
~~(2).
# الثالث: أخرج أبو يعلى، عن سلمة بن الأكوع: أن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) قال: النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لامتي (3).
# الرابع: أخرج الحاكم عن أبي ذر: أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: ان
~~مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح من ركبها نجى، ومن تخلف عنها هلك.
# وفي رواية للبزاز عن ابن عباس، وعن الزبير، والحاكم عن أبي ذر أيضا: مثل
~~أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجى، ومن تخلف عنها غرق (4). وقد أوردنا نحو
~~هذا الخبر فيما سبق.
# الخامس: أخرج الترمذي ms223 عن حذيفة: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال:
~~ان هذا ملك لم ينزل إلى الأرض قط قبل هذه الليلة استأذن ربه أن يسلم علي
~~ويبشرني أن فاطمة
# PageV00P353
# سيدة نساء أهل الجنة، وان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة (1).
# السادس: أخرج الترمذي وابن ماجة والحاكم وابن حبان: أن رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) قال فيهم: أنا حرب لمن حاربهم، وسلم لمن سالمهم (2).
# السابع: أخرج أحمد والترمذي عن علي (عليه السلام): أن رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) قال: من أحبني وأحب هذين وأمهما وأباهما كان معي في درجتي
~~يوم القيامة (3).
# الثامن: أخرج أبو بكر في الغيلانيات عن أبي أيوب رضي الله عنه: أن النبي
~~(صلى الله عليه وآله) قال:
# إذا كان يوم القيامة نادى مناد من بطنان العرش: يا أهل الكتاب نكسوا
~~رؤوسكم، وغضوا أبصاركم حتى تمر فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه وآله) على
~~الصراط، فتمر مع سبعين ألف جارية كمر البرق (4).
# التاسع: أخرج أحمد بن حنبل والترمذي والحاكم، عن ابن الزبير أن النبي
~~(صلى الله عليه وآله) قال: إنما فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، وينصبني
~~ما ينصبها (5).
# العاشر: أخرج البخاري ومسلم عنها أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لها:
~~يا فاطمة ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء العالمين (6).
# الحادي عشر: أخرج ابن عساكر عن علي (عليه السلام)، وعن ابن عمر، وابن
~~ماجة والحاكم عن ابن عمر، والطبراني عن قرة، وعن مالك بن الحويرث، والحاكم
~~عن أبي مسعود: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: ابناي هذان الحسن
~~والحسين سيدا شباب أهل
# PageV00P354
# الجنة، وأبوهما خير منهما (1).
# الثاني عشر: أخرج الترمذي، عن أنس بن مالك، أن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) قال: أحب أهل بيتي إلي الحسن والحسين (2).
# وبالجملة فمآثرهم (3) (عليه السلام) لا تحصى كثرة فبخ بخ للمنتمي إليهم
~~نسبا ومعنى، وطوبى للمتفرع من دوحتهم العليا وبحارهم الأسنى، ولله در
~~القائل:
# إذا شمخت في ذروة المجد هاشم * فعماه منها جعفر وعقيل فما كل جد في
~~الرجال ms224 محمد * وما كل أم في النساء بتول ولقد أجاد وطبق المفصل في هذا
~~المعنى علي بن محمد العلوي الحماني في قوله:
# رأت بيتي على رغم الملاح * هو البيت المقابل للصراح ووالدي المشار به إذا
~~ما * دعا الداعي بحي على الفلاح وقال العباس بن الحسين بن عبيد الله بن
~~العباس بن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
# وقالت قريش لنا مفخر * رفيع على الناس لا ينكر لقد صد قوا لهم فضلهم *
~~وبينهم رتب تقصر فأدناهم رحما بالنبي * إذا فخروا فبه المفخر بنا الفخر
~~منكم على غيركم * فأما علينا فلا تفخروا ففضل النبي عليكم لنا * أقروا به
~~بعد ما أنكروا فان طرتم بسوى مجدنا * فان جناحكم الأقصر رواه عنهما علم
~~الهدى عطر الله مرقده في الفصول (4)، ولله در سيدنا الأجل المرتضى علم
~~الهدى المذكور في افتخاره ومباهاته بنسبه إلى المصطفى والمرتضى في
# PageV00P355
# قوله:
# الله أعلم أن المجد من أربى * وان تماديت في غي وفي لعب اني لمن معشر إن
~~جمعوا لعلي * تفرعوا من نبي أو وصي نبي وان شككت فسائل عن بني هممي * تجده
~~في مهمات الأنجم الشهب وكل منهم اغترف من بحر جده أمير المؤمنين وسيد
~~الوصيين صلوات الله عليه عند مناظرته قريشا محمد النبي أخي صنوي * وحمزة
~~سيد الشهداء عمي الأبيات (1). وقد أوردناها في ذيل الحديث السابع عشر نقلا
~~عن الامام نور الدين المكي المالكي في الفصول المهمة (2)، وهي مذكورة في
~~الديوان المنسوب إليه صلوات الله عليه. وذكر بعض فضلاء المخالفين: أن هذه
~~الأبيات مجمع على نسبتها إليه (عليه السلام).
# ومما أنشده أبو نواس الحسين بن هاني في الامام الثامن أبو الحسن الرضا
~~(عليه السلام) على ما حكاه الصدوق عطر الله مرقده في العيون الرضوية:
# مطهرون نقيات ثيابهم * تجري الصلاة عليهم أينما ذكروا من لم يكن علويا
~~حين تنسبه * فماله من قديم الدهر مفتخر فالله لما بدا خلقا فأتقنه * صفاكم
~~واصطفاكم أيها البشر فأنتم الملأ الأعلى وعندكم * علم الكتاب وما جاءت به
~~السور (3) وفي الفصول المختارة التي اختارها الشريف ms225 المرتضى 1 من كتاب
~~العيون والمحاسن للشيخ الأعظم أبي عبد الله المفيد قدس سره ونور قبره، قيل
~~لزين العابدين (عليه السلام): بما فضلتم الناس وسدتموهم يا بن رسول الله؟
~~فقال (عليه السلام): ان
# PageV00P356
# الناس كلهم لا يخلون من أن يكونوا أحد ثلاثة: إما رجل أسلم على يد جدنا
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهو مولى لنا ونحن ساداته، والينا يرجع
~~بالولاء، أو رجل قاتلنا فقتلناه، فمضى إلى النار، أو رجل أخذنا عنه الجزية
~~عن يد وهو صاغر، ولا رابع للقوم، فأي فضل لم نحزه وشرف لم نحصله؟ (١).
# وفي الروضة من الكافي عن أبي عبد الله (عليه السلام)، كان أبو عبد الله
~~(عليه السلام) إذا ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: بأبي وأمي
~~وقومي وعشيرتي، عجب للعرب كيف لا تحملنا على رؤوسهم، والله عز وجل يقول: ﴿وكنت على شفا حفرة من النار
~~فأنقذكم منها﴾ (2) وبرسول الله أنقذوا (3).
# قلت: وكأنما عناهم القائل بقوله:
# الناس أرض في السماحة والندى * وهم إذا عد الكرام سماء لو أنصفوا كانوا
~~لادم وحده * وتفردت بولادهم حواء وما أحسن ما قيل فيهم:
# لمثل علاهم ينتهي المجد والفخر * وعند نداهم يخجل الغيث والبحر وعمر
~~سواهم في العلى مثل يومهم * إذا ما على قدرا ويومهم عمر وأيامهم بيض إذا
~~اسود حادث * وأسيافهم حمر وأكنافهم خضر ملكتم فلا عدوى حكمتم فلا هوى *
~~علمتم فلا دعوى علوتم فلا كبر وذكركم في كل شرق ومغرب * على الناس تبلى
~~كلما يلي الذكر وكيف يتأتى للقلم واللسان الإحاطة بكنه هذا الشأن؟ وكيف
~~ينال النجم راحة لامس؟.
# روى الحاكم النيشابوري، وهو من ثقات رجال المخالفين وفحول علمائهم، في
# PageV00P357
# كتاب تاريخ نيشابور، في ترجمة هارون الرشيد، نحو هذا الخبر، على ما حكاه
~~عنه صاحب الطرائف عطر الله مرقده.
# قال: ذكر هارون، رفعه إلى ميمون الهاشمي إلى الرشيد، قال: جرى ذكر آل أبي
~~طالب (عليهم السلام) عند الرشيد، فقال: يتوهم على العوام أني أبغض عليا
~~وولده، والله ما ذلك ms226 كما تظنون، والله تعالى يعلم شدة حبي لعلي والحسن
~~والحسين (عليهم السلام) ومعرفتي بفضلهم، ولكنا طلبنا بثأرهم، حتى أفضى الله
~~بهذا الأمر الينا، فقربناهم وخلطناهم، فحسدونا وطلبوا ما في أيدينا، وسعوا
~~في الأرض فسادا.
# والله لقد حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن عبد الله بن عباس رضي الله
~~عنه، قال: كنا ذات يوم مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) إذ أقبلت فاطمة
~~(عليها السلام) وهي تبكي، فقال لها: فداك أبوك ما يبكيك؟ قالت: ان الحسن
~~والحسين خرجا، فما أدري أين باتا؟ فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) يا
~~بنية الذي خلقهما هو ألطف بهما مني ومنك، ثم رفع النبي (صلى الله عليه
~~وآله) رأسه ويده، فقال: اللهم ان كانا أخذا برا أو بحرا، فاحفظهما وسلمهما.
# فهبط جبرئيل (عليه السلام)، وقال: يا محمد لا تهتم ولا تحزن، فهما فاضلان
~~في الدنيا والآخرة، وأبوهما خير منهما، وهما في حظيرة بني النجار نائمان،
~~وقد وكل بهما ملكا يحفظهما.
# فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتبعه أصحابه حتى أتوا الحظيرة،
~~فإذا الحسن (عليه السلام) معانق بالحسين (عليه السلام)، وإذا الملك الموكل
~~بهما احدى جناحيه تحتهما، والأخرى فوقهما وقد أظلهما به: فانكب رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) يقبلهما حتى انتبها من نومهما، فجعل الحسن (عليه
~~السلام) على عاتقه الأيمن، والحسين (عليه السلام) على عاتقه الأيسر،
~~وجبرئيل (عليه السلام) معه حتى خرجا من الحظيرة، والنبي (صلى الله عليه
~~وآله) يقول: والله لأشرفكما كما شرفكم الله.
# فتلقاه أبو بكر فقال: يا رسول الله ناولني أحد الصبيين حتى أحمله، فقال
~~النبي (صلى الله عليه وآله): نعم المطية مطيهما، ونعم الراكبان هما،
~~وأبوهما خير منهما، حتى أتى المسجد وأمر بلالا، فنادى بالناس فاجتمع الناس
~~في المسجد، فقام رسول الله (صلى الله عليه وآله) PageV00P358
# على قدميه وهما على عاتقيه.
# فقال: يا معاشر الناس ألا أدلكم على خير الناس جدا وجدة؟ قالوا: بلى يا
~~رسول الله، قال: الحسن والحسين، جدهما رسول الله سيد المرسلين، وجدتهما
~~خديجة ms227 بنت خويلد سيدة نساء أهل الجنة.
# ألا أدلكم على خير الناس أبا واما؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: الحسن
~~والحسين، أبوهما علي بن أبي طالب، وأمهما فاطمة بنت خديجة سيدة نساء
~~العالمين.
# أيها الناس ألا أدلكم على خير الناس عما وعمة؟ قالوا: بلى يا رسول الله،
~~قال:
# الحسن والحسين، عمهما جعفر بن أبي طالب، وعمتهما أم هاني بنت أبي طالب.
# أيها الناس ألا أدلكم بخير الناس خالا وخالة؟ فقالوا: بلى يا رسول الله،
~~قال:
# الحسن والحسين، خالهما القاسم بن رسول الله، وخالتهما زينب بنت رسول
~~الله.
# ثم قال: اللهم انك تعلم أن الحسن والحسين في الجنة، وأباهما في الجنة،
~~وأمهما في الجنة، وعمهما في الجنة، وعمتهما في الجنة، وخالهما في الجنة،
~~وخالتهما في الجنة، ومن أحبهما في الجنة، ومن أبغضهما في النار.
# قال سليمان: وكان يحدثنا هارون وعيناه تدمعان وحنقته العبرة (1).
# وأورده صاحب كتاب فرائد السمطين من أئمة المخالفين عن هارون الرشيد على
~~هذه الساقة، ثم قال بعد ايراده: قال الإمام أبو عثمان: هذا الحديث غريب
~~عجيب (2).
# PageV00P359
# الحديث السابع والعشرون [الكلمات المكتوبة على أبواب الجنة والنار] صاحب
~~كتاب فرائد السمطين، وهو الامام الحموي من أئمة المخالفين، عن عبد الله بن
~~مسعود، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لما أسري بي إلى السماء
~~أمر بعرض الجنة والنار علي، فرأيتهما جميعا، رأيت الجنة وألوان نعيمها،
~~ورأيت النار وألوان عذابها.
# فلما رجعت قال جبرئيل (عليه السلام): هل قرأت يا رسول الله ما كان مكتوبا
~~على أبواب الجنة؟ وما كان مكتوبا على أبواب النار؟ فقلت: لا، فقال جبرئيل
~~(عليه السلام): ان للجنة ثمانية أبواب، على كل باب منها أربع كلمات، كل
~~كلمة منها خير من الدنيا وما فيها لمن تعلمها واستعملها، وان للنار سبعة
~~أبواب، على كل باب منها ثلاث كلمات، كل كلمة خير من الدنيا وما فيها لمن
~~تعلمها وعرفها.
# قلت: يا جبرئيل ارجع معي لأقرأها، فرجع معي جبرئيل (عليه السلام)، فبدأ
~~بأبواب الجنة، فإذا على الباب الأول مكتوب: لا ms228 إله إلا الله، محمد رسول
~~الله، علي ولي الله، لكل شئ حيلة وحيلة طيب العيش في الدنيا أربع خصال:
~~القناعة، ونبذ الحقد، وترك الحسد، ومجالسة أهل الخير.
# وعلى باب الثاني منها مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، على ولي
~~الله، لكل شئ حيلة وحيلة السرور في الآخرة أربع خصال: مسح رأس اليتيم (1)،
~~والتعطف على الأرامل، والسعي في حوائج المسلمين، وتعهد (2) الفقراء
~~والمساكين.
# PageV00P360
# وعلى الباب الثالث منها مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي
~~الله، لكل شئ حيلة، وحيلة الصحة في الدنيا أربع خصال: قلة الكلام، وقلة
~~المنام، وقلة المشي، وقلة الطعام.
# وعلى الباب الرابع منها مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي
~~الله، من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم جاره، ومن كان يؤمن بالله
~~واليوم الآخر فليكرم ضيفه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليبر بوالديه،
~~ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليسكت.
# وعلى الباب الخامس منها مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي
~~الله، من أراد أن لا يذل فلا يذل، ومن أراد أن لا يشتم فلا يشتم، ومن أراد
~~أن لا يظلم فلا يظلم، ومن أراد أن يستمسك بالعروة الوثقى، فليستمسك بقول
~~الله لا إله إلا الله ، محمد رسول الله، علي ولي الله.
# وعلى الباب السادس منها مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي
~~الله، من أحب أن يكون قبره واسعا فسيحا، فلينق المساجد. ومن أحب أن لا
~~يأكله الديدان تحت الأرض، فليكنس المساجد. ومن أحب أن لا يظلم لحده، فلينور
~~المساجد. ومن أحب أن يبقي طريا تحت الأرض فلا يبلى جسده، فليشتر (1) بسط
~~المساجد.
# وعلى الباب السابع منها مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي
~~الله، بياض القلب في أربع خصال: في عيادة المريض، واتباع الجنائز، وشراء
~~أكفان الموتى، ودفع القرض.
# وعلى الباب الثامن منها مكتوب: لا إله إلا الله، محمد رسول الله، علي ولي
~~الله، ms229 من أراد الدخول من هذه الأبواب الثمانية، فليتمسك بأربع خصال:
~~الصدقة،
# PageV00P361
# والسخاء، وحسن الأخلاق، وكف الأذى عن عباد الله عز وجل.
# ثم جئنا إلى أبواب النار، فإذا على الباب الأول منها مكتوب ثلاث كلمات:
~~لعن الله الكذابين، لعن الله الباخلين، لعن الله الظالمين.
# وعلى الباب الثاني منها مكتوب ثلاث كلمات: من رجا الله سعد، ومن خاف الله
~~آمن، والهالك المغرور من رجا سوى الله وخاف غيره.
# وعلى الباب الثالث منها مكتوب ثلاث كلمات: من أراد أن لا يكون عريانا في
~~القيامة: فليكس الجلود العارية. ومن أراد أن لا يكون جائعا يوم القيامة،
~~فليطعم الجوعان في الدنيا. ومن أراد أن لا يكون عطشانا في القيامة، فليسق
~~العطشان في الدنيا.
# وعلى الباب الرابع منها مكتوب ثلاث كلمات: أذل الله من هان الاسلام، أذل
~~الله من أهان أهل بيت نبي الله، أذل الله من أعان الظالمين على ظلم
~~المخلوقين.
# وعلى الباب الخامس منها مكتوب ثلاث كلمات: لا تتبع الهوى، فان الهوى
~~يجانب الايمان. ولا تكثر منطقك فيما لا يعنيك، فتسقط من عين ربك. ولا تكن
~~عونا للظالمين، فان الجنة لم تخلق للظالمين.
# وعلى الباب السادس منها مكتوب ثلاث كلمات: أنا حرام على المتهجدين، أنا
~~حرام على الصائمين، أنا حرام على المتصدقين.
# وعلى الباب السابع منها مكتوب ثلاث كلمات: حاسبوا نفوسكم (1) قبل أن
~~تحاسبوا، وبخوا نفوسكم قبل أن توبخوا، وادعوا الله عز وجل قبل أن تردوا
~~عليه و لا تقدرون على ذلك (2).
# أقول: الخبر الشريف يدل دلالة واضحة على أفضلية علي (عليه السلام) على من
~~عدا
# PageV00P362
# الرسول، والا لم يكن لذكر اسمه (عليه السلام) بعد الرسول (صلى الله عليه
~~وآله) دون غيره من الأنبياء والأوصياء والصحابة مزيد فائدة، كما لا يخفى
~~على ذي مسكة.
# وقد نقل صاحب كتاب فرائد السمطين هذا الخبر من كتاب فضائل الخلفاء
~~الأربعة للحافظ أبو نعيم الاصفهاني.
# الحديث الثامن والعشرون [التنصيص على أسماء الأئمة الاثني عشر (عليهم
~~السلام)] صاحب كتاب فرائد السمطين عن مجاهد، قال: قال ابن عباس رضي الله ms230
~~عنه: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول: ان لله تبارك وتعالى ملكا يقال
~~له: دردائيل، كان له ستة عشر ألف جناح ما بين الجناح إلى الجناح هواء،
~~والهواء كما بين السماء إلى الأرض، فجعل يوما يقول في نفسه: أفوق ربنا جل
~~جلاله شئ؟ فعلم الله ما قال، فزاده أجنحة مثلها، فصار له اثنان وثلاثون ألف
~~جناح، ثم أوحى الله جل جلاله إليه أن طر، فطار مقدار خمسين عاما، فلم ينل
~~رأسه قائمة من قوائم العرش.
# فلما علم الله تعالى اتعابه، أوحى إليه: أيها الملك عد إلى مكانك، فأنا
~~عظيم ولا أو صف بمكان، فسلب الله أجنحته ومقامه من صفوف الملائكة.
# فلما ولد الحسين بن علي (عليهما السلام)، وكان مولده عشية الخميس ليلة
~~الجمعة، أوحى الله عز وجل إلى مالك خازن النار: أن أخمد النار (1) على
~~أهلها لكرامة مولود ولد لمحمد في دار الدنيا. وأوحى الله تبارك وتعالى إلى
~~رضوان خازن الجنان: أن يزخرف الجنان ويطيبها لكرامة مولود ولد لمحمد (صلى
~~الله عليه وآله) في دار الدنيا. وأوحى الله تبارك وتعالى إلى الحور العين:
~~أن تزينوا وتزاوروا لكرامة مولود لمحمد (صلى الله عليه وآله) في
# PageV00P363
# دار الدنيا. وأوحى الله إلى الملائكة: أن قوموا صفوفا بالتسبيح والتحميد
~~والتكبير لكرامة مولود ولد لمحمد في دار الدنيا.
# وأوحى الله عز وجل إلى جبرئيل (عليه السلام): أن اهبط إلى نبيي محمد في
~~ألف قبيل - والقبيل ألف ألف - من الملائكة على خيول بلق مسرجة ملجمة عليها
~~قباب الدر والياقوت، ومعهم ملائكة يقال لهم الروحانيون بأيديهم حراب من نور
~~أن هنوا محمدا (صلى الله عليه وآله) بمولوده. وأخبره يا جبرئيل بأني قد
~~سميته الحسين، فهنئه وعزه وقل له:
# يا محمد يقتله شر أمتك على شر الدواب، فويل للقاتل، وويل للسائق، وويل
~~للقائد، وقاتل الحسين أنا برئ منه وهو مني برئ، لأنه لا يأتي يوم القيامة
~~أحد الا وقاتل الحسين أعظم جرما منه، قاتل الحسين يدخل النار يوم القيامة
~~مع الذين يزعمون أن مع الله إلها آخر، ms231 والنار أشوق إلى قاتل الحسين ممن
~~أطاع الله إلى الجنة.
# قال: فبينا جبرئيل (عليه السلام) يهبط من السماء إلى الدنيا إذ مر
~~بدردائيل، فقال له دردائيل: يا جبرئيل ما هذه الليلة في السماء؟ هل قامت
~~القيامة على أهل الدنيا؟
# قال: لا ولكن ولد لمحمد مولود في دار الدنيا، وقد بعثني الله عز وجل إليه
~~لأهنئه بمولوده، فقال له الملك: يا جبرئيل بالذي خلقني وخلقك إذا هبطت إلى
~~محمد فاقرأه مني السلام، وقل له: بحبي (1) هذا المولود عليك الا سألت ربك
~~أن يرضي عني ويرد علي أجنحتي ومقامي من صفوف الملائكة.
# فهبط جبرئيل (عليه السلام) على النبي (صلى الله عليه وآله) فهنأه كما
~~أمره الله عز وجل وعزاه، فقال له النبي (صلى الله عليه وآله): تقتله أمتي؟
~~فقال له: نعم يا محمد، فقال النبي صلى الله عليه وآله: ما هؤلاء بأمتي أنا
~~برئ منهم والله برئ منهم، قال جبرئيل (عليه السلام): وأنا برئ منهم يا
~~محمد، فدخل النبي (صلى الله عليه وآله) على فاطمة (عليها السلام) فهنأها
~~وعزاها، فبكت فاطمة (عليها السلام)، ثم قالت: يا ليتني لم ألده، قاتل
~~الحسين في النار، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): وأنا أشهد بذلك يا
~~فاطمة، ولكنه
# PageV00P364
# لا يقتل حتى يكون منه امام يكون منه الأئمة الهادية.
# قال (عليه السلام): والأئمة من بعدي: الهادي علي، والمهتدي الحسن، والعدل
~~الحسين، والناصر علي بن الحسين، والسفاح محمد بن علي، والنفاع جعفر بن
~~محمد، والأمين موسى بن جعفر، والمؤتمن علي بن موسى، والإمام محمد بن علي،
~~والفعال علي بن محمد والعلام الحسن بن علي، ومن يصلي خلفه عيسى بن مريم
~~(عليهم السلام)، فسكنت فاطمة (عليها السلام) من البكاء.
# ثم أخبر جبرئيل النبي (صلى الله عليه وآله) بقصة الملك وما أصيب به، قال
~~ابن عباس: فأخذ النبي (صلى الله عليه وآله) الحسين (عليه السلام)، ثم قال:
~~اللهم بحق هذا المولود عليك لا بل بحقك عليه وعلى جده محمد وإبراهيم
~~وإسماعيل وإسحاق ويعقوب إن كان للحسين بن علي وابن ms232 فاطمة عندك قدر فارض عن
~~دردائيل ورد عليه أجنحته ومقامه من صفوف الملائكة، فرد الله تعالى أجنحته
~~ومقامه، فالملك ليس يعرف في الجنة الا بأن يقال:
# هذا مولى الحسين بن علي ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1).
# أقول: في هذا الحديث الشريف مقامات:
# المقام الأول في بيان ما لعله يحتاج إلى البيان (ما بين الجناح إلى
~~الجناح هواء) أي: فرجة وخلاء. وفي كتاب مجرد الصحاح للمعداني: الهواء ما
~~بين السماء والأرض.
# (على خيول بلق) بضم الباء الموحدة وسكون اللام جمع أبلق، وهو ما لونه
~~البلقة، وهو سواد وبياض، كذا في مجرد المعداني.
# PageV00P365
# (ومعهم ملائكة يقال لهم الروحانيون) بضم الراء المهملة نسبة إلى الروح.
# قال الجوهري في الصحاح: وزعم أبو الخطاب أنه سمع من العرب من يقول في
~~النسبة إلى الملائكة والجن روحاني بضم الراء، وللجمع روحانيون. وزعم أبو
~~عبيدة أن العرب تقوله لكل شئ فيه روح، ثم قال: ومكان روحاني بالفتح أي طيب
~~(1) انتهى.
# وأنت خبير أنه يمكن ضبطه بالفتح بهذا المعنى، وكأن هذا الصنف من الملائكة
~~أطيب ريحا.
# المقام الثاني في مناقب الإمام الحسين (عليه السلام) لا يخفى ما في هذا
~~الخبر من الدلالة القاطعة على عظم فضل مولانا الحسين (عليه السلام) من جهات
~~عديدة، ولا غرو فإنه يتيمة عقود الأولياء، ودوحة سادات الأوصياء.
# وقد روى أبو عبد الله محمد بن إدريس الحلي - عطر الله مرقده - في
~~المستطرفات التي ختم به كتاب السرائر في الأحاديث المنتزعة من جامع أحمد بن
~~محمد بن أبي نصر البزنطي عنه، عن عيان مولى سدير، عن أبي عبد الله (عليه
~~السلام) وعن رجل من أصحابنا، عن أبيه، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:
~~وذكر غير واحد من أصحابنا أن أبا عبد الله (عليه السلام) قال: ان فطرس (2)
~~كان ملكا يطيف بالعرش، فتلكأ في شئ من
# PageV00P366
# أمر الله، فقص جناحه ورمي به على جزيرة من جزائر البحر.
# فلما ولد الحسين بن علي (عليهما السلام) هبط جبرئيل (عليه السلام) إلى
~~رسول الله (صلى الله ms233 عليه وآله) يهنأه بولادة الحسين (عليه السلام)، فمر به
~~فعاد بجبرئيل، فقال: قد بعثت إلى محمد (صلى الله عليه وآله) أهنيه بمولود
~~ولد له، فان شئت حملتك إليه، فقال: قد شئت، فحمله فوضعه بين يدي رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) وبصبص بإصبعه إليه، فقال له رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): امسح جناحك بحسين، فمسح جناحه بحسين، فعرج (1).
# ووجدت في الجزء الثاني عشر من كتاب شرح الأخبار في فضائل الأئمة الأطهار
~~الأبرار، ما صورته: وعن أحمد بن إسماعيل باسناده عن محمد بن علي (عليهما
~~السلام) أنه قال: بعث الله عز وجل أملاكا، فأبطأ أحدهم، فأوهى الله جناحه،
~~فسقط على جزيرة من جزائر البحر.
# فلما دنا مولد الحسين (عليه السلام) بعث الله جبرائيل (عليه السلام)
~~ببشارته إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)،
# PageV00P367
# فمر بذلك الملك، فقال له: أيها الملك الطيب ريحه الحسن وجهه الكريم على
~~ربه، ألا تدعو لي ربك أن يطلق جناحي هذا الواهي.
# قال له جبرائيل: ليس ذلك لي، ولكني أرسلت إلى من هو أكرم عند الله مني،
~~وسأسأله أن يدعو الله لك، فلما بشر جبرائيل (عليه السلام) النبي (صلى الله
~~عليه وآله) بمولد الحسين صلوات الله عليه قال له: يا محمد اني مررت بملك
~~على جزيرة من جزائر البحر قد وهي جناحه، فسألني أن أدعو الله له، فقلت: اني
~~أرسلت إلى من هو أكرم على الله مني وسأسأله أن يدعو الله لك.
# قال: فدعا الله له النبي (صلى الله عليه وآله)، فأوحى الله إلى جبرائيل
~~(عليه السلام) أن يأمر ذلك الملك أن يدف دفيفا إلى المولود - يعني الحسين
~~(عليه السلام) - فيمسح جناحه الواهي به فإنه يصح ففعل، فصح جناحه وعرج إلى
~~السماء (1).
# وروى بعض (2) عظماء أصحابنا عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لما أراد
~~الله تعالى أن يهب لفاطمة الزهراء الحسين (عليه السلام) وكان مولده في رجب
~~في اثني عشرة ليلة خلت منه، فلما وقعت في طلقها أوحى الله عز وجل إلى لعيا،
~~وهي حوراء ms234 من حور الجنة، وأهل الجنان إذا أرادوا أن ينظروا إلى شئ حسن
~~نظروا إلى لعيا، قال:
# ولها سبعون ألف وصيفة، وسبعون ألف قصر، وسبعون ألف مقصورة، وسبعون ألف
~~غرفة مكللة بأنواع الجواهر والمرجان، وقصر لعيا أعلى من تلك القصور، ومن كل
~~قصر (3) في الجنة، وإذا أشرفت على الجنة نظرت جميع ما في الجنة، وأضاءت
~~الجنة من ضوء خدها وجبينها.
# فأوحى الله إليها: أن اهبطي إلى دار الدنيا إلى بنت حبيبي محمد فآنسي
~~لها.
# وأوحى الله إلى رضوان خازن الجنان: أن زخرف الجنة وزينها كرامة لمولود
~~يولد
# PageV00P368
# في دار الدنيا. وأوحى الله إلى الملائكة: أن قوموا صفوفا بالتسبيح
~~والتقديس والثناء على الله تعالى. وأوحى إلى جبرئيل وميكائيل وإسرافيل
~~(عليهم السلام): أن اهبطوا إلى الأرض في قنديل من الملائكة. قال ابن عباس:
~~والقنديل ألف ألف ملك.
# قال: فبينما هبطوا من سماء إلى سماء، وإذا في السماء الرابعة ملك يقال
~~له:
# صلصائيل، له سبعون ألف جناح، قد نشرها من المشرق إلى المغرب، وهو شاخص
~~نحو العرش، لأنه ذكر في نفسه، فقال: ترى الله يعلم ما في قرار هذا البحر
~~وما يسير في ظلمة الليل وضوء النهار، فعلم الله تعالى ما في نفسه فأوحى
~~الله تعالى إليه: أن أقم مكانك لا تركع ولا تسجد عقوبة لك لما فكرت، قال:
~~فهبط لعيا على فاطمة (عليها السلام) وقالت لها: مرحبا بك يا بنت محمد كيف
~~حالك؟ قالت لها: بخير، ولحق فاطمة (عليها السلام) الحياء من لعيا، ما تدري
~~ما تفرش لها، فبينما هي متفكرة إذ هبطت حوراء من الجنة ومعها درنوك من
~~درانيك الجنة، فبسطته في منزل فاطمة (عليها السلام)، فجلست عليه لعيا.
# ثم إن فاطمة (عليها السلام) ولدت بالحسين (عليه السلام) في وقت الفجر،
~~فقبلته لعيا وقطعت سرته، ونشفته بمنديل من مناديل الجنة، وقبلت عينيه،
~~وتفلت في فيه، وقالت له:
# بارك الله فيك من مولود، وبارك في والديك، وهنأت الملائكة جبرائيل، وهنأ
~~جبرائيل محمدا صلى الله عليه وآله سبعة أيام بلياليها.
# فلما كان في اليوم ms235 السابع، قال جبرائيل: يا محمد آتنا بابنك هذا حتى
~~نراه، قال:
# فدخل النبي (صلى الله عليه وآله) على فاطمة (عليها السلام)، فأخذ الحسين
~~(عليه السلام) وهو ملفوف بقطعة صوف صفراء، فأتى به إلى جبرائيل (عليه
~~السلام)، فحله وقبل بين عينيه وتفل في فيه، وقال: بارك الله فيك من مولود،.
~~بارك في والديك، يا صريع كربلاء، ونظر إلى الحسين (عليه السلام)، وبكى وبكى
~~النبي (صلى الله عليه وآله) وبكت الملائكة، وقال له جبرائيل: اقرأ فاطمة
~~ابنتك السلام، وقل لها تسميه الحسين، فقد سماه الله جل الله اسمه، وإنما
~~سمي الحسين لأنه لم يكن في زمانه أحسن منه وجها. PageV00P369
# فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا جبرائيل تهنأني وتبكي؟ قال: نعم
~~يا محمد آجرك الله في مولودك هذا، فقال: يا حبيبي جبرائيل ومن يقتله؟ قال:
~~شر أمة من أمتك، يرجون شفاعتك، لا أنالهم الله ذلك، فقال النبي (صلى الله
~~عليه وآله): خابت أمة قتلت ابن بنت نبيها، قال جبرائيل: خابت ثم خابت من
~~رحمة الله، وخاضت في عذاب الله عز وجل.
# ودخل النبي (صلى الله عليه وآله) على فاطمة (عليها السلام) فأقرأها من
~~الله السلام، وقال لها: يا بنية سميه الحسين فقد سماه الله الحسين، فقالت:
~~من مولاي السلام واليه يعود السلام، والسلام على جبرائيل، وهنأها النبي
~~(صلى الله عليه وآله) وبكى.
# فقالت له: يا أباه تهنأني وتبكي؟ قال: نعم يا بنية آجرك الله في مولودك
~~هذا، فشهقت شهقة وأخذت في البكاء، وساعدتها لعيا ووصائفها، وقالت: يا أبتاه
~~من يقتل ولدي وقرة عيني وثمرة فؤادي؟ قال: شر أمة من أمتي يرجون شفاعتي، لا
~~أنالهم الله ذلك، قالت فاطمة (عليها السلام): خابت أمة قتلت ابن بنت نبيها،
~~قالت لعيا:
# خابت ثم خابت من رحمة الله، وخاضت في عذابه، يا أبتاه اقرأ جبرائيل عني
~~السلام، وقل له: في أي موضع يقتل؟
# قال: في موضع يقال له كربلاء، فإذا نادى الحسين فلم يجبه أحد منهم، فعلى
~~القاعد عن نصرته لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، ms236 الا أنه لن يقتل حتى
~~يخرج من صلبه تسعة من الأئمة، ثم سماهم بأسمائهم إلى آخرهم، وهو الذي يخرج
~~آخر الزمان مع عيسى بن مريم، فهؤلاء مصابيح الرحمن، وعروة الاسلام، محبهم
~~يدخل الجنة، ومبغضهم يدخل النار.
# قال: وعرج جبرائيل وعرجت الملائكة وعرجت لعيا، فلقيهم الملك صلصائيل،
~~فقال: يا حبيبي أقامت القيامة على أهل الأرض؟ قال: لا، ولكن هبطنا إلى
~~الأرض فهنأنا محمدا (صلى الله عليه وآله) بولده الحسين (عليه السلام)، قال:
~~حبيبي جبرائيل فاهبط إلى الأرض وقل له: يا محمد اشفع إلى ربك في الرضا عني،
~~فإنك صاحب الشفاعة، PageV00P370
# قال: فقام النبي (صلى الله عليه وآله) ودعا بالحسين (عليه السلام) فرفعه
~~بكلتا يديه إلى السماء، وقال: اللهم بحق مولودي هذا عليك الا رضيت عن
~~الملك، فإذا النداء من قبل العرش: يا محمد قد فعلت وقدرك عندي كبير عظيم.
# قال ابن عباس: والذي بعث محمدا بالحق نبيا أن صلصائيل يفتخر على الملائكة
~~أنه عتيق الحسين (عليه السلام)، ولعيا تفتخر على الحور العين بأنها قابلة
~~الحسين (عليه السلام) (1).
# والأخبار في مناقبه (عليه السلام) لا تحصى.
# وقد أخرج الترمذي في صحيحه بسنده عن سلمى الأنصارية، قالت: دخلت على أم
~~سلمة زوجة النبي (صلى الله عليه وآله) وهي تبكي، فقلت: ما يبكيك؟ قالت:
~~رأيت الان النبي (صلى الله عليه وآله) في المنام وعلى رأسه ولحيته التراب،
~~فقلت: مالك يا رسول الله؟ قال:
# شهدت قتل الحسين آنفا (2).
# وأخرج الترمذي بسنده عن يعلى بن مرة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): حسين مني وأنا من حسين، أحب الله من أحب حسينا، حسين سبط من الأسباط
~~(3).
# وأخرج البخاري والترمذي في صحيحيهما عن ابن عمر، وقد سأله رجل عن دم
~~البعوضة، فقال: ممن أنت؟ قال: من أهل العراق، قال: انظروا إلى هذا يسألني
~~عن دم البعوض وقد قتلوا ابن النبي، وسمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول:
~~هما ريحانتاي من الدنيا (4).
# وفي خبر آخر أنه سأله عن المحرم يقتل الذباب، فقال: يا أهل العراق
~~تسألوني عن ms237 قتل الذباب وقد قتلتم الحسين ابن رسول الله، وذكر الحديث، وفي
~~آخره: وهما
# PageV00P371
# سيدا شباب أهل الجنة (1).
# وأخرج الترمذي أيضا أن النبي (صلى الله عليه وآله) أبصر حسنا وحسينا،
~~فقال: اللهم إني أحبهما فأحبهما (2).
# وروى أبو الفرج ابن الجوزي الحنبلي بسنده في كتاب صفة الصفوة عن النبي
~~(صلى الله عليه وآله) أنه قال: ان هذين ابناي فمن أحبهما فقد أحبني - يعني:
~~الحسن والحسين - (3).
# وأخرج الترمذي في صحيحه والشيخ كمال الدين محمد بن طلحة الشامي الشافعي
~~في كتاب مطالب السؤول، عن حذيفة بن اليمان أنه قال لامه: دعيني آتي النبي
~~(صلى الله عليه وآله) فاصلي معه المغرب، وأسأله أن يستغفر لي ولك، فأتيته
~~وصليت معه المغرب، ثم قال: فصلى حتى صلى العشاء، ثم انفتل فتبعته فسمع
~~صوتي، فقال: من هذا؟ قلت: حذيفة، قال: ما حاجتك؟ قلت: تستغفر لي ولأمي،
~~فقال: غفر الله لك ولامك ان هذا ملك لم ينزل الأرض قط من قبل هذه الليلة،
~~استأذن ربه أن يسلم علي ويبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، وأن الحسن
~~والحسين سيدا شباب أهل الجنة (4).
# وبالجملة فمفاخره (عليه السلام) أغزر من قطر المطر، وأكثر من عدد النجوم
~~والشجر، ومن أين يقدر المتصدي لجمعها على الإحاطة بأقطارها، والخوض كما
~~يحبب في غمارها، وهل ذلك الا طلب متعذر ومحاولة مستحيل.
# وليس يصح في الأذهان شئ * إذا احتاج النهار إلى دليل لكني اكتفيت بقليل
~~من كثير، ويسير من غزير، وقطرة من سحاب، ونقطة من
# PageV00P372
# عباب.
# المقام الثالث دلالة الحديث على كفر قاتل الحسين (عليه السلام) قوله
~~(وقاتل الحسين أنا برئ منه وهو مني برئ) صريح الدلالة على كفر قاتل الحسين
~~(عليه السلام)، وأنه أعظم الخليقة جرما، والأخبار بذلك لا تحصى كثرة.
# وروى الحموي في فرائد السمطين عن الإمام علي بن موسى الرضا، حدثني أبي
~~موسى بن جعفر، قال: حدثني أبي جعفر، قال: حدثني أبي محمد بن علي، قال:
# حدثني أبي علي بن الحسين، قال: حدثني أبي الحسين بن علي، قال: حدثني أبي
~~علي بن أبي ms238 طالب: قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ان موسى بن
~~عمران رفع يده، فقال: يا رب ان أخي هارون مات فاغفر له، فأوحى الله عز وجل
~~إليه: يا موسى لو سألتني في الأولين والآخرين لأجبتك ما خلا قاتل الحسين بن
~~علي، فاني أنتقم له منه (1).
# وبهذا الاسناد إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): ان قاتل الحسين في تابوت من نار عليه نصف عذاب أهل
~~النار، وقد شد يداه ورجلاه بسلاسل من نار منكس في النار حتى يقع قعر جهنم،
~~وله ريح تتعوذ أهل النار من شدة ريح نتنه، وهو فيها خالد ذائق العذاب
~~الأليم، كلما نضجت جلودهم بدل الله عليهم الجلود، حتى يذوقوا العذاب
~~الأليم، لا يفتر عنهم ساعة، ويسقى من حميم جهنم، الويل لهم من عذاب الله عز
~~وجل (2).
# PageV00P373
# وبهذا الاسناد إليه (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): تحشر ابنتي فاطمة يوم القيامة ومعها ثياب مصبوغة بدم الحسين، فتتعلق
~~بقائمة من قوائم العرش، فتقول:
# يا عدل احكم بيني وبين قاتل ابني، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
~~فيحكم لابنتي ورب الكعبة (1).
# وهو يدل على كفر يزيد لعنه الله وجواز لعنه، ورجحانه على رغم أنف
~~الناصبة، وأي كفر أعظم من قتل ولد رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ وهتك
~~حرمه، وسبيهن وحملهن على أقتاب الجمال بغير وطاء، وقتل الأنصار بالحرة؟
~~وغيرها من وقائعه الفضيعة وبدعه الشنيعة.
# وروى الزمخشري من الحنفية في كتاب ربيع الأبرار: أن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) رأى يوما أبا سفيان راكبا على حمار، وقد جر يزيد من أمامه، ومعاوية
~~قد ساقه من ساقه من خلفه، فقال صلوات الله عليه: لعن الله الراكب والقائد
~~والسائق (2).
# وقال العلامة التفتازاني من عظماء الحنفية في شرح العقائد النسفية بعد
~~نقل الخلاف بينهم في جواز لعنه لعنه الله: واتفقوا على جواز اللعن على من
~~قتله (عليه السلام)، أو أمر به، أو أجازه، أو رضي به. ms239 والحق أن رضا يزيد
~~بقتل الحسين (عليه السلام) واستبشاره بذلك واهانته أهل بيت النبي (صلى الله
~~عليه وآله) مما تواتر معناه، وإن كان تفاصيله آحاد، فنحن لا نتوقف في شأنه
~~بل في عدم ايمانه لعنة الله عليه وعلى أنصاره وأعوانه انتهى.
# وقال في شرح المقاصد: ان ما جرى من الظلم على أهل بيت النبي (صلى الله
~~عليه وآله) من الظهور بحيث لا مجال فيه للاخفاء، ومن الشناعة بحيث لا
~~اشتباه على الآراء، إذ يكاد يشهد به الجماد والعجماء، ويبكي له الأرض
~~والسماء، وتنهدم منه الجبال،
# PageV00P374
# وتنشق منه الصخور، ويبقى سوء عمله على كر الشهور ومر الدهور، فلعنة الله
~~على من باشر، أو رضي، أو سعى، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى.
# ثم قال: فان قيل: من علماء المذهب من لا يجوز اللعن على يزيد مع علمهم
~~بأنه يستحق ما يربو على ذلك ويزيد.
# قلنا: تحاميا عن أن يرتقى إلى الأعلى فالأعلى، كما هو شعار الروافض على
~~ما يروى في أدعيتهم، ويجري في أنديتهم، فرأى المعتنون بأمر الدين الجام
~~العوام بالكلية طريقا إلى الاقتصاد في الاعتقاد، وبحيث لا تزل الأقدام عن
~~السواء، ولا تضل الأفهام بالأهواء، والا فمن يخفى عليه الجواز والاستحقاق؟
~~وكيف لا يقع عليهما الاتفاق؟
# وهذا هو السر فيما نقل عن السلف من المبالغة في مجانبة أهل الضلال، وسد
~~طريق لا يؤمن أن يجر إلى الغواية في المآل، مع علمهم بحقيقة الحال وجلية
~~المقال، وقد كشف لنا ذلك حين اضطربت الأحوال واسترابت (1) الأهوال، وحيث لا
~~متسع و مجال، والمشتكى إلى الله عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال (2)
~~انتهى كلامه.
# وهو يعطي أن امتناعهم عن لعن يزيد ليس تزكية له وتنزيها عن أن ينتظم في
~~سلك الملاعين، بل لأنهم علموا أن المفاسد الصادرة منه راجعة إلى أبيه، لأن
~~ولايته من قبله مع علمه بعدم صلوحه لها، وهو من قبل عمر وعثمان، وهما من
~~قبل أبي بكر، فترجع المفاسد كلها إليه في الحقيقة، فلو لعنوا يزيد لبدعه
~~الفضيعة لانجر الأمر إلى لعن هؤلاء الطواغيت. ms240 ولقد أنصف التفتازاني في هذا
~~الكلام كل الانصاف على رغم أنفه.
# وبالجملة فأصل جميع هذه المفاسد الممتدة الرواق، والفتن المشيدة النطاق،
# PageV00P375
# المنتشرة في الآفاق، القائمة بأهلها على ساق من تلك البيعة التي عقدها
~~عمر بن الخطاب لأبي بكر الخباط الحطاب، وذلك الحائل الذي حال بين النبي
~~(صلى الله عليه وآله) وبين كتابة ذلك الكتاب المستطاب (1).
# ويؤيد ذلك ما رواه أبو الصلاح (2) من أصحابنا عن بشير، قال: سألت أبا
~~جعفر (عليه السلام) عن أبي بكر وعمر، فلم يجبني، ثم سألته فلم يجبني، فلما
~~كان في الثالثة قلت: جعلت فداك أخبرني عنهما، قال (عليه السلام): ما قطرت
~~قطرة من دمائنا ودماء أحد من المسلمين الا هي في أعناقهما إلى يوم القيامة
~~(3).
# وأنسب بهذا المقال ما قيل في شأن فلان بن فلان:
# لعنت كه أين جفا از پيش اوست * خون مظلومان دشت كربلاء از پيش اوست (4)
# PageV00P376
# وذكر ابن خلكان الشامي في تاريخه وفيات الأعيان في ترجمة أبي الحسن علي
~~بن محمد بن علي الطبري الشافعي المعروف بالكيا: أنه سئل عن يزيد بن معاوية،
~~فقال: انه لم يكن من الصحابة، لأنه ولد في زمن عمر بن الخطاب.
# وأما قول السلف، ففيه لأحمد قولان تلويح وتصريح، ولمالك قولان تلويح
~~وتصريح، ولأبي حنيفة قولان تلويح وتصريح، ولنا قول واحد التصريح دون
~~التلويح، وكيف لا يكون كذلك؟ وهو اللاعب بالنرد، والمتصيد بالفهود، ومدمن
~~الخمر، وشعره في الخمر معلوم، ومنه قوله:
# أقول لصحب ضمت الكأس شملهم * وداعي صبابات الهوى يترنم خذوا بنصيب من
~~نعيم ولذة * فكل وان طال المدى يتصرم وكتب فصلا طويلا، ثم قلب الورقة وكتب:
~~لو مددت ببياض لمددت العنان في مخازي هذا الرجل، وكتب فلان بن فلان.
# ثم قال ابن خلكان: وقد أفتى الإمام أبو حامد الغزالي في مثل هذه المسألة
~~بخلاف ذلك، فإنه سئل عمن صرح بلعن يزيد هل يحكم بفسقه أم هل يكون ذلك مرخصا
~~له؟ وهل كان مريدا قتل الحسين (عليه السلام) أم كان قصده الدفع؟ وهل يسوغ
~~الترحم عليه أو السكوت ms241 عنه أفضل؟ ينعم بإزالة الاشتباه مثابا.
# فأجاب: لا يجوز لعن المسلم أصلا، ومن لعن مسلما فهو الملعون، وقد قال
~~رسول الله صلى الله عليه وآله: المسلم ليس بلعان. ولا يجوز لعن البهائم،
~~وقد ورد النهي عن ذلك، وحرمة المسلم أعظم من حرمة الكعبة بنص النبي (صلى
~~الله عليه وآله)، ويزيد صح اسلامه، وما صح قتله الحسين، ولا أمره ولا رضاه
~~بذلك، ومهما لم يصح ذلك منه لا يجوز أن يظن ذلك به، فان إساءة الظن بالمسلم
~~حرام.
# ومن زعم أن يزيد أمر بقتل الحسين أو رضي به، فينبغي أن يعلم أن به غاية
~~الحماقة، فان من قتل من الأكابر والوزراء والسلاطين في عصره لو أراد أن
~~يعلم حقيقة من الذي أمر بقتله، أو من الذي رضي به، ومن الذي كرهه، لم يقدر
~~على PageV00P377
# ذلك، وإن كان قد قتل في جواره وزمانه وهو يشاهده، فكيف ولو كان في بلد
~~بعيد وفي زمن قديم قد انقضى، فكيف يعلم ذلك فيما انقضى عليه قريب من
~~أربعمائة سنة في مكان بعيد، وقد تطرق التعصب في الواقعة، فكثرت فيها
~~الأحاديث من الجوانب، فهذا أمر لا يعرف حقيقته أصلا، وإذا لم يعرف وجب
~~احسان الظن به.
# ومع هذا لو ثبت على مسلم أنه قتل مسلما، فمذهب أهل الحق أنه ليس بكافر،
~~والقتل ليس بكفر بل هو معصية، وإذا مات القاتل فربما مات بعد التوبة،
~~والكافر لو تاب من كفره لم يجز لعنه، فكيف من تاب عن قتل، ولم يعرف أن قاتل
~~الحسين مات قبل التوبة، وهو الذي يقبل التوبة عن عباده، فاذن لا يجوز لعن
~~أحد ممن مات من المسلمين، ومن لعنه كان فاسقا عاصيا لله تعالى.
# ولو جاز لعنه فسكت عنه لم يكن عاصيا بالاجماع، بل لو لم يلعن إبليس طول
~~عمره لا يقال له في القيامة: لم لا تلعن إبليس؟ ويقال لللاعن: لم لعنت؟ ومن
~~أين عرفت أنه مطرود ملعون؟ والملعون هو المبعد من الله عز وجل، وهو غيب لا
~~يعرف الا في من ms242 مات كافرا، فان ذلك علم بالشرع.
# وأما الترحم عليه، فهو جائز بل مستحب، بل هو داخل في قولنا في كل صلاة
~~(اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات) فإنه كان مؤمنا والله أعلم، كتبه الغزالي
~~(1).
# أقول: هذا نصب عظيم من الغزالي لأهل البيت (عليهم السلام)، وانكار
~~للضروريات، ودفع للمتواترات بالراح، فان رضا يزيد - لعنه الله - بقتل
~~الحسين (عليه السلام) وأمره به وبسط الأموال على الأنطاع، وامداده ابن زياد
~~بالجيوش والعساكر، مما تواتر وأجمعت عليه التاريخ والسير على اختلاف
~~مذاهبهم وتفاوت معتقداتهم ونحلهم.
# وقد صنف ابن الجوزي الحنبلي كتابا في جواز لعنه، سماه الرد على المتعصب
~~العنيد
# PageV00P378
# المانع من لعن يزيد (1)، وأكثر فيه الأدلة والشواهد على كفره لعنه الله.
# وقد أوردنا جملة مقنعة في رسالتنا المعمولة في لعن الطواغيت الموسومة
~~باليواقيت. ونقل أهل التاريخ والسير أبياته اللامية التي أولها:
# يا غراب البين أزمعت فقل * إنما تندب أمرا قد فعل الناطقة بفرحه وكفره
~~وعدم تصديقه الرسول، بين لا يدفع، ومكشوف لا يتلفع.
# وذكر العلامة المطرزي في شرح المقامات في شرح المقامة الأربعين منها
~~البيت الأخير، وهو قوله:
# لست من خندف ان لم أنتقم * من بني أحمد ما كان فعل وهو من أدل الدلائل
~~على كفره وارتداده لعنه الله، وجعله قتل الحسين (عليه السلام) وهتك حرمه
~~مثل قتل سائر المسلمين كفر عظيم ونصب شديد، والأخبار المستفيضة من طرقهم
~~مصرحة بكفر قاتل الحسين (عليه السلام) ناطقة بأنه أعظم الخليقة جرما.
# والعجب من هذا الناصب كيف بلغ بالنصب إلى هذا المبلغ الفضيع، والمقام
~~الشنيع؟ وما كنت أظن أن من له من الاسلام أدنى نصيب أن يرتكب هذا المرتكب
~~الغريب، فليضحك عليه كثيرا.
# وقد قيل: إن الغزالي أدركته السعادة الإلهية والرحمة الربانية قبل موته،
~~وقد نبهنا على ذلك في صدر الكتاب، والله الهادي إلى الصواب على رغم النصاب
~~ذوي الأذناب.
# PageV00P379
# المقام الرابع في أن الخبر المذكور صريح في مذهب الإمامية رضوان الله
~~عليهم وهو أن الامام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب
~~(عليه السلام)، ms243 ثم الأحد عشر من ذريته، مع أنه من طرقهم، وقد أسلفنا في ذيل
~~الحديث السابع عشر أخبارا ناطقة بذلك اجمالا وتفصيلا، كلها من طرقهم.
# ولعمري أنهم لو تركوا رواية مثل هذه الأخبار الناطقة بفساد مذهبهم
~~السخيف، وضلال اعتقادهم الطفيف، لكانوا أعذر، فالحمد لله الذي أنطقهم بما
~~هو حجة عليهم، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
# ومما ينطق أيضا بفساد مذهبهم الأخبار الناطقة بأن الأئمة اثنا عشر على
~~وجه الاجمال، وهي أخبار متعددة بلغت حد التواتر المعنوي.
# منها: ما رواه (1) البخاري في صحيحه في الجزء الثالث من أجزاء ثمانية،
~~بأسناده إلى جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي (صلى الله عليه وآله) يقول:
~~يكون من بعدي اثنا عشر أميرا،
# PageV00P380
# فقال كلمة لم أسمعها، قال أبي: أنه قال: كلهم من قريش (1).
# ومنها: ما رواه البخاري أيضا في صحيحه، بأسناده إلى ابن عيينة، قال: قال
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا
~~عشر رجلا، ثم تكلم النبي (صلى الله عليه وآله) بكلمة خفيت علي، فسألت أبي
~~ماذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال: كلهم من قريش (2).
# ومنها: ما رواه مسلم في صحيحه في الجزء الرابع، قال: قال النبي (صلى الله
~~عليه وآله): ان هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم اثنا عشر خليفة، قال: ثم
~~تكلم بكلام خفي علي، فقلت: ماذا قال؟ فقال: كلهم من قريش (3).
# ورواه مسلم في صحيحه من طريق آخر مثل رواية البخاري عن ابن عيينة بألفاظه
~~ومعانيه (4).
# ومنها: ما رواه مسلم أيضا في صحيحه في رواية سماك بن حرب رفعه إلى النبي
~~(صلى الله عليه وآله) قال: لا يزال أمر الاسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة
~~كلهم من قريش (5).
# ومنها: ما رواه أبو داود في صحيحه باسناده عن النبي (صلى الله عليه وآله)
~~قال: لا يزال الدين ظاهرا حتى تقوم الساعة ويكون عليكم اثنا عشر خليفة كلهم
~~من قريش (6).
# وروى الحميدي في الجمع بين الصحيحين هذه الأحاديث ms244 من طريق عبد الملك بن
~~عمير، وطريق شعبة، وطريق ابن عيينة، وطريق سماك بن حرب، وطريق
# PageV00P381
# عدي بن حاتم، وطريق الشعبي، وطريق خضر (1) بن عبد الرحمن.
# وأورده رزين العبدري في الجمع بين الصحاح الستة من طرق متعددة وأسانيد
~~متكثرة، وجميع هذه الطرق تتضمن أن عدتهم اثني عشر خليفة، واثني عشر أميرا
~~كلهم من قريش (2) (3).
# PageV00P382
# وروى أحمد بن حنبل في مسنده في المجلد الثالث منه عن مسروق، قال: كنت عند
~~عبد الله بن مسعود، فأتاه رجل فقال: يا بن مسعود هل حدثكم نبيكم كم يكون من
~~بعده من خليفة؟ قال: نعم كعدة نقباء بني إسرائيل (1).
# وهذه الأخبار ناطقة بأن الفرقة الناجية هي الامامية دون سائر الفرق، إذ
~~لم ينقل أحد من فرق المسلمين باثني عشر خليفة سواهم.
# وأما العامة والزيدية، فأئمتهم لا تنحصر بعد ولا تنتهي إلى حد.
~~والإسماعيلية مسبعة (2) أو يزيدون على الاثني عشر، كما جوزناه في النكت
~~البديعة في فرق الشيعة. والواقفية إنما يقولون بامامة سبعة. والكيسانية
~~يقولون بامامة ثلاثة، ومنهم
# PageV00P383
# من زاد واحدا أو اثنين. والناووسية بستة. والفطحية بثلاثة عشر بإضافة عبد
~~الله إلى الأئمة الباقين، كما ذكره شيخنا الشهيد الثاني في شرح الشرائع في
~~كتاب النكاح.
# وبالجملة فلم يقل أحد من الفرق بهذا العدد سوى الاثنا عشرية، فهي الفرقة
~~الناجية والطائفة الزاكية.
# قال الوزير السعيد والفاضل العميد أبو الحسن علي بن عيسى الأربلي 1 في
~~كشف الغمة، بعد ذكر هذه الأخبار ونعم ما قال: ونحن نطالبهم - يعني
~~المخالفين - بعد نقل هذه الأخبار بتعيين هذه (1) الاثني عشر، فلابد لهم من
~~أحد أمرين: إما تعيين هذه العدة في غير الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)،
~~ولا يمكنهم ذلك، لأن ولاة هذا الأمر من الصحابة وبني أمية وبني العباس
~~يزيدون على الخمسين.
# وإما أن يقروا ويسلموا أن الأخبار الواردة في هذا الباب واهية ضعيفة غير
~~مصححة، ولا يحل أن يعتمد عليها، فنحن نرضى منهم به ونشكرهم عليه، لما يترتب
~~لنا عليه من المصالح العزيزة والفوائد الكثيرة.
# أو يلتزموا لقسم ثالث، وهو ms245 الاقرار بالأئمة الاثني عشر، لانحصار ذلك في
~~هذه الأقسام، وهذا الالزام يلزم الزيدية كما يلزمهم، وهذا الزام لا محيص
~~لهم عنه متى استعملوا الانصاف، وسلكوا طريق الحق، وعدلوا عن سنن المكابرة
~~والمباهتة، وتركوا بنيات الطريق.
# وقد خلصنا نحن عن هذه العهدة، فان الأئمة الاثني عشر قد تعينوا عندنا
~~بنصوص واضحة جلية لاشك فيها ولا لبس، ولم نحتج في الاقرار بهم والاعتراف
~~بإمامتهم إلى استنباط ذلك من كتبهم (2). انتهى كلامه أعلى الله مقامه.
# وقد تحير المخالفون في الجواب عن هذا الاشكال الوارد على مذهبهم السخيف
# PageV00P384
# ورأيهم الطفيف.
# فقال جلال الدين السيوطي الشافعي في كتاب فصل الخطاب وتاريخ الخلفاء:
# المراد بالاثني عشر في الأخبار السابقة الخلفاء الأربعة، والحسن والحسين،
~~وسبعة من بني أمية على الترتيب، قال: وبعد ذلك يكون ملكا لا خلافة.
# وهو مما يضحك الثكلى، فإنه لا يحسن ممن يؤمن بالله واليوم الآخر أن ينظم
~~يزيد بن معاوية الخمار السفاك الهتاك قاتل الحسين (عليه السلام) وأنصاره
~~وبني عمه، وسابي نساء أهل البيت (عليهم السلام) في سلك الخلفاء بالحق، وكذا
~~مروان بن الحكم، مع أنه لعنه رسول الله (صلى الله عليه وآله)، كما رواه
~~الزمخشري في الكشاف (١).
# وكيف يحسن أيضا من ذي مسكة أن يدعي أن معاوية بن أبي سفيان خليفة بالحق،
~~منصوص عليه من النبي (صلى الله عليه وآله)؟ مع ما أبدع في الدين من البدع
~~الفضيعة الشنيعة، واعلانه بلعن أمير المؤمنين (عليه السلام) وشتمه على
~~المنابر، وجعله ذلك سنة جارية، ولم تزل مستمرة إلى زمان عمر بن عبد العزيز.
# وقد صرح صاحب الكشاف بلعنه وأتباعه، في تفسير قوله تعالى ﴿ان الله يأمر بالعدل والاحسان﴾ (2)
~~الآية، وهذه عبارته: وحين أسقطت من الخطب لعنة الملاعين على أمير المؤمنين
~~(عليه السلام) أقيمت هذه الآية مقامها، ولعمري أنها كانت فاحشة ومنكرا
~~وبغيا، ضاعف الله لمن سنها غضبا ونكالا وخزيا، إجابة لدعوة نبيه وعاد من
~~عاداه (3). انتهى.
# قال المحشي: يريد بلعنه الملاعين من لعن عليا من بني أمية وبني مروان، ms246
~~والذي أسقط لعنه عمر بن عبد العزيز، والذي سن ذلك معاوية انتهى.
# ويظهر منه في مواضع من الكشاف بغضه، وأنه ما كان على الحق، وما كان
# PageV00P385
# جهاده مع علي (عليه السلام) باجتهاده، ولا كان معذورا فيه بل متعمدا
~~عالما.
# منها: ما ذكره في آخر سورة يونس عند قوله تعالى ﴿واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين﴾ (١) قال ما
~~هذا لفظه: روي أن أبا قتادة تخلف عن تلقي معاوية حين قدم المدينة وقد تلقته
~~الأنصار، ثم دخل عليه من بعد فقال له: مالك لم تلقنا؟
# قال: لم تكن عندنا دواب، قال: فأين النواضح؟ قال: قطعناها في طلبك وطلب
~~أبيك يوم بدر، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا معشر الأنصار
~~انكم ستلقون بعدي أثرة، قال معاوية: فماذا قال؟ قال: فاصبروا حتى تلقوني،
~~قال: فاصبر، قال: اذن نصبر، فقال عبد الرحمن بن حسان:
# ألا أبلغ معاوية بن حرب * أمير الظالمين نثا كلامي بأنا صابرون فمنظروكم
~~* إلى يوم التغابن والخصام (٢) ومن كان هذا حاله كيف يدعي خليفة بالحق
~~ومطاعنه كثيرة، وقد أشرنا إلى بعضها في صدر الكتاب في ذيل الحديث التاسع،
~~وقد نقلنا عن كتاب الموفقيات ما هو صريح في كفره لعنه الله، وحسده الرسول
~~(صلى الله عليه وآله).
# وقد روى العامة عنه أيضا أنه كان يبذل الجوائز العظيمة لمن يروي حديثا في
~~فضائل الخلفاء الثلاثة، أوفي مذمة علي (عليه السلام)، أو يحول مناقبه (عليه
~~السلام) إلى أحدهم.
# وقد نقل الشيخ عبد الحميد بن أبي الحديد المدائني في شرح نهج البلاغة، عن
~~أبي جعفر الإسكافي، وهما من أكابر علماء المخالفين: أن معاوية بذل لسمرة بن
~~جندب مائة ألف درهم حتى يروي أن هذه الآية نزلت في علي (عليه السلام) ﴿ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة
~~الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى سعى في الأرض
~~ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ (3) وأن ms247
# PageV00P386
# الآية الثانية نزلت في ابن ملجم، وهي قوله تعالى ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله والله رؤوف
~~بالعباد﴾ (1) فلم يقبل، فبذل له مائتي ألف فلم يقبل، فبذل له ثلاثمائة
~~ألف فلم يقبل، فبذل له أربعمائة ألف فقبل (2).
# وقال علامتهم التفتازاني في التلويح في مباحث خبر الواحد ما نصه: ان حديث
~~الجهر بالتسمية مشهور، حتى أن أهل المدينة احتجوا به على مثل معاوية، وردوه
~~على ترك الجهر بالتسمية، وهو مروي عن أبي هريرة وعن أنس (3)، الا أنه
~~اضطربت رواياته فيه بسبب أن عليا كان يبالغ في الجهر، وحاول معاوية وبنوا
~~أمية محو آثاره، فبايعوا على الترك فخاف أنس انتهى.
# وقد صرح جمع من عظمائهم، منهم: العلامة النسفي في عقائده، والتفتازاني في
~~شرحها، بأن معاوية ليس خليفة بل ملكا، وظاهر الناصب الخنجي في نقض كشف الحق
~~ونهج الصدق أن هذا القول هو المشهور المنصور عندهم.
# وذكر الفاضل الجليل نور الدين المالكي في الفصول المهمة أنه لما تم الصلح
~~لمعاوية واجتمع عليه الناس، دخل عليه سعد بن أبي وقاص، وقال: السلام عليك
~~أيها الملك، فتبسم معاوية وقال: يا أبا إسحاق ما عليك لو قلت يا أمير
~~المؤمنين، فقال:
# والله أني لا أحب أني وليتها بما قد وليتها به، روى ذلك صاحب تاريخ
~~البديع (4) انتهى.
# ومما يبطل (5) تأويل الجلال الجلال أنه على ما ذكره يكون ثاني عشر
~~الخلفاء
# PageV00P387
# الوليد بن يزيد، وقد أطبق أهل التاريخ والسير على أنه كان زنديقا، وذكروا
~~أنه تفأل يوما من المصحف، فخرج فاله (واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد) (3)
~~فرمى المصحف من يده وأمر أن يجعل هدفا ورماه بالنشاب وأنشد:
# تهددني بجبار عنيد * وها أنا ذاك جبار عنيد إذا ما جئت ربك يوم حشر * فقل
~~يا رب مزقني الوليد فانظر أيدك الله إلى هذا الجلال كيف التزم كونه خليفة
~~بالحق مكابرة وعنادا (2) ولما استبشع ذلك بعضهم ممن تأخر عن الجلال الجلال،
~~قال: الستة الباقون ينبغي أن يكونوا من خيار بني أمية وبني العباس، ms248 فوسع
~~دائرة الاعتراض وزاد في
# PageV00P388
# الطنبور نغمة أخرى، والتزم التحكم البحت والتخمين الصرف، وخرج عن الاجماع
~~من حيث لا يدري.
# فانا قد تتبعنا أقوالهم فوجدناها أربعة:
# الأول: كون الخلافة ثلاثين سنة، وهو قول النسفي في عقائده، والمالكي في
~~فصوله (1)، وبعدها يكون ملكا.
# الثاني: القول بامامة بعض بني أمية، كعمر بن عبد العزيز، وجميع بني
~~العباس، واليه مال التفتازاني أخيرا في شرح العقائد، قال: لأن أهل الحل
~~والعقد قد كانوا متفقين على خلافة الخلفاء العباسيين وبعض المروانية كعمر
~~بن عبد العزيز انتهى.
# الثالث: اخراج يزيد بن معاوية لكفره، والقول بصحة امامة الباقين وخلافة
~~بني العباس، وهو ظاهر ابن الجوزي.
# الرابع: المشهور بينهم، وهو الذي نسبه أفضل المحققين نصير الملة والدين
~~الطوسي في قواعد العقائد إلى جميع أهل السنة القول بصحة امامة معاوية ومن
~~بعده من بني أمية وبني مروان وجميع العباسية.
# قال المحقق الطوسي في الكتاب المذكور: وأما أهل السنة فيقولون بوجوب نصب
~~الإمام على من يقدر على ذلك، لاجماع السلف عليه، وذهبوا إلى أن الامام يعرف
~~إما بنصب من يجب أن يقبل قوله كنبي أو امام، أو بإجماع المسلمين عليه.
# وكان الامام بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالاجماع أبا بكر، ثم
~~عمر بنص أبي بكر، ثم عثمان بنص عمر على جماعة أجمعوا على إمامته، ثم عليا
~~المرتضى باجماع المعتبرين من الصحابة، وهؤلاء هم الخلفاء الراشدون، ثم وقعت
~~الخلافة بين الحسن (عليه السلام) ومعاوية، وصالحه الحسن (عليه السلام)
~~واستقرت الخلافة عليه، ثم على من بعده من بني أمية وبني مروان، ثم انتقلت
~~الخلافة إلى بني العباس، وأجمع أكثر أهل الحل والعقد
# PageV00P389
# عليهم، وانساقت الخلافة فيهم إلى عهدنا الذي جرى فيه ما جرى (1).
# ونقل الزمخشري في كتاب الكشاف عن أبي حنيفة صاحب المذهب، أنه كان يفتي
~~سرا بوجوب نصرة زيد بن علي، والخروج معه على المنصور. وهذا يدل على اشتراط
~~عدالة الامام، وهو المنقول عن سفيان بن عيينة، وهو مختار صاحب الكشاف
~~والقاضي البيضاوي.
# وعلى كل حال فتأويل هذا الناصب ms249 الجاهل خارق لاجماع المخالفين، واحداث
~~لقول آخر عليل خال عن المأخذ والدليل، وقد اعترف بضعف هذين التأويلين
~~وأمثالهما ملا فصيح الدشتبياضي من فضلاء النواصب في بعض رسائله، حيث قال
~~بعد نقلها: هذا ما قالوه ولكن لا مقنع فيه.
# ومما يبطل جميع تأويلاتهم ما نقلناه في ذيل الحديث السابع عشر من الأخبار
~~الناطقة بتفصيل الأئمة (عليهم السلام) على وفق معتقد الفرقة الناجية رضوان
~~الله عليهم، ونحوها هذا الخبر الذي نحن بصدد الكلام عليه.
# ويبطلها أيضا حديث السدي الذي أورده في تفسيره، وهو من قدماء عظمائهم
~~وثقاتهم، قال: لما كرهت سارة مكان هاجر، أوحى الله تعالى إلى إبراهيم
~~الخليل (عليه السلام) وقال: انطلق بإسماعيل وأمه حتى تنزله البيت التهامي -
~~يعني مكة - فاني ناشر ذريته وجاعلهم ثقلا على من كفر بي، وجاعل منهم نبيا
~~عظيما، ومظهره على الأديان، وجاعل من ذريته اثني عشر عظيما، وجاعل ذريته
~~عدد نجوم السماء (2).
# وروى أحمد بن حنبل في مسنده، عن العباس بن عبد المطلب، قال: قال رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله): يملك من ولدي اثني عشر خليفة، ثم يخرج المهدي
~~من بعدي، يصلح الله أمره في ليلة واحدة (3).
# PageV00P390
# والتراخي في قوله (عليه السلام) (ثم يخرج المهدي) إما رتبي أو حقيقي،
~~للتراخي الظاهر بين ملكه في زمن الغيبة وبين ملكه بعد الخروج، ولا دلالة
~~فيه على خلاف معتقد الفرقة الناجية كما يتوهم.
# وروى ابن حجر في الصواعق المحرقة عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: في
~~كل خلف من أمتي عدول من أهل بيتي ينفون عن هذا الدين تحريف الضالين وانتحال
~~المبطلين، وتأويل الجاهلين، ألا وان أئمتكم وفدكم إلى الله عز وجل، فانظروا
~~من توفدون (1) (2).
# وبالجملة فالاعتراف بالعجز عن الجواب أليق من التفوه بأمثال هذه
~~الهذيانات، والتعلق بأذيال هذه المكابرات.
# المقام الخامس في تسمية الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) بأسمائهم
~~والاقتصار في الثاني عشر (عليهم السلام) على مجرد وصفه، تنبيه على مرجوحية
~~التلفظ باسمه صلوات الله عليه. وقد تضافرت الأخبار عن العترة الطاهرة سلام
~~الله عليهم بالنهي ms250 عن ذلك وظاهرها التحريم.
# منها: ما رواه ثقة الاسلام في الكافي، والصدوق في كتاب علل الشرائع
~~والأحكام، باسنادهما عن أبي هاشم الجعفري، قال: سمعت أبا الحسن
# PageV00P391
# العسكري (عليه السلام) يقول: الخلف من بعدي الحسن ابني، وكيف لكم بالخلف
~~من بعد الخلف؟ قلت: ولم جعلني الله فداك؟ فقال: لأنكم لا ترون شخصه، ولا
~~يحل لكم ذكره باسمه، قلت: فكيف نذكره؟ قال: فقولوا، الحجة من آل محمد (صلى
~~الله عليه وآله) أجمعين (1). ورواه المفيد في ارشاده (2).
# وروى ثقة الاسلام في الكافي باسناده عن أبي عبد الله الصالحي، قال: سألني
~~أصحابنا بعد مضي أبي محمد أن أسأل عن الاسم والمكان، فخرج الجواب: ان دللتم
~~على الاسم أذاعوه، وان عرفوا المكان دلوا عليه (3).
# وروى فيه أيضا بطريق صحيح عن علي بن رئاب، عن أبي عبد الله (عليه السلام)
~~قال:
# صاحب هذا الأمر لا يسميه باسمه الا كافر (4).
# وروى فيه أيضا عن الريان بن الصلت، قال: سمعت أبا الحسن الرضا (عليه
~~السلام) يقول وسئل عن القائم (عليه السلام)، فقال: لا يرى جسمه ولا يسمى
~~اسمه (5).
# وفي بعض الأخبار: ولا يسميه باسمه في محفل من الناس الا كافر (6). وفي
~~بعضها: إذا وقع الاسم وقع الطلب.
# وممن نص على تحريم تسميته (عليه السلام) باسمه الصدوق (عليه السلام))،
~~وهو ظاهر ثقة الاسلام في الكافي (8). وهو صريح كلام المفيد (9)، والشيخ أبي
~~علي الطبرسي في كتاب أعلام
# PageV00P392
# الورى باعلام الهدى (1).
# وتعجب منهما الفاضل الجليل والوزير السعيد علي بن عيسى بن أبي الفتح
~~الأربلي في كشف الغمة، فقال: من العجب أن الشيخ الطبرسي والشيخ المفيد
~~رحمهما الله، قالا: لا يجوز ذكر اسمه ولا كنيته، ثم يقولان: اسمه اسم النبي
~~(صلى الله عليه وآله) وكنيته كنيته عليهما الصلاة والسلام، وهما يظنان
~~أنهما لم يذكرا اسمه ولا كنيته، وهذا عجيب، والذي أراه أن المنع من ذلك
~~إنما كان في وقت الخوف عليه والطلب له (عليه السلام) والسؤال عنه، وأما
~~الان فلا (2) انتهى.
# أقول: والظاهر انعكاس التعجب، إذ الأخبار المستفيضة المعتبرة مطلقة في
~~التحريم، ms251 أو عامة لجميع الأوقات وجميع الأشخاص، فتخصيصها بما ذكره من غير
~~مقتض له عجيب، وخصوص العلة وهو الخوف لو سلم عليته لم يستلزم خصوص الحكم،
~~لعدم اطراد العلة، كما تقرر في محله.
# والمتجه هو التحريم، وبه جزم سيد الحكماء الإلهيين مولانا محمد باقر
~~الداماد (3) عطر الله مرقده. والمنقول عن شيخنا البهائي جوازه في هذه
~~الأعصار، كما ذكره الفاضل الأربلي، وقد حققنا المقام في رسالة مفردة.
# الحديث التاسع والعشرون [مماثلته (عليه السلام) مع الأنبياء (عليهم
~~السلام) في الصفات المحمودة] البيهقي في كتابه المصنف في فضائل الصحابة،
~~يرفعه بسنده إلى النبي (صلى الله عليه وآله) أنه
# PageV00P393
# قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه، والى نوح في تقواه، والى إبراهيم
~~في حلمه، والى موسى في هيبته، والى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي
~~طالب (1).
# أقول: وفي مناقب الخوارزمي، عن أبي الحمراء، عن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) قال: من أراد أن ينظر إلى آدم (عليه السلام) في علمه، والى نوح (عليه
~~السلام) في فهمه، والى يحيى بن زكريا (عليه السلام) في زهده، والى موسى بن
~~عمران (عليه السلام) في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب (2).
# قال أحمد بن الحسين البيهقي: لم أكتبه الا بهذا الاسناد (3)، فقد ثبت
~~لعلي (عليه السلام) ما ثبت لهم صلوات الله عليهم من الصفات المحمودة،
~~واجتمع فيه ما تفرق.
# الحديث الثلاثون [عجز البشر عن عد فضائل الإمام علي (عليه السلام)]
~~الخوارزمي في مناقبه، عن مجاهد، عن ابن عباس، عن النبي (صلى الله عليه
~~وآله) قال: لو أن الغياض أقلام، والبحر مداد، والجن حساب، والانس كتاب، ما
~~أحصوا فضائل علي بن أبي طالب (4).
# أقول: والاخبار الناطقة بهذا المعنى كثيرة جدا:
# منها: ما رواه الامام الحموي في كتاب فرائد السمطين، عن عيسى بن عبد
~~الرحمن، عن أبيه، عن جده، قال رجل لابن عباس: سبحان الله ما أكثر مناقب علي
~~وفضائله! أني لأحسبها ثلاثة آلاف، فقال ابن عباس: أولا تقولوا انها إلى
# PageV00P394
# ثلاثين ألفا أقرب. ورواه الخطيب ms252 الخوارزمي في مناقبه، قال: أنبأني الحافظ
~~أبو العلاء الهمداني مرفوعا إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنه (1).
# وروى أيضا في المناقب بالاسناد عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): ان الله جعل لأخي علي فضائل لا تحصى كثرة، فمن ذكر
~~فضيلة من فضائله مقرا بها غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومن كتب
~~فضيلة من فضائله لم تزل الملائكة تستغفر له ما بقي لتلك الكتابة رسم، ومن
~~استمع فضيلة من فضائله غفر له الذنوب التي اكتسبها بالاستماع، ومن نظر إلى
~~كتاب من فضائله غفر له الذنوب التي اكتسبها بالنظر. ثم قال (صلى الله عليه
~~وآله): النظر إلى وجه أمير المؤمنين عبادة، وذكره عباده، ولا يقبل الله
~~ايمان عبد الا بولايته (2).
# وفي الكتاب المذكور بالاسناد عن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن علي
~~(عليهما السلام)، عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لو حدثت بكل ما أنزل
~~الله في علي ما وطئ على موضع من الأرض الا اخذ ترابه إلى الماء (3).
# الحديث الحادي والثلاثون [توسل آدم (عليه السلام) بأصحاب الكساء (عليهم
~~السلام)] الحموي في كتاب فرائد السمطين، باسناده عن أبي هريرة، عن النبي
~~(صلى الله عليه وآله) أنه قال: لما خلق الله آدم أبا البشر ونفخ فيه من
~~روحه، التفت آدم يمنة العرش، فإذا في النور خمسة أشباح سجدا وركعا، قال
~~آدم: يا رب هل خلقت أحدا من طين قبلي؟
# قال: لا يا آدم، قال: فمن هؤلاء الخمسة الذين أراهم في هيئتي وصورتي؟
# PageV00P395
# قال: هؤلاء خمسة من ولدك لولاهم ما خلقتك، هؤلاء خمسة شققت لهم خمسة
~~أسماء من أسمائي، لولاهم ما خلقت الجنة ولا النار، ولا العرش ولا الكرسي،
~~ولا السماء ولا الأرض، ولا الملائكة ولا الجن ولا الانس.
# فأنا المحمود وهذا محمد، وأنا العالي وهذا علي، وأنا الفاطر وهذه فاطمة،
~~وأنا ذو الاحسان وهذا الحسن، وأنا المحسن وهذا الحسين، آليت بعزتي أنه لا
~~يأتيني أحد بمثقال ذرة من خردل من بغض ms253 أحدهم الا أدخلته ناري ولا أبالي، يا
~~آدم هؤلاء صفوتي من خلقي، بهم أنجيهم وبهم أهلكم، فإذا كان لك إلي حاجة
~~فبهؤلاء توسل.
# فقال النبي (صلى الله عليه وآله): نحن سفينة النجاة من تعلق بها نجا ومن
~~حاد عنها هلك، فمن كان له إلى الله حاجة فليسأل بنا أهل البيت (1).
# أقول: أمثال هذه الأخبار لا تحصى كثرة، وفيها دلالة قاطعة على أفضليته
~~(عليه السلام) بل أفضلية زوجته فاطمة (عليها السلام) وولديه الحسن والحسين
~~(عليهما السلام)، على من عدا النبي (صلى الله عليه وآله) حتى اولي العزم
~~(2)، والأخبار به مستفيضة، وقد أفردها بعض أصحابنا
# PageV00P396
# بالتصنيف.
# وقال العلامة الحلي: أجمعت الامامية أن عليا (عليه السلام) بعد نبينا
~~أفضل من الأنبياء غير اولي العزم، وفي تفضيله عليهم خلاف، وأنا في ذلك من
~~المتوقفين انتهى.
# أقول: لا ينبغي التوقف في ذلك بعد تصريح الأخبار به، وفي هذا الخبر وغيره
~~شهادة قاطعة به، واستبعاد المخالفين ذلك دفع للأخبار بالراح.
# وقول بعضهم في بعض مؤلفاته: قد نقل العلامة التفتازاني في شرح المقاصد،
~~وشرح العقائد النسفية، والعلامة الدواني في شرح العقائد العضدية، الاجماع
~~على أن كل نبي أفضل من ولي. ونقل عن بعض كتبهم الفقهية التصريح بكفر من فضل
~~وليا على نبي، قال: ولعلهم يرون تكفير مخالف الاجماع القطعي، أو ظنوا تلك
~~الأفضلية من ضروريات الدين. أوهن من بيت العنكبوت.
# أما أولا، فلأن ما ادعاه من اجماع غيرنا لا يقوم حجة علينا، وأي اعتداد
~~باجماع لم يدخل فيه أهل البيت (عليهم السلام) وعلماؤهم.
# وأما ثانيا، فلأن ما ذكره مجرد استبعاد بلا دليل عليه بوهمه العليل،
~~والله الهادي إلى سواء السبيل. PageV00P397
# وأما ثالثا، فلأن بعض (1) المحققين من علمائنا المتأخرين ذكر أن الذي ذهب
~~إليه الفرقة الناجية رضوان الله عليهم، من أن أمير المؤمنين والأئمة من
~~أولاده (عليهم السلام) أعظم وأفضل من جميع الأنبياء والأولياء، إنما هو
~~بمعنى أن مرتبته ومرتبة هؤلاء الأئمة من حيث الولاية أعظم من مرتبة هؤلاء
~~الأنبياء والرسل من حيث الولاية، قال: وقد صرح بذلك ms254 من أصحابنا المتألهين
~~السيد العارف المحقق الأوحدي حيدر بن علي الآملي في كتابه الموسوم بجامع
~~الأسرار ومنبع الأنوار، واليه أشار الشيخ الكامل (2) محي الدين بن العربي
~~في الفص العزيزي والفص النبوي من كتاب فصوص الحكم.
# وأما رابعا، فلأن تعلقه بتصريح الفقهاء الأربعة بكفر من فضل وليا على نبي
~~إلى آخر كلامه، لا يسمن ولا يغني من جوع، إذ قولهم وبولهم عندنا على حد
~~سواء.
# واعلم أن لبعض (3) علمائنا المحققين في هذا المقام كلاما على طريقة أهل
~~الكشف والعرفان، وهو أن المراتب الثابتة لمولانا أمير المؤمنين والحسن
~~والحسين (عليهم السلام) من الله تعالى ومن النبي (صلى الله عليه وآله)،
~~ثابتة لهم بطريق ثبوت الولاية لهم من روحانية النبي (صلى الله عليه وآله)،
~~المعطي لهم مراتبهم في العوالم الثلاثة، لأنه قطب الكل.
# وإذا عرفت أن كل واحد من الأولياء إنما يأخذ ما يأخذه بواسطة روحانية
~~نبيه، وجب أن يكونوا أفضل من الأنبياء، وأكمل وأتم في مقام الوحدة، بسبب
~~مشاهدة الأنوار المحمدية والاستضاءة بها، لانعكاس شعاع مرآته على مرائي
~~نفوسهم، بسبب المقابلة الموجبة لاستعداد أنفسهم لقبول فيض نوره.
# ولا عجب من أفضلية الولي المتفرع من النبي الكامل القائم مقامه، والمشاهد
# PageV00P398
# لمعارجه والمطلع على جميع مقاماته الشهودية وأحواله الملكوتية على النبي
~~القاصر عن الكمال الجمعي، الناقص عن الاطلاع على حقائق مقامات الكامل،
~~وكيفيات معارجه وتطوره بالأطوار الشهودية الجمعية.
# فالولي المشاهد من مرآة النبي الكامل بواسطة انعكاسها على مرآة نفسه
~~المستعدة لقبولها بالضرورة يكون أتم جمعية، وأكمل مشاهدة، وأوسع دائرة،
~~وأقوى اطلاعا من ذلك النبي المحجوب عن المشاهدات الجمعية، حتى أن الواحد
~~منهم يكون حاويا لمقامات اولي العزم بسبب ملاحظة الأحوال المحمدية، فيكون
~~أكمل حتى من اولي العزم.
# وهو بين لما تقرر من أن الولي إنما يأخذ ما يأخذه بواسطة روحانية نبيه،
~~وانه به يشهد ومنه يعرف، فلما كان نبينا (صلى الله عليه وآله) صاحب الجمعية
~~الكاملة وأولياؤه منه يشهدون وبه يعرفون (1)، كانوا مساوين له باعتبار
~~الانعكاس الحاصل من مرآته إلى مرائي مشاهداتهم، وهو (عليه ms255 السلام) أكمل من
~~اولي العزم.
# فالمشاهد المقابل لمرآته بالاستعداد التام المنعكس عليه شعاعها يكون كذلك
~~بواسطة التشبه التام، فيكون حال الواحد منهم كحاله في مشاهداته مقامات اولي
~~العزم، والارتقاء عنها إلى مشاهدته مقاماته الحاوية لمقاماتهم وزيادة
~~خصائصه الجمعية.
# ان قيل: كيف يكون المحتاج في الوصول إلى المقامات الشهودية إلى واسطة
~~موصلة إليها حتى يكون بها مشاهدا، ولولاها لما حصل المشاهدة أفضل وأكمل ممن
~~لم يحتج إلى تلك الواسطة، بل يشهد المقامات العلوية باستعداده من غير أن
~~يحتاج إلى من يتوصل به، وأيضا كيف صح أفضلية من لم يصل إلى مقام النبوة
~~لانحجابه على من وصل إليه ولم ينحجب عنه بحجاب؟
# PageV00P399
# يجاب عن الأول: بأنه لا مانع من التفضيل، لتساوي الكل في الاحتياج إلى
~~المشاهدات الإلهية إلى روحانية النبي، لأنه معطي الكل مقاماتهم في العوالم
~~الثلاثة، فلما كان أولياؤه لهم مزيد الاختصاص به، وشدة الاطلاع على القطب
~~المحمدي، كانوا بذلك أشد اطلاعا على المقامات، وأكثر جمعية لتلك المشاهدات،
~~فلا عجب من أكمليتهم وأفضليتهم على من لم يكن له ذلك الاختصاص، ولم يكن له
~~النظر إلى ذلك القطب، ولا شدة الاطلاع على تلك المقامات.
# وعن الثاني: بأن انحجابهم عن اسم النبوة ما كان لقصورهم عن مراتب
~~الأنبياء، لا في مقام الوحدة، ولا في مقام الكثرة، بل لتأخرهم عن الخاتم
~~بالوجود الصوري الموجب لحجبهم عن الاسم دون مقتضاه، بخلاف من عداهم من
~~الأنبياء، لتقدم وجودهم الصوري على الخاتم، فلم يك ثم مانع من اطلاق الاسم،
~~لوصولهم إلى المقامات الموجبة لهم اطلاقه، ولا يلزم من ذلك أفضليتهم على
~~المحجوبين عن الاسم لمانع منع من اطلاقه، لمساواتهم لهم في المقامات التي
~~ثبتت لها الاسم لغير المحجوبين عنه وزيادتهم عليه بالتشرف بالقطب المحمدي،
~~فثبت لهم الأفضلية عليهم.
# فان قلت: إذا كان الكل إنما شاهد ما شاهده، ووصل ما وصل إليه من المقامات
~~بسبب روحانية القطب المحمدي (صلى الله عليه وآله)، فتساوى الكل في ذلك، فمن
~~أين جاء التفضيل؟
# قلت: ان الأنبياء لما كانوا في الوجود الصوري ms256 أسبق من القطب، كان أخذهم
~~عنه إنما هو باعتبار صورته المعنوية النورية الحاصلة في عالم العقول، من
~~حيث أنه عقل الكل ونفس الكل المندرج فيه اجمالا ما هو فيما تحته من العوالم
~~مفصلا.
# وأما أولياؤه، فلتأخر وجودهم الصوري عن وجوده الصوري، كان أخذهم ما أخذوه
~~عنه باعتبار المقامين معا، فشاركوا الأنبياء في المقام الأول، واختصوا
~~دونهم بالمقام الثاني الذي هو مقام التفصيل، لأنه لما نزل إلى عالم الطبيعة
~~بالصورة الانسانية فصل فيه ما أجمل هناك، وظهر فيه مقامات الوحي الملكي ما
~~لم يكن ثم، لأنه هناك PageV00P400
# في مقام المشاهدة الحقيقية الحاجبة عن مشاهدة عالم الأجرام، للاشتغال بما
~~هناك عنها.
# ولهذا كان مقام الاخبار بمغيبات عالم الكون والفساد ليس هومن المقامات
~~العلوية، ولا من خواص أهل الله، لأنهم لعلو هممهم يتنزهون عن ذلك، لأن
~~مطلوبهم إنما هو المشاهدة الحقة والاستغراق في جناب القدس، وهو جناب مدهش
~~مشغل عما سواه، ولهذا احتاج الأنبياء في تدبير النوع الانساني إلى الوحي
~~المنزل (1) على أيدي الملائكة لتعريف الحوادث الكونية.
# فأولياؤه عليه وعليهم السلام يشاهدون منه جميع ذلك على التفصيل، فتخلقوا
~~بجميع أخلاقه التي وصفها الله تعالى بالعظيم في قوله (وانك لعلى خلق عظيم)
~~(2) والعظيم لا يقول في شئ أنه عظيم الا إذا كان في غاية ما يكون من
~~العظمة، واقتدوا به في جميع مسالكه الاجمالية والتفصيلية، ثم حصل لهم مع
~~تمام النسب المعنوي الحاصل لهم بسبب التشبه التام، والتخلق الحقيقي بجميع
~~أخلاقه النسب الصوري والقرب اللحمي والدموي.
# فاشتركت المواد واتحدت الصور، فكانوا في الحقيقة هم هو وهو هم باعتبار
~~النسبتين، فصاروا بذلك أهل الجمعية التامة والمقامات العامة، فتحقق لهم
~~مزيد الفضل والاختصاص بالكمالات الحقيقية على من سواهم من سائر الأنبياء
~~والأولياء، كما تحقق له (عليه السلام) ذلك من غير فرق.
# فافهم مقاماتهم الإلهية وخصائصهم النبوية، وانها مقامات عزيزة الاحكام
~~عزيزة المرام، فاعرفها جدا تكن عارفا بهم حق المعرفة التي وجبت عليك بقوله
~~(صلى الله عليه وآله): من مات ولم يعرف امام زمانه مات ميتة جاهلية. ms257 انتهى
~~كلامه أعلى الله
# PageV00P401
# مقامه.
# وأورد على قوله (ان الختمية مانعة من اطلاق اسم النبي (صلى الله عليه
~~وآله) على الأولياء من آله (عليهم السلام)) ايرادان:
# الأول: يلزم أن لا يكون قبل نبينا (صلى الله عليه وآله) ولي غير نبي،
~~وبطلانه ظاهر.
# الثاني: أن النبوة ليست عبارة عن مجرد الكمالات المخصوصة حتى يقال: إن
~~المسمى حاصل في الأولياء بدون اسم النبوة، بل النبوة عبارة عن دعوى حقيقة
~~الرسالة عن الله تعالى مع اظهار المعجزة، ولا يعتبر في الامام ذلك.
# وأجيب عن الأول: بأنا لا نقول إن معنى النبي حاصل في كل ولي، كيف؟
# والاستعدادات متفاوتة، وتحقق معنى النبوة إنما يقتضي حدا معينا من
~~الاتصاف بالكمالات، فالأولياء السابقون الذين حرموا اطلاق اسم النبوة عليهم
~~إنما حرموا لانحطاط درجتهم عن مرتبة معنى النبوة.
# وعن الثاني: أن مفهوم النبوة ليس ما ذكر، بل مفهومه على ما في الشرح
~~الجديد للتجريد وغيره من الكتب الكلامية هو كون الانسان مبعوثا من الحق إلى
~~الخلق (1).
# وأيضا كلامنا في صفات النفس، وفي الكمالات التي هي معنى النبوة وحقيقته
~~ومبادي لاطلاقه على المتصف بها، وظاهر أن تلك الدعوى واظهار المعجزة، بل
~~نفس البعث إلى الخلق ليس حقيقة النبوة ولا من صفات النفس، بل هي لوازم
~~وعلامات لتلك الحقيقة، فالتعريف بها من باب التعريف باللازم، وإنما حقيقته
~~هو الحالة الكاملة التي يمكن معها تلك الدعوى والاظهار بإذن الله تعالى،
~~وتلك الحالة حاصلة لأئمتنا (عليهم السلام).
# ولي في هذا نظر، لأن نفي النبوة عنهم (عليهم السلام) من ضروريات المذهب،
~~وعلى ما
# PageV00P402
# ذكره يكون حاصلا لهم، وان منع من اطلاق الاسم، ولا يخفى ما فيه.
# الحديث الثاني والثلاثين [جوابه (عليه السلام) عن أسئلة الشاب اليهودي]
~~الامام الحموي في كتاب فرائد السمطين، عن أبي الطفيل (1)، قال: شهدت جنازة
~~أبي بكر يوم مات، وشهدت عمر يوم بويع (2)، وعلي (عليه السلام) جالس ناحية،
~~إذ أقبل غلام يهودي عليه ثياب حسان، وهو من ولد هارون، حتى قام على رأس
~~عمر، فقال: يا أمير المؤمنين أنت ms258 أعلم هذه الأمة بكتابهم وأمر نبيهم؟ قال:
~~فطأطأ عمر رأسه، فقال: أجبني، وأعاد عليه القول، فقال عمر: وما ذاك؟ قال:
~~اني جئتك مرتادا لنفسي شاكا في ديني، فقال: دونك هذا الشاب، قال: ومن هو؟
~~قال: هو علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وهو أبو
~~الحسن والحسين ابني رسول الله (صلى الله عليه وآله) (3).
# فأقبل اليهودي على علي (عليه السلام) فقال: أكذلك أنت؟ قال: نعم، قال:
~~اني أريد أن أسألك عن ثلاث وثلاث وواحدة، قال: فتبسم علي (عليه السلام)
~~وقال: يا هاروني ما منعك أن تقول سبعا، قال: أسألك عن ثلاث ان علمتهن سألت
~~عما بعدهن، وان لم تعلمهن علمت أنه ليس فيكم علم.
# قال علي (عليه السلام): ألا فاني أسألك بالذي تعبد ان أنا أجبتك في كل ما
~~تريد لتدعن دينك ولتدخلن في ديني؟ قال: ما جئت الا لذلك، قال: فسل.
# PageV00P403
# قال: فأخبرني عن أول قطرة على وجه الأرض أي قطرة هي؟ وأول عين فاضت على
~~وجه الأرض أي عين هي؟ وأول شئ اهتز على وجه الأرض أي شئ هو؟ فأجابه أمير
~~المؤمنين (عليه السلام)، قال: فأخبرني الاخر.
# قال: أخبرني عن محمد (صلى الله عليه وآله) كم بعده من امام عدل؟ وفي أي
~~جنة يكون؟ ومن يساكنه معه في جنته؟ فقال: يا هاروني ان لمحمد (صلى الله
~~عليه وآله) من الخلفاء اثنا عشر اماما عدلا (1)، لا يضرهم من خذلهم، ولا
~~يستوحشون بخلاف من خالفهم، وانهم أرسب في الدين من الجبال الرواسي في
~~الأرض. ومسكن محمد (صلى الله عليه وآله) في جنته مع أولئك الاثني عشر اماما
~~(2)، قال: صدقت والله الذي لا إله إلا هو، اني لأجدها في كتب أبي هارون
~~كتبه بيده وأملاه موسى بن عمران (عليه السلام).
# قال: فأخبرني عن الواحدة، أخبرني عن وصي محمد كم يعيش من بعده؟ وهل يموت
~~أو يقتل؟ قال: يا هاروني يعيش بعده ثلاثين سنة لا يزيد يوما ولا ينقص يوما،
~~ثم يضرب ضربة هاهنا - يعني: قرنه - فتخضب ms259 هذه من هذا.
# قال: فصاح الهاروني وقطع تسبيحه وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده
~~لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله وأنك وصيه، ينبغي أن تفوق ولا
~~تفاق، وأن تعظم ولا تصغر، ثم مضى به علي (عليه السلام) إلى منزله، فعلمه
~~معالم الدين (3).
# أقول: هذا الخبر صريح الدلالة على معتقد الفرقة الناجية رضوان الله
~~عليهم، والتقريب ما سبق.
# PageV00P404
# الحديث الثالث والثلاثون [حديث البساط والتسليم على أصحاب الكهف] الفقيه
~~أبو الحسن علي بن محمد الخطيب الطيب الجلالي الشافعي المعروف بابن المغازلي
~~في مناقبه، وأبو إسحاق الثعلبي في تفسيره، باسنادهما عن أنس بن مالك، قال:
~~أهدي إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بساط من خندف (1)، فقال لي: يا
~~أنس أبسطه، فبسطته، قال: ثم قال: ادع العشرة، فدعوتهم، فلما دخلوا أمرهم
~~بالجلوس على البساط، ودعا عليا (عليه السلام) فناجاه طويلا، ثم رجع علي
~~(عليه السلام) فجلس على البساط، ثم قال: يا ريح احملينا، فحملتنا الريح.
# قال: فإذا البساط يدف بنا دفيفا، ثم قال: يا ريح ضعينا، فوضعتنا، ثم قال
~~علي (عليه السلام): أتدرون في أي مكان أنتم؟ قلنا: لا، قال: هذا موضع الكهف
~~والرقيم قوموا فسلموا على اخوانكم، قال أنس: فقمنا رجلا رجلا، فسلمنا
~~عليهم، فلم يردوا علينا السلام.
# فقام علي (عليه السلام) فقال: السلام عليكم يا معشر الصديقين والشهداء،
~~فقالوا:
# وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، فقال لهم: ما بالكم لم تردوا على
~~إخواني؟
# فقالوا: انا معشر الصديقين لا نكلم بعد الموت الا نبيا أو وصيا.
# ثم قال: يا ريح احملينا، فحملتنا تدف بنا دفيفا، ثم قال: يا ريح ضعينا،
~~فوضعتنا، فإذا نحن بالحرة، قال: فقال علي (عليه السلام): ندرك النبي (صلى
~~الله عليه وآله) بآخر ركعة (2)، فتوضينا وأتيناه، فإذا النبي (صلى الله
~~عليه وآله) يقرأ في آخر ركعة (أم حسبت أن أصحاب
# PageV00P405
# الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا) (1) (2).
# وزاد الثعلبي في هذا الحديث على ابن المغازلي، قال: فصاروا إلى رقدتهم
~~إلى آخر الزمان عند خروج المهدي (عليه ms260 السلام)، وقال: ان المهدي (عليه
~~السلام) يسلم عليهم فيحييهم الله عز وجل، ثم يرجعون إلى رقدتهم، فلا يقومون
~~إلى يوم القيامة (3).
# أقول: هذا الحديث مستفيض رواه الفريقان، وقد ذكره جماعة من أعاظم أصحابنا
~~قدس الله أرواحهم.
# منهم: صاحب كتاب الثاقب في المناقب، وهذا لفظه عطر الله مرقده: وأما
~~تسخير الريح لسليمان، وهوما قال الله سبحانه وتعالى (ولسليمان الريح غدوها
~~شهر ورواحها شهر) (4) فان سليمان (عليه السلام) لما أراد أن يركب الريح أمر
~~بفرش البساط، ووضع عليه سريره، ووضع عليه الكراسي حول السرير، وجلس وزراؤه
~~وقواده على الكراسي حول السرير، وجلس هو فوق البساط، وأمر الريح بأن تحمل
~~البساط وحمل ما فوقه، وتسير غدوة مسيرة شهر، وترجع رواحا مثله.
# وان الله سبحانه وتعالى أعطى أئمتنا (عليهم السلام) مثل ذلك، وهوما حدث
~~به معمر، عن الزهري، عن قتادة، عن أنس، قال: كنا جلوسا في المسجد عند النبي
~~(صلى الله عليه وآله) وقد كان أهدي إليه بساط، فقال لي، ادع علي بن أبي
~~طالب، فدعوته، ثم أمرني أ ن أدعو أبا بكر وعمر وجميع أصحابه، فدعوتهم كما
~~أمرني نبي الله (صلى الله عليه وآله)، وأمرني أن أبسط البساط، فبسطته.
# ثم أقبل على علي (عليه السلام)، فأمره بالجلوس على البساط، وأمر أبا بكر
~~وعمر وعثمان بالجلوس مع أمير المؤمنين (عليه السلام)، فجلست مع من جلس،
~~فلما استقر بنا المجلس
# PageV00P406
# أقبل (صلى الله عليه وآله) على علي (عليه السلام) وقال: يا أبا الحسن قل
~~يا ريح الصبا احمليني والله خليفتي عليك وهو حسبي ونعم الوكيل.
# قال أنس: فنادى أمير المؤمنين (عليه السلام) كما أمره النبي (صلى الله
~~عليه وآله)، فوالذي بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) بالحق نبيا ما كان الا
~~هنيئة (1) حتى صرنا في الهواء، ثم نادى: يا ريح الصبا ضعيني، فإذا نحن في
~~الأرض، فأقبل علي (عليه السلام) وقال: يا معاشر الناس أتدرون أين أنتم؟
~~وبمن حللتم؟ فقالوا: لا.
# فقال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنتم عند أصحاب الكهف والرقيم الذين
~~كانوا من آياتنا ms261 عجبا، فمن أحب أن يسلم على القوم فليقم، فأول من قام أبو
~~بكر فسلم على القوم، فلم يردوا عليه جوابا، ثم قام عمر فلم يردوا عليه
~~جوابا (1)، إلى أن قام أمير المؤمنين (عليه السلام) فنادى: السلام عليكم
~~أيها الفتية أصحاب الكهف والرقيم الذين كانوا من آياتنا عجبا، فقالوا:
~~وعليك السلام ورحمة الله وبركاته أيها الامام وابن عم سيد الأنام محمد عليه
~~وآله السلام.
# فلما سمع القوم كلامهم لأمير المؤمنين (عليه السلام) قالوا: يا أبا الحسن
~~بحق ابن عمك محمد (صلى الله عليه وآله) سل القوم ما بالهم سلمنا عليهم فلم
~~يردوا علينا الجواب.
# فقال (عليه السلام): أيتها الفتية ما بالكم لم تردوا السلام على أصحاب
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟
# فقالوا: يا أبا الحسن قد أمرنا أن لا نسلم الا على نبي أو وصي نبي، وأنت
~~خير الوصيين وابن عم خير النبيين، وأنت أبو الأئمة المهتدين (3)، وزوجتك
~~سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، وقائد الغر المحجلين إلى جنات
~~النعيم.
# فلما استتم القوم كلامهم أمر بالجلوس على البساط، ثم نادى: يا ريح الصبا
# PageV00P407
# احمليني، فإذا نحن في الهواء، ثم نادى: يا ريح الصبا ضعيني، فإذا نحن في
~~الأرض (1) في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد صلى ركعة واحدة،
~~وصلينا معه تلك الركعة وما فات بعده، وسلمنا على النبي (صلى الله عليه
~~وآله)، فأقبل (صلى الله عليه وآله) علينا بوجهه الكريم، وقال: أتحدثني أو
~~أحدثك؟ فقلت: الحديث منك أحسن، فحدثني حتى كأنه كان معنا، وفي الحديث طول
~~(2). انتهى كلامه زيد اكرامه.
# وأشار الفقيه قطب الدين سعيد بن عبد الله الراوندي - عطر الله مضجعه - في
~~الموازاة بين المعجزات من كتاب الخرائج والجرائح إلى هذه القصة اجمالا (3)،
~~والسيد الجليل ذو الكرامات والمقامات والمجاهدات رضي الدين ابن طاووس عطر
~~الله مرقده في كتاب الطرائف، أورد الخبر المذكور نقلا عن ابن المغازلي
~~والثعلبي (1)، وهاهنا مقامات:
# المقام الأول في بيان امكان ظهور خوارق العادات عنه وعن أبنائه الطاهرين:
~~وبيان سببه قال العالم الرباني والعارف ms262 الصمداني كمال الدين ميثم بن علي بن
~~ميثم البحراني في أوائل شرح النهج: واجب على من أهله الله سبحانه لاستشراق
~~أنواره إذا سمع أن وليا من الأولياء أتى بفعل ليس في وسع غيره من أبناء
~~نوعه الاتيان بمثله،
# PageV00P408
# كالامساك عن الطعام المدة المديدة التي ليست في وسع أبناء نوعه،
~~وكالتحريك أو الحركة (1) الخارجة عن وسع مثله، كما يشاهد من طوفانات تقع
~~باستدعائهم وزلازل واستنزال عقوبات، وخسف بقوم حق عليهم القول، واستشفاء
~~المرضى، واستسقاء العطشى، وخشوع (2) عجم الحيوانات وغيرها، أن لا يبادر إلى
~~التكذيب، فإنه عند الاعتبار يجد تلك الأمور ممكنة في الطبيعة.
# أما الامساك عن القوت، فتأمل امكانه فينا بل وجوده عند عروض عوارض غريبة
~~لنا: إما بدنية كالأمراض الحادة، وإما نفسانية كالخوف والغم.
# وسبب الامساك في حال المرضى. أما في الأمراض البدنية، فان القوى الطبيعية
~~تشتغل بهضم المواد الرديئة عن تحريك المواد المحمودة، فتجد المواد المحمودة
~~حينئذ، محفوظة قليلة التحلل، غنية عن طلب البدل لما يتحلل، فربما انقطع
~~الغذاء عن صاحبها مدة لو انقطع مثله عنه في غير حالته تلك عشر تلك المدة
~~هلك، وهو مع ذلك محفوظ الحياة.
# وأما النفسانية، فإنه قد يعرض بعروض الخوف للخائف سقوط الشهوة، وفساد
~~الهضم، والعجز عن الأفعال الطبيعية التي كان متمكنا منها قبل الخوف، لوقوف
~~القوى الطبيعية عن أفعالها بسبب اشتغال النفس بما أهمها عن الالتفات إلى
~~تدبير البدن.
# وإذا عرفت امكان ذلك بسبب العوارض الغريبة، فاعلم أن تحققه في حق العارف
~~هو توجه نفسه بالكلية إلى عالم القدس، المستلزم لتشييع القوى البدنية لها،
~~وذلك أن النفس المطمئنة إذا راضت القوى البدنية، انجذبت القوى خلفها في
~~مهماتها التي تنزعج إليها، واشتداد ذلك الانجذاب لشدة ذلك الجذب.
# PageV00P409
# فإذا اشتد الاشتغال عن الجهة المولى عنها، وقفت الأفعال الطبيعية
~~المتعلقة بالقوى النباتية، فلم يكن من التحليل الا دون ما يكون في حال
~~المرض، لاختصاص المرض في بعض الصور بما يقتضي الاحتياج إلى الغذاء، كتحلل
~~رطوبات البدن بسبب عروض الحرارة الغريبة المسماة بسوء المزاج الحار، لأن ms263
~~الغذاء إنما يكون لسد بدل ما يتحلل من تلك الرطوبات، وشدة الحاجة إلى
~~الغذاء إنما يكون بحسب كثرة التحلل، وكقصور القوى البدنية بسبب المرض
~~المضاد لها.
# وإنما الحاجة إلى حفظ تلك الرطوبات لحفظ تلك القوى، إذ كانت مادة الحرارة
~~الغريزية المقتضية لتعادل الأركان التي لا تقوم تلك القوى الا معه، وشدة
~~الحاجة إلى ما يحفظ تلك القوى إنما هي بحسب شدة فتورها.
# وأما العرفان، فإنه مختص بأمر يوجب الاستغناء عن الغذاء، وهو سكون البدن
~~عند اعراض القوى البدنية عن أفعالها حال متبايعتها للنفس، وانجذابها خلفها
~~حال توجهها إلى الجناب المقدس، وتطعمها بلذة معارفة الحق، واليه الإشارة
~~بقوله (عليه السلام):
# اني لست كأحدكم أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني.
# وإذا عرفت ذلك ظهر أن المرض وان اقتضى الامساك الخارق للعادة الا أن
~~العرفان بذلك الاقتضاء أولى.
# وأما القدرة على الحركة التي تخرج عن وسع مثله، فهي أيضا ممكنة.
# وبيانها: انك علمت أن مبدأ القوى البدنية هو الروح الحيواني، فالعوارض
~~الغريبة التي تعترض للانسان تارة يقتضي انقباض الروح بحركة إلى داخل،
~~كالخوف والحزن، وذلك يقتضي انحطاط القوى وسقوطها، وتارة يقتضي حركته إلى
~~خارج كالغضب، أو انبساطا معتدلا كالفرح المطرب والانتشار المعتدل، وذلك
~~يقتضي ازدياد القوة ونشاطها.
# وإذا عرفت ذلك فاعلم أنه لما كان فرح العارف ببهجة الحق أتم وأعظم من فرح
~~من عداه بما عداه، وكانت الغواشي التي تغشاه وتحركه اعتزازا بالحق وحمية
~~ربانية PageV00P410
# أعظم مما يعرض لغيره، لا جرم كان اقتداره على حركة غير مقدورة لغيره
~~أمكن.
# وأما السبب في الأمور الباقية، فهو أنه قد ثبت في غير هذا الموضع أن تعلق
~~النفس بالبدن ليس تعلق انطباع فيه، وإنما هو على وجه أنها مدبرة له مع
~~تجردها (ثم إن الهيئات النفسانية قد تكون مبادي لحدوث الحوادث.
# وبيانه: أما أولا، فلأنك تشاهد انسانا يمشي على جذع ممدود على الأرض،
~~ويتصرف عليه كيف شاء، ولو عرض ذلك الجذع بعينه على جدار عال لوجدته عند
~~المشي عليه راجفا متزلزلا يواعده وهمه بالسقوط مرة بعد أخرى، ms264 لتصوره
~~وانفعال يزله عن وهمه حتى ربما سقط.
# وأما ثانيا، فلأن الأمزجة تتغير عن العوارض النفسانية كثيرا، كالغضب
~~والخوف والحزن والفرح وغير ذلك، وهو ضروري.
# وأما ثالثا، فلأن توهم المرض أو الصحة قد يوجب ذلك، وهو أيضا ضروري.
# إذا عرفت ذلك فنقول: انه لما كانت الأمزجة قابلة لهذه الانفعالات عن هذه
~~الأحوال النفسانية، فلا مانع أن يكون لبعض النفوس خاصة لأجلها يتمكن من
~~التصرف في عنصر هذا العالم، بحيث تكون نسبتها إلى كلية العناصر كنسبة
~~أنفسنا إلى أبدانها، فيكون لها حينئذ تأثير في اعداد المواد العنصرية لأن
~~يفاض عليها صور الأمور الغريبة التي تخرج عن وسع مثلها.
# فإذا انضمت إلى ذلك الرياضات، فانكسرت سورة الشهوة والغضب، وبقيتا
~~أسيرتين في يد القوة العاقلة، فلا شك أنها حينئذ تكون أقوى على تلك
~~الأفعال، وتلك الخاصية: إما بحسب المزاج الأصلي، أو بحسب مزاج طار غير
~~مكتسب، أو بحسب الكسب والاجتهاد في الرياضة وتصفية النفس.
# والذي يكون بحسب المزاج الأصلي، فذوا المعجزات من الأنبياء، أو الكرامات
# PageV00P411
# من الأولياء، فان انضم إليها الاجتهاد في الرياضة بلغت الغاية القصوى في
~~ذلك الكمال.
# وقد يغلب على مزاج من له هذه الخاصية أن يستعملها في طرف الشر وفي الأمور
~~الخبيثة، ولا يزكي نفسه كالساحر، فيمنعه خبثه عن الترقي إلى درجة الكمال
~~(1).
# هذا كلامه زيد اكرامه.
# ثم قال العالم الرباني ميثم البحراني أيضا في شرح النهج: اعلم أن الشرط
~~الأول للنبوة أن يكون الشخص مأمورا من السماء باصلاح النوع (2)، ثم من
~~لواحق مرتبة الأنبياء أمور:
# الأول: أن يستغنوا في أكثر علومهم من معلم بشري، بل يحصل لهم بحسب قواهم
~~الحدسية الشريفة البالغة، وشدة اتصال نفوسهم بالحق سبحانه.
# الثاني: أن يكون هيولي العالم طوعا لما أرادوا من الأمور العجيبة الخارقة
~~للعادة، كالخسف والتحريكات والتسكينات.
# الثالث: أن يتمكنوا من الاخبار عن المغيبات والأمور الجزئية الواقعة، إما
~~في
# PageV00P412
# الماضي، أوفي المستقبل.
# والشرط الأول هو العمدة في تمييز درجة الأنبياء عن غيرهم، ولا شك أن
~~اختصاصهم به إنما هو لشدة اتصالهم، فاذن هم ms265 أشد اتصالا بالمبدأ الأول،
~~وأكمل قوة من غيرهم، وكذلك اختلاف مراتبهم عائد أيضا إلى تفاوت نفوسهم في
~~قربها من المبدأ واتصالها به. وأما باقي الخصال، فقد يشاركهم فيها الأولياء
~~وتجتمع فيهم، والى هذا المعنى أشار النبي (صلى الله عليه وآله) بقوله:
~~علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل.
# وكأن التفاوت بين المعجزة والكرامة إنما يرجع إلى أن الخصال المذكورة ان
~~صدرت عمن له الشرط الأول سميناها معجزا، وان صدرت عن غيرهم كانت في حقه
~~كرامة (1) انتهى.
# أقول: فيه نظر، أما أولا فلأن قوله (ولا شك أن اختصاصهم به إنما هو لشدة
~~اتصالهم، فاذن هم أشد اتصالا بالمبدأ الأول) على اطلاقه غير صحيح، لأن
~~أئمتنا (عليهم السلام) أشد اتصالا وأكمل قوة، فما ذكره إنما يطابق مذاق
~~المخالفين.
# وأما ثانيا، فلأن المعجز عندنا هو الخارق للعادة المطابق للدعوى المقرون
~~بالتحدي، سواء صدر عن نبي أو خليفته، وما ذكره إنما يتجه على مذاق القوم
~~أيضا، وهو منه عجيب، وكرامات الأولياء جائزة عندنا وواقعة (2)، خلافا لأكثر
~~المعتزلة والأستاذ أبي إسحاق والحليمي من الأشاعرة، وقصة مريم وقصة آصف
~~وأصحاب الكهف شواهد بذلك، وتعلق الخصم بعدم تمييزها عن المعجزة، فلا تكون
~~المعجزة دالة على النبوة، ضعيف جدا، لأنها تتميز بالتحدي مع ادعاء النبوة،
~~وتحرير المسألة في علم الكلام.
# PageV00P413
# المقام الثاني ما يستفاد من حديث البساط من تأمل بعين البصيرة وتخلص عن
~~رق التقليد للاسلاف وتحرى سلوك محجة الحق وجادة الانصاف، علم أنه ليس الغرض
~~من هذه الواقعة الا النص على مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) بالإمامة
~~والوصية، والتسجيل على الطواغيت المتلصصين وقطع عرق تعلقاتهم، وليعلموا أن
~~وصيته وامامته مما لا يحوم حولهما شك، ولا يعتريهما ريب، حيث أخبر بهما
~~الصديقون من الأمم السالفة.
# ولتنحسم مادة التهم التي تتسارع إلى بصائرهم الضعيفة من أنه (صلى الله
~~عليه وآله) إنما فضله عليهم وحباه بالإمامة والوصية دونهم لقربه منه
~~محاباة، لا بأمر الحق عز شأنه، وليشاهدوا ما خص به من الكرامات الإلهية
~~والمقامات السبحانية، والدرجات الباسقة التي لا تنالها أيدي الآمال، ms266 وتلوث
~~ذيولها بكدورات أهل الضلال، وقد تضمن من كرامته (صلى الله عليه وآله)
~~أنحاء.
# منها: تسخير الرياح له كسليمان (عليهما السلام).
# ومنها: سرعة سيرها بهم حتى أدركوا الصلاة مع النبي (صلى الله عليه وآله)،
~~وهذا مما لم يتفق لغيره (عليه السلام).
# ومنها: تكليمه الفتية أهل الكهف ومخاطبتهم إياه.
# ومنها: شهادتهم له بالوصية، حيث قالوا: انا معشر الصديقين والشهداء لا
~~نكلم بعد الموت الا نبيا أو وصيا.
# ومنها: اخباره (عليه السلام) بالغيب حين أخبر أنهم يدركون النبي (صلى
~~الله عليه وآله) في آخر ركعة.
# والعجب من الطواغيت المتلصصة والشياطين المتمردة حيث شاهدوا هذه النصوص
~~الجلية، وعاينوا هذه الكرامات السنية والمقامات العلية، فقابلوها
~~PageV00P414
# بالجحود والانكار والعتو والاستكبار، ولم تفدهم تلك الآيات الباهرة الا
~~زيادة الكفر والنفاق، ولم تعطهم تلك البراهين القاهرة الا محض اللجاج
~~والشقاق.
# الحديث الرابع والثلاثون [في تحسر النبي (صلى الله عليه وآله) من عدم
~~متابعة أصحابه لوصاية علي (عليه السلام)] الامام الحموي في كتاب فرائد
~~السمطين، عن جابر بن عبد الرحمن بن عوف (1)، عن عبد الله بن مسعود، قال:
~~كنت مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد أصحر (2) فتنفس الصعداء، فقلت:
~~يا رسول الله مالك قد تنفست؟ قال: يا بن مسعود نعيت إلي نفسي، فقلت: استخلف
~~يا رسول الله، قال: من؟ قلت: أبا بكر، فسكت.
# ثم تنفس، فقلت: مالي أراك تتنفس يا رسول الله؟ قال: نعيت إلي نفسي، قلت:
# استخلف يا رسول الله، قال: من؟ قلت: عمر بن الخطاب، فسكت.
# ثم تنفس، فقلت: مالي أراك تتنفس يا رسول الله؟ قال: نعيت إلي نفسي، قلت:
# استخلف، قال: من؟ قلت: علي بن أبي طالب، قال: أوه ولن تفعلوا إذا أبدا،
~~والله لئن فعلتموه ليدخلنكم الجنة (3).
# أقول: تأمل أرشدك الله بعين البصيرة في هذا الخبر المروي من طرقهم تجد
~~فيه شفاء العليل، والهداية إلى سواء السبيل، فإنه يدل على أمور:
# منها: عدم لياقة اللصوص الثلاثة للخلافة، ألا تراه (صلى الله عليه وآله)
~~كيف سكت لما ذكر الجبتين وعاد إلى التنفس الناشي ms267 عن الشفقة على الأمة
~~والامتحان لما يعلم مكابدتهم
# PageV00P415
# له من الأهوال بعده.
# ولما ذكر له عليا (عليه السلام) تأوه لعلمه بأنهم لا يطيعونه ولا ينقادون
~~له، وأكد ذلك بقوله (ولن تفعلوا إذا أبدا) وبالغ في التأكيد والترغيب بقوله
~~(والله لئن فعلتموه ليدخلنكم الجنة) تسجيلا عليهم وتفريعا وحسما لمواد
~~التعليقات الفاسدة والأعذار الواهية.
# ومنها: سلوكه (صلى الله عليه وآله) مسلك التقية، حيث لم يصرح بعدم صلوح
~~الجبتين للخلافة الحقيقية والرسالة الدينية والدنيوية، بل أعرض عن ذلك
~~وأشعره به بتأوه ثالثا عند ذكره عليا (عليه السلام).
# والسر في ذلك أنه (صلى الله عليه وآله) كرر النص عليه (عليه السلام)
~~بالإمامة والوصية على وجه لا يقبل التأويل، وبين الصريح من الرغوة في مواضع
~~متعددة ومجالس متبددة، تارة بالوصف، وأخرى بالتسمية، وثالثة بالتعريض،
~~وآونة (1) بالتصريح، وطورا بالخطابة والترغيب، وطورا بالوعظ والترهيب.
# ويجدهم مع ذلك لا يفيدهم ذلك التكرير الا نبض عروق الحسد والعناد،
~~واستحكام أسباب الفتنة والفساد، حتى كأن نصه (صلى الله عليه وآله) ليس حجة
~~قاطعة للعذر عندهم، ولا مدركا منتجا لسكون النفس واطمئنان القلب لديهم، كما
~~يعلم من تتبع سيرهم وأخبارهم، فلا جرم كان الأحرى حينئذ سلوك مسلك المجارات
~~وارخاء العنان، كما لا يخفى على ذوي الأذهان.
# ومنها: أن ترك بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) والخروج عن ربقة طاعته
~~ناش عن فرط العصبية والعناد، وشدة العداوة وعدم التقيد بقيود الشرع، كما
~~يدل عليه الحديث بالفحوى، ويشهد به تأوهه (صلى الله عليه وآله) أخيرا،
~~وقوله (ولن تفعلوه إذا أبدا) تقريعا لهم وتهجينا وتسجيلا عليهم في ذلك
~~وتقبيحا.
# PageV00P416
# ومن العجب أن ابن مسعود مع روايته هذا الخبر ونحوه من الأخبار الناطقة
~~بإمامته (عليه السلام) التي أودعناها رسالتنا الموسومة بشهادة الأعداء لسيد
~~الأولياء، والى اللصوص المتمردة والطواغيت الثلاثة، واعتقد امامتهم وتولى
~~من قبلهم الأعمال، كما هو مذكور في التواريخ والسير.
# وذكر أبو عمر والكشي رضي الله عنه في كتاب الرجال أنه سئل الفضل بن شاذان
~~عن ابن مسعود وحذيفة، فقال: لم يكن حذيفة كابن مسعود، ms268 لأن حذيفة كان زكيا،
~~وابن مسعود خلط ووالى القوم ومال معهم وقال بهم (1).
# الحديث الخامس والثلاثون [في حديث رد الشمس للإمام علي (عليه السلام)]
~~الفقيه ابن المغازلي الشافعي في كتاب المناقب، باسناده أن النبي (صلى الله
~~عليه وآله) كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي (عليه السلام)، فلم يصل العصر
~~حتى غربت الشمس، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اللهم ان عليا كان
~~في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس، فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد
~~ما غابت (2).
# وروى ابن المغازلي أيضا في المناقب مثله عن أبي رافع، قال: فردت الشمس
~~على علي (عليه السلام) بعد ما غابت حتى رجعت لصلاة العصر في الوقت، فقام
~~علي (عليه السلام) يصلي العصر، فلما قضى صلاة العصر غابت الشمس وإذا النجوم
~~مشتبكة (3).
# أقول: هذا الخبر مستفيض (4)، وقد أورده غير واحد من فحول الناصبة، منهم
# PageV00P417
# الفقيه المذكور.
# وروى الحموي في كتابه فرائد السمطين عن علي بن الحسين بن الحسن، عن فاطمة
~~بنت علي، عن أسماء بنت عميس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان رأسه في
~~حجر علي (عليه السلام)، فكره أن يحركه حتى غابت الشمس ولم يصل العصر، ففرغ
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وذكر علي (عليه السلام) أنه لم يصل العصر،
~~فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يرد عليه الشمس، فأقبلت الشمس ولها
~~خوار حتى ارتفعت على قدر ما كانت وقت العصر، قالت: فصلى ثم رجعت (1).
# وأورده الأستاذ أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك في كتاب الفصول من تعليق
~~الأصول في عداد معجزات النبي (صلى الله عليه وآله) عن أسماء بنت عميس (2).
# وأورده ابن حجر في الصواعق المحرقة، فقال: ومن كراماته الباهرة أن الشمس
~~ردت عليه لما كان رأس النبي (صلى الله عليه وآله) في حجره والوحي ينزل عليه
~~وعلي لم يصل العصر فما سرى عنه (صلى الله عليه وآله) الا وقد غربت الشمس،
~~فقال النبي (صلى الله عليه وآله): اللهم انه كان في طاعتك وطاعة ms269 رسولك
~~فاردد عليه الشمس، فطلعت بعد ما غربت.
# ثم قال: وحديث ردها صححه الطحاوي والقاضي (3) في الشفا، وحسنه شيخ
~~الاسلام أبو زرعة، وتبعه غيره وردوا على الذين قالوا إنه موضوع (4) انتهى.
# قلت: وأشار إلى ذلك أيضا الشيخ تاج الدين (5) عبد الحميد بن أبي الحديد
~~المدائني في بعض قصائده التي في مدائحه (عليه السلام) بقوله:
# PageV00P418
# امام هدى بالقرص آثر فاقتضى * له القرص رد القرص أبيض أزهرا وروى أصحابنا
~~أن الشمس ردت له مرتين: مرة في حياة الرسول (صلى الله عليه وآله) (1)، ومرة
~~بعد وفاته.
# قال الصدوق عمدة الاسلام ورئيس المحدثين أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه
~~قدس الله روحه في كتاب من لا يحضره الفقيه بعد نقل الرواية في رد الشمس
~~لسليمان بن داود ويوشع بن نون وصي موسى (عليه السلام) ما هذا لفظه: فقال
~~النبي (صلى الله عليه وآله): يكون في هذه الأمة كلما كان في بني إسرائيل
~~حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة (5)، وقال الله عز وجل (سنة الله التي قد
~~خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا) (1) وقال عز وجل (ولا تجد لسنتنا
~~تحويلا) (4).
# فجرت هذه السنة في رد الشمس على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام) مرتين: مرة في أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومرة بعد
~~وفاته (صلى الله عليه وآله).
# أما في أيامه (صلى الله عليه وآله)، فروي عن أسماء بنت عميس أنها قالت:
~~بينا رسول الله (صلى الله عليه وآله)
# PageV00P419
# نائم ذات يوم ورأسه في حجر علي (عليه السلام)، ففاتته العصر حتى غابت
~~الشمس، فقال:
# اللهم ان عليا كان في طاعتك وطاعة رسولك فاردد عليه الشمس، قالت أسماء:
# فرأيتها والله غربت ثم طلعت بعد ما غربت، ولم يبق جبل ولا أرض الا طلعت
~~عليه، حتى قام علي (عليه السلام) فتوضأ وصلى ثم غربت.
# وأما بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله)، فإنه روي عن جويرية بن مسهر
~~أنه قال: أقبلنا مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) من ms270 قتل
~~الخوارج حتى إذا قطعنا في أرض بابل حضرت الصلاة (1)، فنزل أمير المؤمنين
~~(عليه السلام) ونزل الناس، فقال (عليه السلام): أيها الناس ان هذه أرض
~~ملعونة قد عذبت في الأرض ثلاث مرات - وفي خبر آخر: مرتين وهي تتوقع الثالثة
~~- وهي احدى المؤتفكات (2)، وهي أول أرض عبد فيها الوثن، وانه لا يحل لنبي
~~ولا وصي نبي أن يصلي فيها، فمن أراد منكم أن يصلي فليصل، فمال الناس عن
~~جنبي الطريق وركب هو بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومضى.
# قال جويرية قلت: والله لأتبعن أمير المؤمنين (عليه السلام) ولأقلدنه
~~صلاتي اليوم، فمضيت خلفه، فوالله ما جزنا جسر سوراء حتى غابت الشمس، فشككت،
~~فالتفت إلي وقال: يا جويرية أشككت؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، فنزل (عليه
~~السلام) عن ناحيته فتوضأ ثم قام، فنطق بكلام لا أحسنه الا كأنه بالعبراني،
~~ثم نادى الصلاة، فنظرت والله إلى الشمس وقد خرجت من بين جبلين لها صرير:
~~فصلى العصر وصليت معه.
# فلما فرغنا من صلاتنا عاد الليل كما كان، فالتفت إلي وقال: يا جويرية بن
~~مسهر ان الله عز وجل يقول: (فسبح باسم ربك العظيم) واني سألت الله عز وجل
# PageV00P420
# باسمه العظيم فرد علي الشمس (1).
# وروى عطر الله مرقده في علل الشرائع والأحكام، باسناده عن عمارة بن
~~مهاجر، عن أم جعفر وأم محمد ابنتي محمد بن جعفر، عن أسماء بنت عميس وهي
~~جدتهما، قالت: خرجت مع جدتي أسماء بنت عميس وعمي عبد الله بن جعفر حتى إذا
~~كنا بالصهباء، قالت: كنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذا المكان،
~~فصلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) الظهر، ثم دعا عليا فاستعان في بعض
~~حاجاته (2)، ثم جاءت العصر فقام النبي (صلى الله عليه وآله) فصلى العصر،
~~فجاء علي (عليه السلام) فقعد إلى جنب رسول الله (صلى الله عليه وآله).
# فأوحى الله عز وجل إلى نبيه (صلى الله عليه وآله)، فوضع رأسه في حجر علي
~~(عليه السلام) حتى غابت الشمس لا يرى شئ منها لا ms271 على الأرض ولا على الجبل،
~~ثم جلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال لعلي (عليه السلام) هل صليت
~~العصر؟ فقال: يا رسول الله أنبئت أنك لم تصل فلما وضعت رأسك في حجري لم أكن
~~لأحركه، فقال: اللهم ان هذا عبدك علي احتبس نفسه على نبيك، فرد عليه شرقها،
~~فطلعت الشمس، فلم يبق جبل ولا أرض الا طلعت عليه الشمس، ثم قام علي (عليه
~~السلام) وصلى ثم انكسفت (3).
# وروى أيضا عطر الله مرقده في الكتاب المذكور، باسناده عن أم المقدام
~~الثقفية، قالت: قال لي جويرية بن مسهرة: قطعنا مع أمير المؤمنين (عليه
~~السلام) جسر الفرات في وقت العصر، فقال: هذه أرض معذبة لا ينبغي لنبي ولا
~~وصي نبي أن يصلي فيها، فمن أراد منكم أن يصلي فيها فليصل.
# فتفرق الناس يمنة ويسرة يصلون، فقلت: والله لأقلدن هذا الرجل صلاتي اليوم
~~ولا أصلي حتى يصلي، فسرنا وجعلت الشمس تسفل، وجعل يدخلني أمر عظيم
# PageV00P421
# حتى وجبت الشمس وقطعنا الأرض، فقال: يا جويرية أذن، فقلت: تقول أذن وقد
~~غابت الشمس، فقال لي: أذن، فأذنت، ثم قال لي أقم فأقمت.
# فلما قلت قد قامت الصلاة رأيت شفتيه يتحركان، وسمعت كلاما كأنه كلام
~~العبرانية، فارتفعت الشمس حتى صارت في مثل وقتها في العصر، فصلى، فلما
~~انصرفنا هوت إلى مكانها، فاشتبكت النجوم، فقلت: أنا أشهد أنك وصي رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): فقال: يا جويرية أما سمعت الله عز وجل يقول: فسبح
~~باسم ربك العظيم، فردها علي (1).
# وذكر الشيخ أبو عبد الله المفيد في ارشاده، والطبرسي في أعلام الورى، وفي
~~منهاج الكرامة للعلامة الحلي قدس الله أسرارهم: روى جابر وأبو سعيد الخدري
~~أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نزل عليه جبرئيل يوما يناجيه من عند
~~الله تعالى.
# فلما تغشاه الوحي توسد فخذ أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلم يرفع رأسه
~~إلى أن غابت الشمس، وصلى علي (عليه السلام) بالايماء، فلما استيقظ النبي
~~(صلى الله عليه وآله) قال له: سل الله تعالى يرد عليك الشمس لتصلي ms272 العصر
~~قائما، فدعا علي (عليه السلام) فردت الشمس وصلى العصر قائما (2).
# قلت: ولم أظفر بما يدل على أنه (عليه السلام) صلى بالايماء سوى هذا
~~الخبر، وهو أنسب وأوفق لكمال عصمته (عليه السلام).
# وممن روى القضيتين معا الوزير السعيد بهاء الدين علي بن عيسى الأربلي في
~~كتاب كشف الغمة (3) (4).
# PageV00P422
# وروى الصدوق - عطر الله مرقده - في علل الشرائع والأحكام قصة ثالثة في
~~ارتداد الشمس له (عليه السلام)، فإنه روى فيه باسناده عن محمد بن أبي عمير،
~~عن حنان، قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): ما العلة في ترك أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) لصلاة العصر وهو يجب له أن يجمع بين الظهر والعصر
~~فأخرها؟
# قال: انه لما صلى الظهر التفت إلى جمجمة ملقاة، فكلمها أمير المؤمنين
~~(عليه السلام)، فقال: أيتها الجمجمة من أين أنت؟ فقالت: أنا فلان بن فلان
~~ملك بلاد فلان، قال لها أمير المؤمنين (صلى الله عليه وآله): قص علي الخبر
~~وما كنت وما كان عصرك؟
# فأقبلت الجمجمة تقص من خبرها وما كان في عصرها من خير وشر، فاشتغل بها
~~حتى غابت الشمس، فكلمها بثلاثة أحرف من الإنجيل لئلا تفقه العرب كلامها.
# فلما فرغ من حكاية الجمجمة قال للشمس: ارجعي، قالت: لا أرجع وقد أفلت،
~~فدعا الله عز وجل، فبعث إليها سبعين ألف ملك معهم سبعون ألف سلسلة حديد،
~~فجعلوها في رقبتها وسحبوها على وجهها حتى عادت بيضاء نقية حتى PageV00P423
# صلى (عليه السلام)، ثم هوت كهوي الكوكب، فهذه العلة في تأخير العصر (1).
# وبالجملة فارتداد الشمس له (عليه السلام) وطلوعها بعد غيبتها أمر مشهور
~~بين المسلمين، بل هو في الحقيقة منتظم (2) في سلك المتواترات، وهو يدل على
~~عظم عناية الله به، وجلالة شأنه لديه، وفيضان ألطافه عليه، وفي ذلك يقول
~~السيد الحميري، واسمه إسماعيل بن محمد:
# ردت عليه الشمس لما فاته * وقت الصلاة وقد دنت للمغرب حتى تبلج نورها في
~~وقتها * للعصر ثم هوت هوي الكوكب وعليه قد ردت ببابل مرة * أخرى وما ردت
~~لخلق معرب الا ليوشع أوله من بعده ms273 * ولردها تأويل أمر معجب (3) ونعم ما قال
~~الصاحب الجليل والوزير النبيل كافي الكفاة إسماعيل بن عباد في هذا المعنى:
# كان النبي مدينة العلم التي * حوت الكمال وكنت أفضل باب ردت عليك الشمس
~~وهي فضيلة * ظهرت فلم تستر بلف نقاب لم أحك الا ما روته نواصب * عادتك وهي
~~مباحة الأسباب ارشاد ورفع استبعاد:
# اعلم أن كثيرا من المخذولين من النواصب استبعدوا هذه القصة وادعوا أنها
~~موضوعة استبعادا منهم لارتداد الشمس بعد غيبتها، وربما ادعى استحالته
~~بعضهم، وأنت تعلم أن دفع تلك الأخبار المستفيضة بل المتواترة بالتحكم المحض
~~والاستبعاد
# PageV00P424
# الصرف، مما لا يقدم عليه ذو مسكة.
# بل الظاهر أن ذلك الدفع والاستبعاد إنما صدر منهم عن نصب غريزي له (عليه
~~السلام) وتعصب طبيعي، كما هو ديدن أولئك الأقوام، والا فمن المعلوم
~~المستبين عند من له أدنى مسكة أن ذلك أمر ممكن عقلا من طرق كثيرة:
# منها: أن تخلق الشمس في الموضع الذي أعادها إليه ابتداء، أو يهبط بعض
~~الأرض فتظهر الشمس، أو يخلق مثل الشمس في صورتها، ويحصل حكمها في صلاة علي
~~(عليه السلام) كحكم تلك الشمس، ويكون ذلك من خواصه، كما ذكره السيد الجليل
~~جمال العارفين وقدوة الناسكين ذو الكرامات والمقامات رضي الدين ابن طاووس
~~قدس الله روحه في الطرائف (1).
# قلت: ولا مانع من الرد الحقيقي، فإنه أمر ممكن لا مانع منه.
# وقال بعض الأفاضل: يجوز أن تكون تلك الشمس شمس عالم المثال (2)، وهو عالم
~~واسع الدائرة، ومنه تنشأ خوارق العادات، كما يحكى عن بعض الأولياء انه مع
~~اقامته ببلده كان من حاضري المسجد الحرام أيام الحج، وانه ظهر من بعض
# PageV00P425
# جدران البيت، أو خرج من بيت مسدود الأبواب والكوات، وانه أحضر بعض
~~الأشخاص والثمار أو غير ذلك من مسافة بعيدة من زمان قريب.
# ثم أطال الكلام في ذلك، ثم قال: ويكون حكم هذه الشمس حكم شمس العالم
~~المادي الحقيقي في حقه (عليه السلام).
# أقول: هذا بعيد جدا، مع أنه لا ضرورة تلجئ إليه، ودون اثبات عالم المثال
~~خرط القتاد، والله ms274 الهادي إلى نجدة الرشاد.
# والعجب من النواصب لا يستبعدون ارتداد الشمس ليوشع بن نون (عليه السلام)
~~ويعترفون به، ويقدحون في ارتدادها لأمير المؤمنين (عليه السلام).
# هذا مع أن الأول إنما أورد في خبر واحد رواه الحميدي في الجمع بين
~~الصحيحين في الحديث الحادي والسبعين بعد المائتين من مسند أبي هريرة، قال:
~~قال رسول الله (عليه السلام): غزا نبي من الأنبياء، فقال لقومه: لا يتبعني
~~من (1) ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن بها، ولا أحد بنى بيوتا
~~ولم يرفع سقوفها، ولا أحد اشترى غنما أو خلفات وهو ينتظر أولادها، فغزوا،
~~فدنا من القرية من صلاة العصر، أو قريبا من ذلك، فقال للشمس: انك مأمورة
~~وأنا مأمور اللهم احبسها علينا، فحبست حتى فتح الله عليه (2).
# والثاني مستفيض بل متواتر، فليت شعري كيف أذعنوا بالأول وطعنوا في
~~الثاني، وما هذا الا نصب شديد لا يخفى على من له قلب أو ألقى السمع وهو
~~شهيد.
# PageV00P426
# وهم وتنبيه:
# توهم بعض من أصحابنا أن تركه (عليه السلام) صلاة العصر في الواقعتين
~~المذكورتين إلى أن غابت الشمس ينافي العصمة، إذ لا يجوز تأخير الصلاة إلى
~~مضي وقتها، وحملوا الأخبار على أن الشمس لم تغب بعد، وإنما خرج وقت العصر،
~~فأعيدت إلى موضعها في وقت الفضيلة.
# وأول من ارتكب هذا التأويل الشيخ المحقق المدقق أبو عبد الله محمد بن
~~إدريس في سرائره، قال: لا يحل بأن يعتقد بأن الشمس غابت ودخل الليل وخرج
~~وقت العصر بالكلية وما صلى الفريضة، لأن هذا من معتقده جهل بعصمته (عليه
~~السلام)، لأنه يكون مخلا بالواجب المضيق عليه، وهذا لا يقوله من عرف إمامته
~~واعتقد عصمته (عليه السلام) (1) انتهى.
# ووافقه شيخنا الشهيد الثاني عطر الله مرقده في روض الجنان (2).
# وأنت خبير بما فيه، أما أولا فلأنه يجوز أن يكون (عليه السلام) مكلفا
~~بتأخير الصلاة إلى آخر وقتها حينئذ، ويكون ذلك من خواصه، كما أن ارتداد
~~الشمس له بعد غيبتها خاصة أخرى له، وأي مانع يمنع من ذلك؟ (3) وأما ثانيا، ms275
~~فلأنه يجوز أن يكون متعبدا والحال هذه بالصلاة ايماء، ويكون ذلك من خواصه
~~أيضا، وفي الخبر المنقول عن منهاج الكرامة تصريح بذلك.
# ويجوز أن يكون ذلك من باب الضرورة بالنسبة إلى القصة الأولى، والعذر كون
# PageV00P427
# رأس رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حجره، وما المانع من كون ذلك
~~عذرا؟
# وأما ثالثا، فلأنه يجوز أن يكون (عليه السلام) عالما بأن الشمس سترد عليه
~~ويعود وقتها، فلا يكون مخلا بالواجب المضيق كما توهموه.
# فان قلت: عودها بعد ذلك لا يجدي نفعا، لخروج الوقت بالغيبوبة، فلا يجدي
~~طلوعها بعدها.
# قلت: دعوى فوات الوقت بغروبها مطلقا في حيز المنع، بل التحقيق أنه كما أن
~~ردها خصوصية له (عليه السلام)، كذلك ادراك العصر أداء بعد ردها خصوصية له
~~وكرامة، كما ذكره ابن حجر في الصواعق المحرقة، ثم قال: على أن في ذلك أعني:
~~ان الشمس إذا غربت ثم عادت هل يعود الوقت بعودها؟ تردد حكيته مع بيان
~~المتجه منها في شرح العباب في أوائل كتاب الصلاة (1) انتهى. (2) قلت: ولم
~~أقف لأحد من أصحابنا فيما أعلم على كلام في ذلك بنفي ولا اثبات، فينبغي
~~التدبر في ذلك.
# وأما رابعا، فلأن الأخبار التي سردناها فيما سبق متطابقة على أنها قد
~~غابت صريحة في ذلك، بحيث لا تقبل ذلك التأويل العليل، فاطراحها بمجرد
~~الاستبعاد بعيد عن مشرب أهل السداد، لما فيه من مقابلة النص بالاجتهاد.
# وهم وتنبيه:
# المفهوم من النص الوارد في القصة الثانية وهي ارتداد الشمس له في أرض
~~بابل أنه يحرم عليه (عليه السلام) الصلاة في ذلك، وأنه لا يحل الصلاة في
~~الأرض المذكورة لنبي
# PageV00P428
# أو وصي نبي، وحينئذ يهون الخطب في ذلك، ويتضح العذر في التأخير.
# ولا يلزم كونه (عليه السلام) مخلا بالواجب المضيق كما توهم، بل يكون تركه
~~ذلك لعدم تكليفه بالصلاة حينئذ، والا لزم اجتماع الوجوب والتحريم في شئ
~~واحد بالشخص، وحينئذ يكون تركه الصلاة كترك فاقد الطهورين، وليس في هذا ما
~~ينافي العصمة، وليس العلة في تأخير الصلاة كراهة الصلاة في ms276 أرض الخسف، كما
~~يفهمه كلام ابن إدريس، وان ذلك على وجه الكراهة لا التحريم.
# أما أولا، فلأن مقتضى النصوص التحريم، حيث قال (عليه السلام): وانه لا
~~يحل لنبي ولا وصي نبي أن يصلي فيها. فان نفي الحل صريح في التحريم،
~~والتخصيص بالنبي ووصي النبي يزيده وضوحا، إذ تلك الكراهة عامة بزعمه فلا
~~معنى للتخصيص.
# وقوله (عليه السلام) بعد ذلك (فمن أراد أن يصلي فليصل) يرفع ما توهمه
~~بالكلية، إذ ترخيصه (عليه السلام) لهم في الصلاة فيها ونفي الحل بالنسبة
~~إلى النبي ووصيه خاصة يبطل ذلك الوهم.
# وأما ثانيا، فلأن ما ادعاه من كراهة الصلاة في كل أرض خسف، في موضع
~~المنع، لعدم الدليل الدال على ذلك. ويلوح من شيخنا الشهيد الثاني نور الله
~~ضريحه في الذكرى التوقف في ذلك (1)، وهو في محله.
# وما استدل به عليه من أنه (صلى الله عليه وآله) لما مر بالحجر قال: لا
~~تدخلوا على هؤلاء
# PageV00P429
# المعذبين الا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم. في غاية القصور، إذ
~~ليس فيه دلالة على كراهة الصلاة فيها بوجه، كما نبه عليه في الذكرى (1).
# قال سبط ابن الجوزي من فحول المخالفين: وفي الباب حكاية عجيبة حدثني بها
~~جماعة من مشائخنا بالعراق: أنهم شاهدوا أبا منصور المظفر بن أردشير العبادي
~~الواعظ ذكر بعد العصر هذا الحديث، ونمقه بألفاظه وذكر فضائل أهل البيت،
~~فغطت سحابة الشمس وأظلم الأفق، حتى ظن الناس جميعا أنها قد غابت، فقام على
~~المنبر وأومأ إلى الشمس وأنشد:
# لا تغربي يا شمس حتى ينتهي * مدحي لآل محمد ولنجله (2) واثني عنانك ان
~~أردت ثناءهم * أنسيت إن كان الوقوف لأجله إن كان للمولى وقوفك فليكن * هذا
~~الوقوف لخيله ولرجله قالوا: فانجاب السحاب عن الشمس على الفور وطلعت الشمس
~~(3).
# وأورد هذه الحكاية أيضا ابن حجر في الصواعق المحرقة (4).
# وأظن أني وجدتها في كتاب فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) من تصانيف
~~العلامة الحلي (5)، وعهدي بهذا الكتاب منذ عشر سنين.
# PageV00P430
# الحديث السادس والثلاثون [التمسك والاقتداء بالامام أمير المؤمنين
~~وأولاده المعصومين (عليهم ms277 السلام)] صاحب كتاب فرائد السمطين باسناده عن
~~الإمام علي بن موسى الرضا، عن أبيه، عن آبائه (عليهم السلام) قالوا: قال
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله): من أحب أن يتمسك بديني ويركب سفينة النجاة
~~بعدي، فليقتد بعلي بن أبي طالب، وليعاد عدوه، وليوال وليه، فإنه وصيي
~~وخليفتي على أمتي في حياتي وبعد وفاتي، وهو امام كل مسلم، وأمير كل مؤمن
~~بعدي، قوله قولي، وأمره أمري، ونهيه نهيي، وتابعه تابعي، وناصره ناصري،
~~وخاذله خاذلي.
# ثم قال (صلى الله عليه وآله): من فارق عليا بعدي لم يرني ولم أره يوم
~~القيامة، ومن خالف عليا حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، ومن خذل عليا
~~خذله الله يوم يعرض عليه، ومن نصر عليا نصره الله يوم يلقاه ولقنه حجته عند
~~المسألة.
# ثم قال (صلى الله عليه وآله): والحسن والحسين اماما أمتي بعد أبيهما،
~~وسيدا شباب أهل الجنة، وأمهما سيدة نساء العالمين، وأبوهما سيد الوصيين،
~~ومن ولد الحسين تسعة أئمة تاسعهم القائم من ولدي، طاعتهم طاعتي، ومعصيتهم
~~معصيتي، إلى الله أشكو المنكرين لفضلهم، والمصغرين لحرمتهم بعدي، وكفى
~~بالله وليا ونصيرا لعترتي وأئمة أمتي، ومنتقما من الجاحدين حقهم، وسيعلم
~~الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (1).
# أقول: هذا الخبر كما ترى واضح الدلالة على صحة عقيدة الفرقة الناجية،
~~بطلان ما عليه الفرق الباقية من جهات شتى وطرق متعددة، وقد ذكرنا فيما سبق
# PageV00P431
# أخبارا اخر لا تحصى كثرة بمعناه، وإنما أكثرنا في كتابنا هذا من الأخبار
~~المتضمنة لهذا المعنى، لأن هذا هو أس مذهبنا ومداره وميزانه الصحيح
~~ومعياره، وهو مطمح الكلام، ومجال البحث، ومرمى النظر، فما أجدره بالتكرار
~~وما أحقه بالترداد، كما قيل:
# أعد ذكر نعمان لنا ان ذكره * هو المسك ما كررته يتضوع الحديث السابع
~~والثلاثون [حديث المناشدة وما فيه من الدلائل على إمامته (عليه السلام)]
~~أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي الحافظ الشافعي، وهو من فحول
~~المحدثين من الشافعية كثير التصانيف، باسناده عن أبي الطفيل عامر بن واثلة،
~~قال:
# كنت على الباب يوم الشورى، فارتفعت ms278 الأصوات بينهم، فسمعت عليا (عليه
~~السلام) يقول:
# بايع الناس أبا بكر وأنا والله أولى بالأمر وأحق به منه، فسمعت وأطعت
~~مخافة أن تصير الناس كفارا، ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان إذا لا أسمع
~~ولا أطيع، ان عمر جعلني مع خمسة نفر أنا سادسهم لا يعرف لي فضلي في الصلاح
~~ولا يعرفونه لي، كأنما نحن فيه شرع سواء، وأيم الله لو أشاء أن أتكلم
~~لتكلمت، ثم لا يستطيع عربهم ولا عجمهم ولا معاهد منهم ولا المشرك رد خصلة
~~منها.
# ثم قال: أنشدكم الله أيها الخمسة أمنكم أخو رسول الله غيري؟ قالوا: لا،
~~قال:
# أمنكم أحد له عم مثل عمي حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله؟ قالوا:
~~لا، قال: أمنكم أحد له ابن عم مثل ابن عمي رسول الله؟ قالوا: لا.
# قال: أمنكم أحد له أخ مثل أخي المزين بالجناحين يطير مع الملائكة في
~~الجنة؟
# قالوا: لا، قال: أمنكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) سيدة نساء هذه الأمة؟ قالوا: لا. PageV00P432
# قال: أمنكم أحد له سبطان مثل الحسن والحسين سبطي هذه الأمة ابني رسول
~~الله غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد قتل مشركي قريش قبلي؟ قالوا: لا،
~~قال:
# أمنكم أحد أمر الله بمودته غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد غسل رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) غيري؟ قالوا: لا.
# قال: أمنكم أحد سكن المسجد يمر فيه جنبا غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد
~~ردت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلى العصر غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد
~~قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين قرب إليه الطير فأعجبه: اللهم
~~آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فجئت أنا لا أعلم ما كان من
~~قوله، فدخلت وقال:
# والي يا رب والي يا رب غيري؟ قالوا: لا.
# قال: أفيكم أحد كان أقتل للمشركين عند كل شديدة تنزل برسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) غيري؟ قالوا: لا، قال: أفيكم أحد يأخذ ms279 الخمس سهم في الخاص
~~وسهم في العام غيري؟ قالوا: لا.
# قال: أفيكم أحد يطهره كتاب الله غيري حتى سد النبي (صلى الله عليه وآله)
~~أبواب المهاجرين وفتح بابي إليه حتى قام إليه عماه حمزة والعباس وقالا: يا
~~رسول الله سددت أبوابنا وفتحت باب علي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله):
~~ما أنا فتحت بابه ولا سددت أبوابكم، بل الله فتح بابه وسد أبوابكم؟ قالوا:
~~لا.
# قال: أفيكم أحد تمم الله نوره من السماء حتى قال: (فلت ذا القربى حقه)
~~غيري؟ قالوا: لا، قال: أفيكم أحد ناجى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ست
~~عشرة مرة غيري حتى نزل (يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين
~~يدي نجواكم صدقة) قالوا: اللهم لا.
# قال: أفيكم أحد ولي غمض رسول الله (صلى الله عليه وآله) غيري؟ قالوا:
~~اللهم لا، قال: PageV00P433
# أفيكم أحد آخر عهده برسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى وضعه في حفرته
~~غيري؟ قالوا: اللهم لا (1). وأورده الامام الحموي في فرائد السمطين (2).
# ورواه أيضا أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في كتابه، وهو من أعيان
~~أئمتهم.
# ورواه أيضا صدر الأئمة أخطب خطباء خوارزم موفق بن أحمد المكي ثم
~~الخوارزمي في كتاب الأربعين، قال: عن الامام الطبراني، حدثنا علي بن سعيد
~~الرازي، حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا زافر بن سليمان، قال: حدثنا الحرث
~~بن محمد، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال، كنت على الباب يوم الشورى وساق
~~الخبر (3).
# وفي رواية أخرى رواها ابن مردويه أنه قال في عثمان: ثم أنتم تريدون أن
~~تبايعوا عثمان إذا لا أسمع ولا أطيع.
# وفي رواية أخرى عن صدر الأئمة موفق بن أحمد المكي (4) يرويها عن فخر
~~خوارزم العلامة محمود الزمخشري، باسناده إلى أبي ذر زيادة في مناشدة علي بن
~~أبي طالب (عليه السلام) لأهل الشورى، وهذا لفظها:
# ناشدتكم الله تعالى هل تعلمون معاشر المهاجرين والأنصار أن جبرئيل (عليه
~~السلام) أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد لا سيف الا ms280 ذو
~~الفقار ولا فتى الا علي هل تعلمون كان هذا؟ قالوا: اللهم نعم.
# قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن جبرئيل (عليه السلام) نزل على النبي (صلى
~~الله عليه وآله) فقال: يا
# PageV00P434
# محمد ان الله تبارك وتعالى يأمرك أن تحب عليا وتحب من يحبه، فان الله يحب
~~عليا ويحب من يحب عليا؟ قالوا: اللهم نعم.
# قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لما
~~أسري بي إلى السماء السابعة رفعت إلي رفارف من نور، ثم رفعت إلي حجب من
~~نور، فأوعد النبي (صلى الله عليه وآله) الجبار لا إله إلا هو أشياء، فلما
~~رجع من عنده نادى مناد من وراء الحجب: نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ
~~أخوك علي فاستوص به، أتعلمون معاشر المهاجرين والأنصار كان هذا؟ فقال أبو
~~محمد من بينهم - يعني: عبد الرحمن بن عوف -: سمعتها من رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) باذني هاتين والا فصمتا.
# قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن أحدا كان يدخل المسجد جنبا غيري؟ قالوا:
# اللهم لا، قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن أبواب المسجد سدها وترك بابي؟
~~قالوا:
# اللهم نعم.
# قال: هل تعلمون أني كنت إذا قاتلت عن يمين رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) قال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي؟ قالوا:
~~اللهم نعم.
# قال: فهل تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين أخذ الحسن
~~والحسين في المصارعة جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: هي يا حسن،
~~فقالت فاطمة: ان الحسين أصغر وأضعف ركنا منه، فقال لها رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله): ألا ترضين أن أقول أنا هي يا حسن، ويقول جبرئيل: هي يا حسين،
~~فهل تحق لكم مثل هذه المنزلة؟ نحن الصابرون ليقضي الله في هذه البيعة أمرا
~~كان مفعولا.
# ثم قال: وقد علمتم (1) موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله)،
~~والقرابة القريبة، والمنزلة
# PageV00P435
# الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد، يضمني إلى صدره، ويكنفني (1) في ms281
~~فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ويلقمنيه، وما وجد لي
~~كذبة في قول ولا خطلة (2) في فعل، ولقد قرن الله به من لدن كان فطيما (3)
~~أعظم ملك (4 ملائكته يسلك به طرق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم ليله
~~ونهاره.
# ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل (5) اثر أمه، يرفع لي في كل يوم علما من
~~أخلاقه وأمرني بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء (6)، فأراه
~~ولا يراه غيري، ولم يجمع بيت واحد في الاسلام غير رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) وخديجة وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة.
# ولقد سمعت رنة (عليه السلام)) الشيطان (8) حين نزل الوحي عليه (صلى الله
~~عليه وآله)، فقلت: يا رسول الله ما هذه الرنة؟ فقال: هذا الشيطان قد آيس من
~~عبادته، انك تسمع ما أسمع وترى ما أرى، الا أنك لست بنبي ولكنك وزير وانك
~~لعلى خير.
# PageV00P436
# ولقد كنت معه (1) (صلى الله عليه وآله) حين أتاه الملأ من قريش، فقالوا:
~~يا محمد انك قد ادعيت عظيما لم يدعه آباؤك ولا أحد من أهل بيتك، ونحن نسألك
~~أمرا ان أجبتنا إليه وأريتنا علمنا أنك نبي ورسول، وان لم تفعل علمنا أنك
~~ساحر كذاب، فقال لهم (صلى الله عليه وآله): وما تسألون؟ قالوا: تدعو لنا
~~هذه الشجرة حتى تنقلع بعروقها وتقف بين يديك، فقال (صلى الله عليه وآله):
~~ان الله على كل شئ قدير، وان فعل الله لكم ذلك تؤمنون وتشهدون بالحق؟
~~قالوا: نعم.
# قال عليه الصلاة والسلام: فاني أراكم ما تطلبون، واني أعلم أنكم ما
~~تفيؤون (2) إلى خير، وان فيكم من يطرح في القليب (3) ومن يحزب الأحزاب.
# ثم قال: يا أيتها الشجرة ان كنت تؤمن بالله واليوم الآخر وتعلمين أني
~~رسول الله، فانقلعي بعروقك حتى تقفي بين يدي بإذن الله، فوالله الذي بعثه
~~بالحق لقد
# PageV00P437
# انقلعت بعروقها، وجاءت ولها دوي عظيم شديد، وقصف كقصف (1) أجنحة الطير
~~حتى وقفت بين يدي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وألقت بعضها الأعلى على
~~رسول الله ms282 (صلى الله عليه وآله) وبعض أغصانها على منكبي، وكنت عن يمينه
~~(صلى الله عليه وآله)، فلما نظر القوم إلى ذلك قالوا علوا واستكبارا: فمرها
~~فليأتيك نصفها ويبقي نصفها، فأمرها بذلك، فأقبل إليه نصفها كأعجب اقبال
~~وأشد دويا، وكادت تلف برسول الله (صلى الله عليه وآله)، قالوا كفرا وعلوا:
# فمر هذا النصف فليرجع إلى نصفه كما كان، فأمره رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) فرجع.
# قلت أنا: لا إله إلا الله اني أول مؤمن بك يا رسول الله، وأول من آمن بأن
~~الشجرة فعلت ما فعلت بأمر الله تصديقا لنبوتك واجلالا لكلمتك، فقال القوم
~~كلهم:
# بل ساحر كذاب عجيب السحر خفيف فيه، وهل يصدقك في أمرك الا مثل هذا
~~يعنوني.
# واني لمن القوم الذين لا تأخذهم في الله لومة لائم، سيماهم (2) سيماء
~~الصديقين، وكلامهم كلام الأبرار، عمار الليل ومنار النهار، متمسكون بحبل
~~القرآن، يحبون سنن الله وسنن رسوله، لا يستكبرون ولا يعلون ولا يفسدون
~~قلوبهم في الجنان، وأجسادهم في العمل (3).
# وأورده الحموي في فرائد السمطين أيضا عن سليم بن قيس الهلالي قال: رأيت
# PageV00P438
# عليا (عليه السلام) في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خلافة
~~عثمان وجماعة يتحدثون ويتذاكرون العلم والعفة، فذكروا قريشا وفضلها
~~وسوابقها وهجرتها، وما قال فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) من الفضل
~~مثل قوله (الأئمة من قريش) وقوله (الناس مع قريش (1) وقريش أئمة العرب)
~~وقوله (لا تسبوا قريشا) وقوله (ان للقرشي قوة رجلين من غيرهم) وقوله (من
~~أبغض قريشا أبغضه الله) وقوله (من أراد هوان قريش أهانه الله).
# وذكروا الأنصار وفضلها وسوابقها ونصرتها، وما أثنى الله به عليهم في
~~كتابه، وما قال فيهم النبي (صلى الله عليه وآله) من الفضل، وذكروا ما قال
~~في سعد بن عبادة، وغسيل الملائكة، فلم يدعوا شيئا من فضلهم، حتى قال كل حي:
~~منا فلان وفلان، وقالت قريش: منا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومنا
~~حمزة، ومنا جعفر، ومنا عبيدة بن الحارث، وزيد بن حارثة، وأبو بكر، وعمر،
~~وعثمان، ms283 وأبو عبيدة، وسالم، وابن عوف.
# فلم يدعوا من الحيين أحدا من أهل السابقة الا سموه، وفي الحلقة أكثر من
~~مائتي رجل، فيهم علي بن أبي طالب (عليه السلام)، وسعد بن أبي وقاص، وعبد
~~الرحمن بن عوف، وطلحة، والزبير، وعمار، والمقداد، وأبو ذر، وهاشم بن عتبة،
~~وابن عمر، والحسن والحسين (عليهما السلام)، وابن عباس، ومحمد بن أبي بكر،
~~وعبد الله بن جعفر.
# ومن الأنصار: أبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وأبو أيوب الأنصاري، وأبو الهيثم
~~بن التيهان، ومحمد بن سلمة (2)، وقيس بن سعد بن عبادة، وجابر بن عبد الله،
~~وأنس بن مالك، وزيد بن أرقم، وعبد الله بن أبي أوفى، وأبو ليلى ومعه ابنه
~~عبد الرحمن قاعد بجنبه غلام صبيح الوجه أمرد.
# فجاء أبو الحسن البصري ومعه ابنه الحسن غلام أمرد صبيح الوجه معتدل
# PageV00P439
# القامة، فجعلت أنظر إليه والى عبد الرحمن بن أبي ليلى، فلا أدري أيهما
~~أجمل، غير أن الحسن أعظمهما وأطولهما.
# فأكثر القوم في ذلك من بكرة إلى حين الزوال، وعثمان في داره لا يعلم بشئ
~~مما هم فيه، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) ساكت لا ينطق ولا أحد من أهل
~~بيته.
# فأقبل القوم عليه، فقالوا: يا أبا الحسن ما يمنعك أن تتكلم؟ فقال: ما من
~~الحيين أحد الا وقد ذكر فضلا وقال حقا، فأنا أسألكم يا معشر قريش والأنصار
~~بمن أعطاكم الله هذا الفضل؟ أبأنفسكم وعشائركم وأهل بيوتاتكم أم بغيركم؟
~~فقالوا:
# أعطانا الله ومن به علينا بمحمد (صلى الله عليه وآله) وعترته لا بأنفسنا
~~وعشائرنا ولا بأهل بيوتاتنا.
# فقال: صدقتم يا معشر قريش والأنصار ألستم تعلمون أن الذي نلتم من خير
~~الدنيا والآخرة بنا أهل البيت خاصة دون غيرهم؟ وان ابن عمي رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) قال: اني وأهل بيتي كنا نورا يسعى بين يدي الله تعالى قبل
~~أن يخلق الله عز وجل آدم صلوات الله عليه بأربعة عشر ألف سنة.
# فلما خلق آدم (عليه السلام) وضع ذلك النور في صلبه وأهبطه إلى الأرض، ثم ms284
~~حمله في السفينة في صلب نوح (عليه السلام)، ثم قذف به في النار في صلب
~~إبراهيم (عليه السلام).
# ثم لم يزل الله تعالى ينقلنا من الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة،
~~ومن الأرحام الطاهرة إلى الأصلاب الكريمة من الاباء والأمهات، لم يلق واحد
~~منهم على سفاح قط، فقال أهل السابقة والقدمة وأهل بدر وأهل أحد: نعم قد
~~سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك.
# قال (عليه السلام): أنشدكم الله أتعلمون أن الله عز وجل فضل في كتابه
~~السابق على المسبوق في غير آية، واني لم يسبقني إلى الله عز وجل والى رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) أحد من الأمة؟ قالوا: اللهم نعم.
# قال: أنشدكم الله أتعلمون حيث نزلت (والسابقون الأولون من المهاجرين
~~PageV00P440
# والأنصار) (١) ﴿والسابقون السابقون ×
~~أولئك المقربون﴾ (٢) سئل عنها رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال:
~~أنزلها الله تعالى ذكره في الأنبياء وأوصيائهم، فأنا أفضل أنبياء الله
~~ورسله، وعلي بن أبي طالب وصيي أفضل الأوصياء؟ قالوا: اللهم نعم.
# قال: فأنشدكم الله أتعلمون حيث نزلت ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي
~~الأمر منكم﴾ (٣) وحيث نزلت (إنما وليكم الله ورسوله) الآية وحيث نزلت
~~﴿ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا
~~المؤمنين وليجة﴾ (4) قال الناس: يا رسول الله أخاصة في بعض المؤمنين أم
~~عامة لجميعهم؟
# فأنزل الله عز وجل على نبيه (صلى الله عليه وآله) أن يعلمهم ولاة أمرهم،
~~وأن يفسر لهم من الولاية ما فسر لهم من صلاتهم وزكاتهم وحجهم بنصبي للناس
~~بغدير خم، ثم خطب وقال: أيها الناس ان الله أرسلني برسالة ضاق بها صدري،
~~وما ظننت أن الناس تكذبني، فأوعده ليبلغها أو ليعذبه (5).
# ثم أمر فنودي بالصلاة جامعة، ثم خطب فقال: أيها الناس أتعلمون أن الله عز
~~وجل مولاي وأنا مولى المؤمنين، وأنا أولى بهم من أنفسهم؟ قالوا: بلى يا
~~رسول الله، قال: قم يا علي فقمت، فقال: من ms285 كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال
~~من والاه، وعاد من عاداه.
# فقام سلمان فقال: يا رسول الله ولاء ماذا؟ فقال: ولاء كولائي، من كنت
~~أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه، فأنزل الله تعالى ذكره (اليوم أكملت
~~لكم دينكم) فكبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: الله أكبر على تمام
~~نبوتي وتمام دين الله وولاية
# PageV00P441
# علي بن أبي طالب.
# فقام أبو بكر وعمر فقالا: يا رسول الله هؤلاء الآيات خاصة في علي بن أبي
~~طالب؟ قال: بل فيه وفي أوصيائي إلى يوم القيامة، قالا: يا رسول الله بينهم
~~لنا، قال: علي أخي ووزيري ووارثي ووصيي وخليفتي في أمتي، وولي كل مؤمن
~~بعدي، ثم ابني الحسن، ثم الحسين: ثم تسعة من ولد ابني الحسين واحد بعد
~~واحد، القرآن معهم وهم مع القرآن، لا يفارقونه ولا يفارقهم حتى يردوا علي
~~الحوض؟
# فقالوا كلهم: اللهم نعم قد سمعنا ذلك وشهدنا كما قال سواء، وقال بعضهم:
~~قد حفظنا ما قلت ولم نحفظ كله، وهؤلاء الذين حفظوا أخيارنا وأفاضلنا، فقال
~~علي (عليه السلام): صدقتم ليس كل الناس يستوون في الحفظ، أنشد الله عز وجل
~~من حفظ ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما قام فأخبر به.
# فقام زيد بن أرقم والبراء بن عازب وسلمان وأبو ذر والمقداد وعمار،
~~فقالوا:
# نشهد لقد حفظنا قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو قائم على المنبر
~~وأنت إلى جنبه، وهو يقول: أيها الناس ان الله عز وجل أمرني أن أنصب لكم
~~امامكم والقائم فيكم بعدي وصيي وخليفتي والذي فرض الله عز وجل على المؤمنين
~~في كتابه طاعته، فقرنه بطاعته وطاعتي وأمركم بولايته.
# واني راجعت ربي خشية طعن أهل النفاق وتكذيبهم، فأوعدني لتبلغنها أو
~~ليعذبني أيها الناس ان الله أمركم في كتابه بالصلاة وقد بينها لكم، والزكاة
~~والصوم والحج، فبينها لكم وفسرها لكم وأمركم بالولاية. الحديث (1).
# وروى العلامة المطرزي في أوائل شرح المقامات الحريرية، عن ابن أبي الطفيل
~~عامر بن واثلة، قال: سمعت عليا ms286 (عليه السلام) يوم الشورى يقول: أنشدتكم
~~الله أيها النفر هل فيكم أحد وحد الله تعالى قبلي؟ قالوا: اللهم لا، قال:
~~أنشدتكم الله هل فيكم
# PageV00P442
# أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنت مني بمنزلة هارون من
~~موسى الا أنه لا نبي بعدي غيري؟ قالوا: اللهم لا، إلى أن قال: سمعتم رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) يقول: عرضت علي أمتي البارحة فاستغفرت لك
~~ولشيعتك؟ فقالوا: اللهم نعم.
# وفى الصواعق المحرقة لابن حجر: وأخرج الدارقطني أن عليا قال للستة الذين
~~جعل عمر الإمامة شورى بينهم كلاما طويلا، من جملته: أنشدكم الله هل فيكم
~~أحد قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله): يا علي أنت قسيم النار يوم
~~القيامة غيري؟ قالوا: اللهم لا (1).
# وفي الخبر المذكور أولا أمور:
# الأول: قوله (عليه السلام) (بايع الناس أبا بكر وأنا أولى بالأمر وأحق به
~~فسمعت وأطعت مخافة أن يصير الناس كفارا) حجة قاطعة على أنه (عليه السلام)
~~إنما ترك الاصرار على الانكار في خلافة أبي بكر شفقة على الأمة، وخوفا
~~عليهم من الردة، واستصلاحا وتقية.
# وقد نقلنا في ذيل الحديث الرابع عشر، عن السيد الأجل علم الهدى ذي
~~المجدين عطر الله مرقده في كتاب تنزيه الأنبياء كلاما جيدا في هذا المقام
~~محصله: ان تركه (عليه السلام) الانكار والخلاف إنما هو لعدم تمكنه وخوفه من
~~الضرر العظيم العائد إلى نفسه وولده وشيعته، أو لخوفه من ارتداد القوم عن
~~الدين وخروجهم عن الاسلام، ونبذهم شعار الشريعة الإلهية، فلا جرم كان
~~الاغضاء أصلح في الدين إذا كان الانكار البليغ والمعارضة البالغة تجر إلى
~~ضرر عظيم لا يتلافى، ومشقة شديدة لا تحسم.
# وأطال رحمه الله الكلام في الشافي في بيان أسباب الخوف وأمارات الضرر
~~التي تناصرت ووردت من الجهات المختلفة، وأورد ما فيه مقنع للمتأمل على
~~عادته رضي الله عنه
# PageV00P443
# من سلوك الاطناب والتوضيح والاكثار من الأسئلة والأجوبة.
# وذكر أنه (عليه السلام) غولط في الأمر وسوبق إليه وانتهزت غرته، واغتنمت
~~الحال التي كان فيها متشاغلا بتجهيز ms287 النبي (صلى الله عليه وآله)، وسعى
~~القوم إلى سقيفة بني ساعدة، وجرى لهم فيها مع الأنصار ما جرى من الكلام
~~والنزاع، وتم لهم عليه لما اتفق من بشير بن سعد ما تم، إلى آخر ما قاله قدس
~~الله روحه في هذا المقام.
# الأحاديث الواردة في سد الأبواب الثاني: قوله (عليه السلام) (أمنكم أحد
~~سكن المسجد يمر فيه جنبا) إلى آخره، هذا مما تضافرت به الأخبار، وأورده
~~شهاب الدين ابن حجر في الصواعق المحرقة وغيره، وسيأتي في أحاديث سد الأبواب
~~التصريح به.
# الثالث: ما تضمنه الخبر المذكور من سده (صلى الله عليه وآله) الأبواب الا
~~باب علي (عليه السلام) مستفيض متواتر، رواه أحمد بن حنبل في مسنده عن زيد
~~بن أرقم، قال: كان لنفر من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبواب
~~شارعة في المسجد، فقال يوما: سدوا هذه الأبواب الا باب علي، فتكلم في ذلك
~~أناس، قال: فقام النبي (صلى الله عليه وآله)، فحمد الله وأثنى عليه، ثم
~~قال: أما بعد فاني أمرت بسد هذه الأبواب غير باب علي، فقال فيه قائلكم،
~~والله ما سددت شيئا ولا فتحته، ولكني أمرت بشئ فاتبعته (1).
# وبالاسناد عن سهل بن أبي صالح، عن أبيه أن عمر بن الخطاب قال: لقد أوتي
~~علي بن أبي طالب ثلاثا لأن أكون أوتيتها أحب إلي من حمر النعم: جوار النبي
~~(صلى الله عليه وآله) في المسجد، والراية يوم خيبر، والثالثة نسيها سهل
~~(1).
# PageV00P444
# وبالاسناد عن ابن عمر قال: كنا نقول خير الناس أبو بكر وعمر، ولقد أوتي
~~ابن أبي طالب ثلاث خصال لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم: زوجه
~~النبي (صلى الله عليه وآله) ابنته وولدت له، وسد الأبواب الا بابه في
~~المسجد، وأعطاه الراية يوم خيبر (1).
# ومن كتاب فرائد السمطين، عن بريدة الأسلمي، قال: أمر رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) بسد الأبواب، فشق ذلك على أصحاب رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله)، فدعا بالصلاة جامعة حتى إذا اجتمعوا صعد المنبر، فلم يسمع ms288 لرسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) تحميد وتعظيم في خطبة مثل يومئذ، فقال: يا أيها
~~الناس ما أنا سددتها ولا فتحتها، بل الله عز وجل سدها، ثم قرأ (والنجم إذا
~~هوى × ما ضل صاحبكم وما غوى × وما ينطق عن الهوى × ان هو الا وحي يوحى)
~~فقال رجل: دع لي كوة تكون في المسجد، فأبى وترك باب علي مفتوحا، فكان يدخل
~~ويخرج منه وهو جنب (2).
# ومن الكتاب المذكور، عن عبد الله بن مسعود، قال: انتهى الينا رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) ذات ليلة ونحن في المسجد جماعة بعد ما صلينا الضحى
~~(3)، فقال: ما هذه الجماعة؟
# قالوا: يا رسول الله قعدنا نتحدث منا من يريد الصلاة ومنا من ينام، فقال:
~~ان مسجدي هذا لا ينام فيه، انصرفوا إلى منازلكم، ومن أراد الصلاة فليصل في
~~منزله راشدا، ومن لم يستطع فلينم، فان صلاة السر تضعف على صلاة العلانية.
# قال: فقمنا وتفرقنا وفينا علي بن أبي طالب (عليه السلام) فقام معنا، قال:
~~فأخذ بيد علي وقال: أما أنت فإنه يحل لك في مسجدي ما يحل لي، ويحرم عليك ما
~~يحرم علي، فقال له حمزة بن عبد المطلب: يا رسول الله أنا عمك وأنا أقرب
~~إليك من علي، قال:
# PageV00P445
# صدقت يا عم انه والله ما هو مني إنما هو عن الله عز وجل (1).
# وروى أبو زكريا بن مندة الحافظ الاصفهاني في مسانيد المأمون، عن إبراهيم
~~بن سعيد الجوهري، قال: حدثني أمير المؤمنين المأمون، قال: حدثني أمير
~~المؤمنين الرشيد، قال: حدثني المهدي، قال: حدثني أمير المؤمنين المنصور:
~~قال: حدثني أبي، قال: حدثني أبي عبد الله بن عباس، قال: قال النبي (صلى
~~الله عليه وآله) لعلي: أنت وارثي، وقال: ان موسى سأل الله أن يطهر مسجدا لا
~~يسكنه الا موسى وهارون وابنا هارون، وأنا سألت الله أن يطهر مسجدا لك
~~ولذريتك من بعدك.
# ثم أرسل إلى أبي بكر أن سد بابك، فاسترجع وقال: فعل هذا بغيري؟ فقيل: لا،
~~فقال: سمعا وطاعة وسد بابه، وأرسل إلى عمر ms289 فقال: سد بابك، فاسترجع وقال:
# فعل هذا بغيري؟ فقيل: بأبي بكر، فقال: ان لي بأبي بكر أسوة حسنة فسد
~~بابه.
# ثم ذكر رجلا آخر سد بابه وذكر كلاما له، ثم قال: فصعد النبي (صلى الله
~~عليه وآله) المنبر، فقال: ما أنا سددت أبوابكم ولا فتحت باب علي، ولكن الله
~~سد أبوابكم وفتح باب علي (2).
# ورواه الفقيه الشافعي ابن المغازلي من ثمان طرق، فمنها: عن حذيفة بن أسيد
~~الغفاري، قال: لما قدم النبي (صلى الله عليه وآله) المدينة لم يكن لهم بيوت
~~يسكنون فيها، وكانوا لا يبيتون الا في المسجد، فقال لهم النبي (صلى الله
~~عليه وآله): لا تبيتوا في المسجد فتحتلموا.
# ثم إن القوم بنوا بيوتا حول المسجد وجعلوا أبوابها إلى المسجد، وان النبي
~~(صلى الله عليه وآله) بعث معاذ بن جبل فنادى أبا بكر، فقال: ان رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) يأمرك أن تخرج من المسجد وتسد بابك الذي في المسجد،
~~فخرج فقال: سمعا وطاعة (3)، وعلي على
# PageV00P446
# ذلك يتردد ولا يدري هو ممن يقيم أو ممن يخرج، والنبي (صلى الله عليه
~~وآله) قد بنا له بيتا في المسجد بين أبياته، فقال له النبي (صلى الله عليه
~~وآله): أسكن طاهرا مطهرا.
# فبلغ رجلا (1) - سماه ابن المغازلي - قول النبي (صلى الله عليه وآله)
~~فقال: يا رسول الله تخرجنا وتمسك غلمان بني عبد المطلب، فقال له نبي الله
~~(صلى الله عليه وآله): لو كان الأمر إلي ما جعلت من دونكم من أحد، والله ما
~~أعطاه إياه الا الله، وانك لعلى خير من الله ورسوله أبشر، وبشره النبي (صلى
~~الله عليه وآله) وقتل بأحد شهيدا.
# ونفس بذلك رجال على علي، فوجدوا في أنفسهم تبين فضله عليهم وعلى غيرهم من
~~أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله)، فبلغ ذلك النبي (صلى الله عليه وآله)
~~فقام خطيبا وقال: ان رجالا يجدون في أنفسهم أني أسكنت عليا في المسجد،
~~والله ما أخرجتهم ولا أسكنته، ان الله تعالى أوحى إلى موسى وأخيه (أن تبوءا
~~لقومكما بمصر بيوتا ms290 واجعلوا بيوتكم قبلة وأقيموا الصلاة) وأمر موسى أن لا
~~يسكن مسجده ولا ينكح فيه ولا يدخله الا هارون وذريته.
# وان عليا مني بمنزلة هارون من موسى، وهو أخي دون أهلي، ولا يجوز (2)
~~مسجدي لأحد أن ينكح فيه النساء الا علي وذريته، فمن شاء فهاهنا، وأومئ بيده
~~نحو الشام (3).
# وفي الصواعق المحرقة لابن حجر: أخرج البزاز عن سعد، قال: قال
# PageV00P447
# رسول الله (صلى الله عليه وآله) لعلي: لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد
~~غيري وغيرك (1).
# وهذه الأخبار كما ترى تدل على جواز لبثه (عليه السلام) في المسجد جنبا
~~كالنبي (صلى الله عليه وآله) وجواز نكاحه فيه.
# وحديث حذيفة بن أسيد يدل على مشاركة الأئمة: من ولده في ذلك، وهي مختصة
~~بهم:، ولم يذكرها أصحابنا في خواصه (صلى الله عليه وآله)، وذكرها جلال
~~الدين السيوطي الشافعي وبدر الدين الدماميني من المخالفين في رسالتيهما
~~المعمولتين في خواصه (صلى الله عليه وآله).
# الأحاديث الواردة في الطائر المشوي الرابع: ما تضمنه من خبر الطائر
~~المشوي مشهور مستفيض.
# رواه أحمد بن حنبل في مسنده يرفعه إلى سفينة مولى رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) ان امرأة من الأنصار أهدت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~طيرين بين رغيفين، فقدمت إليه الطيرين، فقال رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله): اللهم آتني بأحب الخلق إليك والى رسولك، فجاء علي (عليه السلام)
~~فرفع صوته، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من هذا؟ قلت: علي، قال:
~~فافتح له، ففتحت له، فأكل مع النبي (صلى الله عليه وآله) حتى فنيا (2).
# وروى رزين العبدري في الجمع بين الصحاح الستة في الجزء الثالث في باب
~~مناقب أمير المؤمنين علي (عليه السلام) من صحيح أبي داود وهو صاحب السنن،
~~باسناد متصل عن أنس بن مالك، قال: كان عند النبي (صلى الله عليه وآله) طائر
~~قد طبخ له، فقال: اللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي، فجاء علي (عليه
~~السلام) فأكل معه (1).
# PageV00P448
# وروى الشافعي ابن المغازلي الخطيب في كتابه من نحو ms291 أكثر من ثلاثين طريقا،
~~منها: عن الزبير بن عدي، عن أنس، قال: أهدي إلى رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) طائر مشوي ، فلما وضع بين يديه، قال: اللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل
~~معي من هذا الطائر، قال: فقلت في نفسي: اللهم اجعله رجلا من الأنصار.
# قال: فجاء علي (عليه السلام) فقرع الباب قرعا خفيفا، فقلت: من هذا؟ فقال:
~~علي، فقلت: ان رسول الله (صلى الله عليه وآله) على حاجة، فانصرف، فرجعت إلى
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو يقول الثانية: اللهم آتني بأحب خلقك
~~إليك يأكل معي من هذا الطائر، فقلت في نفسي: اللهم اجعله رجلا من الأنصار.
# قال: فجاء علي (عليه السلام) فقرع الباب، فقلت: ألم أخبرك أن رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله) على حاجة، فانصرف، قال: فرجعت إلى رسول الله (صلى
~~الله عليه وآله) وهو يقول الثالثة: اللهم آتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من
~~هذا الطائر.
# فجاء علي (عليه السلام) فضرب الباب ضربا شديدا، فقال رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله): افتح افتح افتح، قال: فلما أبصره (1) رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) قال: اللهم والي (2)، قال: فجلس مع رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~فأكل معه من الطير (3).
# وفي بعض روايات ابن المغازلي: ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي
~~(عليه السلام): ما أبطأك؟ قال:
# هذه ثالثة ويردني أنس، قال: يا أنس ما حملك على ما صنعت؟ قال: رجوت أن
~~يكون رجلا من الأنصار (4).
# ولا يخفى أن هذه الأخبار تشهد بشهادة قاطعة بأنه (عليه السلام) أفضل
~~الصحابة، والا لم يكن أحبهم إلى الله والى رسوله، للجزم بأن المفضول
~~المرجوح لا يكون أحب إلى
# PageV00P449
# الله والى رسوله من الفاضل الراجح، إذ ليست محبته سبحانه وتعالى من جنس
~~المحبة الحيوانية المزاجية، بل هي عبارة عن جذب العبد من حضيض البعد إلى
~~أوج القرب، ومن درك الحرمان إلى سعادة الوجدان، وتبليغه مرتبة الزلفى،
~~ونظمه في سلك المصطفين الأولياء، بسبب مبالغته في الطاعات، ومواظبته على
~~العبادات، ms292 واستقامة قوتيه العاقلة والعاملة، وتقييدهما بقيود الشرع الأقدس،
~~كما أشار إليه عز مجده بقوله تعالى ﴿قل ان كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾
~~(1) ومن المستبين أنه على هذا التقدير لا يجوز أن يكون الأحب إلى الله
~~مفضولا مرجوحا، وهو بين لا سترة به.
# ثم لا يخفى عليك أنه قد استفيد من مجموع الأخبار المذكورة أنه قد اتفق
~~للنبي (صلى الله عليه وآله) هذا المعنى في عدة أخبار لا تدافع بينها، وقد
~~نبه على ذلك جماعة من أصحابنا وغيرهم.
# الخامس: قوله (عليه السلام) (أفيكم أحد يأخذ الخمس سهم في الخاص وسهم في
~~العام) الظاهر أن المراد أنه يأخذ من الغنيمة سهما كغيره من المجاهدين
~~ومختص دونهم بسهم من الخمس، والله أعلم.
# السادس، قولهم في جواب استفهامه (عليه السلام) (اللهم نعم، اللهم لا)
~~للتأكيد والتقرير، واستعماله في كلام البلغاء أكثر من أن يحصى.
# قال العلامة المطرزي في شرح المقامات: من ذلك ما قرأت في حديث عمر بن سعد
~~وقد أتاه رسول عمر وقال له: كيف تركت أمير المؤمنين؟ فقال، صالحا وهو يقرؤك
~~السلام، فقال له: ويحك لعله استأثر نفسه، فقال: اللهم لا، فقال: لعله فعل
~~كذا، قال: اللهم لا في حديث.
# ثم ذكر بعض هذا الخبر كما أسلفناه، وذكر أيضا قول صاحب المقامات في
~~المقامة
# PageV00P450
# الثالثة والأربعين: فناشدتك الله هل رأيت أسحر منك؟ فقال، اللهم لا.
# ثم قال المطرزي: وكان المتكلم لقصده اثبات الجواب مشفوعا بذكر الله تعالى
~~ليكون أبلغ وأوقع وفي نفس السائل أنجع، وليعلم أنه على يقين من ايراده
~~وتصييره في اثباته قد جعل نفسه في معرض من أقبل على الله تعالى ليجيب عما
~~سأله مثلا.
# ولا شك أن من كانت هذه حاله لا يتكلم الا بما هو صدق ويقين وأحق وطريقه
~~أحرى أنهم يقولون بالله هل فعلت كذا؟ ونشدتك بالله أكان ذاك؟ فكما يعمدون
~~السؤال بهذه الدعائم من ذكر الله تعالى، كذلك حالهم في الجواب إذا أرادوا
~~تقريره، بل الجواب أحق وأحوج إلى ms293 فضل تقوية وزيادة اثبات لكونه مظنة الرد
~~والانكار.
# الحديث الثامن والثلاثون [قوله (صلى الله عليه وآله) أنا مدينة العلم
~~وعلي بابها] ابن حجر في الصواعق المحرقة قال: أخرج البزاز والطبراني في
~~الأوسط، عن جابر بن عبد الله، والطبراني، والحاكم، والعقيلي، وابن عدي،
~~وابن عمر، والترمذي، عن علي، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا
~~مدينة العلم وعلي بابها.
# قال: وفي رواية: من أراد العلم فليأت الباب.
# وفي أخرى: عن الترمذي عن علي: أنا دار الحكمة وعلي بابها.
# وفي أخرى: عن ابن عدي: علي باب علمي (1) (2).
# وفي فرائد السمطين، عن ابن عباس، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال:
~~أنا مدينة العلم
# PageV00P451
# وعلي بابها، فمن أراد بابها فليأت عليا (1).
# وفيه: عن كميل الصباحي (2)، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
~~أنا دار الحكمة وعلي بابها (3).
# وقال ابن حجر في صواعقه: ان ابن الجوزي والنووي ذكرا أن الخبر المذكور
~~موضوع (4).
# أقول: وهو نصب منهما وجهالة أو تجاهل، وقد ذكر متأخروا محدثيهم أن ابن
~~الجوزي قد تساهل في دعوى الوضع، فربما نظم الصحيح والحسن في الموضوع تحكما،
~~وكيف يكون موضوعا وقد تكرر وروده واخراجه في كتبهم المعتمدة، كما سلف
~~بيانه.
# ونقل ابن حجر في الصواعق المحرقة عن الحاكم أنه قال: الحديث المذكور
~~صحيح، ونقل عن بعض المتأخرين المضطلعين من المحدثين أنه صوب كونه حسنا (5).
# وتحدلق بعض النصاب في بعض تؤاليفه (6)، فزعم أن عليا (عليه السلام) في
~~الخبر صفة
# PageV00P452
# مشبهة لا علم، وان المراد وصف بابها بالعلو والارتفاع. وهو كما ترى في
~~غاية السخافة، فقوله (صلى الله عليه وآله) (فمن أراد المدينة فليأت الباب)
~~وفي رواية ابن عباس (فمن أراد بابها فليأت عليا).
# وأنت خبير بأنه مع قطع النظر عن ذلك فحمله على ما زعمه ينافي البلاغة
~~النبوية وينافر النظم المحمدي الناشي عن مصدر الفصاحة وموردها، ومنشأ
~~البلاغة ومولدها.
# واعلم أن للعلماء في الحكمة أقوالا، منها: أنها علم الشرائع والأحكام.
~~ومنها:
# استقامة الحال عاجلا وآجلا. ومنها: بلوغ النفس إلى كمالها ms294 الممكن في
~~جانبي العلم والعمل.
# وقيل: هي معرفة أحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر
~~الطاقة البشرية.
# الحديث التاسع والثلاثون [سعة علمه عليه السلام] الحموي في فرائد
~~السمطين، عن أبي البختري، قال: رأيت ابن عم رسول الله (صلى الله عليه وآله)
~~عليا (عليه السلام) صعد المنبر بالكوفة وعليه مدرعة كانت لرسول الله (صلى
~~الله عليه وآله)، متقلدا بسيف رسول الله (صلى الله عليه وآله)، متعمما
~~بعمامة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي إصبعه خاتم رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله)، فقعد على المنبر وكشف عن بطنه، فقال: سلوني قبل أن تفقدوني،
~~PageV00P453
# فإنما بين الجوانح (1) مني علم جم، هذا سفط العلم، هذا لعاب (2) رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله)، هذا ما زقني (3) رسول الله (صلى الله عليه
~~وآله) زقا من غير وحي أوحي إلي.
# فوالله لو ثنيت لي وسادة فجلست عليها لأفتيت أهل التوراة بتوراتهم، وأهل
~~الإنجيل بإنجيلهم، حتى ينطق الله التوراة والإنجيل، فتقول: صدق علي قد
~~آتاكم بما أنزل الله في وأنتم تتلون الكتاب أفلا تعقلون (4).
# أقول: هذا الخبر من المستفيضات، وهو يدل على سعة علمه وفرط تبحره في
~~العلوم الإلهية، وعظم توغله في المقامات العلية والمراتب البهية.
# وفي الصواعق المحرقة: أخرج ابن سعد عنه، قال: والله ما نزلت آية الا وقد
~~علمت في من نزلت وأين نزلت وعلى من نزلت، ان ربي وهب لي قلبا عقولا ولسانا
~~ناطقا.
# وأخرج ابن سعد وغيره عن أبي الطفيل، قال: قال علي (عليه السلام): سلوني
~~عن كتاب الله، فإنه ليس آية الا وقد عرفت بليل نزلت أم نهار أم سهل أم جبل
~~(5).
# وروى مسلم في صحيحه في تأويل غافر أعني: حم تنزيل الكتاب، عن ابن عباس
~~رضي الله عنه، قال: كان علي (عليه السلام) يعرف بها الفتن. قال: وأراه زاد
~~في الحديث:
# وكل جماعة كانت في الأرض أو تكون في الأرض، وكل قرية كانت أو تكون في
~~الأرض.
# وروي أن عليا (عليه السلام) قال على المنبر: سلوني قبل ms295 أن تفقدوني، سلوني
~~عن كتاب الله، فما من آية الا وأعلم حيث نزلت بحضيض جبل أو سهل أرض، وسلوني
~~عن
# PageV00P454
# الفتن، فما من فتنة الا وقد علمت كبشها ومن يقتل فيها. رواه في الجزء
~~الخامس من صحيحه (1).
# وروى أحمد بن حنبل في مسنده، عن سعد، قال: لم يكن أحد من أصحاب النبي
~~(صلى الله عليه وآله) يقول: سلوني الا علي بن أبي طالب (عليه السلام) (2).
# وفي الصواعق المحرقة: أخرج ابن سعد، عن ابن عباس، قال: إذا حدثنا ثقة عن
~~علي بالفتيا لا نعدوها (3).
# وأخرج عن سعيد بن المسيب، قال: كان عمر بن الخطاب يتعوذ بالله من معضلة
~~ليس لها أبو الحسن يعني: عليا (4).
# وروى ابن المغازلي الشافعي باسناده عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله): أتاني جبرئيل (عليه السلام) بدرنوك (5) من
~~الجنة، فجلست عليه، فلما صرت بين يدي ربي كلمني وناجاني، فما علمني شيئا
~~الا وعلمته عليا (6)، وهو باب مدينة علمي، ثم دعاه إليه فقال له: يا علي
~~سلمك سلمي وحربك حربي، وأنت العلم ما بيني وبين أمتي من بعدي (عليه
~~السلام)).
# وفي كتاب الأربعين للامام الرازي من فحول الأشعرية وأساطين الشافعية، روى
~~عنه (عليه السلام) أنه قال: لو كسرت لي وسادة، ثم جلست عليها، لقضيت بين
~~أهل
# PageV00P455
# التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم،
~~وبين أهل الفرقان بفرقانهم، والله ما من آية نزلت في بحر ولا بر الا وأنا
~~أعلم في من نزلت (1).
# وفي فرائد السمطين عن أبي صالح الحنفي عن علي (عليه السلام) قال: قلت: يا
~~رسول الله وصني، قال: قل ربي الله ثم استقم، قال قلت: ربي الله وما توفيقي
~~الا بالله عليه توكلت واليه أنيب، قال: ليهنيك العلم أبا الحسن، لقد شربت
~~العلم شربا ونهلته نهلا (2).
# وفيه أيضا عن سلمان رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال:
~~أعلم أمتي من بعدي علي بن أبي طالب (3).
# تنبيه:
# طعن أبو هاشم في قوله (عليه السلام) ms296 (والله لو كسرت لي وسادة ثم جلست
~~عليها لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل
~~الزبور بزبورهم) فقال: هذه الكتب منسوخة فكيف يجوز الحكم بها؟
# وأجاب عنه جماعة منهم السيد المرتضى علم الهدى عطر الله مرقده، والفخر
~~الرازي في الأربعين الذي صنفه لولده بأجوبة عديدة:
# منها: أن المراد شرح كمال علمه بتلك الأحكام المنسوخة على التفصيل
~~بالأحكام الناسخة لها الواردة في القرآن.
# ومنها: أن قضاءه لليهود والنصارى بمكنون من الحكم والقضاء على وفق
~~أديانهم بعد بذل الجزية، وكأن المراد أنه لو جاز للمسلم ذلك لكان هو قادرا
~~عليه.
# PageV00P456
# ومنها: أن المراد أنه يستخرج من الكتب المذكورة نصوصا دالة على نبوة محمد
~~(صلى الله عليه وآله).
# ومنها: أنه خرج مخرج الكناية عن كثرة احاطته بالعلوم وكمال تبحره (3).
# ومن السوانح أن المراد الحكم بين فرق كل من أرباب الكتب المذكورة بحقيقة
~~المحق وابطال المبطل، كأن يحكم بين فرق اليهود الثلاث والسبعين بتعيين
~~الفرقة الناجية منها. وفي هذا لطف الا أنه بعيد.
# وأبعد منه ما قيل: إن المراد لحكمت بين أهل هذه الكتب وبين أهل الفرقان
~~أيهم على الحق وأيهم على الباطل، ومرجعه إلى اثبات حقيقة أهل الفرقان من
~~الكتب المذكورة.
# الحديث الأربعون [ما ورد في علمه (عليه السلام) وانتساب جميع العلوم إليه
~~(عليه السلام)] صاحب كتاب فرائد السمطين عن علقمة عن عبد الله، قال: كنت
~~عند النبي (صلى الله عليه وآله) فسئل عن علي (عليه السلام)، فقال: قسمت
~~الحكمة عشرة أجزاء، فاعطي على تسعة أجزاء والناس جزء واحدا (2).
# أقول: الأخبار المصرحة بسعة علمه (عليه السلام) وشدة احاطته بالعلوم
~~الإلهية والمعارف الحقيقية والأحكام الشرعية أكثر من أن تنحصر بعدا وتنتهي
~~إلى حد، و لا علينا لو أطلقنا عنان القلم في هذا المقام، وذكرنا جملة من
~~تلك الأخبار المصرحة بأعلمية ذلك الامام.
# PageV00P457
# فنقول: أخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال: أفرض المدينة وأقضاها علي.
# وأورده ابن حجر في الصواعق (1).
# وفيها: أخرج الحاكم وصححه عن علي قال: بعثني رسول الله (صلى ms297 الله عليه
~~وآله) إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله بعثتني وأنا شاب أقضى بينهم ولا أدري
~~ما القضاء، فضرب بيده على صدري ثم قال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه، فوالله
~~الذي فلق الحبة ما شككت في قضاء بين اثنين (2).
# وفيها: أخرج ابن سعد عن علي (عليه السلام) أنه قيل له: مالك أكثر أصحاب
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) حديثا؟ قال: اني إذا سألته أنبأني، وإذا
~~سكت ابتدأني (3).
# وفي كتاب فرائد السمطين، عن زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب
~~(عليهم السلام) عن أبيه، عن جده الحسين، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام)
~~قال:
# علمني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ألف باب كل باب يفتح لي ألف باب
~~(4).
# وروى الثعلبي في تفسير قوله تعالى (وتعيها اذن واعية) قال: قال رسول الله
~~(صلى الله عليه وآله): سألت الله أن يجعلها اذنك يا علي، قال (عليه
~~السلام): فما نسيت بعد ذلك وما كان لي أن أنساه (5).
# وروى نحو ذلك ابن المغازلي في كتابه باسناده إلى النبي (صلى الله عليه
~~وآله) (6).
# وروى الحافظ محمد بن مؤمن الشيرازي فيما أورده في كتابه واستخرجه من
# PageV00P458
# التفاسير الاثني عشر، وهو من فحول علماء المخالفين في تفسير قوله تعالى
~~﴿واسألوا أهل الذكر ان كنتم لا
~~تعلمون﴾ (١) باسناده إلى ابن عباس، قال: يعني أهل البيت محمدا وعليا
~~(٢) وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، هم أهل الذكر والعلم والعقل
~~والبيان، هم أهل بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة.
# ورواه الحافظ محمد بن مؤمن من طريق آخر عن سفيان الثوري، عن السدي، عن
~~الحارث بأتم من هذه الألفاظ (٣).
# وروى الثعلبي في تفسير قوله تعالى ﴿قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم
~~الكتاب﴾ (4) من طريقين، أن المراد من قوله تعالى (ومن عنده علم الكتاب)
~~هو علي بن أبي طالب (عليه السلام) (5).
# وقد رواه من طرق متعددة عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: أقضاكم علي ms298 بن
~~أبي طالب (6).
# ومعلوم أن القضاء يحتاج إلى الإحاطة بجميع العلوم، فمن كان أقضى فهو
~~أعلم.
# وفي الصواعق المحرقة: أخرج ابن سعد عن سعيد بن المسيب قال: كان عمر بن
~~الخطاب يتعوذ بالله من معضلة ليس لها أبو الحسن يعني عليا (عليه السلام)
~~(عليه السلام)).
# وفي الصواعق أيضا أنه (عليه السلام) ذكر عند عائشة فقالت: انه أعلم من
~~بقي بالسنة (8).
# وفيها أيضا: قال عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة: كان لعلي ما شئت من ضرس
# PageV00P459
# قاطع في العلم، وكان له القدم في الاسلام والصهر برسول الله، والفقه في
~~السنة، والنجدة في الحرب، والجود في المال (1). وهاهنا مقامات:
# المقام الأول في كونه (عليه السلام) أعلم الناس واستاد العالمين اجمالا
~~من المعلوم أن قوله (صلى الله عليه وآله) (أنا مدينة العلم وعلي بابها) ليس
~~المقصود منه الا أنه هو المنبع الذي يفيض عنه العلوم الاسلامية، والأسرار
~~الإلهية، واللطائف الحكمية التي اشتمل عليها القرآن الكريم والسنة المقدسة،
~~وهو مصدرها والمحيط بها.
# لأن شأن المدينة لما تحتوي عليه كذلك ثبت أن عليا (عليه السلام) هو
~~المفزع لتلك الأسرار المصونة عن الأغيار، والمهتدي لتفاصيل جملها وأحكامها
~~الكلية وحقائقها الحقيقية، بحسب ماله من كمال الحدس، وفرط الذكاء، وقوة
~~الاستعداد، وكثرة الملازمة للأستاذ الكامل، وصفاء جوهر النفس في حد ذاتها
~~بحيث تصير تلك الأسرار سهلة التناول قريبة المأخذ لسائر الخلق، لأن الباب
~~هو الجهة التي منها ينتفع الخلق من المدينة، ويمكنهم تناول ما أرادوا منها.
# والسبب في بلوغه (عليه السلام) هذا المبلغ تربية رسول الله (صلى الله
~~عليه وآله) من أول عمره إلى أن أعده لأعلى مراتب الكمالات النفسانية، كما
~~ذكره (عليه السلام) في حديث المناشدة المروي من طريق صدر الأئمة موفق بن
~~أحمد المكي، عن فخر خوارزم الزمخشري.
# وفي الخطبة القاصعة (2) من خطبه (عليه السلام) المذكورة في نهج البلاغة
~~بقوله: وقد علمتم
# PageV00P460
# موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة، والمنزلة
~~الخصيصة، وضعني في حجره وأنا وليد (1) يضمني إلى صدره، ويكنفني في فراشه، ms299
~~ويمسني جسده، ويشمني عرفه (2)، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي كذبة
~~في قول، ولا خطلة في فعل (3). إلى آخر الكلام، حتى صار بهذه الرتبة أستاذ
~~العالمين بعده (صلى الله عليه وآله).
# قال الفخر الرازي في الأربعين: لا نزاع أن عليا (عليه السلام) كان في أصل
~~الخلقة في غاية الذكاء والفطنة والاستعداد للعلم، وكان محمد (صلى الله عليه
~~وآله) أفضل العلماء، وكان علي (عليه السلام) في غاية الحرص في طلب العلم،
~~وكان النبي (صلى الله عليه وآله) في غاية الحرص في تربيته وفي ارشاده إلى
~~اكتساب الفضائل.
# ثم إن عليا (عليه السلام) من أول صغره في حجره (صلى الله عليه وآله)، وفي
~~كبره صار ختنا له، وكان يدخل إليه في كل الأوقات. ومن المعلوم أن التلميذ
~~إذا كان في غاية الذكاء والحرص على التعلم، وكان الأستاذ في غاية الفضل
~~والحرص على التعليم.
# ثم اتفق لمثل هذا التلميذ أن يتصل بمثل (4) هذا الأستاذ من زمان الصغر،
~~وكان ذلك الاتصال بخدمته حاصلا في كل الأوقات، فإنه يبلغ ذلك التلميذ مبلغا
~~عظيما (انتهى.
# وقد تلونا عليك من الأخبار المصرحة بأنه (عليه السلام) أعلم الناس بعد
~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما فيه كفاية، والله ولي التوفيق والهداية.
# PageV00P461
# المقام الثاني في بيان ذلك تفصيلا قال العالم الرباني في أوائل شرح
~~النهج، وقبله الفخر الرازي في الأربعين: انا قد تفحصنا عن أحوال العلوم
~~بأسرها، فوجدنا أعظمها وأهمها هو العلم الإلهي، وقد ورد في خطبة له (عليه
~~السلام) من أسرار التوحيدات والنبوات والقضاء والقدر وأسرار المعاد ما لم
~~يأت في كلام أحد من أكابر العلماء وأساطين الحكمة، ثم وجدنا جميع فرق
~~الاسلام تنتهي في علومهم إليه.
# أما المتكلمون: فاما معتزلة وانتسابهم إليه ظاهر، فان أكثر أصولهم مأخوذة
~~من ظاهر كلامه في التوحيد والعدل، وأيضا فإنهم ينتسبون إلى مشائخهم، كالحسن
~~البصري، وواصل بن عطاء، وكانوا منتسبين إلى علي (عليه السلام)، ومتلقفين
~~عنه العلوم.
# وإما أشعرية، ومعلوم أن أستاذهم أبو الحسن الأشعري، وكان تلميذا لأبي علي ms300
~~الجبائي، الا أنه خالفه أخيرا في مواضع تعلمها من مذهبه.
# وإما الشيعة، وانتسابهم إليه ظاهر، فإنهم يتلقفون العلوم عن أئمتهم،
~~وأئمتهم يأخذ بعضهم عن بعض إلى أن ينتهي إليه، وهو امامهم الأول.
# وأما الخوارج، فهم وان كانوا في غاية من البعد عنه، الا أنهم ينتسبون إلى
~~مشايخهم، وقد كانوا تلامذة علي (عليه السلام).
# وأما المفسرون، فرئيسهم ابن عباس رضي الله عنه، وقد كان تلميذا لعلي
~~(عليه السلام).
# وأما الفقهاء، فمذاهبهم المشهورة أربعة:
# أحدها: مذهب أبي حنيفة، ومن المشهور أن أبا حنيفة قرأ على الصادق (عليه
~~السلام) وأخذ عنه الأحكام، وانتهاء الصادق (عليه السلام) إلى علي (عليه
~~السلام) ظاهر.
# الثاني: مذهب مالك، وقد كان مالك تلميذا لربيعة الرأي، وربيعة الرأي
~~تلميذ عكرمة، وعكرمة تلميذ ابن عباس، وابن عباس تلميذ لعلي (عليه السلام).
~~PageV00P462
# الثالث: مذهب الشافعي، وقد كان تلميذا لمالك، وقد علمت انتهاؤه إلى علي
~~(عليه السلام).
# الرابع: مذهب أحمد بن حنبل، وهو تلميذ الشافعي، فمرجع انتساب فقه الجميع
~~إلى علي (عليه السلام).
# ومما يؤيد كماله في الفقه قول الرسول (صلى الله عليه وآله): أقضاكم علي.
~~والأقضى لابد وأن يكون أفقه وأعلم بقواعد الفقه وأصوله.
# وأما الفصحاء، فمعلوم أن من ينتسب إلى الفصاحة بعده يملأون أوعية أذهانهم
~~من ألفاظه، ويضمونها كلامهم وخطبهم، فيكون منها بمنزلة درر العقود، كابن
~~نباته وغيره، والأمر في ذلك ظاهر.
# وأما النحويون، فأول واضع للنحو أبو الأسود الدؤلي (1)، وكان ذلك بارشاده
~~(عليه السلام) له إلى ذلك. وبداية الأمر أن أبا الأسود سمع رجلا يقرأ ان
~~الله برئ من المشركين ورسوله، فأنكر ذلك وقال: نعوذ بالله من الحور بعد
~~الكور، أي: من نقصان الايمان بعد زيادته، وراجع عليا (عليه السلام) في ذلك،
~~فقال له: نحوت أن أضع للناس ميزانا يقومون به ألسنتهم، فقال له (عليه
~~السلام): انح نحوه وأرشده إلى كيفية ذلك الوضع وعلمه إياه.
# وأما علماء الصوفية وأرباب العرفان، فنسبتهم إليه في تصفية الباطن وكيفية
~~السلوك إلى الله تعالى ظاهرة الانتهاء.
# وأما علماء الشجاعة والممارسون الأسلحة والحروب، فهم ms301 أيضا ينتسبون إليه
~~في علم ذلك، فثبت بذلك أنه كان أستاذ الخلق وهاديهم إلى طريق الحق بعد
# PageV00P463
# رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ومناقبه وفضائله أكثر من أن تحصى،
~~وبالله التوفيق (2) انتهى.
# المقام الثالث في الإشارة إلى جملة من فضائله العجيبة الباهرة وأحكامه
~~الغريبة الزاهرة منها: ما أورده الشيخ نور الدين المكي المالكي في الفصول
~~المهمة: من أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان جالسا في المسجد وعنده أناس
~~من الصحابة، إذ جاءه رجلان يختصمان، فقال أحدهما: يا رسول الله ان لي حمارا
~~ولهذا بقرة، وان بقرته نطحت حماري فقتلته، فبدر رجل (2) من الحاضرين فقال:
~~لا ضمان على البهائم، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): اقض بينهما يا
~~علي.
# فقال لهما علي (عليه السلام): أكان الحمار والبقرة موثقين أو كانا
~~مرسلين؟ أم أحدهما موثقا والاخر مرسلا؟ فقالا: كان الحمار موثقا والبقرة
~~مرسلة وكان صاحبهما معهما، فقال علي (عليه السلام): على صاحب البقرة
~~الضمان، وذلك بحضرة النبي (صلى الله عليه وآله)، فقرر حكمه وأمضى قضاؤه
~~(3).
# قلت: ورواه ابن حجر في الصواعق المحرقة.
# ومنها: ما رواه في الفصول المهمة أيضا: من أن رجلا اتي به إلى عمر بن
~~الخطاب،
# PageV00P464
# وكان أصدر منه أنه قال لجماعة من الناس وقد سألوه كيف أصبحت؟ قال: أصبحت
~~أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصدق اليهود والنصارى، وأؤمن بما لم أره، وأقر
~~بما لم يخلق.
# فرفع إلى عمر، فأرسل عمر إلى علي (عليه السلام) فلما جاءه أخبره بمقالة
~~الرجل، فقال:
# صدق يحب الفتنة، قال الله تعالى ﴿إنما أموالكم وأولادكم فتنة﴾ (١) ويكره الحق يعني
~~الموت، قال الله تعالى ﴿وجاءت سكرة الموت
~~بالحق﴾ (٢) ويصدق اليهود والنصارى، قال الله تعالى ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شئ وقالت النصارى ليست
~~اليهود على شئ﴾ (3) ويؤمن بما لم يره يؤمن بالله، ويقر بما لم يخلق
~~يعني الساعة، فقال عمر: أعوذ بالله من معضلة لا علي لها (4).
# ومنها: ما ms302 أورده في الكتاب المذكور من أنه وقعت واقعة حارت علماء وقتها
~~فيها، وهي أن رجلا تزوج بخنثى لها فرج كفرج الرجال وفرج كفرج النساء،
~~وأصدقها جارية كانت له، ودخل بالخنثى وأصابها، فحملت منه وجاءت بولد، ثم إن
~~الخنثى وطأت الجارية التي أصدقها لها الرجل، فحملت منها وجاءت بولد.
# فاشتهرت قصتها ورفع أمرهما إلى أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه
~~السلام)، فسأل عن حال الخنثى، فأخبر أنها تحيض وتطئ وتوطئ وتمني من
~~الجانبين قد حبلت وأحبلت، فصار الناس متحيري الأفهام في جوابها، وكيف
~~الطريق إلى الحكم في قضائها وفصل خطابها.
# فاستدعى علي (عليه السلام) غلاميه برقا (5) وقنبرا، وأمرهما أن يذهبا إلى
~~هذه الخنثى
# PageV00P465
# ويعدا أضلاعها من الجانبين وينظرا، فان كانت متساوية فهي امرأة، وإن كان
~~الجانب الأيسر أنقص من الجانب الأيمن بضلع واحد فهو رجل.
# فذهبا إلى الخنثى كما أمرهما (عليه السلام) وعدا أضلاعهما من الجانبين،
~~فوجدا أضلاع الجانب الأيسر أنقص من أضلاع الجانب الأيمن بضلع، فجاءا
~~وأخبراه بذلك وشهدا عنده به، فحكم على الخنثى بأنها رجل، وفرق بينهما وبين
~~زوجتها (1).
# قال نور الدين بعد نقل هذه القضية (2): ودليل ذلك أن الله تعالى لما خلق
~~آدم (عليه السلام) وحيدا أراد سبحانه وتعالى لاحسانه إليه ولخفاء حكمته
~~فيه، أن يجعل له زوجا من جنسه ليسكن كل واحد منهما إلى صاحبه، فلما نام آدم
~~(عليه السلام) خلق الله عز وجل من ضلعه القصير من جانبه الأيسر حواء،
~~فانتبه فوجدها جالسة إلى جانبه كأحسن ما يكون من الصور (3) فلذلك صار الرجل
~~ناقصا من الجانب
# PageV00P466
# الأيسر عن المرأة بالضلع، والمرأة كاملة الأضلاع من الجانبين، والأضلاع
~~من الجانبين، والأضلاع من الجانبين الكاملة أربعة وعشرون ضلعا، اثنى عشر في
~~اليمين واحدى عشر في الأيسر، وباعتبار هذه الحالة قيل للمرأة: ضلع أعوج.
# وقد صرح النبي صلوات الله وسلامه عليه بأن المرأة خلقت من ضلع أعوج إذا
~~ذهبت بها تقيمها كسرتها، وان تركتها استمتعت بها على عوج، وقد نظم بعض
~~الأدباء ذلك فقال شعرا:
# هي الضلع العوجاء لست ms303 تقيمها * ألا ان تقويم الضلوع انكسارها أتجمع ضعفا
~~واقتدارا على الفتى * أليس عجيبا ضعفها واقتدارها انتهى (1). قلت: وروى
~~أصحابنا نحوا من ذلك على وجه أبسط.
# وروى الصدوق عطر الله مرقده في كتاب من لا يحضره الفقيه بطريق حسن عن
~~عاصم بن حميد، عن محمد بن قيس (2)، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: ان
~~شريحا القاضي
# PageV00P467
# بينما هو في مجلس القضاء إذ أتته امرأة، فقالت: أيها القاضي اقض بيني
~~وبين خصمي، فقال لها: ومن خصمك؟ قالت: أنت، قال: أفرجوا لها، ففرجوا (3)
~~لها، فدخلت فقال: وما ظلامتك؟ فقالت: ان لي ما للرجال وما للنساء.
# فقال شريح: ان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقضي على المبال، قالت: فاني
~~أبول بهما جميعا ويسكنان معا، قال شريح: والله ما سمعت بأعجب من هذا، قالت:
~~وأعجب من هذا، قال: وما هو؟ قالت: جامعني زوجي فولدت منه، وجامعت جاريتي
~~فولدت مني، فضرب شريح بإحدى يديه على الأخرى متعجبا.
# ثم جاء إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) وقص عليه القصة، فسألها أمير
~~المؤمنين (عليه السلام) عن ذلك، فقالت: هو كما ذكر، فقال: ومن زوجك؟ فقالت:
~~فلان، فبعث إليه فدعاه، فقال: أتعرف هذه؟ قال: نعم هذه زوجتي، فسأله عما
~~قالت، فقال: هو كذلك، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): لأنت أجرأ من
~~راكب الأسد حين تقدم عليها بهذا الحال ثم قال: يا قنبر أدخلها بيتا مع
~~امرأة تعد أضلاعها، فقال زوجها: يا أمير المؤمنين لا آمن عليها رجلا ولا
~~أئتمن عليها امرأة.
# فقال علي (عليه السلام): علي بدينار الخصي وكان من صالحي أهل الكوفة وكان
~~يثق به، فقال: يا دينار أدخلها بيتا وعرها من ثيابها ومرها أن تشد مئزرا
~~وعد أضلاعها، ففعل دينار ذلك، فكان أضلاعها سبعة عشر، تسعة من اليمين
~~وثمانية من اليسار.
# فألبسها علي (عليه السلام) ثياب الرجل والقلنسوة والنعلين وألقى عليها
~~الرداء وألحقها بالرجال، فقال زوجها: بنت عمي وقد ولدت مني تلحقها بالرجال،
~~فقال: اني حكمت عليها بحكم الله عز وجل، وان الله تعالى خلق حوراء من ضلع ms304
~~آدم الأيسر
# PageV00P468
# الأقصى، فأضلاع الرجال تنقص وأضلاع النساء تمام (1).
# وما ذكر في هذا الخبر من عد الأضلاع يخالف ما نقلناه عن صاحب الفصول، وما
~~هنا هو الصحيح (2) لخروجه من العين الصافية، وأهل البيت أدرى بما فيه.
# ووردت أحاديث اخر بهذا المعنى، وقد عمل عليها الشيخ المفيد وعلم الهدى
~~وابن إدريس (3)، وادعى المفيد والسيد الاجماع من الفرقة المحقة عليه.
# وذهب الشيخ في الخلاف إلى اعتبار القرعة فيه (4) فان خرج الخنثى ذكرا
~~أعطي نصيب الذكر، وان خرج مؤنثا أعطي نصيب المرأة، لأنه أمر مشكل لا سبيل
~~للعقل إليه ولا نقل مقطوع به من اجماع ولا خبر متواتر ولا حديث صحيح، وكل
~~أمر كذلك فالمنقول عن أهل البيت (عليهم السلام) استعمال القرعة فيه (5).
# والذي عليه الأكثر مثل الصدوقين وابن البراج وابن حمزة وسلار والعلامة
~~والشهيد وأكثر المتأخرين أنه يعطى نصف (6) نصيب ذكر وأنثى (عليه السلام)).
# PageV00P469
# لموثقة هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) قال: قضى علي (عليه السلام)
~~في الخنثى له ما للرجال وله ما للنساء، قال: يورث من حيث يبول، فان بال
~~منهما جميعا فمن حيث سبق، فان خرج منهما سواء فمن حيث ينبعث، فان كانا سواء
~~ورث ميراث الرجال والنساء (8).
# ولما رواه الصدوق - عطر الله مرقده - عن إسحاق بن عمار، عن جعفر بن محمد
~~عن أبيه (عليهما السلام) أن عليا (عليه السلام) كان يقول: الخنثى يورث من
~~حيث يبول، فان بال منهما جميعا، فمن أيهما سبق البول ورث منه، فان مات ولم
~~يبل فنصف عقل المرأة ونصف عقل الرجل (9).
# ولتكافؤ الدعويين، مثلا إذا خلف ابنا وخنثى، فالابن يزعم أن له الثلثين
~~وللخنثى الثلث، والخنثى تدعي أن له النصف وللابن النصف، فيعصى الابن النصف،
~~إذ لا خلاف فيه، وكذا الثلث للخنثى يبقى سدس يدعيانه، وللترجيح فينصف.
# وتحقيق المسألة واستيفاء البحث فيها موكول إلى شرحنا لرسالة الفرائض
~~لأفضل المحققين نصير الملة والحق والدين الطوسي قدس الله روحه وتابع فتوحه.
# ومنها: ما رواه الحموي في كتاب فرائد السمطين عن أبي حرب بن الأسود أن ms305
~~عمر اتي بامرأة وضعت لستة أشهر، فهم برجمها، فبلغ ذلك عليا (عليه السلام)
~~فقال: ليس عليها رجم، فبلغ ذلك عمر، فأرسل إليه يسأله، فقال علي (عليه
~~السلام): (والوالدات
# PageV00P470
# يرضعن أولاد هن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة (١)) وقال عز وجل
~~﴿وحمله وفصاله ثلاثون أشهر﴾ (2)
~~فستة أشهر حمله، وحولان تمام الرضاع لا حد عليها، قال: فخلي عنها ثم ولدت
~~بعد ذلك لستة أشهر (3).
# ومنها: ما رواه في الكتاب المذكور أيضا: عن مسروق، قال: اتي عمر بامرأة
~~أنكحت في عدتها، ففرق بينهما، وجعل صداقها في بيت المال، وقال: لا أجيز
~~مهرا رد نكاحه، وقال: لا يجتمعان أبدا. زاد الشعبي: فبلغ ذلك عليا، فقال:
~~لأن كانوا جهلوا السنة لها المهر بما استحل من فرجها ويفرق بينهما، فإذا
~~انقضت عدتها فهو خاطب من الخطاب، فخطب عمر الناس وقال: ردوا الجهالات إلى
~~السنة، ورجع عمر إلى قول علي (عليه السلام) (4).
# قلت: الصحيح أنه مع الدخول بالمعتدة تحرم مؤبدا، وان جهل العدة أو
~~التحريم أو كليهما، وكذا تحرم مؤبدا بالعقد وحده مع العلم بالعدة والتحريم
~~لا مطلقا.
# ومنها: ما رواه في الكتاب: عن رجل، عن ابن سيرين أن عمر سأل الناس كم
~~يتزوج المملوك؟ وقال لعلي (عليه السلام): إياك أعني يا صاحب المغافري -
~~رداء كان عليه - فقال: اثنتين (5).
# ومنها: ما رواه في الكتاب المذكور: عن ابن عباس، قال: كنا في جنازة، قال
~~علي بن أبي طالب (عليه السلام) لزوج أم الغلام: أمسك عن امرأتك، فقال عمر:
~~ولم يمسك عن امرأته؟ اخرج ما جئت به، قال: نعم يا أمير المؤمنين يريد أن
~~يستبرئ رحمها لا يلقى فيه شيئا فليستوجب به الميراث من أخته ولا ميراث له
~~فقال عمر: أعوذ
# PageV00P471
# بالله من معضلة لا علي لها (1).
# قلت: روى الثقة الجليل عبد الله بن جعفر الحميري في كتاب قرب الإسناد عن
~~الصادق (عليه السلام) نحوه. والظاهر خروجه مخرج التقية.
# ومنها: ما اختص بروايته المخالفون مما لا يجري الا على مذهبهم.
# فمن ذلك ما ms306 ذكره الشيخ الجليل محمد بن طلحة الشامي الشافعي في كتابه
~~مطالب السؤول: من أن امرأة جاءت إليه وقد وضع رجله في الركاب، فقالت: يا
~~أمير المؤمنين ان أخي مات وخلف ستمائة دينار وقد دفعوا إلي من ماله دينارا
~~واحدا، فأسألك انصافي، فقال لها: أخوك له بنتان (2)؟ قالت: نعم، قال: لهما
~~أربعمائة، وخلف اما؟ قالت: نعم، قال: لها السدس مائة، وخلف زوجة؟ قالت:
~~نعم، قال:
# لها الثمن خمسة وسبعون دينارا، وخلف معك اثنى عشر أخا؟ قالت: نعم، قال:
# لكل أخ ديناران ولك دينار، فقد أخذت حقك فانصرفي وركب، فسميت هذه المسألة
~~الدينارية (3).
# ومنها: ما ذكره في الكتاب المذكور وغيره من كتبهم أنه (عليه السلام) كان
~~على منبر الكوفة، فقام إليه رجل وقال: يا أمير المؤمنين ان ابنتي قد مات
~~زوجها ولها من تركته الثمن وقد أعطوها التسع، فأسألك الانصاف، فقال: خلف
~~صهرك بنتين؟
# قال: نعم، قال: وأبواه باقيان؟ قال: نعم، قال: صار ثمنها تسعا فلا تطلب
~~سواه إرثا، ثم مضى في خطبته.
# قال الشيخ كمال الدين ابن طلحة: فانظر إلى استحضار الأجوبة في أسرع من
~~رجع الطرف، واعلم أنه (عليه السلام) قد تجاوز غايات الوصف (4).
# PageV00P472
# قلت: وإنما كانت هاتان الروايتان من خواص المخالفين لما تضمنته الأولى من
~~توريث الاخوة مع وجود البنتين والام وهو تعصيب، ولما تضمنته الثانية من
~~العول.
# والمراد بالتعصيب اعطاء الفاضل عن سهام اولي السهام المقدرة العصبة، كما
~~إذا خلف الميت بنتا واحدة وله أخ أو ابن أخ، أو أختا واحدة وله عم أو ابن
~~عم، فان البنت لها النصف في المسألة الأولى، وكذا الأخت في الثانية، والنصف
~~الباقي يكون للأخ أو ابنه مع عدمه في المسألة الأولى، وللعم أو ابنه مع
~~عدمه في المسألة الثانية، وكذا غيرهما من المسائل مما يكون فيها فضل عن ذوي
~~السهام. وعندنا أن الباقي بعد ذوي السهام يكون لهم لا للعصبة، فيكون الباقي
~~للبنت بالرد في الأولى، وكذا للأخت في الثانية.
# وأما العول، فهو ضد التعصيب، وهو زيادة السهام ونقصان التركة عنها ms307 على
~~وجه يحصل النقص على الجميع بالنسبة (1). وعندنا أنه على تقدير الزيادة يدخل
~~النقص على الأب والبنت والبنات والأخوات للأب والام أو للأب، وعليه اجماع
~~أهل البيت (عليهم السلام) وأخبارهم به متضافرة.
# قال الباقر (عليه السلام): كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: ان
~~الذي أحصى رمل عالج (1) ليعلم أن السهام لا تعول على ستة (2) لو يبصرون
~~وجهها لم تجز ستة (3).
# PageV00P473
# وكان ابن عباس رضي الله عنه يقول: من شاء باهلته عند الحجر الأسود أن
~~الله عز وجل لم يذكر في كتابه نصفين وثلثا.
# وقال أيضا: سبحان الله العظيم أترون أن الذي أحصى رمل عالج عددا جعل في
~~مال نصفا ونصفا وثلثا، فهذان النصفان قد ذهبا بالمال فأين موضع الثلث؟ فقال
~~له زفر: يا بن عباس فمن أول من أعال الفرائض؟ فقال: عمر لما التفت الفرائض
~~عنده ودفع بعضها بعضا، فقال: والله ما أدري أيكم قدم الله وأيكم أخر، وما
~~أجد شيئا هو أوسع من أن اقسم عليكم هذا المال بالحصص.
# قال ابن عباس: وأيم الله لو قدمتم من قدم الله وأخرتم من أخر الله ما
~~عالت فريضة، فقال له زفر: فأيها قدم الله وأيها أخر؟ فقال: كل فريضة لم
~~يهبطها الله الا إلى فريضة، فهذا ما قدم الله.
# وأما ما أخر الله، فكل فريضة إذا زالت عن فرضها ولم يكن لها الا ما يبقى،
~~فتلك التي أخر، فأما التي قدم فالزوج له النصف، فإذا دخل عليه ما يزيله عنه
# PageV00P474
# رجع إلى الربع لا يزيله عنه شئ، ومثله الزوجة والام.
# وأما التي أخر، ففريضة البنات والأخوات لها النصف والثلثان، فإذا أزالتهن
~~الفرائض عن ذلك لم يكن لهن الا ما بقي، فإذا اجتمع ما قدم الله وما أخر بدأ
~~بما قدم الله وأعطي حقه كاملا، فان بقي شئ كان لما أخر (1).
# ومنها: ما ذكروه في الكتاب المذكور أنه رفع إليه (عليه السلام) أن شريحا
~~القاضي قد مضى في امرأة ماتت وخلفت زوجا وابني عم، أحدهما أخ لام، وقد أعطي
~~الزوج النصف، وأعطي ms308 الباقي لابن عمها الذي هو أخوها لامها وحرم الاخر.
# فأحضره (عليه السلام) وقال: ما أمر بلغني عن قضائك في القضية المرأة
~~المتوفاة؟ قال:
# يا أمير المؤمنين قضيت بكتاب الله، وأجريت ابن العم لكونه أخا من أم مجرى
~~أخوين أحدهما من أب والاخر من أم.
# فأنكر عليه علي (عليه السلام) وقال: أفي كتاب الله تعالى أن الباقي بعد
~~الزوج لابن العم الذي هو أخ من أم؟ قال: لا، قال: فقد قال الله تعالى (وإن
~~كان رجل يورث كلالة أو مرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منها السدس) فجعل
~~للزوج النصف، وأعطى الأخ من الام السدس، ثم قسم الباقي بين ابني العم، فحصل
~~لابن العم الذي هو أخ من الام الثلث، وابن العم الذي ليس بأخ السدس وللزوج
~~نصفا، فتكملت الفريضة، ورد قضاء الشيخ واستدركه (2).
# قلت: ان هذه القسمة في هذه المسائل وقسمة الفرائض أوردها الشيخ كمال
~~الدين بن طلحة وغيره من علماء الجمهور، وليست مذهبا لأمير المؤمنين علي
~~(عليه السلام)، ولكنه لشرفه ومحله من العلم ومكانه من الدين والفضل
~~والجلالة والإحاطة بالشريعة المطهرة والسنة النبوية المقدسة، يحب أهل كل
~~طائفة أن ينبسوا إليه دقائق
# PageV00P475
# علومهم ومحاسن ما يجدونه في مذاهبهم، كما نبه عليه الوزير السعيد علي بن
~~عيسى الأربلي في كشف الغمة (1).
# ويمكن أن يكون (عليه السلام) قد أفتى بها على مذهبهم تقية، فإنه (عليه
~~السلام) كان ممنوعا في أيام خلافته عن كثير من إراداته الدينية، حتى أنه
~~أراد عزل شريح وقال له: غرب ذهنك، وعلت سنك، وارتشى ابنك، فلم يتمكن من
~~عزله والاستبدال به، وكم مثلها مما منع (عليه السلام) أن يجريه على الحق
~~الذي لا لبس فيه، حتى قيل له رأيك مع رأي عمر أحب الينا من انفرادك. ولما
~~قيل له ذلك قال لعبيدة السلماني: اقضوا كما كنتم تقضون فاني أكره الخلاف،
~~وكان عبيدة هذا قاضيا.
# ومن جملة قضاياه الباهرة ما رواه الخطيب الخوارزمي في المناقب، قال:
~~حدثني الامام العلامة فخر خوارزم أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري ms309 مرفوعا
~~إلى الحسن أن عمر بن الخطاب اتي بامرأة مجنونة حبلى قد زنت، فأراد أن
~~يحدها، فقال له علي (عليه السلام): أما سمعت ما قاله النبي (صلى الله عليه
~~وآله)؟ قال: وما قال؟ قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله):
# رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون حتى يبرأ، وعن الغلام حتى يدرك، وعن
~~النائم حتى يستيقظ، فخلى عنها (2).
# ومن قضاياه العجيبة ما رواه كمال الدين بن طلحة في الكتاب المذكور أنه
~~(عليه السلام) حاكم بالكوفة يهوديا في درع، والدرع بيد اليهودي، فأنكر
~~اليهودي دعواه، فطالبه شريح بمن يشهد بها، فشهد الحسن بن علي (عليهما
~~السلام) بالدرع، فرد شريح شهادته، وقال:
# يا أمير المؤمنين كيف أقبل شهادة ابنك لك، والولد لا تقبل شهادته لوالده،
~~فقال (عليه السلام): في أي كتاب وأي سنة وجدت أن شهادة الولد لا تقبل؟ ثم
~~عزله عن القضاء، وأخرجه إلى قرية تركه بها نيفا وعشرين يوما، ثم أعاده إلى
~~مكانه
# PageV00P476
# وولايته.
# قال كمال الدين بن طلحة: وكشف سر هذه الواقعة وما وقع من علي (عليه
~~السلام) في حق شريح أنه لم يدع الدرع لنفسه، وإنما ادعاه لبيت المال، فإنه
~~نائب المسلمين والامام القائم بمصالحهم، فادعى الدرع لهم وشهد الحسن (عليه
~~السلام) بها لهم، فظن شريح أنها لعلي (عليه السلام) وان الحسن (عليه
~~السلام) شهد بها له، فأدبه لتركه الفحص وتدقيق النظر، فان ذلك يوجب التعطيل
~~للحقوق وايصالها إلى غير مستحقها.
# ثم قال ابن طلحة: ومن العجائب والغرائب أن جماعة من العلماء منهم إسحاق
~~بن راهويه، وأبو ثور، وابن المنذر، والمزني، وأحمد بن حنبل في أحد الروايات
~~عنه لما بلغهم هذه القصة، وما اعتمد علي (عليه السلام) مع شريح، استدلوا
~~بذلك على جواز شهادة الولد لوالده، وجعلوا ذلك مذهبا لهم، وأجروه مجرى
~~شهادة الأخ لأخيه، استنادا إلى هذه الواقعة، واستدلالا بفعله (عليه
~~السلام)، وغفلوا عن سرها وحقيقة أمرها (1) انتهى.
# ومنها: ما رواه الحافظ أسعد بن إبراهيم الأربلي من أعيان المخالفين، عن
~~شيخه سلطان المحدثين أبي الخطاب بن ms310 دحية، يرفعه إلى شريح الخضرمي، عن كعب
~~الأحبار، قال: بينما رجلان جالسان في زمن عمر بن الخطاب إذ مر بهما رجل
~~مقيد وهو عبد لبني نوفل، فتحاروا في ثقل قيده، وقدر كل واحد وزنه حزرا،
~~فقال أحدهما: امرأته طالق ثلاثا ان لم يكن وزنه كما قلت، وحلف الاخر مثل
~~ذلك، واستشكل الأمر بينهما، وحلف كل واحد بطلاق زوجته، فمضيا إلى مولى
~~العبد وعرفاه الحديث وسألاه عن وزن القيد أو يفك القيد، فحلف بالطلاق أن لا
~~يفكه، فمضيا إلى عمر بن الخطاب وقصا عليه ذلك، قال: اذهبوا إلى علي وقصوا
~~عليه القصة.
# PageV00P477
# فلما حضروا عنده دعا بجفنة ثم صب فيها ماء وقال: ارفعوا القيد بخيط
~~وادخلوا القيد ورجليه في الجفنة، ثم صبوا فيها الماء حتى تمتلئ، ففعلوا
~~وامتلأت وقال:
# ارفعوا القيد فرفعوا القيد حتى خرج من الماء ثم دعا بزبر من حديد، فوضعها
~~في الماء حتى تراجع الماء إلى موضعه حتى كأن القيد فيه، ثم قال: زنوا هذا
~~الحديد فإنه وزن القيد، وبلغ عمر ما جرى من علي (عليه السلام) فقال: الحق
~~لا يعطى الحق قالها ثلاثا.
# ومن جواباته العجيبة عن المسائل المعضلة ما ذكره العالم الرباني كمال
~~الدين ميثم بن علي بن ميثم البحراني في شرح الخطبة الشقشقية عن أبي الحسن
~~الكندي أن رجلا من أهل السواد ناوله كتابا وهو يخطب الخطبة المذكورة وكان
~~فيه عدة مسائل:
# إحداها: ما الحيوان الذي خرج من بطن حيوان آخر وليس بينهما نسب؟
# فأجاب (عليه السلام) بأنه يونس بن متى خرج من بطن الحوت.
# الثانية: ما الشئ الذي قليله مباح وكثيره حرام؟ فقال (عليه السلام): هو
~~نهر طالوت لقوله تعالى ﴿الا من اغترف
~~غرفة بيده﴾ (١).
# الثالثة: ما العبادة التي ان فعلها واحد استحق العقوبة، وان لن يفعلها
~~استحق العقوبة أيضا؟ فأجاب بأنها صلاة السكارى.
# الرابعة: الطائر الذي لا فرخ له ولا فرع ولا أصل؟ فقال: هو طائر عيسى في
~~قوله تعالى ﴿إذ تخلق ms311 من الطين
~~كهيئة الطير باذني فتنفخ فيه فيكون طيرا باذني﴾ (2).
# الخامسة: رجل عليه من الدين ألف درهم وله في كيسه ألف درهم، فضمنه ضامن
~~بألف درهم، فحال عليهما الحول، فالزكاة على أي المالين تجب؟ فقال: ان ضمن
~~الضامن بإجازة من عليه الدين فلا زكاة عليه، فان ضمنه من غير اذنه
# PageV00P478
# فالزكاة مفروضة في ماله.
# السادسة: حج جماعة ونزلوا في دار من دور مكة وأغلق واحد منهم باب الدار
~~وفيها حمام، فمتن من العطش قبل عودهم إلى الدار، فالجزاء على أيهم يجب؟
# فقال (عليه السلام): على الذي أغلق الباب ولم يخرجهن ولم يضع لهن ماء.
# السابعة: شهد شهداء أربعة على محصن بالزنا فأمرهم الامام برجمه، فرجمه
~~واحد منهم دون الثلاثة الباقين ووافقهم قوم أجانب، فرجع من رجمه عن شهادته
~~والمرجوم لم يمت، ثم مات فرجع الآخرون عن شهادتهم عليه بعد موته، فعلى من
~~تجب ديته؟ فقال: يجب على من رجمه من الشهود ومن وافقه.
# الثامنة: شهد شاهدان من اليهود على يهودي أنه أسلم، فهل تقبل شهادتهما أم
~~لا؟ فقال: لا تقبل شهادتهما لأنهما يجوزان تغيير كلام الله وشهادة الزور.
# التاسعة: شهد شاهدان من النصارى على نصراني أو مجوسي أو يهودي أنه أسلم،
~~قال: تقبل شهادتهما لقول الله سبحانه ﴿ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا انا
~~نصارى﴾ (1) الآية ومن لا يستكبر عن عبادة الله لا يشهد شهادة الزور.
# العاشرة: قطع رجل يد آخر، فحضر أربعة شهود عند الامام وشهدوا على قطع يده
~~وأنه زنا وهو محصن، فأراد الامام أن يرجمه فمات قبل الرجم، فقال: على من
~~قطع يده دية يده حسب، ولو شهدوا أنه سرق نصابا، لم تجب دية يده على قاطعها
~~(2).
# وقد أفرد بعض علمائنا لقضاياه العجيبة كتابا ضخما، وفيما أوردناه كفاية.
# PageV00P479
# المقام الرابع في صدور الاخبار بالأمور الغيبية عنه وهي أكثر من أن تحصى،
~~وقد أوردنا جملة مقنعة في كتابنا مجمع المناقب. والذي ينبغي أن نذكر هنا
~~التنبيه على أنه كان لنفسه القدسية استعداد ms312 بأن تنتقش بالأمور الغيبية عن
~~إفاضة جود الله تعالى، وفرق بين هذا وبين علم الغيب الذي لا يعلمه الا
~~الله، فان المراد به هو العلم الذي لا يكون مستفادا من سبب يفيده، ومن
~~المعلوم أن ذلك إنما يصدق في حق الله تعالى، إذ كل علم لذي علم عداه فهو
~~مستفاد من جوده:
# إما بواسطة، أو بغير واسطة، فلا يكون علم الغيب، وإن كان اطلاعا على أمر
~~غيبي لا يتأهل للاطلاع عليه كل الناس، بل يختص بنفوس خصت بعناية إلهية، كما
~~قال تعالى شأنه ﴿عالم الغيب فلا يظهر على
~~غيبه أحدا الا من ارتضى﴾ (1).
# وبهذا التحقيق يسقط ما أورده بعضهم من أن اخباره بالمغيبات ليس بعلم
~~ألهمه الله إياه وأفاضه عليه، بل الرسول (صلى الله عليه وآله) أخبره بوقائع
~~جزئية من ذلك، وحينئذ لا يبقى بينه وبين غيره فرق في ذلك، فان الواحد منا
~~لو أخبره الرسول (صلى الله عليه وآله) بشئ من ذلك لكان له أن يخبر بما قال
~~الرسول، وان وقع المخبر به على وفق قوله.
# ويدل على ذلك قوله (عليه السلام) بعد وصف الأتراك، وقد قال له بعض أصحابه
~~في ذلك
# PageV00P480
# يكون للنار حطبا أوفي الجنان للنبيين مرافقا، فهذا علم الغيب الذي لا
~~يعلمه أحد الا الله، وما سوى ذلك فعلم علمه الله نبيه (صلى الله عليه وآله)
~~فعلمنيه ودعا لي بأن يعيه صدري، وتنضم (1) عليه جوانحي (2).
# وهذا تصريح بأنه تعليم من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وذلك لأنه
~~(عليه السلام) نفى أن يكون ما قاله علم غيب، لأنه مستفاد من جود الله
~~تعالى.
# وقوله (عليه السلام) (وإنما هو تعلم من ذي علم) إشارة إلى وساطة تعليم
~~الرسول (صلى الله عليه وآله) وهو اعداد نفسه على طول الصحبة بتعليمه
~~وارشاده إلى كيفية السلوك وأسباب التطويع والرياضة حتى استعد للانتقاش
~~بالأمور الغيبية والاخبار عنها، وليس التعليم هو ايجاد العلم، وإن كان أمرا
~~قد يلزمه ايجاد العلم، فتعين إذا أن تعليم رسول الله (صلى ms313 الله عليه وآله)
~~له لم يكن مجرد توفيقه على الصور الجزئية، بل اعداد نفسه بالقوانين الكلية
~~والضوابط الجملية.
# ولو كانت الأمور التي تلقاها عن الرسول (صلى الله عليه وآله) صورا جزئية
~~لم يحتج إلى مثل دعائه في فهمه لها، فان فهم الصور الجزئية أمر ممكن في حق
~~من له أدنى فهم، وإنما يحتاج إلى الدعاء واعداد الأذهان له بأنواع
~~الاعدادات هو الأمور الكلية العامة (1) لقمان: 34.
# للجزئيات، وكيفية انشعابها عنها، وتفريعها وتفصيلها وأسباب تلك الأمور
~~المعدة.
# كذا حققه العالم الرباني قد سره في شرح النهج، وهو جيد متين.
# ثم قال عطر الله مرقده: ومما يؤيد ذلك قوله (عليه السلام) (علمني رسول
~~الله (صلى الله عليه وآله) ألف باب من العلم، فانفتح من كل باب ألف باب)
~~وقول الرسول (صلى الله عليه وآله) (أعطيت جوامع الكلام وأعطي علي جوامع
~~العلم) والمراد من الانفتاح ليس الا التفريع وانشعاب القوانين الكلية عما
~~هو أهم منها، وبجوامع العلم ليس الا ضوابطه
# PageV00P481
# وقوانينه.
# وفي قوله (وأعطي) بالبناء للمفعول دليل ظاهر على أن المعطي لعلي جوامع
~~العلم ليس هو النبي (صلى الله عليه وآله)، بل الذي أعطاه ذلك هو الذي أعطى
~~النبي (صلى الله عليه وآله) جوامع الكلام، وهو الحق سبحانه وتعالى، وأما
~~الأمور التي عددها الله تعالى، فهي من الأمور الغيبية.
# وقوله (لا يعلمها أحد الا الله) كقوله تعالى (وعنده مفاتح الغيب لا
~~يعلمها الا هو) وهو يحتمل كما في قوله (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا
~~الا من ارتضى من رسول) (1) انتهى كلامه أعلى الله مقامه.
# فتأمله بعين البصيرة، وتناوله بيد غير قصيرة، وعلى هذا المقام فلنقطع
~~الكلام حامدين لله سبحانه على توفيقه للاتمام، والفوز بسعادة الاختتام،
~~ومصلين على سيد الأنام محمد وآله البررة الكرام إلى يوم القيامة.
# تم تأليفه على يد مؤلفه الفقير إلى لطف الله سليمان بن عبد الله بن علي
~~بن حسن بن أحمد بن يوسف بن عمار، عمر الله سبحانه أوقاته بالطاعات، ووفقه
~~لتلافي ما فات من القربات، بليلة الخميس ms314 وهي الثالثة من شهر ذي القعدة
~~الحرام عام ستة ومائة وألف هجرية صلوات الله على مهاجرها وآله الطاهرين إلى
~~يوم الدين.
# وجاء في آخر النسخة المرعشية: قد بلغنا الغاية من رقم هذا الكتاب المشتمل
~~على الأخبار التي هي أصل الايمان، ووصلنا النهاية من نظم الجواهر الحسان،
~~الفائقة اللؤلؤة والمرجان، المزينة بأنواع الجمان، من صفات سادات الأكوان،
~~صلوات الله وسلامه عليهم ما أضاء النيران، وذلك تأليف قطب دائرة أعيان
~~الأعيان، وعمدة العلماء على الاطلاق في هذا الزمان، وخليفة خلفائه امناء
~~الرحمن، شيخنا ومفيدنا وأستاذنا وأميرنا ورئيسنا الشيخ سليمان بن الأواه
~~الشيخ عبد الله
# PageV00P482
# العارج لدار الرضوان، نسألك اللهم أن تمده منك بالفضل والمن والشفاء
~~والاحسان بحق محمد وآله الأعيان.
# وكتب العبد الفقير إلى ربه الباري يوسف بن محمد علي عين داري، بيمناه في
~~اليوم الخامس عشر من الشهر الحادي عشر من العام السابع عشر من المائة
~~الثانية بعد الألف الخالية الماضية.
# وتم استنساخ هذا الكتاب الشريف تحقيقا وتصحيحا وتعليقا عليه في اليوم
~~الرابع عشر من محرم الحرام سنة (1415) ه ق على يد العبد الفقير السيد مهدي
~~الرجائي في بلدة قم المقدسة.# PageV00P483 ms315