######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004038 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: السرابي التنكابني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1124 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: سفينة النجاة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004038 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4038_سفينة-النجاة-السرابي-التنكابني #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: السيد مهدي الرجائي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1419 - 1377 ش #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف ~~الأنبياء والمرسلين، محمد وآله الغر الميامين، واللعن الدائم على أعدائهم ~~أجمعين إلى قيام يوم الدين. # وبعد: فإن من أبرز سمات مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) البحث العلمي ~~الحر، طلبا للحق وبحثا عن الحقيقة. # ويرجع ذلك إلى أن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قد أرادوا لشيعتهم أن ~~يكونوا على بينة من أمرهم في كل شئ، وتذكر الروايات (1) أن بعض الأئمة ~~(عليهم السلام) كان يحمل طلابه وتلاميذه على السؤال عن الأدلة ومصادرها، ~~وكانوا (عليهم السلام) يجيبون طلابهم في حدود ما تسمح به قدراتهم العقلية ~~والفكرية، بل كانوا (عليهم السلام) كثيرا ما يشفعون إجابتهم ببيان الدليل ~~ابتداء منهم (عليهم السلام) حثا لشيعتهم على انتهاج هذا المسلك فيما يقولون ~~أو يكتبون. # وقد تمخض عن ذلك أن أصبح الفكر الشيعي خصبا بمعطياته العلمية في شتى ~~المجالات، وأثمرت البحوث العلمية المختلفة ثمرات يانعة آتت أكلها في سبق ~~علمي عديم النظير، من البحث والتحقيق والاستنتاج فيما خلفه أئمة أهل البيت ~~(عليهم السلام) من تراث فكري رحب الآفاق يزخر بعطاء لا ينضب معينه أبدا ~~مهما دارت رحى الزمان. # PageV00P003 # ولو ألقينا نظرة سريعة على أحد الفروع العلمية والأدوار التي مر بها في ~~مقام البحث والتحقيق على أيدي العلماء في مختلف عصورهم، لرأينا مدى النضج ~~العلمي والتطور الفكري، والنبوغ والدقة في الفكر الشيعي. # ومرجع ذلك إلى ما ذكرنا من حرية البحث طلبا للحق وبحثا عن الحقيقة، وسيرا ~~على منهاج أئمة أهل البيت (عليهم السلام) ولم يكن ذلك مقتصرا على فن من ~~فنون المعرفة فحسب، بل يشمل جميع العلوم والمعارف الكلامية، والأصولية، ~~والفقهية، والتفسيرية، والرجالية، وغيرها. # وقد خلف علماء الشيعة آثارا تزخر بالتحقيق والتدقيق، والنتائج العلمية ~~الرصينة. # أضف إلى ذلك أمرا لا يقل أهمية عما ذكرنا، وهو أن علماء الشيعة إلى جانب ~~أنهم أحرار في دراساتهم العلمية، كانوا أحرارا في دنياهم، وما كان لهم طمع ~~في حطام، أو سعي وراء مقام، وإنما كان رائدهم الحق، وسبيلهم الصراط ~~المستقيم، وإن ms001 تنكرت الدنيا لهم، وعاشوا حياة الشظف والعوز في عفة ونزاهة ~~وإباء ضربوا بها أروع المثل في مكارم الأخلاق، وكانوا بذلك يعكسون صورة ~~ناصعة عن حياة أئمتهم (عليهم السلام). # فجزاهم الله خير الجزاء، فلقد حملوا الأمانة بإخلاص، وكانوا أهلا لذلك ~~وكفؤا. # هذا الكتاب: # ويضم هذا الكتاب بين دفتيه البحث العلمي الدقيق عن أصول الاعتقاد، وقد ~~استغرق البحث حول موضوع الإمامة والخلافة بعد النبي (صلى الله عليه وآله) ~~الحصة الكبرى من صفحاته. # وحديث الإمامة هو الحديث الخطير ذو الشأن العظيم، وهو مفترق الطرق بين ~~PageV00P004 # المسلمين. وقد عني الباحثون من علماء الإمامية عبر تاريخهم بهذا الموضوع، ~~ولم يألوا جهدا في البحث والتحقيق، وتوصلوا إلى نتائج مهمة وخطيرة، ولا ~~غضاضة في ذلك ما دامت مسألة الإمامة تشكل قضية مصيرية تبتني عليها أصول ~~الدين وفروعه عندهم. # وسنحاول استجلاء أهمية هذا الأمر من خلال النقاط التالية. # الإمامة في نظر الشيعة: # تتفق كلمة الشيعة الاثني عشرية على أن الإمامة منصب إلهي، وهي الرئاسة ~~العامة في أمور الدين والدنيا نيابة عن النبي محمد (صلى الله عليه وآله) ~~وأنها من أصول الدين لا من فروعه، وهي واجبة عقلا على الله تعالى من باب ~~اللطف بالعباد، وقد أيدت ذلك النصوص الواردة في القرآن الكريم، أو عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله) في هذا الموضوع. # والإمام هو الشخص التالي لرسول الله (صلى الله عليه وآله) في جميع ~~الكمالات، ويجب أن يكون معصوما في أقواله وأفعاله وجميع شؤونه، ولا بد في ~~تعيينه من النص على إمامته، وظهور المعجزة على يديه. # وتنحصر الإمامة بهذا المعنى في اثني عشر شخصا، هم الأئمة بعد النبي محمد ~~(صلى الله عليه وآله) كما هي عقيدة الشيعة الإمامية، وقد ساقتهم الأدلة على ~~ذلك (1). # الإمامة في نظر السنة: # وتتفق كلمة السنة على أن الإمامة ليست منصبا إلهيا، وهي الخلافة عن النبي ~~(صلى الله عليه وآله) في أمور الدين والدنيا، وأنها من فروع الدين لا من ~~أصوله، ووجوبها # PageV00P005 # سمعي لا عقلي، ولا يجب أن يكون الإمام معصوما، كما لا يجب ms002 ظهور المعجزة ~~على يديه، ويكفي في انعقاد الإمامة لشخص، الواحد والاثنان من أهل الحل ~~والعقد، فإن الصحابة اكتفوا بذلك، كعقد عمر لأبي بكر، وعقد عبد الرحمن بن ~~عوف لعثمان. # قال الإسفرائيني: وتنعقد الإمامة بالقهر والاستيلاء ولو كان فاسقا، أو ~~جاهلا، أو أعجميا. # وقال الباقلاني: لا ينخلع الإمام بفسقه وظلمه وبغصب الأموال وضرب الأبشار ~~بل يجب وعظه وتخويفه وترك طاعته في شئ مما يدعو إليه من معاصي الله. # وقال الغزالي: اعلم أن النظر في الإمامة أيضا ليس من المهمات، وليس أيضا ~~من فن المعقولات، بل هي من الفقهيات. # ويذهب السنة إلى أن الإمام الحق بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أبو ~~بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، والأفضلية بهذا الترتيب (1). # ومن خلال نظر كل من الفريقين يتجلى البون الشاسع بين النظرتين، فكم فرق ~~بين من يقول: إن الإمامة منصب إلهي ودليلها العقل وهي إحدى ركائز الدين، ~~وبين من يقول: إنها ليست من المهمات. # هذه حجتنا: # نعتقد - نحن الشيعة - أن الله تعالى حكيم، منزه عن فعل اللغو والعبث، ومن ~~المعاني التي فسرت بها الحكمة أنها وضع الأشياء في مواضعها، وقد قال تعالى ~~وهو أصدق القائلين: * (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق) * ~~(2) وقال # PageV00P006 # عز وجل: * (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين) * (1) وقال ~~تعالى: * (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا) * (2) وقال عز وجل: * ~~(أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون) * (3) وقال تعالى: * ~~(وما خلقت الجن والأنس إلا ليعبدون) * (4). # وقد اقتضت حكمته تعالى أن يبعث إلى الناس رسلا * (مبشرين ومنذرين) * (5) ~~يخرجونهم من الظلمات إلى النور، ويقربونهم إلى الطاعات، ويبعدونهم عن ~~المعاصي، ليحيى من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة. # وكان خاتمة هؤلاء الرسل هو أشرفهم النبي محمد (صلى الله عليه وآله) " ~~ابتعثه الله تعالى إتماما لأمره، وعزيمة على إمضاء حكمه، وإنفاذا لمقادير ~~حتمه، فرأى الأمم فرقا في أديانها، عكفا على نيرانها، عابدة لأوثانها، ~~منكرة لله مع عرفانها، فأنار الله بمحمد (صلى الله عليه وآله) ظلمها، وكشف ms003 ~~عن القلوب بهمها، وجلى عن الأبصار غممها، وقام في الناس بالهداية، وأنقذهم ~~من الغواية، وبصرهم من العماية، وهداهم إلى الدين القويم، ودعاهم إلى ~~الطريق المستقيم " (6). # وكان ذلك منه (صلى الله عليه وآله) في ثلاث وعشرين عاما من عمره الشريف ~~يدأب ليلا ونهارا في هداية الناس والدعوة إلى الله تعالى، وألف بين قلوبهم، ~~مكابدا كيد الأمة التي جهلت قدره ومكانته، فحاربته وسعت إلى قتله، وحاولت ~~القضاء على دعوته. # PageV00P007 # وكان من عناية الله تعالى برسوله أن هيأ له من يحميه من كيد المتربصين. # ولولا أبو طالب وابنه * لما مثل الدين شخصا فقاما فهذا بمكة آوى وحامى * ~~وهذا بيثرب قد لاقى الحماما وكان من ورائهما السيدة الجليلة خديجة (عليها ~~السلام) التي بذلت جميع ما تملك - وكانت ذات ثراء - في سبيل دعوة النبي ~~(صلى الله عليه وآله) وتسيير حركة الإسلام. # وأما أبو طالب (1) فقد كان السند لرسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو ~~القائل يخاطب ابن أخيه: # والله لن يصلوا إليك بجمعهم * حتى أوسد في التراب دفينا حتى إذا رحل أبو ~~طالب وخديجة (عليهما السلام) عن الدنيا، انبرى علي (عليه السلام) لحماية ~~الرسول (صلى الله عليه وآله) والدفاع عنه. # وقد شاء الله تعالى لحبيبه المصطفى (صلى الله عليه وآله) أن ينتقل عن مكة ~~ويستقر في المدينة، وإذا به (صلى الله عليه وآله) يواجه الدنيا بأسرها، ~~فالمشركون جادون في نقض ما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) واليهود ~~يتربصون به الدوائر، والمنافقون يسعون في الخراب، ولا يكاد يفرغ النبي (صلى ~~الله عليه وآله) من حرب حتى يتهيأ لأخرى. # وإلى جانب ذلك كله كان النبي (صلى الله عليه وآله) يقوم بأداء مهمته في ~~تعليم الناس وهدايتهم، ويتلقى الوحي ويبلغ رسالة ربه. وإنك لتدهش أمام هذه ~~العظمة المحمدية من القلب الكبير، والصدر الرحيب، والخلق الكريم في تلك ~~الظروف العصبية حيث يقوم بذلك كله، حتى أكمل الله دينه لعباده، وأتم نعمته ~~عليهم على يدي الحبيب # PageV00P008 # المصطفى (صلى الله عليه وآله) وتم نزول الدستور الإلهي العظيم الذي تضمن ms004 ~~تبيان كل شئ مما يحتاجه الناس في أمور معاشهم ومعادهم. # وقد أخبر النبي (صلى الله عليه وآله) من حوله أنه يوشك أن يدعى فيجيب، ~~وأخذ يتأهب للرحيل إلى الرفيق الأعلى، والإسلام بعد غض العود، والناس حديثو ~~عهد به، ولما يستقر الإيمان في قلوبهم. # فيا ترى هل يترك النبي (صلى الله عليه وآله) هذا التراث الضخم بما تضمن ~~من تعاليم إلى الناس؟ أم تراه يعين لهم خلفا من بعده يحمي الرسالة كما ~~حماها هو (صلى الله عليه وآله)؟ أتراه وهو الذي لم يترك شيئا تحتاج إليه ~~الأمة إلا وقد بينه يترك أخطر أمر يتوقف عليه مصير الرسالة التي جاء بها ~~والجهود المضنية التي بذلها؟ هل بلغ الناس في عهده (صلى الله عليه وآله) من ~~الفهم حدا أدركوا فيه جميع أبعاد الرسالة وما تضمنت من تعاليم؟ هل بلغت ~~عقولهم حدا فهموا فيه ظاهر القرآن فضلا عن باطنه؟ # مع علمه (صلى الله عليه وآله) أن فيهم من أسلم كرها، وفيهم من استسلم ~~خوفا، وفيهم من أعلن إسلامه طمعا، وفيهم من لم يلامس الايمان قلبه، بل فيهم ~~المنافق والمتربص، أتراه يدع هذا الأمر الخطير للأمة لتختار لها من توليه ~~عليها من دون أن يكون له (صلى الله عليه وآله) في الأمر شأن؟ # لذلك ولغيره قالت الشيعة الإمامية بضرورة نصب الإمام وتعيينه من قبل الله ~~تعالى على يد النبي (صلى الله عليه وآله) ويكون امتدادا لبقاء الرسالة ~~وصيانتها، لا أن الإمام نبي آخر، فإن نبوة النبي (صلى الله عليه وآله) هي ~~خاتمة الرسالات، وقد قال (صلى الله عليه وآله): لا نبي بعدي. بل لأن هذه ~~الرسالة التي جاء بها النبي (صلى الله عليه وآله) تحتاج في بقائها ~~واستمرارها إلى راع يحيطها بعنايته. # فإن أي قانون أو شريعة، سماوية كانت أو أرضية، إذا أريد لها البقاء ~~والخلود، فلا بد من إقامة راع يحفظها عن التبديل والتغيير، ويتولى مهمة ~~بيانها وايصالها إلى PageV00P009 # الناس مصونة عن الانحراف، ولولا ذلك لتبدلت هذه الشريعة وتغيرت، ووقع ~~الاختلاف في تفسيرها وبيانها. ms005 # ولما كان دين الإسلام هو خاتم الأديان، فلا نبي بعد النبي محمد (صلى الله ~~عليه وآله) ولا شريعة بعد شريعته، اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون لهذا الدين ~~بما يتضمن من تعاليم وأحكام وأسرار، رعاة وحماة يردون عنه الشبه، ويصونونه ~~عن التحريف، وهذا ما ابتنت عليه عقيدة الشيعة الإمامية من ضرورة الإمامة ~~بعد النبي (صلى الله عليه وآله) وأنها من قبل الله تعالى، وبتعيين من ~~النبي، ولا مجال للناس في الاختيار، وإلا لزم من ذلك كثير من المفاسد، إذ ~~ليس من المعقول أن يجازف النبي (صلى الله عليه وآله) بدعوته - وهو سيد ~~عقلاء بني البشر وأكمل الناس عقلا وبعد نظر - ويوكل مهامها إلى الناس، وهل ~~هذا إلا تناقض ونقض للغرض؟ ولا يليق بانسان عادي فكيف بسيد العقلاء؟!. # وإذا تبين هذا الأمر، فهنا نتسائل من هو ذلك الشخص اللائق لتولي هذا ~~المقام؟ # ومع غض النظر عن كل النصوص القرآنية، أو الواردة على لسان النبي (صلى ~~الله عليه وآله) في هذا المجال، فلو وقفنا على سيرة جميع من عاش مع النبي ~~(صلى الله عليه وآله) وصاحبه ودرسنا مؤهلاتهم وما تمتعوا به من ملكات ~~شخصية، فهل نجد من هو أليق بهذا المقام غير علي بن أبي طالب (عليه السلام)؟ # أليس هو الشخص الوحيد الذي عاصر الرسالة منذ بزوغ فجرها، وإلى اللحظة ~~التي رحل فيها النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى وقد علم من ~~أسرارها وأحكامها ما يؤهله لذلك؟ # أليس هو ربيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو القائل يخاطب المسلمين: ~~" وقد علمتم موضعي من رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالقرابة القريبة، ~~والمنزلة الخصيصة، وضعني في حجره وأنا ولد يضمني إلى صدره، ويكنفني إلى ~~فراشه، ويمسني جسده، ويشمني عرفه، وكان يمضغ الشئ ثم يلقمنيه، وما وجد لي ~~كذبة في قول ولا خطلة في فعل، ولقد PageV00P010 # قرن الله به (صلى الله عليه وآله) من لدن أن كان فطيما أعظم ملك من ~~ملائكته يسلك به طريق المكارم، ومحاسن أخلاق العالم، ليله ونهاره، ولقد ms006 كنت ~~أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علما، ويأمرني ~~بالاقتداء به، ولقد كان يجاور في كل سنة بحراء، فأراه ولا يراه غيري، ولم ~~يجمع بيت واحد يومئذ في الإسلام غير رسول الله (صلى الله عليه وآله) وخديجة ~~وأنا ثالثهما، أرى نور الوحي والرسالة، وأشم ريح النبوة " (1)؟ # أليس هو العالم بأسرار القرآن وما تضمن من أحكام؟ وقد قال (عليه السلام) ~~يخاطب المسلمين أيضا: " سلوني قبل أن تفقدوني، فوالله الذي فلق الحبة وبرأ ~~النسمة لو سألتموني عن آية آية في ليل أنزلت أو في نهار أنزلت، مكيها ~~ومدنيها، سفريها وحضريها، ناسخها ومنسوخها، محكمها ومتشابهها، وتأويلها ~~وتنزيلها لأخبرتكم " (2). # ونقل ابن أبي الحديد ما يقرب من ذلك، حيث قال: وروى المدائني أيضا قال: # خطب علي (عليه السلام) فقال: لو كسرت لي الوسادة لحكمت بين أهل التوراة ~~بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، وما من ~~آية في كتاب الله أنزلت في سهل أو جبل، إلا وأنا عالم متى أنزلت وفي من ~~أنزلت (3). # أليس هو الدرع الواقي للإسلام في أيامه الأولى وإلى آخر يوم من حياة ~~النبي (صلى الله عليه وآله)؟ حيث وقف يدافع عن الإسلام ورسوله في جميع ~~المشاهد، فبات على فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله) ليلة تربص به ~~المشركون يريدون قتله، وفي يوم بدر كان فارس الميدان، ويوم أحد حيث فر ~~الأصحاب عن النبي (صلى الله عليه وآله) وتركوه وحيدا، # PageV00P011 # ويوم الأحزاب حيث أحجم الأصحاب عن مبارزة فارس الجزيرة ابن عبد ود ~~العامري، ويوم خيبر حيث رجع الأصحاب كل منهم يجبن الآخر. # إن كنت لجهلك بالآيات * جحدت مقام أبي شبر فاسأل بدرا واسأل أحدا * وسل ~~الأحزاب وسل خيبر من دبر فيها الأمر ومن * أردى الأبطال ومن دمر من هد حصون ~~الشرك ومن * شاد الإسلام ومن عمر من قدمه طه وعلى * أهل الإيمان له أمر ~~قاسوك أبا حسن بسواك * وهل بالطود يقاس الذر أنى ساووك بمن ناووك * وهل ~~ساووا نعلي قنبر من غيرك من ms007 يدعى للحرب * وللمحراب وللمنبر أفعال الخير إذا ~~انتشرت * في الناس فأنت لها مصدر وإذا ذكر المعروف فما * لسواك به شئ يذكر ~~(1) وناهيك بما كان يتمتع به من كمالات ومآثر خاصة، من عبادة وزهد وتقوى ~~وكرم، ولم يكن لغيره من ذلك شئ يذكر، فهل بعد هذا يعدل بعلي (عليه السلام) ~~غيره فضلا عن أن يتقدم عليه؟ # وأما إذا أمعنا النظر في النصوص الواردة في القرآن الكريم، أو على لسان ~~النبي (صلى الله عليه وآله) ابتداء من حديث الانذار يوم الدار، وإلى حديث ~~الدواة والكتف، فالأمر أوضح من أن يحتاج إلى بيان. # PageV00P012 # وتلك حجتهم: # وأما غير الشيعة، فقد ذكروا أدلة على مدعاهم ولم يأتوا بشئ، وسيقف القارئ ~~عليها من خلال ما استعرضه المؤلف مما نقله عنهم. # وغاية ما أرادوه هو تصحيح ما وقع، والتسليم بالواقع كما وقع من دون ~~محاولة للخروج عما قيدوا به أنفسهم، أو السعي في البحث العلمي الحر المجرد ~~عن العصبية، ولو حاولوا أو سعوا لوصلوا، ولكنهم.... # دعوة مخلصة: # ونحن الشيعة الإمامية ندعوا إلى البحث العلمي المبني على الأسس المنطقية، ~~والاستناد إلى الكتاب والسنة والتاريخ، والتجرد عن كل العصبيات والأهواء، ~~وتحكيم العقل في هذه القضية وغيرها من المسائل الخلافية. # فإننا لولا أن الدليل قد أخذ بأعناقنا وساقنا إلى ما اعتقدنا به، ولولا ~~أنها مسؤولية ملقاة على عواتقنا وسنساءل عنها، لأوصدنا هذا الباب وما حمنا ~~حوله، ولكنه البحث عن الحق " والحق أحق أن يتبع " والموقف الذي ينتظرنا، ~~والتطبيق العملي في حياتنا، كل ذلك دعانا للبحث حول هذا الموضوع، لنكون على ~~بينة من أمرنا فيما يعود إلى العقيدة والسلوك، وقد ورد في روايات أهل البيت ~~(عليهم السلام) ما يدل على ذلك، ونكتفي بذكر الرواية التالية: # روى محمد بن يعقوب الكليني، عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، وعبد الله بن ~~الصلت جميعا، عن حماد بن عيسى، عن حريز بن عبد الله، عن زرارة، عن أبي جعفر ~~(عليه السلام) قال: بني الإسلام على خمسة أشياء: على الصلاة، والزكاة، ~~والحج، والصوم، والولاية، قال زرارة: ms008 فقلت: وأي شئ من ذلك أفضل؟ فقال: ~~الولاية PageV00P013 # لأنها مفتاحهن، والوالي هو الدليل عليهن... (1). # وينبغي أن يعلم أن قضايا الشرع ومسائل الدين لا بد أن تؤخذ على أنها شئ ~~واحد، وتراعى جميع الخصوصيات والشرائط، فإن الوالي وهو الإمام المعصوم ليس ~~وجودا مستقلا في عرض وجود الرسول (صلى الله عليه وآله) بل هو امتداد له وفي ~~طوله، ولذا فإن قول الإمام هو قول الرسول، وفعله فعل الرسول، والذي هو ~~بالمآل يرجع إلى قول الله وفعله، والوالي هو المرشد إلى ما جاء به الرسول، ~~وقد أريد لنا التعبد بأحكام الدين - كما قامت الأدلة على ذلك - عن هذا ~~الطريق المخصوص المحدد، لا أننا نعتمد على أي كان. # وأخيرا: # قلنا: إن هذا الكتاب يضم بين دفتيه البحث العلمي الدقيق عن أصول ~~الاعتقاد، وكان لمبحث الإمامة الحصة الكبرى من صفحاته، ونضيف أن المؤلف ~~(قدس سره) قد استعرض في هذا الموضوع أهم ما استدل به على الإمامة من كلا ~~الطرفين الشيعة والسنة. # وينقسم هذا المبحث إلى قسمين رئيسين: الأول إثبات إمامة أمير المؤمنين ~~(عليه السلام). # الثاني إبطال إمامة من عداه. # ومما يلفت النظر أن المؤلف ذكر أدلة السنة بكل محتملاتها، فذكر الاجماع ~~الذي هو الأصل لهم وهم الأصل له (2)، وناقشه نقاشا علميا دقيقا، وأجاب عن ~~كل ما يحتمل أن يكون مستندا لهم ودليلا، كما ذكر قضايا السقيفة، وما تمخض ~~عنها من نتائج، وأبطل ما جرى فيها من أحداث قد يدعى أن تكون مستندا ~~للإمامة. # ولم يستقص جميع أدلة الإمامية، وإنما اكتفى ببعضها، حيث ذكر من الآيات ~~آية # PageV00P014 # المودة، وآية الاكمال. ومن الروايات حديث الغدير، وحديث المنزلة، وحديث ~~وهو ولي كل مؤمن بعدي، وحديث الثقلين، وحديث السفينة، واستند إلى ما ذكره ~~علماء السنة في كتبهم، وقد قال: " مدار استدلالنا على ما عرفت إنما هو ~~القرآن والأخبار التي نقلها أهل السنة " وقد اعتبر أن ذلك كاف في إثبات ~~المطلوب. # ونشير إلى أمرين مهمين تناولهما المؤلف بالبحث والتحقيق: # الأول: المطاعن، وهي عبارة أخرى عن المؤاخذات على المخالفات الصادرة عن ms009 ~~الخلفاء على خلاف الواقع في القول والفعل، وقد استعرض المؤلف جملة منها لكل ~~من الخلفاء الثلاثة، واستند في مصادره إلى كتب السنة، واستنتج المؤلف منها ~~عدم صلاحيتهم للخلافة، وقد قال المؤلف: " وبعد ما ذكرته من البيان ظهر لك ~~أنا لا نتعرض لعيب من نتعرض عيوبهم بمحض طلب العيب، بل المقصود إظهار الحق ~~على الطلاب، وإن من يدفع العيب عنهم تصدى لدفع العيب عنهم بمحض الهوى ~~وتبعية السلف، لا بسبب اقتفاء البرهان والحجة ". # الثاني: التحقيق في حديث العشرة المبشرة، والروايات المادحة للخلفاء. ~~وأثبت المؤلف أن الحديث مختلق، وقد وضع في زمان متأخر، لأن الواقع التاريخي ~~والأحداث الصادرة عن بعض هؤلاء العشرة وغيرها من الأمور تنافي صدور هذا ~~الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) على أن سند الحديث موضع ريب. # وأما الروايات المادحة، فقد ذكر ثلاثة عشر رواية، وناقش مضامينها بما ~~يثبت كذبها، كما ناقش في خصوص ما روي في شأن عمر، وذكر عشر روايات نقلها عن ~~شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد وغيره، واستعرض المؤلف ما ذكره ابن أبي ~~الحديد من سعي معاوية بن أبي سفيان في اختلاق الروايات، واستئجار عدد من ~~الصحابة والتابعين لهذا الغرض. وذكر المؤلف ضابطة نافعة في الدواعي لوضع ~~الأحاديث ونسبتها زورا لرسول الله (صلى الله عليه وآله). PageV00P015 # وفي الكتاب أيضا مسائل لا تقل أهمية عما ذكرنا، كمسألة خطبة الزهراء ~~(عليها السلام) وكشف بيتها، وشكاية علي (عليه السلام) ممن تقدمه، ووصية ~~العباس، وكتاب علي (عليه السلام) إلى معاوية، وغيرها من المسائل التي ~~تناولها المؤلف بالدقة والتحليل والبحث العلمي الرصين. # وندعوا القراء الكرام إلى قراءة متأنية لهذا الكتاب، إذ لا تنفع فيه ~~القراءة العجلي لدقة نظر المؤلف، ومعالجته لمختلف المسائل بأسلوب علمي دقيق ~~يكشف عن الإحاطة وبعد النظر. # وأما بقية فصول الكتاب، فقد تناول فيها المؤلف مسائل التوحيد والنبوة ~~والمعاد بشكل مختصر، ولذا يمكن القول بأن هذا الكتاب وضع في البحث حول ~~مسألة الإمامة وما يتعلق بها، وما عداها فإنما ذكر استطرادا. ولعل في تسمية ~~المؤلف الكتاب ms010 ب‍ " سفينة النجاة " تأييدا لما ذكرنا، حيث اقتبسها من حديث ~~السفينة المشهور. # ورحم الله المؤلف فقد بذل جهدا جبارا في إظهار الحق، وساهم في كشف بعض ~~الغموض، وأزاح الستار عن كثير من الحقائق، نصرة للدين وتثبيتا للعقيدة، ~~والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطاهرين. PageV00P016 # ترجمة المؤلف اسمه ونسبه: # هو المولى محمد بن عبد الفتاح التنكابني المازندراني، المشتهر بسراب. # الاطراء عليه: # قال أستاذه المحقق السبزواري في إجازته له في وصفه: المولى الأجل الفاضل ~~العالم التقي... مولانا الخ (1). # وقال العلامة المجلسي في إجازته في وصفه: المولى الفاضل، التقي الزكي ~~الألمعي اللوذعي الخ (2). # وقال السيد حسين الموسوي الخوانساري: الأعلم الأورع الأتقى الأفضل الأكمل ~~المستغني بشهرته عن التعريف والتوصيف، محمد بن عبد الفتاح التنكابني (3) ~~قال المحقق الخوانساري في الروضات: العالم الرباني، والفاضل الصمداني ~~مولانا محمد بن عبد الفتاح التنكابني المازندراني، المشتهر بسراب، قدس الله ~~منه المضجع والمآب، كان من أفاضل تلامذة سمينا الفاضل الخراساني، ماهرا في ~~الفقه والأصولين، وعلم المناظرة وغيرها (4). # وقال في قصص العلماء: اسم وى در كتاب قوانين در حاشيهء منه مذكور داشته، # PageV00P017 # وفي الحقيقة محقق است، واسمش در كتب علميه وكتب إجازات مذكور است (1). # وقال في ريحانة الأدب: مولى محمد بن عبد الفتاح تنكابني طبرسي از أكابر ~~علماى اماميه قرن دوازدهم هجرت، واز معاصرين صاحب ذخيرة، مجلسي، شيخ جعفر ~~قاضي، آقا جمال خوانساري، ونظائر ايشان بوده (2). # وقال في تذكرة القبور: مرحوم آخوند از علماء وفضلاء كاملين بوده الخ (3). # وقال في طبقات أعلام الشيعة - الكواكب المنتشرة في القرن الثاني بعد ~~العشرة -: # الفقيه الفيلسوف الأديب، كان في الفقه تلميذ المحقق السبزواري، وفي ~~الفلسفة كان يعد من المدرسة المعتدلة الملتئمة نسبيا مع الحكومة، مدرسة رجب ~~علي التبريزي المتخلص واحد، المعارض للمدرسة الصدرائية الحادة، ولذلك نرى ~~العلامة النوري في الفيض القدسي يعده السادس والعشرين من تلاميذ المجلسي، ~~أي: أنه كان من أركان جامعة أصفهان بزعامة معاصره المجلسي (4). # وقال في معجم المؤلفين: محمد بن عبد الفتاح التنكابني المازندراني ~~الشيعي، الشهير بسراب، متكلم أصولي ms011 (5). # كراماته: # قال في الروضات: ومن جملة ما ذكره لي بعض أحفاده الصالحين وعلمائنا ~~المعاصرين، وفيه من الكرامة له ما لا يخفى، حكاية أنه خرج في بعض زمن عمره ~~الرقراق إلى زيارة أئمة العراق، عليهم سلام الله إلى ميعاد يوم التلاق، ~~فجعل يرى # PageV00P018 # واحدا يمشي أمام راحلته متى ما يركب، ويغيب عن النظر في المنزل. # فسأل يوما بعض أهل القافلة عن حال ذلك الرجل، فقيل له: إنه كلما يأتي ~~المنزل يأخذ منا شيئا من الطعام، ثم لا يبصره إلى أوان الرحيل، فازداد جناب ~~الآخوند بذلك تعجبا، وانتظر زمن التحويل في الليلة الآتية. # فلما جاء الوقت رآه قد حضر، وجعل يمشي بين يديه على سياقه السابق، فأخذ ~~جنابه في هذه المرة النظر في أطراف الرجل، وتأمل في كيفية مسيره، فظهر أنه ~~يمشي على الهواء، ولا يمس برجليه الأرض، فأوجس في نفسه خيفة من عظم ما رآه. # ثم طلب الرجل وسأله عن حقيقة أمره، فقال: أنا رجل من الجن، وكنت قد عاهدت ~~الله تعالى لئن نجاني الله من كربة عظيمة كانت قد نزلت بي أخرج ماشيا إلى ~~زيارة مولانا الحسين (عليه السلام) في موكب واحد من علماء الشيعة، فلما ~~سمعت بخبر خروجك إلى هذه الزيارة، اغتنمت الفرصة، وألحقت نفسي بخدمتك ~~وصحبتك كما ترى. # فسأله المولى عن واقعة ذلك الطعام الذي كان يأخذه من القافلة حين وروده ~~على المنازل، مع أنه ليس بأكله كصنع مشاكله، فقال: أنا آخذه وأبذله لفقراء ~~القافلة، فقال: وأي شئ يكون طعامكم معاشر الجن؟ قال: متى نجد وجها مليحا ~~وجسدا صحيحا من بني آدم نضمه إلى صدورنا، ونشمه من غاية حبورنا، ونتقوى ~~بذلك كما يتقوى الآدميون بطعامهم وشرابهم، فمهما ترون في أحد من أولئك ~~اختلالا في الدماغ والعقل ووحشة في الصدر والرأس، فهو من أثر ذلك المس، ~~وعلاج ذلك أن يؤخذ لصاحب هذه العلة شئ من ماء السداب، وإن كان ممزوجا بالخل ~~فهو أحسن، ويقطر قطرة منه في أحد منخريه، فإنه يقتل ذلك الجني الذي قد ~~أصاب، ويبرأ هو بإذن ms012 الله. # قال: فمضى من ذلك زمان، ثم إنه اتفق أنا وردنا في بعض المنازل على رجل من ~~PageV00P019 # أرباب المنزلة والشأن، كان يقوم بحق إكرامنا، وحسن الخدمة لنا ولأقوامنا، ~~فجاء صاحبنا الجني إلي وسألني أن آمر صاحب المنزل بأن يذبح ديكا لضيافتنا، ~~ديكة بيضاء كانت في داخل الدار، فسألناه أن يفعل. # فلما فعل لم تلبث هنيئة حتى أن ارتفع البكاء والضجيج والواعية الشديدة من ~~أهل بيت الرجل، وجاء هو إلينا حزينا مكروبا وقال: إنا لما ذبحنا الديكة ~~المذكورة عرض على بعض فتياتنا شبه الجنون، فسقطت مغشيا عليها على الأرض، ~~ونحن الآن حائرون في أمر الامرأة ومعالجة دائها. # قال: فقلت للرجل: لا تعجل ولا توجل، فإن دواء بنتك المصروعة عندنا، ثم ~~قلت: ائتوني بقليل من السداب، فمزجته بالماء وقطرت منه قطرات في أحد ~~منخريها، فقامت من ساعتها صحيحة سالمة، وسمعت واحدا هنالك لا يرى شخصه يئن ~~ويقول: أوه لقد قتلت نفسي بكلمة خرجت من لساني، وسر قد أذعته عند رجل من ~~بني آدم، ثم إني لم أر بعد ذلك الرجل الذي كان يمشي دائما أمام القافلة، ~~فعلمت أنه الذي كان قد أصاب الجارية، فقتل باستعمال ماء السداب. وهذه ~~الحكاية من عجب العجاب، والعهدة على ناقلها إلى مؤلف هذا الكتاب (1). # تآليفه القيمة: # له (قدس سره) مصنفات ورسائل متعددة في فنون شتى بالعربية والفارسية، وهي: # 1 - سفينة النجاة، الكتاب الذي بين يديك. # 2 - ضياء القلوب، بالفارسية في خصوص الإمامة وإثبات مذهب الحق في فرق هذه ~~الأمة. # PageV00P020 # 3 - الرسالة الفائقة الرائقة في اثبات وجود الصانع القديم بالبرهان ~~القاطع القويم. # 4 - رسالة في عينية وجوب صلاة الجمعة في زمان الغيبة. # قال في الطبقات: وأربع رسائل في وجوب الجمعة، ألف بعضها بأمر استاديه ~~السبزواري، والشيرواني، وذلك بعد رجوع الحكومة الصفوية عن تأييدها لإقامة ~~الجمعة، ومهدت الطريق لتشكيل المؤتمر الذي أقامها الوزير عليخان زنگنه بأمر ~~الشاه سليمان في إحدى سنة (1086 - 1090) للبت في حكم صلاة الجمعة، ومعه ~~زميله سعيد الرودسري، ممثلين عن أستاذهما، فألف المترجم له عدة رسائل ms013 ردا ~~على المعارضين في المؤتمر. # 5 - رسالة في الرد على رسالة المولى عبد الله التوني في القول بحرمة صلاة ~~الجمعة. # 6 - رسالة في الرد على رسالة المولى علي رضا تجلي في القول بحرمة صلاة ~~الجمعة. # 7 - رسالة فارسية في الرد على المحقق الخوانساري في حرمة صلاة الجمعة. # 8 - رسالة عربية في الرد على المحقق الخوانساري في حرمة صلاة الجمعة. # 9 - رسالة في مسألتي الاجماع وخبر الواحد. # قال في أعيان الشيعة: تدل على كمال فضله، ثم ذكر بعض عبارات الرسالة. # 10 - رسالة في حكم رؤية الهلال قبل الزوال، وأنها هل يلحق اليوم بالشهر ~~السابق أو اللاحق. # 11 - التعليقة على زبدة البيان في تفسير آيات الأحكام للمقدس الأردبيلي. # 12 - التعليقة على أصول المعالم للشيخ حسن بن الشهيد الثاني. # 13 - التعليقة على كتاب المدارك. # 14 - التعليقة على ذخيرة المعاد لأستاده المحقق السبزواري. # 15 - التعليقة على شرح اللمعة. # 16 - التعليقة على المحاكمات. PageV00P021 # 17 - رسالة في أصول الدين. # مشايخه ومن روى عنهم: # 1 - المحقق المولى محمد باقر السبزواري. وله إجازة منه في سنة 1081 ه‍ ق. # يروي عنه بحق روايته، عن السيد نور الدين علي بن أبي الحسن الموسوي ~~العاملي، الراوي عن أخويه الفقيهين من جهة الأم والأب صاحبي المعالم ~~والمدارك، حسبما أشير إليه في ذيل ترجمتهما أيضا. وبحق روايته أيضا عن ~~الشيخ يحيى بن الحسن اليزدي، والمولى مقصود بن زين العابدين الأسترآبادي، ~~والسيد حسين بن السيد حيدر الكركي، عن شيخهم الأجل الأفضل بهاء الدين محمد ~~العاملي ثم الأصفهاني. # 2 - الشيخ علي بن الشيخ محمد المشهدي، المشهور بالشيخ علي الصغير، في ~~مقابل الشيخ علي بن الشيخ محمد الشهيدي العاملي، عن السيد نور الدين علي بن ~~أبي الحسن الموسوي. # 3 - العالم الرباني مولانا محمد علي الأسترآبادي والد المولى محمد شفيع ~~الذي هو من تلامذة مولانا العلامة المجلسي. # 4 - مولانا العلامة محمد باقر المجلسي (رحمه الله). وله إجازة منه في سنة ~~1072 ه‍ ق. # 5 - المولى الآقا حسين المحقق الخوانساري. # تلامذته ومن يروي عنه: # 1 - الشيخ زين ms014 الدين بن عين علي الخوانساري، الراوي أيضا بالإجازة عن ~~الفاضل الأمير محمد حسين الحسيني الخواتون آبادي ابن بنت العلامة المجلسي. # 2 - المولى محمد شفيع اللاهيجاني. # 3 - ولده الفاضل المولى محمد صادق التنكابني. # 4 - ولده الآخر الفاضل المولى محمد رضا التنكابني. # قال المحقق الخوانساري في الروضات: وعندنا صورة الإجازة بخطه الشريف ~~PageV00P022 # لهؤلاء المذكورين على سبيل الاشتراك، في سنة 1112 ه‍ ق. # 5 - السيد محمد صادق بن محمد باقر الحسني، أجازه في أوائل شعبان 1119. # وقال أيضا في الروضات: وأما الإسناد إليه (قدس سره) فلم أره إلى الآن في ~~كتب إجازات متأخرينا الأعيان، إلا من جهة جدنا الأمجد سيد المحققين في ~~زمانه السيد حسين بن الفاضل المتبحر النحرير الأمير أبي القاسم الموسوي ~~الخوانساري، أحد مشايخ إجازات مولانا الآقا محمد علي بن الآقا محمد باقر ~~المروج البهبهاني، وسيدنا الأجل الأفقه الأفضل المرحوم السيد محمد مهدي ~~النجفي الطباطبائي المشتهر ببحر العلوم، ومولانا الآخر قدوة المحققين ~~والمدققين الميرزا أبي القاسم القمي صاحب القوانين، فإن من جملة رواياته ~~أعلى الله عند أجداده الطاهرين مقاماته ما هو عن المولى محمد صادق بن ~~مولانا محمد المشتهر بسراب، بإجازة كتبها له ولأبيه المعظم عليه زمن خروجه ~~إلى زيارة بيت الله الحرام، ونزوله على بيتهما المكرم في نواحي قصبة ~~خوانسار. # ولادته ووفاته: # أما ولادته، فولد سنة (1040) ه‍ ق. # وأما وفاته، فقال في الروضات: ثم إن وفاة مولانا السراب، كما وجدته في ~~بعض مؤلفات الأصحاب، كانت في يوم عيد الغدير المبارك، من شهور سنة أربع ~~وعشرين ومائة بعد الألف من الهجرة المباركة، وقبره معروف ببلدة أصفهان في ~~أواخر خيابان محلة خواجو متصلا بمقبرة تخت فولاد، وله قبة عالية وبناء رفيع ~~(1). # أقول: ومقبرته في شارع فيض في مقابل مقبرة الشاعر الأديب آقا محمد كاظم ~~وآله. # PageV00P023 # في طريق التحقيق: # قوبل هذا الكتاب القيم على نسختين مخطوطتين، وهما: # 1 - نسخة مخطوطة كاملة، بخط النسخ،، وتاريخ كتابتها سنة 1115 ه‍ ق، ~~وعليها علامة المقابلة والتصحيح، وجاء في آخر النسخة: قد فرغت عن مقابلة ~~أصله وهامشه مباحثة ms015 يوم الأحد رابع شهر جمادى الأولى من شهور سنة 1123 هق، ~~وعلى هوامش النسخة حواش لولد المؤلف محمد صادق. # 2 - نسخة مخطوطة كاملة، بخط النسخ أيضا، وكاتبها وتاريخ نسخها غير معلوم، ~~وأصل هذين النسختين محفوظة في خزانة مكتبة المرحوم آية الله العظمى السيد ~~شهاب الدين المرعشي النجفي (قدس سره) برقم: 1989 و 6292. # ولم آل جهدي وطاقتي في استخراج المصادر من الآيات والروايات ومصادر بعض ~~الأقوال، وعرضها على الأصول المنقولة عنها. والمرجو من الأفاضل الكرام ~~الذين يراجعون الكتاب أن يتفضلوا علينا بما لعلنا وقعنا فيه من الأغلاط ~~والاشتباه، فإن الإنسان محل الخطأ والنسيان، إلا من عصمه الله تبارك ~~وتعالى. # وبالختام أقدم ثنائي العاطر والشكر الجزيل لزميلنا الفاضل المحقق الشيخ ~~محمد علي المعلم القطيفي حفظه الله تعالى لمراجعته الكتاب وتقويم نصوصه. # وأسأل الله تبارك وتعالى أن يوفقنا ويسددنا لنشر سائر آثار أسلافنا ~~الطاهرين، وأن يتقبل بمنه وكرمه منا هذا العمل المبارك، والحمد لله رب ~~العالمين، والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين. # السيد مهدي الرجائي عيد الفطر / سنة 1418 ه‍ ق قم المقدسة. ص ب 753 - ~~37185 PageV00P024 # الصفحة الأولى من النسخة المخطوطة الأولى PageV00P025 # الصفحة الأولى من النسخة المخطوطة الثانية PageV00P026 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة على سيدنا ونبينا ~~وشفيعنا وحبيب إلهنا محمد خاتم النبيين، وآله الطيبين الطاهرين. # اعلم أنه لا بد لكل من كان قادرا على الاكتساب أن يعلم ما يتعلق بأصول ~~الدين بالبرهان، لئلا يكون حجته متابعة الآباء والكبراء، ولا يندرج في ~~استحقاق اللوم في الطائفة الذين حكى الله تعالى مقالتهم القبيحة بقوله عز ~~من قائل * (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) * (1). # فأحببت أن أشير إشارة خفيفة إلى بعض ما يتعلق بها في مقاصد، لينتفع بها ~~بعض من احتاج إليه، وبعد ما تشرفت بلطف الله وجوده بإتمام الكتاب، سميته ب‍ ~~" سفينة النجاة " لكونه هاديا للمسترشد إلى الأئمة المعصومين (عليهم ~~السلام)، ومؤديا إلى التمسك بهم الذين مثلهم مثل سفينة نوح، التي كان ~~التمسك بها وسيلة للنجاة. # PageV00P027 # المقصد ms016 الأول فيما يتعلق بالصانع وفيه مباحث: # المبحث الأول في إثبات الصانع برهانه: إن سلسلة الموجودات: إما أن تكون ~~مشتملة على ما يجب صدق الموجود عليه لذاته مع قطع النظر عن جميع ما هو خارج ~~عنه، أو لا. وعلى الثاني نقول: إذا وجد ممكن فلا بد أن يكون مفيض وجوده ~~موجودا مع وجوده، فلما كان المفيض أيضا ممكنا موجودا، فمفيض وجود هذا ~~المفيض أيضا موجود معهما وهكذا، فيلزم اجتماع الموجودات المترتبة الغير ~~المتناهية، والتالي باطل. # أما الملازمة، فغنية عن البيان. وأما بطلان التالي (1)، فلأن المعلول ~~الأخير في سلسلة ما متصف بإضافة المعلولية فقط، وكل واحد من السلسلة ~~المذكورة غير المعلول الأخير متصف بإضافة العلية والمعلولية، فتحقق هنا ~~سلسلتان غير متناهيتين، إحداهما سلسلة العلية، والأخرى سلسلة المعلولية، ~~وعدد المعلولية زائد على عدد العلية بواحد، لاشتراك ما عدا المعلول الأخير ~~في العلية والمعلولية، واختصاص الأخير بالمعلولية. # وجعله علة لحصول المجموع، أو جعله علة لأمر آخر غير حصول المجموع لو فرض ~~كون كل معلول علة لمعلول آخر، لا يضر هاهنا، لأن لنا أن نأخذ واحدا من # PageV00P028 # السلسلة ونقول معلوليته بإزاء علية علته، ومعلولية العلة بإزاء علية علة ~~العلة وهكذا، وحينئذ نقطع النظر عن معلول ذلك الواحد إن كان له معلول، ونتم ~~البرهان بأن نضائف معلولية الواحد ليس مع علته، وإن اتصف ذلك الواحد بها ~~أيضا، بل مع علية علته، وحينئذ يلزم زيادة أحد المتضايفين الحقيقيين على ~~الآخر، على تقدير عدم اشتمال السلسلة على الواجب، وهو محال، فعدم اشتماله ~~عليه محال. # وأيضا عدم انتهاء سلسلة الموجودات إلى الواجب يستلزم انتهاؤها إليه، لأن ~~لنا أن نفرض معلول ما إلى ما لا يتناهى سلسلة واحدة، ثم نبدأ من مبدء آخر ~~من تلك السلسلة إلى ما لا يتناهى، فتطبق السلسلتين من المبدأين المفروضين ~~ما امتدتا، فلا يمكن وقوع كل واحد من إحداهما بإزاء كل واحد من الأخرى، ~~وإلا يلزم تساوي الكل والجزء، فيلزم أن ينتهي الكل والجزء، فيلزم أن ينتهي ~~الجزء قبل أن ينتهي الكل، فالجزء متناه والكل ms017 زائد عليه بعدد متناه فهو ~~متناه، ومنتهى السلسلة هو الواجب بالذات. # فإن قلت: لا نسلم احتياج وجود الممكن إلى المفيض، فلم لا يجوز أن يوجد ~~بالأولوية الذاتية؟ # قلت: لا يمكن وجوده بالأولوية الذاتية، لأنه على تقدير وجوده بها: فإما ~~أن يكون الوجود عينه، أو زائدا عليه (1). وكون الوجود عينا في الأمر القائم ~~بالذات، يستلزم امتناع العدم، فما فرضته ممكنا كان واجبا. وعلى تقدير زيادة ~~الوجود فيه وفي الأمر القائم بالغير لا بد لصدق الموجود على الموصوف من ~~مقتض، فإما أن يكون المقتضي هو الموصوف بالوجود، أو أمر آخر. فعلى التقدير ~~الأول يلزم أن يكون الموصوف بالوجود موجودا قبل هذا الوجود، والمفروض كونه ~~موجودا به. # PageV00P029 # وأيضا يمكن إجراء ما ذكر في هذا الوجود في الوجود السابق وسابق السابق ~~وهكذا، فيلزم أن يكون للشئ المفروض وجودات غير متناهية مترتبة، وتعدد ~~الوجود لشئ واحد ظاهر البطلان، فكيف الوجودات الغير المتناهية له. # وأما كون الوجود عينا في الأمر القائم بالغير، فلا معنى له هاهنا، لأن ~~مرادنا بعينية الوجود صدق الموجود عليه، مع قطع النظر عن جميع ما عداه، ولا ~~يصح كون الوجود عينا للأمر القائم بالغير بهذا المعنى، لأن لموصوفه مدخلا ~~في صدق الموجود عليه، فوجود الأمر القائم بالغير بالأولوية الذاتية يبطل ~~بما أبطل به الوجود بها على تقدير الزيادة، ولو جوزت العينية فيه بالمعنى ~~الذي ذكرته، فيبطل بما أبطل به العينية في الأمر القائم بالذات مع زيادة ~~لزوم الغنى والحاجة، لفرض عينية الوجود والقيام بالغير. وعلى التقدير ~~الثاني، فوجوده بهذا الأمر لا بالأولوية الذاتية. # وربما يقال لإثبات امتناع وجود الممكن بالأولوية الخارجية من غير أن ~~ينتهي إلى الوجوب ما حاصله: إنه على تقدير أولوية الوجود: إما أن يمكن ~~الوجود بالغير، أو لا. فعلى الثاني كان ما فرضته أولى واجبا هذا خلف، وعلى ~~الأول لا يلزم من فرض وقوعه محال، وإذا فرض تحقق العدم مع أولوية الوجود ~~يلزم ترجح المرجوح، وهو أظهر بطلانا من ترجح أحد المتساويين على الآخر بلا ~~مرجح الذي هو بديهي ms018 البطلان. # وإن شئت فقل: وعلى تقدير إمكان العدم المرجوح يلزم إمكان المحال، وهو ~~محال كوقوعه. وهذا وإن كان جيدا، لكن قد يظن جريانه في إبطال الأولوية ~~الذاتية، وهو توهم، لأنه إذا أجري فيه فلقائل أن يقول: أي شئ أردت من قولك ~~" إما أن يمكن العدم أو لا " فإن أردت الإمكان وعدمه من غير ضميمة أصلا ~~نختار PageV00P030 # النفي، قولك " فعلى الثاني كان ما فرضته أولى واجبا " ممنوع إنما يلزم ~~وجوبه (1) إن لم يمكن أن يعارض الطرف الراجح رجحان الطرف الآخر ببعض ~~الأمور، بحيث يصير المغلوب بحسب الذات من غير اعتبار الأمور الخارجة غالبا ~~باعتبار هذه الأمور، على ما لولا هذه الأمور كان غالبا، ولا دليل على عدم ~~الإمكان، فلم لا يجوز أن يكون الوجود واجبا بشرط (2) عدم ما يمنع مقتضى ~~الأولوية، أو غلبة الأولوية على المانع؟ # وأما على تقدير غلبة المانع على الأولوية، فيمكن أن يكون العدم واجبا، ~~فلا يلزم الوجوب المطلق لما فرض أولى بشرط غلبة الأولوية ليس خلفا. # وإن أردت الإمكان وعدمه مطلقا، سواء كان مع ضميمة أم بدونها، نختار ~~الإثبات، وما فرضته من تحقق العدم على وجه فرضت خارج عن الإمكان، لأن تحقق ~~العدم إنما يمكن إن صار السبب الخارجي للعدم راجحا على الأولوية الذاتية ~~للوجود، وحينئذ ما زعمته من لزوم ترجح المرجوح ممنوع، وإنما يلزم لو كان ~~ترجح العدم على الوجود حين كونه مرجوحا، وأما إذا كان ترجحه حين صيرورته # PageV00P031 # راجحا باعتبار الأمور الخارجة فلا، فلعله هاهنا كذلك. # فإن قلت: قد حكمت بلزوم الوجود على تقدير غلبة الأولوية، وبلزوم العدم ~~على تقدير غلبة الأمور الخارجة على الأولوية، فيكون الممكن على تقدير ~~تساويهما إما موجودا، وإما معدوما، لبطلان الواسطة، فلا يصح تخصيص الوجود ~~والعدم بالغلبة. وأيضا أيهما تحقق حينئذ يلزم الترجح بلا مرجح، فلم حكمت ~~بكونه ظاهر البطلان؟ # قلت: ظهور بطلانه واضح، وإذا كان التساوي المذكور مستلزما للترجح المحال، ~~فهو محال لا محالة، فلا يمكن وقوعه وإن كان من المحتملات في بادئ الرأي. # فإن قال قائل على التقرير ms019 الأول لإبطال التالي: إن تماميته مبنية على ~~لزوم معية المتضائفين، وهو في بعض الأنواع كالمحاذاة والموازاة والفوقية ~~وأمثالها واضح، وفي بعضها كالتقدم والتأخر الزمانيين غير واضح، وإن كان ~~المشهور لزوم المعية في المتضايفين مطلقا، ولعل تقدم أمر زماني على زماني ~~في نفس الأمر لا يتوقف على حصولهما معا في نفس الأمر، بل لا معنى للتقدم ~~الزماني إلا كون المتقدم في زمان هو قبل زمان المتأخر، والقول بأن لا تضايف ~~بين المتقدم والمتأخر الزمانيين إلا بحسب الذهن فقط وهما مجتمعان فيه خال ~~عن الدليل. # وبالجملة معية جميع أنواع المتضايفين ليست بديهية، ولهذا منع لزوم المعية ~~في بعض أنواعهما بعض أجلة العلماء طاب ثراه، وإذ لم يكن اجتماع المتضايفين ~~لازما في المتقدم والمتأخر الزمانيين، فلا بد من بيان اجتماع العلة وعلة ~~العلة وهكذا مع المعلول الأخير حتى يتم البرهان، وكون مفيض وجود أمر مع ~~الأمر وإن كان بديهيا، لكن ربما كان وجوده مع الأمر وقبله وبعد ما أوجد ~~الأمر انتفى المفيض وبقي الأمر، ومفيض المفيض بعد ما أوجد المفيض انعدم ~~وبقي المفيض وهكذا إلى ما لا بداية له، بناء على احتمال كون سبب الاحتياج ~~إلى العلة الحدوث أو ما يلازمه، فلا يلزم PageV00P032 # اجتماع السلسلة. # فحينئذ إن كان المراد بزيادة العدد زيادة عدد المعلولية الموجودة على عدد ~~العلية الموجودة، فلا فساد فيها. وإن كان المراد زيادة عددها على عددها ~~مطلقا، فلا يمكن الحكم بها على تقدير عدم لزوم الاجتماع، لعدم صحة الحكم ~~باتصاف إحدى السلسلتين المعدومتين بالزيادة على الأخرى في نفس الأمر مع ~~وجودهما فيها. وإن كان الحكم بزيادة ما يوجد من إحداهما في الذهن على ~~الأخرى فيه، فلا انتفاع فيه، لكون ما يوجد منهما متناهيا. # وعلى التقرير الأخير إن تطبيق السلسلتين مع عدم وجودهما والحكم بزيادة ~~إحداهما على الأخرى لا معنى له، وكيف يحكم باتصاف إحداهما بالزيادة على ~~الأخرى مع انتفاء الموصوف بالزيادة والنقصان؟ # أجيب بأن سبب احتياج الممكن إلى السبب هو الإمكان، كما تقرر في محله، ألا ~~يرى أنه إذا نظر ms020 إلى إمكان وجود شئ بحسب ذاته بعد إبطال الأولوية الذاتية ~~يحكم العقل من غير حاجة إلى ملاحظة أمر آخر باحتياجه إلى السبب، ولا فرق ~~بين الابتداء والاستدامة، وإلا يلزم قلب المهية، فيلزم اجتماع الأسباب ~~المفيضة مع المعلول الأخير، وحينئذ يتم التقريران المذكوران كما لا يخفى. # المبحث الثاني في علمه وقدرته وعدله وتوحيده على وجه مجمل الأفعال ~~المحكمة المتقنة التي منها الإنسان الذي روعي في كيفية خلق الأعضاء والعظام ~~والأعصاب والمفاصل، وكيفية تأليف المفاصل بالأعصاب والغضاريف، وكيفية خلق ~~الإنسان وتعيين موضع يليق بكل واحد من القطع والطحن له، وجعل أصولها مختلفة ~~باختلاف الحاجة وغيرها، حكم ومصالح غير PageV00P033 # معدودة، تدل على كمال علمه وإحاطته على الأمور الجلية والخفية والكلية ~~والجزئية، بحيث لا يعزب عن علمه مثقال ذرة من سلسلة معلولاته، التي جميع ~~الممكنات مندرج فيها بعد إثبات التوحيد. # وعلى قدرته، لأن البديهة حاكمة بامتناع صدور تلك الأفعال عن عديم القدرة، ~~وبوجوب كونها مستندة إلى القدرة والاختيار، وإذا كان عالما بأفعاله وقادرا ~~عليها، فلا يمكن أن يصدر عنه الظلم الذي لا يجوز العقل صدوره عن كمل ~~الممكنات، مع تجويز جلب النفع أو دفع الضرر به، فكيف بالصانع الذي لا يمكن ~~الضرر عليه على تقدير ترك الظلم، ولا جلب النفع بالظلم، فوجوب الوجود وما ~~هو تابع له آب عن احتمال الظلم. # وإذا كان عالما بأفعاله وقادرا عليها، لا يمكن إظهار المعجزة على يد ~~الكاذب، لأن إظهار المعجزة التي هي خارجة عن طاقة البشر على يد الكاذب ~~إغراء بالباطل وتلاعب بالناس، وهو قبيح وظلم عليهم، ومبدأه صفة نقص لا يليق ~~نسبتها إلى بعض الممكنات، ولو نسب واحد منهما إلى كملهم لأبى العقل عن ~~القبول أشد الإباء، فعدم جواز النسبة إلى الواجب تعالى غني عن البيان، ~~فصاحب المعجزة صادق في ادعاء النبوة وفي جميع ما أخبر به، ومن جملته ~~التوحيد، بحيث لا يمكن لأحد ممن قال به إنكار إخباره بالتوحيد. # فظهر بما ذكرته أنه يمكن إثبات التوحيد بالنقل، فإن تعسر حل بعض الشبهات ~~المتعلقة بالدلائل العقلية ms021 الصرفة، فلا يضر بالمقصود، ولا ضرورة في ارتكاب ~~ما ارتكب كثير من العلماء. # ويمكن إثبات علمه تعالى وقدرته بأن العلم والقدرة في بعض معلولاته يدلان ~~عليهما في فاعله، لامتناع اتصاف المعلول بأحد هذين الكمالين من غير أن يتصف ~~الفاعل به. PageV00P034 # المبحث الثالث في أن علمه تعالى عين ذاته لأنه لا يجوز أن يكون علمه ~~بحصول صورة فيه، لأن الصورة كما تحتاج إلى القابل تحتاج إلى الفاعل، والقول ~~بأن احتياجها إلى الفاعل إنما يكون إن لم يكن حصول الصورة ضروريا بالنسبة ~~إلى الواجب، وأما إذا كان ضروريا، فلا يحتاج إلى علة، كزوجية الأربعة التي ~~لا حاجة لها إلى علة إنما الحاجة هي للأربعة، ولعل فيما نحن فيه لا حاجة ~~للصورة إلى علة، لانتفاء سبب الاحتياج الذي هو الإمكان. # ضعيف، لأن إمكان الحال في شئ ضروري، فيلزم الحاجة إلى الفاعل، لكن يمكن ~~فيما يكون لموصوفه علة كالأربعة أن يكون جعل الموصوف بالذات جعلا للوصف ~~بالعرض، وفيما نحن فيه لما لم يكن لموصوف الصورة على تقدير تحققها علة حتى ~~يكون الصورة معلولة لها بالعرض، فلها علة وفاعل. # ففاعلها إن كان هو الواجب، فإما أن يكون في مرتبة إفاضة الصورة العلمية ~~التي هي مرتبة متقدمة عالما بغير هذه الصورة، أو عالما بها، أو غير عالم ~~مطلقا، والأول يستلزم كون علمه تعالى بغير هذه الصورة، وهكذا لو فرضت صورة ~~أخرى قبل هذه الصورة، فما فرضته صورة علمية لم تكن صورة علمية، والثاني ~~والثالث ظاهر البطلان، لسبق مرتبة العالم على الصورة، وتوقف (1) إفاضة ~~العلم على العلم، فأي عاقل يجوز أن يكون مفيض العلم غير عالم، وبطلان كون ~~فاعل علم الصانع غيره، تعالى عن ذلك علوا كبيرا عن البيان. # فعلمه تعالى: إما بحضور المعلوم، أو غيره. والأول لا يصح في الحوادث # PageV00P035 # والمعدومات، لأن الاتصاف بالحضور متوقف على الوجود، وهو منتف في الحوادث ~~قبل وجودها، وكون علمه بالحوادث بحصول صورها في بعض الممكنات القديمة التي ~~لها تحقق باطل، بنظير ما أبطلت به كون علمه تعالى بالصورة الحاصلة فيه، ms022 بل ~~لك أن تستنبط بما ذكرته بطلان كون علمه تعالى بالممكن القديم بنفس القديم ~~أيضا لو كان له تحقق، وأن تعلم أنه تعالى يعلم الأشياء على أقصى مراتب ~~تفصيل كانت الأشياء به، أو يكون بذاته تعالى، وهو المطلوب. # فإن قلت: انحصار العلم في الحضوري والحصولي من المسلمات التي لا يظهر ~~إنكار أحد له، وكون علمه تعالى بذاته حضوريا ظاهر، فعلمه بالأشياء أي قسم ~~منهما؟ # قلت: كون علمه تعالى بالأشياء عين ذاته تعالى ثابت بالبرهان، ومشهور بين ~~المحققين، فإن ثبت الانحصار المذكور عندهم، فينبغي حمل الحضور على أعم من ~~الحقيقي والحكمي، والقول بتحقق الحضور الحكمي في علمه تعالى بالأشياء، لأن ~~تعالى بها لما كان عينه، فحضوره تعالى عند نفسه كما هو علم بنفسه، فهو علم ~~بها أيضا، فذاته ثابتا في كون حضورها عندها علما بها، والحضور الذي نفيته ~~هو الحضور الحقيقي. # وبما ذكرته في العلم ظهر أن قدرته تعالى وحياته وإرادته إذا أريد بها ~~العلم بالمصلحة عين ذاته، وإن كانت الإرادة قد تطلق على معنى هو من صفات ~~الفعل، كما يظهر من بعض الأخبار. # المبحث الرابع في أن وجوده تعالى عين ذاته لأنه لو كان زائدا عليها ~~لاحتاج إلى علة، وكون علة وجوده غيره لا معنى له PageV00P036 # أصلا. فإن كانت ذاته يلزم أن يكون موجودا قبل هذا الوجود، فإن كان بهذا ~~الوجود يلزم تقدم الشئ على نفسه وإن كان بغيره، يلزم ما يلزم في الوجود ~~الأول وهكذا، فيلزم الدور أو التسلسل، وتعدد الوجود لأمر واحد ظاهر البطلان ~~فكيف التسلسل. # والقول بأن الحاجة إلى العلة إنما تلزم إن لم يكن حصول الوجود الزائد ~~للواجب ضروريا، وضرورة الوجود معتبرة في الواجب وليست محل الكلام، بل محل ~~البيان هو الزيادة وعدمها، وعلى شئ من احتمالي العينية والزيادة لا حاجة ~~إلى علة باطل بما أبطلت به عدم حاجة العلم على تقدير الزيادة إلى علة. # فإن قلت: معنى العلم والقدرة والوجود والحياة متغايرة بالبديهة، فكون ~~واحد منها عين ذاته شاهد على أن غيره مغاير، وهذا شاهد ms023 على ضعف دلائل ~~العينية، بحيث لا يمكن الحكم بكون واحد منها عينا أيضا، لأن نسبة جريان ~~دليل العينية فيها واحدة، وإذا علم أن مقتضاه لا يصح في الجميع، فلا يبقى ~~الوثوق بالعينية في شئ منها، وكيف يجوز أن يكون أمر واحد عين أمور متغايرة؟ # قلت: هذا الايراد إنما يرد لو قيل بعينية هذه المفهومات لذاته تعالى، ~~وهذا لا يمكن أن يقول به عاقل، فكيف يقول به العلماء المحققون؟ مع أنهم ~~معترفون بامتناع إدراك كنه ذاته تعالى، فكيف يقولون بأن ذاته تعالى عين هذه ~~المفهومات البديهية؟ # بل مرادهم أن ذاته تعالى بذاته من غير اتصافه بصفة (1) وملاحظة انتسابه ~~إلى أمر يصدق عليه أنه موجود وعالم وقادر، وغيرها من الأمور التي تحمل على ~~الواجب بالذات لذاته. # فمعنى كون وجوده تعالى عين ذاته أن ذاته لذاته منشأ صدق هذا المفهوم، ~~وليس # PageV00P037 # مثل زيد الذي لما لم يكن في زمان العدم متعلق الجعل لم يصدق عليه أنه ~~موجود، فلما تعلق الجعل به صار موجودا، سواء تحقق بالجعل وجود لزيد في ~~الخارج أو لم يتحقق، لأنه على التقديرين ليس صدق الموجود عليه بحسب ذاته. # وكذلك لما لم يصدق عليه في أيام الرضاع مثلا قادر بالنسبة إلى كثير من ~~الأمور التي تصدر من الإنسان، ثم صار صاحب كيفية تسمى بالقدرة، فصار قادرا ~~لم يصدق عليه القادر لذاته، وعلى هذا فقس. # المبحث الخامس في أن الموجود مشترك معنوي بين الواجب والممكن لأنا إذا ~~علمنا وجود ممكن، وعلمنا أن له سببا يصدق عليه موجود بالمعنى الذي نفهمه ~~ويفهم كل أحد من لفظ " الموجود " ومرادفاته، وحكمنا بأنه ممكن، وتبدل ~~اعتقاد الإمكان باعتقاد الوجوب، لم يتبدل اعتقاد الوجود الأول، مع علمنا ~~بأن لا اختلال في هذا الاعتقاد أصلا. # وأيضا إذا سئل عن موجد السماء مثلا، وأجيب بأنه " أ " فأعاد السائل بأنه ~~هل كان الألف موجودا فأوجدها أو لا؟ فيجد كل عاقل بطلان هذا السؤال ~~وسخافته، بحيث لا يرتاب في أن المحتاج إلى هذا السؤال اختل عقله، بحيث لا ~~يستحق للجواب ms024 ولا يصلح للخطاب. # ولو لم يكن الموجود الصادق على الواجب ما يفهمه كل أحد من لفظ الموجود، ~~لم يكن هذا السؤال سخيفا، لأن السائل يسأل عن الموجود بالمعنى الذي يفهمه ~~هو والمخاطب من لفظ الموجود، والموجود بهذا المعنى لا يصدق على الواجب ~~حينئذ، فالواجب في الجواب حينئذ النفي، بأن يقال: أوجدها من غير أن يكون ~~موجودا، وسخافة هذا الجواب بل تجويزه أيضا لا يخفى على من ينسب إلى العلم، ~~بل إلى أدنى PageV00P038 # مراتب العقل. # فإن قيل: صدق الموجبة كما يقتضي وجود الموضوع يقتضي وجود مبدأ المحمول ~~فيه أيضا إذا كان المحمول مشتقا وقصد منه المعنى اللغوي والعرفي، والشاهد ~~على ذلك أنا لا نعرف الصدق والكذب في قول من يقول: الهواء شفاف أو أبيض إلا ~~بوجود مبدء المحمول في الموضوع وانتفائه عنه، فلو حمل المشتقات على الواجب ~~تعالى بالمعنى الذي نفهمه، كان صدقه بقيام المبدء به وعينية الصفات تنفي ~~القيام، فوجب أن يكون معنى الصفات المذكورة على تقدير حملها على الواجب غير ~~ما نفهمه، بل يكون عين ذاته، وهو المراد من الاشتراك اللفظي. # أجيب: بأن ما ذكر سابقا في إثبات كونه تعالى عالما وموجودا وغيرهما، يدل ~~على صدق هذه المفهومات المعلومة عليه، ومآل ما ذكر في عينية الصفات ~~الحقيقية نفي الصفات ونسبة كثير من آثارها إلى الذات، ومنها كون الذات منشأ ~~صدق المفهومات المذكورة عليها، والشاهد المذكور شاهد زور، لأنه مبني على ~~مقايسة الغائب على الشاهد مع كذب ما ذكر في الشاهد أيضا، لأن صدق نسبة ~~المحمولات التي من شأنها الوجود الخارجي إلى الموضوع، وكذبها بالوجود ~~والانتفاء لا نسبة مطلق المحمولات. # وبالجملة توهم أن العالم بالمعنى الذي يفهمه الناس من هذا اللفظ ومن ~~مرادفاته ليس محمولا على خالق الأشياء، في غاية السخافة. والقول باقتضاء ~~صدق هذه الموجبة في الخالق وجود مبدء الاشتقاق في الموضوع كما يقتضي في ~~المخلوق، ناش من المقايسة الفاسدة في المتبوع والتقليد فقط، أو بانضمام ~~المقايسة في التابع، هل يجوز عاقل أن لا يصدق على خالق السماوات والأرضين ms025 ~~وما فيهن وما بينهن - مع اشتمال قليل منها على حكم ومصالح لا تعد ولا تحصى ~~- عالم وقادر وحي وموجود ؟ لأن مآل القول بالاشتراك اللفظي قول بعدم صدق ~~هذه المفهومات عليه، بل معنى PageV00P039 # الله قادر وغيره من الصفات الحقيقية عندهم واحد، وهو الله الذي مآله سلب ~~الحمل. # وبعض من ينسب إلى هذا القول كان يقول: لا يمكن الحكم على الله تعالى بشئ ~~لا إيجابا ولا سلبا، لأن الحكم مطلقا محتاج إلى تصور الطرفين، وهاهنا لا ~~يمكن تصور الموضوع بوجه من الوجوه، ولم يتفطن أنه حكم على الله تعالى ~~بامتناع الحكم، ولا يمكن إجراء جواب شبهة الحكم على المجهول مطلقا في جواب ~~هذا التوهم، كما لا يخفى. # ولعل مرادهم من الاشتراك اللفظي أن منشأ صدق الموجود مثلا في الخالق ~~والمخلوق مختلف، لأن منشأه في الخالق ذاته المقدسة، وفي الممكن إما أمر ~~قائم به في الخارج كما زعم بعض، وإما ذاته المجعولة كما هو التحقيق، وإن ~~كان كثيرا من كلماتهم آبيا عن هذا التوجيه. # وبالجملة القول بالاشتراك اللفظي بمعنى عدم حمل مفهوم العالم الذي يفهمه ~~كل أحد من هذا اللفظ ومرادفاته على الله تعالى مع سخافته الواضحة، قول شنيع ~~ركيك في أقصى مراتب الشناعة والركاكة. # والقول بأن منشأ صدق العالم في الصانع والمصنوع مختلف، فهو وإن كان حقا، ~~لكن تخطئة المحققين بهذا القول لا وجه لها أصلا، لأن قولهم بعينية الصفات ~~في الواجب وزيادتها في الممكن بمنزلة التصريح باختلاف منشأ الصدق فيهما. # فإن قلت: فما توجيه ما روي عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في باب هو ~~بعد باب معاني الأسماء واشتقاقها من الكافي، حيث قال: وإنما سمي الله تعالى ~~بالعلم بغير علم حادث علم به الأشياء، استعان به على حفظ ما يستقبل من ~~أمره، والروية فيما يخلق من خلقه، ويفسد ما مضى مما أفنى من خلقه، مما لو ~~لم يحضره ذلك العلم ويغيبه كان جاهلا ضعيفا، كما أنا لو رأينا علماء الخلق ~~إنما سموا بالعلم لعلم حادث، إذ كانوا فيه جهلة، وربما ms026 فارقهم العلم ~~بالأشياء فعادوا إلى الجهل، وإنما سمي الله عالما لأنه لا PageV00P040 # يجهل شيئا، فقد جمع الخالق والمخلوق اسم العالم، واختلف المعنى على ما ~~رأيت (1) انتهى. فإنه (عليه السلام) صرح باختلاف المعنى وعلل تسميته ~~بالعالم بسلب الجاهل، وهذا التعليل أيضا يدل على الاختلاف. # قلت: لعل معنى كلامه (عليه السلام) اختلافهما بحسب الكمال والنقصان، كما ~~يومئ إليه قوله (عليه السلام): " لا يجهل شيئا في علم الله تعالى " وقوله ~~(عليه السلام): " لو لم يحضره ذلك العلم ويغيبه كان جاهلا " في علم الخلق، ~~لا أن معنى العالم المطلق بمعنى واحد لا يصدق عليهما. # ويحتمل أن يكون مراده (عليه السلام) بالاختلاف اختلاف منشأ الصدق (2) كما ~~ذكرته، ويؤيد هذا ما ذكره (عليه السلام) في بيان اختلاف البصر بين الخالق ~~والمخلوق، وليس ينافي ما ذكرته ما ذكره (عليه السلام) في اختلاف القائم في ~~الخلق والمخلوق، فإنه اختلاف بحسب المعنى البتة، كما يظهر من هذا الخبر. # ولعل (3) في التعليل إشارة إلى أن علمه ليس بالكيفية القائمة به، كما ~~يكون بها في # PageV00P041 # الخلق، وبما ذكرته في هذا الخبر تقدر على دفع التوهم الناشي عن روايات ~~أخر. # والداعي على تأويل هذا الخبر، دلالة الدليل القاطع على صدق العالم مثلا ~~بمعنى نفهمه عليه تعالى، والنقل إذا عارض العقل أول. # ويؤيد ما ذكرته مع غنائه عن المؤيد ما روي في باب إطلاق القول بأنه شئ في ~~حديث طويل، بعد أن قال السائل: فقد حددته إذ أثبت وجوده، أنه قال أبو عبد ~~الله (عليه السلام): لم أحده ولكني أثبته إذ لم يكن بين النفي والإثبات ~~منزلة (1). # اعلم أنه بعد العلم بصحة الدليل العقلي على أمر يعلم مجملا أن كل كلام ~~صادق كان ظاهره معارضا لذلك الدليل لا يكون ذلك الظاهر مرادا، وعدم تعرض ~~تأويل الظاهر لا يضر بالقاطع، وإن كان الظاهر المعارض ظاهر كلام الله ~~تعالى، مثل * (يد الله) * (2) و * (على العرش استوى) * (3) لكن لما تمسك ~~بعض من قال بهذا الاشتراك اللفظي في الوجود والعلم وغيرهما بعد كلمات سخيفة ~~زعمها دلائل عقلية ms027 بأمثال هذه الظواهر، أشرت إليها أيضا لبيان سخافة قسمي ~~المتمسك (4). # PageV00P042 # المقصد الثاني مختصر في نبوة نبينا (صلى الله عليه وآله) دليل نبوته: أنه ~~ادعاها وظهر المعجزة على يده، فهو صادق في الدعوى. أما ادعاؤه النبوة، فهو ~~غني عن البيان. وأما بيان ظهور المعجزة، فله طرق أكتفي بأحدها، وهو أن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) مع كونه أميا جاء بكلام هو القرآن، وادعى أنه ~~كلام الله تعالى بعد دعوى النبوة، وذكر في الكلام المذكور في بيان كونه ~~كلام الله تعالى * (فأتوا بسورة من مثله) * (1) و * (لا يأتون بمثله ولو ~~كان بعضهم لبعض ظهيرا) * (2) وعجزوا عن الإتيان بسورة من مثله. # أما كونه أميا، فلأنه مع ذكر كونه أميا فيما ادعى أنه قرآن، لم يقدر أحد ~~من اليهود والنصارى وسائر فرق منكري النبوة على تكذيبه، مع كونهم في غاية ~~المبالغة في تكذيب النبي (صلى الله عليه وآله). # ووجه عدم الإمكان أنه كان من أكابر قريش المعلومة أحواله من أيام الصبا ~~إلى آخر أيامه الشريفة، بحيث لم يمكن لأحد أن يقول: لم ادعيت الأمية؟ ألم ~~يكن معلمك في أيام كذا فلانا أو مع فلان؟ ولو لم يكن أميا بل قارئ لقالوا ~~ذلك وأظهروا عدم صدقه في الأمية، بحيث لا يبقى شك لأحد في مقالتهم، بل ولا ~~خصوص المعلم، وكان اللاحقون ينقلون عن السابقين كون معلمه فلانا في زمان ~~كذا وفلانا في زمان كذا على تقدير التعدد، لغاية توفر الدواعي وعدم النقل ~~في أمثال هذه الأمور، بل في الأمور المتوفرة الدواعي التي لم تكن بهذه ~~المرتبة يورث القطع بالعدم. # وأما عجزهم عن الإتيان بسورة من مثله مع صرف كثير من المنكرين قسطا # PageV00P043 # وافرا من أيام عمرهم في تحصيل ملكة البلاغة وحصولها لهم، فلأنه لم ينقل ~~عن أحد ولا عن جماعة بالمعاضدة معارضة القرآن بسورة اعتقد المعارض وأهل ~~اللسان الذين لم يكونوا معارضين، أو أحدهما بعد سماع القرآن وتأمل بلاغتها ~~أنها مثل سورة منه، وعدم نقل هذه المعارضة دليل على عدمها كما ذكرته آنفا. # وأما ms028 كونه صادقا في الدعوى، فلأن عجزهم المطلق عن الإتيان بسورة من مثله ~~يدل على أن هذا الكلام ليس من البشر وإن كان قارئ، فكيف من الأمي، فذكر ~~الأمية لغاية توضيح عدم كون القرآن من كلام رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، وكونه من الله تعالى، وإذا كان الكلام من الله تعالى، فالمنزل إليه ~~صادق في الدعوى المذكورة، بل في جميع ما يقول، وإلا يلزم الظلم والإغراء ~~بالباطل، كما ذكرته في المبحث الثاني من المقصد الأول. # فإن قلت: زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان على نوعين: أحدهما ~~زمان كان القادر على المعارضة غير خائف لعدم قوة الإسلام، والثاني زمان كان ~~للإسلام قوة وشوكة، ولعل القادر عليها يمنعه الخوف عن المعارضة في زمان قوة ~~الإسلام، وفي زمان عدم القوة، وفرض عدم الخوف في زمان القوة عن أصل ~~المعارضة لعلها قد وقعت ولم ينقلوها بعد المعارضة، لقوة الإسلام وسطوته ~~وضعف الفرق المخالفة، بحيث لم يكونوا قادرين على إظهار المعارضة الواقعة في ~~مدة متمادية، وكتموها خوفا من أهل الإسلام، وكتم أهل الإسلام لمخالفتها ~~لغرضهم، وإخفاء الأمور بسبب الخوف والدواعي يصير سببا لخفائها المطلق ~~واضمحلالها، ولعل المعارضة كذلك. # قلت: قوة الإسلام والخوف من أهله لا يمنعان من حفظ المعارضة وضبطها، ~~وغاية الأمر منعهما من إظهار المعارضة في بلاد الخوف، ونحن قاطعون بعدم ضبط ~~المعارضة في بلد من البلدان مع قوة الداعي على الضبط، وإلا لعارض المنكرون ~~في بلادهم في بعض أوقات ورود أهل الإسلام تلك البلاد، ونقل المسافرون ~~PageV00P044 # والمترددون إلينا، وينقلون كيفية المعارضة وكميتها، لعدم خوف الناقلين ~~إلينا إذا لم يكونوا من الفرق المنكرين للإسلام. # وما ذكرته مما يحكم به كل من له أدنى تمييز يطلب الحق حكما يقينيا لا ~~ارتياب فيه أصلا، وعدم الضبط في أمثال هذه الأمور يدل على العدم دلالة ~~قطعية. # المقصد الثالث في الإمامة اختلف الناس في وجوب نصب الإمام وعدمه، ~~والمشهور هو الوجوب، وقول الفاضل التفتازاني إنه قام الاجماع على أن نصب ~~الإمام واجب، وإنما الخلاف في أنه ms029 يجب على الله تعالى أو على الخلق، بدليل ~~عقلي أو سمعي، والمذهب أنه يجب على الخلق سمعا، لقوله (صلى الله عليه وآله) ~~" من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " (1) انتهى. مبني على عدم ~~اعتداده بقول الخوارج بعدم الوجوب، وما جعله المذهب هو مذهب الأشاعرة، ونقل ~~عن أكثر المعتزلة والزيدية القول بوجوبه على الخلق عقلا، وعن الجاحظ ~~والكعبي وأبي الحسين من المعتزلة القول بوجوبه على الخلق عقلا وسمعا. # والإمامية الاثنا عشرية قالوا بوجوبه على الله تعالى، والدليل عليه أن ~~العقل يحكم بوجوب اللطف، وهو تقريب المكلفين إلى الطاعة وتبعيدهم عن ~~المعصية على الله تعالى، بمرشد كامل نبيا كان أو إماما، إذا لم يكونوا ~~كاملين صالحين لأن يكونوا محل الوحي والإلهام، مصونين عن الخطأ والعصيان ~~كما هو الواقع. # وليس مرادهم من وجوب اللطف وجوب أي مرتبة من مراتب التقريب # PageV00P045 # فرضت، حتى يقال: إن من مراتبه جعل كل واحد منهم معصوما، فيجب عموم العصمة ~~على أصلكم، بل الوجه أنه إذا كانت حال المكلفين ضعف المدارك عما يليق بهم ~~فعلا وتركا، وكانت الدواعي الباطلة مستولية على كلهم أو بعضهم، بحيث لا ~~ينتظم أمور المعاد والمعاش انتظاما حسنا كما هو الواقع، يحكم العقل على ~~قانون أهل العدل بأنه يجب بحسب الألطاف الكاملة أن يعين لهم كاملا بحسب ~~العلم والعمل، حتى يكون إطاعته مثمرة لانتظام أمر المعاش، ويكون وسيلة ~~وافية بينهم وبين الله تعالى في أمر المعاد. # ولما كان اتصاف شخص بالخصلتين الكاملتين حتى يترتب على تبعيته الغايتان ~~النافعتان من الأمور الخفية التي لا تظهر إلا ببيان الله عز وجل، بواسطة ~~القرآن، أو بواسطة النبي، أو بواسطة من علم صدقه بأحدهما، أو بالمعجزة، ~~كخفاء ما يستحق به النبوة على الناس، فلا معنى لحوالة اختيار الإمام إلى ~~آرائهم، كما لا يصح حوالة اختيار النبي إليها، والفارق بين المرتبة من ~~اللطف التي أثبتناها ومرتبة العصمة التي ألزمتموها بزعمكم، حكم العقل ~~بالأولى وعدمه بالثانية. # ويدل على ذلك أيضا ملاحظة كيفية خلق الإنسان، ورعاية حكم ومصالح في كيفية ms030 ~~خلقه الأعضاء بتأليفات تناسب الانتفاع المطلوب منها، بحيث يبلغ ما دون بعض ~~أرباب علم التشريح على ما نقل خمسة آلاف، ومن لاحظها وتأمل فيها علم علما ~~يقينيا أن خلقة الأعضاء على ما خلقت عليه لانتفاع خاص يترتب على خلقها ~~بالهيئة المخلوقة. # وهل ينبغي أن يجوز عاقل أن يراعي الله تعالى في خلقة الأعضاء المنافع ~~الجلية والدقيقة والقوية والضعيفة، لاحتياج كمال الانتفاع إلى الهيئة ~~الخاصة، ولا يراعي في إرشاد الإنسان إلى الأمور الضرورية في أمر المعاش ~~والمعاد - مع غاية الاحتياج - ما يحتاجون إليه من تعيين مرشد يرشدهم إليها، ~~ويصير وسيلة بينهم PageV00P046 # وبين الله تعالى، حاشاه من ذلك (1). # ونعم ما قال الشيخ الرئيس في الشفا، بعد ما بين احتياج الناس إلى السان: # فالحاجة إلى هذا الإنسان في أن يبقى نوع الناس ويتحصل وجوده، أشد من ~~الحاجة # PageV00P047 # إلى إنبات الشعر على الأشفار وعلى الحاجبين، وتقعير الأخمص من القدمين، ~~وأشياء أخرى من المنافع التي لا ضرورة فيها في البقاء، بل أكثرها مالها ~~أنها تنفع في البقاء (1) انتهى. وهو وإن قال ما قال في النبوة، لكن لا يخفى ~~جريانه في الإمامة أيضا إذا ختم النبوة. # فإن قلت: إنكم تقولون بأنه تعالى اختار أمير المؤمنين (عليه السلام) لهذه ~~المرتبة الجليلة، لكن الناس تمردوا عن أمره للدواعي الباطلة واختاروا غيره، ~~فلو كان تعيين الإمام واجبا لكان الإقدار والتمكين أيضا واجبا حتى تترتب ~~على التعيين منافعه المطلوبة منه، وبطلان التالي يدل على بطلان المقدم. # قلت: إنما الواجب هو التعيين والدلالة على المعين بما يهتدي به طالب الحق ~~التارك للأغراض الباطلة والتمكين على دفع الأعداء ليس بواجب عقلا، ألا ترى ~~ما جرى بين الأنبياء الماضية وأهل القرون الخالية. # فإن قلت: على القول بوجوب الإمام لا بد من ظهوره، حتى يترتب عليه ~~الانتفاع المطلوب من الإمام بالنسبة إلى طالب الحق والنجاة، وإن لم يتمكن ~~من الاعلان بدعوى الإمامة، لأنه لا فرق بين الخفاء والعدم في عدم الانتفاع، ~~فتجويز الأول والمنع عن الثاني تحكم بحت. # قلت: ما يحكم به العقل هو ms031 وجوب تعيين الإمام بحسب الشخص أو الصفة، وأمره ~~بإظهار نفسه إذا كانت المصلحة في الإظهار، وانتظار وقت المصلحة إن كانت ~~المصلحة في الانتظار. وأما ظهوره وإظهار الإمامة للمطيعين حتى يرجعوا إليه ~~فيما احتاجوا إلى الرجوع فيه وعدم الاعلان بالدعوى عند الخوف من الظلمة، ~~فإنما يجب لو لم يترتب على الظهور للمطيعين مفسدة يناسب الاجتناب عنها عند ~~الله # PageV00P048 # تعالى، ولا علم لنا بعدمها، لإمكان صيرورة ظهوره للمطيع سببا لظهوره ~~للعدو، بسبب أن طالب الحق لا يصدقه بلا معجزة، وفي مدة التفتيش والتحير ~~ربما يظهر للمخالف أيضا، بل بعد التصديق أيضا، إما بتلبيس العدو عند الشيعة ~~وزعمهم أنه منهم، أو بقلة الحوصلة، أو بغيرهما مما لا اطلاع لنا عليه، ~~فيصير سببا لترتب المضرة التي لا يقابلها منفعة الظهور. # وما ذكرته من التحكم توهم، لأن سلب لطف إرسال النبي أو الإمام لا يناسب ~~(1) عدم منع الظلمة عن جريان ما يناسب هذا اللطف بعد الارسال، أتظن أن بعثة ~~نبينا (صلى الله عليه وآله) إلى بلاد لم تجر أحكامه فيها بتمرد خسرو وهرقل ~~وغيرهما لم تكن لطفا من الله تعالى بأهل تلك البلاد؟ أو تقول بأنها كانت ~~لطفا من الله تعالى، لكن المتمردين فعلوا ما فعلوا وحرموا أنفسهم وغيرهم من ~~الاستضاءة من أنوار النبوة، والأول لا وجه له. # وعلى الثاني فما تقول في مدة ظهوره (صلى الله عليه وآله) في مكانه ~~بالنسبة إلى أهل البلاد المذكورة نقول في مدة الغيبة، وكذلك حكم الأنبياء ~~الذين لم يكونوا قادرين على إظهار سنتهم في بعض البلاد التي كانت نبوتهم ~~جارية على أهلها في مدة لأجل المتمردين العاتين، مع أن تلك البلاد لم تكن ~~خالية عن طلبة النجاة، لكن كانوا محرومين من فيض ظهور النبي بشآمة ~~المعاندين. # والحاصل أن الحجة على وجوب هذا اللطف تامة، وما زعموه دليلا على خلافه ~~مردود بالمنع والسند. # فإن قلت: ما تقول في ظهور سيد الشهداء (عليه السلام) مع شدة الخصم وظهور ~~ما ظهر منه، فلو كان الخوف سببا للغيبة لوجبت عليه (عليه السلام). ms032 # PageV00P049 # قلت: قد قلنا بإمكان صيرورة الخوف سببا للغيبة، ولم نقل بوجوب السببية ~~إلى جميع الأئمة (عليهم السلام)، بل ربما يكون المصلحة بالنسبة إلى بعضهم ~~الاصرار في امتناع بيعة الظلمة وتعرض الشهادة، وبالنسبة إلى بعضهم المسالمة ~~والتقية، وبالنسبة إلى بعضهم الغيبة. # وبالجملة بعد العلم بمرتبة الإمامة التي هي كمال العلم والعصمة - كما ~~أومأت إليه وسيظهر إن شاء الله تعالى - يظهر أن كلما يفعله كل واحد من ~~الأئمة إنما يفعله للامتثال بما أمره الله تعالى به، وأخبره به رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)، وإن عمل كل واحد منهم على وفق ما كلف به، واختلاف ~~الأئمة في السلوك عند أهل الحق كاختلاف الأنبياء فيه، فكما جاز اختلاف ~~الأنبياء في السيرة باعتبار وجوه ومصالح أعلمها الله تعالى إياهم مع خفاء ~~أكثرها علينا، يجوز اقتضاء مصلحة أعلمها الله تعالى الأئمة (عليهم السلام) ~~اختلاف سلوكهم في مراتب التقية. # ومع كفاية الاجمال في أمثال هذه الأمور نقول: يمكن أن يكون ختم الإمامة ~~بالحجة المنتظر من آل محمد (عليهم السلام) سببا للغيبة، لأن ظهوره ربما ~~أثمر الشهادة قبل أوانها، واستلزامها هلاك أهل العالم، لامتناع خلو الزمان ~~من الحجة، كما يدل عليه بعد دلالة العقل قوله (صلى الله عليه وآله) " من ~~مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " (1). # فإن قلت: في هذا الزمان الذي حصلت الغيبة فيه ما يصنع المكلفون؟ فما ~~يفعلونه عند غيبته (عليه السلام) يمكن فعله عند عدم الحجة؟ # قلت: لو كان استدلالنا على حاجة الإمام ووجوده بامتناع التكليف بدونه، ~~لكان لكلامك موجها، لكن كلامنا في وجوب تعيين الإمام من الله تعالى، لوجوب ~~هذه المرتبة من اللطف، وشهادة كيفية خلقة الإنسان والحيوانات على ذلك، # PageV00P050 # وإمكان التكليف بدون ذلك لا يدفع دليلنا أصلا. # وهذا الكلام يناسب بوجه ما (1) ما يقول أحد في رد قول من يقول: جعل الله ~~تعالى يد الإنسان مشتملة على أصابع، وكل إصبع مشتملا على مفاصل، حتى يتمكن ~~من الأفعال الصادرة من اليد على وجه الكمال: لا احتياج إلى المفاصل ولا إلى ~~الأصابع، ms033 لأني رأيت كثيرا من الإنسان كانوا فاقدي الأصابع، ومع هذا كانوا ~~متمكنين على الأفعال، ولا يخفى عدم ارتباطه بما ذكر. # وبالجملة يمكن صحة التكليف مع عدم ظهور النبي والإمام في وقت ما، لإمكان ~~الاجتهاد في المحفوظ من آيات الأحكام والأحاديث التي يصح الاستدلال بها ~~مثلا، والاحتياط فيما لا يمكن الاستدلال عليه بخصوصه، لكن كلامنا في أن ~~العقل وتتبع آثار ألطافه سبحانه وتعالى يشهدان على أزيد من هذا. # وننبه على هذا المطلب بتوضيح ما حتى ينجلي الخفاء عن بعض الأذهان إن بقي ~~له، ونقول: يحكم العقل بأن الملك العادل العارف بأن مصلحة الرعية في تعيين ~~الأمير لا يهمل التعيين وإن كان غنيا عنهم، بل يحكم بأن مقتضى عدالة الملك ~~وحسن سيرته أن يعين لهم أميرا عادلا عارفا بكيفية الأمارة، عاملا على وفق ~~علمه، إن كان قادرا على تعيين مثل هذا الأمير. # فإن أهمل التعيين، أو عين من لا يتصف بالأوصاف المذكورة مع قدرته على ~~تعيين المتصف بها، استنبطوا منه عدم العدالة والكمال في الملك، وكذلك لو ~~أحال التعيين إلى الرعية، مع علمه بأنهم لا يميزون اللايق عن غير اللايق، ~~ولا يحصل تعيين اللايق، أو يحصل تعيينه ولكن يحصل الاختلاف في كونه لايقا، ~~والتشويش # PageV00P051 # في الآراء، ويزعم بعضهم وقوع هذا على خلاف القانون، خصوصا مع علمه ~~باستمرار التشويش والاختلاف. # ولكن إن عين لهم شخصا كاملا، فتمرد كلهم أو بعضهم بحيث لا يمكنوا الأمير، ~~لا يجب على الملك المسارعة بأمر زائد على هذا، فإن ترك الملك الرعية على ~~حالهم بعد ما أعلمهم أن تعيين الأمير لمصلحتهم، وأمرهم بتبعية ذلك الأمير، ~~وأكد عليهم وخوفهم عن التمرد، واكتفى بهذا في مدة متمادية، لا ينسب إلى ~~الملك عدم فعل ما يجب عليه. # حتى إن سأله أحد لم لم تجبرهم على إطاعة الأمير مع قدرتك على الجبر؟ فقال ~~في جوابه: لم يكن لي انتفاع بهم، وإنما أمرت عليهم أميرا عادلا عارفا ~~بالأمور لانتظام أمرهم وانتفاعهم به، فلما لم يمكنوا بعد هذا، فالمضرة ~~عليهم من قبلهم ومن سوء ms034 أفعالهم لا من قبلي، لعد أهل العقل جوابه متينا ~~حسنا. # فإن أعاد السائل وقال: لا كلام في حسن ترك رعاية المتمردين لعدم ~~استحقاقهم الرعاية بعد فعلهم ما فعلوه، لكن جمع كثير من الرعية كانوا ~~كارهين من فعل المتمردين، وكانوا عازمين على دفع شر المتمردين عنه، وإطاعته ~~فيما يأمرهم به والانزجار عما ينهاهم عنه، لكن عجزوا عن دفع المتمردين، ~~فيجب عليك رعاية هؤلاء المطيعين وجبر المتمردين على ترك العصيان، فقال ~~الملك: لا يجب علي زائدا على ما صدر مني في باب تمكين الأمير، نعم يجب علي ~~تعيين الأمير وترغيبهم بإطاعته، فإن أطاعوه فالانتفاع لهم، وإلا فعلي ~~الاحسان بالنسبة إلى قاصدي الإطاعة، بحيث يقابل ما فاتهم من المنافع التي ~~تحصل باستقلال الأمير، وأما جبر العاصين على إطاعة الأمير فلا يلزمني ~~التعجيل فيه، وسترى ما أفعل في دفع شر من سعى في تشييد أساس الظلم ~~والعدوان، واستئصال من قابل العدل بالجور والإحسان بالكفران، وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون، كان كلامه PageV00P052 # في غاية الجودة عند أرباب العقل والتمييز. # فظهر بما ذكرته مع وجوب نصب الإمام على الله تعالى بالمعنى الذي ذكرته ~~عصمته أيضا، ولا نطول الكلام في وجوب نصب الإمام على الله تعالى وعصمته ~~عقلا، بل أكتفي بما ذكرته هاهنا لكفايته في الدلالة على المطلبين بالنسبة ~~إلى كثير من المسترشدين، فإن بقي خفاء لبعضهم، ففي ضمن شرح الأدلة النقلية ~~يظهر بعون الله تعالى المطلبان على وجه لا يبقى لطالب الحق والنجاة ارتياب ~~أصلا. # فائدة [الإمامة من أصول العقائد] قد اختلف أهل الإسلام في أن الإمامة من ~~أصول العقائد أو من فروعها، قال الإمامية الاثنا عشرية بالأول، والمشهور ~~بين أهل السنة والزيدية هو الثاني. # وقال صاحب إحقاق الحق: إن القاضي البيضاوي قد صرح في مبحث الأخبار من ~~كتاب المنهاج وجمع من شارحي كلامه بأن مسألة الإمامة من أعظم مسائل أصول ~~الدين الذي مخالفته توجب الكفر والبدعة، وقال الأسروشني من الحنفية في ~~كتابه المشهور بينهم بالفصول الأسروشني بتكفير من لا يقول بإمامة أبي بكر ~~(1) انتهى. ms035 # والدليل على المذهب الأول أمور: # أحدها: ما رواه العامة والخاصة عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه ~~قال: من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية (2). # وجه الدلالة: أنه يدل على كون الإمامة مقصودة بالمعرفة، وكون الجهل بها # PageV00P053 # موجبا للهلاك الدائم، لكون الميتة الجاهلية كذلك وهذا هو المراد من ~~الأصول. # ويؤيد ما ذكرته ما رواه ابن الأثير في جامع الأصول، من صحيح أبي داود عن ~~معاوية، قال: قام فينا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقال: ألا إن من ~~قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على ثنتين وسبعين ملة، وإن هذه الأمة ستفترق ~~على ثلاث وسبعين، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي الجماعة (1). # زاد في رواية: وإنه سيخرج في أمتي أقوام يتجارى بهم الأهواء، كما يتجارى ~~الكلب (2) بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله (3). # ومن صحيح الترمذي وأبي داود، عن أبي هريرة، أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) قال: # تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ~~ذلك، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة. وفي رواية أبي داود قال: وتفرقت ~~النصارى على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين وذكر الحديث (4). # ومن صحيح الترمذي، عن ابن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): # ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل، حتى إن كان ~~منهم من أتى أمه علانية ليكونن في أمتي من يصنع ذلك، وإن بني إسرائيل تفرقت ~~على ثنتين وسبعين ملة كلها في النار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول ~~الله؟ قال: من كان # PageV00P054 # على ما أنا عليه وأصحابي (1) انتهى. # والمراد ما عليه أصحابه (صلى الله عليه وآله) في حياته، لأن كثيرا من ~~أصحابه ارتدوا بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما يجئ في موضعه، ~~والذين أنكروا كون الإمامة من الأصول لما لم يكونوا قادرين على إنكار ~~الرواية، لغاية الشهرة بين فرق الإسلام، والتكرر في الكتب المعتبرة، أولوها ~~بلا معارض ms036 من الكتاب والسنة، فزعم بعضهم أن المراد من الإمام هو القرآن، ~~وبعضهم زعم أنه هو الرسول (صلى الله عليه وآله)، والإضافة شاهدة على بطلان ~~الزعمين. # والعجب من الفاضل التفتازاني أنه حكم على وفق مشايخه بوجوب نصب الإمام ~~على الخلق سمعا، لقوله (صلى الله عليه وآله) " من مات ولم يعرف " الخ، مع ~~أن مقتضى الرواية دوام الإمامة، لأن وجوب معرفة كل مكلف إمام زمانه موقوف ~~على تحققه في جميع الأزمان، وهو لا يقول به، وكيف يأمر الله تعالى بمعرفة ~~الإمام في كل زمان مع عدم تحققه إلا في قليل من الزمان وخلو عامة الأزمنة ~~منه؟ # وأيضا كيف يوجب نصب الإمام على الأنام؟ مع عدم تمكنهم على نصبه في عامة ~~الأزمنة والأيام، لانجراره إلى الاختلاف والفساد، كما يقولون بأن ترك نصب ~~الإمام في زمن سلاطين الجور كان لعدم الاقتدار عليه. # وأيضا كيف تجتمع هذه الرواية المعتبرة مع ما نسبوه إلى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) أنه قال: # الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم تصير ملكا عضوضا (2). مع أن الإمامة انقطعت ~~مع الخلافة على ما يزعمه بعضهم، أو قبلها على ما يزعمه هو على وفق بعضهم، ~~لأنه يزعم أن عمر بن عبد العزيز من المروانية والسلاطين العباسية خلفاء، ~~وعلى التقديرين لا يكون الإمامة عندهم بعد الثلاثين. # PageV00P055 # ولو فرض إطلاق الإمام على السلاطين الذين كانوا بعد الثلاثين بمعنى آخر - ~~ولم يناقش في هذا الاطلاق - لا يتعلق غرض ديني بمعرفة الإمام بهذا المعنى، ~~حتى يصير الموت عند عندم معرفته ميتة جاهلية، هل يجوز العاقل أن يعذب الله ~~تعالى بأنواع العذاب من أطاعه في جميع ما أمر به من الواجبات بل المندوبات ~~أيضا واجتنب عن جميع المنهيات بل المكروهات أيضا؟ مع غاية الخلوص ونهاية ~~الخضوع، بسبب أنه قصر في معرفة المتوكل العباسي، أو من هو مثله في الخصال ~~الذميمة والجهالات. # ويجوز أن يجاب بعد سؤال أحد أنه ألم يكن المتوكل باغضا لأمير المؤمنين ~~(عليه السلام)؟ # مع شيوع نقله في الألسنة والتواريخ، أم لم يكن ما نقل ms037 في الصحاح من أن ~~بغض أمير المؤمنين (عليه السلام) علامة النفاق حقا، أم كان كلاهما حقين ومع ~~ذلك كان الجهل به موجبا للميتة الجاهلية، بأن كليهما وإن كانا حقين، لكن ~~الجهل به موجب للميتة الجاهلية والعذاب الأبدي، لأن النفاق وإن كان موجبا ~~لدخول النار لكن معرفة بعض المنافقين منقذة عنه. # ومع سخافة أمثال تلك الكلمات هل يعمم الإمام بحيث يندرج فيه يزيد وسلاطين ~~الكفر، مثل جنكيز وأولاده الذين انتقل سلطنة معظم بلاد المسلمين إليهم، ~~وغيرهما من سلاطين الكفر والطغيان، أو تخصيصه بغيرهم؟ والثاني يشتمل بعد ~~السخافة المذكورة على تخصيص العام بلا دليل، لأنه إذا كانت معرفة المنافق ~~منقذة عن النار، يمكن أن يكون معرفة الكافر أيضا منقذة عنها، فلا وجه ~~للتخصيص، والأول على مزيد ركاكة على السخافة. # وبما ذكرته ظهر أن كلام الأسروشني لا يصح أصلا، لأن من قال بإمامة أبي ~~بكر PageV00P056 # قال بانتهاء (1) الإمامة إلى الثلاثين، وإن قول البيضاوي بكون الإمامة من ~~الأصول حق، وإن كان اعتقاده بانقطاعها بعد الثلاثين باطلا. # وثانيها: الرواية المستفيضة، وهي: مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها ~~نجا ومن تخلف عنها هلك (2). # وجه الدلالة: توقف تحقق النجاة والاجتناب عن الهلاك على معرفة السفينة ~~المذكورة. # وثالثها: ما يظهر بعد إثبات إمامة الاثني عشر وعصمتهم، لأن كلامهم (عليهم ~~السلام) يدل بطرق متواترة على هذا المدعى. # وغرضي من تأسيس هذا الأصل أن لا تعد معرفة أمر الإمامة سهلا، ولا تجعلها ~~من المسائل الاجتهادية، ولا تقلد فيها العلماء، ولا تتبع فيها الأهواء، ~~وتهتم فيها غاية الاهتمام، وتفرضك في يوم المحشر عند حضور الأنبياء ~~والمرسلين والملائكة المقربين مسؤولا عن هذا الأصل، وتهيأ جوابا وافيا ~~وبرهانا شافيا يمكن ذكره في مثل هذا المجمع، حتى تصير به من الفائزين ولا ~~تكون بالتهاون وبتبعيته ما لا يليق تبعيته من الخائبين خيبة لا يمكن ~~التدارك ولا ينفع الحسرة والندامة. # فخل نفسك عن جميع العادات، وافرض أنك لم تكن مأنوسا بمذهب من المذاهب ولا ~~معتقدا بعالم من العلماء، فانظر الأدلة بعد هذا حتى ms038 تصل إلى الحق مجاهدتك، ~~ولا يكون مثلك مثل الذين حكى الله تعالى مقالتهم الرديئة بقوله عز وجل * ~~(إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) * (3) فإذا خليت نفسك ~~فانظر إلى ما أقول # PageV00P057 # واطمئن بظهور الحق عليك * (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا) * (1) ~~وهذه فائدة مهمة ينتفع ملازم هذه الطريقة بها انتفاعا عظيما في مسائل ~~الأصول والفروع، كما أن المتخلف عنها يتضرر به فيهما تضررا واضحا. # فإذا عرفت وجوب نصب الإمام على الله تعالى بالمعنى الذي ذكرته، وكون ~~العلم بالإمام من أصول العقائد، نشرع في إثبات المدعى بالنقل بعد تمهيد ~~مقدمتين بفصول. أما: # المقدمة الأولى ففيما يتعلق بالإجماع وهو على ما هو اللايق على طريقة من ~~لم يقل بعصمة الإمام: اتفاق أهل الحل والعقد من أمة محمد (صلى الله عليه ~~وآله) في عصر على أمر ما، وفيه مسائل: # المسألة الأولى فيما استدل به على حجيته وهو الآية والأخبار. فأما الآية، ~~فقوله تعالى * (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل ~~المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا) * (2). # وجه الدلالة: أن حرمة المشاقة غنية عن البيان، فيلزم حرمة اتباع غير سبيل ~~المؤمنين ليتحقق التناسب، وحرمة اتباع غير سبيل المؤمنين وإن لم تستلزم ~~وجوب اتباع سبيل المؤمنين ولا جوازه مطلقا، بل يحتمل أن يحرم اتباع غير ~~سبيل المؤمنين # PageV00P058 # من غير حاجة إلى دليل آخر، وكان كل واحد من وجوب اتباع سبيل المؤمنين بل ~~جوازه وترك اتباعه على أحد الوجهين تابعا لما يدل عليه، لكن العرف يقتضي من ~~الوعيد على اتباع غير سبيل المؤمنين وتحريمه وجوب اتباع سبيلهم. # وفيه: أن هذا إنما يلزم أن لو كان هذا الوعيد مترتبا على المشاقة من غير ~~ملاحظة الانضمام، حتى يلزم تعلقه باتباع غير سبيل المؤمنين كذلك للتناسب، ~~لكن لا يبعد أن يقال: إن الوعيد متعلق بمجموع المشاقة والاتباع، كما هو ~~ظاهر العطف بالواو مع ذكر الجزاء بعده، وإن لم يكن هذا الاحتمال راجحا فليس ~~مرجوحا. # وظهور حرمة المشاقة منفردة لا ينافي اشتراط ms039 حرمة الاتباع المذكور في ~~الآية بالمشاقة، فلعل الوعيد المذكور متعلق بالمشاقة المضمومة إلى الاتباع ~~ببلوغ المجموع مرتبة من مراتب الحرمة التي يترتب عليها ما رتبه عز وجل ~~بقوله * (نوله) *. # وحينئذ ظهور الآية في حرمة الاتباع ممنوع، وعلى تقدير الظهور كفايته في ~~إثبات مثل (1) هذا الأصل ممنوعة، بل باطلة عند كثير من الأصوليين (2)، كما ~~يظهر من علم الأصول. وعلى تقدير عدم الكفاية، كما يضعف الاستدلال بالآية ~~بما ذكرته بضعف الاستدلال بها باحتمال التخصيص بمتابعة الرسول وغيرها. # PageV00P059 # واستدل بعضهم بآية * (واتبع سبيل من أناب إلي) * (1) وبآية * (وكذلك ~~جعلناكم أمة وسطا) * (2) وضعفه واضح. # وأما الأخبار، فمثل " لا تجتمع أمتي على الخطأ " (3) و " لا تزال طائفة ~~من أمتي ظاهرين على الحق " (4) و " من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليكن مع ~~الجماعة " (5) و " يد الله على الجماعة " (6) و " لا تزال طائفة من أمتي ~~على الحق حتى تقوم الساعة " (7) و " من فارق الجماعة مات ميتة جاهلية " ~~(8). # المسألة الثانية في أن قول المبتدع بما لا يتضمن كفرا كمن فسق فسقا فاحشا ~~وأصر، كالخوارج اجتاحوا الأنفس، وأحرقوا الديار، وسبوا الذراري، واستباحوا ~~الفروج والأموال، هل يجب أن يعتبر على أصلهم أم لا؟ فيه ثلاثة مذاهب: أحدها ~~يعتبر مطلقا، وثانيها لا يعتبر مطلقا، وثالثها يعتبر في حق نفسه لا في حق ~~غيره. # اختار المحققون منهم الأول، واستدل صاحب المختصر فيه على هذا المذهب ~~بقوله: لنا الأدلة لا تنهض دونه انتهى. وهي كما ذكره، لأنه لا يصدق على ~~سبيل # PageV00P060 # الباقين سبيل المؤمنين، لعدم إخراج البدعة الفاحشة عن الإسلام والإيمان ~~أيضا إذا لم تشتمل على كفر. وعلى تقدير خطأ الباقين وضلالتهم لا يلزم ~~اجتماع الأمة على الخطأ والضلالة، وعلى هذا فقس. # وإذا ظهر اختلال الاجماع بقول صاحب البدعة الواضحة، فاختلاله بقول غيره ~~من فرق الإسلام بطريق أولى، فظهر أنه لا يصح الحكم بكون المسألة إجماعية، ~~مع احتمال مخالفة مجتهد واحد من أهل القبلة الذي لا يشتمل بدعته على كفر، ~~كالمجسمة على قول من يكفرهم، وإن كان الباقون في غاية الفضل والصلاح ~~والكثرة. ms040 # المسألة الثالثة في أنه إذا قال واحد أو جماعة بقول وسكت الباقون ولم ~~ينكره أحد، هل يتحقق به الاجماع أم لا؟ اختار صاحب المختصر أنه إجماع أو ~~حجة، والحق أنه ليس بإجماع ولا حجة. # وحاصل ما استدل على مختاره أنه يفيد الظن، وهو كاف للحجية وإن لم يكن ~~إجماعا، كحجية الخبر والقياس، وهو ضعيف، لأن تخصيص العمومات الدالة على ~~حرمة متابعة الظن لا يصح إلا بدليل معتمد، وهو يجري في الخبر وفي القياس، ~~باعتبار دلالة الخبر عليه، لو سلم اعتبار الخبر الدال عليه، وجواز إثبات ~~هذا الأصل بالظن. # وأما جواز تبعية الظن الذي يحصل من السكوت، فلا دليل عليه عند كثير من ~~الأصوليين، وإن أقيم دليل على جواز تبعية الظن عند تعذر العلم، اكتفينا بما ~~ننقله من عدم إفادة الظن على أصلهم، ونقويه بما يظهر لك من عدم صحة الحكم ~~بإفادة الظن. # ونقل الشارح الاحتجاج على عدم كونه إجماعا ولا حجة، بأنه يجوز أن يكون ~~PageV00P061 # من لم ينكر إنما لم ينكر لأنه لم يجتهد بعد، فلا رأي له في المسألة، أو ~~اجتهد وتوقف لتعارض الأدلة، أو خالفه لكن لما سمع خلاف رأيه روى، لاحتمال ~~رجحان مأخذ المخالف حتى يظهر عدمه، أو وقره فلم يخالفه تعظيما له، أو هاب ~~المفتي أو الفتنة، كما نقل عن ابن عباس في مسألة العول، أنه سكت أولا ثم ~~أظهر الانكار، فقيل له في ذلك، فقال: إنه كان رجلا مهيبا يعني عمر، ومع ~~قيام هذه الاحتمالات لا يدل على الموافقة، فلا يكون إجماعا ولا حجة. # والجواب: بأنها وإن كانت محتملة فهي خلاف الظاهر، لما علم من عادتهم ترك ~~السكوت في مثله، كقول معاذ لعمر لما رأى جلد الحامل: ما جعل الله على ما في ~~بطنها سبيلا، فقال: لولا معاذ لهلك عمر. وكقول امرأة لما نفى المغالاة في ~~المهر: # أيعطينا الله بقوله * (وآتيتم إحداهن قنطارا) * ويمنعنا عمر، فقال: كل ~~الناس أفقه من عمر حتى المخدرات في الحجال انتهى. # لا يخفى متانة الاحتجاج وضعف الجواب، لأنا لا نسلم ms041 كون كل واحد من ~~الاحتمالات المذكورة خلاف الظاهر، وعلى تقدير التسليم فنقول: لعل كل واحد ~~بخصوصه خلاف الظاهر، لكن وقوع أحدها راجح أو مساو لعدم وقوع شئ منها. # وما ذكره من المثالين وشبههما لا يدل على ترك السكوت دائما ولا غالبا، ~~وحالات المفتي والسامع تختلف اختلافا غير محصور بحسب اختلافهما واختلاف ~~حالاتهما، واختلاف تعلق غرض المفتي بالمسألة، ويشهد على ما ذكرته ما نقل عن ~~ابن عباس، فلا يحصل الظن من عدم الانكار. # لا يقال: نقل الانكار أكثر من نقل تركه مع المخالفة، والظن تابع للأغلب. # لأنا نقول: لعل بعض أمور ترك الانكار مع المخالفة لم ينقل أصلا، فلعله ~~بانضمامه مع ما علم ترك إنكاره مع المخالفة بل من غير انضمام أكثر مما ~~أنكر، ولو سلم حصول الظن من عدم الانكار، فنقول: قد عرفت عدم الدليل على ~~اعتبار مثل هذا الظن. PageV00P062 # المسألة الرابعة في تحقيق الاتفاق في الأمر الذي يتعلق به غرض القادر على ~~البطش اعلم أنه إذا قال القادر على البطش بأمر جوزنا تعلق غرضه به، وقال ~~الباقون على وفقه، فلا دليل على حجيته، لأن الاتفاق المعتبر إنما هو اتفاق ~~الضمير، واعتبار اللفظ إنما هو باعتبار الدلالة عليه، وترك إظهار ما في ~~الضمير إذا اشتمل على مخالفة من يخاف بطشه، وإظهار خلاف ما في الضمير ~~لموافقته غير عزيز، فلا تجري الآية والأخبار في حجية مثل هذا الاتفاق، لعدم ~~ظهور كون ما أظهروه سبيل المؤمنين، ولا يلزم من كون ما أظهروه خطأ اجتماع ~~الأمة على الخطأ، ويوافق ما ذكرته ما نقلته في ضمن الاحتجاج السابق أو هاب ~~المفتي أو الفتنة. # المسألة الخامسة في بعض ما جرى في سقيفة بني ساعدة على ما نقله السيد ~~الجليل المرتضى، الذي لا يحتمل الاختلال والمساهلة في النقل لثقته، ولكونه ~~معاصرا لصاحب المغني رادا عليه، فإن ساهل في النقل أدنى مساهلة اغتنمه صاحب ~~المغني وفضحه، لوجود الكتب التي نقل أخبار السقيفة منها وغيرها عن الخصم. # قال: روى هشام بن محمد، عن أبي مخنف، عن عبد الله ms042 بن عبد الرحمن بن أبي ~~عمرة الأنصاري، أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما قبض اجتمعت الأنصار في ~~سقيفة بني ساعدة، فقالوا: نولي هذا الأمر من بعد محمد (صلى الله عليه وآله) ~~سعد بن عبادة، وأخرجوه إليهم وهو مريض، قال: فلما اجتمعوا قال لابنه أو ~~لبعض بني عمه: إنني لا أقدر لشكواي أسمع PageV00P063 # القوم كلهم كلامي، فتلق مني قولي فاسمعهموه، فكان يتكلم ويحفظ الرجل ~~قوله، فيرفع به صوته ويسمع صوته، ويسمع صوته أصحابه. # فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في ~~الدين، وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن محمدا (صلى الله عليه ~~وآله) لبث بضع عشر سنة في قومه، يدعوهم إلى عبادة الرحمن وخلع الأنداد، فما ~~آمن به من قومه إلا رجال قليل، والله ما كانوا يقدرون على أن يمنعوا رسوله، ~~ولا أن يعزوا دينه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيما عموا به، حتى إذا أراد ~~الله بكم الفضيلة ساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، فرزقكم الإيمان به ~~وبرسوله، والمنع له ولأصحابه، والاعزاز له ولدينه، والجهاد لأعدائه. # فكنتم أشد الناس على عدوه منكم، وأثقله على عدوه من غيركم، حتى استقامت ~~العرب لأمر الله طوعا، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داخرا، وحتى أثخن الله ~~لرسوله بكم في الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفاه الله إليه وهو عنكم ~~راض، وبكم قرير العين، استبدوا بهذا الأمر دون الناس. # فأجابوه بأجمعهم أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو وما رأيت ~~نوليك هذا الأمر، فإنك فينا مقنع، ولصالح المؤمنين رضا، ثم إنهم ترادوا ~~الكلام، فقالوا: إن أتت مهاجرة قريش فقالوا: نحن المهاجرون وصحابة رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) ونحن عترته (1) وأولياؤه، فعلى م تنازعون الأمر ~~من بعده؟ فقالت طائفة منهم: # فإنا نقول: فمنا أمير ومنكم أمير، ولن نرضى بدون ذلك أبدا، فقال سعد بن ~~عبادة حين سمعها: هذا أول الوهن. # وأتى عمر الخبر، فأقبل إلى منزل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فأرسل ~~إلى أبي ms043 بكر وأبو بكر # PageV00P064 # في الدار، وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) دائب في جهاز رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)، فأرسل إلى أبي بكر أن أخرج إلي، فأرسل إليه أني مشتغل، ~~فأرسل إليه قد حدث أمر لا بد لك من حضوره، فخرج إليه، فقال: أما علمت أن ~~الأنصار قد اجتمعت في سقيفة بني ساعدة؟ يريدون أن يعقدوا هذا الأمر لسعد بن ~~عبادة، وأحسنهم مقالة من يقول: # منا أمير ومن قريش أمير، فمضيا مسرعين نحوهم، فلقيا أبا عبيدة، فتماشوا ~~إليه، فلقيهم عاصم بن عدي وعويم بن ساعدة، فقالا لهم: ارجعوا فإنه لن يكون ~~إلا ما تحبون، فقالوا: لا نفعل. # فجاؤوا وهم مجتمعون، فقال عمر بن الخطاب: أتيناهم وقد زورت في نفسي كلاما ~~أردت أن أقوم به فيهم، فلما أن وقعت فيهم (1) ذهبت لأبتدئ المنطق، فقال لي ~~أبو بكر: رويدا حتى أتكلم، ثم أنطق بعد بما أحببت، فنطق، فقال عمر: فما شئ ~~كنت أريد أن أقول إلا وقد أتى عليه أبو بكر. # قال عبد الله بن عبد الرحمن: فبدأ أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~قال: إن الله تعالى بعث محمدا (صلى الله عليه وآله) رسولا إلى خلقه وشهيدا ~~على أمته، ليعبدوا الله ويوحدوه وهم يعبدون من دونه آلهة شتى، يزعمون أنها ~~لمن عبدها شافعة، ولهم نافعة، وإنما هي من حجر منحوت، وخشب منجور، ثم قرأ * ~~(ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند ~~الله) * (2) * (وقالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) * (3). # فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله المهاجرين الأولين من ~~قومه بتصديقه والإيمان به والمواساة له، والصبر معه على شدة أذى قومهم لهم، ~~وتكذيبهم # PageV00P065 # إياهم، وكل الناس لهم مخالف وعليهم زار، فلم يستوحشوا لقلة عددهم، وتكذيب ~~(1) الناس لهم، وإجماع قومهم عليهم، فهم أول من عبد الله في الأرض، وآمن ~~بالله وبالرسول، وهم أولياؤه وعترته (2)، وأحق الناس بهذا الأمر من بعده، ~~لا ينازعهم في ذلك إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار من ms044 لا ينكر فضلهم في ~~الدين، ولا سابقتهم العظيمة في الإسلام، رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله، ~~وجعل إليكم هجرته، وفيكم جلة الصحابة وأزواجه، وليس بعد المهاجرين الأولين ~~عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء وأنتم الوزراء، لا تفاتون بمشورة، ولا تقضى ~~دونكم الأمور. # فقام إليه المنذر بن الحباب بن الجموح - هكذا روى الطبري، والذي رواه ~~غيره أنه الحباب بن المنذر - فقال: يا معشر الأنصار أملكوا على أيديكم، فإن ~~الناس في فيئكم وظلكم، ولن يجترئ مجترئ على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن ~~رأيكم، أنتم أهل العزة والثروة، وأولوا العدد والتجربة، وذووا البأس ~~والنجدة، وإنما ينظر الناس إلى ما تصنعون، فلا تختلفوا فيفسد عليكم رأيكم، ~~وتنتقض أموركم، إن أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنهم أمير. # فقال عمر بن الخطاب: هيهات لا يجتمع اثنان في قرن، إنه والله لا يرضى ~~العرب أن يؤمروكم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا تمنع أن يولي أمورها من ~~كانت النبوة فيهم، وولي أمورهم منهم، ولنا بذلك على من أبى من العرب الحجة ~~الظاهرة، والسلطان المبين، من ذا ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته ~~إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، أو متورط في هلكة. # فقال الحباب بن المنذر: يا معشر الأنصار أملكوا على أيديكم، ولا تسمعوا # PageV00P066 # مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما ~~سألتموه فأجلوهم من هذه البلاد، وتولوا عليهم هذه الأمور، فأنتم والله أحق ~~بهذا الأمر منهم، فإنه بأسيافكم دان لهذا الأمر من لم يكن يدين، أنا جذيلها ~~المحكك، وعذيقها المرجب، أما والله لئن شئتم لنعيد بها (1) جذعة. # فقال له عمر: إذا يقتلك الله، فقال: بل إياك يقتل، فقال أبو عبيدة: يا ~~معشر الأنصار إنكم أول من نصر وآزر، فلا تكونوا أول من بدل وغير. # فقام بشير بن سعد أبو النعمان بن بشير، فقال: يا معشر الأنصار أما والله ~~لئن كنا أولى فضيلة في جهاد المشركين، وسابقة في هذا الدين، ما أردنا به ~~إلا رضا ربنا وطاعة نبينا، والكدح لأنفسنا، فما ينبغي (2) لنا ms045 أن نستطيل ~~بذلك على الناس، ولا نبتغي من الدنيا عرضا، فإن الله ولي المنة علينا بذلك، ~~ألا إن محمدا (صلى الله عليه وآله) من قريش، وقومه أحق به وأولى، وأيم الله ~~لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا، فاتقوا الله، ولا تخالفوهم ولا ~~تنازعوهم. # فقال أبو بكر: هذا عمر وأبو عبيدة، فأيهما شئتم فبايعوا، فقالا: لا والله ~~لا نتولى هذا الأمر عليك، وأنت أفضل المهاجري، وثاني اثنين إذ هما في ~~الغار، وخليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الصلاة، والصلاة أفضل ~~الدين (3)، فمن ذا ينبغي له أن يتقدمك، أو يتولي عليك هذا الأمر، أبسط يدك ~~نبايعك، فلما ذهبا ليبايعا سبقهما إليه بشير بن سعد فبايعه. # فنادى الحباب بن المنذر يا بشير بن سعد عقبك (4) عقاق، ما أحوجك إلى ما # PageV00P067 # صنعت، أنفست على ابن عمك الإمارة، فقال: لا والله ولكن كرهت أن أنازع ~~قوما حقا جعله الله لهم. # فلما رأت الأوس ما صنع بشير بن سعد، وما تدعو إليه قريش، وما تطلب الخزرج ~~من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن الحضير وكان أحد ~~النقباء: والله لئن وليتها الخزرج عليكم مرة لا زالت لهم عليكم بذلك ~~الفضيلة، ولا جعلوا لكم فيها معهم نصيبا أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر، ~~فقاموا إليه فبايعوا، فانكسر عليهم أعني على سعد بن عبادة وعلى الخزرج ما ~~كانوا اجتمعوا عليه من أمرهم. # قال هشام: قال أبو مخنف: وحدثني أبو بكر محمد الخزاعي، أن أسلم أقبلت ~~بجماعتها حتى تضايقت السكك ليبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلا ~~رأيت أسلم فأيقنت بالنصر. # قال هشام: عن أبي مخنف، قال: قال عبد الله بن عبد الرحمن: فأقبل الناس من ~~كل جانب يبايعون أبا بكر، وكادوا يطأون سعد بن عبادة، فقال ناس من أصحاب ~~سعد: اتقوا سعدا لا تطأوه، فقال عمر، اقتلوه قتله الله، ثم قام على رأسه ~~فقال: لقد هممت أن أطأك حتى يندر عضوك، فأخذ قيس بلحية عمر وقال: والله لئن ~~حصصت منه شعرة ms046 ما رجعت وفي فيك واضحة، فقال أبو بكر: مهلا يا عمر الرفق ~~هاهنا أبلغ، فأعرض عنه عمر. # وقال سعد: أما والله لو أرى من قومي (1) ما أقوى على النهوض لسمعتم مني ~~في أقطارها وسككها زئيرا يجحرك وأصحابك، أما والله لألحقنك بقوم كنت فيهم ~~تابعا غير متبوع، احملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه داره وترك أياما، ~~ثم بعث # PageV00P068 # إليه أن أقبل فبايع، فقد بايع الناس وبايع قومك. # فقال: أما والله حتى أرميكم بما في كنانتي من نبلي، وأخضب منكم سنان ~~رمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بأهل بيتي ومن أطاعني من قومي، ~~ولا أفعل وأيم الله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الأنس ما بايعتكم، حتى أعرض ~~على ربي وأعلم ما حسابي. # فلما أتي أبو بكر بذلك، قال له عمر: لا تدعه حتى يبايع، فقال بشير بن ~~سعد: إنه قد لج وأبى، فليس بمبايعكم حتى يقتل، وليس بمقتول حتى يقتل معه ~~أهل بيته وولده وطائفة من عشيرته، فاتركوه وليس تركه بضائركم، إنما هو رجل ~~واحد، فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد واستنصحوه لما بدا لهم منه، وكان ~~سعد لا يصلي بصلاتهم، ولا يحج بحجهم، ولا يفيض بإفاضتهم، فلم يزل كذلك حتى ~~هلك أبو بكر. # بعد نقل السيد هذا الخبر قال: فهذا الخبر يتضمن من شرح أمر السقيفة ما ~~فيه للناظر معتبر، ويستفيد الواقف عليه أشياء: # منها: خلوه من احتجاج قريش على الأنصار بجعل النبي (صلى الله عليه وآله) ~~الإمامة فيهم، لأنه تضمن من احتجاجهم عليهم ما يخالف ذلك، وأنهم إنما ادعوا ~~كونهم أحق بالأمر من حيث كانت النبوة فيهم، ومن حيث كانوا أقرب إلى النبي ~~(صلى الله عليه وآله) نسبا، وأولهم له اتباعا. # ومنها: أن الأمر إنما بني في السقيفة على المغالبة والمخالسة، وأن كلا ~~منهم كان يجذبه بما اتفق له وعن من حق وباطل وقوي وضعيف. # ومنها: أن سبب ضعف الأنصار وقوة المهاجرين عليهم انحياز بشير بن سعد حسدا ~~لسعد بن عبادة، وانحياز الأوس بانحيازه عن الأنصار. # ومنها: أن ms047 خلاف سعد وأهله وقومه كان باقيا لم يرجعوا عنه، وإنما أقعدهم ~~عن PageV00P069 # الخلاف فيه بالسيف قلة الناصر (1). # الفصل الأول فيما يتعلق بإمامة أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي ~~طالب (عليه السلام) الإمامة في الاصطلاح: رئاسة عامة في أمر الدين والدنيا ~~نيابة عن النبي (صلى الله عليه وآله). # أما لزوم الإمام، فيدل عليه غير العقل قوله تعالى * (أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول وأولي الأمر منكم) * (2) فوجوب الإطاعة متوجه إلى الكل، وعدم ~~التقييد في الأولين غير محتاج إلى البيان فكذا الثالث، لبعد اختصاص الثالث ~~بالتقييد مع الاشتراك في الأسلوب، وعدم ذكر ما يفهم منه التقييد. # والرواية المستفيضة بين العامة والخاصة، وهي " من مات ولم يعرف إمام ~~زمانه مات ميتة جاهلية " (3) وغيرهما مما يظهر في تضاعيف الكلام، ومنازعة ~~الناس في خصوص الإمام بلا كلام في الحاجة إليه في أزمنة متطاولة من غير ~~الخوارج، تؤيد الحاجة، فإن نوقش في كل واحد، فلا ريب في إفادة المجموع ~~القطع. # وأما الدليل على إمامته (عليه السلام)، فأدلة نقلية متكاثرة تفيد القطع ~~بإمامته، وإن لم يكن كل واحد منها قطعي المتن والدلالة. # آية المودة: # فمنها: قوله تعالى * (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون ~~الصلاة # PageV00P070 # ويؤتون الزكاة وهم راكعون) * (1) وجه الدلالة: أن الآية باتفاق المفسرين ~~نزلت في شأن علي (عليه السلام) بعد ما أعطى السائل خاتمه راكعا، وحصر ~~الولاية في الله ورسوله والذين آمنوا قرينة على كون الولاية بمعنى الأولى ~~والأحق، لأن حصر الولي بمعنى الناصر والمحب المطلق مع دلالة آية * ~~(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) * (2). # لا يقال: هذا المعنى لا يناسب الآية السابقة، وهي قوله تعالى * (يا أيها ~~الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم ~~منكم فإنه منهم) * واللاحقة وهي قوله تعالى * (ومن يتول الله ورسوله والذين ~~آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) *. # لأنا نقول: في عدم المناسبة نظر، أما اللاحقة فلأن معنى " ومن يتول الله ~~" حين إرادة الأولى من الآية التي نحن فيها، ومن اتخذ الله ورسوله والذين ~~آمنوا أولى ms048 به فهو من حزب الله، وحزب الله هم الغالبون بالمعنى الذي نذكره، ~~لأن أي معنى يقصد من الولي يجب أن يقصد من التولي معنى يناسبه، فكما يحمل ~~التولي في " ومن يتولهم منكم " على معنى يناسب الأولياء في الآية الأولى، ~~فكذلك التولي في الآية التي نحن فيها يحمل على معنى يناسب الولي في هذه ~~الآية، فبظهور معنى الولي يظهر معنى التولي. # وأما السابقة، فلعدم بعد أن يقال: إنه تعالى لما نهى عن اتخاذ اليهود ~~والنصارى أولياء بمعنى المحبة أو النصرة أو الأعم، مقرونا بالمبالغة ~~المدلول عليها بالنداء، وبقوله " ومن يتولهم منكم فإنه منهم " أكد النهي ~~المذكور زائدا عما ظهر بأن الأولى منحصر في الأولياء المذكورين، لظهور ~~البينونة التامة بين رعاية مقتضى أولوية هؤلاء # PageV00P071 # الأولياء وبين محبة اليهود والنصارى ونصرتهما، فبآية الولاية ظهر مع ~~تأسيس حكم الأولوية الحكم السابق وتعليله. # فإن قلت: ما تصنع بقرينة قوله تعالى * (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا ~~دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء) * (1) ~~لبعد إرادة الأولى من الولي هاهنا. # قلت: هذا تعليل آخر للحكم الأول، بعدم مناسبة اتخاذ أهل الكتاب الذين ~~اتخذوا دينكم هزوا ولعبا محبين مثلا، مع مزيد تأسيس هذا الحكم في الكفار ~~الذين هم غير أهل الكتاب، فظهر أن شيئا من السابقة واللاحقتين لا يأبى عن ~~حمل الولي في الآية على معنى الأولى. # ومع ذلك نقول: على تقدير حمل الولي على المحب والناصر يمكن أن يقال: إن ~~المراد من الولاية ليست المحبة والنصرة المطلقتين، بل المحبة الكاملة التي ~~هي في شأن الله تعالى باعتبار الأثر الذي هو إعطاء أسباب المعرفة والإطاعة ~~والألطاف اللايقة، والبيان المناسب بلا غاية عائدة إليه، وفي شأن رسوله ~~والذين آمنوا، إما باعتبار الأثر الذي هو البيان والمعاونة المناسبة في ~~الأمور النافعة بلا طلب أجر من الرعية، أو المحبة الكاملة المستلزمة للأثر ~~أو كليهما. # وعلى التقادير يناسب الحصر المستفاد من الآية، فيجب أن يكون محبة الرعية ~~إياهم على وجه يليق محبتهم الرعية، وظاهر أن هذه المحبة ms049 تكون باعثة على ~~الإطاعة والانقياد، حتى أنه إن ترك أحد إطاعة حبيب شفيق يسلب عنه المحبة، ~~ومنه نسبة عداوة الله إلى الكفار والفساق، وإذا كانت حال المحبة الناشئة عن ~~المحبة المختصة ما عرفته، فلا يجوز ترك مقتضى محبته ونصرته، فلا يجوز لهم ~~عقد الخلافة لأبي بكر من # PageV00P072 # غير إذن أمير المؤمنين (عليه السلام)، وبعد ما عقدوا له يوم السقيفة لما ~~ظهر لهم من أمير المؤمنين (عليه السلام) كراهة الأمر - كما نذكره إن شاء ~~الله تعالى في مبحث إبطال إمامة أبي بكر وغيره - يجب التوبة عن إطاعة أبي ~~بكر، وتفويض الأمر إلى أمير المؤمنين (عليه السلام). # وأمثال هذا الحصر كما يمكن اجراؤه لدفع توهم سابق يمكن اجراؤه لتأسيس حكم ~~لاحق، فعدم كون إمامة الثلاثة حين نزول الآية لا ينافي دلالة الآية على ~~الإمامة كما توهمت، وصرف الآية عن ظاهرها الذي هو الولاية في الحال لدليل، ~~مع عدم احتماله في شأن الله ورسوله، لا يوجب صرفها عن ظاهرها فيما لا دليل ~~عليه، مع أن كون ولايته (عليه السلام) بعد نزول الآية في حياة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) عاما بالنسبة إلى جميع أمته ليس بعيدا أصلا. # والظاهر من السياق على تقدير حمل الآية على المحبة والنصرة أن يقال: بعد ~~النهي عن تولي اليهود والنصارى لما كان مظنة أن يتوهم ولاية كل من أظهر ~~الإسلام، دفع توهم ولاية المرتدين من أهل الإسلام بقوله * (يا أيها الذين ~~آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على ~~المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم) * ~~(1) فلعله قال: من يرتد منكم عن دينه، فلا يعود ضرره إلا إليه، لأن الله ~~تعالى يأتي بجماعة موصوفين بصفات شريفة يظهر بهم ما يجب إظهاره ويتم به ~~الحجة تماما وافيا كاملا. # وهذه الصفات الشريفة إنما يظهر انطباقها على أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~وأصحابه، كما يظهر لمن تتبع سيرتهم وسيرة غيرهم، لأنه (عليه السلام) كان ~~يسوي في العطاء ويجاهد الناكثين والمارقين ms050 والقاسطين، ويلام بترك سيرة ~~السابقين في العطاء وبمجاهدة # PageV00P073 # المسلمين، ولا يخاف (عليه السلام) ومن اتبعه من كمل المؤمنين لومة لائم، ~~وشدته (عليه السلام) على الكفار وذلته على المؤمنين غنيتان عن البيان. # فظهر أن الآية الشريفة لا تنطبق على أحد من الثلاثة، وبعد ما أبطل إطاعة ~~المرتدين ومحبتهم بحسب السياق، حصر المحبة والنصرة الكاملتين الباعثتين على ~~الإطاعة والانقياد لأصحاب الحزم والتدبر في الله ورسوله والذين آمنوا، فبشر ~~بتوليهم بالغلبة الحقيقية التي هي الظفر بالأمر الذي لا يضر معه شئ. # ويمكن وجه آخر للآية يجري على تقدير إرادة الأولوية أو المحبة والنصرة، ~~وهو: # أنه يظهر من نسبة ولاية طائفة هم فيما نحن فيه المخاطبون إلى واحد بعد ~~نسبتها إلى الله ورسوله وحصرها فيهم، مزية تامة لهذا الواحد بالنسبة إلى كل ~~الطائفة، بحيث يعد العقل قباحة جعل أحد من الطائفة رئيسا على الواحد ~~المذكور قباحة واضحة، سواء جعلت الولاية بمعنى الأولوية والأحقية أو المحبة ~~والنصرة. # وبالجملة في اشتراك الثالث مع الله ورسوله في صفة إضافية يختصون بها ولا ~~يتجاوز عنهم، دلالة واضحة على مزية الثالث على الباقين مزية واضحة، بل ~~خروجه من أن ينسب إلى أحد الباقين، فكيف يجعل أحدهم رئيسا عليه؟ # اعلم أن النقل المستفيض من المفسرين وغيرهم على نزول الآية في شأن علي ~~(عليه السلام) بعد تصدقه بالخاتم حال الركوع، حتى أن جماعة من أهل السنة ~~نقلوا الاتفاق على هذا. وموافقة أسلوب " وهم راكعون " الحالية خصوصا مع ~~ملاحظة سبب النزول وعدم تجويز المحققين عموم الآية، تدفع ما ذكره شارح ~~التجريد على وفق صاحب المغني بقوله: وأيضا والذين آمنوا صيغة جمع، فلا يصرف ~~إلى الواحد إلا بدليل، وقول المفسرين أن الآية نزلت في حق علي (عليه ~~السلام) لا يقتضي اختصاصها واقتصارها عليه، ودعوى انحصار الأوصاف فيه مبنية ~~على جعل " وهم راكعون " PageV00P074 # حالا من ضمير " يؤتون " وليس بلازم، بل يحتمل (1) العطف بمعنى أنهم ~~يركعون في صلاتهم، لا كصلاة اليهود خالية عن الركوع، أو بمعنى أنهم خاضعون ~~انتهى. # وأيضا أنتم قائلون باشتراك كثير من ms051 الصحابة في التصدق والخضوع، خصوصا أبي ~~بكر، فلم لم يقل أحد باشتراك أحدهم مع أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~والبشارة بنزولها في شأنه منفردا أو منضما؟ # وأيضا قوله " إنما وليكم الله " يقتضي الأولياء والمخاطبين، وظاهر أن ~~الكفار ليسوا مخصوصين بالخطاب، فالمخاطبون هم المؤمنون فقط كما هو الظاهر، ~~أو مطلق المكلفين. وعلى التقديرين فالأولياء خارجون عن المخاطبين، كما هو ~~مقتضى المخاطبة والقرينة، فقوله تعالى * (والذين آمنوا) * ليس إشارة إلى كل ~~مؤمن يفعل الأفعال المذكورة من أقام الصلاة وإيتاء الزكاة، والركوع بمعنى ~~الانحناء أو الخضوع، أو من شأنه ذلك، فهو خاص به (عليه السلام) لعدم القول ~~بشموله جماعة مخصوصين مضبوطين معروفين في زمانه، ولا وجه له أيضا. # وأما استعمال لفظ الجمع في الواحد، فمع شيوعه في موارد التعظيم وكون نكتة ~~إيراد الذين آمنوا بلفظ الجمع مع كون المورد واحدا، مذكورة في كتب تفاسيرهم ~~أيضا، لو لم يصرف عن ظاهره فلا انتفاع لهم أيضا، لعدم اندراج الثلاثة بل ~~واحد منهم (2) في الآية البتة، نعم لا يبعد عمومها بالنسبة إلى الأولياء ~~المعصومين الذين لا يخلو زمان منهم حتى يكون المخاطبون المؤمنين، أو ~~المكلفين والأولياء بعد الله # PageV00P075 # ورسوله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) ذريته ~~المعصومين. # وبعد ما ذكرته بطلان توهم كون مقتضى الآية هو الإمامة في وقت ما، فلا ~~ينافي مقتضاها تقدم الثلاثة عليه (عليه السلام)، أوضح من أن يحتاج إلى ~~البيان. # حديث الغدير: # ومنها: حديث الغدير المتواتر، بيانه: أن النبي (صلى الله عليه وآله) جمع ~~الناس بعد رجوعه من حجة الوداع في غدير خم، وجمع الرحال وصعد عليها، فقال: ~~ألست أولى بكم من أنفسكم؟ فقالوا: اللهم نعم، فقال بعد إشارته إلى علي ~~(عليه السلام): فمن كنت مولاه فهذا علي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من ~~عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، حتى قال عمر بن الخطاب: بخ بخ أصبحت ~~مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة (1). # الدليل على كون هذا الخبر من رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنه مع ~~شهرة نقل ms052 العامة هذا الخبر لم يجسر أحد من قدمائهم إنكار هذا الخبر لا ~~تصريحا ولا تلويحا، فلما رأوا دلالة الخبر على إمامة أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) واستدلال أهل الحق به عليها، ارتكبوا تأويلات واهية لا اتجاه لها ~~أصلا، ولو كان لهم سبيل إلى منعه لكان أهون وأسهل، فيجب لو لم يكن صدوره عن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) معلوما عندهم منعه أولا، ثم تعرض ما يتعلق ~~بالدلالة، وعدم تعرض أحد منهم المنع مع كون عادتهم وقانون المناظرة تقديم ~~المنع، يدل على عدم قبول المنع عندهم، ولعل كثرة الكتب المشتملة على أسناد ~~هذا الخبر في زمانهم وخوفهم من الفضيحة منعاهم عن جرأة المنع. # قال السيد المرتضى (رحمه الله): أما الدلالة على صحة الخبر، فما يطالب ~~بها إلا متعنت لظهوره وانتشاره، وحصول العلم لكل من سمع الإخبار به، وما ~~المطالب بتصحيح # PageV00P076 # خبر الغدير والدلالة عليه إلا كالمطالب بتصحيح غزوات النبي (صلى الله ~~عليه وآله) الظاهرة المنشورة (1) وأحواله المعروفة، وحجة الوداع نفسها، لأن ~~ظهور الجميع وعموم العلم به بمنزلة واحدة. # وبعد فإن الشيعة قاطبة تنقله وتتواتر به، وأكثر رواة أصحاب الحديث يرويه ~~بالأسانيد المتصلة، وجميع أصحاب السير ينقلونه عن أسلافهم خلفا عن خلف نقلا ~~بغير إسناد مخصوص، كما نقلوا الوقائع والحوادث الظاهرة، وقد أورده مصنفوا ~~الحديث في جملة الصحيح، وقد استبد هذا الخبر بما لا يشركه فيه سائر ~~الأخبار. # لأن الأخبار على ضربين: أحدهما لا يعتبر في نقله الأسانيد المتصلة، ~~كالخبر عن وقعة بدر وخيبر (2) والجمل وصفين، وما جرى مجرى ذلك من الأمور ~~الظاهرة التي يعلمها الناس قرنا بعد قرن بغير إسناد وطريق مخصوص. والضرب ~~الآخر يعتبر فيه اتصال الأسناد، كأكثر أخبار الشريعة، وقد اجتمع في خبر ~~الغدير معا، مع تفرقهما في غيره من الأخبار، على أن ما اعتبر في نقله من ~~أخبار الشريعة اتصال الأسانيد لو فتشت عن جميعه لم تجد إلا الآحاد، وخبر ~~الغدير قد رواه بالأسانيد الكثيرة المتصلة الجمع الكثير، فمزيته ظاهرة. # ومما يدل على صحة الخبر إطباق علماء الأمة ms053 على قبوله، ولا شبهة فيما ~~ادعيناه من الاطباق، لأن الشيعة جعله الحجة في النص على أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) بالإمامة، ومخالفوا الشيعة تأولوه على خلاف الإمامة على ~~اختلاف تأويلاتهم، فمنهم من يقول إنه يقتضي كونه (عليه السلام) الأفضل، ~~ومنهم من يقول: إنه يقتضي موالاته على الظاهر والباطن، وآخرون يذهبون فيه ~~إلى ولاء العتق، ويجعلون سببه ما وقع من زيد بن حارثة أو ابنه أسامة بن زيد ~~من المشاجرة، إلى غير ما ذكرناه من ضروب # PageV00P077 # التأويلات والاعتقادات. # وما نعلم أن فرقة من فرق الأمة ردت هذا الخبر أو اعتقدت بطلانه، أو ~~امتنعت من قبوله، وما تجمع الأمة عليه لا يكون إلا حقا عندنا وعند ~~مخالفينا، وإن اختلفنا في العلة والاستدلال (1) انتهى. # والدليل الآخر على صحة الخبر ما اشتهر بين العامة والخاصة، على ما ذكره ~~السيد (رحمه الله) بقوله: وقد استدل قوم على صحة الخبر بما تظاهرت به ~~الروايات من احتجاج أمير المؤمنين (عليه السلام) في الشورى على الحاضرين في ~~جملة ما عدده من فضائله ومناقبه، وما خصه الله تعالى به حين قال: أنشدكم ~~الله هل فيكم أحد أخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) بيده، فقال: من كنت ~~مولاه فهذا مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه غيري؟ فقال القوم: ~~اللهم لا. # وإذا اعترف به من حضر الشورى من الوجوه، واتصل أيضا بغيرهم من الصحابة ~~ممن لم يحضر الموضع، كما اتصل به سائر ما جرى، ولم يكن من أحد نكير له ولا ~~إظهار الشك فيه، مع علمنا بتوفر الدواعي إلى إظهار ذلك، لو كان الخبر بخلاف ~~ما حكمنا عليه من الصحة، فقد وجب القطع على صحته (2). # ولا يخفى أن كل واحد من الوجهين يفيد بانفراده القطع بصحة الخبر في ~~الجملة، فكيف مع الاجتماع. # اعترض بعدم تواتر المقدمة التي هي العمدة في الاستدلال، لأن بعض المانعين ~~لدلالة الخبر لم يذكروا المقدمة، وحديث الشورى أيضا خال عنها. # أجاب السيد بما حاصله: إن كل الشيعة وأكثر رواة العامة نقلوا الخبر ~~بمقدمته وبنقل من ms054 نقل، بل بنقل بعضهم تتم الحجة لنا، وإغفال البعض لا ~~يضرنا. وأما # PageV00P078 # حكاية الشورى، فمن باب الاكتفاء بذكر ما هو المشهور عن الباقي، كاكتفائه ~~(عليه السلام) في الشورى في حكاية الطائر بقوله " أفيكم رجل قال له النبي ~~(صلى الله عليه وآله) اللهم أبعث إلي بأحب خلقك يأكل معي غيري؟ " وكذلك ما ~~قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شأنه في خيبر (1). # أقول: مع علمنا بمقدمة الخبر إذا شرعنا في الاستدلال بالخبر، نستدل به ~~على فرض عدم المقدمة أيضا. # قال السيد طاب ثراه: فإن قال: أليس قد حكي عن ابن أبي داود السجستاني دفع ~~الخبر، وحكي عن الخوارج مثله، وطعن الجاحظ في كتابه العثمانية فيه. # قيل له: أول ما نقوله أنه لا معتبر في باب الاجماع بشذوذ كل شاذ عنه، بل ~~الواجب أن يعلم أن الذي خرج عنه ممن يعتبر قوله في الاجماع، ثم يعلم أن ~~الاجماع لم يتقدم خلافه، فإن ابن أبي داود والجاحظ لو صرحا بالخلاف لسقط ~~خلافهما بما ذكرناه من الاجماع، خصوصا بالذي لا شبهة فيه من تقدم الاجماع ~~وفقد الخلاف، وقد سبقهما ثم تأخر عنهما. # على أنه قد قيل: إن ابن أبي داود لم ينكر الخبر، وإنما أنكر كون المسجد ~~الذي بغدير خم متقدما، وقد حكي عنه التنصل من القدح في الخبر والتبري مما ~~قذفه به محمد بن جرير الطبري. وأما الجاحظ، فلم يتجاسر أيضا على التصريح ~~بدفع الخبر، وإنما طعن في بعض رواته وادعى اختلاف ما نقل من لفظه، ولو صرح ~~الجاحظ والسجستاني وأمثالهما بالخلاف لم يكن قادحا لما قدمناه. # فأما الخوارج، فما يقدر أحد على أن يحكي عنهم دفعا لهذا الخبر، أو ~~امتناعا من قبوله، وهذه كتبهم ومقالاتهم موجودة وهي خالية مما ادعي، ~~والظاهر من أمرهم # PageV00P079 # حملهم الخبر على التفضيل، أو ما جرى مجراه من صنوف (1) تأويل مخالفي ~~الشيعة. # وإنما آنس بعض الجهلة بهذه الدعوى على الخوارج ما ظهر عنهم فيما بعد من ~~القول الخبيث في أمير المؤمنين (عليه السلام) فظن أن خلافهم له ms055 ورجوعهم عن ~~ولايته يقتضي أن يكونوا جحدوا فضائله ومناقبه، وقد أبعد هذا المدعي غاية ~~البعد، لأن انحراف الخوارج إنما كان بعد التحكيم للسبب المعروف، وإلا ~~فاعتقادهم لإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) وفضله وتقدمه قد كان أمرا ~~ظاهرا، وهم على كل حال بعض أنصاره وممن جاهد معه الأعداء، وكانوا في عداد ~~الأولياء إلى أن كان من أمرهم ما كان (2) انتهى. # اعلم أنه لا حاجة لنا في إثبات قطعية الخبر إلى إثبات الاجماع، لأن العلم ~~بالخبر قد يحصل بالتواتر، وقد يحصل بالقرائن، وإن لم يكن متواترا، وقد لا ~~يحصل لآخر للاعتقاد بما ينافيه لشبهة، أو لعدم تخلية النفس، فكما أن ~~الاعتقاد بما ينافي الأوليات لشبهة مع جلائها وغنائها عن جميع ما هو خارج ~~عنها مانع عن الاذعان بها، فكذا غيرها. # ولا يخفى على أحد ممن خلى نفسه عن الأغراض، وفرض عرض عقائده وأعماله على ~~الميزان، قطعية الخبر بملاحظة الدليلين المنقولين، لصحة الخبر من السيد ~~(رحمه الله) بل بأحدهما، وإن فرض إصرار الخوارج والجاحظ وابن أبي داود في ~~إنكار الخبر من غير حاجة إلى ملاحظة زمان سابق ولاحق عن زمانهم. # اعلم أن صاحب المغني سئل بما حاصله: أن مقدمة الرواية لما دلت على وجوب ~~الإطاعة والانقياد، فكذا الجملة التابعة لها. وأجاب بما حاصله: تجويز إرادة ~~الاشفاق والرحمة وحسن النظر وغيرها مما لا حاجة لنا إلى نقله، إلى أن قال: ~~على # PageV00P080 # أن كثيرا من شيوخنا (1) ينكر أن يكون هذه المقدمة ثابتة بالتواتر، ونقول: ~~إنها من باب الآحاد، والثابت قوله (صلى الله عليه وآله) " من كنت مولاه " ~~إلى آخر الخبر، وهو الذي ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) في مجالس عدة عند ~~ذكر مناقبه (2) انتهى. # ولا يخفى من سياق الكلام أنه لم يجترأ من إنكار المقدمة ولا من انتسابه ~~إلى مشايخه مطلقا، بل نسبه إلى كثير من شيوخه التي تدل على كون المقدمة ~~متواترة عند باقي شيوخه، وهذا قاطع في كون المقدمة متواترة عند بعضهم، ~~وتواتر المقدمة لا ينافي عدم نقل بعضهم، فلعل ترك بعضهم للمنافاة ms056 لما أصروا ~~عليه لبعض الدواعي، وبعضهم لشبهة عدم التواتر من عدم نقل البعض الأول، أو ~~عدم ذكر أمير المؤمنين (عليه السلام) في الشورى. # ووجه دلالته مع المقدمة على الإمامة: أن المولى وإن استعمل في اللغة ~~بمعنى العبد والمالك والمحب والمعتق والمعتق والقريب كابن العم ونحوه، ~~والجار والحليف والنزيل والشريك والناصر والمنعم والمنعم عليه والتابع ~~والصهر والصاحب والأولى بالأمر، لكن مراده (صلى الله عليه وآله) من المولى ~~هو الأولى بأمور الأمة، لأن غيره من المعاني لا يحتمل # PageV00P081 # في شأنه (صلى الله عليه وآله) بعضه مطلقا، وبعضه بقرينة السياق والمقدمة، ~~فيدل الخبر على كون أمير المؤمنين (عليه السلام) أولى بالأمة، كما كان رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) أولى بهم، وأولوية غير النبي هي الإمامة. # واعلم أن الرواية مع ظهورها فيما ذكرته لها مؤيدات: # منها: أن في جمع الرحال وصعوده (صلى الله عليه وآله) عليها ليري الحاضرون ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) حين بيانه ~~(صلى الله عليه وآله) مرتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) ويسمعوا كلامه، ~~دلالة على عظم الأمر الذي دعاه إلى ما فعل، وهذا العظم لا يليق بغير ~~الخلافة مما ذكره بعض المنكرين. # ومنها: قوله تعالى * (يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم ~~تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس) * (1) ووجه التأييد: أن الآية ~~تدل على غاية المبالغة في تبليغ الأمر، واستئناس رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) الامتناع التام عن هذا الأمر، بحيث خاف (صلى الله عليه وآله) أن ~~يترتب على تعجيل التبليغ ما ربما يدفعه التأخير. # واحتمال كون نزول الآية لمطلق التبليغ واشتماله على الخوف لكثرة الكفار ~~وقلة المعاون تدفعه مدنية الآية، فيدل سياق الآية على أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) أمر بتبليغ شئ كان كثير من الناس في غاية النفرة والإباء، ~~وهذا الأمر لم يكن الصلاة والزكاة والجهاد في سبيل الله، وترك المنهيات ~~المشهورة، لأن أشد الأمور المحتملة غير الإمامة هو الجهاد، ولم يكن لغير ~~المنافقين ms057 الظاهرين إباء منه، والمنافقون أيضا لم يكونوا متنفرين عن الجهاد ~~مطلقا، بل كان بعضهم يتخلفون باظهار بعض الأعذار الكاذبة، وبعضهم يحضرون ~~ولكن يجتنبون عن المخاوف ويوطنون أنفسهم على الهرب عند الخوف. وأما النفرة ~~عن الجهاد بحيث يناسب الخوف في إظهاره فلا، فهذا # PageV00P082 # الأمر (1) هو نصب أمير المؤمنين (عليه السلام) علما للناس، لمنافاته ما ~~يرجو بعضهم لأنفسهم وبعضهم لمن يرجو منه ما يرجو. # فإن قلت: ظاهر أن خلص المؤمنين لا يكرهون ما أمر الله ورسوله به، وعند ~~غيرهم لا شئ أحب من الحياة، فإذا رضوا بالجهاد الذي مشتمل على قتل الأقارب ~~والعشائر والأولاد والأنفس، فكيف لا يرضون بتعيين الخليفة؟ # قلت: هذا الاستبعاد ليس في محله، لأنه شاع مقاتلة صاحب مذهب مثله بمعاونة ~~من يخالفه في المذهب، لما يرجوه من المال والجاه، ويعلم أنه ربما قتل في ~~تلك المحاربة قبل أن يحصل مطلوبه، بل ربما رغبوا ملكهم بقتال المؤمنين ~~لرجائهم بالظفر عليهم حصول الجاه لهم، مع أن الثلاثة المختلسين للخلافة لم ~~يكن من عادتهم المجادلة والقتال والمعارضة مع الأقران والأبطال، ولم يكونوا ~~ناكفين عن فضيحة الهرب، بل كان الهرب مفزعهم عند شدائد الخوف والتحام ~~الحرب، فعدم كراهة أمثالهم في المجادلة والمحاربة، وغاية الإباء والاستنكاف ~~عن بيان حق الولاية ليس بعيدا بوجه. # آية الاكمال: # ومنها: ما رواه ابن الأثير في جامع الأصول، في الكتاب الأول من حرف التاء ~~في تفسير القرآن، من صحيح البخاري ومسلم والترمذي والنسائي، عن طارق بن ~~شهاب، قال: قالت اليهود لعمر: إنكم تقرؤون آية لو نزلت فينا لاتخذناها ~~عيدا، # PageV00P083 # فقال عمر: إني لأعلم حيث أنزلت، وأين أنزلت، وأين رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) حين أنزلت يوم عرفة، وأنا والله بعرفة، قال: وأشك كان يوم ~~الجمعة أم لا " اليوم أكملت لكم دينكم ". # وفي رواية قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا أمير ~~المؤمنين آية في كتابكم نزلت تقرؤونها لو علينا نزلت معشر اليهود لاتخذنا ~~ذلك اليوم عيدا، قال: فأي آية؟ قال: " اليوم أكملت لكم دينكم ms058 وأتممت عليكم ~~نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " فقال عمر: إني لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، ~~والمكان الذي نزلت فيه، نزلت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعرفات في ~~يوم الجمعة. أخرجه الجماعة إلا الموطأ وأبو داود. # ومن صحيح الترمذي، عن ابن عباس أنه قرأ " اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت ~~عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا " وعنده يهودي، فقال: لو أنزلت هذه ~~الآية علينا لاتخذناها عيدا، فقال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيدين في ~~يوم جمعة ويوم عرفة. أخرجه الترمذي (1). # وجه التأييد (2): أن الظاهر أن تمام الدين ببيان الخليفة بعد رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) لحفظ الشريعة وبيان ما يحتاج الناس إليه، ولعل الله ~~تعالى أخبر رسوله (صلى الله عليه وآله) بالحافظ # PageV00P084 # للشريعة والخليفة بعده، وأخبر بكمال دينه به بقوله تعالى * (اليوم أكملت ~~لكم دينكم) * (1) وأمر بتبليغه بلا تعجيل في التبليغ، فأخر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) رعاية للوقت المناسب، لكون الأمر موسعا، أو انتظارا لبيان ~~وقت التبليغ، لكون هذا التبليغ غير موافق لطباع الناس، فينبغي انتظار الوقت ~~المناسب، فشدد الله تعالى في التبليغ ووعده بالعصمة من الناس بيانا لحضور ~~الوقت، وإعلاما للمستبصر عن كيفية الأمر. # ويؤيد ما ذكرته كون نزول هذه الآية في حجة الوداع، وكون هذه الآية وآية ~~التبليغ وآية الولاية في سورة واحدة هي سورة المائدة، وما نقل من طريق ~~الشيعة في باب المسح على الرجلين عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أن ~~المائدة نزلت قبل وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بشهرين أو ثلاثة ~~(2). # اعترض صاحب المغني بما نقل عن شيخه بما حاصله: أن معنى الخبر الإبانة عن ~~الفضل القطعي بحسب الأزمان، فأوجب رسول الله (صلى الله عليه وآله) موالاته ~~على القطع من غير اختصاص بالحاضرين، وهذه منزلة أشرف من منزلة الإمامة تختص ~~به، ودلوا على أن المراد بمولى ما ذكروه بقوله تعالى * (ذلك بأن الله مولى ~~الذين آمنوا) * (3) وأن المراد بذلك موالاة الدين والنصرة، وبقوله تعالى * ~~(فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح ms059 المؤمنين) * (4) وبينوا أن الموالاة وإن ~~كانت مشتركة، فقد # PageV00P085 # غلب عرف الشرع في استعمالها في هذا الوجه، قال الله تعالى * (والمؤمنون ~~والمؤمنات بعضهم أولياء بعض) * (1) ويدل على هذا " اللهم وال من والاه " ~~وقول عمر " أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " يدل على أن هذا هو المراد ~~انتهى كلامه بعضه بالمعنى وبعضه باللفظ (2). # وحاصله: أن الموالاة وإن كان كانت بحسب اللغة النصرة، لكن ربما كان ~~استعمالها في هذا المقام في كمالها الذي هو موافقة الظاهر للباطن، ولهذا لا ~~يختص الدعاء بالموالاة بالحاضرين في المكان والموجودين في الزمان. # وفيه أنه ظهر من كلامه عدم حكمه بعدم تواتر المقدمة، وظاهر أن قوله (صلى ~~الله عليه وآله) " ألست أولى بكم من أنفسكم " لا يناسب غير الأولوية في ~~أمور الأمة ووجوب الطاعة، فذو المقدمة مثلها. وأيضا قول عمر " أصبحت مولاي ~~ومولى كل مؤمن ومؤمنة " موافق للأولوية التي ذكرتها لا لما ذكره. # وأيضا يجب حمل اللفظ على معنى يفهمه الناس، وظاهر أن الأولوية المذكورة ~~في المقدمة مما يفهم العامة والخاصة، منها معنى الأولوية في أمرهم ووجوب ~~إطاعتهم، ولا يفهم منها أحد ممن يخلو نفسه عن الأغراض ما ذكره، فكيف يحمل ~~الكلام الذي صدر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بمجمع عام مع اهتمامه ~~التام في الاسماع لإفهامهم على معنى لا يفهمه أحد منهم أو أكثرهم وأيضا ~~أصبحت في قول عمر يدل على أن حصول هذه الحالة كان في هذا اليوم، ولو كان ~~المراد كما ذكره كان الحصول سابقا والاظهار في هذا اليوم. # وأيضا استدلاله (عليه السلام) بهذا الخبر في الشورى يدل على دلالته على ~~الإمامة، سواء كانت باعتبار المزية التي تظهر منه على ما نقلنا من شيخ صاحب ~~المغني، أو للدلالة # PageV00P086 # على أولويته بالأمر، وإلا لم يكن الحق دائرا معه (عليه السلام)، وهو خلاف ~~الرواية المنقولة بطرق الخاصة والعامة المسلمة بين الفرق. # لا يقال: استدلاله بهذا الخبر في الشورى لا يدل على ادعائه الإمامة بهذا ~~الخبر في هذه المرتبة لا قبل الأول. # لأنا نقول: استدلاله بهذا ms060 الخبر يدل على استحقاقه الإمامة أول الأمر، ~~لدلالة الخبر على أنه (عليه السلام) مولى لمن كان رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) مولاه، وكونه (صلى الله عليه وآله) مولى عام فكذا أمير المؤمنين ~~(عليه السلام)، وعدم القائل بإمامته (عليه السلام) بعد عمر. # وتوهم السؤال هاهنا بدلالة الخبر على إمامته (عليه السلام) في زمانه (صلى ~~الله عليه وآله) على تقدير حقية ما ذكر، مثل السؤال المذكور في آية ~~الولاية. # والجواب مثل الجواب المذكور هناك مع زيادة، هي أن السامعين لمثل هذه ~~المقالة من الأنبياء والأئمة والسلاطين والمشايخ يفهمون منه الاستخلاف الذي ~~هو النيابة بعد الوفاة لا الشراكة حين الحياة. # قال صاحب المغني بعد منع كون المراد من المقدمة وجوب الطاعة والانقياد، ~~وتجويز كون المراد بها الاشفاق والرحمة وحسن النظر، ما حاصله: أنه على ~~تقدير تسليم أن المراد بالمقدمة ما ذكروه، فلا نسلم وجوب رعاية موافقة معنى ~~المقدمة في الجملة التالية، بل تقديم المقدمة للتأكيد عليهم، مثل قوله (صلى ~~الله عليه وآله)، إنما أنا لكم مثل الوالد، فإذا ذهب أحدكم إلى الغائط، فلا ~~يستقبل القبلة ولا يستدبرها بغائط وبول (1). # فكأنه (صلى الله عليه وآله) قال: ألست أولى بكم في بيان الشرائع ~~والأحكام، فإذا كنت كذلك في بيان الدين، فمن يلزمه موالاتي ونصرتي وإطاعتي ~~ظاهرا وباطنا، فليوال عليا على هذا الحد، ولو صرح بما ذكرته كان خارجا عن ~~العبث. # PageV00P087 # وقال السيد في جوابه ما حاصله: قد يكون اللفظ محتملا لأمر منفرد أو لا ~~يحتمله منضما، كما أنه إذا قال صاحب عبيد: عبدي حر، فلفظه مجمل محتمل لكل ~~واحد من عبيده، وبأيهم فسره فهو مقبول، وإذا عين أحد عبيده بصفات وقال ~~بعدها: عبدي حر، فالمراد هو العبد المعين، ولو فسره بغيره فهو خطأ واضح. # وما شبهه بقوله (صلى الله عليه وآله) " إنما أنا لكم مثل الوالد " الخ ~~خارج عن المشابهة، لأن تعيين المقدمة لمعنى التالي لها إنما هو في موضع ~~يحتمل المؤخر معنى المقدم، والمثال ليس كذلك، وجواز أحدهما وعدم جواز الآخر ~~واضح، وكذلك ms061 مخالفة حكم التصريح والاجمال، وجواز التصريح بهذا وعدم جواز ~~الاجمال مع إرادة هذا المعنى (1). # وأقول: موالاته ونصرته (عليه السلام) ظاهرا وباطنا مثل موالاة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) ونصرته مأخوذ على الأمة، بناء على هذا الاحتمال فكيف ~~حال أهل الشورى؟ # أليس ذكر مناقبه (عليه السلام) التي منها حديث الغدير في يوم الشورى في ~~مقام استدلاله (عليه السلام) على استحقاق الأمر دعوى منه بالاستحقاق؟ أو لم ~~يكن هذا استنصارا منه (عليه السلام) بهم وبغيرهم ممن قال بوجوب إطاعة ~~الرسول (صلى الله عليه وآله)؟ ألم يكونوا مندرجين في دعاء رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) على من خذله (عليه السلام)؟ أليس ما فعلوه تركا لقول رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) ورعاية ما قاله ابن الخطاب ضمنا - كما يظهر لك ~~في مبحث الشورى إن شاء الله تعالى - وابن عوف صريحا؟ # تأمل فيما يقول المنكر للولاية لابقاء الاعتقاد الذي وجد آباءه وكبراءه ~~عليه، فافرض احضارك للحساب، وهيأ الجواب ليوم المآب، واتبع الصادق المصدق ~~الذي لم يتكلم عن الهوى، ولا ترض بمساواتك لمن رد قول الصادق المصدق بقوله # PageV00P088 # * (إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون) * (1). # نقل صاحب المغني عن شيخه أبي الهذيل ما حاصله: أن بعض أهل العلم نقموا ~~على علي (عليه السلام) بعض أموره، فظهر على رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، فأخبر منزلته (عليه السلام) دفعا للفتنة، وقال بعضهم: إن سبب ذلك ~~أنه وقع كلام بين أمير المؤمنين (عليه السلام) وبين أسامة بن زيد، فقال ~~أمير المؤمنين (عليه السلام): أتقول هذا لمولاك، فقال: لست بمولاي بل مولاي ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقال (صلى الله عليه وآله): من كنت مولاه ~~فعلي مولاه، يريد بيان منزلته (عليه السلام)، وقال بعضهم مثل ذلك بينه وبين ~~زيد بن حارثة، وأنكروا كون خبر الغدير بعد موت زيد. # أقول: وإن لم يرض القاضي بما قاله شيخه، وقال: المعتمد في معنى الخبر ما ~~قدمناه، لأن كل ذلك لو صح وكان الخبر خارجا، فلم يمنع ms062 من التعلق بظاهره وما ~~يقتضيه لفظه، فيجب أن يكون الكلام في ذلك دون بيان السبب الذي وجوده كعدمه ~~في أن وجود الاستدلال بالخبر لا يتغير، لكن لما جوز بعض المتأخرين هذه ~~الاحتمالات، وكانت شبهة لبعض الناظرين، نقلته مع بعض ما يتعلق به. # وحاصل بعض ما ذكره السيد في جوابه الحوالة بما ذكره سابقا من اقتضاء ~~الخبر الإمامة، فما ينافي الاقتضاء فهو باطل. وأما نسبة المنازعة إلى خصوص ~~زيد، فباطل بوجه آخر، وهو أنه قتل بموتة، وحديث الغدير بعد المراجعة من حجة ~~الوداع، وبينهما زمان طويل (2). # وأيضا لو كان المقصود من الخبر ما ذكروه، لما حسن من أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) احتجاجه به في الشورى، ولوجب أن يقول القوم في جوابه: سبب هذا ~~الخبر كيت وكيت فلا يدل على فضلك، فالاحتجاج والسكوت شاهدان على بطلان # PageV00P089 # الاحتمالات المذكورة. # وأيضا على ما ذكروه لم يكن لقول عمر على ما تظاهرت به الروايات " أصبحت ~~مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة " معنى. # اعلم أن بعض ما ذكر من الاستدلال بخبر الغدير استدلال به مع المقدمة ~~وبعضه عام، ويمكن الاستدلال به من غير حاجة إلى المقدمة بقوله (صلى الله ~~عليه وآله) " اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من ~~خذله " بأن نقل الشيعة متواتر في كونه مدعيا للإمامة في أول الأمر في مواضع ~~يمكن اظهاره، وكونه متواترا لا ينافي عدم ظهوره للمنكرين لاعتقادهم بضد ~~ذلك، باعتبار عدم التخلية في المستدلين والتبعية لهم في المقلدين، ~~والاعتقاد بالضد مانع لظهور الحق وإن كان متواترا، ولهذا لم يظهر معجزة ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) لليهود والنصارى وسائر المنكرين. # وكما يدل النقل على دعوى الإمامة، كذلك سيرته (عليه السلام) في الامتناع ~~عن البيعة على قدر الإمكان أولا، وإظهاره كونه مظلوما في بعض المواضع آخرا، ~~كما يظهر لك عند بلوغ النوبة إليه إن شاء الله تعالى، وإذا كان مدعيا ~~للأمر، ووجب موالاته ونصرته، ويستحق المعاداة والخذلان من عاداه وخذله، ~~فالأمر حق له، فذكر المقدمة ليس لحاجة المطلوب ms063 إليها بل للأظهرية، بل لك ~~استنباط المطلوب من قوله (صلى الله عليه وآله) " واخذل من خذله " من غير ~~حاجة إلى الكلام السابق مطلقا. # حديث المنزلة: # ومنها: حديث المنزلة، هذا الخبر مما استدل به الشيعة على إمامة أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وتكلم في الدلالة من أنكر، ولم يتكلم في السند، ~~وصرح جمع بتواتره والظاهر معهم، ولو سلم عدم التواتر لا يخفى كونه من رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله)، بقرينة نقل العامة والخاصة، وعدم إنكار منكري ~~إمامته (عليه السلام)، مع غاية اهتمامهم في إنكار ما PageV00P090 # يمكن إنكاره، ولم يذكروا عدم صدوره عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~بعنوان التجويز والاحتمال، إلا بعض المنكرين الذين لا يبالون بما قالوا، ~~مثل شارح التجريد فإنه منع التواتر، لكن لم يقدر على منع الصحة لغاية ~~الفصاحة. # روى ابن الأثير في جامع الأصول، من صحيح البخاري ومسلم والترمذي، عن سعد ~~بن أبي وقاص، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خلف علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله تخلفني في النساء والصبيان؟ ~~فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. # وعن الترمذي أنه قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى. # وفي رواية عن جابر أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال لعلي: أنت مني ~~بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي. # ومن صحيح مسلم والترمذي، عن سعد بن أبي وقاص، أن معاوية أمر سعدا، فقال ~~له: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ذكرت ثلاثا قالهن له رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) فلن أسبه، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر ~~النعم، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول له وقد خلفه في بعض ~~مغازيه، فقال علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء الخبر مثل ما تقدم لسعد، ~~لكن هاهنا: إلا أنه لا نبوة بعدي الخبر (1). # PageV00P091 # وجه الدلالة: على ما يظهر من كلام بعض ms064 العلماء (رحمه الله) مع تقريب ~~وتكميل مني، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أثبت لأمير المؤمنين (عليه ~~السلام) منزلة هارون من موسى، واستثنى منها منزلة النبوة، فيفهم منه إرادة ~~عموم المنازل، لأنه إما أن أراد بقوله " بعدي " بعد وفاتي، أو بعد نبوتي، ~~فعلى الأول دلالة الخبر على المقصود ظاهرة، وعلى الثاني PageV00P092 # يندرج بعد الوفاة في عموم اللفظ، لعدم تقييده " بعدي " مريدا به بعد ~~نبوتي بما يقتضي انقضائه بالوفاة، بل إرادة العموم ظاهرة، ولا أظن أحدا ~~يقول بأن مقصوده (صلى الله عليه وآله) لا نبي بعد نبوتي إلى الوفاة. # وينتفي احتمال إرادة منزلة معهودة باستثناء منزلة النبوة، وجعل إضافة ~~المنزلة إلى هارون (1) للعهد، وجعل الاستثناء منقطعا لا وجه له، إلا أن ~~يقال: وإن كانت المنزلة المثبتة منزلة معهودة هي خلافته (عليه السلام) في ~~زمان الغيبة، لكن لما كان مظنة أن يتوهم اشتراكه (عليه السلام) مع هارون في ~~النبوة، فاستثناه دفعا لهذا التوهم، ولا يخفى وهنه، لأنه لا يتوهم نبوته ~~(عليه السلام) حتى يحسن الدفع لظهور ختم النبوة به (صلى الله عليه وآله) في ~~ذلك الزمان أيضا، ولم لم يدفع (صلى الله عليه وآله) توهم إرادة العموم أو ~~كان المقصود هو العهد؟ مع كونه ظاهر الحاجة إليه، وبالجملة نسبة مثل هذا ~~الاحتمال لا تليق بكلام من يظن منه أدنى معرفة بأسلوب التكلم، فكيف ينسب ~~إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ # لا يقال: احتمال العموم لا يحتاج إلى الدفع، لأن خصوص مورد الخبر كما ظهر ~~من النقل، أو ارجوفة المنافقين كما جوزها بعض يدفعه. # لأنا نقول: من أن خصوص المورد لا يخصص اللفظ، وحكاية الارجوفة في غاية ~~الضعف، لأنه لم يستند إلى نقل معتمد، كما ذكره السيد، وعدم شيوع النقل وعدم ~~استناده إلى سند معتبر مع تعلق غرضهم به واهتمامهم في تقوية أمثال تلك ~~الاحتمالات يدل على العدم وإن لم نحتج إلى بيانه. # فإن قلت: يجب إثبات ما يمكن إثباته من منازل هارون لأمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، والإمامة ليست من منازل ms065 هارون. # قلت: من جملة منازله منزلة الأولوية بأمور الأمة، ووجوب الإطاعة، وهذه # PageV00P093 # المنزلة في غير النبي هي الإمامة. وعدم بقاء هارون بعد موسى (عليه ~~السلام) لا يضر هنا، لأن منزلته من موسى (عليه السلام) في وجوب الإطاعة ~~كانت منزلة لا تحتمل الارتفاع على تقدير البقاء من غير بيان كمال فائق حصل ~~لآخر يوجب مزيته ببيان موسى، أو بالمعجزة، أو باعتراف هارون الذي علم صدقه ~~في الأمور بالنبوة، وفي حكاية السقيفة وسيرة الصحابة دلالة واضحة على خلو ~~الواقعة عنها. # ومنع عموم المنزلة لاحتمال كون بعض منازل هارون على تقدير البقاء صيرورته ~~صاحب شرع مطاع بالأصالة لا بالنيابة، وامتناع هذا بالنسبة إلى أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) لا ينافي (1) ثبوت منزلة النيابة والخلافة له مع ~~بقاء الحال بلا تغيير، وهو كاف لنا، ولا ينافي احتمال أمر يمتنع في حق أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) لو لم يكن باطلا في شأن هارون على تقدير البقاء ~~لوجوب التخصيص، وهذا ليس بعيدا لعدم كونه مما يتبادر من الأحوال، بخلاف ~~وجوب الإطاعة والأولوية في أمر الأمة، لظهور تبادرهما من حديث المنزلة. # وأقول: يمكن تقرير الحديث بوجه آخر، وهو أن يقال: منزلة هارون من موسى ~~(عليه السلام) كانت منزلة تفوق منزلة كل أهل زمانه، لكونه بعد موسى (عليه ~~السلام) أعلم من الكل، وأقرب إلى الله تعالى منهم، فلم يكن لأحد التقدم ~~عليه بحسب الجلالة # PageV00P094 # والقرب إلى الله تعالى مع كونهم في تلك الحال، نعم يمكن كمال ناقص عن ~~مرتبته بحيث يصير أكمل من هارون، فيكون منزلته حينئذ أقرب من منزلة هارون، ~~أو وجود كامل يكون أكمل من هارون لم يكن موجودا، وظاهر أن المنزلة المثبتة ~~لأمير المؤمنين (عليه السلام) عند الخروج إلى تبوك هي المنزلة الثابتة ~~لهارون التي هي أكمل من جميع منازل الأمة من موسى. # فالمنزلة المثبتة لأمير المؤمنين (عليه السلام) كانت فائقة على منازل كل ~~الأمة، ولم يكن لأبي بكر وغيره منزلة أمير المؤمنين (عليه السلام) بمقتضى ~~هذا الخبر، ولم يكن لأبي بكر بعد الخروج إلى تبوك ms066 تقوية في الدين زائدا على ~~ما كان من أمير المؤمنين (عليه السلام) بحسب الحرب والجهاد وهداية الأمة ~~والرشاد، ولا التعلم من أبواب علوم رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فبأي ~~شئ حصل له استحقاق الأمر بعد عدمه بالخبر؟ أبترقيات واضحات حصلت له أم ~~بتنزلات فاضحات ظهرت من أمير المؤمنين (عليه السلام)؟ حاشاه عنها. # فلو كان استحقاقه بأحدهما، فلم لم يذكروه في السقيفة؟ ولم لم يذكر أحد ~~ممن قال بإمامته في أزمان متمادية من ذلك اليوم إلى يومنا بدليل شاف وطريق ~~واف يدل على حصول أحدهما حتى يطمئن السامع بقوله (1)؟ والقائلون بها بقولهم ~~بدليل واف يصح التمسك به؟ ولم تمسكوا بلفظ الاجماع الذي خال عن المعنى؟ كما ~~سيظهر لك. # وما ذكرته هاهنا مبني على حمل " بعدي " على بعد نبوتي كما هو الظاهر، ~~وأما على تقدير إرادة بعد وفاتي، فلا يحتاج إلى البيان. # وأيضا هذه المنزلة من الأمور التي لا يمكن الاطلاع عليها إلا بالتوقيف ~~والمعجزة على وفق الدعوى، ولا يقول بأحدهما في شأن أبي بكر أحد من أهل ~~العلم، وبطلان كلام البكرية ظاهر لمن تدبر أمر السقيفة كما سيظهر، وأي ~~توجيه لترك مقتضى هذه # PageV00P095 # المنزلة المبينة؟ # ويمكن الاستدلال بهذا الخبر بذكره (عليه السلام) في الشورى في مقام ~~الاستدلال به على استحقاق الإمامة، بتقريب ذكرته في حديث الغدير. # اعترض بعدم اندراج المنزلة المقدرة التي هي الخلافة على تقدير البقاء في ~~الحديث. أجيب بأنه قد يندرج بعض المنازل المقدرة في المنزلة، كما لو قال ~~أحد: # منزلة زيد مني منزلة عمرو، وكان لعمرو منزلة لو سأل عنه أموالا عظيمة ~~أعطاه بلا تأخير وكراهة، لكنه لم يتفق له السؤال، فسأل زيد منه درهما، يحكم ~~العقل بوجوب العطاء بمقتضى المنزلة، فإن لم يعطه وأباه يحكم أهل التميز ~~بالتخالف الواضح بين قول المخبر بالمنزلة وفعله، وظاهر أن ما نحن فيه من ~~هذا القبيل. # وبأنه يمكن أن يقال: إن كون هارون بحيث لو بقي بعد موسى لم ينعزل عن ~~الخلافة ليس منزلة مقدرة، بل هذه الحيثية ثابتة له ms067 بالفعل، والمقدر هو ~~البقاء لا الكون المذكور، والفرق بين البقاء والكون المذكور واضح. # اعترض بما حاصله: أنه إن كان مقصوده (صلى الله عليه وآله) إثبات منزلة ~~الإمامة لأمير المؤمنين (عليه السلام) بعد وفاته لكان المناسب أن يقول: ~~بمنزلة يوشع بن نون من موسى. # أجاب السيد بما حاصله: أن قصد عموم المنزلة لبعض أحوال الحياة التي هي ~~حاله عدم حضور رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحالة الممات، وكون منزلة ~~هارون أظهر وأشهر ونطق بها القرآن، وظهور اندراج المنزلة المقدرة في عموم ~~المنزلة، وكون استحقاق هارون للأمر منزلة محققة مناسبة لمنزلة هارون لا ~~منزلة يوشع، مع أن كون منزلة يوشع بن نون هي الخلافة والإمامة غير ظاهر، ~~ونبوته لا تستلزم الخلافة، فلعل خلافة موسى (عليه السلام) كانت لولد هارون، ~~كما يدل عليه نقل اليهود وبعض PageV00P096 # الروايات (1). # حديث وهو ولي كل مؤمن بعدي: # ومنها: ما رواه ابن الأثير في جامع الأصول، من صحيح الترمذي، عن عمران بن ~~الحصين، قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) جيشا واستعمل عليهم علي ~~بن أبي طالب، فمضى في السرية، فأصاب جارية، فأنكروا عليه، وتعاقد أربعة من ~~أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) فقالوا: إذا لقينا رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) أخبرناه بما صنع علي، وكان المسلمون إذا رجعوا من سفر بدأوا ~~برسول الله (صلى الله عليه وآله)، فقام أحد الأربعة فقال: يا رسول الله ألم ~~تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا وكذا؟ فأعرض عنه رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، ثم قام الثاني فقال مثل مقالته، فأعرض عنه، ثم قام الثالث فقال مثل ~~مقالته، فأعرض عنه، ثم قام الرابع فقال مثل ما قالوا، فأقبل إليهم رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) والغضب يعرف من وجهه، فقال: ما تريدون من علي؟ ~~ما تريدون من علي؟ ما تريدون من علي؟ # إن عليا مني وأنا منه، وهو ولي كل مؤمن بعدي (2). # وفيه أمور ينبغي التنبيه عليها: # أحدها: عرفان الغضب من وجهه (صلى الله عليه وآله)، ms068 مع أن كلامهم انتساب ~~ما زعموه منكرا إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، فبأي سبب حصل الغضب من ~~مقالتهم؟ مع أن ظاهر الحال يقتضي بيان جواز ما فعله بلا غضب، لأن اللايق ~~بالأمة عرض من وقع في الغنيمة وغيرها من أموال المؤمنين إذا ظنوا أنه لم ~~يقع على وجه شرعي على رسول الله (صلى الله عليه وآله) واللايق به بيان ~~حكمه. # وثانيها: غاية الانكار من مقالتهم بتثليث قوله " ما تريدون من علي؟ ". # PageV00P097 # وثالثها: ذكر قوله (صلى الله عليه وآله) " إن عليا مني وأنا منه " مقارنا ~~للتأكيد ب‍ " إن ". # ورابعها: قوله " وهو ولي كل مؤمن بعدي " فلعل وجه الأولين أن ظهور جلالة ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) ومدائحه المشهورة، كان كافيا في العلم بأنه لا ~~يصدر منه قبيح، وعلى تقدير عدم علم بعضهم لضعف المدرك، فلا أقل من تجويز ~~عدم القباحة، فلا وجه لجزمهم بصدور منكر منه، كما يدل تعبيرهم بقولهم " ألم ~~تر إلى علي بن أبي طالب صنع كذا؟ " عليه ظاهرا، ولعل هذا الغضب والإنكار ~~منه (صلى الله عليه وآله) لأن منشأ هذه الظنون: إما عداوة علي (عليه ~~السلام) الدالة على النفاق كما يجئ، أو قلة مبالاتهم بما سمعوا من رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) في شأنه (عليه السلام) الناشئة من ضعف الإسلام. # ولعل وجه الأخيرين تأكيد ما ظهر منه (صلى الله عليه وآله) سابقا، ~~لدلالتهما على صدور منكر منه أصلا، فلعله (صلى الله عليه وآله) استدل بكون ~~علي (عليه السلام) منه وكونه (صلى الله عليه وآله) من علي (عليه السلام) ~~على المناسبة التامة النافية لجواز المنكر والخطأ، تأكيدا للإنكار وتأسيسا ~~لمنقبة زائدة على ما ظهر من منزلته (عليه السلام). # ويدل هذا الاختصاص على مزية لا يجوز معها تقدم أحد عليه، وعلى كونه صادقا ~~في جميع الأقوال والأفعال التي منها دعوى الإمامة، كما يدل عليها تأخره عن ~~البيعة مع اهتمامه التام في المسارعة إلى الخير. # وقريب منه في الدلالة على الأمر قوله (صلى الله عليه وآله) " وهو ولي كل ~~مؤمن بعدي ms069 " مع مزيد، وهو أن الولاية هاهنا هي الأولوية بأمور المؤمنين، ~~كما يدل عليه السياق. # ويمكن أن يستدل بهذا الخبر بعد ما ظهر من دلالته على صدق الأقوال ~~والأفعال على تقدمه على عثمان بما ذكره في الشورى في مقام الاستدلال، فيدل ~~على تقدمه على الكل لعدم القائل بالفصل، وبما ذكرته في شرح حديث الغدير ~~والمنزلة لا نحتاج هاهنا إلى تفصيل زائد. PageV00P098 # حديث الثقلين: # ومنها: ما رواه العامة والخاصة من قوله (صلى الله عليه وآله): إني تارك ~~فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا ~~حتى يردا علي الحوض (1). # PageV00P099 # وصاحب المغني لم يتكلم في سنده أصلا. وقال السيد: إن أحدا منهم لم يخالف ~~في صحته، وهذا يدل على أن الشك مرتفع فيه (1) انتهى. # ويجب أولا تعيين أهل البيت (عليهم السلام) ثم التكلم في دلالة الخبر على ~~المدعى. # أما أهل البيت، فهم الذين تواترت الأخبار في فضائلهم من طرق العامة ~~والخاصة، فمع غنائها عن الرواية نذكر بعض ما وجدناه في صحاحهم. # روى ابن الأثير في جامع الأصول في الفصل الثالث من الباب الرابع في فضائل ~~أهل البيت، من صحيح الترمذي، عن سعد بن أبي وقاص، قال: لما نزلت هذه الآية ~~* (ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم) * الآية، دعا رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: اللهم هؤلاء أهل بيتي ~~(2). # ومن صحيح الترمذي، عن أم سلمة قالت: إن هذه الآية نزلت في بيتها * (إنما ~~يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * قالت: وأنا جالسة ~~عند الباب، فقلت: يا رسول الله ألست من أهل البيت؟ فقال: إنك على خير، إنك ~~من أزواج رسول الله، قالت: وفي البيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي ~~وفاطمة وحسن وحسين، فجللهم بكساء، وقال: هؤلاء أهل بيتي، فأذهب عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا (3). # ومن صحيح مسلم، عن عائشة، قالت: خرج رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وعليه مرط # PageV00P100 # مرحل أسود، فجاء الحسن فأدخله، ثم جاء الحسين فأدخله، ثم جاءت ms070 فاطمة ~~فأدخلها، ثم جاء علي فأدخله، ثم قال: * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس ~~أهل البيت ويطهركم تطهيرا) * (1). # ومن صحيح الترمذي، عن أنس أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يمر ~~بباب فاطمة إذا خرج إلى الصلاة حين نزلت هذه الآية قريبا من ستة أشهر، ~~يقول: الصلاة أهل البيت * (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ~~ويطهركم تطهيرا) * (2). # فظهر من الأخبار أن أهل البيت في زمانه (صلى الله عليه وآله) هم أصحاب ~~الكساء (عليهم السلام) وظن دخول الأزواج أو من حرم عليه الصدقة مطلقا في ~~أهل البيت، توهم محض، والظاهر من الآية عصمتهم. # وجه الدلالة: أن إرادة إذهاب الرجس والتطهير يحتمل أن يكون إرادة الغفران ~~عن الإثم، وأن تكون إرادة أن لا يأثموا إرادة تكليفية، وأن يكون إرادة ~~حتمية، وأن تكون إرادة جودة نفوسهم عن النقصان الذي يترتب عليه ارتكاب ~~الإثم. # والأول لا معنى له في الحسنين (عليهما السلام) لكونهما صغيرين، وحملها ~~على إرادة الغفران عن الإثم على أي وجه كان سابقا أو لاحقا، والقول بأن عدم ~~إمكان الإثم فيهما سابقا لا يمنع العموم بعيد. والثاني مشترك فلا معنى له ~~هاهنا. والأخيران يدلان على عصمة الصغيرين كما هو الظاهر، والكبيرين بعدم ~~القائل بالفصل. # فإن قلت: فما إذهاب الرجس الذي مآله العصمة في الزمان اللاحق الذي ظاهره ~~تحقق ما يكون العصمة بإذهابه؟ # قلت: معناه إرادة إحاطة لطفه بهم بحيث تستلزم العصمة، والإخبار بهذه ~~الإرادة لا يستلزم عدم تحقق مثل هذا اللطف بالنسبة إلى أمير المؤمنين # PageV00P101 # وفاطمة (عليهما السلام) قبل نزول الآية، فلعله أخبر ظاهرا بعصمة الكل في ~~الزمان الآتي، وظهر عصمة البعض في الزمان السابق بالآية بوجه ذكرته أو ~~بغيرها. # ومضمون الرواية الأولى منقول بلفظ آخر، قال صاحب القاموس: الثقل كعنب ضد ~~الخفة، إلى قوله والثقل محركة متاع المسافر وحشمه وكل شئ نفيس مصون، ومنه ~~الحديث " إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي " (1) وتعرض أهل اللغة ~~لهذا الحديث شائع. # وروى ابن الأثير في الفصل المذكور، من صحيح مسلم، عن ms071 بريدة (2) بن حيان، ~~قال: انطلقت أنا وحصين بن سبرة وعمر بن مسلم إلى زيد بن أرقم، فلما جلسنا ~~إليه قال له حصين: لقد لقيت يا زيد خيرا كثيرا، رأيت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وسمعت حديثه، وغزوت معه، وصليت خلفه، لقد لقيت يا زيد خيرا ~~كثيرا، حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله). # قال: يا بن أخي والله لقد كبرت سني، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي ~~من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فما حدثتكم فاقبلوا، وما لا فلا ~~تكلفونيه، ثم قال: قام رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوما فينا خطيبا ~~بماء يدعى خما بين مكة والمدينة، فحمد الله وأثنى عليه ووعظ وذكر، ثم قال: ~~أما بعد ألا يا أيها الناس إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، وأنا ~~تارك فيكم ثقلين كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا ~~به، فحث على كتاب الله ورغب فيه، ثم قال: وأهل بيتي، أذكركم الله في أهل ~~بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي. # فقال له حصين: ومن أهل بيته يا زيد؟ أليس نساؤه من أهل بيته؟ قال: نساؤه ~~من أهل بيته، ولكن أهل بيته من حرم الصدقة بعده، قال: ومن هم؟ قال: آل علي # PageV00P102 # وآل جعفر وآل عباس، قال: كل هؤلاء حرم الصدقة؟ قال: نعم (1) انتهى. # لا يخفى عليك بعد ما ذكرته توهم الراوي في تفسير أهل البيت، اعلم أن إحدى ~~الروايتين تدل على المقارنة بين الكتاب وأهل البيت في كون المتمسك بهما ~~محروسا عن الضلال، فإما أن يكون المراد محروسية المتمسك بكل واحد من الكتاب ~~وأهل البيت منفردا، مع جريان احتمالين في أهل البيت، هما اعتبار كل واحد ~~منهم أو اعتبار جميعهم، أو المراد محروسية المتمسك بأحدهما منفردا والآخر ~~منضما، مع جريان الاحتمالين في أهل البيت، أو المراد محروسية المتمسك ~~بالمجموع من الكتاب وأهل البيت، والاحتمالان في أهل البيت مثل السابق، ~~فالأقسام ستة: # والأولان ms072 باطلان، لأن كتاب الله لا كفاية له بانفراده، لاشتماله على ~~الناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه، وعدم اندراج أكثر الأحكام في ظاهر ~~الكتاب، وظاهر أن غير أهل البيت خارج من إحاطة ما نزل في البيت. # والأوسطان خارجان عن أسلوب الكلام، وعلى تقدير المضايقة في الأسلوب، ~~فالكافي ليس هو الكتاب بما ذكرته، فكل واحد من أهل البيت إما أن يكفي في ~~وقته لمن أدركه أو المجموع، بمعنى حجية إجماعهم مع جواز الخطأ في كل واحد، ~~وعدم احتماله فيما أجمعوا، والثاني ليس له كثير انتفاع، لتعسر الاطلاع على ~~اتفاقهم في كثير من الأزمان إن لم يتعذر، فلا يصح نفي الضلال عن المتمسك ~~بأهل البيت، لأن المدلول من عدم ضلال المتمسك بهم في الرواية التكليف ~~بالتبعية ليحصل عدم الضلال، وعلى هذا الاحتمال ربما لم يحصل عدم الضلال وإن ~~سعى في التمسك، لعدم إمكان الاطلاع على الاجماع لأكثر الناس في أكثر ~~الأزمان، لبعد المسافة التي بينهم، مع جواز عدم تحقق الاجماع بينهم، وهو ~~ظاهر، والأول هو المطلوب. # PageV00P103 # وأما الأخيران، فعلى تقدير اعتبار التعدد والإجماع في الأهل، ظهر حكمه من ~~الأوسطين، وعلى تقدير اعتبار كل واحد وضمه مع الكتاب لا ينفع على تقدير ~~احتمال الخطأ فيه، لعدم حصول الأمن من الخطأ بالاجتماع حينئذ، كما لا يخفى، ~~وعلى تقدير عدم الاحتمال فالمتمسك به قد تحرس من الضلال من غير حاجة إلى ضم ~~الكتاب، هذا خلف. # فظهر مما ذكرته من الاحتمالات أنه على تقدير عدم حجية قول كل واحد من أهل ~~البيت لا حراسة لهما عن الضلال على وجه يظهر من الخبر، فيجب حمل الرواية ~~على حجية قول كل واحد من أهل البيت حتى يحرس التمسك به عن الضلال. # فأهل البيت الذين يحرس التمسك بقول كل واحد عن الضلال، ليس مطلق الأقارب ~~ولا مطلق الذرية، بل ما يدل الدليل على حراسة تبعيته عن الضلال، وإن كان ~~الدليل يقين انتفاء الصفة عن الغير، فيدل الرواية على عصمة أهل البيت ووجوب ~~التمسك بأقوالهم. # فإن قلت: فما تدارك الأسلوب لأن القرآن بانفراده ms073 لا يحرس عن الضلال. # قلت: الحراسة عن الضلال تحصل بأمرين: أحدهما ببيان طرق الهداية والضلال ~~بالتفصيل، والثاني ببيان من يكون من شأنه الهداية إلى الطريقين بالتفصيل، ~~والأول هو الثاني في الخبر، والثاني هو الأول فيه، ولعل في تقديم الثاني ~~إشارة إلى أنه هاد إلى الأول، وإطلاق الهادي على الاطلاق على الهادي إلى ~~الهادي شائع، ألا ترى أنه عند هداية شخص للضال عن الطريق الحسي أو العقلي ~~إلى من يرشده إلى المقصود، يصح نسبة الهداية إلى المرشد إلى المرشد، كما ~~يصح نسبتها إلى المرشد إلى المقصود. # فإذا عرفت هذا يظهر لك أن القرآن يحرس المتمسك به عن الضلال، لأنه ~~بانفراده كاف لدلالته على صفة من يجب اتباعه، مثل آية الولاية المذكورة ~~سابقا، PageV00P104 # وآية * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * (1) وآية * ~~(وكونوا مع الصادقين) * (2) وآية * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا ~~يهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون) * (3) فباتباع الكتاب يحصل الحراسة ~~عن الضلال. # فيظهر بما ذكرته أنه يجب حمل الرواية على أن المتمسك بكل واحد من الكتاب، ~~وبكل واحد من أهل البيت، في أمان من الضلال، فالمراد من الخبر الاحتمال (4) ~~الأول من الاحتمالات الستة، ولا ينافي هذا اختلاف كيفية دلالة كل واحد ~~منهما. # ويظهر بأدنى تأمل أنها تدل على عصمة أهل البيت كما ذكرته، وعلى استمرار ~~وجودهم من زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى القيامة، ويجب في جميع ~~الأخبار الدالة على انحصار أهل بيته في زمانه في الأربعة، وما يدل على ~~استمراهم إلى القيامة، القول بأن من كان على صفتهم في كون المتمسك به ~~مأمونا عن الضلال فهو منهم، ويجب تعميم العترة في قوله (صلى الله عليه ~~وآله) " كتاب الله وعترتي " وجعلها بمعنى أدنى قومه (صلى الله عليه وآله) ~~في النسب، حتى يدخل فيها أمير المؤمنين (عليه السلام) وخروج سائر الأقرباء ~~عن كون تمسكهم حارسا عن الضلال حينئذ بقيد " أهل بيتي " وإن جعلت بمعنى ~~الذرية، فيدخل (عليه السلام) فيها بعنوان التغليب، وتدل على حقية ms074 مذهب ~~الإمامية الاثنا عشرية، وبطلان جميع المذاهب المخالفة لهذا المذهب. # وبعد ما عرفت مقتضى الأخبار، فقل لأصحاب السقيفة والمتمسكين بأفعالهم: # PageV00P105 # بأي شئ تمسكتم مما ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ أبكتاب الله؟ أم ~~بأهل بيته؟ فأي آية من كتاب الله دلكم على ما صنعتم؟ وبتبعية أي أهل بيت ~~فعلتم ما فعلتم؟ وبأي معنى حملتم قول الصادق المصدق الذي صدر عنه لإرشادكم ~~وبيان رشادكم بقوله " أذكركم الله في أهل بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي، ~~أذكركم الله في أهل بيتي " بعد ما بالغ فيما أخبركم بتصديره بالتنبيه ~~والنداء، وبقرب إجابة رسول ربه لزيادة الكشف عن الايصاء؟ # ألم ينبهكم قول نبيكم عن النيام؟ أم اجترأتم في ترك الاقبال والقيام؟ ألم ~~يدلكم سياق الكلام والحال على وجوب التمسك بالثقلين للأمن عن الضلال؟ ألم ~~ير منكم وجوب الرجوع في المبهمات إليهم البصير حتى تركتم انتظار حضورهم في ~~هذا الأمر الخطير؟ هل تدل سيرة الرسل السابقة أو القرآن أو كلام أمين الملك ~~الرحمن على استحقاق الأمر بالمغالبة والحيل وجعل خلافة الرسول من أباطيل ~~الدول؟ ألم يفدكم كيفية ما جرى في السقيفة قصد المغالبة بما تيسر؟ ألم يحصل ~~لأحد منكم اليقين ببطلان ما وقع فيها؟ وإن تدبر (1). # فإن قلت: قد تمسكوا بالإجماع الذي دلهم على حجية الكتاب وأخبار النبي ~~(صلى الله عليه وآله) فبهما استغنوا عن انتظار أهل البيت والمراجعة إليهم، ~~فلو تمسكوا بكتاب الله لكفاهم، فإذا ضم إليه قول رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) فبطريق أولى. # قلت: مع ظهور ضعف هذا الكلام للناظر إلى المقدمة يجئ تفصيل المقام في ~~مبحث إبطال إمامة أبي بكر. # PageV00P106 # حديث السفينة: # ومنها: ما رواه الخاصة والعامة وعدوه من الصحاح، وتكلموا في الدلالة لا ~~في السند، على ما يظهر من سياق كلام صاحب المغني وما ذكره السيد، وهو ما ~~روي عنه (صلى الله عليه وآله) " أن مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح من ركبها ~~نجا ومن تخلف عنها هلك ". # فإن قلت: إن هذا الخبر يدل على حجية إجماع أهل ms075 البيت لا على إمامة أحد ~~منهم ولا على حجية قوله. # قلت: يكفي هذا القدر فيما نحن فيه، لحصول اليقين على إجماع أهل البيت في ~~زمان الثلاثة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) وعلى بطلان إمامة ~~الثلاثة. # ولو عمم أهل البيت حتى يشمل الأقرباء الذين حرم عليهم الصدقة، كما توهمه ~~زيد بن أرقم في حديث الثقلين، فمع ظهور بطلانه بما ذكرته من الروايات ~~الدالة على أن أهل البيت من هم؟ يثبت المطلوب أيضا، لتحقق الاجماع من هذه ~~الطائفة في الزمان المذكور على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) وبطلان ~~الثلاثة. # والسيد (رحمه الله) بعد ما فرض كون الأهل ما زعموه وسأل نفسه بما حاصله: ~~كيف يدعي إجماع أهل البيت مع قول بعضهم في الإمامة ما قالت المعتزلة فيها؟ ~~وأجاب بما حاصله: عدم الاعتداد بمخالفتهم، قال: على أنا لو جعلنا القول ~~بذلك معترضا على أدلتنا وعلى إجماع أهل البيت، وقلنا (1) بقول من يحكي ذلك ~~عنه لم يقدح فيما ذكرناه، لأن من المعلوم أن أزمنة كثيرة لا يعرف فيها قائل ~~بهذا المذهب من أهل البيت كزماننا هذا وغيره، وإنا لم نشاهد في وقتنا قائلا ~~بالمذهب الذي أفسدناه، ولا # PageV00P107 # أخبرنا عمن هذه حاله فيه، والمعتبر في الاجماع كل عصر، فثبت ما أردناه ~~(1). # انتهى كلامه رفع الله مقامه. # أقول: هذا الخبر يدل على عصمة أهل البيت (عليهم السلام) لأنه لو كان ~~الحجة بإجماعهم مع جواز الخطأ في كل واحد منهم، لكان العلم بالنجاة متوقفا ~~على العلم بالإجماع، والتخلف موجبا للهلاك، وظاهر أن الاطلاع على الاجماع ~~على تقدير جواز الخطأ على كل واحد منهم في غاية التعسر، بل يكون في كثير من ~~الأزمان في حد التعذر، فلا يناسب إرادة هذا المعنى من سياق الرواية، لأن ~~سياقها يدل على إرشاده (صلى الله عليه وآله) الأمة إلى طريق النجاة، ~~وهدايتهم إلى سبيل التجنب عن الهلاك، وانتفاء الحرج في الدين يقتضي أن لا ~~يكون الاطلاع على الطريقين متعذرا ولا متعسرا، وعدم التعذر والتعسر يقتضي ~~كفاية إطاعة كل واحد من الأهل ms076 في النجاة، وإن كانت إطاعة الواحد حينئذ ~~إطاعة الكل. # وعلى تقدير التنزل لو فرض إرادة حجية الاجماع لا يضرنا ولا ينفعهم، لأنه ~~مع ظهور إجماع أهل البيت على ما قلناه، فأي إجماع من أهل البيت دلهم على ~~إمامة الثلاثة؟ وكيف أمنوا مع عدم علمهم بالإجماع عن التخلف عن السفينة ~~المستلزم للهلاك، مع نقلهم في الصحاح وشهادة السير كون فاطمة (عليها ~~السلام) غضبى على خليفتهم حتى انتقلت إلى روضة القدس، أهم يظنون أن خير ~~نساء أهل الجنة تغضب ويستمر غضبها على من هو خليفة أبيها بالاستحقاق؟ أم أن ~~مخالفتها لا تنافي حصول الاتفاق؟ وظاهر أن شيئا منهما لا يوافق التصديق ~~برسول الله (صلى الله عليه وآله). # وحينئذ نقول: الإمامة إما حق أمير المؤمنين (عليه السلام) أو أبي بكر، ~~والثاني باطل لعلمنا بمخالفة فاطمة (عليها السلام) فالحق هو الأول وهو ~~المطلوب. # PageV00P108 # وبالجملة سواء حمل الخبر على حجية قول كل واحد من أهل البيت كما هو الحق، ~~أو على حجية إجماعهم، يدل الخبر على بطلان إمامة أبي بكر، بل على بطلان ~~إمامة الثلاثة، فالحق إمامة أمير أمير المؤمنين (عليه السلام) ويجئ في مبحث ~~إبطال إمامة أبي بكر توضيح بعض ما أهملته هاهنا. # الفصل الثاني فيما يتعلق بإمامة أبي بكر القائلون بها طائفتان: إحداهما ~~تنفي وقوع النص مطلقا فكيف الجلي، والأخرى تدعي النص على أبي بكر، ولما كان ~~دعوى النص على إمامة أبي بكر في غاية الضعف لم يقل به من يليق نسبة العلم ~~إليه. # فالطائفة الأولى عليهم إثبات أمرين: أحدهما عدم النص مطلقا، والثاني ~~إثبات إمامة أبي بكر بغيره. فاستدل بعضهم على الأول ما حاصله: أنه لو كان ~~النص الجلي واردا لكان العالم به كثير، لكثرة الأصحاب وتوفر الدواعي، فيجب ~~أن يكون أمر الإمامة مثل الصلاة والصيام، والتالي باطل، فالمقدم مثله. # ولا يصح منع بطلان التالي بتجويز معرفة كل من ينكر النص، وكون إنكاره ~~ظاهرا للدواعي، لأنا نعلم يقينا من أنفسنا عدم العلم وامتناع كتمان الخلق ~~الكثير في الأزمنة المتطاولة ما في أذهانهم ms077 من العلم بالنص. # وفيه نظر، لأن كل ما فيه نص جلي لا يلزم أن يكون مثل الصلاة والصيام، ومع ~~هذا أمر الصلاة لم يبق على ما كان في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إما أن يقنت في الصبح دائما، أو يتركه ~~دائما، أو يقنت في وقت ويترك في آخر، مع اختلاف الشافعية وغيرهم من أهل ~~السنة فيه، وكذلك التكفير والاختلاف فيه بين المالكية وغيرهم منهم، ~~وبالجملة طرق الشبه والبدع ليست مسدودة عن الأمور PageV00P109 # الواضحة في وقت ما. # فإن قيل: شدة الدواعي في الخلافة داعية على ضبط النص، بخلاف بعض خصوصيات ~~الصلاة. # أجيب بأن تكررها في كل يوم بمشهد الناس مع قلة الباعث على الكتمان يقابل ~~شدة الداعي على ضبط النص المعارضة بشدة الداعي على الكتمان ويربو عنها، ~~ولعل نص الإمامة قبل أن يصير مقرونا بالعمل تعرض جماعة من المهاجرين ~~والأنصار لكتمانه واختلاس الخلافة بالحيل والخديعة قبل فراغ مستحق الأمر من ~~تجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحضوره انتهازا للفرصة، كما عرفته في ~~المقدمة الثانية من المقصد، وكان غرض بعضهم أخذها لنفسه، وبعضهم لمن زعم ~~انتفاعه به. # وعامة الناس في الأزمان لا تميز لهم، بل ينظرون إلى كبرائهم، ويتبعونهم ~~في أفعالهم، وكمل الأصحاب لم يكونوا حاضرين، وبعض الحاضرين من شدة المصيبة ~~لم يكونوا على حالهم الطبيعية، وبعضهم يرون جماعة من أرباب الأهواء مائلين ~~إلى أمر، ولم يكونوا عالمين بأهوائهم، فصار الميل شبهة لهم، ففي مثل تلك ~~الحال عجل بعضهم في البيعة رجاء للقرب والمنزلة بالسبق، وبعضهم بالتمهيد ~~السابق على وجه مهدوا وبنوا الأمر عليه، وبعضهم بتبعية بعض، وبعضهم لخوف ~~رجوع الأمر إلى من يكرهونه، فشدد الأمر بالأمور التي لا أساس لها في الشرع. # وبقي جمع منكرين على ما وقع، فبعضهم أظهر الرضا بعد ما أنكر للطمع، ~~وبعضهم أنكر ما قدر وأصر، فلما يئس من المقدرة وخاف من الاصرار على النكير ~~ترك إظهار الخلاف اتباعا للآية الشريفة * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) ms078 ~~* (1). # واستمر الحال إلى آخر أيام الثالث، ورسخ بمر الأزمان استحقاق الأولين في # PageV00P110 # الأذهان، حتى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) في أيام خلافته لم يكن ~~قادرا على تغيير كثير من بدعهم، ولكن يصدر منه (عليه السلام) ما يدل على ~~أفعالهم في بعض الأوقات بقدر يناسب الوقت، ايقاظا لبعض النائمين، وإتماما ~~للحجة، ومنه ما صدر منه في خطبته المشهورة بالخطبة الشقشقية (1). # وبعد استيلاء بني أمية اشتد أمر إخفاء مناقب أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~وكتمان الحق أزيد مما سبق، لإظهارهم البغض والسب، ويأمرون بسبه (عليه ~~السلام) في المساجد والمنابر، ويكتبون كلمات السب على أبواب المساجد إلى ~~زمان سلطنة عمر بن عبد العزيز، وإن ترك في بعض أزمانه شيوع السب، لكن كان ~~قائلا بإمامة الثلاثة. # وبعد ما انتقل السلطنة إلى ولد العباس، كان جمع منهم عارفين بالحق، لكن ~~شاع الكتمان لخوفهم من الإظهار قوة أولاد أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~المستلزمة لضعف سلطنتهم، وكان جمع منهم غير عارفين، واستمر زمان متطاولة ~~بإعلان الباطل في لباس الحق، وكتمان الحق لإطفاء نور الله، وأمثال تلك ~~الدواعي على الكتمان قد تغلب على دواعي الإذاعة والانتشار، مثل غلبة دواعي ~~اليهود والنصارى على كتمان بشارة موسى وعيسى (عليهما السلام) بنبينا (صلى ~~الله عليه وآله) على إذاعة البشارة وانتشارها بينهم، ومع هذا بقي في كتبهم ~~وزبرهم ما يضئ به الخافقان للبصير، والحمد لله رب العالمين. # ووقوع مثل هذا مع العلم الصريح بالبطلان غير مستبعد من أصحاب الأهواء ~~وأرباب التقليد والضعفاء، ألم تعلم ما صنع ابن سعد والكوفيون بذرية رسول ~~الثقلين وسيد شباب أهل الجنة وذريته وأقربائه؟ مع أن كثيرا منهم كانوا من ~~شيعة أبيهم، ومن القائلين بحجيته وإمامته، بعد ما وعدوه النصرة رجاء لشفاعة ~~جده، بسبب أغراض خسيسة دنية، مع علمهم باستحقاق النار، ألم تقرع سمعك مقالة ~~ابن # PageV00P111 # سعد؟ على ما جاء به الأخبار: # فوالله ما أدري وأني لصادق * أفكر في أمري على خطرين أأترك ملك الري ~~والري منيتي * أم أصبح مأثوما بقتل حسين وفي قتله النار التي ليس دونها * ~~حجاب ms079 ولي في الري قرة عين وإظهار الإثم بالقتل في السند لعدم منافاة ~~الإظهار الغرض الذي هو الري، لترتبه على القتل وعدمه هناك، لادعاء استحقاق ~~الأمر الذي لا يجتمع مع اعتراف بالإثم، لا ينافي صلاحية السند للسندية، ~~فإذا جوزت قتل العترة للري وما دونه، فلم لا تجوز غصب حق أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) للسلطنة، فافرض السلطنة موضع الري، وتابع السلطان موضع تابع ~~الأمير، حتى يرتفع الاستبعاد عنك. # مع أن أهل السنة لا يقولون بعصمة خلفائهم في وقت من الأوقات، فلا اطلاع ~~لهم على باطنهم وأغراضهم، مع عدم إباء ما نقلناه من حكاية السقيفة على ما ~~ذكرناه عنها، ودلالة ما ذكرته في إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) على ~~وقوعها. # وأما عدم وقوع النص على أبي بكر، فمع ظهوره من حكاية السقيفة وكلام السيد ~~بعدها، نتعرض بالتفصيل مقتضى ما جرى فيها ليترتب عليه مع غاية ظهور عدم ~~النص فوائد أخرى. # فأقول: أبو بكر بعد ذكر الثناء وبعثة الأنبياء، ذكر ما يدفع به الأنصار ~~بقوله " فخص الله المهاجرين الأولين " إلى قوله " لا ينازعهم في ذلك إلا ~~ظالم " وفي قوله " فلم يستوحشوا " إلى قوله " وعترته " دلالة على استحقاق ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) لأنه إذا بني استحقاق الأمر على وصف، فالأكمل ~~فيه أحق بالأمر، وكون أمير المؤمنين (عليه السلام) في كثير من الأوصاف ~~المذكورة أكمل ظاهر لكل عاقل، ولا يظهر أكملية أبي بكر في واحد منها. # وبعد ذلك ذكر ما يرضى به الأنصار بذكر مناقبهم وفضائلهم التي يستحقون بها ~~PageV00P112 # الاكرام، ووعدهم الوزارة ونوعا من الشراكة بقوله " يا معشر الأنصار " إلى ~~قوله " لا يقضي دونكم الأمور " وذكر عمر في رد قول حباب بن المنذر ما يدل ~~على عدم احتمال الشركة في الخلافة بقوله " لا يجتمع اثنان في قرن " وعدم ~~احتمال اختصاص الأنصار بها لخروجه عن قانون العرب بقوله " والله لا يرضى ~~العرب أن يؤمركم " إلى قوله " أو متورط في هلكة " لأن قانونهم يقتضي تقديم ~~الأولياء والعشيرة، وفيما ذكره أيضا دلالة على اختصاصه بأمير المؤمنين ~~(عليه السلام) لكونه ms080 من أقرب أوليائه وعشيرته. # وفي جواب عمر عن قول حباب الثاني بقوله " إذا يقتلك الله " دلالة على ~~قباحة إخراج المهاجرين عند الله. وفي قول أبي عبيدة دلالة على إرادة حباب ~~تغيير طريقة الحق. وفي قول بشير بن سعد دلالة على أولوية قومه (صلى الله ~~عليه وآله) بالأمر، وما ذكره أيضا يدل على اختصاص أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) به، لأنه إذا رتب الاستحقاق على القوم فمن هو أقرب أقوامه فهو أحق ~~به. # وفي قول أبي بكر بعد هذا القول من بشير بن سعد الذي استنبط منه ضعف ~~الأنصار بصلاحية الرجلين للبيعة دلالة واضحة على عدم النص مثل الأمور ~~السابقة، ومنه يظهر كمال حيلة الرجل بإبهام الأمر بين الرجلين الذي لا ~~يترتب عليه البيعة على أحدهما، لأنه لا وجه لاختيار الواحد بلا بيان ترجيح ~~ولا غرض لغيرهما بإثبات هذا الترجيح، وتعرض واحد منهما له ربما لم يكن ~~مؤثرا بمعارضة الآخر التي ظاهرها صرف الأمر عنه واستقراره بالثالث، وحينئذ ~~لا يحصل من الثالث ما توقع منه، لحصول الخوف من مستدعي الأمر سعيه في إزالة ~~الأمر منه. # وأيضا جعلهما في مرتبة استحقاق الأمر حتى يستقر هذا في النفوس، لئلا يصعب ~~عليه الأمر عند إرادة الانتقال. وأيضا وجد الوقت صالحا لاختلاس الأمر وخاف ~~من التأخير ما خاف، فإن استدعى الناس إلى بيعته يظهر غرضه عليهم، فلا يطمئن ~~PageV00P113 # بالإجابة. وأما إذا قال باستحقاق الرجلين الدال عند العوام على إخراج ~~نفسه عن طلب الأمر عظم مرتبته عندهم، فإذا أحال الرجلان الأمر إليه، كان ~~أدخل في انتظام الأمر ورغبة الناس، والإحالة معلومة بالأمارة. # ويمكن أن يكون الإحالة إليهما وردهما عن نفسهما وإظهارهما أولوية الثالث ~~مما مهدوه سابقا، لكن فيما روي عن عمر أنه دويبة سوء ولهو خير من أبيه (1)، ~~أنه لم يكن التمهيد على هذا النحو بل بنحو آخر. # وما قال الرجلان " وأنت أفضل المهاجرين " الخ ظاهر أيضا في عدم النص، بل ~~استدلوا على أولويته بما استدلوا، وعجلوا في البيعة خوفا من الاختلال، وسبق ~~بشير بالبيعة لتقربه بالسبق، ms081 مع ما صدر منه من تضعيف الأنصار وتقوية أبي ~~بكر، لرجاء الوزارة الموعودة للأنصار وحسده على سعد، فأظهر حباب بعض ما ~~أراد بشير بدلالة الحال والمقام بقوله " ما أحوجك إلى ما صنعت أنفست على ~~ابن عمك الإمارة " وجوابه إظهار لاعتقاده كون الإمارة حقا للمهاجرين لا ~~اعتقاد النص. # وسبب بيعة الأوس خوف انتقال الأمر إلى الخزرج لا استحقاق أبي بكر، كما ~~يظهر من قوله " فلما رأت الأوس " إلى قوله " ولا تجعلوا لكم معهم نصيبا ~~أبدا " وبيعة أسلم بعدهم لمثل أغراض السابقين، أو عدم التمييز وتبعية ~~السابقين. # وقول عمر " اقتلوه قتله الله " صريح في قصد المغالبة، وإلا لم يثبت الأمر ~~لأحد في الوقت المذكور، لعدم دلالة النص عليه وعدم تحقق الاجماع بعد، ~~وبالجملة لم يستحق سعد القتل والوطي بالرجل حتى يندر عضوه لا بادعاء ~~الخلافة، لأنه ادعى الأمر واستدل عليه، والمجتهد المخطئ ليس آثما، فلا ~~يستحق أدنى عتاب فكيف القتل، ولا بعدم البيعة لعدم نص دال على خلافة أبي ~~بكر، كما عرفت من سياق # PageV00P114 # الحكاية ولا الاجماع. # وفي قول أبي بكر " مهلا يا عمر الرفق هاهنا أبلغ " دلالة واضحة على بناء ~~الأمر على الحيلة، وإلا كان الواجب أن يقول: لم يصدر من سعد ما يستحق القتل ~~أو اللوم. # وقول عمر " لا تدعه حتى يبايع " بعد امتناع سعد صريح في الأمر بالإكراه ~~والجبر، وبأي سند يكرهونه في البيعة؟ مع عدم ثبوت الأمر لا بالنص ولا ~~بالإجماع كما عرفت. وقول بشير بن سعد " وليس تركه بضائركم إنما هو رجل واحد ~~" صريح في كون قصدهم الغلبة بأي وجه كانت، فكأنه قال: الغلبة لا تبطل بعدم ~~إطاعة واحد، وإلا فالإجماع يختل بخلاف واحد وإن لم ينفع الإطاعة بالإكراه ~~(1). # فإن قلت: كونه صاحب غرض يخرج قوله عن الاعتبار. # قلت: كونه صاحب غرض يخرج قوله عن الاعتبار لو علم أنه اعتقد إمامة أبي ~~بكر وينكرها للداعية، ولم يظهر منه أكثر من داعية الخلافة بدعوى الاستحقاق ~~بحسب الفحوى، وأما اعتقاده بعدم استحقاقه واستحقاق أبي بكر فلم يظهر منه، ~~وأيضا ms082 عذر بشير هو عدم الضرر على الوحدة لا بكونه صاحب غرض. # واستدلوا على الأمر الثاني وهو إمامة أبي بكر بدليلين: # الأول: الاجماع، وخلاصة ما ذكروه: أن المهاجرين والأنصار تركوا تجهيز ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأن أمر الخلافة كان في غاية الاهتمام، ~~وربما يترتب على تأخيره المفاسد التي يتعذر تداركها أو يتعسر، بخلاف تأخير ~~تجهيز رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإنه مع عدم المفسدة كان أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وبعض الأصحاب مشغولا به، والأمر المخوف فواته هو ~~المتعين بالمسارعة. # ولم يكن سبب ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) عدم علمهم بما يقتضيه ~~مرتبته، بل علموا # PageV00P115 # شناعة تركه في تلك الحال، ومع هذا لم يبالوا بها وسارعوا إلى السقيفة، ~~لخوفهم من تأخير الفوات ما خافوا فواته. # وبعد ما حضروا السقيفة احتج الأنصار والمهاجرين بما احتجوا، وظهر ضعف ما ~~تمسك به الأنصار وقوة ما استدل به المهاجرون، ورجحان أبي بكر بينهم بما ذكر ~~الرجلان فبايعوه به، وسعد بن عبادة لكونه صاحب غرض لا يلتفت إلى قوله في ~~الاجماع، ومخالفة بعض الأصحاب، مثل أمير المؤمنين (عليه السلام) وطلحة ~~والزبير وأبي سفيان وغيرهم، قد ارتفع بعد مدة واستقر الاجماع على الأمر، ~~ولو تنزلنا عن هذه المرتبة وقلنا باعتبار مخالفة سعد في الاجماع، قلنا بعد ~~وفاته في أوائل عمر استقر الاجماع على إمامة عمر، وإمامته تدل على إمامة ~~أبي بكر بوجهين: أحدهما عدم القائل بالفصل، وثانيهما فرعية إمامته على ~~إمامة الأول، وحقية الفرع كاشفة عن حقية الأصل. # ويمكن أن يقال: تحقق الاجماع بعد وفاة سعد، بأن أبا بكر كان إماما في ~~زمانه أيضا من غير حاجة إلى التمسك بعدم القائل بالفصل والفرعية. # وفيه نظر من وجوه: # أما أولا، فلأن الأمر الذي كان في شأنه ذلك الاهتمام هل كان رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) عالما به أو لا؟ فإن كان عالما به فلم لم يعين ~~الخليفة؟ مع كون طريقته الشائعة تعيينه من له أدنى امتياز ومتبوعية في أمور ~~ضعف احتمال المفسدة فيها ms083 وأمكن التدارك بأيسر وجه إن حصل أدنى مفسدة، فكيف ~~لا يبين هذا الأمر العظيم الذي في اختلاله ووضعه في غير موضعه مفاسد عظيمة، ~~منها عدم رعاية حق أهل البيت مع وصية رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وظهورها بينهم، واختلاف الصحابة وتشويش أحوالهم وتخويفهم للبيعة، واستمرار ~~الاختلاف والتشويش بين الأمة على ما ترى وغيرها مما ترتب على أمر الخلافة. ~~PageV00P116 # وأيضا كيف لا يبين مثل هذا الأمر؟ مع خفاء المستحق بين الناس واختلاف ~~الأهواء فيه، وكون الأمور الدنيوية والدينية منوطة به، وأصحاب التدبير من ~~الملوك يعينون المستحق للسلطنة بزعمهم أو بهواهم، نظرا له أو للرعية أو ~~لهما عند ظهور أمارة قرب الموت، بل قبل ظهورها أيضا، فكيف ينسب إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) إهمال مثل هذا الأمر الذي في إهماله المفاسد ~~العظيمة التي علمت بعضها؟ # وإن قلت إنه لم يكن عالما به، فكيف كان أبو بكر وعمر عالمين عند شدة مرض ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ظهور أمارة انتقاله إلى روضة الرضوان، ~~والاحتياج إلى التدبير في أمر الخلافة، حتى تخلفا عن جيش أسامة، مع غاية ~~مبالغة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في خروج الجيش ولعنه على المتخلف ~~كما يدل عليه الأخبار، ولم يعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله). # ولو فرض عدم علمه (صلى الله عليه وآله) مع ظهور البطلان مماشاة معهم، ~~نقول: أرسل الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وآله) إلى الخلق لينقذهم عن ~~الجهالة ويهديهم طرق الرشاد عن الضلالة ألم يلهمه تعيين الخليفة مع عظم ~~الخطب؟ # وبالجملة مع ظهور حصول العلم لرسول الله (صلى الله عليه وآله) بقرب ~~الانتقال وأمر الخلافة، يدل عليهما ما رووه ونقلته سابقا من قوله (صلى الله ~~عليه وآله) " إنما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب " إلى قوله " ~~أذكركم الله في أهل بيتي أذكركم الله في أهل بيتي " وغيره من الأدلة ~~والآثار. # فإن قلت: لا ينفعكم الاستبعاد بعد ثبوت الاجماع على خلافة أبي بكر الدال ~~على عدم التعيين. # قلت: ms084 مع دلالة كيفية ما جرى في السقيفة على أن البيعة لم تكن ناشئة عن ~~اعتقاد استحقاق أبي بكر للأمر نتكلم في الاجماع أيضا. # وأما ثانيا: فلأن بعد حضورهم السقيفة تداركا لما خافوا منه، وهو تولي سعد ~~أمر السلطنة وقوة حاله، بحيث لا يكونوا قادرين على دفعه، لو كان غرضهم محض ~~PageV00P117 # الخير ولم يكونوا قاصدين اختلاس السلطنة بأي وجه كان، وجب أن يقولوا بعد ~~حضورها ما حاصله: أيها المؤمنون كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) خير ~~خلق الله، فمصيبته أعظم المصائب وحرمته أعظم الحرم، فلا معنى لاشتغالنا ~~بأمر قبل فراغنا عن أمره (صلى الله عليه وآله)، فاتفقوا معنا بالمراجعة إلى ~~المسجد والاشتغال بأمره (صلى الله عليه وآله)، وبعد الفراغ نشتغل بالتأمل ~~في هذا الأمر وما يقتضيه العقل والمرجحات العقلية والشرعية. # وأيضا أعلمنا بالأمور بأخبار رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) مع جمع من كمل الأصحاب مشغولا بأمر رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) بالضرورة، لقباحة تركه رأسا، فلا وجه لتأسيس مثل هذا الأمر ~~الخطير بغير المراجعة إلى أمثالهم، وبعد الفراغ من أمر التجهيز والدفن ~~نستقر في مكان مناسب ونجول بالآراء الصائبة، ونسمع حجة كل من يدعيها، ~~ونتأمل فيها مرة بعد أخرى لاستكشاف الحال، وبعد المعاودة في النظر ومشاورة ~~أصحاب البصيرة والخير والاطمئنان بالمستحق للأمر، نقضي بما فيه تحصيل مرضات ~~الله تعالى. # وخلو أمر السقيفة عن أمثال هذه الأمور مع اشتماله على ما اشتمل، شاهد على ~~أن بناء أمر السقيفة لم يكن مبنيا على الآراء، حتى يظهر من الاتفاق في ~~اللفظ بينهم على فرض التحقيق كونه كاشفا عن الاتفاق في الاعتقاد الذي هو ~~المعتبر في الاجماع، بل خلوه عما ذكرته واشتماله على ما عرفته شاهدا صدق ~~على أن كان بناؤه على الأهواء والحيل التي لا تدل على اتفاق لاعتقاد لو فرض ~~الاتفاق في اللفظ. # وأيضا ترك الأنصار رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدل على غاية اهتمامهم ~~في أمر الدين، حتى لم يهربوا عن شناعة ms085 ترك أمر رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) لعلمهم بكون أمر الخلافة أهم، والمنفعة التي تترتب على انتظامها أتم، ~~فذهلهم المسارعة إلى مرضات الله ترك الرسول والمسارعة إلى أمر به تشييد ~~الأصول، وأمثال هذه الجماعة لا يفعلون ما لا يكون فيه مرضات الله تعالى، ~~لدلالة فعلهم على غاية الاهتمام في أمر الدين، حتى لم PageV00P118 # يبالوا بما قال الجاهلون بحالهم بمقتضى شريفة * (ولا يخافون لومة لائم) * ~~(1) ورواية " أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم " شاهدة لهم، فكيف ~~يولون من لا حق له. # وإذا كان حالهم وشأنهم ما عرفت، فإما أن كانوا يولون سعدا أمر السلطنة ~~والخلافة، أم لا. فإن ولوه كانت الخلافة تثبت بتوليتهم لكونهم جماعة كثيرة ~~من أهل الخير والصلاح، ومن كمل المسارعين إلى مغفرة من ربهم، ومن الأصحاب ~~الذين عرفت مرتبة الاقتداء بهم، ولا يفعل مثل تلك الجماعة بل بعضهم ما لا ~~يوافقه الشرع الأنور، ولا غضاضة على إطاعة الشرع. وإن لم يكونوا يولونه ~~لعدم استحقاقه الأمر، وكونهم على الصفات المذكورة يمنعهم عن مثل هذا الأمر ~~الشنيع، فلا باعث على حضور قريش السقيفة وترك رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) مع افتخارهم بكونهم من الطائفة التي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~منها. # وبالجملة صفة الأنصار مانعة عن الظلم والطغيان، فلا يصلح جعل اجتماعهم في ~~السقيفة لاعتمادهم على قريش في تجهيز الرسول (صلى الله عليه وآله) ~~واشتغالهم بأمر الخلافة على وجه شرعي سبب ترك قريش رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) على وجه لا يليق بأوساط الناس بلا غرض شرعي فإن قلت: لم يكن ~~الأنصار غير متهمين عندنا، والمسارعة إلى السقيفة من أعظم أمارات الاتهام، ~~والرواية مع كونها خبرا واحدا معارضة بإخباره (صلى الله عليه وآله) بارتداد ~~كثير من الصحابة، ولو كانت حقا كانت مأولة البتة، فحينئذ يمكن الخيانة في ~~أمر الخلافة والمسارعة في البيعة قبل ظهور المستحق، وتدارك الباطل بعد ~~البيعة مما يتعذر أو يتعسر تعسرا شديدا، واحتمال هذا الأمر بل ظهوره دعانا ~~إلى ارتكاب ما يحكم بشناعة العقول تداركا ms086 لما هو من أعظم الأمور، فما ~~راعيناه أعظم مما تركناه. # PageV00P119 # قلت: إن كان الأنصار متهمين بالباطل، يمكن (1) أن يكون قولهم بخلافة أبي ~~بكر أيضا للدواعي لا الاعتقاد، والعبرة في الاجماع هي الاعتقاد لا القول ~~على تقدير تسليم الاتفاق في القول، واتهامكم في أموركم مثل اتهام الأنصار ~~أو أزيد، كما ظهر # PageV00P120 # مما ذكرته في أمر السقيفة. # وأما ثالثا، فلأن عدم الالتفات إلى تخلف سعد، والتعليل بكونه صاحب غرض لا ~~وجه له، وإنما يصح عدم الالتفات لو علم أنه يعتقد استحقاق أبي بكر وتخلف عن ~~البيعة للغرض. وأما إذا جوز مع كونه صاحب غرض اعتقاده عدم استحقاق أبي بكر ~~- كما أومأت إليه - سواء اعتقد استحقاق نفسه أم لا، فلا وجه لعدم الالتفات، ~~كما يظهر لمن تدبر في دلائل حجية الاجماع. # وأما رابعا، فلأنه يجوز أن يكون بيعة بشير بن سعد للحسد على سعد بن ~~عبادة، كما ذكره حباب بن المنذر في السقيفة، أو طمع الوزارة الموعودة ~~والقرب كما ذكرته لا لاعتقاده الاستحقاق. # وأما خامسا: فلأنه يجوز أن يكون بيعة الأوس لكراهتهم خلافة سعد واستيلاء ~~الخزرج، كما نقل هذا القول عن بعضهم في حكاية السقيفة لا للاعتقاد. # وأما سادسا، فلأنه يجوز أن يكون بيعة جماعة للخوف عن فظاظة عمر، ألم تر ~~أن سعدا مع كونه أعظم قومه بل أعظم أهل المدينة جاها يقول عمر في شأنه في ~~وقت البيعة لما رأى القوة ببيعة جمع، مع عدم حصول الاتفاق وعدم حضور كمل ~~الأصحاب: اقتلوه قتله الله، ثم قال: لقد هممت أن أطأك حتى يندر عضوك. # وأما سابعا، فلأن الامتناع عن البيعة الذي ظهر من سلمان وأبي ذر وطلحة ~~وزبير وعباس وأبي سفيان وغيرهم يدل على أمرين: أحدهما علمهم بعدم استحقاق ~~الأول للخلافة، وثانيهما كون بيعة الجماعة: إما لغرض جلب النفع، أو دفع ~~الضرر، سواء كان ذلك الضرر احتمال إصابة بعض المكاره بعد الاستقلال أو ~~استيلاء ما يكرهون استيلاءه أو للشبهة. # والظاهر أن بيعة أكثر العوام من هذا الباب، لا لعلمهم باستحقاق الأمر بما ~~جرى ms087 في السقيفة، ولو لم يكن امتناعهم عن البيعة لعلمهم بالبطلان وعدم ~~الاستحقاق لم PageV00P121 # يكن للامتناع معنى، لأن الدلائل التي بها تمسكوا في استحقاق الأول ~~للخلافة كانت منتشرة في ألسنة الناس، بحيث لا يمكن خفاء أصل الدلائل، ~~لكونها مع كونها مذكورة في مشهد الناس لا خوف على إظهارها حتى يكون عدم ~~العلم بها راعيا على الامتناع، ولا خفاء مقتضاها لو كانت مقتضية لاستحقاق ~~الأول. # وكيف يظهر على العام والخاص من غير حاجة إلى التأمل والمراجعة ولا يظهر ~~على مثل سلمان وأبي ذر؟ مع ظهور جلالتهما وقول رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) في شأنهما ما قال، ومع ظهور عدم احتمال ظهور الأمر على العامة ~~والخاصة وخفائه على كل الممتنعين، أو خفائه على البعض وامتناع البعض ~~للدواعي، لأن جلالة البعض مانعة عن الأمرين، واحتماله في البعض الآخر لا ~~يضرنا ولا ينفعهم الاحتمال كاف لنا ومبطل لاحتجاجهم، كما هو ظاهر لمن له ~~أدنى ربط بقانون المكالمة. # ويدل على الجلالة ما روى ابن الأثير في جامع الأصول، في آخر النوع الخامس ~~من الفصل الثاني من الباب الرابع من الكتاب الأول من كتب حرف الفاء، وهو ~~كتاب الفضائل والمناقب، من صحيح الترمذي، عن بريدة، قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): إن الله تبارك وتعالى أمرني بحب أربعة وأخبرني أنه ~~يحبهم، قيل: # يا رسول الله سمهم لنا، قال: علي منهم يقول ذلك ثلاثا، وأبو ذر والمقداد ~~وسلمان، وأمرني ربي بحبهم وأخبرني أنه يحبهم (1). # وفي آخر النوع الأول من الفصل الثاني من الباب المذكور والكتاب ~~المذكورين، من صحيح الترمذي، عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): إن الجنة تشتاق إلى ثلاثة: علي، وعمار، وسلمان (2). # وفي أول النوع الثالث من الفصل المذكور، من صحيح الترمذي، عن أنس قال: # PageV00P122 # قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أن قال: ما أظلت الخضراء ولا ~~أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر أشبه عيسى (عليه السلام) في ورعه، قال ~~عمر: أفنعرف له ذلك يا ms088 رسول الله؟ # قال: نعم فاعرفوا له (1). # وروى في مبحث فضائل أبي ذر، عن ابن عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق من أبي ~~ذر (2). # ومن صحيح الترمذي، عن أبي ذر قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ~~ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبه ~~عيسى بن مريم، فقال عمر بن الخطاب كالحاسد: يا رسول الله أفنعرف ذلك له؟ ~~قال: نعم. # وقال: وقد روى بعضهم هذا الحديث، فقال: أبو ذر يمشي في الأرض بزهد عيسى ~~بن مريم (3). # وروى البخاري ومسلم حديثا طويلا في إسلامه، يدل على جلالة قدره وعلو ~~مرتبته (4). # وفي فضائل سلمان الفارسي، من صحيح الترمذي، عن أبي هريرة، قال: تلا رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) هذه الآية * (وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم ~~لا يكونوا أمثالكم) * قالوا: ومن يستبدل بنا؟ قال: فضرب رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) على منكب سلمان ثم قال: هذا وقومه. وروى رواية أخرى عنه ~~قريبا منها مع زيادة قوله (صلى الله عليه وآله): # والذي نفسي بيده لو كان الإيمان منوطا بالثريا لتناوله رجال من فارس (5). # PageV00P123 # ويظهر من أمر الله تعالى بحب المذكورين في الرواية وإخباره بحبه إياهم، ~~وذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر الحب والإخبار به أولا عند ~~الاجمال، وذكرهما آخرا عند التفصيل دلالة واضحة على اتصافهم بأعلى مراتب ~~الكمال والصلاح، كدلالة اشتياق الجنة عليه. # فأمثال هذه الجماعة كيف يمتنعون عن البيعة المأمور بها شرعا، مع ظهور ~~أمرها على المهاجرين والأنصار، ألعدم قدرتهم على فهم الحجج والدلائل ~~الواضحات التي فهمها الخواص والعوام؟ وعملوا بمقتضاها من سرعة الإجابة في ~~البيعة، أم للأغراض الباطلة التي لها الاستيلاء على أهل الأهواء؟ وتجويز ~~عدم القدرة في مدة الامتناع مع الظهور التام الذي يدل عليه مبايعة الأقوام ~~بلا تأمل وروية بعد سماع الحجة، مع اشتهار حججهم التي بني عليها أمر ~~البيعة، وعدم الباعث على ms089 الاخفاء لشوكة الطالب وعدم المعارض لا معنى له. # والأغراض الباطلة كيف تتطرق إلى أمثال تلك الجماعة؟ كيف؟ ومع كون إثبات ~~الاستحقاق في أول الأمر أصعب وأشكل لم يحصل التوقف بعد البيان بين ~~المبايعين أصلا، وفهم تمامية حجة تلقاها الجماعة التي يحسن الظن بهم ~~بالقبول أيسر لحصول غاية الاقبال التي هي سبب أسرعية الانتقال من فهمها قبل ~~ذلك، فامتناعهم بعد هذه المرتبة يدل دلالة واضحة على بطلان ما شيدوا به أمر ~~البيعة، وكون صاحب الحق غير أبي بكر. # وعلى تقدير عدم الدلالة الواضحة الاحتمال كاف لنا هاهنا، لأن غرضنا هاهنا ~~عدم ظهور كون البيعة على وجه يدل عليه الحجة التي يمكن التعويل عليها، وعدم ~~ظهور الاتفاق اللساني ما قد رووا على إظهار الخلاف، وعدم ظهور اتفاق ~~الاعتقاد في وقت من الأوقات. # وأيضا كيف لم يقل بهذا الأمر الواضح الذي به تقوية الدين والشرع من لم ~~يضل PageV00P124 # الخضراء ولم يقل الغبراء أصدق لهجة منه ومن له شبه عيسى (عليه السلام) ~~وزهده أول ما بلغه؟ ولم يظهر الله أمر الخلافة له، مع وضوح الحجة وبلوغ ~~الدعوة، حتى يسرع إلى هذا الخير أيضا، على ما هو شأن من هو أدنى مرتبة منه، ~~مع أن الله تعالى هداه إلى الرسول (صلى الله عليه وآله) بغير دعوة بلغته، ~~وجعل الذئب وسيلة لايمانه برسول الله (صلى الله عليه وآله) في بدو الحال، ~~ألم يكن في إنكاره خبرة للبصير بما وقع ولا الحيرة؟ # وأيضا ألم يدل امتناع سلمان عن البيعة مع إخبار رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) بعد السؤال بقولهم " ومن يستبدل بنا؟ " بقوله " هذا " مشيرا به إلى ~~سلمان في تفسير قوله تعالى * (وإن تتولوا) * على ضد مطلوبهم أقوى من دلالة ~~البيعة والسكوت على مطلوبهم. # وأما ثامنا، فلأن منازعة أمير المؤمنين (عليه السلام) وامتناعه من البيعة ~~تدل على بطلان ما شيدوا به أمر البيعة، وإلا لكان أسرع المجيبين، ولا يمكن ~~أن يكون الامتناع ناشئا من عدم ظهور الحق عليه، مع كون أمر البيعة على ~~الوجه الشرعي، وكيف ms090 يجوز أن يظهر حقية أبي بكر ولزوم البيعة لأكثر الناس ~~ولم تظهر لأعلمهم؟ فلم يبق لسببية الامتناع أمر إلا علمه ببطلان الأمر، ~~وقوله ببطلان الأمر قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) ببطلانه، لتظافر ~~الأخبار بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله): يدور الحق مع علي حيث ما ~~دار. # فإن قلت: لا نسلم أن تأخير البيعة وقع بعد الطلب، وعلى تقدير وقوعه بعده، ~~فلا نسلم وقوعه لعدم القول باستحقاق الأول للخلافة، بل للوحشة التي نشأت من ~~عدم مشاورتهم إياه في هذا الأمر: وفي أمثال تلك الأمور قد يحصل نوع غضاضة ~~لكمل الناس، من غير أن يكونوا معتقدين بطلان الأمر، ولا نافين لوقوعه على ~~وفق الشرع. # ويؤيد ما جوزناه ما رواه ابن الأثير في جامع الأصول في الباب الثاني من ~~كتاب الخلافة، من صحيح مسلم، عن عائشة، قالت: إن فاطمة بنت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) والعباس أتيا يلتمسان ميراثهما من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وهما حينئذ يطلبان أرضه من PageV00P125 # فدك وسهمه من خيبر، فقال أبو بكر: إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) قال: لا نورث ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال، وإني ~~لا أدع أمرا رأيت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصنعه فيه إلا صنعته - ~~زاد في رواية: إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ - قال: فأما صدقته ~~بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس فغلبه عليها علي، وأما خيبر وفدك ~~فأمسكهما عمر وقال: هما صدقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانتا لحقوقه ~~التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى ~~اليوم. # قال: في رواية فهجرته فاطمة، فلم تكلمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها علي ليلا ~~ولم يؤذن بها أبا بكر، قالت: فكان لعلي وجه من الناس حياة فاطمة، فلما ~~توفيت فاطمة انصرفت وجوه الناس عن علي، ومكثت فاطمة بعد رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) ستة أشهر ثم توفيت، فقال رجل للزهري: ms091 فلم يبايعه على ستة ~~أشهر؟ قال: لا والله ولا أحد من بني هاشم حتى بايعه علي. # فلما رأى علي انصراف وجوه الناس عنه، ضرع إلى مصالحة أبي بكر، فأرسل إلى ~~أبي بكر ائتنا ولا تأتنا معك بأحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر، ~~فقال عمر: لا تأتهم وحدك، فقال أبو بكر: والله لآتينهم وحدي ما عسى أن ~~يصنعوا بي، فانطلق أبو بكر فدخل على علي وقد جمع بني هاشم عنده. # فقام علي فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فلم يمنعنا ~~أن نبايعك يا أبا بكر إنكارا لفضيلتك، ولا نفاسة عليك بخير ساقه الله إليك، ~~ولكن كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا فاستبددتم علينا، ثم ذكر قرابته من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحقهم، فلم يزل علي يذكره حتى بكى أبو بكر ~~وصمت علي. # فتشهد أبو بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد ~~فوالله لقرابة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحب إلي أن أصل من قرابتي، ~~وإني والله ما ألوت في هذه الأموال PageV00P126 # التي كانت بيني وبينكم عن الخير، ولكن سمعت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) يقول: لا نورث ما تركناه صدقة، إنما يأكل آل محمد في هذا المال، وإني ~~والله لا أدع أمرا صنعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا صنعته إن شاء ~~الله، ثم ساق الكلام إلى بيعته (1). # وجه التأييد: تصريحه (عليه السلام) بأنه لم يكن مانعه من البيعة إنكار ~~الفضيلة والنفاسة، وما يشتمل كلامه (عليه السلام) عليه من أن الخلافة خير ~~ساقه الله تعالى إلى أبي بكر، فلو لم يكن أهلا لها لم يعبر (عليه السلام) ~~عنها بالخير، ولم ينسب سياقه إلى الله تعالى. # وبعد ما صرح (عليه السلام) أن مانعه من البيعة لم يكن ما ربما يتوهم ~~الجاهل بمرتبة أبي بكر، قال: مانعه أنه يرى أن له في هذا الأمر حقا ~~فاستبددتم علينا، ومراده (عليه السلام) من هذا ms092 الأمر إما الخلافة، وإما ~~المشورة، والأول باطل، لأنه صرح باستحقاق أبي بكر للخلافة، وأن المانع لم ~~يكن إنكارا لفضيلته والنفاسة، علم أنه كان (عليه السلام) عالما باستحقاق ~~أبي بكر للخلافة، فتعين الثاني. # وصيرورة الوحشة مانعة لأمير المؤمنين (عليه السلام) عن تعجيل البيعة أقوى ~~دليل على عدم منافاة التأخير في مثل هذا الأمر العظيم للوحشة للكمال، لأنه ~~بهذا الحديث الصحيح ظهر أن الوحشة كانت هي الباعثة على تأخيره (عليه ~~السلام) عن البيعة، وبالأخبار الصحيحة المتظافرة مثل حديث الطائر والمنزلة ~~والراية وغيرها من الأخبار الكثيرة ظهر كونه (عليه السلام) في أعلى مراتب ~~الكمال، فوجب أن يحمل أن صيرورة الوحشة باعثة على تأخير مثل هذا الأمر، ~~والامتناع عنه مثل هذه المدة ليست قادحة في الكمال. # فظهر التأييد وتم المقصود بهذا الخبر الذي رواه مسلم الذي من أجلة ~~الناقدين للأخبار، وبهذا التجويز والتأييد خرجت بيعة المهاجرين والأنصار عن ~~البطلان، # PageV00P127 # واندفعت المفسدة الواضحة التي هي خطأ مثل تلك الجماعة الذين قتلوا ~~العشائر والأقارب لتحصيل مرضات الله تعالى، وبذلوا الأموال والنفوس في ~~إطاعته، وإن سلم عدم الاجماع على ما قالت الشيعة. # قلت: فيه نظر من وجوه: # أما أولا، فلأنه مع كون منع تأخير البيعة عن الطلب مكابرة صريحة، كما يدل ~~عليه السير والأخبار دلالة قول الزهري " فلما رأى علي انصراف وجوه الناس ~~عنه ضرع إلى مصالحة أبي بكر " ظاهرة (1) في امتناعه (عليه السلام) عن ~~البيعة ما دام المقدرة، وقوله (عليه السلام) " فلم يمنعنا أن نبايعك " صريح ~~فيه. # وأما ثانيا، فلأن منع كون امتناعه (عليه السلام) عن البيعة ناشئا عن ~~اعتقاده (عليه السلام) عدم الاستحقاق لا معنى له، لأنه لو كان قائلا به ~~وبوقوع البيعة على وجه شرعي مع ظهور احتمال ترتب المفسدة على التأخير، ولو ~~كانت سوء الظن بالمحق كيف يجوز التأخير عنه؟ # وأيضا مسارعة الصحابة في الأمر المذكور يوم السقيفة كانت دالة على نهاية ~~اهتمامهم في أمر الخلافة الدالة على كون التأخير فيه تهاونا في عمدة ~~الواجبات المضيقة، وبعد ما حصل الرضا وظهر الاستحقاق وأمكن ms093 البيعة، كان ~~تعجيل البيعة واجبا أو راجحا، والوحشة عن فعل الواجب أو الراجح لا يليق ~~بأوساط الناس، فكيف تنسبونها إليه (عليه السلام)؟ مع علمكم ببعض مراتبه، ~~فهذا التأخير دليل قطعي على اعتقاده بعدم استحقاق الأول الكاشف عن عدم ~~استحقاقه في الواقع لدوران الحق معه حيثما دار. # وأما ثالثا، فلأن تأخير بني هاشم أيضا كان: إما للوحشة، أو لعدم بيعة ~~أمير # PageV00P128 # المؤمنين (عليه السلام) ظنا منهم أنه (عليه السلام) يقول بعدم استحقاق ~~الأول للخلافة، وقوله بعدم الاستحقاق يدل على عدم الاستحقاق، أو لأنهم وإن ~~كانوا عالمين بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) عالم باستحقاق الأول للأمر ~~لكن لما ترك البيعة للوحشة تركوها اقتفاء به (عليه السلام) في الترك، وإن ~~لم يوجد ما دعاه (عليه السلام) إلى الترك فيهم. # والأول باطل، لأن الوحشة على وقوع الأمر على وفق الشرع المطاع أعلمهم به ~~وعلمهم بعلم الشريف والوضيع حقية هذا الأمر، لا وجه لها، فكيف يتركون ~~البيعة الواجبة عليهم ستة أشهر؟ ويتهمون البرئ بالغصب وأنفسهم بالعصبية؟ ~~لدلالة الترك على أحدهما ظاهرا. # والثاني لا معنى له، لأن وضوح استحقاق الخلافة كان في مرتبة لم يخف على ~~أوساط الناس، فكيف يخفى على بني هاشم؟ مع كونهم من كمل الصحابة وأهل العلم ~~والتميز، فلم لم يصر عدم بيعة أمير المؤمنين (عليه السلام) شبهة لغيرهم ~~وصار شبهة لهم؟ والأقربية لا مدخل لها في الشبهة، فلم لم يعلمهم أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) بالاستحقاق حتى يتخلصوا عن هذا الظن، هل كانت وحشة ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) مانعة عن الإعلام، ولا يخفى أن ظن هذا بأمير ~~المؤمنين (عليه السلام) من بعض الظن. # والثالث لا وجه له، لأن ترك أعاظم الصحابة المسارعة إلى الخير، بل تركهم ~~فعل الواجب مدة متمادية لوحشة أمير المؤمنين (عليه السلام) لا معنى له، ~~وأيضا يجب على أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا رأى ترتب ما ترتب على تأخير ~~بيعته من ترك بني هاشم، أن يترك الاصرار على مقتضى وحشته ويبايع حتى ~~يبايعوا أو يأمرهم بالبيعة، ويقول رعاية البيعة هاهنا ms094 مظنة بطلان حق أبي ~~بكر، أو عصبيتكم وتبعيتكم في مثل هذا الأمر غير محمودة بل مذمومة، اعلم أن ~~تجويز أيسر هذه الأمور بقنبر لا معنى له أصلا، فكيف ينسبون إلى أمير ~~المؤمنين (عليه السلام)؟ # اعلم أن هذا الخبر صريح في أن بيعة أبي بكر كانت على خلاف مرضات الله ~~PageV00P129 # تعالى، وتأخيره (عليه السلام) كان لضرورة الاجتناب عن معاونة الإثم ~~والعدوان، فلما رأى قوتهم وضعف الحق بوفاة خير نساء أهل الجنة، اقتضى ~~التقية وشريفة * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (1) المداراة معهم، ومع ~~هذا في التأخير إتمام الحجة على الناس بأنه لو كان في بيعة أبي بكر خيرية ~~لم يؤخرها من كان أسرع المؤمنين بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ~~الخيرات. # وقوله (عليه السلام) " لم يمنعنا أن نبايعك يا أبا بكر إنكارا لفضيلتك " ~~وغيره مما يدل على عدم بطلان أمر الخلافة، تقية منه (عليه السلام) كما يشهد ~~عليها سياق الخبر ونفس تأخيره (عليه السلام)، ويحصل من هذا الخبر وسيرته ~~(عليه السلام) وما نقل عنه (عليه السلام) في مواضع متعددة القطع بأنه (عليه ~~السلام) كان منكرا لاستحقاق الأول للأمر، وكارها للبيعة ومكرها بها بعد مدة ~~اختلف في قدرها أنه كان أربعين يوما أو ستة أشهر. # وعلى التقديرين نقول: إما أن يكون امتناعه وإنكاره في المدة غير حق، أو ~~اعترافه به بعد المدة، فإن قلنا بحقية مقتضى ظاهر الاعتراف، فتركنا مقتضى ~~الروايات المتظافرة بدوران الحق معه حيثما دار، بل سيرة أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) التي هي كونه أسرع المؤمنين إلى الخيرات، وأطوع الأصحاب ~~للقربات، وأصدق السابقين في الأقوال والأفعال. وإن قلنا بحقية مقتضى ~~الانكار، حملنا البيعة على الاضطرار، والتكلم بما ظاهره خلاف الواقع عند ~~شدة الخوف لا ينافي دوران الحق معه حيثما دار، لأن المراد من الدوران ~~دورانه عند التكلم بما له فيه الاختيار. # ومع غاية ظهور ما ذكرته قلت: لو تنزلنا عن الظهور لا يقدر على نفي احتمال ~~ما ذكرته من شم رائحة الانصاف، وهو كاف لانتفاء العلم بتحقق الاجماع الذي ms095 ~~هو مناط استدلالهم. # PageV00P130 # فإن قلت: يدل على كون بيعته (عليه السلام) مقرونة بالرضا، وعدم كون ~~الخلافة حق أمير المؤمنين (عليه السلام) قبل الثالث، ترك المحاربة مع ~~الثلاثة، مع غاية الشجاعة وتبعية جماعة من كمل الصحابة ومحاربته (عليه ~~السلام) مع أصحاب الجمل وصفين مؤيدة لما ذكر. # قلت: لما تحقق أمر البيعة في السقيفة بالحيلة والمغالبة في المتبوع، ~~وللطمع في بعض، والشبهة في بعض، وتبعية الأكابر في الجماعة التي لا مدرك ~~لهم، اشتد أمر السلطنة بحيث يحتاج المحاربة معهم إلى جمعية عظيمة لم تكن مع ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) والمؤيد الذي ذكرته لا تأييد فيه أصلا، لأن ~~محاربته (عليه السلام) مع الطائفتين إنما كانت بعد تحقق السلطنة والشوكة، ~~فأي نسبة بين الأمرين؟ # ويؤيد ما ذكرته من قلة الناصر، ما نقله عبد الحميد بن أبي أبي الحديد في ~~شرح نهج البلاغة بقوله ويقال: إنه (عليه السلام) لما استنجد بالمسلمين عقيب ~~يوم السقيفة وما جرى فيه، وكان يحمل فاطمة (عليها السلام) ليلا على حمار ~~وابناها بين يدي الحمار، وهو (عليه السلام) يسوقه، فيطرق بيوت الأنصار ~~وغيرهم، ويسألهم النصرة والمعونة، أجابه أربعون رجلا، فبايعهم على الموت، ~~وأمرهم أن يصبحوا بكرة محلقي رؤوسهم ومعهم سلاحهم، فأصبح لم يوافه منهم إلا ~~أربعة الزبير والمقداد وأبو ذر وسلمان، ثم أتاهم من الليل فناشدهم، فقالوا: ~~نصبحك غدوة، فما جاءهم منهم إلا الأربعة، وكذلك في الليلة الثالثة، وكان ~~الزبير أشدهم له نصرة، وأنفذهم في طاعته بصيرة، حلق رأسه وجاءه مرارا وفي ~~عنقه سيفه، وكذلك الثلاثة الباقون، إلا أن الزبير هو كان الرأس فيهم، وقد ~~نقل الناس خبر زبير لما هجم عليه ببيت فاطمة (عليها السلام) وكسر سيفه في ~~صخرة ضربت به (1). # ومما يؤيد ما ذكرته: أنه مع عظم سلطانه (عليه السلام) ووضوح بطلان ~~معاوية، تحقق # PageV00P131 # المحاربة بينهما وامتد زمانها، ولم يمتز الغالب عن المغلوب، حتى انتهى ~~الأمر إلى ما انتهى إليه، فبأي شئ حكمتم بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~كان قادرا على محاربة الناس؟ # مع كثرة الأعداء وقلة الناصر. # وأيضا ms096 المحاربة بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) عند خروجه إلى ~~روضة الرضوان وقبل استيلاء شوكة الإسلام على البلدان ربما صار سببا لطمع ~~الكفار وغلبتهم على المسلمين، ومثل هذا الخلاف في أمثال هذه الأحوال يصير ~~سببا لاستيلاء الأعداء، كما يدل عليه السير الماضية. # وأيضا ربما صار تلك المحاربة سببا لضعف اعتقاد المسلمين وارتدادهم عن ~~الإيمان، بتوهمهم أن هذا الدين لو كان حقا لم يسرع أصحابه إلى المقاتلة في ~~أيام أوائل انتقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى دار السلام، بحيث ~~كانت مضرتها على الدين أعظم من مضرة ما وقع من البيعة الباطلة. # وبالجملة يدل القاطع على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) وبطلان إمامة ~~أبي بكر، وتلك الشبهة السخيفة تندفع بأحد هذه الاحتمالات، فلا وجه لذكرها ~~في مقابل ما سمعتم، وباب مدينة العلم أعلم بما يقتضيه الحال وبما سمعه من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فالعمدة هي الدلالة على حقية أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وبطلان إمامة من جوز إمامته. # وأما رابعا، فلضعف الاستبعاد الذي ذكرته وظننته مفسدة، وكونه أضعف بمراتب ~~شتى من ترك بني إسرائيل إطاعة هارون (عليه السلام) مع استمرار نبوته وظهور ~~خلافته وإقرارهم بهما بمجرد غيبة موسى (عليه السلام) مع ظهور احتمال ~~مراجعته وعبادتهم الجماد بقول السامري الذي لم يكن دليل على حجيته، فإذا ~~قلتم بوقوع هذا بشهادة القرآن، فلم لا تجوزون بطلان بيعة أبي بكر لو فرض ~~عدم شهادة الكتاب والبرهان، وبالجملة أمثال تلك الشبهات لا وقع لها أصلا. ~~PageV00P132 # الدليل الثاني من دليلي الطائفة الأولى على إمامة أبي بكر ما حاصله مع ~~تقريب ما: أن الإمامة إما بالنص على أمير المؤمنين (عليه السلام)، أو ~~بالإجماع على أبي بكر، لظهور بطلان إمامة العباس التي نشأ القول بها بعد ~~القولين بمدة، للتقرب إلى بعض السلاطين من أولاده، والأول باطل بوجهين، ~~فالحق هو الثاني، أحدهما: أنه لو كان النص على أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~متحققا لكان ظاهرا على كثير من أهل السقيفة، لتوفر الدواعي وقرب العهد، مع ~~حضور ms097 أكثر الصحابة فيها، ولو كان ظاهرا لهم لكانوا يظهرونه ويقولون: صاحب ~~الحق غيركم بنص رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا حاجة إلى المشاورة في ~~أمر الخلافة والمنازعة فيها. # والوجه الثاني: أن النص لو كان متحققا لكان الواجب على أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) إظهاره وسؤاله عن المهاجرين والأنصار المطلعين على النص أن ~~يشهدوا له به. # فإن قيل: يمنع الخوف عن الإظهار. # قلنا: فكيف لم يمنعه من الامتناع عن البيعة وعن إظهار أولويته بالأمر ~~ومنعه عن إظهار النصوص، ولو منعه فلم لم يصرح من سمع من الصحابة؟ حتى يظهر ~~الحق على الناس، ولا يبقى لأحد مطمع في أمر الخلافة. # وأيضا لا جهة للخوف من إظهار الحق، لكون الخلفاء بعد استقرار السلطنة ~~وقطع الطمع عن الغير في أمرهم، كثيرا ما أفتوا بما هو مخالف للشرع جهلا ~~بالأمور، ويظهر العالم بالمسألة خطأهم، فيرجع الخليفة بمشهد من الناس عن ~~قوله ويتبع قول ذلك البعض، مظهرا للسرور بصيرورته وسيلة لاستنقاذه عن ~~الهلاك. # وأي خوف من أمثال هذه الجماعة لإظهار الحق، فلعلك ظننت أنهم مثل الجبابرة ~~والأكاسرة كانت همتهم الغلبة والاستيلاء بأي وجه كانا، وسيرة الخلفاء ~~PageV00P133 # شاهدة على خلاف ذلك، ألم تسمع قول عمر مع كونه معروفا بالفظاظة حين قال ~~معاذ لما رأى جلد الحامل ما جعل الله على ما في بطنها سبيلا: لولا معاذ ~~لهلك عمر. # وأيضا لما نفى المغالاة في المهر، قالت امرأة: يعطينا الله بقوله * ~~(وآتيتم إحداهن قنطارا) * ويمنعنا عمر، فقال: كل الناس أفقه من عمر حتى ~~المخدرات في الحجال. # وغيرها مما هو مسطور في الكتب. # وفي الوجهين نظر، لأنه يمكن أن يمنع بعض العالمين به عن الإظهار الأغراض ~~الداعية إلى الاخفاء، مثل طمع اختلاس الأمر لنفسه، أو لمن يرجو منه ما ~~يرجوه، كما أومأنا إليه سابقا، وعدم ذكر عمر حديث الغدير حينئذ مع قوله ~~هناك أصبحت مولاي ومولى كل مؤمن ومؤمنة، مع دلالة الحديث على الإمامة، ~~ودلالة قول عمر على فهمه منه الدلالة عليها، على ما عرفت عند شرح ذلك ~~الحديث، شاهد ms098 على ما ذكرته. # ويمنع بعضهم الشبهة لمشاهدتهم المعتبرين مصرين على التنازع وجعل النص ~~منسيا، فلعلهم جوزوا النسخ بما لم يعلموا، وبعضهم ضعف المدرك، وبعضهم ~~الحيرة التي نشأت من انتقال سنة الأنبياء، ولعل بعضهم لم يقدر على ~~المكالمة، وفي أمثال هذا المجمع لا يمكن لأكثر الناس المكالمة على وجه يقبل ~~الناس إليهم، وهذا من الموانع العادية، كما يظهر لمن زاول المجالس العظيمة، ~~وبعضهم لم ير مسابقته بالمكالمة لائقا، فانتظر فرصة التكلم أو سبق الآخر، ~~وبعضهم لم ير جرأة الانفراد بالكلام في معارضة الجماعة، فلعله ينتظر ~~المعاون والتمهيد حتى يجوز التأثير في الكلام. # فانتهز المختلسون الذين مهدوا للاختلاس، وتخلفوا عن جيش أسامة مع ما ~~بلغهم من لعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) على المتخلف، وسمعوا قوله ~~تعالى * (وما ينطق عن PageV00P134 # الهوى) * (1) الدال على كون ما قال من إلهام الله تعالى، لهذا الغرض ~~الفرصة، واغتنموا غفلة البعض، وعدم حضور صاحب الحق وكمل الصحابة، وسارعوا ~~إلى عقد البيعة من غير طلب تأمل ومراجعة خوفا من خروج الأمر عن يدهم، وبعد ~~ما عقدوا أمر السلطنة وشيدوها في الجملة، وشرع عمر في مجلس السقيفة بالغلظة ~~والأمر بقتل سعد والوعيد بكسر عضوه، حتى يستولي الخوف على الناس، ولا ~~يمكنهم إباء البيعة، زاد الخوف على الاحتمالات، وكان نقض البيعة عارا بين ~~العرب، فاشتد الأمر بحيث لم يبق للناس جرأة إنكار إمامتهم وإظهار ما سمعوا ~~من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شأن أمير المؤمنين (عليه السلام). # ومع هذه الاحتمالات لم يمكن الحكم بوقوع البيعة على وفق الشرع وعدم النص، ~~لو لم يكن الأخبار الدالة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) في كتبهم، ~~وبما ذكرته ظهر ضعف الملازمة في قوله " ولو كان ظاهرا لهم لكانوا يظهرونه " ~~وضعف قوله " ولو منعه فلم لم يصرح من سمعه ". # وأما ما ذكره من أنه كان الواجب على أمير المؤمنين (عليه السلام) إظهار ~~النص، فضعيف، لأن بعض ما أمكن من البيانات صدر منه (عليه السلام) والخوف ~~كان مانعا عن الزائد، وبين الامتناع ms099 عن البيعة والتصريح ببطلان أمرهم فرق ~~واضح، والقدرة على الامتناع في مدة لا تستلزم القدرة على التصريح ببطلان ~~أمرهم، فربما لم يكن التقية مانعة عن الأول في أول الأمر ومانعة عن الثاني، ~~مع أنه (عليه السلام) لم يترك إظهار ما يتم به الحجة، لأن امتناعه عن ~~البيعة مدة الاقتدار يدل على بطلان ما فعلوا، وكيف يقدر على التصريح ببطلان ~~الخلافة على من لم يبال من غصبها مع قوة البطش واستقرار السلطنة؟ # PageV00P135 # هل يمكن أن يقال لصاحب سلطنة له قدرة على ما شاء من الظلم بل القتل: إنك ~~تركت العمل بكتاب الله وأخبار رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ هل يقدر أحد ~~على أن يخبر صاحب سلطنة وشوكة غرضه أن يعلمه الناس صاحب مذهب صحيح ببطلان ~~مذهبه؟ وظاهر أنه لا يقدر، مع كونه أسهل من أن يقول لمن يدعي كونه خليفة ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) إنك غصبت الخلافة. # اعلم أن دلالة بيعة أهل السقيفة التي لها محامل على صحة إمامة أبي بكر ~~أضعف من أن يصح جعلها معارضة لدلالة امتناع أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~وحده عن البيعة ما قدر على البطلان، فكيف تعارضه مع انضمام امتناع بني هاشم ~~وجلة الصحابة من غيرهم، فجعل بيعة السقيفة معارضة لهما مع الكتاب والأخبار ~~التي في كتبهم في غاية السخافة، وسكوته (عليه السلام) عن توضيح خطأهم بذكر ~~النصوص لا يدل على عدمها، بل لعله (عليه السلام) خاف من إظهار بعضها، وعلم ~~بقرائن الحال وأخبار النبي (صلى الله عليه وآله) عدم التأثير، فاكتفى (1) ~~بما كان مناسبا لإتمام الحجة على الناس. # PageV00P136 # ومع ظهور ما ذكرته من الخوف وعدم التأثير لمن تدبر أدنى تدبر أمر ~~السقيفة، نوضحه أيضا ونقول: نقلت العامة والخاصة أنهم كانوا يتشددون على من ~~أصر في امتناع البيعة غاية التشديد، ولا يسألون عنهم الحجة على الترك، وهذه ~~طريقة خارجة عن قانون العقل والشرع، لأنه يجب أن يقولوا للممتنع عن البيعة: ~~إنه بعد ما جرى الاستدلال على أولوية المهاجرين من الأنصار، واستدلال عمر ~~وأبي ms100 عبيدة على أولوية أبي بكر من بين المهاجرين، بايعه أكثر الصحابة لظهور ~~حقية الدليل، فإن كان لك كلام في الدليل فتكلم فيه حتى ينظر فيه. # وإن كان لك دليل معارض بخصوصه لهذا الدليل أيضا، فاذكره حتى ننظر فيه ~~ونتبع الحق، لأن غرضنا ليس متعلقا بخصوصية الشخص، بل كان بيعتنا لأبي بكر ~~لاستنباطنا من الدليل حصول مرضات الله بها، فإن الحق على طبق ما فهمنا ~~فاتبعنا لأنك تابع للحق وإن كان الحق معك فنتبعك، لأن النجاة في اتباعه، ~~وخلو كلامهم عن أمثال ذلك الكلام شاهد صدق على كذبهم، بل كثير من الجبابرة ~~إذا ادعى عليهم البطلان يطلبون منهم البرهان. # والشاهد على ما ذكرته كثير من مواضع القرآن إن كنت من أهل البصيرة ~~والعرفان، ولعل ظهور أمر أمير المؤمنين (عليه السلام) ووضوح بطلانهم كانا ~~باعثين على تشدد الأمر من غير مهلة واستفسار الجهة. # وما أيدتم مقالتكم به من سرور الخلفاء بالأخبار عن خطائهم ضعيف، لأنه ~~PageV00P137 # يمكن أن يختلف الحال باختلاف الخطأ والمخبرين، فلا يبالون بظهور خطائهم ~~في بعض الأمور، ويكرهون كراهة ما في بعضها، ويكرهون أشد الكراهة في بعض ~~آخر. # ومع وضوح ما ذكرته من الاحتمال وشهادة الاستقراء عليه، يؤيده ما نقل شارح ~~المختصر من الاحتجاج لقول الشافعي، بأنه إذا أفتى واحد أو جماعة بقول وعرف ~~الباقون ولم ينكره أحد، ليس إجماعا ولا حجة، بأنه يجوز أن يكون من لم ينكر ~~إنما لم ينكر لأنه لم يجتهد بعد، فلا رأي له في المسألة، أو اجتهد وتوقف ~~لتعارض الأدلة، أو خالفه لكن لما سمع خلاف رأيه روى، لاحتمال رجحان مأخذ ~~المخالف حتى يظهر عدمه، أو وقره فلم يخالفه تعظيما له، أو هاب المفتي أو ~~الفتنة، كما نقل عن ابن عباس في مسألة العول، أنه سكت أولا ثم أظهر ~~الانكار، فقيل له في ذلك، فقال: # إنه والله كان رجلا مهيبا يعني عمر، ومع قيام هذه الاحتمالات لا يدل على ~~الموافقة، فلا يكون إجماعا ولا حجة انتهى. # وإذا كانت هيبة عمر مانعة لابن عباس عن ms101 الفتوى بخلافه في مسألة العول مع ~~عدم المنافاة الظاهرة لجاهه، فكيف يحكمون بعدم منع هيبته عن القول ببطلان ~~خلافته، أو خلافة من عقد الخلافة له؟ لتوقعه منه ما توقع، وبإمكان إظهار ~~النصوص الدالة على بطلانها، وهل هذا إلا ترجيح المسألة بالأهواء؟ وتأويل ~~الأدلة أو طرحها لمنافاتها. # ومسألة جلد الحامل ونفي المغالاة وشبههما لا تدل على ترك السكوت مطلقا، ~~ولا في الأغلب في المسائل الغير المتعلقة بالإمامة، فكيف في المسألة ~~المتعلقة بها، ولعلهم فيما يستنبط الاصرار فيه سكتوا عنه مطلقا، وما يظن ~~إثارة الغضب في وقت دون وقت يظهرونه عند ظن عدم الغضب إن شاؤوا. # ويؤيد ما ذكرته ما رواه ابن الأثير في جامع الأصول، في كتاب الاعتصام، من ~~PageV00P138 # صحيح البخاري ومسلم، عن ابن عباس، أنه قال: مكثت سنة أن أسأل عمر بن ~~الخطاب عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له، حتى خرج حاجا، فخرجت معه، فلما ~~رجعنا وكنا ببعض الطريق عدل إلى الأراك لحاجة له، فوقفت حتى فرغ، ثم سرت ~~معه فقلت: يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا على النبي (صلى الله عليه ~~وآله) من أزواجه؟ # فقال: تلك حفصة وعائشة، فقلت: والله أن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ ~~سنة فما أستطيع هيبة، قال: فلا تفعل، ما ظننت أن عندي من علم فاسألني، فإن ~~كان لي علم خبرتك به (1). # وأيد الدليلان بالآية والأخبار. أما الآية فقوله تعالى * (ألا تنصروه فقد ~~نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه ~~لا تحزن إن الله معنا فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها) * (2) ~~وما يتوهم منه التأييد أمران: أحدهما تعبيره بالصاحب في الآية، وكون صاحب ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) من المدائح التي لا يناسب ذكر مثلها لمن ~~يكون عاقبة أمره غصب الخلافة، فخلافته لم تكن بعنوان الغصب والعدوان، وهو ~~المطلوب. # وثانيهما قوله * (إن الله معنا) * لأن كون الله مع أبي بكر يدل على كونه ~~مصونا عن المعاصي التي عاقبتها النار وغصب ms102 الخلافة من أعظمها. # وفي الأمرين نظر. أما الأول، فلأن التعبير بالصاحب لا يفهم المدح كما لا ~~يخفى، ومع عدم الدلالة يؤيده قوله تعالى * (قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت ~~بالذي خلقك من تراب) * (3) وظاهر أن بناء التعبير بالصاحب هاهنا على ~~المرافقة، مع كون أحدهما مؤمنا والآخر كافرا. # PageV00P139 # فإن قلت: أخبر الله تعالى بمصاحبته، وبعد ما ثبت مصاحبته بالآية نقول: # مصاحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تلك الحال تدل على كمال ~~المحبة، وقصد نهاية الاهتمام في الذب عنه، والمصاحبة في مثل تلك الحال ~~مقرونة بهذا القصد من أعظم القربات، فمثل هذا الاهتمام والمحبة في أمر رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) لا يجتمع مع غصب الخلافة. # قلت: يمكن أن يكون اختياره صحبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لمحافظة ~~نفسه من بعض المخاوف بقدر الإمكان، بأن يكون سمع من الجماعة التي اعتمد ~~بأقوالهم ظفر رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الكفار لكونه معروفا بين ~~أهل الكتاب والكهنة، فاختار رفاقته لظن السلامة، أو يكون سمع من رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) إخباره بالظفر واعتقد صدقه. وعلى تقدير كون الداعي ~~محبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) والسعي في محافظته مع عدم نقل شئ، يدل ~~على جرأته وقوته، ودفع شر الأعداء في وقت من الأوقات لا يدل على عدم ضلاله ~~بعد فكم من مهتد ضل. # وبعض العلماء استدل بهذه الآية على نقص أبي بكر، لكون إنزال السكينة على ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) مقرونا بإنزالها على المؤمنين، كما يدل ~~قوله تعالى * (ثم أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين) * في هذه ~~السورة وغيرها. # وأما في الثاني، فلأن المراد من قوله " معنا " يمكن أن يكون هو رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) منفردا، وذكر هذه الصيغة وإرادة الواحد غير عزيز. # فإن قيل: ذكر " معنا " بعد منع أبي بكر عن الحزن الذي حصل له من الخوف ~~يدل على اشتراكه مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قوله " معنا ". # أجيب: ms103 بأنه يمكن أن يكون أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفسه بهذا ~~اللفظ، ويكون المراد في هذا المقام أن الله معي يحفظني ويحفظ من معي من شر ~~الأعداء الذي خفت منه. وعلى تقدير شركته معه في هذه الصيغة، مراده كون الله ~~تعالى معهما في دفع هذا الخوف الذي حصل من طلب كفار قريش، ولا منقبة في ~~هذا، وعلى تقدير PageV00P140 # استحقاق منقبة ما بهذا لا يدل على بقاء استحقاقها دائما. # وبعضهم ذكر أن الأتقى في قوله تعالى * (وسيجنبها الأتقى * الذي يؤتي ~~ماله) * (1) هو أبو بكر، والأتقى لا يفعل أمرا يوجب دخول النار، فلم يكن في ~~أمر الخلافة غاصبا. # وفيه أنه نقل أن الأتقى في الآية هو أبو الدحداح، حيث اشترى نخلة شخص ~~لأجل جاره، وقد عرض النبي (صلى الله عليه وآله) على صاحب النخلة نخلة في ~~الجنة فأبى، فسمع أبو الدحداح فاشتراها ببستان له ووهبها للجار، فجعل له ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) بستانا عوضها في الجنة. # وفي المواقف وشرحه في الاستدلال على كون الآية في شأن أبي بكر: أنه يمنع ~~قوله تعالى * (وما لأحد عنده من نعمة تجزى) * كون نزولها في شأن علي (عليه ~~السلام) لأن عنده نعمة التربية، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) ربى عليا ~~وهي نعمة تجزى، والإجماع على أن هذا الأتقى هو أحدهما لا غير. # أقول: لم ينحصر نعمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في التربية (2)، بل ~~توفيق الإسلام وفضيلة # PageV00P141 # الجهاد التي من جملتها ضربه في الخندق الذي خير من عبادة الثقلين، وأمر ~~خيبر الذي ظهر للمسلمين، وتعليم أبواب العلوم حتى صار باب مدينتها وغيرها ~~مما لا يعد ولا يحصى من نعمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم خصصوها ~~بالتربية؟ # ومع هذا لا منع عن نزول الآية في شأن أمير المؤمنين (عليه السلام) لأن ~~نعمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) على المؤمنين من يوم بعثته إلى يوم ~~القيامة مع عمومها من أعظم النعماء، وتخصيص نعمة التربية من بين النعماء لا ~~معنى ms104 له، فينبغي تخصيص العام في قوله تعالى * (وما لأحد) * بغيره (صلى الله ~~عليه وآله) والأتقى بأمير المؤمنين (عليه السلام) أنسب من غيره، كما يظهر ~~من سيرته (عليه السلام) وحال الاجماع ظاهرة من حكاية أبي الدحداح. # واستدل بعضهم بقوله تعالى * (قل للمخلفين من الأعراب) * (1) الآية على ~~إمامة أبي بكر، ننقل كلام البيضاوي واستدلاله حتى يظهر الحال: " ستدعون إلى ~~قوم أولي بأس شديد " بني حنيفة أو غيرهم ممن ارتدوا بعد رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) أو المشركين فإنه # PageV00P142 # قال: " تقاتلونهم أو يسلمون " أي: يكون أحد الأمرين إما المقاتلة أو ~~الإسلام لا غير، كما دل عليه قراءة أو يسلموا، ومن عداهم يقاتل حتى يسلم أو ~~يعطي الجزية، وهو يدل على إمامة أبي بكر، إذ لم يتفق هذه الدعوة لغيره إلا ~~إذا صح أنهم ثقيف وهوازن، فإن ذلك كان في عهد النبوة. # واستدل صاحب الكشاف على كون الداعي أبا بكر بقوله تعالى في سورة التوبة * ~~(فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) * (1) إلى قوله فإن قلت: عن ~~قتادة أنهم ثقيف وهوازن، وكان ذلك في أيام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~قلت: إن صح ذلك فالمعنى لن تخرجوا معي أبدا ما دمتم على ما أنتم عليه من ~~مرض القلوب والاضطراب في الدين، أو على قول مجاهد كان الموعد أنهم لا ~~يتبعون رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا متطوعين لا نصيب لهم في المغنم. # وقال في ذيل قوله تعالى * (فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك ~~للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) * إنما قال إلى طائفة ~~منهم لأن منهم من تاب عن النفاق وندم على التخلف، أو اعتذر بعذر صحيح: ~~وقيل: لم يكن المخلفون كلهم منافقين، فأراد بالطائفة المنافقين منهم (2) ~~انتهى. # ومن الغرائب استدلال صاحب الكشاف في سورة الفتح على كون أبي بكر هو ~~الداعي بقوله تعالى في سورة التوبة * (فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا ~~معي عدوا) * مع أنه ذكر في تفسير الآية هناك في ms105 وجه ذكر الطائفة ثلاثة ~~احتمالات نقلتها، لا يجري الاستدلال على شئ منها، لأن مبنى استدلاله على ~~اتحاد المخلفين من الأعراب مع من قال الله تعالى في شأنهم * (فقل لن يخرجوا ~~معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا) * وهو ممنوع. # PageV00P143 # وصرح السيد بالمخالفة وبينها بكون نزول آية سورة التوبة بتبوك سنة تسع من ~~الهجرة، ونزول آية الفتح سنة ست منها. # وأيضا استدلاله بآية الفتح على إمامة أبي بكر بمحض الاحتمال مع دلالة ~~روايتي قتادة ومجاهد على كون الداعي رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا وجه ~~له. # ويؤيد كون قوم أولي بأس شديد هوازن وثقيف، ما رواه السيد مع رواية قتادة، ~~أنه روى ابن المسيب، عن أبي ورقا، عن الضحاك في قوله تعالى * (ستدعون إلى ~~قوم أولي بأس شديد) * (1) الآية أنهم ثقيف. وروى هيثم، عن أبي بشر، عن سعيد ~~بن جبير، قال: هم هوازن يوم حنين (2). وبما ذكرته ظهر ضعف كلام البيضاوي من ~~غير حاجة إلى البيان. # وبعضهم ذكر من فضائل أبي بكر دلالة آية سورة الأحقاف على غاية جلالته ~~المنافية لغصب الخلافة، وهي قوله تعالى * (والذي قال لوالديه أف لكما ~~أتعدانني أن أخرج وقد خلت القرون من قبلي وهما يستغيثان الله ويلك آمن إن ~~وعد الله حق فيقول ما هذا إلا أساطير الأولين أولئك الذين حق عليهم القول) ~~* (3) لأن الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، فهذه الآية كما تدل على ~~إصراره في الكفر في ذلك الزمان، كذلك تدل على كمال أبويه في الإيمان. # وفيه أن هذه الآية كما لا تدل على استمرار كفر الابن، مع دلالة قوله ~~تعالى * (أولئك الذين حق عليهم القول) * على كونه من أصحاب النار، لجواز ~~التخصيص بكونه من أصحاب النار، فكذلك لا تدل على استمرار إيمان الأب. # وكثير من المفسرين أنكروا نزولها في شأن عبد الرحمن، ونقلوا عن عائشة # PageV00P144 # إنكارها نزولها في شأنه، ودعوى العلم بنزولها في شأن من لم تسمه مع أنك ~~عرفت أنه لا دلالة للآية على مطلوبهم على تقدير تسليم النزول في ms106 شأنه. # ومن الآيات قوله تعالى * (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت ~~الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا) * (1). # وجه الدلالة: أن الجمع المعرف باللام ظاهر في الاستغراق، وكان أبو بكر من ~~الجماعة الذين بايعوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) تحت الشجرة، فقد رضي ~~الله عنه في ضمن المؤمنين، فلا يحتمل في شأنه غصب الخلافة. # وفيه نظر، لأن ما ظاهره العموم يجب تخصيصه إذا دل عليه الدليل، فنخصصه ~~بدلائل إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام). وأيضا تدل الآية على حصول مرضات ~~الله للمؤمنين حال المبايعة أو لأجلها، وعلى التقديرين لا تدل على البقاء، ~~بل بقاء الرضا مبني على بقائهم على مقتضى البيعة، كما يدل قوله تعالى * ~~(فمن نكث فإنما ينكث على نفسه) * (2) ولعل من مقتضى البيعة إطاعة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) التي منها عدم التخلف عن جيش أسامة وغيره مما ينافي ~~اختلاس الخلافة. # وأيضا أول غزو من غزوات رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد نزول السكينة ~~في الحديبية غزو خيبر، وفي واقعة خيبر إشارة إلى خروج أبي بكر ووزيره عن ~~المقصود بالمؤمنين في هذه الآية، لأن الآية أخبرت بنزول السكينة على ~~المؤمنين، وعدم تحقق السكينة فيهما يدل على التخصيص، ودليل عدم السكينة ما ~~اشتهر في الآفاق. # وذكر السيد من أنه لا خلاف بين أهل النقل في أن الفتح الذي كان بعد بيعة ~~الرضوان بلا فصل هو فتح خيبر، وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعث أبا ~~بكر وعمر، فرجع كل واحد منهما منهزما ناكصا على عقبيه، فغضب رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) وقال: لأعطين # PageV00P145 # الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله كرار غير فرار، لا ~~يرجع حتى يفتح الله عليه، فدعا أمير المؤمنين (عليه السلام) وكان أرمد، ~~فتفل في عينه، فزال ما كان يتشكاه وأعطاه الراية، فمضى متوجها وكان الفتح ~~على يديه، فيجب أن يكون هو المخصوص بحكم الآية، ومن كان معه في ذلك الفتح ~~من أهل البيعة ms107 تحت الشجرة لتكامل الشرائط فيهم، ويجب أن يخرج عنها من لم ~~يجتمع له الشرائط (1) انتهى. # ولعل النكتة في بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) الرجلين مع ظهور عدم ~~ثباتهما في المحارب والمخاوف على الأداني والأقاصي، أن يظهر لأرباب التميز ~~خروجهما عن الآية، لظهور عدم السكينة التي أخبر الله تعالى بها في الآية ~~فيهما، ولا يتوهم خروجهما عن حالهما السابقة بعد نزول الآية بدخولهما في ~~الآية، وأن يخبر (صلى الله عليه وآله) في حق علي (عليه السلام) بعدهما بأنه ~~يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كرار غير فرار، لا يرجع حتى يفتح الله ~~عليه، تعريضا على الرجلين بخلوهما عن الأوصاف. # فإن قيل: نزول السكينة في الحديبية لا يستلزم بقائها إلى خيبر. # أجيب: بأن مرضات الله فيها لا تستلزم بقائها إلى زمان ينفعكم بقاؤها. # وكذلك النكتة في ظهور الغضب عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يظهر ~~على الناس تهاونهم في الحرب، وإلا لا وجه للغضب من عدم الغلبة على من لم ~~يكن قادرا عليها مطلقا، وكيف يغضب على غير القادر من قال الله تعالى في ~~شأنه * (إنك لعلى خلق عظيم) * (2). # وأما الأخبار، فمنها: تقديمه (صلى الله عليه وآله) إياه أيام مرضه في ~~الصلاة التي هي أفضل أركان الدين، وهو يدل على استحقاقه الخلافة. # وفيه نظر من وجوه: أما أولا، فلأنا لا نسلم أن تقدمه في الصلاة كان بأمر # PageV00P146 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) بل إنما كان من حيل عائشة، ولا يبعد منها ~~أمثال تلك الأمور القبيحة، ألا ترى إلى خروجها على أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) مع أن حربه حرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلى بغضها أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) مستمرا، مع كونه من علامات النفاق كما سيظهر لك. # وأما ثانيا، فلأن خروج رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع غاية الضعف بعد ~~ما سمع صوته يدل على عدم الرضا بإمامته. # وأما ثالثا، فلأنه من مسلماتهم جواز الصلاة خلف كل بر وفاجر، فإمامته في ~~الصلاة لا تدل ms108 على الرجحان على المأمومين، فلعله قدم بغير جهة الكمال ~~والمزية. # وأما رابعا، فلأنا لو سلمنا أمره (صلى الله عليه وآله) بتقديم أبي بكر في ~~الصلاة مع ظهور البطلان، لم يدل على الرجحان على أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) لأنه (عليه السلام) كان عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم ~~يصل بصلاة أبي بكر، وكان مزية أمير المؤمنين (عليه السلام) بما ذكرته سابقا ~~عاما بالنسبة إلى جميع أمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلعل تعرض أبي ~~بكر للخلافة أخرجه عن لياقة الصلاة خلفه، وغيرها مما هو لازم الكمال، ولا ~~يدل جعل شخص إماما في الصلاة على حسن العاقبة. # وأيضا على تقدير أمره (صلى الله عليه وآله) بتقديم أبي بكر في الصلاة مع ~~ظهور بطلانه، نقول: # لعله (صلى الله عليه وآله) نصبه أولا ليعزله ثانيا، ويظهر للأمة من العزل ~~عن إمامة الصلاة مع صلاحية كل بر وفاجر من الأمة لها على ما هو من ~~مسلماتهم، عدم لياقته للتقدم في أمر من الأمور، فكيف يصلح للرئاسة العامة ~~مع انعزاله عن مثل ذلك الأمر الذي لا يدل على مزية بعنوان اللزوم؟ # ويدل على فهم العزل، ما قال عبد الحميد بن أبي الحديد في قصيدته المشهورة ~~في مدح علي (عليه السلام) تعريضا بأبي يكر: # ولا كان معزولا غداة براءة * ولا في صلاة أم فيها مؤخرا PageV00P147 # وأما خامسا، فلأنه إن دل إمامة أبي بكر في الصلاة بالنسبة إلى بعض الأمة ~~على استحقاق الخلافة، فعبد الرحمن بن عوف أولى بها منه، لنقلهم في بعض ~~صحاحهم صلاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) خلفه، وننقل بعض الأخبار من ~~كتبهم حتى يظهر لك بعض ما ذكرته. # روى ابن الأثير في الكتاب الخامس من حرف الميم، وهو كتاب الموت وما يتعلق ~~به، عن عائشة، إلى أن قالت: فأرسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أبي ~~بكر أن يصلي بالناس، فأتاه الرسول، فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر وكان رجلا ms109 رقيقا: يا عمر صل ~~بالناس، قالت: فقال عمر: أنت أحق بذلك، قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ~~ثم إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وجد من نفسه خفة، فخرج بين رجلين ~~أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رأى أبو بكر ذهب ~~ليتأخر، فأومئ إليه النبي (صلى الله عليه وآله) أن لا يتأخر، وقال لهما: ~~أجلساني إلى جنبه، فأجلساه إلى جنب أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي وهو يأتم ~~بصلاة النبي والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي (صلى الله عليه وآله) قاعد. # قال عبيد الله: دخلت على عبد الله بن عباس، فقلت: ألا أعرض عليك ما ~~حدثتني عائشة عن مرض النبي (صلى الله عليه وآله) قال: هات، فعرضت حديثها ~~عليه، فما أنكر منه شيئا، غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ ~~قلت: لا، قال: هو علي (عليه السلام) (1). # وروى ابن الأثير في كتاب النبوة، في ترجمة عبد الرحمن بن عوف، أنه صلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله) خلفه في غزوة تبوك وأتم ما فاته (2). # قد ظهر بما نقلته عن ابن الأثير أن هذه رواية رووها عن عائشة، وحالها ~~معلومة. # PageV00P148 # وأيضا قول أبي بكر لعمر صل بالناس، يدل على أنه لا اختصاص لإمامة الصلاة ~~بصاحب المزية عنده، وإن ذكر رسول الله (صلى الله عليه وآله) إياه لو سلم ~~كان بعنوان المثال بين الجماعة الذين ظهر حضورهم لرسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وإلا كان أمره عمر بالإمامة ردا على رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~وخروج رسول الله (صلى الله عليه وآله) على تلك الحال للإيماء إلى عدم كون ~~تقدمه بإذنه، وإلا لم يكن لخروجه (صلى الله عليه وآله) وجه يرتضيه العقل ~~السليم. # وقول عبيد الله فقلت: ألا أعرض ما حدثتني عائشة؟ يدل على كونها متهمة ~~بالكذب في الخبر، وتتقوى الدلالة على الاتهام بقوله " فما أنكر منه شيئا " ~~لأن العارف بأسلوب الكلام يفهم من مثل هذه العبارة وضوح احتمال التكذيب ~~بانتشار كون هذا الخبر ms110 من مفتريات عائشة، فعرضه على ابن عباس، واستنبط من ~~عدم التكذيب صدق الكلام، ولم يتفطن أنه لا قدرة لابن عباس على تكذيبها في ~~هذا الخبر الذي هو العمدة في اختلاسهم الأمر. # وفي قول ابن عباس " أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ " إشارة إلى دقيقة ~~هي أن عليا (عليه السلام) لم يكن من الجماعة الذين أمر رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) بناء على رواية عائشة بتقديم أبي بكر عليهم في الصلاة، فبأي وجه ~~يستدلون بهذا الخبر على استحقاق الخلافة العامة. # قال ابن أبي الحديد: روى الأرقم بن شرحبيل، قال: سألت ابن عباس (رحمه ~~الله) هل أوصى رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال: لا، قلت: فكيف كان؟ ~~فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال في مرضه: ابعثوا إلى علي ~~فادعوه، فقالت عائشة: لو بعثت إلى أبي بكر، وقالت حفصة: لو بعثت إلى عمر، ~~فاجتمعوا عنده جميعا - هكذا لفظ الخبر على ما أورده الطبري في التاريخ، ولم ~~يقل فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليهما - قال ابن عباس: فقال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله): انصرفوا فإن تكن لي حاجة أبعث إليكم، فانصرفوا. # وقيل لرسول الله (صلى الله عليه وآله): الصلاة، فقال: مروا أبا بكر أن ~~يصلي بالناس، فقالت PageV00P149 # عائشة: إن أبا بكر رجل رقيق فمر عمر، فقال: مروا عمر، فقال عمر: ما كنت ~~لأتقدم وأبو بكر شاهد، فتقدم أبو بكر، فوجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~خفة فخرج، فلما سمع أبو بكر حركته تأخر، فجذب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) ثوبه، فأقامه مكانه وقعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) فقرأ من حيث ~~انتهى أبو بكر. # قلت: عندي في هذه الواقعة كلام، وتعترضني فيها شكوك واشتباه، إذا كان قد ~~أراد أن يبعث إلى علي (عليه السلام) ليوصي إليه، فنفست عائشة عليه فسألت أن ~~يحضر أبوها، ونفست حفصة عليه فسألت أن يحضر أبوها، ثم حضرا ولم يطلبا، فلا ~~شبهة أن ابنتيهما طلبتاهما، هذا هو الظاهر، ms111 وقول رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وقد اجتمعوا كلهم عنده " انصرفوا فإن تكن حاجة لي بعثت إليكم " قول ~~من عنده ضجر وغضب باطن لحضورهما، وتهمة للنساء في استدعائهما، فكيف يطابق ~~هذا الفعل ما روي من أن عائشة قالت لما عين على أبيها في الصلاة: إن أبي ~~رجل رقيق فمر عمر، وأين ذلك الحرص من هذا الاستعفاء والاستقالة؟ وهذا يوهم ~~صحة ما تقوله الشيعة من أن صلاة أبي بكر كانت بأمر عائشة، وإن كنت لا أقول ~~بذلك ولا أذهب إليه، إلا أن تأمل هذا الخبر ولمح مضمونه يوهم ذلك، فلعل هذا ~~الخبر صحيح، هذا كلامه. # ثم أشكل في الخبر إشكالا آخر، وهو عدم جواز نسخ أمر أبي بكر بالصلاة بأمر ~~عمر بها قبل مضي ما هو شرط جواز النسخ. # وقال: فإن قلت: لم قلت في صدر كلامك هذا أنه أراد أن يبعث إلى علي ليوصي ~~إليه؟ ولم لا يجوز أن يكون بعث إليه لحاجة له؟ # قلت: لأن مخرج كلام ابن عباس هذا المخرج، ألا ترى أن الأرقم بن شرحبيل ~~الراوي لهذا الخبر قال: سألت ابن عباس هل أوصى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)؟ فقال: لا فقلت: فكيف كان؟ فقال: إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~قال في مرضه: ابعثوا إلى علي فادعوه، فسألته المرأة أن يبعث إلى أبيها، ~~وسألته الأخرى أن يبعث إلى أبيها، PageV00P150 # فلولا أن ابن عباس فهم من قوله (صلى الله عليه وآله) " ابعثوا إلى علي ~~فادعوه " أنه يريد الوصية إليه لما كان لإخباره الأرقم بذلك متصلا بسؤاله ~~عن الوصية معنى (1) انتهى كلامه. # لا يخفى جودة أكثر كلامه هاهنا. وأما تعبيره ب‍ " يوهم " في قوله " وهذا ~~يوهم صحة ما تقوله الشيعة " فإنما هو لقوله بإمامة أبي بكر بتبعية السلف، ~~وإلا لم يكن لتعبيره بيوهم وجه. # ويرد على قوله " فلعل هذا الخبر غير صحيح " أنه يختل به دليل إمامة أبي ~~بكر، لأن انعقاد البيعة في السقيفة كان برواية الصلاة، كما ظهر في المقدمة، ~~وترتب عليها ما ترتب، ms112 وإذا كان مأخذ البيعة رواية غير صحيحة فلا اعتبار ~~بها. # فإن قلت: لعل خبر الصلاة وإن كان صحيحا لنقل خبر الصلاة في صحيح البخاري ~~ومسلم ومالك والترمذي والنسائي، على ما ذكر ابن الأثير في جامع الأصول في ~~كتاب الفضائل (2)، لكن ما نقله ابن أبي الحديد لم يكن صحيحا عنده، للاختلال ~~الذي أشار إليه. # قلت: الخبر الذي نقله الخمسة روته عائشة وحالها في الخروج على أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وبغضها إياه، وجلب الكرامة لنفسها، مانعة عن قبول ~~روايتها (3)، وبعض الروايات المنقولة في كتاب الفضائل مع كون راويها عائشة، ~~مشتملة على أنه (صلى الله عليه وآله) قال: مروا أبا بكر بالصلاة، فقيل له: ~~إن أبا بكر رجل أسيف إذا قام مقامك لا يستطيع أن يصلي بالناس، وأعاد ~~فأعادوا وأعاد الثلاثة، فقال: إنكن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل بالناس ~~إلى آخر الخبر، وفيه بعض التشويشات المذكورة، وبالجملة خبر الصلاة محفوف ~~بقرائن الجعل والافتراء، ومع ذلك لا يدل # PageV00P151 # على مطلوبهم. # ومن الفضائل التي ذكروها لأبي بكر أنه كان أنيس رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) في عريش بدر. ومنها: أنه أنفق ماله على رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله). # وظاهر أنه ليس في كونه مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) في عريش دلالة ~~على مزية أصلا أي حاجة لرسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أنيس؟ مع كون ~~أنسه (صلى الله عليه وآله) بالله تعالى، ولعل وجه كونه في عريش أن جبانة ~~أبي بكر أظهر من الشمس، وكانت غزوة بدر أول الغزوات، مع غاية قلة المسلمين ~~وضعف أهبة القتال، فلعله (صلى الله عليه وآله) رأى مصلحة المحاربة أن يكون ~~أبو بكر في العريش لئلا يسري هربه وجبنه إلى الغير. # وبالجملة من الغرائب أنهم عدوا قعوده من الفضائل، مع ظهور احتمال كونه من ~~أعظم الرذائل، وأغمضوا عما ظهر من الكتاب من فضائل المجاهدين، وفضلوا عليهم ~~بمحض الهوى بعض القاعدين. # وأما إنفاقه، فليس معروفا من حاله، ولا يدل نقل صحيح عليه، بل ما نقل ms113 من ~~حاله في الجاهلية والإسلام لا يدل على كونه من الأغنياء، ونقل أن أباه كان ~~فقيرا في الغاية، وكان ينادي على مائدة عبد الله بن جذعان بمد في كل يوم ~~يقتات به، فلو كان أبو بكر غنيا لكفى أباه، وكان أبو بكر في الجاهلية معلم ~~الصبيان، وفي الإسلام كان خياطا، ولما ولي أمر المسلمين منعه الناس من ~~الخياطة، فقال: إني أحتاج إلى القوت، فجعلوا له في كل يوم ثلاثة دراهم من ~~بيت المال. # وعلى تقدير التنزل فأي منفعة للإنفاق إذا لم يكن النية خالصة، ومع ظهور ~~إنفاق عثمان على جيش العسرة لم ينتفع به في الآخرة، وعلى تقدير خلوص النية، ~~فأي انتفاع له إذا أبطله بغصب حق أهل البيت. # وبالجملة في عد أمثال هذه الأمور من المدائح مع عدم الثبوت في مقابل ~~مدائح أمير المؤمنين (عليه السلام) كمال الركاكة والقباحة. PageV00P152 # اعلم أن البكرية استدلوا على إمامة أبي بكر بالأخبار الموضوعة التي سيجئ ~~بعضها، والدال على وضعها مع اعتراف صاحب المغني بكونها أخبار آحاد لا يعتمد ~~عليها في الإمامة أمور: # أحدها: عدم الاستدلال بها في السقيفة وغيرها مع عدم المانع، وتوفر ~~الدواعي عليه خصوصا بعد امتناع كمل الصحابة. والدال على عدم الاستدلال بها ~~عدم النقل إلينا، مع نقل ما جرى في السقيفة، وما استدلوا به على الاستحقاق ~~من التقدم في الصلاة، والمصاحبة في الغار، اللذين عرفت ضعفهما، والأفضلية ~~التي لا معنى لها أصلا. # وثانيها: امتناع أمير المؤمنين (عليه السلام) وبني هاشم وكمل الصحابة عن ~~البيعة ما قد رووا، ولو كان نص على إمامته لم يخف على أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) ولم يحتاجوا في بيعته (عليه السلام) إلى إرادة إحراق البيت، وغيرها ~~من الأمور التي تدل على خلو أمرهم من الحجة مطلقا. # وثالثها: الدلائل الدالة على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام). # ورابعها: الدلائل الدالة على عدم صلاحية أبي بكر للإمامة، ويكفيك أحدها ~~للقطع بكونها مجعولة دعاهم إليه بعض الأغراض الباطلة، وعدم استبعاد كذب بعض ~~الأصحاب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ms114 يظهر لك بعد التكلم على إمامة ~~الثالث إن شاء الله تعالى. # الفصل الثالث فيما يتعلق بإمامة عمر استدلوا على إمامته بنص أبي بكر في ~~مرضه، وذلك أنه دعا عثمان بن عفان، وأمره أن يكتب: هذا ما عهد أبو بكر بن ~~أبي قحافة آخر عهده من الدنيا، وأول PageV00P153 # عهده بالعقبى، حال يبر فيها الفاجر ويؤمن فيها الكافر، إني أستخلف عليكم ~~عمر بن الخطاب، فإن أحسن السيرة فذلك ظني به والخير أردت، وإن يكن الأخرى ~~فسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. # والتقريب لهم في إمامة عمر: أن أبا بكر بعد ما استخلف عمر نازعه طلحة، ~~وقال: ما تقول لربك إذا وليت علينا فظا غليظا؟ فقال: أقول يا رب وليت عليهم ~~خير أهلك، ولم يقل أحد حين حياته ولا بعد موته أنه لا يجب علينا إمضاء أمره ~~في أمر الاستخلاف، بل كان سعيهم في أول الأمر للعدول، وبعد استقرار الأمر ~~لم يكن لأحد كلام في وجوب إطاعته، وهذا إجماع يدل على إمامة عمر، بل على ~~إمامة كل من نص إمام على إمامته. # وفيه نظر من وجوه: # أما أولا، فلأنه ظهر بطلان إمامة أبي بكر، والفرع يبطل ببطلان الأصل. # وأما ثانيا، فلأنا لا نسلم تحقق إجماع ما على هذا، بل من الأمور الواضحة ~~لمن تتبع كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) وذريته المعصومين أن أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وبعض الصحابة يقولون بينهم ببطلان الفرع والأصل، ~~ويظهرونه ما أمكن، وإن لم يكونوا قادرين على مواجهته بالبطلان. # وأما ثالثا، فلأنا لو سلمنا أنه لم يظهر لنا إظهارهم البطلان لكان إجماعا ~~سكوتيا في مقام الخوف، أما كونه سكوتيا فغني عن البيان، وأما كونه في مقام ~~الخوف، فلأن بعد استمرار سلطنة أبي بكر وشوكته وإطاعته عامة الناس طوعا ~~وبعضهم كرها، كان من يمتنع عن أمره في مظنة الخطر على الامتناع، ألم تر أن ~~من لم يرض بمن عينه السلطان للعلم بعدم كون من عينه لائقا للسلطنة، يخفي ~~عدم الرضا للخوف الظاهر من إظهاره، وإذا كان الاجماع سكوتيا وإظهار الخلاف ms115 ~~مشتملا على الخوف، فلا حجية فيه بما ذكرته في المسألة الثالثة والرابعة من ~~المقدمة الأولى. PageV00P154 # وبالجملة وجوب إطاعة رجل في أمر الدين والدنيا بمحض تعيين رجل لا معرفة ~~له بالاستحقاق الواقعي، ولا علم لنا بأن غرضه من التعيين بعض الأهواء ~~والأغراض الباطلة أو اعتقاد استحقاق، لا وجه له، فلعل تعيين أبي بكر لعمر ~~لما عاهده به، ورأى اهتمام عمر في تشييد أمره رجاء لولاية العهد، فأراد ~~تدارك ما صنع في حقه والوفاء بعهده، ورعاية أمثال تلك الأمور، وترك رعاية ~~الأمور الشرعية غير بعيد من أرباب الأهواء، ومن استقرأ أحوال الناس يعلم ~~عدم استبعاد ما ذكرته، فإن بقي لك ريب في كونه منه فانتظر المطاعن. # وهل يجوز عاقل أن من كان كثير من أهل عصره أعلم منه عند كونه صحيحا، وكان ~~عند كونه في كمال الصحة جاهلا بالأمور الواضحة، أن يصير أحد بمحض تعيينه ~~إياه للإمامة وقت ضعف القوى والفتور في المدارك إماما وحجة على أهل الدنيا، ~~وهذا من الأباطيل الواضحة التي ترتبت على طريقتهم في الإمامة من عدم اعتبار ~~النص من المعصوم والعصمة. # وأيد ما ذكر من الدليل على إمامته بما روي عن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر. ومع ظهور بطلانه بما ذكرته في ~~آخر الفصل السابق، قدحوا في سنده بأنه رواية عبد الملك بن عمير، وهو ممن ~~شيع بني أمية، وممن تولى القضاء لهم، وكان شديد النصب والانحراف عن أهل ~~البيت، ظنينا في نفسه وأمانته، وروي أنه كان يمر على أصحاب الحسين (عليه ~~السلام) وهم جرحى فيجهز عليهم، فلما عوتب في ذلك قال: إنما أردت أن أريحهم. # وذكر السيد مع ضعف السند بعض التأويلات (1) ورواية النصب الدالة على ~~تخصيصهما بالأمر بإطاعة الثقلين بعد العموم الذي ظهر من قوله " اقتدوا " ~~وعدم # PageV00P155 # ذكره في السقيفة، وعدم رد قول طلحة الدالين على أن وضع هذا الخبر كان بعد ~~وفاة أبي بكر. # الفصل الرابع فيما يتعلق بإمامة عثمان بن عفان والدليل على إمامته أن عمر ms116 ~~بن الخطاب جعلها شورى بين ستة: علي (عليه السلام)، وعثمان، وعبد الرحمن بن ~~عوف، وطلحة، وزبير، وسعد بن أبي وقاص، وقال: لو كان أبو عبيدة بن الجراح ~~حيا لما ترددت، وإنما جعلها شورى بينهم لما رآهم أفضل من غيرهم، وأن كل ~~واحد منهم يصلح للإمامة من غير ظهور ترجيح يخصصها بواحد منهم، وقال في ~~حقهم: مات رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو عنهم راض، وقال: إن انقسموا ~~اثنين وأربعة فكونوا مع الأربعة ميلا منه إلى الأكثر، لأن رأيهم إلى الصواب ~~أقرب، وإن تساووا فكونوا مع الجماعة الذين فيهم عبد الرحمن، وبعد المشاورة ~~صار الأمر إلى عثمان لحصول الشرط فيه، فهو الخليفة بنص عمر، لأن النص أعم ~~من تعيين الشخص أولا كتعيين أبي بكر، أو بيان ما يؤول الأمر بعد مراعاته ~~إلى واحد، ومن نص الإمام على إمامته فهو إمام. # ويرد عليه الأنظار الواردة على دليل إمامة عمر وغيرها مما يظهر بنقل ~~حكاية الشورى. نقل صاحب المغني من مطاعن الشيعة على عمر حكاية الشورى، بأن ~~قال: إن اجتمع علي وعثمان، فالقول ما قالاه، وإن صاروا ثلاثة وثلاثة، ~~فالقول للذين فيهم عبد الرحمن، لعلمه بأن عليا وعثمان لا يجتمعان، وأن عبد ~~الرحمن لا يكاد يعدل بالأمر عن ختنه وابن عمه، وأمر بضرب أعناقهم إن تأخروا ~~عن فوق ثلاثة أيام، وأنه أمر بقتل من يخالف الأربعة منهم، أو الذين ليس ~~فيهم عبد الرحمن. # وتعرض لتوجيهه بعد تطويل لا منفعة في نقله، بأنه لو كان هذا مراده لم يكن ~~PageV00P156 # هناك ما يمنعه عن النص على عثمان، كما لم يمنع ذلك أبا بكر، لأن أمره إن ~~لم يكن أقوى من أمر أبي بكر لم ينقص منه، وبما حاصله: إن القول بعلمه بأن ~~عليا وعثمان لا يجتمعان وإن عبد الرحمن يميل إلى عثمان غير ظاهر، بل يدل ~~ديانة عمر على عدم الحيلة (1). # وفيه نظر، لأن عدم تعيين عمر عثمان مع قصد التعيين لا يستلزم العجز حتى ~~يلزم من عدم العجز عدم القصد، بل يمكن أن ms117 يكون غرضه حيلة أخرى هي عدم ~~انتظار الأمر على أمير المؤمنين (عليه السلام) إن انتقل إليه بعد عثمان، ~~لأن جعلهم في عرضة الخلافة ربما صار سببا للمنازعة والمناقشة، ولا يبعد أن ~~يكون حكاية البصرة مترتبة على هذا الفعل منه، بل الظاهر ذلك لو لم نقل ~~بظهور ترتب أمر صفين أيضا عليه. # وأيضا منع علم عمر بعدم اجتماع أمير المؤمنين (عليه السلام) وعثمان في ~~الرأي لا وجه له، لأن اتفاقهما إما على خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~أو عثمان أو غيرهما، وعدم احتمال رضا أمير المؤمنين (عليه السلام) بأحد ~~الأخيرين غني عن البيان، ولما كان ظاهرا لعثمان موافقة سعد وعبد الرحمن معه ~~ويتم الأمر بهما له، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام) للعباس، لم يكن ~~راضيا بغير خلافته، وحيلة عمر أزيد من أن يخفى عليه مثل هذا. # قال السيد (رحمه الله): روى محمد بن سعد عن الواقدي، عن محمد بن عبد الله ~~الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، قال: قال عمر: لا ~~أدري ما أصنع بأمة محمد (صلى الله عليه وآله)؟ وذلك قبل أن يطعن، فقلت: ولم ~~تهتم وأنت تجد من تستخلفه عليهم، قال: أصاحبكم؟ يعني عليا، قلت: نعم والله ~~هو لنا أهل في قرابته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصهره وسابقته ~~وبلائه، فقال عمر: إن فيه بطالة وفكاهة، قلت: فأين أنت من طلحة؟ قال: فأين ~~الزهو والنخوة، قلت: عبد الرحمن، قال: # PageV00P157 # هو رجل صالح عفيف على ضعف فيه، قلت: فسعد، قال: ذاك صاحب مقت وقتال لا ~~يقوم بقرية لو حمل أمرها، قلت: فالزبير، قال: وعقة لقيس مؤمن الرضا كافر ~~الغضب شحيح، وأن هذا الأمر لا يصلح إلا القوي في غير عنف، رفيق في غير ضعف، ~~جواد في غير سرف، قلت: فأين أنت من عثمان؟ قال: لو وليها يحمل بني أبي معيط ~~على رقاب الناس ولو فعلها لقتلوه (1). # ونقل رواية أخرى وصف أربعة من أصحاب الشورى مشافهة فيها بأوصاف رديئة، ~~وقال لعبد الرحمن: ms118 وأما أنت يا عبد الرحمن تحب قومك جميعا، وأما أنت يا علي ~~فوالله لو وزن ايمانك بايمان أهل الأرض لرجح، فقام علي (عليه السلام) ~~موليا، فقال عمر: والله إني لأعلم مكان رجل لو وليتموها إياه لحملكم على ~~المحجة البيضاء، قالوا: من هو؟ قال: هذا المولي من بينكم، قالوا: فما يمنعك ~~من ذلك؟ قال: ليس إلى ذلك سبيل. # وفي خبر آخر رواه البلاذري في تاريخه: أن عمر لما خرج أهل الشورى من ~~عنده، قال: إن لو ولوها الأجلح سلك بهم الطريق، قال ابن عمر: فما يمنعك منه ~~يا أمير المؤمنين؟ قال: أكره أن أتحملها حيا وميتا (2). # وقال السيد بعد كلام: إنه وصف عليا (عليه السلام) بوصف لا يليق به ولا ~~ادعاه عدو قط وهو (عليه السلام) معروف بضده من الركانة والبعد عن المزاح ~~والفكاهة، وهذا معلوم لمن سمع أخباره، وأيده بما رواه عن ابن عباس. # وقال بعده: ومن جملة المطاعن أنه أمر بضرب أعناقهم إن تأخروا عن البيعة ~~أكثر من ثلاثة أيام، ومعلوم أن بذلك لا يستحقون القتل، لأنهم إذا كانوا ~~إنما كلفوا أن يجتهدوا آرائهم في اختيار الإمام، فربما طال زمان الاجتهاد، ~~وربما قصر بحسب # PageV00P158 # ما يعرض من العوارض، فأي معنى للأمر بالقتل، ثم أمر بقتل من يخالف ~~الأربعة وما يخالف العدد الذي فيه عبد الرحمن، وكل ذلك مما لا يستحق به ~~القتل (1). # ولما نقل القاضي عن أبي علي المنع عن الأمر بالقتل، قال: وأما تضعيف أبي ~~علي لذكر القتل فليس بحجة، مع أن جميع من روى قصة الشورى روى ذلك، وقد ذكر ~~ذلك الطبري في تاريخه وغيره. # وقد روى الطبري في تاريخه عن أشياخه من طرق مختلفة أن أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) قال لما خرج من عند عمر بعد خطابه للجماعة بما تقدم ذكره ~~لقوم كانوا معه من بني هاشم: إن طمع فيكم قومكم لم يؤمروا أبدا، وتلقاه ~~العباس بن عبد المطلب، فقال (عليه السلام): عدلت عنا، قال: وما علمك؟ قال: ~~قرن بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر، وإن ms119 رضي رجلان رجلا ورجلان رجلا، ~~فكونوا مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف، فسعد لا يخالف ابن عمه عبد ~~الرحمن، وعبد الرحمن صهر عثمان لا يختلفون، فيوليها عبد الرحمن عثمان، أو ~~عثمان عبد الرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني، بل إني لا أرجو إلا ~~أحدهما (2) انتهى. # اعلم أنه بما نقل من حكاية الشورى يثبت بطلان إمامة الثلاثة، لو لم يكن ~~معها مطاعن أخرى، لدلالته على أمره بقتل من لا يستحق اللوم بوجه فكيف ~~القتل، وعلى الحيلة والغدر، على وجه يظهر منها غاية شقاوته التي تدل على ~~عدم استحقاقه للأمر، وعثمان فرعه، وعلى بطلان إمامة أبي بكر بعدم القائل ~~بالفصل. # واستدلوا على إمامة الثلاثة بقوله تعالى * (وعد الله الذين آمنوا منكم ~~وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن ~~لهم دينهم # PageV00P159 # الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا) ~~* (1). # وجه الدلالة: أن الخطاب للصحابة، وأقل الجمع ثلاثة، ووعد الله حق، فوجب ~~أن يوجد في جماعة منهم خلافة يتمكن بها الدين، ولم يوجد على هذه الصفة إلا ~~خلافة الخلفاء الأربعة، وهو المطلوب، فهي التي وعد الله تعالى. # أجيب عنه: بأن استدلالهم مبني على جعل الخلافة بمعنى الإمامة، وهو ممنوع، ~~ولعل المعنى بقاؤهم في أثر من مضى من الفرق، وجعلهم عوضا منهم وخلفا، ومن ~~ذلك، ومن ذلك قوله تعالى * (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) * (2) وقوله تعالى ~~* (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون) * (3) ~~وقوله تعالى * (وربك الغني ذو الرحمة إن يشأ يذهبكم ويستخلف من بعدكم ما ~~يشاء) * (4) وهذا الاستخلاف والتمكين في الدين لم يتأخر إلى أيام أبي بكر ~~وعمر، بل كان في أيام النبي (صلى الله عليه وآله) حين قمع الله أعداءه ~~وأكمل دينه، ونعوذ بالله من أن نقول إن الله لم يمكن دينه لنبيه (صلى الله ~~عليه وآله) ثم تلافاه متلاف بعد وفاته. # وليس كل التمكين هو كثرة الفتوح والغلبة على البلدان، لأن ذلك يوجب أن ~~دين الله لم ms120 يتمكن إلى اليوم، لعلمنا ببقاء ممالك الكفر كثيرة لم يفتحها ~~المسلمون. # وأيضا لزم أن يكون التمكين في زمان معاوية ومن بعده من بني أمية أكثر من ~~تمكينه في أيام النبي (صلى الله عليه وآله) والخلفاء، لأنهم فتحوا بلادا لم ~~تفتح قبل، ويؤيد كون المقصود من الاستخلاف المعنى الذي ذكرنا لا المعنى ~~الذي ذكروه عموم الدين في الآية. # PageV00P160 # الفصل الخامس في مطاعن الثلاثة منها: ما رواه ابن الأثير في جامع الأصول، ~~في الفرع الرابع من الفصل الثالث من الباب الثاني، من كتاب الجهاد، في ~~منازعة عباس وأمير المؤمنين (عليه السلام) في ميراث الفئ، من صحيح مسلم، ~~قال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا يعني عليا (عليه السلام). ~~وفيه قال أبو بكر: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا نورث ما تركناه ~~صدقة، فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم أنه لصادق بار راشد ~~تابع للحق، ثم مات أبو بكر فقلت: أنا ولي رسول الله وولي أبي بكر، ~~فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم أني بار تابع للحق (1). # وروى ابن أبي الحديد، عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري، أنه قال: # أخبرنا أبو زيد، قال: حدثنا عثمان بن عمر بن فارس، قال: حدثنا يونس، عن ~~الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان، عن عمر بن الخطاب كلاما طويلا لا حاجة ~~إلى نقل كله، وفيه قال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا يعني ~~عليا، وهما مختصمان في الصوافي التي أفاءها الله على رسوله من أموال بني ~~النضير، إلى أن قال الراوي، والتفت إلى علي وعباس وقال: تزعمان أن أبا بكر ~~فيها ظالم فاجر، والله يعلم أنه لصادق بار راشد تابع للحق، وتكلم إلى أن ~~قال: تزعماني أني فيها ظالم فاجر، والله يعلم أني لصادق بار راشد تابع للحق ~~(2). # ويظهر من الروايتين أمور: # أحدها: علم أمير المؤمنين (عليه السلام) بكون أبي بكر كاذبا في الرواية، ~~لعدم # PageV00P161 # إنكاره (عليه السلام) بعد نسبة هذا القول إليه، وهو دال على ms121 كذب أبي بكر، ~~لدوران الحق مع علي حيث ما دار، وكذبه يدل على ظلمه أهل البيت في منع ~~الميراث. # وثانيهما: كونه (عليه السلام) عالما بكون كل واحد من الرجلين آثما غادرا ~~خائنا، فهما كذلك. # وثالثها: كون عمر عالما بعلمه (عليه السلام) بالأمور المذكورة. # ورابعها: كون بيعته (عليه السلام) بعنوان الجبر لا للاعتقاد باستحقاقهما ~~للأمر، لأنه لا يجوز بيعة المتصف بهذه الأوصاف مع الاختيار، وواحد منها كاف ~~لبطلان الرجلين بل الثلاثة. # فإن قلت: الحكم بكذب أبي بكر في حديث إرث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~إنما يصح لو انفرد في دعوى السماع، وليس كذلك، بل شهد على صدقه عثمان وسعد ~~وعبد الرحمن والزبير، لأن في الحديث الذي نقل بعضه آنفا عن أبي بكر الجوهري ~~بإسناده إلى مالك بن أوس بن حدثان، أن عمر قال بحضور الجماعة المذكورة: ~~أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماوات والأرض، هل تعلمون أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) قال: لا نورث ما تركناه صدقة يعني نفسه؟ قالوا: قد قال ~~ذلك، بل أمير المؤمنين (عليه السلام) والعباس أيضا حيث أقبل إلى عباس وعلي ~~فقال: أنشدكما الله هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم. # وأيضا روى أبو بكر الجوهري بإسناده إلى أبي هريرة عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) قال: لا يقسم ورثتي دينارا ولا درهما، ما تركت بعد نفقة نسائي ~~ومؤونة عيالي فهو صدقة (1). # قلت: أما حديث الإشهاد، فمما استغربه ابن أبي الحديد، وقال: هذا حديث ~~غريب، لأن المشهور أنه لم يرو حديث انتفاء الإرث إلا أبو بكر. وأما تصديق ~~الأربعة، فيحتمل أن يكون سببه حسن الظن بأبي بكر، أو الخوف من عمر، أو توقع # PageV00P162 # الرضا منه، لا السماع الذي لم يسأل عمر عنه. # ومما يؤيد هذا أن أبا بكر الجوهري روى بإسناده إلى عروة إرسال أزواج ~~النبي (صلى الله عليه وآله) عثمان بن عفان إلى أبي بكر يسأل إرثهن عما أفاء ~~الله على رسوله (1) ومنافاة رسالة عثمان لسماع الخبر المذكور ظاهرة، وتصديق ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) والعباس ms122 شاهد على تحقق الخوف. # وابن أبي الحديد تعجب من اشتمال الحديث على قول أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) وعباس بقولهما " نعم " وقول عمر " وأنتما تزعمان أني فيها ظالم ~~فاجر " وسائر التشويشات التي في الخبر، قال: ولولا أن هذا الحديث أعني حديث ~~خصومة علي (عليه السلام) والعباس عند عمر مذكور في الصحاح المجمع عليها لما ~~أطلت التعجب من مضمونه، إذ لو كان غير مذكور في الصحاح لكان بعض ما ذكرناه ~~يطعن في صحته (2). # وفي موضع آخر روى رواية أخرى فيها: أنشدكم أسمعتم من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) يقول: كل مال نبي فهو صدقة إلا ما أطعمه أهله إنا لا نورث، ~~فقال: نعم، فقال: # وهذا أيضا مشكل، لأن أكثر الروايات أنه لم يرو هذا الخبر إلا أبو بكر ~~وحده، ذكر ذلك معظم المحدثين، حتى أن الفقهاء في أصول الدين أطبقوا على ذلك ~~في احتجاجهم بالخبر برواية الصحابي الواحد. # وهذا الحديث ينطق بأن عمر تشهد طلحة وزبيرا وعبد الرحمن وسعدا، فقالوا: # سمعناه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأين كانت هذه الروايات أيام ~~أبي بكر؟ ما نقل أن أحدا من هؤلاء يوم خصومة فاطمة وأبي بكر روى من هذا ~~شيئا (3). # ويؤيد انفراد أبي بكر في الخبر، ما ذكره شارح المختصر في وجوب العمل بخبر # PageV00P163 # الواحد: لنا إجماع الصحابة والتابعين، بدليل ما نقل من الاستدلال بخبر ~~الواحد، وعملهم به في الوقائع المختلفة، إلى أن قال بعد أمثلة: وعمل ~~الصحابة بخبر أبي بكر ونحن معاشر الأنبياء لا نورث. # إذا عرفت ما ذكرته ظهر أن رواية طلحة وزبير وسعد وعبد الرحمن وأبي هريرة ~~إنما حدثت بعد زمان أبي بكر لبعض الأغراض المشار إليها، وظهر أن ما ذكره ~~صاحب المغني بقوله: إن الخبر الذي احتج به أبو بكر لم يقصر على روايته، حتى ~~استشهد عليه عمر وعثمان وطلحة وزبيرا وسعدا وعبد الرحمن، فشهدوا به (1). # وما ذكر فضل بن روزبهان: وأما ما ذكر أن أبا بكر تفرد برواية هذا الحديث ~~من بين سائر المسلمين، فهو كذب ms123 صراح، فإن عمر قال بمحضر علي وعباس وجمع ~~كثير من الصحابة: أنشدكم بالله هل سمعتم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~يقول: نحن معاشر الأنبياء لا نورث ما تركناه صدقة؟ فقالوا جميعا: اللهم ~~نعم، كما رواه البخاري في صحيحه انتهى. إما غفلة منهما عن تشويش النقل، أو ~~اغماض منهما عنه لبعض الأهواء الفاسدة. # وإن أردتم زيادة التعجب من عدم ملاحظتهم تناقض ما رووا في توجيه قبائح من ~~زعموه إماما، فانظروا إلى ما روى ابن أبي الحديد، قال: قال أبو بكر: وحدثنا ~~أبو زيد، قال: حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد العزيز بن عمران بن عبد ~~العزيز بن عبد الله الأنصاري، عن ابن شهاب، عن مالك بن أوس بن الحدثان، ~~قال: سمعت عمر وهو يقول للعباس وعلي وعبد الرحمن بن عوف والزبير وطلحة: # أنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا نورث ~~معاشر الأنبياء ما تركناه صدقة؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله هل ~~تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان # PageV00P164 # يدخل فتية أهل السنة من صدقاته ثم يجعل ما بقي في بيت المال؟ قالوا: ~~اللهم نعم. # قال: فلما توفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) قبضها أبو بكر، فجئت يا ~~عباس تطلب ميراثك من ابن أخيك، وجئت يا علي تطلب ميراث زوجتك من أبيها، ~~وزعمتما أن أبا بكر كان فيها خائنا فاجرا، والله لقد كان امرء مطيعا تابعا ~~للحق، ثم توفي أبو بكر فقبضتها، فجئتماني تطلبان ميراثكما، أما أنت يا عباس ~~فتطلب ميراثك من ابن أخيك، وأما علي فيطلب ميراث زوجته من أبيها، وزعمتما ~~أني فيها خائن فاجر، والله يعلم أني فيها مطيع تابع للحق، فأصلحا أمركما ~~وإلا والله لم ترجع إليكما، فقاما وتركا الخصومة وأمضيت صدقة. # قلت: وهذا الحديث يدل صريحا على أنهما جاءا يطلبان الميراث لا الولاية، ~~وهذا من المشكلات (1) انتهى. # وقال: اعلم أن الناس يظنون أن نزاع فاطمة أبا بكر كان في أمرين: في ~~الميراث والنحلة، وقد وجدت ms124 في الحديث أنها نازعت في أمر ثالث، ومنعها أبو ~~بكر إياه أيضا، وهو سهم ذي القربى، ونقل روايات على وفق هذه الدعوى. # منها: ما رواه عن أبي بكر الجوهري بسنده إلى عروة، قال: أرادت فاطمة أبا ~~بكر على فدك وسهم ذي القربى، فأبى عليها وجعلهما في مال الله (2). # ونقل رواية أخرى استدلت الطاهرة (عليها السلام) فيها بقوله تعالى * ~~(واعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) * (3) ودفع ~~أبي بكر وعمر قولها بما دفعاه، ولا حاجة إلى نقله، وهذه الأخبار من كتاب ~~أبي بكر الجوهري، بعد أن قال: # هذا عالم محدث كثير الأدب ثقة ورع، أثنى عليه المحدثون، ورووا عنه ~~مصنفاته # PageV00P165 # وغير مصنفاته (1). # ومنها: ما روى ابن الأثير في الفصل الثالث من كتاب الفرائض والمواريث، عن ~~البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، عن عائشة: أن فاطمة بنت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ~~يقسم لها ميراثها مما ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) مما أفاء الله ~~عليه، فقال لها أبو بكر: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا نورث ~~ما تركنا صدقة، فغضبت فاطمة فهجرته، فلم تزل بذلك حتى توفيت، وعاشت بعد ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ستة أشهر إلا ليالي، وكانت تسأله أن يقسم ~~لها نصيبها مما أفاء الله على رسوله من خيبر وفدك، فقال لها أبو بكر: لست ~~بالذي أقسم من ذلك شيئا، ولست تاركا شيئا كان رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) يعمل به فيها إلا عملته، فإني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ. # ثم فعل ذلك عمر، فأما صدقته بالمدينة، فدفعها عمر إلى علي وعباس وأمسك ~~خيبر وفدك، وقال: صدقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانتا لحقوقه التي ~~تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم. " ~~م و خ " قوله: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا نورث ما ms125 تركناه ~~صدقة. و " د " نحو " م وس ": أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأله ميراثها من ~~النبي (صلى الله عليه وآله) ومما ترك من خمس خيبر، فقال أبو بكر: أن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) قال: لا نورث (2) انتهى. # تدل على كذب أبي بكر مع ظهوره من الخبر الأول أمور: # أحدها: دعوى فاطمة (عليها السلام) لأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع ~~كمال محبته إياها وقوله في شأنها ما قال، كيف لا يبين هذا لها؟ حتى تحتاج ~~إلى أن تسأل ابن أبي قحافة في ملأ من الناس، ويردها بالرواية وترجع كئيبة ~~حزينة، هل يرضى أحد بمثل هذا على # PageV00P166 # ولده؟ وإن لم يكن متصفا بكمال زائد، حتى يتوهم رضا رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) بهذا الأمر على خير نساء العالمين. # وثانيها: تكرر السؤال الذي يدل عليه قول عائشة " وكانت تسأله " لأنه لو ~~كان أبو بكر صادقا كان صدقه يظهر لها اليوم الأول، فلم يكن لسؤالها بعد ذلك ~~وجه، لكونها من أحق الناس باتباع كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله). # وثالثها: كون غضبها في حكم غضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فاستمرار ~~غضبها في حكم استمرار غضبه (صلى الله عليه وآله) ولا يمكن استمرار غضبه ~~(صلى الله عليه وآله) على مؤمن، فكيف تغضب على المحق الراعي لما سمع من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله). # ويظهر من الرواية أمر آخر، وهو مخالفة أبي بكر وعمر في صدقة المدينة، فإن ~~لم يكن الاعطاء جائزا فلم أعطاها عمر؟ وإن كان جائزا فلم منعها أبو بكر؟ ~~وقال: # لست تاركا من هذا شيئا، ولم لم يعطها فاطمة تحصيلا لمرضاتها؟ وللاطفاء عن ~~الغضب الذي هو غضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولعل وجه دفع عمر إلى ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) وعباس وغلبة أمير المؤمنين (عليه السلام) على ~~ما هي في رواية أخرى إرث العم وعدمه، بل كونها مختصة بالبنت لا بالإرث، ~~وإلا كان للأزواج أيضا حق فيها بزعمهم أيضا، وظهر من ms126 هذه الرواية بطلان ~~إمامة أبي بكر، وببطلانها ظهر بطلان إمامة الباقيين. # ويدل على ما ذكرته من كمال محبته (صلى الله عليه وآله) إياها وقوله فيها ~~ما قال، ما رواه ابن الأثير في جامع الأصول، في كتاب الفضائل، في مبحث ~~فضائل فاطمة (عليها السلام) من صحيح الترمذي عن جميع بن عمير التيمي، قال: ~~دخلت مع عمتي على عائشة، فسألت أي الناس كان أحب إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله)؟ قالت: فاطمة، قيل: من الرجال؟ قالت: زوجها إن كان ما علمت ~~صواما قواما. # وما رواه من صحيح الترمذي، عن بريدة، قال: أحب النساء إلى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) فاطمة، ومن الرجال علي. PageV00P167 # وما رواه من صحيح البخاري ومسلم، عن ابن شهاب، قال: سمعت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) يقول وهو على المنبر: إن بني هشام بن المغيرة استأذنوني في ~~أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم ثم لا آذن لهم، إلا أن يريد ~~علي بن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما هي بضعة مني يريبني ما ~~رابها ويؤذيني ما آذاها. وفي رواية أخرى: أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) قال: فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني. وفي رواية أخرى: أن ~~فاطمة بضعة مني يؤذيني ما آذاها. # وما رواه من صحيح الترمذي، عن ابن الزبير في آخر الرواية: فاطمة بضعة مني ~~يؤذيني ما آذاها، وينصبني ما أنصبها. # وما رواه من صحيح البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي، عن عائشة، قالت: دعا ~~النبي (صلى الله عليه وآله) فاطمة في شكواه الذي قبض فيه فسارها، وفي آخر ~~هذه الرواية فقال: يا فاطمة أما ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو ~~سيدة نساء هذه الأمة (1). # وما رواه في مبحث فضل حذيفة بن اليمان، من صحيح الترمذي، عن حذيفة قال: ~~سألتني أمي متى عهدك برسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أن روى عن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: هذا ملك لم ينزل الأرض ms127 قط قبل هذه ~~الليلة، استأذن ربه أن يسلم علي، ويبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة، ~~وأن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة (2). # وما رواه في النوع الرابع من الباب السادس، من كتاب الزينة، وهو الكتاب ~~الثالث من حرف الزاي، عن أبي داود، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) إذا سافر كان آخر عهده بانسان من أهله فاطمة، وإذا قدم من سفره كان ~~أول من يدخل عليه # PageV00P168 # فاطمة (1) وغيرها من الأخبار. # أتظن أن فاطمة (عليها السلام) مع ما عرفت من مراتبها هاهنا وعند ذكر ~~فضائل أهل البيت، عند استدلالنا على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~بحديث الثقلين، تغضب على من نقل ما سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وعمل بموجبه، حاشاها من ذلك، بل هذا الغضب دليل قاطع على علمها بكذب أبي ~~بكر في الخبر، بل هذا الظن بفاطمة (عليها السلام) بعد معرفة ما قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) في حقها سوء الظن برسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، وكيف يجوز عد غضبها (عليها السلام) غضبه (صلى الله عليه وآله) ~~والحكم بكونها سيدة نساء المؤمنين، والحكم باندراجها في آية التطهير، مع ~~كونها ظالمة على أبي بكر في المجمع، هاتكة حرمته في ملأ من الناس، مع كونه ~~محقا ساعيا في إجراء ما سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله). # وبالجملة الأمر أوضح من أن يحتاج إلى التوضيح لمن خلى نفسه، ولم يصر في ~~تبعية الآباء والأهواء، لكن تبعيتهما فعلت بهم ما فعلت. # وفي نهج البلاغة: من خطب أمير المؤمنين (عليه السلام): بلى كانت في ~~أيدينا فدك، من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس ~~آخرين، ونعم الحكم الله، وما أصنع بفدك وغير فدك، والنفس مظانها في غد، جدث ~~تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها، وأوسعت يدا ~~حافرها، لأضغطها الحجر والمدر، وسد فرجها التراب المتراكم، وإنما هي نفسي ~~أروضها بالتقوى، لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر، وتثبت ms128 على جوانب المزلق (2) ~~انتهى. # اعلم أن هذا الكلام منه (عليه السلام) إنما هو لإرشاد المسترشد، وإلا ~~كانت مرتبته أعظم، ومنزلته أفخم من أن يشكو لظلامة عتيقة، وإنما يذكر مثل ~~هذا التظلم من كان مثل # PageV00P169 # هذا عنده عظيما، وكان جمع الدنيا وما فيها عند أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) في غاية الحقارة، كما يدل عليه كلامه (عليه السلام) في هذه الخطبة ~~وغيرها وسيرته (عليه السلام). # بل غرضه من أمثال هذا الكلام بيان مرتبة الولاة الماضية وظلمهم أهل البيت ~~(عليهم السلام) حتى يظهر للمسلمين أمرهم، وينكشف عند أرباب البصيرة عذرهم، ~~فكيف يتصور أن يظهر مثل هذا الكلام المشتمل على التظلم وشكوة السابقين عن ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) بل عن أدنى مؤمن سعى في تهذيب الأخلاق، وعرف ~~مهانة الأموال والأرزاق، ولاحظ قوله عز وجل * (ما يلفظ من قول إلا لديه ~~رقيب عتيد) * (1) في وقت من الأوقات، فكيف في مجمع الخطب والمواعظ، لو لم ~~يكن الولاة ظالمين وغاصبين. # ومع شهرة هذه الخطبة منه (عليه السلام) وظهوره، قال ابن أبي الحديد - بعد ~~تفسير الجدث بالقبر، والمظنة التي هي مفرد المظان بموضع الشئ ومألفه الذي ~~يكون فيه، وقوله " شحت عليها نفوس قوم " أي: بخلت، وسخت عنها نفوس آخرين، ~~أي سامحت وأغضيت، وليس يعني بالسخاء إلا هذا، لا السخاء الحقيقي، لأنه ~~(عليه السلام) وأهله لم يسمحوا بفدك إلا غصبا وقسرا -: أنه قد قال هذه ~~الألفاظ في موضع آخر فيما تقدم، وهو يعني الخلافة بعد وفاة رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) (2) انتهى. # ولعله جعل غير فدك في كلامه (عليه السلام) إشارة إلى الخلافة، وحمل عدم ~~التصريح بها على رعاية المصلحة، أو على الظهور عند أرباب البصيرة بما ظهر ~~منه (عليه السلام) في مواضع أخر. # PageV00P170 # خطبة الزهراء (عليها السلام): # ويؤيد نهاية الظلم والعدوان على أهل البيت (عليهم السلام) وغصب الخلافة، ~~ما ذكره السيد ونقله من خطبة فاطمة الزهراء (عليها السلام) بعد ما ذكر ~~القاضي في دفع الشيعة في منع إرث فاطمة (عليها السلام) ما حاصله: أن فاطمة ~~(عليها السلام) ms129 لما سمعت ذلك - يعني، الرواية المنقولة عن أبي بكر - كفت عن ~~الطلب، فأصابت أولا وأصابت آخرا، بقوله (رحمه الله): فلعمري أنها كفت عن ~~الطلب الذي هو المنازعة والمشاحة، لكنها انصرفت مغضبة متظلمة متألمة، ~~والأمر في غضبها وسخطها أظهر من أن يخفى على منصف. # فقد روى أكثر الرواة الذين لا يتهمون بتشيع ولا عصبية فيه من كلامها ~~(عليها السلام) في تلك الحال وبعد انصرافها عن مقام المنازعة والمطالبة ما ~~يدل على ما ذكرناه من سخطها وغضبها. # ونحن نذكر ما يستدل به على صحة قولنا: أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عمران ~~المرزباني، قال: حدثني محمد بن أحمد الكاتب، قال: حدثنا أحمد بن عبيد الله ~~بن ناصح النحوي، قال: حدثنا الزيادي، قال: حدثنا شرقي بن قطامي، عن محمد بن ~~إسحاق، قال: حدثنا صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة، قال المرزباني: # وحدثنا أبو بكر أحمد بن محمد المكي، قال: حدثنا أبو العينا محمد بن ~~القاسم اليماني، قال: حدثنا ابن عائشة، قال: لما قبض رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) أقبلت فاطمة (عليها السلام) في لمة من حفدتها إلى أبي بكر. # وفي الرواية الأولى قالت عائشة: لما سمعت فاطمة إجماع أبي بكر على منعها ~~فدك، لاثت خمارها على رأسها، واشتملت بجلبابها وأقبلت في لمة من حفدتها ~~ونساء قومها، تطأ ذيولها، ما تخرم مشيتها مشية رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) حتى دخلت على أبي بكر، وهو في حشد من المهاجرين والأنصار وغيرهم، ~~فنيطت دونها ملاءة، ثم أنت أنة أجهش القوم بالبكاء، وارتج المجلس، ثم أمهلت ~~هنيئة حتى إذا سكن نشيج PageV00P171 # القوم، وهدأت فورتهم، افتتحت كلامها بالحمد لله عز وجل والثناء عليه ~~والصلاة على رسوله (صلى الله عليه وآله). # ثم قالت: لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم ~~بالمؤمنين رؤوف رحيم، فإن تعزوه تجدوه أبي دون آبائكم (1)، وأخا ابن عمي ~~دون رجالكم، فبلغ الرسالة، صادعا بالنذارة، مائلا عن سنن المشركين، ضاربا ~~ثبجهم، يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، آخذا ms130 بأكظام المشركين، ~~يهشم الأصنام، ويفلق الهام، حتى انهزم الجمع، وولوا الدبر، وحتى تفرى الليل ~~عن صبحه، وأسفر الحق عن محضه، ونطق زعيم الدين، وخرست شقاشق الشيطان، وتمت ~~كلمة الاخلاص. # وكنتم على شفا حفرة من النار، نهزة الطامع، مذقة الشارب، وقبسة العجلان، ~~وموطأ الأقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون القد أذلة خاسئين، تخافون أن ~~يتخطفكم الناس من حولكم، حتى أنقذكم الله عز وجل برسوله (صلى الله عليه ~~وآله) بعد اللتيا والتي، وبعد أن مني ببهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل ~~الكتاب، كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله، أو نجم قرن للشيطان، أو فغرت ~~للمشركين فاغرة، قذف أخاه في لهواتها، فلا ينكفي حتى يطأ صماخها بأخمصه، ~~ويطفئ عادية لهبها بسيفه، أو قالت يخمد لهبها بحده، مكدودا في ذات الله، ~~وأنتم في رفاهية فكهون آمنون وادعون. إلى هاهنا انتهى خبر أبي العينا عن ~~ابن عائشة. # وزاد عروة بن الزبير عن عائشة: حتى إذا اختار الله لنبيه دار أنبيائه، ~~ظهرت حسكة النفاق، وسمل جلباب الدين، ونطق كاظم الغاوين، ونبغ خامل الآفكين ~~الأولين، وهدر فنيق المبطلين، فخطر في عرصاتكم، وأطلع الشيطان صارخا بكم، # PageV00P172 # فدعاكم فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم ~~خفافا، وأحمشكم فألفاكم غضابا، فوسمتم غير إبلكم، ووردتم غير شربكم، هذا ~~والعهد قريب، والكلم رحيب، والجرح لما يندمل، إنما زعمتم ذلك خوف الفتنة، ~~ألا في الفتنة سقطوا وأن جهنم لمحيطة بالكافرين. # فهيهات منكم وأنى بكم وأنى تؤفكون، وكتاب الله بين أظهركم، زواجره بينة، ~~وشواهد لائحة، وأوامره واضحة، أرغبة عنه تريدون، أم بغيره تحكمون، بئس ~~للظالمين بدلا، ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من ~~الخاسرين، ثم لم تلبثوا إلا ريث أن تسكن نفرتها، تسرون حسوا في ارتغاء، ~~ونصبر منكم على مثل حز المدى، وأنتم الآن تزعمون أن لا أرث لنا، أفحكم ~~الجاهلية تبغون، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون. # يا بن أبي قحافة أترث أباك ولا أرث أبي، لقد جئت شيئا فريا، فدونكها ~~مخطومة مرحولة، تلقاك يوم حشرك، فنعم الحكم ms131 الله، والزعيم محمد، والموعد ~~القيامة، وعند الساعة يخسر المبطلون، ولكل نبأ مستقر فسوف تعلمون. # ثم انكبت على قبر أبيها، فقالت: # قد كان بعدك أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب إنا فقدناك فقد ~~الأرض وابلها * واختل قومك فأشهدهم ولا تغب وروى جرمي بن أبي العلاء مع ~~هذين البيتين بيتا ثالثا، وهو: # فليت قبلك كان الموت صادفنا * لما مضيت وحالت دونك الكثب قال: فحمد الله ~~أبو بكر، وصلى على محمد وآله، وقال: يا خير النساء وابنة خير الأنبياء، ~~والله ما عدوت رأي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا عملت إلا بإذنه، وأن ~~الرائد لا يكذب أهله، وأنى أشهد الله وكفى به شهيدا، أني سمعت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) يقول: إنا معاشر الأنبياء لا نورث ذهبا ولا فضا ولا ~~دارا ولا عقارا، وإنما نورث الكتاب PageV00P173 # والحكمة والنبوة. # قال: فلما وصل الأمر إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) كلم في رد فدك، ~~فقال: إني لأستحيي من الله أن أرد شيئا منع منه أبو بكر وأمضاه عمر. # وأخبرنا أبو عبد الله المرزباني، قال: حدثني علي بن هارون، قال: أخبرني ~~عبد الله بن أحمد بن أبي طاهر، عن أبيه، قال: ذكرت لأبي الحسين زيد بن علي ~~بن الحسين بن زيد بن علي، كلام فاطمة (عليها السلام) عند منع أبي بكر إياها ~~فدك، وقلت له: # أن هؤلاء يزعمون أنه مصنوع، وأنه من كلام أبي العينا: لأن الكلام منسوق ~~البلاغة، فقال لي: رأيت مشايخ آل أبي طالب يروونه عن آبائهم ويعلمونه ~~أولادهم. # وقد حدثني به أبي عن جدي يبلغ به فاطمة (عليها السلام) على هذه الحكاية، ~~ورواه مشايخ الشيعة وتدارسوه بينهم قبل أن يولد جد أبي العينا. وقد حدث ~~الحسين بن علوان، عن عطية العوفي، أنه سمع عبد الله بن الحسن ذكر عن أبيه ~~هذا. # ثم قال أبو الحسين: وكيف ينكر هذا من كلام فاطمة (عليها السلام) وهم ~~يروون من كلام عائشة عند موت أبيها ما هو أعجب من كلام فاطمة (عليها ms132 ~~السلام)، فيحققونه لولا عداوتهم لنا أهل البيت، ثم ذكر الحديث بطوله على ~~نسقه، وزاد في الأبيات بعد البيتين الأولين: # ضاقت علي بلادي بعد ما رحبت * وسيم سبطاك خسفا فيه لي نصب فليت قبلك كان ~~الموت صادفنا * قوم تمنوا فأعطوا كلما طلبوا تجهمتنا رجال واستخف بنا * مذ ~~غبت عنا وكل الإرث قد غصبوا قال: فما رأينا يوما كان أكثر باكيا وباكية من ~~ذلك اليوم. # وروي هذا الكلام على هذا الوجه من طرق مختلفة ووجوه كثيرة، فمن أرادها ~~أخذها من مواضعها، فقد طولنا بذكرنا ما ذكرناه منها لحاجة مست إليه، فكيف ~~PageV00P174 # يدعي أنها (عليها السلام) كفت راضية، وأمسكت قانعة، لولا البهت وقلة ~~الحياء (1) انتهى. # أشارت الطاهرة (عليها السلام) بعد الحمد والصلاة وعظم حقوق رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) إلى عظم مساعي أمير المؤمنين (عليه السلام) ومراتبه ~~بقولها " قذف أخاه في لهواتها ". # وأشارت إلى أنه مع عظم حقوقهما ومراتبهما قابلوهما بالكفران الناشي من ~~النفاق بقولها " حسكة النفاق " وفي التعبير بلفظ " ظهرت " إشارة إلى إخفاء ~~النفاق في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله). وأشارت إلى الغواية والإفك ~~اللذين يدلان على عدم اعتبار رواية الأول وكذبه فيها. # وأشارت إلى إجابتهم الشيطان وسرعتهم في إطاعته، وقولها " فوسمتم غير ~~إبلكم " إشارة إلى غصب الخلافة لا إلى غصب حقها، بقولها " إنما زعمتم ذلك ~~خوف الفتنة " وبعد ذلك أشارت إلى اشتراكهم مع الكفار في المستقر بقولها " ~~ألا في الفتنة ". # وأشارت إلى تركهم زواجر كتاب الله، مثل قوله تعالى * (ومن يعص الله ~~ورسوله) * (2) وشواهده مثل آية الولاية، وآية * (أفمن يهدي إلى الحق) * (3) ~~وأوامره مثل * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * (4) وأشارت ~~إلى سوء ما اختاروا لهم بقولها " بئس للظالمين بدلا " وأشارت إلى خروجهم عن ~~حكم الإسلام بقولها " ومن يبتغ غير الإسلام دينا ". # وبعد بيان ضلالهم في أمر الخلافة بأشد تأكيد، شفعته بقباحة منع الإرث مع ~~تأكيدات لائقة، وبعد ما أظهرت مظلومية أهل البيت بغصب الخلافة والحقوق، ~~أكدت التظلم بخطابها (عليها السلام) أباها (صلى الله عليه وآله) بما ms133 ~~خاطبته. # PageV00P175 # وإذا عرفت الإشارات ومراتب جلالة فاطمة (عليها السلام) بما أشرت إليه في ~~ضمن بعض مطاعن الأول، علمت دلالتها على بطلان خلافة الأول دلالة قطعية. # ومع هذا نقول: كان المقام يقتضي لو لم يكن أبو بكر عامدا بالظلم والعدوان ~~أن يقول لها: يا خير النساء وابنة خير الأنبياء، يدل كلامك على خطانا في ~~خوف الفتنة، وإنا لم نرع في فعلنا مقتضى زواجر كتاب الله وشواهده وأوامره، ~~وأنت وارثة الهداية والرشاد، وحقنا الإطاعة والانقياد، فبيني لنا تفصيل ما ~~أجملته حتى نسمعه ونطيعه، فلما طوى عن ذكره كشحا، ولم يتكلم من هذا القبيل ~~أصلا، وافتعل الرواية التي تشهد على كذبها أمور لا تحتاج إلى البيان، ولم ~~يصدر منه ما يوجب رضاها، لم يصح دعوى رضاها من سكوت فاطمة (عليها السلام) ~~في المجلس. # ومع ظهور استمرار غضبها نقول: لو فرض صدق أبي بكر في الخبر لعلمت بصدقه، ~~ولو فرض عدم علمها به لجوزت الصدق البتة، وعلى التقديرين كان يجب عليها ~~معذرة أبي بكر بأن لم أعرف أن منعك من الإرث كان ناشئا عما سمعت من رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) فكنت مطيعا له وراعيا لما سمعت منه (صلى الله ~~عليه وآله) في منعنا الإرث، وقلت ما قلت لإطاعتك رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وهذه الأمور التي نسبتها إليك من الزلات العظيمة التي نشأت من غفلتي ~~وغفلة باب مدينة العلم، وإلا أعلمني حتى لا يصدر مني ما صدر، فأرجو عفوك ~~عما سمعت مني، وصفحك عما نسبته إليك، حتى يظهر على الحضار وعلى من يصل إليه ~~مقالاتها أن ما صدر منها (عليها السلام) كان ناشئا من عدم اطلاعها وعدم ~~اطلاع باب مدينة العلم على المسألة المتعلقة بإرثها، ولم يكن (عليه السلام) ~~عالما بالمسألة حتى يمنعها عن هتك عرض الخليفة، وعدم رعاية مرتبته، ~~الناشيين من اتهامها البرئ عن المعاصي، المطيع لله ولرسوله في إطاعة الله ~~ورسوله بأمور لا يليق بأحد من المسلمين. # وبالجملة كما أن التكلم بمثل هذا الكلام عن مثل فاطمة (عليها السلام) ms134 يدل ~~دلالة قطعية PageV00P176 # على علمها بظلم أبي بكر، كذلك عدم المعذرة يدل دلالة قطعية عليه، والغضب ~~إنما نشأ من الظلم، فلا وجه لتوهم زوال الغضب من اختلاف الحديث. # قال ابن أبي الحديد بعد نقل خطبة فاطمة (عليها السلام) وكلام السيد الذي ~~نقلته قلت: # ليس في هذا الخبر ما يدل على فساد ما ادعاه قاضي القضاة، لأنه ادعى أنها ~~نازعت وخاصمت ثم كفت، لما سمعت الرواية وانصرفت تاركة للنزاع راضية بموجب ~~الخبر المروي، وما ذكره المرتضى من هذا الكلام لا يدل إلا على سخطها حال ~~حضورها، ولا يدل على أنها بعد رواية الخبر وبعد أن أقسم لها أبا بكر بالله ~~تعالى أنه ما روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلا ما سمعته منه ~~انصرفت ساخطة، ولا في الحديث المذكور والكلام المروي ما يدل على ذلك. # ولست أعتقد أنها انصرفت راضية، كما قال قاضي القضاة، بل أعلم أنها انصرفت ~~ساخطة، وماتت وهي على أبي بكر واجدة، ولكن لا من هذا الخبر، بل لأخبار أخر ~~كان الأولى بالمرتضى أن يحتج بها، على ما يرويه من انصرافها ساخطة وموتها ~~على ذلك السخط، وأما هذا الخبر وهذا الكلام فلا يدل على هذا المطلوب (1) ~~انتهى. # وبما أشرت إليه لا نحتاج إلى بيان ضعف هذا الكلام، ولعله غفل عن قول ~~السيد " ونحن نذكر ما يستدل على صحة قولنا " وفي الخطبة إشارة إلى كثير من ~~قبائح أبي بكر، لكن ما ذكرته كاف للمستبصر. # وننقل ما نقله السيد في الشافي عن الجاحظ لتزيد لك البصيرة، قال (رحمه ~~الله) بعد نقل استدلالهم على صدق الخبر بترك النكير: وقد أجاب أبو عثمان ~~الجاحظ في كتاب العباسية عن هذا السؤال جوابا جيد المعنى واللفظ، نحن نذكره ~~على وجهه لنقابل # PageV00P177 # بينه وبين كلامه في العثمانية وغيرها. # قال: وقد زعم الناس أن الدليل على صدق خبرهما - يعني أبا بكر وعمر - في ~~منع الميراث وبراءة ساحتهما، ترك أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~النكير عليهما. # ثم قال: فيقال لهم: لئن كان ترك ms135 النكير دليلا على صدقهما، ليكونن ترك ~~النكير على المتظلمين منهما، والمحتجين عليهما، والمطالبين لهما، دليلا على ~~صدق دعواهم، واستحسان مقالتهم، لا سيما وقد طالت المناجاة، وكثرة المراجعة ~~والملاحاة، وظهرت الشكية، واشتدت الموجدة من فاطمة (عليها السلام) حتى أوصت ~~أن لا يصلي عليها أبو بكر، ولقد كانت قالت له أتته طالبة بحقها ومحتجة ~~برهطها: من يرثك يا أبا بكر إذا مت؟ فلما منعها ميراثها، وبخسها حقها، ~~واعتل عليها، وجلح في أمرها، وعاينت التهضم، وآيست من النزوع، ووجدت من ~~الضعف وقلة الناصر، قالت: # والله لأدعون الله عليك، قال: والله لأدعون الله لك، قالت: والله لا ~~أكلمك أبدا، قال: والله لا أهجرك أبدا. # فإن يكن ترك النكير منهم على أبي بكر دليلا على صواب منعه، إن في ترك ~~النكير على فاطمة (عليها السلام) دليلا على صواب طلبها، وأدنى ما يجب عليهم ~~في ذلك تعريفها ما جهلت، وتذكيرها ما نسيت، وصرفها عن الخطأ، ورفع قدرها عن ~~البذاء، وأن تقول هجرا، وتجور عادلا، أو تقطع واصلا، فإذا لم نجدهم أنكروا ~~على الخصمين جميعا، فقد تكافأت الأمور، واستوت الأسباب، والرجوع إلى أصل ~~حكم الله في المواريث، أولى بنا وبكم وأوجب علينا وعليكم. # ثم قال: فإن قالوا: كيف يظن ظلمها والتعدي عليها؟ وكلما ازدادت فاطمة ~~عليه غلظة ازداد لها لينا ورقة، حيث تقول: والله لا أكلمك أبدا، فيقول: ~~والله لا أهجرك أبدا، ثم تقول: والله لأدعون عليك، فيقول: والله لأدعون لك. # ثم يحتمل هذا الكلام الغليظ والقول الشديد في دار الخلافة، وبحضرة قريش ~~PageV00P178 # والصحابة، مع حاجة الخلافة إلى البهاء والرفعة، وما يجب لها من التنزيه ~~والهيبة، ثم لم يمنعه ذلك أن قال معتذرا أو متقربا كلام المعظم لحقها، ~~المكبر لمقامها، والصائن لوجهها، والمتحنن عليها: ما أحد أعز علي منك فقرا، ~~ولا أحب إلي منك غنا، ولكن سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنا ~~معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا فهو صدقة. # قيل لهم: ليس ذلك بدليل على البراءة من الظلم والسلامة من العمد، وقد ~~يبلغ ms136 من مكر الظالم ودهاء الماكر، إذا كان أريبا وللخصومة معتادا، أن يظهر ~~كلام المظلوم، وذلة المنتصف، وحدب الوامق، ومقة المحق. # وكيف جعلتم ترك النكير حجة قاطعة ودلالة واضحة؟ وقد زعمتم أن عمر قال على ~~منبره: متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعة النساء ~~ومتعة الحج، أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما، فما وجدتم أحدا أنكر قوله، ولا ~~استشنع مخرج نهيه، ولا خطأه في معناه، ولا تعجب منه، ولا استفهمه. # وكيف تقضون بترك النكير؟ وقد شهد عمر يوم السقيفة وبعد ذلك أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) قال: الأئمة من قريش، ثم قال في شكايته: لو كان سالم حيا ~~ما يخالجني فيه شك حتى أظهر الشك في استحقاق كل واحد من الستة الذين جعلهم ~~شورى، وسالم عبد لامرأة من الأنصار وهي أعتقته وحازت ميراثه، ثم لم ينكر ~~ذلك من قولهم منكر، ولا قابل إنسان بين خبريه، ولا تعجب منه، وإنما يكون ~~ترك النكير على من لا رغبة له ولا رهبة عنده دليلا على صدق قوله وصواب ~~عمله، فأما ترك النكير على من يملك الضعة والرفعة والأمر والنهي والقتل ~~والاستحياء والإطلاق، فليس بحجة تشفى، ولا دلالة تضئ. # قال: وقال آخرون: بل الدليل على صدق قولهما وصواب عملهما، إمساك الصحابة ~~عن خلعهما، والخروج عليهما، وهم الذين وثبوا على عثمان في أيسر من جحد ~~التنزيل، ورد المنصوص، ولو كانا كما يقولون وما يصفون ما كان سبيل الأمة ~~PageV00P179 # فيهما إلا كسبيلهم فيه، وعثمان كان أعز نفرا، وأشرف رهطا، وأكثر عددا ~~وثروة، وأقوى عدة. # قلنا: إنهما لم يجحدا التنزيل، ولم ينكرا المنصوص، ولكنهما بعد إقرارهما ~~بحكم الميراث وما عليه الظاهر من الشريعة، ادعيا رواية، وتحدثا بحديث، لم ~~يكن بمحال كونه، ولا يمتنع في الحجج العقول مجيئه، وشهد لهما عليه من علته ~~مثل علتهما فيه، ولعل بعضهم كان يرى التصديق للرجل إذا كان عدلا في رهطه، ~~مأمونا في ظاهره، ولم يكن قبل ذلك عرفة بفجرة، ولا جرت عليه غدرة، فيكون ~~تصديقه له على جهة ms137 حسن الظن، وتعديل الشاهد، ولأنه لم يكن كثير منهم يعرف ~~حقائق الحجج، والذي يقطع بشهادته على الغيب، وكان ذلك شبهة على أكثرهم، ~~فلذلك قل النكير، وتواكل الناس، واشتبه الأمر، فصار لا يتخلص إلى معرفة حق ~~ذلك من باطله، إلا العالم المتقدم والمؤيد المسترشد. # ولأنه لم يكن لعثمان في صدور العوام وقلوب السفلة والطغام ما كان لهما من ~~الهيبة والمحبة، ولأنهما كانا أقل استئثارا بالفئ، وأقل تفكها بمال الله ~~منه، ومن شأن الناس إهمال السلطان بما وفر عليهم أموالهم، ولم يستأثر ~~بخراجهم، ولم يعطل ثغورهم. # ولأن الذي صنع أبو بكر من منع العترة حقها والعمومة ميراثها، كان موافقا ~~لجلة قريش وكبراء العرب، ولأن عثمان أيضا كان مضعوفا في نفسه، ومستخفا ~~بقدره، لا يمنع ضيما، ولا يقمع عدوا، ولقد وثب ناس على عثمان بالشتم والقذف ~~والتشنيع والنكير لأمور لو أتى عمر أضعافها وبلغ أقصاها لما اجترؤا على ~~اغتيابه، فضلا عن مبادأته والاغراء به ومواجهته، كما أغلظ عيينة بن حصين ~~له، فقال له: أما أنه لو كان عمر لقمعك ومنعك، فقال عيينة: إن عمر خيرا لي ~~منك أرهبني فاتقاني. # ثم قال: والعجب إنا وجدنا جميع من خالفنا في الميراث على اختلافهم في ~~التشبيه والقدر والوعيد يرد كل صنف منهم من أحاديث مخالفيه وخصومه ما هو ~~أقرب PageV00P180 # إسنادا وأحسن اتصالا، حتى إذا صاروا إلى القول في ميراث النبي (صلى الله ~~عليه وآله) نسخوا الكتاب، وخصوا الخبر العام بما لا يداني بعض ما رووه ~~وكذبوا ناقليه، وذلك أن كل إنسان منهم إنما يجري إلى هواه، ويصدق ما وافق ~~رضاه (1). # اعلم أنه يظهر من المواقف وشرحه في تقرير كلام الشيعة في المطاعن: أن أبا ~~بكر منع فاطمة (عليها السلام) إرثها من فدك وهو ظلم ينافي الإمامة، لأن ~~دعوى فاطمة (عليها السلام) صادقة للعصمة الدالة عليها آية التطهير ورواية ~~بضعة مني، لدلالة عصمة الكل على عصمة البعض، وأيضا منع فاطمة (عليها ~~السلام) عن الإرث بالرواية التي رواها أبو بكر تخصيص للآية بخبر الواحد، ~~وهو غير جائز. # ومنع ms138 عصمة فاطمة (عليها السلام) بمنع الدليلين. أما الأول، فلأن اندراج ~~غير المعصوم اتفاقا، وهو الأزواج والأقرباء في الآية، يبطل الاستدلال على ~~العصمة، وبضعة مني مجاز، وأيضا عصمة النبي (صلى الله عليه وآله) قد تقدم ما ~~فيه، وتخصيص الآية بما سمع الحاكم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلم ~~مراده جائز. # والمنعان باطلان. أما الأول، فلما تقدم عند استدلالنا على إمامة أمير ~~المؤمنين (صلى الله عليه وآله) بحديث الثقلين، من دلالة الآية على العصمة، ~~وخروج الأزواج والأقرباء الغير المعصومين عن الآية. # وأما الثاني، فلإخلالهما في نقل الاستدلال، لأن مدار استدلالهم على تتمة ~~الخبر التي هي قوله (صلى الله عليه وآله) " يؤذيني ما آذاها " وغيرها مما ~~يفيد مفادها، كما ظهر مما نقلته من مدائح فاطمة (عليها السلام) في أوائل ~~هذا الفصل. # ولو فرض عدم دلالتها على العصمة، فكون غضبها غضب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) كاف في وجوب اجتناب ما يغضبها الدال على كذب أبي بكر، ألا يجب ~~الاجتناب عما # PageV00P181 # يوجب غضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد ظهر هذا على وجه أبسط هناك، ~~فظهر بما ذكرته ضعف القول بالتخصيص لظهور الكذب بما ذكرته. # وأيضا فيهما (1) فإن قيل: ادعت فاطمة (عليها السلام) أنه (صلى الله عليه ~~وآله) نحلها، وشهد علي والحسن والحسين وأم كلثوم والصحيح أم أيمن، فرد أبو ~~بكر شهادتهم، فيكون ظالما. # قلنا: أما رد شهادة الحسنين، فللفرعية والصغر. وأما علي وأم أيمن، ~~فلقصورهما عن نصاب البينة، ولم يحكم بشاهد ويمين، لأنه مذهب كثير من ~~العلماء. وأيضا قد ذهب بعضهم إلى أن شهادة أحد الزوجين للآخر غير مقبولة. # وفيه نظر، لأن شهادة الحسنين (عليهما السلام) للفرعية لا وجه له، لأن ~~الغرض من الشهادة حصول مرتبة من الظن، ولو منع كفاية الظن إذا لم يكن ~~مقرونا بشرائط الشهادة، فلا شبهة في كفاية العلم، كما يدل عليها شهادة ~~خزيمة وتعليله، ويحصل بشهادتهما بل بشهادة أحدهما العلم، للعصمة الظاهرة ~~بآية التطهير ورواية الثقلين المذكورتين، فإن تعلق الغرض بتوجيه فعل أبي ~~بكر ms139 البتة، كان المناسب الاكتفاء بالصغر. وأيضا شهادة أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) بانفراده كافية للعصمة الظاهرة بالآية والرواية، ودوران الحق معه ~~حيثما دار. # وأما كلامهم في عصمة النبي (صلى الله عليه وآله)، فمع ضعفه لا يضر هاهنا، ~~لأنهم لم يجوزوا كذب النبي (صلى الله عليه وآله) في وقت النبوة، فقوله " ~~فمن أغضبها أغضبني " وما يفيد مفاده مع صدق النبي (صلى الله عليه وآله) في ~~الأقوال يدل على المطلوب. # وأيد بعضهم كون منع أبي بكر على الوجه الشرعي بعدم انتزاع أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) حين انتهاء الأمر إليه. # وفيه نظر، لأن التقية كانت مانعة له (عليه السلام) عن تغيير كثير من بدع ~~السابقين، فلعل # PageV00P182 # هذا منه. وأيضا كان (عليه السلام) عالما بانتقال السلطنة إلى أولاد أبي ~~سفيان ومروان وأولاده، وظاهر أن بتبعية الثلاثة وعداوة أهل البيت كانتا ~~باعثتين على تجديد الظلم، وظاهر أن بقاء الظلم بعد ما استمر به الأزمان ~~أهون وأسهل من تجدده بعد رفعه، وبالجملة بعد دلالة القاطع على الظلم ~~معارضته بالفعل الذي يجري فيه الاحتمالان الغير المنافيين له لا وجه لها. # اعلم أن بعضهم قال: إن عدم رد أمير المؤمنين (عليه السلام) فدك إلى ورثة ~~فاطمة (عليها السلام) يدل على عدم كونه شاهدا للنحلة، وإلا وجب الحكم ~~بعلمه، وقد عرفت الجواب عنه. # ويدل على ظهور غضبها (عليها السلام) في انتزاع فدك وانتشاره بين الناس ~~وظهور الرواية بينهم، رواية رواها السيد، وهي ما ذكره بقوله: قد روى محمد ~~بن زكريا الغلابي، عن أبي المقدام هشام بن زياد مولى آل عثمان، قال: لما ~~ولي عمر بن عبد العزيز، فرد فدك على ولد فاطمة (عليها السلام) وكتب إلى ~~واليه على المدينة أبي بكر بن عمرو بن حزم يأمره بذلك، فكتب إليه: إن فاطمة ~~قد ولدت في آل عثمان وآل فلان وآل فلان. فكتب إليه: أما بعد فإني لو كنت ~~كتبت إليك آمرك أن تذبح شاة لسألتني جماء أو قرناء، أو كتبت إليك أن تذبح ~~شاة لسألتني ما لونها، فإذا ورد عليك كتابي ms140 هذا فاقسمها بين ولد فاطمة من ~~علي. # قال أبو المقدام: فنقمت بنو أمية ذلك على عمر بن عبد العزيز وعاتبوه فيه، ~~وقالوا له، هجنت فعل الشيخين، وخرج إليه عمر بن عبس في جماعة من أهل ~~الكوفة، فلما عاتبوه على فعله قال: إنكم جهلتم وعلمت، ونسيتم وذكرت، أن أبا ~~بكر محمد بن عمر بن حزم حدثني عن أبيه، عن جده أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) قال: # فاطمة بضعة مني يسخطني ما يسخطها ويرضيني ما أرضاها، وأن فدك كانت صافية ~~على عهد أبي بكر وعمر، ثم صار أمرها إلى مروان، فوهبها لأبي عبد العزيز، ~~PageV00P183 # فورثتها أنا وأخوتي، فسألتهم أن يبيعوني حصتهم منها، فمنهم من باعني، ~~ومنهم من وهب لي حتى استجمعتها، فرأيت أن أردها على ولد فاطمة، فقالوا، إن ~~أبيت إلا هذا فامسك الأصل واقسم الغلة، ففعل (1) انتهى. # وهذه الرواية أيضا دالة على أن فاطمة (عليها السلام) ادعت النحلة لا ~~الإرث، وإلا رعاية فاطمة (عليها السلام) إنما تقتضي رد حصتها من الإرث إلى ~~ولدها لا الكل، لا إرث الأزواج والعم معها بزعمهم، ولو كان يتبرع زائدا على ~~ما ادعته لتكلم المانعون ويقولون: إن مرضات فاطمة تحصل بإعطائك ما ادعته ~~إلى ولدها، ولا حاجة إلى إعطاء الزائد. # وما نقلته من المواقف في جواب السؤال المصدر بقوله " فإن قيل " أيضا دال ~~على ادعاء النحلة، لأنه لم يذكر في الجواب منع ادعاء النحلة، بل تعرض ~~لتوجيه رد الشهود، وكذلك ما ذكره صاحب المغني حيث قال: قالوا: قد روي عن ~~أبي سعيد الخدري أنه قال: لما نزلت آية * (وآت ذا القربى حقه) * أعطى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة فدك. وما قال السيد: وقد روي من طرق ~~مختلفة غير طريق أبي سعيد الذي صاحب الكتاب، أنه لما نزل قوله تعالى * (وآت ~~ذا القربى حقه) * (2) دعا النبي (صلى الله عليه وآله) فاطمة فأعطاها فدك ~~(3). # فإن قلت: ينبغي حمل دعوى فدك على دعوى الإرث حتى يردها أبو بكر برواية ~~رواها، ولا يلزم رد شهادة أمير ms141 المؤمنين (عليه السلام) تقليلا للاعتراض، ~~فحينئذ لا يشتمل منع فدك على غير منع الإرث بالرواية، فلا وجه لعده طعنا ~~على حدة. ويمكن تأييد هذا الاحتمال بقول عائشة " وكانت تسأله أن يقسم لها ~~نصيبها مما أفاء الله على # PageV00P184 # رسوله من خيبر وفدك " المذكور في الرواية الثانية من المطاعن. # قلت: ما ذكرته من الدلائل الدالة على دعوى النحلة وغيره مما انتشر في ~~كتبهم أزيد من أن يكون محل الريب، حتى يرد بمثل هذه الرواية، مع أنه يمكن ~~أن يكون دعوى الإرث بعد رد الشهادة، فكأنها قالت: كل فدك حقي بالنحلة، فلما ~~ردت الشهود قالت (عليها السلام): بعد ما رددت شهودي على استحقاقي الكل ~~فاعطني حقي من الإرث، ومع عدم بعد هذا قد ذكر بعض منهم أمر فدك على هذا ~~الوجه. # قال ابن أبي الحديد: سألت علي بن علي الفارقي الشافعي مدرس المدرسة ~~الغربية ببغداد، فقلت له: أكانت فاطمة صادقة؟ قال: نعم، قلت: فلم لم يدفع ~~إليها أبو بكر فدك وهي عنده صادقة؟ فتبسم ثم قال كلاما لطيفا مستحسنا، مع ~~ناموسه وحرمته وقلة دعابته، قال: لو أعطاها اليوم فدك بمجرد دعواها، لجأت ~~إليه غدا وادعت لزوجها الخلافة، وزحزحته عن مقامه، ولم يكن يمكنه الاعتذار ~~والمدافعة بشئ، لأنه يكون قد أسجل على نفسه بأنها صادقة فيما تدعي كائنا ما ~~كان، من غير حاجة إلى بينة ولا شهود، وهذا كلام صحيح وإن كان أخرجه مخرج ~~الدعابة والهزل (1). # بيعة أبي بكر كانت فلتة: # ومنها: ما نقله صاحب المغني من المطاعن، وهو ما روي عن عمر بن الخطاب أنه ~~قال: كانت بيعة أبي بكر فلتة، وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه. # في القاموس: كان الأمر فلتة أي: فجأة. وفيه أيضا: فلتات المجلس هفواته ~~وزلاته (2). # وسياق الرواية يدل على كون مراد عمر من الفلتة المعنى الآخر لا الأول، ~~وكون # PageV00P185 # بيعته زلة يدل على بطلان إمامة أبي بكر، وببطلانها يبطل إمامة الفرعين. # اعلم أن صاحب المغني بعد تفسير الفلتة هاهنا بمعنى الفجأة والبغتة، ~~واستشهاده بأنه قد تستعمل ms142 الفلتة بهذا المعنى بما استشهد، قال: فأراد عمر ~~على هذا أن بيعة أبي بكر تداركوها بعد ما كادت تفوت، وقوله " وقى الله شرها ~~" دليل على التصويب، لأن المراد بذلك أنه تعالى دفع شر الاختلاف فيها، فأما ~~قوله " فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه " فالمراد من عاد إلى مثلها من غير ~~مشاورة ولا عذر ولا ضرورة، ثم بسط يده على المسلمين ليدخلهم في البيعة قهرا ~~فاقتلوه، وإذا احتمل ذلك وجب حمله عليه (1) انتهى. # فيه مواضع نظر، أحدها: أنه إرادة أن بيعة أبي بكر تداركوها بعد ما كادت ~~تفوت من اللفظ لا وجه لها. # وثانيها: أن قوله " وقى الله شرها " لا يدل على التصويب، ولعل مقصوده أن ~~مثل هذه البيعة التي تكون بغتة قد يتبعها شر الاختلاف والقتل، أو عدم تحقق ~~الاجماع، وهذه البيعة وإن كانت بغتة لكن انتظم الأمر من غير مقاتلة بين ~~المسلمين، أو بتحقق الاجماع، كما يظنون تحققه لا بحسب الأمر، لأنه بعد تحقق ~~السلطنة لا اعتبار بالسكوت ولا الاتفاق بحسب القول، كما ظهر لك من المقدمة. # وثالثها: أن قوله " فالمراد من عاد إلى مثلها " إلى قوله " فاقتلوه " ~~يشتمل على تقييد زائد بلا قرينة. # ورابعها: أن قوله " وجب حمله عليه " إنما يصح بعد احتمال العبارة لو علم ~~أن عمر كان معتقدا بوقوع البيعة على وجه شرعي، وهو غير مسلم. ومع ما ظهر لك ~~من ضعف كلام القاضي القرينة شاهدة على كون المراد من الفلتة الزلة، ووضوح # PageV00P186 # هذا المعنى يحتاج إلى تفصيل ما، وبيان أن عمر في أي مقام ذكر هذا الكلام ~~ليظهر قصده من المقام. # قال السيد المرتضى طاب ثراه: قد روى الهيثم بن عدي، عن عبد الله بن عياش ~~الهمداني، عن سعيد بن جبير، قال: ذكر أبو بكر وعمر عند عبد الله بن عمر، ~~فقال رجل: كانا والله شمسي هذه الأمة ونوريها، فقال له ابن عمر: وما يدريك؟ ~~فقال له الرجل: أوليس قد ائتلفا؟ فقال ابن عمر: بل اختلفا لو كنتم تعلمون، ~~وأشهد أني عند أبي يوما وقد أمرني ms143 أن أحبس الناس عنه، فاستأذن عليه عبد ~~الرحمن بن أبي بكر، فقال عمر: دويبة سوء ولهو خيرا من أبيه، فأوحشني ذلك ~~منه، فقلت: يا أبة عبد الرحمن خير من أبيه؟ فقال: ومن ليس خيرا من أبيه لا ~~أم لك، ائذن لعبد الرحمن، فدخل عليه فكلمه في الحطيئة الشاعر أن يرضي عنه، ~~وكان عمر قد حبسه في شعر قاله، فقال عمر: إن الحطيئة لبذئ، فدعه أحبسه بطول ~~الحبس، فألح عليه عبد الرحمن وأبى عمر. # فخرج عبد الرحمن، فأقبل علي أبي وقال: أفي غفلة أنت إلى يومك هذا على ما ~~كان من تقدم أحيمق بني تيم وظلمه لي؟ فقلت: يا أبة لا علم لي بما كان من ~~ذلك، فقال: يا بني وما عسيت أن تعلم، فقلت: والله لهو أحب إلى الناس من ~~ضياء أبصارهم، قال: إن ذلك لكذلك على رغم أبيك وسخطه. # فقلت: يا أبة أفلا تحكي عن فعله بموقف في الناس تبين ذلك لهم؟ قال: وكيف ~~لي بذلك مع ما ذكرت أنه أحب إلى الناس من ضياء أبصارهم، إذن يرضخ رأس أبيك ~~بالجندل، قال ابن عمر: ثم تجاسر والله فجسر، فما دارت الجمعة حتى قام خطيبا ~~في الناس، فقال: يا أيها الناس إن بيعة أبي بكر كانت فلتة وقى الله شرها، ~~فمن دعاكم إلى مثلها فاقتلوه. # وقال: روى الهيثم بن عدي أيضا، عن مجالد بن سعيد، قال: غدوت يوما إلى ~~PageV00P187 # الشعبي، إلى قوله: أصلحك الله كان ابن مسعود يقول: ما كنت محدثا قوما لا ~~يبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، قال: نعم، إلى أن قال: فبقينا نحن كذلك ~~إذ أقبل رجل من الأزد، فجلس إلينا، فأخذنا في ذكر أبي بكر وعمر، فضحك ~~الشعبي وقال: لقد كان في صدر عمر ضب (1) على أبي بكر، فقال الأزدي، والله ~~ما رأينا ولا سمعنا برجل قط كان أسلس قيادا لرجل ولا أقول بالجميل فيه من ~~عمر في أبي بكر. # فأقبل علي عامر الشعبي، فقال: هذا مما سألت عنه، ثم أقبل على الرجل، ~~فقال: # يا أخا ms144 الأزد كيف تصنع بالفلتة التي وقى الله شرها، أترى عدوا يقول في ~~عدو يريد أن يهدم ما بني لنفسه في الناس أكثر من قول عمر في أبي بكر؟ فقال ~~الرجل: سبحان الله يابا عمرو وأنت تقول ذلك؟ فقال الشعبي: أنا أقوله! قاله ~~عمر بن الخطاب على رؤوس الأشهاد فلمه أو دعه، فنهض الرجل مغضبا وهو يهمهم ~~بشئ لم أفهمه في الكلام. # قال مجالد: فقلت للشعبي: ما أحسب هذا الرجل إلا سينقل عنك هذا الكلام إلى ~~الناس ويبثه فيهم، قال: إذا والله ما أحفل بذلك شيئا لم يحفل به عمر بن ~~الخطاب حين قام على رؤوس المهاجرين والأنصار أحفل به! وأنتم أيضا فأذيعوه ~~عني ما بدا لكم. # وقد روى شريك بن عبد الله النخعي، عن محمد بن عمرو بن مرة، عن أبيه، عن ~~عبد الله بن سلمة، عن أبي موسى الأشعري، قال: حججت مع عمر بن الخطاب، فلما ~~نزلنا وعظم الناس، خرجت من رحلي وأنا أريد عمر، فلقيني المغيرة بن شعبة ~~فرافقني. ونقل حكاية بطولها، وفيها تصويب أبي موسى والمغيرة فعل أبي بكر في ~~ارجاع الأمر إلى عمر، وذكر المغيرة كراهة قريش هذا الأمر للحسد، ونقلهما ~~لعمر # PageV00P188 # ما قالاه في الطريق، وتصويبه المغيرة في نسبة الحسد إلى قريش، وزيادة ~~المبالغة في حسدهم. # حيث قال: ألم أخبركما بأحسد قريش؟ قلنا: بلى يا أمير المؤمنين، وظن أبو ~~موسى أن مقصوده من أحسد قريش الجماعة الذين كرهوا استخلاف عمر، فقال: # كلا بل كان أبو بكر أعق وأظلم، هو الذي سألتما عنه، كان والله أحسد قريش ~~كلها. # ثم أطرق طويلا، فنظر إلي المغيرة ونظرت إليه، وأطرقنا لإطراقه، وطال ~~السكوت منا ومنه، حتى ظننا أنه قد ندم على ما بدا منه، ثم قال: وا لهفاه ~~على ضئيل بني تيم بن مرة، لقد تقدمني ظالما وخرج إلي منها آثما، فقال له ~~المغيرة: هذا الذي تقدمك ظالما قد عرفنا، فكيف خرج إليك منها آثما؟ # قال: ذلك لأنه لم يخرج إلي منها إلا بعد يأس منها، أما والله لو ms145 كنت أطعت ~~زيد بن الخطاب وأصحابه لم يتلمظ من حلاوتها بشئ أبدا، ولكني قدمت وأخرت ~~وصعدت وضويت ونقضت وأبرمت، فلم أجد إلا الاغضاء على ما نشب منه فيها، ~~والتلهف على نفسي، وأملت إنابته ورجوعه، فوالله ما فعل حتى فغر بها بشما. # فقال له المغيرة بن شعبة: فما منعك منها وقد عرضها عليك يوم السقيفة ~~بدعائك إليها؟ ثم الآن منتقم بالتأسف عليه. # فقال: ثكلتك أمك يا مغيرة إني كنت لأعدك من دهاة العرب، كأنك كنت غائبا ~~عما هناك، أن الرجل كادني فكدته، وماكرني فماكرته، وألفاني أحذر من قطاة، ~~إنه لما رأى شغف الناس به، وإقبالهم بوجوههم إليه، أيقن أن لا يريدوا به ~~بدلا، فأحب لما رأى من حرص الناس عليه وشغفهم به أن يعلم ما عندي، وهل ~~تنازع إليها نفسي؟ وأحب أن يبلوني بإطماعي فيها والتعريض لي بها، وقد علم ~~وعلمت لو قلت ما عرض علي منها لم يجبه الناس إلى ذلك. # فألفاني قائما على أخمصي، متشوزا حذرا، ولو أجبته إلى قبولها لم يسلم ~~الناس PageV00P189 # إلى ذلك، واختبأها ضغنا علي في قلبه، ولم آمن غائلته ولو بعد حين، مع ما ~~بدا لي من كراهية الناس، أما سمعت نداءهم من كل ناحية عند عرضها علي: لا ~~نريد سواك يا أبا بكر أنت لها، فرددتها عليه، فعند ذلك رأيته وقد التمع ~~وجهه لذلك سرورا. # ثم ذكر فيها ما جرى بين عمر وأشعث بن قيس، من أحقية عمر بالأمر، ونقل ~~أشعث إلى الزبرقان بن بدر، ونقله إلى أبي بكر، إلى أن قال: فأرسل إلي أبو ~~بكر بما كنت أحق به ممن غلبك عليه من الكلام، فأرسلت إليه أما والله لتكفن ~~أو لأقولن كلمة بالغة بي وبك في الناس، يحملها الركبان حيث ساروا، وإن شئت ~~استدمنا ما نحن فيه عفوا، فقال: إذا نستديمها على أنها صائرة إليك. # فما ظننت أنه يأتي عليه جمعة حتى يردها علي، فتغافل فما ذكر لي والله بعد ~~ذلك المجلس حرفا حتى هلك، ولقد مد في أمدها، عاضا على نواجذه، حتى ms146 حضره ~~الموت فآيس منها، فكان منه ما رأيتما، ثم قال: اكتما ما قلت لكما عن بني ~~هاشم خاصة، وليكن منكما بحيث أمرتكما إذا شئتما على بركة الله، فمضينا ونحن ~~نعجب من قوله، والله ما أفشينا سره حتى هلك (1) انتهى. # وبما نقلته ظهر أن قصد المغالبة لم يكن مقصورا على غير الرجلين، بل كان ~~مدار الأمر على المغالبة، فكانت المغالبة بينهما أيضا، وأن ما ذكره القاضي ~~لا وجه له، وأي وجه للأمر بقتل المعاود في الفلتة؟ بعد ما بايعوا فلتة، ولم ~~يستحقوا القتل، وأي دليل على جواز قتل المعاود وعدم جوازه للمبتدأ؟ بل ~~صيرورتها ابتداء سببا للخلافة، وهل هذا إلا تناقض بين أفعالهم وأقوالهم. # PageV00P190 # كشف بيت فاطمة (عليها السلام): # ومنها: كشف بيت فاطمة (عليها السلام) وعدم رعاية حرمتها، وعدم الاحتراز ~~عن غضبها الذي هو غضب رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما ظهر في أوائل هذا ~~الفصل. # وقال صاحب المغني: وذكروا أن عمر قصد منزلها وعلي وزبير والمقداد وجماعة ~~ممن تخلف عن بيعة أبي بكر مجتمعون هناك، فقال لها: ما أحد بعد أبيك أحب ~~إلينا منك، وأيم الله لئن اجتمع هؤلاء النفر عندك لنحرقن عليهم، فمنع القوم ~~من الاجتماع (1). # ومع شهرة هذا الفعل الشنيع، ونقل صاحب إحقاق الحق، عن ابن قتيبة من أهل ~~السنة، ما ذكره عبد الحميد بن أبي الحديد (2) بتقريب آخر، وهو أنه قد نقل ~~الناس خبر الزبير لما هجم عليه ببيت فاطمة (عليها السلام) وكسر سيفه في ~~صخرة ضربت به، مؤيد له. # وما ذكره صاحب المغني في دفع هذا الطعن بقوله: فأما ما ذكر من حديث عمر ~~في باب الاحراق، فلو صح لم يكن طعنا على عمر، لأن له أن يهدد من امتنع من ~~المبايعة إرادة الخلاف على المسلمين (3). في غاية السخافة والشناعة، لأنه ~~هل يكون بيعة جماعة بعد الحيل والمغالبة - على ما عرفت في ذيل حكاية ~~السقيفة - دالة على حقية الأمر، ولم يدل مخالفة من يدور الحق معه مع كمل ~~الصحابة على بطلانه، ومتمسكهم في الأمر هو ms147 الاجماع الذي هو الاتفاق بحسب ~~الاعتقاد، فإذا بلغ الأمر إلى كسر السيف وإحراق البيت، ألم يحصل احتمال ~~الخوف الذي يمكن أن يصير سببا للمبايعة مع مخالفة العقيدة. # PageV00P191 # وأيضا ليس النص دالا على إمامة أبي بكر، كما ظهر واعترف به من له تميز ~~منهم، فإمامته إنما تثبت بالإجماع، وقبل حصول الاجماع أي أمر يجوز الأمر ~~بالبيعة والتشدد فيه؟ هل يجوز التشدد باحتمال حصول الأمر من له أدنى تميز؟ ~~ألم يحصل لأهل البصيرة من أمثال هذه الأفعال الشنيعة التي ظهرت من الأخبار ~~التي نقلوها في صحاحهم أيضا العلم بعدم خلو أمرهم من أحد الشيئين: إما عدم ~~اعتقادهم برسول الله (صلى الله عليه وآله) أو عدم مبالاتهم بمخالفته ~~لاختيارهم الدنيا من الآخرة، مثل اختيار ابن سعد الري وتركه الآخرة. # قوله " إرادة الخلاف " إشارة إلى توجيه الاحراق، بأن هذا الاجتماع لم يكن ~~لاعتقاد عدم انعقاد الإمامة، بل لمحض إرادة الخلاف، ولا معنى لتجويز هذا عن ~~بعض المتخلفين مع القول بصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإن جوز في ~~بعض، وهذا ظاهر لمن رضي بعدم تبعية الكبراء والأهواء، وبالجملة قباحة الكشف ~~عن بيت فاطمة (عليها السلام) وإرادة إحراق بيتها وإيذائها، خارجة عن الأمور ~~التي يحتمل التوجيه. # وعبد الحميد بن أبي الحديد نقل كلام صاحب المغني والسيد المرتضى (رحمه ~~الله) في منع كشف بيت فاطمة (عليها السلام) وإثباته، ثم قال: والظاهر عندي ~~صحة ما يرويه المرتضى والشيعة، ولكن لا كل ما يزعمونه بل كان بعض ذلك، وحق ~~لأبي بكر أن يندم ويتأسف على ذلك، وهذا يدل على قوة دينه وخوفه من الله ~~تعالى، فهو بأن يكون منقبة له أولى من أن يكون طعنا عليه (1) انتهى. # والمشار إليه بلفظ " هذا " هو قول أبي بكر في مرضه: ليتني كنت تركت بيت ~~فاطمة ولم أكشفه. # أقول: وجه كونه طعنا اعترافه بخطأ الكشف وإظهار ندامته عما صدر منه، فلا # PageV00P192 # يبقى مجال ما توهم بعضهم من جواز التشدد على الممتنع عن البيعة. # وأيضا فيه اعتراف بوقوع التشدد على أهل البيت ms148 الذين هم أسرع الناس إجابة ~~إلى ما فيه مرضات الله تعالى، لامتناعهم عن البيعة قبل تحقق الإمامة، لأن ~~سببها عندهم الاجماع، وهو لا يتحقق عند مخالفة أحد له مرتبة الاجتهاد ~~البتة، ومع مخالفة أهل البيت ومن وافقهم من كمل الصحابة، لا يتوهم جواز ~~الجبر على البيعة. # فالجبر والتشدد على أهل البيت، وترك مقتضى آية * (قل لا أسألكم عليه أجرا ~~إلا المودة في القربى) * (1) وآية التطهير، ورواية الثقلين، ومثل سفينة نوح ~~وغيرها، برهان قاطع في الدلالة على كونه كاذبا في دعوى الخلافة، وظالما ~~أقصى مراتب الظلم على أهل البيت، ومغضبا لرسول الله بغضب فاطمة (عليها ~~السلام) فأي طعن أشد من هذا؟ # وتوهم كون الكلمة المذكورة منقبة لدلالتها على الندامة لو سلم عدم قصده ~~بهذه الكلمة زيادة غرور من رسخ في قلبه محبته، بلا دليل وبرهان، بل بمحض ~~تقليد الآباء والإخوان لا ينفعه هناك، لعدم المعذرة من المظلومين، وعدم طلب ~~الابراء من المهمومين، وعدم إظهار الخطأ فيما دعاه إلى هذه الخطيئة الذي هو ~~اختلاس الأمر بالغلبة والخديعة، فأي منفعة في كلمة توهم الندامة؟ مع ~~الاخلال بشرائط التوبة، والإصرار في الأمر الذي دعاه إلى هذه القباحة. # فإن قلت: الإمامة تنعقد ببيعة الواحد والاثنين كما قالت طائفة، ومنهم ~~صاحب المواقف، لأن إمامة أبي بكر انعقدت ببيعة عمر، بدليل تحقق الاجماع على ~~إمامته، وأنه كان إماما من وقت البيعة، فلا بد من نص قاطع دال على كفاية ~~هذه البيعة في الإمامة دلالة قطعية، والإجماع كاشف عنه، فعدم نقله غير ضار ~~لكون الاجماع # PageV00P193 # مغنيا عنه حينئذ. # وقال بعضهم ومنهم صاحب المغني: بانعقادها ببيعة الواحد ورضا الأربعة لا ~~ببيعة الواحد مطلقا، لأن إمامة أبي بكر كانت ببيعة عمر برضا أبي عبيدة بن ~~الجراح، وسالم مولى أبي حذيفة، وأسيد بن حضير، وبشير بن سعد، للإجماع على ~~تحقق الإمامة بمثل هذه البيعة، وفي انعقادها ببيعة الواحد مطلقا خلاف، ~~وسواء قلنا بالقول الأول أو الثاني تحقق إمامة أبي بكر مقارنا ببيعة عمر، ~~فمن امتنع عن بيعته بعدها تمرد عن أمر ms149 رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكون ~~ذلك النص المنكشف بالإجماع ظاهرا لهم كما هو ظاهر لنا، وإن كان بين ~~الظهورين فرق، فإن ظهوره لنا بعنوان الاجمال بهذا الاجماع، وكان ظهوره لهم ~~بخصوصه. # فإذا كان النص الدال على إمامته ظاهرا لهم، فعلى الآمرين بالمعروف ~~والناهين عن المنكر دعوة الناس إلى البيعة، ومنعهم عن الامتناع، فإن ~~امتنعوا عنها أو تساهلوا فيها وأخروا هذا الواجب المضيق، فلهم أن يشددوا ~~ويهددوا على تركها وتأخيرها، فأي تشديد صدر منهم فإنما هو لإعلاء كلمة الله ~~وإطاعة رسول الله فأي مفسدة في إحراق البيت وضرب فاطمة (عليها السلام)؟ كما ~~نقله بعضهم. # قلت: فيه نظر من وجوه. أما أولا، فبالمعارضة ببطلان تحقق النص القاطع ~~الدال على حجية البيعة بأحد الوجهين، وإلا لوجب النقل لتوفر الدواعي التي ~~منها أنهم آذوا فاطمة (عليها السلام) فآذوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~فوجب نقل النص حتى يظهر كون إيذائهم على وجه الاستحقاق، ليحمل (1) الرواية ~~على الايذاء الغير المستحق. # وأما ثانيا، فلأن نقل تشديدهم على غير المبايعين في موارد متعددة، وعدم # PageV00P194 # استدلالهم بالنص على ثبوت الإمامة بالبيعة بأحد الوجهين، دليل قاطع على ~~عدم النص، وما ذكروا من إغناء الاجماع عن نقل النص ضعيف، لعدم تحقق ~~الاجماع، كما ظهر لك عند تكلمنا على دعوى الاجماع على إمامة الأول. # وأيضا هذا الاجماع لم يتحقق عند من له أدنى تميز منهم إلى زمان عمر، ~~لخلاف سعد وأصحابه التابعين له، فمناط الاستدلال في زمان الأول هو النص، ~~وظاهر أنه لو كان دليلهم النص القطعي السند والدلالة بل الظاهر فيهما، ~~لكانوا يذكرونه في مقام الاحتجاج، ولو كانوا ذكروه في موارد مختلفة لوصل ~~إلينا بخصوصه البتة، فعدم الوصول دليل على العدم. # وأيضا نقلوا بطرق مختلفة ما استدلوا به على استحقاق الأول للخلافة في ~~السقيفة، مع غاية سخافته وكمال ركاكته، ولم ينقلوا النص القاطع الذي يخرج ~~دليلهم عن السخافة واعتمادهم عليه عن الفصاحة. # وأما ثالثا، فلأنه كيف خفي النص أو دلالته على باب مدينة العلم؟ وعلى ~~سلمان وأبي ms150 ذر ومقداد، مع جلالة قدرهم التي ظهرت لك في ضمن البحث السابع من ~~الأبحاث التي أوردتها على إجماعهم، ولم يخف على العامة والسفلة. # وأما رابعا، فلأن كون التمسك بأهل البيت حارسا عن الضلال، معلوم بالأخبار ~~الصحيحة الواضحة الدلالة، فترك البيعة مع الاختيار هو سبب الفلاح، لكونه ~~طريقة أهل البيت، وطريقة من تمسك بهم، واستنباط النص لوجوب البيعة بعد بيعة ~~عمر وثبوت الإمامة بها مع وضوح ضعف المأخذ وترك تبعية أهل البيت وتوقع ~~النجاة له، من غاية الجهل والعناد. # وأما خامسا، فلأن دوران الحق مع علي (عليه السلام) يبطل توهم النص الدال ~~على وجوب البيعة، لأنه لو كان النص موجودا لم يؤخر (عليه السلام) البيعة ~~حتى يستحق بتأخيرها إحراق البيت. PageV00P195 # وأما سادسا، فلأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مع كمال محبته أمير ~~المؤمنين وفاطمة (عليهما السلام) وكونهما أحب الناس إليه كما روته عائشة ~~(1)، وقوله (صلى الله عليه وآله) في حقهما مع الحسنين صلوات الله عليهم " ~~أنا حرب لمن حاربكم " (2) وغيرهما من الروايات الدالة على كمال محبته (صلى ~~الله عليه وآله) إياهما، وعلى كمال جلالتهما عند الله تعالى، وكونه (صلى ~~الله عليه وآله) عالما بدقائق الأمور لم لم يظهر هذا النص الذي أظهره ~~للأجانب؟ الذين أسرعوا إلى البيعة بعد بيعة عمر لأمير المؤمنين (عليه ~~السلام) وفاطمة (عليها السلام) حتى يعمل أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~بمقتضاه وترغب فاطمة (عليها السلام) به، ولا تمكن لغير المبايعين دخول ~~بيتها للخوف الذي عرض لهم من الامتناع، وتقول لهم: لم تنكرون إطاعة كلام ~~أبينا وتفزعون إلى بيتنا بمعصية ترك البيعة الواجبة، ولا يجري عليهم ما جرى ~~من هتك الحرمة وسوء الأدب على وجه لا يليق بمن اتصف بأدنى مراتب الكمال. # وأما سابعا، فلأنه لو كانت بيعة الواحد والاثنين مطلقا، أو بيعة الواحد ~~مع رضا الأربعة دالة على الإمامة، لكان لكثير من ملوك بني أمية وبني العباس ~~إماما، لظهور أكثر من أربعة عند المتابعة، ودعوى كثير منهم الخلافة ~~والإمامة، فإن قالوا بعدم استحقاقهم الإمامة، فلا ينفع البيعة، ms151 فلا وجه ~~لجعل البيعة دليلا عليها. وأيضا بأي شئ عملوا استحقاق الثلاثة للإمامة؟ مع ~~عدم شهادة النص والمعجزة والعصمة عليه. # التخلف عن جيش أسامة: # ومنها: أن أبا بكر وعمر كانا في جيش أسامة، وأن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) كرر في مرضه الأمر بتنفيذ جيش أسامة، فتأخروا رجاء لغصب الخلافة، ~~وذكر بعضهم في # PageV00P196 # الخبر بعد التأكيد والمبالغة في التنفيذ " لعن الله المتخلف عنه ". # وممن قال باشتمال الرواية على لعن المتخلف الآمدي، على ما نقله شارح ~~المواقف حيث نقل عنه ما ذكره من اختلاف الصحابة بقوله: وكاختلافهم بعد ذلك ~~في التخلف في جيش أسامة، فقال قوم بوجوب الاتباع، لقوله (صلى الله عليه ~~وآله): جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عنه، وقال قوم بالتخلف انتظارا ~~لما يكون من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مرضه انتهى. # ويدل مع الشهرة على كون كل منهما من الجيش، ما ذكره السيد بقوله: أما كون ~~أبي بكر في جملة جيش أسامة، فظاهر قد ذكره أصحاب السير والتواريخ، وقد روى ~~البلاذري في تاريخه، وهو معروف بالثقة والضبط، وبرئ من مماثلة الشيعة ~~ومقاربتها، أن أبا بكر وعمر كانا معا في جيش أسامة (1). # ويدل على كون أبي بكر أيضا من الجيش، وكونه ظاهرا عند أهل السنة، ما روي ~~عن عبد الحميد بن أبي الحديد في مدح علي (عليه السلام) معرضا بأبي بكر: # ولا كان في بعث ابن زيد مؤمرا * عليه فأضحى لابن زيد مؤمرا فإن قلت: فما ~~وجه الجمع بين هذا البيت وبين ما قال بعد نقل كلام القاضي والسيد (رحمه ~~الله) في إنكار كون أبي بكر من الجيش وثباته، حيث قال: فإن الأمر عندي ~~مشتبه، والتواريخ مختلفة في هذه القضية، فمنهم من يقول: إن أبا بكر في جملة ~~الجيش، ومنهم من يقول: لم يكن، ونقل عن الواقدي أن أبا بكر لم يكن من ~~الجيش، ثم قال: # وكثير من المحدثين يقولون: بل كان في جيشه (2). # قلت التوقف في كونه من الجيش في وقت لا ينافي خروجه ms152 عن التوقف عند مدح ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) خصوصا بعد ما نقل في آخر كلامه " وكثير من ~~المحدثين يقولون # PageV00P197 # بل كان في جيشه " فلم يكن المسألة محل توقف، لأن دواعي الباطل وإن كانت ~~داعية إلى إنكار كونه من الجيش إخراجا له عن هذه القباحة، كما هو دأب كثير ~~منهم في كتمان قباحته وقباحة أخويه، لكن نقل كونه من الجيش لا داعي له إلا ~~بيان الواقع، فهو حق قطعا، فلعل التوقف الذي نشأ من ملاحظة اختلاف نقل ~~الناقلين بلا تأمل زال عنه في وقت آخر بما ذكرته، وبما ذكرته يظهر كفاية ~~اختلاف التواريخ أيضا للقطع بكونه من الجيش على قانون الاستدلال بأدنى تأمل ~~فتأمل (1). # ويدل على التخلف واللعن، ما نقل عن محمد بن عبد الكريم الأشعري ~~الشهرستاني، في كتاب الملل والنحل، عند ذكر الاختلافات الواقعة حال مرض ~~النبي (صلى الله عليه وآله) حيث قال: الخلاف الثاني في مرضه، أنه (صلى الله ~~عليه وآله) قال: جهزوا جيش أسامة، لعن الله من تخلف عن جيش أسامة، فقال ~~قوم: يجب علينا امتثال أمره، وأسامة قد برز من المدينة، وقال قوم: قد اشتد ~~مرض النبي (صلى الله عليه وآله) فلا تسع قلوبنا لمفارقته والحال هذه، فنصبر ~~حتى ننظر أيش يكون من أمره (2) انتهى. # ويحصل بما ذكرته من البيان في كون أبي بكر من الجيش يقينا العلم اليقيني ~~باشتمال الرواية على لعن المتخلف أيضا بأدنى تأمل. # وأما تخلف عمر، فأظهر من أن يحتاج إلى البيان، وهو كاف لعدم استحقاق ~~الثلاثة للإمامة. أما عمر، فلتخلفه وعصيانه عن أمر رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) بالتخلف في أيام حياته، لتوقعه ما توقع وبعد الموت بعد الإذن عن ~~أسامة، على ما رواه الترمذي عن أسامة: أن أبا بكر سألني في عمر أن أتركه ~~ففعلت. # PageV00P198 # وأما عدم استحقاق أبي بكر، فلسؤاله عن أسامة ترك عمر، لأن هذا بالحقيقة ~~سؤال عنه في الإذن في مخالفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأي اختيار ~~لأسامة وغيره في أمثال تلك الأمور؟ # وأما عد ms153 استحقاق عثمان، فللفرعية وعدم القول بالفصل. # لا يقال: للأمير أن يفعل ما يقتضيه علمه من الاستمداد بغير من عينه (صلى ~~الله عليه وآله) وإذن التخلف لمن عينه، وهذا من لوازم الإمارة عرفا. # لأنا نقول: هذا إنما هو فيما لم يعين (صلى الله عليه وآله) الجيش، وأما ~~إذا عين وقال: اخرج إلى حرب كذا مع زيد وعمرو ومع جماعة فيهم زيد وعمرو، ~~فلا يجوز له إذن أحدهما في التخلف. # وبالجملة ينبغي ملاحظة ما أمر به الأمير، فإن أمره الرسول على جيش يعينه ~~الأمير ويراعي في التعيين مقتضى رأيه، فله رعاية ما يقتضي رأيه، وإن عين ~~الجماعة الخاصة التي من جملتها زيد وعمرو، فلا يجوز له إذن أحدهما في ~~التخلف، كما أنه لو ذكرهما بخصوصهما لا يجوز له الإذن. # فإن قلت: قد ظهر من كلامك السابق كون الرجلين من الجيش، وما رويته من ~~الترمذي يدل على خلافه. # قلت: لا دلالة فيه على خلاف ما ذكرته، لأن تخصيص أبي بكر سؤال ترك أسامة ~~بعمر إنما كان ليكون معه بالمدينة، فطلب إذن عمر يشتمل على طلب إذن نفسه ~~أيضا، وإذن عمر في الترك إذن له أيضا عرفا، وأيضا بعد تحقق السلطنة لم يكن ~~لأحد أن يقول له: يجب عليك الخروج إما لهيبة السلطنة، أو الشبهة فلم يحتج ~~إلى السؤال. # فإن قلت: تخلف عمر في أيام الحياة عن جيش أسامة أو تخلفهما على تقدير ~~دخول أبي بكر أيضا في الجيش، إنما هو لرعاية مصلحة الإسلام، لأنه لم يظهر ~~من PageV00P199 # أحدهما في مدة الجهاد مع حضورهما في أكثر الغزوات المبارزة التي نقلت من ~~الفرسان والمقاتلة التي ظهرت من الشجعان، وغاية ما يتوقع منهما عند اللقاء ~~والتحام الحرب تكثير السواد، وعدم المسابقة في الهرب: فلن يترتب على كونهما ~~في الجيش أكثر من تكثير السواد، بخلاف تخلفهما عن الجيش، لاستنباطهما من ~~شدة مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد تتابع أمارات قرب الانتقال مثل ~~قول رسول الله (صلى الله عليه وآله): # يوشك أن يأتي رسول ربي فأجيب، ms154 وحديث الغدير وإكمال الدين، قوة احتمال ~~انتقاله (صلى الله عليه وآله) إلى عالم البقاء، والاحتياج إليهما في تدبير ~~أمر الإسلام والإيمان، لكونهما من كمل أصحاب الآراء والمجتهدين، كما يظهر ~~من اجتهاد أحدهما في تغيير كثير مما أمر به رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~واستمر به زمانه (صلى الله عليه وآله) فانظروا أيها المسلمون هل منفعة ~~تكثير سواد الشيخين تقابل منفعة تدبيرهما؟ مع حصول مثل سوادهما من كل ~~اثنين، وعدم ظهور البدل لهما في الآراء من البين، فظهر أن التخلف إنما هو ~~من كمال فطنتهما وتأملهما في أمر الإسلام. # قلت: فما ظنك برسول الله (صلى الله عليه وآله) هل كان غافلا عن احتمال ~~الانتقال؟ مع ظهوره للرجلين بل للناس، بما ظهر من الأقوال والحال، أو عن ~~جبانة الرجلين مع امتحانهما في المدة المتمادية، أو عن التدبير الذي نسبته ~~إليهما. # ولا يليق أن ينسب إلى أحد من المنتسبين إلى المعرفة والكمال عدم العلم ~~بحال من كان معه في عشر تلك المدة، مع تواتر أسباب ظهور الحال، فكيف يجوز ~~أن ينسب عدم الاطلاع إلى من هو أعقل الناس عند الكفار والأعداء، وإذا لم ~~ينسب إليه (صلى الله عليه وآله) غفلة شئ من الأمور المذكورة، فلم يبق إلا ~~أن يكون عنده (صلى الله عليه وآله) مصلحة الإسلام في خروج الرجلين عن ~~المدينة وعدم حضورهما، لو فرض عدم شهادة القرآن على أنه لا ينطق عن الهوى. # وإذا كانت المصلحة في خروجهما بدلالة جعلهما في جيش أسامة، والمبالغة ~~التامة PageV00P200 # في عدم التخلف، فلا وجه لنفي تلك المصلحة بالخيالات الفاسدة التي لا معنى ~~لها أصلا. وبما ذكرته ظهر أن أمر الجهاد لو كان من الأمور التي فيها ~~الاجتهاد من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لكان ما فعله (صلى الله عليه ~~وآله) دالا على علمه (صلى الله عليه وآله) بأن في خروجهما من المدينة مصلحة ~~الإسلام. # ذكر ابن أبي الحديد في ضمن نقل كلام السيد المرتضى طاب ثراه على صاحب ~~المغني وجوابه من جانب صاحب المغني ms155 على السيد. أما قوله أي حاجة كان لأبي ~~بكر إلى عمر بعد وقوع البيعة، ولم يكن هناك تنازع ولا اختلاف، فعجيب وهل ~~كان لولا مقام عمر وحضوره في تلك المقامات يتم لأبي بكر أو ينتظم له حال، ~~ولولا عمر لما بايع علي والزبير ولا أكثر الأنصار، والأمر في هذا أظهر من ~~كل ظاهر انتهى. # تكلم بالصواب الذي يقتضي بطلان إمامة أبي بكر غفلة منه عن المقتضي، لأنه ~~لو كان الدليل على إمامة أبي بكر حقا لما خفي على أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) ولما امتنع (عليه السلام) عنها ولا أحد ممن عاون أبا بكر حاضرا، ~~كما هو ظاهر من جلالته (عليه السلام) وغاية انقياده للحق، فعدم بيعته (عليه ~~السلام) فقط على تقدير عدم عمر دليل على كونه (عليه السلام) مجبورا على ~~البيعة بالفظاظة والغلبة اللتين لم تتما بدون عمر، فأي حجية بمثل هذه ~~البيعة؟ # ومراد السيد من عدم الحاجة إلى عمر عدم حاجته إليه على قانون كثير من أهل ~~السند الذين منهم صاحب المغني، لأنهم يقولون بأنه وقع الاجماع من الصحابة ~~بحسب الرضا، لوجدانهم أبا بكر أهلا للإمامة لا بعنوان الجبر والتعدي، وتأخر ~~من تأخر لم يكن للامتناع والكراهية، بل كان لعدم تكليفهم بالبيعة، وإلا فلا ~~امتناع لهم عن الواجب. # فعلى هذا مراد السيد بانعقاد البيعة انعقاد ما يعتبر عندهم في الإمامة ~~ويحتاج إليه في تشييد أمرها، لأنه لم يبق عندهم إلا الاحتياج إلى الإظهار، ~~وذلك لم يتوقف على عمر، وحينئذ لا وجه لما ذكره ابن أبي الحديد لهم، بل ~~يظهر منه غاية القباحة PageV00P201 # والشناعة مما صدر منه في أمر البيعة، كما أومأت إليه. # وذكروا عثمان من الجيش، لكن لا حاجة لنا إلى إثباته في المطلوب. # حديث الإقالة: # ومنها: قول أبي بكر " أقيلوني ولست بخيركم وعلي فيكم " (1) صححوا هذا ~~الخبر برواية أبي عبيدة القاسم بن سلام مصنف كتاب الأموال، عن هشام بن ~~عروة، عن أبيه. # ويدل على صحة الرواية قول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الخطبة ~~الشقشقية المشهورة منه (عليه السلام) ms156 وقبول كثير من علماء أهل السنة كونها ~~من كلامه (عليه السلام). # وقال صاحب القاموس: الشقشقة بالكسر شئ كالرية يخرجه البعير من فيه إذا ~~هاج، والخطبة الشقشقية العلوية، لقوله لابن عباس - لما قال له اطردت مقالتك ~~من حيث أفضيت -: يا بن عباس هيهات تلك شقشقة هدرت ثم قرت (2). # وذلك القول هو قوله (عليه السلام): فصبرت وفي العين قذى، وفي الحلق شجا، ~~أرى تراثي نهبا، حتى مضى الأول لسبيله، عقدها لأخي عدي بعده (3) فواعجبا ~~بينا هو يستقيلها في حياته إذ عقدها لآخر بعد وفاته (4). # ودل (عليه السلام) بهذا الكلام على غصب الحق بقوله " أرى تراثي نهبا " ~~وبقوله " فواعجبا " وبحسب السياق وبعض العبارات السابقة واللاحقة والمذكور ~~كاف في # PageV00P202 # المقصود، وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) بكون تراثه منهوبا، يدل على ~~كونه كذلك لدوران الحق معه. # وأجاب صاحب المغني عن الخبر بالضعف أولا، وقال: وإن صح فالمراد به ~~التنبيه على أنه لا يبالي يرجع إليه أن يستقيله الناس البيعة، وإنما يضرون ~~بذلك أنفسهم، فكأنه نبه بذلك على أنه غير مكره لهم، وأنه قد خلاهم وما ~~يريدون، إلا أن يعرض ما يوجب خلافه انتهى. # وظهر مما ذكر بطلان الضعف والتأويل من غير حاجة إلى البيان. # عدم العدالة في تقسيم الخمس: # ومنها: ما رواه ابن الأثير في جامع الأصول، في الفرع الثالث من الفصل ~~الثالث من الباب الثاني، من كتاب الجهاد الذي في الخمس ومصارفه، من صحيح ~~الترمذي، عن جبير بن مطعم، قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النبي (صلى ~~الله عليه وآله) فقلت: يا رسول الله أعطيت بني المطلب وتركتنا، ونحن وهم ~~بمنزلة واحدة، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما بنو المطلب وبنو ~~هاشم شئ واحد. # إلى أن قال جبير، وكان أبو بكر يقسم الخمس نحو قسمة رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) غير أنه لم يكن يعطي قربى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما ~~كان النبي يعطيهم، قال: وكان عمر يعطيهم منه، وعثمان بعده (1). # ومن صحيح أبي داود، عن يزيد بن ms157 هرمز أن نجدة الحروري حين حج في فتنة ابن ~~الزبير، أرسل إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى ويقول: لمن تراه؟ # فقال له: لقربى رسول الله (صلى الله عليه وآله) قسمه رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) لهم، وقد كان عمر عرض # PageV00P203 # علينا من ذلك عرضا رأيناه دون حقنا ورددناه عليه وأبينا أن نقبله. # ومن صحيح النسائي، قال: كتب نجدة إلى ابن عباس يسأله عن سهم ذي القربى ~~لمن هو؟ قال يزيد بن هرمز: فأنا كتبت كتاب ابن عباس إلى نجدة: كنت كتبت ~~تسألني عن سهم ذي القربى لمن هو؟ وهو لنا أهل البيت، وقد كان عمر دعانا إلى ~~أن ينكح منه أيمنا، ويجدي منه عائلنا، ويقضي منه عن غارمنا، فأبينا إلا أن ~~يسلمه إلينا، فأبى ذلك فتركناه عليه. # وفي رواية أخرى له مثل رواية أبي داود وفيها: وكان الذي عرض عليهم أن ~~يعين ناكحهم، ويقضي عن غارمهم، ويعطي فقيرهم، وأبى أن يزيد على ذلك (1). # أقول: في قسمة أبي بكر الخمس مثل قسمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~ومخالفته إياه في خصوص سهم ذي القربى، دلالة إما على أنه خاف من عدم حاجتهم ~~اختلال أمر الخلافة، أو على العداوة، والأول يبطل ما توهموه من تحقق بيعة ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) بعنوان الرضا لوجدانه أبا بكر أهلا لها، ~~والثاني علامة النفاق، كما هو مذكور في بعض كتب صحاحهم أيضا. # ولعل هذه العداوة نشأت من طلب أمير المؤمنين (عليه السلام) حقه والإصرار ~~فيه ما أمكن، وعلى التقديرين هذا الظلم يدل على عدم استحقاق شئ تعتبر فيه ~~العدالة، فكيف يتحقق فيه وفي أخيه استحقاق الخلافة؟ # عدم العلم بمعنى الكلالة: # ومنها: ما روي عن أبي بكر في الكلالة من قوله " أقول فيها برأيي، فإن كان ~~صوابا فمن الله، وإن كان خطأ فمني " (2) هذا يدل على عدم مبالاته بالشرع، ~~وإلا لم # PageV00P204 # يكن لقوله برأيه وجه، لأن أمر الكلالة لم يكن مشتبها على كل الصحابة حتى ~~يحتاج إلى القول بالرأي، بل كان الواجب أن ms158 يسألهم وباب مدينة العلم عنها ~~حتى يخبره بما في المدينة، لو فرض جواز إمامة من احتاج إلى السؤال. # نسبة الهجر إلى النبي (صلى الله عليه وآله): # ومن مطاعن عمر: ما رواه ابن الأثير في جامع الأصول، في الكتاب الخامس من ~~حرف الميم، وهو في الموت وما يتعلق به، من صحيح البخاري ومسلم، عن ابن ~~عباس، قال: لما حضر رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي البيت رجال فيهم ~~عمر بن الخطاب، قال النبي (صلى الله عليه وآله): هلموا أكتب لكم كتابا لن ~~تضلوا بعده، فقال عمر - وفي رواية فقال بعضهم -: قد غلب عليه الوجع وعندكم ~~القرآن، حسبكم كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا ~~يكتب لكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومنهم من يقول ما قال عمر - وفي ~~رواية ومنهم من يقول غير ذلك - فلما أكثروا اللغط والاختلاف قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): قوموا عني، قال: فكان ابن عباس يقول: الرزية كل ~~الرزية ما حال بين رسول الله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ~~ولغطهم. # وفي رواية قال: قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع، فخرج ابن عباس وهو ~~يقول: الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبين ~~كتابه. # وفي رواية: قال ابن عباس: يوم الخميس وما يوم الخميس، زاد في رواية: ثم ~~بكى حتى بل دمعه الحصى، قلت: يا بن عباس ما يوم الخميس؟ قال: اشتد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) وجعه، وقال: ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لن ~~تضلوا بعده أبدا، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي التنازع، فقالوا: ما شأنه؟ ~~هجر؟ استفهموه، فذهبوا يرددون عليه، فقال: ذروني دعوني، فالذي أنا فيه خير ~~مما تدعونني إليه، فأمرهم PageV00P205 # وأوصاهم بثلاث، فقال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد ~~بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة أو قال فنسيتها (1). # هكذا كان في جامع الأصول الذي نقلت الحديث منه، لكن نقل بعض أعاظم ~~العلماء نور مرقده أبدا بعد قوله " لن ms159 تضلوا بعده " وقوله " قال عمر بن ~~الخطاب: إن النبي (صلى الله عليه وآله) قد غلب عليه الوجع، وأن الرجل ليهجر ~~وعندكم القرآن " والظاهر هذه النسخة، لأن فضل بن روزبهان مع نهاية اهتمامه ~~في توجيه أفعالهم بقدح سند النقل والتأويل، لم ينكر هذا اللفظ من عمر لغاية ~~انتشاره وفضيحة إنكاره. # وفي هذا الكلام أنواع القباحة والشناعة، وخروج القائل به عن استحقاق ~~الإمامة والخلافة، بل من اعتبار قوله في أدنى مراتب الشهادة: # منها: نسبة الهذيان إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد قوله " قد ~~غلب عليه الوجع " ولما كانت غلبة الوجع قد تصير سببا للهذيان لبعض الناس، ~~فجوز بحسب الظاهر صيرورة وجعه (صلى الله عليه وآله) سببا للهذيان، حتى لا ~~يكون لكلامه (صلى الله عليه وآله) في ذلك الوقت وكتابته اعتبار، وهذا من ~~غاية جهله بمرتبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لظهور عدم انعزال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) بسبب الأمراض والأوجاع، فقوله (صلى الله عليه ~~وآله) في الصحة والمرض واحد. # ومنها: أنه مع عدم احتمال الهذيان في حقه (صلى الله عليه وآله) لم ينقلوا ~~بعنوان الكذب والافتراء ما يدل على كون كلامه (صلى الله عليه وآله) صادرا ~~عنه (صلى الله عليه وآله) من غير قصد، ولم ينقلوا لنسبة هذا إليه سببا إلا ~~الوجع، فإن جاز صدور القول من غير قصد للوجع، فلم تمسكوا بما رووه عن عائشة ~~من أمر أبي بكر بالصلاة، ولم لم يجوزوا لو فرض صدقها في الخبر كون كلامه ~~(صلى الله عليه وآله) من غير قصد؟ ولم يجعلوا خروجه (صلى الله عليه وآله) ~~بعد اطلاعه (صلى الله عليه وآله) على صلاة أبي بكر قرينة عليه؟ وهذا بعنوان ~~الالزام عليهم، وإلا أي مؤمن يجوز أن # PageV00P206 # يكون كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) في وقت من الأوقات خارجا عن أن ~~يكون حجة؟ # ومنها: قوله " حسبكم كتاب الله " مع ظهور اشتماله على المحكم والمتشابه ~~والناسخ والمنسوخ، فقوله " حسبكم كتاب الله " لم يكن للجهل بعدم الكفاية، ~~لأن عدم ms160 الكفاية أظهر من أن يخفى على أحد، بل غرضه من الكلام منع الكتابة ~~تسهيلا لما مهدوه وتخلفوا عن جيش أسامة له من غصب الخلافة، ولفظ " لن تضلوا ~~بعده أبدا " كالصريح في كون الكتابة تأكيدا وتوضيحا لما ذكره (صلى الله ~~عليه وآله) من حديث الثقلين، ولما فهم عمر من السياق مقصوده فعل ما فعل. # ولفظ " ما شأنه؟ هجر؟ استفهموه " كلامهم في مقام التوجيه لئلا يصرح عمر ~~بنسبة الهجر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلعلهم يقولون جوز عمر ~~الهجر ولم يجزم به ولا نقص في التجويز، فنقول: هل يجوز العاقل عدم وجوب ~~إطاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حال؟ ولن يصلح العطار ما أفسد ~~الدهر. # ومع ظهور عدم كفاية كتاب الله وشناعة فعل عمر، تفطن بعض أهل السنة هذه ~~الشناعة بما نقل عن قطب الدين الشيرازي الشافعي، حيث قال في بعض مكاتيبه: # رآه بي رآه نماى نمى توان يافت، وگفتن آنكه كتاب الله وسنت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) در ميان است بمرشد چه حاجت است، به آن ماند كه مريض ~~گويد: چون كتاب هست كه أطباء نوشته اند، مرا چرا رجوع به أطباء بايد كرد، ~~كه أين سخن خطاست، براي آنكه هركس را فهم كتب طب ميسر نيست، واستنباط از آن ~~مى توان كرد مراجعت با أهل استنباط مى بايد كرد، كه * (ولو ردوه إلى الرسول ~~والى اولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم) * كتاب حقيقي صدور أهل ~~علم است كه * (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) * نه بطون ~~دفاتر، چنانچه حضرت أمير المؤمنين (عليه السلام) فرمود: أنا كلام الله ~~الناطق، وهذا كلام الله الصامت. # وبالجملة شناعة فعلهم من الواضحات التي لا تحتاج إلى البيان. PageV00P207 # وهاهنا أمر آخر وهو: أنه أوصى بثلاث وصايا بعد الأمر باكتسابه، فلم لم ~~يجوز أن تكون مثل الكتابة؟ وأيضا الكتابة التي أمرها أبو بكر لاستخلاف عمر ~~كانت عند شدة وجعه، فلم لا يجوز كون هذا الأمر وما أمر ms161 به هذيانا، مع أنه ~~لم يكن كلامه عند الصحة حجة، ولم يكن لنا دليل على عدم تطرق الهذيان إليه، ~~ولنعم ما قال بعضهم في هذا المعنى: # أوصى النبي وقال قائلهم * قد ظل يهجر سيد البشر ورأوا أبا بكر أصاب ولم * ~~يهجر وقد أوصى إلى عمر فإن قلت: لما كثر اللغط بقول عمر وغيره وأخرج ~~الحاضرون، لم لم يأمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بإحضار جماعة راعين ~~ما ظهر من القرآن من وجوب إطاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وترك رفع ~~الصوت عنده؟ حتى يكتب الكتاب المقصود بحضورهم، ويثبت ما كتب لغير الحاضرين ~~بشهادة الحاضرين؟ # قلت: لعل المانع علمه (صلى الله عليه وآله) بعدم انتظام الأمر، لأن مقصود ~~عمر من نسبة الهجر إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) تسهيل إنكار ما أراد ~~إنكاره، ولو فرض كتابة ما أراد رسول الله (صلى الله عليه وآله) كتابته بعد ~~قول عمر بل قبل قوله لم ينتظم الأمر، لأن نسبة عمر هذا الأمر إلى رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) مشافهة وتصديق بعض السامعين إياه فيما نسب، أو في ~~كفاية كتاب الله، أقبح وأشنع من هذه النسبة والتصديق بعد الوفاة، لأنهما ~~وإن اشتركا في قباحة ترك رعاية مقتضى النبوة، لكن المشافهة مختصة بمنع ~~الحياء. # ألا ترى أن الحياء يمنع عن نسبة هذا الأمر إلى أوساط الناس مشافهة إذا ~~جوز إدراكهم هذا الكلام، ومع هذا لم يمنعهم الحياء من نسبة هذا الأمر إلى ~~سيد الأنبياء وتصديق عمر مشافهة، أتظن مبالاتهم في نسبة هذا الأمر والإصرار ~~فيها بعد وفاته، فأمره (صلى الله عليه وآله) بالكتابة إنما هو لتكثير ~~الأدلة الدالة على مستحق الأمر، ولعله (صلى الله عليه وآله) كان عالما بأنه ~~إن كتب ما أراد كتابته، ردوه بهذه النسبة، فيشيع بين أهل PageV00P208 # الملل الباطلة، فيصير طريقا لهم في نسبة الشناعة إلى هذا الدين. # اعلم أن هذه الحكاية تدل على إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) بوجوه: # أحدها: حصول العلم القطعي بحسب السياق، وفهم عمر (1) منافاته ms162 لغرضه، ~~وإخباره (صلى الله عليه وآله) بعدم الضلال بعده، أي: بعد أن يعملوا بمقتضاه ~~على طبق رواية الثقلين، بأن المقصود من الكتابة تأكيد ما ذكره يوم الغدير، ~~وما بينه برواية الثقلين وغيرهما، وتوضيحها وتشييدها. # وثانيها: دلالة الخبر على عصمة المستحق للأمر، بدليل قوله (صلى الله عليه ~~وآله) " لن تضلوا بعده أبدا ". # وثالثها: دلالة قول عمر بحسب المقام على كون غرضه صرف الأمر عن المستحق ~~وغصبه بما تيسر، فهو غير لائق للأمر، وبعدم لياقته يثبت عدم لياقة الأول ~~والثالث، بعدم القائل بالفصل في الأول وبه وبالفرعية في الثالث، فالاستحقاق ~~للأمر بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) منحصر في أمير المؤمنين (عليه ~~السلام). والوجه الأخير جار في جميع مطاعن أحد الأولين. # منع المتعتين: # ومنها: أنه قال: " متعتان كانتا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~أنا أنهي عنهما وأعاقب عليهما " (2). # اعلم أن هذا القول من عمر لم يكن لروايته عن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) أو من الغلط الناشي من عدم إدراكه مقصود رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)، بل هذا الكلام يدل على حكمه بخطأ رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ~~أمر المتقين. # PageV00P209 # ومع كونه ظاهرا من هذا الكلام، يدل عليه ما رواه ابن الأثير في جامع ~~الأصول، في الفصل الثالث من الباب الثاني من كتاب الحج، من صحيح مسلم، عن ~~أبي نضرة، قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة وابن الزبير ينهى عنها، فذكرته ~~لجابر، فقال: على يدي دار الحديث، تمتعنا مع رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) فلما قام عمر، قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن ~~القرآن قد نزل منازله (1)، فأتموا الحج والعمرة، كما أمركم الله، وأبتوا ~~نكاح هذه النساء، فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته بالحجارة (2). # ومن صحيح البخاري، عن عمران بن الحصين، قال: أنزلت آية المتعة في كتاب ~~الله ففعلناها مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم ينزل قرآن يحرمه ولم ~~ينه عنها حتى مات، ms163 قال رجل برأيه ما شاء (3). # ومن صحيح الترمذي، عن سالم بن عبد الله، أنه سمع رجلا من أهل الشام وهو ~~يسأل عبد الله بن عمر عن التمتع بالعمرة إلى الحج، فقال عبد الله بن عمر ~~أرأيت إن # PageV00P210 # كان أبي نهى عنها وصنعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر أبي يتبع أم ~~أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ # فقال الرجل: بل أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) (1). # ومن الغرائب أن شارح التجريد قال: أنه صعد المنبر وقال: يا أيها الناس ~~ثلاث كن على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنا أنهى عنهن وأحرمهن ~~وأعاقب عليهن، وهي متعة النساء ومتعة الحج وحي على خير العمل. وأجاب عنه: ~~بأن ذلك ليس قدحا فيه، فإن تخالف المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ليس ~~ببدع انتهى. # ولا يخفى سخافة هذا الجواب وغرابته، لأنه مع عدم احتمال الاجتهاد في حقه ~~(صلى الله عليه وآله) كيف يجوز في مثل تلك الأمور التي لا سبيل للعقل إليها ~~أصلا كون مأخذه الاجتهاد. ودلالة قوله (صلى الله عليه وآله) " لو استقبلت ~~ما استدبرت من أمري ما سقت الهدي " على الاجتهاد كما توهمه بعضهم، في غاية ~~السخافة، بل المقصود أن هذا الأمر الذي نزل وهو وجوب حج التمتع على النائي ~~وفضيلته لو كان قبل سياق الهدي لما سقت الهدي الذي كان قبل ذلك راجحا بأمر ~~الله تعالى. # ومع قباحة نسبة الاجتهاد إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فبأي شئ صار ~~عمر أحق بالاتباع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى حرموا متعة النساء ~~بتحريمه، وتركوا حي على خير العمل رأسا، حتى لو قال أحد هذه الكلمة في ~~الأذان إن لم يتعرضوا لقتله تعرضوا لشتمه وضربه على أقبح وجه وأشده، فإن ~~ثبتت هذه المرتبة لعمر فهي مرتبة النبوة لا مطلق النبوة، بل النبوة التي ~~ينسخ بها بعض الشرائع السابقة، فللقائلين بإمامته أن يقولوا في جواب منكر ~~الإمامة: إن طريقة عمر كانت في مدة متمادية تأسيس الشرع ونسخ ms164 بعض ما نزل ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله) فعدم الرضا بإمامته خارج عن العدل ~~والإنصاف. # ؟؟؟؟؟ # PageV00P211 # نقل عبد الحميد بن أبي الحديد كلام السيد الجليل في شناعة ما صدر من عمر ~~في حج التمتع، ثم قال: فأما متعة الحج فقد اعتذر عمر لنفسه وقال: ما قدمنا ~~ذكره من أن الحج بهاء من بهاء الله، وأن التمتع يكشفه ويذهب نوره ورونقه، ~~وأنهم يظلون معرسين تحت الأراك، ثم يهلون بالحج ورؤوسهم تقطر، وإذا كان قد ~~اعتذر لنفسه فقد كفانا مؤونة الاعتذار (1) انتهى. # هذا الاعتذار لا معنى له أصلا، لأن كيفية الصلاة والحج وأمثالهما لا ~~يتوهم كونها اجتهادية، فهذا البيان من الله تعالى بلا شائبة ريب، فالراد ~~على رسول الله (صلى الله عليه وآله) راد على الله إن علم كونه من الله، وإن ~~لم يعلم كونه من الله: فإما أن يعلم جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~هذا الأمر منسوبا إلى الله تعالى ويجوز كذبه (صلى الله عليه وآله) أو يتوهم ~~هذا الأمر اجتهاديا وما يقتضيه، الاحتمالان الأولان لا يحتاج إلى البيان، ~~والثالث مع أنه غير محتمل في نفسه وبحسب سياق كلام رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) أيضا اعترف به ابن أبي الحديد بتقريب حكاية التخلف عن جيش ~~أسامة. # حيث قال: وأن الذي ينافي الاجتهاد بالرأي هو مثل فرائض الصلاة ومقادير ~~الزكوات ومناسك الحج، ونحو ذلك من الأحكام التي تشعر بأنها متلقاة من محض ~~الوحي، وليس للرأي والاجتهاد فيها مدخل (2) انتهى. # فلعله في مبحث التخلف غفل عماد ذكره هاهنا وتكلم بمقتضى العقل، أو عدل ~~عما ذكره هاهنا وتكلم بالصواب. # فإن قلت: الروايات المذكورة إنما تدل على قوله برأيه في متعة الحج لا في ~~الآخرين. # قلت: وإن كان سياق الرواية دالا على قوله برأيه في الكل، لكن بيان كون ~~مراده ما # PageV00P212 # يقتضيه ظاهر السياق في واحد منها كاف لنا هاهنا، مع بعد إرادة تحريمه ~~أحدها من عنده، والباقيين بما روى عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أو ~~سمع منه (صلى ms165 الله عليه وآله ) من " أحرمهن " بنسبة التحريم إلى نفسه، وجعل ~~الثلاثة مشتركة في هذا التحريم. # ونقل العلامة الحلي نور الله مرقده مثل رواية رويناها عن البخاري عن ~~جابر، وقال بعده: وفي الصحيحين عن جابر من طريق آخر: كنا نستمتع بالقبضة من ~~التمر والدقيق أياما على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبي بكر، حتى ~~نهى عمر لأجل عمرو بن حريث لما استمتع. # وفي الجمع بين الصحيحين من عدة طرق إباحتها أيام رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وأبي بكر وبعض أيام عمر. # وروى أحمد بن حنبل في مسنده، عن عمران بن الحصين، قال: أنزلت متعة النساء ~~في كتاب الله تعالى، وعلمناها وفعلناها مع النبي (صلى الله عليه وآله) ولم ~~ينزل القرآن بحرمتها ولم ينه عنها. # وفي صحيح الترمذي، قال: سئل ابن عمر عن متعة النساء، فقال: هي حلال، وكان ~~السائل من أهل الشام، فقال: إن أباك قد نهى عنها، فقال ابن عمر: إن كان نهى ~~عنها وصنعها رسول الله (صلى الله عليه وآله) نترك السنة ونتبع قول أبي. # قال محمد بن حبيب الهجري: كان ستة من الصحابة وستة من التابعين يفتون ~~بإباحة المتعة للنساء. # وقد روى الحميدي ومسلم في صحيحيهما والبخاري أيضا من عدة طرق جواز متعة ~~النساء، وأن عمر هو الذي أبطلها بعد أن فعلها جميع المسلمين بأمر النبي ~~(صلى الله عليه وآله) إلى حين وفاته وأيام أبي بكر (1) انتهى. # PageV00P213 # وهذه الأخبار دالة على أن متعة النساء أيضا لم يكن لرواية أو سماع. # وفضل بن روزبهان لما نقل كلام العلامة (قدس سره) ولم يقدر على إنكار ~~الأخبار، استدل على عدم جواز المتعة بقوله تعالى * (والذين هم لفروجهم ~~حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين) * (1) ~~وأنها ليست بزوجة، لأنها ليست بوارثة ولا موروثة، وقال: وأما الأخبار فهي ~~مروية عن جماعة لم يعلموا أن الأمر تقرر على الحرمة في آخر الأمر (2) ~~انتهى. # وضعف الاستدلال واضح، لأن انتفاء بعض توابع الزوجية الدائمية لا يستلزم ~~انتفاء الزوجية المطلقة، ms166 فكيف يجوزون نكاح الكتابية مع انتفاء إرثها؟ وضعف ~~كلامه على الأخبار أوضح، لأنه مع سخافة الاحتمال الذي ذكره في الأخبار ~~لامتناع خفاء مثل هذا الأمر المتوفر الدواعي على النقل والانتشار وانتفاء ~~الدواعي على الاخفاء، لعدم الخوف من النقل ما يصنع فيما يدل على استمرار ~~الاستمتاع في زمان أبي بكر، بل بعض زمان عمر وبأي وجه يأوله. # ولعلهم قبل ملاحظة الأدلة رجحوا إمامة الثلاثة بتبعية الآباء والكبراء، ~~والتزموا الاصرار في تبعية الأهواء، فلما رأوا الدلائل القاطعة على بطلان ~~عقائدهم أغمضوا عنها، وقالوا في جوابها: أي شئ جرى على لسانهم؟ وإلا فأي ~~عاقل اتصف بأدنى مراتب الفضل أو رعاية الإنصاف مع الاتصاف بالجهل، يجوز أن ~~يكون حلية المتعة منسوخة بمنع رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا يظهر في ~~زمانه (صلى الله عليه وآله) ولا في زمان خلافة الأول، مع عموم الابتلاء ~~وحصول التوالد والتناسل، أو ظهر فيه ولم يجز مقتضاه، مع اقتدار عمر في زمان ~~الأول على أزيد من هذا، وكون مقتضى الخبر موافقا لهواه ويجري مقتضاه في ~~زمان سلطنته، وعلى تقدير عدم الاجراء في زمان # PageV00P214 # أبي بكر، لاقتضاء الرأي الاغماض وتغيير الرأي بتغيير الأزمان لا يرتفع ~~التشنيع. # وأيضا أي توجيه لقوله " فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلا رجمته ~~بالحجارة " مع الخبر المشهور من رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي يكاد ~~يكون متواترا، على ما ذكره ابن أبي الحديد، وهو قول رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) " ادرؤا الحدود بالشبهات " ولتبعة عمر أن يخطأوا الشامي في قوله ~~" بل أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) " وأن يخطأوا ابن عمر في سكوته، ~~بعد ترجيح الشامي ما رجحه ويقولوا له: أنت غافل عن مرتبة أبيك، وإلا كان ~~الواجب عليك أن تقول: بل قول أبي لنسخ فعل النبي (صلى الله عليه وآله) ~~وقوله بقول أبي، فإن سكتوا عن هذا بلسان القال ينادي به بأعلى صوته لسان ~~الحال. # ومنها: جعله الإمامة شورى بين ستة، على وجه عرفته في مبحث إمامة عثمان، ~~ولا ms167 حاجة إلى الإعادة. # إنكار موت الرسول (صلى الله عليه وآله): # ومنها: كونه قليل المعرفة والعلم، حتى أنكر موت رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وقال: ما مات محمد حتى يقطع أيدي رجال وأرجلهم، فلما تلا عليه أبو ~~بكر قوله تعالى * (إنك ميت وإنهم ميتون) * (1) * (وما محمد إلا رسول قد خلت ~~من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم) * (2) قال: أيقنت ~~بوفاته وكأني لم أسمع بهذه الآية (3). ومن كان مرتبة جهله هذه المرتبة كيف ~~يجوز أن يكون إماما ويجب إطاعته على الأمة؟ # ولما ظهر على القائلين بإمامته شناعة هذا الجهل، وسمعوا من أهل الحق بيان ~~عدم # PageV00P215 # لياقة صاحبه للإمامة، وكان اشتهار هذا القول منه وظهوره مانعا عن إنكار ~~تكلمه بهذا الكلام، اضطروا إلى التوجيه، فقال فضل بن روزبهان ما حاصله ~~أمران: # أحدهما أن غرضه من هذا الكلام عدم انتشار الخبر قبل البيعة حتى لا يظهر ~~من المنافقين الفتنة. والثاني أن غلبة المحبة وشدة المصيبة صارتا سببين ~~لغفلته، وهذا لا يكون طعنا عليه (1). # وذكر شارح التجريد احتمال سببية شدة المصيبة، واحتمال فهمه من قوله تعالى ~~* (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين) * (2) وقوله * ~~(ليستخلفنهم في الأرض) * (3) أنه يبقى إلى تمام هذه الأمور وظهورها غاية ~~الظهور. # وقال صاحب المغني: روي عنه أنه قال: كيف يموت؟ وقد قال الله * (ليظهره ~~على الدين كله) * وقال: * (وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا) * فلذلك نفى موته، ~~لأنه حمل الآية على أنها خبر عن ذلك في حال حياته، حتى قال له أبو بكر: إن ~~الله وعد بذلك وسيفعله، وتلا عليه ما تلا فأيقن، وإنما ظن أن موته يتأخر عن ~~ذلك الوقت لا أنه منع من موته (4) انتهى. # وسخافة هذه الاعتذار على ما يظهر من كلام العلماء طاب ثراهم مع تقريب ما ~~ظاهرة. أما خوف فتنة المنافقين، فلا وجه له لقلتهم وضعفهم، بحيث لا يتوهم ~~في شأنهم القدرة على الفتنة أحد. وأما شدة المحبة، فانتفاء آثارها يدل على ~~انتفائها، لأن من آثار شدة المحبة إطاعة ms168 قوله، وتخلفه عن جيش أسامة مع غاية ~~مبالغة # PageV00P216 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) في تنفيذ الجيش، وغاية الاهتمام في المنع ~~عن التخلف، دليل على انتفاء المحبة التي ادعوها، وإلا فكامل المحبة لا يترك ~~امتثال أمر من يحبه والانزجار عما زجره، وإن كانا خلاف هوى نفسه، والراجع ~~إلى الوجدان يعرف صدق المقال. # وأيضا صاحب هذه المحبة كيف يمنع رسول الله (صلى الله عليه وآله) عما ~~أراده من الكتابة، ويعبر عنه (صلى الله عليه وآله) بالرجل، وينسبه إلى ~~الهجر مشافهة؟ وظني أن أكثر الأعداء لم يكونوا قادرين على هذا التعبير ~~والنسبة مشافهة لمنعهم الحياء عنهما. # وأما شدة المصيبة، فلم يظهر منه أثرها، بل ظهر منه خلافه، لأن ترك رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) على تلك الحال وتوجهه إلى السقيفة مع الاهتمام ~~في تعجيل الأمر والمغالبة والحيلة لا يليق بعضها بأرباب المصيبة، فكيف ~~كلها. ولو كان تأثر من المصيبة تأثرا زائدا عن المعتاد على ما ادعوا، ولم ~~يكن غرضه من حضورها غصب الخلافة، كان الواجب عليه أن يقول بعد حضورها: أن ~~هذه المصيبة أشد المصائب، كما أن من انتقل إلى عالم القدس أشرف ما خلق وما ~~يخلق وأعظمهما، فالواجب أولا الاشتغال بتجهيزه، وبعد الفراغ عنه واجتماع ~~العقول من الاضطراب وأربابها في موضع مناسب التكلم في أمر الخلافة ~~والسلطنة، لعدم احتياج العلم بقباحة ترك رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~والاشتغال بنصب الخليفة إلى مزيد إدراك. # وأيضا لو أخرجته المصيبة عن إدراك الواضحات، كان يجب أن يظهر منه التشويش ~~في المقال والضعف في الحيل، ولم يظهر منه شئ من ذلك في السقيفة، بل الناظر ~~إلى أحواله وأحوال أخيه في السقيفة من التدبيرات والحيل يعلم أنهما كانا ~~منتظرين لهذا. # ويدل على ما ذكرته قوله في أمر السقيفة " أتيناهم وقد كنت زورت في نفسي ~~كلاما أريد أن أقوم به إليهم " لأن هذا التزوير: إما أن صدر عن عمر قبل ~~المصيبة، أو بعدها، فإن كان قبلها فهو الانتظار، وإن كان بعدها فهذا ~~التزوير ينافي شدة ms169 PageV00P217 # المصيبة عليه بحيث لم يبق له إدراك الواضحات، ولم ينقض بين إنكار الموت ~~والسقيفة مدة يحصل التسلية لمن استولى عليه المصيبة، بحيث كانت كلماته ~~خارجة عن كلام العقلاء. # وفهم عدم الموت لو كان من قوله تعالى * (هو الذي أرسل رسوله) * كما جوزه ~~شارح التجريد، واختلق الرواية به صاحب المغني، لم يكن لتلاوة أبي بكر الآية ~~المذكورة دخل في إزالة شبهته، ولم يكن لقوله " وكأني لم أسمع بهذه الآية " ~~معنى، بل كان الواجب عليه أن يقول بعد قراءة الآية: أني لا أنكر جواز موته ~~حتى تثبته بالآية، وسبب حكمي بعدم الموت أنه ليس أوان موته هذا الوقت، ~~لبقاء ما وعد الله تعالى رسوله (صلى الله عليه وآله) ولما لم يقل هذا ~~الكلام واكتفى بسماع الآية، ظهر بطلان كون الشبهة تجويز وعدة الظفر ~~والرواية. # وأيضا كما ذكره السيد يجب إن كانت هذه شبهة أن يقول في حال مرض الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) وقد رأى من جزع أهله وأصحابه وخوفهم عليه الوفاة، حتى ~~يقول أسامة بن زيد معتذرا من تأخره عن الخروج في الجيش الذي كان رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) يكرر ويردد الأمر بتنفيذه: لن أكن لأسأل عنك الركب، ~~ما هذا الجزع والهلع؟ وقد آمنكم الله موته بكذا وكذا، فما وجه كذا (1) ~~انتهى. # ولما كانت الرواية المختلقة التي نقلها صاحب المغني ظاهر الكذب ~~والافتراء، لم ينقلها شارح التجريد وابن روزبهان، مع غاية اهتمامهما في ~~إنكار الحق بأي وجه كان. # PageV00P218 # الأمر برجم الحاملة: # ومنها: أنه أمر برجم حامل حتى نبهه معاذ، وقال، إن يكن لك سبيل عليها، ~~فلا سبيل على ما في بطنها، فرجع عن حكمه وقال: لولا معاذ لهلك عمر (1). # ونقل شارح المختصر في مبحث الاجماع السكوتي، وكون عادتهم ترك السكوت عند ~~سماع الخطأ هذه الحكاية بقوله: كقول معاذ لعمر لما رأى جلد الحامل: ما جعل ~~الله على ما في بطنها سبيلا، فقال: لولا معاذ لهلك عمر. وأجاب عن هذا صاحب ~~المغني وشارح التجريد بتجويزهما عدم علم عمر بالحمل، وفضل ms170 بن روزبهان بجواز ~~الخطأ والنسيان عن المجتهدين. # ولا يخفى ضعفهما. أما الأول، فلظهور عدم جواز العذر بعدم العلم بالحمل ~~الذي ليس من الاحتمالات البعيدة التي يندر وقوعها حتى يجوز غفلة مجتهد عنه، ~~فعدم تفتيشه: إما من عدم مبالاته بأمر الدين، أو من قلة علمه، بحيث لا ~~يتفطن بوجوب التفتيش في مثل هذا الأمر الذي يعلم وجوبه فيه كثير من العوام، ~~وعلى التقديرين لا يجوز إمامته على كافة أهل الإسلام لو فرض عدم ضرورة ~~إحاطة الإمام بجميع أمور الشرع. # وأيضا جواب معاذ دال على كون الأمر بالرجم بعد ظهور الحمل، وإلا كان ~~الواجب عليه رعاية الإمام، وقوله هذه حامل ولعل حملها لم يظهر لك، وقوله لم ~~يجعل الله على ما في بطنها سبيلا دال على ظهور الحمل وكون الغفلة عن الحكم. # وأيضا لو كان عمر غافلا عن الحمل لكان يجب أن يقول في جواب معاذ: لم يكن ~~حكم الحامل غير معلوم لي حتى يحتاج إلى الاستدلال بعدم جواز رجمها، بل ~~الأمر بالرجم لعدم العلم بحملها، وحينئذ وإن لزم على عمر قباحة عدم ~~التفتيش، لكن # PageV00P219 # قباحة الأمر بالرجم مع العلم بالحمل الذي يظهر من عدم إظهار غفلته عنه في ~~غاية الشناعة. ولو نسب إلى مجتهد أمر فيه مثل هذه الشناعة وكان بريئا عما ~~نسب إليه، يجب إظهار البراءة عنه، فكيف وعرض أئمة المسلمين أعلى شأنا وأولى ~~بالرعاية عن مثل هذا النقصان، وترك عمر براءة ساحته عن هذه الشناعة التي ~~تظهر من كلام معاذ، بل إقامة القرينة على صدق النسبة بقوله " لولا معاذ ~~لهلك عمر " دليل واضح على جهله بحكم الحامل. # وأما الثاني، فلظهور عدم جواز مثل هذا الخطأ لمن اتصف بأدنى مراتب ~~الاجتهاد، بل بأدنى مراتب العلم، فكيف يوجب الله على جميع الأمة إطاعة من ~~له جهل بمثل هذه الأمور؟ # قال عبد الحميد بن أبي الحديد في تقوية كلام صاحب المغني ودفع الايراد، ~~بدلالة كلام معاذ وعدول عمر عن إظهار الجهل بالحمل على علمه به بما حاصله: ~~أن ظاهر لفظ معاذ وإن ms171 أشعر إلى علم عمر، لكن يمكن أن يكون تكلم معاذ بمثل ~~هذا الكلام ناشئا عن مقتضى أخلاق العرب وخشونتهم، وإن لم يكن عمر عالما ~~بالحمل وعدول عمر عن إظهار الجهل بالحمل، لأنه إنما يقول مثل هذا من يخاف ~~من اضطراب حاله، أو نقصان ناموسه إن لم يقله، وعمر كان أثبت قاعدة وأشد ~~تمكنا من أن يحتاج إلى الاعتذار بمثل هذا. وأيضا اعترف بأن ترك السؤال عن ~~الحمل خطأ كما ذكره السيد، لكن جوز كونه صغيرة (1). # وفيه نظر، لأنه إن أراد بعدم احتياج عمر إلى الاعتذار عدم حاجته إليه، ~~لظهور عدم صدور مثل هذه الزلة منه، فهو ظاهر البطلان. وإن أراد أنه للتمكن ~~في السلطنة وانتظام أمرها، لم يحتج إلى الاعتذار، فهو كما قال، لكن كثير من ~~الملوك الذين لم # PageV00P220 # يكونوا أهلا لمباشرة أمر من أمور الدين، كانت حالهم كذلك، لكن مدعي إمامة ~~المسلمين يجب عليه الاعتذار عن توهم زلة لم تتحقق منه، وإن فرض كونها أدنى ~~من هذه الزلة لا إقامة القرينة على تحققها كما ذكرته. # وتجويز كون السؤال صغيرة ضعيف، لأن المراد بكونه كبيرة كون ترك سؤال ~~الحاكم والحكم بغير سؤال كبيرة، لا أن ترك السؤال مطلقا كبيرة، لأن من لا ~~يحكم لا يلزمه السؤال وتركه ليس كبيرة ولا صغيرة، وكون الحكم المقرون بترك ~~السؤال الذي هو ترك الواجب كما اعترف به كبيرة، ظاهر بشهادة القرآن، ~~والمناقشة بكون الكبيرة بالذات الحكم المقارن لعدم التفتيش لا عدم التفتيش ~~المقارن للحكم لا انتفاع له هاهنا. # الأمر برجم المجنونة: # ومنها: أنه أمر برجم مجنونة، فنبهه أمير المؤمنين (عليه السلام) وقال: ~~القلم مرفوع عن المجنون حتى يفيق، فقال: لولا علي لهلك عمر (1). # وأجاب المجيبون بما أجابوا عن الخبر الأول، ونبين ضعف الجواب بعد نقل ~~رواية أخرى. # روى ابن الأثير، من صحيح أبي داود، عن ابن عباس، قال: أتي عمر بمجنونة قد ~~زنت، فاستشار فيها أناسا، فأمر بها عمر أن ترجم، فمر بها علي بن أبي طالب، ~~فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: مجنونة بني ms172 فلان زنت فأمر بها عمر أن ترجم، فقال: # ارجعوا بها، ثم أتاه فقال: يا أمير المؤمنين أما علمت أن القلم مرفوع عن ~~المجنون حتى يبرأ - وفي رواية: يفيق - وعن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي ~~حتى يعقل، # PageV00P221 # فقال: بلى، قال: فما بال هذه؟ قال: لا شئ، قال: فأرسلها، فأرسلها عمر، ~~قال: # فجعل عمر يكبر (1). # وهذه الرواية تبطل توجيه صاحب المغني وشارح التجريد بوجوه: # أحدها: قوله " استشار فيها أناسا " لدلالته على ظهور الجنون، كما لا ~~يخفى. # وثانيها: قولهم " مجنونة بني فلان زنت " في جواب أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) " ما شأن هذه؟ " من غير تفتيش عن عقلها. # وثالثها: قوله (عليه السلام) " أما علمت أن القلم مرفوع عن المجنون حتى ~~يبرأ " لأنه لو كان أمره برجمها لعدم العلم بالجنون لقال أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) هذه مجنونة واكتفى به، لعدم الحاجة إلى الزائد الذي فيه ~~زيادة هتك حرمة الإمام، لدلالته على كمال جهله، وجواب عمر بعد الاستفهام ~~التقريري بقوله " بلى " يدل على غاية جهله، لأنه رفع القلم عن المجنون، ~~وغفل عن لازمه الظاهر اللزوم الذي هو عدم استحقاق الرجم، ولعل عمر كان ~~غافلا عن رفع القلم أيضا، فاستنبطه من سياق استفهام أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) " فقال: بلى " وهذا أيضا يدل على كمال جهله. # ورابعها: عدم اعتذار عمر بعدم العلم بالجنون، والتقريب قد ظهر. # وخامسها: التكبير الذي يدل في مثل هذا المقام على عظم الأمر، ولو كان ~~غافلا عن الجنون لم يكن الأمر عظيما، لأن الجنون ليس أمرا شايعا، حتى يعد ~~عدم التفتيش عنه وبناء الحكم على ظاهر سلامة العقل عظيما في جنب جهالاته. # لا يقال: لا ملامة عليه لبذل جهده بالاستشارة، فإذا كان الجهل عليهم ~~جائزا فكذلك على عمر. # لأنا نقول: هذا الأمر أظهر من أن يحتاج إلى تفتيش ولي الأمر والمجتهد، ~~وجهل # PageV00P222 # جماعة فتش منهم إنما يصح كونه عذرا له لو كان واحد منهم صالحا للإمامة، ~~وتفتيش الجاهل عن مثله، وبناء الحكم على فهم الجاهلين مثل عدم التفتيش في ~~القباحة. # وبعد إحاطتك بما ذكرته ms173 ضعف جواب ابن روزبهان (1) غني عن البيان. # قال السيد (رحمه الله) في جواب صاحب المغني: لو كان أمر برجم المجنونة من ~~غير علم بجنونها لما قال له أمير المؤمنين (عليه السلام): أما علمت أن ~~القلم مرفوع عن المجنون حتى يفيق، بل كان يقول له بدلا من ذلك: هي مجنونة ~~(2). # قال عبد الحميد بن أبي الحديد: قلت: لو كان قد نقل أن أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) قال له " أما علمت " لكان قول المرتضى قويا ظاهرا، إلا أنه ~~لم ينقل هذه الصيغة بعينها، والمعروف المنقول أنه قال له: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): رفع القلم عن ثلاث، فرجع عن رجمها (3) انتهى. # ولما لم يكن قادرا على أن ينسب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ما نسبه ~~إلى معاذ، جوز عدم نقل السيد الخبر على وجهه، وهذا يدل على غفلته عن رواية ~~نقلتها من صحيح أبي داود، ومع قطع النظر عن هذا عن مثل ابن أبي الحديد، ~~يبعد أن يتهم مثل السيد (رحمه الله) بنقل ما لا أصل له، لأنه مع منع ديانته ~~وأمانته عن مثل هذا كيف يجوز هو نقل السيد الخبر على غير وجهه؟ مع وجود ~~الخصم القوي في بلده. # المنع من المغالاة في المهر: # ومنها: أنه منع من المغالاة في المهر، وقال: من غالى في مهر ابنته جعلته ~~في بيت # PageV00P223 # المال، بشبهة أنه رأى النبي (صلى الله عليه وآله) زوج فاطمة (عليها ~~السلام) بخمسمائة درهم، فقامت امرأة إليه ونبهته بقوله تعالى * (وآتيتم ~~إحداهن قنطارا) * على جواز ذلك، فقال: كل الناس أفقه من عمر حتى المخدرات ~~في البيوت (1). # وأجاب صاحب المغني بما حاصله: أنه لم يكن هذا نهي تحريم، بل مقصوده ~~استحباب الاقتداء برسول الله (صلى الله عليه وآله) وبعد التنبيه على ذلك ~~مبني على طيب النفس، قال ما قال على جهة التواضع من استفادة العلم، وهذه ~~صفة محمودة من الفضلاء. # ورد السيد كلامه بما حاصله: أن حمل كلام عمر على الاستحباب دفع للعيان، ~~لأن المروي هو الحظر، ولو لم ms174 يكن حاظرا لما كان في الآية حجة عليه، ولا كان ~~يعترف لها بأنها أفقه منه والتواضع، بحيث يفهم منه خطأ المصيب وإصابة ~~المخطئ غير جائز (2). # وبعض العلماء الكرام طاب ثراه أيد نهي التحريم بحرمة جعل المهر في بيت ~~المال لأجل ترك المستحب. # وقال فضل بن روزبهان: إن عمر لم يرتكب المحرم بل هدد به، ولو فعله لارتكب ~~المحرم على زعمه (3). وفي كلام مصوبي عمر نظر، غير ما ظهر مما نقلته أيضا. # أما في كلام صاحب المغني، فلأنها لم تستدل على عمر إلا بالآية، فإن كان ~~مراد القاضي أنه ظهر من فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجحان القليل، ~~ولما كان مقتضى الآية جواز الكثير، فالاقتداء برسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) مبني على الرضا، وكان عمر غافلا عن مقتضى الآية، فهذا هو المراد من ~~الجهل الذي نسبوه إلى عمر، لأنه إذا كان غافلا عن مقتضى الآية الذي هو جواز ~~الكثير، فقد تعين القليل بزعمه، فوقع فيما فر منه. # PageV00P224 # وإن كان المراد أنه كان عمر قائلا بجواز القليل والكثير من غير تعيين ~~لأحدهما، بل قال برجحان أحدهما فقط، فلم يقع تنبيه من المرأة غير ما عرفه ~~عمر أصلا، فأي معنى لقوله " وبعد التنبيه " الخ؟ # وأما في كلام فضل، فلأن التهديد على ما أطلقه الله تعالى ورسوله (صلى ~~الله عليه وآله) ابتداع في الشرع والدين المبين، وهل هذا إلا توجيه فعله ~~بتغيير مقتضى القرآن برأيه. # وأيضا في تقييد قوله " لارتكب المحرم بقوله على زعمه " دلالة على عدم ~~ارتكاب المحرم على زعم فضل، وهو ظاهر البطلان، لأنه إذا جاز الكثير، فلا ~~معنى لجواز جعله في بيت المال. # وقال شارح التجريد في توجيه قول عمر: وأجيب بأنه لم ينه نهي تحريم، بل ~~إنما نهاه على معنى أنه وإن كان جائزا شرعا فتركه أولى نظرا إلى أمر ~~المعاش، وقوله " كل الناس أفقه من عمر " فعلى طريق التواضع وكسر النفس. ~~وجوابه ظهر مما ذكرته. # وروى عبد الحميد بن أبي الحديد في ضمن نقل كلام عمر ms175 وسيرته وأخلاقه ما ~~هذا لفظه: وخطب عمر فقال: لا يبلغني أن امرأة تجاوز صداقها صداق زوجات رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) إلا ارتجعت ذلك منها، فقامت إليه امرأة فقالت: ~~والله ما جعل الله ذلك لك، إنه تعالى يقول * (وآتيتم إحداهن قنطارا فلا ~~تأخذوا منه شيئا) * فقال عمر: ألا تعجبون من إمام أخطأ وامرأة أصابت، ناضلت ~~إمامكم فنضلته (1). # ومع وضوح بطلان توجيهاتهم هذا أيضا يدل على بطلانها. # PageV00P225 # شناعة وقباحة: # ومنها: ما رواه عبد الحميد بن أبي الحديد بقوله: وروى ابن عباس قال: دخلت ~~على عمر في أول خلافته، وقد ألقي له صاع من تمر على خصفة، فدعاني إلى ~~الأكل، فأكلت تمرة واحدة، وأقبل يأكل حتى أتى عليه، ثم شرب من جر كان عنده، ~~واستلقى على مرفقة له، وطفق يحمد الله يكرر ذلك، ثم قال: من أين جئت يا عبد ~~الله؟ قلت: من المسجد، قال: كيف خلفت بني عمك؟ فظننته يعني عبد الله بن ~~جعفر قلت: خلفته يلعب مع أترابه، قال: لم أعن ذلك إنما عنيت عظيمكم أهل ~~البيت، قلت: خلفته يمتح بالغرب على نخيلات من فلان ويقرأ القرآن. # قال: يا عبد الله عليك دماء البدن إن كتمتنيها، هل بقي في نفسه شئ من أمر ~~الخلافة؟ قلت: نعم، قال: أيزعم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نص عليه؟ ~~قلت: نعم وأزيدك سألت أبي عما يدعيه، فقال: صدق، فقال عمر: لقد كان رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) في أمره ذرو من قول، لا يثبت حجة ولا يقطع عذرا، ~~ولقد كان يربع في أمره وقتا ما ولقد أراد في مرضه أن يصرح باسمه، فمنعت من ~~ذلك إشفاقا وحيطة على الإسلام، لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبدا، ~~ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) أني علمت ما في نفسه، فأمسك وأبى الله إلا إمضاء ما حتم. ذكر هذا ~~الخبر أحمد بن أبي طاهر صاحب كتاب تاريخ بغداد في كتابه مسندا (1). # ومن الغرائب ms176 نقل أهل السنة مثل هذه الرواية وبقاؤهم على عقائد الآباء، مع ~~قولهم بثبوت إمامته بالإجماع، ولعلهم ممن أنطقهم الله ببعض الصواب تتميما ~~للحجة عليهم، وعلى من نظر إليه وفي الرواية أمور: # PageV00P226 # أحدها: دلالتها على علم عمر بتحقق الخوف عن إظهار ما في الضمير، فخوف ابن ~~عباس على الكتمان بقوله " عليك دماء البدن ". # وثانيها: قول عمر " هل بقي في نفسه شئ من أمر الخلافة؟ " يدل على علم عمر ~~بكونه في قلبه (عليه السلام) والسؤال إنما هو عن بقائه في هذا الوقت، وهذه ~~الخلافة التي في قلب أمير المؤمنين (عليه السلام) هي الخلافة بالنص، لأبدل ~~عمر أو بعده على ما هو طريقهم من حصولها باتفاق الأمة، كما يدل عليه دعوى ~~النص، كما نقله ابن عباس. # وثالثها: علم عمر أو ظنه هذه الدعوى من أمير المؤمنين (عليه السلام) كما ~~يدل عليه قوله " أيزعم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نص عليه؟ ". # ورابعها: شهادة عباس على صدق أمير المؤمنين (عليه السلام) في دعوى النص، ~~كما رواه ابنه عنه. # وخامسها: اعتراف عمر بصدور كلام من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيه ~~إيماء إلى كون أمير المؤمنين (عليه السلام) إماما، لكن ادعى أنه لا يثبت ~~حجة ولا يقطع عذرا، وفي هذا الكلام من عمر احتمالان: أحدهما عدم دلالته ~~دلالة قطعية حتى تثبت بها الحجة، كما يومئ إليه بعض كلامه. وثانيهما أنه لا ~~يثبت من كلامه (صلى الله عليه وآله) حجة على إمامة أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) وإن كان صريحا في الدلالة لظهور الخطأ على زعم عمر، وإليه يومئ بعض ~~كلامه. # وسادسها: علمه بميل رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) كما يدل عليه قوله " ولقد كان يربع في أمره ". # وسابعها: علمه بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أراد في المرض التصريح ~~باسم أمير المؤمنين (عليه السلام) في الإمامة، ومنعه عمر رعاية لأمر ~~المسلمين، وبهذا الكلام ظهر سبب التخلف عن جيش أسامة أكثر مما ظهر سابقا. # هل يليق أن يقول ms177 مسلم بإمامة من لا نص على إمامته بالإجماع الذي إنما ~~يتحقق PageV00P227 # بتوافق العقائد؟ مع علمه بأن أمير المؤمنين (عليه السلام) غير معتقد ~~بإمامته، وأن الخوف مانع عن إظهار ما في الضمير، فبأي طريق علم عمر خلافته؟ ~~حتى يجلس مجلس رسول الله (صلى الله عليه وآله) وبأي شئ علمها تبعته حتى ~~اتبعوه؟ هل كلماته الركيكة إلا تخطأة الرسول (صلى الله عليه وآله)؟ وأي عقل ~~يجوز أن يختاره الله تعالى لنبوة الكافة ويختم به النبوة؟ # ويأمر الناس بإطاعته المطلقة، مع ظهور خطأه في كثير من الأمور لعمر ~~ولتبعته بعد ظهوره له أو بظهوره له، فلأحد الأمرين تركوا إطاعة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) وبنوا الأمر على ما قال عمر، مع كونه معروفا ~~بالجهالات ومشهور بالزلات، وظهر بعضها لك. # ضربه رسول رسول الله (صلى الله عليه وآله): # ومنها: ما اشتهر نقله وقال ابن أبي الحديد: روى أبو هريرة قال: كنا قعودا ~~حول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في نفر، فقام من بين أظهرنا، فأبطأ ~~علينا، وخشينا أن يقطع دوننا، فقمنا - وكنت أول من فزع - فخرجت أبتغيه حتى ~~أتيت حائطا للأنصار لقوم من بني النجار، فلم أجد بابا إلا ربيعا، فدخلت في ~~جوف الحائط - والربيع الجدول - فدخلت منه بعد أن احتفرته، فإذا رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) فقال: أبو هريرة؟ # قلت: نعم، قال: ما شأنك؟ قلت: كنت بين ظهرينا فقمت وأبطأت، فخشينا أن ~~تقتطع دوننا ففزعنا - وكنت أول من فزع - فأتيت هذا الحائط، فاحتفرته كما ~~يحتفر الثعلب والناس ورائي. # فقال: يا أبا هريرة اذهب بنعلي هاتين، فمن لقيته وراء هذا الحائط يشهد أن ~~لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة، فخرجت فكان أول من لقيت ~~عمر، فقال: ما هذان النعلان؟ قلت: نعلا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~بعثني بهما وقال: من لقيته يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه بشرته ~~بالجنة، فضرب عمر في صدري، فخررت لاستي، وقال: ارجع إلى رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله). ms178 PageV00P228 # فأجهشت بالبكاء راجعا، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما بالك؟ ~~قلت: لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب صدري ضربة خررت لاستي وقال: ~~ارجع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فخرج رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وإذا عمر، فقال: ما حملك يا عمر على ما فعلت؟ فقال عمر: أأنت بعثت ~~أبا هريرة بكذا؟ قال: نعم، قال: فلا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها ~~فيتركوا العمل خلهم يعملون، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): # خلهم يعملون (1). # وفيه أمور: أولها: ضرب عمر أبا هريرة لإطاعة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) بتبليغ ما أمره (صلى الله عليه وآله) بتبليغه، ومع قباحة ضرب غير ~~المستحق في هذا الفعل استخفاف برسول الله (صلى الله عليه وآله) بأقبح وجه، ~~وعدم مبالاة منه بمخالفة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كما لا يخفى. # وثانيها: قوله " أأنت بعثت أبا هريرة؟ " بعد علمه بأنه (صلى الله عليه ~~وآله) بعثه، لدلالة نقل أبي هريرة وقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ~~ما حملك يا عمر على ما فعلت؟ " وكون نعلي رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~في يد أبي هريرة على البعث دلالة قطعية واضحة استفهام توبيخ، كما يعلمه ~~العارف بأسلوب الكلام، ولا يخفى شناعته، وهذا من غاية جهله بمرتبة رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) وسوء الأدب بالنسبة إليه. # وثالثها: نهي عمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن هذا الأمر يدل على ~~أنه زعم علمه بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخطأ في هذا الأمر، واطلع ~~على خطائه (صلى الله عليه وآله) من غير حاجة إلى التأمل، فلعله ظن نفسه ~~أكمل من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في هذا الأمر، وهذا في غاية ~~الشناعة، لأنه لا يجوز أن يرسل الله تعالى رسوله على كل الناس، ويجعل نبوته ~~ناسخة لجميع الأديان السابقة، وباقية إلى يوم القيامة، ولا يعلمه أمثال تلك ~~الأمور، بل هذه الزلات منافية لمرتبة النبوة المطلقة، فكيف تجوز ms179 منه (صلى ~~الله عليه وآله) فإذا # PageV00P229 # وجد في كلام الله تعالى وكلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما لا يبلغ ~~إليه عقولنا وتستبعده لو لم يكن في أحدهما يجب التيقن بصدق مقتضاهما ~~بالدلائل القطعية الدالة على الصدق. # ومع هذا توهم عمر في غاية السخافة، لأن البشارة بالجنة لمن يشهد أن لا ~~إله إلا الله مستيقنا بها ليست بلا شرط، حتى يخاف أن يتركوا العمل، ألا ترى ~~أن كثيرا من أهل الكتاب يشهدون بها مع كونهم من أهل النار، بل لا يبعد أن ~~يقال بما جاء به الرسول مفصلا فيما علم مفصلا، ومجملا فيما علم من الشرائط ~~أيضا، فظهر قوة احتمال فقد الشرط في عمر. # ولو فرض وجوب الجنة بهذه الكلمة مع الاعتقاد بها وبالرسول بلا شرط زائد، ~~ليس في البشارة وجوبها بلا عذاب حتى يتركوا العمل، كيف؟ وأكثر الكبائر التي ~~أوعد مرتكبها بالنار شامل للموحد أيضا، فبأي وجه يطمئنون بها حتى يتركوا ~~العمل؟ فإنهم كما يعتمدون هذا الكلام من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~يعتمدون القرآن وسائر أقواله (صلى الله عليه وآله) فلو كان له أدنى أدب ~~وفهم لم يمنع أبا هريرة عن إطاعة رسول الله (صلى الله عليه وآله). # وبعد تخلية أبي هريرة وما أراد إن أراد أن يزول ما خطر بباله بالتفصيل، ~~فينبغي له أن يستفهم منه (صلى الله عليه وآله) على وجه يناسب الأدب، ويليق ~~أن يسأل (صلى الله عليه وآله) بهذا الوجه عن لم الأمر، ووجه عدم ترتب ما ~~توهمه من المفسدة على ما أمره به، لا أصل الأمر الذي علم حينه وانكشف ~~رجحانه بأمره (صلى الله عليه وآله). # فإذا لم يظهر منه ما يناسب المسلم المستيقن، بل ظهر منه رد قول رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) وضرب من أطاعه (صلى الله عليه وآله) منعا له عن ~~الإطاعة، مع عدم المضرة بالنسبة إليه في إمضاء أمر رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وعدم المنفعة في تركه، كيف يطمئنون أو يظنون بأن ما فعل ms180 مع أخيه ~~في الخلافة لم يكن ردا لنص رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فإذا لم يبال ~~من ضرب من أطاعه (صلى الله عليه وآله) ورد قوله مشافهة بلا ظهور منفعة له، ~~فأي اعتماد عليه في عدم رد كلامه (صلى الله عليه وآله) والامتناع عن إطاعته ~~بعد وفاته ومخالفة النص لأهوائه الباطلة. PageV00P230 # فإن قلت: فما وجه عدم بيان رسول الله (صلى الله عليه وآله) جهة أمره وخطأ ~~عمر؟ حتى يعلم خطأه ويجتنب هو وسائر المؤمنين عن مثل هذه الأفعال الشنيعة. # قلت: كما لم يكتف ببيان الله تعالى، لأن الله تعالى أمر بإطاعة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) بلا تقييد فلم يطع، فبم يعلم أنه كان يطيع أمر رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) بعد البيان؟ مع جهله بمرتبة رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) كما ظهر من منع الكتابة الذي مر، وحكاية الحديبية الآتية. # فإن قلت: فلم لم تنزل في شأن عمر آية النفاق كما نزلت في عبد الله بن ~~أبي؟ # وعلى تقدير عدم النزول لم لم يمنع رسول الله (صلى الله عليه وآله) من ~~قربه، ولم يبين مرتبة عمر، حتى يظهر للأمة حاله، وأن لا يصلح للاعتماد ~~مقاله؟ # قلت: إنما كانت هذه الأمور من عمر إما من عدم اعتقاده بالنبوة، أو ~~اعتقاده بها وجهله بمرتبتها بحيث لا يذعن بها وإن بينت، وعلى التقديرين لا ~~يلزم نزول آية النفاق. أما على الثاني، فلأنه بظاهر الإسلام حقنت دماء ~~جماعة، ولم يظهر نزول القرآن في شأن من ينكر بعض لوازم النبوة بمحض هذا ~~الانكار. # وأما على الأول، فلأن كون عدم اعتقاد النبوة مطلقا من مظهر الإسلام سببا ~~لنزول آية النفاق لم يظهر في غيره، بل إنما كان نزولها بعد تصريحهم بعدم ~~نبوته (صلى الله عليه وآله) وإظهارهم بينهم إرادة الكيد، مثل قولهم * (لئن ~~رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل) * (1) وما يجري مجراهما. # وبالجملة نزول آية النفاق يدل على النفاق، وعدم نزولها لا يدل على ~~انتفائه، لأن نزول الآية لم يكن ms181 في شأن كل واحد من المنافقين، ومن نزلت في ~~شأنه لم تنزل لأجل كل مرتبة من مراتب النفاق. # وأما عدم منعه وطرده، فلأنه يمكن أن لا يكون طرده لائقا بالنبي (صلى الله ~~عليه وآله) لأنه لما # PageV00P231 # كان من المهاجرين الذين أسلموا قبل قوة الإسلام، وكان يحضر الغزوات ~~والحروب عند قلة أهل الإسلام وضعفهم، فلو صدر من رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) طرده ومنعه والحكم بنفاقه بمثل هذه الأمور التي لا يظهر شناعتها ~~للعامة، لربما صار سببا لنفرة الناس عن الإسلام، بتوهمهم عدم منافاة هذه ~~الأمور التي ظهرت من عمر رعاية مرتبة الرسالة، فطرده ومنعه من هذه الكلمات ~~من علامات السلطنة، لأن شأن أكثر السلاطين عدم رعاية سابقه الحقوق عند سدة ~~الغضب لبعض مراتب العقوق. # وأما بيان مرتبة عمر بالعمومات، فقد ظهر عدم بيان التفصيل وجهه ما ظهر من ~~عدم طرده ومنعه. # وبعد ما نقلت الخبر وبينت شناعة قول عمر، رأيت أن العلامة الحلي (رحمه ~~الله) نقل الخبر بتفاوت يسير لا يتغير به المعنى، من الجمع بين الصحيحين، ~~من مسند أبي هريرة، من أفراد مسلم، وذكر شناعة ما فعل عمر وقال: مع أن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) قال فيما رواه الحميدي في الجمع بين الصحيحين في ~~مسند أبي ذر، قال: أتاني جبرئيل فبشرني أن من مات من أمتك لا يشرك بالله ~~شيئا دخل الجنة، وفي رواية: # لم يدخل النار. فهذا الحديث صحيح عندهم، فكيف استجاز عمر الرد على رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله). # وفيه في مسند غسان بن مالك متفق عليه، قال: إن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) قال: إن الله حرم النار على من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك ~~وجهه. وإذا كان النبي (صلى الله عليه وآله) قال ذلك في عدة مواطن، كيف ~~استجاز عمر فعل ما فعله (1). # وقال فضل بن روزبهان: اتفق العلماء على أن ذلك يدل على كمال علم عمر، ~~وعلو مرتبته عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث مكنه بعد ms182 الاعتراض، ~~وذكر بعض كلمات # PageV00P232 # سخيفة لا يحتاج إلى نقلها (1). # وبعد التأمل فيما ذكرته يظهر لك غاية جهل علماء نسبوا عمر بهذه الزلة ~~القطعية إلى العلم، ومع هذا نقول: هل يجوز عاقل أن يرسل الله تعالى جبرئيل ~~إلى رسوله ببشارة، أو يلهمه البشارة التي يجب كتمانها أو يترجح ولا يعلمه ~~به؟ مع علمه تعالى بأنه لا يعلمه بحسب العقل ويعلمه عمر بجودة فهم أعطاه ~~إياها، حتى يظهر منه هذه الإهانة والخفة، نعوذ بالله من أمثال هذه الظنون ~~التي لا تليق بأحد ممن كان في أدنى مراتب العقل. # وأيضا المفسدة التي زعمها عمر ترك العمل بعد علمهم بالبشارة وشاع هذا ~~الخبر، كما يظهر للمتتبع، ولم يترتب ما زعم ترتبه عليه، فبأي سبب بقي ~~اعتقادهم بكمال عقله ولم يحصل فتور في عقيدتهم؟ # عدم العلم بخلافته: # ومنها: أنه لم يعلم خلافته، على ما نقل عبد الحميد بن أبي الحديد عند نقل ~~كلامه حيث قال: قال عمر يوما والناس حوله: والله ما أدري أخليفة أنا أم ~~ملك؟ فإن كنت ملكا فلقد ورطت في أمر عظيم، فقال له قائل: يا أمير المؤمنين ~~إن بينهما فرقا، وأنك إن شاء الله لعلى خير، قال: كيف؟ قال: إن الخليفة لا ~~يأخذ إلا حقا، ولا يضعه إلا في حق، وأنت بحمد الله كذلك، والملك يعسف الناس ~~ويأخذ مال هذا فيعطيه هذا، فسكت عمر وقال: أرجو أن أكونه (2). # وظهر منه شكه في الخلافة، ولا معنى لحمل كلامه على الانكسار، لأنه مع عدم ~~جواز إظهار الشك في الخلافة مع علمه بها، يدفع الاحتمال القسم على الشك ~~بقوله # PageV00P233 # " والله ما أدري " فإما أن يقول تبعته بكذبه والقسم على الكذب، وإما أن ~~يقولوا بصدقه في عدم الدراية. # ومع ظهور إخراج الاحتمال الأول إياه عن لياقة الخلافة، كيف يجوز تكذيب ~~أحد يخبر عن ضميره ويقسم على طبقه ولا يدل دليل على كذبه؟ فلا وجه للحكم ~~به، ولا دليل على علمه بخلافته إلا ارتكابه الأمر الذي لا يجوز فعله لغير ~~الخلفاء، وهذا لا يدل على علمه. ms183 وإن قالوا بصدقه، فلا وجه لحكمهم بخلافته، ~~كيف؟ # وارتكابه أمر الخلافة مع عدم علمه بها يخرجه عن احتمال العدالة، فكيف لا ~~يخرجه عن استحقاق الخلافة. # ولعل سبب شك أظهره بالكلام وأقسم على طبقه لو لم يكن سببه توقع إغواء ~~العوام بنسبتهم إلى الإنصاف وزيادة محبتهم إياه بإظهار هذا الشك مع العظمة، ~~جهله بأنه بعد نص رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الإمام إذا غلب على ~~الإمام أحد بالحيلة وبذل جهده في رعاية مصلحة أهل الإسلام، هل يصير بمحض ~~الغلبة والرعاية إماما وخليفة أم لا؟ وهذا في غاية السخافة، لأنه كيف يصير ~~أحد بمحض رعاية ما زعمه مصلحة خليفة وإماما يجب على كافة الناس إطاعته، ومع ~~ظهور بطلانه كيف يعارض نص من هو مهبط الوحي ولا ينطق عن الهوى. # ويحتمل أن يكون سبب إطاعته فيما أطاع توقع ما سمع في أوائل سنه في طريق ~~الشام ممن يخبره بالسلطنة ويوقره ويقبل يده مثل السلاطين، كما نقله ابن أبي ~~الحديد، لا لإذعانه بنبوة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وفي حكاية حج ~~التمتع ومتعة النساء، وضرب أبي هريرة، وغيرها من الأمور التي استبد برأيه ~~فيها، ولم يبال بعدم دلالة الكتاب والسنة عليها، بل بدلالتهما أو أحدهما ~~على خلافها نوع إيماء إليه. # وفي قول القائل نظر، لأن المراد بأخذ الحق ووضعه في حق في كلامه، هو ما ~~يزعمه العامة كذلك، وهو لا يعتبر في الخلافة، بل ولا في النبوة، ألا ترى أن ~~رسول PageV00P234 # الله (صلى الله عليه وآله) لما أعطى بعض من دخل في ظاهر الإسلام مائة من ~~إبل الغنيمة لتأليف القلوب، زعم كثير من المسلمين أن محبة القرابة دعته إلى ~~ذلك لا موافقة الحق، فظهر أن أفعال الأنبياء والأئمة لا يلزم كونها على وفق ~~فهم العامة، وعلى تقدير الاعتبار لا يكفي في الخلافة، بل يعتبر فيها أمور ~~أخرى لا يمكن تحصيلها بالسعي، ولعل في تعليق المشيئة في قول القائل " وأنك ~~إن شاء الله لعلى خير " إشارة إلى بعض الاحتمالات المنافية للخلافة. # الاعتراض ms184 على رسول الله (صلى الله عليه وآله): # ومنها: ما رواه عبد الحميد بن أبي الحديد وغيره: أنه كتب رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) كتاب الصلح في الحديبية بينه وبين سهيل بن عمرو، وكان في ~~الكتاب أن من خرج من المسلمين إلى قريش لا يرد، ومن خرج من المشركين إلى ~~النبي (صلى الله عليه وآله) يرد إليهم، فغضب عمر وقال لأبي بكر: ما هذا يا ~~أبا بكر؟ أيرد المسلمون إلى المشركين؟ ثم جاء إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) فجلس بين يديه، فقال: يا رسول الله ألست رسول الله حقا؟ قال: بلى، ~~قال: ونحن المسلمون حقا؟ فقال: نعم، قال: وهم الكافرون حقا؟ # قال: نعم، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): أنا رسول الله أفعل ما يأمرني به ولن يضيعني. # فقام عمر مغضبا فقال: والله لو أجد أعوانا ما أعطيت الدنية أبدا، وجاء ~~إلى أبي بكر فقال له: يا أبا بكر ألم يكن وعدنا أنا سندخل مكة؟ فأين ما ~~وعدنا به؟ # فقال أبو بكر: قال لك أنه العام يدخلها؟ قال: لا، قال: فسيدخلها، فقال: ~~فما هذه الصحيفة التي كتبت؟ وكيف نعطي الدنية من أنفسنا؟ فقال أبو بكر: يا ~~هذا الزم PageV00P235 # غرزه، فوالله أنه لرسول الله وأنه لا يضيعه (1). # وفيه أمور: أحدها: غضب عمر من فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يدل ~~على غاية جهله بمرتبة رسول الله (صلى الله عليه وآله). # وثانيها: قيام عمر مغضبا وقوله " والله لو أجد أعوانا ما أعطيت الدنية ~~أبدا " بعد إخبار رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأنه فعل ما فعله بأمر ~~الله تعالى بقوله " أنا رسول الله أفعل ما يأمرني به ولن يضيعني " إنكارا ~~لرسالته (صلى الله عليه وآله) بحسب الحقيقة، وفي تعبيره (صلى الله عليه ~~وآله) بقوله " أنا رسول الله " إيماء إليه. # وثالثها: قوله لأبي بكر " ألم يكن وعدنا أنا سندخل مكة؟ فأين ما وعدنا به ~~" مؤيد لما ذكرته من الانكار. # ورابعها: إصراره فيما ذكره ms185 أولا وإعادة الكلمة الردية بقوله " فما هذه ~~الصحيفة التي كتبت؟ وكيف نعطي الدنية من أنفسنا؟ " مؤيد لإنكار الرسالة. # وخامسها: حكم أبي بكر برسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد مقالة ~~عمر مقرونا بالتأكيدات، يدل على فهم أبي بكر إنكار عمر رسالة رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله). # وسادسها: سكوت عمر في جوابه بأن يقول: ما وجه إثبات رسالته والتأكيد فيه؟ ~~مع اعتقادي بها، وليس شبهتي في الرسالة بل شبهتي في شئ آخر، يدل على كونه ~~منكرا، ويحتمل استمرار الانكار وكون سبب الإطاعة في بعض الأمور ما ذكرته ~~آنفا، ويحتمل تبدل الانكار بالإقرار. # وعلى التقديرين ليس الاعتماد على إسلامه، فكيف يعتمد في الخلافة العامة ~~على من أنكر رسالة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أو شك فيها لو نزل عن ~~الانكار بشبهة لا وقع لها بعد ظهور النبوة بالأدلة القاطعة، ومضى مدة ~~متمادية بعد دخوله في ظاهر الإسلام، # PageV00P236 # ومشاهدته كثيرا من معجزاته (صلى الله عليه وآله). # رأيه في الطلاق: # ومنها: ما رواه ابن الأثير في جامع الأصول، في الفصل الثاني من كتاب ~~الطلاق، من صحيح مسلم وغيره، عن طاووس: أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات ~~من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وأبي بكر واحدة؟ قال: إنه قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتابع الناس في ~~الطلاق فأجازه عليهم. # وفي رواية عنه: أن ابن عباس قال: كان الطلاق على عهد رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن ~~الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم أناة، فلو أمضيناه عليهم ~~فأمضاه عليهم (1). # هذا صريح في مخالفته رسول الله (صلى الله عليه وآله) برأيه، فإن شئت أن ~~يظهر لك قباحة هذا الفعل من عمر زيادة ظهور، فارجع إلى ما ذكرته في منعه ~~المتعتين. # شناعة آرائه وعقائده: # ومنها: ما روى عبد الحميد بن أبي الحديد، قال: وقد روي عن ابن عباس ms186 أيضا ~~قال: دخلت على عمر يوما، فقال لي: يا بن عباس لقد أجهد هذا الرجل نفسه في ~~العبادة حتى نحلته رياء، قلت: من هو؟ فقال عمر: الأجلح (2) - يعني عليا - ~~قلت: وما يقصد بالرياء يا أمير المؤمنين؟ قال: يرشح نفسه بين الناس ~~للخلافة، قلت: وما يصنع بالترشيح؟ قد رشحه لها رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) فصرفت عنه. # قال: إنه كان شابا حدثا، فاستصغرت العرب سنه وقد كمل الآن، ألم تعلم أن # PageV00P237 # الله تعالى لم يبعث نبيا إلا بعد الأربعين، قلت: يا أمير المؤمنين أما ~~أهل الحجى والنهى، فإنهم ما زالوا يعدونه كاملا منذ رفع الله منار الإسلام، ~~ولكنهم يعدونه محروما مجدودا (1). # فقال: أما أنه سيليها بعد هياط ومياط، ثم تزل فيها قدمه ولا يقضي منها ~~إربه، ولتكونن شاهدا ذلك يا عبد الله، ثم يتبين الصبح لذي عينين، وتعلم ~~العرب صحة رأي المهاجرين الأولين الذين صرفوها عنه بادئ بدء، فليتني أراكم ~~بعدي يا عبد الله أن الحرص محرمة، وأن دنياك كظلك كلما هممت به ازداد عنك ~~بعدا. نقلت هذا الخبر من أمالي أبي جعفر محمد بن حبيب (2) انتهى. # وفيه أمور: أحدها: نسبة الرياء إلى من أراد الله تطهيره، وأخبر رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) بأن منزلته منه منزلة هارون من موسى، وبكونه ولي كل ~~مؤمن بعده، وورد في شأنه غيرها من الآيات والأخبار الدالة على كمال جلالته ~~عند الله تعالى، فهذه النسبة افتراء صرف، بل عدم مبالاة بالكتاب والسنة. # وثانيها: شهادة ابن عباس بترشيح رسول الله (صلى الله عليه وآله) إياه ~~للخلافة، ولم يكن لعمر جواب في مقابله، وإلا لاقتضى الداعي وعدم المانع ~~بيان عدم الترشيح، ولا أقل من منعه، ولعله لم يتكلم فيه خوفا من زيادة ~~التفضيح. # وثالثها: رد عمر ما جعله رسول الله (صلى الله عليه وآله) لأمير المؤمنين ~~(عليه السلام) باستصغار السن الذي كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) أعلم ~~به، وهذا تخطأة من عمر لرسول الله (صلى الله عليه وآله) واستدلال منه على ~~هذا القول ms187 بأن الله تعالى لم يبعث نبيا إلا بعد أربعين، ومع ظهور شناعة رد ~~كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعدم اطلاعنا على المصلحة فيما أمره ~~وظن المفسدة فيه، هذا الكلام في غاية الضعف، لانتقاضه بيحيى وعيسى (عليهما ~~السلام) ومنع تساوي # PageV00P238 # النبوة والإمامة. # ورابعها: تصريح ابن عباس بأن أهل الحجى والنهى يعدونه كاملا منذ رفع الله ~~منار الإسلام، وليس مرادهم بهذا الكمال استحقاق الإمامة ولو كان بعد عمر، ~~وإلا لم يعدوا أمير المؤمنين (عليه السلام) محروما عن الخلافة دلالة على ~~عدم اعتقادهم باستحقاق أحد من الثلاثة للأمر، فلم يتحقق الاجماع على إمامة ~~واحد منهم. # وخامسها: في نسبة الصرف إلى المهاجرين بقوله " صرفوها بادئ بدء " أيضا ~~دلالة على كونها حقه (عليه السلام) ببيان الرسول (صلى الله عليه وآله) لكن ~~صرفوها للمصالح التي زعموها ظنا منهم غفلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~عنها، وظن الخطأ برسول الله (صلى الله عليه وآله) إنما ينشأ من غاية الجهل ~~بمرتبته (صلى الله عليه وآله) كما مر غير مرة. # وسادسها: في قوله " أن الحرص محرمة " دلالة على ظنه حرص أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) عليها، والظاهر أن هذا الظن نشأ من غاية اهتمام أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) في طلب الأمر، اهتماما في إجراء حكم الله بقدر ~~الإمكان، فحمله على الحرص الذي رأى نفسه عليه، وفي هذه العبارة من عمر ~~دلالة على عدم صدور البيعة من أمير المؤمنين (عليه السلام) بعنوان الرضا، ~~فكيف يحكم تبعته بالإجماع؟ # وقول عمر " ثم تزل فيها قدمه " إشارة إلى التشويش الذي ظهر في خلافة أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) لا بعلمه بالحدس، بل بإخبار كعب الأحبار مما رأى في ~~كتبهم، كما يظهر من رواية رواها ابن أبي الحديد متصلا بالرواية المنقولة ~~بالسند المذكور، حيث قال فيها: إن وليه - يعني: أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) - أمر الخلافة كان هرج شديد (1) أو بإخبار الأسقف، فإنه روى ابن ~~أبي الحديد سؤال عمر عن الأسقف أحوال الخلفاء (2)، وإن لم يكن تفصيل ~~الأحوال التي سمعها منه مذكورا في كتابه. ms188 # PageV00P239 # ويمكن أن يكون سبب ظنه بعد بدعته في تفاضل العطاء، علمه بأن أمير ~~المؤمنين لا يخالف رسول الله (صلى الله عليه وآله) في التسوية، وظنه ترتب ~~المفسدة الظاهرة على تبعية الرسول (صلى الله عليه وآله) لتوقع العظماء ~~المزية التي رأوها من عمر، وتوقع بعضهم أزيد من هذا من أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) ولا أقل من المثل، فإذا لم يروا ما توقعوا أفسدوا في الأرض. # ويمكن أن يكون سبب حصول ظنه، ما أراد من جعل جمع من الجهال في معرض ~~الخلافة، حتى أن تحقق خلافة أمير المؤمنين (عليه السلام) يبعثهم التوقع إلى ~~الخلاف والفساد. # ولا يبعد أن يكون من جملة أغراضه في تفضيل العطاء حصول هذه المفسدة على ~~تقدير انتقال الأمر إلى المستحق، واحتمال كون الغرض من الشورى توقع المفسدة ~~قد مر في مبحث إبطال إمامة الثالث. # إبداع التراويح: # ومنها: ابتداع التراويح كما هو المشهور، وهي إقامة نافلة شهر رمضان ~~جماعة، ولم تكن في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا في زمان أبي ~~بكر، ولا في صدر من خلافة عمر، ثم ابتدعها عمر، مع رواية العامة والخاصة أن ~~كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة سبيلها إلى النار (1). # ومن طريقهم ما روي عن الحميدي في الجمع بين الصحيحين، في مسند جابر بن ~~عبد الله، قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): كل بدعة ضلالة (2). # ويؤيد الشهرة ما ذكره ابن أبي الحديد بقوله: قال المؤرخون: أن عمر أول من ~~سن قيام رمضان في جماعة (3). # PageV00P240 # وقال في موضع آخر: وفي حديثه أنه خرج ليلة في شهر رمضان والناس أوزاع، ~~فقال: إني لأظن لو جمعناهم على قارئ واحد كان أفضل، فأمر أبي بن كعب فأمهم ~~، ثم خرج ليلة وهم يصلون بصلاته، فقال: نعم البدعة هذه، والتي ينامون عليها ~~(1) أفضل من التي يقومون. قال: الأوزاع الفرق، يريد أنهم كانوا يصلون ~~فرادى، يقال: وزعت المال بينهم أي: فرقته. وقوله " والتي ينامون عليها أفضل ~~" يريد صلاة أخر الليل فإنها خير من أوله (2) انتهى. # يظهر من قول عمر ms189 " إني أظن لو جمعناهم على قارئ واحد كان أفضل " غاية ~~الجرأة في أمر الدين وعدم المبالاة به، لعدم استقلال العقل في أمثال هذه ~~الأمور، مع أن هذا القول مخالف لما روى زيد بن ثابت عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) في قوله (صلى الله عليه وآله) " فصلوا أيها الناس في بيوتكم، ~~فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة " كما يجئ، لأنه (صلى ~~الله عليه وآله) حكم بكون هذه الصلاة في البيت أفضل. # والظاهر من الخبر الانفراد أيضا بوجهين: # أحدهما: عدم فهم أحد منه الجماعة، وإلا لفعلها جماعة بعض الصحابة قبل أن ~~يأمر بها عمر، وتركها معروف بين الصحابة، كما يظهر من خبر أبي هريرة الآتي، ~~ويعترف به ابن أبي الحديد وغيره. # والثاني: أمره (صلى الله عليه وآله) بإقامتها في البيت، لأن هذا الأمر ~~أمر بعدم الاعلان كما لا يخفى، ولا يطلب الجماعة فيما لا يطلب فيه الاعلان، ~~وبعض الصلوات المستحبة التي شرع فيها الجماعة طلب فيها الاعلان أيضا، فلو ~~كان عمر طالبا للتأسي برسول الله (صلى الله عليه وآله) لكان يأمر من يصلي ~~هذه الصلاة بالمسجد بإقامتها في البيت، طلبا للفضيلة، ومراعاة لما قاله ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) فما فعله عمر مخالفة لرسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) # PageV00P241 # بوجهين، وحكم بغير ما أنزل الله تعالى. # وما نقل عبد الحميد بن أبي الحديد عن الغزالي في إحياء العلوم، من أن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) صلى التراويح في شهر رمضان في جماعة ليلتين ~~أو ثلاثا ثم ترك، وقال: # أخاف أن يوجب عليكم (1). وعن بعض المحدثين منع كونه ممنوعا، لا يدفع ما ~~ذكرته وبينته من شناعة فعله. # ونقل فضل بن روزبهان أخبارا عدها من الصحاح تدل على قيام رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) بهذه الصلاة في بعض الليالي وتركها في بعضها (2)، وليس في ~~شئ منها أنه (صلى الله عليه وآله) صلاها جماعة. # وقال في توجيه اعتراف عمر بكونها بدعة ما حاصله: أنه ليس مراده من البدعة ms190 ~~ما لا مأخذ له شرعا حتى تكون ضلالة، بل المراد من هذه البدعة هو استمرار ~~الجماعة في هذه الصلاة التي تستمر بعنوان الجماعة في زمان رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) لئلا يتوهم وجوبها، ولما كان هذا التوهم منتفيا في زمان ~~عمر أمر بعنوان الاستحباب بمواظبتها جماعة (3). # وفيه نظر، لأنه بما نقلته ظهر أنه خرج ليلة ورأى الناس أنهم يصلون تلك ~~الصلاة فرادى وأمرهم بالجماعة، وخرج ليلة أخرى ورآهم يصلون تلك الصلاة ~~جماعة، ولم يحصل الفرق بين الليلتين إلا بالاجتماع والانفراد، فظهر أن ~~مراده من البدعة هو الجماعة، وتحسين البدعة ليس غريبا منه، كما ظهر مما ~~نقلنا منه في المتعتين وحي على خير العمل. # والأخبار التي رواها هي هذه: عن زيد بن ثابت أن النبي (صلى الله عليه ~~وآله) اتخذ حجرة في # PageV00P242 # المسجد من حصير، فصلى فيها ليالي حتى اجتمع إليه ناس، ثم فقدوا صوته ليلة ~~وظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فقال: ما زال بكم والذي ~~رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتبت عليكم ما قمتم به، فصلوا ~~أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة. # وعن أبي هريرة، قال: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) يرغب في قيام ~~رمضان من غير أن يأمرهم فيه بعزيمة، فيقول: من قام رمضان إيمانا واحتسابا ~~غفر له ما تقدم من ذنبه، فتوفي رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأمر على ~~ذلك، ثم كان الأمر على ذلك في خلافة أبي بكر، وصدرا من خلافة عمر. # وعن أبي ذر قال: صمنا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يقم بنا ~~شيئا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب شطر من الليل، فقلت: يا رسول ~~الله لو نفلتنا قيام هذه الليلة؟ فقال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ~~ينصرف حسب له قيام ليلة، فلما كانت الرابعة لم يقم حتى بقي ثلث الليل، فلما ~~كانت الثالثة جمع أهله ونساءه والناس، ms191 فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح ~~- يعني: السحور - ثم لم يقم بنا بقية الشهر. # هذه الأخبار كلها في الصحاح، وهذا يدل على أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) كان يصلي التراويح بالجماعة أحيانا، ولم يداوم عليها مخافة أن تفرض ~~على المسلمين فلم يطيقوا، فلما انتفى هذه المخافة جمعهم عمر وصلى التراويح ~~(1) انتهى. # ولعله ظن من قول زيد " فجعل يتنحنح ليخرج إليهم " أن انتظارهم الخروج ~~ليصلوا جماعة مقتديا به (صلى الله عليه وآله). # وفيه أنه يمكن أن يكون انتظارهم الخروج ليصلوا ما يأمرهم به، أو ما يرونه ~~يفعله لعدم علمهم بما يتعلق بهذه الليلة، وهذا ليس بعيدا، لأن كثيرا من ~~الصحابة لا # PageV00P243 # يسألونه قبل الحاجة، فلعلهم لم يسألوا حكم جميع الليالي حتى لا يحتاجوا ~~إلى الانتظار، أو لعله ظن من لفظ " بنا " في خبر أبي ذر، وهو أيضا غير دال ~~عليها. # وخبر أبي هريرة في غاية الظهور في عدم الجماعة، لأنه لو كانت الصلاة في ~~زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعنوان الجماعة لكان قوله " فتوفي ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأمر على ذلك " دالا على استمرار ~~الجماعة، وحينئذ لم يكن لقوله " وصدرا من خلافة عمر " وجه. # ومع ظهور هذا تدل حاشية المشكاة المتعلقة بقوله " على ذلك " على فهمهم من ~~الخبر ما فهمناه، وهي هذه، أي: قيام تراويح رمضان منفردين. # وحمل قوله " فتوفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأمر على ذلك " على ~~أن معناه فتوفى رسول الله (صلى الله عليه وآله) والأمر على ذلك الانفراد ~~الذي طرئ بعد الجماعة، في غاية البعد بل غير محتمل. # وأما مطاعن عثمان، فمع وفورها وظهورها لا حاجة لنا إلى ذكرها، لبطلان ~~إمامته ببطلان إمامة الأولين، وقد ظهر لك بأوضح بيان، ومع ذلك نذكر قليلا: # ضربه عمار ونفيه أبا ذر: # منها: إقدامه على ضرب عمار (رحمه الله) حتى روي أن صار به فتق، وعلى ضرب ~~أبي ذر (رحمه الله) مع تقدمه حتى سيره إلى الربذة ونفاه (1). # وقال صاحب المغني في الجواب: ms192 فقد قال شيخنا أبو علي: أن ذلك غير ثابت، ~~ولو ثبت أنه ضربه - يعني: عمارا - للقول العظيم الذي كان يقوله فيه، لم يجب ~~أن يكون طعنا، لأن للإمام تأديب من يستحق ذلك، ومما يبعد صحة ذلك أن عمارا ~~لا # PageV00P244 # يجوز أن يكفره. # وحكى عن الخياط أن عثمان لما نقم عليه ضربه لعمار، احتج لنفسه فقال: ~~جاءني سعد وعمار فأرسلا إلي أن ائتنا، فإنا نريد أن نذاكرك أشياء فعلتها، ~~فأرسلت إليهما أني مشغول، فانصرفا فموعدكما يوم كذا، فانصرف سعد وأبى عمار ~~أن ينصرف، فأعدت الرسول إليه، فأبى أن ينصرف، فتناوله بعض غلماني بغير ~~أمري، ووالله ما أمرت به ولا رضيت، وها أنا فليقتص مني، قال: وهذا من أنصف ~~قول وأعدله. # وحكى عن أبي علي في نفي أبي ذر إلى الربذة: أن الناس اختلفوا في أمره، ~~فروي عنه أنه قيل لأبي ذر: أعثمان أنزلك الربذة؟ فقال: لا بل اخترت لنفسي ~~ذلك. # وروي أن معاوية كتب يشكوه وهو بالشام، فكتب إليه عثمان: أن صيره إلى ~~المدينة، فلما صار إليها قال: ما أخرجك إلى الشام؟ قال: لأني سمعت الرسول ~~(صلى الله عليه وآله) يقول: إذا بلغت عمارة المدينة موضع كذا فاخرج عنها ~~فلذلك خرجت، قال: فأي البلاد أحب إليك بعد الشام؟ فقال: الربذة، فقال: صر ~~إليها. # فإذا تكفأت الأخبار لم يكن لهم في ذلك حجة، ولو ثبت ذلك لكان لا يمتنع أن ~~يخرج إلى الربذة بصلاح يرجع إلى الدين، فلا يكون ظلما لأبي ذر، بل ربما ~~يكون إشفاقا عليه وخوفا من أن يناله من بعض أهل المدينة مكروه، فقد روي أنه ~~كان يغلظ في القول ويخشن في الكلام، ويقول: لم يبق من أصحاب الرسول (صلى ~~الله عليه وآله) على ما عهد، وينفر عنهم بهذا القول، فرأى إخراجه أصلح لما ~~يرجع إليهم وإليه من المصلحة وإلى الدين. # وقد روي عن زيد بن وهب قال: قلت لأبي ذر وهو بالربذة: ما أنزلك هذا ~~المنزل؟ قال: أخبرك أني كنت بالشام في أيام معاوية وقد ذكرت هذه الآية ms193 * ~~(الذين PageV00P245 # يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) * (1) ~~فقال معاوية: هذه في أهل الكتاب، فقلت: فيهم وفينا، فكتب معاوية إلى عثمان ~~في ذلك، فكتب إلي أن أقدم، فقدمت عليه، فانثال الناس إلي كأنهم لم يعرفوني، ~~فشكوت ذلك إلى عثمان، فخيرني وقال: إن أحببت حيث شئت، فنزلت الربذة (2). # وقال السيد (رحمه الله) في جوابه: قد وجدناك في قصة عثمان وعمار بين ~~أمرين مختلفين، بين دفع لما روي من ضربه، وبين اعتراف بذلك وتأول له، ~~واعتذار منه بأن التأديب المستحق لا حرج فيه، ونحن نتكلم على الأمرين: # أما الدفع لضرب عمار، فهو كالإنكار لوجود أحد يسمى عمارا، أو لطلوع الشمس ~~ظهورا وانتشارا، وكل من قرأ الأخبار وتصفح السير يعلم من هذا الأمر ما لا ~~تثبته عنه مكابرة ولا مدافعة، وهذا الفعل - يعني: ضرب عثمان لعمار - لم ~~يختلف الرواة فيه، وإنما اختلفوا في سببه: # فروى عباس بن هشام (3) الكلبي، عن أبي مخنف في سنده، قال: كان في بيت ~~المال في المدينة سفط فيه حلي وجوهر، فأخذ منه عثمان فأحلى به بعض أهله، ~~فأظهر الناس الطعن عليه في ذلك، وكلموه فيه بكلام شديد حتى أغضبوه، فخطب ~~فقال: # لنأخذن حاجتنا من هذا الفئ وإن رغمت أنوف أقوام، فقال له علي (عليه ~~السلام): إذن تمنع من ذلك ويحال بينك وبينه، فقال عمار: أشهد الله أن أنفي ~~أول راغم من ذلك، فقال عثمان: أعلي يا بن ياسر وسمية تجترئ خذوه، فأخذوه ~~ودخل عثمان فدعا به، فضربه حتى غشي عليه، ثم أخرج إلى منزل أم سلمة زوج ~~النبي (صلى الله عليه وآله) فلم يصل الظهر والعصر والمغرب، فلما أفاق توضأ ~~وصلى وقال: الحمد لله ليس هذا أول يوم # PageV00P246 # أوذينا في الله تعالى. # فقال هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي وكان عمار حليفا لبني مخزوم: يا ~~عثمان أما علي فاتقيته، وأما نحن فاجترأت علينا وضربت أخانا حتى أشفيت به ~~على التلف، أما والله لئن مات لأقتلن به رجلا من بني أمية عظيم الشأن (1) ~~فقال عثمان: ms194 # وأنك لهاهنا يا بن القسرية، قال: فأمهما قسريتان، وكانت أمه وجدته ~~قسريتين من بجيلة، فشتمه عثمان وأمر به فأخرج، فأتي به أم سلمة فإذا هي قد ~~غضبت لعمار، وبلغ عائشة ما صنع بعمار، فغضبت وأخرجت شعرا من شعر رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) ونعلا من نعاله، وثوبا من ثيابه، وقالت: ما أسرع ما ~~تركتم سنة نبيكم، هذا ثوبه وشعره ونعله لم تبل بعد. # وروى آخرون أن السبب في ذلك أن عثمان مر بقبر جديد فسأل عنه، فقيل: عبد ~~الله بن مسعود، فغضب على عمار لكتمانه إياه موته، إذ كان المتولي للصلاة ~~عليه والقيام بشأنه، فعندها وطأ عثمان عمارا حتى أصابه الفتق. # وروى آخرون أن المقداد وطلحة والزبير وعمارا وعدة من أصحاب رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) كتبوا كتابا عددوا فيه أحداث عثمان، وخوفوه ربه، ~~وأعلموه أنهم مواثبوه إن لم يقلع، فأخذ عمار الكتاب فأتاه به، فقرأ منه ~~صدرا، فقال عثمان: أعلي تقدم من بينهم؟ فقال: لأني أنصحهم لك، قال: كذبت يا ~~بن سمية، فقال: أنا والله ابن سمية وأنا ابن ياسر، فأمر غلمانه فمدوا به ~~ورجليه، ثم ضربه عثمان برجليه وهي في الخفين على مذاكيره، فأصابه الفتق، ~~وكان ضعيفا كبيرا فغشي عليه. # فضرب عمار على ما ترى غير مختلف فيه بين الرواة، وإنما اختلفوا في سببه. # والخبر الذي رواه صاحب الكتاب وحكاه عن الخياط ما نعرفه، وكتب السير # PageV00P247 # المعروفة خالية منه ومن نظيره، وقد كان يجب أن يضيفه إلى الموضع الذي ~~أخذه منه، فإن قوله وقول من أسند إليه ليسا بحجة، ولو كان صحيحا لكان يجب ~~أن يقول بدل قوله " ها أنا فليقتص مني " إذا كان ما أمر بذلك ولا رضيه ~~وإنما ضربه الغلام، هذا الغلام الجاني فليقتص منه، فإنه أولى وأعدل. # وبعد فلا تنافي بين الروايتين لو كان ما رواه معروفا، لأنه يجوز أن يكون ~~غلامه ضربه في حال وضربه هو في حال أخرى، والروايات إذا لم تتعارض لم يجز ~~إسقاط شئ منها (1). # وأنكر فضل بن روزبهان ms195 (2) ضرب عمار أشد الانكار كما هو دأبه. # وقال صاحب إحقاق الحق (رحمه الله): قد تقدم أنه أشار إلى قصة عمار مؤلف ~~روضة الأحباب، وصرح موافقا لما رواه المصنف أحمد بن أعثم الكوفي في كتاب ~~الفتوح، وهو غير متهم في دين أهل السنة، كما يظهر من مطالعة كتابه، وهو ~~الذي قال في بعض مواضع كتابه: إن هاهنا أخبارا وروايات صحيحة لم أذكرها ~~لئلا يتخذها الشيعة حجة علينا انتهى. # وقال السيد في رد كلام صاحب المغني: فأما قوله " أن عمارا لا يجوز أن ~~يكفره ولم يقع منه ما يوجب التكفير " فإن تكفير عمار له وغير عمار معروف قد ~~جاءت به الروايات، وقد روي من طرق مختلفة وبأسانيد كثيرة أن عمارا يقول: ~~ثلاثة يشهدون على عثمان بالكفر وأنا الرابع، وأنا شر الأربعة * (ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون) * وأنا أشهد أنه قد حكم بغير ما ~~أنزل الله. # وروي عن زيد بن أرقم من طرق مختلفة أنه قيل له: بأي شئ كفرتم عثمان؟ # فقال: بثلاث جعل المال دولة بين الأغنياء، وجعل المهاجرين من أصحاب رسول # PageV00P248 # الله (صلى الله عليه وآله) بمنزلة من حارب الله ورسوله، وعمل بغير كتاب ~~الله. # وروي عن حذيفة أنه كان يقول: ما في عثمان بحمد الله أشك، لكنني أشك في ~~قاتله، أكافر قتل كافرا أم مؤمن خاض إليه الفتنة حتى قتله، هو أفضل ~~المؤمنين إيمانا. # فأما قوله عن أبي علي " أنه لو ثبت ضربه للقول العظيم الذي كان يقول فيه ~~لم يكن طعنا، لأن للإمام تأديب من يستحق ذلك " فقد كان يجب أن يستوحش صاحب ~~الكتاب، أو من حكى كلامه، من أبي علي وغيره من أن يعتذر من ضرب عمار ووقذه، ~~حتى لحقه من الغشي ما لحقه وترك له الصلاة، ووطأه بالأقدام امتهانا ~~واستخفافا، بشئ من العذر، فلا عذر يسمع من إيقاع نهاية المكروه بمن روي أن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) قال فيه: عمار جلدة ما بين العين والأنف، ومتى ~~تبك (1) الجلدة يدمي الأنف. وروي أنه ms196 قال: مالهم ولعمار يدعوهم إلى الجنة ~~ويدعونه إلى النار. # وروى العوام بن الحوشب، عن سلمة بن كهيل، عن علقمة، عن خالد بن الوليد، ~~أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: من عادا عمارا عاداه الله، ومن ~~أبغض عمار أبغضه الله. # وأي كلام غليظ سمعه من عمار يستحق به ذلك المكروه العظيم؟ الذي تجاوز ~~مقدار ما فرضه الله تعالى في الحدود، وإنما كان عمار وغيره أثبتوا عليه ~~أحداثه ومعائبه أحيانا على ما يظهر من سئ أفعاله، وقد كان يجب عليه أحد ~~الأمرين: إما أن ينزع عما يواقف عليه من تلك الأفعال وأن يبين عذره فيها، ~~أو براءته منها ما يظهر وينشر ويشتهر، فإن أقام مقيم بعد ذلك على توبيخه ~~وتفسيقه زجره عن ذلك بوعظ أو غيره، ولا يقدم على ما تفعله الجبابرة ~~والأكاسرة من شفاء الغيظ بغير ما أنزل الله تعالى وحكم به (2) انتهى. # PageV00P249 # أقول: روى ابن الأثير في جامع الأصول، من صحيح البخاري، عن عكرمة قال: ~~قال لي ابن عباس ولابنه علي: انطلقا إلى أبي سعيد فاسمعا من حديثه، ~~فانطلقنا فإذا هو في حائط يصلحه، فأخذ رداءه فاحتبى، ثم أنشأ يحدثنا حتى ~~أتى إلى ذكر بناء المسجد، فقال: كنا نحمل لبنة لبنة وعمار لبنتين لبنتين، ~~فرآه النبي (صلى الله عليه وآله) ينفض التراب عنه ويقول: ويح عمار يدعوهم ~~إلى الجنة ويدعونه إلى النار، قال ويقول عمار: أعوذ بالله من الفتن. # وفي رواية أخرى له إلى أن قال: ويدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار (1). # فإذا عرفت مرتبة عمار، فمخالفته لعثمان وتخطأته إياه، تدلان على كون ~~عثمان متصفا بصفات نسبها إليه، فكيف يتصف باستحقاق الإمامة من ينفي عمار ~~الإيمان عنه؟ وأي وجه لضرب من قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شأنه ~~وشأن مخالفيه إنه يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار، وضرب من أخبر رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) باشتياق الجنة إليه؟ # كما ظهر في النظر السابع من الأنظار الثمانية على إمامة أبي بكر، وكيف ~~تشتاق الجنة إلى من ms197 يؤذي إمام المسلمين ويصر عليه حتى يغضبه غضبا لا يملك ~~نفسه حتى يضربه بنفسه أو يأمر بضربه؟ ومخالفة أبي ذر في الدلالة أقوى كما ~~لا يخفى. # وقال السيد (رحمه الله): فأما قوله " إن الأخبار متكافأة في أمر أبي ذر ~~وإخراجه إلى الربذة، هل كان ذلك باختياره أو بغير اختياره؟ " فمعاذ الله أن ~~تتكافأ في ذلك، بل المعروف الظاهر أنه نفاه أولا إلى الشام، ثم استقدمه ~~المدينة لما شكا منه معاوية، ثم نفاه من المدينة إلى الربذة، وقد روى جميع ~~أهل السيرة على اختلاف طرقهم وأسانيدهم: أن عثمان لما أعطى مروان بن الحكم ~~ما أعطاه، وأعطى الحارث بن الحكم بن أبي العاص ثلاثمائة ألف درهم، وأعطى ~~زيد بن ثابت مائة ألف درهم، # PageV00P250 # جعل أبو ذر يقول: بشر الكافرين بعذاب أليم، ويتلو قوله تعالى * (والذين ~~يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم) * فرفع ~~مروان ذلك إلى عثمان، فأرسل إلى أبي ذر نائلا مولاه أن انته عما يبلغني ~~عنك. # فقال: أينهاني عثمان عن قراءة كتاب الله تعالى؟ وعيب من ترك أمر الله، ~~فوالله لأن أرضي الله بسخط عثمان أحب إلي وخير من أن أرضي عثمان بسخط الله، ~~فأغضب عثمان ذلك وأحفظه، فتصابر. # وقال عثمان يوما: أيجوز للإمام أن يأخذ من المال فإذا أيسر قضاه؟ فقال ~~كعب الأحبار: لا بأس بذلك، فقال له أبو ذر: يا بن اليهوديين أتعلمنا ديننا؟ ~~فقال عثمان: # قد كثر أذاك لي وتولعك بأصحابي ألحق بالشام، فأخرجه إليها، فكان أبو ذر ~~ينكر على معاوية أشياء يفعلها، فبعث إليه معاوية ثلاثمائة دينار، فقال أبو ~~ذر: إن كانت من عطائي الذي حرمتمونيه عامي هذا قبلتها، وإن كانت صلة فلا ~~حاجة لي فيها وردها عليه. # وبنى معاوية الخضراء بدمشق، فقال أبو ذر: يا معاوية إن كانت هذه من مال ~~الله فهي الخيانة، وإن كانت من مالك فهي الاسراف. وكان أبو ذر (رحمه الله) ~~يقول: والله لقد حدثت أعمال ما أعرفها، والله ما هي في كتاب الله ولا سنة ~~نبيه، ms198 والله أني لأرى حقا يطفئ، وباطلا يحيى، وصادقا مكذبا، وأثرة بغير ~~تقى، وصالحا مستأثرا عليه، فقال حبيب بن سلمة الفهري: إن أبا ذر لمفسد ~~عليكم الشام، فتدارك أهله إن كانت لكم فيه حاجة، فكتب معاوية إلى عثمان ~~فيه. # فكتب عثمان إلى معاوية: أما بعد فاحمل جندبا على أغلظ مركب وأوعره، فوجه ~~به مع من سار به الليل والنهار. وحمله على شارف ليس عليها إلا قتب حتى قدم ~~المدينة، وقد سقط لحم فخذيه من الجهد، فلما قدم أبو ذر المدينة، بعث إليه ~~عثمان أن ألحق بأي أرض شئت، فقال: بمكة، قال: لا، قال: فبيت المقدس، قال: ~~لا، قال: PageV00P251 # فبأحد المصرين، قال: لا ولكني مسيرك إلى الربذة، فسيره إليها، فلم يزل ~~بها حتى مات. # وفي رواية الواقدي: أن أبا ذر لما دخل على عثمان، فقال له: لا أنعم الله ~~بك عينا يا جندب، فقال أبو ذر: أنا جندب وسماني رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) عبد الله، فاخترت اسم رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي سماني به ~~على اسمي، فقال له عثمان: أنت الذي تزعم أنا نقول: # أن يد الله مغلولة، وأن الله فقير ونحن أغنياء، فقال أبو ذر: ولو كنتم لا ~~تزعمون لأنفقتم مال الله على عباده، ولكني أشهد لسمعت رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) يقول: إذا بلغ بنو العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا، ~~وعباد الله خولا، ودين الله دخلا، ثم يريح العباد منهم. # فقال عثمان لمن حضره: أسمعتموها من نبي الله؟ فقالوا: ما سمعناه، فقال ~~عثمان: # ويلك يا أبا ذر أتكذب على رسول الله؟ فقال أبو ذر لمن حضره: أما تظنون ~~أني صدقت؟ فقالوا: والله ما ندري، فقال عثمان: ادعوا لي عليا، فلما جاء قال ~~عثمان لأبي ذر: أقصص عليه حديثك في بني العاص، فحدثه، فقال عثمان لعلي ~~(عليه السلام): هل سمعت هذا من رسول الله؟ فقال علي (عليه السلام): لا وصدق ~~أبو ذر، فقال عثمان: بما عرفت صدقه؟ فقال علي (عليه السلام): أني سمعت رسول ms199 ~~الله (صلى الله عليه وآله) يقول: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي ~~لهجة أصدق من أبي ذر، فقال من حضر من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) ~~جميعا: صدق أبو ذر، فقال أبو ذر: أحدثكم أني سمعته من رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) ثم تتهموني ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد ~~(صلى الله عليه وآله). # وروى الواقدي في خبر آخر بإسناده عن صهبان مولى الأسلميين، قال: رأيت أبا ~~ذر يوم دخل به على عثمان، فقال له: أنت الذي فعلت وفعلت؟ فقال أبو ذر: قد ~~نصحتك فاستغششتني، ونصحت صاحبك فاستغشني، فقال عثمان: كذبت ولكنك ~~PageV00P252 # تريد الفتنة وتحبها، قد أنفلت (1) الشام علينا، فقال له أبو ذر: اتبع سنة ~~صاحبيك لا يكون لأحد عليك كلام، فقال له عثمان: مالك ولذلك لا أم لك؟ فقال ~~أبو ذر: والله ما وجدت لي عذرا إلا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. # فغضب عثمان وقال: أشيروا علي في هذا الشيخ الكذاب، إما أن أضربه، أو ~~أحبسه، أو أقتله، فإنه قد فرق جماعة المسلمين، أو أنفيه من الأرض، فتكلم ~~علي (عليه السلام) وكان حاضرا، فقال: أشير عليك بما قال مؤمن آل فرعون * ~~(فإن يك كاذبا فعليه كذبه وإن يك صادقا يصبكم بعض الذي يعدكم أن الله لا ~~يهدي من هو مسرف كذاب) * فأجابه عثمان بجواب غليظ لم أحب أن أذكره، وأجابه ~~علي (عليه السلام) بمثله. # ثم إن عثمان حظر على الناس أن يقاعدوا أبا ذر ويكلموه، فمكث كذلك أياما، ~~ثم أتي به، فلما وقف بين يديه قال: ويحك يا عثمان أما رأيت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) ورأيت أبا بكر وعمر؟ هل رأيت هذا هديهم أنك لتبطش بي بطش ~~جبار، فقال: اخرج عنا من بلادنا، فقال أبو ذر: فما أبغض إلي جوارك، قال: ~~أين أخرج؟ قال: حيث شئت، قال: أفأخرج إلى الشام أرض الجهاد؟ فقال: إنما ~~جلبتك من الشام لما قد أفسدتها أفأردك إليها؟ قال: أفأخرج إلى العراق؟ قال: ~~لا، ms200 قال: ولم؟ قال: تقدم على قوم أهل شبه وطعن على الأئمة، قال: أفأخرج إلى ~~مصر؟ قال: لا، فقال: فإلى أين أخرج؟ قال: حيث شئت، قال أبو ذر: هو إذا ~~التعرب بعد الهجرة أخرج إلى نجد، فقال عثمان: الشرف الشرف الأبعد، أقصى ~~فأقصى، فقال أبو ذر: قد أبيت ذلك علي، قال: امض على وجهك هذا ولا تعدون ~~الربذة، فخرج إليها. # وروى الواقدي عن مالك بن أبي الرحال، عن موسى بن ميسرة، أن أبا الأسود # PageV00P253 # الدؤلي قال: كنت أحب لقاء أبي ذر لأسأله عن سبب خروجه، فنزلت به الربذة، ~~فقلت له: ألا تخبرني خرجت من المدينة طائعا أو أخرجت؟ قال: أما أني كنت في ~~ثغر من ثغور أغني عنهم، فأخرجت إلى مدينة الرسول (صلى الله عليه وآله) ~~فقلت: دار هجرتي وأصحابي، فأخرجت منها إلى ما ترى. # ثم قال: بينا أنا ذات ليلة نائم في المسجد إذ مر بي رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) فقال: فضربني برجله وقال: لا أراك نائما في المسجد، فقلت: بأبي ~~أنت وأمي غلبتني عيني فنمت فيه، فقال: كيف تصنع إذا أخرجوك منه؟ فقلت: إذا ~~ألحق بالشام فإنها أرض مقدسة وأرض بقية الإسلام وأرض جهاد، فقال: كيف بك ~~إذا أخرجوك منها؟ # فقال قلت: أرجع إلى المسجد، قال: كيف تصنع إذا أخرجوك منه؟ قلت: آخذ سيفي ~~فأضرب به، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ألا أدلك على خير من ذلك ~~انسق معهم حيث ساقوك وتسمع وتطيع، فسمعت وأطعت وأنا أسمع وأطيع، والله ~~ليلقين الله عثمان وهو آثم في جنبي، وكان يقول بالربذة: ما ترك الحق لي ~~صديقا، وكان يقول فيها: ردني عثمان بعد الهجرة أعرابيا. # والأخبار في هذا الباب أكثر من أن نحصرها، وأوسع من أن نذكرها، وما يحمل ~~نفسه على ادعاء أن أبا ذر خرج مختارا إلى الربذة إلا مكابرة، ولسنا ننكر أن ~~يكون ما أورده صاحب الكتاب من أنه خرج مختارا قد روي، إلا أنه في الشاذ ~~النادر، وبإزاء هذه الرواية الفذة كل الروايات تتضمن خلافها، ms201 ومن تصفح ~~الأخبار علم أنها غير متكافأة، على ما ظن صاحب الكتاب. # وكيف يجوز خروجه عن تخيير؟ وإنما أشخص من الشام على الوجه الذي أشخص ~~عليه، من خشونة المركب وقبح السير للوجد عليه، ثم لما قدم منع الناس من ~~كلامه، وأغلظ عليه في القول، وكل هذا لا يشبه أن يكون أخرجه باختياره إلى ~~الربذة، وكيف يظن عاقل أن أبا ذر يحب أن يختار الربذة منزلا؟ مع جدبها ~~وقحطها PageV00P254 # وبعدها عن الخيرات ولم يكن بمنزل مثله. # فأما قوله " أنه أشفق عليه من أن يناله بعض أهل المدينة بمكروه من حيث ~~كان يغلظ له القول " فليس بشئ يعول عليه، لأنه لم يكن في أهل المدينة إلا ~~من كان راضيا بقوله عاتبا بمثل عتبه، إلا أنهم كانوا بين مجاهد بما في ~~قلبه، ومخف ما عنده، وما في أهل المدينة إلا من رثى مما حدث على أبي ذر ~~واستفظعه، ومن رجع إلى كتب السيرة عرف ما ذكرناه. # فأما قوله " أن الله تعالى والرسول ندبا إلى خفض الجناح ولين القول ~~للمؤمن والكافر، فهو كما قال إلا أن هذا أدب كان ينبغي أن يتأدب به عثمان ~~في أبي ذر ولا يقابله بالتكذيب، وقد قطع الرسول (صلى الله عليه وآله) على ~~صدقه، ولا يسمعه مكروه الكلام، وإنما نصح له وأهدى إليه عيوبه، وعاتبه على ~~ما لو نزع عنه لكان خيرا له في الدنيا والآخرة (1) انتهى كلامه رفع الله ~~مقامه. # قد ظهر لك من النظر السابع من الأنظار الثمانية على الدليل الأول على ~~إمامة أبي بكر، ومما نقله السيد عن الواقدي، صدق أبي ذر في الأقوال، فقوله ~~" بشر الكافرين بعذاب أليم " تعريضا بعثمان يدل على كفر عثمان، وقوله " ~~والذين يكنزون الذهب والفضة " يدل على استحقاق عثمان للعذاب الأليم. # وكان الواجب عليه التوبة من أفعاله الشنيعة، ولم يكن يجوز له إرسال مولاه ~~إلى أبي ذر وأمره بالانتهاء عما يبلغه من الاصرار في أفعاله الشنيعة، بل ~~هذا الارسال مثل سائر أفعاله في غاية الشناعة، لأن طريقة طالب النجاة، ~~والراعي لمسلك ms202 الرشد والسداد، الانتهاء عن المنكر إذا نهاه عالم به، لا ~~الأمر بالانتهاء عن المذمة التي هي بمعنى النهي عند الاصرار في المنكر قصدا ~~لعدم الانتشار أو تقليله، فأي مرتبة من # PageV00P255 # مراتب العدالة يمكن اجتماعها مع هذه الأفعال حتى يتوهم اجتماع الإمامة ~~معها؟ # وقول أبي ذر " لئن أرضي الله بسخط عثمان " الخ يدل على عدم كونه مأمورا ~~بالتقية التامة، ولعله كان مأمورا بإظهار بعض قبائح عثمان، لزيادة الوضوح ~~في الحجة والبطلان، وكما يجوز اختلاف الأئمة في التقية للمصالح الخفية ~~ببيان النبي (صلى الله عليه وآله) كذلك يجوز اختلاف من أطاع النبي (صلى ~~الله عليه وآله) من الصحابة فيها. # وإنكار أبي ذر على كعب الأحبار يدل على عدم جواز الأخذ، فكان الواجب على ~~عثمان تصديق أبي ذر وتدارك ما حكم أبو ذر بعدم جوازه، وإرادة عدم المعاودة ~~إلى مثله، لا إخراجه من جوار رسول الله (صلى الله عليه وآله) خوفا من ~~انتشار القبائح، وإنكارا لكلام أبي ذر الذي يؤول إلى إنكار كلام رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) ولو فرض عدم وجوب تصديق كلام أبي ذر بمجرد السماع منه ~~لا معنى لتكذيبه بمجرده، فبأي وجه يوجه تبعة عثمان إخراج أبي ذر بمجرد ~~التكلم بكلام لم يوافق هواه من غير تفتيش من أبي ذر وجه تخطأته كعب ~~الأحبار؟ هذا من جملة الدلائل الدالة على كون مقصوده الغلبة والاستيلاء بأي ~~وجه تيسر. # وبعد كتابة معاوية إلى عثمان ما كتبه في أمر أبي ذر، كان الواجب على ~~عثمان منع معاوية عن فعل ما نهى عنه أبو ذر، وأمره بالتوبة فيما يكفي في ~~التوبة، والأمر بالتدارك أيضا فيما احتاج إليه، لو آنس من معاوية رشدا، ~~وإلا عزله ونصب من يظن منه الخير، لا قوله " أما بعد فاحمل جندبا " الخ ~~الذي يشتمل على إهانة من عظمه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بل على تكذيب ~~من صدقه (صلى الله عليه وآله) ولا إخراجه بعد قدومه الذي هو قباحة على ~~قباحة على قباحة. # وما يشتمل عليه الرواية الأولى ms203 من الواقدي أشنع، لأن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) صدق أبا ذر بالحديث المشهور من النبي (صلى الله عليه وآله) وصدقه ~~جميع الحاضرين، لثبوت الرواية لهم بحيث لم تكن قابلة للشك أصلا، وإلا لتكلم ~~فيها عثمان، كما تشهد به PageV00P256 # العادة، مع أن تصديق أمير المؤمنين (عليه السلام) بانفراده كان كافيا ~~لدوران الحق معه. وما في الرواية الثانية والثالثة، وكونه في غاية الشناعة، ~~لا يحتاج إلى البيان. وبعد ما ذكرته ظهر لك ضعف ما نقلته عن صاحب المغني، ~~من غير حاجة إلى التفصيل. # وبناء كلامنا هاهنا على رواية صدق أبي ذر التي أشرت إليها، ومع قطع النظر ~~عنها نقول: أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ما في صحاحهم أن أبا ~~ذر أحد الأربعة الذين أمر الله رسوله (صلى الله عليه وآله) بحبهم، وأخبر ~~أنه يحبهم (1)، وأنه أشبه عيسى (عليه السلام) في ورعه (2)، وأنه يمشي في ~~الأرض بزهد عيسى بن مريم، كما مر في النظر السابع، فقوله ببطلان عثمان ~~وشناعة أفعاله يدل عليهما، لامتناع اجتماع الصفات المذكورة بل تحقق أحدها ~~في من يقول بغير علم. # وكيف يجوز من يعرف مرتبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصدق كلام ~~إخباره (صلى الله عليه وآله) باجتماع تلك الصفات في من يصر في تشنيع البرئ ~~عن المعائب الذي يجب إطاعته على كافة الناس؟ هذا الظن بأبي ذر لا يليق بمن ~~أذعن برسول الله (صلى الله عليه وآله). # اعلم أن الطعن هاهنا ليس هو الضرب فقط، بل كلما أنكر أحد من أبي ذر وعمار ~~على عثمان طعن برأسه. # ضرب ابن مسعود وإحراق مصحفه: # ومنها: ضرب ابن مسعود حتى مات، وإحراق مصحفه (3)، نذكر بعض مدائحه ~~المنقولة في صحاحهم، حتى يظهر زيادة شناعة ضربه، والعدول عن قراءته، وقباحة ~~إحراق المصحف مستغنية عن التوضيح. # PageV00P257 # روى ابن الأثير في جامع الأصول، في النوع الثالث من الفصل الثاني من ~~الباب الرابع من كتاب الفضائل والمناقب، من صحيح البخاري ومسلم، عن ابن ~~عمرو بن العاص، قال: سمعت رسول الله (صلى الله ms204 عليه وآله) يقول: استقرؤوا ~~القرآن من أربعة: من ابن مسعود - فبدأ به - وسالم مولى أبي حذيفة، ومعاذ، ~~وأبي. # ومن صحيح الترمذي عنه: خذوا القرآن من أربعة: من ابن مسعود، وأبي بن كعب، ~~ومعاذ بن جبل، وسالم مولى أبي حذيفة (1). # ومن صحيح مسلم، عن علقمة، قال: قدمت الشام فصليت ركعتين، ثم قلت: # اللهم يسر لي جليسا صالحا، فأتيت قوما فجلست إليهم، فإذا شيخ قد جلس إلى ~~جنبي، قلت: من هذا؟ قال: أبو الدرداء، فقلت: إني دعوت الله أن ييسر لي ~~جليسا صالحا فيسرك لي، قال: فمن أنت؟ قلت: من أهل الكوفة، قال: أوليس فيكم ~~ابن أم عبد صاحب النعلين والوسادة والمطهرة يعني ابن مسعود؟ وفيكم الذي ~~أجاره الله من الشيطان على لسان نبيه يعني عمارا، أوليس فيكم صاحب سر رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) الذي لا يعلمه أحد غيره يعني حذيفة؟ وفي رواية ~~البخاري قريب منه (2). # ومن صحيح الترمذي، عن حذيفة، قال: كنا جلوسا عند النبي (صلى الله عليه ~~وآله) قال: ما أدري ما قدر بقاي فيكم، إلى أن قال: اهتدوا بهدي عمار، وما ~~حدثكم ابن مسعود فصدقوه (3). # ومن صحيح الترمذي، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) إلى قوله: # اهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن مسعود (4). # PageV00P258 # ومن صحيح الترمذي، عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): لو كنت مؤمرا أحدا من غير مشورة لأمرت عليهم ابن أم عبد (1). # ومن صحيح البخاري والترمذي، عن عبد الرحمن، قال: سألت حذيفة عن رجل قريب ~~السمت والهدي والذل من رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى نأخذ عنه؟ فقال: ~~ما نعلم أحدا أقرب سمتا وهديا وذلا بالنبي (صلى الله عليه وآله) من ابن أم ~~عبد، أقربهم إلى الله وسيلة. أخرجه البخاري، وعن الترمذي: أقربهم إلى الله ~~زلفى (2). # ومن صحيح البخاري ومسلم والنسائي، عن مسروق وشقيق، قال مسروق: # قال عبد الله: والذي لا إله غيره ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا ~~أعلم أين ms205 أنزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيم أنزلت، ولو ~~أعلم أن أحد أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل لركبت إليه. # وفي رواية شقيق قال: خطبنا عبد الله بن مسعود، فقال: على قراءة من ~~تأمرونني أن أقرأ، والله لقد أخذت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) - وفي ~~رواية: لقد قرأت على رسول الله (صلى الله عليه وآله) - بضعا وسبعين سورة، ~~ولقد علم أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) أني من أعلمهم بكتاب الله ~~وما أنا بخيرهم، ولو أعلم أحدا أعلم مني لرحلت إليه، قال شقيق: فجلست في ~~الخلق أسمع ما يقولون، فما سمعت رادا يقول غير ذلك ولا يعيبه، أخرجه مسلم ~~والبخاري. # وفي رواية النسائي قال: خطبنا ابن مسعود فقال: كيف تأمرونني أن أقرأ على ~~قراءة زيد بن ثابت؟ بعد ما قرأت من في رسول الله (صلى الله عليه وآله) بضعا ~~وسبعين سورة، وأن زيدا مع الغلمان له ذؤابتان (3). # PageV00P259 # ومن صحيح الترمذي، عن حذيفة، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما ~~أقرأكم عبد الله بن مسعود فاقرأوه. # ومن صحيح البخاري ومسلم والترمذي، عن أبي موسى، قال: قدمت أنا وأخي من ~~اليمن، فمكثنا حينا وما نرى أن ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) من كثرة دخولهم على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~ولزومهم له (1) وغيرها من الأخبار. # وقال المحقق الطوسي طاب ثراه: ومنها أنه وقع منه أشياء منكرة في حق ~~الصحابة، فضرب ابن مسعود حتى مات، وأحرق مصحفه، وضرب عمارا حتى أصابه ~~الفتق، وضرب أبا ذر ونفاه إلى الربذة (2). # وقال الشارح: وأجيب بأن ضرب ابن مسعود إن صح فقد قيل: أنه لما أراد عثمان ~~أن يجمع الناس على مصحف واحد، ويرفع الاختلاف بينهم في كتاب الله، طلب ~~مصحفه منه فأبى ذلك، مع ما كان فيه من الزيادة والنقصان، ولم يرض أن يجعل ~~موافقا لما اتفق عليه أجلة الصحابة، فأدبه عثمان لينقاد، ولا نسلم أنه مات ~~من ذلك. ms206 # وضرب عمار كان لما روي أنه دخل عليه وأساء عليه الأدب، وأغلظ في القول ~~بما لا يجوز الاجتراء بمثله على الأئمة، وللأمام التأديب لمن أساء الأدب ~~عليه، وإن أفضى ذلك إلى هلاكه فلا إثم عليه، لأنه وقع من الضرورة فعل ما هو ~~حائز له، كيف وأن ما ذكره لازم على الشيعة، حيث أن عليا (عليه السلام) قتل ~~أكثر الصحابة في حربه، فإذا جاز القتل لمفسدة جاز التأديب بالطريق الأولى. # وضرب أبا ذر لأنه قد بلغه أنه كان في الشام إذا صلى الجمعة وأخذ الناس في # PageV00P260 # مناقب الشيخين يقول لهم: أرأيتم ما أحدث الناس بعدهما، شيدوا البنيان، ~~ولبسوا الناعم، وركبوا الخيل، وأكلوا الطيبات، وكاد يفسد بأقواله الأمور، ~~وشوش الأحوال، فاستدعاه من الشام، وكان إذا رأى عثمان قال: * (يوم يحمى ~~عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم) * فضربه عثمان بالسوط ~~على ذلك تأديبا له، وللإمام ذلك بالنسبة إلى كل من أساء الأدب عليه، وإن ~~أفضى ذلك التأديب إلى هلاكه، ثم قال له: إما أن تكف، وإما أن تخرج حيث شئت، ~~فخرج إلى الربذة غير منفي ومات فيها (1) انتهى. # وقوله " إن صح " في قوله " ضرب ابن مسعود إن صح " إشارة إلى منعه كما ~~منعه فضل بن روزبهان، وصاحب المغني منع ضرب ابن مسعود وطعنه على عثمان ~~أيضا. # وأجاب السيد عن المنعين، وهو مشتمل على جواب قول شارح التجريد وابن ~~روزبهان أيضا، وهو قوله: وأما ما حكاه عن أبي علي من أن ضرب ابن مسعود لم ~~يصح، ولا طعن ابن مسعود عليه، وإنما كره جمع الناس على قراءة زيد، وإحراقه ~~المصاحف، وأنه قيل: أن بعض موالي عثمان ضربه لما سمع منه الوقيعة في عثمان ~~" فالمعلوم المروي خلافه، ولا يختلف أهل النقل في طعن ابن مسعود عليه وقوله ~~فيه أشد القول وأعظمه، وذلك معلوم كالعلم بكل ما يدعى فيه الضرورة. # وقد روى كل من روى سيرة من أصحاب الحديث على اختلاف طرقهم أن ابن مسعود ~~كان يقول: ليتني وعثمان برمل عالج يحثي علي ms207 وأحثي عليه حتى يموت الأعجز مني ~~ومنه. # وقد روي عنه من طرق لا تحصى كثرة أنه كان يقول: ما يزن عثمان عند الله ~~جناح ذباب. وتعاطي شرح ما روي عنه في هذا الباب يطول، وهو أظهر من أن # PageV00P261 # يحتاج إلى الاستشهاد عليه، وأنه بلغ من إصرار عبد الله على مظاهرته أن ~~قال لما حضره الموت: من يتقبل مني وصية أوصيه بها على ما فيها؟ فسكت القوم ~~وعرفوا الذي يريد، فأعادها فقال عمار بن ياسر: أنا أقبلها، فقال ابن مسعود: ~~لا يصلي علي عثمان، فقال: ذلك لك، فيقال: أنه لما دفن جاء عثمان منكرا ~~لذلك، فقال له قائلا: إن عمارا ولي هذا الأمر، فقال لعمار: ما حملك على أن ~~لم تؤذني؟ فقال: إنه عهد إلي أن لا اؤذنك، فوقف على قبره وأثنى عليه، ثم ~~انصرف وهو يقول: رفعتم والله بأيديكم عن خير من بقي، فتمثل الزبير بقول ~~الشاعر: # لأعرفنك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زودتني زادي ولما مرض ابن مسعود ~~مرضه الذي مات فيه، فأتاه عثمان عائدا، فقال: ما تشتكي؟ قال: ذنوبي، قال: ~~فما تشتهي؟ قال: رحمة ربي، قال: ألا أدعو لك طبيبا؟ قال: الطبيب أمرضني، ~~قال: أفلا آمر لك بعطائك؟ قال: منعتنيه وأنا محتاج إليه وتعطنيه وأنا مستغن ~~عنه، قال: يكون لولدك، قال: رزقهم على الله، قال: # استغفر لي يا أبا عبد الرحمن، فقال: أسأل الله أن يأخذ لي منك بحقي. # وصاحب الكتاب قد حكى بعض هذا الخبر في آخر الفصل الذي حكيناه من كلامه، ~~قال: هذا يوجب ذم ابن مسعود من حيث لم يقبل العذر، وهذا منه طريف، لأن ~~مذهبه لا يقتضي قبول كل عذر ظاهر، وإنما يجب قبول العذر الصادق الذي يغلب ~~في الظن أن الباطل فيه كالظاهر، فمن أين لصاحب الكتاب أن اعتذار عثمان إلى ~~ابن مسعود كان مستوفيا للشرائط التي يجب معها القبول، وإذا جاز ما ذكرناه ~~لم يكن على ابن مسعود لوم في الامتناع من قبول عذره. هذا كلام السيد (رحمه ~~الله) (1). # وبعض الخبر ms208 الذي حكى صاحب المغني في آخر الفصل هو قوله: أن عثمان اعتذر # PageV00P262 # إليه، فلم يقبل عذره، ولما أحضر عطاءه في مرضه قال له ابن مسعود: منعتني ~~إياه إذا كان ينفعني، وجئتني به عند الموت لا أقبله، وأنه طرح أم حبيبة ~~عليه ليزيل ما في نفسه فلم يجب، قال: وهذا يوجب ذم ابن مسعود إذ لم يقبل ~~الندم، ويوجب براءة عثمان من هذا العيب، لو صح ما رووه من ضربه. # وقال صاحب المغني في الفصل المذكور قبل الكلام المنقول: وقيل: أن بعض ~~موالي عثمان ضربه لما سمع منه الوقيعة في عثمان، ولو صح أنه أمر بضربه لم ~~يكن بأن يكون طعنا في عثمان بأولى من أن يكون طعنا في ابن مسعود، لأن ~~للإمام تأديب غيره وليس لغيره الوقيعة فيه إلا بعد البيان (1). # وقال السيد (رحمه الله): فأما قوله " أن عثمان لم يضربه وإنما ضربه بعض ~~مواليه لما سمع وقيعته فيه " فالأمر بخلاف ذلك، وكل من قرأ الأخبار علم أن ~~عثمان أمر بإخراجه من المسجد على أعنف الوجوه، وبأمره جرى ما جرى، ولو لم ~~يكن بأمره ورضاه لوجب أن ينكر على مولاه كسره لضلعه، ويعتذر إلى من عاتبه ~~على فعله بأن يقول: # إنني لم آمر بذلك ولا رضيته من فاعله، وقد أنكرت على من فعله، وفي علمنا ~~بأن ذلك لم يكن دليل على ما قلناه. # وقد روى الواقدي بإسناده وغيره أن عثمان لما استقدمه المدينة دخلها ليلة ~~جمعة، فلما علم عثمان بدخوله قال: أيها الناس أنه قد طرقكم الليلة دويبة من ~~نمش (2) على طعامه يقئ ويسلح، فقال ابن مسعود: لست كذلك ولكني صاحب رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر، وصاحبه يوم أحد، وصاحبه يوم بيعة ~~الرضوان، وصاحبه يوم الخندق، وصاحبه يوم حنين، قال: فصاحت عائشة: يا عثمان ~~أتقول هذا لصاحب رسول الله فقال عثمان: اسكتي. # PageV00P263 # ثم قال لعبد الله بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى بن ~~قصي: # أخرجه إخراجا عنيفا، فأخذه ابن زمعة فاحتمله حتى ms209 جاء به باب المسجد، فضرب ~~به الأرض، فكسر ضلعا من أضلاعه، فقال ابن مسعود: قتلني ابن زمعة الكافر ~~بأمر عثمان. # وفي رواية أخرى: أن ابن زمعة مولى لعثمان أسود وكان مسدما طوالا. # وفي رواية أخرى: أن فاعل ذلك يهموم (1) مولى عثمان. # وفي رواية: أنه احتمله ليخرجه من المسجد، ناداه عبد الله أنشدك الله أن ~~تخرجني من مسجد خليلي رسول الله (صلى الله عليه وآله). قال الراوي: فكأني ~~أنظر إلى حموشة ساقي عبد الله بن مسعود ورجلاه يختلفان على عنق مولى عثمان ~~حتى أخرج من المسجد، وهو الذي يقول فيه رسول الله (صلى الله عليه وآله): ~~لساقا ابن أم عبد أثقل في الميزان يوم القيامة من جبل أحد. # وقد روى محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب القرطي، أن عثمان ضرب ابن مسعود ~~أربعين سوطا في دفنه أبا ذر، وهذه قصة أخرى، وذلك أن أبا ذر (رحمه الله) ~~لما حضرته الوفاة بالربذة، وليس معه إلا امرأته وغلامه، عهد إليهما أن ~~غسلاني ثم كفناني، ثم ضعاني على قارعة الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولوا: ~~هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأعينونا على دفنه. # فلما مات فعلوا ذلك، وأقبل ابن مسعود في ركب من العراق عمارا، فلم ترعهم ~~إلا الجنازة على قارعة الطريق قد كادت الإبل تطأها، فقام إليهم العبد فقال: ~~هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأعينونا على دفنه، فانهمل ~~ابن مسعود يبكي ويقول: صدق رسول الله (صلى الله عليه وآله) تمشي وحدك، ~~وتموت وحدك، وتبعث وحدك، ثم # PageV00P264 # نزل هو وأصحابه فواروه. # فأما قوله " أن ذلك ليس بأن يكون طعنا في عثمان بأولى من أن يكون طعنا في ~~ابن مسعود " فواضح البطلان، وإنما كان طعنا في عثمان دون ابن مسعود، لأنه ~~لا خلاف بين الأمة في طهارة ابن مسعود وفضله وإيمانه، ومدح رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) وثنائه عليه، وأنه مات على الجملة المحمودة منه، وفي كل ~~هذا خلاف بين المسلمين في عثمان، ms210 فلهذا طعنا فيه (1) انتهى. # وأنكر فضل بن روزبهان ضرب ابن مسعود واستبعده أشد الاستبعاد، لظهور قباحة ~~ضربه بكلام طويل (2). # وقال صاحب إحقاق الحق: قد روى الضرب كثير من علماء الجمهور، كالشهرستاني ~~في الملل والنحل نقلا عن النظام، واعترف به شارح المقاصد وشارح التجريد. # وقال سيد المحدثين قي قصة قتل عثمان من كتاب روضة الأحباب الذي ألفه لبعض ~~أكابر ذوي الأذناب، ما هذه عبارته: وقبل از أين واقعه، يعني واقعه ء حكومت ~~عبد الله بن أبي سرح در مصر، وآمدن جماعتي از سكنه ء آن ديار بشكايت نزد ~~عثمان از أمير المؤمنين عثمان نسبت با عبد الله بن مسعود وأبو ذر غفارى ~~وعمار بن ياسر رضي الله عنهم أمور غير مناسبه واقع شده بود، وقلوب قبيله ء ~~بنى زهره وهذيل از جهت ابن مسعود، ودلهاى بنو مخزوم از قبل عمار بن ياسر، ~~وأفئده ء بنو غفار وحلفاء ايشان براي أبو ذر با عثمان صاف نبود، إلى آخره ~~فافهم انتهى. # وما ذكره شارح التجريد من قوله " أن ذلك لازم على الشيعة حيث أن # PageV00P265 # عليا (عليه السلام) " الخ في غاية السخافة، لأن أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) قتل الناكثين والقاسطين والمارقين بأمر رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وأيضا أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن حرب علي حربه على ما ~~في صحاحهم، فأي مناسبة بين قتل عثمان وضربه من هو في غاية الكمال بإخبار ~~النبي (صلى الله عليه وآله) وبين قتل أمير المؤمنين (عليه السلام) من أمر ~~بقتله بأمر النبي (صلى الله عليه وآله)؟ # ولم يتعرض شارح التجريد حكاية إحراق المصحف، لأنه إما أن يمنعه، أو ~~يلتزمه ويمنع الشناعة، أو يلتزمهما، ولعله هرب عن الأولين لظهور الاحراق ~~وانتشاره بين العامة والخاصة بحيث لم يكن قابلا للمنع، وظهور القباحة بحيث ~~لا يمكن خفاؤها على أحد له أدنى تميز، فالقول بأحدهما يدل على اختلال العقل ~~أو اللجاج، وعن الثالث لمنافاته لمحبة عثمان، فرأى السكوت أسلم. # وصاحب المغني نقل اعتراف إحراق المصحف بعد نقل منع ms211 طعن عبد الله وإكفاره ~~عن أبي علي بقوله: ولا صح عندنا طعن عبد الله عليه ولا إكفاره له، والذي ~~يصح في ذلك أنه كره منه جمع الناس على قراءة زيد وإحراقه المصاحف، وثقل ذلك ~~عليه، كما يثقل على الواحد منا تقديم غيره عليه. # وقال في جوابه: وليس لأحد أن يقول: أن إحراقه المصاحف إنما كان استخفافا ~~بالدين، وذلك لأنه إذا جاز من الرسول (صلى الله عليه وآله) أن يخرب المسجد ~~الذي بني ضرارا وكفرا، فغير ممتنع إحراق المصاحف (1). # ولا يخفى سخافة هذا الكلام وشناعته، لظهور عدم حرمة المسجد الذي بني ~~ضرارا وكفرا. والقول بعدم حرمة المصاحف المحرقة لا يجتمع مع الإسلام، ومع ~~ظهور مرتبة ابن مسعود، واعتبار ما جمعه من الأخبار المنقولة، وما ذكره ~~السيد بقوله: وروي عن ابن عباس أنه قال: قراءة ابن أم عبد هي القراءة ~~الأخيرة، أن # PageV00P266 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يعرض عليه القراءة في كل سنة في شهر ~~رمضان، فلما كان العام الذي توفي فيه عرض عليه دفعتين، وشهد عبد الله ما ~~نسخ منه فيه، وما صح فهي القراءة الأخيرة (1) انتهى. لو فرض اقتضاء المصلحة ~~محو مصحفه، أمكن محوه بالغسل الذي لا يشتمل على الاستخفاف. # ولو فرض فعل بعض عمال عثمان في كتابه مثل ما فعل عثمان في كتاب الله ~~تعالى، لعد عثمان وتبعته إياه عاصيا، ولم يرضوا له مباشرة عمل من الأعمال ~~التي يعتبر فيها العدالة، بل مباشرة العمل الذي تدل على أدنى مراتب ~~الملاطفة وإن لم يعتبر فيه العدالة، كما يحكم به من استقرا طريقتهم، بل لا ~~يبعد حكم جماعة منهم باستحقاق القتل، فكيف يحكمون بإمامة من أحرق كتاب الله ~~تعالى؟ ولو فرض اشتماله على بعض الزيادات. # وضعف توجيه شارح التجريد ضرب عمار وأبي ذر قد ظهر بما ذكرته من جلالة ~~مرتبتهما ببيان النبي (صلى الله عليه وآله) الدالة على غاية شقاوة ضاربهما. # جهله بأحكام الشريعة: # ومنها: ما رواه ابن الأثير في جامع الأصول، في أواخر الفرع الأول من ~~الفصل الثاني ms212 من الباب الثاني، عن مالك قال: بلغني أن عثمان أتي بامرأة ~~ولدت في ستة أشهر، فأمر برجمها، فقال له علي (عليه السلام): ما عليها رجم، ~~لأن الله تعالى يقول * (وحمله وفصاله ثلاثون شهرا) * وقال: * (والوالدات ~~يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة) * فالحمل يكون ستة ~~أشهر، فلا رجم عليها، فأمر عثمان بردها، فوجدت قد رجمت (2). # PageV00P267 # وروى في الفصل الثاني من كتاب الحج، من صحيح البخاري ومسلم، عن سعيد بن ~~المسيب، قال: اجتمع علي وعثمان بعسفان، فكان عثمان ينهى عن المتعة أو ~~العمرة، فقال علي (عليه السلام): ما تريد إلى أمر فعله النبي (صلى الله ~~عليه وآله) تنهى الناس عنه؟ فقال عثمان له: دعنا عنك، قال: لا أستطيع أن ~~أدعك، فلما رأى ذلك علي (عليه السلام) أهل بهما جميعا (1). # وروايات أخرى في هذا الفصل وبعده موافقة للرواية المذكورة، والروايتان ~~مشتركتان في دلالتهما على عدم استحقاق الخلافة، لدلالة العقل على عدم ~~صلاحية الجاهل للرئاسة العامة، خصوصا مع وجود العالم وشهادة القرآن عليه ~~أيضا * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لا يهدي إلا أن يهدى فما لكم ~~كيف تحكمون) * (2) ومع ظهور شهادة العقل في قوله تعالى * (فما لكم كيف ~~تحكمون) * دلالة عليها كما لا يخفى. # هل يجوز أحد من أهل الإنصاف والتميز استحقاق من يجترئ على الحكم بقتل ~~النفس المحترمة بغير علم؟ مع حضور باب مدينة العلم، وإمكان الاستعلام منه ~~لقضاء قرية من قرى أهل الإسلام، وظاهر أن هذا التجويز لا يجتمع مع التميز ~~والإنصاف، فكيف يجوز إمامة هذا المجترئ؟ وهل هذا إلا عدم المبالاة بالشرع ~~والدين؟ # وفي الرواية الثاني دلالة على تعمده في ترك مراعاة قول رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) كما ظهر من فعل عمر أيضا هذا التعمد، لأنه لو كان غرض ~~عثمان إطاعة الشرع لوجب إطاعة باب مدينة العلم فيما قال وإن لم يبين جهته، ~~لدوران الحق معه. # وبعد بيان الجهة وهي فعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن لإعراض ~~عثمان وقوله " دعنا ms213 # PageV00P268 # عنك " إلا عدم المبالاة بقول رسول الله (صلى الله عليه وآله) بل بقول ~~الله تعالى. ولو فرض أن قائل هذا القول بعض الصحابة الذي لا مزية له أصلا، ~~لأنه إذا ادعى قباحة منع عثمان للتمتع وبينها بفعل النبي (صلى الله عليه ~~وآله)، يجب الإطاعة أو بيان غلط قول ذلك البعض، وفي عدم الإطاعة وعدم تعرض ~~بيان جهة المنع، وقوله " دعنا عنك " في مقابل من بين شناعة فعله دلالة ~~واضحة على ما ذكرته. # رده الحكم بن أبي العاص: # ومنها: أنه رد الحكم بن أبي العاص، وهو طريد رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) الذي أبعده من المدينة، وامتنع أبو بكر وعمر من رده. # أجاب صاحب المغني بأنه قد نقل أن عثمان لما عوتب في ذلك، ذكر أنه كان ~~استأذن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإنما لم يقبل أبو بكر وعمر لأنه ~~شاهد واحد، فلما صار الأمر إليه حكم بعلمه. # وقال السيد (رحمه الله) بعد إنكار ما قاله القاضي: وقد روى الواقدي من ~~طرق مختلفة وغيره، أن الحكم بن أبي العاص لما قدم المدينة بعد الفتح أخرجه ~~النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الطائف، وقال: لا يساكنني في بلد أبدا، ~~فجاء عثمان فكلمه فأبى، ثم كان أبو بكر مثل ذلك، ثم كان عمر مثل ذلك، فلما ~~كان عثمان أدخله ووصله فأكرمه، فمشى في ذلك علي (عليه السلام) والزبير ~~وطلحة وسعد وعبد الرحمن بن عوف وعمار بن ياسر، حتى دخلوا على عثمان، فقالوا ~~له: إنك قد أدخلت هؤلاء القوم يعنون الحكم ومن معه، وقد كان النبي (صلى ~~الله عليه وآله) أخرجه وأبو بكر وعمر، وإنا نذكرك الله والإسلام ومعادك، ~~فإن لك معادا ومنقلبا، وقد أبت ذلك الولاة قبلك، ولم يطمع أحد أن يكلمهما ~~فيهم، وهذا سبب نخاف الله تعالى عليك فيه. # فقال: إن قرابتهم مني حيث تعلمون، وقد كان رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) حيث كلمته PageV00P269 # أطمعني في أن يأذن له، وإنما أخرجهم بكلمة بلغته عن الحكم، ولن يضركم ~~مكانهم شيئا، ms214 وفي الناس من هو شر منهم، فقال علي (عليه السلام): لا أحد شر ~~منه ولا منهم، ثم قال علي (عليه السلام): والله ليحملن بني أبي معيط على ~~رقاب الناس، والله لئن فعل ليقتلنه. # قال: فقال عثمان: ما كان منكم أحد يكون بينه وبينه من قرابة ما بيني ~~وبينه، وينال من المقدرة ما أنال إلا أدخله، وفي الناس من هو شر منه، قال: ~~فغضب علي (عليه السلام) وقال: والله لتأتينا بشر من هذا إن سلمت، وسترى يا ~~عثمان غب ما تفعل، ثم خرجوا من عنده. # وهذا كما ترى خلاف ما ادعاه صاحب الكتاب، لأن الرجل لما احتفل ادعى أن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان أطمعه في رده، ثم صرح بأن رعايته فيه ~~القرابة هي الموجبة لرده ومخالفته الرسول (1) انتهى. # وفي كلام عثمان غير ما ظهر مما ذكره السيد (رحمه الله) أمور من الشناعة: # أحدها: في قوله " وإنما أخرجهم بكلمة بلغته عن الحكم " دلالة على عده أمر ~~تلك الكلمة سهلا، كما يعلمه العارف بأسلوب الكلام، فهو تخطأة لرسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) في عدها عظيما. # وثانيها: في قوله " لن يضركم مكانهم شيئا " دلالة على عدم مبالاته بكلام ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإذا لم يكن في كون المطرودين بالمدينة ~~مضرة ظاهرة على المانعين، فلا وجه لمنعهم بزعمه. # وثالثها: عدم إطاعة كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) مع المبالغة التامة ~~والغضب الدالتين على غاية قباحة فعل عثمان، مع أن الحق يدور مع علي (عليه ~~السلام). # ورابعها: أنه نسب باب مدينة العلم والداعي إلى الجنة إلى ما هو فيه من ~~عدم # PageV00P270 # المبالاة بكلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) بقوله " ما كان منكم أحدا ~~" إلى قوله " إلا أدخله ". # تحقيق حول حديث العشرة المبشرة: # فإن قلت: يدل على إمامة الثلاثة ما اشتهر بين الناس من كون الخلفاء ~~الثلاثة من جملة العشرة الذين بشرهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بالجنة ~~(1). # وجه الدلالة: أنهم لو كانوا كاذبين في دعوى الإمامة لكانوا من أهل ms215 النار، ~~والتالي باطل بالرواية فكذا المقدم. # قلت: عمدة ما روي في بشارة العشرة رواية سعيد بن زيد، وعبد الرحمن بن ~~عوف، وهما من العشرة، فهما جالبا كرامة من الرواية، فلا اعتداد بروايتهما ~~لو فرض عدم المناقشة في عدالتهما. # ويمكن أن يكون غرض كل واحد منهما من الرواية كرامته فقط، أو مع بعض ما ~~ضمه إليه وضم تتمة العشرة لتقوية الرواية، بسبب تعلق غرض بعض بصدقها ~~باعتبار اشتمالها على بعض، وبعض آخر باعتبار اشتمالها على بعض آخر، فقويت ~~الدواعي على صدق الخبر، واشتدت بمر الدهور، وما ذكرته يدل على عدم الاعتماد ~~بصدق الخبر، ويدل على كذبه أمور: # أحدها: اشتمال الرواية على طلحة والزبير، ودلالة كلام أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) وسيرتهما على كونهما من أهل النار. أما كلامه (عليه السلام) ~~هو ما ذكر في نهج البلاغة في كلام له (عليه السلام) إلى طلحة والزبير مع ~~عمران بن الحصين الخزاعي، وذكر هذا الكتاب أبو جعفر الإسكافي في كتاب ~~المقامات: أما بعد فقد علمتما وإن كتمتما أني لم أرد الناس حتى أرادوني، ~~ولم أبايعهم حتى بايعوني، وأنكما ممن أرادني وبايعني، وأن العامة لم # PageV00P271 # تبايعني لسلطان غاصب، ولا لعرض حاضر، فإن كنتما بايعتماني طائعين، فارجعا ~~وتوبا إلى الله من قريب، وإن كنتما بايعتماني كارهين، فقد جعلتما لي عليكما ~~السبيل، بإظهاركما الطاعة وإسراركما المعصية، ولعمري ما كنتما بأحق ~~المهاجرين بالتقية والكتمان، وإن دفعكما هذا الأمر من قبل أن تدخلا فيه كان ~~أوسع عليكما من خروجكما منه بعد إقراركما به. # وقد زعمتما أني قتلت عثمان، فبيني وبينكما من تخلف عني وعنكما من أهل ~~المدينة، ثم يلزم كل امرئ بقدر ما احتمل، فارجعا أيها الشيخان عن رأيكما، ~~فإن الآن أعظم أمركما العار من قبل أن يجتمع العار والنار والسلام (1). # قال الشارح: وقد جعلت الحكم بيني وبينكما من أهل المدينة، أي: الجماعة ~~التي لم تنصر عليا ولا طلحة، كمحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، وعبد الله بن ~~عمر وغيرهم، يعني أنهم غير متهمين عليه ولا على طلحة والزبير، فإذا ms216 حكموا ~~لزم كل امرئ منا بقدر ما يقتضيه الشهادات، ولا شبهة أنهم لو حكموا وشهدوا ~~بصورة الحال لحكموا ببراءة علي (عليه السلام) من دم عثمان، وبأن طلحة كان ~~هو الجملة والفيصل (2) في أمره وحصره وقتله، وكان الزبير مساعدا له على ~~ذلك، وإن لم يكن مكاشفا مكاشفة طلحة، ثم نهاهما عن الاصرار على الخطيئة (3) ~~انتهى ما أردت نقله. # وجه دلالة كلامه (عليه السلام): أنه حكم باجتماع العار والنار من عدم ~~الرجوع ولم يرجع أحدهما، لأن الرجوع عن المحاربة فقط كما ظهر من الزبير ليس ~~رجوعا عن الخطيئة التي هي نكث البيعة، وترغيب الجماعة على البغي والعدوان، ~~بل التوبة عما صدر عنهما كانت مبنية بعد الندامة عما فعلا على أعلام الناس ~~شناعة ما صدر عنهما # PageV00P272 # من البغي على الإمام، وترغيبهما الناس إليه والسعي في إطفاء ما أوقداه من ~~الحرب والخلاف، والمعذرة عند أمير المؤمنين (عليه السلام) عما صدر عنهما من ~~القبائح، وإظهار النصرة بأي وجه يأمرهما (عليه السلام). # وترك الأمور المذكورة والهرب عن الحرب من الزبير، لو لم يكن لأغراض باطلة ~~متجددة، مثل التوجه إلى الشام إرجاء السلطنة بتبعية معاوية وغيره إياه، كان ~~منافيا للتوبة عن النكث والبغي وغيرهما، كما لا يخفى، فظهر بما ذكرته أنهما ~~قتلا باغيين ناكثين، مع مزيد في طلحة لكونه مقتولا في معركة الجهاد. # اعلم أنهم ذكروا في توبتهما روايات بعضها موضوع، وبعضها لا يدل على ~~التوبة، بل لا يبعد استنباط الاصرار منه، وبعضها ظاهر في الاصرار على ~~المعصية، وإن ذكر صاحب المغني كلها لإثبات التوبة، خوفا من سراية بغيهما ~~إلى السابقين، لظهور بطلان رواية البشارة التي من الروايات المعتبرة عندهم ~~الدالة على إمامة الثلاثة. # فقال: وروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال في خطبة له لما بلغه ~~خروج القوم إلى البصرة عند ذكره لهم: كل واحد منهم يدعي الأمر دون صاحبه، ~~لا يرى طلحة إلا أن الخلافة له لأنه ابن عم عائشة، ولا يرى الزبير إلا أنه ~~أحق بالأمر منه لأنه ختن عائشة، والله لئن ظفروا ms217 بما يريدون ولا يرون ذلك ~~أبدا، ليضربن طلحة عنق الزبير، والزبير عنق طلحة، ثم قال بعد كلام طويل: ~~والله إن طلحة والزبير ليعلمان أني على الحق وأنهما المخطئان وما يجهلان، ~~ورب عالم قتله جهله ولم ينفعه علمه (1). # نقل صاحب المغني هذه الرواية لإثبات التوبة لا معنى له أصلا، ودلالتها ~~على بغي الرجلين عالمين بالحال لا يحتاج إلى البيان، هذا مما ذكره القاضي ~~في توبة الزبير. # PageV00P273 # وقال في بيان توبة طلحة: فأما طلحة فإنه أصابه سهم، فأظهر عند ذلك ~~التوبة، ويروى أنه قال لما أصابه السهم: # ندمت ندامة الكسعي لما * رأت عيناه ما صنعت يداه وقال: والله ما رأيت ~~مصرع شيخ أضيع من مصرعي هذا، اللهم خذ لعثمان مني حتى يرضى (1) انتهى. # إنما الكلام في بغيه على إمام الزمان صلوات الله عليه، وكونه مقتولا على ~~البغي، وما نقله إنما يدل على التوبة والندامة عن قتل عثمان، لا عن البغي ~~والعدوان، بل يظهر من هذا الكلام الاصرار على البغي، كما لا يخفى على ~~المنصف. # وأما دلالة سيرتهما على كونهما من أهل النار، فلتخلفهما عن سفينة النجاة، ~~وإعراضهما عن متابعة من يدور الحق معه حيثما دار، وبغضهما إياه الذي من ~~علامة النفاق، كما يدل عليه بعض أخبار صحاحهم أيضا، وبغيهما عليه (عليه ~~السلام) وكون قتلهما مقرونا بالإصرار كما ظهر لك. # وثانيها: تكفير عمار وغيره من الصحابة عثمان، كما ظهر في مطاعن عثمان. # وثالثها: ما ذكر في مطاعن كل واحد من الثلاثة. # ورابعها: عدم ذكر أبي بكر وعمر ومن سعى لهما يوم السقيفة لدفع مقالة ~~الأنصار، مع كونهما في غاية القوة بالنسبة إلى ما ذكروه، وكذا لم يذكرها ~~أبو بكر في جواب طلحة حين نقم على تعيين عمر بالفظاظة، ولم يذكروها في سائر ~~المواضع، مع غاية الحاجة إليها، وتمسكوا بالأمور الواهية التي لا تنفعهم ~~أصلا. # وخامسها: ما رواه ابن أبي الحديد أنه قال ابن عباس: أنا أول من أتى عمر ~~حين طعن، فقال: احفظ عني ثلاثا، فإني أخاف أن لا يدركني الناس، أما أنا ms218 فلم ~~أقض # PageV00P274 # في الكلالة، ولم أستخلف على الناس، وكل مملوك لي عتيق، فقلت له: أبشر ~~بالجنة صاحبت رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأطلت صحبته، ووليت أمر ~~المسلمين فقويت عليه، وأديت الأمانة. # قال: أما تبشيرك لي بالجنة، فوالله الذي لا إله إلا هو لو أن لي الدنيا ~~بما فيها لافتديت به من هول ما أمامي قبل أن أعلم ما الخبر. وأما ما ذكرت ~~من أمر المسلمين، فلوددت أن ذلك كفافا لا علي ولا لي. وأما ما ذكرت من صحبة ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهو ذلك (1) انتهى. # وجه الدلالة على كذب الخبر: أن رواية البشارة لو كانت منقولة مع جواز ~~صدقها لم تكن مخفية على ابن عباس، ولو كانت معلومة بعنوان جواز الصدق فقط ~~لا بعنوان المعلومية ولا المظنونية لذكرها هاهنا بعنوان الانتساب إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) وإن أراد ذكر الأمرين اللذين ذكرهما لزيادة ~~المنقبة ذكرهما أيضا معها، ولم يكتف بهما البتة، وعدم ذكر الخبر في هذا ~~الوقت يدل على أن جعل الخبر أو تجويز الصدق فيه تحقق بعد هذا الزمان. # ويؤيد ما ذكرته هاهنا أن ابن عباس ذكر ولاية المسلمين هاهنا مع ضعفها ~~عنده بما نقله عنه سابقا، من تصريحه على أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~يدعي النص وعباس يشهد له وعند عمر أيضا، كما يدل عليه رضاه بعدم ضررها عليه ~~وإن لم تنفع، والرواية التي جاز صدقها كانت أقوى من هذه، فكانت بالذكر ~~أولى. # ويؤيد ما قلته ما قال ابن أبي الحديد بعد صفحة من الرواية المذكورة ~~بقوله: وفي رواية أنه قال: مسست جلده وهو ملقى، فقلت: جلد لا تمسه النار ~~أبدا، قال: فنظر إلي نظرة جعلت أرثي له منها، قال: وما علمك بذلك؟ قلت: ~~صحبت # PageV00P275 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأحسنت صحبته... الحديث، فقال: لو أن لي ~~ما في الأرض لافتديت به من عذاب الله قبل أن ألقاه أو أراه (1). وجه ~~التأييد ظاهر. # تحقيق حول الروايات الواردة في مدح الخلفاء: # فإن قلت: ms219 قد وردت روايات دالة على مدائح الصحابة عموما والخلفاء خصوصا، ~~ودلالة الثانية على حقيتهم ظاهرة، والأولى تدل عليها بوجهين: # أحدهما بسبب اندراجهم في عموم الممدوحين، والثاني بقول كثير منهم بإمامة ~~الثلاثة، وإن لم يتحقق الاجماع، لأن اجتماع كثير من الصحابة الممدوحين ~~بمدائح وافية على أمر بتوفر الدواعي الشرعية عليه يوجب القطع بأن القول ~~بهذا الأمر لا يضر بأمر الدين والآخرة، وقولهم بإمامة غير الإمام يضر به، ~~لقوله (صلى الله عليه وآله) " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية ~~" والروايات الدالة على مدائح الخلفاء كثيرة: # منها: ما روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه قال: اقتدوا باللذين ~~من بعدي أبي بكر وعمر. # ومنها: ما روي أن أبا الدرداء كان يمشي أمام أبي بكر، فقال له النبي (صلى ~~الله عليه وآله): # أتمشي أمام من هو خير منك؟ فقال أبو الدرداء: هو خير مني؟! فقال: ما طلعت ~~الشمس ولا غربت بعد النبيين والمرسلين على رجل هو أفضل من أبي بكر. # ومنها: ما روي أنه (صلى الله عليه وآله) قال لأبي بكر وعمر: هما سيدا ~~كهول أهل الجنة ما خلا النبيين والمرسلين. # ومنها: ما روي عنه (صلى الله عليه وآله): ما ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أن ~~يتقدم عليه غيره. # PageV00P276 # ومنها، ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: خير أمتي أبو بكر ثم ~~عمر. # ومنها: ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: لو كنت متخذا خليلا دون ~~ربي لاتخذت أبا بكر خليلا، ولكن هو شريكي في ديني وصاحبي الذي أوجبت له ~~صحبتي في الغار وخليفتي في أمتي. # ومنها: ما روي عنه (صلى الله عليه وآله) وقد ذكر عنده أبو بكر: وأين مثل ~~أبي بكر؟ كذبني الناس وصدقني، وآمن بي، وزوجني ابنته، وجهزني بماله، ~~وواساني بنفسه، وجاهد معي ساعة الخوف. # ومنها: ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): خير الناس بعد النبيين ~~أبو بكر، ثم عمر، ثم الله أعلم. # ومنها: ما روي عنه (عليه السلام) إذ قيل ms220 له: ما توصي؟ وما تعين من يقوم ~~مقامك بعدك؟: ما أوصى رسول الله حتى أوصي، ولكن إن أراد الله بالناس خيرا ~~أجمعهم على خيرهم كما جمعهم بعد نبيهم على خيرهم. # ومنها: ما روي عن عمرو بن العاص، قلت لرسول الله (صلى الله عليه وآله): ~~أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: من الرجال؟ قال: أبوها، ثم قلت: ثم ~~من؟ قال: عمر وقال النبي (صلى الله عليه وآله): لو كان بعدي نبي لكان عمر. # ومنها: ما روي عن ابن عمر: كنا نقول ورسول الله (صلى الله عليه وآله) حي ~~حاضر: من أفضل أمة النبي بعده؟ فقال النبي (صلى الله عليه وآله): بعده أبو ~~بكر ثم عمر ثم عثمان. # ومنها: ما روي عنه (صلى الله عليه وآله): أن الحق ينطق على لسان عمر ~~وقلبه. # ومنها: ما روي عنه (صلى الله عليه وآله): أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم ~~اهتديتم. # قلت: الاستدلال بها ضعيف. أما الرواية الأولى، فبعد المنع - المشترك بين ~~الروايات وما قال السيد (رحمه الله) ونقلته سابقا، من أن راويها عبد الملك ~~بن عمير، وهو ممن شيع بني أمية، وممن ولي القضاء لهم، وكان شديد النصب ~~والانحراف عن أهل PageV00P277 # البيت أيضا، ظنينا في نفسه وأمانته، وروي أنه كان يمر على أصحاب الحسين ~~(عليه السلام) وهم جرحى فيجهز عليهم، فلما عوتب في ذلك، قال: إنما أردت أن ~~أريحهم - بأن احتمال الأمر بالاقتداء في المسائل الشرعية معارض بجهالتهما ~~التي ظهرت لك. # وبعدم احتمال العموم بكون أمير المؤمنين (عليه السلام) باب مدينة العلم ~~وأقضى الصحابة، والخصوص لا ينفعهم. واحتمال الاقتداء في أمر الخلافة ~~والإمامة محتاج إلى البيان، مع ظهور بطلانه سابقا. # واحتمال تبعيتهما في طريق أرشد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى ~~تبعيتهما في ذلك الطريق لكونهما عارفين له بسبب سلوكهما هذا الطريق قبل، لا ~~يدل على مقصودهم، ويدل على كذب الرواية، أو دلالة سياقها على إرادة معنى لا ~~ينفعهم عدم احتجاج الأولين بها في مواضع الحاجة. # وأما الروايات التي بعدها غير ما روي عن ms221 أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~فبالمنع، وأمارة الكذب التي هي عدم الاحتجاج بها في غير الأخيرة. وأما ما ~~روي عنه (عليه السلام) فالمنع وبعدم اعتقاده (عليه السلام) الخيرية فيهما، ~~كما ظهر لك سابقا وسيظهر. # وفي خصوص الرابعة والسادسة دلالة على مذهب البكرية، ومع ظهور بطلانه لا ~~يقول به من هو من أهل العلم منهم مع مزيد في السادسة، وهو تصريح ابن أبي ~~الحديد بكونها مجعولة. # وفي خصوص السابعة بمدحه بتزويج الابنة الذي لا يظهر له وجه أصلا، ومدحه ~~بالمجاهدة تجوزا عن تكثير السواد في موضع لم يهرب منه، ولعلهم يزعمون عدم ~~فراره في موضع أشرف من المجاهدة بالسيف والسنان وقتل الأبطال والشجعان، ~~وقباحته أظهر من أن تحتاج إلى البيان. # وفي خصوص العاشرة على أحبية عائشة وأبيها عند رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وأفضلية عمر، وينفي الأول ما رووا في صحاحهم عن عائشة: أن أحب الناس ~~عند رسول PageV00P278 # الله (صلى الله عليه وآله) فاطمة، وأحب الرجال بعلها. والثاني مناف لما ~~اشتهر بينهم من أفضلية أبي بكر. # وفي خصوص الثانية عشر أن الحق الذي ينطق على لسان عمر وقلبه خاص أو عام، ~~والأول لا اختصاص له به، ويكذب الثاني " لولا معاذ " و " كل الناس أفقه من ~~عمر " وغيرهما من دلائل جهالاته. # وأمارة الكذب في خصوص الرواية الأخيرة ليست عدم الاستدلال بها في المواضع ~~المذكورة، للاشتراك بين الصحابة، بل امتناع إرادة العموم وبعد العهد، وإن ~~لم ينفعهم أمارة الكذب فيها. واكتفي بهذا القدر من دلائل الضعف هاهنا. # وأذكر لك أصلا تنتفع به في مواضع كثيرة، وهو دواعي وضع أحاديث المدح في ~~شأن الخلفاء الثلاثة وبعض المتقربين بهم، بعد نقل كلام أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) وهو هذا: # ومن كلام له (عليه السلام) وقد سأله سائل عن أحاديث البدع وعما في أيدي ~~الناس من اختلاف الخبر، فقال (عليه السلام): إن في أيدي الناس حقا وباطلا، ~~وصدقا وكذبا، وناسخا ومنسوخا، وعاما وخاصا، ومحكما ومتشابها، وحفظا ووهما، ~~ولقد كذب على رسول الله (صلى الله عليه وآله) على ms222 عهده، حتى قام خطيبا ~~وقال: من كذب علي متعمدا فليتبوء مقعده من النار، وإنما أتاك بالحديث أربعة ~~رجال ليس لهم خامس: # رجل منافق مظهر للإيمان، متصنع بالإسلام، لا يتأثم ولا يتحرج بكذب على ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) متعمدا، فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم ~~يقبلوا منه ولم يصدقوا قوله، ولكنهم قالوا: صاحب رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وسمع منه، ولقف عنه، فيأخذون بقوله، وقد أخبرك الله عن المنافقين بما ~~أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك، ثم بقوا بعده، فتقربوا إلى أئمة الضلالة ~~والدعاة إلى النار، بالزور والبهتان، فولوهم الأعمال، وجعلوهم حكاما على ~~رقاب الناس، فأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا، إلا من عصم ~~الله، فهذا أحد الأربعة. PageV00P279 # ورجل سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئا لم يحفظه على وجهه، ~~فوهم فيه ولم يتعمد كذبا، فهو في يديه يرويه ويعمل به، ويقول: أنا سمعته من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوه ~~منه، ولو علم هو أنه كذلك لرفضه. # ورجل ثالث سمع من رسول الله (صلى الله عليه وآله) شيئا يأمره به ثم إنه ~~نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهى عن شئ ثم أمر به وهو لا يعلم، فحفظ ~~المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو يعلم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ ~~سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه. # وآخر رابع لم يكذب على الله ولا على رسوله، مبغض للكذب خوفا من الله، ~~وتعظيما لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يهم، بل حفظ ما سمع على وجهه، ~~فجاء به على ما سمعه، لم يزد فيه ولم ينقص منه، وحفظ الناسخ وحفظ المنسوخ ~~فجنب عنه، وعرف الخاص والعام والمحكم والمتشابه، فوضع كل شئ موضعه، إلى آخر ~~الكلام (1). # قال ابن أبي الحديد: فإن قلت: من هم أئمة الضلالة الذين تقرب إليهم ~~المنافقون الذين رأوا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وصحبوه بالزور ~~والبهتان؟ وهل هذا إلا تصريح ms223 بما تذكره الإمامية وتعتقده؟ # قلت: ليس الأمر كما ظننت وظنوا، وإنما يعني معاوية وعمرو بن العاص ومن ~~شايعهما على الضلال، كالخبر الذي رواه من رواه في حق معاوية " اللهم قه ~~العذاب والحساب وعلمه الكتاب " وكرواية عمرو بن العاص تقربا إلى قلب معاوية ~~" أن آل أبي طالب ليسوا لي بأولياء إنما وليي الله وصالح المؤمنين " ~~وكرواية قوم في أيام معاوية أخبارا كثيرة من فضائل عثمان تقربا إلى معاوية ~~بها (2). # وفيه أن تخصيص أئمة الضلالة بمن خصصه خلاف ظاهر ترتب التقرب إليهم على ~~البقاء بعده (صلى الله عليه وآله)، وأيضا ظاهر سياق السؤال عن أحاديث البدع ~~التي في أيدي # PageV00P280 # الناس أنه سؤال عن الأحاديث المتداولة بين الناس التي صارت سببا ~~للاشتباه، فالظاهر أن الجواب جواب عنه، لا عما ينجر الأمر إليه. # والظاهر أن الأخبار التي أمر معاوية بوضعها أكثرها كان بعد هذا الكلام، ~~وما كان من الأخبار التي أمر معاوية بوضعها قبله، صار سببا للاشتباه بمر ~~الدهور، لا زمان التكلم بهذا الكلام. # وإذا لوحظ ظاهر هذا الكلام بعد ملاحظة بعض آخر من كلامه (عليه السلام) ~~مثل الخطبة الشقشقية وغيرها، يحصل القطع باندراج السابقين في أئمة الضلالة ~~هاهنا، لو لم يكن المقصود بالذات منحصرا فيهم. # قال ابن أبي الحديد: روى أبو الحسن علي بن محمد بن أبي سيف المدائني في ~~كتاب الأحداث، قال: كتب معاوية نسخة واحدة إلى عماله بعد عام الجماعة: أن ~~برأت الذمة ممن روى شيئا من فضل أبي تراب وأهل بيته. فقامت الخطباء في كل ~~كورة وعلى كل منبر يلعنون عليا، ويبرأون منه، ويقعون فيه وفي أهل بيته، ~~وكان أشد الناس بلاء حينئذ أهل الكوفة، لكثرة من بها من شيعة علي (عليه ~~السلام)، فاستعمل عليهم زياد بن سمية، وضم إليه البصرة، فكان يتبع الشيعة ~~وهو بهم عارف، لأنه كان منهم أيام علي (عليه السلام) فقتلهم تحت كل حجر ~~ومدر، وأخافهم وقطع الأيدي والأرجل، وسمل العيون، وصلبهم على جذوع النخل، ~~وطردهم وشردهم عن العراق، فلم يبق بها معروف منهم. # وكتب معاوية ms224 إلى عماله في جميع الآفاق، أن لا يجيزوا لأحد من شيعة علي ~~وأهل بيته شهادة. وكتب إليهم: أن أنظروا من قبلكم من شيعة عثمان ومحبيه ~~وأهل ولايته، والذين يروون فضائله ومناقبه، فأدنوا مجالسهم وقربوهم ~~وأكرموهم، واكتبوا إلي بكل ما يروي كل منهم واسمه واسم أبيه وعشيرته. # ففعلوا ذلك حتى أكثروا في فضائل عثمان ومناقبه، لما كان يبعثه إليهم ~~معاوية من PageV00P281 # الصلات والكساء والحباء والقطائع، ويفيضه في العرب منهم والموالي، فكثر ~~ذلك في كل مصر، وتنافسوا في المنازل والدنيا، فليس يجئ مردود من الناس ~~عاملا من عمال معاوية فيروي في عثمان فضيلة أو منقبة، إلا كتب اسمه وقربه ~~وشفعه، فلبثوا بذلك حينا. # ثم كتب إلى عماله: أن الحديث في عثمان قد كثر وفشا في كل مصر وفي كل وجه ~~وناحية، فإذا جاءكم كتابي هذا فادعوا الناس إلى الرواية في فضائل الصحابة ~~والخلفاء الأولين، ولا تتركوا خبرا يرويه أحد من المسلمين في آل أبي تراب ~~إلا وتأتوني بمناقض له في الصحابة، فإن هذا أحب إلي وأقر لعيني، وأدحض لحجة ~~أبي تراب وشيعته، وأشد عليهم من مناقب عثمان وفضله. # فقرأت كتبه على الناس، فرويت أخبار كثيرة في مناقب الصحابة مفتعلة لا ~~حقيقة لها، وجد الناس في رواية ما يجري هذا المجرى، حتى أشادوا بذكر ذلك ~~على المنابر، والقي إلى معلمي الكتاتيب، فعلموا صبيانهم وغلمانهم من ذلك ~~الكثير الواسع، حتى رووه وتعلموه، كما يتعلمون القرآن، وحتى علموه بناتهم ~~ونساءهم وخدمهم وحشمهم، فلبثوا بذلك ما شاء الله. # ثم كتب إلى عماله نسخة واحدة إلى جميع البلدان: أنظروا من قامت عليه ~~البينة أنه يحب عليا وأهل بيته، فامحوه من الديوان، وأسقطوا عطاءه ورزقه. # وشفع ذلك بنسخة أخرى: من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم، فنكلوا به ~~وأهدموا داره، فلم يكن البلاء أشد ولا أكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة، ~~حتى أن الرجل من شيعة علي (عليه السلام) ليأتيه من يثق به، فيدخل بيته ~~فيلقي إليه سره، ويخاف من خادمه ومملوكه، ولا يحدثه حتى يأخذ عليه الأيمان ~~الغليظة ليكتمن ms225 عليه. # فظهر حديث كثير موضوع وبهتان منتشر، ومضى على ذلك الفقهاء والقضاة ~~والولاة، وكان أعظم الناس في ذلك بلية القراء المراؤون، والمستضعفون الذين ~~PageV00P282 # يظهرون الخشوع والنسك، فيفتعلون الأحاديث ليحظوا بذلك عند ولاتهم، ~~ويقربوا مجالسهم، ويصيبوا الأموال والضياع والمنازل، حتى انتقلت تلك ~~الأخبار والأحاديث إلى أيدي الديانين الذين لا يستحلون الكذب والبهتان، ~~فقبلوها ورووها وهم يظنون أنها حق، ولو علموا أنها باطلة لما رووها ولا ~~تدينوا بها. # فلم يزل الأمر كذلك حتى مات الحسن بن علي (عليهما السلام)، فازداد البلاء ~~والفتنة، فلم يبق أحد من هذا القبيل إلا خائف على دمه، أو طريد في الأرض. # ثم تفاقم الأمر بعد قتل الحسين (عليه السلام) وولي عبد الملك بن مروان، ~~فاشتد على الشيعة، وولى عليهم الحجاج بن يوسف، فتقرب إليه أهل النسك ~~والصلاح والدين ببغض علي (عليه السلام) وموالاة أعدائه، وموالاة من يدعي من ~~الناس أنهم أيضا أعداؤه، فأكثروا في الرواية في فضلهم وسوابقهم ومناقبهم، ~~وأكثروا من الغض من علي (عليه السلام) وعيبه والطعن فيه والشنآن له، حتى أن ~~إنسانا وقف للحجاج - ويقال: أنه جد الأصمعي عبد الملك بن قريب - فصاح به ~~أيها الأمير إن أهلي عقوني فسموني عليا، وأني فقير بائس، وأنا إلى صلة ~~الأمير محتاج، فتضاحك له الحجاج، وقال: للطف ما توسلت به قد وليتك موضع ~~كذا. # وقد روى ابن عرفة المعروف بنفطويه - وهو من أكابر المحدثين وأعلامهم - في ~~تاريخه ما يناسب هذا الخبر، وقال: إن أكثر الأحاديث الموضوعة في فضائل ~~الصحابة افتعلت في أيام بني أمية تقربا إليهم بما يظنون أنهم يرغمون أنوف ~~بني هاشم. # قلت: ولا يلزم من هذا أن يكون علي (عليه السلام) يسوءه أن يذكر الصحابة ~~والمتقدمون عليه بالخير والفضل، إلا أن معاوية وبني أمية كانوا يبنون الأمر ~~من هذا على ما يظنونه في علي (عليه السلام) من أنه عدو من تقدم عليه، ولم ~~يكن الأمر في الحقيقة كما يظنونه، ولكنه كان يرى أنه أفضل منهم، وأنهم ~~استأثروا عليه بالخلافة من غير PageV00P283 # تفسيق منه لهم ولا براءة ms226 منهم (1) انتهى. # ونقل ابن أبي الحديد في فضل عمر من غير الصحاح أحاديث: # منها: لو كان بعدي نبي لكان عمر. # ومنها: ما أبطأ عني جبرئيل إلا ظننت أنه بعث إلى عمر. # ومنها، لو لم أبعث فيكم لبعث عمر. # ومنها، إن بين عيني عمر ملكا يسدده ويوفقه. # ومنها: أن شاعرا أنشد النبي (صلى الله عليه وآله) شعرا فدخل عمر، فأشار ~~النبي (صلى الله عليه وآله) إلى الشاعر أن اسكت، فلما خرج عمر فقال له: عد، ~~فعاد فدخل عمر، فأشار النبي (صلى الله عليه وآله) بالسكوت مرة ثانية، فلما ~~خرج عمر سأل الشاعر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الرجل، فقال: هذا ~~عمر بن الخطاب، وهو رجل لا يحب الباطل. # ومنها: أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: وزنت بأمتي فرجحت، ووزن أبو ~~بكر فرجح، ووزن عمر بها فرجح ثم رجح ثم رجح. # ومنها: أن السكينة لتنطق على لسان عمر. # ومنها: أن الله تعالى ضرب بالحق على لسان عمر وقلبه. # ومنها: لو نزل إلى الأرض عذاب لما نجا منه إلا عمر. # ومنها: سراج أهل الجنة عمر. # وقال بعد هذه الروايات: وقد رووا في فضله حديثا كثيرا غير هذا، ولكنا ~~ذكرنا الأشهر، وقد طعن أعداؤه ومبغضوه في هذه الأحاديث (2). # ونقل ما ذكروه من آثار الوضع، فلا نطول بنقله، بل نكتفي بما يخطر ببالي ~~فنقول: # أما الثلاثة الأول، فيبطلها على طريقتهم ما رووا من أفضلية أبي بكر، ~~وحديث # PageV00P284 # المنزلة والطير، وعلى طريقة أهل الحق الأخيران وما ظهر من المطاعن، وفي ~~خصوص الثانية احتمالان: أحدهما انعزاله (صلى الله عليه وآله) بنصب عمر، ~~والثاني اجتماعهما في النبوة واشتغال جبرئيل بالنبي الجديد. ومع ظهور بطلان ~~الاحتمالين يبطلهما كون رسول الله (صلى الله عليه وآله) عالما بكونه خاتم ~~النبيين قبل إسلام عمر الذي تحقق في السنة السادسة من النبوة، على ما ذكره ~~ابن أبي الحديد (1). # وأيضا هل يجوز أحد إرسال النبوة إلى من يحتاج في تجويز موت النبي (صلى ~~الله عليه وآله) إلى تنبيه أبي بكر يقرأه ms227 القرآن، ويسوء الأدب غاية الإساءة ~~مرات متعددة بالنسبة إلى النبي (صلى الله عليه وآله) ويحكم بكذب رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) بعد سنين كثيرة من إسلامه، كما ظهر لك عند نقل ما ظهر ~~منه في الحديبية، منضمة إلى جهالاته بالأمور الواضحة، حتى يتوهم أن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) يجوز نبوة عمر، أو يظنها مرة بعد أخرى، وأخرى ~~بعد أخرى، مع تخلل ظهور بطلان الظن مرات متعددة، وإن فرض أنه لم يتحقق شئ ~~من الجهالات والقبائح المذكورتين منه عند فرض هذا الحديث، لأن من ظهر منه ~~هذه الموالاة بعد الحديث ظاهر أنه قبل هذا الوقت كان أنقص منه في هذا ~~الوقت، لأن العلم والإيمان يتكامل بمر الدهور لطالب الكمال. # ولا يخفى أن نسبة توالي أمثال هذا الظن إلى أحد من المسلمين نسبة أمر ~~يستنبط منها ضعف عقل المنسوب إليه، فكيف ينسب إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)؟ فلعلهم نسبوه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) غفلة عما يلزم، أو ~~رجاء لتحصيل الشركاء زائدة عن الحاصلة، أو تقوية لهذه العقيدة عمن لم يكن ~~راسخا فيها، أو اقتفاء للآباء والكبراء، أو لغير ما ذكر من الدواعي ~~والأهواء. # ويظهر حال الرابعة من استمرار جهالاته ومما ذكر من المطاعن. # PageV00P285 # وأما الخامسة، فتدل على تنبيههم عمر عما لا يجتنب منه رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)، والداعي على افتعال هذه الرواية اهتمامهم في تننزيه عمر ~~عن الباطل، فهل لم يكن يكشف بيت فاطمة (عليها السلام)، وإيذاؤها وإيذاء أهل ~~البيت (عليهم السلام) وتكذيب رسول الله (صلى الله عليه وآله) والفرار من ~~الزحف باطلة؟ وكان سماع شعر يسمعه رسول الله (صلى الله عليه وآله) باطلا. # وما وجهه ابن أبي الحديد بأنه جوز رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن ~~يذكر الشاعر في شعره ما يقتضي الانكار، فيعنف عمر على مقتضى فظاظته، فأراد ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن يرده بالرفق إن قال في شعره ما يوجب ~~الرد (1). مردود، لأنه مع بعده من ms228 سياق الرواية، فأي وجه لرد عمر على ~~الشاعر وفظاظته عليه عند حضور رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهل هذا إلا ~~توهم دفع طعن بالتزام طعن آخر. # وفي السادسة دلالة على رجحانه على أبي بكر وهو خلاف روايتهم، وعلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) وهو خلاف طريقة الإسلام، وحمل الرجحان على فتح ~~البلدان - كما توهم ابن أبي الحديد (2) - لا وجه له، لأن المقصود من رجحان ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) على الأمة ليس رجحانه عليهم في فتح ~~البلدان، بل المقصود رجحانه عليهم في الثواب والكمال، كما يعلمه كل من له ~~أدنى تميز، فما ذكره يشهد على بطلانه السياق، وبأكثر ما ذكرته سابقا أيضا ~~يظهر بطلان هذه الرواية. # فإن قلت: يندرج في الأمة الذين ظهر رجحان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~عليهم أبو بكر وعمر، وأبو بكر خارج عن الأمة الذين ظهر رجحانه عليهم، وعمر ~~أيضا خارج عن الأمة الذين ظهر رجحانه عليهم، فاندفع الاشكالان. # قلت: لا يتعارف إرادة مثل هذا التخصيص عن مثل هذه العبارة، بل ظاهر # PageV00P286 # السياق يقتضي كون الأمة الذين نسب كل واحد من الرجلين إليهم الأمة الذين ~~نسب رسول الله (صلى الله عليه وآله) إليهم، كما يعلمه العارف بأسلوب ~~الكلام، فالأمة هاهنا ما عدا الثلاثة من المسلمين، فلزم ما ألزم ولم يندفع ~~بما ذكر. # والأربعة الباقية تبطل ببعض ما ذكرته بلا حاجة إلى البيان. # روى ابن أبي الحديد روايتين صحيحتين عندهم قبل الروايات المنقولة، فقال: # فمما ذكر في المسانيد الصحيحة من ذلك، ما روت عائشة أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) قال: # كان في الأمم محدثون، فإن يكن في أمتي فعمر. أخرجاه في الصحيحين. # وروى سعد بن أبي وقاص، قال: استأذن عمر على رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وعنده نساء من قريش يكلمنه، عالية أصواتهن، فلما استأذن قمن يبتدرن ~~الحجاب، فدخل ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يضحك، قال: أضحك الله سنك يا ~~رسول الله، قال: # عجبت من هؤلاء اللواتي كن عندي، ms229 فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، فقال عمر: ~~أنت أحق أن يهبن، ثم قال: أي عدوات أنفسهن أتهبنني ولا تهبن رسول الله؟ # قلن: نعم أنت أغلظ وأفظ، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): والذي ~~نفسي بيده ما لقيك الشيطان قط سالكا فجا إلا سلك فجا غير فجك. أخرجاه في ~~الصحيحين (1) انتهى. # والأولى من الصحيحتين تندفع بلزوم رجحانه على أبي بكر، وهو خلاف روايتهم، ~~وبوفور جهالاته وزلاته. والثانية بفراره عن الزحف كما ظهر لك سابقا، ~~وبحكاية الحديبية، وكشف بيت فاطمة (عليها السلام) وايذائها، وإيذاء أهل ~~البيت. # وما ذكرته إنما يرد عليهم أن استدلوا بالرواية على كون عمر في زمان ~~إسلامه قبل هذا الكلام من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في شأنه وبعده ~~كذلك. وإن قالوا في دفع الايراد إنما قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ~~ما لقيك " بلفظ الماضي، ولعل عمر من أول الإسلام إلى # PageV00P287 # زمان التكلم بهذا الكلام كان كذلك لا بعده، فمع بعده لأنه لا يمدح رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) بمثل هذا المدح من يؤول أمره إلى ما آل إليه أمر ~~عمر لا ينتفعون به أصلا، وببعض ما يندفع به الثانية يندفع به الأولى أيضا. # فإن قلت: ما ذكرته رد للروايتين الصحيحتين اللتين سلمهما العلماء وصححهما ~~الأمناء، وهو جرأة عظيمة. # قلت: مجرد تسمية الرواية صحيحة لا يجعلها صادقة ولا معتمدة، كيف؟ وأحد ~~رواة الأولة عائشة، ومحاربتها مع أمير المؤمنين (عليه السلام) متواترة ~~وبغضها ظاهر، فكيف يجتمعان مع العدالة؟ وشناعة المحاربة واضحة، وبغضه (عليه ~~السلام) علامة النفاق، وتوبتها غير ثابتة. ولو فرض توبتها عن المحاربة لا ~~وثوق بكلامها، وكيف يمكن الاعتماد بكلامها مع ظهور كذبها بنسبة دم عثمان ~~إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) عالمة بالبراءة، جعلا لها وسيلة لإثارة ~~الفتنة. وعلى ظنهم التوبة عن الكذب في وقت ما لا وثوق بها ما لم يعلم أنه ~~كانت الرواية في وقت التوبة، وظاهر أنه لم ينضبط زمان الرواية هل كان في ~~زمان كذابيتها أو في زمان فرض توبتها. ms230 # لا يقال: زمان الصلاح أكثر من زمان الخطيئة، والظن تابع للأغلب، أو الأصل ~~تأخر الحادث. # لأنا نقول - بعد المنع من تحقق الصلاح، وعلى فرض التحقق من كون زمان ~~كونها ظاهر الصلاح أكثر، ومعارضة الأصل بمثله -: أن أمثال تلك الوجوه لا ~~توجب الوثوق الذي هو مدار جواز العمل بالرواية وبناء الأمور عليها. # وأيضا نسبة استمرار عداوة أمير المؤمنين (عليه السلام) إليها كافية ~~للاتهام لو فرض عدم العلم بها، مع أنه روى ابن الأثير في جامع الأصول عن ~~بعض صحاحهم، ولا يحضرني اللفظ بالتمام لكن أتذكر معناه وما هو محل ~~الاستدلال من اللفظ، أنه سأل ... عائشة بعد قتل الخوارج وقال: يا أمه لا ~~يمنعك ما بينك وبين علي أن تخبريني بما PageV00P288 # سمعت من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيهما؟ قالت: سمعت منه (صلى الله ~~عليه وآله) أنهم شر خلق الله، وقاتلهم خير خلق الله (1). # ولا يخفى أن كلام السائل " لا يمنعك ما بينك وبين علي " دال على ظهور ~~عداوتها لأمير المؤمنين (عليه السلام) له، كما يعرف العارف بأساليب الكلام، ~~ويظهر من الكلام عدم مبالاة عائشة بظهور ما في صدرها من العداوة، وإلا كان ~~الواجب عليها تخطئة السائل في كيفية السؤال، بأن تقول له: مثل أنه أي وجه " ~~لقولك لا يمنعك ما بينك وبين علي " والحال أنه ليس بيني وبينه إلا كمال ~~المحبة، لكونه في غاية الجلالة والكمال وخليفة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) بالاستحقاق، ومن كمل ذي القربى، فمحبته مسؤولة منا بجهات عديدة، وما ~~سمعت أو رأيت من واقعة البصرة كان زلة مني بإغواء شياطين الجن والأنس، فتبت ~~عنه واعتذرت إليه، وعفى عني عثرتي، وفي عبارتك دلالة على إصراري على الخطأ، ~~أعوذ بالله منه. # وبالجملة دلالة الخبر على بغضها وظهوره على السائل، وعدم إخفاء السائل ~~بغضها عمن روى عنه الخبر، من الواضحات التي ليست محلا للتوقف والارتياب. # وفي الرواية ضعف مشترك بينها وبين جميع روايات وردت في مدح الخلفاء ~~الثلاثة ومحبيهم ومبغضي أهل البيت (عليهم السلام) بجواز كون بعض الرواة ms231 ~~طالبا للجاه # PageV00P289 # والمنزلة من ولاتهم بافتعال الرواية على وفق هوى الولاة. # لا يقال: العدول لا يفتعلون الأكاذيب. # لأنا نقول: كان المراؤون يظهرون الخشوع ويروجون الأباطيل لمصالح دنياهم، ~~ويعتمد عليهم الديانون، كما هو مذكور في أواخر كلام أبي الحسن علي بن محمد ~~الذي نقله ابن أبي الحديد، ألم يظهر لك من اعتمادهم على رواية عائشة؟ مع ما ~~علمت من صفاتها الردية أنهم يعتمدون على رواية من لا اعتماد عليه ويصفونها ~~بالصحة. # وصحة الرواية الثانية مختلة، باشتمالها على سعد بن أبي وقاص، كيف وهو لم ~~يتبع أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم يخرج معه إلى البصرة والكوفة، مع ~~وضوح حقيته (عليه السلام) وشيوع أخبار رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكون ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) مقاتلا على التأويل، كما قاتل رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) على التنزيل، ولا يبعد استنباط قصور عقيدته من حكاية ~~الشورى أيضا، ومختلة بالضعف المشترك. # وتعرض ابن أبي الحديد لدفع آثار الوضع التي نقلها، فوجه كونه محدثا ملهما ~~بكونه مصيب الرأي في أكثر الأمور (1). # وفيه أنه لم يكن لعمر مزية في العلم حتى يوصف بالمحدث ولو كان مجازا، فإن ~~استنبط العلم من سكوت رسول الله (صلى الله عليه وآله) الذي نشأ من غاية ~~حلمه عند فظاظة عمر وأفعاله الشنيعة، مثل ضرب أبي هريرة عند تبليغ ما أمر ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) بتبليغه ومنعه منه، فبطلانه ظهر عند التكلم ~~في الرواية المذكورة، وإن استنبط من الحيل المتعلقة بانتظام أمور السلطنة، ~~سواء كانت على قانون الشرع أو خارجا عنه، فظاهر أن مدائحه (صلى الله عليه ~~وآله) إنما هي متعلقة بالأمور الشرعية. # PageV00P290 # وأنكر الفرار من الزحف، وقال: وأما باقي الأخبار، فالمراد فيها الإخبار ~~عن صحة ظنه وصدق فراسته، وهو كلام يجري مجرى الأمثال، فلا يقدح ما ذكروه. # وقال في دفع العذاب بعمر ما حاصله: أن عمر نهى عن أخذ الفدية عن أسارى ~~بدر، فأنزل الله تعالى * (لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب ~~عظيم) * (1) وقال: إذا كان ms232 القرآن نطق بذلك، لم يلتفت إلى طعن من طعن في ~~الخبر. # ووجه كون عمر سراج أهل الجنة باستضاءة من يستحق الجنة بعلم عمر في ~~الدنيا، كما يستضاء بالسراج (2). وبما ذكرته في رواية المحدث ظهر بطلان ~~توجيه رواية السراج، والفرار من الزحف ثابت. # ونقل ابن أبي الحديد روايات كثيرة دالة على فراره في موضع آخر، وقوله " ~~إذا كان القرآن نطق بذلك " الخ توهم محض، لأنه لا دلالة فيه على أن عدم ~~نزول العذاب كان ببركة عمر أو بدعائه. # قال ابن أبي الحديد بعد التوجيهات المذكورة: واعلم أن من تصدى للعيب ~~وجده، ومن قصر همته على الطعن على الناس انفتحت له أبواب كثيرة، والسعيد من ~~أنصف من نفسه ورفض الهوى وتزود التقوى (3) انتهى. # اعلم أن طريقة طالب النجاة أن لا يرجح مسألة بتبعية الآباء والكبراء، ~~والدواعي الباطلة والأهواء، بل إن كانت مما يطلب فيه اليقين، فيطلب اليقين ~~بعد تخلية النفس عما يصدها عن الوصول إلى الحق، ثم يجاهد ويسعى حتى يهديه ~~الله سبيله، وبعد ما رعى شرائط الوصول إلى الحق ووصل إليه، يجب رد روايات ~~منافية لا تحتمل الجمع بسهو بعض الرواة، أو تعمد كذبه مجملا، لعدم اجتماع ~~الحق في # PageV00P291 # المتنافيين. # لكن الروايات المنافية للحق لما صارت شبهة لبعض الناس، وصالحة لصيرورتها ~~شبهة لبعض آخر، يقتضي طريقة الهداية ذكر ما يظهر من عيوبها مفصلا، بمثل ضعف ~~السند وأمارة الكذب، سدا عن حصول الشبهة لبعض، وإزاحة للشبهة الحاصلة ~~المانعة عن الوصول إلى الحق عن بعض، وهذا في الرواية التي تظهر في المقصود. # وأما الرواية التي تشبه حالها في المقصود، فإنه يسكت عن التفصيل ويعلم ~~مجملا أحد الأمرين: إما عدم كونها من المعصوم، أو عدم إرادة منفي ما ثبت ~~بالبرهان منها. وإذا سلك هذه الطريقة في قدر صالح من رواياتهم، فيحيل ~~الباقية إلى المقايسة والجعل ببيان الدواعي الباطلة التي ظهرت لك، فإنهم لم ~~يفتروا في وضع الأخبار حتى يتعرض كل ما وضعوا بالتفصيل. # إذا عرفت ما أسسته لك هاهنا، وما بينت لك سابقا، من ms233 بطلان إمامة الثلاثة ~~بالأدلة القطعية، ظهر لك أنه ليس قصر همة أهل الحق على الطعن وحده، بل ~~غرضهم دفع روايات موضوعة منافية للحق، بأمارات دالة على وضعها، حتى لا يقع ~~الجاهل في الشبهة، وتخلص الطالب للحق الواقع فيها عنها. # وبعد ما ذكرته من البيان ظهر لك أنا لا نتعرض لعيب من نتعرض عيوبهم بمحض ~~طلب العيب، بل المقصود إظهار الحق على الطلاب، وأن من يدفع العيب عنهم تصدى ~~لدفع العيب عنهم بمحض الهوى وتبعية السلف، لا بسبب اقتفاء البرهان والحجة، ~~ونعم ما قال، والسعيد من أنصف... الخ. # فإن قلت: مدائح عمر كثيرة، فإن كان بعضها كاذبا فبعضها صادق، لأنه إذا ~~بلغت الرواية إلى الكثرة، يثبت الأمر المشترك من غير أن يحتاج إلى تصحيح ~~السند، فإذا ثبت فرار الشيطان عنه، أو ما هو بمنزلته في الدلالة على ~~استمرار PageV00P292 # كمالاته الدينية وحسن الخاتمة، فهو كاف، وإن لم يكن أكثر ما روي من ~~مدائحه صادقا، لأن من يفر الشيطان منه مثلا في ديانته لا يصدر منه القبيح. # روى ابن الأثير في جامع الأصول من صحيح الترمذي، عن بريدة، قال: خرج رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) في بعض مغازيه، فلما انصرف جاءت جويرية سوداء، ~~فقالت: إني نذرت إن ردك الله سالما أن أضرب بين يديك الدف وأتغنى، فقال ~~لها: إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا، فقالت: نذرت، فجعلت تضرب - زاد رزين ~~وتقول: # طلع الفجر علينا * من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا * ما دعا لله داع ثم ~~اتفقا - فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي ~~تضرب، ثم دخل عمر فألقت الدف تحت استها وقعدت عليه، فقال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): إن الشيطان ليخاف منك يا عمر، إني كنت جالسا وهي تضرب، ثم ~~دخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما ~~دخلت أنت يا عمر ألقت الدف وجلست عليه (1). # ومن صحيح الترمذي، عن عائشة، قالت: كان رسول الله ms234 (صلى الله عليه وآله) ~~جالسا، فسمعنا لغطا وصوت صبيان، فقام النبي (صلى الله عليه وآله) فإذا ~~حبشية تزفن والصبيان حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري، فجئت فوضعت لحيي ~~على منكب رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب ~~إلى رأسه، فقال لي، أما شبعت؟ قالت: فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده إذ ~~طلع عمر، قال: فارفض الناس عنها، قالت، فقال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): إني لأنظر إلى شياطين الجن والأنس قد فروا من عمر، قالت: # فرجعت (2). # PageV00P293 # قلت: أمثال تلك الكثرة وأضعافها لا تدل على اشتمالها على صادق، مع عظم ~~الدواعي على الافتعال، على ما عرفت مما نقله ابن أبي الحديد، ولو كانت ~~الدواعي غير ظاهرة، لوجب استنباط الكذب والبهتان من الروايات، وحصول سوء ~~الظن بالرواة، والاتهام بسوء المدرك، أو تبعية الأهواء، من الاعتماد على ~~أمثالها بمحض تبعية الآباء لما اشتملت الروايات عليها من آثار الوضع وعدم ~~الاعتماد. # أما الرواية الأولى، فهي مشتملة على أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~بالمنكر وما هو من أفعال الشيطان، وترك المغنية المنكر برؤية عمر من غير ~~حاجة إلى النهي، لخوف الشيطان من عمر، ولم لم يكتفوا بتنزيه عمر فقط؟ ولم ~~ضموا إليه نسبة القبيح إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ ولعل المعتمدين ~~على أمثال تلك الروايات أعرضوا عما أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) به ~~وعما جوزه واتبعوا ما أمر به عمر، مثل حج التمتع، ومتعة النساء، وحي على ~~خير العمل وغيرها، لدلالتها على مزية تامة لعمر. وبالجملة قباحة أمثال تلك ~~الروايات أظهر من أن تحتاج إلى التوضيح لولا تبعية الأهواء. # لا يقال: لعل نذر هذه المعصية جعلها مشروعة، ولا يبعد صيرورة بعض ما لا ~~شرعية له قبل النذر مشروعا به، ولعل هذه المعصية من هذا البعض. # لأنا نقول: سياق ما نسبوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو أن ~~الشيطان ليخاف منك يا عمر مقارنا لترك المغنية، يدل على كون فعلها في هذا ms235 ~~الوقت من أفعال الشيطان، فهو ظاهر في الجعل، وبضميمة ما ذكرته سابقا يحصل ~~القطع به. # وأما الرواية الثانية، فهي مشتملة على نسبة أمر إلى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) لا يليق بأحد من أهل العرض لو فرض عدم قباحة شرعية فيه، ولا ~~يجوز العاقل صدوره من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لو لم يكن الحرص على ~~إجلال عائشة مانعا عن إدراك القبائح، هلا يمنعهم الحياء عن نسبة أمر ينزهون ~~أنفسهم من أمثاله إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ # وأيهم يرضى أن يصنع بحليلته ما نسبوه إلى رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله)؟ أو أن ينسبوا إليه ما PageV00P294 # نسبوه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله). # وأيضا أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عائشة بالنظر إلى الملاهي ~~ورفعها حتى يمكنها النظر تجويز لتلك الملاهي البتة، لو لم يكونا ترغيبا ~~بها، فكيف يجتمع هذا مع ما نسبوه إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) " إني ~~لأنظر إلى شياطين الجن والأنس قد فروا من عمر " الدال على كون فعل الحبشية ~~من أفعال الشياطين، فلعلهم يقولون: أن حب عائشة أغفل رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) عن إدراك شناعة الفعل حتى يستنبط منه غاية جلالة عائشة، وهذا ~~التجويز برسول الله (صلى الله عليه وآله) من أقبح القبائح وأشنع الشنائع. ~~هذا. # وإذا عرفت ترغيب بني أمية في وضع الروايات في فضائل جماعة أرادوا انتشار ~~الفضيلة فيهم، واشتباه أهل الديانات بعد الوضع والاستمرار، وزعمهم بعدم ~~كونها مجعولة، كما ظهر لك مما نقلته عن أبي الحسن المدائني، وعرفت أمارة ~~الوضع فيما سموه صحاحا أيضا، وعرفت بالدلائل الواضحة بطلان خلافة الثلاثة، ~~وكونهم غاصبين لها، ظهر لك بطلان جميع روايات نقل في مدائح أحدهم وشيعتهم ~~مدحا يدل على حسن العاقبة، فإن لم تكن محيطا بتفصيل الروايات المنقولة في ~~فضائلهم، أو لم تكن قادرا على اطلاع تفاصيل الاختلال الذي اشتمل الروايات ~~عليه، فلا يضرك أصلا. # فإن قلت: إذا لم تكن الروايات المنقولة في صحاحهم معتمدة، فلم ms236 نقلتم في ~~مدائح أهل البيت (عليهم السلام) وكمل الصحابة واعتمدت عليها؟ وهل هذا إلا ~~الرجوع في رد الروايات وقبولها إلى الأهواء؟ لأنهم إن كانوا معتمدين في ~~النقل يجب قبول الكل، وإلا يجب رد الكل، والتفصيل تحكم خارج عن قانون ~~الإنصاف. # قلت: طريقة أهل العلم والتميز إذا رأى الكذب في كلام أحد أن يتجسس في ~~سببه، فإن وجده عاما فيحكم بعموم عدم الاعتماد، فإن لم يجد هذا السبب تجسس ~~في سبب آخر يصلح أن يترتب عليه ما ترتب على السبب الأول، فإن وجده فكذلك ~~حكمه، وإن لم يجد فيتأمل هل يجد في الخبر أمارة الصدق أم لا، فيتوقف في ~~PageV00P295 # الأخير ويحكم بمقتضى الأمارة في الأول. # فتجسسنا فيما روي في شأن أهل البيت وشيعتهم من المدائح، فلم نجد فيه سبب ~~الكذب الذي ظهر من الروايات الدالة على مدائح الثلاثة وأشياعهم، ولم نجد ~~فيه بدله، وهو رجاء الكذابين الجائزة، أو المنزلة، أو دفع الخوف بالكذب، ~~لأن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يعط أحدا على المدح بل على الفضل ~~والسابقة أيضا، بل كان عطاياه على وفق رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~بالتساوي، ولم يخافوا عنه بترك المدح، بل بترك البيعة الذي كان يترتب عليه ~~في زمان السابقين ما يترتب عليه، ولم يبالغ (عليه السلام) في بيعة الناس ~~حتى ترك بعض الناس بيعته (عليه السلام) لتبعية أهوائهم الردية، فلم ينقل ~~الصديق والعدو أنه (عليه السلام) تعرض لإيذائهم. # وبعد انتقاله (عليه السلام) إلى روضة القدس اشتدت الدواعي الباطلة على ~~وضع الأخبار الدالة على رذائل أمير المؤمنين (عليه السلام) وذريته (عليهم ~~السلام) وشيعته رحمهم الله، حتى ملأوا الكتب والدفاتر بما ملأوا، فما بقي ~~مما رووه من الفضائل في شأنه (عليه السلام) وسائر أهل البيت (عليهم السلام) ~~وشيعتهم أمور انتفت فيها دواعي الكذب، وتحققت فيها أمارات الصدق، فيجب رد ~~ما رددناه بما بيناه وقبول ما قبلناه بما أسسناه. # وبالحقيقة ما بقي من مدائحهم إنما هو قطرة من بحار مدائحهم، أعلنها الله ~~تعالى وأفشاها، مع غاية اهتمام من ms237 اهتم في الاخفاء ايضاحا للحجة وطريق ~~النجاة، ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيى عن بينة. # اعلم أن ابن أبي الحديد نسب وضع الأحاديث إلى بعض الشيعة وبعض أهل السنة، ~~ونقل ما زعمه من أكاذيب الشيعة، ثم قال: لما رأت البكرية ما صنعت الشيعة ~~وضعت لصاحبها أحاديث في مقابلة هذه الأحاديث، نحو " لو كنت متخذا خليلا " ~~فإنهم وضعوه في مقابلة حديث الإخاء، ونحو سد الأبواب، فإنه كان لعلي (عليه ~~السلام) فقلبته البكرية إلى أبي بكر، ونحو " ائتوني بدواة وبياض أكتب لأبي ~~بكر PageV00P296 # كتابا لا يختلف عليه اثنان، ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر " ~~فإنهم وضعوه في مقابلة الحديث المروي عنه في مرضه " ائتوني بدواة وبياض ~~أكتب لكم ما لا تضلون بعده أبدا " فاختلفوا عنده وقال قوم منهم: لقد غلبه ~~الوجع حسبنا كتاب الله ونحو حديث " أنا راض عنك فهل أنت راض " ونحو ذلك. # ثم نسب وضع حديث " لا يفعلن خالد ما أمر به " وحديث الشيخ الذي صعد ~~المنبر يوم بويع أبو بكر، فسبق الناس إلى بيعته وغيرهما إلى الشيعة. # ثم قال: وأحاديث مكذوبة كثيرة تقتضي نفاق قوم من أكابر الصحابة والتابعين ~~وكفرهم، وعلى أدون الصفات فسقهم (1)، فقابلتهم البكرية بمطاعن كثيرة في علي ~~وفي ولديه، ونسبوهم تارة إلى ضعف العقل، وتارة إلى ضعف السياسة، وتارة إلى ~~حب الدنيا والحرص عليها، ولقد كان الفريقان في غنية عما اكتسباه واجترحاه. # ولقد كان في فضائل علي (عليه السلام) الثابتة الصحيحة، وفضائل أبي بكر ~~المحققة المعلومة، ما يغني عن تكلف العصبية لهما، فإن العصبية لهما أخرجت ~~الفريقين من ذكر الفضائل إلى ذكر الرذائل، ومن تعديد المحاسن إلى تعديد ~~المساوي والمقابح، ونسأل الله تعالى أن يعصمنا من الميل إلى الهوى وحب ~~العصبية (2) انتهى. # اعلم أننا لا نجزم بكون كل رواية نقلها الشيعة في فضائل أهل البيت (عليهم ~~السلام) ورذائل الثلاثة صادرة من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ولا ننكر ~~احتمال الكذب في بعضها، لكن لا نحتاج إلى ذلك، فلذلك لم ننقل كل ms238 الأحاديث ~~التي نسب إلى الشيعة وضعها، لأن وضعها على تقدير التسليم لا يضرنا، لأن ~~مدار استدلالنا على ما عرفت إنما هو القرآن والأخبار التي نقلها أهل السنة ~~أيضا، وقد عرفت من قريب أمارات الصدق فيها، وقد عرفت دواعي الكذب فيما رووا ~~من فضائل الثلاثة، وأمارات الكذب فيما # PageV00P297 # عدوه من الصحاح أيضا. # ومراده من فضائل أبي بكر المحققة المغنية عن العصبية، ما اشتمل عليه ~~القرآن، وقد عرفت حاله، وما اشتمل عليه صحاحهم، وقد عرفت عدم صحة كثير مما ~~سموه صحيحا، فلا تغتر بهذا الاسم، كيف؟ وقد ظهر أنهم يعدون خبر عائشة ~~صحيحا، وكذلك ما رواه طلحة والزبير وسائر من خرج على الإمام لبعض الدواعي ~~الفاسدة. # ومما يدل على اعتمادهم على رواية الكاذبين، أنه يظهر من بعض رواياتهم ~~الصحيحة كذب أبي هريرة، مع حكمهم بعدالته، وهو ما رواه ابن الأثير في جامع ~~الأصول، من صحيح مسلم والنسائي، عن أبي رزين العقيلي، قال: خرج إلينا أبو ~~هريرة يوما وهو يقول - وضرب على جبهته بيده -: إنكم لتحدثون أني أكذب على ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) لتهتدوا وأضل، ألا وأشهد لسمعت رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) يقول: إذا انقطع شسع نعل أحدكم فلا يمشي في الأخرى ~~حتى يصلحها (1). # وجه الدلالة: أن قوله " تحدثون " يدل على الاستمرار التجددي، و " أن " ~~واللام على التأكيد، فيدل هذا الكلام على تكرر حكاية كذب أبي هريرة وشيوعه ~~بينهم، فلا وجه للاعتماد على روايته بتكذيب الجماعة، فكيف يجوز أن يعتمدوا ~~عليها ويعدوها من الصحاح؟ # ومما ابتلاهم إلى اعتبار الروايات الضعيفة وتسميتها بالصحيحة، حكمهم ~~بعدالة الصحابة، مع أن الروايات الصحيحة عندهم تدل على خلافه، فننقل بعضها ~~حتى يظهر لك الحال. # منها: ما رواه ابن الأثير في جامع الأصول، في آخر الفصل الثالث من كتاب ~~الفتن، وهو الكتاب الثالث من حرف الفاء، من صحيح البخاري ومسلم، عن # PageV00P298 # حذيفة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ليردن على حوضي أقوام ~~ثم يختلجون، فأقول: # أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ms239 (1). # ومن صحيح البخاري، عن المسيب بن رافع، قال: لقيت البراء، فقلت: طوبى لك ~~صحبت النبي (صلى الله عليه وآله) وبايعته تحت الشجرة، قال: يا بن أخي إنك ~~لا تدري ما أحدثنا بعده (2). # وروى ابن الأثير في جامع الأصول، في الفرع الثاني من الفصل الرابع من ~~الكتاب التاسع من حرف القاف الذي في القيامة وما يتعلق بها، من صحيح ~~البخاري ومسلم، عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): ~~أنا فرطكم على الحوض، وليرفعن إلي رجال منكم: إذا أهويت إليهم لأناولهم ~~اختلجوا دوني، فأقول: أي رب أصحابي، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك ~~(3). # ومن صحيح البخاري ومسلم، عن أنس، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: ~~ليردن علي الحوض رجال ممن صاحبني، حتى إذا رأيتهم ورفعوا إلي اختلجوا دوني، ~~فلأقولن: # أي رب أصحابي أصحابي، فليقالن لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك (4). # ومن صحيح البخاري ومسلم، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال: سمعت النبي ~~(صلى الله عليه وآله) يقول: أنا فرطكم على الحوض، من ورد شرب، ومن شرب لم ~~يظمأ أبدا، وليردن علي أقوام أعرفهم ويعرفونني، ثم يحال بيني وبينهم، قال ~~أبو حازم: # فسمع النعمان بن أبي عياش، وأنا أحدثهم هذا الحديث، فقال: هكذا سمعت سهلا ~~يقول؟ فقلت: نعم، قال: وأنا أشهد على أبي سعيد الخدري لسمعته يزيد، فيقول: # PageV00P299 # إنهم مني، فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سحقا سحقا لمن بدل ~~بعدي (1). # ومن صحيح البخاري ومسلم، عن أبي هريرة: أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) قال: يرد علي يوم القيامة رهط من أصحابي - أو قال: من أمتي - فيحلؤون ~~عن الحوض، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك، ~~أنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري، فيجلون. # وفي رواية البخاري: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: بينا أنا ~~قائم على الحوض إذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال: ~~هلم، فقلت: إلى أين؟ فقال: # إلى ms240 النار والله، فقلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا على أدبارهم، ثم إذا ~~زمرة أخرى، حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بيني وبينهم، فقال لهم: هلم، قلت: ~~إلى أين؟ قال: إلى النار والله، قلت: ما شأنهم؟ قال: إنهم قد ارتدوا على ~~أدبارهم، فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم (2). # ومن صحيح مسلم، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~يقول وهو بين ظهراني أصحابه: أني على الحوض أنتظر من يرد علي منكم، فوالله ~~ليقتطعن دوني رجال، فلأقولن: أي رب مني ومن أمتي، فيقول: إنك لا تدري ما ~~عملوا بعدك، ما زالوا يرجعون على أعقابهم (3). # ومن صحيح البخاري ومسلم، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): أني على الحوض أنظر من يرد علي، وسيؤخذ ناس دوني، فأقول: # يا رب مني ومن أمتي - وفي رواية فأقول: أصحابي - فيقال: هل شعرت ما عملوا # PageV00P300 # بعدك؟ والله ما برحوا يرجعون على أعقابهم (1). # ومن صحيح مسلم، عن أم سلمة، قالت: كنت أسمع الناس يذكرون الحوض، ولم أسمع ~~ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما كان يوما من ذلك والجارية ~~تمشطني، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: أيها الناس، فقلت ~~للجارية: استأخري عني، قالت: إنما دعا الرجال ولم يدع النساء، فقلت: إني من ~~الناس، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أني لكم فرط على الحوض، فإياي ~~لا يأتين أحدكم، فيذب عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فبم هذا؟ فيقال: ~~إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا (2). # ومن صحيح البخاري، عن ابن المسيب، قال: كان يحدث عن أصحاب النبي (صلى ~~الله عليه وآله) أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: يردن علي الحوض رجال ~~من أصحابي، فيحلؤون عنه، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا علم لك بما ~~أحدثوا بعدك، أنهم ارتدوا على أدبارهم القهقري (3). # وروى ابن الأثير في جامع الأصول، في الفصل الثاني من الباب الثاني من ~~كتاب القيامة، من صحيح البخاري ms241 ومسلم والترمذي والنسائي، عن ابن عباس، قال: # سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى قوله: ألا وإنه سيجاء برجال من ~~أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصحابي، فيقول: إنك لا تدري ما ~~أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح * (وكنت عليهم شهيدا ما دمت فيهم ~~إن تعذبهم فإنهم عبادك - إلى قوله - العزيز الحكيم) * قال: فيقال لي: أنهم ~~لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم. زاد في رواية، فأقول: فسحقا ~~فسحقا (4). # PageV00P301 # أقول هذه الروايات تدل على ارتداد كثير من الصحابة، ولا يصح أن نحمل على ~~مانعي الزكاة الذين قتل خالد بن الوليد رجالهم، وسبي ذراريهم، ونهب ~~أموالهم، ونكح امرأة مالك بن نويرة ليلة قتله، مع كونهم مسلمين مقيمين ~~للصلاة، لأن تأخير جمع الزكاة وإعطائها بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) حتى يظهر أن المدعي للأمر أهل لذلك أو لا، لا يصير سببا للارتداد. # وكيف ارتدوا وعمر الذي ينطق الحق على لسانه عندكم قال بخطأ خالد، وقال ~~باستحقاقه الرجم والقتل، ولكن أبو بكر رأى المصلحة في أمر السلطنة ترك ~~قتله، كما رأى عدم اعطاء حق أهل البيت موافقا لمصلحة السلطنة، واستمر عمر ~~على فعل خالد، ولعل عدم قتل عمر خالدا عند انتقال السلطنة إليه لعدم زيادة ~~تفضح أبي بكر وضعف سلطنة نفسه، لأن السلطنة انتقلت إليه من أبي بكر، وابن ~~أبي الحديد أيضا حكم بخطأ خالد وبعدم ارتدادهم. # وبالجملة عدم قتل خالد بما صنع من المطاعن المشهورة في أبي بكر، بأن ~~إسلام مالك بن نويرة وسائر المقتولين كان ظاهرا، وكان الداعي على قتلهم أخذ ~~الغنيمة، وتزويج زوجة مالك، وإلا لم يظهر منهم منكر يوجب القتل، بل الواجب ~~رفع شبهتهم بالبيان، لا سبي الذراري وقتلهم بالسيف والسنان، فكيف يحكم ~~بارتداد المقتولين بمجرد تأخير اعطاء الزكاة؟ # بل يجب على خالد بيان خلافة الأول بدليل شاف وبيان واف، فإن لم يظهر لهم ~~ببعض البيان والتقرير يجب المعاودة في البيان بدليل آخر لو كان له، أو ~~توضيح الأول إن خفي عليهم، ms242 والسعي البالغ في توضيح أمر الخلافة ووجوب ~~الإطاعة، والمهلة للتأمل في الأدلة وللمراجعة فيها مرة بعد أخرى، حتى يظهر ~~لهم الأمر وتنجلي عنهم الشبهة، فإن ظهر علمهم بتمامية الدليل باعترافهم أو ~~بشهادة الحال، فيعاقبهم بقدر جرمهم لا بما عوقبوا به، لأن إمامة أبي بكر ~~ووجوب إطاعة من PageV00P302 # أرسله ليسا من ضروريات الدين حتى يظنوا كفر من أنكرهما وصيرورتهم ~~بالانكار في حكم الكفار. # وهل يجوز عاقل أن يكون ما أخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن الله ~~تعالى أنك لا تدري ما أحدثوا بعدك وغيره مما اشتمل عليه الروايات إشارة إلى ~~عدم المسارعة في إعطاء الزكاة بعد انتقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~إلى روضة القدس قبل ظهور الأمر عليهم؟ # هل بلغ هذا الأمر في الفظاظة إلى مرتبة يناسب أن يعبر عنه بعبارات ~~منقولة؟ # ولا أظن هذا الظن بأحد ممن اتصف بصفتي التميز والإنصاف. # وكذلك لا يصح أن تحمل على الخوارج منفردين ولا منضمين إلى أصحاب معاوية، ~~لظهور لفظ " بعدك " في المقارنة، ودلالة السادسة على هلاك أكثر الصحابة ~~وقلة الأصحاب فيهما، ودلالة السابعة والثامنة على استمرار الارتداد بعده، ~~وحملهما على الاستمرار بعد حدوث الارتداد وإن كان بعد زمان طويل، في غاية ~~البعد، ومع بعده تدفعه الرواية الأخيرة، والروايات الثلاث تدفع الاحتمال ~~الأول أيضا واحتمال أصحاب الجمل منفردين ومنضمين. # ومما يؤيد اعتمادهم على حديث الكذابين، وتسميتهم إياه صحيحا، ما قال ~~السيد الجليل سيد مصطفى في حاشية كتاب الرجال: نقل الشيخ عبد الحميد بن أبي ~~الحديد في شرح نهج البلاغة أن معاوية بذل لسمرة بن جندب مائة ألف درهم حتى ~~يروي أن هذه الآية نزلت في علي (صلى الله عليه وآله) * (ومن الناس من يعجبك ~~قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام وإذا تولى ~~سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد) * (1) ~~وأن الآية الثانية نزلت في ابن ملجم وهي قوله * (ومن الناس من يشري نفسه ~~ابتغاء مرضات الله والله رؤوف ms243 # PageV00P303 # بالعباد) * (1) فلم يقبل، فبذل مائتي ألف فلم يقبل، فبذل ثلاثمائة فلم ~~يقبل، فبذل أربعمائة فقبل انتهى. # وليس أعلم أن محمد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري والترمذي ~~والنسائي، وغيرهم من العامة، كيف حكموا بصحة الأحاديث المستندة إلى هذا ~~الرجل ومثله (2) انتهى كلام السيد (رحمه الله). # فإن قلت: قد ظهر بما ذكرت وضع الأحاديث في فضائل الخلفاء الثلاثة وبني ~~أمية ومن شايعهم وعموم الصحابة، لبعض الأغراض الفاسدة، لكن الآيات شاهدة ~~على فضائل الصحابة، مثل * (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار) * (3) ~~وقوله تعالى * (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه نورهم يسعى بين ~~أيديهم) * (4) وقوله * (والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ~~ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا) * (5) وقوله * (ولقد رضي الله عن ~~المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة) * (6) وغيرها. # قلت: الآية الأخيرة مع بعض آيات توهموا دلالتها على فضائل من أرادوا ~~فضائله، قد تكلمنا عليها في مبحث إمامة أبي بكر، وبالتأمل فيما ذكرته هناك ~~يظهر لك ضعف التمسك بالآيتين، ومع ذلك كما يقولون بخروج جماعة سموهم أهل ~~الردة عن الإيمان، وعن بقائهم على صفة يستحقون بها المدائح، فكذلك نقول في ~~من ظلم # PageV00P304 # أمير المؤمنين (عليه السلام) وسائر أهل البيت (عليهم السلام) ونصر ~~الظالمين. # ونقول: إن ملاحظة الآية الثالثة وحال الثلاثة يوجب اليقين بخروجهم عنها، ~~لأنه لم يظهر منهم شدة على الكفار في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~أصلا، حتى لم يقدر تبعتهم على وضع رواية على قتل واحد منهم أحدا من الكفار ~~في زمان حروب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وغاية سعي تبعتهم كانت في ~~إنكار هرب بعضهم عن الحرب. # وقد نقل عن عمر في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) بعد وثاق الكفار، ~~أو ظهور بعض ما لا يليق عن بعض الحضار، قوله " مرني أن أضرب عنقه " ولما لم ~~يكن القتل مناسبا لم يأمره ولا غيره به، وأمثال هذا التمني تنشأ من الضعف ~~لا من الشدة. # نعم قد ظهر منه ومن أخيه شدة على ms244 أكمل المؤمنين والمجاهدين وأول الساجدين ~~أمير المؤمنين صلوات الله عليه وعلى سائر أهل بيته عليهم السلام، من كشف ~~بيت فاطمة (عليها السلام) وما ترتب عليه، وغصب الخلافة، وجبر أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) على البيعة، على وجه لا يليق بأحد من المؤمنين، كما يظهر من ~~مذمة معاوية التي آلت إلى المدح، كما ذكره أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~وننقله بعد. # وظهر من الأخير شدة عظيمة على من قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ~~شأنه: ما أقلت الخضراء الخ، وعلى داعي الجنة، وعلى ابن مسعود وغيرهم، كما ~~ظهر في موضعه، فهم أشداء على المؤمنين على أقبح وجه وأشنعه، لا على الكفار. # وما ظهر منهم بعد تشييد السلطنة من الأمر بقتل الكفار وفتح البلدان، لا ~~يندرج في الآية، بل الداعي عليه هو الداعي لمعاوية وسائر بني أمية وسائر من ~~يطلب السلطنة بأي وجه تيسر. # ومن العجائب توهم صدقهم في دعوى الإمامة بالآيات والأخبار الخاليتين عن ~~الدلالة، ولم يحكموا ببطلان خلافتهم وكذبهم في الدعوى، مع ظهور كذبهم ~~للمتتبع بملاحظة رواياتهم، ومع كفاية بعض ما ذكرته للمسترشد نشير إليه ~~إشارة خفيفة PageV00P305 # تأكيدا للسابق. # شكاية علي (عليه السلام) ممن تقدمه: # ومن الدلائل على بطلان إمامة الثلاثة، كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~المنقول في نهج البلاغة، وهو قوله (عليه السلام): اللهم إني أستعديك على ~~قريش ومن أعانهم، فإنهم قد قطعوا رحمي، وأكفؤوا إنائي، وأجمعوا على ~~منازعتي، حقا كنت أولى به من غيري، وقالوا: ألا إن في الحق أن تأخذه، وفي ~~الحق أن تمنعه، فاصبر مغموما، أو مت متأسفا، فنظرت فإذا ليس لي رافد، ولا ~~ذاب ولا مساعد، إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن المنية، فأغضيت على القذى، ~~وجرعت ريقي على الشجا، وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم، وآلم للقلب ~~من وخز الشفار (1). # الشرح: واعلم أن هذا الكلام قد نقل ولم يورخ الوقت الذي قاله فيه، ولا ~~الحال التي عناها به، ويحملون ذلك على أنه (عليه السلام) قال عقيب الشورى ~~وبيعة عثمان، فإنه ليس يرتاب ms245 أحد من أصحابنا من أنه تظلم وتألم حينئذ، ~~ويكره أكثر أصحابنا حمل أمثال هذا الكلام على التألم من يوم السقيفة. # ولقائل أن يقول لهم: أتقولون بيعة عثمان لم تكن صحيحة؟ فيقولون: لا، ~~فيقال لهم: فعلى ماذا تحملون كلامه (عليه السلام) مع تعظيمكم له وتصديقكم ~~لأقواله؟ فيقولون: # نحمل ذلك على تألمه وتظلمه منهم، إذ تركوا الأولى والأفضل، فيقال لهم: ~~فلا تكرهوا قول من يقول من الشيعة وغيرهم أن هذا الكلام وأمثاله صدر عقيب ~~يوم السقيفة، واحملوه على أنه تألم وتظلم من كونهم تركوا الأولى والأفضل ~~والأحق، فإنكم لستم تنكرون أنه كان الأفضل والأحق بالأمر، بل تعترفون بذلك ~~وتقولون # PageV00P306 # ساغت إمامة غيره وصحت لمانع كان فيه (عليه السلام) وهو ما غلب على ظنون ~~العاقدين للأمر أن العرب لا تطيعه، وأنه يخاف من فتنة عظيمة تحدث إن ولي ~~الخلافة لأسباب يذكرونها ويعدونها. # وقد روى كثير من المحدثين أنه عقيب يوم السقيفة تألم وتظلم، واستنجد ~~واستصرخ، حيث ساموه الحضور والبيعة، وأنه قال وهو يشير إلى القبر: يا بن أم ~~إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني، وأنه قال: وا جعفراه ولا جعفر لي ~~اليوم، وا حمزتاه ولا حمزة لي اليوم. # وقد ذكرنا من هذا المعنى جملة صالحة فيما تقدم، وكل ذلك محمول عندنا على ~~أنه طلب الأمر من جهة الفضل والقرابة، وليس بدال عندنا على وجود النص، لأنه ~~لو كان هناك نص لكان أقل كلفة وأسهل طريقا، وأيسر لما يريد تناولا أن يقول: ~~يا هؤلاء أن العهد لم يطل، وأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمركم ~~بطاعتي، واستخلفني عليكم بعده، ولم يقع منه (صلى الله عليه وآله) بعد ما ~~علمتموه نص ينسخ ذلك ويرفعه، فما الموجب لتركي والعدول عني؟ # فإن قالت الإمامية: كان يخاف القتل لو ذكر ذلك. قيل لهم: فهلا يخاف القتل ~~وهو يعتل ويدفع ليبايع، ويستصرخ تارة بقبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وتارة بعمه حمزة وأخيه جعفر وهما ميتان، وتارة بالأنصار، وتارة ببني عبد ~~مناف، ويجمع الجموع في داره، ويبث الرسل ms246 والدعاة ليلا ونهارا إلى الناس، ~~يذكرهم فضله وقرابته، ويقول للمهاجرين: خصمتم الأنصار بكونكم أقرب إلى رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) وأنا أخصمكم بما خصمتم به الأنصار، لأن القرابة ~~إن كانت هي المعتبرة فأنا أقرب منكم. # وهلا خاف من هذا الامتناع؟ ومن هذا الاحتجاج؟ ومن الخلوة في داره ~~بأصحابه، ومن تنفير الناس عن البيعة التي عقدت حينئذ لمن عقدت له؟ # وكل هذا إذا تأمله المنصف، علم أن الشيعة أصابت في أمر، وأخطأت في أمر. ~~PageV00P307 # أما الأمر الذي أصابت فيه، فقولها أنه امتنع وتلكأ، وأراد الأمر لنفسه. ~~وأما الأمر الذي أخطأت فيه، فقولها أنه كان منصوصا عليه نصا جليا بالخلافة، ~~تعلمه الصحابة كلها أو أكثرها، وأن ذلك النص خولف طلبا للرئاسة الدنيوية، ~~وإيثارا للعاجلة. # وأن حال المخالفين للنص لا تعدو أحد أمرين: إما الكفر أو الفسق، فإن ~~قرائن الأحوال وأماراتها لا تدل على ذلك، وإنما تدل وتشهد بخلافه، وهذا ~~يقتضي أن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان في مبدء الأمر يظن أن العقد ~~لغيره كان عن غير نظر في المصلحة، وأنه لم يقصد به إلا صرف الأمر عنه، ~~والاستئثار عليه، فظهر منه ما ظهر من الامتناع والقعود في بيته، إلى أن صح ~~عنده وثبت في نفسه أنهم أصابوا فيما فعلوه، وأنهم لم يميلوا إلى هوى، ولا ~~أرادوا الدنيا. # وإنما فعلوا لأصلح في ظنونهم، لأنه رأى من بغض الناس له، وانحرافهم عنه، ~~وميلهم عليه، وثوران الأحقاد التي كانت في أنفسهم، واحتدام النيران التي ~~كانت في قلوبهم، وتذكروا الترات التي وترهم فيما قبل بها، والدماء التي ~~سفكها منهم وأراقها. # وتعلل طائفة أخرى منهم العدول عنه بصغر سنه، واستهجانهم تقديم الشباب على ~~الكهول والشيوخ. وتعلل طائفة أخرى منهم بكراهية الجمع بين النبوة والخلافة ~~في بيت واحد، فيجفخون على الناس، كما قاله من قاله. هذا كلام ابن أبي ~~الحديد (1). # وقبل أن نتكلم على الكلام نقدم مقدمات: # إحداها: أن الدنيا كانت عند أمير المؤمنين (عليه السلام) في غاية الصغر، ~~كما يدل عليه سيرته (عليه السلام) وكلامه في ms247 موارد متعددة، مقرونا بشهادة ~~الحال، ولهذا لم ينسب من له # PageV00P308 # أدنى مراتب الإنصاف إلى احتمال المبالغة. أما سيرته (عليه السلام) في ترك ~~ملاذ الدنيا وصغرها عنده، فأظهر من أن يحتاج إلى البيان. وأما كلامه (عليه ~~السلام) في موارد شتى وطلاقه الدنيا طلقة لا رجعة فيها، فمشهور. # وثانيتها: روى ابن الأثير في جامع الأصول، في كتاب الفضائل، من صحيح ~~الترمذي، عن علي (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~إلى أن قال: رحم الله عليا، اللهم أدر الحق مع علي حيثما دار. # ولما لم يكن أمير المؤمنين (عليه السلام) متهما عند أحد لم يكن مبتلى ~~بالنفاق، فكونه راوي فضيلة لنفسه لا يضر، فلهذا نقلوا الرواية في كتبهم ~~المعتبرة، وعدوها من الصحاح، ولعل هذا المعنى مما بينه رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) في مواضع متعددة بألفاظ متغايرة، فمنه ما اشتهر بين الخاصة ~~والعامة، وهو أنه يدور الحق مع علي حيثما دار (1). # وثالثها: كون إطاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) واجبة على المؤمنين (2)، ~~كما يظهر مما # PageV00P309 # ننقل من كلامه (عليه السلام) وكلام الشارح، قال الأصل: أنا يعسوب الدين، ~~والمال يعسوب الفجار، قال: ومعنى ذلك أن المؤمنين يتبعونني، والفجار يتبعون ~~المال، كما يتبع النحل يعسوبها وهو رئيسها (1). # الشرح: هذه كلمة قالها رسول الله (صلى الله عليه وآله) بلفظين مختلفين: ~~تارة أنت يعسوب الدين، وتارة أنت يعسوب المؤمنين، والكل راجع إلى معنى ~~واحد، كأنه جعله رئيس المؤمنين وسيدهم، أو جعل الدين يتبعه ويقفو أثره حيث ~~سلك، كما يتبع النحل اليعسوب، وهذا نحو قوله " الحق معه كيف دار " (2) ~~انتهى. # وظهر منه لفظ الخبر في دوران الحق مع علي (عليه السلام). # ورابعتها: ذكاء سلمان وجودة ذهنه وجلالة قدره، كما ظهر مما نقلنا عن رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) سابقا. ويؤيده ما قال ابن أبي الحديد: قال أبو ~~عمر: وقد روي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) من وجوه أنه قال: لو كان ~~الدين في الثريا لناله سلمان. وفي رواية أخرى: # لناله رجل ms248 من فارس. قال: وقد روينا عن عائشة قالت: كان لسلمان مجلس من ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ينفرد به بالليل حتى كاد يغلبنا على رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله). # PageV00P310 # قال: وقد روي من حديث ابن بريدة، عن أبيه أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) قال: أمرني ربي بحب أربعة، وأخبرني أنه يحبهم: علي، وأبو ذر، ~~والمقداد، وسلمان. # قال: وروى قتادة، عن أبي هريرة، قال: سلمان صاحب الكتابين يعني الإنجيل ~~والقرآن. وقد روى الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي البختري، عن علي (عليه ~~السلام) أنه سئل عن سلمان، فقال: علم العلم الأول والعلم الآخر، ذاك بحر لا ~~ينزف، وهو منا أهل البيت. قال: وفي رواية زادان، عن علي (عليه السلام): ~~سلمان الفارسي كلقمان الحكيم (1). # إذ عرفت هذه المقدمات نقول: قوله " ليس يرتاب أحد من أصحابنا أنه تظلم ~~وتألم حينئذ يدل على مظلوميته (عليه السلام)، وحمل هذا التظلم والتألم على ~~أنه (عليه السلام) أظهر هذا التظلم من تركهم الأولى " لا يصح من وجوه: # أحدها: أنه لا يجتمع تظلمه (عليه السلام) وتألمه وتكلمه بما تكلم في هذا ~~الكلام مع إمامة من تظلم (عليه السلام) منه، لأن الاستعداء هو طلب ~~الانتقام، وطلب الانتقام إنما يكون بعد أن يكون الطالب مظلوما، والمطلوب ~~منه ظالما عمدا، وظاهر أن أهل الديانة لا يطلبون الانتقام بتجويز كون أحد ~~ظالما عليه بل ولا بالظن أيضا، فطلب أمير المؤمنين (عليه السلام) من الله ~~تعالى انتقام قريش ومن أعانهم يدل على علمه بكونهم ظالمين وعلمه (عليه ~~السلام) بكونهم ظالمين يدل على كونهم ظالمين بوجوه: # أحدها: كونه (عليه السلام) أعلم الناس وأتقاهم، فلا يجوز العقل جهله وعلم ~~أدنى المهاجرين والأنصار بخطأه؟ نعوذ بالله من أمثال هذه الظنون. # وثانيها: كونه (عليه السلام) باب مدينة العلم بإخبار النبي (صلى الله ~~عليه وآله). # لا يقال: كمال علمه (عليه السلام) مسلم، لكن محبة الأمر والحرص عليه قد ~~تصير سببا # PageV00P311 # لغفلة الطالب عن بعض المفاسد والموانع التي يدركها من هو أدنى مرتبة منه ms249 ~~في العلم والادراك. # لأنا نقول: هذا إنما يتصور في من استغرق في الحرص في الأمور الدنيوية، ~~وظهر في المقدمة الأولى أن مرتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) كانت أعلى من ~~أن يتوهم فيه هذا التوهم، بل كان هذا التظلم منه (عليه السلام) لإظهار خطأ ~~الظالمين، والسعي فيما أمر به بقدر المقدور، وإتمام الحجة على الناس، وإلا ~~فكيف يجز غفلته (عليه السلام) عن الأمر وإصراره فيه؟ مع ظهوره على أوساط ~~الناس وأدانيها. # وثالثها: دوران الحق معه، كما ظهر من المقدمة الثانية، فيدل على كون قريش ~~على باطل. # وثانيها: أن ظلم قريش إياه وخروجهم عن إطاعته، يدل على خروجهم عن الدين ~~وعن المؤمنين، كما ظهر من المقدمة الثالثة، فلا وجه لحمل التظلم على التظلم ~~على ترك الأولى. # وثالثها: أن امتناع سلمان - مع جودة ذهنه وجلالته، كما ظهرتا من المقدمة ~~الرابعة - عن البيعة، وتمسكه ببيت فاطمة (عليها السلام) مع بني هاشم، ~~لتجويز منع الحياء عن سرعتهم في كشف بيت فاطمة (عليها السلام)، يدل على ~~ظهور بطلان ما أرادوا، وإلا كان مقتضى طريقته التي هي طلب الحق - كما هو ~~ظاهر من كيفية إسلامه وفضائله - أن يستفسر وجه اختيار أبي بكر، ويظهر ما في ~~قلبه عليهم، ويطلب منهم أن يظهروا ما في قلبهم عليه، حتى يظهر الحق على ~~طالبه. # ورابعها: أنه لو كان داعيهم على طلب البيعة إطاعة الشارع وإعلاء كلمة ~~الله، وكان اختيارهم من اختاروه للاستحقاق، بمقتضى دليل دلهم على الاختيار ~~لا تعمد الظلم والحيلة، لم يكن للتشديد وجه أصلا، لأن امتناع أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) ومن وافقه في الامتناع لم يكن إلا لعدم ظهور استحقاق الأول ~~عليهم، وإتمام الدليل الذي PageV00P312 # هو مقتضى المقام لا يكون بالتشديد، كما ذكرته سابقا، ولعل دليلهم كان من ~~جنس البرهان القاطع الذي أظهرته الملاحدة على الإمام الرازي. # وفي قوله (عليه السلام) وهو يشير إلى القبر " يا بن أم إن القوم ~~استضعفوني وكادوا أن يقتلونني " إشارة إلى أن الأمة في خلافة أبي بكر فعلوا ~~بأمير المؤمنين (عليه السلام) ما فعل ms250 بنو إسرائيل في عبادة العجل بهارون، ~~فظهر مقتضى ما يستفاد من كلام رسول الله (صلى الله عليه وآله) من التوافق ~~التام بين ما يظهر من الأمتين، وكون أمير المؤمنين (عليه السلام) منه (صلى ~~الله عليه وآله) بمنزلة هارون من موسى. # ومع ظهور ما ذكرته هل يليق بعاقل أن يجوز أن يستصرخ أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) ويستنجد بالقبر والأخ والعم وغيرهم في الخلافة التي تحققت في أبي ~~بكر بغير ظلم وعدوان؟ بل لا يليق بمن انتفع بملازمة أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) بأدنى مراتب أخلاق يكتسب من مثله (عليه السلام) أن يتأسف في أمر ~~دنيوي، وإن كان سلطنة كل الكائنات بألوف سنة، فكيف يجوز أن يكون استصراخه ~~(عليه السلام) في أمر الدنيا على ما يلزمهم. # وبالجملة لا محمل لأمثال هذا الكلام منه (عليه السلام) غير السعي فيما ~~كلف به من تحصيل الأمر الذي جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) بأمر الله ~~تعالى فيه بقدر يناسب ويليق، وإتمام الحجة على المكلفين. # وفي قول الشارح " وكل ذلك محمول عندنا - إلى قوله - عقدت له " نظر بين ~~يظهر مما ذكرته، ويضعفه أيضا ما نقل هو عن ابن عباس من دعوى أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) النص وشهادة عباس له (عليه السلام) ونقله دوران الحق مع علي ~~(عليه السلام) مع شيوعه، ونقله استصراخ أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~بالأحياء والأموات على وجه لا يمكن صدوره عن مثل أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) بغير علمه بظلمهم عليه لو لم يكن حديث دوران الحق، فكيف ينكر تحقق ~~النص في شأنه؟ ويجعل أمثال تلك الخيالات التي ذكرها هاهنا قرينة على العدم. ~~PageV00P313 # اعلم أن أفعاله (عليه السلام) وأقواله دالتان على وجود النص، كما أومأت ~~إليه، وأن المقامات تختلف في مناسبة البرهان والجدل، فربما كان أحدهما أنسب ~~في وقت والآخر في وقت آخر، وقد عرفت في مبحث إمامة أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) دلالة الكتاب وحديث الغدير والمنزلة والعترة وغيرها على بطلان ~~الثلاثة وحقية أمير المؤمنين (عليه السلام) ولا يحتاج إلى نص آخر لو فرض ms251 ~~انتفاؤه في إثبات الأمرين. # والروايات المذكورة مع غاية الشهرة مثبتة في صحاحهم مسلمة بينهم، ولا ~~كلام لأحد ممن لم يغلب اللجاج على طبعه في شيوع الروايات وصحتها، لكن ~~الدواعي الباطلة منعتهم عن الاعتراف بمقتضاها، فأولوها بما أولوها به، وقد ~~بينت دلالتها على المطلوب، وبطلان تأويلاتهم، ولاختلاف المقامات تمسك (عليه ~~السلام) بعد السقيفة بأمور، وعند الشورى بأمور، وذكر في مقامات أخرى ما ~~يناسب الوقت. # واعلم أن تأثير الجدل في أذهان أوساط الناس أكثر من تأثير البرهان، بل قد ~~يكون تأثير الشعر في أذهان بعض أكثر من غيره، فلعله لهذا تكلم (عليه ~~السلام) بعد السقيفة بأنه إن كان للقرابة التي تمسكتم بها دلالة على ~~الأحقية بالأمر فأنا أحق به لا أنت، وإلا فيحتاج بيان الاستحقاق إلى دلالة ~~مستأنفة. # ويمكن أن يكون وجه ذكر الجدل عدم حاجة ما اختص به (عليه السلام) الدال ~~على تعيينه بالاستحقاق إلى البيان، فلعله (عليه السلام) قال: فإن كانت ~~القرابة منشأ للاستحقاق، فهي تدل على استحقاقي، مع مزيد معلوم مشهور لا ~~اشتراك لأحد معي فيه، فذكر الالزام بعنوان الاكتفاء. # وبالجملة أنواع الدلائل على بطلان الثلاثة صدرت منه (عليه السلام) مثل ~~قلب دليلهم، وامتناعه (عليه السلام) في مدة متمادية عن البيعة الدال على ~~حكمه (عليه السلام) ببطلانها الدال على بطلانها، وجمع الجموع في داره، وبث ~~الرسل والدعاة ليلا ونهارا إلى الناس وذكر فضله وقرابته، ولو ظهر منه واحد ~~مما ذكر لم يكن للحكم بصحة البيعة للأول وجه PageV00P314 # أصلا، لو لم يلاحظ جلالته ودوران الحق معه، فإذا ضم أحدهما إلى كثير من ~~الأمور المذكورة يدل مع الأدلة على بطلان إمامة الأول على إمامته (عليه ~~السلام). # وما ذكره من أن قرائن الأحوال وأماراتها لا تدل على ذلك الخ، في غاية ~~السخافة، ولا يحتاج إلى بيانها بعد ما ذكرته، ومع ذلك أقول: مع علمه (صلى ~~الله عليه وآله) بسن أمير المؤمنين (عليه السلام) وبغض الناس وقتله (عليه ~~السلام) كثيرا من الكفار، نص عليه كما ظهر، فلا وجه لجعل البغض والقتل ~~والسن سببا ms252 لتغيير ما عينه تعالى، أو عينه الرسول (صلى الله عليه وآله) ~~بتعيين الله. # ولو كان البغض الناشي من القتل سببا لتغيير اللايق وسلب استحقاق الإمامة، ~~لم يأمر الله تعالى الأنبياء بقتل الكفار، لأن أمر البغض لا يختلف بالنسبة ~~إلى الإمامة والنبوة. وجعل السن مانعا لا معنى له بعد قوله تعالى * ~~(وآتيناه الحكم صبيا) * (1) ومع هذا كيف يستهجنون تقديم الشباب على الكهول ~~والشيوخ؟ مع تقديم أسامة عليهما. وضعف توهم عدم اجتماع النبوة والإمامة في ~~بيت أظهر من أن يحتاج إلى البيان. # وما يستفاد من كلام الشارح أن جميع ما ظهر من أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) من الأقوال والأفعال المنقولتين وغير المنقولتين، كانتا ناشئتين من ~~عدم اطلاعه على ما اطلع عليه الأراذل والأداني من المفاسد والموانع، في ~~غاية الشناعة. # أقول: هل اطلعت أنت وصاحب المقاصد والمواقف وغيركم في مدة شهر أو سنة أو ~~عشر سنين ما لم يطلع أمير المؤمنين (عليه السلام) مدة حياة فاطمة (عليها ~~السلام)، هذا أمر لا ينبغي أن يتفوه به أحد، بل لم يطلع إلى ثلاثين سنة أو ~~قريب منه على زعمكم، لاشتمال كلامه (عليه السلام) على التظلم في زمان ~~خلافته، كما تنطق به الخطبة الشقشقية وغيرها، إذ # PageV00P315 # لو ظهر عليه (عليه السلام) أنه لم يكن غرض السابقين أمر الدنيا، بل كان ~~مقتضى زعمهم أنه يجب عليهم أن يفعلوا ما فعلوا على ما زعمت. # أو كان الأولى بحسب الواقع أو الواجب ما فعلوا على ما زعمه جمع كثير ~~منهم، لم يكن للشكوة منهم والتظلم منهم وجه، بل تجويز عدم اطلاع سلمان في ~~يوم واحد من أمر الخلافة ما ظنوا أنهم اطلعوا في سبعين سنة أو أزيد، لا ~~ينشأ إلا من سخافة العقل أو اللجاج وتبعية من يضر تبعيته، لأن عدم اطلاع ~~سلمان على وقوع البيعة على وفق الشرع الأنور، واستحقاق الإمامة في يوم مع ~~اتصافه بالأوصاف المعلومة من تتبع أحواله، وبما أخبر به رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)، وظهور دليل العاقدين عليه، وإمكان استعلام ما لو فرض ms253 ~~خفاؤه بأيسر وجه، يدل دلالة قطعية على بطلان البيعة وما يتفرع عليها، ~~وامتناعه وتمسكه ببيت الطاهرة (عليها السلام) أظهر دلالة. # فظهر أن عدم اطلاع سلمان كاف للدلالة على بطلان أمرهم، لو لم ينضم إليه ~~الامتناع الذي يتقوى بانضمامه، وكذا لو لم ينضم توافق أبي ذر ومقداد اللذين ~~أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بحبهما، الدال على غاية جلالتهما ~~وانقيادهما للحق أكثر من أصحاب السقيفة الذين زعمتم صدور بيعتهم مقرونا ~~بالعلم بالاستحقاق، هل يظهر الاستحقاق فلتة على من يكون النسوان أعلم منه؟ ~~ولا يظهر بالتأمل على من يعلم الإيمان لو فرض في الثريا. # وذكر ابن أبي الحديد بعد ما نقلنا منه من أسباب العدول عن أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) ما حاصله: استصعاب قوم شدته (عليه السلام) وعدم المداراة ~~وانحراف قوم عنه للحسد الناشي من شدة اختصاصه (عليه السلام) برسول الله وما ~~قال في حقه من النصوص الدالة على رفعة شأنه، وما اختص به من مصاهرته وإخوته ~~ونحو ذلك، وأنه ينكر قوم آخرون لنسبتهم إليه التيه، والعجب، واستصغار ~~العرب، وإن كانوا كاذبين، وأعانهم عليها ما كان يصدر عنه (عليه السلام) ما ~~يوهم العجب، مثل قوله " فإنا صنايع ربنا PageV00P316 # والناس بعد صنايع لنا " (1). # فظهر له أن الأمر لا يستقيم به يوما واحدا، بل يكون فيه استئصال الإسلام، ~~فأذعن بالبيعة وجنح إلى الطاعة، وأمسك عن طلب الأمر، وإن كان على مضض ورمض، ~~فقد رأيت انتقاض العرب عليه من أقطارها حين بويع بالخلافة بعد وفاة رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) بخمس وعشرين سنة، وفي دون هذه المدة تنسى ~~الأحقاد، فلو أفضت الخلافة إليه يوم وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~وسيفه بعد تقطر من مهج العرب، تدرس أعلام الملة، وتتعفى رسوم الشريعة، ~~وتعود الجاهلية الجهلاء إلى حالها، ويفسد ما أصلحه رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) في ثلاث وعشرين سنة في شهر واحد، فكان من عناية الله تعالى بهذا ~~الدين أن ألهم الصحابة ما فعلوه، والله متم نوره ولو كره المشركون انتهى. ms254 # وفيه نظر من وجوه: # أما أولا فنقول مجملا: أنه أخبر الله تعالى بما يمكن استنباط إمامة أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) منه، وأخبر رسول الله (صلى الله عليه وآله) بما هو ~~في غاية الظهور فيها، كما ذكرته سابقا، فلا وجه لمعارضتهما بما يظن دليلا، ~~فكيف يعارضان بالكلام الشعري الذي لا وقع له عند أرباب التميز. # وأما ثانيا، فلأن عدم مداراته (عليه السلام) في الأمور إنما كان لعدم ~~مساهلته (عليه السلام) في الأمور الشرعية، وعدم المساهلة فيها من الفضائل، ~~كما أن مقابله من الرذائل التي ترجحون خلفائكم بها. # فإن قلت: لا كلام في كونه فضيلة لو لم يمنع عنه مانع، لكن رعاية انتظام ~~الأمر الواجبة شرعا قلبت الرذيلة وجعلتها فضيلة، ألا ترى أن كثيرا من ~~الأمور المحرمة # PageV00P317 # في وقت وحال يصير واجبا في حال أخرى، مثل غسل الرجلين ومسحهما. # قلت: الإمامة من الأمور التي تحتاج إلى النص أو المعجزة، فبعد ثبوتها ~~يظهر أن ما فعله هو الأمر الذي فعله بإذن الله تعالى وأمره. وأيضا باب ~~مدينة العلم ومن يدور الحق معه، أعلم منك وممن زعمته أميرا عليه، ومن كل ~~أمة رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلو كان رعاية المصلحة التي زعمتم أهم ~~وأولى بحسب الشرع، كان (عليه السلام) أعلم بها وأعمل. # اعلم أن السابقين ارتكبوا كثيرا من القبائح والشنائع، مثل استرضاء أبي ~~سفيان بترك أموال المسلمين التي كانت في يده، وعدم المطالبة عليه، وجعل ~~ولده يزيد بن أبي سفيان حاكما، وغيرها من الأمور الشنيعة، ليرضي عنهم ~~المتغلبة، ولا يتعرضوا لقبائحهم وظلمهم وغصب الخلافة، ولم يكتف تبعتهم عن ~~اغماض قبائحهم وعدم عدها عليهم، بل جعلوها فضائل ومقابلها رذائل. # وما ذكره من عدم الانتظام إنما نشأ من ظلم السابقين، فإن كانوا لم يغصبوا ~~حق أمير المؤمنين (عليه السلام) ولم يأسسوا أساس الظلم والعدوان، لكان ~~الأمر منتظما بعنوان الحق، والاختلال الذي يحصل في بعض الأحيان يمكن تداركه ~~بالنصيحة والسيف والمداراة الشرعية، لا ما أرادوا من المداراة الذي هو ~~المساهلة في الأمور الدينية، كما يتدارك ms255 في زمان رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وبعد ما رأى الناس مساهلة السابقين في الأمور، حصل توقع الجور وترتب ~~السخط من عدمه الذي سموه ترك المداراة. # وأما ثالثا، فلأن انحراف قوم من الحسد الناشي من فضائل أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) لا يصير سببا لتغيير أمر الشارع، وهذا نقص يلحق بالناس، ولو ~~كان هذا العذر معقولا لوجب العدول عن بيان فضائل مستحق النبوة أيضا، وهذا ~~أوضح من أكثر الواضحات، وهذا بالحقيقة ترجيح لفاقدي الفضائل على أربابها. ~~ولو كان أبو بكر وعمر وتبعتهما يسعون في إعطاء الحق إلى صاحبه وكانوا راعين ~~ما ظهر من الكتاب PageV00P318 # والسنة، ولم يغلب عليهم الهوى والحسد، لم يختل النظام، كما كان هذا الحسد ~~في زمان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولم يختل. # وأما رابعا، فلأن ما سموه العجب والتيه إنما كان إظهار بعض مناقبه، ~~تتميما للحجة على الجهال، فلو كان السابقون ومن يرضى بقولهم وفعلهم تابعين ~~للحق لم يعدوا إظهار بعض مناقبه (عليه السلام) عجبا وتيها، كيف وبعد أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) عن العجب في غاية الظهور. ولو كان إظهار بعض ~~المناقب عجبا، لكان دعوى النبوة عجبا، لكونها دعوى منقبة عظيمة، وعد بيان ~~بعض المناقب عجبا أيضا نشأ من عصيان السابقين. # وأما خامسا، فلأن قوله " أذعن بالبيعة " ظاهر البطلان، بعد ملاحظة ما ~~سبق، لأن باب مدينة العلم ومن يدور الحق معه لم يكن يؤخر البيعة لحظة لو ~~كانت على وفق الشرع، فتأخره عن البيعة دليل واضح على بطلانها، وكونه (عليه ~~السلام) مجبور بها بعد فاطمة (عليها السلام). # وأما سادسا، فلأنه لا وجه لقوله " على مضض ورمض " على أصله، لأنه بعد ~~ظهور كون الأول ومن اتبعه فعلوا ما فعلوا لبقاء الإسلام وانتظام أمر الدين ~~وأصابوا، يجب على أمير المؤمنين (عليه السلام) الشكر العظيم على ما فعلوه، ~~وعد منتهم عليه وعلى المسلمين إلى يوم الدين عظيمة، فأي مضض يناسب في مثل ~~هذا الأمر؟ # وأي وجه لاستمرار الشكاية وإظهار المظلومية؟ # وأما سابعا، فلأن قوله " فقد رأيت انتقاض العرب ms256 " الخ في غاية الضعف، لأن ~~انتقاض العرب إنما نشأ مما فعل السابقون عليه من التفاضل في العطاء، وجعل ~~الحكومة والإمارة وسيلة لتأليف قلوب المتغلبة، وانتظام الأمور الدنيوية، ~~فلما لم ير الناس أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما رسخوا عليه من ~~التوقعات الفاسدة استوحشوا منه وفعلوا ما فعلوا، ومن تدبير عمر في فعل ~~الشورى خصوصا، كما بينته في محله. PageV00P319 # وبعد ما بينت هذا المعنى رأيت تصريح ابن أبي الحديد بترتب جميع المفاسد ~~التالية للشورى عليها، ولعله قد يرجع إلى الفطرة التي فطر عليها، فيتكلم ~~بالصواب، وقد يرجع إلى الأهواء المضلة، فيتكلم بما تقتضيه. # وأما ثامنا، فلأن هذا الكلام وما بعده يدلان على تعين إمامة أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وهذا - مع ضعفه الذي ظهر لك - مناف لظاهر ما ذكره ~~سابقا، من أنه كان الأفضل والأحق بالأمر، لأن المتبادر منه الأحقية بحسب ~~نفس الأمر، ويؤيد إرادة هذا المعنى عباراته في مواضع من كتابه. # وصية العباس: # ومن الدلائل على بطلان من تقدم على أمير المؤمنين (عليه السلام)، ما نقل ~~ابن أبي الحديد في المجلد الثالث عشر من شرح نهج البلاغة، عن الجاحظ في ~~وصية العباس عند مرضه الذي مات فيه إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، بما ~~حاصله: وصيته بعدم تعرض عثمان بما يسوءه. فإن قلت: كيف لا أتعرض وقد جلس ~~مجلسا أنا أحق به، فقد قاربت، لكن ذلك بما كسبت يداك، لأنك أسرعت إليهم بظن ~~أنهم يجعلونك خليفة لاستحقاقك، ولم تتبع رأي عمك في هذا الأمر، ثللت عرشك ~~بيدك فدار معه، فإنه يجد أنصارا من الشام وغير الشام، ولا تجد أنصارا تقدر ~~بها على غلبته. # إلى أن قال: ولو ظن بك ما تظن بنفسك لكان الأمر لك والزمام في يدك، ولكن ~~هذا حديث يوم مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) فات، ثم حرم الكلام فيه ~~حين مات، فعليك الآن بالعزوف عن شئ عرضك له رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~فلم يتم، وتصديت له مرة بعد مرة فلم يستقم، ومن ساور الدهر غلب، ms257 ومن حرص ~~على ممنوع تعب، فعلى ذلك فقد أوصيت عبد الله بطاعتك، إلى آخر الوصية. # ثم قال ابن أبي الحديد: قلت: الناس يستحسنون رأي العباس في أن لا يدخل ~~PageV00P320 # في أصحاب الشورى، وأما أنا فإني أستحسنه إن قصد به معنى، ولا أستحسنه إن ~~قصد به معنى آخر، لأنه إن أجرى بهذا الرأي إلى ترفعه عليهم وعلو قدره عن أن ~~يكون مماثلا له، أو أجرى به إلى زهده في الإمارة ورغبته عن الولاية، فكل ~~هذا رأي حسن وصواب. # وإن كان منزعه ذلك إلى أنك إن تركت الدخول معهم وأنفذت بنفسك في دارك، أو ~~خرجت من المدينة إلى بعض أموالك، فإنهم يطلبوك ويضربون إليك آباط الإبل حتى ~~يولوك الخلافة، وهذا هو الظاهر من كلامه، فليس هذا الرأي عندي بمستحسن، ~~لأنه لو فعل ذلك لولوا عثمان، أو واحدا منهم غيره، ولم يكن عندهم من الرغبة ~~فيه (عليه السلام) ما يبعثهم على طلبه، بل كان تأخره عنهم قرة أعينهم ~~وواقعا بايثارهم، فإن قريشا كلها كانت تبغضه أشد البغض. # ولو عمر عمر نوح وتوصل إلى الخلافة بجميع أنواع التوصل، كالزهد فيها ~~تارة، والمناشدة بفضائله تارة، وبما فعله في ابتداء الأمر، من إخراج زوجته ~~وأطفاله ليلا إلى بيوت الأنصار، وبما اعتمده إذ ذاك من تخلفه في بيته ~~وإظهار أنه قد انعكف على جمع القرآن، وسائر أنواع الحيل فيها، لم يحصل له ~~إلا بتجريد السيف، كما فعله في آخر الأمر. # ولست اليوم ألوم العرب لا سيما قريشا في بغضها له وانحرافها عنه، فإنه ~~وترها، وسفك دمائها، وكشف القناع في منابذتها، ونفوس العرب وأكبادها كما ~~تعلم. # وليس الإسلام بمانع من بقاء الأحقاد في النفوس، كما نشاهده اليوم عيانا، ~~والناس كالناس الأول، والطبايع واحدة، فاحسب أنك كنت في السنتين أو ثلاث ~~جاهليا، أو من بعض الروم، وقد قتل واحد من المسلمين ابنك أو أخاك، ثم ~~أسلمت، أكان إسلامك يذهب عنك ما تجده من بغض ذلك القاتل وشنآنه؟ كلا إن ذلك ~~لغير ذاهب، هذا إذا كان الإسلام صحيحا، والعقيدة محققة، ms258 لا كإسلام كثير من ~~PageV00P321 # العرب، فبعضهم تقليدا، وبعضهم للطمع والكسب، وبعضهم خوفا من السيف، ~~وبعضهم على طريق الحمية والانتصار للنسب، أو لعداوة قوم آخرين من أضداد ~~الإسلام وأعدائه. # واعلم أن كل دم أراقه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسيف علي (عليه ~~السلام) وبسيف غيره، فإن العرب بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) عصبت تلك ~~الدماء بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) وحده، لأنه لم يكن في رهطه من يستحق ~~في شرعهم وسنتهم وعادتهم أن تعصب به تلك الدماء إلا بعلي وحده، وهذه عادة ~~العرب إذا قتل منها قتلى طالبت بتلك الدماء القاتل، فإن مات أو تعذر عليها ~~مطالبته طالبت بها أمثل الناس من أهله. # ونقل بعد ذلك أن قوما من بني تميم قتلوا أخا لعمرو بن هند، وحرض أعداؤهم ~~عمرا عليهم، إلى أن قالوا: فاقتل زرارة، لا أرى في القوم أمثل من زرارة، ~~فأمر أن يقتل زرارة بن عدس رئيس بني تميم، ولم يكن قاتلا ولا حاضرا قتله، ~~ومن نظر أيام العرب ووقائعها ومقاتلها عرف ما ذكرناه (1) انتهى. # أقول: هاهنا أمور ينبغي التنبيه عليها: # منها: دلالة قول عباس فقد قاربت على عدم اذعانه بإمامة عثمان، فلا إجماع ~~عليها حين حياة عباس، فلم يكن عثمان طالبا للحق، وإلا فلم يكن له أن يجلس ~~مجلس الإمامة قبل الاطلاع بتحقق الاجماع. # فإن قلت: لعل مراد عباس أن أمير المؤمنين (عليه السلام) إن قال أن عثمان ~~جلس مجلسا أنا أحق به بحسب الفضائل، فرعايتها تقتضي بعنوان الأليق والأولى ~~أن يكون الاتفاق بإمامة أمير المؤمنين (عليه السلام)، حتى يكون الأفضل ~~متبوعا والمفضول تابعا، فقد قارب. # PageV00P322 # قلت: لو كانت الإمامة بالإجماع وتحقق في عثمان، كان بعد الاجماع إمامته ~~متعينة، فكيف يكون غيره بعد تحقق إمامته بالحجة الشرعية أحق بها، فتقريب ~~عباس إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) إنما هو بعد استقرار سلطنة عثمان، ~~وهو دال على عدم اذعانه بإمامته. # ومنها: تعليل قوله " فدار معه " بقوله " فإنه يجد أنصارا من الشام وغير ~~الشام ولا تجد أنصارا تقدر ms259 بها على غلبته " لدلالته على أن الوصية ~~بالمداراة لعدم القدرة على الغلبة، وإلا لم يكن المقام مقام المداراة، ولو ~~جوز إمامة عثمان كان التجويز كافيا في لزوم المداراة. # ومنها: قوله " ولو ظن بك ما تظن بنفسك لكان الأمر لك والزمام في يدك " ~~لأن هذا الظن الذي نسب إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن الإمامة ~~باتفاق الناس وتعيينهم، لعدم تحققه في شأنه (عليه السلام) في ذلك الوقت ~~بالاتفاق، بل كان علمه (1) بالاستحقاق بما لا مدخل لتعيين الناس فيه أصلا، ~~كما يدل عليه قوله " هذا حديث يوم مرض رسول الله (صلى الله عليه وآله) " ~~إلى قوله " فلم يتم ". # ومنها: قوله " وتصديت له مرة بعد مرة فلم يستقم " لدلالة تصدي أمير ~~المؤمنين له مرة على كون الأمر حقا له، فكيف التكرار؟ وتحسين ما حسنه ابن ~~أبي الحديد غفلة منه عن سعي أمير المؤمنين (عليه السلام) وتوهم منه بأن ~~سعيه إنما كان لتحصيل سلطنة دنيوية، وهذا خطأ محض، بل كان سبب تكرر تصدي ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) للأمر أمرين: أحدهما سعيه في إجراء حكم الله ~~بقدر الإمكان. وثانيتهما تتميم الحجة على # PageV00P323 # الناس، كما أومأت إليهما غير مرة. وبما ذكرته ظهر غفلة عباس في قوله " ~~ذلك بما كسبت يداك لأنك أسرعت " إلى قوله " ثللت عرشك ". # وفيما ذكره ابن أبي الحديد من عدم رغبة قريش فيه (عليه السلام) وعدم ~~تأثير المناشدة بفضائله، وبما فعله في ابتداء الأمر من إخراج زوجته وأطفاله ~~ليلا إلى بيوت الأنصار وغيرهم، دلالة واضحة على علم أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) ببطلان من سبق عليه، الدال على بطلانه، كما أومأت إليه غير مرة، ~~وكيف تجتمع هذه الأمور من أمير المؤمنين (عليه السلام) في سعيه لتحصيل ~~الأمر لنفسه مع استحقاق غيره له، وهذا الظن به (عليه السلام) خلاف مقتضى ما ~~يشهد به الكتاب والسنة من مراتبه العالية. # وما ذكره بقوله " ولست اليوم ألوم العرب " لا وجه له، لأن بغضه (عليه ~~السلام) بما فعل بأمر الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) لا يجتمع ms260 مع ~~الإيمان بهما. وما أيده بقوله " فاحسب أنك كنت " إلى قوله " إذا كان ~~الإسلام صحيحا والعقيدة محققة " لا وجه له، لأن ما فرض من قتل الابن أو ~~الأخ إن كان بغير أمر الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) فلا مناسبة ~~له بما نحن فيه. وإن فرض قتل أحدهما أو كليهما بأمر الله تعالى ورسوله (صلى ~~الله عليه وآله) فالإيمان بهما يقتضي محبة القاتل، وعداوته حينئذ إنما هي ~~لامتثال أمر الله تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) وهي لا يجتمع مع ~~الإيمان بهما، فلا معنى لقوله " إذا كان الإسلام صحيحا ". # وما ذكره بقوله " واعلم أن كل دم " الخ من عادة العرب في تعصيب الدم إنما ~~هو من عادة الجاهلية ومن اقتفى سيرتهم، التي لا تناسب طريقة الإسلام أصلا، ~~فرعاية الإسلام يقتضي رعاية كثرة القتل والشدة على الكفار، وعدهما من ~~الفضائل، كما يظهر من القرآن، مثل قوله تعالى * (فضل الله المجاهدين) * (1) ~~وقوله * (يقاتلون في سبيله صفا) * (2) وقوله * (أشداء على الكفار) * (3) ~~وغيرها من الآيات والآثار. # PageV00P324 # وما ذكره من قتل زرارة يصلح لتأييد كون مقصودهم من صرف الأمر عن أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وعداوته اتباع سنة الجاهلية، واقتفاء عادتهم ~~الردية. # اعلم أن أمير المؤمنين (عليه السلام) طلب حقه جهارا وسعى فيه، إطاعة لله ~~تعالى ورسوله (صلى الله عليه وآله) ما أمكن، ثم اتقى من الولاة لحصول الخوف ~~من الاصرار بقدر الحاجة. يدل على الأول ما ذكرته مرارا. وعلى الثاني أيضا ~~عدم البيعة في حياة الطاهرة (عليها السلام) وبيعته (عليه السلام) بعد ~~وفاتها. # فظهر أن تخلفه (عليه السلام) في بيته، وإظهار العكوف على جمع القرآن ~~وغيره: إما للممانعة عن البيعة مهما أمكن، أو للتقية، أو لهما. وليس التخلف ~~وغيره من الحيل، كما زعمه ابن أبي الحديد، لكونه (عليه السلام) أعلم من ابن ~~أبي الحديد بأن الأمر لا ينتقل إليه بأمثال هذه الأمور، ولعله غفل عن جريان ~~ما سمعه عن أستاده في هذه الأمور، وإلا وجب عليه تغيير أمثال تلك الكلمات ~~الدالة على الخيالات الفاسدة. ms261 # لأنه قال: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد (رحمه الله) فقلت له: ~~وأني لأعجب من علي (عليه السلام) كيف بقي تلك المدة الطويلة بعد رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)؟ وكيف ما اغتيل وفتك به في جوف منزله مع تلظي الأكباد ~~عليه؟ # فقال: لولا أنه أرغم أنفه بالتراب، ووضع خده في حضيض الأرض لقتل، ولكنه ~~أخمل نفسه، واشتغل بالعبادة والصلاة والنظر في القرآن، وخرج عن ذلك الزي ~~الأول وذلك الشعار، ونسي السيف، وصار كالفاتك يتوب ويصير سائحا في الأرض، ~~أو راهبا في الجبال، ولما أطاع القوم الذين ولوا الأمر وصار أذل لهم من ~~الحذاء، تركوه وسكتوا عنه، ولم يكن العرب لتقدم عليه إلا بمواطأة من متولي ~~الأمر، وباطن في السر منه، فلما لم يكن لولاة الأمر باعث وداع إلى قتله وقع ~~PageV00P325 # الامساك عنه، ولولا ذلك لقتل، ثم أجل بعد معقل حصين (1) انتهى كلام ~~النقيب طاب ثراه. # ويؤيد ما ذكره واقعة سعد بن عبادة، مع عدم الخوف من مخالفته، بخلاف ~~مخالفة أمير المؤمنين (عليه السلام)، فالداعي على قتله (عليه السلام) على ~~تقدير إعلانه باستمرار المخالفة كان أشد وأعظم. # كتاب علي (عليه السلام) إلى معاوية: # ومما يدل على بطلان الثلاثة، كلام أمير المؤمنين (عليه السلام) المنقول ~~في نهج البلاغة، الأصل: ومن كتاب له (عليه السلام) إلى معاوية جوابا، وهو ~~من محاسن الكتب، فيه بعض نقائص معاوية، إلى أن قال: ولكن بنعمة الله أحدث، ~~أن قوما استشهدوا في سبيل الله تعالى من المهاجرين والأنصار، ولكل فضل، حتى ~~إذا استشهد شهيدنا قيل: # سيد الشهداء، وخصه رسول الله (صلى الله عليه وآله) بسبعين تكبيرة عند ~~صلاته عليه. # أو لا ترى أن قوما قطعت أيديهم في سبيل الله ولكل فضل، حتى إذا فعل ~~بواحدنا ما فعل بواحدهم، قيل: الطيار في الجنة وذو الجناحين، ولولا ما نهى ~~الله عنه من تزكية المرء نفسه، لذكر ذاكر فضائل جمة، تعرفها قلوب المؤمنين، ~~ولا تمجها آذان السامعين. # فدع عنك من مالت به الرمية، فإنا صنائع ربنا، والناس بعد ms262 صنائع لنا، لم ~~يمنعنا قديم عزنا ولا عادي طولنا على قومك أن خلطناكم بأنفسنا، فنكحنا ~~وأنكحنا، فعل الأكفاء، ولستم هناك، وأنى يكون ذلك ومنا النبي ومنكم المكذب، ~~ومنا أسد الله ومنكم أسد الأحلاف، ومنا سيدا شباب أهل الجنة ومنكم صبية ~~النار، ومنا خير # PageV00P326 # نساء العالمين ومنكم حمالة الحطب، في كثير مما لنا وعليكم. # فإسلامنا قد سمع، وجاهليتنا لا تدفع، وكتاب الله يجمع لنا ما شذ عنا، وهو ~~قوله سبحانه وتعالى * (وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) * ~~وقوله تعالى * ( إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين ~~آمنوا والله ولي المؤمنين) * فنحن مرة أولى بالقرابة، وتارة أولى بالطاعة، ~~ولما احتج المهاجرون على الأنصار يوم السقيفة برسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) فلجوا عليهم، فإن يكن الفلج به فالحق لنا دونكم، وإن يكن بغيره ~~فالأنصار على دعواهم. # وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت، وعلى كلهم بغيت، فإن يكن ذلك كذلك فليست ~~الجناية عليك، فيكون العذر إليك " وتلك شكاة ظاهر عنك عارها " وقلت: أني ~~كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش حتى أبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذم ~~فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوما، ما ~~لم يكن شاكا في دينه، ولا مرتابا بيقينه (1) انتهى ما أردت نقله من كلامه ~~(عليه السلام). # قال الشارح في قوله (عليه السلام) " دع عنك من مالت به الرمية ": فإن ~~قلت: فهل هذا إشارة إلى أبي بكر وعمر؟ قلت: ينبغي أن ينزه أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) عن ذلك، وأن تصرف هذه الكلمة إلى عثمان، لأن معاوية ذكره في ~~كتابه، وقد أوردناه، وإذا أنصف الإنسان من نفسه علم أنه (عليه السلام) لم ~~يكن يذكرهما بما يذكر به عثمان، فإن الحال بينه وبين عثمان كانت مضطربة جدا ~~(2). # وفيه أن إرادة عثمان كافية هاهنا، لعدم احتمال ذكر أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) هذا المثل لمن كان إمام المسلمين، فهذا الكلام يدل على بطلان إمامة ~~عثمان، وببطلانها يبطل # PageV00P327 # مذهب جميع من قال بإمامة الثلاثة، فعدم ms263 ذكره (عليه السلام) الأولين بما ~~يذكر به عثمان لم يكن للاعتقاد بهما، فلعل التقية كانت مانعة عن مجاهرة ~~مذمتهما في كثير من الأزمان، ومع ذلك أشار في هذه الخطبة إليها كما يظهر ~~لك. # وما ذكره الشارح بقوله " فإن الحال بينه وبين عثمان " الخ يدل مثل كلام ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) على بطلان مذهب من قال بالثلاثة. وهاهنا أمور ~~ينبغي التنبيه عليها: # منها: قوله (عليه السلام) " ولولا ما نهى الله عنه من تزكية المرء نفسه " ~~يدل على انفراده باستحقاق الأمر، لظهور أن المقصود من هذه التزكية رجحانه ~~الدال على تعينه للأمر وظهور أنه لم يكن ما يعد (عليه السلام) من فضائله ~~على تقدير الذكر فضائل بالنسبة إلى بعض الصحابة دون بعض، فما أراد (عليه ~~السلام) ذكره من الفضائل في هذا المقام كان فضائل يعتقد (عليه السلام) ~~دلالتها على تعينه بالاستحقاق، فهي كذلك لدوران الحق معه، واستقلال عقل من ~~لم يفسد عقله بتعين صاحب الفضائل بالأمر. # ومنها: قوله (عليه السلام) " فإنا صنائع ربنا والناس بعد صنائع لنا " قال ~~الشارح: # صنيعة الملك من يصطنعه الملك ويرفع قدره، يقول: ليس لأحد من البشر علينا ~~نعمة، بل الله تعالى هو الذي أنعم علينا، فليس بيننا وبينه واسطة، والناس ~~بأسرهم صنائعنا، فنحن الواسطة بينهم وبين الله تعالى، وهذا مقام جليل ظاهره ~~ما سمعت، وباطنه أنهم عبيد الله، والناس عبيدهم (1) انتهى. # لأن مراده (عليه السلام) سواء كان ظاهره أو باطنه يدل على تعينه بالأمر، ~~لعدم احتمال كون الواسطة بين الله وبين أحد، أو المولى مأموما وذي الواسطة ~~أو العبد إماما. # ومنها: قوله (عليه السلام) " وكتاب الله يجمع لنا " إلى قوله " أولى ~~بالطاعة " لاستدلاله (عليه السلام) بالآيتين الدالتين على تعينه ~~بالاستحقاق، فهو متعين به بوجهين. # PageV00P328 # ومنها: قوله (عليه السلام) " ولما احتج المهاجرون " إلى قوله " فالأنصار ~~على دعواهم " لدلالته على كون الأمر لأمير المؤمنين (عليه السلام) على ~~تقدير حقية استدلال المهاجرين، وكون دعوى الأنصار متوجهة على تقدير بطلانه، ~~وقد مر إشارة إلى مقتضى الاستدلال عند بيان مقتضى ما جرى ms264 في السقيفة أيضا. # ومنها: قوله (عليه السلام) " وزعمت أني لكل الخلفاء حسدت " لظهوره في ~~اشتهار أمير المؤمنين (عليه السلام) بالامتناع عن البيعة، حتى يتوهم كون ~~منشأ الامتناع الحسد، وهذا هو أضعف الوجوه الدالة على عدم تحقق الاجماع، ~~ومع ذلك يكفي للدلالة على عدم جواز الحكم بتحقق الاجماع في إمامة من تقدم ~~على أمير المؤمنين (عليه السلام). # ومنها: قوله (عليه السلام) " وقلت أني كنت أقاد كما يقاد الجمل المخشوش " ~~لظهوره في دلالته على غاية الممانعة مثل السابق. # ومنها: قوله (عليه السلام) " ولعمر الله " إلى آخره لدلالة كون هذا ~~الامتناع دالا على المدح على كون منشأ هذا الامتناع إطاعة الله تعالى حتى ~~يستحق به المدح، وكون هذا الامتناع إطاعة لله تعالى يدل على بطلان ما دعوه ~~إليه، فكيف يجوز من صدق بالكتاب والسنة امتناع أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~عن الأمر الذي فيه مرضات الله تعالى غاية الإباء؟ حتى يجبر عليه بنحو يمكن ~~تعييره بما عير به معاوية. # وأيضا كيف يجوز أن يعد (عليه السلام) هذا الامتناع من مناقبه ومدائحه في ~~وقت من الأوقات؟ لو لم يعلم (عليه السلام) بطلان من تقدم، ولم يعتقد وجوب ~~الامتناع ما أمكن، حتى يعلموا أنه (عليه السلام) تكلم بهذا الكلام بعد مضي ~~سنين وأعوام، ولا يختل اعتقادهم الذي اكتسبوه من السلف بلا حجة وبرهان، ~~وهذا من عجائب مفاسد تبعية الأهواء. وبالجملة ظن تحقق الاجماع في إمامة من ~~تقدم على أمير المؤمنين (عليه السلام) مع واحد مما أومأت إليه هاهنا لا وجه ~~له عند طالب الحق والصواب، فكيف إذا تعاضد بغيره مما ذكر هاهنا وغيره من ~~مواضع الكتاب. PageV00P329 # كلامه (عليه السلام) في نهج البلاغة: # وفي نهج البلاغة الأصل: ومن هذا العهد، فإنه لا سواء، إمام الهدى وإمام ~~الردى، وولي النبي، وعدو النبي، ولقد قال لي رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): إني لا أخاف على أمتي مؤمنا ولا مشركا، أما المؤمن فيمنعه الله ~~بإيمانه. وأما المشرك فيقمعه الله بشركه ولكني أخاف عليكم كل منافق الجنان، ~~عالم باللسان، يقول ms265 ما تعرفون، ويفعل ما تنكرون (1). # قال الشارح: ليس يعني بذلك أنه كان عدوا أيام حرب النبي (صلى الله عليه ~~وآله) لقريش، بل يريد أنه الآن عدو النبي (صلى الله عليه وآله) لقوله (صلى ~~الله عليه وآله) له (عليه السلام) " وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله " وأول ~~الخبر " وليك وليي، ووليي ولي الله " وتمامه مشهور (2) انتهى. # اعلم أن مراده (صلى الله عليه وآله) من خوفه على الأمة هاهنا هو خوف ~~وقوعهم في الضلال، لا خوف جريان الظلم عليهم والقتال، لظهور وقوعهما من ~~جنكيز وغيره من سلاطين الكفر والعدوان على الأمة، ومع ذلك يدل على ما ذكرته ~~قوله (عليه السلام) " منافق الجنان عالم باللسان يقول ما تعرفون ويفعل ما ~~تنكرون " كما لا يخفى. # وإذا عرفت ما ذكرته ظهر لك أن لا خوف على الأمة من منافق لا يتوهم كونه ~~مطاعا، فيجب التفتيش في من يدعي الإمامة، ووجوب الإطاعة، والخوف عن إطاعة ~~من لا يجوز إطاعته، وعدم الاعتماد على قول من يحتمل النفاق في شأنه، حتى ~~يظهر الإيمان بحسب الباطن أيضا أو النفاق، وتخلص المودة في الأول، ويجتنب ~~عن الإطاعة في الآخر، فتخلص عن خوف الهلاك. # فإذا عرفت هذا يدل ما نسب معاوية إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) لإرادة ~~المذمة الذي # PageV00P330 # آل إلى المدح، وإرادة إحراق البيت، ونسبة الثاني الرياء إلى أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) على عداوة الله ورسوله، الناشئة من عداوة أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) زائدة على ما اشتهر من كون بغضه (عليه السلام) ~~علامة النفاق، كما يظهر من بعض صحاحهم (1). # ولا يبعد تأييد هذه العلامة بتغيير الثاني كثيرا من الشرائع، ومنع ~~الكتابة، فما يجيب من يسأله رسول الله (صلى الله عليه وآله) في يوم الحساب ~~ويقول له، لم لم تسع في دار التكليف في معرفة المنافق؟ ولم اكتفيت بإظهار ~~الإسلام العاري عن دلالة موافق الباطن للظاهر بتبعية السلف، أو الأهواء، أو ~~بهما، وذكرت محامده واستمعت إلى ذاكرها، والتزمت محبته، واعترفت بإمامته ~~بلا حجة داعية إلى شئ منها، مع قراءتك قوله تعالى * (إن ms266 السمع والبصر ~~والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا) * (2) وسماعك ما قلته لإرشاد المسترشد، ~~ولكني أخاف عليكم... الخ، وغيره مما هو مسطور في الكتب، ومحفوظ في الصدور، ~~ومذكور في الألسن. # أيها المسكين هيأ جوابا تطمئن بكونه وافيا، ولا تغتر بما اغتر من قال: ~~إنا وجدنا، فإنه مع علمك بعدم انتفاعهم بهذا الكلام لو تمسكت به أو بمثله، ~~كنت أجدر منهم بالعذل والملامة، وأحق منهم بالحسرة والندامة. # ما ورد في حب علي (عليه السلام) وبغضه: # ولنذكر هاهنا بعض ما نقله صاحب حدائق الحقائق (3) من كتب الجمهور، قال: # PageV00P331 # روى في المشكاة، في الفصل الأول من باب مناقب علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام)، ودأبه في كتابه كما ذكره في الخطبة إيراد ما أورده شيخاه، أعني: ~~محمد بن إسماعيل البخاري، ومسلم بن الحجاج القشيري، أو أحدهما في الفصل ~~الأول من كل باب، قال: واكتفيت بهما وإن اشترك فيه الغير لعلو درجتهما في ~~الرواية، عن رزين بن حبيش، قال: قال لي علي (رضي الله عنه): والذي فلق ~~الحبة وبرأ النسمة، إنه لعهد النبي الأمي إلي أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا ~~يبغضني إلا منافق (1). # وفي الفصل الثاني، وعادته أن يذكر فيه ما رواه عمن اعتقدهم أئمة، وسماهم ~~ثقات راسخين، مثل مالك بن أنس، ومحمد بن إدريس الشافعي، وأحمد بن حنبل ~~الشيباني، ومحمد بن عيسى الترمذي، وأبي داود سليمان بن الأشعث السجستاني، ~~وأحمد بن شعيب النسائي وأشباههم، عن أم سلمة قالت: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): لا يحب عليا منافق، ولا يبغضه مؤمن. قال: رواه أحمد والترمذي ~~(2). # وفي هذا الفصل عنها، قالت: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من سب ~~عليا فقد سبني. # قال: رواه أحمد (3). # وروى يحيى بن الحسن بن البطريق في كتابه المعروف بالمستدرك، عن ابن ~~شيرويه، قال: رواه في الجزء الثاني من كتاب الفردوس في باب الميم، عن ابن ~~عباس، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من سب عليا فقد سبني، ومن ~~سبني فقد سب الله، ومن سب ms267 الله أدخله نار جهنم وله عذاب عظيم (4). # PageV00P332 # وعن الحافظ أبي نعيم، قال: روى في الجزء الثالث من كتاب حلية الأولياء، ~~بإسناده عن عدي بن ثابت، عن زر، قال: سمعت علي بن أبي طالب (عليه السلام) ~~يقول: # والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، وتردى بالعظمة، إنه لعهد النبي إلي: أنه لا ~~يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق. قال: قال أبو نعيم: هذا حديث صحيح ~~متفق عليه رواه جماعة (1). # وعن رزين بن حبيش، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) قال: قال: # إن ابنتي فاطمة ليشترك في حبها البر والفاجر، وأنه كتب إلي أو عهد إلي ~~أنه لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق، قال: قال أبو نعيم: روى هذا ~~الحديث جماعة كثيرة من أهل الكوفة وغيرهم (2). # وعن ابن شيرويه في كتاب الفردوس، بالإسناد عن سلمان (رضي الله عنه) قال: ~~قال النبي (صلى الله عليه وآله): يا علي محبك محبي، ومبغضك مبغضي (3). # وفيه، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): يا علي ما يبغضك من الرجال إلا منافق، ومن حملته أمه وهي حائض ~~(4). # وروى ابن البطريق أيضا فيه عن صاحب الجمع بين الصحيحين، في المجلد الأول ~~منه، من مسند علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن النبي (صلى الله عليه وآله) ~~قال: لا يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق (5). # وعن السمعاني في كتاب مناقب الصحابة، بإسناده عن جابر بن عبد الله # PageV00P333 # الأنصاري، قال: كان النبي (صلى الله عليه وآله) بعرفات وأنا وعلي عنده، ~~فأومأ النبي (صلى الله عليه وآله) إلى علي، فقال: يا علي ضع خمسك في خمسي، ~~يعني: كفك في كفي. يا علي خلقت أنا وأنت من شجرة أنا أصلها وأنت فرعها، ~~والحسن والحسين أغصانها، فمن تعلق بغصن من أغصانها دخل الجنة. يا علي لو أن ~~أمتي صاموا حتى يكونوا كالحنايا، وصلوا حتى يكونوا كالأوتاد، ثم أبغضوك، ~~لأكبهم الله على وجوههم في النار (1). # وعن الحافظ ms268 أبي نعيم في الجزء الأول من كتاب حلية الأولياء، بإسناده عن ~~ابن عباس قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من سره أن يحيا حياتي، ~~ويموت مماتي، ويسكن جنة عدن التي غرسها الله، فليوال عليا من بعدي، وليوال ~~وليه، وليقتد بالأئمة من بعدي، فإنهم عترتي، خلقوا من طينتي، رزقوا فهما ~~وعلما، ويل للمكذبين بفضلهم من أمتي، القاطعين فيهم صلتي، لا أنالهم الله ~~شفاعتي (2). # وعن الحافظ أبي نعيم في الجزء الأول من كتاب حلية الأولياء، يرفعه إلى ~~أبي برزة، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إن الله تعالى عهد إلي ~~في علي عهدا، فقلت: يا رب بينه لي، فقال: اسمع، فقلت: سمعت، فقال: إن عليا ~~راية الهدى، وإمام أوليائي، ونور من أطاعني، وهو الكلمة التي ألزمتها ~~المتقين، من أحبه أحبني، ومن أبغضه أبغضني، فبشره بذلك. # فجاء علي فبشرته بذلك، فقال: يا رسول الله أنا عبد الله وفي قبضته، فإن ~~يعذبني فبذنبي، وإن يتم الذي بشرني فالله أولى بي، قال: قلت: اللهم أجل ~~قلبه، واجعل ربيعه الإيمان، فقال الله تعالى: قد فعلت به ذلك، ثم إنه رفع ~~إلي أنه سيخصه من البلاء بشئ لم يخص به أحدا من أصحابي، فقلت: يا رب أخي ~~وصاحبي، فقال: # PageV00P334 # إن هذا شئ سبق أنه مبتلى ومبتلى به (1). # وعن محمد بن إسحاق في كتاب المغازي، بالإسناد عن عمر الأسلمي، وكان من ~~أصحاب الحديبية، قال: كنت مع علي بن أبي طالب (عليه السلام) في خيله التي ~~بعثه فيها رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى اليمن، فجفاني علي بعض ~~الجفاء، فوجدت عليه في نفسي، فلما قدمت المدينة اشتكيته في مجالس وعند من ~~لقيته، فأقبلت يوما ورسول الله (صلى الله عليه وآله) جالس في المسجد، فلما ~~رآني حدد إلي عينيه ونظر إلي حتى جلست، قال: والله يا عمر لقد آذيتني، ~~فقلت: إنا لله وإنا إليه راجعون، أعوذ بالله والإسلام أن أوذي رسول الله، ~~فقال: من آذى عليا فقد آذاني (2). # وعن السمعاني في كتاب فضائل الصحابة، بإسناده ms269 عن جابر، عن عمر بن الخطاب، ~~قال: كنت أجفو عليا: فلقيني النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: آذيتني يا ~~عمر، فقلت: في أي شئ يا رسول الله؟ قال: تجفو عليا، ومن آذى عليا فقد ~~آذاني، فقلت: لا أجفوه أبدا (3). # وعنه في كتاب مناقب الصحابة، بإسناده عن عمار بن ياسر، قال: سمعت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) يقول لعلي بن أبي طالب: يا علي طوبى لمن أحبك ~~وصدق فيك، وويل لمن أبغضك وكذب فيك (4). # وعنه بالإسناد عن زيد بن أرقم أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال ~~لعلي وفاطمة والحسن والحسين صلى الله عليهم: أنا حرب لمن حاربتم، سلم لمن ~~سالمتم (5). # PageV00P335 # وروى الشارح عبد الحميد بن أبي الحديد، عن شيخه أبي القاسم البلخي أنه ~~قال: اتفقت الأخبار الصحيحة التي لا ريب عند المحدثين فيها أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): لا يبغضك إلا منافق، ولا يحبك إلا ~~مؤمن. # قال: وروى حبة العرني، عن علي (عليه السلام) أنه قال: إن الله عز وجل أخذ ~~ميثاق كل مؤمن على حبي، وميثاق كل منافق على بغضي، فلو ضربت وجه المؤمن ~~بالسيف ما أبغضني، ولو صببت الدنيا على المنافق ما أحبني. # قال: وروى عبد الكريم بن هلال، عن أسلم المكي، عن أبي الطفيل، قال: # سمعت عليا (عليه السلام) يقول: لو ضربت خياشم المؤمن بالسيف ما أبغضني، ~~ولو صببت على المنافق ذهبا وفضة ما أحبني، إن الله أخذ ميثاق المؤمنين ~~بحبي، وميثاق المنافقين ببغضي، فلا يبغضني مؤمن، ولا يحبني منافق أبدا. # وقال الشيخ أبو القاسم البلخي: قد روى كثير من أرباب الحديث عن جماعة من ~~الصحابة، قالوا: ما كنا نعرف المنافقين على عهد رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) إلا ببغض علي بن أبي طالب (1). # وروى ابن الأثير في جامع الأصول، في كتاب الفضائل من حرف الفاء، عن أبي ~~سعيد الخدري قال: كنا لنعرف المنافقين نحن معاشر الأنصار ببغضهم علي بن أبي ~~طالب. قال: أخرجه الترمذي. # وعن أم سلمة قالت: ms270 قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا يحب عليا ~~منافق، ولا يبغضه مؤمن. قال: أخرجه الترمذي. # وعن زر بن حبيش، قال: سمعت عليا كرم الله وجهه يقول: والذي فلق الحبة ~~وبرأ النسمة إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني ~~إلا منافق. # PageV00P336 # قال: أخرجه مسلم والترمذي والنسائي (1). # وروى أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر - وهو من مشاهير ~~علماء الجمهور ونقلة آثارهم - في كتاب الاستيعاب، قال: روت طائفة من ~~الصحابة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال لعلي (عليه السلام): لا ~~يحبك إلا مؤمن، ولا يبغضك إلا منافق. # قال: وكان علي (عليه السلام) يقول: والله إنه لعهد النبي الأمي إلي أنه ~~لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق. # وقال: قال (صلى الله عليه وآله): من أحب عليا فقد أحبني، ومن أبغض عليا ~~فقد أبغضني، ومن آذى عليا فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله. # وقال: روى عمار الدهني، عن الزبير، عن جابر، قال: ما كنا نعرف المنافقين ~~إلا ببغض علي بن أبي طالب (2). # ثم قال بعد ذكر الأخبار في فضائله (عليه السلام): ولهذه الأخبار طرق صحاح ~~قد ذكرناها في موضعها. انتهى ما أردت نقله هاهنا. # اعلم أن كون أمير المؤمنين (عليه السلام) راوي بعض فضائله من رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) لا يضر، لأن ما ظهر من فضائله برواية المخالف ~~والموافق دل على جلالة قدره، بحيث لا يجوز أحد ممن له أدنى تميز واتصاف ~~اشتمال كلامه على أدنى تحريف، فبخصوص ما رواه (عليه السلام) عن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) يظهر خصوص ما اشتمل عليه، فلذا نقل الجمهور ما رواه ~~(عليه السلام) في فضائله، ولم يتكلموا في كونه منقبة به. # وأن الروايات الدالة على كون من يبغضه منافقا يدل على غصب السابقين الأمر ~~منه (عليه السلام) لأن عدم رضا أمير المؤمنين (عليه السلام) بخلافة من سبق، ~~وغاية الامتناع عن # PageV00P337 # البيعة، وسكوته عن قريش للغصب والمعاونة في وقت ms271 الإمكان، وجبر الأولين ~~إلى البيعة، وإرادة إحراق البيت، وسوء الأدب، والأفعال الدالة على البغض ~~والعناد، أظهر من أن يمكن خفاؤها على المتتبع الطالب للنجاة، كما يظهر لك ~~بأدنى تدبر فيما ذكرته في الكتاب. # فالأخبار المذكورة مشتركة في الدلالة على غاية الجلالة التي هي أحد ~~أغراضنا من نقلها هاهنا، والأخبار الدالة على نفاق من يبغضه، أو كون بغضه ~~بغض رسول الله (صلى الله عليه وآله) دالة مع الجلالة على إمامته، وعلى ~~بطلان إمامة من سبق. # وفي العاشرة مزيد دلالة من قوله (صلى الله عليه وآله) " وأنت فرعها، ~~والحسن والحسين أغصانها " لدلالتها بحسب السياق على وجوب التمسك بالفرع ~~والأغصان كوجوب التمسك بالأصل، وظاهر مما ذكرته تركهم التمسك من الأصل. # وفي الحادية عشر دلالة على بطلان الثلاثة، وعلى إمامة أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) وذريته المعصومين (عليهم السلام) لقوله (صلى الله عليه وآله) ~~" فإنهم عترتي " وكون أمير المؤمنين (عليه السلام) من عترة رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)، ظهر مما ذكرته في حديث الثقلين. # وتدل على بطلان من تقدم بوجه آخر، وهو أن من خلق من طينة رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) ورزق علما وفهما لا يجوز أن لا يفهم إمامة أبي بكر، أو ~~يفهمها وينكرها على تقدير الحقية، فامتناعه عن البيعة وطلب حقه وشكوته من ~~قريش فيما فعلوا، شاهد صدق على كذب الأولين بشهادة رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله)، هل الحكم بإمامة الأول إلا تكذيب فضل عترة رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) مع قوله (صلى الله عليه وآله) " ويل للمكذبين بفضلهم " وكيف ~~يكون تكذيب فضلهم؟ والحال أنه يلزمهم الحكم بظهور المدعى، حتى يمكنهم الحكم ~~بفهم أكثر المهاجرين والأنصار استحقاق الأول للإمامة، بلا حاجة إلى تأمل ~~زائد. # فعدم بيعته (عليه السلام): إما لعدم الفهم، أو للدواعي. والقول بعدم فهمه ~~(عليه السلام) مدة PageV00P338 # أربعين يوما أو ستة أشهر، تكذيب لقوله (صلى الله عليه وآله) " رزقوا فهما ~~وعلما " والقول بالدواعي، تكذيب لقوله (صلى الله عليه وآله) " خلقوا من ~~طينتي ". # ويمكن استنباط وجه ثالث ms272 لبطلان من تقدم، من قطعهم صلة رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) في عترته الذي ظهر لك، وكيف يستحق الإمامة من اندرج في ~~القاطعين مع قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حقهم " لا أنالهم الله ~~شفاعتي ". # وفي الثانية عشر دلالة كل واحد من كونه راية الهدى، وإمام أوليائي، ونور ~~من أطاعني، على وجوب إطاعته في الأمور التي منها ما طلب من حق الخلافة ~~وغيره مما ظهر لك، وكذلك قوله تعالى " قد فعلت به ذلك " بعد قوله (صلى الله ~~عليه وآله) " اللهم اجعل ربيعه الإيمان " وقوله (صلى الله عليه وآله) " ثم ~~إنه رفع " إلى آخر الخبر، ظاهر في ظلم الظلمة الذين منهم الأولون على أمير ~~المؤمنين (عليه السلام). # ويمكن استنباط إمامته (عليه السلام) من قوله تعالى " وهو الكلمة التي ~~ألزمتها المتقين " لظهور أن إلزام جميع أهل التقوى الذي هو مقتضى الجمع ~~المحلى باللام هو الأمر بإطاعتهم المطلقة إياه، وهو مستلزم لإمامته (عليه ~~السلام) وإمامته على هذا الوجه تدل على بطلان إمامة من تقدم، ولا يبعد ~~استنباط المطلبين من قوله تعالى " من أحبه أحبني ". # وفي الثالثة عشر تحديد عيني رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى عمر ~~الأسلمي، وقوله " يا عمر لقد آذيتني " يدلان على غاية قبح ما فعله الأسلمي، ~~ولهذا عد الأسلمي هذا الأمر عظيما، وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون. وإذا ~~كان ما ذكره في مجالس على وجه ذكره الأسلمي سببا لإيذاء رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) وهلاك الأسلمي، فما تظن بإرادة إحراق البيت الذي كان فيه ~~معه (عليه السلام) سيدا شباب أهل الجنة وسيدة نساء العالمين (عليهم السلام) ~~وسائر ما فعلوا بأهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين. # وفي الرابعة عشر قول عمر " لا أجفوه أبدا " بلا اضطراب ظهر من الأسلمي، ~~PageV00P339 # بعد قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) " آذيتني يا عمر " دلالة على ~~قساوة قلبه وقلة خوفه أو عدمه، ومع ذلك أين الوفاء بالوعد؟ أتزعم أن ما صدر ~~من عمر بالنسبة إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) ms273 في زمان رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) الذي كان إيذاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان جزء من ~~ألف جزء مما صدر عنه وعن أخيه وابنة أخيه بالنسبة إلى أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) بعد انتقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى روضة القدس. # أيها المساكين تنقلون هذه الأخبار عن مشايخكم، وتحكمون بصحة كثير منها، ~~مع كونها محفوفة بقرائن دالة على صدقها، وكونها متواترة بالمعنى، وتغمضون ~~عن مفادها لبعض الدواعي عند الخطاب، فما أهبتكم عند معاينة قبح الأعمال ~~والحاجة إلى الجواب. # وفي السادسة عشر قوله (صلى الله عليه وآله) " أنا حرب لمن حاربتم " في ~~مقابل قوله " سلم لمن سالمتم " دال على كون الأولين في حكم محارب رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله). # فإن قلت: قوله (عليه السلام) " لا يحبني إلا مؤمن " وما يفيد مفاده، دال ~~على كون محب أمير المؤمنين (عليه السلام) مؤمنا، وظاهر أن بعض من قال ~~بإمامة من تقدم على أمير المؤمنين (عليه السلام) يحبه (عليه السلام) ومحبته ~~دالة على إيمان ذلك البعض، وهذا مناف لما يقوله الشيعة. # قلت: مقصودنا هاهنا دلالة الأخبار على بطلان إمامة الثلاثة، وكون الإمام ~~بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمير المؤمنين (عليه السلام)، وثبت ~~المطلبان بما ذكرته. وأما بطلان كون من يحبه (عليه السلام) ممن قال بإمامة ~~الثلاثة مؤمنا، ظهر بما ذكرته في أوائل الكتاب، من كون الإمامة من الأصول. # وحينئذ نقول في هذه الأخبار: لا نسلم كون من قال بإمامة من تقدم على أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) محبا له محبة أريدت من الأخبار، ولعل المراد من ~~المحبة المذكورة فيها حالة تبعث صاحبها إلى القول والاذعان بكونه (عليه ~~السلام) في مرتبة جعلها الله تعالى، PageV00P340 # فلعل من لم يقل ولم يذعن به فهو عدوه، ألا ترى إلى إرادة مثل ذلك المعنى ~~في المحبة والعداوة المنسوبتين إلى الله تعالى. # وأيضا ما وصل إلينا من الأخبار الكثيرة بإظهار كثير من الكفار، مثل بعض ~~الهنود محبة أمير المؤمنين (عليه السلام) وتمسكهم في الشدائد ms274 إليه، مع ~~الاتفاق بيننا وبينكم في عدم إيمانهم، يؤيد الاحتمال الذي ذكرته في تفسير ~~المحبة والعداوة. # الحق مع علي (عليه السلام): # ونذكر بعض ما نقل صاحب حدائق الحقائق من دوران الحق مع علي (عليه ~~السلام)، حتى تزيد بصيرة بتعمد ظلم من ظلم، قال: في بيان طرق الجمهور. وأما ~~من طرقهم، فروى أحمد بن موسى بن مردويه، من مشاهير علمائهم من عدة طرق، عن ~~عائشة أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: الحق مع علي وعلي مع الحق، ~~لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (1). # وروى ابن البطريق في المستدرك، عن ابن شيرويه الديلمي في الجزء الأول من ~~كتاب الفردوس، بالإسناد عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: قال رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله): رحم الله عليا، اللهم أدر الحق معه حيث دار (2). # وعن السمعاني في كتاب فضائل الصحابة، بالإسناد عن الأصبغ بن نباتة، عن ~~محمد بن أبي بكر، عن عائشة، قالت: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~يقول: علي مع الحق والحق مع علي، لن يفترقا حتى يردا علي الحوض (3). # وقال العلامة (رحمه الله) في كتاب كشف الحق ونهج الصدق: روى الجمهور عن # PageV00P341 # النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال لعمار إلى أن قال: إن سلك الناس كلهم ~~واديا فاسلك واديا سلك علي وخل الناس طرا، يا عمار إن عليا لا يزال على ~~هدى، يا عمار إن طاعة علي من طاعتي، وطاعتي من طاعة الله (1). # وقد روى هذه الرواية يحيى بن الحسن بن البطريق في المستدرك، عن أبي بكر ~~محمد بن الحسين الآجري في كتاب الشريعة، بالإسناد عن أبي أيوب الأنصاري ~~بتغيير وزيادة في أولها انتهى. # من الغرائب خروج عائشة على أمير المؤمنين (عليه السلام) مع روايتها عن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) ما روته، وأغرب منه سماع محبيها روايتها ~~ورواية غيرها في دوران الحق مع علي (عليه السلام)، مع اجتماع شرائط ~~الاعتبار فيها، من الكثرة، ونقل الصديق والعدو، والرواية في كون بغضه (عليه ~~السلام) علامة النفاق مع ms275 الكثرة، وغيرها من شرائط الاعتبار، وفي كون مبغضه ~~في النار، كما يدل عليه الرواية العاشرة من الروايات المذكورة سابقا، وفي ~~كون إيذاء أمير المؤمنين (عليه السلام) إيذاء رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) كما يدل عليه الرواية الثالثة عشر والرابعة عشر والخامسة والعشرون، ~~مع مزيد في الأخيرة، وفي استحقاق المكذب والقاطع الويل، وعدم نيل الشفاعة، ~~كما يدل عليه الرواية الحادية عشر، وفي كون حربه حرب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) كما يدل عليه الرواية السادسة عشر، وفي غيرها مما يظهر مما ~~نقلته وتركته، ومع ذلك يحكمون بثقتها وجلالتها بتبعية الأهواء والكبراء، ~~وأكثر ما ذكرته هاهنا يجري في الثلاثة. # وما نقل من جواب فضل بن روزبهان في جواب " اللهم أدر الحق معه حيثما دار ~~" وغيره مما سبق في دوران الحق مع علي (عليه السلام) بأن هذا شئ لا يرتاب ~~فيه حتى يحتاج إلى دليل، بل هذا يدل على حقية الخلفاء، لأن الحق كان مع ~~علي، وعلي (عليه السلام) كان # PageV00P342 # معهم حيث تابعهم وناصحهم، فثبت من هذا خلافة الخلفاء، وأنها كانت حقا ~~صريحا، في غاية السخافة، لأن امتناع أمير المؤمنين (عليه السلام) عن البيعة ~~وطلب الأمر لنفسه، ودعوى استحقاق نفسه وظلم السابقين أظهر من أن يمكن خفاؤه ~~على المتتبع وظهر لك سابقا. # ومع هذا نؤكد ذلك ونقول: قال ابن أبي الحديد: حدثني يحيى بن سعيد بن علي ~~الحنبلي المعروف بابن عالية من ساكني قطفتا بالجانب الغربي من بغداد، وأحد ~~الشهود المعدلين بها، قال: كنت حاضرا عند الفخر إسماعيل بن علي الحنبلي ~~الفقيه، وكان الفخر هذا مقدم الحنابلة ببغداد في الفقه والخلاف، ويشتغل بشئ ~~في علم المنطق، وكان حلو العبارة، وقد رأيته أنا وحضرت عنده وسمعت كلامه، ~~وتوفي سنة عشر وستمائة. # قال ابن عالية: ونحن عنده نتحدث إذ دخل رجل من الحنابلة، قد كان له دين ~~على بعض أهل الكوفة، فانحدر إليه يطالبه به، واتفق أن حضرت زيارة يوم ~~الغدير والحنبلي المذكور بالكوفة، وهذه الزيارة هي اليوم الثامن عشر من ذي ~~الحجة ms276 ويجتمع بمشهد أمير المؤمنين (عليه السلام) من الخلائق جموع عظيمة ~~تتجاوز حد الاحصاء. # قال ابن عالية: فجعل الشيخ الفخر يسائل ذلك الرجل ما فعلت؟ هل وصل مالك ~~إليك؟ هل بقي منه بقية عند غريمك؟ وذلك الرجل يجاوبه، حتى قال له: يا سيدي ~~لو شاهدت يوم الزيارة يوم الغدير، وما يجري عند قبر علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) من الفضائح والأقوال الشنيعة وسب الصحابة جهارا من غير مراقبة ولا ~~خيفة. # فقال إسماعيل، أي ذنب لهم والله ما جرأهم على ذلك، ولا فتح لهم هذا الباب ~~إلا صاحب ذلك القبر، فقال الرجل: ومن هو صاحب القبر؟ قال: علي بن أبي طالب، ~~قال: يا سيدي هو الذي سن لهم ذلك وعلمهم إياه وطرقهم إليه؟ قال: نعم والله، ~~PageV00P343 # قال: يا سيدي فإن كان محقا فمالنا نتولى فلانا وفلانا، وإن كان مبطلا ~~فمالنا نتولاه، ينبغي أن نتبرأ إما منه أو منهما. # قال ابن عالية: فقام مسرعا، فلبس نعليه وقال: لعن الله إسماعيل الفاعل ~~ابن الفاعلة أن كان يعرف جواب هذه المسألة، ودخل دار حرمه، وقمنا نحن ~~وانصرفنا (1) انتهى. # وروى ابن أبي الحديد، عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتابه في ~~السقيفة وفدك، بعد ما ذكر أن جميع ما أورده من الأخبار منقول من أفواه أهل ~~الحديث وكتبهم لا من كتب الشيعة ورجالهم، ثم قال: وأبو بكر الجوهري هذا ~~عالم محدث، كثير الأدب، ثقة ورع، أثنى عليه المحدثون، ورووا عنه مصنفاته ~~وغير مصنفاته (2). # قال: فلما سمع أبو بكر خطبتها (عليها السلام) في فدك شق عليه مقالتها، ~~فصعد المنبر، وقال: # أيها الناس ما هذه الرعة إلى كل قالة؟ أين كانت هذه الأماني في عهد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) ألا من سمع فليقل، ومن شهد فليتكلم، إنما هو ~~ثعالة شهيده ذنبه، مرب لكل فتنة، هو الذي يقول: كروها جذعة بعد ما هرمت، ~~يستعينون بالضعفة، ويستنصرون بالنساء، كأم طحال أحب أهلها إليها البغي، ألا ~~إني لو أشاء أن أقول لقلت، ولو قلت لبحت، ms277 إني ساكت ما تركت. # ثم التفت إلى الأنصار فقال: قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم، ~~وأحق من لزم عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنتم، فقد جاءكم فآويتم ~~ونصرتم، ألا إني لست باسطا يدا ولا لسانا على من لم يستحق ذلك منا. ثم نزل ~~فانصرفت فاطمة (عليها السلام) إلى منزلها. # وقال: قلت: قرأت هذا الكلام على النقيب أبي يحيى جعفر بن أبي زيد البصري # PageV00P344 # وقلت له: بمن يعرض؟ فقال: بل يصرح، قلت: لو صرح لم أسألك، فضحك وقال: # بعلي بن أبي طالب (عليه السلام)، قلت: هذا الكلام كله لعلي يقوله؟ قال: ~~نعم إنه الملك يا بني، قلت: فما مقالة الأنصار؟ قال: هتفوا بذكر علي (عليه ~~السلام) فخاف من اضطراب الأمر عليهم، فنهاهم. # فسألته عن غريبه، فقال: أما الرعة بالتخفيف، أي: الاستماع والاصغاء. # والقالة: القول. وثعالة: اسم الثعلب علم غير مصروف، مثل ذؤالة للذئب. # وشهيده ذنبه، أي: لا شاهد له على ما يدعي إلا بعضه وجزء منه، وأصله مثل ~~قالوا: إن الثعلب أراد أن يغري الأسد بالذئب، فقال: إنه قد أكل الشاة التي ~~كنت قد أعددتها لنفسك، وكنت حاضرا قال: فمن يشهد لك بذلك؟ فرفع ذنبه وعليه ~~دم، وكان الأسد قد افتقد الشاة، فقبل شهادته وقتل الذئب. ومرب: ملازم أرب ~~بالمكان. وكروها جذعة: أعيدوها إلى الحال الأولى، يعني: الفتنة والهرج. وأم ~~طحال: امرأة بغي في الجاهلية، ويضرب بها المثل فيقال: أزنا من أم طحال (1) ~~انتهى. # وقال: ومن كتاب معاوية المشهور إلى علي (عليه السلام): وأعهدك أمس تحمل ~~قعيدة بيتك ليلا على حمار، ويداك في يدي ابنيك الحسن والحسين، يوم بويع أبو ~~بكر الصديق، فلم تدع أحدا من أهل بدر والسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك، ومشيت ~~إليهم بامرأتك، وأدليت إليهم بابنيك، واستنصرتهم على صاحب رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله)، فلم يجبك منهم إلا أربعة أو خمسة، ولعمري لو كنت محقا ~~لأجابوك، ولكنك ادعيت باطلا، وقلت ما لا يعرف، ورمت ما لا يدرك، ومهما نسيت ~~فلا أنسى قولك لأبي سفيان ms278 لما حركك وهيجك: لو وجدت أربعين ذوي عزم منهم ~~لناهضت القوم، فما # PageV00P345 # يوم المسلمين منك بواحد، ولا بغيك على الخلفاء بطريف ولا مستبدع (1). # قال بعض شراح نهج البلاغة في شرح قول أمير المؤمنين (عليه السلام) " ~~فنظرت فإذا ليس لي معين إلا أهل بيتي، فضننت بهم عن الموت، وأغضيت على ~~القذى، وشربت على الشجا، وصبرت على أخذ الكظم، وعلى أمر من طعم العلقم " ~~(2): وروى نضر بن مزاحم في كتاب صفين: أنه كان يقول: لو وجدت أربعين ذوي ~~عزم لقاتلت. # وقال في ذيل هذا الكلام: وهو الذي عليه جمهور المحدثين من غير الشيعة، ~~أنه امتنع من البيعة ستة أشهر حتى ماتت فاطمة، فبايع بعد ذلك طوعا. وفي ~~صحيحي مسلم والبخاري: كانت وجوه الناس تختلف إليه وفاطمة لم تمت بعد، فلما ~~ماتت انصرفت وجوه الناس عنه، فخرج وبايع أبا بكر. # وعلى الجملة فحال الصحابة في اختلافهم بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وما جرى في سقيفة بني ساعدة، وحال علي (عليه السلام) في طلب هذا ~~الأمر ظاهر، والعاقل إذا طرح العصبية والهوى عن نفسه، ونظر فيما نقله الناس ~~في هذا المعنى، علم ما جرى بين الصحابة من الاختلاف والاتفاق، وهل بايع علي ~~(عليه السلام) طوعا أو كرها؟ وهل ترك المقاومة عجزا أو اختيارا؟ ولما لم ~~يكن غرضنا إلا تفسير كلامه، كان الاشتغال بغير ذلك تطويلا وفضولا خارجا عن ~~المقصود، ومن رام ذلك فعليه بكتب التواريخ (3) انتهى. # أقول: ملاحظة هذا الكلام من أمير المؤمنين (عليه السلام) كافية للمنصف في ~~الدلالة على أنه (عليه السلام) لم يبايع طوعا، وما ذكره الشارح مع ملاحظة ~~مرتبة أمير المؤمنين (عليه السلام) # PageV00P346 # كاف أيضا من غير حاجة إلى ضم ما ذكره (عليه السلام)، وأوضحنا الدلالة عند ~~نقلنا هذا الكلام منه سابقا أيضا. # قال صاحب حدائق الحقائق: روى ابن قتيبة - وهو من أكابر مشايخهم - في كتاب ~~الإمامة والسياسة، أن عليا (عليه السلام) أتي به إلى أبي بكر، وهو يقول: ~~أنا عبد الله وأخو رسوله، فقيل له: بايع أبا ms279 بكر، فقال: أنا أحق بهذا الأمر ~~منكم لا أبايعكم، وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، ~~واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي (صلى الله عليه وآله) تأخذونه منا أهل ~~البيت غصبا، ألستم زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لمكان محمد ~~(صلى الله عليه وآله) منكم، فأعطوكم المقادة، وسلموا إليكم الإمارة، فأنا ~~أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار، نحن أولى برسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) حيا وميتا، فانصفونا إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، وإلا فبوؤا ~~بالظلم وأنتم تعلمون. # فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي (عليه السلام): احلب ~~حلبا لك شطره، أشدد له اليوم يرده عليك غدا، ثم قال، والله يا عمر لا أقبل ~~قولك ولا أبايعه، فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك، فقال علي (عليه ~~السلام): يا معشر المهاجرين الله الله لا تخرجوا سلطان محمد (صلى الله عليه ~~وآله) في العرب من داره، وقعر بيته إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا ~~أهله عن مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين لنحن أحق الناس به، ~~لأنا أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم، ما كان فينا القارئ لكتاب الله، ~~الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله. # ثم قال ابن قتيبة: وفي رواية أخرى: أخرجوا عليا (عليه السلام) فمضوا به ~~إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، فقال: إن أنا لم أفعل فمه؟ قالوا: إذا والله ~~الذي لا إله إلا هو نضرب عنقك، قال: إذن تقتلون عبد الله وأخا رسوله، قال ~~عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال ~~له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟ # فقال: لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق علي (عليه السلام) ~~بقبر PageV00P347 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) يصيح ويبكي وينادي: يا بن أم إن القوم ~~استضعفوني وكادوا يقتلونني. # ثم ذكر ابن قتيبة أنهما جاءا إلى فاطمة (عليها السلام) معتذرين، فقالت: ~~نشدتكما بالله ms280 ألم تسمعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: رضا فاطمة ~~من رضاي، وسخط ابنتي من سخطي، ومن أحب فاطمة فقد أحبني، ومن أسخط فاطمة فقد ~~أسخطني؟ قالا: نعم سمعناه، قالت: فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني ~~وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي (صلى الله عليه وآله) لأشكونكما إليه، فقال ~~أبو بكر: أنا عائذ بالله من سخطه وسخطك يا فاطمة، ثم انتحب أبو بكر باكيا ~~يكاد نفسه أن تزهق، وهو يقول: والله لأدعون الله الله في كل صلاة أصليها، ~~ثم خرج باكيا (1) انتهى. # وقد حكى الشارح عبد الحميد بن أبي الحديد هذه الرواية في الجزء السادس من ~~الشرح، عن أبي بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتاب السقيفة بوجه أبسط ~~مما رواه ابن قتيبة (2) انتهى كلامه. # وجه تأكيد خبر ابن عالية: أن إسماعيل بن علي مع كونه من فقهاء الحنابلة ~~حكم بلا توقف بكون سب الجماعة ناشئا من أمير المؤمنين (عليه السلام) مؤكدا ~~بالقسم أولا، وفي الجواب بقوله " والله ما جرأهم " إلى قوله " نعم والله " ~~وبعد ما سأل السائل عدم مناسبة الجمع في الولاية بين الساب والمسبوب، اعترف ~~بعدم العلم بالجواب، ولعن نفسه إن كان عالما به، ولو كان له طريق إلى ~~الجواب ولو كان تجويز عدم فتح باب السب لم يلعن ابن الفاعلة أن عرف جواب ~~المسألة. # وبالجملة القسم واللعن لا يجتمعان مع تجويز عدم فتح باب السب، فكلام ~~إسماعيل يدل على غاية وضوح براءة أمير المؤمنين (عليه السلام) من السابقين ~~وسبه (عليه السلام) أو # PageV00P348 # تجويز سبه إياهم، فدل دوران الحق بل مخالفته (عليه السلام) لو فرض عدم ~~هذه الرواية في شأنه (عليه السلام) على بطلان إمامة أبي بكر، لعدم تحقق ~~الاجماع بمخالفة أمير المؤمنين (عليه السلام) وعلى بطلان كلام فضل بن ~~روزبهان. # ويدل رواية أبي بكر الجوهري على بغض أبي بكر لأمير المؤمنين (عليه ~~السلام) للخوف عما عبر عنه بالفتنة، الذي هو اجتماع بعض الصحابة على أمير ~~المؤمنين بحيث يختل سلطنة أبي بكر، ولو كان الحق مع أبي ms281 بكر لكان أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) أسرع التابعين، فلم يحتج أبو بكر إلى أن يتكلم ~~بالمقالة التي يظهر منها النفاق وإيذاء رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~بإيذاء أمير المؤمنين وفاطمة (عليهما السلام) بل إيذاء الله تعالى، كما ظهر ~~من الأخبار. # والكلمات الركيكة الصادرة عن أبي بكر كيف توافق مقتضى الأخبار المذكورة ~~هاهنا وسابقا في فضائل أمير المؤمنين وفاطمة (عليهما السلام) خصوصا، وفضائل ~~أهل البيت عموما، وآية * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى) * ~~ولأي مؤمن طالب للنجاة يمكن أن يوافق صاحب هذا المقال، حتى يتوهم موافقة ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) كما توهم فضل بن روزبهان. # وكتاب معاوية المشهور يدل على مخالفة أمير المؤمنين (عليه السلام) ~~والاهتمام في طلب الأمر غاية الاهتمام ما أمكن، وكذلك قوله (عليه السلام) " ~~لو وجدت أربعين " الخ. # فإن قلت: أي اعتماد بما كتب معاوية وقال؟ # قلت: كلام معاوية في نفسه ليس محل الاعتماد، لكن في قوله " لم تدع أحدا ~~من أهل بدر وسوابق إلا دعوتهم إلى نفسك " قرينة واضحة على وقوع الدعوة، ~~وإلا لم يعمها، حتى لو ظهر إنكار الدعوة لم يفتضح، لأنه لا يمكن أن يقول ~~معاوية على تقدير الانكار حينئذ كانت الدعوة بالنسبة إلى بعض الصحابة، فلعل ~~ما بقي من المدعوين لا يظهرون الآن، ونسبة عموم الدعوة إليه (عليه السلام) ~~يدل على ظهورها في زمان كتابة معاوية بحيث لم يمكن الانكار. PageV00P349 # ومما نقلته سابقا ظهر ظهور هذه الدعوة عند ابن أبي الحديد أيضا، وفي ~~رواية ابن قتيبة دلالة على غاية الخلاف في مواضع منها لا تحتاج إلى ~~التفصيل، وعلى نفاق عمر، وعلى تركه مقتضى الكتاب والسنة، وعدم مبالاته بشئ ~~من القبائح، وعلى بطلان خلافة أبي بكر بوجه آخر، وهو أنه (عليه السلام) لما ~~احتج عليهم بما احتج به لم يتعرض أحدهما لدفع احتجاجه (عليه السلام) أصلا، ~~فقال عمر في جواب الاحتجاج: إنك لست متروكا حتى تبايع، فلو كان له جواب ~~لوجب ذكره عادة وعقلا، فعدم ذكره في أمثال هذا المقام دليل ms282 قاطع على العدم، ~~ولو لم يكن إلا واحدة من هذه الروايات لم يجز الحكم بكون أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) مع الأولين، وبعد الاجتماع وملاحظة قرينة الصدق، لا يبقى شك ~~لأهل الحجى إن لم يختل عقله بالأغراض الفاسدة، ولا يحتاج إلى ضميمة أخبار ~~أخر، وكذلك ما ذكرته سابقا بانفراده كاف في هذا المدعى، ولا يحتاج إلى ~~ضميمة هذه، وما لم أذكره بل بعضه كاف من غير حاجة إلى ضميمة الأخبار ~~المذكورة وغير ذلك البعض. # وفي آخر الخبر يظهر أن قصدهما الحيلة بأي وجه تيسر، وإلا كان الواجب ~~عليهما بعد أن سمعا من فاطمة (عليها السلام) تقول: أنكما أسخطتماني وما ~~أرضيتماني، ارضاءهما إياها بوجه يناسب الخطيئة، فإن كان خطأهما من سوء ~~الأدب فقط، فالندامة الصادقة وإظهارها حينئذ كان سببا للقبول البتة، لأنها ~~كانت عالمة بأن أعظم الخطيئة الذي هو الكفر والشرك يغفر بالتوبة، فكيف لا ~~يقبل ولا تعفو مع التوبة الكاملة التي استوفت شرائطها، وإن كان يظلمها فرد ~~الظلامة مع الندامة الصادقة، وإصرارها (عليها السلام) في عدم الرضا دال على ~~عدم تحقق شرائط التوبة. # فإن قلت: نختار الأول بدليل أن الأمر الدنيوي كان أحكم من أن يختل بعدم ~~الاعتذار، فالاعتذار إنما نشأ من محض التوبة، فلو كان خطأهما لأجل الظلامة ~~بانفرادها أو بضميمة سوء الأدب كانا يتداركان ما يحتاج إليه، لأن ما نقل من ~~PageV00P350 # انتحاب أبي بكر على الوجه المذكور دال على غاية ندامته، ومثل هذه الندامة ~~حامل على التدارك إن احتاجت إليه، فعدم التدارك يدل على عدم الظلامة، فإذا ~~ثبت عدم الظلامة، فالإشكال إنما هو في أن عدم قبول الاعتذار لا يليق بكمل ~~المؤمنين، فكيف يليق بسيدة نساء العالمين (عليها السلام)؟ أيجوز أن نظن أن ~~أبا بكر مع الخلافة والسلطنة ينتحب ويبكي؟ بحيث يكاد نفسه أن تزهق ولا ~~يتدارك ما يجب تداركه، فهذا من بعيد الظن. # قلت: النادم عن المعاصي إذا ندم ندامة صادقة وتدارك ما يحتاج إلى التدارك ~~يعفو عنه من كمل إيمانه، فكيف لا تعفو عنها سيدة نساء العالمين ms283 لو كانت ~~توبتهما جامعة لشرائطهما، وما ذكر من الاستدلال على كون اعتذارهما لمحض ~~التوبة فضعيف، لأنه يمكن أن يكون سببه الحيل والدواعي التي ليس لك اطلاع ~~عليها، ويمكن أن يكون أحدها جلب محبة من لا يتأمل في الأمور حق التأمل. # وما تظن من دلالة النحيب على التوبة الكاملة الباعثة على تحصيل جميع ما ~~يعتبر في التوبة، فضعيف أيضا، لأنه يمكن أن يكون ندامته عن القبائح التي لا ~~يحتاج انتظام أمره إليها، مثل كشف بيت فاطمة (عليها السلام) كما نقل عنه ~~إظهار الندامة عنه عند قرب انتقاله إلى دار الجزاء. # ويمكن أن يكون له ملكة البكاء عند إرادتها، كما ينقل عن جماعة كثيرة عن ~~أحد ممن عاصرنا أنه كان يمكن له البكاء أي وقت أرادها، فإذا كان له ملكة ~~البكاء، فهي في مثل هذا الوقت أحد حيله يغتر بها كثير من الناس. # فظهر بما ذكرته أن الاعتذار والنحيب لا يدلان على التوبة. وأما عدم قبول ~~سيدة نساء العالمين اعتذارهما، فشاهد صدق على عدم تحقق ما يعتبر في التوبة ~~فيهما، وكيف يتوهم حصول شرائط التوبة فيهما؟ مع أنهما سمعا منها (عليها ~~السلام) إصرارها في السخط، لم يقولوا: إن أباك كان رحمة للعالمين، والشيطان ~~مسلط على أكثر PageV00P351 # الناس، فما صدر منا إنما كان بإغواء الشيطان، فنحن تائبون منه، وعازمون ~~على التدارك على أكمل وجه، فمرينا بأي شئ تريدين حتى نسمع ونطيع، فإن ~~إطاعتك سبب النجاة، كما أن مخالفتك وسخطك موجب للهلاك، لكونك شريكة القرآن ~~وسفينة النجاة، ولما لم يقولا ما يفيد هذا المفاد ظهر أنهما لم يستوفيا ~~شرائط التوبة، هذا تبرع مني، وإلا فعدم قبولها (عليها السلام) اعتذارهما ~~كاف في الدلالة على ما أردنا على وجه أكمل، كما لا يخفى. # ويمكن أن يكون إرادة توبتهما مثل إرادة توبة أحد سأل مني عن التوبة عما ~~صدر منه من أخذ المال ظلما وعدوانا، وكان حين السؤال أيضا مريدا إياه، ~~فأجبته بما هو منقول عن أبي عبد الله (عليه السلام)، فقال في جوابي: هذا ~~مشكل، فقلت: ms284 لم أكن غافلا عن غرضك من السؤال، بل علمت أن غرضك إنما كان ~~بيان فعل يبرئ ذمتك مما سبق من غير أن تتدارك الظلامة، ويبيح لك استمرار ~~الظلم والعدوان، وهذا خارج عن قانون الشرع والإيمان، وعليك التطبيق من غير ~~حاجة إلى تعرض التفصيل والبيان. # وكذلك قوله (عليه السلام) " وقد قال لي قائل: أنك على هذا الأمر يا بن ~~أبي طالب لحريص، فقلت: بل أنتم والله أحرص وأبعد، وأنا أخص وأقرب، وإنما ~~طلبت حقا لي وأنتم تحولون بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، فلما قرعته ~~بالحجة بهت لا يدري ما يجيبني به، اللهم إني أستعديك على قريش ومن أعانهم، ~~فإنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي، وأجمعوا على منازعتي أمرا هو لي، ثم ~~قالوا: ألا إن في الحق أن تأحذه وفي الحق أن تتركه " (1) انتهى. # يدل على غاية الخلاف، ومع ظهور دلالة هذا الكلام، وبعض ما نقله على بث # PageV00P352 # الشكوى والسخط عليهم، نقل عن ابن أبي الحديد القول بتواتر هذا المعنى عن ~~أمير المؤمنين (عليه السلام)، فكيف يقول فضل بن روزبهان وغيره ممن ابتلي ~~بالدواعي بتوافق أمير المؤمنين (عليه السلام) والسابقين؟ # اعلم أن فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) مثل مثالب الثلاثة كثيرة جدا، ~~وذكر الجل مع ما يوجب طول الكتاب ومع كفاية ما ذكرته منهما لهداية ~~المسترشدين، نذكر بعض فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) ليكون ختم المبحث ~~بها: # فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام): # منها: قوله تعالى * (ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا * إنما ~~نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا * إنا نخاف من ربنا يوما ~~عبوسا قمطريرا * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسرورا * وجزاهم بما ~~صبروا جنة وحريرا) * (1) نزولها في أهل البيت (عليهم السلام) أشهر من أن ~~يحتاج إلى تفصيل النقل، فنكتفي بما في الكشاف. # قال الزمخشري: وعن ابن عباس أن الحسن والحسين مرضا، فعادهما رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولدك، ~~فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما ms285 إن برءا مما بهما أن يصوموا ثلاثة أيام، ~~فشفيا وما معهم شئ، فاستقرض علي من شمعون اليهودي ثلاثة أصوع من شعير، ~~فطحنت فاطمة صاعا واختبزت خمسة أقراص على عددهم، فوضعوها بين أيديهم ~~ليفطروا، فوقف عليهم سائل فقال: السلام عليكم أهل بيت محمد، مسكين من ~~مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنة، فآثروه وباتوا لم ~~يذوقوا إلا الماء # PageV00P353 # وأصبحوا صياما. # فلما أمسوا ووضعوا الطعام بين أيديهم، وقف عليهم يتيم، فآثروه، ووقف ~~عليهم أسير في الثالثة، ففعلوا مثل ذلك، فلما أصبحوا أخذ علي (رضي الله ~~عنه) بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلما ~~أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدة الجوع، قال: ما أشد ما يسوءني ما أرى ~~بكم، وقام فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق ظهرها ببطنها، ~~وغارت عيناها، فساءه ذلك، فنزل جبرئيل وقال: خذها يا محمد هناك الله في أهل ~~بيتك، فأقرأه السورة. # فإن قلت: ما معنى ذكر الحرير مع الجنة؟ # قلت: المعنى وجزاهم بصبرهم على الايثار وما يؤدي إليه من الجوع والعرى ~~بستانا فيه مأكل هني، وحرير فيه ملبس بهي (1). # أتظن أن من نزل في شأنه مثل هذا المدح في القرآن يمتنع عن بيعة السابقين ~~ما أمكن الامتناع؟ ويشكو عنهم بعد انتقالهم إلى دار الجزاء، كما ظهر لك مما ~~نقلته لو كانوا محقين في أمرهم. # ومنها: ما روى ابن الأثير في فضائل علي بن أبي طالب (عليه السلام) من ~~صحيح الترمذي، عن أنس بن مالك، قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~يوم الاثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء (2). # ومن صحيح الترمذي، عن ابن عباس، قال: أول من صلى علي. # وعن زيد بن أرقم قال: أول من أسلم علي (3). # قال ابن الأثير في الركن الثالث من كتاب النبوة: فلما حضرته - يعني: عبد # PageV00P354 # المطلب - الوفاة أوصى به وله ثمانون أو أقل أو أكثر أبا طالب عمه، فأحسن ~~تربيته، إلى أن قال: واستجاب لدعوته علي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، وأبو ~~بكر، وعثمان ms286 بن عفان، وسعد بن أبي وقاص ومن بعدهم، وخديجة أول الناس ~~إسلاما، وعلي تلاها في الإسلام عند الأكثرين، فعاداه المشركون، وهموا ~~بقتله، فأجاره أبو طالب (1) انتهى. # قوله " عند الأكثرين " قاطع على تقدير إسلام أمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، وإلا لم يقل أحد منهم لانتفاء دواعي وضع المنقبة بالنسبة إلى أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) كما ظهر لك سابقا. # ومن صحيح الترمذي، عن عبد الله بن عمر، قال: لما آخى رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) بين أصحابه جاء علي تدمع عيناه، فقال له: يا رسول الله آخيت بين ~~أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحد، قال: فسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~يقول: أنت أخي في الدنيا والآخرة (2). # ومن صحيح مسلم والترمذي، عن سعد بن أبي وقاص: أن معاوية بن أبي سفيان أمر ~~سعدا، فقال له: ما يمنعك أن تسب أبا تراب؟ فقال: أما ذكرت ثلاثا قالهن له ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلن أسبه، لأن يكون لي واحدة منهن أحب إلي ~~من حمر النعم، سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول له وخلفه في بعض ~~مغازيه، فقال له علي: يا رسول الله خلفتني مع النساء والصبيان... مثل ما ~~تقدم لسعد، لكن هنا إلا أنه لا نبوة بعدي، وسمعته يقول يوم خيبر: لأعطين ~~الراية رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فتطاولنا، فقال: ادعوا لي ~~عليا، فأتي به أرمد، فبصق في عينه ودفع الراية إليه، ففتح الله عليه، ولما ~~نزلت هذه الآية * (ندع أبناءنا وأبناءكم) * دعا # PageV00P355 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا وفاطمة وحسنا وحسينا، فقال: اللهم ~~هؤلاء أهلي (1). # وقوله في هذه الرواية " مثل ما تقدم لسعد " إشارة إلى ما روى ابن الأثير ~~من صحيح البخاري ومسلم والترمذي، عن سعد بن أبي وقاص، أن رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) خلف علي بن أبي طالب في غزوة تبوك، فقال: يا رسول الله ~~تخلفني في النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون بمنزلة هارون من موسى، ~~غير أنه لا نبي ms287 بعدي. وفي رواية مثله ولم يقل فيه " غير أنه لا نبي بعدي ". # قال ابن المسيب: أخبرني بهذا عامر بن سعد عن أبيه، فأحببت أن أشافه سعدا، ~~فلقيته فقلت: أنت سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فوضع إصبعيه ~~على أذنيه، فقال: نعم وإلا فاستكتا (2). # ومن صحيح الترمذي، عن أنس، قال: كان عند رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~طير، فقال: # اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي هذا الطير، فجاء علي فأكل معه (3). # PageV00P356 # ومن صحيح البخاري ومسلم، عن سلمة بن الأكوع، قال: كان علي قد تخلف عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) في خيبر وكان رمدا، فقال: أنا أتخلف عن رسول ~~الله؟ فخرج علي فلحق بالنبي (صلى الله عليه وآله) فلما كان مساء الليلة ~~التي فتحها الله في صباحها قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لأعطين ~~الراية - أو ليأخذن الراية - غدا رجل يحبه الله ورسوله - أو قال: يحب الله ~~ورسوله - يفتح الله عليه، فإذا نحن بعلي وما نرجوه، فقالوا: # هذا علي، فأعطاه الراية، ففتح الله عليه (1). # ومن صحيح البخاري ومسلم، عن سهل بن سعد، أن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) قال يوم خيبر: لأعطين الراية غدا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ~~ورسوله، ويحبه الله ورسوله، قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيهم يعطاها، ~~فلما أصبح الناس غدوا # PageV00P357 # على رسول الله (صلى الله عليه وآله) كلهم يرجو أن يعطاها، فقال: أين علي ~~بن أبي طالب؟ قيل: # هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: فأرسلوا إليه، فأتي به، فبصق في عينيه ~~ودعا له، فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال: يا رسول الله ~~أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: أنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم ~~إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله عز وجل فيهم، فوالله لئن ~~يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك من حمر النعم (1). # ومن صحيح مسلم، عن أبي هريرة، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال يوم ms288 ~~خيبر: # لأعطين هذه الراية رجلا يحب الله ورسوله، يفتح الله على يديه، قال عمر بن ~~الخطاب: ما أحببت الإمارة إلا يومئذ، قال: فتساورت لها رجاء أن أدعى لها، ~~قال: فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) علي بن أبي طالب، فأعطاه إياها، ~~وقال: امش ولا تلتفت حتى يفتح الله عليك، قال: فسار علي شيئا، ثم وقف ولم ~~يلتفت فصرخ: يا رسول الله على ماذا أقاتل؟ قال: قاتلهم حتى يشهدوا أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك فقد منعوا منك دماءهم ~~وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (2). # ومن صحيح الترمذي، عن علي، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): أنا ~~مدينة العلم وعلي بابها (3). # ومن صحيح الترمذي، عن ابن عباس، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر ~~بسد الأبواب إلا باب علي (4). # PageV00P358 # ومن صحيح الترمذي، عن جابر، قال: دعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~عليا يوم الطائف، فانتجاه، فقال الناس: لقد طال نجواه مع ابن عمه، فقال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله): ما انتجيته ولكن الله انتجاه (1). # ومن صحيح الترمذي، عن أنس، قال: بعث النبي (صلى الله عليه وآله) ببراءة ~~مع أبي بكر، ثم دعاه فقال: لا ينبغي لأحد أن يبلغ هذا إلا رجل من أهلي، ~~فدعا عليا فأعطاه إياه (2). # ومن صحيح الترمذي، عن حبشي بن جنادة، أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~قال: علي مني وأنا من علي، لا يؤدي إلا أنا أو علي (3). # ومن صحيح الترمذي، عن ابن عباس، قال: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~أبا بكر وأمره أن ينادي بهؤلاء الكلمات، ثم أتبعه عليا، فبينا أبو بكر ببعض ~~الطريق إذ سمع رغاء ناقة رسول الله (صلى الله عليه وآله) القصواء، فقام أبو ~~بكر فزعا يظن أنه رسول الله (صلى الله عليه وآله) فإذا هو علي، فدفع إليه ~~كتابا من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأمر عليا أن ينادي بهؤلاء ~~الكلمات - زاد رزين: فإنه لا ينبغي ms289 أن يبلغ عني إلا رجل من أهل بيتي، ثم ~~اتفقا - فانطلقا فقام علي أيام التشريق، فنادى: ذمة الله ورسوله بريئة من ~~كل مشرك، فسيحوا في الأرض أربعة أشهر، ولا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن ~~بعد اليوم عريان، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، قال: فكان علي ينادي ~~بهؤلاء الكلمات، فإذا عيي قام أبو بكر فنادى بها (4). # ومن صحيح الترمذي، عن أم عطية، قالت: بعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~جيشا فيهم # PageV00P359 # علي، قالت: فسمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: اللهم لا تمتني ~~حتى تريني عليا (1). # وفي رواية محمد بن كعب القرظي، قال: افتخر طلحة بن شيبة بن عبد الدار، ~~وعباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، فقال طلحة: أنا صاحب البيت ومعي ~~مفتاح البيت، ولو أشاء بت فيه، وقال عباس: وأنا صاحب السقاية ولو أشاء بت ~~في المسجد، وقال علي: ما أدري ما تقولان، لقد صليت إلى القبلة ستة أشهر قبل ~~الناس، وأنا صاحب الجهاد، فأنزل الله تعالى * (أجعلتم سقاية الحاج وعمارة ~~المسجد الحرام) * الآية. # وفي رواية قال: افتخر علي وعباس وشيبة، فقال عباس: أنا أسقي حاج بيت ~~الله، وقال شيبة: أنا أعمر مسجد الله، وقال علي: أنا هاجرت مع رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) فأنزل الله عز وجل هذه الآية (2). # وروى ابن الأثير في كتاب القضاء من جامع الأصول، من صحيح أبي داود ~~والترمذي، عن علي (عليه السلام) قال: بعثني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~إلى اليمن قاضيا، فقلت: يا رسول الله ترسلني وأنا حدث السن ولا علم لي ~~بالقضاء، فقال: إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك، فإذا جلس بين يديك ~~الخصمان فلا تقضين حتى تسمع من الآخر كما سمعت من الأول، فإنه أحرى أن ~~يتبين لك القضاء، قال: فما زلت قاضيا أو ما شككت في قضاء بعد (3). # أقول: بعض الروايات المذكورة يمكن الاستدلال بها على الإمامة، ولا حاجة ~~إلى بيان كيفية الدلالة بعد ما سبق، والغرض من ذكر الروايات الباقية ~~الاطلاع ms290 على بعض فضائله (عليه السلام). # PageV00P360 # حديث المناشدة: # روى صاحب حدائق الحقائق (رحمه الله) عن السيد النبيل علي بن طاووس (رحمه ~~الله) من الطرائف، قال: روى أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه في كتابه، وهو ~~من أعيان أئمتهم، ورواه أيضا المسمى عندهم صدر الأئمة أخطب خطباء خوارزم ~~موفق بن أحمد المكي ثم الخوارزمي في كتاب الأربعين، قال: عن الإمام ~~الطبراني، حدثنا سعيد الرازي، قال: حدثنا محمد بن حميد، قال: حدثنا زافر بن ~~سليمان، قال: # حدثنا الحارث بن محمد، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، قال: كنت على الباب ~~يوم الشورى، فارتفعت الأصوات بينهم، فسمعت عليا (عليه السلام) يقول: بايع ~~الناس أبا بكر وأنا والله أولى بالأمر منه وأحق به منه، فسمعت وأطعت مخافة ~~أن يرجع القوم كفارا يضرب بعضهم رقاب بعض بالسيف، ثم بايع أبو بكر لعمر ~~وأنا أولى بالأمر منه، فسمعت وأطعت مخافة أن يرجع الناس كفارا، ثم أنتم ~~تريدون أن تبايعوا عثمان إذن لا أسمع ولا أطيع. # وفي رواية أخرى رواها ابن مردويه أيضا، وساق قول علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) في مبايعتهم لأبي بكر وعمر، كما ذكره في الرواية المتقدمة سواء، ~~إلا أنه قال في عثمان: # ثم أنتم تريدون أن تبايعوا عثمان إذن لا أسمع ولا أطيع، إن عمر جعلني في ~~خمسة نفر أنا سادسهم لا يعرف لي فضلا في الصلاح ولا يعرفونه لي، كأنما نحن ~~شرع سواء، وأيم الله لو أشاء أتكلم لتكلمت، ثم لا يستطيع عربيكم ولا عجميكم ~~ولا المعاهد منكم ولا المشرك رد خصلة منها. # ثم قال: أنشدكم الله أيها الخمسة أمنكم أخو رسول الله غيري؟ قالوا: لا، ~~قال: # أمنكم أحد له عم مثل عمي حمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله غيري؟ # قالوا: لا، قال: أمنكم له أخ مثل أخي المزين بالجناحين يطير مع الملائكة ~~في الجنة؟ PageV00P361 # قالوا: لا، قال: أمنكم أحد له زوجة مثل زوجتي فاطمة بنت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) سيدة نساء هذه الأمة؟ قالوا: لا، قالوا: ms291 أمنكم أحد له ~~سبطان مثل ولدي الحسن والحسين سبطي هذه الأمة ابني رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد قتل مشركي قريش غيري؟ قالوا: ~~لا [قال: أمنكم أحد وحد الله قبلي؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد صلى إلى ~~القبلتين غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد أمر الله بمودته غيري؟ قالوا: ~~لا] (1). # قال: أمنكم أحد غسل رسول الله (صلى الله عليه وآله) غيري؟ قالوا: لا، ~~قال: أمنكم أحد سكن المسجد يمر فيه جنبا غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد ~~ردت عليه الشمس بعد غروبها حتى صلى العصر غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد ~~قال له رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث قرب إليه الطير فأعجبه: اللهم ~~ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي من هذا الطير، فجئت وأنا لا أعلم ما كان من ~~قوله، فدخلت فقال: وإلي يا رب وإلي يا رب غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد ~~كان أقتل للمشركين عند كل شديدة تنزل برسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~غيري؟ قالوا: لا. # قال: أمنكم أحد كان أعظم غناء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) مني حتى ~~اضطجعت على فراشه، ووقيته بنفسي، وبذلت مهجتي غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم ~~أحد كان يأخذ الخمس غيري وغير زوجتي فاطمة؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد له ~~سهم في الخاص وسهم العام غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد يطهره كتاب الله ~~تعالى غيري، حتى سد النبي (صلى الله عليه وآله) أبواب المهاجرين جميعا وفتح ~~بابي إليه، حتى قام إليه عماه حمزة والعباس وقالا: يا رسول الله سددت ~~أبوابنا وفتحت باب علي، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ما أنا فتحت بابه ~~ولا سددت أبوابكم، بل الله فتح بابه وسد أبوابكم، # PageV00P362 # قالوا: لا. # قال: أمنكم أحد تمم الله نوره من السماء حين قال * (وآت ذا القربى حقه) * ~~قالوا: # اللهم لا، قال: أمنكم أحد ناجى رسول الله ستة عشرة مرة غيري؟ حين نزل ~~جبرئيل (عليه السلام) * (يا أيها الذين آمنوا ms292 إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين ~~يدي نجواكم صدقة) * أعمل بها أحد غيري؟ قالوا: اللهم لا، قال: أمنكم أحد ~~ولي غمض رسول الله (صلى الله عليه وآله) غيري؟ قالوا: لا، قال: أمنكم أحد ~~آخر عهده برسول الله (صلى الله عليه وآله) حين وضعه في حفرته غيري؟ قالوا: ~~لا. # قال عبد المحمود: وفي رواية أخرى عن صدر الأئمة عندهم موفق بن أحمد المكي ~~يرويها عن فخر خوارزم محمود الزمخشري، بإسناده إلى أبي ذر، في مناشدة علي ~~بن أبي طالب (عليه السلام) لأهل الشورى، وهذا لفظها: # ناشدتكم الله هل تعلمون معاشر المهاجرين والأنصار، أن جبرئيل (عليه ~~السلام) أتى النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا محمد لا سيف إلا ذو ~~الفقار، ولا فتى إلا علي، هل تعلمون كان هذا؟ قالوا: اللهم نعم، قال: ~~فأنشدكم الله هل تعلمون أن جبرئيل (عليه السلام) نزل على النبي (صلى الله ~~عليه وآله) فقال: يا محمد إن الله تعالى يأمرك أن تحب عليا وتحب من يحب ~~عليا، فإن الله يحب عليا ويحب من يحب عليا؟ قالوا: اللهم نعم. # قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال: لما ~~أسري بي إلى السماء السابعة، دفعت إلى رفاف من نور، ثم دفعت إلى حجب من ~~نور، فوعد النبي (صلى الله عليه وآله) الجبار لا إله إلا هو أشياء، فلما ~~رجع من عنده نادى مناد من وراء الحجب: نعم الأب أبوك إبراهيم، ونعم الأخ ~~أخوك علي، فاستوص به، أتعلمون معاشر المهاجرين والأنصار كان هذا؟ فقال من ~~بينهم أبو محمد - يعني: عبد الرحمن بن عوف -: سمعتها من رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) وإلا فصمتا. # قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن أحدا كان يدخل المسجد جنبا غيري؟ قالوا: ~~PageV00P363 # اللهم لا، قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن أبواب المسجد سدها وترك بابي؟ ~~قالوا: # اللهم نعم، قال: هل تعلمون أني كنت إذا قاتلت عن يمين رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) قال: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه ms293 لا نبي بعدي؟ ~~قالوا: اللهم نعم. # قال: فهل تعلمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين أخذ الحسن ~~والحسين، جعل رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: هي يا حسن، فقالت ~~فاطمة: إن الحسين أصغر وأضعف ركنا منه، فقال لها رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): ألا ترضين أن أقول أنا هي يا حسن ويقول جبرئيل: هي يا حسين، فهل ~~لخلق منكم مثل هذه المنزلة؟ نحن الصابرون في هذه البيعة ليقضي الله أمرا ~~كان مفعولا. # قال عبد المحمود: وقد روى صدر الأئمة عندهم موفق بن أحمد المكي ~~الخوارزمي، أن علي بن أبي طالب (عليه السلام) في يوم الشورى زاد على هذا في ~~المناظرة لهم والاحتجاج عليهم، وأنه احتج بسبعين منقبة من مناقبه (1) ~~انتهى. # فإن قلت: قد ذكرت سابقا عند الاستدلال ببعض ما ناشد به أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) أن مناشدته تدل على دلالة ما ناشد به على مطلبه الذي هو ~~استحقاق الإمامة وتعينه به بدوران الحق معه، وهاهنا ظهر أن مناشدته كما ~~كانت بكمالاته الحقيقية، كذلك كانت بالكمالات بالعرض، مثل كون عمه أسد الله ~~وأسد رسوله، وأخيه طائرا بجناحيه مع الملائكة، وظاهر أن كمالاته الإضافية ~~مطلقا، وبعض ما كان من كمالاته في نفسه أيضا لا يصلح لأن يجعل دليلا على ~~تعينه بالاستحقاق، أتظن تعينه باستحقاق الإمامة بطيران أخيه، أو وليه غمض ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله). # فبقي أن يكون الغرض من مناشدته ببعض الفضائل الخارجة والداخلة، أن يظهر ~~فضائله على أهل الشورى، حتى تدعوهم إلى البيعة، مراعاة لما هو الأولى، وإلا # PageV00P364 # فبحسب تحقق الإمامة هو البيعة، والفضائل المذكورة ليست معينة للاختيار، ~~فربما كانت في عثمان فضائل أكمل من تلك الفضائل عند من يدور الإمامة بيعته ~~بمقتضى أمر عمر، وإن اعترف أهل الشورى بعدم تحقق الفضائل التي ذكرها أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) في أحد، أو لم يتحقق فيه فضائل تعارضها، لكن عدم ~~بغض الناس لعثمان لعدم القتل، بل المقاتلة مع الشجعان وبعده هم معارضة ~~الأبطال والفرسان، بل عدم اتصافه ms294 بفضائل زائدة توجب حسد أهل البغي والطغيان ~~صار سببا لاختياره، رعاية لتشديد أساس الإسلام والإيمان. # قلت: لو كان مناشدته لما ذكر، وكان الاختيار مع أهل الشورى، وكان ~~اختيارهم من أرادوه جائزا، لم يقل (عليه السلام) " نحن الصابرون في هذه ~~البيعة ليقضي الله أمرا كان مفعولا " لدلالته على كونها خارجة عن قانون ~~الشرع والدين، وإلا لم يكن إطاعة الشرع وانقياده له شديدا عليه (عليه ~~السلام) حتى يحتاج إلى الصبر، بل أمثال ذلك الاهتمام وإظهار التحسر كانا ~~لمشاهدة العصيان والطغيان والاظهار للمسترشدين ما فعل أهل الجور والعدوان، ~~كما ظهر لك في موضعه بأوضح التنقيح والبيان. # وما ذكر من عدم صلاحية بعض الفضائل المذكورة للاستدلال على التعين ضعيف، ~~لأن أصل استحقاقه (عليه السلام) للأمر كان ظاهرا لأهل الشورى، بل لجميع ~~المسلمين، وبعد أصل الاستحقاق كل واحد من المرجحات كاف في الدلالة على ~~التعيين إذا لم يكن المرجح وما يعارضه في آخر لقبح ترجيح المرجوح. # وما ذكر من أنه كان في عثمان فضائل أكمل من تلك الفضائل، في غاية الضعف، ~~ولو كان فيه فضائل كذلك لكان أمير المؤمنين (عليه السلام) عالما بها ولم ~~يذكر ما ذكره، ولكان عثمان ومن عاونه يذكر أنها في مقابل ما ذكره (عليه ~~السلام). # وعدم ذكر المنقبة الذي يدل على عدم النقل مع توفر الدواعي عليه، يدل على ~~PageV00P365 # عدمها، ولو ذكروها وكان لها أصل كان أمير المؤمنين (عليه السلام) أسمع ~~وأطوع، وظهور كراهته (عليه السلام) في وقت من الأوقات كاف للدلالة على ~~العدم، وتكرر الشكوة وإظهار الكراهة أولى بها. # وما ذكر من بغض الناس لو كان مانعا عن إمامته (عليه السلام) لكان أعلم به ~~منكم وأعمل بمقتضاه، وترجيح أحد بعدم الاتصاف بالكمال، وجعله معارضا لما ~~عده دليلا على الاستحقاق من يدور الحق معه وباب مدينة العلم، لا وجه له ~~أصلا، وبالجملة أمثال تلك الكلمات إنكار لمقتضى كلام رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) بل لمقتضى كلام الله تعالى، لأمره تعالى بالإطاعة المطلقة ~~للرسول (صلى الله عليه وآله). # فإن قلت: يمكن ms295 أن يكون مراده (عليه السلام) بالمناشدة استدلاله بجميع ما ~~ذكره (عليه السلام) لا بكل واحد، فما ذكرته من دلالة كل واحد بدوران الحق ~~معه (عليه السلام) ضعيف. # قلت: دلالة بعض ما ناشد به مثل " نعم الأخ أخوك علي فاستوص به " لا تحتاج ~~إلى الضميمة، لأن الاستيصاء به وقوله بكونه " نعم الأخ " يقتضيان عدم ~~إيذائه وإطاعته فيما يقول، وكذلك قوله (صلى الله عليه وآله) " أنت مني ~~بمنزلة هارون من موسى " كما ظهر عند استدلالنا بهذا الخبر على إمامته (عليه ~~السلام)، فينبغي حمل كل واحد مما ذكر في المناشدات على دلالته على المدعى ~~ليتلاءم الأسلوب. # فإن قلت: دلالة بعض المناشدات على المدعى لا ينافي قصد الدلالة من ~~المجموع، فلا تنافر في الأسلوب لو لم يرد الدلالة بكل واحد. # قلت: لما صح إرادة كل واحد مما ذكره (عليه السلام) بما ذكرته من قبح ~~ترجيح المرجوح إرادة المجموع بعيد، ومع بعدها مناقشة ضعيفة لا وقع لها ~~أصلا. # كلام شارح التجريد: # ومنها: ما ذكر أهل السنة في مصنفاتهم وهو كثير جدا، ننقل بعض ما ذكره ~~PageV00P366 # شارح التجريد في شرح كلام المحقق الطوسي، ننقل كلامهما على ما هو المعروف ~~من نقل المتن والشرح. # قال المحقق (رحمه الله): " وعلي (عليه السلام) أفضل " الصحابة " لكثرة ~~جهاده، وعظم بلائه في وقائع النبي (صلى الله عليه وآله) بأجمعها، ولم يبلغ ~~درجته في غزاة بدر " وهي أول حرب امتحن بها المؤمنون، لقلتهم وكثرة ~~المشركين، فقتل علي (عليه السلام) الوليد بن عتبة، ثم ربيعة، ثم شيبة بن ~~ربيعة، ثم العاص بن سعيد، ثم سعيد بن العاص، ثم حنظلة بن أبي سفيان، ثم ~~طعمة بن عدي، ثم نوفل بن خويلد، ولم يزل يقاتل حتى قتل نصف المشركين ~~والباقي من المسلمين، وثلاثة آلاف من الملائكة مسومين قتلوا النصف الآخر، ~~ومع ذلك كانت الراية في يد علي (عليه السلام). # " و " في غزاة " أحد " جمع له رسول الله (صلى الله عليه وآله) بين اللواء ~~والراية، وكانت راية المشركين مع طلحة بن أبي طلحة، وكان يسمى كبش ms296 الكتيبة، ~~فقتله علي (عليه السلام) وأخذ الراية غيره فقتله (عليه السلام) ولم يزل ~~يقتل واحدا بعد واحد حتى قتل تسعة نفر، فانهزم المشركون، واشتغل المسلمون ~~بالغنائم، فحمل خالد بن الوليد بأصحابه على النبي (صلى الله عليه وآله)، ~~فضربوه بالسيوف والرماح والحجر حتى غشي عليه، فانهزم الناس عنه سوى علي ~~(عليه السلام) فنظر إليه النبي (صلى الله عليه وآله) بعد إفاقته، وقال له: ~~اكفني هؤلاء، فهزمهم عنه، وكان أكثر المقتولين منه. # " و " في " يوم الأحزاب " وقد بالغ في هذا اليوم في قتل المشركين، وقتل ~~عمرو بن عبد ود، وكان بطل المشركين، ودعا إلى البراز مرارا، فامتنع عنه ~~المسلمون، وعلي (عليه السلام) يروم على مبارزته، والنبي (صلى الله عليه ~~وآله) يمنعه من ذلك لينظر صنيع المسلمين، فلما رأى امتناعهم أذن له وعممه ~~بعمامته ودعا له، وقال حذيفة: لما دعا عمرو إلى المبارزة أحجم المسلمون عنه ~~كافة ما خلا عليا (عليه السلام) فإنه برز إليه، فقتله الله على يديه، والذي ~~نفس حذيفة بيده لعمله في ذلك اليوم أعظم أجرا من أصحاب PageV00P367 # محمد (صلى الله عليه وآله) إلى يوم القيامة، وكان الفتح في ذلك اليوم على ~~يدي علي (عليه السلام) وقال النبي (صلى الله عليه وآله): لضربة علي خير من ~~عبادة الثقلين. # " و " في غزاة " خيبر " واشتهار جهاده فيها غير خفي، وفتح الله على يده، ~~فإن النبي (صلى الله عليه وآله) حصر حصنهم بضعة عشر يوما وكانت الراية بيد ~~علي (عليه السلام) فأصابه رمد، فسلم النبي (صلى الله عليه وآله) الراية إلى ~~أبي بكر، وانصرف مع جماعة، فرجعوا منهزمين خائفين، فرفعها من الغد إلى عمر، ~~ففعل مثل ذلك، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): لأسلمن الراية غدا إلى رجل ~~يحبه الله ورسوله، ويحب الله ورسوله، كرار غير فرار، ائتوني بعلي، فقيل: به ~~رمد، فتفل في عينيه ودفع الراية إليه، فقتل مرحبا، فانهزم أصحابه، وغلقوا ~~الأبواب، ففتح علي (عليه السلام) الباب وأقلعه وجعله جسرا على الخندق، ~~وعبروا وظفروا، فلما انصرفوا أخذ بيمينه ورماه أذرعا، وكان ms297 يغلقه عشرون، ~~وعجز المسلمون عن نقله سبعون رجلا، وقال علي (عليه السلام): ما قلعت باب ~~خيبر بقوة جسمانية، ولكن قلعته بقوة ربانية. # " و " في غزاة " حنين " وقد سار النبي (صلى الله عليه وآله) في عشرة آلاف ~~من المسلمين، فتعجب أبو بكر من كثرتهم، وقال: لن نغلب اليوم لقلة، فانهزموا ~~بأجمعهم، ولم يبق مع النبي (صلى الله عليه وآله) سوى تسعة نفر: علي، وعباس، ~~وابنه، وأبو سفيان بن حرب، ونوفل بن الحرث، وربيعة بن الحرث، وعبد الله بن ~~الزبير، وعتبة ومصعب ابنا أبي لهب، فخرج أبو جذول فقتله علي (عليه السلام) ~~فانهزم المشركون، وأقبل النبي (صلى الله عليه وآله) وصادفوا العدو، فقتل ~~علي (عليه السلام) أربعين، وانهزم الباقون، وغنمهم المسلمون، وغير ذلك من ~~الوقائع المأثورة، والغزوات المشهورة التي نقلها أرباب السير، فيكون (عليه ~~السلام) أفضل لقوله تعالى * (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~PageV00P368 # القاعدين درجة) * (1). # " ولأنه أعلم لقوة حدسه، وشدة ملازمته للرسول (صلى الله عليه وآله) " ~~لأنه في صغره كان في حجره، وكبره كان ختنا له، يدخله كل وقت، وكثرة ~~استفادته منه، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) كان في غاية الحرص في ~~إرشاده، وقد قال حين نزل قوله تعالى * (وتعيها أذن واعية) * اللهم اجعلها ~~أذن علي، قال علي (عليه السلام): ما نسيت بعد ذلك شيئا، وقال: # علمني رسول الله (صلى الله عليه وآله) ألف باب من العلم، فانفتح لي من كل ~~باب ألف باب. # " ورجعت الصحابة إليه في أكثر الوقائع بعد غلطهم، وقال النبي (صلى الله ~~عليه وآله): أقضاكم علي، واستند الفضلاء في جميع العلوم إليه " كالأصول ~~الكلامية، والفروع الفقهية، وعلم التفسير، وعلم التصوف، وعلم النحو وغيرها، ~~فإن خرقة المشائخ تنتهي إليه، وابن عباس رئيس المفسرين تلميذه، وأبا الأسود ~~الدؤلي دون النحو بتعليمه وإرشاده. # " وأخبر هو بذلك " حيث قال: والله لو كسرت لي الوسادة لحكمت بين أهل ~~التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الفرقان بفرقانهم، ~~والله ما نزلت من آية في بر أو بحر أو سهل أو جبل ms298 أو سماء أو أرض أو ليل أو ~~نهار، إلا أنا أعلم في من نزلت، وفي أي شئ نزلت، وإذا كان أعلم يكون أفضل، ~~لقوله تعالى * (يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) * ~~(2). # " ولقوله تعالى * (وأنفسنا وأنفسكم) * (3) " وذكر بعض ما يناسب المقام. # " ولكثرة سخائه على غيره " ونقل جوده بقوته وقوت عياله ثلاثة أيام، ~~وتصدقه بخاتمه في الصلاة، ونزول آية الولاية. # PageV00P369 # " وكان أزهد الناس بعد رسول الله (صلى الله عليه وآله) " لما تواتر من ~~إعراضه عن لذات الدنيا مع اقتداره عليها، لاتساع أبواب الدنيا عليه، ولهذا ~~قال: يا دنيا إليك عني، أبي تعرضت أم إلي تشوقت، لا حان حينك، هيهات غري ~~غيري، لا حاجة لي فيك، قد طلقتك ثلاثا لا رجعة فيها، فعيشك قصير، وخطرك ~~يسير، وأملك حقير. # وقال: والله لدنياكم هذه أهون في عيني من عراق خنزير في يد مجذوم. # وكان أخشن الناس مأكلا وملبسا، ولم يشبع من طعام قط، وقال ما يناسب ~~المتن. # " وأعبدهم " وذكر غاية خضوعه في العبادة " وأحلمهم " وذكر ما يناسب ~~المقام " وأشرفهم خلقا، وأطلقهم وجها " وذكر ما يناسبه. # " وأقدمهم إيمانا " يدل على ذلك ما روي أن النبي (صلى الله عليه وآله) ~~قال: بعثت يوم الاثنين وأسلم علي يوم الثلاثاء، ولا أقرب من هذه المدة، ~~وقوله (صلى الله عليه وآله) " أولكم إسلاما علي بن أبي طالب " وما روي عن ~~علي (عليه السلام) أنه كان يقول: أنا أول من صلى وأول من آمن بالله ورسوله، ~~ولا سبقني إلى الصلاة إلا نبي الله. وكان قوله مشهورا بين الصحابة، ولم ~~ينكر عليه منكر، فدل على صدقه، وإذا ثبت أنه أقدم إيمانا من الصحابة كان ~~أفضل منهم، لقوله تعالى * (والسابقون السابقون * أولئك المقربون) * وروي ~~أنه قال علي (عليه السلام) على المنبر بمشهد من الصحابة: أنا الصديق ~~الأكبر، آمنت قبل إيمان أبي بكر، وأسلمت قبل أن يسلم، ولم ينكر عليه منكر، ~~فيكون أفضل من أبي بكر. # " وأفصحهم لسانا " على ما شهد به كتاب نهج البلاغة، وقال البلغاء: إن ~~كلامه دون كلام ms299 الخالق وفوق كلام المخلوق. # " وأسدهم رأيا، وأكثرهم حرصا على إقامة حدود الله تعالى " ولم يساهل أصلا ~~في ذلك، ولم يلتفت إلى القرابة والمحبة. PageV00P370 # " وأحفظهم بكتاب الله العزيز " فإن أكثر أئمة القراء، كأبي عمرو وعاصم ~~وغيرهما يسندون قراءتهم إليه، فإنهم تلامذة أبي عبد الرحمن السلمي، وهو ~~تلميذ علي (عليه السلام). # " ولإخباره بالغيب " وذلك كإخباره بقتل ذي الثدية، ولما لم يجده أصحابه ~~بين القتلى، قال: والله ما كذبت، فاعتبر القتلى حتى وجده وشق قميصه، ووجد ~~على كتفه سلعة، كثدي المرأة عليها شعر ينجذب كتفه مع جذبها وترجع مع تركها. ~~وقال أصحابه: إن أهل النهروان قد عبروا، فقال: لم يعبروا، فأخبروه مرة ~~ثانية، فقال: # لم يعبروا، فقال جندب بن عبد الله الأزدي في نفسه: إن وجدت القوم قد ~~عبروا كنت أول من يقاتله، قال: فلما وصلنا النهر لم نجدهم عبروا، قال: يا ~~أخا الأزد أتبين لك الأمر؟ ويدل على اطلاعه على ما في ضميره. # وأخبر (عليه السلام) بقتل نفسه في شهر رمضان، وقيل له: قد مات خالد بن ~~عرفطة بوادي القرى، فقال: لم يمت ولا يموت حتى يقود جيش ضلالة صاحب لوائه ~~حبيب بن جمار، فقام رجل من تحت المنبر وقال: والله إني لك لمحب وأنا حبيب، ~~قال: إياك أن تحملها ولتحملنها، فتدخل بها من هذا الباب، وأومأ إلى باب ~~الفيل، فلما بعث ابن زياد عمر بن سعد إلى الحسين (عليه السلام) جعل على ~~مقدمته خالدا، وحبيب صاحب رايته، فسار بها حتى دخل المسجد من باب الفيل. # " واستجابة دعائه " فإنه لغاية شهرته غني عن البيان. # " وظهور المعجزات عنه " وقد أشير إلى ذلك فيما تقدم، وهو هذا: " ولظهور ~~المعجزة " يعني: الكرامة على يده " كقلع باب خيبر " وعجز عن إعادته سبعون ~~رجلا من الأقوياء، ومخاطبة الثعبان على منبر الكوفة، فسئل عنه، فقال: إنه ~~من حكام الجن أشكل عليه مسألة أجبته عنها. # " ورفع الصخرة العظيمة عن القليب " روي أنه (عليه السلام) لما توجه إلى ~~صفين مع PageV00P371 # أصحابه، أصابهم عطش عظيم، فأمرهم أن يحفروا بقرب دير، فوجدوا ms300 صخرة عظيمة ~~عجزوا عن نقلها، فنزل (عليه السلام) فأقلعها ورمى بها مسافة بعيدة، فظهر ~~قليب فيه ماء، فشربوا ثم أعادها، ولما رأى ذلك صاحب الدير أسلم. # " ومحاربة الجن " روي أن جماعة من الجن أرادوا وقوع الضرر بالنبي (صلى ~~الله عليه وآله) حين مسيره إلى بني المصطلق، فحارب علي (عليه السلام) معهم، ~~وقتل منهم جماعة كثيرة. # " ورد الشمس وغير ذلك " من الوقائع التي نقلت عنه. انتهى ما تقدم. # " واختصاصه بالقرابة والأخوة " فإنه (صلى الله عليه وآله) لما آخى بين ~~الصحابة اتخذ عليا (عليه السلام) أخا لنفسه. # " ووجوب المحبة " فإنه (عليه السلام) لما كان من أولي القربى، ومحبة أولي ~~القربى واجبة، لقوله تعالى * (قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى) * (1). # هكذا ذكر الشارح، لكن الظاهر أن مراد المصنف بوجوب المحبة ليس وجوب ~~المودة بين ذي القربى فقط، بل مثل ما ذكره صاحب المقاصد " من أحبك فقد ~~أحبني، وحبيبي حبيب الله، ومن أبغضك فقد أبغضني، ومن يبغضني يبغض الله، ~~فالويل لمن أبغضك بعدي " وما ذكرته سابقا في ضمن مناشداته (عليه السلام) " ~~هل تعلمون أن جبرئيل (عليه السلام) نزل على النبي (صلى الله عليه وآله) ~~فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تحب عليا، وتحب من يحبه، فإن الله يحب عليا ~~ويحب من يحب عليا؟ قالوا: اللهم نعم " وغيره مما ذكرته قبل هذا. # " والنصرة " لرسول الله، يدل عليه قوله تعالى في حق النبي (صلى الله عليه ~~وآله) * (فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين) * (2) والمراد بصالح ~~المؤمنين علي (عليه السلام) على ما صرح به المفسرون، والمراد بالمولى هو ~~الناصر. # PageV00P372 # " ومساواة الأنبياء " يدل على ذلك قوله (صلى الله عليه وآله) " من أراد ~~أن ينظر إلى آدم في علمه، وإلى نوح في تقواه، وإلى إبراهيم في حلمه، وإلى ~~موسى في هيبته، وإلى عيسى في عبادته، فلينظر إلى علي بن أبي طالب " أوجب ~~مساواته للأنبياء في صفاتهم، والأنبياء أفضل من باقي الصحابة، فكان علي ~~أفضل من باقي الصحابة، لأن المساوي للأفضل أفضل. # " وخبر الطائر " أهدي ms301 إلى النبي (صلى الله عليه وآله) طائر مشوي، فقال: ~~اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي، فجاء علي (عليه السلام) وأكل، والأحب ~~إلى الله تعالى أفضل. # وذكر بعض كمالات أخر بعد كلام المصنف، وقال: وأجيب بأنه لا كلام في عموم ~~مناقبه، ووفور فضائله، واتصافه بالكمالات، واختصاصه بالكرامات، إلا أنه لا ~~يدل على الأفضلية بمعنى زيادة الثواب والكرامة عند الله، بعد ما ثبت من ~~الاتفاق الجاري مجرى الاجماع على أفضلية (1) أبي بكر ثم عمر، ودلالة الكتاب ~~والسنة # PageV00P373 # والآثار والأمارات على ذلك، ونقل من الكتاب * (وسيجنبها الأتقى) * ومن ~~السنة والآثار بعض الأحاديث الموضوعة التي نقلتها في موضعه، ومن الأمارات ~~فتح البلاد وقلة النزاع والاختلاف. # أقول: قوله بأفضلية أبي بكر وعمر على وفق أكثر أهل السنة لا وجه له، لأن ~~الآية لا دلالة لها على مقصودهم، كما ظهر لك سابقا. وأما الأخبار والآثار: ~~فلأن انفرادهم في نقل ما يتوهم دلالته على أفضلية من سبق على أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) وثبوت وضع الأخبار في فضائل الثلاثة وأشياعهم في زمان معاوية ~~بأمره، وطلب الجاه والجائزة به، وصيرورة الأخبار الموضوعة سبب الشبهة ~~لأصحاب الديانات لكون بعض من يضع الأخبار في فضائل السابقين مرائيا ظاهر ~~الصلاح، كما ذكره عبد الحميد بن أبي الحديد ونقلته سابقا، يسقطان الأخبار ~~الدالة على فضائلهم عن PageV00P374 # درجة الاعتبار، ومع ذلك قد ذكرت سابقا ظهور الضعف في بعضها وآثار الوضع ~~فيها، فارجع إليه. # فكيف يعارض بأمثال تلك الأمور الأخبار التي نقلها الفرق، واتفق أهل السنة ~~على صحة كثير منها، ولم يدع داع على وضعها، كما ذكرته سابقا. # وأيضا نترك الأخبار التي نقلت في فضائل أمير المؤمنين (عليه السلام) غير ~~الأخبار التي نقلها شارح التجريد ونكتفي بها، ونقول: منها ما نقله بقوله ~~وقال النبي (صلى الله عليه وآله): # لضربة علي خير من عبادة الثقلين. # ومنها: حكاية خيبر ودلالتها على غاية جلالة أمير المؤمنين (عليه السلام)، ~~ودلالة حكاية خيبر معها على غاية قباحة فعل المنهزمين، وشناعته ظاهرة، ومع ~~ظهورها قد ذكرتها في موضعها، وظهر من ms302 حكاية أحد وحنين هرب الثلاثة عن ~~الزحف، ويقول الله تعالى * (فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على ~~القاعدين درجة) * ومرتبة الهاربين ظاهرة. # وأيضا اعترف هو بشدة حدسه (عليه السلام) وفتح أبواب العلوم الذي نقله، ~~وقال الله تعالى * (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) * وقال تعالى ~~* (الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) وأيضا اعترف بقوله " لو ~~كسرت لي الوسادة " وعلم بصدقه، وبقول عمر " كل الناس أفقه من عمر حتى ~~المخدرات في الحجال " وبالجملة علوم أمير المؤمنين (عليه السلام) وجهالات ~~أبي بكر وعمر أظهر من أن نحتاج هاهنا إلى التفصيل. # وأيضا كيف يمكن القول بأفضليتهما لو لم يكن إلا حديث الطير، ولما ظهر ~~سابقا مراتب رذائل السابقين المغني عن تعرض التفاصيل هاهنا، فلا نطول ~~الكلام هاهنا. # وذكر صاحب المقاصد ما ذكر في التجريد وشرحه من مناقب أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) وبعض ما لم يذكر فيهما، منه قوله (صلى الله عليه وآله) " لمبارزة ~~علي عمرو بن عبد ود أفضل من PageV00P375 # عمل أمتي إلى يوم القيامة " مع نقله بعده قوله (صلى الله عليه وآله) " ~~لضربة علي خير من عبادة الثقلين " فظهر من الرواية الأولى التي ذكرها صاحب ~~المقاصد أن جرأته (عليه السلام) في محاربة عمرو مع خوف الصحابة حسنة عظمى ~~مثل ضربته (عليه السلام). # وبعد ما حكم بأفضلية أبي بكر وعمر بالروايات المجعولة التي علمت ضعفها من ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) تعرض لبيان الأفضل وغير الأفضل من غير ~~الخلفاء، وذكر عشرتهم، وسيدي شباب أهل الجنة، وأن أهل بيعة الرضوان ومن شهد ~~بدرا واحدا والحديبية من أهل الجنة. # قال: أما إجمالا، فقد تطابق الكتاب والسنة والإجماع على أن الفضل للعلم ~~والتقوى، قال الله تعالى * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * (1) وقال تعالى * ~~(هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون) * (2) وقال تعالى * (يرفع الله ~~الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات) * (3) وقال النبي (صلى الله ~~عليه وآله): الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل على عربي على عجمي، إنما ~~الفضل بالتقوى. وقال (عليه السلام): إن فضل العالم ms303 على العابد كفضل القمر ~~ليلة البدر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة الأنبياء. وقال (عليه ~~السلام): فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم. وقال (عليه السلام): من ~~سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة. # أقول: لا يخفى وهن التخصيص، لأنه لا وجه لتخصيص الآية والخبر المتفق عليه ~~بين الفريقين بالأخبار الضعيفة التي انفردوا في نقلها، فكيف يخصص الآيات ~~والأخبار المتفقة بين الفريقين بها؟ # فإن قلت: آية * (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) * دعانا إلى التخصيص لكون # PageV00P376 # الأتقى أبا بكر. # قلت: لا دليل على كون أبي بكر أتقى، إلا الروايات المختلقة التي نشأت من ~~الأهواء الباطلة، وكيف يجتمع التقوى في من يدعي الإمامة بغير نص وبيعة باب ~~مدينة العلم وكمل الصحابة، ويشدد عليه وعليهم بأقبح وجه وأشنعه، ويغضب ~~فاطمة (عليها السلام) مع كون غضبها غضب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~كما ظهر لك سابقا دلالة أخبارهم الصحيحة على ما ذكرته، لا أخبار الشيعة ~~فقط. # وأيضا ذكر في أفضلية الرجلين من جملة الروايات المختلقة رواية " اقتدوا ~~باللذين من بعدي أبي بكر وعمر " واستدل بها على أنه دخل في الخطاب علي (رضي ~~الله عنه) فيكون مأمورا بالاقتداء، ولا يؤمر الأفضل والمساوي بالاقتداء ~~سيما عند الشيعة. # وفيه أنه - مع ظهور ضعفه بالسند، وبعدم استدلالهما به عند امتناع أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) وبني هاشم عن البيعة، مع ظهور عدم المانع، بل ~~قابلوا دلائل الامتناع بالغلظة والشدة والتخويف بالقتل، وبإحراق البيت - ~~معارض بقوله (صلى الله عليه وآله) " لمبارزة علي عمرو بن عبد ود أفضل من ~~عمل أمتي إلى يوم القيامة " لدخول الرجلين في الأمة عندكم، وبخبر الطائر ~~الصحيح عند الفريقين، لدخولهما في من كان أمير المؤمنين (عليه السلام) أحب ~~منه، وضعف بشارة العشرة وغيرها من كلامه، بعد ملاحظة كلامنا السابق لا ~~يحتاج إلى البيان. # مبيته (عليه السلام) في فراش رسول الله (صلى الله عليه وآله): # نختم مدائحه وفضائله بحكاية مبيته (عليه السلام) حتى تتأمل فيها بعين ~~الإنصاف، وتعلم أن ذكر المصاحبة ms304 في الغار مع عدم دلالتها على منقبة زعموها ~~لو فرض دلالتها عليها لا نسبة لها إلى ذلك. # ومن كلام له (عليه السلام) اقتص فيه ذكر ما كان منه بعد هجرة النبي (صلى ~~الله عليه وآله) ثم لحاقه به: PageV00P377 # فجعلت أتبع مأخذ رسول الله (صلى الله عليه وآله) فأطأ ذكره، حتى انتهيت ~~إلى العرج (1). # قال ابن أبي الحديد: وروى محمد بن إسحاق في كتاب المغازي، قال: لم يعلم ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) أحدا من المسلمين ما كان عزم عليه من ~~الهجرة إلا علي بن أبي طالب وأبا بكر بن أبي قحافة. أما علي فإن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) أخبره بخروجه، وأمره أن يبيت على فراشه (2)، يخادع ~~المشركين عنه ليروا أنه لم يبرح، فلا يطلبوه حتى # PageV00P378 # تبعد المسافة بينهم وبينه، وأن يتخلف بعده بمكة حتى يؤدي عن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) الودائع التي عنده للناس، وكان رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) استودعه رجال مكة ودائع لهم لما يعرفونه من أمانته. وأما أبو ~~بكر، فخرج معه. # وسألت النقيب أبا جعفر يحيى بن أبي زيد الحسني (رحمه الله) فقلت له: إذا ~~كانت قريش قد محصت رأيها وألقى إليها إبليس - كما روي - ذلك الرأي، وهو أن ~~يضربوه بأسياف من أيدي جماعة من بطون مختلفة، ليضيع دمه في بطون قريش، فلا ~~تطلبه بنو عبد مناف، فلماذا انتظروا به تلك الليلة الصبح؟ فإن الرواية جاءت ~~بأنهم كانوا تسوروا الدار، فعاينوا فيها شخصا مسجى بالبرد الحضرمي الأخضر، ~~فلم يشكوا PageV00P379 # أنه هو، فرصدوه إلى أن أصبحوا، فوجدوه عليا، وهذا طريف، لأنهم كانوا قد ~~أجمعوا على قتله تلك الليلة، فما بالهم لم يقتلوا ذلك الشخص المسجى؟ ~~وانتظارهم به النهار دليل على أنهم لم يكونوا أرادوا قتله تلك الليلة. # فقال في الجواب: لقد كانوا هموا من النهار بقتله تلك الليلة، وكان ~~إجماعهم على ذلك، وعزمهم في خفية (1) من بني عبد مناف، لأن الذين محصوا هذا ~~الرأي واتفقوا عليه: النضر بن الحارث من بني عبد ms305 الدار، وأبو البختري بن ~~هشام، وحكيم بن حزام، وزمعة بن الأسود بن المطلب، هؤلاء الثلاثة من بني أسد ~~بن عبد العزى، وأبو جهل بن هشام، وأخوه الحارث، وخالد بن الوليد بن ~~المغيرة، هؤلاء الثلاثة من بني مخزوم، ونبيه ومنبه ابنا الحجاج، وعمرو بن ~~العاص، هؤلاء الثلاثة من بني سهم، وأمية بن خلف، وأخوه أبي بن خلف، هذان من ~~بني جمح، فنما هذا الخبر من الليل إلى عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، فلقى منهم ~~قوما، فنهاهم عنه، وقال: إن بني عبد مناف لا تمسك عن دمه، ولكن صفدوه في ~~الحديد، واحبسوه في دار من دوركم، وتربصوا به أن يصيبه من الموت ما أصاب ~~أمثاله من الشعراء. # وكان عتبة بن ربيعة سيد بني عبد شمس ورئيسهم، وهم من بني عبد مناف، وبنو ~~عم الرجل ورهطه، فأحجم أبو جهل وأصحابه تلك الليلة عن قتله إحجاما، ثم ~~تسوروا عليه، وهم يظنونه في الدار. # فلما رأوا إنسانا مسجى بالبرد الأخضر الحضرمي لم يشكوا أنه هو، وائتمروا ~~في قتله، فكان أبو جهل يذمرهم عليه، فيهمون ثم يحجمون، ثم قال بعضهم لبعض: # ارموه بالحجارة، فرموه، فجعل علي يتضور منها، ويتقلب ويتأوه تأوها خفيفا، ~~فلم يزالوا كذلك في إقدام عليه وإحجام عنه، لما يريده الله تعالى من سلامته ~~ونجاته، # PageV00P380 # حتى أصبح وهو وقيذ من رمي الحجارة، ولو لم يخرج رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) إلى المدينة، وأقام بينهم بمكة، ولم يقتلوه تلك الليلة، لقتلوه في ~~الليلة التي تليها، وإن شبت الحرب بينهم وبين عبد مناف، فإن أبا جهل لم يكن ~~بالذي ليمسك عن قتله، وكان فاقد البصيرة، شديد العزم على الولوغ في دمه. # قلت للنقيب: أفعلم رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعلي (عليه السلام) ~~بما كان من نهي عتبة لهم؟ قال: # لا، أنهما لم يعلما ذلك تلك الليلة، وإنما عرفاه من بعد، ولقد قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) يوم بدر لما رأى عتبة وما كان منه: إن يكن في ~~القوم خير ففي صاحب ms306 الجمل الأحمر، ولو قدرنا أن عليا (عليه السلام) علم ما ~~قال لهم عتبة لم يسقط ذلك فضيلته في المبيت، لأنه لم يكن على ثقة من أنهم ~~يقبلون قول عتبة، بل كان ظن الهلاك، والقتل أغلب. # وأما حال علي (عليه السلام) فلما أدى الودائع، خرج بعد ثلاث من هجرة ~~النبي (صلى الله عليه وآله) فجاء إلى المدينة راجلا قد تورمت قدماه، فصادف ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) نازلا بقباء على كلثوم بن الهدم، فنزل معه ~~في منزله، وكان أبو بكر نازلا بقباء أيضا في منزل حبيب بن يساف، ثم خرج ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهما معه من قباء حتى نزل بالمدينة على أبي ~~أيوب خالد بن يزيد الأنصاري وابتنى المسجد (1). # PageV00P381 # الفصل السادس في إثبات إمامة باقي الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام) ويدل ~~عليه أمور: # منها: قوله تعالى * (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) * (1) ~~لدلالته على الأمر بالإطاعة المطلقة لأولي الأمر، بعدم ذكر متعلق الإطاعة، ~~وبأن إطاعة الله تعالى لا تقييد فيها، فكذلك إطاعة الرسول وأولي الأمر، ~~وعدم التقييد في الإطاعة يدل على العصمة. # وبها يثبت بطلان عمدة المذاهب التي تحتاج إلى الإبطال، مثل مذهب أهل ~~السنة مطلقا، وفرق الزيدية، فبإبطال مذهب الواقفية والناووسية والإسماعيلية ~~التي نشأت كل منها من إنكار المحسوس، ومذهب مثل الكيسانية الذي لم يبق منه ~~إلا الاسم كما سنذكره، يثبت حقية مذهب الإمامية الاثنا عشرية، فظهر بالآية ~~المذكورة أن القول بالاجتهاد في الرسول، بل القول به في الإمام أيضا لا وجه ~~له. # فإن قلت: لا نسلم إطلاق الإطاعة وما جعلته قرينة عليه معارض بقوله تعالى ~~* (فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله وإلى الرسول) * فإن الاكتفاء في الرد ~~بالله تعالى والرسول، يدل على عدم الحجية في قول أولي الأمر، بل إطاعته ~~إنما هي فيما علم موافقته للشرع الأنور، أو فيما لا يعلم مخالفته له، فسقط ~~الاستدلال. # قلت: لا يصلح المعارضة بما ذكرته للقرينتين اللتين ذكرتهما، لكون ما ~~ذكرته من عموم الأمر بالإطاعة بالوجهين المذكورين ms307 في غاية الظهور. وأما ~~الاكتفاء في الرد بالله والرسول عند التنازع، فلا ظهور له في عدم لزوم ~~الاطلاق في إطاعة أولي الأمر، لأنه يمكن أن يقال: أن الإطاعة المطلقة إما ~~إطاعة الخالق، أو المخلوق. # PageV00P382 # وإطاعة المخلوق منقسمة إلى إطاعة الرسول وأولي الأمر، فلعله لكمال البعد ~~بين الخالق والمخلوق أعيد لفظ الإطاعة في المعطوف الأول دون الثاني، واكتفى ~~بالرد في المخلوق في صورة التنازع بالرسول للاكتفاء بالأصل في المخلوق لا ~~للحصر فيه. # وأيضا يمكن أن يقال: لما ثبت الرسول وعلم المخاطبون به، أمر عند التنازع ~~بالرجوع إليه مطلقا، وأما الإمام فيتجدد، فيجب إن كان لأحد كلام في كونه ~~أولي الأمر، أو فيما حكم به قبل العلم بكونه أولي الأمر الرجوع إلى الكتاب ~~والسنة، فإن شهدا بما يطلب الشهادة عليه يجب القبول وإلا فلا، ولا بعد في ~~شئ من الاحتمالين، هذا استدلال بالظاهر على من قال بكون الإمامة من الفروع، ~~وأما من قال بكونها من الأصول كما ظهر لك، فهذا من المؤيدات. # ومنها: الرواية المستفيضة بين فرق أهل الإسلام، وهي قوله (صلى الله عليه ~~وآله) " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " ويظهر من هذا بطلان ~~قول من حصر الإمامة في الأربعة، وهو ظاهر، وبطلان قول من يتوهم كونه في كل ~~زمان بتعيين الناس بوجهين: # أحدهما: بعنوان الظهور، وهو أن معرفة الإمام واجبة مطلقة على كافة ~~المكلفين فلو كانت الإمامة بالنصب والتعيين، لكان وجوب المعرفة مشروطا ~~بالتعيين، وكان التعيين أولى بالوجوب من المعرفة، فترك الأمر بالتعيين ~~والمبالغة في المعرفة شاهد صدق على كون الإمام معينا بغير مدخلية الأمة. # وثانيهما: أنه يحكم العقل من حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بوجوب ~~معرفة الإمام، بحيث يصير عدمها سببا لكون ميتة الجاهل به ميتة الجاهلية، ~~باتصاف الإمام بكمال زائد من الله تعالى، حتى يجب معرفة صاحب هذا الكمال ~~للإطاعة وامتثال ما أمر به، وجعله وسيلة بينه وبين الله تعالى، فلو كانت ~~الإمامة بتعيين الناس لأمكن تعلق التعيين بفاقد الكمال، ووجب مخالفة الإمام ms308 ~~إذا حكم بأمر لا يوافق الشرع الأنور، PageV00P383 # ويجب رد قوله وإنكار حكمه، ويحكم العقل بعدم وجوب معرفة مثل هذا الرجل، ~~وبعدم إمكان جعل ميتة عالم رباني مثلا بعدم معرفة جاهل هو الإمام بسبب ~~التعيين ميتة جاهلية، فثبت استمرار الإمام بلا تعيين من الأمة، فثبت ~~استمرار الإمام في كل زمان بتعيين الله تعالى، وهو قول الإمامية الاثني ~~عشر. # ومنها: الرواية المستفيضة بين الخاصة والعامة، وهي قوله (صلى الله عليه ~~وآله) " إني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا، كتاب الله وعترتي أهل ~~بيتي، ولن يفترقا حتى يردا علي الحوض " لدلالتها على استمرار الإمام إلى ~~ورود الحوض، وعلى كونه من عترته (صلى الله عليه وآله) وعلى العصمة كما مر، ~~فثبت مذهب الإمامية الاثني عشرية، لعدم قول أحد من فرق الإسلام غيرهم بهذا ~~القول، وللعلم القطعي بانتفاء الصفة عن غير الأئمة المعصومين (عليهم ~~السلام). # ومنها: الرواية الصحيحة المستفيضة بين الطائفتين، وهي قوله (صلى الله ~~عليه وآله) " مثل أهل بيتي مثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها هلك ~~" وجه الدلالة: أنها تدل على أن طريق النجاة إنما هو بتبعية أهل البيت، ~~فدلالتها على بطلان من لم يقل بكون الإمام معصوما مثل أهل السنة وفرق ~~الزيدية ظاهرة. # وأما من قال بالعصمة، فيبطل قول بعضهم، مثل الناووسية القائلين بحياة ~~الصادق (عليه السلام) بتواتر موته (عليه السلام) وقول مثل الإسماعيلية ~~بظهور موت إسماعيل عند حياة أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) وتواتره، ~~ولا ينافي التواتر إنكار بعض أرباب الدواعي والأهواء، وصيرورته شبهة لبعض ~~الناس مر الدهور. # وقول الكيسانية بعدم كون محمد بن الحنفية من أهل البيت، وعدم اتصافه ~~بالعلم الذي يعتبر في سفينة النجاة، فلا يمكن أن يكون وجوب إطاعته بالأمر ~~بإطاعة أهل البيت، حتى يندرج بتبعيته في التمسك بهم، ويخرج عن التخلف عنهم، ~~بل وضع هذا المذهب منسوب إلى المختار الملقب بكيسان لبعض الدواعي الذي دعاه ~~إلى هذا PageV00P384 # القول، كما هو مشهور بين أهل التاريخ. # وقول الفطحية بظهور عدم اندراج عبد الله في ms309 سفينة النجاة، لعدم كونه من ~~أهل العلم الذي يتوهم النجاة من التمسك به. وقول الواقفية بظهور وفاة ~~الكاظم (عليه السلام) وتواتره، ومن لم يقل بحياته (عليه السلام) قال بإمامة ~~الأئمة الراشدين، على الترتيب المعروف بين الفرقة الناجية الاثني عشرية، ~~على ما ذكره بعض العلماء (1) الكبار، ولعله (رحمه الله) لم يعتبر الأقوال ~~السخيفة التي حدثت في بعض أيام التحير وانقراض القول بها. # ويمكن تأييد هذا بأنه لا يمكن خفاء المذهب الحق ومأخذه لطالب الحق ~~والنجاة الذي خلى نفسه عن تبعية ما لا يجوز تبعيته المفتش للأقوال والآثار ~~بحيث لا يرى أمرا يصلح كونه شبهة، فكيف يمكن كون مأخذ أصل من أصول الدين ~~مختفيا في زمان من أزمنة التكليف، بحيث لا يكون معروفا في الكتب المدونة في ~~هذا الأصل، ولا مذكورا في ألسن الباحثين بوجه من الوجوه، وبهذا الطريق يظهر ~~بطلان أكثر المذاهب المخالفة للمذهب الحق، وما بقي محتاجا إلى الإبطال يبطل ~~بالرواية المذكورة وبالجملة تخلف من عدا مذهب الإمامية الاثني عشرية عن ~~سفينة النجاة ظاهر لمن تدبر فيما ذكرته سابقا وهاهنا. # ومما يؤيد هذا ما رواه ابن الأثير في جامع الأصول، في الفصل الأول من ~~الباب الأول من الكتاب الرابع من حرف الخاء، وهو كتاب الخلافة، من صحيح ~~البخاري ومسلم والترمذي وأبي داود، عن جابر بن سمرة، قال: سمعت النبي (صلى ~~الله عليه وآله) يقول: # يكون بعدي اثنا عشر أميرا، فقال كلمة لم أسمعها، فقال أبي: إنه قال: كلهم ~~من قريش. # PageV00P385 # وفي رواية قال: لا يزال أمر الناس ماضيا ما وليهم اثنا عشر رجلا، ثم تكلم ~~بكلمة خفيت علي، فسألت أبي ماذا قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟ فقال: ~~كلهم من قريش. # هذه رواية البخاري ومسلم. # وفي أخرى مسلم قال: انطلقت إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله) ومعي أبي، ~~فسمعته يقول: # لا يزال هذا الدين عزيزا منيعا إلى اثني عشر خليفة، فقال كلمة أصمنيها ~~الناس، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش. # وفي أخرى له قال: دخلت مع ms310 أبي على النبي (صلى الله عليه وآله) فسمعته ~~يقول: إن هذا الأمر لا ينقضي حتى يمضي فيه اثنا عشر خليفة، قال: ثم تكلم ~~بكلام خفي علي، فقلت لأبي: ما قال؟ قال: كلهم من قريش. # وفي أخرى: لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة، ثم ذكر مثله. # وفي رواية الترمذي قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله): يكون من بعدي ~~اثنا عشر أميرا، قال: ثم تكلم بشئ لم أفهمه، فسألت الذي يليني، فقال: كلهم ~~من قريش. # وفي رواية أبي داود، قال: سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: لا ~~يزال هذا الدين قائما حتى يكون عليكم اثنا عشر خليفة، كلهم تجتمع عليه ~~الأمة، فسمعت كلاما من النبي (صلى الله عليه وآله) لم أفهمه، فقلت لأبي: ما ~~يقول: قال: كلهم من قريش. # وفي أخرى قال: لا يزال هذا الدين عزيزا إلى اثني عشر خليفة، قال: فكثر ~~الناس وضجوا ثم قال كلمة خفيفة، وذكر الحديث (1). # فإن قلت: يدفع التأييد قوله (صلى الله عليه وآله) " لا يزال هذا الدين ~~عزيزا إلى اثني عشر خليفة " لظهور الضعف في أكثر الأزمان. # قلت: ليس المراد من كونه عزيزا الغلبة المطلقة على البلدان، لظهور وفور ~~الكفرة # PageV00P386 # وأهل الطغيان فيما مضى من الدهور والأزمان، فالمراد بكونه عزيزا استمرار ~~هذا الدين على الوجه المقرر، وعدم اندراس نوره الذي يتحقق بتبعية الأئمة ~~(عليهم السلام) وأما إرادة عموم التبعية أو غلبتها من العزة فغير لازمة. # ويمكن تأييد الدلالة في الرويات بأنه لا يكفي في الأمير المذكور في ~~الروايات كونه أميرا من أمراء الإسلام مطلقا، لعدم انحصار الأمير بهذا ~~الوصف في العدد، بل المراد هو الأمير المعين بتعيين الله تعالى، حتى يستنبط ~~من قوله (صلى الله عليه وآله) أن الأمر لا ينقضي حتى يمضي اثنا عشر خليفة، ~~ومن قوله (صلى الله عليه وآله) " لا يزال الإسلام عزيزا إلى اثني عشر خليفة ~~" مدخليتهم في عزة الدين، ليهتم طالب الحق والنجاة في معرفتهم، فيأخذ ما لا ~~معرفة له إلا بهم منهم، فهم الذين ms311 عبر عنهم بسفينة النجاة. # فإن قلت: لا يلزم من إبطال الأول إثبات الثاني، فلعل المراد من الأمير في ~~الروايات من له مزيد صلاح ومعرفة، وإن لم يبلغ درجة الحجية والعصمة. # قلت: صاحب المزية إذا لم تنته مرتبته إلى الحجية والعصمة، لو فرض انحصاره ~~في الاثني عشر، لا اطلاع لنا عليه للإبهام، وعلى تقدير الاطلاع ليس في ~~اطلاعنا عليه منفعة تتبادر من الروايات، فظاهر الروايات كونهم أحد الثقلين ~~اللذين لن يضل المتمسك بهما، فلعله بهذه الروايات خصص رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) سبب النجاة بكونه من قريش وبعدها بأهل البيت، رعاية للتدريج ~~اللايق ببيان مثل هذا الأمر. # ومنها: أن العقل يدل على استمرار نصب الإمام المعصوم من الله تعالى، كما ~~ظهر لك مما ذكرته في أول مبحث الإمامة من الكتاب، وظاهر أن التعيين من غير ~~بيان طريق المعرفة في حكم عدم التعيين، بل أوضح بطلانا منه، لأن هذا مثل أن ~~يعين الملك واحدا للإمارة، ولا يبين بوجه من الوجوه للناس، يعاتبهم على ~~عصيانهم الأمير، ولا يخفى أن أحدا لا يرتاب في سخافة كلام الملك حينئذ، ~~وخروجه عن قانون التوجيه. PageV00P387 # وأما عدم تعيين الإمام، فإنه باطل بما ذكرته في موضعه، لكن ليس بهذه ~~المرتبة في الوضوح، فيجب البيان إما بالنص، أو بالمعجزة، ونحن عالمون بعدم ~~تحقق شئ منهما في غير الأئمة الاثني عشر، ونقل كل واحد منهما في كل واحد ~~منهم حتى ادعى تواتر النص في كل واحد منهم كثير من العلماء الإمامية الاثني ~~عشرية. # فإن قلت: نقل أحد الأمرين أو كليهما إنما ينفعك في مقام الاستدلال لو ~~أمكنك إثبات تواتر أحدهما في كل واحد من الأئمة، وما يدل على أحدهما ليس في ~~كتب أهل السنة بحيث يمكن الحكم بالتواتر، وما وجد في الكتب المعتبرة من ~~الشيعة أيضا بل يظهر كونه مستجمعا لشرائط التواتر، ولعل دعوى تواتر النص في ~~الأئمة المعصومين كدعوى البكرية النص على أبي بكر، وإن افترقتا في دلالة ~~الدليل على بطلان النص على أبي بكر، ولا دليل على ms312 عدمه في الأئمة الاثني ~~عشر، وهذا الفرق لا ينفعك في المقام. # قلت: اليقين بوجوب استمرار الإمام المعصوم بتعيين الله عز وجل مع اليقين ~~بانتفاء الوصف في غيرهم هو المعين لهم، فلا يحتاج حينئذ في العلم بإمامتهم ~~إلى العلم بتحقق النص المتواتر في كل واحد منهم، نظير ذلك أنه إذا تيقنت ~~بكون زيد في بيت، وتيقنت أن غير واحد من الموجودين فيه ليس زيدا، تيقنت ~~بكونه زيدا. # ويمكن الدليل على هذا المدعى بعد إثبات وجوب التعيين من الله تعالى ~~والاستمرار بأنه بين الله تعالى بقوله * (أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ~~أمن لا يهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون) * (1) وبقوله عز وجل * (هل ~~يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولي الألباب) * (2) لظهور ~~أعلمية كل واحد منهم بالنسبة إلى جميع أهل زمانه، بل بالنسبة إلى جميع ~~أغيار الأئمة (عليهم السلام) من الأمة. # PageV00P388 # ومع اشتهار كل واحد منهم بكمال العلم والكمالات، بحيث لم يمكن لأحد لم ~~يبتل بالنصب واللجاج أن يقول بفقد واحد منهم بعض الكمالات النفسانية، جمع ~~من منكري الإمامة مع غاية الاهتمام في إنكار الحق، لم يمكنهم إنكار ~~كمالاتهم، بل اعترفوا بها وأنكروا دعواهم الإمامة ونفي إمامة الثلاثة، خوفا ~~من ظهور ضعف عقائدهم الفاسدة الناشئة من الأهواء الكاسدة، مع تواتر الأمرين ~~عند طالب الحق والنجاة، المتمسك بحبل أهل البيت في الرشاد. # روى صاحب حدائق الحقائق، عن العلامة (رحمه الله) في كشف الحق، أنه قال: ~~روى الزمخشري، وكان من أشد الناس عنادا لأهل البيت (عليهم السلام) وهو ~~الثقة المأمون عند الجمهور، بإسناده قال: قال رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله): فاطمة مهجة قلبي، وابناها ثمرة فؤادي، وبعلها نور بصري، والأئمة من ~~ولدها أمناء ربي، وحبل ممدود بينه وبين خلقه، من اعتصم بهم نجا، ومن تخلف ~~عنهم هوى (1) انتهى. # ويدل على ما قلته ما ذكره فضل بن روزبهان، مع غاية جهده في إنكار الحق، ~~في خطبة كتاب ألفه لنقض كتاب نهج الحق وكشف الصدق، بعد الطعن على العلامة ~~(رحمه ms313 الله): # ومن الغرائب أن ذلك الرجل وأمثاله ينسبون مذهبهم إلى الأئمة الاثني عشر ~~رضوان الله عليهم أجمعين، وهم صدور إيوان الاصطفاء، وبدور سماء الاجتباء، ~~ومفاتيح أبواب الكرم، ومجاديح هواطل النعم، وليوث غياض البسالة، وسباق ~~مضامير السماحة، وخزان نقود الرجاحة، والأعلام الشوامخ في الإرشاد ~~والهداية، والجبال الرواسخ في الفهم والدراية، وهم كما قلت فيهم: # شم المعاطس من أولاد فاطمة * علوا رواسي طود العز والشرف فاقوا العرانين ~~في نشر الندى كرما * بسمح كف خلا من هجنة السرف # PageV00P389 # تلقاهم في غداة الروع إذ رجفت * أكتاف أكفائهم من رهبة التلف مثل الليوث ~~إلى الأهوال سارعة * حماسة النفس لا ميلا إلى الصلف بنو علي وصي المصطفى ~~حقا * أخلاف صدق نموا من أشرف السلف ثم ذكر أن الأئمة سلام الله عليهم ~~كانوا يثنون على الصحابة، واستشهد برواية نقلها عن كتاب كشف الغمة، قال: ~~وذكر هو في الكتاب المذكور نقلا عن كتب الشيعة لا عن كتب السنة، أن الإمام ~~أبا جعفر محمد الباقر صلوات الله وسلامه عليه سئل عن حلية السيف هل يجوز؟ ~~فقال: نعم قد حلى أبو بكر الصديق سيفه بالفضة، قال الراوي: فقال السائل: ~~أتقول هكذا؟ فوثب الإمام من مكانه وقال: نعم الصديق نعم الصديق، فمن لم يقل ~~له الصديق فلا صدق الله له في الدنيا والآخرة، هذه عبارة كشف الغمة، انتهى ~~كلام الفضل (1). # وقال صاحب إحقاق الحق ما حاصله: أن هذا افتراء منه للترويج الباطل، وإلا ~~فليس في كشف الغمة مما ذكره عين ولا أثر، ولا يستبعد منه وضع الخبر، فقد ~~أباح بعض أعاظم أصحابه وضع الحديث لنصرة المذهب، كما ذكره الحافظ عبد ~~العظيم المنذري الشافعي في آخر كتابه المسمى بالترغيب والترهيب، وغيره في ~~غيره، ومع هذا صرح كشف الغمة بأنه اعتمد في الغالب النقل من كتب الجمهور، ~~ليكون أدعى إلى تلقيه بالقبول (2) انتهى ما أردت نقله. # أقول: مع ما ذكره في الرواية فيها علامة الوضع: # منها: قوله " قد حلى أبو بكر " لأن سياق الكلام يدل على ذكره في مقام ~~السند، ومع الاتفاق على ms314 عدم الحجية في فعل أبي بكر، وقوله لم يكن من أهل ~~العلم الذي يليق بمثل أبي جعفر (عليه السلام) الاستشهاد بفعله أو بقوله، ~~وكيف يمكن تجويز التمسك بفعل # PageV00P390 # جاهل آذى فاطمة وأمير المؤمنين (عليهما السلام) وغيرهما؟ مع ظهور الشناعة ~~لمن لم يخرج عن الفطرة الأصلية. # ومنها: قوله " فوثب الإمام من مكانه " لأن السؤال إنما يقتضي الإرشاد لا ~~الطيش الذي يدل سياق الرواية عليه، مع أنه لم يكن طريقته (عليه السلام) كما ~~هو معلوم لمن تتبع سيرته وكلامه (عليه السلام) نعم يمكن أن يكون غرض السائل ~~استكشاف ما في ضميره للأغراض الباطلة الناشئة من النفاق، وحينئذ جوابه ~~(عليه السلام) بما نسب إليه لا يدل على اعتقاده (عليه السلام) به، بل يمكن ~~أن يكون قوله وفعله على وفق التقية. # اعلم أن رواية الزمخشري تدل على عصمة الأئمة من ولد فاطمة (عليها السلام) ~~وكون إمامتهم بتعيين الله عز وجل بقوله (صلى الله عليه وآله) " أمناء ربي " ~~وبقوله " حبل ممدود " وعلى هلاك المتخلف عن حبل الولاية، فيظهر منها بطلان ~~مذهب أهل السنة الذين لم يقولوا بإمامة ولد فاطمة (عليها السلام) وبطلان ~~مذهب الزيدية وغيرها ممن لم يقل بعصمتهم. # لا يقال: يمكن إبطال قول أهل السنة والكيسانية بقوله (صلى الله عليه ~~وآله) " والأئمة من ولدها أمناء ربي ". # لأنا نقول: تدل الرواية على كون الأئمة من ولدها معصومين، لا على حصر ~~الأئمة فيهم، فيجب إبطال مذهبهما والمذاهب الباطلة من غيرهما، إما بعدم ~~القول بالإمامة في أولادها، أو بعدم القول بالعصمة على تقدير القول ~~بالإمامة بمعنى من المعاني، أو بوجه آخر، فيبطل المذهب المعروف من أهل ~~السنة بالأول. # ومن يقول في بعض أولادها بالإمامة بمعنى آخر بعدم قولهم بالعصمة، وقول ~~الإسماعيلية والناووسية والواقفية بتواتر موت إسماعيل في حياة الصادق (عليه ~~السلام) وبتواتر موت الصادق والكاظم (عليهما السلام) وقول الفطحية بعدم ~~صلاحية عبد الله للإمامة، وقول الكيسانية بعدم صلاحية محمد للإمامة، ~~وانقراض هذا المذهب والأخير يدل على بطلان كثير من المذاهب السخيفة. ~~PageV00P391 # ويؤيد مذهب الإمامية الاثنا عشرية كون ms315 محمد بن علي الجواد وعلي بن محمد ~~الهادي (عليهم السلام) بعد انتقال أبيهما إلى روضة القدس في سن أن ينقل عن ~~أحد من غير حجج الله تعالى اتصافه في هذا السن بعلم وكمال مطلقا، بل كان ~~غيرهما في هذا السن خارجا عن التكليف، بل عن قرب زمانه، وظاهر بين العامة ~~والخاصة أنهما لم يأخذا العلم والكمال من أبناء زمانهما، فعلمهما إنما كان ~~من عند الله تعالى، ومثل هذا العلم في مثل هذه الحال من أكمل المعجزات ~~الباهرة عند أرباب التميز، لو لم نقل بكونه معجزا مطلقا، فإذا ضم إليه سائر ~~الكمالات النفسانية التي يشهد بها من لم يظهر منه غاية العناد واللجاج ~~يتقوى بها في الدلالة، فيثبت بما ذكرته إمامتهما لظهور الدعوى منهما عند ~~المنصف الطالب للنجاة، وإمامة الأئمة الماضية (عليهم السلام) بتصديقهما ~~المعلوم له، وإمامة الباقيين (عليهما السلام) ظاهرة بما ذكرته سابقا. # اعلم أن تعبيرنا هذا الدليل بالمؤيد إنما هو لرعاية مدرك بعض الناس، وإلا ~~فهذا دليل واضح وبرهان قاطع للطالب البصير والعالم الخبير، وما ذكرته من ~~اذعان الناس بكمالاتهما يدل عليه مع الاشتهار في الألسن والنقل في الكتب ~~وما ذكر ابن أبي الحديد في مقام تعداد المفاخر الذي كان بين بني هاشم وبني ~~أمية: ومن الذي يعد من قريش أو من غيرهم ما يعده الطالبيون عشرة في نسق كل ~~واحد منهم: عالم، زاهد، ناسك، شجاع، جواد، طاهر، زاك، فمنهم خلفاء، ومنهم ~~مرشحون ابن ابن ابن هكذا إلى عشرة، وهم: الحسن بن علي بن محمد بن علي بن ~~موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي، وهذا لم يتفق لبيت من بيوت ~~العرب، ولا من بيوت العجم (1) انتهى. وبالجملة اشتهار كمالات الأئمة ~~المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، وظهورها بين المخالفين، أظهر من أن ~~يحتاج إلى التبيين. # PageV00P392 # المقصد الرابع في مجمل من المعاد الجسماني لما كان بعض الشبهات سببا ~~لإنكار بعض الناس للمعاد الجسماني، يجب تقديم دفع ما يحتاج إلى الدفع على ~~الإثبات. # منها: أن المعاد الجسماني ms316 يستلزم إعادة المعدوم، وهي ممتنعة عقلا، فإذا ~~امتنع إعادته فما سمي معادا إنما هو بدن مغاير للبدن الأول، فلا تصح ~~المجازاة في هذا البدن الذي لم يكن حين الإطاعة والعصيان. # والجواب: أن أحدا من المكلفين إذا قذف محصنة أو زنا عند كونه في غاية ~~السمن، وطرأ عليه قبل ثبوته عند الحاكم، أو بعد ثبوته، وقبل الإقامة مرض ~~حاد ذاب شحمه ولحمه، ثم برأ من المرض تائبا عن المعصية عابدا صالحا، حتى ~~صار سمينا مثل الأول، ثم ثبت معصيته السابقة التي بها استوجب الحد، أو تيسر ~~الإقامة، يقيمه الحاكم عليه مع كون أكثر أجزائه طارء عند الصلاح. # وإذا عرفت هذا فإن قلت في جواب من يجري نظير الشبهة المذكورة هاهنا أن ~~المستحق الألم بالمعصية إنما هو النفس وتغير آلاتها لا يضر، فكذلك القول في ~~المعاد، وكذلك إن قلت ببقاء الأجزاء الأصلية التي هي العمدة. # فإن قلت: الهيئة معتبرة في شخص البدن، وهي منعدمة عند اندراس البدن ~~وتلاشي أجزائه، بخلاف التغير بالسمن والهزال، فإن ما يعتبر في شخصية البدن ~~محفوظ في الحالتين. # قلت: كون تغير البدن التابع لتغير الهيئة موجبا لعدم جواز كون البدن آلة ~~لعقاب النفس لا دليل عليه، لأن الآيات المتكاثرة والأخبار المتظافرة ~~والضرورة من الدين، إنما تدل على المعاد الجسماني. وأما كون الهيئة ~~الأخروية عين الهيئة الدنيوية، PageV00P393 # فلا يدل شئ منها عليه، ألا ترى أن كثيرا من العلماء المتتبعين للكتاب ~~والأخبار المفتشين عن الحجج والآثار من المتقدمين والمتأخرين قالوا بامتناع ~~إعادة المعدوم، مع حكمهم بأن المعاد الجسماني من ضروريات الدين. # ومنها: أن إنسانا إذا أكل إنسانا وصار جزء بدن المأكول جزء للآكل، فإما ~~أن لا يعاد ذلك الجزء في شئ منهما، أو يعاد مع أحدهما دون الآخر، والأول هو ~~المطلوب الذي هو عدم إعادة الأبدان بأعيانها، والثاني مع استلزامه الترجيح ~~بلا مرجح، يستلزم المطلوب باستلزامه عدم إعادة أحد البدنين بعينه، المستلزم ~~لعدم إعادة شئ من الأبدان بضميمة عدم القول بالفصل. # والجواب عنه، أنه يمكن أن لا يصير الأجزاء الأصلية ms317 من المأكول جزء للآكل، ~~وعلى تقدير صيرورتها جزء له لعلها تصير جزء فضليا له، وعلى التقديرين لا ~~يلزم إعادتها معه، وما يمكن أن يصير جزء أصليا له، وهو الجزء الفضلي من ~~المأكول لا يلزم إعادتها مع المأكول لكونه جزء فضليا، وعدم لزوم إعادة جميع ~~الأجزاء الفضلية. # وبالجملة إعادة جميع الأجزاء الفضلية التي كانت معهما في وقت من الأوقات، ~~أو في وقت الوفاة لا دليل عليه، فلعل المعاد جميع الأجزاء الأصلية وبعض ~~الفضلية الذي به يصير البدن بدن تاما. # ويمكن انضمام الأجزاء الفضيلة التي لم يكن في الدنيا إلى الأجزاء الأصلية ~~التي كانت فيها أو إلى الأصلية وبعض الفضيلة اللتين كانتا فيها بحيث يصير ~~البدن على القدر الذي تقتضي المصلحة كونه على هذا القدر. يؤيد هذا ما يدل ~~على عظم أجساد بعض العصاة لزيادة تأثير ألم العقاب فيه. # وإذا عرفت هذا فعلى تقدير كون الأجزاء غير أصلية بالنسبة إلى الآكل ~~والمأكول، يمكن أن يختار الأول، وما ذكر من أن هذا هو المطلوب الذي هو عدم ~~PageV00P394 # إعادة الأبدان بأعيانها إن أراد به عدم إعادتها مع جميع الأجزاء الفضلية، ~~فلا فساد فيه كما عرفته آنفا، وإن أراد به عدم إعادتها مشتملة على جميع ~~الأجزاء الأصلية، فلا يلزم من اختيار الأول حينئذ. # ويمكن على هذا التقدير اختيار الثاني أيضا، وعدم علمنا بالترجيح لا ~~يستلزم عدمه، فلا يلزم مطلوب المستدل، وعلى كونها أصلية بالنسبة إلى أحدهما ~~نختار الثاني، وعدم لزوم الترجيح بلا مرجح ظاهر. # ومنها: لزوم التناسخ. # ويمكن الجواب عنه: بأن الموت إنما هو قطع تعلق خاص هو تعلق التدبير ~~والتصرف بين النفس والبدن، ويمكن بقاء تعلق ما غير هذا التعلق بين النفس ~~والبدن وبينها وبين بعض أجزائه بعد الانحلال، كما يؤيد هذا الاحتمال بعض ~~الأخبار المتعلقة بغسل الميت، وحينئذ لا يجري فيه دليل إبطال التناسخ، لأن ~~هذا الارتباط يمكن أن يكون مرجحا للتعلق الزائد عند اجتماع الأجزاء، فلا ~~يلزم إفاضة نفس أخرى، حتى يلزم اجتماع نفسين منتقلة وحادثة. # ومنها: عدم سعة السماوات والأرض للجنة ms318 والنار، لقوله تعالى * (وجنة عرضها ~~السماوات والأرض) * (1) فلا وسعة فيهما لهما. # وأيضا يلزم الخرق والالتيام في الأفلاك، ويدل على امتناعهما العقل بدليل ~~يجري في مطلق الأفلاك، ويختص المحدد بدليل آخر، ولا يمكن جسم خارج عن ~~الكرات التي بعضها فوق بعض لامتناع الخلاء، وعلى تقدير الإمكان لا نفع فيه ~~في خلق الجنة والنار، لأن إدخال المحسن والمسئ إلى الجنة والنار يستلزم ~~الخرق والالتيام في الأفلاك. # PageV00P395 # وفيه نظر، لأن عدم وسعة السماوات والأرض لهما لا يستلزم عدم وسعة ~~الفلكيات لهما، لكون الفلكيات أعم من السماوات التي تختص بالسبع. # وأيضا التمسك بالآية لعدم الجواز لا وجه له، لأنها إذا دلت على عظم الجنة ~~بحيث لا يسعها مع النار السماوات والأرض، فمحلهما أمر آخر: إما منضما مع ~~السماوات والأرض، أو منفذا عنهما، وهذا المجمل معلوم إذا لم يحتمل الآيات ~~الدالة على المعاد التأويل، ولا تحتمل البتة، وجعل عدم الاطلاع على التفصيل ~~سببا للإنكار لا وجه له. # والدليل المشترك على امتناع الخرق والالتيام، ضعيف كما أوضحته في حاشية ~~كتبتها على المحاكمات (1)، ولا دليل على حصر الأجسام العلوية في سبع أو ~~تسع، # PageV00P396 # وكلام الرياضيين مبني على عدم الدليل على الزائد، لا على الدليل على عدم ~~الزائد، ومع ذلك دليل امتناع الخرق والالتيام في المحدد إنما يجري فيما به ~~يحدد لا في مطلق الأجزاء. # فإن قلت: إذا امتنع الخرق والالتيام في شئ من المحدد يمتنع فيه مطلقا ~~لتشابه الأجزاء. PageV00P397 # قلت: دليل الامتناع في المحدد إنما يجري فيه لأجل التحديد، ولا يجري فيه ~~مطلقا، وتشابه الأجزاء لا ينافي كون الامتناع لأجل وصف غير لازم للأجزاء. # ويؤيد احتمال ما ذكرته أن الأجسام التي لا ممانعة لها في نفسها عن ~~الحركات والافتراق قد تتمانع عنهما في بعض الصور لبعض الأمور الغير اللازمة ~~للمهية والأجزاء مثل أن يوضع محجمه على عضو إنسان وأريد رفعها، فلا ممانعة ~~لها عنه، وإذا مصت عليه مصا شديدا وسد رأسها، بحيث لا يدخل هواء جديد يمانع ~~عن الرفع ممانعة واضحة، فكما يجوز هاهنا الاختلاف في الممانعة ms319 وعدمها ~~باختلاف الحال، فلم لا يجوز المخالفة في أجزاء المحدد في الامتناع عن ~~الخرق، وعدم امتناعها عنه باعتبار أمر خارج عن مهية الأجزاء. # والدليل على المعاد الجسماني مع غنائه عن الدليل لكونه من الضروريات ~~الدينية، هو الآيات المتكاثرة التي لا تحتمل التأويل، مثل قوله تعالى * ~~(أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه * بلى قادرين على أن نسوي بنانه) * (1) ~~وقوله تعالى * (من يحيي العظام وهي رميم * قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ~~وهو بكل خلق عليم) * (2) وقوله تعالى * (يوم تشقق الأرض عنهم سراعا) * (3) ~~وقوله تعالى * (أفلا يعلم إذا بعثر ما في القبور) * (4) وقوله تعالى * ~~(ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون) * (5) وقوله تعالى * ~~(قالوا يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا) * (6) وقوله # PageV00P398 # تعالى * (فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة) * (1) وقوله تعالى * ~~(أإذا كنا عظاما نخرة * قالوا تلك إذا كرة خاسرة) * (2) وقوله تعالى * ~~(وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا) * (3) وغيرها من الآيات المتكاثرة الظاهرة ~~الدلالة التي لا تقبل التأويل. # ومع هذا وردت آيات كثيرة في مقام التشنيع والملامة على الذين ينكرون ~~إحياء الأموات باستبعادات وهمية، مثل " من يحيي العظام وهي رميم " فإذا كان ~~الاستبعاد متعلقا بالمعاد الجسماني، فالتشنيع والرد إنما يتعلقان بهذا ~~الاستبعاد والإنكار. # فظهر أن الآيات مع صراحتها في الدلالة على المعاد الجسماني، يتقوى ~~دلالتها بقرائن المقام ودلالة الأخبار على هذا المدعى، وكثرتها وصراحتها ~~أظهر من أن تحتاج إلى البيان. # اعلم أن كل ما قال به النبي (صلى الله عليه وآله) أو الإمام (عليه ~~السلام) فهو الحق والصدق، بمقتضى ما أثبتناه من العصمة، فإن علم قول أحد ~~الحجج (عليهم السلام) ومراده، فيجب الاذعان به وتصديقه، وإن لم يحصل اليقين ~~في أحدهما، فيجب الاكتفاء بإذعان الصدق والحقية فيما قال وأراد مجملا، ~~وإحالة التفصيل إليه (عليه السلام). # فإذا عرفت هذا فتيقن فيما تيقنت أحد الحجج (عليهم السلام) به وإرادته ~~بالتفصيل وإن لم يحصل اليقين في أحدهما، فاجعله في عرضة الإمكان. # ويكتفى بهذا القدر في الكتاب، ولا نطوله بالأمور المشهورة التي تذكر ms320 في ~~هذا المبحث من ملأ إحدى صحيفتيه من الخطايا والزلل، وأخلى أخرى عما يليق ~~بها # PageV00P399 # من العبادة والعمل من يرجو من الله ما أعطى بجوده الأخيار، مع عدم بعده ~~من الأخلاق الرذيلة وخصال الأشرار، وهذا من بعيد التوقع إذا نظر إلى ~~استحقاق هذا الغافل الردي، لكن لا يبعد شئ من الألطاف لمن تمسك بسفينة ~~النجاة والولي، وهو من أكثر الناس عثرة، وأقلهم حسنة، قليل التهيؤ للسفر، ~~ظاهر الاغماض عن الرحيل والخبر، الراجي رحمة ربه الغني محمد بن عبد الفتاح ~~التنكابني، غفر الله ذنوبهما، وستر عيوبهما، في ضحوة يوم الخميس يوم الرابع ~~عشر من شهر جمادي الثانية، سنة اثنتين ومائة وألف (1102) من هجرة خير ~~البرية، على هاجرها ألف ألف الصلاة والتحية. # الحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على نبيه محمد وآله المعصومين الطيبين ~~الطاهرين، ووفقنا لإطاعتهم وزيارتهم، وجعلنا من حزبهم وزمرتهم، بجوده وكرمه ~~وبحقهم، آمين رب العالمين. # وتم استنساخ هذا الكتاب الشريف تصحيحيا وتحقيقا وتعليقا عليه، في اليوم ~~العاشر من شهر شعبان المكرم، سنة (1418) ه‍ ق على يد العبد الفقير السيد ~~مهدي الرجائي، في بلدة قم المقدسة حرم أهل البيت وعش آل محمد (عليهم ~~السلام).# PageV00P400 ms321