######OpenITI# #META# MULTIVOLUME: IDs 3669, 3670, 3671 #META# المؤلف: محمّد نعيم بن محمّد تقي [ الملا نعيما العرفي الطالقاني ] #META# المحقق: رضا الاستادي #META# الناشر: الآستانة الرضويّة المقدّسة #META# الطبعة: ١ #META# الموضوع : #META# تاريخ النشر : ١٤١٩ هـ.ق #META# ISBN (ردمك): 964-444-108-7 #META# ISBN الدورة: 964-444-109-5 #META# الصفحات: ٣٨٢ #META#Header#End# ### ||| * بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين # الحمد لله الذي خلق فسوى ، وقدر فهدى ، وأمات وأحيى ، وعليه النشأة ~~الأخرى ، وإليه المنتهى ، ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ، ويجزي الذين ~~أحسنوا بالحسنى ، عدلا منه تبارك وتعالى ، والصلاة على خير الورى ، أشرف من ~~بعث بالبعث والجزاء ، وأكرم من أتى بالنشور والرجعى ، محمد المصطفى وآله ~~الذين بهداهم يهتدى ، وبطريقتهم يقتدى ، صلاة كثيرة دائمة بدوام الأرض ~~والسماء. # أما بعد ، فيقول العبد الضعيف النحيف المذنب الجاني ، محمد نعيم بن محمد ~~تقي المدعو بعرفي الطالقاني ، عفي عنه وعن والديه ، وختم الله لهم بالحسنى ~~، وجعل آخرتهم خيرا من الأولى : # ذاكرني بعض إخوان الصفا وخلان الوفاء ، أن التصديق بالمعاد مطلقا لا يخفى ~~أنه ضروري في هذه الملة البيضاء والملل السابقة التي أتى بها الأنبياء ~~عليهم التحية والثناء ، وأصل من أصول الدين القويم والمذهب المستقيم ، لم ~~ينكره أحد من أصحاب العقول وأرباب الألباب والنهى ، إلا شرذمة قليلة من ~~ملاحدة الحكماء ، وأن الجسماني منه هو جزء من الإيمان ، وضروري في الأديان ~~، ودل عليه الكتاب الكريم والسنة السمحاء ، إذ عليه أدلة واضحة لا يعتريها ~~شوب شبهة ولا ريبة ولا خفاء ، وقد أطبق عليه المليون من الحكماء والمتشرعون ~~من العلماء ، وقد أقاموا الدليل العقلي على الروحاني منه ، إلا أنهم عن ~~آخرهم اعتقدوا الجسماني منه على الوجه الذي أتى به الأنبياء ، مثل اعتقادهم ~~للأحكام الفرعية ، معترفين بأنه لا يمكن إقامة الدليل العقلي عليه ، قائلين ~~بأنه ليس للعقل استقلال ولا مدخل في إثباته بوجه ما ، وكفاك شاهدا على هذا ~~قول شيخ الرئيس ابن سينا PageV01P049 # في الشفاء : # «يجب أن يعلم أن المعاد منه ما هو مقبول من الشرع ، ولا طريق إلى إثباته ~~إلا من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة ، وهو الذي للبدن عند البعث ، ~~وخيرات البدن وشروره معلومة ، لا تحتاج إلى أن تعلم ، وقد بسطت الشريعة ~~الحقة التي أتانا بها سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وآله حال السعادة ~~والشقاوة التي بحسب البدن ، ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهاني ، وقد ~~صدقته النبوة ، وهو السعادة والشقاوة الثابتتان ms001 بالقياس اللتان للأنفس ، ~~وإن كانت الأوهام منا تقصر عن تصورهما الآن ، لما نوضح من العلل. والحكماء ~~الإلهيون رغبتهم في إصابة هذه السعادة أعظم من رغبتهم في إصابة السعادة ~~البدنية ، بل كأنهم لا يلتفتون إلى تلك ، وإن اعطوها ، ولا يستعظمونها في ~~جنبة هذه السعادة التي هي مقاربة الحق الأول ، وهي على ما سنصفه عن قريب. ~~انتهى كلامه.» (1) # ويقرب منه كلمات المتقدمين والمتأخرين من الحكماء والمتشرعين من العلماء ~~، كما يعلم بالاستقصاء. # واما بعض المتأخرين منهم كصدر الأفاضل مولانا صدر الدين الشيرازي فهو وإن ~~تصدى في بعض مصنفاته الذي سماه الشواهد الربوبية لإقامة الدليل العقلي عليه ~~، وبذل مجهوده فيه ، لكنه لم يأت بشيء مبين ، يفي بتمام المدعى كما لا يخفى ~~على من راجع كلامه وتأمل فيه واستقصى. (2) # وسألني (3) أنه لا يخفى أنهم عدوه من أصول الدين لا من فروع الدين ، ~~فحينئذ نقول: لو كان الفرق بين اصول الدين وفروعه كما ذكره كثير من العلماء ~~أن الأول ما يستقل في إثباته العقل ، وإن نطق به الشرع أيضا ، مثل توحيد ~~الله تعالى وإثبات صفاته العليا وعدله ، وأصل النبوة والإمامة ، والمعاد ~~الروحاني وغيرها ، وإن كان إثبات نبوة نبي خاص ، وإمامة إمام مخصوص موقوفا ~~على النص أو العصمة ، أو إظهار المعجزة ونحوها ، وأن الثاني مما لا يستقل ~~بإثباته العقل ، كالصلاة والصيام والزكاة والحج والجهاد وأمثالها ، فعلى ~~هذا ينبغي أن يكون يمكن إقامة الدليل العقلي على إثبات أصل الجسماني منه ~~أيضا ، وإن كان PageV01P050 # إثبات خصوصياته موقوفا على الشرع ، وهم قد اعترفوا بالعجز عن إقامة ~~الدليل على إثباته مطلقا ، وإلا فالفرق ما ذا؟ وحينئذ فيلزم عليهم ارتكاب ~~أحد الأمرين : إما القول بإدراجه في فروع الدين ، وهو خلاف ما قرره العلماء ~~، أو القول بأنه يكفي في إدراج مطلق المعاد في اصول الدين استقلال العقل في ~~أحد فرديه أي الروحاني منه وإن لم يستقل العقل في إثبات فرده الاخرى ، أي ~~الجسماني منه وفيه ما ترى ، فإن الظاهر أن إدراجه في اصول الدين ، إدراج ~~لكلا فرديه فيها دون أحدهما. # وبالجملة فسواء عد ms002 من اصول الدين ، كما هو الأحرى والأولى ، أو لم يعد ~~منها ، فهل يمكن إقامة الدليل عليه بحيث لا يعتريه شبهة ولا مراء أم لا؟ # فرأيت التصدي للجواب عن هذا السؤال ، والاستكشاف عن جلية الحال ، والنظر ~~في أنه هل يمكن إقامة الدليل عليه أحرى ، مع كوني ناقص الذهن ، قاصر الفهم ~~، قليل القسط من الفطانة والذكاء ، ويبعد عن مثلي إدراك ما اعترف بالعجز ~~عنه فحول الفضلاء ، وقد اشتهر بينهم أن الجهالة أدنى إلى الخلاص من فطانة ~~بتراء ، لكني قد امتثلت بقول القائل : «كم ترك الأول للآخر» ، فراجعت نفسي ~~، وفكرت فيه ، وبذلت جهدي ، واستعنت بربي جل وعلا ، واستمسكت بذيل هداية ~~أئمة الهدى ، الذين هم العروة الوثقى ، في مراقبات تترى ، فآنست نارا من ~~شاطئ الهدى ، فخلعت نعل علائقى وأتيت بقدم الشوق ، وادي الجد والطلب ، لعلي ~~آتي منها بقبس ، أو أجد على النار هدى. وقلت : رب اشرح لي صدري ويسر لي ~~أمري واحلل عقدة من لساني واجعل لى وزيرا من عقلي يفقهوا قولي إنك كنت بنا ~~بصيرا ، فنوديت من شاطئ الواد الأيمن أن : يا طالب الحق أقبل ولا تخف ، إنك ~~قد اوتيت سؤلك ببركة الاعتصام بحبل سادة الورى ، وكنت من الآمنين لا تخاف ~~دركا ولا تخشى ، إني أنا ربك الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى ، فاعبدني ~~واستمع لما يوحى ، إن الساعة آتية أكاد اخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ، ~~منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة اخرى ، فاقتبست بتوفيق ربي جل ~~وعلا ، قبسة من تلك النار ، بها أضاء لي وجه المقصود ، فلاح لي كالبيضاء ~~نورا وضياء ، فجاء بحمد الله دليلا واضحا لائحا كما يروق النواظر ويضيئ ~~ألباب أرباب الفهم والذكاء ، إلا أنه يعوقني من تحريره وتهذيبه عوائق شتى ، ~~وموانع لا تحصى ، أعظمها أني قد وقعت في زمن ، قد سنحت فيه بعض PageV01P051 # أمارات قيام الساعة والطامة الكبرى ، إذ قد ظهرت فيه الداهية الدهياء ، ~~وفشت فيه المحن التي هي عامة البلوى ، تعم عامة البرايا ، يشيب فيها الصغير ~~، ويهرم فيها الكبير ، ويكدح فيها كل مؤمن حتى يلقى ms003 ربه ويفنى ، قد جرد ~~الدهر على أهاليه سيف العدوان ، وأباد من كان ، وتطرق الفساد إلى أوضاع ~~العالم ، وانسد طرق معاش بني آدم ، قد اغبر عيشهم الأخضر ، واسود يومهم ~~الأبيض ، وابيض فودهم الأسود ، يتمنون الموت الأحمر ، وأشرف شمس العلم على ~~الغروب ، وخمل أهل الكمال في زوايا الغروب ، يتقي أهل الديانة من إظهار ~~دينهم ، ويدين بالتقية كل الورى ، عجل الله تعالى ظهور دولة صاحبنا ومولانا ~~، حتى ينكشف به تلك البلية العظمى. # ومع هذا فكيف في مثل هذا الزمان لمثلي من القاصرين الخاملين ، مع توزع ~~البال وتشتت الحال صرف الوقت في إظهار الحق في هذه المطلب الأسنى ، وتحرير ~~الدليل على هذا المقصد الأقصى ، والعمدة الوثقى ، فقعدت عنه برهة وفي العين ~~قذى وفي الحلق شجى ، لكن لما كرر ذلك البعض من الأصدقاء السؤال وألح وأعاد ~~الابتهال ، ورأيت أن الإقدام على جواب سؤاله والصبر عليه أحجى ، إذ ربما ~~تصير الفتنة أشد وأقوى ، لا أتمكن من إظهاره أصلا ، والحال أن الأيام تمضي ~~ولا تعود ، والعمر يذهب ولا يئوب ، وتكون الحسرة أدوم ، والندامة أبقى ، ~~وقد قال تعالى : # ( @QUR@04 وأما بنعمة ربك فحدث ). (1) # ( @QUR@07 لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ). (2) # ( @QUR@06 وسيجنبها الأتقى ، الذي يؤتي ماله يتزكى ). (3) # ( @QUR@07 فذكر إن نفعت الذكرى ، سيذكر من يخشى ). (4) # شرعت مع قلة البضاعة وفوات الفرصة وكثرة المشاغل وتوزع البال وتشتت الحال ~~في تحريره وتهذيبه وتنقيحه بما تيسر وأمكن ، امتثالا لقول القائل : «ما لا ~~يدرك كله لا يترك كله» (5)، وابتغاء لوجه ربي الأعلى ، وخطابي فيه لمن ~~استمسك في العلم بأوثق الأسباب ، وجانب الاعتساف ونظر فيه بعين الإنصاف ، ~~فإن رأى فيه خطأ أو عثرة وزللا ، PageV01P052 # عذرني واستغفر الله لي ، فإنه مقيل العثرات وغافر الخطيئات ، وإن وجده ~~مقبولا لدى الطباع الذكية ، أنصفني وأعانني بصالح الدعاء في محو السيئات ~~وتضعيف الحسنات ، والسلام على من اتبع الهدى ، وسميته بمنهج الرشاد في ~~معرفة المعاد ، ورتبته على مقدمة وخاتمة وخمسة أبواب. ربنا لا تزغ قلوبنا ~~بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب. PageV01P053 ### | المقدمة # أما المقدمة ففي ذكر نبذ ms004 مما يتوقف عليه بيان المراد ، كشرح معنى المعاد ~~، وتقسيمه إلى الروحاني والجسماني ، ونقل اختلاف الناس في ذلك ، وسبب ~~اختلافهم فيه ، وتحرير ما دل الشرع على ثبوته وينبغي إثباته بالدليل العقلي ~~، وفي بعض مطالب اخر يناسب تحقيقها قبل الخوض في المقصود. # فنقول : ذكر الفاضل الكامل العارف محمد بن علي بن أبي جمهور الأحساوي في ~~كتابه المسمى بالمجلي مرآة المنجي كلاما بهذه العبارة : # «المحققون من الأولين والآخرين على القول بإثبات المعاد ، وإنما يختلفون ~~في معناه ، وقد نقل عن جماعة من الحكماء الطبيعيين إنكاره ، وكذا جالينوس ~~أنكره لاعتقاده أن النفس هي المزاج ، وأنه يفنى ، والفاني لا يعاد ، خصوصا ~~أنه عرض ، والأعراض بعد العدم لا يتصور عودها ، فإذا بطل المزاج بفناء ~~البدن ، لا يعود. # نعم ، القائلون بالمعاد اختلفوا في معناه ، فقال بعضهم : إنه الجسماني ~~فقط ، وهو مذهب جماعة من المتكلمين بناء على أن النفس جسم ، وآخرون قالوا : ~~إنه روحاني فقط وهو مذهب جماعة من الحكماء الإلهيين ، وطائفة قالوا : إنه ~~جسماني وروحاني وهذا على وجهين : أحدهما أن يكون الروح مجردا عن المادة ، ~~فيعاد الجسم ، ويتعلق به الروح ، أو يتعلق بجسم آخر غير الأول ، وهو مذهب ~~قليل من أهل الإسلام ، ذهب إليه الغزالي ، والفارابي ، وكل من قال بتجرد ~~النفس من أهل التصوف ، والثاني أن يكون الروح جسمانيا أو روحانيا ، ويعاد ~~الجسم الأول ، ويرد فيه الروح وهو مذهب كثير من أهل الإسلام والنصارى. PageV01P055 # فعلم من هذا الاختلاف أن تحقق الإعادة مبني على تحقق النفس ، وأنها أي ~~شيء هي ، فإن هذه الاختلافات إنما نشأت من الاختلافات فيها كما عرفت ، فإن ~~الطبيعيين لما اعتقدوا أن النفس جسم ، وأحالوا إعادة المعدوم ، أحالوا ~~المعاد مطلقا. وجالينوس لما قال إنها المزاج نفاه بالكلية. والمتكلمون لما ~~قالوا إنها جوهر جسماني ، قالوا إنه إنما يكون بإعادة النفس على حالتها ~~بناء على أنها إما الهيكل المحسوس المشاهد ، أو أنها أجزاء أصلية ، كما في ~~مذاهبهم. وأما الغزالي وأتباعه فلما قالوا بتجرد النفس قالوا إنها تبقى بعد ~~فراق البدن ، فعودها ردها إلى البدن مرة اخرى. إما الأول ms005 بعينه ، أو إلى ~~آخر يماثله. وباقي المسلمين ، لما كان مذهبهم في النفس على أنحاء متعددة ، ~~فالذي قال منهم إنها جوهر جسماني ، أو إنها جوهر روحاني ، قائل بأنه لا بد ~~من إعادة الجسم الأول ويرد فيه الروح جمعا بين الشريعة والحكمة ، ويدعون أن ~~هذا منطوق الآيات القرآنية. والإلهيون لما اعتقدوا تجرد النفس وبقاءها بعد ~~فناء البدن ، ذهبوا إلى المعاد الروحاني ، ومرادهم به قطع علاقة النفس مع البدن. # فبالجملة وقع الاتفاق على وقوع المعاد ، وأنه حق وإن اختلفوا في كيفية ~~وقوعه والدليل المطلق على ثبوت المعاد الجسماني إنه ممكن في نفسه ، والصادق ~~أخبر عنه ، فوجب القول به ، أما الأول ، فلأن الإمكان إنما هو بالنظر إلى ~~القابل والفاعل ، وهما حاصلان ، أما بالنظر إلى الفاعل فلما مر من الأصلين ~~السابقين : # أحدهما كونه قادرا على كل مقدور ، والثاني كونه عالما بأعيان أجزاء ~~الأشخاص لتعلق علمه بالجزئيات. # وأما الثاني ، فلاتفاق قول الأنبياء عليهم السلام غير موسى عليه السلام ، ~~فإنه لم يذكر ، وما نزل في التوراة فيه شيء ، وقد وجد في كتب من جاء بعده ~~كحزقيل وشعياء. وأما الإنجيل ، فالذي ذكر فيه أن الأخيار يصيرون كالملائكة ~~، فيكون لهم الحياة الأبدية والسعادة السرمدية ، ويمكن حمله على الروحانية ~~، أو الجسمانية أو عليهما ، ودلالته على الأول أظهر ، لتحقق الروحانية ~~للملائكة دون الجسمانية. # وأما القرآن المجيد فقد جاءت ذكره فيه في كثير من المواضع ، مثل قوله ~~تعالى : PageV01P056 # ( @QUR@05 من يحي العظام وهي رميم ). (1) # ( @QUR@011 أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ، بلى قادرين على أن نسوي بنانه ~~). (2) # ( @QUR@04 أإذا كنا عظاما نخرة ). (3) # ( @QUR@05 وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا ). (4) # ( @QUR@06 كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ). (5) # ( @QUR@05 يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ). (6) # ( @QUR@05 إذا بعثر ما في القبور ). (7) # إلى غير ذلك مما جاء في هذا المعنى وهو الكثير. والقول بأن المراد بها ~~المجازات الدالة على الحقائق وهو الروحاني ، ضعيف ، لأنها صريحة في ~~الجسماني فحملها على المجازات ، تكذيب للأنبياء عليهم السلام . # فإذا عرفت ذلك ، فقد ظهر لك مما أوردناه من مذاهب القوم ، توقف المعاد ~~على مقدمتين : # إحداهما : معرفة النفس وأنها ما هي ms006 ، حتى يتحقق كيفية الإعادة. والثانية ~~: أن المعدوم هل يعاد أم لا؟ # فأما المقدمة الاولى فقد وقع فيها التشاجر العظيم والاختلاف الكثير ، ~~وخبط أهل الكلام فيها ، وتعددت آراؤهم تعددا كثيرا حتى قيل إنها بلغت إلى ~~قريب من أربعين مذهبا ، وليس على واحد منها دليل قطعي ، وأشهر مذاهبهم ~~القول بأنها أجزاء أصلية في البدن من أول العمر إلى آخره ، وجمهور الفلاسفة ~~وجماعة متصوفة الإسلام وجماعة من أهل الكلام قالوا بتجردها وانها جوهر غير ~~جسماني متعلق بهذا البدن تعلق التدبير ، لا تعلق الحلول ، ولهم على ذلك ~~دلائل هي بالصواب أنسب ، وبالحق أشبه انتهى كلامه رحمه الله .» (8) # ثم قال بعد إثبات تجرد النفس وتحقق حقيقتها بهذه العبارة : # «فبالجملة المعاد الجسماني وغيره يتحقق على مذاهبهم ويصح إثباته ، إلا ~~أنه يختلف PageV01P057 # كيفياته باختلاف مذاهبهم في النفس. # والقائلون بالتجرد ، هم في الإعادة فريقان : فريق قصروه عليها وجعلوا ~~عودها إلى العالم العلوى بعد قطع العلاقة البدنية وفراغها عن الاشتغال ~~بتدبير البدن عبارة عن المعاد ، وهو مذهب جماعة كثيرة من أهل الحكمة سيأتي ~~الكلام معهم. وفريق قالوا : لا بد عند القيامة الكبرى من عود الأبدان ~~الجسمانية كما كانت ، فترد العلاقة النفسانية على حالها على حسب ما كانت ~~عليه في الحالة الاولى قبل قطع العلاقة ، جميعا بين الحكمة والظواهر ~~النقلية ، وهو مذهب جماعة الإسلاميين من الحكماء وأهل التصوف والكلام. ~~انتهى كلامه رحمه الله .» (1) # وقال صدر الأفاضل مولانا صدر الدين الشيرازي رحمه الله في الشواهد ~~الربوبية : # «الإشراق الرابع في الإشارة إلى مذاهب الناس في المعاد. إن من الأوهام ~~العامية اعتقاد جماعة من الملاحدة والدهرية ، وطائفة من الطبيعيين والأطباء ~~ممن لا اعتداد بهم في الفلسفة ، ولا اعتماد عليهم في العقليات ، ولا نصيب ~~لهم في الشريعة ، ذهبوا إلى نفي المعاد واستحالة حشر النفوس والأجساد ، ~~زعما منهم أن الإنسان إذا مات فات وليس له معاد كسائر الحيوان والنبات ، ~~وهؤلاء أرذل الناس رأيا وأدونهم منزلة. # والمنقول من جالينوس هو التوقف في أمر المعاد لتردده في أمر النفس هل هو ~~صورة المزاج فتفنى أم صورة مجردة ms007 فتبقى؟ # ثم من المتشبثين منهم بأذيال العلماء ، من ضم إلى إنكاره له أن المعدوم ~~لا يعاد ، فيمتنع حشر الموتى. # والمتكلمون منعوا هذا ، تارة بتجويز إعادة المعدوم ، واخرى بمنع فناء ~~الإنسان بالحقيقة ، لأن حقيقة إنسانيته بأجزائه الأصلية ، وهي باقية إما ~~متجزية أو غير متجزية ، ثم حملوا الآيات والنصوص الواردة في إثبات الحشر ~~على أن المراد جمع المتفرقات من أجزاء الإنسان التي هي حقيقته. فهؤلاء ~~التزموا أحد أمرين مستبعدين من العقل والنقل ، والسكوت خير من الكلام ممن ~~لا يعلم. # واتفق المحققون من الفلاسفة والمحقون من أهل الشريعة على ثبوت المعاد ، ووقع PageV01P058 # الاختلاف في كيفيته ، فذهب جمهور المتكلمين وعامة الفقهاء إلى أنه جسماني ~~فقط ، بناء على أن الروح جرم لطيف سار في البدن ، وجمهور الفلاسفة على أنه ~~روحاني فقط ، وذهب كثير من الحكماء المتألهين ومشايخ العرفاء في هذه الملة ~~إلى القول بالمعادين جميعا. أما بيانه بالدليل العقلي فلم أر في كلام أحد ~~إلى الآن ، وقد مر البرهان العرشي على أن المعاد بعينه هو هذا الشخص ~~الإنساني روحا وجسدا بحيث لو يراه أحد عند المحشر يقول : هذا فلان الذي كان ~~في الدنيا ، فمن أنكر هذا فقد أنكر ركنا عظيما من الإيمان ، فيكون كافرا ~~عقلا وشرعا ، ولزمه إنكار كثير من النصوص. انتهى كلامه.» (1) ### ||| ** وقال أيضا : # «الإشراق التاسع في سبب اختلاف الناس في كيفية المعاد : اعلم أن اختلاف ~~أصحاب الملل والديانات في هذا الأمر وكيفيته ، إنما هو لأجل غموض هذه ~~المسألة العويصة ودقتها ، وكثير من الحكماء كالشيخ الرئيس ومن في طبقته ، ~~أحكموا علم المبادئ ، وتبلدت أذهانهم في كيفية المعاد ، حتى رضيت انفسهم ~~بالتقليد في هذه المسألة المهمة ، لغموضها حتى أن الكتب السماوية المحكمة ~~متشابهة آياتها في بيان هذا المعنى ، مختلفة بحسب الجليل من النظر ، ~~متوافقة بحسب النظر الدقيق. # ففي التوراة : إن أهل الجنة يمكثون في النعيم عشرة آلاف سنة ، ثم يصيرون ~~ملائكة ، وإن أهل النار يمكثون في الجحيم كذا أو أزيد ، ثم يصيرون شياطين. (2) # وفي الإنجيل : إن الناس يحشرون ملائكة ، لا يطعمون ولا يشربون ولا ينامون ms008 ~~ولا يتوالدون. (3) # وفي بعض آيات القرآن : إن الناس يحشرون على صفة التجرد والفردانية كقوله ~~تعالى : ( @QUR@05 كلهم آتيه يوم القيامة فردا ). (4) # وكقوله تعالى : ( @QUR@03 كما بدأكم تعودون ). (5) # وفي بعضها على صفة التجسم كقوله تعالى : ( @QUR@06 يوم يسحبون في النار ~~على وجوههم ). (6) PageV01P059 # وكذلك سؤال إبراهيم الخليل عن الله تعالى : ( @QUR@05 رب أرني كيف تحي ~~الموتى ). (1) # واستشكال عزير : ( @QUR@06 أنى يحيي هذه الله بعد موتها ). (2) # وحكاية أصحاب الكهف تبيينا لهذا الأمر كما قال تعالى : ( @QUR@08 وكذلك ~~أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق ). (3) # فبعض هذه النصوص يدل على أن المعاد للأبدان ، وبعضها يدل على أنه للأرواح ~~، والتحقيق أن الأبدان الأخروية مسلوب عنها كثير من لوازم هذه الأبدان ، ~~فإن بدن الآخرة كظل لازم للروح ، أو كعكس يرى في مرآة ، كما أن الروح في ~~هذا البدن كضوء واقع على جدار ، أو كصورة منقوشة في قرطاس. وقد كان شبه هذه ~~الأخبار المنقولة عن الكتب السماوية واردة في الأحاديث النبوية على الصادع ~~بها وآله الصلاة والتحية كما هو المشهور عن أهل الحديث والرواية. انتهى.» (4) # ثم نقل كلام بعض أساطين الحكمة في ذلك. PageV01P060 ### | في الإشارة إلى أن الإنسان ### ||| * عبارة عن مجموع النفس والبدن # وأقول وبالله التوفيق : لا يخفى عليك أن الإنسان لما كان مزاجه على أقرب ~~تعديل ، وخلقه في أحسن تقويم ، واجتمع فيه ما يصدر عن شركائه في أجناسه ~~القريبة والبعيدة كالحيوان والنبات والمعدن ، من حفظ التركيب مدة معينة ~~معتدا بها ، والخواص الطبيعية والأفعال النباتية والخصائص الحيوانية ، ~~وامتاز من بينها أجمع ، بحمله من شرائف الأفعال ونفائس الآثار وكرائم ~~الأعمال ولطائف الإدراكات التي تخصه كالعقل والفهم والفطنة والفكر والتدبير ~~والتقدير وغير ذلك من الامور المحكمة. ولذا اختص من بين شركائه بالتكليف ~~وما يلزمه ويتبعه ، فله بالضرورة مبدأ لذلك هو أشرف المبادئ وأفضلها ، به ~~يتقوم قوام إنسانيته وبه يتحقق كونه حيوانا ناطقا ويصدق ذلك عليه ، ولذلك ~~يسمى نفسا كأنه تمام حقيقة الإنسانية ، فإن اسم النفس يطلق غالبا على تمام ~~حقيقة الشيء وذاته ، كما هو المنقول عن أهل اللغة والشائع في إطلاقات أهل ~~العرف وقد يسمى ms009 روحا أيضا. # وبالجملة من المعلوم أنه كما أن للإنسان بدنا وهيكلا محسوسا مخصوصا ~~مشاهدا بالحس والعيان ، مركبا تركيبا تاما معدنيا ونباتيا وحيوانيا ، يدل ~~عليه البرهان. كما سنشير إليه فيما بعد إن شاء الله تعالى ، كذلك فيه ، أو ~~معه هذا الأمر المختص الذي هو ما به التمايز بينه وبين شركائه وهذا أيضا ~~معلوم بالوجدان ، ويدل عليه العقل والنقل أيضا. # والتميز بين الأشياء وإن كان عند التحقيق بالوجودات الخاصة ، لكن تلك ~~الموجودات إما عارضة لماهيات كما هو رأي فريق من الحكماء ، أو معروضة لها ~~كما هو رأي آخرين منهم ، فلتلك الماهيات أيضا مدخل في التشخص والتميز كما ~~لتلك الوجودات ، فذلك الأمر PageV01P061 # الخاص بالإنسان الذي هو معروض ذلك الوجود الخاص أو عارضه ، هو أيضا منشأ ~~التمايز بينه وبين غيره لا يمكن إنكار وجوده فيه أو معه. # والإنسان عبارة عن مجموع ذلك البدن المخصوص وهذا الأمر المميز الخاص ، ~~وإليهما اشير في مواضع عديدة من الكتاب الكريم ، كقوله تعالى : # ( @QUR@034 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة في قرار ~~مكين ، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما ~~فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر ، فتبارك الله أحسن الخالقين ). (1) # وقوله تعالى : ( @QUR@032 الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين ~~، ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين ، ثم سواه ونفخ فيه من روحه ، وجعل لكم ~~السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون ). (2) # وقوله تعالى : ( @QUR@06 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ). (3) # والحاصل : أن ذلك الأمر الخاص ، جلي الإنية عند ذوي الفطرة السليمة ، وإن ~~كان خفي الماهية ، ولذا اختلف فيه على أقوال شتى كما نقله الشيخ الرئيس في ~~الشفاء عن القدماء ، فذهب بعضهم إلى أنه جوهر مجرد ، وبعضهم إلى أنه مادي ، ~~جسم أو جسماني ، وسيأتي فيما بعد نقل ذلك تحقيق الحق فيه إن شاء الله تعالى. PageV01P062 ### | في الإشارة إلى معنى المعاد # ولا يخفى عليك أيضا ، أن لفظ «المعاد» قد جاء مصدرا ميميا بمعنى العود ، ~~وإن كان جاء اسم زمان ومكان أيضا ، وأن ms010 العود والإعادة وأشباههما من ~~الألفاظ قد وردت في الكتاب الكريم والشرع القويم ، مثل قوله تعالى : # ( @QUR@03 كما بدأكم تعودون ). (1) # ( @QUR@05 الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ). (2) # ( @QUR@05 إنه يبدؤا الخلق ثم يعيده ). (3) # ( @QUR@08 فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ). (4) # ( @QUR@08 منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ). (5) # ( @QUR@013 أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك على الله يسير ~~). (6) # ( @QUR@010 والله أنبتكم من الأرض نباتا ، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ~~). (7) # ( @QUR@09 وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ). (8) # ( @QUR@010 كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين ). (9) # إلى غير ذلك من الآيات الكريمة. # وإن معانى هذه الألفاظ وإن كانت مما يفهمها كل فاهم من ذوي فطرة سليمة PageV01P063 # ولا يحتاج إلى شرحها ، لكنا نقول للتنبيه على ذلك : # إن المتبادر من مفهومات هذه الألفاظ ومعانيها عند الإطلاق ، هو أن يكون ~~قد وجد أولا ما فرض أنه متعلق الإعادة على وجود مخصوص وحال وصفة مخصوصتين ، ~~ثم زال عنه ذلك الوجود وتلك الحالة [والصفة] ثانيا في وقت من الأوقات ، ~~سواء كان بزوال نفسه أو زوال أمر متعلق به ، ثم وجد في وقت آخر بعده على ~~ذلك الوجود وعلى تلك الحالة والصفة ، فإنه حينئذ يصدق على ذلك الأثر الحاصل ~~ثالثا أنه العود ، وعلى تأثير الفاعل ذلك فيه أنه الإعادة ، وبهذا المعنى ~~اطلقت تلك الألفاظ في تلك الآيات الكريمة ، إذ هو معناها المتبادر ، ولا ~~سيما أنها اطلقت في تلك الآيات في مقابلة البدء والإبداء ، وهو قرينة عليه ~~، إذ البدء والإبداء معناهما الإيجاد أولا ، سواء كان إبداعا من غير تقدم ~~مدة ومادة ، أو إحداثا وتكوينا مع تقدمهما ، فحيث كان معناهما ذلك وكان ~~متعلق الإبداء والإعادة واحدا ، كان معنى العود والإعادة في مقابلتهما ~~إيجاد ذلك الموجود أولا في وقت آخر ، بعد أن تخلل زمان زوال وفناء بينهما ، فتدبر. # فيكون معنى تلك الآيات والله أعلم أن الله تعالى أوجد الخلق كالإنسان ~~مثلا على وجود خاص وحال مخصوصة ، ثم يميتهم ويزيل عنهم ذلك ثانيا ، ثم ~~يوجدهم ثالثا على ذلك الوجود وتلك ms011 الحال. # وقد يطلق العود والإعادة على وجود شيء أو إيجاده في وقت متأخر بعد أن كان ~~ينبغي وجوده أو إيجاده في وقت متقدم عليه ولم يقع ذلك ، إما بانتفائه رأسا ~~، أو بانتفاء جزء من أجزائه ، أو شرط من شروطه ، كما يطلق على فعل الصلاة ~~غير المؤداة في وقتها كما أمر بها الشارع ، في وقت ثان ، أنه إعادتها ، ولا ~~شك أن هذا المعنى سواء كان حقيقيا أو مجازيا غير مراد في الآيات الكريمة. # كما أن إرادة إنشاء خلق آخر في النشأة الاخروية ، مغاير للخلق الأول بحسب ~~الذات وإن كان مماثلا له في بعض الصفات أو كلها ، خلاف الظاهر من لفظ ~~الإعادة ، وكذا من تلك الآيات ، فتدبر تعرف. # وحيث عرفت المعنى المراد من العود والإعادة والمعاد التي وردت في الكتاب ~~الكريم ، ظهر لك أنه ينبغي أن يحمل عليه ما ورد فيه بألفاظ اخر ، مثل ~~الرجوع والرجع PageV01P064 # والبعث والنسل والإحياء والإحضار والحشر والنشر والخروج والإخراج والرد ~~والبروز والعرض والإتيان والمصير والجمع والقيام وأمثال ذلك. # قال تعالى : ( @QUR@010 وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ثم ~~إليه ترجعون ). (1) # ( @QUR@06 والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون ). (2) # ( @QUR@03 ذلك رجع بعيد ). (3) # ( @QUR@04 من بعثنا من مرقدنا ). (4) # ( @QUR@03 كذلك نخرج الموتى ). (5) # ( @QUR@05 وستردون إلى عالم الغيب والشهادة ). (6) # ( @QUR@03 ويوم نحشرهم جميعا ). (7) # ( @QUR@09 وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا ، وعرضوا على ربك صفا ). (8) # ( @QUR@03 ثم إلينا مرجعكم ). (9) # ( @QUR@05 وردوا إلى الله مولاهم الحق ). (10) # ( @QUR@05 ذلك يوم مجموع له الناس ). (11) # ( @QUR@05 الله يجمع بيننا وإليه المصير ). (12) # ( @QUR@06 وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ). (13) # ( @QUR@04 وبرزوا لله الواحد القهار ). (14) # ( @QUR@03 ونحشرهم يوم القيامة ). (15) # ( @QUR@02 وإليه تحشرون ). (16) # ( @QUR@02 كذلك النشور ). (17) PageV01P065 # ( @QUR@07 فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون ). (1) # ( @QUR@07 يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج ). (2) # ( @QUR@03 يخرجون من الأجداث ). (3) # ( @QUR@06 إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير ). (4) # ( @QUR@04 يوم يبعثهم الله جميعا ). (5) # ( @QUR@05 يوم يقوم الناس لرب العالمين ). (6) # ( @QUR@05 وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ). (7) # ( @QUR@08 منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ). (8) # ( @QUR@06 من ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ). (9) # ( @QUR@06 ثم هو يوم القيامة من المحضرين ). (10) # ( @QUR@05 فإذا هم جميع لدينا محضرون ). (11) # ( @QUR@06 وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ). (12) # ( @QUR@06 يومئذ ms012 تعرضون لا تخفى منكم خافية ). (13) # إلى غير ذلك من الآيات. # وإن كان لكل واحد من تلك الألفاظ معنى يخصه يعرفه من له دربة في معاني ~~الألفاظ. PageV01P066 ### | في الإشارة إلى كون الاعتقاد بالمعاد ضروريا ### ||| * في هذا الدين القويم وكذا في الأديان السابقة # ولا يخفى أيضا عليك ، أن الاعتقاد بالمعاد ركن من أركان الإسلام ، وضروري ~~في هذا الدين القويم ، وكذا في الأديان السابقة والملل الماضية ، كما ادعاه ~~العلماء من أهل الإسلام ، وقد نطق الشرع القويم والكتاب الكريم بكونه ~~ضروريا في هذا الدين ، بل كونه جزءا من أديان اولي العزم من الرسل وغيرهم. # أما كونه ضروريا في الدين المحمدي صلى الله عليه وآله ، فالقرآن مملو منه ~~كالآيات المذكورة وغيرها مما لا تحصى. وأما في الأديان السابقة ، فلقوله ~~تعالى في سورة نوح حكاية عنه (على نبينا و عليه السلام )، انه قال لقومه : # ( @QUR@010 والله أنبتكم من الأرض نباتا ، ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا ~~). (1) # وفي سورة العنكبوت حكاية عن إبراهيم (على نبينا و عليه السلام )، إنه قال ~~لقومه : # ( @QUR@05 واعبدوه واشكروا له إليه ترجعون ). (2) # وفي سورة الشعراء حكاية عنه أيضا : # ( @QUR@012 والذي يميتني ثم يحيين ، والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم ~~الدين ). (3) # وفي سورة طه خطابا لموسى (على نبينا و عليه السلام ): # ( @QUR@010 إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى ). (4) # وفي سورة القصص حكاية عن قوم قارون ، إنهم قالوا له : PageV01P067 # ( @QUR@011 وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا ). (1) # وفي سورة المؤمن حكاية عن مؤمن آل فرعون ، إنه قال لقوم فرعون : # ( @QUR@012 يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار ~~). (2) # وفي سورة مريم حكاية عن عيسى (على نبينا و عليه السلام ): # ( @QUR@09 والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا ). (3) # وفي سورة يس حكاية عن رسول عيسى إلى قومه : # ( @QUR@08 وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون )، ( @QUR@015 قيل ~~ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون ، بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ). (4) # وفي سورة الأنفال : ( @QUR@023 إن الله اشترى من المؤمنين ms013 أنفسهم ~~وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه ~~حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ) الآية .» (5) # ومما ذكرنا يظهر أن ما ذكره العارف الأحساوي بقوله : وأما الثاني فلاتفاق ~~قول الأنبياء عليهم السلام غير موسى عليه السلام فانه لم يذكر ، وما نزل في ~~التوراة فيه شيء ، فيه شيء مع أن ما ذكره معارض بما نقله صدر الأفاضل عن ~~التوراة بقوله : ففي التوراة : إن أهل الجنة يمكثون في النعيم عشر آلاف سنة ~~ثم يصيرون ملائكة. (6) PageV01P068 ### | في كيفية دلالة الآيات القرآنية على المعاد # ولا يخفى أيضا عليك أن الآيات القرآنية الواردة في هذا المطلب ، # بعضها ظاهرة في وقوع الموت والفناء والإماتة والإبداء والإعادة والإحياء ~~ونحو ذلك ، وطروؤه على الإنسان الذي عرفت أنه عبارة عن مجموع البدن المحسوس ~~وذلك الأمر المخصوص أعني النفس والروح ، وهي كثيرة كقوله تعالى : # ( @QUR@018 ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا ، أولا يذكر الإنسان ~~أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ). (1) # وكالآيات المتقدمة وغيرها حيث إنها تضمنت الخطاب بذلك للمكلفين وحكاية ~~أحوالهم ، ولا يخفى أن المكلف هو الإنسان بنفسه وبدنه ، وإن احتمل كونه ~~بنفسه وحدها أيضا. # وبعضها ظاهرة في وقوع ذلك على بدنه ، كقوله تعالى : # ( @QUR@011 من يحي العظام وهي رميم ، قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ). # ( @QUR@011 اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما ~~كانوا يكسبون ). (2) # ( @QUR@030 حتى إذا ما جاؤها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا ~~يعملون ، وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل ~~شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون ). (3) # إلى غير ذلك من الآيات. PageV01P069 # وبعضها ظاهرة في وقوع ذلك على نفسه ، وهي أيضا كقوله تعالى : # ( @QUR@08 فلو لا إذا بلغت الحلقوم ، وأنتم حينئذ تنظرون ) إلى قوله : ( ~~@QUR@04 ترجعونها إن كنتم صادقين ). (1) # ( @QUR@014 يا أيتها النفس المطمئنة ، ارجعي إلى ربك راضية مرضية ، ~~فادخلي في عبادي ، وادخلي جنتي ). (2) # ( @QUR@05 علمت نفس ما قدمت وأخرت ). (3) # ( @QUR@05 ووفيت كل نفس ما عملت ). (4) # ( @QUR@04 كل نفس ذائقة الموت ). (5) # ( @QUR@06 ليجزي الله كل نفس ما كسبت ). (6) # ( @QUR@05 لتجزى كل نفس بما تسعى ms014 ). (7) # ( @QUR@04 وتزهق أنفسهم وهم كافرون ). (8) # ( @QUR@020 الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك ~~التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى ). (9) # إلى غير ذلك من الآيات التي ظاهرها النفس بمعنى ذلك الأمر المخصوص ، وإن ~~احتمل في بعضها إرادة النفس بمعنى الشخص الإنساني أي مجموع البدن والنفس . # فيظهر مما ذكرنا أن الآيات دالة على طروء كل من الإماتة والإحياء على كل ~~من النفس والجسد ، وسيأتي بيان كيفية وقوع الأمرين وتواردهما عليهما فيما ~~بعد إن شاء الله. PageV01P070 ### | في كيفية دلالة الآيات الواردة في إنكار المنكرين للمعاد # ولا يخفى عليك أيضا أن الآيات القرآنية التي تضمنت لحكاية أحوال المنكرين ~~للمعاد وبعضها ظاهرة في إنكارهم معاد المكلفين ومعاد الإنسان ، أي معاد ~~النفس والبدن جميعا كقوله تعالى : # ( @QUR@018 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعدا ~~عليه حقا ولكن أكثر الناس لا يعلمون ). (1) # ( @QUR@018 ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا ، أولا يذكر الإنسان ~~أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا ). (2) # ( @QUR@015 ولئن قلت إنكم مبعوثون من بعد الموت ليقولن الذين كفروا إن ~~هذا إلا سحر مبين ). (3) # ( @QUR@08 فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة ). (4) # ( @QUR@018 وما يشعرون أيان يبعثون ، بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في ~~شك منها بل هم منها عمون ). (5) # ( @QUR@012 وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم ~~الغيب ) الآية». (6) # ( @QUR@012 ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم ألا إنه بكل شيء محيط ). (7) # ( @QUR@015 وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا ~~الدهر وما لهم بذلك PageV01P071 # @QUR@06 من علم إن هم إلا يظنون ). (1) # ( @QUR@010 إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ). (2) # ( @QUR@09 يسئلون أيان يوم الدين ، يوم هم على النار يفتنون ). (3) # ( @QUR@010 قد يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور ). (4) # ( @QUR@09 وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا ). (5) # إلى غير ذلك من الآيات. # وبعضها ظاهرة في إنكارهم معاد البدن خاصة ، كقوله تعالى : # ( @QUR@011 وضرب لنا مثلا ونسي خلقه قال من يحي العظام وهي ms015 رميم ). (6) # ( @QUR@011 أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ، بلى قادرين على أن نسوي بنانه ~~). (7) # وبعضها ظاهرة في إنكارهم معاد الإنسان ، لكن لأجل إنكارهم معاد البدن ، ~~كقوله تعالى: # ( @QUR@011 وإن تعجب فعجب قولهم أإذا كنا ترابا أإنا لفي خلق جديد ). (8) # ( @QUR@09 وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد ). (9) # ( @QUR@09 وقالوا أإذا كنا عظاما ورفاتا أإنا لمبعوثون خلقا جديدا ). (10) # ( @QUR@013 أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما أنكم مخرجون ، هيهات ~~هيهات لما توعدون ). (11) # ( @QUR@09 وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون ). (12) # ( @QUR@016 وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق ~~إنكم لفي خلق جديد ). (13) # ( @QUR@07 أإذا متنا وكنا ترابا ذلك رجع بعيد ). (14) PageV01P072 # ( @QUR@09 وكانوا يقولون أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون ). (1) # إلى غير ذلك من الآيات. # وأما ما يدل صريحا على إنكارهم معاد خصوص النفس فلم نظفر به في الكتاب ~~الكريم ، ولعل وجهه والله أعلم مع الإشارة إلى أن إنكارهم معاد الإنسان كما ~~دلت عليه آيات كثيرة يدل على إنكارهم معاد النفس أيضا ، فإن الإنسان كما ~~عرفت عبارة عن مجموع البدن والنفس ، ولا إنكار لأحد في وجود النفس مع البدن ~~أو فيه ، فإنكار معاد الإنسان متضمن لإنكار معاد البدن والنفس جميعا ، وإن ~~إنكار معاد البدن وحده كاف في الإنكار للمعاد الضروري في الدين القويم. # الإشارة (2) إلى أنهم اعتقدوا أن النفس جسم في البدن أو معه ، كما هو ~~مذهب بعض الحكماء ، من أنها جرم لطيف سار في البدن أو جسماني عرض فيه ~~كالمزاج على ما هو المنقول من مذهب بعض المنكرين له من الحكماء الطبيعيين ، ~~وقد عرفت بيان ذلك مما نقلنا من كلام الفاضل الأحساوي وصدر الأفاضل. ~~وبالجملة فالنفس أيضا تنعدم بانعدام البدن ، فلا يمكن إعادة شيء منهما ، ~~فلذا قالوا تارة بامتناع إعادة البدن بعد خرابه وصيرورته عظاما ورفاتا ، ~~وتارة بامتناع إعادة الإنسان لأجل امتناع إعادة البدن بعد خرابه في زعمهم ، ~~وتارة بامتناع إعادة الإنسان مطلقا كما نطقت بذلك الآيات المتقدمة ، فإن ~~منشأ هذه العقائد واحد. فتنبه لهذه الدقيقة. PageV01P073 ### | في الإشارة إلى معنى معاد ms016 الروحاني والجسماني # وحيث عرفت ذلك فاعلم : أن الشرع كما نطق بثبوت المعادين جميعا وحكم بكفر ~~منكريهما جميعا ، كذلك يدل على كفر منكر واحد منهما فقط أيضا ، لأن في ذلك ~~أيضا إنكارا لما نطق به الشرع. # واعلم أيضا أنا حيث نطلق لفظ المعاد الروحاني ، نريد به عود الروح إلى ~~البدن الأول مرة اخرى بعد مفارقتها عنه ، سواء قيل بأن الروح جوهر مجرد أو ~~مادي ، جسم أو عرض ، (1) وحيث نطلق المعاد الجسماني نريد به عود البدن ~~الأول مرة اخرى بعد ما كان بطل وفني. وكذلك نقول يجب أن يصدق بهذين ~~المعادين جميعا ، وأن من أنكرهما أو أنكر واحدا منهما فهو منكر للمعاد ~~الضروري في الدين. # فعلى هذا فمن قال بأن المعاد جسماني فقط ، وصدق بالمعادين جميعا ، وأراد ~~أن المعاد الذي تسمونه روحانيا حق ، إلا أنه جسماني أيضا كمعاد البدن ، ~~بناء على أن الروح جسم في اعتقاده ، فهو ليس بمنكر للمعاد ، إلا أنه اصطلح ~~فسمى المعاد الروحاني بالجسماني أيضا. وكذلك من قال بأنه روحاني ، وأراد به ~~عود الروح إلى البدن الأول (2) بعد عوده أيضا فهو ليس بمنكر له أيضا. نعم ~~إن أراد به عود الروح فقط ، سواء قال إن الروح جوهر مجرد أو مادي ، من غير ~~أن يقول بعود البدن فهو منكر له كما أن من قال بعود البدن فقط من غير أن ~~يقول بعود الروح منكر له. PageV01P074 # وبالجملة فكلامنا في المعاد الروحاني والجسماني بهذين المعنيين اللذين ~~ذكرناهما ، وقد عرفت أن الشرع ناطق بهما جميعا. وحيث تحققت ما بيناه ، ~~وتبينت أن الآيات القرآنية ، كما أنها ناطقة بإعادة الإنسان وبإعادة خصوص ~~البدن وخصوص النفس ، كذلك هي ناطقة بأن المنكرين للمعاد ، منكرون لذلك أجمع ~~، فحري بنا أن نكشف أولا جلية الحال عن أن مبنى زعم المنكرين له على ما ذا؟ ~~ثم نتبعه بشرح مبنى القول بالمعاد. PageV01P075 ### | في الإشارة إلى مبنى إنكار المنكرين للمعاد # فنقول : لا يخفى على من تأمل في الآيات الواردة في حكاية حالهم ، كالآيات ~~المتقدمة وغيرها ، أنهم إنما أنكروه لشبهة واهية داحضة ، خيلها ms017 إليهم ~~الشيطان وأملى لهم. # هي أنهم لما رأوا أن الأبدان تفنى وتهلك وتصير عظاما وترابا ورفاتا ~~وممزقا كل ممزق ، كما هو معلوم بالمشاهدة والعيان. # ورأوا أيضا أن النفس إما جسم أو جسماني في البدن كما هو مذهبهم ، وتصير ~~هي أيضا مثل البدن في الاضمحلال والفناء. # ورأوا أن الجسم جوهر متصل في حد ذاته ، والاتصال لازم لماهيته وحقيقته ، ~~وأنه إذا طرأ عليه الانفصال ، ولا سيما مثل هذا الانفصال والتمزق ، وتبدلت ~~صورته الجسمية ، بل النوعية والشخصية أيضا ، إلى صورة اخرى كالترابية ~~والرفاتية فلا سترة في أنه ينعدم ذلك الاتصال. وتلك الصورة ، فينعدم لازم ~~ذلك الجوهر المتصل ، وانعدام اللازم مستلزم لانعدام ملزومه ، أي ذلك الجوهر ~~المتصل إما بالمرة ، كما هو الظاهر عندهم ، أو بصورته المقومة له مطلقا إن ~~لم يسلم انعدامه بالمرة ، لأجل بقاء مادته أي الهيولى أو الأجزاء الأصلية ~~إن كانت تبقى. # وكذلك رأوا أن النفس تنعدم مثل البدن بانعدامه ، أما إذا كانت جسما أي ~~جرما لطيفا ساريا في البدن فبتقريب السابق ، لأنها تابعة للبدن في الوجود ~~والعدم ، وأما إذا كانت جسمانية وعرضا حالا فيه ، فبالطريق الأولى ، لأنه ~~حينئذ يكون البدن بصورته الخاصة موضوعا لها ، وبانعدام الموضوع ينعدم العرض ~~بالمرة. # ورأوا أيضا أن المعدوم يمتنع أن يعاد ، أما المعدوم بالمرة فبالبرهان ~~الذي سيجيء بيانه ، PageV01P076 # وأما المعدوم بصورته الخاصة فبذلك البرهان أيضا ، ولأنه لو فرضنا إمكان ~~إعادته واعيد ، لم يكن المعاد ذلك الشخص بعينه بجميع مشخصاته ، بل يكون ~~خلقا جديدا أي مخلوقا جديدا وإن كان مماثلا للأول في بعض الصفات ، كما حكى ~~الله تعالى عنهم في الآيات المتقدمة لو أرادوا به هذا المعنى أو ما يتناوله ~~، والخلق الجديد بمعنى الإعادة ، وسيجيء أيضا بيان هذا. # فمن هذه الشبهة ذهبت أوهامهم إلى امتناع البعث وإنكار المعاد ، وإن كانوا ~~قائلين بوجود الفاعل القادر المختار أيضا ، لأن متعلق القدرة ينبغي أن يكون ~~شيئا ممكنا مقدورا بالذات ، والممتنع بالذات لا يصدق عليه اسم الشيء ، فلا ~~يكون متعلق القدرة ، وهذا لا يستلزم نقصا في قدرة القادر المختار ، ولا في ms018 ~~فاعلية الفاعل ، بل النقص إنما هو في جانب القابل ، وهذا مما لا ضير فيه. # وقوله تعالى حكاية عنهم : ( @QUR@05 من يحي العظام وهي رميم ). (1) يمكن ~~أن يراد به هذا المعنى ، وإن كان يمكن أن يراد به نفي الفاعل المختار ~~القادر على ذلك ، وإسناد الموت والحياة في النشأة الدنيوية إلى الدهر أو ~~إلى البخت والاتفاق من غير أن يكون نشأة اخروية أو معاد فيها ، كما هو مذهب ~~الدهرية والملاحدة منهم ، ويدل عليه قوله تعالى حكاية عنهم : # ( @QUR@010 إن هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما نحن بمبعوثين ). (2) # وكذلك قوله تعالى : ( @QUR@011 أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ، بلى ~~قادرين على أن نسوي بنانه ). (3) محتمل للوجهين المذكورين ، وعلى الأول ~~فيكون المراد بقوله : ( @QUR@02 بلى قادرين ) إثبات أن جمع العظام مما هو ~~متعلق القدرة ، وليس فيه إعادة المعدوم بالمرة ، ولا هو بممتنع بالذات على ~~ما سيأتي بيانه ، وعلى الثاني فيكون المراد به مضافا إلى ما ذكر إثبات أصل ~~القدرة ، وإثبات الفاعل المختار القادر عليه ، فتدبر. # وبالجملة فهذه الشبهة بالوجهين المحكية عن المنكرين للمعاد في الآيات ~~المتقدمة أعظم شبههم في ذلك ، ولهم شبه اخرى عليه ، سيأتي بيانها مع ~~إبطالها في مواضعها. PageV01P077 # وشبهتهم هذه وغيرها باطلة ، مخالفة للعقل والنقل ، كما سيجيء بيان ذلك ، ~~كلها نشأت عنهم من غير علم ، فلذا نفى الله تعالى عنهم في ذلك العلم ، ~~وأسند إليهم فيه الظن والزعم والشك وعدم العلم وعدم الشعور والحسبان ونحو ~~ذلك ، مما يدل على عدم علمهم فيه ، وتعجب من قولهم هذا. ### ||| ** وأما ما اسند إليهم في قوله تعالى : # ( @QUR@09 وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت ). (1) # فلعله لكمال عنادهم وعتوهم ، أو أنهم حسبوه يقينا فاقسموا بالله عليه ، ~~كما أن تسمية ذلك حجة في قوله تعالى : # ( @QUR@011 ما كان حجتهم إلا أن قالوا ائتوا بآبائنا إن كنتم صادقين ). (2) # لأجل أنهم حسبوه حجة ، وإن لم يكن حجة في الواقع ، أو لأجل التهكم بهم. ~~وكيفما كان فحجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ، وقولهم هذا كفر بالله ~~ورسوله واليوم الآخر. PageV01P078 ### | في الإشارة إلى مبنى القول ms019 بالمعاد # وإذا عرفت ذلك فاعلم : أن القائلين بالمعاد حيث كان السبب العمدة في ~~قولهم به تصديق الشرع القويم ، يجب عليهم تصديقهم به كما أتى به الشارع ~~العليم الحكيم ، وحيث ورد الشرع بمعاد البدن والنفس جميعا ، كما ورد ~~بموتهما جميعا على ما دلت عليه الآيات المتقدمة فيجب عليهم تصديق ذلك جميعا ~~وإن كانت مذاهبهم مختلفة في كيفيته ، فلنفصل ذلك في كل من معاد البدن ~~والنفس وكذا في موتهما. # أما موت البدن فلا شبهة لأحد فيه على ما يشاهد بالحس والعيان وسيظهر أيضا ~~بيان كيفيته. ### | في الإشارة إلى مبنى معاد البدن # وأما معاده ، فالذين قالوا بنفي الجزء الصوري في الأجسام وحصر أجزائه في ~~الجواهر الفردة أي أن مبادئ الأجسام جواهر فردة ، وأجزاؤه لا تتجزى ، ~~والجسم عبارة عن تلك الأجزاء المتلاصقة المؤتلفة ، من غير أن يكون للاتصال ~~مدخل في حقيقته وتقومه ، كما هو مذهب المتكلمين منهم ، فمعاد البدن عندهم ~~عبارة عن اجتماع تلك الأجزاء المتفرقة بالموت بتأليف مجدد وإلصاق ثان ، كما ~~أن موته عبارة عن ذلك التفرق وانعدام التأليف الأول ، فلا يلزم عليهم ~~انعدام البدن ولا أجزائه بالموت ، ولا أن يكون إعادته إعادة المعدوم. نعم ~~يلزم عليهم القول بانعدام ذلك التأليف الخاص الأول ، ثم حصول مثل ذلك ~~التأليف في الحشر. # فعلى هذا فالبدن المعاد عين البدن المبتدأ باعتبار أجزائه ، ومثله ~~باعتبار التأليف ، فهو PageV01P079 # عين الأول باعتبار ، وغيره أي مثله باعتبار آخر. # ولعل هؤلاء الجماعة قالوا بهذا المذهب مع بطلانه ، لأجل تصحيح المعاد ~~الجسماني ، وهربا عن لزوم الإشكال الوارد في زعمهم على تقدير كون الاتصال ~~جزءا صوريا للأجسام ، وهذا الذي ذكرنا ظاهر على المتدبر. # وقد قال الشارح القوشجي في شرح التجريد في قول مصنفه : «والمعدوم لا يعاد ~~بعينه» : # «اختلفوا في جواز إعادة المعدوم بعينه أي بجميع عوارضه المشخصة فذهب أكثر ~~المتكلمين إلى جوازها ، وذهب الحكماء وبعض الكرامية وأبو الحسين البصري ~~ومحمود الخوارزمي من المعتزلة إلى امتناعها ، واختاره المصنف. وهؤلاء وإن ~~كانوا مسلمين معترفين بالمعاد الجسماني ينكرون إعادة المعدوم ، لأنهم لا ~~يقولون بانعدام الأجساد ، بل ms020 بتفرق أجزائها وخروجها عن الانتفاع ، ويأولون ~~بذلك الظواهر الواردة في هذا المعنى ، ويؤيده قصه إبراهيم عليه السلام . ~~انتهى.» (1) # وقال المحقق الدواني في الحاشية على قوله : «لا يقولون بانعدام الأجساد» : # «وهذا بناء على نفي الجزء الصوري للأجسام وحصر أجزائه في الجواهر الفردة ~~، كما هو مذهب المتكلمين ظاهر ، وكذا على مذهب المصنف حيث قال بأن حقيقة ~~الجسم هو الصورة الاتصالية وأنها تبقى بعينها حال الانفصال. ولو أثبت الجزء ~~الصوري في الأجسام ، قيل يكفي في المعاد الجسماني كون الأجزاء المادية هي ~~بعينها ، ولا يقدح فيه تبدل الجزء الصوري بعد أن كان أقرب الصور إلى الصور ~~الزائلة. # فإن قيل : فيكون تناسخا ، قيل : الممتنع عندنا هو انتقال النفس إلى بدن ~~مغاير له بحسب المادة ، لا إلى بدن متألف من عين مادة هذا البدن وصورة هي ~~أقرب الصور إلى الصورة الزائلة ، فإن سمي ذلك تناسخا فلا بد من البرهان على ~~امتناعه ، فإن النزاع إنما هو في المعنى لا في الألفاظ. انتهى.» (2) # وقال المحشي الشيرازي في الحاشية على قوله : «هذا بناء على نفي الجزء الصوري PageV01P080 # في الأجسام» : # «أقول : فيه نظر ظاهر ، اذ لا يقول عاقل إنه إذا احرق زيد وصار رمادا ، ~~والقي في أرض الملح فصار ملحا ، فحينئذ يبقى شخص زيد بعينه ، ضرورة أن ما ~~به زيد زيد لم يبق حينئذ ، بل عسى أن يدعى عدم بقاء النوع. فعلى هذا يلزم ~~على من قال بامتناع إعادة المعدوم ، وكان قائلا بالمعاد الجسماني أن يقول ~~مثل ما يقول مثبتوا الجزء الصوري من أن الأجزاء المادية باقية بعينها ، ~~ويتبدل ما يكون الشخص به شخصا إلى ما يماثله ، وبه يؤول الآيات والأحاديث ~~الواردة في المعاد ، كما هو طريقتهم في تأويل الظواهر ، إذا دل القاطع على خلافه. # فإن قيل : فيلزم إيصال الثواب والعقاب إلى من يماثل من يستحقهما. # قلت : المستحق للثواب والعقاب هو النفس المجردة ، وهي باقية بعد خراب ~~البدن عند المحققين ، ومنهم المصنف ، والمدرك للذة والألم وإن كان جسمانيا ~~إنما هو النفس ، والبدن آلة لها في الأفعال التي يستحق بها النفس ms021 الثواب ~~والعقاب. وكذا لبعض اللذات والآلام ، ولا محذور في أن كان استحقاق النفس ~~لهما عند تعلقها بآلة وإيصال أحدهما عند تعلقها بآلة اخرى. انتهى.» (1) # وأقول : لا يخفى عليك أن ما ذكره المحقق الدواني لا غبار عليه ، وسنذكر ~~فيما بعد إن شاء الله تعالى تحقيق معنى التناسخ المحال ، وأن عود النفس إلى ~~بدن متألف من مادة البدن الأول ومن صورة هي أقرب الصور إلى الصورة الزائلة ~~، ليس من التناسخ المحال ، فانتظر. # وأما ما ذكره المحشي الشيرازي ، فلا يخفى أنه مجرد استبعاد ، نظير ~~استبعاد المنكرين للمعاد ، ومع ذلك فهذا الاستبعاد إنما هو على تقدير القول ~~بالجزء الصوري خاصة. # ويندفع أيضا بما ذكره المحقق الدواني بقوله : قيل يكفي في المعاد ~~الجسماني إلى آخر ما قال وسنحقق ذلك فيما بعد إن شاء الله العزيز. # وأما ذكره بقوله : «ضرورة أن ما به زيد زيد لم يبق حينئذ بل عسى أن يدعى ~~عدم بقاء النوع» ففيه : أن زيدا لو كان عبارة عن بدنه فقط ، لربما كان لما ~~ادعاه وجه ، وليس كذلك ، PageV01P081 # بل هو عبارة عن مجموع البدن الخاص والنفس المخصوصة ، كما أشرنا إليه فيما ~~تقدم ، وسنزيده بيانا فيما بعد. # ولم يظهر مما ذكره عدم بقاء نفسه أيضا ، كيف وهو نفسه قد اعترف بأن ~~المستحق للثواب والعقاب النفس ، وهي باقية بعد خراب البدن ، بل قد ادعى جمع ~~من الحكماء أن هوية زيد وهذيته إنما هي بنفسه ، فإن أعضاءه وبدنه أبدا في ~~التحول والذوبان والتبدل والسيلان بحرارته الغريزية المستولية عليها من نار ~~الطبيعة ، وزيد هو هو نفسا وبدنا من أول العمر إلى منتهاه ، لانحفاظ هوية ~~بدنه بنفسه التي هي صورته التمامية ، فهذية البدن من حيث هو بدن لهذه النفس ~~بهذه النفس ، وإن تبدل تركيبه. # على أن الحق كما سيأتي تحقيقه فيما بعد إن شاء الله تعالى أن هوية زيد ~~بنفسه ، وكذا بهوية الأجزاء الأصلية الباقية من بدنه. # وأما ما ارتكبه أخيرا من «كون المخاطب بالتكاليف والمستحق للثواب والعقاب ~~هو النفس وحدها ، وكون البدن آلة لها في ذلك وأن ms022 لا محذور في أن كان ~~استحقاق النفس لها عند تعلقها بآلة ، وإيصال أحدهما عند تعلقها بآلة اخرى ، ~~وإن كانت مغايرة للاولى». # ففيه ، أن هذا مخالف لما دل عليه الشرع ونطقت به الآيات المتقدمة ، فإنك ~~قد عرفت أنها تدل على معاد النفس والبدن ، الذي كان في النشأة الدنيوية ~~جميعا. أي على معاد الإنسان الذي هو عبارة عن مجموعهما ، وكذلك الظاهر من ~~التكاليف الواردة أن المخاطب بها هو الإنسان لا نفسه فقط ، وإن كان للنفس ~~مدخل عظيم في ذلك. والحال قد بينا لك أن التصديق بالمعاد يجب أن يكون على ~~النهج الذي دل عليه الشرع ، فتبصر. # وإذا عرفت ما ذكرنا وعلمت كيفية معاد البدن على تقدير القول بالجواهر ~~الفردة ، ونفي الجزء الصوري للجسم ، فاعلم أن القائلين بالمعاد لو كان ~~مذهبهم في الجسم ما ذهب إليه ذيمقراطيس من القدماء ، من أن مبادئ الأجسام ~~أجسام صغار صلبة متجزية وهما غير متجزية في الخارج ، وأن اتصال الجسم عبارة ~~عن اجتماع تلك الأجسام الصلبة ، وانفصاله عن افتراقها ، من غير أن يكون ~~هناك جزء صوري للجسم ، فحالهم أيضا في القول بموت البدن ومعاده كحال لفرقة ~~الاولى سواء. # وهذا المذهب أيضا وإن كان باطلا كالأول ، لكنه على تقدير القول به أيضا ~~لا يلزم PageV01P082 # إعادة المعدوم بالمرة بعينه ، فإنه على هذا المذهب أيضا لا يلزم انعدام ~~البدن ولا أجزائه ، إنما المعدوم هو التأليف الخاص ، والموت عبارة عن تفرق ~~تلك الأجسام التي هي أجزاء للجسم ، والعود عبارة عن اجتماعها بتأليف ثان ~~مجدد ، مثل الأول. وعلى هذا أيضا فالبدن المعاد عين المبتدأ باعتبار وغيره ~~باعتبار آخر أي في التأليف. # وأما الذين قالوا بأن حقيقة الجسم هو الصورة الاتصالية ، وأنها تبقى ~~بعينها حال الانفصال كما هو مذهب الإشراقيين ومن تبعهم فيه ، كالمحقق ~~الطوسي رحمه الله وغيره ، وحاصل مذهبهم أن الجسم جوهر متصل في حد ذاته ، ليس ~~بذي مفاصل وأجزاء بالفعل ، كما هو عند الحس يقبل الانقسام الوهمي ~~والانفكاكي إلى ما لا يتناهى ، وأن ذلك الجوهر المتصل قائم بذاته غير حال ~~في شيء ms023 آخر ، وهو الجسم المطلق ، فهو عندهم جوهر بسيط لا تركيب فيه بحسب ~~الخارج أصلا ، قابل لطريان الاتصال والانفصال عليه مع بقائه في الحالين في ~~ذاته ، فهو من حيث جوهره وذاته يسمى جسما ، ومن حيث قبوله للصور النوعية ~~التي لأنواع الجسم يسمى هيولى ، فكذلك لا يلزم عليهم إعادة المعدوم بالمرة ~~كما دل عليه كلام المحقق الدواني الذي نقلناه ، وهذا أيضا ظاهر يظهر ~~بالتأمل في مذهبهم ، لأن ملخصه كما ذكره بعض الفضلاء أنهم يقولون إن ~~الاتصال وإن كان لازما لجوهر الجسم ، لكنه لازم له في جميع الجهات في حاق ~~ذاته وصرف وجوده ، وهو وحده تمام حقيقة الجسم ، ولا يلزم من طريان الانفصال ~~عليه انعدامه رأسا ، وذلك لأن الاتصال اللازم من انتفاء الجزء ومثله إنما ~~هو بمعنى توسع الذات والانبساط في الجهات ، وهو مشتمل بمحض مفهومه على حدود ~~مشتركة بين أجزائه كالنصف والثلث وغير ذلك ، والانفصال في كل حد إنما يقابل ~~الاتصال في ذلك الحد بعينه دون سائر الحدود ، فإذا انفصل في حد النصف مثلا ~~فإنما يبطل اتصاله فيه فقط ، وهو باعتبار سائر الحدود باق متصلا كما كان. ~~نعم لو كان الاتصال معنى وحدانيا غير ذي حدود ، أو كان الانفصال يعرضه في ~~جميع حدوده الممكنة فيه لأدى إلى انعدامه بالكلية ، وإذ ليس فليس. # والمحصل أن الاتصال الذي هو تمام حقيقة الجسم ، هو الاتصال في الجملة ، ~~فما دام يبقى ذلك الاتصال في الجملة لم ينعدم الجسم بالكلية. # فعلى هذا المذهب أيضا يكون البدن المعاد عين البدن الأول المبتدأ باعتبار ، أي PageV01P083 # باعتبار حقيقة الاتصال في الجملة وبعض مراتب الاتصال الباقي وغيره ، أي ~~مثله باعتبار آخر ، أي باعتبار بعض مراتب الاتصال الفاني الذي أعيد مثله ~~حين الإعادة فتدبر ، والله تعالى أعلم. # وأما الذين قالوا بوجود الجزء الصوري في الجسم ، كالمشائين وأتباعهم ، ~~وحاصل مذهبهم : أن الجوهر جوهر متصل الذات في الذات ، لكنه من حيث هو جسم ~~مطلقا مركب من جوهرين : أحدهما هذا الجوهر المتصل بالذات ، والثاني جوهر ~~آخر محل للأول ، وهو حال فيه ، وليس في حد ذاته ms024 متصلا ولا منفصلا ولا واحدا ~~ولا كثيرا ، بل هو في هذه كلها تابع للأول ، ويسمون الأول الصورة الجسمية ، ~~والثاني الهيولى ، وله من حيث هو نوع ماء أو هواء أو نار أو غيرها جزء ~~يسمونه الصورة النوعية. # فعلى مذهب هؤلاء وإن كان يلزم أن يكون بطريان الانفصال ينعدم الاتصال ، ~~وينعدم الجسم أيضا لانعدام جزئه الصوري الذي هو الاتصال الخاص المنعدم ~~بطريان الانفصال عليه في أية مرتبة منه ، لكنه لا يلزم أيضا انعدام الجسم ~~بالكلية لبقاء جزئه الآخر المحل للجزء الصوري ، أي الهيولى وإن طرأ عليه ~~صورة اخرى غير الأولى ، فإنهم لأجل ذلك أثبتوا الهيولى ، حيث إن مذهبهم أن ~~الانفصال مقابل الاتصال. والاتصال لازم لماهية الجسم ، وإلا لزم الجزء أو ~~مثله ، فإذا طرأ عليه الانفصال بطل الاتصال ، فانعدم ملزومه الذي هو هذا ~~الجوهر المتصل ، فلو كان هو تمام حقيقة الجسم لزم انعدامه بالكلية وأن يكون ~~تفريق الجسم إلى جسمين إعداما له بالمرة وإحداث جسمين آخرين من كتم العدم ، ~~وهو باطل بالضرورة ، فيجب أن يكون للجسم جزء آخر يكون الاتصال والانفصال ~~مفارقين عنه غير لازمين له في ذاته ، حتى يكون باقيا في الحالين ، وهو ~~المسمى بالهيولى. # فعلى هذا المذهب أيضا يكون البدن المعاد عين البدن الأول المبتدأ باعتبار ~~أحد جزأيه أي الهيولى وغيره أي مثله باعتبار جزئه الآخر أي الصورة الجسمية ~~والنوعية بل الشخصية فإن لهم أن يقولوا إنه حين الإعادة تفاض على تلك ~~الهيولى البدنية أقرب الصور الجسمية والنوعية بل الشخصية إلى الصورة ~~الاولى. # وكأن المحقق الدواني فيما نقلنا عنه آنفا حيث قال : بناء على هذا المذهب ~~، قيل : يكفي في المعاد الجسماني كون الأجزاء المادية هي بعينها إلى آخره ~~أراد ببقاء الأجزاء PageV01P084 # المادية بقاء هيولى البدن ، كما هو مذهب هؤلاء في مطلق الجسم ، وإن كان ~~طرأ على هيولاه صورة اخرى غير صورة البدن الأول حين الفناء ، وأقرب الصور ~~إلى الصورة البدنية الاولى حين الإعادة ، ويحتمل أن يكون أراد به مع ما ذكر ~~بقاء الأجزاء الأصلية من البدن التي يظهر من بعض أحاديث ms025 الأئمة الأطهار ~~(عليهم سلام الله الملك الجبار) أن منها تكون البدن ، وهي مبدأ نشئه ، وهي ~~مما تبقى بعد خرابه ، كما روى الشيخ الصدوق ابن بابويه رحمه الله في الفقيه ~~عن عمار الساباطي. # أنه قال : سئل أبو عبد الله (صلوات الله عليه) عن الميت هل يبلى جسده؟ ~~قال : نعم حتى لا يبقى لحم ولا عظم ، إلا طينته التي خلق منها فإنها لا ~~تبلى في القبر ، تبقى مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة. (1) # والمراد من هذه الطينة الباقية والله وأولو العلم أعلم إما نفس النطفة ~~المنوية التي منها بدن الإنسان كما يشهد به ما رواه هو رحمه الله فيه أيضا. # أنه سئل الصادق (صلوات الله عليه) لأي علة يغسل الميت؟ قال : تخرج منه ~~النطفة التي خلق منها تخرج من عينيه أو من فيه ... (2) # وإما تلك النطفة المنوية المخلوطة بالتراب التي هي مبدأ نشأ بدن الإنسان ~~أولا ، وكذا هي مبدأ تكونه ثانيا في الحشر ، كما هو الأظهر ، وقد ورد في ~~الأحاديث المروية عن أهل العصمة (سلام الله عليهم أجمعين) (3)، أن كل طينة ~~خلق منها الإنسان يدفن فيها ، وأن النطفة إذا استقرت في الرحم بعث الله ~~تعالى ملكا ليأخذ من تراب المكان الذي يدفن ذلك الإنسان فيه ، فيأخذه ~~ويخلطه بتلك النطفة ، فيخلق الإنسان من تلك النطفة المخلوطة بذلك التراب ، ~~وإذا اقترب أجله يذهب إلى أن يجيء إلى ذلك المكان ، فيموت ويدفن فيه. وهذه ~~النطفة مستديرة في القبر ، وتبقى إلى أن يخلق الإنسان في الحشر مرة اخرى ~~منها كما خلق أول مرة ، ويشهد به قوله تعالى : ( @QUR@08 منها خلقناكم ~~وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ). (4) فتبصر. PageV01P085 # والمراد باستدارة تلك الطينة والله أعلم إما الاستدارة الحسية أي تكون ~~مستديرة في الحجم والشكل والهيئة ولو كانت جزءا صغيرا ، سواء كانت جزءا ~~واحدا أو أجزاء متعددة متفرقة ، لكن بحيث تكون صلبة في الغاية لا تزول عنها ~~تلك الصورة الجسمية والنوعية ، ولا تفنى ولا تستحيل ولا تصير ترابا ولا ~~رفاتا ولا جزء بدن حيوان أصلا. وإما الاستدارة المعنوية ms026 أي الدائر وجودها ~~مع وجود البدن وخرابه ، ومع كل حالة تطرأ على البدن ، حتى أن لو فرضنا ~~صيرورة بدن الإنسان ترابا ، وفرضنا أن صنع منه إناء تبقى تلك الطينة ، إما ~~خارجة عن ذلك التراب المصنوع إناء ، وإما داخلة فيه غير طارئة عليها الصورة ~~الإنائية ، سواء كانت متجزية أو غير متجزية ، وإن كان يخفى ذلك على الحس. # والحاصل أنه بعد خراب البدن تبقى في القبر النطفة المنوية المخلوطة ~~بالتراب المعبر عنها بالطينة ، التي هي أصل أجزاء بدن الإنسان ، ومبدأ ~~تكونه ونشئه بمادتها بل بصورتها أيضا ، كما أخبر به الصادقون ، بل ربما يدل ~~بعض الأخبار على أنه يبقى أيضا روحه الحيواني الذي يقولون إنه جسم لطيف ~~رقيق ، وكذا التراب الذي خلق منه الإنسان ، كما سيأتي بيانه فيما بعد في ~~فصل تعديد المذاهب في النفس. # فعلى هذا فلا يلزم أن يكون بدن الإنسان معدوما بالمرة ، بل المعدوم منه ~~على تقدير التسليم إنما هو الأجزاء الفضلية غير الأصلية بصورتها لا بمادتها ~~وكذا الاتصال الواقع بينها ، وأما ما هو الأصل في تكونه ، سواء كان جزءا ~~واحدا أو أجزاء متعددة متفرقة فهو باق بمادته بل بصورته أيضا. (1) # وعلى هذا فالبدن المعاد عين البدن المبتدأ في الأجزاء الأصلية ، وكذا ~~بحسب الروح الحيواني مطلقا أي مادة وصورة ، وكذا عينه باعتبار الأجزاء ~~الفضلية ، بحسب المادة ، ومثله بحسب الصورة. # وحيث عرفت ما ذكرنا حصل لك الجواب عن شبهة المنكرين للمعاد الجسماني ~~الذاهبين إلى انعدام بدن الإنسان بالكلية ، وظهر لك اندفاع تلك الشبهة على ~~كل مذهب من المذاهب المقولة في الجسم ، سواء كان مذهب الحكماء المشائين ~~منهم ، أو الإشراقيين ، أو مذهب المتكلمين. وتلخص لك توجيه المعاد الجسماني ~~أي معاد البدن PageV01P086 # على تقدير تلك الأقوال المشهورة في الجسم ، وإن كان القولان الأولان ~~المتقدمان باطلين ، والصحيح من هذه الأقوال والمذاهب أحد المذهبين الأخيرين ~~، أي مذهب الإشراقيين والمشائين ، وكان مذهب الإشراقيين أقرب إلى الصواب ، ~~وتحقيق الحق في ذلك لا يناسب الباب. # ثم إنه قد بقي هنا مذهب آخر ، هو أيضا مبني على إثبات الجزء ms027 الصوري ~~والجزء المادي للجسم ينبغي توجيه معاد البدن على تقديره أيضا ، وهو القول ~~بأن الجسم موجود بتجدد الأمثال ، ففي كل آن يفنى ويحدث مثله ، لكن يشتبه ~~على الحس فيظن أنه موجود بوجود واحد مستمر. # وهذا المذهب وإن كان باطلا لابتنائه على جواز الحركة في الجوهر والتبدل ~~في ذات الشيء الموجود ، وهو باطل كما حقق في محله ، لكنه على تقديره أيضا ~~لا يلزم انعدام البدن بالمرة ، لأنه عليه وإن كان تنعدم صورة الجسم وتتجدد ~~آنا فآنا ، لكنه لا ينعدم جزؤه الآخر ، أي هيولاه ، بل هي باقية ، وانعدام ~~صورته ليس بقادح أصلا على هذا المذهب ، إذ الجسم حين الوجود الأول المبتدأ ~~أيضا كذلك ينعدم صورته آنا فآنا ، وتبقى مادته ، فلا ضير في أن يكون حين ~~الإعادة كذلك. # وعلى هذا المذهب أيضا يكون البدن المعاد عين البدن المبتدأ بحسب المادة ~~أي الهيولى وغيره أي مثله باعتبار الصور المتجددة كما هو حين الوجود ~~المبتدأ المستمر كذلك. # ثم إن هذه العينية باعتبار ، والغيرية أي المماثلة باعتبار آخر اللتين ~~ذكرنا أنهما لازمتان على تقدير القول بكل مذهب من المذاهب المقولة في الجسم ~~، كما أنهما لا يأبى عنهما العقل ، بل يدل عليهما كما عرفت ، كذلك هما مما ~~لا يخالف النقل ، حيث إن ما ورد من الأخبار والآيات كالآيات المتقدمة ~~الدالة على أن البدن الخاص الموجود في النشأة الدنيوية يعاد بعينه في ~~النشأة الاخروية لعله إشارة إلى العينية باعتبار آي التي قد فصلناها على كل ~~مذهب من تلك المذاهب ، وأن ما يدل منها على المماثلة كقوله تعالى : ( ~~@QUR@010 أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم ). (1) PageV01P087 # وقوله تعالى : ( @QUR@016 نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين ، على ~~أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ). (1) # لعله إشارة إلى المماثلة باعتبار كما فصلناها أيضا. # ولعل ما ورد من أن ما في النشأة الاخروية خلق جديد ، هو إشارة إلى تلك ~~المماثلة أيضا ، وسنذكر فيما بعد إن شاء الله العزيز تحقيق القول في أن ~~المماثلة باعتبار مع العينية باعتبار آخر هو ms028 الأصل والعمدة فيما نحن بصدد ~~بيانه ، من إثبات المعاد على النهج الذي دل عليه الشرع واقتضاه العقل ، وهو ~~أن المعاد يوم القيامة هو ذلك الشخص المكلف الموجود في الدنيا نفسا وبدنا ، ~~حيث إن النفس عين النفس الاولى ذاتا وصفتا ، وكذا الروح الحيواني ، وكذا ~~مادة البدن والأجزاء الأصلية منه ، وإن كانت الأجزاء الفضلية منه وبعض ~~صفاته وحالاته مغايرة ولا ضير فيه. # ومما ذكرنا يظهر أن ما أسنده الفاضل الأحساوي (2) إلى طائفة من القائلين ~~بالمعاد ، من أن الروح يتعلق بجسم آخر غير الأول محل إشكال ، إن أرادوا به ~~المغايرة بحسب الذات. وكذا ما أسنده إلى بعضهم من أنه يعاد إلى بدن آخر ~~يماثل الأول محل اشكال ، إن كان المراد المماثلة في الصفات والمغايرة بحسب ~~الذات. كما أن ما أسنده إلى بعضهم من أنه يعود إلى البدن الأول بعينه ، ~~مشكل أيضا إن كان المراد العينية من كل الوجوه ، فتدبر. # وقد تم بما ذكرنا الكلام في معاد البدن ومبنى القول به ، على كل مذهب من ~~تلك المذاهب المعروفة التي قيلت في الجسم ، وبقي الكلام في معاد النفس ~~ومبنى القول به على كل مذهب قيل فيها فنقول : PageV01P088 ### | في الإشارة إلى مبنى معاد النفس # أما الذين قالوا بالمعاد ، ومع ذلك قالوا بأن النفس جسم عنصري بسيط نار ~~أو هواء أو أرض أو ماء ، كما أسند الشيخ في الشفاء القول بذلك إلى بعض ~~القدماء من الحكماء ، أو حرارة غريزية أو برودة غريزية كما أسند فيه القول ~~بهما إلى بعضهم إن عنوا بهما الجسم الحار أو الجسم البارد ، لا المعنى الذي ~~هو عرض ، أو جسم عنصري مركب من العناصر الأربعة ، ومن الغلبة والمحبة ، كما ~~أسند القول به إلى انباذقلس (1) منهم ، أو دم لطيف كما أسند القول به إلى ~~بعضهم (2)، أو جسم بخاري هو بخار الدم ، أو جوهر روحاني سار في البدن كما ~~أسند صدر الأفاضل (3) القول به إلى جمهور المتكلمين وعامة الفقهاء ، وأسنده ~~الفاضل الأحساوي (4) إلى بعض المسلمين ، (5) فالذي يلزم على هؤلاء الطوائف ~~مع اختلاف مذاهبهم في النفس ms029 ، ويرد عليهم في القول بمعاد النفس لو قالوا ~~بفنائها واضمحلالها ، ما يلزم على القائلين بمعاد البدن على تقدير كل مذهب ~~من المذاهب المقولة في الجسم سواء ، فإن المفروض أن النفس جسم أيضا كالبدن ~~، فكل ما يلزم هناك يلزم هنا. # والحاصل أنه يلزم عليهم أن يقولوا بإعادة النفس التي هي جسم إلى البدن ~~الذي هو جسم أيضا وكل من النفس والبدن عين المبتدأ باعتبار ومثله باعتبار ~~آخر ، والمعاد على كل تقدير جسماني مطلقا ولو اصطلح أحد فسمى معاد النفس ~~روحانيا حينئذ فلا PageV01P089 # مشاحة ، وكذلك الشخص المعاد نفسا وبدنا هو عين المبتدأ باعتبار ومثله ~~باعتبار كما عرفت بيان ذلك كله فيما تقدم. # فإن قلت : قولك لو قالوا بفناء النفس واضمحلالها ، يشعر بأن لهم أن لا ~~يسلموا ذلك ، مع أن الشرع قد دل على موت النفس بموت البدن ، كما ذكرت من ~~الآيات الدالة عليه ، فكيف ذلك؟ # قلت : هو كذلك ، فإن موت البدن وتلاشي أجزائه ، لما كان أمرا محسوسا ، لا ~~يمكن إنكاره. وأما اضمحلال جوهر النفس وذاتها بموت البدن فلا دليل عليه ، ~~وما ورد في الشرع من موت النفس ، فهو غير منحصر في اضمحلال ذاتها ، بل هو ~~كما يمكن أن يكون كذلك ، يمكن أن يكون بقطع علاقتها الخاصة التي كانت لها ~~بالنسبة إلى البدن ، كما هو على مذهب المحققين القائلين بأنها جوهر مجرد ~~روحاني باق بعد خراب البدن ، ينقطع علاقتها عنه حين الموت ، ثم يعاد ~~علاقتها به مرة اخرى حين البعث ، كما سيأتي بيان ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. # وأما الذين قالوا بأن النفس هي الأجزاء الأصلية من البدن الباقية من أول ~~العمر إلى منتهاه ، وكذا بعد خراب البدن كما عده الفاضل الأحساوي أشهر ~~مذاهب المتكلمين في النفس ، فالذي يلزم عليهم في معاد البدن ما يلزم في ~~إعادة الجسم ، وأما في إعادة النفس فلا يلزم عليهم ذلك أصلا ، فإن المفروض ~~على هذا المذهب عدم فنائها مطلقا ، بل إن تلك الأجزاء الأصلية باقية ~~بمادتها وصورتها ، ومعنى المعاد عندهم أن يتكون من تلك الأجزاء ms030 الأصلية ~~الباقية ، البدن بأجزائه الفضلية مرة اخرى ، كما خلق منها أول مرة. # وأما الذين قالوا بأن النفس هي الهيكل المحسوس المشاهد ، كما أسند القول ~~به الفاضل الأحساوي إلى المتكلمين أيضا ، فهؤلاء الطائفة حيث إنه لا يظهر ~~منهم القول بوجود نفس سوى البدن ، فإن الهيكل المحسوس هو نفس البدن ، يلزم ~~عليهم في القول بمعادها ، ما يلزم على تقدير القول بمعاد البدن سواء. # وأما الذين قالوا بأن النفس عرض جسماني كالمزاج الواقع بين أجزاء البدن ، ~~على ما أسندوا القول به إلى جالينوس ، أو التأليف والنسبة بين العناصر كما ~~أسند الشيخ في الشفاء القول به إلى بعض القدماء ، أو الحرارة الغريزية أو ~~البرودة الطبيعية كما أسند القول بهما إلى PageV01P090 # بعضهم أيضا ، لو عنوا بهما معنى هو عرض ، فاللازم عليهم في القول بمعاد ~~النفس إن قالوا به إعادة المعدوم بالمرة بعينه ، لأن العرض كما هو المحقق ~~عند أهل المعقول ينعدم بالكلية بانعدام موضوعه ، فلو قالوا بإعادته ، فإما ~~أن يقولوا بتجويز إعادة المعدوم بالمرة ، وهو باطل كما سيجيء بيانه. وإما ~~أن يقولوا بامتناعها ، ويصححوا أمر معادها بأن بقاء أجزاء البدن بمادتها ، ~~أو بقاء أجزائه الأصلية بمادتها وصورتها لو قالوا بها وبأنها غير النفس بل ~~هي أجزاء البدن ، كاف في كون المعاد في النشأة الاخروية عين المبتدأ ، وإن ~~كانت النفس المعادة غير النفس الاولى المبتدأة بالذات ، ومماثلة لها من وجه ~~، حيث إنه يجوز أن يفاض على ذلك البدن المعاد مثل ذلك المزاج الأول مثلا ، ~~وهذا أيضا باطل ، لكونه خلاف ما يدل عليه العقل ؛ فإن الشخص المعاد ينبغي ~~أن يكون هو الشخص المبتدأ نفسا وبدنا جميعا ، لكونه عبارة عنها أجمع ، لا ~~بدنا وحده ، وكذا هو خلاف ما يدل عليه الشرع كالآيات ، لأنها تدل على إعادة ~~النفس الاولى أيضا كما تدل على إعادة البدن الأول المبتدأ ، فتبصر. # إلا أنا لم نظفر فيما نقل من القول بالمعاد ، القول بكون النفس عرضا من ~~أحد ، وإنما ذلك القول لبعض من قدماء الحكماء الطبيعيين المنكرين للمعاد ، ~~كما عرفت مما نقلناه سابقا. # وبالجملة ms031 فالمعاد على كل تقدير من التقديرات المذكورة ، جسماني فقط. # وأما الذين قالوا بأن النفس جوهر مجرد باق بعد خراب البدن كما هو الحق ~~وسيأتي تحقيق القول [فيه] فهؤلاء لو قالوا بمعاد البدن أيضا كما نطق به ~~الشرع الشريف ، فالذي يلزم عليهم أن يقولوا إن موت النفس عبارة عن قطع ~~تعلقها عن البدن ، وإن معادها عبارة عن عودها وتعلقها مرة اخرى بذلك البدن ~~الأول المعاد الذي عرفت أنه عين الأول باعتبار ، ومثله باعتبار آخر ، ويكون ~~المعاد على هذا التقدير روحانيا وجسمانيا جميعا. أما الروحاني فباعتبار عود ~~النفس إلى البدن مرة اخرى وهو جسم. وسيجيء بيان أن الشخص المعاد على هذا ~~التقدير هو بعينه الشخص المبتدأ وأن لا إشكال فيه أصلا ، فانتظر. ولو قالوا ~~بمعاد النفس فقط ولم يقولوا بمعاد البدن كما نسب ذلك إلى الحكماء الإلهيين ~~فالذي يلزم عليهم أن يقولوا بالمعاد الروحاني خاصة دون الجسماني ، ويرد ~~عليهم إشكالان. PageV01P091 ### | إيراد إشكال على القول بالمعاد الروحاني فقط # الأول لزوم إنكار المعاد الجسماني ، حيث لم يقولوا به ، وهو خلاف ما نطق ~~به الشرع ، بل هو أيضا كفر ، وكإنكار المعاد مطلقا. # والثاني أنه لا معنى حينئذ لإطلاق لفظ المعاد على عود النفس خاصة ، لأن ~~معنى المعاد على ما بيناه سابقا هو أن يكون ما فرض متعلق الإعادة على وجود ~~مخصوص وحال وصفة مخصوصتين ، ثم يزول عنه ذلك الوجود وتلك الحالة والصفة ~~ثانيا ثم يعود إليه ثالثا ، وهذا المعنى لا يتحقق هاهنا ، لأن المفروض أن ~~النفس كانت موجودة حين تعلقها بالبدن على حال وصفة مخصوصتين ، ثم زال ~~تعلقها عنه ، لكنها كانت بعد خراب البدن وزوال تعلقها عنه على ذلك النحو من ~~الوجود والحال والصفة الذي كان حين التعلق بالبدن وأنها في الحشر أيضا تكون ~~على ذلك النهج الذي كان قبل ، فتدرك اللذات والآلام على حسب ما تقتضيه ~~ذاتها ، وهذا ليس من معنى المعاد في شيء ، لأنه لم يفت عنها شيء كان حاصلا ~~لها أولا ويعود ذلك الشيء في الحشر. نعم أنهم لو قالوا بمعاد البدن ms032 أيضا ~~سواء كان عين البدن الأول أو غيره مطلقا ، لربما أمكن تصحيح إطلاق اللفظ ، ~~بأن يقال : إنها كانت أولا متعلقة ببدن ، ثم زال عنها ذلك التعلق بعد خراب ~~البدن ، ثم اعيد حين البعث ، له تعلق آخر بذلك البدن أو ببدن آخر ، والحال ~~أنهم لم يقولوا بذلك أصلا. هذا مع أن في صورة فرض تعلقها ببدن آخر يكون ~~إطلاق اللفظ بنوع من التجوز ، بخلاف صورة فرض تعلقها بذلك البدن الأول ، ~~لأنه حينئذ يكون إطلاق اللفظ على الحقيقة ، وهذا من أحد الشواهد على أن ~~المراد بالمعاد في الشرع هو عود النفس إلى البدن الأول بعينه ، وسيجيء ~~إقامة الدليل عليه. PageV01P092 # وبالجملة فالنظر في معنى لفظ المعاد الذي ورد به الشرع واعتقدوا به ينفي ~~هذا المذهب ، مع قطع النظر عن أن فيه إنكار المعاد الجسماني الذي عرفت أنه ~~ضروري في الأديان. # فإن قلت : لعل وجه تفسير المعاد على مذهبهم كما نقله الفاضل الأحساوي عن ~~جماعة كثيرة من أهل الحكمة ، هو أنهم جعلوا عودها إلى العالم العلوى بعد ~~قطع العلاقة البدنية وفراغها عن الاشتغال بتدبير البدن ، عبارة عن المعاد. # قلت : على هذا وإن سلمنا أنه يصح إطلاق لفظ المعاد ، لكنه مبني على قدم ~~النفس أو حدوثها ووجودها قبل البدن ، وسنحقق القول بأنها حادثة بحدوث البدن ~~، فانتظر. # على أنا لا نسلم صحة إطلاق اللفظ حينئذ ، لأن الظاهر من معنى هذا اللفظ ~~الوارد في الشرع ، أنه عود أمر بعد ما زال بالموت ، وما فرض معادا على هذا ~~التقدير هو لم يزل بالموت ، بل بالاشتغال بتدبير البدن ، وهو حياة ليس ~~بموت. اللهم إلا أن يدعوا أنه موت وهو كما ترى. # فإن قلت : لعل تفسير المعاد على هذا المذهب كما ذكره بعضهم أن المراد به ~~عود الإنسان بنفسه بعد موته إلى الحياة لإيصال جزاء ما كسبت يداه. # قلت : العود إلى الحياة أيضا إنما يصح إطلاقه إذا كانت الحياة زائلة عنها ~~ثم عادت ، والمقدر خلافه ، لأنها كانت حية باقية حين ما تعلق بالبدن وبعده ~~إلى الحشر كما هو المفروض. # فإن ms033 قلت : لعل هؤلاء القائلين بالمعاد الروحاني خاصة ، كما يشعر به كلام ~~الشيخ في الشفاء على ما نقلناه سابقا ، إنما قالوا به خاصة ولم يتعرضوا ~~لإثبات الجسماني منه ، لأجل داع إليه لا ينافي القول بالجسماني منه أيضا ، ~~وهو أن المعاد وإن كان على قسمين : روحاني ، وجسماني كما نطق به الشرع ، ~~لكن لما كان الجسماني منه مقبولا من الشرع ولا سبيل إلى اثباته إلا من طريق ~~الشريعة وتصديق خبر النبوة ، وقد بسطت الشريعة الحقة حال السعادة والشقاوة ~~اللتين بحسب البدن وكان الجسماني مفروغا عنه في الشرع القويم ، فلذا لم ~~يتعرضوا لإثباته. وأما الروحاني فلما كان مدركا بالعقل وبالقياس البرهاني ~~وقد صدقته الشريعة المقدسة أيضا وكانت السعادة والشقاوة اللتان بحسب الأنفس مما PageV01P093 # يمكن إثباتهما بالعقل وحده ، وأعظم من السعادة والشقاوة بحسب البدن كما ~~سيأتي بيانه ، وكان الحكماء الإلهيون رغبتهم في إصابة هذه السعادة أعظم من ~~رغبتهم في إصابة السعادة البدنية ، بل كأنهم لا يلتفتون إلى تلك ، وإن ~~اعطوها ، ولا يستعظمونها في جنب هذه السعادة التي هي مقارنة الحق الأول ، ~~فلذا قصروا النظر على المعاد الروحاني وتركوا إثبات الجسماني ، وهذا لا يدل ~~على إنكارهم له. # قلت : ما ذكرته لا يصح أن يكون منشأ لترك إثبات الجسماني منه ، فإنهم لو ~~صدقوا بالشرع لكان ينبغي لهم أن يقولوا به ولو كان على سبيل الإجمال وإن ~~كان على طريق الحوالة على الشرع ، كما قال به الشيخ وهم لم يفعلوا هذا ، ~~كما يدل عليه ظواهر كلماتهم المنقولة عنهم. وهذا أيضا مخالف للشرع من جهة ~~أنهم لم يقولوا بما نطق به الشرع ، مع كونه ضروريا في الدين ، ومع أن أكثر ~~السعادة والشقاوة الواردتين في الشرع جسمانية ، كالفوز بالجنات والحور ~~والقصور ونظائرها ومقابلاتها وأن الروحانية منها نادرة. # على أنا فيما بعد إن شاء الله تعالى سنقيم الدليل العقلي على إثبات أصل ~~الجسماني منه ، وأنه مما يستقل به العقل على ما هو المقصود الأصلي من وضع ~~الرسالة ، وهذا الذي ذكرناه وفصلناه يشبه أن يكون وجه اختلافات الناس في ~~المعاد ، حيث إن ms034 بعضهم أنكره وبعضهم أثبته مع اختلافهم فيه في كونه جسمانيا ~~فقط ، أو روحانيا فقط ، أو روحانيا وجسمانيا جميعا ، على ما فصلناه على كل ~~مذهب من المذاهب المذكورة. # وبالجملة فوجه اختلافهم في ذلك اختلاف مذاهبهم في حقيقة النفس والبدن كما ~~يشعر به كلام الفاضل الأحساوي أيضا. PageV01P094 ### | كلام مع صدر الأفاضل # وأما ما يشعر به كلام صدر الأفاضل ، من أن ظاهر بعض النصوص أيضا صار منشأ ~~لذلك الاختلاف ، حيث إن بعضها كقوله تعالى : # ( @QUR@05 وكلهم آتيه يوم القيامة فردا ). (1) # أو قوله تعالى : ( @QUR@03 كما بدأكم تعودون ) (2)، # يدل على أن المعاد للأرواح ، وأن الحشر على صفة التجرد. وبعضها كقوله ~~تعالى : # ( @QUR@06 يوم يسحبون في النار على وجوههم ). (3) # وكذلك سؤال إبراهيم عليه السلام واستشكال عزير وحكاية أصحاب الكهف (4) يدل ~~على أنه للأبدان ، وأن الحشر على صفة التجسم ، ففيه ما لا يخفى. # أما أولا فلأنك قد عرفت مما فصلناه أن الآيات القرآنية تدل على أن المعاد ~~للأبدان والأرواح جميعا ، فتذكر. # وأما ثانيا فلأن ما ادعى أنه يدل على صفة التجرد ، دلالته على ذلك غير ~~واضحة ، لأن معنى الإتيان فردا كما فسره المفسرون ، الإتيان منفردا من غير ~~مال وولد ، لا على صفة التجرد ، وكذلك قوله تعالى : ( @QUR@03 كما بدأكم ~~تعودون ) (5)، كما فسروه أيضا التشبيه في أصل البدء والإعادة. أو أن ~~المراد أن المعاد عين المبتدأ إلى غير ذلك من المعاني التي لا مناسبة لها ~~بالتجرد وبكون المعاد للروح خاصة. # وأما ثالثا فلأن قوله : ( @QUR@02 يوم يسحبون ) الآية وإن كان يدل على ~~إعادة الأجسام ، لكن PageV01P095 # لما كان المقصود فيه ذكر حال المكلفين دل على إعادة الأرواح أيضا ، ~~وسيأتي بيان أن الحكايات الثلاثة أيضا تدل على أن المعاد للأرواح والأجسام ~~جميعا ، فانتظر. # وحيث تحققت ما فصلناه بطوله ، فاعلم أن ما نقلناه سابقا عن الشارح ~~القوشجي حيث أسند إلى أكثر المتكلمين القول بجواز إعادة المعدوم بعينه ، ~~وإلى بعضهم وجميع الحكماء القول بامتناعها ، ثم أسند إلى القائلين ~~بامتناعها أنهم لا يقولون بانعدام الأجساد ، بل بتفرق أجزائها وخروجها عن ~~الانتفاع ، ويأولون بذلك الظواهر الواردة في هذا ms035 المعنى. ويؤيده قصة ~~إبراهيم عليه السلام يمكن أن يكون الوجه فيما أسنده إليهم من عدم القول ~~بانعدام الأجساد أي بالكلية مبنيا على ما فصلناه على كل مذهب من المذاهب ~~المقولة في الجسم كما عرفت وجهه. وأما القول بتفرق أجزائها وخروجها عن ~~الانتفاع ، فوجهه على مذهب المتكلمين حيث قالوا بأن مبادئ الجسم أجزاء لا ~~تتجزى ظاهر. وكذلك على مذهب الحكماء ، أما على مذهب الإشراقيين منهم ، ~~فيمكن أن يراد به تفرق قطعات البدن التي تبقى فيها الاتصالات ، سواء كانت ~~تلك القطعات أجزاء أصلية من البدن ، أو أصلية وفرعية منه ، وأما على مذهب ~~المشائين منهم فيمكن أن يراد به تفرق الأجزاء المادية ، مع أنه يمكن أن ~~يراد به على هذا المذهب ، بل على المذاهب الاخر أيضا تفرق الأجزاء الأصلية ~~التي هي باقية بمادتها وصورتها كما عرفت. # وعلى كل تقدير فإعادة البدن عبارة عن جمع تلك الأجزاء المتفرقة مرة اخرى ~~كما كانت أولا. ولا يخفى أنه مما لا يأباه العقل عند من يقول بالقادر ~~المختار ، ولا يأباه الشرع أيضا ، بل يدل عليه ، لقوله تعالى : ( @QUR@011 ~~أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ، بلى قادرين على أن نسوي بنانه ). (1) # وأما ما أسند إلى أكثر المتكلمين ، من تجويز إعادة المعدوم ، فلعل ~~القائلين به ذهبوا إلى أن الشخص المعاد يوم القيامة يجب أن يكون هو بعينه ~~الشخص المبتدأ في الدنيا ، مع جميع عوارضه ومشخصاته ، وذهبوا أيضا إلى أنه ~~ينعدم بالمرة أو في الجملة ، فلذا جوزوا إعادة المعدوم بالكلية ، أو ~~بالجملة بعينه ، ولا يخفى عليك أن ذلك كله باطل ، أما إعادة المعدوم فسيأتي ~~إبطالها ، وأما القول بانعدام الجسد بالمرة ، فقد تبين بطلانه على كل PageV01P096 # مذهب قيل في الجسم ، كما تبين بطلان القول بانعدام النفس بالمرة ، خصوصا ~~على القول بأنها جوهر مجرد باق كما هو الحق. # وأما لزوم كون الشخص المعاد هو بعينه الشخص المبتدأ بجميع عوارضه ، فلأنه ~~مع كونه ممتنعا ، لما عرفت أنه ينعدم عنه بعض خصوصياته وحالاته البدنية ~~البتة ، والحال أن إعادة المعدوم بعينه ممتنعة على ما سيأتي دليله ، لا ms036 ~~دليل عليه ، بل الدليل يدل على خلافه ، وعلى أن بقاء نفسه بعينها التي هي ~~الأصل في تشخص الشخص مع بقاء الأجزاء الأصلية من بدنه ، كاف فيما هو منطوق ~~الشرع من المعاد ، حيث إن بقاء هذين الأمرين ، هو مناط كون الشخص المعاد ، ~~هو الشخص المبتدأ بعينه ، وأنه لا يقدح في ذلك المغايرة في بعض الصفات ومن ~~بعض الجهات ، مع المماثلة فيهما على ما سيجيء تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى. # وأما ما أسنده إلى القائلين بتفرق الأجزاء وخروجها عن الانتفاع أنهم ~~يأولون بذلك الظواهر الواردة في هذا المعنى. ويؤيده قصة إبراهيم عليه السلام ~~، فالظاهر أن مرادهم من التأويل المذكور أن موت البدن فيما إذا كان متفرق ~~الأجزاء ، عبارة عن تفرق الأجزاء ، وإعادته عبارة عن جمعها مرة اخرى كما ~~كانت أولا في الابتداء ، على ما ذكرنا ، وأن موت الشخص المكلف عبارة عن ذلك ~~التفرق الحاصل في بدنه ، مع قطع تعلق نفسه عن بدنه ، وأن إعادته عبارة عن ~~ذلك الجمع ، مع إعادة تعلقها به مرة اخرى ، وهذا التأويل كما يمكن في ~~المكلف بما ذكرنا ، كذلك يمكن في غير المكلف أيضا لو قلنا بإعادته كما ~~سيأتي تحقيق القول فيه. فلا اختصاص له بالمكلف كما يدل عليه كلام آخر من ~~الشارح المذكور وعسى أن ننقله فيما بعد. # وبالجملة فهذا التأويل ولا سيما في المكلف ، مما لا مانع فيه من جهة ~~العقل والنقل بل ربما يدعى أنه حيث كان ظاهرا من الكتاب الكريم ، كقوله ~~تعالى : ( @QUR@05 أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه ) الآية (1) فليس بتأويل ، ~~بل هو المصير إلى ظاهر الشرع ، إذ التأويل إنما يطلق في الأكثر على ما هو ~~خلاف الظاهر ، ولو من وجه ، وهذا ليس كذلك ، وكذلك التأييد الذي ادعاه ~~ظاهر. ويؤيده أيضا قصة الذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها PageV01P097 # الآية. (1) # فإن قلت : سلمنا أن في القصتين تأييدا لما ذكر من أن موت البدن عبارة عن ~~تفرق أجزائه ، وإعادته عبارة عن جمعها مرة اخرى ، حيث إن أربعة من الطير أي ~~الطاوس ، والديك ، والغراب ، والحمامة ms037 التي أخذها ابراهيم عليه السلام ~~وجزأهن وفرق أجزاءهن الأصلية والفضلية على كل جبل ، ثم دعاهن بإذن الله ~~تعالى ، فاجتمعت أجزاؤهن كما كانت أولا وعدن أحياء. فأتينه سعيا. وحيث إن ~~حمار عزير (على نبينا و عليه السلام ) قد تفرقت أجزاؤه ونخرت عظامه ، ثم ~~اجتمعت تلك الأجزاء وافيضت عليه الصورة اللحمية بإذن الله فعاد حيا ، كما ~~قال تعالى : # ( @QUR@08 وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحما ) (2). # إلا أنه ليس في القصتين تأييد لتمام ما هو المقصود هنا ، وهو أن المعاد ~~أي معاد الشخص إنما يكون بجمع أجزائه البدنية المتفرقة وإعادة نفس ذلك ~~الروح المتعلق به أولا إليه ثانيا ، فإن نفوس الحيوانات كما هو المشهور ~~بينهم ، ليست مجردة باقية حتى تعاد تلك النفس مرة اخرى إلى البدن. # وإن قيل بإيجاد نفس اخرى مثل الاولى للبدن مرة اخرى ، # قلنا فليس فيه تأييد للمقصود. # وكذلك لو قيل بأن في قصة عزير عليه السلام تأييدا للمقصود من حيث إن الآية ~~تدل على إماتته أيضا وإحيائه مرة اخرى ، والحال أن النفس الإنسانية ولا ~~سيما نفس النبي صلى الله عليه وآله مجردة باقية. # قلنا : هذا وإن كان فيه تأييد للمقصود من هذه الجهة ، لكن ليس فيه تأييد ~~له من الجهة الاخرى ، أي تفرق اجزاء بدنه ثم جمعها ثانيا ، حيث إن الظاهر ~~في الآية الكريمة وكذا المنقول من القصة إن كان بدنه عليه السلام باقيا ~~بمادته وصورته ، لم يتفرق أجزاؤه أصلا واعيد إليه روحه الشريفة مرة اخرى ~~بعد مائة عام كما في قصة أصحاب كهف حيث إن الله تعالى أماتهم ثلاثمائة سنين ~~وازدادوا تسعا ولبثوا في كهفهم تلك المدة بحيث لم يتغير أبدانهم ، PageV01P098 # ولم يتفرق أجزاؤهم وتحسبهم أيقاظا وهم رقود ، (1) فأحياهم الله تعالى بعد ~~المدة بإعادة أرواحهم الشريفة إلى أبدانهم الباقية. # قلت : لا شك أن في قصة إبراهيم ، وفي قصة عزير عليهما السلام تأييدا لما ~~ذكر من أن موت البدن يمكن أن يكون بتفرق أجزائه ، وأن إعادته بجمعها مرة ~~اخرى. وأما التأييد لتمام المقصود فيمكن أن يكون لأجل أن ms038 نفوس تلك الطيور ~~ونفس ذلك الحمار لعلها كانت باقية بعد تفرق أجزاء أبدانهن ، إذ لا دليل على ~~فناء ذوات نفوس الحيوانات بالمرة أو بوجه بفناء أبدانهن وبتفرق أجزائها ، ~~سواء قيل بأنها أجسام عنصرية أو روحانية ، أو قيل بتجردها في الجملة ، وإن ~~كان أدون من تجرد النفس الناطقة الإنسانية كما سيأتي تحقيق القول في ذلك ~~فيما بعد إن شاء الله تعالى. # وعلى تقدير تسليم أن نفوسهن تنعدم بانعدام أجسادهن كما احتملناه سابقا من ~~جانب المنكرين للمعاد ، حيث إن ظاهرهم أن النفوس مطلقا تنعدم بانعدام ~~الأجساد ، سواء قيل بكونها أجساما أو أعراضا حالة في الأجسام. نقول : لعل ~~تأييد القصتين لما ذكرنا إنما هو من جهة إماتة البدن وإحيائه خاصة ، حيث إن ~~المنكرين للمعاد كما نطقت بعقائدهم الفاسدة الأخبار والآيات ، إنما ~~استبعدوا المعاد وظنوا خلافه لاستبعادهم معاد البدن بعد أن صار عظاما ~~ورفاتا وترابا. وأما معاد الروح والنفس فلا يظهر مما حكي عنهم في الآيات ~~والأخبار استبعادهم له بتلك المرتبة من الاستبعاد ، بل ادعى جمهور الحكماء ~~أن العقل مستقل في إثباته ، فلذا رفع الله في تينك القصتين استبعادهم له ~~وأشار إلى أنه كما أن الإماتة والإحياء في شأن تلك الطيور وذلك الحمار ، ~~كان بتفريق أجزاء الأبدان ثم جمعها مرة اخرى ، كذلك يكون في شأن غيرهن كما ~~في أبدان الإنسان ، وإن صارت عظاما ورفاتا وترابا ، بل احرقت فصارت رمادا ~~وذريت في الرياح العاصفة شمالا وجنوبا وقبولا ودبورا ، فإن ذلك الجمع ~~والتفريق ممكن فيها أيضا ، حيث إن تلك الأجزاء المتفرقة من الجسد سواء كانت ~~بحيث تبقى فيها صورها مطلقا كما في شأن تلك الطيور حيث كانت الصورة العظمية ~~واللحمية والريشية باقية فيها ، أو تبقى في الجملة كما في شأن PageV01P099 # ذلك الحمار حيث كانت الصورة العظمية باقية فيها ، أو لا تبقى فيها تلك ~~الصور ، بل كانت رميما ورفاتا وترابا ومزقت كل ممزق ، كما في أكثر الموتى ~~الذين أخبر الله عن بعثهم ، فنسبة قدرة القادر المختار العليم الحكيم على ~~السواء إلى جمع الجميع وإفاضة الصور الأصلية والفرعية ms039 عليها بحيث تصير عين ~~الأول باعتبار الأصل ، وان كانت مثلها من جهة بعض الاعتبارات غير المنافية ~~للعينية ذاتا ، وكذا إعادة النفس الاولى الباقية إليها كما في شأن الإنسان ~~الذي كلامنا فيه ، ويدل العقل والنقل على أن روحه جوهر مجرد باق ، وبحيث ~~يكون الشخص المعاد عين المبتدأ بعينه ، فإن الكل ممكن بالذات غير مستحيل ~~عقلا ولا شرعا ، وهو مقدور للقادر المختار الذي لا يعجز عن شيء ، ولا يعزب ~~عنه شيء كما إذا كان البدن غير متفرق الأجزاء باقيا بمادته وصورته ، كما في ~~قصة عزير عليه السلام وقصة أصحاب كهف. فلذلك حكى سبحانه عن عزير عليه السلام ~~: انه لما أماته الله تعالى مائة عام ثم بعثه وأحياه فأمره بالنظر إلى ~~طعامه وشرابه لم يتسنه ، وكانا باقيين على حالهما وصورتهما الأصلية ~~بمادتيهما ، بحيث لم يتغيرا أصلا بمضي السنين ، وكذا أمره بالنظر إلى حماره ~~وبقاء عظامه وإفاضة الله تعالى الصورة اللحمية عليها وجعله حيا مثل الأول. ~~وتبين له ذلك ( @QUR@08 قال أعلم أن الله على كل شيء قدير ) (1) وانه كما ~~يقدر على إعادة الروح إلى الجسد الباقي ، كذلك يقدر على جمع الأجزاء ~~المتفرقة وجعلها حية. وكذلك قال في شأن أصحاب الكهف حيث بعثهم بعد ثلاثمائة ~~سنين وازدادوا تسعا بإعادة أرواحهم إلى أجسادهم الباقية. ( @QUR@013 وكذلك ~~أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها ) (2) وأنه ~~كما يقدر على إعادة الأرواح إلى الأجساد الباقية غير المتغيرة ، كذلك يقدر ~~على جمع الأجزاء المتفرقة من البدن وإعادة الروح إليها مرة اخرى ، وأن ~~المعاد جسماني وروحاني لا أحدهما وحده. ولعل اختلاف مراتب المعاد الذي أخبر ~~عنه جل وعلا في الكتاب الكريم كهذه القصص ، وقصة الذين خرجوا من ديارهم حذر ~~الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ، (3) والآيات التي دلت على وقوع ~~المعاد وإن صارت الأجساد عظاما وترابا ورفاتا ومزقت كل ممزق إشارة إلى ~~إمكان الجميع ، وكون الكل مقدورا لله تعالى ، PageV01P100 # وأنه في الجميع روحاني وجسماني معا ، والله تعالى يعلم. # وحيث عرفت ما بيناه عرفت أن ما نقله ms040 صدر الأفاضل من المتكلمين ، أنهم ~~حملوا الآيات والنصوص الواردة في إثبات الحشر على أن المراد جمع المتفرقات ~~من أجزاء الإنسان التي هي حقيقته ومنعوا فناء الإنسان بالحقيقة ، لأن حقيقة ~~الإنسانية بأجزائه الأصلية ، وهي باقية ، إما متجزية أو غير متجزية ، ثم ~~أورد عليهم بأنه مستبعد من العقل والنقل ، ليس ذلك الاستبعاد واردا عليهم ، ~~لو أرادوا بتلك الأجزاء الأجزاء الأصلية من بدنه ، كما عرفت أن الأحاديث ~~المروية عن الصادقين عليهم السلام تدل عليه ، وأرادوا بجمع المتفرقات جمع ~~تلك الأجزاء وإعادة النفس الباقية إليها مرة اخرى ، فإنه لا يبعد من العقل ~~والنقل بوجه أصلا. # نعم لو أرادوا بتلك الأجزاء الأصلية الباقية أنها عبارة عن النفس الباقية ~~، كما نقل عن كثير منهم ، سواء قالوا بانعدام البدن بالكلية أو لم يقولوا ~~به ، لورد عليهم ذلك الاستبعاد عقلا ونقلا ، إذ العقل كما يأتي بيانه يدل ~~على أن النفس الإنسانية جوهر مجرد لا أجزاء أصلية ، وكذلك النقل وإن دل على ~~بقاء الأجزاء الأصلية من الموتى كما عرفت ، لكن دلالته على أنها هي النفس ~~الإنسانية الناطقة غير ظاهرة بل مستبعدة. فإن الظاهر من النقل أيضا كما ~~سيظهر وجهه أن النفس الإنسانية الناطقة جوهر مجرد باق غير الأجزاء الأصلية ~~، كما أن ما نقله عنهم من أنهم تارة جوزوا إعادة المعدوم ، يرد عليهم ذلك ~~الاستبعاد كما بينا وجهه سابقا وسيأتي زيادة بيان له ، فانتظر. # وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام فحري بنا أن نتكلم في أن شيئا من النفس ~~والجسد ، بل شيئا من أجزاء العالم ، هل يجوز أن ينعدم بالكلية أم لا؟ وعلى ~~تقدير جواز الانعدام ، فهل يجوز أن يعاد المعدوم بعينه أم لا؟ إذ هو أيضا ~~مما يبتني عليه الخلاف في المعاد ، وتحقيق القول فيه مما يتوقف عليه إثبات ~~ما نحن بصدده ، من إثبات المعاد على النهج الذي دل عليه الشرع فلنبين ذلك ~~في مقامين : # المقام الأول في الأمر الأول ، أي جواز الانعدام وعدمه ، والثاني في ~~الثاني ، أي جواز إعادة المعدوم وعدمها. PageV01P101 ### | المقام الأول في جواز عدم العالم وامتناعه ms041 # أما المقام الأول. # فنقول : قال الفاضل الأحساوي : المقدمة الثانية ، فالكلام فيها على نوعين ~~: الأول في جواز عدم العالم أو امتناعه ، ومذهب الإسلاميين جوازه ، ومنعه ~~طائفة من الفلاسفة ، لا باعتبار ذاته ، لأنه عندهم ليس بواجب الوجود لذاته ~~، نعم منعوه من حيث وجوب وجوده بغيره بناء على تلازم المعلول مع علته ~~التامة ، وأن عدم المعلول إنما يكون لعدم علته ، وعلته واجب الوجود ، وهو ~~لا يصح عدمه. # وطائفة منعوه بناء على وجوب وجوده لذاته ، وهذا مذهب مخالف لمقتضى العقول ~~، ومناف لجميع الشرائع ، فإن العقل الصريح حاكم بإمكانه ، وأنه ليس بقديم ~~لذاته ، ولذلك جميع الملل والشرائع مخبرة بذلك فلا يلتفت إلى ما قالوه. # ونسبوا إلى الكرامية القول بأبدية العالم بعد القول بحدوثه ، فإن أرادوا ~~بأبديته ، أبديته بفاعل مختار يوجب له البقاء ، ويفيض عليه الوجود لا إلى ~~نهاية ، فذلك لا يحيله العقل ، ولا ينافي أحكام الشريعة ، فإنه قد ورد فيها ~~أن أهل القيامة أبديون كما صرحت به الآيات القرآنية. # وإن أرادوا أبديته بذاته فذلك محال عقلا وسمعا ، لأن الأبدية الذاتية لا ~~يتحقق مع الحدوث الذاتي ، لما بين التأبيد الذاتي والإمكان الذاتي المستلزم ~~للحدوث الذاتي من المنافاة الذاتية. نعم يصح أبديته استنادا إلى علته ~~الممدة له باعتبار ارتباطها به على ما مر. # والذي عليه عامة أهل الإسلام جواز عدمه بالنظر إلى ذاته ، لكن يختلفون في أن هذا PageV01P102 # الجائز هل يقع أم لا؟ # ومبنى خلافهم على أن المعدوم هل يعاد أم لا ، وهي المسألة الثانية في أن ~~المعدوم هل يصح عوده أم لا؟ فمن قال منهم بجواز إعادته ، قال إن العالم ~~يعدم قبل القيامة ثم يعاد مرة ثانية كما كان أولا ، ومن منع من إعادته ، ~~منع عدمه وقال إن الإعادة معناها جمع الأجزاء بعد تفرقها وتلاشيها وتأليفها ~~على مثل الحالة الاولى ، فالمعدوم هو التأليف وهو لا يعاد بعينه ، وإنما ~~يعاد تأليف آخر مثله ، فهو في الحقيقة تأليف مبتدأ ، لكن لما كان مماثلا ~~للأول قيل بإعادة الأجسام باعتبار حصوله على الهيئة الاولى. # هذا رأي القائلين بأن المعدوم ليس ms042 شيئا. وأما الذين قالوا إن المعدوم شيء ~~في العدم ، قالوا إذا عدم الوجود بقيت الشيئية (1) المخصوصة ، فعند العود ~~يفيض عليها الوجود مرة ثانية كما أفاضها عليه أولا. # أقول : وإلى هذا أشار بعض أهل الحكمة ، بقوله : «إن الموجود المطلق لا ~~يعدم أصلا ، وإن المعدوم المطلق لا يوجد أصلا ، والإعدام والإيجاد بالنسبة ~~إلى الممكنات عبارة عن تفريق أجزاء صورة إلى صورة اخرى ، وتبديل أوضاعه إلى ~~أوضاع اخر. ومن هذا قيل : إن الممكنات غير متناهية ، وإن مظاهرها لا نهاية ~~لها. انتهى كلامه رحمه الله .» (2) # وقال المحقق الطوسي رحمه الله في التجريد : «والإمكان يعطي جواز العدم. ~~والسمع دل عليه. ونتأول في المكلف بالتفرق كما في قصة إبراهيم عليه السلام .» (3) # وقال القوشجي في شرحه : «اختلفوا في أن العالم هل يصح أن يعدم ويفنى أم ~~لا؟ فذهبت الفلاسفة إلى امتناعه ذهابا إلى أنه قديم وما ثبت قدمه امتنع ~~عدمه. والكرامية والجاحظ إلى أن العالم محدث ومع ذلك ممتنع الفناء. وذهبت ~~الأشاعرة وأبو على إلى أن جواز فناء العالم يعلم بالعقل. وذهب أبو هاشم إلى ~~أنه إنما يعرف بالسمع. والمصنف اختار أن جواز عدمه يعلم بالعقل ، ووقوع ~~عدمه بالسمع. # أما الأول ، فلأنه ممكن ، والممكن يجوز له العدم كما يجوز له الوجود ، اذ ~~لو امتنع عليه العدم لزم الانقلاب من الإمكان [الذاتي] إلى الوجوب [الذاتي] ~~، وإلى هذا المعنى أشار PageV01P103 # بقوله : والإمكان يعطي جواز العدم. # أقول : فيه نظر ، لأن الممكن يجوز أن يمتنع فناؤه أعني العدم (1) الطارئ ~~بعد وجوده ، ولا يلزم من ذلك انقلابه من الإمكان الذاتي إلى الوجوب الذاتي ~~، وإنما كان يلزم ، لو امتنع عليه العدم مطلقا طارئا كان أو مبتدأ ، وقد مر ~~بيان ذلك مستقصى في مبحث أن المعدوم لا يعاد. # وأما الثاني ، فلأن الدلالة السمعية تدل على وقوع العدم ، مثل قوله تعالى ~~: ( @QUR@010 كل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام ). (2) # ومثل قوله تعالى : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ). (3) # وقوله تعالى : ( @QUR@03 هو الأول والآخر ). (4) والآخرية (5) في حقه ~~إنما يتحقق أن لو بقي بعد فناء ما ms043 سواه. # وقوله تعالى : ( @QUR@06 يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ). (6) # إلى غير ذلك من النصوص القطعية. # وإلى هذا أشار بقوله : والسمع دل عليه أي على العدم. # فقوله : ونتأول في المكلف بالتفرق كما في قصة إبراهيم عليه السلام إشارة ~~إلى جواب دخل مقدر تقديره : أن القول بوقوع العدم ينافي القول بالمعاد ، ~~لأن إعادة المعدوم ممتنعة ، فإذا وقع العدم امتنع الإعادة ، فلم يتحقق ~~المعاد. # وتقرير الجواب : أن يقال : لا إشكال في غير المكلفين ، فإنه يجوز أن ~~ينعدم بالكلية ولا يعاد ، وأما بالنسبة إلى المكلفين ، فإنه يتأول [العدم] ~~بتفرق الأجزاء ويتأول المعاد بجمع الأجزاء وتأليفها بعد التفرق. والذي يصحح ~~هذا التأويل قصة إبراهيم عليه السلام فإنه لما طلب إراءة إحياء الموتى حيث ~~قال : ( @QUR@05 رب أرني كيف تحي الموتى ). قال الله تعالى في جوابه : ( ~~@QUR@017 فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ~~ادعهن يأتينك سعيا ). (7) فإنه يظهر منه أنه أراد بإحياء الموتى تأليف ~~الأجزاء المتفرقة PageV01P104 # بالموت.» انتهى كلامه . (1) # وأقول : إن تحقيق المقام يستدعي تمهيد مقدمة هي : أنه قد تقرر في موضعه ~~أن الإمكان نسبة بين الماهية من حيث هي هي وبين الوجود والعدم ، وأن عروضه ~~إنما هو عند عدم اعتبار الوجود والعدم بالنظر إلى الماهية وعلتها ، وأنه ~~عند اعتبارهما أي الوجود والعدم بالنظر إلى الماهية وعلتها يثبت ما بالغير ~~أي الوجوب والامتناع بالغير. # والحاصل أن الإمكان إنما يعرض للماهية من حيث هي لا مأخوذة مع وجودها ولا ~~مأخوذة مع عدمها ، وكذا غير مأخوذة مع وجود علتها وعدمها ، فإن الإمكان ~~نسبة بين الماهية من حيث هي هي وبين الوجود والعدم ، أما إذا اخذت الماهية ~~مع الوجود ، فإن نسبتها حينئذ تكون إلى الوجود بالوجوب لا بالإمكان ، ويسمى ~~ذلك وجوبا لاحقا ، وإذا اخذت مع العدم يكون نسبتها إلى الوجود بالامتناع ، ~~لا بالامكان ، ويسمى ذلك امتناعا لاحقا ، وكلاها يسميان ضرورة بشرط المحمول ~~، وإذا اخذت الماهية مع وجود علتها كانت واجبة ما دامت العلة موجودة ، ~~ويسمى ذلك وجوبا سابقا ، وإذا اخذت مع عدم علتها ms044 كانت ممتنعة ، ما دامت ~~العلة معدومة ، ويسمى ذلك امتناعا سابقا ، فكل موجود محفوف بوجوبين سابق ~~ولاحق ، وكلاهما وجوب بالغير وكل معدوم محفوف بامتناعين سابق ولاحق وكلاهما ~~امتناع بالغير ، ولا منافاة بين الإمكان الذاتي والوجوب والامتناع بالغير. # إذا تمهد هذا فنقول : إن العالم لما كان بجميع أجزائه ممكنا ، والممكن ما ~~كان وجوده وعدمه بالنظر إلى ذاته متساويين من غير أن يكون ذاته بذاته ~~مقتضيا لأحدهما لا على سبيل التساوي من غير مرجح أصلا وهو ظاهر ، ولا على ~~سبيل الأولوية الذاتية ، على ما تقرر في موضعه بطلانها ، وإنما المقتضي ~~لأحدهما له هو السبب الخارج عند العلة له ، المرجح لأحدهما ، فذاته بذاته ~~مع قطع النظر عن كل ما سواه حيث كان كل من الموجود والعدم بالنظر إليه من ~~حيث هو متساويين ، كما لا يأبى عن فيضان الوجود عليه بعلته الموجدة له سواء ~~كان وجوده وجودا مستمرا أبديا أو غير أبدي كذلك لا يأبى عن طريان العدم ~~عليه بزوال علته أو جزء علته أو شرط وجوده أو نحو ذلك ، فإنه بعد وجوده ~~بعلته لو امتنع عدمه لذاته واقتضى ذاته بذاته أبديته ، لصار واجب الوجود ~~بالذات مع PageV01P105 # فرضه ممكنا بالذات وهو خلاف الفرض. وأيضا يلزم انقلاب ذاته من الإمكان ~~الذاتي إلى الوجوب ، أي وجوب الوجود أو إلى الامتناع ، أي امتناع العدم ، ~~وكلاهما باطلان. # وبالجملة الأبدية الذاتية تنافي الإمكان الذاتي ، وما اشتهر بينهم من أن ~~ما ثبت قدمه امتنع عدمه ، راجع إلى الامتناع الغيري ، لا الذاتي ، كما ~~سنبينه. # وكذلك ما ادعاه الشارح القوشجي : من أن الممكن يجوز أن يمتنع فناؤه إلى آخره. # ومقصوده أن عدمه المطلق لعله كان ممكنا ، وأما عدمه بعد وجوده فلعله كان ~~ممتنعا ، وامتناع هذا العدم الخاص ، لا يستلزم امتناع العدم العام ، أي عدم ~~المطلق. # ولا يلزم الانقلاب من الإمكان إلى الامتناع أيضا لكون ذلك المعنى العام ~~باقيا بعد ، ثابتا له بحسب الذات ، فذلك أيضا راجع إلى الامتناع الغيري لا ~~الذاتي ، لأنه يرجع إلى أن خصوصية ذلك العدم الخاص ممتنعة ، والمانع من ~~إمكانه ms045 هو نفس ذلك الخاص الذي هو غير ذات الممكن ، لا العدم العام ولا ذات ~~الممكن. وعسى أن نأتي على تحقيق هذا المقام في موضع يليق به إن شاء الله تعالى. # ومما ذكرنا يظهر وجه صحة ما أسنده الفاضل الأحساوي إلى عامة المسلمين من ~~القول بجواز عدم العالم بالنظر إلى ذاته ، سواء كان مرادهم بالعدم السابق ~~على وجوده ، أو عدمه الطارئ عليه. # وكذا يظهر وجه فساد ما أسنده إلى طائفة من الفلاسفة من القول بمنع جواز ~~عدم العالم بناء على وجوب وجوده لذاته ، وإن كان هذا المذهب من الفساد ~~بمرتبة لا يحتاج إلى بيان فساده ، لكونه مخالفا لمقتضى العقول ومنافيا ~~لجميع الشرائع كما ذكره رحمه الله . # وكذا يظهر أن ما أسنده إلى طائفة من الفلاسفة من القول بمنع جواز عدم ~~العالم لا باعتبار ذاته ، لأنه عندهم ليس بواجب الوجود لذاته ، نعم منعوه ~~من حيث وجوب وجوده بغيره ، له وجه صحة في الجملة ، إلا أن في هذا المقام ~~تفصيلا وتحقيقا. ### | تفصيل وتحقيق # لأن الكلام فيه إما في جميع أجزاء العالم ، وفي كل جزء جزء منه ، بحيث لا ~~يشذ جزء ، أو في بعض أجزائه على الإجمال ، أو في بعض أجزائه على الخصوص ، ~~وعلى التقادير PageV01P106 # الثلاثة ، إما المقصود بيان إمكان هذا الوجوب بالغير وإن لم يكن متحققا ~~بالفعل ، أو بيان وقوعه بالفعل ، وعلى التقدير الأخير ، إما المقصود أن هذا ~~الواقع هل يمكن أن يرتفع ، أو يمتنع زواله ، والحاصل أن العالم بجميع ~~أجزائه أي كل جزء من أجزائه بحيث لا يشذ عنها جزء لما كان ممكنا متساويا ~~وجوده وعدمه بالنظر إلى ذاته ، ويترجح وجوده أو عدمه بعلته الخارجة عن ذاته ~~، وكان يمكن أن يفرض تحقق علته التامة المستجمعة لجميع شرائط وجوده مع ~~ارتفاع جميع موانعه ، بحيث تكون مستلزمة لوجوده ، ولا يتخلف هو عنها ، فكما ~~يمكن أن يتحقق أصل ذلك الوجوب بالغير بالنسبة إلى كل واحد من أجزاء العالم ~~، وكذا بالنسبة إلى المجموع من حيث هو مجموع ، كذلك يمكن أن يتحقق أبدية ~~ذلك الوجوب الغيري بالنسبة ms046 إليهما إذا فرضت العلة التامة المستلزمة لذلك ~~المعلول ، أي المجموع أو كل جزء أبدية دائمة ، إذ لا مانع من ذلك لا من جهة ~~ذات الممكن ، ولا من جهة فرض تحقق العلة التامة له كذلك. # فعلى هذا فكل جزء من أجزاء العالم سواء في إمكان حصول الوجوب الغيري له ~~وأبديته ، وكذا المجموع إذ ليس هو سوى جميع الأجزاء ، والهيئة التركيبية ~~اعتبارية هنا ، ليس أمرا موجودا خارجيا آخر ، وعلى تقدير تسليم كونها كذلك ~~فهي أيضا من أجزاء العالم كما هو المفروض ، وهذا الذي ذكرنا إنما هو بحسب ~~الجليل من النظر والفحص الأولي. # وأما ما يقتضيه الدقيق من النظر والفحص الثانوي ، فهو أنه لو كان شيء من ~~أجزاء العالم بحيث قام دليل عقلي أو سمعي على أبديته ، سواء دل مع ذلك على ~~امتناع زواله مطلقا ، أو لم يدل عليه ، بل على وقوع أبديته بالفعل من غير ~~الدلالة على امتناع الفناء واستحالته ، لكان ينبغي أن يحكم عليه مع إمكان ~~الأبدية بوقوع الأبدية بالفعل ، مع استحالة الفناء والزوال ، أو بدونها ، ~~كما أنه لو كان شيء من أجزاء العالم بحيث قام دليل عقلي أو سمعي قطعي على ~~عدم إمكان أبديته ، وعلى وجوب زواله وفنائه ، ينبغي أن يحكم عليه به ، وهذا ~~مثل أنا لو قلنا بأن الحركة والزمان من أجزاء العالم ، وحقيقتهما التقضي ~~والانصرام ، بحيث كلما تجدد جزء انقضى جزء وانعدم ، لكان ينبغي لنا أن نحكم ~~بعدم إمكان أبدية تلك الأجزاء المعينة والقطعات المتصرمة المخصوصة ، وإن ~~كنا نحكم بأبدية نوعهما لو قلنا بها. PageV01P107 # ومثل أنا لو جوزنا وجود قديم زماني أو دهري من جملة أجزاء العالم ، سواء ~~كان جوهرا مجردا أو جسما ، كما ذهب إليه الفلاسفة ، لكان ينبغي لنا أن نحكم ~~بوقوع أبديته وقوعا يمتنع زواله ، حيث إن زواله يستلزم محالا ، وهو انعدام ~~الواجب لذاته ، كما اشتهر بينهم من أن ما ثبت قدمه امتنع عدمه. # وبيانه : أن الممكن القديم ، لو جاز وجوده لكان علته ذات الواجب لذاته ~~بذاته ، من غير أمر آخر له دخل في العلية ، إذ ms047 لو كان هناك أمر آخر له مدخل ~~في العلية سواء كان شرطا أو جزءا فإما أن يكون ذلك الأمر الآخر حادثا وهو ~~محال ، إذ الحادث لا يكون له دخل في علية وجود القديم ، أو يكون قديما ، ~~فننقل الكلام إلى ذلك الأمر القديم وعلته ، فينتهي إلى أن يكون علته التامة ~~ذات الواجب تعالى بذاته. وحيث إن زوال المعلول إنما يكون بزوال علته التامة ~~أو جزء علته أو شرطها ، فلو فرض زوال ذلك الموجود القديم كان مستلزما لزوال ~~الواجب لذاته ، الذي هو علته التامة بذاته ، وهو محال. تعالى الله عما يقول ~~الظالمون علوا كبيرا. PageV01P108 ### | في أبدية الصادر الأول من أجزاء العالم # ومثل أنا إذا قلنا بوجود صادر أول ، كما قال به الفلاسفة ، وكذا ~~الإسلاميون ، سواء قيل بكونه جوهرا مجردا أو ماديا ، وسواء قيل بكونه قديما ~~أو حادثا ، لكان ينبغي لنا أن نحكم عليه بما حكمنا على القديم. أما إذا قيل ~~بقدمه ، فظاهر كما مر وجهه. وأما إذا قيل بحدوثه الزماني كما هو رأي ~~المتكلمين ، أو بحدوثه الدهري كما هو رأي بعض أعاظم العلماء (1) وذهبنا نحن ~~إليه وحققناه في رسالتنا الموضوعة لبيان حدوث العالم (2)، وقلنا مع ذلك ~~بتجرده عن المادة في ذاته ، فللدليل الذي سيأتي ذكره فيما بعد على امتناع ~~طريان الفساد على المجردات. وأيضا سواء قلنا بتجرده أم لم نقل به ، نقول إن ~~الصادر الأول حيث فرض كونه صادرا أولا يكون مستندا إلى ذات الواجب تعالى ~~بلا واسطه شيء آخر ، فعلته ذاته تعالى بذاته ، فلو جاز انعدامه والحال أن ~~انعدام المعلول إنما يكون بانعدام علته التامة كان مستلزما لزواله تعالى ، ~~وهو محال. # فإن قلت : إذا فرض الصادر الأول حادثا زمانيا أو دهريا ، لكان ينبغي أن ~~يقال كما حققته أنت في تلك الرسالة أيضا ، بأن علة تخصيص وجود ذلك الصادر ~~الأول بذلك الجزء من الزمان الموهوم أو الدهر ، والحال أن كل أجزائهما في ~~الأزل متساوية في إمكان وجوده فيه ، والفاعل الموجد له تام الفاعلية ~~والقدرة والاختيار ، والوجود خير محض ، لا مانع منه لعلها ms048 اقتضاء العناية ~~الأزلية والعلم بالأصلح وجود ذلك الصادر الأول في ذلك الجزء الذي وجد فيه. ~~فعلى هذا فجاز أن يكون العلم بالأصلح اقتضى وجوده فيما PageV01P109 # وجد فيه ، وكذا بقاء وجوده في قطعة من الزمان أو الدهر ، وأنه حيث انقضت ~~تلك القطعة وتصرمت ، اقتضى انعدامه ، لكون وجوده بعد ذلك منافيا للأصلح. ~~وهذا مما ليس فيه توهم انعدام الواجب لذاته ، فإن العلم بالأصلح جاز أن ~~يكون مقتضياته مختلفة باختلاف الأزمنة ومنافيا بعضها لبعض ، وبعبارة اخرى ~~أن العلة التامة لوجود الممكن لما كانت مركبة من الوجود والعدم ، أي من ~~وجود علته الفاعلة له ، ووجود جميع شرائط وجوده ، ومن عدم الموانع منه فجاز ~~أن يكون ذلك المانع من وجوده الذي فرض ارتفاعه أولا قد حدث بعد انقضاء قدر ~~من زمان وجوده بحدوث علته ، ويكون مانعا من وجوده ، فحينئذ يمكن أن يكون ~~انعدام الصادر الأول بانعدام علته التامة أي بحدوث المانع الذي وجوده ~~مستلزم لارتفاع عدمه وهذا الإيراد على هذا التقرير يمكن أن يورد في القديم ~~أيضا ، ولا يلزم منه في الصورتين انعدام الواجب تعالى بوجه ، فما الجواب؟ # قلت : من المستبين عند العقل السليم ، أن العلم بالأصلح لا يمكن أن يكون ~~جزافيا ، بل ينبغي أن يكون متعلقا بما هو أصلح في الواقع وفي نفس الأمر. ~~فعلى هذا نقول : إذا اقتضى العلم بالأصلح وجود الصادر الأول في وقته الذي ~~وجد فيه ، ينبغي أن يكون وجوده فيه أصلح في الواقع من عدمه ، وكذا من وجود ~~ما سواه مطلقا فيه ، وكذا من وجوده في غير ذلك الوقت مطلقا ، وحيث فرض كونه ~~صادرا أولا يلزمه أن يكون ذلك لخصوصية فيه ، وما هي إلا لكون وجوده أشرف ~~وأكمل من وجود غيره من الممكنات التي يمكن أن توجد بعده مطلقا ، فإن علة ~~الشرف والكمال هي الدنو من الحق المتعال ، وأن كل ما كان متقدما في الوجود ~~فهو أوفر اختصاصا به تعالى ، ولا سيما إذا قلنا بترتيب وجود الممكنات ، ~~وقلنا بتقدم صادر الأول على غيره بالعلية أو بالطبع أو نحو ذلك ، وبكونه ms049 ~~واسطة في إفاضة الفيض كما حقق في موضعه. # وبالجملة ينبغي أن يكون وجوده اكمل من وجود غيره مطلقا ، ويكون وجود غيره ~~أنقص منه مطلقا ، حتى وجود ضده الذي هو مانع عن وجوده ، ورفعه من جملة رفع ~~الموانع عنه ، ولسنا نعني بذلك أكملية وجود هذا في ذلك الوقت الذي فرض ~~وجوده فيه من وجود ما سواه مطلقا فيه ، بل نعني به أن وجوده في كل جزء فرض ~~من أجزاء الأزل والأبد ، أكمل من وجود ما سواه من الممكنات فيه مطلقا ، فإن ~~كونه صادرا أولا يقتضي PageV01P110 # كونه كذلك. # ثم إنه لو اقتضى العلم بالأصلح انعدام ذلك الصادر الأول في وقت بعد وقت ~~وجوده وبقائه ، والحال أن تعلق الجعل بالعدم بما هو عدم مما لا معنى له لم ~~يكن ذلك إلا لاقتضائه حينئذ وجود ما وجوده أصلح في الواقع وأشرف وأكمل من ~~وجود الصادر الأول مطلقا بعد ما كان وجود ذلك الموجود الحادث أنقص منه ~~مطلقا ، وما يكون وجوده منافيا لوجوده ، مستتبعا لرفعه بالعرض حتى يرتفع ~~بوجوده وجوده ، فلم يكن وجود الصادر الأول أصلح وأشرف وأكمل من وجود غيره ~~مطلقا ؛ هذا خلف. # لا يقال : إن ما ادعيت من أن الصادر الأول أشرف وأكمل من كل ما سواه من ~~الممكنات ، ينافي ما ورد من النصوص الدالة على أن نبينا محمد ~~صلى الله عليه وآله أشرف الممكنات وأكملها ، مع أنه ليس بالصادر الأول ، بل هو ~~خاتم الأنبياء عليهم السلام . وإن اولت ذلك بأن المراد أن روحه الشريفة ~~ونفسه المقدسة أشرف من الكل وأكمل ، وهي الصادرة عن البارئ تعالى على ما دل ~~عليه قوله صلى الله عليه وآله : «أول ما خلق الله نوري» ، (1) وإن كان بدنه ~~الشريف صادرا عنه تعالى أخيرا ، وادعيت أنه يدل عليه أيضا حديث : «خلق ~~الأرواح قبل الأجساد بألفي عام». (2) وكذا حديث : «كنت نبيا وآدم بين الماء ~~والطين» ، (3) فهذا ينافي ما سيجيء بيانه من أن النفس الإنسانية حادثة ~~بحدوث البدن. # لأنا نقول : لا منافاة ، لأنه يمكن التأويل بأن روح القدس الذي ورد في ms050 ~~الأحاديث أنه أيده صلى الله عليه وآله ... (4) لأنه أشرف من الكل وأشرفيته ~~أيضا يرجع إلى أشرفيته صلى الله عليه وآله لكونه مؤيدا خادما له ، وهذا أيضا ~~في مرتبة البدوي وأما في مرتبة العودي ، فهو صلى الله عليه وآله أشرف من روح ~~القدس أيضا لاكتسابه معارف وكمالات ، ليست هي لروح القدس ، سواء سمي روح ~~القدس بالروح أو بالعقل أو بالنور المحمدي صلى الله عليه وآله ... (5). # وأيضا لو لم يكن ذلك الأمر الحادث الآخر ضدا للصادر الأول ، لم يكن وجوده ~~منافيا لوجوده ، فينبغي أن يكون ضدا له ، حتى يكون وجوده مستلزما لانعدامه ~~، وهذا لا يتصور هنا ، لكون المفروض أن الصادر الأول موجود أصيل عيني ، لا ~~موجود بالعرض ، PageV01P111 # ولا اعتباري ، سواء قيل بكونه جوهرا مجردا أو ماديا ، وبالجملة المفروض ~~كونه جوهرا عينيا. ومن المقرر عندهم أن لا ضد للجواهر مطلقا إذ من المستبين ~~أن الشيئين المتنافيين اللذين يكون وجود أحدهما سببا لارتفاع الآخر ، ما لم ~~يكن بينهما تضاد يكون منشأ لذلك سواء كان ذلك هو غاية الخلاف بينهما كما في ~~الضدين الحقيقيين ، أم لا كما في الضدين المشهوريين لم يكن وجود أحدهما ~~منشأ لرفع الآخر ، وهذا لا يتصور إلا فيما إذا كان هناك موضوع أو محل يمكن ~~توارد ذينك الأمرين الضدين وتعاقبهما على ذلك الموضوع أو المحل ، ولا يمكن ~~اجتماعهما فيه ، ويكون وجود أحدهما فيه مزاحما لوجود الآخر فيه ومنافيا له ~~، فإن ما لا موضوع له أو محل ، لا يتصور فيه ذلك ، كما أن ما له موضوع أو ~~محل وكان موضوعاهما ومحلاهما متغايرين لا يتصور فيه ذلك ، ولذلك قالوا بأنه ~~لا تضاد بين الجواهر ، ولا بينهما وبين غيرها ، بل انه إنما يتحقق بين ~~الأعراض التي يمكن أن يكون لهما موضوع واحد ، كما هو المتفق عليه بينهم ، ~~وجوز بعضهم تحققه أيضا بين الصور الحالة في محل واحد. # وحيث تحققت أن لا ضد للجواهر ، ظهر لك أنه على تقدير تسليم إمكان تعلق ~~الجعل والإيجاد بالعدم أي فناء الجواهر وكونه أمرا ثبوتيا أيضا مع أنه غير ms051 ~~معقول لا يمكن أن يكون الفناء ضدا للصادر الأول أو القديم ، بل للجواهر ~~مطلقا ، لأن الفناء على ذلك التقدير لا يخلو عن أن يكون قائما بالذات أو ~~قائما بالغير ، وعلى الأول يكون الفناء جوهرا لا موضوع له ولا محل ، ~~والمفروض أن الجوهر الآخر الذي فرض كون الفناء فناء له هو أيضا كذلك فلا ~~تضاد بينهما. وعلى التقدير الثاني وإن كان الفناء ذا موضوع أو محل ، لكن ~~الجوهر الآخر ليس كذلك ، فلا تضاد أيضا ، إذا المتضادان ينبغي أن يكون كل ~~منهما ذا موضوع أو محل يمكن أن يتواردا عليه ولا يجتمعا فيه ، مع أنه يلزم ~~على تقدير إثبات الفناء محذور آخر ، وهو أنه على تقدير عدم الفناء ثم وجوده ~~ثانيا إما أن يكون عدم لذاته ، فيلزم انقلاب ماهيته من الامتناع الذاتي إلى ~~الإمكان أو الوجوب الذاتيين ، وهذا محال. وأما أن يكون لغيره أي بوجود ضده ~~، فيلزم التسلسل وهذا أيضا محال. # وحيث أحطت خبرا بما حققناه ظهر لك الجواب عن السؤال على التقرير الأول ~~وهو ظاهر ، ومنه يظهر الجواب عن السؤال على التقرير الثاني أيضا ، فإن ذلك ~~المانع المفروض PageV01P112 # كونه مانعا من وجود الصادر الأول لا يكون إلا ضدا له ومنافيا لوجوده ، ~~وقد عرفت أنه لا يتصور هنا. وكذا يظهر منه الجواب عن السؤال إذا اورد في ~~القديم ، إذ القديم مع قدمه يكون صادرا أولا أيضا ، والمفروض كونه أيضا ~~موجودا أصيلا عينيا جوهرا مجردا أو ماديا لا ضد له ، فتدبر. # فإن قلت : إن ما ذكرت من أن المانع منحصر في الضد غير مسلم ، فإن ~~المتقابلين اللذين كل منهما مستلزم لرفع الآخر قد يكونان ضدين وقد يكونان ~~سلبا وايجابا وقد يكونان عدما وملكة ، فجاز أن يكون فيما نحن فيه أحد من ~~المتقابلين الأخيرين ، وفيه المطلوب أيضا. # قلت : إن الصادر الأول والقديم لما فرض كونهما موجودين عينيين فهما لا ~~يكونان عدما البتة ، فبقي أن يكون ما فرض كونه مانعا عن وجودهما عدما ، وقد ~~مرت الإشارة إلى أن العدم بما هو عدم لا يمكن أن ms052 يكون متعلقا للجعل ~~والإيجاد أولا وبالذات حتى عدم الملكة الذي يقال إنه وجودي باعتبار ، فإن ~~العمى مثلا إنما يكون أولا وبالذات بحدوث صورة وهيئة وشكل في العين يتبع ~~ذلك عدم البصر ، وحينئذ فلا يمكن أن يقتضي العلم بالأصلح إيجاد ما هو عدم ~~لهما بالذات مطلقا سواء ذلك العدم عدم الملكة أو سلبا بحتا صرفا ، بل ينبغي ~~أن يكون بإيجاد أمر وجودي يكون هو مستتبعا لعدمهما ومستلزما له ، وما هو ~~إلا ضدهما ، وقد عرفت أن لا ضد للجواهر. وعلى تقدير تسليم إمكان تعلق الجعل ~~أولا وبالذات بالعدم ، فهذا العدم إن فرض كونه عدم ملكة ، فينبغي أن يفرض ~~الصادر الأول أو القديم ملكة ، ومن المقرر عندهم أن عدم الملكة وإن كان ~~عدما باعتبار ، لكنه وجودي باعتبار ، ومعناه عدم شيء من شأن نوعه أو جنسه ~~تلك الملكة ، فينبغي أن يكون هناك موضوع أو محل قام به استعداد تلك الملكة ~~ووجودها بحيث يمكن أن يتوارد عليه استعداد عدمها ، وكذا نفس ذلك العدم ، ~~فينبغي أن يكون هناك موضوع أو محل يتواردان عليه ، ولا يمكن اجتماعهما فيه ~~، والحال أن الصادر الأول أو القديم حيث فرضا جوهرا مجردا أو جسما ليس لهما ~~موضوع ولا محل ، فتبصر. # وإن فرض كون ذلك العدم سلبا محضا ونفيا صرفا فهو من حيث هو سلب ونفي وإن ~~لم يقتض موضوعا ، ولا وجوده ، حيث إن السلب يصدق بانتفاء الموضوع أيضا ، ~~لكنه هنا PageV01P113 # حيث كان سلبا لشيء وهو وجوده الصادر الأول أو القديم ، واقتضى مسلوبا ~~ومسلوبا عنه اقتضى أن يكون متعلقا به ، فنقول إنه حينئذ إما أن يكون قائما ~~بالذات أو قائما بالغير ، وذلك الغير إما أن يكون ذلك الشيء المسلوب ~~والمسلوب عنه أو أن يكون غيرهما. # وعلى التقدير الأول يلزم أن يكون السلب أمرا عينيا وموجودا في الخارج ~~أصيلا إذ القائم بالذات لا يكون إلا كذلك وهو محال ، إذ السلب على تقدير ~~تسليم إمكان كونه مجعولا بالذات وفرض وجوده لا يمكن أن يكون موجودا خارجيا ~~عينيا أصيلا ، لمنافاة هذا الفرض لفرض كونه سلبا. ms053 # وأيضا فهو على هذا التقدير لا يكون سلبا لما فرض سلبه ، إذ سلب شيء ينبغي ~~أن يكون متعلقا به وقائما به ، نحوا من التعلق والقيام ، والمفروض خلافه. # ولو فرض مع قيامه بالذات قيامه أيضا في وجوده بذلك الشيء ، حتى يكون مع ~~قيامه بالذات قائما بالغير أيضا لزم اجتماع المتنافيين ، لأن القيام بالغير ~~في الوجود والقيام بالذات فيه متنافيان تنافيا بالذات. # وعلى التقدير الثاني أي أن يكون السلب قائما بالغير وذلك الغير هو ذلك ~~المسلوب أو المسلوب عنه يلزم أن يكون ذلك الغير من جهة كونه موضوعا أو محلا ~~للسلب موجودا حتى يصح قيامه به ، إذ وجود القائم بالشيء تابع لوجود ذلك ~~الشيء ، ومن جهة كونه سلبا له أو عنه معدوما ، وهذا أيضا اجتماع المتنافيين ~~، إذ يلزم أن يكون شيء واحد موجودا ومعدوما معا وهو محال. اختلاف الجهة هنا ~~، لا يمكن أن يكون منشأ لاجتماع الوجود والعدم ، إذ هما متباينان بالذات لا ~~يجتمعان في شيء أصلا. # وعلى التقدير الثالث أعني أن يكون السلب قائما بغير ما فرض تعلق السلب به ~~فمع أنه يلزم اجتماع الوجود والعدم في ذلك الغير الذي فرض كون السلب قائما ~~به بتقريب ما ذكر وهو محال ، يلزم أنه حيث لا تعلق له ولا قيام بما فرض ~~سلبه ورفعه بوجه بل بأمر آخر كما هو المفروض ، لا يكون منشأ لرفع ما فرض ~~رفعه إذ لا تعلق له به أصلا ؛ هذا خلف. # وبما ذكرنا ظهر أن الفناء سواء فرض أمرا ثبوتيا ، أو عدم ملكة ، أو سلبا ~~محضا ، لا يمكن أن يكون ضدا للجواهر ، وكذا لا يمكن أن ينتفي به جوهر ما من ~~الجواهر ، فضلا عن ما نحن بصدده ، أي الصادر الأول أو القديم ، فيظهر منه ~~بطلان ما ذهب إليه جماعة من المتكلمين ، PageV01P114 # من أن الله تعالى يخلق الفناء ، فيفني به الأجسام لكونه ضدا ومنافيا لها ~~، سواء قيل بأنه يخلق لكل جوهر فناء على حدة كما ذهب إليه أبو علي منهم ، ~~أو أن فناء واحدا يكفي لإفناء الكل كما ذهب ms054 إليه أبو هاشم منهم ، وسواء ~~كانوا اعتبروا الفناء ضدا اصطلاحيا للجواهر ، كما هو ظاهر المنقول عنهم ، ~~أو أمرا منافيا للجواهر مطلقا بحيث يشمل عدم الملكة أو السلب أيضا ، فتبصر. # فإن قلت : إنا لا ندعي بقولنا : «إنه يمكن أن يكون العلم بالأصلح ، اقتضى ~~انعدام شيء بعد وجوده ، كالصادر الأول أو القديم» أنه يمكن أن يوجد عدم ذلك ~~وفناؤه بعده كما هو مبنى ما ذكرت ، وأقمت الدليل على عدم إمكانه ، بل ندعي ~~أنه يمكن أن يقتضي العناية الأزلية والعلم بالأصلح قطع الفيض والوجود عن ~~ذلك الشيء. # والحاصل أن الممكن لما كان في وجوده وبقائه محتاجا إلى المؤثر كما هو ~~المحقق في موضعه ، سواء كان البقاء عبارة عن أمر آخر سوى أصل الوجود الأول ~~، أي عن استمراره ، أو عبارة عن الوجود الأول بحيث يبقى زمانين أو أكثر ، ~~وكان وجوده وبقاؤه جميعا مفاضين بإفاضة الجاعل له الموجد إياه ، فجاز أن ~~يقتضي العلم بالأصلح إبقاءه في حين ، ثم يقتضي قطع الإفاضة والجعل عنه ~~وينعدم ، وهذا وإن كان فيه انعدام ذلك الشيء ، لكن ليس بجعل عدمه وفنائه ، ~~بل بعدم جعل وجوده وعدم إفاضة بقائه ، وفي هذا ليس شيء من المفاسد التي ~~ذكرتها في الجواب عنه. # قلت : قد ذكرنا أن العلم بالأصلح لا يكون جزافيا ، بل ينبغي أن يكون ~~متعلقا بما هو أصلح في الواقع وفي نفس الأمر ، وأن يكون قطع الإفاضة أصلح ~~في نفس الأمر حين فرض القطع ، كما كانت إفاضة الوجود والبقاء أصلح في ~~الواقع حين فرضهما. فهذا القطع وهذا الذي فرض كونه أصلح في ثاني الحال ~~كلاهما حادثان لم يكونا قبل. ومن المقرر أن الحادث إنما يكون بسبب حادث ~~بسببه حدث قطع الإفاضة وحصول الأصلح الثاني ، وما هو الا أحد أسباب زوال ~~المعلول ، ومن المقرر أن زوال المعلول إما بزوال علته التامة أو بزوال ~~جزئها أو شرطها. وبعبارة اخرى إما بزوال علته الفاعلية ، أو بزوال صورته ، ~~أو مادته إن كان له صورة ومادة ، أو بزوال شرط وجوده إن كان له شرط ، أو ~~بزوال غايته ms055 إن كانت له غاية وكان صادرا عن الفاعل المختار ، كما يقولون إن ~~ذات البارئ تعالى وإن كان PageV01P115 # فاعلا تام الفاعلية فياضا على الإطلاق لا يفعل ما يفعله لعوض ولا لغرض ~~دعاه إلى الفاعلية ، لكنه لما كان فاعلا مختارا عليما حكيما ، يترتب على ~~فعله مصالح ومنافع ، لها ارتباط بنظام الكل ، هي غايات لفعله وإن لم تكن ~~علة غائية له وغرضا ، أو بزوال الجميع ، ومن المستبين عدم إمكان تحقق شيء ~~من هذه الامور فيما نحن فيه ، أي الصادر الأول أو القديم ، لأن الفاعل هو ~~الله تعالى وهو واجب الوجود لذاته ، والمفروض أن ليس لهما شرط وجود سوى ذات ~~الواجب لذاته العليم الحكيم كما يقولونه في الحوادث اليومية من الدورات ~~الفلكية والأوضاع الكوكبية ونحو ذلك وكذلك الصادر الأول أو القديم لو فرض ~~كونهما مجردين عن المادة ، ليس لهما مادة وهو ظاهر ولا صورة إذ صورة المجرد ~~ذاته بذاته ، فبقي أن يكون زوالهما لزوال غايتهما ، سواء فرضا مجردين أو ~~ماديين أو لزوال صورتهما أو مادتهما لو فرضا جسمين ماديين ، وهذان أيضا ~~ممتنعان ، أما زوال الغاية فلأن غاية وجودها كما حقق في موضعه هي التشبه ~~بمبدإ الكل جل شأنه أو معرفته تعالى ، أو كون الوجود خيرا محضا أو نحو ذلك. ~~وشيء من هذه لا يمكن أن ينعدم ، أما كون الوجود خيرا محضا فظاهر ، لأن ~~خيريته بالذات ، ولا يمكن أن يختلف (كذا) ذاته ولا أن ينقلب إلى غيره مع ~~كون الفاعل له خيرا بالذات فياضا على الإطلاق ، وكذا التشبه بالمبدإ ~~ومعرفته لا يمكن أن ينفكا عن ذات ما هو ذو شعور ومعرفة قابل لتحصيل التشبه ~~والمعرفة بالغا ما بلغ كالصادر الأول الذي قد عرفت أنه ينبغي أن يكون أشرف ~~الموجودات وأكملها ، أو القديم الذي هو على تقدير فرض وجوده ينبغي أن يكون كذلك. # وبالجملة ينبغي أن يكون حصول المعرفة والتشبه فيهما أتم وأكمل منهما في ~~كل ما سواهما من الممكنات ، والحال أن مراتب التشبه والمعرفة غير متناهية ، ~~فإن كل مرتبة منهما إذا حصلت يمكن أن يحصل ms056 بعدها مرتبة اخرى أعلى منها ، ~~حيث لا يقفان إلى حد ومرتبة ، والمفروض أن لا مانع من ذلك لا من جهة ~~المتشبه ولا من جهة المتشبه به ولا من جهة العارف ولا من جهة المعروف ، بل ~~انه كلما ازداد التشبه والمعرفة يكون الداعي إلى تحصيلهما أقوى ، حيث إنه ~~يكون العارف والمتشبه أكمل ، وبهجته وسعادته أتم وأوفر ، فما دام ذات ~~العارف والمتشبه موجودا لا يمكن أن ينفك عنه التشبه والمعرفة ، فكيف يمكن ~~زوالهما حتى ينعدما بزوالهما ، وينقطع إفاضة الوجود عنهما ، مع أن إفاضة التشبه PageV01P116 # والمعرفة خير بالذات كإفاضة الوجود ، ومع أن الفاعل جل شأنه وتعالى خير ~~بالذات فياض على الإطلاق. نعم زوال المعلول بزوال غايته إنما يتصور فيما ~~أمكن زوال تلك الغاية ، كما في الحوادث الزمانية أو الدهرية غير الصادر ~~الأول ولا سيما المادية منها ، مثل أنا لو قلنا كما هو رأي بعض الحكماء ~~الإلهيين بأن غاية وجود بدن الإنسان الذي كلامنا في المعاد فيه ، وغاية ~~تعلق النفس به ، هي أن تستكمل به النفس ، فيما يحصل به سعادتها أو شقاوتها ~~، ثم تنال سعادتها أو شقاوتها ، وانها إذا استكملت به ولم تحتج إلى البدن ~~في استكمالها تزول تلك الغاية وتنتفي ، وبزوالها يعرض للبدن الفناء والموت ~~، إما بأن ينقطع عنه فيض الفاعل الفياض أو بأن ينقطع عنه علاقة النفس التي ~~هي منشأ حياته بل حياته. وبالجملة فموته وانعدامه لزوال غاية وجوده ، أي ~~لترتب الغاية المقصودة منه عليه وحصولها بالفعل ، وانه لو بقي بعد ذلك لا ~~يكون لوجوده تلك الغاية المقصودة المترتبة عليه. وهذا في الموت الطبيعي ، ~~وأما في غير الطبيعي منه كالقتل ، فالقاسر يجعل البدن بحيث لا يمكن أن يصير ~~آلة لاستكمال النفس به ، فينقطع عنه تلك الغاية قسرا ، وينقطع عنه فيض ~~الفاعل الفياض ، وكذا علاقة النفس به لانقطاع غايته. وأما زوال الصورة ، أو ~~المادة على تقدير تجويز كون الصادر الأول أو القديم مركبا منهما ، فامتناعه ~~يعلم من البيان الذي ذكرنا سابقا ، حيث إن زوالهما فيما نحن فيه لا يمكن ~~إلا بحدوث ضدهما الذي ms057 هو أصلح في الواقع منهما. وكما أنه لا ضد كذلك ولا ~~مطلقا لذات الصادر الأول أو القديم إذا فرضا جوهرين مجردين ، كذلك لا ضد ~~مطلقا لمادتهما مطلقا ، وإن فرضناها لهما حيث إن المادة لا محل لها ولا ~~موضوع ، وكذلك لا ضد لصورتهما وإن جوزنا إمكان الضد للصورة لكونها ذات محل ~~، إذ الضد لصورتهما ينبغي أن يكون أصلح في الواقع من صورتهما ، والحال ~~أنهما ينبغي أن يكونا بمادتهما وصورتهما إن كانتا لهما أكمل الموجودات ~~الممكنة حتى من الضد الذي يمكن فرضه لصورتهما ؛ هذا خلف. # نعم زوال الشيء لحدوث ضده يمكن فرضه في الأجسام العنصرية الكائنة الفاسدة ~~كما في بدن الإنسان أيضا لو قلنا كما هو رأي الطبيعيين منهم أن سبب الموت ~~هو استيلاء الحرارة على رطوبات البدن فتفنيها ، لكونها ضدا لها ثم تفنى هي ~~بفنائها ، ولهذا قالوا إن ما هو سبب الحياة هو سبب الموت أو قلنا بأن سببه ~~أن البدن بورود واردات غريبة PageV01P117 # عليه ينحرف مزاجه عن الاعتدال الذي كان حاصلا له ، فيتفرق اتصاله لتداعي ~~أجزائه إلى التفرق بالذات لو لا الجامع المانع عنه فينعدم اتصاله بطروء ضده ~~أي التفرق ويعرض له الموت ، وهذان أيضا في الموت الطبيعي ظاهر ، وكذلك في ~~غير الطبيعي منه ، لأنهما يمكن أن يحصلا بفعل القاسر أيضا والله أعلم. PageV01P118 ### | في أبدية فرد ما من أجزاء العالم # وحيث تحققت ما فصلناه ، تبينت أن الصادر الأول من أجزاء العالم أو القديم ~~إن جوزنا وجوده وإن كانا من حيث ذاتهما ومن جهة كونهما ممكنين بالذات يجوز ~~طريان الفناء والعدم عليهما ، لكنهما باقيان أبديان ، يمتنع عليهما الفناء ~~من حيث وجوب وجودهما بغيرهما. فيظهر منه أن العالم بجملته أيضا وإن كان ~~يمكن طريان الفناء عليه من جهة ذاته ، لكنه يمتنع ذلك عليه بالنظر إلى وجوب ~~وجوده بغيره ، لأنه لو جاز عليه ذلك ، أي على مجموع أجزائه من حيث المجموع ~~، بالنظر إلى غيره ، لجاز طريان الفناء والعدم على الصادر الأول والقديم ~~أيضا ، لأنهما من جملة أجزاء العالم أيضا ، فيظهر منه أن فردا ms058 ما من أجزاء ~~العالم أبدي الوجود يمتنع عليه العدم امتناعا غيريا وهو المطلوب. وأيضا ~~نقول لا يخفى أن العالم بجملته معلول للواجب تعالى شأنه ، سواء قلنا بأن ~~كله معلول له بلا واسطة وإن كان لبعضه شرط ، أو بأن بعضه معلول له بواسطة ~~أو شرط ، وبعضه بلا واسطة ولا شرط ، فحينئذ لو جاز طريان الفناء على مجموع ~~العالم بجملته لجاز طريانه على ذلك البعض من المعلول الذي بلا واسطة ولا ~~شرط من جملة اجزائه ، وقد عرفت أنه ممتنع بالنظر إلى العلم بالأصلح ، وكون ~~ذلك الصادر الأول بلا واسطة أصلح من غيره مطلقا ، وأنه لا يمكن له ضد. وعلى ~~تقدير تسليم أنه يجوز أن يقتضي العلم بالأصلح طريانه عليه لجهة لا نعرفها ~~وتسليم أنه يمكن له ضد ، فهذا الضد الحادث أيضا من أجزاء العام البتة ، ~~فيلزم أن يكون هو أبدي الوجود مثل الصادر الأول وفيه المطلوب أيضا. ولو ~~سلمنا طريان الفناء على ذلك الضد أيضا فلا يمكن أن يكون ذلك إلا لحدوث ضده ~~وهكذا فيلزم التسلسل المحال ، ومع ذلك ففيه المطلوب. إذ على هذا التقدير ~~يكون تلك الأضداد المتسلسلة PageV01P119 # غير المتناهية أبدية الوجود بنوعها ، فتدبر. # لا يقال : يمكن أن يكون العلم بالأصلح اقتضى فناء الصادر الأول ، بل فناء ~~العالم بجملته في وقت من الأوقات كوقت قيام الساعة بقطع فيض الوجود عنها ، ~~وأن يكون الحكمة في ذلك إظهاره جل شأنه عظمته وجبروته وتفرده بالعز والبقاء ~~وقهر خلقه بالموت والفناء كما دل عليه الآيات والأخبار ، كقوله تعالى : # ( @QUR@06 لمن الملك اليوم لله الواحد القهار ). (1) # لأنا نقول : إن هذا الإظهار أيضا يقتضي أن يكون هناك من يظهر عليه ذلك ، ~~وهو أيضا من أجزاء العالم كما أن قوله : ( @QUR@03 لمن الملك اليوم ) يقتضي ~~أن يكون هناك مملوك ويوم ، وهما أيضا من أجزاء العالم فهذا أيضا يدل على ~~أنه لا ينعدم العالم بجملته ، بل يبقى منه شيء في ذلك الوقت أيضا كما دل ~~عليه قوله تعالى : # ( @QUR@014 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء ms059 ~~الله ) (2) # حيث استثنى من شاء الله من ذلك وقد ذكر المفسرون أن المراد بمن شاء الله ~~في الآية الملائكة الأربعة أو الشهداء ، وحينئذ نقول إن كان الصادر الأول ~~داخلا في من شاء الله ففيه المطلوب ، وكذا إن لم يكن داخلا فيهم لأن دلالة ~~الآية على بقاء بعض من الخلق وأبديته ظاهرة وهو المطلوب أيضا ، وإن لم يكن ~~ذلك البعض هو الصادر الأول. # وبالجملة فهذا الإظهار لا يتوقف على طروء الفناء على الخلق أجمعين ، ~~ويمكن أن يكون بطروئه على غير المستثنى ولعل الصادر الأول من المستثنى ، ~~كيف وقد عرفت أنه أشرف الممكنات ، كما لا يتوقف على طروء الفناء والعدم ~~بالمرة على غير المستثنى أيضا ، بل يمكن أن يكون ذلك بالنسبة إلى ذوي ~~الأنفس بطروء الموت أي بتلاشي أجزاء أبدانهم ، وقطع علاقة نفوسهم عن ~~أبدانهم ، وبالنسبة إلى الأجسام غير ذوات الأنفس بتبدل الصور وتغير الهيئات ~~والصفات والحالات ونحو ذلك ، كما قال الله تعالى : # ( @QUR@03 يوم نطوي السماء ). (3) # ( @QUR@05 يوم تبدل الأرض غير الأرض ). (4) PageV01P120 # ( @QUR@03 ويوم نسير الجبال ). (1) # إلى غير ذلك من الآيات وسيأتي فيما بعد إن شاء الله تعالى تأويل ما دل ~~على فناء الكل ، كقوله تعالى : # ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ). (2) # ونحوه ، فانتظر ، والله تعالى يعلم. PageV01P121 ### | في أبدية النشأة الاخروية # وهذا الذي ذكرنا كله إنما هو الكلام في العالم بجملة أجزائه وفي بعض ~~أجزائه في الجملة. وأما الكلام في بعض أجزائه على الخصوص ، ففيه تفصيل أيضا ~~، لأن ذلك البعض ، إما من النشأة الاخروية أو من النشأة الدنيوية ، أما ~~النشأة الاخروية فبقاؤها وخلودها بما فيها إما بأعيانها وأشخاصها كأكثرها ، ~~وإما بأنواعها كبعضها ، مثل مأكولها ومشروبها ونحوهما مما دل عليه الدليل ~~السمعي القطعي ، ويعضده الدليل العقلي ، وبالجملة لا يظهر خلاف فيه بين ~~المسلمين ، بل ادعى كثير من العلماء وقوع الإجماع عليه. # أما الأول ، فلدلالة آيات كثيرة وأخبار متظافرة ناصة عليه غير قابلة ~~للتأويل ، أما الآيات ، فكقوله تعالى : # ( @QUR@06 أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ). (1) # ( @QUR@06 الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون ). (2) # ( @QUR@03 أكلها دائم وظلها ). (3) # ( @QUR@05 سلام عليكم طبتم فادخلوها ms060 خالدين ). (4) # ( @QUR@07 خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه ). (5) # ( @QUR@06 أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ). (6) # ( @QUR@06 خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ). (7) PageV01P122 # ( @QUR@03 وكل فيها خالدون ). (1) # ( @QUR@06 قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ). (2) # ( @QUR@07 فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون ). (3) # ( @QUR@08 كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ). (4) # ( @QUR@04 كلما خبت زدناهم سعيرا ). (5) # إلى غير ذلك من الآيات. # وأما الأخبار الواردة في ذلك فكثيرة أيضا ، كما يعلم بالتتبع ، ومنها ما ~~روي بطريق الرمز ، إن الموت يقام بين الجنة والنار في صورة كبش أملح ويذبح ~~بشفرة يحيى عليه السلام بأمر جبرئيل عليه السلام . (6) # وفي معناه ما روي إن الله تعالى يظهر الموت يوم القيامة في صورة كبش أملح ~~ويأتي بيحيى عليه السلام وبيده الشفرة فيضجعه ويذبحه وينادي مناد يا أهل ~~الجنة خلود بلا موت ويا أهل النار خلود بلا موت. (7) # ولعل تأويله كما يستفاد من كلام بعض العرفاء ، أن الموت أي هلاك الخلق ~~بواحد من طرفي التضاد يقام بين الجنة والنار لكي يظهر بتنزله عن مرتبته إلى ~~مرتبة ما بين طرفي التضاد ولينكشف حاله على أهل الجنة والنار فيصور على ~~صورة كبش أملح معد للذبح والقتل ويمثل بتلك الصورة فيذبح بشفرة يحيى ~~عليه السلام الذي ذبح هو أيضا بالشفرة ، وهو صورة الحياة ويقتل بأمر جبرئيل ~~الذي هو مبدأ الحياة والأرواح ومحيي الأشباح بإذن الله تعالى ، ليظهر حقيقة ~~البقاء والأبدية بموت الموت وحياة الحياة. # والحاصل والله أعلم أن النشأة الاخروية بما فيها أبدية ويفعل ذلك ليظهر ~~على الخلق أنهم خالدون فيها ، وأن النشأة الاخروية بما فيها بأجمعها أبدية ~~باقية أبدا لا انقطاع لها ولا فناء ولذلك سميت دار القرار. # وأما الثاني أي معاضدة الدليل العقلي لذلك فمن وجهين : PageV01P123 # الأول من جهة الغاية ، وبيانه أن الغاية المقصودة من النشأة الاخروية بما ~~فيها ، كما دل عليه العقل والنقل أي ثواب أهل النعيم وعقاب أهل الجحيم ، ~~سوى ما دل دليل خارج على انقطاعه ، كعقاب صاحب الكبيرة من المؤمنين أبدية ~~دائمة بحكم العقل ، لأن دوام الثواب على الطاعة ، وكذا دوام العقاب ms061 على ~~المعصية ، يبعث المكلف على فعل الطاعة ويزجره عن المعصية ، فيكون لطفا ~~واللطف واجب على الله تعالى كما تقرر في موضعه ، ولأن المدح والذم دائمان ، ~~إذ لا وقت إلا ويحسن فيه مدح المطيع وذم العاصي ، وهما معلولا الطاعة ~~والمعصية ، فيجب دوام الثواب والعقاب ، لأن دوام أحد المعلولين يستلزم دوام ~~المعلول الآخر ، إلى غير ذلك من الوجوه التي ذكرها العلماء في كتبهم. وحيث ~~كانت الغاية المقصودة من النشأة الأخروية بما فيها المترتبة عليها دائمة ~~أبدية يحكم العقل بوجوب أبدية ذات الغاية أيضا إما بشخصها أو نوعها ، إذ لا ~~انفكاك بين الغاية وذات الغاية ، مع أن الفاعل تام الفاعلية ، فياض على ~~الإطلاق ولم يعلم أيضا أن هناك شرطا لوجودها ، يطرأ عليه الفناء حتى يكون ~~بانعدامه ينعدم المشروط ، بل المعلوم هنا خلافه. والله تعالى أعلم. # الوجه الثاني : من جهة ذوات الموجودات الاخروية وصورها وموادها. وبيانه ~~أنه لا يخفى أن النشأة الاخروية بما فيها مخالفة بالحقيقة للنشأة الدنيوية ~~بما فيها ، مخالفة تامة بسببها صارت عالما آخر غيرها ، وأن النشأة الدنيوية ~~بما فيها ما سوى ما دل الدليل على بقائه ، كالصادر الأول أو القديم لو ~~جوزنا وجوده فانية كلها ، هالكة جميعها ، يطرأ عليها الفناء والزوال ولو من ~~وجه كما سيأتي بيانه ، فينبغي أن يكون النشأة الاخروية التي هي مخالفة لها ~~بالحقيقة والذات ، غير قابلة للفناء والهلاك باقية أبدا فيتحدس من ذلك كما ~~شهدت به الأخبار المروية أيضا ، أن الموجودات الاخروية بسائطها ومركباتها ~~بصورها وموادها إن كانت لها ليست من جنس الموجودات الدنيوية التي يتطرق ~~إليها الكون والفساد ، والاستحالة والانقلاب والتغيرات ، ويطرأ عليه الزوال ~~والفناء أي أن موادها أصفى وألطف جوهرا من مواد هذه النشأة ، وأبعد من ~~الكثافة التي هي منشأ التغير وقبول الصور المتواردة المتخالفة ، كما في ~~مواد الأجسام العنصرية ، بل هي صافية جدا بحيث لا يشوبها كدرة ولا كثافة ~~مطلقا ، بل لا نسبة لها إلى مواد هذه النشأة ، وكذلك صورها أتم وجودا وأوفر ~~قسطا من الفيض الأعلى وأحفظ من صور هذه النشأة بل لا ms062 نسبة لها إليها ، PageV01P124 # فلذلك لا يتطرق إليها الفساد مع أن الحق المفيض لها فياض على الإطلاق لا ~~ينقطع فيضه عما هو مستعد له. ألا ترى أن مواد أجسام هذه النشأة كلما كانت ~~أقرب إلى الكثافة كانت أقرب إلى قبول التغير والفساد ، وأشد استعدادا لقبول ~~الصور المتبدلة المتبددة الكائنة الفاسدة ، كما في العنصريات. وكلما كانت ~~أقرب إلى الصفاء واللطافة كانت أبعد من الفساد وأكثر استعدادا للصور ~~الكاملة التامة [الآبية] (1) عن التغير والزوال ، كما في الفلكيات وموجودات ~~عالم البرزخ والمثال ، وكذلك صورها كلما كانت أتم وأوفر حظا من الوجود ~~وأكمل آثارا ، كانت أحفظ وأبعد من الفساد ومن طروء (2) الضد عليها ، كما في ~~هذه أيضا ، وكلما كانت أقل قسطا من الوجود وأنقص آثارا كانت أقرب إليه ، ~~كما في الحوادث الكائنة الفاسدة أيضا ، وهذا هو القول في الجسمانيات من ~~موجودات النشأة الاخروية ، على أن كثيرا منها مما ليست لها مادة بل هي ~~روحانيات مجردة عن المواد كالسعادات الروحانية العقلية ، وكذا الشقاوة ~~الروحانية ، فإنها إدراكات روحانية ، مدركاتها مجردات عن المواد ، كذا ~~المدرك لها. والمجردات لا يطرأ عليها الفساد ، حيث إن الفساد تابع لوجود ~~مادة تقبله كما هو المقرر عندهم والمفروض هنا عدم المادة وأن صورها ذواتها ~~ولا ضد لها. ألا ترى أن المعاني الكلية حيث كانت مجردة عنها ، كانت دائمة ~~أبدا غير هالكة مطلقا ، وكذا الأعيان المجردة كالعقول لو قلنا بها كذلك ~~أيضا ، إذ لا مادة لها وصورها ذواتها ولا ضد لها وسيأتي تمام تحقيق ذلك ~~فيما بعد إن شاء الله تعالى. # وكذلك كثير منها مخلوقة بلا مادة وحادثة من غير مدة ، بل بمحض التصور ~~ومجرد التخيل ، كما شهدت به الآيات والأخبار ، قال تعالى : # ( @QUR@06 لهم فيها فاكهة ولهم ما يدعون ). (3) # ( @QUR@08 لهم ما يشاؤن عند ربهم ذلك جزاء المحسنين ). (4) # وهذا والله أعلم إما مبني على ما ذكره بعض الحكماء من أن الله تعالى خلق ~~النفس الإنسانية مجردة عن المادة وجعل لها اقتدارا على إبداع الصور الغائبة ~~عن الحواس بلا مشاركة المواد ، وأن ليس ذلك بممتنع كما ms063 في إنشاء الإبداعيات ~~عندهم ، فعلى هذا PageV01P125 # لا يكون لهذا القسم من الموجودات مادة أصلا حتى تكون قابلة للتغير ~~والفساد. وإما مبني على أن الله تعالى لكرامته على المؤمنين يخلق ما ~~يشتهونه فيحضره لديهم ، فعلى هذا وإن سلمنا كون مادة له ، لكنا نقول إن تلك ~~المادة لكونها من جنس الموجودات الاخروية لعلها لطيفة في الغاية روحانية ~~جدا ، بعيدة عن الكثافة التي هي منشأ لسنوح التغير والزوال ، وأن الموجود ~~الذي تلك المادة مادته يمكن أن يكون باقيا بشخصه أيضا كما في الحور والقصور ~~ونظائرهما. وعلى تقدير تسليم كونها قابلة لطروء الزوال في الجملة فذلك ~~الموجود باق بنوعه كما في الاكل ونحوه. # وبالجملة فموجودات النشأة الاخرى مباينة بالحقيقة لموجودات النشأة الدنيا ~~، وكذا زمانها ومكانها بل لا نسبة لها إليها فلذا لا يمتنع فيهما وجود غير ~~المتناهي مطلقا ، لعدم التزاحم والتضايف والمباينة والمسامة والتداخل ~~وأمثالها فيها. وسيأتي زيادة توضيح لهذا إن شاء الله تعالى. # وهذا هو الكلام في جملة النشأة الاخروية بما فيها. ### | [الكلام في النشأة الدنيوية] # وأما الكلام في النشأة الدنيوية بأبعاضها وأجزائها المخصوصة. فحري بنا أن ~~نتكلم أولا فيما نحن بصدد بيان حاله من البدن والنفس وفنائها أو بقائها ، ~~ثم نتكلم في باقي أجزاء هذه النشأة على الخصوص. # فنقول : أما البدن ، فلا سترة في أن المشاهدة والعيان والعقل والنقل ، ~~دلت على موته وهلاكه ، وقد أشرنا فيما سبق إلى سبب طروء الموت على البدن ~~على رأي الطبيعيين ، والإلهيين من الحكماء ، وإلى كيفية وقوعه عليه على كل ~~مذهب من المذاهب التي قيلت في الجسم ، وإلى أنه على جميع المذاهب ، لا ~~يستلزم انعدامه بالكلية وهلاكه بالمرة ، ومع ذلك فلا بأس بإعادة البيان. # فنقول : إنه قد عرفت أنه على مذهب القائلين بالجواهر الفردة ، أو ~~بالأجسام الصغار الصلبة ، إنما ينعدم بالموت التأليف الخاص الحاصل بين تلك ~~الأجزاء أو بين تلك الأجسام فقط ، ولا يستلزم ذلك انعدام أصل تلك الأجزاء ~~والأجسام المتفرقة ، إذ لا ضد لها PageV01P126 # ولا مادة خصوصا على القول بقدمها ، كما ينسب ذلك إلى ذيمقراطيس وشيعته ms064 ~~القائلين بالأجسام الصلبة ، وكذلك على مذهب المشائين القائلين بتركب الجسم ~~من الهيولى والصورة ، وإن كان ينعدم بالموت الاتصال الذي هو أحد جزئي الجسم ~~لكنه يبقى الجزء الآخر أعني الهيولى إذ لا مادة لها ولا ضد وخصوصا على ~~القول بقدمها كما هو مذهبهم. وكذلك على مذهب الإشراقيين القائلين بأن حقيقة ~~الجسم هو الاتصال ، وذلك الأمر المتصل من دون إثبات مادة سواه وإن كان ~~ينعدم بالموت الاتصال الذي هو حقيقة الجسم لكنه لا ينعدم بالمرة ، فان ~~انعدامه كذلك إنما يمكن أن يكون إذا طرأ الانفصال على كل حد من حدود ~~الاتصال الذي في الجسم وهو ممتنع إذ طروؤه كذلك يستلزم خروج جميع ~~الانقسامات الممكنة في الجسم إلى الفعل وهو محال. على أنه يمكن القول ببقاء ~~الأجزاء الأصلية التي كانت للبدن كما نطق به الشرع على كل مذهب من تلك ~~المذاهب ، ولا شك أن بقاءها مما هو منشأ للحكم بعدم انعدام البدن بالمرة ~~وهذا ظاهر. # وأما النفس ، فلا يخفى أن الشرع ناطق بأنها ذائقة الموت ، فينبغي أن يشار ~~إلى أنه كيف هو. فنقول : إنه على مذهب من يقول إنها من الأعراض الحالة في ~~البدن ، ينبغي القول بانعدامها بالكلية فإن العرض ينعدم بالمرة بانعدام ~~موضوعه ولو في الجملة. وعلى مذهب من يقول بأنها جسم ، ينبغي القول ~~بانعدامها مثل انعدام الجسم أي البدن ، كما مر. # وأما على مذهب من يقول إنها جوهر مجرد باق كما هو الحق وسيأتي تحقيقه إن ~~شاء الله تعالى فينبغي القول بأن موتها عبارة عن قطع تعلقها عن البدن من ~~غير أن يستلزم انعدام ذاتها وحقيقتها ، وحيث عرفت ذلك فاعلم : أن بقاءها ~~بعد خراب البدن ، مما دل عليه الشرع ، ويؤيده العقل بل الإجماع أيضا. قال ~~الشارح القوشجي في شرح التجريد في قول مصنفه : «ولا تفنى بفنائه» : اتفق ~~القائلون بمغايرة النفس للبدن على أنها لا تفنى بفنائه ، ودليل المتكلمين ~~على ذلك النصوص من الكتاب والسنة وإجماع الامة ، وهي من الكثرة والظهور ~~بحيث لا تفتقر إلى الذكر ، وأما الفلاسفة فقالوا : يمتنع فناء النفس ms065 إلى ~~آخر ما نقله عنهم من الدليل العقلي عليه . (1) PageV01P127 ### ||| ** في بيان الدليل السمعي على بقاء النفس الإنسانية بعد خراب البدن # فلنشر إلى نبذ من الدليل الشرعي والعقلي على ذلك : # فنقول : أما دلالة الكتاب عليه فلقوله تعالى : # ( @QUR@032 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون ، فرحين بما آتاهم الله من فضله ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من ~~خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون ). (1) # إذ لا سترة في أن تلك الحياة والمرزوقية والفرح والاستبشار ، إنما هي ~~بحسب نفوسهم الباقية ، لا بحسب أبدانهم الداثرة الهالكة ، وحيث لم يقيد ذلك ~~بوقت دون وقت فيعلم منه أنه حاصل لهم في جميع الأوقات بعد القتل في سبيل ~~الله ، فيلزم منه بقاء نفوسهم بعد خراب أبدانهم أبدا وهو المطلوب. # وقوله تعالى في حال مؤمن آل يس : ( @QUR@015 قيل ادخل الجنة قال يا ليت ~~قومي يعلمون ، بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ). (2) # على ما قال المفسرون ، إن قومه قتلوه فأدخله الله الجنة وهو حي فيها يرزق. # وأما دلالة السنة ، فلما رواه الشيخ الصدوق ابن بابويه (عليه الرحمة) في ~~الفقيه عن الصادق عليه السلام ، انه قال : إذا قبضت الروح فهي مظلة فوق ~~الجسد روح المؤمن وغيره ينظر إلى كل شيء يصنع به فإذا كفن ووضع على السرير ~~وحمل على أعناق الرجال عادت الروح إليه ، ودخلت فيه فيمد له في بصره فينظر ~~إلى موضعه من الجنة ، أو من النار فينادي بأعلى صوته إن كان من أهل الجنة : ~~عجلوني ، عجلوني ، وإن كان من أهل النار : ردوني ، PageV01P128 # ردوني ، وهو يعلم كل شيء يصنع به ، ويسمع الكلام. (1) # ولما رواه عنه عليه السلام إنه قال : إن الأرواح في صفة الأجساد ، وفي ~~شجرة من الجنة تتساءل وتتعارف فإذا قدمت الروح على الأرواح تقول دعوها فقد ~~افلتت من هول عظيم ، ثم يسألونها ما فعل فلان وما فعل فلان؟ فإن قالت لهم : ~~تركته حيا ارتجوه ، وإن قالت لهم : قد هلك ، قالوا هوى هوى. (2) # وعن محمد بن مسلم قال : قلت لأبي عبد ms066 الله (صلوات الله عليه): الموتى ~~نزورهم؟ فقال : نعم. قلت : فيعلمون بنا إذا آتيناهم؟ فقال : اي والله ، ~~إنهم ليعلمون بكم ، ويفرحون بكم ، ويستأنسون إليكم. قال : قلت : فأي شيء ~~نقول إذا آتيناهم؟ فقال : قل : اللهم جاف الأرض عن جنوبهم الحديث . (3) # وعن إسحاق بن عمار أنه سأل أبا الحسن الأول (صلوات الله عليه) عن المؤمن ~~يزور أهله؟ فقال : نعم. قال : في كم؟ فقال : على قدر فضائلهم ، منهم من ~~يزور كل يوم ، ومنهم من يزور في كل يومين ، ومنهم من يزور في كل ثلاثة أيام ~~الحديث . (4) # ولما رواه الشيخ الطوسي (عليه الرحمة) في التهذيب ، عن مروان بن مسلم عن ~~أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال : قلت له : إن أخي ببغداد وأخاف أن ~~يموت فيها. قال : ما تبالي حيث ما مات ، إنه لا يبقى مؤمن في شرق الأرض ~~وغربها إلا حشر الله روحه إلى وادي السلام ، قال : قلت : جعلت فداك وأين ~~وادي السلام؟ قال : ظهر الكوفة ، أما إني كأني بهم حلق حلق قعود يتحدثون. (5) # وعن يونس بن ظبيان قال : كنت عند أبي عبد الله عليه السلام جالسا. فقال : ~~ما يقول الناس في أرواح المؤمنين؟ قلت : يقولون تكون في حواصل طيور خضر في ~~قناديل تحت العرش. فقال أبو عبد الله عليه السلام : سبحان الله ، المؤمن ~~أكرم على الله من ذلك أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر ، يا يونس إذا قبضه ~~الله تعالى صير روحه في قالب (6) كقالبه في الدنيا ، PageV01P129 # فيأكلون ويشربون فإذا قدم عليهم القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في ~~الدنيا. (1) # وعن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله عن أرواح المؤمنين ، فقال : في ~~الجنة على صور أبدانهم ، لو رأيتهم لقلت فلان. (2) # وقد قال شارح الفقيه في شرحه له : «ودر حديث حسن كالصحيح از حضرت صادق ~~عليه السلام منقول است كه پرسيدند از آن حضرت از ارواح مؤمنان ، پس حضرت ~~فرمودند كه در حجره هاى بهشتند واز طعام وشراب بهشت مى خورند ، ومى گويند ~~كه پروردگارا روز قيامت را بزودى واقع ساز ، ووعده ms067 اى كه به ما فرموده اى ~~آور ، وآخر ما را ملحق ساز به أول ما». # وقال أيضا : «ودر حديث كالصحيح منقول است از حبه عرني كه در خدمت حضرت ~~امير المؤمنين عليه السلام به ظهر كوفه رفتم كه صحراى نجف است ومسمى به وادى ~~السلام است. حضرت در آنجا ايستادند ، وگويا با جمعى صحبت مى داشتند. من آن ~~قدر ايستادم كه تنگ آمدم ، نشستم. مدتى ديگر برخاستم ، ديگر آن مقدار ~~ايستادم كه مانده شدم. ديگر مدتى نشستم تا به تنگ آمدم ، برخاستم ورداى خود ~~را بر خود گرفتم وعرض كردم كه يا امير المؤمنين! بسيار تعب كشيديد از ~~ايستادن ، ساعتى بنشينيد واستراحت فرماييد. بعد از آن ، رداى خود را ~~انداختم كه شايد بر آن نشيند. پس حضرت فرمودند كه با مؤمنان صحبت مى داشتم ~~وايشان را انس مى دادم. گفتم : يا امير المؤمنين! چنين است كه صحبت با ~~مؤمنان مى داشتيد؟ حضرت فرمودند : كه اگر حجاب برخاسته شود از نظر تو ، ~~ايشان را خواهى ديد كه حلقه حلقه زده اند با يكديگر صحبت مى دارند. گفتم : ~~اجسامند يا ارواح؟ حضرت فرمود كه ارواحند ، وهر مؤمنى كه در هرجا بميرد ~~خطاب به روح او مى رسد كه برو به وادى السلام وآن بقعه اى است از جنت عدن». # وقال أيضا : «ودر حديث صحيح از ضريس كناسى منقول است كه سؤال كردم از ~~حضرت امام محمد باقر (صلوات الله عليه) كه مردم مى گويند كه آب فرات از ~~بهشت بيرون مى آيد چگونه چنين باشد وحال اين كه از جانب مغرب مى آيد وآبها ~~از چشمه ها ورودخانه ها داخل او مى شود؟ پس حضرت فرمودند كه حق سبحانه ~~وتعالى بستانى PageV01P130 # آفريده است در مغرب ، واين آب از آنجا مى آيد وارواح مؤمنان به آنجا مى ~~روند هر شام واز ميوه هاى آن مى خورند وتنعم مى كنند ، وبا يكديگر ملاقات ~~مى كنند ويكديگر را آشنايى مى دهند تا صبح. وچون صبح ms068 مى شود در ميان آسمان ~~وزمين طيارند وسيارند وبا يكديگر ملاقات مى كنند ويكديگر را مى شناسند. وحق ~~تعالى در مشرق آتشى آفريده است كه مسكن ارواح كفار است. وخوردن ايشان از ~~زقوم است كه خوراك اهل جهنم است وآشاميدن ايشان از آب جوشان آنجاست در شبها ~~وچون صبح طالع مى شود مى روند به برهوت كه وادى است در يمن كه از آتشهاى ~~دنيا گرمتر است ودر آنجا با هم ملاقات مى نمايند وآشنايى مى دهند وچون شب ~~مى شود باز به آتش مى روند وحال ايشان چنين است تا روز قيامت. پس گفتم كه ~~حال آن جماعتى كه اقرار رسول خدا دارند وامام زمان خود را نمى شناسند ~~وعداوت با اهل بيت ندارند از مستضعفين ، حال ايشان چون است؟ حضرت فرمودند ~~كه ايشان در قبرهاى خود خواهند بود وعقاب نخواهند داشت واما مستضعفانى كه ~~كارهاى خوب كرده اند نسيمى از بهشت دنيا به ايشان مى رسد تا روز قيامت وبعد ~~از آن كار ايشان با خداست ، اگر مى خواهد به استحقاق ايشان را به جهنم مى ~~فرستد واگر مى خواهد به تفضل ، ايشان را به بهشت مى برد. # وهمچنين است حال جمعى كه عقل صحيحى نداشته باشند وحال اولاد آنها كه امام ~~زمان خود را نشناخته باشند وبه حد بلوغ نرسيده باشند ، اما آنها كه امام ~~زمان خود را نشناخته باشند ومستضعف نباشند ، از قبرهاى ايشان راهى به جهنم ~~است كه از زبانه آتش آن ودود وجوشش حميم آن به ايشان رسد تا قيامت وبعد از ~~آن ايشان را به جهنم برند ودر آتش سوزند ، وايشان را گويند كه چرا متابعت ~~امام زمان خود نكرديد كه حق سبحانه وتعالى از جهت شما مقرر كرده بود؟ ~~واطفال مؤمنين ، پس ايشان ملحق به پدران خود خواهند شد به حسب ظاهر آيات ~~وأحاديث متواتره وخواهد آمد در كتاب نكاح. انتهى موضع الحاجة من كلامه.» (1) # وبالجملة أن الأخبار الدالة على بقاء النفس ms069 الإنسانية ، بعد خراب البدن ~~متظافرة PageV01P131 # متواترة ، ناصة عليه ، غير قابلة للتأويل ، والاستقصاء يوجب الإطناب ، ~~وفيما نقلناه كفاية للطلاب وغنية لاولي الألباب ودلالة على بقاء نفوس ~~المؤمنين والكفار والفساق والمستضعفين والأطفال جميعا. ويدخل في المستضعفين ~~البله والمجانين ، وسنذكر فيما بعد إن شاء الله تعالى شرح هذه الأخبار التي ~~نقلناها وغيرها ، وكذا بيان ما لعله يحتاج إلى البيان في هذا المقام ، ~~فانتظر. PageV01P132 ### ||| ** في بيان الدليل العقلي على بقاء النفس الإنسانية بعد خراب البدن # وأما الدليل العقلي على بقاء النفس الإنسانية بعد خراب البدن فقد ذكره ~~الحكماء في كتبهم من وجوه عديدة كلها مبنية على كون النفس الإنسانية جوهرا ~~مغايرا للبدن ، وأجزائه بسيطا مجردا عن المادة في ذاته ، كما هو المقرر ~~عندهم ، وهو الحق كما سيأتي تحقيقه فيما بعد إن شاء الله العزيز. # وبعضها مع ابتنائه على ذلك ، مبني أيضا على مقدمة مقررة عند الحكماء أيضا ~~وإن كانت غير تامة عند التحقيق ، هي أن كل حادث مسبوق بمادة إلا أنا لا ~~نبالي بذكر نبذ من تلك الدلائل وتوضيحها وتلخيصها ، ودفع ما عسى أن يورد ~~عليها وإن كان موجبا للإسهاب والإطناب. ### | من جملة الدلائل عليه # فنقول : ربما يمكن الاحتجاج على هذا المطلب ، بأن فساد كل فاسد إما بورود ~~ضده عليه ، وهذا غير متصور هنا ، لأنك قد عرفت فيما سبق أن لا ضد للجوهر ~~المجرد عن المادة ، وإما بزوال أحد من أسبابه الأربعة الفاعل والغاية ~~والمادة والصورة ، وهذا أيضا غير متصور هنا ، إذ فاعل النفس هو الأول تعالى ~~شأنه وغايتها هو التشبه به تعالى أو معرفته وذلك لا يتصور فيه الزوال ~~والفناء كما عرفته أيضا ، وليس لها مادة ولا صورة كما هو المفروض. أما نفي ~~المادة فظاهر ، وأما نفي الصورة فلأن صورة المجرد ذاته بذاته ، وليس أيضا ~~فيها شرط لوجودها تنتفي هي بانتفائه. وحيث كان كذلك فهي باقية أبدا لا يطرأ ~~عليها الفساد والفناء أصلا وهو المطلوب. PageV01P133 ### | في الحجج التي اعتمد أفلاطون فيه عليها # وقد نقل بعضهم عن أفلاطون ، أنه اعتمد في بقاء النفس الإنسانية ms070 على ثلاث حجج : # أحدها : أن النفس تعطى كل ما توجد فيه حياة. # والثانية : أن كل فاسد فإنما يفسد من قبل رداءة فيه. # والثالثة : أن النفس متحركة من ذاتها. # وشارحوا كلامه ، قد تبينوا الحجة الاولى ، بأن النفس تعطى الحياة أبدا كل ~~ما توجد فيه ، وكل ما كان كذلك فالحياة جوهرية له أي ذاتية له ، فلا يمكن ~~أن يقبل ضد الحياة أي الموت ، فالنفس لا تقبل الموت. # والحجة الثانية بأن الرداءة مقترنة بالفساد والفساد مقترن بالعدم ، ~~والعدم مقترن بالهيولى ، فالرداءة مقترنة بالهيولى ، وحيث لا هيولى فلا عدم ~~فلا فساد ، وحيث لا فساد فلا رداءة ، فالهيولى معدن الرداءة وينبوع الشر ~~وأصله الذي منه يتفرع ، ومقابل هذه الرداءة الجودة ، فإنها مقترنة بالبقاء ~~، والبقاء مقترن بالوجود والوجود هو أول صورة أبدعها البارئ عز وجل . وحيث ~~كانت النفس غير هيولانية فلا فساد يطرأ عليها. # والحجة الثالثة : بأن النفس متحركة من ذاتها دائما حركة جولان وروية هي ~~حياتها ، تارة نحو العقل فتستنير به وتستفيد منه ، وتارة نحو الهيولى ~~فتنيرها وتفيدها حركة خارجة عن الحركات الست الجسمانية ، غير داخلة تحت ~~الزمان ، بل فوق الزمان وفوق الحركات الطبيعية وفوق الطبيعية. وكل ما كانت ~~حركته من ذاته حركة كذلك فهو باق ، لأن حركته مع كونه خارجة عن الزمان ~~والتكون وأشبه بالدهر والسرمد غير زائلة وما كان غير زائل ، فهو ثابت. # هذا ما ذكروه في شرح تلك الحجج الثلاث ، وسنذكر زيادة شرح لها إن شاء ~~الله تعالى. PageV01P134 ### | في ذكر برهان أقامه الشيخ في الشفاء على هذا المطلب # ثم إن الشيخ في الشفاء بعد ما برهن على أن النفس الإنسانية غير مادية ، ~~وبين حدوثها وكيفية انتفاعها بالحواس ، برهن على أنها لا تفسد ولا تموت (1) ~~بموت البدن ، بأن كل شيء يفسد بفساد شيء آخر ، فهو متعلق به نوعا من التعلق ~~، إذ بفساد المباين من كل وجه للشيء لا يفسد الشيء ، وهذا التعلق لا يخلو ~~عن أن يكون تعلق المكافئ في الوجود ، أو تعلق المتأخر في الوجود ، أو تعلق ~~المتقدم في الوجود ، والأقسام ثلاثة ms071 ، لا رابع لها. # وعلى الأول أي أن يكون تعلق النفس بالبدن تعلق المكافئ في الوجود أعني أن ~~لا يكون بينها علية ولا معلولية ، بل كانا معلولي علة ثالثة متكافئين في ~~الوجود ومتضايفين ، فحينئذ إن كان ذلك التكافؤ والتضايف ذاتيا لهما لا ~~عارضا كما في المتضائفين الحقيقيين ، كان كل واحد منهما مضاف الذات إلى ~~صاحبه ، وحقيقتهما نفس تلك الإضافة ، فلا يكون النفس ولا البدن جوهرين ، ~~لكنهما جوهران ؛ هذا خلف. وإن كان ذلك أمرا عرضيا لا ذاتيا كما في ~~المتضائفين المشهوريين ، كان فساد أحدهما موجبا لبطلان العارض الآخر من ~~الإضافة ، لا لبطلان ذات الآخر من حيث هذا التعلق ، فلا يلزم من فساد البدن ~~بطلان ذات النفس بل بطلان عارضها من الإضافة. # وعلى الثاني أي أن يكون تعلق النفس بالبدن ، تعلق المتأخر عنه في الوجود ~~أي أن يكون البدن علة النفس في الوجود والحال أن العلل أربع ، ولا يحتمل ~~كونه علة غائية لها ، فإما أن يكون البدن علة فاعلية للنفس ، معطية للوجود ~~لها ، وهذا محال. إذ يستحيل أن تفيد الأعراض والصور القائمة بالمواد وجود ~~ذات قائمة مجردة عن المادة في ذاتها ، وإما PageV01P135 # أن يكون البدن علة قابلية لها على سبيل التركيب كالعناصر للأبدان أو ~~بسبيل البساطة كالنحاس للصنم ، وهذا أيضا محال لأنا قد بينا وبرهنا أن ~~النفس ليست منطبعة في البدن بوجه من الوجوه ، فلا يكون البدن إذن متصورا ~~بصورة النفس لا بحسب البساطة ولا بحسب التركيب ، بأن يكون أجزاء من أجزاء ~~البدن ، تتركب وتتمزج تركبا ومزاجا ، فينطبع فيها النفس. وإما أن يكون ~~البدن علة صورية أو كمالية للنفس. وهذا أيضا محال ، بل الاولى أن يكون ~~الأمر بالعكس إن كان هناك تفرض العلة الصورية أو الكمالية ، فإذن ليس تعلق ~~النفس بالبدن ، تعلق معلول بعلة ذاتية. وإن كان المزاج والبدن علة بالعرض ~~للنفس فإنه إذا حدث مادة بدن تصلح أن تكون آلة للنفس ومملكة له ، أحدثت ~~العلل المفارقة النفس الجزئية ، فإن إحداثها بلا سبب يخصص إحداث واحد دون ~~واحد محال ، ومع ذلك فإنه يمنع ms072 عن وقوع الكثرة فيها بالعدد لما قد بيناه ، ~~ولأنه لا بد لكل كائن بعد ما لم يكن من أن يتقدمه مادة يكون فيها تهيؤ ~~قبوله وتهيؤ نسبته إليه كما تبين في العلوم الاخرى ولأنه لو كان يجوز أيضا ~~أن يكون نفس جزئية تحدث ، ولم يحدث لها آلة بها تستكمل وتعقل ، لكانت معطلة ~~في الطبيعة وإذا كان ذلك ممتنعا ، فلا قدرة عليه ، ولكن إذا حدث التهيؤ ~~للنسبة والاستعداد للآلة ، يلزم حينئذ أن يحدث من العلل المفارقة شيء ، هو ~~النفس. وليس ذلك للنفس فقط ، بل كل ما يحدث بعد ما لم يكن من الصورة ، ~~فإنما يرجح وجوده عن لا وجوده استعداد المادة له وصيرورتها خاصة به ، وحيث ~~ظهر أن حدوث النفس إنما هو بحدوث البدن ، من غير أن يكون البدن علة ذاتية ~~لها فنقول : ليس إذا وجب حدوث شيء عند حدوث شيء ، وجب أن يبطل مع بطلانه ، ~~بل إنما يكون ذلك إذا كان ذات الشيء قائما بذلك الشيء ، وفيه ، وقد يحدث ~~امور عن امور وتبطل تلك الامور وتبقى تلك الامور إذا كانت ذاتها غير قائمة ~~فيها ، وخصوصا إذا كان مفيد الوجود لها شيء آخر غير الذي إنما يتهيأ إفادة ~~وجوده مع وجوده ، ومفيد وجود النفس هو غير جسم ولا هو قوة جسم ، بل هو لا ~~محالة ذات قائمة مبراة عن المواد وعن المقادير. وإذا كان وجود النفس من ذلك ~~الشيء البريء عن المادة القائمة بذاتها وكان يحصل من البدن وقت استحقاقها ~~للوجود فقط ، فليس للنفس تعلق بالبدن في الوجود ولا البدن علة لها إلا ~~بالعرض ، ولا التعلق بينهما على نحو يوجب أن يكون البدن متقدما بالعلية ~~عليها حتى تفسد النفس بفساد علته أي البدن. PageV01P136 # وعلى الثالث : أي أن يكون تعلق النفس بالبدن تعلق المتقدم في الوجود ، ~~أعني أن يكون النفس علة للبدن ، فإما أن يكون التقدم مع ذلك زمانيا فيستحيل ~~أن يتعلق وجود البدن بها وقد تقدمته في الزمان ، وإما أن يكون التقدم ~~بالذات لا بالزمان ، وهذا النحو من التقدم هو أن ms073 يكون الذات المتقدمة في ~~الوجود كما توجد ، يلزم أن يستفاد عنها ذات المتأخر في الوجود ، وحينئذ إذا ~~فرض عدم المتأخر لا يوجد أيضا هذا المتقدم في الوجود ، لكن لا لأجل أن عدم ~~المتأخر أوجب عدم المتقدم ، فإن عدم المعلول لا دخل له في عدم العلة ، بل ~~لأجل أن عدم المتأخر أمارة أنه قد عرض للمتقدم عدم في نفسه ، فعرض العدم ~~للمتأخر بسبب عروضه على المتقدم حيث إن عدم المعلول إنما يكون بسبب عدم ~~علته لكن في نفسها لا باعتبار عدم معلولها ، فعدم العلة بسبب فساد في نفسها ~~وعدم المعلول بتبعية عدم علتها ، وإذا كان كذلك فيجب أن يكون السبب المعدم ~~يعرض أولا في جوهر النفس فيفسد معه البدن ، وأن لا يكون البدن البتة يفسد ~~بسبب يخصه ، لكن فساد البدن يكون بسبب يخصه من تغير المزاج والتركيب ، ~~فمحال أن يكون النفس تتعلق بالبدن تعلق المتقدم بالذات ، ثم يفسد البدن ~~البتة بسبب في نفسه ، فليس إذن بينهما هذا التعلق. وإذا كان الأمر على هذا ~~فقد بطل أنحاء التعلق كلها وبقي أن لا تعلق للنفس في الوجود بالبدن ، بل ~~تعلقها في الوجود بالمبادئ الاخر التي لا تستحيل ولا تبطل. ### | دليل آخر منه # وأيضا نقول : لا يجوز أن يكون سبب من الأسباب يعدم النفس ، وذلك لأن كل ~~شيء موجود من شأنه أن يفسد بسبب ما يجب أن يكون فيه قوة أن يفسد ، وقبل ~~الفساد فيه فعل أن يبقى ، وتهيؤه للفساد ليس لفعل أن يبقى ، فان معنى القوة ~~لمعنى الفعل ، وإضافة هذه القوة مغايرة لإضافة هذا الفعل لأن اضافة ذلك إلى ~~الفساد وإضافة هذا إلى البقاء ، فإذن لأمرين مختلفين ما يوجد في الشيء هذان ~~المعنيان. فنقول : إن الأشياء المركبة والأشياء البسيطة التي هي قائمة في ~~المركبة ، يجوز أن يجتمع فيها فعل أن تبقى وقوة أن تفسد ، وفي الأشياء ~~البسيطة المفارقة الذات لا يجوز أن يجتمع في شيء أحدي الذات هذان المعنيان ، PageV01P137 # وذلك لأن كل شيء يبقى وله قوة أن يفسد ، فله أيضا قوة أن يبقى ms074 لأن بقاءه ~~ليس بواجب ضروري ، وإذا لم يكن واجبا كان ممكنا ، والإمكان الذي يتناول ~~الطرفين هو طبيعة القوة فإذن يكون له في جوهره قوة أن يبقى ، وقد بان أن ~~فعل أن يبقى منه لا محالة ، ليس هو قوة أن يبقى منه وهذا بين ، فيكون فعل ~~أن يبقى منه أمرا يعرض للشيء الذي له قوة أن يبقى ، فتلك القوة لا تكون ~~لذات ما بالفعل بل للشيء الذي يعرض لذاته أن يبقى بالفعل لا أنه حقيقة ذاته ~~فيلزم من هذا أن يكون ذاته مركبة من شيء إذا كان كان به ذاته موجودا بالفعل ~~وهو الصورة في كل شيء وعن شيء حصل له هذا الفعل وفي طباعه قوته ومادته ، ~~فحينئذ نقول : لو كانت النفس بسيطة مطلقة لم تنقسم إلى مادة وصورة ، فلا ~~يكون فيها هذان المعنيان ، فلا يكون فيها قوة الفساد فلا تقبل الفساد ، وإن ~~كانت مركبة فلنترك المركب ولننظر في الجوهر الذي هو مادته ، ولنصرف القول ~~إلى مادته ولنتكلم فيها ، ونقول : إن المادة إما أن تنقسم هكذا دائما وثبت ~~الكلام دائما وهذا محال. وإما أن لا يبطل ذلك الشيء الذي هو في ذلك الجوهر ~~البسيط ، الذي هو في السنخ والأصل وكلامنا في ذلك الشيء الذي هو السنخ ~~والأصل وهو الذي نسميه النفس ، وليس كلامنا في شيء مجتمع منه ومن شيء آخر ~~فتبين أن كل شيء هو بسيط غير مركب ، أو هو أصل مركب وسنخه فهو غير مجتمع ~~فيه فعل أن يبقى وقوة أن يعدم بالقياس إلى ذاته ، فإن كانت فيه قوة أن يعدم ~~، فمحال أن يكون فيه فعل أن يبقى ، وإذا كان فيه فعل أن يبقى وأن يوجد فليس ~~فيه قوة أن يعدم ، فبين إذن أن جوهر النفس ليس فيها قوة أن تفسد ، وأما ~~الكائنات التي تفسد فإن الفاسد منها هو المركب المجتمع ، وقوة أن تفسد أو ~~تبقى ليس في المعنى الذي به المركب واحد ، بل في المادة التي هي بالقوة ~~قابلة لكلا الضدين فليس إذن في هذا الفاسد المركب لا قوة ms075 أن يبقى ولا قوة ~~أن يفسد فلم تجتمعا فيه ، وأما المادة فإما أن تكون باقية لا بقوة تستعد ~~بها للبقاء كما يظن وإما أن تكون بقوة بها تبقى وليس لها قوة أن تفسد شيء ~~آخر يحدث فيها. # وأما البسائط التي في المادة فإن قوة فسادها في جوهر المادة لا في جوهرها ~~، والبرهان الذي يوجب أن كل كائن فاسد من جهة تناهي قوة البقاء والبطلان ، ~~إنما يوجب فيما هو كائن من مادة وصورة ويكون في مادته قوة أن يبقى فيه تلك ~~الصور وقوة أن PageV01P138 # تفسد هي منه معا كما علمت ، فقد بان إذن أن النفس الإنسانية لا تفسد البتة. # انتهى ما رمنا نقله من كلامه في الشفاء ، ومثله كلامه في الإشارات. PageV01P139 ### | فيما ذكره في الإشارات في ذلك # حيث أبطل فساد النفس بفساد البدن وكذا فسادها في نفسها بناء على مغايرتها ~~للبدن وأجزائه وعلى تجردها عن المادة وبساطتها ، قال : «ولما كانت النفس ~~الناطقة التي هي موضوع ما للصور العقلية غير منطبعة في جسم تقوم به ، بل ~~انما هي ذات آلة بالجسم ، فاستحالة الجسم عن أن يكون آلة لها ، وحافظا ~~للعلاقة معها بالموت لا يضر جوهرها ، بل يكون باقيا بما هو مستفيد الوجود ~~من الجواهر الباقية». ثم بين أن النفس الناطقة تعقل بذاتها من غير آلة. ثم ~~قال : «تكملة لهذه الإشارات ، فاعلم من هذا أن الجوهر العاقل مناله أن يعقل ~~بذاته ولأنه أصل فلن يكون مركبا من قوة قابلة للفساد مقارنة لقوة الثبات ، ~~فإن أخذت لا على أنها أصل ، بل كالمركب من شيء كالهيولى وشيء كالصورة ، ~~عمدنا بالكلام نحو الأصل من جزأيه والأعراض وجوداتها في موضوعاتها فقوة ~~فسادها وحدوثها هي في موضوعاتها فلم يجتمع فيها تركيب ، وإذا كان كذلك لم ~~يكن أمثال هذه في أنفسها قابلة للفساد بعد وجوبها بعللها وثباتها بها. ~~انتهى.» (1) PageV01P140 ### | فيما ذكره المحقق الطوسي رحمه الله في شرحه له # وقال المحقق الطوسي رحمه الله في شرح كلامه الأول بهذه العبارة : لما كانت ~~النفس الناطقة واقعة في آخر مراتب العود ، اشتغل ms076 بالبحث عن حالها بعد ~~تجردها عن البدن ، فاستدل بتجردها في ذاتها وكمالاتها الذاتية عن المادة ~~وما يتبعها ، وبأنها غير متعلقة الوجود بشيء غير مباديها الدائمة الوجود ~~على ما تبين في النمط الثالث وغيره ، على بقائها بعد الموت كذلك. # وأشار بلفظ «لما» إلى ما ثبت في النمط الثالث من عدم انطباع النفس في ~~الجسم ، وبقوله «التي هي موضوع ما للصور العقلية» (1) إلى كمالاتها الذاتية ~~الباقية معها ببقائها التي استدل على امتناع انطباعها في الجسم ، وبقوله ~~«بل انما هي ذات آلة بالجسم» إلى كيفية ارتباطها بالجسم على وجه لا يلزم ~~منه احتياجها في وجودها وكمالاتها المذكورة إليه ، ثم جعل قوله «فاستحالة ~~الجسم عن كونه آلة لها لا تضر جوهرها» تاليا لما وضعه بعد لفظة لما ، وأتم ~~مقصوده بقوله «بل يكون باقيا هو مستفيد الوجود من الجواهر الباقية» وذلك ~~لوجوب بقاء المعلول مع علته التامة. # فهذا برهان لمي هو عمدة براهين هذا الباب على ما ذكره الشيخ أبو البركات ~~البغدادي. # واعلم أن إسناده حفظ العلاقة مع الجسم هاهنا إلى الجسم ليس بمناقض ~~لإسناده حفظ المزاج الذي هو سبب العلاقة في النمط الثالث إلى النفس ، لأن ~~النفس كما كانت حافظة لهما بالذات فالجسم حافظ أيضا ولكن بالعرض ، وذلك لأن ~~فساد المزاج المقتضي لقطع العلاقة ، إنما يتطرق من جهة الجسم وعوارضه ، ~~ولذلك أسند استحالة البدن عن كونه PageV01P141 # آلة للنفس إلى الجسم ، وعدم تطرق الفساد إلى الشيء مما من شأنه أن يتطرق ~~منه الفساد حفظ ما لذلك الشيء لكنه بالعرض. انتهى. (1) # وقال أيضا في شرح كلامه الثاني في قوله : «فاعلم من هذا» إلى آخره بهذه ~~العبارة : «لما فرغ من إقامة الحجة على كون النفس عاقلة بذاتها ، عاد إلى ~~إكمال الكلام في بقائها على كمالاتها الذاتية بعد مفارقة البدن ، ولذلك وسم ~~الفصل بالتكملة للفصول المتقدمة وجعل قوله : «فاعلم من هذا أن الجوهر ~~العاقل منا له أن يعقل بذاته» نتيجة للحجج المذكورة. # وفي قوله : «ولأنه أصل فلن يكون مركبا إلى آخره » بهذه العبارة : # هذا ابتداء احتجاجه على بقاء ms077 النفس ، ويريد بالأصل كل بسيط غير حال في ~~شيء من شأنه أن يوجد فيه أعراض وصور ، وأن تزول عنه تلك الأعراض والصور ، ~~وهو باق في الحالتين ، فهو أصل بالقياس إليها. # واذا تقرر هذا ، فنقول : كل موجود يبقى زمانا ويكون من شأنه أن يفسد كان ~~قبل الفساد باقيا بالفعل ، وفاسدا بالقوة وفعل البقاء غير قوة الفساد وإلا ~~لكان كل باق ممكن الفساد ، وكل ممكن الفساد باقيا فإذن هما لأمرين مختلفين ~~والأصل لا يكون مشتملا على مختلفين إذ هو بسيط ، فالنفس إن كان أصلا فلن ~~يكون مركبا من قوة قابلة للفساد مقارنة لقوة (2) الثبات وإن لم يكن أصلا أي ~~لم يكن بسيطا غير حال ، كان إما مركبا وإما حالا والثاني باطل لما مر ، ~~والمركب يكون مركبا من بسائط غير حالة إما بعضها كالمادة من الجسم ، وإما ~~كلها ، وعلى التقديرين فالبسيط الغير الحال أعني الأصل موجود في المركب وهو ~~غير مركب من قوة الفساد ووجود الثبات. # وفي قوله : «والأعراض وجوداتها في موضوعاتها هي» بهذه العبارة : # هذا جواب عن سؤال. وهو أن يقال كثير من الأعراض والصور ، تكون باقية ~~ممكنة الفساد مع بساطتها ، فهلا كانت النفس كذلك. # فأجاب بأن قوة فساد أمثالها إنما تكون في موضوعاتها الحاملة لوجوداتها ، ~~وذلك لا ينافي بساطتها في ذواتها ، أما ما لا يكون له حامل وجود ، فاجتماع ~~الأمرين فيه ينافي PageV01P142 # بساطته. # وفي قوله : «وإذا كان كذلك لم يكن أمثال هذه قابلة للفساد إلى آخره » ~~بهذه العبارة : أي إذا ثبت أن النفس ، إما أصل وإما ذات أصل ، لم تكن هي ~~وما يجري مجراها مما لا تركيب فيه ولا هو بحال في غيره مما يقبل الفساد ، ~~فان البقاء وقوة الفساد لا يجتمعان في البسيط والأول حاصل ، فالثاني ليس ~~بحاصل ، فإذن النفس لا يمكن أن تفسد. # وإنما قال : بعد وجوبها بعللها وثباتها بها ، لأن أصل الوجود وبقاءه ~~يكونان في ممكنات الوجود مستفادين من عللها. # واعترض الفاضل الشارح فقال : لو كان للنفس هيولى وصورة مخالفتان لهيولى ~~الأجسام وصورها ، وكان الباقي منها هيولاها وحدها ms078 ، لما كان الباقي من ~~النفس هو النفس بل جزءا منها. وحينئذ يجوز أن لا يكون كمالاتها الذاتية ~~باقية لأنها تابعة لصورتها. # والجواب : أن هيولى النفس تكون إما ذات وضع أو غير ذات وضع ، والأول محال ~~، لأن ذات الوضع لا تكون جزءا لما لا وضع له. # والثاني لا يخلو ، إما أن يكون مع كونها غير ذات وضع ، ذات قوام ~~بانفرادها أولم تكن ، فإن كانت عاقلة بذاتها على ما مر ، لكانت هي النفس ~~وقد فرضناها جزءا منها ، هذا خلف. وإن لم تكن ذات قوام بانفرادها ، فإما أن ~~يكون للبدن تأثير في إقامتها أولم يكن. فإن كان ، كانت النفس غير مستغنية ~~في وجودها عن البدن ، فلم تكن ذات فعل بانفرادها على ما مر ، وقد فرغنا عن ~~إبطال هذا القسم. # وإن لم يكن للبدن تأثير في إقامتها ، كانت باقية بما يقيمها ، وإن لم يكن ~~البدن موجودا ، وهو المطلوب. # ثم إن الصورة المقيمة إياها والكمالات التابعة لتلك الصورة ، لا يجوز أن ~~تفسد وتتغير بعد انقطاع علاقتها عن البدن ، لأن التغير لا يوجد إلا مستندا ~~إلى جسم متحرك ، كما تقرر في الاصول الحكمية. # ثم قال : والنفس تحت مقولة الجوهر ، فهي مركبة من جنس وفصل ، والجنس ~~والفصل إذا اخذا بشرط التجرد كانا مادة وصورة ، فالنفس عندهم مركبة من مادة ~~وصورة ، وذلك يؤكد ما ذكرنا. PageV01P143 # والجواب : إن هذه مغالطة باشتراك الاسم ، فان المادة والصورة تقعان على ~~ما ذكره وعلى جزأي الجسم بالتشابه ، وإلا فجميع أنواع الأعراض أيضا مركبة ~~من مادة وصورة. # ثم قال : الفساد والحدوث متساويان في احتياجهما إلى إمكان يسبقهما ، وإلى ~~محل لذلك الإمكان أوفي استغنائهما عن ذلك ، فإن استغنى إمكان الحدوث عن ~~المحل مع وقوع الحدوث ، فليستغن إمكان الفساد أيضا عنه مع وقوع الفساد ، ~~وإن افتقر الإمكان إلى محل هو البدن ، فليكن البدن أيضا محلا لإمكان الفساد ~~، وبالجملة يجوز أن يكون البدن شرطا لوجود النفس ، ويلزم انعدام المشروط ~~عند فقدان الشرط. # والجواب : أن كون الشيء محلا لإمكان وجود ما هو مباين القوام له أو ~~لإمكان فساده ms079 غير معقول. فإن معنى كون الجسم محلا لإمكان وجود السواد هو ~~تهيؤه لوجود السواد فيه ، حتى يكون حال وجود السواد مقترنا به ، وكذلك في ~~إمكان الفساد ، ولذلك امتنع كون الشيء محلا لإمكان فساد ذاته ، فالبدن ليس ~~بمحل لإمكان حدوث النفس من حيث هو مباين لها ، ولا لإمكان فسادها أيضا بل ~~انما كان مع هيئة مخصوصة موجودة قبل حدوث النفس محلا لإمكان وتهيؤ لحدوث ~~صورة إنسانية تقارنه وتقومه نوعا محصلا. # ولم يكن وجود تلك الصورة ممكنا إلا مع ما هو مبدؤها القريب بالذات ، أعني ~~النفس فحدث بحسب استعداده وتهيؤه ذلك مبدأ الصور المقارنة المقومة إياه على ~~وجه كان ذلك المبدأ مرتبطا به هذا النوع من الارتباط وزال بذلك الحدوث ذلك ~~الإمكان والتهيؤ عن البدن ، إذ زال عنه ما كان البدن معه محلا لإمكان حدوث ~~النفس أعني الهيئة المخصوصة فبقي البدن محلا لإمكان فساد الصورة المقارنة ~~به وزوال ذلك الارتباط عنه فقط ، وامتنع أن يكون محلا لفساد ذلك المبدأ من ~~حيث هو ذات مباين عنه ، فإذن البدن مع هيئة مخصوصة شرط في حدوث النفس من ~~حيث هي صورة أو مبدأ صورة لا من حيث هي موجودة مجردة وليس بشرط في وجودها. # والشيء إذا حدث فلا يفسد بفساد ما هو شرط في حدوثه ، كالبيت فانه يبقى ~~بعد موت البناء الذي كان شرطا في حدوثه. # فان قيل : لم أوجب استيجاب البدن لحدوث صورة ما حدوث مبدأ لتلك الصورة ، ~~ولم يوجب استيجابه لفساد تلك الصورة فساد مبدأ ذلك ، وما الفرق بين ~~الأمرين؟ PageV01P144 # قلنا : لأن ما يقتضي حدوث معلول ما ، فإنما يقتضي وجود جميع علل ذلك ~~المعلول بشرائطها ، وما يقتضي فساد معلول لا يقتضي فساد العلل ، بل يكفي ~~فساد شرط ما ولو كان عدميا. (1) انتهى كلامه رحمه الله . (2) PageV01P145 ### | في ذكر ما ذكره صاحب المحاكمات # وهذا الاعتراض الذي أورده الفاضل الشارح أخيرا على كلام الشيخ ، قد ذكره ~~صاحب المحاكمات في ذيل أول كلام الشيخ بهذه العبارة : # «يريد أن يستدل على بقاء النفس بعد الموت ، وتقريره أنه قد ms080 ثبت أن النفس ~~الناطقة التي هي محل الصور العقلية غير حالة في الجسم ولا تعلق لها بالبدن ~~في ذاتها وجوهرها ، بل تعلقها به ليكون هو آلة لها في اكتساب الكمالات ، ~~فإذا فسد البدن فقد فسد ما لا حاجة للنفس إليه في وجودها ، مع أن العلة ~~المؤثرة في وجود النفس باقية ، فيجب بقاؤها بعد فساد البدن. # وفيه نظر ، لأن الجوهر العقلي الموجد للنفس إن كان علة تامة لها ، لزم ~~قدمها لقدمه ، وإن كان علة فاعلية وتوقف وجودها على حدوث البدن ، فلم لم ~~يتوقف بقاؤها على بقائه ، فالنفس وإن كانت مجردة إلا أنها متعلقة بالبدن ، ~~فجاز أن يكون تعلقها شرطا لبقائها ، فاذا انتفى انعدمت. # والحاصل أن البدن ما كان موجودا وكذا النفس ما كانت موجودة ، ثم وجد ~~البدن والنفس ، ثم ينعدم البدن. # فلا يخلو إما أن يكون للبدن دخل في وجود النفس ، أو لا ، فإن لم يكن له ~~دخل في وجود النفس أصلا ، فلم لم يوجد النفس قبل وجود البدن ، وإن كان له ~~دخل في وجودها ، فلم لا يجوز أن يكون له دخل في بقائها حتى إذا انعدم ~~انعدمت. # واعلم : أن ما ذكرناه في تقرير الاستدلال هنا هو ما ذكره الإمام. وزاد ~~الشارح في الاستدلال تجرد النفس عن المادة في كمالاتها الذاتية أي الكمالات ~~العارضة لذاتها PageV01P146 # كالصور المعقولة ، وذلك مع كونه غير منطبق على المتن مستدرك في الاستدلال ~~فإن المطلوب ليس إلا بقاؤها بعد الموت ، وتجردها في ذاتها كاف في ذلك. # وكذلك قوله : أشار بقوله «التي هي موضوع ما للصور العقلية إلى كمالاتها ~~الذاتية الباقية معها» فإن الحكم المذكور ليس إلا عدم انطباعها في الجسم ، ~~فذكر ذلك الوصف ليس إلا إيماء إلى سبب الحكم. # وكذا قوله : «على وجه لا يلزم احتياجها في وجودها وكمالاتها الذاتية ~~المذكورة إلى الجسم» ، فإن عدم الاحتياج في الكمالات غير مفهوم من كونها ~~ذات آلة في الجسم (1) وهو ظاهر. انتهى كلامه. (2) # وأنت تعلم أنه يستفاد من كلام الإمام وكلام صاحب المحاكمات : أن هذا ~~الاعتراض يمكن أن يورد على ms081 كل من الدليلين اللذين ذكرهما الشيخ في الكتابين ~~على عدم فناء النفس ، سواء كان المقصود عدم فنائها بفناء البدن كما ذكره ~~أولا ، أو عدم فنائها مطلقا كما ذكره أخيرا. PageV01P147 ### | في ذكر ما ذكره صدر الأفاضل في هذا المطلب # وحيث عرفت ذلك فاعلم : أنه قد ذكر صدر الأفاضل في بعض رسائله : (1) ان ~~المحقق الطوسي (نور الله تعالى عقله الشريف)، كتب إلى بعض معاصريه من ~~الأفاضل وهو العلامة النحرير شمس الدين الخسروشاهي شاهي ، رسالة وسأله فيها ~~عن ثلاث مسائل ، طلب منه الكشف عن وجوه إعضالها ، فلم يأت ذلك البعض ~~العلامة بجواب. # ومن جملة تلك المسائل الثلاث ، هذه المسألة بهذه العبارة : ما بال ~~القائلين بأن ما لا حامل لإمكان وجوده وعدمه ، فإنه لا يمكن أن يوجد بعد ~~العدم أو يعدم بعد الوجود ، حكموا بوجود النفس الإنسانية وامتنعوا عن تجويز ~~فنائها ، فإن جعلوا حامل إمكان وجودها البدن فهلا جعلوه حامل إمكان عدمها ~~أيضا ، وإن جعلوها لأجل تجردها عما تحل فيه عادم حامل لإمكان العدم كيلا ~~يجوز عدمها بعد الوجود ، فهلا جعلوها لأجل ذلك بعينه عادم حامل لإمكان ~~الوجود ، فيمتنع وجودها بعد العدم في الأصل ، وكيف ساغ لهم أن جعلوا جسما ~~ماديا حاملا لإمكان جوهر مفارق مباين الذات إياه ، فإن جعلوها من حيث كونها ~~مبدأ لصورة نوعية لذلك الجسم ذات حامل لإمكان الوجود ، فهلا جعلوها من تلك ~~الحيثية ذات حامل لإمكان العدم ، وبالجملة ما الفرق بين الأمرين مع تساوي ~~النسبتين؟ انتهى. # ثم أجاب صدر الأفاضل نفسه عن هذا السؤال بهذه العبارة : أما الجواب عن ~~المسألة الثالثة فنقول: # إن البدن الإنساني استدعى باستعداده الخاص من واهب الصور على القوابل ، صورة PageV01P148 # مدبرة متصرفة فيه تصرفا يحفظ بها شخصه ونوعه ، فوجب صدورها عن الواجب ~~الفياض ، لكن وجود صورة تكون مصدرا للتدابير البشرية والأفاعيل الإنسية ~~الحافظ لهذا النوع لا يمكن إلا بقوة روحانية ذات إدراك وعقل وتمييز ، فلا ~~محالة يفيض من المبدأ الفياض صورة متصرفة ذات حقيقة مفارقة أو ذات مبدأ ~~مفارق ، وكما أن الشيء الواحد يجوز أن يكون ms082 جوهرا من جهة ، عرضا من جهة ~~اخرى ، كماهية الجوهر الموجودة في الذهن ، لما تحقق أن صورتها العقلية جوهر ~~بحسب الماهية ، عرض بحسب الوجود العلمي بل كيف ، وكذا يجوز أن يكون شيء ~~واحد مجعولا من جهة ، غير مجعول من جهة اخرى كالوجود والماهية ، فكذلك يجوز ~~أن يكون شيء واحد كالنفس الإنسانية مجردا من حيث كونه ذاتا عقلية ، وماديا ~~من حيث كونه متصرفا في البدن. فإذن كانت النفس مجردة من حيث الذات ، مادية ~~من حيث الفعل ، مسبوقة باستعداد البدن ، حادثة بحدوثه ، زائلة بزواله. وأما ~~من حيث حقيقتها ومبدأ حقيقتها فغير مسبوقة باستعداد البدن إلا بالعرض ، ولا ~~فاسدة بفساده ، ولا يلحقها شيء من مثالب الماديات إلا بالعرض ، فتدبر. # هذا ما سنح لنا في سالف الزمان على طريقة أهل النظر ، وأما الذي نراه ~~الآن في تحقيق الحال ودفع الإعضال ، فهو أن للنفس الإنسانية مقامات ونشئات ~~ذاتية بعضها من عالم الأمر والتدبير : ( @QUR@05 قل الروح من أمر ربي )، ~~(1) وبعضها من عالم الخلق والتصوير : ( @QUR@08 ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم ~~قلنا للملائكة اسجدوا )، (2) فالحدوث والتجدد ، انما يطرءان لبعض شأنها ، ~~فنقول لما كانت للنفس ترقيات وتحولات من نشأة اولى إلى ثانية وإلى ما بعدها ~~، فإذا ترقت وتحولت من عالم الخلق إلى عالم الأمر ، يصير وجوده وجودا عقليا ~~إلهيا لا يحتاج حينئذ إلى البدن وأحواله واستعداده ، فزوال استعداد البدن ~~إياها لا يضرها دواما وبقاء إذ ليس حال النفس في أول حدوثها كحالها عند ~~الاستكمال ومصيرها إلى العقل الفعال ، فهي بالحقيقة جسمانية الحدوث روحانية ~~البقاء ، ومثالها كمثال الطفل وحاجته إلى الرحم أولا والاستغناء عنه أخيرا ~~، وكمثال الصيد والحاجة في اصطياده إلى الشبكة أولا والاستغناء في بقائه ~~عنها أخيرا ، ففساد الرحم والشبكة لا ينافي بقاء المولود والصيد ولا يضره. PageV01P149 # ثم اعلم أن العلة المعدة عند التحقيق علة بالعرض ، وليست عليتها كعلية ~~العلل الموجبة حتى يقتضي زوالها زوال المعلول. وما ذكروه من قولهم كل ما لا ~~حامل لإمكان وجوده وعدمه ، فإنه لا يمكن أن يوجد بعد العدم ، ولا أن يعدم ~~بعد الوجود ، لا ms083 يستلزم القول بأن ما لا حامل لإمكان وجوده وعدمه ، فإنه لا ~~يمكن أن يوجد بعد الوجود ، إذ ربما يكون وجوده السابق كافيا في رجحان وجوده ~~اللاحق على عدمه ، فلا يحتاج في وجوده البقائي إلى حامل وقابل لإمكانه. # ومن نظر وأمعن في مراتب الأكوان الخلقية الإنسانية قبل حدوث النفس ، وجد ~~أن مادة النطفة أي حامل إمكان الصورة الجمادية النطفية ، بعد أن تصورت ~~بصورتها واستكملت بها ، زال عنها ذلك الإمكان ولم يزل عنها تلك الصورة ، بل ~~صارت أقوى وأكمل مما كانت أولا ، حيث صارت صورة نباتية بحسب إمكانها ~~الاستعدادي النباتي. وصورة النبات ، لا تقصر عن فعل الجماد أيضا ، وكذا ~~الحال في صيرورتها صورة حيوانية ، لما حقق في موضعه أن هذه الاستكمالات ~~المترادفة والانقلابات ليس إلا ضربا من الاشتداد الجوهري ، لا بأن تفسد ~~صورة وتحدث صورة اخرى مباينة للاولى ، كيف والحكماء أثبتوا للطبائع حركة ~~حبية إلى غايات ذاتية البتة ، ولكل ناقص شوقا غريزيا إلى كماله. # وكل ناقص إذا وصل إلى كماله اتحد به وصار وجوده وجودا آخر ، وهذه الحركة ~~الحبية في هذا النوع الإنساني إلى جانب القدس معاين مشهود لصاحب البصيرة ، ~~فإذا بلغت النفس الإنسانية في استكمالاتها وتوجهاتها إلى مقام العقل واتحدت ~~بالعقل الفعال بعد أن كانت عقلا منفعلا ، اطلقت عن المادة والحدثان وتجردت ~~عن القوة والإمكان ، وصارت باقية ببقاء الله سبحانه من غير تغيير وفقدان. # وبالجملة تحقيق هذا المبحث وتنقيحه ، إنما يتيسر لمن علم كيفية اتحاد ~~النفس بالعقل الفعال ومصيرها إلى العقل الفعال ، وكل ميسر لما خلق له. ~~انتهى كلامه رحمه الله . (1) # وقال أيضا في الشواهد الربوبية : الإشراق السادس في حدوث النفس الإنسانية ~~، اعلم أن نفس الإنسان جسمانية الحدوث ، روحانية البقاء ، إذا استكملت خرجت ~~من القوة إلى PageV01P150 # الفعل. # والبرهان عليه أن كل مجرد عن المادة لا يلحقه عارض غريب ، لما مر من أن ~~جهة القوة والاستعداد راجعة إلى أمر هو في ذاته قوة صرفة تتحصل بالصور ~~المقومة له ، وما هو إلا الهيولى الجرمانية فيلزم من فرض تجرد النفس عن ~~المادة اقترانها بها ms084 ؛ هذا خلف ، وستعلم بطلان التناسخ ، فإذن يكون حادثة. # وهذا البرهان غير مبني على أن النفوس الإنسانية متحدة بالنوع ، فيكون ~~أولى مما قيل : إنها لو كانت موجودة قبل الأبدان ، لم تكن متكثرة ولا واحدة. # أما الأول : فلأن الامتياز فيما له حد نوعي إما بالمواد أو لعوارضها أو ~~بالفاعل أو بالغاية ، والعلل منحصرة في هذه ، والنفوس صورتها ذاتها ~~لاتحادها في النوع ، وفاعلها أمر واحد ، وغايتها الاتصال به والتشبه له ، ~~فيكون تكثرها إما بالمادة أو بما في حكمها كالأبدان وقد فرضت مفارقة ؛ هذا خلف. # وأما الثاني : فلأن قبول الكثرة بعد الوحدة من خواص المقادير وعوارضها ، ~~والنفس ليست كذلك. ### | شك وتحقيق # ولك أن تقول : هذا مما يلزمك في النفوس ، بعد مفارقتها عن الأبدان ، فما ~~الفارق؟ # فنقول : المميز فيها عند القوم هي الهيئات المكتسبة في الأبدان ، وعندنا ~~بأنحاء الوجودات ، لأن تشخص كل وجود بنفس ذاته المتقوم بجاعله ، وقد علمت ~~أن النفوس والصور التي هي مبادئ الفصول للأجسام ليست إلا أنحاء من وجود ~~المواد وما هي كالمواد ، ولها امور سابقة ، هي مخصصات المادة ومعدات وجود ~~عقيبها (1)، ولها امور لا حقة هي عوارضها اللازمة لذواتها المتعينة ~~بأنفسها. فقد علم أن المادة المشتركة أو الماهية النوعية ، تفتقر في تخصصها ~~وتميزها بوجود دون وجود إلى لواحق ومميزات سابقة ، فكذا في تخصصها بتلك ~~السابقة إلى سابقة اخرى. وأما إذا وجد فرد من ماهيته فانعدام المعد المخصص ~~، لا يقدح في بقائه إذا لم يكن له ضد. PageV01P151 # فالجواهر النطقية بعد وجودها وتجردها عن المواد هي كسائر المفارقات ~~الصورية ، لا ضد لها ، إذ لا قابل لها ، فتبقى ببقاء مبدئها ومعيدها (1)، ~~ولو لم يكن فيها من المميزات إلا شعور كل منها بهويتها ، لكفى فضلا عن ~~الصفات والملكات والأنوار الفائضة عليها من المبادئ. انتهى ما قصدنا نقله ~~من كلامه رحمه الله . (2) # وأقول : وبالله التوفيق ، إن الدليل الأول الذي ذكرناه على هذا المطلب ~~دليل واضح ، إلا أن إتمامه يتوقف على دفع ما أورده الإمام فيها من الشبهة ~~وذكرها صاحب المحاكمات أيضا ، فإن الظاهر أن تلك الشبهة ms085 ترد عليه أيضا ~~ظاهرا وتندفع بما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. PageV01P152 ### | في توجيه حجج أفلاطون # وأما الحجج الثلاث التي ذكرنا أن أفلاطون اعتمد عليها في هذا المطلب ، ~~فهي حجج واضحة بعد التأمل عند من كان له قلب أو القى السمع وهو شهيد ، سواء ~~بني الاحتجاج بها على مذهب أفلاطون وشيعته من قدم النفس ، (1) أو على مذهب ~~من قال بحدوثها قبل البدن كما هو رأي بعض المليين. # حيث إن المنقول عن أفلاطون وشيعته قدم النفس ، إما بناء على الدليل الذي ~~دل عندهم على قدم العالم ، وكان ذلك جاريا بزعمهم في النفس أيضا كما هو ~~الاحتمال. # وإما بناء على الدليل الذي قام عندهم على قدم خصوص النفس كما نقله صاحب ~~المحاكمات عنهم حيث قال : # واعلم أن أفلاطون وأتباعه ، إنما ذهبوا إلى قدم النفس لأجل أنهم ما فرقوا ~~بين إمكان الحدوث وإمكان العدم في استدعاء المادة. وعلموا أن النفس غير ~~مادية فقطعوا بأنها قديمة ، لأنها لو كانت محدثة ، كانت لها مادة فامتنع ~~حدوثها كما لم يمكن عدمها لذلك ، ولأن النفس لما كانت عاقلة لذاتها ، لا ~~يجوز أن يكون إمكان وجودها في مادة وإلا لتوقف وجود النفس على المادة ، فلا ~~تعقل بذاتها ، وإذا لم يمكن إمكان وجودها في مادة لم يمكن أن يكون فسادها ~~في مادة ، وإلا لكان وجودها يتوقف على عدم الاستعدادات العدمية. انتهى. # وكذا إذا بني الاحتجاج بها على مذهب من قال بحدوثها بحدوث البدن كما هو ~~رأي الأكثرين منهم ، وسيجيء تحقيقه ، إلا أنه على هذا التقدير ، يرد على ~~تلك الحجج تلك PageV01P153 # الشبهة أيضا ، وتندفع بما سيأتي بيانه. # أما بيان تلك الحجج الثلاث على القول بقدم النفس فظاهر ، حيث إنهم قالوا ~~بأن ما ثبت قدمه امتنع عدمه كما بينا الوجه فيه فيما سبق ، وعلى هذا وإن ~~كان لا احتياج في إثبات بقاء النفس إلى تلك الحجج ، إلا أن أفلاطون كأنه ~~اعتمد فيه عليها ، إشارة إلى برهان آخر أو تأكيدا للبرهان المبني على قدمها ~~، ولعله رام أن النفس الناطقة شيء لا يمكن ms086 أن يطرأ عليه الفساد ، لا من جهه ~~علته المفيضة التامة ولا من جهة ذاته بذاته. # أما من الجهة الاولى فلأنها قديمة ، والقديم لا يمكن أن يطرأ عليه الفساد ~~، لأن طروءه عليه يستلزم طروءه على الواجب بالذات تعالى شأنه كما مر تقريره ~~، وهو محال. ### ||| ** أما من الجهة الثانية فلوجوه : # أحدها وهو الحجة الثانية المنقولة عنه : أن النفس لا رداءة فيها ، أي لا ~~قوة فساد فيها ، إذ تلك القوة تابعة للمادة كما تقرر في موضعه ، وإذ ليس ~~فيها قوة فساد ، بل هي فعلية محضة ، وصورة مطلقة ، فلا يمكن أن يطرأ عليها ~~الفساد بوجه ، إذ الشيء لا يمكن أن يكون محلا لفساد نفسه. # وعلى هذا فيؤول هذا البرهان إلى البرهان الأخير ، الذي ذكره الشيخ في ~~الشفاء ، ولخصه في الإشارات على عدم إمكان فساد ذات النفس مطلقا ، وسيأتي ~~زيادة توضيح له. # أو أنه لا رداءة في النفس أي لا يتطرق إليها العدم والفناء ، إذ لا ضد ~~لها فإن الضد إنما يتصور فيما كان له موضوع أو مادة والمفروض أن ليس لها في ~~ذاتها ذلك وما لا ضد له لا يمكن أن يطرأ عليه الفساد مع كون علته التامة ~~باقية بذاتها. # وثانيها وهو الحجة الاولى له : أن النفس تعطى حياة ما هي متعلقة به ~~كالبدن ، ومفيد الحياة لا يمكن أن يكون فاقدا لها ، بل ينبغي أن يكون واجدا ~~لها من ذاته ، فينبغي أن تكون الحياة ذاتية للنفس حتى كأنها حياة. # ولذلك أطلق بعض الحكماء أن النفس حياة للبدن ، والذاتي للشيء لا يمكن أن ~~يزول عنه ، فلا يمكن أن يطرأ على النفس التي هي منشأ الحياة بل الحياة ~~نفسها ، ما هو ضدها أعني الموت. # نعم لو كان شيء ما من الأشياء بحيث يكون الحياة عارضة له كالجسم ، أمكن ~~أن تزول PageV01P154 # عنه الحياة بطروء ضدها ، وحينئذ فما ورد في الشرع ، وكذا في كلام الحكماء ~~من موت النفس ، إشارة الى قطع تعلقها عن البدن. وزوال الحياة عن البدن ~~بزوال ما هو منشأ الحياة عنه ، وعلى هذا فإطلاق الموت ms087 على موت البدن بمعنى ~~وعلى موت النفس بمعنى آخر. # وهذا كالوجود عند أفلاطون وشيعته ، حيث ذهبوا إلى أنه متأصل في الوجود ، ~~والماهية عارضة له ، وربط الوجود بالماهية إنما هو عبارة عن عروض الماهية ~~له ، لا أن الوجود أمر انتزاعي عارض للماهية كما هو رأي آخرين. # فإنه على مذهب أفلاطون وأتباعه لا معنى لانعدام الوجود في نفسه ، لأنه ~~غير معقول ، بل المعدوم هو الماهية بزوال الوجود فيها واتصاله بأصله ، وكذا ~~يطلق العدم على عدم الماهية بمعنى ، وعلى عدم الوجود بمعنى آخر. # وثالثها وهو الحجة الثالثة له : أن النفس دائما متحركة من ذاتها حركة ~~روية وجولان ، إما إلى المبادئ العالية فتستكمل وتستفيد وتستنير ، وإما إلى ~~البدن فتفيد وتكمل وتنير. فشأنها في ذاتها إما إفادة الكمال أو استفادته ~~حتى كأنها حركة نحو الكمال ، ولذلك أطلق عليها أفلاطون في بعض كلماته أنها ~~حركة ، وعلى هذا فيكون تلك الحركة الكمالية ذاتية له ، وإذا كان كذلك ~~فذاتها لا تقبل النقص ، فلا تقبل الفساد ، إذ هو فوق النقص. # وإذا عرفت ما ذكرنا ، عرفت أن الحجة الاولى والثالثة وكذا الثانية على ~~التقرير الأخير ترجع كلها إلى معنى واحد ، وهو أن النفس الناطقة لا ضد لها ~~فلا تقبل الفساد ، لكن التقرير مختلف ، فإن الحجة الاولى مبنية على أنها ~~حياة ، والثانية على أنها ليس لها رداءة ، والثالثة على أنها كمال. # وأيضا الاولى مبنية على النظر في النفس من جهة كونها متعلقة بالبدن ومنشأ ~~حياة له ، والثالثة على النظر فيها في نفسها من غير نسبتها إلى البدن ~~بخصوصه. # وهذا الذي ذكرنا ، هو تقرير تلك الحجج الثلاث على رأي أفلاطون وشيعته ~~القائلين بقدم النفس ، وإن كان القول به غير صحيح في نفسه ، حيث إن الشبهة ~~التي دعت الفلاسفة إلى القول بقدم العالم ، شبهة داحضة ، قد قررنا بطلانها ~~بما لا مزيد عليه في الرسالة التي ألفناها في بيان حدوث العالم. # وكذلك ما أسنده صاحب المحاكمات ، إلى القائل بقدم النفس من عدم الفرق بين ~~إمكان الحدوث وإمكان العدم في استدعاء المادة إلى آخر ما ms088 نقله ، سيجيء ~~إبطاله في بيان PageV01P155 # دفع شبهة الإمام ، مع أنه يرد على هؤلاء القائلين ، وكذا على القائلين ~~بحدوث النفس قبل البدن مفاسد ، سنشير إليها في مبحث إثبات حدوث النفس بحدوث ~~البدن إن شاء الله تعالى. # ومما ذكرنا يظهر تقرير تلك الحجج الثلاث على مذهب من قال بحدوث النفس قبل ~~البدن ، وعدم ورود شيء عليها ، وإن كان هذا المذهب أيضا غير صحيح كما سيأتي بيانه. # وكذا يظهر تقريرها على مذهب من قال بحدوث النفس بحدوث البدن ، لكنه مما ~~يرد عليه اعتراض الإمام ظاهرا حتى نأتي على بيان اندفاعه إن شاء الله تعالى. # ثم إن ما ذكره الشيخ في الشفاء أولا من الدليل على عدم فساد النفس بحدوث ~~البدن ، حيث بنى الكلام على ثلاثة احتمالات وأبطل كلها ، ظاهر متضح ، إلا ~~أنه يرد على ما ذكره في الاحتمال الثالث من أن فساد البدن ، لو كان بفساد ~~النفس ، لكان يجب أن تفسد النفس أولا ثم يتبعه فساد البدن ، وهذا باطل ، ~~لأن فساد البدن إنما يكون بسبب يخصه من تغير المزاج والتركيب. ### | إيراد سؤال على كلام الشيخ في الشفاء مع جوابه # سؤال ينبغي التعرض له ولجوابه. بيان السؤال : أنه لو كانت النفس علة ~~ذاتية للبدن كما هو المفروض في ذلك الاحتمال ، فلم لا يجوز أن يكون فساد ~~البدن بسبب فساد النفس؟ حيث إن زوال المعلول يكون بزوال علته ، لا بد لنفي ~~ذلك من دليل. # فإن قيل : الدليل عليه كما يشعر به كلام الشيخ ، أنا نعلم قطعا أن فساد ~~البدن إنما يكون بسبب يخصه كتغير المزاج والتركيب ، لا بسبب آخر أيضا كفساد ~~النفس. والحاصل أن زوال المعلول وإن أمكن أن يكون بزوال علته لكنه لا ينحصر ~~فيه بل يمكن أن يكون بوجه آخر أيضا والحال فيما نحن فيه كذلك ، لأنا نعلم ~~قطعا أن فساد البدن إنما يكون بتغير المزاج والتركيب ، لا بسبب فساد النفس. # قلنا : هذا الحصر غير مسلم ، وعلى تقدير تسليمه فتغير المزاج والتركيب ~~لعله كان سببا قريبا لفساد البدن ، وكان السبب لهذا التغير هو ms089 فساد النفس ، ~~وكان هو سببا بعيدا لفساد البدن ، فإن الحافظ للمزاج والتركيب هو النفس ، ~~والتغير فيهما هو زوال ذلك الحفظ ، وهو إنما يكون بزوال علته الحافظة أي النفس. PageV01P156 # يدل على ما ذكرنا كلام الشيخ في الكتابين ، حيث قال في الشفاء في فصل ~~جوهرية النفس بهذه العبارة : # «فالنفس التي لكل حيوان ، هي جامعة اسطقسات بدنه ومؤلفها ومركبها على نحو ~~يصلح معه أن يكون بدنا لها وهي حافظة لهذا البدن على النظام الذي ينبغي ، ~~فلا يستولي عليه المغيرات الخارجة ما دامت النفس موجودة فيها.» (1) # وقال في النمط الثالث من الإشارات في بيان أن نفس الإنسان غير الجسمية ~~والمزاج بهذه العبارة : # «ولأن المزاج واقع فيه بين أضداد متنازعة إلى الانفكاك ، إنما يجبرها على ~~الالتيام والامتزاج قوة غير ما يتبع التيامها من المزاج ، وكيف وعلة ~~الالتيام وحافظه قبل الالتيام فكيف لا يكون قبل ما بعده أي المزاج. وهذا ~~الالتيام كما يلحق الجامع الحافظ وهن أو عدم يتداعى إلى الانفكاك ، فأصل ~~القوى المدركة والمحركة والحافظة للمزاج شيء آخر لك أن تسميه النفس وهذا هو ~~الجوهر الذي يتصرف في أجزاء بدنك ثم في بدنك انتهى.» (2) وما نقلناه عنه في ~~الكتابين نص فيما ذكرنا. # فإن قيل : لا يمكن أن يكون تغير المزاج والتركيب مسببا عن فساد النفس ، ~~لأنه لا سترة في أن تغيرهما لكونه استحالة وحركة في الكيف زماني تدريجى ، ~~وحينئذ نقول : لو كان ذلك التغير مسببا عن فساد النفس ، لكان يجب أن يكون ~~فساد النفس أيضا تدريجيا ، لوجوب المناسبة بين العلة ومعلولها ، والتدريج ~~يستدعي حركة في زمان واقعة على مادة تقبل الحركة التدريجية كما حقق في ~~موضعه والمفروض كون النفس مجردة غير ذات مادة في ذاتها ، وإن فرض تلك ~~المادة ، هي مادة البدن كما في الحركات النفسانية ، حيث إن النفس وإن كانت ~~مجردة عنها في ذاتها ، لكنها محتاجة إليها في فعلها ، كان هذا الفرض منافيا ~~لما هو المفروض منها حيث إن المفروض في ذلك الاحتمال الثالث ، هو فساد ~~البدن بفساد النفس لا العكس ، حتى يمكن أن ms090 يكون فساد النفس تدريجيا تابعا ~~لفساد البدن أي لفساد مزاجه وتركيبه الذي هو تدريجي. # قلنا : سلمنا ذلك لكنا نقول : فما وجه الجمع بين كلامي الشيخ أي الكلام ~~الذي ذكره في PageV01P157 # الاحتمال الثالث وما نقلناه عنه في الكتابين؟ # وأيضا فما معنى قوله فيما نقلناه عنه في الكتابين ، إن حافظ المزاج ~~والتركيب هو النفس؟ # وما ذكره في الاحتمال الثاني من تلك الاحتمالات الثلاثة أن المزاج والبدن ~~علة بالعرض للنفس كما حققه ، وهذا بيان السؤال. ### | نقل كلام عن المحقق الطوسي للتمهيد لبيان الجواب # وأما بيان الجواب فيستدعي تمهيد مقدمة : هي أنه قال المحقق الطوسي ~~رحمه الله في ذيل ما نقلنا عن الشيخ في الإشارات آنفا : وقد يرد على هذا ~~الموضع سؤال مشهور ، وهو أن يقال : إنكم قلتم : إن المركبات إنما تستعد ~~لقبول صورها من مبدئها بحسب أمزجتها المختلفة ، ويجب من ذلك تقدم الأمزجة ~~على تلك الصور ، والآن تقولون : إن النفس التي هي صورة الحيوان جامعة ~~لاسطقساته ، والجامع للاسطقسات يجب أن يكون متقدما على المزاج وهذا تناقض. (1) # وأجاب الفاضل الشارح عن ذلك أن الجامع لأجزاء النطفة نفس الوالدين ، ثم ~~إنه يبقى ذلك المزاج في تدبير نفس الام إلى أن يستعد لقبول نفس ، ثم إنها ~~تصير بعد حدوثها حافظة له وجامعة لسائر الأجزاء بطريق إيراد الغذاء. (2) # وقال (3) في رسالته المشتملة على أجوبة مسائل المسعودي : # واعلم أن الجامع لتلك العناصر غير الحافظ لذلك الاجتماع ، ولما كتب ~~بهمنيار إلى الشيخ وطالبه بالحجة على أن الجامع للعناصر في بدن الإنسان هو ~~الحافظ لها فقال الشيخ : كيف ابرهن على ما ليس ، فإن الجامع لأجزاء بدن ~~الجنين هو نفس الوالدين والحافظ لذلك الاجتماع أولا القوة المصورة لذلك ~~البدن ، ثم نفسه الناطقة. ثم قال : وتلك القوة ليست قوة واحدة باقية في ~~جميع الأحوال ، بل هي قوى متعاقبة بحسب الاستعدادات المختلفة لمادة الجنين. # وبالجملة فإذن تلك المادة تبقى في تصرف المصورة ، إلى أن يحصل تمام ~~الاستعداد PageV01P158 # لقبول النفس الناطقة ، فحينئذ يوجد النفس. فهذا ما قال هذا الفاضل فيه. # أقول : وقال الشيخ في ms091 الفصل الثالث من المقالة من علم النفس في الشفاء : ~~فالنفس التي لكل حيوان هي جامعة اسطقسات بدنه ومؤلفها ومركبها على نحو يحصل ~~معه أن يكون بدنا لها ، وهي حافظة لهذا البدن على النظام الذي ينبغي. (1) # فقول الشيخ في الشفاء والإشارات ، يخالف ما ذهب إليه الفاضل الشارح هاهنا ~~وما نقله عن الشيخ في رسالته. # وأيضا إن كانت نفس الام مدبرة للمزاج فكيف فوضت التدبير بعد مدة إلى ~~الناطقة ، وإنما يجري أمثال هذا بين فاعلين غير طبيعيين يفعلان بإرادات ~~متجددة ، وإن كانت القوة المصورة مدبرة ، والمصورة من القوى الخادمة للنفس ~~التي تكون بمنزلة آلات لها ، فكيف حدثت المصورة قبل حدوث النفس التي هي ~~مخدومتها ، وكيف فعلت بذاتها ، فإن الآلة ليس من شأنها أن تفعل من غير ~~مستعمل إياها ، وما يقتضيه القواعد الحكمية التي أفادها الشيخ وغيره ، هو ~~أن النفس الأبوين تجمع بالقوة الجاذبة أجزاء غذائية ، ثم تجعلها أخلاطا ، ~~وتفرز منها بالقوة المولدة مادة المني ، وتجعلها مستعدة لقبول قوة من شأنها ~~إعداد المادة لصيرورتها إنسانا ، فتصير بتلك القوة منيا ، وتلك القوة تكون ~~صورة حافظة لمزاج المني ، كالصور المعدنية ، ثم إن المني يتزايد كمالا في ~~الرحم بحسب استعدادات يكتسبها هناك إلى أن يصير مستعدا لقبول نفس أكمل يصدر ~~عنها مع حفظ المادة الأفعال النباتية ، فتجذب الغذاء وتضيفها إلى تلك ~~المادة فتنميها ويتكامل المادة بتربيتها إياها فتصير تلك الصورة مصدرا مع ~~ما كان يصدر عنها لهذه الأفاعيل ، وهكذا إلى أن تصير مستعدة لقبول نفس أكمل ~~يصدر عنها مع جميع ما تقدم الأفعال الحيوانية أيضا فيصدر عنها تلك الأفعال ~~أيضا ، فيتم البدن ويتكامل إلى أن يصير مستعدا لقبول نفس ناطقة يصدر عنها ~~مع جميع ما تقدم النطق ، وتبقى مدبرة في البدن إلى أن يحل الأجل. # وقد شبهوا تلك القوى في أحوالها من مبدأ حدوثها إلى استكمالها نفسا مجردة ~~بحرارة تحدث في فحم من نار مشتعلة تجاوره ثم تشتد ، فإن الفحم بتلك الحرارة ~~يستعد لأن يتجمر ، وبالتجمر يستعد لأن يشتعل نارا شبيهة بالنار المجاورة ، ~~فمبدأ الحرارة الحادثة ms092 في الفحم ، كتلك الصورة الحافظة ، واشتدادها كمبدإ ~~الأفعال النباتية ، وتجمرها كمبدإ PageV01P159 # الأفعال الحيوانية ، واشتعالها نارا كالناطقة ، وظاهر أن كل ما يتأخر ~~يصدر عنه مثل ما يصدر عن المقدم وزيادة ، فجميع هذه القوى كشيء واحد متوجه ~~من حد ما من النقصان إلى حد ما من الكمال ، واسم النفس واقع منها على ~~الثلاث الأخيرة ، فهي على اختلاف مراتبها نفس لبدن المولود. # وتبين من ذلك أن الجامع للأجزاء الغذائية الواقعة في الجنين ، هو نفس ~~الأبوين وهو غير حافظها. والجامع للأجزاء المضافة إليها إلى أن يتم البدن ~~وإلى آخر العمر ، والحافظ للمزاج هو نفس المولود ، وقول الشيخ : «إنهما ~~واحد» بهذا الاعتبار ، وقوله «إن الجامع غير الحافظ» بالاعتبار الأول. # وبالجملة فالغرض هاهنا على التقديرين أعني أن يكون الجامع والحافظ شيئين ~~أو شيئا واحدا حاصل لأن المزاج محتاج إلى شيء آخر هو النفس ، سواء كانت نفس ~~ذلك البدن أو نفسا اخرى. انتهى كلامه رحمه الله . # وقال صدر الأفاضل في الشواهد الربوبية : اعلم أن الحكماء جعلوا المولدة ~~والمصورة وغيرهما قوى للنفس الإنسانية ، والنفس حادثة بعد حدوث المزاج ~~وتمام صور الاعضاء ، واستشكل هذا بعض الناس بأن القول باستناد صور الأعضاء ~~إلى المصورة قول بحدوث الآلة قبل ذي الآلة وفعلها بنفسها من غير مستعمل ~~إياها وهو ممتنع. (1) # فأجيب عنه تارة بعدم تسليم حدوث النفس لجواز قدمها ، كما ذهب إليه بعض ~~الفلاسفة وتارة بحدوثها قبل البدن ، كما هو رأي بعض المليين ، وتارة بعدم ~~جعل المصورة من قوى النفس المولود الحيواني ، بل من قوى النفس النباتية ~~المغايرة لها بالذات كما هو رأي البعض ، وتارة بتصييرها من قوى نفس الام. # وشيء من هذه الوجوه لا يسمن ولا يغني ، وهكذا اضطرب كلامهم في أن الجامع ~~لأجزاء البدن هل هو الحافظ لها أم لا؟ وفي أنه نفس المولود أم لا؟ فذهب ~~الإمام الرازي إلى أن الجامع نفس الأبوين ثم يبقى ذلك المزاج في تدبير نفس ~~الأم إلى أن يستعد لقبول نفس ، ثم إنها تصير بعد حدوثها حافظة له وجامعة ~~لسائر الأجزاء بطريق إيراد الغذاء. ms093 ونقل عن الشيخ الرئيس لما طالبه بهمنيار ~~بالحجة على أن الجامع للعناصر في بدن الإنسان هو الحافظ لها؟ أنه قال : ~~«كيف ابرهن على ما ليس». PageV01P160 # وبناء هذه الأقوال كلها على عدم العثور والاطلاع على كيفية الحركات ~~الجوهرية ، وكيفية تجدد الصورة على المادة وتلازمهما. وقد مرت الإشارة إلى ~~أن المادة باستعدادها علة مصححة لتشخص الصورة ، والصورة بجوهرها العقلي علة ~~موجبة لمادة غير الاولى ، بل لبقائها. وهكذا تسلسلت المواد بالصور والصور ~~بالمواد ، فالجامع في كل حين غير الحافظ ، لأن الأول معد ومحرك بحسب تحركه ~~، والثاني موجب ممسك حسب ثباته وبقائه ، وهكذا في كل صورة طبيعية أو ~~نفسانية ، إذ لها جهتان جهة حدوث وتجدد بواسطة تعلقه بالمادة التي شأنها ~~الانصرام ، وجهة بقاء ودوام لأجل تعلقه بالواجب القيوم ، فالمقوم من الصورة ~~للمادة غير المتجدد فيها بوجه ، وعينه بوجه ، كما نبهناك عليه مرارا. # ثم إن العلامة الطوسي بعد أن زيف قول الشارح القديم للإشارات بأن تصرف ~~نفس المولود في المادة التي تصرفت فيها نفس الوالدين ، وتفويض التدبير من ~~قوة أو نفس بعد مدة إلى اخرى مستحيل. لأن تفويض أحد الفاعلين مادة صنعه إلى ~~فاعل آخر ينوب عنه في تتميم فعله ، إنما جاز في الأفاعيل غير الطبيعية بين ~~فاعلين يفعلان بإرادة دون الطبيعية. # أجاب عن أصل الإشكال بأن ما يقتضيه القوانين الحكمية أن نفس الأبوين تفرز ~~من مواد الغذاء بقوتها المولدة مادة مستعدة لقبول قوة من شأنها إعداد ~~المادة وتصييرها انسانا بالقوة ، وهي صورة حافظة لمزاج المني كالصورة ~~المعدنية ، ثم المني يتزايد كمالا في الرحم بحسب استعدادات يكتسبها إلى أن ~~يصير مستعدا لقبول نفس أكمل يصدر عنها مع حفظ المادة الأفعال النباتية ، ~~وهكذا إلى أن يصير مستعدا لقبول نفس أكمل يصدر عنها مع جميع ما تقدم ~~الأفعال الحيوانية ، فيتم البدن ويتكامل إلى أن يستعد لقبول نفس ناطقة يصدر ~~عنها مع ما تقدم النطق وتبقى مدبرة إلى أن يحل الأجل. (1) # وقال : فبين أن الجامع للأجزاء الغذائية الواقعة في الجنين هو نفس ~~الأبوين ، وهو غير حافظها ، والجامع للأجزاء ms094 المنضافة إلى أن يتم البدن ~~وإلى آخر العمر والحافظ للمزاج هو نفس المولود. # فقول الشيخ : «إنهما واحد» بهذا الاعتبار ، وقوله : «ان الجامع غير ~~الحافظ» بالاعتبار الأول. PageV01P161 # هذا تلخيص ما ذكره وفيه امور صحيحة ، إلا أنه لم يتبين منه ما تحيروا فيه ~~من أن هذه الأفاعيل المترتبة ، من الحفظ والتغذية والتصوير والإنماء ~~والإحساس والنطق ، أهي كلها صادرة من كلمة فاعلة ، لها قوى متعددة متجددة ~~الحدوث ، أو هي كلمات فعالة متعددة متفاضلة في الكمال ، فإن كان الأول ~~فيلزم حدوث الناطقة مع حدوث النطفة فتكون معطلة عن فعلها الخاص مدة ، وهذا ~~يخالف قواعدهم ، وإن كان الثاني يلزم عليه ، ما يلزم به الشارح القديم ، من ~~تفويض أحد الفاعلين الطبيعيين تدبير موضوعه إلى الآخر ، وإن كان هناك فساد ~~صورة سابقة وتكون صورة لا حقة ، فكيف انجر تكامل الاستعداد إلى الفساد ، ~~والفطرة حاكمة بأن التوجه إلى الكمال ينافي الفساد والاضمحلال ، فقوة واحدة ~~لمادة واحدة لا تفعل فعلين متناقضين فيها. # وأما ما ذكره الأطباء من أن الحرارة الغريزية توجب الحياة والموت جميعا ~~فوجه ذلك أن فعل تلك الحرارة ليس بالذات إلا تقليل الرطوبات. وهذا التقليل ~~نافع في حفظ الحياة ما دامت الرطوبات زائدة في بدن الحي ، ضار ما دامت ~~ناقصة ، ففعلها شيء واحد دائما وكل واحد من النفع والضر ، فعلها بالعرض ، ~~وأما فعل المصورة في مادتها فليس إلا التكميل والحفظ. وكل من له قدم راسخ ~~في الحكمة يعرف أن الأفاعيل الطبيعية نحو شيء مناف لها مضادة ، بل الأشياء ~~كلها طالبة للخير الأقصى ، كما يشهد به الكشف الأتم ، فالتحقيق في هذا ~~المقام يتوقف على ما لوحنا إليه سابقا من حال اشتداد الطبيعية وسلوكها ~~الجوهري الاتصالي ، حسب ما يقتضيه البراهين المشرقية. انتهى كلامه رحمه الله . # وأقول لا يخفى عليك أن التحقيق الذي ذكره المحقق الطوسي رحمه الله ، تحقيق ~~أنيق ، ينبغي أن يكون عليه المعول في جواب ذلك السؤال المشهور الذي أورده ، ~~إلا أن هاهنا امورا ينبغي التنبيه عليها. PageV01P162 ### | في امور ينبغي التنبيه عليها هنا : [الأمر الأول] # منها أنه قال ms095 : في قول الشيخ «ولأن المزاج واقع فيه بين أضداد متنازعة ~~إلى آخره» بهذه العبارة : # وهذا استدلال بوجود المزاج نفسه وبقائه على وجود النفس ، وهو أن المزاج ~~كما مر إنما يحدث بين اسطقسات متضادة متنازعة إلى الانفكاك لاختلاف ميولها ~~وإلى امكنتها ، فهو محتاج أولا إلى شيء يجمعها بالقسر حتى تمتزج وتلتئم بعد ~~الاجتماع ، ثم تتفاعل ، فيحدث بعد ذلك المزاج ، وإلى شيء يحفظ الاسطقسات ~~بالقسر مجتمعة ليبقى المزاج موجودا ، وإلا تفرقت بحسب طبائعها فانعدم ~~المزاج ، فالمزاج المستمر الوجود محتاج إلى جامع وحافظ ، أحدهما سبب وجوده ~~والثاني سبب بقائه ، وهما متقدمان على الالتيام المتقدم على المزاج ، وهذا ~~هو المراد من قوله : «وكيف وعلة الالتيام وحافظه قبل الالتيام فكيف لا يكون ~~قبل ما بعده» أي وكيف وعلة الالتيام وحافظه تكون ما قبل الالتيام المستمر ~~الوجود ، فكيف لا يكونان قبل المزاج الباقي الذي هو بعد الالتيام ، وهذا ~~الالتيام يتداعى إلى الانفكاك عند لحوق الجامع أو الحافظ وهن بالأمراض ~~المنهكة أو عدم بالموت لارتفاع المعلول عند ارتفاع العلة. وهذا استدلال ~~مؤكد للذي قبله باعتبار المشاهدة ، فإذن هناك شيء هو الجامع والحافظ للمزاج ~~وهو الشيء الذي صار المركب به إنسانا. انتهى. (1) # فيستفاد مما ذكره أن ذلك الجامع كما أنه جامع بالقسر لذوات تلك الاسطقسات ~~، كذلك هو جامع كذلك للمزاج الذي هو يحدث بعد اجتماعها وتفاعلها ، وكذلك ذلك PageV01P163 # الحافظ كما أنه حافظ لتلك الاسطقسات مجتمعة أي لاجتماعها كذلك هو حافظ ~~للمزاج. فيظهر من ذلك توجيه اختلاف إطلاقات كلام الشيخ في الشفاء والإشارات ~~حيث إنه في الإشارات. # قال : أولا إن تلك القوة إنما تجبر الأضداد المتنازعة على الالتيام ~~والامتزاج فأشار به إلى أنها جامعة لتلك الاسطقسات على الالتيام. # ثم قال : «وكيف وعلة الالتيام وحافظه قبل الالتيام» فأشار به إلى أنها ~~علة الالتيام أي علة جمع الأجزاء على الالتيام ، وكذا هي حافظة للالتيام ، ~~أي حافظة لتلك الأضداد مجتمعة. # ثم قال : «فكيف لا يكون قبل ما بعده» ، إشارة إلى أنها جامعة وحافظة ~~للمزاج أيضا حيث إنه يحدث بعد الالتيام والمفروض أنها ms096 علة للالتيام وحافظة له. # ثم قال : «وهذا الالتيام كما يلحق الجامع الحافظ وهن أو عدم إلى آخره » ، ~~إشارة إلى أنها جامعة وحافظة للالتيام ، أي جامعة للأجزاء على الالتيام ~~وحافظة لذلك أي حافظة للالتيام. # ثم قال : فأصل القوى المدركة والمحركة والحافظة للمزاج شيء آخر تصريحا ~~بأن تلك القوة حافظة للمزاج أيضا. # وحيث إن الشيخ في الشفاء في الكلام الذي نقلنا عنه قال : «فالنفس التي ~~لكل حيوان هي جامعة اسطقسات بدنه مؤلفها ومركبها على نحو يصلح معه أن تكون ~~بدنا لها» ، إشارة إلى أنها جامعة للاسطقسات وجابرة لها على الالتيام ~~والاجتماع ، بل إشارة إلى أنها جامعة للمزاج أيضا فإن جمع الاسطقسات ~~وتأليفها وتركيبها على نحو يصلح معه أن تكون بدنا لها ، لا يتصور إلا بجمع ~~المزاج أيضا أي بجمع الأجزاء التي وقع بينها المزاج ، فإن ذلك النحو الصالح ~~هو المزاج اللائق. # ثم قال : «وهي حافظة لهذا البدن على النظام الذي ينبغي» ، إشارة إلى أنها ~~حافظة للالتيام وللأجزاء مجتمعة ، وكذا هي حافظة للمزاج ، فإن حفظ البدن ~~على النظام الذي ينبغي يشمل هذين جميعا ، فتدبر. # وإذا عرفت ذلك فاعلم أنه يستفاد من كلام المحقق الطوسي هذا حيث قال : «إن PageV01P164 # المزاج محتاج أولا إلى شيء يجمع الاسطقسات بالقسر حتى تجتمع وتلتئم بعد ~~الاجتماع ثم تتفاعل فيحدث بعد ذلك المزاج ، وإلى شيء يحفظ الاسطقسات بالقسر ~~مجتمعة ليبقى المزاج موجودا» ان فعل النفس أولا ، إنما هو جمع الاسطقسات ~~والالتيام بينها ، وأنه يتبع ذلك حدوث المزاج. وكذا فعلها بالذات حفظ ~~الالتيام بين الاسطقسات وحفظها على الاجتماع ، ويتبعه حفظ المزاج وبقاؤه ، ~~فجمع الاسطقسات وحفظها مجتمعة فعل النفس فعلا أوليا وحدوث المزاج وحفظه ~~فعلها أيضا فعلا ثانويا. وبذلك يصح إطلاق أنها جامعة للمزاج ، إذ هي جامعة ~~لما يقع فيه المزاج وكذلك يستفاد مما تقدم ، ومن قوله : «فالمزاج المستمر ~~محتاج إلى جامع وحافظ أحدهما سبب وجوده والثاني سبب بقائه ، وهما متقدمان ~~على الالتيام المتقدم على المزاج» أن ذلك الشيء الجامع من حيث جمع الأجزاء ~~وقسرها على الالتيام ، وحفظها على الاجتماع مدة ms097 يحصل فيها الامتزاج ~~والالتيام والتفاعل بينها سبب لحدوث أصل المزاج ووجوده ، ومن حيث حفظها على ~~الالتيام بعد ذلك سبب لبقاء المزاج وحفظه ، وأن ليس ذلك السبب هو المزاج ~~لتقدمه على الالتيام المتقدم على المزاج ، والمتقدم على المتقدم على الشيء ~~متقدم على ذلك الشيء وعلة له ، فلا يكون نفسه ، فيستفاد منه أن ذلك الجامع ~~من جهة أصل الجمع ، والجمع مدة يحصل فيها المزاج سبب لوجوده وأن الحافظ من ~~جهة حفظ الالتيام بعد ذلك ، سبب لبقائه لا أن الأول علة معدة للثاني علة ~~معدة لا تجتمع مع معلولها في الوجود ويجب تغايرهما كما زعمه صدر الأفاضل ، ~~وحيث كان الأول سببا للوجود والثاني سببا للبقاء ، فجاز اجتماعهما في ~~الوجود بل اتحادهما كما في مراتب كون ذلك السبب نفسا نباتية أو حيوانية أو ~~ناطقة وإن جاز اختلافهما وتغايرهما كما في مرتبة كونه صورة منوية كالصورة ~~المعدنية في حفظ المزاج ، فإن حافظ المزاج وسبب بقائه حينئذ هو تلك الصورة ~~وجامعه وسبب وجوده هو نفس الأبوين كما حققه رحمه الله . وحيث يستفاد منه أن ~~حدوث المزاج وبقاءه أمران متغايران فيمكن أن يدفع بذلك ما يمكن أن يورد على ~~المحقق الطوسي رحمه الله . PageV01P165 ### | دفع إيراد عن المحقق الطوسي رحمه الله # من أن ما أورده هو نفسه على الإمام من الإلزام بتفويض أحد الفاعلين ~~الطبيعيين تدبيره إلى آخر ، وارد عليه أيضا في تفويض نفس الأبوين حفظ ~~المزاج إلى الصورة المنوية التي هي من قوى النفس المولود. # وبيان الدفع أن فعل نفس الأبوين إنما هو أصل الجمع وحفظ الأجزاء إلى أن ~~يحصل المزاج ، وفعل الصورة المنوية إبقاء المزاج وحفظه بعد ذلك ، والفعلان ~~متغايران ، فلم يفوض نفس الأبوين فعلها الخاص بها إلى الصورة المنوية ، بل ~~انقطع فعلها وحدث فعل آخر من فاعل آخر حدث. وهذا بخلاف ما قاله الإمام حيث ~~إنه قال : إن تدبير المزاج من حيث الوجود والبقاء جميعا كان في عهدة نفس ~~الام ، ثم فوضته إلى الناطقة ، ففوضت فعلها الخاص بها إليها ، فتبصر. ### | الأمر الثاني # ومن تلك الامور ms098 التي ينبغي التنبيه عليها ، أن أول كلام المحقق الطوسي ~~رحمه الله في تحقيقه ، وإن كان يوهم أن النفس النباتية والحيوانية والناطقة ~~نفوس متغايرة وذوات مختلفة بالماهية متفاضلة في الكمال ، كما هو رأي بعضهم ~~، لكن التمثيل الذي ذكره لتلك القوى والنفوس في أحوالها من مبدأ حدوثها إلى ~~استكمالها ، وكذا قوله أخيرا : «فجميع هذه القوى كشيء واحد متوجه من حد ما ~~من النقص إلى حد ما من الكمال ، واسم النفس واقع منها على الثلاث الأخيرة ، ~~فهي على اختلاف مراتبها نفس لبدن المولود» يدل على أن هذه النفوس ، بل ~~الصورة الحافظة لمزاج المني أيضا التي هي كالصورة المعدنية كلها بحسب الذات ~~، والحقيقة شيء واحد يتزايد كمالاته بحسب استعدادات يكتسبها في مراتبه. وهو ~~في تلك المراتب باق بحسب الذات من غير فساد أمر من ذاته ولا تكون أمر في ~~ذاته وله قوى متعددة مختلفة بسببها يصير أفعال تلك الذات الواحدة متغايرة ~~مختلفة ، كما هو رأي جمهور الحكماء ، وهو الحق كما سيأتي تحقيقه وكأنه لأجل ~~ملاحظة وحدتها بالذات وتعددها بحسب الأفعال والآثار قال : إنها كشيء واحد ~~ولم يقل إنها شيء واحد. PageV01P166 # ويؤيده أن القول بوحدتها بالذات وتغايرها بحسب القوى والأفعال ، هو ~~الموافق لكلام الشيخ في الكتابين ، حيث إنه في الإشارات (1) في هذا المقام ~~الذي ذكر المحقق الطوسي فيه هذا التحقيق قال : «فأصل القوى المدركة ~~والمحركة والحافظة للمزاج شيء آخر ، لك أن تسميه النفس ، وهذا هو الجوهر ~~الذي يتصرف في أجزاء بدنك ثم في بدنك.» ثم قال : «فهذا الجوهر فيك واحد ، ~~بل هو أنت على التحقيق ، وله فروع من قوى منبثة في أعضائك». وكذلك قد حقق ~~في الشفاء في فصل عد المذاهب في النفس وأفعالها وأنها واحدة أم كثيرة ، ~~القول في وحدتها بحسب الذات واختلافها بحسب القوى والآلات والأفعال بما لا ~~مزيد عليه. (2) وسنذكر تلخيصه فيما بعد إن شاء الله تعالى في موضع يليق به. # وبالجملة فهذا القول هو الحق الحقيق بالتصديق ولا ينافيه ما ورد في أخبار ~~الصادقين عليهم السلام من أن الله تعالى جعل ms099 في الأنبياء والأوصياء ~~عليهم السلام خمسة أرواح ، روح القدس ، وروح الإيمان ، وروح الحياة ، وروح ~~القوة ، وروح الشهوة ، وفي المؤمنين الأربعة الأخيرة ، وفي الكافرين ~~الثلاثة الأخيرة ، (3) لأنه يمكن أن يكون ذلك إشارة إلى تعدد مراتب كمالات ~~الأرواح ، وتعدد قواها ، لا تعددها بحسب الذات. # وكذا لا ينافيه ما ورد : من أن ولوج روح الحياة ، وكذا روح العقل ، إنما ~~يكون إذا مضى على الجنين في الرحم مدة بعد فيضان الروح النباتي عليه ، (4) ~~إذ ذلك أيضا يمكن أن يكون محمولا على أن النفس بعد تلك المدة تزيد كمالاتها ~~، وتكون بحيث يصدر عنها مع ما تقدم من الأفعال النباتية الفعل الحيواني ، ~~وبعد ذلك بحيث يصدر عنها مع جميع ما تقدم الفعل الإنساني. # وعلى هذا أيضا يمكن أن يحمل قوله تعالى : ( @QUR@016 وبدأ خلق الإنسان من ~~طين ، ثم سواه ونفخ فيه من روحه ، وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة ). (5) # وقوله تعالى : ( @QUR@012 ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ، ثم ~~جعلناه نطفة في قرار PageV01P167 # @QUR@018 مكين ، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة ~~عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر )، (1) لو كان قوله تعالى ( ~~@QUR@02 ثم أنشأناه ) إشارة إلى إفاضة النفس الإنسانية عليه ، فتدبر. # وإذا عرفت ذلك تبين لك أن ما أورده صدر الأفاضل بقوله : «إلا أنه لم ~~يتبين منه ما تحيروا فيه من أن هذه الأفاعيل المترتبة ، من الحفظ والتغذية ~~والتصوير والإنماء والإحساس والنطق ، أهي كلها صادرة من كلمة فاعلة لها قوى ~~متعددة متجددة الحدوث؟ أو هي كلمات فعالة متعددة متفاضلة في الكمال؟» غير ~~وارد ، حيث إن كلام المحقق الطوسي ؛ دل على الأول كما هو ظاهر كلامه ، ~~ولكونه الحق ، ولكونه موافقا لكلام الشيخ وهو بصدد شرح كلامه. # وأما ما أورده بقوله : «فإن كان الأول فيلزم حدوث الناطقة مع حدوث النطفة ~~، فتكون معطلة عن فعلها الخاص مدة وهذا يخالف قواعدهم» ، فغير وارد أيضا. # أما أولا فلأنه يمكن أن يكون مراد المحقق الطوسي كما يشعر به بعض كلماته ~~وحدة ما يقع عليه اسم النفس ، أي النباتية والحيوانية والناطقة بالذات ms100 ، لا ~~الصورة الحافظة لمزاج المني أيضا. فعلى هذا فلا يرد حدوث الناطقة مع حدوث ~~النطفة حتى يلزم التعطيل المذكور. # وأما ثانيا فلأنه على تقدير أن يكون مراده وحدة تلك الصورة الحافظة أيضا ~~مع تلك النفوس بالذات ، كما هو الأظهر ، يمكن أن يقال إن ذلك التعطيل إنما ~~يلزم لو لم يكن هناك مانع من توجه الناطقة إلى فعلها الخاص بها ، وهذا ~~ممنوع ، إذ ربما كان توجهها إلى تكميل مادة بدنها بحيث تصلح أن تكون آلة ~~لاستكمالها ، أو انغمارها في الرطوبة على ما قيل ، أو نحو ذلك مانعا عن ~~فعلها الخاص بها ، وهذا ليس فيه التعطيل المحال ، كما أنها في مرتبة ~~النباتية والحيوانية أيضا كذلك ، بل إنها في بعض مراتب كونها ناطقة كمرتبة ~~العقل الهيولاني أيضا كذلك ، ولا تعطيل ، إذ المانع من فعلها الخاص هناك ~~موجود من نحو ما ذكرنا ، ولم يقل أحد بأن الناطقة في مراتب قواها النظرية ~~مثلا ، كالهيولانية وبالملكة وبالمستفاد وبالفعل نفوس متعددة بالذات أو ~~أنها في مرتبة الهيولانية ، نفس مغايرة بالذات PageV01P168 # للنفس التي فيما بعد تلك المرتبة ، بل الاتفاق واقع على أنها في تلك ~~المراتب أجمع ، ذات واحدة تختلف كمالاتها. # ثم إنه لو كان هذا الإيراد الذي أورده صدر الأفاضل على تقدير وحدة النفس ~~بالذات واردا لكان يرد على نفسه أيضا ، إذ هو أيضا ذهب إليها حيث قال في ~~تلك الرسالة بهذه العبارة : # «الإشراق الثامن في أن لكل إنسان نفسا واحدة. # من الناس من زعم أن فينا نفسا إنسانية ، واخرى حيوانية ، واخرى نباتية ، ~~والجمهور على أن النفس فينا واحدة ، هي الناطقة فقط ولها مشاعر وقوى ، فان ~~لك أن تقول أحسست فغضبت وأدركت فحركت ، فمبدأ الكل أنت ، وأنت نفس شاعرة ~~فكل القوى من لوازم هذه.» (1) # ثم ذكر وجوها اخرى على هذه الوحدة كما يظهر على من راجع كلامه. # وأما قوله : «وإن كان الثاني يلزم عليه ما يلزم به الشارح المتقدم من ~~تفويض أحد الفاعلين الطبيعيين تدبير موضوعه إلى آخر» ، فهو وارد على هذا ~~التقدير أي على تقدير تعدد النفوس ms101 بالذات ، حيث إنه يلزم حينئذ تفويض ~~الصورة المنوية التي هي فاعل طبيعي تدبيرها إلى النفس النباتية ، التي هي ~~فاعل طبيعي ، وكذا تفويض النفس النباتية تدبيرها إلى النفس الحيوانية ، ~~وتفويض الفاعل الطبيعي تدبيره إلى آخر ، سواء كان فاعلا طبيعيا أيضا كما في ~~الأول ، أو فاعلا غير طبيعي كما في الثاني ، ممتنع ، على اصولهم ، لأن ~~الطبيعة لا تكون طالبة لأمر وتاركة له ، وكأنه رحمه الله أشعر في كلامه ذلك ~~، بأن هذا التفويض إنما يلزم على تقدير تعدد النفوس بالذات لا على تقدير ~~وحدتها بالذات ، وتعددها باعتبار القوى والكمالات ، إذ هي على هذا التقدير ~~فاعل واحد ، هو النفس الناطقة المجردة التي هي فاعل إرادي ، وليس هناك ~~تفويض ، بل زيادة كمالها بزيادة استعداداتها ، وبأن المحقق الطوسي حيث أورد ~~هذا الإلزام على الإمام الرازي ينبغي أن يكون نظره إلى تعددها بالذات ، ~~فإنه لو كان نظره إلى وحدتها بالذات لم يرد إلزامه على الإمام حيث إن تفويض ~~نفس الام التي هي واحدة بالذات وهي نفسها الناطقة التي هي فاعلة بالإرادة ~~تدبيرها PageV01P169 # إلى النفس الناطقة للمولود التي هي أيضا واحدة بالذات وفاعلة بالإرادة ، ~~ليس من تفويض أحد الفاعلين الطبيعيين تدبيره إلى الآخر ، فهذا الإلزام ~~قرينة على أن نظر المحقق الطوسي إلى تعدد النفوس بالذات. # وما ذكره من قوله : «فجميع هذه القوى كشيء واحد» قرينة على أن نظره إلى ~~وحدتها بالذات ، وبذلك يحصل الإبهام والإجمال في كلامه : «ولم يتبين منه أن ~~هذه الأفاعيل أهي صادرة من كلمة واحدة فاعلة؟ أو من كلمات متعددة فعالة؟» # وبالجملة لو كان نظره إلى وحدتها بالذات ، لم يرد إلزامه على الإمام ~~الرازي ولم يعلم بعد أن مذهب الإمام هو التعدد بالذات ، حتى يكون الإلزام ~~عليه إلزاميا ، وإن كان نظره إلى تعددها بالذات ورد عليه أيضا ما ألزمه على ~~الإمام. # وهذا غاية توجيه كلام صدر الأفاضل في إيراده على المحقق الطوسي. ### | دفع إيراد آخر على المحقق الطوسي رحمه الله # ويمكن الجواب عن ذلك بأن الظاهر كما ذكرنا أن نظر المحقق الطوسى رحمه الله ~~إلى ms102 الوحدة بالذات ، وأنه على تقدير هذه الوحدة أيضا يرد إلزامه على الإمام ~~، فإن ذات نفس الام وكذا ذات نفس المولود وإن كانتا فاعلين بالإرادة في بعض ~~أفاعيلهما أي الأفاعيل الحيوانية والإنسانية لكن فعلاهما هذان ، أي جمع ~~أجزاء النطفة وحفظها أولا الذي أسنده الإمام إلى نفس الام ، وحفظها ثانيا ~~الذي أسنده إلى نفس المولود الحادثة فعلان طبيعيان غير إراديين كما لا ~~يخفى. والفاعل من حيث فعله الطبيعي سواء كان ذاته بذاته طبيعيا أيضا ، أو ~~إراديا ، لا يمكن أن يفوض تدبيره الطبيعي إلى فاعل آخر طبيعي أو غير طبيعي ~~وخصوصا إذا كان فعله أيضا غير طبيعى كما هنا ، حيث إن الدليل الذي ادعوه ~~على هذا الامتناع جار هنا أيضا. والحاصل أن الفعل الطبيعي من حيث هو فعل ~~طبيعي لا يمكن أن يفوض تدبيره من فاعل إلى آخر. ولا مانع من أن يكون فاعل ~~واحد من جهة ذاته بذاته أو من بعض الاعتبارات فاعلا بالإرادة ، ومن جهة بعض ~~الاعتبارات الاخر فاعلا طبيعيا ، فإنه لا مانع من أن يكون النفس المجردة ~~الإنسانية من جهة تعلقها بمجموع البدن كالصورة المعدنية ، وفاعلة بالطبع ، ~~ومن جهة تعلقها ببعض أجزاء بدنها كالكبد نوعا من التعلق PageV01P170 # كالنفس النباتية ، وفاعلة بالطبع أيضا ، ومن جهة تعلقها ببعض آخر منها ~~كالقلب نوعا من التعلق كالنفس الحيوانية ، وفاعلة بالإرادة ، ومن جهة ذاتها ~~بذاتها نفسا مجردة فاعلة بالإرادة أيضا ، كما أنها من جهة تعلقها ببعض ~~أجزاء بدنها كالدماغ نوعا من التعلق مدركة للجزئيات ، ومن جهة ذاتها بذاتها ~~مدركة للكليات ، فإن أمر النفس عجب عجاب والله أعلم بالصواب. # ومن هذا تبين أن نظر المحقق الطوسي رحمه الله إلى الوحدة بالذات وأن ~~إلزامه على الإمام الرازي وارد. # وأما قول صدر الأفاضل : «وإن كان هناك فساد صورة سابقة وتكون صورة لا حقة ~~، فكيف انجر تكامل الاستعداد إلى الفساد. والفطرة حاكمة بأن التوجه إلى ~~الكمال ينافي الفساد والاضمحلال». # فهو إن كان ناظرا إلى تقدير وحدة تلك النفوس بالذات واختلافها في الآثار ~~كما هو المستفاد من كلام المحقق الطوسي ms103 والشيخ وغيرهما ، فلا يخفى أنه غير ~~وارد ، فإن هؤلاء لا يقولون بذلك ، بل إنهم يقولون بتكامل استعداد تلك ~~النفس الواحدة وتزايد كمالاتها بحسب مراتبها من غير فساد نفس وتكون نفس ~~اخرى. وعليه ينبغي أن يحمل قول المحقق الطوسي : «وظاهر أن كل ما يتأخر يصدر ~~عنه مثل ما يصدر عن المتقدم وزيادة.» # وكذلك لو كان ذلك ناظرا إلى تقدير تعددها بالذات ، فإنهم وإن قالوا بتكون ~~نفس لا حقة لكنهم لم يقولوا بفساد النفس السابقة ، بل إن ظاهر كلامهم أنهم ~~قالوا باجتماع تلك النفس اللاحقة مع السابقة في الوجود وترتب الآثار حيث ~~قالوا بأن فينا نفوسا متعددة ، كما نقل صدر الأفاضل نفسه عنهم في كلامه ~~المنقول عنه آنفا. # وأما قوله : «فقوة واحدة لمادة واحدة لا تفعل فعلين متناقضين». # فهو إن كان من تتمة السابق ، وكان مراده أن القوة الواحدة لا تفعل فعلين ~~متناقضين ، أي التوجه إلى الكمال والفساد ، فجوابه قد ظهر مما ذكرنا ، وإن ~~كان إيرادا آخر على تقدير وحدة النفس بالذات ، وكان مراده أن النفس الواحدة ~~لا تفعل الفعل النباتي والحيواني والنطقي ، فهو أيضا غير وارد ، إذ هذه ~~الأفعال غير متناقضة ، بل يجتمع بعضها مع بعض في الوجود ، وتعددها لا ينافي ~~وحدة فاعلها بالذات ، إذ فاعلها مع وحدتها بالذات مختلفة PageV01P171 # متعددة من جهة الاعتبارات وبحسب الآثار والكمال. # فظهر من ذلك أن الإيرادات التي ذكرها صدر الأفاضل في هذا المقام لا وجه ~~لها ، كما أن ما اختاره في جواب ذلك السؤال المشهور ، وقال إنه هو التحقيق ~~، مما لا وجه له ، إذ هو مبني على تجويز الحركة في الجوهر ، وقد تبين ~~بطلانها في موضعه ، حيث إن المتحرك في كل مقولة يجب أن يبقى ذاته بشخصه حين ~~الحركة ، وإذا فرضت الحركة في الجوهر كانت الحركة في الصور الجوهرية بحيث ~~لا تبقى واحدة منها في أزيد من آن ، فيكون المتحرك نفس الهيولى والهيولى لا ~~وجود شخصيا لها إلا بالصورة. وبما ذكرنا ظهر لك تزييف ما ذكره صدر الأفاضل هنا. # وقد ظهر أيضا بما ذكره المحقق ms104 الطوسي تزييف ما ذكره الإمام الرازي ، فظهر ~~أن ما حققه المحقق الطوسي رحمه الله مما ينبغي أن يكون المعول عليه في جواب ~~ذلك السؤال المشهور. ### | في بيان الجواب عن السؤال الذي أوردناه على كلام الشيخ في الشفاء # وحيث عرفت ما أوردنا من الكلام في البين للتمهيد عن جواب السؤال الذي ~~أوردناه على كلام الشيخ في الشفاء فلنرجع إلى بيان الجواب عنه ، فنقول : ~~إنك إذا أحطت بما تلوناه عليك ، تبينت معنى ما ذكر الشيخ من كون النفس ~~حافظة للمزاج والتركيب وعلة لهما ، فإن معناه كما تلخص لك مما تقدم أن ~~المزاج البدني لما كان واقعا بين أضداد متنازعة إلى الانفكاك ، وهى اسطقسات ~~البدن التي تطلب كل منها احيازها الطبيعية لو خليت وطباعها ، فلا بد من أن ~~يكون هناك قاسر يقسرها على الاجتماع والالتيام وليس ذلك القاسر هو المزاج ، ~~لأن المزاج إنما يحدث بعد الاجتماع ، فلا يمكن أن يكون قبله ، فلا يكون علة ~~له ، بل العلة القاسرة لتلك الأضداد على الاجتماع إنما هي أمر آخر ، إن شئت ~~سميته قوة ، وإن شئت سميته صورة ، وإن شئت سميته نفسا ، وهذا القاسر كما ~~أنه علة لجمع تلك الأجزاء والتيامها ، كذلك هو علة لما يحدث بعد الالتيام ، ~~ويتبعه أي المزاج ، فهو علة أولا للالتيام ، وثانيا لحدوث المزاج من المبدأ ~~الفياض ولبقائه وانحفاظه ، فهو كما أنه جامع للأجزاء كذلك هو علة حافظة ~~للمزاج. PageV01P172 # وبالجملة ، فهذا القاسر الجامع الحافظ ، هو نفس المولود التي هي واحدة ~~بالذات ، مختلفة باعتبار القوى والآثار والأفعال والكمالات. ويصدر عنها في ~~كل حالة من حالاتها الجمع والحفظ معا ، ما سوى مرتبة كون تلك القوة بحيث لا ~~تسمى نفسا ، بل صورة منوية ، فإن فعلها في تلك المرتبة ، إنما هو حفظ مزاج ~~المني كالصورة المعدنية لا الجمع ، حيث إن الجامع للأجزاء الغذائية التي ~~يتبع جمعها المزاج المنوي ، إنما هو نفس الأبوين لا نفس المولود. وليس في ~~ذلك تفويض أحد الفاعلين الطبيعيين من حيث فعلهما الطبيعي تدبيره إلى الآخر ~~، كما أشرنا إليه ، أي من جهة أن الجمع ms105 والحفظ وإن كان كلاهما فعلين ~~طبيعيين ، والمفروض أن نفس الأبوين فوضت الحفظ إلى نفس المولود. إلا أنه ~~ليس فيه تفويض نفس الأبوين فعلها الخاص بها إلى نفس المولود ، حيث إن فعل ~~نفس الأبوين إنما هو الجمع ، وهي لم تفوضه إلى نفس المولود بل الصادر من ~~نفس المولود في تلك المرتبة إنما هو الحفظ خاصة دون الجمع ، فتبصر. # ثم إنه عند حدوث المزاج المنوي تستعد تلك الأجزاء التي هي مادة إنسان ~~لحدوث نفس من المبدأ الفياض متعلقة بها ، لا قائمة بها ، وبعبارة اخرى إنه ~~عند ذلك يستعد البدن لكون القوة المتعلقة به يتزايد كمالها بحيث تسمى نفسا ~~وهذه القوة وهذه النفس وهي التي قلنا إنها واحدة بالذات ، مختلفة باعتبار ~~القوى والكمالات يصدر عنها الجمع والحفظ معا ، وبذلك يظهر معنى قول الشيخ : ~~«إن المزاج والبدن علة بالعرض للنفس ،» وعسى أن نأتي على زيادة إيضاح لهذا ~~فيما بعد إن شاء الله تعالى. # وأما وجه الجمع بين ما ذكره في الشفاء في ذلك الاحتمال الثالث ، من أن ~~فساد البدن إنما يكون بسبب يخصه من تغير المزاج والتركيب. # وما نقلناه عنه في الكتابين ، من أن النفس جامعة لاسطقسات البدن وحافظة ~~للبدن على النظام الذي ينبغي فلا يستولي عليه المغيرات الخارجة ما دامت ~~النفس موجودة فيه ، وأن الالتيام الواقع في أجزاء البدن إذا لحق جامعه ~~وحافظه أي علته التي هي النفس وهن او عدم يتداعى إلى الانفكاك. # فبيانه أن هذا الجمع والحفظ سواء كان متعلقهما الأجزاء البدنية أو المزاج ~~البدني حيث كانا فعلين حاصلين في مادة يستدعيان فاعلا وقابلا وفاعلهما ~~النفس ، كما دل عليه كلام PageV01P173 # الشيخ ، وقابلهما البدن بأجزائه وكيفيته ، وبعبارة اخرى علتهما بالذات هي ~~النفس وعلتهما بالعرض هي البدن ، كما يدل عليه كلام المحقق الطوسي في ذيل ~~قول الشيخ في الإشارات : «واستحالة الجسم عن أن يكون آلة لها وحافظا ~~للعلاقة معها بالموت لما تضر جوهرها» حيث قال : «واعلم أن إسناده حفظ ~~العلاقة مع الجسم هنا إلى الجسم ليس بمناقض لإسناده حفظ المزاج الذي هو سبب ms106 ~~العلاقة في النمط الثالث إلى النفس ، لأن النفس كما كانت حافظة لها بالذات ~~فالجسم حافظ أيضا ولكن بالعرض ، وذلك لأن فساد المزاج المقتضي لقطع العلاقة ~~إنما يتطرق من جهة الجسم وعوارضه ، ولذلك أسند استحالة البدن عن كونه آلة ~~للنفس إلى الجسم ، وعدم تطرق الفساد إلى الشيء مما من شأنه أن يتطرق فيه ~~الفساد حفظ ما لذلك الشيء ، لكنه حفظ بالعرض. انتهى.» # ثم إنه حيث كان هذا الجمع وهذا الحفظ أمرين حادثين بعد ما لم يكونا ، ~~وكان وجود معلول ما يقتضي وجود جميع علله بشرائطها ، وكان زواله لا يقتضي ~~زوال جميع ذلك ، بل يكفي زوال أمر ما من أجزاء عللها وشروطها أو طروء ضده ~~عليه ، كان وجود هذا الجمع والحفظ لوجود فاعلهما وقابلهما معا مع جميع ~~الشرائط التي هي شروط فيها بخلاف زوالهما ، فإنه يكفي فيه زوال قابلها ~~وعلتها بالعرض كالبدن من غير أن يقتضي ذلك زوال ذات علتهما الفاعلة وعلتهما ~~بالذات كالنفس. # لست أعني بقولي هذا زوال البدن بالذات وفساده عن أصله ، حتى ينافي ما ~~ذكره الشيخ في ذلك الاحتمال الثالث أن فساد البدن إنما يكون بسبب يخصه من ~~تغير المزاج والتركيب ، أي بسبب زوال الجمع والحفظ حيث إن فساد البدن إنما ~~يكون بفساد المزاج لا بالعكس. # بل أعني به زوال البدن ، من حيث كونه قابلا للجمع والحفظ وصالحا لوقوع ~~الالتيام والمزاج بين أجزائه ، بأن يتطرق أولا إلى البدن وهن وضعف بسبب ~~استيلاء المغيرات الخارجية والداخلية ، فيخرج بذلك عن الصلاحية لوقوع ~~المزاج الخاص بين أجزائه ، ثم يتطرق بذلك وهن وفساد إلى ذلك المزاج الحاصل ~~بينها ، فيفسد ذلك المزاج ويتداعى أجزاء البدن إلى الانفكاك ، على مقتضى ~~طباعها ، فيلحق ذلك فساد البدن ويتبعه زوال علاقة النفس عنه ، ونحن نعلم ~~بالضرورة أن زوال الجمع والحفظ أي تغير المزاج والتركيب PageV01P174 # إنما يكون بهذا السبب ، وأن ذلك يتبعه فساد البدن ، كما نعلم بالضرورة أن ~~فساد البدن إنما يكون بتغير مزاجه وتركيبه. # ويؤيد ما ذكرناه قول الشيخ في الشفاء في فصل جوهرية النفس : «وإذا فارقت ~~النفس ms107 وجب ضرورة أن يكون فراقها لغالب صير الموضوع بحالة اخرى وأحدث فيه ~~صورة جمادية ، كالمقابلة للصورة المزاجية الموافقة للنفس ، ولتلك الصورة ~~والمادة التي للنفس لا تبقى بعد النفس على نوعها البتة ، بل إما أن يبطل ~~نوعها وجوهرها الذي به كان موضوعا للنفس ، أو يخلف النفس عنها صورة تستبقي ~~المادة بالفعل على طبيعتها فلا يكون ذلك الجسم الطبيعي كما كان ، بل يكون ~~صورة وأعراض اخرى ويكون قد تبدل أيضا بعض أجزائها وفارق مع تغير الكل في ~~الجوهر فلا يكون هناك مادة محفوظة الذات بعد مفارقة النفس هي كانت موضوعة ~~للنفس والآن هي موضوعة لغيره.» (1) # وكذا قوله في الإشارات : «واستحالة الجسم عن أن يكون آلة لها وحافظا ~~لعلاقة معها بالموت ، لا تضر جوهرها» (2) حيث أسند تلك الاستحالة إلى الجسم أولا. # وكذا قول المحقق الطوسي : «وذلك لأن فساد المزاج المقتضي لقطع العلاقة ، ~~إنما يتطرق من جهة الجسم وعوارضه» (3). والمحصل أن زوال المزاج والتركيب ~~إنما يكون بطروء عوارض على البدن الحاصل على المزاج الخاص والتركيب الخاص ~~لا غير ، فيخرج البدن عن القابلية لذلك المزاج الخاص ، فيفسد المزاج بزوال ~~علته القابلة له من حيث إنها قابلة له ، أي فيفسد المزاج ويتبعه زوال البدن ~~وفساده من حيث المزاج والتركيب ، وكذا من جهة الصورة الشخصية والنوعية بل ~~الجسمية أيضا بطروء الضد عليها ، ولا يستلزم ذلك زوال ذات العلة الفاعلية ~~للمزاج والتركيب أو علتهما بالذات ، أعني النفس الجامعة والحافظة للمزاج ، ~~حيث إن انعدام المعلول لا يستلزم انعدام جميع علله ، مع أنك قد عرفت فيما ~~تقدم أن تغير المزاج والتركيب لكونه تدريجيا مستلزما لحركة في زمان على ~~مادة تقبل التدريج ، لا يمكن أن يكون مستتبعا لانعدام ذات النفس لكونها ~~مجردة عن المادة في ذاتها. نعم هو يمكن أن يكون مستتبعا لزوال النفس من حيث كونها PageV01P175 # جامعة وحافظة بالذات أي لزوال صفة جمعها وحفظها ، وكذا لقطع علاقتها عن ~~البدن ، حيث إنه إذا لم تكن هناك مادة قابلة للجمع والحفظ لا يتصور الجمع ~~والحفظ ، وإن كان ذات الجامع والحافظ بذاته موجودا ms108 ، لا نقص في ذاته ولا في ~~عليته بذاته وإذا زال ذلك المزاج الخاص الموافق للنفس الذي هو منشأ علاقتها ~~بالبدن زالت علاقتها عنه من غير أن يكون ذلك مستلزما لانعدام ذات النفس ~~وسيجيء زيادة بيان له إن شاء الله تعالى. # وعلى هذا فيمكن أن يحمل كلام الشيخ في الشفاء : «وهي حافظة لهذا البدن ~~على النظام الذي ينبغي فلا يستولي عليه المغيرات الخارجة ما دامت النفس ~~موجودة فيها» (1) على أنها حافظة له على ذلك النظام ، ما دام يمكن الحفظ ~~ويمكن أن يكون ذلك المزاج قابلا له صالحا له ولم يطرأ عليه الضد ولم يستول ~~عليه المغيرات ، وما دامت النفس موجودة مع البدن متعلقة به جامعة حافظة ، ~~وأما إذا لم يكن كذلك ، خرج البدن عن الصلاحية لقبول حفظ المزاج ، وفسد ~~المزاج ، وفسد البدن أيضا ، وزال الحفظ وانقطعت علاقتها عنه. # وكذا كلامه في الإشارات : «وهذا الالتيام كما يلحق الجامع الحافظ وهن أو ~~عدم يتداعى إلى الانفكاك» (2)، على أنه إذا لحق الجامع الحافظ وهن من حيث ~~الجمع والحفظ بسبب الأمراض المنهكة البدنية أو عدم من هذه الحيثية أيضا ~~بسبب الموت البدني ، تداعى الالتيام إلى الانفكاك فزال جمعه وحفظه فزال ~~تعلقها عن البدن ففارقته من غير أن يكون مستلزما لانعدام الجامع الحافظ ~~بذاته ، وعلى هذا فيحصل الجمع بين كلامي الشيخ اللذين نحن بصدد الجمع ~~بينهما من غير إشكال. # وهذا الذي ذكرنا إنما هو على مساق ظاهر ما نقلنا عن الشيخ آنفا في فراق ~~النفس عن البدن ومذاق الحكماء الطبيعيين في الموت ، وأما على مذاق بعض ~~الحكماء الإلهيين فيه فيمكن أن يقال : إن البدن بذلك المزاج الخاص والتركيب ~~الخاص اللذين هما منشأ تعلق النفس به لما كان آلة لاستكمالها حيث كانت ~~تحتاج إليه في استكمالها ، كانت جامعة حافظة للبدن على مزاجه ، وكانت ~~العلاقة شديدة باقية ، وحيث خرج كمالها المقدر لها به PageV01P176 # من القوة إلى الفعل مرتبة فمرتبة وكان الاحتياج أقل فأقل ، ولا سيما إذا ~~استولت المغيرات على البدن ضعف الجمع والحفظ مرتبة فمرتبة ، إلى أن انتهى ms109 ~~الأمر إلى مرتبة يزول فيها الاحتياج بالمرة ، وينعدم العلاقة ويزول الحفظ ، ~~فيتداعى الالتيام المحفوظ ، وكذا الاجزاء الملتئمة إلى الانفكاك فينعدم ~~المزاج ويفسد البدن بفساده ، وعلى هذا أيضا فيحصل الجمع بين كلاميه أيضا ~~وكأنه ألصق بكلامه الذي نقلنا عنه في حفظ النفس للمزاج والله تعالى أعلم. ### | في ترميم بعض ما ذكره الشيخ في الكتابين من الدليل على بقاء النفس # ثم اعلم أن ما ذكره الشيخ في الشفاء في الدليل على أنه لا يجوز أن يكون ~~سبب من الأسباب يعدم النفس ، حيث ذكر أن كل شيء موجود من شأنه أن يفسد بسبب ~~يجب أن يكون فيه قوة أن يفسد ، وقبل الفساد فيه فعل أن يبقى ، وقوة الفساد ~~وفعلية البقاء متغايرتان ، فإذن هما لأمرين مختلفين. ثم ذكر أن كل شيء يبقى ~~وله قوة الفساد ، فله أيضا قوة أن يبقى ، لأن بقاءه ليس بواجب ضروري ، واذا ~~لم يكن واجبا كان ممكنا ، والإمكان الذي يتناول الطرفين ، هو طبيعة القوة ، ~~فإذن يكون في جوهره قوة أن يبقى ، وأن فعلية البقاء وقوة البقاء أيضا ~~متغايرتان ، وهما لأمرين مختلفين. فيلزم أن يكون ذاته مركبة من أمرين ~~بأحدهما فعلية بقائها وهو الصورة ، وبالآخر قوة بقائها واضح كما ذكره ، ~~وإنما لم يكتف بالمقدمة الاولى في بيان الدليل ولم يقل إن قوة الفساد ~~وفعلية البقاء متغايرتان فإذن هما لأمرين مختلفين ، فيلزم التركيب ، ~~وبعبارة اخرى أن موضوع قوة الفساد غير موضوع فعلية البقاء وأنه لا يمكن ~~عروضهما لشيء واحد لأن محل قوة الفساد ، هو بعينه موصوف بالفساد ولا شيء من ~~محل البقاء بالفعل هو بعينه موصوفا بالفساد. لأن الباقي لو قبل الفساد ~~والقابل يجتمع مع المقبول للزم اجتماع الباقي مع الفساد وهو محال. والحاصل ~~أن الباقي لا يبقى مع الفساد والموصوف بالفساد يبقى مع الفساد ، فلا يكون ~~الباقي موصوفا بالفساد ، فلا يثبت له قوة الفساد ، لأنه إذا قرر الدليل ~~هكذا ، ورد عليه النظر كما أورده صاحب المحاكمات بأنا لا نسلم أن الباقي لو ~~قبل الفساد ، لاجتمع معه ، فإن معنى قبول الشيء العدم ms110 أو الفساد ليس أن ذلك ~~الشيء يتحقق ويحل فيه الفساد ، بل معناه PageV01P177 # أنه ينعدم في الخارج ، وإذا حصل في العقل وتصور العقل العدم الخارجي ، ~~كان العدم الخارجي قائما به في العقل ، وأما في الخارج فليس هناك شيء وقبول ~~عدم. وإن كان يمكن دفع هذا النظر بأن الشيء لا يمكن أن يقبل فساد نفسه لأن ~~القابل للشيء يجب أن يكون قابلا لما هو متعلق القوام به ، وفساد نفسه مباين ~~له ، فلا يمكن أن يقبله. نعم يمكن أن يكون شيء قابلا لفساد غيره عنه. ~~وسيأتي تحقيق ذلك كله إن شاء الله تعالى. # وإذا تمسك في الدليل بتينك المقدمتين جميعا ، أي أن قوة الفساد وفعلية ~~البقاء لأمرين مختلفين وأن قوة الفساد وفعلية البقاء تستلزمان قوة البقاء ~~أيضا ، وأن قوة البقاء وفعليته لأمرين مختلفين ، فيلزم التركيب ، وأن لا ~~يكون موضوعاهما أمرا واحدا كما تمسك الشيخ بهما ، # تم البيان من غير ورود هذا الإيراد عليه ، حتى يحتاج إلى الجواب عنه بما ~~ذكرنا ، وبالجملة فكلامه في الشفاء في ذلك لا غبار عليه. # وأما كلامه في الإشارات في ذلك حيث قال : «ولأنه أصل فلن يكون مركبا من ~~قوة قابلة للفساد ، ومقارنة لقوة الثبات» (1)، فكأنه مجمل في ذلك ، حيث لم ~~يتعرض لذكر فعلية الثبات ومغايرة قوة الثبات لها ، وقد عرفت أن إتمام ~~الدليل يتوقف عليه ، إلا أنه يمكن حمله على ما في الشفاء بأن يقال : معناه ~~: فلن يكون مركبا من ذلك ، لأن قوة الفساد مع فعلية الثبات تستلزمان قوة ~~الثبات ، وأن قوة الثبات وفعليته متغايرتان ، وتستلزمان محلين متغايرين ~~مختلفين والتركيب. # وأما المحقق الطوسي رحمه الله في شرحه للإشارات فكأنه نظر إلى ظاهر كلام ~~الشيخ فقرر دليله ، وتمسك فيه بالمقدمة الاولى فقط ، أي أن قوة الفساد غير ~~فعلية البقاء ، حيث قال : «كل موجود يبقى زمانا ويكون من شأنه أن يفسد ، ~~كان قبل الفساد باقيا بالفعل وفاسدا بالقوة ، وفعل البقاء غير قوة الفساد ، ~~وإلا لكان كل باق ممكن الفساد ، وكل ممكن الفساد باقيا ، فإذن هما لأمرين ~~مختلفين ، والأصل لا يمكن ms111 أن يكون مشتملا على مختلفين إلى آخره ». (2) PageV01P178 # وقال أيضا أخيرا : «وهو أي الأصل غير مركب من قوة الفساد ووجود الثبات». (1) # ولم يتعرض للمقدمة الثانية التي لها مدخل في إتمام الدليل ، أي أن ذلك ~~مستلزم لقوة الثبات ، وهي متغايرة مع فعلية الثبات وتستلزمان محلين ~~مختلفين. # ويرد عليه أولا أنه شرح غير مطابق لكلام الشيخ ، فإن الشيخ لم يذكر فعلية ~~الثبات ، بل ذكر قوة الثبات ، حيث قال : «فلن يكون مركبا من قوة قابلة ~~للفساد مقارنة لقوة الثبات» (2) وأيضا فإن المحقق الطوسي وإن تعرض لذكر قوة ~~الثبات في قوله : «فالنفس إن كان أصلا فلن يكون مركبا من قوة قابلة للفساد ~~مقارنة لقوة الثبات ، حيث إن الموجود في بعض النسخ لقوة الثبات وإن كان ~~الموجود في البعض الآخر لوجود الثبات كما في أول كلامه وآخره إلا أنه أيضا ~~لا يكون إشارة إلى المقدمة الثانية ، حيث إن المقدمة الثانية هي المغايرة ~~بين قوة الثبات وفعليته ، لا بين قوة الفساد وقوة الثبات ، وإن كان مطابقا ~~لظاهر كلام الشيخ. # وأما ثانيا فلأنه على هذا التقرير الذي ذكره لشرح كلام الشيخ يرد عليه ~~النظر المذكور آنفا ، ويحتاج إلى الجواب عنه بما ذكرنا أو نحوه ، وقد أورده ~~صاحب المحاكمات عليه. # قال في قول المحقق الطوسي : «فإذن هما لأمرين مختلفين» بهذه العبارة : ~~«وهاهنا شيئان : الأول ، أن قوة الفساد مغايرة للبقاء بالفعل ، لأنها لو ~~كانت عين البقاء بالفعل ، لكان كل باق فاسدا بالقوة وبالعكس وليس كذلك. ~~الثاني ، أن قوة الفساد وفعلية البقاء لأمرين مختلفين أي موضوع قوة الفساد ~~غير موضوع البقاء حتى لا يمكن عروضهما لشيء واحد». (3) ولم يذكر عليه دليلا. ### | كلام مع صاحب المحاكمات # وربما يستدل عليه بأن محل قوة الفساد هو بعينه موصوف بالفساد. إلى آخر ما ~~نقلنا في قولنا : وبعبارة اخرى ثم قال : وفيه نظر ، لأنا لا نسلم أن الباقي ~~لو قبل الفساد إلى آخر ما نقلنا من النظر. PageV01P179 # وبالجملة فما ذكره هذان العلمان في ذيل كلام الشيخ في الإشارات كأنه مبني ~~على غفلة عن كلامه في الشفاء ms112 ، وأن توجيه كلامه في الإشارات ينبغي أن يكون ~~مطابقا لما ذكره في الشفاء ، لا بما ذكره المحقق الطوسي وأورد عليه صاحب ~~المحاكمات النظر كما نقلناه وهما ( رحمهما الله ) أعلم. # ثم إن المحقق الطوسي رحمه الله كما نقلنا كلامه ، قرر دليل الشيخ في ~~الإشارات على هذا المطلب هكذا : هذا ابتداء احتجاجه على بقاء النفس ويريد ~~بالأصل كل بسيط غير حال في شيء من شأنه أن يوجد فيه الأعراض والصور ، وأن ~~يزول عنه تلك الأعراض والصور وهو باق في الحالتين فهو أصل بالقياس إليها. # ثم بين مغايرة فعل البقاء لقوة الفساد كما نقلنا عنه. # ثم ادعى أنهما لأمرين مختلفين. # ثم قال فالنفس إن كان أصلا فلن يكون مركبا من قوة قابلة للفساد مقارنة ~~لقوة الثبات. (1) وإن لم يكن أصلا أي لم يكن بسيطا غير حال كان إما مركبا ~~وإما حالا ، والثاني باطل لما مر والمركب يكون مركبا من بسائط غير حالة ، ~~إما بعضها كالمادة من الجسم وإما كلها ، وعلى التقديرين فالبسيط الغير ~~الحال موجود في المركب ، وهو غير مركب من قوة الفساد ووجود الثبات. # ثم قال في قول الشيخ : «وإذا كان كذلك لم يكن أمثال هذه في أنفسها قابلة ~~للفساد بعد وجوبها بعللها وثباتها بها» هكذا : أي إذا ثبت أن لنفس إما أصل ~~وإما ذات أصل ، لم تكن هي وما يجري مجراها مما لا تركيب فيه ، ولا هو بحال ~~في غيره مما يقبل الفساد ، فإن البقاء وقوة الفساد لا يجتمعان في البسيط ~~والأول حاصل ، فالثاني ليس بحاصل ، فإذن النفس لا يمكن أن تفسد وإنما قال ~~بعد وجوبها بعللها وثباتها بها لأن أصل الوجود وبقاءه يكونان في ممكنات ~~الوجود مستفادين من عللها انتهى. (2) # ثم أورد صاحب المحاكمات على هذا الدليل بناء على هذا التقرير ، وقال في ~~قول المحقق الطوسي : «والنفس إن كان أصلا إلى آخره : لا يخلو إما أن يكون ~~النفس بسيطا غير حال فلا يمكن قبوله الفساد لاستدعاء قبول الفساد التركيب ، ~~وإما أن تكون حالا PageV01P180 # أو مركبا ، لا سبيل إلى الأول لما ms113 ثبت أن النفس غير منطبعة في شيء. # لا يقال : الثابت بالدلائل السابقة أنها ليست قوة حالة في الجسم ، وهذا ~~لا يستلزم أنها لا تكون حالة في شيء أصلا ، لم لا يجوز أن تكون حالة في مفارق؟ # لأنا نقول : قيام النفس بالذات من الضروريات لا يمكن منعه ، ولو كان ~~مركبا فإما من بسائط كلها غير حالة ، أو يكون شيء فيها حالا كالصورة والآخر ~~محلا كالهيولى. وأيا ما كان يوجد بسيط غير حال ، والبسيط الغير الحال ليس ~~بقابل للفساد ، فلا تكون النفس قابلة للفساد. والاعتراض أنا لا نسلم أنه ~~إذا وجد بسيط يلزم أن لا تكون النفس قابلة للفساد ، وإنما يلزم كذلك لو كان ~~البسيط الغير الحال هو النفس وليس كذلك ، بل المفروض أنه جزء النفس. وغاية ~~ما في الباب أن جزء النفس لا يقبل الفساد ، ولا يلزم منه أن لا تقبل الفساد ~~لجواز انعدام الجزء الآخر. # لا يقال : نحن نقول من الابتداء النفس لا بد أن تكون بسيطا غير حال ، ~~وإلا لكان حالا أو مركبا وهما باطلان ، أما الأول فظاهر ، وأما الثاني ~~فلأنه يلزم وجود بسيط غير حال من أجزائه ، فيكون قائما بذاته مجردا عن جسم ~~وجسماني ، عاقلا لذاته ولغيره ، متعلقا بالبدن ، فهو النفس وقد كان جزء ~~النفس ؛ هذا خلف. # لأنا نقول : لا نسلم أنه يلزم من كونه بسيطا غير حال ، أن يكون قائما ~~بذاته ، لم لا يجوز أن يكون كالهيولى لا يقوم إلا بما يحل فيه ، وحينئذ لا ~~يلزم أن يكون نفسا. انتهى كلامه رحمه الله . (1) # وقد سبقه الإمام الرازي بناء على ما فهمه من كلام الشيخ في الإيراد على ~~هذا الدليل ، واعترض عليه اعتراضات ، كما نقله المحقق الطوسي رحمه الله . # الأول : أنه لو كان للنفس هيولى وصورة مخالفتان لهيولى الأجسام وصورها ، ~~وكان الباقي منها هيولاها وحدها ، لما كان الباقي من النفس هو النفس ، بل ~~جزءا منها ، وحينئذ يجوز أن لا يكون كمالاتها الذاتية باقية لأنها تابعة ~~لصورتها. # الثاني : أن النفس تحت مقولة الجوهر ، فهي مركبة من جنس وفصل ، والجنس ms114 ~~والفصل إذا اخذا بشرط التجرد ، كانا مادة وصورة ، فالنفس عندهم مركبة من ~~مادة وصورة. وذلك PageV01P181 # يؤكد ما ذكرناه. # وقال صاحب المحاكمات في تقرير اعتراضه الأول هكذا : إن عدم قبول النفس ~~الفساد على تقدير أنها أصل ظاهر ، وأما على تقدير أنها ذات أصل أي مركبة من ~~بسائط ، لا يكون كلها حالا حتى يتحقق منها بسيط غير حال غير ظاهر ، بل ~~اللازم عدم قبول جزء النفس الفساد ، ومدار اعتراض الإمام على هذا الاحتمال ~~، أعني أن يكون النفس مركبة واحتمال تركيبها من حال ومحل ، فإنها على تقدير ~~تركيبها من جواهر غير حالة ، يكون كل منها قائما بذاته عاقلا لذاته ، فيكون ~~كل منها نفسا فيلزم أن يكون النفس الواحدة نفوسا متعددة ، وأنه محال ، ~~فلهذا فرض الإمام تركيبها من حال ومحل وأنهما مخالفان لهيولى الأجسام ~~وصورته ، لأنهما جزءا النفس مجردان ، وأن الباقي المحل لا الحال ، فحينئذ ~~لا يلزم من بقاء المحل بقاء النفس كما لا يلزم من بقاء الهيولى بقاء الجسم. # وأما قوله : «وحينئذ يجوز أن لا تكون كمالاتها الذاتية باقية» ، فقد تم ~~الاعتراض دونه ، ولا دخل له في الاعتراض ، إلا أنه زيادة زادها لتأكيد ~~بطلان كلام القوم في هذا الباب ، فإنهم لما أثبتوا بقاء النفس ، قالوا إنها ~~تبقى بعد موت البدن عاقلة لمعقولاتها ، موصوفة بالأخلاق التي اكتسبتها حال ~~تعلقها بالبدن ، ومع قيام ذلك الاحتمال لا يمكن القطع بشيء من هذه ، لجواز ~~أن يكون اتصاف النفس بهذه الكمالات مشروطا بوجود الجزء الحال ، فإن انتفى ~~انتفت. انتهى كلامه. (1) # وأقول : إن هذه الإيرادات ، لو كانت واردة على دليل الشيخ في الإشارات ، ~~ربما يتراءى ورودها على دليله على هذا المطلب في الشفاء أيضا ، إذ مآلهما ~~واحد ، والاختلاف إنما هو في العبارة ، وأن ما ذكره في الشفاء بقوله : ~~«وكلامنا في هذا الشيء الذي هو السنخ والأصل وهو الذي نسميه النفس ، وليس ~~كلامنا في شيء مجتمع منه ومن شيء آخر» لا يجدي نفعا في دفع تلك الإيرادات ~~كلها أو بعضها ، إذ مجرد التسمية وادعاء أن كلامنا في هذا دون ذاك ms115 ، مع فرض ~~التركيب من جزءين ، ليس بنافع في ذلك. وظني هذه الإيرادات كلها إنما نشأت ~~عن الغفلة عن كلام الشيخ في الكتابين مثل ما تقدم ، حيث إنه عند إمعان ~~النظر فيما ذكره في الكتابين من الدليل على هذا المطلب ، وما بني عليه ~~الدليل ، يمكن PageV01P182 # توجيه بحيث لا يرد عليه تلك الأنظار والإيرادات. # أما كلامه في الشفاء ، فلأنه ذكر في فصل «أن النفس الإنسانية لا تفسد» ~~بعد ما بين في فصل سابق عليه ، أن الأنفس غير مادية ، ثم بين في فصل بعده ~~كيفية انتفاع النفس بالحواس في إدراكاتها الجزئية ، وأنها عاقلة لمعقولاتها ~~بالذات كما يظهر ذلك على من راجع كلامه (1) ونظر فيه ، وأنه حيث أثبت في ~~الفصل المتقدم ، أن النفس الإنسانية غير مادية ، أثبت أنها غير مركبة من ~~مادة وصورة كالجسم أي تركيبا من جزءين ، أحدهما حال في الآخر يسمى صورة ، ~~والآخر محل له يسمى مادة أو هيولى ، بحيث يكون تشخص الحال بالمحل وتقوم ~~المحل بالحال كما ذكروه. فنفى بذلك كون النفس جسما ذا مقدار مركبا من هذين ~~الجزءين ، أي جزءين كان كل منهما ذا وضع ، بل مركبا مطلقا من حال ومحل وإن ~~كان المحل والحال كلاهما مفارقين عن المادة غير ذي وضع وكذا المركب منهما ~~حيث إن التركيب من جزءين إذا لم يكن أحدهما حالا في الآخر ، ولا الآخر محلا ~~له ، ولم يكن احتياج لأحدهما إلى الآخر في الوجود والتشخص ، لا يكون تركيبا ~~حقيقيا ، ولا منشأ لكون الجزءين مع التركيب مركبا وإن كان ، كان التركيب من ~~مادة وصورة كالجسم ، فلزم أن يكون النفس جسما ومادية ، والمفروض خلافه. # وبالجملة أنه أثبت بذلك كون النفس غير مركبة من مادة وصورة ، أو من شيء ~~كالمادة وشيء كالصورة ، فما ذكره الإمام فيما نقلنا عنه : «ان النفس تحت ~~مقولة الجوهر ، فهي مركبة من جنس وفصل ، والجنس والفصل إذا اخذا بشرط ~~التجرد ، كانا مادة وصورة ، فالنفس عندهم مركبة من مادة وصورة» شبهة في هذا ~~المقام ، وجوابها ما ذكره المحقق الطوسي : أن ما ذكره مغالطة باشتراك الاسم ms116 ~~، فإن المادة والصورة تقعان على ما ذكره ، وعلى جزئي الجسم بالتشابه ، وإلا ~~فجميع أنواع الأعراض أيضا مركبة من مادة وصورة. # والحاصل أن ما ادعوه من انتزاع الجنس والفصل من المادة والصورة ~~الخارجيتين على تقدير تسليمه إنما هو في الأجسام ، وأما في غيرها فلا يسلم ~~، كيف وأن الأعراض أيضا ربما يكون لها جنس وفصل ، ولا يكونان منتزعين من ~~المادة والصورة الخارجيتين إذ ليست هي أجساما ، فكيف الجواهر المجردة عن ~~المادة ، وكذلك أثبت حيث أثبت إن PageV01P183 # النفس غير مادية أنها ليست عرضا أو صورة حالين في مادة أو جسم ذي مادة ، ~~فلزم مما ذكره ، أن ليست النفس مركبة في ذاتها ، ولا بسيطة قائمة في مادة ، ~~وكذلك أنه حيث أثبت في الفصل التالي أنها عاقلة لمعقولاتها بالذات من دون ~~توسط آلة في ذلك ، أن قيامها إنما هو بالذات كتعقلها لمعقولاتها ، إذ ~~العاقل بالذات لا يكون إلا قائما بالذات من غير دخل أمر آخر في قيامها ~~ووجودها ، إذ لو كان لأمر ما مدخل فيه ، لما كان كذلك ، والمفروض خلافه ، ~~وحيث أثبت ذلك ، لزم منه أن النفس غير مركبة من جزءين حال ومحل ، إذ المركب ~~تركيبا كذلك يكون تقومه بجزئيه ، فلا يكون قائما بالذات ، وكذلك لزم منه ~~أنها غير حالة في شيء أيا كان ذلك الشيء جسما أو غيره ، مجردا أم ماديا إذ ~~الحال كذلك لا يكون عاقلا بالذات ، ولا قائما بذاته ، فلزم منه أيضا أنها ~~ليست عرضا ولا صورة لشيء ما جسم أو جسماني أو مجرد ، وكذلك لزم منه أنها ~~ليست بمحل لشيء يكون قيامها بذلك الشيء ، إذا لمحل القائم بما حل فيه لا ~~يكون قائما بذاته كما هو المفروض ، فلزم منه أنها ليست هيولى ولا مادة ~~لصورة ما ، يكون تقومها بتلك الصورة ، كالصورة الجسمية أو النوعية بالنسبة ~~إلى الهيولى. وأن الصورة العقلية الحالة في النفس ليست مما به تقومها أو ~~عقلها لذاتها ، إذ لو كان الأمر كذلك ، لما كان للنفس قيام بالذات ولا عقل ~~بالذات مع قطع النظر عن حلول تلك الصورة العقلية ms117 فيها ، والمفروض خلافه ، ~~حيث إنها في مبدأ الفطرة أيضا لها قيام بالذات وتعقل بالذات وأنها قد تزول ~~تلك الصورة العقلية عنها ، وهي باقية على حالها من القيام بالذات والتعقل ~~بالذات. # وبالجملة فقيام النفس بالذات من الضروريات ، كما اعترف به صاحب المحاكمات ~~أيضا ، ويلزم منه عدم قيامها في وجودها وفي تعقلها بالمحل ، ولا بالحال ، ~~والعجب منه أنه اعترف بذلك ، وادعى أنه يمكن أن يكون النفس كالهيولى لا ~~تقوم إلا بما يحل فيها ، وهل هذا إلا تناقض؟ # فلزم مما ذكره الشيخ أن النفس مع بساطتها في ذاتها أصل في الوجود والقيام ~~والتعقل ، من غير دخل أمر آخر في ذلك ، والحاصل أنه لزم مما بينه في ~~الفصلين المتقدمين ، كون النفس شيئا بسيطا لا تركيب فيه من حال ومحل أصلا ، ~~ولا هي مما هو قائم بالمركب ، وتعلق له بالمادة ، ولا قيام لها في وجودها ~~وتعقلها إلا بذاتها لا بأمر آخر ، هو جزؤها PageV01P184 # مطلقا ، أو محل لها أو حال فيها ، وأنه لا يقدح في ذلك كونها محلا للصور ~~العقلية ، سواء عددناها من جملة الصور أو من جملة الأعراض ، لأنها ليست مما ~~بها قيام النفس بالذات أو تعقلها بذاتها ، لأنها قد تزول ، ومع ذلك يبقى ~~محلها وهو النفس موجودة بذاتها ، عاقلة لذاتها ، فلزم من ذلك بساطتها بساطة ~~حقيقية ، تنافي كونها مركبة بوجه ، وكذا كونها قائمة في المركب ، وكذا لزم ~~منه أصالتها في الوجود والتعقل أصالة مطلقة وإن كانت البساطة أعم مطلقا من ~~الأصالة في الوجود والتعقل ، لأن كل أصل يلزمه أن يكون بسيطا من غير عكس ~~كلي ، إذ قد يكون الشيء بسيطا ولا يكون أصلا في ذلك ، كبعض الأعراض البسيطة ~~وكالهيولى ، فلذلك أثبت الشيخ بساطة النفس أولا ثم أثبت أصالتها فيهما ~~ثانيا حتى يخرج من ذلك البسائط التي ليست أصلا. # ثم إنه حيث أثبت ما ذكرنا أطلق على النفس ، أنها بسيطة وأنها أصل وسنخ ~~بمعنى أنها أصل وسنخ في الوجود والقيام بالذات والتعقل لذاتها لا مدخل لشيء ~~غيرها سوى الفاعل المفيض إياها في ذلك ، سواء كان ms118 ذلك الشيء جزؤها مطلقا ، ~~أو حالا فيها أو محلا لها ، وأنها كما أن لها أصالة في ذلك ، بالنظر إلى ~~ذاتها كذلك لها أصالة حين فرض التركيب مع غيرها ، إذا أخذت على أنها مركبة ~~مع شيء آخر ، لوحظ ذلك الشيء معها في ذلك التركيب ، فإن أخذ ذلك الشيء معها ~~حين التركيب ، لا يقدح في بساطتها وأصالتها بالمعنى المذكور ، بل لا يكون ~~ذلك التركيب ، إلا مجرد اجتماع ، فإن ذات ما هو بسيط حقيقي بحسب ذاته لا ~~ينقلب ، إذا اخذ مركبا ومجتمعا مع غيره إلى كونه مركبا حقيقيا ، وكذلك ذات ~~ما هو أصل في الوجود والقيام والتعقل لذاته ، إذا اخذ مركبا كذلك لا ينقلب ~~إلى كونه جزءا للمركب حالا أو محلا ، وبالجملة إلى كونه غير أصل في ذلك ، ~~بحيث يحتاج كل من جزئيه إلى الآخر ، فلا يكون ذلك التركيب المأخوذ إلا ~~اعتباريا ومجرد اجتماع ، ولا يقدح ذلك في بساطتها الحقيقية الذاتية ، ولا ~~في أصالتها المطلقة. ### | كلام مع المحقق الطوسي رحمه الله # وحينئذ فما ذكره المحقق الطوسي من «أن الشيخ يريد بالأصل كل بسيط غير حال ~~في شيء من شأنه أن يوجد فيه أعراض وصور ، وأن يزول عنه تلك الأعراض والصور وهو PageV01P185 # باق في الحالتين ، فهو أصل بالقياس إليها» راجع إلى ما ذكرنا من معنى ~~الأصل من بعض الجهات ، إلا أنه ربما يوهم أن ذلك مجرد اصطلاح ، اصطلح عليه ~~الشيخ وليس كذلك ، بل إن ذلك معنى الأصل لغة وعرفا ، أي ما هو الأصل في ~~الوجود والقيام والتعقل ، وإلا أنه لو كان قوله : «من شأنه أن يوجد فيه ~~أعراض وصور إلى آخره » نعتا لقوله : «كل بسيط» كما يشعر به قوله: «فهو أصل ~~بالقياس إليها» يلزم منه أن الأصل ما هو البسيط الغير الحال في شيء ، ومن ~~شأن ذلك البسيط أن يوجد فيه أعراض وصور ، وأن يزول عنه تلك الأعراض والصور ~~وهو باق في الحالتين ، فيلزم منه أن يكون المحل المتقوم بالحال أيضا أصلا ~~في الوجود والقيام والتعقل ، وقد عرفت أنه ليس كذلك. ولو كان قوله ms119 : «من ~~شأنه إلى آخره » نعتا للشيء يلزم منه أن البسيط لو كان حالا في شيء كذلك ~~كان أصلا أيضا ، فيلزم منه أن يكون الأعراض والصور البسيطة الحالة في ~~الهيولى الباقية في الحالتين أصلا في الوجود والتعقل ، وهذا أظهر فسادا من ~~الأول ، وإلا أنه عده أصلا بالنسبة إلى الأعراض والصور ، وأنه يوهم عد ~~الهيولى الاولى أيضا أصلا ، والظاهر من كلام الشيخ أنه عده أصلا لأصالته في ~~الوجود والقيام والتعقل ، وأن المحل مطلقا خارج عن كونه أصلا بهذا المعنى ، ~~لكنه رحمه الله أعلم. # وإذا عرفت ما ذكرنا فنقول : إن الشيخ بعد ما ذكر أن قوة الفساد يستلزم ~~التركيب من مادة وصورة ، إما في ذات ذلك الأمر المفروض فاسدا أو فيما يقوم ~~هو به ، سرد الدليل على عدم فساد النفس هكذا : إن كانت النفس بسيطة مطلقة ~~بحيث لا تركيب في ذاتها أصلا ولا قيام لها في المركب كما هو الثابت بما ~~تقدم لم تنقسم هي ولا ما تقوم هي به إلى مادة وصورة ، فلم تكن قابلة للفساد ~~وإن اخذت مركبة فذلك التركيب ، إما بأخذها مركبة في ذاتها فذلك غير ممكن ، ~~لمنافاته لبساطتها الذاتية وأصالتها المطلقة ، وإما بأخذها مجتمعة مع غيرها ~~وذلك إما بأخذها كالصورة في ذلك المجتمع ، وهذا أيضا غير ممكن ، لمنافاته ~~لأصالتها المطلقة ، ولعدم قيامها بالمادة ، فبقي أخذها كالمادة لذلك ~~المجتمع ، مع أن لها مناسبة للمادة من وجه ، حيث إن المادة أيضا شيء بسيط ~~غير قابلة للفساد ، وكذا هي أصل في المركبات ، وإن لم تكن أصلا بالمعنى ~~المذكور المقصود هنا. وحينئذ فلنترك ذلك المركب المجتمع ، لعدم كونه نفسا ، ~~لأن كلامنا في النفس ، وهي جزء من هذا المجتمع ، PageV01P186 # لا عينه ، ولنترك أيضا الجزء الآخر من هذا المجتمع الذي هو بمنزلة الصورة ~~، لعدم كونها نفسا أيضا ، ولننظر في الجزء الذي هو بمنزلة المادة أي النفس ~~التي هي الأصل والسنخ في هذا المركب المجتمع ، ولنتكلم فيها ونقول : # إن تلك المادة التي هي الأصل والسنخ إما أن تؤخذ مركبة هكذا إلى غير ~~النهاية ، فننقل الكلام فيها ms120 إلى غير النهاية وهذا محال. وإما أن ينقطع ~~الأخذ على سبيل التركيب ، فينتهي الكلام إلى ما هو الأصل والسنخ منه ، وان ~~لا يبطل ذلك الأصل ، حيث إنه ليس فيه تركيب ولا قيام بالمركب ولا قوة فساد ~~، فأخذ النفس مع غيرها على سبيل التركيب لا يقدح في مطلوبنا ، إذ كلامنا في ~~النفس لا في غيرها ، وهي الأصل والسنخ من جملة أجزاء هذا المركب ولا في هذا ~~المركب المجتمع من النفس وغيرها ، إذ هو ليس نفس النفس حتى يلزم كون ذلك ~~الأصل جزءا من النفس لا عينها. # فتبين من ذلك أن كل شيء بسيط غير مركب ولا قائم بالمركب كما في الفرض ~~الأول ، أو كل شيء هو أصل مركب وسنخه كما في الفرض الثاني ، فهو غير مجتمع ~~فيه فعل أن يبقى وقوة أن يعدم بالقياس إلى ذاته ، إذ ذلك الاجتماع إنما هو ~~سبب التركيب الحقيقي في ذاته ، أو فيما يقوم ذاته به والمفروض خلافه هنا ، ~~ولا يلزم منه كون النفس مادة ، إذ المادة وإن كانت بسيطة غير قابلة للفساد ~~، وكانت أصلا في المركب من بعض الوجوه لكنها ليست أصلا بالمعنى المذكور إذ ~~قيامها إنما هو بما يحل فيها. # ثم إنه ربما أشعر كلامه في التركيب حيث قال : «ولنترك المركب ولننظر في ~~الجوهر الذي هو مادته إلى آخره إن هذا التركيب إنما هو بأخذ النفس التي ~~اعتبرها مادة ، وهي الأصل مع غيرها الذي يكون غير أصل ، ويكون كالصورة ، ~~ولم يتعرض لأخذها مع أصل آخر ، وكأن وجهه أن أخذها كذلك غير ممكن إذا لجزء ~~الآخر الذي هو الأصل أيضا لا يمكن أن يكون صورة لما عرفت. # وأيضا يستلزم أن يكون نفس واحدة أكثر من واحدة ، ومع ذلك فيستلزم ما هو ~~المقصود وهو عدم فساد ما هو الأصل فيه ، غايته أن يكون ذلك الأصل أكثر من ~~واحد ، وغير النفس التي نحن بصدد التكلم فيها أيضا ، وهذا الذي ذكرنا وإن ~~كان حمل كلام الشيخ عليه لا يخلو عن تكلف ، إلا أنه غاية توجيهه بناء على ~~اصوله ms121 ، وبه يندفع جميع الأنظار PageV01P187 # التي نقلناها عن الإمام الرازي وصاحب المحاكمات كما يعرف بالتدبر ، فتدبر تعرف. # ثم إن الشيخ في قوله : «وأما الكائنات التي تفسد فإن الفاسد منها هو ~~المركب» إلى آخر ما نقلنا عنه تصدى لبيان أن الأجسام وصورها وموادها ~~والأعراض الحالة فيها ، أي منها يمكن أن يفسد وأي منها لا يمكن أن يفسد ، ~~وأن السبب في إمكانه وعدم إمكانه ما ذا؟ وأن أمر النفس ليس كأمر شيء منها. # فقال : وأما الكائنات التي تفسد ، كالاجسام العنصرية ، فإن الفاسد منها ~~هو المركب المجتمع ، وقوة أن تفسد أو تبقى ليس في المعنى الذي به المركب ~~واحد حتى يلزم قبوله للفساد من هذه الجهة ، والحال أن جهة الوحدة مشابهة ~~للبساطة التي تنافي ذلك ، بل في المادة التي هي بالقوة قابلة لكلا الضدين ~~أي بقاء صورها فيها وفسادها عنها ، وبسبب تلك المادة التي يلزمها أن يكون ~~محلا لحال آخر يلزم أن يكون هناك كثرة ملتئمة من محل ومادة ، هي قابلة لكلا ~~الضدين ، ومن صورة حالة بسببها تكون فعلية ذلك المركب وإن كان العمدة في ~~قبول الفساد هو المادة ، إذ هي قابلة لفساد الصورة عنها في المركب وبسبب ~~فساد الصورة يلزم فساد المركب أيضا. فليس في الفاسد المركب من جهة وحدته لا ~~قوة أن يبقى ولا قوة أن يفسد ، بل كان منشأ قبول الفساد فيه جهة تلك الكثرة ~~، وذلك التركيب من صورة ومادة في تلك المادة قوة فساد الصورة التي من شأنها ~~أن تفسد عنها وإن كانت المادة هي الأصل في قبول الفساد ، أي فساد الصورة ~~ويتبعه فساد المركب ، فأشعر بما ذكره أن النفس حيث لم تكن مركبة من مادة ~~فيها قوة الفساد ولا قائمة بالمركب ، كذلك لا تكون قابلة للفساد أصلا. # ثم قال : «وأما المادة أي مادة الجسم مطلقا سواء كانت مادة لجسم كائن ~~فاسد ، أو لجسم ثابت على الدوام ، ففيها احتمالان : أحدهما وهو المرجوح ~~أنها تبقى بنفس ذاتها لا بقوة تستعد بها للبقاء ، والآخر وهو الراجح إنما ~~تبقى بقوة بها تبقى ، لكن ms122 ليس لها قوة أن تفسد شيئا آخر غير قوة البقاء ، ~~لأن المراد بقولنا : أن في المادة قوة الفساد ، أن فيها قوة فساد غيرها ~~كالصورة ، كما أن فيها قوة حدوث الصورة لا قوة فساد نفسها ، فإن الشيء لا ~~يمكن أن يكون محلا لفساد نفسه ، ففيها قوة بقاء نفسها خاصة ، وعلى ~~التقديرين يلزم أن تكون المادة باقية لبساطتها وعدم تركبها من مادة وصورة ، ~~وإن ذلك وإن كان PageV01P188 # يؤكد ما ذكرنا من أن البساطة منشأ لعدم الفساد ، لكن ليس أمر النفس كأمر ~~المادة ، إذا النفس مع بساطتها أصل وسنخ ، وهي ليست كذلك ، إذ وجودها ~~وقيامها إنما هو بما يحل فيها لا بذاتها كما في النفس. # ثم قال : والبسائط التي في المادة فإن قوة فسادها في جوهر المادة لا في ~~جوهرها ، يعني أن الأعراض والصور البسيطة الحالة في المادة وإن كان يتوهم ~~فيها أن لا تكون فيها قبول فساد من جهة بساطتها وعدم تركبها بحسب الذات من ~~مادة وصورة ، إلا أن تلك البساطة المستلزمة لعدم قبول الفساد ، هي ما تكون ~~منافية للتركيب في الذات ، وللقيام بالمركب جميعا وتلك الأعراض والصور ~~البسيطة ليست كذلك ، إذ هي محتاجة إلى الموضوع أو المادة في الوجود أو ~~التشخص قائمة بالمادة أو بالمركب من المادة وحينئذ فقوة فسادها في جوهر ~~مادتها لا في جواهر أنفسها ، ولذلك تقبل الفساد ، وكذا قوة فسادها ليست من ~~جهة بساطتها في ذواتها ، بل من جهة قيامها بالمادة أو بالمركب من المادة. # وبالجملة فليس أمر النفس كأمر تلك الأعراض والصور ، إذ النفس مع بساطتها ~~في ذاتها غير قائمة بالمادة ولا بالمركب من المادة وهي أصل في القيام ~~والوجود ، وتلك الأعراض والصور ليست كذلك. # ثم قال : والبرهان الذي يوجب أن كل كائن فاسد من جهة تناهي قوة البقاء ~~والبطلان ، إنما يوجب فيما هو كائن من مادة وصورة ، ويكون في مادته أن يبقى ~~فيه تلك الصور ، وقوة أن تفسد هي منه معا تكملة لما ذكره فيما تقدم ، ~~وبيانا كليا لوجه إمكان فساد ما يمكن أن يفسد وما ms123 لا يمكن أن يفسد ، فبين ~~أن كل ما هو مركب من مادة وصورة أو قائم بالمركب منهما ، وبالجملة له مادة ~~في ذاته أو في قيامه وفي مادته قوة أن تبقى فيها صورته وقوة أن تفسد ، أمكن ~~أن تفسد صورته فيفسد المركب أيضا ، وما ليس كذلك فليس كذلك ، فأشعر بأن غير ~~الكائنات الفاسدات من الأجسام كالفلكيات منها عندهم ، إنما لا تفسد لأجل أن ~~ليس في مادتها قوة الفساد ، وكذلك صورها ليست من شأنها أن تزول عنها ، ولا ~~ينافي ذلك كونها مركبة وغير أصل ، لأنا قلنا إن البساطة والأصالة تكونان ~~منشأين لعدم قبول الفساد ، ولا يلزم منه أن يكون كل ما هو منشأ لذلك هذين ~~السببين ، بل يمكن أن يكون ذلك بسبب آخر غيرهما كما في الأفلاك. وهذا غاية ~~توجيه كلام الشيخ PageV01P189 # في الشفاء ، وبه تم دليله على أن الأنفس الإنسانية لا تفسد ، واندفع عنه ~~الأنظار الموردة عليه ، كما أشرنا إليه والله أعلم بالصواب. ### | في توجيه كلامه في الإشارات # وأما توجيه كلامه في الإشارات ، فلأنه ذكر أولا في بيان الدليل على أن ~~الأنفس الإنسانية لا تفسد بفساد البدن ، قوله : «ولما كانت النفس الناطقة ~~التي هي موضوع ما للصور العقلية ، غير منطبعة في الجسم ، بل إنما هي ذات ~~آلة بالجسم إلى آخره ». (1) وأشار بلفظة «لما» إلى ما أثبته في النمط ~~الثالث وغيره ، فأشار بقوله : «هي موضوع ما للصور العقلية» إلى أنها مجردة ~~في ذاتها وكمالاتها الذاتية عن المادة ، لأن موضوع الصور العقلية التي هي ~~مجردة عن المادة لا يكون إلا مجردا عنها أيضا كما هو المستبين عندهم ، ~~وسيأتى بيانه ، فحيث أشار إلى تجردها في ذاتها وكمالاتها الذاتية عن المادة ~~، أشار إلى أنها غير مركبة من المادة والصورة كالجسم ، وغير قائمة بالمادة ~~والجسم كالصور والأعراض ، كما أنه أشار بقوله : «غير منطبعة في الجسم» إلى ~~الأخير ، وأشار أيضا بقوله : «بل إنما هي ذات آلة بالجسم» إلى كيفية ~~ارتباطها بالجسم على وجه لا يلزم منه احتياجها في وجودها وكمالاتها العقلية ~~الذاتية إليه ، بل إن احتياجها إليه ms124 إنما هو في أفعالها وإدراكاتها الجزئية ~~، وأما في أفعالها وإدراكاتها الكلية فلا ، بل هي عاقلة بذاتها لمعقولاتها ~~من غير توسط آلة في ذلك. فأشار بما ذكره إلى بساطتها الذاتية الحقيقية وإلى ~~أصالتها المطلقة في الوجود والقيام والتعقل كما عرفت وجه ذلك. # ثم إنه بعد بيان أن النفس لا تفسد بفساد البدن ، قال : «إذا كانت النفس ~~الناطقة قد استفادت ملكة الاتصال بالعقل الفعال لم يضرها فقدان الآلات ، ~~لأنها تعقل بذاتها كما علمت ، لا بآلتها ، ولو عقلت بآلتها لكان لا يعرض ~~للآلة كلال إلا ويعرض للقوة كلال». (2) إلى آخر ما ذكره من الأدلة على ذلك ~~، فبين أنها تعقل بذاتها من غير آلة. # ثم قال : «لو كانت القوى العقلية منطبعة في جسم من قلب أو دماغ ، لكانت ~~دائمة التعقل PageV01P190 # له أو كانت لا تعقله البتة» (1) إلى آخر ما ذكره من الدليل عليه ، فبين ~~أيضا أنها عاقلة لذاتها وكذا هي غير منطبعة في الجسم. # ثم قال تكملة لهذه الإشارات : «فاعلم من هذا أن الجوهر العاقل منا له أن ~~يعقل بذاته.» «فأشار بما ذكره إلى كونها عاقلة» بذاتها ، وإلى أصالتها في ~~الوجود والقيام والتعقل ، وإلى بساطتها الحقيقة الذاتية اللازمة لأصالتها ~~أيضا ، فأشار بذلك إلى نفي كونها مركبة من هيولى وصورة ، بل إلى نفي كونها ~~مركبة من جزءين حال ومحل مطلقا وإن كانا مفارقين ، بل إلى نفي كونها مركبة ~~من جزءين مطلقا وإن لم يكونا حالا ومحلا ، وكذلك أشار إلى نفي كونها صورتا ~~أو عرضا ، بل نفي كونها قائمة بالمحل مطلقا وإن كان المحل جوهرا مفارقا غير ~~ذي وضع ، وكذا أشار إلى نفي كونها مادة أو كالمادة من شيء لكون جميع ذلك ~~غير أصل في الوجود والقيام والتعقل بخلاف النفس. وأيضا ما سوى المادة من ~~هذه إما مركب أو قائم بالمركب بخلاف النفس. # ثم قال : في بيان الدليل على عدم إمكان فساد النفس بسبب من الأسباب ، ~~ولأنه أصل وذكره على سبيل الاستبانة مما تقدم ، وعلى أن هذه القضية مقدمة ~~ظاهرة لا ينبغي لعاقل إنكارها يعني أنها ms125 أصل في الوجود والقيام والتعقل ، ~~وإنما اكتفى في الدليل بأصالتها في ذلك ولم يتعرض لبساطتها ، لأن أصالتها ~~كذلك تستلزم بساطتها الذاتية الحقيقية المطلقة التي هي العمدة في عدم إمكان ~~قبول الفساد من غير عكس ، كما أشرنا إليه ، مع أنه لا يرد على تقدير ~~أصالتها كونها مادة في المركب كما عرفته أيضا. # ثم فرع على أصالتها المستلزمة لبساطتها في ذاتها أنها لا تقبل الفساد. ~~وقال : فلن يكون مركبا من قوة قابلة للفساد مقارنة لقوة الثبات (2) كما ~~بينا وجه ذلك مطابقا لما في الشفاء ، ثم قال : فإن اخذت لا على أنها أصل بل ~~كالمركب من شيء كالهيولى وشيء كالصورة عمدنا بالكلام نحو الأصل من جزئيه. ~~وأشار بقوله : «فإن اخذت لا على أنها أصل» أي اخذت لا على أنها أصل بهذا ~~المعنى المتقدم ولا على أنها بسيطة بالمعنى المذكور ، إلى أن أخذها كذلك ، ~~لا يقدح في أصالتها الذاتية ولا في بساطتها المطلقة ، بل إنما هو بمحض ~~اعتبار اجتماعها مع غيرها في ذلك التركيب كما عرفت ، وأشار بقوله : «بل PageV01P191 # كالمركب من شيء كالهيولى وشيء كالصورة» إلى أن النفس على هذا الأخذ لا ~~تكون مركبة بحسب ذاتها ، إذ ذاك غير محتمل ، بل تكون كالمركب أي المأخوذ ~~مجتمعا مع غيرها ، بحيث لا يكون ذلك المجتمع مركبا حقيقيا ، بل بمحض ~~الاعتبار وملاحظة الاجتماع ، وإلى أن هذين الجزءين من هذا المجتمع ، لا ~~يحتمل كونهما هيولى وصورة ، بل كالهيولى وكالصورة ، حيث إن أحد الجزءين ~~الذي هو النفس يمكن أن تعتبر في هذا الاجتماع الذي هو كالتركيب كالهيولى ~~لمناسبتها للنفس في البساطة وعدم قبول الفساد وفي الأصالة في المركب من بعض ~~الوجوه ، وإن لم تكن أصلا بالمعنى المتقدم المقصود هنا ، وإن لم يمكن ~~اعتبارها صورة أو كالصورة ، إذ لا مناسبة لها بالنفس من وجه ، بل المأخوذ ~~كالصورة ينبغي أن يكون هو الجزء الآخر من المأخوذ كالمركب أي المجتمع كما ~~عرفت بيانه فيما تقدم. # وأشار بقوله : «عمدنا بالكلام نحو الأصل من جزأيه» ، أي من جزئي هذا ~~المجتمع من النفس ومن غيرها ms126 إلى أنه إذا اخذت النفس كذلك تركنا المجتمع ~~لعدم كونه نفسا ، إذ هو مجتمع من النفس ومن غيرها ، وكلامنا في النفس ، ~~وتركنا أيضا الجزء الآخر منه الذي هو بمنزلة الصورة ، وليس بأصل مطلقا ~~وعمدنا بالكلام نحو الأصل من جزئيه ، أي نحو النفس التي هي الأصل ~~واعتبرناها كالهيولى والمادة من هذا المجتمع. # فنقول : إن الجوهر الذي هو بمنزلة المادة وهو الأصل والسنخ ، إما أن يؤخذ ~~مركبا هكذا إلى غير النهاية ، فننقل الكلام فيه هكذا إلى غير النهاية وهو ~~محال ، وإما أن لا يبطل الجوهر الذي هو الأصل والسنخ أي النفس ، ولا يكون ~~فيه قوة فساد لبساطته في الذات ، ولأصالته في القيام والذات وهو المطلوب ، ~~وحينئذ لا يلزم أن يكون النفس مادة أو كالمادة بحسب ذاتها ، لأن المادة ~~ومثلها إنما قيامها بما يحل فيهما ، والنفس ليست كذلك ، بل إن قيامها إنما ~~هو بذاتها. # ثم قال : «والأعراض وجوداتها في موضوعاتها ، فقوة فسادها وحدوثها هي في ~~موضوعاتها ، فلم يجتمع فيها تركيب» (1) بيانا لوجه إمكان فساد الأعراض ~~ودفعا للنقض بالأعراض البسيطة ، كما ذكره ، بل بالصور البسيطة أيضا كما ~~ألحقها بها المحقق PageV01P192 # الطوسي رحمه الله في شرحه لبيان النقض ، وذكر أن كثيرا من الأعراض والصور ~~البسيطة تكون باقية ممكنة الفساد مع بساطتها ، فهلا كانت النفس كذلك. # وبيان الدفع أن البساطة الموجبة لعدم إمكان الفساد إنما هي البساطة ~~المطلقة ، بحيث لا يكون هناك تركيب من مادة قابلة للفساد أصلا ، لا في ذات ~~ذلك البسيط ولا فيما يقوم هو به كما في النفس ، وأما تلك الأعراض والصور ~~فليست كذلك ، لأنها قائمة بالمركب من مادة أو بالمادة ، وتلك المادة قابلة ~~للفساد أي لفساد تلك الأعراض والصور عنها ، فلا بساطة مطلقة هناك ، فلهذا ~~كانت ممكنة الفساد ، ولا يلزم من ذلك أن يكون هناك تركيب في ذوات تلك ~~الأعراض والصور البسيطة ، حتى ينافي بساطتها الذاتية. # ثم قال : «وإذا كان كذلك لم تكن أمثال هذه قابلة للفساد بعد وجوبها ~~بعللها وثباتها بها» ، (1) أي إذا كان الجوهر العاقل منا كذلك أو إذا كان ms127 ~~الأمر كذلك أي أن النفس أصل وسنخ في الوجود والقيام بالذات والتعقل بالذات ~~وبسيطة في ذاتها غير قائمة بالمركب من المادة ولا بالمادة التي هي قابلة ~~للفساد وأنها إذا اخذت مركبة مع غيرها لم يؤثر ذلك في صيرورتها مركبة في ~~ذاتها ولا في كونها قائمة بالمركب من المادة ولا بالمادة ، بل كانت أصالتها ~~وبساطتها المطلقتان باقيتين لم تزولا ، لم تكن أمثال هذه في أنفسها قابلة ~~للفساد بعد وجوبها بعللها وثباتها بها ولم يلزم أيضا كونها مادة ، لأن ~~المادة أيضا وإن كانت بسيطة غير ممكنة الفساد وأصلا في المركب من بعض ~~الوجوه لكنها ليست أصلا بالمعنى المذكور بخلاف النفس كما مر بيان ذلك كله. ~~وإنما قال : «بعد وجوبها بعللها وثباتها بها» ، إشارة إلى أن النفس كما ~~أنها ليس لها سبب لفسادها كذلك لها سبب لبقائها وهو وجوبها وثباتها بعللها ~~الباقية التي لا يطرأ عليها الفساد البتة ، فيلزم أن تكون هي أيضا باقية ~~البتة غير فاسدة أصلا ، لأن سبب بقائها موجود والمانع عنه أي سبب فسادها ~~منتف ، فبأى طريق يطرأ عليها الفساد. وهذا نظير قول الشيخ فيما تقدم من ~~الدليل على عدم إمكان فساد النفس بفساد البدن ، حيث قال : فاستحالة الجسم ~~عن أن يكون آلة لها وحافظا للعلاقة معها بالموت لا تضر جوهرها ، بل يكون ~~باقيا بما هو مستفيد (2) الوجود من الجواهر الباقية. # ثم إنك بعد ما أحطت خبرا بتفاصيل ما ذكرناه وبيناه ، ظهر لك توجيه كلام ~~الشيخ بناء PageV01P193 # على اصوله على وجه يتم به مطلوبه ويندفع عنه الإيراد ، وكذا انتفاء ~~الاحتمالات التي هي صارت منشأ لإيراد صاحب المحاكمات ، والإمام الرازي عليه ~~ما أوردا عليه كما لا يخفى. نعم ما ذكره الإمام الرازي من الاعتراض الثالث ~~لم يتضح بعد بيان اندفاعه ، وسنتكلم عليه إن شاء الله تعالى. # ثم إنه ربما يتراءى من الإمام في اعتراضه الثاني أنه حمل قول الشيخ في ~~الدليل : «وإن اخذت لا على أنها أصل ، بل كالمركب من شيء كالهيولى وشيء ~~كالصورة عمدنا بالكلام نحو الأصل من جزئيه» على ms128 أنه إن اخذت لا على أنها ~~أصل اخذت مركبة في ذاتها من جزءين كالهيولى والصورة ، مثل الجسم. إلا أن ~~هذين الجزءين حيث كانا جزئي شيء مفارق عن المادة ، أي النفس يكونان مخالفين ~~لهيولى الأجسام وصورها ، وعمدنا بالكلام نحو هيولاها ، فإنها حيث كانت أصلا ~~، أي بسيطة في ذاتها غير قائمة بمادة ليس فيها قوة فساد نفسها ، فهي باقية ~~غير قابلة لطريان الفساد عليها ، وهذا أعني عدم فساد هيولاها كاف فيما نحن ~~بصدده من بيان أن النفس غير فاسدة ، حيث إن جزءها الأصل أعني شيئا كالمادة ~~لها غير فاسد. # وحيث هو حمل كلام الشيخ على ذلك أورد عليه الاعتراض ، وقال : إنه على هذا ~~لما كان الباقي من النفس هو النفس ، بل جزءا منها ، وهو خلاف المقصود ، ~~وحينئذ يجوز أن لا تكون كمالاتها الذاتية الباقية ببقائها باقية ، لأنها ~~تابعة لجزئها الآخر الذي هو صورتها ، والمفروض فسادها ، لأنها متعلقة ~~بمادتها ، ويمكن أن يكون قوة فسادها في مادتها كما في سائر الكائنات ~~الفاسدات وإن لم يكن في تلك المادة قوة فساد نفسها ، وعلى هذا فلا تكون ~~النفس باقية ولا كمالاتها الذاتية. # ولا يخفى عليك أنه بما قررنا كلام الشيخ في الاستدلال كان هذا الاحتمال ~~الذي فهمه منه منتفيا ، بل كان بعيدا عنه بمراحل ، كيف ولو حمل كلام الشيخ ~~على ذلك لكان استدلالا واهيا لا يرتكبه من له أدنى مسكة فكيف مثل الشيخ؟! ~~وهل هذا إلا مثل أن يقال : إن الجسم العنصري الكائن الفاسد غير فاسد ، لأنه ~~مركب من هيولى وصورة ، وصورته المتعلقة بمادته وإن كانت قابلة للفساد حيث ~~إن في هيولاها قوة فسادها لكن هيولاه غير قابلة للفساد من جهة أنها بسيطة ~~غير قائمة بالمادة وليس فيها قوة فساد نفسها ، وهذا مما PageV01P194 # لا يرتكبه عاقل. # فعلم من ذلك أن هذا الاعتراض من الإمام مثل اعتراضه الثاني ، بل مثل ~~إيرادات صاحب المحاكمات إنما نشأ من الغفلة عن التدبر في كلام الشيخ وعن ~~سوء الفهم منه. # ثم إن الجواب الذي أجاب به المحقق الطوسي عن هذا الاعتراض ms129 ، جواب صواب ، ~~وكأنه أيضا مبني على بساطة النفس بساطة ذاتية مطلقة ، وعلى أصالتها في ~~القيام أصالة مطلقة ، كما بنينا توجيه كلام الشيخ على ذلك. # وما ذكره أولا من بيان أن النفس لا يمكن أن يكون لها هيولى مطلقا وإن ~~كانت مخالفة لهيولى الأجسام ، حيث احتمل في ذلك احتمالات وأبطل كلها ، ~~فأثبت بذلك عدم ثبوت هيولى أو كالهيولى لها ، غني عن البيان. # وأما ما ذكره أخيرا بقوله : «ثم إن الصورة المقيمة إياها والكمالات ~~التابعة لتلك الصورة لا يجوز أن تفسد وتتغير بعد انقطاع علاقتها عن البدن ، ~~لأن التغير لا يوجد إلا مستندا إلى جسم متحرك كما تقرر في الاصول الحكمية ، ~~فهو كأنه يحتاج إلى بيان ، به يندفع الإيراد عنه ، وهو أنه ادعى أنه قد ~~تقرر في الاصول الحكمية مثل ما نقلنا عن الشيخ في الشفاء في وجه تغير ~~الكائنات الفاسدات من الأجسام ، أنه إذا كان هناك صورة قائمة بمادة هي ~~بالقوة قابلة لكلا الضدين ، أي لقبول صورة حادثة فيها وكذا لقبول فساد تلك ~~الصورة عنها فحينئذ يمكن أن تفسد تلك الصورة عنها ، وبه يتحقق فساد ذات تلك ~~الصورة القائمة فسادها بمادتها حيث فسدت ذاتها في ذاتها وفسدت عن مادتها ، ~~وكذا يتحقق به فساد ذلك المركب من تلك الصورة وتلك المادة ، حيث فسد جزؤه ، ~~وفساد الجزء مستلزم لفساد الكل ، أو أنه إن كان هناك جسم مركب من مادة ~~وصورة وكان ذلك الجسم موضوعا لعرض ما قابلا لذلك العرض ولضده أمكن أن يفسد ~~ذلك العرض عنه بطروء ضده عليه ، وإن لم يستلزم ذلك فساد ذلك الموضوع نفسه ، ~~لعدم كون ذلك العرض جزءا منه ولا مقوما له. وكان ما ذكرنا هو معنى قوله : ~~لأن التغير لا يوجد إلا مستندا إلى جسم متحرك ، أي إن التغير أي فساد ~~الصورة أو فساد العرض لا يوجد إلا مستندا إلى جسم مركب من مادة وصورة متحرك ~~، أي متغير في صورته عن مادته مستلزم تغيره تغيرا في ذات تلك الصورة نفسها ~~، وكذا في ذلك الجسم المركب في جزئه ، أو ms130 متغير في ذلك العرض بحيث استلزم PageV01P195 # تغيره تغيرا في ذلك العرض دون موضوعه أي ذلك الجسم. # ثم ادعى أنا قد أقمنا الدليل على أنه لا يمكن أن يكون للنفس هيولى ولا ما ~~هو كالهيولى ، فحيث انتفت عنه الهيولى وكالهيولى ، انتفى احتمال أن يكون ~~لها صورة أو كالصورة أيضا ، إذ ذلك لا يكون إلا بملاحظة كون هيولى أو ~~كالهيولى لها. وقد عرفت أن ذلك منتف عنها ، فإذا لم يكن لها مادة مطلقا ولا ~~صورة مطلقا فكيف يتطرق إليها وإلى كمالاتها الذاتية فساد ، وبعبارة اخرى : ~~إذا لم يكن لصورتها مادة حاملة لها قابلة لفسادها عنها فكيف يتطرق إلى ~~صورتها فساد يلحقه فساد كمالاتها الذاتية التابعة لصورتها ، وهو المطلوب. # وإذا عرفت ذلك ، عرفت أن تسليم المحقق الطوسي كون صورة للنفس ، مماشاة مع ~~الإمام في كون شيء هنا يطلق عليه الصورة أو كالصورة ، لا أنه مبني على ~~الواقع أو بحسب اعتقاده ، حتى يرد عليه أنه مخالف لما بينه أولا من عدم كون ~~هيولى أو كالهيولى لها ، فإن الصورة إنما تكون إذا كان هناك مادة وتركب ~~منها ومن صورة ، والمفروض خلافه ، وعليه ما ذكره صاحب المحاكمات بقوله : ~~«ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يقوم قوة فساد الصورة المقيمة بمحلها ، ~~ولا نسلم احتياج قوة الفساد بمادة جسمية بل هو أول المسألة؟» # ثم قال : «لا يقال : المفارق يمتنع أن يفارق المفارق. لأنا نقول : إذا ~~جاز أن يحدث في المفارق فلم لا يجوز أن ينعدم». هذا كلامه وبيان عدم الورود ~~ظاهر ، وكان هذا الإيراد أيضا مبني على الغفلة عن كلام المحقق الطوسي ~~رحمه الله . # وحيث عرفت ما ذكرنا ... (1) أيضا وأنه مبني على بساطة النفس وأصالتها في ~~القيام ، كما ذكرنا ، أما بساطتها ، فلأنه نفى عنها التركيب مطلقا ، وأما ~~أصالتها ، فحيث ادعى كونها عاقلة بذاتها ومستغنية في وجودها عن البدن ، وكل ~~ذلك ظاهر على من تدبر في كلامه ، إلا أنه كان ينبغي له أن يوجه كلام الشيخ ~~أولا بحيث لا يتطرق إليه الاحتمالات التي هي منشأ للإيراد عليه كما ms131 فعلنا ~~وهو رحمه الله لم يفعله ، لكنه رحمه الله أعلم. # وإنما تعرضنا نحن لتصحيح ما ذكره الشيخ في الكتابين من الدليلين ، مع كون ~~بعض ما ذكره فيهما مبنيا على مقدمة مقررة عند الحكماء غير تامة عندنا ، وهي ~~أن كل حادث PageV01P196 # مسبوق بمادة ، لأجل أنه ربما كان مؤيدا للدلائل الاخر على بقاء النفس بعد ~~خراب البدن ، التي ليست مبنية على هذا الأصل كما عرفتها. وكذا لأجل تحقيق ~~ما ذكره الشيخ وتصحيحه بناء على ذلك الأصل بقدر الإمكان ، حيث كان مزلقة ~~للأقدام. PageV01P197 ### ||| ** في ذكر شبهة مشهورة موردة على أدلة بقاء النفس بعد فساد البدن # وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام ، واندفع الإيرادات الموردة على كلام ~~الشيخ في الكتابين في الدليلين ، أي الدليل على عدم فساد النفس بفساد البدن ~~والدليل على عدم فسادها مطلقا وبقي اعتراض الثالث الذي ذكره الإمام هنا أي ~~على الدليل الثاني الذي ذكره الشيخ على عدم فساد النفس مطلقا فلنتكلم في ~~تحرير ذلك الاعتراض ، وفي بيان دفعه ، حيث إن ذلك الاعتراض اعتراض قوي ~~أوردوه على كلا الدليلين اللذين ذكرهما الشيخ في الكتابين وقد أشرنا فيما ~~سبق أنه يرد ظاهرا على بعض من الدلائل الاخر غيرهما أيضا وقد عرفت أن صاحب ~~المحاكمات كما نقلنا كلامه أورده على الدليل الأول الذي ذكره الشيخ في ~~الإشارات ، أي الدليل على بقاء النفس وعدم إمكان فسادها بفساد البدن ، وأن ~~الإمام الرازي كما نقلنا كلامه أورده على دليله الثاني ، ذكره فيه ، أي ~~الدليل على بقائها وعدم إمكان فسادها مطلقا ، وتعلم أيضا أنه لو كان واردا ~~على دليلي الشيخ في الإشارات ، لكان واردا على دليليه في الشفاء أيضا ، إذ ~~مآل ما في الكتابين واحد والاختلاف إنما هو في العبارة ، وقد عرفت أيضا مما ~~نقله صدر الأفاضل من كلام المحقق الطوسي رحمه الله في رسالته إلى بعض ~~معاصريه ، أنه أورد هذا الاعتراض في هذا المقام مطلقا ، بحيث يمكن أن يورد ~~على كل من الدليلين في الكتابين ، وسأل الجواب عنه ، إلا أن الإمام الرازي ~~في اعتراضه حيث قال ms132 : إن الحدوث والفساد متساويان في احتياجهما إلى إمكان ~~يسبقهما وإلى محل لذلك الإمكان ، أو في استغنائهما عن ذلك ، وأنه إن استغنى ~~إمكان الحدوث عن المحل مع وقوع الحدوث ، فليستغن إمكان الفساد أيضا عنه مع ~~وقوع الفساد ، وإن افتقر إمكان الحدوث إلى محل ، هو البدن ، فليكن البدن أيضا PageV01P198 # محلا لإمكان الفساد ، وبالجملة يجوز أن يكون البدن ، شرطا لوجود النفس ، ~~ويلزم انعدام المشروط عند فقدان الشرط ، إن أراد بالشرط الأمر الذي له مدخل ~~في الجملة في حدوث النفس ، وإن كان على سبيل العلية القابلية ، فيكون هو قد ~~رام إيراد الاعتراض على كلام الشيخ من وجه واحد ، وهو احتمال أن يكون البدن ~~علة قابلية ومحلا لإمكان حدوث النفس وفسادها ، وحينئذ يكون قوله : وبالجملة ~~إلى آخره من تتمة السابق ، أما لو أراد بالشرط معناه الاصطلاحي الذي هو أمر ~~وجودي خارج عن حقيقة المشروط ، ويتوقف وجود مشروطه عليه وينتفي بانتفائه ، ~~فكأنه رام إيراد الاعتراض على كلام الشيخ من وجهين : # الوجه الأول من جهة تجويز كون البدن محلا لإمكان فساد النفس أي علة ~~قابلية له وكأنه إيراد على قول الشيخ في الدليل الثاني : «والأعراض ~~وجوداتها في موضوعاتها فقوة فسادها وحدوثها في موضوعاتها فلم يجتمع هناك ~~تركيب». # وتحريره : أنه كما جاز أن يكون قوة حدوث الأعراض البسيطة وقوة فسادها في ~~موضوعاتها فتحدث هي فيها وتفسد هي عنها من غير لزوم تركيب في ذواتها ، فلم ~~لا يجوز أن يكون قوة حدوث النفس التي هي بسيطة في ذاتها ، وكذا قوة فسادها ~~في البدن الذي هي متعلقة به ، فإن البدن وإن لم يكن موضوعا لها لكونها ~~مجردة عن المادة في ذاتها ، لكنه مما يمكن أن يكون محلا لإمكان حدوثها ~~وفسادها أي علة قابلية لذلك ، كالموضوع بالنسبة إلى الأعراض. # وبيان ذلك أنه لا يخفى أن المذهب الحق كما تقرر في موضعه ، وكذا مذهب ~~الشيخ كما يظهر لمن نظر في كلامه في الكتابين ، هو القول بحدوث النفس بحدوث ~~البدن ، ولا سترة في أن فسادها لو فرض يكون حادثا أيضا ، فحدوثها وفسادها ~~كلاهما ms133 حادثان بعد ما لم يكونا ، فحينئذ نقول : إما أن يكون كل حادث مطلق ~~سواء كان مجردا أو ماديا ، محتاجا إلى إمكان يسبقه وإلى محل لذلك الإمكان ، ~~كما هو المقرر عند الحكماء ، وإما أن لا يكون كذلك. # وعلى الأول فحدوث النفس وفسادها متساويان في احتياجهما إلى ذلك الإمكان ، ~~وإلى ذلك المحل الحامل له ، فكما جاز أن يكون محل إمكان حدوثها هو البدن ، ~~حيث إنها PageV01P199 # حدثت بحدوثه ولذلك جعل الشيخ وغيره البدن علة بالعرض للنفس ، فكذلك يجوز ~~أن يكون محل إمكان فسادها أيضا ، هو البدن ، فتفسد هي بفساده. والقول بأنه ~~محل لإمكان حدوثها دون فسادها مما لا وجه له ، لأنه إن كان مبنيا على أنها ~~لا تفسد البتة وإن كان هناك حامل لإمكان الفساد فهو أول المسألة ، وإن كان ~~مبنيا على أن إمكان الفساد مطلقا لا يستدعي محلا له ، فهو مخالف لما هو ~~المقرر عندهم ، من أن كل حادث يستدعي ذلك ، مع أنه يستلزم المطلوب ، وهو ~~ثبوت الفساد لها من غير أن يكون هناك حامل لإمكانه ، وإن كان مبنيا على أن ~~النفس لكونها مجردة عن المادة لا يستدعي إمكان فسادها محلا لذلك ، فهو جار ~~في إمكان حدوثها أيضا ، وقد ثبت عندهم أنه يستدعي محلا ، وهو البدن ، مع ~~أنه يستلزم المطلوب وهو ثبوت الفساد لها. وإن كان مبنيا على أن محل إمكان ~~فسادها هو شيء غير البدن ، فهو مع كونه مخالفا لما تقرر عندهم من أن محل ~~إمكان الفساد يجب أن يكون هو بعينه محل إمكان الحدوث ، يستلزم المطلوب ، ~~وهو ثبوت محل لإمكان فسادها ، وإن كان غير البدن. # وبالجملة كل ما يمكن أن يقال في ذلك فهو باطل. # وعلى الثاني أي أن لا يحتاج الحادث مطلقا أو حدوث النفس وفسادها إلى محل ~~كذلك فهما متساويان في ذلك ، فكما يجوز أن تحدث النفس من غير احتياج إلى ~~محل ، كذلك يجوز أن تفسد أيضا مع الاستغناء عن محل كذلك ، وهو المطلوب. # وبهذا الطريق الذي سلك الإمام في اعتراضه أولا كما حررناه سلك المحقق ~~الطوسي في ms134 رسالته إلى بعض معاصريه في بيان الاعتراض على هذا المقام كما ~~نقلنا كلامه ، وفي احتمال كون البدن محلا لإمكان فساد النفس ، إلا أنه فصل ~~تفصيلا أتم ، به يكون الاعتراض أقوى ، حيث قال : «ما بال القائلين بأن ما ~~لا حامل لإمكان وجوده وعدمه فإنه لا يمكن أن يوجد بعد العدم أو يعدم بعد ~~الوجود ، وحكموا بوجود النفس الإنسانية وامتنعوا عن تجويز فنائها ، فإن ~~جعلوا حامل إمكان وجودها البدن ، فهلا جعلوه حامل إمكان عدمها أيضا ، وإن ~~جعلوها لأجل تجردها عما تحل فيه عادم حامل لإمكان العدم ، كيلا يجوز عدمها ~~بعد الوجود ، فهلا جعلوها لأجل ذلك بعينه عادم حامل لإمكان الوجود ، فيمتنع ~~وجودها بعد العدم في الأصل. وكيف ساغ لهم أن يجعلوا جسما ماديا حاملا PageV01P200 # لإمكان جوهر مفارق مباين الذات إياه ، فإن جعلوها من حيث كونها مبدءا ~~لصورة نوعية لذلك الجسم ، ذات حامل لإمكان الوجود ، فهلا جعلوها من تلك ~~الحيثية بعينها ذات حامل لإمكان العدم. وبالجملة ما الفرق بين الأمرين مع ~~تساوي النسبتين. انتهى كلامه. # الوجه الثاني وهو يظهر من الإمام في آخر كلامه في ذلك الاعتراض لو أراد ~~بالشرط معناه الاصطلاحي ، حيث قال : وبالجملة يجوز أن يكون البدن شرطا ~~لوجود النفس ، ويلزم انعدام المشروط عند فقدان الشرط ، انه يجوز أن يكون ~~البدن شرطا لوجود النفس. وكأنه على هذا إيراد على قول الشيخ ، وإذا كان ~~كذلك ، لم يكن أمثال هذه في أنفسها قابلة للفساد بعد وجوبها بعللها وثباتها بها. # وتحريره أن تلك العلل التي بها وجود النفس وثباتها لا تخلو عن أن تكون ~~علة تامة لها أو غير تامة ، وعلى الأول فإما ان تكون قديمة كما هو مذهبهم ، ~~فيلزم حينئذ قدم النفس أيضا وهو باطل ، لكونها حادثة بحدوث البدن ، كما هو ~~مذهب الشيخ أيضا ، وإما أن تكون حادثة قبل البدن ، فهو مع أنه ليس مذهبا ~~لهم ، يلزم على تقديره حدوث النفس قبل البدن ، وهو أيضا خلاف المفروض وإما ~~أن تكون حادثة حين حدوث البدن ، فهو أيضا مع كونه خلاف مذهبهم ، يستلزم أن ~~تكون ms135 تلك العلل كافية في وجود النفس فلم يكن للبدن مدخل أصلا في وجودها ، ~~ولو بالعرض ، وهو أيضا خلاف ما ذهبوا إليه ، وعلى الثاني أي أن تكون تلك ~~العلل علة غير تامة ، فتماميتها تحتاج إلى شرط أو إلى جزء أخير لتلك العلة ~~فسواء فرض قدمها أو حدوثها قبل البدن أو معه ، جاز أن يكون البدن شرطا في ~~تمامية تلك العلة وفي حدوث النفس ، بل أن الظاهر أن حدوث البدن شرط لحدوثها ~~أي لحدوث النفس ، وإلا لما كانت حادثة بحدوثه ، وإذا كان البدن شرطا ~~لحدوثها يلزم فساد النفس بفساده ، لأن المشروط ينعدم بانعدام شرطه وهو ~~المطلوب ، وهذا الوجه من الاعتراض كأنه مبني على التنزل وتسليم أن النفس ~~لكونها مجردة عن المادة ، لا يكون لها محل لإمكان حدوثها وفسادها ، وحاصله ~~أنا سلمنا أنها لأجل تجردها في ذاتها عن المادة وكونها غير متعلقة القوام ~~بها لا يمكن أن يكون البدن ولا شيء آخر من مادة أو موضوع محلا لإمكان ~~حدوثها أو فسادها ، لكن لا مانع من أن يكون البدن شرطا لحدوثها [و] وجودها ~~حيث إن المفروض أنها حادثة بحدوثه ، وإذا جاز أن يكون شرطا لها والحال أن PageV01P201 # المشروط ينعدم بانعدام الشرط ، جاز أن تفسد النفس بفساد البدن. # وبهذه الطريق سلك صاحب المحاكمات في إيراده على الدليل الأول الذي ذكره ~~الشيخ ، وهو إيراد على قول الشيخ هناك : «فاستحالة الجسم عن أن يكون آلة ~~لها وحافظا للعلاقة معها بالموت لا يضر جوهرها ، بل يكون باقيا بما هو ~~مستفيد (1) الوجود من الجواهر الباقية.» إلا أنه فصل تفصيلا آخر في ~~الاعتراض ، يحتاج إلى توضيح. # قال : وفيه نظر ، لأن الجوهر العقلي الموجد للنفس إن كان علة تامة لها ، ~~لزم قدمها لقدمه أي لقدمه عندهم ، وإن كان علة فاعلية وتوقف وجودها على ~~حدوث البدن ، أي كما هو المذهب الحق ومذهب الشيخ من أن النفس حادثة بحدوث ~~البدن ، والحال أن ليس ذلك إلا لتوقف وجودها على حدوث البدن ، فلم لم يتوقف ~~بقاؤها على بقائه ، أي والحال أن البقاء ليس إلا الوجود ms136 الأول المستمر. ~~وعلى تقدير أن يكون البقاء معنا آخر غير الوجود الأول فلا يخفى أنه أيضا ~~نحو من الوجود ، وإذا جاز توقف وجودها على حدوثه ، فلم لا يجوز توقف بقائها ~~على بقائه ، بحيث ينتفي الأول بانتفاء الثاني ، فالنفس إن كانت مجردة إلا ~~أنها متعلقة بالبدن ، فجاز أن يكون تعلقها شرطا لبقائها فإذا انتفى انعدمت ~~، أي فالنفس وإن كانت مجردة عن المادة في ذاتها لا تستدعي محلا لإمكان ~~حدوثها إلا أنها متعلقة بالبدن وحادثة بحدوثه ، فجاز أن يكون حدوث البدن ، ~~ثم تعلق النفس به شرطا لبقائها كما كان ذلك شرطا لحدوثها ، فإذا انتفى ذلك ~~الشرط الذي هو شرط لحدوثها ولبقائها انعدمت النفس ، وفسدت ، حيث إن المشروط ~~ينعدم بانعدام شرطه. # والحاصل أن البدن ما كان موجودا وكذا النفس ما كانت موجودة ثم وجد البدن ~~والنفس أي كما هو المذهب الحق من أن النفس حادثة بحدوثه ، ثم ينعدم البدن ~~فلا يخلو إما أن يكون للبدن دخل في وجود النفس ، أي بطريق الشرطية أو نحوها ~~أولا ، فإن لم يكن له دخل في وجود النفس أصلا فلم لم يوجد النفس قبل وجود ~~البدن ، أي لم يوجد قبله وجودا قديما كما هو مقتضى قدم علتها الموجدة عندهم ~~أو وجودا حادثا قبله ، لو فرضنا علتها حادثة قبله ، وإن كان له دخل في ~~وجودها فلم لا يجوز أن يكون له دخل في بقائها ، أي والحال أن مدخلية شيء فى ~~وجود شيء ، يستلزم مدخليته في بقائه أيضا حتى إذا PageV01P202 # انعدم ، أي البدن انعدمت أي النفس وفيه المطلوب. # وهذا الذي ذكرنا إنما هو تحرير وجوه تلك الشبهة الموردة على كلام الشيخ ~~في الإشارات ، ويعلم منه كيفية تحريرها وإيرادها على كلامه في الشفاء. ~~وتلخيص الكل ، أن القول ببقاء النفس بعد خراب البدن ، ينافي القول بحدوثها ~~بحدوثه كما ذكرنا. ### | في تحرير الجواب عن الشبهة # وأما بيان الجواب عن تلك الشبهة فيستدعي تمهيد مقدمة ، هي أن قد استبان ~~لك مما حققه الشيخ في الشفاء على ما نقلنا كلامه سابقا أن تغير الكائنات ~~الفاسدات ms137 ، إنما يتحقق إذا كان هناك تركب من مادة وصورة يكون بتلك الصورة ~~كون ذلك المركب بالفعل ، وبتلك المادة كونه بالقوة ، وكونه قابلا للضدين ~~المتواردين عليه ، وبالجملة أن يكون هناك محل قابل لكلا الضدين اللذين هما ~~متعلق القوام به ، كالمادة بالنسبة إلى صورة وضدها وكالموضوع بالنسبة إلى ~~عرض وضده وأن يكون في ذلك المحل قوة قبول صورة أو عرض فيحدث ذلك المقبول في ~~ذلك المحل القابل ، وأن يكون فيه قوة قبول فساده عنه ، فيفسد هو عنه إلا أن ~~ذلك الكائن الفاسد إن كان صورة هي جزء من المركب منها ومن المادة ، وبها ~~قوام مادتها كما في الجسم ، كان كون تلك الصورة سببا لكون المركب وكذا ~~فسادها سببا لفساده ، لفساد المركب بفساد جزئه ، وإن لم يكن صورة كذلك ، بل ~~عرضا بالنسبة إلى موضوعه ، لم يكن كونه سببا لكونه ، ولا فساده سببا لفساده ~~، فيظهر لك أنه يشترط في الكون والفساد أن يكون هناك امور : # منها أن يكون هناك محل قابل لكون الكائن فيه ولفساده عنه ، مادة كان ذلك ~~المحل او موضوعا ، إذ لو لم يكن هناك محل كذلك فلا قبول فلا كون ولا فساد. # ومنها أن يكون ذلك المحل واحدا بالذات وكذا بالاعتبار باقيا في الحالين ~~أي أن يكون ذلك المحل بعينه من جهة كونه قابلا لكون أمر فيه محلا لفساده ~~عنه ، وكان باقيا بعينه في الحالين ، إذ لو لم يكن واحدا بالذات وكذا بتلك ~~الجهة ، لكان يجوز أن يكون محل قابل لكون أمر فيه ومحل آخر مغاير للأول ~~بالذات أو بالاعتبار ، أي لا من جهة كونه محلا لكون ذلك الكائن فيه محلا ~~لفساد ذلك الكائن عنه ، وهذا ممتنع ، إذ المفروض أن هناك PageV01P203 # كون شيء وفساد ذلك الشيء بعينه ، وهذا إنما يكون إذا كان المحل واحدا ~~بعينه من جهة واحدة ، بتلك الجهة يكون المحل قابلا لكلا الضدين حتى يكون ~~الحال الكائن الفاسد واحدا ، حيث إن تشخص ذلك الشيء الكائن الفاسد إنما ~~يكون بمحله من مادته أو موضوعه ، وإذا تغاير المحلان ذاتا أو من ms138 بعض الجهات ~~التي بها يختلف كون المحل قابلا للضدين ، فلا يكون الفاسد هو بعينه ذلك ~~الكائن ، بل أمر آخر حال في محل آخر غير محل الأول ذاتا أو من تلك الجهة ؛ ~~هذا خلف وكذلك لو لم يكن ذلك المحل باقيا بعينه في الحالين ، لجاز أن يكون ~~محلا قابلا لكون أمر فيه وكان باقيا في تلك الحال وقابلا أيضا لفساد ذلك ~~الأمر بعينه عنه ، ولم يكن في تلك الحال باقيا بل فاسدا ، وهذا أيضا ممتنع ~~، لأن المفروض أن ذلك المحل قابل لفساده عنه ، وفساد شيء عن شيء فرع بقاء ~~الشيء الثاني بعينه ، حتى يتصور فساد الشيء الأول عنه. # نعم يمكن أن يكون محل واحد مع صورة أو هيئة مخصوصة مستعدا لكون شيء فيه ~~بإعداد تلك الصورة أو الهيئة ، بأن تكون تلك الصورة أو الهيئة علة معدة له ~~، ولجعله مستعدا لذلك الشيء فيكون ذلك المحل بذلك الاستعداد محلا قابلا ~~لكون ذلك الشيء ، فيحدث هو فيه ، وينعدم تلك الصورة أو الهيئة التي هي ~~العلة المعدة ، فيحدث فيه صورة اخرى غير الاولى ، ويكون ذلك المحل باقيا ~~بعينه فيستعد بإعداد صورة اخرى فيه أو هيئة غير الاولى ، لفساد ذلك الشيء ~~عنه ، فيفسد ذلك الشيء عنه ويفسد عنه تلك العلة المعدة أيضا ويكون ذلك ~~المحل باقيا بعينه حينئذ أيضا. إذ لا دخل لتلك العلة المعدة لاختلاف المحل ~~، لا ذاتا ولا من الجهة التي بها يكون المحل قابلا للضدين ، أما عدم ~~الاختلاف ذاتا فظاهر ، وأما عدم الاختلاف بتلك الجهة ، فلأن العلة المعدة ~~وإن كان لها دخل في استعداد المحل أي لزيادة استعداده وتمامية قابليته لكن ~~ليس لها دخل في أصل الاستعداد وأصل القبول ، بل ذلك مستند إلى ذات المحل ~~بذاته ، فتدبر. # ومنها أن يكون الأمر الكائن الفاسد مع كونه غير ذلك المحل متعلق القوام ~~بذلك المحل ، إذ لو كان مباين القوام عنه لم يجز أن يكون كونه فيه ، كيف ~~ولو جاز ذلك ، لجاز أن يحصل كون شيء من الأشياء المباينة للحجر مثلا كالنفس ~~مثلا في الحجر ، ولجاز ms139 أن يكون كون من هو في المشرق مثلا في من هو في ~~المغرب ، وإذا لم يجز كون شيء مباين في PageV01P204 # شيء مباين له لم يجز فساده عنه ، إذ جواز فساده عنه فرع جواز كونه فيه ، ~~وحيث امتنع الأول امتنع الثاني. # ومن هذه الجهة أيضا لم يجز أن يكون شيء من الأشياء محلا لكون نفسه فيه ~~ولا محلا لفساده عنه. أما الأول فلكون الكائن على هذا التقدير عين ذلك ~~المحل ، والحال أنه يجب أن يكون غيره ، وأما الثاني ، فلكون فساد نفسه ~~مبائنا له والشيء لا يجوز أن يكون محلا لما هو مباين القوام عنه ، وجميع ما ~~ذكرناه ظاهر عند التأمل الصادق. وإذا تمهدت هذه المقدمة فنقول : ### | شروع في تحرير الجواب # لا يخفى عليك أن النفس الإنسانية بالنسبة إلى بدنها ذات جهتين ، أي أنها ~~من حيث ذاتها وحقيقتها جوهر مفارق مجرد عن المادة مباين القوام بالذات ~~للبدن ، ومن جهة تصرفها في البدن وحفظها لمزاجه وكونها مبدءا قريبا لصورة ~~نوعية للبدن ونحو ذلك ، لها علاقة بالبدن ومقارنة له ونوع مناسبة وارتباط معه. # ولا يخفى أيضا أن البدن ولا شيئا من أجزائه ومراتبه ، لا يمكن أن يكون ~~حاملا لإمكان حدوث النفس وفسادها من الجهة الاولى ، ولا مما له مدخل في ~~وجودها بوجه من وجوه العلية ، لأنها من تلك الجهة مباينة الذات والقوام ~~للبدن وأجزائه ومراتبه ، والحال أن الكائن الفاسد يجب أن يكون متعلق القوام ~~بمحله ، وكذا يجب أن يكون المعلول مما لا يبائن علته. فبقي أن يكون البدن ~~حاملا لإمكان حدوثها وفسادها من الجهة الثانية أي محلا لإمكان تعلق النفس ~~به وفساد ذلك التعلق عنه. وهذا أيضا مما لا يجوز ، لأن كل مرتبة تفرض من ~~مراتب البدن مع مزاج خاص بها أو صورة نوعية خاصة بها أو شخصية ، إذا اعتبرت ~~تلك المرتبة بمادتها وصورتها ومزاجها جميعا كمرتبة النطفة أو العلقة أو ~~المضغة أو العظام واللحم ، مع موادها وصورها وأمزجتها ، لا يمكن أن تكون ~~حاملة لإمكان حدوث النفس ، ولا لإمكان فسادها وبيان ذلك أن محل ms140 إمكان ~~الحدوث والفساد كما مر بيانه يجب أن يكون باقيا بعينه في الحالين ، أي في ~~حال الحدوث والفساد ، وكذا في حالات بقاء ذلك الحادث. وهذه المراتب البدنية ~~إذا اعتبرت بموادها وصورها محلا PageV01P205 # لإمكان فسادها ليست كذلك ، فإنها كما هو المعلوم بالبديهة متغيرة غير ~~باقية بعينها ، وبذلك المزاج الخاص والتركيب الخاص والصورة المخصوصة التي ~~هي بتلك الجهات جميعا لا بمادتها وحدها ، يمكن أن تعتبر بدنا للنفس. # وليس الأمر كما ظنه صدر الأفاضل فيما نقلنا عنه في جواب هذا السؤال : «إن ~~كل مرتبة سابقة من تلك المراتب باقية مع المرتبة اللاحقة ، وإن هذه المراتب ~~، استكمالات مترادفة وليست إلا ضربا من الاشتداد ، لا بأن تحدث صورة فتفسد ~~، ثم تحدث صورة اخرى مباينة للاولى» ، لكون ما ادعاه من عدم الكون والفساد ~~مخالفا للبديهة. # وأيضا فإن عدم المباينة وإن كان مسلما ، لكن عدم المغايرة وعدم الاختلاف ~~غير مسلم ، بل الاختلاف والمغايرة مما لا يمكن إنكاره ، وفيه المطلوب. # ويدل عليه قوله تعالى : ( @QUR@08 يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد ~~خلق ) (1). # وعلى هذا فيكون ما هو المفروض محلا لذلك في كل مرتبة لا حقة ، غير ما هو ~~في المرتبة السابقة ، إما بالذات أو بتلك الجهة السابقة ، وقد ثبت عندهم أن ~~النفس في اولى تلك المراتب أي المرتبة المنوية ، تكون فائضة عن المبدأ ~~الفياض ، متعلقة بتلك المرتبة البدنية ، باقية بعدها بعينها إلى آخر تلك ~~المراتب ، وإلى ما بعدها إلى أوان حلول الأجل وانقطاع علاقتها عن البدن ، ~~وأنها في جميع تلك المراتب متعلقة بالبدن باقية بعينها ، واحدة بالذات ، ~~مختلفة بحسب الأفعال وباعتبار مراتب الكمالات ، لا أنها تفسد وتحدث اخرى ، ~~ولا أنها تبقى وتحدث اخرى مجتمعة معها ، كما مرت الإشارة إليه وسيأتي ~~تحقيقه. وحينئذ فالنفس وكذا تعلقها بالبدن باقيان في تلك المراتب ، وتلك ~~المراتب متغيرة غير باقية بعينها ، فكيف يمكن أن تكون تلك المراتب مع ~~تغيرها حاملة لإمكان تعلق النفس بها ، مع أنه يجب أن يكون حامل إمكان كائن ~~باقيا في الحالين. ولو سلم بقاء تلك المراتب بموادها وصورها حتى ms141 يمكن أن ~~يفرض كونها حاملة لإمكان تعلقها وبقاء التعلق ، فكيف يمكن أن يكون مرتبة من ~~المراتب البدنية مع موادها وصورها حاملة لإمكان فساد النفس عنها ، مع أنه ~~يجب أن يكون حامل إمكان الفساد هو بعينه حاملا لإمكان الحدوث ، وباقيا في ~~حالة الفساد ، كما مر وجهه ، والحال أنا نجزم أن تلك المرتبة PageV01P206 # المفروض كونها حاملة لإمكان فسادها ، تفسد بصورتها وهيئتها ومزاجها البتة ~~، ثم يتبعه زوال علاقة النفس عن البدن ، فكيف تكون تلك المرتبة حاملة ~~لإمكان فسادها وزوال علاقتها عنها ، فإن فساد شيء عن شيء يستلزم بقاء الشيء ~~الثاني حين زوال الشيء الأول. والمفروض هنا خلافه. # نعم لو فرضنا أن يكون مرتبة من مراتب البدنية بمادتها وبصورة خاصة ، أو ~~هيئة خاصة حاملة لإمكان حدوث النفس وتعلقها بها ، كالمرتبة الأخلاطية بحيث ~~يكون المحل القابل المستعد لذلك الحدوث والتعلق ، هو نفس تلك المادة ، ~~ويكون تلك الصورة أو الهيئة الأخلاطية علة معدة لها ، فيحدث حينئذ النفس ~~متعلقة بها وينعدم تلك الصورة أو الهيئة لكونها علة معدة يجب أو يجوز ~~زوالها فيحدث فيها صورة اخرى أو هيئة غير الاولى وفرضنا أن تلك المادة ~~باقية بعينها إما مع تلك الصورة أو الهيئة الثانية أو مع الصور أو الهيئات ~~المتواردة المتعاقبة المعتورة عليها كما هو المعلوم فيما نحن فيه ، وفرضنا ~~بقاء تعلق النفس بتلك المادة في جميع تلك المراتب المتجددة المتغيرة ، حتى ~~إذا انتهى إلى المرتبة الأخيرة تكون تلك المادة الباقية مع هيئة أو صورة ~~اخرى غير الاولى مستعدة بإعداد تلك الهيئة أو الصورة أن تكون حاملة لإمكان ~~فساد النفس وفساد تعلقها عنها ، فيحدث الفساد ويزول أيضا تلك الهيئة أو ~~الصورة التي هي العلة المعدة لذلك ، مع كون تلك المادة باقية في حالتي ~~الكون والفساد. # لجاز أن يكون البدن بمادته علة قابلية مستعدة لحدوث النفس متعلقة به ، ~~ولفسادها وفساد التعلق عنه ، وأن يكون بصورة خاصة علة معدة لحدوث ذلك ، ~~وبصورة اخرى علة معدة لفساده ، وكأن ذلك هو منظور من قال : إنه يجوز أن ~~يكون البدن محلا لإمكان حدوث ms142 النفس ولإمكان فسادها ، إلا أن هذا لا يضرنا ، ~~فإنه على هذا أيضا لا يمكن أن يكون البدن محلا لوجود ذات النفس ولا لفسادها ~~، بل لحدوث تعلقها به ولفساد ذلك التعلق عنه ، أي أن يكون محلا لاستعداد ~~تعلقها به وتصرفها فيه في جميع مراتبه ، وحيث توقف تعلق النفس به حيث فرض ~~كونها حادثة بحدوثه على ما يقتضيه الدليل كما سيأتي ، لا قديمة ولا حادثة ~~قبل البدن على وجود النفس في نفسها ، كان هذا الاستعداد منسوبا أولا ~~وبالذات إلى تعلقها به أي وجودها متعلقة به ، وثانيا وبالعرض إلى وجودها PageV01P207 # في نفسها ، فهذا الاستعداد كاف لفيضان الوجود عليها متعلقة بالبدن ، ولا ~~حاجة في ذلك إلى استعداد منسوب أولا وبالذات إلى وجودها في نفسها ليمتنع ~~قيامه بالبدن لكونها مباينة الذات والقوام للبدن. # ومن هذه الجهة أيضا جاز أن يكون البدن محلا لاستعداد عدم النفس عنه ، أي ~~لفساد علاقتها عنه ، وانقطاع تصرفها عنه ، لكن لما لم يتوقف زوال علاقتها ~~عنه على عدمها في نفسها ، لم يكن هذا الاستعداد منسوبا إلى عدمها في نفسها ~~، لا بالذات ، ولا بالعرض ، فلا يكفي هذا الاستعداد لعدمها في نفسها أصلا ، ~~بل لا بد من استعداد آخر ، وقد تبين امتناع قيامه بالبدن. وبالجملة قيام ~~إمكان حدوث علاقة النفس بالبدن ، يكفي لإمكان حدوث النفس في نفسها ، ~~ويستلزم الحدوث الأول الحدوث الثاني. وأما قيام إمكان فساد علاقتها عن ~~البدن بالبدن ، فلا يكفى لإمكان فسادها في نفسها ، ولا يستلزم أيضا فساد ~~علاقتها عنه ، فسادها في نفسه. # وبهذا التقرير ظهر أن البدن لا يمكن أن يكون محلا لإمكان فساد النفس في ~~نفسها ، وظهر أيضا معنى ما تقرر عندهم أن البدن علة بالعرض للنفس ، لأن ~~مادته وإن فرض كونها علة قابلية لها ، لكن هذه العلية القابلية منسوبة أولا ~~وبالذات إلى قابليته لتعلقها به ، وثانيا وبالعرض إلى وجودها في نفسها ، ~~وصورته الخاصة المعدة لتلك المادة لذلك علة معدة لوجود النفس ، والعلة ~~المعدة مطلقا علة بالعرض ، فكيف إذا نسبت إلى تعلق النفس بالبدن أولا وإلى ~~وجودها في نفسها ms143 ثانيا. # وحيث عرفت حال احتمال كون البدن حاملا لإمكان حدوث النفس وفسادها أي علة ~~قابلية لذلك ، فحري بنا أن نتكلم في أن البدن ، هل يمكن أن يكون شرطا ~~بالمعنى المصطلح لحدوث النفس ووجودها في ذاتها ، أو من حيث تعلقها به ، حتى ~~يمكن أن تفسد ، من حيث وجودها في نفسها ، أو من حيث التعلق به ، بفساد شرطه ~~أي البدن ، أم لا يمكن؟ # فنقول : إن الشرط عندهم عبارة عن أمر لوجوده مدخل في وجود مشروطه ، ~~ويتوقف وجود مشروطه عليه ، حيث قالوا إن مدخلية شيء في وجود آخر إما أن ~~يكون بحسب وجوده فقط كالفاعل والشرط والمادة والصورة ، فيجب أن يكون موجودا ~~، وإما بحسب PageV01P208 # عدمه فقط كالمانع ، فيجب أن يكون معدوما ، وإما بحسب وجوده وعدمه معا ~~كالمعد ، إذ لا بد من عدمه الطارئ على وجوده ، فيجب أن يوجد أولا ثم يعدم ، ~~فيستفاد من ذلك ومن غيره مما ذكروه من معنى الشرط أنه يعتبر في مفهوم الشرط ~~، أن يكون أمرا وجوديا يتوقف وجود مشروطه عليه ، ويجتمعان معا في الوجود ، ~~ويلزم ذلك أن يكون بانتفائه ينتفي المشروط ، وأن يكون أمرا خارجا عن حقيقة ~~المشروط ، إذ لو كان نفس المشروط أو داخلا فيه ، كان توقف المشروط عليه ~~توقفا للشيء على نفسه ، أو على ما هو داخل في حقيقته ، وهو ممتنع ، إذ ~~الموقوف والموقوف عليه يجب أن يكونا متغايرين ، وأن لا يكون هو مباين الذات ~~للمشروط ، إذ المباين لا يمكن أن يكون مما يتوقف عليه وجود مباينه ، وكل ~~ذلك ظاهر. # وإذا تقرر هذا ، فنقول : لا يخفى عليك أن النفس من حيث كونها جوهرا ~~مفارقا مجردا عن المادة ، لا يمكن أن يكون البدن شرطا لوجودها مطلقا إذ هما ~~من هذه الجهة متباينان بحسب الذات ، والمتباين لا يمكن أن يكون شرطا لوجود ~~ما هو مباين له ذاتا ، فلننظر في أنها من جهة مقارنتها للبدن وارتباطها به ~~وتصرفها فيه ، هل يمكن أن يكون البدن شرطا لها أي شرطا لتعلقها به أم لا؟ # فنقول : إن البدن على هذا يكون شرطا لتعلق ms144 النفس به ، ويكون المشروط هو ~~التعلق ، وظاهر أن التعلق المذكور أمر إضافي يستدعي الطرفين ، أي المتعلق ~~الذي هو النفس ، والمتعلق به الذي هو البدن في وجوده الخارجي والذهني جميعا ~~، وكما أنه في الخارج يتوقف تصوره على تصورهما ، فطرفاه داخلان في حقيقته ، ~~فإذا كان البدن الذي هو داخل في حقيقته ، شرطا له ، يلزم أن لا يكون الشرط ~~والمشروط متغايرين ؛ هذا خلف. فكيف يمكن أن يكون البدن شرطا له. # والحاصل أن وجود التعلق المذكور وإن كان فرعا على وجود البدن ، إلا أنا ~~لا نسلم كون البدن شرطا له ، حيث يلزم منه كون شيء شرطا لما هو داخل في ~~حقيقته ، والشرط ينبغي أن يكون خارجا عن حقيقة مشروطه ، وكذا عما يدخل في ~~حقيقته. وعلى تقدير تسليم إمكان ذلك بناء على أن المشروط ، هو نفس التعلق ~~المذكور الذي هو غير البدن وأن طرفيه خارجان عن حقيقته ، نقول : لا يخفى أن ~~المادة البدنية من حيث هي هي من PageV01P209 # غير اعتبار انضمام صورة إليها لا يمكن أن يكون شرطا لتعلق النفس بها ، إذ ~~الشرط كما عرفت يجب أن يكون أمرا وجوديا أي أمرا موجودا في حد ذاته يتوقف ~~عليه وجود مشروطه ، والمادة البدنية كالهيولى الاولى ليست كذلك ، إذ وجودها ~~إنما هو بصورتها ، فبقي أن يكون الشرط هو مادة البدن مع صورة خاصة ومزاج ~~خاص وتركيب خاص ، أي مجموع المادة والصورة ، بحيث أن يكون مناسبا لمشروطه ~~ويتوقف وجوده عليه. # ولا يخفى أنه لا يمكن أن يكون شيء من المراتب البدنية شرطا له ، أما ما ~~قبل المرتبة النطفية ، كمرتبة الأجزاء الغذائية والأجزاء الخلطية ، فظاهر ، ~~لأنه ليس في تلك المرتبة حدوث نفس ولا تعلقها بالبدن أصلا ، بل إنما ذلك في ~~المرتبة المنوية كما هو المقرر عندهم. مع أن تلك المرتبة متغيرة جدا والشرط ~~يجب أن يكون مجتمعا مع وجود مشروطه ، بحيث ينتفي وجود مشروطه بانتفائه ~~والحال أن المشروط أي تعلق النفس بالبدن باق مع انتفاء تلك المرتبة ، سواء ~~فرضنا حدوث النفس في المرتبة التي قبل المرتبة المنوية أو في ms145 المرتبة ~~المنوية أو فيما بعدها. # وكذلك لا يمكن أن يكون شيء من المراتب التي بعد المرتبة المنوية ، كمرتبة ~~العلقة والمضغة والعظم واللحم شرطا لذلك ، لأن المقرر عندهم ، أن تعلق ~~النفس بالبدن ، إنما هو عند المرتبة النطفية ، وهي مع ذلك باقية بعينها في ~~تلك المرتبة وفيما بعدها من المراتب ، إلى أوان حلول الأجل ، وواحدة بالذات ~~مختلفة باعتبار الكمالات. # ومن المعلوم أيضا أن تلك المراتب متغيرة زائلة بصورها وهيآتها ، وكل ~~مرتبة سابقة منها تنعدم بعد حصول المرتبة اللاحقة إلى أن يكمل البدن. وقد ~~مر أيضا أن الشرط يجب أن يجامع مشروطه في الوجود ، فكيف يمكن أن يكون ما ~~سوى المرتبة الأخيرة من المراتب لتغيرها شرطا لذلك ، أي لتعلق النفس بالبدن ~~الذي هو باق بعينه في جميع تلك المراتب ، فبقي أن يكون المرتبة الأخيرة ~~التي هي مرتبة كمال البدن شرطا له ، وهو أيضا لا يمكن أن يكون شرطا ، لأن ~~حدوث النفس وكذا تعلقها بالبدن ، إنما هما قبل تلك المرتبة البتة ، والشرط ~~لا يمكن أن يكون متأخرا في الوجود عن وجود مشروطه. # نعم لو أمكن أن يكون الشرط لشيء ما أمرا كليا منحصرا في أفراد محصورة ~~ويكون الشرط بالحقيقة لذلك الشيء هو ذلك الأمر الكلي أي أفراده من حيث ~~كونها أفرادا له ، PageV01P210 # لا من حيث خصوصياتها ، ويكون كل فرد منها شرطا له على سبيل البدلية ، ~~ينعدم فرد واحد ويخلفه فرد آخر في ذلك. # لأمكن أن يقال فيما نحن فيه : أن الشرط لتعلق النفس بالبدن ولبقاء ذلك ~~التعلق ، هو الأمر الكلي الذي أفراده تلك المراتب البدنية إلى كمال البدن ، ~~وكل مرتبة منها شرط له ، لا لخصوصياتها ، بل لكونها مما تحقق في ضمنها ذلك ~~الأمر الكلي الذي هو الشرط بالحقيقة ، فيحصل فرد منها ويصير شرطا لذلك ، ثم ~~ينعدم ، ولكن لا ينعدم المشروط ، بل يبقى لأجل حصول فرد آخر منها ونيابته ~~عن الأول في ذلك ، إلى أن يتم البدن ويتكامل ، فيكون حينئذ المرتبة الأخيرة ~~شرطا لذلك إلى أوان حلول الأجل ، حتى إذا انعدمت هي بفساد البدن ، انعدم ms146 ~~الشرط بالكلية ، فينعدم المشروط الذي هو التعلق المذكور. # وعلى هذا وإن أمكن تصحيح كون البدن شرطا لتعلق النفس به ، وأمكن أيضا ~~تصحيح كون البدن علة بالعرض للنفس ، حيث إن تلك العلية أي الشرطية منسوبة ~~أولا وبالذات إلى التعلق المذكور ، وثانيا وبالعرض إلى وجود ذات النفس في ~~ذاتها ، حيث فرضناها حادثة بحدوث البدن ، متعلقة به ، وتعلقها به فرع ~~وجودها في نفسها ، إلا أن ذلك أيضا مما لا يضرنا ، لأن وجود هذا الشرط ، ~~وإن استلزم وجود النفس وحدوثها ، لكن انتفاؤه لا يستلزم انتفاء ذات النفس ~~في ذاتها ، بل انتفاء تعلقها بالبدن كما مر بيانه في السابق ، فيمكن أن ~~يكون التعلق وحده منتفيا لأجل انتفاء التعلق به خاصة ، أي البدن ، ولا يكون ~~المتعلق أي ذات النفس منتفيا ، بل باقيا بذاته لبقاء علته المقيمة إياه ، فتبصر. # وحيث أحطت خبرا بتفاصيل ما فصلناه ، ظهر لك الجواب عن الاعتراض المذكور ~~الذي أورده الإمام ، سواء قرر على وجهين ، أي وجه احتمال كون البدن علة ~~قابلية لفساد النفس ، ووجه احتمال كونه شرطا لوجودها كما هو ظاهر كلام ~~الإمام ، أو قرر على الوجه الأول فقط كما هو الاحتمال ، إلا أنك إن اشتهيت ~~زيادة إيضاح لهذا المقام فاستمع لما يتلى عليك من الكلام. ### | زيادة إيضاح للمقام # فنقول : إن الحكمة الإلهية المتعالية ، لما اقتضت وجود الإنسان الذي من ~~شأنه أن يكون PageV01P211 # عارفا بالله تعالى واسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله وصنائعه الكلية ~~والجزئية ، عابدا له تعالى عاملا بما أمره ونهاه من الكليات والجزئيات. # وبالجملة أن يكون من شأنه الإدراكات الجزئية والأفعال التي هي من خصائص ~~الماديات والمتعلقات بالمادة ، مضافا إلى الإدراكات الكلية والأفعال التي ~~هي من خصائص المجردات عنها ، وكان لا يتم وجود من شأنه هكذا إلا بوجود ~~شيئين : # أحدهما شيء مجرد عن المادة في ذاته ، متعلق بالمادة في أفعاله الجزئية ، ~~وهو الذي نسميه بالنفس ، ليكون هو بذاته مما يصدر عنه إدراك الكليات ~~والمجردات عن المادة ، ويكون أيضا سبب تعلقه بالمادة نوع تعلق مما يصدر عند ~~الأفعال التي هي من خصائص الماديات. ms147 # والآخر شيء متعلق القوام بالمادة من جسم يصلح أن يكون آلة للأول في ~~أفعاله المختصة بالماديات ، ويكون هو محتاجا إلى الأول بحيث يكون الأول ~~متعلقا به تعلق التدبير والتصرف ، كما أن الأول محتاج إلى الثاني بحسب ~~أفعاله الجزئية. وبالجملة أن يكون بين الأول والثاني ارتباط تام واحتياج ~~كامل ، وهذا الشيء الثاني هو الذي نسميه بالبدن. وكان أيضا هذا الشيء الذي ~~نسميه بالبدن ، حيث كان آلة لشيء مجرد مفارق ينبغي أن يكون له نوع شرافة ~~وكمال ، منشؤه نوع وحدة بسببها كان قريبا من المبدأ الفياض الواحد بالذات ~~الكامل من جميع الجهات المفيض عليه صورة كاملة ، وأن يكون جسما مناسبا ~~للمجرد في الشرافة والكمال ، ويكون له نوع من الوحدة ، ليصلح أن يكون آلة ~~للمجرد ، ومرتبطا به ارتباطا تاما ، فلا يمكن أن يكون مما ليس فيه تلك ~~الوحدة المناسبة ، كالبسائط من العنصريات التي فيها الكيفيات المتضادة ~~بالفعل ، وكبعض المركبات الاسطقسية البعيدة من الوحدة والاعتدال ، بل يجب ~~أن يكون مركبا معتدلا نوع اعتدال ، وواحدا نوع وحدة ، بهما تفيض (1) عليه ~~من المبدأ الفياض صورة وحدانية كاملة ، بها يصلح أن يكون آلة للأول الذي هو ~~أيضا كامل بالذات وبحسب الافعال ، أي الصورة الإنسانية التي هي أكمل الصور ~~وأتمها وأقربها إلى الوحدة الحقيقية وكان أيضا وجود هذا البدن مما لا يمكن ~~أن يكون دفعة ، لتوقف حصوله على حصول مزاج خاص يستدعي PageV01P212 # حركة في زمان لا محالة ، بل يجب أن يكون حصوله في زمان ، وأن يكون مع ذلك ~~مما يتوقف حصوله على وجه الكمال على استعدادات متواردة ، يكون هو بحسب كل ~~استعداد قابلا لفيضان صورة ، حتى تكمل صورته ، وتفيض عليه الصورة الإنسانية ~~بكمالها ، إذ الصورة الإنسانية مستجمعة للصورة الجمادية المعدنية ، والصورة ~~النباتية والصورة الحيوانية ، فيتوقف حصولها على وجه الكمال على حصول تلك ~~الصور أولا حتى تكمل ، كما قال تعالى : ( @QUR@034 ولقد خلقنا الإنسان من ~~سلالة من طين ، ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ، ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا ~~العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ms148 آخر ~~فتبارك الله أحسن الخالقين ). (1) أي ثم أنشأناه خلقا آخر بحيث كملت صورته ~~الإنسانية ونفسه ، بحيث يصدر عنها مع ما تقدم من الأفعال المعدنية ~~والنباتية والحيوانية الأفعال المختصة بالإنسان. # فبالجملة حصول الصورة الإنسانية بكمالها يتوقف على حصول تلك الصور ، سواء ~~قلنا بأن تلك الصور التي تحصل في ضمن الصورة الإنسانية غير الصورة ~~الإنسانية ، يتوقف حصولها على وجه الكمال عليها ، أو هي مراتبها المتفاوتة ~~الغير الكاملة منها. # وكان أيضا قد اقتضت الحكمة الإلهية والمصلحة المتعالية الربانية بقاء هذا ~~النوع أي الإنسان بالتوالد والتناسل. # وبالجملة لما اقتضت العناية الربانية ما فصلنا ، واقتضت كما دل عليه كلام ~~المحقق الطوسي الذي نقلناه سابقا في مسألة حفظ المزاج ، أن تكون نفس ~~الأبوين تجمع بالقوة الجاذبة أجزاء غذائية ، ثم تجعلها أخلاطا ، وتفرز منها ~~بالقوة المولدة مادة المني ، وتجعلها مستعدة لقبول قوة من شأنها إعداد ~~المادة لصيرورتها إنسانا. فتصير بتلك القوة منيا ، وتكون تلك القوة صورة ~~حافظة لمزاج المني كالصورة المعدنية. # أي اقتضت أن تكون نفس الأبوين تجمع بالقوة الجاذبة أجزاء غذائية غالب ~~أجزائها الطين ، كما سماها الله تعالى في كتابه العزيز تارة طينا ، وتارة ~~سلالة من طين ، ثم تجعل تلك الأجزاء مستعدة لصور الأخلاط فتفاض صورة ~~الأخلاط عليها ، بأن يكون العلة المعدة هناك لذلك الصورة الغذائية وحدها ، ~~أو هي مع حركة ما أو فعل ما من نفس الأبوين ، PageV01P213 # وبالجملة ما لا يجتمع وجوده مع وجود الصورة الخلطية ، ثم تفرز نفس ~~الأبوين من تلك الأخلاط بالقوة المولدة مادة المني وتجعلها مستعدة لمرتبة ~~اخرى ، بأن يكون العلة المعدة هناك ، إما الصورة الخلطية وحدها ، أو هي مع ~~حركة ما أو فعل ما من نفس الأبوين ، وكأنه نسب ذلك الإعداد إلى نفس الأبوين ~~، لأجل أن لها مدخلا في ذلك ، أي وتجعلها مستعدة لقبول قوة ونفس من شأنها ~~أي من شأن الصورة التي تلك النفس والقوة مبدأ قريب لها ، أي الصورة المنوية ~~، إعداد تلك المادة لصيرورتها بدن إنسان بالاستعدادات المتدرجة ، فتصير تلك ~~المادة الخلطية بتلك القوة والنفس الفائضة عليها منيا ، فتكون ms149 تلك القوة ~~والنفس مبدءا قريبا لفيضان صورة منوية عليها ، وتكون أيضا صورة حافظة لمزاج ~~المني كالصورة المعدنية. والحاصل أنه يكون عند حصول الصورة الخلطية تلك ~~الصورة وحدها ، أو هي مع حركة ما من نفس الأبوين ، علة معدة لشيئين ، وتكون ~~المادة الخلطية ، مستعدة لاستحقاق أمرين : # الأول فيضان نفس المولود حينئذ التي تكون هي مبدءا قريبا لفيضان الصورة ~~المنوية عليها ، وحافظة لمزاج المني كما سبق ، من أن نفس المولود حينئذ ~~حافظة لمزاج المني ، وتقرر أيضا أنها مبدأ قريب لصورة بدنه ، وظاهر أن ~~الصورة المنوية أيضا من مراتب صور بدنه ، إلا أنهم لا يطلقون على النفس في ~~تلك المرتبة اسم النفس ، بل اسم القوة أو الصورة ، ويطلقون اسم النفس عليها ~~فيما بعد تلك المراتب ، كما سبق ذكره فيما نقلنا عن المحقق الطوسي في باب ~~حفظ المزاج. # وبالجملة أن الصورة الخلطية تكون علة معدة لفيضان نفس المولود وحدوثها ~~حينئذ متعلقة بتلك المادة وشأنها ما ذكر فتحدث تلك النفس حينئذ وتنعدم تلك ~~الصورة الخلطية حين حدوثها. # الثاني الصورة المنوية التي هي من الصور البدنية ومبدؤها القريب هو تلك ~~النفس ، فتنعدم الصورة الخلطية بحدوثها أيضا ، حيث إن العلة المعدة ، إما ~~ما يجب انعدامها عند حدوث معلولها كما هو التحقيق ، وإما ما لا يجب بقاؤها ~~مع وجود معلولها بل يجوز عدمها. وعلى التقديرين فيجوز عدمها ، كما فيما نحن ~~فيه بالنسبة إلى نفس المولود ، وكذا بالنسبة إلى الصورة المنوية ، إلا أن ~~المادة البدنية باقية بعينها ، وكذا النفس متعلقة بها ، ومبدءا قريبا PageV01P214 # لتلك الصورة المنوية ، وحافظة لمزاج المني. # ثم إن المني يتزايد كمالا في الرحم بحسب استعدادات يكتسبها هناك في ~~حالاتها ، فحيث استقر بحركة ما من نفس الأبوين في قرار الرحم وصادف هناك ~~مادة طمثية صالحة لتكون بدن إنسان منها ، وخالطها وامتزجها بحيث كان هو ~~فيها بالنسبة إلى صورة اخرى إنسانية بعدها كالإنفحة في اللبن بالنسبة إلى ~~الجبن مثلا ، تكون صورته المنوية الكائنة بتلك الحالة علة معدة لفيضان صورة ~~اخرى. أي الصورة العلقية على تلك المادة المنوية الممتزجة مع ms150 المادة ~~الطمثية المستعدة بذلك الإعداد للصورة العلقية ، فتنعدم الاولى عند حصول ~~الصورة الثانية ، لكن المادة باقية بعينها ، وكذا النفس باقية بعينها ~~متعلقة بها مبدءا قريبا لتلك الصورة وحافظة لمزاج العلقة ، وهكذا إلى أن ~~يتكامل المادة وتصير بإعداد الصورة العلقية مستعدة لقبول صورة اخرى أكمل من ~~الأولى ، أي الصورة المضغية ، فتكون الصورة العلقية علة معدة لفيضان الصورة ~~المضغية على تلك المادة ، فتحدث هي وتنعدم الصورة العلقية ، لكونها علة ~~معدة لها والمادة باقية حينئذ بعينها ، وكذا النفس باقية بعينها متعلقة بها ~~ومبدءا قريبا لتلك الصورة المضغية وحافظة لمزاج المضغة. وهكذا إلى أن ~~يتكامل المادة وتصير بإعداد الصورة المضغية مستعدة لقبول صورة أكمل منها ، ~~أي الصورة العظمية واللحمية على تركيب مخصوص وهيئة مخصوصة ، هي الصورة ~~الإنسانية ، فتحدث تلك الصورة وتنعدم الصورة المضغية لكونها علة معدة ، ~~والمادة باقية بعينها. # وكما أن المادة باقية بعينها في جميع المراتب في ضمن الصور المتواردة ، ~~كذلك النفس باقية في جميع تلك المراتب البدنية بعينها وبشخصها من غير تغير ~~في ذاتها ، نعم يتزايد كمالاتها بحسب تزايد كمالات البدن ، وتزايد ~~استعداداته. # وبالجملة بحسب تزايد كمالات آلتها وقبولها للصور الكاملة واحدة بعد واحدة ~~، فهي تكون في جميع المراتب البدنية مبدءا قريبا لتلك الصور الفائضة ، ~~وحافظة لمزاج ما فاضت الصورة عليه ، كالمني والعلقة والمضغة والعظم واللحم ~~، فبرهة تكون منشأ لإفاضة الصورة وحفظ المزاج فقط كالصورة المعدنية ، وبرهة ~~تكون مع ذلك منشأ للأفعال النباتية أيضا ، فتجذب الغذاء وتضيفه إلى تلك ~~المادة فتنميها ويتكامل المادة بتربيتها PageV01P215 # إياها ، وبرهة تكون مع ما تقدم منشأ للأفعال الحيوانية أيضا. وبرهة تكون ~~مع ذلك كله منشأ للأفعال الإنسانية والإدراكات الكلية أيضا. # ففي جميع تلك المراتب تكون تلك النفس متعلقة بذلك البدن نوع تعلق ، منشؤه ~~كون البدن محتاجا إلى النفس بحسب ذاته وتمامية حقيقته وصورته ، حيث إن ~~النفس مبدأ قريب للصور المتواردة عليه ، وحافظة لمزاجه في جميع المراتب ، ~~وكذا كون النفس محتاجة إلى البدن في أفعالها المخصوصة بالمتعلقات بالمادة ، ~~وهذه العلاقة الحاصلة بينهما مستحكمة إلى أوان حلول الأجل ، كما ms151 أن تزايد ~~كمالات النفس بتزايد استعدادات البدن مرتبة فمرتبة ثابت إلى أوانه. # وحيث تم وجود بدن كذلك مع نفس كذلك ، تم حينئذ وجود إنسان هو مقصود ~~العناية الأزلية ، وملحوظ الحكمة المتعالية ، فما دام يكون منشأ العلاقة ~~بينهما باقيا بسبب كون النفس بحيث يصدر عنها حفظ المزاج والمبدئية للصورة ~~الإنسانية ، ولم يكن هناك مانع من ذلك ، وكان البدن قابلا ومستحقا لذلك ، ~~يكون تلك العلاقة بينهما باقية ، وإذا كان الأمر بخلاف ذلك واستعدت تلك ~~المادة البدنية مع صورة مخصوصة أو هيئة مخصوصة أو مزاج مخصوص لفساد علاقة ~~النفس عنها ، فيحدث الفساد ويزول تلك الصورة أو الهيئة أو المزاج ، لكونها ~~علة معدة لفساد العلاقة ، ويتبع ذلك فساد ذات البدن بزوال صورته وهيئته ~~ومزاجه ، لكن لا يتبعه فساد ذات النفس بل فساد علاقتها عن البدن. # والتفصيل : أنه إذا كان الأمر بخلاف ذلك مثل أن طرأ من جهة البدن ، أو من ~~جهة القاسر الخارج ضد على ذلك المزاج الواقع بين الكيفيات المتضادة ~~المتداعية بموضوعاتها إلى الانفكاك لو خليت وطباعها ، كانت المادة البدنية ~~بذلك المزاج مستعدة لفساد علاقة النفس عنها ، وحدث بطروئه عليه فساد في ذلك ~~المزاج الذي هو العلة المعدة لذلك ، ويتبعه أن لا تكون حينئذ تلك النفس ~~حافظة لذلك المزاج ، لحصول المانع من الحفظ ، فزالت من حيث كونها حافظة له ~~لا من حيث ذاتها ، وأن لا تكون أيضا مبدءا قريبا للصورة النوعية الفائضة ~~على البدن ، لعدم كونه بزوال المزاج والتركيب الخاصين قابلا لفيضان صورة ~~إنسانية عليه ، ولا قابلا لبقائها فيه. # وبالجملة بذلك تفسد العلاقة بينهما وتزول لزوال منشئها ، أي العلية في ~~حفظ المزاج PageV01P216 # والمبدئية للصورة النوعية الإنسانية ، حيث زالت عليتها لانعدام معلولها ، ~~أي ذلك المزاج الخاص والتركيب المخصوص ، وتلك الصورة ، إلا أن فساد العلاقة ~~لا يستلزم فساد ذات المتعلق كما تقدم وجهه. # والمحصل أنه ما دام يكون البدن بذلك المزاج الخاص والتركيب المخصوص ، ~~بحيث يصلح أن يكون آلة للنفس في أفعالها ، أو يكون قابلا لفيضان الصورة ~~الإنسانية عليه وقابلا لحفظ النفس مزاجه ، تكون العلاقة ms152 بينهما باقية. # وإذا كان الأمر بخلاف ذلك ، بأن لم تحتج إليه في أفعالها ، إما بأن ~~تستكمل هي في سعادتها أو شقاوتها ، وبالجملة فيما هو كمالها ، ولم يبق بعد ~~احتياج لها إليه في ذلك ، وإما بأن طرأ هناك من قاسر أو غيره مانع من ~~استكمالها بسببه ، وإما بأن لم يكن البدن صالحا لكونه آلة لها في ذلك ولم ~~يكن صالحا لفيضان الصورة الإنسانية عليه أو لحفظ مزاجه ، بسبب طروء فسادها ~~من داخل أو خارج على مزاجه وتركيبه اللذين بهما هو صالح للآلية لها ، وبسبب ~~انتفائهما ينتفي مبدئية النفس لصورته ، وحفظها لمزاجه زالت العلاقة بينهما. ~~وعلى التقادير ، فزوال العلاقة ، لا يستلزم فساد ذات المتعلق أي النفس كما ~~مر وجهه ، بل لا يمكن الاستلزام هنا ، حيث إن استلزام زوال العلاقة لزوال ~~المتعلق ، أي النفس ، إنما يمكن إذا كان المتعلق متعلق القوام بالمتعلق به ~~الفاسد ، أي البدن ، وإذ ليس فليس. # وبما قررنا لك بطوله ، تلخص لك أن ما قالوه ، من أن النفس تحدث بحدوث ~~البدن ، معناه أن البدن بهيئة مخصوصة وصورة مخصوصة علة مهيئة معدة لحدوث ~~النفس متعلقة به ، فتحدث النفس متعلقة به ، ويكون المستعد لذلك هو المادة ~~البدنية الباقية ، والمعد له هو الصورة المخصوصة الزائلة بحدوث النفس. فظهر ~~معنى قولهم : إن البدن علة بالعرض للنفس ، فإن العلة المعدة علة بالعرض ~~مطلقا لو نسبت عليتها إلى حدوث النفس أولا وبالذات ، فكيف إذا نسبت تلك ~~العلية إلى تعلقها بالبدن أولا وبالذات وإلى حدوثها ثانيا وبالعرض ، كما ~~فيما نحن فيه. وهذا إذا نسبت العلية إلى الصورة المخصوصة الفائضة على البدن ~~، التي كانت علة معدة لحدوث النفس متعلقة بالبدن. وكذلك إذا نسبت العلية ~~إلى المادة البدنية ، حيث إن تلك المادة علة قابلية أولا وبالذات لتعلق ~~النفس بها ، وثانيا وبالعرض لوجود النفس. PageV01P217 # وتلخص لك أيضا معنى ما قالوه ، من أن النفس لا تفسد بفساد البدن ، حيث إن ~~ذلك الفساد لا يتصور بالنسبة إلى المادة البدنية الباقية بعينها ، بل يتصور ~~بالنسبة إلى صورها وأن أولى المراتب البدنية ، أي الصورة ms153 الأخلاطية ، علة ~~معدة لحدوث النفس متعلقة بها ، كما أنها علة معدة لحدوث المرتبة الاخرى ~~بعدها ، أي الصورة المنوية وهكذا كل صورة سابقة علة معدة للاحقة منها ، ~~والنفس باقية بعينها في تلك المراتب الاخرى ، ولا يقدح انعدام العلة المعدة ~~مطلقا حين وجود معلولها سواء فرضت علة معدة لوجود النفس أو لعلاقتها بالبدن ~~، كما فيما نحن فيه ، إذ العلة المعدة ما يجوز بل يجب انعدامها حين وجود ~~معلولها ، ويتوقف وجود معلولها على عدمها الطارئ على وجودها ، فلا تفسد ~~النفس حينئذ بفساد تلك المرتبة من البدن ، بل يجب وجود النفس حينئذ ، وحيث ~~إن النفس فيما بعد تلك المرتبة الاولى من المراتب الاخرى إلى تمام البدن ، ~~وإلى حلول الأجل باقية بعينها ، وبينها وبين البدن علاقة منشؤها نوع علية ~~واحتياج بينهما كما ذكرنا ، وتلك العلاقة وإن كانت تزول وتفسد بفساد البدن ~~كما ذكرنا وجهه ، لكن زوالها لا يستلزم زوال ذات النفس المتعلقة بالبدن كما ~~بينا وجهه ، بل لا يمكن الاستلزام هنا ، إذ زوال العلاقة بين شيئين بزوال ~~المتعلق به كالبدن هنا إنما يمكن أن يستلزم زوال المتعلق كالنفس هنا ، إذا ~~كان المتعلق متعلق القوام بالمتعلق به وإذ ليس فليس. # فيظهر أنه بفساد البدن لا تفسد ذات النفس ، بل تكون باقية بعد خراب البدن ~~أيضا بعلتها الموجدة لها المبقية إياها الباقية التي لا يطرأ عليها الزوال ~~والفساد. # وظهر الجواب مفصلا عن ذلك الاعتراض المورد هنا بحيث انحسمت مادته ، إلا ~~أنه بما ذكرنا من الجواب إنما يظهر أنه يمكن بقاء النفس بعد فساد البدن ، ~~ولا يجوز أن يكون خراب البدن سببا لفساد النفس. # وأما أنه لا يمكن فساد النفس مطلقا من جهة ذاتها ، فيدل عليه الدليل ~~الثاني الذي ذكره الشيخ في الكتابين. فلذا ذكره بعد الدليل الأول ليتم ~~بالدليلين ما هو المقصود من عدم إمكان طريان الفساد على النفس ، لا من جهة ~~فساد البدن ولا من جهة ذاتها. # وأما عدم إمكان طريان الفساد عليها من غير جهة البدن وذاتها مثل جهة أمر ~~آخر يكون فساده مستلزما لفسادها ms154 ، فكأنه مبني على الظهور ، إذ ليس يتصور ~~هنا أمر كذلك ، PageV01P218 # فلذا لم يتعرض الشيخ له ، وأورد الدليلين ، وأورد الثاني عقيب الأول ، ~~حيث إنه بمجموعهما مع ملاحظة ظهور أن ليس هنا أمر آخر يمكن أن يكون منشأ ~~لفساد النفس ، يتم المقصود ، وهو وجوب بقاء النفس بعد خراب البدن. # والمحصل أن طرق تطرق الفساد إلى النفس منسدة كلها. # أما من جهة الفاعل ، فلأن المفروض بقاؤه. # وأما من جهة ذاتها ، فلعدم قبولها الفساد كما مر. # وأما من جهة البدن ، فلعدم كون فساده منشأ لفسادها. # وأما من جهة غير ذلك فلكون المفروض انتفاؤه فحيث انسدت طرق تطرق الفساد ~~إليها ، وكانت علتها الموجدة المبقية لها باقية ، وجب بقاؤها. # ثم إنه بما ذكرنا كما يحصل الجواب عن اعتراض الإمام بالوجهين ، إذا اورد ~~على دليلي الشيخ ، كذلك يحصل به الجواب عنه إذا اورد على ما ذكرنا أولا من ~~الدليل على بقاء النفس ، وكذا إذا اورد على ما نقلنا عن أفلاطون من الدليل ~~إن أمكن الإيراد. # وحيث أطنبنا الكلام في هذا المقام لكونه عزيز المرام دقيق المنال عند ~~اولي الأفهام ، فلنرجع إلى تحقيق القول فيما ذكروه ، من الجواب عن اعتراض ~~الإمام ، وتوجيهه بقدر الإمكان ، فلنتكلم أولا في الجواب الذي ذكره المحقق ~~الطوسي رحمه الله وقد نقلناه سابقا. ### | في تحرير جواب المحقق عن اعتراض الإمام # فنقول : قوله رحمه الله : «والجواب أن كون الشيء محلا لإمكان ما هو مباين ~~القوام له ، أو لإمكان فساده غير معقول ، فإن معنى كون الجسم محلا لإمكان ~~وجود السواد ، هو تهيؤه لوجود السواد فيه ، حتى يكون حال وجود السواد ~~مقترنا به ، وكذلك في إمكان الفساد ، ولذلك امتنع أن يكون الشيء محلا ~~لإمكان فساد ذاته ، فالبدن ليس بمحل لإمكان حدوث النفس من حيث هو مباين لها ~~، ولا لإمكان فسادها أيضا» واضح ، وملخصه أن الشيء لا يمكن أن يكون محلا ~~لإمكان حدوث ما هو مباين القوام عنه ، ولا محلا لإمكان فساده عنه ، فلا ~~يكون البدن محلا لإمكان حدوث النفس فيه ، من جهة كونها مباينة القوام عنه ، ~~ولا ms155 لإمكان فسادها عنه من هذه الجهة. وقد مضى أيضا ما يتضح به شرحه. PageV01P219 # وقوله : «بل إنما كان مع هيئة مخصوصة موجودة قبل حدوث النفس ، محلا ~~لإمكان وتهيؤ لحدوث صورة إنسانية تقارنه وتقومه نوعا محصلا ، ولم يكن وجود ~~تلك الصورة ممكنا إلا مع ما هو مبدؤها القريب بالذات ، أعني النفس فحدث ~~بحسب استعداده وتهيئه ذلك مبدأ الصورة المقارنة المقومة إياه على وجه كان ~~ذلك المبدأ مرتبطا به هذا النوع من الارتباط ، وزال بذلك الحدوث ذلك ~~الإمكان والتهيؤ عن البدن ، إذ زال عنه ما كان البدن محلا لإمكان حدوث ~~النفس ، أعني الهيئة المخصوصة». # كأنه أراد أن يبين به أن البدن ، وإن لم يمكن أن يكون محلا لإمكان حدوث ~~النفس ووجودها ، ولا لإمكان فسادها عنه ، من حيث إن النفس مباينة الذات ~~والقوام عنه ، إلا أن البدن يمكن أن يكون محلا لذلك من حيث هي مرتبطة به ~~نوع ارتباط ، وبينهما علاقة خاصة ، أي محلا لذلك من حيث هي مرتبطة به نوع ~~ارتباط ، وبينهما علاقة خاصة ، أي محلا لإمكان حدوث النفس ووجودها ، ولا ~~لإمكان فسادها عنه ، من حيث إن النفس مباينة الذات والقوام عنه ، إلا أن ~~البدن يمكن أن يكون محلا لإمكان حدوث تعلقها به ، ولإمكان فساد تعلقها عنه ~~، لكن حدوث التعلق هنا مستلزم لحدوث ذات النفس ووجودها ، بخلاف فساد التعلق ~~، فإنه غير مستلزم لفساد ذات النفس. # فبين أولا كيفية كون البدن محلا لإمكان تعلق النفس به ، حيث يكون محلا ~~أولا وبالذات لإمكان حدوث ما هو متعلق القوام به ، أي الصورة النوعية ~~الإنسانية ، وثانيا وبالعرض لإمكان تعلق النفس التي هي المبدأ القريب لتلك ~~الصورة ، فقال : بل إنما كان مع هيئة مخصوصة إلى آخره وحاصله : أنه إنما ~~كان البدن أي مادة الأجزاء الأخلاطية مع هيئتها المخصوصة وصورتها الأخلاطية ~~الموجودة قبل حدوث النفس محلا لإمكان وتهيؤ لحدوث صورة إنسانية متعلقة ~~القوام به ، تقارنه وتقومه نوعا محصلا ، ولم يكن وجود تلك الصورة فيه ممكنا ~~إلا مع ما هو مبدؤها القريب بالذات ، بل الحافظ لمزاج البدن أيضا أعني ~~النفس ms156 ، فكانت المادة البدنية الأخلاطية بإعداد تلك الهيئة التي هي العلة ~~المعدة لها مستعدة أولا وبالذات لحدوث صورة إنسانية فيها ، وثانيا وبالعرض ~~لحدوث نفس تكون هي علة قريبة لتلك الصورة الإنسانية ، فحصل بحسب استعداد ~~البدن وتهيئه تلك الصورة الإنسانية فيه. وكذا النفس التي هي المبدأ القريب ~~لها ، وزالت أيضا تلك الهيئة PageV01P220 # المخصوصة لكونها علة معدة لذلك ، والعلة المعدة يجوز ، بل يجب زوالها عند ~~حدوث معلولها. # وأيضا من المعلوم أن الصورة الأخلاطية تزول عند حصول الصورة الإنسانية ، ~~أي الصورة المنوية التي هي أول مراتبها ، وحصل الارتباط بين النفس والبدن ~~ذلك الارتباط ، فكان ذلك الاستعداد منسوبا أولا وبالذات إلى حدوث تلك ~~الصورة ، وثانيا وبالعرض إلى حدوث النفس ، وزال بذلك الحدوث ، أي حدوث ~~الصورة والنفس ذلك الإمكان والتهيؤ عن البدن ، إذ زال عنه ما كان علة ماهية ~~معدة له ، أي الصورة الأخلاطية التي علة معدة لاستعداد البدن لإمكان حدوث ~~النفس ، بل لحدوثها وحدوث تلك الصورة الإنسانية جميعا. # وأيضا ليس المراد بالإمكان هنا الإمكان الذاتي ، الذي تبقى مع حدوث ~~الحادث ، بل الإمكان الاستعدادي الذي هو عبارة عن كون الشيء بالقوة القريبة ~~إلى الفعل ، وهذه القوة لا تجتمع مع فعلية ذلك الشيء الحادث ، بل تزول ~~فيزول بسببها ذلك الإمكان والتهيؤ عن البدن. # وقوله : «فبقي البدن محلا لإمكان فساد الصورة المقارنة به ، وزوال ذلك ~~الارتباط عنه ، وامتنع أن يكون محلا لفساد ذلك المبدأ من حيث هو ذات مباين عنه». # كأنه أراد أن يبين به أن البدن وإن كان لأجل كونه محلا بالذات لإمكان ~~حدوث تلك الصورة النوعية فيه محلا بالعرض لإمكان حدوث نفس هي مبدأ قريب ~~لتلك الصورة متعلقة بالبدن ، لكنه لأجل كونه محلا بالذات لإمكان فساد تلك ~~الصورة عنه ، لا يمكن أن يكون محلا مطلقا ولو بالعرض لإمكان فساد ذات ذلك ~~المبدأ القريب ، أي النفس ، بل إنما يمكن أن يكون محلا لزوال ارتباط النفس ~~به ذلك الارتباط عنه ، وزوال ذلك الارتباط بزوال البدن ، لا يستلزم زوال ~~ذات النفس المرتبط بالبدن كما مر وجهه ، بل لا يمكن ms157 ذلك ، حيث إن زوال ~~الارتباط بزوال المرتبط به كالبدن هنا إنما يمكن أن يستلزم زوال المرتبط ~~كالنفس هنا ، إذا كان المرتبط متعلق القوام بالمرتبط به ، وإذ ليس فليس. # فليس البدن حاملا لإمكان فساد النفس مطلقا ، ولا فساده مستلزما لفسادها. ~~وهذا هو حاصل مقصوده ، حيث قال : «فبقي البدن محلا لإمكان فساد الصورة إلى ~~آخره » ، أي PageV01P221 # فحيث كان البدن أولا محلا لإمكان حدوث الصورة النوعية أولا وبالذات ، ~~ولإمكان حدوث النفس متعلقة به نوع تعلق وارتباط ، كما ذكر ثانيا وبالعرض ، ~~وحدثت الصورة والنفس وزال ذلك الإمكان والتهيؤ عن البدن بزوال ما هو العلة ~~المعدة لذلك ، أعني تلك الهيئة المخصوصة ، ولأن فعلية الممكن الحادث تستلزم ~~زوال إمكانه أعني كونه بالقوة. فبقي أن تكون تلك المادة البدنية الباقية ~~بعينها مع هيئة مخصوصة اخرى ، غير الهيئة الاولى المعدة لاستعداد الحدوث ~~مستعدة لإمكان الفساد ، أي فساد ما حدث أولا بحيث كانت العلة القابلة لذلك ~~هي تلك المادة البدنية الباقية وتلك الهيئة الاخرى الحاصلة هنا علة معدة ~~لها ، فتزول تلك العلة المعدة حين فعلية الفساد ، والمادة باقية مع فساد ~~ذلك الفاسد عنها. وهذا الاستعداد لإمكان الفساد إنما يمكن أن يكون استعدادا ~~لفساد ما هو متعلق القوام بتلك المادة أعني الصورة الإنسانية ، وامتنع أن ~~يكون استعدادا لفساد ما هو مباين القوام عنه ، أي النفس ، بل إنما يكون ~~استعدادا لفساد الارتباط الذي بينه وبينها ، حيث كانت أولا مبدءا قريبا ~~لتلك الصورة النوعية ، وقد زالت عنها حينئذ هذه المبدئية لزوال ما هي مبدأ له. # وبما وجهنا كلامه اندفع عنه الإيراد بأن الحامل لإمكان الفساد ، يجب أن ~~يكون هو بعينه حاملا لإمكان الحدوث ، كما هو المقرر عندهم ، ودل عليه كلام ~~الشيخ في الشفاء كما نقلناه ، وهنا ليس الأمر كذلك ، إذ المفروض أن حامل ~~إمكان الحدوث هو البدن مع هيئة مخصوصة ، والمفروض أن تلك الهيئة قد زالت ، ~~فيكون البدن مع هيئة اخرى غير الاولى حاملا لإمكان الفساد ، ولا شك أن ~~البدن الحامل للإمكان بهذا الاعتبار غير البدن بالاعتبار الأول. # وبيان الاندفاع أن الحامل ms158 للإمكانين في الحالتين ، هو المادة البدنية ~~الباقية بعينها في الحالتين. وأما الهيئتان فهما علتان معدتان ، ليستا ~~بحاملتين ، ولا من أجزاء الحامل ، حتى يكون الحامل متعددا أو غير باق ، فتدبر. # ثم إنه بما حررنا كلامه رحمه الله ، ظهر الجواب عن اعتراض الإمام ، وأنه ~~هو الجواب الذي فصلناه سابقا إلا أنه رحمه الله زاد بيانا له. # فقال : بعد ذلك فإذن البدن مع هيئة مخصوصة شرط في حدوث النفس ، من حيث PageV01P222 # صورة أو مبدأ صورة ، لا من حيث هي موجودة مجردة ، وليس بشرط في وجودها ، ~~والشيء إذا حدث فلا يفسد بفساد ما هو شرط في حدوثه ، كالبيت فإنه يبقى بعد ~~موت البناء الذي كان شرطا في حدوثه ، وربما يتوهم منه أنه حمل اعتراض ~~الإمام على وجهين : # الأول من جهة احتمال كون البدن علة قابلية للنفس ، وحاملة لإمكان حدوثها ~~وفسادها. # والثاني من جهة احتمال كون البدن شرطا بالمعنى المصطلح لحدوث النفس ، ~~فتنتفي هي بانتفائه ، كما هو شأن الشرط والمشروط به. # وانه حيث أجاب عن الاعتراض بالوجه الأول كما بيناه ، شرع في بيان الجواب ~~عنه على الوجه الثاني ، بأنه يجوز أن يكون البدن مع هيئة مخصوصة شرطا في ~~حدوث النفس ، وأن لا تفسد بفساد البدن ، كما في البناء والبيت. # وهذا التوهم باطل ، لأن الشرط بالمعنى الخاص المصطلح كما سبق بيانه ، هو ~~ما يتوقف وجود مشروطه على وجوده ، وينتفي مشروطه بانتفائه ، فكيف يصح ادعاء ~~خلاف ذلك. وأيضا كيف يصح التمثيل المذكور ، فإن البناء ليس شرطا في وجود ~~البيت ، حيث إن التحقيق أن البناء ليس شرطا في وجود البيت ، ولا علة لقوامه ~~، بل إن البناء علة لوجود حركة خاصة صادرة منه ، وتلك الحركة علة معدة ~~لوجود البيت ، فلذا يبقى البيت بعد انعدام تلك الحركة بل بعد انعدام ذات ~~البناء أيضا ، وإن اجتمع وجوده مع وجوده أيضا ، لكن لا يجتمع وجوده مع وجود ~~تلك الحركة. # وهذا الذي ذكرناه موافق لما حققه الشيخ في إلهيات الشفاء في فصل في الفرق ~~بين العلل الحقيقية والعلل بالعرض ، كما يظهر على من ms159 راجع إليه. (1) # فعلى هذا فالظاهر منه أنه حمل اعتراض الإمام على الوجه الأول خاصة ، وحمل ~~الشرط في كلامه على ماله مدخل في وجود النفس في الجملة ، وإن كان على سبيل ~~القابلية لها أو على سبيل كونه علة معدة لها ، فأطلق اسم الشرط على البدن ~~متابعة للإمام في ذلك ، فقال : إن هذا الاشتراط والمدخلية. PageV01P223 # إن كان من جهة مادة البدن وكون البدن بمادته حاملا لإمكان حدوث النفس ~~وفسادها ، فقد عرفت حاله ، حيث بين فيما سبق أن البدن بمادته القابلة ، وإن ~~كان يمكن كونه حاملا لإمكان حدوث النفس بالعرض ، لكنه لا يمكن أن يكون ~~حاملا لإمكان فسادها مطلقا. # وإن كان من جهة الهيئة المخصوصة البدنية ، فهذا أيضا لا يضرنا ، لأنه ~~يجوز أن يكون البدن مع هيئة مخصوصة شرطا ، أي علة معدة لحدوث النفس من جهة ~~ارتباطها بالبدن ، أي من حيث كونها صورة بدنية ، كما في المرتبة المنوية ، ~~حيث إنه لا يطلق على النفس في تلك المرتبة اسم النفس ، بل اسم القوة ~~والصورة كالصورة المعدنية ، وإن كانت النفس حينئذ مغايرة للصورة النوعية ~~المنوية لكونها متعلقة القوام بتلك المادة ، بخلاف النفس ، أو من حيث كونها ~~مبدءا قريبا للصور النوعية كما في المراتب الاخر المتأخرة عن تلك المرتبة ~~الاولى ، لا من جهة كون النفس مباينة القوام عن البدن ، ومن حيث هي موجودة ~~مجردة ، فإن النفس من هذه الحيثية ليس البدن مما له مدخل في وجودها حتى على ~~سبيل كونه علة معدة لها أيضا ، لكونه مباين القوام عنها ، والشيء كالنفس ~~إذا حدث فلا يفسد بفساد ما هو شرط وعلة معدة لحدوثه ، كالبدن بتلك الهيئة ~~المخصوصة ، إذ المفروض كون ذلك الشرط علة معدة لحدوثه وشأن العلة المعدة أن ~~يجوز بل يجب انعدامها مع وجود معلولها كما هو المقرر عندهم ، فلا يضرنا ~~انتفاء الشرط هنا حتى لو كان الشرط أي البدن مع تلك الهيئة المخصوصة شرطا ~~وعلة معدة لحدوث النفس ووجودها من حيث هي ذات موجودة مجردة مباينة القوام ~~للبدن ، فكيف إذا كان شرطا لحدوث تعلقها بالبدن وارتباطها ms160 به كما ذكرنا ، ~~وهذا كالبيت فإنه يبقى بعد موت البناء الذي هو شرط في حدوثه ، حيث إن ~~البناء بحركته الخاصة منه ، أي من حيث كونه بناء ومن حيث وصف البنائية لا ~~من حيث ذاته شرطا وعلة معدة لوجود البيت ، ويبقى البيت بعد موت البناء ، أي ~~بعد زوال وصف البنائية عنه ، أو بعد انعدام ذاته الذي كان منشأ لانعدام ذلك ~~الوصف عنه. # وعلى هذا التوجيه فيكون هذا الكلام منه زيادة بيان للجواب ، وتأكيدا لما ~~سبق منه ويكون هو رحمه الله غير متعرض للجواب عن الاعتراض على احتمال كون ~~البدن شرطا PageV01P224 # مصطلحا لحدوث النفس. # والجواب عنه ما ذكرناه سابقا. # ثم إنه رحمه الله قد زاد في البيان فقال : فإن قيل : لم استوجب استيجاب ~~البدن لحدوث صورة ما حدوث مبدأ لتلك الصورة ، ولم يوجب استيجابه لفساد تلك ~~الصورة ، فساد مبدأ ذلك ، وما الفرق بين الأمرين؟ # قلنا : لأن ما يقتضي حدوث معلول ما فإنما يقتضي وجود جميع علل ذلك ~~المعلول بشرائطها ، وما يقتضي فساد معلول لا يقتضي فساد العلل ، بل يكفيه ~~شرط ما ولو كان عدميا ، وشرحه واضح. وكأن غرضه رحمه الله من ذلك أنه كما لا ~~يمكن أن يكون البدن علة حاملة لإمكان فساد النفس ، كذلك لا يمكن أن يكون ~~فساد الصورة الإنسانية التي هي معلولة للنفس منشأ لفساد النفس التي هي ~~علتها ، حيث إن وجود المعلول وإن كان يتوقف على وجود جميع علله بشرائطها ، ~~لكن انعدام المعلول لا يستلزم انعدام جميع علله ، بل يكفي فيه انعدام شرط ~~ما ولو كان عدميا. # فبذلك يمكن انعدام تلك الصورة مع بقاء مبدئها القريب ، أي النفس. مع أن ~~وجود النفس وبقاءها مستندان إلى العلل التي هي باقية. فبذلك تم الجواب عن ~~الاعتراض ، واتضح كمال الاتضاح ، وظهر أن فساد البدن لا يمكن أن يكون منشأ ~~لفساد النفس ، مع أنه اتضح بدليل آخر كما سبق ذكره ، أنه لا يمكن أن يطرأ ~~عليها الفساد من جهة ذاتها أو من جهة اخرى ، فثبت المقصود ، وهو امتناع ~~طريان الفساد على النفس ms161 الإنسانية مطلقا ، وهذا الذي ذكرناه هو غاية توجيه ~~كلام المحقق الطوسي رحمه الله والله تعالى أعلم. ### | في التكلم فيما قاله صدر الأفاضل من الجواب عن الاعتراض # وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام فلنتكلم فيما قاله صدر الأفاضل من ~~الأجوبة عن الاعتراض كما نقلنا كلامه سابقا ، فنقول : إنه مما يلوح عليه ~~آثار الإجمال والإهمال ، وعلى تقدير كونه متضمنا لتحقيق الحال ودفع الإعضال ~~فهو مما يعسر علينا دركه ، حيث إن ما ذكره في جوابه الأول الذي قال : «إنه ~~مما سنح له في سالف الأزمان على طريقة أهل النظر» ، لا يدل إلا على أن ~~النفس الإنسانية ، مجردة من حيث كونها ذاتا عقلية ومادية من PageV01P225 # حيث كونها متصرفة في البدن ، وأنها مجردة من حيث الذات ، مادية من حيث ~~الفعل ، وأنها من حيث الفعل مسبوقة باستعداد البدن حادثة بحدوثه زائلة ~~بزواله ، وأما من حيث حقيقتها أو مبدأ حقيقتها ، فغير مسبوقة باستعداد ~~البدن إلا بالعرض ، ولا فاسدة بفساده ، ولا يلحقها شيء من مثالب الماديات ~~إلا بالعرض ، وهذا مما لا كلام فيه. # لكنه لا يتبين منه أنها من جهة مسبوقيتها باستعداد البدن بالعرض ، كيف ~~استلزم استعداد البدن لها بالعرض ، وجود ذاتها ، ولم يستلزم ذلك الاستعداد ~~فساد ذاتها. وما الفرق بين الأمرين؟ مع أنه اعترف أنها من جهة المسبوقية ~~باستعداد البدن حادثة بحدوثه زائلة بزواله. اللهم إلا أن يوجه ذلك بما يؤول ~~إلى جواب المحقق الطوسي ، وإلى ما فصلناه من الجواب. # ثم إن ما ذكره ثانيا بقوله : «وأما الذي نراه الآن في تحقيق الحال ، فهو ~~أن للنفس الإنسانية مقامات ونشئات ذاتية بعضها من عالم الأمر والتدبير : ( ~~@QUR@05 قل الروح من أمر ربي ) (1) وبعضها من عالم الخلق والتصوير : ( ~~@QUR@08 ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا )، (2) فالحدوث ~~والتجدد ، إنما يطرءان لبعض شأنها». # فهو أيضا مما لا كلام فيه ، لا في كونها ذات نشئات ، ولا في أن الحدوث ~~والتجدد يطرءان عليها من جهة كونها من عالم الخلق والتصوير ومن جهة تعلقها ~~بالبدن تعلق التصرف والتدبير. # إلا أن قوله : «فنقول : لما كانت ms162 للنفس ترقيات وتحولات من نشأة اولى إلى ~~ثانية وإلى ما بعدها ، فإذا ترقت وتحولت من عالم الخلق إلى عالم الأمر ، ~~يصير وجودها وجودا عقليا إلهيا لا تحتاج إلى البدن وأحواله واستعداده ، ~~فزوال استعداد البدن إياها لا يضرها دواما وبقاء ، إذ ليس حال النفس في أول ~~حدوثها كحالها عند الاستكمال ، ومصيرها إلى العقل الفعال ، فهي بالحقيقة ~~جسمانية الحدوث روحانية البقاء». # إن أراد به أن النفس في أول حدوثها مادية بحسب الذات ، وتصير عند ~~استكمالها مجردة ، فهو مع كونه خلاف ما تقرر عندهم ، يستلزم انقلاب ذاتها ~~من المادية إلى التجرد وهذا باطل. PageV01P226 # وإن أراد أنها في جميع الحالات مجردة بحسب الذات ، مادية بحسب الفعل ~~والتصرف في المادي ، إلا أن كمالاتها الذاتية التي هي منشأ الحكم بتجردها ~~عند حدوثها ، وفي بعض مراتبها أقل منها عند استكمالها ، وهي عند الاستكمال ~~أكثر ، حتى أنها بذلك يصير وجودها وجودا عقليا ، ويظهر عند العقل أنها ~~مجردة ، فهو مسلم ، لكن ما ذكره : «من أنها عند الاستكمال لا تحتاج إلى ~~البدن وأحواله واستعداده» ، إن أراد أنها حينئذ يزول تعلقها عن البدن ~~واحتياجها إلى أحواله واستعداده ، وقد كانت قبل ذلك متعلقة به محتاجة إليه ~~، وإلى استعداده وأحواله حتى يحصل له الاستكمال ، والحاصل أنها عند ~~الاستكمال ، غير متعلقة بالبدن أصلا ، حتى يستلزم فساد البدن لفسادها ، بل ~~باقية بذاتها ، فزوال استعداد البدن لا يضرها دواما وبقاء. # فيرد عليه أنه كيف صار استعداد البدن اياها منشأ لاستكمالها الذي هو منشأ ~~لقطع تعلقها عن البدن ، ولم يصر زوال ذلك الاستعداد منشأ لفساد ذاتها ولو ~~بالعرض ، مع أنه كان قبل ذلك استعداد البدن منشأ لحدوثها ولوجود ذاتها ولو ~~بالعرض ، ولم يكن ذاتها قبل ذلك مادية بحسب الذات وبعد الاستكمال مجردة ~~بحسب الذات ، حتى يمكن أن يكون استعداد البدن قبل ذلك منشأ لوجود ذاتها ~~لأجل كونها مادية ، ولا يمكن أن يكون هو حين الاستكمال منشأ لفساد ذاتها ~~لكونها مجردة حينئذ. # اللهم إلا أن يكون أراد أنها حين حدوثها ، وإن كانت مجردة بالذات ، لكنها ~~محتاجة إلى البدن ms163 في أفعالها ، فلذلك استلزم استعداده إياها لحدوث ذاتها ~~لأجل المناسبة التي بينهما ، وأما هي بعد الاستكمال ، فكما كانت مباينة ~~الذات للبدن ، كذلك تصير مباينة له بحسب الأفعال أيضا ، فلا مناسبة ولا ~~ارتباط بينهما بوجه ، حتى يصير زوال استعداده منشأ لفساد ذاتها ، وعلى هذا ~~، وإن امكن أن يكون لما ذكره وجه ، إلا أنه يرد عليه أنه على هذا التوجيه ~~يرجع إلى الجواب الذي ذكره المحقق الطوسي ، وفصلنا بيانه ، فليس جوابا آخر ~~كما هو ظاهر كلامه. # وأيضا نقول : إنه يكفي لعدم استلزام زوال استعداد البدن لزوال النفس من ~~حيث الذات ، كونها مباينة للبدن بحسب الذات كما بيناه ، فاعتبار كونها ~~مباينة له بحسب الفعل أيضا مع أنه غير واضح مما لا احتياج إليه في إثبات ~~المطلوب ، وإن كانت المباينة PageV01P227 # بذلك أتم وعدم الاستلزام أظهر. # كيف ولو قيل بأن المباينة بحسب الفعل التي منشؤها الاستكمال المذكور ، ~~لها مدخل في عدم ذلك الاستلزام ، وفي بقاء النفس ، لكان الدليل على بقاء ~~النفس مخصوصا بالنفس التي حصل لها الاستكمال ، ولا يجري في النفوس التي لم ~~يحصل لها الاستكمال ، والحال أن ظاهر كلام من أقام الدليل على عدم فساد ~~النفس بفساد البدن ، هو العموم بحيث يشمل النفوس الغير الكاملة أيضا كنفوس ~~الصبيان والبله والمجانين وأمثالها. # اللهم إلا أن يكون قد أشار بذلك إلى أن هذا الدليل على بقاء النفس إنما ~~يجري في بقاء نفوس المستكملين في كمالاتها دون غيرهم كما سيأتي أن بقاء ~~نفوس غير المستكملين محل خلاف بين الحكماء ، إلا أن هذه الإشارة أيضا فيها ~~شيء ، لأنه في الشواهد الربوبية قال ببقاء نفوس غير المستكملين أيضا ، كما ~~يظهر على من راجع كلامه ، والحال أن عمدة الدليل عندهم على بقاء النفس ~~الإنسانية ، هو هذا الدليل الذي هو على توجيه مخصوص بالمستكملين ، وكفاك ~~شاهدا على قوله ببقاء نفوس غير المستكملين أيضا ما نقلنا عنه سابقا في جواب ~~ذلك الاعتراض ، حيث قال : فالجواهر النطقية بعد وجودها وتجردها عن المواد ، ~~هي كسائر المفارقات الصورية لا ضد لها ، إذ لا قابل لها ms164 فتبقى ببقاء مبدئها ~~ومعيدها ، ولو لم يكن فيها من المميزات إلا شعور كل منها بهويتها لكفى ، ~~فضلا عن الصفات والملكات والأنوار الفائضة عليها من المبادئ ، وسيأتي إن ~~شاء الله تعالى تحقيق القول في ذلك في موضع يليق به. # وإن أراد أنها حين الاستكمال أيضا يبقى تعلقها بالبدن ولو كان تعلقا ~~ضعيفا ، ثم يزول بعد ذلك بسبب ما هو منشأ لزوال التعلق ، فيرد عليه أنه على ~~هذا يبقى تعلقها به عند الاستكمال أيضا. فكيف لم يصر فساد البدن بعد ذلك ~~منشأ لفساد ذاتها ، ولو بالعرض ، كما كان في ابتداء التعلق منشأ لحدوث ~~ذاتها ولو بالعرض. # وقوله : ومثالها كالطفل وحاجته إلى الرحم أولا والاستغناء عنه أخيرا ، ~~وكمثال الصيد والحاجة في اصطياده إلى الشبكة أولا والاستغناء في بقائه عنها ~~أخيرا ، ففساد الرحم والشبكة لا ينافي بقاء المولود والصيد ولا يضره. # هذا المثال إن كان مثالا لما كان بصدده في السابق من أن استعداد البدن في ~~الابتداء كان PageV01P228 # منشأ لحدوث النفس ، وأن زواله في الانتهاء لا يضر بقائها ، فهو غير منطبق ~~على الممثل ، حيث إن البدن علة قابلية مستعدة ، والرحم والشبكة ليستا ~~بعلتين قابليتين ، بل هما بالشرط بالمعنى المصطلح أشبه. # وإن كان مثالا لأن البدن يمكن أن يكون شرطا لوجود النفس أو لتعلقها ~~بالبدن في الابتداء ، وأن زوال الشرط بعد ذلك لا يضر بقاءها ، فهو مع كونه ~~خلاف ما كان بصدد بيانه أولا حيث إن كلامه في كون البدن علة قابلية لحدوث ~~النفس ، لا في كونه شرطا له بالمعنى المصطلح يرد عليه : أنا لا نسلم أن ~~الشرط في وجود الطفل واصطياد الصيد ، هو خصوص الرحم والشبكة من حيث ~~خصوصيتها ، بل الشرط هناك أمر كلي ينحصر في أفراد ، والرحم والشبكة من جملة ~~أفراده ، فلذا لا ينعدم المشروط بانعدام شرط على الخصوص. نعم لو انعدم ذلك ~~الأمر الكلي من حيث جميع أفراده ، انعدم المشروط. # والحاصل أن الشرط أولا في وجود الطفل هو الرحم ، ثم ينعدم هو ويخلفه شرط ~~آخر ، وهو حصول حالة خاصة ومكان خاص وهواء ms165 خاص ونحو ذلك ، به يبقى الطفل ، ~~وهكذا إلى أن ينعدم الشرط بكليته فينعدم وجود الطفل. # وكذلك الشرط أولا في اصطياد الصيد هو الشبكة ، ثم يخلفها وينوب عنها أمر ~~آخر من آلة اخرى كانس الصيد بالصياد والإنسان وعدم توحشه عنه ، وهكذا إلى ~~أن ينعدم الشرط بكليته ، فينعدم المشروط ، وحينئذ نقول : لو كان الشرط في ~~حدوث النفس هو البدن مع هيئة مخصوصة من حيث الخصوصية ، للزم انعدام المشروط ~~بانعدامه ، حيث إن معنى الشرط هو ذلك. # وكذلك لو فرضنا أن الشرط هناك أمر كلي حيث يلزم من انعدام الشرط بكليته ~~انعدام المشروط. # اللهم إلا أن يصار إلى أن البدن شرط أولا وبالذات لتعلقها به ، لا ~~لوجودها إلا بالعرض ، وحدوث التعلق وإن كان يستلزم حدوث المتعلق إلا أن ~~فساد التعلق لا يستلزم فساد المتعلق ، كما مر بيانه لكنه رحمه الله لم يبين ذلك. # ثم إن ما ذكره ثالثا بقوله : «ثم اعلم أن العلة المعدة عند التحقيق علة ~~بالعرض ، وليست عليتها كعلية العلل الموجبة ، حتى يقتضي زوالها زوال ~~المعلول إلى آخره » ، لو امكن PageV01P229 # توجيهه بما قررنا الجواب عن الاعتراض كما سبق ذكره ، لأمكن أن يكون له ~~وجه ، لكنه لا يكون وجها آخر من الجواب كما هو ظاهر كلامه. # وأما لو حمل على ما هو ظاهر كلامه ، فهو طريق آخر غير ذلك ، وفيه شيء ، ~~حيث إنه مع ابتنائه على الحركة في الجوهر ، وعلى أن صور المراتب البدنية ~~باقية بعينها كل سابقة في مرتبة لاحقتها ، وفيهما ما لا يخفى. # مبناه على ما ذكره أخيرا بقوله : فإذا بلغت النفس الإنسانية في استكمالها ~~وتوجهاتها إلى مقام العقل ، واتحدت بالعقل الفعال بعد أن كانت عقلا منفعلا ~~، اطلقت عن المادة والحدثان ، وتجردت عن القوة والإمكان ، وصارت باقية ~~ببقاء الله سبحانه من غير تغيير وفقدان ، ويوافقه في ذلك ما نقلنا عنه في ~~الشواهد الربوبية. # وهذا هو ما ذكره سابقا في قوله : فإذا ترقت وتحولت من عالم الخلق إلى ~~عالم الأمر إلى آخره وقد عرفت ما فيه. # وبالجملة ما ذكره رحمه الله مما ms166 يعسر علينا دركه وفهمه ، وعسى أن يفهمه ~~غيرنا وهو رحمه الله أعلم. # وحيث بينا كيفية فناء بدن الإنسان ، وأقمنا الدليل النقلي والعقلي على ~~بقاء نفسه الناطقة ، وانتهى الكلام إلى هذا المقام ، وخرجنا بالإطناب عما ~~هو المرام ، فلنعد إلى ما كنا بصدده من بيان حال الأجزاء المخصوصة من هذه ~~النشأة الدنيوية في إمكان البقاء وعدمه PageV01P230 ### | في بقاء النفوس # فنقول : إنك إذا تأملت فيما ذكرنا من الدليل العقلي على بقاء النفس ~~الناطقة الإنسانية أمكنك أن تجريه في بقاء نفس الجن أيضا إذا قيل : بأن ~~نفوسهم أيضا كنفوس الإنسان مجردة عن المواد بحسب ذواتها ، متعلقة بأبدانهم ~~نحوا من التعلق ، مرتبطة بها نوعا من الارتباط والتدبير والتصرف ، وإن كانت ~~أبدانهم مخالفة لأبدان الإنسان ، فيظهر لك أنه بفساد أبدانهم لو فرضنا ~~فسادها ، لا تفسد نفوسهم ، بل تبقى بعد خرابها أيضا. # وهذا مع قطع النظر عن أن الشرع دل على بقاء بعض أنواعهم ، أو أصنافهم ~~كالشيطان ، حيث دل على أنه من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم. # وكذلك أمكنك أن تجريه في بقاء العقول المجردة عن المادة في ذواتها ~~وأفعالها جميعا ، لو قيل بها ، وإن لم نقل بقدمها ، بل بحدوثها ، بل إن ~~جريان ذلك الدليل في العقول أتم وأظهر ، إذ ليس لها أبدان ، ولا احتياج ~~أصلا إلى المادة ، حتى بحسب الفعل أيضا ، كي يمكن أن يقال بفسادها بفساد ~~أبدانها ، ويجاب بذلك الجواب. # وكذلك أمكنك أن تجريه في الملائكة ، سواء قيل بأنهم عقول مجردة عن المادة ~~مطلقا ، كما هو مذهب بعضهم ، أو قيل كما يدل عليه ظاهر الشرع ، بأنهم ~~كالإنسان عبارة عن مجموع نفس وبدن ، إلا أن أبدانهم ليست كأبدان الإنسان ، ~~بل هي أجسام لطيفة وجواهر نورانية في غاية اللطافة والنورانية ، كالأجسام ~~السماوية أو ألطف منها وأنور. وكذلك نفوسهم المتعلقة بتلك الأجسام في غاية ~~التجرد والتعقل والعلم والإدراك. # فيظهر لك أنه لو فرض انقطاع علاقة نفوسهم عن أبدانهم ، بسبب زوال أبدانهم ~~أو بسبب آخر ، لكان تبقى نفوسهم بعد ذلك ببقاء موجدهم ومبدعهم الباقي. PageV01P231 # وكذلك أمكنك أن تجريه في ms167 الأفلاك وما فيها ، لو قيل بأن لها نفوسا كلية ~~غير منطبعة فيها ، بل مجردة متعلقة بأجرامها نوع تعلق ، فيظهر لك أنه بفساد ~~أجرامها لو فرض فسادها ، لا تفسد نفوسها الكلية المجردة. # وبالجملة انك إذا تأملت فيما تلوناه عليك سابقا ، تبين لك أن كل ما هو ~~مجرد عن المادة في ذاته من الموجودات ، سواء كان متعلقا بها في أفعاله ، ~~كالنفس المجردة ، أو لم يكن متعلقا بها فيها كالعقل ، إن جوزنا وجوده ، فهو ~~من حيث تجرده عن المادة في ذاته مما لا يطرأ عليه الفساد والزوال من جهة ~~ذاته بذاته ، سواء كانت تلك النفس نفسا ناطقة إنسانية ، أو جنية أو ملكية ~~أو فلكية ، وإنما الفساد الذي يتصور بالنسبة إلى النفس ، إنما هو فساد ~~تعلقها عن بدنها وعن الجسم الذي هو آلة لها في أفعالها ، وبذلك يمكن أن ~~يتأول قوله تعالى : ( @QUR@04 كل نفس ذائقة الموت ) (1) على تقدير أن يراد ~~بكل نفس هذا المعنى من النفس. وأن يتأول نظائر هذا ، مما ورد في الكتاب ~~والسنة ، وأنه لا يتصور هذا ، أي فساد التعلق أيضا بالنسبة إلى العقل أصلا ~~، حيث إن المفروض على تقدير جواز وجوده كونه غير متعلق بالمادة أصلا. # وبذلك استبان لك حال المجردات من الموجودات ، من جملة الأجزاء المخصوصة ~~من العالم في كونها باقية بعد وجودها ، بقاء مستندا إلى علة من خارج ، وإن ~~كانت هي في ذواتها ممكنة الوجود والعدم. PageV01P232 ### | في بيان حال الماديات من الموجودات # وبقي بعد ، بيان حال الموجودات المادية من جملة أجزاء العالم ، سواء كانت ~~أجساما أو صورا أو أعراضا ، وسواء كانت من جملة الكائنات الفاسدات ، أم ~~غيرها ، فلنتكلم في ذلك. # فنقول : إن الكائنات الفاسدات منها سواء كانت اجساما أو صورا أو أعراضا ، ~~لا يخفى أن طريان الفساد والزوال عليها من جهة ذواتها ممكن ، بل واقع ، كما ~~يدل عليه المشاهدة والعيان. # وبالجملة لا ينكره أحد ، ووجهه أن موادها لكونها قابلة لكلا الضدين ، ~~يمكن أن تستعد لكون صورة أو هيئة فيها فتتكون هي فيها ثم تستعد لفساد تلك ~~الصورة أو تلك ms168 الهيئة ، ولطروء ضدها عليها فتفسد هي ، وقد يفسد بذلك الجسم ~~أيضا لفساد جزئه أي صورته ، وأما تلك المواد ، فلعدم كونها قابلة لفساد ~~نفسها فلا يطرأ عليها الفساد ، بل هي باقية في الحالين ، فلذلك لا ينعدم ~~ذلك الجسم بالمرة ، وقد مر بيان ذلك كله فيما سبق. # وأما غير الكائنات الفاسدات منها كالأفلاك وما فيها من النجوم والكواكب ~~والكرات ، فهي وإن كانت مما زعمت الفلاسفة بقاءها وأبديتها وعدم إمكان طروء ~~الفساد عليها ، ولكنها عند العقل مما لا مانع من طروء ذلك عليها ، لا من ~~جهة ذواتها ، ولا من جهة غيرها ، فإنها حيث كانت ممكنة بالذات ، يتساوى ~~وجودها وعدمها بالنظر إلى ذواتها ، كما لا مانع من وجودها لا مانع عند ~~العقل من امكان فنائها ، وانعدام صورها عن موادها ، بل من انعدام موادها ~~أيضا وانعدامها بالمرة. # وكذلك هي حيث كانت مركبة من مادة وصورة ، كالكائنات الفاسدات ، لا مانع عند PageV01P233 # العقل من كون موادها قابلة لكلا الضدين ، فتكون قابلة لكون صورة فيها ، ~~فتتكون هي فيها ، وكذا لفسادها عنها فتفسد عنها ، وكذلك لا مانع عند العقل ~~أن يقتضي العلم بالأصلح أن يخلق ضد صورها ، فيطرأ عليها ضدها ، فتنعدم ~~صورها وتفسد. # وما ذكره الفلاسفة من الوجوه الدالة عندهم على عدم إمكان طروء الفساد ~~عليها كلها وجوه ضعيفة ، مبنية على اصول غير ثابتة ، لا يكاد يتم التمسك ~~بها في ذلك. مثل ما ذكروه من أنها قديمة ، وما ثبت قدمه امتنع عدمه ، كما ~~مضى دليله. فإن ذلك مبني على قدم العالم ، أو على قدم خصوص الأفلاك وما ~~فيها ، وقد ثبت بطلان ذلك ، بل الحق أن العالم بجميع أجزائه حتى الأفلاك ~~وما فيها حادثة حدوثا دهريا كما بيناه في رسالة موضوعة لذلك ، فليرجع ~~إليها. (1) # ومثل ما ذكروه من أن الكائن الفاسد ، يجب أن يكون فيه مبدأ ميل مستقيم ، ~~والأفلاك وما فيها لوجود مبدأ ميل مستدير فيها ، لا يمكن أن يكون فيها مبدأ ~~ميل مستقيم ، للتنافي بين الميلين ، وإذا لم يمكن أن يكون فيها مبدأ ميل ~~مستقيم ، فلا يمكن أن يطرأ ms169 عليها ما هو لازم ذلك من التغير والفساد. # ولذلك فرعوا على عدم إمكان الحركة المستقيمة فيها ، وكذا على أن الحركة ~~المستقيمة لو جاز عليها لجاز أن تكون إلى فوق وسفل أيضا ، وقد ثبت عندهم أن ~~المحدد لذلك ، هو الفلك ، فيلزم أن يقع الحركة المستقيمة إلى جهة محددها. ~~أي الفلك الذي فرض فساده ، فيلزم وقوع الحركة إلى جهة من غير محدد لتلك ~~الجهة ، عدم إمكان قبولها لطروء الخرق والالتيام والتخلخل والتكاثف ، ~~وأمثال ذلك مما لا يمكن حصوله إلا بالحركة. # ومثل ما ذكروه من عدم إمكان ضد لصور الأفلاك ، فكيف يطرأ عليها الفساد ~~الذي هو يكون بطروء أضدادها عليها. وأن موادها مخالفة بالنوع لمواد ~~الكائنات الفاسدات ، فلا تقبل فساد صورها عنها ونحو ذلك مما ذكروه في كتبهم ~~، فإن ذلك كلها وجوه ضعيفة فاسدة ، كما هو مبين في كتب أهل الشرع من ~~العلماء. ونحن أيضا في تعليقاتنا على الشفاء قد بينا فساد تلك الوجوه بما ~~لا مزيد عليه ، فليطالع ثمة. # غاية الأمر أن موادها وصورها لكونها مخالفة من بعض الجهات لمواد ~~العنصريات PageV01P234 # وصورها ، يجوز أن يقتضي العلم بالأصلح بقاءها بعينها ، أي بقاء صورها في ~~موادها في هذه النشأة الدنيوية ، ثم يقتضي عند قيام الساعة زوالها ~~وانعدامها ، أي فساد صورها عنها بخلق أضداد تلك الصور ، فتطرأ عليها فتقبل ~~موادها تلك الأضداد وفساد الصور الاولى. # ولا مانع من ذلك عند العقل ، بل إن النصوص السمعية القطعية ، دالة على ~~وقوع الفساد وطروئه عليها ، كما دلت على طروئه على غيرها من الأجسام ~~العنصرية ، كلياتها وأجزائها وجزئياتها ، وتلك النصوص في الكتاب والسنة من ~~الكثرة بحيث لا تكاد تحصى ، مثل قوله تعالى : # ( @QUR@011 يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده ). (1) # ( @QUR@03 والسماوات مطويات بيمينه ). (2) # ( @QUR@029 فإذا نفخ في الصور نفخة واحدة وحملت الأرض والجبال فدكتا دكة ~~واحدة ، فيومئذ وقعت الواقعة ، وانشقت السماء فهي يومئذ واهية ، والملك على ~~أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية ). (3) # ( @QUR@08 وفتحت السماء فكانت أبوابا ، وسيرت الجبال فكانت سرابا ). (4) # ( @QUR@07 يوم تكون السماء كالمهل ، وتكون الجبال ms170 كالعهن ). (5) # ( @QUR@06 وإذا السماء فرجت ، وإذا الجبال نسفت ). (6) # ( @QUR@03 وإذا السماء كشطت ). (7) # ( @QUR@03 إذا السماء انشقت ). (8) # ( @QUR@03 إذا السماء انفطرت ). (9) # ( @QUR@010 يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ~~). (10) # ( @QUR@06 فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان ). (11) # ( @QUR@07 يوم تمور السماء مورا ، وتسير الجبال سيرا ). (12) PageV01P235 # ( @QUR@06 السماء منفطر به كان وعده مفعولا ). (1) # ( @QUR@04 اقتربت الساعة وانشق القمر ). (2) # ( @QUR@08 فإذا برق البصر ، وخسف القمر ، وجمع الشمس والقمر ). (3) # ( @QUR@03 فإذا النجوم طمست ). (4) # ( @QUR@06 إذا الشمس كورت ، وإذا النجوم انكدرت ). (5) ( @QUR@03 وإذا ~~الكواكب انتثرت ). (6) # ( @QUR@021 ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم ~~أحدا ، وعرضوا على ربك صفا ، لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة ). (7) # ( @QUR@010 فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا ). (8) # ( @QUR@010 ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا ، فيذرها قاعا صفصفا ~~). (9) # ( @QUR@014 وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي ~~أتقن كل شيء ). (10) # ( @QUR@05 والأرض جميعا قبضته يوم القيامة ). (11) # ( @QUR@08 يوم ترجف الأرض والجبال وكانت الجبال كثيبا مهيلا ). (12) # ( @QUR@07 وإذا الأرض مدت ، وألقت ما فيها وتخلت ). (13) # ( @QUR@07 إذا زلزلت الأرض زلزالها ، وأخرجت الأرض أثقالها ). (14) # ( @QUR@03 وإذا البحار سجرت ). (15) # ( @QUR@03 وإذا البحار فجرت ). (16) # وهذه الآيات الكريمة وأمثالها ، مما ورد في السنة الشريفة في ذلك ، كما ~~تدل دلالة قطعية على وقوع الفساد على الأفلاك وما فيها من النجوم والكواكب ~~، وعلى غيرها من PageV01P236 # الأرض والجبال والبحار ، كذلك تدل على عدم كونها قديمة ، إذ لو كانت ~~قديمة ، لما جاز عليها وقوع الفساد ، حيث إن ما ثبت قدمه ، امتنع عدمه ، ~~إلا أنها لا تدل على انعدام تلك المذكورات بالمرة ، وفسادها بالكلية ، بل ~~إنما تدل على فسادها على تلك الأنهاج المذكورة وعلى الأنحاء التي هي مضامين ~~تلك الآيات الكريمة ، كما يظهر على من تدبر فيها. # ولا يخفى أن تلك الأنهاج والأنحاء ليست بانعدامها بالمرة ، بل إنما هي ~~فساد صورها وزوال هيآتها وعدم بقائها على النهج الذي كانت تلك الأشياء عليه ~~أولا من الوجود والتشخص والصورة والكيفية ، ولعل سر ذلك والله أعلم اقتضاء ~~العلم بالأصلح عند قيام الساعة فسادها ، بأن يخلق أضداد تلك الصور ، فتطرأ ~~عليها ، وحيث كانت موادها قابلة لكلا الضدين ms171 ، قبلت أضدادها ففسدت عنها تلك ~~الصور الأول ، لكنها باقية في الحالين حيث لا دليل على فسادها في ذاتها. # وبالجملة فهذه الآيات ونحوها ، لا تدل على انعدام تلك المذكورات بالمرة ~~حتى بموادها ، ولا دليل آخر أيضا عليه ، بل إنما تدل على انعدامها بصورها ~~وهيآتها ووجوداتها الخاصة ، ويمكن بقاء موادها ، ولا ضير فيه ، لو قلنا ~~بحدوث تلك المواد وبقائها بعد وجودها لأجل عدم كونها قابلة للفساد ، كما في ~~النفس الإنسانية ، ومن هذه الجهة ليس في ذلك انعدام تلك الأشياء بالمرة ، ~~فلذا يجوز إعادتها لو فرضنا إعادتها ، مع أنا لو قلنا بوجود نفس مجردة ~~متعلقة بالأفلاك وما فيها كما هو مذهبهم ، وقلنا ببقاء تلك النفوس بعد خراب ~~الأفلاك وفساد صورها وهيآتها كما أشرنا إليه سابقا ، لكان عدم انعدام ~~الأفلاك وما فيها بالمرة أظهر ، إذ النفوس المتعلقة بها باقية وكذا موادها. ~~والله أعلم. PageV01P237 ### | في بيان معنى ما دل من السمعيات ### ||| * على هلاك كل ما سواه أو على الفناء بالمرة # ثم إنه قد وردت في القرآن الكريم آيات اخر في هذا المقام : # منها قوله تعالى : ( @QUR@04 كل نفس ذائقة الموت ). (1) # وهذه مفادها لو كان المراد بالنفس ، النفس بالمعنى المصطلح ، أن كل نفس ~~تذوق الموت بخراب بدنها وزوال الجسم الذي هي متعلقة به نوعا من التعلق ، ~~وتنقطع علاقتها عنه ، فيشمل هذا كل ذي نفس مجردة من الإنس والجن والملك ~~والفلك ، ولو كان المراد بالنفس أعم من النفس المجردة والمنطبعة كالصور ~~والقوى الحالة في الأجسام ، كان مفاد الآية أن كل نفس مجردة أو منطبعة تذوق ~~الموت ، أما النفس المجردة فكما ذكر ، وأما المنطبعة فبفسادها في ذاتها ، ~~وزوالها عن مادتها ، لقبول تلك المادة فسادها عنها من غير فساد ذات المادة ~~بذاتها. # ومنه يعلم الحال لو اريد بالنفس ذات الشيء ، أي الشيء مطلقا مجردا كان أم ~~ماديا ، فلكيا كان أم عنصريا وحينئذ لو لم نقل بالعقول المجردة ، لكان عموم ~~كل شيء في الآية باقيا بحاله ، ولو قلنا بها ينبغي تخصيص ذلك العموم بما ~~سوى العقول ونحوها ، إذ الدليل العقلي كما ms172 مضى ذكره ، قائم على بقاء ~~الموجودات المجردة عن المادة في ذاتها ، وكذا المفروض أن لا مادة هنا يتعلق ~~بها العقل ، حتى يمكن أن يقال إن موته عبارة عن قطع تعلقه عن تلك المادة ~~كما ينبغي تخصيصه بغير الصادر الأول أيضا. # وكذا بغير موجودات النشأة الاخروية ، حيث إنا قد أقمنا فيما مضى الدليل ~~على بقائها PageV01P238 # أيضا ، والله تعالى أعلم. # ومنها قوله تعالى : ( @QUR@010 كل من عليها فان ، ويبقى وجه ربك ذو ~~الجلال والإكرام ). (1) # وهذه بمنطوقها حيث قال : ( @QUR@04 كل من عليها فان ): تدل على فناء كل ~~من على الأرض من ذوي العقول ، أو فناء كل ما على الأرض من ذوي العقول ~~وغيرهم ، وينبغي أن يكون معنى الفناء في شأنهم كما فصل سابقا. # وبمفهومها حيث قال : ( @QUR@03 ويبقى وجه ربك ) تدل على فناء كل شيء سوى ~~وجهه تعالى ، وذاته المقدسة تعالى شأنه ، سواء كان من في الأرض أو من في ~~السماء أو نفس الأرض والسماء وأجزائهما وجزئياتهما ، حيث إن بقاء وجه الرب ~~تعالى أي ذاته وحده كما هو مفهوم الآية ، إنما يكون إذا انعدم ما سواه ~~مطلقا فيرجع مفاده إلى فناء كل شيء سواه تعالى. وينبغي أن يكون معنى الفناء ~~حينئذ كما ذكر أيضا سابقا في فناء كل شيء ، مع أنه يمكن تأويل هذه الآية ~~بما سيأتي من تأويل قوله تعالى : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه )، (2) ~~فانتظر. # ومنها قوله تعالى : ( @QUR@018 ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ~~ومن في الأرض إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين ). (3) وقوله تعالى : ( ~~@QUR@022 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ~~ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ). (4) # وهاتان الآيتان تشتركان في الدلالة على عروض تلك الحالة التي هي مضمونهما ~~من الفزع أو الصعق على كل من في السماوات ومن في الأرض من ذوي العقول حتى ~~الملائكة أو على كل ما فيهما من ذوي العقول وغيرهم ، إلا أن الاولى منهما ~~تدل على أن تلك الحالة هي الفزع ، والفزع معناه نوع اضطراب ms173 وتغير حالة ~~والثانية منهما تدل على أن تلك الحالة ، هي الصعق وهو الموت ، فإن حملت ~~الاولى على الثانية ، فيكون المراد بتلك الحالة الموت ، أو الثانية على ~~الاولى فيكون المراد بها الاضطراب والتغير ، وان لم تحمل إحداهما على ~~الاخرى ، فيكون المراد طروء تينك الحالتين جميعا عليهم ، ولا بعد في أن ~~تطرأ الحالة الاولى أي الفزع أولا ثم تطرأ الحالة الثانية أي الموت ثانيا. PageV01P239 # وكذا تشترك الآيتان في الدلالة على عروض التغير والفساد والموت على من في ~~السموات والأرض ، إلا من شاء الله ، وقد فسره المفسرون تارة بالملائكة ~~الأربعة أي جبرئيل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ، وتارة بالشهداء. # وبالجملة فالمراد بمن شاء الله إما جماعة من الملائكة المقربين أو جمع من ~~النبيين والصديقين. فيصير المعنى أن تلك الحالة عند النفخة ، لا تعرض ~~لهؤلاء الملائكة وللشهداء ، فيكون مفاد الآيتين عروض الموت والفناء لكل أهل ~~العقل أو لكل موجود في السماء والأرض ، غير من شاء الله ، وينبغي أن يفسر ~~الموت والفناء بالنسبة إلى كل أحد وكل شيء بما يناسب حاله كما ذكر سابقا. # ومنها قوله تعالى : ( @QUR@09 كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ~~ترجعون ). (1) # وهذه الآية لو اريد بها العموم الحقيقي بحيث يشمل كل شيء مما سواه تعالى ~~حتى ما دل الدليل على بقائه أيضا كالصادر الأول ، والنشأة الاخروية بما ~~فيها والنفوس المجردة الإنسانية وغيرها ، فينبغي أن تتأول الآية بما أولها ~~بعضهم من أنه لعل المراد بالهلاك ضعف الوجود وليسية الماهيات الممكنة في ~~أنفسها ، يعني أن كل شيء بحسب وجوده الفائض عليه ضعيف ناقص ليس وجوده تاما ~~كاملا ، حيث إنه لو فرض انقطاع فيض الوجود عنه ولو آنا ما ، لا نعدم وفني ~~إلا وجهه أي إلا من جهة إفاضته تعالى الوجود عليه ، فإنه بهذه الجهة يكون ~~موجودا باقيا ، وبعبارة اخرى أن كل موجود من الموجودات وكل ماهية من ~~الماهيات الممكنة من حيث إنه ممكن في ذاته ، فهو قابل لطريان العدم عليه ، ~~كما أنه قابل لطريان الوجود عليه ، فهو بالنظر إلى ذاته وماهيته ممكن هالك ~~، ليس ms174 له وجود ، بل إنما وجود من جهة ارتباطه بجاعله ومفيض الوجود عليه. # والحاصل أنه على تقدير إرادة العموم الحقيقي من كل شيء ، ينبغي إرادة أن ~~المراد بالهلاك ، الهلاك في مرتبة الذات ، لا الهلاك بالفعل الطارئ بعد ~~الوجود. # وأما لو اريد بكل شيء العموم في الجملة ، بحيث يعم كل شيء عدا ما استثني ~~، لأمكن إرادة الهلاك بالفعل منه ، ويكون المعنى أن كل شيء سوى ما دل ~~الدليل على بقائه ، يعرض له الهلاك والموت بالمعنى الذي يناسب حاله ، كما ~~ذكر سابقا حتى الملائكة أيضا ، أما PageV01P240 # غير الملائكة الأربعة والشهداء كما دلت الآيتان السابقتان عليه ، فهو إن ~~كان من غير الملائكة من الجن والإنس وغيرهم فعروض الهلاك على بعضهم الذين ~~لم يكونوا باقين عند النفخة الاولى ، يكون قبل النفخة الاولى بموتهم قبلها ~~، وعلى بعضهم الباقين عندها ، يكون عندها ، كما يكون عروض ذلك على غيرهم من ~~السماء والأرض والجبال والبحار وأمثالها ، مما كانت باقية عند النفخة ~~الاولى عندها أيضا ، كما دلت عليه الآيات السابقة ، وإن كان من الملائكة ~~غير من شاء الله فعروضه عليهم أيضا يكون عندها أيضا كما دلت عليه الآيتان ~~السابقتان. وأما من شاء الله فإن لم نقل بعروض الهلاك عليهم أصلا كما هو ~~مفاد الآيتين ، فينبغي تخصيص ( @QUR@02 كل شيء ) في قوله تعالى : ( @QUR@03 ~~كل شيء هالك ) بغيرهم أيضا ولا محذور فيه. وإن قلنا بهلاكهم كما يدل عليه ~~عموم ( @QUR@02 كل شيء ) في الآية ، فينبغي أن يقال بأنه يجوز أن يطرأ ~~عليهم الموت أيضا بعد موت الملائكة غيرهم ، وإن كانت البعدية آنا ما ، ~~وكذلك الهلاك آنا ما. # وعلى التقادير فينبغي أن يراد بهلاك الملائكة انقطاع علاقة نفوسهم ~~الشريفة عن أبدانهم اللطيفة ، لا انعدامهم بالمرة. وهذا الذي ذكرنا ، هو ~~وجه التأويل في قوله تعالى : ( @QUR@05 كل شيء هالك إلا وجهه ) ويظهر منه ~~أنه لا دليل فيه على انعدام النشأة الاخروية ، ولو آنا ما كما تمسك به من ~~قال به وإن ما ذكره بعضهم من حمل ( @QUR@02 كل شيء ) على العموم الحقيقي ، ~~وحمل الهلاك على الهلاك بالفعل ، وحمل ms175 الآية على أن كل شيء يعرض له الموت ~~والفناء قبل قيام الساعة ولو آنا ما فيعاد بعده ، ليس بواضح. وبالجملة ~~الهلاك والفناء وأمثالهما من الألفاظ ليست بصريحة في الانعدام بالمرة ، بل ~~يمكن حملها على الهلاك والفناء الذي يناسب حال ذلك الفاني والهالك كما ~~ذكرنا سابقا ، فتأمل. # ومنها قوله تعالى : ( @QUR@03 هو الأول والآخر )، (1) # وبيان كيفية دلالة هذه الآية يحتاج إلى تفسير معنى الأول والآخر في شأنه ~~تعالى أولا حتى يستبين ذلك ، حيث إن الأولية والآخرية اللتين أطلقنا على ~~ذاته تعالى ، سواء اريد بهما الأولية والآخرية الحقيقيتين كما في الآية أو ~~أعم منهما ومن الإضافيتين ، معناهما التقدم والتأخر. PageV01P241 # والمشهور عندهم أن التقدم والتأخر على أنحاء خمسة : بالعلية وبالطبع ~~وبالزمان وبالرتبة وبالشرف ، كما هو مذهب الحكماء ، أو ستة كما هو رأي ~~المتكلمين : تلك الخمسة وبالذات ، كما بين أجزاء الزمان عندهم. # فينبغي أن ينظر أن أيا من معاني التقدم والتأخر يصح إرادته في الآية ~~الكريمة ، وعلى تقدير الصحة فهل هما بمعنى واحد في الأولية والآخرية أو ~~بمعنيين مختلفين ، وأنه كيف يصح إطلاق الأول والآخر على ذات واحدة ، وأن ~~هذا الإطلاق هل هو باعتبار واحد أم باعتبارين ، وأن هذه الأولية والآخرية ~~هل هما بالنسبة إلى ذاته تعالى بمعنى أنه تعالى متقدم على ذاته ومتأخر عن ~~ذاته ، أو بالنسبة إلى غيره بمعنى أنه متقدم على غيره ومتأخر عن غيره. # فنقول : لا يخفى عليك أن التقدم بالعلية وإن صح إطلاقها على ذاته تعالى ~~بالنسبة إلى غيره ، بمعنى أنه تعالى علة موجدة لما سواه ، لكنه لا يصح ~~إطلاق المتأخر بهذا المعنى عليه ، فإن المتأخر بالعلية معناه كونه معلولا ، ~~والحال أنه تعالى شأنه ليس بمعلول لا لذاته ولا لغيره. # وكذلك التقدم بالطبع ، لو اريد به تقدم العلة الناقصة ما سوى العلة ~~الفاعلية ، فلا يصح إطلاقه عليه تعالى أصلا وإن اريد به أعم من ذلك حتى ~~يشمل تقدم العلة الفاعلية أيضا ، فهو على تقدير صحة إطلاقه عليه تعالى ~~بالنسبة إلى غيره ، لا يصح إطلاق المتأخر بالطبع عليه تعالى ، لاستلزام ~~كونه ms176 معلولا بالطبع ، وهو سبحانه وتعالى منزه عن ذلك. # وأيضا قد تقرر عندهم أنه لا يجوز في السبق بالعلية وبالطبع أن يصير ~~السابق متأخرا وهو هو بعينه ، ولذلك قيل : إنهما سبقان حقيقيان ، وأولى ~~بمفهوم السبق من غيرهما ، كالسبق بالشرف وبالرتبة وبالزمان ، حيث يجوز فيها ذلك. # والحال أنه في الآية الكريمة اطلقت الأولية والآخرية كلتاهما على ذاته ~~تعالى ولا يخفى أن ذاته تعالى لا تغير فيه أصلا وهو هو بعينه في الحالين ، ~~فلا يكون معناهما التقدم والتأخر بالعلية أو بالطبع. # ولا يخفى أيضا أن التقدم والتأخر بالرتبة لا يصح إرادتهما في الآية ، إذا ~~المعتبر فيهما أن يكون هناك ترتب بين السابق والمسبوق ، إما ترتب حسي كما ~~بين الإمام والمأموم ، PageV01P242 # أو ترتب عقلي كما بين الأجناس والأنواع الإضافية المترتبة على سبيل ~~التصاعد أو التنازل ، ولا سترة في أن هذا الترتب منفي هنا ، سواء فرض ترتب ~~بين ذاته تعالى وبين ذاته ، أو بين ذاته تعالى وبين غيره ، فلا يصح ~~إرادتهما في الآية. # نعم لو صحت إرادتهما فيها ، لا مانع من إطلاق الأولية والآخرية كلتيهما ~~على ذاته تعالى ، حيث يجوز فيهما أن يصير السابق متأخرا وهو هو بعينه. # ولا يخفى أيضا أن التقدم بالشرف وإن كان يجوز إطلاقه عليه تعالى ، لكن ~~بالنسبة إلى غيره ، بمعنى أنه تعالى أشرف من غيره ، لكنه لا يصح إطلاق ~~المتأخر بهذا المعنى ، سواء اعتبر بالنسبة إلى ذاته تعالى إلى غيره ، وسواء ~~كان ذلك باعتبار واحد أم باعتبارين ، وإن جاز في هذا القسم أيضا اجتماع ~~الوصفين على ذات واحدة باعتبارين. # ولا يخفى أيضا عدم صحة إرادة التقدم والتأخر بالذات اللذين أثبتهما ~~المتكلمون بين أجزاء الزمان ، كسبق الأمس على الغد ، سواء اعتبر ذلك ~~بالنسبة إلى ذاته تعالى أو إلى غيره ، وسواء كان باعتبارين أو باعتبار واحد. # فبقي أن يكون المراد بالأولية والآخرية في الآية التقدم والتأخر بالزمان ~~، ومعنى ذلك هو أن يكون السابق قبل المسبوق قبلية لا يجامع معها البعد. ~~وهذا أيضا لا يصح إرادته في الآية ، أما إذا اعتبر التقدم على ms177 ذاته أو ~~التأخر عن ذاته سواء فرض وجوده تعالى وجودا زمانيا ، أم لم يفرض ، لأن ~~السابق هنا يجامع المسبوق ، وأيضا تقدم الشيء على نفسه غير معقول ، ولا جهة ~~أيضا هنا بها يصح اعتبار تقدمه على نفسه وتأخره عن نفسه بجهة اخرى حتى يكون ~~التقدم والتأخر باعتبارين. # وأما إذا اعتبر ذلك التقدم على غيره وذلك التأخر عن غيره ، فلأن المعتبر ~~في التقدم والتأخر الزمانيين أن يجوز كون المتقدم والمتأخر زمانيا ، وما ~~وجوده زماني ، إما ما يكون وجوده تدريجيا كالزمان مثل الحركة ، وهذا لا ~~يجوز على وجوده تعالى لكونه ثابتا أبد الدهر لا تدريجيا موجودا شيئا فشيئا ~~ولا متجددا متصرفا. وإما ما يكون وجوده ثابتا غير تدريجي سواء كان حدوثه ~~تدريجيا أو دفعيا ، ومع ذلك ما يكون وجوده محفوفا بالزمان ، واقعا تحته ، ~~ويكون قبله زمان وبعده زمان إن انقطع زمان وجوده كبعض الأجسام. وهذا أيضا ~~لا يجوز على وجوده تعالى ، لأنه ليس قبله زمان ولا ما هو منشأ لانتزاع ~~الزمان عنه، PageV01P243 # بل ليس له قبل أصلا ، وكذا ليس له بعد ولا بعده زمان. # وإما ما كان الزمان منتزعا عنه ويكون هو واقعا في حد من الزمان ، وإن كان ~~حدا أولا منه ويبقى بعد ذلك ، وهذا كالفلك على رأيهم ، وهذا أيضا لا يجوز ~~على وجوده تعالى لأنه حيث كان ثابتا أبد الدهر لا يجوز أن ينتزع منه الزمان ~~الذي هو متغير متقض شيئا فشيئا ، وليس أيضا في مرتبة ذاته تعالى شيء يمكن ~~أن ينتزع منه الزمان ، ويكون أول وجوده واقعا في الحد الأول منه ، تعالى ~~الله عن ذلك كله علوا كبيرا. # وبالجملة التقدم والتأخر الزمانيان إنما يصح إطلاقهما على ما هو وجوده ~~زماني ، داخل تحت الزمان ، ومتغير بتغيره ، محفوف به أو واقع في حد منه ، ~~وأما ما هو وجوده غير متغير ، بل ثابت أبد الدهر ، متعال عن الزمان ، ~~كوجوده تعالى فلا يصح عليه إطلاق المتقدم والمتأخر بهذا المعنى. # ومما ذكرناه وفصلناه ظهر أنه لا يصح إرادة الأولية والآخرية في الآية ~~بأحد المعاني الخمسة ms178 أو الستة ، سواء كان الإطلاق بمعنى واحد أو بمعنيين ، ~~وسواء كان باعتبار واحد أو باعتبارين ، وسواء كان بالنسبة إلى ذاته تعالى ~~أو إلى غيره ، فكأن ما ذكرنا يرد إشكالا على معنى الآية الكريمة في إطلاق ~~الأول والآخر على ذاته تعالى. # وأما الجواب عن هذا الإشكال ، فهو أن التقدم والتأخر الزمانيين ، كما ~~يطلقان على ما كان وجوده زمانيا ، وهذا بهذا المعنى منفي عن وجوده تعالى ، ~~حيث إنه ليس زمانيا ، كذلك يمكن أن يطلقا على ما ليس وجوده زمانيا ، لكن ~~بمعنى آخر ، وهو أن يكون هناك زمان موجود أو زمان مقدر ، بحيث لو فرض هناك ~~فارض أمكن حكمه فيه بأن ذلك الشيء موجود ، وليس شيء غيره موجودا ، لا بأن ~~يكون ذلك الزمان الموجود أو المقدر ظرفا لوجود الشيء حتى يكون زمانيا ، بل ~~ظرفا للحكم به. وحينئذ لو كان ذلك الشيء بحيث يفرض وجود غيره بعد وجوده ، ~~وكذا بعد زمان صحة هذا الحكم ، كان متقدما على غيره بالزمان بهذا المعنى ، ~~ولو كان بحيث يفرض وجود غيره قبل زمان صحة هذا الحكم كان متأخرا عن غيره ~~بهذا المعنى أيضا ، ولا شك أن إطلاق التقدم والتأخر بهذا المعنى يصح في ~~شأنه تعالى ، إذ لا سترة في أن وجوده تعالى بحيث لا يمكن أن يكون في مرتبته ~~شيء غيره ، ولا في أن وجوده كان ثابتا دائما باقيا في الأزل في الواقع ، ~~ولم يكن معه شيء ، لا في PageV01P244 # الواقع ولا في مرتبة منه ، ثم شاء وأوجد الأشياء بحيث كان قبل إيجاده ~~الأشياء زمان مقدر أو دهر غير متناه كما هو معنى القول بالحدوث الدهري على ~~ما بيناه في الرسالة الموضوعة لذلك ، وبحيث لم يكن ذلك الدهر الغير ~~المتناهي ظرفا لوجوده تعالى حتى يلزم كون وجوده تعالى زمانيا أو دهريا ، بل ~~ظرفا لصحة الحكم بأنه تعالى موجود ، وليس شيء غيره موجودا ، ولا أن يكون ~~وجوده حدا أولا لذلك الدهر ، ويكون وجود غيره حدا آخر منه ، حتى يلزم كون ~~غير المتناهي محصورا بين حاصرين. # ثم إنه تعالى شاء بعد ms179 إيجاد الأشياء وبقائها زمانا فناءها ، فتفنى هي كما ~~دلت عليه الآيات والأخبار ، بحيث إن الأشياء تفنى بعد وجودها ، ويفرض هناك ~~زمان موجود أو مقدر ، يصح الحكم فيه بأنه تعالى موجود وليس غيره موجودا. # فيظهر مما ذكرنا أنه بالاعتبار الأول يصح إطلاق الأول عليه تعالى ، حيث ~~كان أولا بحسب الزمان بهذا المعنى ، وكذا بالعلية بالنسبة إلى غيره ، ~~وبالاعتبار الآخر يصح إطلاق الآخر عليه بالنسبة إلى غيره ، لكن بالزمان ~~بهذا المعنى فقط ، فيظهر منه أن إطلاق الأول عليه تعالى يمكن أن يكون ~~بمعنيين ، وأما اطلاق الآخر عليه ، فإنما هو بمعنى واحد ، هو بالزمان بهذا ~~المعنى ، وأن إطلاقهما جميعا إنما هو بالنسبة إلى غيره تعالى لا بالنسبة ~~إلى ذاته ، وكذلك إطلاقهما عليه تعالى باعتبارين ، لا باعتبار واحد ، وبذلك ~~انحل الإشكال وظهر تفسير معنى الأول والآخر في حقه تعالى. # وإن أبيت إطلاق التقدم والتأخر الزمانيين بهذا المعنى عليه تعالى فلا ~~مشاحة في أن يطلق عليه تعالى التقدم والتأخر بمعنى آخر غير تلك المعاني ~~الخمسة أو الستة كالتقدم والتأخر بالوجود مثلا بذلك المعنى الذي ذكرنا ، ~~فإن الحصر في الخمسة أو الستة ، ليس حصرا عقليا حتى لا يمكن إثبات قسم سابع ~~معها ، بل استقرائي وكأنه لذلك أثبت بعضهم كصدر الأفاضل قسمين آخرين أيضا ~~مع تلك الأقسام المشهورة ، هما التقدم بالحق والتقدم بالحقيقة. ومثل للأول ~~بأن الحق في تجليه في أسمائه ومراتب شئونه التي هي أنحاء وجودات الأشياء ~~يتقدم ويتأخر بذاته ، لا بشيء آخر ، فلا يتقدم متقدم ولا يتأخر متأخر إلا ~~بحق لازم. وللثاني بأن الجاعل والمجعول إذا كان لكل منهما شيئية ووجود ، ~~فتقدم الشيئية على الشيئية من جهة اتصافهما بالوجود ، تقدم بالذات ، سواء ~~كان بالعلية PageV01P245 # أو بالطبع ، وتقدم نفس الوجود على الوجود تقدم بالحقيقة. # وحيث عرفت ما ذكرنا من تفسير الأول والآخر في شأنه تعالى ، فاعلم أنه ~~موافق لما ورد من بعض كلمات المعصومين عليهم السلام كقولهم في الأدعية ~~المأثورة عنهم : «يا كائنا قبل كل شيء ، يا كائنا بعد كل شيء ، يا حي قبل ~~كل حي ms180 ، ويا حي بعد كل حي ، يا حي حين لا حي ، يا حي يبقى ويفنى كل حي ، يا ~~ذا الذي كان قبل كل شيء ، ثم خلق كل شيء ، ثم يبقى ويفنى كل شيء». # وكذا هو مطابق للتفسير الذي ذكره العلماء. قال الشيخ الطوسي رحمه الله في ~~تفسير قوله تعالى في سورة الحديد هو الأول : القديم السابق لجميع الموجودات ~~بما لا يتناهى من الأوقات أو تقدير الأوقات. والآخر الذي يبقى بعد فناء كل ~~شيء. انتهى. (1) # وقال بعض أجلة العلماء رحمه الله ما مضمونه : إن معنى الأول في حقه تعالى ~~أنه قبل كل شيء ، وليس قبله أو في مرتبة وجوده شيء ومعنى الآخر في حقه ~~تعالى أنه ليس بعده شيء ، وكلاهما من الصفات السلبية. انتهى. # وحيث عرفت تفسير الأول والآخر في حقه تعالى ، وعرفت أن معنى الآخر في حقه ~~سبحانه أنه هو الذي يبقى ويفنى غيره ، عرفت أن معنى هذه الآية الكريمة آئل ~~من بعض الوجوه إلى معنى الآية السابقة ، وهي قوله تعالى : ( @QUR@05 كل شيء ~~هالك إلا وجهه ) إلا أنه يمكن في تلك الآية السابقة التأويل بكلا الوجهين ~~اللذين ذكرناهما ، وأما في هذه الآية فلا يستقيم التأويل إلا بالوجه الأخير ~~، لأن المتبادر من فناء غيره فناؤه بالفعل ، كما دلت عليه الآيات والأخبار ~~أيضا ، لا الفناء في مرتبة ذاته. # وحيث كان المراد ، هو الفناء بالفعل الشامل بإطلاقه لفناء كل شيء غيره ~~تعالى كما هو الظاهر فينبغي أن يخصص هذا العموم أيضا بما سوى ما دل الدليل ~~على بقائه ، وقلنا إنه مستثنى من العموم. والله تعالى يعلم حقيقة الحال. # ومنها قوله تعالى : ( @QUR@03 كما بدأكم تعودون ). (2) # وهذا لا يدل على فناء المخاطبين بالمرة ، بناء على أنهم في حال البدء كما ~~لم يكونوا PageV01P246 # شيئا فبدءوا وخلقوا عن لا شيء ، كذلك هذا التشبيه ، يقتضي أن يكونوا في ~~حال العود أيضا معدومين بالمرة ، فيعادوا عن لا شيء ، لأنه لا نص في الآية ~~أن التشبيه في هذا المعنى ، بل يمكن أن يكون التشبيه في أصل الفعل ، أي كما ~~أن البدء ms181 قد وقع ، يكون العود واقعا أيضا وإن لم يكونوا في حال العود ~~معدومين بالمرة ، وأن يكون التشبيه في الآية نظير التشبيه في قوله تعالى : ~~( @QUR@012 ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ~~ظهوركم ). (1) وسيأتي أن إعادة المعدوم بالمرة بعينه ممتنع. # ثم إنك حيث أحطت خبرا بتفاصيل ما قدمناه لك ، يظهر لك تأويل كلام أمير ~~المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة في خطبة له عليه السلام في التوحيد وهو ~~قوله عليه السلام : «وانه يعود سبحانه بعد فناء الدنيا وحده ، لا شيء معه ~~كما كان قبل ابتدائها ، كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت ، ولا مكان ولا حين ~~ولا زمان ، عدمت عند ذلك الآجال والأوقات وزالت السنون والساعات ، فلا شيء ~~إلا الواحد القهار الذي إليه مصير جميع الامور». (2) فتدبر تعرف. # وبالجملة تلك السمعيات المذكورة وغيرها ، لا دلالة قطعية فيها على فناء ~~كل ما سواه تعالى فناء بالفعل ، ويمكن تخصيص عموماتها بما عدا ما استثني ، ~~كما أنها لا دلالة قطعية فيها على أن ما يفنى من جملة الموجودات يفنى ~~بالمرة وينعدم بالكلية ، بل يمكن تأويلها بما ذكرنا في ذيل بيان حال كل ~~والله تعالى يعلم. ### | ختام # قد استبان لك مما ذكرنا بطوله في هذا الباب ، أن العالم بجميع أجزائه وإن ~~كان بالنظر إلى ذاته وإمكانه جائز الفناء والعدم ، إلا أنه لا يدل دليل ~~عقلي أو سمعي على طريان الفناء بالفعل عليه بجميع أجزائه ، بحيث لا يشذ ~~عنها فرد ، وإنما الدليل يدل على طروء الفناء بالفعل على بعض أجزائه كما ~~فصلنا ، وكذا لا دليل على أن كل ما يفنى بالفعل من جملة أجزائه يفنى بالمرة ~~وينعدم بالكلية ، بل الدليل كما عرفت بيانه ، إنما يدل على أن بعضا من PageV01P247 # ذلك ينعدم بالمرة كالصور والأعراض القائمة بالمواد ، وبعضا منه وإن كان ~~ينعدم لكن لا بالكلية. # والله أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب ، وهذا آخر ما أردنا إيراده في ~~هذا الباب ، أي في المقام الأول من المقامين اللذين كنا بصدد بيانهما ، ~~فلنرجع إلى التكلم في المقام ms182 الثاني. PageV01P248 ### | المقام الثاني في جواز إعادة المعدوم وعدمه # فنقول : المقام الثاني في أن المعدوم هل يجوز أن يعاد بعينه ، أي بجميع ~~عوارضه المشخصة أم لا؟ ذهب أكثر المتكلمين إلى جوازه ، وذهب الحكماء وبعض ~~المتكلمين إلى امتناعه ، ولكل من الفريقين حجج ، فلنذكر أولا حججهم على ما ~~ذهبوا إليه ، ثم نتبعه بتحقيق ما هو الحق ، إن أمكن ، فنقول : إن الشيخ في ~~الفصل الخامس من إلهيات الشفاء حقق أولا : أن الموجود والشيء والضروري ~~والواحد ترتسم معانيها في النفس ارتساما أوليا ، ليس ذلك الارتسام مما ~~يحتاج إلى أن يجلب بأشياء أعرف منها ، وتكون هي مبادئ تصورية ، كما يقال : ~~إن الشيء هو الذي يصح عنه الخبر ، حيث إن ذلك لو كان تعريفا حقيقيا لكان ~~دوريا ، فإن قولنا يصح أخفى من الشيء والخبر أيضا أخفى من الشيء ، وإنما ~~يعرف الصحة ، ويعرف الخبر بعد أن يستعمل في بيان كل واحد منهما إنه شيء أو ~~أمر أو نحو ذلك. # نعم ربما كان في هذا التعريف وأمثاله تنبيه على ما في النفس ، وأما ~~بالحقيقة فليس تعريفا فإنك إذا قلت إن الشيء هو ما يصح الخبر عنه ، يكون ~~كأنك قلت إن الشيء هو الشيء الذي يصح عنه الخبر ، فتكون قد أخذت الشيء في ~~حد الشيء. # وبالجملة أنه قد حقق أن الشيء والموجود ونحوهما ، أعرف الأشياء عند العقل ~~، ثم حقق أن معنى الموجود ومعنى الشيء متصوران في الأنفس ، وهما معينان ~~فالموجود والمثبت والمحصل ، أسماء مترادفة على معنى واحد ، ولا نشك أن ~~معناها قد حصل في النفس ، والشيء وما يقوم مقامه ، قد يدل به على معنى آخر ~~في اللغات كلها ، فإن لكل أمر حقيقة هو بها ما هو. فللمثلث حقيقة أنه مثلث ~~، وللبياض حقيقة أنه بياض ، وذلك هو الذي ربما سميناه الوجود الخاص ، ولم ~~يرد به معنى الوجود الإثباتي ، فإن لفظ الوجود يدل به PageV01P249 # أيضا على معان كثيرة ، منها الحقيقة التي يشيء عليها الشيء ، فكأنه ما ~~عليه يكون الوجود الخاص للشيء. # ثم قال : إنه من البين أن لكل شيء حقيقة خاصة ، هي ms183 ماهيته ، ومعلوم أن ~~حقيقة كل شيء الخاصة به غير الوجود الذي يرادف الإثبات ، وذلك لأنك إذا قلت ~~حقيقة كذا موجودة ، إما في الأعيان أو في النفس أو مطلقا ، يعمها جميعا ، ~~كان لهذا معنى محصل مفهوم ، ولو قلت إن حقيقة كذا ، أو أن حقيقة كذا حقيقة ~~، لكان حشوا من الكلام غير مفيد ، ولو قلت إن حقيقة كذا شيء ، لكان أيضا ~~قولا غير مفيد ما يجهل ، وأقل إفادة منه ، أن يقال : إن الحقيقة شيء ، إلا ~~أن يعنى بالشيء الموجود ، كأنك قلت إن حقيقة كذا حقيقة موجودة. # وأما إذا قلت حقيقة «ألف» شيء ، وحقيقة «ب» شيء آخر ، فإنما يصح هذا ~~وأفاد ، لأنك تضمر في نفسك أنه شيء آخر مخصوص ، ومخالف لذلك الشيء الآخر ، ~~كما قلت : إن حقيقة «ألف» حقيقة ، وحقيقة «ب» حقيقة اخرى ، ولو لا هذا ~~الإضمار ، وهذا الاقتران جميعا لم يفد. # فالشيء يراد به هذا المعنى ولا يفارق لزوم معنى الوجود إياه البتة بل ~~معنى الموجود يلزمه دائما ، لأنه يكون إما موجودا في الأعيان ، أو موجودا ~~في الوهم والعقل ، فإن لم يكن كذا لم يكن شيئا. # وان ما يقال إن الشيء هو الذي يخبر عنه ، حق ، ثم الذي يقال مع هذا إن ~~الشيء قد يكون معدوما على الإطلاق ، أمر يجب أن ينظر فيه. فإن عنى بالمعدوم ~~المعدوم في الأعيان ، جائز أن يكون كذلك ، فيجوز أن يكون الشيء ثابتا في ~~الذهن معدوما في الأشياء (1) الخارجة ، وإن عنى غير ذلك كان باطلا ، ولم ~~يكن عنه خبر البتة ، ولا كان معلوما إلا على أنه متصور في النفس فقط ، فأما ~~أن يكون متصورا في النفس صورة تشير إلى شيء خارج ، فكلا ، أما الخبر فلأن ~~الخبر يكون دائما عن شيء متحقق في الذهن ، والمعدوم المطلق لا يخبر عنه بأن ~~يجاب. واذا اخبر عنه بالسلب أيضا فقد جعل له وجود بوجه ما في الذهن ، لأن ~~قولنا هو يتضمن إشارة ، والإشارة إلى المعدوم الذي لا صورة له بوجه من ~~الوجوه في الذهن محال. فكيف يوجب على المعدوم شيء. PageV01P250 # ومعنى ms184 قولنا إن المعدوم كذا ، معناه أن وصف كذا حاصل للمعدوم ، ولا فرق ~~بين الحاصل والموجود ، فيكون كأنا قلنا : إن هذا الوصف موجود للمعدوم ، بل ~~نقول : إنه لا يخلو ما يوصف به المعدوم ويحمل عليه إما أن يكون موجودا ~~وحاصلا للمعدوم أولا يكون موجودا وحاصلا له ، فإن كان موجودا حاصلا للمعدوم ~~، فلا يخلو إما أن يكون هو في نفسه موجودا أو معدوما ، فإن كان موجودا ~~فيكون للمعدوم صفة موجودة ، وإذا كانت الصفة موجودة فالموصوف بها موجود لا ~~محالة ، فالمعدوم موجود ، وهذا محال وإن كانت الصفة معدومة ، فكيف يكون ~~المعدوم في نفسه موجودا لشيء ، فإن ما لا يكون موجودا في نفسه يستحيل أن ~~يكون موجودا للشيء. نعم قد يكون الشيء موجودا في نفسه ولا يكون موجودا لشيء ~~آخر. فأما إن لم تكن الصفة موجودة للمعدوم ، فهو نفي الصفة عن المعدوم ، ~~فإنه إن لم يكن هو النفي للصفة عن المعدوم ، فإذا نفينا الصفة عن المعدوم ، ~~كان مقابل هذا ، فكان وجود الصفة له وهذا كله باطل. وإنما نقول : إن لنا ~~علما بالمعدوم ، فلأن المعنى إذا تحصل في النفس فقط ، ولم يشر فيه إلى خارج ~~، كان المعلوم نفس ما في النفس فقط ، والتصديق الواقع بين المتصور من جزئيه ~~، هو أنه جائز في طباع هذا المعلوم وقوع نسبة له معقولة إلى خارج ، وفي هذا ~~الوقت فلا نسبة له ، فلا معلوم غيره ، وعند القوم الذين يرون هذا الرأي ، ~~أن في جملة ما يخبر عنه ويعلم أمورا لا شيئية لها في العدم ، ومن شاء أن ~~يقف على ذلك فليرجع إلى ما هذوا به من أقاويلهم التي لا يستحق فضل الاشتغال ~~بها ، وإنما وقع أولئك فيما وقعوا فيه بسبب جهلهم بأن الإخبار إنما يكون عن ~~معان لها وجود في النفس ، وإن كانت معدومة في الأعيان ، ويكون معنى الإخبار ~~عنها ، أن لها نسبة ما إلى الأعيان ، مثلا إذا قلت : «إن القيامة تكون» ~~فهمت «القيامة» ، وفهمت «تكون» وحملت «تكون» التي في النفس على «القيامة» ~~التي في النفس ، بأن هذا المعنى إنما ms185 يصح في معنى آخر معقول أيضا ، وهو ~~معقول في وقت مستقبل أن يوصف بمعنى ثالث معقول ، وهو معقول الوجود ، وعلى ~~هذا القياس الأمر في الماضي. فبين أن المخبر عنه لا بد من أن يكون موجودا ~~وجودا ما في النفس والإخبار بالحقيقة هو عن الموجود في النفس ، وبالعرض عن ~~الموجود في الخارج. وقد فهمت الآن أن الشيء بما ذا يخالف المفهوم للموجود ~~والحاصل ، وأنهما مع ذلك متلازمان. وعلى أنه قد بلغني أن قوما يقولون : PageV01P251 # إن الحاصل يكون حاصلا وليس بموجود ، وقد يكون صفة الشيء وليس شيئا لا ~~موجودا ولا معدوما ، وأن «الذي» و «ما» يدل على غير ما يدل عليه الشيء ، ~~فهؤلاء ليسوا من جملة المخيرين. # ثم إنه قد حقق تعسر تعريف الواجب والممكن والممتنع بالتعريف الحقيقي ، بل ~~إنما يمكن ذلك بوجه العلامة وأن جميع ما قيل فيه قد يكاد يقتضي دورا وبين ذلك. # ثم قال : ومن تفهيمنا هذه الأشياء يتضح لك بطلان قول من يقول : إن ~~المعدوم يعاد ، لأنه أول شيء يخبر عنه وذلك لأن المعدوم إذا اعيد يجب أن ~~يكون بينه وبين ما هو مثله لو وجد بدله ، فرق ، فإن كان مثله إنما ليس هو ~~لأنه ليس الذي كان وعدم ، وفي حال العدم كان هذا غير ذلك ، فقد صار المعدوم ~~موجودا على النحو الذي أومأنا إليه فيما سلف آنفا ، وعلى أن المعدوم إذا ~~اعيد احتيج إلى أن يعاد جميع الخواص التي بها كان هو ما هو ومن خواصه وقته ~~فإذا اعيد وقته كان المعدوم غير معاد ، لأن المعاد هو الذي يوجد في وقت ثان ~~، فإن كان المعدوم يجوز إعادته وإعادة جملة المعدومات التي كانت معه ، ~~والوقت إما شيء له حقيقة وجود وقد عدم ، أو موافقة موجود لعرض من الأعراض ~~على ما عرفت من مذهبهم ، جاز أن يعود الوقت والأحوال فلا يكون وقت ووقت فلا ~~يكون عود. # على أن العقل يدفع هذا دفعا لا يحتاج فيه إلى بيان وكل ما يقال فيه فهو ~~خروج عن طريق التعليم. انتهى كلامه. # ونقل ms186 المحقق الدواني عن الشيخ في التعليقات : «انه قال في بيان هذا ~~المطلب إذا وجد الشيء وقتا ما ثم لم يعدم واستمر وجوده في وقت آخر وعلم ذلك ~~أو شوهد علم أن الموجود واحد ، وأما إذا عدم فليكن الموجود السابق «ألف» ~~وليكن المعاد الذي حدث «ب» وليكن المحدث الجديد «ج» وليكن «ب» ك «ج» في ~~الحدوث والموضوع والزمان وغير ذلك ، ولا يخالفه إلا بالعدد فلا يتميز «ب» ~~عن «ج» في استحقاق أن يكون «ألف» منسوبا إليه دون «ج» فإن نسبة «ألف» إلى ~~أمرين متشابهين من كل وجه إلا في النسبة التي ننظر هل يمكن أن يختلفا فيه ~~أو لا يمكن ، لكنهما إذن لم يختلفا فليس أن يجعل لأحدهما أولى من أن يجعل للآخر. # فإن قيل : إنما هو أولى ل «ب» دون «ج» لأنه كان ل «ب» دون «ج» فهو نفس هذه PageV01P252 # النسبة وأخذ المطلوب في بيان نفسه ، بل يقول الخصم إنما كان ل «ج». # بلى إذا صح مذهب من يقول إن الشيء يوجد فيفقد من حيث هو موجود ويبقى من ~~حيث ذاته بعينه ذاتا لم يفقد من حيث هو ذات. ثم اعيد إليه الوجود أمكن أن ~~يقال بالإعادة إلى أن يبطل من وجوه اخرى ، وإذا لم يسلم ذلك ولم يجعل ~~للمعدوم في حال العدم ذات ثابتة ، لم يكن أحد الحادثين مستحقا لأن يكون قد ~~كان له «ألف» وهو الموجود السابق دون الحادث الآخر ، بل إما أن يكون كل ~~واحد منهما معادا أولا يكون ولا واحد منهما معادا وإذا كان المحمولان ~~الاثنان ، يوجبان كون الموضوع لهما مع كل واحد منهما غير نفسه مع الآخر ، ~~فإن استمر موجودا واحدا وذاتا ثابتة واحدة كان باعتبار الموضوع الواحد ~~القائم موجودا وذاتا شيئا واحدا وبحسب اعتبار المحمولين شيئين اثنين فإذا ~~فقد استمراره في نفسه ذاتا واحدة ، بقي له الاثنينية الصرفة لا غير. انتهى ~~كلامه.» (1) # وقال المحقق الطوسي رحمه الله في التجريد : «والمعدوم لا يعاد لامتناع ~~الإشارة إليه ، فلا يصح الحكم عليه بصحة العود ، ولو اعيد لتخلل ms187 العدم بين ~~الشيء ونفسه ، ولم يبق فرق بينه وبين المبتدأ ، وصدق المتقابلان عليه دفعة ~~ويلزم التسلسل في الزمان ، والحكم بامتناع العود لأمر لازم للماهية. انتهى. (2)» # وقال الفاضل الأحساوي رحمه الله في المجلي : «قال : النوع الثاني في تحقيق ~~المذهب في جواز إعادة المعدوم. فنقول : ذهب طائفة كثيرة من المتكلمين ~~كالأشعري ومن تبعه إلى جواز إعادة المعدوم محتجين بأنه لو استحال عوده للزم ~~انقلابه من الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي وهو باطل ، إذ لا شك في أنه ~~ممكن الوجود حالتي الوجود والعدم ، فلا يصح اتصافه بالامتناع الذاتي ~~للتنافي بين حقيقتي الإمكان والامتناع الذاتيين. # وتحرير محل النزاع أن مراد المانعين بعود المعدوم إن كان الامتناع الغيري ~~، فينبغي أن يرتفع النزاع ، لأن دعوى القائلين بالجواز تحقق الإمكان الذاتي ~~، وإن كان الامتناع الذاتي فهو الظاهر من عباراتهم ، لأن إطلاق الامتناع ~~وإطلاق الوجوب مشعر بالذات إذ المطلق ينصرف إلى الكامل ، ولأن المحال لازم ~~على تقدير العود ، وما هو ممكن لذاته لا يستلزم المحال. PageV01P253 # فإذا قيل : كيف يقال للذي وجد في وقت ما ممتنع ذاتا ، قالوا إن وجوده ~~الثاني ممتنع ، فأجازوا الأول وأحالوا الثاني. # واعترضوا على حجة القائلين بجوازه بأن قبول الوجود ثانيا أخص من مطلق ~~الوجود ، وقابلية الأعم لا توجب قابلية الأخص كما أن الإنسان قابل ~~للحيوانية وليس بقابل للفرسية ، فجاز أن يكون قابلا لمطلق الوجود دون ~~الوجود الثاني. # وأقول : وبيان ذلك ، أن الوجود الثاني مقيد بكونه بعد الوجود الأول ~~متخللا بينهما عدم ، والممتنع هو هذا المقيد ، والوجود الأول خال عن هذا ~~القيد ، لأنه وجود أول بعد عدم أول ، فيكون مطلقا بالنسبة إلى هذا الوجود. # وتحقق الامتناع في المقيد لا يستلزم تحققه في المطلق ، لما بينهما من ~~المغايرة الذاتية ، فإمكان الأول لا يستلزم إمكان الثاني لما قلناه من ~~المغايرة ، فصح اتصاف أحدهما بالامتناع والآخر بالإمكان. # قال : اجيب بأنه إذا ثبت أنه قابل للوجود من حيث هو يلزم أن يكون قابلا ~~له في جميع الأوقات ، فحينئذ لو فرضناه أنه لم يكن موجودا أولا كانت هذه ~~القابلية ثابتة ms188 دائما ، فوجوده الأول إن أفاده زيادة استعداد لقبول وجوده ~~الثاني ، أو لم يفده ، فإن أفاده فقد صار العود أهون ، وإن لم يفده فلا ~~ينقص عما هو عليه في الذات من قابلية الوجود في جميع الأوقات لامتناع ~~الانقلاب. # أقول : لقائل أن يقول إن قبوله الوجود الأول ما زاده استعداد القبول ~~الثاني ، بل كان مانعا من قبول الوجود الثاني ، لأن قبول المطلق يكون هو ~~المانع من قبول المقيد الذي لا يصح اجتماعه معه بناء على امتناع اجتماع ~~المثلين. # قال : بل الحق أن حصول الوجود الأول يفيده زيادة استعداد لاكتسابه معنى ~~يفيد زيادة استعداد لقبول الوجود ثانيا لأن القبول إذا حصل للقابل مرة يصير ~~القابل أقبل له واتصافه به أسهل ، فإذا اتصف ثالثا صار أشد قبول ، حتى يصير ~~ملكة وهذا ضروري. # أقول : لمانع أن يمنع الضرورة هنا ، فإن القابل لا يزداد في الاستعداد ~~بتكرر القبول إلا إذا كانت الهوية القابلة متحققة الثبوت بعد عدم المقبول ~~الأول ، أما إذا انتفت الهوية بانتفاء المقبول فلا يتحقق زيادة الاستعداد ، ~~بل ولا يبقى هناك استعداد أصلا خصوصا إذا قيل : إن PageV01P254 # الاستعداد أمر وجودي يفتقر إلى محل يقوم به فمع انتقاء الهوية لا يبقى ~~شيء أصلا فلا استعداد البتة ، خصوصا على مذهب الأشعري القائل بأن الموجود ~~نفس الماهية ، فإن بانتفائه ينتفي الماهية بالكلية ، لأنه نفسها فلا يبقى ~~للاستعداد محل إذ لا مستعد. # نعم هذا الكلام لو صح فإنما يتم على رأي المعتزلي القائل بمغايرة الوجود ~~للماهية خارجا فإن محل الاستعداد حينئذ يكون باقيا عند زوال الوجود الأول ، ~~لكون الماهية شيئا في العدم مع أن لقائل أن يقول إن قبولها للثاني منع من ~~قبولها للأول ، والمانع للشيء لا يكون معدا له ، فتدبر. # قال : ولعل المراد من قوله تعالى : ( @QUR@03 وهو أهون عليه ) هذا القدر ~~، ولله المثل الأعلى فإن خلق السموات والأرض ابتداء أعلى وأقوى من الحشر ، ~~فهو مثال له ودليل عليه لمن تدبر. # ولهذا قال علي عليه السلام : «عجبت لمن أنكر النشأة الآخرة وهو يرى النشأة ~~الاولى» والآية الكريمة دالة ms189 على ذلك في قوله تعالى : ( @QUR@06 قل يحييها ~~الذي أنشأها أول مرة )، (1) # ومن ذهب إلى امتناع العود ، احتج عليه بوجوه : # الأول : أنا المعدوم لا يبقى له هوية ليصح الحكم عليه بالعود ، والصغرى ~~بديهية ، وأما الكبرى ، فلأن الحكم إنما يكون على الهوية وحيث لا هوية لا حكم. # الثاني أنه لو اعيد لوجب أن يعاد جميع الخواص التي هو بها ، وإلا لما كان ~~المعاد هو ، بل غيره ، لأن الشخص إنما يكون هو بخواصه ، ومن خواصه وقته ~~الذي وجد فيه ، وإذا اعيد مع وقته فقد اعيد هو في وقته ، فيكون مبتدأ من ~~حيث إنه معاد فلا يكون معادا ، فإن المعاد هو الذي وجد في وقت ثان ، وقد ~~وجد في وقته الأول ، فكيف يكون معادا. # الثالث : أنه لو أمكن عوده لأمكن عود مثله معه ، لأن حكم الأمثال واحد ، ~~وذلك محال ، فإنه لو اعيد مع مثله لما امتاز أحدهما عن الآخر لتساويهما مع ~~جميع الوجوه ، وإلا لما كانا مثلين ، فلا امتياز بين اثنين ؛ هذا خلف. # واعترض على الأول : بأن قولكم «لا يصح الحكم عليه» حكم عليه ، وهو تناقض ~~، ومتى صح الحكم عليه لا يصح الحكم عليه بامتناع العود ، لأن الامتناع إن ~~كان لما هو هو ، PageV01P255 # كان وجوده محالا مطلقا فلا يصح عليه الدخول في الوجود ؛ هذا خلف ، وإن ~~كان لغيره كان هو من حيث هو قابلا للعود وهو المطلوب. # أقول : قوله : «قولكم لا يصح الحكم عليه حكم عليه» فيه نظر ، لأنه عند ~~التحقيق مغالطة ظاهرة ، لأن قولنا لا يصح الحكم عليه ، ليس هو من الإيجاب ~~المعدول حتى يتحقق احتياجه إلى الموضوع المحصل ، بل هو من السلب البسيط ~~الذي لا يفتقر إلى ثبوت موضوع ، لأن الشيء إذا عدم وانتفت هويته صح سلب كل ~~شيء عنه بخلاف الحكم عليه بالعود ، فإنه حكم إيجابي محصل يحتاج فيه إلى ~~موضوع محصل ثبت له المحمول في ذاته وبينهما فرق كما حقق في المنطق وحينئذ ~~نقول : قولكم : «المعدوم يعاد» ، موجبة محصلة يحتاج في ثبوت محمولها ~~لموضوعها إلى ثبوت الموضوع وتحققه في ذاته ms190 والمعدوم لا هوية له حتى يصح ~~ثبوت حكم العود له بخلاف قولنا : المعدوم لا يعاد ، فإنه سالبة بسيطة فلا ~~يحتاج في جواز الحمل هنا إلى ثبوت الموضوع وتحققه في نفسه حتى يصح سلب ~~العود عنه ، بل يصح ذلك السلب عنه لكون هويته غير متحققة فلا يتحقق شيء من ~~صفاتها ، فإن الماهية إذا انتفت صح سلب جميع لوازمها على سبيل المناسبة ، ~~وذلك مما بين عند أهله. # قال : وفيه نظر ، لأن الحكم بامتناع العود لا يستلزم الحكم عليه بامتناع ~~الوجود الأول ، لأن امتناع الوجود لا يستلزم امتناع الوجود الأول ، لعدم ~~التلازم. # والتحقيق أن الحكم بالإعادة ليس على المعدوم المطلق ليمتنع ، وانما هو ~~حكم على المعدوم الذهني بأنه يعاد في الخارج كما كان قبل وجوده الأول فإنه ~~إن صدق عليه أنه يصح الحكم عليه بالوجود فكذا يصح هنا. والعجب عن غفلتهم عن ~~هذا المعنى مع ظهوره. # وعلى الثاني : بعدم تسليم كون الوقت من الخواص التي يكون الشخص بها هو ، ~~فإن الزمان لا دخل له في التشخص. # وفيه نظر ، إذ لمانع أن يمنع من ذلك ، فإن الوقت من جملة المشخصات ، بل ~~الأحسن أن يقال لا نسلم أن المعاد الذي وجد في وقت ثان ، بل الذي وجد ثانيا ~~سواء وجد في وقت آخر أو في وقته الأول ، بل نقول إنه يجوز أن يكون هو ووقته ~~معادين. PageV01P256 # وعلى الثالث : أن المثل هو المساوي في الماهية ، ولا يجب المساواة في ~~جميع الصفات ، فلا يلزم أنه لو اعيد مثله لما بقي الامتياز ، فإن الامتياز ~~متحقق بين زيد وعمرو مع تحقق المماثلة بينهما ، والتماثل من جميع الوجوه ممتنع. # قال : قال بعض من منع أن هذه الوجوه تنبيهية لا استدلالية فلا يرد عليها ~~ما ذكروه ، فإن الحكم بامتناع إعادة المعدوم من الأحكام الضرورية ، فإن من ~~عدمت هويته بالكلية لا يصح اتصافه بشيء من الصفات الضرورية ، والعود صفة ~~ضرورية ثبوتية لا حقة له ، فلا يصح ثبوتها لمن لا هوية له قطعا. # واعترض عليه بأن تجويز نقيضه يمنع من كونه ضروريا ، فإن ms191 الشيء مع جواز ~~النقيض لا يصح أن يكون ضروريا. # وحقق آخرون هذه الدعوى ، فقالوا : إن المعدوم لا يعاد مع جميع عوارضه ، ~~فلعل أحدا لا يخالفه ، فإن بعض من جوز إعادته ذهب إلى أن بعض العوارض لا ~~مدخل له في هوية الشخص ، كالقدر المعين والوقت المعين والوضع المعين وأمثال ~~هذه ، وقد صرحوا بأن الشخص بعد البعث يكون على وصف آخر ، فيرتفع النزاع من ~~البين ، وصح دعواهم تجويز العود مع بعض العوارض ، ودعوى منعه ، لأن المراد ~~بجميع العوارض. # أقول : هذا صلح بين الفريقين ، ودفع للتنازع الواقع بين القوم في منع ~~إعادة المعدوم وجوازه ، فإن القائل بمنعه إنما منعه على تقدير أخذ جميع ~~العوارض والمشخصات معه ، ومعلوم أن إعادته على هذا النوع من الإعادة ممتنع ~~، والقائل بجوازه إنما جوزه على تقدير أخذه من حيث الهوية الذاتية ، وان ~~اختلفت العوارض ، فيرتفع النزاع من البين ، وهو ظاهر. فإن من منع إعادة ~~المعدوم مطلقا يكون مخالفا لمقتضى البديهة ، وكذلك من جوزه بجميع أحواله ~~وعوارضه ، إذ العقل الصريح يمنعه ، لاستحالة إعادة الأعراض والصفات ~~والعوارض اللاحقة الاعتبارية ، بل والصفات الحقيقية. فالنزاع بين الفريقين ~~حينئذ لا طائل تحته ، لأنه نزاع لا محصول له. انتهى كلامه. (1) PageV01P257 ### | في تحرير ما ذكره الشيخ في الشفاء أولا في هذا المطلب # وأقول وبالله التوفيق : إن تحرير ما ذكره الشيخ في الشفاء بحيث يتضح منه ~~المدعى أن يقال : من المستبين عند العقل السليم أن الشيء والموجود والمحصل ~~والمثبت وأمثال ذلك أسماء مترادفة على معنى واحد ، وكلها بديهية التصور ، ~~غنية عن التحديد والتعريف ، وأن معنى الموجود لا يفارق الشيء ، بل يلزمه ~~دائما ، لأن الشيء يكون إما موجودا في الأعيان أو موجودا في الأذهان ، فإنه ~~إن لم يكن كذا ، لم يكن شيئا ، وأن الشيء هو الذي يمكن أن يخبر عنه ، وأنه ~~لا يكون معدوما مطلقا. نعم قد يكون معدوما في الأعيان وموجودا في الأذهان. ~~وأن الخبر دائما كما هو مذهب الشيخ والمنقول عن الفارابي يكون بالحقيقة ، ~~سواء كان إيجابيا أو سلبيا ، عن شيء متحقق في الذهن وعن ms192 الموجود في الخارج ~~بالعرض ، يعني أن الإخبار مطلقا يكون دائما بالذات عن الموجود في النفس ، ~~من حيث ماهيته الموجودة في ضمن الوجود الذهني ، لا من حيث تقيده بوجوده ~~الذهني خاصة ، حتى يرد أنه من هذه الحيثية علم ، لا معلوم ، سواء كان ~~الموجود في النفس من تلك الحيثية المذكورة مشارا به إلى خارج ، حيث كان ~~هناك خارج وواقع مع قطع النظر عن الوجود في الذهن ، وكان حينئذ الإخبار عن ~~الموجود في الخارج بالعرض ، سواء قلنا بأن الموجود في النفس نفس ماهية ~~الشيء الخارجي معرى عن الوجود الخارجي ، كما هو مذهب القائلين بوجود ~~الأشياء في أنفسها في الذهن ومنهم الشيخ في مبحث العلم من الشفاء ، أو قلنا ~~بأن الموجود فيها هو شبحه ومثاله ، كما هو مذهب القائلين بوجودها بأشباحها ~~وصورها في الذهن ، أو لم يكن مشارا به إلى خارج حيث لم يكن هناك خارج وواقع ~~، بل كان وجوده في الذهن بمحض الفرض واختراع النفس. PageV01P258 # وإنما قلنا إن المعلوم بالذات والمخبر عنه بالحقيقة ، هو ما في الذهن من ~~تلك الحيثية المذكورة ، وأن الأمر الخارجي معلوم ومخبر عنه بالعرض ، حيث ~~كان هناك أمر خارجي ، لأن النفس لا تدرك إلا ما حصل فيها أولا وبالذات ، ~~وما ذلك إلا ما في الذهن دون الأمر الخارجي. # وأيضا لو كان المخبر عنه بالذات ، هو الأمر الخارجي لكان يجب في كل خبر ~~أن يكون هناك أمر خارجي هو المخبر عنه ، وليس كذلك ، إذ قد لا يكون ما في ~~الذهن مشارا به إلى خارج كما قد عرفت ، ومع هذا يكون الإدراك والإخبار ~~بحاله على نحو الإدراك والإخبار عن الأمر الخارجي. # ومن هذه الجملة قد انكشف أن الحكم والإخبار سواء كان إيجابيا أو سلبيا ~~يستدعي وجود المخبر عنه والمحكوم عليه في الذهن. كيف وقولنا في الحكم ~~السلبي : «هو ليس كذا» يتضمن إشارة ، والإشارة إلى المعدوم المطلق لا معنى ~~له بوجه من الوجوه ، إلا أن بين الحكم الإيجابي والحكم السلبي فرقا من وجه ~~آخر ، وهو أن الحكم الإيجابي حيث كان الغرض منه ms193 الإيجاب المحض ، وإن عبر ~~عنه بالحكم السلبي ، وكان المحمول أمرا ثبوتيا واقعيا ثابتا للموضوع في ~~الواقع لا سلبيا وإن عبر عنها بالأمر السلبي يستدعي وجود المخبر عنه ~~والموصوف في ظرف الثبوت والاتصاف وجودا واقعيا مع قطع النظر عن ذلك الفرض ~~في الذهن ، وجودا يترتب عليه الآثار الواقعية المطلوبة منه. وهذا الوجود ~~الواقعي قد يكون وجودا خارجيا حيث كان الخارج ظرفا لثبوت المحمول أو مبدأه ~~في نفسه في الخارج ، سواء كان ذاتيا للموضوع كقولنا : زيد إنسان ، أو عرضيا ~~له في قولنا : الجسم أبيض ، أو أمرا عدميا باعتبار وله ثبوت في الخارج ~~باعتبار آخر ، كما في قولنا : زيد أعمى ، فان العمى أي عدم البصر وإن كان ~~أمرا عدميا باعتبار ، لكنه حيث كان عدم ملكة من محل قابل ، ولم يكن هو محض ~~العدم ، بل كان لذلك الشكل وتلك الهيئة الحاصلان في البدن مدخل في انتزاعه ~~، كان له نحو ثبوت في الخارج بوجود موضوعه فيه ، ولذلك كان ثبوته له منشأ ~~لثبوته في الخارج ، أو كان المحمول أمرا انتزاعيا منتزعا من موجود خارجي ، ~~أي ينتزعه العقل من الموجود الخارجي من حيث وجوده الخارجي كما في قولنا : ~~السماء فوقنا. وقد يكون وجودا واقعيا في نفس الأمر أعم من الوجود الخارجي ~~والذهني الواقعى PageV01P259 # مع قطع النظر عن الفرض الذهني ، حيث كان المحمول أو مبدؤه منتزعا من كلا ~~الوجودين كما في قولنا : الأربعة زوج ، وقد يكون وجودا ذهنيا واقعيا مع قطع ~~النظر عن الفرض الذهني كما في قولنا : الإنسان نوع والحيوان جنس ، فإن ~~النوعية والجنسية إنما تنتزعان من الطبيعة الكلية للإنسان والحيوان من حيث ~~وجودهما في النفس ، لكن لا بمحض وجودهما الذهني الفرضي الاختراعي ، بل ~~بوجودهما في النفس وجودا واقعيا يترتب عليه الآثار الواقعية المطلوبة منه ~~ولو قطع النظر عن فرض الذهن وجودهما فيه. # وعلى التقادير فوجود الموضوع في الواقع ، أي مشارا به إلى واقع كما فصلنا ~~في الخبر الإيجابي مما لا خفاء فيه ، أعم من أن يكون ثبوت المحمول له حين ~~الحكم كما في الأمثلة المذكورة أو ms194 بعده كما في قولنا : القيامة تكون ، ~~والمعدوم الممكن يجوز أن يوجد ومن سيوجد يجوز أن يتعلم ، وأمثال ذلك ، أو ~~قبله كما في قولنا : وقائع الامم الماضية قد كانت. # ومن هذه الجملة يظهر أن الحكم الإيجابي الذي الغرض فيه الإيجاب كما يقتضي ~~وجود الموضوع في الواقع كما فصلناه كذلك يقتضي وجود المحمول أيضا فيه ، حتى ~~العدميات ، إلا أن وجود الذاتيات بالذات والعرضيات بالعرض. # وما ذكرنا كله ظاهر في الصوادق من الأحكام الإيجابية ، وأما في الكواذب ~~منها كالاختراعيات المحضة منها فلا يقتضي وجود الموضوع في الواقع ، ولا ~~وجود المحمول فيه ، بل إنما يكون وجودها بمحض الفرض كما في قولنا : للأغوال ~~أنياب ، والعنقاء طائر طويل العنق يسكن الجبال ، وأمثال ذلك. # وهذا كله بخلاف الحكم السلبي مطلقا سواء كان صادقا أو كاذبا حيث كان ~~المقصود فيه السلب ، فإنه لا يقتضي سوى وجود الموضوع في الذهن ، أي من جهة ~~فرض الذهن له واختراعه إياه ، وأما الوجود الواقعي فلا ، بل قد يكون وقد لا يكون. # فظهر من ذلك معنى قول القوم : إن الإيجاب يقتضي وجود الموضوع بخلاف السلب. # وظهر أيضا أن المعدوم المطلق لا يخبر عنه مطلقا ، لا خبرا إيجابيا ولا ~~خبرا سلبيا ، أما الإيجاب فلكونه يقتضي وجود الموضوع في الذهن وفي الواقع ~~جميعا ، والمفروض كونه معدوما مطلقا غير موجود في شيء من الذهن والواقع ~~أصلا ؛ هذا خلف ، وأما السلب ، فلكونه أيضا يقتضي وجوده في الذهن ، وإن كان ~~بمحض الفرض ، والمفروض خلافه ، PageV01P260 # لكونه معدوما مطلقا بالفرض ، إلا أن هذه القضية التي حكمنا فيها بأن ~~المعدوم المطلق لا يخبر عنه ، سواء عبرنا عن الحكم بالحكم الإيجابي أو ~~الحكم السلبي ، وعبرنا عن المحمول فيها بالأمر السلبي كما ذكرنا أو نحو ذلك ~~، من نحو قولنا : المعدوم المطلق ليس يجوز ، أو ليس يصح الإخبار عنه ، أو ~~الحكم عليه ، أو بالأمر الإيجابي أو بالأمر العدولي كما في قولنا : المعدوم ~~المطلق غير مخبر عنه ، أو مما لا يخبر عنه ، أو مما يمتنع الإخبار عنه ، أو ~~نحو ذلك ، قد قصدنا فيه سلب الإخبار ms195 عنه ، إذ هو الغرض ، لا إثبات امتناع ~~الإخبار ، أو عدم الإخبار ، وإن عبرنا به ، وحيث كان المقصود ذلك فلا يقتضي ~~هذا السلب وجود الموضوع في الواقع ، بل إنما يقتضي وجوده في الذهن فقط ، ~~كما هو مقتضى الحكم السلبي ، وحيث فرضناه معدوما مطلقا ، فالموجود في الذهن ~~منه سواء قلنا بوجود الأشياء بأعيانها في الذهن ، أو بأشباحها وأمثالها ~~وصورها فيه ، ليس هو ماهية المعدوم المطلق ، إذ لا ماهية ولا وجود واقعيا ~~له ، وكذا ليس هو صورة وشبحا ومثالا له يطابقه من بعض الوجوه وإن كان ~~يخالفه من بعض الوجوه الاخر ، كما في الصورة الذهنية للأشياء الواقعية ، ~~حيث لا واقعية للمعدوم المطلق أصلا ، بل إنما هو الصورة التي اخترعها النفس ~~وفرضتها المعدوم المطلق لكنه ليس ماهيته ولا شبحه بوجه من الوجوه. # وحيث كان الأمر كذلك فلا تناقض في هذه القضية من جهة أنا حكمنا بكون ~~المعدوم المطلق مما لا يصح الإخبار عنه أصلا لا إيجابيا ولا سلبيا. ومع هذا ~~قد حكمنا بالإخبار السلبي عنه لأن الحكم الأول إنما هو على حقيقة المعدوم ~~المطلق وماهيته أو شبحه ، والحكم الثاني على أمر آخر سوى ذلك فرضناه معدوما ~~مطلقا واخترعناه في الذهن ، فالموضوع في الحكمين مختلف ، وحيث كان مختلفا ~~فلا تناقض ، إذ من شروطه وحدة الموضوع. PageV01P261 ### | في الإشارة إلى الجواب عن شبهة المعدوم المطلق # وبهذا يظهر الجواب عن الشبهة المشهورة بين القوم ، على قولهم : المعدوم ~~المطلق أو المجهول المطلق لا يخبر عنه. فتدبر فيه. فإنه الجواب الحق عن ذلك ~~ولا تصغ إلى غيره مما ذكره فيه أقوام ، فإنه لا يفيد إلا زيادة الإلباس ~~والإبهام. # وكذلك ظهر مما ذكرنا أن المعدوم الواقعي أيضا وإن كان له وجود في الذهن ~~بمحض الفرض ، مما لا يخبر عنه خبرا إيجابيا أصلا كالمعدوم المطلق ، لأن ~~معنى قولنا : «إن المعدوم كذا» كما حققه الشيخ ، أن وصف كذا حاصل للمعدوم ، ~~وإذ لا فرق بين الحاصل والموجود ، فيكون كأنا قلنا إن هذا الوصف موجود ~~وجودا واقعيا للمعدوم ، وإذا كان للوصف وجود واقعي وثبوت في ms196 نفس الأمر ~~للمعدوم ، فيجب أن يكون للمعدوم أيضا وجود وثبوت كذلك ؛ والمفروض خلافه ، ~~إذ المفروض أنه إما معدوم مطلقا أو معدوم في الواقع ، وإن كان له وجود فرضي ~~اختراعي. بل نقول كما حققه أيضا أنه لا يخلو إما أن يكون ما يوصف به ~~المعدوم ويحمل عليه موجودا وحاصلا للمعدوم ، أو لا يكون موجودا وحاصلا له. # فإن كان موجودا وحاصلا للمعدوم ، فلا يخلو إما أن يكون في نفسه موجودا في ~~الواقع أو معدوما فيه ، فإن كان موجودا في الواقع فيكون للمعدوم مطلقا أو ~~في الواقع ، صفة موجودة وجودا واقعيا ، وإذا كانت الصفة موجودة وجودا ~~واقعيا فالموصوف بها أيضا موجود كذلك ، لحكم العقل بأن الصفة الموجودة في ~~الواقع ، لا يمكن ثبوتها للمعدوم مطلقا أو للمعدوم في الواقع ، وإذا كان ~~الموصوف موجودا فيلزم أن يكون المعدوم مطلقا أو في الواقع موجودا في الواقع ~~، وهذا محال. PageV01P262 # وإن كانت الصفة المثبتة معدومة في نفسها مطلقا أو في الواقع ، فكيف يكون ~~المعدوم في نفسه موجودا لشيء ، فإن ما لا يكون موجودا في نفسه يستحيل أن ~~يكون موجودا للشيء ، إذ العقل السليم يحكم بأن الوصف الذي يكون موجودا لشيء ~~حتى العدميات الانتزاعية يجب أن يكون موجودا في الواقع نحو وجود ، حتى يمكن ~~أن يثبت لشيء ، وليس المراد بقولنا : إنه يجب أن يكون الوصف موجودا في نفسه ~~حتى يمكن أن يثبت للموصوف ، أنه يجب أن يكون موجودا في الخارج ، أو في ~~الواقع بوجود مباين لوجود الموصوف أولا حتى يمكن أن يثبت ثانيا للموصوف ~~ويتحد معه نوعا من الاتحاد لكي يرد أن ذلك لو صح فإنما يصح في بعض ~~المحمولات العرضية ، وفي بعض العوارض ، كما في قولنا : الجسم أبيض ، ولا ~~يعم الجميع ، إذ كثير من المحمولات إنما وجودها بوجود الموضوع ، إما بالذات ~~كما في الذاتيات أو بالعرض كما في العرضيات ، وليس لها وجود مباين لوجود ~~الموضوع أولا ، بل المراد أن الوصف المثبت يجب أن يكون له وجود وثبوت في ~~نفسه ، أي في الواقع وفي نفس الأمر ، مع قطع النظر ms197 عن الفرض الذهني ، حتى ~~يمكن أن يثبت للموصوف ، وإن كان له وجود بوجود الموضوع في ظرف الاتصاف مثل وجوده. # وبالجملة فهذا الحكم حكم. يحكم به العقل الصريح ، ولا يرد عليه النقض ~~بثبوت الوجود للموجود ، فإنه مندفع بما هو المحقق في محله ولا يسع المقام ~~ذكره ، وقد حققناه في رسالة أصل الاصول بما لا مزيد عليه ، فليرجع إليها. # نعم قد يكون الشيء موجودا في نفسه ولا يكون موجودا لشيء آخر ، # وأما إن لم تكن تلك الصفة موجودة للمعدوم ، فهو نفي الصفة عن المعدوم ، ~~ويكون حكما سلبيا لا إيجابيا. فإنه إن لم يكن نفيا للصفة عن المعدوم كان ~~مقابل هذا ، فكان وجود الصفة له ، إذ لا واسطة بين النفي والإثبات ، وقد ~~تبين أن وجود الصفة له باطل. نعم نفي الصفة عنه ممكن كما مر بيانه. # وقد استبان من ذلك أن الحكم الإيجابي كما يقتضي ثبوت الموضوع في الواقع ، ~~كذلك يقتضي ثبوت المحمول في الواقع وأن المعدوم المطلق كما لا يكون مخبرا ~~عنه مطلقا ، كذلك لا يكون مخبرا به مطلقا ، وأن المعدوم في الواقع ، وإن ~~كان موجودا في الذهن كما لا يكون مخبرا عنه خبرا إيجابيا ، كذلك لا يكون ~~مخبرا به خبرا إيجابيا ، وكل ذلك ظاهر PageV01P263 # بأدنى تأمل فيما تلوناه عليك. # وحيث ذكرنا أن المراد بالإيجاب وما هو الغرض الأصلي منه الإيجاب في ~~الواقع ، وإن عبر عنه بالسلب ، كذلك المراد بالسلب وما هو الغرض الأصلي منه ~~السلب في الواقع ، وإن عبر عنه بالإيجاب المحض أو بالعدول ، ظهر منه ، # أن قولنا : المعدوم المطلق لا يخبر عنه ، خبر سلبي كما عرفت. وكذلك قولنا ~~: اجتماع النقيضين محال ، وشريك البارئ ممتنع. إلى غير ذلك من الأخبار ~~الكذائية كلها أخبار سلبية ، إذ الغرض الأصلي فيها سلب الوجود والشيئية ~~ونفي الجواز والإمكان ، وإن عبرت بالمحمولات الإيجابية صورة أو بالعدولية ، ~~فكلها لا يقتضي سوى وجود الموضوع في الذهن ، وجودا فرضيا اختراعيا. # وأن قولنا : المعدوم يعاد أو يمكن أن يعاد أو يصح أن يعاد ، أو نحوه ، ~~خبر إيجابي ، إذ المقصود الأصلي ms198 منه الإيجاب والإثبات ، وإن عبر فيه عن ~~المحمول بأمر سلبي ، كقولنا : المعدوم لا يمتنع عوده ، وأنه لو كان هذا ~~الخبر ونحوه صادقا ، اقتضى من جهة كونه إيجابا ثبوت الموضوع في الواقع ، ~~كثبوت المحمول فيه ، فتثبت ولا تتخبط ، والله أعلم بالصواب. # ثم إنك إذا أحطت خبرا بما تلونا عليك اتضح لك بطلان قول من يقول : إن ~~المعدوم يعاد ، أو يصح أن يعاد ، أو يمكن أن يعاد ونحو ذلك ، لأنه خبر ~~إيجابي ، بل أول شيء يخبر عنه أي أول خبر إيجابي اخبر فيه عن المعدوم. أما ~~أنه خبر إيجابي ، فظاهر ، لأنه لا سترة في أن المحمول فيه أمر ثبوتي ، ~~المقصود إثباته للمعدوم. وأما أنه أول خبر كذلك ، لأن الإخبار فيه ، إنما ~~هو بالإعادة. أي بثبوت الوجود الثانوي للمعدوم ، وكما أن الوجود نفسه أول ~~بالنسبة إلى سائر الصفات والأحوال المثبتة للشيء ، كذلك الإخبار به أول ~~بالنسبة إلى الإخبار بسائر الصفات والأحوال. وحينئذ نقول : إن المخبر عنه ~~في هذا الخبر الإيجابي إما ما هو معدوم مطلق ، فذلك باطل ، لأن المعدوم ~~المطلق كما مر بيانه لا يخبر عنه مطلقا حتى الخبر السلبي ، فكيف يمكن أن ~~يخبر عنه بالإيجاب كما فيما نحن فيه. وإما هو معدوم في الخارج أو الواقع ، ~~موجود في الذهن فيكون مفاد الخبر أن المعدوم في الخارج أو الواقع يعاد أو ~~يمكن أن يعاد في الواقع عودا واقعيا ، وحينئذ نقول مطابقا لما في التعليقات : إن PageV01P264 # المعدوم ، إذا اعيد أو فرض إعادته ، فلا يخفى أنه يمكن حينئذ فرض أن يوجد ~~حينئذ موجود آخر أيضا وليس هو بمعاد ، بل موجود مبتدأ يكون هو مثلا للمعدوم ~~المعاد لو وجد بدله أو معه ، أي أن يكون مماثلا له في الحدوث والموضوع ~~والزمان وغير ذلك من الأحوال والصفات ، ولا يخالفه إلا بالعدد أي بالشخص ~~وإلا في النسبة التي ينبغي أن ينظر أنهما هل يمكن أن يختلفا فيها أم لا كما ~~سيأتي بيانها إذ لا يخفى أن فرض وجود المثل بهذا المعنى غير ممتنع وكذا ~~المفروض. # وحينئذ نقول : إما ms199 أن يكون كل واحد من المثل المبتدأ وما فرض كونه معادا ~~، منسوبا إلى الموجود السابق الذي فرض انعدامه ثم عوده ، بأن يكونا عينه أو ~~لا يكون شيء منهما منسوبا إليه كذلك ، أو يكون واحد منهما كالمعاد منسوبا ~~إليه دون الآخر أي المثل المبتدأ. # وعلى الأول فيكون كل منهما معادا وعين السابق وهذا باطل. لأن المفروض أن ~~واحدا منهما معاد دون الآخر. # وأيضا يلزم أن يكون شيئان اثنان عين شيء واحد وهو باطل. وأن لا يكون بين ~~الاثنين فرق أصلا مع فرض الاثنينية ، وهو أيضا باطل. # وعلى الثاني فيكون كل منهما موجودا مبتدأ ولا يكون شيء منهما معادا ؛ هذا خلف. # وعلى الثالث فنسأل ونقول : لم صار ما هو المفروض معادا منسوبا إلى ~~الموجود السابق بالعينية ولم يصر المثل المفروض منسوبا إليه بالعينية مع ~~تشابههما من كل وجه إلا في العود ، وما وجه الفرق بينهما في ذلك؟ فان اجيب ~~بأنهما كانا كذلك لأنهما كانا كذلك ، فهو مصادرة على المطلوب ، وأخذ ~~المطلوب في بيان نفسه. # وإن اجيب بأن المعاد حين الإعادة صار عين الموجود السابق ، لأنه كان قبل ~~الإعادة وفي حال العدم عين الموجود السابق الذي عدم ، وكذا هو كان غير ~~المثل الذي وجد حينئذ ، فينعقد هنا خبران إيجابيان : أحدهما أن المعاد حين ~~العدم كان غير المثل المستأنف ، ولا يخفى أن الحكم في كل من الخبرين حكم ~~واقعي حكم فيه بأمر واقعي أي العينية الواقعية في الأول ، والمغايرة ~~الواقعية في الثاني على المعدوم وحال العدم ، فإنه قد حكم فيهما حكما ~~ثبوتيا واقعيا كما هو المفروض بأن المعدوم في الواقع حال كونه معدوما PageV01P265 # عين الذي وجد أولا ثم عدم وفرض إعادته ، وكذا هو في تلك الحال مغاير ~~للمثل المبتدأ في الواقع ، وبالجملة أن المعدوم في حال العدم موصوف في ~~الواقع بتلك العينية وتلك المغايرة الواقعيتين ، فقد صار المعدوم في الواقع ~~موجودا في الواقع على النحو الذي أومأنا إليه فيما سلف ، إذ لا يخفى أن ~~المحمول في هاتين القضيتين أمر ثبوتي واقعي كان الفرض إثباته ms200 للمعدوم ~~الموضوع ، وثبوت الشيء للشيء في الواقع ، فرع ثبوت المثبت له في ظرف الثبوت ~~وظرف الاتصاف أي في الواقع ، فإما أن يلتزم صيرورة المعدوم الواقعي في حال ~~العدم موجودا واقعيا حينئذ حتى يمكن إثبات العينية الواقعية والمغايرة ~~الواقعية له في الواقع ، فهذا باطل بالضرورة. وإما أن يلتزم أن ثبوت ~~المعدوم بمهيته الذهنية في نفس الأمر في علم البارئ تعالى شأنه أو في ~~المبادئ العالية كاف في ذلك ، وهذا أيضا باطل ، لأن ثبوت المعدوم بمهيته ، ~~الذهنية في نفس الأمر ، ليس ثبوتيا خارجيا أو واقعيا ، يترتب عليه الآثار ~~المطلوبة منه ، حتى يمكن أن يثبت له الأمر الواقعي في الواقع ، وإلا لكان ~~قولا بثبوت المعدومات في الواقع وهو باطل ، كما تقرر في محله. # وكذلك وجوده في علم البارئ تعالى شأنه أو المبادئ العالية ليس إلا ثبوتا ~~ذهنيا لا واقعيا ، إذ لا نعني بالوجود الذهني إلا ما لا يكون منشأ لترتب ~~الآثار الخارجية أو الواقعية المطلوبة منه عليه ، وهو كذلك ، كثيرا من ~~المعدومات الممكنة لها وجود وثبوت في علم البارئ أو المبادئ العالية ، ومع ~~هذا لا يترتب عليها أثر خارجي أو واقعي مطلوب منها أصلا. # والحاصل أن ذلك وجود ذهني للمعدوم ، سواء قيل بوجود الأشياء بأعيانها في ~~الذهن أو بأشباحها فيه ، حيث لا يترتب عليها أثر خارجي أو واقعي مطلوب منه ~~، فإن الوجود الذهني ما يكون كذلك سواء كان بمحض اختراع ذهن ذاهن أو لا ~~وبالجملة هو ما لا يترتب عليه الآثار المطلوبة منه ، وأما الوجود الواقعي ~~أو الخارجي ، فهو ما يترتب عليه أثر واقعي ، سواء كان ذلك في الخارج أو في ~~الذهن ، لكن لا من حيث هو موجود ذهني كما عرفت بيانه فيما تقدم. PageV01P266 ### | حاصل الدليل الذي ذكره الشيخ في الشفاء أولا ### ||| * وذكره في التعليقات أيضا على بطلان إعادة المعدوم # وحاصل هذا الدليل أنه على تقدير فرض إعادة المعدوم ، لا يخفى أنه يمكن ~~فرض محدث جديد يكون هو مثلا للمعاد بالمعنى الذي ذكرنا ، وعلى تقديره فإما ~~أن يلزم كون كل منهما معادا ، وهو ms201 خلاف الفرض ، أو أن لا يكون شيء منهما ~~معادا ، وهو أيضا خلاف الفرض ، أو أن يصير المعدوم مع فرض عدمه موجودا ، ~~وهذا أيضا باطل. وعلى كل التقديرات فيلزم عدم امتياز المعاد عن المستأنف ~~الجديد المفروض في اختصاصه بصفة العود دون المستأنف. وهو أيضا خلاف الفرض. # ولا يخفى أن هذه المحالات لم تلزم من فرض المثل لكونه ممكنا في الواقع ، ~~فبقي أن يكون منشؤها فرض إعادة المعدوم بعينه وهو المطلوب. # ثم إن ما قررناه في توجيه كلام الشيخ في الشفاء هو المحمل الصحيح له ~~فينبغي أن يحمل هو عليه. وكذا يدل عليه كلامه في التعليقات عند النظر ~~الدقيق ، كما أنه يدل عليه كلامه في الشفاء عند النظر الأدق ، وإن كانت بعض ~~المقدمات مطوية في كل من الكلامين ، فتدبر تعرف. # ثم إن هذا المحال الذي ذكرنا أنه يلزم على تقدير فرض المعدوم معادا ، كما ~~قررنا ، لا يخفى أنه لا يلزم على تقدير فرض المعدومات الممكنة موجودات ~~ابتدائية وإن فرضناها أمثالا ، أي مماثلة في الحدوث والموضوع والزمان ~~وغيرها من الأحوال والصفات ، ومتخالفة بالعدد ، فإن التمايز بينها إنما هو ~~بعد الوجود الخارجي الواقعي ، وأما هي في حال العدم فلا تمايز واقعيا بينها ~~، ولا تغاير حتى يمكن أن يحكم بأن أحدها مثلا مغاير للآخر في الواقع ويلزم ~~ذلك المحال. # نعم التمايز الذهني والتغاير الفرضي بينها في حال العدم مسلم ، لكنه على ~~تقديره لا يلزم كون المعدوم في الواقع مع فرض عدمه موجودا في الواقع ، ~~ولهذا إنما قلنا حيث قلنا بلزوم ذلك المحال في ذينك الخبرين الضمنيين ~~الواقعيين ، أي قولنا : المعدوم في حال العدم عين الموجود السابق ، وقولنا ~~: إن المعدوم في حال العدم مغاير للموجود المبتدأ المماثل له في الواقع ، ~~لا في قولنا : المعدوم يعاد أو يصح أن يعاد ، مع أن المحمول فيه أيضا PageV01P267 # أمر واقعي ثبوتي ، والغرض إثباته للموضوع في الواقع ، وهو يقتضي ثبوت ~~الموضوع في الواقع ، والمفروض انتفاؤه فيه لكونه معدوما في الواقع ، لأن ~~هذا الخبر يمكن أن يؤخذ على طريق قولنا : المعدوم الممكن ms202 يجوز أن يوجد ، ~~وقولنا : من سيوجد يجوز أن يتعلم ، وقولنا : إن القيامة تكون ، حيث إن ~~المحمول في الجميع وإن كان أمرا ثبوتيا واقعيا وكان الغرض إثباته للموضوع ~~في الواقع ، لكن الحكم الذهني به وإن كان في حال العدم إلا أن ذلك الثبوت ~~ليس في حال العدم ، بل بعد الحكم ، وفي حال الوجود ، أي أن الموضوع المعدوم ~~إذا فرض وجوده وحصل له الوجود ثبت له ذلك المحمول في الواقع ، سواء كان ~~المحمول نفس الوجود ، كما في قولنا : القيامة تكون ، والمعدوم الممكن يجوز ~~أن يوجد ، أو غيره بالذات ، كما في قولنا : من سيوجد يجوز أن يتعلم ، أو ~~بالاعتبار كما في قولنا : المعدوم يعاد ، وحينئذ يقتضي ثبوت الموضوع في ~~الواقع ، وأما في حال العدم فلا ثبوت واقعيا للمحمول للموضوع. نعم الحكم ~~الذهني به ، كان واقعا في حال العدم ، وذلك ظاهر في النظائر المذكورة ، ~~وكذا في قولنا : المعدوم يعاد ونحوه ، فإن هذا الحكم الذهني وإن كان في حال ~~العدم وقبل الإعادة ، إلا أن ثبوت الإعادة له إنما هو حين الإعادة وحين ~~الوجود ثانيا ، ففي حال العدم لم يكن أمر واقعى ثابتا له في الواقع ، حتى ~~يلزم صيرورة المعدوم مع عدمه موجودا ، بل إنما ذلك الثبوت في حال وجوده ، ~~والمفروض ثبوت الموضوع ثبوتا واقعيا في تلك الحال ، فلا إشكال. # والحاصل أن هذا الحكم ، ليس حكما على معدوم المطلق حتى يمتنع ، بل هو كما ~~ذكره الفاضل الأحساوي في التحقيق الذي ادعى أنهم غفلوا عنه ، حكم على ~~المعدوم الخارجي الموجود في الذهن ، بأنه يعاد ، أو يصح أن يعاد في الخارج ~~في المستقبل في حال وجوده ، نظير قولنا : المعدوم الممكن يمكن أن سيوجد ، ~~ولا إشكال فيه بوجه. # وعلى هذا فيندفع ما قالوه : من أن الإعادة صفة ثبوتية واقعية ، قد حكم في ~~تلك القضية بثبوتها للمعدوم ثبوتا واقعيا وهو يقتضي ثبوت الموضوع في الواقع ~~، والمفروض خلافه. ووجه الاندفاع ظاهر ، فتدبر. # فظهر مما ذكرنا أن إيراد ذلك المحال على قولنا : المعدوم يعاد ونحوه ، ~~مما لا وجه له ، بل إنما ينبغي ms203 أن يورد على ذينك الخبرين الضمنيين ... ، أي ~~قولنا : إن المعدوم المعاد في PageV01P268 # حال العدم هو عين الذي وجد أولا ثم عدم ، أو مغاير للمثل المبتدأ في ~~الواقع ، كما وجهنا به كلام الشيخ ، وبه ينبغي أن يوجه كلام من قال : إن ~~المعدوم لا يصح عليه الحكم بالعود ، أو إن المعدوم لا يبقى له هوية ليصح ~~الحكم عليه بالعود ، كما نقله الفاضل الأحساوي رحمه الله في الاحتجاج الأول ~~، أو أنه لا يصح الحكم عليه بصحة العود كما قاله المحقق الطوسي رحمه الله في ~~التجريد ، لا أن يحمل على ظاهره ، وهو أن الحكم بالعود لكونه صفة ثبوتية لا ~~يمكن أن يكون على المعدوم. ### | في الإشارة إلى دفع ما أورده الشارح القوشجي على المحقق الطوسي # وبعبارة اخرى كما ذكره الشارح القوشجي في شرح قول المحقق الطوسي : «لو صح ~~إعادة المعدوم لصح الحكم عليه بصحة العود ، لكن المعدوم ليس له هوية ثابتة ~~، فيمتنع الإشارة العقلية إليه ، وما لا يمكن أن يشار إليه لا يصح الحكم ~~عليه.» وإن كان إذا حمل على ظاهره أيضا لا يرد عليه كثير مما أورده الشارح ~~القوشجي من الإيراد بالوجوه الثلاثة عليه ، حيث قال : «والجواب عنه من وجوه : # الأول بالمعارضة ، وهي أن يقال لو امتنع إعادة المعدوم ، لصح الحكم عليه ~~بامتناع العود ، لكن المعدوم ليس له هوية ثابتة ويساق الكلام إلى آخره. # لا يقال : الحكم بصحة العود لكونه إيجابا يستدعي وجود الموضوع ، فلا يصح ~~الحكم على المعدوم بصحة العود ، بخلاف الحكم بامتناع العود ، فإنه يجوز ~~اعتباره سلبا ، بأن يقال : يمتنع عوده في معنى لا يصح عوده ، والسالبة لا ~~تقتضي وجود موضوعها ، فيصح الحكم السلبي على المعدوم. # لأنا نقول : يجوز مثل هذا الاعتبار في الحكم بصحة العود ، بأن يقال : ~~معنى يصح عوده : لا يمتنع عوده ، فليعتبر حتى يصح ، على أن السلب يشارك ~~الإيجاب في اقتضاء الإشارة العقلية إلى المحكوم عليه ، فلو امتنع الحكم ~~الإيجابي على المعدوم لامتناع الإشارة العقلية إليه على ما ذكرت ، لامتنع ~~الحكم السلبي عليه أيضا وتمت المعارضة ، وإلا لم ms204 يتم دليلك. # الثاني النقض ، وهو أن يقال : ما ذكرتموه من الدليل على عدم صحه الحكم على PageV01P269 # المعدوم بصحة العود لو تم ، لدل على أنه لا يصح أصلا حكم من العقل على ما ~~ليس بموجود في الخارج ، مع أنا نحكم على ما ليس بموجود في الخارج أحكاما ~~صادقة ولا شبهة فيها كقولنا : المعدوم الممكن يجوز أن يوجد ، ومن سيوجد ~~يجوز أن يتعلم ، واجتماع النقيضين محال ، وشريك البارئ ممتنع ، إلى غير ذلك ~~مما لا يعد ولا يحصى ، بل قولكم : المعدوم لا يصح الحكم عليه ، حكم على ما ~~ليس ؛ بموجود في الخارج بعدم صحة الحكم عليه. # الثالث المنع ، وهو أن يقال : لا نسلم أنه لو صح إعادة المعدوم لصح الحكم ~~عليه بصحة العود ، فإن امتناع حكم العقل على المعدوم بصحة العود بكونه لا ~~هوية له يتصورها ليحكم عليها ، لا يستلزم امتناع العود ، لجواز وقوعه ~~بتأثير الفاعل من غير أن يتصوره متصورا أو يحكم عليه بشيء من الأحكام. ولو ~~سلم فقوله : لكن المعدوم ليس له هوية ثابتة ، إن أراد أنه ليست له هوية ~~ثابتة في الجملة أو في الذهن فهو ممنوع ، وإن أراد أنه ليس له هوية ثابتة ~~في الخارج فذلك أيضا ممنوع عند المعتزلة القائلين بثبوت المعدوم في الخارج ~~، فلا يقوم حجة عليهم ، وأما عندنا فمسلم ، لكن نمنع قوله : فيمتنع الإشارة ~~العقلية إليه ، لأن الإشارة العقلية لا تتوقف على الهوية الخارجية ، بل ~~يكفيها الهوية الذهنية ، ولو سلم أنها تتوقف على الهوية الخارجية ، فنقول : ~~إما أن يريد أنه ليس له في زمان من الأزمنة هوية خارجية على معنى دوام ~~السلب ، فذلك أيضا ممنوع ، لأن المعدوم في زمان كونه موجودا له هوية خارجية ~~، وإما أن يريد أنه ليس له هوية خارجية في زمان كونه معدوما لا دائما فذلك ~~مسلم ، لكن حينئذ نمنع قوله : فيمتنع الإشارة العقلية ، إلا أن يريد أنه ~~يمتنع الإشارة العقلية إليه في زمان كونه معدوما ، وذلك غير مفيد ، لجواز ~~أن يكون الحكم عليه بصحة العود في زمان كونه موجودا ، كحكمنا على زيد ms205 في ~~زمان وجوده بأنه يجوز أن يعدم ثم يعاد. انتهى كلامه.» (1) # وبيان عدم ورود الإيرادين الأولين ظاهر مما حققناه فيما تقدم فلا نعيده. ~~نعم النقض بقولنا : المعدوم الممكن يجوز أن يوجد ، ومن سيوجد يجوز أن يتعلم ~~، وأمثال ذلك ، وارد كما ذكرنا. # وقد أورده المحقق الدواني أيضا في الحاشية عليه ، عليه ، حيث قال في قوله ~~: لو صح PageV01P270 # إعادة المعدوم لصح الحكم بصحة العود هكذا : # «لقائل أن يقول : لو تم هذا لزم أن لا يوجد المعدوم أصلا ، فيلزم انتفاء ~~الحوادث ، بأن يقال : لو صح إيجاد المعدوم لصح الحكم عليه بصحة الإيجاد إلى ~~آخر ما ذكر وهذا النقص أظهر مما ذكره الشارح انتهى.» (1) # وقد عرفت أن وروده إنما هو على التقرير الذي ذكره الشارح المذكور ، دون ~~التقرير الذي وجهنا به كلام الشيخ ، ويجري في كلام المحقق الطوسي أيضا. # وأما عدم ورود إيراده الثالث ، فلأنه من المستبين عند العقل السليم ، أنه ~~إذا جاز عود المعدوم ووقع ذلك أيضا بتأثير الفاعل في الواقع كما هو المفروض ~~، لصح عند العقل الحكم عليه بصحة العود حكما واقعيا ، ووجب أن يتصوره متصور ~~ويحكم عليه بذلك ، وإذا لم يصح ذلك فيعلم منه أنه كان ممتنعا ، فتسليم صحة ~~العود ، وعدم تسليم الحكم بذلك عليه كأنه سفسطة. # ثم نقول : إن المراد أن المعدوم ليس له هوية ثابتة في الخارج ، أو في ~~الواقع ، والقول بثبوت المعدوم في الخارج كما هو عند المعتزلة قول باطل كما ~~حقق في محله ، والإشارة العقلية مطلقا وإن كانت لا تتوقف على الهوية ~~الخارجية ، بل على الهوية الذهنية كما في الأحكام السلبية ، لكن الإشارة ~~العقلية في الأحكام الإيجابية الواقعية الخارجية الصادقة كما هو المفروض ~~عند القائل بإعادة المعدوم في قوله : المعدوم يعاد ، تتوقف على الهوية ~~الخارجية لاقتضاء هذه الأحكام وجود الموضوع في الواقع وفي الخارج حين ثبوت ~~المحمول الواقعي له كما مر بيانه. # ولا يخفى أن ليس للمعدوم في الخارج تلك الهوية الخارجية في زمان كونه ~~معدوما وحين إثبات العود له. # وأما ثبوت تلك الهوية له في زمان ms206 كونه موجودا ، فإن اريد به زمان وجوده ~~الابتدائي كما هو ظاهر كلامه ، فذلك غير كاف في ذلك ، لأن المفروض انعدام ~~تلك الهوية الخارجية الحاصلة في زمان وجوده الابتدائي ، فكيف يكون ثبوت ~~الموضوع الذي اقتضاه قولنا : «المعدوم يعاد» منوطا بذلك الوجود الذي عدم ~~ولم يبق حين الحكم ولا حين ثبوت PageV01P271 # المحمول ، أي العود له ، وإن اريد به زمان وجوده العودي ، كما ذكرنا ~~سابقا من أنه يجوز أن يبنى هذا الحكم على أنه إذا وجد المعدوم ثانيا وثبت ~~له الوجود ، ثبت له العود في الواقع. وحينئذ يكون ذلك المحمول ، أي العود ~~ثابتا له في الواقع ، ويكون قد اقتضى وجود الموضوع في الواقع ، وإن كان ~~الحكم الذهني به في زمان عدمه ، كما في قولنا : المعدوم الممكن سيوجد ، ~~والقيامة تكون ، فذلك مسلم. # ولا يخفى أنه أيضا يرد إيرادا على التقرير الذي ذكره الشارح المذكور ، ~~دون التقرير الذي ذكرنا ، فتأمل. ### | في الإشارة إلى قول المحقق الطوسي # ثم إن هاهنا دقيقة اخرى ، ينبغي التنبيه عليها. وهي أن قول المحقق الطوسي ~~رحمه الله : «والمعدوم لا يعاد لامتناع الإشارة إليه ، فلا يصح الحكم عليه ~~بصحة العود» (1) وإن كان الظاهر من قوله : فلا يصح الحكم ، عدم الصحة بمعنى ~~الامتناع ، وكذا الظاهر من الحكم عليه بصحة العود ، الحكم في القضية التي ~~كان محمولها مفهوم صحة العود ، وموضوعها المعدوم ، حتى يكون معنى الكلام : ~~أنه يمتنع الحكم عليه بأنه يصح عوده كما فهمه الشارح القوشجي ، لكن لا يخفى ~~أن المحقق الطوسي لم يجعل هذا القول دليلا على قوله : «والمعدوم لا يعاد» ~~سواء أراد به أنه لا يمكن أن يعاد أولا يصح أن يعاد كما هو الظاهر ، أو ~~أراد أنه لا يعاد بالفعل ، كما هو الاحتمال ، بل جعل الدليل عليه قوله : ~~«لامتناع الإشارة إليه» وجعل ذلك القول نتيجة له ومتفرعا عليه. # ولا يخفى أيضا أن قوله : «لامتناع الإشارة إليه» بظاهره مجمل أو مطلق ، ~~يشمل امتناع الإشارة العقلية إلى هوية المعدوم مطلقا ، سواء كانت هوية ~~ذهنية أو خارجية ، وكذا خصوص الهوية الخارجية ، وكذا يشمل ms207 امتناع الإشارة ~~إليه في حال وجوده السابق أو اللاحق ، أي حين الإعادة أو في حال العدم قبل ~~الإعادة وبعد الوجود السابق ، إلا أن الفحص والتدقيق يقتضي أن يكون مراده ~~رحمه الله بامتناع الإشارة إليه ، امتناع الإشارة إلى هويته الخارجية ~~الواقعية في حال العدم ، ويكون حاصل دليله : أن المعدوم لا يعاد ، بل PageV01P272 # لا يصح إعادته ، لأن ذلك يقتضي أن يكون له هوية خارجية مشارا بها إلى ~~خارج في حال العدم في الحكم بأنه هو عين الموجود السابق أو غير المثل ~~المستأنف كما بينا ، والحال أنه ليس له تلك الهوية الخارجية ، وحيث كان ~~الحال كذلك فلا يصح الحكم عليه بأنه يصح إعادته ، ومعناه حينئذ أنه لا يكون ~~ذلك الحكم الذي ادعاه القائلون بجواز الإعادة حقا وصادقا ومطابقا للواقع ، ~~بل باطلا ، لا أنه يمتنع ذلك الحكم إذ المفروض أنهم حكموه ، فعلى هذا فلا ~~إيراد على المحقق الطوسي رحمه الله اصلا ، فتبصر. ### | في الإشارة إلى دفع إيراد عن الشيخ وعن المحقق الطوسي # ثم إنه بما قررنا في توجيه كلام الشيخ ، وذكرنا من معنى المثل المبتدأ ~~يندفع عنه إيراد آخر أورده الشارح المذكور على هذا المقام ، بناء على ما ~~قرره كلام المحقق الطوسي ، حيث قال هكذا : # «وجه آخر وهو أنه لو جاز إعادة المعدوم لجاز أن يوجد مثله بدلا عند مبتدأ ~~في وقت إعادته ، فإذا جاز أن يوجد فرد من أفراد ماهية نوعية ، لا يكون ~~نوعها منحصرا في شخص مكتنف بعوارض مشخصة بعد العدم. وجاز أن يوجد ابتداء ~~فلم يبق فرق بين المبتدأ والمعاد ، فإن الفارق بينهما لا يكون الماهية ولا ~~عوارضها ، لعدم الاختلاف فيهما ، ويمكن أن يحمل قوله : «ولم يبق فرق بينه ~~وبين المبتدأ» على هذا الوجه. # والجواب أنه إن أراد بمثله ما يشاركه في ماهيته وتشخصه معا كما يظهر من ~~قوله : «فإن الفارق بينهما لا يكون الماهية ولا عوارضها المشخصة لعدم ~~الاختلاف فيهما» ، فوجود المثل بهذا المعنى محال ، إذ يلزم منه أن يتشخص ~~شخصان بتشخص واحد ، فيكون الشخص الواحد مشتركا بينهما ، فلا يكون ms208 تشخصا لأن ~~مقتضى التشخص التوحد المانع من الشركة مطلقا. ولو سلم فلم لا يجوز الامتياز ~~بعوارض غير مشخصة ، فإن المعاد ما قد وجد ، ثم عدم ، والمثل المبتدأ ما لا ~~يكون كذلك. # لا يقال : فعلى هذا إذا وجد فرد مكتنف بعوارض مشخصة فبم يعلم أنه الذي ~~وجد أولا ثم عدم وليس موجودا مبتدأ. # لأنا نقول : لا استحالة في عدم التميز بينهما عند العقل ، إذ ربما يلتبس ~~على العقل ما هو PageV01P273 # متميز في نفس الأمر ، على أنه كلام على السند الأخص. # وإن أراد بالمثل ما يشاركه في الماهية فقط ، فلزوم عدم الفرق ممنوع ، ~~لجواز الامتياز بالعوارض المشخصة. انتهى كلامه.» # وبيان الاندفاع : أنا لا نريد بالمثل المبتدأ ما يشارك المعاد في الماهية ~~والتشخص معا ، فإن ذلك محال ، حيث إنه لا يجوز أن يتشخص شخصان بتشخص واحد ، ~~لأن ذلك يرفع الاثنينية الواقعية بين الاثنين وهو ممتنع ، بل نريد بالمثل ~~ما يشارك المعاد في الماهية وفي الموضوع والحدوث والزمان وغير ذلك من ~~الصفات والأحوال ، ويخالفه بالعدد ، أي بالشخص ، كما دل عليه كلام الشيخ في ~~التعليقات ، ولا يخفى أن فرض وجود المثل بهذا المعنى غير ممتنع. # ثم إنا نسوق الكلام إلى آخره ونقول : إنه إذا جاز إعادة المعدوم بعينه ~~فلا سترة في إمكان فرض وجود المثل بهذا المعنى الذي ذكرناه حينئذ ، فإما أن ~~يلزم عدم الامتياز بين المعاد والمثل المبتدأ أصلا مع فرض كونهما متمايزين ~~بالعدد وبالشخص ، وإما أن يلزم أن لا يكون شيء منهما معادا مع فرض كون ~~أحدهما معادا ، وإما أن يلزم صيرورة المعدوم الواقعي مع فرض عدمه موجودا ~~واقعيا ، كما فصلنا ذلك ، وذكرنا أن كلا من تلك المحالات يلزم على تقدير. # ولا يخفى أن لزوم تلك المحالات ليس منشأه فرض وجود المثل بهذا المعنى ، ~~لكونه ممكنا في الواقع لا مانع منه ، فبقي أن يكون منشؤه فرض إعادة المعدوم ~~، وهو المطلوب ، وحينئذ فلا إيراد على هذا الدليل أصلا ولا يحتاج أيضا في ~~دفع إيراد الشارح المذكور إلى ما ذكره المحقق الدواني في الحاشية ، حيث ms209 قال ~~في قوله : «والجواب أنه إن اراد إلى آخره : أنت خبير بأن هذا إنما يرد على ~~تقرير المتأخرين كما ذكره الشارح ، وأما على ما نقل عن الشيخ في التعليقات ~~فلا ، لأنه لا يتوقف على أخذ إمكان هذا المثل ، إذ محصله أنا نفرض المثل ~~المذكور ، ونقول (1) لا امتياز بينهما أصلا ، إذ لو كان بينهما امتياز لكان ~~لكون أحدهما هو بعينه الذي كان ثابتا حال العدم ، بخلاف الآخر ، لكن هذا ~~محال فما فرضناه معادا يكون بعينه هو المستأنف المفروض ، لامتناع الامتياز ~~فلا يكون معادا. انتهى PageV01P274 # كلامه.» ### | كلام مع المحقق الدواني # مع انه يرد على ما ذكره هذا المحقق أنه إذا سلم عدم إمكان المثل ، ففرض ~~وجوده لا يفيد شيئا ، إذ ربما كان منشأ لزوم هذا المحال هو فرض وجود المثل ~~، لا فرض إعادة المعدوم ، فهذا منه رحمه الله غريب. مثل حمله كلام الشيخ في ~~التعليقات على ما ذكره ، حيث إنه لم يدع فيه عدم الامتياز بين المعاد ~~والمستأنف ، إلا لكون أحدهما هو بعينه الذي كان ثابتا حال العدم بخلاف ~~الآخر ، وكيف يدعي ذلك والحال أنه فرضهما متخالفين بالعدد أي بالشخص. وكيف ~~يكون الامتياز بين الشيئين المتخالفين بالعدد منحصرا في ذلك الامتياز الذي ~~ذكره. اللهم إلا أن يراد بعدم الامتياز بينهما إلا من هذا الوجه ، عدمه من ~~جهة كون أحدهما معادا والآخر مثلا مستأنفا لا مطلقا. # وأنت تعرف بعد التأمل الصادق أن كلامه في التعليقات موافق لكلامه في ~~الشفاء في ذلك ، وينبغي أن يقرر على ما قررناه ، وسنزيده توضيحا فانتظر. # على أن في قول الشارح المذكور : «ولو سلم فلم لا يجوز الامتياز بعوارض ~~غير مشخصة» كلاما قد ذكره المحقق الدواني في الحاشية عليه ، وهو أنه على ~~تقدير عدم الامتياز بالماهية والتشخص يكون ما يعرض لأحدهما عارضا للآخر فلا ~~يتحقق بالعوارض غير المشخصة أيضا يعني أن عروض عارض لأحدهما دون الآخر ، ~~يحتاج إلى تشخصه وامتيازه ، والمفروض خلافه. وقد قال أيضا في قوله : «على ~~أنه كلام على السند الأخص» بهذه العبارة : «يعني أنه يتوجه على ms210 قوله فإن ~~المعاد ما قد وجد ثم عدم ، والمثل المبتدأ ما لا يكون كذلك ، ولو ذكر بدله ~~عارض آخر غير مشخص ، لم يتوجه ذلك ، وقد علمت أنه على تقدير عدم الامتياز ~~بالماهية والتشخص يكون ما يعرض لأحدهما عارضا للآخر ، فلا يتصور الامتياز ~~بالعوارض غير المشخصة أيضا. # نعم يكون ذلك الشخص مع بعض العوارض غيرا لنفسه مع عارض آخر غير مشخص ، ~~فلا يصدق الحكم بأنه مبتدأ لا معاد ، أو معاد لا مبتدأ أصلا ، فلا يتصور ~~العلم بالامتياز أصلا ، PageV01P275 # فتأمل. انتهى كلامه.» (1) # وأيضا في قول الشارح المذكور : «لا استحالة في عدم التميز بينهما عند ~~العقل ، إذ ربما يلتبس على العقل ما هو متميز في نفس الأمر» كلام لا يخفى ، فتأمل. # ثم إنك بعد ما أحطت خبرا بما حققناه وفصلناه ، ظهر لك أن الحجة الثالثة ~~التي نقلها الفاضل الأحساوي عن القائلين بامتناع الإعادة ، ليست هي حجة ~~اخرى ، بل هي مع الحجة الاولى التي نقلها عنهم حجة واحدة تقريرها ما ذكرنا ~~، وأنه لا يرد عليها شيء مما أورده على تينك الحجتين بناء على ما فهمه ، فتدبر. # نعم الحجة الثانية التي نقلها عنهم حجة اخرى لهم على ذلك ، وسيأتي ~~تقريرها على وجه لا يرد عليه أيضا ما أورده ، فانتظر. # وهذا الذي ذكرناه كله إنما ذكرناه في مقام تحرير الدليل الأول الذي ذكره ~~الشيخ في الشفاء على بطلان قول من يقول إن المعدوم يعاد. # وأما الكلام في تحرير الدليل الثاني الذي ذكره بقوله : «وعلى أن المعدوم ~~إذا اعيد احتيج إلى أن يعاد جميع الخواص التي بها كان هو ما هو ، ومن خواصه ~~وقته ، فإذا اعيد وقته كان المعدوم غير معاد ، لأن المعاد هو الذي يوجد في ~~وقت ثان.» فهو أن يقال : # لا يخفى أن المعدوم إذا اعيد بعينه كما هو المفروض ، احتيج إلى أن يعاد ~~جميع الخواص والمشخصات التي بها كان المعدوم هو ما هو ، أي متشخصا وإلا لم ~~يكن معادا بعينه ، أي بشخصه كما هو المفروض. # ولا يخفى أيضا أنا سواء قلنا إن العوارض المشخصة ms211 هي المشخصة بالحقيقة كما ~~هو مذهب فريق منهم ، أو إن المشخص بالحقيقة هو نحو من الوجود الخاص ، وأن ~~تلك العوارض لوازم له وأمارات عليه كما هو مذهب الفارابي وهو الحق ، يكون ~~الوقت من جملة تلك المشخصات بدليل أنا إذا صنعنا مثلا من طين مخصوص كوزا ~~مخصوصا على مقدار مخصوص ، وهيئة وشكل مخصوصين ، بقالب خاص ، ثم كسرناه ~~وهدمناه ، فصنعنا من ذلك الطين المخصوص بعينه من غير أن ينقص منه جزء أرضي ~~أو مائي ، أو يزيد عليه بذلك القالب الخاص كوزا آخر على ذلك المقدار والشكل ~~والهيئة ، وبالجملة بحيث يكون PageV01P276 # الثاني مماثلا للأول في الماهية وفي جميع الصفات والأحوال ، مغايرا له ~~بحسب الزمان فقط ، نعلم بالضرورة أن الثاني ليس هو الأول بعينه ، بل غيره ~~بحسب التشخص ، وإن كان مماثلا له فيه. # والحاصل أنا نعلم بديهة أن الأول شخص خاص ، والثاني شخص آخر مغاير له ~~بحسب التشخص في الواقع والخارج ، لا بحسب الذهن والاعتبار فقط ، كما زعمه ~~بعض ، وإن كان مماثلا له ، وإذا ليس هنا أمر يفرض كونه منشأ لاختلاف الشخص ~~إلا الوقت ، فيعلم منه أن الوقت له مدخل في التشخص ، وهو المطلوب. # وأيضا إذا كان هناك مثلا لوح خاص معين تلون في وقت خاص بلون خاص مشخص ، ~~ثم ازيل ذلك اللون عنه ، ثم لون في وقت آخر بعد ذلك بذلك اللون بعينه ذلك ~~اللوح المخصوص مثل الأول ، نعلم بالبديهة أن اللون الثاني غير الأول بحسب ~~التشخص في الواقع ، وإن كان مماثلا له في الماهية والموضوع وسائر الصفات ، ~~فيعلم من ذلك أيضا أن للوقت دخلا في التشخص ، وأنه من جملة المشخصات ، كما ~~أن الموضوع أيضا من جملة المشخصات ، كما إذا كان هناك لو حان خاصان قد ~~تلونا في وقت واحد بلون خاص ، حيث نعلم بالضرورة أن أحد اللونين غير الآخر ~~بالشخص ، وما ذلك إلا لاختلاف الموضوع. وبالجملة الحكم بكون الزمان من جملة ~~المشخصات أو لازما لما هو مشخص مما يحكم به الوجدان الصحيح ، وعليه منبهات ~~كثيرة تعلم بالتتبع. # إلا أنا نعني بكون الزمان ms212 مشخصا كما ذكره بعض أهل التحقيق ، مثل المحقق ~~الدواني وغيره ، أن لزمان وجود الشيء بوحدته الاتصالية مدخلا في تشخصه ، ~~فاذا انقطع اتصاله من حيث هو زمان الوجود بتخلل العدم ، لم يبق الشخص ، ولا ~~نعني بهذا أيضا أن الزمان المتصل الممتد من آن حدوثه إلى آخر زمان البقاء ، ~~له مدخل في تشخصه ، حتى يرد أن هذا الأمر الممتد لم يوجد في شيء من آنات ~~زمان وجوده ، مع أن زيدا مثلا كان مشخصا في كل آن يفرض منها ، بل نعني به ~~أن القدر المشترك بين تلك الأزمنة وبين الآنات المفروضة فيها ، له مدخل في ~~تشخصه بشرط الاتصال وعدم الانقطاع بالعدم. أو أنا نعني بكون الزمان مشخصا ~~أن لآن الحدوث مدخل في تشخصه ، ولما بعده من الزمان مدخلا في حفظ ذلك ~~التشخص بشرط اتصاله من حيث هو زمان الوجود. PageV01P277 # وكيفما كان فلا نعني بذلك كما فهمه بعضهم كالشارح القوشجي وغيره أن ~~لأجزاء زمان الوجود من حيث التقضي والانصرام والتجدد مدخلا أيضا في التشخص ~~، حتى يلزم تغير الشخص بتغير الزمان وتبدله بتبدله ، وأن يكون زيد الموجود ~~في هذا الزمان غير زيد الموجود في الزمان السابق أو اللاحق ، ويناقض بأنا ~~قاطعون بخلافه ، حيث إنا نعلم بالضرورة أن زيدا الموجود في هذه الساعة ، هو ~~بعينه الذي كان بالأمس ، حتى أن من زعم خلاف ذلك ينسب إلى السفسطة. وما ~~يحكى من مناقضة الشيخ مع تلميذه بهمنيار ، حيث إنه طالب الشيخ بالدليل على ~~بقاء الذات في الإنسان حتى يستدل به على التجرد ، فأجاب عنه بالرجوع إلى ~~الوجدان الصحيح ، ثم أورد بهمنيار على مسألة اخرى سمعها من الشيخ كلاما ، ~~فقال الشيخ في جوابه : كيف تجعلني المسموع منه مع تجويزك تبدل الذات ، فهو ~~إن كان مبنيا على تجويز بهمنيار تبدل الذات بتبدل الزمان فلعله محمول على ~~ما ذكرنا ، فتدبر. # وحيث ظهر أن الوقت من جملة المشخصات ، وأن المعدوم إذا اعيد بعينه ، يجب ~~أن يكون وقته الأول معادا أيضا. فنقول : إن وقته إما أن يعاد بحيث لا يكون ~~هناك وقت غيره ms213 ، ويكون المعدوم معادا فيه ، فهذا باطل ، لأنه حينئذ لا يكون ~~معادا أصلا بل مبتدأ فقط ، لأن المعاد هو الذي يوجد في وقت ثان غير الوقت ~~الأول ، وهذا قد وجد في الوقت الأول بعينه فقط. # والقول بأن المعاد لا يلزم أن يكون موجودا في وقت ثان البتة ، بل هو الذي ~~يوجد ثانيا ، سواء وجد في وقته الأول أو في وقت ثان آخر ، كما فهمه بعض من ~~جوز إعادة المعدوم ، مما لا معنى محصل له ، لأن الثانوية في قوله : «هو ~~الذي يوجد ثانيا» لا يخفى أن ليس المراد بها الثانوية بالعلية أو بالطبع أو ~~بالشرف أو بالرتبة ، وهذا كله ظاهر ، ولا الثانوية بالذات كما فيما بين ~~أجزاء الزمان ، لأن التقدم والتأخر بين وجود وجود ليس من هذا القبيل ، وهذا ~~ظاهر أيضا ، بل المراد الثانوية بحسب الزمان. وإذا كان كذلك فيكون معنى ~~الوجود ثانيا الوجود في زمان ثان. فإذا وجد في زمانه الأول فلا يكون موجودا ~~في زمان ثان. فلا يكون معادا أصلا بل مبتدأ فقط ؛ هذا خلف. # وأيضا إذا فرض كونه معادا أيضا ، فلا يكون ذلك إلا بفرض الوقت ثانيا أيضا ، حتى PageV01P278 # يمكن أن يفرض كون الموجود فيه معادا ، فيصدق على الوقت الأول أنه أول من ~~حيث كونه ثانيا ، وأنه ثان من حيث كونه أولا. وكذا يصدق على الموجود فيه ~~أنه مبتدأ من حيث كونه معادا. ومعاد من حيث كونه مبتدأ ، خصوصا إذا كان ~~المعاد معادا مع جميع خواصه وحيثياته وعوارضه كما هو المفروض ، فيصدق ~~المتقابلان على ذات واحدة في حال واحدة من حيثية واحدة ، إذ لا جهة مختلفة ~~هنا بها يختلف الحال. # وأيضا يلزم رفع التفرقة والامتياز بين المبتدأ والمعاد ، وكذا بين الوقت ~~الأول والثاني عند العقل. مع أن الامتياز بينهما ضروري عنده. وأما أن يعاد ~~ذلك الوقت الأول ، بحيث يكون هناك وقت ثان أيضا ، ويكون أحدهما ظرفا للآخر ~~، ويكون كلاهما أي الوقتان معا ظرفين لوجود المعدوم المعاد ، فحينئذ يلزم ~~أن يكون هو معادا من جهة وجوده في الوقت الثاني ، ومبتدأ ms214 من جهة وجوده في ~~الوقت الأول ، ويصدق عليه حين الإعادة هذان الوصفان المتقابلان معا أعني أن ~~يكون مبتدأ حين كونه معادا ومعادا حين كونه مبتدأ. # وهذا إن لم يسلم امتناعه من جهة أن صدق الوصفين المتقابلين ليس من حيثية ~~واحدة حتى يكون تناقضا ممتنعا ، بل من حيثيتين مختلفين حيث إن صدق المبتدأ ~~عليه من جهة كونه موجودا في الوقت الأول ، وصدق المعاد عليه من جهة كونه ~~موجودا في الوقت الثاني ، فلا سترة في أنه حينئذ يكون الامتياز بين المبتدأ ~~والمعاد مع كونه ضروريا عند العقل مرتفعا ، حيث صدق على ذات واحدة في حال ~~واحدة كونه مبتدأ ومعادا معا ، خصوصا إذا كان معادا مع جميع عوارضه وخواصه ~~كما هو المفروض. # وأيضا يلزم أن لا يكون معادا فقط كما هو المفروض ، بل يكون مبتدأ ومعادا ~~جميعا ؛ هذا خلف. # وأيضا إذا فرض إعادة الوقت الأول في الوقت الثاني وكون أحدها ظرفا للآخر ~~، لزم أن يكون للزمان زمان ، وهذا باطل بالضرورة ، لأن التقدم والتأخر ~~المفروضين بين زمان وزمان إنما هما بالذات ، وليس كالتقدم والتأخر بين ~~الزمانيات ، لأن زمانا ما إذا كان متقدما على زمان آخر لكونه واقعا في زمان ~~متقدم أو كان متأخرا عن زمان آخر لكونه واقعا في زمان متأخر كما في الصورة ~~المفروضة لا بالذات لكان تأخر ذلك الزمان المفروض كونه ظرفا للمتأخر منه ، ~~أو تقدمه عبارة عن وقوعه في زمان متأخر كذلك PageV01P279 # أو متقدم وهكذا ويلزم التسلسل في الزمان ، وهذا باطل. # أما عند القائلين بوجود حقيقة للزمان في الواقع كما هو عند القائلين ~~بامتناع إعادة المعدوم فظاهر ، لأنه على تقديره يلزم التسلسل في الحقائق ~~الواقعية في نفس الأمر ، وهذا باطل بالضرورة وبالبرهان. # وأما عند القائلين بكونه اعتباريا كما هو عند القائلين بجواز إعادة ~~المعدوم بعينه فكذلك ، لأن مرادهم به إن كان كونه اعتباريا محضا ، لا حقيقة ~~له في نفس الأمر أصلا ، فذلك باطل الضرورة ، وإن كان كونه اعتباريا واقعيا ~~منتزعا من موجود في الواقع ، فذلك ممنوع ، ويكون التسلسل فيه أيضا باطلا ms215 ~~كما في الأول. # وبما قررنا يندفع ما يتوهم هنا من أنه لا يلزم كون المعدوم مبتدأ ، لكونه ~~واقعا في الزمان الأول ، وإنما يلزم ذلك لو كان الوقت الأول أولا وليس كذلك ~~، بل إنما هو اعيد بعينه ووقع ثانيا ، فيكون الموجود فيه معادا فقط كما هو ~~المفروض لا مبتدأ أيضا. ### | في الإشارة إلى دفع توهم هنا # وبيان الاندفاع أن المراد بوقوعه ثانيا ليس هنا إلا فرض وقوعه في زمان ~~ثان ، وهو باطل ، كما عرفت بيانه. # ومحصل هذا الدليل على ما قررناه : إن المعدوم إذا اعيد ، فإما أن لا يعاد ~~وقته الأول ، فهذا باطل ، لأنه على تقديره يلزم أن لا يكون معادا بعينه ، ~~لأن الوقت أيضا من جملة المشخصات كما عرفت. وإما أن يعاد وقته الأول أيضا ، ~~وهو إنما يتصور على وجهين كما عرفت ، وعلى كل تقدير فيلزم أن لا يكون هناك ~~إعادة معدوم مع سائر المفاسد اللازمة كما عرفت. وعلى تقدير أن يكون هناك ~~إعادة معدوم ، فلا يلزم أن يكون المعدوم معادا بعينه أيضا كما هو المفروض ، ~~لأنه كما أن التفرقة بين الوقت الأول والثاني ضرورية ، وأحدهما ليس هو ~~الآخر بعينه ، كذلك التفرقة بين المبتدأ الواقع في الوقت الأول والمعاد ~~الواقع في الوقت الثاني ضرورية ، وأحدهما ليس هو الآخر بعينه. # وأيضا هذان الوصفان متقابلان ، فالموصوف بأحدهما لا يكون بعينه هو ~~الموصوف بالآخر ، فلا يكون المعاد هو المبتدأ بعينه ، فلا يكون هنا إعادة ~~المعدوم بعينه ، ففرض إعادة PageV01P280 # المعدوم بعينه يستلزم أن لا يكون هنا إعادة بعينه. وكذلك الوقت مع كونه ~~مشخصا سواء اعيد أم لا ، لم يكن هناك إعادة معدوم بعينه. # لا يقال : سلمنا أن هذين الوصفين متغايران ، وأن هذين الوقتين متغايران ، ~~لكن لا نسلم أن الواقع في أحدهما ليس هو الواقع في الآخر بعينه ، وأن ~~الموصوف بأحدهما مغاير للموصوف بالآخر بعينه. وهذا كما أن زيدا إذا كان في ~~زمان موصوفا بعدم الكتابة ، ثم صار في زمان آخر موصوفا بالكتابة ، فيصدق ~~عليه أنه موجود في الوقتين وموصوف بالكتابة وبعدمها ، مع أن الوجود ms216 في ~~الوقتين المتغايرين ، وصدق ذينك الوصفين عليه ، لا يستلزم أن يكون من حيث ~~وجوده في أحد الزمانين واتصافه بأحد الوصفين المتغايرين ، مغايرا لنفسه من ~~حيث وجوده في الزمان الآخر واتصافه بالوصف الآخر. # لأنا نقول : هذا مسلم فيما إذا كان التشخص ، أي نحو من الوجود الخاص أو ~~ما هو لازم له باقيا في الحالين كما في المثال المذكور ، وأما إذا لم يكن ~~باقيا كما في صورة إعادة المعدوم بعينه فلا يتميز عند العقل أن الواقع في ~~أحد الوقتين ، والموصوف بأحد الوصفين المتقابلين ، أهو الموجود في الوقت ~~الآخر والموصوف بالوصف الآخر بعينه أم لا؟ بل ربما يغلب على العقل أنه غيره ~~، فتدبر. # والحاصل أن فرض إعادة المعدوم بعينه مما يستلزم محالا على كل تقدير ، وما ~~كان كذلك فهو محال بالضرورة. والله أعلم بالصواب. ### | في تحرير ما ذكره الشيخ بعد دليله الثاني # ثم إن قول الشيخ : «فإن كان المعدوم يجوز إعادته وإعادة جملة المعدومات ~~التي كانت معه ، والوقت إما شيء له حقيقة وجود وقد عدم أو موافقه موجود (1) ~~لعرض من الأعراض على ما عرفت من مذهبهم ، جاز أن يعود الوقت والأحوال فلا ~~يكون وقت ووقت ، فلا يكون عود». # إن كان مبناه على فرض إعادة الوقت ، على أنه من المشخصات كالسابق على أن ~~يكون المراد بقوله : «وإعادة جملة المعدومات التي كانت معه» إعادة جملة ~~المعدومات PageV01P281 # التي لها مدخل في تشخص المعدوم ، كان هذا الكلام منه من تتمة السابق ، أي ~~الدليل الثاني وزيادة بيان له ، فلذا قال في السابق في بيان لزوم المحال : ~~«فإذا اعيد وقته كان المعدوم غير معاد» ، وقال هاهنا : «فلا يكون وقت ووقت ~~فلا يكون عود» حيث رتب عليه لزوم عدم كون عود أي ذلك المحال السابق ، وعلله ~~بأنه لا يكون وقت ووقت ، وهو محال آخر على ما سيجيء بيانه. # وإن كان مبناه على فرض إعادة الوقت مطلقا ، سواء اعتبر كونه من المشخصات ~~أم لا بناء على أن يكون المراد بقوله : «وإعادة جملة المعدومات» إعادة جملة ~~المعدومات مطلقا سواء اعتبر كونها من ms217 جملة المشخصات للمعدوم أم لا ، فهذا ~~الكلام منه يحتمل وجهين : أحدهما كونه من تتمة السابق أيضا كما عرفت. ~~والثاني كونه دليلا آخر ثالثا على المطلوب. أما كونه تتمة للسابق ، فعلى ~~سبيل التنزل ، يعني أنه قال أولا إن الوقت من جملة المشخصات وأنه لو اعيد ~~المعدوم ، لوجب أن يعاد وقته الأول أيضا وأورد عليه محالا ، وهو أنه يكون ~~المعدوم غير معاد مع فرض إعادته ، لأن المعاد هو الذي يوجد في وقت ثان. # وقال ثانيا إنا لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا عدم كون الوقت من المشخصات ، ~~للزم ذلك المحال أيضا ، لأنه لو جاز إعادة المعدوم لجاز إعادة الوقت أيضا ، ~~لأنه أيضا من جملة المعدومات ، بل جاز إعادة كل حال وصفة معدومتين كانتا مع ~~المعدوم ، فإن المفروض جواز إعادة المعدوم ، أي معدوم كان ، ولا دليل هنا ~~يخصص الحكم ببعض المعدومات دون بعض ، فالوقت اذا اعيد سواء فرض كونه مشخصا ~~أو غير مشخص ، لزم أن لا يكون هنا وقت ووقت ، ولزم أيضا أن لا يكون عود. # ومنه يعلم بيانه على تقدير كونه دليلا آخر. والحاصل أنه إذا جاز إعادة ~~المعدوم ، لجاز أن يعاد وقته الأول أيضا نفسه ، سواء كان الواقع هناك هو ~~ذلك الوقت فقط من دون وجود وقت آخر ثان ، هو يكون ظرفا له أو مظروفا له أو ~~يكون الواقع هناك وقت آخر كذلك ، وعلى كل تقدير فيلزم أن لا يكون وقت ووقت ~~، إذ يكون حينئذ الوقت الأول ثانيا ، والثاني أولا ، فلا يكون امتياز وتقدم ~~وتأخر بين أجزاء الزمان بالذات ، والقول به سفسطة ، ومع ذلك فلا يكون حينئذ ~~إعادة معدوم كما هو المفروض. # أما على تقدير فرض كون الوقت من جملة المشخصات سواء كان الموجود هناك PageV01P282 # هو الوقت الأول فقط ، أو كان الموجود معه وقت آخر ثان أيضا ، يكون أحدهما ~~ظرفا للآخر فظاهر كما مر بيانه سابقا. # وأما على تقدير فرض عدم كون الوقت من المشخصات ، فكذلك أيضا لأن الوقت ~~الأول وإن لم يكن من جملة المشخصات لكن وجود المعدوم المعاد فيه يستلزم ms218 ~~كونه مبتدأ فقط ، إن لم يكن هناك وقت سواه ، ومبتدأ ومعادا جميعا إن كان. # وعلى كل تقدير فليس هنا إعادة المعدوم فقط ، بل إما ابتداء وجود فقط ، أو ~~ابتداء وجود مع إعادة معدوم. وأيضا لا يكون هنا إعادة معدوم بعينه كما مر ~~بيانه ، فتذكر. # وأيضا على تقدير فرض وقتين هناك سواء فرض كون الوقت من المشخصات أم لا ، ~~يلزم التسلسل في الزمان كما مر بيانه أيضا. وبالجملة يلزم على تقدير هذا ~~الفرض أي فرض إعادة الوقت مطلقا ، سواء كان مشخصا أم لا ، ما يلزم على ~~تقدير فرض إعادته على تقدير كونه مشخصا كما فصلناه ، إلا بعضا مما يختص ~~بتقدير كونه مشخصا ، فتدبر تعرف. # ولا يخفى عليك بما بيناه أنه يلزم على كل تقدير محالات عديدة ، وإن كان ~~الشيخ قد اكتفى بذكر بعضها لحصول الغرض به. # ثم إن قول الشيخ : «والوقت إما شيء له حقيقة وجود أو موافقة وجود لعرض من ~~الأعراض» على ما عرفت من مذهبهم إشارة إلى ما حققه في الطبيعيات من الشفاء ~~في فصل تحقيق ماهية الزمان فليطالع ثمة. # وبالجملة أشار به إلى كون الزمان أمرا واقعيا في نفس الأمر كسائر الامور ~~الواقعية لا أمرا اعتباريا محضا ، وأن فرض إعادته على تقدير القول بإعادة ~~المعدوم ، ليس بممتنع ، كما في نظائره من الواقعيات المعدومة. # وكذلك التسلسل فيه محال كما في غيره من الامور الواقعية. # وبما حررنا الدليل وقررناه ، يندفع عنه اعتراض أورده الشارح القوشجي في ~~شرح التجريد هنا. # قال : إنه استدلال بمقدمتين لا تجتمعان في الصدق ، لأن الوقت إن كان من ~~المشخصات لم يصح القول بأن المبتدأ في زمان سابق والمعدوم في زمان لاحق ، ~~لامتناع التغاير بين المبتدأ والمعاد بحسب العوارض المشخصة ، وإن لم يكن ~~مشخصا ، لم يصح PageV01P283 # القول بأنه يلزم إعادته ، لأن اللازم إنما هو إعادة العوارض المشخصة لا ~~إعادة جميع العوارض. انتهى. (1) # وبيان الاندفاع ظاهر باختيار كل من الشقين. # أما باختيار الشق الثاني فبأن يقال : إنا لم نقل بإعادة الوقت حينئذ ، ~~لأنه من جملة المشخصات ، بل لأنه ms219 من جملة المعدومات ، وكونه مما كان له ~~حقيقة عند وجوده ، والمفروض إعادة المعدوم مطلقا ، إذ لا دليل على تخصيص ~~الحكم ببعض المعدومات دون بعض ، وعلى تقدير إعادته يلزم المحال كما ذكرنا. # وأما باختيار الشق الأول فبأن يقال : لا يخفى أن التغاير بين المبتدأ ~~والمعاد بكون الأول واقعا في وقت أول والثاني واقعا في وقت ثان ، مما لا ~~يمكن إنكاره ، سواء كان ذلك تغايرا بحسب العوارض المشخصة أم لا ، فإذا فرض ~~إعادة المعدوم بعينه وفرض معه إعادة الوقت أيضا ، لأنه من جملة مشخصاته ، ~~لزم من ذلك محال مبني على ذلك التغاير ، فأما أن يلزم هو من فرض إعادة ~~الوقت ، فذلك باطل ، لأنه على تقدير فرض جواز إعادة المعدوم لا امتناع في ~~فرض إعادة الوقت معه أيضا ، ولا سيما إذا كان من مشخصاته. فبقي أن يكون ~~منشأ لزوم ذلك المحال فرض إعادة المعدوم ، فهو باطل وهو المطلوب. # ثم إن قول الشيخ : «على أن العقل يدفع هذا دفعا ولا يحتاج فيه إلى بيان ~~وكل ما يقال فيه فهو خروج عن طريق التعليم ، دليل آخر على المطلوب ثالث أو ~~رابع قد ادعى فيه بداهة الحكم بامتناع إعادة المعدوم بعينه.» ### | في تحرير ما ذكره الشيخ في الشفاء أخيرا # وهذه البداهة قد ادعاها غير الشيخ أيضا ، كما نقله الفاضل الأحساوي عن ~~بعضهم بعد ذكر الأدلة الثلاثة على امتناع العود والإيراد عليها حيث قال : # قال بعض من منع أن هذه الوجوه تنبيهية لا استدلالية ، فلا يرد عليها ما ~~ذكره ، فإن الحكم بامتناع إعادة المعدوم من الأحكام الضرورية ، فإن من ~~انعدمت هويته بالكلية ، لا يصح اتصافه بشيء من الصفات الضرورية ، والعود ~~صفة ضرورية ثبوتية لا حقة له. PageV01P284 # فلا يصح ثبوتها لمن لا هوية له قطعا. (1) وكما قد ادعى تلك البداهة بعض ~~من الفضلاء أيضا ، ونبه على ذلك بأنه نظير الطفرة في المكان ، وكما أن تعلق ~~الجسم بمكان ثم تعلقه بمكان ثالث من غير أن يتعلق بمكان ثان بين المكانين ~~محال بالبديهة ، حيث يلزم منه وجوده في مكان أول ms220 ، ثم انعدامه في المكان ~~الثاني ، ثم وجوده في مكان ثالث ، وهذا محال بالبديهة ، كذلك تعلق شيء ~~موجود بزمان أي وجوده فيه ثم انعدامه في زمان آخر بعده ، ثم تعلقه بزمان ~~ثالث أي وجوده فيه ، محال بالبديهة. ولا يخفى عليك وقع النظير والتنبيه. # ثم إنه لا يخفى أنه لا يرد على الحكم بالبداهة الاعتراض الذي نقله الفاضل ~~الأحساوي عن بعضهم ، حيث قال : واعترض عليه بأن تجويز نقيضه يمنع من كونه ~~ضروريا ، فإن الشيء مع جواز النقيض لا يصح أن يكون ضروريا. # وحاصل الاعتراض أن الحكم البديهي كيف يكون مختلفا فيه بين العقلاء كما ~~فيما نحن فيه. # وبيان عدم الورود أن الحكم البديهي ، قد يكون خفيا لعدم تصور الأطراف أو ~~لخفائه ، ولذلك ربما أمكن أن يكون مختلفا فيه بين العقلاء ، وأما بعد تصور ~~أطرافه فيكون بداهة ذلك الحكم ظاهرة لا سترة فيها ، خصوصا بعد ذكر المنبه عليه. # ولا يخفى أن ما نحن فيه من هذا القبيل ولا أظنك أن تكون في مرية من هذا ~~إن خليت ونفسك. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. # وهذا الذي ذكرناه كله إنما هو تحرير ما في الشفاء ، وبما حررنا كلامه في ~~الدليل الأول يعلم تحرير ما ذكره في التعليقات في هذا المطلب ، فإنه عند ~~النظر الدقيق ، لا مخالفة بينهما في أصل المدعى إلا في بعض الخصوصيات ، ~~ولذا لا نبالي بإعادة تحريره. # فنقول : إن تحريره أن يقال : إذا وجد شيء وقتا ما ثم لم يعدم واستمر ~~وجوده في وقت آخر وعلم ذلك أو شوهد ، علم أن الموجود واحد ، وأما إذا عدم ~~فلا. لأنه لو كان الموجود ثانيا عين السابق وجاز إعادة المعدوم بعينه ، فلا ~~يخفى أنه يمكن أن يفرض حينئذ محدث جديد يكون مماثلا للمعاد في الموضوع ~~والحدوث والزمان وغير ذلك ولا يخالفه إلا بالعدد وإلا في النسبة التي ينبغي ~~أن تنظر أنهما هل يمكن أن يختلفا فيها أم لا؟ فليكن PageV01P285 # الموجود السابق «ألف» وليكن المعاد «ب» وليكن المحدث الجديد المماثل له ~~«ج». فنقول : إما أن يكون ms221 كل من «ب» و «ج» منسوبا إلى «ألف» بأن يكونا عينه ~~، وإما أن لا يكون شيء منهما منسوبا إليه كذلك ، وإما أن يكون أحدهما وهو ~~«ب» منسوبا إليه دون الآخر وهو «ج». # وعلى الأول يكون كل من «ب» و «ج» منسوبا إلى «ألف» وعينه ، فيكون الشيئان ~~الاثنان المتخالفان بالعدد عين شيء واحد بالذات أي «ألف» ، فهو محال ~~بالضرورة. # وأيضا يكون كل منهما معادا ليس شيء منهما مثلا مستأنفا ؛ هذا خلف. # وعلى الثاني فلا يكون شيء منهما معادا كما هو المفروض ، بل يكون كل منهما ~~مثلا مستأنفا وموجودا ابتدائيا ؛ هذا خلف. # وعلى الثالث فنسأل ونقول لم صار «ب» مثلا منسوبا إلى «ألف» بالعينية ولم ~~يصر «ج» منسوبا إليه كذلك ، ولم صار «الف» أولى ل «ب» دون «ج» ؛ فإن اجيب ~~بأنهما كذلك ، لأنهما كذلك ، فهو نفس هذه النسبة وأخذ المطلوب في بيان نفسه ~~، بل للخصم أن يقول بالعكس وأن «ألف» كان ل «ج» وأن «ج» منسوب إلى «ألف» ~~دون «ب». وإن اجيب أن «ألف» أولى ل «ب» ، لأنه كان «ب» قبل هذه الحالة ، أي ~~في حال العدم منسوبا إلى «ألف» بالعينية وكون «ألف» أولى له ، ولا كذلك «ج» ~~، فيحصل هنا خبر إيجابي ثبوتي ، بل خبران إيجابيان ثبوتيان وهو أن «ب» في ~~حال العدم كان «ألف» وأنه في تلك الحال كان «ألف» أولى له ، وقد حكم فيهما ~~بثبوت أمر واقعي للموضوع في الواقع واتصافه به ، فيقتضي وجوده في ظرف ~~الثبوت وظرف الاتصاف ، أي في الواقع ، وقد فرض عدمه في الواقع ، فأما أن ~~يصار إلى القول بصيرورة المعدوم الواقعي في حال العدم وعلى وصف العدم ~~موجودا في الواقع حينئذ وهو محال بالضرورة. وأما أن يصار إلى القول بأن ذلك ~~المعدوم في حال عدمه ، له وجود في نفس الأمر في علم البارئ تعالى شأنه أو ~~في المبادئ العالية ، وذلك أيضا وجود واقعي له ، فذلك أيضا باطل ، لأنك قد ~~عرفت فيما تقدم أن الوجود العلمي وجود ذهني له ، لا واقعي ، لأن الوجود ~~الواقعي لا نعني به ms222 إلا ما يترتب عليه الآثار المطلوبة منه وليس كذلك. # بلى إذا صح مذهب من يقول إن الشيء يوجد فيفقد من حيث هو موجود ، ويبقى من PageV01P286 # حيث ذاته بعينه ذاتا لم يفقد من حيث هو ذات ، ثم يعاد إليه الوجود ، ~~كالمعتزلة القائلة بثبوت المعدوم وبإعادة المعدوم ، أمكن أن يقال بالإعادة ~~وبصحة ذلك الخبر الإيجابي أو ذينك الخبرين الإيجابيين في حال عدم وجود ~~الموضوع حتى يبطل ذلك المذهب من وجوه اخرى كما تبين في محله. # وإذا لم يسلم ذلك ولم يجعل للمعدوم في حال العدم ذات ثابتة كما هو عند ~~غيرهم ، وهو الحق ، لم يكن أحد الحادثين بخصوصه ك «ب» مثلا مستحقا لأن يكون ~~قد كان له «ألف» وهو الموجود السابق دون الحادث الآخر ك «ج» ، بل إما أن ~~يكون كل منهما معادا إذا كان كل منهما منسوبا إلى «ألف» بالعينية وهو خلاف ~~الفرض ، ومع هذا يلزم صيرورة الاثنين المتخالفين بالعدد واحدا ، وأن لا ~~يكون بينهما امتياز أصلا مع فرض الامتياز بالشخص ، أو لا يكون ولا واحد ~~منهما معادا ، إذا لم يكن شيء منهما منسوبا إلى «ألف» بالعينية ، وهذا أيضا ~~خلاف الفرض. وإذا كان المحمولان الاثنان يوجبان كون الموضوع لهما مع كل ~~واحد منهما غير نفسه مع الآخر بالاعتبار ، فإن استمر الموضوع موجودا واحدا ~~وذاتا ثابتة واحدة ، كان باعتبار الموضوع الواحد القائم موجودا وذاتا شيئا ~~واحدا وبحسب اعتبار المحمولين شيئين اثنين ، كما إذا فرضنا أنه وجد شيء ~~وقتا ما ثم لم يعدم واستمر وجوده في وقت آخر وعلم ذلك أو شوهد ، وفرضنا صدق ~~المحمولين عليه أي «ألف» و «ب». أو الوجود السابق والوجود اللاحق ، فإذا ~~افقد استمراره في نفسه ذاتا واحدة كما في صورة انعدامه ، وفرض صدق ذينك ~~المحمولين عليه ، بقي له الاثنينية الصرفة الذاتية الواقعية لا الاعتبارية فقط. # وبالجملة إذا فرضنا انعدام الموجود السابق وفقدان ذاته ، وفرضنا صدق ~~«ألف» عليه حين الوجود السابق ، وصدق «ب» عليه حين الوجود اللاحق ، لا يعلم ~~حينئذ أنه ذات واحدة صدق عليه المحمولان ، وكان هو مع ms223 صدق أحد المحمولين ~~مغايرا لنفسه بالاعتبار مع صدق الآخر عليه ، بل المعلوم هنا هو الاثنينية ~~الصرفة وأن «ألف» و «ب» متغايران بالذات وشيئان اثنان في الواقع. # وبالجملة أنه يلزم على كل تقدير مع لزوم المحال المختص به ، أن لا يكون ~~بين المعاد والمثل المستأنف المفروض امتياز في اختصاص المعاد بصفة الإعادة ~~دون المثل ، وهذا PageV01P287 # خلاف الفرض ، فمن أين يمكن أن يقال بإعادة المعدوم بعينه وهو المطلوب. # وبما ذكرنا تم تحرير كلامه في التعليقات ، ومنه يعلم أن كلامه في ~~الكتابين متوافقان في أصل المقصود ، لا تخالف بينهما. # إلا في بعض الخصوصيات في التقرير والعبارة. # وإلا أن كلامه في التعليقات في كونه بحيث يمكن أن ينفهم منه انفهاما ~~ظاهرا أن اللازم على تقدير فرض إعادة المعدوم وفرض وجود مثل له ثلاثة ~~محالات ، يلزم كل منها عن تقدير كما فصلناه مخالف لكلامه في الشفاء ، فإن ~~انفهامه منه ، ليس بتلك المثابة ، حيث إنه في التعليقات ، أشار إلى جميعها ~~، فإن مفاد كلامه فيها أنه على فرض إعادة المعدوم وفرض وجود مثل له مستأنف ~~، ليس أحد الحادثين كالمعاد مستحقا لأن يكون له الموجود السابق دون المثل ~~المستأنف ، وأن المعاد ليس مختصا بصفة الإعادة ، دون المثل المفروض ، بل ~~إما أن يكون كل منهما معادا أو لا يكون شيء منهما معادا ، وأنه في الشفاء ~~أشار إلى أن اللازم هو واحد من تلك المحالات. حيث قال : ومن تفهيمنا هذه ~~الأشياء يتضح لك بطلان قول من يقول إن المعدوم يعاد ، لأنه أول شيء يخبر ~~عنه ، وذلك لأن المعدوم إذا اعيد يجب أن يكون بينه وبين ما هو مثله لو وجد ~~فرق ، فإن كان مثله إنما ليس هو ، لأنه ليس الذي كان وعدم وفي حال العدم ~~كان هذا غير ذلك ، فقد صار المعدوم موجودا على النحو الذي أومأنا إليه فيما سلف. # وإلا أن ما في الشفاء ظاهره أن ذلك المحال اللازم هو صيرورة المعدوم ~~موجودا وينفهم منه عدم صحة ذلك الحكم الإيجابي الضمني اللازم على تقدير فرض ~~الإعادة. أي قولنا : إن ms224 المعاد حال العدم هو الموجود السابق وأنه غير ~~المحدث الجديد المفروض مثلا له ، وأن ما في التعليقات ظاهره عدم صحة نسبة ~~المعاد بالعينية إلى الموجود السابق دون المثل المستأنف ، وعدم أولوية ~~استحقاق المعاد لأن يكون قد كان له الموجود السابق دون المثل المفروض. # وهذان الأمران اللذان يستفادان من هذين الكلامين وإن كان أحدهما غير ~~الآخر بحسب المعنى الظاهري ، إلا أن مآلهما واحد عند التحقيق. # ويلزم منهما محال آخر أيضا ، هو بالمآل راجع إليهما ، وهو عدم امتياز ~~المعاد عن PageV01P288 # المثل المستأنف المفروض في اختصاصه بصفة الإعادة كما هو المفروض ؛ هذا ~~خلف. وينبغي أن يحمل أحد الأمرين على الآخر ، بل أن يحمل كل من الكلامين ~~على أنه يلزم من الفرض المذكور كل من ذينك الأمرين اللذين مآلهما واحد ، ~~ويلزم منهما المحال الآخر الذي هو راجع إليهما أيضا. # وكذا ينبغي أن يحمل ما في الشفاء في الدليل الأول على تمام ما في ~~التعليقات في هذا المطلوب ، وبالعكس تطبيقا بين الكلامين ، وتصحيحا لهما ~~بقدر الإمكان ، والله المستعان. ### | نقل كلام من المحقق الدواني في هذا المقام والإشارة إلى ما فيه # ثم إن المحقق الدواني في الحاشية على شرح التجريد في مقام توجيه كلام ~~المحقق الطوسي رحمه الله في الدليل الأول على هذا المطلب ، وأن ليس غرضه منه ~~ما فهمه الشارح القوشجي منه ، وأورد عليه الاعتراض بالوجوه الثلاثة بعد أن ~~نقل كلام الشيخ في التعليقات ، قال بهذه العبارة : # وليس فيه استدلال على امتناع العود بامتناع الحكم على المعدوم كما ذكره ~~المتأخرون ، وكيف يتصور من عاقل مثل هذا الاستدلال ، بل محصله أن العدم ~~عبارة عن فقدان الذات ، وبطلانه ، فلا يكون موضوع الوجودين والعدم شيئا ~~واحدا ، لعدم انحفاظ وحدة الذات حال العدم. فامتياز المعاد عن المستأنف ~~المفروض ، واختصاصه بصفة الإعادة إن كان لكونه ثابتا من حيث الذات في حال ~~العدم ، فهو باطل ، لأن المعدوم لا هوية له ، وإن كان لكونه معروض الوجود ~~أولا فهو عين النسبة التي وقع النظر في إمكانها ، وذلك غير متصور مع فقدان ~~الاستمرار ، لأنه ms225 يوجب الاثنينية الصرفة. والظاهر أن ذلك مقصود المصنف ، ~~وكلامه ظاهر الانطباق عليه من غير كلفة ، فإن ظاهر قوله : «فلا يصح الحكم ~~عليه بصحة العود» أنه لا يصدق الحكم عليه بها فيندفع عنه تلك الإيرادات ~~المبنية على ما قرره. # نعم يبقى أن يقال : المعدوم في الخارج يجوز أن يبقى في نفس الأمر بحسب ~~الذهن ، فينحفظ وحدته بحسب ذلك الوجود ، ويندفع بأن الموجود في الذهن في ~~الحقيقة هو الهوية المكتنفة بالمشخصات الذهنية ، واتحادها مع الموجود ~~الخارجي بمعنى أنها بعد PageV01P289 # التجريد عينه ، فليست إياه مطلقا بالفعل ، فتأمل. انتهى كلامه. (1) # وأقول : قوله : «وليس فيه استدلال إلى آخره.» # قد عرفت مما قررنا كلام التعليقات أنه يستفاد منه ذلك الاستدلال أيضا لكن ~~لا في قولنا : «المعدوم يعاد» كما فهمه الشارح القوشجي واعترض عليه ، بل في ~~ذلك الخبر الضمني المتضمن له القول بصحة الإعادة ، أي قولنا : «المعدوم حال ~~العدم عين الموجود السابق أو غير المثل المستأنف» وإن كان دلالة كلام ~~الشفاء عليه أظهر. # وبالجملة لا غبار على هذا الاستدلال بهذا الوجه ، لو استدل به أحد ويتصور ~~ذلك من العقلاء. # وقوله : «بل محصله أن العدم عبارة إلى آخره » هذا إشارة إلى بعض ما ~~يستفاد من كلام التعليقات من لزوم المحالات لا إلى كله ، فإنك قد عرفت أنه ~~يدل على أنه على تقدير فرض إعادة المعدوم وفرض وجود مثل مستأنف معه يرد ~~محالات عديدة وهذا أحدها. وكأنه في قوله : «بل محصله» اكتفى به ، لكونه ~~لازما على كل تقدير من التقديرات كما بيناه سابقا. # وقوله : «فامتياز المعاد عن المستأنف المفروض واختصاصه بصفة الإعادة». # هذا منه ، يدل على أن مراده فيما نقلنا عنه في كلام الشارح سابقا من قوله ~~: «إذ محصله أنا نفرض المثل المذكور ونقول لا امتياز بينهما أصلا ، إذ لو ~~كان بينهما امتياز إلى آخره » عدم الامتياز بينهما في كون المعاد مختصا ~~بصفة الإعادة دون المثل لا عدم الامتياز بينهما مطلقا كما هو ظاهرة ، حتى ~~يرد أن ذلك مع فرض كونهما متخالفين بالعدد خلاف الفرض كما أوردنا ، وإن كان ms226 ~~الإيراد الآخر الذي أوردنا عليه هنالك من أن الاعتراف بعدم إمكان المثل مع ~~فرض وجوده كما فعله لا يجدي شيئا وارادا عليه ، فتذكر. # وقوله : «إن كان لكونه ثابتا من حيث الذات إلى قوله لأنه يوجب الاثنينية ~~الصرفة» ، هذا حاصل ما فهمه من كلام الشيخ ، وقد ذكرنا أيضا تقريره بعبارة ~~اخرى هي ألصق بكلامه ، فتذكر. # وقوله : «والظاهر أن ذلك مقصود المصنف رحمه الله وكلامه ظاهر الانطباق ~~عليه من غير PageV01P290 # كلفة» ، فإن ظاهر قوله فلا يصح الحكم عليه بصحة العود أنه لا يصدق الحكم ~~عليه بها لما كان ظاهر قول المحقق الطوسي «والمعدوم لا يعاد لامتناع ~~الإشارة إليه فلا يصح الحكم عليه بصحة العود» أنه لا يصح الحكم عليه بها في ~~القضية التي وقع محمولها هذا المفهوم أي صحة العود ، وموضوعها المعدوم ، أي ~~قولنا : المعدوم يصح عوده أو يجوز عوده أو يعاد ، وكان ظاهر عدم صحة هذا ~~الحكم امتناعه ، وكان هذا دالا على ما فهمه الشارح القوشجي منه ، وأورد ~~عليه الاعتراض بالوجوه الثلاثة ، مع أنه كان هذا الادعاء غير مطابق للواقع ~~، حيث إنه لو امتنع هذا الحكم لما حكم به القائلون بجواز الإعادة والحال ~~أنهم قد حكموا بذلك ، فلذا قال : إن معنى قوله : «فلا يصح الحكم عليه بصحة ~~العود» أنه لا يصدق الحكم عليه بها أي لا يكون ذلك الحكم حقا مطابقا للواقع ~~، بل باطلا وأشعر بذلك أن ذلك نتيجة للدليل ، ومتفرع عليه ، لا أنه دليل ~~على المطلوب ، كما فهمه الشارح القوشجي وأورد عليه. وأن حاصل الدليل الذي ~~ذكره المحقق الطوسي على امتناع إعادة المعدوم ، هو أن يقال : إن المعدوم لا ~~يعاد ، أي لا يصح عوده ، لأنه لو جاز عوده لجاز فرض وجود مثل له مستأنف ، ~~كما ذكر ، وحينئذ نقول : فامتياز المعاد عن المثل المفروض في اختصاصه بصفة ~~الإعادة مع تماثلهما إنما يكون بأن يجوز الإشارة العقلية إلى هويته ~~الخارجية في حال العدم لحصول الامتياز المذكور حتى يصح أن يقال : إنه منسوب ~~إلى الموجود السابق دون المثل المستأنف ، وليس كذلك ، لامتناع الإشارة ms227 ~~العقلية إلى هويته الخارجية ، فلا يصح الحكم عليه بصحة العود. # ومعناه أنه لا يكون ذلك الحكم الذي حكمه مجوزو الإعادة صادقا وحقا مطابقا ~~للواقع بل باطلا غير مطابق له ، لا أنه يكون ذلك الحكم ممتنعا إذ لا امتناع ~~في أصل ذلك الحكم. كيف وقد حكم به كثير من العقلاء أي المجوزون للإعادة. ~~وهذا على ما فهمه المحقق الدواني من كلام الشيخ في التعليقات. # وأما على ما فهمناه منه ومن كلامه في الشفاء ، فنقول : لو جاز عود ~~المعدوم لجاز فرض وجود مثل له. # فإما أن لا يكون شيء منهما منسوبا إلى الموجود السابق بالعينية فهذا ~~يقتضي أن لا يكون شيئا منهما معادا ؛ هذا خلف. PageV01P291 # وإما أن يكون كل منهما منسوبا إليه كذلك ، فهذا يقتضي أن يكون كل منهما ~~معادا ، وهو أيضا خلاف الفرض. # وإما أن يكون أحدهما وهو المعاد ، منسوبا إليه كذلك دون المثل المفروض ، ~~فهذا يقتضي أن يكون للمعاد في حال العدم نسبة إلى الموجود السابق بالعينية ~~، بل إلى المثل أيضا بالغيرية فيقتضي أن يحكم هناك بحكمين واقعيين ثبوتيين ~~يقتضيان وجود الموضوع في الخارج والإشارة العقلية إلى هويته الخارجية ، ~~وليس الأمر كذلك ، لامتناع الإشارة العقلية إلى هوية المعدوم في حال العدم ~~ومع وصف العدم. وعلى هذا أيضا فلا يكون الحكم عليه لصحة العود حقا مطابقا ~~للواقع بل باطلا. ### | في الإشارة إلى توجيه الدليل الأول ### ||| * الذي ذكره المحقق الطوسي على هذا المطلب # وعلى التوجيهين فحمل كلام المحقق الطوسي على ما ينفهم من كلام الشيخ في ~~الكتابين ممكن بلا سترة ، وقد أشرنا إليه فيما سبق أيضا إلا أنه يحتاج إلى ~~أدنى عناية وليس ذلك تكلفا. ولو سلمنا كونه تكلفا ، فلا يخفى أنه تكلف سهل ~~، يرتكب مثله ، ولا سيما في مقام التوجيه كثيرا ، ولذلك قال المحقق الدواني ~~: «والظاهر أن ذلك مقصود المصنف ، وكلامه ظاهر الانطباق عليه من غير كلفة ~~إلى آخره .» وقوله : «نعم يبقى أن يقال إلى آخره » هذا الإيراد إنما يرد ~~على ما قرره كلام الشيخ في التعليقات به ، ومبناه على وجود ms228 الأشياء ~~بأعيانها في الذهن كما هو التحقيق عندهم. وأما على ما قررناه وذكرنا أنه ~~محتمل فيه ، وهو ظاهر كلامه في الشفاء ، فلا يرد إيراد ، إذ لا سترة في أن ~~ذلك الخبر الضمني اللازم على تقدير الفرض المذكور يقتضي وجود الموضوع في ~~الخارج ، مع كون المفروض عدمه في الخارج ، وفي أن وجوده في الذهن في نفس ~~الأمر سواء قيل بوجود الأشياء بأعيانها في الذهن ، أو قيل بوجودها بأشباحها ~~فيه ، ليس وجودا خارجيا أو واقعيا له كما يقتضيه ذلك الخبر ، كما بيناه ~~فيما سبق. # وبالجملة فعلى ما قررناه لا يرد إيراد ، ولو أورد أيضا يكون اندفاعه ~~ظاهرا بأدنى تأمل. وأما على ما قرره هو ، فمع ورود الإيراد الذي أورده عليه ~~لا يخلو ما ذكره في وجه اندفاعه PageV01P292 # عن نظر وتأمل. ولذلك أمر بالتأمل وذلك النظر مثل النظر الذي أورده فيه ~~المحشي م ن الشيرازي ، حيث قال في قوله : «ويندفع بأن الموجود في الذهن إلى ~~آخره » فيه نظر ظاهر ، فإن كون الموجود في الذهن شخصا ذهنيا محفوفا بعوارض ~~، يكون بعد التجريد عين الشخص الخارجي ، لا ينفي كونه عين الشخص الخارجي ~~محفوظا في الذهن وموجودا فيه محفوفا بتلك العوارض. بل الحق في الجواب أن ~~يقال : إن الحكم بأن «ب» مثلا في الخارج هو ما كان «ألف» فى الخارج يستدعي ~~حفظ الذات واستمراره في الخارج ، ولا ينفع كونها في الذهن محفوظة ، نعم ~~الحفظ في الذهن إنما ينفع العلم بأن «ب» كان «ألف» وأما أن «ب» كان «ألف» ~~في الخارج فلا بد فيه من أن لا يكون الذات مفقودة في الخارج ، فليتأمل. انتهى. # وإن كان الجواب الحق الذي ذكره هو أيضا محل تأمل. فلذا أمر بالتأمل وكأن ~~وجه التأمل ، أن لقائل أن يقول : لعله كان العلم بأن «ب» كان «ألف» كافيا ~~في المقصود ، أي في امتياز المعاد عن المثل المستأنف المفروض ، لا بد لنفي ~~ذلك من دليل. وحيث كان هذا الجواب أيضا محل تأمل كجواب المحقق الدواني ، ~~ظهر أن التقرير الأتم والأحسن ما ذكرناه ، فتبصر. # ثم ms229 إنه حيث اتضح بما ذكرنا تقرير كلام المحقق الطوسي في التجريد في دليله ~~الأول ، واتضح أيضا بما ذكرنا تقرير ما ذكره في دليله الثالث بقوله : «ولم ~~يبق فرق بينه وبين المبتدأ وصدق المتقابلان عليه دفعة ويلزم التسلسل في ~~الزمان» ، فلنتكلم في تقرير دليله الثاني الذي ذكره بقوله : «ولو اعيد ~~لتخلل العدم بين الشيء ونفسه». (1) # فنقول : إن الظاهر أن مقصوده أنه لو اعيد المعدوم بعينه ، أي لو جاز كون ~~شيء واحد موجودا بوجود أولا ثم زوال ذلك الوجود عنه في زمان آخر ثم وجوده ~~بذلك الوجود في زمان ثالث ، فإما أن يكون الموجود بالوجود أخيرا غير ~~الموجود بالوجود أولا ، غيرية بالذات وبالشخص ، وكذا الوجودان ، فحينئذ لا ~~يكون إعادة معدوم أصلا فضلا عن أن يكون إعادة معدوم بعينه كما هو المفروض ، ~~لكون الموجودين بالوجودين ، وكذا الوجودين متغايرين بالذات وبالشخص. وإما ~~أن يكون عينه عينية بالذات وبالشخص PageV01P293 # فحينئذ يلزم أن يكون العدم متخللا بين الشيء ونفسه أي بين الموجود الأول ~~ونفسه ، وكذا بين الوجود أولا ونفسه ، وهذا محال ، لأن تخلل شيء إنما يتصور ~~بين شيئين لا بين شيء واحد. # مضافا إلى أنه لا يتصور تخلل نقيض شيء كالعدم بين شيء ونفسه كالوجود. # وأيضا يلزم منه أن يكون شيء واحد أي العدم سابقا على شيء واحد ، أي ذلك ~~الموجود أو وجوده ، وكذا مسبوقا أيضا بذلك الشيء سابقية ومسبوقية بالزمان. # ويلزم أيضا منه سبق ذلك الشيء على نفسه بالزمان. إذ السابق على السابق ~~على شيء سابق عليه ، وكذا المسبوق بالمسبوق به مسبوق به ، وكل ذلك ممتنع ، ~~ولزومه على تقدير الفرض المذكور ظاهر بأدنى تأمل. # وقد ذكر الشارح القوشجى في هذا الدليل كلاما بهذه العبارة : «ولو اعيد ~~لتخلل العدم بين الشيء ونفسه إذ المفروض أن المعاد هو المبتدأ بعينه ، ~~وتخلل شيء إنما يتصور بين شيئين. # والجواب أنه لا معنى لتخلل العدم هنا سوى أنه كان موجودا في زمان ، ثم ~~زال عنه ذلك الوجود في زمان آخر ، ثم اتصف به في زمان ثالث ، ومن هذا تبين ~~أن ms230 التخلل بحسب الحقيقة إنما هو لزمان العدم بين زماني وجوده بعينه. # وأيضا لم لا يجوز التميز بين الحالين بعوارض غير مشخصة مع بقاء العوارض ~~المشخصة بحالها في الحالين ، فلا يلزم تخلل العدم بين الشيء الواحد من جميع ~~الوجوه. # وأيضا لو تم هذا الدليل لدل على امتناع بقاء شخص من الأشخاص زمانا ، وإلا ~~لزم تخلل الزمان بين الشيء ونفسه ، لوجود ذلك الشخص في طرفي زمان البقاء. ~~انتهى كلامه.» (1) # وأقول : لا يخفى على المتأمل أن ما أورده عليه غير وارد أصلا. # أما ما أورده أولا فلأن ما ذكره من معنى تخلل العدم لا يجديه نفعا أصلا ، ~~لأنه لا خفاء في أن زمان العدم الذي فرض وقوع العدم فيه إذا كان متخللا بين ~~زماني وجوده بعينه اللذين فرض وقوع الوجودين أي الوجود الواحد بعينه فيها ~~لصدق حينئذ تخلل العدم PageV01P294 # نفسه بين الوجود الواحد بعينه نفسه وكذا بين الموجود الواحد بعينه نفسه ~~الذي فرض كونه هو الموجود بذلك الوجود الواحد بعينه نفسه ويلزم منه المحال ~~كما ذكرنا ، فتغيير العبارة لا يفيد شيئا بل هو تهافت. # وأما ما أورده ثانيا فلأنا نقول : إن تلك العوارض غير المشخصة إما أن ~~تفيد أن يكون الموجود أخيرا غير الموجود أولا غيرية بالذات وبالشخص أو لا ~~تفيد ، وعلى الأول فلا يكون هناك إعادة معدوم أصلا فضلا عن أن يكون إعادة ~~معدوم بعينه. وعلى الثاني فيكون الثاني عين الأول بعينه وبالذات وبالشخص ~~ويلزم منه المحال. مع أن فرض حصول التميز والمغايرة بعوارض غير مشخصة مع ~~بقاء العوارض المشخصة بتمامها مما لا يمكن ، إذ معنى العوارض المشخصة أن ~~يكون التميز والتغاير بها ، لا بغيرها من العوارض ففرض حصولهما بغيرها خلاف الفرض. # وأيضا إذا كانت العوارض المشخصة باقية بحالها ، يكون ما يعرض لأحدهما ~~عارضا للآخر أيضا ، لأن عروض عارض لأحدهما دون الآخر يحتاج إلى تشخصه ~~وامتيازه والمفروض عدمه. فعلى هذا فلا يتحقق الامتياز بالعوارض غير المشخصة ~~أيضا. وقد أشرنا إلى ذلك فيما سبق أيضا. # وأما ما أورده ثالثا ، فلأنك قد عرفت أنه ms231 في صورة تخلل زمان العدم بين ~~زماني وجوده بعينه كما عبر به عن معنى التخلل ليس تخلل زمان العدم بمجرد ~~كونه زمانا مطلقا ، أعم من أن يكون ذلك الزمان زمان العدم ، أو الوجود أو ~~زمان الشيء المتخلل أو زمان الشيء المتخلل فيه بين زماني وجود ذلك الشيء من ~~حيث هما أيضا زمان مطلقا منشأ للزوم المحال ، إنما المنشأ له ، هو تخلل ~~زمان العدم من جهة كون الواقع فيه هو العدم ، أي تخلل العدم الواقع فيه بين ~~زماني وجوده بعينه أي بين ذينك الزمانين من حيث كون الواقع فيهما هو الشيء ~~ونفسه أي بين ذينك الزمانين من حيث كون الواقع فيهما هو الشيء ونفسه أي ~~الموجود بالوجود أولا والموجود به أخيرا ، وكذا الوجودان. # والحاصل أن المنشأ لذلك هو التخلل غير الشيء وخصوصا نقيضه بين ذلك الشيء ~~ونفسه. ولا يخفى أنه في صورة فرض زوال الوجود أولا وانقطاع استمرار حقيقة ~~الموجود بذلك الوجود ، يتحقق هذا التخلل ويكون منشأ للمحال كما ذكرنا ، ~~وأما في صورة بقاء PageV01P295 # الوجود واستمرار حقيقة الموجود ، فالمتخلل بين زماني وجود ذلك الشيء وإن ~~كان يكون هناك زمان ، لكن لا زمان غيره ونقيضه ، بل زمان وجوده بعينه. # وبالجملة أن الزمان المتخلل ، وكذا الزمانان المتخلل فيهما وإن كانت ~~متغايرة بالذات ، لكن الواقع في تلك الأزمنة ، هو نفس ذلك الشيء بعينه ~~ووجوده بعينه من غير أن يكون هو بحسب وجوده في تلك الازمنة غيرا لنفسه ~~بالذات وبالشخص. وأما كونه بحسب حصوله في أحد تلك الأزمنة مغايرا لنفسه ~~بحسب حصوله في الزمان الآخر ، فهو مغايرة بالاعتبار لا بالذات. # والحاصل أن ذلك عبارة عن بقاء الشيء بعينه بالذات في تلك الأزمنة ، ولا ~~يلزم منه محال من تلك المحالات. # فإن قلت : على هذا أيضا يلزم المحال ، حيث إنه يلزم منه أن يكون ذلك ~~الشيء باعتبار حصوله في الزمان أول سابقا على نفسه باعتبار حصوله في الزمان ~~الثاني. وكذا يلزم منه أن يكون هو باعتبار حصوله في الزمان الوسط مسبوقا ~~بنفسه باعتبار حصوله في الزمان الأول ms232 ، وسابقا على نفسه باعتبار حصوله في ~~الزمان الثالث. # قلت : لا ضير فيه ، فإن ذلك كله إنما هو من حيث الاعتبار لا من حيث الذات. # فإن قلت : أي شيء أردت بذلك؟ فإن أردت به أن السابقية والمسبوقية ~~الزمانيتين ، إنما تعرضان للزمان المفروض بالذات ولذلك الشيء الواقع فيه ~~باعتبار ذلك الزمان وبواسطته كما في مطلق الزمان ومطلق الزمانيات الواقعة ~~في الزمان حيث إن التقدم والتأخر الزمانيين ، إنما يعرضان للزمان بالذات ~~وللزمانيات باعتباره وبواسطته ، فهذا مسلم ، لكنه لا يدفع لزوم المحال ~~المذكور هنا ، ولا يكون منشأ للفرق بين الصورتين ، أي أن يكون سبق شيء على ~~نفسه وكذا سابقيته على شيء ومسبوقيته به في صورة تخلل زمان العدم بين زماني ~~وجوده بعينه محالا ، وجائزا في صورة تخلل زمان وجوده نفسه بين زماني وجوده ~~بعينه ، مع أن كلا منهما سابقية ومسبوقية ، باعتبار الزمان ، بل ينبغي أن ~~يكون كل من الصورتين سواء في الامتناع أو الجواز. # وإن أردت به معنى آخر فلا بد له من بيان. # قلنا : أردنا به مع ذلك أمرا آخر أيضا يحكم به بديهة العقل ، وهو أنه في ~~صورة تخلل PageV01P296 # زمان العدم حيث فرض زوال الوجود وانقطاع استمرار الذات ، وفرض عود الوجود ~~والذات ينفرض هناك اثنينية ، إذ العود لا يكون إلا أن يكون هناك اثنينية ، ~~فإن معناه عود الموجود الأول أو الوجود الأول بعد انعدامه وحصوله مرة اخرى ~~أو في زمان آخر وحيث ينفرض اثنينيته فينفرض هناك ذات وذات ، وحيث كان ~~المفروض مع ذلك كون الذات الثاني عين الذات الأول بعينه ، وكون كل منها ~~واقعا في زمان واحد الزمانين سابقا على الآخر بالذات ، فيلزم أن يكون العدم ~~المتخلل بينهما وكذا زمانه سابقا على شيء ومسبوقا بذلك الشيء بعينه ، وأن ~~يكون ذلك الشيء سابقا على نفسه كما ذكرنا سابقية ومسبوقية من حيث الذات ، ~~وإن كانتا تعرضان للذات بواسطة عروضهما للزمان ، وللزمان بالذات ، وأما في ~~صورة تخلل زمان الوجود بين زماني وجوده بعينه ، فحيث كان استمرار الذات ~~واستمرار الوجود باقيين بحالهما فلا ينفرض هناك اثنينية ms233 من حيث الذات ، فلا ~~يكون هناك ذات وذات ، فلو كانت هناك سابقية ومسبوقية لم تكونا من حيث الذات ~~، بل من حيث الاعتبار ، بمعنى أن الذات باعتبار ما سابق وبالاعتبار الآخر ~~مسبوق ، بل بمعنى أن تلك السابقية والمسبوقية إنما تعرضان في الحقيقة لذينك ~~الاعتبارين أنفسهما ، لا للذات من حيث هي ، وإن كان عروضهما للاعتبارين ~~أيضا بواسطة الزمان. # فالمحصل أنه يلزم حينئذ أن يكون أحد اعتباري تلك الذات وإحدى حيثياته ~~سابقا على الاعتبار الآخر والحيثية الاخرى ، وكذا أن يكون أحد اعتباراته ~~وإحدى حيثياته سابقا على بعض اعتباراته وحيثياته ، ومسبوقا ببعض آخر من ~~اعتباراته وحيثياته ، فلا سابقية ولا مسبوقية تعرضان للذات ، من حيث هي. # ثم إنه حيث كانت تلك الاعتبارات والحيثيات متغايرة ، ليس واحد منها عين ~~الآخر ، فلا يلزم من سابقيتها ومسبوقيتها سبق شيء على نفسه ، ولا أن يكون ~~شيء واحد سابقا على شيء ومسبوقا به بعينه ، فتبصر. # وحيث عرفت ما ذكرنا في تحرير هذا الدليل الذي ذكره المحقق الطوسي وفي دفع ~~اعتراضات الشارح القوشجي عنه ، ظهر لك تمامية الدليل وعدم ورود شيء عليه. # وقد ذكر المحقق الدواني أيضا في الحاشية عليه كلاما في مقام الجواب عن ~~تلك الاعتراضات ، لا بأس بنقله مع بيانه ، عسى أن يكون ذلك موجبا لزيادة ~~إيضاح المقام. PageV01P297 # قال : في قول الشارح القوشجي : «والجواب أنه لا معنى لتخلل العدم إلى ~~آخره » (1) بهذه العبارة : # معنى تخلل العدم بين الشيء ونفسه أن يكون عدمه مسبوقا وسابقا لشيء واحد ~~بعينه بالسبق الزماني ، فإنه إذا جاز الإعادة يكون «ألف» سابقا على عدمه ~~وهو بعينه مسبوق بذلك العدم ، وهو محال ، لاستلزامه تقدم الشيء على نفسه ~~بالزمان ، وهو محال بالبديهة ، بحذاء الدور ، فإنه محال لاستلزامه تقدم ~~الشيء على نفسه بالذات. # ومن هاهنا تبين ما في قوله : «إن التخلل بحسب الحقيقة إنما هو لزمان ~~العدم بين زماني وجوده بعينه» فإن تخلل زمان العدم بين زماني وجود شيء واحد ~~بعينه يستلزم تخلل العدم بين شيء واحد بعينه ، بأن يكون ذلك الشيء سابقا ~~على ذلك العدم وهو بعينه ms234 مسبوق به. # فإن قيل : لا نسلم لزومه ، بل يلزم تخلل العدم بين وجودي شيء واحد بعينه. # فالجواب أن اختلاف الوجود يستلزم اختلاف الذات بديهة ، فإنا نعلم قطعا أن ~~الشيء الواحد لا يكون له وجودان خارجيان ، فإن الوجود الخاص لكل شيء هو ~~عينه في الخارج ، وإن كان غيره بحسب الاعتبار ، إذ نسبة الوجود إلى الماهية ~~، ليست نسبة العوارض التي يجوز تبدلها واختلافها مع انحفاظ وحدة الذات ، إذ ~~لا وحدة لها إلا باعتبار الوجود. # ثم على تقدير جواز ذلك لا فرق بين الماهية والوجود في جواز الإعادة. # قال الشيخ في التعليقات : ولم لا يكون الوجود نفسه معادا ويكون الوقت ~~أيضا معادا ، فيكون الحدوث أيضا معادا فيكون ليس هناك وجودان ولا وقتان ولا ~~حدوثان اثنان ، بل واحد بعينه معاد ، ثم كيف يكون العود ولا اثنينية ، وكيف ~~يكون اثنينية ويجوز أن يكون المعاد بعينه هو الأول. # ثم قول من يريد أن يهرب عن هذا منهم (2) ويقول الوجود صفة ، والصفة لا ~~توصف ولا تعقل ، وليست بشيء ولا موجودة ، وأن الوقت أو بعض الأشياء لا ~~يحتمل الإعادة وبعضها يحتمل ، حتى لا يلزمه أن فرض الإعادة للمعدوم قد يجعل ~~المعاد غير معاد ، PageV01P298 # ويجوز أن يكون ما هو معاد ليس له حالتان أصلا ، قول ملفق يفضحه البحث ~~المحصل. هذا لفظه ولما كان الشيخ يدعي بداهة المدعى ، لم يبال بذكر بعض ~~المقدمات التنبيهية في صورة المنع. انتهى.» (1) # وقال أيضا في قول الشارح المذكور : «وأيضا لو تم هذا الدليل إلى آخره » : ~~لا يخفى أن الذات مستمرة في زمان البقاء ، فلا يلزم تخلل الزمان بين الشيء ~~ونفسه ، بل تخلله بين الشيء باعتبار وقوعه في الزمان الأول ، وبينه باعتبار ~~وقوعه في الزمان الثاني ، لأن السابق بالسبق الزماني ، واللاحق بذلك اللحوق ~~، إنما هو الزمان بالذات والشيء مع حصوله في الزمانين بالواسطة لا نفس ~~الذات من حيث هي ، لأنها مستمرة ، فتدبر. انتهى كلامه. (2) # وأقول : ما ذكره في الحاشية الاولى أولا غني عن البيان ، وهو بعض ما ~~ذكرنا في تحرير الدليل. # وقوله : فإن قيل لا ms235 نسلم لزومه إلى آخره. # مراد القائل أنه لا يلزم من ذلك تخلل العدم بين شيء واحد بعينه ، بل إنما ~~يلزم منه تخلله بين وجودي شيء واحد بعينه. ولا نسلم اتحاد الوجودين ، بل ~~إنهما مختلفان وحيث كانا مختلفين فيلزم منه تخلل العدم بين شيئين ولا محذور فيه. # وهذا الإيراد وإن كان يمكن الجواب أيضا عنه بأن يقال : إنه لو كان كذلك ~~لما كان الموجود بالوجود ثانيا عين الموجود بالوجود أولا فلا يكون حينئذ ~~إعادة معدوم أصلا ، فضلا عن أن يكون إعادة معدوم بعينه كما هو المفروض ؛ ~~هذا خلف. لكنه لم يلتفت إليه ظاهرا بل تعرض لإثبات المقدمة الممنوعة ، بحيث ~~يمكن أن يفهم هذا الجواب أيضا عنه. وقال : فالجواب أن اختلاف الوجود يستلزم ~~اختلاف الذات بديهة ، فإنا نعلم قطعا أن الشيء الواحد لا يكون له وجودان ~~خارجيان ، فأثبت المقدمة بكونها من البديهيات المعلومة. # وقال أيضا فإن الوجود الخاص لكل شيء ، هو عينه في الخارج ، وإن كان غيره ~~بحسب الاعتبار ، وهذا إما من تتمة السابق ، بأن يكون فيه أيضا إثبات تلك ~~المقدمة بطريق PageV01P299 # البداهة ، أو يكون فيه تنبيه على السابق الذي ادعى البداهة فيه ، وإما ~~بيان آخر يكون فيه إثبات تلك المقدمة بطريق البرهان. # وعلى كل تقدير فهو مبني على ما هو المستبين أو المحقق عندهم من أن الوجود ~~الخاص لكل شيء هو عينه في الخارج ، وإن كان غيره بحسب الاعتبار العقلي ، ~~وأراد بالوجود الخاص منشأ الموجودية ومناط صدق الوجود بالمعنى العام ~~الانتزاعي على الذات ومصداق حمل الموجود بهذا المعنى عليها. وكأنه أشار ~~بذلك إلى ما تقدم منه ، في بعض حواشيه على الشرح المذكور حيث حقق فيه أن ~~الوجود بالمعنى العام الانتزاعي المشترك فيه بين الأشياء من المعقولات ~~الثانية. وهو ليس عينا لشيء منها حقيقة. نعم مصداق حمله وهو المراد بالوجود ~~الخاص على الواجب ذاته بذاته ومصداق حمله على غيره ، ذاته من حيث هو محمول ~~الغير. (1) # فالمحمول في الجميع زائد بحسب الذهن ، إلا أن الأمر الذي هو مبدأ انتزاع ~~المحمول في الممكنات ذاته ms236 من حيثية مكتسبة من الفاعل ، وفي الواجب ذاته ~~بذاته ، فإنه في ذاته بحيث إذا لاحظه العقل انتزع منه الوجود المطلق بخلاف ~~غيره. انتهى ملخصا. # ولا يخفى أن هذا الكلام منه يدل على ما ذكره هنا كما أن ما نقلناه عن ~~الشيخ في الشفاء سابقا يدل عليه ، حيث قال : فإن لكل أمر حقيقة هو بها ما ~~هو ، فللمثلث حقيقة أنه مثلث وللبياض حقيقة أنه بياض ، وذلك هو الذي ربما ~~سميناه الوجود الخاص ولم نرد به الوجود الإثباتي. # وقال أيضا : إنه من البين أن لكل شيء حقيقة خاصة هي ماهيته ومعلوم أن ~~حقيقة كل شيء الخاصة به ، غير الوجود الذي يرادف الإثبات إلى آخر ما ذكره ~~كما نقلنا عنه هنالك. # وينبغي أن يحمل كلام الشيخ على ما دل عليه كلام المحقق المذكور ، يعني ~~أنه أراد بالحقيقة في الحكم بأنه عين الوجود الخاص الحقيقة من حيث كونها ~~منشأ لانتزاع صفة الوجود الإثباتي عنه ، لا الحقيقة من حيث هي ، فإنها من ~~حيث هي ، بل من حيث كونها أيضا معروضة للوجود الإثباتي وموصوفة بها ، غير ~~الحقيقة بمعنى الوجود الخاص PageV01P300 # بالاعتبار ، كما ذكره المحقق المذكور. # وبالجملة فيظهر من الكلامين المنقولين : كلام الشيخ وكلام المحقق المذكور ~~، كون الوجود الخاص بهذا المعنى عين الموجود في الخارج ، وإن كان غيره بحسب ~~الاعتبار العقلي ، وأن الوجود الإثباتي أي أمر الانتزاعي العقلي غيره مطلقا ~~، وأن باختلاف الوجود الخاص الذي هو الأصل في موجودية الموجود ، ومنشأ ~~انتزاع صفة الوجود عنه ، يختلف الذات ، وأنه لا يكون لذات واحدة بالشخص ~~وجودان خاصان ، إذ لا يكون لشيء واحد بالشخص حقيقتان مختلفتان وهذا ظاهر ، ~~بل لا يكون لشيء واحد بالشخص وجودان انتزاعيان أيضا ، فإن الحصة من الوجود ~~الانتزاعي العام المنتزعة من الوجود الخاص هي في الوحدة وعدمها تابعة لذلك ~~الوجود الخاص تبعية المنتزع للمنتزع منه ، إن واحدا فواحدا وإن كثيرا ~~فكثيرا ، وعلى تقدير فرض تعدد تلك الحصة واختلافها وتبدلها أيضا مع فرض ~~وحدة الذات بوحدة الوجود الخاص ، فلا يقدح ذلك في وحدة الذات وعدم تغيرها ، ~~فإن ms237 المفروض أن ما هو الأصل في منشئية وحدة الذات وعدم تغيرها أعني الوجود ~~الخاص واحد غير متبدل ولا متغير ، فلا يضر اختلاف العارض الذي لا دخل له في ~~تلك المنشئية أعني الوجود الانتزاعي ، فافهم. # وقوله : «إذ نسبة الوجود إلى الماهية ليست نسبة العوارض التي بجوز تبدلها ~~واختلافها مع انحفاظ وحدة الذات ، إذ لا وحدة لها إلا باعتبار الوجود» ، # تعليل لما ذكره سابقا من قوله : «إن اختلاف الوجود يستلزم اختلاف الذات» ~~أو قوله : «فإن الوجود الخاص لكل شيء ، هو عينه في الخارج» أو تنبيه على ~~السابق من القولين. # وعلى تقدير أن يكون هذا التعليل أو التنبيه بالنسبة إلى القول الأول من ~~القولين ، فيكونان بوجه آخر غير ما ذكره أولا. # وعلى كل تقدير فمعناه : إذ نسبة الوجود أي الوجود الخاص الذي هو الأصل في ~~موجودية الماهية والذات ، إلى الماهية والذات ، ليست نسبة العوارض التي ~~يجوز تبدلها واختلافها مع انحفاظ وحدة الذات ، إذ قد عرفت أنه عين الماهية ~~والذات في الخارج ، لا عارض لها ، فلا يكون نسبته إليها نسبة العوارض إليها ~~مطلقا ، فضلا عن أن تكون نسبة العوارض التي يجوز تبدلها واختلافها مع ~~انحفاظ وحدة الذات. وحيث كان كذلك PageV01P301 # فاختلاف الوجود الخاص وتبدله يكون منشأ لتبدل الذات مثل أن تبدل الذات ~~نفسها يكون منشأ لتبدلها في نفسها فلا يكون وحدة الذات منحفظة ، إذ لا وحدة ~~لها إلا باعتبار ذلك الوجود ، فإذا لم يتبدل ، تكون وحدة الذات منحفظة وإذا ~~تبدل لم تكن منحفظة. # ويمكن أيضا أن يكون كلامه في الوجود مطلقا خاصا كان أم انتزاعيا ويكون ~~وجه ما ادعاه في الوجود الخاص ما ذكرناه وفي الوجود الانتزاعي بأن يقال : ~~إن نسبة الوجود الانتزاعي إلى الماهية وإن كانت نسبة العوارض ، لكنها ليست ~~نسبة العوارض التي يجوز تبدلها واختلافها مع انحفاظ وحدة الذات ، إذ قد ~~عرفت أنه في ذلك تابع للوجود الخاص. # وقوله : ثم على تقدير جواز ذلك ، لا فرق بين الماهية والوجود في جواز ~~الإعادة. # قال الشيخ في التعليقات : ولم لا يكون الوجود نفسه معادا ms238 إلى آخره. # إن قلت : لا يخفى عليك أن الظاهر منه على تقدير جواز ذلك وعدم الفرق بين ~~الماهية والوجود في جواز الإعادة ، كما دل عليه كلام الشيخ في التعليقات ، ~~أنه بصدد إثبات لزوم تخلل العدم بين الشيء ونفسه أيضا ، كما كان فيما تقدم ~~بصدده ، والحال أن ما نقله من كلام الشيخ شاهدا على غرضه غير دال على لزوم ~~التخلل المذكور ، بل على لزوم محال آخر حينئذ وعلى أن لا يكون هناك عود مع ~~فرض العود فكيف توجيه الكلام؟ ### ||| ** قلت : يمكن توجيهه على وجوه : # أحدها : أن يكون غرضه أنه على هذا التقدير ، وإن لم يلزم التخلل المذكور ~~، لكنه يلزم منه محال آخر ، وهو ما أشار إليه الشيخ كما سيأتي بيانه ، ~~فيكون مفاده حصر المحال اللازم حينئذ مطلقا في المحال الآخر. وهذا الوجه ~~وإن كان ظاهرا من كلامه ، وكذا من ظاهر كلام الشيخ المنقول شاهدا ، لكنه لا ~~يلائم سياق كلامه السابق. وكذا هو غير مطابق للواقع ، إذ على هذا التقدير ~~أيضا يمكن إلزام تخلل العدم بين الشيء ونفسه أيضا كما سيأتي بيانه ، وسيأتي ~~توجيه كلام الشيخ بما يحتمل غير الحصر أيضا ، فانتظر. # وثانيها : أن يكون غرضه أنه على هذا التقدير لا فرق بين الماهية والوجود ~~والوقت والحدوث في جواز الإعادة ، ويلزم منه المحالان جميعا ، لكن كل منهما ~~على تقدير ، أي أنه إن نظر إلى أن المفروض معادا متحد مع الأول من جميع ~~الوجوه ، لزم منه أن لا يكون هناك عود مع فرض العود. وإن نظر مع ذلك إلى ~~انقطاع استمرار حقيقة الأول وتخلل العدم PageV01P302 # في البين ، يلزم منه تخلل العدم بين الشيء ونفسه ، وأنه على هذا التقدير ~~ولزوم الاتحاد بين المفروض معادا وبين الأول من جميع الوجوه إن أمكن فرض ~~اثنينية حينئذ بها يصح فرض التخلل يلزم منه تخلل العدم بين الشيء ونفسه ، ~~وإن لم يمكن فرض اثنينية كذلك ، يلزم منه المحال الآخر أي أن لا يكون هناك ~~عود مع فرضه ، وكلاهما محالان فأحد المحالين لازم إلا أن كلا منهما على ~~تقدير ms239 ، ففرض العود محال. # وثالثها : أن يكون غرضه أنه يلزم على هذا التقدير مع جواز إعادة الوجود ~~والوقت والحدوث واحد من ذينك المحالين المذكورين جزما ، لكن بشرط أن يؤخذ ~~لزوم أحدهما مقدمة في لزوم الآخر ، ودليلا عليه ، بأن يقال : يلزم على هذا ~~التقدير أيضا تخلل العدم بين الشيء ونفسه ، لأن المفروض اتحاد الثاني مع ~~الأول من جميع الوجوه ، وكذا انقطاع وحدة الأول وزوال استمرار حقيقته ، ~~فينفرض هناك اثنينية ، بها يصح فرض التخلل في البين ، إذ لو لم ينفرض ~~الاثنينية مطلقا لكان ليس هناك عود أصلا ؛ هذا خلف. # فيجب أن ينفرض الاثنينية كذلك ، ومع انفراضها كذلك ، يلزم تخلل العدم بين ~~الشيء ونفسه البتة إذ المفروض أن الثاني عين الأول مع فرض الاثنينية وتخلل ~~العدم في البين. أو أن يقال إنه على هذا التقدير يلزم أن لا يكون هناك عود ~~مع فرضه ، لأنه على هذا التقدير مع جواز عود الوجود والوقت والحدوث يكون ~~الثاني عين الأول من جميع الوجوه ، فلا يكون هناك عود إذ العود يقتضي ~~اثنينية ، بها يصح إطلاق العود ، وفرض الاثنينية هنا ممتنع إذ مع انفراضها ~~حينئذ يلزم تخلل العدم بين الشيء ونفسه وهو محال. # والحاصل أن القائل بجواز إعادة المعدوم إن هرب من أحد المحالين ، دخل في ~~المحال الآخر. # وبالجملة فهذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه كلام المحقق الدواني ، ~~وسيأتي توجيه كلام الشيخ ، فانتظر. # وحيث عرفت ما ذكرنا ، فلنقدم شرح معنى التقدير المذكور ، ثم نفصل بيان ~~لزوم المحالين. فنقول : معنى التقدير المذكور أنه على تقدير تسليم جواز ~~تبدل الوجود الخاص واختلافه مع انحفاظ وحدة الذات بناء على تسليم كونه من ~~العوارض وكذا كونه من العوارض التي يجوز تبدلها واختلافها مع انحفاظ وحدة ~~الذات لا عين حقيقة الذات كما PageV01P303 # هو التحقيق ، أو بناء على أنه وإن كان عين حقيقة الشيء ويتبدل الوحدة ~~الخارجية للذات ، لكنه لا تتبدل بتبدله وحدتها الذهنية ، أو على تقدير ~~تسليم جواز تبدل الوجود مطلقا ، خاصا كان أم انتزاعيا مع انحفاظ وحدة الذات ~~، أما في الوجود ms240 الخاص ، فبناء على ما ذكر ، وأما في الوجود الانتزاعى ، ~~فلكونه عارضا ، ويجوز تبدله مع انحفاظ وحدة الذات من جهة كونه من العوارض ، ~~دون كونه تابعا للوجود الخاص في ذلك. # وبالجملة على تقدير تسليم جواز تبدل الوجود الخاص أو الوجود مطلقا مع ~~انحفاظ وحدة الذات حتى لا يلزم حينئذ تخلل العدم بين الشيء الواحد بعينه ~~وبين نفسه ، بل بين وجوديه المتغايرين المتبدلين ، مع أن فرض انحفاظ وحدة ~~الذات مطلقا ، حينئذ أي مع فرض انعدام ذلك الشيء في البين غير ممكن. وينبغي ~~أن يكون مبناه على تسليم أن يراد بوحدة الذات المنحفظة إما الوحدة الخارجية ~~الحاصلة مع الوجودين لا مطلقا ولو في حال العدم. وإن كان الوجودان متبدلين ~~ولم يكن لهما دخل في تلك الوحدة المذكورة ، وإما تلك الوحدة المذكورة مع ~~الوحدة الذهنية الباقية حين انعدام الشيء أيضا. وإما الوحدة الذهنية ~~الباقية المنحفظة مطلقا سواء فرضت هي مع الوجودين المتبدلين أو مع انعدام ~~الشيء ، وهذا الذي ذكرنا هو معنى التقدير المذكور. وأما بيان لزوم تخلل ~~العدم بين الشيء ونفسه على هذا التقدير ، فبأن يقال إنه على تقدير تسليم ~~ذلك كله حتى لا يلزم تخلل العدم بين الشيء ونفسه لكون وحدته باقية منحفظة ~~وعدم اثنينية فيه لكي يتصور التخلل المذكور ، بل تخلل العدم بين وجودي شيء ~~واحد بعينه الذين هما متبدلان متغايران وتخلله بينهما لا امتناع فيه. # فنقول : على هذا أيضا يلزم تخلل العدم بين الشيء ونفسه ، لأنه لا فرق بين ~~الماهية والوجود في جواز الإعادة ، كما يدل عليه كلام الشيخ في التعليقات ، ~~فإن الماهية المعدومة إذا جاز إعادتها ولا يخفى أن ليس ذلك لخصوصية فيها ، ~~بل لكونها معدومة ، فيجوز إعادة كل معدوم كان معها أو مطلقا ، ومن جملته ~~الوجود أولا والحدوث والوقت وأمثالها ، ولا دليل على تخصيص ذلك الجواز ببعض ~~المعدومات دون بعضها ، فحينئذ يجوز إعادة الوجود الأول أيضا ، وحيث فرض ~~انقطاع ذلك الوجود في البين ثم عوده ثانيا وعدم انحفاظ وحدته الخارجية ~~وزوال استمرارها لكون المفروض انقطاعها فينفرض هناك PageV01P304 # اثنينية ووجود ms241 فوجود ، وبه يصح فرض التخلل أي تخلل العدم حينئذ وانفراض ~~هذه الاثنينية وصحة فرض التخلل المذكور معها ، إما بناء على أنه لو لم ~~تنفرض تلك الاثنينية ، لكان ليس هناك عود أصلا على ما هو المفروض ، لأنه ~~على تقدير عود الوجود والوقت والحدوث ، يكون الثاني عين الأول ومتحدا معه ~~من جميع الوجوه ، فلا يكون عود ، وحيث فرض عود ، فيجب أن ينفرض هناك ~~اثنينية بها يصح العود ، وحيث فرضت اثنينية صح فرض التخلل المذكور ، وإما ~~بناء على أنه على تقدير فرض الاثنينية كذلك وإمكان حصولها يصح التخلل ~~المذكور ، ولا يخفى أنه كذلك. # وعلى التقديرين نقول : لما كان المفروض حينئذ أن الوجود الثاني عين الأول ~~بعينه ، فيلزم منه تخلل العدم بين الوجود الأول والثاني بعينه ، وهو أيضا ~~تخلل العدم بين الشيء ، أي الوجود ونفسه. بل يلزم ذلك بين الحدوث الأول ~~ونفسه وبين الوقت الأول ونفسه بعين ما قررنا. بل يلزم ذلك بين الماهية ~~بوجودها أولا وبينها بوجودها ثانيا ، فإنه وإن كان ليس للوجود مدخل في ~~انحفاظ وحدة الذات ، كما هو مبنى هذا التقدير ، لكنه لا يخفى أن للماهية ~~وحدة خارجية حاصلة مع الوجود أولا وإن لم يكن ذلك الوجود منشأ لها ، وأن ~~تلك الوحدة الخارجية تنقطع مع انقطاع الوجود. # ثم إنه مع فرض عود ذلك الوجود بعينه ثانيا يكون المفروض عود تلك الماهية ~~بعينها مع عود ذلك الوجود بعينه ، وكذا عود تلك الوحدة الخارجية بعينها ، ~~فينفرض هناك أيضا ماهية وماهية وكذا وحدة ووحدة. وبالجملة اثنينية بها يصح ~~فرض التخلل المذكور ، وبناء فرض هذه الاثنينية والتخلل أيضا على ما ذكرنا ~~آنفا ، ولما كان المفروض أن الماهية ثانيا عينها أولا وكذا الوحدة ثانيا ~~عينها أولا فيلزم منه تخلل العدم بين تلك الماهية ونفسها ، وكذا بين الوحدة ~~الاولى الخارجية ونفسها. # فإن قلت : لا نسلم صحة فرض التخلل المذكور إذ هي مبنية على أن يكون هناك ~~اثنينية وأن لا تكون هناك وحدة منحفظة أصلا وهذا ممنوع. إذ الوحدة الذهنية ~~باقية مستمرة منحفظة في جميع الأحوال حتى حال ms242 عدم الماهية وانقطاع الوجود ، ~~وتلك الوحدة الذهنية المستمرة التي يمكن فرضها في جميع تلك المذكورات التي ~~فرضت إعادتها كالماهية والوجود والوحدة والحدوث والوقت وأمثالها كافية في ~~كونها واحدة بأشخاصها في PageV01P305 # الذهن ، لا يصح فيها فرض اثنينية ، ولا فرض تخلل شيء في أثنائها ، فإن ~~تخلل العدم إنما هو بين الوحدة الخارجية المنقطعة ، لا بين هذه الوحدة ~~الذهنية ، لكونها مستمرة غير منقطعة. # قلت : من الظاهر أن هذا لا يجدي نفعا ، إذ على هذا التقدير ، لا يصح فرض ~~إعادة المعدوم أيضا ، فإنه كما أن التخلل إنما يصح فرضه إذا فرضت هناك ~~اثنينية ، كذلك العود إنما يصح فرضه إذا كان كذلك ، وإذا كانت الوحدة ~~الذهنية كافية في وحدة الذات ، ولم يكن هناك اثنينية أصلا ، فكما لا يصح ~~فرض التخلل المذكور ، كذلك لا يصح فرض العود أيضا ؛ هذا خلف. بل ليس الفرض ~~إلا أن هذا التخلل يلزم على تقدير فرض عود المعدوم كما ذكر وهو كذلك. # وأيضا على تقدير كون انحفاظ الوحدة الذهنية منشأ لانحفاظ شيء ، أي وحدة ~~مطلقة في الجملة ، فلا يخفى أنها من حيث كونها ذهنية ، لا تكون منشأ ~~لانحفاظ الوحدة الخارجية من حيث كونها خارجية كما أن انحفاظ الوجود الذهني ~~من حيث هو وجود ذهني ، لا يكون منشأ لانحفاظ الوجود الخارجي من حيث هو ~~خارجي ، بل يجوز أن ينحفظ الذهني وينقطع الخارجي. وحيث جاز الانقطاع فلا ~~بقاء للوحدة الخارجية ولا انحفاظ لها ، وحيث كان كذلك فينفرض هناك اثنينية ~~وتخلل شيء ، ومبناه أيضا على ما ذكرنا سابقا. وحيث كان مع ذلك الأمر الثاني ~~الخارجي عين الأول الخارجي فينفرض تخلل العدم بين الشيء ونفسه في الخارج في ~~جميع تلك المذكورات التي فرضنا انعدامها في الخارج ثم عودها بأعيانها في ~~الخارج ، يعني أنه يلزم منه تخلل العدم في الخارج بين تلك الأشياء بحسب ~~كونها امورا خارجية وبين أنفسها من حيث كونها كذلك أيضا ، وإن لم يلزم ذلك ~~من حيث وجوداتها الذهنية وانحفاظ وحدتها (1) في النفس ، وذلك كاف في لزوم ~~المحال المذكور ، بل ليس كلامنا في ms243 هذا المقام إلا في لزوم المحال المذكور ~~بحسب ما هي امور خارجية فقط ، فتبصر. # وأما بيان لزوم المحال الآخر على تقدير عود الوجود والحدوث والوقت فيظهر ~~مما ذكره الشيخ في التعليقات ، حيث قال : PageV01P306 # ولم لا يكون الوجود نفسه معادا ويكون الوقت أيضا معادا ، فيكون الحدوث ~~أيضا معادا ، فيكون ليس هناك وجودان ولا وقتان ولا حدوثان اثنان ، بل واحد ~~بعينه معاد. ثم كيف يكون العود ولا اثنينية وكيف يكون اثنينية ويجوز أن ~~يكون المعاد بعينه هو الأول. # وقوله : «ولم لا يكون الوجود نفسه معادا» يعني إذا جاز إعادة المعدوم ~~والحال أنه ليس هناك دليل على تخصيص هذا الحكم ببعض المعدومات دون بعض ، ~~فكما جاز إعادة الماهية المعدومة كذلك يجوز إعادة الوجود الأول مطلقا بعينه ~~خاصا كان أم انتزاعيا ، إذ المفروض انعدامه أيضا وكذلك المفروض جواز إعادة ~~المعدوم أي معدوم كان ، وإنما عبر جواز إعادة الوجود المعدوم بصورة المنع ، ~~وبعبارة تشعر بالمنع وهو قوله : لم لا يكون مع أن الظاهر أن غرضه إثبات ذلك ~~الجواز وادعاء ظهوره إما بناء على ما هو الشائع في المحاورات من أنهم قد ~~يعبرون في أمثال هذه المقامات التي يدعون ظهورها بأمثال هذه العبارات ، ~~ويسألون عنها بلم لا يكون ونحوه ، وهو مع كون الغرض منه الإثبات يكون بصورة ~~المنع ، وإما بناء على أن ذلك المنع ومقابلة ادعاء من ادعى تخصيص جواز ~~إعادة المعدوم ببعض المعدومات كالماهية دون بعض كالوجود ونحوه ، كما نقله ~~عنهم في عبارته الآتية وأبطله. # وقوله : «ويكون الوقت أيضا معادا» أي مطلقا سواء قلنا بأنه من جملة ~~المشخصات أم لا. أما على تقدير كونه مشخصا فظاهر ، وأما على تقدير العدم ، ~~فلأنه أيضا من جملة المعدومات ، ولا دليل يدل على تخصيص جواز الإعادة ببعض ~~المعدومات دون بعض كما ذكرنا. # وفيه إشارة إلى أنه على تقدير جواز إعادة المعدوم ، يلزم جواز إعادة ~~الوقت الأول أيضا ، ويلزم منه المحالات التي فصلناها فيما سبق في شرح كلامه ~~في الشفاء. وإلى أن كلامه في الشفاء في جواز إعادة الوقت ، يحتمل ms244 جواز ذلك ~~وإن لم يكن مشخصا أيضا كما ذكرنا هنالك ، فتذكر. # وقوله : «فيكون الحدوث أيضا معادا» لأنه أيضا من جملة المعدومات كما أنه ~~يجوز أن يكون الماهية المعدومة معادة وكذا وحدتها الخارجية. # وقوله : «فيكون ليس هناك وجودان ولا وقتان ولا حدوثان اثنان ولا ماهيتان PageV01P307 # ولا وحدتان اثنتان أيضا» فإن الاثنينية تقتضي أن يكون هناك تعدد ولو في ~~الجملة وليس كذلك ، لأنه فرض كون جميع ذلك واحدا بالعدد من حيث كون المفروض ~~أن الماهية مع جميع صفاتها وخواصها ولوازمها وعوارضها وما يمكن أن يعتبر ~~معها في حال وجودها الأول واحدة وحدة شخصية خارجية في حال وجودها الثاني. # وقوله : «بل واحد بعينه معاد» أي يكون هناك واحد بعينه فرض كونه معادا ~~إلا أنه معاد حقيقة حتى يرد أن فرض الوحدة ينافي كونه معادا كما ذكره من ~~قوله : «ثم كيف يكون العود ولا اثنينية» أي كيف يصح فرض العود والحال أنه ~~لا اثنينية هناك بوجه ما ، مع أن العود إنما يصح إذا كان هناك اثنينية حتى ~~يصح أن يقال إنه أعيد مرة اخرى أو في زمان آخر. وفيه دلالة على أنه في صورة ~~فرض إعادة المعدوم بعينه وفرض إعادة كل معدوم معه بعينه كما هو لازم على ~~ذلك الفرض ، يلزم أن لا يكون هناك عود مطلقا ، فضلا عن أن يكون بعينه ، فمن ~~فرض العود يلزم عدم العود ، هذا خلف ، بل هو من أشنع المحال. # وقوله : «وكيف يكون اثنينية ويجوز أن يكون المعاد بعينه هو الأول» أي ~~وكيف يكون هناك اثنينية بها يصح فرض العود ، مع أنه يجوز أن يكون ما هو ~~معاد بالفرض هو الأول من جميع الوجوه والجهات والاعتبارات ، وكأن الشيخ يضم ~~إلى ما ذكره مقدمة اخرى ، وهي أنه مع ذلك لو صح فرض الاثنينية كذلك حتى يصح ~~بها فرض العود ، يلزم تخلل العدم بين الشيء ونفسه كما مر بيانه ، وهو محال ~~، فيكون كلامه هذا مبنيا على الوجه الأخير الذي احتملناه في كلام المحقق ~~الدواني ، إلا أن الشيخ اكتفى بذكر لزوم أحد ms245 المحالين ، أعني لزوم أن لا ~~يكون هناك عود ، وأخذ لزوم المحال الآخر ، أي لزوم التخلل ، مقدمة فيه ~~ودليلا عليه ، فإنه لو رام بيان لزوم المحال الآخر ، فله أن يعكس الأمر ~~ويقول : يلزم على هذا التقدير تخلل العدم بين الشيء ونفسه ، فإنه لو لم ~~يتصور التخلل المذكور ، لم يكن هناك عود كما هو المفروض ؛ هذا خلف. ويحتمل ~~أن يكون كلام الشيخ مبنيا على الوجه الثاني الذي احتملناه في كلام المحقق ~~الدواني. # وحاصله أنه حينئذ إما أن يلزم تخلل العدم بين الشيء ونفسه إذا نظر إلى ~~انقطاع الوجود وزوال استمرار حقيقة الذات مع كون الثاني متحدا مع الأول من ~~جميع الوجوه ، أو إذا صح فرض اثنينية بها يصح التخلل المذكور. PageV01P308 # وإما يلزم أن لا يكون هناك عود مع فرضه إذا نظرنا إلى كون الثاني متحدا ~~مع الأول من جميع الجهات والوجوه والاعتبارات ، أو إذا لم يصح الفرض ~~المذكور. # فأحد المحالين لازم وكل منهما على تقدير ، إلا أنه اكتفى ببيان المحال ~~الثاني في كلامه وأحال بيان الأول على المقايسة. # والحاصل أن فرض إعادة المعدوم كما ذكر محال على كل تقدير ، سواء فرضت ~~اثنينية أم لم تفرض. # ثم إن قول الشيخ : «ثم قول من يريد أن يهرب عن هذا منهم إلى آخر ما ذكره ~~» ، تأكيد لما ذكره أولا وإبطال لقول من يدعي أن فرض الإعادة إنما يصح ~~بالنسبة إلى بعض المعدومات دون بعض. وقوله : «منهم» ، أي من جملة المجوزين ~~للإعادة ، وفي بعض النسخ «ينهم» بصيغة المضارع الغائب المعلوم من النهم ، ~~بمعنى المبالغة في الجد في طلب الشيء. # وقوله : «ويقول الوجود صفة والصفة لا توصف ولا تعقل ، وليست بشيء ولا ~~موجودة» الغرض منه نفي جواز إعادة الوجود ، لأن الوجود صفة وعرض انتزاعي ~~مطلقا حتى الوجود الخاص ، وأن الصفة لا توصف بشيء ولا يحكم عليها بجواز ~~الإعادة مثلا ولا تعقل مطلقا حتى يحكم عليها بشيء أو في أمثال هذه الأحكام ~~الواقعية حتى يمكن أن يكون محكوما عليها بالإعادة ، بل وليست بشيء ولا ~~موجودة أصلا حتى يصح ms246 إعادتها ، فإن الإعادة إنما يمكن فرضها بالنسبة إلى ~~المعدومات التي كان لها وجود بوجه ما ، وقد عدمت ، والوجود ليس كذلك. # وقوله : «وان الوقت أو بعض الأشياء كالوقت والوجود والحدوث لا يحتمل ~~الإعادة ، وبعضها كالماهية المعدومة وبعض أحوالها الآخر يحتمل الإعادة» ~~ومعنى الادعاء ظاهر ، وإن لم يكن عليه دليل ، وهو أيضا لم ينقل عنهم دليلا عليه. # وقوله : «حتى لا يلزم أن فرض الإعادة للمعدوم قد يجعل المعاد غير معاد». ~~يعني إنما ادعى هذا المدعي الهارب عن لزوم المحال ما ادعى هربا عن لزوم أن ~~فرض الإعادة للمعدوم ، قد يجعل المعاد غير معاد وهو خلاف الفرض ، كما لزم ~~ذلك عن فرض إعادة الوجود والوقت والحدوث ، وإنما ذكر كلمة «قد» التي ~~للتقليل ظاهرا إشعارا بأن فرض PageV01P309 # الإعادة لا يجعل المعاد غير معاد مطلقا ولو في صورة فرض إعادة الماهية ~~وحدها من غير فرض إعادة الوجود والوقت والحدوث ، بل يجعله كذلك في بعض ~~الفروض ، وهو فرض عود تلك المذكورات أيضا. # وقوله : «ويجوز أن يكون ما هو معاد ليس له حالتان أصلا». # كلمة «يجوز» إما بصيغة المضارع المجرد وبالنصب عطفا على قوله : «يلزمه» ، ~~أي حتى لا يلزمه ذلك ، ولا يجوز أن يكون ما هو معاد بالفرض ليس له حالتان ~~حتى لا يصح فرض الإعادة ، بل يجوز أن يكون له حالتان وتفرض هناك اثنينية ~~بها يصح فرض الإعادة. # وإما بصيغة المضارع المزيد فيه من باب التفعيل المبني للفاعل وبالرفع ، ~~عطفا على قوله : «قد يجعل» أي حتى لا يلزمه أن فرض الإعادة قد يجعل المعاد ~~غير معاد ، ويجوز أي يكون منشأ لتجويز أن يكون ما هو معاد ليس له حالتان ، ~~ولا يصح فيه فرض الإعادة ، فتدبر. # وقوله : «قول ملفق» هو خبر عن قوله : «ثم قول من يريد أن يهرب إلى آخره » ~~أي أن ذلك القول قول ملفق غير بين بنفسه ، ولا مبين ، بل هو مجرد ادعاء ~~يفضحه البحث المحصل ، حيث إن القول بأن الوجود صفة مطلقا باطل ، بل قسم منه ~~عين الماهية في الخارج كما تبين ، كالقول ms247 بأن الصفة مطلقا لا توصف ولا تعقل ~~، فإن ذلك أيضا باطل كما لا يخفى ، فإن كثيرا من الصفات توصف وتعقل. أي ~~تعقل وتوصف بشيء وعلى شيء ، بل إن كل الصفات حتى الصفات العدمية كذلك ، ~~وكالقول بأن الصفة ليست بشيء ولا موجودة ، فإن هذا أيضا باطل ، وكيف لا ~~تكون الصفة كذلك والحال أنها صفة للموجودات ، وموصوفة بالصفات الثبوتية ، ~~مع أنه بالوجود يكون الشيء موجودا ، وكالقول بأن بعض الأشياء يحتمل الإعادة ~~وبعضها لا يحتملها ، فإن ذلك أيضا مجرد ادعاء لا دليل عليه ، بل الدليل يدل ~~على خلافه ، حيث إنه لو جاز إعادة المعدوم لجاز إعادة كل معدوم. # وبالجملة فبطلان ما ادعاه هذا المدعي بين ينفسه لا يحتاج إلى بيان وبرهان ~~، وإنما ذكرنا ما ذكرنا تنبيها على بطلانه. PageV01P310 # ثم إن قول المحقق الدواني : «ولما كان الشيخ يدعي بداهة المدعى لم يبال ~~بذكر المقدمات التنبيهية في صورة المنع» كأنه أراد ببعض المقدمات قول الشيخ ~~: ولم لا يكون الوجود نفسه معادا إلى آخره ، حيث أورده بصورة المنع وقد ~~عرفت توجيهه سابقا. # وأما أن الشيخ يدعي بداهة المدعى ، فكأنه فهمه من بعض كلماته في ~~التعليقات ، وقد عرفت سابقا كلامه في الشفاء صريح في ادعاء البداهة في ذلك. # وعلى هذا فيكون المقدمة مقدمة تنبيهية ، كما ادعاه المحقق المذكور. # وقد تم بما حققه في هذه الحاشية على ما ذكرنا بيانه ، جواب الاعتراض ~~الأول الذي أورده الشارح القوشجي على دليل المحقق الطوسي رحمه الله . # ثم إن ما ذكره في الحاشية الثانية التي نقلناها عنه بقوله : «لا يخفى أن ~~الذات إلى آخره » ، جواب عن الاعتراض الثالث الذي أورده الشارح المذكور على ~~المحقق الطوسي. # وقوله فيها فلا يلزم تخلل الزمان بين الشيء ونفسه كأنه بظاهره موهم لأن ~~تخلل الزمان بمجرده مطلقا سواء كان زمان الوجود أو زمان العدم مستلزم ~~للمحال ، وأنه لا يلزم هناك تخلل الزمان بين الشيء ونفسه. # وهذا غير مستقيم فإنك قد عرفت فيما حققناه سابقا أن تخلل الزمان إنما ~~يستلزم المحال باعتبار ما هو كائن فيه. وقد اعترف ms248 المحشي نفسه بذلك في ~~الحاشية السابقة ، حيث قال : فإن تخلل زمان العدم بين زماني وجود شيء واحد ~~بعينه يستلزم تخلل العدم بين شيء واحد بعينه ، وقد عرفت أيضا فيما حققناه ~~أن الواقع في الزمان المتخلل لو كان هو العدم ، لكان مستلزما للمحال. ولا ~~كذلك لو كان هو الوجود. # وقوله : «بل تخلله بين الشيء باعتبار وقوعه في الزمان الأول إلى آخره » ~~فيه أنه لو كان محمولا على ظاهره لكان ذلك مشتركا بين صورتي تخلل زمان ~~العدم وزمان الوجود ، حيث إنه في صورة تخلل زمان العدم أيضا بين زماني ~~وجوده بعينه يكون تخلله بين الشيء باعتبار وقوعه في الزمان الأول وبينه ~~باعتبار وقوعه في الزمان الثاني ، لأن السابق بالسبق الزماني واللاحق بذلك ~~اللحوق ، إنما هو الزمان بالذات ، والشيء مع حصوله في الزمانين بالواسطة ~~كما أن سابقية العدم أو مسبوقيته أيضا مع حصوله في زمان البين بواسطة زمان ~~البين. ولا كلام في أن عروض التقدم والتأخر للزمان إنما هو بالذات ، PageV01P311 # ولغيره من الزمانيات إنما هو بواسطته. إنما الكلام في أن ذلك هل يجدي ~~نفعا في الفرق بين تخلل زمان العدم وزمان الوجود ، وهذا غير ظاهر منه. # نعم قوله أخيرا : «لا نفس الذات من حيث هي لأنها مستمرة» ربما كان إشارة ~~إلى التحقيق الذي ذكرناه في الفرق وفي جواب الاعتراض وهو أعلم. # وبالجملة فما ذكره في هذه الحاشية كأن فيه إبهاما وبه يعسر دركه علينا. ~~والقول المحصل المفصل في جواب الاعتراض وحسم مادة الشبهة هو ما ذكرنا سابقا ~~، فتذكر. # ثم إنه بقي في كلامه الجواب عن الإيراد الثاني الذي ذكره الشارح القوشجي ~~وهو لم يلتفت إليه ، وكأنه مبني على ظهوره عنده ، وقد نقلنا عنه سابقا في ~~موضع آخر من كلامه أن التحقيق عنده أنه على تقدير عدم الامتياز بالماهية ~~والتشخص يكون ما يعرض لأحدها عارضا للآخر فلا يتحقق الامتياز بالعوارض غير ~~المشخصة أيضا وكيفما كان فالتحقيق في جواب ذلك الإيراد هو ما حققناه أيضا ، فتذكر. # وهذا آخر ما قصدنا إيراده في تحرير حجج المنكرين ms249 لإعادة المعدوم. وإذ قد ~~فرغنا بتوفيق الله وتأييده عن تحريرها على الوجه الأتم الأولى الذي هو كأنه ~~من خواص هذه الرسالة ، فلنتكلم في تحرير حجج المجوزين للإعادة ونقدها ~~وتزييفها. PageV01P312 ### ||| ** في ذكر حجج المجوزين لإعادة المعدوم وذكر ما فيها ونقدها وتزييفها # اعلم أن من جملة حججهم على ذلك ، بل من أشهرها وأقواها عندهم ، ما أشار ~~إليه المحقق الطوسي ؛ مع جوابه بقوله : «والحكم بامتناع العود لأمر لازم ~~للماهية» وذكره أيضا الفاضل الأحساوي في المجلي كما نقلنا كلامه في ذلك. # وتحرير كلام المحقق الطوسي كما سيظهر تلخيصه فيما بعد ، وإن لم يكن يحتاج ~~إلى زيادة بسط في الكلام ، إلا أن شارحه والعلمين المحشين حيث تصدوا فيه ~~لذكر القيل والقال والجواب والسؤال ، فلا بأس أن ننقل كلماتهم في ذلك ~~ونتبعه بالنقد والتزييف وبتحقيق الحق إن امكن ، عسى أن يكون موجبا لزيادة ~~اتضاح المرام وللإحاطة بأطراف الكلام في هذا المقام. # فنقول : قال الشارح القوشجي في شرحه : «استدل القائلون بجواز إعادة ~~المعدوم بأنه لو امتنع عود المعدوم ، هو عبارة عن وجوده ثانيا ، فهذا ~~الامتناع ليس لماهية المعدوم ، ولا للوازمها ، وإلا لم يوجد ابتداء بل كان ~~من قبيل الممتنعات ، لأن مقتضى ذات الشيء أو لازمه لا يتخلف ولا يختلف بحسب ~~الأزمنة. فهو لأمر ينفك عنها فيزول الامتناع عند انفكاكه فكان العود ~~جائزا». # وأجاب المصنف بقوله : «والحكم بامتناع العود لأمر لازم للماهية» يعني أن ~~الموصوف بامتناع العود هو الماهية الموصوفة بطريان العدم ، وهذا الوصف أعني ~~كونها قد طرأ عليها (1) العدم ، أمر لازم للماهية الموصوفة بطريان العدم ، ~~لكونها مأخوذة مع هذا الوصف ، وامتناع العود لها سبب هذا اللازم ، وهو لا ~~يقتضي امتناع وجوده ابتداء ، لعدم تحقق سبب PageV01P313 # الامتناع ، أعني هذا اللازم هناك. # قيل : لا نسلم أن الماهية الموصوفة بهذا الوصف ، ممتنعة الوجود وذلك لأنه ~~كما لا يكون الماهية الموصوفة بالوجود بعد العدم واجبة الوجود وممتنعة ~~العدم ، كذلك لا تكون الماهية الموصوفة بالعدم بعد الوجود ممتنعة الوجود ~~وواجبة العدم. # أقول : وفيه نظر ، لأن جواب المصنف في التحقيق منع وسند ، إذ ms250 حاصله أنا ~~لا نسلم أنه لو كان امتناع العود لماهية المعدوم أو لأمر لا ينفك عنها ~~امتنع وجوده ابتداء. # قوله : لأن مقتضى ذات الشيء أو لازمه لا يتخلف ولا يختلف بحسب الأزمنة. # قلنا : مسلم ، لكن لم لا يجوز أن يكون سبب الامتناع وصفا لماهية المعدوم ~~الموصوفة بطريان العدم لازما لها ، أعني كونها قد طرأ عليها العدم ويتخلف ~~(1) الامتناع عن الوجود ابتداء لانتفاء المتقضي أعني طريان العدم. # فكلام هذا القائل إن كان منعا للسند كما يفهم من قوله «لا نسلم» فهو غير ~~مفيد ، وإن كان إبطالا له فما ذكره لا يفيد الإبطال ، لأنه قياس فقهي غير ~~معقول في العقليات ، ولو سلم فإبطال للسند الأخص إذ قد يسند المنع بأن ~~ماهية المعدوم من حيث هي يجوز أن تقتضي امتناع العود ، والعود لكونه وجودا ~~حاصلا بعد طريان العدم أخص من الوجود المطلق. ولا يلزم من إمكان الأعم ~~إمكان الأخص ، ولا من امتناع الأخص امتناع الأعم ، فيجوز أن يمتنع وجوده ~~بعد عدمه لذاته ، فلا يمتنع وجوده مطلقا. # قال صاحب المواقف : الوجود أمر واحد في حد ذاته لا يختلف ابتداء وإعادة ~~بحسب حقيقته وذاته ، بل بحسب الإضافة إلى أمر خارج عن ماهيته وهو الزمان. ~~فإذن يتلازم الوجودان أي المبتدأ والمعاد إمكانا ووجوبا وامتناعا ، لأن ~~الأشياء المتوافقة في الماهية ، يجب اشتراكها في هذه الامور المستندة إلى ~~ذواتها. ولو جوزنا كون الشيء الواحد ممكنا في زمان كزمان الابتداء ممتنعا ~~في زمان آخر كزمان الإعادة ، معللا بأن الوجود في الزمان الثاني أخص من ~~الوجود مطلقا ومغاير للوجود في الزمان الأول بحسب الإضافة ، فلا يلزم من ~~امتناع الوجود الثاني امتناع ما هو أعم منه ، أو امتناع ذلك المغاير ، لجاز ~~الانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الواجب الذاتي معللا بأن الوجود في زمان ~~أخص من الموجود المطلق PageV01P314 # أو مغاير للوجود في زمان آخر. فجاز أن يكون ذلك الأخص ممتنعا والمطلق أو ~~المغاير واجبا. وفي تجويز هذا الانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الوجوب ~~الذاتي مخالفة لبديهة العقل الحاكمة بأن الشيء الواحد يستحيل ms251 أن يقتضي ~~لذاته عدمه في زمان ويقتضي لذاته وجوده في زمان آخر ، وإغناء للحوادث عن ~~المحدث ، وسد لباب إثبات الصانع ، لجواز أن تكون ممتنعة لذواتها في زمان ~~كونها معدومة ، وواجبة لذواتها حال كونها موجودة ، فلا حاجة لها إلى صانع ~~يحدثها. انتهى كلامه. (1) # وأقول : إن هذا الكلام عن آخره حق وصواب ، لكن لا أثر له في دفع هذا ~~الجواب. # وتحقيق المقام يقتضي زيادة بسط في الكلام ، فنقول : الوجوب عبارة عن ~~اقتضاء الذات للوجود مطلقا ، والامتناع عن اقتضاء الذات العدم مطلقا ، ~~والإمكان عن لا اقتضائهما مطلقين ، وقد تقدم أنه لا يجوز الانقلاب بين هذه ~~المفهومات الثلاثة ، بأن يكون شيء واجبا في زمان ثم يصير ممكنا ، أو ممتنعا ~~في زمان آخر أو بالعكس ، لأن مقتضى ذات الشيء لا يختلف ولا يتخلف بحسب ~~الأزمنة ، لكن الوجود قد يقيد بقيد سلبي أو إضافي فلا يقتضي ذات الواجب ~~الوجود المقيد بهذا القيد ، بل يمتنع اتصافه به ، كما إذا قيدنا الوجود ~~بكونه مسبوقا بالعدم ، فإن هذا الوجود يمتنع اتصاف ذات الواجب به فضلا عن ~~اقتضائه له ، وبذلك لا يخرج ذات الواجب عن كونه واجبا ، ولا ينقلب عن وجوبه ~~الذاتي إلى الامتناع الذاتي ، لأن اقتضاءه للوجود مطلقا باق بحاله ، لم ~~يدخله تغير ولا تبدل ولا انقلاب ، وكذلك العدم قد يقيد بكونه مسبوقا ~~بالوجود ، فلا يقتضي ذات الممتنع هذا العدم المقيد ، بل لا يمكن اتصافه به ~~، ولا يلزم من ذلك الانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الوجوب الذاتي بناء على ~~أن اقتضاءه للعدم مطلقا باق بحاله. # وعلى هذا القياس إذا قيد الوجود بكونه ناشئا عن ذات الموصوف به لم يمكن ~~اتصاف ذات الممكن به ولم يصر الممكن بذلك ممتنعا إذ نسبته إلى الوجود ~~المطلق باق بحاله لم يتغير بعد. # وأيضا فإنهم قالوا : أزلية الإمكان غير إمكان الازلية وغير مستلزمة له ، ~~وذلك لأنا إذا قلنا إمكانه أزلي أي ثابت أزلا كان الأزل ظرفا للإمكان ، ~~فيلزم أن يكون ذلك الشيء PageV01P315 # متصفا بالإمكان اتصافا مستمرا غير مسبوق بعدم الاتصاف ، وهذا هو الذي ~~يقتضيه ms252 لزوم الإمكان لماهية الممكن. وإذا قلنا أزليته ممكنة كان الأزل ظرفا ~~لوجوده ، على معنى أن وجوده المستمر الذي لا يكون مسبوقا بالعدم ممكن. ومن ~~المعلوم أن الأول لا يستلزم الثاني ، لجواز أن يكون وجود الشيء في الجملة ~~ممكنا إمكانا مستمرا ولا يكون وجوده على وجه الاستمرار ممكنا أصلا ، بل ~~ممتنعا ولا يلزم من هذا أن يكون ذلك الشيء من قبيل الممتنعات دون الممكنات ~~، لأن الممتنع هو الذي لا يقبل الوجود بوجه من الوجوه. وهذا كلام حق لا ~~شبهة فيه مشهور في ما بين القوم. # وما قيل من أن إمكانه إذا كان مستمرا أزلا لم يكن هو في ذاته مانعا من ~~قبول الوجود في شيء من أجزاء الأزل ، فيكون عدم منعه منه أمرا مستمرا في ~~جميع تلك الأجزاء. فاذا نظر إلى ذاته من حيث هو ، لم يمنع من اتصافه ~~بالوجوب في شيء منها ، بل جاز اتصافه به في كل منها ، لا بدلا فقط بل ومعا ~~أيضا. وجواز اتصافه به في كل منها معا هو إمكان اتصافه بالوجود المستمر في ~~جميع أجزاء الأزل بالنظر إلى ذاته فأزلية الإمكان مستلزمة لإمكان الأزلية. # أقول : مدفوع بأن قوله : «لا بدلا فقط بل ومعا أيضا» ممنوع. وإذا تمهد ~~هذا فنقول : مقصود المانع أن العود ليس وجودا مطلقا على أي وجه كان ، بل هو ~~وجود مقيد بكونه حاصلا بعد طريان العدم ، فلم لا يجوز أن يمتنع اتصاف ماهية ~~المعدوم بهذا الوجود المقيد ، ولا يمتنع اتصافها بالوجود المطلق من غير ~~لزوم انقلاب من الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي كما في أخواته ونظائره ~~على ما تقدم. # فنقول : هذا القائل «ولو جوزنا كون الشيء الواحد إلى آخره » لا تعلق له ~~بكلام هذا المانع ، لأنه لا يقول بهذا التجويز ولا يلزمه أيضا ، وكذا قوله ~~: «الوجود أمر واحد إلى قوله ولو جوزنا» ، لأن حاصله أن الوجود المعاد إذا ~~اقتضى لذاته أمرا يجب أن يقتضي الوجود المبتدأ أيضا لذاته ذلك الأمر بعينه ~~، وبالعكس لأنها متحدان ذاتا وحقيقة. وإنما اختلافهما بحسب أمر خارج ، وهو ms253 ~~لم يقل بخلاف ذلك ، ولم يلزم أيضا من كلامه خلافه ، بل اللازم من كلامه أن ~~الموجودين المبتدأ والمعاد متغايران بحسب الإضافة إلى أمر خارج ، فيجوز أن ~~يقتضي ماهية المعدوم لذاته عدم الاتصاف بأحدهما يعني الوجود المعاد ، ولا يقتضي PageV01P316 # عدم الاتصاف بالآخر ، ولا ينافي هذا أن لا يجوز أن يقتضي أحد الوجودين ~~لذاته أمرا ، ولا يقتضيه الوجود الآخر. # وأقول : يمكن أن يتمم هذا الدليل بأن يقال : الحكم بامتناع عود المعدوم ~~إذا لخص وجرد أطرافه يعود إما إلى قولنا : إن ذاتا ما من الذوات الممكنة ~~الوجود يمتنع وجودها المسبوق بالعدم المسبوق بالوجود. وإما إلى قولنا : إن ~~ذاتا ما قد اتصفت بالعدم المسبوق بالوجود يمتنع وجودها. # فعلى الأول نقول : لا شبهة أن اتصاف ذات الممكن بالوجود المطلق غير ممتنع ~~، فلو امتنع اتصافها بالوجود المقيد بهذين القيدين أعني المسبوقية بالعدم ~~والمسبوقية بالوجود لكان هذا الامتناع ناشئا إما من أحد هذين القيدين أو ~~كليهما لكنه [نعلم أن] المسبوقية بالعدم لا تكون منشأ لهذا الامتناع ، وإلا ~~لم يتصف ماهية بالحدوث. وكذا المسبوقية بالوجود ، وإلا لم يتصف ماهية ~~بالبقاء. ونعلم بالضرورة أن لا أثر لاجتماعهما في هذا الامتناع ، فاتصافها ~~بالوجود المقيد بهذين القيدين أعني اتصافها بالعود غير ممتنع. # وعلى الثاني ، نقول : ذات الممكن من حيث هي لا يمتنع اتصافها بالوجود ، ~~وذاته الموصوفة بالعدم المسبوق بالوجود لو امتنع اتصافها بالوجود ، لكان ~~ذلك الامتناع ناشئا من أحد هذين الوصفين أعني اتصافها بالعدم ومسبوقيته ~~بالوجود أو من كليهما ، واتصافها بالعدم لا يصلح ذلك وإلا لم تخرج ماهية من ~~العدم إلى الوجود. وكذلك المسبوقية بالوجود ، لأن الوجود الأول إن أفادها ~~زيادة استعداد لقبول الوجود على ما هو شأن سائر القوابل ، بناء على اكتساب ~~ملكة الاتصاف بالفعل فقد صار قابليتها للوجود ثانيا أقرب وإعادتها على ~~الفاعل أهون ، وإن لم يفدها زيادة الاستعداد ، فمعلوم بالضرورة أنها لا ~~تنقص عما هي عليه (1) بالذات من قابلية الوجود في جميع الأوقات ، ومعلوم ~~بالضرورة أن لا أثر لاجتماعهما في هذا الامتناع. فذات الممكن الموصوفة ~~بالعدم المسبوق بالوجود ms254 ، لا يمتنع اتصافها بالوجود وذلك هو المطلوب. # وجه آخر اقناعي وهو أن الأصل فيما لا دليل على وجوبه وامتناعه ، هو ~~الإمكان على ما قالته الحكماء أن كلما قرع سمعك من الغرائب فذره في بقعة ~~الإمكان ما لم يذدك عنه PageV01P317 # قائم البرهان. انتهى كلامه. # وقال المحقق الدواني في الحاشية عليه بهذه العبارة : قوله : «لازما لها» ~~أي ممتنع الانفكاك عنها بعد حدوثها لا مطلقا. # قوله : «إذ يسند المنع بأن ماهية المعدوم» ، لا يخفى أن هذا ظاهر عبارة ~~المتن من غير تكلف. # قوله : فقول هذا القائل ولو جوزنا كون الشيء إلى آخره . # وقف الشارح عند ظاهر لفظ هذا القائل ، ولم يأت بما يحسم مادة الشبهة ، إذ ~~لا خفاء في أن مقصود هذا القائل أنه لو جاز أن يكون الشيء بعد ما طرأ عليه ~~العدم ممتنعا وقبله ممكنا كما في التقرير الأول لجاز أن يكون الحادث في ~~زمان عدمه ممتنعا وفي زمان وجوده واجبا. # وأيضا لو جاز كون الشيء ممكن الاتصاف بالوجود الأول ، ممتنع الاتصاف ~~بالوجود الثاني كما قيل في التوجيه الثاني لجاز كون الحادث ممتنع الاتصاف ~~بالوجود في زمان عدمه ، واجب الاتصاف بالوجود في زمان وجوده. فإن العلة ~~المذكورة في الوجهين جارية فيه إلا أنه تسامح في قوله : «لأن الأشياء ~~المتوافقة في الماهية إلى قوله ولو جوزنا» وكان حق العبارة أن يقول : لأن ~~الأشياء المتوافقة في الماهية يجب اشتراكها في اقتضاء الذات الواحدة إياها. # وقوله : ولو جوزنا إلى آخره ، معناه أنه لو جوز كون الشيء ممكنا وجوده ~~الابتدائي ، ممتنعا وجوده الثاني بناء على اختلاف الوجودين ، لجاز مثل ذلك ~~في الحادث ، بأن يكون ممتنعا وجوده في زمان عدمه ، واجبا وجوده في زمان ~~وجوده ، لاختلاف الوجودين ، والحاصل أن الاختلاف سواء اعتبر في الموضوع أو ~~في المحمول وحكم باختلافهما في الإمكان والامتناع ، يجري في الحادث إلا أن ~~ظاهر عبارته أشبه بالابتناء على الوجه الأخير. والذي يحسم مادة الشبهة أن ~~يقال : لا يمكن كون الحادث مقتضيا وجوده في زمان وعدمه في زمان آخر لا بأن ~~يعتبر الاختلاف ms255 في جانب الموضوع ولا بأن يعتبر في جانب المحمول. # أما الأول فلأن الموضوع وهو الحادث بوصف اقتران الزمان محتاج في ذاته إلى غيره ، PageV01P318 # فلا يكون واجب الوجود. # وأما الثاني فلأنه لو كان مقتضيا بذاته للوجود في وقت معين ، لم ينفك عنه ~~، فكان موجودا في ذلك الوقت دائما ؛ هذا خلف. # قوله : «ونعلم بالضرورة أن لا أثر لاجتماعها في هذا الامتناع» ممنوع ، بل ~~هو أول المسألة ، وكيف يسمع دعوى الضرورة في مثل هذا المقام مع مخالفة ~~الجماهير من الأعلام. وأنت خبير بأنه يمكن إجراء نظير ما ذكره في استلزام ~~أزلية الإمكان إمكان الأزلية ، بأن يقال : اتصاف ذات الممكن بالوجود المطلق ~~غير ممتنع ، فلو امتنع اتصافه بالوجود المقيد بالدوام لكان الامتناع ناشئا ~~من هذا القيد ، لكنه ليس منشأ الامتناع ، وإلا لم يتصف ممكن بالدوام. # قوله : «إن أفادها زيادة استعداد إلى قوله : وإن لم يفدها زيادة استعداد» ~~من البين أن الشيء إذا حصل بالفعل برئ المادة من جميع مراتب استعداده وما ~~ليس في المادة استعداده أصلا لا يمكن حدوثه ، فكيف يصير قابليته للوجود ~~ثانيا أقرب ، وكيف علم بالضرورة أنه لا ينقص أصلا عما هي عليه بالذات من ~~قابلية الوجود في جميع الأوقات. # على أن كون ما هي عليه بالذات من قابلية الوجود في جميع الأوقات باطل ، ~~كما حققه الشارح آنفا ، ثم كيف علم بالضرورة أن لا أثر لاجتماع الوصفين في ~~هذا الامتناع. # قوله : «وجه آخر إقناعي» الأصل هنا إن كان بمعنى الكثير الراجح فيكون ~~أكثر ما لم يقم دليل على استحالته ووجوبه ممكنا غير ظاهر ، وإن كان بمعنى ~~ما لا يصار إليه إلا بدليل فهو باطل. لأن الوجوب والإمكان والامتناع ليس ~~شيء منها أصلا بهذا المعنى ، بل كل منها يقتضي ماهية موضوعه ، فما لم يقم ~~دليل على أن الشيء من أي قسم ، لم يعلم حاله. وما قال الحكماء معناه أن ما ~~لا دليل على وجوبه ولا على امتناعه ، لا ينبغي أن ينكر ، بل يترك في بقعة ~~الإمكان العقلي الذي مرجعه الاحتمال ، لا أنه يعتقد ms256 إمكانه ... على هذا ~~تقييده بما لم يذدك عنه قائم البرهان. وكيف يتوهم ذلك ، وقد كرر الشيخ في ~~كتبه أن من تعود أن يصدق من غير دليل فقد انسلخ من الفطرة الإنسانية. # وجه آخر ، في امتناع إعادة المعدوم وهو أن إعادته بعينه تستلزم إعادة ~~جميع أسبابه من الحوادث المتسلسلة من غير بداية وهو باطل. PageV01P319 # ويمكن أن يمنع لزوم إعادة جميع الأسباب لجواز أن يعود بأسباب اخر متناهية ~~فقط ، أو بها منضمة إلى تلك الأسباب السابقة المتسلسلة. انتهى كلامه. # وقال م ن الشيرازي في الحاشية على الحاشية بهذه العبارة : # قوله : «هذا ظاهر عبارة المتن من غير تكلف». # وجه تطبيق عبارة المتن عليه أن معنى كلام المصنف أن حكمنا بامتناع عود ~~المعدوم من جهة أنه يمتنع وجوده ثانيا. والحاصل أن الحكم بامتناع عود ~~المعدوم إنما هو لخصوصية المحمول الذي هو لازم الماهية من حيث هي الناشئة ~~منها ، لما تقرر أن لوازم الماهية مستندة إلى نفس الماهية كما في تقرير هذا السند. # ولما كان اللازم في هذا التوجيه بالمعنى المشهور ، لا بالمعنى الذي بينه ~~فيما تقدم ، قدم تلك الحاشية على ما بعدها على ما في أكثر النسخ مع تأخرها ~~عنه رتبة ، حتى لا يتوهم أن بناء هذا التوجيه أيضا على أن يحمل اللازم على ~~هذا المعنى الغير المتعارف ، وللإشارة إلى أن حمل اللازم على هذا المعنى ~~الغير المتعارف تكلف قال : من غير تكلف. # قوله : أي ممتنع الانفكاك عنها بعد حدوثها. الظاهر من عبارة الشارح أنه ~~جعل الملزوم هو الماهية بشرط وصف الطريان. ومن المعلوم أن الطريان ممتنع ~~الانفكاك عن الماهية المأخوذة بشرط وصف الطريان مطلقا ولا حاجة إلى جعل ~~اللزوم بالمعنى الغير المشهور. # نعم يرد عليه حينئذ أن مجرد كون وصف الطريان ممتنع الانفكاك عن الماهية ~~بشرط الوصف لا يكفى في امتناع إعادة المعدوم ، فالسند لا يستلزم المنع ، ~~ولا يصلح للسندية. ولعله رحمه الله للتخلص عن هذا الإيراد لم يحمل كلامه على ~~أن يكون الملزوم هو الماهية بشرط الوصف بل جعل الملزوم هو الماهية ms257 لا بشرط ~~، وجعل الطريان لازما لها بعد حدوثها ، وقوله : الموصوفة حمله على أنه بيان ~~لوقت اللزوم وامتناع الانفكاك ، لا أنه قيد للملزوم. # قول الشارح : «أقول : مدفوع بأن قوله لا بدلا فقط» ، الأظهر في الجواب أن ~~يقال : أزلية الإمكان تقتضي أن يكون الوجود المطلق جائزا للممكن في جميع ~~أوقات الأزل على أن يكون الأوقات ظرفا للجواز والإمكان ، وذلك لا يستلزم ~~كون الوجود في جميع تلك الأوقات ممكنا ، على أن يكون الأوقات ظرفا للوجود. # وقوله : «وقف الشارح» اعلم أن صاحب المواقف أبطل السند المذكور في الشرح ثانيا PageV01P320 # بوجهين : # أحدهما من قوله : «الوجود أمر واحد إلى قوله ولو جوزنا». # والثاني من قوله : «ولو جوزنا إلى آخر ما قال». ولما كان إبطال السند ~~الأخص لا يفيد في دفع المنع نبه رحمه الله على أن ما ذكره من الوجه الثاني ~~لإبطال السند الثاني بطل به الوجه الأول من السند ، إلا أن عبارته أشبه ~~بإبطال الثاني. # والأظهر أن يقول ما ذكره لإبطال السند الثاني يمكن إجراؤه في إبطال الأول ~~، لأن ما ذكره صريح في إبطال الثاني ، ولم يتعرض رحمه الله لجريان الوجه ~~الأول من وجهي إبطال السند في إبطال السند الأول. ولا يخفى عليك جريانه بأن ~~يقال : الماهية أمر واحد في حد ذاته لا يختلف إعادة وابتداء فلا يختلف في ~~اقتضاء إمكان الاتصاف بالوجود الواحد. # ثم لما كانت المناقشة الاولى للشارح التي أشار إليها في التحقيق الذي ~~مهده ، تتوجه على قوله : لجاز الانقلاب الذاتي ، بناء على أن هذا ليس ~~انقلابا ذاتيا أصلا ، طوي في توجيه كلامه لدفعها حديث الانقلاب الذاتي ~~واكتفى بلزوم غناء الحوادث عن المحدث. وحينئذ يندفع ما أورده الشارح بقوله ~~: «فقول هذا القائل ولو جوزنا إلى قوله ولا يلزمه أيضا» لأن المراد من كون ~~شيء واحد ممكنا في زمان ممتنعا في زمان آخر ليس باعتبار الوجود المطلق في ~~كليهما ، بل إما باعتبار الوجود الخاص في كليهما أو باعتبار الوجود المطلق ~~في الأول والخاص في الثاني ، وحينئذ يظهر أن المانع جوز هذا. # فإن قيل في ms258 توجيه الانقلاب الذاتي أن صاحب المواقف ، تسامح فأطلق ~~الانقلاب الذاتي على مثل هذه الصورة تجوزا. # قلت : في كونه خلاف البديهة حينئذ نظر وتأمل ، فلأجل ذلك لم يتوجه ~~رحمه الله لتوجيهه ، بل رأى إسقاطه أولى. # وقوله : «إلا أنه تسامح إلى آخره » دفع للإيراد الثاني للشارح على الوجه ~~الأول لإبطال السند بتغيير العبارة. ولا يخفى أنه حينئذ ينبغي تطبيق ~~التعليل على الدعوى إما بتغيير الدعوى أو تعميم الدليل عند قوله : «لأن ~~الأشياء المتوافقة في الماهية» لأن هذا الدليل بظاهره لا ينطبق إلا على ~~الوجوب الذاتي ، ولا يتناول الإمكان والامتناع كما يظهر بأدنى تأمل. PageV01P321 # ويمكن أن يقال الوجوب والإمكان والامتناع إذا اخذت صفة للوجود وكانت من ~~مقتضيات الوجود فلا حاجة إلى تغيير العبارة ، لأن الكلام في المعاني التي ~~هي صفة الوجود ، ضرورة أن المانع لم يقل إن الذات يصير واجبا في وقت ممكنا ~~في وقت آخر. # قوله : فلا يكون واجب الوجود أي بالذات لاحتياجه إلى اقتران الزمان مثلا. ~~لا يقال : يلزم عدم الحاجة إلى المؤثر الموجود ، وهذا كاف في لزوم المحذور ~~، لأن الذات مع هذا الوصف إنما هي علة لنفس الوجوب ، وأما أصل الوجود فلا ~~بد من استناده إلى علة موجودة ، لما تقرر عندهم أن العدم لا يفيد الوجود ~~وذلك كما أن العدم الطارئ مستند إلى عدم علته. نعم وجوبه الذي في قوة ~~امتناع وجوده ثانيا مستند إلى الذات مع القيد ، فتأمل. # قوله : «بل هو أول المسألة» اقتفى أثر الشارح في جعل القيدين قيدا للوجود ~~، والظاهر أن القيد الثاني قيد للأول ، إذ هو صريح الإعادة ويلائم العبارة ~~الثانية. وبما قررنا ظهر اندفاع ما ذكره الشارح من لزوم كون الممكن غير ~~متصف بالبقاء ، فتأمل. # قوله : «وإلا لم يتصف ممكن بالدوام» أي الدوام المطلق المتناول لدوام ~~الوجود ودوام العدم المتحقق في ضمن دوام العدم ، وهذا على مذهب من لم يقل ~~بالصفات الموجودة الزائدة على ذاته تعالى. وأما من قال بها فالممكن المتصف ~~بالدوام أي دوام الوجود متحقق لا محالة. # قوله : «فكيف يصير قابلية الوجود ثانيا ms259 أقرب». # لا يقال : إنما برئ المادة من جميع مراتب استعدادات الوجود الأول دون ~~الثاني. لأنا نقول : الكلام في العبارة الاولى والتقييد والتخصيص إنما ~~يعتبر هاهنا في جانب الموضوع ، وترك المحمول الذي هو الوجود على صرافة ~~الإطلاق. # قوله : «كما حققه الشارح آنفا» ، هذا بناء على جعله في جميع الأوقات ظرفا ~~للوجود ، كما هو الظاهر حتى ينفع الشارح ، وإن جعل ظرفا للقابلية فلا ينفع ~~الشارح ، إذ القابلية في جميع الأوقات إنما هو للوجود في الجملة. # قوله : «لجواز أن يعود بأسباب اخر متناهية فقط» ، هذا السند ليس بشيء لما ~~تقرر عندهم أن العلة التامة للحادث ، لا بد أن تشتمل على امور غير متناهية ~~متعاقبة ، وإلا يلزم التخلف عن العلة التامة ؛ هذا خلف. انتهى كلامه. PageV01P322 ### | في تحرير كلام المحقق الطوسي # وأقول وبالله التوفيق : لا يخفى عليك بعد إمعان النظر أن مفاد كلام ~~المحقق الطوسي حيث قال : «والحكم بامتناع العود لأمر لازم للماهية» ، (1) ~~أن الحكم بامتناع عود المعدوم يمكن أن يكون لأجل أمر لازم للماهية أي لأجل ~~طريان العدم عليه أي على وجوده الابتدائي. وبعبارة اخرى لأجل كون وجوده ~~الابتدائي متخللا بين عدمين ، عدم سابق وعدم طار لاحق ، وبعبارة اخرى لأجل ~~كون عوده أي وجوده ثانيا بالفرض بعد عدم طار ، وبالجملة لأجل طريان العدم ~~الذي هو لازم للماهية أي لا يمكن أن ينفك عن الماهية ويتخلف عنها حتى يجوز ~~بسبب انفكاكه عنها العود أي وجوده ثانيا كالوجود ابتداء فلا يلزم من امتناع ~~وجوده ثانيا بسبب تحقق هذا الأمر اللازم فيه المانع منه امتناع وجوده ~~الابتدائي كما ادعاه المستدل لعدم تحقق هذا اللازم فيه. وأشار بذلك إلى أنه ~~حيث كان الحكم بامتناع العود لأجل ذلك الأمر اللازم ، يكون المحكوم به نفسه ~~أي امتناع العود أيضا لأجله وحيث كان ذلك الأمر لازما للماهية من حيث هي ~~والحال أن لازم الماهية يكون مستندا إلى ذات الماهية الملزومة فيكون العود ~~ممتنعا بالذات كما هو المقصود إلا أنه بقي بعد تفسير الملزوم وبيان اللزوم ~~هنا ، وهذا يمكن على أحد وجهين ms260 مآلهما واحد في الحقيقة. # أحدهما وهو الذي أشار إليه الشارح في التقرير الأول للسند المذكور ، ~~وينبغي حمل كلامه عليه لا على ما يوهمه ظاهره أن يراد بالماهية الملزومة ~~ماهية المعدوم ، ويقال إن طريان العدم لازم لماهية المعدوم ، لا لماهية ~~مطلق المعدوم حتى المعدوم الذي لم يوجد PageV01P323 # أصلا بل لماهية هذا المعدوم المفروض الذي فرض وجوده وفرض طريان العدم على ~~وجوده ، وطرأ عليه في الواقع فإنه لا خفاء في أن الماهية الكذائية ماهية ~~لزمها طريان العدم ، إذ هو لو لم يكن لازما لها ، لجاز انفكاكه عنها ولو ~~جاز انفكاكه عنها ، لم تكن الماهية تلك الماهية المأخوذة المفروضة التي طرأ ~~عليها العدم البتة في الواقع ، بل تكون غيرها لا بحسب الفرض فقط ، بل بحسب ~~الواقع ونفس الأمر أيضا ؛ هذا خلف. # ثم إن طريان العدم وإن كان مأخوذا مع تلك الماهية على أنه وصف لازم لها ~~لكنا لم نأخذه على أنه قيد لها حتى يصير الملزوم هو الماهية بشرط وصف ~~الطريان ، ويكون المعنى أن طريان العدم ممتنع الانفكاك عن تلك الماهية ~~المأخوذة بشرط هذا الوصف ، أي بشرط أخذه على أنه ممتنع الانفكاك عنها ، ~~فإنه على هذا يكون اللزوم ضروريا غير قابل للنزاع. # وأيضا لا يكون اللازم لازما للماهية من حيث هي ، كما هو معنى ظاهر اللفظ ~~، بل لازما للماهية المأخوذة مع القيد ، ولا سيما أن القيد هو نفس اللازم ، ~~ومع ذلك فالسند على هذا لا يستلزم المنع ، ولا يصلح للسندية ، لأنه حينئذ ~~يكون معنى كلام المانع أن الحكم بامتناع العود يمكن أن يكون لأجل طريان ~~العدم الذي هو لازم لماهية المعدوم التي اعتبر لزومه لها واخذ هو معها. # ويرد عليه أن هذا إنما يستلزم المنع على هذا التقدير لا مطلقا كما هو ~~المقصود. # نعم لو كان لازما لها مطلقا ، لكان يستلزم المنع مطلقا وإذ ليس فليس. # وبعبارة اخرى أن هذا اللزوم إنما لزم من أخذك الماهية كذلك ، فإنك لو ~~أخذتها مطلقة غير معتبر كونها بشرط هذا اللازم لربما كان غير لازم لها ، ~~فلا ms261 يلزم أن يكون الحكم بامتناع العود لأجل طريان العدم مطلقا كما هو ~~المقصود ، بل إنما يكون ذلك على هذا التقدير خاصة. # فإن قلت : إنا إنما أخذنا الماهية كذلك ، لكونها في الواقع كذلك وكون ~~اللازم ، لازما لها في الواقع كما مر بيانه. # قلنا : فحينئذ فأي (1) فائدة في أخذها كذلك ، واعتبار لزوم اللازم له على ~~تقدير هذا PageV01P324 # الأخذ ، مع أنه يمكنك أخذها مطلقة وادعاء لزوم اللازم لها مطلقا ، فتدبر. ~~بل إنما أخذنا هذا الوصف أي وصف طريان العدم على أنه بيان وقت اللزوم حتى ~~يصير الملزوم هو الماهية من حيث هي ، لكن لا مطلقا بل الماهية الحادثة ~~المفروضة التي طرأ عليها العدم. ويكون معنى لزومه لها أنه لازم لها حين ~~حدوثها وحين كونها متصفة به ، إذ لا سترة في أنها بعد حدوثها قد طرأ عليها ~~العدم وامتنع انفكاكه عنها ، إذ لو فرض انفكاكه عنها لم يكن تلك الماهية ~~تلك الماهية لا بحسب الفرض ولا بحسب الواقع ، وحيث كان ممتنع الانفكاك عنها ~~مطلقا مع كونه وصفا عارضا لها خارجا عن ماهيتها كان لازما لها مطلقا من غير ~~اعتبار كونه مع الشرط كما على الأول ، وإن كان اللزوم بعد حدوثها ، وبذلك ~~كان السند مستلزما للمنع وصالحا للسندية مطلقا. # وإلى ما ذكرنا مفصلا أشار المحقق الدواني مجملا بقوله في تفسير قول ~~الشارح لازما لها : أي ممتنع الانفكاك عنها بعد حدوثها ، لا مطلقا ، وأراد ~~بقوله : «بعد حدوثها» ما ذكرنا وبقوله : «لا مطلقا» أي لا مطلقا وإن كان ~~قبل حدوثها ، فإنه قبل ذلك لم يطرأ عليها العدم أو أن امتناع انفكاكه عنها ~~إنما هو بالقياس إلى تلك الماهية المعدومة التي فرضت لا بالقياس إلى كل ~~ماهية معدومة حتى الماهية التي لم توجد أصلا. # وكذلك أشار به إلى توجيه قول الشارح في التقرير الأول للسند في بيان معنى ~~اللزوم وتفسيره وأنه يمكن أن يحمل على هذا الاحتمال الصحيح دون الاحتمال ~~الأول الذي يوهمه ظاهر كلامه على ما بين المحشي الشيرازي كل ذلك ، إلا أنه ~~ادعى أن تفسير الملزوم ms262 وبيان اللزوم بالوجه الذي ذكره المحقق الدواني هنا ~~يجعل اللزوم بالمعنى الغير المشهور ، وكأن وجهه أن للقوم في تفسير لازم ~~الماهية عبارتين : # إحداهما أنه ما يلزم الماهية في كلا وجوديه أي الذهني والخارجي جميعا. # والثانية أنه ما يلزم الماهية من حيث هي مع قطع النظر عن كل ما سواها. # ولا يخفى أن التفسير الأول وإن لم يمكن إجراؤه في المعدوم الخارجي ، لعدم ~~وجود خارجي له ، لكن التفسير الثاني يمكن إجراؤه فيه ، فإن للمعدوم أيضا ~~يمكن فرض ماهية من حيث هي ، وإذا اجري فيه فينبغي أن يكون معناه حينئذ كما ~~هو المشهور أنه لازم للماهية من حيث هي ، مع قطع النظر عن كل ما سواها ، ~~وغير مختص لزومه إياها بوقت دون PageV01P325 # وقت وحال دون اخرى ، وإذا اعتبر اللزوم بالقياس إلى حالة خاصة ووقت مخصوص ~~كما فيما نحن فيه حيث اعتبر طريان العدم لازما لماهية المعدوم بعد حدوثها ~~كما فعله المحقق الدواني ، فيكون اللزوم بوجه غير مشهور مخالف له إلا أنه ~~ربما يمكن أن يدفع هذا. ### | في الإشارة إلى دفع مناقشة المحشي الشيرازي عن المحقق الدواني # بأن لكل ماهية حكما وحالا ، فإن كانت الماهية بحيث يكون وجودها أو فرضها ~~غير مختص بحال دون اخرى كماهية الأربعة الملزومة للزوجية مثلا فينبغي أن ~~يعتبر لزومها لها لزومها لماهيتها (1) من حيث هي ، غير مختص بحالة دون اخرى ~~إذ المفروض أن تلك الماهية من حيث هي كذلك في الواقع وأن ذلك اللازم لازم ~~لها من حيث هي. # وأما لو كانت الماهية بحسب وجودها أو فرضها مختصة بوقت خاص أو حالة ~~مخصوصة كماهية المعدوم المفروض فيكون لازمها أيضا كذلك ، ويكون لزومه لها ~~أيضا في تلك الحالة وإن كان ذلك اللازم لازما لها من حيث هي ، إذ المفروض ~~أن ليس لتلك الماهية في غير تلك الحالة وفي غير ذلك الوقت تحقق ولا اعتبار ~~تحقق أصلا. فجعل طريان العدم لازما لماهية المعدوم المفروض من حيث هي بعد ~~حدوثها كما فعله المحقق الدواني لا مخالفة فيه للمشهور بوجه ، فتأمل. # الوجه ms263 الثاني لتفسير الملزوم وبيان اللزوم هو الوجه الذي أشار إليه ~~الشارح في التقرير الثاني للسند. وادعى المحقق الدواني أنه ظاهر عبارة ~~المتن من غير تكلف ، إلا أنه لم يبين وجه تطبيق العبارة عليه. وبينه المحشي ~~الشيرازي بقوله : وجه تطبيق العبارة عليه ، أن معنى كلام المصنف أن حكمنا ~~بامتناع عود المعدوم من جهة أنه يمتنع وجوده ثانيا. # والحاصل أن الحكم بامتناع عود المعدوم ، إنما هو لخصوصية المحمول الذي هو ~~لازم الماهية من حيث هي ، الناشئة منها ، لما تقرر أن لوازم الماهية مستندة ~~إلى نفس الماهية كما في تقرير هذا السند ، إلى آخر ما ذكره في تلك الحاشية. # وكأن غرضه أن معنى كلامه أن حكمنا على المعدوم بامتناع العود من جهة ~~خصوصية هذا المحمول المحكوم به ، أي من جهة العود الذي هو لازم لماهية ~~المعدوم من حيث هي ، PageV01P326 # واقتضاء ماهية المعدوم ثبوت هذا اللازم له ، وكون لازم الماهية مستندة ~~إلى نفس الماهية كما هو المقرر عندهم ، وأشار إليه الشارح في تقرير هذا ~~السند بقوله : إن ماهية المعدوم من حيث هي يجوز أن تقتضي امتناع العود ، ~~وقوله : فيجوز أن يمتنع وجوده بعد عدمه لذاته. وبالجملة يجوز أن يكون حكمنا ~~بامتناع العود لخصوصية هذا المحكوم به اللازم له الناشئ منه كما أن امتناع ~~العود نفسه يجوز أن يكون لخصوصية في العود ، وهي كونه وجودا حاصلا بعد ~~طريان العدم. # والحاصل أن الحكم بامتناع المعدوم يجوز أن يكون لأجل امتناع العود الذي ~~هو لازم لماهية المعدوم من حيث هي ناش منها ، كما أن امتناع العود نفسه ~~يجوز أن يكون لأجل ما يعتبر في العود من كونه وجودا بعد عدم طار. # وهذه الضميمة ، وإن لم يذكرها المحشي الشيرازي صريحا ولا هي مدلول كلامه ~~، لكن لا يخفى أنها مما لا بد منه في تطبيق عبارة المتن على ما ذكره الشارح ~~في تقرير هذا السند وكذا في تصحيحها. # أما في التطبيق فلأن الشارح قد ذكرها أيضا بقوله : والعود لكونه وجودا ~~حاصلا بعد طريان العدم أخص إلى آخره. # وأما في ms264 التصحيح فلأنه على تقدير عدم ذكر تلك الضميمة لو سلمنا أن تعليل ~~الحكم بامتناع العود بامتناع العود كما هو ظاهر كلام المتن على هذا الوجه ~~لا يكون من قبيل تعليل الشيء بنفسه بناء على أنه في مقام ظهور المقصود ، ~~يمكن أن يذكر مثل تلك العبارة ، بأن يقال مثلا إن الحكم بزوجية الأربعة ~~لأجل زوجية الأربعة ، فلا يخفى أنه على هذا التقدير لا يتبين وجه الفرق بين ~~الوجود المبتدأ والوجود المعاد الذي كان المستدل في مقام نفيه ، والمانع في ~~مقام إبدائه ، فلم يكن كلام المانع في مقابلة استدلال المستدل ، بخلاف ما ~~لو ضمت تلك الضميمة ، فإنه على هذا يكون وجه الفرق ظاهرا. # وبالجملة فعلى هذا التوجيه الذي ذكره المحشي يكون الملزوم ماهية المعدوم ~~من حيث هي واللازم لها امتناع العود ، وهو وإن كان مبنيا على حمل اللازم ~~على المعنى المتعارف من غير تكلف فيه ، لكنه لا يخفى أن فيه تكلفا ما في ~~توجيه العبارة ، بل ربما يجعل لفظ الأمر في قول المصنف غير ملائم ، بل ~~مستدركا لأن المتبادر من قوله : «والحكم PageV01P327 # بامتناع العود لأمر لازم للماهية» ، أن ذلك الأمر غير ذلك المحكوم به ، ~~لا نفسه ، كما يلزم على هذا التقدير ، ولو اريد بالأمر طريان العدم فهو وإن ~~كان غير ذلك المحكوم به لكنه مما لم يفرض لازما لماهية المعدوم على هذا ~~التقدير ، بل هو على تقدير مدخلية فرضه في إتمام المدعى كما ذكرنا قد فرض ~~أمرا معتبرا في مفهوم العود ، فتدبر. # وحيث أحطت خبرا بما فصلناه عرفت أن مآل الوجهين المذكورين في الحقيقة إلى ~~أمر واحد ، وهو أن الحكم بامتناع عود المعدوم ، بل امتناع عوده ، يجوز أن ~~يكون لأجل طريان العدم ، سواء اعتبر وصف الطريان في جانب الموضوع أو في ~~جانب المحمول. وأن هذا السند في الحقيقة سند واحد مساو للمنع ، إذ بإثباته ~~يثبت المنع ، وبإبطاله يبطل ، كما لا يخفى. ### | كلام مع الشارح القوشجي والمحشين # فما تضمنه كلام الشارح ، بل يظهر من كلام المحشين أيضا أن كلا من ~~التقريرين المذكورين في ms265 سند المنع ، سند أخص من المنع ، فهو إن كان المراد ~~به الأخصية في الواقع وفي الحقيقة ، فليس ذلك بمسلم ، إذ باعتبار وصف ~~الطريان في جانب الموضوع كما في التقرير الأول أو في جانب المحمول كما في ~~التقرير الثاني لا يتفاوت الحال ولا يتغاير السندان في الواقع ، حتى يكون ~~كل واحد منهما بخصوصه أخص من المنع ، وإن كان المراد به الأخصية بحسب ~~التقرير والتعبير فهو مسلم لكن لا ينافي ما ذكرنا. ### ||| ** وإذا تحققت ما ذكرنا ، فنقول : ### | في الإشارة إلى توجيه كلام القائل الأول ### ||| * بحيث يندفع عنه إيراد الشارح القوشجي # لعل مبنى كلام القائل الأول الذي نقل عنه الشارح بقوله : «قيل لا نسلم أن ~~الماهية الموصوفة بهذا الوصف ممتنعة الوجود إلى آخره » على أنه بصدد إبطال ~~سند المنع ، لا بصدد منع السند ، وإن كان قوله «لا نسلم» موهما له ، حيث إن ~~منع السند لا يفيد ، وكذا على أنه إبطال له بحيث لا يكون قياسا فقهيا كما ~~زعمه الشارح ، بل يكون مقتضى الدليل ، PageV01P328 # وبيانه أن امتناع عود المعدوم إذا كان لأجل طريان العدم على ماهية ~~المعدوم كما ذكره الشارح في التقرير الأول ، فلا يخفى أن معناه : أنه لأجل ~~طريان العدم على وجود ما فرض موجودا ثم معدوما. ولا يخفى أيضا أن ليس وجه ~~كون طريان العدم على الوجود الابتدائي منشأ لامتناع الوجود ثانيا ، إلا أن ~~طريان أحد النقيضين على النقيض الآخر يمكن أن يكون منشأ لذلك ، يعني أن ~~طريان النقيض الطارئ يجوز أن يكون سببا لامتناع النقيض الآخر المطروء عليه ~~، وإذا كان كذلك فحيث يجوز أن يكون طريان العدم على الوجود سببا لامتناع ~~الوجود ثانيا وكونه ممتنعا ، أي لذاته ، كما هو المقصود كذلك يجوز أن يكون ~~طريان الوجود على العدم سببا لامتناع العدم ثانيا لذاته ، إذ لا فرق بين ~~الصورتين في أن في كل منهما طريان أحد النقيضين على النقيض الآخر. # ولا وجه أيضا لأن يكون طريان أحد ذينك النقيضين بخصوصه منشأ لذلك دون ~~النقيض الآخر. وحينئذ فيجوز أن يكون الماهية الموصوفة بالوجود ms266 بعد العدم ~~ممتنعة العدم ثانيا وواجبة الوجود لذاتها ، كما جاز أن يكون الماهية ~~الموصوفة بالعدم بعد الوجود ممتنعة الوجود وواجبة العدم ، وهذا باطل ~~بالضرورة. # وحيث كان كذلك فكما لا تكون الماهية الموصوفة بالوجود بعد العدم واجبة ~~الوجود وممتنعة العدم ، بل جائزة العدم ، كذلك لا تكون الماهية الموصوفة ~~بالعدم بعد الوجود واجبة العدم وممتنعة الوجود ، بل جائزة الوجود وفيه ~~المقصود. # ومن ذلك يظهر أن ما أورده الشارح على كلام هذا القائل ليس بوارد ، وأن ~~تغيير السند واعتبار وصف الطريان في جانب المحمول كما فعله لا ينفعه أصلا ، ~~إذ قد عرفت أن السند في الحقيقة أمر واحد مساو للمنع لا يتغير في الحقيقة ~~بتغيير العبارة. # وحيث بطل السند مع اعتبار وصف الطريان في جانب الموضوع ، بطل أيضا مع ~~اعتباره في جانب المحمول ، فبطل بالكلية ، وبطلانه حيث كان مساويا للمنع ، ~~بطل المنع أيضا رأسا. # على أنه على تقدير تسليم كون كل من السندين أخص من المنع أيضا كما زعمه ، ~~نقول إن كلام هذا القائل وإن كان بحسب الظاهر ناظرا إلى التقرير الأول ~~للسند ، حيث قرر كلام المصنف هكذا ، لكنه عند التأمل يمكن أن يورد على ~~التقرير الثاني للسند أيضا بعينه ، فإن PageV01P329 # لذلك القائل أن يقول حينئذ ، إن ماهية الموجود من حيث هي يجوز أن يقتضي ~~امتناع العدم ثانيا اي امتناع عود العدم ، فإن العدم ثانيا لكونه عدما ~~حاصلا بعد طريان الوجود السابق أخص من مطلق العدم ، ولا يلزم من إمكان ~~الأعم إمكان الأخص ولا من امتناع الأخص امتناع الأعم فيجوز أن يمتنع عدمه ~~بعد وجوده لذاته ولا يمتنع عدمه مطلقا. # فإن قلت : إن فرض الأخص والأعم في الوجود غير ممتنع ، وأما فرضهما في ~~العدم فممتنع ، إذ لا تمايز في الأعدام ولا خصوص ولا عموم فيها. # قلت : لا امتناع في ذلك فإنه كما أن الوجود يمكن أن يكون عاما كالوجود ~~المطلق الانتزاعي ، وخاصا كالوجود الخاص بمعنى ما ينتزع منه الوجود ~~الانتزاعي ، أو كحصة الوجود الانتزاعي الخاصة المنتزعة من الوجود الخاص ، ~~أو الخاصة باعتبار التقييد ms267 بقيد سلبي أو إضافي ، كذلك العدم وإن لم يكن فيه ~~تمايز ولا خصوص ولا عموم بحسب ذاته من حيث هي ، يمكن أن يفرض فيه العموم ~~والخصوص بإضافته إلى الوجود العام أو الخاص وذلك بين ومبين أيضا في موضعه. # على أنا نقول : إن الوجود الأخص الذي فرضه الشارح وادعى امتناعه في هذا ~~التقرير للسند لا معنى له إلا الوجود ثانيا بعد العدم ، وكذا الوجود الأعم ~~أو المطلق الذي فرضه فيه وفرض إمكانه ، لا معنى له إلا الوجود الخاص السابق ~~على هذا العدم اللاحق المسبوق بالعدم السابق ، وأطلق الشارح عليه الوجود ~~العام والوجود المطلق بمعنى الوجود في الجملة. إذ لا وجود هنا عاما أو ~~مطلقا بأي معنى اخذ غيره. # والحاصل أن المراد من ذلك هو الوجود المغاير وحينئذ فيمكن لنا أن نقول : ~~إن العدم الخاص الذي فرضنا نحن خصوصه وامتناعه ، هو العدم اللاحق المسبوق ~~بالوجود السابق ، وأن العدم المطلق أو الأعم الذي نحن فرضناه وفرضنا إمكانه ~~هو العدم السابق على الوجود السابق المغاير للعدم اللاحق سواء بسواء. # وحيث عرفت ذلك عرفت أن إيراد هذا القائل يرد على هذا التقرير للسند أيضا ~~، على تقدير كون كل من السندين سند آخر أخص من المنع أيضا كما زعمه الشارح ~~، وأنه به يبطل هذا السند الأخير ، وبه يبطل المنع بالكلية ، إذ مجموع ~~السندين مساو للمنع إذ لا سند هنا غيرهما يستلزم المنع. وبإبطال السند ~~المساوي سواء اعتبرته سندا واحدا مساويا له PageV01P330 # أو سندين كل منهما أخص ، ومجموعها مساو له يبطل المنع. وهذا الذي ذكرنا ~~هو توجيه كلام هذا القائل ، وبه يتم إيراده على ما يفهم ظاهرا من كلام ~~المصنف ، ويظهر أنه لا يندفع عنه بما أورده الشارح عليه ، فتبصر. # إلا أن إيراده ليس مما لا يمكن دفعه عن المصنف ، بل يمكن ذلك ، لكن بوجه ~~آخر غير ما ذكره الشارح. # وبيانه يستدعي تمهيد مقدمة وهي أن يقال : من المستبين مما تبين في محله ~~وكذا مما ذكره الشارح في التمهيد الذي حققه أن الوجود لو اريد به الوجود ms268 ~~الخاص بمعنى ما ينتزع منه الوجود العام الانتزاعي ، فكل وجود خاص بهذا ~~المعنى حقيقة خاصة مغايرة للوجود الآخر الخاص ، مخالف له بحسب الحقيقة ومع ~~ذلك فيمكن أن يكون بعضها مخالفا أيضا لبعض آخر بحسب التقييد بقيود سلبية أو ~~إضافية ، هي تكون منشأ لإمكان بعضها ولامتناع آخر ، وأنه لو اريد به الوجود ~~العام الانتزاعي ، فهو وإن كان معنى واحدا عاما مشتركا بين الموجودات ~~اشتراكا معنويا إلا أن حصصه أيضا متخالفة ومتغايرة بحسب إضافتها إلى ~~الوجودات الخاصة ، وكذا بحسب التقييد بقيود سلبية أو إضافية. وبذلك يمكن أن ~~يحصل الاختلاف بينها في الحكم إمكانا وامتناعا ووجوبا. وكذلك العدم وإن كان ~~مفهوما واحدا ، لا تمايز بين الأعدام بحسب مفهوماتها ، إلا أنه قد يمكن ~~التمايز بينها بحسب إضافتها إلى الوجودات الخاصة المتمايزة ، أو إلى حصص ~~الوجود العام المتمايزة ، وكذا بحسب التقييد سلبية أو إضافية وبذلك يحصل ~~التغاير والتخالف بين الأعدام ويمكن الاختلاف بينها في الحكم امتناعا ~~وإمكانا ووجوبا. # وإذا تمهد هذا فنقول : إن للمصنف أن يقول حينئذ إنا لا نسلم ما ادعاه هذا ~~القائل من أنه لو كان امتناع عود المعدوم أي وجوده ثانيا لأجل طريان العدم ~~على وجوده أولا ، والحال أنه ليس إلا لأجل طريان النقيض على النقيض ، وكون ~~النقيض المطروء عليه ممتنعا ، يلزم أن يكون عود العدم بعد ما طرأ عليه ~~الوجود ممتنعا أيضا لأجل ذلك. لكنا نقول : إن معنى ذلك امتناع عود ذلك ~~العدم الخاص المطروء عليه أي العدم السابق على الوجود ، كما أن المراد في ~~الأول ، امتناع عود ذلك الوجود الخاص المطروء عليه بعينه ، ضرورة أنه لو ~~فرض الوجود بعد العدم الطارئ ، كان هو وجودا خاصا آخر غير الأول مقيد بكونه PageV01P331 # مسبوقا بالعدم السابق فقط. والثاني مقيد بكونه مسبوقا بالعدم الطارئ ، ~~وإن كان مسبوقا بالعدم السابق أيضا بالواسطة. # وكذلك لو فرض عدم بعد الوجود الطارئ على العدم ، كان العدم الثاني عدما ~~خاصا غير الأول لكون الأول مقيدا بكونه عدما سابقا على الوجود مطلقا ~~والثاني مقيدا بكونه عدما لاحقا ، طارئا على الوجود ms269 وأحدهما غير الآخر. # وحينئذ نقول : سلمنا امتناع ذلك العدم الخاص ، لكنه لا يلزم منه عدم جواز ~~انعدام الماهية أو انعدام وجودها بعدم خاص آخر غير الأول ، حتى يلزم أن ~~يكون الماهية الموصوفة بالوجود بعد العدم ممتنعة العدم مطلقا وواجبة الوجود ~~لذاتها ، بل يجوز انعدامها ثانيا بعدم آخر ، حيث لا مانع منه عند العقل. # وأما ما قلناه من أنه يجوز أن يكون الماهية الموصوفة بالعدم بعد الوجود ~~ممتنعة الوجود وواجبة العدم ، فهو لأجل أن الماهية لو فرض وجودها ثانيا فهو ~~إما بالوجود الخاص الأول فذلك ممتنع ، لامتناع عوده بعينه كما تبين ، وإما ~~بوجود خاص غير الأول فذلك أيضا ممتنع لما تقرر في موضعه من أن اختلاف ~~الوجود يستلزم اختلاف الماهية والذات على ما بينا وجهه فيما تقدم ، فلا ~~يكون ما فرض معادا بعينه بل يكون الموجود الثاني غير الموجود الأول ؛ هذا ~~خلف. وهذا بخلاف العدم ، فإن اختلاف العدم لا يستلزم اختلاف الذات ، فتدبر. ~~وبما حققناه تنحسم مادة الشبهة والله أعلم بحقيقة الحال. ### | في تحرير ما ذكره صاحب المواقف # وأما صاحب المواقف على ما نقل الشارح كلامه ، فظاهره أنه بصدد إبطال سند ~~المنع على التقرير الثاني له ، وأن مبنى كلامه على أنه فهم من قول المانع ~~بأن ماهية المعدوم من حيث هي يجوز أن تقتضي امتناع العود ، والعود لكونه ~~وجودا حاصلا بعد طريان العدم أخص من الوجود المطلق إلى آخره. # أن غرضه أن منشأ امتناع الوجود ثانيا وإمكان الوجود ابتداء ، إنما هو ~~اختلاف الوجودين بحسب الزمان فقط ، بأن كان الوجود الأخص في زمان وهو زمان ~~طريان العدم والوجود الأعم أو المطلق في زمان آخر قبل طريان العدم ، أو ~~ادعى أن الوجودين وإن قيدا PageV01P332 # بقيد غير الزمان أيضا كقيد طريان العدم في الوجود ثانيا وقيد عدم طريانه ~~في الوجود ابتداء لا يكون بينهما اختلاف إلا بحسب الزمان فقط ، لا بحسب ~~الحقيقة ، ولا بحسب غير الزمان. # ثم قال : الوجود أمر واحد في حد ذاته لا يختلف ابتداء وإعادة بحسب حقيقته ~~وذاته بل بحسب إضافته ms270 إلى أمر خارج عن ماهيته وهو الزمان فقط ، فإذن يتلازم ~~الوجودان المبتدأ والمعاد أي الواقع في زمان الابتداء والواقع في زمان ~~الإعادة إمكانا ووجوبا وامتناعا ، لأن الأشياء المتوافقة في الماهية ~~كالوجودين المبتدأ والمعاد ، يجب اشتراكها في هذه الامور أي في الإمكان ~~والوجوب والامتناع المستندة إلى ذواتها أي إلى ذوات تلك الأشياء. # فلو كان الوجود المعاد ممتنعا يجب أن يكون الوجود المبتدأ أيضا ممتنعا ، ~~ولو كان الوجود المبتدأ ممكنا يجب أن يكون الوجود المعاد أيضا ممكنا مثله ، ~~وكذلك لو كان أحدهما واجبا يجب أن يكون الآخر واجبا مثله ، فإن المفروض ~~استناد هذه الامور إلى ذوات تلك الأشياء ، وما بالذات لا يختلف ولا يتخلف ، ~~فلا يمكن أن يكون الوجود المعاد ممتنعا مع إمكان الوجود المبتدأ. # وكيف يجوز ذلك ، والحال أنا لو جوزنا كون الشيء الواحد كالوجود ممكنا في ~~زمان كزمان الابتداء ، ممتنعا في زمان آخر كزمان الإعادة ، معللا بالتعليل ~~الذي ذكره المانع في التقرير الثاني للسند ، ويرجع حاصله إلى أن الوجود في ~~الزمان الثاني أخص من الوجود مطلقا ومغاير للوجود في الزمان الأول بحسب ~~الإضافة إلى الزمان ، فلا يلزم من امتناع الوجود الثاني امتناع ما هو أعم ~~منه ، أو امتناع ذلك المغاير ، وجوزنا هذا الانقلاب الذي هو من الإمكان ~~الذاتي إلى الامتناع الذاتي ، للزم علينا أن نجوز نظير هذا الانقلاب من ~~الانقلابات الاخر الذاتية كالانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الوجوب الذاتي ~~معللا بنظير التعليل المذكور أي بأن الشيء الوجود في زمان أخص من الوجود في ~~زمان آخر أو مغاير له ، فجاز أن يكون ذلك الأخص ممتنعا والمطلق أو المغاير ~~واجبا ، فأن المفروض أن لا اختلاف بينهما إلا بحسب الزمان ، مع وحدتهما ~~بحسب الحقيقة. # وفي تجويز هذا الانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الوجوب الذاتي ، مخالفة لبديهة PageV01P333 # العقل الحاكمة بأن الشيء الواحد يستحيل أن يقتضي لذاته عدمه في زمان ~~ويقتضي لذاته وجوده في زمان آخر. وإغناء للحوادث عن المحدث. وسد لباب إثبات ~~الصانع ، لجواز أن تكون ممتنعة لذواتها في زمان كونها معدومة ، وواجبة ~~لذواتها ms271 حال كونها موجودة ، فلا حاجة لها إلى صانع يحدثها. # فحاصل كلامه إبطال سند المنع من وجهين : أولها بطريق البرهان ، والثاني ~~بطريق النقض الإجمالى والإلزام. # وهذا الذي ذكرناه ، هو تحرير كلام صاحب المواقف ، إلا أن قوله : «الوجود ~~أمر واحد في حد ذاته لا يختلف ابتداء وإعادة بحسب حقيقته وذاته إلى آخره ». # كأن مراده منه الوجود العام الانتزاعي الذي قالوا : إنه أمر واحد بحسب ~~الحقيقة ، مشترك معنوى بين الموجودات ، وإلا فالوجود الخاص بمعنى ما ينتزع ~~منه الوجود العام وحصصه ليس واحدا بحسب الحقيقة ، بل مختلف بحسب اختلاف ~~الماهيات والذوات. وأن إيراده للفظ المغاير في المواضع الأربعة ، سواء كان ~~بلفظ الواو العاطفة أو بلفظ (أو) العاطفة على اختلاف النسختين ، كان فيه ~~إشارة إلى أن المراد من الوجود الخاص أو الاخص ، وكذا من الوجود المطلق أو ~~الأعم ، ليس إلا الوجود المغاير أي المغاير بحسب الإضافة إلى الزمان ، إذ ~~ليس هنا خصوص ولا عموم ، ولا إطلاق بحسب معنى من المعاني إلا معنى ~~المغايرة. وأنه ينبغي أن يحمل إطلاق هذه الألفاظ في كلام المانع في تقرير ~~السند الثاني على هذا المعنى أيضا حتى يكون له وجه كما أشرنا نحن أيضا فيما ~~سبق إليه. # وإلا أن قوله : «لجواز أن يكون ممتنعة لذواتها في زمان كونها معدومة ~~وواجبة لذواتها حال كونها موجودة ، فلا حاجة لها إلى صانع يحدثها» كأن فيه ~~إيماء إلى أنه حينئذ يلزم تجويز انقلاب آخر غير ذلك أيضا ، وهو تجويز أن ~~تكون الحوادث ممكنة لذواتها في زمان كونها معدومة ، وواجبة لذواتها حال ~~كونها موجودة ، فلا حاجة لها إلى صانع يحدثها ، وإنما لم يدعه أيضا لعدم ~~كونه في مقام استقصاء جميع الانقلابات الممتنعة ، فاكتفى بالأول مع كونه في ~~ظهور المفسدة بحيث لا يخفى على أحد. # ثم إنك بعد ما تبينت تحرير كلام صاحب المواقف ، لا يخفى عليك أن إيراده ~~على السند الثاني حيث أورده بحيث كان مقابلا له في الظاهر لو كان واردا ~~عليه ، لربما أمكن PageV01P334 # إيراده على السند الأول أيضا لكن بتغيير في العبارة ، كأن ms272 يضم إلى ادعاء ~~وحدة الوجود بحسب الذات ادعاء وحدة الذات أي ذات المعدوم أيضا أي وحدته في ~~حالتي الابتداء والعود ، ويدعي مع ادعاء تلازم الوجودين أي المبتدأ والمعاد ~~إمكانا ووجوبا وامتناعا ، أن تلك الذات الواحدة أيضا يجب أن يكون ما تقتضيه ~~هي بذاتها من جملة تلك الامور واحدا في حالتي الابتداء والعود. # أو أن يقول : إن الماهية أمر واحد في حد ذاته لا تختلف إعادة وابتداء ، ~~فلا تختلف في اقتضاء إمكان الاتصاف بالوجود الواحد كما ذكره المحشي ~~الشيرازي. وأن يبدل قوله : لأن الأشياء المتوافقة في الماهية يجب اشتراكها ~~في هذه الامور المستندة إلى ذواتها ، بقوله : لأن الأشياء المتوافقة في ~~الماهية ، يجب اشتراكها في اقتضاء الذات الواحدة إياها كما ذكره المحقق ~~الدواني. # أو أن يضم القول الثاني إلى القول الأول ، ويذكرهما جميعا وأن يسقط قيد ~~الخصوص أو الأخصية في أحد الوجودين ، وقيد الإطلاق أو الأعمية في الآخر ، ~~بل يكتفي بقيد المغايرة ، وأن يريد بالشيء الواحد في قوله : «لو جوز كون ~~الشيء الواحد ممكنا في زمان إلى آخره » الذات الواحدة كما أنه ينبغي أن ~~يراد به في الإيراد على السند الثاني الوجود الواحد. # وبالجملة أن يغير العبارة على نحو تكون عبارة إبطال السند في مقابلة ~~السند الأول ، ويكون ورود الإيراد عليه ظاهرا إما بما ذكرنا أو بنهج آخر. # وهذا إذا اريد مقابلته للتقرير الأول ، وأما إذا اريد مقابلته للتقريرين ~~جميعا ، فينبغي أن يدعي هناك تعميم وضم بعض العبارات إلى بعض ، حيث يكون ~~مقابلا لكلا التقريرين ، كما لا يخفى على المتأمل. ### | في تحرير ما ذكره الشارح القوشجي في مقام الجواب ### ||| * عما أورده صاحب المواقف # ثم إن الشارح قد تصدى للجواب عما ذكره صاحب المواقف ، فمهد أولا لذلك ~~مقدمة وتحقيقا ، ثم ذكر الجواب عنه. PageV01P335 # وبيان ما ذكره في التمهيد أن الوجوب عبارة عن اقتضاء الذات للوجود مطلقا ~~أي غير مقيد بقيد ينافيه ، والامتناع عن اقتضاء الذات العدم مطلقا أي غير ~~مقيد أيضا بقيد ينافيه ، والإمكان عن لا اقتضائهما مطلقين أي غير مقيدين ~~أيضا بقيد ms273 ينافيهما. وقد تقدم أنه لا يجوز الانقلاب بين تلك المفهومات ~~الثلاثة ، أي الوجوب الذاتي والإمكان الذاتي والامتناع الذاتي ، بأن يكون ~~شيء واحد كالوجود أو العدم واجبا في زمان ، ثم يصير ممكنا أو ممتنعا في ~~زمان آخر أو بالعكس ، أو أن يكون شيء واحد كالذات الواحدة من جملة الذوات ~~واجب الوجود لذاته في زمان ثم يصير ممكن الوجود لذاته أو ممتنع الوجود ~~لذاته في زمان آخر أو بالعكس ، لأن مقتضى ذات الشيء لا يختلف ولا يتخلف ~~بحسب الأزمنة. # لكن الوجود وكذا العدم قد يقيد بقيد سلبي أو إضافي يجعل ذلك القيد المقيد ~~به أمرا آخر مغايرا لما لم يقيد به. وكذلك الذات بحسب اعتبارها متصفة ~~بالوجود أو العدم ومقتضية لأحدهما أو غير مقتضية لواحد منهما ، قد تقيد ~~بقيد سلبي أو إضافي وبسبب ذلك القيد يختلف الحال لا اختلافا بحسب الزمان ، ~~بل بحسب ذلك القيد ، وإن كان القيد وكذا المقيد به مقارنا للزمان. # وبالجملة لا مدخل للزمان في اختلاف الوجود أو العدم بحسب الإمكان أو ~~الامتناع أو الوجوب ، أو في اختلاف الذات في الاتصاف بالوجود أو العدم بحسب ~~هذه الامور ، وإن كان بحسب الإضافة إلى الزمان أيضا يختلف حال الوجود ~~والعدم في الجملة غير الاختلاف في تلك الامور. بل إنما المدخل في ذلك لذلك ~~القيد نفسه ومدخلية الزمان فيه إنما هي لأجل اقتران القيد والمقيد به معه. # وتفصيل ذلك أن الوجود قد يقيد بقيد سلبي أو إضافي ، فلا يقتضي ذات الواجب ~~الوجود لذاته المقيد بذلك القيد ، بل يمنع اتصافه به ، كما إذا قيدنا ~~الوجود بكونه مسبوقا بالعدم ، أو قيدنا الواجب بكون وجوده مسبوقا بالعدم ، ~~فإن هذا الوجود يمتنع اتصاف ذات الواجب لذاته به ، لكونه منافيا للوجوب ~~الذاتي فضلا عن اقتضائه له. وبذلك لا يخرج ذات الواجب لذاته عن كونه واجبا ~~بالذات ولا ينقلب وجوبه إلى الامتناع ، لأن اقتضاءه للوجود مطلقا غير مقيد ~~بقيد ينافيه باق بحاله لم يدخله تغير ولا تبدل ولا انقلاب. وكذلك PageV01P336 # العدم قد يقيد بكونه مسبوقا بالوجود ، أو الممتنع ms274 قد يقيد عدمه بكونه ~~مسبوقا بالوجود ، فلا يقتضي ذات الممتنع لذاته هذا العدم المقيد بهذا ~~القيد. بل لا يمكن اتصافه به لكونه منافيا للامتناع الذاتي ، ولا يلزم من ~~ذلك الانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الوجوب الذاتي ، بناء على أن اقتضاءه ~~للعدم مطلقا غير مقيد بقيد ينافيه باق بحاله. وكذلك إذا قيد الوجود بكونه ~~ناشئا عن ذات الموصوف به ، أو قيد الممكن بكون وجوده ناشئا عن ذاته ، لم ~~يمكن اتصاف ذات الممكن لذاته به ، لكونه منافيا للإمكان الذاتي الذي معناه ~~عدم اقتضاء الوجود والعدم لذاته ، ولم يصر الممكن لذاته بذلك ممتنعا لذاته ~~، إذ نسبته إلى الوجود المطلق والعدم المطلق أي غير مقيد بالقيد المنافي ~~باق بحاله ، (1) لم يتغير بعد ، وكذلك الوجود إذا قيد بالوجود القديم ~~الأزلي المستمر في جميع أجزاء الأزل وفي جميع أوقاته المفروضة أو قيد ~~الممكن بكون وجوده وجودا كذلك ، لم يمكن اتصاف ذات الممكن به لكونه منافيا ~~للإمكان الذاتي ولو بعد النظر في الدليل ، حيث إنهم أقاموا الدليل على حدوث ~~العالم بجملته حدوثا زمانيا أو دهريا ، ولم يصر الممكن لذاته بذلك ممتنعا ~~لذاته ، إذ نسبته إلى الوجود المطلق غير مقيد بقيد ينافيه أي الوجود في ~~الجملة وفي بعض أجزاء الأزل باق بحاله (2) لم يتغير بعد. والممتنع بذاته هو ~~الذي لا يقبل الوجود بوجه من الوجوه وهذا الممكن ليس كذلك. ولأجل كون هذين ~~الوجودين أي الوجود الازلي والوجود في الجملة مختلفين عندهم في جواز اتصاف ~~ذات الممكن بالثاني دون الأول ، قالوا : إن أزلية الإمكان غير إمكان ~~الأزلية وغير مستلزمة له كما بينه الشارح ، ونقل عن بعضهم إيرادا عليه ~~ودفعه ، وإن كان الأظهر في دفع ذلك الإيراد ما ذكره المحشي الشيرازي بقوله : # أزلية الإمكان تقتضي أن يكون الوجود المطلق أي في الجملة جائزا للممكن في ~~جميع أوقات الأزل ، على أن يكون الأوقات ظرفا للجواز والإمكان ، وذلك لا ~~يستلزم كون الوجود في جميع تلك الأوقات ممكنا. على أن يكون الأوقات ظرفا ~~للوجود. # وإنما كان أظهر في الدفع ، لأنه لا يسلم قول ms275 ذلك البعض بدلا أيضا كما ~~سلمه الشارح ، فتفطن. وهذا الذي ذكرنا إنما هو بيان ما ذكره الشارح في ~~التمهيد ، ومنه يظهر الجواب عن PageV01P337 # كلام صاحب المواقف. ### | في تحرير الجواب # لكن لا يخفى عليك أن الأظهر في الجواب عنه بالنظر إلى ذلك التمهيد على ما ~~بيناه وبحيث ينحسم به مادة الشبهة ، سواء اوردت على التقرير الأول للسند أو ~~على التقرير الثاني له ، أن يقال إنه كما جاز في تلك الصور المفروضة ~~المتقدمة اختلاف الوجود والعدم إمكانا ووجوبا وامتناعا أو اختلاف الذات ~~بحسب اتصافها بأحدهما من هذه الجهات من غير لزوم انقلاب محال. كذلك يجوز أن ~~يكون إذا قيد الوجود بكونه مسبوقا بعدم طار على الوجود أو قيد الممكن بكون ~~وجوده مسبوقا بعدم طار على وجوده الابتدائي ، لا يمكن اتصاف ذات الممكن به ~~، لكونه منافيا لإمكانه الذاتي ولو بعد النظر في الدليل. كما مر من الأدلة ~~على امتناع عود المعدوم بعينه ، ولا يصير الممكن بذلك ممتنع الوجود لذاته ، ~~إذ نسبته إلى الوجود مطلقا غير مقيد بقيد ينافيه كهذا القيد باق بحاله ولم ~~يتغير بعد. # وبالجملة فكما جاز أن يكون الوجود المسبوق بالعدم مطلقا سابقا كان أم ~~لاحقا مما لا يمكن اتصاف ذات الواجب لذاته به لكونه منافيا ولم يكن ذلك من ~~الانقلاب المحال في شيء ، لأن اقتضاءه للوجود مطلقا غير مقيد بقيد ينافيه ~~كهذا القيد باق بحاله ، كذلك يجوز أن يكون الوجود المسبوق بالعدم اللاحق ~~المسبوق بالوجود المسبوق بالعدم السابق أعني العود مما لا يمكن اتصاف ذات ~~الممكن لذاته به لكونه منافيا له أيضا ولو بعد التأمل وأن لا يكون ذلك من ~~الانقلاب من الإمكان الذاتي إلى الامتناع الذاتي ، لأن نسبته إلى الوجود ~~مطلقا غير مقيد بقيد ينافيه ، كالوجود المسبوق بالعدم السابق خاصة باق ~~بحاله (1) وذلك القيد الذي صار التقييد به منشأ لامتناع اتصاف ذات الممكن ~~بالمقيد به وإن كان لازما لماهية الممكن المعدوم الكذائي أو معتبرا في ~~مفهوم العود وداخلا في حقيقته ، ولذلك صار العود ممتنعا لذاته. وكذا صار ~~المعدوم الممكن ms276 ممتنع الاتصاف به لذاته وخالف به الوجود المعاد الوجود ~~المبتدأ واختلفا في الامتناع والإمكان حيث امتنع المعاد وأمكن المبتدأ ، ~~إلا أنه إذا قلنا إن كلا من الوجود المعاد والوجود الابتدائي وجود خاص مغاير PageV01P338 # للآخر في الحقيقة كما هو التحقيق في الوجود الخاص بمعنى ما ينتزع منه ~~الوجود العام ، فلا اشكال حينئذ في اختلاف حال الوجودين إمكانا وامتناعا ، ~~وكذا في اختلاف اتصاف الممكن بهما بحسبهما. # وأما إذا أردنا بهما الوجود الانتزاعي ، وقلنا بوحدة حقيقته واختلافه ~~بحسب الإضافة إلى أمر خارج عن حقيقته. # فنقول : ليس منشأ الاختلاف بين الوجودين ، هو أصل حقيقتهما الواحدة ، ولا ~~أصل ذات الممكن المفروض وحدتها في حالتي فرض الاتصاف بالوجودين ، ولا ذلك ~~مما ادعاه المانع ، ولا مما يلزم من كلامه حتى يرد ما ذكره صاحب المواقف من ~~أن الوجود أمر واحد في حد ذاته لا يختلف إعادة وابتداء بحسب حقيقته وذاته ، ~~وأن الأشياء المتوافقة في الماهية كالوجودين يجب اشتراكها في الإمكان ~~والوجوب والامتناع المستندة إلى ذوات تلك الأشياء ، أو أن الأشياء ~~المتوافقة في الماهية يجب اشتراكها في اقتضاء الذات الواحدة اياها. بل أن ~~منشأ الاختلاف في ذلك هو الإضافة إلى أمر خارج عن ماهية الوجود ، ولكن ليس ~~ذلك الأمر هو الزمان كما ادعاه صاحب المواقف ، فإن الزمان بمجرده لا دخل ~~لاختلافه في اختلاف حال الوجود ، ولا في اختلاف حال الممكن في اتصافه به ~~أصلا. وليس ذلك أيضا مما ادعاه المانع أو مما يلزم من كلامه ، حتى يرد عليه ~~ما أورده هو من أنه لو جوزنا هذا الانقلاب أي كون الشيء الواحد أي الوجود ~~الواحد أو الذات الواحدة ممكنا في زمان كزمان الابتداء ممتنعا في زمان آخر ~~كزمان الإعادة معللا بالتعليل المذكور ، لجاز نظير هذا الانقلاب أيضا ~~كالانقلاب من الامتناع الذاتي إلى الوجوب الذاتي معللا به إلى آخر ما ذكره ~~بل إن ذلك الأمر الخارج إنما هو ذلك القيد المنافي للوجود الممكن الذي يكون ~~المقيد به مما يمتنع اتصاف ذات الممكن به وإن كان مقارنا للزمان. # وبالجملة هذا القيد ms277 مناف له داخل في مفهوم العود ولازم لماهية ذلك ~~المعدوم به صار العود ممتنعا بالذات. وكذا اتصاف المعدوم به ، وكذا هذا ~~القيد ، وكذا المقيد به ، وإن كان مقارنا للزمان لكن لا دخل للاقتران به في ~~هذا الامتناع أصلا ، كيف ولو كان الامتناع المذكور مستندا إلى الاقتران ~~بالزمان لم يكن الامتناع ذاتيا كما هو المفروض ، لكونه PageV01P339 # مستندا إلى أمر خارج عن حقيقة العود وعن حقيقة المعدوم المفروض ، وغير ~~لازم لماهيتهما بل كان امتناعا غيريا ؛ هذا خلف. # ولا يخفى أن في صورة ما ادعاه من لزوم الانقلاب من الامتناع إلى الوجوب ~~ليس سوى قيد الوقوع في الزمان قيد مناف يوجب ذلك ، إذ ليس في زمان كون ~~الممكن معدوما بالعدم السابق سوى الاقتران بالزمان قيد معتبر مع وجوده أو ~~مع ذات الممكن من جهة الاتصاف ينافي الإمكان ويوجب الامتناع الذاتي ، حتى ~~يلزم أن يكون الممكن في ذلك الزمان ممتنعا لذاته ، وكذا ليس في زمان كونه ~~موجودا بالوجود الابتدائي المسبوق بالعدم السابق خاصة سوى الاقتران بالزمان ~~قيد ينافي الإمكان ويوجب الوجوب الذاتي ، حتى يلزم كونه فيه واجبا لذاته ، ~~وقد عرفت أن الاقتران بالزمان بمجرده لا يكون منشأ لذلك. # ولا يمكن أيضا أن يقال : إن المراد أن الممكن بشرط العدم يمتنع وجوده. ~~وكذا هو بشرط الوجود يجب وجوده ، لأن هذا يكون خلاف الفرض ، لأن المفروض هو ~~الامتناع والوجوب في زمان الوصف لا بشرطه ، وأيضا يكونان حينئذ غيريين حيث ~~إن هذا الشرط خارج عن حقيقة ما فرض ممتنعا أو واجبا وغير لازم لماهيتهما لا ~~ذاتيين كما هو المفروض أيضا. # نعم في كل صورة يعتبر فيها القيد المنافي يلزم الاختلاف ، وليس هو مع ذلك ~~من الانقلاب المحال في شيء كما عرفت بيانه. # فإن قلت : إذا كان ذلك القيد المنافي لازما للماهية أو معتبرا في مفهوم ~~شيء كقيد طريان العدم الذي ذكرت أنه لازم لماهية الممكن المعدوم ومعتبر في ~~مفهوم العود أي الوجود ثانيا ، لا يخفى أنه حينئذ يكون الاختلاف مستندا إلى ~~ذلك القيد الذي هو لازم للماهية ms278 أو معتبر في المفهوم ، وحيث كان لازم ~~الماهية مستندا إلى الماهية من حيث هي كما هو المقرر بينهم ، فيكون ~~الاختلاف مستندا إلى ماهية الملزوم أي الممكن المعدوم ، والمفروض أن حقيقة ~~الممكن حقيقة واحدة ، وكذلك حيث كان القيد معتبرا في مفهوم العود وما هو ~~إلا الوجود ثانيا الذي هو واحد بحسب الحقيقة فيكون الاختلاف أيضا مستندا ~~إلى حقيقة الوجود التي هي واحدة. PageV01P340 # وعلى التقديرين فيعود المحذور المذكور جذعا. (1) # قلت : لا عود للمحذور أصلا فإنا لا نعني بكون هذا القيد معتبرا في مفهوم ~~العود أنه معتبر في مفهوم الوجود الذي حقيقته واحدة ، كالوجود العام ~~المشترك فيه المتحد بالحقيقة من حيث هو حقيقة واحدة ، بل نعني به أنه معتبر ~~في مفهوم العود الذي هو وجود خاص ، سواء أردنا بالوجود الخاص هو الأمر الذي ~~ينتزع منه الوجود الانتزاعي وقلنا بتغاير الوجودات الخاصة في الحقيقة كما ~~هو الحق ، أو أردنا به تلك الحصة المنتزعة من ذلك الوجود الخاص وقلنا ~~بتغاير الحصص أيضا بتغاير الاعتبارات والإضافات إلى أمر خارج ، وكذا بتغاير ~~المفروضات لها التي هي مما ينتزع منها تلك الحصص. # وعلى التقديرين فلا عود للمحذور ، إذ لا يلزم من اعتبار القيد في وجود ~~خاص كالعود اعتباره أيضا في وجود خاص آخر كالوجود الابتدائي ، ولا اعتباره ~~في مفهوم الوجود العام الواحد بالحقيقة حتى يلزم أن يكون ما يقتضيه العود ~~يقتضيه الوجود الابتدائي ، أو يقتضيه الوجود العام أو يختلف مقتضاه. # وكذلك لا نعني بكون ذلك القيد لازما لماهية الممكن المعدوم أنه لازم ~~لماهية الممكن مطلقا ، ولو كان ممكنا موجودا أو أنه لازم لماهية الممكن ~~المعدوم مطلقا ولو كان معدوما بالعدم السابق فقط ، بل أنه لازم لماهية هذا ~~الممكن المعدوم بالعدم الطارئ على وجوده السابق المسبوق بالعدم السابق ، ~~وهذه الماهية باعتبار اتصافها بهذا العدم الطارئ تكون مغايرة للماهيات ~~الممكنات الاخر معدومات أو موجودات ، فلا يلزم أن يكون القيد اللازم لها من ~~هذه الجهة لازما لها من الجهة الاخرى ، أو لازما لغيرها من الماهيات ~~الممكنة ، حتى يعود المحذور. # والحاصل أن ms279 إمكان اتصاف المعدوم الممكن بالوجود الابتدائي ، وعدم إمكان ~~اتصافه بالعود ، واختلاف حاله في ذلك ، وكذا اختلاف حال الوجودين امتناعا ~~وإمكانا ، يمكن أن يكون لأجل اختلاف الوجودين بسبب ذلك القيد المعتبر في ~~مفهوم العود ، وكذا لأجل اختلاف حال الماهية أي ماهية المعدوم في الحالين ~~بسبب ذلك القيد اللازم لها من حيث هي ، وأن مجموع الاختلافين أي الاختلاف ~~في الصفة والموصوف ، يمكن أن يكون منشأ PageV01P341 # لاختلاف الحكم ، فإنه لا شبهة في أن أحد الاختلافين يمكن أن يكون كافيا ~~في ذلك حيث يمكن أن يكون الذات الواحدة حيث كانت هناك صفات متغايرة ومختلفة ~~، إما بالذات أو بالاعتبار ، مقتضية لصفة منها دون صفة اخرى مغايرة للاولى ~~، وكذا يمكن أن يكون الصفة الواحدة ، حيث كانت الذات الموصوفة بها باعتبار ~~تقيدها بقيد مغايرة لنفسها باعتبار تقيدها بقيد آخر مما تقتضيها تلك الذات ~~باعتبار ولا تقتضيها باعتبار آخر ، فكيف إذا كان هناك اختلاف في الموصوف ~~والصفة جميعا كما فيما نحن فيه ، فتبصر. # وبما ذكرنا يظهر الجواب الحق التفصيلي عما ذكره صاحب المواقف ، وبه ينحسم ~~مادة الشبهة ، سواء أوردت على التقرير الأول للسند أو على الثاني. ### | في الكلام فيما ذكره الشارح القوشجي نفسه في الجواب ### ||| * عما ذكره صاحب المواقف # وأما ما ذكره الشارح نفسه بعد التمهيد المذكور ، فكأنه لا يخلو عن إبهام ~~بسببه صار منشأ لإيراد المحقق الدواني عليه ، وتطبيقه على ما ذكرنا أو ~~توجيهه بنحو آخر يندفع به عنه الإيراد وينحسم به مادة الشبهة على التقريرين ~~يحتاج إلى نوع عناية. # وبيان ذلك أن قوله : وإذا تمهد هذا فنقول مقصود المانع أن العود ليس ~~وجودا مطلقا على أي وجه كان ، بل هو وجود مقيد بكونه حاصلا بعد طريان العدم ~~، فلم لا يجوز أن يمتنع اتصاف ماهية المعدوم بهذا الوجود المقيد ، ولا ~~يمتنع اتصافها بالوجود المطلق من غير لزوم انقلاب من الإمكان الذاتي إلى ~~الامتناع الذاتي كما في إخوته ونظائره على ما تقدم. # أشار بذلك إلى الجواب عن النقض والإلزام ، ولعله أراد به أن مقصود المانع ~~أن العود ليس ms280 وجودا مطلقا على أي وجه كان ، بل هو وجود خاص مقيد بكونه ~~حاصلا بعد طريان العدم ، وهذا القيد داخل في مفهومه معتبر فيه ، وبه صار ~~هذا الوجود وجودا خاصا مخالفا لما لم يقيد به من الوجود في الحكم لا بمجرد ~~الإضافة إلى الزمان كما ادعاه صاحب المواقف ، كما أن هذا القيد لازم لماهية ~~الممكن المعدوم أي لماهية هذا الممكن المعدوم المفروض الذي طرأ عليها العدم ~~، فلم لا يجوز أن يمتنع اتصاف ماهية هذا الممكن المعدوم PageV01P342 # بهذا الوجود المقيد أي العود الذي سبب اختلافه مع غيره في الحكم إنما هو ~~هذا القيد فقط ولا يمتنع اتصافها بالوجود المطلق أي بما لم يقيد بهذا القيد ~~من الوجود كالوجود الابتدائي من غير لزوم انقلاب من الإمكان الذاتي إلى ~~الامتناع الذاتي على ما ادعاه صاحب المواقف ، كما لم يلزم الانقلاب في ~~إخوته ونظائره على ما تقدم من الأمثلة. # وأن قوله : فقول هذا القائل : ولو جوزنا كون الشيء إلى آخره ، لا تعلق له ~~بكلام هذا المانع ، لأنه لا يقول بهذا التجويز ولا يلزمه أيضا. لعله أراد ~~به أن قول هذا القائل أي صاحب المواقف : ولو جوزنا كون الشيء الواحد أي ~~الوجود الواحد ممكنا في زمان الابتداء ، ممتنعا في زمان الإعادة ، أو كون ~~الماهية الواحدة ممكنة الاتصاف بالوجود في زمان الابتداء ، ممتنعة الاتصاف ~~به في زمان الإعادة إلى آخر ما ذكره ، لا تعلق له بكلام هذا المانع ، لأنه ~~لم يقل بوحدة الوجود في الحالين ، بل إنه كما ظهر من التقرير الثاني لسند ~~المنع قال : بأن الوجود في زمان الإعادة وجود خاص وتقيد بقيد كان ذلك القيد ~~سببا لاختلافه في الحكم وكونه مغايرا لما لم يقيد به وبه صار ممتنعا ، وليس ~~سبب ذلك هو الإضافة إلى الزمان حتى يلزم ما ذكره القائل ، وكذلك لم يقل ~~بوحدة الماهية في الحالين من جميع الجهات حتى يلزم ما ادعاه القائل ، بل ~~إنه كما ظهر من التقرير الأول للسند ، عنى بها ماهية الممكن المعدوم بالعدم ~~الطارئ التي هي باعتبار الاتصاف بهذا ms281 الوصف اللازم لها مغايرة لنفسها ~~باعتبار عدم الاتصاف به كما أنها مغايرة لغيرها من الماهيات الممكنات. ~~وبذلك تم الجواب عن الإلزام. # ثم إن قوله : وكذا قوله الوجود أمر واحد إلى قوله ولو جوزنا لأن حاصله ~~إلى آخر ما ذكره ، إشارة إلى الجواب عما ذكره القائل أولا بطريق البرهان ، ~~ولعله أراد به أن قول القائل هذا القول أيضا لا تعلق له بكلام المانع ، لأن ~~حاصل هذا القول الذي ذكره القائل ، أن الوجود المعاد إذا اقتضى لذاته أمرا ~~، يجب أن يقتضي الوجود المبتدأ لذاته ذلك الأمر وبالعكس ، لأنهما متحدان ~~ذاتا وحقيقة وإنما اختلافهما بحسب أمر خارج هو الزمان عنده ، فإذن يتلازم ~~الوجودان أي المبتدأ والمعاد إمكانا ووجوبا وامتناعا لأن الأشياء المتوافقة ~~في الماهية كالوجودين ، يجب اشتراكها في هذه الامور المستندة إلى ذواتها أو ~~أن مع وحده حقيقة الوجودين في الحالين وكون اختلافهما بحسب الأمر الخارج ~~إذا كانت PageV01P343 # الذات الموصوفة بهما في الحالين واحدة أيضا ، كماهية المعدوم والحال أن ~~الأشياء المتوافقة في الماهية ، يجب اشتراكها في اقتضاء الذات الواحدة ~~اياها كذلك ، فلا يجوز أن يختلف اقتضاؤها إياها. # والمانع لم يقل بخلاف ذلك ولم يلزم أيضا من كلامه خلافه ، بل اللازم من ~~كلامه أن الوجودين المبتدأ والمعاد وإن كانا متحدين بحسب الحقيقة لكنهما ~~متغايران بحسب الإضافة إلى أمر خارج ، وليس هو الزمان كما ادعاه ، بل ذلك ~~القيد الذي اعتبر في الوجود المعاد ولم يعتبر في الوجود المبتدأ وكذلك ~~الذات وإن كانت واحدة في الحالين لكنها بحسب اتصافها بالمقيد بذلك القيد ~~مغايرة لنفسها بحسب عدم اتصافها به. فيجوز حينئذ أن يختلف اقتضاء الماهية ~~والوجود جميعا أي يجوز أن يقتضي ماهية المعدوم ، أي هذا المعدوم المفروض ~~عدم الاتصاف بأحدهما يعني الوجود المعاد ولا يقتضي عدم الاتصاف بالآخر أو ~~يقتضي الاتصاف بالآخر يعنى الوجود المبتدأ لكونهما مختلفين متغايرين ولو ~~بالاعتبار وكذا لكون الذات مختلفة ومتغايرة لنفسها ولو بالاعتبار. # وكذلك يجوز أن يقتضي أحد الوجودين جواز اتصاف ماهية المعدوم به أو لا ~~يقتضي عدم جواز اتصافها به ، ويقتضي ms282 الآخر عدم جواز اتصافها به ، لكون ~~الذات مختلفة ولو بالاعتبار وكذا لكون الوجودين متغايرين ومختلفين ولو بهذا ~~الاعتبار فقط إن لم نقل بكونهما متغايرين في الحقيقة ، وكون كل واحد منهما ~~وجودا خاصا مغايرا للآخر بحسب الذات أيضا. # والحاصل أن منشأ الاختلاف في الحكم فيما نحن فيه إنما هو اختلاف في الصفة ~~أي في الوجود واختلاف في الموصوف أي الذات الموصوفة بهما جميعا ، وأن مجموع ~~الاختلافين اللذين أحدهما كاف في اختلاف الحكم كما أشرنا إليه ، سبب لذلك ، ~~وأن اختلاف الاقتضاء ممكن حينئذ سواء اسند إلى الذات أو إلى الوصف ، ثم إنه ~~حيث كان اختلاف الحال مستندا إلى ذلك القيد الذي هو معتبر في الوجود المعاد ~~ولازم لماهية ذلك المعدوم ، لا إلى حقيقة الوجود المتحدة ، ولا إلى ماهية ~~الممكن المعدوم مطلقا. فلا ينافي هذا أن لا يجوز أن يقتضي أحد الوجودين ~~لذاته وبحسب حقيقته المتحدة من غير قيد معتبر معه أمرا إن كان فرض اقتضاء ~~ذاتي مستند إلى حقيقته الواحدة ولا يقتضيه الوجود PageV01P344 # الآخر لذاته ، أو يقتضي عدمه ، وأن لا يجوز أن يقتضي الذات الواحدة من ~~جهة ذاتها بذاتها مع قطع النظر عن قيد والاتصاف بوصف أمرا مرة لو كان لها ~~اقتضاء كذلك وأن لا تقتضيه مرة اخرى أو تقتضي عدمه. # وهذا الذي ذكرنا هو توجيه كلام الشارح بحيث تنحسم به مادة الشبهة ، ~~وينكشف به الإبهام ، ومنه يظهر اندفاع ما أورده المحقق الدواني عليه في ~~الحاشية عليه. PageV01P345 ### ||| ** في الإشارة إلى اندفاع ما أورده المحقق الدواني عن الشارح القوشجي # حيث قال : وقف الشارح عند ظاهر لفظ هذا القائل ولم يأت بما ينحسم مادة ~~الشبهة إلى آخر ما ذكره واقتفى أثره المحشي الشيرازي ، حيث نسج الكلام على ~~منواله وبنى على أساسه. # وبيان الاندفاع : أنه لا خفاء فيما ذكره من أن مقصود هذا القائل أي صاحب ~~المواقف أنه لو جاز أن يكون الشيء بعد ما طرأ عليه العدم ممتنعا وقبله ~~ممكنا كما قيل في التقرير الأول للسند ، لجاز أن يكون الحادث في زمان عدمه ~~ممتنعا ms283 وفي زمان وجوده واجبا. # وأيضا لو جاز كون الشيء ممكن الاتصاف بالوجود الأول ، ممتنع الاتصاف ~~بالوجود الثاني كما قيل في التوجيه الثاني للسند ، لجاز كون الحادث ممتنع ~~الاتصاف بالوجود في زمان عدمه ، واجب الاتصاف بالوجود في زمان الوجود. # فإن العلة المذكورة في الوجهين للسند جارية فيما ادعاه أيضا. # إلا أن مقصود الشارح كما بينا مراده أن العلة المذكورة ليست جارية فيه ، ~~إنما تكون جارية فيه لو كان مقصود المانع في التقرير الأول للسند جواز أن ~~يكون الشيء بعد ما طرأ عليه العدم بمجرد كونه في ذلك الزمان وإضافته إليه ~~ممتنعا وقبله بمجرد كونه واقعا في الزمان القبل وإضافته إليه ممكنا من غير ~~اعتبار قيد آخر هنا. وكذا لو كان مقصوده في التقرير الثاني للسند جواز كون ~~الشيء ممكن الاتصاف بالوجود الأول من حيث كونه وجودا أولا واقعا في الزمان ~~الأول ، وممتنع الاتصاف بالوجود الثاني من جهة كونه وجودا ثانيا واقعا في ~~الزمان الثاني من غير اعتبار قيد آخر معتبر معه ، فإنه على هذا التقدير PageV01P346 # يجري العلة المذكورة في الوجهين فيما ذكره أيضا ، ويرد ما أورده عليه ، ~~وليس ذلك مقصود المانع ، بل إنما مقصوده في التقرير الأول للسند جواز أن ~~يكون الشيء بعد ما طرأ عليه العدم ممتنعا باعتبار قيد معتبر معه ، هو لازم ~~ماهيته أي طريان العدم الذي هو منشأ الاختلاف حال ذلك الشيء في الاتصاف ~~بالوجود ، ومنشأ امتناعه ، أي امتناع وجوده مرة اخرى ، ولا مدخل في ذلك ~~للزمان أصلا وإن كان مقارنا معه ، وأن يكون قبل ذلك ممكنا ، أي أن يكون مع ~~عدم اعتبار ذلك القيد معه كما هو قبل طريان العدم ممكن الوجود. # وكذلك مقصود المانع في التقرير الثاني جواز كون الشيء ممكن الاتصاف ~~بالوجود الأول ، لا من جهة كونه وجودا واقعا في الزمان الأول ، بل من جهة ~~كونه وجودا مطلقا بمعنى عدم تقيده بقيد مناف ، كقيد طريان العدم. وكذا جواز ~~كون الشيء ممتنع الاتصاف بالوجود الثاني ، لا من جهة كونه وجودا ثانيا ~~واقعا في الزمان الثاني ، بل ms284 من جهة تقيده بقيد معتبر في مفهومه ، وهو ~~طريان العدم ، وإن كان مقارنا للزمان. # ولا يخفى أن العلة المذكورة بهذا المعنى الذي ذكرناه ليست جارية فيما ~~ذكره القائل في الحادث ، وأجراها المحقق الدواني فيه ، إذ الحادث في زمان ~~عدمه لم يقيد بقيد لازم لماهيته أو داخل في ماهيته ، يمكن أن يكون ذلك ~~القيد منشأ لامتناعه ، وكذا هو في زمان وجوده لم يقيد بقيد كذلك يمكن أن ~~يكون سببا لوجوبه ، وكذلك الوجود في زمان عدمه لم يقيد بقيد معتبر في ~~مفهومه أو لازم له ، يوجب كون الحادث ممتنع الاتصاف به ، وكذا هو في زمان ~~وجوده لم يقيد بقيد كذلك يكون منشأ لوجوب اتصاف الحادث به. # نعم في هذه الصور قد قيد الحادث أو وجوده بقيد الوقوع في الزمان ~~المختلفين ، وقد عرفت مرارا أن اختلاف الزمان بمجرده لا يصير منشأ لاختلاف ~~حال الشيء ولا لاختلاف حال الوجود إمكانا وجوبا وامتناعا. # وهذا الذي ذكرنا في توجيه كلام الشارح ، وإن كان غير مصرح به في كلامه في ~~الجواب الذي ذكره ، لكنه ظاهر منه بقرينة ما سبق منه فى التمهيد الذي ذكره. ~~فانه ينادي به عند التأمل الصادق فيما ذكره من أن الوجود وكذا العدم قد ~~يقيد بقيد سلبي أو إضافي ، فلا يقتضي الشيء ، إياه ، بل يمتنع اتصافه به ، ~~كما فصله من الأمثلة ، فإن كلامه ظاهر في أن سبب ذلك الامتناع ليس إلا ذلك ~~القيد ، لا اختلاف الزمان. كيف وهو قد ذكر في صدر PageV01P347 # التمهيد أنه قد تقدم أنه لا يجوز الانقلاب بين هذه المفهومات الثلاثة ، ~~بأن يكون شيء واجبا في زمان ، ثم يصير ممكنا أو ممتنعا في زمان آخر أو ~~بالعكس ، لأن مقتضى ذات الشيء لا يختلف ولا يتخلف بحسب الأزمنة ، حيث نفى ~~كون الزمان بمجرده سببا لاختلاف الحال في ذلك وكأن المحقق الدواني في ~~إيراده على الشارح نظر إلى ظاهر كلامه في الجواب ، حيث لم يصرح بكون منشأ ~~الاختلاف هو القيد ، بل أجمل بحيث كونه هو الزمان ، ولم ينظر إلى ما ذكره ~~في ms285 التمهيد. # ومن هذا يظهر أن المحقق الدواني وقف على ظاهر لفظ الشارح في الجواب وذهل ~~عما ذكره في التمهيد له ولم يأت بشيء ويظهر انعكاس التشنيع ، فتدبر. # ثم إن قول المحقق الدواني : إلا أنه تسامح في قوله : لأن الأشياء ~~المتوافقة في الماهية إلى قوله : ولو جوزنا ، وكان حق العبارة أن يقول : ~~لأن الأشياء المتوافقة في الماهية يجب اشتراكها في اقتضاء الذات الواحدة ، إياها. # ذكر المحشي الشيرازي أنه دفع للإيراد الثاني للشارح على الوجه الأول ~~لإبطال السند بتغيير العبارة وعنى بالإيراد الثاني للشارح ، قوله : وكذا ~~قوله : الوجود أمر واحد إلى قوله ولو جوزنا لأن حاصله أن الوجود المعاد إذا ~~اقتضى لذاته أمرا إلى آخره وهو وإن لم يبين صريحا أن مفاد هذا الإيراد ما ~~ذا؟ وأن مبنى دفعه على ما ذا؟ لكنه يفهم من بعض أقواله بعد ذلك كما سنشير ~~إليه في شرح كلامه أن مفاد إيراد الشارح أن ما ذكره القائل ، ليس في مقابلة ~~كلام المانع ، ولا يضره ، لأن حاصل ما ذكره القائل أن الوجود المعاد إذا ~~اقتضى لذاته أمرا ، يجب أن يقتضي الوجود المبتدأ أيضا لذاته لذلك الأمر ~~بعينه ، لأنهما متحدان ذاتا وحقيقة ، وإنما اختلافهما بحسب أمر خارج ، وهذا ~~لا يضر المانع ، لأنه لم يقل بخلافه ، ولم يلزم أيضا من كلامه خلافه ، بل ~~اللازم من كلامه أن الوجودين المبتدأ والمعاد متغايران بحسب الإضافة إلى ~~أمر خارج ، فيجوز أن يقتضي ماهيته المعدوم لذاته عدم الاتصاف بأحدهما ، ~~يعنى الوجود المعاد ، ولا يقتضي عدم الاتصاف بالآخر يعني المبتدأ. # والمحصل أن المانع جوز اختلاف اقتضاء ماهية المعدوم بالنسبة إلى الوجودين ~~، ولم يجوز اختلاف اقتضاء الوجودين ، ولا ينافي ما ذكره المانع أن لا يجوز ~~اختلاف اقتضاء الوجودين أي أن لا يجوز أن يقتضي أحد الوجودين لذاته أمرا ~~ولا يقتضيه الوجود PageV01P348 # الآخر ، فليس كلام القائل في مقابلة كلام المانع ، ولا يضره أيضا. # وكذلك يفهم منه أن مبنى دفع هذا الإيراد على أنه إنما يرد هذا على ظاهر ~~كلام القائل ، حيث قال : «لأن الأشياء المتوافقة في ms286 الماهية يجب اشتراكها ~~في هذه الامور» وأراد بالأشياء هنا الوجودين المبتدأ والمعاد. وأما إذا ~~غيرت هذه العبارة إلى قولنا : لأن الأشياء المتوافقة في الماهية يجب ~~اشتراكها في اقتضاء الذات الواحدة إياها كما ذكره المحقق الدواني فلا ورود ~~له بل يكون حينئذ كلام القائل مقابلا لكلام المانع ويضره ، وهذا ظاهر وعلى ~~هذا فيكون قول المحقق الدواني ، وقوله : ولو جوزنا إلى آخره ، معناه أنه لو ~~جوز كون الشيء ممكنا إلى آخره تفسيرا لكلام القائل بناء على هذا التعليل ~~المغير. ### | كلام مع المحشي الشيرازي # ولا يخفى عليك بعد ما أحطت خبرا بما ذكرنا في توجيه كلام الشارح ، أن ~~مقصود الشارح من هذا الإيراد ليس ما فهمه المحشي وأن تغيير العبارة لا يضر ~~بحال المانع. فإن للشارح أن يقول : إن الأشياء المتوافقة في الماهية ، إنما ~~يجب اشتراكها في اقتضاء الذات الواحدة إياها إذا كان اقتضاؤها إياها من جهة ~~كون تلك الأشياء متوافقة في الماهية وواحدة من جميع الجهات ، وأما إذا كانت ~~تلك الأشياء مختلفة بحسب الإضافة إلى أمر خارج أي ذلك القيد المنافي كما ~~بيناه فلا يجب الاشتراك في ذلك. وكذلك له أن يقول : إن وحدة الذات من جميع ~~الجهات غير مسلمة هنا ، بل هي باعتبار ذلك القيد أيضا مختلفة مغايرة لنفسها ~~باعتبار كما بيناه أيضا. # ثم نقول من رأس في بيان مقصود الشارح : إن مقصوده أنه إذا كان الوجودان ~~المتحدان بالحقيقة مختلفين بحسب أمر خارج كما هو المفروض فلا ينفع في مطلوب ~~القائل أخذ اتحاد الذات وأن الأشياء المتوافقة في الماهية يجب اشتراكها في ~~اقتضاء الذات الواحدة إياها ، لأنه مع وحدة الذات أيضا إذا كان المحمولان ~~كالوجودين مختلفين ولو بحسب أمر خارج كالقيد المذكور ، يجوز اختلاف ~~اقتضائها لذينك المحمولين ، ويمكن اتصافها بأحدهما دون الآخر ، بل يجوز ~~اختلاف اقتضاء ذينك المحمولين أيضا بحسب اتصاف الذات الواحدة بهما إمكانا ~~وامتناعا ، بل بحسب أنفسهما أيضا امتناعا وإمكانا وإن كان PageV01P349 # يرجع الحكم بامتناع أنفسهما أو إمكانهما إلى الحكم بامتناع اتصاف تلك ~~الذات بهما أو إمكان اتصافها بهما. ms287 # ومعنى ذلك القول أن الأشياء المتوافقة في الماهية يجب اشتراكها في اقتضاء ~~الذات الواحدة إياها من حيث كون تلك الأشياء متوافقة في الماهية وعدم كونها ~~مختلفة بوجه ، لا من حيث كونها مختلفة أيضا ولو بحسب أمر خارج. على أن وحدة ~~الذات من جميع الجهات فيما نحن بصدده غير مسلمة ، فانك قد عرفت مما ذكر لك ~~من التقريرين (1) لسند المنع أنه كما أن الوجود المعاد باعتبار تقيده ~~بطريان العدم وكونه معتبرا في مفهومه مخالف للوجود المبتدأ باعتبار عدم ~~تقيده به ، كذلك ذات المعدوم المفروض باعتبار ذلك القيد اللازم له مغاير ~~لنفسه باعتبار عدم تقيده به وعدم لزومه له. فكما أن الوجودان مختلفان ، ~~كذلك الذات مختلفة ولو بالاعتبار ، وكما أن الذات الواحدة من جميع الوجوه ~~يجوز اختلاف اقتضائها بالنسبة إلى صفتين مختلفين ولو بالاعتبار ، كذلك ~~الذات الواحدة بالذات المختلفة بالاعتبار يجوز اختلاف اقتضائها لصفة واحدة ~~غير مختلفة ولو بالاعتبار. # والحاصل أن منشأ الاختلاف في الحكم يجوز أن يكون اختلافا في المحمول ، ~~وكذا اختلافا في الموضوع ، وأحدهما كاف فيه ، فكيف بالمجموع ، وأنه يجوز ~~اختلاف الاقتضاء حينئذ سواء اسند إلى الموضوع أو إلى المحمول. # فيظهر مما ذكرنا ورود إيراد الشارح على القائل ، وعدم اندفاعه عنه بتغيير ~~التعليل. وهذا الذي ذكرنا هو مع قطع النظر عما أورده عليه المحشي الشيرازي ~~على تقدير تغيير التعليل المذكور كما سيأتي بيانه. # ثم إن قول المحقق الدواني : «والحاصل أن الاختلاف سواء اعتبر في الموضوع ~~أو في المحمول وحكم باختلافهما في الإمكان والامتناع ، يجري في الحادث ، ~~إلا أن ظاهر عبارته أشبه بالابتناء على الوجه الأخير.» معناه أن الاختلاف ~~سواء في الموضوع أي الذات أو الشيء أو المعدوم كما هو مبنى التقرير الأول ~~لسند المنع أو في المحمول ، أي الوجود كما هو على التقرير الثاني له وحكم ~~باختلاف وحكم باختلاف الموضوع PageV01P350 # المختلف باعتبار هذا الاختلاف والمحمول المختلف به في الإمكان والامتناع ~~كما ادعاه المانع يجري نظير ذلك في الحادث أيضا كما ادعاه القائل ، وبينه ~~المحقق المذكور في صدر الحاشية أي أن ms288 يكون هناك اختلاف في الموضوع أو ~~المحمول بالامتناع والوجوب فسواء قرر سند المنع بالتقرير الأول أو بالتقرير ~~الثاني يرد عليه إيراد القائل ، إلا أن ظاهر عبارة القائل أشبه بابتناء ~~إيراده على الوجه الثاني أي على التقرير الثاني لسند المنع كما هو ظاهر كلامه. # وبالجملة فما ذكره المحقق الدواني هنا ، هو حاصل كلامه فيما تقدم وقد ~~عرفت ما فيه. # ثم إن قوله : «والذي يحسم مادة الشبهة أن يقال إلى آخره ». حاصله أن ما ~~ادعاه القائل وأبطل به سند المنع الذي ذكره المانع سواء قرر بالتقرير ~~الثاني أو بالأول من أنه يلزم على تقدير تجويز كون الشيء بعد ما طرأ عليه ~~العدم ممتنعا وقبله ممكنا كما هو على التقرير الأول للسند تجويز أن يكون ~~الحادث في زمان عدمه ممتنعا وفي زمان وجوده واجبا. وعلى تقدير تجويز كون ~~الشيء ممكن الاتصاف بالوجود الأول ، ممتنع الاتصاف بالوجود الثاني كما هو ~~على التقرير الثاني له تجويز أن يكون الحادث ممتنع الاتصاف بالوجود في زمان ~~عدمه ، واجب الاتصاف بالوجود في زمان وجوده ، وهذا محال كما ذكره وبين وجهه ~~، إنما يلزم إذا كان ما ادعاه بحيث يمكن فرضه بوجه ، وليس كذلك ، إذ لا ~~يخفى أن مراده من وجوب الوجود أو وجوب الاتصاف بالوجود في هذا الفرض ليس هو ~~الوجوب بالغير لأنه خلاف صريح كلامه. # ولأنه لو كان هو مراده لم يرد إلزاما على المانع ، لأن المانع لم يدع إلا ~~الإمكان الذاتي في أحد الحالتين والامتناع الذاتي في الآخر لا الغيري. # ولأنه لا امتناع في أن يكون الحادث في زمان عدمه أو اتصافه بالوجود في ~~زمان عدمه ممتنعا بالغير أي لأجل عدم علته مثلا ، وأن يكون هو في زمان ~~وجوده أو اتصافه بالوجود في زمان وجوده واجبا بالغير ، أي لأجل حصول علته ~~التامة مثلا ، بل مراده إنما هو الوجوب الذاتي. # ومنه يظهر أن مراده من الامتناع أيضا هو الامتناع الذاتي لا الغيري. # ثم إن الوجوب الذاتي لا يمكن فرضه فيما فرضه ، أما على التقرير الأول للسند PageV01P351 # واعتبار الاختلاف ms289 بحسب الزمان في الموضوع ، فلأن الموضوع وهو الحادث بوصف ~~اقتران الزمان ومن حيث كونه في زمان وجوده محتاج في ذاته إلى غيره ، وهو ~~الزمان أو اقترانه به ، فلا يكون واجب الوجود لذاته ، لأن واجب الوجود ~~لذاته ما لا يحتاج في وجوب وجوده إلى غيره مطلقا ويكون هو واجبا لذاته ، مع ~~قطع النظر عن كل ما سواه وهذا ليس كذلك ، فيكون فرض كونه واجب الوجود لذاته ~~في زمان وجوده كما هو على هذا التقدير ممتنعا. # وأما على التقرير الثاني للسند واعتبار الاختلاف بحسب الزمان في المحمول ~~أي الوجود ، فلأنه لو كان الحادث مقتضيا بذاته للوجود في وقت معين أي وقت ~~وجوده لم ينفك هذا الاقتضاء عنه ، فكان موجودا في ذلك الوقت دائما ، أي يجب ~~أن يكون ذلك الوقت موجودا دائما ، وأن يكون هو في ذلك الوقت موجودا دائما ؛ ~~هذا خلف. لكون المفروض وجود وقت آخر أيضا وعدمه في ذلك الوقت الآخر. فيكون ~~فرض كونه واجب الاتصاف لذاته بالوجود في وقت وجوده ممتنعا أيضا. # نعم لو أمكن فرض الوجوب الذاتي على التقديرين لربما أمكن إلزام ما ادعاه ~~القائل على المانع على التقريرين وإذ ليس فليس. # وهذا محصول كلام المحقق المذكور. ولا يخفى عليك أن ما ذكره من الوجه على ~~امتناع فرض الوجوب الذاتي على التقديرين ، لو تم يجري في امتناع فرض ~~الامتناع الذاتي أيضا في الحادث في زمان عدمه أو في اتصافه بالوجود في زمان ~~عدمه كما فرضه القائل وألزمه على المانع ، أما على التقدير الأول واعتبار ~~الاختلاف بحسب الزمان في الموضوع ، فلأن الحادث بوصف اقتران الزمان أي زمان ~~عدمه ، وإن لم يتصور هنا احتياج لكون الموضوع هو الحادث الممتنع بالذات ، ~~لكونه ليس بشيء حتى يتصور احتياجه إلى غيره في امتناعه. لكنه يكون امتناعه ~~بالنظر إلى غيره وهو اقتران الزمان أو الزمان ، فلا يكون امتناعه بالذات ، ~~لأن الممتنع بالذات ما يكون امتناعه ذاتيا ولو قطع النظر عن كل ما سواه ~~وهذا ليس كذلك. # وأما على التقدير الثاني واعتبار الاختلاف في المحمول أي ms290 الوجود فبعين ما ~~ذكره في امتناع فرض الوجوب الذاتي على هذا التقدير سواء بسواء ، لأنه لو ~~كان مقتضيا لذاته PageV01P352 # للعدم في وقت معين أي وقت عدمه لم ينفك عنه ذلك فكان معدوما في ذلك الوقت ~~دائما ؛ هذا خلف. يعني أنه يلزم على هذا التقدير أن يكون ممتنع الوجود في ~~وقت عدمه دائما ؛ هذا خلف. بل يلزم مع فرضه واجب الوجود في وقت وجوده أن ~~يكون واجب الوجود في وقت وجوده دائما ، وكذا ممتنع الوجود في وقت عدمه ~~دائما ، أي أن يكون الوقتان موجودين دائما ، ويكون هو ممتنع الوجود دائما ~~في وقت عدمه الذي يجب وجود ذلك الوقت دائما ، وواجب الوجود دائما في وقت ~~وجوده التي يجب وجود ذلك الوقت دائما. وهذا من أشنع المحال. # بل يجري أيضا فيما ادعاه المانع من امتناع المعدوم بعد طريان العدم ، أو ~~امتناع اتصافه بالوجود بعد طريان العدم ، حيث عرفت أن مراده من الامتناع هو ~~الامتناع الذاتي لا الغيري ، وعرفت أن القائل بنى كلامه على أن هذا ~~الامتناع إنما هو لأجل الاقتران بالوقت أي اقتران الموضوع أو المحمول به ، ~~وألزم عليه ما ادعاه ، وعرفت أن المحقق الدواني سلم ذلك منه وبيان الجريان ~~ظاهر بعين ما ذكرنا في امتناع فرض الامتناع الذاتي في الحادث في زمان عدمه ~~أو في اتصافه بالوجود في زمان عدمه. ### | كلام مع المحقق الدواني # وحيث تحققت ما ذكرنا ، ظهر لك أنه يرد على المحقق الدواني الإيراد من ~~وجهين : # الأول أنه لم لم يتعرض لإبطال فرض الامتناع الذاتي في الحادث في زمان ~~عدمه ، مع أن دليله على إبطال فرض الوجوب الذاتي فيه في زمان وجوده لو تم ~~يجري فيه أيضا كما ذكرنا ، وبه تنحسم مادة الشبهة بالكلية ، حيث إن القائل ~~المذكور ادعى أنه يلزم على ما ادعاه المانع أمران : # أحدهما الوجوب الذاتي في الحادث في زمان وجوده. # والآخر الامتناع الذاتي فيه في زمان عدمه. # وحسم مادة هذه الشبهة إنما يحصل بإبطال كلا الفرضين جميعا لا بإبطال ~~أحدهما خاصة كما فعله. # الوجه الثاني أنه ms291 لا يخفى أن ذلك القائل في مقام إبطال سند المنع الذي ~~ذكره المانع PageV01P353 # سواء قرر بالتقرير الأول أو الثاني ، حيث أورد الشبهة عليه بحيث تجري على ~~التقريرين وأبطل بها سند منعه على ما فهمه من كلام المانع من أنه ادعى أن ~~المعدوم بعد طريان العدم أو اتصافه بالوجود بعد طريان العدم ، ممتنع ~~امتناعا ذاتيا وأنه ليس هذا الامتناع إلا لأجل الاقتران بالزمان. # ولا يخفى أن المحقق المذكور أيضا سلم ذلك من القائل كما دل عليه كلامه في ~~مقام إيراده على الشارح بأن كلامه لا يحسم مادة الشبهة ، فحيث كان هو بصدد ~~حسم مادة تلك الشبهة عن المانع ، كان في مقام معاضدة المانع ، فينبغي أن ~~يكون حسمها بحيث يكون مع إبطال ما ذكره القائل مما لا يضر المانع بوجه. ~~وهذا ليس كذلك فإنه يهدم بنيان ما ذكره المانع أيضا ، لأنه إذا لم يمكن فرض ~~الامتناع الذاتي فيما هو مقترن بالزمان ، فكيف يدعي المانع الامتناع الذاتي ~~فيما ادعاه. وهو أيضا نظير ما ادعاه القائل في الفرض المذكور ، فهما في ~~البطلان أو الصحة سواء. وما الوجه في الفرق بينهما بتجويز أحدهما وإبطال ~~الآخر ، بل ليس إيراد القائل إلا مبنيا على أنه إذا صح فرض الامتناع الذاتي ~~في المعدوم بعد طريان العدم ، والحال أنه ليس ذلك إلا لأجل الاقتران ~~بالزمان ، لصح الإلزام الذي ذكره ، وأنه إذا لم يصح ذلك فكما يبطل به ~~الإلزام المذكور يبطل به ما ادعاه المانع أيضا ، لكنه أورد الإلزام على أحد ~~التقديرين ، وسكن عن التقدير الآخر. ولا يخفى عليك أن إيرادنا بالوجه الأول ~~، وإن امكن دفعه عن المحقق الدواني ، بأنه لعله كان في مقام حسم الشبهة ~~بصدد الاكتفاء والاختصار ، فأبطل فرض الوجوب الذاتي في الحادث بحيث يمكن أن ~~يعلم منه بطلان فرض الامتناع الذاتي فيه أيضا بالمقايسة ، فلا ضير فيه أو ~~أن غرضه كما فهمه المحشي الشيرازي منه ، وسيأتي بيانه أن المحذور اللازم ، ~~إنما هو الوجوب الذاتي في الحوادث وغنائها عن المحدث لا الانقلاب. فلذا ~~تعرض لإبطال الوجوب الذاتي ولم ms292 يتعرض لإبطال فرض الامتناع الذاتي إلا أن ~~الإيراد بالوجه الثاني مما لا يمكن دفعه عنه ، بل هو وارد عليه ، ويعلم منه ~~أن حسم مادة الشبهة عن المانع لا يمكن بالوجه الذي ذكره أصلا ، بل ينبغي أن ~~يصار إلى ما ذكرناه سابقا ، ووجهنا به كلام الشارح ، من أن غرض المانع وإن ~~كان امتناع عود المعدوم امتناعا ذاتيا ، لكنه ليس للزمان مدخل في ذلك بوجه ~~، بل إنما المدخل في ذلك لذلك القيد أي لقيد طريان العدم الذي هو لازم ~~لماهية المعدوم وداخل في PageV01P354 # مفهوم العود ، كما بينا وجهه ، ويظهر منه أن حسم مادة الشبهة إنما يحصل ~~به ، لا بما ذكره ذلك المحقق ، ويظهر انعكاس التشنيع ، فتدبر. # وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام فلا بأس للتعرض لبيان ما ذكره المحشي ~~الشيرازي متعلقا بما نقلنا عن المحقق المذكور هنا ونسجه على منواله وكذا ~~لبيان ما فيه. # فنقول : قوله في الحاشية : اعلم أن صاحب المواقف أبطل السند المذكور في ~~الشرح ثانيا بوجهين : أحدهما من قوله : الوجود أمر واحد إلى قوله ولو جوزنا ~~إلى آخره . # والثاني من قوله : ولو جوزنا إلى آخر ما قال أي أنه في مقام إبطال السند ~~المذكور في الشرح ثانيا ، أي السند بالتقرير الثاني الذي اعتبر فيه ~~الاختلاف في جانب المحمول ، أي الوجود لا في مقام منعه ، حيث إن منعه لا ~~يفيد وأنه أبطله من وجهين. # الوجه الأول بطريق البرهان والثاني بطريق النقض الإجمالى والإلزام. # وقوله : ولما كان إبطال السند الأخص لا يفيد في دفع المنع ، نبه رحمه الله ~~على أن ما ذكره من الوجه الثاني لإبطال السند الثاني ، بطل به الوجه الأول ~~من السند ، إلا أن عبارته أشبه بإبطال الثاني ، فيه دلالة على أن السند ~~الثاني أخص من المنع ، وكأن مراده بالأخصية ، الأخصية بحسب التقرير ، وإلا ~~فقد عرفت أن السند في الحقيقة أمر واحد مساو للمنع ودلالته أيضا على أن ~~إبطال السند الأخص لا يفيد في دفع المنع ، بل ينبغي أن يبطل كلا السندين ~~على التقريرين اللذين كل واحد منهما بخصوصه ms293 أخص من المنع ومجموعهما مساو ~~له. فلذا نبه المحقق رحمه الله في كلامه في مقام توجيه كلام القائل والإيراد ~~على الشارح ، على أن ما ذكره القائل من الوجه الثاني الذي ذكره بطريق ~~الإلزام لإبطال السند الثاني أي بالتقرير الثاني يبطل به الوجه الأول من ~~السند أيضا أي بالتقرير الأول الذي مبناه على اعتبار الاختلاف في الموضوع ، ~~فيبطل به السندان جميعا ، فيبطل المنع رأسا إلا أن عبارة القائل أشبه ~~بإبطال السند الثاني. # وقوله : والأظهر أن يقول ما ذكره لإبطال السند الثاني يمكن إجراؤه في ~~إبطال الأول ، لأن ما ذكره صريح في إبطال الثاني ، مناقشة مع المحقق ~~المذكور في قوله : إلا أن ظاهر عبارته أشبه بالابتناء على الوجه الأخير ~~وفيما فهمه منه أنه نبه عليه لأن ما ذكره القائل من الوجه الثاني للإبطال ~~صريح في إبطال السند الثاني ، ولا يظهر منه أن نظره إلى إبطال السند PageV01P355 # الأول أيضا حتى يبطل هو أيضا به فعلى هذا فالأظهر أن يقول المحقق أن ما ~~ذكره القائل من الوجه الثاني لإبطال السند الثاني يمكن اجراؤه في إبطال ~~السند الأول أيضا ولا يخفى عليك أن هذه المناقشة سهلة. # وقوله : ولم يتعرض رحمه الله لجريان الوجه الأول من وجهي إبطال السند في ~~السند الأول ، ولا يخفى عليك جريانه بأن يقال : الماهية أمر واحد في حد ~~ذاته لا يختلف إعادة وابتداء فلا يختلف في اقتضاء إمكان الاتصاف بالوجود ~~الواحد. أي أن المحقق لم يتعرض لجريان الوجه الأول من وجهي إبطال السند ~~الذي ذكره بطريق البرهان بقوله : الوجود أمر واحد في حد ذاته ، لا يختلف ~~إعادة وابتداء في ابطال السند الأول الذي ذكره الشارح بالتقرير الأول في ~~ذيل قول المصنف أولا ، ولا يخفى عليك جريانه فيه بأن يقال إلى آخره. # ولا يخفى عليك أيضا أن المحقق أشار إليه في قوله : وكأن حق العبارة أن ~~يقول لأن الأشياء المتوافقة في الماهية يجب اشتراكها في اقتضاء الذات ~~الواحدة إياها ، فتأمل. # وقوله : ثم لما كانت المناقشة الاولى للشارح التي أشار إليها في التحقيق ms294 ~~الذي مهده تتوجه على قوله : لجاز الانقلاب الذاتي بناء على أن هذا ليس ~~انقلابا ذاتيا اصطلاحا ، طوي في توجيه كلامه لدفعها حديث الانقلاب الذاتي ~~واكتفى بلزوم غناء الحوادث عن المحدث. # كأنه فهم هذا الاكتفاء من قول المحقق في تقرير الشبهة على السند الأول : ~~لجاز أن يكون الحادث في زمان عدمه ممتنعا ، وفي زمان وجوده واجبا ، ومن ~~قوله في تقريرها على الثاني ، لجاز كون الحادث ممتنع الاتصاف بالوجود في ~~زمان عدمه ، واجب الاتصاف بالوجود في زمان وجوده ، حيث لم يتعرض للزوم ~~الانقلاب ، بل إنما تعرض للزوم الوجوب الذي هو مستلزم للزوم غناء الحوادث ~~عن المحدث ، وكذا فهمه من أنه في مقام حسم مادة الشبهة إنما تعرض لإبطال ~~فرض الوجوب الذاتي ، لا لإبطال فرض الامتناع الذاتي أيضا ، حيث يعلم منه أن ~~المحذور اللازم إنما هو غناء الحوادث عن المحدث ، دون الانقلاب أيضا فلذا ~~أبطله ولم يتعرض لإبطال الانقلاب. # والحاصل أنه لما كانت المناقشة الاولى للشارح التي أشار إليها بقوله : ~~مقصود المانع PageV01P356 # أن العود ليس وجودا مطلقا إلى آخره ، وأشار إليها في التحقيق الذي مهده ~~تتوجه على قول القائل ؛ لجاز الانقلاب الذاتي بناء على أنه ليس انقلابا ~~ذاتيا اصطلاحا ، ولم يكن وجه لدفع تلك المناقشة ، طوى المحقق في توجيه كلام ~~القائل في تقرير الشبهة لدفع تلك المناقشة عنه حديث الانقلاب الذاتي الذي ~~ذكره أيضا ، واكتفى من بين المحذورين اللذين ادعى القائلون لزومهما بأحدهما ~~وهو لزوم غناء الحوادث عن المحدث ، ولم يتعرض للزوم المحذور الآخر ، وهو ~~الانقلاب الذاتي. # وقوله : وحينئذ يندفع ما أورده الشارح بقوله : فقول هذا القائل : ولو ~~جوزنا إلى قوله ولا يلزمه أيضا ، لأن المراد من كون شيء واحد ممكنا في زمان ~~وممتنعا في زمان آخر ، ليس باعتبار الوجود المطلق في كليهما ، بل إما ~~باعتبار الوجود الخاص في كليهما أو باعتبار الوجود المطلق في الأول والخاص ~~في الثاني. وحينئذ يظهر أن المانع جوز هذا أي حين اكتفينا في توجيه كلام ~~القائل بلزوم غناء الحوادث عن المحدث ، يندفع عنه ما أورده عليه الشارح ms295 بأن ~~قوله : ولو جوزنا كون الشيء الواحد ممكنا إلى آخره لا تعلق له بكلام المانع ~~، لأنه لا يقول بهذا التجويز ولا يلزمه أيضا. # وبيان الاندفاع أن مراد القائل بقوله : ولو جوزنا إلى آخره . ليس تجويز ~~كون شيء واحد ممكنا في زمان ، ممتنعا في آخر باعتبار الوجود المطلق في ~~كليهما ، حتى يكون مدعيا للزوم الانقلاب الذاتي ويرد عليه ما أورده الشارح ~~، بل باعتبار الوجود الخاص في كليهما ، أو باعتبار الوجود الخاص في الثاني ~~والمطلق في الأول كما ذكره الشارح أيضا في بيان مقصود المانع بقوله : إن ~~العود ليس وجودا مطلقا إلى آخره وحينئذ يكون مفاد كلام القائل : إنه لو ~~جوزنا كون الشيء الواحد ممكنا في زمان كزمان الابتداء باعتبار الوجود ~~المطلق أو الخاص ، ممتنعا في زمان آخر كزمان الإعادة باعتبار الوجود الخاص ~~، معللا بأن الأول مطلق أو خاص ، وأن الثاني خاص ، لجاز أن يكون شيء واحد ~~ممتنعا في زمان ، كزمان عدمه باعتبار الوجود المطلق أو الخاص ، واجبا في ~~زمان آخر ، كزمان وجوده باعتبار الوجود الخاص ، معللا بالتعليل المذكور ، ~~وحينئذ وإن لم يلزم الانقلاب الذاتي لكون الوجودين متغايرين ، أما على ~~تقدير إرادة المطلق في الأول والخاص في الثاني فظاهر ، وأما على تقدير ~~إرادة الخاص في كليهما ، فلأن المراد بالخاص في كل منهما PageV01P357 # ما هو غير الآخر ، لكنه يلزم البتة غناء الحوادث عن المحدث ، وهو كاف في ~~المحذور. # ولا يخفى أنه يكون هذا الإلزام حينئذ متعلقا بكلام المانع واردا عليه ، ~~ويظهر من المانع أنه قال بهذا التجويز ، لا كما ادعاه الشارح من عدم التعلق ~~وعدم القول وعدم اللزوم. وبهذا التوجيه كما يندفع إيراد الشارح عن كلام ~~القائل ، كذلك يندفع عما ذكره المحقق في توجيه كلام القائل ، حيث إنه أيضا ~~وإن كان موهما للزوم الانقلاب ولإرادة الوجود المطلق في كلتا الحالتين ، ~~لكن المراد ما ذكر ، فتدبر. # وأنت خبير بأن هذا التوجيه لا يحسم مادة ما أورده الشارح على القائل ، ~~فإنك حيث عرفت ما بيناه من مقصود الشارح ، لا يخفى عليك أن للشارح أن يقول ms296 ~~على تقدير تسليم أن القائل أراد بقوله : ولو جوزنا إلى آخره هذا المعنى مع ~~كونه خلاف ظاهر كلامه كما سيأتي بيانه أن المانع وإن قال بامتناع الوجود في ~~زمان الإعادة وكونه وجودا خاصا ، لكنه لم يقل بذلك بمجرد اعتباره خاصا ~~مطلقا ، بل قال بأن امتناعه ، وكذا كونه خاصا إنما هو لأجل قيد مناف معتبر ~~فيه ، ولازم لماهية المعدوم أي طريان العدم الذي صار منشأ للامتناع المذكور ~~، وليس هو في الوجود الابتدائي ، سواء اعتبرته وجودا مطلقا أي غير مقيد ~~بقيد كذلك كما فعله الشارح ، أو اعتبرته وجودا خاصا آخر ، فلذلك كان ممكنا ~~، وكما أنه ليس قيد مناف معتبرا مع الوجود الابتدائي ، كذلك ليس معتبرا ~~فيما ذكره القائل من الإلزام ، حيث إنه ليس مع الحادث في زمان عدمه قيد ~~مناف يوجب امتناعه أو امتناع اتصافه بالوجود ، وكذا ليس معه في زمان وجوده ~~قيد يوجب وجوبه أو وجوب اتصافه بالوجود ، سوى الاقتران بالزمان ، وهو ~~بمجرده لا يكون منشأ لذلك ، كما عرفت بيان ذلك كله فيما تقدم. # فيظهر منه أنه على تقدير إمكان حمل كلام القائل على هذا التوجيه أيضا لا ~~يظهر وجه لورود الإلزام الذي أورده على المانع ، كما أنه على تقدير حمله ~~على اعتبار الوجود المطلق في كلتا الحالتين ، كما هو ظاهر كلامه لا يرد ~~إلزامه أيضا عليه ، فإن المانع لم يقل باعتبار الوجود المطلق فيهما ، بل ~~قال باعتبار الوجود المقيد الخاص في الثاني كما بين الشارح مقصوده واعتبار ~~المطلق أو خاص آخر في الأول. # فيظهر منه أن إيراد الشارح على القائل وارد على كل تقدير وغير مندفع عنه بوجه PageV01P358 # أصلا. # على أن هذا التوجيه مخالف لظاهر كلام القائل ، لأنه يجعل ما ادعاه القائل ~~من لزوم الانقلاب الذاتي كما هو صريح كلامه لغوا ، بل باطلا ، لأن هذا ~~الانقلاب إنما يتصور إذا اريد الوجود المطلق في كليهما ، أو اريد وجود خاص ~~بعينه ، من جهة واحدة في كليهما ، وإذ ليس فليس. # سلمنا كونه مستدركا لا دخل له في المحذور ، كما فهمه المحشي المذكور ، ~~إلا ms297 أنه يجعل ما ادعاه القائل في الشق الأول من الإلزام ، وهو كون الحادث ~~في زمان عدمه ممتنعا مستدركا أيضا لا طائل تحته ، إذ لو كان المحذور اللازم ~~، هو غناء الحوادث عن المحدث وحده لكفى أن يقول يلزم حينئذ كون الحادث في ~~زمان وجوده واجبا بالذات من غير تعرض لبيان حاله في زمان عدمه. # سلمنا أنه تعرض له مقابلة لكلام المانع ، حيث إنه تعرض لبيان حال الممكن ~~أو لوجوده في زماني الابتداء والإعادة إلا أنه حينئذ لا يلزم ادعاء لزوم ~~كون الحادث في زمان عدمه ممتنعا ، بل يكفي أن يقال : إنه يلزم كون الحادث ~~في زمان عدمه ممكنا وفي زمان وجوده واجبا ، إذ على هذا أيضا يلزم غناء ~~الحوادث عن المحدث ، كما هو المقصود. بل أن هذا التوجيه يجعل ما ادعاه ~~المحقق في توجيه كلام القائل على التقريرين من لزوم كون الحادث في زمان ~~عدمه أو اتصافه بالوجود في زمان عدمه ممتنعا مستدركا أيضا بعين ما ذكرنا ، فتدبر. # وقوله : فإن قيل في توجيه الانقلاب الذاتي إلى قوله بل رأى إسقاطه أولى. # لما كان هذا التوجيه يجعل حديث الانقلاب الذاتي الذي ادعى القائل أي صاحب ~~المواقف لزومه مستدركا أراد توجيه الانقلاب بمعنى لا يكون مستدركا. # فقال : أولا إن القائل لعله أراد بالانقلاب الذاتي مثل هذه الصورة أي أن ~~يكون شيء واحد في زمان عدمه ممتنعا باعتبار الوجود المطلق أو الخاص ثم يصير ~~في زمان وجوده واجبا باعتبار وجود خاص آخر. وهذا وإن لم يكن انقلابا ذاتيا ~~اصطلاحا ، لكنه اطلق عليه لفظه تجوزا. # ثم أجاب عنه بأن هذا المعنى لا يلائم ما ذكره القائل بقوله : وفي تجويز ~~هذا الانقلاب PageV01P359 # مخالفة لبديهة العقل الحاكمة بأن الشيء الواحد يستحيل أن يقتضي لذاته ~~عدمه في زمان ويقتضي لذاته وجوده في زمان آخر ، فإن المخالفة لبديهة العقل ~~إنما هي مسلمة في الانقلاب الذاتي اصطلاحا ، لا في مثل هذه الصورة ، بل هي ~~فيها منظور فيها فلأجل ذلك لم يتوجه المحقق لتوجيه الانقلاب ، بل رأى ~~إسقاطه أولى. # وقوله : وقوله ms298 إلا أنه تسامح إلى آخره دفع للإيراد الثاني للشارح على ~~الوجه الأول لإبطال السند ، بتغيير العبارة قد تقدم بيانه مع ما فيه ، فتذكر. # وقوله : ولا يخفى أنه حينئذ ينبغي لتطبيق التعليل على الدعوى ، إما تغيير ~~الدعوى أو تعميم الدليل عند قوله : لأن الأشياء المتوافقة في الماهية ، لأن ~~هذا الدليل بظاهره لا ينطبق إلا على الوجوب الذاتي ، ولا يتناول الإمكان ~~والامتناع كما يظهر بأدنى تأمل. ### | مناقشة مع المحقق # وحاصلها أنه عند تغيير العبارة بقولنا : لأن الأشياء المتوافقة في ~~الماهية يجب اشتراكها في اقتضاء الذات الواحدة إياها ، يكون التعليل مختصا ~~بالوجوب الذاتي لأن اقتضاء الذات لتلك الأشياء المتوافقة التي اريد بها ~~الوجودان أي الوجود المبتدأ والمعاد إنما يتصور في الوجوب ، حيث إن ذات ~~الواجب يقتضي بذاته الوجود لا في الامتناع والإمكان. # أما الإمكان ، فظاهر لأن ذات الممكن بذاته لا يقتضي شيئا من الوجود ~~والعدم ، بل مقتضى ذاته عدم اقتضاء شيء منهما ، وكونهما بالنظر إليه على ~~السواء. وأما الامتناع ، فلأن ذات الممتنع على تقدير أن يكون له اقتضاء ، ~~يكون مقتضيا للعدم ، لا للوجود كما هو المفروض. وحيث كان هذا التعليل مختصا ~~بالوجوب الذاتي فينبغى لتصحيح التعليل ، إما تغيير الدعوى في كلام القائل ~~أي حذف قوله : «إمكانا وامتناعا» ، والاكتفاء بقوله : =«وجوبا» في قوله : ~~«فإذن يتلازم الوجودان أي المبتدأ والمعاد إمكانا ووجوبا وامتناعا» ، حتى ~~ينطبق التعليل على الدعوى ، أو تعميم الدليل عند قوله : «لأن الاشياء ~~المتوافقة في الماهية» ، بحيث يشمل الإمكان والامتناع أيضا ، حتى ينطبق ~~عليه أيضا. # ولا يخفى أن كلا من تغيير الدعوى أو تعميم الدليل غير مستقيم هنا. أما ~~الأول ، فلأن PageV01P360 # هذا القائل قد ذكر الإمكان والامتناع أيضا ، وحذفهما غير مستقيم. وأما ~~الثاني فلأن التعليل المغير ، ليس يشملهما بل لا يتناول إلا الوجوب الذاتي ~~، ولا عبارة هنا غير ذلك ، بحيث تشملهما ، وبها يندفع الإيراد الثاني ~~للشارح. ### | في الإشارة إلى دفع مناقشة المحشي الشيرازي عن المحقق الدواني # وأنت خبير باندفاع هذه المناقشة عن المحقق ، بأن يقال : يمكن أن يكون ~~المراد باقتضاء الذات الواحدة إياها ms299 اقتضاءها للاتصاف بها امتناعا أو ~~إمكانا أو وجوبا أو اقتضاءها لوجوب الاتصاف بها أو لامتناع الاتصاف بها أو ~~لإمكان الاتصاف بها. فكما يصح في الوجوب أن يقال : إن ذات الواجب يقتضي ~~وجوب الاتصاف بالوجود ، كذلك يصح في الامتناع أن يقال : إن ذات الممتنع ~~يقتضي امتناع الاتصاف به ، وفي الإمكان أن يقال : إن ذات الممكن يقتضي ~~إمكان الاتصاف به ، وهذا كما أن المحشي المذكور نفسه في كلامه السابق حيث ~~ذكر جريان الوجه الأول من وجهي إبطال السند في إبطال السند الأول ، قال : ~~الماهية أمر واحد في حد ذاته لا يختلف إعادة وابتداء ، فلا يختلف في اقتضاء ~~إمكان الاتصاف بالوجود الواحد ، فأسند اقتضاء امكان الاتصاف بالوجود إلى ~~الماهية الممكنة. # والحاصل أنه يمكن إسناد الاقتضاء إلى الممتنع والممكن أيضا ، ولو كان على ~~سبيل التجوز ، وحينئذ فيكون الدليل عاما كالدعوى لا يحتاج فيه إلى تغيير ~~آخر ، وكذا لا يحتاج إلى تغيير الدعوى في تطبيق الدليل على المدعى ، فافهم. # وقوله : ويمكن أن يقال : الوجوب والإمكان إذا اخذت صفة للوجود ، كانت من ~~مقتضيات الوجود ، فلا حاجة إلى تغيير العبارة ، لأن الكلام في المعاني التي ~~هي صفة الوجود ، ضرورة أن المانع لم يقل إن الذات يصير واجبا في وقت ممكنا ~~في وقت آخر. ### | مناقشة اخرى مع المحقق # حاصلها أن مقصود المحقق من تغيير العبارة إنما هو دفع الإيراد الثاني ~~للشارح على الوجه الأول لإبطال السند ، ودفعه لا يحتاج إلى هذا التغيير في ~~العبارة ، حتى يرد عليه PageV01P361 # المناقشة المتقدمة ، بل إنه لو ابقيت عبارة القائل بحالها لا ندفع عنه ~~إيراد الشارح عليه من غير ورود مناقشة عليه. # وبيان الاندفاع أن هذه المواد الثلاث أي الوجوب والإمكان والامتناع إذا ~~اخذت صفة للوجود كما هو ظاهر كلام المانع والقائل ، كانت تلك المواد من ~~مقتضيات الوجود ، لكونها صفات له ، لا من مقتضيات الماهية ، لعدم كونها ~~صفات لها ، بل صفات لوجودها ، فعلى هذا يصح إسناد الاقتضاء لها إلى الوجود ~~، ولو أسند الاقتضاء إلى الماهية أيضا يكون المراد به نظير الوصف بحال ~~متعلق ms300 الموصوف ، يعني أن اقتضاء الماهية لها بمعنى اقتضاء وجوداتها لها ، ~~فحينئذ يكون ما قاله القائل من أن الأشياء المتوافقة في الماهية يجب ~~اشتراكها في هذه الامور المستندة إلى ذواتها صحيحا. ومع صحته يكون مقابلا ~~لكلام المانع ومضرا له ، فإن المانع وإن أسند الاقتضاء إلى الماهية كما ~~زعمه الشارح ، إلا أن معنى قوله هذا ينبغي أن يكون راجعا إلى إسناد ~~الاقتضاء إلى الوجود لما ذكر ، فكما أنه لا يجوز اختلاف اقتضاء الوجود ~~إمكانا ووجوبا وامتناعا كما سلمه الشارح من القائل ، كذلك لا يجوز اختلاف ~~اقتضاء الماهية في ذلك سواء بسواء وإن ادعى الشارح جوازه فحينئذ فلا حاجة ~~إلى تغيير العبارة ، لأن الكلام في المعاني التي هي صفة للوجود ، وهذه ~~المواد كذلك ، لا أنها صفات للماهية ، ضرورة أن المانع أيضا في كلا ~~التقريرين للسند ، لم يقل بكونها صفات للماهية ، بل قال بكونها صفات للوجود ~~، وهذا هو بيان مقصود المحشي المذكور ، إلا أن قوله : ضرورة أن المانع لم ~~يقل إن الذات يصير واجبا في وقت ممكنا في وقت آخر ، الأنسب أن يقول بدله : ~~ضرورة أن المانع لم يقل إن الذات يصير ممتنعا في وقت ممكنا في وقت آخر ، ~~لكن المقصود واضح ، وهو أن المانع لم يقل بصيرورة الماهية بذاتها ممتنعة أو ~~واجبة أو ممكنة ، بل قال بأن وجودها يصير ممكنا أو ممتنعا أو واجبا ، وإلا ~~أن فيما ذكره نظرا لأنه مبني على أن يكون مقصود الشارح من الإيراد ما فهمه ~~، وقد بينا فيما تقدم مقصود الشارح ، بحيث لا يرد عليه كلام القائل ، سواء ~~غير التعليل أم لم يغير ، وإلا أن فيما ادعاه من كون المواد الثلاث من ~~مقتضيات الوجود مطلقا مناقشة ، فإنه ربما يمكن أن يقال : إن المقتضي في ~~الحقيقة هو الماهية لا الوجود ، وأنه إذا نسب الاقتضاء إلى الوجود فهو ~~بالحقيقة منسوب إلى الماهية نظير الوصف بحال متعلق الموصوف ، لكن هذه ~~المناقشة كأنها لا تقدح فيما هو PageV01P362 # غرض المحشي هنا ، فتدبر. # ثم إن قول المحشي المذكور في الحاشية التالية المعنونة بقوله : قوله ms301 فلا ~~يكون واجب الوجود أي بالذات لاحتياجه إلى الاقتران بالزمان مثلا إلى آخر ما ~~ذكره في تلك الحاشية فبيانه أن ما ذكره المحقق في حسم مادة الشبهة : «أن ~~الموضوع وهو الحادث بوصف اقتران الزمان ، محتاج في ذاته إلى غيره ، فلا ~~يكون واجب الوجود» ، معناه أنه لا يكون واجب الوجود بالذات لاحتياجه إلى ~~الاقتران بالزمان مثلا. # وقوله فيها : لا يقال : يلزم عدم الحاجة إلى المؤثر الموجود وهذا كاف في ~~لزوم المحذور» إيراد على المحقق ، بأنه حينئذ وإن كان فرض الوجوب الذاتي ~~الذي هو ظاهر كلام صاحب المواقف ممتنعا لما ذكره ، لكنه يلزم محال آخر ، ~~وهو لزوم عدم الحاجة إلى المؤثر الموجود. # وبعبارة اخرى لزوم الوجوب الغيري من غير أن يكون هنا أمر يكون منشأ لهذا ~~الوجوب الغيري ، ولا يخفى أن فرضه حينئذ غير ممتنع ، وأن لزومه ظاهر ، ~~ولعله كان هو مقصود صاحب المواقف في الإلزام على المانع حيث ادعى لزوم غناء ~~الحوادث عن المحدث. # وقوله : «لأن الذات مع هذا الوصف إنما هي علة لنفس الوجوب ، وأما اصل ~~الوجود فلا بد من الاستناد إلى علة موجودة ، لما تقرر عندهم أن العدم لا ~~يفيد الوجود ، وذلك كما أن العدم الطارئ مستند إلى عدم علته. نعم وجوبه ~~الذي في قوة امتناع وجوده ثانيا مستند إلى الذات مع القيد ، فتأمل» جواب ~~عنه بأنه لو كان ذلك هو مراد صاحب المواقف فهو لا يرد إلزاما على المانع ، ~~لأن للمانع أن يقول : يجوز أن يكون الذات أي ذات الحادث مع هذا الوصف ، أي ~~وصف اقتران الزمان أي زمان الوجود علة لنفس الوجوب ، أي هذا الوجوب الغيري ~~اللاحق ، وأما أصل الوجود ، فلا بد من الاستناد إلى علة موجودة لما تقرر ~~عندهم أن العدم لا يفيد الوجود ، فلا يلزم عدم الحاجة إلى مؤثر موجود ، ولا ~~أن يكون هناك الوجوب الغيري ، من غير أن يكون شيء منشأ له حتى يرد إلزاما ~~على المانع. # وهذا كما أن المانع قال في امتناع إعادة المعدوم بجواز أن يكون العدم ~~الطارئ الذي جعله مانعا ms302 عن عود الوجود مستندا إلى عدم علته أي إلى عدم علة ~~وجود ذلك المعدوم PageV01P363 # المفروض ، وبجواز أن يكون وجوب ذلك العدم الطارئ الذي في قوة امتناع وجود ~~ذلك المعدوم ثانيا مستندا إلى ذات المعدوم مع قيد طريان العدم. ### | كلام معه أيضا # ولا يخفى أن ما ذكره أنما هو مبني على ما فهمه صاحب المواقف من كلام ~~المانع ، وتبعه فيه المحقق الدواني ، وأما على ما وجهنا به كلام المانع كما ~~فهمه الشارح منه وبيناه أيضا فلا ورود لما ذكره صاحب المواقف على المانع ~~بوجه ، ولا يحتاج في دفعه إلى هذه التكلفات والتعسفات. والله أعلم بالصواب. # وحيث أحطت خبرا بما ذكرناه ، وظهر لك اندفاع ما أورده القائل الأول ، ~~وكذا صاحب المواقف عن كلام المانع ، وظهر أيضا اندفاع ما أورده المحقق ~~الدواني وتبعه فيه المحشي الشيرازي عما ذكره الشارح في جواب إيراد صاحب ~~المواقف ، فحري بنا أن ننظر في أن ما أورده الشارح نفسه على المانع بقوله : ~~وأقول : يمكن تتميم هذا الدليل بأن يقال : الحكم بامتناع عود المعدوم إلى ~~آخر ما ذكره هل له وجه أم لا؟ ### | في الكلام فيما أورده الشارح القوشجي على المحقق الطوسي # فنقول : إنه أراد بذلك تتميم الدليل الذي نقله عن القائلين بجواز إعادة ~~المعدوم بإبطال ما ذكره المحقق الطوسي في جوابهم بطريق المنع ، وأسنده بأنه ~~يمكن أن يكون امتناع إعادة المعدوم لأمر لازم للماهية ، أي طريان العدم أي ~~أراد الشارح إبطال كلا سندي منع المانع اللذين يحتمل هذا المنع في كلامه أن ~~يكونا سندين له. والحال أن مجموع السندين سند مساو للمنع وبإبطالهما يبطل ~~المنع بالكلية ، فيبطل الجواب الذي ذكره المحقق الطوسي. فقال : إن الحكم ~~بامتناع عود المعدوم كما ذكره المصنف في الجواب ، إذا لخص وجرد أطرافه يعود ~~، إما إلى قولنا : «إن ذاتا ما من الذوات الممكنة الوجود يمتنع وجودها ~~المسبوق بالعدم المسبوق بالوجود» ، بأن يكون التقييد في جانب المحمول كما ~~هو مفاد التقرير الثاني لسند المنع. وإما إلى قولنا : «إن ذاتا قد اتصف ~~بالعدم المسبوق بالوجود يمتنع ms303 وجودها» ، بأن يكون التقييد في جانب الموضوع ~~كما هو مفاد التقرير الأول للسند. وعلى PageV01P364 # التقريرين فالموصوف بالامتناع إما الوجود أي الوجود المنسوب إلى تلك ~~الماهية أو اتصافها بالوجود حيث إن المآل واحد ، ولذلك هو اعتبر في ~~التلخيصين ، كون الموصوف به ، هو الوجود وفي إبطالهما كونه هو اتصاف ~~الماهية بالوجود. # ثم قال إن كلا التلخيصين باطلان ، لأن القيد المعتبر هنا في جانب المحمول ~~أو الموضوع إنما هو في الحقيقة قيدان اثنان : أحدهما المسبوقية بالعدم ~~والثاني المسبوقية بالوجود. ولا شبهة في أنه لا مدخل لواحد منهما ولا ~~لمجموعهما في هذا الامتناع ، أي امتناع الوجود أو امتناع اتصاف الماهية ~~بالوجود. # وبيان ذلك أما في التلخيص الأول ، فلأنه لا شبهة في أن اتصاف ذات الممكن ~~بالوجود المطلق غير المقيد بالقيد غير ممتنع ، فلو امتنع اتصافها بالوجود ~~المقيد بهذين القيدين أي بالعود لكان هذا الامتناع ناشئا إما من المسبوقية ~~بالعدم ، فهذا باطل أيضا ، لأنه على هذا يلزم أن لا يتصف ماهية بالحدوث حيث ~~إن الحدوث وجود مسبوق بالعدم وإما من المسبوقية بالوجود فهذا باطل أيضا ~~لأنه على هذا يلزم أن لا يتصف ماهية بالبقاء ولو كان البقاء بقاء في الجملة ~~حيث إن البقاء وجود مسبوق بالوجود. وإما من مجموع القيدين فهذا باطل أيضا ، ~~لأنا نعلم بالضرورة أن لا أثر لاجتماعهما في هذا الامتناع. وحيث بطلت ~~الاحتمالات الثلاثة ثبت أن اتصاف الذات الممكنة بالوجود المقيد بهذين ~~القيدين أعني اتصافها بالعود غير ممتنع وهو المطلوب. # وأما في التلخيص الثاني ، فلأنه لا شبهة في أن ذات الممكن من حيث هي أي ~~غير مقيدة بقيد أو وصف لا يمتنع اتصافها بالوجود ، فلو امتنع اتصاف ذاته ~~المقيدة بالقيدين والموصوفة بهذين الوصفين بالوجود أي بالعود ، لكان هذا ~~الامتناع ناشئا ، إما من المسبوقية بالعدم واتصافها به ، فهذا باطل ، وإلا ~~لم تخرج ماهية من العدم إلى الوجود ، حيث إن الذات متصفة بالعدم حينئذ ، ~~وإما من المسبوقية بالوجود ، فهذا باطل أيضا ، لأن الوجود الأول إن أفادها ~~زيادة استعداد لقبول الوجود على ما هو شأن ms304 سائر القوابل بناء على اكتساب ~~ملكة الاتصاف بالفعل ، فقد صار قابليتها للوجود ثانيا أقرب وإعادتها على ~~الفاعل أهون ، وإن لم يفدها زيادة الاستعداد فمعلوم بالضرورة أنها لا تنقص ~~عما هي عليه بالذات من قابلية الوجود في جميع الأوقات ، لكونها ممكنة ~~بالذات ، ومعنى الإمكان ذلك ، PageV01P365 # وإما من مجموع الوصفين ، فهذا أيضا باطل ، لأنا نعلم بالضرورة أن لا أثر ~~لاجتماعهما في هذا الامتناع. وحيث بطلت الاحتمالات الثلاثة ثبت أن ذات ~~الممكن الموصوفة بالعدم المسبوق بالوجود لا يمتنع اتصافها بالوجود أي ~~بالعود وهو المطلوب. # وهذا الذي ذكرنا هو محصل كلامه فيما رامه من تتميم الدليل. # ولا يخفى عليك أن ما ذكره في إبطال أن يكون المسبوقية بالعدم منشأ ~~للامتناع المذكور في كلا التلخيصين دليل واحد ، وإن كان مختلفا بحسب ~~العبارة ، حيث إن لزوم عدم اتصاف ماهية بالحدوث كما ذكره في الأول ولزوم ~~عدم خروج ماهية من العدم إلى الوجود معناهما واحد. # وأما ما ذكره في إبطال أن يكون المسبوقية بالوجود منشأ للامتناع المذكور ~~، فهو في التلخيص الثاني أمر آخر غير ما ذكره في التلخيص الأول ، حيث إنه ~~في الأول لزوم عدم اتصاف ماهية بالبقاء ، وفي الثاني هو الدليل الأخير ~~المبني على شقي الترديد ، بل هو الجواب الذي ذكره القائلون بجواز عود ~~المعدوم عما أورده عليهم القائلون بامتناعه ، حيث إنك قد عرفت مما نقلنا من ~~كلام الفاضل الأحساوي فيما سلف أنه نقل عن القائلين بجوازه دليلا عليه ، ~~مفاده : أنه لو استحال عود المعدوم للزم انقلابه من الإمكان الذاتي إلى ~~الامتناع الذاتي إلى آخر ما نقله عنهم ومآله هو الدليل الذي نقله الشارح ~~عنهم ، وجعل كلام المصنف إشارة إلى الجواب عنه. ثم نقل عن القائلين ~~بامتناعه إيرادا عليه وجوابا عنه ، مفاده أن العود أي الوجود الثاني مقيد ~~بكونه بعد الوجود الأول متخللا بينهما عدم ، والممتنع هو هذا المقيد ~~والوجود الأول خال عن هذا القيد ، لأنه وجود أول بعد عدم أول ، فيكون مطلقا ~~بالنسبة إلى هذا الوجود ، وتحقق الامتناع في المقيد لا يستلزم تحققه في ~~المطلق ms305 ، لما بينهما من المغايرة الذاتية إلى آخر ما نقله عنهم ثم نقل عن ~~القائلين بجوازه جوابا عن هذا الإيراد ، وهو ما ذكره الشارح أخيرا دليلا ~~على أنه لا يمكن أن يكون المسبوقية بالوجود منشأ للامتناع المذكور. # وحينئذ نقول : لا سترة في أن ما ذكره الشارح أولا لإبطال أن يكون ~~المسبوقية بالوجود إذا اعتبرت قيدا للمحمول منشأ لهذا الامتناع ، أي لزوم ~~عدم اتصاف ماهية بالبقاء ، لو تم لجرى في إبطال ذلك لو اعتبرت قيدا للموضوع ~~أيضا كما في التلخيص الثاني ، وأن ما ذكره PageV01P366 # أخيرا لإبطال ذلك ، أي الدليل المبني على الترديد ، لو تم لجرى في الأول ~~أيضا ، فيرد عليه سؤال وجه الفرق بين الدليل في الصورتين. # ويمكن أن يقال : إنه لعله إنما خالف بينهما في الدليل إما تفننا في ~~الدليل ، وإشارة إلى أن كلا من الدليلين يجري في كل من الصورتين. وإما لأجل ~~أنه رأى أن الدليل الأول إنما يجري في الوجود المسبوق بالوجود الذي يكون ~~المسبوقية فيه بلا واسطة ، أي لا يتخلل بينهما عدم ، كما في صورة البقاء ، ~~ولا يجري في الوجود المسبوق بالوجود الذي يكون المسبوقية فيه بالواسطة ~~وتخلل بينهما عدم ، كما فيما نحن بصدده ، أي العود ، فحيث إنه تفطن لذلك ، ~~ذكر فيه في إبطال التلخيص الثاني ما يجري في صورة تخلل العدم أيضا ، وهو ~~الدليل الذي ذكره بقوله : لأن الوجود الأول إلى آخره وأشار بذلك إلى أنه ~~يجري في إبطال التلخيص الأول أيضا ، فأشار به إلى أن المسبوقية بالوجود ~~مطلقا لا يمكن أن تكون منشأ لهذا الامتناع. أما المسبوقية به بلا واسطة ~~سواء كانت قيدا للموضوع أو المحمول ، فلأنه يلزم أن لا يتصف ماهية بالبقاء. ~~وأما المسبوقية بواسطة ، أي مع تخلل العدم ، سواء كانت أيضا قيدا للموضوع ~~أو المحمول ، فللدليل الذي ذكره أخيرا. # بل ربما يمكن أن يقال : إنه أشار أيضا به إلى أن القيد الذي اعتبرناه ~~قيدا للمحمول في التلخيص الأول ، وقيدا للموضوع في التلخيص الثاني ، لو ~~اعتبر قيدين اثنين للمحمول أو الموضوع كما اعتبرناه ، فظاهر أنه ms306 لا يمكن أن ~~يكون منشأ للامتناع المذكور ، لما ذكرنا من الوجه في ابطال كون كل من ~~المسبوقية بالعدم والمسبوقية بالوجود أو مجموعهما منشأ له. وكذا لو اعتبر ~~قيدا واحدا أي أن يكون المسبوقية بالعدم قيدا للمحمول أو الموضوع ، ~~والمسبوقية بالوجود قيدا للعدم كما هو المحتمل ، فإنه لا يكون أيضا منشأ له ~~، لما ذكرنا من الدليل الأخير ، فسواء اعتبر ذلك القيد قيدين اثنين أم قيدا ~~واحدا ، فهو لا يكون منشأ لهذا الامتناع. # ولا يخفى عليك أن الإشارة الثانية ، وإن كانت مما يمكن فهمها من كلامه ~~بتكلف وعناية ، إلا أن الإشارة الأخيرة مما يأبى عنها كلامه ، فإن صريح ~~كلامه في إبطال التلخيصين أنه جعل القيد قيدين اثنين لا واحدا ، ومع ذلك ~~فلا يخفى أن في كلامه أنظارا وأبحاثا. PageV01P367 ### | في بيان ما يرد على الشارح من الأنظار # منها ما أشار إليه المحشي الشيرازي ، وبيانه أن ما ادعى الشارح من كون ~~القيد هنا قيدين اثنين للمحمول أو الموضوع خلاف ما ادعاه المانع ، فإن ~~للمانع أن يقول : إنا لم نجعله قيدين اثنين للمحمول أو الموضوع ، بل جعلناه ~~قيدا واحدا لما قيد به كما هو ظاهر العبارة في كلا تقريري سند المنع في ~~كلامنا. وكذا هو ظاهر عبارة القائلين بامتناع العود كما نقله الفاضل ~~الأحساوي عنهم. وكذا هو صريح معنى الإعادة التي ادعينا امتناعها أي جعلنا ~~المسبوقية بالعدم قيدا للمحمول أو الموضوع والمسبوقية بالوجود قيدا للعدم. ~~وعلى تقدير عدم ظهور العبارة في ذلك وعدم صراحة الإعادة في ذلك أيضا ، فلا ~~يخفى أنه يمكن أن يقال بوحدة القيد هنا على النحو المذكور في مقام المنع ، ~~كما هو منصب المانع ، فيندفع ما ذكره الشارح في إبطال كون كل من القيدين ~~منشأ للامتناع في إبطال التلخيص الأول ، وفي إبطال كون المسبوقية بالعدم ~~منشأ له في ابطال التلخيص الثاني ، أما لزوم كون الممكن غير متصف بالبقاء ، ~~فلأن البقاء ليس مسبوقا بالعدم المسبوق بالوجود الذي كلامنا فيه ، بل إنما ~~هو مسبوق بالوجود خاصة بلا واسطة. وأما لزوم عدم اتصاف ماهية بالحدوث ms307 ، ~~وكذا لزوم عدم خروج ماهية من العدم إلى الوجود ، فلأن الحدوث أو الخروج من ~~العدم ليسا مسبوقين بالعدم المسبوق بالوجود ، بل إنما هما مسبوقان بالعدم ~~السابق على الوجود وحده. # ومنه يظهر أن اكتفاء المحشي الشيرازي باندفاع الأول غير جيد ، فإنه يندفع ~~بذلك الثاني أيضا ، بل جميع ما ذكره الشارح في تتميم الدليل ، حيث إن كله ~~مبني على جعل القيد ، قيدين اثنين وقد عرفت بطلانه. # نعم لا يندفع بذلك ما ذكره من الدليل أخيرا ، لو اجرى على تقدير وحدة ~~القيد ، وسيأتي بيان وجه اندفاعه أيضا. # ومنها ما أشار إليه المحقق الدواني ، وكأنه على سبيل التنزل. وبيانه أنه ~~على تقدير تسليم كون القيد هنا قيدين اثنين لا قيدا واحدا ، فما ذكره ~~الشارح في إبطال كل من التلخيصين من قوله : ونعلم بالضرورة أن لا أثر ~~لاجتماعهما في هذا الامتناع. ومعلوم بالضرورة أيضا أن لا أثر لاجتماعهما في ~~هذا الامتناع ممنوع ، بل هو أول المسألة ، وكيف PageV01P368 # تسمع دعوى الضرورة في مثل هذا المقام مع مخالفة الجماهير من الأعلام. # وحيث ذكرنا أنه يمكن أن يكون هذا الكلام من المحقق الدواني على سبيل ~~التنزل ، فلا يرد عليه ما ذكره المحشي الشيرازي : من أنه اقتفى أثر الشارح ~~في جعل القيدين قيدا للوجود إلى آخره فتبصر. # وأيضا يرد على الشارح على تقدير جعل القيد قيدين اثنين كما فعله ، ما ~~أشار إليه ذلك المحقق أيضا وهو أنه يمكن إجراء نظير ما ذكره في تتميم ~~الدليل في استلزام أزلية الإمكان إمكان الأزلية ، الذي نفاه الشارح فيما ~~تقدم منه في التمهيد. فما ذكره في التتميم مخالف لما ذكره في التمهيد ، بل ~~هو ينتقض به. وبيان الإجزاء أنه يمكن أن يقال : إن اتصاف ذات الممكن ~~بالوجود المطلق ، غير ممتنع ، فلو امتنع اتصافه بالوجود المقيد بالدوام ، ~~لكان هذا الامتناع ناشئا من هذا القيد أي قيد الدوام الذي جعل قيدا آخر ~~للممكن ، لكنه ليس منشأ للامتناع وإلا لم يتصف ممكن بالدوام. ومعناه كما ~~ذكره المحشي الشيرازي : وإلا لم يتصف ممكن بالدوام المطلق المتناول لدوام ms308 ~~الوجود ودوام العدم المتحقق في ضمن دوام العدم ، وهذا باطل ، لأن اتصاف ~~ممكن ما بدوام العدم مما لا يمكن إنكاره ، بل هو مما لم يخالف فيه أحد ، ~~وإن كان اتصافه بدوام الوجود مختلفا فيه بين القائلين بقدم العالم ~~والقائلين بحدوثه ، متحققا عند القائلين بقدمه. هذا مع قطع النظر عن أن من ~~قال بالصفات الموجودة الزائدة على ذاته تعالى قال بتحقق اتصاف الممكن بدوام ~~الوجود. # فإن قلت : للشارح أن يقول في دفع هذا الإجراء والنقض عنه : إنا حيث قلنا ~~بامتناع اتصاف ذات الممكن بالوجود المقيد بالدوام ، وجعلنا الامتناع ناشئا ~~من هذا القيد فاللازم علينا أن لا يتصف ممكن بدوام الوجود ، وهو حق ، ~~نلتزمه ، فإن فرض اتصافه بدوام الوجود إنما يصح عند من قال بقدم العالم أو ~~بالصفات الزائدة ، وكل من المذهبين باطل ، كما تقرر في مقره ، وليس يلزم ~~علينا أن لا يتصف ممكن بالدوام المطلق المتحقق في ضمن دوام العدم حتى يكون باطلا. # قلت : فعلى هذا فيجعل الشارح القيد قيدا واحدا ، أي يجعل الوجود قيدا ~~ووصفا للممكن ، ويجعل الدوام قيدا للقيد الأول أي الوجود ، فليكن الحال ~~فيما ذكره في التتميم PageV01P369 # كذلك ، فلم جعله فيه قيدين اثنين ، مع كونه خلاف ظاهر كلام المانع ، بل ~~خلاف صريح كلامه. # فحاصل اعتراض المحقق على الشارح أنه إن اعتبر القيد قيدين اثنين ، كما ~~ذكره في التتميم ، فيرد عليه أنه يمكن إجراء نظير ذلك في استلزام أزلية ~~الإمكان إمكان الأزلية ، وإن اعتبره قيدا واحدا حتى يندفع عنه هذا الإجراء ~~، فليكن الحال فيما ذكره في التتميم كذلك ، وبه يندفع ما ذكره : فالفرق ~~بجعل القيد قيدين اثنين وجعله قيدا واحدا هنا تحكم. # ومنه يظهر أن المحقق الدواني تفطن لإمكان جعل القيد قيدا واحدا ، وأنه به ~~يندفع ما ذكره الشارح في التتميم ، وأن ما أورده عليه على تقدير جعل القيد ~~قيدين اثنين إنما على سبيل التنزل والتسليم كما ذكرنا ، وإن كان أيضا بعض ~~إيراده على مذهب بعض ، فتدبر. # ومنها ما أورده المحقق الدواني على قوله : لأن الوجود الأول إن أفادها ms309 ~~زيادة استعداد إلى آخره ، وحاصله امتناع فرض المقدم في الشرطية الاولى ، ~~ولذلك امتنع لزوم التالى. ومنع حقية التالي في الشرطية الثانية. بيان الأول ~~، أنه من البين أن الشيء كالوجود الأول إذا حصل بالفعل كما هو المفروض ، ~~برئت المادة القابلة له كالماهية من جميع مراتب استعداده ، فلا يبقى ~~استعدادها له بوجه أصلا فضلا عن أن يكون الوجود الأول مفيدا لزيادة ~~استعدادها له ، إذ الاستعداد والفعلية متنافيان ، وما ليس في المادة ~~استعداده أصلا لا يمكن حدوثه مطلقا ، فضلا عن أن يكون قابليتها للوجود أقرب ~~وإعادتها على الفاعل أهون. وبالجملة فمع عدم بقاء استعداد له بوجه كيف يكون ~~قابليتها للوجود أقرب. وهذا هو بيان إيراده في الشرطية الاولى. وقد اعترض ~~عليه المحشي الشيرازي وأجاب عنه. # وحاصل الاعتراض أن للشارح أن يقول : إنما برئت المادة من جميع مراتب ~~استعداد الوجود المبتدأ الأول الحاصل بالفعل ، دون الوجود الثاني المعاد ، ~~فإنه يجوز أن يبقى استعدادها له. وهذا معنى قوله : فقد صارت قابليتها ~~للوجود ثانيا أقرب إلى آخره . PageV01P370 # وحاصل الجواب أن الشارح لا يمكنه القول بذلك ، لأن كلامه في هذا الدليل ~~إنما هو في العبارة الاولى في تقرير السند التي هي العبارة الثانية في ~~التلخيص ، ولا يخفى أن في تلك العبارة قد اعتبر التقييد والتخصيص في جانب ~~الموضوع ، وترك المحمول الذي هو الوجود على صرافة الإطلاق. وحيث كان الوجود ~~مطلقا فلا يكون المأخوذ هنا وجود أول وثان ، حتى يمكن أن يقال إن المادة ~~وإن برئت من استعداد الوجود الأول ، لكن استعدادها للوجود الثاني باق ، بل ~~المعتبر هنا الوجود المطلق على إطلاقه ، وحيث كان المفروض براءة المادة عن ~~استعداده مطلقا ، فكيف يكون استعدادها له مرة اخرى باقيا. # وأنت خبير بأن هذا الجواب لا يحسم مادة الشبهة ، فإن الشارح لو أجرى هذا ~~الدليل في العبارة الاولى في التلخيص التي هي العبارة الثانية في تقرير ~~السند ، حيث إن ظاهره إمكان ذلك الإجراء ، لورد عليه هذا الاعتراض ولم يصح ~~هذا الجواب ، فإنه من البين أن التقييد والتخصيص فيها قد اعتبر في ms310 جانب ~~المحمول أي الوجود وترك الموضوع على صرافة الإطلاق. اللهم إلا أن يقال : ~~لعل الشارح لا يجري ذلك ثمة والجواب الحاسم لمادة الشبهة أن يقال : إن ~~الوجود الثاني إن كان هو الوجود الأول بعينه فقد فرض براءة المادة من جميع ~~مراتب استعداده ، فكيف يكون استعداده باقيا وإن كان غيره فعلى تقدير بقاء ~~استعدادها له وحصوله ثانيا بذلك الاستعداد ، لم يكن هو الوجود الأول بعينه ~~ولا الذات ، هي الذات الاولى. إذ قد عرفت أن اختلاف الوجود يستلزم اختلاف ~~الذات ، فلم يكن هنا عود معدوم كما هو المفروض ؛ هذا خلف. # وأيضا على تقدير الإغماض عن ذلك ، فما ذكره الشارح من «إفادة الوجود ~~الأول زيادة استعداد للثاني ، وكون قابلية المادة للوجود الثاني أقرب ، ~~وإعادتها على الفاعل أهون» ممنوع ، إذ اللازم مما ذكر إمكان بقاء أصل ~~الاستعداد له ، لا زيادته. # فإن قلت : لعل من يقول بجواز عود المعدوم بعينه ، يقول : بجواز عود جميع ~~مراتب استعداده بعد براءة المادة عنها أيضا ، وحينئذ يمكن أن يكون الوجود ~~الثاني هو الأول بعينه ، وأن يعود ويحصل بعود جميع مراتب استعداده ، وأن ~~يكون الوجود الأول أفاد PageV01P371 # المادة القابلة زيادة استعداد لقبول الوجود ، على ما هو شأن سائر القوابل ~~، بناء على اكتساب ملكة الاتصاف بالفعل. حيث إن المقبول إذا حصل للقابل مرة ~~، يصير القابل أقبل له ، واتصافه به أسهل ، فإذا اتصف مرة اخرى ، صار أشد ~~قبولا له ، حتى يصير ملكة ، وهذا ظاهر ، وأن يصير قابليتها للوجود ثانيا ~~أقرب وإعادتها على الفاعل أهون. # قلت : فعلى هذا يجوز أن يعود جميع الصفات والخواص والحالات الحاصلة مع ~~الوجود الأول ثانيا ، حتى الزمان ، وإن لم نقل بكونه مشخصا فيعود حينئذ ~~جميع المفاسد التي ذكرت سابقا على تقدير عود الزمان ؛ فتذكر. # وأيضا القابل إنما يزداد في الاستعداد بتكرر القبول ، إذا كانت الهوية ~~القابلة باقية بعد عدم المقبول الأول. وأما إذا انتفت الهوية بعد المقبول ~~الأول ، حيث إن المفروض هنا انتفاء الهوية أي ذات الممكن في الخارج بعد ما ~~وجد أولا أو انتفت بانتفاء المقبول ، حيث ms311 إنك قد عرفت أن اختلاف الوجود ~~يستلزم اختلاف الذات ، وأنه بانتفائه ينتفي الذات. فلا يتحقق حينئذ هنا أصل ~~استعداد فضلا عن زيادة استعداد ، فإن الاستعداد لكونه أمرا وجوديا يفتقر ~~إلى محل يقوم به ، وإذ ليس فليس. نعم ربما يمكن تصحيح ما ذكره على مذهب ~~المعتزلة القائلة بثبوت المعدومات وهذا المذهب مع كونه باطلا في نفسه كما ~~تقرر في موضعه لم يذهب هو إليه. # وأما بيان الثاني أي بيان منع التالي في الشرطية الثانية ، أنه على تقدير ~~عدم إفادة الوجود الأول زيادة استعداد للثاني كيف علم بالضرورة أن الماهية ~~لا تنقص حينئذ أصلا عما هي عليه بالذات من قابلية الوجود في جميع الأوقات. ~~وهل النزاع إلا فيه ، حيث إن المانع لم يدع إلا أن طريان العدم يجوز أن ~~يكون مانعا عن قبول الماهية للوجود ثانيا يعني أنه يمكن أن يمتنع اتصافها ~~بالوجود المسبوق بالعدم وإن لم يمتنع اتصافها بالوجود المطلق غير المقيد ~~بهذا القيد ، أو أنه يمكن أن يمتنع اتصاف الماهية الموصوفة بطريان العدم ~~عليها بالوجود مطلقا ، وإن لم يمتنع اتصاف الماهية غير الموصوفة بهذا الوصف به. # والحاصل أن ذلك محل النزاع ، فكيف يدعي الضرورة فيه؟! # وأيضا إن أراد بقابلية الوجود في جميع الأوقات معنى يكون فيه جميع ~~الأوقات ظرفا PageV01P372 # للوجود ، فهذا وإن كان ينفعه هنا لكنه باطل في نفسه ، كما أبطله هو نفسه ~~في التمهيد ، وإن أراد به معنى يكون فيه ذلك ظرفا للقابلية ، فهو على هذا ~~يكون ظرفا للوجود في الجملة كما تبين فيما سبق ، وهذا وإن لم يكن باطلا ، ~~لكنه مما لا ينفعه هنا أصلا إذ قابلية الماهية في جميع الأوقات للوجود في ~~الجملة لا تستلزم كونها قابلة بعد طريان العدم عليها للوجود. # وهذا التفصيل هو مقصود المحشي الشيرازي في توجيه كلام المحقق. # ثم إنه بما ذكر يتلخص أن الوجود الأول بعد طريان العدم عليه كما أنه لم ~~يفد زيادة استعداد للثاني ، يمكن أن يكون مانعا أيضا عن الثاني ، فتدبر. PageV01P373 ### | [بيان ضعف احتجاج القائلين بجواز إعادة المعدوم ### ||| * على ms312 الجواز بالآيات والروايات] # ثم إنه بما ذكرناه هنا مع ما أسلفناه فيما تقدم يظهر ضعف احتجاج القائلين ~~بجواز إعادة المعدوم على الجواز بالآية والحديث ، كقوله تعالى : # ( @QUR@015 وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل ~~الأعلى في السماوات والأرض ) (1) # وقوله تعالى : ( @QUR@06 قل يحييها الذي أنشأها أول مرة ). (2) # وقوله تعالى : ( @QUR@03 كما بدأكم تعودون ). (3) # وأمثال ذلك من الآيات # وكقول علي عليه السلام : «عجبت لمن أنكر النشأة الاخرى وهو يرى النشأة ~~الاولى». (4) # وأمثاله من الأخبار ، كما وقع لبعض القائلين بالجواز. # أما الاحتجاج بالآية الاولى ، فلأن الاحتجاج بها عليه ، إنما هو مبني على ~~أن يكون معنى الأهونية في الآية ، هو ما ادعاه الشارح المذكور تبعا ~~للقائلين بجواز إعادة المعدوم ، وقد عرفت عدم صحة هذا المعنى ، ومع ذلك ~~فالآية غير صريحة ولا ظاهرة في الأهونية بهذا المعنى حتى يجب تصحيحها ، بل ~~يمكن حملها على معنى آخر لا يكون مؤيدا للقول بجواز الإعادة ، ولا يكون ~~منافيا أيضا للقول بامتناعها ، وهو حملها والله أعلم على أنه إذا جاز بدء ~~الخلق وإنشاؤه ابتداء من غير مادة وعن لا شيء وإخراجه عن كتم العدم ، PageV01P374 # فإعادته بعد فنائه وهلاكه ، أى جمع الأجزاء المتفرقة من الأجسام مطلقا ~~بعد تفرقها مع بقاء موادها ، بل بقاء أجزائها الأصلية ، كما دل الدليل على ~~بقائها ، وكذا إعادة النفوس والأرواح التي هي باقية غير فانية فيما له نفس ~~مجرد كما دل الدليل على بقائها أيضا إلى تلك الاجسام ذوات النفوس بعد قطع ~~علاقتها عنها تكون أهون عليه ، حيث إن الجمع بعد التفرق ، وكذا إعادة ما هو ~~باق إلى ما كان متعلقا به وزال تعلقه عنه أهون من الإنشاء ابتداء ومن ~~الإخراج من كتم العدم ، لا الأهونية بحسب الحقيقة حتى يرد أن قدرة القادر ~~على الإطلاق تعالى شأنه لا يختلف نسبتها إلى مقدور دون مقدور ، بل هي ~~بالنسبة إلى جميع الممكنات على السواء ، بل أهونية بحسب ما يراه القادرون ~~غيره تعالى في مقدوراتهم وأفعالهم. # والحاصل أن الأهونية ينبغي أن تكون محمولة على التمثيل والمجاز ، وكأن ms313 ~~قوله تعالى : ( @QUR@03 وله المثل الأعلى ) (1) يمكن أن يكون إشارة إليه ، ~~وإن كان قد فسره بعض المفسرين بأن له الوصف الأعلى. # وأما الاحتجاج بالآية الثانية ، فلأن قوله تعالى : ( @QUR@06 قل يحييها ~~الذي أنشأها أول مرة ) (2) لا دلالة فيه على أن الإحياء مثل الإنشاء في ~~الكيفية وأنه كما كان الإنشاء إخراجا من كتم العدم ، كذلك الإحياء ، حتى ~~يكون دليلا على إعادة المعدوم ، سواء قيل بكون الإنشاء مفيدا زيادة استعداد ~~للإحياء في تلك المادة القابلة أم لم يقل ، بل إنما تدل الآية على أن الذي ~~أنشأها أول مرة يحييها بعد ذلك ، وإن كانت الكيفية مختلفة على ما ذكرنا. ~~ولعل قوله تعالى في صدر الآية : ( @QUR@05 من يحي العظام وهي رميم ) إشارة ~~إلى الاختلاف في الكيفية ، لأن العظام إذا كانت رميما لا تنعدم بالمرة ، بل ~~من وجه. # وأما الاحتجاج بالآية الثالثة فبمثل ما تقدم ، لأن قوله : ( @QUR@03 كما ~~بدأكم تعودون ) (3) لا دلالة فيه على أن التشبيه في ذلك مع استواء الكيفية ~~، بل يمكن أن يكون التشبيه في أصل الفعل ، وإن كانت الكيفية مختلفة أيضا ~~كما ذكرنا. # وأما الاحتجاج بالحديث فبمثل ما تقدم أيضا لأنه يمكن أن يكون معناه : ~~عجبت لمن PageV01P375 # أنكر النشأة الاخرى وأنكر العود ، والحال أنه يرى النشأة الاولى ، أي أنه ~~حيث رأى النشأة الاولى ، وعلم أنه تعالى أوجد الأشياء عن لا شيء ، فلم لم ~~يعلم أنه يقدر أن يوجد النشأة الاخرى مع كونه أهون بالنظر إلى ما يراه ~~القادرون ، أي أن يجمع متفرقات الأجسام الباقية موادها وأجزاؤها الأصلية ~~وأن يعيد النفوس الباقية أيضا فيما له نفوس مجردة إلى تلك المجتمعات من ~~الأجسام ، بعد قطع تعلقها عنها ، والله تعالى وأولو العلم أعلم. PageV01P376 ### | في تضعيف الوجه الإقناعي الذي ذكره الشارح القوشجي ### || على جواز الإعادة وكذا في تضعيف الوجه الذي ذكره المحقق الدواني ### || على امتناع الإعادة # وحيث عرفت ذلك ، فاعلم أن الوجه الإقناعي الذي ذكره الشارح القوشجي على ~~جواز الإعادة ضعيف أيضا ، يرد عليه ما أورده المحقق الدواني عليه ، كما لا ~~يخفى على المتأمل. # مثل أن الوجه الآخر ms314 الذي ذكره ذلك المحقق نفسه على امتناع الإعادة ضعيف ~~أيضا. وبيانه أن ذلك الوجه إنما يصح على مذهب من يقول بأن وجود الحادث ~~يتوقف على أسباب غير متناهية ، وهي الحوادث المتسلسلة ، من غير بداية ~~كالحكماء القائلين بقدم العالم ، وكذا بامتناع عود المعدوم ، وأما على مذهب ~~من لم يقل بالتوقف المذكور كالمتكلمين القائلين بحدوث العالم ، سواء كانوا ~~قائلين بجواز العود كالأكثرين منهم ، أو بامتناعه كبعض المعتزلة منهم ، فلا ~~يصح ذلك لأن للقائلين بجوازه أن يقولوا : إنا لم نقل بتوقف الوجود ~~الابتدائي على أسباب غير متناهية متسلسلة ، حتى يلزم علينا على تقدير العود ~~توقفه على تلك الأسباب المتسلسلة غير المتناهية ، حتى يكون باطلا. # وأيضا على تقدير أن يكون هناك قائل بجواز العود يقول بالتوقف على تلك ~~الأسباب المتسلسلة ، فله أن يقول : إذا جاز العود أي عود المعدوم ، فجاز ~~أيضا عود أسبابه وإن كانت غير متناهية متسلسلة. ولا نسلم بطلانه ، لأنه كما ~~جاز وجود تلك الأسباب ابتداء ، جاز وجودها حين العود أيضا فما وجه الفرق؟ ~~فإن كان وجه الفرق هو مجرد جواز وجودها الابتدائي وعدم جواز وجودها الثانوي ~~، فهو أول المسألة ، وإن كان وجهه أنها حين الوجود PageV01P377 # الابتدائي كانت حاصلة في أزمنة غير متناهية ، ولا امتناع فيه لكون العالم ~~قديما ، ولا مانع من وجود أزمنة غير متناهية فيما مضى يتحقق فيها أسباب غير ~~متناهية متسلسلة ، وأما هي حين العود لو عادت فتتوقف على عود تلك الأزمنة ~~غير المتناهية أيضا حتى يتحقق هي فيها ، وهو محال ، لأنا نعلم بالضرورة أن ~~ليس تعود في حال العود تلك الأزمنة غير المتناهية ، وأن ليس هنا أزمنة غير ~~متناهية ، بل ليس إلا زمان واحد عرفي أو أزمنة متناهية ، فذلك الوجه يرجع ~~إلى أن عود الزمان محال ، فعلى هذا فلا يكون هذا الوجه وجها آخر مغايرا لما ~~تقدم إلا في أن ما تقدم كان مبنيا على امتناع عود الزمان مطلقا ، وهذا مبني ~~على أنه يمتنع عود الزمان غير المتناهي ، فتدبر. # وأما ما ذكره ذلك المحقق في منع لزوم إعادة ms315 جميع الأسباب ، بقوله : لجواز ~~أن يعود بأسباب اخر متناهية فقط ، فهو إن كان مبنيا على هذا المذهب القائل ~~بتوقف وجود الحادث على أسباب غير متناهية ، كما هو ظاهر سياق كلامه ، فيرد ~~عليه أنه على هذا المذهب ، كيف يمكن أن يقال بتوقف وجود الحادث على أسباب ~~متناهية ، مع كونه مخالفا لهذا المذهب ، وكأن هذا الإيراد هو منظور المحشي ~~الشيرازي ، حيث قال : إن السند ليس بشيء ، لما تقرر عندهم أن العلة التامة ~~للحادث لا بد أن تشتمل على امور غير متناهية متعاقبة وإلا يلزم التخلف عن ~~العلة التامة ؛ هذا خلف. وإن كان مبنيا على أن هذا الوجه إنما يصح على مذهب ~~من يقول بالتوقف على امور غير متناهية ، وأما على مذهب من لا يقول به فلا ~~يصح ، لأن له أن يقول : يجوز أن يعود بأسباب اخر متناهية فقط ، ولا امتناع ~~فيه ، فله وجه. ويرجع إلى ما ذكرنا ، إلا أن سياق كلامه كأنه يأبى عنه. # وأما ما ذكره بقوله : «أو بها منضمة إلى تلك الأسباب السابقة المتسلسلة» ~~، فيرد عليه أن تلك الأسباب السابقة المتسلسلة حتى السبب الأخير القريب ~~لوجود الحادث لما فرضت معدومة بأجمعها ، لم يكن لها دخل في وجود ذلك ثانيا ~~، إذ ليست هي موجودة حينه ، إلا أن يقال بجواز عودها ، وهو باطل كما ذكره ، ~~فبقي أن يكون السبب في وجودها ثانيا هو تلك الأسباب المتناهية فقط ، وقد ~~عرفت حاله ، فيظهر منه أن انضمام الثانية إلى الاولى لا يجدي نفعا ، فتدبر. # وحيث تحققت ضعف حجج القائلين بجواز إعادة المعدوم ، فاعلم أن ما نقلناه عن PageV01P378 # الفاضل الأحساوي ، حيث ذكر أنه حقق آخرون هذه الدعوى ، فقالوا : إن ~~المعدوم لا يعاد مع جميع عوارضه ، فلعل أحدا لا يخالفه ، فإن بعض من جوز ~~إعادته ذهب إلى أن بعض العوارض لا مدخل له في هوية الشخص كالقدر المعين ~~والوقت المعين والوضع المعين وأمثال هذه. وقد صرحوا بأن الشخص بعد البعث ~~يكون على وصف آخر ، فيرتفع النزاع من البين ، وصح دعواهم تجويز العود ، مع ~~بعض العوارض ودعوى منعه ms316 لأن المراد بجميع العوارض. # ثم ذكر أن هذا صلح بين الفريقين ، ورفع للنزاع الواقع بين القوم في منع ~~إعادة المعدوم وجوازه ، فإن القائل بمنعه إنما منعه على تقدير أخذ جميع ~~العوارض والمشخصات معه ، ومن المعلوم أن إعادته على هذا النوع من الإعادة ~~ممتنع ، والقائل بجوازه إنما جوزه على تقدير أخذه من حيث الهوية الذاتية ~~وإن اختلفت العوارض ، فيرتفع النزاع من البين وهو ظاهر ، فإن من منع إعادة ~~المعدوم مطلقا يكون مخالفا لمقتضى البديهة ، وكذلك من جوزه بجميع أحواله ~~وعوارضه ، إذ العقل الصريح يمنعه ، لاستحالة إعادة الأعراض والصفات ~~والعوارض اللاحقة الاعتبارية ، بل والصفات الحقيقية ، فالنزاع بين الفريقين ~~حينئذ لا طائل تحته ، لأنه نزاع لا محصول له. # كأن فيه نظرا وتأملا ، لأن هذا الصلح المبني على هذا التحقيق الذي ملخصه ~~أن مراد القائلين بامتناع العود ، امتناع عود المعدوم مع جميع عوارضه مشخصة ~~كانت أم غير مشخصة ، وأن مراد القائلين بجوازه ، جواز عوده مع بعض العوارض ~~، أي العوارض المشخصة ، إنما يصح إذا تراضى الخصمان به ، وكان كلامهم مما ~~لا يأبى عن الحمل عليه ، وكان على تقدير الحمل لا يرد عليه محذور ، والظاهر ~~أنه ليس كذلك فإنه لا سترة في أن مراد القائلين بامتناعه ، امتناع عود ~~المعدوم بعينه كما هو المصرح به فيما نقلنا من كلام المحقق الطوسي وغيره. ~~سواء كان كلامهم في امتناع عود المعدوم بالمرة بعينه أو في امتناع عود ~~المعدوم من وجه من ذلك الوجه الذي عدم بعينه. # ولا سترة أيضا في أن معنى امتناع عود المعدوم بعينه ، امتناع عوده بشخصه ~~وبجميع عوارضه المشخصة فقط ، لا بجميع عوارضه مطلقا ولو كانت غير مشخصة ، ~~التي قد تتبدل وتتغير مع بقاء الشخص بحاله بعينه كالكم والوضع وأمثالهما ، ~~وأما أخذهم العوارض PageV01P379 # غير المشخصة أيضا فهو إنما كان في الدليل على مدعاهم ، لا في أصل الدعوى ~~، كما أشرنا إليه في كلام الشيخ في الشفاء والتعليقات : من أن غرضهم أنه لو ~~جاز إعادة المعدوم بعينه ومع مشخصاته ، لجاز عوده مع جميع حالاته وصفاته ~~وأعراضه ولو كانت ms317 غير مشخصة أيضا ، إذ لا فرق في ذلك بين العوارض المشخصة ~~وغير المشخصة ، وأنه حينئذ يلزم المحال كما مر بيانه. # وكيف يمكن لهم أخذ العوارض غير المشخصة في الدعوى ، والحال أنه على تقدير ~~أخذهم ذلك ، وكون مرادهم أنه لا يجوز عود المعدوم بجميع عوارضه المشخصة ~~وغير المشخصة ، إن كان مرادهم كما هو مبنى هذا التحقيق ، أن العود بجميع ~~العوارض مطلقا محال ، وأما عوده بجميع عوارضه المشخصة فقط فليس بمحال ، ~~لورد عليهم أنفسهم ما أوردوه على تقدير جواز عوده بجميع المشخصات من ~~المحالات المتقدمة ذكرها ، وهل هذا إلا تناقض؟ # ثم إنه حيث ظهر أن مدعى القائلين بامتناع العود ، امتناع عود المعدوم ~~بجميع عوارضه المشخصة ، فيكون مدعى القائلين بجوازه كما ذكره في التحقيق ~~المذكور أي جواز عوده بجميع عوارضه المشخصة ، مقابلا لمدعى القائلين ~~بالامتناع ، ويكون النزاع بين الفريقين معنويا لا لفظيا لا طائل تحته كما ذكره. # وحيث دل دليل القائلين بالامتناع على بطلان ذلك ، يكون ما ادعاه المجوزون ~~باطلا. والحاصل أنه إن كان مراد المجوزين ما ذكره ، لورد عليهم المحال ، ~~كما أنه لو كان مرادهم أعم من ذلك أي جواز عود المعدوم بجميع عوارضه مشخصة ~~كانت أم غير مشخصة ورد عليهم أشنع المحال. وعلى كلا التقديرين ، فيكون ~~نزاعهم مع الأولين في ذلك معنويا لا لفظيا ، فتدبر. # وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذا المقام الذي كان المقصود فيه إقامة ~~الدليل على امتناع عود المعدوم ، وإبطال ما ذكره المجوزون له دليلا على ~~التجويز. # وحيث فرغنا بعون الله وحسن تأييده من تحقيق الكلام في ذلك بما لا مزيد ~~عليه ، وكأنه من خواص هذه الرسالة وتم ما رمنا إيراده في المقدمة ، فلنرجع ~~إلى ما كنا بصدده وهو الغرض الأصلي من وضع الرسالة. PageV01P380 ### | فنقول وبالله التوفيق # إنك بعد ما أحطت خبرا بتفاصيل ما قدمناه في مقدمة الرسالة بطولها التي ~~اقتضى تحقيق المرام تطويلها ، تلخص لك أن المعاد الجسماني الذي نطق به ~~الشرع الشريف ، في الإنسان الذي كلامنا في معاده وقد عرفت أنه عبارة عن ~~مجموع النفس ms318 والبدن ، وأن بدنه وإن كان مما يطرأ عليه الفناء والموت بمعنى ~~تفرق أجزائه وانعدام صورته ، لكنه لا يفنى ولا ينعدم بالمرة ، بل يبقى ~~مادته وأجزاؤه الأصلية ، وأن نفسه وإن كانت مما يطرأ عليها الموت أيضا ~~بمعنى قطع تعلقها عن البدن ، لكنه مما لا يطرأ على ذاتها الفناء أصلا ، بل ~~هي باقية بذاتها بعد قطع تعلقها عنه ، كما كانت باقية حين تعلقها به يمكن ~~أن يكون والله تعالى أعلم بإعادة تعلق النفس الباقية بعد قطع تعلقها عن ~~البدن أولا بالبدن ثانيا ، أي بالبدن الذي ينشأ ويخلق بقدرة الله تعالى من ~~تلك المادة والأجزاء الأصلية الباقية مرة اخرى. # وتلخص لك أيضا أن المعاد روحاني وجسماني جميعا. # أما الروحاني فبالنسبة إلى روحه ونفسه بمعنى عود تعلقها بالبدن أي تعلقها ~~به مرة اخرى تعلقا آخر غير التعلق الأول ، حيث إن التعلق لما كان يستدعي ~~أمرين متعلقا ومتعلقا به ، يكون تعينه بتعين الأمرين ، وحيث كان المتعلق به ~~هنا أي البدن مغايرا للأول ولو بالاعتبار ، فيكون التعلق الثاني غير التعلق الأول. # وأما الجسماني فبالنسبة إلى جسمه وبدنه بمعنى خلقه مرة اخرى من مادته ~~وأجزائه الأصلية ، لا روحاني فقط كما ادعاه بعض الحكماء. # وتلخص لك أيضا أن ليس فيما ذكرنا من معنى المعاد إعادة معدوم بعينه ، لا ~~بالنسبة PageV01P381 # إلى النفس ولا بالنسبة إلى البدن ولا بالنسبة إلى التعلق بينهما ، حتى ~~يكون ممتنعا ، وكذا ليس فيه خلق شخص آخر ، مغاير للأول ذاتا ، حتى يلزم أن ~~يكون محل الثواب والعقاب ، غير ما هو محل فعل الطاعة والمعصية ، ويكون ظلما ~~ممتنعا على الله تعالى ، بل إن الشخص المعاد يوم القيامة ، هو بعينه الشخص ~~الموجود في الدنيا نفسا من جهة ذاتها الباقية ، وكذا بدنا من جهة المادة ~~وأجزائه الأصلية الباقية ، وإن كان مغايرا له باعتبار الأجزاء الفضلية ~~الفرعية والصورة. # وحيث تلخص لك في مقدمة الرسالة ما ذكرنا فحري بنا الآن أن نزيدك بيانا ~~لهذا ، وإن ما ذكرناه من معنى المعاد لا مخالفة فيه للعقل والنقل بوجه ، ~~وأن نقيم الدليل العقلي على ms319 أن المعاد ينبغي أن يكون واقعا على هذا الوجه ~~الذي دل عليه الشرع ، لا على وجه آخر. # ثم إنه حيث توقف بيان ما ذكرناه في المقدمة من أن ليس المعاد روحانيا فقط ~~كما زعمه بعض الحكماء على بيان حدوث النفس بحدوث البدن ، على ما بيناه ~~هنالك ، وتوقف ما ذكرناه فيها من بقاء النفس بعد قطع تعلقها عن البدن على ~~بيان تجردها عن المادة في ذاتها كما بيناه أيضا هنالك ، وتوقف بيان ما نريد ~~بيانه هنا على بيان كيفية تعلقها بالبدن واحتياجها إليه في أفعالها وكيفية ~~انتفاعها بقواها وحواسها كما ستعرفه. # وبالجملة حيث توقف تنقيح ما رمنا تنقيحه على القدر الضروري هنا من بيان ~~صفاتها وحالاتها وخواصها وأفعالها وإدراكاتها ، بل على القدر الضروري هنا ~~من معرفة إنية النفس وماهيتها وحقيقتها في الجملة أيضا فلنقدم ذكر ذلك ، ثم ~~نتبعه بذكر ما هو المقصود ، ولنبين هذه المطالب في أبواب. PageV01P382 ![](https://books.rafed.net/Books/3670_manhaj-alrashad-02/images/image001.gif) PageV02P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3670_manhaj-alrashad-02/images/image002.gif) PageV02P003 ### | الباب الأول ### | في إثبات النفس وإنيتها وتحديدها من حيث هي نفس PageV02P005 # الباب الأول : في إثبات النفس وإنيتها ، وتحديدها من حيث هي نفس ، وأنها ~~ليست بجسم ولا عرض ، وأنها غير البدن وأجزائه وأعضائه وآلاته وقواه وأعراضه ~~، وغير جسميته ومزاجه. # قد أشرنا لك في مقدمة الرسالة إشارة إلى إثباتها ، بل إلى أنها جلية ~~الإنية ، وإن كانت خفية الماهية والحقيقة ؛ والآن نزيدك بيانا. فنقول : إنك ~~قد عملت مما بينوه في إثبات الصورة النوعية ، أنهم لما رأوا أنواع الأجسام ~~مع اشتراكها في أصل الجسمية مختلفة في أشياء كثيرة ، كالأمكنة والأحياز ~~والأوضاع والطبائع والآثار وخواص الأفعال وسائر الأحوال والصفات ، ويختص كل ~~نوع منها في ذاته بجملة منها ، بحيث لو فرض مخلى بذاته ، كان عليها ؛ ولو ~~فرض هناك قسر وأخرجه القاسر منها ، ثم خلي وطبعه ، عاد إليها. فالبرودة ~~والتحتية للماء ، والحرارة والفوقية للنار ، حكموا بأن منشأ ذلك الاختلاف ~~ليس هو الجسمية المشتركة فيها ، وإلا لاشتركت كل تلك الأنواع في ذلك ، بل ~~هو أمر آخر مبدأ لذلك ، داخل في حقيقة كل نوع من تلك الأنواع ؛ فحكموا بأن ~~لكل نوع من أنواع ms320 الأجسام من حيث هو ذلك النوع جزءا آخر مختصا به ، هو مبدأ ~~عوارضه ولوازمه وصفاته وأحواله ، وبه قوام نوعيته ، يسمى ذلك الجزء بالصورة ~~النوعية ، وبذلك أثبتوا الصورة النوعية لأنواع الأجسام كلها : بسائطها ، ~~كالعناصر والأفلاك ومركباتها ، ناقصة كانت ، أي التي لا يكون من شأنها حفظ ~~تراكيبها مدة معتدا بها ، كالبخار والسحاب والريح PageV02P007 # والمطر والثلج وما أشبهها ، أم تامة ، أي التي يكون من شأنها ذلك ، ~~كالجمادات والمعدنيات الأحجار والذائبات والكباريت والأملاح وما شابهها ؛ ~~سواء كانت المركبات التامة مركبة من بسائط العناصر ، ككثير منها ؛ أو مركبة ~~من المركبات الناقصة كالمعدنيات ، وسواء كان التركيب من بسائط العناصر ~~تركيبا أوليا ، كما في الحبوب والبذور والفواكه ، أو ثانويا كما في الدم ~~المتكون من استحالة الغذاء ، أو فيما بعد ذلك كاللحم والعظم والشحم وما ~~شابهها. # ثم إنك حيث علمت ما ذكرنا ، ظهر لك أنهم أثبتوا ذلك المبدأ الذي سموه ~~بالصورة النوعية لكل نوع من أنواع الأجسام المشتركة في أصل الجسمية من أجل ~~اختلافها فيما ذكرناه من وجوه الاختلاف ، فظهر لك أنه بذلك الطريق يحكم ~~العقل بثبوت مبدأ في النبات والحيوان والإنسان أيضا ؛ حيث إن النبات مع ~~اشتراكه مع غيره من الأجسام في الجسمية ، مخالف لها في أمور أخر ، كالتغذية ~~والتنمية والتوليد ، وكذلك الحيوان مع اشتراكه مع غير النبات في الجسمية ، ~~ومع النبات فيما يختص به ، مخالف لها في الاختصاص بالحس والحركة الإرادية ؛ ~~وكذلك الإنسان مع اشتراكه مع غير النبات والحيوان في الجسمية ، ومع النبات ~~ومعهما فيما يختص بهما ، مخالف للجميع فى الاختصاص بالإدراكات الكلية ، ~~والأعمال الفكرية والأفعال الحاصلة بالروية ونحو ذلك مما يختص به ، فلذلك ~~أثبتوا ذلك المبدأ لهذه الأنواع أيضا ، إلا أنهم سموه فيها نفسا لا صورة ~~نوعية. فحري بنا أن ننظر في أن تسميته بالنفس على أي وجه؟ وأن تحديده ما ~~ذا؟ وفي أنه هل يصح تسميته بالصورة أيضا فيها؟ وأنه هل يصح تسميته باسم آخر ~~كالقوة والكمال أو نحو ذلك؟ وحيث كان تحقيق ذلك مذكورا في كلام الشيخ في ~~الشفاء ، فلنذكر ما أفاده فيه ms321 ، ثم نتبعه بتوضيحه حتى يتلخص لك ما رمنا بيانه. ### | نقل كلام وتحقيق مرام # فنقول : قال الشيخ في طبيعيات الشفاء ، في فصل «في إثبات النفس وتحديدها من PageV02P008 # حيث هي نفس» (1) بهذه العبارة : # إن أول ما يجب أن نتكلم فيه : إثبات وجود الشيء الذي يسمى نفسا ، ثم ~~نتكلم فيما يتبع ذلك ، فنقول : إنا قد شاهدنا (2) أجساما تحس ونتحرك ~~بالإرادة ، بل نشاهد أجساما تغتذي وتنمو وتولد المثل ، وليس ذلك لجسميتها ~~(3)، فبقي أن تكون بذواتها مباد (4) لذلك غير جسميتها والشيء الذي يصدر ~~عنه هذه الأفعال (5). # وبالجملة ، كل ما يكون مبدأ لصدور أفاعيل ليست على وتيرة واحدة عادمة ~~للإرادة ، فإنا نسميه نفسا. وهذه اللفظة اسم لهذا الشيء ، لا من حيث جوهره. ~~ولكن من جهة إضافة ما له ، أي من جهة ما هو مبدأ لهذه الأفاعيل ، ونحن نطلب ~~جوهره والمقولة التي يقع فيها من بعد. ولكنا الآن إنما أثبتنا وجود شيء هو ~~مبدأ لما ذكرنا ، وأثبتنا وجود شيء (6) ما جهة ماله عرض ما ، ونحتاج أن ~~نتوصل (7) من هذا العارض الذي له إلى أن تحقق ذاته لتعرف ماهيته (8)، كأنا ~~قد عرفنا أن لشيء يتحرك محركا ما ، ولسنا نعلم من ذلك أن ذات هذا المحرك ما ~~هو؟ فنقول : إذا كانت الأشياء التي نرى أن النفس موجودة لها ، أجساما ، ~~وإنما يتم وجودها من حيث هي نبات وحيوان لوجود (9) هذا الشيء لها ، فهذا ~~الشيء جزء من قوامها. وأجزاء القوام كما عملت في مواضع هي قسمان : جزء يكون ~~به الشيء هو ما هو بالفعل ، وجزء يكون به الشيء هو ما هو بالقوة ، إذ هو ~~بمنزلة الموضوع. فإن كانت النفس من القسم الثاني ولا شك أن البدن من ذلك ~~القسم فالحيوان والنبات لا يتم حيوانا ولا نباتا بالبدن ، ولا بالنفس ؛ ~~فيحتاج إلى كمال آخر هو المبدأ بالفعل لما قلنا ، وذلك (10) هو النفس ، وهو ~~الذي كلامنا فيه. بل ينبغي أن تكون النفس هو ما به يكون الحيوان والنبات ~~بالفعل نباتا وحيوانا ؛ فإن كان جسما أيضا ، فالجسم صورته ما قلنا ؛ وإن ~~كان جسما بصورة ms322 ما ، فلا يكون هو من حيث هو جسم ذلك المبدأ ، بل يكون كونه ~~مبدأ من PageV02P009 # جهة تلك الصورة ؛ ويكون صدور الأحوال عن تلك الصورة بذاتها. وإن كان ~~بتوسط هذا الجسم ، فيكون المبدأ الأول تلك الصورة ، ويكون أول فعله بوساطة ~~هذا الجسم ، ويكون هذا الجسم جزءا من جسم الحيوان (1) مثلا لكنه أول جزء ~~يتعلق به المبدأ ، وليس هو بما هو جسم إلا من جهة جملة (2) الموضوع ، فتبين ~~(3) أن ذات النفس ليس بجسم ، بل هو (4) جزء للحيوان والنبات ، هو صورة (5) ~~أو كالصورة أو كالكمال. # فنقول الآن : إن النفس يصح أن يقال لها بالقياس إلى ما يصدر عنها من ~~الأفعال : قوة ، وكذلك يجوز أن يقال لها بالقياس إلى ما يقبلها من الصورة ~~(6) المحسوسة والمعقولة على معنى آخر : قوة (7)، ويصح أن يقال أيضا (8) ~~بالقياس إلى استكمال الجنس بها نوعا محصلا في الأنواع العالية أو السافلة : ~~كمال ، لأن طبيعة الحس تكون ناقصة غير محدودة ما لم يحصلها (9) طبيعة الفصل ~~البسيط وغير البسيط منضافا إليها ، فاذا انضاف كمل النوع. فالفصل كمال ~~النوع بما هو نوع ، ليس (10) لكل نوع فصل بسيط ، قد علمت هذا : بل إنما هو ~~للأنواع المركبة (11) من مادة وصورة ، والصورة فيها (12) هو الفصل البسيط ~~لما هو كمال له ، ثم كل صورة كمال ، وليس كل كمال صورة ؛ فإن الملك كمال ~~المدينة ، والربان كمال السفينة ، وليسا بصورتين للمدينة والسفينة ، فما ~~كان من الكمال مفارق الذات ، لم يكن بالحقيقة صورة للمادة وفي المادة ؛ فإن ~~الصورة التي هي في المادة ، هي الصورة المنطبعة فيها القائمة بها. اللهم ~~إلا أن يصطلح فيقال : كمال (13) النوع صورة النوع. وبالحقيقة فإنه قد استقر ~~الاصطلاح على أن يكون الشيء بالقياس إلى المادة صورة ، وبالقياس إلى الجملة ~~غاية وكمالا ، وبالقياس إلى التحريك مبدأ فاعليا وقوة محركة. وإذا كان ~~الأمر كذلك ، فالصورة تقتضي نسبة إلى شيء بعيد من ذات الجوهر الحاصل منها ، ~~وإلى شيء يكون (14) الجوهر الحاصل هو ما هو بالقوة ، وإلى شيء لا ينسب (15) ~~الأفاعيل إليه ، وذلك الشيء هو المادة ، PageV02P010 # لأنها صورة باعتبار وجودها ms323 للمادة ، والكمال يقتضي نسبة إلى الشيء التام ~~الذي عنه يصدر (1) الأفاعيل ، لأنه كمال بحسب اعتباره للنوع. # فتبين (2) من هذا أنا إذا قلنا في تعريف النفس : إنه (3) كمال ، كان أدل ~~على معناها ، وكان أيضا يتضمن جميع أنواع النفس من جميع وجوهها ، ولا تشذ ~~النفس المفارقة للمادة عنه. # وأيضا إذا قلنا : إن النفس كمال ، فهو أولى من أن نقول : قوة ، وذلك لأن ~~الامور الصادرة عن النفس منها من (4) باب الحركة ، ومنها من (5) باب ~~الاحساس والادراك ، بالحري (6) أن يكون لها لا بما لها قوة هي مبدأ فعل ، ~~بل مبدأ قبول (7)، بل مبدأ فعل ، وليس أن ينسب إليها أحد الأمرين بأنها ~~قوة (8) أولى من الآخر. # فإن قيل لها : قوة وعني به الأمران جميعا ، كان ذلك باشتراك الاسم. وإن ~~قيل : قوة ، واقتصر على أحد الوجهين ، عرض من ذلك ما قلنا. وشيء آخر ، وهو ~~أنه لا يتضمن الدلالة على ذات النفس من حيث هي نفس مطلقا ، بل من جهة دون ~~جهة. وقد بينا فى الكتب المنطقية أن ذلك غير جيد ولا صواب. # ثم إذا قلنا : كمال ، اشتمل على معنيين (9)، فإن النفس من جهة القوة ~~التي يستكمل بها إدراك الحيوان كمال ، ومن جهة القوة التي تصدر عنها أفاعيل ~~الحيوان أيضا كمال ، والنفس المفارقة كمال ، والنفس التي لا تفارق كمال ، ~~لكنا إذا قلنا : كمال ، لم يعلم من ذلك بعد أنها جوهر أو ليست بجوهر ، فإن ~~معنى الكمال هو الشيء الذي بوجوده يصير الحيوان بالفعل حيوانا ، والنبات ~~بالفعل نباتا ، وهذا لا يفهم عنه بعد أن ذلك (10) جوهر أو ليس بجوهر. # لكنا (11) نقول : إنه لا شك لنا في أن هذا الشيء ليس بجوهر (12) بالمعنى ~~الذي يكون به الموضوع جوهرا ولا أيضا بالمعنى الذي يكون به المركب جوهرا. ~~فأما جوهر بمعنى الصورة فلننظر فيه. فإن قال قائل : إني أقول للنفس : جوهر ~~(13) وأعني به الصورة ، ولست PageV02P011 # أعنى به معنى أعم من الصورة ، بل معنى أنه جوهر معنى أنه صورة ، وهذا مما ~~قاله خلف (1) منهم ، فلا يكون معه موضع بحث واختلاف البتة ، فيكون ms324 معنى ~~قوله : «إن النفس جوهر» : أنها صورة ؛ بل يكون قوله : «الصورة جوهر» كقوله ~~«الصورة صورة أو هيئة ، والإنسان إنسان أو بشر» ، ويكون هذيانا من الكلام. # فإن عنى بالصورة ما ليس في موضوع البتة ، أي لا يوجد بوجه من الوجوه ~~قائما في الشيء الذي سمينا لك موضوعا البتة ، فلا يكون كل كمال جوهرا ، فإن ~~كثيرا من الكمالات هي في موضوع لا محالة ، وإن كان ذلك الكثير بالقياس إلى ~~المركب ومن حيث كونه فيه ليس في موضوع ، فإن كونه جزءا منه لا يمنعه أن ~~يكون في موضوع ، وكونه فيه لا كالشيء في الموضوع لا يجعله جوهرا ، كما ظن ~~بعضهم. لأنه لم يكن الجوهر ما لا يكون بالقياس إلى شيء على أنه في موضوع ، ~~حتى يكون الشيء من جهة ما ليس في هذا الشيء على أنه في موضوع جوهرا ، بل ~~إنما يكون جوهرا إذا لم يكن ولا في شيء من الأشياء على أنه في موضوع ، وهذا ~~المعنى لا يدفع كونه في شيء ما موجودا لا في موضوع ، فإن ذلك ليس له ~~بالقياس إلى شيء (2) حتى إذا قيس إلى شيء يكون فيه لا كما يوجد الشيء في ~~موضوع صار جوهرا ، وإن كان بالقياس إلى شيء آخر ، بحيث يكون عرضا ، بل هو ~~اعتبار له في ذاته فإن الشيء إذا تأملت ذاته ونظرت إليها فلم يوجد لها ~~موضوع البتة ، كانت في نفسها جوهرا ، وإن وجدت في ألف شيء لا في موضوع بعد ~~أن يوجد في شيء واحد على نحو وجود الشيء في موضوع (3)، فهي في نفسها عرض ، ~~وليس إذا لم يكن عرضا في شيء فهي جوهر فيه ، فيجوز أن يكون الشيء لا عرضا ~~في شيء ولا جوهرا في الشيء ، كما أن الشيء يجوز أن لا يكون واحدا في الشيء ~~(4) ولا كثيرا ، ولكنه (5) في نفسه واحد أو كثير ، وليس الجوهري والجوهر ~~واحدا ، ولا العرض بمعنى العرض (6) PageV02P012 # الذي في إيساغوجي (1) هو العرض الذي في قاطيفورياس (3)، وقد بينا هذه ~~الأشياء لك في صناعة المنطق. # فبين أن النفس لا يزيل ms325 عرضيتها كونها فى المركب كجزء ، بل يجب أن تكون في ~~نفسها لا في موضوع (4) وقد علمت ما الموضوع. فإن كل (2) نفس موجودة لا في ~~موضوع ، فكل نفس جوهر ، وإن كانت نفس ما قائمة بذاتها ، والبوقي كل واحد ~~منها في هيولى وليست في موضوع ، فكل نفس جوهر. فإن (5) كانت نفس ما قائمة ~~في موضوع وهي مع ذلك جزء من المركب ، فهي عرض ، وجميع هذا كمال ، فلم يتبين ~~لنا بعد أن النفس جوهر أو ليس بجوهر من وصفنا أنها كمال. وغلط من ظن أن هذا ~~يكفيه في أن تجعل (6) جوهرا كالصورة. # فنقول : إنا إذا عرفنا أن النفس كمال بأي بيان وتفصيل فصلنا الكمال ، لم ~~نكن (7) بعد عرفنا النفس وماهيتها (8)، بل عرفناها من حيث هي نفس ، واسم ~~النفس ليس يقع عليها من حيث جوهرها ، بل من حيث هي مدبرة للأبدان ومقيسة ~~إليها ؛ فلذلك يؤخذ البدن في حدها كما يؤخذ مثلا البناء في حد الباني ، وإن ~~كان لا يؤخذ في حده من حيث هو إنسان ، ولذلك صار النظر في النفس من العلم ~~الطبيعي ، لأن النظر في النفس من حيث هي نفس ، نظر فيها من حيث لها علاقة ~~بالمادة والحركة ؛ بل يجب أن يفرد لتعرضنا ذات النفس (9) بحث آخر ، ولو كنا ~~عرفنا بهذا ذات النفس ، لما أشكل علينا وقوعها في أي مقولة تقع فيه (10)، ~~فإن من عرف وفهم ذات الشيء فعرض على نفسه طبيعة أمر ذاتي له ، لم يشكل عليه ~~وجوده له ، كما أوضحناه في المنطق. # لكن الكمال على وجهين : كمال أول ، وكمال ثان ، فالكمال الأول هو الذي ~~يصير به النوع نوعا بالفعل ، كالشكل للسيف. والكمال الثاني هو أمر من ~~الامور التي تتبع نوع PageV02P013 # وجود الشيء (3) من أفعاله وانفعالاته ، كالقطع للسيف وكالتمييز والروية ~~والإحساس والحركة للانسان ، فإن هذه كمالات لا محالة للنوع ، لكن ليست ~~أولية (4) فانه ليس يحتاج النوع في أن يصير هو ما هو بالفعل إلى حصول هذه ~~الأشياء له بالفعل ، بل إذا حصل له مبدأ هذه الأشياء بالفعل ، حتى صار له ~~هذه الأشياء ms326 بعد ما لم تكن بالقوة الا بقوة بعيدة يحتاج (5) إلى أن يحصل ~~قبلها (1) شيء ، حتى يصير بالحقيقة بالقوة ؛ صار حينئذ الحيوان حيوانا ~~بالفعل. فالنفس كمال أول ، ولأن الكمال كمال للشيء ، فالنفس كمال الشيء ، ~~وهذا الشيء هو الجسم ، ويجب أن يؤخذ الجسم بالمعنى الجنسي لا بالمعنى ~~المادي ، كما علمت في صناعة البرهان ، وليس هذا الجسم الذي النفس كماله كل ~~جسم ، فإنها ليست كمال الجسم الصناعي كالسرير والكرسي وغيرهما ، بل كمال ~~الجسم الطبيعي ، ولا كل جسم طبيعي ، فليس النفس كمال نار ولا أرض ولا هواء ~~، بل هي في عالمنا كمال جسم طبيعي يصدر (6) عنه كمالاته الثانية بآلات ~~يستعين بها في أفعال الحياة ، التي أولها التغذي والنمو. فالنفس التي نحدها ~~كمال (7) أول لجسم طبيعي آلي له أن يفعل أفعال الحياة ؛ لكنه قد يتشكك في ~~هذا الموضوع بأشياء : من ذلك أن لقائل أن يقول : هذا (8) الحد لا يتناول ~~النفس الفلكية ، لأنها (2) تفعل بلا آلات ، وإن تركتم ذكر الآلات واقتصرتم ~~على ذكر الحياة لم يغنكم ذلك شيئا ، فإن الحياة التي لها ليس هو التغذي ~~والنمو ، ولا أيضا الحس ؛ وأنتم تعنون بالحياة التي في الحد هذا. # وإن عنيتم بالحياة ما للنفس الفلكية من الإدراك مثلا والتصور العقلي ~~والتحريك لغاية إرادية ، أخرجتم النبات من جملة ما يكون نفس. وأيضا إن كان ~~التغذي حياة ، فلم لا تسمون النبات حيوانا؟ # وأيضا لقائل أن يقول : ما الذي أحوجكم إلى أن تثبتوا نفسا؟ ولم لم يكفكم أن PageV02P014 # تقولوا : إن الحياة نفسها هي هذا الكمال ، فيكون الحياة هي المعنى الذي ~~يصدر عنه ما تنسبون صدوره إلى النفس من ذلك؟ (1) # فلنشرع في جواب واحد واحد من ذلك وحله. # فنقول : أما الأجسام السماوية فإن فيها مذهبين : # مذهب من يرى أن كل كوكب يجتمع منه ومن عدة كرات قد دبرت بحركته جملة جسم ~~كحيوان واحد ، فيكون حينئذ كل واحد من الكرات يتم فعله (2) بعدة أجزاء ذوات ~~حركات ، فيكون هي كمالات (3)، وهذا القول لا يستمر في كل الكرات. # ومذهب من يرى أن كل كرة فلها في ms327 نفسها حياة مفردة ، وخصوصا ، ويرى جسما ~~تاسعا ، ذلك الجسم واحد بالفعل لا كثرة فيه ، فهؤلاء يجب أن يروا أن اسم ~~النفس إذا وقع على النفس الفلكية وعلى النفس النباتية ، فإنها تقع (4) ~~بالاشتراك ، أن (5) هذا الحد إنما هو للنفس الموجودة للمركبات ، وأنه اذا ~~احتيل حتى يشترك (6) الحيوانات والفلك في معنى اسم النفس ، خرج معنى ~~النباتات من تلك الجملة. على أن هذه الحيلة صعبة ، وذلك لأن الحيوانات ~~والفلك لا تشترك في معنى اسم الحياة ، ولا في معنى اسم النطق أيضا ؛ لأن ~~النطق الذي هاهنا يقع على وجود نفس لها العقلان الهيولانيان ، وليس هذا مما ~~يصح هناك على ما يرى. فإن العقل هناك عقل بالفعل ، والعقل بالفعل غير مقوم ~~للنفس الكائنة جزء حد للناطق ، وكذلك الحس فيها (7) يقع على القوة التي بها ~~يدرك (8) المحسوسات على سبيل قبول أمثلتها والانفعال منها ، وليس هذا أيضا ~~مما يصح هناك على ما يرى. # ثم إن اجتهد فجعل النفس كمالا أولا لما هو متحرك بالإرادة ومدرك من ~~الأجسام ، حتى تدخل فيه الحيوانات والنفس الفلكية ، خرج النبات من تلك ~~الجملة ؛ وهذا هو القول المحصل. وأما أمر الحياة والنفس فمثل (9) الشك في ~~ذلك على ما نقول : إنه قد صح أن الأجسام يجب أن يكون فيها مبدأ الأحوال ~~(10) المعلومة المنسوبة إلى الحياة بالفعل ، فإن من PageV02P015 # سمى هذا المبدأ حياة لم يكن معه مناقشة. وأما المفهوم عند الجمهور من ~~لفظة الحياة المقولة على الحيوان فهو أمران: # أحدهما كون الشيء موجودا فيه مبدأ يصدر (1) تلك الأحوال عنه ، أو كون ~~الجسم بحيث يصح صدور تلك الأفعال عنه ، فأما الأول فمعلوم أنه ليس معنى ~~النفس بوجه من الوجوه ، وأما الثاني فيدل على معنى أيضا غير معنى النفس ، ~~وذلك لأن كون الشيء بحيث يصح أن يصدر عنه شيء أو يوصف بصفة ، يكون على ~~وجهين : # أحدهما أن يكون في الوجود شيء (2) غير ذلك الكون نفسه يصدر عنه ما يصدر ، ~~مثل كون السفينة ، بحيث يصدر (3) عنه منافع السفنية (4)، وذلك مما يحتاج ~~إلى الربان حتى يكون هذا الكون ، والربان ms328 وهذا الكون ليس شيئا واحدا ~~بالموضوع. # والثاني أن لا يكون شيء غير هذا الكون في الموضوع ، مثل كون الجسم بحيث ~~يصدر منه الإحراق عند من يجعل نفس هذا الكون الحرارة ، حتى يكون وجود ~~الحرارة في الجسم هو وجود هذا الكون ، وكذلك وجود النفس وجود هذا الكون على ~~ظاهر الأمر ، الا أن ذلك في النفس لا يستقيم. فليس المفهوم من هذا الكون ~~ومن النفس شيئا واحدا. وكيف لا يكون كذلك والمفهوم من الكون الموصوف لا ~~يمنع أن يسبقه بالذات كمال ومبدأ تم (5) للجسم هذا الكون. والمفهوم من ~~الكمال الأول الذي رسمناه يمنع أن يسبقه بالذات كمال آخر ، لأن الكمال ~~الأول ليس له مبدأ وكمال أول ، فليس إذن المفهوم من الحياة والنفس واحدا إذ ~~(6) عنينا بالحياة ما يفهم الجمهور. وإن عنينا بالحياة أن تكون لفظة مرادفة ~~للنفس في الدلالة على الكمال الأول ، لم يناقش (7)؛ وتكون الحياة اسما لما ~~كنا وراء إثباته من هذا الكمال (8)، وقد فرغنا الآن عن معنى (9) الاسم ~~الذي يقع على الشيء الذي سمي نفسا بالإضافة (10) له. فبالحري أن نشتغل ~~بإدراك ماهية (11) هذا الشيء الذي صار باعتبار (12) المقول نفسا ، ويجب أن ~~نشير في هذا الموضع إلى إثبات وجود النفس التي لنا PageV02P016 # إثباتا (على سبيل التنبيه والتذكير) إشارة شديدة الوقوع (6) عند من له ~~قوة على ملاحظة الحق نفسه من غير احتياج إلى تثقيفه (1) وقرع عصاه وصرفه عن ~~المغلطات. # فنقول : «يجب أن يتوهم الواحد منا كأنه خلق دفعة ، وخلق كاملا ، لكنه حجب ~~بصره عن مشاهدة الخارجات ، وخلق يهوي في هواء وخلاء ، هويا لا يصدمه فيه ~~قوام الهواء صدم ما (2) (7) يحوج إلى أن يحس ، وفرقت (8) بين أعضائه فلم ~~تتلاق ولم تتماس ، ثم يتأمل أنه هل يثبت وجود ذاته فلا (9) يشك في اثباته ~~لذاته موجودا ، ولا يثبت مع ذلك طرفا من أعضائه. ولا باطنا من أحشائه ، ولا ~~قلبا ولا دماغا ولا شيئا من الأشياء من خارج ؛ بل كان يثبت ذاته ولا يثبت ~~لها طولا ولا عرضا ولا عمقا ، ولو أنه أمكنه في تلك الحال ms329 أن يتخيل هذا ~~(10) أو عضوا آخر ، لم يتخيله جزءا من ذاته ولا شرطا في ذاته. وأنت تعلم أن ~~المثبت غير الذي لم يثبت ، والمقر به غير الذي لم يقر به ، فإذن للذات التي ~~أثبت وجودها خاصية لها على أنها هو بعينه غير جسمه وأعضائه التي لم تثبت ، ~~فإذن المثبتة (3) (11) له سبيل على تنبهه (12) على وجود النفس شيئا غير ~~الجسم ، وأنه (4) عارف به مستشعر له ، فإن (13) كان ذاهلا عنه ، يحتاج إلى ~~أن يقرع عصاه» (5) انتهى كلامه. ### | «في شرح كلام الشيخ» ### ||| ** وأقول وبالله التوفيق : # قوله : «في إثبات النفس وتحديدها من حيث هي نفس» ، أي من حيث إن لها إضافة PageV02P017 # ما إلى البدن ، لا من حيث حقيقتها وجوهرها ، كما سيظهر وجه ذلك. # وقوله : «إن أول ما يجب أن نتكلم فيه إثبات وجود الشيء الذي يسمى نفسا ، ~~ثم نتكلم فيما يتبع ذلك» أي إثبات وجود الشيء الذي يسمى نفسا من حيث إنه ~~يسمى نفسا ، أي من حيث إنه يطلق عليه هذه اللفظة ، ومن جهة أن له إضافة إلى ~~البدن ومقيس إليه. # وقوله : «إنا قد شاهدنا أجساما تحس وتتحرك بالإرادة ، بل نشاهد أجساما ~~تغتذي وتنمو وتولد المثل ...» الى آخره # يريد إثبات النفس الأرضية المتناولة للنباتية والحيوانية والإنسانية ، من ~~حيث إنها نفس ولها إضافة ما إلى الجسم الذي هي نفس له ، بأنا نشاهد أجساما ~~تحس وتتحرك بالإرادة ، سواء كانت تحس وتتحرك بالإرادة الجزئية فقط كما غير ~~الإنسان من الحيوانات ؛ أو كانت تحس وتتحرك بالإرادة الجزئية والكلية جميعا ~~، كما في الإنسان ، بل نشاهد أجساما تغتذي وتنمو وتولد المثل ، كما في ~~النبات ، وكما في الحيوان والإنسان أيضا. # وإنما قدم ذكر ما يختص بالحيوان والإنسان ، لكون الغرض الأصلي منها إثبات ~~النفس الحيوانية ، بل الإنسانية ، وأن إثبات النفس النباتية إنما هو لأجل ~~وجودها في الحيوان ، بل في الإنسان. فلذا ذكر ما يختص به النبات ثانيا وعلى ~~سبيل الترقي من السابق. # ثم إنا حيث شاهدنا ذلك ، علمنا أن لتلك الأحوال المشاهدة في تلك الأجسام ~~مبدأ غير خارج عن ذوات تلك الأجسام ms330 ، أما بيان ثبوت المبدأ لها فظاهر ، ~~وأما كونه غير خارج عنها ، فلأنا حيث شاهدنا وجود تلك الأحوال في تلك ~~الأجسام ، نحكم بأن مباديها يجب أن تكون موجودة فيها أو معها ولو بوجه ، ~~وهذا أيضا ظاهر. وسيأتي زيادة بيان لذلك. # وعلمنا أيضا أن ليس ذلك المبدأ نفس جسميتها المشتركة ، وإلا لاشترك جميع ~~الأجسام في تلك الأحوال ، وليس الأمر كذلك. فبقي أن يكون ذلك المبدأ غير ~~جسميتها PageV02P018 # المشتركة ، وأن تكون لتلك الأجسام بذواتها مباد لتلك الأحوال ، وأن يكون ~~فيها أو معها الشيء الذي يصدر عنه هذه الأفاعيل. # وقوله : «فبالجملة كل ما يكون مبدأ لصدور أفاعيل ليست على وتيرة واحدة ~~عادمة للإرادة ، فإنا نسميه نفسا». # هذا تفريع على ما تقدم ، أي وبالجملة ، فكل ما يكون مبدأ لصدور أفاعيل ~~كذلك ، كما في النبات والحيوان حيث أشرنا إلى إثبات مبدأ لها فيهما ، فإنا ~~نسميه نفسا. ولا يخفى أن تلك الأفاعيل حيث كانت إشارة إلى الأحوال التي ~~ذكرها في النبات والحيوان عامة شاملة للحس والإدراك أيضا ، ويكونان هما ~~أيضا فعلا بهذا المعنى ، وإن لم يكونا فعلا بالمعنى الآخر. # ثم لا يخفى أن قوله : «عادمة للارادة» صفة لقوله : «وتيرة واحدة» وأن ~~النفي وارد على الموصوف المقيد بهذا الوصف ، وأن تحقق هذا النفي كما يكون ~~بانتفاء الموصوف والوصف جميعا ، أعني أن يكون المتحقق هنالك كون صدور تلك ~~الأفاعيل على وتائر متعددة وأنهاج مختلفة ، ومع الإرادة ؛ كذلك قد يكون ~~بانتفاء الموصوف وحده ، وإن لم ينتف الوصف ، أعني أن يكون ذلك الصدور على ~~وتائر مختلفة عادمة للإرادة ، وقد يكون بانتفاء الوصف وحده ، وإن لم ينتف ~~الموصوف ؛ أعني أن يكون على وتيرة واحدة ومع الإرادة. وحينئذ فيكون المعنى ~~أن كل ما يكون مبدأ لصدور أفاعيل ليست على وتيرة واحدة عادمة للإرادة ، كما ~~في أفعال الطبائع ، حيث أنها تكون على وتيرة واحدة عادمة للإرادة ، ويسمى ~~مبدأ صدورها طبيعة ، فإنا نسميه نفسا ، سواء كان مبدأ لصدور أفاعيل على ~~أنهاج مختلفة عادمة للإرادة ، كالنفس النباتية ، أو مبدأ لصدور أفاعيل على ~~أنهاج مختلفة لكن مع ms331 الإرادة ، كالنفس الحيوانية ، وكالنفس الإنسانية أيضا ~~إذا استعملت القوى الحيوانية وفعلت بتوسطها ، أو مبدأ لصدور فعل على وتيرة ~~واحدة مع الإرادة ، كالنفس الإنسانية في فعلها الخاص بها من الإدراك الكلي ~~ونحوه ، إذا قلنا بكونه على نهج واحد. PageV02P019 # لا يقال قوله : «مبدأ لصدور أفاعيل» بصيغة الجمع يأبى عن حمل العبارة على ~~معنى يشمل القسم الثالث ، بل إنه يشعر بالحمل على معنى يشمل القسمين ~~الأولين فقط. # لأنا نقول : ما فهمته مبني على أن إيراد صيغة الجمع إنما هو بالقياس إلى ~~نفس واحدة ، وليس كذلك ؛ بل الظاهر أنه بالقياس إلى نفوس متعددة. فحيث ~~اعتبر بالقياس إلى كل نفس من النفوس الأرضية فعلا خاصا ، اعتبر تعدد ~~الأفاعيل ؛ وهذا كما يقال : أفاعيل الطبائع ، والحال أن فعل الطبيعة إنما ~~هو على وتيرة واحدة. وكيف يمكن اعتبار التعدد والجمعية بالقياس إلى نفس ~~واحدة ، والحال أنه على هذا يلزم أن يكون قوله : «ليست على وتيرة واحدة» ~~مستدركا لكون قوله : «أفاعيل» الدال بصيغة الجمع على التعدد مغنيا عنه ، ~~ولكان حق العبارة أن يقول : إن كل ما يكون مبدأ لصدور أفاعيل ، فإنا نسميه ~~نفسا ؛ سواء كان عادما للإرادة أو واجدا لها. # وأيضا على ما ذكرته يلزم خروج النفس الإنسانية من حيث فعلها الخاص بها ، ~~إذا قلنا بوحدته وكونه على وتيرة واحدة ، والحال أن المقصود تعميم العبارة ~~بحيث تشملها أيضا مطلقا. فتدبر. # ثم إنه ربما يظن أن ما عبر به عن النفس الأرضية وهو قوله : «ما يكون مبدأ ~~لصدور أفاعيل ليست على وتيرة واحدة عادمة للإرادة» كما أنه متناول للنفس ~~الأرضية بأفرادها وأقسامها ، كذلك هو متناول للنفس الفلكية أيضا ، إذ هي ~~عندهم على القول بتعلق النفس بكل كرة من الكرات وبكل كوكب من الكواكب ، ~~تكون مبدأ لصدور فعل واحد على وتيرة واحدة مع الإرادة. وعلى القول بتعلقها ~~بالفلك الكلي وكون الكرات الجزئية والكواكب المختلفة في الأفاعيل كالآلات ، ~~تكون مبدأ لصدور الأفاعيل على وتائر مختلفة ومع الإرادة. وعلى التقديرين ، ~~فتندرج النفس الفلكية أيضا في معنى هذه العبارة ، ويكون هذا التعريف شاملا ~~للنفس ms332 الأرضية والفلكية جميعا. # فعلى هذا فيرد على الشيخ أنه لا يخفى أنه في هذا الفصل بصدد إثبات النفس ~~الأرضية وتحديدها ، دون الفلكية ، فما باله قد عبر عنها في هذا التعبير بما ~~يتناول الفلكية PageV02P020 # أيضا. # وأيضا أنه ذكر فيما بعد أن اسم النفس إذا وقع على النفس الفلكية وعلى ~~النفس النباتية ، فإنها تقع بالاشتراك ، أي اللفظي ، وأن الحيلة في أن ~~يشترك الفلك والحيوانات في معنى اسم النفس صعبة ، والحال أن معنى هذا ~~التعبير معنى مشترك يشترك فيه الجميع ، فأين الاشتراك اللفظي الذي ادعاه؟ ~~وأين صعوبة الحيلة؟ # وربما يمكن الجواب عن هذا الإيراد بأنه لا يخفى أن ما دلت عليه هذه ~~العبارة ليس تحديدا للنفس مطلقا ، لا من حيث جوهرها وماهيتها في نفسها ، ~~ولا من جهة إضافة ما لها إلى البدن كما هو مقصود الشيخ في هذا الفصل ، لأن ~~مفاده إنما هو أمر سلبي ، كما عرفت من أن معناه أن النفس عبارة عن مبدأ ~~أفعال ليس هي كأفعال الطبائع. وبعبارة اخرى أن المسمى باسم النفس ، ما لا ~~يكون فعله كفعل الطبائع ، ومثل هذا لا يكون تحديدا ، لأن التحديد إنما يكون ~~بأمور وجودية ذاتية ، وهل هو إلا مثل أن يقال في تحديد الإنسان. إنه ما ~~يكون مبدأ لأفعال ليست هي كأفعال الفرس ، أو ما لا يكون فعله كفعل الفرس ، ~~حيث إنه بذلك لا يتحدد جوهره من حيث جوهره ، ولا من حيث له إضافة إلى غيره. # وبالجملة فهذا ليس بتحديد للنفس ، بل إنما هو مجرد تعبير عنها وتعيين ~~للمسمى باسم النفس ، ولا سيما بوجه سلبي وذكر اسم لها بهذا الوجه ، فهو لا ~~يكون تعريفا لها أيضا. وعلى تقدير تسليم صحة كونه تعريفا لها ، يكون رسما ~~لها لا حدا. وحينئذ يندفع الإيراد عن الشيخ ، لأنه حيث ادعى فيما بعد ما ~~ادعاه ، إنما ادعاه إذا اريد تحديد النفس به ، ولا يخفى أنه كذلك. وهذا لا ~~ينافي أن يكون يمكن هنا تعبير أو رسم أو اسم بوجه سلبي يتحقق فيه الاشتراك ~~ويعم النفس الفلكية أيضا ، كما أنه ms333 لا يلزم عليه من جهة تعبيره عن مسمى ~~النفس باسم يتناول الفلكية مخالفة ما هو بصدده في هذا الفصل من إثبات ~~الأرضية وتحديدها ، إنما يلزم المخالفة لو كان أثبت فيه الفلكية أيضا ~~وحددها ، وهو لم يفعله ، كما لا يخفى على الناظر فيما ذكره في هذا الفصل. PageV02P021 # وقوله : «وهذه اللفظة اسم لهذا الشيء لا من حيث هو جوهره (1)، ولكن من ~~جهة إضافة ما له ، أي من جهة ما هو مبدأ لهذه الأفاعيل. ونحن نطلب جوهره ~~والمقولة التي يقع فيها من بعد ، ولكنا الآن أثبتنا وجود شيء هو مبدأ لما ~~ذكرنا ، وأثبتنا وجود شيء من جهة ماله عرض ما ونحتاج إلى أن نتوصل من هذا ~~العارض الذي له إلى أن تحقق ذاته لتعرف ماهيته». # أي أن هذه اللفظة كما عرفت معناها اسم لهذا الشيء ، لا من حيث جوهره ~~وحقيقته في نفسه ، ولكنه اسم له من جهة إضافة ما له ، أي من جهة ما هو مبدأ ~~لهذه الأفاعيل التي ليست كأفاعيل الطبائع. وبعبارة اخرى : من جهة أنه كمال ~~لجسم ، ونحن نطلب جوهره في حد ذاته ، والمقولة التي يقع هو فيها من كونه ~~جوهرا ، لا عرضا من بعد. ولكنا الآن في هذا الإثبات إنما أثبتنا بما ذكرنا ~~: «أنا قد شاهدنا أجساما تحس وتتحرك بالإرادة» إلى آخره وجود شيء هو مبدأ ~~لما ذكرنا من الأفاعيل ، وأثبتنا وجود شيء من جهة ماله عرض ما ، أي كونه ~~مبدأ لما ذكرنا ، ومن جهة ما له إضافة ما. وكذلك نريد تحديده من هذه الجهة ~~، حيث أثبت أنه ليس بجسم ولا مادة لجسم ، بل جزء منه به يتم ويكمل كونه ~~مبدأ لما ذكر ، ويتم كون النبات نباتا بالفعل ، وكون الحيوان حيوانا بالفعل ~~، وبالجملة جزء من الجسم النباتي والحيواني ، بل الإنساني ، يمكن أن يطلق ~~عليه في بادي النظر الصورة أو كالصورة أو الكمال أو كالكمال أو القوة ، ثم ~~فتش وفحص عن ذلك ، وأدى تفتيشه وفحصه إلى أنه ينبغي أن يطلق عليه الكمال ، ~~لا مطلقا ، بل الكمال الأول لجسم طبيعي آلي له ms334 أن يفعل أفعال الحياة كما ~~بينه ؛ وسيأتي زيادة بيانه. ونحتاج أن نتوصل من هذا العارض ومن هذا الحد ~~الذي له بالإضافة إلى البدن ، إلى أن تحقق ذاته لتعرف ماهيته ، لا من حيث ~~تلك الإضافة ، بل في حد ذاته ، ومن حيث كونه داخلا في مقولة الجوهر ؛ كما ~~فعله وبينه في الفصول الآتية. ولعلنا نشير إلى ما ذكره فيها أيضا إن شاء ~~الله تعالى. # وقوله : «كأنا قد عرفنا أن لشيء متحرك محركا ما ، ولسنا نعلم من ذلك أن ~~ذات هذا PageV02P022 # المحرك ما هو؟» أي كأنا في إثبات النفس من جهة كونه مبدأ لتلك الأفاعيل ، ~~ولم نعلم بعد حقيقتها وجوهرها في حد ذاتها ، مثل حالنا في إثباتنا أن لشيء ~~ما يتحرك محركا ما ، ولم نعلم منه حقيقة المحرك. فكما أنا إذا شاهدنا شيئا ~~يتحرك أية حركة كانت [علمنا] أن له مبدأ لحركته ، أو لم يحصل لنا منه العلم ~~بحقيقة المحرك بذاته ؛ كذلك الحال فيما نحن فيه ، فإن حصول العلم بالنفس من ~~جهة كونها مبدأ للأفاعيل المذكورة فيما شاهدها فيه ، لا يستلزم حصول العلم ~~بحقيقتها في ذاتها. فهذا مع كونه تنظيرا أو تمثيلا لما نحن فيه يمكن أن ~~يكون بيانا له أيضا بعبارة أخرى ، حيث إن مبدئية النفس لتلك الأفاعيل تتضمن ~~كونها مبدأ للحركة أيضا ، فافهم. # وقوله : «فنقول : إذا كانت الأشياء التي يرى أن النفس موجودة لها أجساما ~~، وإنما يتم وجودها من حيث هي نبات وحيوان لوجود (1) هذا الشيء لها ، فهذا ~~الشيء جزء من قوامها ...» إلى آخر ما ذكره. # هذا مع كونه متضمنا للإشارة إلى ثبوت النفس للنبات والحيوان ، وإلى كونها ~~داخلة في قوامها ، غير خارجة عنها ، بيان لكون النفس في النبات والحيوان ، ~~بل في الإنسان أيضا جزءا من قوامها في الخارج ، لا جزءا يكون هو بالنسبة ~~إليها بمنزلة الموضوع أو المادة ، ويكون به تلك الأشياء بالقوة ؛ بل جزءا ~~يكون به تلك الأشياء بالفعل ، وبه يتم وجودها من حيث هي نبات أو حيوان أو ~~إنسان ، ويكمل به قوامها بمنزلة الصورة أو الكمال. وكذا هو ms335 بيان لكون النفس ~~غير جسم. # وتوضيح ما ذكره : أنه إذا كانت الأشياء التي يرى أن النفس موجودة لها ، ~~كالنبات والحيوان التي أثبتنا بالبيان السابق وجودها لها ، أجساما كما هو ~~المشاهد. وإنما يتم وجودها من حيث هي نبات وحيوان بوجود هذا الشيء الذي هو ~~مبدأ لتلك الأفاعيل ، وسميناه نفسا ، حيث إنها مع عدم وجود ذلك المبدأ لها ~~لا تكون نباتا ولا حيوانا بالفعل ، ولا يتم وجودها ، بل تكون كسائر الأجسام ~~غير النبات والحيوان. فهذا الشيء جزء من PageV02P023 # قوامها في الخارج. وأجزاء القوام كما عملت في مواضع أخرى هي قسمان : جزء ~~به يكون الشيء هو ما هو بالفعل كالصورة ، وجزء به يكون الشيء هو ما هو ~~بالقوة كالموضوع ؛ ولا شك فيما نحن فيه أن البدن أي جسم تلك الأشياء من ~~قبيل الثاني ، فلو كان النفس أيضا من هذا القبيل ، للزم أن لا يكون يتم ~~الحيوان والنبات حيوانا ونباتا بالبدن ، وهو ظاهر ، ولا بالنفس ، لكون ~~المفروض حينئذ كونها مثل البدن في كون الشيء به هو ما هو بالقوة. وحيث كان ~~المفروض تمامية وجودهما نباتا وحيوانا بالفعل بهذين الجزءين ، أي البدن وما ~~سميناه نفسا ، ولم يكن جزء آخر سواهما ، فبقي أن يكون النفس من قبيل القسم ~~الأول ، أي جزء منهما به هما يكونان بالفعل ، ولا يكون جسما وهو المطلوب. # وأيضا لو لم يتم وجود النبات والحيوان نباتا وحيوانا بالفعل بالبدن ولا ~~بالنفس ، فيحتاج إلى كمال آخر به يتم ويكمل وجودها بالفعل ، وهو المبدأ ~~بالفعل ، لما ذكرنا من الأفاعيل ، وذلك هو النفس ، وهو الذي كلامنا فيه. ~~فإنا لا نعني بالنفس إلا ذلك المبدأ. ولا شك أنه لا يمكن أن يكون ذلك الجسم ~~الذي سميناه بدنا ، فإن لم يكن هو النفس أيضا ، بل كان غيرهما ، فإن كان ~~جسما آخر من حيث هو جسم ، فالجسم حاله كما ذكر من أنه لا يمكن أن يكون ~~بجسميته المطلقة التي يكون بها الشيء بالقوة مبدأ لما ذكر وكمالا لهما ، ~~وإن كان جسما بصورة ما وكمال ما ، يكون به الشيء بالفعل ms336 ، فلا يكون هذا ~~الجسم أيضا من حيث هو جسم ذلك المبدأ وذلك الكمال ، بل يكون كونه مبدأ أو ~~كمالا من جهة تلك الصورة ، ويكون صدور تلك الأحوال والأفاعيل عن تلك الصورة ~~بذاتها ، وإن كان بتوسط هذا الجسم الثاني ؛ فيكون المبدأ الأول لتلك ~~الأحوال والأفاعيل في النبات والحيوان تلك الصورة المفروضة ثانيا ، ويكون ~~أول فعله بوساطة هذا الجسم ، ويكون هذا الجسم جزءا من جسم الحيوان ؛ لكنه ~~أول جزء يتعلق به المبدأ ، وليس هو بما هو جسم إلا من جهة كونه موضوعا لتلك ~~الصورة التي هي المبدأ حقيقة لتلك الأحوال ، وهي الجزء الذي يكون به ~~الحيوان والنبات تماما بالفعل. # فتبين من ذلك أن النفس ليس بجسم ، سواء كان الجسم هو الجسم المفروض أولا PageV02P024 # أو ثانيا ، بل هو جزء للحيوان والنبات ، به يتم وجودهما ، سواء كان الجزء ~~هو الجزء الذي فرضناه أولا أو ثانيا. وكيف ما كان ، فذلك المبدأ الذي ~~سميناه نفسا جزء من الحيوان والنبات به يتم وجودهما بالفعل ، سواء سميته ~~صورة أو كالصورة ، أو كمالا أو كالكمال ، أو قوة أو نحو ذلك من الأسامي. # فلنظر في ذلك وفي أن إطلاق أي هذه الأسماء عليه أولى وأحرى؟ # وقوله : «فنقول الآن : إن النفس يصح أن يقال [لها] (1) بالقياس إلى ما ~~يصدر عنها من الأفعال : قوة. وكذلك يجوز أن يقال لها بالقياس إلى ما يقبلها ~~من الصور المحسوسة والمعقولة على معنى آخر : قوة». # هذا نظر في أنه هل يصح عليه إطلاق القوة أم لا؟ وحيث كان بيانه يستدعي ~~تفسير معاني القوة وشرحها ، فلنذكرها حتى يتضح المقصود. # فنقول : قال الشيخ في «إلهيات الشفاء» في فصل «في القوة والفعل والقدرة ~~والعجز» (2): إن لفظة القوة وما يرادفها قد وضعت أول شيء للمعنى الموجود ~~في الحيوان ، الذي يمكنه بها أن تصدر عنه أفعال شاقة من باب الحركات ليست ~~بأكثرية الوجود عن الناس في كيفيتها أو كميتها (3)، ويسمى ضده (4) الضعف ، ~~وكأنها زيادة وشدة من المعنى الذي هو القدرة ، وهو أن يكون الحيوان بحيث ~~يصدر عنه الفعل إن (5) شاء ، ولا ms337 يصدر عنه إذا لم يشأ ، التي ضدها عجز (6). # ثم نقلت عنه ، فجعلت للمعنى الذي لا ينفعل له وبسببه الشيء بسهولة ، وذلك ~~لأنه كان يعرض لمن يزاول الأفعال والتحريكات الشاقة أن ينفعل أيضا منها ، ~~وكان انفعاله والألم الذي يعرض له منه يصده عن إتمام فعله ، فكان إن انفعل ~~انفعالا محسوسا قيل : له ضعف وليس (7) له قوة ، وإن لم ينفعل قيل : إن له ~~قوة. فكان «أن لا ينفعل» دليلا على المعنى PageV02P025 # الذي سميناه أولا قوة. # ثم جعلوه اسم هذا المعنى ، حتى صار كونه بحيث لا ينفعل إلا يسيرا تسمى ~~(1) قوة ، وإن لم يفعل شيئا. # ثم جعلوا الشيء لا ينفعل البتة أولى بهذا الاسم ، فسموا حالته من حيث هو ~~كذلك قوة. # ثم صيروا القدرة نفسها (وهي الحالة التي للحيوان ، وبها يكون له أن يفعل ~~وأن لا يفعل بحسب عدم المشيئة وزوال العوائق) قوة ، إذ هو مبدأ الفعل. # ثم أن الفلاسفة نقلوا اسم القوة ، فأطلقوا لفظة (2) القوة على حال يكون ~~(3) في الشيء ، هو مبدأ تغير يكون منه في الآخر من حيث ذلك آخر ، وإن لم ~~تكن (4) هناك إرادة ؛ حتى سموا الحرارة قوة ، لأنها مبدأ تغير من آخر في ~~آخر بأنه آخر ، حتى أنه إذا حرك نفسه أو عالج نفسه وكان مبدأ التغير منه ~~فيه ، فليس ذلك فيه من حيث هو قابل للعلاج و (5) الحركة ، بل من حيث هو آخر ~~، بل كأنه شيئان : شيء له قوة أن يفعل ، وشيء له قوة أن ينفعل. ويشبه أن ~~يكون الأمران منه مفرقين (6) في جزءين ، فيكون مثلا المحرك في نفسه ، ~~والمتحرك في بدنه ؛ وهو المحرك بصورته ، والمتحرك بمادته ؛ فهو من حيث يقبل ~~العلاج غير ، لذاته من حيث يعالج. # ثم بعد ذلك لما وجدوا للشيء (7) الذي له قوة بالمعنى المشهور قدرة كانت ~~أو شدة قوة ليس من شرط تلك القوة (8) أن يفعل» وإمكان «أن لا يفعل» ، نقلوا ~~اسم القوة إلى الإمكان ، فسموا الشيء الذي وجوده في حد الإمكان : موجودا ~~بالقوة ، وسموا إمكان قبول الشيء وانفعاله : قوة انفعالية. # ثم سموا تمام ms338 هذه القوة : فعلا ، وإن لم يكن فعلا بل انفعالا ، مثل تحرك ~~أو تشكل أو غير ذلك. فإنه لما كان هناك المبدأ الذي يسمى قوة ، وكان الأصل ~~الأول في المسمى PageV02P026 # بهذا الاسم إنما هو على ما هو بالحقيقة فعل ، سموا هذا الذي قياسه إلى ما ~~سموه الآن : قوة ، كقياس الفعل إلى المسمى قديما قوة باسم الفعل ، ويعنون ~~بالفعل حصول الوجود ، وإن كان ذلك الأمر انفعالا أو شيئا ليس هو فعلا ولا ~~انفعالا. فهذه هي القوة الانفعالية ، وربما قالوا : قوة لجودة هذه وشدتها. # والمهندسون لما وجدوا بعض الخطوط من شأنه أن يكون ضلع مربع. وبعضها ليس ~~ممكنا له أن يكون ضلع ذلك المربع ، جعلوا ذلك المربع قوة ذلك الخط ، كأنه ~~أمر ممكن فيه ، وخصوصا إن (1) تخيل بعضهم أن حدوث هذا المربع هو بحركة ذلك ~~الضلع على مثل نفسه. # وإذا (2) عرفت القوة فقد عرفت القوي ، وعرفت أن غير القوي : إما الضعيف ، ~~وإما العاجز ، وإما السهل الانفعال ، وإما الضروري ، وإما أن لا يكون ~~المقدار الخطي ضلعا لمقدار سطحي مفروض. # وقد يشكل من هذه الجملة أمر القوة التي بمعنى القدرة ، فإنها يظن أنها لا ~~تكون موجودة إلا لما من شأنه أن يفعل ، ومن شأنه أن لا يفعل. فإن كان من ~~(3) شأنه أن يفعل فقط ، فلا يرد (4) أن له قدرة ، وهذا ليس بصادق. فإنه إن ~~كان هذا الشيء الذي يفعل فقط ، يفعل من غير أن يشاء ويريد ، فذلك ليس له ~~قدرة ولا قوة بهذا المعنى ، وإن كان يفعل بإرادة ، إلا أنه دائم الإرادة ~~ولا يتغير إرادته (5) وجودا اتفاقيا ، أو يستحيل تغيرها استحالة ذاتية. ~~فإنه يفعل بقدرة. وذلك لأن حد القدرة التي يؤثرون هؤلاء أن يحدوها به موجود ~~هنا (6)، وذلك لأن هذا يصح عنه أن يفعل إذا شاء وأن لا يفعل إذا لم يشأ ، ~~وكلا هذين شرطيان. أي أنه إذا شاء فعل ، وإذا لم يشأ لم يفعل ، وأنهما (7) ~~داخلان في تحديد القدرة على ما هما شرطيان ، وليس من صدق الشرطي أن يكون ~~هناك استثناء بوجه من الوجوه ms339 ، أو صدق حمل (8)، فإنه ليس إذا صدق قولنا : ~~«إذا لم يشأ لم يفعل» يلزم أن صدق «لكنه لم يشأ وقتا (9)» ، وأنه (10) إذا ~~كذب «أنه لا يشاء (10) البتة» يوجب (11) كذب قولنا : «وإذا لم يشأ لم يفعل» ~~فإن هذا يقتضي PageV02P027 # أنه لو كان لا يشاء لما كان يفعل ، كما أنه إذا شاء فيفعل. فإذا (1) صح ~~أنه إذا شاء فعل ، صح أنه إذا فعل فقد شاء. أي إذا فعل فعلا (2) من حيث هو ~~قادر ، فيصح أنه إذا لم يشأ لم يفعل ، وإذا لم يفعل لم يشأ. وليس في هذا ~~أنه يلزم أن لا يشاء وقتا ما ، وهو بين لمن عرف المنطق. # وهذه القوى التي هي مبدأ الحركات (3) والأفعال ، بعضها قوى تقارن النطق ~~أو التخيل ، لأنه (4)، يكاد أن يعلم بقوة واحدة الإنسان واللاإنسان ، ~~ويكون بقوة واحدة أن يتوهم (5) أمر اللذة والألم ، وإن لم يتوهم (6) ~~بالجملة الشيء وضده. # وكذلك هذه القوى أنفسها أو خادمها تكون قوة على الشيء وعلى ضده ، لكنها ~~بالحقيقة لا تكون قوة تامة ، أي مبدأ التغير من آخر (7) في آخر بأنه آخر ~~بالتمام وبالفعل ، إلا إذا اقترن بها الإرادة منبعثة عن اعتقاد وهمي تابع ~~لتخيل شهو اني أو غضبي ، أو عن رأي عقلي تابع لفكرة عقلية ، أو تصور صورة ~~عقلية. فيكون (8) إذا اقترن بها تلك الإرادة ولم تكن إرادة مخيلة بعد ، بل ~~إرادة جازمة ، وهي التي هي الإجماع الموجب لتحريك الأعضاء ، صارت لا محالة ~~مبدأ بالفعل للفعل (9) بالوجوب ، إذ قد بينا أن العلة ما لم تصر علة ~~بالوجوب حتى يجب عنها الشيء ، لم يوجد عنها المعلول ؛ وقبل هذه الحال فإنما ~~تكون الإرادة ضعيفة لم يقع إجماع. فهذه القوى المقارنة للنطق بانفرادها ، ~~لا يجب من حضور منفعلها ووقوعها (10) منها بالنسبة التي إذا فعلت فيه فعلت ~~بها ، وأن يكون (11) يفعل بها وهي بعد قوة. # وبالجملة لا يلزم من ملاقاتها للقوة المنفعلة أن تفعل ذلك ، وذلك لأنه لو ~~كان يجب عنها وحدها أن تفعل ، لكان يجب من ذلك أن يصدر عنها الفعلان ~~المتضادان والمتوسطان (12) بينهما ms340 ، وهذا محال ؛ بل إذا صارت كما قلنا ~~فإنها تفعل بالضرورة. PageV02P028 # وأما القوة (1) التي في غير ذوات النطق والتخيل ، فإنها إذا لاقت القوة ~~المنفعلة وجب هناك الفعل ، إذ ليس هناك إرادة واختيار ينتظر (2)، فإن ~~انتظر هناك فيكون طبع منتظر (3) فإذا كان يحتاج إلى طبع ، فلذلك الطبع هو ~~إما المبدأ للأمر أو جزء (4) من المبدأ. والمبدأ مجموع ما كان قبل وما حصل ~~، ويكون حينئذ نظيرا للإرادة المنتظرة ، لكن الإرادة تفارق هذا من حيث تعلم. # والقوة الانفعالية أيضا التي يجب إذا لاقت الفاعل أن يحدث الانفعال في ~~هذه الأشياء ، هي القوة الانفعالية التامة ؛ فأن القوة الانفعالية قد تكون ~~تامة وقد تكون ناقصة ، لأنها قد تكون قريبة وقد تكون بعيدة ، فإن في المني ~~قوة أن يصير رجلا ، وفي الصبي أيضا قوة أن يصير رجلا ، لكن القوة التي في ~~المني تحتاج إلى أن تلقاها أيضا قوة محركة قبل التحرك إلى الرجلية ، لأنها ~~تحتاج أن تخرج إلى الفعل شيئا ما غير الرجل ، ثم بعد ذلك يتهيأ أن يخرج (5) ~~إلى الفعل رجلا بالحقيقة ، فإن (6) القوة الانفعالية الحقيقية هي هذه. وأما ~~المني فبالحقيقة ليست فيه بعد قوة انفعالية ، فإنه يستحيل أن يكون المني ~~وهو مني ينفعل رجلا ، لكنه لما كان في قوته أن يصير شيئا (7) غير المني ثم ~~انتقل (8) بعد ذلك إلى شيء آخر ، كان هو بالقوة أيضا ذلك الشيء ، بل المادة ~~الاولى هي بالقوة كل شيء. فبعض ما يحصل فيها يعوقها عن بعض ، فيحتاج المعوق ~~عنه إلى زواله ، وبعض ما فيه لا يعوق عن بعض آخر ، ولكنه يحتاج إلى قرينة ~~اخرى حتى يتم الاستعداد ، وهذه القوى هي بعيدة (9). # وأما القوة القريبة فهي التي لا تحتاج إلى أن تقارنها قوة فاعلية قبل ~~القوة الفاعلية التي تنفعل عنها ، فإن الشجرة ليست بالقوة مفتاحا ، لأنها ~~تحتاج إلى أن يلقاه (10) أولا قوة فاعلية غير (11) الفاعلية المفتاحية ، ~~وهي القوة القالعة والناشرة والناحتة ، ثم بعد ذلك يتهيأ لأن ينفعل (12) من ~~ملاقاة القوة الفاعلية للمفتاحية مفتاحا (13). # والقوى بعضها يحصل بالطباع ، وبعضها يحصل بالعادة ، وبعضها ms341 بالصناعة ، وبعضها PageV02P029 # يحصل بالاتفاق ، والفرق بين الذي يحصل بالصناعة والذي يحصل بالعادة ، أن ~~الذي يحصل بالصناعة هو الذي يقصد فيه استعمال مواد وآلات وحركات ، فتكسب ~~النفس ملكة بذلك (4) كأنها صورة تلك الصناعة. وأما الذي بالعادة ، فهو ما ~~يحصل من أفاعيل ليست مقصودة فيها ذلك ، (5) بل إنما تصدر عن شهوة أو غضب أو ~~رأي ، أو يتوجه فيها القصد إلى غير هذه الغاية ثم يتبعها (6) غاية هي ~~العادة ، ولم تكن تقصد ، ولا تكون العادة بنفس ثبوت صورة (7) تلك الأفاعيل ~~في النفس. وربما لم تكن (8) للعادة آلات ومواد معينة ، فإنه لا سواء أن ~~يعتاد إنسان المشي وأن يعتاد النجارة (9) من الجهة التي قلنا ، وبينهما ~~تفاوت شديد. # ثم مع ذلك (10)، فإنك إذا دققت النظر ، عاد حصول العادة والصناعة إلى ~~جهة واحدة. # والقوى التي بالطبع (11)، منها ما يكون في الأجسام الغير الحيوانية ، ~~ومنها ما يكون في الأجسام الحيوانية». انتهى (1). # ثم إنه حقق الكلام في إثبات العادة لكل متكون ، وكون كل حادث مسبوقا ~~بالمادة بما لا مزيد عليه. وقال في آخره (2): «ونحن نسمي إمكان الوجود قوة ~~الوجود ، ونسمي حامل الوجود (12) الذي فيه قوة وجود الشيء موضوعا وهيولى ~~ومادة وغير ذلك بحسب اعتبارات مختلفة ، فإذن كل حادث فقد تقدمته المادة» انتهى. # وقال صدر الأفاضل في (الشواهد الربوبية) في الإمكان والوجوب والقوة ~~والفعل (3): «إن الإمكان (13) معناه سلب ضرورة الوجود والعدم عن الماهية ، ~~وهو صفة عقلية لا يوصف بها ما لا مادة في الخارج ولا في نفس الأمر. ~~فالمبدعات إنما لها في نفس الأمر الوجود PageV02P030 # والوجوب ، وهي ممكنة بحسب اعتبار ماهيتها من حيث هي هي ، مع قطع النظر عن ~~استنادها إلى جاعلها التام. وعدم اعتبار الشيء لا يوجب اعتبار عدمه ، فهي ~~ممكنة لا في نفس الأمر ، بل في مرتبة من مراتبها ، ولا محذور فيه ؛ إذ ~~الإمكان مفهوم عدمي ، وعدم الشيء في نحو من نفس الأمر لا يوجب عدمه فى نفس ~~الأمر. فالمبدعات ضرورية الوجود في الواقع ، ممكنة الوجود بعض الاعتبارات. ~~ونسبة الإمكان إلى الوجوب نسبة النقص إلى الكمال ، ولهذا ms342 (1) يجامعه. وأما ~~إمكان الحادث فهو قبل وجود الحادث ، إذ كل كائن فإنه قبل كونه ممكن الوجود ~~لا واجب ولا ممتنع ، فلا بد من (2) مادة أو موضوع أو متعلق به يحمل إمكانه. ~~وهذا الإمكان ليس مجرد ممكنية الشيء بل ما به يصير ممكن الوجود ، ولهذا ~~يتفاوت قربا وبعدا ؛ فالقريب استعداد والبعيد قوة. والقوة قد يقال لمبدإ ~~التغير في آخر من حيث هو آخر ، سواء كان فعلا أو انفعالا ، ويقال لما به ~~يجوز أن يصدر عن الشيء فعل أو انفعال وأن لا يصدر ، وهي القوة التي تقابل ~~(3) الفعل ؛ ويقال لما به يكون الشيء غير متأثر عن مقاوم ، ويقابله الضعف. # ثم القوة المنفعلة (4) قد تكون مرمية (5) نحو القبول دون الحفظ كالماء ~~(6)، وفي الشمعة قوة عليهما جميعا ، وقد تكون (7) قوة على واحد أو أمور ~~محدودة ، وفي الهيولى الاولى قوة الجميع إذ لا صورة لها ، ولكن تقوى بتوسط ~~شيء على شيء. # وقوة الفاعل قد تكون (8) محدودة ، نحو أمر واحد كالنار على الإحراق ؛ وقد ~~تكون (9) على امور كثيرة ، كقوة المختار على ما يختار ، وقوة الباري على الكل. # والقوة الفعلية المحدودة إذا لاقت القوة المنفعلة ، وجب الفعل. # والقوة الفعلية قد تسمى قدرة ، وهي إذا كانت مع شعور ومشيئة. وقد يظن ~~أنها ليست قدرة الا لما في (10) شأنه الطرفان : الفعل والترك. وأما الفاعل ~~الدائم فالمتكلمون لا يسمونه قادرا. والحق خلافه ؛ فمن فعل بمشيئة يصدق ~~عليه أنه لو لم يشأ لم يفعل ، سواء PageV02P031 # اتفق عدم المشيئة او استحال. وصدق الشرطية لا يتوقف على صدق طرفيها. # والقوة الفعلية قد تكون (3) مبدأ الوجود وقد تكون (4) مبدأ الحركة. # والإلهيون يعنون بالفاعل مبدأ الوجود ومفيده ، والطبيعيون يعنون به مبدأ ~~التحريك كما مر. والأحق باسم الفاعل من يطرد العدم بالكلية عن الشيء من غير ~~شوب نقص وتنزيه. (5) # ثم القوى التي من (6) مبادي الحركات ، بعضهما يقارن النطق والتخيل ، ~~وبعضها لا يكون ، والاولى لا يصدر عنها الشيء وحدها ، فلا تكون (7) قوة ~~تامة ، وإنما تتم (8) إذا اقترنتها إرادة جازمة تتوقف (9) على علم بداع ~~فيجب الفعل ، فالقدرة فيها ms343 غير (10) القوة والاستعداد ، ولهذا قيل : ~~الانسان مضطر في صورة مختار (1). # واعلم أن الحركة لا بد لها من قابل وفاعل ، ولا يجوز أن يكونا واحدا ، ~~لأن أحدهما مكمل مفيد والآخر مستكمل مستفيد ، فكل جسم متحرك فله محرك غيره ~~، ولو كان الجسم بما هو جسم متحركا (11) لم يسكن البتة ، ولكان (12) ~~الأجسام كلها متحركة دائما ، فالمحرك لا يحرك نفسه ، بل لشيء لم يكن هو في ~~نفسه (13) متحركا ، فيكون حركته بالقوة ، والحار كيف يسخن نفسه ، بل لشيء ~~يكون السخونة فيه بالقوة. # فكل متحرك يحتاج إلى ما يخرجه من القوة إلى الفعل ، وهذا الخروج هو ~~الحركة. والحركة أمر وجودها خروج الشيء من القوة إلى الفعل لا دفعة ، ~~يقابلها (14) أمر بالقوة بما هو بالقوة. # ومن هنا ظهر بالبرهان «أن كل جسم مركب من الهيولى والصورة ، لأن كل جسم ~~بما هو جسم أمر بالفعل ، وبما هو قابل للحركة أمر بالقوة ، وهما متقابلان ، ~~وهاهنا (15) كثرة» ، (2) انتهى كلامه (ره). PageV02P032 # وأقول : لا يخفى عليك أن مراد الشيخ بقوله هاهنا : «إن النفس يصح أن يقال ~~لها بالقياس إلى ما يصدر عنها من الأفعال : قوة ، وكذلك يجوز أن يقال لها ~~بالقياس إلى ما تقبلها من الصور المحسوسة والمعقولة على معنى آخر : قوة» ~~كما هو ظاهر هذا الكلام ، وكذا المصرح به فيما بعد في بيان أولوية إطلاق ~~الكمال على النفس من إطلاق القوة عليها ، أنه يصح أن يقال لها بالقياس إلى ~~ما يصدر عنها من الأفعال ، بالمعنى المقابل للانفعال كالتحريكات : قوة ~~بمعنى الفعل بهذا المعنى ، وكذلك يجوز أن يقال لها بالقياس إلى ما تقبلها ~~من الصور المحسوسة والمعقولة ، أي بالقياس إلى ما يصدر عنها من الانفعالات ~~، كالاحساسات والإدراكات الجزئية والكلية : قوة بمعنى آخر ، أي قوة بمعنى ~~مبدأ الانفعال. # ولا يخفى أيضا أن ما ذكره أخيرا في بيان الأولوية أن إطلاق القوة عليها ~~بمعنى مبدأ الفعل مثلا ، ليس أولى من إطلاقها عليها بمعنى مبدأ الانفعال ؛ ~~وكذا بالعكس. فحينئذ لو اطلق لفظة القوة على النفس في تحديدها ، فإما أن ~~يراد بها أحد المعنيين دون الآخر ms344 ، فيرد عليه مع ما ذكر من عدم أولوية ~~إرادة أحد المعنيين دون الآخر أنه لا يتضمن الدلالة على ذات النفس من حيث ~~هي نفس مطلقا ، بل من جهة دون اخرى ، أي من جهة كونها مبدأ الفعل مثلا ، ~~دون جهة كونها مبدأ الانفعال ، أو بالعكس ، وإما أن يراد بها المعنيان ~~جميعا ، فيرد عليه أنه يكون باشتراك الاسم ؛ حيث إن لفظة القوة مشترك بين ~~معنيين اشتراكا لفظيا ، فيكون من قبيل ذكر الألفاظ المشتركة في التحديد. ~~وقد بين في الكتب المنطقية أن ذكر الألفاظ المشتركة في التحديدات ، وكذا ~~الدلالة على المحدود من وجه دون آخر ، غير جيد ولا صواب. # وهذا بخلاف إطلاق الكمال على النفس. حيث إن معنى الكمال كما بين المراد ~~به ، أي ما به يكمل ويتم وجود الشيء شيئا بالفعل ، كوجود النبات نباتا ~~بالفعل ، والحيوان حيوانا بالفعل ، وان كان مشتركا أيضا بين المعنيين ، لكن ~~اشتراكا معنويا ، ومع ذلك جامع لجميع أنواع النفس ؛ فإن النفس من جهة القوة ~~التي بها يستكمل إدراك الحيوان أي هي PageV02P033 # مبدأ الانفعال كمال ، ومن جهة القوة التي بها يصدر عنها أفاعيل الحيوان ~~كالتحريكات أي هي مبدأ الفعل كمال أيضا. وكذلك النفس المفارقة كالنفس ~~الإنسانية كمال ، والنفس التي لا تفارق كالنباتية والحيوانية أيضا كمال. # ولا يخفى أيضا أن ما ذكره في وجه الأولوية إنما يتم لو كان اشتراك القوة ~~بين المعنيين اشتراكا لفظيا ، فإنه لو كان اشتراكها بينهما معنويا كما هو ~~المحتمل ، بل الظاهر من كلماتهم كما سنبينه ، وأريد بها في التحديد القدر ~~المشترك بينهما ، لم يتوجه ما ذكره في وجه الأولوية ، بل كان ذكر القوة في ~~تحديد النفس من قبيل ذكر الكمال ، في كون الاطلاق على المعنيين بمعنى واحد ~~مشتركا ، وكونه جامعا لجميع أنواع النفس ، ولا تفاوت بينهما إلا في الدلالة ~~على كون النفس كمالا للنبات والحيوان ، كما في صورة ذكر الكمال ، وعدم ~~الدلالة على ذلك كما في صورة ذكر القوة. وهذه الدلالة على تقدير إمكان ~~كونها وجها للأولوية المذكورة أنما تكون وجها آخر غير ما ذكره ms345 الشيخ ، ~~وكلامنا إنما هو في الوجه الذي نظره إليه. # وأما بيان احتمال كون اشتراك القوة بالمعنى المراد هاهنا اشتراكا معنويا ~~بين المعنيين وبين جميع أنواع النفس ، فلأنك بعد ما أحطت خبرا بتفاصيل ما ~~نقلنا عن الشيخ في إلهيات الشفاء من معاني لفظ القوة ، وما نقلنا عن صدر ~~الأفاضل (وكأنه تلخيص ما في الشفاء من وجه)، علمت أن لفظة القوة ، وإن ~~اطلقت لغة واصطلاحا على معان متعددة ، إلا أن المعنى المناسب الذي به يصح ~~إطلاق هذه اللفظة على النفس ، نباتية كانت أم حيوانية ، هو القوة ، بمعنى ~~مبدأ التغير من شيء في آخر من حيث إنه آخر ، حيث إن النفس أيضا من جهة ~~أفاعيلها وتحريكاتها مبدأ التغير في بدنها ، من حيث إن البدن غيرها ذاتا ؛ ~~وكذلك هي من جهة إحساساتها وإدراكاتها وانفعالاتها مبدأ التغير في آلاتها ، ~~من حيث إنها غيرها ذاتا ، وكذا في نفسها ، من حيث إنها غيرها بهذا ~~الاعتبار. # وبالجملة ، فالمعنى الذي به يصح إطلاق لفظ القوة على النفس لو أطلق ، ~~إنما هو هذا المعنى ، لا غيره من المعاني الأخر المذكورة ؛ وكأنه لذلك ترى ~~المحقق الطوسي (ره) في PageV02P034 # مواضع عديدة من كلامه فى شرحه للإشارات حيث إن الشيخ أطلق لفظة القوة ، ~~وأراد بها الصورة النوعية أو الطبيعة ، أو الكيفية أو مشاعر النفس وقواها ~~فسرها بمبدإ التغير من شيء في آخر من حيث هو آخر. # وقال في بعض تلك المواضع التي أطلق فيه الشيخ القوة على الكيفية ، وذكر ~~أن القوى قد تكون مهيأة نحو الفعل ، كالحرارة والبرودة وغيرهما : (1) «إن ~~(3) القوى مبادي التغيرات وهي بحسب ماهياتها (4) قد تكون صورا ، وقد تكون ~~كيفيات ، والمراد هاهنا الكيفيات. وتهيؤها نحو الفعل هي أن تجعل موضوعاتها ~~معدة للفعل ، فإن الفاعل بها هو موضوعاتها ، فالقوة المهيئة نحو الفعل ~~كيفية يصير بها موضوعها معدا للتأثير في شيء آخر ، فهي مبدأ للتغير ، ~~والقوة المهيئة نحو الانفعال كيفية يصير بها موضوعها معدا للتأثر (5) عن ~~شيء آخر ، فهي مبدأ التغير». # ولا يخفى أن النفس من قبيل الصور التي هي مبادي التغير ، وقد ms346 أطلق في بعض ~~تلك المواضع لفظ القوة بهذا المعنى على النفس النباتية وعلى النفس ~~الحيوانية وعلى الفلكية أيضا ، وذكر أن هذه القوى الثلاث تسمى نفوسا ، كما ~~يظهر لمن تصفح كلامه. # ولا يخفى أيضا أن القوة بهذا المعنى الذي اريد في إطلاقها على النفس أي ~~مبدأ التغير معنى واحد مشترك بين معنيي القوة ، أي القوة بمعنى مبدأ الفعل ~~، والقوة بمعنى مبدأ الانفعال والقبول ؛ فإن كلا من الفعل والانفعال مما ~~يصدق عليه كونه تغيرا من وجه. فمعنى مبدأ التغير معنى واحد مشترك بين ~~المعنيين اشتراكا معنويا ، وكأنه لذلك قال صدر الأفاضل في تفسير القوة بهذا ~~المعنى : «إن (6) القوة قد يقال لمبدإ التغير (7) في آخر من حيث هو آخر ، ~~سواء كان فعلا أو انفعالا» (2). # ومما يؤيد ما ذكرنا أنه يظهر من الشيخ نفسه في بيان معاني القوة أنه حيث PageV02P035 # فسر القوة بمعنى مبدأ التغير أدرج القوة الفاعلة والقوة المنفعلة تحته ، ~~وجعل كلا منهما قسما منه. # وقد قال الحكيم ابن رشد المغربي في جامع الفلسفة في تحقيق القوة الغاذية ~~: «إن القوة يقال بضرب من التشكيك على الملكات والصور حين ليس تفعل ، كما ~~يقال في النار إنها محرقة بالقوة ، إذا لم تحضرها المادة الملائمة للإحراق ~~، وعلى القوى المنفعلة ، كما يقال في الخبز إنه دم بالقوة ، وفي الدم إنه ~~لحم بالقوة وذلك إذا لم يحضر المحرك.» هذا كلامه. # وهو يدل أيضا على اشتراك القوة بين القوى الفاعلة والمنفعلة اشتراكا ~~معنويا ، حيث إن التشكيك مبني عليه ، وإن كان في كلامه خلطا بين القوة ~~بمعنى مبدأ التغير والقوة بمعنى الإمكان ، أي الاستعدادي ، فإن الظاهر منه ~~أنه أراد بالقوة مبدأ التغير لا مطلقا ، بل من جهة كون تغيره في حد ~~الإمكان. فتدبر. # وبالجملة فليس يظهر مما نقلنا من كلماتهم ولا من غيرها أنهم جعلوا القوة ~~بمعنى مبدأ التغير موضوعة على حدة بوضع لغوي واصطلاحي لمعنى القوة الفاعلة ~~، وبوضع آخر كذلك لمعنى القوة المنفعلة ، حتى يكون اشتراكها بينهما اشتراكا ~~لفظيا ، ولا يصح ذكرها في مقام تحديد النفس ، لكون استعمال اللفظة ms347 المشتركة ~~مخلا بالتحديد ، بل الظاهر أن القوة بهذا المعنى مشتركة بين القسمين ~~اشتراكا معنويا ، كالكمال ، ولا تفاوت بينهما إلا فيما ذكرنا. # فإن قلت : هب أن القوة بهذا المعنى مشتركة معنى بين القسمين ، لكن لا ~~يخفى أنها وردت لغة واصطلاحا لمعان متعددة ، لا سترة في أنها وضعت لكل منها ~~وضعا على حدة إذ ليس بينها قدر مشترك معنوي ، فيكون اشتراكها بين هذا ~~المعنى وبين تلك المعاني اشتراكا لفظيا ، فحينئذ نقول : إذا ذكرت تلك ~~اللفظة في مقام تحديد النفس ، كان استعمال اللفظة المشتركة اشتراكا لفظيا ~~في التحديد ، وهو غير جيد ولا صواب كما ذكره الشيخ. # قلت : هذا مع أنه ليس مما كان نظر الشيخ إليه يمكن دفعه ، بأنا إذا ذكرنا ~~هذه اللفظة PageV02P036 # في مقام التحديد وأردنا بها هذا المعنى الذي ذكرنا ؛ فإن كان المتبادر ~~بقرينة المقام إرادة هذا المعنى خاصة دون ما عداه من المعاني فلا إشكال ، ~~وإن لم يكن ذلك متبادرا ، فلا سترة في أنه يمكننا أن نقيد القوة بقيد تكون ~~به مختصة بالقوة بهذا المعنى ، وينتفي إرادة المعاني الأخر ، ولا يكون ذلك ~~من استعمال اللفظ المشترك في التحديد. # فإن قلت : إن المتعارف الشائع في التحديدات عند القوم ، أنهم يذكرون أولا ~~معنى عاما بمنزلة الجنس يعم المحدود وغيره ، ثم يقيدونه بقيد واحد أو أكثر ~~هو بمنزلة الفصل ، به يختص ذلك المعنى. بل مجموع المقيد ، والقيد بالمحدود ~~، ويخرج غيره. وفيما نحن بصدده ، حيث كانت لفظة القوة مشتركة لفظا بين تلك ~~المعاني ، ولم يكن هناك معنى عام مشترك ، كما هو المفروض ، لا يكون ذلك ~~القيد بمنزلة الفصل ، فكيف الحيلة في ذلك؟ فإنك إن ذكرت ابتداء لفظة القوة ~~مطلقة ، ثم قيدتها بكونها مبدأ التغير ، كأن قلت : إن النفس قوة هي مبدأ ~~التغير ، لم يكن الأول بمنزلة الجنس ، ولا الثاني بمنزلة الفصل ، كما عرفت. ~~وإن ذكرت لفظة مبدأ التغير بدون ذكر لفظة القوة ، لم يكن ذلك من إطلاق لفظة ~~القوة على النفس في شيء كما هو المقصود ، كما أنك لو ذكرت لفظة القوة ولم ~~تذكر ms348 قيدا يخصصها بمعنى مبدأ التغير ، كان ذلك من استعمال اللفظة المشترك ~~في التحديد. # قلت : الحيلة في ذلك يمكن أن تكون بأن نذكر أولا لفظة القوة ، ثم نتبعها ~~بقيد يجعلها مختصة بالمعنى المراد هاهنا ، على أن يكون ذلك القيد تفسيرا ~~للقوة ، لا بمنزلة الفصل. كأن نقول : النفس قوة ، أي مبدأ تغير. ثم إنه لما ~~كان قولنا : مبدأ تغير ، معنى عاما يشمل غير النفس أيضا كالطبيعة ، كما أنه ~~يشمل مبدأ التغير من حيث الفعل والانفعال جميعا ؛ نضعه كالجنس ونقيده بقيد ~~يكون بمنزلة الفصل ، ويخرج به غير النفس ، كأن نقول : النفس قوة أي مبدأ ~~تغير مقارنة للإرادة ، وهذا كما أن الكمال لما كان شاملا للكمال الأول ~~والثاني ، قيدناه بالكمال الأول ، حتى يخرج الكمال الثاني. # ثم إنه لما كان المقصود هنا تحديد النفس بالقياس إلى البدن ، قيدناه ~~بكونه كمالا أولا لجسم طبيعي آلي يمكن أن يصدر عنه ما يصدر عن الأحياء ، ~~كما في التحديد الذي ذكره PageV02P037 # الشيخ ، وهو المشهور بين القوم سواء بسواء ؛ فعلم من ذلك أنه يصح إطلاق ~~القوة على النفس ، وكذا يصح تحديدها بما ذكرنا. والله أعلم بحقيقة الحال. # ثم إن قول الشيخ : (1) «ويصح أن يقال (3) أيضا بالقياس إلى استكمال الجنس ~~بها نوعا محصلا في الأنواع العالية أو السافلة كمال ، لأن طبيعة الجنس تكون ~~ناقصة غير محدودة ما لم يحصلها (4) طبيعة الفصل البسيط وغير (5) البسيط ~~منضافا إليها ، فإذا انضاف كمل النوع ، فالفصل كمال النوع بما هو نوع ، ~~وليس لكل نوع فصل بسيط ، قد علمت هذا ، بل إنما هو للأنواع المركبة (6) من ~~مادة وصورة ، والصورة منهما (7) هو الفصل [البسيط] لما هو كماله (8)». # هذا بيان لانه يصح إطلاق الكمال على النفس ، ولأن إطلاقه عليها على أي ~~معنى وعلى أية جهة ، وحيث كان بيان ذلك ، وكذا بيان ما بعده يستدعي تمهيد ~~مقدمة ، قد حققها الشيخ في موضع آخر ، فلنذكر ذلك ثم نتبعه بشرح هذا ~~الكلام. # فنقول : إنه قال في إلهيات الشفاء في فصل «في الفصل بين الجنس والمادة» ~~(2): «إن الجسم قد يقال إنه جنس الإنسان ms349 وقد يقال (9) إنه مادة الإنسان ، ~~فإن كان مادة الإنسان ، كان لا محالة جزءا من وجوده ، واستحال أن يحصل ذلك ~~الجزء على الكل ، ولننظر (10) كيف يكون الفرق بين الجسم وقد اعتبرناه مادة ~~وبينه وقد اعتبر جنسا فهناك (11) يصير لنا سبيل إلى معرفة ما نريد بيانه. # فإذا أخذنا الجسم جوهرا ذا طول وعرض وعمق من جهة ما له هذا الشرط ، ~~ويشترط (12) أنه ليس داخلا فيه معنى غير هذا ، وبحيث لو انضم إليه معنى غير ~~هذا ، مثل حس أو تغذ أو غير ذلك ، كان خارجا عن الجسمية ومحمولا في الجسمية ~~ومضافا إليها (13)، فالجسم مادة. PageV02P038 # فإن (1) أخذنا الجسم جوهرا ذا طول وعرض وعمق ، بشرط أن لا نتعرض (2) بشرط ~~آخر البتة ، ولا نوجب أن يكون (3) جسميته لجوهرية مصورة (4) بهذه الأقطار ~~فقط ، بل جوهريته (5) كيف كانت ولو مع ألف معنى (6) لخاصية تلك الجوهرية ~~وصورة (7) ولكن معها وفيها (8) الأقطار. فللجملة أقطار ثلاثة على ما هي ~~للجسم ، وبالجملة أي مجتمعات تكون بعد أن تكون جملتها جوهرا ذا أقطار ثلاثة ~~، تكون (9) تلك المجتمعات إن كانت هناك مجتمعات داخلة في هوية ذلك الجوهر ، ~~لا أن تكون تلك الجوهرية تمت بالأقطار ، ثم عرضت (10) تلك المعاني خارجة عن ~~الشيء الذي قد تم ، كان هذا المأخوذ وهو الجسم (11) الذي هو الجنس. # فالجسم بالمعنى الأول ، إذ هو جزء من الجوهر المركب من الجسم والصورة ~~التي بعد الجسمية التي بمعنى المادة ، فليس بمحمول ، لأن تلك الجملة ليست ~~بمجرد جوهر ذي طول وعرض وعمق فقط. # وأما هذا الثاني ، فإنه محمول على كل مجتمع من مادة وصورة ، واحدة كانت ~~أو ألفا ، وفيها الأقطار الثلاثة ، فهو إذن محمول على المجتمع من الجسمية ~~(التي كالمادة) ومن النفس ، لأن جملة ذلك جوهر ، وإن اجتمع من معان كثيرة ، ~~فإن تلك الجملة موجودة لا في موضوع ، وتلك الجملة جسم لأنها جوهر ، وهو ~~جوهر له طول وعرض وعمق. # وكذلك (12) الحيوان إذا اخذ حيوانا بشرط أن لا يكون في حيوانيته إلا ~~جسمية وتغذ وحس ، وأن يكون ما بعد ذلك خارجا عنه ، فربما كان لا ms350 يبعد أن ~~يكون مادة للإنسان أو موضوعا وصورته النفس الناطقة ، وإن اخذ بشرط أن يكون ~~جسما بالمعنى الذي يكون به الجسم جنسا ، وفي معاني ذلك الجسم على سبيل ~~تجويز الحس وغير (13) ذلك من الصور ، ولو كان [وجود] النطق أو فصل يقابل ~~النطق غير متعرض لرفع شيء منها أو وضعه ، بل مجوزا وجود أي ذلك كان في ~~هويته ، ولكن كان هناك معها بالضرورة قوة PageV02P039 # تغذية وحس وحركة ضرورة ، ولا ضرورة في أن لا يكون غيرها أو يكون ، كان ~~حيوانا بمعنى الجنس. # وكذلك فافهم الحال في الحساس والناطق ، فإن اخذ الحساس جسما أو شيئا له ~~حس ، بشرط أن لا يكون زيادة اخرى ، لم يكن فصلا ، وإن كان جزءا من الإنسان ~~، وكذلك (1) الحيوان ، فإن الحيوان غير محمول عليه ، وإن اخذ جسما أو شيئا ~~مجوزا له وفيه ومعه ، أي الصور والشرائط كانت بعد أن يكون فيها حس ، كان ~~فصلا ، وكان الحيوان محمولا عليه. # فإذن اي معنى أخذته مما يشكل الحال في جنسيته أو ماديته (2)، فوجدته قد ~~يجوز انضمام الفصول إليه أيها كان على أنها منه وفيه (3)، كان جنسا. # وإن أخذتها (4) من جهة بعض الفصول ، وتممت به المعنى وختمته ، حتى لو دخل ~~شيء آخر لم يكن من تلك الجملة ، بل مضافا من خارج ، لم يكن جنسا ، بل مادة. # وإن أو جهت لها تمام المعنى ، حتى دخل فيه ما يمكن أن يدخل ، صار نوعا. # وإن كنت في الإشارة إلى ذلك المعنى ، لا تتعرض لذلك ، كان جنسا. فإذن ~~باشتراط أن لا تكون زيادة يكون (5) مادة ، وباشتراط أن تكون زيادة يكون ~~نوعا ، وإن (6) لا تتعرض لذلك ، بل يجوز أن يكون كل واحد من الزيادات على ~~أنها داخلة في جملة معناه ، يكون جنسا ، وهذا إنما يشكل فيما ذاته مركبة ، ~~وأما فيما ذاته بسيطة ، فعسى أن العقل يفرض فيه هذه الاعتبارات في نفسه ، ~~على النحو الذي ذكرناه قبل هذا الفصل. وأما في الوجود ، فلا يكون منه شيء ~~متميز هو جنس وشيء هو مادة. انتهى كلامه. # ثم إنه حقق الكلام في ms351 بيان تقدم بعض هذه الاعتبارات على بعض ، وحاصله أن ~~الجسمية مثلا بمعنى المادة متقدمة في بعض وجوه التصور ، بل بالذات أيضا على ~~الحيوانية ، وبمعنى الجنس متأخرة عنها كذلك ، وبهذا المعنى متأخرة عن أنواع ~~الحيوان أيضا كذلك ، بل الحيوانية أيضا بهذا الاعتبار متأخرة عن أنواعه ، ~~وبالاعتبار الأول PageV02P040 # متقدمة عليها ، وكذلك حال كل على جنس ونوع. انتهى بخلاصته. # وأقول : إن توضيح ما ذكره وتحريره ، أنا إذا أخذنا الجسم مثلا ، مجرد أنه ~~جوهر ذو طول وعرض وعمق من جهة ما له هذا المعنى ، أي مركبا من الهيولى ~~الاولى والصورة الجسمية المنفرضة فيها تلك الأقطار الثلاثة ، وأخذناه ~~بالنسبة إلى هذا المعنى بشرط شيء وشيئا محصلا ، لم يبق له تحصل منتظر ، ~~وتممنا حقيقته وختمناها به. ثم أخذناه بالنسبة إلى غير هذا المعنى من ~~المعاني التي يمكن أن تدخل فيه أي معنى كان بشرط لا شيء ، أي أنه يشترط أنه ~~ليس داخلا فيه معنى غير هذا ، أو أنه بحيث لو انضم إليه وزيد عليه معنى غير ~~هذا ، مثل حس وتغذية أو غير ذلك من المعاني ، كان ذلك المعنى الزائد خارجا ~~عن الجسمية ومضافا إليها زائدا عليها ، كان الجسم المأخوذ بهذا الاعتبار ~~مادة ؛ أي مادة خارجية بالمعنى الأخص ، بالقياس إلى ما اعتبر مضافا إليه ~~زائدا عليه وجزءا خارجيا بالنسبة إلى المجموع المركب منه ، ومما اعتبرنا ~~زائدا عليه متقدما عليه في الوجودين ؛ وعلة مادية بالنسبة إليه ، وغير ~~محمول لا على ذلك المجموع ، ولا على ما اعتبر زائدا عليه. # أما كونه مادة كذلك ، فلأن قياس إلى ما يمكن أن يؤخذ معه مضافا إليه ، ~~قياس المادة الخارجية المقابلة إلى الصورة المقبولة التي يمكن اعتبار ~~إضافتها إليها ، وجعلها إياها شيئا محصلا غير ما كان أولا. # وأما كونه جزءا خارجيا بالنسبة إلى المجموع المركب منه ، ومما اعتبر ~~زائدا عليه ، فلأنه حيث فرض متحصلا باعتبار ما أخذ داخلا فيه وختم معناه به ~~، يكون موجودا بوجود مغاير لوجود المجموع. وكذا لوجود الجزء الآخر المضاف ~~إليه. وحيث اخذ جزءا لهذا المجموع وموجودا بوجود مغاير ، فيكون ms352 جزءا ~~خارجيا. ويلزم كونه متقدما عليه في الوجود الخارجي والذهني ، كما هو شأن ~~الأجزاء الخارجية ، ويكون أيضا علة مادية له ، حيث أن وجود ذلك المجموع إذا ~~كان مسببا عن وجود جزئيه ، وأحدهما (وهو الجسم بهذا الاعتبار) مادة للجزء ~~الآخر الذي بمنزلة الصورة أو هو الصورة ، كان الجسم علة PageV02P041 # مادية له. # وأما كونه غير محمول على المجموع وعلى ذلك الزائد ، فلأن مناط الحمل على ~~ما هو التحقيق هو الاتحاد في الوجود ، وهذا منتف هنا ، إذ المفروض كون ~~الجسم بهذا الاعتبار متحصلا في نفسه ، موجودا بوجود مغاير لوجود المجموع ~~ولوجود ذلك الأمر الزائد. # أليس من المستبين أن الجسم المأخوذ بهذا الاعتبار ، إنما هو مجرد أنه ~~جوهر ذو أقطار ثلاثة ، بشرط أن لا يدخل فيه معنى آخر ، وأن كل جملة من ~~المجتمعات من الجسم بهذا المعنى ومما اعتبر زائدا عليه لو لوحظ مجتمعا معه ~~، ليست مجرد أنه ذو طول وعرض وعمق ، بل هذا مع شيء آخر زائد عليه. وكذا ليس ~~ما اعتبر زائدا عليه نفس كونه مجرد أنه ذو أقطار ثلاثة ، بل بمعنى آخر ، لا ~~يصدق أحدهما على الآخر. # ثم إنا لو أخذنا الجسم جوهرا ذا طول وعرض وعمق ، وأخذناه بالنسبة إلى ما ~~سوى هذا المعنى من المعاني التي يمكن أن تؤخذ معه لا بشرط شيء ، أي بشرط أن ~~لا نتعرض لشرط آخر معه أو فيه نفيا ولا إثباتا ، ولا نوجب أن يكون جسميته ~~لجوهرية مصورة بهذه الأقطار فقط ، بل نجوز كون تلك المعاني داخلة في معناه ~~، أعني أن نجوز كون جوهريته جوهرية كيف كانت ، ولو مع ألف معنى من تلك ~~المعاني ، وألف صورة من الصور ، يكون ذلك المعنى المأخوذ مقوما لخاصية ~~جوهرية الجسم المأخوذ أولا ، وتلك الصورة المأخوذ بحيث يكون فيها أو معها ~~تلك الأقطار أيضا ، أعني أن يكون للجملة من المجتمع من الجسم ومن ذلك ~~المعنى وتلك الصورة ، أقطار ثلاثة أيضا على ما هي للجسم المأخوذ أولا. وأن ~~يكون كل جملة من تلك المنضمات إليه المجتمعات معه ، إن كانت هناك مجتمعات ms353 ، ~~بعد أن تكون كلها جوهرا ذا أقطار ثلاثة ، داخلة في هوية جوهرية الجسم ، لا ~~أن تكون جوهريته تمت بالأقطار الثلاثة ثم عرضت تلك المعاني خارجة عن الشيء ~~الذي تم ، أي عن حقيقة الجسم. أعني أن لا نختم جوهرية الجسم بكونه ذا أقطار ~~ثلاثة ولا نتم معناه به ، حتى يكون ما يمكن أن يؤخذ معه بعد ذلك خارجا عن ~~حقيقته ، PageV02P042 # بل أن نأخذه مع تحصله في الجملة على هذا الوجه ، بحيث يبقى له تحصل منتظر ~~، يكون ذلك التحصل المنتظر بتلك المعاني والصور التي يمكن أن تؤخذ معه. # وبالجملة إنا لو أخذنا الجسم المأخوذ من حيث هو هو ، من غير اشتراط قيد ~~وجودي أو عدمي غير ما اخذ معه أولا ، مع تجويز كونه مع قيد من القيود التي ~~يمكن أن تؤخذ معه ، أو مع عدم ذلك القيد ؛ ومع احتمال صدقه على المأخوذ مع ~~القيد وعلى المأخوذ مع عدمه ؛ وأخذناه غير متحصل في نفسه التحصل المطلوب ~~الباقي المنتظر عند العقل ، وقابلا لأن يكون مشتركا بين أشياء متخالفة ~~المعاني ، بان يكون عين كل منها ؛ وإنما يتحصل بما ينضاف إليه ذلك التحصل ~~المطلوب ، ويصير به أحد تلك الأشياء ، فعلى هذا الاعتبار يكون الجسم ~~المأخوذ بهذا الوجه جنسا ، أي طبيعة مبهمة ناقصة غير محدودة وغير كاملة ، ~~يكون تحصله المنتظر المطلوب حصوله وكذا تماميته وكماله بذلك المعنى الآخر ~~المأخوذ معه ، كما هو شأن الجنس. # وكذا يكون هو محمولا على كل مجتمع من مادة وصورة ، واحدة كانت أو ألفا ، ~~وفيها أو معها الأقطار الثلاثة ، أي على كل مجتمع من الجسم المأخوذ أولا ~~ومن صورة هي بعد تلك الجسمية كالنفس ، نباتية كانت أم حيوانية ، أو غير ~~النفس من الصور التي هي الطبائع. # وكذا يكون هو محمولا على تلك المجتمعات معه ، والمنضمات إليه ؛ فإن مناط ~~الحمل هو الاتحاد في الوجود وهو حاصل هنا ، إذ لا يكون الجسم المأخوذ على ~~هذا الوجه موجودا بوجود مغاير لوجود ذلك الأمر المجتمع معه المنضم إليه ، ~~ولا لوجود المجموع ، بل يكون هو وما يعتبر معه ms354 موجودا بوجود واحد. # أليس من المستبين أنه يصدق على كل جملة من تلك المجموعات ، أنها جوهر ذو ~~أقطار ثلاثة؟ وأنها موجودة لا في موضوع ، وإن صدق هنا معنى آخر أيضا؟ وكذلك ~~يصدق على كل من تلك الامور المجتمعة معه أنه موجود لا في موضوع ، وأنه جوهر ~~ذو أقطار ثلاثة أعم من أن تكون تلك الأقطار الثلاثة فيه أو معه ؛ فإن فرض ~~الأقطار الثلاثة PageV02P043 # قد يكون في شيء كالصورة الجسمية ونحوها ، وقد يكون معه كالنفس مثلا ، أي ~~بعض أقسامها ، وبالجملة فيصدق عليه هذا المعنى ، وإن صدق هنا معنى آخر أيضا. # وكذا يكون الجسم بهذا الاعتبار جزءا عقليا للمجموع المركب منه ومن ذلك ~~الأمر الآخر المقوم له ، أي النوع الذي هو عبارة عن مجموع الأمرين العقليين ~~من حيث إنهما متحدان في الوجود الخارجي. # وإن شئت قلت : إنه عبارة عن الجسم بشرط شيء ، أي بشرط دخول ذلك الأمر ~~الآخر المقوم في حقيقته ، بحيث كان أمرا محصلا في نفسه ، باعتبار أخذ ذلك ~~الأمر الآخر معه ، ولم يبق له تحصل منتظر. # وإن شئت قلت : إنه عبارة عن ذلك الأمر الآخر ، بشرط دخوله في حقيقة الجسم ~~، وجعله له شيئا محصلا كذلك. # فإن مآل الجميع إلى أمر واحد يسمى بالنوع ، كما سيجيء الإشارة إليه. # وبالجملة ، فالجنس يكون جزءا عقليا بالنسبة إلى النوع ، مقدما عليه في ~~الوجود العقلي ، وبحسب ملاحظة العقل ، كالجزء الآخر المسمى بالفصل ؛ حيث ~~يقال للجنس أو للفصل : إنه جزء من النوع ، لأن كلا منهما يقع جزءا من حده ، ~~ويكون متقدما عليه عند ملاحظة العقل صورة مطابقة لنوع داخل تحت جنس نوعا من ~~التقدم ، كالتقدم بالطبع. # وأما بحسب الوجود ، فهذان الجزءان وخصوصا الجنس متأخر عنه ، لأنه ما لم ~~يوجد الإنسان مثلا ، لم يعقل له شيء يعمه وشيء يخصه ويحصله معنى متحصلا ~~بالفعل. # وهذا الذي ذكرنا إنما هو تصوير كون الشيء مادة باعتبار ، وجنسا باعتبار ~~آخر في الجسم. # وأما تصويره في غير الجسم كالحيوان مثلا ، فبأن يقال : الحيوان إذا أخذ ~~حيوانا بشرط أن لا يكون في حيوانيته ms355 إلا جسمية وتغذ وحس ، وأن يكون ما بعد ~~ذلك خارجا عنه ، أي إذا اخذ بالنسبة إلى ما هو داخل في حيوانيته بشرط شيء ، ~~وبالنسبة إلى ما بعد ذلك من المعاني التي يمكن أخذها معه بشرط لا شيء ، ~~فربما كان لا يبعد أن يكون مادة PageV02P044 # للإنسان أو موضوعا ، وصورته النفس الناطقة ، أي ينبغي أن يكون الحيوان ~~المأخوذ بهذا الاعتبار مادة للإنسان ، كالجسم المأخوذ بهذا الاعتبار. # وإنما يجزم به الشيخ هنا على ما يشعر به قوله : «فربما كان لا يبعد» إلى ~~آخره كما جزم به في الجسم ، لأن القياس وإن كان يقضي أن يكون الحيوان ~~المأخوذ بهذا الاعتبار مادة بالمعنى الأخص ، وأن يكون المأخوذ معه خارجا عن ~~حقيقته صورة بالمعنى الأخص أيضا ، أي صورة مقارنة للمادة كما في صورة فرض ~~الجسم مادة ، لكنه غير ظاهر في الحيوان بالنسبة إلى الإنسان ، لأن ما يؤخذ ~~مع الحيوان حينئذ بشرط لا شيء هو النفس الناطقة ، وهي ليست بصورة مقارنة ~~للمادة بل مفارقة عنها ، فليس الحيوان أيضا إذا فرض مادة لها ، مادة ~~بالمعنى الأخص بالنسبة إليها ، كما أن تلك الصورة ليست صورة مقارنة للمادة. # فلذلك قال الشيخ فيما نقلنا عنه في مقام تحديد النفس (1): «إن ما كان ~~(2) من الكمال مفارق الذات لم يكن بالحقيقة صورة للمادة وفي المادة ، فإن ~~الصورة التي هي في المادة ، هي الصورة المنطبعة فيها القائمة بها ، اللهم ~~إلا أن يصطلح فيقال لكمال النوع : صورة النوع.» # وحيث كان الأمر كذلك ، لم يجزم به الشيخ هنا ، بل قال على سبيل الاحتمال ~~«فربما كان لا يبعد أن يكون مادة للإنسان أو موضوعا وصورته النفس الناطقة» ~~أي فربما كان لا يبعد أن يكون مادة للإنسان أو موضوعا بالمعنى الأعم ~~المتناول لما نحن فيه ، يعنى إن أطلقنا المادة عليه ، أطلقناها وأردنا بها ~~المعنى الأعم الذي يشمل ما يتعلق به شيء آخر نوعا من التعلق ، كالبدن ~~بالنسبة إلى النفس المجردة المتعلقة به ، وإن لم يصح إطلاق المادة عليه ~~أطلقنا الموضوع عليه ، وأردنا به هذا المعنى الأعم أيضا ، وعلى ms356 التقديرين ، ~~لو صح إطلاق الصورة على ذلك الأمر الزائد الآخر وهو هنا النفس الناطقة ولو لم يكن PageV02P045 # الإطلاق على سبيل الحقيقة ، بل على نوع من التجوز ، أو على سبيل الاصطلاح ~~، أطلقنا الصورة على النفس وإن لم يصح الإطلاق ، قلنا انها كالصورة. ~~وبالجملة أردنا بها أنها ليست كالفصل بالنسبة إلى الجنس. # وهذا كما أن القياس يقتضي أن يصح اعتبار النوع أيضا كالإنسان بشرط لا شيء ~~بالنسبة إلى ما يؤخذ معه مشخصا له ، أو كالمشخص ، والأمارة للتشخص ، أي ~~الأعراض الحالة فيه. إلا أنه لا يخفى أن ليس الإنسان بالنسبة إلى تلك ~~الأعراض مادة بالمعنى الأخص ، بل موضوعا لها ، كما أن تلك الأعراض ليست ~~بصورة بمعنى الأخص ، فتدبر. # ثم إنا لو أخذنا الحيوان بالاعتبار الذي أخذنا الجسم بذلك الاعتبار جنسا ~~، كان هو أيضا جنسا ، أي لو أخذنا الحيوان ، مع أخذه بالنسبة إلى ما يدخل ~~في حيوانيته ، كالجسمية والتغذي والحس ، بالنسبة إلى ما بعد ذلك من المعاني ~~، كالنطق وما يقابل النطق لا بشرط شيء ، بمعنى أن لا نتعرض لرفع شيء من تلك ~~المعاني الأخر أو لوضعه ، بل نجوز وجود أي معنى من تلك المعاني داخلا في ~~هوية الحيوان ، مقوما لحقيقته ، محصلا له شيئا آخر متحصلا منتظرا ، بعد أن ~~كان متحصلا في الجملة ، ومبهما غير محدود ، بحسب ذلك التحصل الباقي ~~المنتظر. أي نجوز كون الحيوان مع كونه مما يدخل بالضرورة في حقيقته الجسمية ~~، وقوة التغذية والحس والحركة ، بحيث يمكن أن ينضم إليه ما يحصله شيئا آخر ~~، ويقومه كالنطق ومقابله ، وبحيث لا ضرورة هنا في ذلك. # والحاصل أن لا نختم معنى الحيوان بما يدخل في حقيقته ، ولا نجعل ما يمكن ~~أن ينضم إليه من الأمر المقوم المحصل له خارجا عنه البتة ، بل نجوز مع ذلك ~~انضمامه إليه ، وتحصيله إياه وتقويمه له ، فحينئذ يكون الحيوان حيوانا ~~بمعنى الجنس ، كما أنه إذا اخذ الحيوان بشرط شيء ، أي بشرط دخول الأمر ~~الآخر المنضم إليه في حقيقته ، وكونه أمرا محصلا في نفسه ، ولم يبق له تحصل ~~منتظر كان نوعا. # وهذا ms357 الذي ذكرنا ، هو اعتبار كون الشيء الواحد مادة أو جنسا ؛ ومنه يعلم ~~اعتبار كون الشيء الواحد صورة أو فصلا ، حيث يعلم منه أنه بالاعتبار الذي ~~يؤخذ الشيء به PageV02P046 # مادة إذا أخذنا ما يمكن أن ينضم إليه أيضا يكون صورة ، وبالاعتبار الذي ~~يؤخذ الشيء جنسا إذا أخذ به ما يمكن أن ينضم إليه يكون فصلا. # وكما أنه إذا اخذ الشيء بشرط لا شيء ، وبشرط أن لا يدخل في حقيقته ذلك ~~الأمر الزائد ، بل أن يكون خارجا عنه ، يؤخذ ذلك الأمر الزائد أيضا بشرط لا ~~شيء ، أي بشرط أن لا يدخل هو في حقيقة ذلك الشيء ، بل أن يكون خارجا عنه. ~~وحينئذ يكون ذلك الشيء مادة ، وذلك الأمر الزائد صورة ؛ ويكونان موجودين ~~بوجود على حدة ، أي متغايرين بحسب الوجود الخارجي ، ومغايرا كل منهما للآخر ~~بحسبه وللمجموع المركب الذي هو شيء آخر غيرهما في الخارج. # وكما أنه إذا اخذ الشيء لا بشرط شيء بالنسبة إلى ذلك الأمر الزائد ، ومع ~~تجويز دخوله فيه وتحصيله له ، فيكون الأول جنسا والثاني فصلا منوعا ، كما ~~أنه يكون ذلك الأمر الزائد ، بشرط أخذه داخلا في حقيقة الجنس وتقومه به ~~نوعا ، وهو عبارة عن المجموع باعتبار كونه متحدا مع جزئيه في الوجود ، وكون ~~الجزءين متحدين معا فيه ؛ وبالجملة فيكون كل من الجزءين والمجموع متحدا في ~~الوجود الخارجي ؛ فحينئذ ينبغي أن يكون معنى ما أطلقوه على بعض الصور ، ~~أنها صورة نوعية ، أي محصلة نوعا ، لكن لا باعتبار ما يطلق عليها الصورة ؛ ~~فإنه حينئذ لا يكون المجموع نوعا ، بل باعتبار ما يطلق عليها الفصل المنوع. ~~إلا أنه حيث كانت الذات واحدة ، أطلقوا على تلك الذات ، التي هي صورة ~~باعتبار أنها نوعية ، وإن كان ذلك باعتبار كونها فصلا. # وتصوير الفرق بين الصورة والفصل في ضمن المثال : أن الحساس مثلا إذا اخذ ~~بشرط لا شيء ، أي اخذ جسما وشيئا له حس ، بشرط أن لا يكون هنا زيادة اخرى ، ~~أي أن لا يدخل في حقيقة الحيوان أو الإنسان ، بل يكون خارجا عن حقيقتهما ، ~~كما ms358 أن الحيوان والإنسان قد اخذا حينئذ على أن يكون الحساس خارجا عن ~~حقيقتهما ، لم يكن فصلا لهما ، وإن كان جزءا لهما ، أي جزءا خارجيا وصورة ~~لهما ، لعدم حصول الاتحاد في الوجود الذي هو مناط الحمل ، وصدق أحدهما على ~~الآخر ؛ فإنه بهذا الاعتبار لا يمكن أن PageV02P047 # يحمل الحيوان أو الإنسان على الحساس ، ولا الحساس عليهما ، ولا على ~~المجموع المركب من الجزءين ، بل يكونان موجودين بوجود مغاير ، كما هو شأن ~~الصورة والجزء الخارجي. # وأما لو اخذ الحساس لا بشرط شيء ، اخذ جسما أو شيئا له الحس ، ومجوزا له ~~أو فيه أو معه ، أي الصور والشرائط كانت ، أي أن يكون هو داخلا في حقيقة ~~الحيوان أو الإنسان ، بعد أن يكون في تلك الصور والشرائط حس ؛ كان حينئذ ~~فصلا لهما ، أي فصلا مقوما للحيوان بالذات ، وللإنسان بواسطة دخول الحيوان ~~في حقيقته ، وكان هو محمولا عليهما ، كما أنهما محمولان عليه لحصول مناط ~~الحمل ، وهو الاتحاد في الوجود ، وكان المجموع أعني مجموع المقوم والمتقوم ~~به نوعا ، وكذلك المتقوم به بشرط دخول المقوم فيه. وكذا المقوم بشرط دخوله ~~في المتقوم به ، وكان هو أي النوع أيضا متحدا مع هذين في الوجود اتحادا هو ~~منشأ الحمل. # وكذلك الناطق مع أخذه شيئا له النطق ، إذا اخذ بشرط لا شيء ؛ أي بشرط أن ~~لا يدخل في حقيقة الإنسان مقوما له ، ولا في حقيقة الحيوان محصلا إياه نوعا ~~محصلا ، بل أن يكون خارجا عنهما ، لم يكن فصلا وإن كان جزءا خارجيا وصورة. ~~وإن اخذ لا بشرط شيء ، أي إن اخذ مع أخذه شيئا له النطق ، مجوزا له أو فيه ~~أو معه أن يكون داخلا في حقيقة الإنسان مقوما له ، وفى حقيقة الحيوان محصلا ~~له نوعا كان فصلا ، أي فصلا مقوما للإنسان وفصلا مقسما للحيوان ، وكان ~~يتحقق الحمل بينها للاتحاد في الوجود. # ومن هذه الجملة يعلم كيفية أخذ الشيء نوعا ، حيث يعلم أنه إن اخذ المعنى ~~الجنسي بشرط أخذ الفصل معه منضما إليه ، أو اخذ المعنى الفصلي بشرط أخذه مع ~~الجنس ، أي ms359 أخذ مجموع الأمرين ، يكون الحاصل حينئذ نوعا. # فالملخص إذن ، أن أي معنى أخذته مما يشكل الحال في جنسيته أو ماديته ، ~~فوجدته قد يجوز انضمام الفصول إليه أيها كان على أنها منه وفيه ، كان جنسا ~~والمضاف فصلا. PageV02P048 # وإن أخذتها (1) من جهة بعض الفصول وتممت به المعنى وختمته حتى أنه لو دخل ~~شيء آخر لم يكن من تلك الجملة ، بل مضافا من خارج ، لم يكن جنسا ، بل مادة ~~، والمضاف صورة أو كالصورة. وإن أوجبت لها تمام المعنى ، حتى أنه دخل فيه ~~ما يمكن أن يدخل صار نوعا ، وإن كنت في الإشارة إلى ذلك المعنى لا تتعرض ~~لذلك ، كان جنسا. فإذن باشتراط أن لا تكون زيادة ، يكون مادة ؛ وباشتراط أن ~~تكون زيادة ، يكون نوعا ، وإن لم (2) يتعرض لذلك ، بل يجوز أن يكون كل واحد ~~من الزيادات ، على أنها داخلة في جملة معناه ، يكون جنسا. # ويعلم من هذه الجملة أن هذه الاعتبارات الخمسة المذكورة ، أي اعتبار كون ~~الشيء مادة وصورة وجنسا وفصلا ونوعا ، يمكن في جميع مراتب وجود الجسم إلا ~~في بعض مراتبه ، فإنه يمكن ذلك في صورة أخذ الجسم مركبا من الهيولى والصورة ~~الجسمية ، ثم أخذه بالنسبة إلى ما بعد ذلك ، كالصورة النوعية للبسائط من ~~الأجسام بشرط لا شيء ، ولا بشرط شيء ، أو بشرط شيء ؛ وكذا في صورة أخذه مع ~~الصورة النوعية للبسائط ، ثم أخذه بالنسبة إلى الصورة النوعية للمركبات ~~مطلقا بالاعتبارات المذكورة. وكذا في صورة أخذه مع الصورة النوعية للمركبات ~~، ثم أخذه بالنسبة إلى النفس النباتية بهذه الاعتبارات. وكذا في صورة أخذه ~~مع النفس النباتية ، ثم أخذه بالنسبة إلى النفس الحيوانية بهذه الاعتبارات. ~~وكذا في صورة أخذه مع النفس الحيوانية ، ثم أخذه بالنسبة إلى النفس ~~الإنسانية بهذه الاعتبارات. إلا أنه في هذه الصورة ، وإن أمكن كون المأخوذ ~~أي الحيوان جنسا ، والنفس الإنسانية فصلا ، والمجموع نوعا ؛ لكنه لا يظهر ~~كونه مادة بالمعنى الأخص ، وكون النفس صورة بالمعنى الأخص ، أي الصورة ~~المقارنة للمادة ، إلا على نوع من التعميم ، أو على سبيل الاصطلاح ؛ كما ~~عرفت ms360 بيانه. # وبالجملة ، فهذه الاعتبارات يمكن فرضها في جميع تلك المراتب ، سواء كان PageV02P049 # الجنس جنسا عاليا أو متوسطا أو سافلا ، وسواء كان النوع نوعا عاليا أو ~~سافلا أو متوسطا ، وسواء كان الفصل قريبا أم بعيدا ، وسواء كانت الصورة ~~صورة البسائط أو صورة المركبات أو نفسا. # غير أن هذه الاعتبارات الخمسة ، لا يمكن فرضها في الهيولى الاولى بالنسبة ~~إلى الصورة الجسمية ، فإنه في هذه الصورة ، وإن امكن اعتبار كون الهيولى ~~الاولى مادة ، والصورة الجسمية صورة ، لكنه لا يمكن اعتبار كون تلك المادة ~~جنسا ، وتلك الصورة فصلا ، والمجموع نوعا ، لأن المعتبر في الجنس أن يكون ~~له أولا طبيعة محصلة في الجملة ، ثم ينتظر له تحصل آخر يكون هو بالفصل ، ~~والهيولى الاولى ليس لها تحصل أصلا ، بل هي بالقوة المحضة ، فلا يمكن ~~اعتبارها جنسا ، وإذا لم يمكن ذلك ، فلم يمكن اعتبار الصورة الجسمية فصلا ~~أيضا ، ولا اعتبار المجموع نوعا. # فعلى هذا ، فما ذكره القوم : من أن الطبيعة الجسمية طبيعة نوعية ، لعلهم ~~كما يدل عليه كلامهم في ذلك المقام لم يريدوا به أنها نوع كسائر الأنواع ، ~~بل أرادوا به أنها طبيعة واحدة محصلة متفقة في الحقيقة ، كالطبيعة النوعية. # وغير أن هذه الاعتبارات لا يمكن فرضها في النوع الأخير ، كالإنسان ~~بالنسبة إلى الأعراض الحالة فيه ، مشخصة كانت أم غير مشخصة ، فإنه ليس ~~الإنسان بالنسبة إليها مادة بالمعنى الأخص ، بل موضوعا ؛ ولا تلك الأعراض ~~صورة بمعنى الصورة التي يكون تحصل المحل وتقومه بها ، بل عرضا يتقوم ~~بالمحل. وكذلك لا يمكن أن يكون الإنسان جنسا ، حيث إن المعتبر في الجنس ~~كونه طبيعة تامة من وجه ، ناقصة من وجه آخر ، مبهمة يبقى لها تحصل منتظر ~~وتمامية بحسب الإشارة العقلية ، يكون ذلك الجنس وتلك التمامية بالفصل ، وهو ~~ليس كذلك ؛ فإنه حيث فرض نوعا أخيرا ، كان تاما متحصلا لم يبق له تحصل ~~منتظر بحسب الإشارة العقلية ، حتى يكون تحصل ذلك بالفصل ، بل إنما بقى ~~تماميته بحسب الوجود الشخصي والإشارة الحسية ، وتكون تلك التمامية بالعوارض ~~المشخصة ، وهذا لا يكون منشأ لإبهامه ، ومنافيا ms361 لتحصله العقلي. وإذ لم يمكن PageV02P050 # اعتباره جنسا ، فلم يمكن اعتبار تلك الأعراض فصلا ، ولا المجموع نوعا آخر ~~، وكيف يمكن اعتبار ذلك نوعا آخر ، مع أن المفروض كونه بدون تلك الأعراض ~~نوعا أخيرا؟! هذا خلف. # وحيث عرفت ما ذكرنا ، علم أن هذا الإشكال ، في الفرق بين الجنس والمادة ~~والصورة والفصل والنوع ، والاشتباه بينها ، الذي يكون رفعه بتلك الاعتبارات ~~المذكورة إنما يكون فيما ذاته مركبة ، أي في النوع الجوهري الذي يكون ذاته ~~مركبة من مادة وصورة ، كالجسم والحيوان ، وأما فيما ذاته بسيطة غير مركبة ~~فيهما ، كبعض الأنواع الجوهرية ، مثل العقل والنفس ، بل الهيولى الاولى ~~أيضا وكأنواع الأعراض مطلقا ، سواء كانت أنواعا عالية أو سافلة أو متوسطة ، ~~فلا يقع فيه هذا الإشكال والاشتباه ، ولا يمكن فيه تلك الاعتبارات المذكورة ~~من الجهة التى اعتبرت في الأنواع الجوهرية المركبة من مادة وصورة ، بل إن ~~العقل عسى أن يفرض فيه هذه الاعتبارات في نفسه ، على النحو الذي ذكره الشيخ ~~قبل هذا الفصل في بيان إمكان انتزاع امور متعددة مختلفة من ذات واحدة بسيطة ~~، وأما في الوجود الواقعي ، فلا يكون منه شيء متميز في الواقع هو جنس ، ~~وشيء متميز كذلك هو مادة ، ولا شيء متميز هو فصل ، وشيء متميز هو صورة. # وتوضيح ذلك : أن للعقل في تحديد العقل أو النفس ، بل الهيولى الاولى أيضا ~~، أن يعتبر أنه جوهر من شأنه كذا وكذا ، فيعتبر الجوهر جنسا ، بناء على أنه ~~جنس لما تحته من الجواهر. # ويعتبر قولنا : من شأنه كذا وكذا ، فصلا محصلا له نوعا متحصلا ، ويعتبر ~~الجنس باعتبار كونه بشرط ذلك الفصل ، أو الفصل بشرط دخوله في معنى ذلك ~~الجنس نوعا متحصلا. # وكذلك للعقل في تحديد أجناس الأعراض ، كالكم والكيف والأين وغيرها ، التي ~~هي أنواع عالية باعتبار ، إذا قلنا : إن معنى العرض جنس لما تحته من ~~الأعراض ، أن يعتبر أنه عرض من شأنه كذا وكذا ، فيعتبر العرض جنسا ، وما ~~بعده من القيد أو القيود فصلا PageV02P051 # محصلا ، والمتحصل نوعا. وكذلك له أن يعتبر في تحديد أنواعها التي هي ~~أنواع ms362 لتلك الأجناس ، وهي أنواع عند كل فريق من الحكماء ، كالخط والسطح ~~والجسم التعليمي ، التي هي أنواع للمقدار وهو جنس لها ؛ بأن يقول : إن الخط ~~مثلا هو مقدار متصل من شأنه الانقسام في جهة ، وإن السطح هو مقدار متصل من ~~شأنه الانقسام في جهتين ، وإن الجسم التعليمي مقدار متصل من شأنه الانقسام ~~في الجهات الثلاث ؛ فيعتبر المقدار جنسا ، وما بعده فصلا والمتحصل نوعا ~~وكذلك له أن يعتبر في جميع هذه الفروض ما اعتبره جنسا مادة ، وما اعتبره ~~فصلا صورة ، من حيث إنه يمكن أن يعتبر الجنس مادة ، والفصل صورة في الأنواع ~~الجوهرية المركبة من المادة والصورة ، إلا أنه لا يكون على هذا شيء متميز ~~في الخارج أو في الواقع هو جنس ، وشيء متميز مادة ، ولا شيء متميز كذلك هو ~~فصل ، وشيء هو صورة ؛ بل كل هذه موجود واحد ، وشيء غير متعدد. وكيف يمكن ~~التميز والتعدد والمفروض كون الذات واحدة غير مركبة من مادة وصورة؟ # فإن قلت : إذا أخذ العقل الجنس والفصل من نفس ذات بسيطة ، ثم اعتبرهما ~~اعتبارا يكونان به مادة وصورة ، فيكون الانضمام حينئذ انضمام متحصل بمتحصل ~~، واقتران متميز بمتميز ؛ فيلزم من هذا أن يكون المأخوذ منه مركبا خارجيا ، ~~بناء على أن الامور المتغايرة وخصوصا المتباينة لا تطابق موجودا واحدا ~~وذاتا واحدة بسيطة. # قلت : ما ذكرنا مبني على جواز انتزاع الامور المتباينة أو المتخالفة ، ~~وأخذ المعاني الكثيرة من ذات واحدة وبسيطة ، وعلى أن الأخذ على هذا الوجه ~~إنما هو بمجرد التعمل العقلي ، وبمحض الاحتيال الذهني ، حيث إن البسيط لا ~~مادة له ولا صورة إلا بمجرد اعتبار العقل ، وعلى أن التركيب في الحد لا ~~يوجب التركيب في المحدود ، وإن كان الحد عين المحدود باعتبار ، إذ التفاوت ~~بالإجمال والتفصيل ، إنما هو في الملاحظة لا في الملحوظ ؛ ولا مانع من ذلك ~~كله ، كما حقق في موضعه. # وهذا الذي ذكرناه ، إنما هو تحرير ما نقلنا من كلام الشيخ في إلهيات ~~الشفاء ، ويتضح به شرح ما قصدنا شرحه من عبارته في تحديد النفس هنا ، حيث ms363 ~~يتضح منه أن معنى قوله : PageV02P052 # «ويصح أن يقال أيضا .. إلى آخره» أنه يصح أن يقال أيضا للنفس ، بالقياس ~~إلى استكمال الجنس بها ؛ أي استكمال الجسم الذي هو متعلق النفس ، نباتية ~~كانت أم حيوانية ، بل إنسانية أيضا ، إذا اخذ ذلك الجسم بالاعتبار الذي ~~يكون به جنسا لا مادة ، كما يدل عليه كلامه فيما بعد أيضا ، أي «في أن ~~النفس كمال لجسم طبيعي» إلى آخره . # حيث قال (1): «ويجب أن يؤخذ الجسم بالمعني الجنسي لا بالمعنى المادة (2) ~~». وبالجملة أن يقال لها ، بالقياس إلى استكمال ذلك الجسم الذي هو جنس ~~باعتبار بها ، نوعا محصلا في الأنواع العالية أو السافلة ، كالجسم النامي ~~والحيوان والإنسان : إنها كمال ؛ أي منشأ لحصول ذلك الكمال والتمامية ~~النوعية ، لأن طبيعة الجنس بما هي جنس تكون ناقصة غير محدودة ما لم يحصلها ~~طبيعة الفصل البسيط ، أي الفصل الذي هو جزء متميز في الوجود ، كما في ~~الأنواع الجوهرية المركبة من المادة والصورة ، وما لم يحصلها الفصل غير ~~البسيط ، أي الفصل الذي هو بمجرد اعتبار العقل ، من غير أن يكون جزءا ~~متميزا ، كما في الأنواع البسيطة ، حال كون ذلك الفصل البسيط أو غير البسيط ~~منضافا إلى تلك الطبيعة الجسمية الجنسية ، محصلا لها ومقوما إياها. فإذا ~~انضاف إليها ، كمل النوع وتم ؛ فالفصل حينئذ كمال النوع بما هو ذلك النوع ، ~~سواء كان نوعا عاليا أم سافلا ، وسواء كان نوعا إضافيا أم حقيقيا ، وسواء ~~كان بسيطا أم مركبا. # وقد عرفت أي بما ذكره في إلهيات الشفاء كما نقلناه وحررناه أن ليس لكل ~~نوع فصل بسيط بالمعنى المذكور ، بل إنما هو للأنواع المركبة من مادة وصورة ~~، والصورة منهما هو الفصل البسيط لما هو كماله ، أي النوع. # وقد أشعر الشيخ بما ذكره ، أن الفصل وإن كان أعم من الصورة باعتبار أنه ~~يكون للنوع البسيط وغير البسيط جميعا بخلاف الصورة فإنها إنما تكون للنوع ~~المركب من مادة وصورة وحده ، وأن الفصل حيث كان كمالا للنوع ، كان كمالا ~~للنوع البسيط PageV02P053 # والمركب جميعا ، وهذا يمكن وجها لأولوية إطلاق الكمال في تحديد ms364 النفس ، ~~من إطلاق الصورة لعمومه وشموله لكل نوع ، بخلاف الصورة ، إلا أن ما نحن فيه ~~لما كان من قبيل النوع المركب ، لم يمكن أن يكون ذلك وجها للأولوية ، بل ~~الوجه فيها ما سيذكره بعد. # أما بيان أن الحال فيما نحن بصدده كذلك ، مع بيان أن النفس فيه فصل وكمال ~~، فلأن كلامنا في النبات والحيوان ، ولا خفاء في أنهما كذلك ، حيث إنهما ~~بما هما نوعان مركبان من مادة هي جسمهما إذا اخذ ذلك بالمعنى الذي يؤخذ به ~~الشيء مادة ومن صورة هي نفسهما إذا اخذت بالمعنى الذي يؤخذ به الشيء صورة. ~~ولا يخفى أن إطلاق المادة والصورة بالمعنى الأخص المراد في المركب منهما ، ~~وإن لم يصح على جزئي الإنسان ، أعني بدنه ونفسه المفارقة ، لكنه يصح على ~~نوع من التعميم أو الاصطلاح أو التجوز. # والحاصل أنه يصح الإطلاق على جزئيه أنهما كالمادة والصورة ، في أن بدنه ~~جزء به يكون الإنسان بالقوة كالمادة ، وأن نفسه جزء به يكون الإنسان إنسانا ~~بالفعل كالصورة ، وكأنه لذلك أطلق فيما قبل على جسم النبات والحيوان ~~وبدنهما مطلقا بحيث يشمل بدن الإنسان أيضا أنه جزء يكون به النبات والحيوان ~~بالقوة ، واطلق على النفس النباتية والحيوانية مطلقا بحيث تشمل النفس ~~الإنسانية أيضا أنها جزء يكونان به بالفعل. # فبالجملة ، التركيب من المادة والصورة ، أو من مثل المادة ومثل الصورة ، ~~حاصل في النبات والحيوان والإنسان. # ولا خفاء أيضا في أن جسم النبات والحيوان ، الذي هو المادة باعتبار ، ~~وكذا بدن الإنسان الذي هو كالمادة ، يمكن أن يؤخذ بالمعنى الذي يمكن أن ~~يؤخذ به الشيء جنسا ، وكذلك النفس النباتية والحيوانية المقارنة للمادة ، ~~اللتان هما صورة النبات والحيوان ، وكذا النفس الانسانية المفارقة عنها ، ~~التي هي كالصورة للانسان ، يمكن أن تؤخذ بالمعنى الذي به يؤخذ الشيء فصلا ، ~~فتكون هي فصولا لها ، فتكون منشأ لاستكمال أجناسها بها أنواعا محصلة ، ~~ومنشأ لحصول كمال تلك الأنواع ، فتكون كمالا بهذا المعنى. # وهذا الذي ذكرنا مع ابتنائه على ما ذكر ، يبتني أيضا على مقدمة اخرى قد حققها PageV02P054 # الشيخ وغيره في ms365 موضعه هي : أن ما يعبر به عن فصول النبات والحيوان ~~والإنسان ، كالنامي والحساس والناطق ، إنما هي أمارات للفصول وعلامات لها ~~وتعبيرات عنها ، وليست هي بالفصول حقيقة ؛ إنما الفصول بالحقيقة هي ما يصدق ~~عليه تلك المشتقات ، وهي النفوس لها. # وبيان ذلك على الإجمال ، أنه وإن كان المميز للنبات مثلا عن غيره هو ~~النمو ، والمميز للحيوان عن غيره هو الحس ، والمميز للإنسان عن غيره هو ~~النطق ، إلا أن هذه المعاني ، التي هي مبادي اشتقاق النامي والحساس والناطق ~~، ليست بمحمولة بالتواطؤ على ما فرضت هي مميزات لها ، أي النبات والحيوان ~~والإنسان ، إذ لا يقال : إن النبات نمو ، ولا الحيوان حس ، ولا الإنسان نطق ~~؛ بل إنما تحصل هذه بالتواطؤ ، على ما ليست هي بفصول لها. كما يقال : نمو ~~هذا الشجر نمو ذلك الشجر نمو ، وحس هذا الحيوان حس ، وحس ذلك حس ، ونطق زيد ~~نطق ، ونطق عمرو نطق. أو يقال : التزايد في الأقطار نمو ، والبصر والسمع حس ~~، وإدراك الكلي نطق ، ونحو ذلك. # ولا يخفى أن المعتبر في الفصل المميز ، أن يكون محمولا بالمواطأة على ما ~~هو فصل له ، إذ قد عرفت أن الفصل ما كان متحدا في الوجود مع الجنس والنوع ، ~~وهذا الاتحاد يقتضي أن يكون هو محمولا على الجنس والنوع بالمواطاة ، وليس ~~الأمر في هذه المبادي للاشتقاق كذلك ، بل إنها تحمل على الجنس والنوع حملا ~~بالاشتقاق ، وهو ليس بمناط للفصلية. # فظهر أن تلك المبادي ليست بفصول حقيقة ، فلننظر في أن المشتقات منها ، أي ~~النامي والحساس والناطق ، هل يمكن أن تكون فصولا حقيقية أم لا؟ # فنقول : إن لتلك المشتقات مفهومات ، وكذا ما يصدق تلك المفهومات عليه ؛ ~~أما مفهوماتها ، فهي عبارة عن شيء ما ثبت له النمو وشيء ما ثبت له الحس ، ~~وشيء ما ثبت له النطق ؛ فتكون عبارة عن مفهوم الشيء مع نسبة ما إضافية إلى ~~تلك المبادي للاشتقاق. # ولا يخفى أن شيئا من ذلك لا يصلح لكونه فصلا ، لأن مفهوم الشيء مفهوم عرضي PageV02P055 # بالنسبة إلى ما يصدق هو عليه ، لا ذاتي ، كما هو البين ms366 والمبين في موضعه ~~؛ فكيف يمكن أن يكون فصلا ، والفصل يجب أن يكون ذاتيا لما هو فصل له؟ وأيضا ~~مفهوم الشيء مفهوم عام يعم ما فرض هو فصل له وغيره ؛ والفصل يجب أن يكون ~~مختصا بما هو فصل له. وكذلك تلك النسبة الإضافية عرض متقوم بطرفيها ، أي ~~الشيء وتلك المبادي للاشتقاق ؛ فكيف يمكن أن تكون فصلا؟ فإنها لو كانت فصلا ~~للأنواع الجوهرية ، لزم تقوم الجوهر بالعرض ، وهو محال. وقد عرفت أن تلك ~~المبادي للاشتقاق ، التي هي إحدى طرفي تلك النسبة ، ليست بفصل ، فليس شيء ~~من أجزاء هذا المفهوم فصل. وظاهر أيضا أنه لا يمكن أن يكون المجموع المركب ~~من تلك الأجزاء فصلا ، إذ ليس هنا سوى تلك الأجزاء أمرا آخر من هيئة ~~تركيبية أو نحوها يصلح أن يكون فصلا . # فظهر أن ليس تلك المفهومات فصلا ، وبقي النظر فيما صدق عليه تلك ~~المفهومات ؛ فنقول : إن ما صدق عليه النامي مثلا ، إن كان المراد به الجسم ~~من حيث هو جسم ، كان جنسا ، فلم يكن فصلا. وإن كان المراد به الجسم النامي ~~من حيث هو جسم ، نام ، كان نوعا ، فلم يكن فصلا أيضا ، وكذلك الحال في ~~الحساس ، فإنه إن اريد به الجسم النامي. لم يكن فصلا بل جنسا ، وإن كان ~~المراد به الحيوان ، كان نوعا ، فلم يكن فصلا أيضا. وكذلك الحال في الناطق ~~، فإنه إن اريد بما صدق هو عليه الحيوان ، كان جنسا ، وإن كان المراد به ~~الإنسان ، كان نوعا ، فلم يكن فصلا أيضا. فبقي أن يكون المراد بما صدق عليه ~~تلك المفهومات أمر آخر وراء هذه ، يمكن أن يكون فصلا ، وهو الموصوف حقيقة ~~بهذه المشتقات ، وبتوسطه ، أي بتوسط اتحاده مع ذلك الجنس والنوع ، اتصف ~~الجنس والنوع بها ، وصح الحمل بينها بالتواطؤ ، أي النفس النباتية للنبات ، ~~والحيوانية للحيوان ، والناطقة للإنسان ، التي بها امتازت هذه عمن غيرها ~~وتحصلت وتقومت ، ولا نعني بالفصل إلا هذا. ### | إيراد شبهة هنا ودفعها # لا يقال : إذا كان امتياز تلك الأنواع بتلك الفصول التي قلت إنها تلك ~~النفوس ، فامتياز PageV02P056 # تلك النفوس ms367 مع أنها واقعة تحت أعم المقولات البتة بما ذا؟ # لأنا نقول : هذه شبهة لا اختصاص لها بهذا الموضع ، بل واردة على كل فصل ؛ ~~وحلها أن يقال : إن امتياز تلك الفصول إنما هو بذواتها وأنفسها ، بفصول اخر. # وبيان ذلك أن امتياز تلك الفصول بفصول اخر ، إنما يلزم لو كانت أعم ~~المقولات التي فرضتها مقولة على تلك الفصول قولا ذاتيا ، كقول الجنس على ~~النوع ، وليس الأمر كذلك ، بل قولها عليها قول عرضي ، مثلا الحيوان وإن كان ~~يقال على الإنسان والناطق ، إلا أن قوله على الإنسان قول ذاتي ، بمعنى أنه ~~جنس له ، وهو نوع له يحتاج في تميزه عن غيره بفصل ، وهو الناطق. وقوله على ~~الناطق ليس كذلك ، فإنه لو كان كذلك ، لكان الناطق أيضا نوعا والحيوان جنسا ~~له أيضا ، فيحتاج إلى فصل آخر ، وهذا الفصل الآخر لو كان قول الحيوان عليه ~~قولا ذاتيا كذلك ، فيحتاج إلى فصل آخر ، وهكذا ؛ فيلزم التسلسل ، وهو محال. # فبقي أن يكون قول الحيوان على الناطق قولا عرضيا ، وأن يكون امتياز ~~الناطق عن غيره بذاته ، من غير احتياج إلى فصل آخر يميزه عن غيره ، كما هو ~~رأي الشيخ وكثير من الحكماء. # وإن شئت قلت : إن امتيازه عن غيره بذاته ، وكذا بوجوده الخاص الذي هو ~~متميز بذاته ، حتى يستقيم أيضا على رأي من يجعل الفصل بالحقيقة هو الوجود ~~الخاص ، كما في المشخص. والله أعلم بحقيقة الحال. # ثم إن قول الشيخ (1) «ثم كل صورة كمال وليس كل كمال صورة ، فإن الملك ~~كمال المدينة» إلى آخر ما ذكره بيان للفرق بين الصورة والكمال ، وأنه إذا ~~قلنا في تعريف النفس «إنها كمال» ، كان أولى ، حيث كان أدل على معناها ~~المقصود منها ؛ وكان أيضا يتضمن جميع أنواع النفس من جميع وجوهها النباتية ~~والحيوانية والإنسانية ، ولا يشذ النفس المفارقة عن المادة كالإنسانية عنه ~~، بخلاف ما إذا قيل في تعريفها : «إنها صورة» ، PageV02P057 # ظاهره أنه بين ذلك الفرق بوجهين ، وفرع على الأول منهما الأولوية من جهة ~~تضمن جميع أنواع النفس ، وعلى الثاني الأولوية من جهة كونه ms368 أدل على معناها. # وبيان الأول : أنه لا يخفى أن كل صورة كمال ، أي أن كل صورة نوعية منطبعة ~~في المادة كمال ، لأنها مما يكمل بها ذو الصورة ، سواء اعتبر كونها كمالا ~~من جهة اعتبار كونها صورة ، حتى تكون كمالا للجملة منها ومن المادة ، أو من ~~جهة اعتبارها فصلا ، حتى تكون كمالا للنوع. # وبالجملة فالصورة كمال ، ولا يخفى أيضا أن ليس كل كمال صورة كذلك ، فإن ~~الملك كمال المدينة ، والربان كمال للسفينة ، من حيث إنهما يتم بهما ما هو ~~المقصود من المدينة والسفينة ويكمل معهما ، والحال أنهما ليسا بصورتين كذلك ~~للمدينة والسفينة ، بل هما مفارقا الذات عنهما ، وما كان من الكمال مفارق ~~الذات ، لم يكن بالحقيقة صورة للمادة وفي المادة ، أي صورة بالمعنى المراد ~~منها عند القوم ؛ فإن الصورة بالمعنى المصطلح عليه هي الصورة المنطبعة في ~~المادة القائمة بها ، وظاهر أن الكمال المفارق الذات ليس كذلك ، اللهم إلا ~~أن يصطلح ويقال لكمال النوع ، وإن كان مفارق الذات : إنه صورة النوع ~~بالحقيقة. فظهر أن الكمال قد يكون صورة منطبعة في المادة ، وقد يكون مفارق ~~الذات ؛ بخلاف الصورة فإنها لا تكون مفارقة الذات إلا بنوع من الاصطلاح. ~~وظاهر أيضا أن النفس التي نحن بصدد تحديدها ، أعم من المنطبعة والمفارقة ، ~~حيث إنها أعم من النباتية والحيوانية المنطبعتين ، ومن الإنسانية المفارقة. # فلو قلنا في تحديدها : إنها صورة ، وأردنا ما بها الكمال أيضا ، لكانت ~~مخصوصة بالاوليين خاصة ، بخلاف ما إذا قلنا : إنها كمال ، فإنه حينئذ يشمل ~~الجميع ، أي جميع أنواع النفس من جميع وجوهها ، ولا يشذ النفس المفارقة ~~للمادة عنه ، وهذا هو تحرير ما ذكره. ### | مناقشة مع الشيخ # إلا أنك خبير بأن ما ذكره من الشاهد على الكمال المفارق الذات ، كأنه لا ~~ينطبق على PageV02P058 # ما نحن بصدده. # فإن المقصود وجود كمال مفارق الذات ، أي الذي ليس بصورة ، مع هذا يكون ~~كونه كمالا باعتبار أنه فصل للنوع وكمال له ، كالنفس الإنسانية على ما عرفت ~~من بيان حالها ، وظاهر أن الملك والربان ، كما أنهما ليسا بصورتين للمدينة ~~والسفينة ms369 ، ليسا بفصلين لهما أيضا. فالأحسن في بيان الفرق وتفريع الشمول ~~عليه أن يقول : إن الصورة المنطبعة كمال ، وليس كل كمال صورة كذلك ، لأنه ~~قد يكون الكمال للنوع فصلا للنوع ، فصلا ليس صورة في المادة وللمادة ، ~~كالنفس المفارقة الإنسانية على ما عرفت ؛ ثم يفرع الشمول الذي ادعاه كما ~~ذكرنا ، لكنه أعلم. # وأما بيان الثاني : فلأن الاصطلاح قد استقر على أن يكون الشيء بالقياس ~~إلى المادة صورة ، وبالقياس إلى الجملة غاية وكمالا ؛ أي بالقياس إلى جملة ~~المادة والصورة من جهة ما هما صورة ومادة ، بل بالقياس إلى جملتهما من جهة ~~ما هما جنس وفصل ، أي النوع ، غاية باعتبار انتهاء الحركة إليه ، وكمالا ~~باعتبار تمامية النوع وكماله به ، وبالقياس إلى التحريك ، أي بالقياس إلى ~~تحريكه للمادة حتى تصير شيئا بالفعل مبدأ فاعليا وقوة محركة. وإذا كان ~~الأمر كذلك ، فالصورة من حيث إنها صورة ، وبالنظر إلى نفس مفهومها ~~الاصطلاحي ، تقتضي نسبة إلى شيء بعيد مباين في الوجود من ذات الجوهر الحاصل ~~من الصورة المتقوم بها ، وإلى شيء يكون الجوهر الحاصل منها هو ما هو بالقوة ~~، وإلى شيء لا ينسب الأفاعيل إليه ؛ وذلك الشيء الموصوف بهذه الأوصاف ~~الثلاثة هو المادة ، لأنها صورة باعتبار وجودها للمادة ؛ والكمال من حيث هو ~~كمال ، وبالنظر إلى نفس مفهومه الاصطلاحي ، يقتضي نسبة إلى الشيء التام ~~الذي يصدر عنه الأفاعيل. وبالجملة نسبة إلى الشيء الذي هو بخلاف الشيء ~~الأول ، لأنه كمال باعتباره للنوع. # فبين من هذا : أنا إذا قلنا في تعريف النفس : إنها كمال ، كان أدل ~~بمفهومه على معنى النفس الذي هو المقصود هنا ، إذ ظاهر أن المقصود من ~~معناها أنها مما يكمل ويتم الشيء الذي يصدر عنه الأفاعيل المقصودة منها ، ~~فبهذا الاعتبار أيضا يكون إطلاق الكمال على PageV02P059 # النفس النباتية والحيوانية والإنسانية أولى من إطلاق الصورة عليها ، كما ~~كان ذلك باعتبار الوجه الأول ، أي الشمول لجميع أنواع النفس من جميع الوجوه أولى. # وقوله : «وأيضا إذا قلنا : إن النفس كمال ، فهو أولى أن نقول : قوة ، ~~وذلك لأن الامور الصادرة عن النفس.» إلى ms370 آخر ما ذكره بيان لأولوية إطلاق ~~الكمال عليها من إطلاق القوة ، وقد عرفت تحريره مع ما فيه. # وقوله : «لكنا إذا قلنا : كمال ، لم يعلم من ذلك بعد أنها جوهر أو ليست ~~بجوهر ، فإن معنى الكمال هو الشيء الذي بوجوده يصير الحيوان بالفعل حيوانا ~~، والنبات بالفعل نباتا ؛ وهذا لا يفهم عنه بعد أن ذلك جوهر أو ليس بجوهر ، ~~لكنا نقول» إلى آخر ما ذكره . # بيان لأنه بمجرد إطلاق الكمال على النفس لا يثبت كونه جوهرا بالمعنى الذي ~~اصطلح عليه ، إلا أن توضيحه يستدعي الإحاطة بما ذكره في إلهيات الشفاء في ~~فصل تعريف الجوهر وأقسامه بقول كلي (1) # «قال : إن الوجود للشيء قد يكون بالذات ، مثل وجود الإنسان إنسانا ، وقد ~~يكون بالعرض ، مثل وجود زيد أبيض. والامور التي بالعرض لا تحد. فلنترك الآن ~~ذلك ولنشتغل بالموجود ، والوجود الذي بالذات. # فأقدم أقسام الموجودات بالذات هو الجوهر ، وذلك لأن الموجود على قسمين : # أحدهما : الموجود في شيء آخر ، ذلك الشيء الآخر متحصل القوام والنوع في ~~نفسه ، وجودا لا كوجود جزء منه ، من غير أن يصح (2) مفارقته لذلك الشيء ، ~~وهو الموجود في موضوع. # والثاني : الموجود من غير أن يكون في شيء من الأشياء بهذه الصفة ، فلا ~~يكون في موضوع البتة ، وهو الجوهر. # وإن كان ما اشير إليه في القسم الأول موجودا في موضوع ، فذلك الموضوع لا يخلو PageV02P060 # أيضا من أحد هذين الوصفين ، فإن كان الموضوع جوهرا ، فقوام العرض في ~~الجوهر ، وإن لم يكن جوهرا ، كان أيضا في موضوع ، ورجع البحث إلى الابتداء ~~، واستحال ذهاب ذلك إلى غير النهاية (1)، كما سنبين في مثل هذا المعنى خاصة. # فيكون لا محالة بآخره (2) فيما ليس في موضوع ، فيكون في جوهر ، فيكون ~~الجوهر مقوم العرض موجودا ، وغير متقوم بالعرض ، فيكون الجوهر هو المقدم في ~~الوجود. # وأما أنه هل يكون عرض في عرض ، فليس (3) ذلك بمستنكر ، فإن السرعة في ~~الحركة ، والاستقامة في الخط ، والشكل المسطح في البسيط ، وأيضا فإن ~~الأعراض تنسب إلى الوحدة والكثرة ، وهذه سنبين لك أن (4) كلها أعراض. ~~والعرض وإن كان ms371 في عرض فهما جميعا في موضوع. والموضوع بالحقيقة هو الذي ~~يقيمهما جميعا ، وهو قائم بنفسه. # ثم قد جوز كثير ممن يدعى المعرفة أن يكون شيء من الأشياء جوهرا وعرضا معا ~~بالقياس إلى شيئين ، وقال (5): إن الحرارة عرض في غير جسم النار ، لكنها ~~في جملة النار ليست بعرض ، لأنها موجودة فيها كجزء. وأيضا ليس يجوز رفعها ~~عن النار والنار تبقى. فإذن وجودها في النار ليس وجود العرض فيها ، فإذا لم ~~يكن وجودها فيها وجود العرض ، فوجودها فيها وجود الجوهر. # وهذا غلط ، كبير (6) قد أشبعنا القول فيه في أوائل المنطق ، وإن لم يكن ~~ذلك موضعه ، فإنهم إنما خلطوا فيه هناك. # فنقول : قد علم مما سلف إن بين المحل والموضوع فرقا ، وأن الموضوع يعنى ~~به ما صار بنفسه ونوعيته قائما ثم صار سببا لأن يقوم به شيء فيه ليس كجزء ~~منه ، وأن المحل كل شيء يحله شيء فيصير بذلك الشيء بحال ما ، فلا يبعد أن ~~يكون شيء موجودا في المحل (7)، ويكون ذلك المحل لم يصر نفسه (8) نوعا ~~قائما كاملا بالفعل ، بل إنما تحصل PageV02P061 # قوامه من ذلك الذي حله وحده أو مع شيء آخر ، أو أشياء أخرى اجتمعت ، ~~فصيرت ذلك الشيء موجودا بالفعل ، أو صيرته نوعا بعينه. # وهذا الذي يحل هذا المحل ، يكون لا محالة موجودا لا في موضوع ؛ وذلك لأنه ~~ليس يصح (1) أن يقال : إنه في شيء ، الا في الجملة أو في المحل ، وهو في ~~الجملة كجزء. وكان الموضوع ما يكون فيه الشيء وليس كجزء منه ، وهو في المحل ~~ليس كشيء حصل في شيء ، ذلك الشيء قائم بالفعل نوعا ، ثم يقيم الحال فيه. بل ~~هذا المحل جعلناه إنما يتقوم بالفعل بتقويم ما حله ، أو جعلناه (2) إنما ~~تتم (3) له به نوعيته إذا كانت نوعيته إنما تحصل (4) به أو تصير له نوعية ~~باجتماع أشياء جملتها تكون (5) ذلك النوع. # فبين أن بعض ما في المحل ليس في موضوع. # وأما إثبات هذا الشيء الذي هو محل دون موضوع ، فذلك علينا إلى قريب. # وإذا أثبتناه ، فهو الشيء الذي ms372 يخصه في مثل هذا الموضوع باسم الصورة ، ~~وإن كنا قد نقول لغيره أيضا صورة باشتراك الاسم. وإذا كان الموجود لا في ~~موضوع هو المسمى جوهرا ، فالصورة أيضا جوهر. فأما المحل الذي لا يكون في ~~محل آخر ، فلا يكون في موضوع لا محالة ، لأن كل موضوع في موجود (6) فهو ~~موجود فى محل ، ولا ينعكس ، فالمحل الحقيقي أيضا جوهر ، وهذا المجتمع أيضا ~~جوهر. انتهى موضع الحاجة من كلامه. # ومضمونه واضح ، إلا أنه لا يستبين منه بيان غلط ما أسنده إلى كثير ممن ~~يدعي المعرفة ، من تجويز كون شيء واحد جوهرا وعرضا معا بالقياس إلى شيئين. ~~وبيان خلطهم الذي قال إنه أشبع القول فيه في أوائل المنطق ، وما ذكره فيها ~~، وإن لم يكن الآن في نظرنا ، إلا أن فيما ذكره هنا في بيان أنه بمجرد ~~إطلاق الكمال على النفس لا يعلم منه أنها جوهر أو عرض ، كأنه إشارة أيضا ~~إلى بيان ذلك الغلط والخلط كما سنبينه. # وبالجملة ، فبيان ما ذكره هنا يتوقف من وجه على فهم ما نقلناه عنه في ~~الإلهيات ، وكذلك بيان ما ذكره ثمة يتوقف من وجه على ما ذكره هنا ، كما ~~سيظهر ذلك كله عن PageV02P062 # قريب. وحيث كان الأمر كذلك ، فنقول. # قوله هنا : «لكنا إذا قلنا كمال إلى قوله : لكنا نقول» # ادعاء بمجرد إطلاق الكمال على النفس لا يعلم منه جوهريتها أو عرضيتها ، ~~وذلك ظاهر. # وقوله (1): «لكنا نقول : إنه لا شك لنا في أن هذا الشيء ليس بجوهر ~~بالمعنى الذي يكون به الموضوع جوهرا ، ولا أيضا بالمعنى الذي يكون به ~~المركب جوهرا ، فأما جوهر بمعنى الصورة فلننظر فيه» إلى آخر ما ذكره بيان ~~لذلك الادعاء. # وتحريره : أنه لا شك لنا في أن هذا الشيء الذي بوجوده يصير الحيوان ~~بالفعل حيوانا ، والنبات بالفعل نباتا ، وسميناه بالنفس ، ليس بجوهر ~~بالمعنى الذي يكون به الموضوع جوهرا ، على ما بينه فيما نقلناه عنه في ~~الإلهيات من معنى الموضوع ومعنى جوهريته ، إذ لم نعتبر ذلك الشيء موضوعا ، ~~حتى يكون جوهريته بمعنى جوهرية الموضوع. بل ولم ms373 نعتبره محلا مطلقا أيضا على ~~ما بينه هنالك من معناه ومعنى جوهريته ؛ فلا يكون جوهريته بمعنى جوهرية ~~المحل مطلقا أيضا ، ولا أيضا يكون جوهرية ذلك الشيء بالمعنى الذي يكون به ~~المركب جوهرا ، على ما بينه أيضا هنالك من معنى المركب ومعنى جوهريته ، اذ ~~لم نعتبر ذلك الشيء مركبا أيضا. وبالجملة لا يكون جوهريته بمعنى جوهرية ~~الجسم وجوهرية مادته ، إذ لم نعتبره شيئا من ذلك ، بل إنما اعتبرناه كمالا ~~هو باعتبار ما فصل ، وباعتبار ما صورة. # وحيث اعتبرناه كذلك ، فلننظر في أنه هل يلزم من اعتباره كمالا جوهريته ، ~~بمعنى جوهرية الصورة في الجسم التي هي باعتبار ما فصل وكمال له؟ فنقول : إن ~~قال قائل : إني أقول للنفس جوهر ، وأعني به الصورة خاصة ، ولست أعني به ~~معنى أعم من الصورة بحيث يشمل الموضوع والمركب ونحوهما أيضا ، بل معنى أنه ~~جوهر معنى أنه صورة ، وهذا مما قاله خلف منهم ، فحينئذ فلا يكون مع هذا ~~القائل موضع بحث ونزاع واختلاف PageV02P063 # البتة ، لأن مفاد قوله هذا إنما هو مجرد إطلاق لفظ الصورة على الجوهر ، ~~ومجرد إطلاق لفظ الجوهر على النفس ، من دون أن يكون هناك معنى الجوهر أو ~~معنى ما قصد بالصورة الجوهرية. فيكون معنى قوله : «إن النفس جوهر» أنها ~~صورة ، أي يطلق عليها لفظ الصورة ، بل يكون قوله : «الصورة جوهر» بهذا ~~المعنى أيضا. أي أنها يطلق عليها لفظ الجوهر. فيكون كقوله : «الصورة صورة ~~أو هيئة ، والإنسان إنسان أو بشر» لأن الصورة كما يطلق عليها لفظ الصورة ، ~~يطلق عليها لفظ الهيئة ، وكذلك الإنسان يطلق عليه هذان اللفظان. # وبالجملة فيكون هذا القول هذيانا من الكلام ، كما لا يخفى ، وحيث كان هذا ~~القول منه بهذا التفسير غير مفيد هنا فائدة في إثبات معنى الجوهرية للنفس ، ~~فبقي أن يكون قد عنى بالصورة التي أطلقها على النفس معنى يقصد بالجوهر ، ~~حتى يكون مفيدا هنا. # فنقول : إن عنى بالصورة معنى الجوهر ، أي ما ليس في موضوع البتة ، أي لا ~~يوجد بوجه من الوجوه قائما في الشيء الذي بيناه لك ، أي ms374 في الإلهيات موضوعا ~~البتة ، أي أن لا يكون في شيء من الأشياء بهذه الصفة ، كما هو معنى الجوهر ~~وحقيقته كما بينه هنالك ، فلا يخفى أن هذا الادعاء من هذا القائل ، إنما هو ~~لأجل أنه رأى النفس كمالا وصورة ، وظن ثبوت حقيقة الجوهر ومعناه لكل كمال ~~وصورة ، فحكم بثبوت معناه للنفس ، ولا سترة في أنه لا يصح كليا ، أي ليس كل ~~كمال جوهرا بهذا المعنى ، فإن كثيرا من الكمالات التي هي صور أيضا باعتبار ~~، تكون هي في موضوع وأعراضا لا محالة ، سواء كانت كمالات اول أو ثواني ، ~~وهذا كالشكل للسيف والقطع له ، وكالتميز والروية والإحساس والحركة للإنسان ~~، وكالحرارة التي هي كمال للنار في غير جسم النار ، فلم يلزم من كون الشيء ~~كمالا أو صورة كونه جوهرا بالمعنى المذكور ، حيث إنه قد يمكن أن يكون عرضا ~~كما في تلك الأمثلة. # وبهذا القدر قد تم ما قصده الشيخ من منع الكلية ، إلا ان ما ذكره بعد ذلك ~~من قوله (1) PageV02P064 # «وإن كان ذلك الكثير بالقياس إلى المركب ، ومن حيث كونه فيه ليس في ~~موضوع» إلى آخر ما ذكره . # بيان : لأن الشيء إذا كان في شيء ما في موضوع ، وفي شيء آخر لا في موضوع ~~، فإن ذلك لا يجعله جوهرا ، وفيه إشارة أيضا إلى وجه الغلط والخلط الذي ~~نسبه في الإلهيات إلى كثير ممن يدعي المعرفة. # وتحريره : أنا لو جوزنا في ذلك الكمال الذي قلنا إنه في موضوع بالقياس ~~إلى شيء كونه بالقياس إلى شيء آخر لا في موضوع ، كما في الحرارة ، حيث إنها ~~في غير جسم النار في موضوع البتة ، وقلنا إنها في جسم النار ، أي في جملة ~~النار ، وفي المركبة منها من حيث كونها فيها ، ليست في موضوع وليست بعرض ، ~~لأنها موجودة فيها كجزء ، وأيضا ليس يجوز رفعها عن النار والنار تبقى. # وبالجملة أنها بالقياس إلى النار مما ينتفي عنها صفة العرض ، كما ادعاه ~~كثير ممن يدعي المعرفة ؛ فإن ذلك لا يجعلها جوهرا في حد ذاتها ، لأن كونها ~~جزءا من النار لا يمنعها ms375 أن تكون في موضوع في حد ذاتها ، حيث إن كون شيء في ~~شيء ما ، لا كالشيء في الموضوع ، لا يكفي في كونه جوهرا في حد ذاته ، كما ~~ظنه بعضهم كالكثير ممن يدعي المعرفة ، لأن حقيقة الجوهر على ما عرفها القوم ~~: ما لا يكون في شيء من الأشياء بوجه من الوجوه موجودا في الشيء الذي سموه ~~موضوعا ، حتى يكون في حد ذاته وفي نفسه جوهرا ، وهذا المعنى كما هو صريح ~~كلمات الشيخ في تعريف الجوهر ، كذلك هو مدلول ما قاله بعضهم في تعريفه : ~~«أنه الموجود لا في موضوع» حيث إن الموضوع نكرة في سياق النفي وهي تفيد ~~العموم. # والحاصل أن الجوهر ما لا يكون في شيء من الأشياء في موضوع ، لا أن يكون ~~ذلك بالقياس إلى شيء مخصوص ، فعلى هذا ، فالحرارة في جسم النار وإن فرضناها ~~فيها لا في موضوع ، مما ليس يكون بذلك حقيقة الجوهر في حد ذاتها ، لأن ذلك ~~إنما هو لها بالقياس إلى جسم النار ، لا بالقياس إلى جميع الأشياء ، وهذا ~~ليس من معنى الجوهر. نعم PageV02P065 # هي باعتبار كونها في غير جسم النار في موضوع مما يكون حقيقة العرض ، لأن ~~تحديد العرض حيث كان في مقابلة تحديد الجوهر ، على ما عرفته ؛ يكون ما كان ~~في شيء من الأشياء في موضوع ، كما يدل عليه قولهم : «إنه الموجود في موضوع» ~~حيث كان الموضوع نكرة في الإثبات ، وهي لا تفيد العموم ، أي ما كان بالقياس ~~إلى شيء ما في موضوع ، وإن لم يكن بالقياس إلى غيره في موضوع. فعلى هذا ~~يلزم أن يكون ما يوجد في شيء ما في موضوع عرضا ، وإن وجد في ألف شيء لا في ~~موضوع ، ولا يخفى أن تلك الحرارة المفروضة حالها ما ذكر. # وبيان هذا بعبارة أخرى ، ما ذكره الشيخ : أنه لم يكن الجوهر كما يعلم من ~~تعريفه ما لا يكون بالقياس إلى شيء على أنه في موضوع ، حتى يكون الشيء من ~~جهة ما ليس في هذا الشيء على أنه في موضوع جوهرا ، بل أنما يكون ms376 جوهرا إذا ~~لم يكن ولا في شيء من الأشياء على أنه في موضوع. وهذا المعنى لا يحصل بكونه ~~في شيء ما موجودا لا في موضوع ، فإن ذلك ليس له بالقياس إلى شيء ، حتى إذا ~~قيس إلى شيء يكون فيه لا كما يوجد الشيء فى موضوع ، صار جوهرا. وإن كان ~~بالقياس إلى شيء آخر بحيث يكون عرضا ، بل هو اعتبار له في ذاته ، فإن الشيء ~~اذا تأملت ذاته ونظرت إليها ، فلم يوجد لها موضوع البتة ، كانت في نفسها ~~جوهرا. وإن وجدت في ألف شيء لا في موضوع ، بعد أن يوجد في شيء واحد على نحو ~~وجود الشيء في موضوع ، فهي في نفسها عرض. فظهر بما ذكر أن كثيرا من ~~الكمالات تكون أعراضا موجودة في موضوع ، وأن كونها بالقياس إلى شيء ما ~~موجودة لا في موضوع ، لا يجعلها جوهرا في نفسها. # وظهر أيضا أنه غلط من ادعى أنه يجوز أن يكون شيء بالقياس إلى شيء عرضا ، ~~وبالقياس إلى آخر جوهرا ، فتدبر. # ثم إن قول الشيخ (1): «وليس إذا لم يكن (2) عرضا في شيء فهو (3) جوهر ~~فيه ، فيجوز أن PageV02P066 # يكون الشيء لا عرضا في الشيء ولا جوهرا في الشيء ، كما أن الشيء يجوز أن ~~لا يكون واحدا في الشيء (2) ولا كثيرا ، ولكنه (3) في نفسه واحدا أو كثير» ~~، كأنه دفع توهم ينشأ هنا. # وبيان التوهم : أن الحرارة في جسم النار مثلا لا يخفى أن وجودها فيها ليس ~~وجود العرض في الموضوع ، كما هو المفروض ؛ وإذا لم تكن عرضا فيها ، فهي ~~جوهر فيها ، لأن الجوهرية والعرضية متقابلتان ، فلا يمكن ارتفاعها ، بل إذا ~~انتفت إحداهما ثبتت الاخرى. وإذا ثبت أنها في جسم النار جوهر مع أنها في ~~غير جسم النار عرض ، عاد المحذور جذعا ، وهو لزوم كون تلك الكمالات ~~المذكورة بالقياس إلى شيء ما جوهرا بعد أن كانت بالقياس إلى آخر عرضا. وكذا ~~لزوم كون شيء واحد جوهرا وعرضا معا بالقياس إلى شيئين. # وبيان دفع هذا التوهم : أنك قد عرفت أن ليس ذلك المعنى بالقياس إلى شيء ms377 ، ~~فحينئذ يجوز أن يكون الشيء لا عرضا في الشيء ولا جوهرا في الشيء ، بل يكون ~~في نفسه جوهرا وعرضا ، وهذا ليس من ارتفاع المتقابلين المحال ، كما أن ~~الشيء يجوز أن لا يكون واحدا في الشيء ، ولا كثيرا في الشيء ، ولكنه في ~~نفسه واحد أو كثير ، والحال أن الوحدة والكثرة أيضا متقابلتان. # وقوله (1): «وليس الجوهري والجوهر واحدا ، ولا العرضي (4) بمعنى العرض ~~الذي في إيساغوجي هو العرض الذي في قاطيغورياس (5)، وقد بينا هذه الأشياء ~~لك في صناعة المنطق» كأنه دفع توهم آخر ينشأ هنا. # وبيان التوهم : أنا سلمنا أنه بمجرد كون الشيء كمالا للشيء لا يلزم ~~جوهريته ، حيث إن كثيرا من الكمالات أعراض ، وكونها في شيء ما موجودة لا في ~~موضوع ، لا يجعلها جوهرا كما ذكرت. لكنا نقول : إن الكمال الذي نحن بصدد ~~بيانه ، أي النفس النباتية والحيوانية والإنسانية ، حيث جعلنا كونها كمالا ~~، باعتبار كونها فصولا لنوع النبات PageV02P067 # والحيوان والإنسان ، التي هي أنواع جوهرية مركبة من مادة وصورة ، أي ~~الفصول التي هي باعتبار ما صورة ، كما في النبات والحيوان ، وكالصورة كما ~~في الإنسان ، يكون جوهرا البتة. إذ لو كان عرضا ، لكان تقوم تلك الأنواع ~~الجوهرية به ، ويلزم تقوم الجوهر بالعرض وهو محال. وإذا كان جوهرا ، ثبت ما ~~هو المطلوب ، وهو جوهرية تلك النفوس التي قلنا إنها كمال. # وبيان دفع هذا التوهم : أن ليس الجوهري والجوهر واحدا ، إذ الجوهري ما ~~كان حمله على الشيء حملا جوهريا ، أي ذاتيا كحمل الجنس على النوع ، وحمل ~~النوع على الشخص. والجوهر ما كان موجودا لا في موضوع البتة بالقياس إلى ~~ذاته وإلى جميع الأشياء. وكذلك العرضي والعرض الذي في إيساغوجي ، أي في باب ~~الكليات الخمس ، ما كان حمله على الشيء حملا عرضيا خارجا عن حقيقته ، لا ~~ذاتيا كحمل العرض العام أو الخاصة على ما تحتها ، وكحمل الجنس على الفصل ، ~~كما عرفت بيانه. والعرض الذي في قاطيغورياس ، أي في باب المقولات العشر ، ~~هو ما يكون في موضوع. # وحينئذ فالجوهر كما يمكن أن يكون جوهريا بالنسبة إلى شيء ، كالحيوان ms378 ~~بالنسبة إلى الإنسان ، وكذلك مفهوم الجوهر بالقياس إلى الحقائق الجوهرية ~~التي هي الأنواع ، إن قلنا إنه جنس لما تحته من الأنواع ، كذلك يمكن أن ~~يكون عرضيا غير جوهري بالنسبة إلى شيء ، كالحيوان بالنسبة إلى الناطق ، ~~فإنه لو كان جنسا ذاتيا له أيضا ، يلزم أن يكون امتيازه عن غيره بفصل آخر ، ~~وهكذا ، فيلزم التسلسل المحال. # وكذلك العرض ، كما يمكن أن يكون عرضيا بالنسبة إلى شيء مثلا بالنسبة إلى ~~فصول الكيفيات ، التي هي أنواع عرضية على ما عرفت بيانه. وكمفهوم العرض ، ~~إن قلنا إنه ليس جنسا لما تحته من الأنواع ، كذلك يمكن أن يكون جوهريا ~~بالنسبة إلى شيء ، كالكيف بالنسبة إلى أنواع الكيفيات ، وكمفهوم العرض إن ~~قلنا إنه جنس لما تحته من الأنواع. # وإذا عرفت ما ذكرنا ، ظهر لك أن تلك الكمالات التي نحن بصدد بيانها ، ~~أعني النفس PageV02P068 # النباتية والحيوانية والإنسانية ، وإن كانت مما يصدق عليها الجوهر ، إلا ~~انها حيث اعتبرت فصولا لتلك الأنواع الجوهرية لا أنواعا ، لا يكون صدق ~~الجوهر سواء قيل بأنه جنس لما تحته ، أو قيل بأنه ليس بجنس لما تحته وكذا ~~صدق تلك الأجناس التي هي جواهر حقيقة ، أعني الجسم المطلق والجسم النامي ~~والحيوان عليها ، أي على تلك الفصول ، صدقا ذاتيا وجوهريا ، على ما عرفت من ~~أن صدق الجنس على الفصل لا يكون ذاتيا ، أي أن يكون الجوهر داخلا في ~~حقيقتها ، أو مأخوذا في حدودها ، بل عرضيا خارجا عنها لازما لها. # والحاصل أن تلك الفصول يلزمها كونها جوهرا باعتبار جوهرية أجناسها ~~واتحادها معها نوعا من الاتحاد ، وبه ينتفي لزوم تقوم الجوهر بالعرض ، لا ~~أن تكون حقائقها جواهر في أنفسها وفي حدود ذواتها. # ولا يخفى أن هذا المعنى من الجوهرية هو الذي نرومه هنا ، وندعي عدم ثبوته ~~لتلك الفصول بمجرد كونها فصولا وكمالات ، وهذا كما أن فصل الكيف مثلا ، وإن ~~صدق عليه أنه عرض أو كيف ، إلا أنه لا يكون صدق العرض ، سواء كان جنسا لما ~~تحته من الأنواع العرضية أم لم يكن ، وكذا صدق الكيف الذي هو جنس ms379 عندهم لما ~~تحته على ذلك الفصل صدقا ذاتيا وجوهريا ، يكون هو بالقياس إلى نوع الكيف ، ~~بل صدقا عرضيا. # والحاصل أنه يلزم ذلك الفصل أن يكون عرضا أو كيفا باعتبار اتحاده مع جنسه ~~الذي هو عرض وكيف بالحقيقة ، لا أن يكون هو نفسه في حد ذاته عرضا أو كيفا ~~بالحقيقة ، بحيث يكون ذلك ذاتيا له وداخلا في حقيقته وحده. # والمحصل أن صدق تلك الأجناس الجوهرية على تلك الفصول التي نحن بصدد ~~بيانها ، ليس هو صدق حقيقة الجوهر ، أي الموجود لا في موضوع ، بل صدق ما ~~صدق عليه حقيقة الجوهر ؛ ومع ذلك فليس صدقه عليها صدقا جوهريا ، بل عرضيا ؛ ~~فمن أين يلزم جوهرية تلك الفصول بالحقيقة؟ # فإن قلت : إذا لم يكن لفصول الجواهر جوهرية إلا جوهرية أجناسها ، لكانت هي PageV02P069 # أعراضا في أنفسها ، وكذا إذا لم يكن لفصول الأعراض عرضية إلا عرضية ~~أجناسها ، لكانت هي في حد ذاتها جواهر ، لأن الجوهرية والعرضية متقابلتان ~~تقابلا في الغاية ، وإذا لم يدخل أحد المتقابلين في حقيقة شيء ، كان ~~المقابل الآخر داخلا في حقيقته البتة ، وإلا لزم ارتفاع المتقابلين ، وهو محال. # قلت : إن ارتفاع المتقابلين إنما يستحيل إذا كان ارتفاعهما عن شيء من ~~شأنه ثبوت أحدهما له من حيث ذاته بذاته ، ولا نسلم أن تلك الفصول بحسب ~~حقائقها وذواتها وفى أنفسها ليس من شأنها الجوهرية ولا العرضية بالمعنى ~~الذي يراد في الأنواع الجوهرية والأنواع العرضية ، فارتفاعهما عنها في حدود ~~ذواتها ليس بممتنع. # والحاصل أن ارتفاع المتقابلين ، بل ارتفاع النقيضين أيضا وإن كان ممتنعا ~~في الواقع ، لكنه ليس بممتنع في بعض مراتب الواقع ، وهذا كما يقولون : إن ~~الماهية من حيث هي ليست إلا هي. # ومن هذا أيضا يظهر أن ليس يلزم فيما نحن فيه تقوم الجوهر بالعرض ، لو لم ~~تكن تلك الفصول التي هي الكمالات جواهر في أنفسها ، فتدبر. # وقوله (1) «فبين أن النفس لا يزيل عرضيتها كونها في المركب كجزء ، بل يجب ~~أن تكون في نفسها لا في موضوع البتة» الى آخره تفريع على ما تقدم ، والمعنى ~~: فبين ms380 مما ذكرناه أن النفس التي نحن بصدد بيان حالها لا يزيل احتمال ~~عرضيتها في نفسها وبحسب حقيقتها كونها كمالا وكونها في المركب ، أي في ~~الجملة التي هي عبارة عن النفس وما تعلقت به ، كالنبات والحيوان والإنسان ~~كجزء منه ، حيث عرفت أن بعض ما كان كجزء من المركب يمكن أن يكون عرضا في ~~ذاته ، كالحرارة على ما عرفت من حالها. وأن الفصل الذي هو جزء من المركب ~~الجوهري ، وإن صدق عليه أنه جوهر ، إلا أنه ليس صدقه عليه صدقا جوهريا ~~ذاتيا يستلزم كونه جوهرا في حد ذاته ، كما هو المقصود هنا من جوهرية النفس ~~، بل صدقا عرضيا يستلزم عروض معنى الجوهرية له ، بل إن ثبوت PageV02P070 # معنى الجوهرية للنفس بحسب حقيقتها وذاتها ، إنما يكون إذا ثبت أن النفس ~~يجب أن تكون في نفسها لا في موضوع البتة ، كما هو معنى الجوهر ، وقد علمت ~~ما الموضوع وما معناه ، حيث علمت في الإلهي أن الموضوع يعني به ما صار ~~بنفسه ونوعيته قائما ، ثم صار سببا لأن يقوم به شيء فيه ليس كجزء منه ، ~~والحال أن هذا المعنى لم يثبت بعد للنفس باعتبار كونها كمالا ، أو كونها في ~~المركب كجزء منه ، نعم لو ثبت بالدليل أن كل نفس موجودة لا في موضوع ، ثبت ~~أن كل نفس جوهر بحسب الحقيقة ، أو ثبت أن نفسا ما قائمة بذاتها والبواقي كل ~~واحدة منها في هيولى وليست في موضوع ، ثبت أيضا أن كل نفس جوهر بذاتها. ~~وأما لو كانت نفس ما قائمة في موضوع ، وهي مع ذلك جزء من المركب ، فهي عرض ~~بحسب الحقيقة ، وجميع هذا كمال. فلم يتبين لنا بعد أن النفس جوهر أو ليست ~~بجوهر من وصفنا أنها كمال ، وغلط من ظن أن هذا يكفيه في أن تجعل جوهرا ~~كالصورة ، بل إن إثبات جوهرية النفس في ذاتها يحتاج إلى دليل آخر ، كما ~~حققه الشيخ في فصل آخر بعد هذا الفصل ، ونحن سنذكر فيما بعد ملخصه إن شاء ~~الله تعالى. # ثم إن قوله : «فنقول : إنا إذا عرفنا أن ms381 النفس كمال بأي بيان وتفصيل (2) ~~لم نكن بعد عرفنا النفس وماهيتها (3)» إلى آخره (1) هذا بيان بوجه آخر غير ~~السابق ، لأن إطلاق الكمال على النفس في تحديدها لا يدل على كونها داخلة في ~~مقولة الجوهر ، ولا على حقيقتها وماهيتها في نفسها ، بل على النفس من حيث ~~هي نفس ، ومن حيث يطلق عليها اسم النفس ، أي من جهة إضافة ما لها إلى البدن ~~وكونها مقيسة إليه. # وتوضيحه : أنا إذا عرفنا أن النفس كمال بأي بيان وتفصيل فصلنا الكمال ~~وفسرنا معناه ، لم نكن بذلك عرفنا النفس وماهيتها بذاتها ، بل عرفناها من ~~حيث هي نفس ، ويطلق عليها هذه اللفظة. فإن اسم النفس ليس يقع عليها من حيث ~~جوهرها بذاتها ، ومن حيث هي واقعة تحت مقولة الجوهر ، بل من حيث ما لها ~~إضافة ما ، أي من حيث هي مدبرة PageV02P071 # للأبدان ومقيسة إليها ؛ فلذلك يؤخذ البدن في حدها ، أي في حدها من جهة ما ~~لها إضافة ، لا في حدها من حيث جوهرها وذاتها بذاتها وكونها واقعة تحت ~~مقولة الجوهر ؛ كما يؤخذ مثلا البناء في حد الباني من جهة الإضافة ومن حيث ~~كونه بانيا ، وإن كان لا يؤخذ في حده من حيث جوهره ، ومن حيث إنه إنسان ، ~~ولذلك ، أي ولأجل أن النظر في النفس من حيث هي نفس ومن حيث كونها مقيسة إلى ~~الابدان ، صار النظر فيها من العلم الطبيعي الذي يبحث فيه من حيث التعلق ~~بالمادة والحركة ، أي بالمادة بالمعنى الأخص أو الأعم ، لأن النظر في النفس ~~أيضا من حيث هي نفس ، نظر فيها من حيث لها علاقة بالمادة بالمعنى الأخص ، ~~كما في النفس النباتية والحيوانية من حيث هي حيوانية أو بالمعنى الأعم ، ~~كما في النفس الإنسانية من حيث هي إنسانية ، وكذا من حيث لها علاقة ~~بالحركة. # فبالجملة ، النظر في النفس من الجهة المذكورة لا يكفي لتعرف ماهية النفس ~~في حد ذاتها وكونها واقعة تحت مقولة الجوهر ، بل يجب أن نفرد لتعرفنا ذات ~~النفس من هذه الجهة بحثا آخر ، كما أفرده فيما بعد ، ولو كنا عرفنا ms382 بالجهة ~~الأولى ذات النفس من الجهة الثانية ، لما أشكل علينا معرفة وقوعها في أي ~~مقولة تقع فيها من مقولة الجوهر أو العرض ، فإن من عرف وفهم ذات الشيء من ~~حيث هي ذاته ، فعرض على نفسه طبيعة أمر ذاتي له ، لم يشكل عليه وجوده له ، ~~كما أوضحناه في المنطق. # ثم إن قوله : «لكن الكمال على وجهين : كمال أول وثان (2)» إلى آخره (1) # بيان لأنه بمجرد إطلاق الكمال على النفس في تحديدها من جهة ما لها إضافة ~~ما كما هو المقصود هنا لا يتحقق حقيقتها من هذه الجهة ، ولا يحصل حدها من ~~هذه الحيثية ؛ بل يجب أن يقيد الكمال بقولنا : كمال أول ، حتى يختص بالنفس ~~ويخرج غيرها ، فإن الكمال على وجهين : كمال أول وكمال ثان ؛ والكمال الأول ~~هو الذي يصير به النوع نوعا كاملا بالفصل ، كالشكل للسيف ، وكالنفس للنبات ~~والحيوان والإنسان ؛ والكمال PageV02P072 # الثاني هو أمر من الامور التي تتبع وجود الشيء بعد أن كان نوعا بالفعل من ~~أفعاله وانفعالاته ، وهذا كالقطع للسيف ، وكالتميز والروية والإحساس ~~والحركة للإنسان ، فإن هذه كمالات لا محالة للنوع ، أي لنوع السيف ولنوع ~~الانسان ، لكن ليست أولية ، فإنه ليس يحتاج ذلك النوع في أن يصير هو ما هو ~~بالفعل إلى حصول هذه الأشياء له بالفعل ، بل إنما يحتاج في صيرورته نوعا ~~بالفعل إلى حصول مبدأ هذه الأشياء بالفعل ، أي إلى الكمال الأول ، وما هو ~~متبوع هذه الأشياء وملزومها ، وإن كان حصول هذه الأشياء له بالقوة ، أي ~~بالقوة القريبة. # وقوله : «بل إذا حصل له مبدأ هذه الاشياء» # شرط جوابه قوله : «صار حينئذ الحيوان حيوانا بالفعل» (1) # وقوله : «تحتاج» إما بضمير التأنيث نعت ثان لقوله : «بقوة بعيدة» أو ~~بضمير التذكير نعت للكون الذي يفهم من قوله : «بعد ما لم يكن بالقوة الا ~~بقوة بعيدة». (1) # وقوله : «إلى أن يحصل (3) فيها أو قبلها على اختلاف النسختين شيء» # الضمير في فيها أو قبلها راجع إلى القوة. # وقوله : «حتى تصير (4) بالحقيقة بالقوة» # الضمير في «يصير» إن كان بالتذكير ، فهو راجع إلى الكون بالقوة ، وإن كان ~~بالتأنيث ms383 فهو راجع إلى القوة ، ومعنى الصيرورة بالحقيقة بالقوة ، الصيرورة ~~بالقوة القريبة. ومعنى الكلام أنه ليس يحتاج النوع في أن يصير هو ما هو ~~بالفعل إلى حصول هذه الأشياء التي الكمالات الثانية له بالفعل ، بل إذا حصل ~~له مبدأ هذه الأشياء ، أي الكمال الأول بالفعل ، حتى صار له هذه الأشياء ~~بسبب حصول مبدئها له بالقوة القريبة ، بعد ما لم تكن إلا بقوة بعيدة ، ~~يحتاج تلك القوة أو الكون بتلك القوة إلى أن يحصل قبل تلك القوة أو فيها ~~شيء هو مبدؤها ، حتى يصير القوة أو الكون بالقوة قوة قريبة وقوة بالحقيقة ، ~~صار حينئذ ذلك النوع PageV02P073 # كالحيوان مثلا نوعا بالفعل ، وحيوانا بالفعل ، من غير أن يحتاج في كونه ~~نوعا بالفعل إلى حصول هذه الأشياء له بالفعل. # والمحصل أن الكمال الأول والثاني وإن كان كل منهما كمالا للنوع ، إلا أن ~~الأول متبوع وملزوم والثاني تابع ولازم له ؛ وأن الأول متقدم ، والثاني ~~متأخر عنه ، والأول يتوقف عليه حصول النوع في نفسه بالفعل ، والثاني متأخر ~~عن تحصل النوع بالفعل ؛ حيث إن الأول مما يحتاج النوع في حصوله بالفعل إلى ~~حصوله بالفعل ، دون الثاني ؛ فإنه وإن كان حصوله بالقوة أيضا ، أي بالقوة ~~القريبة يمكن أيضا حصول النوع بالفعل. والملخص أن الأول مما يكمل به النوع ~~في ذاته ، والثاني مما يكمل به في صفاته ، وحيث كان النفس من قبيل الكمال ~~الأول ، حيث إنها مبدأ للكمالات الثانية ، ويصدق عليها ما هو معنى الكمال ~~الأول كما ذكر ، فيجب أن يقيد الكمال في حدها بالكمال الأول ، حتى يكون ~~مختصا بها ويخرج غيرها. فيقال : إنها كمال أول ، وربما أشعر تمثيله للكمال ~~الأول والثاني أن الكمال مطلقا كما يمكن أن يكون جوهرا يمكن أن يكون عرضا ~~أيضا ، كما ادعاه فيما تقدم ، فافهم. # وقوله (1): «ولأن الكمال كمال للشيء ، فالنفس كمال الشيء ؛ وهذا الشيء ~~هو الجسم ، ويجب أن يؤخذ الجسم بالمعنى الجنسي لا بالمعنى المادي ، كما ~~عملت في صناعة البرهان». # أي حيث قلنا إن النفس كمال أول ، فاعلم أن الكمال لما كان من باب ms384 المضاف ~~، وكانت الإضافة معتبرة في معنونه ، وكان معناه أنه كمال لشيء ، وجب إضافته ~~إلى شيء ، وهذا الشيء ليس شيئا مطلقا ، بل شيئا خاصا هو الجسم ؛ فيجب ~~إضافته إلى الجسم ، والقول بأنها كمال أول لجسم ، لكن لا للجسم بالمعنى ~~المادي ، بل للجسم بالمعنى الجنسي ، حتى يمكن أن يكون ذلك كمالا وفصلا له ، ~~كما علمت ذلك في صناعة البرهان ، وذكرنا نحن نبذا منه ، نقلا عن إلهيات ~~الشفاء. PageV02P074 # ثم إن ما يتراءى من ظاهر كلامه هنا أن الفصل كمال للجنس ، لا ينافي كونه ~~كمالا للنوع أيضا ، كما تضمنه كلامه السابق. حيث إن كونه كمالا للجنس بمعنى ~~كونه محصلا له مقسما إياه ، يستلزم كونه محصلا للنوع أيضا مقوما إياه ، كما ~~عرفت من البيان السابق. فتذكر. # وقوله (1): «وليس هذا الجسم الذي النفس كماله ، كل جسم» الى آخره # يعني أنه بعد تقييد الكمال بكونه كمالا أولا لجسم ، يجب تقييده بقيود أخر ~~أيضا ، حتى يحصل حد تام للنفس من حيث هي نفس ، ومقيسة إلى البدن ؛ لأن ~~الجسم الذي النفس كماله ليس كل جسم ، فإنها ليست كمال الجسم الصناعي ، ~~كالسرير والكرسي ونحوهما ، بل كمال الجسم الطبيعي فيجب التقييد به ؛ وبعد ~~ذلك فليست هي كمالا لكل جسم طبيعي ، لأنها ليست كمالا للنار ولا للأرض ولا ~~للهواء من البسائط ، حتى تكون صورة نوعية للبسائط ، وكذا هي ليست كمالا ~~للمركبات المعدنية وغيرها ، حتى تكون صورة نوعية للمركبات مطلقا ، بل هي في ~~عالمنا هذا أي عالم الأرضيات كمال لجسم طبيعي مركب آلي ذي آلات وقوى يصدر ~~عنه كمالاته الثانية ، أي أفعاله وانفعالاته بتوسط آلات وقوى يستعين هو بها ~~في أفعال الحياة ، التي أولها التغذي والنمو وآخرها الإدراكات. والمعنى أنه ~~يستعين بها في أفاعيلها إن كان احتاج إلى الاستعانة ، وإلا فيصدر عنه تلك ~~الأفاعيل بنفسه من غير توسط آلة ، كما في النفس الإنسانية في فعلها الخاص ~~بها ، أي إدراك الكليات. # والحاصل أنه يمكن أن يصدر عنه بتوسط الآلات أو بدون توسطها ما يصدر من ~~أفاعيل الحياة ، التي هي التغذي والنمو والتوليد والإدراك والحركة ms385 الإرادية ~~والنطق ، وإنما خص صورة الاستعانة بالذكر ، لأنها عامة لجميع النفوس ~~الأرضية ، إما في جميع ما يصدر عنها ، كما في النباتية والحيوانية ؛ وإما ~~في الأكثر كما في النفس الإنسانية ، بخلاف صورة عدم الاستعانة ، فإنها خاصة ~~ببعض تلك النفوس في بعض أفعالها ، وهي النفس الإنسانية PageV02P075 # فيما يختص بها من الأفعال كالإدراك الكلي. # فتلخص من ذلك «أن النفس التي نحدها ، أي النفس الأرضية الشاملة للنباتية ~~والحيوانية والإنسانية ، كمال أول لجسم طبيعي آلي له أن يفعل أفعال الحياة. ~~أي يمكن أن يفعل أفعال الحياة كلها أو بعضها ، سواء كان البعض بعضا أكثر أو ~~أقل ، وسواء كان صدورها عنه بالفعل أو بالقوة ، أي بالقوة القريبة من الفعل ~~، وسواء كان ما هو بالفعل دائميا أم غير دائمي ، قد يكون وقد لا يكون مع ~~إمكان أن يكون. فحصل منه حد جامع مانع للنفس من حيث هي نفس. # فالكمال بمنزلة الجنس يعم المحدود وغيره ، لأنه عبارة عما يتم به النوع ~~مطلقا. وهو وإن كان من باب المضاف ، إلا أنه يصلح أن يكون جنسا للمسمى باسم ~~النفس ، لأن هذا الحد كما عرفت سابقا ليس لحقيقتها الجوهرية ، بل لمفهوم ~~النفسية ، وهي أيضا إضافة خاصة ، والمضاف يمكن أن يكون جنسا لأنواعه. # ثم إن ما بعد ذلك من القيود بمنزلة الفصل يخرج به غير المحدود ، حيث إن ~~قولنا : «أول» ، يخرج به عنه الكمالات الثانية كالعلم والقدرة والإحساس ~~والحركة وغيرها من الأفاعيل واللوازم التامة للنفس. # وقولنا : «لجسم» يخرج الكمال الأول للمجردات ، إن كان لها كمال أول. # وقولنا : «طبيعي» يخرج صور الأجسام الصناعية ، كهيئة السيف والسرير ~~والكرسي وغيرها. # وقولنا : «إلي» يخرج صور البسائط وبعض المركبات ، كصور العناصر ~~والمعدنيات ؛ إذ لا يصدر عنها كمالاتها الثانية من أفعالها وانفعالاتها ~~بواسطة الآلات ، حيث ليست لها آلات ولا قوى متعددة ، وإن كانت مشتملة على ~~أجزاء مختلفة ، فإن الأجزاء المختلفة لا تسمى آلات. # وقولنا : «له أن يفعل أفعال الحياة» يخرج النفوس الفلكية ، كما سيظهر وجهه. PageV02P076 # وقوله : (1) لكنه قد يتشكك في هذا الموضع بأشياء من ذلك إلى آخره # هذا ms386 التشكيك الذي ذكره هنا إنما هو من وجهين. # بيان الأول : أن في هذا الحد الذي حددتم به النفس اختلالا من وجوه : أما ~~أولا ، فلأن لقائل أن يقول : هذا الحد لا يتناول النفس الفلكية ، لأنكم قد ~~قيدتم الجسم بكونه آليا ، والحال أن النفس الفلكية تفعل بلا آلات على ~~المذهب الصحيح. # وأما ثانيا ، فلأنكم على تقدير ترككم ذكر الآلات وقيد كونه آليا ، ~~واقتصاركم على قولكم : «له أن يفعل فعل الحياة» حتى تدخل في الحد النفس ~~الفلكية باعتبار ترك قيد كونه آليا ، يلزمكم أن تخرجوا النفس الفلكية من ~~الحد من وجه آخر ، لأنكم عنيتم بالحياة وأفعالها فى قولكم في الحد : «له أن ~~يفعل أفعال الحياة» حيث فسرتموها بأن أولها التغذي والنمو معنى يشمل ما ~~للنفس النباتية من التغذي والنمو ، وما للنفس الحيوانية من الحس ، سواء ~~جعلتم الإضافة في قولكم أفعال الحياة ، بيانية ، حتى تكون تلك الأفعال ~~الحياة نفسها ؛ أو لامية ، حتى تكون تلك الأفعال غير الحياة منسوبة إليها ، ~~كما سيجيء تحقيق معنى هذه الإضافة عن قريب ، والحال أن ليس للنفس الفلكية ~~هذا المعنى من الحياة وأفعالها. # وهذا الذي ذكرناه إنما هو تفصيل بيان الاختلال من هذا الوجه ، إلا أنه ~~يظهر من المتشكك أنه حمل الإضافة على البيانية ، كما يدل عليه قوله (2): ~~فإن الحياة التي لها ليس هو التغذي والنمو ، ولا أيضا الحس ، وأنتم تعنون ~~بالحياة التي في الحد هذا وكذا قوله بعد ذلك : «مع أن المذكور في الحد هو ~~أفعال الحياة ، فافهم» والحاصل أنه على التقديرين سواء ذكرتم قيد الآلي في ~~الحد أو تركتموه يلزم عليكم إخراج النفس الفلكية عن الحد. # وأما ثالثا ، فلأنكم لو عنيتم بالحياة وأفعالها ، ما للنفس الفلكية من ~~الإدراك مثلا والتصور العقلي والتحريك لغاية إرادية ، حتى تدخل النفس ~~الفلكية في الحد ، سواء PageV02P077 # تركتم قيد الآلي أيضا ، حتى يشمل الحد للفلك على المذهب الصحيح من عدم ~~كونه آليا ، أو ذكرتموه حتى يشمله على المذهب غير الصحيح من كونه آليا ، ~~يلزمكم حينئذ أن تخرجوا النبات من جملة ما يكون له نفس ms387 ، وأن تخرجوا النفس ~~النباتية التي مقصودكم دخولها في هذا الحد عن هذا الحد ، لأنه ليس لها ما ~~ذكر من الامور التي للنفس الفلكية ، بل يلزمكم أن تخرجوا الحيوان من حيث هو ~~حيوان من جملة ماله نفس ، وأن تخرجوا النفس الحيوانية التي مقصودكم دخولها ~~في هذه الحد أيضا عن الحد. لأنه ليس لها التصور العقلي الذي للفلك. # وهذا أيضا تفصيل بيان اختلال الحد من هذا الوجه ، إلا أن المتشكك اكتفى ~~بلزوم خروج النفس النباتية خاصة ، لكونه أظهر. وكذلك ظاهر كلامه أنه بناه ~~على تقدير ترك قيد الآلي ، ليكون الفلك داخلا على المذهب الصحيح. # وأما رابعا ، فلأنكم حيث فسرتم أفعال الحياة بقولكم «التي أولها التغذي ~~والنمو». يلزم عليكم أن تجعلوا التغذي والنمو حياة على تقدير كون الإضافة ~~بيانية ، أو افعالا مستندة إلى الحياة على تقدير كونها لامية ، وعلى ~~التقديرين يلزمكم أن تقولوا بكون النبات ذا حياة ، وأن تسمونه حيوانا لأن ~~اشتقاقه من الحياة ، وكل ذي حياة فهو حيوان ، والحال أنكم لا تسمونه حيوانا ~~ولا تقولون بذلك. # وبما ذكرنا تم التشكك من الوجه الأول ، ويظهر منه أن المتشكك ، وإن ادعى ~~خروج النفس الفلكية بقولهم في الحد : «له أن يفعل أفعال الحياة» إلا أن ذلك ~~الخروج إنما هو بسبب ما فسروا أفعال الحياة كما عرفت ، وأن قولهم : «له أن ~~يفعل» بإسناد الفعل إليه على سبيل الإمكان ، كما هو المفهوم من العبارة لا ~~دخل له في ذلك الإخراج ، فيفهم منه أنه حمل قولهم : «له أن يفعل» على معنى ~~عام يشمل النفس الفلكية أيضا ، أي صورة كون الفعل دائميا كما في الفلكية ~~على ما حملناه عليه ؛ فتفطن لهذه الدقيقة ، فإن لها فائدة ستظهر عن قريب. PageV02P078 # وأما التشكك من الوجه الثاني ، فهو ما أشار إليه بقوله (1): «وأيضا ~~لقائل أن يقول» إلى آخره. # أي وأيضا لقائل أن يقول : ما الذي أحوجكم إلى أن تثبتوا نفسا أي للنبات ~~والحيوان والإنسان غير حياتها ، ولم لم يكفكم أن تقولوا إن الحياة نفسها هي ~~هذا الكمال الذي فسرتم النفس به؟ فيكون الحياة ms388 هي هذا المعنى الذي يصدر عنه ~~ما تنسبون صدوره إلى النفس من أفعال الحياة. # وكأن هذا التشكك مبني على جعل الإضافة في قولهم : «أفعال الحياة» لامية ، ~~حيث جوز كون الأفعال المنسوبة إلى النفس ، منسوبة إلى الحياة ، فإنه كما ~~تضمن دعوى الاتحاد بين النفس والحياة ، كذلك يتضمن دعوى المغايرة بين ~~الأفعال والحياة ، فيظهر من كلام المتشكك أنه بنى كلا من التشككين على ~~تقدير ، حيث بنى الثاني على تقدير جعل الإضافة لامية ، كما هو ظاهر عبارة ~~الحد أيضا ، والأول على تقدير جعلها بيانية ، وإن كان يمكن بناؤه على ~~اللامية أيضا كما ذكرنا ، فتبصر ، وبهذا القدر تم بيان التشكك من الوجهين. # وقوله (2): «فلنشرع في جواب واحد واحد من ذلك وحله ، فنقول : أما ~~الأجسام السماوية فإن فيها مذهبين : مذهب من يرى» إلى آخره. # هذا جواب عن التشكك من الوجه الأول. ومحصله الجواب عنه بالتزام خروج ~~النفس الفلكية عن هذا الحد الذي هو حد للنفس الموجودة للمركبات ، أي النفس ~~الأرضية المتناولة للنباتية والحيوانية والإنسانية ، وأن خروجها عن هذا ~~الحد لا ضير فيه ، فإنه ليس هنا معنى مشترك يشترك فيه النفس النباتية ~~والفلكية ، وأن اشتراكهما في اطلاق لفظ النفس عليهما إنما هو بمجرد اشتراك ~~اللفظ دون المعنى ، بل ليس هنا معنى مشترك يشترك فيه النفس الحيوانية ~~والفلكية إلا بحيلة صعبة كما سيأتي بيانها. PageV02P079 # وأما تحرير كلامه في هذا الجواب والحل : أن الأجسام السماوية ، فإن فيها ~~مذهبين : # مذهب من يرى أن كل كوكب يجتمع منه ومن عدة كرات قد دبرت بحركته جملة جسم ~~كحيوان واحد ، فيكون حينئذ كل واحد من الكرات الكلية التي يتم حركة الكواكب ~~بها ، إنما يتم فعله بعدة أجزاء ذوات حركات ، أي الأفلاك الجزئية كالتداوير ~~والخوارج المركز ، فتكون هي أي الأفلاك الجزئية كالآلات لها ، أي لتلك ~~الأفلاك الكلية. وبعبارة اخرى أن النفس الكلية إنما تعلقت بالفلك الكلي ، ~~وأن ما في الفلك الكلي من الأفلاك الجزئية إنما هي بمنزلة الآلات له. # فعلى هذا المذهب ، وإن كان الجسم الفلكي آليا ، إلا أنه ليس هذا المذهب ~~صحيحا ms389 في نفسه ، لأنه لا يستمر ولا يجري في كل الكرات الفلكية ، لأنه يلزم ~~على هذا المذهب أن لا يكون نفس متعلقة بالأفلاك الجزئية ، والحال أنا نشاهد ~~أن لها حركات خاصة مختلفة مخالفة لحركة الفلك الكلي ، وعندهم أن كل حركة ~~صادرة عن فلك إنما هي حركة نفسانية ، وهذا إذا قلنا بالأفلاك السبعة ~~للكواكب السبعة السيارة لا أزيد. # وأما إذا قلنا بأزيد من ذلك ، كالفلك الثامن للكواكب الثوابت ، والفلك ~~التاسع للحركة اليومية ، كما هو مقتضى الدليل عندهم ، فالأمر أظهر ؛ إذ ~~الفلك التاسع عندهم لا كثرة فيه بوجه ، حتى يمكن أن يكون آليا. وكذلك الفلك ~~الثامن عندهم ، وإن كان فيه الكواكب الثابتة ، لكن تلك الكواكب ليست مما ~~يمكن أن تكون أجزاء وآلات له بها يتم فعله وحركته ، بل إنما ذلك بمجرد جسم ~~ذلك الفلك الثامن. # وحيث كان هذا المذهب غير صحيح في نفسه ، فليس كلامنا في تحديد النفس ~~الأرضية بناء على هذا المذهب ، ولا نبالي خروج النفس الفلكية على هذا ~~المذهب عن الحد أو دخوله فيه ، وإن تكلمنا عليه أيضا وقيدنا الجسم بالآلي ~~في الحد ، حتى تدخل هي فيه ، ثم قيدناه بقولنا : «له أن يفعل أفعال الحياة» ~~بالتفسير الذي فسرنا به أفعال الحياة حتى تخرج عنه ، فلا ضير فيه ، إذ ليس ~~هنا معنى مشترك يشترك فيه النفس الفلكية والنفس الأرضية بأنواعها ، كما ~~سيأتي بيانه. PageV02P080 # ومذهب من يرى أن كل كرة ، كلية كانت أم جزئية ، فلها في نفسها حياة مفردة ~~، ونفس على حدة وخصوصا ؛ ويرى جسما تاسعا ، ذلك الجسم واحد بالفعل لا كثرة ~~فيه ، بل جسما ثامنا أيضا ليست الكواكب فيه بمنزلة الآلات ، فهذا المذهب ~~صحيح كما بينا وجهه. وعليه لا يكون الفلك آليا ، وكلامنا أيضا في تحديد ~~النفس بناء على هذا المذهب ، لكونه صحيحا في نفسه ، وحينئذ فلو قيد الحد ~~بكون الجسم آليا ، وأخرجنا النفس الفلكية عنه ابتداء لعدم كون الفلك آليا. ~~ومع ذلك لو قيدناه بقولنا : «له أن يفعل أفعال الحياة» ، على التفسير الذي ~~فسرناه ، ليكون الإخراج أتم وأظهر ، فلا ضير فيه. ms390 وكذلك لو تركنا ذكر الآلة ~~ولم نقيد الجسم بكونه آليا ، وأخرجناها بالقيد الأخير خاصة ، أي بقولنا : ~~«له أن يفعل أفعال الحياة» ، فلا ضير فيه أيضا ؛ لأن هؤلاء القائلين بهذا ~~المذهب الأخير الصحيح ، بل القائلون بالمذهب الأول غير الصحيح أيضا ، يجب ~~عندهم أن يروا ويعتقدوا أن النفس إذا وقع على النفس الفلكية وعلى النفس ~~النباتية التي هي من جملة المحدود ، فإنها تقع بمحض الاشتراك اللفظي ، من ~~دون أن يكون هناك معنى مشترك بينهما ؛ لأن هذا الحد إنما هو للنفس الموجودة ~~للمركبات أي الأرضية دون البسائط أي الفلكية وأنه إذا احتيل في الحد حتى ~~يشترك الحيوانات والفلك في معنى اسم النفس ، خرج معنى النباتات ونفسها من ~~تلك الجملة. على أن هذه الحيلة صعبة جدا ، ربما يتراءى من صعوبتها أن ~~اشتراك الحيوان والفلك أيضا في وقوع اسم النفس عليهما ، إنما هو بمجرد ~~اشتراك اللفظ. # وبيان صعوبة الحيلة في ذلك ، أن الحيوانات والفلك لا تشترك في معنى اسم ~~الحياة التي أثبتناها للحيوانية بما هي حيوانية ، ولا في معنى اسم النطق ~~الذي أثبتناها للحيوانية بما هى إنسانية ، لأن النطق الذي هاهنا أي في ~~الإنسانية ، يقع على وجود نفس لها العقلان الهيولانيان ، أي العقل بالملكة ~~، وليس هذا مما يصح هناك أي في الفلك ، على ما يرى أنه مقتضى الدليل ~~ومعتقدهم. فإن العقل هناك عقل بالفعل ، والعقل بالفعل ، وإن كان يمكن أن ~~يوجد في الإنسان أيضا ، لكنه غير مقوم للنفس الكائنة جزء حد PageV02P081 # للناطق الذي يطلق على الإنسان ، كما أنه مقوم للنفس الفلكية ، إذ لو كان ~~مقوم لها ، لكان الإنسان الذي يخلو عن العقل بالفعل كما هو الأكثر غير ناطق ~~، وغير ما هو ثابت له النفس الإنسانية ، وأن لا يكون إنسانا ولا ناطقا ، ~~هذا خلف. # بل المقوم له العقلان الهيولانيان اللذان لا يخلو إنسان عنهما ، بل العقل ~~الهيولاني وحده ؛ إذ الانسان ربما يخلو عن العقل بالملكة أيضا ، ومع هذا ~~فهو إنسان وناطق. وكذلك الحس من جملة أفعال الحياة هنا ، أي في الحيوان يقع ~~على القوة التي بها ms391 يدرك المحسوسات على سبيل قبول أمثلتها والانفعال عنها ، ~~وليس هذا أيضا يصح هناك ، أي في الفلك على ما يرى أنه مقتضى الدليل ~~ومعتقدهم. # وبذلك ظهر أن ليس هنا معنى مشترك يشترك فيه الفلك والحيوان مطلقا ، كما ~~أنه ليس هنا معنى مشترك يشترك فيه الفلك والنبات. # ثم إن اجتهد مجتهد ، فجعل النفس كمالا أولا لما هو متحرك بالإرادة ومدرك ~~من الأجسام ، حتى يدخل فيه الحيوانات مطلقا والفلك ، خرج النباتات من هذه ~~الجملة ، لأنه ليس لها ذلك المعنى. # فظهر من ذلك أن ليس هنا معنى مشترك بين النفس الأرضية المتناولة لجميع ~~أنواعها وبين النفس الفلكية ، وأنه حيث كان ذلك الحد حدا للأرضية ، فينبغي ~~إخراج الفلكية عنه. # وهذا الذي ذكرنا هو القول المحصل في ذلك. ومنه يظهر الجواب عن التشكك ~~بالوجه الأول من الطرق الثلاثة الاول ، بالتزام خروج النفس الفلكية عن الحد ~~، وأنها مما ينبغي خروجها عنه لعدم معنى مشترك هنا ، وأن خروجها عن الحد ~~بقولهم فيه : «له أن يفعل أفعال الحياة» إنما هو باعتبار المعنى الذي اريد ~~بأفعال الحياة كما ذكر ، لا باعتبار إسناد الفعل إليه بطريق الإمكان ، كما ~~توهمه بعض ، فإن ذلك جار في الفلك أيضا ، على ما فسرنا العبارة فيظهر منه ~~أنه أيضا في جواب التشكك ، حمل العبارة على ما حملنا عليه ، كما أن المتشكك ~~أيضا حملها عليه. PageV02P082 ### ||| ** نكته # وحيث عرفت ذلك ، فاعلم أن هذا الجواب كأنه لا يفي بحل هذا التشكك من ~~الطريق الرابع ، ولا يظهر منه أن الجواب عنه ما ذا؟ # وأقول : لعل الجواب عنه التزام كون التغذي ونحوه من أفعال النبات حياة ، ~~أو من جملة أفعال الحياة ، وأما أنهم لا يسمون النبات حيوانا ، فلعل وجهه ~~أن مناط التسمية بالحيوان ، إما إمكان صدور جميع أفعال الحياة عنه كما في ~~الإنسان ، أو إمكان صدور أكثرها أو معظمها عنه كما في الحيوان غير الإنسان ~~، وإما إمكان صدور بعض منها قليل كما في النبات ؛ فلعله لم يكن منشأ ~~التسمية بالحيوان. # فان قلت : ما ذكرت من أن اشتراك اسم النفس بين الفلك ms392 والنبات ، بل بين ~~الفلك والحيوان اشتراك لفظي ، وأن ليس هنا معنى مشترك ، إنما هو مبني على ~~ما حددت به النفس ، كما ذكرت ؛ فلعلها إذا حدت بوجه آخر ، كان هناك معنى ~~مشترك. فمن أين يحصل الجزم بعدم وجود معنى مشترك هنا كما ادعيت؟ # قلت : من البين أنه لا يكون لحقيقة واحدة حدان مختلفان ، فإن الحد عين ~~المحدود ، وإن كان التفاوت بينهما بالإجمال والتفصيل. وكما أنه لا يمكن أن ~~يكون حقيقة واحدة حقيقتين مختلفتين ، كذلك لا يمكن أن يكون لحقيقة واحدة ~~حدان مختلفان. ومن البين أيضا أن ما ذكره الشيخ بقوله (1): «كمال أول لجسم ~~طبيعي آلي له أن يفعل أفعال الحياة». تعريفا للنفس من حيث هي نفس ، حد لها ~~من هذه الجهة ، كما عرفت بيانه ، فلا يكون غير ذلك حدا لها ، بل إنما يكون ~~ذلك لو كان هنا تعريف آخر غير ذلك ، رسما لها أو تعبيرا عنها او تعيينا ~~للمسمى بها بوجه إيجابي أو سلبي ، من غير أن يكون حدا لها. # ووجود معنى مشترك في هذه التعبيرات والرسوم ، كما في قول الشيخ فيما تقدم (2): PageV02P083 # «إن (2) كل ما يكون مبدأ لصدور أفاعيل ليست على وتيرة واحدة عادمة ~~للإرادة» ، على ما فسرناه ولخصنا معناه ، وهو أتم التعبيرات عنها وأحسنها ، ~~لا يزيل الاشتراك اللفظي ؛ إذ المقصود حصول ذلك الاشتراك بحسب ما هو حد ~~للنفس ، وتلك الرسوم والتعبيرات ليست بحد. # على أن بعض تلك الرسوم والتعبيرات ، وإن كان يشمل الفلكية أيضا ، لكنه ~~مخل من وجه آخر. كما إذا قيل : إنها مبدأ لصدور فعل ما ، إذ يدخل فيه صور ~~البسائط والعنصريات ، وبعضها مما هو مخل من وجه آخر. كما إذا قيل : إنها ~~مبدأ لصدور فعل مع الإرادة ، إذ يخرج عنه حينئذ النفس النباتية ، وبعضها ~~مما لا يشمل الفلكية على المذهب الصحيح ، كما إذا قيل : إنها مبدأ لصدور ~~أفعال مختلفة مع الإرادة ، إذ ليست أفعال الفلكية على المذهب الصحيح من أن ~~لكل فلك نفسا مفردة نهج مختلفة ، بل هي على نهج واحد على ما قالوا. وهذا ~~أيضا يؤيد ms393 الاشتراك اللفظي ، وأما على المذهب غير الصحيح من أن النفس إنما ~~هي متعلقة بالفلك الكلي ، وأن الأفلاك الجزئية المختلفة في الحركات بمنزلة ~~الآلات لها ، فأفعال الفلكية وإن كانت مختلفة ، وكذا هذا التعريف وإن كان ~~مشتملا على معنى مشترك بين الفلكية والأرضية ، لكنه حيث كان رسما ، فلا ~~يزيل ذلك كون اسم النفس واقعا عليهما باشتراك اللفظ ، بحسب ما هو حد للنفس ~~، كما عرفت. ### | كلام مع المحقق الطوسي وغيره # وحيث تحققت ما ذكرناه ، فاعلم أن ما ذكره بعضهم كالمحقق الطوسي في شرح ~~الإشارات والتجريد وتبعه فيه كثير من القوم في تحديد النفس من حيث هي نفس ، ~~من أنها كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة (1): حيث غيروا قول الشيخ ~~في الحد : «له أن يفعل أفعال الحياة» ، بقولهم : «ذي حياة بالقوة». PageV02P084 # إن كان مرادهم به ما دل عليه عبارة الشيخ كما بينا معناها ، فلا كلام ~~معهم في كون هذا حدا للنفس مطابقا لما ذكره الشيخ ، إلا أن تطبيق ما ذكروه ~~على ما ذكره يحتاج إلى تكلف بالغ ؛ لأنه حينئذ يكون معنى قولهم هذا ، أن ~~النفس كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالفعل ، يكون صدور أفعال الحياة ~~عنه بالقوة ، أي ممكنا ، كما ذكرنا في معنى قول الشيخ. # وإن كان مرادهم به ما يتبادر من ظاهر قولهم هذا ، أن النفس كمال أول لجسم ~~طبيعي آلي ذي حياة ، يكون حياته بالقوة بالفعل ؛ فهذا ليس بصحيح في نفسه ، ~~لأنه يخرج عنه جميع ما قصدوا تحديده ، أي النفس الأرضية بجميع أنواعها. لأن ~~حياة الجميع إنما هي بالفعل لا بالقوة ، سواء اريد بالحياة عين النفس بناء ~~على تسمية النفس بالحياة كما وقع في عبارة بعضهم ، وادعاه المتشكك في ~~التشكك بالوجه الثاني او اريد بها كون الشيء موجودا فيه مبدأ يصدر عنه ~~أفعال الحياة ، أو اريد بها كون الشيء بحيث يصح صدور تلك الأفعال عنه ، كما ~~سيأتي تفسيرها في كلام الشيخ. فإن جميع ذلك حاصل للجسم ذي النفس بالفعل لا ~~بالقوة ، وأما إذا اريد بالحياة تلك الأفعال أنفسها ms394 كما وقع في كلام ~~المتشكك بالوجه الأول فتلك الأفعال ، وإن كانت تارة بالفعل وتارة بالقوة ، ~~لكنها ليس يلزم كونها بالقوة البتة ، كما يدل عليه ظاهر تلك العبارة. # وإن كان مرادهم به ما فهمه بعضهم منه ، كالشارح القوشجي في شرح التجريد ، ~~حيث ذكر : «إن المراد به ما يمكن أن يصدر عنه ما يصدر عن الأحياء ولا يكون ~~ذلك الصدور دائما ، بل قد يكون بالقوة (1)» وادعى أنه بهذا القيد يخرج ~~النفس الفلكية على المذهب غير الصحيح ، أي على رأي من يجعل الفلك آليا ، ~~لأن ما يصدر عنها يكون دائما ، لا كأفاعيل النفس الأرضية ، حيث قد تكون ~~بالقوة ، كما أنه يخرج بقيد كون الجسم آليا النفس الفلكية على المذهب ~~الصحيح ، أي على تقدير عدم كون الفلك آليا. # فهذا المعنى الذي فهمه بعيد عن تلك العبارة بمراحل ، لا يستقيم حملها ~~عليه عند من له أدنى معرفة بأساليب الكلام. PageV02P085 # فيظهر مما ذكرنا ، أن تغيير عبارة الشيخ بما ذكره هؤلاء تغيير مخل ، وأن ~~فهم المعنى المقصود منه لا يخلو عن سماجة وركاكة ، وأن الأحسن ما ذكره ~~الشيخ ، وأن إخراج النفس الفلكية بما ذكره من القيد إنما هو من جهة تفسير ~~أفعال الحياة بما فسر ، كما دل عليه عبارته. وادعاه هو نفسه ، وقبله منه ~~المتشكك : لا يكون تلك الأفعال بالإمكان أو بالقوة ، فاعرف ذلك. # وحيث عرفت ذلك ، وعرفت أن الحد الجامع المانع للنفس الأرضية المتناولة ~~للنباتية والحيوانية والإنسانية هو ما ذكر ، تحصل لك أنه : # إن أريد تحديد النفس الأرضية النباتية على حدة ، ينبغي أن يقال : إنها ~~كمال أول لجسم طبيعي آلي له أن يفعل بعض أفعال الحياة ، أي التغذية ~~والتنمية والتوليد فقط. # وإن أريد تحديد الحيوانية على حدة ، ينبغي أن يقال بعد قولهم : «آلي» : ~~له أن يفعل أكثر أفعال الحياة ، أي أن يفعل مضافا إلى أفعال النباتية الحس ~~والحركة الإرادية فقط من جملة أفعال الحياة. # وإن أريد تحديد الإنسانية على حدة ، ينبغي أن يقال بعد قولهم : «آلي» : ~~له أن يفعل أفعال الحياة كلها ، أي أن يفعل مضافا ms395 إلى أفعال النباتية ~~والحيوانية النطق والتعقل الكلي. # وإن اريد تحديد الفلكية ، ينبغي أن يقال : إنها كمال أول لجسم طبيعي له ~~أن يفعل الإدراك والحركة الدائميين اللذين يتبعان تعقلا كليا حاصلا بالفعل. # وهذا إذا اريد تحديدها على المذهب الصحيح. وإن اريد تحديدها على المذهب ~~غير الصحيح ، ينبغي أن يزاد قولنا : «آلي» بعد قولنا : «لجسم طبيعي» في هذا الحد. # وهذا كله ظاهر ، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. # وقوله (1): «وأما أمر الحياة والنفس ، فمثل (2) الشك في ذلك على ما نقول ~~: إنه قد صح أن PageV02P086 # الأجسام يجب أن يكون فيها مبدأ الأحوال المعلومة المنسوبة إلى الحياة ~~بالفعل» الى آخر ما ذكره. # هذا جواب عن التشكك من الوجه الثاني ، وحاصله ؛ أن المفهوم عند الجمهور ~~من لفظة الحياة المقولة على الحيوان ليس معنى النفس ، نعم لو اصطلح أحد ~~وسمى مسمى النفس بحياة ، فلا مناقشة معه ، وتحرير كلامه بحيث يتضمن شرح نبذ ~~من الدقائق التي يمكن أن تنفهم منه ، بأن يقال : وأما أمر الحياة والنفس ~~والشك في ذلك بتجويز اتحادهما ، فمثل الشك في ذلك ، أي حاله ، وكذا حال حله ~~مبني على الوجه الذي نقول : إنه قد صح أن الأجسام يجب أن يكون فيها مبدأ ~~الأحوال المعلومة المنسوبة إلى الحياة بالفعل ، يعني أن هاهنا مقدمة حقة ~~بينة مما تقدم ، هي أن الأجسام التي أثبتنا النفس لها ، أي النبات والحيوان ~~والإنسان ، يجب أن يكون فيها مبدأ الأحوال المعلومة المنسوبة إلى الحياة ~~بالفعل ، أي يجب أن يكون فيها نفس هي كمال أول لها ومبدأ لتلك الأفعال التي ~~قلنا إنها أفعال الحياة ونسبناها إلى الحياة على سبيل الإضافة إليها ، ~~فالمتشكك كأنه بنى تشككه على أحد أمرين ينشئان من هذه المقدمة : # الأول أنه حيث رأى أنه يضاف تلك الأفعال إلى الحياة ، ورأى أن كون النفس ~~مبدأ لتلك الأفعال يستلزم إضافتها إلى النفس أيضا أي القول بأنها أفعال ~~النفس وإضافتها إليها رأى أن إضافتها إلى الحياة ينبغي أن تكون بالمعنى ~~الذي هو المراد في إضافتها إلى النفس ، وحيث كانت إضافتها إلى النفس إضافة ms396 ~~ظاهرة في المغايرة بين المضاف والمضاف إليه ، أي اللامية ، وفي كون المضاف ~~إليه أي النفس مبدأ وسببا للمضاف ، أي تلك الأفعال ، وكون تلك الأفعال ~~مستندة إلى النفس مسببة عنها ، إذ ليست تلك الأفعال عين النفس ، بل غيرها ~~مستندة إليها. # فكذلك ينبغي أن تكون إضافتها إلى الحياة بهذا المعنى ، وإذا كانت بهذا ~~المعنى ، فيكون النفس والحياة واحدة بالحقيقة ، عبر عنها تارة بالكمال ~~الأول ، وتارة بالنفس ، وتارة بالحياة ؛ حيث فرضت كل واحدة منهما مبدأ لتلك ~~الأفعال بمعنى واحد ، والحال أنه PageV02P087 # لا يكون لأمر واحد مبدءان بمعنى واحد مختلفان بالحقيقة. # والأمر الثاني ، أنه حيث رأى انتساب تلك الأفعال إلى الحياة تارة ، وإلى ~~النفس أخرى ، ورأى أن كل ذي نفس فهو ذو حياة ، وبالعكس ، رأى من ذلك اتحاد ~~النفس والحياة. فهذا هو بيان تشكك المتشكك في ذلك. # وأما بيان حله على الإجمال ، فهو أن يقال : إن ما ذكرته إنما يصح إذا كان ~~معنى النفس ومعنى الحياة واحدا ، وأما إذا لم يكن واحدا فلا ، يعني أن ~~العمدة في الحكم باتحاد النفس والحياة هو وحدة معنييهما ، إذ مع اختلاف ~~معنييهما كما هو الحق عند الجمهور لا يصح الحكم بذلك أصلا ، وهذا ظاهر. # وأما جعل الإضافة ونسبة الأفعال تارة إلى النفس ، وتارة إلى الحياة ، ~~منشأ للاتحاد ، فلا وجه له أيضا أصلا ، لأنه يمكن أن يكون الإضافة إلى ~~الحياة بيانية ، كما يظهر من المتشكك نفسه في التشكك الأول ، وإلى النفس ~~لامية ، كما ادعاه هنا. وعلى تقدير كون الإضافة في كليهما لامية ، فيمكن أن ~~يكون الإضافة إلى النفس لامية ، بمعنى استناد تلك الأفعال إليها وكونها ~~مبدأ لها ، وإلى الحياة بمعنى غير ذلك من نوع ملابسة يصح معها الإضافة ~~اللامية ، كما سنشير إليه. # وعلى تقدير أن تكون في كل منهما بمعنى المبدئية ، فحينئذ إن اريد بها ~~المبدئية التامة ، فيمكن أن تكون في إحداهما بمعنى المبدئية القريبة ، وفى ~~الاخرى بمعنى المبدئية البعيدة. وإن اريد بها المبدئية الناقصة ، فيمكن أن ~~تكونا في مرتبة واحدة. # وعلى كل تقدير ، فلا يمكن الاستدلال بإضافة شيء ms397 إلى شيئين على اتحاد ذينك ~~الشيئين ، كما يتراءى من المتشكك. كما أنه لا يمكن بكون النفس حاصلة لكل ما ~~له الحياة حاصلة ، الحكم بكونها متحدتين كما يتراءى ذلك منه أيضا. إذ يمكن ~~أن يكون لشيء واحد شيئان : أحدهما غير الآخر ، بل العمدة في الحكم باتحاد ~~النفس والحياة ، اتحادهما في الواقع ، وهو ممنوع هنا ، بل الواقع خلافه. # وأما بيان الحل على التفصيل ، أنه إن اصطلح أحد ، وسمى مسم مبدأ الأحوال PageV02P088 # المعلومة ومصدر الأفعال المنسوبة إلى الحياة ، حياة ؛ لم يكن معه حيث لا ~~مناقشة في الاصطلاح مناقشة في هذه التسمية ، وفى كون إضافة تلك الأفعال إلى ~~النفس وإلى الحياة بمعنى واحد ، هو كون تلك الأفعال مستندة إلى الشيء الذي ~~يسمى تارة نفسا ، واخرى حياة ، وكونه مبدأ لها ، وفي أن كون ذي نفس ذا حياة ~~وبالعكس ؛ يستلزم اتحادهما حينئذ. # وأما المفهوم عند الجمهور من لفظة الحياة المقولة على الحيوان ، فهو ~~أمران غير معنى النفس : أحدهما كون الشيء أي الجسم موجودا فيه مبدأ أي نفس ~~يصدر عنه تلك الأحوال والأفعال المعلومة ، أو كون الشيء أي الجسم بحيث يصح ~~صدور تلك الأحوال والأفعال عنه. # فأما المعنى الأول من المعنيين ، فمعلوم أنه ليس معنى النفس بوجه من ~~الوجوه ، إذ كون الشيء موجودا فيه النفس لا يكون عين النفس ، بل يكون حينئذ ~~النفس أمرا آخر غير ذلك الكون ، وغير ذلك الشيء الكائن الذي قد فرض موجودا ~~فيه النفس. # وأما المعنى الثاني ، فيدل على معنى أيضا غير معنى النفس ، وذلك لأن كون ~~الشيء بحيث يصح أن يصدر عنه شيء أو يوصف بصفة ، لكون الجسم هنا بحيث يصدر ~~عنه تلك الأحوال ، أو يوصف بأنه مبدأ لتلك الأحوال يكون على وجهين : # أحدهما أن يكون في الوجود أي الموجود هناك شيئا آخر أيضا غير ذلك الكون ~~نفسه ، وغير ذلك الكائن على تلك الحيثية ، يصدر عن ذلك الكائن على تلك ~~الحيثية بانضمام ذلك الشيء الآخر ، الذي هو كمال للشيء الأول ، ما يصدر عنه ~~من تلك الأفعال والأحوال. # وهذا مثل كون السفينة بحيث ms398 يصدر عنها منافع السفينة ، فإن ذلك مما يحتاج ~~إلى الربان الذي هو كمال السفينة ، وإلى انضمامه إليها ؛ حتى يحصل ويتم هذا ~~الكون. ولا يخفى أن هذا الربان وهذا الكون ليسا شيئا واحدا بالموضوع والذات ~~، وكذا ليس الربان وهذا الكائن بهذا الكون شيئا واحدا بالموضوع ، بل إن ~~الربان مغاير بالموضوع والحقيقة PageV02P089 # لذلك الكون ، وكذا لذلك الكائن. # ولا يخفى أيضا أن ما نحن فيه من هذا القبيل ، لأن كون الجسم بحيث يصح أن ~~يصدر عنه تلك الأحوال المعلومة مما يحتاج إلى أمر آخر هو الكمال له ، ويتم ~~به هذا الكون ، وهو الذي سميناه نفسا ، كما تقدم بيان ذلك كله. وظاهر أنه ~~مغاير بالموضوع لذلك الكون الذي قلنا إنه حياة ، وكذا للجسم الكائن بهذا ~~الكون ، فيكون معنى الحياة على هذا الوجه أيضا غير معنى النفس البتة. # والوجه الثاني من الوجهين ، أن لا يكون هنا شيء غير هذا الكون وغير هذا ~~الكائن في الموضوع والحقيقة ، مثل كون الجسم بحيث يصدر عنه الإحراق عند من ~~يجعل نفس هذا الكون الحرارة ، حتى يكون وجود الحرارة في الجسم هو وجود هذا ~~الكون. وكذلك وجود النفس للجسم هو وجود هذا الكون له على ظاهر الأمر ، لو ~~كان من هذا القبيل. إلا أن ذلك لا يستقيم في النفس ، لأنك قد عرفت فيما ~~تقدم ، أن ذلك في النفس إنما يستقيم على الوجه الأول دون هذا الوجه. حيث ~~عرفت أن كون الجسم بحيث يصدر عنه تلك الأفعال المعلومة يحتاج إلى انضمام ~~أمر آخر هو غير ذلك الكون أي النفس حتى يتم به هذا الكون ، فليس المفهوم من ~~هذا الكون ومن النفس شيئا واحدا ، وكيف لا يكون كذلك ، والحال أن المفهوم ~~من هذا الكون الموصوف لا يمنع أن يسبقه بالذات كمال ومبدأ تم للجسم هذا ~~الكون ، والمفهوم من الكمال الأول الذي رسمناه وحددنا به النفس يمنع أن ~~يسبقه بالذات كمال آخر ، لأن الكمال الأول حيث فرض أول ليس له مبدأ وكمال أول. # وأيضا المفهوم من الحياة بالمعنى الأول أو المعنى الثاني ، بالوجه ms399 الأول ~~أو الثاني ، أمر إضافي عرض في موضوع والنفس كما سيأتي بيان حقيقتها جوهر لا ~~في موضوع ، وأحدهما غير الآخر البتة. وإنما يتعرض الشيخ لهذا الوجه ، لأنه ~~لم يبين بعد جوهريتها. وكيف ما كان ، فليس إذن المفهوم من الحياة والنفس ~~أمرا واحدا بالذات ، إذا عنينا بالحياة ما يفهمه الجمهور ، وهو معناها ~~عندهم كما عرفت. نعم لو عنينا بالحياة أن تكون لفظة مرادفة للنفس في ~~الدلالة على الكمال الأول ، واصطلاحنا على ذلك ، لم يناقش فيه ؛ PageV02P090 # وكانت الحياة حينئذ اسما لما كنا وراء إثباته من هذا الكمال الأول. وهذا ~~هو تحرير كلامه. # وظهر منه أن النفس والحياة أمران متغيران بالحقيقة ، لا أمر واحد كما ~~ادعاه المتشكك. # ويظهر منه أيضا أن النفس ، كما أنها مبدأ لتلك الأفعال والأحوال المعلومة ~~بالذات ، كذلك هي علة لحصول ذلك الكون ، الذي هو معنى الحياة لذلك الجسم ~~الذي له النفس. # وأن ذلك الجسم أيضا مصدر لتلك الأفعال ، لكن لا بالذات ، بل بتوسط النفس. ~~كما أنه متعلق الحياة والنفس. # وأنه إذا اضيفت الأفعال إلى النفس تكون الإضافة لامية ، بمعنى أن تلك ~~الأفعال مستندة إلى النفس ، وهي مبدأ لها بالذات. # وأنها إذا اضيفت إلى ذلك الجسم تكون لامية أيضا ؛ بمعنى أنه مصدر لها ~~بواسطة النفس. # وكذلك إذا اضيفت الحياة إلى النفس تكون لامية أيضا ، بمعنى أنها معلولة ~~للنفس ، وهي علة لها. # وإذا أضيفت إلى ذلك الجسم تكون لامية أيضا ، بمعنى أنها حاصلة له ، كما ~~إذا اضيفت النفس إليه. # واما إذا اضيفت تلك الأفعال إلى الحياة ، فتلك الإضافة لا تكون بيانية ~~كما يفهم من المتشكك في التشكك الأول إذ ليست تلك الأفعال من جنس الحياة ~~التي عرفت أنها الكون الموصوف ، بل لامية أيضا ، لكن لا بالمعاني المذكورة ~~، بل بمعنى أنها ملابسة للحياة ومصاحبة معها ملازمة لها ، حيث إن كلا من ~~الحياة وتلك الأفعال متلازمتان ، بمعنى أنهما معلولتا علة واحدة هي النفس. # ويظهر منه أيضا أن ما وقع في كلام بمعنى الأقدمين من أن النفس حياة ، كان ~~معناه أن النفس محيية للبدن ms400 ومنشأ لحصول الحياة له حتى كأنها نفس الحياة ، ~~وقد أشرنا إلى ذلك PageV02P091 # فيما سبق في مبحث بقاء النفس. # فهذا القول منه أيضا لا يمكن أن يكون منشأ للتشكك المذكور ، وادعاء أن ~~النفس نفس الحياة ومتحدة معها بالذات ؛ فتبصر. # ثم إن قول الشيخ (1): «وقد فرغنا الآن عن (3) معنى الاسم الذي يقع على ~~الشيء الذي سمي نفسا بالإضافة (4) له ، فبالحري أن نشتغل بإدراك ماهية (5) ~~هذا الشيء الذي صار بالاعتبار المقول نفسا». # يعني أنه بذلك الكلام الطويل قد فرغنا عن بيان معنى اسم النفس وتحديدها ~~بحسب ما لها إضافة إلى البدن ، وحيث كان هذا التحديد لا يفيد بيان حقيقتها ~~بالنظر إلى ما لها في نفسها ، ولا يتبين منه أن الكمال الأول الذي رسمناه ، ~~أهو في ذاته جوهر أم عرض؟ وعلى تقدير كونه جوهرا ، هل هو جوهر مجرد عن ~~المادة أم مادي سماوي أم أرضي؟ وبالجملة لا يتبين منه بيان ماهيتها في ~~ذاتها ، كما عرفت وجهه ، والحال أن هذا البيان أيضا مقصودنا. فبالحري أن ~~نشتغل بإدراك ماهية هذا الشيء الذي صار بالاعتبار المقول نفسا ، أي بتحقيق ~~حقيقته في نفسه التي هي حقيقته في حد ذاتها ، وهي صارت باعتبار القول بأنها ~~كمال أول نفسا متعلقة بالبدن ، مدبرة له ، كما حققه فيما بعد هذا الفصل ، ~~أنها جوهر مجرد من شأنها كذا وكذا ، ومن حالها كيت وذيت ، وسنشير إليه إن ~~شاء الله تعالى. # وقوله (2): «ويجب أن نشير في هذا الموضع إلى إثبات وجود النفس التي لنا ~~إثباتا على سبيل التنبيه والتذكير» إلى آخره # معناه أنه يجب أن نشير في هذا الموضع إلى اثبات وجود النفس التي لنا ، أي ~~النفس الناطقة الإنسانية ، أي إثبات إنيتها إثباتا لا على طريق الاكتساب من ~~حد أو رسم أو دليل ، بل إثباتا ضروريا بديهيا يحتاج إلى تنبيه وتذكير. PageV02P092 # [قوله : ] «إشارة شديدة الموقع (1) عند من له قوة على ملاحظة الحق نفسه من ~~غير احتياج إلى تثقيفه وتسويته وقرع عصاه وصرفه عن المغلطات» : # أي عند من له قوة ملاحظة على الحق ، ولا يكون اعوجاج ms401 في رأية وعدم ~~استقامة في فكره ، حتى يحتاج إلى تسويته وتعديله ، ولا يكون عادلا عن طريق ~~الحق ، حتى يحتاج إلى ضربه بالعصا حتى يتنبه ويجيء إلى سبيل الحق ، أو إلى ~~ضرب عصاه ، حتى يجد الطريق ويستشعر به كالأعمى. ولا يكون واقعا في الغلط ، ~~حتى يحتاج إلى صرفه عما يوقعه فى الغلط. # ثم إن غرضه من هذه الإشارة يحتمل أحد أمرين : # احدهما أن ما تقدم من إثبات وجود النفس ، لما كان إثباتا بطريق الكسب ، ~~واستدلالا من آثارها عليها ، ومن جهة مشاهدة أفعالها على وجودها ، فيجب هنا ~~أن نشير إلى اثبات وجودها إثباتا بديهيا ، ليتأكد العلم بوجودها ، ويزيد ~~اليقين بثبوت إنيتها ؛ ويتضمن مع ذلك بعض ما نريد بيانه هنا ، من كونها ~~مغايرة للبدن ولجميع أجزائه وقواه ، بل لكل ما يدرك بالحواس الظاهرة ~~والباطنة ، وبذلك يتضمن كونها جوهرا مجردا عن المادة أيضا ، كما يتضمنه هذا ~~الإثبات في هذه الإشارة ، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # الثاني أنه لما كان تحديد الشيء والعلم بحقيقته متوقفا على العلم بوجوده ~~، وكان ما تقدم تحديدا للنفس من جهة ما لها إضافة ما إلى البدن ، فلذا ~~اكتفينا فيه بإثبات وجودها من هذه الجهة ، أي من جهة آثارها وأفعالها في ~~البدن. وأما نحن فى هذا المقام ، حيث كنا بصدد تحقيق حقيقة النفس في ذاتها ~~، وتحصيل العلم بها من هذه الحيثية ، وأنها جوهر مجرد من شأنه كذا وكذا ، ~~ومن حالها كيت وذيت ؛ فيجب علينا أن نشير إلى إثبات وجودها من حيث ذاتها ~~بذاتها ، حتى نحقق بعد ذلك حقيقتها من هذه الجهة. # وعلى الوجهين فتخصيص هذا الإثبات بوجود النفس الإنسانية ، مع أن ما تقدم ~~منه كان عاما ، يعم إثبات النفس الأرضية مطلقا. PageV02P093 # إما لأن الإثبات بهذا الوجه الضروري التنبيهي إنما يكون في النفس ~~الإنسانية فقط ، لأن ذلك التأمل والتوهم والملاحظة إنما يكون للإنسان دون ~~النبات والحيوان ، يعني أن هذا التنبه إنما هو معلوم الحصول للإنسان دون ~~غيره ، فإنه في غيره غير معلوم وإن كان عدمه غير معلوم أيضا. # وإما لأن الغرض ms402 الأصلي هو إثبات وجود النفس الإنسانية وبيان أحوالها ، ~~وأما النباتية والحيوانية فبالعرض وبتبعية بيان حال الإنسانية ، حيث إنهما ~~أيضا موجودتان للإنسان أيضا. # وإما لأن هذا الإثبات ، وإن كان في أول النظر مخصوصا بالإنسان وبالنفس ~~الإنسانية ، إلا أنه في النظر الثاني الأدق ، حيث يثبت أن النفس الإنسانية ~~ذات واحدة بالحقيقة ، لها اعتبارات مختلفة ؛ باعتبار تكون إنسانية ، ~~وباعتبار تكون حيوانية ، وباعتبار تكون نباتية كما سبقت الإشارة إليه فيما ~~تقدم ، وسيجيء زيادة تحقيقه يكون هذا الإثبات عاما للجميع ، فتدبر. # وقوله (1): «فنقول : يجب أن يتوهم الواحد منا كأنه خلق دفعة» إلى آخره . # إشارات إلى هذا الإثبات. وتحريره : أنه يجب في هذه الإشارة أن يتوهم ~~الواحد منا كأنه خلق دفعة ، أي أول خلقه حتى لا يكون له تذكر أصلا لشيء ~~مطلقا ، وخلق كاملا ، أي صحيح العقل حتى يمكنه التنبه لذاته ، وصحيح الهيئة ~~لئلا يؤذيه مرض ، فيدرك حالا لذاته غير ذاته ، لكنه حجب بصره عن مشاهدة ~~الخارجات عن ذاته ، أي بحيث لا يبصر أجزاءه ولا شيئا غيرها ، لئلا يدرك ~~شيئا من هذه ، فيحكم بأن ذاته هو ؛ وخلق يهوي ويسقط في هواء ، أي في هواء ~~طلق غير محسوس بكيفية غريبة من حر أو برد أو خلاء ، هويا لا يصدمه فيه قوام ~~الهواء صدم ما يحوج إلى أن يحس ، حتى يحس بصدمه أو كيفيته. # وبالجملة بشيء خارج عن جسده أيضا ، لئلا يحكم بأن ذلك ذاته أو جزء ذاته ، PageV02P094 # وفرقت بين أعضائه فلم تتلاق ولم تتماس ، بل كانت مفرقة في ذلك الهواء ~~لئلا يحس بأعضائه ، ثم يتأمل أنه هل يثبت وجود ذاته؟ ولا شك أنه لا يشك ~~حينئذ في اثباته لذاته موجودا ، ولا يثبت مع ذلك طرفا من أعضائه الظاهرة ، ~~ولا باطنا من أحشائه وأعضائه الباطنة ، ولا قلبا ولا دماغا ولا شيئا من ~~الأشياء من خارج ، بل كان يثبت ذاته ، ولا يثبت لها طولا ولا عرضا ولا ~~عمقا. ولو فرضنا أنه أمكنه في تلك الحال أن يتخيل شيئا مما ذكر أو عضوا آخر ~~، فلا شك أنه لم يتخيله جزءا ms403 من ذاته ولا شرطا في ذاته ، وأنت تعلم أن ~~المثبت غير الذي لم يثبت ، وأن المقر به غير الذي لم يقر به. فإذن للذات ~~التي أثبت وجودها خاصية هي أنها مثبتة ، وهي ذات ذلك المتنبه المتوهم ~~المتأمل المفروض بعينه غير جسمه وغير أعضائه وغير شيء آخر خارج ، وبالجملة ~~غير ما لم يثبته أيا كان. # ثم إن ذلك المتأمل المتنبه ، لو تأمل أدنى تأمل ، تنبه لأنه ليس هذا ~~الذات التي أثبت وجودها سوى نفسه ، فيحصل له سبيل على التنبه على وجود ~~النفس له شيئا غير جسمه وبدنه وأعضائه ومزاجه وأعراضه ، بل غير ما هو غير ~~لهذا الجسم من الأشياء الخارجة. # ويجب أن يكون عارفا بذلك مستشعرا له ، فإنه مع ذلك التنبه لو كان ذاهلا ~~عنه ، كان أعمى القلب ضالا عن السبيل السوي ، ككثير من العوام وأصحاب ~~الطبائع الكثيفة المتورطين في الجهالات ، يحتاج إلى أن يقرع عصاه حتى يهتدي ~~إلى السبيل ، ويشهد بذلك ما نقل عن أرسطو. # إنه سئل أنه كيف تعمى النفس عن معرفة نفسها وهي أم الحكمة؟ # فقال : إذا غابت الحكمة عن النفس ، عميت عن نفسها وغيرها كما يعمى البصر ~~عن نفسه وغيره اذا غاب عنه المصباح. # فحاصل هذه الإشارة : أنه من الفروض الممكنة غير الممتنعة أن يفرض الإنسان ~~كونه في أول الخلقة صحيح العقل والهيئة ، في هواء طلق أو خلاء ، منفرج ~~الأعضاء غير متلامسها ، وغير مستعمل للحس في شيء أصلا ، فإنه حينئذ يكون ~~واجدا لذاته ولنفسه ، مثبتا لها مستشعرا إياها وفاقدا غير مستشعر وغير مثبت ~~لكل شيء سواها ، وغافلا عن PageV02P095 # كل شيء كأعضائه الظاهرة والباطنة ، وككونه جسما ذا أبعاد ، وكحواسه وقواه ~~ومزاجه وأعراضه ، وكالأشياء الخارجة عنه جميعا ، إلا عن ثبوت ذاته ونفسه ~~فقط التي يشير إليها بقوله : «أنا». # وبعبارة اخرى ، يمكن أن يفرض أن إنسانا خلق دفعة واحدة ، وخلق متباين ~~الأطراف ولم يبصر أطرافه ، واتفق أن لم يمسها ولا تماست ، ولم يسمع صوتا ~~ولا استعمل حسا من الحواس الظاهرة والباطنة ، بحيث جهل وجود جميع أعضائه ~~وغيرها ، وعلم وجود إنيته ms404 شيئا واحدا مع جهله جميع ذلك. # فإذن يحصل له إدراك هو أوضح الإدراكات وأجلاها ، وعلم ضروري غير مكتسب من ~~حد أو رسم أو حجة أو برهان بوجود نفسه لنفسه ، وكونها مغايرة لجميع ما ذكر ~~، حيث إن الموجود غير المفقود ، والمعلوم غير ما ليس بمعلوم ، والمشهور به ~~غير المغفول عنه ، والمثبت غير ما ليس بمثبت. # وهذا الذي ذكرناه إنما هو تحرير كلامه في ذلك في الشفاء ، وسنزيده ~~توضيحا. # وأما هو في الإشارات فقد ذكر هذه الإشارة وهذا التنبيه هكذا : (1) # «تنبيه : # ارجع إلى نفسك وتأمل هل إذا كنت صحيحا؟ بل وعلى بعض أحوالك غيرها ، بحيث ~~تفطن للشيء فطنة صحيحة ، هل تغفل عن وجود ذاتك ولا تثبت نفسك؟ ما عندي أن ~~هذا يكون للمستبصر ، حتى أن النائم في نومه ، والسكران في سكره ، لا يعزب ~~ذاته عن ذاته ، وإن لم يثبت تمثله لذاته في ذكره ، ولو توهمت أن ذاتك خلقت ~~(2) أول خلقتها (3) صحيحة العقل والهيئة ، وفرض (4) أنها على جملة من الوضع ~~والهيئة لا تبصر أجزاؤها ولا تتلامس أعضاؤها ، بل هي منفرجة ومعلقة لحظة ما ~~في هواء طلق ، وجدتها قد غفلت عن كل شيء الا عن ثبوت إنيتها». PageV02P096 # وحاصل ما ذكره فيه يرجع إلى ما في «الشفاء» ، إلا أنه اقتصر في «الشفاء» ~~على فرض حالة للإنسان يكون هو في مثل تلك الحالة غافلا البتة عن كل شيء ~~غيره ، أي غير ذاته ونفسه ، ولا يكون غافلا عن ذاته ، بل يكون مستشعرا له ~~البتة ، كما عرفت بيانه. # وأما هو في «الإشارات» ، فقد بين أولا أن الإنسان إذا كانت له فطنة صحيحة ~~، فهو لا يغفل عن ذاته وإثبات إنية ذاته في شيء من الحالات ، وإن كان يغفل ~~عما سوى ذاته. # ثم ازداد إيضاحا ، وترقى عن ذلك ، ففرض تلك الحالة التي يغفل الإنسان ~~فيها البتة عما سوى ذاته ، ولا يغفل عن ذاته وثبوت إنية ذاته البتة. ~~وتحريره : أنه من المعلوم الضروري الوجداني الذي يجد الإنسان من نفسه إذا ~~كان مستبصرا وكانت له فطنة صحيحة ، أنه لا يغفل عن وجود ms405 ذاته ، ولا يعزب ~~ذاته ونفسه عن ذاته في شيء من الحالات ، سواء كان صحيحا أو على بعض أحوال ~~آخر غير الصحة. وسواء غير مختل الإدراك ، أو مختل الإدراك ، يختل إدراكه ~~إما بالحواس الظاهرة ، كالنائم ؛ وإما بالحواس الباطنة والظاهرة ، كالسكران ~~؛ فإنه في جميع تلك الأحوال يدرك ذاته البتة ، ولو فرضنا غفلته عن ذاته في ~~شيء من تلك الحالات ، فإنما هي غفلة عن إدراكه لذاته ، لا عن ذاته ، أي أنه ~~يعلم ذاته البتة ، وإن عرض له غفلة عن العلم بعلمه ، بدليل أنه إذا زالت ~~تلك الحالة كالسكر عنه ، يتذكر أنه هو بعينه كان يفعل كذا ، أو يقول كذا ~~مثلا في تلك الحالة. ولا ضير في الغفلة عن الإدراك ، فإن العلم بالعلم غير ~~أصل العلم ، وإن كانت المغايرة بالاعتبار. # وكذلك من المعلوم بالوجدان أنه في تلك الحالات التي لا يعزب فيها ذاته ~~ونفسه عن ذاته. قد يعزب عنه غير ذاته ، كبدنه وقواه وأعضائه والأشياء ~~الخارجة ، فذاته غير تلك ، لأن المشعور به غير المغفول عنه. بل نقول : إنه ~~يمكن فرض حالة لا يعزب فيها ذاته ونفسه عن ذاته البتة ، ويعزب تلك الأشياء ~~البتة عنه. كما لو توهم أنه خلق أول مرة إلى آخره فإنه من المعلوم بالوجدان ~~أنه في تلك الحالة المفروضة كما عرفت بيانها يجد ذاته بحيث غفلت عن كل شيء ~~إلا عن ثبوت إنيتها ووجود نفس له. # فهذا حاصل كلامه في «الإشارات» ، ويعلم منه وكذا مما ذكره في «الشفاء» أن PageV02P097 # الإنسان لو تأمل أدنى تأمل في الفرض المذكور ، أمكن له التنبه بأن إدراكه ~~لذاته ، الذي هو عبارة عن تصور ذاته والتصديق بثبوت وجود لها ، إدراك أولي ~~ضروري لا يحتاج فيه إلى حد أو رسم أو حجة وبرهان ، كما يكون ذلك في ~~الإدراكات الكسبية. # ولذلك المدرك بصيغة اسم الفاعل أولا وبالذات في هذا الإدراك ، إنما هو ~~ذاته بذاته ، ونفسه بنفسها ، من غير افتقار إلى قوة أخرى أو آلة أو مشعر من ~~المشاعر الظاهرة أو الباطنة ، كما يكون في إدراك المحسوسات وما شابهها من ms406 ~~المتخيلات والموهومات ، وكذلك المدرك بصيغة اسم المفعول إنما هو ذاته بذاته ~~، ونفسه بنفسها ، من غير أن يكون ذلك عضوا من أعضاء بدنه ، أو جملة بدنه ، ~~أو شيئا آخر غير نفسه وذاته. # وبالجملة لا مغايرة بين المدرك والمدرك بالذات ، وكيف يكون هذا الإدراك ~~بآلة أو قوة اخرى غير النفس بذاتها ، والحال أن المفروض الغفلة عن جميع ~~المشاعر والحواس ، وأن لا استعمال لشيء من الحواس أصلا؟ وكيف يكون المدرك ~~غير ذاته من بدنه وجسده وأعضائه الظاهرة والباطنة ومزاجه وأعراضه ، أو أمر ~~خارج ، والمفروض عدم الشعور لشيء من ذلك أصلا؟ وكيف يكون هذا الإدراك كسبيا ~~، والمفروض عدم إدراك شيء هنا سوى الذات وإنيتها ، حتى يمكن أن يكون بسببه ~~يحصل هذا الإدراك؟ وهذا كله ظاهر في الصورة المفروضة. ويعلم منه أن للمتنبه ~~أن يتنبه أن الحال في إدراك الذات في غير هذه الصور أيضا ، أي في جميع ~~حالات إدراكه لذاته ، كذلك ، كما هو ظاهر على من راجع وجدانه. ### | ذكر أوهام مع رفعها # ثم إن في هذا المقام أوهاما ربما يمكن ذهاب وهم أحد إليها ، فيجب علينا ~~أن نتصدى لدفعها ، حتى تنكشف جلية الحال حق الانكشاف. # منها ما ذكره الشيخ في الإشارات ودفعه ، قال (1): PageV02P098 # «وهم وتنبيه ، # ولعلك تقول إنما أثبت ذاتي بوسط من فعلي ، فيجب أن يكون لك فعل تثبته في ~~الفرض المذكور ، أو حركة أو غير ذلك. ففي اعتبارنا الفرض المذكور ، جعلناك ~~بمعزل عن (1) ذلك ، وأما بحسب الأمر الأعم ، فإن فعلك إن أثبته فعلا مطلقا ~~، فيجب أن تثبت به فاعلا مطلقا ، لا خاصا هو ذاتك بعينها. وإن أثبته فعلا ~~لك فلم تثبت (2) به ذاتك ، بل ذاتك جزء من مفهوم فعلك من حيث هو فعلك ، فهو ~~مثبت في الفهم قبله ، ولا أقل من أن يكون معه لا به ، فذاتك مثبتة لا به» انتهى. # وتحريره : أنه عسى أن يذهب وهم أحد إلى أن إثبات الإنسان ذاته ونفسه في ~~هذا الفرض ليس أوليا ، بل إنه يفتقر إلى وسط ، وهو فعله في هذا الفرض ~~المذكور. أي أنه كسبي ms407 يستفاد من ذلك الفعل ، والعلم به نظير برهان الإن ، ~~أي الدليل الذي فيه يستدل على العلة بمعلولها ، وعلى المؤثر بأثره ، كما أن ~~أكثر القوى تثبت بأفعالها وآثارها. ### ||| ** وهذا الوهم باطل من وجهين : # احدهما وهو الوجه الخاص بهذا الفرض هو أن الإنسان في الفرض المذكور لم ~~يكن له فعل ، حتى يمكن له أن يستدل به على ذاته ، بل كان غافلا عن أفعاله ~~مع إدراك ذاته. # ولو فرضنا أنه صدر عنه في الفرض المذكور فعل أيضا ، فهذا الفعل وإن كان ~~في بادئ النظر فعلا لكنه في التحقيق ترك كل فعل. ومع ذلك فهذا الترك أيضا ~~ليس منشأ لإثبات الذات ، بل هو كاشف عن ثبوتها في الواقع ، فمن أين يحصل ~~فيه الاستدلال بالفعل على الفاعل؟ # والثاني وهو الوجه العام لهذا الموضع ولغيره أنه على تقدير تسليم كون ذلك ~~فعلا أيضا ، أن الفعل الذي يستدل به على الفاعل ، إن كان مأخوذا من حيث ~~كونه فعلا ما ، وفعلا مطلقا من غير اختصاصه بفاعله الخاص ، فهو لا يكون ~~دليلا إلا على فاعل ما غير معين ، PageV02P099 # ولا سترة في أنه لا يمكن أن يستدل الإنسان بفعل ما على فاعل معين هو ذاته ~~، وإن كان مأخوذا من حيث كونه فعلا خاصا ، وكونه فعلا لفاعل معين ومنسوبا ~~إليه ، فالفاعل المعين من حيث اعتباره وملاحظته في ذلك الفعل الخاص ، وكونه ~~جزءا من مفهومه من حيث هو هذا الفعل الخاص ، يجب أن يكون معلوما قبله. ولا ~~أقل من أن يكون معلوما معه لا بعده ، كما هو في الاستدلال بالفعل على ~~الفاعل. ولا سترة أيضا في أنه لا يمكن أن يستدل الإنسان بفعله الخاص ، الذي ~~خصوصيته من جهة أنه منسوب إليه وهو جزء من مفهوم هذا الفعل وملحوظ فيه ، ~~على ذاته التي هي الفاعل المعين هنا ؛ لأن ذاته في هذا الاستدلال يجب أن ~~تكون معلومة قبل هذا الفعل ، ولا أقل من أن تكون معلومة معه. وكيفما كان ، ~~فلا تكون معلومة بعده ، كما هو مقتضى الاستدلال. # وحيث عرفت ذلك ، عرفت أنه لا يمكن ms408 أن يستدل الإنسان بفعله مطلقا على ذاته ~~المعينة المخصوصة استدلال إن. ومن المعلوم أيضا أنه لا يمكن الاستدلال ~~اللمي هنا أيضا ، أي الاستدلال على ذاته بعلل ذاته ، لأن وجود ذاته له أظهر ~~عنده من وجود علله وعلل ذاته ، فلا يمكن له أن يستدل عل ذاته استدلالا ~~مطلقا إنيا ولا لميا فتبصر. # فإن قلت كيف يصح ما ادعيت من نفي الاستدلال ، والحال أن ما ذكره الشيخ في ~~الفرض المذكور تنبيها على إدراك الإنسان ذاته ، وإثبات إنيتها في قوة ~~القياس على هيئة الشكل الثاني هكذا : إنا لا نغفل عن ذواتنا في حالة من ~~الحالات ، وكل ما هو غير ذاتنا (1) من البدن وأعضائه وأجزائه وأعراضه ~~والأشياء الخارجة ، فإنا قد نغفل عنه ، ينتج أن ذاتنا (2) شيء موجود وليست ~~شيئا من هذه. # قلت : سلمنا ذلك ، لكنا نقول : إن هذه النتيجة بديهية ، وإن هذا القياس ~~البديهي بمقدمتيه ، أعني صغراه وكبراه كما تبين بداهتهما في الفرض المذكور ~~، تنبيه عليها ، لا حجة عليها حتى تكون كسبية ، ولا منافاة بين أن تكون ~~مقدمة بديهية وأن يكون هنا PageV02P100 # قياس معقود للتنبيه عليها. كيف ولو كانت مقدمة من المقدمات بمجرد إمكان ~~عقد قياس للتنبيه عليها كسبية ، لزم أن لا يكون شيء من المقدمات البديهية ، ~~حتى البديهيات الأولية بديهية ، بل كسبية ، فإنه يمكن عقد قياس لكل ذلك. ~~مثلا يمكن أن يقال : إن هذا كل لذاك ، وذاك جزء منه ، وكل ما كان كلا فهو ~~أعظم من جزئه ، فهذا أعظم من ذاك. # ومن تلك الأوهام ما نقله المحقق الطوسي في شرح الإشارات عن الإمام الرازي ~~ودفعه ، حيث قال. في مقام التنبيه على أغلاط الإمام ودفع اعتراضاته على ~~الشيخ في هذا المقام (1): # «ثم عارضه أي الإمام الشيخ بأن الإنسان يعلم ذاته المخصوصة ، ولا يخطر ~~بباله تصور النفس التي يقولون بها ، فكل ما يجعلونه عذرا عن ذلك ، فهو عذر ~~عن هذا الكلام. # وأقول : ليت شعري ما يريد بالنفس التي يقولون بها؟ # إن أراد بها ذات الإنسان المدركة المحركة ، فلا مغايرة. # وإن أراد بها شيئا آخر ، فالشيخ ms409 لم يقل بها». انتهى. # وتقرير هذا الوهم : أن ما ادعاه الشيخ من أن الإنسان عالم بثبوت ذاته في ~~جميع الحالات ، وغافل أحيانا عن جميع أعضائه ، والمعلوم مغاير لما ليس ~~بمعلوم ، فذاته المعلومة التي ليست هي إلا نفسه مغايرة لأعضائه ، معارض ~~بمثله. وهو أن الإنسان يعلم ذاته المخصوصة في جميع الأحوال ، ولا يخطر ~~بباله في بعض الأحوال تصور النفس التي يقولون بها ، وبأنها عين ذاته. ~~والحال أن المعلوم مغاير لما ليس بمعلوم ، فذاته مغايرة لنفسه ، مع أنهم لا ~~يقولون بالمغايرة ، بل يقولون بالعينية ، كما جزم به الشيخ ، فكل ما ~~يجعلونه عذرا عن هذه المعارضة ، فهو عذر عما ذكره الشيخ في التنبيه. # وهذا إذا قرر كلام الإمام على سبيل المعارضة ، كما فهمه المحقق الطوسي (ره). # ويمكن تقريره أيضا على سبيل النقض الإجمالي أو التفصيلي. # اما الأول فبأن يقال : لو كان ما ذكره الشيخ حقا بجميع مقدماته ، لزم أن ~~يكون ذات PageV02P101 # الإنسان مغايرة لنفسه ، لجريان نظير هذا البيان فيه ، كما عرفت ؛ والحال ~~أن ذات الإنسان عين نفسه عندهم. # وأما الثاني وإن كان بعيدا عن كلام الإمام فبأن يقال : إنا سلمنا أن ~~الإنسان في الفرض المذكور لا يغفل عن ذاته ، ويغفل عن أعضائه ، وأن ذلك ~~دليل على المغايرة ، أي مغايرة ذاته لأعضائه. لكون المعلوم مغايرا لما ليس ~~بمعلوم ، إلا أنا لا نسلم أن ذاته المعلومة عين نفسه كما ادعاه الشيخ ~~وقالوا به إذ لا دليل هنا على هذا الاتحاد وهذه العينية ، بل الدليل قائم ~~على خلافه ، وهو نظير الدليل على مغايرة ذاته لأعضائه ، إذ الإنسان لا يغفل ~~عن ذاته في جميع الأحوال ، ومع ذلك قد لا يخطر بباله تصور النفس التي ~~يقولون بها. # وأما تحرير الجواب عن هذا الوهم على جميع التقارير الثلاثة ، فواضح كما ~~ذكره المحقق الطوسي (ره)، وبيانه : أن لا سترة في أن المراد بذات الإنسان ~~، ذاته المدركة المحركة المعلومة له في جميع الأحوال. # فالإمام إن أراد بالنفس التي يقولون بها هذا المعنى ، كما هو مرادهم بها ~~، فظاهر أن الإنسان كما لا ms410 يغفل عن ذاته في شيء من الأحوال ، لا يغفل عن ~~نفسه بالمعنى المذكور الذي أراده القوم والشيخ ، لكونهما واحدة ، ولا ~~مغايرة بينهما أصلا في المعنى. # وإن أراد بالنفس معنى آخر ادعى هو الغفلة عنه ومغايرته للذات ، فهو شيء ~~لم يقل به الشيخ ولا أحد من القوم ، كما يعلم من تتبع كلامهم. # ومن تلك الأوهام ، ما ذكره الشارح القوشجي في «شرح التجريد» في هذا ~~المقام ، وأورد عليه النظر ؛ قال (1): ورد ذلك بأن ذات الإنسان عندنا هي ~~الأجزاء الأصلية الجسمانية التي هي أجزاء (2) لبدنه ، ولا نسلم أنه يغفل ~~عنها ، بل إنما يغفل عن الأجزاء الفضلية ، وعن الأعراض والقوى الحالة فيها. PageV02P102 # أقول : فيه (1) نظر ، لأنه لو كان لا يغفل عن الأجزاء الأصلية (2)، لكان ~~عالما بأنها ما هي. لا نقول (3): يجب أن يعلمها بحقيقتها. بل بوجه يمتاز ~~(4) به عما عداها من سائر الأعضاء وغيرها ، وأكثر الناس لا يعلمونها كذلك ، ~~مع أنهم يعلمون أنفسهم بوجه تمتاز به عما عداها» انتهى. # وتقرير هذا الوهم : أن ذات الإنسان عندنا أي عند بعض المتكلمين هي ~~الأجزاء الأصلية الجسمانية التي هي أجزاء لبدنه ، ولا نسلم أنه في الفرض ~~المذكور أو في شيء من الأحوال يغفل عنه ، فإنه كما لا يغفل عن ذاته ، كذلك ~~لا يغفل عن تلك الأجزاء ، لكونها عين ذاته. بل الغفلة إنما تقع عما هو غير ~~ذاته من الأجزاء الفضلية لبدنه ، وعن الأعراض والقوى الحالة فيها ، فحينئذ ~~نقول : إن الشيخ وكذا من ادعى مغايرة ذات الإنسان لبدنه وأعضائه ، بسبب ~~أنهم رأوا أن الإنسان لا يغفل عن ذاته ويغفل عن تلك الأشياء. # إن أرادوا به أن ذات الإنسان أمر آخر سوى الأجزاء الأصلية أيضا ، وهو ~~مغاير لبدنه وأعضائه الأصلية والفرعية والأعراض الحالة فيها جميعا ، كما هو ~~مقصودهم ، فلا نسلم ذلك ، إذ مبنى هذه المغايرة على وقوع الغفلة ، ولا نسلم ~~وقوع الغفلة عن الأجزاء الأصلية. # وإن أرادوا به أن ذات الإنسان هي الأجزاء الأصلية من بدنه ، وهي مغايرة ~~للأجزاء الفرعية ولقواها وأعراضها ، فهذا مسلم ، لكنهم لم يقولوا بذلك. # ومع ms411 ذلك فهم إن أرادوا بالنفس التي يقولون بها ، تلك الأجزاء الأصلية كما ~~هو أيضا عند بعض المتكلمين حتى يكون ذات الإنسان ونفسه واحدة ، وعبارة عن ~~تلك الأجزاء الأصلية ، فهذا أيضا مسلم ، إلا أن الشيخ ونظراءه من الحكماء ~~لم يقولوا بذلك. وإن أرادوا بالنفس أمرا آخر سوى تلك الأجزاء ، وأنها ~~مغايرة لتلك الأجزاء أيضا ، كما هو مقصودهم ؛ فلم يلزم ذلك من التنبيه ~~المذكور كما عرفت. وهذا هو تقرير هذا الوهم. # وأما تقرير دفعه ، فبأن يقال : إن ما ادعاه المتوهم من أن الإنسان لا ~~يغفل في شيء من الأحوال عن الأجزاء الأصلية من بدنه كما لا يغفل عن ذاته ، ~~باطل من وجوه : # أما أولا ، فلما ذكره الشارح القوشجي ، من أنه لو كان كذلك لوجب أن يكون عالما PageV02P103 # بأنها ما هي. لا نقول : يجب أن يعلمها بحقيقتها ، حتى يرد أن ذلك غير ~~لازم ، كما في العلم بالذات ، بل نقول: إنه يجب أن يكون عالما بها بوجه ~~تمتاز به عما عداها من الأجزاء الفرعية وغيرها ، كما أنه يعلم ذاته بوجه ~~تمتاز به عما عداها ، وظاهر أنه ليس كذلك ، فإن أكثر الناس مع علمهم ~~بذواتهم وأنفسهم بوجه تمتاز به عما سواها ، لا يعلمون الأجزاء الأصلية ~~لأبدانهم بوجه تمتاز به عما عداها. # فإن قلت : لعل هذه الغفلة لأجل أن هؤلاء لم يتصوروا معنى الأجزاء الأصلية ~~، ولم يدركوا أنها عين ذات الإنسان ، فإنهم لو تصوروا ذلك وأدركوا هذا ~~الحكم لما غفلوا عنه. # قلت : من المعلوم بالضرورة ، أن من تصور معنى الأجزاء الأصلية أيضا ربما ~~يكون غافلا عن العلم بها مع العلم بذاته ، وأما من أدرك وحكم بأنها عين ~~ذاته ، فهو وإن كان عالما بها مع العلم بذاته ، إلا لا يجدى نفعا ، لأن ~~المطلوب عدم الغفلة عن تلك الأجزاء مع العلم بالذات على جميع التقادير ~~الواقعية ، ولا نسلم أن تقدير الحكم بأنها عين ذات الإنسان تقدير واقعي ، ~~بل هو بمجرد الفرض. فإن هذا التقدير إنما يكون واقعيا إذا كان ذلك الحكم ~~ثابتا في الواقع ، وليس كذلك ، لأنه لم ms412 يثبت بعد ولم يدل عليه دليل ، بل ~~الدليل على خلافه ، كما هو ظاهر على من تأمل في التنبيه المذكور ، وفيما ~~سيأتي من الوجوه على ما نحن بصدده. # وأما ثانيا ، فلأن الأجزاء الأصلية لا تخلو من أن تكون متصلة في الواقع ~~بالأجزاء الفضلية الفرعية ، أو تكون منفصلة عنها في الواقع ، وإن كان ~~الانفصال غير محسوس. # وعلى الأول فواضح أنه إذا فرضت الأعضاء متفرقة غير متماسة متباينة ~~الأطراف ، كما في الفرض المذكور ، كانت الأجزاء الأصلية في ضمن فرض تفرق ~~الأعضاء مفروضة التفرق أيضا ، كالأعضاء والأجزاء الفضلية. # وعلى الثاني ، فإن لم تكن تلك الأجزاء الأصلية مفروضة التفرق بتفرق ~~الأعضاء ، فلا خفاء في أنه يمكن فرض تفرقها أيضا كفرض تفرق الأعضاء ~~والأجزاء الفضلية ، ولا خفاء أيضا في أن الإنسان حينئذ في الفرض المذكور لا ~~يغفل عن ذاته مع أنه يغفل عن PageV02P104 # إدراك تلك الأجزاء الأصلية المتفرقة ، كالغفلة عن الأجزاء الفضلية وعن ~~الأعضاء ، فإن السبب الذي فرض كونه سبب الغفلة مشترك ، والفرق تحكم. # وأما ثالثا ، فلأن تلك الأجزاء الأصلية لكونها مادية وجسمانية ، من شأنها ~~أن تدرك بالحواس ، ولا أقل من إدراكها بالحواس الباطنة كالتخيل ، والحال أن ~~المفروض في الفرض المذكور للتنبيه المسطور أن لا استعمال لحاسة من الحواس ~~أصلا في إدراك شيء من الأشياء مطلقا ، وأنه مع ذلك لا يغفل الإنسان عن ذاته ~~، فكيف تكون الأجزاء مدركة أو عين ذاته مع ذلك الفرض؟ فتدبر. # ومما ذكرنا يظهر وجه اندفاع بعض أوهام أخر ربما يتراءى ورودها على هذا ~~المقام. # منها : أنه يمكن أن يكون ذات الإنسان ونفسه التي لا يغفل عنها في شيء من ~~الأحوال جسما داخلا في بدنه وفي خلل بدنه وفرجه ، أو خارجا عنه مجاورا له ، ~~إما جسما بسيطا عنصريا نارا أو هواء أو أرضا أو ماء ، وإما جسما بخاريا ، ~~وإما دما أو نحو ذلك ، كما ذهب إلى كل من ذلك طائفة من القدماء على ما ~~سيجيء ذكره في ذكر عد المذاهب في النفس. # وبيان دفع هذا الوهم : أن تلك الأجسام أيضا في الفرض ms413 المذكور ، إما ~~مفروضة التفرق ، أو ما يمكن فرض تفرقها. وأيضا هي ما من شأنها أن تكون ~~مدركة بالحواس ، ولا أقل من إدراكها بالحواس والمشاعر الباطنة ، والمفروض ~~وقوع الغفلة عن المتفرقات وعدم استعمال الحواس. فتدبر. # ومنه يظهر أنه لا يمكن ذهاب الوهم إلى أن ذات الإنسان هو الهواء الطلق ~~المفروض في الفرض المذكور ، لكون المفروض أنه ظرف لوجود الإنسان المتوهم ~~المتأمل المفروض ، ومحيط به ، وظرف وجود الشيء لا يكون عين ذاته ، مع أن ~~ذلك الهواء الطلق أيضا هو مما يمكن فرض تفرقه ، ومن شأنه أن يدرك بالحواس ، ~~ولو بالحواس الباطنة ، ومع أنه لم يذهب وهم أحد إلى كونه ذات الإنسان ونفسه. PageV02P105 # ومنها أنه يمكن أن يكون ذات الإنسان ونفسه جسما بسيطا لطيفا سماويا داخلا ~~في البدن ، أو مجاورا له ، [و] هو لكونه لطيفا لا يمكن أن يدرك بالحواس ، ~~ولكونه سماويا غير قابل للتفرق ، لا يمكن فرض تفرقه. # ووجه دفعه ، أنه لا خفاء في أنه لكونه جسما ماديا يمكن إدراكه بالحواس ~~الباطنة ، والمفروض عدم استعمالها ، فكيف يمكن أن يدرك في الفرض المذكور ، ~~فيعلم منه أن ذات الإنسان المدركة البتة في الفرض المذكور غير هذا الجرم ~~السماوي أيضا ، كما أنها غير تلك الأشياء المذكورة ، فتبصر. # فان قلت : فعلى ما قررت التنبيه المذكور الذي قرره الشيخ لإثبات وجود ~~النفس للإنسان وإثبات إنيتها ، يكون مفاده أن ذات الإنسان أي نفسه مدركة ~~بذاتها له بذاته ثابتة له ، ومغايرة لبدنه ولجسده الذي هو الجسم ذو الأبعاد ~~الثلاثة ، ولأعضائه الظاهرة والباطنة ، وكذا لقواه وحواسه الظاهرة والباطنة ~~، وللأعراض الحالة فيه ، كمزاجه وغيره ، ولما هو خارج عن ذلك أجمع. # وبالجملة أنها موجودة بذاتها ، مغايرة لما هو مادي أو مدرك بالحواس ~~الظاهرة أو الباطنة. ففي هذا التنبيه على هذا التقرير إشارة إلى كون النفس ~~الإنسانية جوهرا مجردا عن المادة أيضا ، إذ الشيء الموجود القائم بذاته ، ~~المغاير للجسم وأجزائه وأعراضه ولكل ما يمكن أن يدرك بالحواس ، لا يكون إلا ~~جوهرا قائما بذاته ، مجردا عن المادة ، ولذلك جعل بعضهم عدم غفلة الإنسان ~~عن ms414 إدراك ذاته لذاته ونفسه في جميع الأحوال ، وغفلته عن بدنه وأعضائه ~~والأشياء الخارجة في بعض الأحوال ، دليلا على كون نفسه الناطقة جوهرا مجردا ~~عن المادة ، حتى إن الفاضل الأحساوي (1) ذكر من جملة أدلة القائلين بتجرد ~~النفس الإنسانية الناطقة عليه ، هذا الدليل ، وخصه بالذكر ، وعده أقوى ~~دلائلهم على ذلك. # وحتى أن صدر الأفاضل جعل ما في الإشارات حجتين على ذلك ؛ إحداهما من PageV02P106 # جهة مشاهدة حال النائم والسكران ، والاخرى من جهة مشاهدة حال الإنسان في ~~الفرض المذكور للتنبيه المزبور. # وبالجملة ، ففيما ذكره الشيخ إشارة مع إثبات وجود النفس الإنسانية ~~وإنيتها إلى تحقيق حقيقتها من حيث كونها جوهرا مجردا عن المادة. فما باله ~~في أن أقام الدليل فيما بعد في الفصول الآتية على جوهريتها وتجردها ، ولم ~~يذكر هنا ما يدل على أن في هذا التنبيه إشارة إلى ذلك ، كما ذكر أن فيه ~~إشارة إلى إثبات إنيتها. # قلت : لعل وجه ما فعله ، أنه على تقدير دلالة التنبيه المذكور على كونها ~~جوهرا مجردا عن المادة ، فلا يخفى أنها دلالة إجمالية ، وإشارة غير تفصيلية ~~على ذلك ، فلذلك لم يكتف بها ، وذكر الدليل عليه فيما بعد بوجوه تفصيلية ، ~~لأنه أراد الدلالة التفصيلية عليه. # على أنه يمكن أن يكون نظره في ذلك إلى أن التنبيه المذكور ، وإن كان فيه ~~إشارة إلى ذلك ، إلا أنه ليست هذه الإشارة إشارة مقصودة. فإن الغرض من ~~جوهرية النفس وتجردها ، جوهريتها وتجردها على الوجه الذي به يكون مختصا ~~بالإنسان ، ولا يجري في غيره من أفراد الحيوان البتة ، يدل على ذلك أنهم ~~قالوا : # إن النفس الناطقة الإنسانية جوهر مجرد عن المادة ، وأن النفس الحيوانية ~~وكذا النباتية منطبعة في المادة قائمة بها ، وهنا ليس الأمر كذلك ، فإن عدم ~~الغفلة عن الذات والغفلة عما سواها الذي يمكن أن يكون ، دليل على الجوهرية. ~~والتجرد لا يخفى أنه كما أنه ثابت في الإنسان لا سبيل إلى انكاره فيه ، ~~كذلك لا دليل على نفيه في غيره من الحيوانات ، وإن لم يكن دليل على ثبوته ~~بالفعل فيها ، وبالجملة لا دليل ms415 على ثبوت ذلك ولا على انتفائه في غير ~~الإنسان من الحيوان ، بل هو في غيره بحسب الاحتمال العقلي محتمل أن يكون ~~وأن لا يكون. # ولا يخفى أيضا أن هذا المعنى على هذا لا يكون مختصا جزما بالإنسان ، ~~وإنما يكون هذا الاختصاص جزما ، إذا ثبت بدليل أو وجه تنبيهي وجداني أنه لا ~~يجري في PageV02P107 # غيره ، والمقدر عدمه. فلذلك ترى الشيخ في الكتابين ، ولا سيما في ~~«الشفاء» ، أنه أثبت أولا إنية النفس الناطقة ومغايرته للبدن وأعضائه ~~وأجزائه ، ثم أثبت بعد ذلك كونها جوهرا مجردا عن المادة ، على الوجه الذي ~~يكون مختصا بالإنسان ولا يجري في غيره البتة ، لكونه هو المقصود. حيث أثبت ~~خواص أفعال وأحوال للإنسان لا تجري تلك في غيره البتة ، كالإدراكات الكلية ~~ونحوها. ثم استدل بها على تجردها ، كما سيجيء بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى. # وقد تبعه المحقق الطوسي (ره) في التجريد. # ومن هنا يظهر أن ما فعله بعضهم ، حيث جعل التنبيه المذكور تنبيها ، بل ~~دليلا على تجرد النفس الإنسانية ، مبني إما على أنه لم يكن في نظره إثبات ~~تجردها على وجه يكون مختصا بالإنسان ، ولا يجري في غيره مع كونه مقصودا. ~~وإما مبني على أنه كان في نظره ذلك ، إلا أنه اكتفى في الاختصاص المذكور ~~العلم بحصوله في الإنسان وعدم العلم به في غيره ، أي كونه ظاهر الاختصاص ~~بالإنسان. حيث إن إدراك الذات والغفلة عما سواها معلوم في الإنسان ، وغير ~~معلوم في غيره ، وإن كان محتملا ، وفي الوجهين ما ترى. # ويظهر مما ذكرنا أن ما فعله بعضهم من جعله معنى لا خفاء في اشتراكه بين ~~الإنسان وغيره من أفراد الحيوان ، بل النبات أيضا ، لكون ذاته باقية بعينها ~~في جميع الأحوال ، أي أحوال وجوده ، مع كون بدنه وجسمه وأعضائه وأعراضه ~~متبدلة ، دليلا على تجرد النفس الناطقة الإنسانية ، بعيد من الاستقامة جدا. ~~وإن اشتهيت الاطلاع على تفصيل المقام ، فاستمع لما يتلى عليك من الكلام. # فنقول : إن صدر الأفاضل (1) في مقام إقامة الحجج على أن النفس الإنسانية ~~جوهر قائم بذاته ms416 بعد ما أقام الحجج عليه وذكر الحجة عليه أولا هكذا : «إن ~~إدراك الشيء لما كان عبارة عن حصول صورته للمدرك ، فكل من أدرك ذاته يجب أن ~~يكون مفارقا عن المحل ، إذ لو كان في محل ، لكان صورة ذاته غير حاصلة لذاته ~~بل لمحله ، لأن وجود الحال لا PageV02P108 # يكون إلا للمحل. هذا خلف. ثم إنا ندرك ذاتنا بذاتنا (3)، وأما شعورنا ~~بشعور ذاتنا فقد وقد (4)، إذ ليس نفس وجودنا ، فهو كإدراكنا سائر الأشياء ~~المدركة من خارج.» ثم أورد عليه شكا وأجاب عنه ، ثم ذكر حجة اخرى على ذلك ~~مبنية على إدراك النفس للمعقولات ، ثم ذكر تينك الحجتين اللتين استنبطهما ~~من كلام الشيخ في «الإشارات» ، كما أشرنا إلى ذلك فيما تقدم قال (1): # «حجة اخرى : بدنك وأعضاؤك دائم الذوبان والسيلان ، لعكوف (5) الحرارة ~~الغريزية على التحليل والتنقيص ، وكذا غيرها من الأسباب ، كالأمراض الحادة ~~(6) والمسهلات ، وذاتك (7) أول الصبا باقية ، فأنت أنت لا بدنك (8)». ثم ~~قال (1): حكمة عرشية قالوا : هذا منقوض بسائر (9) الحيوان ، فإن الفرس ~~تحلل أجزاء بدنه معلوم ، فلو كانت نفسه كما قيل منطبعة في جرم بخاري متحلل ~~دائما ، أو في عضو متغذ متحلل ، لكان كل عام بل كل اسبوع فرسا جديدا ، ~~والحدس حاكم ببطلانه ، فللحيوان نفس كما لنا. # والشيخ وتلامذته وغيرهم من الحكماء تارة أنكروا بقاء الذات فيما سوى ~~الإنسان ، وتارة أثبتوا للجميع نفسا علانية (10)، وحكموا بصعوبة الفرق بين ~~الإنسان وغيره في ذلك. # وأنت بعد تذكرك ما أسلفناه ستذعن أن للحيوانات شركة في نفس متخيلة مجردة ~~عن (11) عالم الحس ، لا عن عالم المثال ، على أن هذه البراهين تقتضي (12) ~~تجرد النفس عن البدن المحسوس وعوارضه فقط ، ولا تفيد (13) أزيد من هذا ، ~~فهو مما يقع فيه الاشتراك لسائر (14) الحيوان مما له قوة باطنية يشعر (15) ~~بذاتها. # وبعضها مما يقتضي تجرد النفس عن الكونين ، فهي مختصة بالإنسان العارف ، ~~وستعلم أن أصناف الناس ليسوا في درجة واحدة من المواطن». انتهى كلامه. # وأقول : لا يخفى عليك أن هذه الحجة الأخيرة ، سواء اقيمت حجة على تجرد النفس PageV02P109 # الناطقة الإنسانية كما فعله أو ms417 على كونها مغايرة للبدن وأجزائه ومزاجه ~~وقواه وأعراضه كما فعله المحقق الطوسي (ره) في التجريد يرد عليها أنها ~~منقوضة بسائر الحيوان كما قالوا بل بالنبات أيضا ، حيث إن جسمه وأجزاءه ~~دائما في التبدل والتغير بالاغتذاء والنشو والنماء ، مع أنا نعلم بالضرورة ~~أن ذاته باقية بعينها من أول زمان وجوده إلى منتهاه. # وما نقله عن الشيخ وتلامذته وغيرهم من الحكماء ، لو كانوا قالوا به ، ~~فيرد على إنكارهم تارة بقاء الذات فيما سوى الإنسان أنه مكابرة ، حيث إنه ~~خلاف ما يحكم به العقل السليم والحدس المستقيم ، وعلى إثباتهم تارة للجميع ~~أي لجميع أفراد الحيوان من الإنسان وغيره نفسا عقلانية ، أنهم إن أرادوا ~~بالنفس العقلانية ما هو مناط التكليف كما في الإنسان ، فذلك خلاف ما هو ~~ضروري عند جميع العقلاء وفي جميع الملل والأديان ، وحينئذ فلا يصعب الفرق ~~بين الإنسان وغيره في ذلك ، وإن أرادوا بها غير ما هو مناط التكليف ، أي ~~نفسا مجردة عقلانية في الجملة ، هي أقل تعقلا من النفس الإنسانية وأدون ~~تجردا منها ، لم تبلغ مرتبة هي مناط التكليف ، بناء على ادعاء أن النفس ~~العقلانية المجردة يمكن أن يتفاوت مراتبها في التعقل والتجرد المستند إلى ~~ذلك التعقل ، كما يشاهد في الإنسان. حيث إن النفوس الإنسانية بعضها في ~~مرتبة العقل الهيولاني ، وبعضها في مرتبة العقل بالملكة ، وبعضها في مرتبة ~~العقل بالمستفاد ، وبعضها في مرتبة العقل بالفعل ؛ ومع ذلك فلبعضها تلك ~~المرتبة بالنسبة إلى بعض المعقولات أقلها أو أكثرها ، ولبعضها بالنسبة إلى ~~كلها أو جلها. وبناء على ادعاه أن أقل تلك المراتب من التعقل وأدونها في ~~التجرد كما في النفوس الحيوانية وإن كان يتحقق فيه أصل التعقل والتجرد ~~المترتب عليه بعض أحكام التجرد وخواصه ، لكون تلك النفس يمكن أن تكون باقية ~~بعد خراب بدنها ، لكونها مجردة بتلك المرتبة من التجرد ، وحاصلا لها أصل ~~التجرد ، لكي يمكن تصحيح معاد الحيوانات أيضا لو قلنا به ، كما في الإنسان ~~، على ما سيجيء بيانه إن شاء الله تعالى ؛ إلا ان تلك المرتبة من التجرد ~~والتعقل لا ms418 تكون مناط التكليف أصلا ، لا PageV02P110 # بالفعل ولا بالقوة ؛ بل إنما مناط التكليف هو ما بعد تلك المرتبة من ~~المراتب الحاصلة في الإنسان ، التي يترتب على جميعها ما يترتب على أصل ~~التجرد ، ككونها باقية غير فانية ، حتى يمكن تصحيح المعاد في الأطفال ~~والبله والمجانين وأمثالهم أيضا ، مضافا إلى ذلك كونها مناط التكليف ، إلا ~~أن بعض تلك المراتب مناط التكليف بالقوة البعيدة ، كما في مرتبة العقل ~~الهيولاني وبعضها مناطه بالقوة القريبة ، كما في مرتبة العقل بالملكة ، ~~وبعضها مناطه بالفعل لو لم يكن مانع منه كما في المرتبتين الأخيرتين. # فحينئذ نقول : إن إثباتهم للحيوانات نفسا عقلانية بالمعنى الذي ذكروا ، ~~إن أمكن تصحيحه على هذا الطريق ، من غير صعوبة أيضا في الفرق بين الإنسان ~~وغيره في ذلك كما ادعوه ، إلا أنه يرد عليهم أنه ما الداعي إلى هذا الإثبات ~~وإلى هذا الالتزام ؛ وما الذي اضطرهم إلى هذا القول ؛ فإن كان الداعي إلى ~~ذلك قيام دليل على تجرد النفس مشترك بين الإنسان وغيره من أفراد الحيوان ، ~~فيرد عليه أنه ليس هنا دليل كذلك ، فإن الحجة الأخيرة المذكورة التي هي ~~مثلا منشأ لتوهمهم لذلك في زعمهم ، كما يدل عليه كلام صدر الأفاضل ، وإن ~~كانت مشتركة بين الإنسان وغيره من أفراد الحيوان ، إلا أن دلالتها عل تجرد ~~النفس غير مسلمة ، لأنه لا دلالة فيها أزيد من أن ذات الإنسان أو الحيوان ~~بعينها باقية في جميع أزمنة وجودها ، وهي مغايرة لما يتبدل منهما من البدن ~~وأجزائه وأعضائه وأعراضه. وهذا لا يستلزم كون تلك الذات مجردة عن المادة ، ~~لاحتمال أن يكون جوهرا ماديا غير متبدل ، باقيا بعينه في جميع الأحوال ، ~~إما داخلا في البدن ، أو خارجا عنه مجاورا له ، مثل الأجزاء الأصلية بعينها ~~، أو جسما بسيطا عنصريا ، أو جرما لطيفا سماويا باقيا بعينه. فمن أين يحكم ~~العقل بتجردها واشتراك ذلك التجرد بين الإنسان وغيره من الحيوان ، حتى ~~اضطرهم إلى إنكار بقاء الذات فيما سوى الإنسان تارة ، وإلى إثبات النفس ~~العقلانية للجميع أخرى. # وظاهر أيضا أن ما ذكره الشيخ في ms419 الكتابين إشارة إلى إثبات إنية النفس ~~الناطقة الإنسانية. PageV02P111 # وجعله صدر الأفاضل حجة اخرى ، بل حجتين على تجردها لا يمكن أن يكون منشأ ~~لذلك ، لأنه وإن دل على تجردها باعتبار أنه يدل على كونها ثابتة للإنسان ~~بذاته ، مدركة له في جميع الأحوال ، مغايرة للبدن وجسميته وأجزائه ومزاجه ~~وأعراضه وأعضائه وقواه ، ولكل ما يمكن أن يدرك بأحد الحواس الظاهرة أو ~~الباطنة ، وأن الذات الكذائية لا تكون إلا مجردة عن المادة كما بيناه سابقا ~~؛ إلا أن هذا ليس مشتركا بين الإنسان وغيره من الحيوان ، حيث إن ثبوت تلك ~~الحالة ، أي إدراك الذات بالذات ، والغفلة عن كل ما سواها ، وإن كان معلوما ~~في الإنسان ، لكنه غير معلوم في غيره من أفراد الحيوان ، وإن لم يكن ~~انتفاؤه أيضا فيه معلوما. # وظاهر أيضا أن البراهين التي أقاموها على تجرد النفس الإنسانية من جهة ~~الإدراكات الكلية العقلية ونحو ذلك من الوجوه التي هي مختصة بالإنسان كما ~~ذكر صدر الأفاضل نبذا منها وإن دلت عل تجردها ، لكنها ليست مشتركة بين ~~الإنسان وغيره من الحيوان ، كما سيأتي بيانه فيما بعد في مقام إثبات تجرد ~~النفس الإنسانية. والحال أنه ليس هنا دليل أو برهان غير ما ذكر يمكن أن ~~يجعل دليلا على تجردها ، ومع ذلك يكون مشتركا بينهما كما يعلم من تصفح ~~أدلتهم التي أقاموها على ذلك وبذلوا جهدهم فيها. # والحاصل أن ما يدل على التجرد ، فهو ليس بمشترك بينهما ، وما هو مشترك ~~فليس يدل على التجرد ، فمن أين حصل لهم الظن المذكور؟ حتى اضطروا إلى ما ~~التزموه ، فتارة أنكروا بقاء الذات فيما سوى الإنسان ، وتارة أثبتوا لغيره ~~أيضا نفسا عقلانيا. # فإن قلت : إذا لم تكن النفس الحيوانية من حيث هي حيوانية مجردة أصلا ، ~~فليس يمكن بقاؤها ، بل تكون فانية دائرة ، كالبدن وأجزائه ، حيث إن الادلة ~~التي تدل على بقاء النفس كلها مبنية على تجردها ، كما عرفت بيانه فيما سلف ~~من الأبواب. وعلى هنا ، فبأي طريق يمكن تصحيح المعاد في الحيوان وحشره ، ~~كما نطق به الشرع الشريف ، والحال أن إعادة ms420 المعدوم ممتنعة؟ # قلت : معاد الحيوان ليس ضروريا فى الدين كمعاد الإنسان ، حيث إن الآيات ~~الواردة PageV02P112 # في حشر الحيوانات ، كقوله تعالى : ( @QUR@03 وإذا الوحوش حشرت ) (1)، ~~وقوله تعالى : ( @QUR@022 وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا ~~أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) (2) وأمثال ~~ذلك من الآيات والأخبار غير ناصة في ذلك ، كما سيأتي بيانه في موضعه إن شاء ~~الله تعالى. # وعلى تقدير القول بحشرها أيضا ، فيمكن تصحيحه بوجه آخر ، من غير توقف على ~~وجود نفس مجردة عن المادة لها ، تكون هي باقية بعد خراب أبدانها ، وسيأتي ~~بيان ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى العزيز ، فانتظر. # ثم إن ما ذكره صدر الأفاضل في تحقيق المقام بقوله (3): وأنت بعد تذكرك ~~ما أسلفناه الى آخره مبني أيضا على القول بتفاوت مراتب التجرد ، وأن النفس ~~الحيوانية أيضا أي نفسها المتخيلة مجردة نوع تجرد ، أي أنها مجردة من عالم ~~الحس فقط دون عالم المثال ، وأن النفس الإنسانية لكونها عاقلة مجردة عن ~~العالمين جميعا. # وفيه أن هذا التجرد ليس هو مقصود القوم مما أقاموا الدليل عليه ، بل إنما ~~مقصودهم منه التجرد الذي حكموا به في النفس الإنسانية ، أي التجرد عن ~~العالمين ، وأين هذا من ذاك؟ نعم لا مشاحة في الاصطلاح لو اصطلح أحد وسمى ~~النفس المتخيلة الحيوانية مجردة بذلك المعنى. # وقوله (3) «على أن هذه (5) البراهين تقتضي (6) تجرد النفس عن البدن ~~المحسوس وعوارضه فقط» إلى آخره . # فيه أنه إن كان المشار إليه بكلمة الإشارة ، ما ذكره من الحجة الأخيرة ~~وما في معناها ، مما يدل على كون الذات والنفس مغايرة للبدن المحسوس ~~وعوارضه فقط ، فقد عرفت أن مقتضاه ، وإن كان مشتركا بين الإنسان وغيره ، ~~لكنه لا يدل على التجرد بالمعنى PageV02P113 # المراد. # وإن كان المشار إليه هو ما ذكره من الحجتين اللتين استنبطهما من كلام ~~الشيخ في إنية النفس ، كما يشعر به قوله : «مما له قوة باطنة تشعر بذاتها» ~~فقد عرفت أن تينك الحجتين على تقدير دلالتهما على تجرد النفس إنما تدلان ~~عليه ms421 في الإنسان خاصة دون غيره من سائر الحيوان ، لأن حصول تلك الحالة ~~المفروضة في تينك الحجتين غير معلوم في غير الإنسان ، فليس مقتضاهما مما ~~يقع فيه الاشتراك لسائر الحيوان مما له قوة باطنة يشعر بذاته ، وإن كان ~~المشار إليه ما ذكره من الحجة المبنية على إدراك النفس للمعقولات الكلية ، ~~فظاهر أنها ، وإن كانت تدل على التجرد بالمعنى المراد ، إلا أن مقتضاها ليس ~~بمشترك بين الإنسان وغيره أصلا ، إذ إدراك الكلي إنما هو مختص بالإنسان وحده. # وحينئذ فلم يبق من البراهين التي ذكرها إلا الحجة الاولى التي ذكرها. # ولا يخفى على المتأمل ، أنها كما قررها لا دلالة فيها على شيء ، حتى ننظر ~~في أن مقتضاها هل هو مشترك بين الإنسان وغيره أم لا؟ # وبيان ذلك أن قوله فيها : «إن إدراك الشيء لما كان عبارة عن حصول صورة ~~للمدرك» مبني على كون علم الإنسان بذاته علما حصوليا أيضا ، وهو ممنوع ، بل ~~لا معنى له ، لأن حصول صورة الشيء في الشيء نفسه مما لا وجه له ، سواء أريد ~~بصورته شبحه ومثاله أو حقيقته ، على اختلاف المذهبين في ذلك. بل إن علم ~~الشيء بذاته علم حضوري منشؤه كون المعلوم عين العالم بالذات ، كما هو ~~المقرر بينهم. # وعلى تقدير تسليم كونه حصوليا ، فقوله : «فكل من أدرك ذاته يجب أن يكون ~~مفارقا عن المحل إلى آخره ممنوع ، لجواز أن يكون ماديا ، وأن يكون صورة ~~ذاته حاصلة له أولا وبالذات ، ولمحله أيضا ثانيا وبالعرض ، فلم يلزم منه أن ~~لا يكون تلك الصورة حاصلة إلا لمحله ، حتى يكون خلاف المفروض ، # وهذا ، كما أنه على تقدير كون هذا العلم حضوريا كما هو المقرر بينهم ، ~~وكون العالم PageV02P114 # ماديا ، إنما يلزم كون هذا العلم حاصلا لذات العالم نفسه ، لحصول منشأه ~~له وهو الاتحاد بينها ، دون محله أصلا لعدم الاتحاد بينهما. فتبصر. # وقوله : «وبعضها مما يقتضي تجرد النفس عن الكونين» كأنه أراد به البراهين ~~التي مبناها على إدراك النفس للكليات المجردة عن المواد مطلقا ، حيث إنها ~~تدل على تجردها عن الكونين ، أي ms422 عالم الحس والمثال جميعا. إلا أن قوله : ~~«فهي مختصة بالإنسان العارف» يدل على أن هذه البراهين تدل على تجرد النفس ~~الإنسانية التي هي في مرتبة العقل بالفعل والعقل المستفاد خاصة ، بالنسبة ~~إلى كل المعقولات أو جلها ، وأنت ستعرف فيما بعد بيان تلك البراهين على وجه ~~به تدل على تجرد النفس الإنسانية مطلقا ، سواء كانت للإنسان العارف أم ~~لغيره. فانتظر. # وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام ، وخرجنا بالإطناب عن موضوع الباب ، ~~فلنكتف بهذا القدر فى هذا المرام ، ولنعد إلى ما كنا بصدده ، فنقول : إنك ~~بعد ما أحطت خبرا بتفاصيل ما نقلنا عن الشيخ في «الشفاء» في هذا الفصل ، ~~وما ذكرناه في تحريره ، يظهر لك. إلى هنا ما عقدنا الباب لأجله ، وهو إثبات ~~النفس وإنيتها وتحديدها من حيث هي نفس ، وأنها ليست بجسم ولا مزاج ولا عرض ~~، وأنها غير البدن وأعضائه وأجزائه وحواسه وقواه وأعراضه ، فلنتكلم في بعض ~~مطالب اخرى مما نرومه هنا ، فنقول : PageV02P115 ### | الباب الثاني ### | في بيان حقيقة النفس وماهيتها PageV02P117 # في بيان حقيقتها وماهيتها من حيث إنها جوهر مجرد عن المادة في ذاتها ، ~~وفي أنها واحدة بالذات المختلفة بالاعتبار ومن حيث الأفعال ، ولها قوى ~~متعددة تختلف أفاعيلها لاختلاف قواها. # وقبل الخوض في المقصود ، حري بنا أن تقدم ذكر المذاهب التي قيلت في النفس ~~وجوهرها ونقضها ، لكي يحصل للمتبصر زيادة في التبصرة. # فنقول : قال الشيخ الطبرسي (ره) في «مجمع البيان» (1) في تفسير قوله ~~تعالى : ( @QUR@08 ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) (2): «إنه ~~اختلف (3) العلماء في ماهية الروح. # فقيل : إنه جسم رقيق هوائي متردد في مخارق الحيوان ، وهو مذهب أكثر ~~المتكلمين ، واختاره المرتضى قدس الله روحه. # وقيل : هو جسم هوائي على بنية حيوانية ، فى كل جزء منه حياة ، عن علي بن ~~عيسى : وكل (4) حيوان روح وبدن ، إلا أن فيهم (5) من الأغلب عليهم (6) ~~الروح ، ومنهم من الأغلب عليهم (7) البدن. # وقيل : إن الروح عرض ، ثم اختلف فيه ، فقيل : هو الحياة التي يتهيأ به ~~المحل لوجود PageV02P119 # القدرة والعلم والاختيار ، وهو مذهب الشيخ المفيد أبي عبد ms423 الله محمد بن ~~محمد بن نعمان (3) والبلخي وجماعة من معتزلة (4) البغداديين. # وقيل : هو معنى في القلب ؛ عن الإسوادي (5). # وقيل : إن الروح الإنسان ، وهي (6) الحي المكلف ؛ عن ابن الاخشيد ~~والنظام. # وقال بعض العلماء : إن الله تعالى خلق الروح من ستة أشياء : من جوهر ~~النور ، والطيب ، والبقاء ، والحياة ، والعلم ، والعلو. ألا ترى أنه ما دام ~~في الجسد كان الجسد نورانيا يبصر بالعينين ويسمع بالاذنين ويكون طيبا ، ~~واذا اخرج من الجسد نتن الجسد. ويكون باقيا فإذا فارقة الروح بلي وفني. ~~ويكون حيا وبخروجه يصير ميتا. ويكون عالما فإذا (7) خرج منه الروح لم يعلم ~~شيئا. ويكون علويا لطيفا توجد به الحياة ، بدلالة قوله تعالى في صفة ~~الشهداء ( @QUR@06 بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين ) (1) وأجسامهم بليت (8) ~~في التراب». انتهى كلامه (ره). # وقال الشيخ في «الشفاء» (2): اختلف (9) الأوائل في ذلك ، لأنهم اختلفوا ~~في المسالك إليه ، فمنهم من سلك إلى علم النفس من جهة الحركة ، ومنهم من ~~سلك إليه من جهة الإدراك ، ومنهم من جمع بين المسلكين ، ومنهم من سلك ~~الحياة (10) غير مفصلة. # ومن (11) سلك منهم جهة الحركة ، فقد كان يخيل (12) عنده أن التحريك لا ~~يصدر إلا عن متحرك ، وأن المحرك الأول يكون لا محالة متحركا بذاته ، وكانت ~~النفس محركة أولية إليه (13) يتراقى التحريك من الأعضاء والعضل والأعصاب ، ~~فجعل النفس متحركة لذاتها ، وجعلها لذلك جوهرا غير مائت ، معتقدا أن ما ~~يتحرك لذاته لا يجوز أن يموت. قال : ولذلك ما كانت الأجسام السماوية ليست ~~تفسد ، والسبب فيه دوام حركتها. PageV02P120 # ومنهم (1) من منع أن يكون النفس جسما ، فجعله (2) جوهرا غير جسم محركا ~~(3) لذاته. # ومنهم من جعلها جسما وطلب الجسم المتحرك لذاته (4). # فمنهم من جعل ما كان من الأجرام التي لا تتجزى كرويا ليسهل دوام حركته ، ~~وزعم أن الحيوان يستنشق ذلك بالتنفس ، وأن التنفس غذاء للنفس ، وأن النفس ~~يستبقى (5) به النفس بإدخال بدل ما يخرج من ذلك الجنس من الهباء التي هي ~~الأجرام التي لا تتجزى التي هي المبادي ، وأنها متحركة لذاتها (6)، كما ~~يرى من حركة الهباء دائما في الجو ms424 ، فلذلك صلحت لأن تحرك غيرها. # ومنهم من قال : إنها ليست هي النفس ، بل إن محركها هو النفس وهي فيها ، ~~وتدخل البدن بدخولها. # ومنهم من جعل النفس نارا ، ورأى أن النار دائم (7) الحركة. # وأما من سلك طريق الإدراك : # فمنهم من رأى أن الشيء إنما يدرك ما سواه ، لأنه متقدم عليه ومبدأ له ، ~~فوجب أن يكون (8) النفس مبدأ ، فجعلها من الجنس الذي كان يراه إما نارا أو ~~هواء أو أرضا أو ماء. ومال بعضهم إلى القول بالماء لشدة رطوبة النطفة التي ~~هي مبدأ التكون ، وبعضهم جعلها جسما بخاريا ، إذ كان يرى أن البخار مبدأ ~~الاشياء على حسب المذاهب التي عرفتها. وكل هؤلاء كان يقول إن النفس إنما ~~تعرف الأشياء كلها ، لأنها من جوهر المبدأ لجميعها ، وكذلك من يرى (9) أن ~~المبادي هي الأعداد ، فإنه جعل النفس عددا. # ومنهم من رأى (10) أن الشيء إنما يدرك ما هو شبيهه ، وأن المدرك بالفعل ~~شبيه المدرك بالفعل ، فجعل النفس مركبا من الأشياء التي يراها عناصر ، وهذا ~~انباذقلس (11)، فإنه قد جعل النفس مركبة من العناصر الأربعة ومن المحبة ~~والغلبة ، وقال : إنما يدرك (12) النفس كل شيء يشبهه (13) فيها. PageV02P121 # وأما الذين جمعوا الأمرين ، فكالذين قالوا : إن النفس عدد متحرك (1) ~~لذاته ، فهى عدد ، لأنها مدركة ؛ وهي محركة لذاتها ، لأنها محركة أولية. # وأما الذين اعتبروا أمر الحياة غير ملخص. # فمنهم من قال : إن النفس حرارة غريزية لأن الحياة بها. # ومنهم من قال : بل برودة ، وإن النفس مشتق من النفس ، والنفس هو الشيء ~~المبرد ، ولهذا ما يتبرد بالاستنشاق ليحفظ جوهر النفس. # ومنهم من قال : النفس (2) هو الدم ، لأنه إذا سفح الدم بطلت الحياة. # ومنهم من قال : بل النفس مزاج ، لأن المزاج ما دام ثابتا لم يتغير (3) ~~صحة الحياة. # ومنهم من قال : بل النفس تأليف ونسبة بين العناصر ، وذلك لأنا نعلم أن ~~تأليفا ما يحتاج إليه حتى يكون من العناصر حيوان ، ولأن النفس تأليف ، ~~فلذلك يميل (4) إلى المؤلفات من النغم والأراييح (5) والطعوم وتلتذ بها. # ومن الناس من ظن أن النفس هو الإله تعالى عما ms425 يقول (6) الملحدون وأنه ~~يكون في كل شيء بحسبه ، فيكون في شيء طبعا ، وفي شيء نفسا ، وفي شيء عقلا ، ~~سبحانه وتعالى عما يشركون. فهذه هى المذاهب المنسوبة إلى القدماء الأقدمين ~~في أمر النفس ، وكلها باطل. انتهى كلامه. # ثم أبطل هذه المذاهب والوجوه المبنية هي عليها واحدا بعد واحد بوجوه ~~مبسوطة مفصلة ، نقلها يوجب الإطناب ، فلذا لم نتعرض لنقلها وتحريرها ، مع ~~ما نرومه في هذا الفصل من بيان كون النفس جوهرا مجردا عن المادة في ذاته ، ~~إذا ثبت بالبيان الذي سنذكره ، يبطل به تلك المذاهب ، وفيه كفاية في ~~إبطالها عند اولي الألباب ، بل إن فيما أشار إليه الشيخ على ما نقلناه ~~سابقا وحررناه من إثبات إنيتها عنية في ذلك للمسترشد الطالب للصواب. # وبالجملة ، فإبطالها لا يحتاج إلى تجشم برهان آخر غير ما ذكر ، بل إن هذه ~~المذاهب PageV02P122 # والأقوال لو حملت على ظواهرها وقيل بها في النفس الناطقة الإنسانية ، ~~كانت هي في البطلان بمرتبة يستغرب من الحكماء الذين هم من أهل العقل ، وكذا ~~من العلماء الذين هم من أهل العلم ، ذهابهم إليها والقول بها فيها. ### | في تأويل بعض تلك المذاهب المنقولة # نعم لو كان مبناها على الرمز ، كما كان يقع ذلك في كلام الأقدمين كثيرا ، ~~لربما أمكن تأويل بعضها ، مثل أن من جعل النفس جوهرا غير جسم محركا لذاته ، ~~ومتحركا بذاته ، لو أراد بها كونها جوهرا مجردا عن المادة في ذاته ، متحركا ~~من ذاته حركة روية وجولان ، إما إلى المبادي العالية فيستكمل ويستفيد ~~ويستنير ، وإما إلى البدن فيفيد ويكمل وينير ، وأن شأنه إما إفادة الكمال ~~أو استفادته كما نقلنا ذلك في مسألة بقاء النفس عن أفلاطون وشيعته لربما ~~أمكن أن يكون ذلك وجه صحة ، ولم يبعد القول به في النفس الناطقة الإنسانية ~~، فإنه لا مخالفة فيه لما ذهب إليه المحققون من الحكماء ، ولا لما اقتضاه ~~الدليل. # وكذلك القول بأنها نار أو هواء أو جسم بخاري أو حرارة غريزية أو برودة ~~يستنشق بها أو دم ، كما ذهب إلى كل واحد منها فريق ، لو أريد ms426 به الروح ~~الحيواني الذي يقولون إنه غير النفس الإنسانية وغير النفس الحيوانية ~~والنباتية ، بل إنه حامل القوى الحيوانية والمطية الأولى للقوى النفسانية ~~البدنية ، وما به الارتباط بين النفس والبدن. ويقولون إنه جس لطيف نافذ في ~~المنافذ ، روحاني كالجرم السماوي ، ونسبته إلى لطافة الأخلاط وبخاريتها ، ~~ولا سيما إلى الدم ، نسبة الأعضاء إلى كثافة الأخلاط ، وأول معدن لتولد هذا ~~الروح ، وأول عضو يحسره ويمنعه عن التفرق ، هو القلب. ثم ما بعده كالدماغ ~~والكبد ؛ ولذلك كان أول تعلق النفس بالقلب. ويقولون إنه له نسبة إلى الهواء ~~لرطوبته ولطافته ، ولسهولة حركته إلى المجاري والمنافذ لكونه حاملا للقوى ، ~~والقوى لكونها من الأعراض لا يتصور تنقلها من دون حامل لها ، ولأن الهواء ~~المستنشق إذا اختلط بذلك الروح ، يصير عوض ما تحلل منه. وكذا له نسبة إلى ~~النار لصفائه وحرارته ، وإلى الحرارة لحرارته PageV02P123 # الغريزية ، وكون بقاء الحياة بها. وإلى البرودة للتنفس والاستنشاق ~~بالمبرد ليحفظ جوهر النفس. # وبالجملة ، لو اريد بذلك الروح الحيواني الذي يقوله الأطباء والحكماء كما ~~تبينوا حقيقته في موضعه ، وسيأتي الكلام فيه فيما بعد في موضع يليق به إن ~~شاء الله تعالى لربما أمكن أن يكون له وجه صحة. # وقد تأول صدر الأفاضل هذه الأقاويل بوجه آخر هو أيضا مرموز. # قال (1): «النفس من حيث نفسيتها نار معنوية من ( @QUR@07 نار الله ~~الموقدة التي تطلع على الأفئدة ) (2). ولهذا خلقت من نفخة الصور ، فإذا ~~نفخ فى الصور المستعدة للاشتعال النفساني ، تعلقت بها شعلة ملكوتية نفسانية ~~، والنفس لعدم (4) استكمالها وترقيها إلى مقام الروح ، يصير نارها نورا ~~محضا لا ظلمة فيه ولا إحراق معه ، وعند تنزلها إلى مقام الطبيعة يصير نورها ~~نارا ، ( @QUR@04 مؤصدة في عمد ممددة ) (3). # ثم قال : النفخة نفختان : نفخة تطفئ النار ، ونفخة اخرى تشعلها ، فوجود ~~النفس وبقاؤها من النفس الرحماني ، وهو انبساط الفيض عن مهب رياح الوجود ، ~~وكذا زوالها وفناؤها ، وتحت هذا سر آخر. فعلم أن ما ورد في لسان بعض ~~الأقدمين «أن النفس نار» أو «شرر» أو «هواء» ، لا يجب أن يحمل على التجوز ~~في اللفظ ، وكذا ms427 الحال فيما صدر عن صاحب شريعتنا عليه السلام ». انتهى كلامه ~~، وهو (ره) أعلم بما قال. ### | تأويل بعض الاحاديث الواردة في الروح # ثم إنه بما احتملناه في تأويل تلك الأقاويل أو نحوه ، ربما أمكن تأويل ما ~~ورد في أخبار الصادقين عليهم السلام في حال الروح ووصفه وبيان حقيقته. PageV02P124 # مثل ما رواه الشيخ الطبرسي (ره) في كتاب «الاحتجاج» عن أبي جعفر محمد بن ~~علي الثاني عليه السلام ، قال (1): أقبل امير المؤمنين عليه السلام ذات يوم ~~معه (2) الحسن بن علي عليه السلام وسلمان الفارسي وامير المؤمنين عليه السلام ~~متكئ على يد سلمان ، فدخل المسجد الحرام فجلس ، إذ أقبل (3) رجل حسن الهيئة ~~واللباس ، فسلم (4) على أمير المؤمنين عليه السلام ، فرد عليه السلام ، فجلس ~~ثم قال : يا أمير المؤمنين أسألك عن ثلاث مسائل ، إن أخبرتني بهن ، علمت أن ~~القوم ركبوا من أمرك ما أفضى إليهم أنهم ليسوا بمأمونين في دنياهم ولا في ~~آخرتهم ، وإن لم تخبرني ، علمت أنك وأنهم في شرع سواء ، فقال أمير المؤمنين ~~عليه السلام : سلني عما بدا لك. فقال : أخبرني عن الرجل إذا نام ، أين يذهب ~~روحه؟ وعن الرجل كيف يذكر وينسى؟ وعن الرجل كيف يشبه ولده الأعمام ~~والأخوال؟ # فالتفت أمير المؤمنين عليه السلام إلى أبي محمد الحسن بن علي عليه السلام ، ~~فقال : يا با محمد (5) أجبه ، فقال عليه السلام : أما ما سألت عنه من أمر ~~الإنسان إذا نام أين يذهب (6) روحه ، فإن روحه متعلقة بالريح ، والريح ~~متعلقة بالهواء (7)، فإذا نام صاحبها جذبت تلك الروح الريح ، وجذبت تلك ~~الريح الهواء فرجعت وسكنت (8) في بدن صاحبها. وإن لم بأذن الله عز وجل برد ~~تلك الروح على صاحبها ، جذب (9) الهواء الريح ، فجذبت الريح الروح ، فلم ~~ترد على صاحبها إلى وقت ما يبعث». # والحديث طويل نقلنا منه موضع الحاجة ، ويعلم من آخره أن ذلك السائل كان ~~هو الخضر عليه السلام . # ومثل ما رواه الشيخ المذكور في ذلك الكتاب من حديث طويل ، روى فيه سؤال ~~الزنديق الذي سأل أبا عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليهما ms428 السلام عن مسائل ~~كثيرة ، PageV02P125 # وما أجابه عليه السلام عنه ، قال : قال (1): أخبرني عن السراج إذا انطفئ ~~أين يذهب نوره؟ قال : يذهب فلا يعود. قال : فما أنكرت أن يكون الإنسان مثل ~~ذلك ، إذا مات وفارق الروح البدن لم يرجع إليه أبدا ، كما لا يرجع ضوء ~~السراج إليه أبدا إذا انطفئ. قال : لم تصب القياس ، إن النار في الأجسام ~~كامنة ، والأجسام قائمة بأعيانها ، كالحجر والحديد ، فإذا ضرب أحدهما ~~بالآخر ، سطعت (3) من بينهما نار يقتبس (4) منه سراج له الضوء ، فالنار ~~ثابتة في أجسامها ، والضوء ذاهب ، والروح : جسم رقيق قد ألبس قالبا كثيفا ، ~~وليس بمنزلة السراج الذي ذكرت. إن الذي خلق في الرحم جنينا من ماء صاف وركب ~~فيه ضروبا مختلفة : من عروق وعصب وأسنان وشعر وعظام وغير ذلك هو (5) يحييه ~~بعد موته ، ويعيده بعد فنائه. قال : فأين الروح؟ قال : في بطن الأرض ، حيث ~~مصرع البدن إلى وقت البعث. قال : فمن صلب فأين روحه؟ قال : في كف الملك ~~الذي قبضها حتى يودعها الأرض. قال : فأخبرني عن الروح أغير الدم؟ قال : نعم ~~، الروح على ما وصفت لك ، مادتها من الدم ، ومن الدم رطوبة الجسم وصفاء ~~اللون وحسن الصوت وكثرة الضحك. فإن اجمد (6) الدم ، فارق الروح البدن. قال ~~: فهل توصف (7) بخفة وثقل ووزن؟ قال : الروح بمنزلة الريح في الزق ، فإذا ~~انفخت فيه امتلأ ، الزق منها ، فلا يزيد في وزن الزق ولوجها فيه ، ولا ~~ينقصه (8) خروجها منه ؛ كذلك الروح ليس لها ثقل ولا وزن. قال فأخبرني ما ~~جوهر الريح؟ قال : الريح هواء إذا تحرك يسمى ريحا ، وإذا (9) سكن يسمى هواء ~~، وبه قوام الدنيا ، ولو كفت الريح ثلاثة أيام لفسد كل شيء على وجه الأرض ~~ونتن ذلك ، (10)، لأن الريح بمنزلة المروحة ، تذب وتدفع الفساد عن كل شيء ~~وتطيبه ، فهي بمنزلة الروح إذا خرج عن البدن وتغير (11)، و ( @QUR@04 ~~فتبارك الله أحسن الخالقين ) (2). # قال : أفيتلاشى (12) الروح بعد خروجه عن قالبه أم هو باق؟ قال : بل هو ~~باق إلى وقت PageV02P126 # ينفخ في الصور ، فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى ، فلا حس ولا ms429 محسوس ، ثم ~~اعيدت الأشياء كما بدأها مدبرها ، وذلك أربعمائة سنة يشيب (4) فيها الخلق ، ~~وذلك بين النفختين. # قال وأنى له البعث ، والبدن قد بلي والأعضاء قد تفرقت ، فعضو ببلدة ~~يأكلها سباعها ، وعضو بأخرى تمزقها (5) هوامها ، وعضو قد صار ترابا بني به ~~من (6) الطين حائط؟! قال : الذي (7) أنشأه من غير شيء ، وصوره على غير مثال ~~كان سبق إليه ، قادر أن يعيده كما بدأه. قال : أوضح لي ذلك! # قال : إن الروح مقيمة في مكانها ، روح المحسن في ضياء وفسحة ، وروح ~~المسيء في ضيق وظلمة ، والبدن يصير ترابا (8) منه خلق ، وما يقذف (9) به ~~السباع والهوام من أجوافها مما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب ، محفوظ عند ~~من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ، ويعلم عدد الأشياء ووزنها ، وإن ~~تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث ، مطرت الأرض ~~مطر النشور ، فتربو الأرض ، ثم تمخض مخض السقاء ، فيصير تراب البشر كمصير ~~الذهب من التراب إذا غسل بالماء ، والزبد من اللبن إذا مخض ، فيجمع (10) ~~تراب كل قالب (11) فينقل بإذن الله تعالى القادر إلى حيث الروح ، فتعود ~~الصور بإذن المصور كهيئتها ، ويلج (12) الروح فيها ، فإذا قد استوى لا ينكر ~~من نفسه شيئا» والحديث طويل نقلنا منه موضع الحاجة. # ومثل ما رواه الشيخ المذكور في ذلك الكتاب (1) عن حمران بن أعين قال : ~~سألت أبا جعفر عليه السلام عن قول الله عز وجل ( @QUR@02 وروح منه ) (2) قال ~~: هي مخلوقة خلقها الله بحكمته في آدم وعيسى (13) عليهما السلام . # ومثل ما رواه فيه (3) عن محمد بن مسلم ، قال : سألت أبا جعفر عليه السلام ~~عن قول الله PageV02P127 # عز وجل ( @QUR@04 ونفخت فيه من روحي ) (1)، كيف هذا النفخ؟ قال : إن ~~الروح متحرك كالريح ، وإنما (3) سمي روحا لأنه اشتق اسمه من الريح. وإنما ~~أخرجه على (4) لفظة الروح لأن الروح متجانس للريح ، وإنما إضافة إلى نفسه ~~لأنه اصطفاه على سائر (5) الأرواح ، كما اصطفى بيتا من البيوت ، فقال : ~~و «بيتي (6)» ، وقال لرسول من الرسل : «خليلي» وأشباه ذلك (7)، وكل ذلك ~~مخلوق مصنوع مربوب مدبر. # وهاتان ms430 الروايتان الأخيرتان قد رواهما الشيخ الكليني (ره) أيضا في الكافي ~~عن أبي عبد الله عليه السلام (2). # ومثل ما رواه الكليني (ره) فيه عن أبي حمزة ، عن أبي جعفر عليه السلام ، ~~قال : سمعته يقول : المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه ، لأن الله تعالى خلق ~~المؤمنين من طينة الجنان ، وأجرى في صورهم من ريح الجنة ، فلذلك هم إخوة ~~لأب وأم. انتهى. # وبيان التأويل في هذه الاخبار ، والله ورسوله وحججه أعلم أما في الخبر ~~الأول فيستدعي تمهيد مقدمة ، وهي : # إنه من المعلوم المقرر لدى العقلاء ، المسلم عند الأطباء ، أن من الأسباب ~~الستة الضرورية ، الهواء المحيط بالأبدان ، ويضطر إليه الإنسان والحيوان ~~لتعديل الروح الحيواني الذي أشرنا إلى بيان حقيقته ، وإلى أنه هو المطية ~~الأولى للقوى النفسانية ، وأول شيء من البدن يتعلق به النفس الإنسانية ، ~~وأن هذا التعديل يحصل ويتم بفعلين : أحدهما الترويح ، وهو يحصل بالاستنشاق ~~، بأن ينبسط القلب والحجاب والرية والشرائين كلها ، فتمتلئ هواء باردا ~~بالقياس إلى الروح القلبي المتسخن بالاحتقان والحركة. والفعل الثاني إخراج ~~فضلات هذا الروح ، وهي الأبخرة المحترقة برد النفس ، بأن ينقبض الحجاب ~~والرية والشرائين ، فيندفع تلك الفضلات والأبخرة ، بمنزلة زق الحدادين ، ~~يمتلئ هواء PageV02P128 # بالانبساط ، ويخلو بالانقباض. وأنه لو لا هذان الفعلان لاحترق الروح ~~القلبي ، واستحال إلى النارية ، كما أنه لو كان أحدهما دون الآخر ، لربما ~~أدى إلى فساد ذلك الروح وفنائه ، فإنه لو كان هناك استنشاق دون إخراج ~~الفضلات ، لربما أدى إلى تبريد الروح القلبي تبريدا غير مناسب لمزاجه ، ~~فيفسد. وكذا لو كان هناك إخراج الفضلات من دون استنشاق هواء أصلا ، لربما ~~أدى إلى إخراج الروح بالكلية ، أو إلى تسخينه تسخينا لا يناسب مزاجه ، فيفنى. # وبالجملة ، أن ذلك الهواء المستنشق ، مع أنه مروح للروح الحيواني غذاء له ~~، إما بانفراده كما هو عند قوم وإما مع البخار اللطيف الحاصل من لطافة ~~الأخلاط كما هو عند آخرين ، فيقوم بدل ما يتحلل من الروح. وأنه ما دام ~~الهواء المستنشق معتدلا صافيا عن الشوائب والمكدرات لا يخالط بخار آجام أو ~~بطائح أو آسن الماء أو ms431 نتن الجيف أو أبخرة ردية وأشجار خبيثة أو غبار ~~مترادف أو دخان ، كان حافظا للصحة إن كانت حاصلة ، أو محدثا لها إن لم تكن ~~حاصلة. وإن تغير بسبب هذه المغيرات كلها أو بعضها ، تغير حكمه ؛ سواء كانت ~~تغيراته طبيعية كالتغيرات الفصلية ، أو غير طبيعية. إما مضادة للطبيعة ، ~~كالتغيرات الوبائية ، أو غير مضادة لها ، كالتغيرات الحاصلة بسبب الجبال ~~والبحار. ولذلك كان كل فصل يورث الأمراض المناسبة له ، ويزيل الأمراض ~~المضادة له ، كما فصل ذلك فى الكتب الطبية. # وكذلك من المعلوم المقرر عندهم ، أن النوم واليقظة اللذين هما من الستة ~~الضرورية ، وإن كان النوم أشبه بالسكون ، واليقظة أشبه بالحركة ، من حيث إن ~~السكون يفعل أفعالا شبيهة بأفعال النوم ، مثل الراحة ونضج الغذاء ، وإن ~~اليقظة يتبعها حركات الحواس ، ولأن النوم يرطب البدن ، بمعنى أن البدن ~~يغتذى فيه أكثر وأجود ، لقلة التحلل فيه. والسكون أيضا يرطب البدن بهذا ~~المعنى ؛ واليقظة تجفف كالحركة للتحليل ؛ إلا أنه في كل من النوم واليقظة ~~حركة للروح الحامل للقوى والحرارة الغريزية. # أما في اليقظة فإلى خارج ، فلذلك يتبعها حركة الحواس ، وأما في النوم ، ~~فحيث كانت PageV02P129 # فيه الحواس معطلة ، وكان النوم عبارة عن رجوع الحرارة الغريزية إلى ~~الباطن طلبا للإنضاج ، يغور الروح الحامل للقوى والحرارة الغريزية المنبث ~~في الأعضاء إلى داخل ، فيبرد الظاهر. # ولذلك يحوج النوم إلى دثار أكثر مما فى اليقظة ، حيث إنه يلزم من توجه ~~الروح والدم والحرارة الغريزية ، إما إلى داخل وإما إلى خارج ، سخونة ما ~~تحركت إليه ، وبرودة ما تحركت منه. # ولذلك أيضا إذا لم يكن خلاء في المعدة بل صادف النوم خلطا كثيرا مستعدا ~~لأن يصير دما جيدا بالنضح ، كان إفراط النوم مرطبا ومبردا. أما الترطيب ، ~~فلما يلزم ذلك من كثرة الرطوبات بسبب قلة تحلل الفضلات ، التي من شأنها أن ~~تتحلل فى اليقظة ؛ ولذلك يحدث أيضا بلادة القوة النفسانية. وأما التبريد ، ~~لأن الأرطب مما ينبغي يجعل البدن أبرد مما ينبغي ، بسبب حقن الحرارة ~~وحبسها. وإذا وجد النوم خلاء البدن ، كان مبردا ومجففا بانحلال الروح بسبب ms432 ~~تحلل الرطوبة الغريزية ، فيتبعه تحلل الروح والحرارة الغريزية. # وإذا وجد غذاء مستعدا للهضم كالكيلوس مثلا هضمه ، أو خلطا مستعدا للنضج ~~كالبلغم الفج نضجه ، فيسخن لا محالة. وإن وجد خلطا أو غذاء عاصيا على الهضم ~~والنضج ، كالبلغم الكثير الفجاجة ، الغير المستعد للاستحالة إلى الدموية ، ~~وكالغذاء الردي الكيلوس والكيموس ، كالسمك الغليظ ، نشره ، أي نشر النوم ~~ذلك بسبب تحريك الحرارة إياه ، فيبرد البدن لا محالة. # كما أن السهر المفرط يضعف الدماغ ويفسد مزاجه إلى ضرب من اليبوسة ، وذلك ~~لكثرة تحلل الرطوبات بالحرارة التي تكون في الظاهر ، بسبب تحرك الأرواح إلى ~~جهته ، وبسبب حركة الحواس في إدراكها. وربما يؤدي إلى اختلاط العقل بسبب ~~إفراط سوء المزاج ، لأن التصرفات العقلية تحتاج إلى ضرب من الاعتدال. # وكذلك السهر المفرط يسيء الهضم بتحليل القوة لتحلل الرطوبة الغريزية ~~والحرارة. إلى غير ذلك من العلامات التي سببها حركة الروح ، إما إلى داخل ، ~~كما فى النوم ، وإما الى PageV02P130 # خارج ، كما في اليقظة. # وبعبارة أخرى أن اليقظة حالة تكون النفس فيها مستعملة للحواس والقوى ~~المحركة من ظاهر ، فيكون النوم عدم هذه الحالة ، فتكون النفس فيه قد أعرضت ~~عن الجهة الخارجة إلى الجهة الداخلة. وإعراضها لا يخلو من أحد وجوه : إما ~~أن يكون الكلال عرض لها من هذه الجهة ، وإما أن يكون لمهم عرض لها في تلك ، ~~وإما أن يكون لعصيان في تلك الآلات إياها. # والذي يكون من الكلال ، هو أن يكون الروح قد تحلل وضعف فلا يقدر على ~~الانبساط ، فيغور ويتبعها (1) القوى النفسانية. وهذا الكلال قد يعرض من ~~الحركات البدنية ، وقد يعرض من الأفكار ، وقد يعرض من الخوف ؛ فإن الخوف قد ~~يعرض منه النوم ، بل الموت. وربما كانت الأفكار تنوم لا من هذه الجهة ، بل ~~بأن تسخن الدماغ ، فينجذب الرطوبات إليه ، ويمتلئ الدماغ فيتنوم بالترطيب. # والذي هو لمهم له في باطن ، هو أن يكون الغذاء والرطوبات قد اجتمعت من ~~داخل ، فيحتاج إلى أن يفسدها الروح بجمع الحار الغريزي ، ليفي (2) بهضمها ~~التام ، فيعطل الخارج. # والذي يكون من جهة الآلات ، فأن يكون الأعصاب ms433 قد امتلأت وانسدت من أبخرة ~~وأغذية تنفذ فيها إلى أن تنهضم ، إذ الروح ثقلت عن الحركة لشدة الترطيب. # وعلى هذا فيكون اليقظة لأسباب مقابلة لهذه. من ذلك أسباب تجفف ، مثل ~~الحرارة واليبوسة ؛ ومن ذلك جمام وراحة حصلت ؛ ومن ذلك فراغ عن الهضم ، ~~فيعود الروح منتشرا كثيرا ؛ ومن ذلك حالة ردية تشغل عن الغور ، بل تستدعيه ~~إلى خارج ، كغضب أو خوف لأمر قريب ، أو مقاساة لمادة مؤلمة ، وغير ذلك من ~~الأسباب ، والله تعالى أعلم بالصواب. # ثم إنه حيث كانت في كل من النوم واليقظة حركة للأرواح ، إما إلى داخل ، ~~وإما إلى PageV02P131 # خارج ؛ بل حركة للقوى النفسانية أيضا إلى جهة حركة الأرواح بتبعيتها ، ~~لكونها كصور الأرواح ، وكون الأرواح حاملة لها تتحرك بحركتها ؛ وكانت ~~الحركة موجبة لحصول سخونتها فى جهة حركتها ، وكانت سخونتها موجبة لتحللها ، ~~لكونها أجساما لطيفة في الغاية حارة سهلة التحلل جدا ، فلا تسمح النفس ~~بتحريكها الى جهة ، إلا إذا كان معها ما يمدها ، ليتدارك ما تحلل منها ~~بالحركة والسخونة ؛ وذلك الممد هو الجسم الذي من شأنه أن يكون غذاء للأرواح ~~، وبدلا عما تحلل منها ، كالدم الصافي الشبيه بجوهرها ، والهواء المستنشق ، ~~كما ذكرنا. # وبالجملة ، فهذا الممد مما لا بد منه في بقاء تلك الأرواح وحفظ صحتها ~~ومزاجها الموافق لها ، ولكونها مطية للنفس ومتعلقة لها ، بحسب تفاوت مراتب ~~احتياج الأرواح إلى ذلك الممد ، لتفاوت مراتب تحللها ، كما في حالات النوم ~~واليقظة ، وكما في النوم بالنسبة إلى اليقظة ؛ فإن ذلك التحلل في النوم ~~ربما كان أكثر ، لكون السخونة التي هي موجبة للتحلل فيه أكثر ، لحصولها ~~بالحركة إلى الداخل. وكذا بسبب احتقان الروح واحتباسه في الداخل ، بخلاف ~~اليقظة ؛ فإن السخونة في اليقظة من حيث هي يقظة إنما هي بسبب الحركة خاصة ؛ ~~ولا احتباس هاهنا إلا أن يكون بسبب من خارج ، كما في المخنوق. # والحاصل أن هذا الممد مما لا بد منه ، وأنه لو كان حاصلا ، لأمكن بقاء ~~الأرواح وبقاء الحياة ؛ ولو انتفى لربما أدى إلى زوال الأرواح ، أو إلى ~~تغير مزاجها وانقطاع علاقة النفس ms434 عنها وعن البدن ، فيحصل الموت ؛ وكل ذلك ~~بإذن الله تعالى. # واذا تمهدت هذه المقدمة ، اتضح لك أنه يمكن تأويل هذا الحديث الشريف بأحد ~~وجهين : أحدهما أما ما سألت من أمر الإنسان إذا نام أين يذهب روحه؟ فإن ~~روحه ، أي روحه الحيوانية التي هي المطية الأولى لروحه الإنسانية وما به ~~التعلق بين النفس الإنسانية الناطقة وبين البدن ، متعلقة لتعديلها كما ذكر ~~بالروح ، أي بالهواء المستنشق الذي هو في حركته الانبساطية والانقباضية ~~كالريح ، بل هو الريح نفسها ؛ لأن الريح ليست PageV02P132 # إلا هواء متحركا ، والهواء المستنشق أيضا كذلك. وتلك الريح متعلقة ~~بالهواء ، أي بمطلق الهواء ، لكونها بعضا منه ومستمدة منه. فإذا نام صاحبها ~~وأذن الله تعالى في بقاء حياة صاحبها ، وفي رد تلك الروح إلى (1) بدنه ، ~~وحصل لها مدد من داخل كما ذكر جذبت تلك الروح الريح ، أي الهواء المستنشق ، ~~وجذبت تلك الريح الهواء ، أي قدرا منه يكون مددا لها ، وبه يقوى الاستنشاق ~~، فتقوى الروح. فرجعت بإذن الله تعالى بعد خروجها للاستنشاق إلى داخل ، ~~فسكنت في بدن صاحبها ؛ وبقيت علاقة النفس الإنسانية بالبدن لبقاء ما به ~~الارتباط بينها وبين البدن فيه. وإن لم يأذن الله عز وجل برد تلك الروح إلى ~~صاحبها ، ولم يكن لها مدد من داخل أو من خارج ، جذب الهواء تلك الريح جذب ~~الكل للبعض ، فجذبت تلك الريح الروح ، لكونها متعلقة بها مصاحبة معها ~~محتاجة إليها ، فتوجهت بكليتها إلى خارج ، فلم ترد على صاحبها إلى وقت ما ~~يبعث ، ولم ترجع إلى بدنه ، وانقطعت أيضا علاقة النفس الإنسانية عن بدن ~~صاحبها ، لزوال ما به الارتباط عنه ، إلى أن يأذن الله تعالى بالعود في يوم ~~المعاد. # الوجه الثاني ، أن روحه أي روحه الإنسانية متعلقة بالريح ، أي أنها ~~متعلقة أول تعلق بالروح الحيوانية التي هي جسم لطيف رقيق مجانس للريح في ~~صفاتها وأحوالها ، وتلك الريح أي الروح الحيوانية متعلقة لأجل تعديلها ~~بالهواء لأجل الاستنشاق ، فإذا نام صاحبها وضعفت علاقتها عن البدن وعن تلك ~~الروح الحيوانية التي هي مطيتها الاولى ، وتوجهت إلى خارج البدن ms435 ومالت إلى ~~الارتباط بما يجانسها من موجودات العالم الأعلى ، وتوجهت الروح الحيوانية ~~أيضا إلى خارج بتبعيتها ، أو لأجل تعديلها واستنشاقها للهواء. فحينئذ ، إن ~~أذن الله تعالى في ردها إلى بدن صاحبها وبقاء علاقتها بالبدن وبمطيتها ~~الاولى ، قويت علاقتها بالبدن ، ورجعت إليه ، وجذبت تلك الروح أي الإنسانية ~~الريح أي الحيوانية جذب الراكب لمطيتها ، وجذب المتبوع لتابعها ، والمدبر ~~لما يدبره ؛ وجذبت تلك الريح الهواء لأجل تعديلها واستنشاقها جذب المجانس لما PageV02P133 # يجانسه ، فرجعت الروح الإنسانية إلى البدن ، ورجعت الروح الحيوانية أيضا ~~إليه بتبعيتها ، فسكنت في بدن صاحبها ، وبقيت علاقتها بالبدن وبمطيتها كما ~~كانت أولا. وإن لم يأذن الله عز وجل برد تلك الروح على صاحبها ، جذب الهواء ~~الريح أي الروح الحيوانية جذب المجانس لما يجانسه ، فجذبت الريح الروح جذب ~~المطية لراكبها ، فلم ترد على صاحبها إلى وقت ما يبعث. وهذا الذي ذكرنا هو ~~، والله أعلم وجه التأويل في هذا الحديث الشريف. # ومنه يعلم وجه التأويل في الحديث الثاني أيضا ، فإن قوله عليه السلام فيه ~~: «والروح جسم رقيق قد ألبس قالبا كثيفا» لعله أراد به ، أن الروح أي الروح ~~الحيواني جسم لطيف كما وصفناه ، قد ألبس قالبا كثيفا ، وجعل ذلك القالب ~~متعلقا له نوع تعلق. وأن ذلك القالب الكثيف هو البدن ، وهو خصوصا أعضاؤه ~~الرئيسة كالقلب والدماغ والكبد معدن لتولد ذلك الروح الحيواني ، وأن تعلق ~~الروح الإنسانية التي هي جوهر مجرد عن المادة ، إنما يكون أولا بذلك الجسم ~~اللطيف ، وبتوسطه بالبدن. # وبما ذكرنا يتضح شرح باقي الحديث الشريف ، إلا أنه حيث كانت فيه إشارات ~~إلى امور ، فلا بأس أن نبينها. # فنقول : إن قوله عليه السلام فى جواب سؤال السائل : «فأين الروح؟» # إشارة إلى أنه إذا مات الإنسان وفني بتلاشي أعضائه وتفرق أجزائه ، يبقى ~~الروح ، أي ذلك الجسم اللطيف ، بمادته بل بصورته أيضا ، في بطن الأرض ، أي ~~في قبره ، وحيث مصرع بدنه ومسقط الأجزاء البدنية منه إلى وقت البعث. وأنه ~~لا امتناع في ذلك ، فإن ذلك الجسم اللطيف ليس عرضا قائما بموضوع ، أي البدن ~~، حتى ms436 يكون فناء موضوعه وتلاشي أجزائه موجبا لانعدامه كما هو شأن العرض ، ~~بل هو جوهر قائم بذاته ، وإن كان معدن تولده أجزاء البدن كلها أو بعضها. ~~فإنه ليس يلزم من انعدام معدن التولد انعدام ما يتولد منه الذي هو جوهر ~~قائم بذاته ، بل يمكن أن يكون ما يتولد منه باقيا ومتعلقا نوع تعلق بالمادة ~~البدنية ، كما دل عليه قوله عليه السلام في الحديث. PageV02P134 # وهذا كما أن النفس الإنسانية المجردة ، التي هي متعلقة بالبدن تعلق تدبير ~~وتصرف ، حيث كانت جوهرا قائما بذاته ، لا يلزم من انعدام متعلقها أي البدن ~~انعدامها ؛ بل هي باقية بعد خرابه ، كما دلت عليه الأدلة والنصوص على ما ~~أسلفنا بيانها. بل إنه ربما دل الدليل على بقاء تعلقها أيضا نوع تعلق ~~بالبدن من حيث المادة البدنية وأجزائه الأصلية الباقية التي تدل على بقائها ~~النصوص الكثيرة ، على ما مضى بيانها. ويدل عليه آخر هذا الحديث أيضا ، وكذا ~~من حيث بقاء هذا الجسم اللطيف الذي هو من البدن أيضا ، ويدل على بقائه هذا ~~القول منه عليه السلام . # وبيان ذلك الدليل الدال على بقاء تعلقها كذلك ، أن تعلق النفس الإنسانية ~~بالبدن لما كان من جهتين : من جهة الصورة البدنية ، ومن جهة مادته. فحيث ~~بطلت الصورة البدنية بخراب البدن ولم تبطل المادة ، يلزم منه بقاء تعلقها ~~به من الجهة الثانية ، وإن كان بطل تعلقها به من الجهة الاولى. وكذلك حيث ~~كان تعلقها أولا وبالذات بذلك الجسم اللطيف الذي في البدن ، وثانيا ~~وبالواسطة بالبدن كله ؛ وكان المفروض بقاء ذلك الجسم اللطيف ، يلزم منه ~~بقاء تعلقها به في الجملة ، وإن لم يكن هو في ضمن البدن بصورته. # ومما ذكرنا يظهر سر ما ورد من زيارة القبور ومصارع الأبدان والدعاء فيها. فتبصر. # وقول عليه السلام في جواب سؤال السائل : «فمن صلب فأين روحه؟». # إشارة إلى أن مقبوض الملك الذي هو قابض الأرواح ، إنما هو ذلك الجسم ~~اللطيف ، وينبغي أن يحمل على أنه هو المقبوض أولا ، وأن النفس الإنسانية ~~المجردة مقبوضة بتوسطه ، حيث إنها متعلقة أولا ms437 وبالذات بذلك الجسم اللطيف ، ~~وبتوسطه بالبدن كله. فإذا قبض هو ، كانت هي مقبوضة أيضا ومنقطعة علاقتها عن ~~البدن الذي كان هو معه أو فيه انقطاعا من حيث الصورة البدنية ، وإن كان ~~تبقى علاقتها به من حيث المادة والأجزاء الأصلية الباقية ، ومن حيث ذلك ~~الجسم اللطيف الباقي ، كما عرفت بيانه. # وكذلك في هذا القول منه عليه السلام إشارة إلى أن الإنسان ، سواء كان ~~مصلوبا أم غيره وسواء كان مأكول السباع أم غيره ، وسواء كان مدفونا أم غيره ~~؛ فهذا الجسم اللطيف PageV02P135 # منه مقبوض بيد الملك ، وباق في مصرع بدنه في بطن الأرض ، حيث كان مسقط ~~أجزاء بدنه كلها أو معظمها أو بعضها ، أو مسقط أجزائه الأصلية ، أو مودع في ~~الأرض حيث أذن الله تعالى في إيداعه ، وإن لم يكن مسقط بدنه ، وإن لم يكن ~~باطن الأرض بل ظاهرها. # وقوله عليه السلام في جواب سؤاله : «فأخبرني عن الروح ، أغير الدم؟» # إشارة إلى أن ذلك الجسم اللطيف مادته ومعدن تولده الدم ، كما قاله ~~الحكماء ، من أنه جسم بخاري يتولد من الدم الذي في القلب وما يليه في ذلك. # وقوله عليه السلام في جواب سؤاله (1) «فهل توصف بخفة أو وزن أو ثقل» إشارة ~~إلى أنه مع كونه متولدا من الدم ، مجانس للريح في صفاته وأحواله وخواصه كما ~~بينه عليه السلام وسبقت الإشارة إليه. # وقوله عليه السلام في جواب سؤاله : «أفيتلاشى الروح بعد خروجه عن قالبه أم ~~هو باق؟» إشارة أيضا إلى بقائه بمادته وصورته إلى يوم ينفخ في الصور ، وأن ~~المتلاشي هو أجزاء البدن. # وقوله عليه السلام : «فعند ذلك تبطل الأشياء وتفنى» لعل المراد به والله ~~أعلم بطلان الأشياء بصورها ، لا انعدامها بالمرة ، كما حققنا القول فيه ~~فيما سبق ، فتذكر. # وقوله عليه السلام في جواب سؤاله : «وأنى له البعث ، والبدن قد بلي ~~والأعضاء قد تفرقت إلى آخره » إشارة إجمالية إلى ما يرتفع به استبعاد ~~السائل للبعث وإلى كيفية العود والحشر وهي أن القادر الذي أنشأ الإنسان من ~~غير شيء ، وصوره على غير مثال كان سبق ms438 إليه ، قادر أن يعيده كما بدأه ، أي ~~أن يعيد الأمر الباقي منه ، ويجمع المتفرقات منه ، فيصور مرة اخرى كما بدأه ~~من غير شيء ، وإن كان البدن قد بلي والأعضاء قد تفرقت ، فعضو ببلدة يأكله ~~سباعها ، وعضو بأخرى تمزقه هوامها ، وعضو قد صار ترابا بني به من الطين ~~حائط ؛ بل إن إعادته على هذا الوجه أهون عليه من البدء ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@015 وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في ~~السماوات والأرض PageV02P136 # @QUR@03 وهو العزيز الحكيم ) (1)، أي أنه أهون عليه في ظاهر الحال ~~وبالنظر إلى ما يراه القادرون غيره تعالى بالنسبة إلى مقدوراتهم ، وإن كانت ~~قدرته تعالى لا يختلف حالها في الواقع ، بالقياس إلى مقدوراته بالأهونية ~~وغيرها. # ثم ان ما ذكره عليه السلام في الإيضاح ، إشارة تفصيلية ، فيها بيان الأمر ~~الباقي من الإنسان ، من روحه وأجزاء بدنه بعد خراب بدنه ، وكذا بيان كيفية البعث. # وبيان الأول : أن الروح ، أي ذلك الجسم اللطيف ، باقية بعد خراب البدن ، ~~مقيمة في مكانها الذي قدره الله تعالى لها ، أي في مصرع بدنه ومسقط أجزائه ~~، أو فيما أودعه الملك بإذن الله تعالى ، روح المحسن في ضياء وفسحة ، وروح ~~المسيء في ضيق وظلمة. وينبغي أن يحمل على أن النفس الإنسانية المجردة أيضا ~~باقية متعلقة نوع تعلق بذلك الجسم اللطيف ، مقيمة معه نوع إقامة في ذلك ~~المكان ، إما في ضياء وفسحة كما في المحسن ، أو في ضيق وظلمة كما في المسيء ~~، ولعله عليه السلام لم يذكره ، لأنه لم ير مصلحة في تحقيق حقيقة المجرد ~~وبيان أحواله وصفاته وخواصه لذلك السائل ، حيث كان هو الزنديق الذي لم يكن ~~من أهل العلم ، ولم يكن يتيسر له فهم هذه المعاني. بل ربما كان بيان ذلك له ~~موجبا لزيادة غباوته وعناده وبعده عن الحق. وكأنه لذلك قال تعالى : ( ~~@QUR@08 ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي ) (2) بناء على ما فسره بعض ~~المفسرين. حيث إنهم سألوه عن حقيقة الروح المجردة الإنسانية التي تدبر بدن ~~الإنسان وبها حياته ، وعن أحوالها ms439 وصفاتها ، فأجيبوا بأنها أبدعت وأنشأت من ~~أمر الله تعالى ، إشعارا بأنهم ليسوا ممن يتيسر لهم علم ذلك ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@06 وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) (3) بل إنما ينبغي لهم ~~أن يعلموا أنها من أمر الله تعالى ومن مبدعاته ، مع الإيذان بتجردها عن ~~المادة أيضا ، أي كونها من الإبداعيات الكائنة من غير مادة وتولد من أصل ، ~~كأعضاء جسد الإنسان. PageV02P137 # لأن المادي لا يوجد بمجرد أمر الله تعالى ، كما هو ظاهر الآية ؛ بل إنه ~~وإن كان يوجد بأمر الله تعالى ، لكن لا به وحده ، بل بتوسط المادة أيضا ، ~~وإن كانت المادة أيضا موجودة بأمر الله تعالى. وكأنه لذلك اصطلح الحكماء ~~على أن المجردات من عالم الأمر ، وأن الماديات من عالم الخلق. فافهم. # فإن قلت : ما ذكرت من أن الروح الإنسانية مقيمة مع الروح الحيوانية في ~~مصرع بدن الإنسان ، أو في موضع من الأرض أودعت الروح الحيوانية فيه ، مخالف ~~لما دلت الأخبار الكثيرة عليه ، من أن الأرواح الإنسانية على صور أبدانهم ~~فى قوالب مثالية ، وأن أرواح المؤمنين في ظهر الكوفة وفي شاطئ الفرات ، ~~وأرواح الكفار في وادي برهوت. # قلت : لا مخالفة في ذلك ولا منافاة ، فإن الروح الإنسانية حيث كانت مجردة ~~عن المادة ، والمجرد ليس له في ذاته مكان خاص أو وضع خاص كما للماديات ، ~~فيمكن أن يكون لها تعلقان : أحدهما بذلك القالب المثالي ، والآخر بمصرع ~~بدنه ، وكانت هي في ضمن كل منهما ، إما في ضياء وفسحة كما في روح المحسن ، ~~أو في ضيق وظلمة ، كما في روح المسيء ، وبذلك ينبغي أن يتأول ما ورد من أن ~~ملك الموت يقبض في ساعة واحدة أرواح جمع كثير وجم غفير من الخلائق ، مع أن ~~بعضهم في المشرق وبعضهم في المغرب. وما ورد من أنه ما من أحد يحضره الموت ، ~~إلا مثل له النبي والحجج صلوات الله عليهم حتى يراهم ، فإن كان مؤمنا يراهم ~~بحيث يحب ، وإن كان غير مؤمن يراهم بحيث يكره. فتبصر. # وهذا بيان بقاء روح الإنسان بعد خراب جسده. # وأما بيان بقاء ms440 ما يبقى من بدنه وجسده بعد خرابه ، فهو أن البدن ، وإن ~~كان يصير متلاشيا وترابا ، إلا أنه يصير ترابا هو مبدأ خلقه ونشوه ، أي ~~التراب الذي منه خلق أولا ، كما يدل عليه نصوص اخر أيضا واردة عنهم ~~عليهم السلام في ذلك ، من أن الميت يبلى جسده حتى لا يبقى لحم ولا عظم إلا ~~طينته التي خلق منها ، فإنها لا تبلى في القبر وتبقى PageV02P138 # مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة (1). وأن كل طينة خلق منه ~~الإنسان يدفن فيها ، وأن النطفة إذا استقرت في الرحم بعث الله تعالى ملكا ~~يأخذ من تراب المكان الذي يدفن ذلك الإنسان فيه ، فيأخذه ويخلطه بتلك ~~النطفة ، فيخلق الإنسان من تلك النطفة المخلوطة بذلك التراب. وإذا اقترب ~~أجله يذهب إلى أن يجيء إلى ذلك المكان. فيموت ويدفن فيه (2). وهذه النطفة ~~مستديرة في القبر ، وتبقى إلى أن يخلق الإنسان منها مرة اخرى ، ويشهد به ~~قوله تعالى : ( @QUR@08 منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى ~~) (3). # وبالجملة ، إذا صار جسد الإنسان ترابا ، يصير ترابا منه خلق أولا ، وإن ~~بني به من الطين حائط ؛ وهو المراد ببقاء الأجزاء الأصلية من بدنه ، وأن ما ~~يقذف به السباع والهوام من أجوافها مما أكلته ومزقته ، وكذلك ما احرق وصار ~~رمادا مثلا ونحو ذلك ، فهو أيضا يصير ترابا كذلك. وكل ذلك في التراب محفوظ ~~عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ، ويعلم عدد الأشياء ووزنها ؛ ~~وأن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب فى التراب ، على معنى أن ذلك التراب ~~متميز في الواقع في ضمن جملة التراب ، إلا أن تراب الروحانيين أي الأبرار ~~من البشر ، بمنزلة الذهب في التراب ، وإن كان تراب غيرهم بمنزلة غير الذهب ~~، كالنحاس والصفر مثلا في التراب متميزا أيضا ، أو أن تراب من هو ذو روح ، ~~أي البشر مطلقا ، بمنزلة الذهب في التراب من جهة تميزه في ضمن التراب في ~~الواقع. # وأما بيان الثاني ، أي كيفية البعث ، فهو إنه إذا كان حين البعث ، مطرت ~~الأرض بإذن الله تعالى مطر ms441 النشور ، فتربو الأرض ، ثم تمخض مخض السقاء ، ~~فيصير تراب البشر كمصير الذهب من التراب إذا غسل بالماء ، وكمصير الزبد من ~~اللبن إذا مخض ، فيجمع تراب كل قالب ، فينتقل بإذن الله تعالى القادر إلى ~~حيث الروح ، فتعود الصور بإذن المصور PageV02P139 # تعالى شأنه كهيئتها أولا. أي فتفاض على ذلك التراب الصور مرة اخرى ، ~~مشابهة للصور الاولى ومماثلة لها ، ويلج الروح فيها. أما الروح الحيوانية ، ~~فبإدخالها فى ذلك الجسد ، وأما الروح الإنسانية ، فبإعادة تعلقها به مرة ~~اخرى كما كان أولا ، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا ، ويعلم أنه حين ~~البعث هو الذي كان قبل حين البدء ، من غير تغاير في ذاته ، لا في ترابه ~~وأجزائه الأصلية ، ولا في روحه الحيوانية ، ولا في روحه الإنسانية ؛ وإن ~~كانت المغايرة في أجزائه الفضلية الفرعية وفي صورته وهيئته حاصلة ، فإن هذه ~~المغايرة لا دخل لها في اختلاف الذات ، مع اتحاد ما هو الأصل في اتحاد ~~الذات ، وهو باق في الحالتين ، أي أجزائه الأصلية البدنية وروحه الإنسانية ~~والحيوانية ، وكذا مع مماثلة الهيئة والصورة الثانية للاولى. # وبذلك يتضح كيفية البعث والحشر والنشر ، ويتضح تفسير آيات واردة في ذلك. # كقوله تعالى : # ( @QUR@029 هو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى إذا أقلت سحابا ~~ثقالا سقناه لبلد ميت فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل الثمرات كذلك نخرج ~~الموتى لعلكم تذكرون ) (1) # وقوله تعالى : ( @QUR@012 والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا ~~يخرج إلا نكدا ) (2) # وقوله تعالى : ( @QUR@019 فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد ~~موتها إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير ) (3) # وقوله تعالى : ( @QUR@032 وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي ~~لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا ~~أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين ) (4) # وقوله تعالى : ( @QUR@012 والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى ~~بلد ميت فأحيينا به PageV02P140 # @QUR@05 الأرض بعد موتها كذلك النشور ) (1) # وقوله تعالى : ( @QUR@014 إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم ms442 وكل ~~شيء أحصيناه في إمام مبين ) (2) # وقوله تعالى : ( @QUR@014 أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن ~~يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم ) (3) # وقوله تعالى : ( @QUR@022 ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا ~~عليها الماء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحي الموتى إنه على كل شيء قدير ) (4) # وقوله تعالى : ( @QUR@010 والله أنبتكم من الأرض نباتا* ثم يعيدكم فيها ~~ويخرجكم إخراجا ) (5) # وقوله تعالى : ( @QUR@012 والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ~~ميتا كذلك تخرجون ) (6) # إلى غير ذلك من الآيات فتدبر تعرف. والله الموفق. # وهذا الذي ذكرنا هو الكلام في تأويل الخبر الثاني ، والله أعلم. # ومنه يعلم تأويل الأخبار الباقية ؛ فإن قوله عليه السلام فى الحديث الثالث ~~(7) في تفسير قوله تعالى ( @QUR@02 وروح منه ) (8): هي مخلوقة خلقها الله ~~بحكمته في آدم وعيسى (9) عليهما السلام ؛ قيل : الروح الحيوانية والإنسانية ~~جميعا ؛ وكذا إسنادها إلى الله تعالى يحتمل التشريف وأنها مخلوقة له تعالى. PageV02P141 # كما أن قوله عليه السلام فى الحديث الرابع ، (1) في تفسير قوله تعالى ( ~~@QUR@04 ونفخت فيه من روحي ) (2) محمول على أن المراد بالروح هو الروح ~~الحيوانية التي هي مجانسة للريح ، وأن الإضافة للتشريف. # وكذلك قوله عليه السلام في الحديث الخامس «وأجرى في صورهم من ريح الجنة» ~~(3) لعل المراد به الروح الحيوانية التي هي مجانسة للريح كما ذكر ، إلا ~~أنها في المؤمن من ريح الجنة ، كما أن الظاهر أن المراد بطينة الجنان ذلك ~~التراب الذي ذكر أنه مبدأ خلق الإنسان ، إلا أنه في المؤمنين من تراب الجنة. # وحيث عرفت ما ذكرنا من الكلام الذي وقع في البين بالمناسبة والتقريب ، ~~فلنرجع إلى ما كنا بصدده في هذا الباب. ### | في بيان جوهرية النفس # فنقول : أما بيان جوهرية النفس ، فله طريقان : أحدهما خاص بالنفس الناطقة ~~الإنسانية ، والآخر عام يعم النفس الأرضية بأنواعها ، أي النباتية ~~والحيوانية والانسانية. # أما الطريق الخاص بالإنسانية ، فهو يتوقف على إثبات تجردها ، لأنه إذا ~~ثبت أنها ليست بجسم ، كما تقدم ؛ وثبت مع ذلك أنها مجردة عن المادة قائمة ~~بذاتها ؛ لم يقع شك في أنها جوهر. # وأما الطريق ms443 العام ، فبأن يقال : لو كان وجود النفس الأرضية في الجسم ~~كوجود العرض في الموضوع ، لكان حال تلك النفس بالقياس إلى ذلك الجسم كحال ~~الأعراض التي يتبع وجودها وجود الموضوع لها ، ولا تكون مقومة لموضوعها ~~بالفعل ، كما هو شأن العرض الموجود في الموضوع. ولكان حال ذلك الجسم ~~بالقياس إلى النفس كحال PageV02P142 # الموضوع. أي مادة محفوظة الذات باقية بعينها مع تبدل الأعراض الواردة ~~عليها ، أي أن يكون ذلك الجسم الذي فرض موضوعا للنفس باقيا بعينه بعد ~~مفارقة تلك النفس عنه ، يكون هو موضوعا لغير تلك النفس من نفس أخرى ، أو ~~شيء آخر غير النفس ، كما هو شأن موضوع العرض ، وهذا باطل قد ظهر بطلانه مما ~~بيناه سابقا في مسألة بقاء النفس. # أما الأول ، فلما عرفت هنا لك أن المادة القريبة لوجود هذه الأنفس ~~العنصرية فيها ، إنما هي ما هي بمزاج خاص وهيئة خاصة وتركيب مخصوص ، هي ~~بذلك تستعد لفيضان نفس عليها حافظة لمزاجها ، جامعة لأجزائها. وأنه إنما ~~تبقى تلك المادة بذلك المزاج والتركيب وتلك الهيئة بالفعل ما دام فيها أو ~~معها النفس ، والنفس هي التي تجعلها بذلك المزاج الموافق ، وهي علة لتكون ~~النبات والحيوان على المزاج الذي لهما. وأن الموضوع القريب للنفس يستحيل أن ~~يكون هو ما هو بالفعل إلا بالنفس ، فإن النفس علة لكونه كذلك ، وأنه لا ~~يجوز أن يقال : إن الموضوع القريب لها حصل على طباعه موجودا بسبب غير النفس ~~، ثم لحقته النفس لحوقا لا قسط لها بعد ذلك في حفظة وتقويمه وتربيته ، ~~كالحال في أعراض يتبع وجودها وجود الموضوع ، ولا تكون مقدمة لموضوعها ~~بالفعل. بل إن النفس مقومة لموضوعها القريب ، فحينئذ فهي ليست بعرض. # ومنه يظهر أيضا أن النفس مغايرة لمزاج بدنها ولجسميته. # وأما الثاني ، فلما عرفت أيضا ثمة أنه إذا فارقت النفس عن موضوعها ، وجب ~~ضرورة أن يكون فراقها يحدث لغالب صير الموضوع بحالة اخرى وأحدث فيه صورة ~~جمادية ، كالمقابلة للصورة المزاجية الموافقة لتلك النفس ولتلك الصورة. وأن ~~المادة التي للنفس لا تبقى بعد النفس على نوعها البتة ms444 ، بل إما أن يبطل ~~نوعها وجوهرها الذي به كان موضوعا للنفس ، أو يخلف النفس عنها صورة أخرى ~~تستبقي المادة بالفعل على طبيعتها ؛ فلا يكون ذلك الجسم الطبيعي كما كان ~~أولا ، بل يكون هناك صورة وأعراض اخرى ، ويكون قد تبدل أيضا بعض أجزائه ~~وفارق عنه ، مع تغير الكل فى الجوهر. # ومما يوضح ما ذكرنا أنه من المعلوم المشاهد أن النفس الإنسانية إذا فارقت بدن PageV02P143 # الإنسان ، وكذا النفس الحيوانية إذا فارقت بدن الحيوان ، لا يبقى البدن ~~الإنساني والبدن الحيواني على طبيعته الأولية التي كان هو بها موضوعا ~~للنفسين ، وعلى مزاجه وتركيبه الأولين ؛ بل يفسد ويتغير ويتلاشى أعضاؤه ~~ويتفرق أجزاءه ويبطل نوعه. وكذلك النفس النباتية إذا فارقت جسم النبات ، لا ~~يبقى ذلك الجسم على طبيعته الأولية ونوعه السابق الذي به كان موضوعا للنفس ~~النباتية ، فإن الشجر المقطوع مثلا وإن بقي بصورته وهيئته وتركيبه في ~~الظاهر ، إلا أنه في الحقيقة ليس بشجر ، بل هو خشب حدثت فيه صورة جمادية ، ~~ولذلك ليس من شأنه أن تفاض عليه نفس تارة أخرى. # وبالجملة ، فالنامي من حيث أخذه نفسا وفصلا لذلك الجسم من حيث أخذه جنسا ~~، يلزم من زواله وانعدامه انعدام تلك الحصة الجنسية التي تقومها وتحصلها ~~به. وكذلك من حيث أخذه صورة للجسم من حيث أخذه مادة ، يلزم من انعدامه ~~انعدام تلك المادة المتقومة بتلك الصورة ، وعدم بقائها على الطبيعة ~~السابقة. وعلى التقديرين ، فيلزم من مفارقة النفس النباتية عن جسم النبات ~~بطلان نوعه. وكذلك من المعلوم المبين أنه عند فيضان النفس النباتية ~~والحيوانية والإنسانية وتواردها على المادة المنوية البدنية الإنسانية في ~~الرحم ، سواء قلنا : بأنها نفوس متعددة كما قد يظن ، أو بأنها ذات واحدة ~~تتزايد كمالاتها كما هو الحق ، وسيأتي تحقيقه بتوارد الصور المضغية ~~والعقلية والعظمية واللحمية على تلك المادة ؛ فلا تبقى تلك المادة على ~~طبيعتها ، بل تخلف كل نفس من تلك النفوس أو كل مرتبة من تلك المراتب نفس ~~أخرى أو مرتبة أخرى تكون تلك المادة معها على صورة أخرى وطبيعة اخرى غير ~~الأولى ، فلا يكون ms445 ذلك الجسم الطبيعي الذي يفرض موضوعا أو مادة للنفس ~~الاولى أو للمرتبة الاولى كما كان أولا ، بل يكون هناك أعراض أخرى وتغيرت ~~تلك المادة في الجوهر. # وحيث عرفت ذلك ، وعرفت أنه بعد مفارقة النفس لا تبقى المادة التي فرض ~~كونها مادة للنفس على نوعها ، عرفت أنه حينئذ لا يكون هناك مادة محفوظة ~~الذات بعد مفارقة النفس هي كانت موضوعة للنفس ، والآن موضوعة لغير النفس ، ~~فإذن ليس وجود النفس PageV02P144 # في الجسم كوجود العرض في الموضوع ، فثبت مما ذكرنا أن النفس ليست بعرض ، ~~وأن مادتها ليست بموضوع لها ، فثبت أن النفس جوهر ، لأنها صورة في موضوع ، ~~وهذا هو المطلوب. # فإن قلت : إن ما ذكرته من بيان حال المادة البدنية فى الرحم ، وإن كان ~~ظاهرا على تقدير القول بأن الفائض هناك على المادة البدنية نفوس متعددة ~~متغايرة ، إلا أنه على تقدير القول بأن الفائض هناك نفس واحدة بالذات ، ~~يتزايد كمالاتها ، ففيه إشكال. لأنه إن كانت تلك المراتب المتزايدة من قبيل ~~الأعراض ، والحال أن موضوعها يتغير بتغيرها كما هو المفروض ، فيلزم أن يكون ~~بتغير العرض يتغير الموضوع ، وهذا خلاف ما هو المقرر عندهم. وإن كانت من ~~قبيل الجواهر ، فتكون هي صورا ، فتكون نفوسا متعددة لا نفسا واحدة وذاتا ~~واحدة ، وهذا خلاف المفروض. # قلت : لا إشكال في ذلك ، لأنها نختار أنها جواهر وصور مقومة لموادها ، ~~فلذا يلزم من تغيرها تغير موادها. لكن لا يلزم من كونها صورا كونها نفوسا ~~متعددة ، بل أنها قوى متعددة لذات واحدة ونفس واحدة ، أي قوى تنبعث عن ~~النفس الواحدة في الأعضاء ، يتأخر فعل بعضها ويتقدم فعل بعض آخر منها بحسب ~~استعداد الآلة ، ولا يلزم من اختلاف قوى متعددة لشيء واحد ، اختلاف في ذات ~~ذلك الشيء بحسب جوهره وسنخه ، وهذا كما أن من البين أن لكل نفس من النفوس ~~النباتية والحيوانية والإنسانية التي هي بانفرادها ذات واحدة قوى متعددة ، ~~ولا يلزم من تعدد قواها تعدد ذات تلك النفس الواحدة ، ولم يقل به أيضا أحد. # ثم إن في هذا المقام إشكالا آخر ms446 ذكره الشيخ في الشفاء مع جوابه ، وبيان ~~الإشكال وتحريره : (1) أن ما ذكر من أن النفس علة قريبة لقوام مادتها ~~القريبة ، فهي ليست بعرض ، وأن مادتها ليست بموضوع ، لو كان مسلما ، فانما ~~يسلم في النفس النباتية. وأما النفس الحيوانية ، فيشبه أن تكون النفس ~~النباتية تقوم مادتها ، ثم يلزمها اتباع هذه النفس PageV02P145 # الحيوانية إياها اتباع وجود العرض لوجود الموضوع ؛ فيكون الحيوانية ~~متحصلة في مادة تقومت بذاتها ، أي من غير أن تكون الحيوانية مقومة لتلك ~~المادة. بل إن تلك المادة علة لقوام الحيوانية التى حلتها ، فلا تكون ~~الحيوانية إلا قائمة في موضوع. # وبيان الجواب وتحريره ، أن النفس النباتية بما هي نفس نباتية لا يجب عنها ~~إلا جسم متغذ مطلقا ، وأن النفس النباتية مطلقة ليس لها وجود إلا وجود معنى ~~جنسي ، وذلك في الوهم ، أي في الذهن فقط. وأما الموجود في الأعيان ، فهو ~~أنواعها. فحينئذ نقول : إن النفس النباتية بما هي نفس نباتية مطلقة سبب ~~واحد عام يجب عنه شيء عام أيضا ، أي كلي غير محصل ، وهو الجسم المتغذي ~~النامي المطلق الجنسي الغير المنوع. وأما الجسم ذو آلات الحس والتميز ~~والحركة الإرادية ، فليس مصدره عن النفس النباتية بما هي نفس نباتية ، بل ~~بما ينضم إليها من فصل آخر يصير به طبيعة اخرى ، ولا يكون ذلك إلا أن يصير ~~نفسا حيوانية. فظهر من ذلك أن المادة القريبة للنفس النباتية بما هي نباتية ~~لا تكون بعينها مادة قريبة للنفس الحيوانية بما هي حيوانية ، بل المادتان ~~متغايرتان كالنفسين. وأنه لا يمكن أن تبقى مادة النباتية بعينها مادة ~~للحيوانية ، متقومة بالنباتية فقط ، حتى يمكن فرض النفس الحيوانية عرضا ~~قائما في موضوع هو مادة النباتية ، بل إن تقوم المادة الحيوانية بالنفس ~~الحيوانية ؛ فهي أيضا ليست بعرض كالنفس النباتية التي فرض تقوم مادتها بها. # ثم إنه بين الجواب عن هذا الإشكال بوجه آخر أبسط وأوضح ، وتحريره : أن ~~النفس النباتية إما أن يعنى بها النفس النوعية التى تخص النبات دون الحيوان ~~، أو يعنى بها المعنى العام الذي يعم النفس النباتية والحيوانية ms447 من جهة ما ~~يغتذي ويولد وينمو ، فإن هذا قد يسمى نفسا نباتية ، وهذا مجاز من القول ، ~~فإن النفس النباتية لا تكون إلا في النبات ، ولكن المعنى العام الذي يعم ~~نفس النبات والحيوان يكون في الحيوانات ، كما يكون في النبات ، ووجوده كما ~~يوجد المعنى العام في الأشياء. وإما أن يعنى بها القوة من قوى النفس ~~الحيوانية التي يصدر عنها أفعال التغذية والتربية والتوليد ، كما هو مقتضى القول PageV02P146 # بأن النفس واحدة ولها قوى متعددة ، كما هو المذهب الحق ، وسيأتي تحقيقه. ~~فإن عنى بها النفس النباتية التي هي بالقياس إلى النفس الفاعلة للغذاء ~~نوعية ، أي النفس النوعية التي تخص النبات ، فذلك يكون في النبات لا غير ، ~~وليس في الحيوان ؛ فلا يمكن أن يقال إن النفس النباتية قومت مادتها ، وصارت ~~تلك المادة بعينها موضوعا للنفس الحيوانية وهي عرض فيها. وإن عنى به المعنى ~~العام ، فيجب أن ينسب إليه معنى عام لا خاص ، فإن الصانع العام هو الذي ~~ينسب إليه المصنوع العام ، والصانع النوعي كالنجار هو الذي ينسب إليه ~~المصنوع النوعي ، والصانع المعين هو الذي ينسب إليه المصنوع المعين ، وهذا ~~شيء قد مر لك تحقيقه. فالذي ينسب إلى النفس النباتية العامة من أمر الجسم ~~أنه تام عام ، وأما أنه تام بحيث أنه يصلح لقبول الحس أولا يصلح ، فليس ~~ينسب إلى النفس النباتية من حيث هي عامة ، ولا هذا المعنى يتبعه. # فعلى هذا أيضا ، لا يمكن أن يقال : إن النفس النباتية قومت مادتها ، ثم ~~صارت تلك المادة موضوعا للنفس الحيوانية. # وأما القسم الثالث ، وهو أن يعني بها القوة من قوى النفس الحيوانية التي ~~يصدر عنها أفعال التغذية والتربية والتوليد ، وهو مقتضى القول بوحدة النفس ~~وتعدد قواها ، فظاهر أنه على تقديره يستحيل أن يقال : إن القوة النباتية ~~وحدها تفعل بدنا حيوانيا ، إذ ليست هي منفردة بالتدبير ، إذ لو كانت منفردة ~~بالتدبير ، لكانت تتمم جسما نباتيا ، وليس الأمر كذلك ، بل المنفردة ~~بالتدبير هناك نفس واحدة تتمم جسما حيوانيا بآلات الحس والحركة في الحيوان ~~، وجسما إنسانيا في الإنسان ، لتلك ms448 النفس قوى متعددة ، أما قوتان نباتية ~~وحيوانية ، كما في الحيوان غير الإنسان ؛ أو ثلاث قوى نباتية وحيوانية ~~وانسانية ، كما في الإنسان. وتلك القوى تنبعث عن تلك النفس الواحدة في ~~الأعضاء ، ويتأخر فعل بعضها ويتقدم بحسب استعداد الآلة. وسيتضح من بعد أن ~~النفس واحدة لها قوى كذلك. # ومنه يظهر أن لا سبيل لإيراد نظير هذا الإشكال في المادة الحيوانية ، ~~بالنسبة إلى النفس الإنسانية ، لجريان نظير هذا الجواب بعينه فيه. PageV02P147 # وكذلك يظهر منه أن النفس التي لكل حيوان أو إنسان هي جامعة لاسطقسات بدنه ~~، ومؤلفها ومركبها على نحو يصلح معه أن يكون بدنا لها ، وهي حافظة لهذا ~~البدن على النظام الذي ينبغي ، فلا يستولي عليه المغيرات ما دامت النفس ~~موجودة فيه أو معه ، ولو لا ذلك لما بقي على صحته. # ومما ينبه على ما ذكرنا ، ملاحظة ما يلاحظ من قوة القوة النامية مثلا ~~وضعفها عند استشعار النفس الناطقة قضايا تحبها أو تكرهها محبة وكراهة ليست ~~ببدنيته البتة ، وذلك عند ما يكون الوارد على النفس تصديقا ما. وليس ذلك ~~مما يؤثر في البدن بما هو اعتقاد ، بل يتبع ذلك الاعتقاد انفعال من غم أو ~~سرور. وذلك أيضا من المدركات النفسانية ، وليس مما يعرض للبدن بما هو بدن ، ~~إلا أنه يؤثر في القوة النامية الغاذية ، حتى يحدث فيها من العارض الذي ~~يعرض النفس أولا كالفرح النطقي شدة ونفاذ في فعلها ، ومن العارض المضاد ~~لذلك كالغم النطقي الذي لا ألم بدني فيه ضعف وعجز حتى يفسد فعلها. وربما ~~انتقص المزاج به انتقاصا. بل ربما كان الوارد على النفس الناطقة موجبا ~~لتأثر القوة الحيوانية وقوتها وضعفها. وكذلك ربما يكون الواردات على كل من ~~النباتية والحيوانية موجبة لضعف الاخرى وقوتها. وكذلك ربما يكون الواردات ~~عليهما موجبة لتأثر القوة الناطقة وقوتها وضعفها ، وكل ذلك مما يجده ~~الإنسان من ذاته في الأحوال الواردة عليه ، ودليل على ما ذكرنا من وحدة ~~النفس وتعدد قواها. فإنها لو كانت متعددة كما قد يظن ، لما كان لضعف حال ~~إحداها أو قوتها مدخل في ms449 ضعف حال الاخرى أو قوتها ، وكذلك هو دليل على أن ~~تلك النفس جامعة لقوى الإدراك واستعمال الغذاء ، وهي واحدة ليست لها هذه ~~منفردة عن تلك. # وإذا عرفت ما ذكر ، تبين لك أن النفس مكملة للبدن الذي هي فيه أو معه ، ~~وحافظة على نظامه الأولى به أن يتفرق ويتميز ، إذ كل جزء من أجزاء البدن ~~يستحق مكانا آخر ، ويستوجب مفارقة لقرينه ، وإنما يحفظه على ما هو عليه شيء ~~خارج عن طبيعته ، وذلك الشيء هو النفس في الحيوان والإنسان. فالنفس إذن ~~كمال ، موضوع ذلك الموضوع يتقوم PageV02P148 # بها ، لا بالعكس ، وهي أيضا مكمل النوع وصانعه ، فإن الأشياء المختلفة ~~الأنفس ، تصير بها مختلفة الأنواع ، ويكون تغايرها بالنوع لا بالشخص. ~~فالنفس إذن ليست من الأعراض التي لا يختلف بها ، ولا يكون لها مدخل في ~~تقويم الموضوع. فالنفس اذن كمال كالجوهر لا كالعرض ، إلا أنه ليس يلزم من ~~هذا أن يكون مفارقا أو غير مفارق ، فإنه ليس كل جوهر بمفارق ، فلا الهيولى ~~بمفارقة ولا الصورة. وقد علمت أن الأمر كذلك. انتهى ما ذكره الشيخ في هذا ~~المقام بتحريره ، وبذلك تمت الدلالة على جوهرية النفس الأرضية بأنواعها ، ~~إلا أنه لما لم يستلزم الدلالة على تجرد ما هو مجرد عن المادة من تلك ~~الأنواع ، أعني النفس الناطقة الإنسانية كما ذكره الشيخ ، وكان ذلك أيضا هو ~~المقصود هنا ، بل المقصد الأسنى والمطلوب الأقصى الذي هو مختلف فيه بين ~~المتكلمين والحكماء ، ويتفرع عليه أحكام اخرى ومقاصد لا تحصى ، كما لا يخفى ~~على اولى النهى ؛ فحري بنا أن نتكلم فيه تكلما وافيا شافيا ، عسى أن يرتفع ~~به حجاب الإبهام عن وجه المدعى ، ويتضح منهج الرشاد وطريق الهدى. # فنقول ، وبالله التوفيق : إن الذين قالوا بتجرد النفس الناطقة الإنسانية ~~ومفارقتها عن المادة ، وإن اقاموا عليه أدلة كثيرة وحججا عديدة تترى من ~~وجوه متكثرة وطرق شتى ، إلا أنا نذكر من تلك الأدلة ما هو واضح السبيل ، ~~يكفي لدى المنصف المسترشد المستبصر لشفاء العليل ، ولرواء الغليل. ولنقدم ~~قبل الخوض في المقصود ذكر نبذ من خواص ms450 الأفعال والانفعالات التي للإنسان ، ~~وبيان قوى النظر والعمل التي للنفس الإنسانية على سبيل الإجمال ، مقدمة ~~للدليل على ما هو المقصود ، موافقا ل «الشفاء» وغيره من كتب العلماء ؛ ~~فنقول : لا يخفى عليك أن للإنسان خواص أفعال تصدر عن نفسه ليست هي موجودة ~~لسائر الحيوانات. # منها ، أنه لما كان الإنسان في وجوده المقصود منه ، يجب أن يكون غير ~~مستغن في بقائه عن المشاركة ، ولم يكن كسائر الحيوان الذي يقتصر كل واحد ~~منها في نظام معيشته على نفسه وعلى الموجودات في الطبيعة له. وأما الإنسان ~~الواحد ، فلو لم يكن في الوجود PageV02P149 # إلا هو وحده ، وإلا الأمور الموجودة في الطبيعة له لهلك أو لساءت معيشة ~~أشد سوء ، وتفصيل ذلك لا يناسب المقام. بل الإنسان محتاج إلى أمور أزيد مما ~~في الطبيعة ، مثل الغذاء المعمول واللباس المعمول والموجود في الطبيعة من ~~الأغذية ما لم يدبر بالصناعات ، فإنها لا تلائمه بل يخسر (1) معها معيشته ، ~~وكذا الموجود في الطبيعة من الأشياء التي يمكن أن تلبس أيضا ، فقد يحتاج ~~إلى أن تجعل بهيئة وصفة حتى يمكنه أن يلبسها. # وأما الحيوانات الاخرى ، فإن لباس كل واحد معه في الطباع ، فلذلك يحتاج ~~الإنسان أول شيء الى الفلاحة ، وكذلك إلى صناعات أخرى لا يمكن للانسان ~~الواحد تحصيل كل ما يحتاج إليه من ذلك بنفسه ، بل بمشاركة مع غيره ، أي أن ~~يكون مكفيا بآخر من نوعه ، يكون ذلك الآخر أيضا مكفيا به بنظيره ، حتى يكون ~~هذا يخبز لهذا ، وذلك ينسج لذلك ، وهذا ينقل شيئا من بلاد غريبة إلى ذلك ، ~~وهذا يعطيه بإزاء ذلك شيئا من قريب ، وهذا يخيط لهذا ، وهو ينجر له ، ~~وأمثال ذلك من المعونات التي لا تتناهى. # وبالجملة ، فهو يحتاج في ضرورات المعاش من المسكن والمطعم والملبس ، ودفع ~~الأعداء والتحرس من طوارق البلاء ، إلى أشياء كثيرة من الزرع والغرس ~~والحصاد والطحن والطبخ والغزل والنسج والحياكة والخياطة وأدوات ذلك كله ، ~~وكذا إلى البناء ومحاويجه وأسباب البناء وأسلحة الحروب وغير ذلك مما لا ~~يحصيها غير علام الغيوب ، وهي أشياء لا يستطيع لها ms451 ولا يقوى عليها إنسان ~~واحد ، ولا مائة ولا ألف ؛ بل يحتاج إلى جماعة كثيرة يجتمعون في مكان واحد ~~ومساكن متقاربة ، يعمل كل فرقة منهم عملا ، فيتعاونون ويتعاضدون ، ~~ويتعاوضون أعمالهم ، ويتبادلون صنائعهم ، فيقع بينهم المعاملات في حقوقهم ~~ومساعيهم. فلهذه الأسباب وأسباب اخرى أخفى وآكد من هذه يحتاج الإنسان إلى ~~أن يكون له في طبعه قدرة على أن يعلم الآخر الذي هو شريكه بعلامة وضعية ، ~~وكان أخلق ما يصلح لذلك هو الصوت ، لأنه ينبعث إلى حروف يتركب منها تراكيب ~~كثيرة من غير مئونة تلحق البدن في ذلك ، ويكون سيالا لا يثبت ، فيأمن من وقوف PageV02P150 # من لا يحتاج إلى شعوره عليه. وبعد الصوت الإشارة ، إلا أنها لا تفي ~~بالمعدومات والمعقولات الصرفة والمدركات الباطنية ، بل تختص بالمدركات ~~بالحواس الظاهرة ، ومع ذلك ، فهي إنما تهدي من حيث يقع البصر ، وأن تكون من ~~جهة مخصوصة ، وأن تحرك الحدقة إلى جهة مخصوصة حركات كثيرة يراعى بها ~~الإشارة. # وأما الصوت فقد يغني الاستعانة به من أن يكون من جهة مخصوصة ، وعن أن ~~يراعى تحريكات ، فجعلت الطبيعة للنفس أن تؤلف من الأصوات ما يتوصل به إلى ~~إعلام الغير. وأما الحيوانات الأخرى ، وإن كان فيها أيضا أصوات يقف بها ~~غيرها على حال نفسه ، إلا أن تلك الأصوات إنما تدل بالطبع على جملة من ~~الموافقة والمنافرة غير محصلة ولا مفصلة ، والذي للإنسان فهو بخلاف ذلك ، ~~لأنه بالوضع ، وعلى أغراض لا تتناهى ، ومقاصد لا تحصى. # فاختص الإنسان بهذه الخاصية للضرورة الداعية إلى الإعلام والاستعلام ، ~~لضرورة داعية إلى الأخذ والإعطاء ، ولضرورات اخرى. ثم باتخاذ المجامع ~~واستنباط الصنائع التي هي عن استنباط وقياس ، بعضها للضرورة النوعية ، ~~وبعضها للضرورة الشخصية ولصلاح حال الشخص. # وأما الحيوانات الاخرى وخصوصا للطير (1) وإن كانت لها صناعات ولا سيما ~~النحل ، فإن لها بيوتا ومساكن وتسديسا فيها ، وكذلك العنكبوت فإن لها نسجا ~~وحياكة إلا أن تلك الصناعات ليست مما يصدر عن قياس واستنباط ورأي كلي ، بل ~~عن نوع إلهام وتسخير ورأي جزئي منبعث عن طبع وقوة متخيلة ، ولذلك ليست تلك ~~الصناعات ms452 مما يختلف ويتنوع ، ولا توجد متصرفا فيها ولو تصرفا ما كصناعات ~~الإنسان ، وكذلك ليست تلك الحيوانات مما يصدر عنها غير تلك الصناعات الخاصة ~~، أي أن تكون صناعاتها غير مخصوصة بوجه دون وجه كما في الإنسان أيضا ؛ بل ~~إن صناعاتها خاصة بتلك التي شوهد صدورها عنها ، ومع ذلك فليست صناعاتها ~~للضرورة PageV02P151 # الشخصية ولصلاح حال الشخص ، بل للضرورة النوعية فقط ، بدليل أنها لو كانت ~~لصلاح حال الشخص ، لكانت مما تختلف ولو اختلافا ما ، مع أن أحوال الأشخاص ~~من حيث هي أشخاص مختلفة جدا. # ثم إنه حيث كان حال الإنسان ما ذكر ، وكان يحتاج في ضرورات معاشه وبقاء ~~نوعه وصلاح حال شخصه إلى بني نوعه الذين يجتمعون في مكان واحد ومساكن ~~متقاربة ، يعمل كل فرقة منهم عملا ، فيتعاونون ويتعاضدون ويتعاوضون أعمالهم ~~ويتبادلون صنائعهم ، فيقع بينهم المعاملات في مساعيهم ، وكان هذا الاجتماع ~~إنما ينتظم إذا كان بينهم عدل في المعاملات يتفق الجميع عليه ، لأن كل واحد ~~يشتهي ما يحتاج إليه ، ويغضب على ما يزاحمه ، وأكثر الناس لا يكتفي بحقه ، ~~ولا يجتزي بحظه ، بل كل إنسان يطمع في نصيب غيره ، ولا ينصف من نفسه ، ويرى ~~ما له عدلا وما عليه ظلما ، فيؤدي ذلك بينهم إلى التباغض والتحاسد والتنازع ~~والتعاند ، فيقع الجور ويختل أمر الاجتماع. وكان العدل لا يتناول الجزئيات ~~الغير المحصورة ، بل لا بد له من قوانين كلية مصونة عن الخطاء ، يقررها ~~مقنن وسان معدل عدل حكيم ، احتاج الإنسان لبقاء نوعه وضرورة معاشه وصلاح ~~حاله أشد احتياج إلى واضع لتلك القوانين شارع لها مبعوث من الله تعالى ، ~~يكون هو من نوع الإنسان بحيث يخاطب الإنسان ، ويلزمهم التكاليف ، ويسن ~~للناس في امورهم سننا بإذن الله تعالى ووحيه ، يرجعون هم إليها وإليه في ~~معاملاتهم ، وإلى رئيس لهم يعلم حقائق أعمالهم ودقائق أفعالهم ومقادير ~~أجورهم وموازي صنائعهم ، ويقدر على إحقاق حقوقهم وإيصال حظوظهم ، وعلى ~~تأديبهم وسياستهم ؛ ويكون إنسانا عظيم المنزلة جليل الرتبة ينبغي له هذه ~~المرتبة على الإطلاق وتليق به بالاستحقاق ، لئلا يسع أحدا مخالفته ويلزم ~~مطاوعته ، وهو ms453 النبي عليه السلام ، وهذا أحد أسباب الاحتياج إليه عليه ~~الصلاة والسلام في كل عصر وزمان ، وإن كانت أسباب الاحتياج إليه كثيرة يكاد ~~يخفى على أذهاننا دركها ، وما بلغ إليه فهم المرءوسين من البشر هو أقل قليل منها. PageV02P152 # ومنها أن بدن الإنسان ومزاجه مركب من طبائع متضادة وكيفيات متعاندة ، وهو ~~محتاج في معاشه وصلاح حاله إلى أغذية وأشربة مختلفة ، إن سالمت بعضا عاندت ~~آخر ؛ وهو مع تلك المعاندات من داخل بدنه واقع في معرض الآفات ومورد ~~البليات من خارجه ، إن انتهز بعضها فرصة ، غلب صاحبه فأفسده وأدى إلى هلاك ~~بدنه وجسده من قريب ، بل ربما أدى بتوسطه إلى هلاك روحه ونفسه أيضا ، ~~فيحتاج ضرورة إلى ضرب من التدبير في غذائه وشرابه وسائر وارداته ليسلم من ~~الآفات ويبقى به مدة يمكنه فيها الترقي إلى الكمال المقدر له. ومعلوم أن ~~معرفة مضارها ومنافعها ومسالمها ومنازعها لا يمكن بالتجربة ، فإن دواء ~~واحدا أو غذاء وشرابا يختلف أثره في الأمزجة المختلفة والأمكنة المختلفة ~~والأزمنة المختلفة ، بل في شخص واحد بحسب أحوال وأوقات مختلفة لا تكاد ~~تنضبط برابط ، فضلا عن جميع الأغذية والأشربة والأدوية بكثرتها التي لا ~~يحصيها ولا يجمعها الارتباط ؛ ولو كان الطريق إلى معرفتها هو التجربة ، ~~لكان في مدة تجربة شيء واحد هلاك المجربين من الناس كلهم أو جلهم. وعلى ~~تقدير فرض حصول معرفتها بالتجربة ، لكان ذلك في أقل قليل منها ، لا في ~~أكثرها ولا في كلها. وعلى تقدير تسليم حصول ذلك بالنسبة إلى أكثرها أو كلها ~~ولو في أزمنة متطاولة وأعصار متمادية ، فلا يخفى أن التجربة إنما تفيد ~~معرفة طبائع الأشياء التي للتجربة دخل في معرفتها ، وللعقل سبيل إلى العلم ~~بها. والحال أن في الوجود والطبيعة وفيما يحتاج إليه الإنسان في نظام ~~معيشته وصلاح حاله وبقاء نوعه وشخصه أشياء مثل أغذية وأشربة ومساكن وملابس ~~وأفعال ، لتلك الأشياء خواص وأحكام ، بعضها مقربة للإنسان إلى رحمة الله ~~تعالى وإلى ساحة عزه وكبريائه ، وبعضها مبعدة عن ذلك ، وبعضها مما ينفع ~~جسده أو روحه أو كليهما ، وبعضها ms454 يضره كذلك ؛ وأن تلك الخواص والأحكام مما ~~ليس للتجربة إليها سبيل ، ولا من العقل عليها دليل ، بل لا يعلمها إلا علام ~~الغيوب ، وإلا من هو مبعوث من عنده تعالى. وحيث كان الأمر كذلك ، فاحتاج ~~الإنسان في نظام معيشته وبقاء نوعه وشخصه وصلاح حال روحه وجسده ، إلى رئيس ~~أديب يؤدبهم ، ومعلم يعلمهم ، ومبين PageV02P153 # يبين لهم منافع الأشياء ومضارها وخواصها وأحكامها ، وأن بعضها حلال ، ~~وبعضها حرام ، وبعضها مباح ، وبعضها مندوب ، وبعضها مكروه. ومن تلك الأسباب ~~، أنه من المعلوم أن الغاية التي خلق الإنسان ، الذي هو أشرف الكائنات ~~وأفضل البريات لأجلها ، وأفضل الأعمال التي هو يكتسبها : معرفة الله تعالى ~~وصفات جماله وجلاله ، ومعرفة حقائق الأشياء التي هي صنعه وآلاؤه تعالى ، ثم ~~امتثال طاعته واجتناب معصيته بالتخلق بالأخلاق الزكية ، والاتصاف بالأوصاف ~~المرضية ، والتنزه عن الصفات الدنية ، والتزين بالأفعال الجميلة ، والتورع ~~عن الأعمال الرذيلة. ومن المعلوم أيضا أن هذه المعرفة وهذا العلم وإن كان ~~عقليا صرفا ، بمعنى أن العقل السليم يمكنه أن يستقل في تحصيله ، إلا أن ~~التحصيل يتوقف على التنبه لذلك. وأكثر العقول لكونها منهمكة في الشهوات ~~الحسية ، منغمرة في اللذات والشوائب الجسمانية ، قد توسخ جواهر مراياها ~~بأوساخ تلك العادات الخبيثة ، وران عليها ملكاتها الخسيسة ، فهي كأنها قد ~~رقدت في عادتها كأنها سكارى ، وتوغلت في حالتها كأنها حيارى. والنائم وإن ~~كان قد يتنبه بنفسه ، لكن النيام الغرقى في غمرات المنام لو تركوا ومنامهم ~~، لاستمروا في سكوتهم يعمهون. والنوم الغرق لو لم يوقظ أهله لتمادوا في ~~نومهم إلى يوم يبعثون ، فلو لم يكن رجل أيقظه الله تعالى بنوره ، يوقظهم من ~~نوم غفلتهم ، وينهضهم من صرعة جهلهم ، لم يتيقظوا ولم يخطر ببالهم أن لهم ~~صانعا يجب عليهم أن يعرفوه ، ثم يسمعوا له ويطيعوه ؛ ولم يختلج في قلوبهم ~~أن هاهنا فضيلة وكمالا غير ما هم به مولعون ، وهم فيه مستترون. فذهب أكثر ~~الناس ضياعا ، ومضى عامتهم همجا رعاعا. ثم إنهم بعد ما اوقظوا أيضا أو ~~تيقظوا ، ليس أكثرهم من يبصر شيئا أو يهتدى سبيلا ، لما غشى بصائرهم ms455 من رمد ~~الغفلة ، وأحاط بقلوبهم من رين هواجس العادة ، فلا يبصرون طريقا وسبيلا ولا ~~يعقلون حجة ودليلا ، بل لا غنى لهم عن معلم بصير خبير يعلمهم كمال التدبير ~~ويهديهم إلى سواء السبيل ، عسى أن يكون فرقة منهم تهتدي إلى قليل أو كثير ، ~~وهذا أيضا أحد أسباب احتياج الإنسان إلى النبي عليه السلام وإن كانت أسباب ~~الاحتياج إليه عليه السلام لا تحصى ، وما تفطن له العلماء من ذلك PageV02P154 # هو أقل قليل منها. # وتلخص لك مما ذكرنا ، أن مثل النبي عليه السلام بالنسبة إلى المكلفين في ~~التكاليف العقلية ، أي الاصولية ، هو مثل أن يكون هناك طريق واضح رشد يفضي ~~سالكه إن سلكه إلى المقصود الخير ، إلا أن بعض سالكيه وإن كانوا صحيحي ~~البصيرة والبصر ، لكنهم نيام يحتاجون إلى موقظ يوقظهم ليتيقظوا ويفتحوا ~~أعينهم ويروا السبيل لكي يسلكوه. وبعضهم ، وإن كانوا متيقظين ، لكنهم رمد ~~العين معيوبو البصر يحتاجون إلى معالج يعالج بصرهم ويزيل الغشاوة عن أعينهم ~~حتى يروا السبيل ويسلكوه ، وهذا الموقظ والمعالج هو النبي عليه السلام . # وأما مثله بالنسبة إليهم في التكاليف الشرعية الفرعية ، كمثل أن يكون ~~هناك طريق رشد ، وسبيل واضح أيضا ، إلا أن سالكيه كلهم عمون يحتاجون إلى ~~قائد يقودهم ، ودليل يدلهم ، وآخذ يأخذ بأيديهم ويسلك بهم ذلك السبيل ، ~~وهذا هو أيضا النبي عليه السلام ( @QUR@08 وتلك الأمثال نضربها للناس وما ~~يعقلها إلا العالمون ) (1) ### | في بيان اختصاص الإنسان بالقوة العقلية # وقد تلخص لك أيضا من هذه الجملة أن الانسان من بين أنواع الحيوان مختص ~~بخاصية ، هي كونهم قابلين للتكاليف العقلية والفرعية والخطابات الشرعية ~~التي هي قوانين كلية ، فيظهر منه أن الإنسان مختص بخاصية هي إدراك المعاني ~~الكلية دون سائر أفراد الحيوان ، وأنه بسبب حصول القوة العقلية فيه ، التي ~~هي مدركة الكليات ، اختص بتلك التكاليف والخطابات. ### ||| ** خاصية للإنسان # وحيث عرفت ما ذكرناه ، فاعلم أنه من جملة خواص الإنسان أنه يتبع إدراكاته PageV02P155 # للأشياء النادرة مطلقا انفعال يسمى التعجب ، ويتبعه الضحك ، ويتبع إدراكه ~~للأشياء المؤذية مطلقا انفعال يسمى الضجر ، ويتبعه البكاء ، ولا يكون ذلك ms456 ~~للحيوانات الاخر. ### ||| ** خاصية أخرى للإنسان # ومن جملة خواصه ، أنه حيث كان في الوجود أفعال ، من شأنها وحقها أنه لا ~~ينبغي أن يفعلها الفاعل لها ، وكذا أفعال حقها أن يفعلها الفاعل لها ، ~~ويسمى الأولى قبيحة والثانية جميلة ، فيعلمها الإنسان بل ينشأ عليها من ~~صغره إلى كبره ، ويتعود عليها منذ صباه ، ويكون ذلك العلم منه عن اعتقاد ~~ورأي كلي يتبعه رأي جزئي ، حتى كأنه كالغريزي له ، وإن لم يعمل بعلمه في ~~بعض المواد. بخلاف سائر الحيوانات ، فإنها لو تركت أفعالا لها أن تفعلها ~~ولا ينبغي لها أن تفعلها ، أو فعلت أفعالا لها أن تتركها ولا ينبغي لها ~~تركها ، فليس سبب ذلك فيها اعتقاد ورأي كلي نفساني يتبعه رأي جزئي ، بل ~~ربما كان نوع إلهام وتسخير أو هيئة وعارض نفساني متخيل أو متوهم. فإن الكلب ~~المعلم مثلا إذا لم يأكل صاحبه ولا ولده ولا صيده ، بل أمسكه على صاحبه ، ~~بل حمله إليه مع جوعه وصبره عليه ، فليس ذلك منه عن رأي واعتقاد كلي ، وإلا ~~لكان حاله بالنسبة إلى غير صاحبه وولده وصيده أيضا مما ينبغي له تركه كذلك ~~، والمعلوم خلافه. ولكان كل كلب مع مشاركته في النوع والطبيعة له كذلك ، ~~وليس كذلك. بل ربما كان سب ذلك عارضا نفسانيا هو لذة وهمية ينالها ، من ~~توقع إكرام صاحبه إياه ، فإن كل حيوان يؤثر بالطبع وجود ما يلذه وبقاءه وأن ~~الشخص الذي يمونه ويطعمه قد صار لذيذا له ، لأن كل نافع لذيذ بالطبع عند ~~المنفوع. وكذلك المرضعة من الحيوانات إذا آثرت ولدها على نفسها ، وخاطرات ~~محامية عليه أعظم من مخاطرتها في حمايتها لنفسها ، أو الحيوان إذا أحب ولده ~~، فليس سبب ذلك هنا اعتقاد ورأي ، وإلا لكان حالها بالنسبة إلى غير ولدها ~~مما ينبغي لها فعلها أيضا ، والمعلوم خلافه. بل ربما كان سبب ذلك لذة وهمية ~~تجدها من تصور سلامة ولدها ، PageV02P156 # وربما آثرتها على سلامة نفسها. وهذا كما أن بعض الإنسان قد يتخيل لشيء ~~نافع في الواقع ويتنفر عنه إذا كان بصورة ما يتنفر عنه ، او ms457 لشيء متنفر عنه ~~ويميل إليه إذا كان بصورة ما يميل إليه من غير اعتقاد في ذلك. وكذلك ما ~~يشاهد من أن الذئب يحذره كل شاة وإن لم تره قط ولا أصابته منه نكبة وأذية ، ~~ويحذر الأسد حيوانات كثيرة ، وجوارح الطير يحذرها سائر الطيور ، فليس ذلك ~~عن اعتقاد ورأي ، وإلا لوجب أن تحذر هذه الحاذرات ، كالشاة وكثير من ~~الحيوانات والطيور غير الجوارح ، عن غير هذه المحذورات ، أي عن غير الذئب ~~والأسد وجوارح الطير أيضا مما ينبغي لها الحذر عنها مثل حذرها عنها ، ~~لكونها مما من شأنه إصابة الأذية إليها ، وليس كذلك ، بل كل ذلك عن إلهام ~~وتسخير ، أو عن تخيل خاص. ### ||| ** خاصية ثالثة للإنسان # ومن جملة خواص الإنسان ، أنه قد يتبع شعوره أنه فعل شيئا من الأشياء التي ~~لا ينبغي له أن يفعله انفعال نفساني يسمى الخجل ، بخلاف سائر الحيوان. ~~وكذلك قد يعرض للإنسان انفعال نفساني بسبب ظنه أن أمرا في المستقبل يكون ~~مما يضره ، وذلك مما يسمى الخوف. والحيوانات الاخرى إنما يكون لها ذلك بحسب ~~الآن في غالب الأمر ، أو متصلا بالآن ، بدليل أنه يزول عنها ذلك الانفعال ~~بعد ذلك الآن ، بخلاف الإنسان. وكذلك للانسان بإزاء الخوف انفعال يسمى ~~الرجاء ، ولا يكون ذلك أيضا للحيوانات الاخرى إلا متصلا بالآن ، لا فيما ~~بعد ذلك من الزمان أيضا كما في الإنسان ، وما يفعله بعض الحيوانات من ~~الاحتياط والاستظهار ، كما يفعله النمل في نقل البرة بالسرعة إلى حجرتها ~~إنذارا بمطر يكون هناك ، فليس ذلك لأنها تشعر بالزمان وما يكون فيه ، بل ~~ذلك أيضا بضرب من الإلهام والتسخير ، أو لأجل تخيل أن ذلك هو ذا يكون فى ~~هذا الوقت ، كما أن الحيوان يهرب عن الضد ، لأنه يتخيل أنه هو ذا يضر به في الوقت. # وبالجملة ، فهذا الرجاء للحيوانات ليس كما للإنسان ، لأنه إنما يكون لبعض PageV02P157 # الحيوانات دون جميعها ، ومع ذلك فهو يكون للحيوانات التي يكون ذلك لها ~~بالنسبة إلى بعض الأمور دون آخر ، ومع ذلك لا يكون إلا متصلا بالآن ، فليس ~~ذلك لها عن ms458 اعتقاد كما للإنسان. # ثم إنه يتصل بهذا الجنس من الخاصية ما للإنسان أن يروي فيه من الأمور ~~المستقبلة أنه هل ينبغي له أن يفعلها أو لا ينبغي؟ فيفعل ما يصح أن يوجب ~~رويته أن لا يفعله وقتا آخر أو في هذا الوقت بدل ما روى فيه ، ولا يفعل ما ~~يصح أن يوجب رويته أن يفعله وقتا آخر أو في هذا الوقت بدل ما روى. وسائر ~~الحيوانات إنما يكون لها من الإعداد للمستقبل ضرب واحد مطبوع فيه ، وافق ~~عاقبتها أو لم يوافق. # وهذا الذي ذكرناه إنما هو بيان جملة من الأفعال والانفعالات والأحوال ، ~~وهي مما يوجد للإنسان ، وجلها ، بل كلها يختص به الإنسان. وبعضها وان كان ~~بدنيا ، لكنه موجود لبدن الإنسان بسبب النفس للإنسان ، وليست لسائر الحيوان ~~، وعسى أن نذكر في طي الأبواب الآتية نبذا من الخواص أيضا. # وبالجملة ، فأكثر الخواص الإنسانية ، بل كلها مما ذكرنا أو لم نذكرها ، ~~تدل على أن للإنسان إدراكا للمعاني الكلية ، وهو مختص به دون سائر أفراد ~~الحيوان ، وبذلك وكذا بما يشاهد من أحوال الإنسان في أموره وشئونه مع قطع ~~النظر عن تلك الخواص أيضا يعلم أن أخص الخواص بالإنسان ، الذي لا يشاركه ~~فيه غيره من أفراد الحيوان ، تصور المعاني الكلية العقلية المجردة عن ~~المادة كل التجريد ، والتوصل إلى معرفة المجهولات تصورا أو تصديقا من ~~المعلومات الحقيقية. ### | فى بيان القوى النظرية والعملية للنفس الإنسانية # وحيث عرفت ذلك ، فنقول في بيان قوى النظر والعمل التي للنفس الإنسانية : ~~إنه لا يخفى أن للإنسان تصرفا في الأمور الكلية وتصرفا في الامور الجزئية ، ~~وأن الامور الكلية إنما يكون فيها اعتقاد فقط ، ولو كان أيضا في عمل. فإن ~~من اعتقد اعتقادا كليا أن البيت PageV02P158 # مثلا كيف ينبغي أن يبنى ، فإنه لا يصدر عن هذا الاعتقاد وحده فعل بيت ~~مخصوص صدورا أوليا ، فإن الأفعال تتناول أمورا جزئية ، وتصدر عن آراء جزئية ~~، وذلك لأن الكل من حيث هو كلي ليس يختص بهذا دون ذلك ، فيكون للإنسان قوة ~~تختص بالآراء الكلية ، وقوة أخرى تختص ms459 بالروية في الامور الجزئية فيما ~~ينبغي أن يفعل ويترك ، وينفع ويضر ، وفيما هو جميل وقبيح ، وخير وشر ، ~~ويكون ذلك بضرب من القياس والتأمل صحيح أو سقيم ، غايته أنه يوقع رأيا في ~~أمر جزئي مستقبل من الأمور الممكنة ، حيث إن الواجبات والممتنعات لا يروي ~~فيها لتوجد أو تعدم ، وما مضى أيضا لا يروي في إيجاده على أنه ماض. # ثم إنه إذا حكمت هذه القوة ، يتبع حكمها حركة القوة الإجماعية إلى تحريك ~~البدن ، كما كانت تتبع أحكام قوى أخرى في الحيوانات ، وتكون هذه القوة ~~مستمدة من القوة التي على الكليات ، فمن هناك تأخذ المقدمات الكبرى فيما ~~تروى وينتج في الجزئيات. # فالقوة الاولى للنفس الإنسانية التي تختص بالآراء الكلية قوة تنسب إلى ~~النظر ، فيقال : عقل نظري. والقوة الثانية التي لها وتختص بالآراء الجزئية ~~قوة تنسب إلى العمل ، فيقال : عقل عملي. وتلك للصدق والكذب ، وهذه للخير ~~والشر ، وتلك للواجب والممكن والممتنع ، وهذه للقبيح والجميل والمباح. ~~ومبادئ تلك من المقدمات الأولية ، ومبادئ هذه من المشهورات والمقبولات ~~والمظنونات والتجربيات الواهية التي تكون من المظنونات غير التجربيات ~~الوثيقة. ولكل واحدة من هاتين القوتين رأي وظن ، والرأي هو الاعتقاد ~~المجزوم به ، والظن هو الاعتقاد المميل إليه الراجح مع تجويز الطرف الآخر ~~المرجوح. وليس من ظن فقد اعتقد ، كما ليس من أحس فقد عقل ، أو من تخيل فقد ~~ظن أو اعتقد أو رأى. فيكون في الإنسان حاكم حسي ، وحاكم من باب التخيل وهمي ~~، وحاكم نظري ، وحاكم عملي ، ويكون المبادئ الباعثة لقوته الإجماعية على ~~تحريك الأعضاء وهمية خيالية ، وعقلية عملية ، وشهوة وغضبا ، ويكون ~~للحيوانات الأخرى بعض من هذه لا كلها ، كما سيأتي بيانه. PageV02P159 # ثم إن العقل العملي يحتاج في أفعاله كلها إلى البدن وإلى القوى البدنية ~~إلا نادرا ، كإصابة العين من بعض النفوس الشريرة ، والأفعال الخارقة ~~للعادات من المتجردين الكاملين ، لو قلنا بأن هذين النوعين من الفعل يقعان ~~من غير توسط البدن. # وأما العقل النظري فإن له حاجة ما إلى البدن وإلى قواه ، لكن لا دائما ~~ومن كل وجه ، بل ms460 قد يستغني بذاته. # ثم إنه ليس شيء من هاتين القوتين أو هذه القوى هو النفس الإنسانية بعينها ~~، بل النفس هو الشيء الذي له هذه القوى ، وهو كما أشرنا إليه وسنوضحه جوهر ~~منفرد بذاته ، وله استعداد نحو أفعال بعضها لا يتم إلا بآلات وبالإقبال ~~عليها بالكلية ، وبعضها يحتاج فيه إلى الآلات حاجة ما ، وبعضها لا يحتاج ~~إليها البتة ، كما سيأتي شرح ذلك كله إن شاء الله تعالى. # فجوهر النفس الإنسانية مستعد لأن يستكمل نوعا من الاستكمال بذاته ، ومما ~~هو فوقه لا يحتاج فيه إلى ما هو دونه ، وهذا الاستعداد له إنما هو بالقوة ~~التي تسمى العقل النظري ، وهو بها مستعد لأن يتحرز عن آفات تعرض له من ~~المشاركة ، كما سيأتي بيانه أيضا ، ولأن يتصرف في المشاركة تصرفا على الوجه ~~الذي يليق به وينبغي له. وهذا الاستعداد له لقوة تسمى العقل العملي ، وهي ~~رئيسة القوى التي له إلى جهة البدن ، وأما ما دون ذلك ، فهي قوى تنبعث عنه ~~لاستعداد البدن لقبولها ولمنفعته ، والأخلاق التي تكون للنفس إنما هي من ~~جهة هذه القوة ، كما سيجيء بيانه أيضا. # ولكل واحدة من هاتين القوتين استعداد كمال ، فالاستعداد الصرف من كل ~~واحدة منهما أن تحصل لها المبادى التي بها تكمل أفعالها. أما العقل النظري ~~الهيولاني ، فالمقدمات الأولية وما يجري مجراها ، وأما العملي ، فالمقدمات ~~المشهورة وهيآت أخرى. فحينئذ يكون كل واحد منهما عقلا بالملكة ، ثم يحصل ~~لكل واحد منهما الكمال المكتسب الميسر له ، فيصير مراتبهما أربعا ، كما ~~سيأتي بيانه أيضا. PageV02P160 ### | تمهيد في أن النفس الناطقة الإنسانية جوهر مجرد عن المادة # وحيث عرفت هذه الجملة على الإجمال ، فحري بنا أن نبين أن هذه النفس ~~المستعدة لقبول المعقولات بالعقل الهيولاني وما بعده من المراتب ليست بجسم ~~ولا جسماني ، وبالجملة ليست بذي وضع ، بل أنها جوهر مجرد عن المادة وعن ~~توابعها ، قائم بذاته. ولما كان بيان هذا المقصود على الوجه الذي نرومه هنا ~~، مبنيا على أن النفس الإنسانية تدرك المعاني الكلية والمعقولات المجردة عن ~~المادة ، فتكون هي أيضا مجردة عنها ms461 كمدركاتها المجردة ، وكان هذا موقوفا ~~على بيان مقدمات : # منها أنها مدركة للمعاني الكلية والمعقولات ، وهذه قد مضى بيانها ، حيث ~~عرفت أن أخص الخواص بالإنسان إدراك المعاني الكلية والمعقولات. # ومنها أن تلك المعاني مجردة عن المادة. # ومنها أن إدراك النفس لها على أي وجه وما معناه؟ # ومنها أنه بأي سبب وجهة يكون إدراك المجردات مستلزما لتجرد ما يدركها؟ # وهذه المقدمات لم تتبين بعد ، فلنبينها حتى يتضح المقصود. فلنتكلم أولا ~~في بيان أصناف الإدراكات التي للإنسان ، وفي إدراك المعاني الكلية ، وفي ~~تجرد تلك المعاني والمعقولات عن المادة. ### | نقل كلام وتنقيح مرام # فنقول : قال الشيخ فى طبيعيات الشفاء هكذا (1): «فصل في تحقيق أصناف ~~الإدراكات التي لنا ، فلنتكلم الآن في القوى الحاسة والمدركة (2)، ولنتكلم ~~فيها كلاما كليا فنقول : يشبه أن يكون كل إدراك إنما هو أخذ صورة المدرك ~~بنحو من الأنحاء ، فإن كان الإدراك إدراكا لشيء مادي ، فهو أخذ صورته مجردة ~~عن المادة تجريدا ما ، إلا أن أصناف التجريد PageV02P161 # مختلفة ومراتبها متفاوتة. # فإن الصورة المادية يعرض (1) لها بسبب المادة أحوال وأمور ليست هي (2) ~~لذاتها من جهة ما هي تلك الصورة ، فتارة يكون النزع عن المادة نزعا مع تلك ~~العلائق كلها أو بعضها ، وتارة يكون النزع نزعا كاملا ، وذلك بأن يجرد ~~الشيء عن المادة وعن اللواحق التي لها (3) من المادة ، مثاله : أن الصورة ~~الإنسانية والماهية (4) الإنسانية طبيعة لا محالة تشترك فيها أشخاص النوع ~~كلها بالسوية ، وهي يحدها (5) شيء واحد ، وقد عرض لها أن وجدت في هذا ~~التشخص (6) فتكثرت ، وليس لها ذلك من جهة طبيعتها الإنسانية ، ولو كانت (7) ~~للطبيعة الإنسانية ما يجب فيها التكثر ، لما كان يوجد إنسانا (8) محمولا ~~على واحد بالعدد. ولو كانت الإنسانية موجودة لزيد لأجل أنها إنسانية (9)، ~~لما كان لعمرو. فإذن أخذ (10) العوارض التي تعرض للإنسانية من جهة المادة ~~(11) هي هذا النوع من التكثر والانقسام ، ويعرض لها أيضا (12) هذه من ~~العوارض ، وهو أنها إذا كانت في مادة (13)، حصلت بقدر من الكم والكيف ~~والوضع والأين ، وجميع هذه امور غريبة عن طبائعها ، وذلك لأنه لو ms462 كانت ~~الإنسانية على هذا الحد ، وحد آخر من الكم والكيف والأين والوضع لأجل أنها ~~إنسانية ، لكان يجب أن يكون كل إنسان مشاركا للآخر في تلك المعاني ، ولو ~~كانت لأجل الإنسانية على حد آخر وجهة اخرى من الكم والكيف والأين والوضع ، ~~لكان كل إنسان (14) أن يشترك فيه ، فإن (15) الصورة الإنسانية بذاتها غير ~~مستوجبة أن يلحقها شيء من هذه اللواحق العارضة لها ، بل من جهة المادة ، ~~لأن المادة التي تقارنها تكون قد لحقتها هذه اللواحق. فالحس يأخذ الصورة عن ~~المادة مع هذه اللواحق ومع وقوع نسبة بينها وبين المادة ، إذا زالت تلك ~~النسبة بطل ذلك الأخذ ، وذلك لأنه لا ينزع الصورة عن المادة مع جميع ~~لواحقها ، ولا يمكنه أن يستثبت بتلك (16) الصورة إن غابت المادة ، فيكون ~~كأنه لم ينزع (17) الصورة عن المادة نزعا محكما ، بل يحتاج إلى وجود المادة ~~أيضا في أن تكون PageV02P162 # تلك الصورة موجودة لها. # وأما الخيال والتخيل فإنه تبري (3) الصورة المنزوعة عن المادة تبرئة أشد ~~، وذلك لأنه يأخذها عن المادة بحيث لا يحتاج (4) في وجودها فيها إلى وجود ~~مادتها ، لأن المادة ، وإن غابت عن الحس أو بطلت ، فإن الصورة تكون ثابتة ~~الوجود في الخيال ، فيكون أخذه (1) إياها قاصما للعلاقة بينها وبين المادة ~~قصما تاما ، إلا أن الخيال لا يكون قد جردها عن اللواحق المادية ، فالحس لم ~~يجردها عن المادة تجريدا تاما ، ولا جردها عن لواحق المادة (5)، لأن ~~الصورة التي في الخيال هي حسب (6) الصورة المحسوسة وعلى تقدير ما وتكيف (7) ~~ما ووضع ، وليس يمكن في الخيال البتة أن يتخيل (8) صورة هي بحال يمكن أن ~~يشترك فيه (9) جميع أشخاص ذلك النوع ، فإن الإنسان المتخيل يكون كواحد من ~~الناس ، ويجوز أن يكون ناس موجودين متخيلين (10) ليسوا على نحو (11) تخيل ~~ذلك الانسان. # وأما الوهم ، فإنه قد يتعدى قليلا هذه المرتبة في التجريد ، لأنه (12) لا ~~ينال المعاني التي ليست هي في ذاتها بمادية ، وأن عرض لها أن تكون في مادة. ~~وذلك لأن الشكل والكون والوضع وما أشبه ذلك ، امور لا يمكن أن تكون إلا ms463 ~~بمواد جسمانية. # وأما الخير والشر والموافق والمخالف وما أشبه ذلك ، فهي امور في أنفسها ~~غير مادية ، وقد يعرض لها أن تكون مادية. # والدليل على أن هذه الامور غير مادية ، أن هذه الامور لو كانت بالذات ~~مادية ، لما كان يعقل خير أو شر أو موافق (13) أو مخالف ، إلا عارضا لجسم ، ~~وقد يعقل ذلك ، بل يوجد. # فبين أن هذه الامور في (14) أنفسها غير مادية ، وقد عرض لها أن كانت ~~مادية ، والوهم ربما (2) ينال أو يدرك أمثال هذه الامور ، فإذن الوهم قد ~~يدرك امورا غير مادية ويأخذها PageV02P163 # عن المادة ، كما يدرك (3) أيضا معان غير محسوسة وإن كانت مادية ، فهذا ~~النزع إذن أشد استقصاء وأقرب إلى البساطة من النزعين الأولين ، إلا أنه مع ~~ذلك لا يجرد هذه الصورة عن لواحق المادة ، لأنه يأخذها جزئية وبحسب مادة ~~مادة ، وبالقياس إليها ، ومعلقة (4) بصورة محسوسة ، مكفوفة (5) بلواحق ~~المادة وبما يشاركه (1) الخيال فيها. # وأما القوة التي تكون الصور (6) المثبتة فيها ، إما صور موجودات ليست ~~بمادية البتة ولا عرض لها أن تكون مادية ، أو صور موجودات مادية ، لكن (7) ~~مبراة عن علائق المادة من كل وجه ، فبين أنها تدرك الصور بأن تأخذها أخذا ~~مجردا عن المادة من كل وجه. # أما (8) ما هو متجرد بذاته عن المادة ، فالأمر فيه ظاهر ، وأما ما هو ~~موجود للمادة ، إما لأن وجودها مادي ، وإما عارض له ذلك ، فتنزعها (9) عن ~~المادة وعن لواحق المادة معه (10)، فيأخذه (2) (11) أخذا مجردا حتى يكون ~~مثل الإنسان الذي يقال على كثيرين ، وحتى يكون قد أخذ الكثير طبيعة واحدة ، ~~ويفرزه (12) عن كل كم وكيف وأين ووضع مادي ، ولو لم يجرده (13) عن ذلك ، ~~لما صلح أن يقال على الجميع. فبهذا يفترق إدراك الحاكم الحسي ، وإدراك ~~الحاكم الخيالي ، وإدراك الحاكم الوهمي ، وإدراك الحاكم العقلي ، وإلى هذا ~~المعنى نسوق (14) الكلام في هذا الفصل. # فنقول : إن الحاس في قوته أن يصير مثل المحسوس بالفعل ، إذ كان الإحساس ~~هو قبول صورة الشيء مجردة عن مادته فيتصور بها الحاس ، فالمبصر هو مثل ~~البصر (15) بالقوة ، وكذلك الملموس والمطعوم وغير ms464 ذلك ، والمحسوس الأول ~~بالحقيقة هو الذي ارتسم (16) في آلة الحس وإياه يدرك ، ويشبه أن يكون إذا ~~قيل : أحسست الشيء الخارجي كان معناه غير معنى أحسست في النفس ؛ فإن معنى ~~قوله : أحسست الشيء الخارجي ، أن صورته تمثلت في حسي. ومعنى أحسست في النفس ~~، أن الصورة نفسها تمثلت في PageV02P164 # نفسي (2). فلهذا يصعب إثبات وجود الكيفيات المحسوسة في الأجسام. لكنا ~~نعلم يقينا أن جسمين وأحدهما يتأثر عنه الحس شيئا ، والآخر لا يتأثر عنه ~~ذلك الشيء أنه مختص في ذاته بكيفية هي مبدأ حالة (3) الحاسة دون الآخر». ~~انتهى موضع الحاجة من كلامه (1). # وقال فى الإشارات هكذا : «إشارة : إدراك (4) الشيء هو أن يكون حقيقة ~~متمثلة عند المدرك ، يشاهدها ما به يدرك ، فإما أن يكون (5) تلك الحقيقة ~~نفس حقيقة الشيء الخارج عن المدرك إذا أدرك ، فيكون حقيقته (6) ما لا وجود ~~له في الأعيان الخارجة ، مثل كثير من الأشكال الهندسية ، بل كثير من ~~المفروضات التي لا يمكن (7) إذا فرضت في الهندسة مما لا يتحقق أصلا ، ويكون ~~(8) مثال حقيقته مرتسما في ذات المدرك غير مباين له ، وهو الثاني (9)». # تنبيه : «الشيء قد يكون محسوسا عند ما يشاهد ، ثم يكون متخيلا عند غيبته ~~بتمثل صورته في الباطن ، كزيد الذي أبصرته مثلا اذا غاب عنك فخيلته (10)؛ ~~وقد يكون معقولا عند ما يتصور من زيد مثلا معنى الإنسان الموجود أيضا لغيره ~~، وهو عند ما يكون محسوسا يكون قد غشيته غواش غريبة عن ماهيته (11) لو ~~أزيلت عنه لم تؤثر في كنه ماهيته (12)، مثل أين ، ووضع ، وكيف ، ومقدار ~~بعينه. ولو توهم بدله غيره لم تؤثر في حقيقة ماهية (13) إنسانيته. # والحس يناله من حيث هو مغمور في هذه العوارض التي تتوجه (14) بحسب المادة ~~التي خلق منها ، لا يجرده عنها ولا يناله إلا بعلاقة وضعية بين حسه ومادته ~~، ولذلك لا يتمثل في الحس الظاهر صورته إذا زال. # وأما الخيال الباطن فيتخيله (15) مع تلك العوارض لا يقدر (16) على تجريده ~~المطلق عنها ، لكنه يجرده عن تلك العلاقة المذكورة التي تعلق بها الحس ، ~~فهو يتمثل صورته مع PageV02P165 # غيبوبة حاملها. ms465 # وأما العقل فيقتدر على تجريد الماهية (2) المكفوفة باللواحق الغريبة ~~المشخصة إياها ، حتى كأنه عمل بالمحسوس عملا جعله معقولا». «وأما ما هو في ~~ذاته بريء عن الشوائب المادية واللواحق الغريبة التي لا تلزم ماهيته (3) عن ~~ماهيته ، فهو معقول لذاته ، ليس يحتاج إلى عمل يعمل به يعده لأن يعقله ما ~~من شأنه أن يعقله ، بل لعله في (4) جانب من شأنه أن يعقله». انتهى كلامه ~~وقال في إلهيات الشفاء هكذا : (1) ### | فصل في العلم وأنه عرض # وأما العلم فإن فيه شبهة ، وذلك لأن لقائل أن يقول أن العلم هو المكتسب ~~من صور الموجودات مجردة عن موادها ، وهي صور جواهر وأعراض ، فإن كانت صور ~~الأعراض أعراضا ، فصور الجواهر كيف تكون أعراضا؟ فإن الجوهر لذاته جوهر ، ~~فماهيته (5) لا تكون في موضوع البتة ، وماهيته (6) محفوظة ، سواء نسبت إلى ~~إدراك العقل لها ، أو نسبت إلى الوجود الخارجي. فنقول : إن ماهية (7) ~~الجوهر ، بمعنى أنه الموجود في الأعيان لا في موضوع ، وهذا الصفة موجودة ~~لماهية (8) الجواهر المعقولة ، فإنها ماهية (9) شأنها أن تكون موجودة فى ~~الأعيان (10)، أي أن هذه الماهية (11) هي معقولة عن أمر وجوده في الأعيان ~~أن يكون لا في موضوع. وأما وجوده في العقل بهذه الصفة ، فليس ذلك في حده من ~~حيث هو جوهر ، أي ليس حد الجوهر أنه في العقل لا في موضوع ، بل حده أنه ~~سواء كان في العقل أو لم يكن ، فإن وجوده في الأعيان ليس في موضوع. # فإن قيل : فالعقل أيضا من الأعيان. قيل : يراد بالعين التي إذا حصل فيها ~~الجوهر صدرت عنه أفاعيله وأحكامه ، والحركة كذلك ماهيتها (12) أنها كمال ما ~~بالقوة ، وليست في PageV02P166 # العقل حركة بهذه الصفة ، حتى يكون في العقل كمال ما بالقوة من جهة كذا ، ~~حتى تصير ماهيتها (1) محركة للعقل ، لأن معنى كون ماهيتها (2) على هذه ~~الصفة هو أنها ماهية (3) تكون في الأعيان كمالا لما بالقوة ، وإذا عقلت ، ~~فإن هذه الماهية (4) تكون أيضا بهذه الصفة ، فإنها في العقل ماهية (5) تكون ~~في الأعيان كمال (6) لما بالقوة ، فليس يختلف كونها في الأعيان وكونها في ms466 ~~العقل ، فإنه فى كليهما على حكم واحد ، فإنه في كليهما ماهية (7) توجد في ~~الأعيان كمالا لما بالقوة. فلو كنا قلنا : إن الحركة ماهية (8) تكون كمالا ~~بالقوة (9) في الأين مثلا لكل شيء يوجد (10) فيه ، ثم وجدت في النفس لا ~~كذلك ، لكانت الحقيقة تختلف. وهذا كقول القائل : إن حجر المغناطيس حقيقته ~~أنه حجر يجذب الحديد ، فإذا وجد مقارنا لجسمية كف الإنسان ولم يجذبه ، ووجد ~~مقارنا لجسمية حديد ما فجذبه ، فلم يجب أن يقال : إنه مختلف بالحقيقة في ~~الكف وفي الحديد ، بل هو (11) كل واحد منهما بصفة واحدة ، وهو أنه حجر من ~~شأنه أن يجذب الحديد. فإنه إذا كان في الكف أيضا ، كان بهذه الصفة ، وإذا ~~كان عند الحديد أيضا ، كان بتلك الصفة. فكذلك حال ماهيات (12) الأشياء في ~~العقل (13) أيضا بهذه الصفة ، وليس اذا كانت في العقل في موضوع ، فقد بطل ~~أن يكون (14) في العقل ماهية ما في الأعيان ليست فى موضوع. # فإن قيل : قد قلتم إن الجوهر هو (15) ماهية لا تكون في موضوع أصلا ، وقد ~~صيرتم ماهية (16) المعلومات في موضوع. # فنقول : قد قلنا : إنه لا يكون في موضوع (17) أصلا. # فإن قيل : فقد (18) جعلتم ماهية الجوهر أنها تارة تكون عرضا وتارة جوهرا ~~، وقد منعتم هذا. # فنقول : إنا منعنا أيضا أن يكون (19) ماهية شيء توجد في الأعيان مرة عرضا ، ومرة PageV02P167 # اخرى جوهرا حتى تكون في الأعيان تحتاج إلى موضوع ما ، وفيها لا تحتاج إلى ~~موضوع البتة ، ولم نمنع أن يكون معقولة (2) تلك الماهية تصير عرضا ، أي (3) ~~أن تكون موجودة في النفس لا كجزء. # ولقائل أن يقول : فماهية (4) العقل الفعال والجواهر المفارقة أيضا كذا ~~يكون حالها ، حتى يكون المعقول منها عرضا ، لكن المعقول منها لا يخالفها ، ~~لأنها لذاتها معقولة. # فنقول : ليس الأمر كذلك ، فإن معنى قولنا : إنها لذاتها معقولة (1)، هو ~~أنها تعقل ذاتها ، وإن لم يعقلها غيرها ، وأيضا (5) أنها مجردة عن المادة ~~وعلائقها لذاتها ، لا بتجريد يحتاج أن يتولاه العقل. وأما إن قلنا (6) هذا ~~المعقول منها يكون من كل وجه هي أو مثلها ، وقلنا (7): إنه ms467 ليس يحتاج إلى ~~وجود المعقول منها ، إلا أن توجد ذاتها في النفس ، فقد أحلنا. فإن ذاتها ~~مفارقة ، ولا تصير نفسها صورة لنفس إنسان ، ولو صارت لكانت تلك النفس قد ~~حصل (8) فيها صورة الكل وعلمت كل شيء بالفعل ، ولكانت تصير كذلك لنفس واحدة ~~، وتبقى النفوس الاخرى ليس لها الشيء الذي تعقله ، إذ قد استبد بها نفس ما ~~، والذي يقال : إن شيئا واحدا بالعدد يكون صورة لمواد كثيرة ، لا بأن يؤثر ~~فيها ، بل بأن يكون هو بعينه (9) منطبعا ، أي انفرد في تلك المادة وفي اخرى ~~وأخرى ، فهو محال يعلم بأدنى تأمل. وقد أشرنا إلى الحال (10)، وذلك عند ~~كلامنا في النفس ، وسنحوج (11) من بعد إلى خوض في إبانة ذلك. # فإذن تلك الأشياء إنما تحصل في القوى (12) البشرية معاني ماهياتها (13) ~~لا ذواتها ، ويكون حكمها كحكم سائر المعقولات من الجواهر ، إلا في شيء واحد ~~، وهو أن (14) تلك الجواهر تحتاج إلى تقشيرات حتى يتجرد منها تعقل (15)، ~~وهذا أي الذوات العقلية لا يحتاج إلى شيء غير (16) أن يوجد المعنى (17) من ~~غير تقشير ، كما هو ، فينطبع بها النفس. وهذا (18) الذي قلناه إنما PageV02P168 # هو نقض حجة المحتج ، وليس فيه إثبات ما يذهب (4) إليه. فنقول : إن هذه ~~المعقولات سنبين من أمرها بعد ، أن ما كان من الصور الطبيعية والتعليمات ~~(1)، فليس يجوز أن يقوم مفارقا بذاته ، بل يجب أن يكون في عقل أو في نفس ، ~~وما كان من أشياء مفارقة ، فنفس وجود تلك المفارقات مباينة لنا ليس هو ~~علمنا (5) بها ، بل يجب أن نتأثر عنها فيكون ما نتأثر (6) عنها هو علمنا ~~بها ، وكذلك (7) لو كانت صورا مفارقة وتعليمات (1) مفارقة ، فإنما يكون ~~علمنا بها ما يحصل لنا منها ، ولم تكن أنفسها توجد لنا منتقلة إلينا ، فقد ~~بينا بطلان هذا في مواضع. بل الموجود لنا منها هي الآثار الحاكية (3) لها ~~لا محالة ، وهي علمنا ذلك (8) إما أن يحصل لنا في أبداننا او نفوسنا (9)، ~~وقد بينا استحالة حصول ذلك فى أبداننا فبقي (10) أنها تحصل في نفوسنا ، ~~ولأنها آثار في النفس ، لا ذوات تلك الأشياء ms468 ولا أمثال لتلك الأشياء (11)، ~~أمثلة قائمة لا في مواد بدنية أو نفسانية ، فيكون ما لا موضوع له يتكثر ~~نوعه بلا سبب يتعلق به بوجه ، فهي أعراض في النفس». انتهى كلامه. # وأقول : لا يخفى عليك أن فيما نقلناه عن الشيخ في الكتابين غنية وكفاية ~~في بيان ما رمنا هنا بيانه ، إلا أنك إن اشتهيت زيادة إيضاح المقام بحيث ~~ينقشع عن بصيرتك سحاب الارتياب في هذا المرام ، وينكشف عن قلبك أغشية ~~المرية والاوهام ، فاستمع لما يتلى عليك من الكلام. # فنقول : كما أن للوجود معنيين : # أحدهما معنى مصدري انتزاعي يعبر عنه في العربية ب «الكون والحصول» ، وفي ~~الفارسية ب «بودن». # والآخر ما به يصير الشيء موجودا ، وبه يصح انتزاع ذلك المعنى الأول ~~الانتزاعي عنه. PageV02P169 # وبالجملة مناط الموجودية ومنشأ انتزاعها ، وقد يعبر عنه فى الفارسية ب ~~«هستى». # وكذلك للعلم معنيان : # أحدهما معنى مصدري انتزاعي هو عبارة عن انكشاف المعلوم عند العالم به ، ~~وقد يعبر عنه في الفارسية ب «دانا بودن ودانستن». # والآخر ما به يصير الشيء عالما ، وبه يصح انتزاع ذلك المعنى الانتزاعي ~~عنه ، وقد يعبر عنه في الفارسية ب «دانش». # وكذلك الحال في كثير من الصفات ، كالحياة والقدرة. فكذلك الإدراك أيضا ~~سواء اريد به المعنى العام المتناول لأقسامه الأربعة ، أعني الإحساس ~~والتخيل والتوهم والتعقل المسمى بالعلم ، كما هو المراد هنا ، حتى يكون ~~العلم أيضا قسما منه وأخص منه ، مندرجا عنه اندراج النوع تحت الجنس ، أو ~~أريد به خصوص الإحساس ، كما قد يطلق ويراد به ذلك وإن لم يكن مرادا هنا فله ~~أيضا معنيان : # أحدهما معنى مصدري انتزاعي ، هو عبارة عن انكشاف المدرك عند المدرك ، وقد ~~يعبر عنه فى الفارسية ب «دريافتن». # والآخر ما به يصير الشيء مدركا ، وبه يصح انتزاع ذلك المعنى الانتزاعي عنه. # فكما أن في الإدراك والعلم الحضوري يكون مناط ذلك الإدراك حضور ذلك ~~المعلوم والمدرك عند العالم به المدرك له ، ويكون ذلك مستندا إلى أمر به ~~كان الحضور ، كالاتحاد والعينية في علم النفس بذاتها ، أو ربط الآلية في ~~علم النفس ms469 بما يدركه حواسها آلاتها ، أو ربط العلية التامة ، كما يقولون في ~~علم الله تعالى بالموجودات بعد وجودها. كذلك في الإدراك الحصولي سواء كان ~~إدراكا لأمر جزئي أو كلي يجب أن يكون لذلك الإدراك مناط ومنشأ ، إذ من ~~المعلوم أنه عند إدراك شيء خارج عن ذات المدرك إدراكا حصوليا يحصل للذات ~~المدركة له كالنفس أمر بسببه تكون قد أدركته ، ولم يكن ذلك الأمر قد حصل ~~لها قبل ذلك ، فلم تكن مدركة له ؛ وأن ذلك الأمر الحاصل حينئذ هو منشأ ذلك ~~الإدراك. PageV02P170 # وقد علمت فيما نقلنا عن الشيخ في «الشفاء» أولا ، أنه قال : إن ذلك الأمر ~~الحاصل في كل إدراك جزئي أو كلي هو صورة المدرك صورة مجردة عن المادة ~~ولواحقها نحوا من التجريد الحاصل في كل إدراك ، وأن كل إدراك إنما هو أخذ ~~صورة المدرك بنحو من الأنحاء ، وإن كان قد أطلق على مدركات الوهم اسم ~~المعاني أيضا ، أي المعاني التي يأخذها عن المادة ، سواء كانت تلك المعاني ~~أنفسها مادية ، كالشكل واللون والوضع ، أو غير مادية ، لكن قد يعرض لها أن ~~تكون مادية كالخير والشر والموافق والمخالف. # وفيما نقلنا عنه في «الإشارات» أنه قال : إن إدراك الشيء أي مطلقا هو أن ~~يكون حقيقته متمثلة عند المدرك يشاهدها ما به يدرك ، فأطلق عليه اسم ~~الحقيقة ، أي الحقيقة المتمثلة من المدرك عند المدرك ، وإن كان أطلق عليه ~~بعد ذلك اسم مثال الحقيقة أيضا ، وكذا أطلق على مدركات الحواس مطلقا اسم ~~الصورة ، أي الصورة المتمثلة من المدرك فى المدرك ، وعلى مدركات العقل اسم ~~الماهية ، أي الماهية المجردة من اللواحق الغريبة المشخصة. # وفيما نقلنا عنه في «الشفاء» أخيرا إنه قال في صورة حصول العلم ، أي ~~الإدراك الكلي : أن ذلك الأمر الحاصل هو صور الموجودات مجردة عن موادها ، ~~فأطلق عليه اسم الصورة ، وإن كان قد أطلق عليه أيضا اسم الماهية ، والمعقول ~~من الماهية ومعنى الماهية والآثار الحاكية لها. # فحري بنا أن ننظر في ذلك ، أي في بيان معاني هذه الألفاظ ، وبيان المراد ~~منها ، وبيان مدلولات هذه ms470 الأسماء ، وفي بيان الوجه في كون حصولها على ذلك ~~الوجه المخصوص سببا للإدراك. # فنقول : كما ذكر الشيخ في إلهيات الشفاء في فصل في العلل العنصرية ~~والصورية والغائية (1) «إنه (2) قد يقال صورة لكل معنى بالفعل يصلح أن (3) ~~يعقل حتى يكون الجواهر PageV02P171 # المفارقة صورا بهذه المعنى. ويقال : صورة لكل هيئة وفعل (3) في قابل ~~وحداني أو بالتركيب حتى يكون (4) الحركات والأعراض صورا ، ويقال : صورة لكل ~~ما (5) يكمل (1) به المادة بالفعل ، فلا يكون (6) حينئذ الجواهر العقلية ~~والأعراض صورا (7)، ويقال لما يكمل به المادة ، وإن لم (8) يكن متقومة بها ~~بالفعل ، مثل الصحة (9) وما يتحرك إليها بالطبع ، ويقال صورة خاصة لما يحدث ~~في المواد بالصناعة من الأشكال وغيرها. ويقال : صورة لنوع الشيء ولجنسه ~~ولفصله ولجميع ذلك. ويكون (10) كلية الكل صورة في الأجزاء أيضا ، والصورة ~~قد تكون ناقصة كالحركة ، وقد تكون تامة كالتربيع والتدوير». # وذكر في طبيعيات الشفاء في فصل في تعديد قوى النفس (2): «إن (11) الفرق ~~بين إدراك الصورة وإدراك المعنى أن الصورة هو الشيء الذي يدركه الحس (12) ~~الباطن ، والحس الظاهر يدركه أولا ويؤديه إلى الحس الباطن ، مثل إدراك ~~الشاة صورة (13) الذئب ، أعني بشكله (14) وهيئته ولونه ، فإن الحس الباطن ~~من الشاة يدركها ، لكن إنما يدركها أولا حسها الظاهر. # وأما المعنى ، فهو الشيء الذي يدركه (15) النفس من المحسوس من غير أن ~~يدركه الحس الظاهر أولا ، مثل إدراك الشاة للمعنى المضاد في الذئب ، أو ~~للمعنى الموجب لخوفها (16) إياه وهر بها منه ، من غير أن يدرك الحس ذلك ~~البتة. فالذي يدرك من الذئب أولا الحس الظاهر ، ثم الحس الباطن ، فإنه يخص ~~في هذا الموضع باسم الصورة. والذي يدركه (17) القوى الباطنة دون الحس ، ~~فيخص في هذا الموضع باسم المعنى» انتهى . # وذكر أيضا في طبيعيات الشفاء في فصل في نسبة الطبيعة إلى المادة والصورة ~~والحركة : «إن لكل جسم طبيعة ومادة وصورة وأعراضا ، فطبيعته (18) هي القوة ~~التى يصدر عنها تحركه أو تغيره الذي يكون (19) عن ذاته ، وكذلك سكونه ~~وثباته ؛ وصورته هي ماهيته (20) PageV02P172 # التي بها هو ما هو. ومادته هي المعنى الحامل لماهية (3)، والأعراض ms471 هي ~~الأمور التي إذا تصورت مادته بصورته وتمت نوعيته ، لزمته أو عرضت له من خارج. # وربما كانت طبيعة الشيء هي بعينها صورته ، وربما لم تكن. # أما في البسائط ، فإن الطبيعة هي الصورة بعينها ، فإن طبيعة الماء هي ~~بعينها الماهية (4) التي بها الماء هو ما هو ، لكنها إنما تكون طبيعة ~~باعتبار ، وصورة باعتبار ، فإذا (5) قيست إلى الحركات والأفعال الصادرة ~~عنها سميت طبيعة ، واذا قيست إلى تقويمها لنوع الماء ، وإن لم يلتفت إلى ما ~~يصدر عنها من الآثار والحركات ، سميت صورة» (1)، انتهى. # وذكر المحقق الطوسي (ره) في التجريد «إن المهية مشتقة عما هو ، وهو ما به ~~يجاب عن السؤال بما هو ، ويطلق (6) غالبا على الأمر المعقول (7)، ويطلق ~~الذات والحقيقة عليها مع اعتبار الوجود» (2)، انتهى. # وذكر الشارح القوشجي في شرح هذا الكلام «انه (8) يطلق لفظ الماهية غالبا ~~على الأمر المتعقل (9)، أي الحاصل في القوة العاقلة ، فلا يكون إلا كليا ~~موجودا في الذهن ، ومن ثم قيل : لفظ الماهية يدل على مفهوم الكلية التزاما. ~~ويطلق الذات والحقيقة غالبا عليها ، أي على الماهية مع اعتبار الوجود (10) ~~أي الخارجي ، فلا يقال حينئذ : ذات العنقاء أو (11) حقيقتها ، بل ماهيتها. ~~وهذا بحسب الأغلب ، إذ قد تستعمل (12) هذه الألفاظ الثلاثة بلا اعتبار فرق ~~بينها». انتهى. # وحيث عرفت ذلك ، فنقول : إن ذلك الأمر الحاصل الذي ذكر أنه لا بد من ~~حصوله في الإدراك الحصولي حتى يحصل الإدراك ، لا خفاء في أنه لا يمكن أن ~~يكون أمرا مبائنا للمدرك والمعلوم ، ومغايرا له من كل وجه ؛ فإنه لو كان ~~كذلك ، لما كان لحصوله في المدرك إفادة للعلم بالمدرك ، وهو ظاهر. ولا عينه ~~ومتحدا معه من كل وجه ؛ إذ لو كان كذلك ، لكان قد حصل المعلوم والمدرك ~~بوجوده العيني في المدرك ، أي في النفس وفي القوى PageV02P173 # الدراكة ، ولكان يجب أن يترتب على ذلك المدرك عند حصوله في المدرك آثاره ~~الخارجة المطلوبة منه ، المترتبة على وجوده العيني ؛ ولكان يجب أن لا يبقى ~~فرق بين الوجود العيني والوجود الذهني أصلا ، ومع ذلك يلزم انتقال الأعراض ~~أيضا ms472 إذا كان الإدراك متعلقا بها ، إلى غير ذلك من الأمور التي هي معلومة ~~البطلان. # فبقي أن يكون ذلك الأمر مغايرا للمدرك من وجه ، حتى لا يلزم تلك المفاسد ~~، وكذا متحدا معه نوعا من الاتحاد من وجه آخر حاكيا آثاره ، حتى يكون حصوله ~~في المدرك منشأ لإدراكه ولحصول العلم به. وحينئذ نقول : إن ذلك الأمر ، اما ~~عبارة عن شبح المعلوم ومثال المدرك ، كما يقوله القائلون بحصول الأشياء ~~بأشباحها في الذهن ؛ وإما عبارة عن ماهيته المجردة عن وجوده العيني الخارجي ~~، وعن المشخصات التي هي عبارة عن توابع وجوده الشخصي نوعا من التجريد الذي ~~تفعله النفس ، وتقتدر عليه في كل نوع من الإدراك بحسبه ، كما يقوله ~~القائلون بحصول الأشياء بأعيانها في الذهن ، سواء كانت تلك الأشياء جواهر ~~أو أعراضا ، وسواء كانت مجردات أو ماديات. # والأول باطل ، إذ الإدراك سواء كان كليا أو جزئيا قد يتعلق بما هو ممتنع ~~الوجود في الخارج ، وكذا بما هو معدوم في الخارج قطعا ، وإن كان ممكنا في ~~نفسه ، ويحكم على ذلك بأحكام صادقة في نفس الأمر. ### | في نصرة القول بوجود الأشياء بأعيانها في الذهن # ومن المعلوم أن وجود الشبح لشيء ، فرع وجود ذي الشبح بوجود آخر مغاير ~~لوجود الشبح ، حتى يصح نسبة الشبح إلى ذي الشبح وإضافته إليه والحكم بأنه ~~شبح له. فأما أن يكون ذلك الوجود لذي الشبح في الخارج ، فهو باطل ؛ إذ ~~المفروض عدم الوجود له في الخارج ؛ وأما أن يكون في الذهن أيضا بوجود آخر ~~مغاير لوجود الشبح فيه ، فهذا أيضا باطل ، لأن ذلك الوجود إما بأن حصول ذي ~~الشبح بشبحه بشبح آخر غير الأول ، فننقل الكلام فيه ويلزم التسلسل في ~~الأشباح ، وإما بأن حصول ذي الشبح ماهية معراة عن PageV02P174 # الوجود الخارجي في الذهن ، فهو خلاف الفرض ، مع أنه يستلزم المطلوب أيضا ~~، وهو حصول الأشياء بماهياتها في الذهن. # فإن قلت : ما ذكرته إنما ينفي أن يكون الأشياء التي لا وجود لها في ~~الخارج موجودة في الذهن بأشباحها ، ولا ينفي أن يكون الأشياء التي لها وجود ms473 ~~في الخارج موجودة في الذهن بأشباحها. فلعل القسم الأول موجود فيه بمهيته ، ~~والقسم الثاني موجود فيه بشبحه. # قلت : هذا الفرق تحكم لا دليل عليه ولا باعث له ، بل العقل السليم يحكم ~~بأنه إذا كان وجود الأشياء في الذهن بماهياتها في بعض المواد ، يجب أن يكون ~~في الكل كذلك. # فإن قلت : لعل الداعي إلى هذا الفرق هو الفرار عن الإشكالات الموردة على ~~تقدير وجود الأشياء الموجودة في الخارج بماهياتها في الذهن ، على ما سيأتي ~~بيانها ، حيث إنها لا ترد على القول بالأشباح. # قلت : هذا لا يمكن أن يكون داعيا إليه ، فإن تلك الإشكالات كما يمكن ~~دفعها على تقدير القول بوجود الأشياء بأشباحها في الذهن ، كذلك يمكن دفعها ~~على تقدير القول بوجودها بأعيانها وماهياتها فيه ، كما سيأتي بيانه فيما ~~بعد إن شاء الله تعالى. # وأيضا نقول : إذا كان وجود الأشياء مطلقا في الذهن عبارة عن حصول ~~ماهياتها فيه ، لا يخفى أنه يسهل الخطب في سراية العلم بتلك الماهيات التي ~~هي معلومة بالذات إلى العلم بتلك الحقائق الخارجية التي هي معلومات بالعرض ~~، والحكم عليها وإثبات المحمولات لها. سواء كانت تلك المحمولات ذاتيات لتلك ~~الحقائق ، أو عرضيات لازمة أو مفارقة ، فإن تلك الماهيات هي عين تلك ~~الحقائق باعتبار الذات ، وإن كانت مغايرة لها باعتبار الوجود ، فيصح جعل ~~تلك الماهيات آلة لملاحظة تلك الحقائق وتعرف أحوالها. # وأما على تقدير القول بأن وجود الأشياء في الذهن عبارة عن حصول أشباحها ~~فيه ، فيصعب الخطب في ذلك ، لأن تلك الأشباح لا يخفى أنها مغايرة لذوات ~~الأشباح بحسب الذات وفي أكثر الجهات ، وإن كانت مناسبة لها من بعض الوجوه. ~~فلا يعلم أن العلم بها هل يمكن أن يسري إلى العلم بتلك الحقائق الخارجية أم ~~لا؟ وبذلك يصعب الخطب. PageV02P175 # وحيث عرفت ذلك ، عرفت ضعف الاحتمال الأول بل بطلانه ، وهو حصول الأشياء ~~بأشباحها في الذهن. فبقي أن يكون الحق هو الاحتمال الثاني ، وهو حصول ~~الأشياء بأعيانها أي بماهياتها في الذهن مجردة عن الوجود الخارجي وعن ~~لواحقه ، لا بحقائقها المأخوذة مع الوجود ms474 الخارجي ، إلا أن يكون المدرك مما ~~لا يكون خارجا عن ذات المدرك ، كالصورة العلمية من حيث إنها علم وإدراك ، ~~على ما سيأتي بيانه. فإنها من هذه الحيثية حاصلة في الذهن بحقيقتها ، ~~مأخوذة مع الوجود الخارجي ، فإن وجودها في الذهن كذلك هو نوع وجود خارجي ~~لها ، وإن كان لسببها للمعلوم والمدرك وجود ذهني ، وسنزيده بيانا فانتظر. # لا يقال : كما أن الأشياء الممتنعة والممكنة المعدومة في الخارج لا يمكن ~~أن يكون لها أشباح كما ذكرت ، فكذلك لا يمكن أن يكون لها ماهيات ، إذ وجود ~~الماهية لشيء فرع وجود الحقيقة له ، لأن الماهية كما ذكروه هي الحقيقة ~~بعينها ، إلا أن الحقيقة ماهية مأخوذة مع الوجود الخارجي ، والماهية حقيقة ~~مجردة عنه. # لأنا نقول : لا نسلم ما ذكرته ، حيث إن عدم كون حقيقة لشيء لا يستلزم عدم ~~كون ماهية له ، فإنه قد يمكن أن لا يكون لماهية من الماهيات وجود خارجي ، ~~ويكون لها مع ذلك وجود ذهني. ونحن نعني بالممتنع والمعدوم في الخارج ، ما ~~كان حقيقته الخارجية ووجوده الخارجي ممتنعا أو معدوما ، لا ما كان ماهيته ~~الذهنية ووجوده الذهني ممتنعا أو معدوما. # فحينئذ ، فالماهيات المجردة عن الوجود الخارجي التي تحصل في الذهن أعم من ~~أن يكون لها وجود خارجي فيجردها العقل عنه فيدركها ، كما في الموجودات ~~الخارجية ، وأن لا يكون لها وجود خارجي حتى تحتاج إلى تجريد ، بل يدركها ~~العقل كما هي عليه مجردة عن الوجود الخارجي ، كما في الممتنعات والمعدومات ~~في الخارج. # وبالجملة ، إن الماهية المتمثلة عند المدرك إن لم تكن خارجة عن ذات ~~المدرك ، كالصورة العلمية التي هي تلك الماهية الحاصلة في الذهن باعتبار ~~أنها علم لا باعتبار أنها PageV02P176 # معلومة كما سيأتي الفرق بينهما فهي بهذا الاعتبار حاصلة بحقيقتها فيه ، ~~إذ ذلك الحصول نوع وجود خارجي لها ، كما أشرنا إليه وسنزيده بيانا. # وإن كانت خارجة عن ذات المدرك ، كالصورة الحاصلة التي قلنا إنها ماهيات ~~الأشياء من حيث إنها معلومات ومدركات ، فهي عند حصولها في المدرك مجردة عن ~~الوجود الخارجي ، سواء كانت صورا منتزعة ms475 من الخارج إن كان الإدراك مستفادا ~~من خارج ؛ أو صورا حصلت عند المدرك ابتداء ، سواء كانت الخارجية مستفادة ~~منها أو لم تكن ، وسواء كان ما يفرض خارجيا ممتنع الوجود في الخارج أو ممكن ~~الوجود فيه ، واقعا في الخارج بالفعل أو غير واقع بل معدوما فيه ، ففي كل ~~تلك الصور فالماهية الحاصلة في الذهن ماهية مجردة عن الوجود الخارجي البتة ~~، إلا أن هذا التجريد يكون على وجهين ، ففي بعضها يكون التجريد بأن يكون ~~هناك وجود خارجي ، ويجرد العقل تلك الماهية عنه على الأنحاء المعتبرة في كل ~~إدراك ، ادراك ؛ وفي بعضها لا يكون وجود خارجي هناك ، فيدرك الذهن تلك ~~الماهية كما هي عينه مجردة. # ثم إنه ، كما أن التجريد عن الوجود الخارجي معتبر في تلك الماهية الحاصلة ~~، كذلك التجريد عن الغواشي المادية التابعة للوجود الخارجي في الماديات ~~معتبر أيضا فيها ، إلا أنه يكون على وجهين أيضا : فتارة يكون بأن يكون هناك ~~غواش مادية فيجرد العقل تلك الماهية عنها ، فيدركها تجريدا هو بحسب كل ~~إدراك ، إدراك ، كما في الماديات ، أعم من أن تكون تلك الماديات في أنفسها ~~مادية أو غير مادية ، لكن عرض لها أن تكون مادية. وتارة يكون بأن لا تكون ~~هناك غواش مادية أصلا ، كما في المفارقات من العقول والنفوس ، فيدركها ~~العقل على ما هي عليه مجردة عن الغواشي المادية. وبالجملة فليس هناك تجريد ~~المعقول ولا عمل تعمله النفس في جانب المعقول حتى تعقله. بل إن كان هناك ~~عمل فهو في جانب العاقل ، كالفكر حتى يعقله ، وإن كان يجردها أيضا عن ~~الوجود الخارجي حتى يدركها. وحيث عرفت ذلك وعرفت أن إدراك الأشياء إنما ~~يكون بحصول ماهياتها في الذهن مجردة عن الوجود الخارجي العيني ، عرفت أن ~~إدراك ذات الواجب PageV02P177 # تعالى مما لا يمكن ، حيث إن تجريده عن الوجود العيني غير ممكن ، فإن ~~وجوده تعالى عين ذاته عينية حقيقية ، وتجريد الشيء عن نفسه ممتنع بالضرورة. # ثم إنك بعد ما تحققت ما ذكرناه ، تبينت أن تلك الماهية الحاصلة في الذهن ~~من حيث إنها معلومة ms476 ومدركة قد تكون جزئية ، وقد تكون كلية. أما الكلية ~~فكالماهية التي يدركها العقل ، أي يدركها النفس بذاتها لا بتوسط الحواس ، ~~سواء كانت قد انتزعت تلك الماهية من جزئيات متعددة ، أو جزئي واحد مادي ، ~~أو مجرد ، فإنه في جميع هذه الصور تكون تلك الماهية كلية ، وكذلك المعلوم ~~بالذات كليا والمعلوم بالعرض جزئيا. وأما الماهية الجزئية ، فكالماهية التي ~~يدركها النفس بتوسط الحواس ، فإنها جزئية البتة ، ويكون المدرك بالذات ~~وبالعرض جميعا جزئيا ، إلا أن الصورة الإدراكية والعلمية من حيث إنها صورة ~~إدراكية علمية ، أي من حيث إنها علم ، فهي جزئية ليس إلا ، وإن كانت ~~الماهية المعلومة كلية أيضا ، لأنها من هذه الحيثية صورة خاصة حاصلة في نفس ~~جزئية ، كما سنزيده بيانا. # ثم إنه حيث كانت تلك الماهية من حيث كونها صورة علمية ، ومن حيث كونها ~~حاصلة في الذهن قائمة به ، موجودة في موضوع هو النفس ، أو قوة ، من قواها ~~فتكون هي من مقولة العرض ، وكذا تكون من مقولة الكيف ، حيث يصدق عليها رسمه ~~الذي ذكروه له ، وهو أنه عرض لا يقتضي لذاته قسمة ولا نسبة. # وحيث عرفت ما ذكرنا ، فاعلم أن الظاهر من كلمات الشيخ أنه أراد بذلك ~~الأمر الحاصل في الذهن هذا المعنى الذي ذكرنا ، إلا أنه أطلق عليه أسامي ~~مختلفة وعبر عنه بعبارات متعددة. # فتارة أطلق عليه اسم الصورة نظرا إلى ما نقلنا عنه ، وهو أن الصورة قد ~~تطلق على معنى بالفعل يصلح أن يعقل ، أي يدركه النفس ؛ والقوة العاقلة أعم ~~من أن تدركها بذاتها ، كما في إدراكها للكليات ؛ أو بتوسط الحواس ، كما في ~~ادراكها للجزئيات. فلذلك اطلق الماهية على صورة الجسم فيما نقلنا عنه أيضا. # وتارة اسم المعنى في خصوص مدركات الوهم ، نظرا إلى ما نقلنا عنه ، وهو أن PageV02P178 # المعنى قد يراد به ما يدركه الحس الباطن ، كما أن الصورة قد يراد بها ما ~~يدركها الحس الظاهر. # وتارة اسم الحقيقة ، وأراد بها الماهية نظرا إلى ما نقلنا عن الشارح ~~القوشجي ، وهو أنه قد يستعمل لفظ الماهية والحقيقة والذات بمعنى واحد ms477 بلا ~~اعتبار فرق بينها. # وتارة اسم مثال الحقيقة ، نظرا إلى أن الماهية لما كانت منتزعة من ~~الحقيقة في الأغلب ، وكانت هي مجردة عن الوجود الخارجي الذي هو مأخوذ مع ~~الحقيقة ، فكأنها مثال للحقيقة. # وتارة اسم الماهية ، ووجهه ظاهر كما ذكرنا. # وتارة اسم المعقول من الماهية ومعنى الماهية ، نظرا إلى أن ذلك الأمر هو ~~المعنى الذي يدركه العقل من الماهية. # وتارة اسم الآثار الحاكية ، نظرا إلى أن الماهية أثر من الحقيقة في ~~الأغلب تحاكي حالها. # وقد عرفت مما ذكرنا أن تلك الماهية الحاصلة ، من حيث إنها مدركة ومعلومة ~~قد تكون جزئية وقد تكون كلية. # فما ادعاه الشارح القوشجي من أنها لا تكون إلا كلية ، كأنه خصص ذلك ~~بالماهية التي يدركها النفس بذاتها إدراكا حصوليا ، ولذلك فسر الأمر ~~المعقول في كلام المحقق الطوسي بالحاصل في القوة العاقلة ، وإلا فما تدركها ~~بتوسط الحواس تكون جزئية ، وما تدركه بذاتها إدراكا حضوريا يكون جزئيا أيضا ~~، كعلم النفس بذاتها وبالصور العلمية الحاصلة فيها. ### | في وجه الاختلاف في أن العلم من أي مقولة # وإذا عرفت ذلك ، فاعلم أنه عند حصول ذلك الأمر الحاصل الذي قلنا : إنه ~~عبارة عن ماهية الأشياء مجردة عن الوجود الخارجي ، وقلنا : إنه كيفية حاصلة ~~، يحصل للنفس PageV02P179 # باعتبار حصولها لها امور : # منها ذات تلك الماهية ونفس تلك الكيفية. # ومنها انفعال للنفس منها وقبول منها لها. # ومنها إضافة ما ، تحصل هي للنفس بالنسبة إلى تلك الكيفية. # ومنها تجريد النفس إياها وأخذها من حقائق الأشياء إن كان هناك تجريد. # وكل من هذه الأمور مما له مدخل في حصول الإدراك ، ومنشأ لانتزاع الإدراك ~~بالمعنى المصدري ، وإن كان العمدة والأصل في ذلك هو ذات تلك الكيفية ~~الحاصلة للنفس. # فعلى هذا ، فمن عد العلم والإدراك من قبيل الكيف ، كما هو المشهور بينهم ~~ويشعر به كثير من كلمات الشيخ في الكتابين مما نقلناه أو لم ننقله ، بل هو ~~صريح ما نقلناه عنه في «الشفاء» في كون العلم عرضا ، فلعله نظر إلى أصل تلك ~~الكيفية الحاصلة. # ومن عدهما من قبيل الانفعال ms478 ، كما هو رأي بعض ، وكأنه ينظر إليه قول ~~الشيخ في «الشفاء» فيما نقلناه من قوله : «إذ كان الإحساس هو قبول صورة ~~الشيء مجردة عن مادته» وكذا بعض كلمات أخر منه ، فلعله نظر إلى الثاني. # ومن عدهما من قبيل الإضافة ، كما هو رأي بعض ، فلعله نظر إلى الثالث ، أي ~~إلى خصوص هذه الإضافة الحاصلة بين النفس وبين تلك الكيفية بعد قبول النفس ~~لها وحصولها فيها ، وإلا فعدهما من قبيل الإضافة مطلقا ، وإن لم تكن هي تلك ~~الإضافة الخاصة بل إضافة مطلقة بين المدرك والمدرك الكائن في الخارج ، كما ~~هو ظاهر كلام بعض القائلين بها مما لا يكاد يصح. إذ ظاهر أن تلك الإضافة ~~تستدعي ثبوت المتضايفين ، فيلزم أن لا تكون المدركات التي لا تكون في ~~الخارج مدركة البتة ، وأن لا يكون إدراك ما جهلا ، إذ الجهل هو كون الصورة ~~الذهنية المدركة من الحقيقة الخارجية غير مطابقة إياها ، وأما الإضافة فلا ~~توصف بالمطابقة ولا بعدمها. # وكذلك من عدهما من قبيل الفعل ، كما ينظر إليه قول الشيخ فيما نقلناه عنه في PageV02P180 # «الشفاء» أيضا ، يشبه أن يكون كل إدراك إنما هو أخذ صورة المدرك بنحو من ~~الأنحاء ، وكذا بعض كلمات اخر منه مما نقلناه عنه أم لم ننقل ، فلعله نظر ~~إلى الرابع ، وإلا فلا فعل آخر للنفس في إدراكها لشيء غير أخذ الصورة ~~والتجريد من الوجود والمادة وتوابعها ، كما هو معلوم بالضرورة الوجدانية. ~~اللهم إلا على مذهب من يقول : إن الله سبحانه خلق النفس الإنسانية متوسطة ~~بين العالمين ، فجعل لها اقتدارا على إيجاد صور الأشياء وماهياتها في ~~عالمها المتوسط ، وأن لتلك الصورة حصولا تعلقيا بالنفس التي هي فاعلة لها ~~موجدة إياها ، بل أن حصولها في أنفسها هو بعينه حصولها لفاعلها المفيض ~~لوجودها ، وأن هذا هو معنى الإدراك ، والقائل به أعلم. # وبالجملة ، فهذه الاحتمالات الأربعة وإن كان يمكن الذهاب إليها في بادئ ~~النظر على ما ذكرنا وجهها ، إلا أن الحق هو الأول ، وهو أن الإدراك بمعنى ~~ما يحصل به الإدراك الانتزاعي من مقولة الكيف ، لأن ms479 الإدراك قد يوصف ~~بالمطابقة للخارج ويسمى علما ، وقد يوصف بعدم المطابقة له ويسمى جهلا ، ~~وهذا لا يتصور في شأن الانفعال والفعل والإضافة ، بل إنما يتصور في شأن ~~الصورة الذهنية فقط ، مع أن الظاهر كما أشرنا إليه أن الأصل فى حصول ~~الإدراك هو تلك الصورة ، وأن ما سواها ليس كذلك. # ثم إنك بعد ما تبينت ما فصلناه ، وتحققت ما حققناه ، اتضح لك شرح ما ~~نقلنا عن الشيخ في الكتابين من معنى الإدراك الحصولي وبيان كيفيته ، إلا ~~أنه بقي بعد شرح بعض كلماته فيها ، فحري بنا أن نشرحها : # فنقول : قوله فى «الشفاء» فى آخر كلامه في بيان معنى الإدراك (1): ~~«فنقول إن الحاس في قوته أن يصير مثل المحسوس بالفعل ، إذ كان الإحساس هو ~~قبول صورة الشيء مجردة عن مادته فيتصور بها الحاس» إلى آخر ما ذكره. كان ~~معناه كما يدل عليه بعض كلماته الاخر أيضا ، وخصوصا كلامه في آخر الفصل ~~الذي نقلنا في معنى الإدراك. # أن الإحساس لما كان هو قبول صورة الشيء مجردة عن مادة ، أي قبول ماهية PageV02P181 # المحسوس التي هي منتزعة منه ، وهي كيفية حاصلة في الحاس كما ذكر ، سواء ~~اطلق عليها اسم الصورة ، أو اسم الماهية ، أو اسم الحقيقة. أو اسم المعنى ، ~~أو اسم مثال الحقيقة ، أو أمثال ذلك من الأسامي ؛ وكان الحاس بسبب قبوله ~~لتلك الصورة الحاصلة فيه المنطبعة في ذاته يتصور بتلك الصورة ، ويتكيف بتلك ~~الكيفية ، ويتمثل بذلك المثال ، ويتحد مع تلك الماهية نوعا من الاتحاد ، ~~ويستكمل بها نحوا من الاستكمال بعد أن كان بالقوة ، ويصير بها نوعا آخر ~~بالفعل ، مثل اتحاد الجسم بصورته النوعية ، واستكماله بها وصيرورته نوعا ~~بالفعل بها بعد أن كان بالقوة ؛ فيصير بذلك مثل المحسوس ، ومشاكلا له ~~مجانسا إياه ، كان في قوة الحاس أن يصير مثل المحسوس بالفعل. # وعلى هذا ، فالمبصر مثل البصر بالقوة ، وكذلك الملموس والمطعوم وغير ذلك ~~، ففي كل ذلك يكون الحاس قبل حصول الإحساس ، مثل المحسوس بالقوة ، وبعد ~~حصوله مثله بالفعل. بل المحسوس أيضا يكون مثل الحاس ، فهما متحدان نوعا ms480 من ~~الاتحاد ومتماثلان نوعا من التماثل ، ولذلك يكون المحسوس الأول بالحقيقة هو ~~الذي ارتسم في آلة الحس وإياه يدرك ، أي الصورة المتمثلة في آلة الحس التي ~~بتوسطها يكون الشيء الخارجي محسوسا ، وهو يكون محسوسا ثانيا وبالعرض. ويشبه ~~أن يكون إذا قيل : أحسست الشيء الخارجي ، كان معناه غير معنى أحسست في ~~النفس ، فإن معنى قوله : أحسست الشيء الخارجي ، أن صورته تمثلت في حسي ، ~~وأنه بحصول تلك الصورة وتمثلها في آلة الحس حصل الإحساس بذلك الشيء الخارجي ~~، فكان إحساسه وإدراكه حصوليا متعلقا بما كان خارجا عن ذات المدرك. ومعنى ~~أحسست في النفس ، أن الصورة نفسها من حيث إنها حاصلة في النفس تمثلت في ~~نفسي ، فكان إدراكها لها حضوريا متعلقا بما كان داخلا في ذات المدرك غير ~~خارج عنها ، فلذا يصح في هذا الإدراك أن يقال : إن المدرك أدرك ذاته من وجه. # وإنما قال : ومعنى أحسست في النفس ، مع أن المناسب أن يقول : أحسست في ~~الحاسة ، حيث إن الكلام في ادراك الحواس ، إشارة إلى أن المدرك للمحسوسات ~~وإن كان PageV02P182 # هو الحاسة أولا ، إلا أن المدرك لها بالحقيقة هو النفس أيضا وإن كان ~~بواسطة الحاسة ، كما في إدراك المعقولات ، إلا أن المعقولات يرتسم صورها في ~~النفس بلا واسطة ارتسامها في شيء آخر ، بخلاف المحسوسات ، فإنها ترتسم ~~صورها في الحواس وفي آلاتها. # ثم إنه حيث كان المحسوس الأول بالحقيقة هو الذي ارتسم في آلة الحس من ~~الصورة دون ذي الصورة الذي هو الشيء الخارجي ، وكانت الكيفيات المحسوسة في ~~الأجسام ، إن كان لها وجود في الأجسام موجودة فيها ، دون تلك الصورة التي ~~هي المحسوسة بالحقيقة. فلذلك يصعب إثبات وجود تلك الكيفيات في الأجسام ، ~~حيث إن الأجسام التي هي موجودة فيها ، غير مدركة بالحقيقة ، وما هو مدرك ~~بالحقيقة ليست تلك الكيفيات موجودة فيه. إلا أن هذه الصعوبة تزول بأنا نعلم ~~علما يقينيا وإن كان ذلك العلم اليقيني حاصلا من جهة إدراك صور الأجسام ~~وماهياتها أن في الوجود والطبيعة أجساما ذوات كيفيات خارجية حاصلة فيها ~~قائمة بها في ms481 الواقع. فإنا نعلم قطعا أن الأجسام منها ما يتأثر عنه الحس ، ~~ومنها ما لا يتأثر عنه الحس ؛ وذلك لا يكون إلا بأن يكون بعض الأجسام مختصا ~~في ذاته بكيفية هي مبدأ حالة الحس دون الآخر ، وهذا الذي ذكرنا إنما هو شرح ~~كلام الشيخ ، وكأن فيه تلويحا وإشارة إلى أن التعقل أيضا مثل الإحساس فيما ~~ذكره ، حيث إن كلا منهما نوع من الإدراك. وما ذكره في الإحساس إنما هو لأجل ~~كون الإدراك كذلك ، فيكون فيه إشارة إلى أن العاقل أيضا في قوته أن يصير ~~مثل المعقول بالفعل ، إذ كان التعقل هو قبول صورة الشيء مجردة عن مادته ، ~~فيتصور بها العاقل ؛ فالمعقول مثل العاقل وكذا العكس ، وان المعقول ~~بالحقيقة هو الذي ارتسم في القوة العاقلة وإياه تدرك. ومعنى عقلت الشيء ~~الخارجي ، أن صورته تمثلت في العقل ، أي في النفس العاقلة. ومعنى عقلت في ~~النفس ، أن الصورة نفسها تمثلت في نفسي ، فيكون إشارة إلى أن مذهب الشيخ هو ~~أن المعلوم بالذات هو الصورة الحاصلة من الأمر الخارجي ، أي الصورة التي هي ~~ماهية الأمر الخارجي من حيث إنها ماهية حاصلة في الذهن. ومن حيث إنها ~~معلومة لا من حيث إنها صورة خاصة قائمة بالنفس الجزئية ، فإنها PageV02P183 # من هذه الحيثية علم لا معلوم ، وإلى أن الأمر الخارجي معلوم بالعرض ~~وبتوسط العلم بصورته ، وهذا موافق لمذهب الفارابي أيضا كما هو المنقول عنه ~~، وهذا هو الحق كما ينبه الشيخ في الإحساس ، وأن القول بكون المعلوم بالذات ~~هو الأمر الخارجي ليس له وجه ، إلا أن يكون مراد القائل به أن المقصود ~~الأصلي من العلم هو العلم بالشيء الخارجي ، وإن كان بتوسط العلم بالشيء ~~الذهني ، فتدبر. ### | في الإشارة إلى توجيه القول باتحاد العاقل مع المعقول # وحيث عرفت ما ذكرنا في بيان معنى كلام الشيخ هنا ، عرفت أن القول باتحاد ~~العاقل مع المعقول كما هو رأي فورفوريوس من الأقدمين ، وتبعه جمع ، ربما ~~يمكن أن يؤول بالاتحاد الذي يظهر من كلام الشيخ هنا ، وفصلنا بيانه في ~~الإحساس. وعلى هذا ، فذلك المذهب ms482 ليس بذلك البطلان الذي زعمه الشيخ ، وبذل ~~جهده في إبطاله في كتاب «الإشارات» بما لا مزيد عليه. فإن ذلك الإبطال إنما ~~هو مبني على إرادة الاتحاد بين العاقل والمعقول الخارجي الذي هو معلوم ~~بالعرض ، مع كونهما ذاتين متباينتين أو متغايرتين في الخارج ، حيث إن ~~صيرورة شيء موجود بوجود منفرد مختص به شيئا آخر موجودا بوجود آخر مستحيل ~~عند العقل ، وأما لو اريد به الاتحاد بين العاقل والمعقول بالذات الذي هو ~~تلك الصورة العقلية نوعا من الاتحاد كما بيناه ، فله وجه ، وكأنه هو مراد ~~القائلين بذلك المذهب ، لكن الشيخ أعلم. # وهذا الذي ذكرنا من الفرق بين المدرك بالذات والمدرك بالعرض ، إنما هو في ~~الإدراك الحصولي ؛ وأما في الإدراك الحضوري ، فليس هناك صورة علمية وماهية ~~مجردة عن الوجود الخارجي ، ولا إدراك بالعرض ؛ بل الإدراك هناك يتعلق أولا ~~وبالذات بذلك الأمر الحاضر عند النفس وهو مدرك بالذات. # وبالجملة ، أنه في الإدراك الحصولي يكون هناك ماهية مجردة عن الوجود ~~العيني هي تكون مدركة بالذات ، ويكون بتوسطها الأمر الخارجي مدركا بالعرض ، ~~ويكون تلك PageV02P184 # الماهية تارة جزئية ، إن كان إدراك النفس لها بتوسط الحواس ؛ وتارة كلية ~~، إن كان إدراكها لها بذاتها ؛ ويكون المدرك بالعرض أي الأمر الخارجي جزئيا البتة. # وأما في الإدراك الحضوري ، فليس الحال كذلك ؛ إذ ليست هناك ماهية مجردة ، ~~بل المدرك بالإدراك الحضوري هو ذات ذلك الحاضر بوجوده العيني ، وهو لا يكون ~~إلا جزئيا ؛ كما في علم النفس بذاتها وبالصورة العلمية الحاصلة فيها ؛ فإن ~~لتلك الصورة أيضا في العقل نحوا من الوجود العيني وهي جزئية ، وسيأتي زيادة ~~توضيح لذلك. فانتظر. # وإذا عرفت شرح قوله في «الشفاء» ، فاعلم أن ما ذكره في «الإشارات» من «أن ~~إدراك الشيء هو أن يكون حقيقته متمثلة عند المدرك يشاهدها ما به يدرك» ، ~~كأنه أراد بالحقيقة المتمثلة تلك الماهية المجردة التي ذكرنا سابقا حالها. # وقوله : متمثلة عند المدرك ، بإيراد كلمة «عند» دون كلمة «في» ، كأن فيه ~~إشارة إلى أن المدرك بالحقيقة في كل إدراك هو النفس ، والحقيقة المتمثلة في ~~الإدراك ms483 الحصولي ينبغي أن تكون متمثلة عندها ، سواء كانت متمثلة فيها نفسها ~~، كما في إدراك الكليات والجزئيات المفارقة ، أو في آلاتها وحواسها ، كما ~~في إدراك الجزئيات المادية ، فإنه على التقديرين يكون ذلك التمثل عندها ، ~~أما على التقدير الأول فظاهر ، لأنه إذا كان فيها يكون عندها أيضا ، وأما ~~على التقدير الثاني فإن ذلك التمثل ، وإن لم يكن في النفس نفسها بل في ~~آلتها ، إلا أن التمثل في الآلة تمثل عند ذي الآلة أيضا ، لكون الآلة وما ~~يتمثل فيها حاضرة عنده غير غائبة عنه. # وقوله : «يشاهدها ما به يدرك» أي يشاهد تلك الحقيقة المتمثلة ما به يدرك ~~المدرك إياها ، إن قرأ «يدرك» بصيغة المضارع الغائب المذكر المعلوم ، وما ~~به تدرك تلك الحقيقة ، إن قرأ بصيغة المضارع الغائب المؤنث المجهول. وعلى ~~التقديرين فيكون «ما به يدرك» عبارة عما به يقع إدراك النفس لتلك الحقيقة ، ~~وهو ذات النفس نفسها في إدراكها للكليات ، وحواسها وآلاتها في إدراكها ~~للجزئيات. فيكون إشارة إلى أن الإدراك ينقسم إلى إدراك بآلة ، وإلى ادراك ~~بغير آلة بل بذات المدرك. وحينئذ ، ففيه مع ملاحظة قوله : PageV02P185 # «متمثلة عند المدرك» تنبيه على أنه في القسم الأول ليس الإدراك هو كون ~~الشيء حاضرا عند الحس فقط ، بل كونه حاضرا عند المدرك أي النفس ، لحضوره ~~عند الحس لا بأن يكون حاضرا مرتين ، بل بذلك الحضور عند الحس الذي هو آلة ~~النفس ، حيث إن المدرك هو النفس ولكن بواسطة الحس ، فتدبر. # وقوله : «فأما أن تكون تلك الحقيقة نفس حقيقة الشيء الخارج عن المدرك إذا ~~أدرك إلى آخر ما ذكره ». كأن فيه إشارة إلى أن تلك الحقيقة المتمثلة إن لم ~~تكن خارجة عن ذات المدرك ، كملكات النفس وصفاتها ، وكالصورة العلمية ، أي ~~الماهية الحاصلة المتمثلة المنتزعة من الشيء الخارجي من حيث إنها علم لا من ~~حيث إنها معلومة ، كما سيجيء الفرق بينهما. # وبالجملة ، الحقائق التي وجوداتها العينية هي بعينها وجوداتها في الذهن ~~من حيث إنها قائمة به حاصلة فيه ، فالحقيقة المتمثلة عند المدرك من جملة ~~تلك الحقائق هي نفس ms484 حقيقتها من غير تجريد لها عن وجودها الخارجي ، بل هي ~~حاصلة عند المدرك مع وجودها الخارجي العيني ، وليس الحاصل عنده صورها ولا ~~أمثلتها. # وإن كانت خارجة عن المدرك ، فهي على قسمين كما أشرنا إليه سابقا : # قسم لا يكون له وجود بالفعل في الأعيان الخارجة ، كالممتنعات والممكنات ~~بالذات المعدومة في الخارج ، مثل كثير من الأشكال الهندسية ، بل كثير من ~~المفروضات التي لا تمكن إذا فرضت في الهندسة مما لا يتحقق أصلا. ففي هذا ~~القسم تكون تلك الحقيقة المتمثلة عند المدرك إذا أدركها هي نفس حقيقة الشيء ~~الخارج عن المدرك ، أي نفس ماهياتها المجردة عن الوجود الخارجي لا تجريدا ~~يفعله العقل ، بل إنها في حد ذاتها مجردة عن الوجود الخارجي ، إذ ليس لها ~~وجود خارجي فتتمثل هي على ما هي عليه عند المدرك مجردة. وقد عرفت فيما ~~تلونا عليك أن الممتنعات والمعدومات الممكنة وإن لم يكن لها حقيقة ، أي ~~ماهية مأخوذة مع الوجود الخارجي ، لكنها مما لها ماهية غير مأخوذ معها ~~الوجود الخارجي ، وأن حقيقتها هي نفس تلك الماهية المجردة في حد PageV02P186 # ذاتها عن الوجود العيني ولوازمه ، وهذا هو القسم الأول. # وقسم له وجود بالفعل في الأعيان ، ككثير من الأشياء الموجودة في الخارج ، ~~وفي هذا القسم يكون تلك الحقيقة المتمثلة عند المدرك مثالا من ذلك الشيء ~~الخارجي مثالا غير مباين لذلك الشيء ، بل مناسبا له حاكيا آثاره ، بل عينه ~~باعتبار الذات أو مثالا غير مباين للمدرك ، أي غير حاصل عند المدرك من جهة ~~وجوده العيني الذي هو بهذه الجهة مباين للمدرك ، ولا يمكن حصوله عنده ، بل ~~حاصلا من جهة وجوده الذهني الذي هو بهذه الجهة غير مباين له ويمكن حصوله عنده. # وبالجملة ماهيته التي هي عينه من حيث الذات ، لكنها مجردة عن الوجود ~~الخارجي وعن لوازمه وتوابعه تجريدا يفعله العقل ، فيرتسم ذلك المثال في ذات ~~المدرك ، فيدركه أولا وبالذات ، ويدرك الشيء الخارجي بواسطته ، وهذا هو ~~القسم الثاني. # وهذا الذي ذكرنا إنما هو شرح كلامه على ما يستفاد منه ظاهرا ، إلا أن ~~المحقق ms485 الطوسي (ره) في شرحه للإشارات حمله على محمل آخر. قال في شرح هذا ~~الكلام (1): # «والأشياء المدركة تنقسم إلى ما لا يكون خارجا عن ذات (2)، وإلى ما يكون. # أما في الأول ، فالحقيقة المتمثلة عند المدرك هي نفس حقيقتها. # وأما في الثاني ، فهي تكون غير الحقيقة الموجودة في الخارج ؛ بل هي إما ~~(3) صور منتزعة من الخارج إن كان الإدراك مستفادا من خارج ، أو صورة حصلت ~~عند المدرك ابتداء ، سواء كانت الخارجية مستفادة منها أو لم تكن. وعلى ~~التقديرين ، فإدراك الحقيقة الخارجية هو حصول تلك الصورة الذهنية عند ~~المدرك. واستدل على ذلك بقوله : فإما أن تكون تلك الحقيقة أي المتمثلة نفس ~~حقيقة الشيء الخارج من المدرك إذا أدرك ، أو يكون (4) مثال حقيقته مرتسما ~~في ذات المدرك غير مباين له. وقدم إبطال (5) القسم الأول على ذكر القسم ~~الثاني ، فقال بعد ذكر القسم الأول : فتكون حقيقة ما لا وجود له بالفعل في PageV02P187 # الأعيان الخارجية مثل كثير من الأشكال الهندسية ، مثلا كالكرة المحيطة ~~باثنتى (1) عشرة قاعدة مخمسات ، بل كثير من المفروضات التي لا تمكن إذا ~~فرضت في الهندسة ، كما يفرض مثلا من الممتنعات ليتبين (2) به الخلف ، فيكون ~~(3) تلك الحقيقة مما لا تتحقق أصلا ، إذ لا حقيقة لها في الخارج. # ولما كانت مما (4) يدرك ، فعلم أنها موجودة لا في الخارج بل عند المدرك ~~وفيما لا يباينه. فبإبطال القسم الاول تحقق (5) الثاني. وأشار إلى ذلك ~~بقوله «وهو (6) الثاني» ، والمثال في قوله «أو يكون مثال حقيقته» هو الصورة ~~المنتزعة ، أو الصورة التي لا تحتاج إلى الانتزاع من الشيء الذي لو كان في ~~الخارج لكان هو فهذا بيان ما قاله الشيخ» انتهى كلامه (ره). ### | كلام مع المحقق الطوسي # وأقول : إن ما ذكره (ره) لا غبار عليه ، إلا أن حمل هذا الكلام على ~~الاستدلال المذكور بإبطال القسم الأول كأنه لا يلائمه سياق ظاهر كلام الشيخ ~~، بل إن ظاهر سياقه يدل على أن الأشياء الخارجة عن ذات المدرك تكون على ~~قسمين ، وأن حقيقتها المتمثلة عند المدرك تكون على نوعين كما حملنا عليه ms486 ~~كلامه. وعلى تقدير حمله على ما حمله (ره) أيضا ، فكأنه لا يتم البيان الذي ~~ادعاه ، إذ هذا البيان إنما يتم في الأشياء التي لا وجود لها في الخارج ، ~~ولم يتبين منه أن الأشياء التي لها وجود خارجي وحقيقة خارجية لا يمكن أن ~~تتمثل حقائقها عند المدرك. # اللهم إلا أن يقول هو (ره): إن الشيخ أحال ذلك على الظهور ، حيث إنه كما ~~لا تتمثل الحقيقة الخارجية من الشيء الذي لا يكون له وجود في الخارج عند ~~المدرك ، إذ لا وجود له ولا حقيقة. كذلك من الظاهر أنه لا تتمثل عنده ~~الحقيقة الخارجية من الشيء الذي له وجود في الخارج ، إذ لو كان كذلك ، لكان ~~تترتب على تلك الحقيقة المتمثلة الآثار PageV02P188 # الخارجية المطلوبة ، ولكان لا فرق بين الوجود العيني والوجود الذهني ، ~~وهذا باطل بالضرورة. إلا أن الظاهر منه أنه أرجع الضمير المجرور في قول ~~الشيخ : «غير مباين له» إلى المدرك ، وقد عرفت أنه يمكن إرجاعه إلى الشيء أيضا. # وأما قوله (ره) أخيرا : «والمثال» في قوله : «أو يكون مثال حقيقته هو ~~الصورة المنتزعة ، أو الصورة التي لا تحتاج إلى الانتزاع من الشيء الذي لو ~~كان في الخارج لكان هو» فكأنه إشارة إلى تعميم المثال بحيث يشمل الصورة ~~المنتزعة من الخارج إن كان الإدراك مستفادا من خارج ، والصورة الحاصلة عند ~~المدرك ابتداء ، سواء كانت الخارجية مستفادة منها أو لم تكن ، كما ذكره في ~~السابق ؛ وإن كان يمكن حمله أيضا على تعميم المثال بحيث يشمل الصورة ~~المنتزعة من الأشياء الخارجية ، وماهيات الأشياء التي ليس لها وجود في ~~الخارج كما ذكرنا ، وهو (ره) أعلم. # وإذا عرفت ذلك ، فاعلم أيضا أن ما ذكره الشيخ في «الإشارات» من تنويع ~~الإدراك إلى الأنواع الثلاثة ، أعني الحس والتخيل والتعقل ، ربما يتراءى ~~كونه مخالفا لما ذكره في «الشفاء» ، حيث نوعه إلى الأنواع الأربعة ، أعني : ~~الحس والتخيل والتوهم والتعقل» (1). وكأن وجه ما ذكره في «الشفاء» أن ذلك ~~بيان للواقع. وأما وجه ما فعله في (الإشارات) فلعله هو ما اعتذر عنه المحقق ~~الطوسي ms487 (ره) في شرحه ، قال : «إن (3) الإدراكات إذا قيست إلى مدرك واحد ، ~~سقط الوهم عن الاعتبار ، لأنه لا يدرك ما يدركه الحس والخيال بانفراده ، بل ~~يدرك (2) ما يدرك (4) بمشاركة الخيال ، وبذلك يتخصص مدركه ويصير جزئيا ، ~~ولذلك لم يعتبره الشيخ في هذا الكتاب واعتبره في سائر كتبه» انتهى . PageV02P189 ### | في تحرير ما ذكره في الشفاء في العلم # وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام ، فلنتكلم في تحرير ما نقلناه عن الشيخ ~~في «الشفاء» في بيان العلم وأنه عرض ، وما أورد عليه من الشبهة وأجاب عنها. # فنقول : إن ما ذكره من الشبهة مبناها على أن الحاصل في الذهن من الشيء ~~الخارجي بل مطلقا هو ماهيته المجردة عن الوجود الخارجي وعن توابعه ، وكذا ~~مبناها على أن العلم عرض من مقولة الكيف. فيكون ذلك من إحدى القرائن على أن ~~مذهب الشيخ بل المعروف من مذهب الحكماء هو القول بوجود الأشياء بماهياتها ~~في الذهن دون القول بالأشباح ، وأن العلم من مقولة الكيف دون الفعل ~~والانفعال أو الاضافة. # وبيان الشبهة هو أنه لا يخفى أن العلم هو الصورة الحاصلة من الشيء أي ~~المكتسب من صور الموجودات مجردة عن موادها ، وهي صور جواهر وأعراض ؛ حيث إن ~~المعلوم لا يخلو عنهما ، أي الماهيات التي تكون للجواهر والأعراض مجردة عن ~~وجوداتها العينية وعن موادها ، ولا يخفى أيضا أن تلك الصورة الحاصلة عرض ~~لصدق حده ، و «هو الموجود في الموضوع» عليها ، لكونها أيضا موجودة في موضوع ~~هو النفس. وكذا هي من مقولة الكيف لصدق حده أيضا ، و «هو أنه عرض لا يقتضي ~~قسمة ولا نسبة» عليها ، لكونها أيضا كذلك. # وبالجملة ، لا يخفى أن تلك الصورة الحاصلة في النفس عرض ، وإن لم نقل ~~بكونها من مقولة الكيف ؛ وحينئذ نقول : إن كانت صور الأعراض وماهياتها ~~الحاصلة في النفس أعراضا ، فصور الجواهر وماهياتها الحاصلة فيها كيف تكون ~~أعراضا ، والحال أن الجوهر ما يكون لذاته جوهرا ، فماهيته لا تكون في موضوع ~~البتة ، ويجب أن يكون ماهيته محفوظة في كل الأحوال ، سواء نسبت إلى إدراك ~~العقل لها أو ms488 نسبت إلى الوجود الخارجي. # والحاصل أن تلك الصورة الحاصلة والماهية المتمثلة في النفس من الجواهر ، ~~لا سترة في أنها عرض ؛ فإما أن يكون معنى الجوهر ذاتيا لما تحته من الجواهر ~~جنسا لها ، كما هو رأي بعض ، أو عرضيا كما هو رأي آخرين. PageV02P190 # وعلى الأول ، فكيف يكون ذاتي الشيء مختلفا؟ وكيف يمكن أن يكون مقتضي ~~الذات لا يترتب عليها؟ وكيف يمكن أن ينقلب الذات مع أن كل ذلك محال ~~بالضرورة؟ # وعلى الثاني ، فلا سترة في أن ذلك معنى عرضي لازم لها ؛ فكيف يمكن أن ~~يترتب عليها ذلك العرضي تارة وأن لا يترتب اخرى؟ وكيف يمكن أن ينقلب العرضي ~~اللازم إلى العرضي المفارق؟ وهذا بيان الشبهة. # وأما بيان الجواب عنها : فهو أن ماهية الجوهر على ما يقتضيه حده بمعنى ~~أنه الموجود في الأعيان لا فى موضوع ، وهذه الصفة موجودة لماهية الجواهر ~~المعقولة الحاصلة في النفس أيضا ، فإنها ماهية شأنها أن تكون إذا وجدت في ~~الأعيان وجدت لا في موضوع ، أي أن هذه الماهية هي معقولة من أمر ، شأن ذلك ~~الأمر أن يكون وجوده في الأعيان لا في موضوع ، وأما وجوده في العقل بهذه ~~الصفة ، أي أن لا يكون في موضوع ، فليس ذلك مأخوذا في حده من حيث هو جوهر ، ~~أي ليس حد الجوهر أنه إذا كان في العقل كان لا في موضوع ؛ بل حده أنه سواء ~~كان في العقل أو لم يكن ، فإن وجوده في الأعيان ليس في موضوع. # والحاصل ، أنه على تقدير كون معنى الجوهر عرضيا لما تحته لازما لها ، ~~نقول : إنه عرضي لازم لوجوداتها العينية الخارجية ، كسائر لوازم الوجود ~~الخارجي ؛ ولا سترة في أن هذا المعنى ، أي كونه موجودا لا في موضوع ، لا ~~يتخلف عن تلك الجواهر من حيث وجوداتها الخارجية ، وأما تخلفه منها بحسب ~~وجوداتها العقلية ، فليس ذلك منافيا لما يقتضيه حد الجوهر ، وعلى تقدير كون ~~معنى الجوهر ذاتيا لما تحته ، نقول : إنه حيث أخذ في حده الوجود ، أي أن ~~يكون موجودا لا في موضوع ، فذلك الوجود معناه الوجود ms489 الخارجي لا الذهني ولا ~~الأعم منهما. ولا سترة في أن هذا المعنى يصدق على الجواهر التي هي أفراده ~~بحسب وجوداتها الخارجية ولا يتخلف عنها ، ولا ضير في أن يتخلف عنها بحسب ~~وجوداتها العقلية وحصولاتها الذهنية. ومما ذكر يعلم أن المعتبر في معنى ~~العرض والمأخوذ في حده أيضا ، أن يكون وجوده العيني في موضوع. وأما كون وجوده PageV02P191 # الذهني في موضوع ، فليس بمأخوذ في حده. فعلى هذا فكون ماهيات الأعراض ~~الحاصلة في الذهن من حيث وجودها الذهني أعراضا موجودة في موضوع هو النفس ، ~~ليس مما يحقق عرضيتها ، كما أن كون ماهيات الجواهر الحاصلة في الذهن من حيث ~~كونها كذلك أعراضا موجودة في موضوع ، لا ينافي جوهريتها. # فإن قلت : من البين أن المعتبر في تلك الماهية الحاصلة في الذهن كونها ~~مجردة عن الوجود الخارجي مطلقا ، ولازم هذا أن لا يكون يتحقق لتلك الماهية ~~الحاصلة فيه شيء مما المدخل فيه للوجود الخارجي ، ومن جملته معنى الجوهر ~~والعرض. حيث إن المدخل فيه إنما هو للوجود الخارجي خاصة ، كما ذكرت من أن ~~الجوهر ما لا يكون بحسب وجوده الخارجي في موضوع ، وأن العرض ما يكون بحسب ~~وجوده الخارجي في موضوع. فيلزم من ذلك أن لا تدخل تلك الماهية بحسب وجودها ~~الذهني تحت مقولة من المقولات ، وأن لا يصدق عليها معنى الجوهر ولا معنى ~~العرض ، فكيف يصدق عليها معنى العرض كما ذكرت؟ # قلت : الحال كذلك ، إلا أن لتلك الماهية الحاصلة من حيث حصولها في الذهن ~~وقيامها بنفس جزئية نحوا من الوجود العيني أيضا ، كما سيأتي بيانه. فهي ~~بذلك الاعتبار تكون عرضا ومن مقولة الكيف ، سواء كانت هي ماهية الجوهر أو ~~ماهية العرض. # ثم إنه بما ذكره الشيخ في جواب الشبهة الموردة في الجواهر والأعراض كما ~~حررنا بيانه ، كما يندفع الشبهة عن ذلك ، كذلك تندفع الشبهة إذا أوردت في ~~مطلق الذاتيات ومطلق العرضيات اللازمة للوجود الخارجي. # مثلا إذا قال قائل : لا يخفى أن الصورة الحاصلة من الإنسان هي ماهية ~~الإنسان مجردة عن الوجود الخارجي ، ومن المعلوم أن الماهية ms490 الإنسانية ماهية ~~نوعية معناها الحيوان الناطق ، أي التي من شأنها أن يصدر عنها الحس والحركة ~~الإرادية وإدراك الجزئيات والكليات ؛ ولا سترة في أن تلك الماهية من حيث ~~إنها موجودة في الذهن لا يصدر عنها تلك الامور بالفعل ، ولا هي مما من شأنه ~~أن يصدر عنه تلك الأمور ، فكيف يتخلف عنها PageV02P192 # ذاتياتها وما هو من مقتضى ذاتها؟ # قلنا في جوابه : إنا سلمنا أن تلك الماهية هي الماهية الإنسانية التي هي ~~الحيوان الناطق. لكن نقول : إن معنى الماهية الإنسانية أنها من شأنها أن ~~تصدر عنها تلك الأمور إذا وجدت تلك الماهية في الأعيان ، لا أنها من شأنها ~~أن تكون يصدر عنها تلك إذا وجدت في الذهن أيضا. فهي سواء وجدت في العين أو ~~في الذهن من شأنها أنها في وجودها العيني يمكن أن يصدر عنها تلك الأمور. ~~فعلى هذا ، فصدور تلك الأمور التي هي من مقتضى ذات الإنسان ، أو إمكان ~~صدورها عنها مما للوجود الخارجي مدخل فيه ، وان كان ذاتيا له ، ولا ضير في ~~أنه إذا جردت تلك الماهية عن الوجود الخارجي وحصلت في الذهن ، لم تكن صفتها ~~كذلك من حيث إنها موجودة فيه. # نعم ، ربما يتحقق لها من حيث وجودها في الذهن أمور أخر ، كالكلية ~~والجنسية والفصلية وأمثال ذلك مما لا مدخل للوجود الخارجي فيه ، بل إنما ~~المدخل فيه للوجود الذهني خاصة. وعلى هذا فقس الحال في ماهيات أخر ~~وذاتياتها. # وكذلك لو قال قائل : إنه لا يخفى أنه عند ادراكنا أو تعقلنا مثلا للحار ~~والبارد ، أو للحرارة والبرودة ، أو المستقيم والمعوج ، أو الاستقامة ~~والاعوجاج ، يحصل في الذهن ماهيات تلك الامور كما ذكرت ؛ فيلزم أن يكون ~~الذهن حارا باردا معوجا مستقيما ، إذ لا معنى لهذه إلا ما يحصل فيه ماهية ~~الحرارة والبرودة والاستقامة والاعوجاج. وأيضا يلزم أن تجتمع فيه الأمور ~~المتضادة من جهة واحدة ويتصف بها ، فيكون هو متضادا كالأمور الحاصلة فيه ، ~~وكل ذلك باطل بالضرورة. # قلنا في جوابه : إنا سلمنا أن الحاصل في الذهن هو ماهيات تلك الأمور ، ~~لكنا نقول : إن ms491 تلك الآثار والأحكام مترتبة على وجود تلك الماهيات في ~~الأعيان فقط ، فتلك الماهيات سواء وجدت في الأعيان أو في الأذهان ، فمن ~~شأنها أنها في وجوداتها العينية يمكن أن يصدر عنها تلك الآثار والأحكام ، ~~ولا محذور في أن لا يترتب تلك الآثار والأحكام عليها من حيث تجردها عن ~~الوجود الخارجي ، أي من حيث وجوداتها الذهنية ، لكونها PageV02P193 # غير لازمة لوجودها الذهني. مع أن اتصاف محال هذه الامور لصفاتها مما ~~يتوقف على أن يكون تلك المحال مما من شأنها أن تنفعل عنها وتتصف بها. ولا ~~نسلم أن الذهن كذلك ؛ ولذلك لا يلزم عند تصورنا وإدراكنا الأرض أو السماء ~~مع كون المتصور منهما ماهيتهما ، أن يكون الذهن عظيما مثلهما. فتبصر. # ثم إن قول الشيخ : (1) «فإن قيل : فالعقل أيضا من الأعيان. قيل : يراد ~~بالعين التي إذا حصل فيها الجوهر صدرت عنه أفاعيله وأحكامه». إيراد على ~~الجواب الذي ذكره عن تلك الشبهة وجواب عن الإيراد. # بيان الإيراد : أنه حيث ذكر في الجواب أولا أن معنى الجوهر وماهيته أنه ~~الموجود في الأعيان لا في موضوع ، فلا ينافي أن يكون بحسب وجوده الذهني في ~~موضوع ، أورد عليه ثانيا أن ماهية الجوهر بحسب وجودها في الأذهان أيضا لها ~~وجود في الأعيان ، حيث إنها بحسب هذا الوجود موجودة في العقل ، أي النفس. ~~ولا سترة في أن العقل من الموجودات العينية ؛ فالموجود فيه أيضا موجود ~~بوجود عيني. والحال أن الجوهر بحسب هذا الوجود العيني موجود في موضوع ، ~~فكيف يمكن أن يكون بحسب هذا الوجود العيني موجودا في موضوع؟ وكيف يمكن أن ~~يكون ماهية الجوهر بأحد الوجودين العينيين جوهرا وبالوجود الاخر العيني عرضا؟ # وبيان الجواب : أن معنى الموجود في العين ليس أنه الموجود في عين آخر غير ~~نفس ذلك الموجود ، بل المراد بالعين هو عين ذلك الموجود ، ومعنى الموجود في ~~العين أنه الموجود في نفسه وفي حد ذاته ، مع قطع النظر عن فرض فارض إياه ~~وعن كل ما سواه ، وهذا المعنى هو المراد من سائر العبارات التي يعبر بها ~~عنه ، كالموجود في ms492 نفس الأمر ، فإن المراد بالأمر هو ذلك الموجود ، وبالنفس ~~ذاته ، وبالموجود في نفس الأمر الموجود في نفسه وفي حد ذاته ، مع قطع النظر ~~عما ذكر. وهذا المعنى أيضا يراد بقولهم : الموجود في الخارج ، أي أنه ~~الموجود في نفسه وفي خارج الذهن ، ومع قطع النظر عن فرض الذهن. PageV02P194 # وبالجملة ، فالمراد من هذه العبارات وأمثالها ، كالموجود العيني والموجود ~~الخارجي ، أنه الموجود في حد ذاته بوجود أصيل ، سواء كان وجوده في موضوع ~~كالعرض ، أم لا كالجوهر ، وجودا يترتب عليه آثاره المطلوبة منه وأحكامه ~~وأفاعيله الخارجية. وعلى هذا ، فيكون معنى قولهم : الموجود في الذهن ~~والموجود في العقل والموجود في النفس وأمثال ذلك من العبارات ، أنه الموجود ~~بوجود ظلي غير أصيل ، وجودا لا يترتب عليه آثاره وأحكامه وأفاعيله ، وإن ~~كان موجودا في النفس التي هي عين من الأعيان الخارجية. نعم لو كان يترتب ~~على وجوده في العقل آثاره المطلوبة ، لكان ذلك وجودا له عينيا أيضا ، لكن ~~باعتبار آخر. # فيلزم مما ذكرنا ، أن كل ما هو موجود عيني من حيث هو موجود عيني يترتب ~~عليه أحكامه لا يكون موجودا ذهنيا من حيث هو موجود ذهني لا يترتب عليه ~~أحكامه المطلوبة منه ، وكذا بالعكس ، وأنه لو كان موجود ذهني يترتب عليه ~~آثاره وأحكامه ، كان هو من هذه الحيثية موجودا عينيا لا ذهنيا. # وكذلك يلزم مما ذكر هنا وما ذكر سابقا من أن الجوهرية والعرضية إنما هما ~~باعتبار الوجود العيني من حيث هو وجود عيني ، أن الموجود في الذهن من حيث ~~هو موجود ذهني لا يكون جوهرا ولا عرضا ، وإن كان صدق عليه أنه بحيث لو وجد ~~في الخارج والعين ، لكان إما جوهرا أو عرضا. وأن الموجود في الذهن لو كان ~~بحيث يترتب عليه آثاره المطلوبة منه ، وكان ذلك وجودا عينيا له باعتبار ، ~~لكان يصدق عليه أنه جوهر أو عرض ، إلا أنه لا يكون إلا عرضا ، لكونه من هذه ~~الحيثية موجودا في موضوع هو النفس. # وإذا تمهد ذلك ، فنقول : من المعلوم بالضرورة أن الصورة العقلية والماهية ~~الحاصلة في ms493 العقل من الجوهر مجردة ومادية وبسيطة ومركبة ، وأي قسم منه لا ~~يترتب عليها من حيث كونها موجودة ذهنية تلك الآثار والأحكام والأفاعيل التي ~~تترتب على حقيقته الموجودة في الخارج ، فليس وجودها في العقل من حيث هو ~~وجودها فيه ، وإن كان PageV02P195 # العقل عينا من الأعيان الخارجية ، وجودا عينيا خارجيا له. وحيث لا يصدق ~~عليها بحسب هذا الوجود أنها جوهر ، وكذلك لا يصدق على هذا الوجود أنه وجود ~~عيني ، فلا يلزم أن يكون ماهية الجوهر بحسب وجوده العيني موجودا فى موضوع ، ~~ولا أن تكون بحسب أحد الوجودين العينيين جوهرا وبالوجود الآخر العيني عرضا. ~~وكذلك من المعلوم بالضرورة أن الماهية الحاصلة من العرض ، أي أنواع منه ~~كانت ، فهي من حيث كونها موجودة ذهنية ، مما يترتب عليها آثارها وأحكامها ~~المترتبة على حقيقته الموجودة في الأعيان ، فليس وجودها في الذهن من حيث لا ~~يترتب عليها آثاره ، وجودا عينيا لها ، وكذا عرضيتها بهذا الاعتبار ، بل ~~باعتبار وجودها في الأعيان وجودا به يترتب عليها تلك الآثار. # نعم ، إن الماهية الحاصلة في العقل من الشيء مطلقا ، جوهرا كان أم عرضا ، ~~ربما يترتب عليها من حيث كونها صورة خاصة قائمة بنفس جزئية ، ومن حيث كونها ~~صورة علمية ، بعض الآثار التي هي من الآثار العينية ، وهي كونها سببا ~~لانكشاف الأشياء التي هي ذوات الصورة على النفس ، وواسطة لأن تدرك بها ~~النفس المعلوم الخارجي ، وتنال بها مدركاتها العينية ؛ فلذلك يكون قيامها ~~بالنفس منشأ لاتصاف محلها أي النفس بالعلم ، وبكونها عالمة بمعلومها بسببها ~~، كما يكون الجسم باعتبار حصول السواد فيه مثلا متصفا بكونه أسود. والذي ~~يوضح ذلك ، أن العلم من جملة ملكات النفس ، وقيام ملكاتها بها مطلقا ، سواء ~~كانت فضائل أم رذائل ، قيام ووجود عيني لها ، وبسببه يكون منشأ لترتب ~~آثارها عليها ولاتصاف محلها ، أي النفس ، بها. # ثم إنه حيث كانت الصورة العلمية بهذا الاعتبار موجودة في الأعيان ، وكانت ~~موجودة في موضوع ، لا استبعاد في كون ماهيات الأشياء الحاصلة في العقل من ~~حيث كونها صورا خاصة قائمة بالنفس موجودة فيها وجودا يترتب ms494 عليه الآثار. ~~سواء كانت هي ماهية الجوهر أو العرض ، أعراضا موجودة في موضوع. ولا ينافي ~~ذلك أن تكون تلك الماهيات بحسب حقائقها ووجوداتها العينية في الخارج غير ~~هذا الوجود العيني له في PageV02P196 # العقل ، بعضها جواهرا وبعضها أعراضا ، ولذا لا ينافي أن تكون تلك ~~الماهيات بحسب وجودها الذهني ، أي من حيث وجودها في ضمن الصورة العلمية ، ~~موجودات ذهنية غير مترتبة عليها الآثار المطلوبة ، ولا تكون هي جواهرا ولا ~~أعراضا. ### | في الفرق بين اعتبارات الماهية # وإن اشتهيت زيادة إيضاح المقام ، فاعلم أنه كما أن الموجود في الخارج من ~~ماهيات الأشياء وحقائقها جواهرها وأعراضا لا يكون إلا جزئيا حقيقيا وشخصا ~~مشخصا ، حيث إن الكلي بما هو كلي ليس له وجود منفرد بنفسه ، وإنما الموجود ~~في العين هو الشخص المعين ، كما هو المحقق في محله. وأن الشخص الموجود في ~~الخارج على رأي القائلين بوجود الكلي الطبيعي والطبيعة من حيث هي في ضمن ~~وجود الأشخاص كما هو رأي الشيخ وغيره من المحققين عبارة عن تلك الماهية ~~المأخوذة مع الوجود العيني الشخصي ، والملحوظ معها التشخص الخارجي ، أي ~~الماهية بشرط شيء ، أي بشرط ذلك الوجود والتشخص. وبعبارة أخرى مجموع ~~المشروط والشرط ، أو مجموع العارض والمعروض ، وهو موجود في الحقيقة في ~~الأعيان وجودا يترتب عليه جميع الآثار المطلوبة منه ؛ وكذا هو موصوف ~~بالجوهرية أو العرضية بالذات ، ومدرك أولا بالحواس ، وبواسطتها تدركه النفس ~~إن كان هو شخصا ماديا. واما إن كان شخصا مجردا عن المادة ، فيدركه العقل ~~أولا وبالذات لا بتوسط الحواس ، وأن تلك الماهية الملحوظة في ضمن الشخص ، ~~التي هي عبارة عن الطبيعة من حيث هي التي هي من حيث ذاتها ليست إلا هي ، ~~وليست في حد ذاتها لا عامة ولا خاصة ولا كلية ولا جزئية ولا مأخوذا معها ~~شرط من الشروط ولا قيد من القيود إلا نفسها. # وبالجملة ، فهي لا بشرط شيء من كل وجه ، إلا أنها تصلح لأن يقارنها شرط ، ~~ويعتبر معها وجود ، فتصير هي بذلك أيضا موجودة وجودا عينيا يترتب عليه ~~الآثار في ضمن وجود ms495 الشخص. إلا أن وجودها وجود ضعيف بالقياس إلى وجود الشخص ~~، ووجود PageV02P197 # بالعرض وبتوسط وجود الشخص. ولذلك يتصف أيضا بالجوهرية أو العرضية بالعرض. ~~إلا أن مدركها هو العقل والنفس بذاتها ، وليس وجودها في العقل من هذه الجهة ~~وجودا ذهنيا لها ، بل وجودا عينيا كما ذكر. كذلك الموجود في النفس والعقل ~~من ماهيات الأشياء جواهرها وأعراضها مجردها وماديتها ، سواء كانت تلك ~~الماهية مما يمكن أن يكون لها أفراد متعددة في الخارج ، أو لم يمكن. بل كان ~~نوعها منحصرا في فرد ، كالمفارقات ، أو لم يمكن أن يكون لها فرد في الخارج ~~أصلا ، كماهيات الممتنعات. وسواء كان ما يمكن أن يكون لها أفراد متعددة ، ~~بحيث يكون تلك الأفراد المتعددة موجودة في الأعيان ، أو يكون كلها معدومة ~~في الأعيان ، أو يكون الموجود منها بعضا منها واحدا كان أم أكثر مع إمكان ~~الباقي ، إنما يكون ماهيات تلك الأشياء مجردة عن تلك الوجودات التي لو كانت ~~هي لتلك الماهيات ، لكانت منشأ للآثار المطلوبة منها في الخارج ، ومعراة عن ~~العوارض الخارجية واللواحق التابعة لتلك الوجودات العينية وتلك التشخصات ~~الخارجية ، سواء كانت تلك الماهيات منتزعة عن أشياء خارجية أم لا ، إلا أن ~~تلك الماهيات وإن أخذت في الذهن على أنها معراة عن الوجود العيني ومجردة عن ~~توابعها ، لكنها من حيث حصولها في العقل وقيامها بنفس جزئية يكون لها نحو ~~من الوجود العيني أيضا غير ما هي جردت عنه ، وهذا الوجود العيني وجود عيني ~~ضعيف ، له باعتبار ترتب بعض الآثار عليه نسبة إلى الوجود العيني ، وباعتبار ~~عدم ترتب جميع الآثار المطلوبة من الوجود العيني عليه نسبة إلى الوجود ~~الذهني ، فكأنه برزخ متوسط بين الوجود العيني والذهني. فلذلك تكون هي منشأ ~~لحصول العلم بالمعلوم ، ومنشأ لبعض الآثار دون كلها ، أي تكون منشأ لما ~~يترتب عليها من حيث كونها صورة علمية ، أي منشأ لاتصاف محلها أي النفس ~~بالعلم ، وبكونها عالمة بمعلومها. وتكون أيضا ، باعتبار اقتران هذا النحو ~~من الوجود معها ، جزئية وشخصا خاصا ، حيث إنها بهذا الاعتبار لا تصدق على ~~كثيرين ، فإن ms496 الصورة الحاصلة في ذهن زيد من الإنسان مثلا ، حيث إنها حاصلة ~~في ذهنه ، لا تصدق على الصورة الحاصلة في ذهن عمرو منه مثلا ، من حيث هي ~~حاصلة فيه وإحداهما غير الاخرى ، وإن كانت PageV02P198 # أصل الماهية المنتزعة من الإنسان الحاصلة في كل من الذهنين واحدة بحسب ~~الذات والحقيقة ، مع قطع النظر عن الخصوصيات الذهنية. وكذلك تكون هي بهذا ~~الاعتبار عرضا ، حيث إنها قائمة بموضوع وموجودة في موضوع هو تلك النفس التي ~~هي حاصلة فيها قائمة بها ، سواء كانت هي صورة منتزعة من جوهر أو من عرض. ~~وهذه الصورة بهذا الاعتبار وإن كانت جزئية ، إلا أن مدركها هو النفس بذاتها ~~، لكونها حاضرة عندها. كما أن مدركها بالاعتبارين الأخيرين الآتيين أيضا هو ~~النفس بذاتها. وما اشتهر عندهم من أن النفس لا تدرك بذاتها الجزئي من حيث ~~هو جزئي ، فإنما هو في الجزئيات المادية المحفوفة بالعوارض المادية ، وأما ~~الجزئيات المجردة عنها ، فهي تدركها بذاتها. # ثم إنه حيث قلنا بوجود الطبيعة من حيث هي في ضمن وجود الشخص ، فتكون هي ~~أيضا في ضمن وجود هذه الصورة الخاصة التي ذكرنا حالها ، وبتوسطها موجودة ~~نحو وجودها العيني أضعف منه ، يترتب عليها ما يترتب على وجود تلك الصورة من ~~آثارها المذكورة ، حيث إن مقتضى القول بوجود الطبيعة من حيث هي في ضمن ~~الفرد ، أن ما يترتب على ذلك الفرد من الآثار ، يترتب عليها أيضا بأي وجود ~~كان لذلك الفرد ، ولذلك تكون تلك الطبيعة في ضمن تلك الصورة الخاصة جزئية ، ~~وإن كانت هي في حد ذاتها ومن حيث هي لا جزئية ولا كلية ، وكذا تكون عرضا ~~مثلها وإن كانت هي ماهية جوهرا ، لأن ثبوت هذه الصفات للطبيعة من حيث هي في ~~ضمن تلك الصورة ، إنما هو بالعرض لا بالذات ، فإنها من حيث ذاتها ليست إلا ~~هي ، من غير اعتبار أمر آخر معها ، كما ذكرنا حالها سابقا. # ثم إن تلك الماهية الحاصلة في العقل إذا أخذت على أنها مجردة عن هذا ~~الوجود العقلي أيضا كما أنها مجردة عن سائر الوجودات ms497 العينية الخارجية وعن ~~توابعها. وبالجملة ، إذا أخذت بشرط لا شيء بالنسبة إلى كل وجود عيني ~~وتوابعه ، ومع هذا أخذت مقيسة إلى الأشخاص التي تكون لها إن كان يفرض لها ~~أشخاص ومقولة عليها ، محمولة عليها ، مشتركة بين كثيرين ، كان لتلك الماهية ~~في العقل وجود ذهني ، أي وجود PageV02P199 # أضعف من المراتب السابقة كلها ، لا يترتب عليه أثر ما من الآثار المطلوبة ~~منها في الأعيان ، وهي بذلك الاعتبار لا تكون إلا كلية ، وحيث لا يترتب ~~عليها أثر من الآثار العينية فهي لا تكون جوهرا ولا عرضا. # وهذا معنى قول بعضهم : «إن الطبائع الكلية من حيث كليتها ووجودها الذهني ~~لا تدخل تحت مقولة من المقولات ، ومن حيث وجودها في النفس تدخل تحت مقولة ~~الكيف». # والمحصل أن تلك الماهية الحاصلة في العقل إن أخذت بشرط وجودها العقلي ~~الذي هو نحو من الوجود العيني وإن كان ضعيفا ، وبشرط تشخصها الذهني وبشرط ~~قيامها بنفس جزئية ، فهي من هذه الحيثية صورة جزئية لا كلية ، وعلم لا ~~معلوم. وكذا هو عرض موجود في الموضوع مطلقا ، سواء كانت صورة الجوهر أو ~~صورة العرض. كما أن تلك الماهية أيضا بشرط وجودها في الخارج وجودا عينيا من ~~غير جهة وجودها العيني في العقل ، أي من جهة ما يترتب عليها جميع الآثار ~~المطلوبة عنها شخص جزئي موجود في الخارج ، ومعلوم لا علم ، وهي بحسب ذلك ~~الوجود قد يكون جوهرا وقد يكون عرضا. # وإن أخذت تلك الماهية الحاصلة في العقل لا بشرط وجودها العقلي وتشخصها ~~الذهني ، فهي من هذه الحيثية ، الماهية من حيث هي التي هي في حد ذاتها ليست ~~إلا هي ، إلا أنها تتصف بالعرض في ضمن تلك الماهية الموجودة بالوجود الذهني ~~بأوصافها وأحوالها ، كالوجود العيني ، والجزئية والعرضية سوى وصف كونها ~~علما ، فإنها معلومة لا علم. # كما أن تلك الماهية المأخوذة في حد ذاتها لا بشرط شيء ، تتصف بالعرض في ~~ضمن حقائقها ، والماهيات الموجودة في الأعيان بحسب الوجود العيني الذي ~~يترتب عليه جميع الآثار المطلوبة منه ، غير الوجود العيني في العقل ، ~~بأوصاف تلك ms498 الحقائق كالوجود العيني ، والجزئية والجوهرية أو العرضية ~~والمعلومية ، حيث إن اتصاف الماهية من حيث هي بالعرض ، بأوصاف الماهية ~~الموجودة بالوجود العيني ، إنما هو بحسب ذلك الوجود PageV02P200 # العيني خاصة. # وأما إذا أخذت تلك الماهية الحاصلة في العقل بشرط لا شيء ، أي بشرط عدم ~~أخذ الوجودات العينية وتوابعها معها ، سواء كانت تلك الوجودات خارجية أم ~~كانت باعتبار الوجود في العقل ، ومع ذلك أخذت مقيسة إلى أفرادها التي تفرض ~~لها ومشتركة بينها. # وبعبارة أخرى إذا أخذت بشرط العموم وبشرط عدم الخصوص ، من غير أن تكون ~~أيضا لا بشرط العموم أو الخصوص ، فتلك الماهية الحاصلة في العقل من هذه ~~الحيثية موجودة بالوجود الذهني الذي لا يترتب عليه شيء من الآثار والأحكام ~~العينية والأفاعيل الخارجية المطلوبة من تلك الماهية بحسب وجودها العيني. # وكذلك هي من هذه الحيثية لا تتصف بالجوهرية ولا بالعرضية أصلا ، إذ ليس ~~لها وجود عيني يترتب عليه الآثار من هذه الجهة أصلا ، حتى تتصف بالجوهرية ~~أو العرضية. # وكذلك هي من هذه الجهة كلية لا جزئية ، ومن هذه الحيثية تكون جنسا أو ~~نوعا وأمثال ذلك من الأمور التي هي معقولات ثانية ، وتفرض هي لها بحسب ~~وجودها الذهني ، إلا أنها من تلك الحيثية معلومة أيضا لا علم. # فتلخص مما ذكرنا ، أن اختلاف تلك الماهية المعقولة بالكلية والجزئية ~~وبالعلم والمعلومية وبالجوهرية والعرضية وأمثال ذلك ، إنما هو بالاعتبار لا ~~بالذات ، ولا حجر في ذلك ، إذ كما أن الشيء الواحد يمكن أن يكون باعتبارات ~~مختلفة جنسا ونوعا ومادة كما علمت فيما سلف ، يمكن أن يكون باعتبارات ~~مختلفة متصفا بالأوصاف المختلفة المتغايرة المذكورة ، يدل على ما ذكرنا ما ~~حققه الشيخ في غير موضع من «الشفاء» ، مثل ما ذكره في فصل كون الكلية ~~للطبائع الكلية وغيره ، فليطالع ثمة. وإنما لم ننقله بعبارته ، لكون ذلك ~~موجبا للإطناب ، والله أعلم بالصواب. ### | في الإشارة إلى دفع إشكال آخر هنا # ثم إنك حيث تحققت ما حققناه وتبينت ما حررناه في بيان كلام الشيخ هنا في مقام PageV02P201 # دفع الإشكال المورد في الذاتيات ولوازم الوجود ms499 الخارجي من حيث الوجود ~~الذهني. # فاعلم أن في هذا المقام إشكالا آخر ربما يورد في لوازم الماهيات ينبغي ~~التعرض لدفعه. # بيان الإشكال : أنه لا يخفى أن لوازم الماهيات كالزوجية للأربعة ، ~~والفردية للثلاثة ، سواء قيل بأنها لوازم الماهية من حيث هي ، أو بأنها ~~لوازم الماهية بكلا وجوديها ، أي الخارجي والذهني ، أنما هي تلزم الماهية ~~من حيث وجودها الذهني أيضا ، كما تلزمها من حيث وجودها العيني. فالأربعة ~~مثلا كما أنها إذا وجدت في الخارج تلزمها الزوجية وينتزعها العقل منها ، ~~كذلك هي إذا وجدت في الذهن أيضا تلزمها الزوجية ، وينتزعها العقل منها ، ~~لكون الماهية في كلا الوجودين واحدة ، واللازم لازما لها فيهما. وكما أن ~~محل الأربعة بحسب وجودها العيني يجب أن يكون متصفا بها وكذا بالزوجية ، ~~وكذا محل الزوجية بحسب وجودها العيني يجب أن يكون موصوفا بها ، كذلك محلهما ~~بحسب وجودهما الذهني وهو النفس ، يجب أن يكون متصفا بهما إذا حصلتا فيها ، ~~فيلزم أن تكون النفس أربعة وزوجا. وكذا يلزم أن تكون النفس ثلاثة وفردا إذا ~~حصلت الثلاثة فيها ، فيلزم أن تكون زوجا وفردا معا ، وكل ذلك باطل ~~بالضرورة. # ولا يمكن الجواب عن هذا الإشكال بأن الأربعة مثلا ماهية إذا وجدت في ~~الخارج كانت زوجا ، كما ذكر في الجواب عن الإشكال في الجوهر والعرض ولوازم ~~الوجود الخارجي ، بل في الذاتيات أيضا ، لأن الأربعة بحسب وجودها الذهني ~~أيضا تلزمها الزوجية ، مع أنه قد ظهر مما تقرر سابقا من أن وجودها في الذهن ~~من حيث حصولها في نفس جزئية نوع وجود عيني لها. بل نقول على تقدير القول ~~بوجود ماهيات الأشياء في الذهن ، تكون ماهية الممتنع أيضا موجودة فيه إذا ~~حصلت في العقل ، فإنه كما قررت سابقا وإن لم يكن للممتنع حقيقة موجودة في ~~الخارج ، إلا أن له ماهية موجودة في الذهن ، وإذا حصلت في الذهن وكانت حالة ~~فيه ، يلزم أن يكون محلها وهو النفس موصوفا بالامتناع ، وذلك باطل ~~بالضرورة. PageV02P202 # وبيان الجواب : أن الأربعة مثلا وإن كانت إذا حصلت في الذهن أيضا تلزمها ~~الزوجية ، إلا ms500 أن اتصاف محلها بالأربعية أو بالزوجية من جملة آثارها ~~المترتبة على وجودها العيني ، فإن اتصاف كل محل بما حل فيه من آثار وجوده ~~العيني ، وقيام ذلك الحال بذلك المحل قياما خارجيا ، يترتب عليه جميع ~~الآثار المطلوبة ، وليس للأربعة ولا للزوجية ، بل ولا للثلاثة ولا للفردية ~~ولا للامتناع بحسب وجوداتها في العقل ، وجود عيني كذلك ، ولا قيام خارجي ، ~~ولذلك لا يتصف النفس التي هي محل لها بحسب وجودها الذهني بها أصلا. نعم إن ~~لها بحسب حصولها في نفس جزئية من حيث حصولها فيها وكونها صورا علمية ، نحوا ~~من الوجود العيني الضعيف الذي أثره إنما هو اتصاف محلها بالعلم بها ، وهو ~~هنا حاصل بالضرورة. وأما سائر آثار الوجود العيني التي من جملتها اتصاف ~~المحل بالحال ، فلا يترتب على وجودها في العقل مطلقا. # وبذلك يظهر الجواب عن الإشكال في كل لوازم الماهيات ، وكذا في الممتنع ، فتدبر. # وهذا الجواب الذي ذكرنا هو التحقيق في دفع الإشكال ، وعليه مدار ما ذكره ~~جمع من الأفاضل : كالسيد الشريف والمحقق الدواني والمحشي الشيرازي من ~~الأجوبة ، وإن كانت عبارة بعضهم في ذلك لا تخلو عن خفاء كما يظهر على من ~~راجع كلماتهم. # وأما الجواب الذي ذكره الشارح القوشجي بالفرق بين الحصول في الذهن ~~والقيام به ، فهو شيء قد تفرد به ، ولا معنى محصلا له ، لأن القيام بالذهن ~~لا معنى له إلا الحصول فيه ، وكذا الحصول فيه لا معنى له إلا القيام به ، ~~فالفرق تحكم. وتفصيل الإيراد عليه لا يسعه المقام. # وهذا الذي ذكرناه كله ، إنما هو بيان الجواب عن الإشكال بالوجوه المفصلة ~~المذكورة ، على تقدير القول بحصول الأشياء بأعيانها في الذهن ، كما هو ~~المذهب الحق. # وأما الجواب عنه على تقدير القول بوجود الأشياء بأشباحها فيه ، فهو وإن ~~كان ظاهرا أيضا ، لأن الموجود في الذهن على هذا القول ليس ماهية تلك ~~الأشياء ، بل أشباحها والصور المخالفة لها في كثير من اللوازم ، فلا بعد في ~~أن لا يترتب عليها ما يترتب على PageV02P203 # حقائقها الموجودة في الخارج ، وعلى وجوداتها العينية. إلا أن ms501 هذا المذهب ~~لما كان مبنيا على أصل غير أصيل ، كما أشرنا إليه فيما سبق ، لم نفصل ~~الجواب على تقديره. # وظني أن القائلين بهذا المذهب كأنه دعاهم إليه الفرار عن الإشكال بالوجوه ~~المذكورة ، وكأنهم حسبوا أنها إنما ترد على تقدير القول بوجود الأشياء ~~بأعيانها في الذهن ، دون القول بوجودها بأشباحها فيه ، فلذلك ذهبوا إلى ما ~~ذهبوا ، والله أعلم بالصواب. # وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام ، فلنرجع إلى شرح كلام الشيخ الذي كنا ~~بصدد شرحه وتحريره ، فنقول : قوله (1): «والحركة كذلك ماهيتها (2) أنها ~~كمال ما بالقوة ، وليست في العقل حركة بهذه الصفة» إلى آخر ما ذكره بيان ~~نظير لمدعاه ، وايراد شاهد على أن معنى الجوهرية للجواهر أي الوجود لا في ~~موضوع ، سواء كان ذاتيا لها أو عرضيا لازما لها ، لا يبطل بكون وجودها في ~~موضوع في العقل ، بل معنى الجوهر وحده أنه سواء كان في العقل أو لم يكن ، ~~فإن وجوده في الأعيان ليس في موضوع. # وبيان الشهادة أنه لا سترة في أن الحركة ماهيتها وما هو المأخوذ في حدها ~~، أنها كمال ما بالقوة ، ومعناه أنها إذا وجدت في الأعيان تكون كمالا لما ~~بالقوة ، لا أنها إذا وجدت في العقل أيضا ، تكون من حيث وجودها فيه بهذه ~~الصفة ؛ إذ ليست في العقل حركة بهذه الصفة ، حتى يكون في العقل كمال ما ~~بالقوة من جهة كذا مثلا حتى يصير ماهيتها محركة للعقل ، فإنه لو كان في ~~العقل حركة بهذه الصفة ، لكانت صفة لمحلها وهو العقل. فيلزم أن تكون هي ~~محركة لمحلها ، وأن يكون محلها موصوفا بها حقيقة ، كما في محالها التي هي ~~محالها بحسب الوجود العيني ، وهي حالة فيها قائمة بها حلولا عينيا وقياما ~~خارجيا. فيلزم أن يكون العقل متحركا وموصوفا بالحركة في كل مقولة ، حتى في ~~الأين مثلا ، وهذا باطل. بل إن معنى كون ماهية الحركة بهذه الصفة ، هو أنها ~~ماهية تكون PageV02P204 # في الأعيان ، وبحسب وجودها العيني كمالا لما بالقوة ، وإذا حصلت ماهيتها ~~في العقل ، تكون أيضا بهذه الصفة ، بمعنى أنها في العقل ms502 ماهية تكون في ~~الأعيان كمالا لما بالقوة ، فليس يختلف كونها في الأعيان وكونها في العقل ، ~~فإنها في كليهما على حكم واحد ، حيث إنها في كليهما ماهية توجد في الأعيان ~~كمالا لما بالقوة. فلو كنا قلنا : إن الحركة ماهية تكون كمالا بالقوة في ~~الأين مثلا لكل شيء يوجد فيه ، ثم وجدت في النفس لا كذلك ، لم يلزم منه أن ~~تكون حقيقتها مختلفة ، بل إن حقيقتها كما ذكر متحدة. وهي أنها بحسب وجودها ~~العيني كمال لما بالقوة ، سواء عقلت أم لم تعقل. # وحيث لا امتناع في ذلك ولا استبعاد فيه في الحركة ، كذلك ينبغي أن يكون ~~لا امتناع ولا استبعاد في ذلك في الجوهر. # وقوله (1): «وهذا كقول القائل إن حجر المغناطيس حقيقته أنه حجر يجذب ~~الحديد» إلى آخر ما ذكره إيراد نظير آخر وشاهد آخر. مفاده أنه كما أن حقيقة ~~الشيء لا تختلف بحسب اختلاف أحكامه بحسب الوجود العيني والوجود الذهني ، ~~إذا كان حكمه يترتب عليه بحسب وجوده العيني ، وكان ذلك الحكم لا يختلف بحسب ~~ذلك الوجود كما في الجوهر والحركة ، فكذلك لا يختلف حقيقة الشيء بحسب ~~اختلاف أحكامه في وجوده العيني أيضا ، إذا كان حكمه الذي يترتب عليه بحسب ~~وجوده العيني مما يكون مشروطا بأمر ومختصا بحالة مخصوصة. كأن يكون لازما ~~لوجوده الخارجي ، ويكون ترتب ذلك الحكم عليه بالفعل مشروطا بشرط ، وإن كان ~~من شأنه أن يكون له ذلك الحكم مطلقا ، وكان لا يختلف أصلا. # وبيان الشهادة أن قول القائل : إن حجر المغناطيس حقيقته أنه يجذب الحديد ~~، معناه : أنه إذا وجد مقارنا لحديد جذبه ، فإذا وجد مقارنا لجسمية كف ~~الإنسان ولم يجذبه ، ووجد مقارنا لجسمية حديد فجذبه ، فلم يجب أن يقال : ~~إنه مختلف بالحقيقة في الكف وفي الحديد ؛ بل هو في كل واحد منهما بصفة ~~واحدة ، وهو أنه حجر من شأنه أن PageV02P205 # يجذب الحديد ، فإنه إذا كان في الكف أيضا ، كان بهذه الصفة ، كما أنه إذا ~~كان عند الحديد أيضا ، كان بهذه الصفة. # وحيث لا امتناع ولا استبعاد في ذلك بحسب ms503 وجود واحد ، أعني الوجود الخارجي ~~، وكان لا يختلف بذلك حقيقة ذلك الشيء الواحد ، كذلك لا امتناع ولا استبعاد ~~في ذلك بحسب الوجودين ، أعني الخارجي والذهني ، ولا اختلاف حقيقة لذلك الشيء. # وحيث عرفت ذلك ، عرفت أن حال ماهيات الأشياء في العقل أيضا بهذه الصفة ، ~~وليس إذا كانت في العقل في موضوع ، فقد بطل أن يكون في العقل ماهية ما في ~~الأعيان ليست في موضوع. # وقوله (1): «فإن قيل : قد قلتم إن الجوهر هو (3) ماهية لا تكون في موضوع ~~أصلا ، وقد صيرتم (4) ماهية المعلومات في موضوع. فنقول : قد قلنا : إنه لا ~~يكون في موضوع (5) أصلا» إيراد وجواب عنه. # وتوجيه الإيراد : إنكم قلتم : إن الجوهر هو ماهية لا تكون في موضوع أصلا ~~، وقد صيرتم ماهية المعلومات من حيث كونها معلومة موجودة في الذهن في موضوع ~~، فكيف هذا؟ # وتوجيه الجواب أنا حيث قلنا : إن الجوهر ما لا يكون بحسب وجوده العيني ~~الذي يترتب عليه جميع الآثار المطلوبة منه في موضوع والحال أن ماهية ~~المعلومات الحاصلة في العقل من الجواهر ، ليست بحسب ذلك الوجود العيني في ~~موضوع ، فقد قلنا : إن الجوهر ما لا يكون في موضوع أصلا بحسب وجوده العيني ~~القوي المعتبر في جوهريته ، وعرضية تلك الماهيات بحسب وجودها الذهني لا ضير ~~فيها ، كما بينا وجهه. # وقوله (2): «فإن قيل : فقد (6) جعلتم ماهية الجوهر أنها تارة تكون عرضا ~~وتارة جوهرا ، PageV02P206 # وقد منعتم هذا. فنقول : إنا منعنا أيضا أن يكون (2) ماهية شيء توجد في ~~الأعيان مرة عرضا ومرة جوهرا ، حتى تكون في الأعيان تحتاج إلى موضوع ما ، ~~وفيها لا تحتاج إلى موضوع البتة ، ولم نمنع أن (3) تكون معقولة تلك الماهية ~~عرضا ، أي أن تكون موجودة في النفس لا كجزء». ### ||| ** إيراد آخر وجواب عنه أيضا # توجيه الإيراد : إنكم حيث جعلتم ماهية الجوهر بحسب وجوده العيني لا في ~~موضوع ، وبحسب وجوده العقلي الذي هو نوع من الوجود العيني في موضوع ، فقد ~~جعلتم ماهية الجوهر تارة جوهرا وتارة عرضا ، فكيف هذا وقد منعتم ذلك؟ # وبيان الجواب : إنا قد منعنا أن يكون ms504 ماهية الجوهر تارة جوهرا وتارة عرضا ~~بحسب وجود واحد عيني قوي هو المعتبر في جوهريته ، وهو الوجود العيني ~~الخارجي الذي يترتب عليه جميع أحكامه وآثاره ، مع قطع النظر عن الوجود ~~العقلي ، وإن كان هو باعتبار ما وجودا عينيا ضعيفا لا يترتب عليه جميع ~~آثاره ، بل بعضها كما ذكرنا فيما مضى ، ولم نمنع أن يكون ماهية الجوهر بحسب ~~الوجود العيني القوي الخارجي جوهرا ، وبحسب الوجود العقلي وإن كان هو نوعا ~~من الوجود العيني الضعيف عرضا ، أي موجودة في النفس لا كجزء. # وقوله (1): «ولقائل أن يقول : فماهية (4) العقل الفعال والجواهر ~~المفارقة أيضا كذا يكون حالها ، حتى يكون المعقول منها عرضا» إلى آخر ما ~~ذكره إيراد آخر على ما ذكره. # بيانه : أن ما ذكرت من أنه يمكن أن يكون ماهية شيء موجود في الأعيان ~~جوهرا لا يحتاج إلى موضوع ، وإن كانت معقولة تلك الماهية تصير عرضا ، أي أن ~~تكون في النفس لا كجزء ، على تقدير تسليمه ، إنما يسلم فيما إذا كانت ~~الصورة العقلية منها مخالفة ، PageV02P207 # ولو بوجه للحقيقة الخارجية الموجودة في العين ؛ كأن تكون الصورة العقلية ~~والماهية المجردة ماهية منتزعة من أمر أو أمور حاصلة في الأعيان ، ينتزعها ~~العقل منها بعد تجريدها عن العوارض المكتنفة تجريدا يتولاه العقل ، كما في ~~المعنى الكلي من الجوهر المنتزع من الجواهر الشخصية العينية بعد تجريدها عن ~~العوارض والمشخصات. # وأما فيما لا تكون هناك مخالفة بين الصورة المعقولة والحقيقة العينية ، ~~فلا نسلم ذلك. وهذا كما في الصورة العقلية من العقل الفعال والجواهر ~~المفارقة ، حيث إن المعقول منها لا يخالفها ، إذ المعقولة منها لذاتها ~~معقولة من غير احتياج إلى تجريد عن العوارض المشخصة ، لأنها لذاتها مجردة ~~عن المادة وعلائقها وعوارضها ، لا بتجريد يحتاج أن يتولاه العقل. # ومحصل الجواب عن هذا الإيراد : أن الصورة العقلية من العقل الفعال ~~والجواهر المجردة أيضا مخالفة لحقائقها الخارجية ، لأن الصورة العقلية منها ~~أيضا عبارة عن ماهياتها المجردة عن وجوداتها العينية ، وعن العوارض ~~المكتنفة ، كما في الصورة العقلية الكلية المنتزعة من الجزئيات المادية ، ~~حيث إن ms505 الشيء بوجوده العيني الذي يترتب عليه آثاره ، لا يحصل في الذهن ، ~~وإلا لكان الذهن خارجا ، ولم يحصل فرق بين الموجود العيني والموجود الذهني. # وحينئذ ففي كلتا الصورتين يجب أن يكون تجريد عن الوجود الخارجي وعن تلك ~~العوارض ، إلا أن التجريد عن الوجود الخارجي في كلتا الصورتين ، إنما هو ~~بعمل يتولاه العقل. وأما التجريد عن العوارض ، فهو في الصورة الكلية ~~المنتزعة انما بتعمل العقل ، وفي تلك المجردات ليس بتعمله ، إذ هي في حد ~~ذاتها مجردة عنها ، بل إنما هي تحصل في العقل مجردة عنها كما هي عليه في ~~الواقع ، فيكون قد كفي المئونة في تجريدها. # فعلى هذا ، فأصل التجريد مشترك بينهما وهو في تلك الصور الكلية بالقياس ~~إلى الوجود الخارجي وتلك العوارض جميعا بعمل العقل ، وفي المعقول من تلك ~~الجواهر المجردة المفارقة بالنسبة إلى الوجود الخارجي بعمل العقل أيضا ، ~~وبالنسبة إلى تلك PageV02P208 # العوارض لا بعمله. وهذا كما أن المعقول من الممتنعات والمعدومات في ~~الخارج ليس إلا ماهياتها المجردة عن الوجود الخارجي وعن توابعه ، ومع ذلك ~~فليس يحتاج العقل إلى عمل في تجريدها عنها ، إذ ليس لها وجود عيني أصلا حتى ~~يجردها العقل عنه ، بل هي إنما تحصل في العقل مجردة عنها على ما هي عليه في ~~الواقع. # فظهر أن المعقول من تلك الجواهر المفارقة أيضا يخالف حقيقتها بوجه ، كما ~~في تلك الصور الكلية ، فجاز أن تكون حقائقها جواهرا ، والمعقول منها عرضا ، ~~وحينئذ فلا نقض بالجواهر المجردة التي وجودها زائد على ذواتها ، ويمكن ~~تجريدها عنه. # نعم لو كان شيء من الأشياء مما لا يمكن تجريده عن الوجود الخارجي ، لأجل ~~كون وجوده عين ذاته ، وكون تجريد الشيء عن نفسه ممتنعا ، كما فى ذات الواجب ~~تعالى ، فليس هناك حقيقة وماهية متغايرتان ، بل أن ماهيته عين حقيقته ، ~~وهما عين وجوده بالحقيقة ، ولا يمكن هناك حصول ماهيته مجردة عن الوجود ~~الخارجي في العقل ، حتى يمكن له أن يدركه. ولذلك قالوا : إنه لا يمكن للعقل ~~إدراك كنه ذاته تعالى ، ومعناه : أنه ليس له كنه ، حتى يمكن أن ms506 يعقل ، إذ ~~الكنه عبارة عن الماهية المجردة عن الوجود الخارجي ، وهي منفية في شأنه ~~تعالى وتقدس. لا أن له كنها ولا يمكن إدراكه ؛ فتبصر. وهذا الذي ذكرنا هو ~~تلخيص السؤال والجواب مع بعض زوائد. # وأما تحرير كلام الشيخ فيهما ، فهو أنه لقائل أن يقول : فماهية العقل ~~الفعال والجواهر المجردة المفارقة أيضا يلزم أن يكون حالها كما ذكرت في ~~الجواهر غيرها ، من كون حقائقها جواهر والمعقول منها عرضا ، إلا أن ذلك لا ~~يصح فيها ، لأن المعقول منها لا يخالفها ، لأنها لذاتها معقولة من غير ~~احتياج إلى تجريد في تعقلها. وحيث لم يكن هناك اختلاف في الذات ، باعتبار ~~الوجود العيني والذهني ، فمن أين يحصل الاختلاف بالجوهرية والعرضية؟ # فنقول في جواب هذا القائل : إنه ليس الأمر كما ذكرت : من أن المعقول منها ~~لا يخالفها ؛ فإن معنى قولنا : «إنها لذاتها معقولة» هو تعقل ذاتها بذاتها ~~، وإن لم يعقلها غيرها ، PageV02P209 # وأيضا أنها مجردة عن المادة وعلائقها لذاتها لا بتجريد يحتاج أن يتولاه العقل. # وأما إن قلنا : إن هذا المعقول منها يكون من كل وجه هي أو مثلها ، أو ~~قلنا : إنه ليس يحتاج إلى وجود المعقول منها ، إلا أن يوجد ذاتها بهويتها ~~العينية الخارجية في النفس ، وتكون تلك الهوية الخارجية هي بعينها صورة ~~علمية حاصلة للنفس ، فقد أحلنا ، أي قلنا قولا محالا ، فإن ذاتها بوجودها ~~العيني مفارقة عن المادة وعن علائقها ، حتى عن الحصول في شيء ولشيء ، ولا ~~يصير نفس ذاتها بوجودها العيني صورة لنفس إنسان ، وصورة علمية لها ، ولو ~~صارت ذاتها بوجودها العيني صورة لنفس ، لكانت تلك النفس قد حصل فيها صورة ~~كل شيء ، وعلمت كل شيء بالفعل ، إذ ذات العقل الفعال مثلا بوجوده العيني ~~ذات حصل فيها صورة كل شيء وعالمة بكل شيء. # فإذا حصلت هي بوجودها العيني الذي يتبع حصولها حصول ما فيها بأجمعها في ~~نفس ، يلزم أن يكون النفس الحاصلة هي فيها عالمة بكل شيء بالفعل والوجدان ~~يشهد بكذبه. # وأيضا لو كانت كذلك ، لكانت تصير ذات العقل الفعال والجواهر المجردة صورة ~~لنفس ms507 واحدة ، وتبقى النفوس الاخرى ليس لها الشيء الذي تعقله ، حيث إن ~~المفروض أنه قد استبد بها نفس واحدة ، وانفردت بحلولها فيها وحصولها لها ~~وبكونها صورة لها ، فلم يمكن أن تكون هي صورة لنفوس اخرى ، ولا أن تعقلها ~~نفس اخرى غير النفس العاقلة لها أولا. إذ لو أمكن ذلك لأمكن كون شيء واحد ~~بالعدد موجود بوجود عيني أصيل منفرد بذاته صورة لمواد كثيرة كنفوس متعددة ، ~~لا بأن يؤثر فيها ، بل بأن يكون هو بعينه بوجوده العيني الشخصي منطبعا في ~~تلك المادة وفي أخرى وفى أخرى ، وهذا محال بأدنى تأمل ، قد أشرنا إلى ~~امتناعه في الكلام في النفس وفي مواضع أخرى. # نعم لو كان شيء واحد بالعدد صورة لمواد كثيرة ونفوس متعددة ، بأن يؤثر ~~فيها ، كان يحصل في كل مادة منها وفي كل نفس من تلك النفوس صورة منتزعة منه ~~، أي ماهيته المجردة عن الوجود العيني وعن العلائق المادية ، وتتأثر تلك ~~المادة وتلك النفس عنها PageV02P210 # وتقبلها. # وبعبارة أخرى أن تنتزع كل نفس من تلك النفوس صورة من ذلك الشيء الواحد ~~بالعدد ، وماهية مجردة منه ، وتحصلها وتجعلها حاصلة في ذاتها فتقبلها ، ~~لكان لا مانع من ذلك ولا استحالة فيه. # وحيث عرفت أن ذوات تلك الأشياء أي العقل الفعال والجواهر المجردة لا توجد ~~بوجوداتها العينية في النفس إذا عقلتها ، عرفت أنها عند كونها معقولة إنما ~~تحصل في النفس ماهياتها المجردة عن الوجود العيني وعن لواحقه ، كما في ~~غيرها من المعقولات ، فثبت عندك إذن أن تلك الأشياء إنما تحصل في القوى ~~البشرية معاني ماهياتها المجردة ، لا ذواتها بوجوداتها الشخصية العينية ، ~~ويكون حكمها كحكم سائر المعقولات من الجواهر التي هي ماهيات كلية مجردة عن ~~الوجود الخارجي وعن المادة وعلائقها إلا في شيء واحد ، وهو أن تلك الجواهر ~~المادية تحتاج إلى تقشيرات وتجريدات عن الوجود العيني وعن المادة وعن ~~علائقها حتى يتجرد منها تعقل ، وهذه الأشياء والذوات العقلية لا تحتاج إلى ~~شيء غير أن يوجد المعنى كما هو فينطبع بها النفس ، أي لا تحتاج إلى تقشير ~~وتجريد ms508 عن المادة وعلائقها ، لكونها في حد ذاتها مجردة عنها ، وقد كفت ~~النفس المئونة في تجريده عنها ، فتنطبع هي كما هي عليه فيها ، وإن كانت ~~تحتاج إلى تجريد عن الوجود العيني ، كما فى غيرها من المعقولات. # وحيث تحققت ما حققناه ، تبينت أن هذا الذي قلناه إنما هو نقض حجة المحتج ~~، أي القائل المذكور الذي ادعى أن المعقول من العقل الفعال والجواهر ~~المفارقة لا يخالفها ، فلا يجوز أن يكون عرضا ، وليس فيه إثبات ما يذهب إليه. # ثم إن قول الشيخ (1): «فنقول : إن هذه المعقولات سنبين من أمرها بعد ، ~~أن ما كان من الصور الطبيعية والتعليميات ، فليس يجوز أن يقوم مفارقا ~~بذاته». إلى آخر ما ذكره في الفصل إعادة بيان لما ذكره قبل ، مع زوائد ~~ومزايا ، وفيه إشارة إلى أمور. PageV02P211 # منها : أن المعقول من الجواهر المفارقة إنما يكون ماهياتها المجردة عن ~~الوجود العيني وعن المادة وعلائقها. # ومنها : أن المعقول من الأشياء المادية التي قيامها بالمادة بحسب الوجود ~~العيني كذلك أيضا ، سواء كانت تلك الأشياء بحسب الحد أيضا متعلقة بالمادة ، ~~كالصور الطبيعية ، أو لم تكن بحسب الحدود متعلقة بها ، كالتعليميات ، مثل ~~التقعير والتربيع والتثليث وأمثالها مما هو بحسب الحد يمكن أن يتصور مجردا ~~عن المادة ، لكنه بحسب الوجود الخارجي متعلق بها. وأن القول بأن الصور ~~الطبيعية والتعليميات يجوز أن تقوم مفارقة بذاتها ، وأن العقل ينالها مجردة ~~من غير أن يتعرض لمادة تقارنها ، حيث إن العقل لا ينال إلا المفارقات عن ~~المادة وهي بهذا الاعتبار معلومة باطل ، وهذا القول هو ما حكاه في «الشفاء» ~~عن أقوام من الأوائل ؛ قال (1): «وظن (2) قوم أن القسمة توجب وجود شيء في ~~كل شيء ، كإنسانين في معنى الإنسانية ، إنسان فاسد محسوس ، وإنسان معقول ~~مفارق أبدي لا يتغير ، وجعلوا لكل واحد منهما وجودا ، فسموا الموجود ~~المفارق موجودا (3) مثاليا ، وجعلوا لكل واحد من الأمور الطبيعية صورة ~~مفارقة هي المعقولة ، وإياها يتلقى العقل ، إذ كان المعقول أمرا لا يفسد ، ~~وكل محسوس من هذه فهو فاسد. # وجعلوا العلوم والبراهين تنحو نحو هذه وإياها تتناول. ms509 وكان المعروف ~~بأفلاطون ومعلمه سقراط يفرطان في هذا الرأي ، ويقولون (4): إن للإنسانية ~~معنى واحدا موجودا تشترك (5) فيه الأشخاص وتبقى (6) مع بطلانها ، وليس هو ~~المعنى المحسوس المتكثر الفاسد ، فهو إذن المعنى المعقول المفارق. # وقوم آخرون لم يروا لهذه الصورة مفارقة بل لمباديها ، وجعلوا الأمور ~~التعليمية التي تفارق بالحدود مستحقة للمفارقة بالوجود ، وجعلوا ما لا ~~يفارق بالحد من الصور الطبيعية لا يفارق بالذات ، وجعلوا الصور الطبيعية ~~إنما تتولد بمقارنة تلك الصور التعليمية للمادة ، PageV02P212 # كالتقعير فإنه معنى تعليمي ، إذا (1) قارن المادة صارت فطوسة ، وصار معنى ~~طبيعيا ، وكان للتقعير من حيث هو تعليمي أن يفارق (2)، ولم يكن له من حيث ~~هو طبيعي أن يفارق. # وأما أفلاطون فأكثر ميله إلى أن الصور هي المفارقة ، وأما التعليميات ~~فإنها عنده معان بين الصور (3) وبين الماديات ، فإنها ، وإن فارقت في الحد ~~، فليس يجوز عنده أن يكون بعد قائم لا في مادة. إلى آخر ما ذكره في ذلك ~~الفصل . # وذكر مذاهب أخرى في ذلك وأبطلها وناقضها. # وبالجملة ، ففيما ذكره هنا إشارة إلى إبطال ما حكاه ثمة وأبطله ، أي إلى ~~أن القول بالمثل التي قال بها أفلاطون وغيره ، وقالوا أنها قائمة بالذات ~~مجردة عن المواد ، وهي بهذا الاعتبار معقولة من الأشياء المادية ، سواء ~~صورا طبيعية أو تعليميات ، باطل كما أبطلناه في موضع آخر ، وعلى تقدير ~~تسليم جواز كونها مفارقة الذات ، فهي أيضا لا يمكن أن تكون بوجودها العيني ~~علما ولا معلوما لنا ، بل المعقول منها أيضا إنما هو ماهياتها المجردة ، ~~كما في الذوات المفارقة. # ومنها أن الصورة العلمية الحاصلة من كل شيء ، مجرد أو مادي ، جوهر أو عرض ~~، فهي عرض في النفس ، كما مر. وهذا الذي ذكرنا إنما هو بيان مقاصده في هذا ~~المقام. # وأما تحرير كلامه ، فهو أن هذه المعقولات مطلقا سنبين من أمرها بعد في ~~موضع نبطل فيه المثل الأفلاطونية ونحوها ، أن ما كان من الصور الطبيعية ~~والتعليميات ، فليس يجوز أن يقوم مفارقا بذاته ، بل يجب أن يكون هو في ~~وجوده العقلي وبحسب كونه معلوما في عقل أو ms510 في نفس ، وما كان من أشياء ~~مفارقة عن المادة بحسب وجوده العيني كالذوات المجردة ، فنفس وجود تلك ~~المفارقات مباينة لنا ، ليس هو علمنا بها ، أي ليس وجودها العقلي ووجودها ~~من حيث كونها معلومة لنا حاصلة في عقولنا نفس وجودها لنا بوجودها العيني ، ~~الذي هي بذلك الوجه مباينة لنا ، ولا يمكن أن تصير صورة لنفس إنسان كما مر ~~، بل يجب أن نتأثر عنها ، أي أن تحصل ماهياتها لنا ، بحيث يمكن أن تصير صورة PageV02P213 # لنفوسنا ، وتقبلها وتتأثر عنها ، فيكون ما نتأثر عنها ، أي تأثرنا عنها ~~وانفعال نفوسنا عنها ، أو الشيء الذي به نتأثر عنها ، أي الصورة العلمية ~~والكيفية الحاصلة في نفوسنا هو علمنا بها ، أي منشأ لحصول العلم بها ~~وانكشافها علينا ، وتكون تلك الماهية الحاصلة معلومة لنا كالأمر الخارجي. ~~وكذلك لو كانت صور مفارقة وتعليميات مفارقة وجوزناها ، فإنما يكون علمنا ~~بها هو ما يحصل لنا منها من التأثر ، أو الكيفية الحاصلة ، ولم تكن أنفسها ~~بحسب وجوداتها العينية المفارقة المباينة لنا ، توجد لنا منتقلة إلينا ، ~~لأنا قد بينا بطلان هذا في مواضع ، وقد بينا فيما سلف أيضا أن الموجود ~~العيني بوجوده العيني لا يمكن أن يحصل في نفس ، ولا أن يصير صورة لنفس ، بل ~~الموجود لنا من تلك الصورة المفارقة أيضا كما في غيرها من الذوات المجردة ~~هي الآثار الحاصلة منها الحاكية لا محالة ، وهي ماهياتها المجردة. # وبالجملة ، فتلك الآثار الحاكية لها هي علمنا بها باعتبار ، ومعلومة لنا ~~باعتبار آخر. # وذلك إما أن يحصل لنا في أبداننا وأجسامنا أو في نفوسنا. # والأول باطل ، إذ قد بينا في موضعه استحالة حصول ذلك في أبداننا ، حيث إن ~~الوجود في المادي من حيث هو موجود في المادي لا يكون إلا ماديا ، وهذا باطل ~~، إذ قد بينا في مواضع وسنبين أيضا أن تلك المعقولات من حيث كونها معقولات ~~مجردة عن المادة ، فبقي أنها تحصل في نفوسنا. # ثم نقول : إن تلك المعقولات الحاصلة في النفس ، لأنها في الحقيقة آثار في ~~النفس لا ذوات تلك الأشياء المعقولة ، حيث إن ms511 ذواتها بوجوداتها لا تحصل ~~للنفس ، ولا أشياء أخرى هي أمثال لتلك الأشياء ، قائمة تلك الأمثال بذواتها ~~لا في مواد بدنية أو نفسانية. حيث إنها لو كانت كذلك ، يلزم أن يكون ما لا ~~موضوع له يتكثر نوعه بلا سبب يتعلق به بوجه ، لأن الصورة العلمية من حيث ~~كونها صورة علمية ، وإن كانت حاصلة من ذات واحدة ، فهي باعتبار تعدد النفوس ~~التي هي حاصلة فيها متعددة متكثرة ، وإذا كانت قائمة بذاتها لا في مواد ~~بدنية أو نفسانية ، أي كانت بحيث لا موضوع لها بوجه ، يلزم أن يتكثر PageV02P214 # نوعها بلا سبب يتعلق به بوجه ، وهو محال كما تبين في موضعه. # وحيث كان كذلك ، فهي قائمة إما في مواد بدنية أو نفسانية. # والأول باطل ، فبقي أن تكون هي قائمة في مواد نفسانية ، أي قائمة في ~~النفس ، بحيث كانت النفس موضوعة لها ، فثبت أنها أعراض في النفس ، وهذا هو ~~المطلوب. وقد تم بذلك تحرير كلام الشيخ واتضح بيان بعض ما كنا بصدده ، من ~~بيان معنى الإدراك وكيفيته ، وبيان أصناف الإدراكات التي للإنسان وكيفية ~~إدراك المعاني الكلية وتعقل المعقولات. # ومنه اتضح بيان كون المعاني الكلية والمعقولات الحاصلة في النفس بذاتها ~~مجردة عن المادة وعلائقها ، وهذا أيضا أحد المقاصد في هذا الباب. # والحاصل أنه اتضح أيضا بما ذكرنا ، أن ما يحصل في العقل من الأشياء ~~المعقولة إنما هو ماهياتها مجردة عن المادة وعن علائقها ، سواء كان ذلك لا ~~بتجريد يتولاه العقل ، بل بوجود المعنى كما هو عليه فيه ، كما في المعقول ~~من الذوات المفارقة عن المادة ، وبتجريد يتولاه العقل ، كما في غيرها من ~~الماديات. فلا يقتضي ذلك المعقول مطلقا من حيث هو معقول ما يقتضيه المادي ~~من حيث هو مادي ، من حد من الكم والكيف والوضع والأين ونظائرها مما هو تابع ~~للمادة. بل الماهية المعقولة من حيث هي معقولة مجردة عن المادة وعن تلك ~~اللواحق أجمع ، وإن كانت بحسب وجودها العيني مما يعرضها تلك اللواحق ~~التابعة للمادة. فالذوات المجردة المفارقة إن كان لها وجود في الخارج ، فهي ms512 ~~كما أنها في الوجود العيني مجردة عن المادة وتوابعها ، كذلك هي في وجودها ~~العقلي مجردة عنها. إذ المفروض أنها كما هي عليه منطبعة في النفس. وكذلك ~~الإنسان مثلا ، وإن كان بحسب وجوده العيني شخصا جزئيا محفوفا بالمادة ~~وعوارضها ، لكنه بحسب وجوده العقلي ليس كذلك ، بل هو أمر كلي مجرد عنها. ~~لأنه لو كان في وجوده العقلي ماديا محفوفا بتلك العوارض ، أي محفوفا بمقدار ~~معين وأين معين وكيف معين ووضع معين وغير ذلك ، لم يكن ملائما لما ليس له ~~ذلك ، فلا يكون كليا مشتركا بين كثيرين ، هذا خلف. # وحيث تحققت ما تلوناه عليك ، وتبينت أن الصورة العقلية مطلقا يجب أن تكون PageV02P215 # من حيث وجودها العقلي مجردة عن المادة وعلائقها ، تبينت أن النفس الناطقة ~~الإنسانية التي هي مدركة بذاتها للصور العقلية المجردة ، وهي حاصلة فيها ~~بذاتها ، يجب أن تكون هي أيضا مجردة عنها مثلها. إذ لو لم تكن هي مجردة ~~مثلها ، بل كانت مادية محفوفة بعوارض مادية ، ولا أقل بوضع معين ، للزم أن ~~تكون الصورة العقلية الحالة فيها بذاتها العارضة لها غير مجردة أيضا ، لأن ~~اختصاص المحل بالمقدار المعين والأين المعين والكم المعين والكيف المعين ~~والوضع المعين يوجب اختصاص الحال فيه بذلك ، ولا أقل باختصاصه بالوضع ~~المعين. هذا خلف # وبعبارة أخرى : الصورة العقلية ليست بذات وضع ، وكل حال في مادي ، جسم أو ~~جسماني ، فهو ذو وضع ، فليس محلها أي النفس مادية ، بل مجردة عنها مثلها. # وبما ذكرنا تم بيان أن النفس الإنسانية الناطقة من حيث هي مدركة للمعاني ~~العقلية ، مجردة عن المادة وعن توابعها ، مثل تلك الصورة العقلية ، إلا أن ~~تلك الصور مجردة قائمة بغيرها هو النفس ، والنفس مجردة قائمة بذاتها. واتضح ~~البرهان على ذلك ، وهو أيضا من مقاصد الباب ، بل ما ينتهي إليه المقاصد الأخر. # ولا يخفى عليك أن هذا البرهان على التقرير الذي قررناه برهان واضح تام لا ~~يرد عليه شيء من الاعتراضات التى أوردوها عليه أو يمكن أن تورد. ### | في الاشارة إلى دفع شكوك وأوهام ربما يمكن أن ### ||| * تورد ms513 على دليل تجرد النفس الإنسانية الناطقة # مثل ما قيل : إن هذا البرهان مبني على أن العلم والإدراك إنما هو بار ~~تسام صورة المعلوم والمدرك في ذات العالم والمدرك ، وهذا غير مسلم ، لجواز ~~أن يكون بانكشاف الأشياء على النفس من دون ارتسام صورة فيها ، بل في مجرد ~~آخر ، فيلاحظها النفس من هناك ، كما تدرك ما انتقش من الجزئيات في آلاتها. ~~بل يجوز أن يكون العلم مجرد انكشاف ، من غير أن يرتسم صورة شيء في شيء أصلا. PageV02P216 # فإن هذا الاعتراض مندفع عنه ، لأنا قد بينا فيما سبق أن العلم بالمعنى ~~المصدري وإن كان عبارة عن انكشاف شيء على شيء ، لكنه بمعنى ما يحصل به ~~الانكشاف إنما هو صورة حاصلة من شيء في شيء. وبينا أيضا هنالك أنه ما لم ~~يحصل تلك الصورة الحاصلة ، لا يحصل العلم ولا الإدراك مطلقا. إلا أن الصورة ~~الحاصلة من الشيء الجزئي المادي ، إنما تحصل في آلات النفس وبتوسط حصولها ~~فيها وإدراك قواها لها ، تكون هي مدركة للنفس بالإدراك الحصولي ، إذا أخذ ~~كونها صورة للمعلوم ومعلومه ، أو بالإدراك الحضوري إذا أخذ كونها علما ~~وحاضرة بذاتها عند النفس. والصورة الحاصلة من المفارق الجزئي ، وكذا الصورة ~~العقلية الكلية ، إنما تحصل في النفس بذاتها ، فما لم تحصل تلك الصورة ~~الحاصلة المدركة في ذات المدرك ، لم يحصل الإدراك. فتلك الصورة هي الأصل في ~~كونها منشأ للإدراك والعلم ، وإن كان يحصل هناك انفعال خاص وإضافة خاصة أو ~~فعل خاص أيضا ، ولا نناقش في إطلاق اسم العلم أو الإدراك عليها. # فما ذكره هذا القائل ، من أن العلم يجوز أن يكون بمجرد انكشاف الأشياء ~~على النفس من دون ارتسام صورها فيها ، بل في مجرد آخر ، أو من دون ارتسام ~~صورة شيء في شيء أصلا ، باطل. # وأيضا إنا لا ننفي أن يكون صور الأشياء مرتسمة في مجرد آخر كالعقل الفعال ~~مثلا ، فيلاحظها النفس من هناك ، كما في حالة ذهولها عنها واتصالها بالعقل ~~الفعال فيلاحظها فيه ، إلا أنا ندعي أنها عند ملاحظتها تلك الصورة فيه ، ~~تحصل تلك ms514 الصورة كما هي عليه في النفس باتصالها به ، وهذا معنى ملاحظتها ~~إياها من هناك ، فتبصر. # ومثل ما قيل : سلمنا أن العلم بارتسام الصورة ، لكن جاز أن لا تكون تلك ~~الصورة مساوية للمعلوم في تمام الماهية ، بل يكون كنقش الفرس على الجدار ، ~~وحينئذ لا يكون هذه الصورة مجردة ، بل المجرد ما له هذه الصورة. وليس يلزم ~~من اتصاف هذه الصورة بالعوارض المادية ، أن لا يكون ذو الصورة مجردا عنها ، ~~فإنه أيضا مندفع عنه ، حيث إن ما ذكره مبني على أن تلك الصورة عبارة عن ~~أشباح الأشياء ، كما هو عند القائلين بحصول PageV02P217 # الأشياء بأشباحها في الذهن. وقد بينا بطلان هذا المذهب ، وبينا أن تلك ~~الصورة عبارة عن ماهيات الأشياء بأعيانها في الذهن مجردة عن المادة وعن ~~علائقها ، فتذكر. # ومثل ما قيل : سلمنا كون تلك الصورة مساوية للمعلوم في تمام الماهية ، ~~لكن لا نسلم أن اتصاف النفس الناطقة بهذه العوارض يقتضي اتصاف ما يحل فيها ~~بها ، فإن اتصاف المحل بصفة ، لا يوجب اتصاف ما حل فيه بها. ألا يرى أن ~~الجسم يتصف بالبياض ، مع أن الحركة الحالة فيه لا تتصف به؟ سلمناه ، لكن ~~اتصاف الصورة الحالة في النفس بهذه العوارض من قبل محلها ، لا ينافي تجردها ~~عنها بحسب ذاتها. وبعبارة أخرى ، يمكن أن تكون تلك الصورة بالذات مجردة ، ~~وبتوسط محلها مادية. أي أن يكون كونها مادية بالعرض ، كما في الطبيعة من ~~حيث هي ، فإن طبيعة الإنسان مثلا من حيث هي هي مجردة ، وهي من حيث وجودها ~~في ضمن الأشخاص الخارجية مادية. # ويؤيد ذلك أنه إذا جاز أن يكون الشيء بحسب وجوده العيني جوهرا ، وبحسب ~~وجوده الذهني عرضا كما ذكرت ، فلم لا يجوز أن يكون الشيء بحسب ذاته من حيث ~~هي ، أو بحسب ذاته من حيث الوجود العيني مجردا عن المادة وتوابعها ، وبحسب ~~وجوده الذهني ماديا محفوفا بها. # فإن هذا الاعتراض أيضا مندفع. # أما ما ذكره أولا ، فلأن اتصاف الحال بصفة المحل إذا كان من شأن ذلك ~~الحال أن يتصف بتلك الصفة أو بخلافها ms515 بالذات أو بالعرض مما لا يمكن إنكاره. ~~وأما عدم اتصاف الحركة بالبياض الذي موضعه الجسم الذي هو محلها ، فإنما هو ~~لأجل أن ليس من شأن الحركة الاتصاف بالبياض ولا بخلافه ، لا بالذات ولا ~~بالعرض. # وأما ما ذكره أخيرا ، فلأنا قد بينا فيما سبق ، أن تجرد الصورة العقلية ~~من غير الذوات المفارقة إنما هو في العقل ، باعتبار تجريد العقل تلك ~~الماهية عن المادة وعن عوارضها ، وأنها بحسب الوجود الخارجي مادية ومحفوفة ~~بالعوارض المادية ، فهي بحسب وجودها الذهني ، وكذا من حيث ذاتها من حيث هي ~~التي هي بهذا الاعتبار حاصلة في العقل ، PageV02P218 # مجردة ، وبحسب وجودها العيني مادية. فكيف يمكن أن يكون الأمر بالعكس؟ أي ~~أن يكون تلك الصورة في العقل مادية ، وبحسب وجودها العيني مجردة ، مع أن كل ~~ذلك خلاف الفرض ، بل فيه التناقض. # وبينا أيضا أن الصورة العقلية من الذوات المجردة ، وإن كانت في الوجود ~~العيني مجردة عن المادة ، إلا أنها في الوجود العقلي أيضا منطبعة ، كما هي ~~عليه في النفس من غير عروض شائبة مادية عليها ، فكيف يمكن فيها أيضا أن ~~تكون تلك الصورة بحسب وجودها العقلي ، أي من قبل محلها مادية؟ فإن ذلك أيضا ~~خلاف المفروض ومناقض لما تبين. # ومما ذكرنا يتلخص برهان آخر على المطلوب. وقد ذكره الشيخ أيضا في ~~«الشفاء» ، وهو أنه : «لا يخفى أن النفس تجرد المعقولات الحاصلة من ~~الماديات عن المادة وعن علائقها من الكم المحدود والأين والكيف والوضع ~~وسائر عوارض المادة» ، فيجب أن ننظر في ذات هذه الصورة المجردة عن الوضع ، ~~كيف هي مجردة عنه ، إما بالقياس إلى الشيء المأخوذ منه ، أو بالقياس إلى ~~الشيء الآخذ ، أعني أن وجود هذه الماهية المعقولة المتجردة عن الوضع ، هل ~~هو في الوجود الخارجي أو في الوجود المتصور في الجوهر العاقل؟ ومحال أن ~~تقول : إنها كذلك في الوجود الخارجي ، لأنها في الوجود الخارجي محفوفة ~~بالعوارض الخارجية البتة ، فبقي أن نقول : إنما هي مفارقة للوضع والأين ~~وسائر العوارض المادية عند وجودها في العقل ، فإذا وجدت في العقل ، لم تكن ms516 ~~مادية ، وبالجملة ذات وضع وبحيث يقع إليها إشارة حسية. فلا يمكن أن تكون ~~حاصلة في شيء مادي من جسم أو مقدار فيه أو نحو ذلك ، لأن الحاصل في المادي ~~لا يكون إلا ذا وضع ، هذا خلف. # فثبت أن محل تلك المعقولات وهي النفس الناطقة الإنسانية مجردة عن المادة ~~مثلها ، وهو المطلوب. # وبعبارة أخرى أن النفس الناطقة الإنسانية تجرد المعقولات عن المادة ~~وعوارضها ، PageV02P219 # فتجردها إما لذاتها من حيث هي ذاتها ، أو لما أخذت هي منه ، أو من جهة الآخذ. # والأول يوجب أن لا يعتريها شيء من تلك العوارض بحسب وجودها العيني أيضا ، ~~لأن ما بالذات لا يتخلف. # والثاني يستلزم التناقض. # وفي الأخير ثبوت المطلوب ، وهو وجود المعقولات في شيء غير جسم وجسماني ، ~~أي أن الجوهر العاقل الذي هو محل المعقولات ليس بجسم ولا هو قائم في جسم ~~على أنه قوة فيه أو صورة له بوجه. # وهاهنا برهان آخر أيضا على هذا المطلوب ، وهو إن كان محل المعقولات جسما ~~أو مقدارا من المقادير ، فإما أن يكون تلك الصورة المعقولة تحل منه شيئا ~~وحدانيا غير منقسم بوجه ، أو تكون إنما تحل منه شيئا منقسما. # والأول باطل ، لأن الشيء الذي لا ينقسم من الجسم بوجه إنما هو النقطة ، ~~والنقطة لا يمكن أن يكون محلا للصورة المعقولة ، لا لأجل أن النقطة عرض ، ~~والعرض لا يكون محلا لشيء ، حتى يرد النقض بأن الخط مع كونه عرضا محل ~~النقطة ، وكذا السطح مع كونه عرضا محل للخط ، وكذا الجسم التعليمي مع كونه ~~عرضا محل للسطح ، وكذا الحركة مع كونها عرضا هي محل للسرعة والبطء. بل لأجل ~~أن الحال الذي له وجود منفرد متميز بالذات ، كالصورة العلمية ، يجب أن يكون ~~لمحله أيضا وجود منفرد متميز بالذات. والنقطة ليس لها (1) وجود منفرد كذلك ~~، لأنه لو كان لها وجود كذلك ، لكانت جوهرا فردا ، وقد ثبت بطلانه. # وكذلك الثاني باطل ، لأنه إذا كان محل الصورة المعقولة من الجسم شيئا ~~منقسما ، يجب أن تكون هي أيضا منقسمة بانقسامه. # وبيان ذلك يقتضي تمهيد مقدمة ms517 مبينة في موضعها ، وهي أن المحل قد يكون ~~بحيث لا يقتضي انقسامه انقسام الحال ، وقد يكون بحيث يقتضي. PageV02P220 # والأول هو المحل المنقسم إلى أجزاء غير متباينة في الوضع ، كالجسم ~~المنقسم إلى جنسه وفصله ، وإلى مادته وصورته. والمحل الذي ينقسم إلى أجزاء ~~متباينة في الوضع ، ولكن لا يحل فيه الحال من حيث هو ذلك المحل ، بل من حيث ~~لحوق طبيعة أخرى به ؛ كالخط ، فإن النقطة لا ينقسم بانقسامه لأنها لا تحله ~~من حيث هو خط ، بل من حيث هو متناه ؛ وكالسطح ، فإن الشكل لا يحله من حيث ~~هو سطح ، بل من حيث هو ذو نهاية واحدة أو أكثر ؛ وكالجسم ، فإن المحاذاة ~~التي هي إضافة ما مثلا ، لا تحله من حيث هو جسم ، بل من حيث وجود جسم آخر ~~على وضع ما منه ؛ وكالأجزاء فإن الوحدة لا تحلها من حيث هي أجزاء بل من حيث ~~هي مجموع. # والثاني هو المحل الذي يحل فيه شيء من حيث هو ذلك الشيء القابل للقسمة ، ~~كالجسم الذي يحل فيه السواد أو الحركة أو المقدار. # وكذلك الحال قد يكون بحيث لا يقتضي انقسامه انقسام المحل ، وقد يكون بحيث يقتضي. # والأول هو الحال الذي لا ينقسم إلى أجزاء متباينة في الوضع ، كالسواد ~~المنقسم إلى جنسه وفصله ، وكأشياء كثيرة تحل محلا واحدا معا ، كالسواد ~~والحركة مثلا ، فإنهما لا يقتضيان بانقسامهما إلى هذين النوعين انقسام ~~المحل إلى جزء أسود غير متحرك ، وإلى جزء متحرك غير أسود. # والثاني هو الحال الذي ينقسم إلى أجزاء متباينة في الوضع ، كالبلقة ، ~~فإنها تنقسم إلى عرضين متباينين في المحل والوضع. # وبعد تمهيد هذه المقدمة ، نقول : لا يخفى أن الصورة العقلية التي ذكرنا ~~أنها كيفية حاصلة في العقل ، إذا كانت حالة في شيء منقسم من الجسم ، يكون ~~حلولها فيه من حيث هو منقسم ، أي إلى أجزاء متباينة في الوضع ، أي من حيث ~~أن المحل هو المحل الذي يحل فيه شيء من حيث هو ذلك الشيء القابل للقسمة ، ~~كالجسم الذي يحل فيه السواد مثلا ، لا من حيث ms518 لحوق طبيعة أخرى به. وحينئذ ~~يكون انقسام المحل إلى أجزاء متباينة في PageV02P221 # الوضع مستلزما لانقسام الصورة العقلية إليها. أعني أنا إذا فرضنا في ذلك ~~المحل المنقسم أقساما ، عرض للصورة أن تنقسم أيضا إلى أقسام هي أجزاء لتلك ~~الصورة. وحينئذ نقول : لا يخلو إما أن تكون الأجزاء أجزاء عينية لها ، أو ~~أجزاء عقلية لها. # والأول باطل ، إذ الأجزاء العينية كيف يجتمع منها موجود عقلي ذهني هو تلك ~~الصورة؟ بل يجب أن يكون المجتمع منها موجودا عينيا مثلها ، وهذا ظاهرة. ~~وأيضا لو كانت تلك الأجزاء أجزاء عينية ، لكانت أجزاء مقدارية متباينة في ~~الوضع كأجزاء محلها ، فكيف يجتمع منها ما هو شيء مجرد عن المادة وعن ~~المقدار والوضع ، كما هو شأن الصورة العقلية؟ # والثاني أيضا باطل ، إذ الأجزاء العقلية حينئذ إما متشابهة أو غير ~~متشابهة. # والأول باطل ، لأن الأجزاء المتشابهة ما تكون متفقة الحقيقة ، أعني أن ~~يكون حقيقة كل جزء موافقة مع حقيقة الجزء الآخر ، وكذا مع حقيقة الكل ؛ ~~فيكون أحد الجزءين حافظا لنوع الصورة العقلية ، وفيه كفاية للمعقولية من ~~غير احتياج إلى الجزء الآخر في ذلك ، هذا خلف. # وأيضا لا يكون الجزءان المتشابهان بحيث يحصل منهما مجموع إلا بحيث يحصل ~~هناك انضياف وزيادة أحدهما على الآخر ، إذ الكل من حيث هو كل ليس هو الجزء ~~، إلا أن يكون ذلك الكل شيئا يحصل منهما من جهة الزيادة في المقدار ، أو ~~الزيادة في العدد ، لا من جهة الصورة. فحينئذ يكون الصورة المعقولة معروضة ~~للزيادة والنقصان والجمع والتفريق وأمثالها ، مما هو مخصوص بالشيء المادي ، ~~وقد فرضناها مجردة عن المادة وعوارضها. # وأيضا لا تكون حينئذ الصورة المعقولة صورة معقولة ، بل خيالية مثلا ، ~~والحال أن الصورة العقلية بخلاف الصورة الحسية والخيالية والوهمية ، حيث إن ~~النفس في ملاحظة أجزاء لها ، تفتقر إلى ملاحظة أمور جزئية متباينة الوضع ، ~~مقارنة لهيئات غريبة مادية ، حتى تكون رسمها ورشمها في ذي وضع وقبول انقسام ~~، لأنا إذا أحسسنا أو تخيلنا وجه PageV02P222 # إنسان مثلا ، فلا بد من أن يلاحظ النفس أجزاء له متباينة الوضع ms519 ، مقارنة ~~لهيئات غريبة مادية ، كالعين والأنف والفم ، فإن صورة العين اليمنى تدرك في ~~مادة أو في جهة لم تحل اليسرى فيها ، وكذلك اليسرى ، فهما متباينتان ~~بالوضع. وأيضا كونهما على بعد مخصوص بينهما ، وكون إحداهما في جهة من ~~الأخرى غير جهة الأنف هيئات غريبة مادية تقارنها ، وتلك الملاحظة تفتقر إلى ~~أن يكون رسمها الحسي ورشمها الخيالي في ذي وضع وذي قبول انقسام ، أي في شيء ~~مادي ، وهذا ظاهر. # وكذا الاحتمال الثاني ، أعني أن يكون أجزاء الصورة العقلية أجزاء غير ~~متشابهة ، باطل أيضا ، لأن تلك الأجزاء لا تكون إلا أجناسا وفصولا ذاتية ، ~~كما هو المحقق في محله ، ومحال أن تنقسم الصورة العقلية إلى الأجناس ~~والفصول بحسب انقسام محلها ، أي الجسم المنقسم إلى الأجزاء المقدارية ، لأن ~~كل جسم ، بل كل جزء من جسم يقبل القسمة في القوة قبولا غير متناه كما حقق ~~في محله ، فيجب أن يكون تلك الأجناس والفصول أيضا في القوة غير متناهية ، ~~وهذا محال. إذ يستلزم امتناع تعقل كنه الأنواع ، لأن تعقله على هذا يتوقف ~~على تعقل الامور الغير المتناهية. # وأيضا لو كانت القسمة في الجسم إلى أجزاء مقدارية متباينة في الوضع تفرز ~~أقساما في الصورة العقلية ، أي أجناسا وفصولا ، لكانت تلك الأجناس والفصول ~~أيضا متمايزة في الوضع ، وهذا باطل ، لأن الأجناس والفصول غير متمايزة في الوضع. # وأيضا لو كانت تلك القسمة مما تفرز أجناسا وفصولا ، فلتكن القسمة مما قد ~~وقعت من جهة ، فأفرزت من جانب جنسا ومن جانب فصلا. فلو غيرنا القسمة ~~وأوقعناها من جانب آخر ، يلزم أن يقع بحسب القسمة الأخيرة في جانب نصف جنس ~~ونصف فصل ، وهكذا في الجانب الآخر ، أو انتقال الجنس والفصل إلى القسمين ~~الأخيرين بعد كونهما في القسمين الأولين ، أعني أن يميل كل من الجنس والفصل ~~إلى القسمين الأخيرين ، ويكون فرضنا الوهمي أو القسمة الفرضية يدور بمكان ~~الجنس والفصل ، وكان يجر كل واحد منهما إلى جهة ما بحسب إرادة مريد من خارج ~~، وكل ذلك مما لا معنى له. PageV02P223 # وحيث عرفت ما ذكرنا ، وعرفت بطلان ms520 جميع تلك الاحتمالات فيما إذا كان محل ~~الصورة العقلية جسما أو جسمانيا ، عرفت أنه يجب أن يكون محلها جوهرا غير ~~جسم ولا جسماني ، بل مجردا عن المادة وعلائقها مطلقا وهو المطلوب. # وعرفت أيضا أن الصورة العقلية مما لا يمكن أن ينقسم إلى أقسام عينية ~~مطلقا ، ولا إلى أقسام عقلية متشابهة مطلقا ، ولا إلى أقسام عقلية غير ~~متشابهة بحسب انقسام محلها ؛ بل إن انقسامها إلى الأقسام العقلية غير ~~المتشابهة ، أي إلى الجنس والفصل ، إنما هو فيما إذا كانت منتزعة من مركب ~~خارجي من مادة وصورة بحسب انقسام ذلك المنتزع منه إلى المادة والصورة ، ~~وفيما إذا كانت منتزعة من غير مركب ، بل من أمر بسيط بحسب تعمل العقل ، لو ~~قلنا بكون الجنس والفصل له ، كما مرت الإشارة فيما سبق إلى ذلك. # وعرفت أيضا أن كل معقول من حيث هو معقول ، يجب أن يكون مجردا عن المادة ~~وعلائقها ، وكذا كل عاقل من حيث هو عاقل يجب أن يكون مجردا عنها ، إلا أن ~~المعقول بالتعقل الحصولي قائم بالغير ، والعاقل قائم بالذات ، وإن لم يثبت ~~بذلك أن كل مجرد يجب أن يكون عاقلا أو معقولا ، لكنه أيضا مما برهن عليه في موضعه. # ثم إنك حيث عرفت أن هذه البراهين التي ذكرناها على تجرد النفس الناطقة ~~الإنسانية كما قررناها مبنية على إدراك النفس للمعقولات المجردة ، وعلى ~~تجرد تلك المعقولات ، وبينا فيما سبق أن ذلك الإدراك مخصوص بالنفس الناطقة ~~الإنسانية دون نفوس سائر الحيوانات ، عرفت أن هذه البراهين مع دلالتها على ~~تجرد النفس الإنسانية تدل على عدم مشاركة نفوس الحيوانات معها في ذلك. # إلا أنه بقي هنا سؤال ينبغي التعرض للجواب عنه حتى يتم المطلوب. ### | سؤال وجواب # بيان السؤال : أنه لقائل أن يقول : إن ما ذكرت من الدلائل على تجرد النفس ~~التي تبتني على ادراك المعقولات ، إنما تنهض فيما إذا كان هناك إدراك ~~بالفعل للمعقولات لا PageV02P224 # مطلقا ، وحينئذ فتدل الدلائل المذكورة على تجرد النفس الإنسانية التي هي ~~في مرتبة العقل بالفعل أو المستفاد ، لا فيها في المرتبتين ms521 الأخيرتين ~~المتقدمتين. ولو سلم أن النفس في مرتبة العقل بالملكة أيضا لا تخلو عن ~~إدراك بالفعل للمعقولات ، وإن كانت من البديهيات الأوليات كقولنا : الكل ~~أعظم من الجزء ، والواحد نصف الاثنين مثلا ، فلا سترة في أنها في مرتبة ~~العقل الهيولاني تخلو عن ذلك أيضا ، فالدلائل المذكورة لا تدل على تجردها ~~إذا كانت في مرتبة العقل الهيولاني ، والحال أن المقصود تجرد النفس ~~الإنسانية مطلقا سواء كانت في المرتبة الهيولانية أو فيما بعدها من المراتب ~~، كما عقدتم عنوان الباب به. وهذا لا يتم بهذه الدلائل. ولذلك كان الحكماء ~~القائلون بتجرد النفس الإنسانية الذين بنوا على تجردها بقاءها بعد خراب ~~البدن ، متفقين على بقاء النفوس التي صارت عقولها الهيولانية عقلا بالفعل ~~بعد خراب البدن ، ومختلفين في بقاء النفوس التي لم تخرج من القوة إلى الفعل. # فذهب بعضهم كالإسكندر الافريدوسي (1) إلى أنها تهلك بهلاك البدن ، لأن ~~دلائل تجرد النفس وخصوصا التي تبتني على تصور المعقولات ، إنما تنهض في ~~المعقولات بالفعل والمجردات بالفعل ، لا التي من شأنها التجريد ، وليس لكل ~~أحد أن يدرك معقولا من جهة عقلية من غير أن يشوب بالحس أو الخيال. # وقد نقل صدر الأفاضل عن الشيخ أنه خالف رأي الإسكندر في أكثر تصانيفه ، ~~محتجا بأن الإنسان لا يخلو عن إدراك بعض الأوليات ، كالواحد نصف الاثنين ، ~~والكل أعظم من الجزء ، ووافق رأيه في بعض تصانيفه. # وهذا الذي ذكرنا إنما هو بيان السؤال. # وأما بيان الجواب عنه ، فهو أن مبنى تمامية الدليل على تجرد النفوس ~~الإنسانية ، حتى النفوس التي في مرتبة العقل الهيولاني ، على أن النفس ~~الإنسانية التي لكل إنسان PageV02P225 # إنما هي ذات واحدة بالشخص ، ويختلف حالاتها وكمالاتها بحسب مراتبها ~~الأربع : الهيولانية ، وبالملكة ، وبالمستفاد ، وبالفعل. وهذا الاختلاف لا ~~دخل له في اختلاف ذاتها بذاتها ، كما سيجيء بيانه. وكذلك مبني على أن ~~النفوس متحدة بالنوع وبالحقيقة ، مختلفة بالعوارض المشخصة ، كما هو المقرر ~~عندهم ، وسيأتي بيانه فيما بعد إن شاء الله تعالى. # وحينئذ نقول : إذا ثبت بالدلائل المذكورة تجرد النفس الإنسانية التي في ~~مرتبة العقل بالفعل ms522 أو بالمستفاد ، يجب أن يثبت ذلك فيها في المرتبتين ~~المتقدمتين ، وكذا في كل النفوس الإنسانية ، إذ لو كانت النفس الواحدة التي ~~في المرتبتين المتقدمتين أو في الهيولانية منطبعة في المادة وفيما بعد ذلك ~~من المراتب مجردة عنها ، لكانت ذاتا واحدة بالعدد بحسب وجود واحد أعني ~~الوجود الخارجي متحصلة القوام بالمادة تارة ، ومستغنية عنها في قوامها ~~وتحصلها أخرى ، وهذا محال بالضرورة. # وكذلك لو كانت نفوس المستكملين مجردة عن المادة في قوامها ونفوس غيرهم ~~كالأطفال والبله والمجانين منطبعة فيها ، لم تكن النفوس الإنسانية متحدة في ~~النوع والحقيقة ، بل مختلفة فيهما ، إذ ليس الاختلاف بالتجرد عن المادة في ~~القوام والتحصل والانطباع فيها ، فيهما اختلافا بحسب العوارض حتى لا ينافي ~~الاتحاد في الحقيقة ، بل إن ذلك اختلاف بحسب الحقيقة ، أي بحسب الحقيقة ~~التي هي لذلك الشيء بحسب وجوده الخارجي ، وهذا أيضا خلاف الفرض. # فظهر أنه كما أن الإدراك بالفعل للمعقولات دليل على تجرد المدرك لها ، ~~كذلك كون النفس بحيث يكون من شأنها إدراك المعقولات ، لو لم يكن هناك مانع ~~عنه ، كاف في ذلك ، كما في نفوس غير المستكملين. وسيظهر لك أن كلام الشيخ ~~في «الشفاء» أيضا يدل على ما ذكرنا. # فإن قلت : إن ما ذكرته وارد عليك في النفوس الإنسانية الجامعة لمراتب ~~النفس النباتية والحيوانية والإنسانية الناطقة ، حيث ذكرت فيما سبق أن ~~النفس واحدة بالذات وبالعدد ، مختلفة بحسب الكمالات والحالات ، فتصدر عنها ~~باعتبار قوة أفعال النباتية ، PageV02P226 # وباعتبار قوة أخرى أفعال الحيوانية ، وباعتبار قوة أخرى أفعال الحيوانية ~~، وباعتبار قوة أخرى أفعال الإنسانية ، مع أنه عندك أن النفس الإنسانية ~~مجردة عن المادة ، وأن النباتية والحيوانية منطبعتان فيها ، فيلزم أن يكون ~~ذات واحدة بالعدد بحسب وجود واحد مجردة عن المادة تارة ، ومستغنية عنها ~~أخرى ، وهذا هو ما ذكرت من المحال. # قلت : إنا وإن ادعينا أن النفس الإنسانية الجامعة لتلك المراتب واحدة ~~بالذات وبالعدد ، إلا أنا لا ندعي أنها بحسب الأفعال الإنسانية مجردة ، ~~وبحسب الأفعال النباتية والحيوانية منطبعة في المادة ، بل ندعي أن هناك ~~ذاتا واحدة مجردة عن ms523 المادة في ذاتها في جميع مراتبها وأحوالها وصفاتها ~~وأفعالها ، إلا أن أفعالها على قسمين : # قسم يصدر عنها بقوة عقلية ، أي بنفسها منفردة عن غيرها مطلقا ، وهو إدراك ~~المعقولات ، وهو دليل على تجردها. # وقسم يصدر عنها بتوسط الآلات والقوى المادية ، وهو الأفعال النباتية ~~والحيوانية ، وليس يلزم من كون فعلها تارة بتوسط الآلة والمادة أن تكون هي ~~منطبعة في المادة في ذاتها ، بل هي في هذه الأفعال أيضا مجردة عن المادة في ~~ذاتها ، وإن كان فعلها بتوسط الآلة المادية. كما أنه لا يلزم من تقدم ~~أفعالها المادية على أفعالها الذاتية أن تكون هي أولا منطبعة في المادة ، ~~ثم تصير مجردة عنها ، لأنها خلقت بحيث يكون من شأنها أن تدبر البدن وتتصرف ~~فيه وتستعمل الآلات فتفعل الأفعال الآلية أولا حتى تصير بذلك مستكملة ، ~~بحيث يمكن لها أن تفعل بعد ذلك الأفعال الذاتية التي هي دلائل على تجردها ، ~~فالاشتغال بالأفعال الآلية كأنه مانع عن الاشتغال بالأفعال الذاتية باعتبار ~~، وإن كان للأول إعانة في الثاني ، كما سيأتي تحقيقه ، وبذلك تكون أفعالها ~~الآلية متقدمة على أفعالها الذاتية. # وهذا بخلاف نفس النباتات ونفوس الحيوانات الأخر غير الإنسان ، فإنا لما ~~لم نجد لنفوس الحيوانات الأخر مثلا فعلا صادرا عنها بنفسها دليلا على ~~تجردها ، بل وجدنا أن كل ما يصدر عنها إنما يصدر بتوسط الآلة المادية ، ~~حكمنا بأنها منطبعة في المادة ، ولو كنا PageV02P227 # وجدنا لها فعلا خاصا صادرا عنها بذاتها دليلا على تجردها ، لربما حكمنا ~~بتجردها أيضا في ذاتها ، وأن أفعالها الجزئية المادية إنما هو بتوسط الآلة ~~كما في النفس الإنسانية ، وإذ ليس فليس ، فاحفظ هذا التحقيق فإنه به حقيق. ~~والله تعالى أعلم بالصواب ، وإليه المرجع والمآب. ### | في الإشارة إلى براهين اخر على هذا المطلوب قد ذكرها القوم # ثم إنك إذا تبينت ما بيناه ، فاعلم أن للقوم على هذا المطلب ، أي تجرد ~~النفس الإنسانية ، براهين وحججا كثيرة ، غير ما ذكرناها ونقلناها أيضا. # فمنها ما هو مبني أيضا على إدراك النفس للمعقولات ، إلا أنا تركنا نقله ~~مخافة للإطناب ، ولأن فيما ms524 نقلناه غنية لاولي الألباب ، وكفاية للمسترشدين ~~الطالبين للصواب. # ومنها ما هو مبني في الظاهر على أمور أخر غير ما ذكر ، إلا أن مبنى بعضها ~~عند التحقيق يرجع إلى ما ذكرنا أيضا. وهذا مثل ما قالوه من أن النفس تقوى ~~على إدراك أمور غير متناهية ، وأن الجسم أو الجسماني ليس يقوى على ذلك. فإن ~~هذا البرهان ينبغي أن يؤول بما يستفاد من كلام الحكيم ابن رشد المغربي في ~~جامع الفلسفة من أن النفس تقوى على إدراك الكلي وإدراك أفراده الغير ~~المتناهية والحكم عليها ، وإن كان الحكم عليها على سبيل الكلية والإجمال ~~دون التفصيل : بخلاف الجسم أو الجسماني ، فإنه لا يقدر على ذلك ، فإنه لو ~~لم ينزل هذا البرهان على ما ذكر ، بل حمل على ظاهره ، لكان توجيهه مشكلا ~~كما لا يخفى على المتأمل. # وإلا أن بعضا من تلك البراهين والحجج ، بل كثير منها إقناعيات تفيد ~~الطمأنينة بأن النفس الإنسانية من عالم آخر غير ما شاهدناه وعلمنا حاله من ~~عالم الأجسام والجسمانيات ، وإن كان نبذ منها مع ذلك الإقناع يفيد القطع ~~بالمطلب أيضا لدى التأمل الصادق ، ولا بأس بنقل جملة منها عسى أن يكون ~~موجبا لزيادة الاطمئنان. PageV02P228 ### ||| ** فيما ذكره بعض مفسري كلام أرسطو (هو أبو علي أحمد بن محمد مسكويه) # فنقول : ذكر بعض مفسري كلام أرسطو في مقام إثبات أن النفس الإنسانية ليست ~~بجسم ولا عرض ولا مزاج ، بل هي جوهر قائم بذاته غير قابل للموت : # أن من الأشياء البينة الواضحة ، أن الجسم إذا قبل صورة ، لم يمكنه أن ~~يقبل صورة غير ما هي من جنسها إلا بعد أن يخلع الصورة الاولى ويفارقها على ~~التمام. ومثال ذلك أن الفضة إذا قبلت صورة الخاتم ، لم يمكنها أن تقبل صورة ~~الكوز مثلا إلا بعد أن تزول عنها صورة الخاتم وتخلعها خلعا تاما. وكذلك ~~الشمع إذا قبل صورة نقش ما لم يمكنه أن يقبل صورة نقش آخر ، إلا بعد أن ~~يمحو عنه صورة النقش الأول ، ويفارقه مفارقة تامة. وعلى هذا حال جميع ~~الأجسام. # وهذه قضية ms525 صادقة مشهورة لا يحتاج فيها إلى دليل ، فإن نحن وجدنا شيئا ~~حاله بالضد من حال الأجسام في المعنى الذي ذكرناه ، أعني أنه يقبل صورا ~~كثيرة من غير أن يبطل شيئا منها ، تبين لنا أنه ليس بجسم. فإن بان لنا مع ~~ذلك أنه كلما كثرت هذه الصور فيها ، ازدادت على قبول غيرها ، ثم جرى ذلك ~~على هذا النظام إلى غير نهاية ، ازددنا بصيرة ويقينا أنه ليس بجسم. والنفس ~~العاقلة هذه صورتها ، وتلك أنها إذا قبلت صورة معقول ما ، وثبتت تلك الصورة ~~فيها ، ازدادت بها قوة على تصور معقول آخر إليها من غير أن تفسد الصورة ~~الأولى. ثم كلما كثرت صور المعقولات فيها ، اقتدرت بها على قبول غيرها ، ~~وقويت في هذا القبول قوة متزايدة بحسب تزايد المعقولات. # ثم إن من الأمور المسلمة أن الإنسان إنما يتميز عن البهائم وغيرها بهذا ~~المعنى الموجود له ، لا بتخاطيطه ولا ببدنه ولا بشيء من أشكاله البدنية. ~~ومن الدليل على أن ذلك كذلك ، أن هذا المعنى هو الذي يقال به : فلان أكثر ~~إنسانية من فلان ، إذا كان فيه أبين وأظهر. ولو كانت إنسانيته بالتخاطيط ~~وغيرها من جملة البدن ، لكانت إذا تزايدت في إنسان قيل بها : فلان أكثر ~~انسانية من فلان ، ولسنا نجد الأمر كذلك. # وهذا المعنى الذي ذكرناه يسمى مرة نفسا ناطقة ، ومرة قوة عاقلة ، ومرة ~~قوة مميزة ، PageV02P229 # ولسنا نشاح في الأسماء ، فليسم بأي اسم كان. # ومما يدل أيضا على أن هذا المعنى ليس بجسم ، أن جميع أعضاء الحيوان من ~~الإنسان وغيره ، صغر فيه أم كبر ، ظهر منه أم بطن ، إنما هو آلة مستعملة ~~لغرض لم يكن استمر إلا به ، إذ كان البدن كله آلات ، ولكل آلة منها فعل خاص ~~، لا يتم إلا إذا اقتضى مستعملا ، كما نجد آلات الصانع والنجار وغيرهما. # وليس يجوز أن يقال : إن بعض البدن يستعمل بعضه هذا الاستعمال ، لأن ذلك ~~البعض الذي يشار إليه ويظن أنه يستعمل الآلات الباقية ، هو أيضا آلة أو ~~جزءا من آلة ، وجميعها مستعملة ، فمستعملها غيرها. واذا كان ms526 مستعملها غيرها ~~ولم يكن جزءا منها ، وجب أن يكون غير جسم ، ليستمر له أن لا يشغل مكان ~~الجسم ، ولا يزال آلات الجسمية موضعها ، لأنه لا يحتاج إلى مكان ، ~~ويستعملها كلها على اختلاف الاغراض المستعملة فيها في حالة واحدة من غير ~~غلط ولا عجز ، ليتم من الجميع أمر واحد ، فإن هذه الأحوال ليست أحوال ~~الأجسام ، ولا موضوعة في أحكامها. وسنبين أن هذا المعنى ليس بعرض ولا مزاج ~~إذا ذكرنا الفرق بين العقل والحس فيما يأتي من بعد. # على أنا نقول هاهنا : إن المزاج ، وبالجملة الأعراض التي توجد في الجسم ، ~~كلها تابعة للجسم ، والتابع للشيء هو أخس منه وأقل حظا من الوجود ، لأنه لا ~~يوجد إلا بوجوده. فإن كان أخس منه ، فكيف يستخدمه ويستعمله ، كما يستعمل ~~الصانح آلته ويصير رئيسا عليه ، ومتحكما فيه ، وهذا تقبيح شنيع». انتهى كلامه # وقد ذكر بعض أهل التحقيق : أن كل صورة أو صفة حصلت في الجسم بسبب ، فإذا ~~زالت عنه وبقي فارقا عنها ، يحتاج في استحصالها إلى استئناف سبب أو سببية ~~من غير أن يكون مكفيا بذاته ، إذ ليس هذا من شأن الجسم. ومن شأن النفس في ~~الصور العقلية أن قد تصير بعد استحصالها من معلم أو فكر ، مكفية بذاتها في ~~استرجاعها ، فالنفس تعالت عن أن تكون جرمية ، فهي روحانية. # وأيضا أن كل جوهر مادي لا يمكن أن تتراكم عليها صور كثيرة فوق واحدة ، PageV02P230 # والعلوم كلها لا تجتمع في دفتر واحد. # وأما النفس فهي لوح يجتمع فيه علوم شتى وصنائع تترى ، وأخلاق مختلفة ~~وأعراض متفاوتة ، فليذعن أنها دفتر روحاني ولوح ملكوتي لا تتراكم فيه الصور ~~كما تتراكم في الهيولى الجسمانية ، وربما تزول عنها هذه الأسباب المؤدية ~~إلى كمالها ، لإقبالها إلى شيء من الأمور العاجلية عند مرض أو شغل قلب أو ~~هم أو غم يعرض لها ، إلا أنه لا يزول عنها بهذه الأمور صورها الكمالية ~~المستحفظة في ذاتها على الإطلاق أو في خزانتها ، لأنها روحانية الشبح ، ~~متعلقة الوجود بجوهر قدسي تختزن فيه صورها الكمالية بنوع قوة قريبة من ms527 ~~الفعل ، والعائق لها عن مشاهدة كمالاتها بعد خروجها عقلا بالفعل ليس أمرا ~~داخليا ، كما في الجواهر والمعاني التي لم تخرج من القوة إلى الفعل ، بل ~~عائقها عن الوصول إلى حاق ما لها من السعادة حجاب خارجي احتجبت به ذاتها عن ~~ذاتها ، وهو اشتغالها بهذا البدن ، وعادتها في الانجذاب إليه بحسب فطرتها ~~الاولى دون الثانية ، فإذا ارتفع غبار البدن من بصرها العقلي ووقع نظرها ~~على ذاتها وجدتها مستكملة بالمعقولات ، مشاهدة إياها ، مستعملة بها. # وبالجملة إذا زال عنها العائق ، عادت إلى كمالها بنوع فعل ، لا بنوع ~~انفعال ، ولهذا يقال لها العقل بالفعل ، وإن كان بعد في هذا العالم. # وأما الجسم وقواه فلا يمكن له مثل ذلك. ألا ترى أن الحواس لا يمكن أن ~~يستحفظ في ذاتها صورة وتقبل أخرى ، والمعاودة إليها بعد الغيبة بنوع فعل ~~استكفته بذاتها وبمقوم ذاتها ، بل بمثل ما ينشأ منها ابتداء. انتهى كلامه # وقد ذكر الشيخ في الإشارات في مقام أن النفس الناطقة تعقل بذاتها من غير ~~آلة كلاما هذه عبارته (1): «تبصرة : اذا كانت (2) قد استفادت ملكة الاتصال ~~بالعقل الفعال ، لم يضرها فقدان الآلات ، لأنها تعقل بذاتها كما علمت لا ~~بآلتها ، ولو عقلت بآلتها ، لكان لا PageV02P231 # يعرض للآلة كلال البتة ، إلا ويعرض للقوة (2) كلال كما يعرض لا محالة ~~لقوى الحس والحركة. ولكن ليس يعرض هذا الكلال ، بل كثيرا ما يكون (3) القوى ~~الحسية والحركتية في طريق الانحلال ، والقوة العقلية إما ثابتة ، وإما في ~~طريق النمو والازدياد. وليس إذا كان يعرض لها مع كلال الآلة كلال ، يجب أن ~~لا يكون لها فعل بنفسها ، وذلك لأنك علمت أن استثناء عين التالي لا ينتج. # وأزيدك بيانا ، فأقول : إن الشيء (4) إذا عرض له من غيره ما يشغله عن فعل ~~نفسه فليس ذلك دليلا على أن لا فعل له بنفسه (5)، وأما إذا وجد قد (6) لا ~~يشغله غيره ولا (7) يحتاج إليه ، دل على أن له فعلا بنفسه». # «زيادة تبصرة : تأمل أيضا أن القوى القائمة بالأبدان بكلها تكرر الأفاعيل ~~، لا سيما القوية ، وخصوصا إذا اتبع (8) فعل ms528 فعلا على الفور ، فكان الضعيف ~~في مثل تلك الحال غير مشعور به ، كالرائحة الضعيفة إثر القوية ، وأفعال ~~القوة العاقلة قد تكون كثيرا بخلاف ما وصف». # زيادة تبصرة : «ما كان فعله بالآلة ، ولم يكن له فعل خاص ، لم يكن له فعل ~~في الآلة ، ولهذا فإن القوى الحساسة لا تدرك آلاتها بوجه ، ولا تدرك ~~إدراكاتها بوجه ، فإنها (9) لا آلات لها إلى آلاتها وإدراكاتها ، ولا فعل ~~لها إلا بآلاتها. وليست القوي العقلية كذلك ، فإنها تعقل كل شيء». انتهى . # وقد ذكر في «الشفاء» في مقام أن النفس الإنسانية غير مادية (1)، هذه ~~الوجوه مع وجوه اخر أيضا يوجب نقلها الإطناب في الباب. وكذا ذكر الحكيم ابن ~~رشد المغربي في كتابه الموسوم : به «جامع الفلسفة» في مقام أن النفس ~~الإنسانية غير هيولانية جملة من تلك الوجوه التي ذكرها الشيخ. PageV02P232 ### | شواهد سمعية على هذا المطلب # وحيث عرفت ما نقلنا عنهم من الإقناعيات التي تفيد الطمأنينة في تجرد ~~النفس الإنسانية ، ومع ذلك يفيد بعضها قطعا بالمطلب أيضا ، كما يعلم ~~بالتأمل الصادق فيما نقلنا. # فاعلم أن هاهنا شواهد سمعية أيضا تفيد نوع طمأنينة في هذا المطلب ، حيث ~~إنها تؤذن بشرف النفس ، وكونها من عالم آخر غير عالم الجسم والجسمانيات. # أما من الكتاب الكريم ، فلقوله تعالى : ( @QUR@08 ثم أنشأناه خلقا آخر ~~فتبارك الله أحسن الخالقين ) (1). # ( @QUR@013 سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما ~~لا يعلمون ) (2) ( @QUR@06 لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ) (3). # وأما من الأخبار فكقوله صلى الله عليه وآله : # «من عرف نفسه فقد عرف ربه» (4) # «أعرفكم بنفسه أعرفكم بربه» (5) ### | فيما استدل به بعض العلماء على نفي تجرد ### ||| * النفس الإنسانية مع جواب ذلك الاستدلال # ثم إنك حيث عرفت ذلك ، فاعلم أن من السمعيات ما استدل به بعض المتأخرين ~~من العلماء على أن النفس الإنسانية غير مجردة ، وأن لا مجرد سوى الله تعالى ~~، فلا بأس بنقله وكيفية الاستدلال به ، ثم الجواب عنه. # وهو ما رواه الشيخ الكليني (ره) في كتاب التوحيد من «الكافي» عن محمد بن PageV02P233 # عبد الله الخراساني خادم ms529 الرضا عليه السلام ، قال (1): «دخل رجل من ~~الزنادقة على أبي الحسن عليه السلام ، وكان من سؤاله ، أنه قال : رحمك الله ~~أوجدني ، كيف هو وأين هو؟ فقال : ويلك ، إن الذي ذهبت إليه غلط ، هو أين ~~(3) الأين وكيف الكيف بلا كيف ، فلا يعرف بالكيفوفية ولا بأينونية ، ولا ~~يدرك بحاسة ولا يقاس بشيء ، فقال الرجل : فإذا إنه لا شيء إذا لم يدرك ~~بحاسة من الحواس ، فقال أبو الحسن عليه السلام : ويلك ، لما عجزت حواسك عن ~~إدراكه أنكرت ربوبيته ، ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه ، أيقنا أنه ربنا ، ~~بخلاف شيء من الأشياء الحديث . # وقد رواه الشيخ الطبرسي (ره) أيضا في كتاب «الاحتجاج» (2) بهذا السند ~~هكذا : قال الزنديق : رحمك الله ، فأوجدني (4) كيف هو وأين هو؟ قال : ويلك ~~، إن الذي ذهبت إليه غلط ، هو (5) أين الأين ، وكان ولا أين ، وهو كيف ~~الكيف ، وكان ولا كيف ، ولا يعرف بكيفوفية ولا بأينونية ، ولا يدرك بحاسة ~~(6) من الحواس ، ولا يقاس بشيء ، وقال الرجل : فإذا إنه لا شيء إذ لم يدرك ~~بحاسة من الحواس ، فقال أبو الحسن عليه السلام : ويلك! لما عجزت حواسك عن ~~إدراكه أنكرت ربوبيته ، ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه ، أيقنا أنه ربنا ، ~~وأنه شيء بخلاف الأشياء». # ثم ذكره (ره) بعد ذكر سؤال آخر والجواب عنه : إنه «قال الرجل : فلم لا ~~تدركه حاسة البصر؟ قال : للفرق بينه وبين خلقه الذين (7) تدركهم حاسة ~~الأبصار منهم ومن غيرهم ، ثم هو أجل من أن يدركه بصر أو يحيط به وهم أو ~~يضبطه عقل. قال : فحده لي. قال : لا حد له. قال : ولم؟ قال : لأن كل محدود ~~متناه ، وإذا احتمل التحديد احتمل الزيادة (8) واحتمل النقصان ، فهو غير ~~محدود ، ولا متزايد ولا متناقص ولا متجز (9) ولا متوهم». الحديث . PageV02P234 # وقال الفاضل الجليل مولانا الخليل القزويني (ره) في شرحه على الكافي (1) ~~في [شرح] عبارة الحديث الشريف : «فقال أبو الحسن عليه السلام : ويلك ، لما ~~عجزت حواسك عن إدراكه ، أنكرت ربوبيته ، ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه ، ~~أيقنا أنه ربنا» بهذه العبارة : حاصله منع أنه إذا ms530 لم يدرك بحاسة كان لا ~~شيء البتة ، أو منع دلالة عدم الإدراك بحاسة على كونه لا شيئا ، مستندا بأن ~~لازم أحد النقيضين أو شرطه يستحيل أن يكون ملزوما أو دليلا على الآخر ، ~~وعدم الإدراك بحاسة لازم للربوبية ، وشرط لليقين بالربوبية. وليس مقصوده ~~عليه السلام أن عدم الإدراك بالحواس دليل على الصانعية. ولا يخفى أن هذا ~~صريح في أنه لا مجرد سوى الله تعالى ، فيبطل قول الزنادقة بتجرد العقول ~~العشرة والنفوس الناطقة. # وفي [شرح] قوله عليه السلام : «بخلاف شيء من الأشياء بهذه» العبارة : خبر ~~آخر ، لأن ، «أو» ، استئناف بياني ، فهو خبر مبتدأ محذوف ، أي هو بخلاف. ~~ولما كان في الخلاف معنى النفي كان «شيء» نكرة في سياق النفي ، أي ليس بينه ~~وبين شيء مشترك ذاتي ، فلا يمكن أن تدركه الحواس كما سيجيء بيانه. انتهى ~~كلامه ره . # وقال السيد الفاضل الرفيع ميرزا رفيع النائيني (ره) في حاشيته على الكافي ~~(2) في هذا الحديث بهذه العبارة : قال الرجل «فإذا إنه لا شيء» يعني أردت ~~بيان شأن ربك ، فإذا الذي ذكرته يوجب نفيه ، لأن ما لا يمكن إحساسه لا يكون ~~موجودا. أو المراد أنه فإذا هو ضعيف الوجود ضعفا يستحق أن يقال له : لا شيء ~~؛ وقوله عليه السلام «لما عجزت حواسك عن إدراكه» إلى آخره أي جعلت تعاليه عن ~~أن يدرك بالحواس ، وعجزها عن إدراكه دليلا على عدمه أو ضعف (3) وجوده ، ~~فأنكرت ربوبيته ، ونحن إذا عرفناه بتعاليه عن أن يدرك بالحواس ، أيقنا أنه ~~ربنا ، بخلاف شيء من الأشياء. أي ليس شيء من الأشياء PageV02P235 # المحسوسة ربنا ، لأن كل محسوس ذو وضع ، وكل ذي وضع بالذات منقسم بالقوة ~~إلى أجزاء مقدارية لا إلى نهاية ، لاستحالة الجوهر الفرد ، وكل منقسم إلى ~~أجزاء مقدارية يكون له أجزاء متشاركة في الماهية ومشاركة للكل فيها. وكل ما ~~يكون كذلك يكون ذا ماهية ووجود يصح عليها الخلو عنه ، وكل ما يكون كذلك ~~يكون محتاجا إلى مبدأ مغاير له ، فلا يكون مبدأ أول ، بل يكون مخلوقا ذا ~~مبدأ ، فما هو مبدأ أول لا ms531 يصح عليه الإحساس. فالتعالي عن الإحساس الذي ~~جعلته مانعا للربوبية وباعثا على انكسارك ، مصحح للربوبية ، ودال على ~~اختصاصه بصحة الربوبية بالنسبة إلى الأشياء التي يصح عليها أن تحس». انتهى ~~كلامه (ره). # وأقول : ما نقلنا عن الشارح الجليل (ره) في شرح الحديث الشريف هو بيان ~~الاستدلال به على عدم مجرد سوى الله تعالى. وما نقلنا عن المحشي النائيني ~~(ره) قد فهم بعض الفضلاء من تلامذته أن فيه دلالة على الجواب عن ذلك ~~الاستدلال ، حيث ذكر في قول المحشي المذكور (ره) (1): «ونحن إذا عرفناه ~~بتعاليه عن أن يدرك بالحواس» إلى آخره كلاما بهذه العبارة : استدل بعض ~~فضلاء الزمان بهذا الحديث الشريف على انحصار التجرد في الله تبارك وتعالى ، ~~وأن القول بتجرد النفس والعقل قول بتعدد الواجب تعالى عن ذلك ، وإذا حمل ~~على ما حمله المحشي من أن المعنى : إن ربنا بخلاف شيء من الأشياء المحسوسة ~~، بجعل الضمير في «أنه» للشأن ، أو جعله اسم «ان» وجعل «ربنا» بدلا أو ~~بيانا منه ، لا يبقى للاستدلال وجه. فإن مفاد الحديث الشريف : أن الله ~~تعالى وتقدس مخالف للمحسوسات وذوات الأوضاع ، ولا يلزم منه أن كل ما هو ~~كذلك ، فهو الرب تدبر». انتهى كلامه . # وأقول : لا يخفى عليك أن توجيه قوله عليه السلام «أيقنا أنه ربنا بخلاف ~~شيء من الأشياء» كما فهمه ذلك البعض ، وهو ظاهر عبارة المحشي ، لا يخلو عن ~~شيء. أما أولا ، فلأنه مناف لما تضمنته عبارة الحديث على رواية الشيخ ~~الطبرسي (ره)، حيث رواه هكذا : PageV02P236 # أيقنا أنه ربنا وأنه شيء بخلاف الأشياء ؛ فإنه صريح فيما حمل الشارح ~~الجليل العبارة عليه. # وأما ثانيا ، فلأنه على تقديره ، يكون الحكم المذكور في الشرطية المذكورة ~~، أي قوله عليه السلام : ونحن إذا عجزت حواسنا إلى آخره من قبيل إفادة الأمر ~~البديهي ، إذ يكون مفاده حينئذ : ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أن ~~ربنا بخلاف الأشياء المحسوسة ، أي إذا عجزت حواسنا عن إدراكه ، أيقنا أنه ~~تعجز حواسنا عن إدراكه وأنه ليس بمحسوس وأنه بخلاف المحسوسات. وهذا مع كونه ~~إفادة ms532 بديهية لا تليق بمنصب الإمام عليه السلام ، لا يكون فيه دلالة على وجه ~~ظاهر في رد إنكار السائل كما لا يخفى. # فبقي أن يكون توجيه العبارة على ما فهمه الشارح الجليل ، وعلى تقديره ~~يلزم ما ادعاه ، من نفي مجرد سوى الله تعالى ، حيث يلزم منه ، إذا عجزت ~~حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه أي أن ذلك الشيء الذي عجزت حواسنا عن إدراكه هو ~~ربنا ، وأنه بخلاف شيء من الأشياء. إذ لو كان هناك مجرد غيره تعالى والحال ~~أن المجرد ، هو ما يعجز الحواس عن إدراكه لكان هو أيضا مشاركا مع الله ~~تعالى في هذا الحكم ، أي في أنه ربنا ، وأنه بخلاف شيء من الأشياء. وخصوصا ~~أن كلمة «إذا» في اللغة وفي عرف المنطقيين وإن كانت سورا للجزئية ، لكنها ~~تطلق في العرف العام إطلاقا شائعا سورا للكلية ، فيلزم تعدد الواجب تعالى ، ~~وهو باطل قطعا. # وحيث عرفت ذلك ، فاعلم أن جواب ذلك الاستدلال إنما يظهر بعد شرح الحديث ~~الشريف وتحقيق مفاده ، وهو أن يقال : لا يخفى أن مفاد عبارة الحديث الشريف ~~أن ذلك الزنديق لما قال : أوجدني أي أفدني كيف هو وأين هو؟ أجاب عنه ~~عليه السلام : بأن ذلك غلط ، لأن الله تعالى موجد الكيف بلا كيف ، وموجد ~~الأين بلا أين ؛ فكيف يتصف الخالق الموجد لهما بهما ، مع كونه خاليا عنهما ~~في مرتبة ذاته ، وكذا في مرتبة إيجاده لهما ، فإن ذلك الاتصاف لا سترة في ~~أنه لم يكن قبل إيجاده لهما ، وكذا لا يمكن أن يحصل بعد ذلك ؛ لأنه إن كان ~~بعد ذلك متصفا بهما ، فإما أن يكون لا لحاجة له إليه ، فيكون PageV02P237 # عبثا ، وهو محال على الله تعالى. وإما أن يكون لحاجة له إليه ، فيلزم أن ~~يكون هو تعالى في مرتبة إيجاده لهما ناقصا ، ويصير بعد اتصافه بهما تاما ، ~~وهذا أيضا محال. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # فبين عليه السلام أنه تعالى لا يعرف بكيفوفية ولا بأينونية ، وزاد عليه ~~بأنه لا يدرك بحاسة ، أي بحاسة من الحواس الخمس الظاهرة ، وكذا بحاسة ms533 من ~~الحواس الباطنة ، نظرا إلى ظاهر إطلاق العبارة ، أو لا يدرك بحاسة البصر ، ~~أي لا يدرك ببصر من الأبصار ، نظرا إلى ما فهمه السائل منه فيما رواه الشيخ ~~الطبرسي ، حيث روى بعد ذلك : «قال الرجل : فلم لا تدركه حاسة البصر؟» وقد ~~ذكر المحشي النائيني (ره) (1): «أن الإحساس في اللغة : الإبصار ، وقد نقله ~~عن صاحب الغريبين قال : قال في الغريبين في قوله تعالى ( @QUR@05 فلما أحس ~~عيسى منهم الكفر ) (2)، أي علمه ، وهو في اللغة أبصره ، ثم وضع موضع العلم ~~والوجود ، ومنه قوله تعالى ( @QUR@05 هل تحس منهم من أحد ) (3) أي هل ترى ، ~~يقال : هل أحسست فلانا؟ أي هل رأيته؟» انتهى . # ومنه يعلم أنه يمكن حمل قوله عليه السلام «ولا يدرك بالحواس» على أنه لا ~~يدرك بالقوى الدراكة مطلقا ، لا بالحواس الظاهرة ولا بالحواس الباطنة ولا ~~بالقوة العقلية. وبالجملة ، فهذا القول منه عليه السلام ، سواء حمل على ~~الأول بناء على ظاهر العبارة ، أو على الثاني بناء على أن المراد بنفي ~~الإدراك بالبصر نفي إدراكه بغيره من الحواس أيضا ، وإنما ذكره بخصوصه ، ~~لأنه أظهرها وألطفها ، أو على الثالث بناء على تعميم الإحساس والحواس ، كما ~~يستفاد من كلام صاحب الغريبين. إما بيان حكم آخر برأسه ، غير عدم المعرفة ~~بالكيفوفية والأينونية ، أو حكم متفرع على السابق ، لأن كل مدرك بالحواس لا ~~يخلو عن كيفوفية وأينونية ولو بوجه ، فما كان قد عرى عن ذلك من كل وجه ، فهو لا PageV02P238 # يمكن أن يدرك بها. وكذلك كل مدرك بالقوة العاقلة لا يخلو عن كيفوفية ما ، ~~وإن كان يخلو عن أينونية ما ، على ما بينا فيما سبق حال إدراك القوة ~~العاقلة لمدركاتها ، والحال أن ذاته تعالى منزه عن كيفوفية ما مطلقا. # والحاصل أن وجوده تعالى عين ذاته المقدسة ، ولا يمكن للعقل تعرية ذاته عن ~~ذاته حتى يدركه. # ثم زاد عليه السلام على ذلك قوله «ولا يقاس بشيء» أي لا يعرف قدره بمقياس ~~، إذ لا أين له ولا مقدار له حتى يعرف بمقياس ، أو لا يقاس على شيء بمقياس ~~عقلي أو وهمي ms534 أو حسي ، إذ لا نظير له ولا شبيه حتى يقاس هو عليه بمقياس. # ثم إن ذلك السائل لما سمع منه عليه السلام ذلك الكلام المتضمن لأنه تعالى ~~لا يدرك بالحواس وقد حمله على أحد الوجهين الأولين ، وكان من مذهبه أن كل ~~موجود يجب أن يكون محسوسا بالحواس ، وأن ما لا يدرك بالحواس لا وجود له ~~أصلا ، فضلا عن أن يكون ربا وصانعا ، كما نقله ابن سينا في أول إلهيات ~~الإشارات عن قوم من الأوائل وأبطله ؛ قال (1): قد يغلب على أوهام الناس أن ~~الموجود هو المحسوس ، وأن ما لا يناله الحس بجوهره ، ففرض وجوده محال ، وأن ~~ما لا يتخصص بوضع (2) أو مكان بذاته كالجسم ، أو بسبب ما هو فيه كأحوال ~~الجسم ، فلا حظ له من الوجود إلى آخر ما ذكره هنالك . # أو كان من مذهبه أن ما لا يدرك بالحواس ، يكون ضعيف الوجود جدا يستحق أن ~~يقال له : إنه لا شيء ، فكيف يمكن أن يكون صانعا للعالم؟ قال : إذا أنه لا ~~شيء ، أي لا يكون موجودا ، أو يكون ضعيف الوجود جدا كاللاشيء ، وعلى ~~التقديرين ، فلا يصح أن يكون ربا خالقا للعالم ، فنفى عنه الوجود مطلقا حتى ~~يلزم عنه نفي الربوبية ، حيث إن نفي الأعم يستلزم نفي الأخص. فيكون معنى ~~قوله : «إذا أنه لا شيء» ، كما قرر الإمام عليه PageV02P239 # السلام سؤاله ، أنه إذا عجزت الحواس عن إدراكه انتفى ربوبيته ، وكانت ~~ربوبيته منكرة. # وحينئذ فقوله عليه السلام «ويلك لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته» ~~بيان لوهمه ومنشأ إنكاره ، وأن مبناه على قضية شرطية متصلة لزومية ، مقدمها ~~أعني عجز الحواس عن إدراكه ، مستلزم في وهمه لتاليها ، أعني نفي الربوبية ~~وإنكارها ، حيث إنه في وهمه مستلزم لنفي الوجود ، المستلزم لنفي الربوبية. ~~ويكون قوله عليه السلام : ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا ، ~~بخلاف شيء من الأشياء على نسخة الكافي أو أيقنا أنه ربنا وأنه شيء بخلاف ~~الأشياء على نسخة الاحتجاج إبطالا لذلك الوهم ، وردا لذلك الإنكار ، وبيانا ~~لأن عجز الحواس عن الإدراك ms535 لا ينافي الوجود والربوبية ، بل يصححهما ~~ويقويهما. # فلننظر في كيفية دلالة هذا القول من الإمام عليه السلام على ذلك ، فنقول : ~~إن قوله عليه السلام : ونحن إذا عجزت حواسنا عن إدراكه أيقنا أنه ربنا إلى ~~آخره لا يخفى أنه قضية شرطية متصلة أيضا ، وليست قضية اتفاقية ، لا علاقة ~~بين مقدمها وتاليها ، إذ الاتفاقية هنا لا تؤثر في إفادة المطلوب شيئا ، بل ~~هي قضية متصلة لعلاقة بينهما ، وما تلك العلاقة إلا اللزوم بينهما. وحيث ~~كانت لزومية ، وجب أن يحكم فيها باللزوم بين مقدمها وتاليها ، ومقدمها وإن ~~كان هو عجز الحواس عن إدراكه ، لكنه في الحقيقة هو العلم بعجز الحواس عن ~~إدراكه والإيقان به ، كما أن تاليها هو الإيقان بأنه ربنا وأنه بخلاف شيء ~~من الأشياء. فكما أن اللزوم يجب أن يتحقق بين ذينك العلمين والإيقانين ، ~~كذلك يجب أن يتحقق أيضا بين المعلومين والمتيقنين ، أي عجز الحواس عن ~~إدراكه ، وكونه ربا وبخلاف شيء من الأشياء ، فإن حصول اللزوم بين العلمين ، ~~لا يكون إلا إذا حصل اللزوم بين معلوميهما أيضا قطعا ، فسواء اعتبر اللزوم ~~بين العلمين ، أو بين المعلومين ، أو بين أحد المعلومين وبين العلم بمعلوم ~~آخر ، كما في ظاهر الحديث الشريف ، وجب أن لا يختلف الحال. فلننظر في ذلك ~~حتى يتضح المقصود. # فنقول : إذا حكمنا باللزوم بين عجز الحواس عن إدراكه وبين كونه ربنا ~~بخلاف شيء PageV02P240 # من الأشياء ، فإما أن يكون ذلك اللزوم بأن يكون المقدم ملزوما وعلة ~~للتالي ، والتالي معلولا ولازما له ، فهذا مشكل ؛ لأنه على هذا يلزم أن ~~يكون الممتنعات والمعدومات أيضا ربا ، حيث إنها أيضا تعجز الحواس عن ~~إدراكها ، وعلى تقدير تخصيص ذلك بما سوى المعدومات والممتنعات ، أي ~~بالأشياء الموجودة التي تعجز الحواس عن إدراكها ، يلزم أن يكون كثير من ~~الأشياء الممكنة الوجود الموجود في الخارج أو العقل ربا صانعا للعالم. # أما على تقدير تعميم الموجود ، بحيث يشمل الموجود في العقل أيضا ، فظاهر ~~؛ لأنه لا يخفى أن المعاني الكلية موجودات عقلية ، وهي مما يعجز الحواس عن ~~إدراكها. # وأما على تقدير ms536 التخصيص بالموجود في الخارج ، فكذلك ؛ لأن الكلي الطبيعي ~~، أي الطبيعة من حيث هي على رأي القائلين بوجودها في ضمن أفرادها في الخارج ~~كما هو المذهب الحق موجودة في الخارج ، وهي مما تعجز الحواس عن إدراكها ، ~~بل إنما يدركها العقل خاصة. وعلى تقدير عدم القول بوجود الطبيعة من حيث هي ~~في ضمن أفرادها في الخارج كما هو مذهب بعضهم فلا يخفى أن نفس الحواس والقوى ~~الحساسة والمشاعر الدراكة مما هي موجودات عينية خارجية ، وهي مما يعجز ~~الحواس عن إدراكها ، كما هو المتبين والمبين في محله ، بل المدرك لها هو ~~العقل ، أي النفس بذاتها إدراكا حضوريا لكونها آلات لها حاضرة عندها. ~~والحاصل أنه لو كان عجز الحواس عن الإدراك في الشرطية المذكورة علة وملزوما ~~للربوبية ، لزم أن يكون غيره تعالى أيضا ربا ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. # ومنه يعلم أنه لا يمكن أن يكون العلم بهذا المقدم أيضا علة وملزوما ~~للعالم بهذا التالي ولليقين به ، أي أن يكون اليقين بعجز الحواس عن إدراكه ~~، علة لليقين بكونه ربا ؛ للزوم ذلك المحذور على تقديره أيضا. # وبالجملة ، فيظهر مما ذكرنا : أنه لا يمكن أن يكون مقدم هذه الشرطية ~~دليلا على تاليها ، أي دليل لم على الصانعية ، وكونه ربا كما اعترف به ~~الشارح الجليل نفسه أيضا ، PageV02P241 # وحيث بطل احتمال كون مقدم هذه الشرطية علة وملزوما لتاليها ، فبقي أن ~~يكون معلولا ولازما له ، أي أن يكون كونه تعالى ربا ، أو اليقين بكونه ربا ~~علة وملزوما. لكونه مما يعجز الحواس عن إدراكه أو لليقين بذلك ، وهذا لازما ~~له ومعلولا له ، كما اعترف الشارح الجليل بأن عدم الإدراك بحاسة لازم ~~للربوبية. فلننظر في ذلك. # فنقول : إن هذا اللازم في بادي النظر لا يخلو عن أن يكون لازما أخص ~~للربوبية ، أو لازما مساويا لها ، أي خاصة لها أو لازما أعم. والأول باطل ~~بالضرورة ، إذ لا معنى للازم الأخص هنا ، وكذا الثاني ، إذ اللازم المساوي ~~ما يكون مساويا للملزوم ، وأن لا يتحقق في غيره. فيلزم أنه أينما تحقق هذا ~~اللازم ms537 أي عجز الحواس عن إدراكه تحقق ذلك الملزوم أي الربوبية ، وقد عرفت ~~بطلانه ، حيث عرفت أنه في كثير المواضع يتحقق عجز الحواس واليقين به ، ولا ~~يتحقق الربوبية ولا اليقين بها ، فيظهر أنه لا يمكن أن يكون لازما مساويا ~~لها ، أي أنه لا يمكن أن يكون عجز الحواس عن إدراكه دليلا على الربوبية ، ~~أي دليل إن عليها ، كما تضمن اعتراف الشارح الجليل : بأن عدم الإدراك ~~بالحواس ليس دليلا على الصانعية لذلك أيضا ، فبقي أن يكون لازما أعم. # وعلى تقديره ، يكون عجز الحواس عن الإدراك كما يتحقق في الرب تعالى شأنه ~~، كذلك يتحقق في غيره من الأشياء التي تعجز الحواس عن إدراكها ، أي ~~المجردات في ذاتها دون فعلها ، كما في النفس ، أو في ذاتها وفعلها جميعا ، ~~كالعقول المفارقة إن قلنا بها. وحينئذ فيكون رد إنكار السائل بأن عدم ~~الإدراك بالحواس لا يمكن أن يكون دليلا على كونه لا شيئا ، فإن الرب تعالى ~~شأنه يلزمه أن يكون الحواس تعجز عن إدراكه ، كما في بعض الاشياء الممكنة ~~الوجود أيضا. # والحاصل أنك لما عجزت حواسك عن إدراكه أنكرت ربوبيته ، ونحن إذا عجزت ~~حواسنا عن إدراكه ، أيقنا أنه ربنا ، إذ الرب تعالى شأنه لا يكون إلا كذلك. ~~وإنا حيث أيقنا بسبب ذلك أنه ربنا ، والحال أن الرب تعالى يكون بخلاف شيء ~~من الأشياء ، أيقنا أيضا أنه بخلاف شيء من الأشياء ، لأن هذين اليقينين ~~متلازمان ، وعند ذلك يظهر انعكاس PageV02P242 # الاستدلال ، حيث إن ما استدل به الشارح الجليل على عدم مجرد سوى الله ~~تعالى ، يدل على ثبوت مجرد سواه تعالى. وإن ما يتوهم هنا : من أنه لو كان ~~مجرد سواه تعالى ، لكان مشاركا معه تعالى في صفة التجرد فيلزم أن يكون ~~بينهما مشترك ذاتي ، أو أن يكون ما يختص به تعالى موجودا في غيره أيضا ، ~~وكل منهما محال ، فمدفوع ، لأن عجز الحواس عن إدراكه ، أو معنى التجرد ، ~~ليس أمرا وجوديا ذاتيا له تعالى ، بل إنه أمر عدمي ، وكذلك ليس لازما ~~مساويا له وأمرا يختص به تعالى كما عرفت ms538 ، بل اللازم المساوي للربوبية وما ~~يختص بها الذي لا يوجد في غيرها ، هو مجموع ما تضمنه قوله عليه السلام في ~~صدر الحديث على الروايتين : فلا يعرف بالكيفوفية ولا بأينونية ، ولا يدرك ~~بحاسة ولا يقاس بشيء ، وكذا مجموع ما تضمنه قوله عليه السلام بعد ذلك على ~~رواية الطبرسي (ره): هو أجل من أن يدركه بصر أو يحيط به وهم أو يضبطه عقل. ~~فإن ذلك لازم مساو للربوبية لا يتحقق في غيره تعالى. # وكذلك ما يمكن أن يتوهم هنا : أن التجرد بمعنى عدم الاحتياج إلى المادة ~~في القوام ، وإن كان معنى عدميا كما ذكر ، إلا أن معنى القيام بالذات ~~اللازم للتجرد أمر وجودي. فلو كان مجرد سوى الله تعالى ، يلزم أن يشاركه ~~تعالى في هذا المعنى الوجودي. # فمدفوع أيضا ، لأن هذا المعنى الوجودي لا نسلم أنه ذاتي له تعالى بل عرضي ~~، وليس أيضا عرضيا لازما مساويا له تعالى ، أي خاصة له ، لأنه يوجد في غيره ~~تعالى أيضا كما في الجسم ، حيث إن الجسم أي مجموع الهيولى والصورة قائم ~~بالذات ، غير محتاج إلى المادة في قوامه وتحصله ، وإن كان جزءاه متحصلا ~~أحدهما بالآخر. # نعم لو أريد من معنى القيام بالذات أنه لا يحتاج في وجوده إلى شيء غيره ~~أصلا ، لكان ذلك المعنى مختصا به تعالى لا يوجد في غيره. ولا نسلم أنه لو ~~كان مجرد سواه تعالى ، كان ذلك المعنى متحققا فيه أيضا ، حتى يلزم الاشتراك ~~فيما هو مخصوص به تعالى ، فإن معنى القيام بالذات في المجردات الممكنة أنها ~~مع احتياجها إلى فاعلها في وجودها لا تحتاج إلى المادة في قوامها وتحصلها. PageV02P243 # بل نقول : إن القيام بالذات له معنيان : # أحدهما أنه ليس بمحتاج في وجوده وتحصله إلى غيره مطلقا ، وهذا المعنى ~~مختص به تعالى ليس يوجد في غيره تعالى ، لا في الجسمانيات ولا في المجردات. # والثاني أنه مع احتياجه إلى فاعله في ذلك غير محتاج إلى المادة فيه ، ~~وهذا المعنى لا يتحقق فيه تعالى ، ويتحقق فى غيره مما هو كذلك ، كالجسم ~~وكالمجردات. وكيفما ms539 كان ، فلا يلزم من وجود مجرد سواه تعالى ، اشتراكه معه ~~في معنى القيام بالذات ، حتى يلزم الاشتراك فيما هو مختص به تعالى ، فضلا ~~عن أن يكون هناك اشتراك في ذاتي. حيث إن القيام بالذات بكلا المعنيين لا ~~نسلم أنه أمر ذاتي لشيء ؛ فتبصر. # وحيث عرفت ما ذكرنا وبينا [في] شرح الحديث الشريف ، عرفت أن الاستدلال به ~~على عدم مجرد سوى الله تعالى في غاية الضعف ، بل أنه لو أمكن الاستدلال به ~~على شيء ، لكان دالا على ثبوت مجرد سواه تعالى كما عرفت. والله تعالى أعلم ~~بحقيقة الحال. # ثم اعلم أنه ربما ذهب ظن بعض من العلماء المتأخرين (1) إلى الاستدلال على ~~عدم كون مجرد سوى الله تعالى بما تضمنه الدعاء الذي دعا به سيد الساجدين ~~وزين العابدين عليه وعلى آبائه المعصومين وأولاده الطاهرين أجمعين أفضل ~~التحيات وأكمل الصلوات في التضرع إلى الله تعالى ، وهو مذكور في الصحيفة ~~الكاملة (2)، قال عليه السلام : «لك يا إلهي وحدانية العدد ، وملكة القدرة ~~الصمد ، وفضيلة الحول والقوة ، ودرجة العلو والرفعة ، ومن سواك مرحوم في ~~عمره ، مغلوب على أمره ، مقهور على شأنه ، مختلف الحالات ، متنقل في ~~الصفات». # فلا بأس أن ننظر في كيفية الاستدلال على المطلوب ، ثم الجواب عنه. # بيان الاستدلال : ان ذلك المستدل زعم أن قوله عليه السلام : «ومن سواك ~~مرحوم في عمره» الى آخره حيث يدل على أن من سواه تعالى مطلقا مختلف الحالات ~~متنقل في PageV02P244 # الصفات ، يدل على نفي مجرد سواه تعالى ، لأنه لو كان مجرد سواه تعالى ، ~~والحال أن المجرد على اصول الحكماء غير مختلف الحالات وغير متنقل في الصفات ~~، بل أن كمالاته بالفعل من كل وجه ، فلا يكون كل من سواه مختلف الحالات ~~متنقلا في الصفات ، وهذا مخالف لما دل عليه قوله عليه السلام . # وبيان الجواب : أن هذا لو أجري في النفس الناطقة الإنسانية فلا يتجه ، ~~لأنها عند الحكماء وإن كانت مجردة بالذات عن المادة ، لكنها محتاجة إليها ~~في فعلها وكمالاتها تخرج من القوة إلى الفعل بتوسط آلاتها البدنية ، ولها ~~مراتب وحالات ms540 مختلفة وصفات متفاوتة متنقلة هي من بعضها إلى أخرى ، كالمرتبة ~~الهيولانية وبالملكة وبالمستفاد ، وبالفعل من مراتب العقل النظري ، وكذا ~~لها مراتب مختلفة وحالات متفاوتة من مراتب العقل العملي. وأي اختلاف حالات ~~وتنقل في صفات أعظم من هذا وأظهر منه؟ # نعم لو أجري ذلك في العقول المفارقة التي هي على أصول الحكماء مجردات في ~~الذات والفعل جميعا وكمالاتها بالفعل من كل وجه ، وقلنا بها ، لربما أمكن ~~اتجاهه ، ومع ذلك يمكن الجواب عنه بأن تلك العقول أيضا ، حيث إنها ممكنة ~~الوجود حادثة بالذات عند الجميع ، وبالزمان وبالدهر أيضا كما هو الحق ، ~~وبالجملة فهي مما أخرجه الموجد لها عن كتم العدم إلى الوجود ، فلها نوع ~~اختلاف في الحالات ونحو تنقل في الصفات. وبذلك يمكن أن يصدق عليها أيضا ~~أنها مختلفة الحالات متنقلة في الصفات ، بخلاف ذاته تعالى ، فإنه لا اختلاف ~~له مطلقا ولا تنقل في صفته أصلا. والله أعلم بالصواب وإليه المرجع والمآب. ### | في الاشارة إلى أنه باتضاح الدليل على تجرد النفس ### ||| * الناطقة الإنسانية يتضح الدليل على جوهريتها أيضا # وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام ، واتضح لك الدليل على تجرد النفس ~~الناطقة PageV02P245 # الإنسانية ، واندفع ما يوهم خلافه ، واتضح الدليل على جوهريتها أيضا ، ~~كما هو أحد المقاصد في الباب ، حيث إن الموجود الممكن المجرد عن المادة في ~~ذاته ليس إلا جوهرا موجودا لا في موضوع ، كما هو معنى الجوهر على ما عرفوه ~~، فحري بنا أن نصرف عنان العناية إلى صوب المقصود الآخر من مقاصد الباب ، ~~أي في أن النفس الإنسانية واحدة بالذات مختلفة بحسب الأفعال وباعتبار ~~المراتب والحالات ، وأن لها قوى متعددة يختلف أفاعيلها لاختلاف قواها. ### | في أن النفس الإنسانية واحدة بالذات مختلفة بالاعتبار # فنقول : قال الشيخ في «الشفاء» : فصل في عد المذاهب الموروثة عن القدماء ~~في أمر النفس وأفعالها وأنها واحدة أو كثيرة ، وتصحيح القول الحق فيها (1) ~~: «إن المذاهب (2) في ذات النفس (3) وأفعالها مختلفة ، فمنها قول من زعم : ~~أن النفس ذات واحدة ، وإنما تفعل جميع الأفعال بنفسها باختلاف الآلات. ومن ~~هؤلاء من زعم ms541 أن النفس عالمة بذاتها ، تعلم كل شيء ، وإنما تستعمل الحواس ~~والآلات المقربة للمدركات منه (4) بسبب أن تتنبه (5) لما في ذاتها. ومنهم ~~من قال : إن ذلك على سبيل التذكر لها ، فكأنها عرض لها عنده إن نسيت. # ومن الفرقة الاولى من قال : إن النفس ليست واحدة ، بل عدة ، وأن النفس ~~التي في بدن واحد هو مجموع : نفس حساسة دراكة ، ونفس غضبية ، ونفس شهوانية ~~، فمن هؤلاء من جعل النفس الشهوانية هي النفس الغذائية ، وجعل موضعها القلب ~~، وجعل له شهوة الغذاء والتوليد جميعا. ومنهم من جعل التوليد لقوة من هذا ~~الجزء من أجزاء النفس فائضة إلى الأنثيين في الذكر والأنثى. ومنهم من جعل ~~النفس ذاتا واحدة ، وتفيض عنها هذه القوى ، ويختص (6) كل قوة بفعل ، وأنها ~~إنما تفعل ما تفعله من الامور المذكرة بتوسط هذه القوى. PageV02P246 # فمن قال : إن النفس واحدة فعالة بذاتها ، احتج بما سيحتج به أصحاب المذهب ~~الأخير (1) مما نذكره. ثم قال : فإذا كانت واحدة غير جسم ، استحالت (2) أن ~~تنقسم في الآلات وتتكثر ، فإنها حينئذ تتكثر (3) صورة مادية ، وقد ثبت ~~عندهم أنها جوهر مفارق بقياسات لا حاجة (4) إلى تعدادها هنا. قالوا : فهي ~~بنفسها تفعل ما تفعل بآلات مختلفة. # والذين قالوا من هؤلاء : إن النفس علامة بذاتها ، احتجوا وقالوا : لأنها ~~إن كانت جاهلة عادمة للمعلوم (5)، فإما أن يكون ذلك لها لجوهرها أو يكون ~~عارضا لها ، فإن كان لجوهرها استحال أن تعلم البتة ، وإن كان عارضا لها ، ~~فالعارض يعرض على الأمر الموجود للشيء ، فيكون موجودا للنفس أن تعلم ~~الأشياء ، لكن عرض لها إن جهلت بسبب ، فيكون السبب إنما يتسبب للجهل لا ~~للعلم. فإذا رفعنا الأسباب العارضة ، بقي لها الأمر الذي في ذاتها. ثم إذا ~~كان الأمر الذي لها في ذاتها هو أن تعلم ، فكيف يجوز أن يعرض لها بسبب من ~~الأسباب أن تصير لا تعلم وهي بسيطة روحانية لا تنفعل ، بل يجوز أن يكون ~~عندها العلم وتكون معرضة عنه مشغولة إذا نبهت علمت ، وكان معنى التنبيه ~~ردها إلى ذاتها وإلى حال طبيعتها ، فصادفت (6) نفسها عالمة ms542 بكل شيء. # وأما أصحاب الذكر (7)، فإنهم احتجوا وقالوا : إنه لو لم تكن النفس علمت ~~وقتا ما تجهله الآن وتطلبه ، لكان (8) إذا ظفرت به لم تعلم أنه المطلوب ، ~~كطالب العبد الآبق ، وقد فرغنا (9) من ذكر هذا في موضع آخر وعن نقضه. # والذين كثروا النفس ، فقد احتجوا وقالوا : كيف يمكننا أن نقول : إن ~~الأنفس كلها نفس واحدة ، ونحن نجد النبات ولها (10) النفس الشهوانية ، أعني ~~التي ذكرناها في هذا القبيل (11) وليس لها الفصل المميز ، فتكون لا محالة ~~هذه النفس شيئا منفردا بذاته ، دون تلك (12) النفس الحساسة المذكورة ، ثم ~~نجد الحيوان ، ولها (13) هذه النفس الحساسة الغضبية ، ولا PageV02P247 # يكون (1) هناك النفس النطقية أصلا ، فتكون هذه الأنفس البهيمية نفسا على حدة. # وإذا اجتمعت هذه الأمور في الإنسان ، علمنا أنه قد اجتمع فيه أنفس ~~متباينة (2) الذوات ، قد يفارق بعضها بعضا ، فلذلك يختص (3) كل واحدة منها ~~بموضع ، فيكون للمميزة الدماغ ، ويكون للغضبية الحيوانية القلب ، ويكون ~~للشهوانية الكبد. # فهذه هي المذاهب المشهورة في أمر النفس ، وليس بصحيح (4) منها إلا المذهب ~~الأخير مما عد أولا ، فلنبين صحته ، ثم نقبل على حل الشبهة التي أوردوها». # ثم إنه ساق الكلام في تصحيح ما رام تصحيحه ، وفي إبطال المذاهب الأخر ~~ونقض احتجاجاتهم عليها بوجوه كثيرة ، سنذكر نحن فيما سيأتي حاصلها وبيانها ~~مع زوائد وفوائد استفدناها من كلمات الحكماء وسنحت بالبال جملة منها ، ~~فنقول : # إن القول بوحدة النفس ، أي القول بكون المدبر في البدن المتصرف فيه وفي ~~أجزائه كما هو معنى النفس عندهم واحدا وحدة بالذات ، كأنه بديهي لا يحتاج ~~إلى دليل وبرهان ، فإن كل أحد إذا كان سليم الفطرة وراجع إلى وجدانه ، يجد ~~من نفسه أن المدبر في بدنه المتصرف فيه ليس متكثرا متعددا بالذات ، بل واحد ~~بالعدد بالذات ، وهو الذي يعبر عنه بقولنا : أنا أو أنت. ولو جاز التشكك في ~~هذا لجاز التشكك في أن الإنسان الواحد إنسان متعدد. فعلى هذا ، فالذين ~~تشككوا فيه وقالوا بتكثير النفوس في الإنسان الواحد ، فتشككهم فيه كأنه ~~تشكك في أمر بديهي ، وهو لا ينبغي أن يلتفت ms543 إليه. نعم ، لو أرادوا بذلك ~~التكثر تكثر قوى نفس واحدة ، لكان لذلك وجه ، على ما سيأتي تحقيقه. ثم إنه ~~حيث كان هذا الحكم بديهيا أو في حكمه ، فما ذكره القوم دليلا عليه كأنه ~~تنبيه عليه ، ونحن نذكر من ذلك وجهين يفيدان الاطمئنان ، وقد سبقت في ~~الأبواب السابقة إشارة ما إليهما. ### ||| ** الوجه الأول # إنه لا سترة في أنه يصح لك أن تقول : أنا قعدت وأنا قمت وأنا جئت وأنا ~~ذهبت وأنا PageV02P248 # أكلت وأنا شربت وأنا دخلت وأنا خرجت ، إلى غير ذلك من الأفاعيل والحركات ~~والسكنات التي هي لا محالة خاصة بالجسم ، مختصة بالمادة ، وأنت تنسبها إلى ~~ذاتك وتدعيها لنفسك. فهذه إما مجازات كما يلوح من كلام بعضهم كصاحب ~~المطارحات بناء على أن هذه أفعال بدنية ، وأنت تنسبها إلى نفسك لعلاقة ~~المصاحبة والمحبوبية ، مثلا كما أن زيدا مثلا قد ينسب فعل عمرو إذا أحبه ~~إلى نفسه ، فهذا باطل بالضرورة ، لأنا نعلم قطعا أن هذه الإسنادات ليست ~~بمجازات ، بل حقائق ، فإنها من قبيل إن الجسم إذا جاء ، جاء معه لونه ~~المصاحب له حقيقة لكن بالعرض. ومنه يظهر وحدة النفس ، حيث إن الفاعل في ~~الكل واحد. بل يظهر أيضا كما ادعاه بعضهم تجردها عن المادة بالذات ، وكونها ~~مع ذلك موسخة بأوساخ المادة ومتدرنة بخبائث الطبيعة من العادات الدنية ~~والملكات الخسيسة والصفات الرذيلة ، فصارت من العالم الوسط الذي بين عالم ~~المادة وعالم المجردات المحضة ، حتى تتطهر باتباع الأحكام الدينية وسلوك ~~الشرائع الإلهية وإطاعة أنبياء الله تعالى وخلفائه عن هذه الأوساخ الخسيسة ~~، وتنفض عن ذيل قدسها هذه الآثار الطبيعية ، فتجرد بالكلية عن هذا العالم ~~الدنيوي الخسيس ، وتتدرج إلى العالم الأعلى الشريف ، فتنجو من هذا السجن ~~وتصير مجردة بالفعل. وفقنا الله تعالى لهذا بمنه وفضله بحق محمد وآله ~~الطاهرين. # وكذلك لا سترة في أنه يصح لك أن تقول : أنا اشتهيت وتغذيت مما هو من ~~أفعال النفس النباتية وأنا أحسست وغضبت مما هو من أفعال النفس الحيوانية ~~وأنا أدركت وتعقلت مما هو من أفعال النفس الإنسانية فهذه أيضا ms544 إما مجازات ~~لعلاقة المصاحبة مثلا ، فهو باطل كما مر ، فبقي أن تكون حقائق وفيه ~~المطلوب. بل أن تقول : أنا اشتهيت فأحسست فتغذيت ، وأنا أحسست فاشتهيت ، ~~وأحسست فغضبت ، وأدركت فحركت ، إلى غير ذلك من العبارات التي تجعل فيها فعل ~~بعض هذه النفوس الثلاثة سببا لفعل أخرى منها ، وتدعي أن المبدأ للكل أنت ~~نفسك وأنت شاعر به ، ولا يخفى أن فيه تنبيها واضحا على المطلوب عند ذي فطرة سليمة. PageV02P249 ### ||| ** الوجه الثاني # إنا نجد من أنفسنا أن أفعال النفوس الثلاثة وقواها قد يضعف بعضها بعضا ، ~~وقد يقوي بعضها بعضا ، وقد يستعمل بعضها بعضا ، وقد يشتغل بعضها عن بعض ، ~~وقد يحرك بعضها إلى بعض ، وقد يمنع بعضها عن بعض ، وقد يرد بعضها إلى بعض. # وذلك كما نجد من أن الفرح النطقي الذي هو من فعل النفس الإنسانية ، وذلك ~~عند استشعارها بقضايا تحبها محبة ليست ببدنية يؤثر في القوة النامية وفي ~~فعل النفس النباتية ، فيفيدها شدة ونفاذا في فعلها ، وأن الألم النطقي الذي ~~هو من فعل النفس الإنسانية أيضا ، وذلك عند استشعارها بقضايا تكرهها كراهة ~~ليست ببدنية أيضا يؤثر في فعل النفس النباتية وفي القوة النامية ، فيكون ~~سببا لضعفها وعجزها حتى يفسد فعلها ، وربما انتقض المزاج به انتقاضا. # وكما نجد من أن الفرح الحسي أو الألم الحسي اللذين هما من أفعال النفس ~~الحيوانية ، وذلك عند إدراكها للأشياء الملذة أو المؤلمة ، مثل إبصارها ~~للصور الحسنة أو القبيحة أو استماعها للأصوات الموافقة أو المنافرة يؤثران ~~في فعل النامية قوة أو ضعفا. وكما نجد من أن قوة القوة النامية أو ضعفها ~~تؤثران في فعل الحيوانية وقواها قوة أو ضعفا ، بل في فعل الإنسانية أيضا. ~~فإن من كان صحيح المزاج والبنية ، يكون فعل حواسه وكذا فعل قوته العاقلة ~~أتم وأكمل ، وأن من كان عليل المزاج والبنية ، يكون بعكس ذلك. # وكما نجد من أن قوة الأفعال الحيوانية أو ضعفها قد يؤثران في قوة النفس ~~الإنسانية أو ضعفها وإن لم يكن ذلك كليا ولا أكثريا. # وكما نجد من أن القوة النباتية ms545 قد تستعمل القوة الحيوانية أو الإنسانية ، ~~وذلك كما يكون عند التغذي مثلا ، فيلاحظ أولا بالقوة الحيوانية أو ~~الإنسانية كون ذلك الغذاء ملائما أو منافرا ، فتدرك ذلك إما بالحواس أو ~~بالحكم العقلي حتى تتغذى به أو تتركه. # وكما نجد من أن إدراك الأشياء الملائمة قد يثير الشهوة ، وأن إدراك ~~الأشياء المنافرة PageV02P250 # يمنعها. # وكما نجد من أن القوى الحيوانية تعين النفس الناطقة في أشياء : منها أن ~~يورد الحس الجزئيات فتحصل لها من الجزئيات أمور أربعة : # أحدها انتزاع الذهن الكليات المفردة عن الجزئيات على سبيل تجريد لمعانيها ~~عن المادة وعن علائقها ، ومراعاة المشترك فيه والمتباين به والذاتي والعرضي ~~، فتحدث للنفس من ذلك مبادي التصور ، وذلك بمعاونة استعمال الخيال والوهم. # والثاني بإيقاع مناسبات بين هذه الكليات على سلب وإيجاب ، فما كان ~~التأليف منها بسلب أو إيجاب أوليا بينا بنفسه ، أخذه ، وما كان ليس كذلك ~~يتركه إلى مصادفة الواسطة. # والثالث تحصيل المقدمات التجربية ، وهو أن يجد محمولا لازم الحكم لموضوع ~~ما ، كان حكمه إيجابا أو سلبا ، أو تاليا موجب الاتصال أو مسلوبه ، أو موجب ~~العناد أو مسلوبه. # والرابع الأخبار التي يقع فيها التصديق لشدة التواتر ، فإن النفس ~~الإنسانية تستعين بالبدن وبالقوى الحيوانية البدنية ، لتحصيل هذه المبادي ~~للتصور والتصديق. ثم إذا حصلتها رجعت إلى ذاتها ، فإن عرض لها شيء من القوى ~~التي دونها شاغلة إياها بما يليها من الأحوال ، شغلتها عن فعلها أو أضرت ~~بفعلها ، وإن لم تشغلها فلا تحتاج إليها بعد ذلك في خاص أفعالها ، وإلا في ~~أمور تحتاج فيها خاصة إلى أن تعاود القوى الخيالية مرة اخرى ، وذلك لاقتناص ~~مبدأ غير الذي حصل. وهذا مما يقع في الابتداء ولا يقع بعده إلا قليلا. # وأما إذا استكملت النفس وقويت فإنها تنفرد بأفاعيلها على الإطلاق ، وتكون ~~القوى الحسية والخيالية وسائر القوى البدنية صارفة إياها عن فعلها ، مثل أن ~~الإنسان قد يحتاج إلى دابة وآلات ليتوصل بها إلى مقصد ما ، فإذا وصل إليه ، ~~ثم عرض من الأسباب ما يعوقه عن مفارقتها ، صار السبب الموصل إليه بعينه عائقا. ms546 PageV02P251 # وكما نجد من أن إدامة استعمال الحواس في المحسوسات بحيث لا يكون هناك ~~تعطل للحواس أصلا ، وكذا إدامة النظر في المعقولات قد تشغل النفس النباتية ~~عن فعلها ، بل قد تكل وتضعف جدا ، وكذلك إدامة استعمال الحواس قد تشغل ~~القوة العاقلة عن فعلها ، بل قد تمنعها عنه ، وكذا بالعكس ، وكل ذلك ظاهر ~~على من راجع إلى وجدانه. # وكما نجد من أن حكم الحس إذا غلط فيه يرد إلى حكم العقل ، وذلك مثل أن ~~الحس الدائم الغلط في محسوسه كالعين إذا نظرت من بعيد إلى الشيء الكبير ~~فتراه صغيرا ، حتى ترى الشمس مثلا وهي أضعاف مقدار الأرض ، مثل المرآة التي ~~قطرها شبر ، ونظرت إلى الشيء في الماء فتراه كبيرا وهو صغير ، ومعوجا وهو ~~مستقيم ؛ وكالذوق الصفراوي إذا أحس بالحلو مرا ، ترد هذه الأغلاط إلى النفس ~~وإلى القوة العاقلة ، فتحكم بأن الحس قد غلط ، وأن الحق غير ما أحس ، فترد ~~الجميع إلى حقائقها. # وحيث عرفت ذلك ، أي ارتباط هذه الأفعال المتخالفة بعضها ببعض كما بينا ، ~~اتضح لك أن المدبر للبدن والمتصرف فيه وهو المسمى بالنفس شيء واحد. # إذ لو كان متعددا ، أي نفوسا ثلاثة لا ارتباط بينها من حيث الذات ، ~~لكونها متباينة الذوات كما هو رأي الخصم ، ولا بين أفعالها ، حيث إنه من ~~المقرر عندهم أن كل نفس من حيث هي فإنما هي كذلك من حيث يصدر عنها الفعل ~~الخاص بها ، أي الفعل الأول الذي لها ، فلا النفس الغضبية من حيث هي غضبية ~~تنفعل من اللذات ، ولا الشهوانية من حيث هي شهوانية تنفعل من المؤذيات ، ~~ولا المدركة من حيث هي مدركة تتأثر مما تتأثر هاتان عنه ، كما أنه لا شيء ~~من هاتين قابلا للصور المدركة التي تتأثر عنها النفس المدركة ، والقوة ~~المدركة ، لم يكن هذا الارتباط. # وحيث كان ذلك الارتباط الذي عرفته ، فهو إما مبني على اشتراك تلك النفوس ~~المتعددة في الآلة أو في المحل ، وهذا منتف ، لأن المفروض أن بعض تلك ~~النفوس وهي الإنسانية ليست في محل ، ولا لها آلة في أفعالها ms547 الذاتية ، لكون ~~المفروض تجردها ، والنفسان الأخريان ، أي النباتية والحيوانية وإن كان لهما ~~محل وآلة ، فليس ذلك مشتركا PageV02P252 # بينهما باعتقاد الخصم أيضا. # وإما مبني على أن يكون هناك مدبر أصل ، ويكون ما سواه كالفروع بل كالقوى ~~له ، أي أن يكون لهذه النفوس المتعددة رباط واحد يجمع كلها ، أي ما به ~~الارتباط الذي يجمع كل ذلك إليه ، ويكون نسبته إلى هذه نسبة الحس المشترك ~~إلى الحواس التي هي الرواضع ، وفيه المطلوب. # وبعبارة أخرى إنك قد عرفت أن هذه القوى والنفوس تشغل بعضها بعضا ، ~~ويستعمل بعضها بعضا مع أن المفروض أن ليس بينها ولا بين أفعالها ارتباط ، ~~وليس هنا أيضا اشتراك في المحل أو الآلة. فلو لم يكن هنا رباط يستعمل هذه ~~فيشغل بعضها عن بعض فلا يستعمل ذلك البعض ولا يدبره ، لما كان بعضها يمنع ~~بعضا عن فعله بوجه من الوجوه ، ولا ينصرف عنه ، لأن فعل قوة من القوى أو ~~نفس من النفوس إذا لم يكن له اتصال بقوة أخرى أو نفس أخرى لا تمنع الأخرى ~~عن فعلها إذا لم تكن الآلة مشتركة ولا المحل مشتركا ولا أمر يجمعها غير ذلك ~~مشتركا. فبقي أن يكون ذلك الارتباط لأمر رابط غير الآلة والمحل. # وحينئذ فنقول : إن هذا الجامع الرابط لا يجوز أن يكون جسما. # أما أولا فلأن الجسم بما هو جسم ليس يلزمه أن يكون مجمع هذه القوى أو ~~النفوس ، وإلا لكان كل جسم كذلك ، بل لأمر يصير به كذلك ، ويكون ذلك الأمر ~~هو الجامع الأول ، وهو كمال الجسم من حيث هو مجمع وهو غير الجسم ، فيكون ~~إذن المجمع هو شيئا غير الجسم ، وليس هو إلا النفس. # وأما ثانيا فلأنه قد تبين مما سلف أن من هذه القوى أو النفوس ما ليس يجوز ~~أن يكون جسما أو جسمانيا مستقرا في جسم ، وهو القوة العاقلة والنفس ~~الناطقة. # وأما ثالثا فلأن ذلك الجسم إما أن يكون جملة البدن ، فيلزم أن يكون إذا ~~نقص منه شيء لا يكون ما نشعر به نحن «أنا» موجودا ، وليس كذلك ms548 لأني مثلا ~~أكون أنا وإن لم أعرف أن لي يدا أو رجلا أو عضوا من هذه الأعضاء ، بل أظن ~~أن هذه توابعي ، وأعتقد أنها آلات لي أستعملها في حاجات ، لو لا تلك ~~الحاجات لما احتيج إليها لي ، ويكون أنا أيضا PageV02P253 # أنا وليست هي ، وقد عرفت فيما سلف أنا لو فرضنا أنه لو خلق إنسان دفعة ~~واحدة ، وخلق متباين الأطراف ولم يبصر أطرافه ، واتفق أن لم يمسها ولا ~~تماست ولم يسمع صوتا جهل وجود جميع أعضائه ، وعلم وجود إنيته شيئا واحدا مع ~~جهل جميع ذلك ، وليس المجهول بعينه هو المعلوم. # وإن لم يكن ذلك الجسم جملة البدن ، بل كان عضوا مخصوصا ، كالقلب أو ~~الدماغ أو عدة أعضاء منه هويتها أو هوية مجموعها هو الشيء الذي أشعر به ~~«أنا» ، أنه «أنا» ، فيجب أن يكون شعوري ب «أنا» هو شعوري بذلك العضو أو ~~بتلك الأعضاء ، لأن الشيء لا يجوز أن يكون من جهة واحدة مشعورا به غير ~~مشعور به وليس كذلك ، فإني أعرف أن لي قلبا أو دماغا بالإحساس والسماع ~~والتجارب ، لا لأني أعرف أني أنا ، فيكون إذن ليس ذلك العضو لنفسه الشيء ~~الذي أشعر به أنه أنا بالذات ، بل يكون بالعرض أنا ، ويكون المقصود بما ~~أعرفه مني أني أنا الذي اعينه في قولي : أنا أحسست وتعقلت وفعلت وجمعت هذه ~~الأوصاف شيئا آخر هو الذي أسميه أنا ، وكذلك أني أعرف أني أنا بالمعنى الذي ~~أسميه النفس ، أعني المدبر للبدن والمتصرف فيه ، مع أني لا أعرف القلب ~~والدماغ ولا أفهم معناهما ، وحيث بطل كون ذلك الرابط الجامع جسما بطل كونه ~~جسمانيا أيضا ، وحيث بطل ذلك ، بطل كونه من جملة هذه النفوس الثلاثة نفسا ~~نباتية أو نفسا حيوانية ، لكون كل منهما جسمانية أيضا كما هو المقرر عندهم ~~ويعترف به الخصم أيضا. فبقي أن يكون ذلك الرابط الجامع الواحد نفسا انسانية ~~، وبطل أيضا بذلك كون المتصرف في البدن نفوسا متعددة ، كما ادعاه الخصم. ### | في إبطال ما تمسكوا به في تعدد النفس في الإنسان # مع أن ما ms549 تمسك هو به باطل بما أبطله الشيخ. # قال (1): «وأما حجة هؤلاء الذين يجزءون النفس ، فقد أخذ فيها مقدمات ~~باطلة ، من PageV02P254 # ذلك قولهم : إنه يوجد (1) للنفس النباتية مفارقة للحساسة ، فيجب أن يكون ~~(2) شيء آخر غيره. # فإن هذه المقدمة سوفسطائية ، وذلك لأن المفارقة تتوهم على وجوه ، والتي ~~يحتاج إليها هنا (3) وجهان : أحدهما أنه قد يتوهم (4) لها مفارقة ، كما ~~للون عن البياض وللحيوان عن الإنسان ، إذ يوجد (5) هذه الطبيعة في غير ~~البياض وتلك في غير الإنسان ، بأن يقارن كل فصلا آخر. وقد يتوهم (6) مفارقة ~~، كما للحلاوة المقارنة للبياض في جسم ، فإنها قد توجد مفارقة له ، فيكون ~~(7) الحلاوة والبياض قوتين مختلفتين لا يجمعهما شيء وأليق المفارقات بالنفس ~~النباتية للنفس الحساسة هو القسم الأول ؛ وذلك (8) أن النفس النباتية ~~الموجودة في النخلة لا تشارك القوة النامية الموجودة في الإنسان البتة في ~~النوع ، فإن تلك القوة ليست بحيث تصلح لأن تقارن النفس الحيوانية (9)، ولا ~~القوة النامية التي في الحيوان تصلح لأن تقارن النفس النخلية ، ولكن ~~يجمعهما معنى واحد ، وهو أن كل واحد (10) منهما يغذي وينمي ويولد ، وإن كان ~~ينفصل (11) عنه بعد ذلك بفصل مقوم منوع لا بعرض فقط. والمعنى الموجود فيهما ~~جميعا هو جنس القوة النباتية والتي للإنسان (12) يفارق على جهة ما يفارق ~~المعنى الجنسي. ونحن لا نمنع أن يوجد جنس هذه القوى لأشياء اخر (13)، وليس ~~(14) ذلك أنه يجب أن لا يجتمع (15) هذه القوى في الإنسان لنفس (16) واحدة ، ~~بل ليس يجب من ذلك أن لا (17) يكون الطبيعة النامية الموجودة في الحيوان ~~مقولة على النفس الحيوانية التي له ، حتى يكون (17) نفسه الحيوانية هي تلك ~~القوة ، كما أن الإنسان ليس (19) شيئيا غير حصة في جنس الحيوانية. وهذا شيء ~~قد تحقق لك في المنطق. فهذا ليس يوجب أن يكون (20) النفس النامية التي في ~~الإنسان غير النفس الحيوانية ، فضلا عن أن تكون (21) قوى نفس واحدة ، فليس ~~إذن النباتية التي في الإنسان توجد البتة مفارقة بنوعها PageV02P255 # للإنسان. واحتجاجهم غير منتفع به إذا كانت القوة لا تفارق بنوعيتها ، بل ~~بجنسيتها ، وهما مختلفان. ومع ms550 ذلك فلنضع القوة النباتية في الحيوان مخالفة ~~للقوة الحيوانية فيه ، كأن كل واحد (2) منهما نوع محصل منفرد بنفسه ، وليس ~~أحدهما الآخر ، ولا مقولا عليه ، فما في ذلك مما يمنع أن يكون (3) القوتان ~~جميعا في الحيوان لنفس الحيوان ، كما أنه ليس إذا وجدت الرطوبة في غير ~~الهواء ، وليست مفارقة (4) للحرارة ، يجب من ذلك أن لا يكون (5) الرطوبة ~~والحرارة في الهواء بصورة (6) واحدة ولمادة واحدة. وليس إذا كانت حرارة ~~توجد غير صادرة عن الحركة ، بل عن حرارة أخرى يجب من ذلك أن الحرارة في ~~موضع آخر ليست تابعة للحركة. # ونقول : ليس يمتنع أن (7) هذه القوى متغايرة بالنوع أيضا ، وتنسب إلى ذات ~~واحدة هي فيه (8)، فأما كيفية تصور هذا ، فهو أن الأجسام العنصرية يمنعها ~~(9) صرفة التضاد عن قبول الحياة. فكلما أمعنت في هدم طرف من التضاد ورده ~~إلى التوسط الذي لا ضد له ، جعلت تضرب إلى تشبه (10) بالأجسام السماوية ، ~~فتستحق بذلك قبول قوة محبة (11) من الجوهر المفارق المدبر ، ثم إذا ازدادت ~~قربا من التوسط ، ازدادت قبول حياة ، حتى تبلغ الغاية التي لا يمكن له أن ~~يكون (12) أقرب منها إلى التوسط ، ولا أهدم منها للطرفين (13). فيقبل ~~جوهرا مقارب الشبه من وجه ما للجوهر المفارق كما للجواهر السماوية ، فيكون ~~حينئذ ما كان يحدث في غيره من المفارق ، يحدث فيه من نفس هذا الجوهر ~~المقبول المتصل به الجوهر. ومثال هذا في الطبيعيات : لتوهم مكان الجوهر ~~المفارق نارا (14) وشمسا ، فكان (15) البدن جرما يتأثر عن النار ، وليكن ~~كوة (16) (1) ما ، وليكن مكان النفس النباتية تسخينها إياها ، ومكان النفس ~~الحيوانية إنارتها فيها ، ومكان النفس الإنسانية اشتعالها (17) فيها نارا. # فنقول : إن ذلك الجرم المتأثر كالكوة (18) إن كان ليس وضعه من ذلك المؤثر ~~فيه وضعا PageV02P256 # يقبل الاشتعال منه نارا ولا إضاءته ولا (1) إنارته ، ولكن وضعا يقبل ~~تسخينه لم يقبل غير (2) فإن كان وضعه وضعا يقبل تسخينه ، ومع ذلك هو مكشوف ~~له أو مستشف أو على نسبة إليه يستنير بها عنه استنارة قوية ، فإنه يسخن عنه ~~، ويستضيء معا ، ويكون الضوء الواقع فيه منه ms551 هو مبدأ أيضا مع ذلك المفارق ~~لتسخينه ، فإن الشمس إنما تسخن بالشعاع. # ثم إن كان الاستعداد أشد ، وكان (3) هناك ما من شأنه أن (4) تشتعل عن ~~المؤثر الذي من شأنه أن يحرق بقوته أو شعاعه اشتعل ، فحدثت الشعلة جرما ~~شبيها بالمفارق من وجه ، ويكون تلك الشعلة أيضا مع المفارق علة للتنوير ~~والتسخين معا ، حتى لو بقيت وحدها لاستتم أمر التنوير والتسخين ، ومع هذا ، ~~فقد كان يمكن أن يوجد التسخين وحده (5)، والتسخين والتنوير وحدهما ، ولم ~~يكن المتأخر منهما مبدأ يفيض عنه المتقدم ، وكان إذا اجتمعت الجملة يصير ~~حينئذ كل ما فرض متأخرا ، مبدأ أيضا للمتقدم وفائضا عنه المتقدم ، وهكذا ~~(6) فليتصور الحال في القوى النفسانية». انتهى كلامه . # أقول : وهذا الذي نقلنا منه لا يخفى أنه واف بدفع احتجاج القائلين بتكثر ~~النفس ، كاف في بيان كيفية إمكان أن يكون تلك النفوس المتعددة التي هي قوى ~~متغايرة منسوبة إلى ذات واحدة هي نفس الإنسانية ، وأن يكون تلك الذات مجمعا ~~لتلك القوى والنفوس ، وفي ذكر التمثيل اللائق بهذا المقام ، وقد عرفت أيضا ~~مما ذكرنا في الأبواب السالفة أن السمعيات الظاهرة في تعدد النفوس يمكن أن ~~تأول بالحمل على تعدد قوى النفس الإنسانية التي هي ذات واحدة على تكثر ~~مراتب كمالاتها ، فتذكر. ### ||| ** شك مع حله # وقد بقي هنا شك ينبغي التعرض لرفعه ، وهو أنه إذا كان المتصرف في البدن ~~المدبر له ذاتا واحدة ، هي النفس الإنسانية وهي مجمع القوى ، يجب أن يكون ~~تلك الذات مبدأ لجميع تلك الأفعال المنسوبة إلى تلك القوى المتخالفة ، وإن ~~كانت مبدئيتها لبعضها PageV02P257 # بالواسطة ، ولبعضها بدون الواسطة ، والحال أن تلك الذات إنما يصدر عنها ~~فعلها بالاختيار والإرادة ، وتلك الأفعال منها ما ليس مقارنا للاختيار ~~والإرادة ، كالأفعال النباتية ، فكيف يصدر عن الفاعل بالإرادة فعل ليس ~~بإرادة؟ # والجواب عنه : أنه لا حجر في ذلك ، فإن الذي يقتضيه الدليل أن الفاعل ~~بالإرادة إنما يكون فعله بالإرادة إذا كان يصدر عنه بلا واسطة ، أو بتوسط ~~قوة تختص به نفسه ، كالأفعال الإنسانية. أما ما لا يكون كذلك ، بل ms552 يكون ~~بتوسط أمر آخر أو قوة لا تختص به نفسه ، بل بآلته كالأفعال الحيوانية ~~والنباتية ، فهو تابع في ذلك لما يلزم تلك الواسطة ، فتلك الواسطة إن كان ~~فعلها بمقارنة الإرادة كالقوة الحيوانية ، يكون فعل ذلك المبدأ البعيد أيضا ~~بالإرادة ، لا لأجل أنه مبدأ بعيد له ، بل لأجل أن فعل ذلك المتوسط الذي هو ~~قوة له بالإرادة ، يعنى أنه يكون بالإرادة لا بالذات بل بالعرض ، وإن كان ~~فعل تلك الواسطة لا بالإرادة كالأفعال النباتية. فلا ينافي كون ذلك الفعل ~~مستندا إلى ذلك المبدأ البعيد الذي هو بالإرادة ، وكيف ذلك والحال أن ~~الأفعال الطبيعية التي ليست مع الإرادة مستندة بالاخرة إلى المبدأ الفياض ~~الذي فعله مقارن للإرادة البتة. # وهذا كما أن فعل النفس الإنسانية بالذات يكون كليا ، وما يصدر عنها بتوسط ~~القوة الحيوانية يكون جزئيا وإن كان مع الإرادة ، ولا حجر في ذلك أيضا. ~~وحاصل المقام أن ما ينسب إلى النفس النباتية في النبات من الأفعال الطبيعية ~~التي ليست بالإرادة ، منسوبة في الإنسان إلى بعض قوى النفس الإنسانية ، حيث ~~إن المفروض أن النفس النباتية قوة من قواها ، وقواها أيضا من قواها ، وكذلك ~~ما ينسب إلى النفس الحيوانية في الحيوان من الأفعال الجزئية المقارنة ~~للإرادة ، فهى منسوبة في الإنسان إلى بعض من القوى الإنسانية ، حيث إن ~~النفس الحيوانية قوة من قواها وكذلك قواها من قواها ، وما ينسب إلى النفس ~~الإنسانية ، فهي منسوبة إليها بالذات. PageV02P258 ### | في كيفية صدور الأفعال المختلفة عن الإنسان # ثم إنك حيث تحققت ما ذكر ، وعرفت أن المدبر الأصل في البدن الإنساني ذات ~~واحدة هي النفس الناطقة الإنسانية ، وأن تلك القوى والنفوس قوى لها وفروع ~~لها ، فنعود من رأس ونقول : # لا يخفى أن هاهنا أفعالا مختلفة نشاهد صدورها عن الإنسان ، حيث إن ما ~~ينسب إلى كل نفس من تلك النفوس من الأفعال مخالف لما ينسب إلى الأخرى من ~~الأفعال ، ومع هذا فما ينسب إلى كل نفس بانفرادها هو أيضا أفعال مختلفة ~~متخالفة. # فإما أن يقال بكون تلك الأفاعيل المختلفة مستندة إلى ms553 فواعل مختلفة ، بأن ~~يكون كل فعل من تلك الأفعال مستندا إلى فاعل واحد منفرد ، ويكون مجموع تلك ~~الأفاعيل المتعددة المتكثرة مستندة إلى مجموع فواعل متعددة متكثرة بعدد تلك ~~الأفاعيل الجزئية أو كلياتها ، فهذا باطل ، لأنه بعينه هو القول بتكثر ~~النفوس ، وقد عرفت بطلانه. مع أنه يلزم أن يكون عدد تلك النفوس التي هي ~~فواعل ومدبرات أزيد من ثلاثة بكثير ، حيث إن عدد تلك الأفاعيل جزئياتها بل ~~كلياتها أيضا أزيد من ثلاثة بكثير ، وهذا مما لم يقل به أحد من ذوي العقول ~~السليمة. # وإما أن يقال باستناد جميع تلك الأفاعيل المتعددة المتكثرة إلى ذات ~~المدبر الواحد بذاته أعني النفس الناطقة من غير أن يكون ذلك بتوسط آلة أو ~~توسط قوة أو نحو ذلك ، فهذا أيضا باطل ، لأنه بناء على ما تقرر عندهم من أن ~~الواحد بالذات لا يصدر عنه من جهة واحدة إلا أمر واحد ، لا يصح هذا الفرض. ~~إلا أن يكون تكثر وتجزي في ذات ذلك الواحد ، بحيث يكون له أجزاء كثيرة يفعل ~~كل فعل من تلك الأفعال باعتبار جزء منه مناسب لذلك الفعل ، وقد عرفت أن ~~النفس الناطقة الإنسانية مجردة عن المادة في ذاتها ، بسيطة لا تركيب فيها ~~من الأجزاء لا بالفعل ولا بالقوة. نعم لو كانت هي جسما ، لأمكن فرض ذلك ~~فيها ، وإذ ليس فليس. وأيضا على هذا يلزم أن لا يكون للقوى والحواس حظ في ~~تلك الأفاعيل أصلا ، وهو خلاف ما نجده من أنفسنا ، كما سنبينه. وأيضا يلزم ~~أن يكون PageV02P259 # فاعل الكلي والجزئي واحدا ، وهو باطل كما سبقت الإشارة إليه ، وسيتضح ~~فيما بعد أيضا ان شاء الله تعالى. # وإما أن يقال باستناد جميع تلك الأفعال إلى ذات تلك النفس الواحدة بنفسها ~~من غير أن يكون تفعل ما تفعله من الأفعال بتوسط القوى ، إلا أن ما تفعله ~~بنفسها من الأفاعيل المختلفة إنما تفعله باختلاف الآلات ، كما نقله الشيخ ~~من القول الأول في بيان نقل المذاهب ، حيث قال (1): «فمنها قول من زعم أن ~~النفس ذات واحدة ، وإنما (2) تفعل جميع ms554 الأفعال بنفسها باختلاف الآلات». ثم ~~نقل عن ذلك القائل احتجاجه عليه بما احتج به كما نقلنا سابقا. فهذا القول ~~أيضا باطل. # أما أولا ، فلأنه يلزم على هذا المذهب أن لا يكون للحواس والمشاعر حظ في ~~الإدراكات أصلا ، وأن لا يكون لها فعل قطعا ، وأن لا يكون لها مدخل في تلك ~~الأفعال إلا على سبيل الآلية فقط ، حيث إن المفروض أن الفاعل بلا واسطة ~~للكل هو النفس خاصة ، وهذا خلاف ما نجده من نفوسنا بالضرورة. # وأما ثانيا ، فلأنه لو صح ذلك لصح في بعض الأفعال ، أي فيما تحتاج فيه ~~إلى الآلة من الأفعال كالأفعال المنسوبة إلى النفس النباتية والحيوانية ، ~~لا في كل الأفعال حتى فيما لا تحتاج فيه إلى الآلة ، كالأفعال المنسوبة إلى ~~النفس الإنسانية ، إذ ليست هي فيها محتاجة إلى الآلة ولا فيها اختلاف في ~~الآلة حتى يصح أن يقال : إنها تفعلها بنفسها باختلاف الآلات. وكأن ما ذكره ~~الشيخ من القولين الآخرين ، حيث قال : «ومن هؤلاء من زعم أن النفس عالمة ~~بذاتها ، تعلم كل شيء ، وإنما تستعمل الحواس والآلات المقربة للمدركات منه ~~بسبب أن تتنبه به لما في ذاتها ؛ ومنهم من قال : إن ذلك على سبيل التذكر ~~لها ، فكأنها عرض لها عنده أن نسيت» ، ثم نقل احتجاج الفريقين على ما ذهبا ~~إليه كما نقلنا عنه سابقا مبنيان على هذا المذهب أيضا ، أي على القول الأول ~~، لكن على نحو يحصل به التفصي PageV02P260 # عما ذكرناه من الإشكال الثاني ، وكأن وجه التفصي أن الأفعال المنسوبة إلى ~~النفس الإنسانية ، وإن لم يكن لها فيها احتياج إلى الآلة في حصول أصل تلك ~~الأفعال حتى يلزم خلاف ما هو المقرر عند الحكماء ، إلا أن لها فيها احتياجا ~~إلى الآلة واستعانة بها بنحو آخر ، وهو حصول التنبه أو حصول التذكر. # والحاصل أن العلوم والإدراكات الكلية التي هي أفعال النفس الناطقة ~~الإنسانية ليس فيها احتياج إلى الآلة في حصول أصلها ، كما في الأفعال ~~المنسوبة إلى النفسين الأخريين ، بل إن تلك العلوم والإدراكات مطلقا حاصلة ~~للنفس الإنسانية بذاتها ، وهي ms555 أفعال لها بنفسها ، وأما استعمال الحواس ~~والآلات ، فهو لأجل أن تكون مقربة لها عندها على سبيل التنبه كما هو رأي ~~فرقة ، أو على سبيل التذكر كما هو رأي فرقة أخرى. ولا يخفى عليك أن هذين ~~القولين أيضا باطلان. # أما أولا ، فلأن الإشكال الأول الذي أوردناه وارد عليهما أيضا ، ولا يمكن ~~التفصي عنه بهما. # وأما ثانيا ، فلأن معنى التنبه الذي قالت به الفرقة الأولى كأن مبناه على ~~أن تلك العلوم والإدراكات حاصلة للنفس أولا على سبيل حصول البديهيات لها ~~وعلمها بها ، أي علمها بها علما إجماليا ، وأنها إذا استعملت الحواس ~~والآلات كان ذلك مقربا لها هنا ، فتتنبه لها ويكون بذلك علمها الإجمالي ~~علما تفصيليا ، ويكون ذلك منبها لها كما في العلم بالبديهيات بعد حصول ~~المنبه لها ، وهذا باطل ، لأنه على هذا يلزم أن يكون معلومات النفس ~~الإنسانية ومدركاتها كلها بديهية ، وأن لا يكون شيء منها نظريا ، حيث إن ~~المنبه إنما يكون في البديهيات دون النظريات ، وذلك خلاف الواقع وخلاف ما ~~نجده بالوجدان. # وكذلك معنى التذكر الذي قالت به الفرقة الثانية ، كأن مبناه على أن علوم ~~النفس وإدراكاتها نظرياتها وبديهياتها ، حاصلة لها علوما تفصيليا ، إلا ~~أنها عرض لها أن نسيتها. ثم إنها إذا استعملت القوى والحواس ، زال عنها ~~النسيان وتذكرت لها كما هي عليه قبل النسيان. وهذا أيضا باطل من وجهين : PageV02P261 # أحدهما أنه أيضا خلاف ما نجده بالوجدان. # والثاني أنه على تقدير صحته ، إنما يصح إذا كانت النفس قديمة أو موجودة ~~قبل البدن بأزمنة كثيرة. حصل لها في تلك الأزمنة تلك العلوم والإدراكات ~~المفصلة ثم نسيتها بسبب من الأسباب كالتعلق بالبدن مثلا ثم زال عنها ~~باستعمال الحواس ذلك النسيان وعادت كما كانت أولا ، إذ من المعلوم أن ليست ~~لها بعد تعلقها بالبدن زمان يكون لها فيه حصول تلك العلوم والإدراكات ~~بنفسها ، من غير أن تكون قد استعملت الحواس حتى تكون بعد ذلك قد نسيتها ، ~~ثم استعملت الحواس فتذكرت لها. وهذا أيضا باطل ، لأنا سنقيم الحجة على كون ~~النفس الانسانية حادثة بحدوث البدن. ms556 # وأما ثالثا : فلأن ما احتج به الفرقتان على ما ادعتاه كما نقله الشيخ ~~عنهما ونقلناه عنه سابقا ، باطل بما أبطله به الشيخ. # قال (1): «وأما من تشكك فجعل النفس عالمة بذاتها (2) فهو فاسد ، فإنه ~~ليس يجب إذا كان جوهر النفس خاليا بذاته عن العلم (3) يستحيل له وجود العلم ~~، فإنه فرق بين أن يقال : إن جوهر الشيء باعتبار ذاته لا يقتضي العلم ، ~~وبين أن يقال : إن جوهره بذلك الاعتبار يقتضي أن لا يعلم. فإن لزوم الجهل ~~مع كل واحد من القولين يختلف (4). فإنا إذا (5) سلمنا أن النفس بجوهرها ~~جاهلة ، فإنما نعني أن جوهرها إذا انفرد ولم يتصل به سبب من خارج لزمه ~~الجهل ، بشرط الانفراد مع شرط الجوهر ، لا بشرط الجوهر وحده ، ولسنا نعني ~~بهذا أن جوهرها جوهر لا يعرى عن الجهل. وإن لم نسلم ، بل قلنا : إن ذلك أمر ~~عارض لنا (6)، فليس يجب أن يكون مثل هذا العارض واردا على الأمر الطبيعي ، ~~فإنه ليس إذا قلنا : إن الخشبة خالية عن صورة السرير (7)، وإن ذلك الخلو ~~ليس لجوهرها ، بل لأمر عارض (8) له حائز الزوال. كان هذا القول كأنك تقول : ~~يجب أن يكون قد كانت فيه صورة السرير (9) PageV02P262 # وانفسخت. # ومن المحال أيضا ما قاله المتشكك من ارتداد الشيء إلى ذاته ، فإن الشيء ~~لا يغيب البتة (2) من ذاته ، بل ربما قيل (3) يغيب عن أفعال تخص (4) بذاته ~~، وتتم بذاته وحدها ، وإنما يتوسع فيقال هذا لأن هذه الأفعال لا تكون ~~موجودة له ، بل لا تكون موجودة أصلا. وأما ذاته فكيف تكون غير موجودة ~~لنفسها وبالحقيقة ، فإن أفعاله لا يجوز أن يقال فيه (5) إنه يغيب عنها ، ~~لأن الغائب هو موجود في نفسه غير موجود للشيء ، وهذه الأفعال ليست موجودة ~~أصلا إلا وقت ما يوجدها ، فلا يكون غائبا عنها ، وأما ذات الشيء فلا يغيب ~~الشيء عنه ولا يرجع إليه. # وأما أصحاب الذكر (6) فقد نقض احتجاجهم في الصناعة الآلية». انتهى كلامه # وأقول : قوله : وأما اصحاب الذكر إلى آخره كأنه إشارة إلى ما تقرر في علم ~~المنطق من أن المطلوب ms557 المجهول الذي يراد تحصيله بالنظر ، يجب أن يكون ~~معلوما بوجه حتى لا يكون طالبه طالبا للمجهول مطلقا ، وأن يكون مجهولا من ~~وجه آخر ، حتى لا يكون تحصيله تحصيلا للحاصل ، وأنه إذا طلبته النفس وحصلته ~~بالنظر وعلمته من الوجه الذي كان مجهولا وظفرت به وعلمت أنه المطلوب الأول ~~الذي كانت تطلبه ، فعلمها بأنه المطلوب إنما هو من جهة أنه كان معلوما أولا ~~بوجه ، وليس يلزم من ذلك كونه معلوما أولا من كل وجه حتى من الوجه الذي كان ~~هو مجهولا بذلك الوجه ، كما هو ظن أصحاب الذكر ومبنى احتجاجهم المنقول عنهم ~~عليه ، فتدبر. # وإما أن يقال باستناد تلك الأفعال أولا وبالذات إلى قوى مختلفة للنفس ~~الإنسانية التي هي ذات واحدة ، وباستنادها إلى تلك الذات الواحدة بتوسط تلك ~~القوى المختلفة ، وهذا هو المذهب الذي نقله الشيخ عن بعض القدماء ، حيث قال (1): # «ومنهم من جعل النفس ذاتا واحدة ، وتفيض عنها هذه القوى ، ويختص (7) كل قوة PageV02P263 # بفعل ، وأنها إنما تفعل ما تفعله من الامور المذكورة بتوسط هذه القوى». # ثم اختار هذا المذهب وقال (1): «وليس بصحيح (4) من هذه المذاهب إلا هذا ~~المذهب» ، ثم صححه بأن قال (1): «قد بان مما ذكرناه أن الأفعال المتخالفة ~~هي لقوى (5) متخالفة ، وأن كل قوة من حيث هي ، فإنما هي كذلك من حيث يصدر ~~عنها الفعل الأول الذي لها ، فتكون القوة الغضبية لا تنفعل من اللذات ، ولا ~~الشهوانية من المؤذيات ، ولا يكون (6) القوة المدركة متأثرة مما تتأثر ~~هاتان (7) عنه ، ولا شيء من هاتين من حيث هما قابل للصور المدركة متصور ~~لها. فإذا كان هذا متقررا ، فنقول : إنه يجب أن يكون لهذه القوى رباط يجمع ~~(8) كلها ، فتجتمع إليه وتكون نسبته إلى هذه القوى نسبة الحس المشترك إلى ~~الحواس التي هي الرواضع ، لأنا (9) نعلم يقينا أن هذه القوى يشغل بعضها ~~بعضا ، ويستعمل بعضها بعضا ، وقد عرفت هذا فيما سلف ، ولو لم يكن رباط ~~يستعمل هذه فيشتغل ببعضها عن بعض ، فلا يستعمل ذلك (10) ولا يدبره ، لما ~~كان بعضها يمنع بعضا عن فعله بوجه من ms558 الوجوه ولا ينصرف عنه ، لأن فعل قوة ~~من القوى إذا لم يكن له اتصال بقوة اخرى ، لا تمنع (11) القوة الاخرى عن ~~فعلها إذا لم تكن الآلة مشتركة ، ولا المحل مشتركا ، ولا أمر يجمعها (12) ~~غير ذلك مشتركا. ونحن نرى أن الإحساس يثير الشهوة» إلى آخر ما ذكره في بيان ~~وجوب رباط لهذه القوى ، وذكرنا محصله في بيان وحدة المدبر للبدن ، وكون ذلك ~~المدبر الواحد ما به الارتباط بين النفوس الأخر. # ثم ذكر أن هذا الشيء أي الذي هو مجمع القوى ، لا يجوز أن يكون جسما ، ~~وبين ذلك بالوجوه الثلاثة التى ذكرنا محصلها فيما سبق ، إلا ، أنه ذكر في ~~ذيل الوجه الثاني من تلك الوجوه كلاما بهذه العبارة (3): «فإن تشكك مشكك ، ~~فقيل : إنه إن جاز أن يكون (13) هذه القوى لشيء واحد مع أنها لا تجتمع معا ~~فيه ، إذ بعضها لا تحل (14) الأجسام ، وبعضها تحلها (15)، PageV02P264 # فيكون مع افتراقها من غير أن تكون بصفة واحدة منسوبة إلى شيء واحد ، فلم ~~لا يكون كذلك الآن ، ويكون (1) كلها منسوبة إلى جسم أو جسماني ، فنقول : ~~لأن ، هذا الذي ليس بجسم يجوز أن يكون منبع القوى يفيض (2) عنها بعضها في ~~الآلة ، وبعضها يختص بذاته ، وكلها يؤدي إليه نوعا من الأداء ، واللواتي ~~تكون في الآلة تجتمع في مبدأ يجمعها في الآلة ذلك المبدأ ، وهو فائض عن ~~الغني عن الآلة ، كما تبين حاله (3) في حل الشبهة. وأما الجسم فلا يمكن أن ~~يكون (4) هذه القوى كلها فائضة منه ، فإن نسبة القوى إلى الجسم ليس على ~~سبيل الفيضان ، بل على سبيل القبول ، والفيضان يجوز أن يكون على سبيل ~~مفارقة للفيض عن المفيض ، والقبول لا يجوز أن يكون على تلك السبيل (5)» ~~انتهى ملخص ما ذكره دليلا على ما اختاره ومحصله . # وأقول : لما كان مبنى هذا المذهب المختار عنده على أن النفس المدبرة ~~للبدن إنما هي ذات واحدة بالعدد ، وأن اختلاف أفعالها إنما هو لاختلاف ~~قواها ، وأن تلك القوى فائضة عن تلك الذات الواحدة ، بين الثاني بقوله أولا ~~: «قد بان مما ذكرناه أن الأفعال ms559 المتخالفة هي لقوى متخالفة» وبين الأول ~~والثالث بما ذكره بعد ذلك ، فإنه متضمن لكون النفس ذاتا واحدة رباطا لتلك ~~القوى وفائضا عنه تلك القوى ، وكأن قوله «قد بان مما ذكرناه في الفصول ~~المتقدمة» كالفصل الذي عقده لبيان أن اختلاف أفاعيل النفس لاختلاف قواها. ~~ويخدشه أنه في ذلك الفصل أيضا وإن ادعى ذلك ، لكنا لم نظفر فيه بذكر ما ~~يمكن أن يكون دليلا على أن اختلاف الأفاعيل مطلقا كما هو ظاهر إطلاق كلامه ~~هنا أو أن اختلاف أفاعيل النفس كما هو مقصوده هنا وفيما تقدم إنما هو لقوى ~~متخالفة. بل لا يظهر منه فيه ولا في شيء من الفصول المتقدمة على ما تصفحنا ~~كلامه ما يدل على ما هو مطلوبه هنا ، وهو أنه لا يمكن أن تكون النفس التي ~~هي الذات الواحدة تفعل بنفسها أفعالا مختلفة باختلاف الآلات من غير توسط ~~القوى في ذلك ، كما هو مبنى المذهب الأول من المذاهب التي نقلها ، حيث إنه ~~في كل موضع ذكر أن اختلاف أفعال PageV02P265 # النفس لاختلاف قواها ذكره على سبيل الادعاء من غير إقامة دليل عليه ، كما ~~يظهر على من تصفح كلماته. # اللهم إلا أن يكون أحال ذلك على الظهور ، وعلى أنه بين بنفسه لا يحتاج ~~إلى دليل ، فإنه إذا كانت النفس المدبرة للبدن ذاتا واحدة كما بينه ، ~~والحال أنا نجد للإنسان أنه يصدر عنه أفاعيل مختلفة ، # فإما أن تكون تلك الأفاعيل تصدر عن تلك الذات الواحدة بنفسها من غير ~~مدخلية شيء مما يوجب الاختلاف سوى تلك الذات الواحدة أو بنفسها ، باختلاف ~~الآلات ، فهذان الاحتمالان باطلان ، كما بيناه فيما سبق. وبالجملة فعلى ~~هذين الاحتمالين ، لا يكون للقوى والحواس والمشاعر حظ في تلك الأفاعيل أصلا ~~، وهو باطل بالضرورة والوجدان ، حيث إنا نجد أن لتلك القوى والحواس حظا ~~أيضا فيها ، وأن لكل قوة فعلا يخصها كما أشار هو إليه فى بيان نقل المذهب ~~المختار عنده ، حيث قال : ويختص كل قوة بفعل». # وإما أن تكون تلك الأفاعيل تصدر عن تلك القوى بنفسها من غير أن تصدر ms560 هي ~~عن تلك الذات الواحدة أيضا بتوسط تلك القوى ، فعلى هذا يلزم أن لا يكون ~~لتلك الذات الواحدة حظ في تلك الأفعال أصلا ، وهذا أيضا باطل. لأنه لو كان ~~كذلك ، لما كانت تلك الذات حاكمة بين تلك الأفعال ، كما هو معلوم بالضرورة ~~، ولما كان غلط الحواس وتلك القوى يرد على تلك الذات ، كما بيناه فيما سبق. ~~حيث إن الحاكم بين الشيئين لا بد وأن يكون مدركا لهما ، وكذا الحاكم بالغلط ~~يجب أن يكون مدركا له. والإدراك أيضا من جملة تلك الأفاعيل ، حيث إن تلك ~~الأفاعيل إنما هي الإدراكات والتحريكات. # وحيث انتفت هذه الاحتمالات ، ثبت أن لكل من تلك الذات الواحدة وتلك القوى ~~حظا في تلك الأفعال ، أي أن تكون تلك الأفعال تصدر عن تلك القوى بنفسها ، ~~وعن تلك الذات بتوسط تلك القوى ، لا بالعكس. حيث إنه لا يعقل صدورها عن تلك ~~الذات بنفسها ، وعن تلك القوى بتوسط تلك الذات ، فإن تلك القوى آلات لتلك ~~الذات لا بالعكس. وإلى PageV02P266 # ما ذكرنا أشار في بيان نقل المذهب المختار عنده بقوله : «ويختص كل قوة ~~بفعل ، وأنها إنما تفعل ما تفعله من الامور المذكورة بتوسط هذه القوى». # والحاصل أنه يمكن أن يكون قد أحال وجه ما ذكره على الظهور ، كما بينا. ~~وهذا الذي هو غاية توجيه ما ذكره وتصحيحه. # وفيه مع ذلك أيضا أنه على هذا التوجيه ، إنما يتم الدلالة على أن ~~الأفاعيل المختلفة الجزئية التي للقوى والحواس والآلات مدخل فيها ، إنما هي ~~تصدر عن تلك الذات الواحدة بتوسط القوى المتخالفة ، ولا يتم الدلالة على أن ~~الأفاعيل الكلية التي هي مختصة بذات تلك الذات الواحدة من غير مدخلية ~~للآلات فيها ، كالتعقلات والإدراكات الكلية ، هي أيضا إنما تصدر عن تلك ~~الذات الواحدة بتوسط القوى المتخالفة ، إذ لا امتناع في أن تكون تلك ~~الأفعال الكلية تصدر عن تلك الذات الواحدة بنفسها ، من غير مدخلية القوى ~~فيها كما هو مذهب بعض من الحكماء إذ ليست تلك [أفعال] آلية ، حتى يصار فيها ~~إلى ما يصار إليه في الأفعال ms561 الآلية. ولا يخفى أن ذلك أيضا ، أي كون ~~الأفاعيل المختلفة الذاتية للنفس صادرة عنها بتوسط القوى المختلفة مطلوبة ~~أيضا ، كما هو ظاهر كلامه في بيان نقل ذلك المذهب المختار عنده ، بل صريح ~~كلامه في بيان كيفية إفاضة تلك القوى المختلفة عن تلك الذات الواحدة وكونها ~~منبع القوى ، على ما نقلنا كلامه في ذلك. # وحينئذ ، ففي تتميم مدعاه إما أن يقال بأنه لما دل الدليل على أن ~~الأفاعيل المختلفة الآلية تصدر عن تلك الذات الواحدة بتوسط القوى المختلفة ~~، فينبغي أن يحكم بذلك في الأفاعيل المختلفة الذاتية غير الآلية أيضا ، ~~ليكون الكل على نسق واحد. وفيه ، أن هذا وجه استحساني لا يفيد الاطمئنان ، ~~بل لا يفيد الإقناع أيضا. # وإما أن يقال : كما أن الأفاعيل الآلية أفاعيل مختلفة تصدر عن تلك الذات ~~والحال أنها واحدة بسيطة لا اختلاف فيها ولا تعدد ، ويجب أن يكون هناك ما ~~به الاختلاف ، وهو توسط القوى المتخالفة على ما تقرر عندهم من أن الواحد ~~بالذات لا يصدر عنه من جهة واحدة إلا أمر واحد ، كذلك الأفاعيل الذاتية غير ~~الآلية أفاعيل مختلفة ، حيث إن العقل PageV02P267 # النظري والعقل العملي فعلان مختلفان ، ومع هذا فمراتب كل واحد منهما ~~مختلفة ، وأصولها الكلية أربع ، كما سيجيء بيانه ، والمفروض أنها أجمع ~~صادرة عن تلك الذات الواحدة. فلو لم يكن هناك ما به الاختلاف أيضا لم يمكن ~~أن تصدر هي عنها بنفسها ، حيث إنها واحدة بسيطة ، فيجب أن يكون هناك أيضا ~~ما به الاختلاف ، وما هو إلا القوى المتخالفة. # فإن قلت : إنا لا نسلم أن ليس هناك ما به الاختلاف سوى القوى المتخالفة ، ~~فإنه يمكن أن يكون هناك جهات واعتبارات بها تصدر عن تلك الذات الواحدة تلك ~~الأفاعيل المختلفة ، من غير أن يكون هناك قوى متخالفة بتوسطها تصدر هي ~~عنها. وبعبارة أخرى : إما أن تكون هناك جهات واعتبارات مختلفة ، أو لا ~~تكون. فعلى الأول ، فتلك الجهات المختلفة أنفسها يمكن أن تكون كافية في ~~صدور تلك الأفاعيل المختلفة عن تلك الذات الواحدة من غير احتياج إلى ms562 القوى ~~المتخالفة ، وإلى توسطها في ذلك. وعلى الثاني فلا يمكن أيضا أن تفيض تلك ~~القوى المتخالفة عن تلك الذات الواحدة ، كما هو مذهب الشيخ في ذلك ، أو أن ~~تفيض عليها من المبدأ الفياض كما هو الاحتمال ، وسنشير إلى وجهه ، لأن ~~القوى المتخالفة أيضا حيث كانت أمورا مختلفة إنما تفيض عن تلك الذات ~~الواحدة أو عليها إذا كانت هناك جهات واعتبارات مختلفة ، بناء على ما هو ~~المقرر عندهم من أن الذات الواحدة البسيطة لا تفيض عنها ولا عليها من جهة ~~واحدة إلا أمر واحد. # وبعبارة أخرى إنهم ذكروا أن النفس الإنسانية جوهر واحد وله نسبة وقياس ~~إلى جنبتين ، جنبة هي تحته وهي البدن ، وجنبة هي فوقه وهي المبادي العالية ~~، وله بحسب كل جنبة وكل نسبة قوة ، وأن له بحسب النسبة إلى ما فوقه القوة ~~النظرية ، وبحسب النسبة إلى ما تحته القوة العملية ، وكذلك له بحسب كل نسبة ~~من تينك النسبتين ، نسب مختلفة إلى مدركاتها وأفعالها ، وبتلك النسب ~~المختلفة يكون له مراتب القوى النظرية والعملية ، كما سيأتي بيان ذلك مفصلا ~~فيما بعد إن شاء الله تعالى. # وحينئذ نقول : إذا كانت هناك تلك النسب المختلفة والجهات المتغايرة ، فلم ~~لا يجوز PageV02P268 # أن تكون تلك النسب أنفسها كافية في صدور تلك الأفعال الذاتية غير الآلية ~~عن تلك الذات الواحدة ، من غير أن يكون هناك قوى مختلفة متوسطة في ذلك؟ # قلت : لا كلام في كون النسب المختلفة والاعتبارات والجهات المتغايرة هناك ~~، إلا أن من يقول بالقوى المتخالفة وبتوسطها في صدور تلك الأفاعيل المختلفة ~~عن تلك الذات الواحدة ، كالشيخ ونظرائه بل الأكثرين منهم ، كأن نظره في ذلك ~~أن تلك النسب المختلفة بأنفسها لا تصح أن تكون منشأ لصدور الأفاعيل ~~المختلفة ، إلا أن يكون هناك أمر آخر من حال لتلك الذات الواحدة ، باعتبار ~~يصح استناد فعل إليه ، ولا نعني بقوة النفس إلا ذلك الأمر ، حيث إنهم ~~أطلقوا لفظ القوة على قوة النفس بمعنى الحال التي تكون في الشيء وتكون مبدأ ~~تغير في آخر ، كما أشرنا إليه فيما سلف ms563 ، وهذا كالقدرة التي أثبتوها لبعض ~~الفواعل ، وقالوا بأن الفاعل الذي له أن يفعل وأن لا يفعل بحسب المشية وعدم ~~المشية ، سواء كان ذاتا واحدة بسيطة فرض له فعل واحد من جهة واحدة ، أو ~~أفعال متخالفة بحسب جهات مختلفة ، أو ذاتا مركبة فرض لها أفعال متخالفة ~~بحسب جهات فيه ، إنما يفعله بالقدرة ، فأثبتوا القدرة زائدة على تلك الجهة ~~أو الجهات ، فما وجه ذلك في إثبات القدرة هناك فهو الوجه في إثبات القوة ~~فيما نحن فيه سواء بسواء. # وحيث تحققت ما تلوناه عليك ، ظهر تلك تصحيح ما ذهب إليه الشيخ ، وتبعه ~~الأكثر من القول بأن الأفاعيل المختلفة سواء كانت آلية أو غير آلية إنما ~~تصدر عن النفس التي هي الذات الواحدة بتوسط القوى المتخالفة. فما ذهب إليه ~~بعضهم كالمحقق الطوسي وغيره من أن الأفعال الآلية إنما تصدر عنها بتوسط ~~القوى والآلات ، وأن الأفعال التي هي غير آلية إنما تصدر عنها بذاتها ، ~~لعلهم أرادوا بالصدور عنها بذاتها ، أن ذاتها مصدر لتلك من غير توسط قوة ~~بدنية وآلة جسمانية وحواس ومشاعر ، وإلا فإن أرادوا به أن ذاتها بذاتها من ~~غير توسط قوة أصلا مصدر لتلك ، ففيه خفاء. # فإن قلت : قد ذكر بعض مفسري كلام أرسطو أنه لو كانت النفس الناطقة تدرك ~~المحسوسات بقوة ما ، وتدرك المعقولات بقوة أخرى ، لما جاز أن ترد حكم الحس فيما PageV02P269 # يغلط فيه ، وترده إلى ما حكم به العقل ، كما لا ترد ما حكمت به حاسة إلى ~~ما حكمت به حاسة أخرى ، والحال أنها ترد حكم الحس كثيرا إلى ما حكم به ~~العقل ، وذكر الشاهد عليه الأمثلة التي ذكرتها سابقا ، ثم ذكر أن النفس ~~الناطقة تدرك الأمور المعقولة بغير النحو الذي تدرك به الأمور المحسوسة ، ~~لأنها إذا طلبت الأمور المعقولة انبسطت ورجعت إلى ذاتها كأنها تطلب شيئا هو ~~عندها ، وإذا همت تحصيل رأي بديع أو فكر في عاقبة أو استخراج علم غامض عويص ~~، خلت بنفسها وأبعدت جميع المحسوسات عنها ، وكرهت أن يشغلها شيء من الحواس ~~، واجتهدت في تعطيلها ، وانبسطت انبساطا ms564 راجعا إلى ذاتها ، وإذا طلبت ~~الأمور المحسوسة خرجت عن ذاتها ، كأنها تطلب شيئا خارجا عنها ، فتحتاج ~~حينئذ إلى آلة تتوسل بها إلى مطلوبها ، فإن وجدت الآلة صحيحة استعملها ~~وأدركت الأمر الخارج ، ثم حصلت صورتها عندها في الوهم. وإن لم تجد الآلة ، ~~فإنها تعدم ذلك المطلوب. مثال ذلك الأكمه لأنه لا يمكنه أن يتصور الألوان ، ~~لأنه لم يجد آلتها. فالنفس الإنسانية تدرك الأمور البسيطة بغير آلة ، بل ~~بنفسها ، وتدرك الأمور المركبة المحسوسة بتوسط الحواس ، وهذا المذهب ~~لأرسطاطاليس ، ويتبين منه رأيه في النفس الناطقة ، فإنها تدرك المحسوسات ~~والمعقولات معا ، وليس كما يظنه قوم من أن الأشياء المحسوسة إنما تدركها ~~الحواس فقط ، والأشياء المعقولة يدركها العقل فقط انتهى بخلاصته . # وهذا الذي ذكره ذلك البعض من المفسرين ، يدل على عدم صحة القول باستناد ~~الأفعال الذاتية إلى النفس الإنسانية بتوسط القوى ، كما هو مذهب الشيخ. بل ~~ينبغي القول على تقديره باستنادها إلى ذات النفس بذاتها من غير توسط قوى في ~~ذلك ، فكيف ذلك؟ # قلت : هذا الذي ذكره ذلك البعض أولا غير مسلم ، فإن المسلم أن النفس لا ~~ترد حكم ما حكمت به قوة بدنية آلية إلى ما حكمت به قوة أخرى آلية بدنية ، ~~وأما أنها لا ترد ما حكمت به قوة آلية إلى ما حكمت به قوة أخرى غير آلية بل ~~ذاتية ، فليس بمسلم. كيف PageV02P270 # وهذا أيضا في الحقيقة رد إلى ذات النفس؟ وكيف وذلك البعض نفسه ذكر أنها ~~ترد ما حكمت به حاسة إلى ما يحكم به العقل؟ والحال أن المراد بالعقل هنا ~~عندهم ليس إلا قوة للنفس. # وأما ما ذكره بعد ذلك من الاختلاف بين الأفعال الذاتية غير الآلية ~~كالأمور المعقولة وبين الأفعال الآلية كالأمور المحسوسة فمسلم ، إلا أنه ~~ليس فيه عند التأمل دليل على أن النفس تدرك المعقولات بذاتها من غير توسط ~~قوة في ذلك ، بل ربما يمكن أن يوجه ما أسنده إلى أرسطو من المذهب بما وجهنا ~~به كلام المحقق الطوسي (ره)، فتدبر. # وحيث عرفت صحة ما اختاره الشيخ من المذهب ms565 ، فاعلم أن ما ذكره في كيفية ~~إفاضة القوى عن النفس ، حيث قال (1): «إن (2) هذا الذي ليس بجسم يجوز أن ~~يكون منبع القوى يفيض (3) عنها بعضها في الآلة ، وبعضها يختص بذاته ، وكلها ~~يؤدي إليه نوعا من الأداء ، واللواتي تكون في الآلة تجتمع في مبدأ يجمعها ~~في الآلة ذلك المبدأ ، وهو فائض عن الغني عن الآلة». # وحاصله أن تلك النفس التي هي الذات الواحدة تفيض أولا عن المبدأ الفياض ~~الذي هو الغني عن الآلة مطلقا ، ثم تفيض باقتضاء العناية الأزلية عن تلك ~~النفس قوى متخالفة. إلا أن القوى الآلية منها تفيض عن تلك النفس في الآلة ~~وهي حالة فيها ، وأن القوى غير الآلية منها أي الذاتية تفيض عنها وتختص ~~بذاتها وهي قائمة بها ، وأن تلك الذات بالنسبة إلى كل تلك القوى منبع ومجمع ~~ومخدوم ولها تسلط واقتدار على تلك القوى في أن تستعملها في أفعالها ، وأن ~~تلك القوى كلها بالنسبة إلى تلك الذات خوادم ورواضع. # فهذا الذي ذكره ، وإن كان صحيحا على أصوله لكون النفس مجمع القوى الآلية ~~والذاتية التي بتوسطها تصدر عنها تلك الأفعال ، إلا أن الأنسب بقواعد الشرع ~~أن يقال إن PageV02P271 # تلك الذات تفيض عن المبدأ الفياض ثم تفيض عنه لأجل تلك الذات قوى متخالفة ~~بعضها تحل في آلاتها وبعضها تقوم بها بذاتها ، وجعل لها اقتدار على استعمال ~~كل تلك القوى في أفعالها ، وكل تلك القوى خوادم لها. # وكيف ما كان ، سواء بنى على ما ذكره أو على ما ذكرنا ، فمحصل الكلام أنه ~~يجوز أن يكون النفس التي هي المدبرة للبدن ذاتا واحدة بسيطة مجردة عن ~~المادة في ذاتها ، ويفيض عنها أو عن المبدأ الفياض لأجلها في أعضاء مختلفة ~~قوى مختلفة ، أو أن يفيض عنها أو عن المبدأ الفياض لأجلها أولا في البذر ~~والمني قوة الإنشاء ، فتنشأ أعضاء على حسب موافقة أفعال تلك القوة ، يستعد ~~كل عضو لقبول قوة خاصة به تفيض فيه. ولو لا ذلك لكان خلق البدن معطلا لها. ~~وهذا هو القول فى كيفية فيضان القوى الآلية. # وأما ms566 القول في كيفية فيضان القوى الذاتية ، فبأن يقال : يجوز أن يفيض عن ~~تلك النفس ، أو عن المبدأ الفياض لأجلها بحسب استعدادات حاصلة لها بسبب ~~تعلقها بالبدن قوى مختلفة عليها تقوم هي بذاتها تستعملها فى أفعالها ~~الذاتية ، والله أعلم بكيفية الحال. ### | فى الإشارة إلى أن تلك القوى المتخالفة كيف يخدم بعضها بعضا # ثم اعلم ، أنهم ذكروا كما سيتضح لك فيما بعد في باب تعديد القوى أيضا أن ~~تلك القوى كيف يرؤس بعضها بعضا وكيف يخدم بعضها بعضا ، حيث يظهر لك أن ~~العقل المستفاد رئيس للكل ويخدمه الكل ، وهو الغاية القصوى. ثم العقل ~~بالفعل يخدمه العقل بالملكة. ثم العقل العملي يخدم جميع هذه ، لأن العلاقة ~~البدنية كما سيتضح بعد لأجل تكميل العقل النظري وتزكيته. والعقل العملي هو ~~مدبر تلك العلاقة ، ثم العقل العملي يخدمه الوهم. والوهم يخدمه قوتان : قوة ~~بعده ، وقوة قبله. فالقوة التي بعده هي القوة التي تحفظ ما أداه الوهم ، أي ~~الذاكرة. والقوة التي قبله هي جميع القوى الحيوانية. ثم المتخيلة يخدمها ~~قوتان مختلفتا المأخذين : فالقوة النزوعية تخدمها بالائتمار لأنها تبعثها على PageV02P272 # التحريك نوعا من البعث ، والقوة الخيالية تخدمها لعرضها الصور المخزونة ~~فيها المهيأة لقبول التركيب والتفصيل ، ثم هاهنا رئيسان لطائفتين ، أما ~~القوة الخيالية فيخدمها بنطاسيا ، وبنطاسيا يخدمها الحواس الخمس. وأما ~~القوة النزوعية فيخدمها الشهوة والغضب ، والشهوة والغضب يخدمهما القوة ~~المحركة في الفعل. ثم القوى الحيوانية يخدمها النباتية ، أولها ورأسها ~~المولدة. ثم النامية تخدم المولدة ، ثم الغاذية تخدمها جميعا. ثم القوى ~~الطبيعية الأربع تخدم هذه ، والهاضمة منها تخدمها الماسكة من جهة ، ~~والجاذبة من جهة ، والدافعة تخدم جميعها ، ثم الكيفيات الاربع تخدم جميع ~~ذلك ، لكن الحرارة تخدمها البرودة ، فإنها إما أن تعد للحرارة مادة أو تحفظ ~~ماهيتها ، ولا مرتبة للبرودة في القوى الداخلة في الأعراض الطبيعية إلا ~~منفعة تابع وتال ، وتخدمهما جميعا اليبوسة والرطوبة ، فهذه درجات القوى. # ومنه يعلم كيفية تقدم بعضها في الوجود وتأخرها في الشرف وبالعكس ، وكذا ~~يعلم منه كيفية ارتباط تلك القوى بعضها ببعض ، فتبارك الله أحسن الخالقين. ms567 ### | في الإشارة إلى أن أيا من الأفاعيل تقتضي قوة على حدة # وإذا انتهى الكلام إلى هذا المقام ، فنتكلم في أن أيا من الأفاعيل تقتضى ~~قوة على حدة وأيا منها يمكن أن يكون لها قوة مشتركة ، وأنه هل يجب أن يكون ~~لكل نوع من الفعل قوة تخصه أو لا يجب؟ وفي أنه بأي سبب يكون القوى متغايرة ~~تغايرا ذاتيا ، وبأي سبب وجهة يمكن أن يكون بينها جامع مشترك؟ # فنقول : إن للنفس أفعالا تختلف على وجوه ، فيختلف بعضها بالشدة والضعف ، ~~وبعضها بالسرعة والبط ، فإن الظن اعتقاد ما يخالف اليقين بالتأكد والشدة ، ~~والحدس مخالف لليقين بسرعة الفهم. وقد تختلف أيضا بالعدم والملكة ، مثل أن ~~الشك يخالف الرأي ، فإن الشك عدم اعتقاد من طرفي النقيض ، والرأي اعتقاد ~~أحد طرفي النقيض ، ومثل التحريك والتسكين. وقد تختلف بالنسبة إلى أمور ~~متضادة ، مثل الإحساس PageV02P273 # بالأبيض والإحساس بالاسود ، وإدراك الحلو وإدراك المر. وقد تختلف بالنسبة ~~إلى أمور متغايرة بالذات ، بل متباينة كإدراك الصورة وإدراك المعنى ، ~~وكإدراك المعنى الجزئي وإدراك المعنى الكلي. وقد تختلف بالحس مثل إدراك ~~اللون وإدراك الطعم. وقد تختلف بالذات مثل الإدراك والتحريك ، ومثل الشهوة ~~والغضب. وقد تختلف مع بعض هذه الاختلافات بالتقدم والتأخر أيضا ، كالأفعال ~~النباتية والحيوانية والإنسانية ، كما قالوا من أن المني في الرحم يكون له ~~أولا الأفعال النباتية ، ثم الحيوانية ، ثم الإنسانية. وقد تختلف مع ذلك ~~بالاختلاف في الموضوع أيضا ، كهذه الأفعال أيضا ، فإن النباتية قد توجد في ~~النبات دون الحيوانية ، وكذلك الحيوانية قد توجد في الحيوان دون الإنسانية ~~، إلى غير ذلك من وجوه الاختلاف التي تعلم بالتتبع. # والذي يقتضيه التدبر في كلام الحكماء ، وفي دليلهم على إثبات القوى ~~الخاصة والمشتركة ، أن الأفعال المختلفة بالشدة والضعف ، أو بالسرعة والبطء ~~، فإن مبدأها قوة واحدة ، لكنها تكون تارة أتم فعلا وتارة تكون أنقض فعلا ، ~~إذ لو اقتضى ذلك قوى متعددة متغايرة ، وأن يكون للأنقص قوة غير القوة التي ~~للأتم ، لوجب أن يكون عدد القوى بحسب عدد مراتب النقصان والزيادة التي تكاد ~~لا تتناهى. كما أنه ms568 لو كان اختلاف الأفعال بحسب التشخصات التي لا تكاد ~~تنتهي إلى حد يوجب اختلاف القوى وتغايرها ، لوجب أن يكون عدد القوى بحسب ~~ذلك غير متناه ، بل القوة الواحدة يعرض لها أن تفعل الفعل أشد أو أضعف أو ~~أسرع أو ابطأ بحسب الاختيار ، أو بحسب مواتاة الآلة ، أو بحسب عوائق من ~~خارج أن يكون وأن لا يكون ، أو أن يقل أو أن يكثر. كما أنه يعرض للقوة ~~الواحدة اعتبارات وتشخصات متعددة مع كون ذاتها واحدة. # وكذلك الأفعال المختلفة بالعدم والملكة ، فمبدؤها قوة واحدة يعرض لها ~~تارة أن تفعل ، وتارة أن لا تفعل ، مع كون شأنها أن تفعل لو لا العائق عنه. # وأيضا كل قوة من حيث هي قوة أولا وبالذات على فعل من الأفعال التي تقتضي ~~قوى خاصة ، وإن كانت قوة على ذلك الفعل الذي تخصه ، ويستحيل أن يكون مبدأ لفعل PageV02P274 # آخر غير بالقصد الأول. لكنه قد يجوز أن يكون مبدأ الأفعال كثيرة غيره ~~بالقصد الثاني. وهذا مثل إن الإبصار إنما هو قوة أولا وبالذات على إدراك ~~الكيفية التي هي اللون ، واللون يكون بياضا وسوادا وغيرهما. ومثل القوة ~~المتخيلة التي شأنها أن تستثبت صور الأمور المادية من حيث هي مادية مجردة ~~نوعا من التجريد غير بالغ ، ثم يعرض أن يكون ذلك لونا أو طعما أو عظما أو ~~صوتا أو غير ذلك ، ومثل القوة العاقلة التي شأنها أن تستثبت صور الأمور من ~~حيث هي بريئة عن المادة وعلائقها ، ثم يتفق أن يكون ذلك شكلا أو عددا أو ~~غير ذلك. # وكذلك قد يجوز أن يكون القوة معدة نحو فعل بعينه تحتاج إلى أمر آخر ، ~~فينضم إليها حتى يصير بها ما بالقوة حاصلا بالفعل. فإن لم يكن ذلك الأمر لم ~~تفعل ، فيكون مثل هذه القوة تارة مبدأ للفعل بالفعل ، وتارة غير مبدأ له ~~بالفعل ، بل بالقوة. وهذا مثل القوة المحركة ، فإنها إذا صح الإجماع من ~~القوة الشوقية بسبب داع من التخيل أو التعقل إلى التحريك ، حركت لا محالة. ~~فإن لم يصح ، لم تحركه. وليس ms569 يصدر عن قوة محركة واحدة بآلة إلا حركة واحدة ~~أو الحركات الكثيرة لكثرة آلات الحركة التي هي العضل فينا ، وفي كل عضلة ~~قوة محركة جزئية ، لا تحرك إلا حركة بعينها. وقد تكون الواحدة أيضا يختلف ~~تأثيرها بحسب القوابل المختلفة والآلات المختلفة. # هذا ، وأما الأفعال التي بينها ترتيب وتقدم وتأخر زماني ، ولها اختلاف في ~~الموضوع كالأفعال التي هي أقسام أولية من جملة أفعال النفس ، وهي ثلاثة ~~أقسام : أفعال يشترك فيها الإنسان والحيوان والنبات ، كالتغذية والتنمية ~~والتوليد ؛ وأفعال يشترك فيها الإنسان والحيوان كلها أو جلها ولا حظ للنبات ~~فيها ، مثل الإحساس والتخيل والحركة الإرادية ؛ وأفعال تختص بالإنسان ، مثل ~~تعقل المعقولات واستنباط الصنائع والروية في الكائنات والتفرقة بين الجميل ~~والقبيح ، فلها قوى متعددة ، ولكل قسم منها قوة على حدة ، إذ ليس يمكن أن ~~يكون لهذه الأقسام الثلاثة الأولية التي قلنا إنها مختلفة بالتقدم والتأخر ~~الزماني وفي الموضوع ، ومع ذلك فهي مختلفة غاية الاختلاف ، قوة واحدة هي PageV02P275 # مبدأ للجميع ، وهذا هو القول في تلك الأقسام الأولية. # وأما القول في خصوص كل قسم ، قسم ، فهو أن ما للإنسان من الأفعال الأولية ~~المختصة به فعلان : علم وعمل ، وحيث كانا فعلين مختلفين وأمرين متغايرين ~~تغايرا بالذات ، ينبغي أن يكون لكل من العلم والعمل قوة مختصة ، فلذلك كانت ~~القوة العملية مغايرة للقوة النظرية. # ثم إنه حيث كانت مراتب كل منهما مختلفة متغايرة ، ينبغي أن يكون لكل ~~مرتبة من تلك المراتب قوة أخرى تخصها ، وبيان ذلك : أما في مراتب العملية ، ~~فلأن تلك المراتب على ما قالوه أربع : # أولها : تهذيب الظاهر باستعمال النواميس الإلهية والشرائع النبوية. # وثانيتها : تهذيب الباطن وتطهير القلب عن الملكات الردية والأخلاق ~~الظلمانية ، ونقض آثار شواغله عن عالم الغيب. # وثالثتها : تنويرها بالصور العلمية والصفات المرضية ، وبعبارة أخرى ما ~~يحصل بعد الاتصال بعالم الغيب ، وهو تجلي النفس بالصور القدسية. # ورابعتها : فناء النفس عن ذاتها ، وقصر النظر على ملاحظة جمال الله تعالى ~~وجلاله ، حتى يرى كل قدرة مضمحلة في جنب قدرته الكاملة ، وكل علم مستغرقا ~~في علمه الشامل ، وأن ms570 كل وجود وكمال فائض عن جنابه تعالى. # ولا يخفى أن تلك المراتب أمور متغايرة بالذات ، ليست إحداها هي الأخرى. ~~وحيث كانت كذلك ، فينبغي أن يكون لكل واحدة منها قوة تخصها. # وأما في مراتب النظرية التي هي أربع أيضا عندهم : وهي العقل الهيولاني ، ~~وبالملكة ، وبالمستفاد ، وبالفعل ، فلأنها وإن كانت من جهة يغاير بعضها ~~بعضا بالكمالية والاستعداد نحو الكمال ، وبأن الاستعداد إما قريب أو بعيد ~~أو متوسط ، حيث إن العقل المستفاد كمال والهيولاني استعداد بعيد وبالملكة ~~استعداد متوسط وبالفعل استعداد قريب كما قالوه ، ويمكن أن يذهب الوهم إلى ~~أن المبدأ للكل قوة واحدة يختلف أحوالها PageV02P276 # وأفعالها بالكمالية والاستعداد والقرب والبعد والمتوسط ، كما ذكرنا أن ~~القوة الواحدة يمكن أن تكون تارة مبدأ لفعل بالفعل ، وتارة مبدأ له بالقوة ~~، إلا أنك ستعلم مما نذكره في بيان أحوال هذه القوة ، أن مراتبها مرتبة في ~~التقدم والتأخر الزمانيين ، وبعضها متقدم على بعض في الزمان ، وبعضها متأخر ~~عن بعض فيه ، وكذلك بعضها رئيس ومخدوم لبعض ، وبعضها مرءوس وخادم. وتعلم ~~أيضا أن تلك المراتب التي حالها ما ذكر تكون مختلفة متغايرة البتة ، لا ~~يجوز أن يكون لجميعها قوة واحدة بالذات ، بل ينبغي أن يكون لكل مرتبة قوة ~~تخصها ، لأنهم لذلك أثبتوا لتلك المراتب قوى متعددة وإن لم تكن تلك القوى ~~متباينة بالذات ، كالقوى الحيوانية مثلا. فإن القوى الحيوانية متباينة ~~بالذات لكونها مبادي أفعال مختلفة ، والقوى الإنسانية غير متباينة بالذات ~~لكونها متعلقة بذات واحدة مجردة. وإنما تختلف بحسب الاعتبارات التي هي ~~بالقياس إلى تلك الذات عوارض ، وهذا هو القول في القوى المتعددة التي للنفس ~~الناطقة الإنسانية. # وأما القول في قوى النفس الحيوانية ، فهو أن لها بالقسمة الاولى فعلان : ~~أحدهما التحريك ، والآخر الإحساس والإدراك. وحيث كان التحريك والإدراك ~~فعلين متغايرين بالذات ، ومع ذلك فقد يفترقان بالموضوع أيضا ، كما في الرية ~~من جملة الأعضاء ، حيث قالوا إنها دائمة الحركة ، ولم يجعل لها حس وإدراك ~~لئلا تتألم باصطكاك بعضها ببعض ، فينبغي أن يكون لكل من التحريك والإدراك ~~قوة على حدة خاصة ، تسمى ms571 إحداهما قوة محركة والأخرى قوة حاسة مدركة. ثم إن ~~المحركة حيث كانت على قسمين : محركة ، بمعنى أنها باعثة على الحركة هي ~~النزوعية ، ومحركة ، بمعنى أنها فاعلة للحركة ، وكان البعث والفعل أمرين ~~متغايرين ، حيث إن الباعثة النزوعية هي التي إذا ارتسمت في التخيل صورة ~~مطلوبة أو مهروبة عنها ، بعثت القوة المحركة الفاعلة على التحريك. وهي التي ~~تنبعث في الأعصاب والعضلات ، ومن شأنها أن تشنج العضلات ، فتجذب الأوتار ~~والرباطات المتصلة بالأعضاء إلى نحو جهة المبدأ ، أو ترخيها أو تمدهما طولا ~~فتصير الأوتار والرباطات إلى خلاف جهة المبدأ ، فينبغي أن يكون لكل من ~~الفعلين قوة PageV02P277 # على حدة تخصه وكذلك الباعثة للحركة ، حيث كانت لها شعبتان : شعبة تسمى ~~شهوانية ، وهي ما تنبعث على تحريك يقرب به من الأشياء المطلوبة طلبا للذة ؛ ~~وشعبة تسمى غضبية ، وهي ما تنبعث على تحريك يدفع به الشيء المهروب عنه طلبا ~~للغلبة ، وكان الغضب والشهوة فعلين متغايرين مختلفين ، ينبغي أن يكون لكل ~~منهما قوة تخصه ، وعسى أن نشير فيما بعد إن شاء الله تعالى إلى بعض جهات ~~المغايرة أيضا. وكذلك الإدراك وإن كان معنى واحدا ، إلا أنه لما كان ينقسم ~~بانقسام المدركات وبتبعيتها إلى أقسام كثيرة بعدد الحواس والمشاعر الظاهرة ~~والباطنة ، وكانت تلك المدركات التي هي مدركات أولية مختلفة بالذات ، وكذا ~~كانت إدراكاتها باعتبارها وبالعرض ، ومع ذلك كانت تلك الإدراكات متفارقة ~~بالموضوع وبحسب الآلة ، وكانت لكل منها آلة غير ما هي للاخرى ، إن صحت تلك ~~الآلة صح ذلك الإدراك المنسوب إليها ، وإن فسدت فسد ، كما يعلم ذلك ~~بالتجربة والاعتبار ، فعلى هذا ، كان ينبغي أن يكون لكل من تلك الإدراكات ~~المختلفة قوة تخصها ، وعسى أن نشير فيما بعد إن شاء الله تعالى إلى بعض ~~جهات المغايرة أيضا ، وهذا هو الكلام في قوى النفس الحيوانية. # وأما الكلام في قوى النفس النباتية ، فهو أنهم وإن أثبتوا لها بالقسمة ~~الاولى قوى ثلاثا : هي القوة الغاذية والمنمية والمولدة ، وأثبتوا لها ~~بالقسمة الثانية قوى أخرى ، كالهاضمة والجاذبة والدافعة والماسكة ، إلا أن ~~لبعضهم في وحدة بعض هذه ms572 وتعدده كلاما يعلم ذلك من النظر في كتب الحكماء ~~والاطباء ، فلا نطيل الكلام بذكره. والضابط فيها أيضا أن ما كان من تلك ~~الأفعال مختلفة بالذات ، أو في الموضوع ، أو من جهة الخادمية والمخدومية أو ~~نحو ذلك من الجهات التي بها تكون قواها مختلفة كما سيظهر لك في بيان تعديد ~~القوى النباتية ، فيقتضي كل منها قوة على حدة خاصة ، وإلا فلا وجه لإثبات ~~القوة الخاصة لها ، بل يمكن أن يكون هناك قوة واحدة تختلف اعتباراتها ~~وحالاتها. PageV02P278 ### | في الكلام في آلات النفس والأعضاء التي ### ||| * يتعلق بها القوة الرئيسة من النفس # وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام ، فلنتكلم في آلات النفس والأعضاء التي ~~يتعلق بها القوة الرئيسة من النفس ، وحيث كان تفصيل ذلك وتحقيقه على الوجه ~~الأتم مذكورا في الشفاء ، فلنكتف فيه بنقل ما قال هو فيه ، فنقول : # قال الشيخ في «الشفاء» (1): «إنه قد أفرط الناس في أمر الأعضاء التي ~~يتعلق (2) بها القوة الرئيسة من النفس إفراطا في جنبي (3) اللجاج ، وركنوا ~~إلى تعسف كثير وتعصب شديد ، مال إليه كل واحد من الفريقين حتى خرج من الحق ~~، وأكثرهم (4) من جعل النفس ذاتا واحدة وقضى مع ذلك أن الأعضاء الرئيسة ~~كثيرة ، فإنه لما تخالف (5) فيه الفلاسفة القائلة بتكثر أجزاء النفس ، ~~ووافق من قال بوحدانيتها ، لم يعلم أنه يلزمه أن يجعل العضو الرئيس واحدا ، ~~وهو الذي يكون به أول تعلق النفس ، وأما المكثرون لأجزاء النفس ، فما عليهم ~~أن يجعلوا لكل جزء (6) معدنا مخصوصا ومركزا مفردا ، فنقول : أولا أن القوى ~~النفسانية البدنية ، مطيتها الأولى جسم لطيف نافذ في المنافذ روحاني ، وأن ~~ذلك الجسم هو الروح ، وأنه لو لا أن قوى النفس الناطقة المتعلقة بالجسم ~~ينفذ (7) محمولة في جسم ، لما كان سد المسالك حابسا لنفوذ القوى المحركة ~~والحساسة والمتخيلة أيضا ، وهو (8) أيضا حابس ظاهر الحبس عند من جرب ~~التجارب الطبية ، وهذا الجسم نسبته إلى لطافة الأخلاط وبخاريتها نسبة ~~الأعضاء إلى كثافة الأخلاط ، وله مزاج مخصوص ، ومزاجه أيضا (9) يتغير بحسب ~~الحاجة إلى اختلاف يقع (10) فيصير به حاملا لقوى مختلفة ms573 ، وأنه ليس (11) ~~يصح المزاج الذي منه يغضب للمزاج الذي معه يشتهي (12)، ولا المزاج الذي ~~يصلح للروح الباصرة (13) هو بعينه الذي يصلح للروح المحرك. ولو كان المزاج ~~واحدا ، لكانت (14) المستقرة PageV02P279 # في الروح واحدة وأفعالها واحدة. فإذا كانت النفس واحدة ، فيجب أن يكون ~~لها أول تعلق بالبدن ، ومن هناك تدبره وتنميه ، وأن يكون ذلك بتوسط هذا ~~الروح ، ويكون أول ما تفعل النفس (1) تفعل بفعل العضو الذي لوساطته (2) ~~تنبعث قوته في سائر الأعضاء بتوسط هذا الروح ، وأن (3) ذلك العضو متكون من ~~الأعضاء ، وأول (4) معدن لتولد الروح ، وهذا هو القلب ، يدل على ذلك ما ~~حققه التشريح المتقن ، وسنزيد لهذا (5) المعنى شرحا في الفن الذي في ~~الحيوان. # فيجب أن يكون أول تعلق النفس بالقلب ، وليس يجوز أن تتعلق بالقلب ، ثم ~~بالدماغ ، فإنها إذا تعلقت بأول عضو ، صار البدن نفسانيا. # وأما الثاني : فانما يعقل (6) لا محالة بتوسط هذا الأول ، فالنفس تحيي ~~الحيوان بالقلب ، لكن يجوز أن يكون (7) قوى الأفعال الاخرى تفيض من القلب ~~إلى الأعضاء الأخرى ، لأن الفيض يجب أن يكون صادرا من أول ما يتعلق (8)، ~~فيكون الدماغ هو الذي يتم فيه مزاج الروح الذي يصلح لأن يكون حاملا لقوى ~~الحس والحركة إلى الأعضاء حملا يصح (9) معه أن يصدر معها أفعالها حال (10) ~~الكبد بالقياس إلى قوى التغذية ، ولكن يكون القلب هو المبدأ الأول الذي أول ~~تعلقه به ، ومنه ينفذ (11) إلى غيره ويكون الفعل في أعضاء أخرى ، كما أن ~~مبدأ الحس عند مخالف (12) هذا القول إنما هو في الدماغ ، لكن أفعال الحس لا ~~تكون به وفيه ، بل في أعضاء (13) كالجلد وكالعين وكالأذن ، وليس يجب من ذلك ~~أن لا يكون الدماغ مبدأ ، كذلك أيضا يجوز أن يكون القلب مبدأ لقوى التغذية ~~، ولكن أفعالها في الكبد ، ولقوى التخيل والتذكر والتصور (14) لكن أفعالها ~~في الدماغ ، بل ينبغي أن (15) يكون مبدأ القوى المختلفة غير صالح لأن يصدر ~~عن معدنه جميع أفعالها ، بل يجب أن (16) يتفرع في آلات مختلفة تتخلق بعد ~~ذلك العضو تخلقا ، وتفيض من ذلك العضو إليها قوة ملائمة PageV02P280 # لمزاج ms574 ذلك الروح واستعداده ، على ما ستقف عليه في ذكر الحيوان ، حتى لا ~~يكون على العضو الذي هو المبدأ ثقل ، ولذلك خلقت العصب للدماغ والأوردة ~~للكبد ، وكان (1) الدماغ مبدأين أولين للحس والحركة والتغذية ، وكانتا (2) ~~مبدأين ثانيين. وإذ فاض من القلب قوة التكوين والتخليق إلى الدماغ ، فيكون ~~(3) الدماغ ، فلا كثير بأس أن (4) يكون الدماغ يرسل من نفسه آلة يستمد بها ~~الحس والحركة من القلب (5)، فلا يجب من القلب أو يكون القلب أن ينفذ إليه ~~الآلة التي بتوسطها ينفذ إليه الحس والحركة. فلا يجب أن يقع من المضايقة في ~~أمر خلقة العصب أن مبدأها من القلب أو (6) الدماغ ما هو ذا يقع ، بل (7) ~~يسلم أنه من الدماغ ويستمد من القلب ، كما أن الكبد يرسل إلى المعدة ما ~~يستمد منها فيه ، ولها أيضا عروق تمد غيرها بها. فليس يجب أن يكون العضو ~~الذي هو مبدأ قوة فيه أيضا أول (8) تلك القوة ، وأن يكون آلة لأفعال تلك ~~القوة ، بل يجوز أن (9) يكون الآلة خلقت للاستمداد من شيء آخر ، وأن تكون ~~(10) إنما تستمد بعد تخلقها ، حتى يكون الدماغ أول ما يخلق (11) لم يكن ~~مبدأ للحس والحركة بالفعل ، بل مستعدا لأن يصير مبدأ (12) للأعضاء التي ~~بعده إذا استمد من غيره بعد أن يتخلق (13) آلة الاستمداد من غيره له ، فلما ~~تخلق منه عصب ذاهب إلى القلب ، استمد الحس والحركة منه حينئذ ، ويمكن أن ~~يكون مع تخلق هذا المنفذ بلا تأخر ، فلا يكون (14) في نفوذه عنه إلى القلب ~~حجة أيضا ، ولا شبه حجة ، بل كما تخلق الدماغ تخلق (15) معه عن مادته شيء ~~نافذ إلى القلب غريب عن القلب يستمد (16) منه الحس والحركة. على أن نبات ~~هذا العصب من الدماغ ، ومصيره منه إلى القلب ليس شيئا يظهر الظهور الذي ~~يظنه مدعي نبات العصب الذي (17) من الدماغ أو القلب من الدماغ إلى القلب ، ~~لا من القلب إلى الدماغ ، على ما سنوضحه في موضعه من كلامنا في طبائع ~~الحيوان (18). # ومع ذلك فلنعد إلى معاملة أخرى ، فنقول : إنه ليس بمستحيل أن يكون مبدأ ms575 ~~وجوده (19) PageV02P281 # قوة هي في عضو ، فينفذ (1) من ذلك العضو إلى عضو آخر ، وهناك تتم القوة ~~وتستكمل ثم ينعطف (2) إلى هذا العضو الأول فيرقده (3)، فإن الغذاء إنما ~~يصير إلى الكبد من المعدة ، ثم إذا صار هنالك على نحو ما أعاد (4)، فغذاء ~~المعدة في عروق تنبعث من الطحال (5) في الأجوف وتنبث في المعدة. فلا ضير أن ~~يكون مبدأ القوة ينبعث من القلب (6) ولا تكون القوة في القلب كاملة تامة ، ~~ثم إنها تعيد (7) القلب إذا استكملت في عضو آخر. # وهكذا حال الحس المشترك ، فإن مبدأ القوة الحساسة الجزئية منها (8)، ثم ~~إنها تعود إليه بالفائدة. # على أن حس القلب (9) بنفسه وخصوصا اللمس أعظم من حس الدماغ نفسه ولذلك ~~أوجاعه لا تحمل (10). وعلى [أنه يمنع في القوى أن يصير (11) ] أقوى وأشد ~~في غير مباديها المصادفة (12) موادا تحملها بتلك الحالة ، ويشبه أن يكون ~~(13) قوة أطراف الأوتار على الجذب أشد من قوة أوائلها التي على (14) العصب ~~، فالقلب مبدأ أول تفيض منه إلى الدماغ قوى ، بعضها (15) يتم أفعالها في ~~الدماغ وأجزائه ، كالتخيل والتصور وغير ذلك ، وبعضها (16) يفيض من الدماغ ~~إلى أعضاء خارجة عنه ، كما يفيض (17) إلى الحدقة وإلى العضل المتحركة ، ~~ويفيض (18) من القلب إلى الكبد قوه التغذية ، ثم (19) يفيض من الكبد بتوسط ~~العروق في جميع البدن ، ويغذو (20) القلب أيضا ، فيكون (21) القوة مبدؤها ~~من القلب ، والمادة مبدؤها من الكبد. # وأما القوى الدماغية ، فإن البصر يتم بالرطوبة الجليدية التي هي كالماء ~~الصافي ، فيقبل (22) صور المبصرات ويؤديها (23) إلى الروح الباصرة (24)، ~~ويكون تمام الأبصار عند ملتقى العصبة المجوفة ، على ما علم من تشريحه ~~وتعريف حاله. # وأما الشم فبزائدتين في مقدم الدماغ كحلمتي الثدي. # وأما الذوق فبأعصاب دماغية (25) في اللسان والحنك ، وتعطيها (26) قوة الحس PageV02P282 # والحركة. # وأما السمع فبأعصاب أيضا (1) دماغية تأتي الصماخ فتغشي السطح المحيط به. # وأما اللمس فبأعصاب دماغية نخاعية منتشرة (2) في البدن كله. وأكثر عصب ~~الحس من مقدم الدماغ ، لأن مقدم الدماغ ألين ، واللين أنفع في الحس. ومقدم ~~الدماغ كما يتأدى إلى خلف وإلى نخاع (3)، فيصير أصلب لتدرج إلى النخاع ~~الذي ms576 يجب أن يعين (4) وفيه الصلابة. وأكثر عصب الحركة التي من الدماغ إنما ~~ينبت (5) من مؤخر الدماغ ، لأنه أصلب ، والصلابة أنفع في الحركة وأعون ~~عليها ، والعصبة (6) التي للحركة في أكثر الأمر يتولد (7) منها العضل ، ~~فإذا جاوزت العضل حدث منها ومن الرطوبات الأوتار ، وأكثر اتصال أطرافها ~~بالعظام ، وقد تتصل في مواضع بغير العضلة (8)، وقد يتصل العظام أنفسها ~~بالعضو المحرك من غير توسط وتر ، والنخاع كجزء من الدماغ ينفذ في ثقب ~~الفقارات ، لئلا يبعد ما يتولد من العصب من الأعضاء ، بل يتولد منها العصب ~~مرسلة بالقرب إلى الموضع المحتاج كونها (9). # وأما القوة المصورة والحس المشترك ، فهما (10) مقدم الدماغ في روح يملأ ~~(11) ذلك التجويف ، وإنما (12) كان هناك ليطلعا على الحواس التي أكثرها ~~إنما تنبعث من مقدم الدماغ ، فيبقى (13) الفكر والذكر في التجويفين الآخرين ~~، لكن الذكر قد تأخر موضعه ، فيكون (14) الروح المفكرة متوسطا بين خزانة ~~الصورة (15) بين خزانة المعنى ، ويكون (16) مسافته بينهما واحدة. والوهم ~~مستول على الدماغ كله ، وسلطانه في الوهم (17). # وأخلق بأن يتشكك مشكك ، فيقول : كيف يرتسم (18) صورة جبل ، بل صورة ~~العالم في الآلة اليسيرة (19) تحمل القوة المصورة؟ # فنقول (20): إن الإحاطة بانقسام الأجسام إلى غير (21) النهاية تكفي ~~مئونة هذا التشكك ، PageV02P283 # فإنه كما يرتسم العالم في مرآة صغيرة ، وفي الحدقة بأن ينقسم ما يرتسم ~~فيه بحذاء أقسامه ، إذ الجسم الصغير (1) بحسب قسمة الكبير عددا وشكلا ، وإن ~~كان يخالف القسم (2) في المقدار ، فكذلك حال ارتسام الصور الخيالية في ~~موادها ، ثم يكون (3) نسبة ما يرتسم فيه الصور الخيالية بعضها إلى بعض في ~~عظم ما يرتسم فيه وصغر ما (4) يرتسم فيه ، نسبة لشيئين (5) من خارج في ~~عظمهما وصغرهما ، مع مراعاة التشابه في البعد. # وأما قوة العصب (6) وما يتعلق بها ، فلم تجتمع (7) إلى عضو غير المبدأ ، ~~لأن فعلها فعل واحد ، ويلائم (8) المزاج الشديد الحر ويحتاج (9) إليه ، ~~وليس تأثير المتفق منه أحيانا تأثير المتصل من المفكرة (10) والحركة حتى ~~يخاف أن يشتعل اشتعالا مفرطا ، وذلك لأنه مما يعرض أحيانا ، وذلك (11) ~~كاللازم ، مثل الفهم ، والمفكرة (12) وما يشبههما مما يحتاج إلى ثبات وإلى ms577 ~~قبول ، ويجب أن يكون العضو المعد لها (13) أرطب وأبرد ، وهو الدماغ ، لئلا ~~يشتعل الحار الغريزي اشتعالا شديدا ، وليقاوم الالتهاب الكائن بالحركة ، ~~ولما كانت التغذية مما يجب أن يكون العضو (14) عديم الحس ، حتى يمتلئ من ~~الغذاء ويفرغ منه ، فلا يوجعه ذلك ولا يتألم كثيرا مما (15) ينفذ فيه ومنه ~~وإليه ، وأن يكون أرطب جدا كيما يحفظ الحار الغريزي (16) بالمفارقة ~~والمقاومة ، فجعل ذلك العضو الكبد ، وجعل قوة التوليد في عضو آخر شديد الحس ~~ليعين على الدعاء إلى الجماع بالشبق ، وإلا لم (17) يتكلف ذلك ، ولو لم يكن ~~فيه لذة وإليه شبق ، إذ لا حاجة إليه في بقاء الشخص ، واللذة تتعلق بعضو ~~حساس ، فجعل له الأنثيان ، وأعينا (18) بآلات اخرى بعضها لذب (19) المادة ~~وبعضها لدفعها ، كما يأتيك ذكره حيث نتكلم في الحيوان انتهى كلامه . PageV02P284 ### | في الإشارة إلى المناسبة بين النفس والبدن ### ||| * واحتياج أحدهما إلى الآخر والارتباط بينهما # وأقول : وأنت بعد تدبرك فيما نقلنا عنه من هذا الكلام ، وتذكرك لما ~~أسلفنا لك في الأبواب السالفة ، يظهر لك أنه كما أن النفس الإنسانية ذات ~~واحدة بالعدد ، ولها قوى مختلفة مرتبطة بعضها ببعض ، وهي منبع تلك القوى ~~وما به الارتباط بينها ؛ وأن قواها يرؤس بعضها بعضا ، ويخدم بعضها بعضا ، ~~والرئيس للكل واحد بالعدد ، كذلك العضو الرئيس من آلاتها أي القلب عضو واحد ~~بالعدد ، وهو بما فيه من الروح أول ما يتعلق به النفس ، وهو أيضا منبع ~~الآلات ، وهي مرتبطة بعضها ببعض ارتباطا تاما كما ذكر. فيكون المناسبة بين ~~النفس والبدن بهذا الاعتبار تامة. # وكذلك يظهر لك أنه كما أن البدن محتاج إلى النفس لأجل حفظ تركيبه ومزاجه ~~وبقائهما ، كذلك النفس محتاجة إلى البدن ، لأجل أفعالها الآلية ، وكذا ~~للاستعانة في أفعالها الذاتية. # وكأنه لأجل ذلك اشتبه الأمر على بعض الأقدمين من الحكماء ، فظن أن النفس ~~لا فعل لها بدون مشاركة البدن أصلا حتى الأفعال الذاتية لها كالتعقل وإدراك ~~الأمور الكلية على ما نقله صاحب «الملل والنحل» عن الاسكندر الأفريدوسي ~~تلميذ أرسطو (1)، وإن كان رأيه هذا مخالفا لرأي أستاده ، ولرأي الجمهور ms578 من ~~الحكماء. # وبذلك يظهر أن بين النفس والبدن احتياجا شديدا لا غنى لأحدهما من الآخر ~~بوجه ، وبه يظهر أيضا أن بينهما ارتباطا تاما ، وكفاك شاهدا على هذا تأثر ~~كل منهما عن الآخر ، وتأثير كل واحد منهما في الآخر. ليس إذا أحسست بشيء من ~~أعضائك شيئا أو تخيلت أو اشتهيت أو غضبت ، تأثرت نفسك منها ، وحصل فيها ~~هيئة وكيفية من الكيفيات النفسانية تسمى حالا ما دامت سريعة الزوال؟ فإذا ~~تكررت وأذعنت النفس لها ، فصارت كل مرة أسهل تأثرا حتى تتمكن تلك الكيفية ~~منها وتصير بطيئة الزوال ، فصارت PageV02P285 # تلك الهيئة ملكة وعادة وخلقا. وأ ليس إذا عرضت في النفس هيئة ما عقلية ~~تأثر بدنك منها ، فحصل أثر ما منها إلى قواك ثم في أعضائك؟ انظر أنك إذا ~~استشعرت جانب الله عز وجل وفكرت [في] جبروته كيف يقشعر جلدك ويقف شعرك! فمن ~~هذه الجملة يظهر لك كيفية الارتباط والاتحاد بينهما. فتبارك الله أحسن ~~الخالقين. وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام ، فلنختم هذا الباب به ، ~~ولنصرف عنان العناية إلى صوب المقصد الآخر ، فنقول : PageV02P286 ### | الباب الثالث ### | في تعديد قوى النفس الإنسانية ### ||| * على ما هو المشهور بين الجمهور PageV02P287 # الباب الثالث في تعديد قوى النفس الإنسانية على ما هو المشهور بين ~~الجمهور ، والإشارة إلى نبذ من الحكمة فيما لعله يحتاج إلى بيان الحكمة فيه. # اعلم أنهم ذكروا أن للنفس الناطقة الإنسانية قوى تشارك بها الحيوانات ~~العجم والنبات ، وقوى أخرى تشارك بها الحيوانات العجم دون النبات ، وقوى ~~أخرى أخص من الأوليين تختص بالإنسان. # أما القوى الأولى التي بها تشارك الكل ، وهي التي تسمى نباتية لا لاختصاص ~~النبات بها ، بل لانحصار قواه فيها ، ويسميها الأطباء قوى طبيعية ، وهي ~~مبادي لأفعال مختلفة من غير إرادة ، وتلك الأفعال إنما هي حركات لحفظ البدن ~~وتوليده ، وتصرفات في مادة الغذاء. # وآلة تلك القوى إما من الكيفيات الفعلية فالحرارة الغريزية ، فإن الحار ~~هو المستعد لتحريك المواد ، ويتبعها البرد لتسكينها عند الكمالات. وإما من ~~الكيفيات الانفعالية فالرطوبة ، فإنها هي التي تتخلق وتتشكل ، وتتبعها ~~اليبوسة لحفظ ms579 المواد ، فأصولها ثلاثة : الغاذية ، والنامية والمولدة ، ~~اثنتان منها وهما الغاذية والنامية لأجل الشخص ، وواحدة منها وهى المولدة ~~لأجل النوع : # أما الغاذية ، ففعلها إحالة الغذاء إلى مشاكلة المغتذي وإضافته إليه بدلا ~~عما يتحلل ، ويتم فعلها بأفعال ثلاثة جزئية : PageV02P289 # أحدها تحصيل جوهر البدن وهو في الحيوان والإنسان الدم والخلط الذي هو ~~بالقوة القريبة من الفعل شبيه بالعضو ، وقد يخل به كما يقع في علة تسمى ~~أطروقيا وهو عدم الغذاء. # والثاني الإلزاق ، وقد يخل به كما في الاستسقاء اللحمي. # والثالث التشبيه بالعضو المغتذي حتى في قوامه ولونه ، وقد يخل به كما في ~~البرص والبهق ، فإن جوهر البدن والإلزاق موجودان فيهما ، والتشبيه غير موجود. # فهذه الأفعال الثلاثة بقوى ثلاث الغاذية مجموعها ، أو قوة أخرى هي رئيسة ~~لها تستخدم كل واحدة منها. والقوة التي يصدر منها التشبيه يسمونها مغيرة ~~ثانية. أما التغيير فظاهر ، وأما كونها مغيرة ثانية ، فلما سيأتي. وهي ~~واحدة بالجنس في الإنسان وغيره من المركبات التي لها أعضاء وأجزاء مختلفة ~~بالحقيقة بمنزلة الأعضاء وتختلف بالنوع ، إذ في كل عضو منها قوة تغير ~~الغذاء إلى شبيه مخالف لشبيه الأخرى. # وأما النامية ، فهي التي تداخل الغذاء بين أجزاء المغتذي فتزيد في ~~الأقطار الثلاثة بنسبة طبيعية ، بأن تزيد في الأعضاء الأصلية ، أعني ما ~~يتولد عن المني كالعظم والعصب والرباط وغيرها. وبقولنا : «بنسبة طبيعية» ~~يخرج الورم ، فإنه خارج عن المجرى الطبيعي ، وبذلك يظهر الفرق بين النمو ~~والسمن ، فإن السمن إنما هو زيادة في الأعضاء المتولدة من الدم كاللحم ~~والشحم السمن ، لا في الأعضاء الأصلية. # وقيل : إن النمو والسمن مع اشتراكهما في شيء واحد وهو الازدياد الطبيعي ~~للبدن بانضياف مادة الغذاء إليه ، يفترقان في أشياء ، منها التناسب في ~~الأقطار ، ومنها طلب غاية ما يقصدها الطبع ، ومنها الاختصاص بوقت معين ، ~~فالنمو يختص بجميعها ، السمن يخالفه أحيانا فيها ويوافقه أحيانا ، والذبول ~~يقابل النمو ، والهزال يقابل السمن. # وبالجملة فالغاذية تخدم هذه القوة في تحصيل المادة. PageV02P290 # وأما المولدة ، فقد قال بعضهم ك «شارح التجريد» (1): «إن (4) المراد بها ~~قوتان ، فوحدتها اعتبارية كما في ms580 الغاذية ، فإنها كما ذكر (5) عبارة عن ~~ثلاث قوى : «إحداهما يجعل فضلة الهضم الرابع منيا ، وهذه القوة عملها في ~~الأنثيين ، لأن ذلك الدم يصير منيا فيهما ، وثانيتهما (6) ما يهيئ كل جزء ~~من المني الحاصل من الذكر والأنثى في الرحم لعضو مخصوص ، بأن يجعل بعضه ~~مستعدا للعظمية ، وبعضه مستعدا للعصبية ، وبعضه مستعدا للرباطية ، إلى غير ذلك. # وهذه القوة تسمى (7) المغيرة الأولى ، لأن المغيرة كما تطلق على هذه ~~القوة ، تطلق على إحدى القوى الثلاث من القوى الغاذية أيضا لوجود (2) (8) ~~التغيير فيها ، فخصت هذه بالمغيرة الأولى ، وتلك بالمغيرة الثانية ، ~~لتقدمها عليها في بدن المولود. وفعل هذه القوة إنما يكون حال كون المني في ~~الرحم ، ليصادف (9) ذلك فعل القوة المصورة ، لأنها تعد مواد الأعضاء ، ~~والمصورة تلبسها صورها الخاصة بها. وإنما لم يذكر المصنف القوة المصورة ~~لأنه سيبطلها». # وقال الشيخ في «الشفاء» : «وأما المولدة فلها فعلان : أحدهما تخليق البذر ~~(10) وتشكيله وتطبيعه ، والثاني إفادة أجزائه في الاستحالة (11) النباتية ~~صورها من القوى والمقادير والأشكال والأعداد والخشونة والملاسة (12)، وما ~~يتصل بذلك ، متسخرة تحت تدبير المنفرد بالجبروت ، فيكون (13) الغاذية تمدها ~~بالغذاء والنامية تخدمها بالتمديدات المشاكلة» انتهى . # وقال المحقق الطوسي (ره) في قول الشيخ في «الإشارات» (3): «والثالثة ~~(14) المولدة للمثل ، وتنبعث بعد فعل القوتين مستخدمة لهما» هكذا : «هذه ~~القوة تنقسم إلى نوعين : PageV02P291 # مولدة ومصورة ، والمولدة تنقسم إلى نوعين : محصلة للبذر (1) ومفصلة إياه ~~إلى أجزاء مختلفة كالأعضاء ، وهي التي تسمى مغيرة أولى بالقياس إلى التي ~~تغير الغذاء خدمة للغاذية ، والغاذية المنمية تخدمان المولدة» انتهى . # وأقول : إن من أبطل القوة المصورة كالمحقق الطوسي نظر إلى أنه يستحيل ~~صدور الأفعال المحكمة المتقنة عن قوة بسيطة عديمة الشعور ، وأما من أثبتها ~~كالشيخ والأكثر نظر إلى أن تلك الأفعال إنما تصدر عنها بتدبير المنفرد ~~بالجبروت تعالى شأنه كما دل عليه كلام «الشفا» وحينئذ فلا استبعاد في ~~إثباتها. ### | في الإشارة إلى الحكمة في القوى النباتية # وحيث عرفت ذلك فاعلم ، أنهم ذكروا في الحكمة في هذه القوى الثلاث وسبب ~~الاحتياج إليها : أن النفوس إنما تفيض على الأبدان المركبة بحسب ms581 قرب ~~أمزجتها من الاعتدال وبعدها عنه ، ولا بد في الأمزجة المعتدلة من أجزاء ~~حارة بالطبع ، وتنبعث أيضا من كل نفس كيفية فاعلة مناسبة للحياة تكون آلة ~~لها في أفعالها وخادمة لقواها ، وهي الحرارة الغريزية. فالحرارتان تقبلان ~~على تحليل الرطوبات الموجودة في البدن المركب ، وتعاونهما على ذلك الحرارة ~~الغريبة من خارج. فإذن لو لا شيء يصير بدلا لما يتحلل منه لفسد المزاج ، ~~وبطل استعداد الممتزج لاتصال النفس به ، ففسد التركيب. فالعناية الإلهية ~~جعلت النفس ذات قوة تتخذ ما يشبه بدنها المركب بالقوة ، وتحيله إلى أن ~~يشبهه بالفعل ، فتضيفه إليه بدلا عما يتحلل ، وهي قوة لا تخلو ذات نفس ~~أرضية عنها. # ثم لما كانت الأسطقسات متداعية إلى الانفكاك ولم يكن من شأن القوى ~~الجسمانية أن تجبرها على الالتيام أبدا ، وكانت العناية المتعالية الإلهية ~~مستبقية للطبائع النوعية دائما ، فقدر بقائها بتلاحق الأشخاص. # أما فيما لم يتعذر اجتماع أجزائه ، لبعده عن الاعتدال ولسعة عرض مزاجه ، فعلى PageV02P292 # سبيل التولد. # وأما فيما تعذر ذلك لقربه منه ولضيق عرض مزاجه ، فعلى سبيل التوالد. # وجعلت النفس الأخيرة ذات قوة تختزل من المادة التي تحصلها الغاذية ما ~~تجعلها مادة شخص آخر من نوعه. # ولما كانت المادة المختزلة للتوليد لا محالة أقل من المقدار الواجب لشخص ~~كامل ، إذ هي مختزلة من شخص ، جعلت النفس المدبرة لها ذات قوة تضيف من ~~المادة التي تحصلها الغاذية شيئا فشيئا إلى المادة المختزلة ، فيزيد بها ~~مقدارها في الأقطار على تناسب يليق بأشخاص ذلك النوع إلى أن يتم الشخص ، ~~فإذن النفوس النباتية التامة إنما تكون ذات ثلاث قوى تحفظ بها الشخص إذا ~~كان كاملا ، وتكمله مع ذلك إذا كان ناقصا ، وتستبقى النوع بتوليد مثله ، ~~وهي المسماة بالغاذية والمنمية والمولدة للمثل. # فظهر من ذلك أن أفعال جميع هذه القوى إنما تتم بتصرفات في مادة الغذاء ، ~~وأن هاهنا قوى ثلاثا لأفعال ثلاثة ، وأن الاحتياج إلى الغاذية والمنمية ~~لأجل الشخص ، وإلى المولدة لأجل النوع. وأن غاية فعل الغاذية الإحالة إلى ~~المشابهة سدا لبدل ما يتحلل. وأن غاية فعل ms582 المنمية ، الزيادة في النشء على ~~تناسب محفوظ مقصود في أجزاء المغتذي في الأقطار يتم بها الخلق. وإن غاية ~~فعل المولدة ، الاختزال من ذلك فضلة تعد مادة ومبدءا لشخص آخر. وأن الغاذية ~~متقدمة على النامية والمولدة ، لتقدم فعلها على فعليهما. وكذا هي خادمة ~~للنامية في تحصيل المادة. # ثم إن النامية والمولدة ، وإن كانتا جميعا متأخرتين عن الغاذية لكون ~~فعليهما أي الإنماء والتوليد محوجين إلى كثرة المادة المتعذر تحصيلها ~~والتصرف فيها إلا بالغاذية ، إلا أنه لما كان الإنماء الذي هو فعل المنمية ~~أهم ، لأنه يتعلق بإكمال الشخص ، وإنما احتيج إلى توليد المثل لكون الشخص ~~معرضا للفناء ، فجعل الإنماء متقدما على التوليد نوعا من التقدم ، فجعلت ~~المنمية متقدمة على المولدة ، وجعلت المولدة في ثالث المراتب ، وجعلت ~~المنمية خادمة لها ، كما جعلت الغاذية خادمة للنامية وللمولدة أيضا. PageV02P293 # وذكروا أيضا أن الغاذية في أول الأمر تقوى على تحصيل مقدار أكثر مما ~~يتحلل ، لصغر الجثة وكثرة الأجزاء الرطبة فيها ، فتعمل المنمية فيما فضل من ~~الغذاء ، ثم تعجز عن ذلك لكبر الجثة وزيادة الحاجة ، لنفاد أكثر الرطوبات ~~الأصلية الصالحة لتغذية الحرارة الغريزية ، فيصير ما تحصله مساويا لما ~~يتحلل ، وحينئذ يقف المنمية. ثم يقوى المولدة حينا ، ثم تقف هي أيضا ، أي ~~أنه عند القرب من تمام النمو ، تفرغ النفس للتوليد ، فتقوى المولدة حينا ، ~~وأنه إذا عجزت الغاذية من إيراد بدل ما يتحلل ، بحيث لم يفضل شيء تتصرف فيه ~~المولدة ، أو انحرف المزاج بسبب الانحطاط المفرط فصارت المادة غير مستعدة ~~لذلك ، وقفت المولدة أيضا ، وتبقى الغاذية عمالة إلى أن تعجز ، فيحل الأجل ~~عند عجزها عن إيراد البدل ، لسرعة تحلل الأجزاء وانحراف المزاج عن الاعتدال ~~، وانطفاء الحرارة الغريزية لعدم غذائها ووجود ما يضادها. # ثم إنهم ذكروا أنه يخدم الغاذية قوى أربع ، هي الجاذبة والماسكة والهاضمة ~~والدافعة. وذكروا في وجه الاحتياج إلى تلك القوى الأربع وبيان أفعالها : ~~أنه لما كان وجود الشخص بل بقاء النوع بتوليد المثل أيضا لا يمكن إلا ~~بتحصيل الغذاء النافع وإصلاحه ودفع فضلاته ، احتيج إلى فعل قوى ms583 أربع. # أما الاحتياج إلى الجاذبة ، فلأن الغذاء لا يمكن أن يصل بنفسه إلى جميع ~~الأعضاء ، لأنه إن كان ثقيلا لا يصل إلى الأعضاء العالية ، وإن كان خفيفا ~~لا يصل إلى الأعضاء السافلة ، فاحتيج إلى قوة تجذب الغذاء إلى الأعضاء. # وأما إلى الماسكة ، فلأن الغذاء لا بد فيه من الاستحالة ، حتى يصير شبيها ~~بجوهر المغتذى ، والاستحالة حركة ، وكل حركة في زمان ، فلا بد من زمان في ~~مثله يستحيل الغذاء إلى جوهر المغتذي. ولأن الخلط جسم رطب سيال ، استحال أن ~~يقف بنفسه ، فلا بد من قاسر يقسره على الوقوف وذلك القاسر هو الماسكة. # وأما إلى الهاضمة ، فلأن حالة القوة المغيرة إنما تكون لما هو متقارب ~~الاستعداد للصورة العضوية ، وإنما يمكن ذلك بعد فعل القوة التي تجعله ~~متقارب الاستعداد ، وتلك PageV02P294 # هي القوة الهاضمة. # ومراتب الهضم أربع : أولها في المعدة ، وثانيتها في الكبد ، وثالثتها في ~~العروق ورابعتها في الأعضاء. كما فصل ذلك في الكتب الطبية. # وأما إلى الدافعة ، فلأنه ليس الغذاء يصير بتمامه جزءا من المغتذي ، بل ~~يفضل منه ما يضيق المكان ، ويمنع ما يرد من الغذاء عن الوصول إلى الأعضاء ، ~~ويوجب ثقل البدن ، بل يفسد ويفسد ، فلا بد من قوة تدفع تلك الفضلات ، وهي ~~الدافعة ، وقد يتضاعف هذه القوى لبعض الأعضاء ، كما للمعدة ، فإن فيها ~~الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة بالنسبة إلى غذاء جميع البدن ، وفيها ~~أيضا هذه القوى بالنسبة إلى ما تغتذي به خاصة ، فهذه هي القوى الخادمة ~~للغاذية ، ويلزم منه أن تكون هي خادمة للنامية والمولدة ، كما أن الغاذية ~~خادمة لهما ، فهذا هو الكلام في القوى النباتية. ### | وأما الكلام في القوى الحيوانية # أي القوى التي يشارك بها الإنسان الحيوانات العجم دون النبات ، فهو أنهم ~~ذكروا أن القوة الحيوانية بالقسمة الأولى تنقسم إلى قوتين : محركة ومدركة ، ~~أما المحركة والمراد بها ما تكون مبدأ للحركات الجزئية الاختيارية التي ~~تصدر عن شيء يقدر على الفعل والترك ، ويتساوى نسبتها إليه بحسب إرادة ترجح ~~أحدهما. وبعبارة أخرى ما تكون مبدأ للأفعال المختلفة المقترنة بإرادة التي ~~تنسب إلى ms584 النفس الحيوانية في الحيوان فهي تنقسم [إلى] قسمين : محركة بأنها ~~باعثة على الحركة ، ومحركة بأنها فاعلة للحركة. # والباعثة هي القوة النزوعية الشوقية ، وهي التي إذا ارتسمت في التخيل ~~مثلا صورة مطلوبة أو مهروبة عنها ، بعثت القوة المحركة الفاعلة للحركة على ~~الحركة ، ولهذه الباعثة شعبتان : # شعبة تسمى قوة شهوانية ، وهي قوة تنبعث على تحريك يقرب به من الأشياء ~~المتخيلة ضرورية كانت أو نافعة ، طلبا للذة. PageV02P295 # وشعبة تسمى قوة غضبية ، وهي قوة تنبعث على تحريك يدفع به الشيء المتخيل ، ~~ضارا كان أو مفسدا طلبا للغلبة. # وأما القوة المحركة على أنها فاعلة للحركة ، فهي قوة تنبعث في الأعصاب ~~والعضلات ، من شأنها أن تشنج العضلات ، فتجذب الأوتار والرباطات المتصلة ~~بالأعضاء إلى نحو جهة المبدأ ، أو ترخيهما أو تمدهما طولا ، فيصير الأوتار ~~والرباطات إلى خلاف جهة المبدأ. # والتفصيل أن لهذه الحركات الاختيارية مبادي أربعة مترتبة ، أبعدها عن ~~الحركات هي القوى المدركة ، وهي الخيال أو الوهم في الحيوان ، والعقل ~~العملي بتوسطهما في الإنسان. # ويليها قوة الشوق ، فإنها تنبعث عن القوى المدركة ، وتنبعث إلى شوق نحو ~~طلب إنما ينبعث عن إدراك الملائمة في الشيء اللذيذ أو النافع إدراكا مطابقا ~~أو غير مطابق ، وتسمى شهوة ، وإلى شوق نحو دفع وغلبة إنما ينبعث عن إدراك ~~منافاة في الشيء المكروه أو الضار ، ويسمى غضبا ؛ ومغايرة هذه القوة للقوة ~~المدركة ظاهرة ، وكما أن الرئيس في القوى المدركة هو الوهم ، على ما سيأتي ~~بيانه ، كذلك الرئيس في القوى المحركة هو هذه القوة. # ويليها الإجماع ، وهو العزم الذي ينجزم بعد التردد في الفعل والترك ، وهو ~~المسمى بالإرادة والكراهة ، ويدل على مغايرته للشوق ، كون الإنسان مريدا ~~لتناول ما لا يشتهيه ، وكارها لتناول ما يشتهيه ، وعند وجود هذا الإجماع ~~يترجح أحد طرفي الفعل والترك اللذين يتساوى نسبتهما إلى القادر عليهما. # ويليه القوى المنبثة في مبادي العضل المحركة للأعضاء ، ويدل على مغايرتها ~~لسائر المبادي كون الإنسان المشتاق العازم غير قادر على تحريك أعضائه ، ~~وكون القادر على ذلك غير مشتاق ولا عازم ، وهي المبادي القريبة للحركات ، ~~وفعلها ms585 تشنيج العضل وإرسالها ، ويتساوى الفعل والترك بالنسبة إليهما. فيظهر ~~أن القوى المنبثة في مبادي PageV02P296 # العضل فاعلة للحركة وهي محركة بالحقيقة ، وكذا هي خادمة ومطيعة لتلك ~~القوى الثلاث التي هي آمرة وباعثة على الحركة ، وأن تلك القوى الثلاث بعضها ~~مباد بعيدة لها وهي القوى المدركة ، وبعضها أقرب منها وهي القوة الشوقية ~~الغضبية أو الشهوانية المتوسطة بين القوى المدركة وبين الإجماع ، وبعضها ~~أقرب منها أيضا ، وهي الإجماع المذكور ، وهو الذي تطيعه القوة الفاعلة ~~للحركة بلا واسطة. ### | في الحكمة في القوى المحركة الحيوانية # ثم إنهم ذكروا في بيان الحكمة في تلك القوى وسبب الاحتياج إليها : أنه ~~كما أن الحكمة في القوى النباتية حفظ الشخص وبقاء النوع ، كذلك الحكمة في ~~هذه القوى المحركة الحيوانية في الحيوان المحافظة على الأبدان بحسب ~~كمالاتها الشخصية أو النوعية وفي الإنسان ، فهذه المحافظة مع ما يتوسل بها ~~الشخص إلى اكتساب الخير الحقيقي والكمال الأبدي بحسب العمل والعلم. # انظر إلى أن العناية الأزلية كيف جعلت في جبلة الحيوانات داعية الجوع ~~والعطش ، لتدعو نفوسها إلى الأكل والشرب ، ليخلف بدلا عما يتحلل ساعة فساعة ~~من البدن الدائم التحلل والذوبان ، لأجل استيلاء الحرارة الغريزية الحاصل ~~من نار الطبيعة. وجعلت لنفوسها أيضا الآلام والأوجاع عند الآفات العارضة ~~لأبدانها ، لتحرص النفوس على حفظ الأبدان من الآفات إلى أجل معلوم. ذلك ~~تقدير العزيز العليم. ### | في القوى المدركة الحيوانية # وهذا الذي ذكرناه هو الكلام في القوى المحركة الحيوانية ، وأما القوى ~~المدركة الحيوانية ، فتنقسم على المشهور إلى الحواس الخمس الظاهرة المشهورة ~~، والحواس الخمس الباطنة المستورة. أما الخمس الظاهرة التي هي لظهورها غنية ~~عن الإثبات ، فمنها اللمس. PageV02P297 ### ||| ** في اللامسة # وهي قوة مرتبة في أعصاب البدن في أعصاب البدن كله ولحمه ، تدرك بالمماسة ~~، وتؤثر فيه بالمضادة المحيلة للمزاج ولهيئة التركيب. وحيث كان الإحساس ~~بهذه القوة بالمماسة والملاقاة ، فلا تحتاج إلى متوسط كما في الحواس الأخر ~~على ما سيأتي بيانه. # وأول الحواس الذي يصير به الحيوان حيوانا هو هذه القوة ، فإنه كما أن كل ~~ذي نفس حيوانية أو أرضية ، فإن له ms586 قوة غاذية ، ويجوز أن يفقد قوة أخرى ، ~~ولا ينعكس ، كذلك حال كل ذي نفس حيوانية ، فله حس اللمس ، ويجوز أن يفقد ~~قوة أخرى ولا ينعكس. # وحال الغاذية عند سائر قوى النفس الأرضية حال اللمس عند سائر قوى الحيوان ~~، وذلك لأن الحيوان تركيبه الأول هو من الكيفيات الملموسة ، فإن مزاجه منها ~~وفساده باختلالها ، والحس طليعة للنفس ، فيجب أن يكون الطليعة الاولى هو ما ~~يدل على ما يقع به الفساد ، ويحفظ به الصلاح ، وأن يكون قبل الطلائع التي ~~تدل على أمور تتعلق ببعضها منفعة خارجة عن القوام ، ومضرة خارجة عن الفساد. ~~والذوق وإن كان دالا على الشيء الذي به يستبقى الحياة من المطعومات ، فقد ~~يجوز أن يعدم الذوق ويبقى الحيوان حيوانا ، فإن الإحساس الآخر ربما أعان ~~على ارتياد الغذاء الموافق واجتناب المضار. وأما الحواس الأخرى ، فلا تعين ~~على معرفة أي هواء محيط بالبدن مثلا محرق أو مجمد. # وبالجملة ، فإن الجوع شهوة اليابس الحار ، والعطش شهوة البارد الرطب ، ~~والغذاء بالحقيقة ما يتكيف بهذه الكيفيات التي يدركها اللمس. وأما الطعوم ~~فتطييبات ، فلذلك كثيرا ما يبطل حس الذوق لآفة تعرض ، والحال أن الحيوان ~~باق. فظهر أن اللمس هو أول الحواس ، ولا بد منه لكل حيوان أرضي. ولشدة ~~الاحتياج إلى هذه القوة ، كانت منبثة في جميع البدن ، وسارية بمعونة ~~الأعصاب في جميع الأعضاء ، إلا ما كان عدم الحس أنفع له ، كالكبد والطحال ~~والكلية ، لئلا تتأذى مما يلاقيها من الحاد اللذاع ، فإن الكبد مولد ~~للصفراء والسوداء ، والطحال والكلية مصبتان لما فيه لذع ، وكالرية ، فإنها ~~دائمة الحركة ، فتتألم باصطكاك بعضها ببعض ، وكالعظام فإنها أساس البدن ~~ودعامة الحركات. فلو PageV02P298 # أحست لتألمت بالضغط والمزاحمة وبما يرد عليها من المصاكات ، وكالشعر فإنه ~~ضعيف بارز من البدن ، ولو كان له حس لتأذي دائما. # وبالجملة ، فهذه القوة من بين القوى الحساسة الظاهرة أقدمها ، ولذلك قد ~~توجد هذه القوة معراة عن سائر الحواس الظاهرة ، كما يوجد ذلك في الإسفنج ~~البحري وغير ذلك مما هو متوسط الوجود بين النبات والحيوان ، ولا توجد سائر ~~القوى معراة ms587 عنها ، وإنما كان كذلك ، لأن هذه القوة أكثر ضرورية في وجود ~~الحيوان من سائر قوى الحس. # ثم من بعد هذه القوة ، قوة الذوق ، فإنها أيضا لمس ما ، وأيضا فإنها ~~القوة التي بها يختار الحيوان الملائم من الغذاء من غير الملائم. # ثم قوة الشم ، إذ كانت هذه القوة أكثر ما يستعملها الحيوان في الاستدلال ~~على الغذاء ، كالحال في النمل والنحل ، فهذه القوى الثلاث هي القوى ~~الضرورية في وجود الحيوان. # وأما قوتا السمع والبصر ، فموجودتان في الحيوان من أجل الأفضل ، لا من ~~أجل الضرورة ، ولذلك كان الحيوان المعروف بالخلد لا بصر له ، إلا أنهما ~~ألطف الحواس ، كاد أن تكون مدركاتهما خارجة عن عالم المادة ، والبصر ~~أشرفهما ، والكلام في ذلك طويل. # ثم اعلم أنه ربما يقال إن الحركة أخت اللمس في الحيوان. وكما أن من الحس ~~نوعا متقدما هو اللمس ، كذلك قد يشبه أن يكون من قوى الحركة نوع متقدم ، ~~والمشهور أن من الحيوان ما له حس اللمس وليس له قوة الحركة ، مثل ضروب من ~~الأصداف. # وقال الشيخ في الشفاء في تحقيق ذلك (1): «إن الإرادة (2) على ضربين : ~~حركة انتقال من مكان إلى مكان ، وحركة (3) انبساط وانقباض للأعضاء من ~~الحيوان من (4) دون انتقال الجملة من موضعها ، فيبعد من أن يكون (5) له حس ~~اللمس ، ولا (6) يكون له قوة الحركة ، فإنه كيف يعلم أنه له حس اللمس ، إلا ~~بأن يشاهد فيه نوع هرب من ملموس وطلب PageV02P299 # ملموس (2). # وأما ما يتمثلون (3) به من الأصداف والإسفنجات وغيرها ، فإنا نجد للأصداف ~~في غلفها حركات انقباض وانبساط والتواء وامتداد في أجوافها ، وإن كانت لا ~~تفارق أمكنتها ، ولذلك يعرف (4) أنها تحس بالملموس ، فيشبه أن يكون (5) ما ~~له لمس ، فله في ذاته حركة ما إرادية ، إما لكليته وإما لأجزائه». انتهى . # وأما الأمور التي تلمس ، فالمشهور من أمرها أنها الحرارة والبرودة ~~والرطوبة واليبوسة والخشونة والملامسة والثقل والخفة ، وأما الصلابة واللين ~~والزوجة والهشاشة وغير ذلك ، فإنها تحس تبعا لهذه المذكورات. # وللشيخ في ذلك كلام مبسوط في «الشفاء» ، وكذا لابن رشد المغربي في «جامع ~~الفلسفة» ms588 بعض كلمات مع الشيخ ، فليرجع إليهما. # ثم إنهم اختلفوا ، فذهب الجمهور إلى أن القوة اللامسة قوة واحدة ، بها ~~يدرك جميع الملموسات كسائر الحواس ، لأن اختلاف المدركات لا يوجب اختلاف ~~الإدراكات ، ليستدل بذلك على تعدد مباديها. # وذهب كثير من المحققين إلى أنها قوى متعددة حسب تعدد أنواع الملموسات ، ~~وأنه حيث كانت لهذه القوة آلة واحدة مشتركة فيها ، فلهذا يظن اتحادها ؛ ~~وإلى هذا المذهب يميل كلام الشيخ في «الشفاء» حيث قال (1): «ويشبه أن تكون ~~هذه القوة عند قوم ، لا نوعا أخيرا بل جنسا للقوى (6) الأربع أو فوقها ~~منبثة معا في الجلد كلها ، واحدة (7) حاكمة في التضاد الذي بين الحار ~~والبارد ، والثانية حاكمة في التضاد الذي بين الرطب واليابس ، والثالثة ~~حاكمة في التضاد الذي بين الصلب واللين ، والرابعة حاكمة في التضاد الذي ~~بين الخشن والأملس ، إلا أن اجتماعها في آلة واحدة يوهم (8) المحسوسات». ~~انتهى . PageV02P300 # وتحقيق القول في هذا المرام يقتضي بسطا في الكلام لا يناسب المقام. ### ||| ** في الذائقة # ومنها الذوق ، وهي كما ذكره الشيخ في «الشفاء» «قوة مرتبة في العصب ~~المفروض (1) على جرم اللسان ، تدرك الطعوم المتحللة من الأجرام المماسة له ~~، المخالطة للرطوبة العذبة التي فيها مخالطة محيلة». # وذكر علماء التشريح : أن الحامل لهذه القوة هو الشعبة الرابعة من الزوج ~~الثالث ، الذي منبته الحد المشترك بين مقدم الدماغ ومؤخره من لدن قاعدة ~~الدماغ ، وتنفذ هذه الشعبة في ثقبة في الفك الأعلى إلى اللسان. # ثم إن هذه القوة كما أشرنا إليه تالية للمس في الاحتياج إليها ، ومنفعتها ~~أيضا في الفعل الذي به يتقوم البدن ، وهي معرفة الصالح من الغذاء والفاسد ~~منه. وتجانس هذه القوة اللمس في شيء ، وهو أن المذوق في أكثر الأمر يدرك ~~بالملاسة ، وتفارقها في أن نفس الملامسة تؤدي الطعم. كما أن نفس ملامسة ~~الحار تؤدي الحرارة ، بل كان يحتاج إلى متوسط يقبل الطعم ويكون في نفسه لا ~~طعم له ، وهو الرطوبة اللعابية المنبعثة من الآلة المسماة بالملعبة ، فإن ~~كانت هذه الرطوبة عديمة الطعم ، أدت الطعوم بصحة ، وإن خالطها طعم ، كما ~~يكون ms589 للممرورين من المرارة ، لمن كان في معدته خلط حامض مثلا ، يشوب ما ~~يؤديه بالطعم الذي فيه. # وأما أن هذه الرطوبة اللعابية هل هي تتوسط ، بأن يخالطها أجزاء ذي الطعم ~~مخالطة تنتشر فيها ثم تتغذى فتغوص في اللسان ، حتى تخالط اللسان فيحسه ، أو ~~يكون نفس هذه الرطوبة تستحيل إلى قبول الطعم من غير مخالطة ، فهو موضع نظر ~~، وتحقيقه في «الشفاء» فليرجع إليه. PageV02P301 ### ||| ** في الشامة # ومنها الشم ، وهي كما ذكره في «الشفاء» (1)، «قوة مرتبة في زائدتي مقدم ~~الدماغ الشبيهتين بحلمتي الثدي ، تدرك ما يؤدي إليه (2) من الهواء المستنشق ~~من الرائحة الموجودة في البخار المخالط له ، أو الرائحة المنطبعة فيه ~~باستحالة (3) من جرم ذي الرائحة» ، وواسطة الشم أيضا جسم لا رائحة له ، ~~كالهواء في الحيوان البري ، والماء في الحيوان البحري ، وهذا المتوسط يحمل ~~رائحة المشمومات. # وذكر علماء التشريح أن حامل هذه القوة هو تانك الزائدتان النابتتان من ~~مقدم الدماغ ، وهما قد فارقتا لين الدماغ قليلا ، ولم يلحقهما صلابة العصب. # وبالجملة فهذه القوة من شأنها أن تدرك الروائح المشمومة ، وليست فصول ~~الروائح عندنا بينة كفصول الطعوم ، وإنما نسميها بفصول الطعوم ، مثل أن ~~نقول رائحة حلوة ورائحة طيبة. # ويشبه أن يكون هذه الحاسة فينا أضعف منها في كثير من الحيوان ، كالنسر ~~والنحل وما أشبههما من الحيوان القوي الشم. # ثم إنهم قد اختلفوا في الرائحة. # فمنهم من زعم أنها تتأدى بمخالطة شيء من جرم ذي الرائحة ، يتحلل فيتنجز ~~فيخالط المتوسط. # ومنهم من زعم أنها تتأدى باستحالة من المتوسط ، من غير أن يخالط شيء من ~~جرم ذي الرائحة متحلل عنه. # ومنهم من قال أنها تتأدى من غير مخالطة شيء آخر من جرمه ، ومن غير ~~استحالة من المتوسط. ومعنى هذا أن الجسم ذا الرائحة يفعل في الجسم عديم ~~الرائحة ، وبينهما جسم لا رائحة له من غير أن يفعل في المتوسط ، وتحقيق ~~القول في ذلك مذكور PageV02P302 # في «الشفاء». ### ||| ** في السامعة # ومنها السمع ، وهي كما ذكره في «الشفاء» (1): «قوة مرتبة في العصب ~~المنفرش (3) في سطح الصماخ تدرك صورة تتأتى (4) إليه ms590 من تموج الهواء ~~المنضغط بين قارع ومقروع مقاوم له ، لانضغاط (5) بعنف يحدث منه صوت ، ~~فيتأدى تموجه إلى الهواء المحصور الراكد في تجويف الصماخ ، ويحركه بشكل ~~حركته ، وتماس أمواج تلك الحركة العصبة» (6). وذكر علماء التشريح : إن ~~الحامل لهذه القوة هو القسم الأول من قسمي الزوج الخامس الذي منشؤه خلف ~~الزوج الثالث ، ومنبت هذا القسم بالحقيقة هو الجزء المقدم من الدماغ. # وبالجملة فالمحسوس الأول لهذه القوة هو الصوت ، وتحتاج أيضا إلى متوسط ~~حامل للصوت ، وأما بيان كيفية إحساسها وبيان ماهية الصوت بل الصدى فيقتضي ~~بسطا في الكلام ليس هنا محله. ### ||| ** في الباصرة # ومنها البصر ، وهي على ما ذكره في «الشفاء» (1): «قوة مرتب في العصب (7) ~~المجوفة تدرك صورة ما ينطبع في الرطوبة الجليدية من أشباح الأجسام ذوات ~~اللون المتأدية في الأجسام الشفافة بالفعل إلى سطوح الأجسام الصقيلة». # وعلى ما ذكره بعضهم : هي قوة مودعة في ملتقى العصبتين المجوفتين اللتين ~~تنبتان من غور البطنين المقدمين من الدماغ عند جوار الزائدتين الشبيهتين ~~بحلمتي الثدي ، يتيامن النابت منهما يسارا ، ويتياسر النابت منهما يمينا. ~~حتى يلتقيا ويصير تجويفهما واحدا ، ثم يمتد النابت يمينا إلى الحدقة اليمنى ~~والنابت يسارا إلى الحدقة اليسرى ، فذلك PageV02P303 # التجويف الذي هو في الملتقى أودع فيه القوة الباصرة ، ويسمى بمجمع النور. ~~وإنما جعلت هاتان العصبتان مجوفتين للاحتياج إلى كثرة الروح الحامل للقوة ~~الباصرة ، بخلاف سائر الحواس الظاهرة. # وذكر علماء التشريح أن الحامل لهذه القوة هو الزوج الأول من الأزواج ~~السبعة التي هي الأعصاب النابتة من الدماغ ، وهما مجوفتان تتلاقيان ~~فتفترقان إلى العينين. # وبالجملة ، فيتعلق البصر بالذات بالضوء واللون ، وبتوسطهما بسائر ~~المبصرات كالشكل والمقدار والحركة وغيرها ، وهذا أيضا يحتاج إلى متوسط ، أي ~~جسم شفاف بين الرائي والمرئي ، كما أنه يشترط فيه شروط ، وهي عشرة على ~~المشهور ، أحدها : توسط الشفاف ، والباقية : المقابلة بين الرائي والمرئي ، ~~وعدم البعد والقرب المفرطين ، وعدم الصغر المفرط ، وعدم الحجاب ، وكون ~~المرئي كثيفا أي مانعا من نفوذ الشعاع منه ، وكونه مضيئا أو مستضيئا ، ~~وسلامة الحاسة ، والقصد إلى الإحساس. # وأما أن ماهية الضوء ms591 واللون والشفاف ما ذا؟ وأن كيفية الإبصار ما هي؟ # هل هي بخروج الشعاع من العين؟ كما هو مذهب الرياضيين على اختلاف بينهم في ~~ذلك الشعاع الخارج ، حيث ذهب بعضهم إلى أنه مخروط مصمت ، مركزه عند البصر ، ~~قاعدته عند سطح المبصر. وبعضهم إلى أنه مخروط مركب من الخطوط الشعاعية ~~المستقيمة أطرافها التي تلي البصر مجتمعة عند مركزها ، ثم تمتد متفرقة إلى ~~المبصر. وبعضهم إلى أنه خط واحد مستقيم ، فإذا انتهى إلى المبصر تحرك على ~~مسطحه في جهتي طوله وعرضه حركة في غاية السرعة ، ويتخيل بحركته هيئة مخروط. # أو أن المشف الذي بين البصر والمرئي يتكيف بكيفية الشعاع الذي في البصر ، ~~ويصير بذلك آلة للإبصار ، كما هو المذهب المنسوب إلى أفلاطون. # أو بأن ينطبع شبح المرئي في جزء من الرطوبة الجليدية التي هي كالبرد ~~والجمد في الصقالة ، كما ينطبع في المرآة ، لا بأن ينفصل منه شيء ويتحرك ~~إلى العين ، بل بأن يفيض عليها صورة مثل صورته ، بسبب استعداد يحدث لها بعد ~~اجتماع شرائط الإبصار ، كما هو PageV02P304 # المناسب المختار عند أرسطو وأتباعه كالشيخ وغيره من الحكماء الطبيعيين. # أو أن الإبصار ليس بخروج الشعاع ، ولا بتكيف المشف ، ولا بالانطباع ، بل ~~إذا اجتمع شرائط الإبصار يحصل للنفس علم جزئي خاص بالمبصر على سبيل الحضور ~~والمشاهدة من طريق البصر ، علما خاصا لنور البصر وشعاعها الخارج منها. وكذا ~~التكيف الهواء به مدخل فيه ، فلذا عبر عنه قوم بخروج الشعاع وبتكيف الهواء ~~، وكذا الحاصل هناك إنما هو شبح المرئي ، أي المرئي بوجوده الظلي لا العيني ~~، فلذا عبر عنه قوم بالانطباع ، كما هو المنسوب إلى جماعة من حكماء ~~الاسلام. ومنهم المعلم الثاني في الجمع بين الرأيين ، حيث جمع بين رأيي ~~أفلاطون وأرسطو بهذا الوجه ، وقال (1): # «ليس مقصود أفلاطون وأرسطو وأشباههما إلا هذا المعنى. وكذلك كثير من ~~المباحث المتعلقة بالإبصار». # فالكلام فيه طويل يستدعي تأليف رسالة منفردة في ذلك ، فلذا أعرضنا عن ~~تحقيق القول في ذلك ، مع أنه ليس غرضنا في هذا المقام تحقيق أمثال هذه ~~المسائل ، بل ذكر قوى ms592 النفس على سبيل الإجمال. ### | في الحواس الباطنة # وأما الحواس الباطنة ، فهي أيضا خمس على المشهور : الحس المشترك ، ~~والخيال ، والوهم ، والحافظة ، والمتخيلة ، وهي التي لمعرفتها كثير ارتباط ~~بمعرفة أحوال النفس الناطقة التي نحن بصدد بيان أحوالها ، وهي التي تسمى ~~قوى مدركة باطنة. أما كونها باطنة ، فلبطونها وعدم ظهورها ظهور الحواس ~~الظاهرة ، ولذا كانت محتاجة إلى الإثبات كما سيأتي بيانه. بخلاف الحواس ~~الظاهرة حيث كانت غنية عن الإثبات. وأما كونها مدركة مع كون المدرك ~~بالحقيقة اثنتين منها وهما الحس المشترك والوهم ، وكون الثلاثة الباقية ~~معينة على الإدراك لأن الإدراكات الباطنة لا تتم إلا بالجمع ، مع أن ~~الإعانة بالحفظ PageV02P305 # أو التصرف يستلزم الإدراك. # وبيان ذلك : إنهم ذكروا : أن المدركة من هذه ، إما مدركة لما يمكن أن ~~يدرك بالحواس الظاهرة ، وهو ما يسمى صورا ، وإما لما لا يمكن أن يدرك بها ، ~~وهو ما يسمى معاني ، وأن المعينة التي تعين على الإدراك ما تحفظ المدركات ~~من غير تصرف ، ليتمكن المدركة من المعاودة إلى إدراكها أو بالتصرف فيها ، ~~وكذلك المعينة بالحفظ معينة ، إما لمدركة الصور أو لمدركة المعاني. فهذه ~~خمس قوى : # الاولى ، مدركة الصور ، وتسمى حسا مشتركا ، لأنها خيالات المحسوسات ~~الظاهرة بالتأدية إليها. # والثانية ، معينتها بالحفظ ، وتسمى خيالا ومصورة. # والثالثة ، المتصرفة في المدركات ، وتسمى متخيلة ومفكرة باعتبارين كما ~~سيأتي بيانه. # والرابعة ، مدركة المعاني وتسمى وهما ومتوهمة. # والخامسة ، معينتها بالحفظ ، وتسمى حافظة وذاكرة. ### | في الاشارة إلى أن إثبات تلك القوى الخمس بالدليل ### ||| * وأن الحكماء والأطباء اختلفوا في ذلك ظاهرا # ثم إنه حيث كانت هذه القوى لبطونها وعدم ظهورها محتاجة إلى الإثبات ، ~~استدل كل فريق من الحكماء والأطباء على وجودها ، ومغايرة بعضها لبعض ، وكذا ~~للحواس الظاهرة بطريق. # فالأطباء قد قيل : إنهم استدلوا على ذلك بعروض الآفات والأمراض في محالها ~~، فلم يثبتوا إلا ثلاث قوى في الباطن ، في ثلاثة مواضع : # الاولى في التجويف الأول من التجاويف الثلاثة التي للدماغ المترتبة ولاء ~~بين الجبهة والقفاء ، وبعبارة أخرى في البطن الأول من البطون الثلاثة ~~للدماغ ، ويسمونها PageV02P306 # الحس المشترك والخيال. # والثانية في ms593 التجويف الثاني والبطن الثاني ، ويسمونها المفكرة والوهم. # والثالثة في الثالث ويسمونها الحافظة والمتذكرة ، لأن الآفات التي وجدوها ~~، إنما هي ثلاثة أصناف في هذه المواضع. # وأما الحكماء فقد قيل : إنهم قالوا : إن للدماغ تجاويف وبطونا ثلاثة ~~مترتبة ولاء بين الجبهة والقفاء ، أعظمها البطن الأول ، ثم الثالث. وأما ~~الثاني فكمنفذ فيما بينهما مزرد على شكل الدودة. وينقسم كل من التجاويف ~~والبطون الثلاثة إلى قسمين ، كل قسم موضع موضع (كذا) لواحدة من الحواس ~~الباطنة ، إلا القسم الأخير من التجويف الأخير والبطن الأخير ، فإنه لبعده ~~من الحواس الظاهرة التي هي جواسيس الآفات ، وقربه من حلول العاهات ، لم ~~يودع فيه شيء من القوى. فمقدم التجويف الأول والبطن الأول من التجاويف ~~والبطون الثلاثة موضع الحس المشترك ، ومؤخره موضع الخيال. ومقدم البطن ~~الثاني والتجويف الثاني موضع المتخيلة ، ومؤخره موضع الوهم. ومقدم البطن ~~الثالث والتجويف الثالث موضع الحافظة ، ومؤخره لم يودع فيه شيء. # وقالوا أيضا في وجه الترتيب بينها أن القوى الحيوانية الباطنة المدركة ~~للجزئيات ، إما أن تكون مدركة فقط أو مدركة ومتصرفة ، والاولى إما أن تكون ~~مدركة للصور الجزئية ، كصورة زيد وعمرو وهو الحس المشترك وبنطاسيا ، وإما ~~أن تكون مدركة للمعاني الجزئية كصداقة زيد وعداوة عمرو وهو الوهم. ولكل ~~واحدة من هاتين القوتين خزانة ، فخزانة الحس المشترك الخيال ، وخزانة الوهم ~~الحافظة. والحس المشترك ينبغي أن يكون مقدم الدماغ ، ليكون قريبا من الحواس ~~الظاهرة ، فيكون التأدي إليه سهلا ، وخزانة كل شيء خلفه ، فينبغي أن يكون ~~الخيال موضوعا خلفه ، فلذلك ينبغي أن يكون الحس المشترك في مقدم البطن ~~المقدم من الدماغ ، والخيال في القسم المؤخر منه ، والوهم ينبغي أن يكون ~~بقرب الخيال ، لتكون الصورة الجزئية التي يحكم على معانيها الجزئية بحذائه ~~وبقربه ، فينبغي أن يكون في البطن الأوسط من الدماغ وخزانته وراءه ، فيكون ~~الحافظة في PageV02P307 # البطن المؤخر من الدماغ. # والقسم الثاني ، أعنى المدركة المتصرفة ، هي القوة التي تسمى مفكرة ~~بالقياس إلى النفس الإنسانية الناطقة ، ومتخيلة بالقياس إلى النفس ~~الحيوانية. وينبغي أن تكون في الوسط مع الوهم ، لتكون قريبة من ms594 الصور ~~والمعاني حتى تركب بينهما بسهولة ، لأنه من شأنها تركيب بعض الصور مع بعض ، ~~أو بعض المعاني مع بعض ، أو بعض الصور مع بعض المعاني. فتارة يكون ذلك على ~~وفق الخارج ، وتارة يكون مخالفا ، كإنسان يطير ، وجبل من زمرد. # وأقول : ومنه يعلم أن لا خلاف بين الحكماء والأطباء في مواضع تلك القوى ، ~~إلا في أن الحكماء قسموا كلا من البطون الثلاثة إلى قسمين ، وجعلوا كل قسم ~~موضع قوة ، إلا القسم الأخير من البطن الأخير ، والأطباء لم يفعلوا ذلك ، ~~وجعلوا كل بطن من البطنين الأولين موضع قوتين ، والبطن الثالث موضع قوة ~~واحدة. وهذا الخلاف أيضا يمكن أن يرتفع لو كان الأطباء قائلين بتغاير ما في ~~البطنين الأولين من القوى ، أي قالوا بالمغايرة بين الحس المشترك والخيال ، ~~وكذا بين المفكرة والوهم كما هو الاحتمال ، حيث إن القوى المتغايرة يستدعي ~~كل واحدة منها موضعا غير ما للاخرى ، فيعلم منه أنهم أيضا جعلوا كلا من ~~البطنين الأولين قسمين ، وجعلوا كل قسم موضعا لقوة ، وإن لم يعلم منه أي ~~قسم موضع لأية قوة ، وأن موضع الحس المشترك مثلا هو مقدم البطن المقدم أو ~~المؤخر منه ، وكذا موضع الوهم مثلا أهو مقدم البطن الثاني أو مؤخره؟ وهذا ~~أيضا نوع اختلاف بين الفريقين ، وكذلك على هذا التقدير ، أي القول بتغاير ~~تلك القوى ، يرتفع الخلاف بين الفريقين في عدد القوى ، فإنه عند الجميع ~~خمسة لا ثلاثة. # نعم لو كانت الأطباء قائلين بوحدة ما في كل بطن ، بطن ، كما يدل عليه ~~كلام سديد الدين الكازروني في شرح الموجز ، حيث قال : «وأما عند الأطباء ~~فإن المدركة في الباطن ثلاث قوى ، فإن الحس المشترك والخيال عندهم واحدة ، ~~وكذلك المتخيلة والوهم ، فيثبتون لكل بطن من بطون الدماغ قوة واحدة ، ولا ~~يحتاجون إلى غيرها ، لأنهم يستدلون PageV02P308 # من آفة كل واحدة منها ومن أفعالها على آفة محلها. فعلى هذا يكون الاختلاف ~~بين الفريقين كثيرا في ذلك. # وبالجملة من المعلوم أن الفريقين مختلفان في طريق إثبات تلك القوى ، وأن ~~الأطباء استدلوا عليها بعروض الآفات على ms595 مواضعها ومحالها كما ذكر. # وأما الحكماء ، فالعمدة في دليلهم على وجودها وتعددها ومغايرة بعضها لبعض ~~، وكذا للحواس الظاهرة إنما هو مشاهدة الآثار والأفعال المختلفة التي تدل ~~على وجودها وتعدد مباديها واختلافها. وقد يستدلون أيضا نادرا على ذلك بما ~~استدل به الأطباء. فلنذكر نبذا مما قالوه في ذلك ، ونتبعه بالتوضيح إن ~~احتاج إليه. # فنقول : قال الشيخ في «الشفاء» في فصل تعديد قوى النفس الإنسانية هكذا ~~(1): «ومن (2) القوى المدركة الباطنة الحيوانية قوة بنطاسيا (3)، والحس ~~المشترك ، وهي قوة مرتبة في التجويف الأول من الدماغ ، تقبل بذاتها جميع ~~الصور المنطبعة في الحواس الخمس المتأدية إليه ، ثم الخيال والمصورة ، وهي ~~قوة مرتبة أيضا في آخر التجويف المقدم من الدماغ ، تحفظ ما قبله الحس ~~المشترك من الحواس الجزئية الخمس ، ويبقى فيه بعد غيبته (4) تلك المحسوسات. # واعلم أن القبول لقوة غير القوة التي بها الحفظ ، فاعتبر ذلك من الماء ، ~~فإن له قبول النقش والرقم ، وبالجملة الشكل ، وليس له قوة حفظه ، على أنا ~~نزيدك لهذا تحقيقا من بعد. وإذا أردت أن تعرف الفرق بين فعل الحس (5) العام ~~وفعل الحس المشترك وفعل المصورة ، فتأمل حال القطرة التي تنزل من المطر ~~فترى خطا مستقيما ، وحال الشيء المستقيم الذي يدور فيرى طرفه دائرة ، ولا ~~يمكن أن يدرك الشيء خطا أو دائرة إلا ويرى فيه مرارا. والحس الظاهر لا يمكن ~~أن يراه مرتين ، بل يراه حيث هو. لكنه إذا PageV02P309 # ارتسم في الحس المشترك وزال قبل أن ينمحي (2) الصورة من الحس المشترك ، ~~أدركه الحس الظاهر حيث هو ، وأدركه الحس المشترك كأنه كائن حيث كان فيه ، ~~وكائن حيث صار إليه فرأى امتدادا مستديرا أو مستقيما. وذلك لا يمكن أن ينسب ~~إلى الحس الظاهر البتة ، وأما (3) المصورة فتدرك الأمرين وتتصورهما ، وإن ~~بطل الشيء وغاب. # ثم القوة التي تسمى متخيلة بالقياس إلى النفس الحيوانية ، ومتفكرة (4) ~~بالقياس إلى النفس الإنسانية ، وهي قوة مرتبة في التجويف الأوسط من الدماغ ~~عند الدودة ، من شأنها أن تركب بعض ما في الخيال مع بعض ، وتفصل بعضه عن ~~بعض بحسب الإرادة. # ثم ms596 القوة الوهمية ، وهي قوة مرتبة في نهاية التجويف الأوسط من الدماغ ، ~~تدرك المعاني الغير (5) المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية ، كالقوة ~~الموجودة في الشاة ، الحاكمة بأن هذا الذئب مهروب عنه ، وأن هذا الولد هو ~~المعطوف عليه ، ويشبه أن تكون هي أيضا المتصرفة في المتخيلات تركيبا ~~وتفصيلا. # ثم القوة الحافظة الذاكرة ، وهي قوة مرتبة في التجويف المؤخر من الدماغ ، ~~تحفظ ما يدركه (6) القوة الوهمية من المعاني الغير (7) المحسوسة في ~~المحسوسات الجزئية ، ونسبة القوة الحافظة إلى القوة الوهمية كنسبة القوة ~~التي تسمى خيالا إلى الحس (8) المشترك ، ونسبة تلك القوة إلى المعاني كنسبة ~~هذه القوة إلى (9) القوة المصورة ، فهذه هي قوى النفس الحيوانية». انتهى ~~كلامه . # وقال أيضا في الفصل الذي فيه قول كلي على الحواس الباطنة التي للحيوان ~~هكذا (1): «وأما الحس المشترك ، فهو بالحقيقة غير ما ذهب إليه من ظن أن ~~للمحسوسات المشتركة حسا مشتركا ، بل الحس المشترك هو القوة التي (10) يتأدى ~~إليها المحسوسات كلها ، فإنه لو لم تكن قوة واحدة تدرك الملون والملموس ، ~~لما كان لنا أن نميز بينهما قائلين إنه ليس PageV02P310 # هذا ذاك. # وهب أن هذا التميز (1) هو للعقل ، فيجب (2) أن يكون لا محالة أن يكون ~~العقل يجدهما معا ، حتى يميز بينهما ، وذلك لأنها من حيث هى محسوسة ، وعلى ~~النحو المتأدي من المحسوس لا يدركها العقل ، لما (3) سنوضح بعد. وقد نميز ~~نحن (4) بينهما ، فيجب أن يكون لها اجتماع عند مميز ، إما في ذاته أو (5) ~~في غيره ، ومحال ذلك في العقل على ما ستعلم ، فيجب أن يكون في قوة أخرى ، ~~ولو لم يكن قد اجتمع عند الخيال من البهائم التي لا عقل لها ، المائلة ~~بشهوتها إلى الحلاوة. مثلا أن شيئا صورته كذا هو حلو ، لما كانت إذا رأته ~~همت بأكله. كما أنه لو لا (6) عندنا أن هذا الأبيض هو هذا (7) المعنى لما ~~كنا إذا سمعنا معناه (8) الشخصي ، أثبتنا عينيته (9) الشخصية ، وبالعكس ، ~~ولو لم يكن في الحيوان ما يجتمع (10) فيه صور المحسوسات ، لتعذر (11) عليه ~~الحياة ، ولو لم (12) يكن الشم دالا لها على الطعم ، ولم ms597 يكن الصوت دالا ~~إياها على الطعم ، ولم (13) يكن الصورة الخشبية تذكرها صورة الألم حتى تهرب ~~(14) منه ، فيجب لا محالة أن يكون لهذه (15) مجمع واحد من باطن. # وقد يدلنا على وجود هذه القوة اعتبارات أمور تدل على أن لها آلة غير ~~الحواس الظاهرة. # منها (16): ما نراه من تخيل المدورية أن كل شيء يدور ، فذلك إما عارض ~~عرض في المرئيات ، أو عارض عرض في الآلة (17) بها يتم الرؤية ، وإذا لم يكن ~~في المرئيات كان لا محالة في شيء آخر ، وليس الدور (18) إلا بسبب حركة ~~البخار في الدماغ وفي الروح التي فيه ، فيعرض لذلك (19) الروح أن يدور ، ~~فيكون إذن القوة المرئية هناك هي التي يعرض لها أمر قد فرغنا منه. وكذلك ~~يعرض للإنسان دوار من تأمل ما يدور كثيرا على ما أنبأنا به ، وليس يكون ذلك ~~بسبب أمر في جزء من العين ولا في روح مصبوب فيه. PageV02P311 # وكذلك تخيل (1) استعجال المتحرك النقطي مستقيما أو مستديرا على ما سلف من ~~قبل ، ولأن تمثل الأشباح الكاذبة وسماع الأصوات الكاذبة قد يعرض لمن يفسد ~~(2) لهم آلات الحس ، أو كان مثلا مغمضا لعينيه (3)، ولا يكون (4) السبب ~~إلا تمثلها في هذا المبدأ. والتخيلات التي تقع في النوم ، إما أن تكون ~~لارتسام (5) الصورة في خزانة حافظة للصورة (6)، ولو كان كذلك ، لوجب أن ~~يكون كل ما اقترن (7) فيها متمثلا في النفس ، ليس بعضها دون بعض ، حتى يكون ~~ذلك البعض كأنه مرئي أو مسموع وحده ؛ أو أن (8) يعرض لها التمثل في قوة ~~أخرى ، وذلك إما حس ظاهر وإما حس باطن ، لكن الحس الظاهر معطل في النوم ، ~~وربما كان (9) ذلك الذي يتخيل في النوم ألوانا ما مسمول العين ، فيبقى (10) ~~أن يكون حسا باطنا ، وليس يمكن أن يكون إلا المبدأ للحواس الظاهرة ، والذي ~~كان إذا استولت القوة الوهمية وجعلت تستعرض ما في الخزانة ، تستعرضه ولو في ~~اليقظة ، فإذا استحكم ثباتها فيها ، كانت كالمشاهدة. فهذه القوة هي التي ~~تسمى الحس المشترك ، وهي مركز الحواس ، ومنها يتشعب (11) الشعب ، وإليها ~~تؤدى الحواس ، وهي بالحقيقة هي التي ms598 تحس ، لكن إمساك ما تدركه هذه (12) ~~للقوة التي تسمى خيالا وتسمى مصورة وتسمى متخيلة ، وربما فرق بين الخيال ~~والمتخيلة بحسب الاصطلاح ، ونحن ممن نفصل (13) ذلك والصور التي في الحس ~~المشترك والحس المشترك والخيال كأنهما قوة واحدة ، وكأنهما لا تختلفان (14) ~~في الموضوع ، بل في الصورة ، وذلك (15) لأنه ليس أن يقبل هو أن يحفظ ، ~~فصورة المحسوس يحفظها (16) القوة التي تسمى المصورة ، والخيال ، وليس إليها ~~حكم البتة ، بل حفظ ، وأما الحس المشترك والحواس الظاهرة فإنها تحكم بجهة ~~ما ، أو بحكم ما ، فيقال : إن هذا المتحرك أسود ، وأن هذا الأحمر حامض ، ~~وهذا الحافظ لا يحكم به على شيء من الموجود إلا على ما في ذاته ، بأن فيه ~~صورة كذا. ثم قد نعلم يقينا ، أن (17) ما في طبيعتنا أن PageV02P312 # نركب المحسوسات بعضها إلى بعض ، وأن نفصل بعضها (1) من بعض ، لا على ~~الصورة التي وجدناها عليها من خارج ، ولا مع تصديق بوجود شيء منها أو لا ~~وجوده ، فيجب أن (2) يكون فينا قوة تفعل ذلك بها ، وهذه هي التي تسمى إذا ~~استعملها العقل : مفكرة ، وإذا استعملها (3) قوة حيوانية : متخيلة. # ثم إنا قد نحكم في المحسوسات بمعان لا نحسها ، إما أن لا تكون في طبائعها ~~محسوسة البتة ، وإما أن تكون محسوسة ، لكنا (4) لا نحسها وقت الحكم. # أما التي لا تكون محسوسة في طباعها ، فمثل العداوة والرداءة والمنافرة ~~التي تدركها الشاة في صورة الذئب. وبالجملة المعنى الذي ينفرها عنه ، ~~والموافقة التي تدركها من صاحبها ، وبالجملة المعنى (5) الذي يؤنسها به ، ~~وهذه أمور تدركها النفس الحيوانية ، والحس لا يدلها على شيء منها ، فإذن ~~القوة التي بها تدرك قوة اخرى ، ولتسم الوهم. # وأما التي تكون محسوسة ، فإنا نرى مثلا شيئا أصفر ، فنحكم أنه عسل وحلو ، ~~فإن هذا ليس يؤديه إليه الحاس في هذا الوقت وهو من جنس المحسوس ، على أن ~~الحكم نفسه ليس بمحسوس البتة ، وإن كانت أجزاؤه من جنس المحسوس ، وليس ~~يدركه في الحال ، إنما هو حكم (6) يحكم به ، وربما غلط به ، وهو أيضا لتلك ~~القوة. وفي الإنسان للوهم أحكام خاصة ms599 ، من جملتها حملها (7) النفس على أن ~~تمنع وجود أشياء لا تتخيل ولا ترتسم فيه (8)، وثانيها التصديق بها. فهذه ~~القوة لا محالة موجودة فيها (9)، وهي الرئيسة الحاكمة في الحيوان حكما ليس ~~فصلا كالحكم العقلي ، ولكن حكما (10) تخييليا مقرونا بالجزئية ، وبالصورة ~~الحسية ، وعنه (11) يصدر أكثر الأفعال الحيوانية. # وقد جرت العادة بأن يسمى مدرك الحس صورة ومدرك الوهم معنى ، ولكل واحد ~~منهما خزانة. # فخزانة مدرك الحس هي القوة الخيالية ، وموضعها مقدم الدماغ ، فلذلك إذا حدثت PageV02P313 # هناك آفة ، فسد هذا الباب من التصور ، إما بأن (1) يتخيل صورا ليست ، أو ~~يصعب استثبات الموجود (2). # وخزانة مدرك (3) المعنى هي القوة التي تسمى الحافظة ، ومعدنها مؤخر ~~الدماغ ، ولذلك إذا وقع هناك آفة يوقع (4) الفساد فيما يختص بحفظ هذه ~~المعاني ، وهذه القوة تسمى أيضا متذكرة ، فتكون حافظة لصيانتها ما فيها ، ~~ومتذكرة لسرعة استعدادها لاستثباته والتصور (5) بها يستعده إياها إذا فقدت ~~، وذلك إذا أقبل الوهم بقوته المتخيلة ، فجعل يعرض واحدا واحدا من الصور ~~الموجودة في الخيال ، ليكون كأنه يشاهد الأمور التي هذه صورها ، فإذا عرض ~~له الصورة التي أدرك معها المعنى الذي بطل ، لاح له المعنى (6) كما لاح من ~~خارج ، واستثبته (7) القوة الحافظة في نفسها كما كانت حينئذ تستثبت ، فكان ~~ذكرا (8)، وربما كان المصير من المعنى إلى الصورة ، فيكون المتذكرة (9) ~~المطلوب ليس نسبته إلى ما في خزانة الخيال (10) وكان إعادة ، إما في وجود ~~العود إلى هذه المعاني التي في الحفظ ، حتى يضبط (11) المعنى إلى لوح ~~الصورة ، فيعود (12) النسبة إلى ما في الخيال ثانيا ، وإما بالرجوع إلى ~~الحس. مثال الأول : أنك إذا نسيت نسبته إلى صورة ، وكنت عرفت تلك النسبة ، ~~تأملت الفعل الذي كان يقصد منها ، فلما عرفت (13) أنه أي طعم وشكل ولون ~~يصلح له ، فاستثبت النسبة به ، وفالفت (14) ذلك ، وحصلته (15) نسبته إلى ~~صورة في الخيال ، وأعدت النسبة في الذكر ، فإن خزانة الفعل هو الحفظ لأنه ~~من المعنى ، فإن أشكل ذلك عليك من هذه الجهة أيضا ولم يتضح ، فأورد عليك ~~الحس صورة (16) شيء ، عادت مستقرة في الخيال وعادت النسبة إليه مستقرة ms600 في ~~التي تحفظ. # وهذه القوة المركبة بين الصورة والصورة ، وبين الصورة والمعنى ، وبين ~~المعنى والمعنى (17) كأنها القوة الوهمية بالموضوع ، لا من حيث تحكم بل من ~~حيث يعمل (18) ليصل PageV02P314 # إلى الحكم. وقد جعل مكانها وسط الدماغ ، ليكون لها اتصال بخزانتي المعنى ~~والصورة. ويشبه أن تكون القوة الوهمية (1) بعينها المفكرة والمتخيلة ~~والمتذكرة ، وهي بعينها الحاكمة ، فتكون (2) حاكمة ، وبحركاتها وأفعالها ~~متخيلة ومتذكرة ، فتكون متخيلة بما تعمل في الصورة (3) والمعاني ، ومتذكرة ~~بما ينتهي إليه عملها. # وأما الحافظة ، فهي قوة خزانتها. ويشبه أن يكون التذكر الواقع بالقصد ~~معنى للإنسان وحده ، وأن خزانة الصورة هي المصورة والخيال ، وأن خزانة (4) ~~المعاني هي الحافظة ولا يمتنع أن يكون (5) الوهمية بذاتها حاكمة (6) ~~وبحركاتها متخيلة وذاكرة». انتهى كلامه . # وقال ابن رشد المغربي في كتابه الموسوم بجامع الفلسفة ، بهذه العبارة : ~~«القول في الحس المشترك وهذه القوى الخمس التي عددناها يظهر من أمرها أن ~~لها قوة واحدة مشتركة ، وذلك أنه لما كانت هنا محسوسات لها مشتركة ، فها ~~هنا إذا لها قوة مشتركة بها تدرك المحسوسات المشتركة ، سواء كانت مشتركة ~~لجميعها ، كالحركة والعدد أو لاثنتين منها فقط ، كالشكل والمقدار المدركين ~~بحاسة البصر وحاسة اللمس. # وأيضا فلما كنا بالحس ندرك التغاير بين المحسوسات الخاصة بحاسة حاسة ، ~~حتى نقضي مثلا على هذه التفاحة أنها ذات لون وطعم وريح ، وأن هذه المحسوسات ~~متغايرة فيها ، وجب أن يكون هذا الإدراك لقوة واحدة ، وذلك أن القوة التي ~~تقضي على أن هذين المحسوسين متغايران هي ضرورة قوة واحدة. فإن القول بأن ~~القوة التي بها يدرك التغاير بين شيئين محسوسين ليست بقوة واحدة بمنزلة ~~القول بأني أدرك المخالفة التي بين المحسوس الذي أنا ، والمحسوس الذي ~~أحسسته أنت وأنا لم أحسه ، وهذا بين بنفسه. # وقد يوقف أيضا على وجود هذه القوة من فعل آخر ليس يمكننا أن ننسبه إلى ~~واحد من الحواس الخمس ، وذلك أنا نجد كل واحد من هذه الحواس تدرك محسوساتها ~~، وتدرك مع هذا أنها تدرك. فهي تحس الإحساس ، وكان نفس الإحساس هو الموضوع PageV02P315 # لهذا الإدراك ، إذ كانت نسبته ms601 إلى هذه القوة نسبة المحسوسات إلى حاسة ~~حاسة. ولذلك لسنا نقدر أن ننسب هذا الفعل إلى حاسة واحدة من الحواس الخمس ، ~~وإلا لزم أن يكون المحسوسات أنفسها هي الإحساسات أنفسها. وذلك أن الموضوع ~~مثلا للقوة الباصرة إنما هو اللون ، والموضوع لهذه القوة هو نفس إدراك ~~اللون. فلو كان هذا الفعل للقوة الباصرة ، لكان اللون هو نفس إدراكه ، وذلك ~~محال. فإذن باضطرار ما يلزم عن هذه الأشياء كلها وجود قوة مشتركة للحواس ~~كلها هي من جهة واحدة ، ومن جهة كثيرة. أما كثرتها ، فمن جهة ما تدرك ~~محسوساتها بآلات مختلفة تتحرك عنها حركات مختلفة ، وأما كونها واحدة ، ~~فلأنها تدرك التغاير بين الإدراكات المختلفة ، ولكونها واحدة تدرك الألوان ~~بالعين ، والأصوات بالأذن ، والمشمومات بالأنف ، والمذوقات باللسان ، ~~والملموسات باللحم. وتدرك جميع هذه بذاتها ، وتحكم عليها ، وكذلك تدرك جميع ~~المحسوسات المشتركة لكل واحدة من هذه الآلات ، فتدرك العدد مثلا باللسان ~~والاذن والعين واللحم والأنف ، وهي بالجملة واحدة بالموضوع ، كثيرة بالقوى ~~، واحدة بالماهية ، كثيرة بالآلات. والحال في تصور هذه القوة واحدة من جهة ~~، كثيرة من أخرى ، كالحال في الخطوط التي تخرج من مركز الدائرة إلى محيطها ~~، فإن هذه الخطوط كثيرة بالأطراف التي تنتهي إلى المحيط ، واحدة بالنقطة ~~التي تجمع أطرافها عندها وهي المركز. # وكذلك هذه الحركات التي تكون عن هذه المحسوسات ، هي من جهة المحسوسات ~~والآلات كثيرة ، وهي من جهة أنها تنتهى إلى قوة واحدة ، واحدة» انتهى موضع ~~الحاجة من كلامه . ### | في الكلام في الحس المشترك # وأقول : وبالله التوفيق ، إن ما ذكره الشيخ في معنى الحس المشترك ، بقوله ~~: «وأما الحس المشترك ، فهو غير ما ذهب إليه من ظن أن للمحسوسات المشتركة ~~حسا مشتركا ، بل الحس المشترك هو القوة التي يتأدى إليها المحسوسات كلها». PageV02P316 # توضيحه : أنه ظن بعضهم أن معنى الحس المشترك أنه قوة بها يحصل الإحساس ~~بالمحسوسات المشتركة ، ومبناه على أن المحسوسات بعضها ما هي مختصة بحاسة ~~حاسة ، كالألوان المختصة بالبصر ، والأصوات المختصة بالسمع ، والروائح ~~المختصة بالشم ، والطعوم المختصة بالذوق ، والحرارة والبرودة المختصتين ~~باللمس. # وبعضها ما هي ms602 غير مختصة بحاسة واحدة ، بل هي إما مشتركة بين جميع تلك ~~الحواس كالحركة والعدد ، وإما مشتركة بين أكثر من واحدة كالشكل والمقدار ~~حيث إنهما مشتركان بين البصر واللمس. وكما أن لكل من المحسوسات الخاصة قوة ~~خاصة ، كذلك لتلك المحسوسات المشتركة قوة اخرى غير تلك القوى الخمس ، هي ~~المسماة بالحس المشترك ، أي هو حس يدرك المحسوسات المشتركة. # وهذا الظن باطل ، إذ لو كان معنى الحس المشترك ما ذكر ، لما كان لإثباته ~~قوة أخرى غير تلك الخمس وجه ، لأن تلك المحسوسات المشتركة التي ذكرت ، إنما ~~تدركها تلك الحواس الخاصة أيضا ، إلا أن مدركاتها على نوعين : نوع هو مدرك ~~لها بالذات ، ونوع هو مدرك لها بالواسطة وبالعرض. فمدرك البصر مثلا أولا ~~وبالذات وإن كان هو الضوء واللون ، إلا أنه يدرك تلك المحسوسات المشتركة ~~أيضا ثانيا وبالواسطة. وكذلك الحال في اللمس وسائر القوى الأخرى ، ولا ~~محذور أيضا أن يتعدد إدراكات قوة واحدة ومدركاتها ، وأن يصدر عن الواحد ~~أكثر من واحد إذا لم يكن ذلك الصدور من جهة واحدة ومن حيثية واحدة ، بل أن ~~يكون بعضها بالذات وبعضها بالعرض ، وبالجملة أن يكون من حيثيات متعددة. # وحيث بطل هذا الظن ، بطل الوجه الأول الذي ذكره ابن رشد في إثبات الحس ~~المشترك ، إذ هو مبني على هذا الظن ، وعلى أن معنى الحس المشترك هو ذلك. # بل أن معنى الحس المشترك كما هو مبنى الوجه الثاني الذي ذكره ابن رشد ، ~~أنه القوة التي يتأدى إليها المحسوسات ، أي محسوسات الحواس الظاهرة كلها ، ~~سواء كانت تلك المحسوسات محسوسات مختصة ، أو محسوسات مشتركة ، بل قد يتأدى إليها PageV02P317 # محسوسات بعض الحواس الباطنة أيضا ، كما في من تعطل حواسه الظاهرة ، ~~واستولت المتخيلة ونقشت في لوح هذه القوة صورا كانت مخزونة في الخيال ، أو ~~صورا ركبتها من تلك الصور المخزونة على طريقة انتقاشها فيه من الخارج ، على ~~ما سيأتي بيانه. # فهذه القوة قوة تقبل بذاتها جميع الصور المنطبعة في الحواس الظاهرة ، ~~وبعض ما في الباطنة المتأدية لتلك الصور إليها من طرق تلك الحواس ، سواء ms603 ~~كانت تلك الصور صورا خاصة بحاسة حاسة ، أو مشتركة بينها. # وعلى هذا فمعنى كون تلك القوة حسا مشتركا ، أنها حس مشترك بين محسوسات ~~الحواس الظاهرة كلها مختصاتها ومشتركاتها ، وأنها تدرك محسوساتها كلها ، لا ~~اختصاص لها بإدراك محسوس حس خاص ، وكذا هي مشتركة بين محسوسات الحواس ~~الظاهرة كلها ومحسوسات الحواس الباطنة في الجملة. فالقوة الباصرة مثلا تبصر ~~ولا تسمع ولا تشم ولا تذوق ولا تلمس ، وهذه القوة تفعل الجميع ، أي تبصر ~~وتسمع وتشم وتذوق وتلمس. وكذا الحال في سائر الحواس الظاهرة ، فإن كل واحدة ~~منها تدرك ما يختص بها من المحسوس ولا تدرك الجميع ، بخلاف الحس المشترك. # وبهذا يحصل الفرق بينها وبين الحواس الظاهرة. # مع أنه فيما بينها وبين تلك الحواس في إدراك ما يختص بكل واحدة فرقا أيضا ~~، وهو أن القوة الباصرة مثلا إنما تدرك المبصر إذا كانت النسبة المخصوصة ~~محفوظة بينها وبين المبصر ، وأما هذه فتدرك المبصر وتثبت فيها الصورة ~~المأخوذة من خارج منطبعة فيها ، أي في الروح التي فيها هذه القوة ، سواء ~~كانت النسبة المذكورة بينها وبين المبصر محفوظة ، أو قريبة العهد. # وكذلك بينها وبين الحواس الباطنة التي تتأدى الصورة منها إليها فرق ، وهو ~~أن الحس المشترك قابلة للصور لا حافظة لها ، والقوة الخيالية مثلا حافظة ~~لما قبلت الحس المشترك ، وذلك أنه إذا غاب المبصر مثلا انمحت الصورة عن ~~الحس المشترك ولم تثبت زمانا يعتد به ، وأما الروح التي فيها الخيال مثلا ~~فإن الصورة تثبت فيها ، ولو بعد حين كثير ، PageV02P318 # كما سيأتي بيانه. # وأيضا إذا كانت الصورة في الحس المشترك ، كانت محسوسة بالحقيقة فيها ، ~~حتى إذا انطبعت فيها صورة كاذبة أيضا أحستها كما يعرض للممرورين ، وأما إذا ~~كانت في الخيال مثلا كانت متخيلة لا محسوسة. # ثم نقول في بيان كيفية تأدي صور المحسوسات إليها من طرق الحواس : إنهم ~~ذكروا : أن لكل حاسة من الحواس الخمس الظاهرة عصبا هو بما فيه من الروح آلة ~~لتلك القوة ، ومبدأ أعصاب الحواس الأربع غير اللمس هو مقدم الدماغ ، ومبدأ ~~أعصاب اللمس هو ms604 الدماغ والنخاع الذي مبدؤه أيضا الدماغ ، وأكثرها نخاعية ، ~~وأن آلة الحس المشترك هو الروح المصبوب في مبادي عصب الحس ، لا سيما في ~~مقدم الدماغ ، والروح المصبوب في مبادي البطن المقدم هو آلة للحس المشترك ~~والخيال ، إلا أن ما في مقدم ذلك البطن بالحس المشترك أخص ، وما في مؤخره ~~بالخيال أخص. فالحس المشترك كرأس عين ينشعب منه خمسة أنهار من خارج ، وبعض ~~أنهار من داخل ، أو مثل حوض ينصب فيه خمسة أنهار من خارج وبعض أنهار من ~~داخل ، وإنما يتأدى الإدراكات الحسية من الحواس الظاهرة بواسطة الأرواح ~~التي في الأعصاب إلى التي في مبادئها المتصلة بالروح المصبوب في البطن ~~المقدم ، وكذا يتأدى من الخيال مثلا إلى الحس المشترك بواسطة اتصال الروحين ~~في مقدم البطن المقدم ومؤخره ، وليس معنى التأدية أن الكيفيات المحسوسة ~~تسير في الأعصاب إلى آلة الحس المشترك ، أو تسير من الروح التي هي آلة ~~الخيال إليها كما فهمه بعض ، حتى يرد أن الكيفيات التي هي أعراض ، كيف يمكن ~~أن تنتقل عن موضوعاتها إلى غيرها؟ بل معنى التأدية أنها استعارة عن إدراك ~~النفس بواسطة الروح المصبوب إلى كل حس محسوسه ، وبواسطة الروح الذي هو مبدأ ~~مشترك للجميع ، مثل المحسوسات الظاهرة ، وكذا مثل بعض المحسوسات الباطنة. ~~واتصال الأعصاب والأرواح ليس لتمهيد طرق تسير فيها الكيفيات ، فإن الكيفيات ~~لا تنتقل عن موضوعاتها ، وإدراك النفس ليس بمتأخر عن ملاقاة الحواس ~~للمحسوسات بزمان يقطع PageV02P319 # فيه تلك المسافات ، بل هو لاتصال الأرواح بمبدإ واحد مجتمعة في موضع ~~يعدها للإحساس. # وحيث تحققت ما تلوناه عليك ، فاعلم أن الصادر عن الحس المشترك التي هي ~~قوة واحدة بالقصد الأول ، إنما هو فعل واحد هو استثبات الصور المادية ، ثم ~~تصير مستثبتة للألوان والأصوات والطعوم وغيرها بقصد ثان ، وذلك لانقسام تلك ~~الصور إليها ، وهذا كالإبصار الذي فعله إدراك اللون. # ثم إنه يصير مدركا للضدين ، كالسواد والبياض ، لكون اللون مشتملا عليهما ~~، وذلك لانقسام تلك الصور إليهما ، والشيء الواحد يمكن أن يصدر عنه الكثير ~~إذا كان الصادر بالقصد الأول شيئا واحدا ثم ms605 يتكثر بقصد ثان ، كما في ~~الصورتين المذكورتين ، كما أنه يمكن صدور الكثير عنه إذا كانت وجوه ~~الصدورات مختلفة متكثرة ، كما في أفعال النفس. # وعلى هذا ، فلا يرد أن الحس المشترك مع كونها قوة واحدة كيف يصدر عنها ~~الكثير؟ والله أعلم بحقيقة الحال. ### | في الدليل على وجود الحس المشترك # ثم إن قول الشيخ : «فإنه لو لم تكن قوة واحدة تدرك المكون والملموس ، لما ~~كان لنا أن نميز بينهما قائلين إنه ليس هذا ذاك» إلى آخر ما ذكره دليل على ~~إثبات الحس المشترك. # وبيانه : قد إنا نميز بين المحسوسات الظاهرة ، ونحكم ببعضها على بعض ، ~~سواء كان حكما سلبيا ، كما نحكم أن هذا الملون ليس هذا الملموس ، أو حكما ~~إيجابيا ، كما نحكم بأن هذا الأحمر حلو ، ولو لم يكن لنا قوة تجتمع فيها ~~صور المحسوسات ، لما كان لنا أن نميز بينها ونحكم ، لأن الحاكم المميز بين ~~الشيئين يحتاج إلى إدراكه لهما وحصولهما عنده واجتماعهما لديه ، إما في ~~ذاته ، أو في غيره. ومحال أن يكون حصول هذين الأمرين في حس من الحواس ~~الظاهرة ، لأنه لا يدرك غير نوع واحد من المحسوسات كما PageV02P320 # سلف. سلمنا أن هذا التمييز هو للعقل ، أي للنفس بذاتها إلا أنه يجب لا ~~محالة أن العقل يجدهما معا حتى يميز بينهما ويحكم ، وذلك أيضا محال ، لأن ~~المحسوسات من حيث هي محسوسة ، وعلى النحو المتأدي من المحسوس ، لا يدركها ~~العقل ، لما سنوضح من بعد ، فمحال أن يكون حصول ذلك في العقل أيضا. فإذن لا ~~بد من قوة أخرى غير الحس الظاهر يجتمع فيها صور المحسوسات بالتأدي إليها من ~~طرق الحواس ، حيث إنها كجواسيس لهذه القوة ، تؤدي مدركاتها إليها ، فيجتمع ~~تلك المدركات فيها ، ولذلك سميت بالحس المشترك وهو المطلوب. # وفي قوله : «وذلك لأنها من حيث هي محسوسة ، وعلى النحو المتأدي من ~~المحسوس لا يدركها العقل» إيماء إلى دفع إيراد ربما يمكن أن يورد هاهنا. ### | بيان إيراد مع دفعه # بيان الإيراد : أن الحاكم والمميز بالحقيقة ليس إلا العقل ، وإسناد الحكم ~~والتمييز إلى القوة مجاز ms606 ، واجتماع الأشياء عند النفس حال حكمها عليها وبها ~~قد يكون بارتسامها كلها في ذاتها أو في قواها العقلية ، كما إذا حكمت بين ~~المعقولات وميزت بينها ، وقد يكون بارتسام بعضها في ذاتها أو في قواها ~~العقلية وارتسام بعض آخر في آلاتها وقواها الجسمانية ، كما إذا حكمت مثلا ~~على زيد بأنه إنسان ، وعلى هذا الحجر بأنه ليس بإنسان ، وميزت بينهما ، وقد ~~يكون بارتسامها في آلتين وقوتين جسمانيتين لها ، كما إذا حكمت مثلا على هذا ~~اللون بأنه غير هذا الطعم ، وعلى هذا الأحمر بأنه حلو ، وميزت بينهما ، ~~وحينئذ فلا حاجة إلى قوة أخرى يجتمع فيها صور المحسوسات. بل إن تلك الصور ~~المحسوسة إنما هي في قواها المختصة بها ، وهي حاضرة عند النفس ، لكونها ~~حاصلة في آلات النفس التي علم النفس بها علم حضوري ، وبذلك تحكم بينها ~~وتميز بينها. # وأما بيان الدفع لهذا الإيراد ، فهو مبني على مقدمة ، أحال وضوحها على ما ~~ذكره من كلماته من بعد ذلك ، وسبقت أيضا الإشارة منه إليها في بعض كلماته ~~المتقدمة على ذلك ، PageV02P321 # وسلفت الإشارة منا إليها أيضا فيما سبق من كلماتنا ، وهي أن كل إدراك ~~حصولي إنما هو أخذ صورة المدرك بنحو من الأنحاء ، وأنه إن كان ذلك الإدراك ~~إدراكا لشيء مادي ، فهو أخذ صورته مجردة عن المادة وعلائقها تجريدا. # إلا أن أصناف التجريد مختلفة ، ومراتبه متفاوتة ، كما في إدراك الصور ~~المحسوسة التي تدركها الحواس الظاهرة والباطنة ، وإدراك الصورة المعقولة ~~التي تدركها النفس ، وأن لتلك الصور المأخوذة نسبتين : نسبة إلى الشيء الذي ~~انتزعت تلك الصورة منه ، ونسبة إلى المحل القابل لها الذي هي حصلت فيه. # وبالاعتبار الأول ، فهي مطابقة بحسب الماهية مع الشيء المأخوذ منه الصورة ~~، ولذلك يسري الحكم منها إليه. وكذا هي مجردة عن الوجود الخارجي مطلقا ، ~~وكذا عن المادة وعلائقها إن كان الشيء ماديا ، ولذلك كانت مخالفة له في ~~كثير من اللوازم كما مر بيانه. وبالاعتبار الثاني فهي معروضة لنحو وجود ~~عيني جزئي باعتبار قيامها بمحل عيني وجزئي. # وكذلك هي بالاعتبار الأول معلومة ، أي معلومة ms607 بالذات ، وبتوسطها يكون ~~الشيء المنتزع هي منه معلومة بالعلم الحصولي ، أي أنها إن كانت صورا مادية ~~جزئية تحصل في الآلات البدنية التي هي آلات للنفس ، وكذا هي آلات لقوى ~~النفس ، فتدركها تلك القوة المختصة بكل واحدة أولا ، وبتوسط تلك القوة ~~تدركها النفس إدراكا حصوليا ، وإن كانت صورا كلية تحصل في النفس بذاتها ، ~~فتدركها بقوتها العقلية إدراكا حصوليا أيضا. وأما هي بالاعتبار الثاني ، ~~فمعلومة للنفس علما حضوريا ، إذ ليس يتوسط بينها وبين تلك الصورة صورة أخرى ~~، بتلك الصورة يحصل علم النفس بالصورة الأولى علما حصوليا ، بل إن الصورة ~~الأولى حاضرة بذاتها عند النفس ، مثل علمها بآلاتها وبقواها وبذاتها ~~وبعلمها لعلمها وأمثال ذلك مما هو معلوم للنفس علما حضوريا. # وبعد تمهيد تلك المقدمة ، نقول : لا شك إنا إذا رجعنا إلى وجداننا في ~~صورة تمييزنا بين المحسوسات ، وحكمنا عليها وبها ، نجد أن إدراكنا ~~المحسوسين اثنين أو أكثر ، مثل PageV02P322 # إدراكنا لمحسوس واحد ، وبقوة واحدة ، ولا نجد فرقا بين أن ندرك صورة ~~مبصرة مثلا ، وأن ندرك صورتين مبصرة ومذوقة حين تمييزنا بينهما ، فيجب أن ~~يكون إدراكنا في الحالتين على نسق واحد غير مختلف ، وكما إنا إذا أبصرنا ~~شيئا يكون إبصارنا ، له بحصول صورته في آلة الباصرة فتدركها القوة الباصرة ~~ثم تدركها النفس بتوسطها ، كذلك ينبغى أن يكون إدراكنا للمبصر والمذوق معا ~~مثلا بحصول صورتيهما في آلة من الآلات البدنية ، فتدركهما قوة شأنها إدراك ~~المحسوسات كلها التي قلنا إنها الحس المشترك ، وآلتها الروح المصبوب في ~~مقدم البطن المقدم من الدماغ. وإسناد الحكم والتمييز إلى هذه القوة لا ~~ينافي إسنادهما إلى النفس أيضا ، حيث إن الحاكم والمميز أولا هو هذه القوة ~~، وبتوسطها تكون النفس أيضا مميزة وحاكمة ، لكونها قوة من قواها ، وبتوسطها ~~تصدر الأفعال عن النفس ، كما في القوى والحواس الأخر. # وبالجملة ، فإنا لا نجد فرقا في ذلك بين إدراكنا لمحسوس واحد ، وبين ~~إدراكنا لأزيد من واحد ، فكيف يكون إدراك المحسوس الواحد بحصول صورته في ~~آلة حاسة من الحواس تدركها تلك الحاسة أولا وبتوسطها تدركها النفس إدراكا ms608 ~~حصوليا كما هو المقرر عندهم ، ويكون إدراك المحسوسات إذا كانت أزيد من واحد ~~، بحصول صورة كل واحد في آلة مخصوصة بها ، فتدركها الحواس الخاصة بها أولا ~~إدراكا حصوليا ثم تدركها النفس إدراكا حضوريا بحصولها في آلاتها وحضور ~~الآلات مع ما فيها عندها ، كما في علم النفس بآلاتها وبذاتها وعلمها بعلمها ~~، كما هو مبنى الإيراد. # وعلى هذا ، فكأن معنى كلام الشيخ : «وذلك لأنها من حيث هي محسوسة ، وعلى ~~النحو المتأدي من المحسوس لا يدركها العقل». # أنها من هذه الحيثية لا يدركها العقل أصلا ، لا بأن يحصل صورها في ذات ~~النفس بدون حصولها في آلاتها ، فتدركها النفس إدراكا حصوليا كما في إدراكها ~~للصور المعقولة ، حيث إنها لكونها مجردة عن المادة وتوابعها ، يحتاج ~~إدراكها للصور المحسوسة إلى قوى جسمانية وآلات بدنية ، ولا بأن تحصل تلك ~~الصور في آلاتها ، فتدركها النفس إدراكا PageV02P323 # حضوريا لحضور تلك الآلات مع ما فيها عندها ، لأنا لا نجد فرقا بين ~~إدراكنا لمحسوس واحد وإدراكنا لأكثر من واحد. ### | إيراد آخر مع دفعه # فإن قلت إذا كان إدراك أمرين محسوسين أو أكثر والتمييز بينهما أو بينها ~~دليلا على إثبات قوة على حدة ، تدرك ذينك الأمرين أو تلك الأمور ، لكان لا ~~يجب أن يكون إدراك الكلي والجزئي والتمييز بينهما ، والحكم بأحدهما على ~~الآخر ، كما في قولنا : زيد إنسان وهذا الحجر ليس بإنسان ، دليلا على إثبات ~~قوة على حدة تدركهما وتميز بينهما ، ولم يقل به أحد. # قلت : ذلك إنما هو لأجل أن إثبات قوة واحدة على حدة تدرك الكلي والجزئي ، ~~مما لا يمكن ، حيث إن إثبات قوة كذلك يستلزم القول بكونها مجردة وغير مجردة ~~معا ، وهذا محال. ولذلك قالوا : إن النفس في تمييزها بين الكلي والجزئي ~~تدركهما بقوتين ، يعنى إنها تدرك الكلي بقوة عقلية ، وبحصول صورته في ذاتها ~~، وتدرك الجزئي بقوة جسمانية ، وبحصول صورته في آلتها ، وبما ذكرنا تم ~~الدليل على هذا المرام ، واندفع الإيراد عنه ، إلا أنه بقي هاهنا دقيقة. ### ||| ** دقيقة # ينبغى التنبيه عليها ، وهي أن التمييز بين المحسوسات والحكم بينها ، كما ms609 ~~هو دليل على إثبات الحس المشترك كما ذكره الشيخ ، وبينا وجهه ، كذلك هو ~~دليل على إثبات الخيال أيضا ، كما سيومئ كلامه إليه ، ولذلك قال في ~~الإشارات (1): «وبهاتين القوتين يمكنك أن تحكم أن هذا اللون غير هذا ~~الطعم» وأشار بقوله : «هاتين القوتين» إلى الحس المشترك والخيال. PageV02P324 # وقال المحقق الطوسي (ره) في شرحه (1): (2) «إن (3) هذا الاستدلال مشترك ~~على وجودهما معا ، وهو بناء على أن النفس لا تدرك المحسوسات إلا بقوى ~~جسمانية ، وتقريره أنها لا تدرك بحس واحد من الحواس الظاهرة غير نوع واحد ~~من المحسوسات. فإذن لا بد لها حين تحكم على أبيض ما أنه ذو حلاوة ، من قوة ~~تدرك البياض والحلاوة معا بها ، ولا محالة يكون (4) نسبة جميع المحسوسات ~~إلى تلك القوة نسبة واحدة. وأيضا كما أن النفس لا تقدر على هذا الحكم إلا ~~بقوة مدركة للجميع ، فإنها أيضا لا تقدر على ذلك إلا بقوة حافظة للجميع ، ~~وإلا فينعدم (5) صورة كل واحد من البياض والحلاوة عند إدراك الآخر ~~والالتفات إليه» انتهى . # وبما ذكره يظهره وجه إثبات الخيال أيضا بذلك. ### | في إثبات الحس المشترك للحيوانات العجم أيضا ### ||| * والإشارة إلى دفع ذلك الإيراد بوجه آخر # ثم قول الشيخ : «ولو لم يكن قد اجتمع عند الخيال من البهائم التي لا عقل ~~لها ، المائلة بشهوتها إلى الحلاوة إلى آخره ». # بيان لأن هذا التمييز بين المحسوسات والحكم بينها ، كما أنه معلوم التحقق ~~في الإنسان ، ودليل على وجود الحس المشترك له كما ذكر بيانه كذلك هو معلوم ~~التحقق في غير الإنسان من البهائم التي لا عقل لها ، والحيوانات العجم ؛ ~~فيدل على وجوده فيها أيضا ، وعلى أنه من قوى النفس الحيوانية بما هي ~~حيوانية ، سواء كانت في الإنسان أو في غيره من الحيوانات ، وأنه على هذا ~~التقدير لا مجال لتوهم الإيراد الذي يتوهم وروده على تقدير الاستدلال بوجود ~~ذلك التمييز والحكم في الإنسان على وجود الحس المشترك له ، حيث إنه في ~~الحيوانات العجم والبهائم التي لا عقل لها أو غير معلوم وجود PageV02P325 # العقل والنفس الناطقة المجردة لها ، بل ms610 إن المعلوم أن نفوسها منطبعة في ~~المادة ، لا يمكن أن يحصل لها العلم الحضوري بما في قواها وحواسها ، لا ~~مجال لتوهم أن تلك الصور حاصلة في آلاتها وحواسها ، وهي حاضرة عند نفوسها ، ~~وبذلك تحكم وتميز بينها ، كما يمكن أن يتوهم ذلك في الإنسان. # أما بيان وجود هذا الحكم والتمييز في الحيوانات العجم ، فلأنه لو لم يكن ~~قد اجتمع عند الخيال من البهائم التي لا عقل لها المائلة بشهوتها وبقوتها ~~الشهوانية إلى الحلاوة ، وبالجملة إلى الشيء الملائم لها ، إن شيئا صورته ~~كذا هو حلو وملائم لها ، لما كانت إذا رأته همت بأكله ، وحيث كانت حالها ~~كذلك ، فهي تحكم بأن المبصر الكذائي هو حلو وملائم لذائقتها ، ومذوق مثلا ~~وتميز بينهما. كما أنه لو لا عندنا أن هذا الأبيض هو هذا المعنى ، لما كنا ~~إذا سمعنا معناه الشخصي أثبتنا عينيته الشخصية ، وبالعكس ، حيث إنا نميز ~~بين المبصر والمسموع ، ونحكم بينهما. وبالجملة فحال البهائم التي لا عقل ~~لها في ذلك ، مثل حالنا فيه سواء بسواء ، فحيث كانت هي صدر عنها ذلك ~~التمييز والحكم ، فتدرك هي أيضا نوعين من المحسوس معا ، فإذن لا بد لها من ~~قوة لذلك ، وليست تلك القوة إحدى الحواس الظاهرة ، لأنها لا تدرك إلا نوعا ~~واحدا من المحسوسات كما سلف بيانه ، ولا النفس الحيوانية ، لأنها لا تدرك ~~محسوساتها إلا بقوى جسمانية ، وليس لها لكونها منطبعة في المادة أن تدرك ~~الصور التي في قواها وآلاتها إدراكا حضوريا كالنفس المجردة ، فبقي أن يكون ~~هي قوة من القوى الباطنة ، ونحن نسميها بالحس المشترك وفيه المطلوب. # وإنما قال : «لو لم يكن قد اجتمع عند الخيال» ، إيماء إلى أن للخيال أيضا ~~دخلا ما في ذلك الحكم والتمييز من جهة حفظ تلك الصور ، كما أن للحس المشترك ~~دخلا فيه من حيث الإدراك كما عرفت بيانه. # وأيضا لو لم يكن في الحيوان مطلقا قوة يجتمع فيها صور المحسوسات ، لتعذر ~~عليه الحياة. إذ لو لم يكن الشم مثلا دالا لها على الطعم الملائم أو ~~المنافر ، ولم تكن تدرك أن ms611 هذا المشموم مذوق ملائم أو غير ملائم ، وكذا لو ~~لم يكن الصوت دالا إياها على الطعم ، ولم PageV02P326 # تكن تدرك أن هذا المسموع مذوق ملائم أو غير ملائم. وكذا لو لم يكن المبصر ~~كالصورة الخشبية مثلا تذكرها صورة ودليلا لها على أن هذا المبصر ملموس ~~متنفر عنه ، يحصل من لمسها ألم لها حتى تهرب منها ، لتعذر عليها الحياة. ~~وحيث كان كذلك ، فيجب لا محالة أن يكون لهذه المحسوسات مجمع واحد من باطن ، ~~وقوة باطنية مدركة لها ، وهو المطلوب. # وقوله : «وقد يدلنا على وجود هذه القوة ، اعتبارات أمور تدل على أن لها ~~آلة غير الحواس الظاهرة» إلى آخره ». # استدلال بوجوه أخر على وجود هذه القوة للإنسان ، ومبنى الوجهين الأولين ~~على أن الدوران والدوار كما ذكره إنما يعرض بسبب حركة البخار في الدماغ ، ~~وفي الروح التي فيه ، أي الروح التي في البطن المقدم منه ، وهي آلة للحس ~~المشترك ، وذلك مقرر بين الأطباء وحكماء الطبيعيين. فالاستدلال بالوجهين ~~على ذلك ، لا غبار عليه على أصولهم. # وقوله : «وكذلك تخيل استعجال المحرك النقطي مستقيما أو مستديرا على ما ~~سلف من قبل» وجه آخر مشهور بينهم ، وبيانه يظهر مما نقلنا أولا من كلامه في ~~فصل تعديد قوى النفس الإنسانية. # وقد اكتفى في الإشارات بهذا الدليل على وجود الحس المشترك في مقام بيان ~~الدليل المنفرد عليه. # وبينه المحقق الطوسي (ره) في شرحه ، بأن قال (1): «والحاصل أن الموجود ~~في الخارج كنقطة ، والمرئي كخط ، والنقطة المتحركة ترتسم في البصر عند ~~وصولها إلى مكان ما يحدث (2) بحسب المقابلة بينهما ، وتزول عنه بزوال ~~المقابلة. والمقابلة إنما تحصل في آن يحيط به زمانان لا حصول لها فيهما ، ~~لكون الحركة غير قارة ، فلو لا شيء آخر غير البصر ترتسم فيه تلك النقطة ، ~~وتبقى قليلا على وجه يتصل الارتسامات المتتالية في البصر PageV02P327 # وفيه بعضها ببعض ، لم يكن اتصال ، فلم ير خط ، فإذن هاهنا قوة قد بقي ~~فيها الارتسام البصري شاهدا (3)». # ثم ذكر أنه اعترض الإمام الرازي على هذا الاستدلال بأن قال (1): «لم لا ~~يجوز أن يكون ms612 اتصال الارتسامات في الهواء ، بأن يكون كل شكل (4) يحدث في ~~جزء من الهواء ، لوصول (5) النقطة إليه ، فإنه يحدث قبل زوال الشكل السابق ~~، فيتصل (6) التشكلات وترى (7) خطا ، قال : وهذا أولى مما قالوه ، لأن ~~القول بمشاهدة ما ليس في الخارج سفسطة وجهالة». # ثم قال : «ولم لا يجوز أن يكون ذلك في البصر ، والعلم بأن البصر لا يرتسم ~~(8) فيه إلا صورة المقابل ليس ببرهاني ، والتجربة لا تفيده». # ثم أجاب المحقق (ره) عن هذا الاعتراض بأن قال (2): # «والجواب عن الأول ، بأن بقاء التشكل السابق عند تشكل (9) بعده يقتضي ~~الخلاء ، فإن التشكل إنما حدث في الهواء لنهاياته المحيطة بالجسم المتحرك ~~فيه ، وبقاء النهايات بحالها بعد خروج المتحرك عنها ، يقتضي إحالة (10) ~~النهايات بالخلاء. # وعن الثاني أن (11) القول بذلك أولى بأن ينسب إلى السفسطة والجهالة ، من ~~القول بوجود قوة للإنسان يدرك بها شيئا بعد غيبته ، لأنه مع كونه مشتملا ~~على القول بمشاهدة ما ليس في الخارج ، قول بمشاهدة ما لا يقابله البصر ، ~~ولا يكون في حكم ما يقابله». انتهى كلامه ره . # ثم إن قول الشيخ : «ولأن تمثل الأشباح الكاذبة وسماع الأصوات الكاذبة قد ~~يعرض لمن يفسد لهم آلات الحس ، أو كان مثلا مغمضا لعينيه.» إلى آخره . # دليل آخر على وجود الحس المشترك ، مبناه على تأدي الصور إليه من قبل الحواس PageV02P328 # الباطنة ، كما أن ما تقدم مبناه على تأدي الصور إليه من قبل الحواس ~~الظاهرة. وبيان هذا الدليل ظاهر كما ذكره. # وقوله : «فهذه القوة هي التي تسمى الحس المشترك» نتيجة لما تقدم من ~~الوجوه ؛ وقوله : «وهي مركز الحواس ومنها ينشعب الشعب ، وإليها تؤدي الحواس ~~، أي الحواس الظاهرة مطلقا ، والحواس الباطنة في الجملة» ، وفيه دلالة على ~~وحدة هذه القوة من جهة ، وكثرتها من جهة أخرى ، وهو مطابق لما ذكره ابن رشد ~~، ومثله موافقا لما هو المنقول عن المعلم الأول بالخطوط التي تخرج من مركز ~~الدائرة إلى محيطها ، حيث إن هذه القوة كالمركز ، وتلك الحواس كتلك الخطوط ~~الخارجة. # وقوله : «وبالحقيقة هي التي تحس» فيه دلالة على أمرين : # الأول أن هذه ms613 القوة مما تحس ، وبيانه ظاهر مما تقدم. والثاني أن الحاس ~~بالحقيقة هو هذه القوة دون غيرها من الحواس ، وكأن وجهه أن الحواس الأخر ~~لما كانت تحس من غير استثبات الصورة فيها ، وكانت هذه تحس مع استثباتها ~~فيها ، فكانت هي بالحقيقة تحس. # وقوله : «لكن إمساك ما يدركه هذه للقوة التي تسمى خيالا وتسمى مصورة ~~وتسمى متخيلة». # يعني أن إمساك ما يدركه الحس المشترك بعد غيبة المحسوس إنما هو للقوة ~~التي تسمى بهذه الأسامي باعتبارات مختلفة» وفيه دلالة على إثبات الخيال ، ~~مع إشارة ما إلى أن الخيال غير الحس المشترك ، حيث إن الحس المشترك هو ~~المدرك للصور المحسوسة ، والخيال هو الممسك لها ، والممسك غير المدرك كما ~~سيأتي وجهه. # وقوله : «وربما فرق بين الخيال والمتخيلة بحسب الاصطلاح». # فيه إشعار بأن لا فرق بين الخيال والمصورة بحسب الاصطلاح ، فإنهما واحدة ~~، وتسمى مصورة وخيالا باعتبار إمساك الصور فيها وحفظها لها ، كما يدل عليه ~~كلامه الآتي ، حيث قال : «فصورة المحسوس يحفظها القوة التي تسمى المصورة ~~والخيال» ، PageV02P329 # ويدل أيضا عليه ما نقلنا عنه في تعديد القوى ، فتذكر. # وقوله : «ونحن ممن نفصل ذلك والصور التي في الحس المشترك» أي نحن ممن ~~نفرق بين الخيال والمتخيلة ، وكذا بين الصور التي في الحس المشترك المتأدية ~~إليه من طرق الحواس الباطنة التي يسمى حافظها الخيال والمصورة ، والصور ~~المتأدية إليه من طرق الحواس الباطنة التي يسمى مركبها ومفصلها متخيلة ، ~~كما سيأتي في كلامه. # وقوله : «والحس المشترك والخيال كأنها قوة واحدة». إلى آخره أي قوة واحدة ~~بالموضوع ، وكأنهما لا تختلفان في الموضوع ، حيث إن موضوعهما جميعا هو ~~البطن المقدم من الدماغ ، وإن كان مقدمه موضوعا للحس المشترك ، ومؤخره ~~موضوعا للخيال ، بل في الصورة. أي بل إنما تختلفان في الصورة الحاصلة فيهما ~~، لكن لا في ذات الصورة نفسها ، بل من جهة أخرى يدل عليها قوله «وذلك لأنه ~~ليس أن يقبل هو أن يحفظ ، فصورة المحسوس يحفظها القوة التي تسمى المصورة ~~والخيال» يعني أن تلك الصور إنما تحصل في الحس المشترك من حيث إنه مدرك ms614 لها ~~، قابل إياها ، وتحصل في الخيال من حيث إنه حافظ لها ، ممسك إياها ، وحيث ~~كان القبول والحفظ أمرين متغايرين ، كان لا محالة مبدءاهما ، وهما الحس ~~المشترك والخيال متغايرين. # ومعنى قوله : «وذلك لأنه ليس أن يقبل هو أن يحفظ» كما يدل عليه قوله فيما ~~نقلنا عنه في فصل تعديد القوى : «واعلم أن القبول لقوة غير القوة التي بها ~~الحفظ ، فاعتبر ذلك من الماء ، فإن له قبول النقش والرقم وبالجملة الشكل ~~وليس له قوة حفظ» أن القبول من حيث هو قبول مغاير للحفظ من حيث هو حفظ ، ~~فإنهما لو كانا متحدين ، لما تخلف أحدهما عن الآخر ، كما في الماء ، حيث إن ~~له القبول دون الحفظ. وحيث كان متخلفا أحدهما عن الآخر ، فكان أحدهما غير ~~الآخر ، وكان مصدراهما أيضا متغايرين ، لأن الواحد لا يصدر عنه من جهة ~~واحدة إلا الواحد ، كان الحس المشترك من حيث إنه قابل للصور غير الخيال من ~~حيث إنه حافظ لها ، وبهذا يتم الدليل على وجودهما ، وعلى مغايرة أحدهما للآخر. PageV02P330 # ولا يرد النقض بالأشياء التي تجتمع فيها القبول والحفظ معا ، كالأرض التي ~~يجتمع فيها قبول صورة ما وحفظها ، لأن ذلك إنما هو لقوتين فيها ، وكالخيال ~~نفسه الذي هو مع حفظ الصورة قابل لها أيضا حيث إن حفظ الصورة لا يتصور بدون ~~القبول ، لأن الخيال ليس شأنه بذاته قبول الصور ، بل إنما ذلك القبول من ~~جهة أنه لما كان خزانة للحس المشترك القابل للصور وحافظا لها ، وكان الحفظ ~~متوقفا على القبول مسبوقا به ، فلذا كان قابلا لها أيضا ، وكان قبولها لها ~~لا بالذات ، بل بالواسطة وبالعرض ، كما أن كثيرا من القوى يصدر عنها بالذات ~~فعل ، وبالواسطة فعل آخر مغاير للأول ، والمقصود إثبات قوة شأنها بالذات أن ~~تكون قابلة للصور. وظاهر أن الخيال ليس كذلك ، بل إنما هي الحس المشترك ، ~~كما أن المقصود ، إثبات قوة شأنها بالذات حفظ الصور ، وهي ليست بالحس ~~المشترك ، بل إنما هي الخيال. # وكذلك لا يرد النقض بالأشياء التي يصدر عنها الكثير ، كالحس المشترك الذي ~~يجتمع فيه ms615 صور المحسوسات ويدركها جميعا ، وكالنفس التي تصدر عنها أفعال ~~مختلفة أشرنا إليه من قبل ، حيث قلنا إن الصادر بالذات من الحس المشترك هو ~~استثبات الصور ، ثم يصير مستثبتا لأنواع المحسوسات ، كالألوان والطعوم ~~والروائح وغيرها بقصد ثان ، لانقسام تلك الصور إليها ، وأن النفس إنما ~~يتكثر فعلها لتكثر وجوه الصدورات عنها. # وقوله : «وليس إليها حكم البتة بل حفظ ، وأما الحس المشترك والحواس ~~الظاهرة ، فإنها تحكم بجهة ما ، أو بحكم ما ، فيقال : إن هذا المتحرك أسود ~~، وإن هذا الأحمر حامض ، وهذا الحافظ لا يحكم به على شيء من الموجود إلا ~~على ما في ذاته ، بأن فيه صورة كذا». # بيان لفرق آخر بين الحس المشترك والخيال غير ما تقدم. # وشرحه : أنه كما أنهما متغايران من جهة الصورة الحاصلة فيهما باعتبار أن ~~أحدهما وهو الحس المشترك قابل لها لا حافظ ، والآخر وهو الخيال حافظ بذاته ~~لا قابل ، وأن قبولها لها لا لذاته بل بالعرض. ولأجل أن الحفظ يتوقف على ~~القبول ، كذلك بينهما فرق آخر يدل على تغايرهما ، وهو أن الخيال والمصورة ~~ليس إليهما حكم البتة بوجه من PageV02P331 # الوجوه ، بالقياس إلى الصور التي هي حافظة لها إلا على ما فى ذاتها بأن ~~فيها صورة كذا ، وأما الحس المشترك ، فإنه يحكم بها وعليها حكما إيجابيا أو ~~سلبيا ، ويميز بينها كما مر. # وإنما قال : «وأما الحس المشترك والحواس الظاهرة ، فإنها تحكم» وضم إلى ~~الحس المشترك الحواس الظاهرة في ذلك ، مع أنه ليس إليها أيضا حكم كما مر. ~~إشعارا بأن الحس المشترك له حكم بمعونة الحواس الظاهرة ، ويتأدى الصور منها ~~إليه ، فكأنها شريكة له في ذلك. # وقوله : «ثم قد نعلم يقينا أن في طبيعتنا أن نركب المحسوسات بعضها إلى ~~بعض ، وأن نفصل بعضها عن بعض لا على الصورة التي وجدناها عليها من خارج ، ~~ولا مع تصديق بوجود شيء منها أو لا وجوده ، فيجب أن يكون فينا قوة تفعل ذلك ~~بها ، وهذه هي التي تسمى إذا استعملها العقل مفكرة ، وإذا استعملها قوة ~~حيوانية متخيلة». # بيان لإثبات القوة المتخيلة ، ولمغايرتها لقوة ms616 الخيال ، ولتسميتها مفكرة ~~ومتخيلة باعتبارين ، وشرحه واضح ، وإنما خصها هنا بتركيب الصور التي لا ~~وجود لها في الخارج وتفصيلها إشعارا بأن أغلب أفعالها وأظهرها إنما هو ~~تركيب الصور التي لا وجود لها في الخارج وتفصيلها ، وإلا فمن شأنها تركيب ~~الصور الموجودة في الخارج أيضا وتفصيلها ، كما يدل عليه إطلاق كلامه فيما ~~نقلنا عنه في تعديد القوى ، حيث قال : «من شأنها أن تركب بعض ما في الخيال ~~مع بعض ، وتفصل بعضها عن بعض بحسب الإرادة». # وبقي شيء ، وهو أن كلامه في «الإشارات» حيث قال في بيان هذه القوة : «لها ~~أن تركب وتفصل ما يليها من الصور المأخوذة من الحس ، والمعاني المدركة ~~بالوهم ، وتركب أيضا الصور بالمعاني وتفصلها عنها ، وتسمى عند استعمال ~~العقل مفكرة ، وعند استعمال الوهم متخيلة ، مع دلالته على أنه من شأنها ~~أيضا تركيب المعاني بالمعاني وتفصيلها عنها ، والحال أنه لم يذكر ذلك في ~~هذا الكلام منه في «الشفاء» ، كأنه موهم لاختصاص الصور المركبة والمفصلة ~~بالصور الموجودة في الحال ، حيث إن الحس أي الحس الظاهر لا يدرك إلا ~~الموجودة دون المخترعة. فعلى هذا فيكون بين كلامه في PageV02P332 # «الشفاء» وكلامه في «الإشارات» مخالفة من وجهين. ### ||| ** فيه رفع المخالفة بين كلامي الشيخ في الشفاء والإشارات # وأما رفع تلك المخالفة من الوجه الأول ، فيمكن بأن يقال : لعله في هذا ~~القول من «الشفاء» لو أراد بالصور مقابل المعاني ، ولم يرد بها الصورة ~~الحاصلة من الشيء مطلقا سواء كانت صورا بحسب الاصطلاح أو معان بحسبه اكتفى ~~ببيان بعض أفعال تلك القوة ، وهو تركيب الصور بعضها ببعض وتفصيلها عنها ، ~~حيث إن المقصود وهو إثبات القوة المتخيلة يتم به ، وهذا لا ينافي أن يكون ~~من شأنها أيضا تركيب المعاني بالمعاني وتفصيلها عنها ، وكذا تركيب الصور ~~بالمعاني وتفصيلها عنها ، ويدل عليه أنه فيما بعد ذلك من كلامه ، قال هكذا ~~: «وهذه القوة المركبة بين الصورة والصورة ، وبين الصورة والمعنى ، وبين ~~المعنى والمعنى ، كأنها القوة الوهمية بالموضوع» إلى آخره فذكر جميع ~~أفعالها. # وأما هو في «الإشارات» فبين جميع أفعالها المذكورة. ms617 # وأما رفع المخالفة من الوجه الثاني ، فيمكن بأن يقال : لعله في «الشفاء» ~~كما ذكرنا خصص في أحد كلاميه الصور بالصور غير الموجودة إشعارا بأنها الأعم ~~الأغلب الأظهر ، وفي كلامه الآخر ، أطلق الصور إشعارا ببيان الواقع. # وفي «الإشارات» إما أن أراد بالصور المأخوذة من الحس الصور المأخوذة من ~~الحس مطلقا ، سواء كان حسا ظاهرا ، أم حسا باطنا ، فتشمل الصور الواقعية ~~الموجودة التي تدركها الحواس الظاهرة ، فتدركها الحس المشترك ، وتجتمع في ~~الخيال والصور المخترعة ، غير الموجودة التي يخترعها الخيال ، ويصدق عليها ~~أنها مأخوذة من الخيال. # وإما أن أراد بالصور المأخوذة من الحس الصور التي من شأنها أن يدركها ~~الحس الظاهر ، ويمكن أن تؤخذ منه ، سواء كانت صورا واقعية أو غير واقعية ، ~~بل مخترعة ، فإن هذه أيضا من شأنها أن تؤخذ من الحس الظاهر على تقدير إمكان ~~وجودها. وعلى PageV02P333 # التقديرين ، فيكون كلامه موافقا لما ذكره في «الشفاء» في فصل تعديد ~~القوى. وعلى تقدير تسليم أنه أراد بالصور المأخوذة من الحس الصور الواقعية ~~المأخوذة بالفعل من الحس الظاهر ، فلعله اكتفى في تركيب الصور وتفصيلها ~~بالصور الواقعة ، إشعارا بأن هذا أيضا من جملة أفعال تلك القوة ، وبأنه به ~~أيضا يتم المقصود ، وهو إثبات المتخيلة ، ولا ينافي ذلك أن يكون من شأنها ~~أيضا تركيب الصور غير الواقعية وتفصيلها. # ثم إن قوله : «ثم إنا قد نحكم في المحسوسات بمعان لا نحسها ، إما أن لا ~~تكون في طبائعها محسوسة البتة وإما أن تكون محسوسة ، لكنا لا نحسها وقت ~~الحكم» إلى آخره . # بيان لإثبات القوة التي تسمى وهما ولمغايرتها للنفس الناطقة ولسائر القوى ~~الحيوانية. # وقوله : «إنا قد نحكم» إلى آخره أي إنا قد نحكم حكما جزئيا في المحسوسات ~~الجزئية المخصوصة بمعان جزئية مخصوصة لا نحسها. # وقوله : «إما أن تكون في طبائعها محسوسة» إلى آخره أي أن تلك المعاني ~~الجزئية التي لا نحسها ، وهي المحكوم بها في المحسوسات المخصوصة الجزئية ، ~~قسمان : قسم لا يكون من شأنها أن تكون محسوسة بإحدى الحواس الظاهرة ، وقسم ~~يكون من شأنها أن تكون محسوسة ، لكنا ms618 لا نحسها وقت الحكم بها في تلك ~~المحسوسات. # وفيه دلالة على أن المعاني تطلق على القسمين جميعا ، وكأنه اصطلاح خاص. ~~ويوافقه أيضا ما سيأتي في كلامه من قوله : «وقد جرت العادة بأن يسمى مدرك ~~الحس صورة ، ومدرك الوهم معنى» وكذا ما ذكره في فصل تعديد القوى بهذه ~~العبارة (1): «والفرق بين إدراك الصورة ، وإدراك المعنى ، أن الصورة هو ~~الشيء الذي يدركه الحس الباطن والحس الظاهر (2)، والحس الظاهر يدركه أولا ~~ويؤديه إلى الحس الباطن ، مثل إدراك الشاة صورة (3) الذئب أعني بشكله (4) ~~وهيئته ولونه ، فإن الحس الباطن من الشاة يدركها ، لكن PageV02P334 # إنما يدركها أولا حسها الظاهر. وأما المعنى فهو الشيء الذي يدركه (3) ~~النفس من المحسوس من غير أن يدركه الحس الظاهر أولا ، مثل إدراك الشاة ~~للمعنى المضاد في الذئب أو للمعنى الموجب لخوفها إياه وهربها (4) منه ، من ~~غير أن يدرك الحس ذلك البتة. فالذي يدرك من الذئب أولا الحس الظاهر ، ثم ~~الحس الباطن ، فإنه يخص في هذا الموضع باسم الصورة ، والذي يدركه (5) القوى ~~الباطنة دون الحس فيخص في هذا الموضع باسم المعنى» انتهى حيث إن قوله : ~~«وأما المعنى فهو الشيء الذي يدركه النفس من المحسوس من غير أن يدركه الحس ~~الظاهر أولا» أعم من أن يكون مما لا يمكن أن يدركه الحس الظاهر أصلا ، وأن ~~يكون مما يمكن أن يدركه لكنه لم يدركه حين الحكم. وكذا قوله : «والذي يدركه ~~القوى الباطنة دون الحس فيخص في هذا الموضع باسم المعنى» فتدبر. # وعلى هذا فقوله في تعديد القوى في بيان القوة الوهمية (1): «إنها (6) ~~قوة مرتبة في نهاية التجويف الأوسط من الدماغ ، تدرك المعاني الغير (7) ~~المحسوسة الموجودة في المحسوسات الجزئية ، كالقوة الموجودة في الشاة ~~الحاكمة بأن هذا الذئب مهروب عنه ، وأن هذا الولد هو المعطوف عليه» ينبغي ~~أن يحمل على أن القوة الوهمية تدرك المعاني الغير المحسوسة ، سواء كانت غير ~~محسوسة أصلا أو محسوسة ، لكنها تكون غير محسوسة وقت الحكم ، فهذا أيضا يشمل ~~القسمين جميعا ، وأما ذكر القسم الأول بخصوصه فعلى سبيل المثال. # وكذلك ينبغي أن ms619 يحمل عليه كلامه في «الإشارات» حيث قال في مقام إثبات ~~القوة الوهمية والقوة الحافظة هكذا (2): «وأيضا فإن الحيوانات ناطقها وغير ~~ناطقها تدرك في المحسوسات الجزئية معان جزئية غير محسوسة ولا متأدية من ~~طريق الحواس ، كإدراك (8) الشاة معنى في الذئب غير محسوس ، وإدراك الكبش ~~معنى في النعجة غير PageV02P335 # محسوس ، إدراكا جزئيا يحكم به ، كما يحكم الحس بما يشاهده ، فعندك قوة ~~هذا شأنها ، وأيضا فعندك وعند كثير من الحيوانات العجم قوة تحفظ هذه ~~المعاني بعد حكم الحاكم (1) غير الحافظ للصورة (2)» انتهى ، فإن الظاهر أن ~~قوله : «معان جزئية غير محسوسة» إشارة إلى القسم الأول ، وقوله : «ولا ~~متأدية من طريق الحواس» إشارة إلى القسم الثاني ، وأن ذكر إدراك الشاة معنى ~~في الذئب إلى آخره على سبيل المثال. ### ||| ** دقيقة # وحيث عرفت ذلك ، ظهر لك أن ما ذكره المحقق الطوسي (ره) في «شرح الإشارات» ~~في ذيل كلام الشيخ في شرح القوى الدراكة من باطن ، «إن الصورة هي ما يمكن ~~أن تدرك بالحواس الظاهرة ، والمعنى ما لا يمكن أن يدرك بها» وقد تبعه في ~~ذلك كثير من المتأخرين ، وبالجملة قد خصوا المعنى بالقسم الأول فقط ، كأنه ~~اصطلاح آخر منهم أو غفلة عن كلام الشيخ ، وحينئذ فكلام هؤلاء في إثبات ~~القوة الوهمية بإدراك المعاني الجزئية التي أرادوا بها القسم الأول فقط ، ~~إن كان مبناه على أن هذا الطريق أوضح طريق في اثباتها وفيه غنية ، فلا غبار ~~عليه ، وإن كان مبناه على أن إثباتها إنما هو بإدراك القسم الأول فقط ، ~~ففيه شيء ، لأنه كما يمكن إثباتها بذلك ، يمكن إثباتها بإدراك القسم الثاني ~~أيضا ، كما ذكره الشيخ هنا ، ويأتي بيانه إن شاء الله تعالى. # وقوله : «أما التي لا تكون محسوسة في طباعها» إلى آخره بيان القسم الأول ~~من المعاني الغير المحسوسة ، ولإثبات القوة الوهمية بإدراكها ولمغايرتها ~~لما سواها. وإنما أسند هنا إدراك تلك المعاني إلى الشاة ، مع أنه فيما تقدم ~~من قوله : «ثم إنا قد نحكم في المحسوسات بمعان لا نحسها» أسنده إلينا أي ~~إلى النفس الناطقة إشعارا بأن إدراكها ms620 إنما هو من خواص النفس الحيوانية بما ~~هي حيوانية ، وكما أنها يدركها الإنسان يدركها PageV02P336 # الحيوان أيضا. ولا فرق في ذلك بين الإنسان والحيوانات العجم. فالإنسان ~~أيضا إنما يدركها بقوته الحيوانية. # وقوله : «وهذه امور تدركها النفس الحيوانية» فيه مع التصريح بما علم ضمنا ~~من كون إدراكها من خواص النفس الحيوانية بما هي حيوانية دلالة على كون مدرك ~~هذه الأمور مغايرا للنفس الناطقة الإنسانية ، لأنه لو كان عينها ، لما ~~أدركها الحيوانات العجم التي ليس لها نفس ناطقة ، وهذا مع قطع النظر عن أن ~~النفس الناطقة الإنسانية بما هي نفس ناطقة إنما تدرك الكلي من حيث هو كلي ، ~~وهذه الأمور أمور جزئية مخصوصة ، لا يمكن أن يدركها بالذات ما هو مدرك للكلي. # وقوله : «والحس لا يدلها على شيء منها» فيه دلالة على مغايرة مدرك هذه ~~الأمور للحس المشترك ، فإنه وإن كان حاكما بين الجزئيات مدركا لها مميزا ~~بينها ، إلا أن مدركاته يجب أن تكون متأدية إليه من طرق الحواس مجتمعة عنده ~~، وهذه الأمور ليست كذلك ، لأنها حيث لم يكن من شأنها أن تكون محسوسة ، كيف ~~يمكن تأديها إليه من طرق الحواس ، فلا هي مما يتأدى إليه من طرق الحواس ~~الظاهرة وهذا ظاهر ولا من طرق الحواس الباطنة كالخيال ، إذ ما في الخيال ~~أيضا يجب أن يكون مما أن يتأدى من طرق الحواس الظاهرة ، وتكون مخزونة فيه. # وإنما لم يشر إلى وجه مغايرتها للحواس الظاهرة وللباطنة أيضا غير الوهم ، ~~لظهور وجه المغايرة. # وقوله : «فإذن القوة التي بها تدرك قوة اخرى ولتسم الوهم» أي أنه حيث ظهر ~~أن مدرك هذه الأمور يجب أن يكون غير النفس الناطقة وغير الحس المشترك وغير ~~الحواس الظاهرة وما سوى الوهم من الباطنة ، ظهر أن مدركها قوة أخرى غير هذه ~~، ونحن نسميها الوهم ، وفيه المطلوب. # وقوله : «وأما التي تكون محسوسة ، فإنا نرى مثلا شيئا أصفر ، فنحكم أنه ~~عسل وحلو ، فإن هذا ليس يؤديه إليه الحاس في هذا الوقت ، وهو من جنس ~~المحسوس» بيان PageV02P337 # للقسم الثاني من المعاني ، وإثبات القوة الوهمية ms621 بإدراكه ، أي أنا قد نرى ~~مثلا شيئا أصفر ولم نر عسلا قط ، إلا أنا سمعنا أن العسل يكون أصفر وحلوا ، ~~أو رأيناه وقتا ما ولم يثبت صورته في خيالنا أيضا ، فنحكم بسبب رؤيتنا شيئا ~~أصفر أنه عسل وحلو ، ولا شك أن هذا الحكم حيث كان حكما جزئيا ليس الحاكم به ~~أولا وبالذات هو النفس الناطقة ، ولا الحس المشترك ، إذ هو ، وإن كان حاكما ~~جزئيا في المحسوسات ، إلا أن مدركه يجب أن يتأدى إليه من طرق الحواس ، ~~والمفروض أن الصورة العلمية ليست كذلك ، لأنها لم تتأد إليه في ذلك الوقت ~~من طرق الحواس الظاهرة وهذا ظاهر كما هو المفروض ولا من طريق الحواس ~~الباطنة كالخيال مثلا ، لأن ما في الخيال أيضا ينبغي أن يكون متأديا من ~~الحواس الظاهرة إلى الحس المشترك ، ثم إلى الخيال حتى يمكن تأديته ثانيا من ~~الخيال إلى الحس المشترك ، وهذا ليس كذلك. إذا المفروض أنا لم نر العسل قط ~~، وعلى تقدير فرض رؤيتنا له وقتا ما ، فالمفروض عدم ثبوت صورته في الخيال ~~حتى يمكن تأديها منه إليه. وظاهر أيضا أن الحاكم به ليس شيئا من الحواس ~~الظاهرة مطلقا ، ولا القوى الثلاث الباطنة ، أي الخيال والمتخيلة والحافظة ~~غير الحس المشترك ، فبقي أن يكون مدركة قوة اخرى ، ونحن نسميها الوهم ، ~~وفيه المطلوب. # وقوله «على أن الحكم نفسه ليس بمحسوس البتة ، وإن كانت أجزاؤه من جنس ~~المحسوس ، وليس يدركه في الحال ، إنما هو حكم يحكم به ، وربما غلط به وهو ~~أيضا لتلك القوة». # بيان لإثبات الوهم بوجه آخر ، ومعناه على أن هذا الحكم الجزئي نفسه ليس ~~بمحسوس البتة ، أي ليس كما يحكم الحس بما يشاهده من الحكم الفصل القطعي ، ~~بل حكما جزئيا تخييليا ليس بفصل ، وليس معناه أن هذا الحكم ليس من جنس ~~الصور ، بل من جنس المعاني ، حتى يرد أن الحكم مطلقا سواء كان حكما كليا ~~كحكم النفس الناطقة ، أو جزئيا كحكم الحس المشترك ، كذلك ولا اختصاص له ~~بحكم القوة الوهمية ، وبالجملة ، فهذا الحكم ليس كحكم الحس بما يشاهده ms622 من ~~الحكم الفصل ، بل حكما ليس كذلك وإن PageV02P338 # كانت أجزاؤه من جنس ما يمكن أن يدرك بالحس ، ومع ذلك فليس الحاكم به يدرك ~~جنس أجزائه في الحال ، بل لم يدرك بعض أجزائه بحسب الحس كما هو المفروض ، ~~بل إنما هو حكم يحكم به الحاكم به على سبيل البغتة والفلتة من غير تدبر فيه ~~، وربما غلط فيه ، فالحاكم به ليس هو النفس الناطقة التي هي تحكم حكما كليا ~~فصلا ، ولا الحس المشترك الذي هو أيضا يحكم حكما فصلا وإن كان جزئيا ، ولا ~~شيئا من القوى الحيوانية الأخر. فبقي أن يكون الحاكم به هو القوة الاخرى ~~التي نسميها القوة الوهمية. # ومنه يظهر أنه على تقدير فرض تأدي الصورة العسلية من الحواس الظاهرة ، أو ~~من الخيال أيضا ، حينئذ لا يمكن إسناد هذا الحكم إلى الحس المشترك ، لأنه ~~إنما يحكم حكما جزئيا فصلا ، وهذا الحكم ليس بفصل كما عرفت. # فإن قلت : إذا كان فعل القوة الواهمة الحكم في المحسوسات بمعان غير ~~محسوسة كما ذكرت ، فلا شك أن تلك المحسوسات من أجزاء حكمها ، فيجب أن ~~تدركها أيضا حتى يمكن لها أن تحكم فيها أو عليها بتلك المعاني ، فكيف ذلك؟ # قلت : لعل فعلها بالذات إنما هو إدراك تلك المعاني والحكم بها ، وأما ~~إدراك تلك المحسوسات في ضمن الحكم ، فلعله هو فعلها بالعرض وبالواسطة ، أو ~~بتوسط آلة مدركة للصور المحسوسة ، حيث كانت القوى الحيوانية خوادم لها ، ~~ولا حجر في ذلك إذا كانت الجهتان متغايرتين ، والله أعلم. # وقوله : «وفي الإنسان للوهم أحكام خاصة ، من جملتها حملها النفس على أن ~~تمنع وجود أشياء لا تتخيل ، ولا ترتسم فيه ، وثانيها التصديق بها ، فهذه ~~القوة لا محالة موجودة فيها» ، أي أنه من جملة الأحكام الخاصة المستندة إلى ~~الوهم في الإنسان ، أن الوهم ربما يحمل النفس الإنسانية على أن تمنع وجود ~~أشياء لا تتخيل ، ولا ترتسم فيه ، أي في الوهم كالمعقولات الكلية والمجردات ~~عن المادة ، ومن جملتها أنه ربما يحملها على التصديق بوجود أشياء متخيلة ~~مرتسمة في الوهم ، وإن كان يمنع منه ms623 العقل ، فيعلم منه أن هذه القوة لا ~~محالة موجودة في النفس الإنسانية ، ومن جملة قواها. PageV02P339 # وقوله : «وهي الرئيسة الحاكمة في الحيوان حكما ليس فصلا كالحكم العقلي ، ~~ولكن حكما تخييليا مقرونا بالجزئية وبالصور الحسية ، وعنه يصدر أكثر ~~الأفعال الحيوانية». # فيه بيان لمعنى كون حكم الوهم ليس بمحسوس ، أي ليس بفصل كالحكم العقلي ~~وكحكم الحس بما يشاهده ، بل حكما تخييليا ، وكذا فيه بيان لكون الوهم رئيسا ~~في الحيوان للقوى الحيوانية. ومعنى رئاسته أنه مستخدم لسائر القوى ~~الحيوانية ، ولا سيما الباطنة ، ولا سيما المتخيلة ، كما سيأتي. وإشارة إلى ~~أنه حيث كان رئيسا للقوى الحيوانية ، وعنه يصدر أكثر أفعالها ينبغي أن يكون ~~آلتها الدماغ كله ، أي الروح المصبوب في الدماغ كله ، وأن ما ذكروه من أن ~~آلتها التجويف الأوسط من الدماغ أو المؤخر منه إنما هو لمزيد اختصاصه بذلك ~~التجويف الأوسط والمؤخر منه ، لأجل استخدام القوة المتخيلة المرتبة في ذلك ~~التجويف وفي المقدم منه ، ولذلك قال في الإشارات : «وآلتها الدماغ كله ، ~~لكن الأخص بها هو التجويف الأوسط» (1). # وقوله «وقد جرت العادة بأن يسمى مدرك الحس صورة ومدرك الوهم معنى» قد مضى معناه. # وقوله «ولكل واحد منهما خزانة» إلى آخره . # فيه إشارة إلى إثبات الخيال بعد ما أشار إليه أولا. وكذا فيه إشارة إلى ~~إثبات الحافظة. وبالجملة ، ففيه إشارة إلى إثبات هاتين القوتين بطريقين : ~~أحدهما الطريق الذي يناسب مذهب الحكماء ، والآخر الطريق الذي يناسب مسلك ~~الأطباء ، يعني أن لكل واحد من مدرك الحس ومدرك الوهم خزانة هي الحافظة لما ~~يدركه المدرك له. # فخزانة مدرك الحس هي القوة الخيالية والمصورة وموضعها مقدم الدماغ ، أي ~~آخر التجويف المقدم من الدماغ تحفظ ما قبله الحس المشترك من الحواس الجزئية ~~الخمس ، ويبقى فيها بعد غيبة تلك المحسوسات ، فلذلك إذا حدثت في مقدم ~~الدماغ آفة فسد هذا الباب من التصور والحفظ ، وفساده إما بأن يتخيل الخيال ~~صورا ليست في الواقع ، وإما PageV02P340 # بأن يصعب استثبات الموجود فيه. # وخزانة مدرك المعنى هي القوة التي تسمى حافظة ، ومعدنها مؤخر الدماغ ، أي ~~البطن المؤخر ms624 منه ، ولا سيما مقدمة ، ولذلك إذا وقع هناك آفة وقع الفساد ~~فيما يختص بحفظ هذه المعاني. # وقوله : «وهذه القوة تسمى أيضا متذكرة ، فتكون حافظة لصيانتها ما فيها ، ~~ومتذكرة لسرعة استعدادها لاستثباته والتصور بها ، مستعيدة إياها إذا فقدت». # بيان لأن هذه القوة أي الحافظة تسمى متذكرة أيضا باعتبارين ، أما كونها ~~حافظة ، فلصيانتها ما فيها من المعاني المتأدية إليها من الوهم ، وأما ~~كونها متذكرة ، فلسرعة استعدادها لاستثبات تلك المعاني والتصور بها ، ~~مستعيدة لتلك المعاني إذا فقدتها بسبب من الأسباب وزالت هي عنها. # وقوله : «وذلك إذا أقبل الوهم بقوته المتخيلة» إلى آخر ما ذكره . # بيان لكيفية تذكرها لتلك المعاني واستعادتها إياها واسترجاعها لها ، ~~ومحصله أنه إذا فقدت القوة الحافظة تلك المعاني ، ثم فرضنا أنه أقبل الوهم ~~الذي هو رئيس القوى الحيوانية بمعونة القوة المتخيلة التي هي خادمته كأنها ~~من قواه ، فجعل يلاحظ واحدا واحدا من الصور الموجودة في الخيال ، ليكون ~~كأنه يشاهد الأمور التي هذه صورها ، فإذا لاحظ الصورة التي أدرك أولا معها ~~أو فيها ذلك المعنى الذي أداه إلى الحافظة واختزنته ثم زال عنها ، لاح ~~للوهم مرة أخرى ذلك المعنى كما لاح من خارج ، وحيث لاح له المعنى حينئذ ~~أداه إلى الحافظة ثانيا ، واستثبته القوة الحافظة أيضا مرة أخرى ، فيكون ~~هذا الاستثبات ثانيا ذكرا وتذكرا واسترجاعا واستعادة ، ويكون رجوع هذه ~~القوة الحافظة إلى لوح الصورة ، أي الخيال لا لضبط الصورة نفسها ، بل لضبط ~~المعنى الذي معها ثانيا ، وليس الراجع إليه أولا وبالذات هو هذه القوة ، بل ~~الراجع إليه في الحقيقة هو الوهم ، لكن لا بنفسها ، بل بمعونة القوة ~~المتخيلة ، وليس رجوعه إليه أيضا بالذات لأجل إدراك الصورة ، بل لأجل إدراك ~~المعنى الذي معها ثانيا ، حتى يؤديه إلى الحافظة ثانيا ، فتضبطه PageV02P341 # ضبطا بعد آخر ، فتكون هذه القوة أيضا راجعة إليه بالعرض بتوسط رجوع الوهم ~~إليه. ثم إنه كما يمكن الرجوع في ذلك إلى لوح الصورة أي الخيال كما ذكر ~~كذلك يمكن الرجوع فيه إلى الحس الظاهر ، وذلك إذا أشكل التذكر والاسترجاع ~~والاستعادة للمعنى ms625 من جهة الرجوع إلى الخيال ، وأورد الحس مرة أخرى صورة ~~شيء معه ذلك المعنى الذي بطل وعادت تلك الصورة مستقرة في الخيال. ثم توجه ~~الوهم ولاحظ ذلك المعنى فيه ثانيا فأداه إلى الحافظة ، فاستقر ذلك المعنى ~~فيها ، واستثبته وضبطته مرة أخرى ، فتذكرته ، وهذا الذي إنما هو محصل كلام ~~الشيخ هنا ، وينبغي أن يحمل عليه ، وإن كان لا يخلو عن إغلاق ما يزول ~~بتفسيره. # وهو أن قوله : «فجعل يعرض واحدا واحدا من الصور الموجودة في الخيال» أي ~~فجعل الوهم يشاهد ما في الخيال من الصور ، لا لأجل إدراك الصور والحكم بها ~~، بل لأجل إدراك المعاني التي معها ، وفيه دلالة على أن الوهم كما يدرك ~~المعاني ، ويحكم بها بالذات ، كذلك يدرك الصور التي فيها تلك المعاني ~~بالعرض ، كما ذكرنا سابقا. # وقوله : «واستثبتته القوة الحافظة في نفسها ، كما كانت حينئذ تستثبت» أي ~~حين لاح للوهم مرة أخرى ذلك المعنى الذي لاح أولا وبطل ، استثبتت القوة ~~الحافظة ذلك المعنى اللائح ثانيا في نفسها كما كانت تستثبت المعنى الذي لاح ~~للوهم أولا. # وقوله : «فكان ذكرا» أي كان هذا الاستثبات ثانيا ذكرا ، وبذلك يصدق على ~~هذه القوة الحافظة أنها ذاكرة ومتذكرة. # وقوله : «وربما كان المصير من المعنى إلى الصورة ، فيكون المتذكرة ~~المطلوب ليس نسبته إلى ما في خزانة الخيال» أي كما أنه قد يكون مصير الوهم ~~ومصير الحافظة بتوسط من الصورة إلى المعنى كما ذكر ، كذلك قد يكون مصيرهما ~~من المعنى إلى الصورة ، وذلك إذا كان معنى من المعاني التي حكم بها الوهم ~~في المحسوسات وأداه إلى الحافظة مضبوطا في الحافظة غير منسي ، إلا أنه كانت ~~تلك الصورة التي أدرك معها الوهم ذلك المعنى منسية ، فرجع الوهم حينئذ إلى ~~لوح الصورة وخزانة الخيال يعرف أن أيا من تلك الصور PageV02P342 # المخزونة فيه لها نسبة إلى ذلك المعنى المخصوص ، حتى يحكم ثانيا أن تلك ~~الصورة المعينة فيها ذلك المعنى المضبوط ، فيكون المتذكرة بل الوهم أيضا ~~ليس المطلوب نسبتهما إلى ما في خزانة الخيال من الصور من جهة نفس ms626 تلك الصور ~~، بل من جهة إدراك نسبة ذلك المعنى فيهما ثانيا ، وبذلك يصدق أيضا على ~~الحافظة أنها متذكرة. # ثم إن قوله : «وكان إعادة إما في وجود العود» ، إلى آخره فقوله : «وكان ~~إعادة» عطف على قوله : «فكان ذكرا» ، وقوله : «إلى هذه المعاني» متعلق ~~بالعود ، وقوله : «إلى لوح الصور» متعلق بقوله : «إعادة» ، وقوله : «وإما ~~بالرجوع إلى الحس» عطف على قوله : «إما في وجود العود» والمعنى أنه كما كان ~~هذا الاستثبات أي استثبات المعنى ثانيا بعد بطلانه ذكرا لذلك كان ذلك إعادة ~~أيضا ، وبذلك يصدق على الحافظة أنها مستعيدة ومسترجعة كما أنها متذكرة ، ~~وأن هذه الإعادة إما إلى لوح الصورة ، أي الخيال لأجل حصول العود إلى هذه ~~المعاني الزائلة التي كانت محفوظة في الحافظة أولا وفقدتها حتى تضبط تلك ~~المعاني مرة اخرى ، وتستثبتها الحافظة ثانيا ، أي بأن تعود النسبة الى ما ~~في الخيال ثانيا ، لا لإدراك ما فيها من الصور أو ضبطها ، بل لأجل إدراك ~~المعاني التي فيها وضبطها وحفظها ثانيا ، بعد ما فقدت وزالت. # وإما هذه الإعادة بالرجوع إلى الحس لأجل ما ذكر أيضا. # وقوله : «مثال الأول» إلى آخره ، هذا مثال للإعادة إلى لوح الصورة. # وقوله : «فإن أشكل عليك ذلك من هذه الجهة أيضا ولم يتضح فأورد عليك الحس» ~~إلى آخره مثال للرجوع إلى الحس. # ثم إنك حيث عرفت معنى كلام الشيخ وتلخيص مؤداه ، عرفت أن مراده أن التذكر ~~والاستعادة والاسترجاع كلها معنى واحد ، وهو عبارة عن ضبط المعنى وحفظه ~~ثانيا بعد ضبطه وحفظه أولا وزواله عن الحافظة ، وبالجملة فليس ذلك شيئا سوى ~~الحفظ إلا بالاعتبار. فكما أن القوة الحافظة تسمى حافظة باعتبار حفظ المعنى ~~واستثباته أولا ، تسمى متذكرة وذاكرة ومستعيدة ومسترجعة باعتبار حفظه ~~واستثباته ثانيا ومرة PageV02P343 # أخرى. # وأنه حيث لم يكن التذكر والاسترجاع والإعادة مغايرة للحفظ والضبط بالذات ~~، بل بالاعتبار ، أي بحسب الحصول في الزمانين الأول والثاني ، فلم يستلزم ~~أن يكون الحفظ لقوة ، والتذكر والاسترجاع لقوة أخرى ، لعدم الاختلاف الذاتي ~~بينهما ، حتى يستدعي كل منهما مبدأ مغايرا لمبدإ الآخر. وهذا كما ms627 أن الوهم ~~الذي فعله الحكم بالمعاني التي في المحسوسات إذا حكم بذلك في زمان ثم حكم ~~بعد زوال المعنى وتذكر به في زمان آخر ثان ، لا يقتضي أن يكون كل من ~~الحكمين لمبدإ متغاير ، وأن يكون القوة التي بها حكم به أولا مغايرة للقوة ~~التي بها حكم ثانيا ، ولم يقل به أحد أيضا ، بل إن هذه القوة أيضا متحدة ~~بالذات ، متغايرة بالاعتبار. وبحسب الزمان. # وحينئذ يظهر لك اندفاع ما أورده الإمام الرازي في شرح الإشارات على الشيخ ~~(1)، حيث ذكر ما حاصله : «أن حفظ المعاني مغاير لاسترجاعها بعد زوالها ، ~~فإن وجب أن ينسب كل فعل إلى قوة» كما هو مذهب الشيخ ، وجب أن يكون القوى ~~أكثر مما ذكره. # بل اندفاع ما ذكره المحقق الطوسي (ره) في ذلك المقام أيضا ، حيث قال (2) ~~: «والحق أن الذكر ملاحظة المحفوظ ، فهو مركب من إدراك الشيء (3) ادرك في ~~وقت آخر وفحفظ (....)، والاسترجاع طلب تلك الحافظة بالفكر ، فإذن الذاكرة ~~ليست هي قوة بسيطة ، بل هي مبدأ فعل مركب من أفعال قوتين : مدركة وحافظة ، ~~والمسترجعة مبدأ فعل تركب (4) من أفعال ثلاث قوى : متصرفة ومدركة وحافظة». # وبيان اندفاعها ظاهر على المتأمل فيما ذكرنا. # ثم إن قول الشيخ ، «وهذه القوة المركبة بين الصورة والصورة ، وبين المعنى ~~والصورة ، وبين المعنى والمعنى ، كأنها القوة الوهمية بالموضوع ، لا من حيث ~~يحكم ، بل PageV02P344 # من حيث يعمل ليصل إلى الحكم» إلى آخر الفصل . # تفسيره واضح. وليست هذه الكلمات منه دالة على اضطرابه في أمر هذه القوى ~~كما فهمه الإمام الرازي ، إذ ليس يشتبه على مثل الشيخ ذلك ، بل إن مراده ~~كما فهمه المحقق الطوسي (ره) منه ، أن المبدأ الذي ينسب إليه التخيل ~~والتذكر والحفظ هو الوهم ، ولذلك جعله رئيسا حاكما على القوى الحيوانية ، ~~كما أن مبدأ الجميع في الإنسان هو النفس الناطقة ، فتدبر. # وبما ذكرنا تم شرح كلام الشيخ وتم تعديد القوى الحيوانية. وقد بقي القول ~~في كثير من أحكام تلك القوى ، وخصوصا القول في النوم واليقظة والرؤيا ~~الصادقة والكاذبة وأمثال ذلك مما هو له ms628 مناسبة واتصال بأفعال المصورة ~~والمفكرة من هذه القوى على ما قالوه ، إلا أن تفصيل القول في ذلك حيث كان ~~موجبا للإطناب ، لم نتكلم فيه مخافة ملالة الأصحاب. ### | في القوى الإنسانية # وحيث عرفت تعديد القوى الحيوانية ، فلنتكلم في القوى الإنسانية ، فنقول : # قال الشيخ في «الشفاء» (1) في فصل تعديد قوى النفس : «وأما النفس الناطقة ~~الإنسانية فينقسم (2) قواها إلى قوة عاملة وقوة عالمة ، وكل واحد (3) من ~~القوتين يسمى (4) عقلا باشتراك الاسم أو تشابهه ، فالعاملة (5) هي مبدأ ~~محرك لبدن الإنسان إلى الأفاعيل الجزئية الخاصة بالروية على مقتضى آراء ~~تخصها اصطلاحية ، ولها اعتبار بالقياس إلى القوة الحيوانية النزوعية ، ~~واعتبار بالقياس إلى القوة المتخيلة الحيوانية والمتوهمة ، واعتبار بالقياس ~~إلى نفسها. PageV02P345 # فاعتبارها بالقياس (1) إلى القوة الحيوانية النزوعية ، هو القبيل الذي ~~يحدث (2) فيه هيئات تخص الإنسان يتهيأ بها بسرعة (3) وفعل وانفعال ، مثل ~~الخجل والحياء والضحك والبكاء وما أشبه ذلك. # واعتبارها (4) بحسب القياس إلى القوة الحيوانية المتخيلة والمتوهمة ، هو ~~القبيل الذي ينحاز (5) إليه إذا اشتغلت باستنباط التدابير في الأمور ~~الكائنة الفاسدة ، واستنباط الصناعات الإنسانية. # واعتبارها الذي بحسب القياس إلى نفسها ، هو القبيل الذي يتولد (6) من ~~العقل العملي والنظري الآراء التي تتعلق بالأعمال وتستفيض ذائعة مشهورة ، ~~مثل أن الكذب قبيح ، والظلم قبيح ، لا على سبيل التبرهن ، وما أشبه ذلك من ~~المقدمات المحدودة للانفصال عن الأوليات العقلية في كتب المنطق (7). # وهذه القوة يجب أن تتسلط على سائر قوى البدن على حسب ما يوجبه (8) أحكام ~~القوة الأخرى التي نذكرها حتى لا تنفعل عنها البتة ، بل تنفعل تلك عنها ~~وتكون متبوعة (9) دونها ، لئلا يحدث (10) فيها عن البدن هيئات انقيادية ~~مستعادة (11) من الأمور الطبيعية وهي التي تسمى أخلاقا (12) رذيلة ، بل يجب ~~أن تكون غير منفعلة البتة وغير منقادة ، بل تتسلط (13)، فيكون لها أخلاق ~~فضيلة ، وقد يجوز أن ينسب (14) الأخلاق إلى القوى البدنية أيضا ، ولكن إن ~~كانت هي الغالبة يكون (15) لها هيئة فعلية ، ولهذا الفعل قوة انفعالية ، ~~ولتسم كل هيئة خلقا ، فيكون شيء واحد يحدث منه خلق (16) في ذلك ، وإن كانت ~~هي المغلوبة يكون لها ms629 هيئة انفعالية ، ولذلك هيئة فعلية غير غريبة ، فيكون ~~ذلك أيضا هيئتين وخلقين ، أو يكون الخلق واحدا له نسبتان. # وإنما كانت الأخلاق التي فينا منسوبة إلى هذه القوة ، لأن النفس ~~الإنسانية كما PageV02P346 # يظهر (1) بعد جوهر واحد ، له نسبة وقياس إلى جنبتين ؛ جنبة هي تحته ، ~~وجنبة هي فوقه ، وله بحسب كل جنبة قوة بها ينتظم (2) العلاقة بينه وبين تلك ~~الجنبة. # فهذه القوة العملية هي القوة التي (3) لأجل العلاقة إلى الجنبة التي (4) ~~دونها وهو البدن وسياسته. وأما القوة النظرية ، فهي القوة (5) التي لأجل ~~العلاقة إلى الجنبة التي فوقها (6)، لتنفعل ويستفيد منها وتقبل (7) عنها ، ~~فكأن للنفس منا وجهين : وجه إلى البدن ، ويجب أن يكون هذا الوجه غير قابل ~~البتة أثرا من جنس مقتضى طبيعة البدن ، ووجه إلى المبادي العالية ، ويجب أن ~~يكون هذا الوجه دائم القبول عما هناك والتأثر منه. فمن الجهة السفلية يتولد ~~(8) الاخلاق ، ومن الجهة الفوقانية (9) يتولد العلوم ، فهذه هي القوة ~~العملية. # وأما القوة النظرية ، فهي قوة من شأنها أن تنطبع بالصور الكلية المجردة ~~عن المادة ، فإن كانت مجردة بذاتها ، فأخذها بصورتها في نفسها أسهل ، وإن ~~لم تكن فإنها تصير مجردة بتجريدها إياها ، حتى لا يبقى فيها عن (10) علائق ~~المادة شيء ، وسنوضح كيفية هذا من بعد. # وهذه القوة النظرية لها إلى هذه (11) الصورة نسب مختلفة ، وذلك لأن الشيء ~~الذي من شأنه أن يقبل شيئا قد يكون بالقوة قابلا له ، وقد يكون بالفعل ~~قابلا له. والقوة تقال على (12) معان ثلاثة بالتقديم والتأخير : # فيقال قوة للاستعداد المطلق الذي لا يكون خرج منه بالفعل شيء ، ولا أيضا ~~حصل ما به يخرج ، كقوة الطفل على الكتابة. # ويقال قوة لهذا الاستعداد إذا كان لم يحصل للشيء إلا ما يمكنه به أن ~~يتوصل إلى اكتساب الفعل بلا واسطة ، كقوة الصبي الذي ترعرع ، وعرف الدواة ~~والقلم وبسائط الحروف على الكتابة. PageV02P347 # ويقال قوة لهذا الاستعداد إذا تم (1) بآلاته ، وحدث مع الآلة أيضا كمال ~~الاستعداد ، بأن يكون له أن يفعل متى شاء بلا حاجة إلى اكتساب (2)، بل ~~يكفيه أن يقصد فقط ms630 ، كقوة الكاتب المستكمل للصناعة إذا كان لا يكتسب (3)؛ ~~والقوة الاولى تسمى (4) كمال القوة ، فالقوة النظرية إذن تارة يكون (5) ~~نسبتها إلى الصور المجردة التي ذكرناها نسبة ما بالقوة المطلقة ، وذلك بين ~~(6) ما يكون هذا القوة التي للنفس لم تقبل بعد شيئا من الكمال الذي بحسبها ~~، وحينئذ تسمى عقلا هيولانيا (7)، تشبيها لها باستعداد الهيولى الاولى ~~التي ليست (8) بذاتها ذات صورة من الصور ، وهي موضوعة لكل صورة. # وتارة نسبة ما بالقوة الممكنة ، وهي أن يكون (9) القوة الهيولانية قد حصل ~~لها (10) من المعقولات الاولى التي يتوصل منها وبها إلى المعقولات الثانية ~~(11)، وأعني بالمعقولات الأولى المقدمات التي يقع بها التصديق لا ~~بالاكتساب (12)، ولا بأن يشعر المصدق بها إنه كان يجوز له أن يخلو عن ~~التصديق بها وقتا البتة ، مثل اعتقادنا بأن الكل أعظم من الجزء ، وأن ~~الأشياء المساوية (13) لشيء واحد بعينه متساوية ، فما دام (14) أنه يحصل ~~فيه من معنى ما بالفعل هذا القدر بعد ، فإنه (15) يسمى عقلا بالملكة ، ~~ويجوز أن (16) يسمى هذا عقلا بالفعل بالقياس إلى (17) الأول ، لأن القوة ~~التي ليس لها أن تعقل شيئا بالفعل ، وأما (18) أن هذه ، فإن لها أن تعقل ~~إذا أخذت تجب (19) بالفعل. # وتارة تكون نسبة ما بالقوة الكمالية ، وهو أن يكون حصل فيها أيضا الصورة ~~(20) المعقولة المكتسبة بعد المعقولة الأولية ، إلا أنه ليس يطالعها ويرجع ~~إليها بالفعل ، بل كأنها عنده مخزونة ، فمتى شاء طالع تلك الصورة بالفعل ~~فعقلها ، وعقل أنه قد عقلها ، ويسمى PageV02P348 # عقلا بالفعل ، لأنه عقل (1) متى شاء بلا تكلف اكتساب ، وإن كان يجوز أن ~~يسمى عقلا بالقوة بالقياس إلى ما بعدها (2). # وتارة تكون النسبة نسبة ما بالفعل المطلق ، وهو أن يكون (3) الصورة ~~المعقولة حاضرة فيه ، وهو يطالعها بالفعل ، فيعقلها العقل (4)، ويعقل أنه ~~يعقلها بالفعل ، فيكون ما حصل له حينئذ يسمى عقلا مستفادا (5)، لأنه سيتضح ~~لنا أن العقل بالقوة إنما يخرج إلى الفعل بسبب عقل هو دائما بالفعل ، وأنه ~~إذا اتصل العقل بالقوة بذلك العقل الذي بالفعل نوعا من الاتصال (6)، ~~وانطبع فيه نوع من الصور تكون مستفادة من خارج. ms631 # فهذه أيضا مراتب القوى التي تسمى (7) عقلا نظرية. وعند العقل المستفاد ~~يتم الجنس الحيواني والنوع الإنساني (8) وهناك يكون (9) القوة الإنسانية قد ~~تشبهت بالمبادي الأولى للوجود كله» انتهى كلامه . # وقال في الإشارات بعد تفصيل القوى الحيوانية هكذا (15): «إشارة ، وأما ~~نظير هذا التفصيل في قوى النفس الإنسانية على سبيل التصنيف (10)، فهو أن ~~النفس الإنسانية التي لها أن تعقل جوهر له قوى وكمالات. # فمن قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تدبير البدن ، وهي القوة التي تختص ~~باسم العقل العملي ، وهي التي تستنبط الواجب فيما يجب أن يفعل من الامور ~~الإنسانية جزئية ، ليتوصل به إلى أغراض اختيارية من مقدمات أولية وذائعة ~~وتجربية ، وباستعانة بالعقل النظري في الرأى الكلي إلى أن ينتقل به إلى ~~الجزئي. # ومن قواها ما لها بحسب حاجتها إلى تكميل جوهرها عقلا بالفعل ، فأولاها ~~قوة استعدادية لها نحو المعقولات ، وقد يسميها قوم عقلا هيولانية (11)، ~~وهي المشكاة. ويتلوها (12) قوة أخرى يحصل (13) لها عند حصول المعقولات (14) ~~لها ، فيتهيأ بها لاكتساب PageV02P349 # الثواني ، إما بالفكرة ، وهي الشجرة الزيتونة إن كانت ضعيفة (3)، أو ~~بالحدس ، وهي (4) زيت أيضا إن كانت أقوى من ذلك ، فتسمى عقلا بالملكة ، وهو ~~(5) الزجاجة ، والشريعة البالغة منها قوة قدسية ، يكاد زيتها يضيء (6) ولو ~~لم تمسسه نار ، ثم يحصل بعد ذلك قوة وكمال ، أما الكمال ، فأن يحصل لها ~~المعقولات بالفعل مشاهدة متمثلة في الذهن ، وهو نور على نور. وأما القوة ، ~~فأن يكون لها أن (7) تحصل المعقول المكتسب المفروغ منه كالمشاهد متى شئت من ~~غير افتقار إلى اكتساب ، وهو المصباح. وهذا الكمال يسمى عقلا مستفادا ؛ ~~وهذه القوة تسمى عقلا بالفعل. والذي يخرج من الملكة إلى الفعل التام ، ومن ~~الهيولى أيضا إلى الملكة فهو العقل الفعال وهو النار». انتهى . # ثم قال (1): «تنبيه : لعلك تشتهي الآن أن تعرف الفرق بين الفكرة والحدس ~~؛ فاسمع (8): أما الفكرة فهي حركة ما للنفس في المعاني ، مستعينة بالتخيل ~~في أكثر الأمر ، يطلب بها الحد الأوسط ، أو ما يجري مجراه مما يصار به إلى ~~العلم بالمجهول حالة (9) الفقر استعراضا للمخزون في الباطن وما يجرى ms632 مجراه ~~، فربما تأدت إلى المطلوب ، وربما انبثت (10). وأما الحدس ، فهو (11) أن ~~يتمثل (12) الحد الأوسط في الذهن دفعة ، إما عقيب طلب وشوق من غير حركة ، ~~وإما من غير اشتياق وحركة ، ويتمثل منه ما هو وسط له أو في حكمه». # ثم قال (2): «إشارة (13). ولعلك تشتهي أن تعرف زيادة دلالة على القوة ~~القدسية وإمكان وجودها ، فاسمع (14): ألست تعلم أن للحدس وجودا ، وأن ~~للناس (15) فيه مراتب ، وفي الفكر (16)، فمنهم غبي لا يعود (17) عليه ~~الفكر مراده ، ومنهم من له فطانة إلى حد ما ويستمتع بالفكر ، ومنهم من هو ~~أثقف من ذلك وله إصابة في المعقولات بالحدس. وتلك الثقافة غير متشابهة في ~~الجميع ، بل ربما قلت وربما كثرت ، وكما أنك تجد جانب النقصان منتهيا إلى PageV02P350 # عديم الحدس ، فأتقن (3) أن الجانب الذي يلي الزيادة يمكن انتهاؤه إلى غني ~~في أكثر أحواله عن التعلم والفكر» (4) انتهى موضوع الحاجة من كلامه . # وأقول : ما نقلنا من كلامه في «الشفاء» واف ببيان تعديد القوى الإنسانية ~~لا يحتاج إلى شرح ، فلذا طويناه على غرة. وكذا كلامه في «الإشارات» واف ~~ببيانه مع الإشارة إلى بعض مراتب أخر كالحدس والقوة القدسية ، ومع الإشارة ~~إلى أن المراتب المرتبة النظرية نظير مراتب نور الله تعالى كما ورد في ~~التنزيل ، حيث قال عز وجل : ( @QUR@044 الله نور السماوات والأرض مثل نوره ~~كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة ~~مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور ~~على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس ) الآية (1) ~~وإلى تلك المراتب مطابقة لهذه المراتب ، وقد ورد في الخبر «من عرف نفسه فقد ~~عرف ربه» (2). # والحاصل أن المشكاة شبيهة بالعقل الهيولاني ، لكونها مظلمة في ذاتها ، ~~قابلة للنور على التساوي لاختلاف السطوح والثقب فيها ، والزجاجة بالعقل ~~بالملكة ، لأنها شفافة في نفسها ، قابلة للنور أتم قبول ، والشجرة الزيتونة ~~بالفكرة التي أشار إلى بيان ماهيتها ، لكونها مستعدة لأن تصير قابلة للنور ~~بذاتها ، لكن بعد حركة كثيرة وتعب ، والزيت بالحدس الذي ms633 أشار إلى بيان ~~ماهيته ، لكونه أقرب إلى ذلك من الزيتونة ، والذي يكاد زيتها يضيء ولو لم ~~تمسسه نار بالقوة القدسية التي أشار إلى بيان ماهيتها ، لأنها تكاد تعقل ~~بالفعل ولو لم يكن شيء يخرجها من القوة إلى الفعل ، ونور على نور بالعقل ~~المستفاد ، لأنه ينير بذاته من غير احتياج إلى نور يكتسبه والنار بالعقل ~~الفعال الذي يقولون به ويقولون إن الاتصال به نوعا من الاتصال هو المخرج من ~~القوة إلى الفعل ، لأن المصابيح تشتعل منها. # وهذا آخر ما أردنا ايراده من تعديد قوى النفس الإنسانية. فلنختم الباب به ~~ولنرجع إلى بيان المقصود الآخر ، فنقول : الباب الرابع ... PageV02P351 ### | الفهرس # الباب الأول # في إثبات النفس وإنيتها وتحديدها من حيث هي نفس # نقل كلام وتحقيق ~~مرام............................................................. 8 # «في شرح كلام ~~الشيخ»......................................................... 17 # إيراد شبهة هنا ~~ودفعها........................................................... 56 # مناقشة مع ~~الشيخ.............................................................. 58 # نكتة.................................................................. ~~..... 83 # كلام مع المحقق الطوسي ~~وغيره................................................... 84 # ذكر أوهام مع ~~رفعها............................................................ 98 # الباب الثاني # في بيان حقيقة النفس وماهيتها # في تأويل بعض تلك المذاهب ~~المنقولة............................................ 123 # تأويل بعض الاحاديث الواردة في ~~الروح.......................................... 124 # في بيان جوهرية ~~النفس......................................................... 142 # في بيان اختصاص الإنسان بالقوة ~~العقلية......................................... 155 PageV02P353 # خاصية ~~للإنسان........................................................... 155 # خاصية أخرى ~~للإنسان..................................................... 156 # خاصية ثالثة ~~للإنسان...................................................... 157 # فى بيان القوى النظرية والعملية للنفس ~~الإنسانية................................... 158 # تمهيد في أن النفس الناطقة الإنسانية جوهر مجرد عن ~~المادة.......................... 161 # نقل كلام وتنقيح ~~مرام.......................................................... 161 # فصل في العلم وأنه ~~عرض...................................................... 166 # في نصرة القول بوجود الأشياء بأعيانها في ~~الذهن................................... 174 # في وجه الاختلاف في أن العلم من أي ~~مقولة..................................... 179 # في الإشارة إلى توجيه القول باتحاد العاقل مع ~~المعقول............................... 184 # كلام مع المحقق ~~الطوسي....................................................... 188 # في تحرير ما ذكره في الشفاء في ~~العلم............................................. 190 # في الفرق بين اعتبارات ~~الماهية................................................... 197 # في الإشارة إلى دفع إشكال آخر ~~هنا............................................. 201 # في الاشارة إلى دفع شكوك وأوهام ربما يمكن أن تورد على دليل تجرد النفس ~~الإنسانية الناطقة 216 # سؤال ~~وجواب................................................................. 224 # في الإشارة إلى براهين اخر على هذا المطلوب قد ms634 ذكرها ~~القوم........................ 228 # فيما ذكره بعض مفسري كلام أرسطو (هو أبو علي أحمد بن محمد ~~مسكويه)......... 229 # شواهد سمعية على هذا ~~المطلب.................................................. 233 # فيما استدل به بعض العلماء على نفي تجرد النفس الإنسانية مع جواب ذلك ~~الاستدلال 233 PageV02P354 # في الاشارة إلى أنه باتضاح الدليل على تجرد النفس الناطقة الإنسانية يتضح ~~الدليل على جوهريتها أيضا 245 # في أن النفس الإنسانية واحدة بالذات مختلفة ~~بالاعتبار............................. 246 # الوجه ~~الأول............................................................... 248 # الوجه ~~الثاني............................................................... 250 # في إبطال ما تمسكوا به في تعدد النفس في ~~الإنسان................................ 254 # شك مع ~~حله................................................................. 257 # في كيفية صدور الأفعال المختلفة عن ~~الإنسان..................................... 259 # في الإشارة إلى أن تلك القوى المتخالفة كيف يخدم بعضها ~~بعضا..................... 272 # في الإشارة إلى أن أيا من الأفاعيل تقتضي قوة على ~~حدة........................... 273 # في الكلام في آلات النفس والأعضاء التي يتعلق بها القوة الرئيسة من ~~النفس........... 279 # في الإشارة إلى المناسبة بين النفس والبدن واحتياج أحدهما إلى الآخر ~~والارتباط بينهما... 285 # الباب الثالث # في تعديد قوى النفس الإنسانية على ما هو المشهور بين الجمهور # في الإشارة إلى الحكمة في القوى ~~النباتية.......................................... 292 # وأما الكلام في القوى ~~الحيوانية................................................... 295 # في الحكمة في القوى المحركة ~~الحيوانية.............................................. 297 # في القوى المدركة ~~الحيوانية....................................................... 297 # في ~~اللامسة............................................................... 298 # في ~~الذائقة................................................................. 301 # في ~~الشامة................................................................. 302 PageV02P355 # في ~~السامعة................................................................ 303 # في ~~الباصرة................................................................ 303 # في الحواس ~~الباطنة............................................................. 305 # في الاشارة إلى أن إثبات تلك القوى الخمس بالدليل وأن الحكماء والأطباء ~~اختلفوا في ذلك ظاهرا 306 # في الكلام في الحس ~~المشترك..................................................... 316 # في الدليل على وجود الحس ~~المشترك.............................................. 320 # بيان إيراد مع ~~دفعه............................................................ 321 # إيراد آخر مع ~~دفعه............................................................ 324 # دقيقة................................................................. ~~... 324 # في إثبات الحس المشترك للحيوانات العجم أيضا والإشارة إلى دفع ذلك ~~الإيراد بوجه آخر 325 # فيه رفع المخالفة بين كلامي الشيخ في الشفاء ~~والإشارات........................... 333 # دقيقة................................................................. ~~...... 336 # في القوى ~~الإنسانية............................................................ 345 PageV02P356 ![](https://books.rafed.net/Books/3671_manhaj-alrashad-03/images/image001.gif) PageV03P001 ![](https://books.rafed.net/Books/3671_manhaj-alrashad-03/images/image002.gif) PageV03P003 ### ||| * الباب الرابع ### ||| * وفيه مطالب PageV03P005 ### ||| * المطلب الأول ### | في حدوث النفس ### ||| * بحدوث البدن ، وفي عدم جواز التناسخ ونحوه عليها ، ### ||| * وفي بيان حالها بعد خراب البدن ، فهاهنا ms635 مطالب ### ||| * في حدوث النفس بحدوث البدن # اعلم أنهم اختلفوا في ذلك ، فقال بعضهم بقدمها ، وقد أسند هذا القول إلى ~~أفلاطون ومن قبله ، وهو الموافق لما ذهب إليه الفلاسفة القائلون بقدم ~~العالم. # وقال بعضهم بحدوثها. وقد أسند هذا القول إلى أرسطو وأتباعه ، وهو الموافق ~~لما ذهب إليه المليون القائلون بحدوث العالم ، إلا أنهم افترقوا فرقتين ؛ ~~ففرقة قالت بحدوثها قبل حدوث البدن ، وقد ذهب إليه جمع من المليين ، وفرقة ~~قالت بحدوثها بحدوثه ، وقد ذهب إليه كثير من المليين ، وهو الموافق لما ذهب ~~إليه الشيخ الرئيس وأتباعه ، فهاهنا مذاهب ثلاثة متناقضة ، وحيث كانت ~~متناقضة فبإثبات المذهب الأخير يبطل المذهبان الأولان ، مع أن المذهب الأول ~~يبطله ما يبطل قدم العالم من دلائل حدوثه ، وقد أفردنا في ذلك رسالة على ~~حدة (1). فلنتكلم فيما ذكروه دليلا على المذهب الأخير ، ونتبعه بشرحه إن ~~احتيج إليه مع الإشارة إلى نقض المذهبين الآخرين. PageV03P007 # فنقول : قال الشيخ في الشفاء : «إن النفس الإنسانية لم تكن مفارقة (1) ~~للأبدان ثم حصلت في البدن ، لأن الأنفس الإنسانية متفقة في النوع والمعنى ، ~~وإذا فرض أن لها وجودا ما ليس حادثا مع حدوث الأبدان ، بل هو وجود مفرد ، ~~لم يجز أن تكون النفس في ذلك (2) متكثرة ، وذلك لأن تكثر (3) الأشياء إما ~~أن يكون من جهة الماهية والصورة ، وإما أن يكون من جهة النسبة إلى العنصر ~~والمادة المتكثرة مما (4) يتكثر به من الأمكنة التي تشتمل على كل مادة في ~~جهة ، والأزمنة التي تختص بكل واحد منها في حدوثه ، والعلل القاسمة إياها ، ~~وليست مغايرة بالماهية والصورة ، لأن صورتها واحدة ، فإذن إنما تتغاير من ~~جهة قابل الماهية ، المنسوب إليه الماهية بالاختصاص ، وهذا هو البدن. # وأما إذا أمكن أن تكون النفس موجودة ولا بدن ، فليس يمكن أن يغاير نفس ~~نفسا بالعدد. وهذا مطلق في كل شيء فإن الأشياء التي ذواتها معان فقط وقد ~~تكثر نوعياتها بأشخاصها ، فإنما تكثرها بالحوامل والقوابل والمنفعلات عنها ~~أو ما بنسبة ما (5) إليها ، وإلى أزمنتها فقط ، وإذا كانت مجردة أصلا لم ~~تتفرق مما قلنا (6) فمحال أن ms636 تكون ، ولا بينها مغايرة وتكثر ، فقد بطل أن ~~تكون (7) النفس قبل دخولها الأبدان متكثرة الذات بالعدد. # وأقول : لا يجوز أن تكون واحدة الذات بالعدد ، لأنه إذا حصل بدنان ، حصل ~~في البدنين نفسان ، فإما أن تكونا قسمي النفس الواحدة (8)، فيكون الشيء ~~الواحد الذي ليس له عظم وحجم منقسما بالقوة ، وهذا ظاهر البطلان بالأصول ~~المتقررة (9) في الطبيعيات PageV03P008 # وغيرها ، وإما ان تكون النفس الواحدة بالعدد في بدنين ، وهذا لا يحتاج ~~أيضا إلى كثير تكلف في إبطاله. # ونقول بعبارة أخرى : إن هذه الأنفس إنما تتشخص نفسا واحدة من جملة نوعها ~~بأحوال تلحقها ليست لازمة لها بما هي نفس ، وإلا لاشتركت فيها جميعا ، ~~والأعراض اللاحقة بها تلحق عن ابتداء لا محالة زماني ، لأنها تتبع سببا عرض ~~لبعضها دون بعض ، فيكون تشخص الأنفس أيضا أمرا حادثا ، فلا تكون قديمة لم ~~تزل ، ويكون حدوثها مع بدن. # فقد صح إذن أن الأنفس تحدث كما تحدث مادة بدنية صالحة لاستعمالها إياها ، ~~ويكون البدن الحادث مملكتها وآلتها ، ويكون في جوهر النفس الحادثة مع بدن ~~ما ذلك البدن ، استحق حدوثها من المبادئ الأول ، هيئة نزاع طبيعي إلى ~~الاشتغال به واستعماله ، والاهتمام بأحواله والانجذاب إليه ، تخصها وتصرفها ~~عن كل الأجسام غيره ، فلا بد أنها إذا وجدت متشخصة ، فإن مبدأ تشخصها يلحق ~~بها من الهيئات ما تتعين به شخصا. وتلك الهيئة تكون مقتضية لاختصاصها بذلك ~~البدن ، ومناسبة لصلوح أحدهما للآخر ، وإن خفي علينا تلك الحالة وتلك ~~المناسبة ، وقد تكون مبادي الاستكمال متوقفة لها بوساطة ، ويكون هو بدنها. # ولقائل أن يقول. # إن هذه الشبهة تلزمكم في النفوس إذا فارقت الأبدان ، فإنها إما أن تفسد ~~ولا تقولون به ، وإما أن تتحد وهو عين ما شنعتم به ، وإما أن تبقى متكثرة ~~وهي عندكم مفارقة للمواد ، فكيف تكون متكثرة؟ # فنقول : أما بعد مفارقة الأنفس للأبدان ، فإن الأنفس قد وجد كل واحد منها ~~ذاتا منفردة باختلاف موادها التي كانت ، وباختلاف أزمنة حدوثها ، واختلاف ~~هيئاتها التي لها بحسب أبدانها المختلفة لا محالة ، فإنا نعلم يقينا أن ~~موجد المعنى الكلي ms637 شخصا مشارا إليه لا يمكن أن يوجده شخصا ، أو يزيد له ~~معنى على نوعيته ، به يصير شخصا من المعاني التي تلحقه عند حدوثه وتلزمه ، ~~علمناها أو لم نعلم. ونحن نعلم أن النفس ليست واحدة PageV03P009 # في الأبدان كلها ، ولو كانت واحدة وكثيرة بالإضافة ، لكانت عالمة فيها أو ~~جاهلة ، ولما خفي على زيد ما في نفس عمرو ؛ لأن الواحد المضاف إلى كثيرين ~~يجوز أن يختلف بحسب الإضافة. # وأما الأمور الموجودة له في ذاته فلا يختلف فيها حتى إذا كان أبا لأولاد ~~كثيرين وهو شاب ، لم يكن شابا إلا بحسب الكل ، إذا الشباب له في نفسه ، ~~فيدخل في كل إضافة ، وكذلك العلم والجهل والظن وما أشبه ذلك إنما يكون في ~~ذات النفس في كل إضافة (1)، فإذن ليست النفس واحدة ، فهي كثيرة بالعدد ، ~~ونوعها واحد ، وهي حادثة كما بيناه ، فلا شك أنها بأمر تشخصت ، وأن ذلك ~~الأمر في النفس الإنسانية ليس هو الانطباع في المادة ، فقد علم به بطلان ~~القول بذلك ، بل ذلك الأمر هيئة من الهيئات ، وقوة من القوى ، وعرض من ~~الأعراض الروحانية ، أو جملة منها تشخصها باجتماعها وإن جهلناها ، وبعد أن ~~تشخصت مفردة ، فلا يجوز أن تكون هي والنفس الأخرى بالعدد ذاتا واحدة ، فقد ~~أكثرنا القول في امتناع هذا في عدة مواضع ، لكنا نتيقن أنه يجوز أن تكون ~~النفس إذا حدثت مع حدوث مزاج ما ، أن يحدث لها هيئة بعده في الأفعال ~~النطقية والانفعالات النطقية تكون على جملة متميزة عن الهيئة المناظرة لها ~~في أخرى ، تميز المزاجين في البدنين ، وأن تكون الهيئة المكتسبة التي تسمى ~~عقلا بالفعل أيضا على حد ما تتميز به عن نفس أخرى ، وأنها يقع لها شعور ~~بذاتها الجزئية ، وذلك الشعور هيئة ما فيها أيضا خاصة ليس لغيرها ، ويجوز ~~أن يحدث فيها من جهة القوى البدنية هيئة خاصة أيضا ، وتلك الهيئة تتعلق ~~بالهيئة الخلقية ، أو تكون هي هي ، أو تكون أيضا خصوصيات أخرى تخفى علينا ~~تلزم النفوس مع حدوثها وبعده ، كما يلزم من أمثالها أشخاص الأنواع ~~الجسمانية ، لتتمايز بها ms638 (2) ما بقيت وتكون الأنفس كذلك تتميز بمخصصاتها ~~فيها ، كانت الأبدان أو لم تكن أبدان ، عرفنا تلك الأحوال أو لم نعرف ، أو ~~عرفنا بعضها. انتهى كلامه (3). PageV03P010 # وأقول : وتحرير ما ذكره من الدليل على هذا المطلب أن النفس الإنسانية لا ~~يجوز أن تكون موجودة قبل الأبدان ، لأنها لو كانت موجودة قبل الأبدان ، ~~فإما أن تكون متكثرة بالعدد ، أو واحدة بالعدد ، وكل منهما باطل. # أما الأول ، فلأنها إذا كانت موجودة قبل الأبدان وجودا مفردا ، وكانت ~~متكثرة بالعدد ، فتكثرها لا يكون إلا بأن تكون ممتازة بعضها عن بعض ، ~~فامتيازها إما أن يكون بصورها وماهياتها ، أو بفاعلها ، أو بغايتها ، أو من ~~جهة النسبة إلى موادها المنطبعة هي فيها المتكثرة مما تتكثر به من الأمكنة ~~التي تشتمل على كل مادة في جهة ، والأزمنة التي تختص بكل واحدة منها في ~~حدوثه ، والعلل القاسمة إياها ، أو بما في حكم تلك المواد من القوابل ~~والمنفعلات عنها كالأبدان ، والعلل منحصرة في هذه ، ولا يجوز أن يكون ~~امتيازها بصورها وماهياتها وذواتها ، لأن النفوس الإنسانية متفقة في النوع ~~والمعنى ، وما له حد نوعي فصورتها وذاتها واحدة لا اختلاف فيها ولا تكثر من ~~حيث الماهية والذات ، وكذلك لا يجوز أن يكون امتيازها بفاعلها أو بغايتها ، ~~لأن فاعلها واحد وهو المبدأ الفياض تعالى شأنه. وكذا غايتها ، وهي التشبه ~~بالفاعل والاتصال به والقرب إليه. فبقي أن يكون امتيازها بموادها المنطبعة ~~هي فيه ، أو بما هو في حكمها كالأبدان ، وهذا أيضا باطل ، لأن النفوس ~~الإنسانية قد فرضت مفارقة عن المواد ، أما عن المنطبعة فيها ، فلأن المفروض ~~تجردها عن المادة في ذاتها ، كما ظهر من الدلائل الدالة على تجردها ، وأما ~~عما في حكمها ، فلأن المفروض وجودها قبل الأبدان وجودا مفردا ، هذا خلف. # ومن هذا يظهر أن المجردات عن المادة إذا كانت متكثرة بالعدد ، فإنما يكون ~~تكثرها بأن يكون كل منها نوعا على حدة منحصرة في فرد ، لا أن تكون تلك ~~الأفراد المتكثرة أفرادا من نوع واحد ، ولذلك قالوا به في العقول التي ~~أثبتوها. # وهذا الذي ذكرنا هو ms639 محصل مرامه ، وإنما لم يشر إلى إبطال كون امتياز تلك ~~النفوس بفاعلها أو بغايتها إحالة على الظهور ، كما إنه لم يذكر دليلا على ~~كون النفوس الإنسانية متفقة في النوع والمعنى ، إحالة عليه أيضا. # وربما ينبه على ذلك ، بأنه كما أن الحكم بأن بعض الأشياء كالإنسان والفرس PageV03P011 # والحمار مثلا مختلفة بالنوع والذات ، وإنما اشتراكها في معنى جنسي ~~كالحيوانية ، وأن بعضها كزيد وعمرو وبكر مثلا متفقة في النوع والذات ، ~~واشتراكها في معنى نوعي هو الإنسانية ، واختلافها بحسب العوارض الشخصية ~~الخارجة عن الذات ، وأن بعضها كالرومي والزنجي والتركي مثلا متفقة في النوع ~~، وهو الإنسان أيضا ، واختلافها في معنى عرضي كلي صنفي خارج عن الذات ليس ~~عليه دليل ، إلا أن الحدس الصائب يحكم بذلك ، حيث يجد الاختلاف في الأشياء ~~الأولية شديدا جدا ، فيحكم بأن اختلافها ذاتي ، بخلاف الأخيرين ، فإن ~~الاختلاف فيهما ليس بتلك المثابة ، بل أقل من الأول بكثير ، فيحكم باتفاقها ~~في الذات ، واختلافها بحسب العوارض ، أما بالعوارض الشخصية ، كما في ~~الثانية ، أو الكلية كما في الثالثة. # كذلك الحدس الصائب يحكم بأن النفوس الإنسانية متفقة في النوع والمعنى ، ~~واختلافها إنما هو بحسب العوارض الشخصية ، مثل الذكاء والبلادة والسخاوة ~~والبخل والشجاعة والجبن وأمثال ذلك ، بل الحكم بأن أفراد الإنسان متفقة في ~~المعنى والنوع ومختلفة بحسب العوارض الشخصية يستلزم الحكم بأن النفوس ~~الإنسانية أيضا كذلك ، فإن الأفراد الإنسانية ليست إلا عبارة عن مجموع ~~النفوس والأبدان. وهذا الذي ذكرنا ظاهر عند من له حدس صائب. # وحيث عرفت ما ذكرنا علمت أن ما ذكره بعض المحققين كالمحقق الطوسي ~~رحمه الله في التجريد (1) من أن دخول النفس الإنسانية تحت حد واحد يقتضي ~~وحدتها أي وحدتها نوعا يمكن حمله على ما ذكرنا ، يعني أن الحدس الصائب يحكم بذلك. # والحاصل أنا نجد دخول النفوس الإنسانية تحت حد واحد نوعي مثل قولهم : ~~النفس كمال أول لجسم طبيعي آلي ذي حياة بالقوة من جهة ما تدرك الأمور ~~الكلية وتفعل الأفعال الفكرية ، وكذا نجد دخول أفراد الإنسان تحت حد واحد ~~نوعي ، مثل قولهم : الإنسان ms640 حيوان ناطق ، أي أن يكون الحد الأول مقولا في ~~جواب السؤال بما هو عن كل PageV03P012 # فرد من أفراد النفوس الإنسانية ، وعن أية طائفة تفرض ، وعن مجموع تلك ~~النفوس ، وكذا أن يكون الحد الثاني مقولا في جواب السؤال بما هو عن كل فرد ~~من أفراد الإنسان ، وعن كل طائفة ، وعن المجموع ؛ وذلك أمارة أن ذينك ~~الحدين حدان نوعيان ، وأن الأفراد الداخلة تحتهما متفقة بحسب النوع ، ~~مختلفة بحسب العوارض. وعلى هذا فمنع كون الحد هنا حدا نوعيا واحتمال كونه ~~حدا جنسيا كما ذكره بعضهم كأنه مكابرة ينبغي أن لا يرتكبه ذو حدس صائب. # ثم إنه من جملة المنبهات على هذا المطلب ، بل من أعظمها ، أنه لو كانت ~~النفوس الإنسانية مختلفة في النوع والحقيقة ، لجاز أن يصدر عن بعضها من ~~الأفعال ما لا يمكن أن يصدر عن بعض آخر مخالف له في الحقيقة ، بحيث يعد ~~عنده خارقا للعادة. وحينئذ يلزم إفحام الأنبياء عليه السلام فيما يدعونه من ~~النبوة ، ويظهرونه من المعجزة ، لأن للرعية أن يقولوا إن نفوس الأنبياء ~~عليه السلام يمكن أن تكون مخالفة بالحقيقة لنفوسنا ، ويجوز أن يصدر عن ~~نفوسهم عليه السلام ما يعجز عنه نفوسنا. # وحينئذ فلا يظهر أن ما يصدر عنهم عليه السلام معجزات صادرات من عند الله ~~تعالى دلائل على صدقهم في نبوتهم ، فيلزم إفحامهم عليه السلام ، وإنما يكون ~~ما يظهرونه عليه السلام معجزة لو كانت نفوسهم عليه السلام متفقة بحسب الحقيقة ~~لنفوس الرعية ، إذ حينئذ يظهر كون ما يجري على أيديهم عليه السلام معجزات ~~خوارق للعادة ، حيث إن النفوس كلها إذا كانت متفقة بحسب الحقيقة والذات ، ~~وصدر عن بعضها ما يعجز عنه الآخر كان ذلك معجزة ؛ وهذا أيضا ظاهر عند أولي ~~الألباب. # وبالجملة ، هذا المذهب الذي ذهب إليه الشيخ من كون أفراد النفوس ~~الإنسانية متفقة في المعنى والنوع هو المذهب الذي دل عليه الدليل ، واختاره ~~المحققون ، وهو المنسوب إلى جمع كثير من الحكماء كأرسطو وأتباعه ، حيث إن ~~المنقول عنهم أيضا أن النفوس البشرية متحدة بالنوع ، وإنما تختلف بالصفات ms641 ~~والملكات واختلاف الأمزجة والأدوات. # وقد ذهب بعضهم كالإمام الرازي إلى أنها مختلفة بالماهية ، بمعنى أنها جنس ~~تحته أنواع مختلفة تحت كل نوع أفراد متحدة بالماهية. PageV03P013 # وقيل : يشبه أن يكون قوله عليه السلام : «الناس معادن كمعادن الذهب ~~والفضة» (1)، وقوله عليه السلام : «الأرواح جنود مجندة ، فما تعارف منها ~~ائتلف ، وما تناكر منها اختلف» (1) إشارة إلى هذا. # وأنت بعد التدبر فيما ذكرنا يظهر لك بطلان هذا المذهب ، وأن الخبرين ~~وأمثالهما يمكن حملها على اختلاف بالصفات والملكات ونحوها ؛ فتدبر. # وأما القول بكون كل فرد من أفراد النفوس الإنسانية مخالفا بالماهية لسائر ~~النفوس حتى لا يشترك اثنان منها في الحقيقة ، فالظاهر أنه لم يقل به أحد. ~~والله أعلم بالصواب. # وأما الثاني ، فلأنه لو كانت النفس الإنسانية قبل التعلق بالأبدان واحدة ~~الذات بالعدد ، فبعد حصول الأبدان. # أما أن تكون النفس الواحدة بالعدد في بدنين مثلا فهذا ظاهر البطلان ، ~~لأنه يلزم حينئذ أن يكون نفس زيد بعينها نفس عمرو ، ونفس من اتصف بالجبن ~~والبخل بعينها نفس من اتصف بالإسراف والتهور ، ونفس من اتصف بالعلم بعينها ~~نفس من اتصف بالجهل ، فيلزم اجتماع الضدين ، وأن لا يخفى على زيد ما في نفس ~~عمرو مثلا. # وأما أن تحصل في كل من البدنين نفس واحدة بالعدد ، أي أن تحصل في البدنين ~~نفسان ، وتتكثر النفوس بحسب تكثر الأبدان. # فهذا إما أن يكون ببطلان الواحدة الأولى وزوالها وحدوث النفوس المتكثرة ~~بحسب تكثر الأبدان ، فهذا باطل. # أما أولا فلأنه يستلزم زوال النفس الأولى التي هي المجردة عن المادة ~~بالفرض ، وقد تقرر عندهم أن المجرد لا يجوز زواله كما عرفت مما ذكرنا سابقا ~~في مبحث بقاء النفس بعد خراب البدن. وأيضا يستلزم زوال القديم على تقدير أن ~~تكون النفس الواحدة الأولى قديمة ، كما هو مذهب بعض القائلين بوجود النفس ~~قبل البدن ، وهو ممتنع. # وأما ثانيا ، فلأنه يستلزم حدوث النفس بحدوث البدن ، وهو خلاف الفرض على ~~هذا التقدير ، بل هو المطلوب. PageV03P014 # وأما أن يكون بتكثر تلك النفس الواحدة وتجزيها وانقسامها إلى تلك النفوس ~~المتعددة ، فهذا أيضا ms642 باطل ، لأن ذلك إنما هو من خواص ما له عظم وحجم ~~ومقدار ومادة يحل هو فيها ، تقبل تلك المادة الانقسام إلى الأقسام ، كما ~~تقرر في الأصول المتقررة في الطبيعيات وغيرها ، فما ليس كذلك كالنفس ، حيث ~~لا يكون له مقدار وعظم وحجم ومادة تنطبع هي فيها يمتنع فيها ذلك ، ولذلك ~~قالوا : إن العقول حيث لا يكون لها مادة منطبعة هي فيها لا يمكن تجزيها ~~وانقسامها ، وكذلك النفوس المنطبعة الفلكية والكواكبية ، لأنها وإن كانت ~~لها مادة منطبعة هي فيها ؛ إلا أن تلك المواد لما لم تكن قابلة للانقسام ~~والتجزي ، امتنع التكثر فيها ، بل كان نوعها منحصرا في فرد. # وهذا الذي ذكرنا هو محصل تحرير كلامه في الدليل على هذا المطلب ، مع ~~زوائد ومزايا. # وقوله : «ونقول بعبارة أخرى : إن هذه الأنفس إنما تتشخص نفسا واحدة» الخ. # هذا بظاهره وإن كان دليلا آخر بعبارة أخرى على إبطال كون النفس موجودة ~~قبل البدن وواحدة ، لكنه في التحقيق دليل آخر بعبارة اخرى على إبطال كونها ~~موجودة قبل البدن مطلقا واحدة كانت أم متكثرة ، وحاصله أنا نعلم بالضرورة ~~أن تشخص النفوس البشرية وحصولها نفسا واحدة متشخصة من جملة نوعها ، إنما هو ~~بأحوال تلحقها ، وأن تلك الأحوال ليست لازمة لذات النفس بما هي نفس ومعنى ~~واحد نوعي ، وإلا لاشتركت فيها جميعا وكان لجميعها تشخص واحد ، فلم تكن ~~متكثرة اصلا ؛ هذا خلف. بل إنما هي تلحقها من جهة البدن من الهيئات ~~والمناسبات التي لها بالنسبة إلى البدن ، وتكون تلك الهيئة والمناسبة مما ~~يتعين به النفس شخصا واحدا ومقتضية لاختصاصها بذلك البدن ، ومناسبة لصلوح ~~أحدهما للآخر ، وإن خفي علينا تلك المناسبة والحالة والهيئة ، سواء قلنا ~~بأن المشخص في الحقيقة ومبدأ التشخص بالذات هو تلك الهيئة ، أو قلنا بأنه ~~نحو من الوجود الخاص ، وأن تلك الهيئة والحالة أمارة وعلامة لازمة له ، على ~~اختلافهم في المشخص الحقيقي. فيظهر من هذا أن تشخص النفوس إنما يحدث البدن ~~، وليس لها تشخص قبل الأبدان ، فإذا فرضنا وجود النفس قبل البدن ، سواء ~~فرضناها واحدة أم PageV03P015 # متكثرة ms643 ، لم تكن لها تشخص أصلا فلم تكن موجودة أيضا ، إذ كل موجود بالعدد ~~يجب أن يكون متشخصا ، هذا خلف. فيظهر من هذا أن تشخصها إنما يحدث بحدوث ~~الأبدان وكذلك وجودها وحدوثها بحدوثها وكذلك تكثرها بتكثرها ، وأن الأبدان ~~وإن لم تكن بالنسبة إلى النفوس مادة منطبعة هي فيها ، لكنها بالنسبة إليها ~~في حكم المواد في ذلك. # ثم إن قوله : «ولقائل أن يقول : إن هذه الشبهة» الخ ، هذه شبهة على هذا ~~المقام ، وحاصلها أن النفس إذا فارقت الأبدان ، فإما أن تفسد وأنتم لا ~~تقولون به. وأيضا يلزم فساد المجرد ، وهو ممتنع عندكم. وإما أن تبقى متحدة ~~وهو عين ما شنعتم به ، بل أشنع ، لأنه يلزم مع ما يلزم على تقدير الاتحاد ~~من أن تكون نفس زيد بعينها نفس عمرو ، ومن اجتماع الضدين أن هذا الاتحاد ~~بعد تكثرها كما هو المفروض إما أن يكون بأن تفسد النفوس المتكثرة وتحدث نفس ~~أخرى واحدة ، فيلزم أيضا فساد النفس ، وكذا حدوثها بدون حدوث البدن ، وأنتم ~~لا تقولون بذلك. وإما أن يكون بأن تركبت تلك المتكثرة وامتزجت بعضها مع بعض ~~، فحصل منها نفس واحدة ، ففيه مع لزوم فساد تلك النفوس أيضا أن التركب ~~والامتزاج لا يكون إلا لما له مادة مستعدة قابلة له ، وهي منفية عنها ~~عندكم. وإما أن تبقى متكثرة كما كانت مع الأبدان ، وفيه أن النفس عندكم ~~مفارقة للأبدان فكيف تكون متكثرة ، يعني أن هذا البقاء متكثرة إما أن يكون ~~تكثرها بتكثر تلك المواد المتكثرة التي هي منطبعة فيها فهذا باطل ، لأن ~~النفس ليست كذلك ، لكونها مجردة عن المادة عندكم ، وإما أن يكون بتكثر ~~الأبدان التي هي في حكم المواد بالنسبة إليها فهذا أيضا باطل ، لكون ~~المفروض فساد الأبدان وفناؤها. وهذا هو تقرير الشبهة. # وأما ما ذكره في حلها ، فحاصله اختيار أن النفس بعد مفارقة الأبدان تبقى ~~متكثرة كما كانت ، لكن هذا البقاء متكثرة إنما يكون بتلك الحالة والهيئة ~~والمناسبة التي قلنا إنها مشخصة للنفوس مقتضية لاختصاص كل نفس ببدن ، ~~ومناسبة لصلوح أحدهما للآخر وإن ms644 لم نعلم ماهية تلك الهيئة ، فإن تلك الهيئة ~~كما تلزم النفوس مع حدوثها ، كذلك تلزمها بعد حدوثها ، ولو بعد مفارقتها عن ~~الأبدان فهي بعد فساد الأبدان ، أيضا مشخصة للنفوس مميزة لبعضها عن بعض ، ~~وهي بذلك التشخص موجودة باقية متكثرة. PageV03P016 # وأما تحرير كلامه في ذلك ، فهو أن بعد مفارقة الأنفس للأبدان ، فإن ~~الأنفس مع حدوث الأبدان وقبل المفارقة قد وجد كل واحد منها ذاتا منفردة ~~باختلاف موادها التي كانت ، أي باختلاف ما هو كالمواد لها ، وهي الأبدان ~~التي كانت لها باختلاف أزمنة حدوثها ، واختلاف هيئاتها التي لها بحسب ~~أبدانها المختلفة لا محالة ، فإنا نعلم يقينا أن موجد المعنى الكلي شخصا ~~مشار إليه لا يمكنه أن يوجده شخصا أو يزيد له ، أي إلا أن يزيد له معنى على ~~نوعيته به يصير شخصا من المعاني التي تلحقه عند حدوثه وتلزمه ، سواء علمنا ~~حقيقة تلك المعاني المشخصة أو لم نعلمها ، وسواء حكمنا بأنها هي المشخصة في ~~الحقيقة أم هي أمارة المشخص وعلامته. ونحن نعلم أيضا أن النفس ليست واحدة ~~في الأبدان كلها ، أي ليست متشخصة بتشخص واحد بالعدد في الأبدان كلها ، إذ ~~لو كانت واحدة بالعدد وبالذات في الأبدان كلها وكثيرة بالاعتبار وبالإضافة ~~إلى الأبدان ، لكانت عالمة في الأبدان كلها أو جاهلة فيها كلها ، وامتنع أن ~~تكون في بعضها عالمة وفي بعضها جاهلة ؛ ولما خفي على زيد ما في نفس عمرو ، ~~لأن الواحد المضاف إلى كثيرين ، وإن جاز أن يختلف بحسب الإضافة إليها فيما ~~هو حاصل له بحسب الإضافة ، لكن الأمور الموجودة لذلك الواحد في ذاته لا ~~يجوز أن يختلف هو فيها. وهذا كما أن زيدا مثلا إذا كان أبا لأولاد كثيرين ~~وهو شاب ، لم يكن حصول الشباب له إلا بحسب الكل ، إذ الشباب له في نفسه ~~موجود له في ذاته فيدخل في كل إضافة ، ولا يجوز أن يختلف هو فيها أي في تلك ~~الإضافات وكذلك العلم والجهل والظن وما أشبه ذلك ، إنما هي أمور موجودة ~~لذات النفس في نفسها ، فيجب أن تدخل في ms645 كل إضافة ولا تختلف هي فيها ، ويلزم ~~ما ذكرنا من أنها لو كانت واحدة بالذات كثيرة بحسب الإضافة إلى الأبدان ، ~~لزم أن تكون عالمة فيها كلها أو جاهلة فيها ، ولما خفي على نفس زيد ما في ~~نفس عمرو ، فإذن ثبت أن النفس ليست واحدة بالعدد ، بل هي كثيرة بالعدد. وقد ~~ثبت أيضا أن نوعها واحد وهي حادثة. وحينئذ نقول : لا شك أنها بأمر ما تشخصت ~~تشخصا متكثرا ، لأن المعنى النوعي يحتاج في تشخصه إلى مشخص ، ولا شك أيضا ~~أن ذلك الأمر في النفس الإنسانية ليس هو الانطباع في المادة ، فقد علم ~~بطلان القول بذلك ، حيث ثبت تجردها عن المادة. ولا شك PageV03P017 # أيضا أن ذلك الأمر ليس أمرا لازما لذات النفس التي هي معنى نوعي ، إذ لو ~~كان كذلك لاشتركت النفوس فيه ، ولكان كلها شخصا واحدا ، ولم تكن متكثرة. ~~فبقي أن يكون ذلك الأمر هيئة من الهيئات وقوة من القوى وعرضا من الأعراض ~~الروحانية غير الجسمانية أو جملة منها يكون تشخصها باجتماعها وإن جهلناها ، ~~وبعد أن تشخصت النفس مفردة ، فلا يجوز أن تكون هي والنفس الأخرى بالعدد ~~ذاتا واحدة ، فقد أكثرنا القول في امتناع هذا في عدة ، لأنه حينئذ ، إما أن ~~يبقى تشخص كل من النفسين بحاله فيلزم أن يكون الاثنان مع اثنينيتهما واحدا ~~بالعدد ، وهذا محال بالضرورة ، وإما أن لا يبقى تشخص لهما ، فحينئذ إما أن ~~يبطل النفسان وتحدث أخرى واحدة بالعدد ، ففيه بطلان النفس مع كونها مجردة ، ~~وهو محال كما مر. وأيضا ففيه حدوث نفس من كتم العدم لا صيرورة النفسين ~~واحدة بالعدد ؛ هذا خلف. وإما أن يمتزج النفسان وتتركبا وتصيرا واحدة ~~بالعدد ، فهذا فرع وجود المادة على ما عرفت ، وهو منتف هنا. # وبالجملة فبعد ما تشخصت النفس مفردة يستحيل كونها والنفس الأخرى المتشخصة ~~واحدة بالعدد ، بل يجب أن تكونا اثنتين. وأن يكون كل واحدة منهما متشخصة ~~بتشخص منفرد ، باقيتين على ذينك التشخصين الاثنين. لكنا نتيقن أنه يجوز [أن ~~تكون] النفس إذا حدثت مع حدوث مزاج ما كما عرفت ms646 الدليل عليه ، أن يحدث هيئة ~~بعد حدوث المزاج ، ويكون حدوث تلك الهيئة في الأفعال النطقية والانفعالات ~~النطقية ، التي تكون للنفس بذاتها ، وتكون تلك الهيئة على جملة من تلك ~~الأفعال والانفعالات متميزة عن الهيئة الأخرى المناظرة لها الحاصلة في نفس ~~أخرى ، مثل تميز المزاجين في البدنين اللذين يتعلق بهما النفسان ، وأن يكون ~~الهيئة المكتسبة التي تسمى عقلا بالفعل أيضا. وبالجملة الهيئة الحاصلة ~~للنفس من جهة تأثرها عما فوقها من المبادي كالعقل بالفعل أيضا على حد ما ~~يتميز به نفس عن نفس أخرى ، فإنها حين كونها في مرتبة العقل بالفعل يقع لها ~~شعور بذاتها الجزئية الشخصية وذلك الشعور هيئة ما فيها أيضا خاصة ليس ~~لغيرها وبه تتميز عن أخرى ونتيقن أيضا أنه يجوز أن يحدث فيها من جهة القوى ~~البدنية ، أي من جهة تأثيرها فيما دونها من البدن وقواه ، هيئة خاصة أيضا ~~وتلك الهيئة تتعلق PageV03P018 # بالهيئة الخلقية ، أو تكون هي هي ، أي نفس الهيئة الخلقية ، وكذلك يجوز ~~أن يكون أيضا هناك خصوصيات أخرى سوى تلك الهيئات ، تخفى تلك الخصوصيات ~~علينا وتلزم النفوس مع حدوثها ، ويكون تميزها بها كما تلزم أمثال تلك ~~الخصوصيات أشخاص الأنواع الجسمانية لتتمايز بها ما بقيت. # وحينئذ فيجوز أن يكون الأنفس التي هي أشخاص لنوع مجرد كذلك تتميز هي ~~بمخصصاتها ومميزاتها التي فيها ، سواء كانت الأبدان أم لم تكن ، وسواء ~~عرفنا حقيقة تلك الأحوال التي هي المخصصات أو لم نعرف ، أو عرفنا بعضها. # والحاصل أنه يجوز حين حدوث النفس مع مزاج ما ، أن يحدث لها هيئة من جهة ~~تأثرها عما فوقها من المبادي العالية أو من جهة تأثيرها فيما دونها من ~~البدن وقواه أو خصوصيات أخرى تخفى علينا ، تكون تلك الهيئات والخصوصيات ~~مخصصات ومميزات لها تلزمها حين الحدوث وبعده ، فتبقى بها النفس موجودة ~~متكثرة بعد خراب البدن أيضا كما هي في حال حدوثه ، ولو لم يكن لها من ~~المميزات إلا شعور كل منها بهويتها الجزئية لكفى مميزا ، فضلا عن الصفات ~~والملكات والهيئات والأنوار الفائضة عليها من المبادي العالية. وحينئذ ms647 فلا ~~تلزم أن تفسد النفوس بعد خراب الأبدان ولا أن تتحد ، مع أن الاتحاد ممتنع ~~كما عرفت ، وكذا الفساد ، حيث عرفت أن الفساد ممتنع على المجرد ، وقد عرفت ~~أيضا أن الدليل يدل على تجرد النفس مطلقا ، فكل هذه النفوس بعد وجودها ~~وحدوثها بحدوث أبدانها تبقى بعد خراب أبدانها أيضا ببقاء مبدئها ومعيدها. ~~والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. ### ||| * الإشارة إلى أن مذهب الشيخ في الشفاء بقاء النفوس مطلقا ### ||| * حتى نفوس غير المستكملة بعد خراب البدن # وهذا الذي ذكرناه هو تحرير كلامه وتوضيح مرامه ، ومنه يظهر أن مذهبه في ~~«الشفاء» بقاء النفوس مطلقا بعد خراب البدن ، حتى نفوس غير المستكملين من البله PageV03P019 # والصبيان والمجانين وأمثالهم ، والقرينة عليه أنه جعل شعورها بذاتها أيضا ~~مميزا ، والحال أنه عام يعم المستكملين وغيرهم. وأيضا جعل من المميزات لها ~~الهيئات التي تحصل لها من جهة قواها النظرية ، وهي أيضا عامة تعم الهيئة ~~الحاصلة من جهة العقل الهيولاني الذي يعمهم أيضا ، وكذا الهيئات التي تحصل ~~لها من جهة قواها العملية ، وهي أيضا عامة كما لا يخفى مع أن الأدلة التي ~~أقامها على تجرد النفس كما نقلنا بعضها وذكرنا توجيهها تجري في نفوس غير ~~المستكملين أيضا وتعم المستكملين وغيرهم. وهذا الذي يظهر من كلامه هنا هو ~~الحق الحقيق بالقبول ، ويدل عليه العقل كما عرفت ، بل النقل أيضا ، كما ~~نقلنا فيما سلف أخبارا عن الصادقين عليه السلام دالة على ذلك فتذكر. # ثم إن هاهنا كلاما آخر ، وهو أنه قد نقل عن بعض أعاظم المتأخرين أنه قال ~~في بيان كيفية زيارة القبور وإجابة الدعوات : «إن للنفس الإنسانية نوعين من ~~التعلق بالبدن : أحدهما من حيث المادة ، والثاني من حيث الصورة ، وإن الموت ~~وإن كان سببا لزوال تعلق الثاني ، لكنه لا يكون سببا لزوال الأول ، ومن هنا ~~يظهر سر زيارة القبور وإجابة الدعوات» (1) انتهى. # وقد ذكر صدر الأفاضل رحمه الله في الشواهد الربوبية كلاما بهذه العبارة : ~~«الإشراق الثامن في الأمر الباقي من أجزاء الإنسان مع نفسه والإشارة إلى ~~عذاب القبر. اعلم أن الروح ms648 إذا فارق البدن العنصري ، يبقى معه أمر ضعيف ~~الوجود من هذا البدن قد عبر عنه في الحديث بعجب الذنب. وقد اختلفوا في ~~معناه ، قيل : هو العقل الهيولاني. وقيل : بل الهيولى الأولى. وقيل : ~~الأجزاء الأصلية. وقال أبو حامد الغزالي : إنما هو النفس وعليها تنشأ ~~النشأة الآخرة. وقال أبو يزيد الوقواقي : هو جوهر فرد يبقى من هذه النشأة ~~لا يتغير ينشأ عليه النشأة الثانية. وعند الشيخ الغزالي هي أعيان الجواهر ~~الثابتة. ولكل وجه ، لكن البرهان منا دل على بقاء القوة الخيالية التي هي ~~آخر هذه النشأة الأولى وأول النشأة الثانية. # فالنفس إذا فارقت البدن وحملت المتخيلة المدركة للصور الجسمانية فلها أن تدرك PageV03P020 # الأمور الجسمانية وتتخيل ذاتها بصورتها الجسمانية التي كانت تحس بها في ~~وقت الحياة كما في المنام كانت تتصور بدنها الشخص وتحس به مع تعطل هذه ~~الحواس وركودها ، فإن للنفس في ذاتها سمعا وبصرا وذوقا وشما ولمسا تدرك بها ~~المحسوسات غائبة عن هذا العالم إدراكا جزئيا وتتصرف فيها ، وهي أصل هذه ~~الحواس الدنياوية ومباديها ، إلا أن هذه في مواضع مختلفة لأنها هيولانية ~~يحملها هذا البدن وهي في موضع واحد لأن النفس حاملها وحامل ما يتصورها فإذا ~~مات الإنسان وفارقته نفسه مع جميع ما يلزمها من قواها الخاصة بها ومعها ~~القوة المصورة ، يتصور ذاته مفارقة عن الدنيا ، ويتوهم نفسه عين الإنسان ~~المصور الذي مات على صورته ، ويجد بدنه مصورا ، ويدرك الآلام الواصلة إليه ~~على سبيل العقوبات الحسية على ما وردت به الشرائع ، فهذا عذاب القبر. وإن ~~كانت سعيدة تتصور ذاتها على صور ملائمة وتصادف الأمور الموعودة ، فهذا ثواب ~~القبر. كما قال صلى الله عليه وآلهوسلم : «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة ~~من حفر النيران» (1) انتهى موضع الحاجة من كلامه. # وأقول : إن الذي ذكره بعض الأعاظم (2) هو الحق الحقيق بالتحقيق ، وعليه ~~يمكن تنزيل الحديث الذي نقله صدر الأفاضل ، ويوافقه ما نقله هو في معنى ~~الحديث ، من أن ذلك الأمر الضعيف الهيولى الاولى والأجزاء الأصلية. وعليه ~~فيحصل وجه آخر لدفع الشبهة التي ذكرها ms649 الشيخ وأجاب عنها ، لأنه إذا كان ~~حدوث النفس الإنسانية بحدوث البدن كما هو المفروض ، وكان بعد خراب البدن ~~يبقى تعلقها به من حيث المادة ، فلا مانع من أن تبقى النفوس بعد خراب ~~أبدانها متكثرة بتكثرها ، متمايزة بتمايزها ، كما هو في حال الحياة التي ~~كان فيها تعلقها بالبدن من حيث المادة والصورة جميعا. # وأما الوجوه الاخر التي نقلها صدر الأفاضل عن القوم في معنى الحديث ، فلا يكاد PageV03P021 # يظهر لها وجه كما لا يخفى على المتأمل ، مثل الوجه الذي ذكره هو نفسه في ~~معناه ، فإنه وإن أقام في بعض كلماته برهانا بزعمه على بقاء القوة الخيالية ~~بعد خراب البدن ، لكنه لم يأت بشيء مبين كما يظهر على من راجع كلماته. # وما ذكره هنا من أن للنفس في ذاتها سمعا وبصرا إلى آخر ما ذكره ، إن كان ~~المراد به أن لها بعد خراب البدن سمعا وبصرا ونحو ذلك من القوى في ضمن ~~البدن المثالي ، كما دل عليه النقل وذهب إليه كثير من الحكماء والمتكلمين ، ~~فله وجه ؛ إلا أن كلامه يأبى عن الحمل عليه. وإن كان مراده به غير هذا كما ~~هو ظاهر كلامه ، فهو شيء تفرد به وليس يظهر وجهه ، بل لا يمكن فهمه ككثير ~~من تحقيقاته في المسائل الحكمية ، وعسى أن يكون غيرنا يفهمه. والله الموفق. # وقد بقي في المقام شبهة أخرى ، وهي أن ما يستفاد من كلام الشيخ ، أنه بعد ~~خراب البدن يكفي شعور النفس بذاتها الجزئية مميزة لها ، ربما يتراءى كونه ~~جاريا في نفوس غير الإنسان من الحيوانات ، فإن الظاهر أن لها أيضا شعورا ~~بذواتها الجزئية وهوياتها الخاصة ، فينبغي أن تكون نفوسها أيضا بعد خراب ~~أبدانها باقية متميزة بتميز الأبدان متكثرة بتكثرها ، وهو خلاف ما عليه ~~الأكثر. # وأما الجواب عن هذه الشبهة ، فهو أن مبنى كلام الشيخ أن الشعور بالذات ~~يكفي مميزا إذا كانت تلك الذات مجردة عن المادة كما في النفوس الإنسانية ، ~~حيث إن الأصل في سبب كونها باقية غير فانية هو تجردها عن المادة كما عرفت ~~بيانه ، وأما ms650 الشعور بالذات وسائر الهيئات والحالات والخصوصيات التي ذكرها ~~، إنما هو لأجل تمايزها بتمايز الأبدان بعد أن كانت ممتنعة الزوال. # وأما نفوس غير الإنسان حيث لم يثبت تجردها عن المادة فلا يكفي كون الشعور ~~بالذات مميزا لها ، إذ ذاك الشعور إنما يكفي مميزا لها إذا كان هناك تجرد ~~عن المادة به يمتنع الزوال عليها ، وإذ ليس فليس. وكأن من قال بحشر ~~الحيوانات الذي مبناه على بقاء نفوسها بعد خراب أبدانها ، ادعى تجردها أيضا ~~عن المادة ، لزعمه أن بعض الدلائل التي أقيمت على تجرد النفس الإنسانية ، ~~مثل قولهم : إنها مغايرة للبدن وأعضائه وأجزائه فإن PageV03P022 # البدن وأعضاءه دائم الذوبان والسيلان وذات الإنسان منذ أول الصبا إلى آخر ~~العمر باقية فهي غيرها ، بل هي مجردة عن المادة ، وأمثال ذلك من الدلائل ~~التي أقاموها على ذلك ، جارية في نفوس الحيوانات أيضا ، فأثبت بزعمه بذلك ~~تجردها أيضا ثم جعل شعورها بذاتها مميزة لها بعد خراب البدن. وقد عرفت فيما ~~سبق أن التعويل في تجرد النفس الإنسانية إنما هو على الدلائل التي تجري ~~فيها ، ولا تجري في غيرها من نفوس سائر الحيوانات ، فتذكر. وسيجيء ذكر ~~الخلاف في حشر الحيوانات ، وتحقيق الحق فيه ، فانتظر. # وهذا الذي ذكرناه كله ، إنما هو الكلام في البرهان الذي أقامه الشيخ على ~~هذا المطلب ، أعني حدوث النفس الإنسانية بحدوث البدن ، إلا أن القوم ذكروا ~~براهين اخر أيضا عليه ، لا بأس بنقل نبذ منها وتحريرها : # منها أنه لا سترة في أن النفس الإنسانية التي هي مجردة عن المادة لو كانت ~~موجودة قبل البدن ، ثم حدث لها التعلق به كان تعلقها به لحوق عارض غريب به ~~، وقد تقرر عندهم أن كل مجرد عن المادة لا يلحقه عارض غريب ، لما حقق أن ~~لحوق عارض غريب لشيء لا يكون إلا من جهة قوته واستعداده له ، وأن جهة القوة ~~والاستعداد راجعة إلى أمر هو في ذاته قوة صرفة تتحصل بالصور المقومة له ، ~~وما هو إلا الهيولى الجرمانية ، فيلزم من فرض تجرد النفس الإنسانية عن ~~المادة اقترانها بها ، هذا ms651 خلف. فإذن تكون حادثة بحدوث البدن ، وهو ~~المطلوب. # لا يقال : لعل النفس الإنسانية كانت موجودة قبل هذا البدن الإنساني ، ~~وكانت في ضمن أبدان جسمانية عنصرية أو مطلقا حادثة بحدوثها ، وكلما فارقت ~~بدنا من تلك الأبدان الجسمانية حدث بدن آخر فتعلقت به ، إلى أن انتهت ~~النوبة إلى هذا البدن العنصري الإنساني. # لأنا نقول : هذا باطل ، لأنه تناسخ ، وسيأتي بطلانه. # لا يقال : لعلها كانت موجودة قبل البدن الإنساني العنصري في ضمن بدن ~~مثالي نوراني ، ثم حصلت في ضمن البدن العنصري ، إما مع ذلك البدن المثالي ~~النوراني ، حيث إن PageV03P023 # اجتماع هذين البدنين اللذين أحدهما مثالي نوراني والآخر جسماني لا امتناع ~~فيه. وإما مفارقة عن البدن المثالي. وعلى هذين الوجهين ، يمكن حمل قول بعض ~~من قال بحدوث النفس قبل البدن ، وكذا حمل ما روي عن الصادقين عليه السلام : ~~من أن الأرواح خلقت قبل الأبدان بألفي عام (1)، ولا تناسخ فيه ، فإن ~~الدليل الذي يبطل التناسخ كما سيأتي ذكره ، إنما يجري في تحول النفوس في ~~الأبدان الجسمانية العنصرية أو غير العنصرية وتنقلها منها ، لا في تنقلها ~~في الأبدان المثالية أيضا. مع أن القول بحصولها بعد خراب أبدانها في ~~الأبدان المثالية مما دل عليه النقل وذهب إليه كثير من الفلاسفة والمليين. # لأنا نقول : هذا الاحتمال باطل أيضا ، فإنه قد تقرر عندهم أن النفس ~~الإنسانية مجردة في ذاتها عن المادة ومفتقرة في أفعالها إليها ، وأن البدن ~~خلق لها وتعلقت هي به لأجل استكمالها به ، ولا سترة في أنها لو كانت موجودة ~~قبل البدن العنصري متعلقة ببدن مثالي ، لم يكن لها استكمال في ضمن البدن ~~المثالي ، إذ لو كان استكمال لها به وفي ضمنه ثم تعلقت بالبدن العنصري ؛ ~~لزم حينئذ بعض مفاسد القول بالتناسخ أيضا ، وهو أنه يلزم أن يكون قد حصلت ~~لها فعلية ما في ضمن البدن المثالي ، ثم رجعت إلى القوة والاستعداد ؛ حيث ~~إن النفس في أول حصولها في ضمن البدن العنصري إنما هي بالقوة المحضة ~~ودرجتها درجة النبات ، ثم تترقى شيئا فشيئا بحسب استكمالات المادة حتى ms652 ~~تتجاوز درجة النبات والحيوان ، وصيرورة الشيء بالقوة المحضة بعد ما كان ~~بالفعل ضروري البطلان. # وأيضا لو كان للنفس استكمال في ضمن البدن المثالي قبل التعلق بالبدن ~~العنصري ، لكان لها استكمال في ضمنه بعد خراب العنصري أيضا ، ولم يقل به ~~أحد. وإذا لم يكن له استكمال في ضمن البدن المثالي كان وجودها في ضمنه قبل ~~حدوث البدن العنصري وجودا معطلا ، وقد تقرر عندهم أنه لا تعطل في الوجود. # وبعبارة أخرى ، أنها لو كانت موجودة قبل البدن العنصري في ضمن البدن ~~المثالي ، PageV03P024 # فإما أن تكون مستكملة به ، لزم حينئذ بعض مفاسد القول بالتناسخ وهو ~~صيرورة ما بالفعل ما بالقوة. وإما أن لا تكون مستكملة به لزم تعطلها في ~~الوجود ، والقول بأنها وإن لم يكن لها استكمال في ضمن البدن المثالي ، إلا ~~أنه يمكن أن يكون لها في ضمنه ابتهاج بالكمالات وتألم بالجهالات ، كما في ~~ما بعد خراب البدن العنصري ، باطل ، فإن ذلك الابتهاج والتألم إنما يمكن ~~إذا كان حصل لها كمال في ضمنه ، وإذ ليس فليس ، وهذا بخلاف صورة ما بعد ~~خراب البدن ؛ فتدبر. ### ||| * تأويل حديث خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام # فبالجملة ، القول بذلك مع كونه مخالفا للعقل ليس عليه دليل مطلقا لا عقلي ~~ولا نقلي ظاهر فيه ، فإن حديث «خلق الأرواح قبل الأجساد بألفي عام» يمكن ~~حمله على أنه خلقت الأرواح التي هي جواهر نورانية وهي مدبرات للأبدان ~~الإنسانية بل للإنسان بنفسه وبدنه ، ويدل على وجودها الشرع وقال بها ~~الحكماء أيضا ، وتسمى تلك الأرواح في لسان الشرع ب «الملائكة الموكلين ~~بالإنسان» ، وفي لسان الحكماء المتألهين ب «رب النوع» ، قبل الأجساد وقبل ~~الأبدان العنصرية الإنسانية بألفي عام ، سواء حمل ألفا عام على الزمان ~~الكثير المتمادي ، أو على هذا العدد المعين ؛ وسواء حمل هذا العدد بالنسبة ~~إلى كل روح مع كل بدن أو بالنسبة إلى مجموع تلك الأرواح مع مجموع الأبدان. ~~وحينئذ فلا دليل قطعيا أو ظاهرا في الحديث على مطلوب هذا القائل ، وهو خلق ~~النفوس الإنسانية المتعلقة بأبدانهم العنصرية قبل أبدانهم ms653 بألفي عام ، حتى ~~يمكن أن يقال : إنها قبل الأبدان العنصرية كانت في ضمن أبدان مثالية. # وأما القول بحصولها بعد خراب أبدانها العنصرية في ضمن الأبدان المثالية ~~فإنما دعى إليه ما ورد من النقل الصحيح الصريح ، فإنه لو لم يكن هناك ذلك ~~النقل لم نكن قائلين به ، وكأن سر ما ورد من النص في ذلك والله أعلم أن ~~النفس الإنسانية لما كانت في أفعالها مفتقرة إلى البدن ، حاصلة في ضمنه ، ~~متعلقة به ، ومستكملة به ، وكانت أكثرها بل جلها قد PageV03P025 # استكملت في الجملة في ضمن البدن العنصري ثم فارقته. وكانت باقية بعد خراب ~~البدن ، اقتضت العناية المتعالية الإلهية حصولها بعد خراب البدن في ضمن بدن ~~مثالي مشارك لبدنها العنصري من بعض الجهات كالشكل والهيئة ، وإن لم يكن ~~مشابها له في الكل ، حتى تكون في ضمن بدن أيضا بدنا هو وإن كان مما لم يحصل ~~استكمالها في ضمنه إلا أنها في ضمنه تفعل أفعالا في الجملة كالأفعال ~~الحيوانية ، لا كل أفعالها حتى الأفعال النباتية وتدرك إدراكات مخصوصة ، ~~مثل ما يختص بقواها المدركة الحيوانية ، مثل السمع والبصر والذوق والشم ~~واللمس والتخيل والتوهم ونحو ذلك ، مضافا إلى ما تدركه بذاتها من المعقولات ~~التي لا تحتاج في إدراكها إلى البدن ، وحتى تدرك في ضمن ذلك البدن المثالي ~~جزاء ما كسبت من السعادة أو الشقاوة جزاء في الجملة. # وبالجملة ، فتبتهج بالكمالات وتتألم بالجهالات إلى أن يشاء الله تعالى ~~انقضاء المدة التي هي في عالم البرزخ ، وتقوم القيامة الكبرى وتتعلق تلك ~~النفس بعناية الله تعالى ببدنها الأول العنصري ، فتستوفي في ضمنه جزاء ما ~~كسبت جزاء أوفى. ### ||| * في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@07 يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك ) # وكذلك الدلالة في قوله تعالى : ( @QUR@014 يا أيتها النفس المطمئنة* ~~ارجعي إلى ربك راضية مرضية* فادخلي في عبادي* وادخلي جنتي ) (1) على ذلك ~~كما ادعاه بعضهم ، حيث قال: إنه يدل على حدوث النفس والروح قبل الجسد ، فإن ~~رجوعها إلى ربها معناه الرجوع إلى حالتها التي كانت لها قبل وجود الجسد من ~~انقطاع تعلقها ms654 بما سوى ربها تعالى شأنه ؛ لأن مبنى هذا الاستدلال على أنه ~~يقال لها هذا القول عند الموت ، وأن معنى الرجوع إلى ربها ما ذكره ذلك ~~البعض ، ولا دليل ظاهرا على شيء منهما. # بل أن جمعا من المفسرين ، كصاحب الكشاف والشيخ الطبرسي ذكروا في تفسير ~~الآية أنه : «إنما يقال ذلك لها عند الموت أو عند البعث أو عند دخول الجنة ~~، على معنى : PageV03P026 # ارجعي إلى موعد ربك راضية بما أوتيت مرضية عند الله ، فادخلي في جملة ~~عبادي الصالحين وادخلي جنتي معهم. وقيل : النفس الروح ، والمعنى : فادخلي ~~في أجساد عبادي. وقرأ ابن عباس : فادخلي في عبدي. وقرأ ابن مسعود : في جسد ~~عبدي. وقيل أيضا : إن المعنى ارجعي إلى صاحبك فادخلي في جسد عبدي» (1) انتهى. # ومن تلك البراهين على هذا المطلب أن النفس الإنسانية لو كانت موجودة قبل ~~البدن ، لكانت إما مجردة في ذاتها وفي فعلها عن المادة ، فكانت عقلا محضا ~~على رأيهم ، لا احتياج لها إلى المادة اصلا حتى في فعلها ، فيمتنع عليها ~~طروء حالة تلجؤها إلى مفارقة عالم القدس والتعلق بهذا البدن العنصري ~~والابتلاء بهذه الآفات البدنية ؛ أو كانت مجردة عن المادة في ذاتها محتاجة ~~إليها في فعلها ، فكانت نفسانية الجوهر ؛ فيلزم أن تكون معطلة قبل البدن إذ ~~لا مادة قبل ذلك ، والتعطل محال. وقد عرفت أنه يستحيل التناسخ والتنقل في ~~ضمن أبدان عنصرية وسيأتي أيضا زيادة بيان لذلك. وكذلك قد عرفت أنه يستحيل ~~حصولها قبل البدن العنصري في ضمن بدن مثالي. والله أعلم بالصواب ، وإليه ~~المرجع والمآب. PageV03P027 ### ||| * المطلب الثاني ### ||| * في امتناع ما قيل من تناسخ النفوس ونحو ذلك من الأقوال # اعلم أن صدر الأفاضل بعد أن نقل عن الحكماء أنهم اتفقوا على أن النفوس ~~التي صارت عقولها الهيولانية عقلا بالفعل ، فلا شبهة في بقائها بعد البدن ، ~~وأنهم اختلفوا في النفوس التي لم تخرج من القوة إلى الفعل ، فذهب بعضهم إلى ~~أنها تهلك بهلاك البدن ، وبعضهم إلى أنها تبقى بعد فنائه. قال : # «إن بناء هذا الاختلاف على انحصار نشئات الإنسان في النشآت ms655 الحسية ~~والنشأة العقلية. وجمهور الحكماء لما لم يتفطنوا بنشأة أخروية غير النشأة ~~العقلية ، اضطروا إلى هذه الأقوال : # فتارة قالوا بعدم بعض النفوس واضمحلالها ، # وتارة بتناسخ الأرواح السافلة والمتوسطة ، أما السافلة فإلى الأكوان ~~العنصرية من إنسان آخر أو حيوان آخر أو نبات أو جماد ، وذلك هو المسخ ~~والنسخ والفسخ والرسخ. وأما المتوسطة فإلى عالم الأفلاك. # وتارة بصيرورة بعض الأجرام العالية موضوعا لتخيلات نفوس الصلحاء والزهاد ~~، من غير أن تصير متصرفة فيه ، وبعض الأجرام الدخانية للنفوس الشقية» (1) ~~انتهى موضع الحاجة من كلامه. # ثم قال بعد ذلك : الإشراق التاسع في أن النفوس لا تتناسخ. PageV03P028 # التناسخ عندنا يتصور على ثلاثة أنحاء : # أحدها انتقال نفس من بدن إلى بدن مباين له ، منفصل عنه في هذه النشأة ، ~~بأن يموت حيوان وينتقل نفسه إلى حيوان آخر أو غير الحيوان ، سواء كان من ~~الأخس إلى الأشرف أو بالعكس ، وهذا مستحيل بالبرهان لما سنذكره. # وثانيها انتقال النفس من هذا البدن إلى بدن آخر ، وهو مناسب لصفاتها ~~وأخلاقها المكتسبة في الدنيا ، فتظهر في الآخرة بصورة ما غلبت عليها صفاتها ~~، كما سينكشف لك عند إثبات المعاد الجسماني ، وهذا أمر محقق عند أئمة الكشف ~~والشهود ، ثابت منقول من أهل الشرائع والملل ، ولهذا قيل : «ما من مذهب ~~وإلا وللتناسخ فيه قدم راسخ» وعليه يحمل ما ورد في القرآن من آيات كثيرة في ~~هذا الباب. وظني أن ما نقل عن أساطين الحكمة كأفلاطون ومن سبقه من الحكماء ~~الذين كانوا مقتبسين أنوار الحكمة من مشكاة نبوة الأنبياء سلام الله عليهم ~~أجمعين ، من إصرارهم على مذهب التناسخ هو بهذا المعنى ، لما شاهدوا ~~ببصائرهم بواطن النفوس والصور التي يحشرون عليها على حسب نياتهم ( @QUR@04 ~~ووجدوا ما عملوا حاضرا ) (1) وشاهدوا أيضا كيف تحصل في الدنيا للنفوس ملكات ~~نفسانية لتكرر أعمال جسمانية تناسبها ، حتى تصدر عنها الأعمال من جهة تلك ~~الملكات بسهولة ، صرحوا القول بالتناسخ ، ومعناه حشر النفوس على صور صفاتهم ~~الغالبة وأعمالهم ، كقوله تعالى : ( @QUR@05 ونحشرهم يوم القيامة على ~~وجوههم ) (2) أي على صور الحيوانات المنتكسة الرءوس ، وقوله : ( @QUR@03 ~~وإذا الوحوش حشرت ms656 ) (3) وقوله : ( @QUR@08 تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم ~~وأرجلهم بما كانوا يعملون ) (4) وقوله : ( @QUR@05 وقالوا لجلودهم لم شهدتم ~~علينا ) (5) وقوله : ( @QUR@011 اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم ~~وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون ) (6) وفي الحديث عنه صلى الله عليه وآلهوسلم : PageV03P029 # «يحشر الناس على نياتهم» (1). «يحشر بعض الناس على صورة تحسن عندها ~~القردة والخنازير» (2). «كما يعيشون يموتون وكما ينامون يبعثون» (3). ~~فهذا هو مسخ البواطن من غير أن يظهر صورته في الظاهر فترى الصور أناسي ، ~~وفي الباطن غير تلك الصور من ملك أو شيطان أو كلب أو خنزير أو أسد أو غير ~~ذلك من حيوان مناسب لما يكون الباطن عليه. # وثالثها ما يمسخ الباطن وينقلب الظاهر من صورته التي كانت إلى صورة ما ~~ينقلب إليه الباطن لغلبة القوة النفسانية ، حتى صارت تغير المزاج والهيئة ~~على شكل ما هو من صفته من حيوان آخر ، وهذا أيضا جائز بل واقع في قوم غلبت ~~شقوة نفوسهم ، وضعفت قوة عقولهم. ومسخ البواطن قد كثر في هذا الزمان كما ~~ظهر المسخ في الصورة الظاهرة حسب ما قرأنا في بني إسرائيل ، كما قال سبحانه ~~: ( @QUR@04 وجعل منهم القردة والخنازير ) (4) وقوله : ( @QUR@03 كونوا ~~قردة خاسئين ) (5). # وأما مسخ صورة الباطن دون الظاهر ، فكقول النبي صلى الله عليه وآلهوسلم في ~~صفة قوم من أمته : «إخوان العلانية أعداء السريرة ، ألسنتهم أحلى من العسل ~~وقلوبهم امر من الصبر ، يلبسون للناس جلود الضأن من اللين وقلوبهم قلوب ~~الذئاب» (6)، فهذا مسخ البواطن أن يكون قلبه قلب ذئب وصورته صورة إنسان ~~والله العاصم من هذه القواصم» (7) انتهى موضع الحاجة من كلامه. # وقال الشيخ في «الإشارات» بعد بيان أحوال النفوس الكاملة ، والمستعدة للكمال PageV03P030 # والجاهلة في المعاد بهذه العبارة : # تنبيه. وأما البله ، فإنهم إذا تنزهوا خلصوا من البدن إلى سعادة تليق بهم ~~، ولعلهم لا يستغنون فيها عن معاونة جسم يكون موضوعا لتخيلات لهم ، ولا ~~يمتنع أن يكون ذلك جسما سماويا أو ما يشبهه ، ولعل ذلك يفضي بهم آخر الأمر ~~إلى الاستعداد للاتصال المعد الذي للعارفين. اما التناسخ في أجسام من جنس ~~ما كانت فيه فمستحيل ، وإلا ms657 لاقتضى كل مزاج نفسا تفيض إليه وقارنتها النفس ~~المستنسخة فكان لحيوان واحد نفسان. ثم ليس يجب أن يتصل كل فناء بكون ، ولا ~~أن يكون عدد الكائنات من الأجسام عدد ما يفارقها من النفوس ، ولا أن يكون ~~عدة نفوس مفارقة تستحق بدنا واحدا فتتصل به أو تتدافع عنه متمانعة. ثم ابسط ~~هذا واستغن بما تجده في مواضع اخر لنا» (1) انتهى كلامه. # وقال المحقق الطوسي رحمه الله في شرح قوله : «وأما البله .. إلى قوله ~~للعارفين» هكذا : # «لما فرغ عن بيان أحوال النفوس الكاملة والمستعدة للكمال والجاهلة في ~~المعاد. أراد أن يبين حال النفوس الخالية عن الكمال وعما يضاده ، وهي نفوس ~~البله في هذا الفصل. واعلم أن من القدماء من زعم أنها تفنى ، لأن النفس ~~إنما تبقى بالصور المرتسمة فيها ، فالخالية عنها معطلة ، ولا معطل في ~~الوجود ، ولكن الدلائل الدالة على بقاء النفوس الناطقة تقتضى نقض هذا ~~المذهب. ثم القائلون ببقائها قالوا : إنها تبقى غير متأذية لخلوها عن أسباب ~~التأذي والخلاص فوق الشقاء ، فإذن هي في سعة من رحمة الله تعالى. # ويوافق هذا المذهب ما ورد في الخبر ، وهو قوله صلى الله عليه وآلهوسلم : ~~«أكثر أهل الجنة البله» ثم إنها لا يجوز أن تكون معطلة عن الإدراك ، وكانت ~~مما لا يدرك إلا بآلات جسمانية ، فذهب بعضهم إلى أنها تتعلق بأجسام اخر ، ~~ولا يخلو إما أن لا تصير مبادي صورة لها وهذا ما ذكره الشيخ ومال إليه ، أو ~~تصير فتكون نفوسا لها ، وهذا هو القول بالتناسخ الذي سيبطله الشيخ. # أما مذهب الأول فقد أشار إليه الشيخ في كتاب «المبدأ والمعاد» وذكر أن ~~بعض أهل PageV03P031 # العلم مما لا يجازف فيما يقول وأظنه يريد الفارابي قال قولا ممكنا ، وهو ~~أن هؤلاء إذا فارقوا البدن وهم بدنيون لا يعرفون غير البدنيات وليس لهم ~~تعلق بما هو أعلى من الأبدان فيشغلهم التعلق بها عن الأشياء البدنية أمكن ~~أن تعلقهم لشوقهم إلى البدن ببعض الأبدان التي من شأنها أن تتعلق بها ~~الأنفس ، لأنها طالبة بالطبع ، وهذه ماهيات ، وهذه الأبدان ms658 ليست بأبدان ~~إنسانية أو حيوانية ، لأنها لا يتعلق بها إلا ما يكون نفسا لها ، فيجوز أن ~~تكون أجراما سماوية لا أن تصير هذه الأنفس أنفسا لتلك الأجرام ، أو مدبرة ~~لها ، فإن هذا لا يمكن. بل قد تستعمل تلك الأجرام لإمكان التخيل ، ثم تتخيل ~~الصور التي كانت معتقدة عنده وفي وهمه ، فإن كان اعتقاده في نفسه وأفعاله ~~الخير شاهدت الخيرات الأخروية على حسب ما تخيلتها ، وإلا فشاهدت العقاب كذلك. # قال : ويجوز أن يكون هذا الجرم متولدا من الهواء والأدخنة. ولا يكون ~~مقارنا لمزاج الجوهر المسمى روحا الذي لا يشك الطبيعيون أن تعلق النفس به ~~لا بالبدن. فهذا ما ذكره في الكتاب المذكور. ولو لا مخافة التطويل لأوردته ~~بعبارته. والشيخ جوز بعد ذلك أن يفضي التعلق المذكور إلى الاستعداد للاتصال ~~المعد الذي للعارفين. ولي في أكثر هذه المواضع نظر» (1) انتهى. # وقال أيضا في شرح قوله : «أما التناسخ» إلخ بهذه العبارة : «وهذا هو ~~المذهب الثاني ، وقد أورد على إبطاله حجتين : # إحداهما أن يقال : لما ثبت أن تهيؤ الأبدان يوجب إفاضة وجود النفس من ~~العلل المفارقة ، ثبت أن كل مزاج بدني يحدث فإنما يحدث معه نفس لذلك البدن ~~، فإذا فرضنا أن نفسا تناسخها أبدان كان للبدن المستنسخ نفسان : إحداهما ~~المستنسخة والثانية الحادثة معه ، فكان حينئذ للحيوان الواحد نفسان ، وهذا ~~محال ، لأن النفس هي التي تدبر البدن وتتصرف فيه ، وكل حيوان يشعر بشيء ~~واحد يدبر بدنه وتصرف فيه ، فإن كان هناك نفس أخرى لا يشعر الحيوان بها ولا ~~هي بذاتها ولا تتصرف في البدن ؛ فلا يكون لها علاقة مع PageV03P032 # ذلك البدن ، فلا تكون نفسا له ، هذا خلف. # والحجة الثانية أن يقال : النفس المستنسخة ، إما أن تتصل بالبدن الثاني ~~حال فساد البدن الأول ، أو تتصل به قبله ، أو بعده بزمان ، فإن اتصلت به في ~~تلك الحالة ، فإما أن يكون البدن الثاني قد حدث في تلك الحالة ، أو يكون قد ~~حدث قبله. # فإن كان قد حدث في تلك الحالة ، فإما أن يكون عدد النفوس المفارقة وعدد ~~الأبدان ms659 الحادثة في جميع الأوقات متساوية ، أو يكون عدد النفوس أكثر ، أو ~~يكون أقل. وعلى التقدير الأول يجب أن يتصل كل فناء بدن بكون بدن آخر ، ووجب ~~أيضا أن تكون عدد الكائنات من الأبدان عدد الفاسدات منها ، وهما محالان ~~فضلا عن أن يكونا واجبين. # وعلى التقدير الثاني يكون النفوس المجتمعة على بدن واحد إما متشابهة في ~~استحقاق الاتصال به أو مختلفة. والأول يقتضي إما اتصال الكل به فيكون لبدن ~~واحد نفوس كثيرة ، وقد مر بطلانه. وإما أن تتدافع وتتمانع ، فيبقى الكل غير ~~متصل ببدن بعد فساد البدن الأول وقد فرضناها متصلة ، هذا خلف. # والثاني يقتضي اتصال البعض وبقاء البعض غير متصلة ويعود الخلف. وعلى ~~التقدير الثالث لا يخلو إما أن تتصل نفس واحدة بأبدان أكثر من واحد ، حتى ~~يكون حيوان واحد هو بعينه غيره وهذا محال ؛ أو يبقى بعض الأبدان المستعدة ~~للنفس بلا نفس ، وهو أيضا محال ، أو يتصل بعض النفوس ببعض الأبدان دون بعض ~~من غير أولوية ، والثاني حدوث النفس لبعض الأبدان المستحقة دون بعض من غير ~~أولوية (كذا). # وإن اتصلت النفس المفارقة ببدن قد حدث قبل حالة المفارقة ، فذلك البدن لا ~~يخلو إما أن يكون ذا نفس أخرى أو لا يكون ، ويلزم على الأول اتصال نفسين ~~ببدن واحد ، وعلى الثاني وجود بدن مستعد للنفس معطل عنها. # وأما إن اتصلت النفس المفارقة بعد المفارقة بزمان ، فجواز كونه معطلا في ~~زمان يقتضي جواز ذلك في جميع الأزمنة ، ولا يحتاج إلى القول بالتناسخ. ~~وأيضا لا يخلو إما أن يكون اتصالها ببدن موقوفا على حدوث مزاج مستعد ، أو ~~لم يكن. ويلزم على الأول حدوث نفس أخرى مع حدوث ذلك المزاج ، ويعود ~~المحالات المذكورة ، وعلى الثاني PageV03P033 # يتخصص اتصاله بزمان دون زمان مع تساوي الأزمنة بالنسبة إليه ، وهو محال. # وهاهنا قد تمت الحجة الثانية. والشيخ أشار إلى هذه الأقسام بقوله : «ثم ~~ابسط هذا» يعني البرهان الثاني ، وإلى الأصول المقتضية لفساد المحالات ~~اللازمة المذكورة بقوله : «واستغن بما تجده في مواضع أخر لنا» (1) انتهى ~~كلامه رحمه الله ms660 . # ثم إن الشيخ في «الشفاء» «في فصل في أن الأنفس الإنسانية لا تفسد ولا ~~تتناسخ» ، بعد ما بين عدم طروء الفساد عليها كما نقلنا كلامه في ذلك في ~~الأبواب السالفة. قال في بيان عدم جواز التناسخ عليها بهذه العبارة : «فقد ~~أوضحنا أن النفس إنما حدثت وتكثرت مع تهيؤ من الأبدان ، على أن تهيؤ ~~الأبدان يوجب أن يفيض وجود النفس عليها من العلل المفارقة ، وظهر من ذلك أن ~~هذا لا يكون على سبيل الاتفاق والبخت ، حتى يكون وجود النفس الحادثة ليس ~~لاستحقاق هذا المزاج نفسا حادثة مدبرة ، ولكن قد كان وحدث النفس واتفق أن ~~وجد بدن فعلقت ، فإن مثل هذا لا يكون علة ذاتية البتة للتكثر ، بل أن تكون عرضية. # وقد عرفنا أن العلل الذاتية هي التي يجب أن تكون أولا ثم ربما تليه ~~العرضية ، فإن كان كذلك وكل بدن يستحق مع حدوث مزاج مادته حدوث نفس له ، ~~وليس بدن يستحقه وبدن لا يستحقه ، إذ أشخاص النوع لا تختلف في الأمور التي ~~بها تتقوم ، وليس يجوز أن يكون بدن إنساني يستحق نفسا يكمل به ، وبدن آخر ~~وهو في حكم مزاجه بالنوع ولا يستحق ذلك ، بل إن اتفق كان ، وإن لم يتفق لم ~~يكن ، فإن هذا حينئذ لا يكون من نوعه ؛ فإذا فرضنا أن نفسا تناسخها أبدان ~~فكل بدن فإنه بذاته يستحق نفسا تحدث له وتتعلق به ، فيكون البدن الواحد فيه ~~نفسان معا ، ثم العلاقة التي بين النفس والبدن ليس هو على سبيل الانطباع ~~فيه كما بيناه مرارا ، بل العلاقة التي بينهما علاقة الاشتغال من النفس ~~بالبدن حتى يشعر النفس بذلك البدن وينفعل البدن عن تلك النفس ، وكل حيوان ~~فإنه يستشعر نفسه نفسا واحدة حتى المصرفة والمدبرة للبدن الذي له ، فإن كان ~~هناك نفس أخرى لا يشعر PageV03P034 # الحيوان بها ولا هو بنفسه ولا تشتغل بالبدن فليست له علاقة مع البدن ، ~~لأن العلاقة لم تكن إلا بهذا النحو ، فلا يكون تناسخ بوجه من الوجوه ، ~~وبهذا المقدار لمن أراد الاختصار كفاية بعد أن فيه ms661 كلاما طويلا (1) انتهى كلامه. # أقول : وبالله التوفيق ، يستفاد مما نقلنا من كلام الشيخ في «الإشارات» ~~على ما ذكره المحقق الطوسي رحمه الله في شرحه : «أن من قال بالتناسخ ونحوه ~~إنما قال به في النفوس الساذجة الخالية عن الكمال وعما يضاده ، وهذا ~~بإطلاقه يشمل نفوس البله والصبيان والمجانين وأمثالهم من أصحاب النفوس ~~الساذجة ، وكأنه حمل كلام الشيخ على ذلك ، لأن الشيخ وإن عنون الباب بالبله ~~، إلا أنه أراد بالبله أصحاب النفوس الساذجة مطلقا ، بقرينة أنه قال قبل ~~هذا الكلام المنقول عنه : «واعلم أن رذيلة النقصان إنما يتأذى بها النفس ~~الشيقة إلى الكمال ، وذلك الشوق تابع لتنبه يفيده الاكتساب ، والبله بخسته ~~من هذا العذاب وإنما هو للجاحدين والمهملين والمعرضين عما ألمع به إليهم من ~~الحق ، فالبلاهة أدنى إلى الخلاص من فطانة بتراء» حيث جعل البله مقابلا ~~لهؤلاء ، فيشمل النفوس الساذجة مطلقا. فلذا قال المحقق الطوسي في شرحه ثمة ~~هكذا : «وأما أصحاب النفوس الساذجة فهم الذين وسمهم الشيخ بالبله ، والأبله ~~في اللغة هو الذي غلب عليه سلامة الصدر وقلة الاهتمام ، ويقال عيش أبله : ~~أي قليل الغموم ، وهؤلاء لا يتعذبون لأنهم غير عارفين بكمالاتهم غير ~~مشتاقين إليها» (2) انتهى. # وبالجملة ، فيستفاد من كلام المحقق الطوسي في شرح كلام الشيخ أن القدماء ~~من الحكماء اختلفوا في النفوس الساذجة بعد مفارقتها عن الأبدان ، فبعضهم ~~قال : بأنها تفنى ، وبعضهم بأنها تبقى ، وإن القائلين ببقائها اختلفوا ، ~~فبعضهم قال بأنها تبقى متعلقة بأجسام أخر ، بأن لا تصير مبادي صورة لها ولا ~~تكون نفسا لها ، وتلك الأجسام إما أجرام سماوية كما لبعض تلك النفوس ، وإما ~~أجرام متولدة من الهواء والأدخنة كما لبعض آخر منها ، PageV03P035 # وبعضهم قال بأنها تبقى متعلقة بأجسام أخر بأن تكون نفسا لها وتصير مبادي ~~صورة لها ، أي أنها تتناسخ. والحاصل أن هذه المذاهب كلها إنما هي في النفوس ~~الساذجة الشاملة بإطلاقها لنفوس البله والصبيان والمجانين ونحوهم. # وأما ما نقلنا من كلام صدر الأفاضل ، فصدره وإن كان موافقا نوع موافقة ~~لكلام المحقق الطوسي حيث ذكر أن خلاف القدماء من ms662 الحكماء إنما هو في النفوس ~~التي لم تخرج من القوة إلى الفعل إذا حملنا النفوس التي لم تخرج من القوة ~~إلى الفعل على النفوس الساذجة ، إلا أن عجزه كأنه مخالف له حيث ذكر أن ~~القول بالنسخ ونحوه من الفسخ والرسخ والمسخ إنما هو في الأرواح السافلة ، ~~وأن القول بالانتقال إلى عالم الأفلاك أو الأجرام الدخانية إنما هو في ~~الأرواح المتوسطة ، وأن تلك الأرواح إن كانت من نفوس الصلحاء والزهاد تتعلق ~~بالأجرام السماوية من غير أن تتصرف فيها ، وإن كانت من نفوس الأشقياء تتعلق ~~بالأجرام الدخانية من غير أن تتصرف فيها أيضا فإن المخالفة بينة ، لأنه وإن ~~أمكن حمل الأرواح السافلة على النفوس الساذجة ، إلا أن حمل الأرواح ~~المتوسطة على ذلك بعيد جدا ، ومع هذا فالفرق بين الصلحاء والزهاد من أصحاب ~~النفوس المتوسطة وبين الأشقياء منهم غير بين من كلام المحقق الطوسي ، إلا ~~أن ما ذكره صدر الأفاضل كأنه موافق لما ذكره الفاضل الأحساوي في «المجلى» ~~من بعض الوجوه كما يعلم من مراجعة كلامه (1). # فإن قلت : لعل ما ذكره المحقق الطوسي رحمه الله مذهب لبعض الحكماء وما ~~ذكره صدر الأفاضل مذهب لبعض آخر ، يشهد بذلك ما ذكره صدر الأفاضل نفسه بعد ~~بيان بطلان التناسخ في بيان أحوال النفوس الناقصة والمتوسطة وسعادتها ~~وشقاوتها المظنونتين على رأي الحكماء ، قال : «أما الناقصة الساذجة عن ~~العلوم كلها حتى الأوليات ، فقد مر اختلاف الحكماء فيها. والمنقول من إمام ~~المشائين على رواية اسكندر أنها فاسدة ، وعلى رواية ثامسطيوس أنها باقية ، ~~فإذا ماتت ولم ترسخ فيها رذيلة نفسانية تعذبها ولا فضيلة عقلية PageV03P036 # تلذها. ولا أمكن تعطلها من الفعل والانفعال وعناية الله واسعة وجانب ~~الرحمة أرجح ، فلا محالة لها سعادة وهمية من جنس ما تتصوره ، وفي هذه ~~الحالة لا عرية عن اللذة بالإطلاق ، ولذلك قيل نفوس الأطفال بين الجنة ~~والنار ، وأما النفوس العامية التي تصورت المعقولات الأولية ولم تكتسب شوقا ~~إلى الحقائق النظرية حتى تتأذى بفقدها تأذيا نفسانيا. سواء كانت تقية النفس ~~عن معاصي الأفعال الشهوية والغضبية أو فاجرة ms663 عاصية ، فالحكماء عن آخرهم لم ~~يكتفوا بالقول عن معاد هذه النفوس ومن في درجتها ، إذ ليست لها درجة ~~الارتقاء إلى عالم المفارقات ، ولا يصح القول برجوعها إلى أبدان الحيوانات ~~ولا بفنائها لما علم. # فطائفة اضطروا إلى القول بأن نفوس البله والصلحاء والزهاد تتعلق في ~~الهواء بجرم مركب من بخار ودخان يكون موضوعا لتخيلاتهم ليحصل لهم سعادة ~~وهمية ، وكذلك لبعض الأشقياء فيه شقاوة وهمية ، وطائفة زيفوا هذا القول في ~~الجرم الدخاني ، وصوبوه في الجرم السماوي ، والشيخ الرئيس نقل هذا الرأي من ~~بعض العلماء ووصفه بأنه ممن لا يجازف في الكلام ، والظاهر أنه أبو نصر ~~الفارابي ، واستحسنه قائلا : يشبه أن يكون ما قاله حقا. وكذا صاحب ~~(التلويحات) صوبه واستحسنه في غير الأشقياء ، قال : «وأما الأشقياء فليست ~~لهم قوة الارتقاء إلى عالم أسماء ذوات نفوس نورية وأجرام شريفة (1)، قال : ~~والقساوة تخرجهم إلى التخيل الجرمي ، وليس بممتنع أن يكون تحت فلك القمر ~~وفوق كرة النار جرم كري غير منخرق هو نوع بنفسه ، ويكون برزخا بين العالمين ~~الأثيري والعنصري موضوعا لتخيلاتهم ، فيتخيلون من أعمالهم السيئة مثلا من ~~نيران وحيات تلسع وعقارب تلدغ وزقوم يشرب ، قال : بهذا يدفع ما بقي من شبهة ~~أهل التناسخ» (2)، انتهى كلامه. # قلت : وعلى هذا أيضا تبقى المخالفة في الجملة بين ما ذكره المحقق الطوسي وما PageV03P037 # ذكره صدر الأفاضل في نقل المذاهب كما لا يخفى على المتأمل ، وكيف ما كان ~~، فتحقيق ذلك مما لا يهمنا ، بل الغرض المهم إبطال تلك المذاهب في النفوس ~~مطلقا ؛ فنتكلم فيه ، فنقول : ### ||| * إشارة إلى بطلان القول بفناء النفس بعد خراب البدن # أما القول بفناء النفوس الإنسانية وانعدامها بعد خراب أبدانها ، فقد ظهر ~~بطلانه فيما سبق ، حيث أقمنا الحجة على بقائها بعده ، وأما القول بتعلقها ~~بعد خراب أبدانها بأجسام أخر من غير أن تكون هي أنفسا لها ومبادي صورة لها ~~كما نقله الشيخ عن الفارابي ومال إليه ، سواء كانت تلك الأجسام أجراما ~~سماوية أو جرما دخانيا ، وسواء قيل به في نفوس السعداء والأشقياء جميعا ، ~~كما هو ظاهر الفارابي ms664 والشيخ ، وسواء قيل بالتعلق بجرم سماوي في السعداء ، ~~وبجرم دخاني في الأشقياء ، أو قيل بالتعلق بجرم دخاني فقط في السعداء ~~والأشقياء جميعا ، أو قيل بالتعلق بجرم سماوي فقط فيها جميعا كما يستفاد ~~هذه المذاهب مما نقلنا من كلمات صدر الأفاضل ، أو قيل بالتعلق بجرم سماوي ~~في السعداء وبجرم إبداعي غير منخرق تحت فلك القمر وفوق كرة النار يكون نوعه ~~منحصرا في شخص في الأشقياء كما نقله عن صاحب التلويحات. # وبالجملة ، القول بتعلق تلك النفوس بتلك الأجسام والأجرام من غير أن تكون ~~هي متصرفة فيها مدبرة لها إلا أنها تكون موضوعة لتخيلاتها ، فبيان بطلان ~~تلك الأقوال على الإجمال أنه من الأصول المقررة عند الحكماء أن النفس ~~الإنسانية وإن كانت في ذاتها غير مفتقرة إلى البدن ، لكنها في أفعالها ~~محتاجة إليه مستكملة به ، وأنها لا يجوز أن تكون معطلة عن الإدراك ، وإن ~~إدراكاتها الجزئية لا تكون إلا بآلات جسمانية بدنية كما اعترف به الفارابي ~~نفسه ، حيث قال : وهم بدنيون لا يعرفون غير البدنيات. # وحينئذ نقول : إنها إذا فارقت الأبدان فكيف يختلف حالها وتصير هي على ~~كونها بدنية غير بدنية وغير مفتقرة إلى بدن يكون إدراكاتها الجزئية في ضمنه ~~وبالآلات PageV03P038 # البدنية ، والحال أن النفوس التي الكلام فيها ليست نفوسا كاملة مستكملة ~~حتى يمكن القول بأنها حينئذ لا تحتاج إلى البدن ، بل إنها تشتغل بكمالاتها ~~الذاتية إما مبتهجة بلذاتها العقلية ، أو متألمة بآلامها العقلية. كيف ولو ~~كانت مستكملة كذلك غير مفتقرة إلى البدن ، فكما لا تحتاج إلى البدن كذلك لا ~~تحتاج إلى التعلق بجرم سماوي أو غيره يكون ذلك الجرم موضوعا لتخيلاتها ولا ~~تكون هي متصرفة فيه متعلقة به تعلق النفس بالبدن. # وأيضا نقول كما قال صدر الأفاضل أيضا : إن كون كل جرم سماوي أو عنصري ~~دخاني أو جرم غير منخرق موضوعا لتصرفات الأنفس وتخيلاتها لا يستقيم إلا بأن ~~يكون لها به علاقة طبيعية أو لبدنها معه علاقة وضعية ، فإن المسلوب عن ~~العلاقتين كما فيما نحن فيه ، كيف تستعمله النفس أو تنسب إليه ، فأية ms665 نسبة ~~حدثت بين النفس التي هي جوهر روحاني أوجبت اختصاصه بذلك الجرم وانجذابه من ~~عالمه إليه دون غيره من الأجرام ، بل إلى حيزه دون سائر الأحياز من نوع ذلك ~~الجرم. وأيضا كون جرم سماوي موضوعا لتصورات تلك النفوس إنما يتصور إذا كان ~~بينهما علاقة طبيعية ذاتية ، ومن أين يتصور العلاقة الطبيعية لجوهر نفساني ~~مع جرم تام الصورة الكمالية غير عنصري الذات؟ ولا الممكن التصرف فيه ~~بالتصوير والتمثيل إلا لصورته الإبداعية الحاصلة له بالفيض الأولي ، وأنه ~~أية مادة جسمانية تصير آلة لتخيل قوة نفسانية ، فلا بد وأن تتحد بها ضربا ~~من الاتحاد وتستكمل بها نوعا من الاستكمال ، فتخرجها عن حد قوة إلى فعل ~~بالانفعالات والحركات المناسبة. والحال أن الفلك على رأيهم لا يتحرك إلا ~~حركة واحدة متشابهة وضعية مطابقة لحركات النفسانية الحاصلة من جهة مدبر ~~نفساني ومعشوق عقلي يتشبه به فيها. # ولا يمكن أيضا أن يكون ذلك من قبيل المرايا التي لها نسب وضعية إلى ما ~~يتصرف فيها النفوس بالطبع كما تتخيل صورة في المرآة التي لها نسبة وضعية ~~إلى عينك التي هي بالحقيقة مرآة نفسك التي تتصرف فيها ، إذ ليس الجرم ~~الفلكي وما يجري مجراه بالقياس إلى نفسك المدبرة كإحدى هاتين المرآتين ؛ ~~كيف والسماويات عندهم ليست مطيعة إلا لمباديها الأولى ، وهي ملائكة السماء ~~المحركة لها بأمر الله تعالى. ولا قابلة للتأثيرات PageV03P039 # الغريبة لامتناع صورها عن ذلك ولعدم تطرق القواسر إليها. # وكذلك ليست لهذه النفوس المفارقة عن أبدانها أبدان أخرى كما هو المفروض ~~ليتصور بين تلك الأبدان وبين الأجرام العالية علاقة وضعية ، بسببها تصير هي ~~لها كالمرآة الخارجية لتشاهد ما فيها من الصور والأشباح الخيالية. ثم على ~~تقدير تجويز كونها مرائي ، كيف يكون المثل التي هي تخيلات الأفلاك عين ~~تخيلات هذه النفوس خصوصا الأشقياء منهم المعذبون بها كما اعترفوا بأن الصور ~~المؤلمة هي التي قد حصلت من هيآتهم الردية وعقائدهم الباطلة ، والحال أن ~~الحاصل في الأجرام الفلكية لصفاء قوابلها وشرف مباديها ، ليس إلا صورا نقية ~~مطابقة للواقع ، فلا يستقيم ما قالوه ms666 ، خصوصا كون جرم فلكي مما يتعذب به ~~الأشقياء. وكما لم يجز ذلك في الجرم الفلكي فكذلك لا يجوز في جرم إبداعي ~~غير منخرق منحصر نوعه في شخصه ، لأنه مع كونه غير معلوم الوجود ، إن كان ~~على ما تصوروه ، فلا بد وأن يكون له طبيعة خامسة ممتنعة الحركة المستقيمة ~~كالأفلاك ، فيكون حكمه حكمها ، سواء سمي باسم الفلك أم لا ، وإن كان في حكم ~~العناصر فيكون حكمه حكم الجرم الدخاني ، ويكون المحال اللازم على تقديره ~~مشتركا ، وهو أن ذلك الجرم الدخاني أو ذلك الجرم الإبداعي سواء قيل بكونه ~~موضوعا لتصورات نفوس الأشقياء فقط ، أو لتصورات نفوس الأشقياء والسعداء ~~جميعا ، إن كان واحدا بالعدد كما هو ظاهر كلامهم في الأول ، وصريح كلامهم ~~في الثاني. كيف يكون موضوعا لتخيلات النفوس التي لا تتناهى إلى حد ، ~~ولتصوراتها الإدراكية الغير المتناهية؟ إذ لا أقل من أن يكون فيه بإزاء كل ~~تعلق وتصور قوة واستعداد غير ما بإزاء غيره ، فيحصل في جرم واحد بالعدد ~~استعدادات غير متناهية مجتمعة ، وهذا معلوم الفساد. وإن كان متكثرا بالعدد ~~، أعني أن يكون بإزاء كل نفس من تلك النفوس جرم دخاني أو إبداعي منفرد ، ~~فهذا مع كونه خلاف ما ذهبوا إليه معلوم البطلان أيضا بالضرورة. # وأيضا فما ذكره الشيخ ، من أنه يجوز أن يفضي بهؤلاء التعلق المذكور آخر ~~الأمر إلى الاستعداد أو للاتصال المعد للعارفين ، منظور فيه ، لأن ذلك ~~موقوف على أن يكون للنفس بعد المفارقة عن البدن اكتساب للعلوم الحقة وتحصيل ~~للمعارف حتى تلحق بالعارفين PageV03P040 # وتستسعد بالسعادة المعدة لهم ، وأنى للنفوس البله ذلك؟! كيف وهو نفسه قد ~~اعترف فيما سننقله من كلامه في «الشفاء» بأن أوائل الملكة العلمية التي بها ~~يمكن اكتساب المجهول من المعلوم والاستكمال بالفعل لا شك أنها تكتسب بالبدن ~~لا غير ، وقد فرض أنها فارقت الأبدان. فتدبر. # وبالجملة ، فهذه المذاهب المنقولة مما ليس عليها دليل عقلي ولا نقلي أخبر ~~به مخبر صادق من أهل العصمة سلام الله تعالى عليهم أجمعين ، بل كلها تخمين ~~وجزاف ينبغي أن يتجنبها من ms667 يتجنب الاعتساف ويبتغي الإنصاف ، وليس المخلص في ~~هذه الأحكام إلا بالتشبث بأذيال المخبرين الصادقين المؤيدين من عند الله ~~تعالى. وكأن فيما ذكره المحقق الطوسي رحمه الله بعد نقل مذهب الفارابي في ~~ذلك بقوله : «ولي في أكثر هذه المواضع نظر» إشارة إلى ما ذكرنا من الأنظار ~~ونظائرها. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. ### ||| * في معاني التناسخ # وحيث عرفت ذلك وبقي إبطال القول بالتناسخ ونحوه ، فلنتكلم في ذلك. # فنقول أولا : إن التناسخ كما ذكره صدر الأفاضل ونقلنا كلامه يتصور على ~~معاني ووجوه : # والمعنى الأول الذي ذكره وقال باستحالته ، هو محل النزاع هنا ، ونحن بصدد ~~إبطاله كما سيأتي بيانه ، وهو انتقال نفس في هذه النشأة الدنيوية من بدن ~~إلى آخر عنصري مباين للأول منفصل عنه ، بأن تصير تلك النفس نفسا لذلك البدن ~~الثاني مدبرة له متصرفة فيه كما للبدن الأول ، بأن يموت حيوان وينتقل نفسه ~~إلى بدن حيوان آخر من بدن إنساني ، وهو الذي يسمونه نسخا ، أو بدن حيوان ~~غير إنساني من البهائم والسباع ونحوهما ، وهو الذي يسمونه مسخا ، أو بنبات ~~، وهو الذي يسمونه فسخا ، أو إلى جماد ، وهو الذي يسمونه رسخا. # والمعنى الثاني الذي ذكره وجوزه محصله : أن يكون في هذه النشأة نفس في بدن PageV03P041 # اكتسبت في ضمنه أخلاقا رذيلة وهيآت ردية وصفات ذميمة ، ثم تظهر في النشأة ~~الأخروية بصورة ما غلبت عليها صفاته وتنتقل فيها إلى البدن المناسب ~~لأخلاقها وهيآتها لبدن البهائم والسباع ونحوهما. # وبالجملة ، أن تكون بواطن النفوس في هذه النشأة ممسوخة من غير أن تظهر ~~صورها في الظاهر ، بل إنما كان تظهر هي في الآخرة وتحشر النفوس على صور ~~صفاتها ، فترى الصور في هذه النشأة أناسي وفي الباطن غير ذلك ، وهذا المعنى ~~لا مانع منه ، ويشهد به التنزيل والأخبار عن الصادقين عليه السلام ، وبه ~~يمكن أن يؤول كلام بعض أساطين الحكمة كما حمله صدر الأفاضل عليه ، وإن كان ~~في شهادة بعض الشواهد التي ذكرها شاهدة على ذلك نظر ، كما يظهر على ~~المتأمل. كما أن في قوله : «فترى الصور أناسي ومن ms668 الباطن غير تلك الصور من ~~ملك أو شيطان ... الخ» (1). نظر أيضا ، إذ يستفاد منه أن هذا المعنى يكون ~~للنفوس التي اكتسبت الأخلاق الفاضلة أيضا ، وأنه يمكن أن يكون لبعض تلك ~~النفوس صورة إنسان في الظاهر وفي هذه النشأة ، وصورة ملك في الباطن تظهر في ~~النشأة الأخروية ، وأنه أيضا تناسخ بهذا المعنى. وفيه ما لا يخفى. # والمعنى الثالث الذي ذكره وجوزه ، وقال أنه واقع هو كذلك ، ومحصله : أن ~~يكون في هذه النشأة نفس اكتسبت الرذائل ورسخت فيها وتمكنت منها حتى مسخ ~~باطنها وانقلب بصورة حيوان غلبت عليه تلك الرذائل والصفات ، ثم غلبت قوتها ~~النفسانية حتى صارت قد غيرت مزاج بدنها وهيئته إلى شكل ما هو بصفتها من ~~حيوان آخر فمسخ ظاهرها أيضا ، أي انقلب ظاهره من صورته التي كانت إلى صورة ~~ما انقلب إليه باطنها من غير أن ينتقل من بدن إلى بدن آخر ، وأن يكون كل ~~ذلك بإذن الله تعالى بحسب ما يستحقه تلك النفوس بسوء عملها. # وهذا المعنى أيضا لا مانع منه ، بل هو واقع في قوم غلبت شقوة نفوسهم ~~وضعفت قوة عقولهم كما أخبر به التنزيل في بني إسرائيل ؛ قال تعالى : ( ~~@QUR@04 وجعل منهم القردة والخنازير ) (2)، PageV03P042 # وقال ( @QUR@03 كونوا قردة خاسئين ) (1) وقد أخبر به أيضا الصادقون ~~المعصومون عليه السلام ، روي مرفوعا عن علي عليه السلام أن النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم سئل عن المسوخ ، فقال : هي ثلاثة عشر : الفيل ، والدب ~~، والخنزير ، والقرد ، والجري ، والضب ، والخفاش ، والعقرب ، والدعموس ، ~~والعنكبوت ، والأرنب ، وسهيل ، والزهرة. فلما سئل عن سبب مسخهم ، قال : # أما الفيل فكان رجلا جبارا لوطيا لا يدع رطبا ولا يابسا. # والدب كان رجلا مؤنثا يدعو الرجال إليه. # وكان الخنزير رجلا نصرانيا. # والقرد من الذين اعتدوا في السبت. # والجري كان رجلا ديوثا. # والضب كان سراقا. # والخفاش كان يسرق الثمار. # والعقرب كان رجلا لذاعا لا يسلم من لسانه أحد. # والدعموس كان نماما يفرق بين الأحبة. # والأرنب كانت امرأة لا تطهر من الحيض ولا من غيره. # وسهيل كان رجلا عشارا. # والزهرة امرأة نصرانية (2). # وقد روي ms669 عن دانيال عليه السلام ، أن بخت النصر مسخ في شبح صورة من السباع (3). # وكذلك روي عن داود وسليمان وغيرهما من أنبياء بني إسرائيل عليه السلام ~~أمثال ذلك (4). # إلا أن الحديث المروي عن علي عليه السلام في المسوخ كأنه مرموز يصعب دركه ~~وفهم معناه على أذهاننا القاصرة. أما في خصوص سهيل والزهرة ، فلأن الظاهر ~~كما يدل عليه سائر PageV03P043 # الشواهد على المسخ أن المسخ إنما هو انتقال نفس من بدن أشرف إلى بدن أخس ~~لا بالعكس كما في الصورتين ، وخصوصا الانتقال من بدن عنصري قابل للكون ~~والفساد إلى بدن فلكي كوكبي نوراني غير قابل لهما على رأي الحكماء. # غايته أن يكون الانتقال من بدن إلى بدن مساو له في الشرف والخسة مسخا ~~أيضا ، وليس الأمر هنا كذلك ، وأما في غير سهيل والزهرة من الحيوانات فلأنه ~~لا يخلو عن أحد احتمالين : # الأول : أن يحمل الحديث على أن حدوث تلك الحيوانات بأنواعها وأشخاصها كان ~~على النهج المذكور ، كأن كان حدوث نوع الفيل مثلا بأن كان أولا في الوجود ~~رجل لوطي جبار فمسخ إلى صورة الفيل ، فحدث الفيل بنوعه وشخصه. ثم استمر ~~وجود نوعه في ضمن أشخاصه بالتوالد ، أو انعدم ذلك الفيل فخلق الله تعالى ~~على صورته بعد ذلك فيلا آخر وبقي بنوعه وأشخاصه ، كما يمكن أن يحمل عليه ~~بعض الأخبار المروية من أن المسوخ بعد مسخه كان يبقى أياما قلائل ثم انعدم ~~، فخلق الله تعالى على صورته وهيئته وشكله حيوانا آخر من نوعه. # فهذا الاحتمال على التقديرين وإن كان ظاهر لفظ الحديث إلا أنه خلاف ~~الظاهر من معنى المسخ ، كما لا يخفى. وأيضا ينبغي على هذا أن يحمل ما ذكر ~~في معنى التناسخ بهذا المعنى الثالث من أنه انقلاب الباطن إلى صورة حيوان ~~غلبت عليه صفاته ، ثم انقلاب الظاهر من صورته إلى صورة ما ينقلب إليه ~~الباطن ، أعم من أن يكون هناك في الوجود حيوان كذلك انقلب المستنسخ إلى ~~صورته ، أو لم يكن هناك في الوجود حيوان كذلك إلا أن تقتضي صفات تلك النفس ms670 ~~انقلابها إلى صورة حيوان كذلك ، فمسخت وانقلبت إلى صورة حيوان كذلك فحدث ~~نوع ذلك الحيوان ، وهذا التعميم خلاف ظاهر هذا المعنى من التناسخ ، بل ~~الظاهر خصوص الشق الأول من هذين الشقين ، أي أن يكون هناك في الوجود حيوان ~~آخر ثم حصل الانقلاب الباطني فالظاهري. # الاحتمال الثاني : أن يحمل على أنه وإن كان هناك في الوجود أنواع تلك ~~الحيوانات وأشخاصها مستمرة تلك الأنواع بوجود أشخاصها ، إلا أنه كان أيضا ~~هناك مثلا رجل PageV03P044 # لوطي جبار ، فمسخ إلى صورة الفيل ، فحدث ذلك الفيل أيضا ، سواء كان انعدم ~~بعد أيام قلائل فخلق على صورته فيل آخر فبقي ذلك أيضا مشاركا في الوجود ~~للأفراد الأخر من الفيل ، كما يمكن أن يحمل عليه بعض الأخبار المأثورة في ~~ذلك المذكورة آنفا ، أو لم ينعدم في ذلك بل بقي هو أيضا مشاركا لها في ~~الوجود ، وكان هو مثل سائر أفراد الفيل ، حيث تبقى إلى زمان انقضاء أجلها ~~وتحدث منها بالتوالد أفراد أخر. # فهذا الاحتمال وإن كان ظاهر معنى المسخ والتناسخ بهذا المعنى الثالث ، ~~إلا أنه خلاف ظاهر لفظ الحديث ، فتدبر. # وبالجملة ، ففهم معنى هذا الحديث الشريف مما يعسر علينا وإن كان دلالته ~~على ما هو مطلوبنا هنا من وقوع المسخ في الوجود في الجملة ظاهر ، والله ~~أعلم بحقيقة الحال. # ثم إن قول صدر الأفاضل : «وأما مسخ صورة الباطن دون الظاهر ، فكقول النبي ~~صلى الله عليه وآلهوسلم في صفة قوم من أمته «إخوان العلانية ... الخ» ، كأنه ~~إشارة إلى أن هنا معنى رابعا للتناسخ واقعا في الوجود. # وأقول : إنه كما يشهد عليه هذا الحديث الشريف النبوي الذي ذكره ، كذلك ~~يشهد عليه بعض الأخبار المروية عن الصادقين عليه السلام روى الراوندي ~~رحمه الله في كتابه الموسوم ب «الخرائج والجرائح» بإسناده عن أبي بصير ، عن ~~أبي عبد الله الصادق عليه السلام ، قال : قلت : ما فضلنا على من خالفنا ، فو ~~الله إني لأرى الرجل منهم أرخى بالا وأكثر مالا وأنعم عيشا وأحسن حالا ~~وأطمع في الجنة؟ قال : فسكت عني حتى إذا كنا بالأبطح ms671 من مكة رأينا الناس ~~يضجون إلى الله ، فقال : يا أبا محمد هل تسمع ما أسمع ، قلت : أسمع ضجيج ~~الناس إلى الله تعالى. فقال : ما أكثر الضجيج والعجيج وأقل الحجيج! والذي ~~بعث بالنبوة محمدا وعجل بروحه إلى الجنة ، ما يتقبل الله إلا منك ومن ~~أصحابك خاصة. قال : ثم مسح عليه السلام يده على وجهي فنظرت فإذا أكثر الناس ~~خنازير وحمير وقردة إلا رجل بعد رجل (1). # وروي عن أبي بصير أيضا ، قال قلت لأبي جعفر عليه السلام : أنا مولاك ~~وشيعتك ضعيف PageV03P045 # ضرير اضمن لي الجنة. فقال : أولا أعطينك علامة الأئمة؟ قلت : وما عليك أن ~~تجمعها لي! قال : وتحب ذلك؟ قلت : وكيف لا أحب؟ فما زاد أن مسح على بصري ~~فأبصرت جميع ما في السقيفة التي كان فيها جالسا. ثم قال : يا أبا محمد مد ~~بصرك فانظر ما ترى بعينك؟ قال : فو الله ما أبصرت إلا كلبا أو خنزيرا أو ~~قردا ، فقلت : ما هذا الخلق الممسوخ؟ قال : هذا الذي ترى هذا السواد الأعظم ~~، لو كشف الغطاء للناس ما نظر الشيعة إلى من خالفهم إلا في هذه الصور ، ثم ~~قال يا أبا محمد! إن أحببت تركتك على حالك هكذا ، وإن أحببت ضمنت لك الجنة ~~ورددتك إلى حالك الأول ، قلت : لا حاجة لي إلى النظر إلى هذا الخلق المنكوس ~~، ردني فما للجنة عوض ، فمسح على عيني فرجعت كما كنت (1). # إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على هذا المعنى من النسخ. # وأما الفرق بينه وبين المعنى الثالث الذي ذكره صدر الأفاضل فظاهر ، لأن ~~المفروض في هذا المعنى مسخ الباطن وحده دون الظاهر ، بخلاف المعنى الثالث ~~فإن المفروض فيه مسخ الباطن والظاهر جميعا. # وكذلك الفرق بينه وبين المعنى الثاني الذي ذكره ظاهر ، على تقدير حمل هذا ~~المعنى على أنه انقلاب الباطن وحده دون الظاهر أصلا ، لا في هذه النشأة ولا ~~في النشأة الأخروية ، وحينئذ يكون معنى رابعا. وأما على تقدير حمله على أنه ~~انقلاب الباطن وحده دون الظاهر في هذه النشأة ، وأما في النشأة الأخروية ~~فينقلب الظاهر ms672 أيضا إلى صورة الباطن. فعلى هذا يكون هذا المعنى عين المعنى ~~الثاني ، ولا فرق بينهما أصلا فلا يكون معنى رابعا ، والله تعالى يعلم. # وحيث أحطت خبرا بتفاصيل ما جرى ذكره بالتقريب في البين ، فحري بنا أن ~~نرجع إلى ما كنا بصدده من إبطال التناسخ بالمعنى المتنازع فيه ، الذي هو ~~المعنى الأول من تلك المعاني. PageV03P046 ### ||| * في إبطال التناسخ بالمعنى المتنازع فيه # فنقول : إنهم أقاموا على إبطاله وجوها من الحجج # منها : ما نقلناه عن الشيخ في «الإشارات» من الحجتين اللتين ذكر الشيخ ~~أولاهما في «الشفاء» على ما نقلنا كلامه فيه. وبيان الأولى منها كما يدل ~~عليه كلامه في الكتابين واضح ، وأما بيان الثانية منهما فقد اختلف فيه ~~الشارحون للإشارات وذكروا فيه وجوها من التقرير. # منها ما ذكره المحقق الطوسي على ما نقلنا كلامه ، ولعلنا نذكر فيما بعد ~~تلك التقريرات الأخر أيضا. وكيفما كان ، فلا يخفى أن هاتين الحجتين جميعا ~~مبنيتان على مقدمة بإتمامها تتم الحجتان ، وتلك المقدمة هي التي أشار إليها ~~الشيخ في «الإشارات» إشارة إجمالية بقوله : «وإلا لاقتضى كل مزاج نفسا تفيض ~~إليه» (1). # وذكرها في «الشفاء» بوجه مفصل وبيان أبسط ، بقوله : «فقد أوضحنا أن ~~الأنفس إنما حدثت وتكثرت مع تهيؤ من الأبدان على أن تهيؤ الأبدان يوجب أن ~~يفيض وجود النفس لها من العلل المفارقة ، وظهر من ذلك أن هذا لا يكون على ~~سبيل الاتفاق والبخت» إلى قوله : «فإذا فرضنا أن نفسا تناسخها أبدان» (2). # فلذا قدم بيان تلك المقدمة على بيان المطلوب تمهيدا وإشعارا بأنه لا تتم ~~تلك الحجة إلا بإتمام تلك المقدمة. # وحاصل تلك المقدمة : أن حدوث النفس عن العلة القديمة يتوقف على حصول ~~استعداد في القابل لها ، أعني البدن ، وعند حصول الاستعداد في القابل يجب ~~حدوث النفس وفيضانها على ذلك القابل ، لما تقرر عندهم أن وجود المعلول لازم ~~عند تمام العلة. وبعبارة أخرى أن العلة الفاعلية لفيضان النفس على البدن ~~سواء فرضناها العلة القديمة كما دل عليه كلام الشيخ أو المبدأ الفياض تعالى ~~شأنه كما هو الحق ، تام الفاعلية ms673 لا PageV03P047 # نقص في فاعليته ، والعلة القابلة له هو البدن باستعداده الخاص وقابليته ~~الخاصة ، وعند تمام الاستعداد يتم قابليته ، والمفروض حصول كل شرط يتوقف ~~عليه فيضان النفس على البدن ، وكذا ارتفاع كل مانع من ذلك. فإذا كانت الحال ~~كذلك ، أي كانت العلة الفاعلية تامة الفاعلية ، والعلة القابلية تامة ~~الاستعداد ، وحصلت جميع الشروط له وارتفعت جميع الموانع عنه ، تحققت العلة ~~التامة له. ومن المقرر الثابت أنه عند حصول العلة التامة يجب وجود المعلول ~~ويمتنع تخلفه عنها. # فظهر بما ذكرنا إتمام تلك المقدمة ، وظهر أيضا وجه ما ذكره الشيخ من أنه ~~عند تهيؤ الأبدان يجب فيضان وجود النفس لها ، وأن ذلك ليس على سبيل الاتفاق ~~، وأن كل بدن يستحق مع حدوث مزاج مادته حدوث نفس له ، وأن ليس بدن يستحقه ~~وبدن لا يستحقه ، إذ أشخاص النوع لا تختلف في الأمور التي بها يتقوم ، فإنه ~~لو كان بدن إنساني مثلا يستحق نفسا يكمل هو بها ، وبدن آخر وهو في حكم ~~مزاجه بالنوع ولا يستحق ذلك ، بل إن اتفق كان ، وإن لم يتفق لم يكن ذلك ~~البدن الآخر من نوعه ، هذا خلف. # ولا يخفى عليك أنه بعد ثبوت هذه المقدمة ، لا سترة في تمامية تينك ~~المقدمتين. وقد أورد جمع من المتأخرين ، منهم الشارح القوشجي في «شرح ~~التجريد» على الحجة الأولى ، بل على هذه المقدمة ؛ قال : «واعترض عليه بأنه ~~مع ابتنائه على كون المبدأ موجبا لا مختارا مبني على حدوث النفس ، وقد مر ~~أنه لا يتم بيانه إلا بإبطال التناسخ الموقوف على حدوث النفس ، فيلزم ~~الدور. وأيضا ، انحصار شرط حدوث النفس في حدوث استعداد البدن ممنوع ، لجواز ~~أن يكون مشروطا أيضا بأن لا يصادف استعداد البدن لتعلق النفس به نفسا ~~موجودة قد بطل بدنها في حال كمال ذلك الاستعداد ، فلا يحدث حينئذ نفس أخرى ~~لانتفاء شرط الحدوث. انتهى. (1) # وأقول : إن هذا الاعتراض مركب من ثلاثة اعتراضات. # بيان أولها أن ما ذكره من أنه عند حصول استعداد البدن يجب فيضان النفس عليه PageV03P048 # إنما يتم إذا كان المبدأ ms674 الفاعلي لذلك فاعلا موجبا ، لا يمكن تخلف فعله ~~عنه ، وأما إذا كان فاعلا بالاختيار كما فيما نحن فيه فلا يتم ، إذ ربما ~~كان ذلك الفاعل بالاختيار مع كونه تام الفاعلية لا يريد الفعل ولا يشاؤه ~~ولا يختاره ، فلا يفعله. # وجوابه : أن ما ذكرنا من أن مبنى تلك المقدمة ، وهو أنه عند حصول العلة ~~التامة يجب حصول المعلول ، لا فرق فيه بين كون العلة الفاعلية فاعلا ~~بالاختيار أو بالايجاب ، إذ الدليل الذي ذكروه على امتناع تخلف المعلول عن ~~علته التامة على تقدير تماميته كما هو الحق يجري في الفاعل الموجب والمختار جميعا. # وبالجملة : فذلك الدليل يدل على أنه عند حصول العلة التامة ، يجب أن يريد ~~الفاعل المختار ذلك الفعل ويختاره ويفعله البتة ، وأن العلة التامة يجب أن ~~يكون علة موجبة له. # وبعبارة أخرى أنا حيث فرضنا تمامية العلية في ذلك ، فقد فرضنا أن العلة ~~الفاعلية له إذا كان مختارا قد أراد ذلك الفعل وشاءه أيضا لعلمه بالأصلح في ~~ذلك أو لعنايته الأزلية ، فمع فرض إرادته لذلك ومشيته له كيف لا يريده ولا ~~يشاؤه؟ حيث إن فرض عدم الإرادة حينئذ ، إما أن يكون لحدوث مصلحة في تركه لم ~~يكن ذلك الفاعل يعلم تلك المصلحة قبل ذلك وحين إرادته له فيلزم النقص ، ~~والمبدأ الفياض تعالى شأنه منزه عنه وإما أن يكون لا لحدوث مصلحة في تركه ، ~~بل كانت المصلحة في فعله حينئذ كما كانت قبل ، فيلزم ترجيح المرجوح ، أي ~~ترجيح ما لا مصلحة فيه في الواقع على ما فيه مصلحة في الواقع ، وهذا باطل ~~بالضرورة. وإما أن يكون لأن إرادته جزافية لا تكون على وفق المصلحة أصلا ، ~~فتارة يريد الفعل وتارة لا يريد تركه ، فهذا أيضا محال بالضرورة. # وأما بيان ثاني تلك الاعتراضات ، فهو أن دليل إبطال التناسخ مبني على ~~حدوث النفس ، وبيانه متوقف على بيانه. وكذا دليل حدوث النفس مبني على إبطال ~~التناسخ ومتوقف عليه ، فيلزم الدور. # أما ابتناء دليل إبطال التناسخ على حدوث النفس كما هو مبنى الحجتين ~~اللتين أقامهما الشيخ ms675 عليه ، فظاهر ، وكذلك ابتناء دليل حدوث النفس على ~~إبطال التناسخ ، حيث إن الدليلين اللذين نقلا أخيرا عن القوم على ذلك لا ~~يخفى ابتناؤهما عليه ، بل هو مصرح PageV03P049 # به فيهما كما ذكر. وكذا الدليل الأول الذي نقل عن الشيخ في «الشفاء» ، إذ ~~هو أيضا لو لم يكن مبنيا عليه لم يتم ، فإنه لو جاز التناسخ ، جاز أن يكون ~~وجود النفس وتكثرها وتشخصها بالأبدان التي قبل هذه الأبدان الإنسانية التي ~~كلامنا فيها ، ثم تناسخت وتنقلت إلى هذه الأبدان ، سواء كانت تلك الأبدان ~~الأولة قديمة أو حادثة قبل هذه الأبدان ، فلا تكون النفس حادثة بحدوث هذا ~~البدن كما هو المطلوب. # وبالجملة ، فهذا البيان في كل من المطلبين دوري ، وهو مستحيل. # والجواب عن هذا الاعتراض : إن دليل حدوث النفس بحدوث البدن وإن كان ~~متوقفا على إبطال التناسخ ، إلا أن إبطال التناسخ ليس متوقفا عليه ، بل ~~إنما هو متوقف على حدوث تعلق نفس بالبدن ، وهذا المعنى لا يستلزم أن يكون ~~ذات تلك النفس موجودة وحادثة بحدوث البدن ، حتى يكون البيان دوريا ، بل ~~يمكن أن يكون ذات تلك النفس موجودة قبل حدوث هذا التعلق ، ثم حدث تعلقها ~~بالبدن المفروض. مع أنا سنقيم الحجة إن شاء الله تعالى على ذلك ، بحيث لا ~~تكون متوقفة على حدوث النفس ولا على حدوث تعلقها أصلا ، فانتظر. # وأما ثالث تلك الاعتراضات ، فيمكن تقريره على وجهين : # الأول : وهو الظاهر من كلام المعترض ، أن ما ذكرتموه من أنه عند حصول ~~استعداد البدن يجب فيضان النفس عليه ، وبنيتموه على أنه عند حصول العلة ~~التامة يجب حصول المعلول ، إنما يتم إذا كان هناك علة تامة مستجمعة لجميع ~~شرائطها ، ولا نسلم ذلك فيما نحن فيه ، إذ يجوز أن يكون من جملة الشرائط أن ~~لا يصادف استعداد البدن لتعلق نفس به نفسا موجودة قد بطل بدنها في حال كمال ~~ذلك الاستعداد ، وحين صادف نفسا موجودة مستنسخة فلا يحدث نفس أخرى لانتفاء ~~شرط حدوثها. # والثاني : أن يقال : إن ما ذكرتموه وبنيتموه على امتناع تخلف المعلول عن ~~العلة التامة ms676 إنما يتم إذا كانت هناك علة تامة مستجمعة لارتفاع جميع ~~الموانع ، ولا نسلم ذلك فيما نحن فيه ، إذ من الجائز أن تكون مصادفة لنفس ~~موجودة مستنسخة مانعة عن حدوث نفس أخرى ، فلا تحدث لحصول مانع عنها. PageV03P050 # وأما الجواب عن هذا الاعتراض على التقديرين ، فهو أن يقال : إن مبنى هذا ~~الاعتراض ، إما على أن ذلك البدن المستعد لحصول نفس له كان مستعدا لفيضان ~~النفس الحادثة الأخرى والنفس المستنسخة جميعا ، إلا أنه سبق فيضان النفس ~~المستنسخة وصادفها فلم تحدث النفس الأخرى. # فيرد عليه أولا أنه كيف يمكن أن يكون البدن الواحد بالعدد وبالشخص الذي ~~هو علة قابلية لحدوث النفس قابلا لتعلق نفسين متعددتين متكثرتين بالعدد ~~مختلفتين ، ومن المقرر عندهم وجوب الموافاة بين المعلول وعلته ، سواء كانت ~~علة قابلية أو فاعلية ، ووجوب مساواتها ومناسبة بينهما وخصوصية لكل منهما ~~بالنسبة إلى الآخر ، بها يختص أحدهما بالآخر ، وأنه لو كان الواحد بما هو ~~واحد مناسبا للكثير ، لكان الواحد بما هو واحد كثيرا ، والكثير بما هو كثير ~~واحدا وهذا ، باطل بالضرورة. ومنه يظهر وجه آخر لبطلان التناسخ ، إذ على ~~تقدير جواز تعلق نفس واحدة بأكثر من بدن يلزم هذا المحال أيضا. فتدبر. # وأما ثانيا ، فلأن سبق تعلق النفس المستنسخة ، إما أن يكون بدون أولوية ~~ورجحان أو مع أولوية ، وعلى الأول فإما أن تكون أولوية في تعلق النفس ~~الأخرى ، فيلزم ترجح المرجوح في الواقع ، وهو باطل ، وإما أن لا تكون ~~أولوية فيه أيضا ، بل كان تعلق النفسين على السواء ، فيلزم الترجيح من غير ~~مرجح ، وهذا أيضا باطل. # وعلى الثالث ، فيبقى السؤال عن تلك الأولوية وأنها ما ذا؟ ومن المعلوم ~~خلافها فيما نحن فيه. # وأما أن يكون مبنى هذا الاعتراض على أن ذلك البدن المستعد لفيضان نفس ~~عليه كان مستعدا لنفس واحدة بالعدد ، إلا أنه سبق فيضان النفس المستنسخة ~~فلم تحدث نفس أخرى. # فيرد عليه أنه إذا كان مستعدا لفيضان نفس واحدة ، فكيف لم يتعلق به تلك ~~النفس الأخرى المفروض كونه مستعدا لها وتعلقت به النفس المستنسخة وسبقت ms677 ، ~~والحال أن استعداده لها غير معلوم ، وكذلك أولوية تعلقها به غير معلومة ، ~~بل الأولوية في خلافه ، PageV03P051 # حيث يلزم على تقديره جواز تعلق نفس واحدة بالعدد بأكثر من بدن واحد ، ~~وكون الواحد بما هو واحد مناسبا للكثير بما هو كثير ، وقد عرفت بطلانه. # وأما أن يكون مبناه على أن ذلك البدن لم يكن له استعداد بالقياس إلى نفس ~~ما ، إلا أنه صادف نفسا مستنسخة بحسب الاتفاق فلم تحدث النفس الأخرى ، فهذا ~~مع كونه خلاف ظاهر كلام المعترض أظهر بطلانا مما سبق ، كما لا يخفى. # والحاصل أن كلام هذا المعترض يحتمل احتمالات كلها باطلة. فبقي أن يكون ما ~~ذكروا من أنه عند حصول كمال استعداد البدن لفيضان نفس عليه يجب فيضانها ~~عليه ، وأنه إذا تعلقت به النفس المستنسخة أيضا يكون لبدن واحد نفسان حقا ، ~~وحينئذ يتم الحجتان كما ذكروه. وحيث عرفت ذلك فلنرجع إلى تقرير الحجتين. # فنقول : أما تقرير الحجة الأولى ، كما يدل عليه كلام الشيخ في «الشفاء» ~~مفصلا وفي «الإشارات» مجملا ، ويدل على تفصيله كلام المحقق الطوسي (ره) في ~~شرحه له ، فظاهر لا احتياج إلى بيانها. # وأما الحجة الثانية في «الإشارات» ، فحيث كان كلام الشيخ في ذلك لا يخلو ~~عن اجمال ما اختلف شارحوه في تقريرها ، وقد عرفت مما نقلنا من كلام المحقق ~~الطوسي كيفية تقريره لها ، وقد قال صاحب «المحاكمات» ، في قول المحقق ~~الطوسي : «والحجة الثانية أن يقال : النفس المستنسخة ... الخ» (1) هكذا قرر ~~الإمام هذه الحجة (2) لو صح عليها التناسخ ، فأما أن تتعلق ببدن آخر كما ~~فارقت ، أو تبقى خالية عن التعلق زمانا ثم تتعلق ببدن آخر. # والأول (3) يلزمه محالان : أحدهما أنه مهما فسد يجب أن يحدث بدن آخر. ~~والآخر أنه إذا فارقت نفوس كثيرة يجب أن توجد أبدان على عدد النفوس ، والا ~~لتعلق ببدن واحد أكثر من نفس واحدة ، والقسم الثاني باطل ، لأنها حينئذ ~~تكون معطلة ولا معطل في PageV03P052 # الطبيعة. # وهذا التقرير فيه زيادة ونقصان ، أما الزيادة فهي فرض خلو النفس عن ~~التعلق بالبدن ، فلا أثر منها في الكتاب ms678 ولا حاجة إليه ، لأن إثبات التناسخ ~~مبني على امتناع التعطيل ، وأما النقصان ، فلأن قوله : «ولا أن يكون عدة ~~نفوس مفارقة تستحق بدنا واحدا فتتصل به أو تتدافع عنه» (1) يقتضي أن يكون ~~قسما من الأقسام المفروضة في الدليل ، وليس في هذا التقرير منه أثر ، فلهذا ~~زاد الشارح في الأقسام في تقرير الحجة : «وإنما ترك بيان استحالة قسم ~~الثاني ، وهو أن يكون اتصال النفس بالبدن الثاني قبل فساد الأول لظهوره مما ~~يذكر في الأقسام الأخر. فمن البين أنه يلزم منه تعلق نفس واحدة ببدنين وهو ~~محال» (2) انتهى. # وقال في قوله : «ويعود المحالات المذكورة» بهذه العبارة : «إشارة إلى ما ~~لزم من اجتماع النفوس على بدن واحد في الأقسام الثلاثة. لكن يرد عليه وجوه ~~من الاعتراض : أحدها على قوله : «وعلى التقدير الثاني يكون النفوس المجتمعة ~~على بدن واحد إما متشابهة ، فإن اجتماع النفوس على بدن واحد إن لم يستلزم ~~اتصالها به ، لم يتم الخلف ، لأنه لم يفرضها حينئذ متصلة ، وإن استلزمه ~~فالترديد إلى التشابه في الاستحقاق والاختلاف ، ثم إلى اتصالها وتدافعها ~~مستقبح غاية الاستقباح». # وثانيها على قوله : «أو يحدث للبعض الآخر نفوس أخر ، ويلزم منه محالان ~~فإن عدم الأولوية ممنوع ، لجواز أن لا يستعد بعض الأبدان إلا لبعض النفوس ، ~~وإلا لم يجز أن يتعلق نفس ببدن أصلا لعدم الأولوية. # وثالثها على قوله : «وأما إن اتصلت النفس المفارقة بعد المفارقة ، فإنه ~~زيادة لا حاجة إليها كما في تقرير الإمام». # والتقرير المنطبق على المتن كمال الانطباق أن يقال : لو تعلقت النفوس ~~بالأبدان على سبيل التناسخ ، فإما أن يجوز أن يستحق نفوس متعددة بدنا واحدا ~~أو لا يجوز ، بل يستحق PageV03P053 # كل نفس بدنا على حدة ، فإن استحق كل نفس بدنا ، يلزم أن يكون بإزاء فساد ~~كل بدن كون بدن آخر ، وأن يكون عدد الأبدان الكائنة بعدد النفوس المفارقة ، ~~وليس كذلك لأنه ربما يموت ألوف ألوف في يوم واحد لقتل أو وباء أو غير ذلك ، ~~ويعلم بالضرورة أنه لم يحدث من الأبدان ألوف ألوف ، وإن جاز أن يستحق ms679 نفوس ~~بدنا واحدا ، فإما أن تتصل به فيلزم أن يكون لبدن واحد نفوس وهو محال ، أو ~~تتدافع فلا يتعلق به فلا تتناسخ وقد فرضناه ، هذا خلف» انتهى كلامه (1). # وأقول : لا يخفى على المتأمل المنصف أن التقرير المنطبق على كلام الشيخ ~~هو ما ذكره صاحب «المحاكمات» دون تقريري الإمام والمحقق الطوسي ، وأن ~~إيراده عليهما ظاهر الورود. وأن المطلوب وهو إبطال التناسخ يتم على كل من ~~التقريرات الثلاثة ، وأن ما أورده عليهما لا يقدح في تمامية الحجة على ذلك ~~، فلذا لم نتعرض للتكلم في دفع ما أورده عليهما ، وإن كان يمكن دفعه بعناية ~~يطول الكلام ببيانها. # نعم ، ربما أورد بعض المتأخرين على ما تضمنه كلام الشيخ من أنه على القول ~~بالتناسخ على بعض التقديرات ، يلزم أن يتصل كل فناء بكون ، وأن يكون عدد ~~الكائنات من الأبدان عدد ما يفارقها من النفوس ، وإنه ليس كذلك ، وقد أخذه ~~شارحوه كلهم في تقريرهم للحجة ، بأنه إنما يلزم ذلك لو كان التعلق ببدن آخر ~~لازما البتة وعلى الفور ، وأما إذا كان جائزا ولو بعد حين فلا ، لجواز أن ~~لا ينتقل نفوس الهالكين الكثيرين أو ينتقل بعد حدوث الأبدان الكثيرة ، وما ~~ذكر من التعطل مع أنه لا حجة على بطلانه ، فليس بلازم ، لأن الابتهاج ~~بالكمالات أو التألم بالجهالات شغل. # وهذا الإيراد مندفع ، يظهر اندفاعه مما أشير إليه سابقا. وبيانه أن ~~القائلين بالتناسخ كما ذكره المحقق الطوسي وصاحب «المحاكمات» فيما نقلناه ~~عنهما وكذا غيرهما. إنما قالوا به لأجل امتناع التعطل ، فكيف يقولون ~~بجوازه؟ مع أن القول بجواز التعطل في الوجود بديهي البطلان ، يحكم ببطلانه ~~كل ذي فطرة سليمة ، وما ذكره من أن الابتهاج PageV03P054 # بالكمالات أو التألم بالجهالات شغل ، هو وإن كان كذلك ، إلا أنه إنما ~~يكون في النفوس الكاملة أو المتوسطة ، لا في النفوس الساذجة أو الناقصة ~~التي كلامنا فيها ، والقائلون بالتناسخ إنما قالوا به فيها. # وعلى تقدير تسليم كون ذلك الشغل فيها أيضا فنقول : إن النفس الإنسانية ~~لما كانت بدنية يجب أن يكون شغلها بشيء في ضمن ms680 بدن ما ، حيث إن شغلها ~~وإدراكاتها الجزئية لا يكون إلا بآلات جسمانية ، فكيف تكون مجردة عن البدن ~~رأسا في أفعالها بعد مفارقتها عنه؟ وكيف تكون تارة محتاجة إلى البدن في ~~أفعالها ، وتارة مجردة عنه؟ وهل هذا إلا تهافت؟ ### ||| * برهان آخر على بطلان التناسخ # وحيث عرفت ذلك ، فاعلم أنه من جملة البراهين الواضحة على هذا المطلب أي ~~بطلان التناسخ ما أشار إليه بعض الأفاضل ، ونحن نذكر تفصيله : # وهو أن يقال : لا شك في أن النفس المستنسخة التي الكلام في جواز تناسخها ~~قد حصلت لها في ضمن البدن الأول فعلية ما في كمالاتها ، فهي بعد تعلقها ~~بالبدن الثاني إما أن يبقى لها تلك الفعلية في الجملة ، أو أن تزول عنها ~~رأسا وتصير هي بالقوة المحضة. # والأول خلاف الواقع وخلاف المشاهد المحسوس ، حيث إنا نعلم يقينا أن النفس ~~في أول كونها ليس لها تلك الفعلية في كمالاتها أصلا ، بل إنها في أول ~~حدوثها درجتها درجة الطبيعة ثم تترقى شيئا فشيئا بحسب استكمالات المادة ، ~~حتى تتجاوز درجة النبات والحيوان ، وتحصل لها الدرجة الإنسانية. # وأيضا على هذا يلزم أن تكون هي تتذكر شيئا من أحوال البدن الأول وأحوال ~~ذاتها في ضمنه ، لأن محل العلم والتذكر هو جوهر النفس الباقي بعينه كما كان ~~، وهذا أيضا خلاف الواقع والمشاهد. # والقول بأن التذكر إنما يلزم أن لو لم يكن التعلق بذلك البدن الأول شرطا ، PageV03P055 # والاستغراق في تدبير البدن الآخر مانعا ، وطول العهد منسيا ، لا يخفى أنه ~~من قبيل الخرافات والأباطيل ، يشهد بذلك أنه لو كان ما ذكره هذا القائل حقا ~~، لكانت النفس في النشأة البرزخية والنشأة الأخروية لا تتذكر شيئا من ذلك ، ~~وقد ورد التنزيل وأخبار المخبرين الصادقين عليهم السلام بخلافه. # والثاني : أي زوال تلك الفعلية عنها وصيرورتها بالقوة بالنسبة إليها محال ~~أيضا ، إذ يلزم أن تكون تلك النفس قد حصلت لها فعلية ما أولا ثم ترجع إلى ~~القوة المحضة والاستعداد الصرف ، أي أن تكون نفس تجاوزت درجة النبات ~~والحيوان فرجعت قهقرى إلى المرتبة المنوية وإلى مرتبة الجنين ms681 ، حيث إنها في ~~أول كونها وتعلقها بالبدن بالقياس إلى كمالاتها بالقوة المحضة ، وانقلاب ما ~~بالفعل من حيث هو بالفعل إلى ما بالقوة المحضة من حيث هو بالقوة محال ~~بالضرورة. وأما التمني الذي حكى الله سبحانه عن الأشقياء بقوله : ( @QUR@04 ~~يا ليتني كنت ترابا ) (1) فهو تمني أمر مستحيل. مثل التمني الذي حكاه تعالى ~~عنهم بقوله : ( @QUR@06 نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل ). (2) # وبعبارة أخرى أنا نعلم يقينا أنه لا يبقى للنفس المستنسخة تلك الفعلية ، ~~بل تصير بالقوة ، وصيرورة الفعلية قوة محال بالضرورة. وهذا البرهان على ما ~~قررناه لا يخفى على المستبصر المسترشد أنه برهان واضح تام على هذا المطلوب ~~غير مبني على حدوث النفس. وكذا هو كما أنه جار في إبطال التناسخ جار أيضا ~~في إبطال المسخ والرسخ والفسخ جميعا. بل ربما يدعي أن جريانه في ذلك أظهر ~~منه فيه باعتبار حيث إن بقاء تلك الفعلية للنفس المستنسخة المنتقلة إلى ~~الجماد مثلا ، بل إلى النبات والحيوان أيضا ظاهر البطلان غاية الظهور ، لا ~~يدعي خلافه من له أدنى مسكة. # والقول بأنه ربما كانت تلك الفعلية باقية لها في هذه الصور ، وأن النفس ~~المستنسخة إلى الجماد أو إلى النبات أو إلى الحيوان ربما كانت تتذكر شيئا ~~من أحوالها السابقة ، إلا أنا لا نعلم ذلك ولا نفهمه منها ، قول في غاية ~~السقوط ، بل هو هذيان محض ، وكيف تكون PageV03P056 # هذه متذكرة شيئا منها ولا تكون النفس المستنسخة المنتقلة إلى الإنسان ~~الذي هو أكمل منها أو أشرف متذكرة لشيء منها أصلا؟ # بل ربما يقال : إن النفس الإنسانية المستنسخة المنتقلة إلى الجماد أو ~~النبات أو الحيوان كما أنها لا تبقى لها تلك الفعلية ، لا تكون لها قوة ~~واستعداد أيضا للإنسانية ولو بعيدا ، إلا أنه حينئذ لا يكون المحال اللازم ~~على تقدير جواز ذلك صيرورة الفعلية قوة ، إذ لا قوة أيضا على هذا ، بل يكون ~~ذلك المحال انتفاء الفعلية رأسا من دون انقلاب إلى القوة أيضا ، وانتفاء ~~الفعلية رأسا مع كون محل تلك الفعلية وهو جوهر تلك النفس المستنسخة باقيا ms682 ~~بعينه ، ومع عدم طروء شيء ينافي تلك الفعلية من طروء ضد ونحو ذلك ، محال قطعا. # وبعبارة أخرى : صيرورة النفس المستنسخة الباقية بعينها نفسا ساذجة محضة ~~بعد أن كانت لها فعلية ما محال قطعا. # لا يقال : ما ذكرت من عدم طروء المنافي للفعلية هنا ممنوع ، إذ ربما كان ~~المنافي لها هو أحد من الأمور التي جعلها بعضهم منافيا للتذكر ، كما ذكرت آنفا. # لأنا نقول : قد عرفت أن القول به من الخرافات. ### ||| * دليل آخر # ثم إنه من جملة الدلائل على بطلان التناسخ بالمعنى المتنازع فيه ما ادعاه ~~بعض علمائنا كما سننقل كلامه في مبحث انتقال الأرواح بعد مفارقتها عن ~~الأبدان إلى الأبدان المثالية أنه انعقد إجماع المسلمين قاطبة على بطلانه ، ~~بل صار بطلانه ضروريا من الدين. وهذا الادعاء لو ثبت لكان هذا الدليل من ~~أعظم الدلائل على بطلانه. والله أعلم بالصواب. # ثم إنه بما ذكرنا تم الدليل على بطلان التناسخ وأخواته ، فلنرجع إلى صوب ~~المقصد الآخر فنقول : PageV03P057 ### ||| * المطلب الثالث ### ||| * في بيان أحوال النفس الإنسانية بعد خراب بدنها # اعلم أن هذا المطلب مركب من مطلبين : # أحدهما : بقاؤها بعد خراب بدنها ، وهذا قد مر مستقصى فيما سلف ، حيث ~~أقمنا الدليل العقلي والنقلي عليه ، فتذكر. # والثاني : كيفية حالها بعده ، وهذا أيضا وإن سبقت منا إشارة ما إليه ثمة ~~في ضمن نقل الأخبار الواردة في بقائها بعده ، إلا أنا نزيدك هنا بيانا ، ~~ونقدم لذلك مقدمة تتضمن لذكر ما قالته الحكماء في معنى اللذة والألم ~~والسعادة والشقاوة ، وكذا لذكر ما قالوه في بيان كيفية حال النفس الإنسانية ~~بعد مفارقتها عن البدن. # فنقول : قال الشيخ في «الشفاء» في فصل «في المعاد» : «وبالحري أن نحقق ~~هاهنا أحوال الأنفس الإنسانية إذا فارقت أبدانها ، وأنها إلى أية حال ~~ستصير؟ فنقول : يجب أن يعلم أن المعاد منه ما هو مقبول من الشرع ولا سبيل ~~إلى إثباته إلا من طريق الشريعة وتصديق خبر النبوة ، وهو الآن (1) للبدن ~~عند البعث ، وخيرات البدن وشروره معلومة لا تحتاج إلى أن تعلم ، وقد بسطت ~~الشريعة الحقة التي ms683 آتانا سيدنا ونبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وآلهوسلم ~~حال السعادة والشقاوة التي بحسب البدن. # ومنه ما هو مدرك بالعقل والقياس البرهاني ، وقد صدقته النبوة ، وهو ~~السعادة والشقاوة الثابتتان بالقياس اللتان للأنفس ، وإن كانت الأوهام منا ~~تقصر عن تصورهما PageV03P058 # الآن لما سنوضح من العلل. والحكماء الإلهيون رغبتهم في إصابة هذه السعادة ~~أعظم من رغبتهم في إصابة السعادة البدنية ، بل كأنهم لا يلتفتون إلى تلك ~~وإن أعطوها ، ولا يستعظمونها في جنب هذه السعادة التي هي مقارنة الحق ~~الأول. وعلى ما سنصفه عن قريب ، فلنعرف حال هذه السعادة ، والشقاوة المضادة ~~لها ، فإن البدنية مفروغ عنها في الشرع. # فنقول : يجب أن يعلم أن لكل قوة نفسانية لذة وخيرا يخصها ، وأذى وشرا ~~يخصها. مثاله : أن لذة الشهوة وخيرها أن يتأدى إليها كيفية محسوسة ملائمة ~~من [الحواس] الخمسة ، ولذة الغضب الظفر ، ولذة الوهم الرجاء ، ولذة الحفظ ~~تذكر الأمور الموافقة الماضية ، وأذى كل واحد منها ما يضاده ، ويشترك كلها ~~نوعا من الشركة في أن الشعور بموافقتها وملائمتها هو الخير واللذة الخاصة ~~بها ، وموافق كل واحد منها بالذات والحقيقة هو حصول الكمال الذي هو بالقياس ~~إليه كمال بالفعل ، فهذا أصل. # وأيضا فإن هذه اللذة (1) وإن اشتركت في هذه المعاني ، فإن مراتبها ~~بالحقيقة مختلفة ، فالذي كماله أتم وأفضل ، والذي كماله أكثر ، والذي كماله ~~أدوم ، والذي كماله أوصل إليه وحصل له ، والذي هو في نفسه أكمل فعلا وأفضل ~~، والذي هو في نفسه أشد إدراكا ، فاللذة التي له أبلغ وأوفى لا محالة ، ~~وهذا أصل. # وأيضا : فإنه قد يكون الخروج إلى الفعل في كمال ما بحيث يعلم أنه كائن ~~ولذيذ ولا يتصور كيفيته ولا يشعر بالتذاذه ، ما لم يحصل وما لم يشعر به لم ~~يشتق إليه لا ينزع نحوه (2) مثل العنين ، فإنه متحقق أن للجماع لذة ، ولكن ~~لا يشتهيه ولا يحن نحوه الاشتهاء والحنين اللذين يكونان مخصوصين به ، بل ~~بشهوة أخرى ، كما يشتهي من يجرب من حيث يحصل بها إدراك وإن كان موذيا في ~~الجملة فإنه لا يتخيله ، وكذلك حال الأكمه ms684 عند الصور الجميلة ، والأصم عند ~~الألحان المنتظمة ، ولهذا يجب أن لا يتوهم العاقل أن كل لذة فهو كما للحمار ~~في بطنه وفرجه ، وأن المبادي الأولى المقربة عند رب العالمين عادمة اللذة PageV03P059 # والغبطة ، وأن رب العالمين ليس له في سلطانه وخاصيته البهاء الذي له ، ~~وقوته الغير المتناهية أمر في غاية الفضيلة والشرف والطيب كله أن نسميه لذة ~~، ثم للحمار والبهائم حالة طيبة ولذيذة ، كلا ، بل أي نسبة تكون لما ~~للعالية إلى هذه الخسيسة؟ ولكنا نتخيل هذا أو نشاهده ولم نعرف ذلك ~~بالاستشعار ، بل بالقياس ، فحالنا عنده كحال الأصم الذي لم يسمع قط في عدم ~~تخيل اللذة اللحنية وهو متيقن بطيبها ، وهذا أصل. # وأيضا فإن الكمال والأمر الملائم قد يتيسر للقوة الدراكة ، وهناك مانع أو ~~شاغل للنفس فتكرهه وتؤثر ضده عليه ، مثل كراهية بعض المرضى للطعم الحلو ، ~~وشهوتهم للطعوم الردية الكريهة بالذات ، وربما لم يكن كراهية ولكن كان عدم ~~الاستلذاذ به كالخائف يجد الغلبة أو اللذة فلا يشعر بها ولا يستلذها ، وهذا أصل. # وأيضا : فإنه قد تكون القوة الدراكة ممنوة بضد ما هو كمال لها ولا تحس به ~~ولا تنفر عنه ، حتى إذا زال العائق ورجعت إلى غريزتها تأدت به ، مثل ~~الممرور فربما لم يحس لمرارة فمه ، إلى أن يصلح مزاجه ويستنقى أعضاؤه ، ~~فحينئذ تنفر عن الحالة العارضة له ، وكذلك قد يكون الحيوان غير مشته للغذاء ~~البتة ، بل كارها له ، وهو أوفق شيء له ويبقى عليه مدة طويلة ، فإذا زال ~~العائق عاد إلى واجبته في طبعه ، فاشتد جوعه وشهوته للغذاء ، حتى لا يصبر ~~عنه ويهلك عند فقدانه ، وقد يحصل سبب الألم العظيم ، مثل إحراق النار ~~وتبريد الزمهرير ، إلا أن الحس مئوف فلا يتأذى البدن به حتى تزول الآفة ~~فيحس حينئذ بالألم العظيم. # فإذا تقرر هذه الأصول فيجب أن ننصرف إلى الغرض الذي نؤمه. # فنقول : إن النفس الناطقة كمالها الخاص بها أن تصير عالما عقليا مرتسما ~~فيها صور الكل والنظام المعقول في الكل والخير الفائض في الكل مبتدئا من ~~مبدأ الكل وسالكا إلى ms685 الجواهر الشريفة الروحانية المطلقة ، ثم الروحانية ~~المتعلقة نوعا من التعلق بالأبدان ، ثم الأجسام المعلومة بهيئاتها وقواها ~~(1)، ثم كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة الوجود كله PageV03P060 # فتنقلب عالما معقولا موازيا للعالم الموجود كله ، مشاهدا لما هو الحسن ~~المطلق والخير المطلق والجمال الحق ، ومتحدا به ومنتقلة بمثاله وهيئته ، ~~ومنخرطة في سلكه ، وصائرة من جوهره ، وإذا قيس هذا بالكمالات المعشوقة التي ~~للقوى الأخرى توجد في المرتبة بحيث يصح (1) معها أن يقال إنه أفضل وأتم ~~منها ، بل لا نسبة إليها بوجه من الوجوه فضيلة وتماما وكثرة وسائر ما يتم ~~بدوام (2) إلذاذ المدركات كما ذكرناه. # وأما الدوام ، فكيف يقاس الدوام الأبدي بدوام المتغير الفاسد. وأما شدة ~~الوصول ، فكيف يكون حال ما وصوله بملاقاة السطوح بالقياس إلى ما هو سار في ~~جوهر قابله حتى يكون كأنه هو بلا انفصال ، إذ العاقل والمعقول شيء واحد أو ~~قريب من الواحد. وأما أن المدرك في نفسه أكمل ، فأمر لا يخفى. وأما أنه أشد ~~إدراكا فأمر أيضا تعرفه بأدنى تأمل وتذكر منك لما سلف بيانه ، فإن النفس ~~النطقية أكثر عدد مدركات وأشد تقصيا للمدرك وأشد تجريدا له عن الزوائد ~~الغير الداخلة في معناه إلا بالعرض ، ولها الخوض في بطن المدرك وظاهره ، بل ~~كيف يقاس هذا الإدراك بذلك الإدراك ، وكيف يقاس هذه اللذة باللذة الحسية ~~والوهمية والغضبية؟ ولكنا في عالمنا وبدننا هذين وانغمارنا في الرذائل لا ~~نحس بتلك اللذة إذا حصل عندنا شيء من أسبابها كما أومأنا إليه في بعض ما ~~قدمناه من الأصول ، ولذلك لا نطلبها ولا نحن إليها. اللهم إلا أن نكون قد ~~خلعنا ربقة الشهوة والغضب وأخواتهما من أعناقنا وطالعنا شيئا من تلك اللذة ~~، فحينئذ ربما تخيلنا منها خيالا طفيفا ضعيفا (3) وخصوصا عند انحلال ~~المشكلات واستيضاح المطلوبات اليقينية (4) ونسبة التذاذنا ذلك نسبة التذاذ ~~الحس بتنشق روائح المذاقات اللذيذة إلى الالتذاذ بتطففها ، بل أبعد من ذلك ~~بعدا غير محدود. # وأنت تعلم إذا تأملت عويصا يهمك وعرضت عليك شهوة وخيرت بين الظفرين PageV03P061 # استخففت بالشهوة ، إن كنت كريم النفس ، والأنفس العامية ms686 أيضا فإنها تترك ~~الشهوات المعترضة وتؤثر الغرامات والآلام الفادحة بسبب افتضاح أو خجل أو ~~تغير أو سوء قالة (1)، وهذه كلها أحوال عقلية بعضها أضداد بعضها ، يؤثر ~~على ما يؤثر في أضدادها على المؤثرات الطبيعية ، ويصبر لها على المكروهات ~~الطبيعية ، فيعلم من ذلك أن الغايات العقلية أكرم على الأنفس في محقرات ~~الأشياء ، فكيف في النبيهة (2) العالية ، إلا أن الأنفس الخسيسة تحس بما ~~يلحق المحقرات من الخير والشر ولا يحس بما يلحق الأمور النبيهة ، لما قيل ~~من المعاذير. وأما إذا انفصلنا عن البدن وكانت النفس منا تنبهت في البدن ~~لكمالها الذي هو معشوقها ولم تحصله ، وهي بالطبع نازعة إليه إذ عقلت بالعقل ~~أنه موجود ، إلا أن اشتغالها بالبدن كما قلنا قد أنساها ذاتها ومعشوقها ، ~~كما ينسي المرض الحاجة إلى بدل ما يتحلل ، وكما تنسي الأمراض الاستلذاذ ~~بالحلو واشتهاءه ، وتميل بالشهوة من المريض إلى المكروهات في الحقيقة عرض ~~لها حينئذ من الألم بفقدانه كفاء ما يعرض من اللذة التي أوجبنا وجودها ~~ودللنا على عظم منزلتها ، فيكون ذلك هو الشقاوة والعقوبة التي لا يعد لها ~~تفريق النار للاتصال وتبديل الزمهرير للمزاج ، فيكون مثلنا مثل الخدر الذي ~~أومأنا إليه فيما سلف ، أو الذي عمل فيه نار أو زمهرير ، فمنعت المادة ~~الملابسة وجه الحس عن الشعور به ، فلم يتأذ ، ثم عرض أن زال العائق فشعر ~~بالبلاء العظيم. # وأما إذا كانت القوة العقلية بلغت من النفس حدا من الكمال يمكنها به إذا ~~فارقت البدن أن تستكمل الاستكمال التام الذي لها أن تبلغه ، كان مثلها (3) ~~الخدر الذي أذيق المطعم الألذ ، وعرض لحالته أن لا يشتهي ، وكان لا يشعر به ~~، فزال عنه الخدر فطالع اللذة العظيمة دفعة ، ويكون تلك اللذة لا من جنس ~~اللذة الحسية والحيوانية بوجه ، بل لذة تشاكل الحال الطيبة التي للجواهر ~~الحية المحضة ، وهي أجل من كل لذة وأشرف. فهذه هي السعادة ، وتلك هي ~~الشقاوة. وتلك الشقاوة ليست تكون لكل واحد من الناقصين ، بل PageV03P062 # للذين اكتسبوا القوة العقلية التشوق إلى كمالها ، وذلك عند ما تبرهن لهم ms687 ~~أن من شأن النفس إدراك ماهية الكل بكسب المجهول من المعلوم والاستكمال ~~بالفعل ، فإن ذلك ليس فيها بالطبع الأول ، ولا أيضا في سائر القوى ، بل ~~شعور أكثر القوى بكمالاتها إنما يحدث بعد أسباب ، وأما النفوس والقوى ~~الساذجة الصرفة ، فكأنها هيولى موضوعة لم تكتسب البتة هذا الشوق ، لأن هذا ~~الشوق إنما يحدث حدوثا وينطبع في جوهر النفس إذا تبرهن للقوة النفسانية أن ~~هاهنا أمورا يكتسب العلم بها ، بالحدود الوسطى على ما علمت. # وأما قبل ذلك فلا يكون ، لأن هذا الشوق يتبع رأيا ، إذ كل شوق يتبع رأيا ~~، وليس هذا الرأي للنفس رأيا أوليا بل رأيا مكتسبا ؛ فهؤلاء إذا اكتسبوا ~~هذا الرأي لزم النفس ضرورة هذا الشوق ، فإذا فارقت ولم يحصل معها ما يبلغ ~~به بعد الانفصال التمام ، وقعت في هذا النوع من الشقاء الأبدي ، لأن أوائل ~~الملكة العلمية ، إنما كانت تكتسب بالبدن لا غير وقد فارقت ، وهؤلاء إما ~~مقصرون عن السعي في كسب الكمال الإنسي ، وإما معاندون جاحدون متعصبون لآراء ~~فاسدة مضادة للآراء الحقة ، والجاحدون أسوأ حالا لما اكتسبوا من هيئات ~~مضادة للكمال. وأما أنه كم ينبغي أن يحصل عند الإنسان من تصور المعقولات ~~حتى يجاوز به الحد الذي في مثله تقع هذه الشقاوة ، وفي تعديه وجوازه ترجى ~~هذه السعادة ، فليس يمكنني أنص عليه نصا إلا بالتقريب ، وأظن أن ذلك أن ~~تتصور نفس الإنسان المبادي المفارقة تصورا حقيقيا ، وتصدق بها تصديقا ~~يقينيا بوجودها عنده بالبرهان ، وتعرف العلل الغائية للأمور الواقعة في ~~الحركات الكلية دون الجزئية التي لا تتناهى ويتقرر عندها هيئة الكل ونسب ~~أجزائه بعضها إلى بعض ، والنظام الآخذ من المبدأ الأول إلى أقصى الموجودات ~~الواقعة في ترتيبه ، وتتصور العناية وكيفيتها ، وتتحقق الذات المتقدمة للكل ~~أي وجود يخصها ذاتها ، وأية وحدة يخصها ذاتها كيف يعرف حتى يلحقها تكثر ~~وتغير بوجه من الوجوه ، وكيف ترتيب نسبة الموجودات إليها. # ثم إذا (1) ازداد الناظر استبصارا ازداد للسعادة استعدادا ، وكأنه ليس ~~يتبرأ الإنسان عن PageV03P063 # هذا العالم وعلائقه إلا أن يكون أشد العلاقة مع ذلك العالم ms688 ، فصار له شوق ~~إلى ما هناك وعشق لما هناك ، فصده عن الالتفات إلى ما خلفه جملة. # ونقول أيضا : إن هذه السعادة الحقيقية لا تتم إلا بإصلاح الجزء العملي من ~~النفس ، ونقدم لذلك مقدمة ، وكأنا قد ذكرناها فيما سلف. # فنقول : إن الخلق ملكة تصدر بها عن النفس أفعال ما بسهولة من غير تقدم ~~روية ، وقد أمر في كتب الأخلاق بأن يستعمل التوسط بين الخلقين الضدين ، لا ~~بأن يفعل أفعال التوسط دون أن تحصل ملكة التوسط ، بل أن تحصل ملكة التوسط ، ~~وملكة التوسط كأنها موجودة للقوى الناطقة وللقوى الحيوانية معا ، أما للقوة ~~الحيوانية فبأن يحصل فيها هيئة الإذعان ، وأما للقوة الناطقة فبأن يحصل ~~فيها هيئة الاستعلاء والانفعال ، كما أن ملكة الإفراط والتفريط موجودة ~~للقوة الناطقة وللقوة الحيوانية ولكن بعكس هذه النسبة ، ومعلوم أن الإفراط ~~والتفريط مقتضيا القوى الحيوانية ، وإذا قويت القوى الحيوانية وحصل له ملكة ~~استعلائية ، حدثت في النفس الناطقة هيئة إذعانية ، وأثر انفعالي قد رسخ في ~~النفس الناطقة من شأنها أن تجعلها قوية العلاقة مع البدن شديدة الانصراف إليه. # وأما ملكة التوسط فالمراد منها التنزيه عن الهيئات الانقيادية وتبقية ~~النفس على جبلتها مع إفادة هيئة الاستعلاء والتنزه ، وذلك غير مضاد لجوهرها ~~ولا مائل لها إلى جهة البدن بل عن جهته ، فإن التوسط يسلب عنه الطرفين (1) ~~دائما. ثم جوهر النفس إنما كان البدن هو الذي يغمره ويلهيه ويغفله عن الشوق ~~الذي يخصه عن طلب الكمال له. وعن الشعور بلذة الكمال إن حصل له ، والشعور ~~بألم الكمال إن قصر عنه ، لا بأن النفس منطبعة في البدن أو منغمسة فيه ولكن ~~للعلاقة التي كانت بينها وهي الشوق الجبلي إلى تدبيره والاشتغال بآثاره ، ~~فربما يورده عليها من عوارضه وبما يتقرر فيها من ملكات مبدؤها البدن ، فإذا ~~فارقت وفيها الملكة الحاصلة بسبب الاتصال به كانت قريبة الشبه من حالها وهي ~~فيه ، فبما تنقص من ذلك تزول غفلتها عن حركة الشوق الذي لها إلى كمالها ، وربما PageV03P064 # يبقى منه معها تكون محجوبة النسبة عن الاتصال الصرف بمحل سعادتها ms689 ويحدث ~~هناك من الحركات المتشوقة ما يعظم أذاها. ثم إن تلك الهيئة البدنية مضادة ~~لجوهرها موذية لها ، وإنما كان يلهيها عنها أيضا البدن وتمام انغماسها فيه ~~، فإذا فارقت النفس البدن أحست بتلك المضادة العظيمة وتأذت بها أذى عظيما ، ~~لكن هذا الأذى وهذا الألم ليس لأمر لازم بل لأمر عظيم (1) غريب ، والأمر ~~العارض الغريب لا يدوم ولا يبقى ، ويزول ويبطل مع زوال (2) الأفعال التي ~~كانت تثبت تلك الهيئة بتكررها ، فيلزم إذن أن تكون العقوبة التي بحسب ذلك ~~غير خالدة ، بل تزول وتنمحي قليلا قليلا حتى تزكو النفس وتبلغ السعادة التي تخصها. # وأما النفوس البله التي لم تكتسب الشوق ، فإنها إذا فارقت البدن وكانت ~~غير مكتسبة للهيئات الردية صارت إلى سعة من رحمة الله ونوع من الراحة. وإن ~~كانت مكتسبة للهيئات البدنية الردية وليس فيها هيئة غير ذلك ولا معنى يضاده ~~ولا ما ينافيه ، فتكون لا محالة ممنوة بشوقها إلى مقتضاها فتتعذب عذابا ~~شديدا بفقد البدن ومقتضيات البدن ، من غير أن يحصل المشتاق إليه ، لأن آلة ~~ذلك قد بطلت وخلق التعلق بالبدن قد بقي. # ويشبه أيضا أن يكون ما قاله بعض العلماء حقا ، وهو : أن هذه الأنفس إن ~~كانت زكية وفارقت البدن وقد رسخ فيها نحو من الاعتقاد في العاقبة التي تكون ~~لأمثالهم على سبيل ما يمكن أن يخاطب به العامة ، وتصور من ذلك في أنفسهم ، ~~فإنهم إذا فارقوا الأبدان ولم يكن لهم معنى جاذب إلى الجهة التي هي فوقهم ، ~~لا كمال فيسعدوا تلك السعادة ، ولا شوق كمال ليشقوا تلك الشقاوة ، بل جميع ~~هيآتهم النفسانية متوجهة نحو الأسفل ، منجذبة إلى الأجسام ؛ ولا منع في ~~المواد السماوية عن أن تكون موضوعة لفعل نفس فيها. قالوا : فإنها تتخيل ~~جميع ما كانت اعتقدته من الأحوال الأخروية ، وتكون الآلة التي يمكنها بها ~~التخيل شيء من الأجرام السماوية ، فتشاهد جميع ما قيل لها في الدنيا من ~~أحوال القبر والبعث والخيرات الأخروية ، وتكون الأنفس الردية أيضا تشاهد ~~العقاب بحسب ذلك PageV03P065 # المصور لهم في الدنيا وتقاسيه ، فإن الصور الخيالية ms690 ليست تضعف عن الحسية ~~، بل تزداد عليها تأثيرا وصفاء كما يشاهد في المنام ، فربما كان المحلوم به ~~أعظم شأنا في بابه من المحسوس ؛ على أن الأخروي (1) أشد استقرارا من ~~الموجودة في المنام بحسب قلة العوائق وتجرد النفس وصفاء القابل. وليست ~~الصورة التي ترى في المنام ، بل والتي تحس في اليقظة كما علمت ، إلا ~~المرتسمة في النفس ، إلا أن أحدهما يبتدئ من باطن وينحدر إليه ، والثاني ~~يبتدئ من خارج ويرتفع إليه. فإذا ارتسم في النفس (2) فعل فعلها هناك ~~الإدراك المشاهد وإنما يلذذ ويؤذي بالحقيقة هذا المرتسم في النفس لا ~~الموجود في الخارج ، وكلما ارتسم في النفس فعل فعله وإن لم يكن له سبب من ~~خارج ، فإن السبب الذاتي هو هذا المرتسم ، والخارج سبب بالعرض أو سبب السبب ~~، فهذه هي السعادة والشقاوة الخسيستان اللتان بالقياس إلى الأنفس الخسيسة ، ~~وأما الأنفس المقدسة ، فإنها تبعد عن مثل هذه الأحوال وتتصل لكمالها بالذات ~~وتنغمس في اللذة الحقيقية وتتبرأ عن النظر إلى ما خلفها والى المملكة التي ~~كانت لها كل التبرؤ ، إذ لو كان قد بقي (3) فيها من ذلك أثر اعتقادي أو خلق ~~تأذت به وتخلفت لأجله عن درجة العليين إلى أن ينفسخ ويزول (4). انتهى كلامه. # وأقول : ومثله كلامه في «الإشارات» في كثير من تلك المطالب التي بينها ، ~~ولعلنا نذكر فيما بعد بعض كلامه فيه. فلنتكلم أولا في شرح ما نقلنا عنه في ~~هذا الفصل ، ثم نتكلم في المقصد. # فنقول : إن ما ذكره أولا بقوله : «يجب أن يعلم أن المعاد منه ما هو مقبول ~~من الشرع الخ» غرضه ظاهرا أن المعاد على قسمين : # قسم هو مقبول من الشرع ولا سبيل إلى إثباته إلا من طريق الشريعة وتصديق PageV03P066 # النبي عليه السلام وهو المعاد للبدن ، أي إعادة هذا البدن العنصري عند ~~البعث وإعادة الروح إليه مرة أخرى ، وحيث كان هذا القسم من المعاد لا ~~استقلال للعقل في إثباته ، وكانت خيرات البدن وشروره اللتان كان الغرض من ~~إثبات هذا القسم من المعاد إثباتهما معلومة لا تحتاج إلى أن تعلم ms691 بالقياس ~~البرهاني ، وكان مع ذلك قد بسطت الشريعة الحقة التي أتانا سيدنا ونبينا ~~ومولانا محمد صلى الله عليه وآلهوسلم حال السعادة والشقاوة اللتين بحسب البدن ~~وحال تلك الخيرات والشرور البدنية ، فلذا لم نتعرض لإثبات هذا القسم من ~~المعاد. # وقسم هو مدرك بالعقل والقياس البرهاني ، وللعقل سبيل إلى إثباته ، وقد ~~صدقته النبوة ، أي إخبار النبي عليه السلام أيضا ، وهو المعاد الروحاني ، ~~والسعادة والشقاوة الثابتتان بالقياس البرهاني اللتان هما حاصلتان للأنفس ~~بحسب ذواتها وحقائقها. وإن كانت الأوهام منا تقصر عن تصورهما وإدراكهما ~~الآن ، أي حين كوننا متعلقين بالبدن العنصري الدنيوي ، منغمسين فيه كما ~~سنوضح في الأصول الآتية من العلل على عدم تصور ذلك ، والحكماء الإلهيون ~~رغبتهم في إصابة هذه السعادة أعظم من رغبتهم في إصابة السعادة البدنية ، بل ~~كأنهم لا يلتفتون إلى تلك السعادة البدنية لخستها بالنسبة إلى السعادة ~~الروحانية العقلية ، ولا يتوجهون إليها وإن أعطوها ، ولا يستعظمونها في جنب ~~هذه السعادة العقلية التي هي مقارنة الحق الأول تعالى شأنه على ما سنصفه عن ~~قريب. وحيث كان الحال كذلك ، فلا بد من إثبات هذا القسم من المعاد بالقياس ~~البرهاني فلنعرف أولا حال هذه السعادة والشقاوة المضادة لها ، أي العقليتين ~~، ثم نتعرض لإثباتهما للأنفس ، فإن السعادة والشقاوة البدنيتين مفروغ عنهما ~~في الشرع الشريف ، فلا علينا أن نتكلم فيها ، وهذا بيان مراده. ### ||| * كلام مع كثير من الحكماء # وأقول : وفيه نظر قد أومأنا إليه في صدر الرسالة ، وهو أنه إن كان المراد ~~أن المعاد الجسماني مما لا يستقل في إثباته العقل أصلا ، فهو ليس كذلك ، ~~لأنا سنقيم فيما بعد PageV03P067 # إن شاء الله تعالى الدليل على إثبات أصله ، ونبين أن للعقل استقلالا في ~~أنه يجب أن يعود النفس الإنسانية بعينها إلى بدنها الأول الباقي بعينه من ~~حيث الأجزاء الأصلية لأجل وقوع الثواب والعقاب البدنيين الحسيين. # وإن كان المراد أن المعاد الجسماني وإن كان مما يستقل العقل في إثبات ~~أصله ، لكن لا استقلال له في إثبات ما ورد في الشرع من خصوصيات الثواب ~~والعقاب الحسيين الأخرويين ، وكذا ms692 في خصوصيات ما ورد فيه من الأمور الحسية ~~الواقعة في الآخرة ، وفي أنه يجب أن يقع الثواب والعقاب البدنيان على تلك ~~الأنحاء والأنهاج والكيفيات المخصوصة الواردة فيه ، بل إن إثبات ذلك موكول ~~على الشرع كما هي مبينة فيه ، أي أن بيان تفاصيل تلك إنما هو في الشرع ، ~~وإن كان العلم بها من حيث الخصوصية والوجه الجزئي موقوفا على العيان ~~والمشاهدة ، فهذا الاحتمال وإن كان له وجه في الجملة ، لكنه خلاف ظاهر ~~كلامهم ، بل هو بعيد عنه بمراحل. # ثم إن الحكماء الإلهيين الذين أهملوا إثبات المعاد الجسماني وقصروا النظر ~~على إثبات الروحاني منه فقط ، لكون السعادة العقلية أعظم من البدنية ؛ # إن كان المراد أنه حيث كانت السعادة العقلية أعظم من البدنية ، وكانت ~~البدنية مفروغا عنها في الشرع الشريف ، فلذلك أهمل الحكماء الإلهيون إثبات ~~الجسماني ، وحاصله التصديق بالجسماني من المعاد والروحاني منه جميعا ، إلا ~~أن الجسماني منه لما كان مبينا في الشرع ، وكانت السعادة العقلية أعظم ، ~~فلذا تعرضوا لإثبات الروحاني ، وأهملوا إثبات الجسماني ، وأحالوا إثباته ~~على الشرع كما فعله الشيخ ، فله وجه في الجملة إلا أنه خلاف ظواهر كلماتهم ~~، لأن حوالة إثبات الجسماني منه على الشرع غير ظاهرة من كلماتهم المنقولة ~~عنهم في ذلك ، كما نقلنا جملة منها في صدر الرسالة ، حتى مما حكاه الشيخ ~~هنا عنهم. # وإن كان المراد أنهم تعرضوا لإثبات الروحاني وأهملوا إثبات الجسماني ~~مطلقا ، ولو على سبيل الحوالة على الشرع ، لكون السعادة العقلية أعظم من ~~البدنية كما هو ظاهر كلامهم ، ومنه ما حكاه الشيخ عنهم ، ففيه مخالفة للشرع ~~، لا من أجل إنكارهم للجسماني ، PageV03P068 # بل لأجل إهمالهم له ، مع كونه مما نطق به الشرع وضروريا في الدين كما ~~بيناه في صدر الرسالة. # وقد عرفت أيضا ثمة أن في مفهوم لفظ «المعاد» الذي قالوا به دلالة على ~~ثبوت الجسماني ، فتذكر. # وأيضا أنا سلمنا أن السعادة العقلية أعظم من البدنية كما يظهر ذلك مما ~~سيذكره الشيخ إلا أن تلك الأعظمية لا تكون منشأ لإهمال البدنية مطلقا ، كيف ~~وأكثر ما نطق به ms693 الشرع فيه دلالة على البدنية خاصة ، وما نطق به في العقلية ~~هو أقل قليل منه كما يظهر على من تتبع الآيات والأخبار. والقول بأن الخطاب ~~فيما يدل على البدنية ، إنما هو للعامة خاصة دون الخاصة من العقلاء خلاف ~~الظاهر جدا. كما أن القول بأن السعادة البدنية حيث كانت خسيسة جدا وليست ~~لذة في الحقيقة ، بل إنما هي رفع آلام ، فلذا ينبغي أن لا يلتفت إليها ، بل ~~ينبغي أن يلتفت إلى ما هو لذة حقيقة وهي اللذة العقلية لا يكاد يصح ، لأن ~~كون البدنية رفع آلام إنما يسلم في اللذات الحسية الدنيوية ، ولا يسلم في ~~اللذات الحسية الأخروية ، وقياس الأخروية على الدنيوية غير معقول. ### ||| * في حال السعادة والشقاوة العقليين # فهذه جملة من النظر الذي يرد على كلام الشيخ هنا فيما قال هو به ، وفيما ~~حكاه عن الحكماء الإلهيين ، فتبصر. # ثم أنه تعرض لتعرف حال السعادة والشقاوة العقليتين ، وقرر أولا لذلك ~~أصولا خمسة. # والذي ذكره في الأصل الأول من تلك الأصول بقوله : «يجب أن يعلم أن لكل ~~قوة نفسانية لذة وخيرا ... الخ» فيه تنبيه على أن لكل قوة نفسانية لذة ~~وخيرا يخصها ، وأذى وشرا وألما يخصها ، وإنما أورد في المثال اللذات ~~والآلام التي للقوة الحيوانية تنبيها على ظهورها ، حيث أنه لا ينكر أحد ~~وجودها ، حتى إنه قصر بعض الأوهام العامية اللذات PageV03P069 # والآلام على اللذات والآلام الحسية الحيوانية ، كما يشعر به كلامه الآتي ~~، ويدل عليه كلامه في «الإشارات» كما سننقله. # وكذلك فيه تنبيه على أن لكل هذه القوى النفسانية ، وكذا كل اللذات ~~والآلام تشترك نوعا من الشركة في أن شعور تلك القوة بموافقة تلك الأمور ~~وملائمتها هو الخير واللذة الخاصة بها ، وأن موافق كل واحد منها بالذات ~~والحقيقة هو حصول الكمال الذي هو بالقياس إليه كمال بالفعل ، وكذلك الحال ~~في الألم ، فإنه بضد ذلك. وإنما قال : «فإن الشعور بموافقتها هو الخير ~~واللذة الخاصة بها» ، تنبيها على أنه إذا لم يكن هناك شعور بموافقتها ~~وملائمتها لم يكن هناك لذة ولا خير بالنسبة إلى تلك ms694 القوة ، وأنه إذا كان ~~لها شعور بها كانت هناك لذة ، ويعبر عنها بالخير أيضا. # وإنما قال : «وموافق كل واحد منها بالذات والحقيقة هو حصول الكمال الذي ~~هو بالقياس إليه كمال بالفعل» ، تنبيها على أن الشعور بموافقة الموافق الذي ~~هو اللذيذ والكمال للملتذ إنما يكون لذة إذا كان لها شعور بحصول ذلك اللذيذ ~~والكمال ووصوله إليه ، وعلى أن ذلك الكمال أيضا يختلف ، فقد يكون كمالا في ~~الواقع أو مقيسا إلى غير ذلك الملتذ ، فحينئذ لا يكون الشعور بحصوله له لذة ~~ولا خيرا له ، وقد يكون كمالا بالقياس إليه بأن يعتقد كونه كمالا له ، سواء ~~كان كمالا له في الواقع أو لم يكن ، فحينئذ يكون الشعور بحصوله له لذة ، ~~وعلى أن الكمال الذي يكون الشعور بحصوله له لذة ينبغي أن يكون كمالا بالفعل ~~لا بالقوة. ومنه يتلخص التنبيه على ماهية اللذة ، حيث تلخص أن اللذة ويعبر ~~عنها بالخير أيضا هو الشعور بموافقة الموافق الذي هو حصول الكمال الذي هو ~~كمال بالقياس إليه ، وهو كمال بالفعل. وكذلك يتلخص منه التنبيه على ماهية ~~الألم ، فإنه بخلاف ذلك. وهذا الذي يظهر منه التنبيه على ماهية اللذة ~~والألم قريب مما ذكره في «الإشارات» في التنبيه على ماهيتهما. # قال : «تنبيه أن اللذة هي إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك كمال وخير من حيث PageV03P070 # هو كذلك ، والألم هو إدراك ونيل لوصول ما هو عند المدرك آفة وشر». (1) # وقد قال المحقق الطوسي في شرحه : «أما الإدراك فقد مر شرح اسمه ، وأما ~~النيل فهو الإصابة والوجدان. وإنما لم يقتصر على الإدراك ، لأن إدراك الشيء ~~قد يكون بحصول صورة تساويه ، ونيله لا يكون إلا بحصول ذاته ، واللذة لا تتم ~~بحصول ما يساوى اللذيذ ، بل إنما تتم بحصول ذاته. وإنما لم يقتصر على النيل ~~لأنه لا يدل على الإدراك إلا بالمجاز. وإنما أوردهما معا لفقدان لفظ يدل ~~على المعنى المقصود بالمطابقة ، فقدم الأعم الدال بالحقيقة وأردفه بالمخصص ~~الدال بالمجاز. # وإنما قال «لوصول ما هو عند المدرك» ولم يقل «لما هو عند ms695 المدرك» لأن ~~اللذة ليست هي إدراك اللذيذ ، فقط بل هي إدراك حصول اللذيذ عند الملتذ ~~ووصوله إليه. # وإنما قال : «ما هو عند المدرك كمال وخير» لأن الشيء قد يكون كمالا وخيرا ~~بالقياس إلى شيء وهو لا يعتقد كماليته وخيريته فلا يلتذ به ، وقد لا يكون ~~كذلك وهو يعتقده فيلتذ به ، فالمعتبر كماليته وخيريته عند المدرك لا في نفس ~~الأمر ، والكمال والخير هنا أعني المقيسين إلى الغير هما حصول شيء لما من ~~شأنه أن يكون ذلك الشيء له ، أي حصول شيء يناسب شيئا ويصلح له ، أو يليق به ~~بالقياس إلى ذلك الشيء. # والفرق بينهما أن ذلك الحصول يقتضي لا محالة براءة من القوة لذلك الشيء ، ~~فهو بذلك الاعتبار فقط كمال ، وباعتبار كونه مؤثرا خير ؛ والشيخ إنما ~~ذكرهما لتعلق معنى اللذة بهما ، وأخر ذكر الخير لأنه يفيد تخصيصا ما بذلك ~~المعنى. وإنما قال : «من حيث هو كذلك» لأن الشيء قد يكون كمالا وخيرا من ~~جهة دون جهة ، والالتذاذ به يختص بالجهة التي هو معها كمال وخير. # فهذه ماهية اللذة ، ويقابلها ماهية الألم كما ذكره. وهما أقرب إلى ~~التحصيل من قولهم: «اللذة إدراك الملائم ، والألم إدراك المنافي». ولذلك ~~عدل الشيخ منه إلى ما ذكره في هذا الموضع (2)، انتهى كلامه. PageV03P071 # وأنت بعد ما أحطت بما ذكره المحقق الطوسي (ره) في شرحه ، يظهر لك بيان ~~تقارب ما ذكره الشيخ في الكتابين في المعنى المحصل لماهية اللذة والألم ، ~~وإن كان بين ما في الكتابين تغاير ما في بعض العبارات ، ومن جملته أنه أطلق ~~في «الشفاء» لفظ الخير على اللذة ، وفي «الإشارات» على الكمال ، والأمر فيه سهل. # وأما ما ذكره في الأصل الثاني ، فهو تنبيه على أن مراتب اللذات ، وكذا ~~مراتب الآلام مختلفة متفاوتة باعتبار تفاوت الكمالات التي حصولها لذة ~~وفقدانها ألم ، فبعضها أفضل وأتم ، وبعضها أكثر ، وبعضها أدوم ، وبعضها ~~أوصل ، وبعضها أكمل ، وبعضها أشد ، إلى غير ذلك من وجوه التفاوت والاختلاف ~~التي كلها بينة لا سترة فيها. # وما ذكره في الأصل الثالث هو بالحقيقة تفريع على ms696 ما ذكره في الأصل الأول ~~، من التقييد بالشعور بالموافقة والتقييد بحصول الكمال ، وتنبيه على فائدة ~~القيدين في تعريف اللذة ، ويعلم منه فائدتهما في تعريف الألم بالمقايسة ~~وتنبيه على أنه قد يكون الخروج إلى الفعل في كمال بحيث يعلم أنه كائن ولذيذ ~~، لكن لا يتصور كيفيته ولا يشعر بالتذاذه ما لم يحصل ، وما لم يشعر به لم ~~يشتق إليه ولم ينزع نحوه ، كما في العنين بالنسبة إلى لذة الجماع ، والأكمه ~~عند الصور الجميلة ، والأصم عند الألحان المنتظمة ، فإنه وإن كان يتيقن أن ~~في هذه الأمور لذة ، إلا أن هؤلاء لا يلتذون بها لأجل عدم شعورهم بها وعدم ~~حصولها لهم. # ومنه يعلم أن الوجه في أنا لا نلتذ بالصحة والسلامة مع كونهما كمالا ~~حاصلا لنا ، أن الشعور بحصول الكمال الذي هو المعتبر في حصول اللذة غير ~~حاصل هناك ، حيث استمرار المحسوسات يذهل النفس عن إحساسها. وبالجملة ، ~~فسواء انتفى الشعور والحصول جميعا كما في الصور الأولة أو انتفى الشعور فقط ~~كما في الصورة الأخيرة ينتفي اللذة ، فلذا قيد في مفهوم اللذة قيد الحصول ~~والشعور. # ومنه يعلم وجه التقييد بضد ذلك في مفهوم الألم أيضا ، فإن صاحب الحمية ~~مثلا إذا لم يقاس وصب (أي المرض) الأسقام ولم يعرضه آفاتها ، ربما يتألم عن ~~تناول المتناولات الردية ولم يحترز عنه لعدم شعوره بها مع العلم بكونها ~~مؤلمة. ومن ذلك يظهر PageV03P072 # أنه يجب أن لا يتوهم العاقل أن كل لذة فهو كما للحمار في بطنه وفرجه ، ~~وأن المبادي الأولى والملائكة المقربين عادمو اللذة. # وبالجملة ، يجب أن لا يتوهم العاقل أن اللذات مقصورة على اللذات الحسية ~~الخسيسة ، وأن ليس في الوجود لذة عقلية ، وأن الملأ الأعلى ليس لهم لذة ، ~~فإن من يتوهم ذلك فحاله كحال العنين والأكمه والأصم ، بل كحال الحمار ، حيث ~~أنه إنما يجد تلك اللذة الخسيسة في بطنه وفرجه فقط ولا يشعر بلذة أخرى أعلى ~~منها عقلية ، ولم يحصل له ذلك الكمال ، مع أنه لا نسبة للذة العقلية إلى ~~هذه اللذة الخسيسة ، فإن اللذات كما ذكره ms697 في الأصل الثاني متفاوتة ، واللذة ~~العقلية أعلى من الحسية من كل وجه كما سيأتي بيانه. # وهذا المطلوب الذي بينه الشيخ هنا بعبارة وجيزة ، قد بينه في «الإشارات» ~~بكلام أبسط ، قال : «وهم وتنبيه ، إنه قد سبق إلى الأوهام العامية أن ~~اللذات القوية المستعلية هي الحسية وأن ما عداها لذات ضعيفة ، وكلها خيالات ~~غير حقيقية ، وقد يمكن أن ينبه من جملتهم من له تميز ما ، فيقال له : أليس ~~ألذ ما تصفونه من هذا القبيل هو المنكوحات والمطعومات وأمور تجرى مجراها ، ~~وأنتم تعلمون أن المتمكن من غلبة ما ولو في أمر خسيس كالشطرنج والنرد قد ~~يعرض له مطعوم ومنكوح لطالب العفة والرئاسة مع صحة جسمه في الغلبة الوهمية ~~، وقد يعرض مطعوم ومنكوح لطالب العفة والرئاسة مع صحة جسمه في صحة (حشمة ن ~~د) حسية فيقبض اليد منهما مراعاة للحشمة ، فتكون مراعاة الحشمة آثر وألذ لا ~~محالة هناك من المنكوح والمطعوم ، وإذا عرض للكرام من الناس الالتذاذ ~~بانعام يصيبون موضعه آثروه على الالتذاذ بمشتهى حيواني متنافس فيه ، وآثروا ~~فيه غيرهم على أنفسهم مسرعين إلى الإنعام به. # وكذلك فإن كبير النفس يستصغر الجوع والعطش عند المحافظة على ماء الوجه ، ~~ويستحقر هول الموت ومفاجآت العطب (1) عند مناجزة المبادرين ، وربما اقتحم ~~(2) الواحد PageV03P073 # منهم على عدد دهم (1) ممتطيا ظهر الخطر لما يتوقعه من لذة الحمد ولو بعد ~~الموت ، كأن ذلك يصل إليه وهو ميت. فقد بان أن اللذات الباطنة مستعلية على ~~اللذات الجسمية ، وليس ذلك في العاقل فقط ، بل وفي العجم من الحيوانات ، ~~فإن من كلاب الصيد ما يقبض على الجوع ثم يمسكه على صاحبه وربما حمله إليه ، ~~والمرضعة من الحيوانات تؤثر ما ولدته على نفسها ، وربما خاطرت محامية عليه ~~أعظم من مخاطرتها في ذات حمايتها نفسها ، فإذا كانت اللذات الباطنة أعظم من ~~الظاهرة وإن لم تكن عقلية ، فما قولك في العقلية. (2) # «تذنيب : فلا ينبغي لنا أن نسمع إلى قول من يقول : إنا لو حصلنا على جملة ~~لا نأكل ولا نشرب ولا ننكح ، فأية سعادة تكون لنا؟ والذي ms698 يقول هذا ، فيجب ~~أن يبصر ويقال له : يا مسكين ، لعل الحال التي للملائكة وما فوقها ألذ ~~وأبهج وأنعم من حال الأنعام ، بل كيف يمكن أن يكون لأحدهما إلى الآخر نسبة ~~يعتد بها». (3) انتهى كلامه. # وبالجملة ، فيعلم مما ذكره في الكتابين أن اللذات العقلية أعظم من اللذات ~~الحسية ، وهو المطلوب. # وما ذكره في الأصل الرابع هو بالحقيقة تفريع على ما ذكره في الأصل الأول ~~أيضا ، من التقييد بحصول الكمال الذي هو بالقياس إليه كمال بالفعل ، وتنبيه ~~على فائدة هذا القيد في تعريف اللذة ، بل تفريع عليه وعلى ما ذكره فيه من ~~التقييد بالشعور أيضا في تعريف اللذة. # وبالجملة فهو تنبيه على أنه قد يتيسر للقوة الدراكة الكمال والأمر ~~الملائم لها ، إلا أنها لا تستلذه لحصول مانع أو شاغل هناك للنفس ، فتكرهه ~~وتؤثر ضده عليه ، مثل كراهية PageV03P074 # بعض المرضى للطعم الحلو وشهوتهم للطعوم الردية الكريهة بالذات ، وربما لم ~~تكرهه ولا تستلذه أيضا ، كالخائف يجد الغلبة واللذة فلا يستلذها. # وما ذكره في الأصل الخامس هو بالحقيقة تفريع على ما ذكره في الأصل الأول ~~أيضا من التقييد بالشعور ، وتنبيه على فائدة ذلك القيد في تعريف الألم ، بل ~~تنبيه على فائدة ذلك القيد وقيد حصول ضد الكمال الذي هو بالقياس إليه كمال ~~جميعا في تعريف الألم ، حيث ظهر فيه أن المعتبر في الألم هو الشعور بحصول ~~ضد ما هو الكمال بالقياس إليه ، وهذا ظاهر في المثال الذي ذكره أولا وثالثا ~~، ويظهر منه في مثاله الثاني أن ذلك تنبيه على فائدة ذلك القيد أو ذينك ~~القيدين في تعريف اللذة والألم جميعا. وكيفما كان ، فهو تنبيه على أنه قد ~~يكون القوة الدراكة ممنوة لضد ما هو كمال لها ، لكن لا تحس به ولا تتنفر ~~عنه ولا تتألم منه لحصول عائق عن ذلك ، حتى إذا زال العائق ورجعت إلى ~~غريزتها تأذت به وتألمت ، مثل الممرور فإنه ربما لم يحس بمرارة فمه إلى أن ~~يصلح مزاجه ويستنقي أعضاءه ، فحينئذ تنفر عن الحالة العارضة له. وكذلك قد ~~يكون الحيوان غير ms699 مشته للغذاء البتة بل كارها له ، وهو أوفق شيء له ويبقى ~~عليه مدة طويلة فلا يلتذ بالغذاء ، فإذا زال العائق عاد إلى واجبة في طبعه ~~واشتد جوعه وشهوته للغذاء ، فيتألم من فقدان الغذاء حتى لا يصبر عنه ويهلك ~~عند فقدانه ، وقد يحصل سبب الألم العظيم ، مثل إحراق النار وتبريد الزمهرير ~~، إلا أن الحس مئوف فلا يتأذى البدن به ولا يتألم حتى تزول الآفة فيحس ~~حينئذ بالألم العظيم. # والحاصل أنه بتلك القيود التي اعتبرت في ماهية اللذة والألم ، لا يرد نقض ~~لا على تعريف اللذة ولا على تعريف الألم. وقد زاد في «الإشارات» في البيان ~~، وزاد قيدا آخر به يندفع النقوض عن تعريف اللذة والألم. # قال : «تنبيه ، إذا أردنا أن نستظهر في البيان مع غناء ما سلف عنه إذا ~~لطف لفهمه ، زدنا فقلنا : إن اللذة هي إدراك كذا من حيث هو كذا ولا شاغل ~~ولا مضاد للمدرك ، فإنه إذا لم يكن سالما فارغا أمكن أن لا يشعر بالشرط ، ~~أما غير السالم فمثل عليل المعدة إذا زال مانعه عادت لذته وشهوته وتأذى ~~بتأخر ما هو الآن يكرهه. PageV03P075 # تنبيه : وكذلك قد يحضر السبب المؤلم ويكون القوة الدراكة ساقطة ، كما في ~~قرب الموت من المرضى ، أو معوقة كما في الخدر فلا يتألم ، فإذا انبعثت ~~القوة أو زال العائق عظم الألم» (1). انتهى. # وهذا الذي ذكرناه إنما هو الكلام في بيان الأصول الخمسة التي أصلها. ### ||| * في بيان اللذة العقلية للنفس وأنها أعلى من الحسية وكذلك الألم # ثم أن الشيخ بعد ما قرر تلك الأصول قال : «فإذا تقررت هذه الأصول ، فيجب ~~أن ننصرف إلى الغرض الذي نؤمه ، فنقول : إن النفس الناطقة كما لها الخاص ~~بها أن تصير عالما عقليا إلى آخر ما ذكره» ومقصوده من ذلك أنه حيث تقررت ~~هذه الأصول وتقرر أن مراتب اللذة متفاوتة بعضها أعلى من بعض ، وأن في ~~الوجود لذة عقلية هي أعلى من اللذة الحسية ، فيجب أن نبين أن اللذة العقلية ~~للنفس الناطقة الإنسانية ما ذا؟ وأنها بأية جهة وأي سبب أعلى ms700 من الحسية؟ ~~حتى يعلم منه بالمقايسة وجود ألم عقلي لها أيضا وأنه أشد من الحسي. # بيان الأول أن معنى اللذة هو الشعور بحصول الكمال الذي هو بالقياس إلى ~~المدرك كمال بالفعل ، فشعور النفس الإنسانية أيضا بحصول الكمال الخاص لها ~~يكون لذة لها ، وكمالها الخاص بها من حيث هي ذات مجردة أن تصير عالما عقليا ~~مرتسما فيها صور الكمال والنظام المعقول في الكل والخير الفائض في الكل ~~مبتديا مبدئا من الكل وسالكا إلى الجواهر الشريفة الروحانية المطلقة ، ثم ~~الروحانية المتعلقة نوعا من التعلق بالأبدان ، ثم الأجسام المعلمة بهيئاتها ~~وقواها ، ثم كذلك حتى تستوفي في نفسها هيئة الوجود كله ، فتنقلب عالما ~~معقولا موازيا للعالم الموجود كله ، فتصير مع كونه عالما صغيرا منطويا فيها ~~العالم الأكبر ، مشاهدا لما هو الحسن المطلق والخير المطلق والكمال الحق ، ~~ومتحدا به ومنتقلة بمثاله وهيئته ومنخرطة في سلكه وصائرة من جوهره. PageV03P076 # وبعبارة أخرى كما ذكره في «الإشارات» أن الكمال الخاص بالجوهر العاقل من ~~الإنسان أن يتمثل فيه جلية الحق الأول قدر ما يمكنه أن ينال منه ببهائه ~~الذي يخصه ، ثم يمثل فيه الوجود كله على ما هو عليه ، مجردا عن الشوب ~~مبتدئا فيه بعد الحق الأول بالجواهر العقلية العالية ، ثم الروحانية ~~السماوية والأجرام السماوية ، ثم ما بعد بذلك تمثلا لا يمايز الذات ، وحيث ~~كان كمالها الخاص بها ما ذكر ، يكون شعورها به هو لذتها العقلية ، والشعور ~~بضده ألمها العقلي. # وبيان الثاني أنه لا سترة في أنه إذا قيس هذا الكمال الخاص بها بالكمالات ~~المعشوقة التي للقوى الأخرى الحسية ، كتكيف العضو الذائق والشام واللامس ~~مثلا بالكيفية الملائمة المحسوسة الذي هو كمال القوة الشهوانية ، وكتكيف ~~النفس الحيوانية بكيفية غلبة أو كيفية شعور بأذى يحصل في المغضوب عليه الذي ~~هو كمال القوة الغضبية ، وكتكيفها بكيفية ما ترجوه أو ما تذكره الذي (1) ~~الأول منهما كمال القوة الواهمة ، والثاني كمال القوة الحافظة ، إلى غير ~~ذلك من الكمالات بالقياس إلى سائر القوى الحسية الجسمانية ، كان هذا الكمال ~~الخاص بالنسبة إلى تلك الكمالات بحيث يصح ms701 أن يقال أنه أفضل وأتم منها من ~~جميع الوجوه ، وأقوى كيفية وأكثر كمية من جميع الجهات والاعتبارات ، بل لا ~~نسبة له إليها بوجه من الوجوه فضيلة وتماما وكثرة ، وسائر ما يتم بدوام ~~إلذاذ المدركات كما ذكرناه في الأصل الثاني. # وأما الدوام فكيف يقاس الدوام الأبدي الحاصل في الكمال العقلي بدوام ~~المتغير الفاسد الحاصل في الكمالات الأخر. وأما شدة الوصول فكيف يكون حال ~~ما وصوله بملاقاة السطوح كما في كمال القوى الحسية حيث أن الحس لا يدرك إلا ~~كيفيات تقوم بسطوح الأجسام التي تحضره بالقياس إلى ما هو سار في جوهر قابله ~~كما في الكمال العقلي حيث أن العقل يصل إلى كنه المعقول فيعقل حقيقته ~~المكتنفة بعوارضها كما هي ، وليرى في جوهر معقوله حتى يكون كأنه هو بلا ~~انفصال ، إذ العاقل والمعقول شيء واحد PageV03P077 # أو قريب من الواحد. # وأما أن المدرك في نفسه في الإدراك العقلي أكمل فأمر لا يخفى. وأما أنه ~~أشد إدراكا فأمر أيضا تعرفه بأدنى تأمل وتذكر منك لما سلف بيانه ، فإن ~~النفس الناطقة أكثر عدادا للمدركات ، حيث أن عدد تفاصيل المعقولات لا يكاد ~~يتناهى ، وذلك لأن أجناس الوجودات وأنواعها غير متناهية ، وكذلك المناسبات ~~الواقعة بينهما والمدركات بالحواس محصورة في أجناس قليلة ، وإن تكثرت فإنما ~~تكثرت بالأشد والأضعف ، كالحلاوتين المختلفتين ، وكذلك هي أشد تقصيا للمدرك ~~وأشد تجريدا له عن الزوائد الغير الداخلة في معناه إلا بالعرض ، ولها الخوض ~~في بطن المدرك وظاهره. فإذا كانت حال الكمالات العقلية هذه ، وحال الكمالات ~~الحسية بخلافه ، وكانت اللذة التابعة لهما بتينك الحالتين أيضا ، حيث أن ~~نسبة اللذة إلى اللذة نسبة الكمال إلى الكمال ، والإدراك إلى الإدراك ، ~~كانت اللذة العقلية أقوى كيفية وأكثر كمية من جميع الجهات من الحسية. بل ~~كيف يقاس هذا الإدراك بذلك الإدراك ، وكيف يقاس هذه اللذة العقلية باللذة ~~الحسية والوهمية والغضبية مثلا ، وكيف يقاس الألم العقلي بالألم الحسي ~~أيضا؟ وبذلك تم بيان ما رامه هنا. # وقوله : «ولكنا في عالمنا وبدننا هذين وانغمارنا في الرذائل لا نحس بتلك ~~اللذة ... إلى ms702 آخر ما قاله» تنبيه على حل إشكال يرد على هذا الموضع. # بيان الإشكال أن كل قوة تشتاق إلى كمالها الخاص بها وتتألم بحصول ضده لها ~~، كالباصرة مثلا فإنها تشتاق إلى النور وتلتذ بالشعور بحصوله لها ، وتنفر ~~عن الظلمة وتتألم منها ، فإن كانت المعقولات كمالات للنفس الإنسانية ، فما ~~بالها لا تشتاق إلى حصولها ولا تتألم لحصول الجهل بها المضاد لها؟ # وبيان الحل أن سبب ذلك هو انتفاء شرط اللذة هنا وكذا شرط الألم ، من ~~الشروط المتقدمة في الأصول المتقررة. أما شرط اللذة فمن جهة أنه قد تقرر ~~فيها أنه قد يتيسر للقوة الدراكة كمال وأمر ملائم ، وهناك مانع أو شاغل ~~للنفس ، فلا تلتذ به ، بل ربما تكرهه ، وهذا فيما نحن فيه متحقق ، حيث أن ~~اشتغال النفس بالمحسوسات حال كونها في ضمن البدن يمنعها إلى الالتفات إلى ~~المعقولات ، وانغمارها في الرذائل البدنية يشغلها عن PageV03P078 # الاقبال إلى المعقولات والشعور بها ، ولأجل ذلك لا تلتذ بتلك المعقولات ~~وإن كانت حاصلة لها ، فإنها ما لم تقبل إليها لم تجد ذوقا منها ، فلم يحصل ~~لها شوق إليها فلم تلتذ بالشعور بحصولها لها. # وأما شرط الألم ، فمن جهة أنه قد تقرر في تلك الأصول أيضا أنه قد يحصل ~~للقوة الدراكة سبب الأذى والألم ، لكنها لا تتأذى منه لحصول عائق منه ، ~~وهذا أيضا حاصل هنا ، فإن أضداد الكمالات العقلية وهي الجهالات بها لما ~~كانت مستمرة الوجود غير متجددة ، وكانت النفس الإنسانية مشتغلة بغيرها غير ~~شاعرة بها ، كما أنها غير شاعرة بتلك الكمالات أيضا ، فلم تكن مدركة لتلك ~~الأضداد ، فلم تكن تتألم منها. وهذا بيان محصل مرامه. # وأما تحرير كلامه ، فهو أن يقال : ولكنا في عالمنا وبدننا هذين وانغمارنا ~~في الرذائل الحسية البدنية لا نحس بتلك اللذة العقلية إذا حصل عندنا شيء من ~~أسباب تلك اللذة لأجل فقدان شرطها كما أومأنا إليه في بعض ما قدمناه من ~~الأصول الخمسة ، ولذلك لا نطلب تلك اللذة ولا نحن إليها ولا نشتاق إليها. ~~اللهم إلا أن نكون قد خلعنا ربقة الشهوة والغضب ms703 وأخواتهما عن أعناقنا ، ~~ونفضنا تلك الرذائل عن جواهر نفسنا ، وشعرنا بتلك الكمالات ولذاتها نوعا من ~~الشعور ، وطالعنا شيئا من تلك اللذة ، فحينئذ حيث كان الخلع غير تام والنفض ~~غير كامل ، لم ندرك تلك اللذة إدراكا كاملا أيضا ، بل ربما تخيلنا منها ~~خيالا طفيفا ضعيفا ، وخصوصا عند انحلال المشكلات العقلية واستيضاح ~~المطلوبات اليقينية ، ونسبة التذاذنا ذلك إلى الالتذاذ بإدراك حقائق تلك ~~المعقولات والوصول إلى كنهها نسبة التذاذ الحس بتنشق الروائح المذاقات ~~اللذيذة الطيبة أنفسها ، إلى الالتذاذ بتطففها وتخيلها ، بل أبعد من ذلك ~~بعدا غير محدود غير متناه. # ويشهد بما ذكرنا أنك إذا تأملت أمرا عويصا عقليا يهمك ، وعرضت عليك شهوة ~~بدنية جسمانية ، وخيرت بين الظفرين ، أي الظفر بذلك الأمر العويص والظفر ~~بتلك الشهوة ، استخففت بالشهوة وآثرت الظفر بالأمر العويص على الظفر بها إن ~~كنت كريم النفس عالي الهمة. فمن هذا يعلم أن لك في ضمن هذا البدن أيضا لذة ~~عقلية وأنت تدركها وتؤثرها PageV03P079 # على اللذة الحسية. بل الأنفس العامية الغير الكريمة أيضا تكون لها تلك ~~الحالة ، فإنها أيضا قد تترك الشهوات المعترضة لها التي هي لذات حسية وتؤثر ~~الغرامات والآلام الفادحة بسبب افتضاح أو خجل أو تغير ، التي كلها آلام عقلية. # وبالجملة ، فالأحوال العقلية تؤثر على أضدادها الجسمانية ويصبر لها على ~~المكروهات الطبيعية ، فيعلم من ذلك أن الغايات العقلية أكرم على الأنفس في ~~محقرات الأشياء ، فكيف في الأشياء النبيهة العالية ، إلا أن الأنفس الخسيسة ~~تحس بما يلحق المحقرات من الخير والشر ، ولا تحس بما يلحق الأمور النبيهة ، ~~لما قيل من المعاذير. وهذا شرح كلامه هنا. # وقد أشار في «الإشارات» إلى أنه قد يوجد حظ وافر من اللذة الحقيقية ~~العقلية للنفس وهي في ضمن البدن. # قال : وليس هذا الالتذاذ مفقودا من كل وجه والنفس في البدن ، بل ~~المنغمسون في تأمل الجبروت ، المعروضون عن الشواغل يصيبون وهم في الأبدان ~~من هذا اللذة حظا وافرا قد يتمكن منهم فيشغلهم عن كل شيء». # ثم قال : «والنفوس السليمة التي هي على الفطرة ولم يفظظها مباشرة الأمور ms704 ~~الأرضية الخاصة ، إذا سمعت ذكرا روحانيا يشير إلى أحوال المفارقات غشيها ~~غاش شائق لا تعرف سببه ، وأصابها وجد مبرح مع لذة مفرجة (مفرحة خ) يفضي بها ~~ذلك إلى حيرة ودهش ، وذلك للمناسبة وقد جرب هذا تجريبا شديدا». (1) انتهى كلامه. ### ||| * في بيان السعادة والشقاوة العقليين من جهة القوة ### ||| * النظرية للنفس بعد مفارقتها عن البدن # وقوله : «وأما إذا انفصلنا عن البدن ، وكانت النفس منا تنبهت في البدن ~~لكمالها الذي هو معشوقها ولم تحصله ... إلى آخر ما ذكره». PageV03P080 # بيان : لأن الأنفس الإنسانية وإن كانت حين كونها منغمرة في البدن ، غير ~~مدركة للذاتها العقلية وآلامها العقلية حق الإدراك ، إلا أنها بعد انفصالها ~~عن البدن ومفارقتها عنه ، تكون مدركة حق الإدراك لتلك اللذات ، ملتذة بها ، ~~متألمة بتلك الآلام. # وبيان ذلك في الألم أن النفس الإنسانية إذا انفصلت عن البدن ، وكانت ~~تنبهت في البدن لكمالها الذي هو معشوقها ولم تحصله وهي بالطبع نازعة إليه ، ~~مشتاقة إليه ، إذ عقلت بالفعل أن ذلك الكمال موجود لها ، إلا أن اشتغالها ~~بالبدن كما قلنا قد أنساها ذاتها ومعشوقها ، كما ينسي المرض الحاجة إلى بدل ~~ما يتحلل ، وكما تنسي الأمراض الاستلذاذ بالحلو واشتهاءه ، وتميل بالشهوة ~~من المريض إلى المكروهات في الحقيقة كما تقرر في الأصول المتقدمة ، عرض لها ~~حينئذ من الألم بفقدان ذلك الكمال كفاء ما يعرض من اللذة العقلية التي ~~أوجبنا وجودها لها إن كانت لها ، ودللنا على عظم منزلتها ، فيكون ذلك الألم ~~هو الشقاوة العقلية والعقوبة التي لا يعد لها شقاوة حسية كتفريق النار ~~للاتصال وتبديل الزمهرير للمزاج ، بل أية نسبة للنار الروحانية التي هي ( ~~@QUR@07 نار الله الموقدة التي تطلع على الأفئدة ) إلى النار الجسمانية؟ ~~فيكون مثلنا حينئذ في عدم إدراكنا لذلك الألم الروحاني حين كوننا في البدن ~~، مثل الخدر الذي أومأنا إليه فيما سلف من الأصول ، أو الذي قد عمل فيه نار ~~أو زمهرير ، فمنعت المادة الملابسة وجه الحس عن الشعور به ، فلم يتأذ ، ثم ~~عرض أن زال العائق فشعر بالبلاء العظيم. # وأما بيان ذلك في اللذة ، فلأن ms705 النفس الإنسانية إذا انفصلت عن البدن ، ~~وكانت القوة العقلية بلغت من النفس حدا من الكمال ، يمكنها به إذا فارقت ~~البدن أن تستكمل الاستكمال التام الذي لها أن تبلغه ، أي أن تكون بحصول ذلك ~~الكمال لها كاملة بحسب ذاتها كمالا مناسبا لها ومن شأنها أن تبلغه ، بلغته ~~بعد مفارقة البدن وأدركته والتذت به لذة عظيمة أعظم من كل لذة حسية. ومثلها ~~في أنها لا تدرك تلك اللذة في البدن وتدركها بعد المفارقة عنه ، مثل الخدر ~~الذي أذيق المطعم الألذ وعرض لحالته أن لا يشتهيه ، وكان لا يشعر به ، فزال ~~عنه الخدر ، فطالع اللذة العظيمة دفعة. # ولا سترة في أن تلك اللذة العقلية الحاصلة للنفس بعد مفارقتها عن البدن ، ~~لذة لا من PageV03P081 # جنس اللذة الحسية والحيوانية بوجه ، بل لذة تشاكل الحال الطيبة التي هي ~~للجواهر الحية المحضة والملائكة المقربين ، وهي أجل من كل لذة وأشرف. فهذه ~~هي السعادة الحقيقية العقلية ، وتلك هي الشقاوة الحقيقية العقلية. # وقوله : «وتلك الشقاوة ليست تكون لكل واحد من الناقصين الخ» غرضه منه أن ~~تلك الشقاوة ليست تكون لكل واحد من الناقصين ، بل لبعضهم ، وأنها فيمن تكون ~~له مختلفة المراتب أيضا. # وبيانه أن تلك الشقاوة التي ذكر أنها تكون بفقدان النفس لكمالها الخاص ~~بها الذي هو معشوق لها ، ليست لكل واحد من الناقصين غير الكاملين ، بل ~~للناقصين الذين اكتسبوا في ضمن البدن ، للقوة العقلية التشوق إلى كمالها ، ~~ثم حرموا من ذلك الكمال ، وذلك الاكتساب للتشوق أو التشوق هو عند ما تبرهن ~~لهم وتحقق عندهم أن من شأن النفس إدراك ماهية الكل ، أي كل الموجودات بكسب ~~المجهول من المعلوم والاستكمال بالفعل ، فإن ذلك الاكتساب للتشوق أو التشوق ~~ليس في النفس من حيث هي نفس بالطبع الأول ، وإلا لكانت كل نفس مكتسبة لذلك ~~متشوقة إليه ، وهو خلاف الواقع ، حيث إن بعض النفوس الناقصة نفوس ساذجة ~~صرفة ، لم تكتسب تشوقا أصلا. كما أن كسب المجهول من المعلوم والاستكمال ~~بالفعل ليس فيها بالطبع الأول أيضا ، وهو ظاهر ؛ ولا أيضا ذلك الاكتساب ~~للتشوق ms706 أو التشوق في سائر قوى النفس بالطبع الأول ، حتى يكون كونه فيها ~~بالطبع سببا لتشوق النفس إلى كمالها الخاص بها من دون اكتساب لذلك ، لأن ~~تشوق تلك القوى إلى كمالاتها وشعورها بها إنما يكون أيضا بعد حصول أسباب ~~ذلك التشوق والشعور لا بالطبع ، مع أن تشوقها إلى كمالاتها كيف يكون سببا ~~لتشوق النفس إلى كمالها ، والحال أن كمالاتها مخالفة لكمال النفس وليس ~~بينهما رباط ليكون التشوق إلى أحدهما سببا لحصول التشوق بالآخر. # فظهر من هذا أن الاكتساب للتشوق أو التشوق إنما يكون للنفس التي كانت في ~~ضمن البدن في مرتبة العقل بالملكة بالنسبة إلى كمالها المعشوق لها ، وإن ~~كانت بالنسبة إلى غير ذلك الكمال في المراتب الأخر. وأما النفوس والقوى ~~الناقصة الساذجة الصرفة التي PageV03P082 # في مرتبة العقل الهيولاني بالنسبة إلى حصول الكمال الخاص المعشوق لها ، ~~كنفوس البله والمجانين والأطفال التي لم تدرك أن لها كمالات ولذات ، فكأنها ~~هيولى محضة موضوعة لم تكتسب البتة هذا الشوق ، لأن هذا الشوق إنما يحدث ~~حدوثا وينطبع في جوهر النفس ، إذا تبرهن للقوة أن هاهنا أمورا يكتسب العلم ~~بها بالحدود الوسطى على ما علمت. # وبالجملة ، إذا تحقق عندها أن هاهنا أمورا كذلك ، وعرفت إنيتها وكذا ~~ماهياتها من وجه في الجملة ، وإن لم تعرفها من الوجه الآخر الذي تكون ~~معرفتها منه بالاكتساب ، وأما قبل ذلك التبرهن وكون النفس في مرتبة العقل ~~الهيولاني بالنسبة إلى ذلك الكمال الخاص وإن كانت بالنسبة إلى غير ذلك في ~~المراتب التي بعد العقل الهيولاني فلا يكون لها هذا التشوق ، لأن هذا ~~التشوق يتبع رأيا ، إذ كل شوق يتبع رأيا ، فما لم يحصل الرأي لم يحصل الشوق ~~، وليس هذا الرأي للنفس رأيا أوليا ، بل رأيا مكتسبا كما عرفت ، فليس لهذه ~~النفس الساذجة الصرفة شوق إلى كمالها الخاص ، فليس لها ألم وتأذي بسبب ~~فقدانها إياه ، ولا شقاوة من هذه الجهة. ومثلها حينئذ مثل العنين بالقياس ~~إلى لذة الجماع ، والأكمه عند الصور الجميلة ، والأصم عند الألحان المنتظمة ~~، فإنهم لا يتأذون بفقدان هذه اللذات لعدم ms707 شوقهم إليها ، بل النسبة أبعد ~~بكثير ، بل لا نسبة أصلا. # وأما هؤلاء المكتسبون للرأي المستتبع للشوق إلى الكمال الخاص للنفس ، فهم ~~إذا اكتسبوا هذا الرأي ، لزم النفس ضرورة هذا الشوق ، فإذا فارقت عن البدن ~~ولم يحصل معها ما تبلغ به بعد الانفصال عن البدن الكمال والتمام الذي من ~~شأنها أن تبلغه لو استكملت ، حرمت من الوصول إلى ذلك الكمال المعشوق لها ، ~~ولم تنل ما رجت منه ، فخابت وخسرت ووقعت في هذا النوع من الشقاء الأبدي ~~الذي تختلف مراتبه بحسب اختلاف مراتب الشوق إلى ذلك الكمال وحرمانها منه ، ~~وكذا بحسب اختلاف مراتب الكمالات المعدة لكل نفس ، فكلما كان الشوق أعظم ~~والكمال المعد أكمل والحرمان أبلغ ، كان الألم أشد والحسرة أدوم وأعظم ، ~~وإنما كان هذا الشقاء أبديا لا يزول لأنه لا يجبر ولا يزول سببه ، فإن ~~أوائل الملكة العلمية التي بها يمكن اكتساب المجهول من المعلوم والاستكمال ~~بالفعل ، لا شك أنها تكتسب بالبدن لا غير ، وإن فرضنا أن لها في ضمن البدن إدراكا PageV03P083 # مخصوصا بها من دون مشاركة البدن ومعاونته لها في ذلك ، وقد فرض أنها ~~فارقت البدن ، فلم يكن لها اكتساب تلك الملكة ثانيا حتى يمكن لها الاستكمال ~~مرة أخرى ، وزوال ما هو سبب لهذا الشقاء ، ويتيسر لها انقطاعه مع ظهور أن ~~حصول العلم بتلك المعلومات التي فقدت النفس العلم بها ، ليس ضروريا حتى ~~يحصل لها العلم بها مرة أخرى ويزول عنها الشقاء ، فإنه لو كان ضروريا بعد ~~الموت ، لكان ضروريا حين كونها في البدن أيضا ، فكان حاصلا ، والمفروض خلافه. ### ||| * في أصناف الناقصين بحسب القوة النظرية # ثم إن هؤلاء الناقصين الذين تكون لهم هذه الشقاوة الأبدية ، بحسب الجليل ~~من النظر صنفان : # صنف هم مقصرون عن السعي في كسب الكمال الإنسي ، أي في كسب الكمال الخاص ~~بالنفس الإنسانية ، وهذا بإطلاقه شامل للمعرضين والمهملين جميعا. # أما المعرضون فهم الذين كان تقصيرهم ذلك بسبب أنهم مع اكتسابهم للتشوق ~~إلى ذلك الكمال. ومعرفتهم باكتسابهم النظري القاصر أن لهم كمالا خاصا بهم ، ~~لم يشتغلوا باكتسابه ، فلم ms708 يكتسبوه ولا اكتسبوا ما يضاد ذلك الكمال أيضا ، ~~إلا أنهم اشتغلوا بما يصرفهم عن اكتساب الكمال ، مما ليس بمضاد له كبعض ~~الأمور الدنيوية ، فصاروا معرضين عنه مقصرين فيه. # وأما المهملون فهم الذين كان تقصيرهم ذلك بسبب أنهم مع اكتسابهم لذلك ~~التشوق لم يشتغلوا لا بكسب الكمال ولا بكسب ما يضاده وتكاسلوا في اقتناء ~~الكمال ، فصاروا مقصرين فيه ، سواء تكاسلوا في اقتناء غير الكمال أيضا ~~مطلقا ، أم لم يتكاسلوا فيه بل اشتغلوا في الجملة بما ليس بمضاد له ولا ~~بصارف عنه من الأمور الدنيوية. # وصنف هم المعاندون الجاحدون المتعصبون لآراء فاسدة مضادة للآراء الحقة ، ~~وهذا أيضا بإطلاقه يشمل ما إذا كانت تلك الآراء الفاسدة سفسطية أو مشاغبية ~~أو جدلية ، سواء PageV03P084 # كانت ناشئة عن رأي ذلك الجاحد نفسه ، أو كانت مبنية على التقليد لغيره. ~~وما إذا كان الجحود لمحض العناد ، أو طلبا للرئاسة والشهرة ونحو ذلك ، وما ~~إذا كان الجاحد مع اكتسابه للشوق إلى كماله منذ أول فطرته واعترافه بإنيته ~~، بحيث يكون له اعتراف بهميته أيضا في الجملة باطنا ، لكنه كان جاحدا ~~لماهية ذلك الكمال ظاهرا رأسا لا تفصيلا ولا إجمالا ، كما قال تعالى في شأن ~~بعض الجاحدين : ( @QUR@04 وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ) (1). أو لم يكن ~~اعتراف بمهية أصلا ، كما في صورة الجهل المركب. # وبالجملة ، فالمستفاد من كلامه أن كل هؤلاء الناقصين من الأصناف المذكورة ~~يتعذبون دائما بنقصانهم لاشتياقهم إلى الكمال الفائت عنهم ، وأنه إنما حصل ~~ذلك الشوق لهم باكتساب نظري قاصر عن الوصول إلى المشتاق إليه ، وهو فطانتهم ~~البتراء ، وإنما حصل القصور لهم من حيث قوتهم النظرية ، ومن حيث طروء حالة ~~عليها جعلت قوتهم النظرية قاصرة ، وتلك الحالة أولا هي في المعرضين هيئة ~~وجودية صارفة عن اكتساب الكمال ، وإن لم تكن مضادة له ، وفي الجاحدين هيئة ~~وجودية مضادة له ، وأما في المهملين فلا هذه ولا تلك ، بل هي التكاسل ، ~~سواء اعتبرته أمرا وجوديا أو أمرا عدميا. # ثم أنه تستتبع تلك الحالات حالات أخر هي في المعرضين والمهملين حالة ~~الجهل البسيط بالمعلومات الحقة ms709 ، وهي حالة عدمية تقابل العلم تقابل العدم ~~والملكة ، وفي الجاحدين اعتقاد الشيء على خلاف ما هو عليه اعتقادا جازما ، ~~سواء كان مستند إلى شبهة أو تقليد أو عناد أو نحو ذلك ، وهذا هو حالة ~~وجودية تقابل العلم تقابل التضاد ، أي الحالة التي تسمى جهلا مركبا ، لأنها ~~جهل بما في الواقع مع الجهل بأنه جاهل ، سواء كان الجهل باطنا وظاهرا جميعا ~~كما في بعض الجاحدين ، أو ظاهرا فقط كما في بعضهم ، كما أشرنا إلى ذلك. # ثم إن أسوأ هؤلاء الأصناف الثلاثة حالا هم الجاحدون ، لما اكتسبوا من ~~هيآت مضادة للكمال ، سواء كانت تلك الهيئات هيئات أولية أو ثانوية ، ثم ~~المعرضون ، ثم PageV03P085 # المهملون. وكل هؤلاء الأصناف أيضا مختلفون في التعذب بحسب اختلاف مراتب ~~الجحود والإعراض والإهمال. # وحيث كان المفروض في الكل التعذب دائما ، يجب أن تكون تلك الحالة الطارئة ~~على القوة النظرية التي هي سبب لقصورها ونقصانها ولتألمها وتعذبها حالة ~~مستحكمة مستمرة راسخة ، صارت هي صورة لجوهر النفس باقية ببقائها ، إلا لم ~~يكن التعذب دائما ، بل يمكن أن يكون ذلك الشقاء الذي بسببها منقطعا منجبرا ~~بزوال تلك الحالة شيئا فشيئا ، ويشهد بما ذكرناه ما ذكره المحقق الطوسي ~~(ره) في شرح كلام الشيخ في «الإشارات». # قال الشيخ : «ثم اعلم أن ما كان من رذيلة النفس من جنس نقصان الاستعداد ~~للكمال الذي يرجى بعد المفارقة فهو غير مجبور ، وما كان بسبب غواش غريبة ~~فيزول ولا يدوم بها التعذب». (1) # وقال المحقق الطوسي في شرحه هكذا : «يريد بيان مراتب الأشقياء ؛ ونقدم ~~لذلك مقدمة ، وهي أن نقول : فوات كمالات النفس يكون لا محالة لعدم ~~استعدادها ، وعدم الاستعداد يكون إما لأمر عدمي ، كنقصان غريزة العقل ، أو ~~وجودي ، كوجود الأمور المضادة للكمالات فيها ، وهي إما راسخة ، أو غير ~~راسخة ، فهذه أقسام ثلاثة تشترك في كونها رذائل وهي أسباب النقصان ، وكل ~~واحد منها إما بحسب القوة النظرية ، وإما بحسب القوة العملية فتصير ستة. ~~فالذي يكون بسبب نقصان الغريزة بحسب القوتين معا فهو غير مجبور بعد الموت ، ~~ولا يكون بسببها تعذب ms710 ، وهو الذي ذكره الشيخ. والذي يكون بحسب القوة ~~النظرية ويكون راسخا فهو أيضا غير مجبور ، لكن يدوم بها التعذيب (2)، لأنه ~~الجهل المركب المضاد لليقين ، الذي صار صورة للنفس غير مفارقة عنه. والشيخ ~~لم يتعرض لذكر هذا القسم صريحا في هذا الفصل ، لكنه أيضا بوجه تحت النقصان ~~، الذي حكم الشيخ عليه بأنه غير مجبور ، والثلاثة الباقية ، أعني النظرية ~~غير الراسخة ، كاعتقادات العوام والمقلدة ، والعملية الراسخة وغير الراسخة ~~، كالأخلاق والملكات الردية المستحكمة PageV03P086 # وغير المستحكمة ، وهي التي تكون بسبب غواش غريبة ، وجميعها يزول بعد ~~الموت ، إما لعدم رسوخها ، وإما لكونها هيئات مستفادة من الأفعال والأمزجة ~~، فتزول بزوالها لكنها تختلف في شدة الرداءة وضعفها وفي سرعة الزوال وبطئه ~~، ويختلف التعذب بها بعد الموت في الكم والكيف بحسب الاختلافين». (1) انتهى ~~كلامه (ره). # والشاهد وإن كان في بعض ما ذكره ، كالنظرية غير الراسخة ، إلا أنا نقلنا ~~كلامه بتمامه لاشتماله على فوائد أخر وشواهد أخرى فيما نحن بصدد بيانه ، فتبصر. # وحيث عرفت أن ما ذكره الشيخ هاهنا إنما هو قصور من حيث القوة النظرية ~~بسبب طروء حالة عليها مع كون الغريزة تامة سليمة في كسب الكمال ، وأن ~~المستفاد منه الفرق بين الحالة الراسخة وغير الراسخة كما يظهر ذلك مما ~~نقلنا من كلام المحقق الطوسي أيضا ، ظهر لك أنه لو كان القصور من حيث القوة ~~النظرية ، لكن من جهة نقصان الغريزة من كسب الكمال بعد أن كانت الغريزة منذ ~~أول الفطرة سليمة تامة في الجملة ، بحيث اكتسبت الشوق إلى الكمال المعشوق ~~لها في الجملة ، لكن لم تكتسبه لنقصانها ، فذلك النقصان أيضا إن استتبع ~~هيئة راسخة كانت صورة للنفس باقية ببقائها مضادة لها منافية لحقيقتها ، ~~يكون التعذب بها أيضا دائما كما في صورة الجهل المركب المضاد لليقين الذي ~~صار صورة للنفس غير مفارقة عنها ، وإن لم يكن كذلك فيمكن انقطاع ذلك التعذب ~~وانجباره ، بل ربما لم يكن به تعذب أيضا. # ثم إن قول الشيخ : «وأما أنه كم ينبغي أن يحصل عند الإنسان من تصور ~~المعقولات ، حتى يجاوز به الحد ms711 الذي في مثله تقع هذه الشقاوة ، وفي تعديه ~~وجوازه ترجى هذه السعادة ، فليس يمكنني أنص عليه الخ». # لما بين سابقا كيفية السعادة والشقاوة العقليتين من جهة القوة النظرية ، ~~وأن السعادة العقلية تحصل بالشعور بحصول الكمال الخاص للنفس الإنسانية ، ~~والشقاوة تحصل بالشعور بضده ، أراد أن يبين أن ذلك الكمال ما ذا؟ وأن أية ~~مرتبة من الكمال العلمي يكون PageV03P087 # حصولها للنفس منشأ للسعادة العقلية ، وحصول ضدها لها منشأ للشقاوة ~~العقلية؟ فقال : «وأما أنه كم ينبغي أن يحصل عند الإنسان من تصور ~~المعقولات» أي من التصور بالمعنى الأعم الشامل للتصديق بالمعقولات ، التي ~~إدراكها كمال خاص بالنفس الإنسانية ، حتى يجاوز الإنسان بسبب ذلك الكمال ~~الحد الذي في مثل ذلك الحد تقع هذه الشقاوة ، وفي تعديه وجوازه والترقي منه ~~إلى حد آخر فوقه ترجى هذه السعادة ، فليس يمكنني أنص عليه وأصرح به ، ~~وأعينه تعيينا لخفائه ولإشكاله ، إلا نصا بالتقريب ، وأظن أن ذلك أن تتصور ~~نفس الإنسان المبادئ المفارقة التي هي مباد فاعلية ، لوجودها ولوجود غيرها ~~من الأشياء التي تلك المبادي مباد لها ، تصورا حقيقيا بالكنه إن أمكن ، ~~وإلا فبوجه يمتاز به عما عداه ، وتصدق أيضا بها تصديقا يقينيا بوجودها عنده ~~بالبرهان ، وأن تعرف العلل الغائية للأمور الواقعة في الحركات الكلية ، دون ~~الحركات الجزئية التي لا تتناهى ، وبذلك يعسر معرفتها ، وأن يتقرر عندها ~~هيئة الكل ونسب أجزائه بعضها إلى بعض ، والنظام الآخذ من المبدأ الأول إلى ~~أقصى الموجودات الواقعة في ترتيبه ، وأن تتصور العناية الأزلية التي نظام ~~الكل على طبقها ، وتتصور كيفية تلك العناية ، وأن تتحقق أن الذات المتقدمة ~~للكل ، أي ذات المبدأ الأول تعالى شأنه ، أي وجود يخص ذاته ، وأية وحدة تخص ~~ذاته؟ وكيف ينبغي أن تعرف تلك الذات المقدسة عن التغير ، حتى يلحقها تكثر ~~وتغير بوجه من الوجوه في أسمائه وصفاته وأفعاله؟ وكيفية صدور الكثرة من تلك ~~الذات المقدسة الواحدة بالذات ، وكيف ترتيب نسبة الموجودات إليها؟ # وبالجملة ، أن يتحقق عند النفس الإنسانية وجود المبدأ الأول تعالى شأنه ~~وصفاته وأفعاله ، على ما هو الواقع ويقتضيه ms712 البرهان. # ولا يخفى أن ما ذكره الشيخ في تحديد ذلك الكمال مع كونه تحديدا بالتقريب ~~كما ذكره ، فيه إشكال أيضا يعرف بالتأمل الصادق. # والأظهر أن يقال في تحديده مطابقا لما دل عليه العقل ونطق به الشرع ، إنه ~~هو الإيمان بالله تعالى وأسمائه وصفاته وأفعاله ، وبملائكته وكتبه ورسله ~~واليوم الآخر وبجميع ما جاء الرسل به من عند الله تعالى ، أي الإيمان ~~والتصديق بذلك ، بحيث يعد PageV03P088 # المصدق به مؤمنا. # وكيفما كان ، فبعد حصول أصل ذلك الكمال على ما حده الشيخ أو حددناه ، إذا ~~ازداد الناظر استبصارا فيه ازداد للسعادة استعدادا ، كما أنه كلما ازداد ~~عمى (1) عن ذلك الكمال ، ازداد بعدا من السعادة وقربا من الشقاوة ، وكأنه ~~ليس يتبرأ الإنسان عن هذا العالم الأدنى الحسي وعلائقه حتى يحصل له تلك ~~السعادة ، إلا أن يكون شديد العلاقة مع ذلك العالم الأعلى العقلي ، كما ~~فيما بعد مفارقة النفس عن البدن ، وكذا في ضمن البدن لبعض النفوس الكاملة ، ~~فصار له بسبب تلك الشدة من العلاقة شوق إلى ما هناك ، أي في العالم العقلي ~~، وعشق لما هناك ، فصده ذلك عن الالتفات إلى ما خلفه ، أي مما في العالم ~~الحسي جملة ، فحصلت له السعادة حينئذ. رزقنا الله تعالى إياه وسائر ~~المؤمنين ، إنه جواد كريم. ### ||| * حال السعادة والشقاوة العقليتين من جهة القوة العملية # وقوله «ونقول أيضا : إن هذه السعادة الحقيقية لا تتم إلا بإصلاح الجزء ~~العملي من النفس ، ونقدم لذلك مقدمة كأنا قد ذكرناها فيما سلف. # فنقول : إن الخلق ملكة تصدر بها عن النفس أفعال بسهولة ما الخ». # لما بين سابقا حال السعادة والشقاوة العقليتين بحسب القوة النظرية للنفس ~~، أي حال السعادة بحسب الهيئة العملية ، وحال الشقاوة بحسب الجهالات ، أراد ~~أن يبين هنا حالها بحسب القوة العملية لها ، أي حال السعادة بحسب الملكات ~~والأخلاق الحسنة ، وحال الشقاوة بحسب الملكات الردية ، فذكر أولا : أن هذه ~~السعادة الحقيقية لا تتم إلا بإصلاح الجزء العملي من النفس ، يعني أن ~~السعادة العقلية كما أنها تكون بإصلاح الجزء العلمي من النفس ، وبكمال ~~قوتها النظرية ms713 ، أي حصول العلوم الواقعية الحقيقية لها ، وأن الشقاوة ~~العقلية بخلافها كما ذكر ، كذلك تكون السعادة العقلية بإصلاح الجزء العملي ~~منها وبكمال قوتها العملية ، وحصول الأخلاق الحسنة لها أيضا ، والشقاوة ~~العقلية بخلافها. وأنه PageV03P089 # بحصول هاتين السعادتين العقليتين جميعا تحصل السعادة الحقيقية التامة ~~الكاملة ، فإنها السعادة التي بحصول كلا قسمي كمال النفس جميعا ، وأنه ~~بحصول واحدة منهما فقط ، وإن كان تحصل السعادة لكنها تكون غير حقيقية وغير ~~تامة ، فإنها بحصول أحد قسمي كمالها دون الآخر ، ولا شك أن ما هو بحصول ~~الجميع أتم وأكمل مما هو بحصول البعض. فحينئذ فالسعادة الحقيقية إنما هي ~~للكاملين في العلم والعمل ، والمستكملين في القوة النظرية والعملية جميعا ، ~~دون الكاملين في أحدهما فقط ، فإنهم ناقصون أيضا باعتبار. # ومنه يعلم حال الشقاوة الحقيقية ، أي أنها تكون للناقصين في العلم والعمل ~~جميعا ، دون الناقصين في أحدهما خاصة. # ثم قدم مقدمة تتضمن معنى إصلاح الجزء العملي وإفساده. # وبيانها : أن الخلق ملكة تصدر بها من النفس أفعال ما بالسهولة من غير ~~تقدم روية ، وقد أمر في كتب الأخلاق بأن يستعمل التوسط بين الخلقين الضدين ~~، كالتوسط بين البخل والإسراف ، الذي هو الكرم ، لا بأن يفعل أفعال التوسط ~~دون أن تحصل ملكة التوسط ، بل مع حصول تلك الملكة للنفس ، ولا يخفى أن ملكة ~~التوسط كأنها موجودة للقوى الناطقة وللقوى الحيوانية جميعا ، أما للقوة ~~الحيوانية ، فبأن يحصل فيها هيئة الإذعان والانقهار والانفعال من القوة ~~الناطقة بعد أن قويت القوة الناطقة وحصلت فيها ملكة التوسط ، وأثرت هي في ~~القوة الحيوانية وقهرته ، فصارت القوة الحيوانية منقهرة عندها مذعنة لها ~~منفعلة منها. # وأما للقوة الناطقة ، فبأن تقوى هي وتحصل فيها هيئة الاستعلاء على القوة ~~الحيوانية وهيئة الانفعال والإذعان من المبادئ العالية. وهذا كما أن ملكة ~~الإفراط والتفريط موجدة للقوة الناطقة وللقوى الحيوانية جميعا ، ولكن بعكس ~~هذه النسبة ، إذ من المعلوم أنه كما أن ملكة التوسط التي يتبعها الخيرات ، ~~وهي أمارة قوة القوة الناطقة ، ومقتضى النفس الإنسانية التي في جبلتها ~~الخيرات ، وكذا هي أمارة استعلائها على القوى الحيوانية ms714 التي في جبلتها ~~الشرور ، تحدث هي أولا في الناطقة ثم في الحيوانية بانقهارها منها ، كذلك ~~ملكة الإفراط والتفريط التي يتبعها الشرور ، وهي أمارة قوة القوى الحيوانية ~~التي في PageV03P090 # جبلتها الشرور ، وكذا هي أمارة استعلائها على القوة الناطقة وانقهارها ~~منها تحدث أولا في القوى الحيوانية ، ثم في الناطقة بإذعانها منها ~~وانقهارها دونها. # وبالجملة ، أنه من المعلوم أن الإفراط والتفريط مقتضيا القوى الحيوانية. ~~وأنه إذا قويت القوى الحيوانية وحصلت لها ملكة استعلائية على القوة الناطقة ~~، ضعفت الناطقة وانقهرت دونها ، فحدثت في النفس الناطقة هيئة إذعانية وأثر ~~انفعالي قد رسخ في النفس الناطقة ، من شأن تلك الهيئة أن تجعل النفس ~~الناطقة قوية العلاقة مع البدن ، شديدة الانصراف إليه ؛ وذلك مضاد لجوهر ~~النفس الناطقة مؤلم مؤذ لها ، لأن حقيقتها تستدعي أن تكون لها هيئة ~~استعلائية قهرية على البدن وقواه الحيوانية كالقوى الشهوانية والغضبية مثلا ~~، فإذا انقهرت منها وانقادت وخدمت إياها في تحصيل مآربها الدنية الدنيوية ، ~~كان ذلك مضادا لجوهرها مؤلما لها وموجبا لحسرتها وشقاوتها. # وأما ملكة التوسط ، فالمراد منها هيئة راسخة شأنها تنزيه النفس الناطقة ~~عن الهيئات الانقيادية الانقهارية من القوى الحيوانية ، وكذا شأنها بتقية ~~النفس الناطقة على جبلتها الأصلية ، مع إفادة هيئة الاستعلاء على القوى ~~الحيوانية ، وذلك غير مضاد لجوهر النفس ، ولا مائل إلى جهة البدن ، بل عن ~~جهته ، فإن التوسط يسلب عنه الطرفين المتضادين دائما ، بل هو مقتضى جوهرها ~~وحقيقتها كما مر. # ثم إنه حيث قرر هذه المقدمة ، شرع في بيان كيفية حصول السعادة باعتبار ~~صلاح الجزء العملي من النفس وحصول الشقاوة باعتبار فساده ، فقال : «ثم جوهر ~~النفس الذي ملكة التوسط من مقتضياتها وملائمة لها وكمال لها من جهة القوة ~~العملية ، إنما كان البدن هو الذي يغمره ويلهيه ويغفله عن الشوق الذي يخصه ~~عن طلب الكمال ، وعن الشعور بلذة الكمال إن حصل له والشعور بألم الكمال إن ~~قصر عنه ، وليس تلك الغفلة بسبب أن النفس منطبعة في البدن ، أو منغمسة فيه ~~حتى ينافي ذلك تجردها في ذاتها عن المادة وتوابعها ، ولكن للعلاقة ms715 التي ~~كانت بينهما ، وهي الشوق الجبلي الذي أودعه الله تعالى في حقيقتها ، والميل ~~الذاتي إلى تدبير البدن والاشتغال بآثاره وبما يورده من عوارضه وبما يتقرر ~~فيها من ملكات مبدؤها البدن ، وسواء كانت ملكة التوسط أو ملكة الإفراط PageV03P091 # والتفريط ، حيث إن تلك الملكات كلها إنما تحصل بتكرر أفعال مبدؤها البدن ~~، فإذا فارقت النفس البدن وفيها الملكة الحاصلة بسبب الاتصال بالبدن ، أي ~~ملكة الإفراط والتفريط ، حيث إنها هي الحاصلة بسبب اتصال النفس بالبدن ~~المائلة لها إلى جهة ، فإن ملكة التوسط وإن كان مبدؤها البدن أيضا ، إلا ~~أنها ليست حاصلة لها بسبب الاتصال به ، ولا مائلة لها إلى جهة ، بل عن جهته ~~كما ذكر. # وبالجملة ، إذا فارقت النفس البدن وفيها تلك الملكة المائلة لها إلى جهة ~~البدن ، أي ملكة الإفراط والتفريط ، سواء كانت تلك الملكة الحاصلة ملكة ~~إفراط وتفريط في كل الأفعال ، أو في بعضها دون بعض ، كانت النفس من جهة تلك ~~الملكة الحاصلة في كل الأفعال أو بعضها التي هي من آثار الاتصال بالبدن ~~فيها قريبة الشبه أو قريبة النسبة من حال النفس وهي في البدن ، حيث إن ~~الآثار البدنية كلها أو بعضها تكون باقية فيها حينئذ كما كانت قبل المفارقة ~~، وحيث إن تلك الآثار كما كانت شاغلة لها عن الشوق إلى الكمال وعن الشعور ~~بلذة الكمال قبل المفارقة تكون شاغلة أيضا لها عنه حينئذ ، إلا أن تلك ~~الملكة حيث كانت في معرض الزوال حيث إن مبدأها وهو البدن قد هلك وتلاشى ~~وحصل للنفس المفارقة عنه وسببها ، وهو استعلاء القوى الحيوانية على النفس ~~قد بطل ، حيث إنه بتلاشي البدن بطل استعلاؤها وقوتها ، بل انعدمت أنفسها ~~أيضا ، لكن تلك الملكة حينئذ لم تزل بعد بالكلية ، حيث إنها رسخت في النفس ~~وانطبعت فيها كانطباع الرين في المرآة الصافية في ذاتها المتدرنة بالدرن ~~(1) الغريب عن حقيقتها ، ولا يكفي في زوالها بالكلية بطلان مبدئها وانعدام ~~سببها ، بل ينبغي أن يكون هناك مع ذلك تصفية ما وتصقيل لقابلها وهو النفس ، ~~حتى تنمحي تلك الملكة عنها بالكلية. # وبالجملة ms716 ، حيث كانت تلك الملكة باقية في الجملة ، وكانت في معرض الزوال ~~فهي تزول شيئا فشيئا بقدر استعداد قابلها للصفاء وحصول الصفاء له ، فبأي ~~قدر ينقص من تلك الملكة الملهية للنفس عن الشوق إلى كمالها عن النفس تزول ~~غفلتها عن حركة PageV03P092 # الشوق الذي لها إلى كمال المعشوق لها ، علميا كان وهو العلم بحقائق ~~الموجودات كما هي أم عمليا وهو ملكة التوسط فتشعر بها. وبأي قدر يبقى من ~~تلك الملكة مع النفس تكون محجوبة النسبة والشبه عن الاتصال الصرف بمحل ~~سعادتها ، لأن ذلك الاتصال بمحل سعادتها أي سعادتها العلمية والعملية موقوف ~~على أن لا يبقى فيها من الآثار البدنية الشاغلة لها عنه شيء ، والمفروض أنه ~~قد بقي. أو المعنى أنه بسبب النقصان من تلك الملكة تزول غفلتها عن حركة ~~الشوق الذي لها إلى كمالها ، وبسبب بقائها في الجملة تكون محجوبة النسبة عن ~~ذلك الاتصال ، والحاصل أنه حينئذ يحصل للنفس شعور وشوق إلى كمالها المعشوق ~~لها مع كونها محجوبة عنه ، فيحدث هناك من الحركات المتشوقة ما يعظم أذاها ، ~~حيث إن الحركة إلى معشوق ما مع حصول مانع عن نيله أذى وألم ، وإن كان يختلف ~~حاله بحسب اختلاف مراتب تلك الحركات الشوقية ومراتب تلك الموانع. # ثم إن نفس تلك الهيئة البدنية المنطبعة في النفس ، حيث إنها هيئة غريبة ~~عن جوهر النفس بمنزلة الرين والدرن لها ، مضادة بنفسها لجوهر النفس أيضا ، ~~موذية لها دائما ، كان يلهيها عنها وعن مضادتها وإيلامها أيضا البدن وتمام ~~انغماسها فيه ، فإذا فارقت عنه وارتفع الشاغل ، أحست بتلك المضادة العظيمة ~~وتأذت بها أذى عظيما ، فيحصل لها حينئذ الأذى والألم من وجهين : أحدهما ، ~~من جهة تلك الحركات المتشوقة ، والآخر من جهة تلك الهيئة نفسها ، فيتضاعف ~~الأذى والألم. لكن هذا الأذى والألم ، ليس لأمر لازم للنفس الناطقة كما في ~~صورة نقصانها من جهة قوتها النظرية ، بل لأمر عظيم غريب عن حقيقتها ، ~~والأمر العارض الغريب لا يدوم ولا يبقى ، بل يزول ويبطل مع زوال الأفعال ~~التي كانت تثبت تلك الهيئة الغريبة البدنية بتكررها ، أي ms717 الأفعال التي كان ~~مبدؤها قوة القوى الحيوانية واستعلاءها على النفس الناطقة ، وكان تكرر تلك ~~الافعال منشئا لثبوت تلك الهيئة وانطباعها في النفس ، وقد زالت تلك الأفعال ~~بمفارقة النفس عن البدن ، وكذا زال مبدؤها ومنشؤها ، وأفضى زوالها إلى زوال ~~تلك الهيئة المسببة عنها ، مع كون النفس بجوهرها وحقيقتها تقتضي زوال تلك ~~الهيئة عنها لكونها غريبة عنها مضادة لها. # وبالجملة ، فالمبدأ الفاعلي لتلك الهيئة قد زال ، والقابل لها أي النفس ~~مستعدة لزوالها PageV03P093 # عنها استعدادا تاما ، فكلما تأملت منها قرب استعدادها لزوالها عنها ، ~~فلهذا تزول وتنمحي شيئا فشيئا بحسب مراتب استعدادها لزوالها عنها ، فيلزم ~~إذن أن يكون العقوبة التي بحسب حصول الهيئة الغريبة غير خالدة ، بل قد تزول ~~وتنمحي قليلا قليلا بحسب انمحاء تلك الهيئة شيئا فشيئا. حتى تزكو النفس عن ~~تلك الهيئة وتصفو بمصفاة العقوبة وتنجلي بمصقل الألم والأذى ، وتبلغ حينئذ ~~السعادة التي تخصها من السعادة العلمية إن كانت لها ، وكذا السعادة العملية ~~الحاصلة لها بالنسبة إلى هيئة وملكة أخرى من ملكات التوسط إن كانت أيضا ~~لها. وهذا حال تلك الهيئة البدنية الغريبة إذا كانت ملكة راسخة. # ومنه يعلم حالها ، إذا لم تكن راسخة أيضا ، فإنها تزول بالطريق الأولى. # وبالجملة ، فتلك الهيئات الردية البدنية ، سواء كانت مستحكمة أو غير ~~مستحكمة ، وكلها إنما تكون بسبب غواش غريبة ، فجميعها يمكن أن تزول بعد ~~الموت ، إما لعدم رسوخها ، وإما لكونها هيئات مستفادة من الأفعال والأمزجة ~~، فتزول بزوالها. وإن كانت تختلف في شدة الرداءة وضعفها ، وفي سرعة الزوال ~~وبطئه ، وفي كونها بالنسبة إلى كل الأعمال والأفعال أو بعضها ، ويختلف ~~التعذب بها بعد الموت في الكم والكيف بحسب ذلك الاختلاف. # وبما ذكر يظهر سر ما ورد في الأخبار من أن المؤمن الفاسق لا يخلد في ~~النار. ووجه ما اتفق عليه أهل الحق من أن عذاب صاحب الكبيرة منقطع. # ثم إن هذا الذي ذكر إنما هو بيان حال فساد الجزء العملي والشقاوة بحسبه ، ~~إذا كان ذلك بحسب طروء حالة ردية غريبة على النفس ، بعد أن كانت في قوتها ms718 ~~القريبة تحصيل ملكة التوسط ، ولم تحصلها ، بل فرطت وقصرت في تحصيلها وحصلت ~~ملكة الإفراط والتفريط. # ومنه يعلم بيان حاله ، إذا كان من جهة نقصان الغريزة أيضا بحسب الجزء ~~العملي ، أي إذا كان عدم تحصيل ملكة التوسط ، لا لأجل أنها فرطت فيها وقصرت ~~، بل لأجل أنه كانت غريزتها بحسب الجزء العملي ناقصة عن تحصيلها ، بعد أن ~~كانت من شأنها إمكان تحصيلها في الجملة ولو بعيدا ، وأنها بسبب ذلك النقصان ~~في الغريزة ، كما لم تحصل ملكة PageV03P094 # التوسط ، لم تحصل ملكة الإفراط والتفريط أيضا ، ولم تطرأ على تلك النفس ~~تلك الحالة الغريبة الردية ، سواء كانت راسخة أو غير راسخة ، فإن هذه النفس ~~أيضا بسبب عدم تحصيلها ملكة التوسط في كل أفعالها أو بعضها ، سواء حصلت لها ~~هيئة راسخة أو غير راسخة غير هيئة الإفراط والتفريط ، أو لم تحصل ، لا تكون ~~عقوبتها خالدة ، بل إن بعض تلك النفوس مما لا تتعذب بذلك أصلا ، كما في ~~النفوس الساذجة بالقياس إلى الهيئة العلمية ؛ وبعضها وإن كانت تتعذب بذلك ، ~~إلا أن عذابها أدون من عذاب من حصلت ملكة الإفراط والتفريط من وجه ، حيث ~~إنها وإن كانت تتعذب بفقدان ملكة التوسط إذا كان لها شوق إليها ، لكنها لا ~~تتعذب من جهة نفس تلك الهيئة الغريبة الموذية المؤلمة الحاصلة فيها ، أي ~~هيئة الإفراط والتفريط ، حيث إنها لم تكن فيها. # ثم إن الذي ذكرنا كله ، إنما هو بيان كيفية الشقاوة بحسب فساد الجزء ~~العملي من النفس ، ومنه يعلم بيان حال السعادة بحسب صلاحه ، وأن السعادة ~~بحسبه تكون خالدة دائمة. # أما بيان حصول أصل السعادة بحسبه ، أي بحسب حصول ملكة التوسط لها ، فظاهر ~~بتقريب ما سبق ، لأن ملكة التوسط ، حيث كانت كمالا للنفس الإنسانية من جهة ~~قوتها العملية ، وكانت هيئة مناسبة موافقة لجوهرها غير مضادة لحقيقتها ، ~~كان إدراكها والشعور بها لذة وسعادة ، وإنما كانت النفس لا تشعر بها ولا ~~تستلذها قبل المفارقة عن البدن ، لأن البدن هو الذي كان يغمرها ويلهيها ~~ويغفلها عن الشوق الذي يخصها عن طلب كمالها ، وحيث فارقت ms719 البدن زالت تلك ~~الغفلة وحصل لها الشعور بها على أكمل وجه ، فحصلت لها بسببها السعادة ~~العظيمة من جهة الشعور بها واستلذاذها ، بل من جهة الشعور بكمالها العملي ~~أيضا إن كان لها ، لأنه كما أن ملكة الإفراط والتفريط ، التي هي هيئة مضادة ~~للنفس ، كانت شاغلة لها عن إدراكها لكمالها العلمي ، وكانت هي بسبب ذلك ~~محجوبة النسبة عن الاتصال الصرف بمحل سعادتها ، كذلك ملكة التوسط التي هي ~~هيئة موافقة للنفس ، وهي بخلاف هيئة الإفراط والتفريط لا تكون شاغلة وحاجبة ~~لها عن ذلك ، بل هي معينة ومشوقة إلى إدراك كمالها العلمي أيضا ، فتكون لها ~~السعادة من وجهين : أحدهما من جهة PageV03P095 # الشعور بأصل تلك الملكة التوسطية التي هي كمال عملي لها ، والآخرة من جهة ~~إعانتها للشعور بكمالها العلمي ، فيتضاعف لذتها وسعادتها ، وإن كانت تختلف ~~بحسب اختلاف مراتب تلك الملكة في الكيف والكم. ### ||| * في بيان خلود السعادة من جهة صلاح الجزء العملي # وأما بيان خلود تلك السعادة ودوامها فلأن ملكة التوسط أيضا ، وإن كانت ~~هيئة عارضة للنفس منطبعة فيها بسبب تكرر الأفعال البدنية التي تزول ، ~~ومقتضى ذلك أن تزول تلك الهيئة المسببة عنها أيضا بزوال مبدئها وسببها ، ~~إلا أن تلك الهيئة لما كانت هيئة مناسبة بجوهر النفس ومن مقتضى حقيقتها ، ~~وكانت هيئة غير غريبة عنها ؛ لم يكن فيها استعداد ما لزوالها عنها أصلا ، ~~بل كان فيها استعداد تام لاستثباتها فيها وبقائها ، فتكون باقية خالدة ~~بفيضان الوجود عليها من المبدأ الفياض. # وبالجملة فمبدؤها ، وإن كان زائلا إلا أن القابل لها وهو النفس الإنسانية ~~ليس فيه استعداد لزوالها عنه ، بل استعداده إنما هو لاستثباتها فيه ، وحيث ~~كان مستعدا لبقائها فيه ، تكون باقية بإفاضة الوجود عليها من المبدأ الفياض ~~، بعد أن كان حدوثها من تكرر الأفعال البدنية ، ومن إفاضة الوجود عليها من ~~المبدأ الفياض أيضا ، وحيث كانت تلك الملكة خالدة كانت السعادة بحسبها أيضا ~~خالدة ، وخلود هذه السعادة كما هو مقتضى الدليل العقلي ، كذلك هو مطابق لما ~~نطق به الشرع ، فتبصر. # ثم إنه بقي هنا شك ، وهو : أنه ms720 لقائل أن يقول : ما الفرق بين الهيئة ~~الردية الحاصلة من جهة فساد الجزء العملي من النفس وقوتها العملية وبين تلك ~~الهيئة الردية الحاصلة من جهة فساد الجزء العلمي وقوتها النظرية؟ حيث حكمتم ~~بزوال الأولى عن النفس شيئا فشيئا وبانقطاع الشقاوة التي من أجلها ، كما دل ~~عليه كلام الشيخ هنا صريحا ، وحكمتم ببقاء الثانية فيها وعدم زوالها عنها ~~وعدم انقطاع الشقاوة التي من أجلها ، كما أشعر به كلام الشيخ ثمة ، وأشرتم ~~إلى وجهه هنالك مع كون الهيئتين سواء في كونهما هيئتين غريبتين PageV03P096 # عن جوهر النفس ، مضادتين لحقيقتها ، وفي كونهما هيئتين راسختين ، وفي كون ~~مبدئهما الأفعال البدنية التي تزول بعد مفارقة النفس عن البدن ، فإن الهيئة ~~الثانية أيضا إنما تحصل إما بالإهمال أو بالإعراض أو بالجحود ، وكل منها ~~إنما يحصل بغلبة القوى الحيوانية على النفس الناطقة ، وانقهار الناطقة عند ~~الحيوانية كما في الهيئة الأولى. # ويمكن الجواب عن هذا الشك ، بأنه : لعل الفرق بينهما بما أشرنا إليه ~~سابقا ، من أن الهيئة الردية الحاصلة من جهة فساد الجزء النظري ، التي هي ~~سبب قريب للتألم والتعذب ، إنما هي هيئة الجهل البسيط أو الجهل المركب ~~بالقياس إلى حقائق الأشياء التي كان للنفس الناطقة شوق إلى العلم بها ولم ~~تكتسبه ، إما لإعراضه أو لإهماله أو لجحوده ، وتلك الهيئة لا يمكن زوالها ~~عن النفس بعد الموت ، لأن زوالها إنما يكون بحصول العلم النظري للنفس ~~بالنسبة إلى حقائق تلك الأشياء التي حصل لها الجهل بها ، وبانقلاب الجهل ~~علما ، وقد عرفت أنه لا يمكن ذلك ، لأن أوائل الملكة العلمية التي بها يمكن ~~اكتساب المجهول من المعلوم والاستكمال بالفعل لا شك أنها تكتسب بالبدن لا ~~غير ، والمفروض أن النفس فارقت البدن ، فلم يمكن لها اكتساب تلك الملكة ~~ثانيا والاستكمال مرة أخرى ، مع أن المفروض أن ليس حصول هذا العلم ضروريا ~~حتى يحصل للنفس ويزول عنها الشقاء ، وإلا لكان ضروريا حين كون النفس في ~~البدن أيضا ، والمفروض خلافه. وإذا لم يكن زوال تلك الهيئة الجهلية التي هي ~~سبب قريب لتألم النفس بها ms721 عن النفس ، فلم يمكن زوال الشقاوة التي بحسبها ~~عنها ، فتكون خالدة. وأيضا إن تلك الهيئة الجهلية ، وإن كان مبدؤها الإهمال ~~والإعراض والجحود ، إلا أن تلك الأفعال ليست أفعالا بدنية يمكن زوالها ~~ببطلان البدن ، بل هي أفعال نفسانية صدرت عن النفس بذاتها ، وإن كان مبدؤها ~~نوع غلبة للقوى البدنية الحيوانية على القوة العقلية الإنسانية ، وما تصدر ~~عن النفس بذاتها يكون أثره باقيا فيها ، فلا يكون حينئذ مبدأ تلك الهيئة ~~الجهلية المؤلمة الموذية أفعالا بدنية زائلة بزوال البدن ، حتى يمكن زوال ~~تلك الهيئة عن النفس. # ويعلم مما ذكرنا أن تلك الهيئة لا يمكن زوالها لا من جهة القابل لها ، ~~ولا من جهة المبدأ القريب لها ، فتكون باقية في النفس من جهتين. وأما ~~المبدأ البعيد لها فهو وإن كان PageV03P097 # يمكن زواله ، إلا أنه يمكن أن يخلف وينوب عنه مبدأ آخر ، وهذا بخلاف ~~الهيئة الردية الحاصلة من جهة فساد الجزء العملي كما عرفت بيان حالها. # فإن قلت : إن ما أشعر به كلام الشيخ ثمة ، ودل عليه ما نقلنا من كلام ~~المحقق الطوسي صريحا من الحكم بزوال اعتقادات العوام والمقلدة عن النفس ، ~~وعدم خلود الشقاء بسببها للنفس ، كيف يجتمع مع ما نطق به الشرع وأجمع عليه ~~أهل الحق من خلود الكافرين والمشركين ونظرائهم في النار ، والحال أن أكثرهم ~~عوام ومقلدة ، كانوا يقلدون آباءهم ورؤساءهم في الكفر والشرك والجحود. # قلت : لعل من نطق الشرع الشريف بخلودهم في النار من العوام والمقلدة منهم ~~محمول على من حصل له اعتقاد راسخ في الكفر والشرك والجحود ، وإن كان مبدأ ~~حصول ذلك الاعتقاد تقليدا أو أمرا آخر من الأمور الخسيسة والأعراض الدنيوية ~~، بخلاف من دل كلام الشيخ والمحقق الطوسي (ره) على عدم خلودهم ، فإنه محمول ~~على من لم يحصل ذلك الاعتقاد الراسخ. # فإن قلت : إن من هؤلاء من لم يحصل ذلك الاعتقاد الراسخ واتبع ظنه ، بل ~~هوى نفسه أيضا ، وقد نطق الشرع بخلودهم في النار ، كما قال تعالى في شأن ~~بعض المشركين : ( @QUR@025 إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما ms722 أنزل ~~الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم ~~الهدى ). (1) # قلت : لعل المراد بهؤلاء أيضا من حصل له ذلك الاعتقاد الراسخ أيضا كما دل ~~عليه قوله تعالى ( @QUR@02 إن يتبعون ... ) وإن كان مبدأ ذلك الاعتقاد نوع ~~ظن أو هوى نفساني أو تقليد الآباء ، وأنهم بذلك الاتباع المبني على حصول ~~الاعتقاد الراسخ لهم في الشرك ، خصوصا مع قيام الحجة ووضوح الدليل على ~~خلافه ، كما يدل عليه قوله تعالى : ( @QUR@05 ولقد جاءهم من ربهم الهدى ) ~~(2) مخلدون في النار. # وبالجملة فما تضمنه كلام الشيخ والمحقق الطوسي من الحكم بزوال اعتقادات PageV03P098 # العوام والمقلدة ، يمكن أن يحمل على زوال اعتقاداتهم التي ليست راسخة ، ~~سواء كانت اعتقادات غير راسخة بل حالة ، أو لم تكن اعتقادا أيضا ، بل ظنا ~~أو هوى نفس ، أو نحو ذلك ، وسميت اعتقادا مجازا. وتلك الاعتقادات والحالات ~~مثل الحالات الطارئة على نفوس المستضعفين منهم ، الذين لا اعتقاد لهم في ~~الكفر والشرك ولا في الإيمان ، وهم عوام ومقلدة ، فإن تلك الحالات لعدم ~~كونها هيئة راسخة في نفوسهم ، يمكن أن تزول عنها وينقطع الشقاء بسببها خاصة ~~، ومع ذلك فليس لهم السعادة أيضا ، بل إنهم لو كانوا ممن اكتسبوا الشوق إلى ~~كمالاتهم النفسانية ولم يكتسبوها ، فهم معذبون بترك الإيمان وبفقدهم ~~كمالاتهم تعذيبا دائميا كما دل عليه كلام الشيخ ، وإن لم يكونوا ممن ~~اكتسبوا الشوق إلى كمالاتهم ، كالنفوس الساذجة فلا شقاء لهم من هذه الجهة ~~أيضا ، وإن لم تكن لهم سعادة أيضا بالشعور بكمالاتهم. والله تعالى أعلم ~~بحقائق الحال. ### ||| * في بيان حال النفوس البله # ثم إن قول الشيخ : «وأما النفوس البله التي لم تكتسب الشوق ، فإنها إذا ~~فارقت البدن .. إلى آخر ما ذكره في الفصل» بيان لكيفية حال النفوس الساذجة ~~الصرفة ، بعد مفارقتها عن الأبدان ، كما سيأتي تحريره. # وتقييد النفوس البله ، بقوله : «التي لم تكتسب الشوق» يدل على أنه أراد ~~بالنفوس البله النفوس الساذجة مطلقا ، أعم من البله والمجانين والصبيان. ~~كما أن قوله سابقا «وأما النفوس والقوى الساذجة الصرفة فكأنها هيولى موضوعة ms723 ~~لم تكتسب البتة هذا الشوق» يدل على هذا التعميم أيضا. # وبالجملة ، فكلامه هنا قرينة على أنه أراد في كلامه في «الإشارات» بالبله ~~هذا المعنى الأعم أيضا ، كما أشرنا إليه فيما سلف من مبحث التناسخ. # ثم إن في كلامه مع الدلالة على هذا التعميم ، دلالة على تخصيص النفوس ~~«البله بالنفوس الخالية عن الكمالات العلمية خاصة ، وعما يضادها لا عن ~~الكمالات العملية PageV03P099 # أيضا وعما يضادها. # وبيان ذلك ، أنه حيث قيد النفوس البله بالتي لم تكتسب الشوق ، وأراد ~~بالشوق الشوق إلى الكمال الخاص بالنفس الإنسانية ، وقد فسره فيما سبق بأنه ~~أن تصير النفس عالما عقليا مرتسما فيه صور الكل ، أي الكمال من جهة القوة ~~النظرية ، يستفاد منه أن النفوس البله ، هي التي تكون خالية عن الكمال ~~العلمي وعما يضاده ، وأنها لو اكتسبت كمالا عمليا أو ما يضاده ، أي ما هو ~~بحسب القوة العملية ، فلا ينافي ذلك كونها نفوسا ساذجة خالية عن الكمال ~~العلمي وعما يضاده ، ولأجل ذلك قسم النفوس البله إلى قسمين : قسم هو كان ~~غير مكتسب للهيئات الردية ، وقسم كان مكتسبا للهيئات البدنية الردية ، التي ~~أراد بها هيئة الإفراط والتفريط ، كما يدل عليه كلامه آنفا. وحينئذ فلا يرد ~~عليه أن النفوس البله إذا كان معناها النفوس الخالية عن الكمال وعما يضاده ~~، فكيف تكون مكتسبة للهيئات الردية البدنية التي هي مضادة للكمال العملي؟ # إلا أنه يرد عليه أن هاهنا قسما آخر ينبغي أن يذكره ويبين حاله ، وهو لم ~~يتعرض له ، وهو أن تكون قد اكتسبت الهيئة الفاضلة الملائمة الموافقة ~~البدنية ، أي هيئة التوسط مع كون هؤلاء أحسن حالا من الذين لم يكتسبوا ~~الهيئات الردية أصلا ، وقد تعرض لبيان حالهم. # ويمكن دفع هذا الايراد عنه أيضا بأن هذا القسم لعله داخل تحت قوله : ~~«وكانت غير مكتسبة للهيئات الردية» فإن عدم الاكتساب للهيئات الردية أعم من ~~أن يكون هناك اكتساب للهيئات الفاضلة أم لا. # ثم إن هذا التخصيص كما أنه هو مفاد كلام الشيخ ، كذلك هو مفاد كلام ذلك ~~البعض من العلماء الذي نقل كلامه ms724 هنا ، حيث إنه أيضا في قوله : «إن النفوس ~~البله إذا فارقوا الأبدان ، ولم يكن لهم معنى جاذب إلى الجهة التي هي فوقهم ~~، لا كمال فيسعدوا تلك السعادة ، ولا شوق كمال فيشقوا تلك الشقاوة الخ» ~~أراد هذا المعنى الذي يفهم من كلام الشيخ ، وهو أن النفوس البله هم الذين ~~ليس كمال من جهة القوة النظرية ولا شوق إليه ، فيفهم منه أيضا أن النفوس ~~البله هي النفوس الخالية عن الكمال العلمي وما يضاده. PageV03P100 # وأما ما ذكره من تقسيم تلك النفوس إلى النفوس الزكية وفسرها بما رسخ فيها ~~نحو من الاعتقاد في العاقبة التي تكون لأمثالهم الخ وإلى النفوس الردية ~~وأراد بها ما يقابل النفوس الزكية ، أي التي لم يكن فيها ذلك النحو من ~~الاعتقاد أو أعم منه ، ومن التي رسخت فيها هيئة ردية بدنية كملكة الإفراط ~~والتفريط فليس بمناف لإرادته البله بالمعنى المذكور ، أي الخالية عن الكمال ~~العلمي وما يضاده خاصة ، لأن ذلك النحو من الاعتقاد الذي ذكره ليس كمالا ~~علميا للنفس حتى ينافي الخلو من الكمال العلمي ، لأن الكمال العلمي كما ~~تضمنه كلام الشيخ سابقا إنما هو الاعتقاد الجازم بالمعقولات من حيث إنها ~~معقولات ، بحيث تصير النفس عالما عقليا مرتسما فيه صور الكل والنظام ~~المعقول في الكل والخير الفائض في الكل ، ولا كذلك ذلك النحو من الاعتقاد ، ~~فإنه كما يدل عليه كلام ذلك البعض اعتقاد في العاقبة من جهة الأمور الجزئية ~~التي من شأنها أن تكون محسوسة. وأيضا هو وإن كان اعتقادا في الجملة ، لكنه ~~ليس اعتقادا في مرتبة الاعتقاد بالمعقولات الصرفة ، بل هو اعتقاد شبيه ~~بالتخيل أو التوهم. # وكذلك الأنفس الردية التي ذكرها وذكر بيان حالها ، ليس المراد بها ما ~~ارتسم فيه الجهل بالكمالات العلمية بسيطا أو مركبا حتى ينافي كونها خالية ~~عن ضد الكمال العلمي ، بل المراد بها إما ما ارتسم فيه ضد ذلك النحو من ~~الاعتقاد كما هو الظاهر من كلامه أو هو مع كيفية ردية بدنية ، وعلى ~~التقديرين ، فالمرتسم فيها ليس ضدا للكمال العلمي. # وكذلك ليس بين ms725 كلامي الشيخ وذلك البعض منافاة في تقسيم النفوس البله إلى ~~الأقسام ، وبيان حال تلك الاقسام ، فإن الشيخ قد بين أحوال تلك النفوس ~~البله بحسب خلوها عن الهيئات الردية البدنية ، وبحسب اشتمالها عليها ، بل ~~بحسب اشتمالها على الهيئات الفاضلة أيضا ، ولم يتعرض لبيان حالها بحسب ~~اشتمالها على الاعتقادات الشبيهة بالتخيل أو التوهم في العاقبة من الأمور ~~الجزئية المحسوسة ، وإن ذلك البعض قد تعرض للثاني دون الأول ، ولا ضير في ~~كل ذلك ، بل إن الشيخ ربما لم يتعرض للثاني إحالة على ظهوره مما نقله من ~~ذلك البعض ، بل إنه ربما يدعي أن ما ذكره ذلك البعض من الأحوال راجع إلى ~~الاشتمال على الهيئات البدنية الفاضلة وعلى الهيئات الردية البدنية PageV03P101 # أيضا ، فإن رسوخ ذلك النحو من الاعتقاد الذي عرفت أنه ليس بكمال علمي ~~للنفس ، وكذا رسوخ خلافه ، يرجع إلى رسوخ حالة بدنية ردية أو فاضلة. # ومنه يظهر وجه آخر لعدم تعرض الشيخ صريحا لذكر قسم ما اكتسبت النفس ~~الحالة البدنية الفاضلة ، فإنه لعله لم يتعرض له لظهوره مما نقله عن ذلك البعض. # وحيث تحققت ما ذكرنا ، فلنرجع إلى تحرير ما ذكره الشيخ من أحوال النفوس البله. # فنقول : معناه : وأما النفوس البله التي لم تكتسب الشوق التي كمالها ~~الخاص بها ، أي الكمال الحقيقي العلمي ، فإنها إذا فارقت البدن ، وكانت غير ~~مكتسبة للهيئات الردية البدنية ، سواء اكتسبت مع ذلك هيئة فاضلة بدنية أم ~~لا ، صارت إلى سعة من رحمة الله ونوع من الراحة. # أما إذا لم تكتسب هيئة ردية ولا فاضلة مطلقا فلخلوها عن أسباب التأذي ~~والخلاص عنها فوق الشقاء ، فإذن هي في سعة من رحمة الله تعالى ونوع من ~~الراحة. وأما إذا اكتسبت مع ذلك هيئة فاضلة ، فظاهر. # وعلى التقديرين ولا سيما التقدير الأخير ، يمكن أن يحمل ما ورد في الحديث ~~من «أن أكثر أهل الجنة البله» (1) وإن كانت مكتسبة للهيئات البدنية الردية ~~، وليس فيها هيئة غير ذلك من هيئة فاضلة ولا معنى يضادها ولا أمر ينافيها ، ~~فتكون تلك النفوس لا محالة ممنوة بشوقها ms726 إلى مقتضى تلك الهيئات الردية لعدم ~~حصول شيء فيها غير ذلك ، فتتعذب عذابا شديدا بفقد البدن ومقتضياته ، من غير ~~أن يحصل المشتاق إليه ، لأن آلة ذلك قد بطلت وخلق التعلق قد بقي يعني أنها ~~حيث كانت ممنوة بشوقها إلى مقتضى تلك الهيئة الردية البدنية ، والحال أن ~~ذلك المقتضى إنما كان يحصل بالبدن وبالآلات البدنية ، فتتعذب عذابا شديدا ~~بسبب اشتياقها إلى ذلك المقتضى ، مع كون الاشتياق حاصلا لها باقيا فيها ، ~~وكون المشتاق إليه ، أي ذلك المقتضى غير حاصل لها ، بل فائتا عنها. أما كون ~~الاشتياق باقيا ، فلأن خلق التعلق بالبدن ، وهو تلك الهيئة الردية البدنية ~~باق فيها. وأما كون ذلك PageV03P102 # المقتضى فائتا عنها ، فلأن آلة ذلك وهي البدن قد بطلت. # وبالجملة ، فسبب تعذبها وتألمها هو اشتياقها إلى شيء فائت عنها ، وهذا هو ~~مفاد كلامه. # وأما أنه هل ينقطع هذا العذاب عنها أم لا ينقطع ، فليس في كلامه هذا تعرض ~~لذلك ، ومقتضى ما ذكره آنفا من أن الهيئة الردية البدنية والأمر العارض ~~الغريب لا تدوم ولا تبقى ، بل تزول وتبطل مع زوال الأفعال التي كانت تثبت ~~تلك الهيئة بتكررها ، هو انقطاع هذا العذاب ، حيث إن سببه أيضا إنما هو ~~الهيئات الردية والأمر العارض الغريب. # ثم إنه مال بعد ذلك إلى مذهب بعض العلماء في النفوس البله وبيان حالها ~~بعد المفارقة ، وكأنه يريد بذلك البعض الفارابي ، كما مر بيانه فيما سلف. # وقال : «ويشبه أيضا أن يكون ما قاله بعض العلماء حقا ، وهو أن تلك النفوس ~~البله إذا فارقت البدن ، وكانت زكية بأن رسخ فيها نحو من الاعتقاد في ~~العاقبة وفي أمور الآخرة التي تكون لأمثالهم ، على مثل ما يمكن أن يخاطب به ~~العامة ، أي المخاطبة بالأمور الجزئية المحسوسة من الأمور الحقة في الآخرة ~~، دون الأمور المعقولة التي ليس من شأنهم إدراكها ولا ينبغي مخاطبتهم بها ~~واعتقدوا تلك الأمور الجزئية المحسوسة نحوا من الاعتقاد ، وإن كان شبيها ~~بالتخيل والتوهم وتصور ذلك في أنفسهم ، فإن هؤلاء إذا فارقوا الأبدان ~~والحال أن ليس لهم معنى جاذب ms727 إلى الجهة التي هي فوقهم ، لا كمال فيسعدوا ~~تلك السعادة الحاصلة بإدراك ، ولا شوق كمال فيشقوا تلك الشقاوة الحاصلة ~~بفقد ذلك الكمال ، حيث إن المفروض أنه لم يكن لهم شوق إلى كمالهم الخاص بهم ~~حتى يكتسبوه أم لم يكتسبوه ، بل كانت جميع هيآتهم النفسانية متوجهة نحو ~~الأسفل ، منجذبة إلى الأجسام لكون نفوسهم خسيسة ، غير مكتسبة للشوق إلى ~~الكمال ، والحال أن موضوع تخيلهم بتلك الأمور الجزئية الأخروية التي يدركون ~~الثواب على اعتقادهم بها وتخيلهم لها ، وهو البدن ، وإن كان قد بطل ، إلا ~~أنه لا منع في المواد السماوية عن أن تكون موضوعة لفعل نفس فيها ، كالتخيل ~~والتصور ، وأن تكون تلك المواد تنوب عن أبدانهم في ذلك ، لكن بحيث لا يكون ~~تعلق نفوسهم بتلك المواد تعلق التدبير والتصرف ، كتعلقهم بأبدانهم ، بل PageV03P103 # مجرد التعلق لأجل حصول التخيل ، من غير أن تكون هي متصرفة فيها ، فهذه ~~النفوس إذا فارقت الأبدان تتخيل جميع ما كانت اعتقدته من الأحوال الأخروية ~~، ويكون الآلة التي يمكنها بها التخيل لذلك شيئا من الأجرام السماوية ، ~~فتشاهد جميع ما قيل لها في الدنيا واعتقدته نحوا من الاعتقاد ، من أحوال ~~القبر والبعث والخيرات الأخروية ، أي تشاهد جميع الأمور الجزئية الحسية ~~الأخروية والثواب عليها ، وتتصورها وتتخيلها بالقوة المتخيلة التي آلتها ~~ذلك الجرم السماوي ، وكذلك تكون الأنفس الردية التي لم يرسخ فيها ذلك النحو ~~من الاعتقاد في العاقبة تشاهد أيضا العقاب بحسب ذلك المصور لهم في الدنيا ~~وتقاسيه. # وبهذا تم بيان حال النفوس البله كما ذكره الشيخ نفسه ، ونقله عن ذلك ~~البعض الذي أراد به الفارابي وقد عرفت فيما سلف من مبحث إبطال التناسخ ما ~~فيه من النظر ، فتذكر. # وأما قوله : «فإن الصور الخيالية ليست تضعف عن الحسية الخ» بيان ، لأن ~~تلك الصور الخيالية كيف تكون سببا للثواب والعقاب ، ووجهه أن تلك الصور ~~الخيالية التي قلنا إن مشاهدتها سبب للثواب والعقاب ، ليست تضعف في الإلذاذ ~~والإيلام عن الصور الحسية ، بل تزداد عليها في ذلك تأثيرا وصفاء ، وقد تقدم ~~في الأصول المتقدمة ما يدل على ms728 أن زيادة التأثير والصفاء توجب زيادة ~~الإدراك للملذ أو المؤلم ، فيزيد اللذة أو الألم ، وهذا كما يشاهد في ~~المنام ، فربما كان المحلوم به من الصور الخيالية الدنيوية أعظم شأنا في ~~بابه ، أي في الإلذاذ والإيلام من المحسوس ، على أن الصور الخيالية ~~الأخروية كما فيما نحن فيه أشد استقرارا من الموجودة المحلوم بها في المنام ~~بحسب قلة العوائق وتجرد النفس وصفاء القابل ، فتكون الصور الخيالية ~~الأخروية في الإلذاذ والإيلام أقوى من الصور الحسية بمرتبتين ، بل بمراتب. # وقوله : «وليست الصورة التي ترى في المنام الخ» بيان ، لأنه لا يلزم أن ~~تكون الصور الخيالية التي إدراكها سبب للذة أو الألم منتزعة من ملذ موجود ~~في الخارج ، أو مؤلم موجود في الخارج ، بل إن نفس تلك الصورة الخيالية إذا ~~حصل ارتسامها في النفس ، سواء كانت منتزعة من أمر في الخارج أو بمحض اختراع ~~القوة الخيالية تكون سببا لذلك. وبيانه PageV03P104 # أنه ليست الصورة التي ترى فى المنام من الصور الخيالية ، بل ولا التي تحس ~~في اليقظة منها كما علمت في باب ذلك إلا المرتسمة في النفس وفي قواها ، إلا ~~أن إحداهما ، وهي التي ترى في المنام تبتدئ من باطن وتنحدر إلى النفس. ~~والثانية وهي التي تحس في اليقظة ، تبتدئ من خارج وترتفع إليها ، وعلى ~~التقديرين ، فإذا ارتسمت تلك الصورة في النفس بتوسط ارتسامها في قواها فعلت ~~فعلها هناك ، أي الادراك المشاهد. وإنما يلذ ويؤذي بالحقيقة هذا المرتسم في ~~النفس لا الموجود في الخارج ، وكلما ارتسم في النفس فعل فعله وإن لم يكن له ~~سبب من خارج ، فإن السبب الذاتي لذلك هو هذا المرتسم ، والخارج سبب بالعرض ~~أو سبب السبب ، فربما كان وربما لم يكن. # فهذه التي ذكرناها من الثواب والعقاب بحسب مشاهدة الصور الخيالية في ~~النفوس البله هي السعادة والشقاوة الحسيتان اللتان بالقياس إلى الأنفس ~~الخسيسة المتوجهة إلى الأسفل ، وأما الأنفس المقدسة عن تلك الخسة المتوجهة ~~نحو الجهة التي هي فوقها ، فإنها تبعد عن مثل هذه الأحوال ، وتتصل بكمالها ~~بالذات وتنغمس في اللذة الحقيقية العقلية ms729 وتتبرأ عن النظر إلى ما خالفها من ~~الأمور الخسيسة الحسية ، وإلى المملكة البدنية التي كانت لها كل التبرؤ ، ~~أي تبرءا كاملا ، إذ لو كان قد بقى في تلك النفوس المقدسة من النظر إلى ما ~~خلفها أثر اعتقادي من جهة القوة النظرية ، أو خلقي من جهة القوة العملية ، ~~تأذت بذلك الأثر ، لكونه منافيا لحقيقتها المقدسة عن ذلك ، وتخلفت لأجله عن ~~درجة العليين إلى أن ينفسخ شيئا فشيئا عنها ويزول ، وترقت إلى درجة ~~العليين. # وهذا شرح كلامه هنا فيما نقله عن ذلك البعض عن العلماء ، سواء كان كله هو ~~قول ذلك البعض أو بعضه ، وهو ما ذكره أولا. # وبالجملة ، فليس فيه أيضا تعرض لأن السعادة والشقاوة الحسيتين بالقياس ~~إلى النفوس البله ، هل تنقطعان أم لا؟ وقد ذكرنا آنفا أن مقتضى ما ذكره ~~سابقا من زوال الهيئة الردية انقطاع شقاوتها. وقد ذكر في «الإشارات» كما ~~نقلنا كلامه سابقا ما يشعر بزوال سعادتها الحسية أيضا وتدرجها إلى درجة ~~العارفين آخر الأمر. # قال : «وأما البله فإنهم إذا تنزهوا خلصوا من البدن إلى سعادة تليق بهم ، ~~ولعلهم لا PageV03P105 # يستغنون فيها عن معاونة جسم يكون موضوعا لتخيلات لهم ، ولا يمتنع أن يكون ~~ذلك جسما سماويا أو ما يشبهه ، ولعل ذلك يفضي بهم آخر الأمر إلى الاستعداد ~~للاتصال المعد الذي للعارفين». انتهى. # وقد ذكرنا هنالك ما فيه من النظر ، فتذكر. # ثم إنك بعد ما أحطت خبرا بتفاصيل ما نقلنا عن الشيخ من الكلام في هذا ~~الفصل وشرحناه ، وتبين لك مؤداه وتلخص مغزاه ، فاعلم أن لنا فيه مضافا إلى ~~النظرين اللذين أوردنا أحدهما على أول كلامه في هذا الفصل ، والآخر على آخر ~~كلامه فيه ، نظرا آخر ، وهو أن يقال : # هب أن السعادة والشقاوة العقليتين بحسب القوة النظرية والعملية حاصلتان ~~للأنفس التي اكتسبت الشوق إلى كمالها الخاص بها كما فصله الشيخ. # وهب أن ذلك أيضا مما نطق به الشرع وصدقته أخبار النبوة كما ادعاه ، مثل ~~ما ورد في شأن السعداء من قوله تعالى : ( @QUR@09 فلا تعلم نفس ما أخفي لهم ~~من ms730 قرة أعين ). (1) # وقوله صلى الله عليه وآلهوسلم هناك : «ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر ~~على قلب بشر». (2) # وقوله تعالى : ( @QUR@08 ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ). (3) # وقوله تعالى : ( @QUR@05 رضي الله عنهم ورضوا عنه ). (4) # وقوله تعالى : ( @QUR@09 يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية ~~مرضية ). (5) # وقوله تعالى : ( @QUR@014 دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام ~~وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) (6). PageV03P106 # وقوله تعالى : ( @QUR@09 من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@013 ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون* ~~نزلا من غفور رحيم ). (2) # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وهم في ما اشتهت أنفسهم خالدون ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@06 وجوه يومئذ ناضرة* إلى ربها ناظرة ). (4) # وأمثال ذلك الآيات والاخبار # أو حملناها على السعادة العقلية ، أو على أعم منها ومن السعادة الحسية. # ومثل ما ورد في شأن الاشقياء من قوله تعالى : ( @QUR@018 قد خسر الذين ~~كذبوا بلقاء الله حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا ~~فيها ). (5) # وقوله تعالى : ( @QUR@030 ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ، لهم ~~قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون ). (6) # وقوله تعالى : ( @QUR@012 ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ~~ولهم عذاب عظيم ). (7) # وقوله تعالى : ( @QUR@012 ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم ~~القيامة أعمى ). (8) # وقوله تعالى : ( @QUR@06 إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ). (9) # وقوله تعالى : ( @QUR@04 خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة ). (10) PageV03P107 # وقوله تعالى : ( @QUR@08 ووجوه يومئذ باسرة* تظن أن يفعل بها فاقرة ). (1) # وقوله تعالى : ( @QUR@07 نار الله الموقدة* التي تطلع على الأفئدة ). (2) # إلى غير ذلك من الآيات والأخبار ، لو حملناها على الشقاوة العقلية أو على ~~أعم منها ومن الحسية. # وهب أن السعادة والشقاوة العقليتين حيث كانتا مما يستقل في إثباتها العقل ~~بالقياس البرهاني ، وكنا مع ذلك مما لا نتصور هما حق التصور لكوننا منغمسين ~~في البدن ورذائله ، لم يفصلهما الشرع تفصيله للسعادة والشقاوة الحسيتين ، ~~بل وقعت في الشرع إشارات وإيماءات ms731 إليهما يفهمها من يفهمها ، إلا أن فيما ~~ذكره الشيخ إهمالا لما هو المقصود الأهم هنا ، وهو أنه لم يتبين من كلامه ~~أن النفس بعد مفارقتها عن البدن في إدراكها للسعادة وإصابتها للشقاوة ~~العقلية ، هل هي مجردة عن المادة في فعلها كما هو مجردة عنها في ذاتها؟ أو ~~هي متعلقة بمادة تتصرف فيها تصرف التدبير ، كتصرفها في البدن؟ أو لا تتصرف ~~فيها ذلك التصرف ، بل إنما هي متعلقة بها نوع تعلق ، لتكون تلك المادة ~~موضوعة لإدراكاتها؟ مع أنه على فرض التجرد كيف تكون مجردة عن المادة في ~~أفعالها وإدراكاتها؟ والحال أنها كانت بدنية لا إدراك لها أصلا إلا في ضمن ~~البدن ، وكيف تكون ذات واحدة تارة بدنية كما في النشأة الدنيوية وتارة غير ~~بدنية أصلا ، بل مجردة عن البدن وعما يشابهه مطلقا كما في ما بعد الموت إلى ~~وقت البعث ، وتارة بدنية أيضا كما في حال البعث ، حيث إن الشيخ سلم ذلك ، ~~وقبل المعاد الجسماني من الشرع؟ ولو قال بأن النفس إنما كانت في النشأة ~~الدنيوية بدنية لأجل استكمالها في ضمنه ، فإذا حصل الاستكمال فلا احتياج ~~لها إليه في أفعالها وإدراكاتها ، فيمكن أن تكون مجردة عن ذلك مطلقا. # قلنا : ذلك على تقدير تسليمه ، إنما يسلم في النفوس الفاضلة التي حصلت ~~كمالاتها العلمية والعملية بالفعل ، وأما في النفوس التي هي بخلاف ذلك ولم ~~تحصل كمالاتها ، بل حصلت ما ينافي كمالاتها ، فلا. PageV03P108 # وأيضا يرد النقض بتلك النفوس حين البعث ، فإنها بدنية هنالك لا محالة كما ~~نطق به الشرع واعترف به الشيخ ، فلو كان الاستكمال مغنيا لها عن البدن ~~لكانت النفوس المحصلة لكمالاتها غير بدنية هنالك أيضا ، هذا خلف. # وإنه على فرض التعلق بالمادة بعد المفارقة ، فلا شك أن تلك المادة ليست ~~هي البدن الأول الذي كانت متعلقة به ، لكون المفروض مفارقتها عنه واضمحلاله ~~وبطلانه ، فهي مادة أخرى غير ذلك البدن الأول ، فلا يخلو حينئذ إما أن تكون ~~متعلقة بتلك المادة الأخرى تعلق التدبير والتصرف ، فهذا تناسخ ، فقد ظهر ~~بطلانه ؛ وإما أن تكون متعلقة ms732 بها لا تعلق التدبير والتصرف ، بل نوع تعلق ~~لأن تكون موضوعة لإدراكاتها كما ذهبوا إليه في النفوس الساذجة ، من التعلق ~~بجرم سماوي أو جرم دخاني ، أو نحو ذلك ، على ما عرفت من المذاهب المنقولة ~~في ذلك ، فهذا أيضا باطل ، قد أشرنا إلى بطلانه فيما سبق. # وبالجملة ، ففيما ذكره إهمال لما هو الغرض المهم هنا. # فإن قلت : لا إهمال ، فإن الشيخ لعله لم يتعرض لبيان ذلك صريحا ، إشعارا ~~بأن السعادة والشقاوة العقليتين لما كانتا حاصلتين للنفس بذاتها ، وكان ~~إدراكها غير مفتقر إلى آلة بدنية ، فلا توقف لبيان حال تلك السعادة وتلك ~~الشقاوة على بيان كون النفس كائنة حينئذ في ضمن بدن ، مع أنه حيث قبل ~~المعاد الجسماني من الشرع ، فقد أشعر بذلك البيان كما نطق به الشرع. # قلت : هب أن السعادة والشقاوة العقليتين تحصلان للنفس بذاتها ، وأن ~~إدراكهما لا يحتاج إلى آلة بدنية ، إلا أنا نقول : إن الإهمال الذي ادعيناه ~~من جهة أنه لم يبين أن النفس في تلك الحالة التي يدرك فيها السعادة ~~والشقاوة العقليتين ، هل هي في ضمن بدن أم لا؟ وأن ذلك البدن ما ذا؟ مع أن ~~السعداء الذين تحصل لهم بعد المفارقة السعادة العقلية تحصل لهم السعادة ~~الحسية أيضا ، على ما دل الدليل النقلي والعقلي عليه ، وأن السعادة الحسية ~~الأخروية ليست من جنس السعادة الحسية الدنيوية في الخسة حتى يهمل بيانها ، ~~بل أعظم منها بمراتب ، بل إن أكثر ما دل عليه الشرع من السعادة هو السعادة ~~الحسية كما يظهر على من تتبع. وكذلك الأشقياء ، كما دل الدليل العقلي ~~والنقلي على حصول الشقاوة PageV03P109 # العقلية لهم كذلك ، دلا على حصول الشقاوة الحسية لهم أيضا ، كما هو مدلول ~~أكثر الآيات والأخبار ، وليس تلك الشقاوة من جنس الشقاوة الدنيوية ، بل أشد ~~منها بكثير ، والحال أن إدراك النفس للسعادة والشقاوة الحسيتين يحتاج إلى ~~آلة بدنية البتة ، ولذلك قال الشيخ في النفوس الساذجة بتعلقها بجرم سماوي ~~ليكون ذلك موضوعا لتخيلاتهم وإدراكهم لتلك السعادة والشقاوة الحسيتين ، فلم ~~أهمل بيان ذلك وهو محتاج إلى البيان ms733 البتة؟ # ثم إن ما ذكرت : أن الشيخ حيث قبل المعاد الجسماني من الشرع ، فقد أشعر ~~بذاك البيان كما نطق به الشرع ، محل نظر ، لأنه إنما قبل المعاد الجسماني ~~من الشرع ، وظاهر ذلك أنه قبل تعلق النفس ببدن حين البعث كما نطق به الشرع ~~لا من حين المفارقة إلى حين البعث أيضا ، أي في عالم البرزخ ، فإنه لا ~~إشعار لذلك القبول ببيان حال النفس في عالم البرزخ ، كما نطق به الشرع. ~~وعلى تقدير التسليم فما نطق به الشرع في ذلك العالم إنما هو التعلق ببدن ~~مثالي روحاني ، كما سنبين ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى ، لا التعلق بغير ~~ذلك من الأبدان ولا التجرد عن الأبدان مطلقا. # والشيخ لو كان قائلا بذلك البدن المثالي ، لكان قائلا به في النفوس ~~الساذجة التي هي على رأيه لا بد لها من جسم تتعلق به في إدراكاتها ، ولم ~~يقل بالبدن المثالي فيها ، مع أن القول به فيها لا مانع منه ، كما سيتضح ~~ذلك من بعد ، وأن ما قال به فيها واضح البطلان ، كما عرفت. # وحينئذ فهو مع إهماله لبيان ما هو الغرض المهم هنا ، يظهر منه أنه غير ~~قائل بما نطق به الشرع في بيان حال النفوس مطلقا في عالم البرزخ من حيث ~~التعلق ببدن مثالي ، ويلزم منه مخالفته للشرع مع ادعائه أنه مصدق به ، كما ~~يلزم مخالفة الشرع على الذين قالوا بالمعاد الروحاني ولم يقولوا بالجسماني ~~مطلقا ، من جهة بيان حال النفوس في عالم البرزخ وحين البعث جميعا ، وإن ~~كانت مخالفته للشرع أقل من مخالفتهم له ، وكأن منشأ ذلك قلة الاعتناء ~~والمبالاة بالشرع الشريف ، أو الغفلة عنه مع ظهوره. نعوذ بالله تعالى من ~~ذلك. وإن احتمل أن يكون لذلك وجه آخر لم نعلم. # وقد يحكى عن بعض علمائنا ما مضمونه أنه رأى رسول الله ~~صلى الله عليه وآلهوسلم في المنام ، فسأله PageV03P110 # عن حال ابن سينا فقال صلى الله عليه وآلهوسلم : إن ابن سينا أراد أن يترقى ~~إلى الرفيع الأعلى بدون قائد إرشادي وهدايتي ، فضربته ms734 بيدي فأسقطته إلى ~~الأسفل الأدنى ، فتردى وهوى. ### ||| * في بيان حال النفوس بعد المفارقة عن البدن ، أي في ### ||| * عالم البرزخ كما نطق به الشرع # وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام ، وتم ما رمنا ذكره على سبيل المقدمة ، ~~فلنرجع إلى ما كنا بصدده من بيان حال النفوس بعد المفارقة عن البدن ، كما ~~قال تعالى : ( @QUR@06 ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون ). (1) # فنقول : روى حجة الإسلام ورئيس المحدثين أبو جعفر محمد بن علي بن بابويه ~~القمي قدس الله تعالى روحه في كتاب «من لا يحضره الفقيه» عن الصادق عليه ~~وعلى آبائه الطاهرين وأولاده المعصومين أكمل الصلوات وأفضل التسليمات ~~والتحيات : «إن الأرواح في صفة الأجساد في شجرة من الجنة تتساءل وتتعارف ، ~~فإذا قدمت الروح على الأرواح ، تقول : دعوها فقد أفلتت من هول عظيم ، ثم ~~يسألونها ما فعل فلان؟ فإن قالت لهم تركته حيا ارتجوه ، وإن قالت لهم : قد ~~هلك ، قالوا : هوى هوى». (2) # وروى شيخ الطائفة أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي نور الله تعالى ضريحه في ~~كتاب «تهذيب الأحكام» بإسناده عن مروان بن مسلم عنه عليه السلام ، قال : قلت ~~له : إن أخي ببغداد ، وأخاف أن يموت بها ، قال : ما تبالي حيثما مات ، أما ~~إنه لا يبقى مؤمن في شرق الأرض وغربها ، إلا حشر الله تعالى روحه إلى وادي ~~السلام. قال : قلت : جعلت فداك ، وأين وادي السلام؟ قال : ظهر الكوفة ، أما ~~إني كأني بهم حلق حلق قعود يتحدثون. (3) # وعن يونس بن ظبيان ، قال : كنت عند أبي عبد الله عليه السلام جالسا ، فقال ~~: ما يقول الناس PageV03P111 # في أرواح المؤمنين؟ قلت : يقولون : تكون في حواصل طيور خضر في قناديل تحت ~~العرش! فقال أبو عبد الله عليه السلام : سبحان الله ، المؤمن أكرم على الله ~~من ذلك ، أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر. يا يونس ، المؤمن إذا قبضه الله ~~تعالى صير روحه في قالب كقالبه في الدنيا فيأكلون ويشربون ، فإذا قدم عليهم ~~القادم عرفوه بتلك الصورة التي كانت في الدنيا. (1) # وعن أبي بصير قال : سألت أبا عبد الله عليه ms735 السلام عن أرواح المؤمنين ، ~~فقال : في الجنة على صور أبدانهم ، لو رأيتهم لقلت فلان. (2) # إلى غير ذلك من الأحاديث التي رواها علماؤنا ، وقد نقلنا جملة منها في ~~صدر الرسالة. # وقد قال بعض العلماء المتبحرين من المتأخرين (3) في شرحه على التهذيب : ~~إن هذه الأخبار تدل على انتقال الأرواح إلى الأجساد المثالية ، وبه يستقيم ~~كثير من الآيات والأخبار الواردة في أحوال الروح بعد مفارقة البدن ، وقد ~~وردت به أخبار كثيرة ، ولا مانع عن القول به ، وليس هذا من التناسخ في شيء ~~، مع أن التناسخ لم يتم دليل عقلي على امتناعه ، ولو تمت لا يجري أكثرها ~~فيما نحن فيه ، والعمدة في نفيه إجماع المسلمين وضرورة الدين ، ومعلوم أن ~~هذا غير داخل فيما انعقد الإجماع والضرورة على نفيه ، كيف وقد قال به كثير ~~من المسلمين ، كشيخنا المفيد قدس الله روحه وغيره من علمائنا المتكلمين ~~المحدثين ، بل لا يبعد القول بتعلق الأرواح بالأجساد المثالية عند النوم ~~أيضا ، كما يشهد به ما يرى في المنام ، وقد وقع في الأخبار تشبيه حالة ~~البرزخ وما يجري فيها بحالة الرؤيا وما يشهد فيها. # قال الشيخ البهائي قدس الله روحه : «قد يتوهم أن القول بتعلق الأرواح بعد ~~مفارقة أبدانها العنصرية بأشباح أخر كما دلت عليه الأحاديث قول بالتناسخ ، ~~وهذا توهم PageV03P112 # سخيف ، لأن التناسخ الذي أطبق المسلمون على بطلانه هو تعلق الأرواح بعد ~~خراب أجسادها بأجسام أخر في هذا العالم ، أما عنصرية كما يزعم بعضهم ويقسمه ~~إلى النسخ والمسخ والفسخ والرسخ ، أو فلكية ابتداء ، أو بعد ترددها في ~~الأبدان العنصرية ، على اختلاف آرائهم الواهية المفصلة في محلها. وأما ~~القول بتعلقها في عالم آخر بأبدان مثالية مدة البرزخ إلى أن تقوم قيامتها ~~الكبرى ، فتعود إلى أبدانها الأولية بإذن مبدعها ، إما بجمع أجزائها ~~المتشتتة ، أو بإيجادها من كتم العدم ، فليس من التناسخ في شيء ، وإن سميته ~~تناسخا فلا مشاحة في التسمية إذا اختلف المسمى. وليس إنكارنا على التناسخية ~~حكمنا بتكفيرهم بمجرد قولهم بانتقال الروح من بدن إلى آخر ، فإن المعاد ~~الجسماني كذلك عند ms736 كثير من أهل الإسلام ، بل بقولهم بقدم النفوس وترددها في ~~أجسام هذا العالم ، وإنكارهم المعاد الجسماني في النشأة الأخروية». # ثم قال قدسسره : «ما ورد في بعض أحاديث أصحابنا رضي الله عنهم ، من أن ~~الأشباح التي تتعلق بها النفوس ما دامت في عالم البرزخ ليست بأجسامهم ، ~~وأنهم يجلسون حلقا حلقا على صور أجسادهم العنصرية يتحدثون ويتنعمون بالأكل ~~والشرب ، وأنهم ربما يكونون في الهواء بين الأرض والسماء ، يتعارفون في ~~الجو ويتلاقون ، وأمثال ذلك ، كما يدل على نفي الجسمية وإثبات بعض لوازمها ~~، يعطي أن تلك الأشباح ليست في كثافة الماديات ولا في لطافة المجردات ، بل ~~هي ذوات جهتين وواسطة بين العالمين ، وهذا يؤيد ما قاله طائفة من أساطين ~~الحكمة من أن في الوجود عالما مقداريا غير العالم الحسي ، هي واسطة بين ~~عالم المجردات وعالم الماديات ، ليس في تلك اللطافة ولا في هذه الكثافة ، ~~فيه ما للأجسام والأعراض من الحركات والسكنات والأصوات والطعوم والروائح ~~وغيرها مثل قائمة بذواتها لا في مادة ، وهو عالم عظيم الفسحة ، وسكانه على ~~طبقات متفاوتة في اللطافة والكثافة ، وقبح الصورة وحسنها ، ولأبدانهم ~~المثالية جميع الحواس الظاهرة والباطنة ، فيتنعمون ويتألمون باللذات ~~والآلام النفسانية والجسمانية. # وقد نسب العلامة في «شرح حكمة الإشراق» ، القول بوجود هذا العالم إلى ~~الأنبياء والأولياء والمتألهين من الحكماء ، وهو وإن لم يقم على وجوده شيء ~~من البراهين العقلية ، PageV03P113 # لكنه قد تأيد بالظواهر النقلية ، وعرفه المتألهون بمجاهداتهم الذوقية. ~~انتهى». (1) انتهى كلامه. # أقول وبالله التوفيق : اعلم أن القول بانتقال الأرواح بعد الموت إلى ~~الأبدان المثالية ، وكذا القول بوجود العالم المثالي المتوسط بين العالم ~~الحسي والعقلي هو قول كثير من العلماء الإسلاميين المحدثين وكثير من ~~المتكلمين ، ولا سيما الصوفية منهم ، وكثير من أساطين الحكمة ، ولا سيما ~~الإشراقيين منهم ، كما يظهر على من تصفح كتب العلماء ، مضافا إلى ما ذكره ~~شارح «حكمة الاشراق» أنه قول الأنبياء والأولياء والمتألهين من الحكماء. ~~وكذلك بالقول بذلك يستقيم توجيه كثير من الآيات والأخبار الواردة في أحوال ~~الروح بعد مفارقة البدن ، كما ذكره ذلك البعض من المتبحرين ms737 أيضا ، ويظهر ~~ذلك على من تدبر في تلك الآيات والأخبار الواردة فيها. # مثل ما رواه الشيخ الصدوق في «الفقيه» عن الصادق عليه السلام : «اذا قبضت ~~الروح فهي مظلة فوق الجسد روح المؤمن وغيره ينظر إلى كل شيء يصنع به ، فإذا ~~كفن ووضع على السرير وحمل على أعناق الرجال عادت الروح إليه ودخلت فيه ، ~~فيمد له في بصره فينظر إلى موضعه من الجنة أو النار ، فينادي بأعلى صوته إن ~~كان من أهل الجنة : عجلوني ، وإن كان من أهل النار : ردوني ، وهو يعلم كل ~~شيء يصنع به ويسمع الكلام». (2) # ومثل ما رواه فيه عن إسحاق بن عمار : «أنه سأل أبا الحسن الأول صلوات ~~الله عليه عن المؤمن يزور أهله؟ فقال : نعم. قال : في كم؟ فقال : على قدر ~~فضائلهم ، منهم من يزور كل يوم ، ومنهم من يزور في كل يومين ، ومنهم من ~~يزور في كل ثلاثة أيام. قال : ثم رأيت في مجرى كلامه أنه يقول : أدناهم ~~جمعة ، فقال له : في أي ساعة؟ قال : عند زوال الشمس أو قبيل ذلك ، فيبعث ~~الله معه ملكا يريه ما يسره ، ويستر عنه ما يكرهه ، فيرى سرورا PageV03P114 # ويرجع إلى قرة عين». (1) # ومثل ما رواه حفص بن البختري عن أبي عبد الله عليه السلام : «إن الكافر ~~يزور أهله ، فيرى ما يكرهه ، ويستر عنه ما يحب». (2) # وقد ذكر شارح الفقيه : أنه روى في الموثق عن أبي بصير ، عن الصادق ~~عليه السلام إن كل مؤمن وكافر مات يجيء عند الزوال لزيارة أهله ، فإن رأوا ~~عملا صالحا من أهلهم شكروا الله عز وجل ، وإن رأوا عملا سيئا تألموا وتحسروا ~~حسرة عظيمة. (3) # وروي أيضا عن أبي الحسن الأول عليه السلام ، في خبر كالصحيح «أنه سئل عنه ~~هل يجيء الميت لزيارة أهله؟ فقال : نعم. قال : في كم؟ قال : في كل أسبوع ~~وشهر وسنة بمقدار منزلتهم ، قال : في أي صورة؟ قال : في صورة طائر لطيف ~~يجلس على جدار بيته ، وينظر إلى أحوال أهله ، فإن كانت حالهم حسنة يسر ، ~~وإن كانت سيئة يغتم ويحزن» (4). # وروي أيضا ms738 في حديث قوي عن عبد الرحيم ، عنه عليه السلام : «أنه سأله عن أن ~~المؤمن هل يزور أهله؟ قال عليه السلام : نعم يرخصه الله تعالى ، ويرسل معه ~~ملكين ، وهو على صورة طائر ، ويجلس على حائط بيته وينظر إلى أهله ويسمع ~~كلامهم». (5) # إلى غير ذلك من الأحاديث الواردة في حال الميت بعد مفارقة روحه عن جسده ؛ ~~بل إنه يستقيم بالقول بذلك توجيه القول بتجسيم الأعمال كما سيأتي بيانه ، ~~وكذا يستقيم توجيه ما ورد من ظهور الملكين منكر ونكير على المؤمنين بصورة ~~حسنة وعلى غيرهم بصورة مهيبة ، وكذا ظهور جبرئيل عليه السلام في صورة دحية ~~الكلبي وأمثال ذلك ، سواء قيل بكون الملائكة أجساما نورانية لطيفة ، كما هو ~~ظاهر الشرع ، أو ذواتا مجردة كما ذهب إليه بعض الحكماء ، وسيجيء زيادة بيان ~~لذلك فيما بعد ، إن شاء الله تعالى. PageV03P115 # وقد وردت بما يدل على هذا القول أخبار كثيرة غير ما ذكرنا هنا أيضا ، كما ~~نقلنا في صدر الرسالة جملة من الأخبار في ذلك ، وكلها متقاربة المضامين تدل ~~على انتقال الأرواح إلى القالب المثالي ، فتذكر. # ثم إن عمدة المستند في ذلك عند المتمسكين بالأخبار ، هي تلك الأخبار ~~الواردة في ذلك ، كما أن عمدة المستند فيه عند الحكماء الإشراقيين والصوفية ~~من المتكلمين هي ما عرفوه بمجاهداتهم الذوقية. ### ||| * من جملة الشواهد على وجود العالم المثالي ما يشاهد في النوم # وقد جعل بعض من القائلين بوجود هذا العالم المثالي وانتقال الروح إلى بدن ~~مثالي بعد المفارقة عن البدن العنصري ، من جملة الشواهد على ذلك ما يشاهده ~~النائم في نومه من الصور ، كما ورد في الأخبار من تشبيه حالة البرزخ وما ~~يجري فيها بحالة الرؤيا وما يشاهد فيها ، وأن النوم أخو الموت. # وكان وجه هذه الشهادة ، أن الصورة التي يراه الانسان في منامه من صورة ~~ذاته ، أو صورة غيره من الإنسان أو غيره إما أن تكون هي الصورة المحسوسة ~~بحس البصر الظاهري المنتزعة من المحسوس العيني الموجود في الخارج ، فهذا ~~باطل ، لأن البصر الظاهري معطل في حالة النوم باتفاق العلماء ms739 من الحكماء ~~وغيرهم ، بل إن تعطله معلوم بالضرورة ، فكيف يفعل فعلا؟ وأيضا فعلم ~~بالضرورة أن تلك الصور ليست صورا محسوسة منتزعة من أعيان خارجية ، وإلا ~~لترتب الآثار الخارجية المترتبة عليها ، وليس كذلك. # وإما أن تكون هي صورا موجودة في الخيال أو في القوة المتخيلة ، فهذا وإن ~~كان مما قال به جمع من الحكماء ، ولا سيما الطبيعيين منهم ، لكنه مما لا ~~يكاد يتم ، لأنه مبني على تعطل الحواس الظاهرة وعدم تعطل الحواس الباطنة في ~~المنام ، وهذا غير معلوم ، بل إن ما ذكروه في سبب تعطل الحواس الظاهرة في ~~المنام يجري في تعطل الحواس الباطنة أيضا ، PageV03P116 # حيث إن سبب التعطل سواء كان هو نوعا من قطع العلاقة مع البدن الذي يحصل ~~للنفس حالة النوم ، حيث إنها في تلك الحالة يصير علاقتها مع البدن قليلة ~~ومنقطعة في الجملة ، أو كان استيلاء رطوبة على أعصاب الدماغ التي هي مبادئ ~~الحواس كما قالوا ، أو أمر آخر غير ذلك ، فهذا السبب كما أنه يجري في تعطل ~~الحواس الظاهرة يجري في تعطل الباطنة منها أيضا. ولا دليل على اختصاصه ~~بالظاهرة منها ، بل الظاهر جريانه في الباطنة وكونه سببا لتعطلها أيضا. ~~وأيضا إن الصور الخيالية يجب أن تكون منتزعة من محسوس خارجي ، تبقى تلك ~~الصورة في خزانة الخيال ، ونحن قد نرى في المنام صورة لم نر ذا صورتها قط ، ~~وإن القوة المتخيلة وإن كانت قد تخترع صورا ، لا تكون ذوات صورها موجودة ، ~~ولم تجيء تلك الصور إليها من جهة الحواس الظاهر والخيال ، إلا أن أكثر ما ~~تخترعه هي الصورة الكاذبة التي لا حقيقة لها ، وإن كان يمكن نادرا أن تخترع ~~بمحض تعملها صورة توافق ما في الخارج من بعض الوجوه ، وأندر منه الموافقة ~~من كل الوجوه ، والحال إنا كثيرا ما نرى في المنام رؤيا صادقة ، بل نرى ~~صورة لم نر ذا صورتها قط ، ثم يتفق أن نرى بعد ذلك ذا صورتها أيضا موافقا ~~لما رأيناه في المنام من كل الوجوه ، ومستبعد جدا أن تكون تلك الصورة من ~~مخترعات ms740 المتخيلة ، اتفقت موافقتها من كل الوجوه ، وعلى هذا فمن قال بأنها ~~خيال منفصل ، إن أراد أنها صورة مشابهة للصورة الخيالية منفصلة عن المادة ~~الجسمانية فله وجه ، وإن أراد أنها نفس الصورة الخيالية المنفصلة عن المواد ~~، فعليه البيان ، بل فيه نظر لا يخفى. # وأما أن تكون الصورة المشاهدة في المنام صورة مرتسمة في جسم فلكي أو ~~عنصري أو في النفوس المنطبعة الفلكية مثلا يشاهدها النفس فيه بسبب ارتباطها ~~به نوعا من الارتباط مشاهدة عقلية كأنها مشاهدة حسية ، فذلك أيضا مما لا ~~يكاد يتم ، لأنه حينئذ كان ينبغي أن تشاهدها النفس في ذلك المحل المنطبع هي ~~فيه مشاهدة الحال في محله ، والحال في الصور المرئية في المنام بخلاف ذلك ، ~~حيث إنا نراها موجودة بوجود منفرد غير متعلق بشيء آخر من جرم فلكي أو جسم ~~عنصري أو نفس منطبعة فلكية. # وحيث بطلت تلك الاحتمالات فبقي أن تكون الصورة المرئية في المنام موجودة PageV03P117 # في عالم آخر هو عالم المثال ، كما تبين حاله. # وأما وجه كون الصورة المرئية فيه تارة موافقة لما في الخارج ، كما في ~~الرؤيا الصادقة ، وتارة غير موافقة كما في الرؤيا الكاذبة ، فكأنه لأجل أن ~~النفس إذا كانت صافية من شوب كدورات الطبيعة ، فبصرها الذي لها في بدنها ~~المثالي صحيحة ، فهي ترى بتلك العين الصحيحة الأشياء على ما هي عليها ، وإن ~~لم تكن صافية عن ذلك ، فعينها التي لها في ذلك البدن عليلة ، وهي ترى بتلك ~~العين العليلة الأشياء على خلاف ما هي عليه كما في العين الظاهرية للأحول مثلا. # وهذا الذي ذكرنا هو إشارة إجمالية إلى الرؤيا الصادقة والكاذبة ، ~~ولتفصيلها مقام آخر يطول بذكره الباب. وبما ذكرنا يتم الشهادة ، وبه يظهر ~~سر ما ورد من تشبيه حالة البرزخ بحالة الرؤيا وأن النوم أخو الموت ، وإن ~~كان بين الحالتين فرق ما ، حيث إن مفارقة النفس عن البدن في الموت مفارقة ~~تامة وفي النوم مفارقة في الجملة ، وبهذا الاعتبار أيضا يكون هذا الشاهد ~~شاهدا على المطلوب ، فتبصر. # ثم إنه ربما عد بعض القائلين ms741 بهذا القول من الشواهد عليه ما يحكى من أن ~~السفلة والأوباش إذا قتلوا إنسانا وأحرقوه في أتون الحمام ، فكثيرا ما ~~يشاهد في سطح الماء الذي في خزينة ذلك الحمام شبح مثل صورة إنسان ، ويرى ~~ذلك فيه ما دام ذلك الماء ساكنا غير متحرك ، وذلك قد جرب كثيرا ، ولذلك كان ~~ديدن الحمامي وصاحب ذلك الحمام أن يحتاط في ذلك ويلاحظ لكي يعلم أنه في تلك ~~الليلة هل أحرق في أتون الحمام إنسان أم لا؟ وما ذلك الشبح إلا قالبا ~~مثاليا لذلك الشخص المحترق تعلق نفسه به بعد مفارقتها عن قالبها العنصري. ~~ونحن أيضا قد سمعنا ذلك في عصرنا وهو على تقدير الوقوع لا يخفى أنه مما ~~يمكن أن يكون شاهدا على المطلوب. # ثم إنه مما يؤيد هذا المطلوب ، ويكون شاهدا عليه ما نقل أنه روى بعض ~~الأعاظم من العلماء كالسيد الداماد طاب ثراه في «الجذوات» : «أن مظهر ~~العجائب ومظهر الغرائب سيد الوصيين علي بن أبي طالب عليه وعلى أولاده ~~المعصومين أجمعين سلام الله تعالى إلى يوم الدين كان ليلة من ليالي شهر ~~الله الأعظم شهر رمضان ضيفا لعدة من الصحابة ، وأفطر PageV03P118 # في بيوتهم المتعددة ، وقال رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم : إن عليا أفطر ~~في بيته». (1) # فإن توجيه هذا الحديث ، إنما يمكن على القول بعالم المثال ، وبوجود البدن ~~المثالي ، حيث إن حضور علي عليه السلام ببدنه العنصري في بيوت عدة من ~~الصحابة مع كونه في بيته بذلك البدن ممتنع بالذات ، فإن جسم واحد بالشخص لا ~~يمكن أن يكون في زمان واحد وفي آن واحد إلا في مكان واحد لا أزيد ، وادعاء ~~أن ذلك لعله كان من معجزته وكرامته عليه السلام لا يكاد يصح ، فإن المعجزة ~~والكرامة إنما تمكن في شيء يكون ممكنا ذاتيا ، ويكون ممتنعا عاديا ، لا في ~~الممتنع بالذات. كما أن ادعاء أن ذلك لعله كان لأجل أن الله تعالى خلق ~~ملائكة بصورة علي عليه السلام ، وأن أولئك الملائكة أفطروا في بيوت الصحابة ~~وظن الصحابة أنهم علي عليه السلام ، والحال ms742 أنه عليه السلام نفسه أفطر في ~~بيته غير مستقيم ، لأن المفروض في الحديث إفطار علي عليه السلام في بيوت ~~الصحابة ، لا إفطار الملائكة. # نعم ، يصح توجيه ذلك على القول بالبدن المثالي ، فإنه لا مانع من أن يكون ~~لروحه الشريف المقدس أبدان مثالية ، ويكون قد ظهر في ضمن كل بدن مثالي في ~~بيت واحد من الصحابة ، وظهر ببدنه العنصري في بيته ، وعلى هذا فيكون في ~~الحديث الشريف شهادة على المطلوب. # وفيه مع الشهادة على ثبوت أصل عالم المثال ووجود البدن المثالي شهادة على ~~أمرين آخرين أيضا : # الأول إمكان تعلق الروح في عالم اليقظة أيضا ببدن مثالي ، وأنه لا يلزم ~~أن يكون ذلك بعد المفارقة التامة كما في حالة الموت ، أو المفارقة في ~~الجملة كما في حالة النوم. # والثاني : جواز تعلق روح واحد ، وخصوصا إذا كان مقدسا شريفا بأكثر من بدن ~~واحد مثالي. # ولا امتناع أيضا في كل منهما. # بل يشهد على الأول منهما أنه روي عن الصادقين عليه السلام أنهم قالوا في ~~تفسير قولهم : PageV03P119 # «يا من أظهر الجميل وستر القبيح» : إن للمؤمن مثالا في العرش ، وإنه إذا ~~فعل فعلا جميلا ، فعله ذلك المثال أيضا في حضور الملائكة فيظهره الله تعالى ~~عليهم ، وإذا فعل فعلا قبيحا لم يقم بذلك القبيح ذلك المثال فيستره الله ~~تعالى عنهم. (1) # فإن الظاهر ، أن ذلك المثال هو القالب المثالي الذي تعلق به روح المؤمن ~~لا أمر آخر ، ولا ملك من الملائكة كان بصورة ذلك المؤمن ، وحيث كان ذلك ~~قالبا مثاليا ، كان فيه شهادة على جواز تعلق الروح في حالة اليقظة وفي حال ~~التعلق التام بالبدن العنصري بذلك البدن المثالي ، ولا امتناع في ذلك ، حيث ~~إن البدن المثالي ليس كالبدن العنصري حتى لا يجوز تعلق الروح الواحد في ~~زمان واحد بأكثر من بدن واحد ، بل هو كالظل والشبح للبدن الأصلي العنصري ، ~~وموجود بالعرض بوجود البدن الأصلي ، وتعلق الروح به وبالبدن الأصلي تعلق ~~واحد ، إلا أنه بالبدن الأصلي بالذات ، وبالمثالي بالعرض ، فعلى هذا فلا ~~امتناع في أن يتعلق النفس ms743 الواحدة مع تعلقها بالبدن الأصلي بالبدن المثالي ~~الواحد أو الأكثر من الواحد. وهذا بخلاف تعلقها ببدنين عنصريين أو أكثر ، ~~حيث إن أحدهما منفصل الذات ومباين الحقيقة عن الآخر ، فإنه لا يجوز تعلق ~~النفس الواحدة في زمان واحد بشيئين مبايني الذات تعلق التدبير والتصرف. # وكذلك يشهد على الثاني من الأمرين ما ذكره بعضهم من أن البدن المثالي ~~كالشبح الذي يرى في المرآة ، بل إن ما يرى في المرآة فهو كوة مفتوحة إلى ~~عالم المثال ، وكما جاز انطباع صورة واحدة في مرايا متعددة متكثرة في زمان ~~واحد ، فلم لا يجوز تعلق روح واحد وخصوصا إذا كان مقدسا شريفا بقوالب ~~مثالية متعددة في زمان واحد؟ # وبما ذكرنا يمكن توجيه ظواهر ما دل على ظهور ملك الموت في زمان واحد في ~~أمكنة متكثرة لقبض الأرواح ، وإن كان يمكن أن يكون له وجه آخر لم نعلمه. ~~والله ورسوله وأولو العلم أعلم به. # وكذا توجيه ما قيل أن إلياس عليه السلام هو إدريس النبي عليه السلام ، وهو ~~عليه السلام مع كونه في السماء PageV03P120 # يظهر بصورة إلياس في الأرض ، والله تعالى يعلم. # وقد حكى بعض الصوفية أن بعض مشايخهم وهو قضيب البان الموصلي (1) كان يرى ~~في زمان واحد في مجالس متعددة مشتغلا في كل مجلس بأمر غير ما في الآخر. ~~وهذه الحكاية على تقدير صحتها يمكن توجيهها بما ذكرنا. # ثم إنك حيث عرفت بيان الشواهد على هذا المطلوب ، وتوجيه الأخبار الواردة ~~في كيفية حال الروح بعد المفارقة عن البدن ، وكذا توجيه غير ذلك من الأخبار ~~على القول بوجود عالم المثال. # فاعلم أن العمدة في مستند هذا القول هو الأخبار الدالة عليه ، فلنتكلم في ~~دلالتها حتى يتضح لك ثبوت هذا العالم ، وكذا كيفية حالاته وأوصافه. # فنقول : إن دلالة تلك الأخبار التي نقلناها دلائل على ثبوت العالم ~~المثالي ووجود البدن المثالي ، وإن كانت ظاهرة غنية عن البيان لدى التأمل ~~الصادق ، إلا أنا لا نبالي بالتنبيه عليه. فنقول : إن ما تضمنه بعض تلك ~~الأخبار من أن الأرواح في صفة الأجساد ms744 ، وأنهم على صور أبدانهم ونحو ذلك ، ~~ليس المراد به أن ذوات تلك الأرواح بأعيانها أجسام كثيفة أو لطيفة على صفة ~~الأجساد وهيئتها وشكلها ، لأنه مع عدم كونه مذهبا لأحد من المليين ~~والفلاسفة ، ينفيه ما مر من الدليل على تجرد الروح وعلى كونها مغايرة للبدن ~~بتمامه وأجزائه ، بل المراد كما هو صريح بعض الأخبار الأخر من تلك الأخبار ~~أن تلك الأرواح ذوات أخر وراء الأجساد يصيرها الله في قوالب وأجساد مثل ~~قوالبها وأجسادها في الدنيا ، بحيث يكون لها نوع تعلق بتلك الأجساد ، وهذا ~~بظاهره وإن كان أعم من أن يكون ذلك التعلق تعلق التدبير والتصرف ، أو ~~التعلق بوجه آخر من الحلول أو الدخول أو الانضمام أو نحو ذلك إلا أن تشبيه ~~تلك القوالب بالقوالب الدنيوية يدل على أن ذلك التعلق ليس سوى تعلق التدبير ~~والتصرف ، فإن هذا كان لها مع القوالب الدنيوية لا غير. مع أن القول ~~بتجردها كما هو الحق وعرفت الدليل عليه ينفي ما سوى تعلق التدبير PageV03P121 # والتصرف. # وحينئذ نقول : إن ذلك القالب الذي يصير الله تعالى الروح فيه بعد ~~المفارقة ظاهر أنه ليس عين القالب العنصري الذي كان للروح حين التعلق به في ~~النشأة الدنيوية ، لأنه باطل بالاتفاق ولم يقل به أحد ، حيث إن المفروض ~~بطلان ذلك القالب ومفارقة الروح عنه وإعادته بعينه ، أي بأجزائه الأصلية ، ~~وإن كانت ممكنة كما دل الدليل عليه ، إلا أن تلك الإعادة إنما تكون عند ~~قيام الساعة لا في النشأة البرزخية المتوسطة بين النشأة الدنيوية ~~والأخروية. # وأيضا التشبيه بالقالب الدنيوي كما تضمنته تلك الأخبار ينفي كونه عين ذلك ~~القالب الدنيوي ، بل يدل على أنه قالب آخر مثل قالبها في الدنيا. # وظاهر أيضا أنه ليس ذلك القالب الآخر قالبا عنصريا جماديا أو نباتيا أو ~~حيوانيا أو إنسانيا شبيها بقالبها في الدنيا ، لأن كل ذلك متضمن للتناسخ ~~الذي عرفت الدليل على بطلانه كما مر. # ومنه يظهر أنه ليس قالبا جسمانيا فلكيا أيضا ، لأن مفسدة التناسخ لازمة ~~على تقديره أيضا كما يقتضيه التدبر في دليل بطلانه. ms745 مع أن الجرم الفلكي كما ~~تقرر عندهم غير قابل لصيرورته قالبا لروح ما ولتشكله أشكالا مختلفة على ~~هيئات القوالب البدنية العنصرية. # وظاهر أيضا أن ذلك القالب ليس شيئا من جرم فلكي ، أو جرم إبداعي غير ~~منخرق ، أو جسم عنصري يكون للروح الإنساني تعلق به وراء تعلق التدبير ~~والتصرف ، بل بأن يكون ذلك موضوعا لتصورات الروح وتخيلاتها ، فإن ذلك مع ~~كونه باطلا كما مر # الدليل عليه ينفيه ظاهر تلك الأخبار الدالة على التشبيه بالقالب الدنيوي ~~، وعلى أن التعلق به تعلق التدبير والتصرف لا غير. # وظاهر أيضا أن ليس ذلك القالب شيئا مجردا عن المادة في ذاته مطلقا وأمرا ~~عقليا ، لأن المفروض كونه قالبا للروح كقالبها في الدنيا وذا هيئة وشكل ~~مثله ، والشيء المجرد والأمر العقلي لا يمكن أن يكون كذلك ؛ فحيث ظهر أن ~~ذلك القالب ليس أمرا مجردا عقليا PageV03P122 # ولا قالبا جسمانيا عنصريا أو فلكيا ، ظهر أنه من عالم آخر غير العالم ~~الحسي والعقلي متوسط بين العالمين ، يسميه القائلون به عالم المثال وعالم ~~البرزخ ، وسيجيء شرح معنى توسطه بينهما. # ثم نقول : إن ما تضمنه تلك الأخبار ، من أن الأرواح في صفة الأجساد ، ~~وأنهم على صور أبدانهم ، وأن الروح يصير في قالب كقالبه في الدنيا ، حيث ~~يدل على أن القالب المثالي البرزخي مثل القالب الدنيوي في الصفة والصورة ، ~~لا ينافيه ما تضمنه بعض الأخبار التي قدمنا ذكرها آنفا ، من أن الميت يجيء ~~لزيارة أهله بصورة طائر لطيف ، ويجلس على جدار أهله وينظر إلى أحوالهم ، ~~فإنه يمكن أن يكون المراد به والله أعلم أن القالب الذي أعده الله تعالى ~~للأرواح وصيرها فيه في الأصل ، إنما هو قالب كقالبه في الدنيا في الصورة ~~والصفة ، إلا أن ذلك القالب لما كان قالبا مثاليا متوسطا بين العالمين ~~قابلا للتشكل بالأشكال المختلفة ، ومن جملتها شكل الطائر وصورته ، فربما ~~يجيء بحسب مصلحة من المصالح وبحسب مرتبته ومنزلته في صورة طائر لطيف. # ومنه يظهر أن لا منافاة بين ذلك الخبر ، وخبر يونس بن ظبيان (1)، عن ~~الصادق عليه السلام المتضمن ms746 لقوله عليه السلام : «سبحان الله ، المؤمن أكرم ~~على الله من ذلك أن يجعل روحه في حوصلة طائر أخضر» ، لأن القائلين بجعله في ~~حوصلة طائر أخضر ، لعلهم قالوا بذلك زعما منهم أن الأصل فيما أعده الله ~~تعالى للأرواح هو حواصل الطيور الخضر ، لا القوالب التي هي أمثال قوالبهم ~~في الدنيا ، فرده عليه السلام لذلك ، ولأن فيه توهم التناسخ المحال ، وهذا ~~لا ينافي جواز تشكلهم بعد تعلقهم بقوالبهم المثالية التي هي مثل قوالبهم في ~~الدنيا بصورة طائر أخضر مثلا. # وكذلك لا ينافيه ما تضمنه بعض الأخبار التي قدمنا ذكرها في صدر الرسالة : ~~أن الأرواح في حجرات ، فإنه يمكن أن يكون المراد به والله اعلم أنهم مع ~~تعلقهم بتلك القوالب المثالية يكونون في حجرات ، أي مثالية برزخية. PageV03P123 # ثم إن الأخبار الواردة في ذلك كما تدل على وجود الأبدان المثالية لأرواح ~~المؤمنين ، كالأخبار التي نقلناها هاهنا ، كذلك تدل على وجودها لأرواح ~~الكافرين المستضعفين والأطفال ، سواء كانوا أطفال المؤمنين أو أطفال الكفار ~~، كما يظهر ذلك على من تصفح الأخبار ، وقد نقلنا جملة منها في صدر الرسالة ~~، فتذكر. # وبالجملة ، فمدلول الأخبار وجود البدن المثالي لكل روح انساني من الأرواح ~~بعد مفارقته عن البدن. # ثم إن ما دل من تلك الأخبار على أن أرواح المؤمنين في شجرة من الجنة ، أو ~~في الجنة ، لعل المراد به والله أعلم الجنة المثالية والشجرة المثالية ، لا ~~أصل الجنة الموعودة وشجرتها ، كما سنوضح ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى. # كما أن ما دل منها على أن أرواح المؤمنين في بستان في المغرب في شاطئ ~~الفرات يأكلون من ثماره ، وأرواح الكفار في نار في المشرق أحر من نار ~~الدنيا ، وهم فيها يأكلون من زقومها ويشربون من حميمها ، لعل المراد بتلك ~~الثمار في ذلك البستان الثمار المثالية ، والبستان المثالي ، وبتلك النار ~~النار المثالية وكذا الزقوم والحميم. # ولا منافاة بين ما دل على أن أرواح المؤمنين في الجنة أو في شجرة من ~~الجنة ، وما دل على أن أرواحهم في وادي السلام ، أي ظهر الكوفة ms747 يعني النجف ~~الأشرف ، الذي هو وادي السلامة ، وورد في بعض الأخبار أنه بقعة من جنة عدن ~~، وما دل على أنهم في بستان في جانب المغرب على شاطئ الفرات ، لأنه يمكن أن ~~يكون كل تلك الأمكنة مساكن لهم ، فيكونون تارة في هذا وتارة في ذاك ، وتارة ~~في ذلك ، حيث لا مانع منه ، وخصوصا في الأبدان المثالية. # مع أنه يمكن حمل بعض تلك الأماكن على بعض بحيث يؤول إلى أمر واحد ، فتدبر. # كما أنه لا منافاة بين ما دل على أن أرواح الكفار في نار في المشرق ، ~~وبين ما دل على أنهم في وادي برهوت ، وهو واد في اليمن ، لما ذكرنا من ~~الوجه أيضا ، والله سبحانه أعلم بحقيقة الحال. # ثم إنك حيث عرفت ما ذكرنا ، فاعلم أن تلك الأخبار الواردة الدالة على ~~وجود أصل PageV03P124 # تلك القوالب المثالية ، مع دلالتها على ذلك ، تدل أيضا على أحوالها ~~وصفاتها وكيفياتها ، وأنها مما ينتفي عنها بعض لوازم الجسمية ، ويثبت لها ~~بعض لوازمها الأخر ، وأن اللوازم المثبتة ما ذا؟ والمنفية ما هي؟ ويستفاد ~~منها معنى كون العالم المثالي متوسطا بين العالمين ليس في كثافة الماديات ~~ولا في لطافة المجردات. # وبيان ذلك أن ما تضمنته تلك الأخبار من أن الأرواح في النشأة البرزخية ~~على صفة الأجساد ، وأنهم على صور أبدانهم ، وأنهم في قوالب مثل قوالبهم ~~الدنيوية ، يدل على أن القالب المثالي ثابت له الشكل والهيئة والصورة ~~والوضع وأمثال ذلك مما هو كان ثابتا للبدن العنصري مشابها له ، وكلها من ~~لوازم الجسمية ، وهذا ظاهر. # بل إنه ربما يشعر ذلك من جهة إشعاره بأن لكل روح قالبا مثاليا مناسبا له ~~في الصفات كما في النشأة الدنيوية ، بأن تلك القوالب المثالية بعضها ~~نورانية كما للسعداء ، وبعضها ظلمانية كما للأشقياء ، وهذا موافق لما ذكره ~~القائلون بوجود هذا العالم من الحكماء أيضا حيث قالوا : بأن الأشباح ~~الموجودة في هذا العالم ذوات أوضاع مقدارية ، منها ظلمانية يتعذب بها ~~الأشقياء ، وهي صور زرق مكروهة يتألم النفوس بمشاهدتها ، ومنها مستنيرة ~~يتنعم بها السعداء ، وهي صور حسنة ms748 بهية بيض كأمثال اللؤلؤ المكنون ، وما ~~ذكروه يعم الأشباح الموجودة في ذلك العالم مطلقا ، سواء كانت أشباحا هي ~~قوالب الأرواح ، أو أشباحا أخر هي صور الأعمال قرينة للأرواح. وقد دل عليه ~~ما نقله الشيخ البهائي (ره) عنهم أيضا كما نقلناه سابقا ، ولا امتناع في أن ~~يكون لها مقدار ووضع وشكل مع عدم ثبوت جسمية لها ، ولذلك يتمثلون في ذلك ~~بالصور المرئية في المرآة ، ويقولون أنها كوة مفتوحة إلى عالم المثال. # وكذلك ما تضمنته تلك الأخبار من أن الأرواح في ضمن تلك القوالب المثالية ~~البرزخية يجلسون حلقا حلقا على صور أبدانهم العنصرية الدنيوية ويتحدثون ~~ويتنعمون بالأكل والشرب ، وأنهم ربما يكونون في الهواء بين الأرض والسماء ~~يتعارفون في الجو ويتلاقون ، وأنهم ربما يجيئون لزيارة أهلهم ويذهبون ~~وينظرون إلى أحوال أهلهم ، فربما يفرحون ويسرون ، وربما يكرهون ويغتمون ، ~~وأنهم إن رأوا عملا صالحا منهم شكروا ، وإن PageV03P125 # رأوا عملا سيئا اغتموا وتألموا ، ونحو ذلك من الحالات الواردة في شأنهم ~~في ذلك العالم ، يدل على أمور : # منها أن لتلك الأبدان المثالية حواسا ظاهرة وباطنة ، وكذا للنفس فيه آلات ~~مثالية ، كما كانت لها في النشأة الدنيوية آلات بدنية جسمانية ، وبالجملة ~~قوى مدركة حيوانية وآلات مثالية ، تدرك تلك الأرواح في ضمن تلك القوالب ~~بتوسط تلك القوى وبتلك الآلات المثالية إدراكات جزئية ملائمة أو غير ملائمة ~~، فتلتذ لذة بدنية ، أو تتألم ألما بدنيا ، كما كانت تدرك في النشأة ~~الدنيوية بتوسط القوى والآلات البدنية ، مضافا إلى ما هو ثابت لتلك الأرواح ~~بالقياس إلى ذواتها المجردة الباقية من القوة العقلية التي بها تدرك ~~المعقولات ، فتلتذ لذة عقلية أو تتألم ألما عقليا. وهذا نظير ما قاله ~~الحكماء من أن للنفوس المنطبعة الفلكية إدراكات جزئية مضافا إلى الإدراكات ~~الكلية للنفوس المجردة المتعلقة بها ، مع كون أجسام الأفلاك وأجرامها لطيفة ~~غير كثيفة ، فاللطافة لا تمنع أن تكون لها قوى مدركة جزئية ، وآلات لذلك لطيفة. # ومنها : أن في ذلك العالم أصواتا وطعوما وروائح ونحوها من مدركات الحواس ~~، وإن كانت هي مثلا قائمة بذواتها لا أعراضا ms749 ، أو كانت أعراضا قائمة بمثل ~~قائمة بذواتها لا كالأعراض الموجودة في العالم الحسي القائمة بالأجسام ، ~~وكذلك فيه مأكولات ومشروبات هي غذاء الأرواح في ذلك العالم. # ومنها : أن للأرواح في ضمن تلك القوالب حركات وسكنات في الأين ، بل في ~~الكيف أيضا ، وإن كانت الأينية منها في ذلك العالم ليست مثل الأينية منها ~~في العالم الحسي. وبذلك ، وكذا بما تضمنته تلك الأخبار من أن لهم فيه أكلا ~~وشربا وشوقا إليهما ، وتنعما بهما ، وكذا كراهة وسرورا ، يظهر أن لتلك ~~الأرواح في ضمن تلك القوالب قوى محركة حيوانية فاعلة للحركة ، وكذا باعثة ~~عليها من الشوقية الشهوانية ، بل الغضبية أيضا. حيث إن النفس التي لها ~~القوة المحركة الشوقية لا تخلو عن قوة غضبية أيضا. # وإن ما ورد من سرورهم وكراهتهم كما يدل على ثبوت القوة الشوقية لهم ، ~~كذلك يدل على ثبوت القوة الغضبية لهم ، حيث إن تلك الكراهة أعم من الكراهة ~~النفسانية ومن PageV03P126 # الكراهة البدنية التي هي الغضب. # وبذلك يظهر أن لتلك الأرواح في ذلك العالم جميع القوى الحيوانية ، مدركة ~~كانت أم محركة ، فاعلة للحركة أم باعثة عليها ، مضافا إلى ما كان ثابتا لها ~~بالقياس إلى ذواتها الباقية من القوى العقلية النظرية والعملية والعلوم ~~والملكات. # وهذا بيان جملة من لوازم الجسمية التي يستفاد من تلك الأخبار ثبوتها لتلك ~~القوالب المثالية ولذلك العالم. ويستفاد منه أيضا أن اللوازم الأخر ~~الجسمانية منتفية عنها وعن ذلك العالم ، وذلك على وجوه : # الأول : أنه لو كانت كل اللوازم الجسمانية ثابتة لها لكانت هي قوالب ~~جسمانية عنصرية أو فلكية ، وهذا خلاف المفروض. # والثاني : أنه حيث تضمنت تلك الأخبار لثبوت ما بينا ثبوتها لها مع السكوت ~~عن ثبوت اللوازم الأخر الجسمانية ، فتدل بفحاويها على انتفائها عنها ، إذ ~~لو كانت هي أيضا ثابتة لها ، لكان ينبغي أن يكون في تلك الأخبار دلالة ~~عليها أو إشعار بها ، وإذ ليس فليس. # لا يقال : إن ما تضمنته تلك الأخبار ، من أن لتلك الأرواح في ضمن تلك ~~القوالب أكلا وشربا ربما يشعر ، بل يدل على أن لها ms750 قوى نباتية أيضا ، إذ ~~الأكل والشرب لا يكونان إلا بها. # لأنا نقول : إن القوى النباتية لا تكون إلا لجسم له تغذية وتنمية وتوليد ~~، ولا يظهر من تلك الأخبار أن هذه الأفعال الثلاثة ثابتة لتلك القوالب حتى ~~يثبت لها القوى النباتية. بل الظاهر منها أن فيها دلالة على خلاف ذلك ، كما ~~سنشير إليه. # وحينئذ نقول : إن ما دل على الأكل والشرب لا يدل على أكثر من أن لها قوة ~~شوقية وشهوانية من القوى الحيوانية ، وقد ذكرنا أن القوة الحيوانية ثابتة ~~لها ، بل ربما يدعى أن فيه إشعارا ، بأن لذة الأكل والشرب التي في ذلك ~~العالم لذة حقيقية ، ليست مثل اللذة التي في العالم الدنيوي حيث إنها في ~~النشأة الدنيوية إنما هي رفع ألم الجوع والعطش اللذين هما مع التحلل البدني ~~، ليكون المأكول والمشروب بدلين عما يتحلل من البدن ، وأما هي في ذلك ~~العالم فليست كذلك ، حيث إن التحلل البدني لا يكون فيه حتى يقارنه ألم جوع أو PageV03P127 # عطش ويحتاج إلى بدل ما يتحلل ، بل هي لذة حقيقية. وأما أن التحلل البدني ~~لا يكون فيه فسنشير إليه. # الثالث : أن تلك الأخبار حيث تدل بفحاويها على أن تلك القوالب المثالية ~~لطيفة في الغاية ، روحانية جدا ، باقية دائمة كائنة على صفة الأجساد ~~الدنيوية دائما لا تتطرق إليها شائبة تغير أو تبدل أو زوال أو نحوها ، ~~وبالجملة الحالات التي هي من جهة المادة الجسمانية ، فتدل على أن كل ~~اللوازم الجسمانية التي هي من جهة المادة منتفية عن تلك القوالب وعن ذلك ~~العالم ، فيظهر منه أنه ينتفي عنها ما في العالم الحسي من صفات البسائط ~~العنصرية والاسطقسات كالحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة والثقل والخفة ~~وأمثال ذلك. وكذا صفات المركبات منها من المعدنيات وغيرها. وكذا صفات ~~النبات وأفعالها ، من الجذب والإمساك والهضم والدفع والتصوير والتشكيل ~~والتخليق والإنماء والتوليد والتحلل ونحو ذلك. # وبذلك يظهر أن ليس لها قوى نباتية ، وأن الأكل والشرب الواردين في ~~الأخبار ليسا ليكونا بدلين عما يتحلل. وأن لذتهما في ذلك العالم لذة حقيقية ~~ليست مثل ms751 ما في النشأة الحسية. وكذا ينتفي عنها الصفات التي للأفلاك من جهة ~~موادها التي هي متغيرة في حد ذاتها ، مع أن بعض ما تضمنته تلك الأخبار من ~~الحالات التي لتلك الأرواح في ضمن تلك القوالب كالأكل والشرب والحركة ~~الأينية ونحوها ، ينفي أيضا كونها أجراما فلكية ، إذ ليس لها ذلك. # وما فصلناه جملة من أحوال هذا العالم استفدناها من تلك الأخبار بحسب ~~فهمنا القاصر. # وبه يظهر وجه تسمية هذا العالم بعالم المثال من جهة كونه مماثلا للعالم ~~المحسوس الجسماني المادي في كثير من الصفات واللوازم ، وإن كان مغايرا له ~~في بعض آخر. # وكذا يظهر وجه كون هذا العالم عالما متوسطا بين العالم الحسي والعقلي من ~~جهة أنه ليس في كثافة الماديات ولا في لطافة المجردات ، وأنه ينتفي عنه بعض ~~لوازم الجسمية ويثبت لها بعض آخر منها. وهذا مطابق أيضا لما قال به الحكماء ~~القائلون بهذا العالم كما PageV03P128 # يظهر على من تصفح كلامهم في ذلك ، إلا أنهم زادوا على ذلك ، وقالوا : إن ~~المحسوسات بالحواس من الأجسام والأعراض ثابتة في هذا العالم ، قائمة ~~بذاتها. # وإن كل ما في عالمنا هذا من الأفلاك والكواكب والعناصر والمركبات والأرض ~~والبر والبحر والإنسان والحيوان والجماد والمعادن والنبات والحركات وسائر ~~الأعراض إلى غير ذلك من الموجودات ، موجود في العالم المثالي إلا أنها إليه ~~ألطف وأحسن وأشرف وأفضل مما في عالمنا ، لقربها من المبدأ الأول. # وإن العالم المثالي عالم عظيم الفسحة لا ضيق فيه ، لأن الضيق إنما يكون ~~في الأمكنة والأبعاد الهيولانية. والصور هناك قائمة بنفسها لا تحتاج إلى ~~مادة ، فلا تحتاج إلى مكان ، لأن المكان إنما يحتاج إليه ذو المادة فلا ~~يزاحم على مادة ولا مكان ولا محل ، بل إن ما في العالم العقلي من المجردات ~~والمفارقات والعقول ، لها أشباح ومظاهر مثالية أيضا موجودة في العالم ~~المثالي ، يظهر تلك المجردات في عالمنا هذا بحسب ما يقتضيه المصلحة والحال ~~في ضمن تلك المظاهر والأشباح اللطيفة في الغاية القابلة للتشكل بأشكال ~~مختلفة على أشكال وصور مختلفة ، فقد تشاهد أحيانا وتغيب ms752 وتحضر بصورة أخرى ~~كالبرق الخاطف ، فيتوهم الرائي أنها انقلبت وليس كذلك. # وإن العالم المثالي له طبقات كثيرة لا يحصيها إلا الباري تعالى ، وكل ~~طبقة منه فيها أشخاص غير متناهية ، وهذه الطبقات منها نورانية ملذة ، هي ~~طبقات الجنان بعضها أشرف وأفضل وأنور ، وبعضها دون ذلك ، ومنها طبقات مظلمة ~~موحشة مؤلمة هي طبقات الجحيم متفاوتة أيضا في شدة الظلمة والوحشة ، فالطبقة ~~الفاضلة متاخمة لعالم العقل ، فهي في أفقه ، والطبقة السافلة متاخمة لعالم ~~الحسي ، فهي في أفقه ، وباقي الطبقات التي لا تحصى كثرتها محصورة بين هاتين ~~الطبقتين ، وكل طبقة منها يسكنها قوم من الملائكة والجن والشياطين لا ~~يتناهى عددهم. # وإن هذا العالم المثالي لا تتناهى عجائبه ، ولا يمكن إدراك غرائبه في ~~العالم الدنيوي الظلماني ، بل لا يحيط بحقائقه إلا الله تعالى ومقربو حضرته. # وإن هذا العالم عالم مقداري ، غير العالم الحسي وغير العالم العقلي ~~والنفسي ، فيه PageV03P129 # مدن لا تحصى ، من جملة ذلك ما سماه الشارع جابرصا وجابلقا ، وهما مدينتان ~~من مدائنه ، لكل واحدة منها ألف باب لا يحصى ما فيها من الخلائق ، وأعظم ~~تلك المدائن هورقليا التي هي مدينة مثالية فلكية ، فيها مثل الأفلاك وما ~~فيها ، إلى غير ذلك من الأقوال التي قالوا بها ونسبوا القول بها إلى أساطين ~~الحكمة ، كأفلاطون ومن قبله كسقراط وفيثاغورس وانباذقلس وغيرهم ، بل إلى ~~الأنبياء عليه السلام أيضا ، وادعوا أن أرباب الكشف منهم وصلوا إلى هذا ~~العالم وأحواله ، وشاهدوه بكثرة الرياضات وخلع نواسيت الأبدان. والله تعالى ~~أعلم بحقيقة الحال. ### ||| * في وجه تسمية العالم المثالي والبرزخي بالعالم المتوسط ### ||| * بين العالمين ، وكذا في وجه تسمية النشأة الدنيوية ### ||| * بالعالم الحسي والنشأة الأخروية بالعالم العقلي # فإن قلت : قد ظهر مما قد قررت وجه كون العالم المثالي متوسطا بين العالم ~~الحسي والعالم العقلي ، فما وجه ما يقال إن ما بعد الموت إلى قيام القيامة ~~عالم البرزخ؟ قلت : معنى البرزخ الحاجز بين الشيئين والمتوسط بينهما ، وهذا ~~العالم لا يخفى أنه بحسب الوجود في الخارج والزمان متوسط بين النشأة ~~الدنيوية والأخروية ، حاجز بينهما ، وكذا بحسب ms753 المرتبة متوسط بين العالم ~~الحسي والعالم العقلي ، حيث إن موجودات هذا العالم من جنس موجودات العالم ~~المثالي ، وقد عرفت أنه متوسط بينهما. # فإن قلت : ما معنى ما يقال : إن النشأة الدنيوية عالم حسي والنشأة ~~الأخروية عالم عقلي؟ كما هو مذكور في كلام كثير منهم ، مع أن في كل من ~~النشأتين محسوسا ومعقولا تدرك النفس محسوساتها بالحواس ومعقولاتها بذاتها ~~وبالقوة العقلية ، أما النشأة الدنيوية فظاهر وجودهما فيها ، وأما النشأة ~~الأخروية فحيث نقول بالمعاد الجسماني وبوجود الأجسام فيها ، وكذا بوجود ~~المعقولات فيها ، وبإدراك النفس للقسمين جميعا حيث نقول باللذات الحسية ~~والعقلية فيها. PageV03P130 # قلت : يمكن أن يكون معنى ذلك أن النشأة الدنيوية عالم مشاهد محسوس ، ~~والنشأة الأخروية عالم معقول ، حيث إن وجود النشأة الدنيوية يدرك بالمشاهدة ~~والعيان ، وأن النشأة الأخروية يدرك بأخبار الأنبياء عليه السلام ، ~~وبالدلائل العقلية ، وهذا كما أنهم قالوا : إن النشأة الدنيوية عالم ~~الشهادة ، والنشأة الأخروية عالم الغيب ، إلا أن هذا الوجه إنما يستقيم ~~بالقياس إلى من في هذه النشأة الدنيوية فقط. # وكذلك يمكن إطلاق العالم العقلي وعالم المعقول بهذا المعنى على النشأة ~~البرزخية أيضا ، حيث إن وجودها أيضا ليس بمشاهد ، بل هو معلوم لنا بأخبار ~~الأنبياء عليه السلام وبالدلائل العقلية. # وكذلك يمكن أن يكون معنى ذلك ، أنه وإن كان في كلتا النشأتين محسوسا ~~ومعقولا يدركهما النفس ، إلا أن السلطنة والغلبة في النشأة الدنيوية إنما ~~هي للحس ، والعقل مغلوب له ، حيث إن انغماس النفس في الغواشي البدنية ، ~~شغلها وألهاها عن إدراك المعقولات كما هو حقه ، إلا أن تكون النفس قد خلعت ~~ربقة الغواشي البدنية عن عنقها ، وأما في النشأة الأخروية فالسلطان إنما هو ~~العقل ، حيث إنه ليس بمنغمر في تلك الغواشي ، وإن الحواس الظاهرة والباطنة ~~والآلات البدنية العنصرية وإن كانت موجودة لها في الآخرة حيث نقول بمعاد ~~البدن العنصري الأولي إلا أنها لا تلهيها ولا تشغلها عن أفعالها الذاتية ~~العقلية أصلا ، كما كانت تلهيها وتغفلها عن ذلك في النشأة الدنيوية. # والحاصل أن النشأة الأخروية عكس النشأة الدنيوية ، وكما كانت السلطنة في ms754 ~~الدنيوية للحس ، ولذلك سميت بالعالم الحسي ، كذلك تكون السلطنة في الأخروية ~~للعقل ، وبذلك يسمى عالما عقليا. # ولا يخفى أن هذا الوجه يستقيم بالقياس إلى من في النشأتين جميعا. # وأنه به يمكن أن يستفاد وجه آخر ، لكون ما بعد الموت إلى قيام الساعة ~~عالما برزخيا متوسطا بهذا المعنى بين العالمين ، أي الحسي والعقلي ، حيث إن ~~ذلك العالم لما كان عالما مثاليا ، وكان محسوساتها بصور مثالية تدركها ~~النفس بالحواس والآلات البدنية المثالية ، وكذلك كان هناك معقولات تدركها ~~النفس بقوتها العقلية ، ولم تكن هناك مزاحمة PageV03P131 # بين الحس والعقل ، بل كان يفعل كل منهما فعله كما هو حقه. مع أنه ليس ~~هناك شيء من شأنه أن يشغل العقل عن فعله ، حيث إن الشاغل إنما هو الآلات ~~البدنية العنصرية ، لا الآلات المثالية ، فبذلك يسمى عالما متوسطا بين ~~العالمين. # وبالجملة ، ففي النشأة الأخروية السلطان للعقل ، حيث إنه مع وجود ما من ~~شأنه أن يكون معارضا له ومزاحما إياه ، وهو القوى البدنية العنصرية ، يظهر ~~أفعاله على الوجه الأتم ، وفي النشأة الدنيوية السلطان للحس ، حيث إنه يلهي ~~العقل عن فعله. وأما في النشأة البرزخية فلا سلطان لأحدهما على الآخر ، ~~والحس يفعل فعله كما هو حقه ، وكذلك العقل يفعل فعله كما هو حقه ، من دون ~~أن يكون هناك شيئا من شأنه أن يغلبه ، وهو القوى الحسية البدنية العنصرية ، ~~إذ ليست هي هناك ، والقوى الحسية المثالية ليست من شأنها أن تغلبه وتعارضه ~~، فهي بهذا الاعتبار عالم متوسط بين العالمين. # وكذلك يمكن أن يكون وجه ذلك أن كثيرا من مستلذات الآخرة لما كانت توجد ~~بلا مادة ومدة ، بل بمحض التصور والاشتهاء ، وبإذن الله تعالى كما دل عليه ~~كثير من الآيات والأخبار ، كانت مشابهة للأمور العقلية والمجردات عن المادة ~~، حيث إنها أيضا توجد بلا مادة ومدة ، بخلاف الموجودات الدنيوية ، حيث إنها ~~توجد مع مادة ومدة ، فلذلك سميت الآخرة بالعالم العقلي ، والدنيا بالعالم ~~الحسي ، ويطابقه ما قالوه من أن الدنيا عالم الخلق ، والآخرة عالم الأمر. # أو أن مستلذات عالم الآخرة من المحسوسات ، وإن ms755 كانت لها مادة جسمانية ~~أيضا ، إلا أنها لما كانت لطيفة في الغاية ، صافية جدا ، وكانت النفس ~~لقوتها في إدراكها وشدة تجريدها ، تصل إلى غورها وتسري في جواهرها ، حتى ~~كأنها هي بلا فصل ، كما في إدراك العقل للمعقولات ، وليس إدراكها لها هنالك ~~بملاقاة السطوح كما في النشأة الدنيوية ، سميت الآخرة بالعالم العقلي ، حيث ~~إن إدراك النفس لمحسوساتها أيضا شبيه بإدراك العقل للمعقولات ، وسميت ~~الدنيا بالعالم الحسي حيث إن إدراكها لمحسوساتها ليس على جهة إدراكها ~~لمعقولاتها ولا مشابها له. # أو أن موجودات عالم الآخرة من المستلذات وإن كانت جسمانية أيضا ، لطيفة في PageV03P132 # الغاية فوق اللطافة التي هي للأجسام الكائنة في الدنيا عنصرياتها ~~وفلكياتها ، قريبة من اللطافة التي للعقليات ، كأنها في أفق العالم العقلي. # أو أن موجودات عالم الآخرة بأسرها لما كانت باقية غير داثرة ، وإن كانت ~~جسمانية أيضا كبقاء الأمور العقلية والمجردات عن المادة ، ولم يكن ~~للجسمانيات منها مادة قابلة للتغير والزوال والكون والفساد ، وكمادة ~~الجسمانيات في الدنيا ، حيث إنها قابلة للفناء ، كان عالم الآخرة عالما ~~عقليا ، حيث إن العقليات منها غير قابلة للفناء وكذا الجسمانيات ، بخلاف ~~عالم الدنيا ، حيث إن الجسمانيات منها قابلة لذلك. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. ### ||| * في أن القول بالأجساد المثالية في النشأة البرزخية مما لا مانع منه من ### ||| * جهة النقل والعقل ، بل إنه مما يؤيده العقل # ثم إنك إذا تحققت ما بيناه وفصلناه ، وتبينت أن الشرع الشريف القويم يدل ~~على انتقال الأرواح بعد الموت إلى الأجساد المثالية التي عرفت صفاتها ~~وحالاتها ، فاعلم أن القول به مما لا مانع عنه مطلقا ، لا من جهة الشرع ولا ~~من جهة العقل ، بل إن العقل ربما يؤيده. # أما بيان التأييد ، فحيث ظهر مما أسلفنا لك أن النفس الإنسانية لما كانت ~~بدنية في أفعالها ، محتاجة إلى الآلات البدنية في إدراكاتها الجزئية ، التي ~~لا ينفك عنها في حال من الأحوال ، فتحتاج البتة بعد المفارقة أيضا إلى بدن ~~ما تتعلق هي به وتتصرف فيه تصرف التدبير ، وتجعله آلة لأفعالها وإدراكاتها ~~، وظاهر أن ذلك البدن ms756 ليس هو البدن الأول العنصري ، لكون المفروض مفارقتها ~~عنه ولم يعد بعد ، ولا بدنا آخر جسمانيا عنصريا أو فلكيا ، لما ظهر من ~~بطلانه ، ولا أمرا عقليا لبطلانه أيضا كما سبق ، فلا بد أن يكون بدنا آخر ~~من جنس عالم آخر متوسط بين التجسم المادي والتجرد العقلي ، أي البدن ~~البرزخي المثالي ، وفيه المطلوب. PageV03P133 # وكما أن الأخبار الواردة في ذلك دالة على وجود البدن المثالي لكل روح من ~~الأرواح على ما عرفت بيانه ، كذلك هذا الدليل أيضا يدل عليه ، حيث إن ~~احتياج النفس الإنسانية إلى بدن غير مختص بنفس دون نفس ، بل يعم الكل ، أي ~~نفوس الكاملين وغير الكاملين والسعداء والأشقياء والمتوسطين والبله ~~والصبيان والمجانين ، إذ نفوس الكل باقية بعد خراب أبدانهم ، كما عرفت ~~الدليل عليه فيما سلف. # وقد دل الدليل المذكور على أن النفس الباقية بعد فناء بدنها العنصري ~~تحتاج إلى بدن مثالي ، وفيه المطلوب. # وأما بيان عدم المانع عنه ، فلأن ذلك المانع ، إما من جهة الشرع ، وظاهر ~~انتفاؤه ، وإما من جهة العقل ، وليس يتصور هنا مانع عنه من جهة إلا توهم ~~لزوم التناسخ المستحيل ، وهو منتف هنا. وبيان الانتفاء أنك قد عرفت فيما ~~قررنا دلائل إبطال التناسخ أن العمدة والأصل في بطلانه أحد أمور ثلاثة : # أحدها : أن النفس المستنسخة إذا قلنا بجواز تعلقها ببدن آخر ، يكون ذلك ~~البدن لاستعداده لحدوث تعلق نفس به مناسبة له مستعدا لحدوث نفس له غير ~~النفس المستنسخة ، فإذا جاز تعلق تلك النفس الأخرى به ، مع فرض جواز تعلق ~~المستنسخة أيضا به ، لزم جواز أن يتعلق به نفسان ، وهذا محال كما مر بيانه. # والثاني : أنه إذا جاز التناسخ وتعلق النفس المستنسخة ببدن آخر غير الأول ~~، لزم أن ينقلب فعليتها التي حصلت لها في ضمن البدن الأول إلى القوة التي ~~كانت لها أولا في ضمن البدن الآخر ، وانقلاب الفعلية إلى القوة والاستعداد ~~المحض محال. # والثالث : أنه يلزم منه جواز تعلق نفس واحدة بأكثر من بدن واحد تعلق ~~التدبير والتصرف. # ولا يخفى أن هذه المحالات لا تلزم على ms757 تقدير القول بالانتقال إلى البدن ~~المثالي أصلا ، لأن البدن المثالي حيث إنه ليس من جنس البدن الجسماني ، ~~وليس له مادة جسمانية ، فليس له قوة ولا استعداد لشيء لأن ذلك من توابع ~~المادة الجسمانية ، وإذا لم يكن له قوة واستعداد كما للجسمانيات ، فلا يلزم ~~أن يكون مستعدا لحدوث نفس أخرى ، PageV03P134 # حتى إذا تعلقت به النفس المستنسخة لزم أن يجوز أن يتعلق به نفسان. # ولا أن يكون إذا تعلق به نفس لزم أن تكون تلك النفس في ضمنه بالقوة ، حتى ~~يلزم انقلاب الفعلية إلى القوة ، بل يمكن أن يكون النفس باقية في ضمنه أيضا ~~على فعليتها الأولية الحاصلة لها في ضمن البدن العنصري كائنة كما كانت. # وكذلك حيث كان البدن المثالي ظلا وشبحا للبدن العنصري وموجودا بالعرض ~~بوجوده ، لا يلزم منه تعلق النفس الواحدة تعلق التدبير والتصرف ببدنين ~~متغايرين بالذات منفصلين بالحقيقة موجودين كل منهما بوجود منفرد ، فلا يلزم ~~منه محال ، لأن المحال إنما هو تعلقها ببدنين منفصلين موجودين كل منهما ~~بوجود على حدة بالذات. # فإن قلت : كيف يجتمع القول بعدم مادة لذلك البدن المثالي مع القول ~~بحدوثه؟ كما هو ظاهر بعض تلك الأخبار المذكورة ، مع أن المقرر عند الحكماء ~~أن كل حادث فمسبوق بمادة. # قلت : إن القول بمسبوقية كل حادث بمادة ، وإن كان مما قالته الحكماء ، ~~إلا أنه ليس عليه دليل قطعي ، بل إن الدليل على حدوث العالم بجملته كما هو ~~إجماعي أهل الملل والأديان ، على ما قررناه في رسالة «حدوث العالم» ينفي ~~ذلك القول ، فإن هذا القول يستلزم القول بقدم العالم ، ولا أقل من قدم ~~المادة زمانا ، ومقتضى حدوث العالم بجملته حدوثا زمانيا أو دهريا كما ~~قررناه هناك حدوث المادة أيضا كذلك ، لأنها من أجزاء العالم. بل نقول : # إنه يمكن حدوث الحادث بمحض العلم بالأصلح والعناية الأزلية المقتضية ~~لحدوثه ، والمرجحة لتخصصه بزمان دون زمان ، سواء كان ذلك الحادث مجردا عن ~~المادة أو ماديا أو متوسطا بينهما ، وحدوث البدن المثالي على تقدير القول ~~به لعله من هذا القبيل ، حيث يجوز أن ms758 يكون اقتضى العلم بالأصلح حدوثه وتعلق ~~النفس به ، كيلا تكون معطلة من جهة إدراكاتها البدنية. وأما تخصص كل نفس ~~ببدن مثالي ، فلعله كان وجهه مناسبة ما بين تلك النفس وذلك البدن المثالي ~~المناسب لها من حيث صفاتها وحالاتها الموافق للبدن الأول العنصري في بعض ~~الصفات والهيئات والحالات ، وإن لم نكن نعلم تلك المناسبة على PageV03P135 # التحقيق. # وهذا على تقدير تسليم كون البدن المثالي مغايرا بالذات وبالوجود للبدن ~~العنصري ، وأما على تقدير كونه ظلا وشبحا للبدن العنصري كما هو التحقيق ، ~~وموجودا بوجوده بالعرض ، سواء قلنا بحدوثه بحدوث البدن العنصري ، مقارنا له ~~كما دلت عليه كثير من الشواهد المتقدمة ، وبوجوده بالعرض بوجود البدن ~~العنصري ، أو قلنا بحدوثه بعد خراب البدن ، وكون وجوده بالعرض بوجود ~~الأجزاء الأصلية من البدن الأصلي وظلا وشبحا لها ، فلا يرد السؤال قطعا ، ~~لأن اللازم على هذا التقدير حدوث البدن المثالي بحدوث البدن العنصري ~~المسبوق بالمادة أو بعده بتبعيته ، وكذا وجوده بالعرض بوجود البدن الأصلي ~~أو الأجزاء الأصلية منه بالذات ، ولا محذور فيه. # وهذا كما يقولون : إن لوازم الماهيات غير مجعولة بجعل على حدة ، بل إن ~~هناك جعلا واحدا يتعلق بالذات بالماهية وبالعرض بلازمها ، وإنهما موجودان ~~بوجود واحد حاصل للماهية بالذات وللازمها بالعرض. # وبوجه آخر ، أن ذلك الذي ذكرت ، إنما هو على تقدير القول بحدوث المثالي ~~بعد مفارقة النفس عن البدن العنصري ، وذلك ليس بثابت ، بل إن بعض الشواهد ~~التي ذكرناها شاهدة على وجود البدن المثالي ربما تشهد بأن البدن المثالي ~~كان حاصلا للنفس حين تعلقها بالبدن العنصري أيضا. # ويمكن حمل الأخبار الأخر عليه أيضا كما أشرنا إليه. # وعلى هذا ، فلا يرد ما ذكرت أصلا ، بل إنه على تقديره يكون عدم ورود ~~مفسدة التناسخ أظهر ، لأن ذلك البدن المثالي حيث كان موجودا للنفس قبل ~~المفارقة أيضا ، كان بدنا أصليا لها كالبدن العنصري ، إلا أنه كان أولا معه ~~مقارنا له بهيئته ، وثانيا منفردا عنه مقارنا للأجزاء الأصلية منه ، والبدن ~~الأصلي للنفس لا يكون فيه استعداد لنفس أخرى غيرها ، حتى يلزم جواز ms759 اجتماع ~~نفسين في بدن واحد ، وكذلك لا تصير النفس المتعلقة به بالقوة من جهة ~~كمالاتها ، حتى يلزم انقلاب ما بالفعل إلى ما بالقوة ، بل تكون بالفعل في ~~كمالاتها كما كانت أولا ، وكذلك لا يلزم تعلق نفس واحدة ببدنين منفصلين ~~متغايرين PageV03P136 # بالذات والوجود ، لما عرفت. وهذا هو المعتمد أيضا في دفع مفاسد القول ~~بالتناسخ ، على تقدير انتقال النفس يوم القيامة إلى البدن الجسماني العنصري ~~الذي هو عين البدن الأول العنصري بحسب الأجزاء الأصلية وكثير من الصفات ~~والحالات وإن كان مغايرا له بحسب الأجزاء الفضلية وبعض الصفات على ما ~~سنحققه فيما بعد إن شاء الله تعالى. # وبالجملة ، فينبغي أن يكون التعويل في دفع لزوم مفاسد التناسخ ، على ~~القول بانتقال الأرواح إلى الأجساد المثالية على ما ذكرنا ، لو قلنا ~~بامتناع التناسخ عقلا ، كما قررنا الدليل العقلي على امتناعه سابقا ، سواء ~~قلنا بامتناعه سمعا أيضا أم لم نقل ، وإن كان يمكن دفع لزوم مفاسده عن هذا ~~القول ، على تقدير القول بامتناع التناسخ سمعا أيضا ، بما تضمنه كلام ذلك ~~البعض من المتبحرين ، ككلام الشيخ البهائي الذي نقله هو عنه كما نقلنا ~~كلاميهما. ### ||| * كلام مع الشيخ البهائي والعلامة المجلسي # وحاصل الدفع أن العمدة في بطلان التناسخ هو إجماع المسلمين وضرورة الدين ~~، وهذا الإجماع وهذه الضرورة إنما تحققا في بطلان التناسخ بالمعنى الذي قال ~~به التناسخية ، وهو انتقال الروح من بدن عنصري إلى بدن آخر جسماني عنصري أو ~~فلكي ، لا إلى بدن مثالي أيضا ، فإنه لو انعقد الإجماع أو تحققت الضرورة في ~~نفي هذا أيضا لما قال به كثير به من المسلمين كشيخنا المفيد (ره) وغيره من ~~علمائنا المتكلمين المحدثين. # ولا يخفى أن هذا الوجه أيضا وجه جيد ، لو ثبت ذلك الادعاء ، إلا أن في ~~كلاميهما نظرا من جهة أخرى ، وهو أن ما تضمناه من أن التناسخ لم يتم دليل ~~عقلي على امتناعه منظور فيه ، كيف وقد عرفت فيما سبق قيام الدليل العقلي ~~عليه ، وعلى تقديره! فيبقى السؤال عن أن المحال العقلي الذي يلزم على تقدير ~~انتقال ms760 الروح إلى البدن الجسماني غير البدن الأول كما يراه التناسخية ، هل ~~يلزم على تقدير انتقال الروح إلى البدن المثالي أم لا؟ وعلى تقدير عدم ~~اللزوم فوجهه ما ذا؟ بل ربما يقال إن المحذور ليس هو لزوم إطلاق PageV03P137 # التناسخ ، حتى يجاب بأن الشرع جوز هذا النحو من التناسخ ومنع غيره ، بل ~~الإشكال إنما هو لزوم المحذور اللازم للتناسخ ، كما ذكروه في بيان استحالته ~~من استيجاب كون بدن واحد ذا نفسين ، وكون نفس واحدة ذات بدنين منفصلين ~~متغايرين بالذات ، أو انقلاب الفعلية قوة ، وهذا لازم في الظاهر على تقدير ~~الانتقال إلى البدن المثالي أيضا كما في صورة الانتقال إلى البدن الجسماني ~~، فينبغي دفع لزوم هذا اللازم فيما نحن فيه. # وأيضا فما تضمنه كلامه الشيخ البهائي (ره) من عود الأرواح عند قيام ~~القيامة الكبرى إلى أبدانها الأولية بإذن مبدعها ، إما بجمع أجزائها ~~المتشتتة ، أو بإيجادها من كتم العدم يشعر بتجويزه إعادة المعدوم ، وقد ~~عرفت امتناعها عقلا. # وأيضا ، فما تضمنه كلامه من أنه ليس إنكارنا على التناسخية حكمنا ~~بتكفيرهم بمجرد قولهم بانتقال الروح من بدن إلى بدن آخر ، فإن المعاد ~~الجسماني كذلك عند كثير من أهل الإسلام ، بل بقولهم بقدم النفوس وترددها في ~~أجسام هذا العالم وإنكارهم المعاد الجسماني في النشأة الأخروية محل تأمل ، ~~لأن بطلان التناسخ إذا انعقد إجماع المسلمين عليه ، وكان ضروريا في الدين ، ~~ينبغي الحكم بكفرهم بمجرد ذلك مطلقا. سواء قالوا بقدم النفس أم قالوا به ، ~~وإن كان القول بقدم النفس وإنكار المعاد الجسماني منشئا للحكم بكفرهم أيضا ~~لو كانوا قائلين بذلك ومنكرين لذاك ، وليس يظهر أن ما انعقد الإجماع على ~~بطلانه وبطلانه ضروري في الدين هو القول بالتناسخ بالمعنى المتنازع فيه ، ~~الذي كان مع القول بقدم النفوس ومع الإنكار للمعاد الجسماني ، بل الظاهر ~~إنه القول بهذا التناسخ مطلقا. # كما أنه ليس يظهر من الشرع أن المعاد الجسماني هو عود الروح إلى بدن آخر ~~غير الأول مطلقا ، كما أسند هو القول به إلى كثير من أهل الإسلام ، بل ~~الظاهر من الشرع ms761 وكذا من كلمات أكثر أهل الإسلام كما هو التحقيق ، وسيأتي ~~إن شاء الله تعالى بيانه ، هو عود الروح الباقي بذاته إلى البدن الأول ~~بعينه من جهة أجزائه الأصلية الباقية ، وإن كان مغايرا للبدن الأول من جهة ~~الأجزاء الفضلية ، وأن المعاد يوم القيامة هو ذلك الشخص بعينه نفسا وبدنا ، ~~والله أعلم بالصواب. PageV03P138 ### ||| * في ثبوت السعادة والشقاوة في عالم البرزخ # ثم إنه حيث انجر الكلام إلى هذا المقام ، فلنرجع إلى ما كنا بصدده من ~~المرام ، فنقول: إن الشرع كما نطق بوجود قالب مثالي لكل روح من الأرواح ، ~~وعرفت أنه مما يؤيده العقل أيضا ، كذلك دل على أن للأرواح في ذلك العالم ~~المثالي أي في عالم البرزخ سعادة وشقاوة بدنيتين ، ولذة وألما حسيين ، وقد ~~وردت بذلك أخبار لا تحصى ، كما لا يخفى على من تتبعها ، ويؤيده العقل أيضا ~~، حيث إن البدن المثالي إذا كان له قوى وحواس بدنية ، كما دلت تلك الأخبار ~~عليه ، وجب أن يكون من شأن الروح المتعلقة به إدراك المحسوسات فتلتذ به أو ~~تتألم على وفق حالها ومرتبتها ، وإلا فيكون وجود تلك القوى والحواس معطلا. # وبالجملة ، فيجب أن يكون لها في ضمنه لذة حسية أو ألم حسي ، مضافا إلى ~~السعادة والشقاوة العقليتين اللتين هما لها بالقياس إلى ذاتها ، وقد دل ~~الدليل العقلي على وجودهما لها بحسب حالها ، ولم ينكره الشرع أيضا ، كما ~~عرفت بيان ذلك فيما تقدم. # وكذلك قد دل على أن اللذة الحسية والألم الحسي في عالم البرزخ أعظم شأنا ~~وأشد تأثيرا منهما في العالم الدنيوي ، كما وردت به أخبار كثيرة أيضا. # وقد ورد أيضا تشبيه حالة البرزخ وما يجري فيها بحالة الرؤيا وما يشاهد ~~فيها ، وهذا أيضا مطابق للعقل ، حيث إنا نجد من أنفسنا أن المحلوم به أعظم ~~شأنا في بابه من المحسوس الدنيوي ، وكأن وجهه قلة العوائق وتجرد النفس ~~وصفاء القابل ونحو ذلك مما له مدخل في كون اللذة أعظم والألم أشد. ### ||| * في تجسم الأعمال # وكذلك قد ورد الشرع بما يدل على تجسيم الأعمال ، وذلك أيضا أكثر ms762 من أن يحصى: PageV03P139 # قال تعالى : ( @QUR@04 ووجدوا ما عملوا حاضرا ) (1). # ( @QUR@06 سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ). (2) # ( @QUR@07 بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته ). (3) # ( @QUR@012 الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا ). (4) # وفي الحديث : «الذين يشربون في آنية الفضة إنما يخرج من بطونهم نار جهنم» (5). # وفيه أيضا : «الجنة قيعان غراسها سبحان الله وبحمده». (6) # وفيه أيضا : «إنما هي أعمالهم ردت إليهم». (7) # وفيه أيضا : «إذا دخل وقت كل فريضة نادى ملك من السماء : أيها الناس ~~قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على ظهوركم فأطفئوها بصلاتكم». (8) # وفيه أيضا : «ما من عبد منع من زكاته شيئا ، إلا كان ذلك الذي منعه ~~ثعبانا من نار يكون طوقا في عنقه ينهش من لحمه حتى يفرغ الناس من الحساب». (9) # وفيه أيضا : «إن العبد إذا كان في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة ~~مثل له ماله وولده وعمله ، فيلتفت إلى ماله فيقول : والله إني كنت عليك ~~لحريصا شحيحا ، فما ذا عندك؟ فيقول : خذ مني كفنك ، فيلتفت إلى ولده فيقول ~~: والله إني كنت لكم محبا ، وإني كنت عليكم لمحاميا ، فما ذا عندكم؟ ~~فيقولون : نؤديك إلى حفرتك ونواريك فيها ، فيلتفت إلى عمله فيقول : والله ~~إنك كنت علي ثقيلا وإني كنت فيك زاهدا. فما ذا عندك؟ فيقول : أنا PageV03P140 # قرينك في قبرك ويوم حشرك حتى أعرض أنا وأنت على ربك». (1) # إلى غير ذلك من الآيات والأخبار الواردة في ذلك ، كما يعلم بالتتبع (2). # ولا يخفى أنها كما هي دالة على تجسيم الأعمال في النشأة الأخروية ، تدل ~~على تجسيمها في عالم البرزخ أيضا ، حيث إن بعضا منها ظاهرة الاختصاص بعالم ~~الآخرة ، وبعضا منها مطلق في ذلك يشمل العالمين جميعا ، وبعضها منها ظاهر ~~في أن ذلك في كلا العالمين جميعا ، كالحديث الأخير. # وحينئذ فحري بنا أن نتكلم في معنى تلك الآيات والأخبار ، وفي أن معنى ذلك ~~التجسيم ما ذا؟ # فنقول : إن ذلك يحتمل وجهين : # أحدهما وهو الذي يظهر من كلام بعض العلماء القول به ، وإن كان خلاف ظاهر ~~تلك الآيات والأخبار الواردة ms763 ، أنه ليس المراد أن نفس ذلك العمل يتصور بتلك ~~الصورة ويتجسم ذلك الجسم ، بل المراد أنه يخلق الله تعالى على وفق مصلحته ~~الكاملة ومقتضى ذلك العمل صورة أخرى مناسبة لذلك العمل موافقة له ، حيث إن ~~لكل عمل خير أو شر ، وكذا لكل صفة حاصلة للنفس فاضلة أو ردية ، وكذا لكل ~~معنى من المعاني الحاصلة لها صورة تناسبه. وهذا كما أن صورة القردة ~~وأمثالها مناسبة لمعنى الفجور وأمثاله ، وصورة الفأرة وأمثالها مناسبة ~~لمعنى الحرص وأمثاله ، وصورة الكلب وأمثاله من السباع مناسبة لمعنى التهور ~~وأمثاله ، وصورة الماء واللبن وأمثالهما مناسبة لمعنى العلم وأمثاله ، إلى ~~غير ذلك. ولذلك يشاهد في المنام من غلبت عليه تلك الصفات بتلك الصور كما هو ~~المجرب. وحينئذ فلا امتناع في أن يخلق الله تعالى جزاء لكل عمل خير أو شر ~~صورة تناسبه ويجعلها قرينة لصاحب ذلك العمل مصاحبة له ، كصورة الحيات ~~والعقارب والزقوم والحميم والجحيم وأمثالها من الصور المؤلمة الموذية ~~للأعمال الردية القبيحة والصفات |(2) نيك وبد هرچه كنى بهر تو خوانى سازند||كار بد جمله ز تو آيد وشيطان بدنام| |جز تو بر خوان بد ونيك تو مهمانى نيست||بر تو جز نفس بدانديش تو شيطانى نيست| PageV03P141 # الذميمة ، وصورة الحور والقصور والولدان والجنات ونعيمها وأمثالها من ~~الصور البهية الملذة الحسنة للأعمال الحسنة والصفات والملكات الفاضلة ~~الجيدة ، فتكون النفس بالصور الأولى متألمة ذات شقاوة ، وبالصور الثانية ~~ملتذة ذات سعادة وبهجة وسرور. وتكون أيضا تلك الصور في كل عالم مناسبة لذلك ~~العالم ، بأن تكون الصور البرزخية مناسبة لعالم البرزخ ، ويكون جسميتها ~~كجسمية ما في ذلك العالم جسمية مثالية ، وتكون الصور الأخروية مناسبة لعالم ~~الآخرة ، وجسميتها كجسمية ما في ذلك العالم جسمية أخرى غير ما في العالم ~~الحسي والعالم البرزخي. # وبالجملة ، فلا امتناع في ذلك ، سواء كان المراد أنه يخلق الله تعالى في ~~عالم البرزخ تلك الصورة المناسبة البرزخية فيجعلها مصاحبة لصاحب تلك العمل ~~، ثم يخلق تعالى بعد ذلك في عالم الآخرة صورة أخرى أخروية مناسبة أيضا ، ~~فيجعلها مصاحبة له إلى ms764 أن يشاء الله تعالى. # أو كان المراد أنه يخلق تعالى بعد صدور ذلك العمل من عامله وبعد حصول تلك ~~الصفة لمن اتصف بها صورة برزخية ، وكذا صورة أخروية مناسبتين لذلك العمل ~~ولتلك الصفة ، ويجعلها مصاحبتين له في هذه النشأة الدنيوية أيضا. إلا أنه ~~لما كان محجوب البصيرة في هذه النشأة عن إدراكهما ومشاهدتهما ، لا يدركهما ~~ولا يشاهدهما ، فلا يلتذ بهما ولا يتألم. # ثم إنه حيث يكون في النشأة البرزخية حديد البصيرة في الجملة ، وينكشف عنه ~~غطاء هذه النشأة ، يدرك الصور البرزخية فقط بالحواس البرزخية ، فتلتذ أو ~~تتألم. ثم إنه بعد ذلك في عالم الآخرة حيث يكون بصيرته أحد وينكشف عنه ~~الغطاء بالمرة ، كما قال تعالى : ( @QUR@06 فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم ~~حديد ) (1)، يدرك فيه الصور الأخروية فيلتذ ويتألم بحسب حاله ومرتبته ، ~~إلى أن يشاء الله تعالى. # أو كان المراد أنه خلق الله تعالى قبل ذلك العمل وقبل تلك الصفة تلك الصور PageV03P142 # المناسبة ، ثم إنه تعالى يظهر الصور البرزخية في عالم البرزخ ، والصور ~~الأخروية في عالم الآخرة على صاحب ذلك العمل وتلك الصفة ، بحيث يشاهدها ~~ويدركها ويعلم أنها كانت جزاء عمله. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. # والوجه الثاني : أن يراد أن نفس تلك الأعمال وعين تلك الصفات والملكات ~~تتجسم وتتصور صورة جسمانية مثالية برزخية في عالم البرزخ ، وصورة أخروية في ~~عالم الآخرة ، وأن أعمال الخير يتولد منها الجنان والحور والولدان والقصور ~~والدور وأنواع المسرات الحسية واللذات البدنية ، وأن أعمال الشر يتولد منها ~~النيران والأغلال والحميم والزقوم وأنواع الآلام الحسية والغموم البدنية ، ~~فتكون تلك الأجسام والصور المتولدة مصاحبة للنفوس التي اكتسبتها ، وقرينة ~~للأرواح التي حصلت هي لها ، موجبة لسعادتها أو شقاوتها ، لا أن يكون هناك ~~صورة أخرى مناسبة لتلك الصفات والأعمال كما في الوجه الأول ، بل إن تلك ~~الأعمال والصفات تتجسم وتتصور صورة برزخية وأخروية بعد صدورها عن فاعلها ، ~~وفي النشأة الدنيوية أيضا ، لكنها لا تظهر على فاعلها والموصوف بها في هذا ~~العالم الحسي ، لكونه محجوب البصيرة عن إدراكها لانغماسه في الحجب البدنية ms765 ~~، وانغماره في الأحوال الطبيعية ، وإنما تظهر المثالية من تلك الصور عليه ~~في عالم البرزخ ، والأخروية منها في عالم الآخرة. # وهذا الوجه هو ظاهر تلك الآيات والأخبار الدالة على التجسم ، فإن الأصل ~~هو الحقيقة وعدم المصير إلى المجاز ، وهو الذي ذهب إليه كثير من العلماء. # وتوجيه هذا الوجه ، كما يظهر من كثير من القائلين به من أهل التحقيق أن ~~أحكام النشئات الثلاث الحسية والمثالية والعقلية مختلفة ، فيجوز أن تظهر ~~الأعمال والصفات في النشأة الدنيوية بصورة العمل والصفة ، وفي عالم البرزخ ~~بصورة الأجسام المثالية ، وفي عالم الآخرة بصورة الأجسام الأخروية ، كما ~~جاز أن يكون الحقيقة الكلية تظهر في الصور المختلفة ، وتتداول عليها ~~أحكامها باعتبار ظهورها في تلك الصور المتلبسة بها ، بحيث يكون تلك الصور ~~مظاهر لتلك الحقيقة في مواطن تظهر لتلك الحقيقة ، في كل موطن من تلك ~~المواطن أحكام خاصة وأفعال خاصة ، وأحوال خاصة ، بواسطة ظهورها PageV03P143 # في تلك المواطن بواسطة تلك الصور على حسب اختلافها في تنزلاتها من العالم ~~العقلي إلى النفسي إلى غير ذلك من مواطنها المتعددة ، باعتبار مراتب ~~المعاينة الحاصلة عند النفس. # مثل أن الحقيقة الإنسانية مثلا تظهر في العالم الحسي على النفس ، وعلى ~~البصر بالصور المعينة المكتنفة بالعوارض المادية بشرط حضور المادة ، ~~وملازمة وضع معين من محاذاة وقرب وعدم حجاب إلى غير ذلك ، وهي بعينها تظهر ~~في العالم النفسي في الخيال بصورة خيالية تشابهها من غير تلك الشرائط ، وهي ~~في الحالتين تقبل التكثير بحسب الأشخاص ، كصورة زيد وعمرو وبكر. # ثم تظهر تلك الحقيقة في العالم العقلي في العقل بصورة عقلية بحيث لا تقبل ~~ذلك التكثير ، ويصير الأفراد المتكثرة في الصورة المبصرة والمتخيلة متحدة ~~في الصورة العقلية ، ثم إن الصورة العقلية متفاوتة في قبول التكثر ، فإن ~~صورة الأنواع من حيث خصوص نوعيتها متكثرة ، وهي من حيث صورة جنسها واحدة ، ~~وهكذا إلى جنس الأجناس ، فيتحد في صورته جميع الأنواع ، لكن يمتاز عن جنس ~~آخر يقابله. وإذا اعتبرت من المفهومات ما يشمل جميع الحقائق والاعتبارات ~~اتحد الكل في صورته ، كالشيء والممكن العام ms766 مثلا. ومثل أن المختلفين في ~~الصورة في موطن قد يتحدان فيها في موطن آخر ، وقد يتعاكسان. أعني أنه يظهر ~~أحدهما في موطن بصورة خاصة والآخر بصورة أخرى في موطن ، ويظهر أن في موطن ~~على عكس ذلك كالفرح والبكاء الظاهرين في اليقظة بصورة وفي الرؤيا على العكس. # ومثل أنه يمكن أن يكون لصورة خاصة واحدة آثار مختلفة في مواطن مختلفة ، ~~كما أن صورة الجسم الرطب مثلا كالماء متى فعلت في جسم قابل للرطوبة قبلها ~~فصار رطبا مثله ، ومتى فعلت في مادة أخرى كالقوة الحسية أو الخيالية ، ~~وانفعلت عن الرطوبة لم تقبل مثالها ولم تصر رطبا مثله ، بل قبلت مثالها ، ~~فلها أثر في النشأة الأخرى غير أثرها في النشأة الأولى. وكذا إذا حصلت تلك ~~الرطوبة في العقل كان ذلك ظهورا آخر وراء الأولين ، وكانت الصورة صورة أخرى ~~هي الصورة العقلية الكلية. PageV03P144 # ومثل أنه يمكن أن يكون حقيقة واحدة باعتبار وجود واحد ، أي وجودها في ~~النفس من حيث وجودها فيها عرضا ، وباعتبار وجود آخر ، أي وجودها في الخارج ~~جوهرا ، كذلك يجوز أن يكون المعصية والطاعة اللتان هما حقيقتان كليتان ~~تظهران في العالم الحسي بالصور العملية التي هي أعراض قائمة بالجواهر ، وفي ~~عالم البرزخ بملابسها البرزخية المعنوية وصورها المثالية التي هي جواهر ، ~~وفي عالم الآخرة بملابسها الأخروية التي هي كالصور المعنوية أيضا ، بل ~~كالملابس العقلية ، وهي جواهر أيضا فتصيران جنة ونارا مثاليتين أو عقليتين. # وبالجملة ، فتجسيم الأعمال والصفات كما هو ظاهر الآيات والأخبار الدالة ~~عليه ، مما لا مانع عنه عند العقل ولا امتناع فيه ، وفيما ذكرنا غنية ~~للطالب المستبصر المسترشد ، في أن يؤمن بجميع ما نطق به الشرع ووعده الشارع ~~أو أوعده ، فإنه لو تأمل في ذلك ، وكذا في أن ما يشاهد من الصفات النفسانية ~~كيف تصير منشئا للآثار والأفعال الظاهرة ، كفاه ذلك ذريعة إلى الاطمينان ~~بكيفية استتباع بعض الأعمال والصفات للآثار المخصوصة في النشأة البرزخية ~~وفي عالم الآخرة ، ألا ترى أن شدة الغضب مثلا في شخص يوجب ثوران دمه ~~واحمرار وجهه وتسخن بدنه ms767 واحتراق مواده ، والحال أن الغضب صفة نفسانية ~~موجودة في عالم باطنه ، وهذه الآثار من صفات الأجسام المادية ، وقد صارت ~~نتائج منها في هذا العالم ، فلا عجب من أن يلزمها في النشأة البرزخية آثار ~~أخرى أحر من الأولى ، وفي النشأة الأخروية نار أحر من الأولى والثانية ~~جميعا وهي ( @QUR@07 نار الله الموقدة* التي تطلع على الأفئدة ) (1). ~~وأحرقت صاحبها ، كما يلزمها في العالم الدنيوي عند ظهورها ضربان العروق ~~والأوداج واضطراب الأعضاء ، وربما يؤدي إلى الأمراض الشديدة ، وربما يموت ~~صاحبها غيظا. (2) # وإذا عرفت ما ذكرنا ، فاعلم أن الشرع كما نطق بتجسيم الأعمال والصفات ~~والملكات ، كذلك قد نطق بوقوع ثواب وعقاب جسمانيين واردين على بدن المحسن PageV03P145 # والمسيء من خارج ، والآيات والأخبار الواردة في ذلك الدالة عليه بظواهرها ~~أكثر من أن تحصى ، وهي في الدلالة عليه بحيث لا تقبل التأويل في الظاهر ، ~~كما لا يخفى على من نظر فيها. وكثير منها وإن كانت ظاهرة في وقوع ذلك في ~~الآخرة ، إلا أن بعضها لاطلاقه يدل على وقوعه في النشأة البرزخية أيضا ، بل ~~إن بعضها ظاهرة في ذلك : # قال تعالى : ( @QUR@013 النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ويوم تقوم الساعة ~~أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) (1). # وقال صلى الله عليه وآلهوسلم : «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر ~~النيران». # وهذه كما تدل على وقوع ثواب أو عقاب جسمانيين محسوسين في عالم البرزخ وفي ~~القبر إلى قيام الساعة ، كذلك فيها دلالة على أن البرزخي منها من جنس عالم ~~المثال ، وأنها أضعف تأثيرا مما في عالم الآخرة ، فلذا عبر في الآية عنها ~~بالعرض على النار ، يعني أنه ليس دخولا في النار ، وفي الحديث بكون القبر ~~روضة من رياض الجنة ، أو حفرة من حفر النيران ، يعني أنه ليس نفس الجنة ولا ~~نفس النار ، بل إنه مما يشابههما ومن أشباحهما. # وكذا فيها دلالة على أن الأخروي منها من جنس عالم الآخرة ، ومن العالم ~~العقلي كما مر تفسيره ، وعلى أنها أشد تأثيرا مما في البرزخية ، ولذا قال ~~تعالى : ( @QUR@08 ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون ms768 أشد العذاب ) (2) وقال ~~صلى الله عليه وآلهوسلم : «القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران» ~~دلالة على أن الدخول في أصل الجنة وأصل النار يكون بعد زمان القبر ؛ والله ~~تعالى يعلم. # وبالجملة ، فدلالة تلك الآيات والأخبار على وقوع ثواب أو عقاب جسمانيين ~~بعد الموت من خارج في عالم البرزخ وفي عالم الآخرة واضحة ، وقد قال به أهل ~~الشرع أيضا ، وحيث إن الشرع قد نطق به يجب التصديق به ، ولا امتناع في وقوع ~~الثواب والعقاب الجسمانيين من جهتين : # إحداهما من داخل كما دل عليه ما دل على تجسيم الأعمال ، والأخرى من خارج ، PageV03P146 # كما دلت عليه هذه الآيات والأخبار ، ولا منافاة بينهما أيضا كما لا يخفى. # إلا أن هاهنا شبهة يختلف تقريرها على مذهب الحكماء والمتكلمين ، وكذا ~~يختلف جوابها على الوجهين ، وكذا على المذهبين ، بل على مذهبي الأشاعرة ~~والمعتزلة من المتكلمين ، فحري بنا أن نتكلم في ذلك. ### ||| * [في الجبر والاختيار] # فنقول : إن تقرير تلك الشبهة إما على مذهب الحكماء ، فبأن يقال : إن كانت ~~الأفعال الإنسانية صادرة عنه على سبيل الوجوب ، لتمثلها مع سائر الجزئيات ~~في العالم العقلي ، ولوجوب حدوث ما يحدث منها في هذا العالم مطابقا لما ~~تمثل هناك كما هو رأي الحكماء ، فلم يعاقب الإنسان على شيء صدر عنه على ~~سبيل الوجوب؟ # لا يقال : وجوب صدور الفعل عن العبد ، مع القول بأنه قادر مختار ، على ما ~~يقوله الحكماء أيضا لا يجتمعان ، لأنه حينئذ يمتنع الترك ، فيمتنع ملزوم ~~الترك ، وهو مشية الترك في تحديد القدرة ، إن شاء ترك فلا قدرة أصلا. # لانا نقول : الملازمة التي ادعيت في تحديد القدرة إن شاء ترك ، إنما تثبت ~~بين الممتنعين ، مع أن الامتناع ليس بالذات ، بل إن مشية الترك ممكنة ~~بالنسبة إلى العبد ، واستمرار عدم الممكن لا ينافي إمكانه. # فمحصل الشبهة أن الأفعال الصادرة من العبد إن وجب أن تكون مطابقة للعالم ~~العقلي وهذا هو القدر كما يقوله الحكماء فلم يعاقب العبد على ذلك؟ # وهذا أحد وجهي تقرير الشبهة على مذهبهم. # وبوجه آخر : أن ms769 الله خير محض بالذات ، والعقوبة شر محض ، فكيف صدرت من ~~الله تعالى؟ # وإما على مذهب المتكلمين ، فبأن يقال كما قالت المرجئة منهم : إنه يجب أن ~~لا يكون عقاب أصلا ، لأنه لا فائدة فيه ، لأنها إن كانت عائدة إلى الله ~~تعالى فذلك محال ، أو PageV03P147 # إلى العبد فذلك أيضا باطل ، لأن الضرر المحض لا فائدة فيه ، وما لا فائدة ~~فيه يكون قبيحا لكونه خاليا عن وجوه المصلحة. # وأما الجواب عن هذه الشبهة ، فهو على تقدير القول بتجسيم الأعمال واضح ~~على كل مذهب من المذاهب ، لأنه لا عقاب حينئذ من خارج ، حتى يسأل عن وجهه ~~كما هو مدار الشبهة. بل العقاب الجسماني الوارد على بدن المسيء إنما يرد ~~عليه من داخل ذاته ، وهو لازم أعماله السيئة ، بل إن نفس تلك الأعمال تصورت ~~بصورة العقاب. # والحاصل أن العقاب الجسماني للنفس على خطيئتها هو كالمرض للبدن ، فهو ~~لازم من لوازم ما ساق إليه الأحوال الماضية التي لم يكن بد من وقوعها ، ولا ~~من وقوع ما يتبعها. وكما أن الإنسان لما احتاج إلى تناول الغذاء ويبقي عند ~~كل هضم لطخة من فضلات الهضوم يجتمع في بدنه منها مادة كثيرة مستعدة لتصورها ~~بصور الأمراض ، خصوصا إذا قصر في الاحتياط ، وفي تناول الغذاء المناسب له ، ~~وأدت شهوته البهيمية إلى تناول الغذاء الغير المناسب ، حتى إذا أثرت فيها ~~الحرارة الغريبة ، اشتعلت تلك المادة وتصورت بصورة العلة والمرض وحدثت ~~الحمى ، وإذا انصبت إلى عضو ورم ذلك العضو ، إلى غير ذلك من الحالات الردية ~~الموذية. # وبالجملة ، إذا ساقت إليه قوته البهيمية أو صابا وأسقاما مؤلمة ، كذلك ~~حال العقاب الجسماني الوارد عليه من داخل ، فإنه إذا فعل أفعالا ردية ، ~~ينتقش في نفسه بحسب كل فعل ملكة ردية ، ويجتمع على مر الأيام ملكات متعددة ~~متصورة بصورة المؤلمات والمؤذيات الجسمانية ، مصاحبة معها غير مفارقة عنها ~~، إلا أنها ما دامت متعلقة بالبدن كأنها ذاهلة عنها ، حتى إذا فارقت البدن ~~أدركتها وشاهدتها وشعرت بها وتأذت منها وتألمت لها ألما جسمانيا. # لا يقال : إذا كان العقاب الجسماني ms770 من لوازم الأعمال أو نفسها ، يجب أن ~~يكون دائما بدوام صورة ذلك العمل والهيئة المنتقشة في النفس ، الباقية ~~ببقائها ، فما وجه انقطاعه بالنسبة إلى بعضهم كما نطق به الشرع؟ # لأنا نقول : قد عرفت فيما سبق أن بعضا من تلك الهيئات المنتقشة في النفس يمكن PageV03P148 # زوالها عنها لعروض أسباب زوالها ، فلا امتناع في زوال تلك الهيئة عنها ~~وانقطاع العقاب بحسبها. وعلى تقدير بقاء ذات تلك الهيئة أيضا ، فلا امتناع ~~في بطلان تلك الصورة المؤلمة التي تصورت تلك الهيئة بصورتها ، بحسب أسباب ~~تعرض هناك من توبة أو شفاعة أو نحو ذلك ، وإن لم يكن نعلمها. وعلى تقدير ~~بقاء تلك الصورة المؤلمة أيضا فلا امتناع في بطلان إيلامها وإيذائها ، فإن ~~ما ذكرنا أن العقاب الجسماني لازم للأعمال ، لم نعن به أنه لازم لماهية تلك ~~الأعمال والهيئات ، حتى لا يمكن انفكاكه عنها ، بل عنينا به أنه لازم ~~للوجود الخارجي لها ، ولا امتناع عقلا في أن يبقى ماهيتها وذاتها وينفك ~~عنها لازم وجوده الخارجي بسبب من الأسباب العارضة. بل ربما يدعى أن الشرع ~~دل عليه كما في قصة إبراهيم على نبينا و عليه السلام ، وجعل النار عليه بردا ~~وسلاما مع بقاء ذات تلك النار على ما هي عليه من مادتها وصورتها. # فظهر مما ذكرنا أن تلك الشبهة على تقدير تجسيم الأعمال لا ورود لها أصلا ~~، لا على مذهب الحكماء ولا على مذهب غيرهم. # نعم ، تلك الشبهة إنما ترد ظاهرا على تقدير وقوع العقاب من خارج ، وعلى ~~هذا التقدير أيضا ، فإن أول بما يؤول إلى تجسيم الأعمال ، سقطت تلك الشبهة أيضا. # وذلك التأويل بأن يقال : يمكن أن يكون ذلك العقاب الخارجي أيضا لازما ~~لتلك الأعمال مسببة عنها وصورة لها ، لا بأن يكون قد تصور العمل نفسه بصورة ~~ذلك العمل كما ذكرنا في الوجه الثاني من وجهي تجسيم الأعمال ، بل بأن يكون ~~أوجد الله تعالى لحكمته القديمة وعنايته الأزلية وعمله بالوجه الأصلح وبما ~~يقتضيه نظام العالم بجملته ، لكل عمل صورة مناسبة لها خارجة عن ذاتها مسببة ~~عنها ms771 ، كما ذكرنا في الوجه الأول من وجهي تجسيم الأعمال. # وحينئذ ، فلو قلنا بوجود الجنة والنار الآن وخلقها قبل صدور الأعمال من ~~العباد كما هو مذهب جمهور المسلمين ، وهو ظاهر الشرع المتين والحق المبين ، ~~ينبغي القول بخلق تلك الصور المناسبة لتلك الأعمال قبلها. # وربما يدعى أنه مما يؤيده بعض الآيات والأخبار ، كقوله : ( @QUR@03 وإن ~~جهنم لمحيطة PageV03P149 # @QUR@01 بالكافرين ) (1) حيث إن ظاهره الإحاطة في الزمان الحال. # وبالجملة ، ينبغي القول بخلقها قبلها لحكمة ومصلحة لا يعلمها إلا علام ~~الغيوب ، ومن جملتها ترغيب المكلفين بالأعمال الحسنة التي يناسبها تلك ~~الصور الملذة وتزهيدهم عن الأعمال السيئة التي يناسبها تلك الصور المؤلمة ، ~~فإنه لا يخفى أنهم إذا علموا بأن تلك الصور خلقت قبل صدور الأعمال عنهم ~~وأعدت لهم جزاء لأعمالهم الحسنة أو السيئة ، يكون التكليف أتم والترغيب ~~والتزهيد أبلغ وأكمل ، ولا كذلك إذا لم تخلق قبل ووعدوا أو أوعدوا على ~~خلقها وإعدادها لهم بعد صدور العمل عنهم. # ولو قيل بعدم خلق الجنة والنار الآن ، وإنهما تخلقان يوم الجزاء كما هو ~~مذهب أكثر المعتزلة ، وإن كان مخالفا لظاهر الشرع فالأمر أظهر من وجه ، ~~فإنه يكون الجنة والنار اللتان هما صورتا الأعمال الحسنة والسيئة مخلوقتين ~~بعد الأعمال ، ولا امتناع فيه أيضا ، ويكون في التكليف وفي الوعد والوعيد ~~بخلقها بعد ذلك حكمة ومصلحة لا تخفى. # وأما إذا لم يؤول ذلك بما ذكرنا أو نحوه بل أبقي على ظاهره ، أي وقوع ~~العقاب الجسماني من خارج من غير أن يكون ذلك صورة العمل ، فيمكن دفع تلك ~~الشبهة أيضا بما نذكره ، فنقول : # أما جوابها على مذهب الحكماء وعلى التقدير الأول ، فبأن يقال : إن مبنى ~~تلك الشبهة على ذلك التقرير ، أن معنى القضاء أن الله تعالى عالم بجميع ~~الموجودات من الأزل إلى الأبد ، وأن معنى القدر مطابقة الموجودات فيما لا ~~يزال للصور الموجودة في العالم العقلي ، وأن كل ما يوجد في عالم الحدوث يجب ~~أن يكون على وفق علمه تعالى ، والا لزم جهله تعالى به ، وهذا مسلم. إلا أنا ~~نقول : إن ذلك الوجوب ليس وجوبا ms772 سابقا ، بمعنى أن يكون القلم الأزلي ~~والمطابقة للعالم العقلي علة وسببا موجبا لصدور الفعل عن العبد حتى يسأل عن ~~أنه لم يعاقب الانسان على شيء صدر عنه على سبيل الوجوب ، لأن العلم تابع ~~للمعلوم فكيف يكون علة لوجوده؟ ومعنى التبعية أصالة موازنة في التطابق كما حقق في PageV03P150 # موضعه ، بل إن ذلك وجوب لاحق ، بمعنى أنه تعالى لما علم في الأزل أنه ~~يصدر فيما لا يزال عن العبد بإرادته واختياره الفعل كما هو مذهب الحكماء ~~أيضا فلذا تعلق العلم الأزلي به ، وحيث تعلق العلم الأزلي به ، وجب أن يكون ~~هو مطابقا له ، والا لزم جهله تعالى. # وبالجملة ، فهذا الوجوب وجوب لاحق باختيار العبد وإرادته ، والوجوب ~~بالاختيار لا ينافي الاختيار ، بل يؤكده. # فحينئذ إن سئل عن أنه لم يعاقب الانسان على شيء صدر عنه على سبيل الوجوب ~~والاضطرار؟ سقط السؤال البتة ، لأنه ليس على سبيل الوجوب والاضطرار ، وإن ~~سئل عن أنه لم يعاقب على شيء صدر عنه بالاختيار أو على سبيل الوجوب ~~بالاختيار؟ كان الجواب أنه لما ارتكب بإرادته واختياره الأفعال المنهية ~~عاقبة الله تعالى على عصيانه. # وبتقرير آخر أنه لما كان فعل العبد صادرا عنه بإرادته واختياره كما هو ~~مذهبهم وكان قدرته واختياره مسببين عن أسباب ، ومن أسباب إرادته فعل الخير ~~التخويف والعقاب ، وهما من الأسباب المقدرة لنظام العالم ، كما أن فعل ~~الخير مقدر قدره تعالى تكليفا وتخويفا وأوفي به فإن سئل عن أنه لما كان فعل ~~العبد مقدرا ، فلم التخويف أو لم العقاب؟ كان الجواب عنه ، بأنهما من أسباب ~~فعل الخير الصادر عن العبد. # وبعبارة أخرى لما كانت النفس الإنسانية في علم الباري تعالى قابلة ~~للكمالات ، وكانت العناية الأزلية والحكمة المتعالية اقتضت إفاضته تلك ~~الكمالات عليها ، لكن بحسب استعدادات تحصل هي لها من أفاعيلها الإرادية ، ~~وكانت فيها قوى تمنعها عن تلك الأفاعيل وتميلها إلى أفاعيل بالإرادة تضادها ~~قدر تعالى تكليفا وتخويفا يكون من أسباب إرادته الأفاعيل الجميلة ، ولما ~~كان الوفاء بذلك التخويف أيضا من أسباب ذلك مؤكدا له ، والوفاء بالتخويف ms773 هو ~~العقوبة ، لا جرم صارت العقوبة سببا من أسباب إرادة العبد للأفاعيل الجميلة ~~، وتلك العقوبة كما أنها من أسباب إرادة الأفاعيل الجميلة ، كذلك هي واقعة ~~على العبد بفعله بالاختيار للأفعال القبيحة لا محذور أصلا. # لا يقال : سلمنا أن التخويف من أسباب إرادة الأفعال الجميلة ، لكنا لا ~~نسلم أن الوفاء PageV03P151 # به وهو العقوبة سبب لها ، إذ لا مانع من أن يحصل التخويف ويكون سببا ~~لإرادة الأفاعيل الجميلة ، ولا يقع الوفاء به أي العقوبة ، إذ ليس في ذلك ~~خلف لوعد حتى يكون قبيحا ، بل هو إسقاط وعيد وعفو ، بل إحسان فيحسن. # لأنا نقول : إن التخويف الذي لا وفاء به أصلا لا يكون سببا لإرادة فعل ~~الخير ، وإنما يكون سببا لها إذا كان مع الوفاء به ولو في الجملة. ولا أقل ~~من أن يكون الوفاء مؤكدا للتخويف ، وهو أيضا مطلوب الشارع الحكيم. # وبالجملة ، فالوفاء به حسن ، وهو من حقه تعالى بالنسبة إلى من ارتكب ~~الأفعال القبيحة بإرادته واختياره ، وإن كان يمكن إسقاطه بالنسبة إلى بعضهم ~~بالتوبة أو الشفاعة أو نحو ذلك مما لا يعلمه غيره تعالى. # وحيث عرفت ما بيناه ، عرفت أن محصل الجواب عن الشبهة على ذلك التقرير ، ~~أن قول الشابه : فلم يعاقب الإنسان على شيء صدر عنه على سبيل الوجوب؟ # إن كان محط السؤال أن ما صدر عن العبد على سبيل الوجوب كيف يقع العقاب ~~عليه؟ كان الجواب عنه أن صدوره عنه ليس بالوجوب ، بل بالاختيار كما عرفت. # وإن كان محط السؤال أن الغرض من ذلك العقاب ما ذا؟ كان الجواب عنه أن فعل ~~الله تعالى لا يعلل بالأغراض عند الحكماء ، إذ هو تعالى عندهم كما هو الحق ~~أيضا فياض مطلق وجواد على الإطلاق وهو تام الفاعلية ، غير مستكمل بشيء أصلا ~~ولا يكون لفعله تعالى علة غائية ولا غرض يكون ذلك داعيا له إلى فاعليته ، ~~ويكون هو تعالى بدونه غير فاعل له ناقصا في فعله ، وإن كان يتبع فعله تعالى ~~حكم ومصالح متقنة محكمة ليست هي باعثة له على الفاعلية. # وإن ms774 كان محط السؤال أن الحكمة والمصلحة في العقاب ما ذا؟ كان الجواب عنه ~~أن الحكمة في ذلك كونه من أسباب إرادة العبد للأفاعيل الجميلة كما عرفت. # وأما الجواب عن الشبهة ، على التقدير الثاني للحكماء وعلى مذهبهم ، فبأن ~~يقال : لا نسلم أن العقوبة شر محض مطلقا ، فإنها على تقدير تسليم كونها شرا ~~، فإنما يسلم ذلك بالقياس إلى الشخص المعذب فقط ، لا بالقياس إلى غيره أيضا ~~، بل هو خير بالقياس إلى PageV03P152 # الأكثرين ، حيث إن فيها مصالح عامة ، ومن جملتها تحذيرهم عن ارتكاب ~~المعاصي والمنهيات ، وحيث كانت فيها مصالح عامة فلا يلتفت لفت الجزئي لأجل ~~الكلي كما في قطع العضو لصلاح البدن. # على أنا لا نسلم كون العقوبة شرا محضا بالنسبة إلى الشخص المعذب أيضا ، ~~بل يمكن أن تكون بالقياس إليه أيضا خيرا ، كما قال بعض العرفاء : «إن النار ~~قد تتخذ لبعض الأمراض ، وهو الداء الذي لا ينفى إلا بالكي من النار ، فقد ~~جعل الله تعالى النار وقاية في هذا الموطن من داء هو أشد من النار في حق ~~المبتلى به ، وأي داء أشد من الكبائر؟ فقد جعل الله لهم النار يوم القيامة ~~دواء كالكي بالنار ، فدفع بدخولهم النار يوم القيامة داء عظيما أعظم من ~~النار ، وهو غضب الله تعالى ، ولهذا يخرجون بعد ذلك من النار إلى الجنة ، ~~كما جعل في الحدود الدنياوية وقاية من عذاب الآخرة». (1) انتهى كلامه. # وأقول : ولعل معنى قوله : «ولهذا يخرجون» أنه يخرج بعض أصحاب الكبائر ، ~~كالمؤمن الفاسق ، وإلا فالكافر مخلد في النار كما هو المذهب الحق. # وأما الجواب عن الشبهة على تقرير المتكلمين وعلى مذهب المعتزلة ومن يحذو ~~حذوهم في القول بالحسن والقبح العقليين ، وبأن فعل العبد صادر عنه بإرادته ~~واختياره ، فبأن يقال : إن الله تعالى كلف العباد ووعدهم على الطاعة ، ~~وأوعدهم على المعصية ، لأن صلاح حالهم في التكليف ، ثم إنه يجب عليه تعالى ~~ذلك لأن التكليف والوعد والايعاد لطف من الله تعالى يقربهم إلى الطاعة ~~ويبعدهم عن المعصية ، واللطف واجب. ثم إنه يجب عليه تعالى الإثابة على ms775 ~~الطاعات ، إذ الإخلال به قبيح وظلم ، وأما العقاب فحسن أيضا لارتكابهم ~~المعاصي. فإذا قيل لم يعذبون؟ قيل : لأنهم ارتكبوا المعاصي. وإذا قيل : لم ~~ارتكبوا المعاصي؟ قيل : لإرادتهم ذلك ، وكونهم مختارين فيه. وإذا قيل : ~~أليس يجب صدور المعصية عنهم حتى يطابق علم الله تعالى؟ قيل : إن الله تعالى ~~كما علم وجود المعصية علم أن المعصية تصدر عنهم باختيارهم وإرادتهم ، فعلم ~~الله تعالى لا ينافي PageV03P153 # اختيارهم ، إذ العلم الأزلي ليس علة لوجود المعلوم ، بل هو تابع له كما عرفت. # وأما الجواب عن الشبهة على رأي الأشاعرة ، فبأن يقال : إنهم لما ذهبوا ~~إلى أن جميع الحوادث بل جميع الموجودات الممكنة من الله تعالى وهو سبب ~~الكل. فإن قيل : فلم العقاب؟ قالوا : إن كان المراد الغرض من العقاب فلا ~~غرض ، وإن كان المراد السبب ، فهو الله تعالى ولا يسأل عما يفعل. # وهذا الذي ذكرناه في تقرير هذه الشبهة وجوابها إنما هو نبذ مما ذكروه في ~~هذا المقام ، وتفصيل المقام يقتضي بسطا في الكلام ليس هنا محله ، وحيث كان ~~هذا الذي ذكرناه كلاما وقع في البين بالتقريب ، فلنرجع إلى ما كنا نحن بصدده. ### ||| * [الثواب والعقاب في البرزخ] # فنقول : إنك بعد ما أحطت خبرا بما فصلناه وبيناه ، تلخص لك أن حال النفس ~~الإنسانية بعد مفارقتها عن البدن العنصري أنها تكون في ضمن بدن مثالي ، ~~وتكون لها في ضمنه سعادة وشقاوة حسيتان كما دل عليه الشرع الشريف وفصل ذلك ~~فيه ، ويؤيده العقل أيضا ، مضافا إلى السعادة والشقاوة العقليتين اللتين ~~هما لها بالقياس إلى ذاتها كما دل عليه العقل ولم ينكره الشرع. وأن كل ما ~~يرد عليها من اللذات والآلام الحسيتين بعد المفارقة عن البدن إلى قيام ~~الساعة هو من جنس عالم المثال ، حتى أن ظهور الملكين الكريمين اللذين ~~يسألانها في القبر تارة بصورة حسنة ، وتارة بصورة مهيبة منكرة ، يمكن أن ~~يكون بظهورهما كذلك في ضمن القالب المثالي ، سواء قيل بكون الملائكة ذواتا ~~مجردة عقلية كما هو رأي كثير من الحكماء ، أو بكونهم أجساما نورانية ذوات ~~نفوس مجردة ms776 شريفة كما هو ظاهر الشرع الشريف ، فإنه على التقديرين ، لا ~~امتناع عقلا ولا شرعا في أن يكون لهم مظاهر جسمانية مثالية يظهرون فيها ~~بصور مختلفة. والله تعالى يعلم. # نعم ، قد دل الشرع على أن بعض الأحوال الواردة على النفس من الأمور ~~الحسية ، كضغطة القبر بل السؤال والجواب ، تكون للنفس في ضمن البدن الأول ~~العنصري ، كما دلت PageV03P154 # عليه أخبار كثيرة ، ويدل عليه بعض الآيات أيضا ، كقوله تعالى حكاية : ( ~~@QUR@05 ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين ) (1) وقد قال كثير من المفسرين ~~: إن إحدى الحياتين ليست إلا في القبر ، وكذا إحدى الموتتين. # وبالجملة ، فلا امتناع فيه أيضا ، إذ لا امتناع في أن يعيد الله تعالى ~~بحكمته المتعالية تعلق النفس بالبدن الأول نوعا من التعلق يسمى إحياء ، ثم ~~يقع عليها الضغطة والمساءلة في ضمن ذلك البدن الأول ، ثم ينتفي ذلك التعلق ~~المعاد ، بحيث يسمى إماتة ، سواء كان البدن الأول باقيا بعينه ، وكان في ~~القبر أي في داخل الارض ، وكانت الضغطة والمسائلة في القبر ، أو كان البدن ~~الأول في خارج الأرض ، سواء كان في سطحها أو في الهواء كما في المصلوب ، إذ ~~لا امتناع في الإحياء بقدر المساءلة ولا في الضغطة ، فإن رب الهواء هو رب ~~الأرض ، ولا امتناع في أن يوحي الله تعالى إلى الهواء فيضغطه ، كما ورد في ~~الحديث. وسواء لم يكن البدن الأول باقيا بهيئته وصورته بل تفرقت أجزاؤه ، ~~كأن أكله السباع والطيور وتشتت أجزاؤه في بطونها وحواصلها ، أو أن أحرق ~~فصار رمادا ، أو ذري في الرياح العاصفة شمالا وجنوبا وقبولا ودبورا ، فإنه ~~لا امتناع في إعادة الروح إلى تلك الأجزاء المتفرقة ، أو إلى الأجزاء ~~الأصلية من البدن بعد جمعها وتأليفها وإن لم نشاهد ذلك ، وفي إحيائه مرة ~~أخرى للمساءلة والضغطة فيقع ، المساءلة وكذا الضغطة فيما كان جمع الأجزاء ~~هنالك ، ثم ينتفي ذلك التعلق بحيث يسمى إماتة ، سواء تفرقت الأجزاء بعد ذلك ~~كما كانت أولا أو لم تتفرق ، وإن لم نكن نشاهد شيئا من ذلك ولا نعلمه. # والقول بأن المصلوب مثلا لو أحيي لكنا ms777 نشاهد حياته وليس كذلك ، مجرد ~~استبعاد ، فإن عدم مشاهدة الحياة ليس دليلا على عدمها كما في صاحب السكتة ، ~~حيث إنا لا نشاهد حياته مع أنه حي. # كالقول بأن إحياء من تفرقت أجزاؤه في بطون السباع وحواصل الطيور ، بل ~~أحرق وذري في الرياح خلاف ما يقتضيه ضرورة العقل ، بأنه أيضا مجرد استبعاد ~~، حيث إنه PageV03P155 # مبني على اشتراط البنية الأولى بهيئتها الأولى التركيبية بعينها في ~~الحياة ، وهو ممنوع. غاية ذلك أن يكون خلاف العادة ، وخوارق العادات غير ~~ممتنعة في مقدورات الله تعالى. # وكذلك القول بأن ما ذكر يخالف بعض السمعيات ، كقوله تعالى : ( @QUR@07 لا ~~يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى ) (1)، وأنهم لو أحيوا في القبر أو ~~بعد الموت الأول قبل القيامة لذاقوا الموت مرتين. ضعيف ، لأن الآية كما ~~ذكره المفسرون إنما وردت في شأن أهل الجنة ، وضمير «فيها» للجنة. والمعنى ~~والله أعلم أن أهل الجنة لا يذوقون في الجنة الموت ، فلا ينقطع نعيمهم كما ~~انقطع نعيم أهل الدنيا بالموت ، فلا دلالة في الآية على انتفاء موتة أخرى ~~بعد المساءلة والضغطة وقبل دخول الجنة ، وأما قوله تعالى : ( @QUR@03 إلا ~~الموتة الأولى ) (2)، فهو تأكيد لعدم موتهم في الجنة على سبيل التعليق ~~بالمحال ، كأنه قيل : لو أمكن ذوقهم الموت في الجنة لذاقوا الموتة الأولى ، ~~وهو غير ممكن. فذوقهم الموت في الجنة غير ممكن ، أو المراد أنهم لا يذوقون ~~الموت في الجنة إلا الموتة الأولى التي ذاقوها في الدنيا نظير الاستثناء ~~المنقطع. والله أعلم بحقيقة الحال. # وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام ، وذكرنا نبذا من أحوال النفس ~~الإنسانية في عالم البرزخ ، أي أحوالها بعد المفارقة عن البدن إلى قيام ~~الساعة ، فلنتكلم في أحوالها في العالم الأخروي عند قيام الساعة وبعده ، ~~فنقول : PageV03P156 ### ||| * الباب الخامس ### ||| * في إثبات المعاد الجسماني ### ||| * الذي نطق به الشرع PageV03P157 # وهو ركن من أركان الإسلام ، وضروري في الدين المحمدي صلى الله عليه وآلهوسلم ~~، وكذا في سائر الملل والأديان ، بحيث يكون منكره كافرا كما هو معلوم لكل ~~من تدين بالإسلام ، كما أشرنا في صدر الرسالة إلى ذلك ، وفي ms778 إقامة الدليل ~~العقلي عليه ، كما نطق به الشرع. # وحيث كان ما نطق به الشرع منحلا إلى أمرين : # أحدهما : إن للإنسان معادا في دار الآخرة التي هي دار الجزاء. # الثاني : أن ذلك المعاد جسماني ، ومعناه عود الروح مرة أخرى إلى البدن ~~الأول للثواب والعقاب. فلنتكلم في بيان الأمرين جميعا. ### ||| * الأمر الأول ### ||| * أن للإنسان معادا في دار الآخرة # فنقول : أما الأمر الأول ، فهو كما أنه مما نطق به الشرع وأخبر به ~~الصادقون عليه السلام ويجب التصديق به ، وأنه مما لا امتناع فيه عند العقل ~~أيضا ، حيث إنه أمر ممكن ، أخبر به الصادقون ، فيجب التصديق ، كذلك يؤيده ~~العقل ويدل عليه ، ولذلك صدق به الحكماء الذين مدارهم في الأحكام على ~~الدليل العقلي ، إلا أن بعضا منهم قصروا المعاد على الروحاني كما مر. # وذلك الدليل المؤيد العقلي كأن يقال : إنا نعلم بالضرورة أن الله تعالى ~~وعد المكلف بالثواب على الطاعة ، وتوعد بالعقاب على المعصية بعد الموت ، ~~ولا يتصور الثواب PageV03P159 # والعقاب بعد الموت إلا بعد العود ، فيجب العود إيفاء للوعد والوعيد ، ~~وعملا بمقتضى العدل ، وإن كان يجوز العفو عن مقتضى الوعيد بالنسبة إلى بعض ~~المكلفين لأسباب حاصلة هناك. وبعبارة أخرى ، أنا نعلم أن الله تعالى كلف ~~العباد بالأوامر والنواهي ، فيجب أن يوصل إليهم الثواب بالطاعة والعقاب على ~~المعصية ، فيجب البعث بمقتضى الحكمة ، وإلا لكان ظالما ، تعالى الله عما ~~يقول الظالمون علوا كبيرا. # والقول بأن إيجاب هذه التكاليف وقع شكرا للنعم التي أنعم الله تعالى بها ~~، فلا يستحق المكلف ثوابا كما قال به بعض المتكلمين في غاية السقوط ، إذ ~~إيجاب المشقة في شكر المنعم قبيح عقلا ، مع أنه لا يستقيم في العقاب أصلا. # ولا يخفى أن هذا الدليل الذي ذكرنا ، كما أنه يستقيم على قاعدة المتكلمين ~~القائلين بالحسن والقبح العقليين وإن العدل يجب على الله تعالى ، كذلك ~~يستقيم على مذهب الحكماء القائلين بالعناية الأزلية وبوجوب اشتمال أفعاله ~~تعالى على حكم ومصالح تتبعها ، وبوجوب صدور الخير عنه تعالى ، وأمثال ذلك ~~مما قالوا به. # نعم ، لا يستقيم ذلك على ms779 مذهب الأشاعرة الذين خلعوا ربقة العقل عن ~~أعناقهم ، ولا ضير فيه ، مع أنهم أيضا ليسوا ممن أنكروا المعاد ، بل صدقوا ~~به وقبلوه من جهة الشرع خاصة. PageV03P160 ### ||| * الأمر الثاني ### ||| * أي كون المعاد جسمانيا # وأما الأمر الثاني : أي كون المعاد جسمانيا ، فهو منحل إلى أمور : # أحدها : أنه يجب أن يعود الروح في القيامة إلى بدن عنصري لها به تعلق ~~تدبير وتصرف. # والثاني : أنه يمكن أن يكون ذلك البدن العنصري هو البدن الأول بعينه ، ~~وأنه لا مانع منه شرعا ولا عقلا ، وأنه حينئذ يكون الشخص المعاد هو الشخص ~~المبتدأ بعينه نفسا وبدنا. # والثالث : أنه يجب أن يكون البعث على هذه الكيفية ، أي أن يكون تعلق ~~الروح بذلك البدن الأول بعينه ، حتى تكون هي في ضمنه موردة للثواب والعقاب ~~الحسيين ، لا ببدن آخر غيره. # والمقصود أنه كما أن هذا المطلب الأسنى المنحل إلى هذه الأمور الثلاثة ~~مما نطق به الشرع ، ووجب التصديق به من جهة الشرع ، كذلك هو مما يحكم به ~~العقل ويقوم الدليل العقلي عليه. وغرضنا من وضع الرسالة بيان هذا المطلب ، ~~فلذلك قدمنا ما قدمناه في مقدمة الرسالة وأبوابها وفصولها تمهيدا لذلك ، ~~فإن ما ذكرناه في المقدمة وتلك الفصول والأبواب في التحقيق مقدمات وأصول ~~لهذا المطلب ، وهو نتيجة لها وفرع عليها. والغرض الأصلي من ذكرها والإطناب ~~فيها هو بيان هذا المطلب ، وإن كان لها فوائد أخر أيضا ، حيث إنها في ~~أنفسها أيضا فوائد علمية لطيفة ، ومطالب عظيمة شريفة. # والحاصل أن المستبصر المسترشد ، إذا تذكر ما قدمناه في المقدمة والأبواب ~~، يكفيه PageV03P161 # دليلا واضحا وبرهانا لائحا على هذا المطلب الأقصى بأجزائها الثلاثة ، ~~ويتضح ذلك عنده كل الاتضاح. وإن شئت انكشاف جلية الحال ، فاستمع لما نتلو ~~عليك من المقال ، فنقول: ### ||| * بيان الأمر الأول من تلك الأمور الثلاثة # أما بيان الأمر الأول من هذه الأمور الثلاثة ، فيتضح بعد الإحاطة بما ~~قدمناه في الأبواب المتقدمة ، أن النفس الإنسانية بدنية تحتاج في أفعالها ~~وإدراكاتها إلى بدن تتصرف هي فيه ، ويكون هو آلة لأفعالها وإدراكاتها ، ~~وأنه لا يجوز أن ms780 تتعلق بجسم فلكي أو عنصري أو نوع آخر ، يكون ذلك الجسم ~~موضوعا لإدراكاتها من غير أن تكون هي متصرفة فيه مدبرة له ، فإنه بعد ~~الإحاطة بذلك مع الإحاطة بأن ذلك البدن المتعلقة هي به تعلق التدبير ~~والتصرف لا يمكن أن يكون جوهرا مجردا عن المادة ، لامتناع كونه بدنا لجوهر ~~نفساني ، ولا أن يكون بدنا مثاليا ، لأنه إنما يكون في عالم البرزخ خاصة ، ~~كما قال به جميع العقلاء وحكم به عقولهم ، وإن كان النص الوارد مؤيدا لحكم ~~عقلهم ، وعالم الآخرة غير عالم البرزخ باتفاق الكل ، ولا أن يكون جسما ~~فلكيا أو جوهرا ، إبداعيا غير منخرق لإبائهما عن كونهما بدنا لنفس إنسانية ~~، حيث إن ذلك موقوف على قبول طبيعتهما للتجزي والانفصال والتغيرات العارضة ~~، وقبول التصرفات والتدبيرات التي للنفس بالقياس إلى البدن العنصري ، وظاهر ~~أن ليس ذلك للطبيعة الفلكية ، ولا لذلك الجرم الإبداعي الغير المنخرق مع ~~بقاء صورتهما ، وإن كان تبدل صورتهما وبطلانها أمرا ممكنا ، كما قال تعالى ~~: ( @QUR@06 يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ). (1) # وبالجملة ، فبعد الإحاطة بما ذكرنا ، يتضح لك أنه يجب أن يكون عود الروح ~~في القيامة الكبرى إلى بدن عنصري كما نطق به الشرع ، هذا مع أن ما سنبينه ~~في بيان الأمر الثالث من الأمور الثلاثة ، من أنه يجب أن يكون عود الروح في ~~القيامة الكبرى إلى البدن الأول بعينه يثبت هذا المطلب مع شيء زائد ~~والتعويل عليه ، وإنما ذكرنا ما ذكرنا هنا لزيادة PageV03P162 # الإيضاح والاطمينان. ### ||| * بيان الأمر الثاني من تلك الأمور الثلاثة # وأما بيان الأمر الثاني ، من هذه الأمور الثلاثة ، فيستدعي تمهيد مقدمات : # منها : ما أسلفنا لك في مقدمة الرسالة ، أن الشخص الإنساني الذي نطق ~~الشرع الشريف بمعاده وبعثه ، عبارة عن مجموع نفسه وبدنه ، وتحقيقه أنه ~~عبارة عن مجموع نفسه وبدنه ، بمعنى أنه عبارة عن البدن المخصوص الذي تعلق ~~به نفس مخصوصة ، هي كالصورة الكمالية له ، أو عبارة عن النفس المخصوصة التي ~~تعلقت ببدن مخصوص هو آلة لكمالاتها وأفعالها وإدراكاتها ، وأن هويته وهذيته ~~إنما هي بالتشخص الحاصل لذلك المجموع ms781 ، أي للنفس والأجزاء الأصلية من بدنه ~~على ما مر تفسيرها في المقدمة ، سواء كان المشخص نحوا من الوجود الخاص الذي ~~تتبعه العوارض التي تسمى عوارض مشخصة أو تلك العوارض نفسها ، على اختلاف ~~المذهبين ، وأنه لا مدخل للأجزاء الفضلية من بدنه ، ولا لهيئته التركيبية ~~الخارجية ، ولا لتأليفه المخصوص في هذية البدن الخاص ، ولا في هذية الشخص ~~الإنساني ، فلذا كان تبدلها وتغيرها غير قادح في تشخص البدن وتشخص الشخص. ~~ويشهد عليه أنا نعلم بالضرورة أن زيدا الشاب هو بعينه زيد الطفل ، وزيدا ~~الشيخ هو بعينه زيد الشاب والطفل ، مع أنا نعلم وقوع استحالات وتغيرات في بدنه. # وبالجملة أنا نعلم بالضرورة أن هوية زيد وهذيته باقية من أول عمره إلى ~~انتهاه ، مع تبدل خصوصيات بدنه ، ولذلك كان في الشريعة المقدسة أن من جنى ~~جناية استحق بها قتلا أو عقوبة ، وكان هو حين ما جنى تلك الجناية تام ~~الخلقة ، ثم صار ناقصا في الخلقة أو كان مهزولا ثم سمن ، أو بالعكس ، ولم ~~يرفع إلى الإمام عليه السلام إلا حين الحالة الثانية ، فهو يجري عليه حد ~~الله تعالى ، وليس ذلك ظلما عليه أصلا. # لا يقال : لعل بقاء الشخص بعينه في الحالات كلها من أول العمر إلى منتهاه ~~مستند إلى بقاء نفسه الباقية بشخصها في الحالات كلها خاصة كما ادعاه بعض ~~الحكماء ، من غير أن PageV03P163 # يكون لبقاء الأجزاء الأصلية من بدنه وتشخصها مدخل في ذلك. # لأنا نقول : هذا مبني على أن يكون الشخص الإنساني عبارة عن نفسه فقط ، ~~ويكون البدن آلة لها لا دخل له في كون الشخص الإنساني شخصا وهذا باطل ، ~~لأنا نعلم يقينا أن الشخص الإنساني عبارة عن مجموع النفس والبدن والمركب ~~منهما ، وبعبارة أخرى أنا نعلم يقينا أنه عبارة عن النفس الخاصة المختصة ~~ببدن مخصوص ، أو عبارة عن بدن مخصوص مختص بنفس خاصة. # وبالجملة فليس الشخص الإنساني عبارة عن نفسه فقط كما يراه بعض الحكماء ، ~~ولا عبارة عن الهيكل المخصوص البدني فقط كما يراه جمع من العوام ، أو لست ~~سمعت القوم أنهم يقولون ms782 في تحديد الإنسان إنه حيوان ناطق ، أو لست تحققت ~~فيما نقلنا في الفصل (1) الأول الذي عقدناه في تحديد النفس عن الشيخ في ~~«الشفاء» ، أن النفس جزء من قوام الإنسان صورة له أو كالصورة ، وأن الحيوان ~~الذي هو جنس له ، كيف يكون جنسا له باعتبار ، ومادة باعتبار آخر ، ونوعا ~~باعتبار آخر ، وأن الناطق الذي هو فصل له كيف يكون فصلا له باعتبار ، وصورة ~~ونفسا له باعتبار آخر ، ونوعا باعتبار ، وأنه كيف يكون البدن المخصوص ~~كالمادة والنفس المخصوصة كالصورة ، وأنه كيف يكون الشخص الإنساني كالمركب ~~من المادة والصورة ، أي المركب من البدن والنفس. # وقد علمت في موضعه أنه كما أن تشخص المادة بالصورة باعتبار ، كذلك تشخص ~~الصورة بالمادة باعتبار آخر ، وتشخص الشخص الذي هو عبارة عن المجموع المركب ~~منهما بتشخص المجموع ، إلى غير ذلك من الأمور التي يستبين من كلام القوم ، ~~وكذا من كلام الشيخ هنالك. وهي دالة على أن الشخص الإنساني عبارة عن مجموع ~~النفس والبدن الذي ذلك المجموع معروض لتشخص خاص ، لا أحدهما فقط. وحيث كان ~~كذلك كان لبقاء هذية البدن أيضا مدخل في بقاء هذية الشخص الإنساني ، وما هو ~~إلا لبقاء هذية الأجزاء الأصلية من بدنه ، حيث إن هذية الأجزاء الفضلية ~~والتأليف والهيئة التركيبية منه PageV03P164 # متبدلة ، مع بقاء هذية الشخص الإنساني بعينها ، وفيه المطلوب. # لا يقال : سلمنا أن الشخص الإنساني عبارة عن مجموع النفس والبدن. # إلا أنا نقول : لم لا يجوز أن يكون هو عبارة عن نفس خاصة وعن بدن ما؟ لا ~~بأن يكون هناك بدن مطلق على سبيل العموم جزء من المجموع ، حتى يرد أن ~~المطلق بإطلاقه كيف يكون جزء من المشخص ، وكيف يكون له دخل في تشخص الجزء ~~الآخر المشخص أعني النفس ، بل بأن يكون هناك أبدان مشخصة خاصة كل واحد منها ~~على سبيل البدلية جزء للشخص الإنساني وله مدخل في تشخص النفس. # لأنا نقول : هذا بعينه هو القول بالتناسخ لو كانت تلك الأبدان الخاصة ~~أبدانا عنصرية كما هو المفروض ، وقد عرفت بطلانه ، فظهر لك أن البدن ms783 الذي ~~هو جزء للشخص الإنساني يجب أن يكون بدنا خاصا بخصوصه الذي خصوصيته إنما هي ~~بخصوصية الأجزاء الأصلية منه لا غير. وفيه المطلوب. # فإن قلت : إن خصوصية البدن كما هي بخصوصية الأجزاء الأصلية منه ، كذلك هي ~~بخصوصية التأليف الخاص والهيئة الخاصة البدنية جميعا ، فإنه لو لم يكن كذلك ~~، وكان المدخل فيه للأجزاء الأصلية فقط كيفما كانت ، لزم أنه لو كان هناك ~~الأجزاء الأصلية البدنية من غير تأليف أصلا ، ولا هيئة تركيبية مطلقا ، كان ~~ذلك البدن الخاص حاصلا هناك ، والبديهة تشهد بخلافه. # قلت : إنا ندعي أن الأجزاء الأصلية من بدنه من حيث خصوصيتها الخاصة لها ~~مدخل في خصوصية البدن ، وكذا في خصوصية النفس وخصوصية الشخص الإنساني ، ~~وأما التأليف الخاص والهيئة الخاصة ، بل الأجزاء الفضلية أيضا مما لا مدخل ~~له في شيء من ذلك أصلا ، بدليل أنا نشاهد تغيره وتبدله مع بقاء تشخص الشخص ~~الإنساني بحاله ، وقد عرفت أن الشخص الإنساني عبارة عن مجموع النفس والبدن ~~، نعم لكليات ذلك أعني لفرد ما من الهيئة التركيبية البدنية الإنسانية ~~ولفرد ما من التأليف البدني الإنساني ، بل لفرد ما من الأجزاء الفضلية أيضا ~~مدخل على سبيل البدلية لنوعية البدن خاصة ، أي لكون البدن بدنا إنسانيا ~~مثلا ، ولصدق اسم البدن عليه ، وأنه لو لا ذلك لانتفى البدن ، لا PageV03P165 # لأجل انتفاء ما هو مناط خصوصيته ، بل لأجل انتفاء ما هو مناط نوعيته. # والحاصل أنه لو كانت هناك الأجزاء الأصلية البدنية المخصوصة ، وكان معها ~~فرد ما من التأليف البدني الإنساني والهيئة التركيبية والأجزاء الفضلية ، ~~أي فرد كان بشرط أن تكون الأفراد متماثلة ومتشابهة ، كانت هناك نوعية البدن ~~الحاصلة بفرد ما من ذلك ، وكذا خصوصية البدن الحاصلة بخصوصية تلك الأجزاء ~~الأصلية البدنية ، وكذا خصوصية النفس الإنسانية التي لتلك الأجزاء الأصلية ~~مدخل فيها ، وكذا خصوصية الشخص الإنساني الذي هو عبارة عن النفس الخاصة ~~والبدن المخصوص باقية بحالها لم تتغير ولم تتبدل. وهذا ظاهر. # وأما إذا لم تكن هناك تلك الأجزاء الأصلية أصلا بل أجزاء أخر ، سواء كان ~~معها تأليف ما ms784 وهيئة تركيبية ما وأجزاء فضلية ما أو لم يكن معها شيء من ذلك ~~أصلا ، لم يكن هناك ذلك الشخص الإنساني ولا تلك النفس الخاصة ولا ذلك البدن ~~المخصوص. وهذا أيضا ظاهر بالبيان المتقدم. وأما إذا كانت هناك تلك الأجزاء ~~الأصلية الخاصة ولم يكن معها فرد ما من التأليف البدني الإنساني ، والهيئة ~~التركيبية البدنية الإنسانية والأجزاء الفضلية أصلا وقطعا ، كان هناك ينتفي ~~البدن المخصوص ، لا لأجل انتفاء ما هو مناط خصوصيته ، بل لأجل انتفاء ما هو ~~مناط نوعيته ، وبانتفائه كذلك ينتفي الشخص أيضا ، لأنه عبارة عن مجموع ~~النفس الخاصة والبدن المخصوص ، بعد أن كانت له صورة بدنية إنسانية نوعية ، ~~وهنا ليس كذلك ، إلا أنه لا ينتفي هنا خصوصية النفس ، لأن خصوصيتها إنما هي ~~منوطة بخصوصية الأجزاء الأصلية التي المفروض بقاؤها. والدليل على ذلك أنا ~~نعلم يقينا بقاء النفس بتشخصها وخصوصيتها بعد خراب بدنها وبعد قطع تعلقها ~~عنه وبعد بطلان التأليف رأسا وانعدام الهيئة التركيبية أصلا ، وما ذلك ~~البقاء إلا لبقاء الأجزاء الأصلية التي بينا سابقا بقاءها وأن لها مدخلا في ~~تشخص النفس. # وحيث عرفت ذلك ، اتضح لك غاية الاتضاح انه إذا كان هذية زيد الذي هو ~~عبارة عن مجموع البدن المخصوص والنفس الخاصة باقية من أول عمره إلى منتهاه ~~، وكان ذلك مستندا إلى بقاء تشخص نفسه وبدنه جميعا ، فليس للأجزاء الفضلية ~~الخاصة من بدنه ولا PageV03P166 # للتأليف الخاص ولا للهيئة التركيبية الخاصة مدخل من حيث الخصوصية في ~~تشخصه البدني ، وإلا لزال تشخصه البدني بوقوع استحالات وتغيرات كثيرة فيه ، ~~وزال بسببه تشخص الشخص الإنساني أيضا لزوال المجموع بزوال الجزء. فبقي أن ~~يكون المدخل في بقاء تشخص بدنه للأجزاء الأصلية من بدنه من حيث الخصوصية ~~وفي تشخص الشخص الإنساني لذلك ولبقاء تشخص نفسه جميعا ، وهو المطلوب. # وكأنه يشير إليه قوله تعالى : ( @QUR@06 كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا ~~غيرها ) (1). # وقد روى الشيخ الطبرسي (ره) في كتاب «الاحتجاج» عن حفص بن غياث : قال : ~~شهدت المسجد الحرام وابن أبي العوجاء يسأل أبا عبد الله عليه السلام عن قوله ms785 ~~تعالى : ( @QUR@08 كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ) ~~(2). ما ذلك (ذنب خ) الغير؟ قال : ويحك هي هي ، وهي غيرها. قال : فمثل لي ~~ذلك شيئا من أمر الدنيا. قال : نعم ، أرأيت لو أن رجلا أخذ لبنة فكسرها ، ~~ثم رد في ملبنها ، فهي هي وهي غيرها (3). # وفي هذا الحديث دلالة صريحة على ما نحن بصدد بيانه ، فافهم. # ثم إنه من جملة المقدمات لهذا المطلب الذي نحن بصدد بيانه هنا ، ما ~~أسلفنا لك في مقدمة الرسالة ، أن النفس الإنسانية لتجردها عن المادة في ~~ذاتها باقية بعد خراب البدن غير فانية ، حيث أقمنا هناك الدلائل العقلية ~~والنقلية عليه ، وأقمنا البرهان العقلي في الباب الثاني على تجردها ، وما ~~أسلفنا لك في المقدمة أيضا أن البدن الإنساني على كل مذهب من المذاهب ~~المقولة في الجسم وقالت به الحكماء والمتكلمون ، لا ينعدم بالموت بالمرة ، ~~حتى لا يمكن إعادته لكونه إعادة للمعدوم ، كما مر الدليل العقلي على ~~إبطالها ، بل الموت عبارة عن قطع تعلق النفس عن البدن الأول بهيئته ، وعن ~~تفرق أجزاء البدن. وقد أسلفنا لك هنالك أيضا أن الحق كما دل عليه الدليل ~~السمعي ولا يأباه العقل ، بقاء الأجزاء الأصلية من بدنه ببقاء النفس. PageV03P167 # ومنها ما أسلفنا لك في المقدمة أن المعاد الجسماني الذي هو ضروري في ~~الدين القويم معناه عود تعلق النفس ببدنها الأصلي مرة أخرى بعد جمع أجزاء ~~البدن ، ولا سيما الأجزاء الأصلية منه ، وعود تأليف البدن كرة بعد أولى ~~بهيئته الأولى كما يدل عليه الآيات والأخبار. # أما الآيات ، فكقوله تعالى : # ( @QUR@011 أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه* بلى قادرين على أن نسوي بنانه ~~). (1) # وقوله تعالى حكاية : ( @QUR@011 من يحي العظام وهي رميم* قل يحييها الذي ~~أنشأها أول مرة ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@016 ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من ~~دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@018 قل الله يحييكم ثم يميتكم ثم يجمعكم إلى يوم ~~القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون ) (4). # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ) (5). # وأما ms786 الأخبار : فكما نقلنا سابقا في الباب الثاني من الشيخ الطبرسي (ره) ~~في كتاب «الاحتجاج» ، في حديث الزنديق الذي سأل أبا عبد الله الصادق ~~عليه السلام عن مسائل وأجابه عنها : قال الزنديق : وأنى له البعث والبدن قد ~~بلى ، والأعضاء قد تفرقت ، فعضو ببلدة يأكله سباعها وعضو بأخرى تمزقه ~~هوامها وعضو قد صار ترابا بني به من الطين حائط؟ قال عليه السلام : إن الذي ~~أنشأه من غير شيء وصوره من غير مثال كان سبق إليه ، قادر أن يعيده كما ~~بدأه. قال : أوضح لي ذلك. قال : إن الروح مقيمة في مكانها ، روح المحسن في ~~ضياء وفسحة ، وروح المسيء في ضيق وظلمة ، والبدن يصير ترابا منه خلق وما ~~يقذف به PageV03P168 # السباع والهوام من أجوافها مما أكلته ومزقته كل ذلك في التراب محفوظة ، ~~عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة في ظلمات الأرض ، ويعلم عدد الأشياء ووزنها ، ~~وإن تراب الروحانيين بمنزلة الذهب في التراب ، فإذا كان حين البعث مطرت ~~الأرض مطر النشور ، فتربى الأرض ثم تمخض مخض السقاء فيصير تراب البشر كمصير ~~الذهب من التراب إذا غسل بالماء ، الزبد من اللبن إذا مخض ، فيجمع تراب كل ~~قالب فينتقل بإذن الله تعالى القادر إلى حيث الروح ، فتعود الصور بإذن ~~المصور كهيئتها ، وتلج الروح فيها ، فإذا قد استوى لا ينكر من نفسه شيئا ~~(1)، الحديث. # وأقول : إن في هذا الحديث الشريف مع الدلالة على أن المعاد الجسماني يكون ~~بجمع أجزاء البدن على مثل الهيئة الأولى وإعادة تأليفها مرة أخرى كالأول ، ~~وإعادة تعلق الروح بها كرة بعد أولى كما ذكرنا الحديث دليلا عليه دلالة على ~~أن الروح بعد مفارقتها عن البدن لا تفنى ، بل تبقى في مكانها الذي قدره ~~الله تعالى لها ، روح المحسن في ضياء وفسحة ، وروح المسيء في ضيق وظلمة. ~~وكان ذلك في عالم المثال على ما دلت عليه الأخبار الأخر كما نقلناها وذكرنا ~~شرحها سابقا. وكذا دلالة على أن البدن لا ينعدم بالموت ، حتى لا يمكن ~~إعادته ، بل إنما ينعدم تأليفه الذي لا دخل له في ms787 تشخص البدن وتشخص الشخص ، ~~ولا يلزم أيضا إعادته بعينه حتى يلزم إعادة المعدوم ، بل المعاد تأليف آخر ~~مثل الأول. # وبالجملة يدل على أنه ينعدم تأليفه وهيئته الأولى والأجزاء الفضلية منه ، ~~وتبقى أجزاؤه الأصلية التي هي مع تأليف ما وهيئة ما وأجزاء فضلية ما مناط ~~الحكم بأنها هو ذلك البدن الأول. # وقد عرفت في الباب الثاني حيث نقلنا هذا الحديث الشريف مع سابقه أن ظاهره ~~، وإن كان تجسم الروح حيث تضمن أنها جسم رقيق ، وأن جميع ما ذكره ~~عليه السلام في هذا الحديث ، إنما هو بيان حال الروح التي هي جسم رقيق ، إلا ~~أنه يمكن تأويله بالروح PageV03P169 # الحيوانية التي هي أيضا جسم رقيق ، وهي ما به الارتباط بين الروح ~~الإنسانية التي بينا أنها جوهر مجرد عن المادة وبين البدن ، وهي أيضا من ~~الأجزاء الأصلية البدنية كما ذكرنا سابقا ، وكذا تأويله بأنه ببقاء ذلك ~~الجسم الرقيق يبقى ذلك الجوهر المجرد أيضا الذي دل الدليل العقلي والنقلي ~~على بقائه ، وأنه بولوج ذلك الجسم الرقيق في البدن مرة أخرى ، يعود تعلق ~~ذلك الجوهر المجرد به وبالبدن كما كان أولا ، وبه يحصل المعاد الجسماني. # وبالجملة ، فمضمون هذا الحديث من هذه الجهة ، ليس منافيا لما نحن بصدده ، ~~بل يؤيده. # وقد عرفت أيضا هنالك ، أن في هذا الحديث الشريف من جهة تضمنه لقوله ~~عليه السلام : «كل ذلك في التراب محفوظ عند من لا يعزب عنه مثقال ذرة الخ». # وقوله عليه السلام : «فإذا كان حين البعث مطرت الأرض مطر النشور الخ» ~~تفسير كثير من الآيات القرآنية ، مثل قوله تعالى : # ( @QUR@032 وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم ~~الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا ~~أكبر إلا في كتاب مبين ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@017 والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى ~~بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@029 وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته حتى ~~إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت ms788 فأنزلنا به الماء فأخرجنا به من كل ~~الثمرات كذلك نخرج الموتى لعلكم تذكرون ) (3). # إلى غير ذلك من الآيات ، فتذكر. # وبعد تمهيد تلك المقدمات ، نقول : إنك إذا علمت أن النفس الإنسانية بدنية ~~محتاجة إلى بدن عنصري. PageV03P170 # وعلمت أن الشخص الإنساني عبارة عن مجموع نفسه وبدنه ، وأن تشخصه وهذيته ~~بتشخص المجموع ، أي تشخص نفسه والأجزاء الأصلية من بدنه. # وعلمت أن موته عبارة عن قطع تعلق نفسه عن بدنه. # وعلمت أنه بعد قطع التعلق ، يكون نفسه التي هي الأصل في تشخصه وفي كونه ~~هو هو ولذا سميت بالنفس ، فإن معنى النفس هو العين ، كان ذلك الشخص هو ~~بعينه ذلك الأمر المسمى بالنفس فقط باقية بعينها وبشخصها ، ويكون الأجزاء ~~الأصلية من بدنه التي لها أيضا مدخل في تشخص الشخص وهذيته باقية أيضا ~~بعينها من غير تبدل وتغير فيها. # وعلمت أن المعاد الجسماني عبارة عن جمع الأجزاء المتفرقة من بدنه ، ولا ~~سيما الأجزاء الأصلية كهيئتها الأولى البدنية ، وإعادة التأليف مرة أخرى ، ~~وإعادة تعلق النفس بها كرة بعد أولى كما كان أولا ، وأن لا مانع من ذلك ~~عقلا ولا شرعا. # لا يبقى لك شك في أنه يمكن تحقق المعاد الجسماني بهذا النحو ، أي عود ~~تعلق الروح الباقية بعينها بذلك البدن الأول العنصري الباقي بالأجزاء ~~الأصلية ، حيث إن نسبة قدرة القادر المختار إلى كل أمر ممكن في ذاته على ~~السواء. وكما أن تفريق أجزاء البدن وقطع تعلق النفس عنه أمر ممكن ، كذلك ~~جمع تلك الأجزاء المتفرقة الباقية وإعادة التأليف لها مرة أخرى ، وإعادة ~~تعلق تلك النفس الباقية إلى ذلك البدن كرة بعد أولى أمر ممكن في ذاته ، ~~وكما أنه لا مانع من الأول لا مانع من الثاني ، وليس فيه إعادة معدوم حتى ~~تمنع ، كما سبق بيانه غير مرة ، ولا فيه شبهة تناسخ لما مضى وسيجيء. # وبالجملة ، فحيث لم يكن فيه مانع عقلا ولا شرعا وقد أخبر به الشرع ، وجب ~~التصديق به. # وكذلك لا يبقى لك شك في أن الشخص المعاد يوم القيامة هو بعينه الشخص ~~المبتدأ في ms789 دار الدنيا ، كما نطق به الشرع أيضا ، إذ لا اختلاف بينهما أصلا ~~فيما هو مناط التشخص ومنشأ الهذية ، وإن كان الاختلاف بينهما واقعا فيما ~~ليس له مدخل في ذلك ، كالأجزاء الفضلية والتأليف المجدد الواقع ثانيا ~~والهيئة التركيبية الثانوية. PageV03P171 # فإن قلت : ألست قلت فيما تقدم في فصل امتناع إعادة المعدوم في مسألة أن ~~الزمان من المشخصات : إنا لو فرضنا أن صنعنا من طين مخصوص كوزا مخصوصا على ~~مقدار وهيئة وشكل خاص ، ثم كسرناه وصنعنا من تلك المادة كوزا آخر على تلك ~~الأوصاف ، نعلم بالضرورة أن الكائن في الزمان الثاني غير الأول ، ولازم ذلك ~~أن يكون البدن المعاد الثاني كما فرضته غير البدن المبتدأ ، ولازم ذلك أن ~~يكون البدن الذي فرضته جزء للشخص الإنساني منتفيا حين الإعادة ، ولازم ذلك ~~أن يكون ذلك الشخص منتفيا أيضا لانعدام الكل بانعدام الجزء. # قلت : إن ما ذكرنا ثمة مبني على تغاير الكوزين بحسب التأليف والهيئة ~~والصورة الخاصة ، وهو مسلم ، وما ذكرنا هنا مبني على أن ما هو جزء للشخص ~~الإنساني هو البدن ، مع فرد ما من التأليف والهيئة لا التأليف الخاص ~~والهيئة الخاصة ، ولا شك أنه بهذا الاعتبار لا ينعدم أصلا ، إذ هو لا ينفك ~~في الزمانين عن فرد ما من ذلك. وانعدام تشخصه بحسب فرد خاص من ذلك لا يقدح ~~فيما ذكرنا ، إذ هو غير معتبر فيما هو جزء من الشخص. ### ||| * شبهة الآكل والمأكول مع جوابها : # وحيث عرفت ما فصلنا ، ظهر لك أنه بما ذكرنا يحصل الجواب عن شبهة مشهورة ~~للمنكرين للمعاد الجسماني. # تقرير الشبهة : أن المعاد الجسماني غير ممكن ، لأنه لو أكل مثلا إنسان ~~إنسانا حتى صارت أجزاء بدن المأكول جزء من بدن الآكل فهذا الجزء إما أن لا ~~يعاد أصلا وهو المطلوب ، أو يعاد في كل واحد منهما وهو محال ، لاستحالة أن ~~يكون جزء واحد بعينه في آن واحد في شخصين متباينين ، أو يعاد في أحدهما ~~وحده فلا يكون الآخر معادا بعينه ، وهذا مع إفضائه إلى الترجيح بلا مرجح ~~يثبت مقصودنا ، وهو أنه ms790 لا يمكن إعادة جميع الأبدان بأعيانها كما زعمتم. # وتقرير الجواب : أن المعاد هو الأجزاء الأصلية ، وهي الباقية من أول ~~العمر إلى آخره PageV03P172 # لا جميع الأجزاء على الإطلاق ، وهذا الجزء فضل في الإنسان الآكل ، فلا ~~يجب إعادته فيه ، ثم إن كان من الأجزاء الأصلية للمأكول أعيد فيه وإلا فلا ~~، وكان فيما نقلنا آنفا من حديث الزنديق إشارة إلى هذه الشبهة وإلى الجواب ~~عنها ، بأتم تقرير ، فتبصر. # وحيث عرفت ما ذكرنا ، عرفت تصحيح الوجه في المعاد الجسماني كما نطق به ~~الشرع ، وأن ذلك أمر ممكن في ذاته لا مانع فيه ، وعرفت قيام الدليل العقلي ~~على أن المعاد يوم القيامة هو ذلك الشخص الأول المبتدأ بعينه نفسا وبدنا. ~~وأنه ينبغي أن يحمل الآيات والأخبار الدالة على المعاد الجسماني ، وأن ~~المعاد يوم القيامة هو الشخص الأول بعينه ، على ما ذكر. وأن ما يدل منها ~~على أن المعاد هو مثل الشخص الأول أو أن ما في القيامة هو خلق جديد ، كقوله ~~تعالى : ( @QUR@010 أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق ~~مثلهم ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@016 نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين على أن ~~نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@016 وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا ~~مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد ) (3). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد ) (4). # ينبغي حمله على أنه مثل الأول في بعض الصفات والأحوال التي لا دخل لها في ~~تشخص الشخص كالأجزاء الفضلية ، والتأليف الثاني ، إلا أنه عينه فيما هو ~~مناط التشخص كالنفس الباقية والأجزاء الأصلية الباقية. وكذا هو خلق جديد ~~بحسب الأجزاء الفرعية الفضلية وبحسب التأليف الثاني الواقع في الزمان ~~الثاني. وقد تكلمنا في ذلك في مقدمة الرسالة أيضا ، فتذكر. PageV03P173 # وبالجملة ، فما ذكرناه مع قيام الدليل العقلي عليه لا مانع منه شرعا ولا ~~عقلا ، وما يتراءى من المانع العقلي هنا ، وهو أنه يلزم أن يكون انتقال ~~النفس بعد مفارقتها عن البدن الأول إلى البدن الثاني الذي ذكر أنه غير ms791 ~~الأول باعتبار ومثله باعتبار آخر تناسخا ، فهذا المانع أيضا منتف ، إذ قد ~~عرفت فيما أسلفنا لك في مبحث إبطال التناسخ ، أن العمدة في المحال اللازم ~~على تقديره إنما هو استيجاب كون بدن واحد ذا نفسين ، وكون نفس واحدة ذات ~~بدنين منفصلين متغايرين ، ولزوم انقلاب الفعلية قوة محضة ، وكل ذلك مبني ~~على أن يكون البدن الذي ينتقل إليه النفس المستنسخة غير البدن الأول ذاتا ~~حتى يكون فيه استعداد لنفس أخرى أيضا ، ويكون النفس في ضمنه بالقوة من جهة ~~كمالاتها بعد كونها بالفعل ، أو يلزم منه كون نفس واحدة ذات بدنين منفصلين ~~موجودين بوجودين ، وهذا غير لازم على تقدير كون البدن الثاني عين الأول ~~ذاتا وإن كان غيره من جهة بعض الأحوال الغير المشخصة ، إذ ما هو عين البدن ~~الأول ذاتا لا نسلم أنه يكون فيه استعداد لحدوث نفس أخرى غير الأولى ، ولا ~~نسلم أيضا أنه تكون النفس الأولى المتعلقة بالقوة من جهة كمالاتها ، بل ~~إنها تكون بالفعل فيه كما كانت أولا ، ولا يكون أيضا مغايرا بالذات للبدن ~~الأول. وكذا لا يلزم انتفاء المرجح لتعلقها به ، لأن التعلق السابق به ، أي ~~بأجزائه الأصلية منه لم ينعدم ، بل هو باق ، كما أشرنا إليه سابقا وسنشير ~~إليه ، وحيث كان باقيا فلا يكون هنا تعلق جديد حتى يحتاج إلى المرجح. ولو ~~سلم كونه تعلقا جديدا ، فالتعلق السابق يكفي كونه مرجحا لذلك. # وبالجملة ، فالمحال اللازم على تقدير التناسخ لا يلزم على تقدير المعاد ~~الجسماني كما قررناه ، وإن سماه أحد بالتناسخ فلا مشاحة للأسماء كما سماه ~~الشرع بالبعث والحشر والنشور وأمثال ذلك من الأسماء. # هذا الذي ذكرناه إنما هو بيان الأمر الثاني من تلك الأمور الثلاثة. ولا ~~يخفى عليك أنه كما يتم في النفوس الكاملة ، يتم في النفوس الناقصة أيضا ~~كنفوس البله والصبيان والمجانين ، حيث إن المقدمات التي مبنى بيان هذا ~~الأمر عليها مشتركة ، أما ما سوى مقدمة بقاء النفس وتجردها فظاهر اشتراكها ~~، وأما هي فكذلك أيضا ، لأنك قد عرفت فيما PageV03P174 # سلف بيان بقاء نفوس هؤلاء الناقصين ms792 أيضا بعد خراب أبدانهم ، وعرفت بيان ~~تجردها أيضا ، فتذكر. ### ||| * بيان الأمر الثالث من تلك الأمور الثلاثة # وأما بيان الأمر الثالث من تلك الأمور الثلاثة ، أي وجوب كون المعاد ~~الجسماني على النحو الذي ذكرنا ، أي بأن يعود تعلق النفس إلى ذلك البدن ~~الأول بعينه كما ذكرنا ، حتى تكون في ضمنه موردة للثواب والعقاب الحسيين ، ~~مضافا إلى ما يكون لها في ذاتها من الثواب والعقاب العقليين ، لا إلى بدن ~~آخر غيره بالذات ، فهو أيضا يستدعي تمهيد مقدمات : # منها ما قدمناه في المقدمة والفصول والأبواب المتقدمة وذكرناها تمهيدا ~~لبيان الأمر الأول والثاني. # ومنها ما أشرنا إليه في المقدمة وحققناه في الباب الثاني أن النفس ~~الإنسانية ذات واحدة بالعدد لها قوى متعددة ومراتب مختلفة ، باعتبارها تسمى ~~تارة نفسا إنسانية وتارة حيوانية وتارة نباتية من غير تعدد واختلاف في ~~ذاتها بل في حالاتها ومراتبها خاصة. # ومنها ما أسلفنا لك في الباب الثاني أيضا أن الأفاعيل الجزئية المتعددة ~~المختلفة الصادرة عن النفس الإنسانية التي هي ذات واحدة بالعدد إنما تصدر ~~عنها بتوسط قواها البدنية المختلفة المتعددة ، كالأفاعيل الكلية ، فإنها ~~أيضا تصدر عنها بتوسط قواها العقلية ومعنى ذلك أن الأفاعيل الجزئية تصدر ~~أولا وبالذات عن تلك القوى وبتوسطها تصدر عن النفس. # والحاصل أن للقوى والمشاعر والحواس أيضا حظا ونصيبا في أفعالها وإدراك ~~مدركاتها كما للنفس ، إلا أن الأول أولا وبالذات ، والثاني ثانيا وبالتوسط. # وبالجملة ، ليس صدور الأفاعيل الجزئية المتعددة عن تلك الذات الواحدة ~~بدون مدخلية شيء من القوى والحواس فيه ، وكذا ليس ذلك لصدورها عنها بالذات لكن PageV03P175 # باختلاف الآلات ، بأن تكون تلك القوى والحواس فيه آلة لها في أفعالها من ~~غير أن يكون لها حظ فيه كما حققناه في ذلك الباب. # ومنها ما أسلفنا لك في الباب الرابع ، في مبحث حدوث النفس بحدوث البدن ، ~~أن الأنفس الإنسانية التي هي متفقة في المعنى والنوع ، إنما يكون تكثرها ~~وتمايزها بالأبدان الخاصة ، وكذا يكون تشخصها بالهيئات البدنية المخصوصة. # ومنها ما أسلفنا لك في ذلك الباب من إبطال التناسخ ونحوه. # وبعد ms793 تمهيد تلك المقدمات ، نقول : إنك بعد ما أحطت بتلك المقدمات حق ~~الإحاطة وتدبرت فيها حق التدبير ، كأنك يتضح لك هذا المطلوب الذي نحن بصدد ~~بيانه حق الاتضاح ، ولا أظنك في مرية من هذا ، بل يتلخص لك فيه براهين ~~عقلية دالة عليه ، كل واحد منها كاف في إثبات هذا المرام ، ولمجموعها تأثير ~~عظيم في إنارة المقام وإزاحة الشكوك والأوهام. # ومن جملة تلك البراهين أن يقال : إذا كان الشخص الإنساني عبارة عن النفس ~~الخاصة المتعلقة ببدن مخصوص بخصوصه كما عرفت بيانه وجب أن يكون تعلق تلك ~~النفس في القيامة بذلك البدن المخصوص بعينه ، حتى يكون ذلك الشخص المعاد هو ~~بعينه ذلك الشخص المبتدأ في الدنيا ، ويكون مصدر الطاعة والمعصية ، ومورد ~~الثواب والعقاب واحدا ، فإنه لو لم يكن وجاز تعلق تلك النفس في القيامة ~~ببدن آخر غير البدن الأول ذاتا ، لم يكن ذلك الشخص هو بعينه ذلك الشخص ~~المبتدأ بل غيره ، ويكون ورود الثواب والعقاب عليه ظلما منه تعالى ، تعالى ~~الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # ومنها أن يقال : إذا كانت النفس الإنسانية بدنية ولم يكن البدن الذي لها ~~حين المعاد بدنا مثاليا ، ولا بدنا فلكيا ، ولا بدنا من جرم إبداعي كما ~~عرفت ، بل يجب أن يكون بدنا عنصريا ، فذلك البدن العنصري إن كان عين البدن ~~الأول كما عرفت معناه فهو المطلوب ، وإن كان غيره بالذات ، فيلزم التناسخ ~~المحال. # لسنا نقول : إنه يلزم إطلاق التناسخ عليه ، حتى يجاب بأن الشرع جوز هذا ~~النوع من التناسخ ، بل نقول : إنه حينئذ يلزم المحال اللازم على تقدير ~~التناسخ ، كما مر بيانه في PageV03P176 # مبحث إبطاله. # لا يقال : لا نسلم لزوم ذلك المحال حينئذ ، فإن لزومه مبني على أن يكون ~~المادة البدنية التي هي مادة البدن الذي هو غير البدن الأول ، مستعدة ~~لفيضان نفس أخرى غير الأولى ، حتى يلزم إمكان اجتماع نفسين فيه ، أو أن ~~تكون النفس المستنسخة في ضمن ذلك البدن المغاير بالقوة من جهة كمالاتها بعد ~~أن تكون بالفعل ويلزم المحال اللازم على تقديره ، وهذا غير ms794 مسلم في المواد ~~الأخروية ، فإنه إنما هو من لوازم المواد الدنيوية ، والمواد الأخروية ليست ~~مثلها ، بل هي مخالفة في كثير من الصفات والأحوال للمواد الدنيوية ، حتى ~~كأنها مباينة لها بالذات كما مرت الإشارة إليه ، ولعل هذا منها. # لأنا نقول : سلمنا أن المواد الأخروية ليست من جنس المواد الدنيوية ، بل ~~هي مخالفة لها في كثير من الصفات والأحوال ، إلا أنا نقول : إن تلك المادة ~~البدنية الأخروية الحاصل منها بدن آخر غير الأول ، إن لم تكن مستعدة لفيضان ~~نفس عليها أصلا ولا قابلة لها قطعا ، فكيف يمكن تعلق النفس الأولى بها؟ وإن ~~كانت مستعدة لفيضان نفس عليها ، وكانت فيها قوة قبول لها ، فنسرد الكلام ~~حينئذ ونقول في إبطاله كما نقلنا في إبطال التناسخ في المواد البدنية ~~الدنيوية ، حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة. # ومنها أن يقول : إذا كانت النفس الإنسانية واحدة بالذات والعدد ، وكانت ~~لها قوى ومراتب متعددة ، باعتبارها تسمى تارة نفسا إنسانية ، وتارة حيوانية ~~، وتارة نباتية ، كما عرفت. ولا سترة في أن القوة الإنسانية وإن كانت غير ~~بدنية ، إلا أن الحيوانية والنباتية بدنيتان ، أي حصولهما لها إنما هو في ~~ضمن بدن خاص بخصوصه لما عرفت أن ما هو جزء للشخص الإنساني وله مدخل في شخص ~~نفسه الخاصة وتميزها وحصول المراتب والقوى لها إنما هو البدن الخاص بخصوصه ~~، فإذا كانت تلك النفس يوم القيامة متعلقة ببدن آخر غير الأول ، فإما أن لا ~~تكون تلك القوى والمراتب البدنية حاصلة لتلك النفس أصلا فهذا محال ، لأنه ~~يلزم أن لا تكون تلك النفس في حال البعث عين الأولى بل غيرها. # وإما أن تكون تلك القوى والمراتب حاصلة لها حين البعث ، فهذا أيضا محال ، ~~لأن تلك القوى والمراتب إنما هما قوى ومراتب خاصة متخصصة ببدن مخصوص وهيكل PageV03P177 # معين مشخص ، ليستا مراتب وقوى مطلقة حاصلة في ضمن بدن ما أو بدن مطلق. ~~وعلى هذا أيضا يلزم أن لا تكون تلك النفس في حال البعث عين الأولى ، بل ~~غيرها ، لعدم حصول تلك المراتب والقوى الخاصة التي لها مدخل في ms795 تميز تلك ~~النفس وتحصلها وتقومها وتخصصها وتشخصها لها حينئذ. وعلى التقديرين فيلزم أن ~~يكون وقوع الثواب والعقاب على تلك النفس المتعلقة ببدن غير الأول ظلما. ~~تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # ومنها ، أن يقال : إذا كانت النفس الإنسانية تفعل الأفاعيل المختلفة ~~الجزئية بتوسط القوى والمشاعر والحواس المختلفة البدنية التي تميزها ~~وتعينها بمواد خاصة بدنية وآلات مخصوصة هي أجزاء البدن المخصوص المعين ولها ~~دخل في تشخص النفس الإنسانية أيضا ، وكانت لتلك القوى أيضا حظ ونصيب في تلك ~~الأفعال كما للنفس بتوسطها كما عرفت ، ولا شك أن في الآخرة سعادة وشقاوة ~~حسيتين كالعقليتين ، ولا شك أيضا أن الحكمة المتعالية تقتضي أن تكون لتلك ~~الحواس والقوى حظ في الثواب والعقاب الحسيين اللذين هما بإزاء تلك الأفعال ~~الجزئية التي لتلك القوى حظ فيها ، كما أن الحكمة تقتضي أن يكون للنفس ~~بتوسط تلك القوى حظ في إدراك الثواب والعقاب الحسيين ، فإذا أعيدت تلك ~~النفس في القيامة في ضمن بدن آخر غير الأول ، لم تكن تلك القوى والحواس ~~الحاصلة للنفس في ضمن البدن الثاني المغاير عين الأولى لكونها متعينة ~~ومتخصصة بمواد بدنية وآلات بدنية هي أجزاء البدن الأول المخصوص بخصوصه ، ~~والمفروض عدمها ، بل هي حواس وقوى أخرى ، فحينئذ يلزم مضافا إلى لزوم أن لا ~~تكون تلك النفس المعادة بعينها النفس المبتداة حيث عرفت أن تميزها وتخصصها ~~وتعينها إنما هو بتلك القوى البدنية الأولى التي هي منتفية عنها في ضمن ~~البدن الثاني أن يكون ورود الثواب والعقاب عليها حينئذ منافيا للحكمة ، بل ~~ظلما كما ذكرنا. وأن يكون إدراك اللذات والآلام الحسية بتلك القوى والحواس ~~الأخر منافيا للحكمة أيضا ، إذ ما كان فاعلا لتلك الأفعال التي هي منشأ ~~للثواب والعقاب ، أي القوى والحواس الأولى لم يقع عليه الثواب والعقاب ، ~~وما لم يفعلها أي الحواس والقوى الأخرى وقع عليه الثواب والعقاب. PageV03P178 # وكذا يلزم أن يكون إدراك النفس للثواب والعقاب الحسيين بتوسط تلك القوى ~~الأخرى منافيا للحكمة أيضا ، إذ الواسطة في إدراك النفس لها غير الواسطة في ~~فعل الأفعال ms796 التي هي منشأ للثواب والعقاب. # والتفصيل أن يقال : إذا أعيدت النفس في الآخرة في ضمن البدن الآخر ~~المغاير للأول فهذا محال من وجوه : # لأنه مع لزوم أن لا تكون تلك النفس المعادة عين النفس الأولى المبتداة ~~كما عرفت ، يلزم منه محالات اخر أيضا ، لأنه حينئذ إما أن لا تكون للنفس في ~~البدن الثاني المغاير قوى ومشاعر حسية أصلا فهذا محال ، لأنه مناف للحكمة ، ~~إذ التعلق بالبدن العنصري كما هو المفروض إنما هو لأجل أن تكون لها قوى ~~حسية بدنية. # وإما أن تكون لها قوى حسية ، فحينئذ ، إما أن لا تكون للنفس إدراك للذات ~~والآلام الحسيتين أصلا ، فهذا محال ، لأنه خلاف ما نطق به الشرع وخلاف ما ~~دل عليه العقل من أن القوى الحسية في الآخرة إنما تكون لأجل إدراك اللذات ~~والآلام الحسيتين ، كما أنها في الدنيا إنما تكون لأجل الأفعال الجزئية ~~الحسية. # وإما أن تكون للنفس إدراك للذات والآلام الحسيتين ، وحينئذ فإما أن يكون ~~المدرك لهما ذات النفس بذاتها من غير مدخلية شيء فيه أصلا ، فهذا محال ، ~~لأنه قد تقرر عندهم كما عرفت سابقا أن النفس لا تدرك الجزئيات بذاتها. ~~وأيضا يلزم أن يكون وجود تلك القوى والحواس معطلا محضا ، وقد تقرر عندهم ~~أنه لا معطل في الوجود. # وإما أن يكون إدراك النفس لتلك اللذات والآلام الحسيتين بمدخلية تلك ~~القوى والحواس ، على أن تكون تلك القوى مجرد آلة من غير أن يكون لها حظ في ~~الإدراك ، فهذا محال ، إذ قد أثبتنا في الأبواب السابقة كما أشرنا إليه ~~آنفا أن تلك الحواس والقوى واسطة في ذلك ، ولها حظ ونصيب فيه كما للنفس ، ~~إلا أن ما للنفس بتوسط تلك القوى وما لتلك القوى بالذات لا بالواسطة. # وإما أن يكون إدراك النفس لهما بتوسط تلك القوى كما هو الحق ، فحينئذ ~~نقول : إن تلك القوى والحواس الحاصلة للنفس في ضمن البدن الثاني المغاير ~~لما كانت غير الأولى PageV03P179 # الحاصلة لها في ضمن البدن الأول ، لأن تخصص كل قوة من تلك القوى وتميزها ~~وتعينها إنما هو ms797 بمادة بدنية مشخصة متخصصة وبآلة بدنية متعينة ، والمفروض ~~أن البدن الثاني غير البدن الأول ذاتا ، فتكون القوى الثانية أيضا مغايرة ~~للقوى الأولى ذاتا ، كان إدراك القوى الثانية للذات والآلام الحسيتين الذي ~~هو بالنسبة إليها ثواب وعقاب ، وعدم إدراك القوى الأولى لذلك منافيا للحكمة ~~بل ظلما ، لأن ما فعلت الأفعال التي هي منشأ للثواب والعقاب لم يرد عليها ~~ثواب ولا عقاب ، وما لم تفعل ورد عليها ذلك. # وأيضا يلزم أن يكون إدراك النفس بتوسط القوى الثانية للثواب والعقاب ~~الحسيين منافيا للحكمة أيضا ، كما عرفت. # فبقي أن يكون عود النفس في القيامة في ضمن البدن الأول بعينه ، حتى لا ~~يلزم تلك المحالات ، وهو المطلوب. # ولذلك قال بعض أهل التحقيق (1): «إن الحكمة تقتضي بعث الإنسان لجميع ~~قواه وجوارحه ، وإن لكل قوة من قوى النفس كمالا يخصها ولذة وألما يناسبها ، ~~وبحسب كل ما كسبته يلزم لها في الطبيعة الجزاء كما قررته الحكماء من إثبات ~~الغايات الطبيعية لجميع المبادئ والقوى عالية كانت أم سافلة ( @QUR@04 ولكل ~~وجهة هو موليها ) وإن من تحقق هذا تحقق لزوم عود الكل ولم يشتبه عليه ذلك ، ~~وهذا مقتضى الحكمة والوفاء بالوعد والوعيد ولزوم الجزاء على ما يراه ~~الحكماء من لزوم المكافاة في الطبيعة والمجازاة ، لامتناع ساكن في الخليفة ~~، معطل في الطبيعة» انتهى كلامه. # ومنها ، أن يقال : إذا كانت الأنفس الإنسانية التي هي متفقة في المعنى ، ~~إنما يكون تكثرها وتمايزها بالأبدان الخاصة ، وتشخصها بالهيئات البدنية ~~المخصوصة ، فلو كانت في القيامة تعاد في ضمن بدن مغاير للأول ذاتا لم يكن ~~تلك النفس تلك النفس الأولى المبتداة الفاعلة للخيرات والشرور ، فلم يكن ~~ورود الثواب والعقاب عليها من مقتضى الحكمة ، بل منافيا لها وظلما. تعالى ~~الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. PageV03P180 # ومما قررنا في ضمن تلك البراهين ، ظهر لك فساد ما قيل من أن المدرك ~~للثواب والعقاب حقيقة إنما هو النفس التي هي باقية بحالها والبدن آلة لها ~~من غير أن يكون له دخل فيه أصلا ، فلا مانع من أن تعود في النشأة الأخروية ~~في ms798 ضمن بدن آخر غير الأول ، فتبصر. # ثم إنه من جملة الشواهد على هذا المطلوب الذي نحن بصدد بيانه ، أن النظر ~~في لفظ «المعاد» الذي نطق به الشرع وصدق به العقلاء يقتضي أن يكون عود ~~النفس في القيامة في ضمن البدن الأول بعينه ، لأنك قد عرفت فيما ذكرنا في ~~المقدمة أن المعنى الحقيقي لهذه اللفظة هو أن يكون قد وجد أولا شيء فرض هو ~~متعلق الإعادة على وجود مخصوص وحال وصفة مخصوصتين ، ثم زال عنه ذلك الوجود ~~وتلك الصفة والحالة ، ثم وجد بعد ذلك على ذلك الوجود الأول والحالة والصفة ~~المخصوصتين الأوليين. # وقد عرفت فيما تلوناه عليك أن النفس باقية بذاتها وكذلك الأجزاء الأصلية ~~البدنية ، وإنما الزائل هو تعلق النفس بذلك البدن الأول بهيئته ، فينبغي أن ~~يكون متعلق الإعادة هو التعلق ثانيا بذلك البدن الأول بعينه كما عرفت معناه ~~، لا التعلق ببدن مطلق أو بدن ما غير الأول ذاتا ، لأنه لم يزل عنها حتى يعاد. # وهذا أيضا من المؤيدات للمطلوب ، وإن لم يكن دليلا عقليا عليه. وبما ~~ذكرناه من البراهين وقررناه من الدلائل تم بيان الأمر الثالث أيضا من تلك ~~الأمور الثلاثة. # ولا يخفى عليك أن هذا البيان أيضا غير خاص ببعض النفوس الإنسانية دون بعض ~~، بل يجري في جميع النفوس الإنسانية كاملة كانت أم ناقصة أم متوسطة ، فإن ~~المقدمات التي بناء هذا البيان عليها مشتركة في الكل لا اختصاص لها ببعض ~~دون بعض ، كما يظهر بالتأمل فيها. # ولا يخفى أيضا أنه بما ذكرنا ، كما يتم بيان جوب عود النفوس إلى البدن ~~الأول بعينه، كذلك يتم به بيان وجوب وقوع الثواب والعقاب الحسيين للنفس في ~~ضمنه ، أي لذلك الشخص بعينه ، مضافا إلى وقوع الثواب والعقاب العقليين ~~اللذين هما لتلك النفس في ذاتها ، لأنه إذا وجب عود النفس إلى البدن الأول ~~والحال أنه يكون لها في ضمنه آلات PageV03P181 # بدنية وقوى حسية البتة ، وأن تلك الآلات والقوى لا تكون معطلة البتة ، بل ~~هي لأجل إدراك الثواب والعقاب الحسيين ، وجب أن يكون لها في ms799 ضمنه ذلك البتة. # وبالجملة ، فيثبت بما بيناه ما هو المقصود ، أي وجوب عود النفس إلى البدن ~~الأول بعينه البتة ، وكذا وجوب وقوع الثواب والعقاب الحسيين البتة ~~كالعقليتين ، وإن كان بيان تفاصيل الثواب والعقاب الحسيين ووقوعهما على ~~كيفيات مخصوصة موكولا إلى الشرع الشريف ، إذ هو مبين فيه مفصلا ، ولا ~~استقلال للعقل في ذلك. ### ||| * شك مع جوابه # ثم إنه بقي هنا شك ينبغي التعرض له ولجوابه. # بيان الشك : أنه لقائل أن يقول : إن ما ذكرته من البراهين على هذا ~~المطلوب لو كان صحيحا لأشكل عليك الأمر في حال النفس الإنسانية في عالم ~~البرزخ ، إذ عندك أن النفس في ذلك العالم هي بعينها تلك النفس الأولى ، ~~وأنها تكون فيه موردة للثواب والعقاب الحسيين ، كما أنها تكون موردة للثواب ~~والعقاب العقليين ، والحال أنها في ذلك العالم غير متعلقة أصلا بالبدن ~~الأول الذي قلت أنه جزء للشخص وله مدخل في تشخص الشخص وتشخص النفس ، واذ ~~ليست هي متعلقة فيه به بل متعلقة ببدن مثالي هو غير البدن العنصري الأول ، ~~فلا تكون لها فيه ذلك التشخص ، ولا تلك القوى والمراتب البدنية ، ولا ~~الحواس والمشاعر البدنية ، ولا الهيئات البدنية التي ادعيت أن لها دخلا في ~~تشخص النفس وتميزها. # فحينئذ يرد عليك جميع ما أوردته من الإشكالات على تقدير القول بعود النفس ~~في القيامة في ضمن بدن عنصري مغاير للبدن الأول سواء بسواء ، ويجب عليك ~~التفصي من هذه الإشكالات ، إما المصير إلى أن البدن العنصري الخاص الأول ~~ليس له دخل في تشخص النفس وتميزها أصلا ، ولا هو جزء للشخص الإنساني ، وأن ~~المستحق لوصول الثواب والعقاب إليه هو النفس وحدها ، والبدن لا مدخل له في ~~ذلك ، بل هو كالآلة كما قاله PageV03P182 # بعضهم ، وهذا خلاف ما قررته وبنيت عليه إثبات المعاد الجسماني ، وأما ~~المصير إلى أن محل الثواب والعقاب يجوز أن يكون غير محل الطاعة والمعصية ، ~~وهذا أيضا مع كونه خلاف ما ذكرته باطل قطعا لكونه ظلما. وبالجملة ، فما ~~تقول في جواب هذا الشك؟ وما وجه التفصي عنه؟ # وأما بيان ms800 الجواب عن هذا الشك ، فبأن يقال : إنا نختار أن النفس في عالم ~~البرزخ هي بعينها تلك النفس في النشأة الدنيوية. ونقول : إن ما ذكرت من أنه ~~ينقطع فيه تعلقها عن البدن الأول أصلا ، إن اردت به انقطاع تعلقها عنه من ~~حيث مادته وصورته البدنية جميعا ، فذلك غير مسلم ، لأنك قد عرفت فيما تلونا ~~عليك في باب حدوث النفس بحدوث البدن ، وكذا في باب مائية النفس ، أن للنفس ~~نوعين من التعلق بالبدن : أحدهما من حيث الصورة البدنية ، والآخر من حيث ~~المادة ، وأنه بالموت وإن كان يزول تعلقها به من الجهة الأولى ، لكنه لا ~~يزول تعلقها به من الجهة الثانية ، وأنه بذلك يظهر سر زيارة القبور وإجابة ~~الدعوات في المقابر. # وإن أردت به انقطاع تعلقها عنه من حيث الصورة البدنية فقط وبقاء تعلقها ~~به من حيث المادة ، ولا سيما من حيث الأجزاء الأصلية فذلك مسلم ، إلا أنه ~~لا يلزم منه زوال تشخص النفس وتميزها ، لجواز أن يكون تشخصها باقيا من جهة ~~بقاء تلك الأجزاء الأصلية وبقاء تعلقها بها كما قررنا ذلك لك فيما تقدم ، ~~وأن يكون لها من حيث تعلقها بتلك الأجزاء الأصلية جميع المراتب والقوى ~~والمشاعر والحواس التي قلنا إن لها مدخلا في تمايز النفوس وخصوصياتها ، من ~~حيث إن تلك الأجزاء الأصلية بعضها أجزاء للدماغ ، وبعضها للأعضاء الرئيسة ~~الأخر ، مثل القلب والكبد ، وبعضها لجميع الأجزاء ، فيجوز أن يكون لها من ~~حيث التعلق بكل جزء من تلك الأجزاء نوع مرتبة ونوع قوة منوطة بذلك مرتبطة ~~به ، وأن يكون بذلك لم يزل تشخص النفس ، ولا بطل شيء من تلك المراتب ولا ~~فات عنها شيء من تلك القوى ، بل كانت هذه باقية على ما كانت أولا من حيث ~~تعلقها بالبدن صورة ومادة ، إلا أن النفس لما كانت بدنية تحتاج في أفعالها ~~الجزئية وإدراكاتها الحسية إلى بدن ، وكان قد بطل بدنها الأول من حيث ~~الصورة ، وزال تعلقها عنه PageV03P183 # من هذه الجهة ، اقتضت الحكمة المتعالية الإلهية تعلقها حينئذ ببدن مثالي ~~يماثل البدن الأول في جميع الصفات ms801 والحالات والقوى والمشاعر إلا ما شذ منها ~~، ويكون ذلك البدن المثالي ينوب مناب البدن الأول العنصري في كونه آلة ~~وواسطة في صدور تلك الأفعال الجزئية والإدراكات الحسية عنها ، ولا يكون في ~~تعلقها به لزوم محال كالتناسخ ونحوه ، على ما عرفت بيانه سابقا ، سواء قلنا ~~بحدوث البدن المثالي بعد خراب البدن العنصري الأول كما هو الاحتمال فيحدث ~~تعلقها به حينئذ ، أو قلنا بكونه موجودا معه في النشأة الدنيوية أيضا ، وهو ~~الأظهر كما دل عليه بعض الشواهد المتقدمة ، فيظهر تعلقها به ويغلب ويكثر. ~~وبالجملة أن تصير متعلقة به ، ويكون لها في ضمنه تلك الأفعال والآثار ~~والإدراكات ، كما في ضمن البدن العنصري ، فإنك قد عرفت فيما تلوناه عليك ~~سابقا أن للبدن المثالي جميع الحواس والمشاعر والقوى الحيوانية ، وأن للنفس ~~في ضمنه جميع تلك القوى مضافا إلى القوة العقلية التي هي لها بذاتها. # نعم ، القوة النباتية وإن لم تكن لها في ضمنه ، إلا أن ذلك لعدم قبول ~~المادة المثالية لتلك القوة ، حيث إن التنمية والتغذية والتوليد التي هي من ~~لوازم القوة النباتية ، إنما هي من خواص المادة الجسمانية العنصرية لا غير ~~، فكان النقص من جهة القابل لا الفاعل. # وبالجملة ، لا يلزم من تعلقها ببدن مثالي مع التعلق بتلك الأجزاء الأصلية ~~زوال تشخص النفس ولا بطلان قواها ومراتبها ، فلا إشكال. # فإن قلت : كيف يكون الشيء الواحد في زمان واحد متعلقا بأمرين مختلفين؟ # قلت : لا محذور في ذلك فيما نحن فيه ، فإنك قد ظهر لك فيما مر أن تعلق ~~النفس الإنسانية التي هي ذات مجردة عن المادة في ذاتها بأمر من الأمور ~~وبمادة من المواد ، ليس على سبيل الانطباع في المادة ، حتى لا يمكن تعلقها ~~بأكثر من مادة ، بل على سبيل التصرف والتدبير ، وتعلقها كذلك يجوز بأكثر من ~~واحد ، ومع ذلك فالبدن المثالي ظل وشبح للبدن العنصري موجود بالعرض لوجوده ~~، بل لوجود أجزائه الأصلية ، فهو ليس بمنفصل الذات ومباين القوام عن البدن ~~العنصري ، حتى لا يجوز تعلقها به مع التعلق بالبدن العنصري أو بأجزائه ~~الأصلية. ويرد ms802 عليه ما يرد على تقدير تعلقها ببدنين مختلفين ، PageV03P184 # فحينئذ يجوز تعلقها بمادة بدنية عنصرية ، وببدن مثالي واحد أو اكثر في ~~زمان واحد ، كما دل عليه الشرع ، ولا امتناع فيه عقلا أيضا. # فإن قلت : على ما ذكرت ، وإن لم يلزم بطلان تشخص النفس ولا فوات شيء من ~~قواها ومراتبها البدنية ، إلا أنه يلزم منه انعدام ذلك الشخص الإنساني الذي ~~ذكرت أنه عبارة عن مجموع النفس الخاصة والبدن المخصوص ، فإنه لا سترة أنه ~~بانعدام التأليف البدني والهيئة البدنية وزوال صورة البدن رأسا ينعدم البدن ~~ولا يبقى البدن بدنا من حيث هو بدن كما اعترفت سابقا ، وإن كان يبقى أجزاؤه ~~الأصلية أو مادته. وقد اعترفت أيضا أن ما هو جزء للشخص الإنساني هو البدن ~~الخاص من حيث صورته ومادته جميعا ، فحيث كان ذلك منعدما كان الشخص الإنساني ~~الذي هو جزؤه منعدما أيضا لانعدام الكل بانعدام الجزء ، ولا يجدي في بقائه ~~بقاء الجزء الآخر أعني النفس ، فإذا كان الشخص الإنساني منعدما ، فكيف يكون ~~نفسه وحدها موردة للثواب والعقاب الحسيين في عالم البرزخ؟ مع أن الحكمة كما ~~اعترفت به أيضا تقتضي أن يكون مورد الثواب والعقاب هو ذلك الشخص الإنساني ~~بعينه بكلا جزئيه لا أحد جزئيه وحده ، وهل هذا إلا القول بكون مورد الثواب ~~والعقاب هو النفس وحدها وكون البدن آلة لها ، كما قال به بعضهم ، وهل هذا ~~إلا نقض بنيان ما أصلته لإثبات المعاد الجسماني؟ # قلت : سلمنا أن ذلك الشخص الإنساني العنصري اللحمي العظمي الرباطي ينعدم ~~حينئذ بانعدام بدنه بهيئته ، لكنا لا نسلم انعدام الشخص الإنساني رأسا ~~حينئذ ، لأنك قد عرفت مما قدمناه لك ، أن البدن المثالي ظل وشبح للبدن ~~العنصري وموجود بالعرض لوجود العنصري ، بل لوجود أجزائه الأصلية ، أي أنه ~~بوجود البدن العنصري وأجزائه الأصلية بالذات ، والمثالي يوجد بالعرض ، ~~كوجود لوازم الماهيات تبعا للماهيات. وأن تعلق النفس بالبدن العنصري ~~وبالمثالي تعلق واحد ، إلا أن تعلقها بالعنصري بالذات وبالمثالي بالعرض. ~~وأنه كما يجوز أن يبقى تعلق النفس بالأجزاء الأصلية من البدن العنصري تعلقا ~~بالذات ms803 ، يجوز أن يبقى تعلقها بالبدن المثالي الذي لا يفسد ، وهو ظلها ~~وشبحها وموجود بتبعيتها تعلقا بالعرض. PageV03P185 # فحينئذ نقول : إن الشخص الإنساني وإن كان في الظاهر عبارة عن النفس ~~الخاصة والبدن الخاص العنصري اللحمي العظمي الرباطي ، لكنه في الباطن وعند ~~النظر الدقيق عبارة عن النفس الخاصة المتعلقة ببدن عنصري يتبعه بدن مثالي ~~هو ظل وشبح له وموجود بوجوده ، فحينئذ إن اعتبرت النفس الإنسانية مع البدن ~~الخاص العنصري وحده ، يلاحظ هناك شخص إنساني لحمي عظمي. وإن اعتبرتها مع ~~البدن المثالي وحده يلاحظ هنا شخص آخر مثالي إلا أن الشخصين لا تغاير ~~بينهما بالحقيقة ، ولا انفصال بينهما بالذات ، إذ النفس المتعلقة بالبدنين ~~واحدة بالشخص ، وكذا تعلقها بهما تعلق واحد ، والبدن المثالي ظل وشبح ~~للعنصري ، وتعلق النفس به غير منفرد عن التعلق بالبدن العنصري أو بأجزائه ~~الأصلية ، بل في ضمنه وبتبعيته ، فأين الاختلاف بالحقيقة؟ # بل إنما هو بمجرد الاعتبار ، فإن أحد البدنين ظل وشبح ، والآخر ذو ظل وذو شبح. # فعلى هذا فالشخصان واحد بالحقيقة ، والشخص الإنساني في الظاهر إنسان لحمي ~~عظمي رباطي يتطرق إليه باعتبار بدنه فناء وزوال ، وفي الباطن إنسان مثالي ، ~~لا يتطرق إليه ذلك. وكأن هذا معنى قول بعض أساطين الحكمة : «إن في باطن كل ~~إنسان وفي أهابه حيوانا إنسانيا بجميع أعضائه وحواسه وقواه ، وهو موجود ~~الآن ، ولا يموت بموت البدن العنصري اللحمي». (1) # وبالجملة ، فكل من الشخصين عين الآخر باعتبار ، وإن كان غيره باعتبار آخر ~~، وكما أنه في حال بقاء الهيئة التركيبية البدنية ، وتعلق النفس بالبدن ~~العنصري بهيئته بالذات وبالمثالي بالعرض ، يجوز أن يغلب تعلقها بالبدن ~~المثالي وينفرد الشخص الإنساني المثالي بأفعال وخواص وإدراكات كما في ~~المنام بالنسبة إلى الكل وفي التيقظ أيضا بالنسبة إلى بعض النفوس الفاضلة ~~الكاملة ، حيث عرفت فيما حققناه لك في مبحث تحقيق عالم المثال ، أن ما يراه ~~الشخص الإنساني من الرؤيا في المنام إنما هو من جنس عالم المثال ، وليس من ~~مخترعات الخيال والمتخيلة ، وإن مدرك ذلك إنما هو النفس PageV03P186 # الإنسانية بتوسط آلاته وقواه المثالية لا بالذات ms804 من غير توسط آلة وقوة ، ~~حيث إن النفس لا تدرك الجزئيات المحسوسة المادية بذاتها من غير توسط القوى ~~والآلات. # وبالجملة ، أن المدرك لتلك الرؤيا التي هي أمور مثالية هو النفس بتوسط ~~القوى والآلات المثالية ، وفي ضمن البدن المثالي أي الشخص الإنساني ~~المثالي. ومع ذلك يحكم العقل حكما صريحا غير مشوب بريبة ، أن المدرك لذلك ~~هو بعينه الشخص الإنساني الذي هو عبارة عن النفس الإنسانية المتعلقة ببدن ~~عنصري لا شخص آخر غيره ، كما أنه في حال اليقظة أيضا إذا انفرد البدن ~~المثالي والشخص المثالي بأفعال وخواص ، يكون الحال كذلك ويعلم ذلك ~~بالمقايسة. كذلك يجوز أن يكون في حال خراب الهيئة التركيبية البدنية ، ~~وبقاء الأجزاء الأصلية من البدن ، وغلبة تعلق النفس بالبدن المثالي الذي هو ~~موجود بالعرض بوجود الأجزاء الأصلية وباق ببقائه كما في عالم البرزخ ينفرد ~~الشخص الإنساني المثالي ، أي النفس في ضمن البدن المثالي وبتوسط القوى ~~والآلات المثالية بإدراك واردات عليه من المدركات الجزئية الحسية الملذة أو ~~المؤلمة كما نطق به الشرع ، وأن يكون هذا الشخص بعينه هو الشخص الإنساني ~~الذي صدر عنه الخيرات أو الشرور في النشأة الدنيوية بلا مغايرة بينهما ذاتا ~~وحقيقة ، بل إنه يحكم به العقل أيضا كما في الصورة الأولى. وكأن الحكمة ~~المتعالية الإلهية اقتضت أن يكون الشخص الإنساني الذي قلنا إنه عبارة عن ~~النفس الإنسانية المتعلقة ببدن مخصوص عنصري ، يتبعه بدن مثالي موجود بوجوده ~~تعلقا واحدا ، وصدر عنه في النشأة الدنيوية التي هي دار التكليف خيرات أو ~~شرور مجزيا بأعماله وأفعاله إما مثابا أو معاقبا بعد قطع تعلق نفسه عن بدنه ~~العنصري بهيئته وخراب بدنه ذلك ، بأن يكون في النشأة البرزخية المتوسطة ~~مجزيا في الأكثر في ضمن البدن المثالي بالثواب أو العقاب الحسيين المثاليين ~~، مضافا إلى ما يكون لنفسه من السعادة والشقاوة العقليتين ، وكذا مضافا إلى ~~ما يكون لذلك الشخص من الثواب أو العقاب الحسيين في ضمن البدن العنصري أيضا ~~إذا لم يبطل تركيبه ، أو بطل أيضا وذلك كما في الضغطة والمساءلة ، حيث إنه ~~قد ms805 دل الشرع كما ذكرناه سابقا على أنه في الحالتين بعد تعلق النفس بإذن ~~الله تعالى بذلك البدن العنصري بهيئته مرة أخرى تعلقا PageV03P187 # ما بقدر زمان الضغطة والمساءلة بعد قطع تعلقها عنه ، سواء كان ذلك البدن ~~العنصري قد بقي بهيئته ولم يزل بعد هيئة التركيبية ، أو زالت وتفرقت أجزاؤه ~~ثم أعيدت بإذن الله تعالى بتلك الهيئة في ذلك. # وبالجملة ، يجوز أن يكون قد اقتضت الحكمة المتعالية المقدسة ، جزاء الشخص ~~الإنساني المثالي في عالم البرزخ بأنواع المثوبات أو العقوبات المثالية ~~البرزخية كما ورد به الشرع ، ثم إنه إذا حان بمشية الله تعالى وقت المعاد ~~ويوم نفخ الصور ، أي (1) أن يجزيه الله تعالى في ضمن بدنه العنصري ، يثيبه ~~أو يعاقبه بالثواب أو العقاب الحسيين الماديين الجسمانيين الأخرويين اللذين ~~لا يكونان للشخص الإنساني إلا في ضمن البدن العنصري الجسماني المادي ~~الأخروي ، يكون هناك المعاد على النهج الذي قررناه وأقمنا الدليل العقلي ~~عليه ، كما نطق به الشرع أيضا ، ويكون لذلك الشخص ثواب وعقاب حسيان ماديان ~~مضافا إلى الثواب والعقاب العقليين ، سواء قلنا بأنه مع عود البدن الأصلي ~~العنصري في النشأة الأخروية وعود تعلق النفس به بهيئته ، يكون معه البدن ~~المثالي أيضا ، حيث إنه ظل وشبح للبدن العنصري ، والظل لا ينفك عن ذي الظل ~~، ولا دليل أيضا على فنائه ، أو قلنا بأن البدن المثالي لا يكون هناك ، بل ~~ينعدم لأسباب لا نعلمها. # والحاصل ، أنه يجوز أن يكون قد اقتضت الحكمة الإلهية ما فصلنا ، وأن يكون ~~الشخص الإنساني في الحالات كلها وفي النشئات الثلاث بأجمعها أي النشأة ~~الدنيوية والبرزخية والأخروية واحدا بالحقيقة والذات نفسا وبدنا ، وإن كان ~~يعرض له في تلك النشئات أمور وحالات لا دخل لها في تشخصه ، ولا ينافي ~~تبدلها وتغيرها لتميزه وتخصصه الذاتيين ، وإن كان لها مدخل في تغايره ~~الاعتباري ، وكأنه يشير إلى هذه الجملة قوله تعالى : # ( @QUR@027 ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون* فإذا نفخ في الصور فلا أنساب ~~بينهم يومئذ ولا يتساءلون* فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون* ومن خفت ~~موازينه فأولئك الذين ms806 PageV03P188 # @QUR@011 خسروا أنفسهم في جهنم خالدون* تلفح وجوههم النار وهم فيها ~~كالحون ) (1). # وإذا عرفت ذلك وتحققته حق التحقق ، علمت أنه لا إشكال هنا ، لا لزوم نقض ~~بنيان ما أصلناه لإثبات المعاد الجسماني ، ولا لزوم محال آخر ، ولا أظنك في ~~مرية من ذلك إن كنت مستبصرا طالبا بطريق السداد ومنهج الرشاد ، وهذا الذي ~~ذكرناه في هذا المطلب بطوله ، إنما هو بيان إثبات أصل المعاد الجسماني ~~لوقوع الثواب أو العقاب الحسيين ، وإقامة الدليل العقلي عليه كما نطق به الشرع. # وأما بيان تفاصيل الثواب والعقاب الحسيين الجسمانيين أو المثاليين في ~~عالم الآخرة وفي عالم البرزخ ، وبيان وقوعهما على كيفيات مخصوصة ، وكذا ~~بيان تفاصيل الأمور الحسية الواقعة في النشأتين ، فموكول إلى الشرع الشريف ~~إذ ذاك مبين فيه مفصلا. # وليكن هذا آخر كلامنا في هذا المطلب الأسنى الذي نحن بصدده في هذا الباب ~~، بل هو غرضنا الأصلي من وضع هذا الكتاب ، وعلمت أنه اعترفت جماهير العلماء ~~بالعجز عن إقامة الدليل العقلي عليه ، معللين بأنه لا استقلال للعقل فيه. ~~وكذلك هذا البيان الذي ذكرناه وبيناه بهذا التفصيل ، ولا سيما في بيان ~~الأمر الثالث ، إنما هو بقدر فهمنا القاصر ، والمظنون أنه لم يسبقنا أحد ~~فيه ، وإن وافقنا كثير من العلماء في كثير مما ذكرناه في بيان الأمور ~~الأولة ، فإن أصبنا في ذلك فلنحمد الله عز وجل على توفيقنا له ، وإن أخطأنا ~~فيه فلنسأل الله تعالى العفو عن خطيئاتنا ، إنه ولي ذلك. ### ||| * دقيقة # وهاهنا دقيقة سبقت منا إشارة ما إليها وهي أن ما اعترف به جمهور العلماء ~~بالعجز عنه ، وبعدم استقلال العقل فيه ، إن كان مرادهم به العجز عن إقامة ~~الدليل العقلي على أصل المعاد الجسماني وأصل وقوع الثواب أو العقاب الحسيين ~~كما نطق به الشرع ، فقد عرفت أنه ليس كذلك ، وإن كان مرادهم به العجز عن ~~إقامة الدليل العقلي على وقوع الثواب PageV03P189 # والعقاب الحسيين الجسمانيين أو المثاليين على كيفيات مخصوصة نطق بها ~~الشرع ، فله وجه. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال ، وإليه المعاد والمآل. ### ||| * تذنيب في حشر غير الإنسان ms807 # قد ورد في الشرع آيات وأخبار في حشر غير الإنسان ؛ أما في شأن الجن ~~والشياطين فكقوله تعالى : ( @QUR@03 يوم نحشرهم جميعا ) (1) # ( @QUR@07 يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس ) (2) # وقوله تعالى : ( @QUR@07 ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس ) (3) الآية. # وقوله تعالى : ( @QUR@05 ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون ) (4). # وقوله تعالى : ( @QUR@09 فو ربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم ~~جثيا ) (5) # وأما في شأن بعض الحيوانات غير الإنسان # فكقوله تعالى : ( @QUR@03 وإذا الوحوش حشرت ) (6) # وأما في شأن كلها # كقوله تعالى : ( @QUR@022 وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه ~~إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون ) (7) # وقوله تعالى : ( @QUR@016 ومن آياته خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من ~~دابة وهو على جمعهم إذا يشاء قدير ) (8). PageV03P190 # وأما في شأن ما جعله المشركون شركاء لله تعالى ، ( @QUR@017 احشروا الذين ~~ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون* من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم* ~~وقفوهم إنهم مسؤلون ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@023 ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء ~~إياكم كانوا يعبدون* قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن ~~أكثرهم بهم مؤمنون ). (2) # وقوله تعالى : ( @QUR@020 إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها ~~واردون* لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها وكل فيها خالدون ) (3). # وأما في شأن جميع من في السموات ومن في الأرض ، حتى الملائكة # فكقوله تعالى : ( @QUR@046 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في ~~الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون* وأشرقت الأرض ~~بنور ربها ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا ~~يظلمون* ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ) (4). # وأما في شأن الخلق أجمع # فكقوله تعالى : ( @QUR@08 الله يبدؤا الخلق ثم يعيده ثم إليه ترجعون ) (5). # وقوله تعالى : ( @QUR@018 وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه ~~وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم ) (6) # وقوله تعالى : ( @QUR@013 أولم يروا كيف يبدئ الله الخلق ثم يعيده إن ذلك ~~على الله يسير ) (7). # وقوله تعالى : ( @QUR@013 قل سيروا ms808 في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم ~~الله ينشئ النشأة الآخرة PageV03P191 # @QUR@06 إن الله على كل شيء قدير ) (1) # وقوله تعالى : ( @QUR@09 كل شيء هالك إلا وجهه له الحكم وإليه ترجعون ) (2) # إلى غير ذلك من الآيات والأخبار ، فلنتكلم في ذلك. # فنقول : أما ما ورد في حشر الشياطين والجن ، لو حملناه على ظاهره كما ~~حمله عليه العلماء من أهل الإسلام ، فيمكن بيان حشرهم كما بيناه في حشر ~~الإنسان سواء بسواء ، إذ قلنا إن لهم أيضا نفوسا مجردة وأبدانا عنصرية ، ~~وإن كانت نارية كما هو ظاهر الشرع ، وإنهم أيضا إذا طرأ عليهم الموت تبقى ~~نفوسهم المجردة وكذا الأجزاء الأصلية من أبدانهم النارية ، وإنهم حين ~~المعاد يعود تعلق نفوسهم مرة أخرى بأبدانهم بعد جمع أجزائها وإعادة تأليفها ~~كهيئته الأولى كرة بعد أولى ، ويكون الحكمة في حشرهم إيصال جزاء أعمالهم ~~إليهم كما في الإنسان. # وأما ما ورد في حشر الحيوانات غير الانسان ، فهو كأنه مختلف فيه بين ~~العلماء ، حيث لا يظهر منهم إطباقهم عليه ، بل قد صرح بعضهم كصدر الأفاضل ~~في شواهد الربوبية «بأنه قد وقع الاختلاف في حشر نفوس الحيوانات في القيامة ~~، وبأن الروايات مختلفة في ذلك» (3). # وكذلك ما رأينا من كلام المفسرين في تفسير الآيات الواردة في ذلك يدل على ~~اختلافهم فيه ، وإن كان الأكثرون منهم قد حملوها على ظاهرها. # قال الشيخ الطبرسي رحمه الله في «الجوامع» في تفسير قوله تعالى : ( ~~@QUR@03 وإذا الوحوش حشرت ) (4)، هكذا : «واذا الوحوش جمعت حتى يقتص بعضها ~~من بعض ، ويوصل إليها ما استحقته من الأعواض على الآلام التي نالتها في ~~الدنيا. وعن ابن عباس حشرها موتها. PageV03P192 # وقال في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@05 وما من دابة في الأرض ) (1) الآية ~~، في قوله تعالى : ( @QUR@04 ثم إلى ربهم يحشرون ) (2): يعني الأمم كلها ~~فيعوضها وينتصف لبعضها من بعض ، وفيه دلالة على عظم قدرته ولطف تدبيره في ~~الخلائق المختلفة الأجناس ، وحفظه لما لها وعليها ، وأن المكلفين لم يختصوا ~~بذلك دون من سواهم. # وقال في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@016 ومن آياته خلق السماوات والأرض ~~وما بث فيهما من دابة وهو ms809 على جمعهم إذا يشاء قدير ) (3)، في قوله تعالى : ~~«وما بث فيهما من دابة» : وما بث ، يجوز أن يكون مجرورا ومرفوعا عطفا على ~~المضاف أو المضاف إليه ، وقال : فيهما أي والحال أن الدواب في الأرض لا في ~~السماء ، لأن الشيء يجوز أن ينسب إلى جميع المذكور وإن كان ملتبسا ببعضه ، ~~كقوله : ( @QUR@04 يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان ) (4) وإنما يخرج من الملح. ~~ويجوز أن يكون للملائكة مشي مع الطيران ، فيوصفون بالدبيب كما يوصف له ~~الإنسان ، ولا يبعد أن يكون في السموات من يمشي فيها كما يمشي الأناسي في ~~الأرض». هذا كلامه (5). # وهو لم يتعرض فيه لتفسير قوله تعالى ( @QUR@06 وهو على جمعهم إذا يشاء ~~قدير )؛ ويفهم منه أنه حمل الجمع على معناه الظاهر المتبادر ، أي الحشر ، ~~إلا أنه كما يفهم منه في تفسير قوله «فيهما» بالتفاسير الثلاثة قد أرجع ~~ضمير الجمع في قوله «جمعهم» ، إلى دواب الأرض وحدها على التفسير الأول ، ~~وإلى دواب الأرض والسماء جميعا على التفسيرين الأخيرين ، وأنه على كل تقدير ~~، فالجمع محمول على معنى الحشر. # ومثله كلام صاحب «الكشاف». قال في تفسير الآية الأولى هكذا : «حشرت ، ~~جمعت من كل ناحية» ، قال قتادة : يحشر كل شيء حتى الذباب للقصاص. وقيل إذا ~~قضي بينها ردت ترابا فلا يبقى منها إلا ما فيه سرور لبني آدم وإعجاب بصورته ~~كالطاوس PageV03P193 # ونحوه. وعن ابن عباس : حشرها موتها. يقال إذا أجحفت السنة بالناس ~~وأموالهم : حشرتهم السنة. وفي تفسير الآية الثانية هكذا ، ثم إلى ربهم ~~يحشرون يعني الأمم كلها من الدواب والطير ، فيعوضها وينصف بعضها ، كما روي ~~أنه يأخذ للجماء من القرناء. # ثم قال : فإن قلت : فما الغرض من ذلك؟ قلت : الدلالة على عظم قدرته ولطف ~~علمه وسعة سلطانه وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس ، المتكاثرة ~~الأصناف ، وهو حافظ لما لها وعليها ، مهيمن على أحوالها ، لا يشغله شأن عن ~~شأن ، وإن المكلفين ليسوا المخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان» ~~(1) وفي تفسير الآية الثالثة مثل ما نقلناه عن الشيخ الطبرسي رحمه الله فيه. # وقال البيضاوي فيما رأيناه من تفسيره ms810 ، في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@04 ~~ثم إلى ربهم يحشرون ) في الآية الثانية : «يعني الأمم كلها ، فينصف بعضها ~~عن بعض ، كما روي أنه يأخذ للجماء من القرناء. وعن ابن عباس : حشرها ~~موتها». (2) # وقال محيي السنة صاحب معالم التنزيل فيما رأيناه من تفسيره ، في تفسير ~~قوله تعالى : ( @QUR@04 ثم إلى ربهم يحشرون ): في هذه الآية أيضا هكذا : ~~قال ابن عباس والضحاك ، حشرها موتها. قال أبو هريرة : يحشر الله الخلق كلهم ~~يوم القيامة ، البهائم والدواب والطير وكل شيء ، فيأخذ للجماء من القرناء ، ~~ثم يقول كوني ترابا ، فحينئذ يتمنى الكافر ويقول الكافر : يا ليتني كنت ~~ترابا. ثم روى عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم ، قال : ~~لتؤدون الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى للشاة الجلحاء أي الجماء من ~~القرناء ، انتهى». # وقد ذكر صدر الأفاضل في «شواهد الربوبية» كلاما يفهم منه تفسير قوله ~~تعالى : ( @QUR@03 وإذا الوحوش حشرت ) بأن المعنى حشر بعض النفوس الناقصة ~~الإنسانية على صور الوحوش التي غلبت صفات تلك الوحوش على تلك النفوس ، بأن ~~يحشروا على تلك الصور ، أو حشر تلك النفوس في الآخرة بحيث تكون قرناءهم في ~~الآخرة تلك الصور الوحوشية ، حيث قال : إن حشر كل أحد إلى غاية سعيه وعمله ~~وما يحبه ، حتى أنه لو أحب PageV03P194 # أحدكم حجرا لحشر معه ، فإن تكرر الأفاعيل يوجب حدوث الملكات ، فلكل ملكة ~~تغلب على الإنسان في الدنيا متصور في الآخرة بصورة تناسبها ، ( @QUR@05 قل ~~كل يعمل على شاكلته ). (1) ولا شك أن أفاعيل الأشقياء المدبرين إنما هي ~~بحسب هممهم القاصرة النازلة في مراتب البرازخ الحيوانية ، وتصوراتهم مقصورة ~~على أغراض بهيمية أو سبعية تغلب على نفوسهم ، فلا جرم يحشرون على صور تلك ~~الحيوانات في القيامة ، كقوله : ( @QUR@03 وإذا الوحوش حشرت ) (2). وفي ~~الحديث : يحشر بعض الناس على صورة تحس (تحسن) عندها القردة والخنازير». ~~انتهى (3) # ويوافقه في التفسير بالمعنى الأول كلام المحقق الطوسي رحمه الله في رسالة ~~منسوبة إليه. # وحيث عرفت ذلك ، فنقول : لو حمل تلك الآيات الواردة في ذلك على أن المراد ~~بحشر تلك الحيوانات موتها كما هو المنقول ms811 عن ابن عباس والضحاك أو على ما ~~يفهم من كلام صدر الأفاضل. # وبالجملة ، لو حملت على غير معناها الظاهر ، فهو كلام آخر ، وإن حملت على ~~ظاهرها كما حملها عليه الأكثرون ، فحينئذ إن كانت الحكمة في حشرها وبعثها ~~أمرا لا نعلمه أصلا ، أو حكمة ومصلحة عائدة إلى بني آدم كلهم أو بعضهم ، من ~~نوع سرور وإعجاب أو اعتبار أو نحو ذلك ، فهذا أيضا كلام آخر. # وإن كانت الحكمة في ذلك هي المجازاة كما ذكره المفسرون ، فهذا لا يخلو عن ~~إشكال بحسب فهمنا القاصر ، إذ المجازاة كما دل عليه العقل والنقل إنما تكون ~~لمن كان مكلفا بالتكاليف ، وتلك الحيوانات ليس فيها ما هو مناط التكليف ، ~~وإلا لوقع عليهم تكليف في النشأة الدنيوية ، وليس كذلك. اللهم إلا أن يلتزم ~~أنها وإن كان ليس فيها ما هو مناط التكليف بكل التكاليف الشرعية والعقلية ، ~~لكن فيها ما هو مناط بعض التكاليف ، مثل التكليف بعدم إيصال الأذى إلى ~~غيرها من الإنسان والحيوانات ، بأن تكون لها نفس PageV03P195 # مجردة أيضا نوع تجرد مدركة لذلك ، وإن كان تجردها أدون من تجرد النفس ~~الإنسانية بمراتب كثيرة كما عرفت فيما سبق أن بعضا من الدلائل التي أقامها ~~القوم على التجرد مشترك بين الإنسان وسائر الحيوانات ، وأنه يظهر من بعضهم ~~القول باختلاف مراتب التجرد ، وأن أدناها موجود لتلك النفوس الحيوانية ، أو ~~بأن لا تكون لها نفس مجردة أصلا ، لكن كانت الروح الحيوانية التي تكون لكل ~~حيوان مدركة لذلك. وعلى التقديرين فإذا عصت تلك الحيوانات وآذت غيرها في ~~النشأة الدنيوية ، اقتضت الحكمة الإلهية أن تقع عليها مجازاة في النشأة ~~الأخروية ، فيؤخذ مثلا للجماء من القرناء. # وكيفما كان ، فإن قلنا بأن لها نفسا مجردة باقية بعد خراب أبدانها ، وكذا ~~لأبدانها أجزاء أصلية باقية ، فالكلام في معادها وحشرها كالكلام في معاد ~~الإنسان وحشره سواء بسواء. وكذلك لو لم نقل بكون النفس المجردة الباقية لها ~~، وقلنا بكون الروح الحيوانية لها التي قلنا إنها جسم لطيف رقيق يبقى بعد ~~خراب البدن مع البدن مع بقاء الأجزاء الأصلية ms812 من أبدانها ، فالأمر ظاهر ~~أيضا ، إذ لا امتناع في أن يعود تعلق تلك الروح الحيوانية مرة أخرى بذلك ~~البدن بعد جمع أجزائه على مثل هيئته الأولى ، ويعود ذلك الشخص الحيواني كما ~~كان ، ويكون عين الأول كما قلنا في الإنسان. # وعلى التقديرين ، فإن قلنا ببقاء تلك الحيوانات بعد عودها في دار الآخرة ~~، كما هو ظاهر إطلاق كلام بعض المفسرين فلا كلام. وإن قلنا بفنائها كلها ~~بعد ذلك كما هو ظاهر ما نقله محيي السنة عن أبي هريرة ، فلا إشكال ، إذ لا ~~امتناع في أن ينقطع بمشية الله تعالى تعلق نفوسها المجردة نوع تجرد أو ~~أرواحها الحيوانية عن أبدانها مرة أخرى وتتلاشى أبدانها وتصير ترابا فتفنى ~~بذلك تلك الأشخاص الحيوانية. وكذا لا امتناع في أن يكون الوجه في فنائها ~~بعد ذلك انتفاء الحكمة في عودها. # والحاصل أنه لما كانت الحكمة في عودها وقوع المجازاة عليها من جهة إيذاء ~~بعضها لبعض مثلا ، وهي تكون في زمان ما ، فإذا وقعت المجازاة ، والحال أنه ~~ليس لتلك الحيوانات أفعال حسنة أو سيئة تبقى هي بعد ذلك لأجل وقوع المجازاة ~~عليها من هذه الجهة ، ووقوع الثواب أو العقاب بسبب ذلك ، وقلنا إنه ليس هنا ~~مصلحة أخرى لبقائها ، PageV03P196 # كانت الحكمة المتعالية مقتضية لفنائها لعدم حكمة في بقائها ، وبذلك يمكن ~~تأويل ما هو المنقول عن ابن عباس والضحاك من أن حشرها موتها ، إذا حمل ~~الحشر على معناه الظاهر أيضا ، أي أن حشرها يكون فى زمان ما يكون المجازاة ~~فيه ثم تنعدم هى وتموت بلا فصل ، كان زمان حشرها هو زمان موتها. وإن قلنا ~~بفناء بعضها وبقاء بعض آخر مما فيه سرور أو إعجاب لبني آدم ، كما نقله صاحب ~~الكشاف عن بعضهم ، فلا إشكال أيضا ، إذ حينئذ يكون السبب في البقاء والفناء ~~والوجه فيهما كما ذكرنا ، حيث إن بقاء تعلق نفوس بعضها أو أرواحها ~~الحيوانية بأبدانها ، وكذا انقطاع تعلق بعضها عنها أمر ممكن ، وكذلك اقتضاء ~~الحكمة المتعالية لبقاء ما فيه بعد ذلك حكمة لبني آدم من سرور وإعجاب ، ~~ولفناء ما ms813 لا حكمة فيه بعد ذلك أمر ظاهر. والله أعلم بالصواب ، وإليه ~~المرجع والمآب. # وأما ما ورد في حشر شركاء الله تعالى ، فهو إذا حملناه على ظاهره كما ~~حمله عليه العلماء والمفسرون وأريد بالشركاء الجن والشياطين ، فالكلام في ~~حشرهم كما تقدم. وإن أريد بذلك الأصنام التي كانوا يعبدونها ، فمعنى حشرها ~~والله أعلم إعادة الصور التركيبية مرة أخرى إليها ، أي إلى موادها ~~الجسمانية ، ولا سيما أجزائها الأصلية إذا تفرقت ، أي جمع أجزائها المادية ~~، ثم إعادة صورة تركيبية إليها مثل الأولى ، فإنه حينئذ يكون تلك الأجسام ~~عين الأولى بحسب المادة وإن كانت غيرها بحسب الصورة ، ولا امتناع فيه ، كما ~~لا امتناع في إنطاقها ، حتى تجيب عما سئلت هي عنه ، وهو من جملة المصالح في ~~حشرها ، حيث إن فيه إلزاما على الذين يعبدونها. # وبالجملة ، فإن ذلك أمر ممكن في ذاته ، ونسبة القادر المطلق إلى كل ممكن ~~كذلك على السواء. # وأما ما ورد في شأن الملائكة ، فهو أيضا إذا حملناه على ظاهره ، كما حمله ~~عليه العلماء ، وقلنا بطروء الموت عليهم ، فوجه ذلك فيهم أيضا ظاهر ، إذا ~~قلنا بأن لهم نفوسا مجردة شريفة وأبدانا هي أجسام لطيفة نورانية ، كما هو ~~ظاهر الشرع ، حيث إنه كما أن حياتهم يكون بتعلق تلك النفوس والأرواح ~~المقدسة بتلك الأبدان النورانية تعلق التدبير والتصرف ، كذلك يكون موتهم ~~عبارة عن قطع تعلقها عنها ، سواء قلنا بفناء تلك الأبدان PageV03P197 # حينئذ أي بتفرق أجزائها وتشتتها أم قلنا ببقائها على حالها كما كانت من ~~غير تغير فيها مادة وصورة ، وكما أنه لا امتناع في ذلك ، كذلك لا امتناع في ~~حشرهم أي إعادتهم مرة أخرى بإعادة تعلق تلك النفوس الشريفة بتلك الأبدان ~~النورانية كرة بعد أولى ، وأن يكون في حشرهم حكم ومصالح لا يعلمها إلا ~~خالقهم ومدبرهم تعالى شأنه. # ومن جملتها كما دل عليه الأخبار حكمة ومصلحة عائدة إلى الإنسان ، بل إلى ~~عباد الله المكرمين أجمعين ، كما كان في خلقهم أولا تلك الحكمة والمصلحة ~~العائدة إليهم. # ولا بعد أيضا في أن يكون في إعادتهم حصول زيادة ms814 بهجة وسعادة عقليتين لهم ~~كما كانتا في النشأة الدنيوية وكانوا مستغرقين فيهما. # ومما ذكرنا يظهر الوجه في حشر الخلق أجمعين. والله تعالى أعلم بحقيقة ~~الحال ، وإليه المرجع والمآل. # وإذ قد فرغنا بعون الله تعالى وحسن تأييده عن ذكر ما رمنا ذكره في مقدمة ~~الرسالة وأبوابها الخمسة ، فلنشرع في بيان ما نروم بيانه في خاتمتها ، ~~فنقول : PageV03P198 ### ||| * الخاتمة ### ||| * ففيها مطالب PageV03P199 ### ||| * المطلب الأول ### ||| * في الإشارة إلى دفع شبهات المنكرين للمعاد الجسماني # اعلم أن لهم شبها دعتهم إلى إنكاره. # منها أنه يلزم منه إعادة المعدوم ، وهي ممتنعة. # وهذه الشبهة قد مرت الإشارة إليها في المقدمة وإلى جوابها فيها ، وكذا في ~~هذا الباب الخامس ، إذ قد عرفت أن ليس في المعاد الجسماني على ما قررناه ~~إعادة معدوم بعينه من جهة ما هو معدوم بعينه حتى تكون ممتنعة ، ولا يحتاج ~~في الجواب عنها إلى تجويز إعادة المعدوم كما جوزها المتكلمون ، حتى يكون ~~مخالفا لما اقتضاه العقل. # ومنها أنه يلزم منه مفسدة التناسخ. # وهذه الشبهة أيضا قد مرت الإشارة إليها فيما تقدم ، وخصوصا في هذا الباب ~~الخامس مع الجواب عنها ، إذ قد عرفت أنه ليس يلزم منه على الوجه الذي ~~قررناه مفسدة التناسخ المحال ، فتذكر. # ومنها أن الإعادة لا لغرض عبث لا يليق بالحكيم ، والغرض إن كان عائدا ~~إليه كان نقصا له ، فيجب تنزيهه عنه ، وإن كان عائدا إلى العبد ، فهو إن ~~كان إيلامه فهو غير لائق بالحكيم الجواد ، وإن كان إيصال لذة ، فاللذات ~~سيما الحسيات إنما هي دفع آلام ، كما بينه الحكماء والأطباء في كتبهم ، ~~فيلزم أن يؤلمه أولا حتى يوصل إليه لذة حسية ، فهل يليق هذا بالحكيم؟ مثل ~~من يقطع عضو أحد ، ثم يضع عليه المراهم ليلتذ به. # وهذا الشبهة أيضا قد مرت الإشارة إليها في الباب الرابع مع الجواب عنها ~~مفصلا ، فتذكر. PageV03P201 # ومنها أنه إذا صار مثلا إنسان معين غذاء بتمامه لإنسان آخر ، والمحشور لا ~~يكون إلا واحد منهما. ثم إن كان الآكل كافرا والمأكول مؤمنا ، يلزم إما ~~تعذيب المطيع وتنعيم العاصي وهو ظلم ms815 ، أو كون الآكل معذبا والمأكول منعما ~~مع كونهما جسما واحدا ، وهذا ممتنع. # وهذا الشبهة أيضا قد مرت الإشارة إليها في الباب الخامس مع الجواب عنها ، ~~إذ قد عرفت أن المعاد من البدن هو الأجزاء الأصلية منه دون الأجزاء الفضلية ~~، ولا امتناع في أن تعود الأجزاء الأصلية من بدن المأكول التي لا نسلم جواز ~~كونها غذاء لبدن الآكل منفردة ، كالأجزاء الأصلية من بدن الآكل ، فيعذب ~~الكافر وينعم المؤمن كما هو مقتضى الحكمة المتعالية المقدسة. # ومنها أن جرم الأرض مقدار ممسوح بالفراسخ والأميال ، وعدد النفوس غير ~~متناه ، فلا معنى لحصول الأبدان الغير المتناهية جميعا فيها. # والجواب عن هذه الشبهة أنها مجرد استبعاد ، ورفعه بأن مادة الأرض ~~وهيولاها يمكن لها قبول مقادير مختلفة ، كما يمكن لها قبول مقادير ~~وانقسامات غير متناهية ، ولو متعاقبة ، وكما أن زمان الآخرة ليس من جنس ~~أزمنة الدنيا ، كما قال تعالى : ( @QUR@08 وإن يوما عند ربك كألف سنة مما ~~تعدون ) (1)، وقال : ( @QUR@07 في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة ) (2) ~~كذلك مكان الآخرة ليس من جنس أمكنة الدنيا ، وليست هذه الأرض محشورة على ~~هذه الصفة ، وإنما المحشورة منها صورة تسع الكل من الخلائق من الأولين ~~والآخرين. فاتل قوله تعالى : # ( @QUR@010 يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار ~~) (3)، # وقوله : ( @QUR@07 وإذا الأرض مدت* وألقت ما فيها وتخلت ) (4)، PageV03P202 # وقوله : ( @QUR@011 ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم ~~نغادر منهم أحدا ) (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@016 ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا* ~~فيذرها قاعا صفصفا* لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ) (2)، # وقوله : ( @QUR@09 قل إن الأولين والآخرين* لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم ~~) (3). # وبالجملة ، فلا امتناع في أن تبدل هذه الأرض غيرها ، فتمد مد الأديم ، ~~وتبسط فلا ترى فيها عوجا ولا أمتا كما يدل عليه كلام المفسرين ، وسيأتي ~~بيانه ، ثم تجمع فيها جميع الخلائق من أول الدنيا إلى آخرها ، كما أنها ~~اليوم مبسوطة على قدر يسع الخلائق كلها. # ومنها ، أنه يلزم تولد البدن الإنساني عند البعث من غير توالد ، وهو ممتنع. # والجواب عنها ، أنها مجرد استبعاد أيضا ، فإن ms816 التولد من غير توالد ممكن ، ~~كما في آدم على نبينا و عليه السلام . # ومنها ، أن المعلوم من الكتاب والسنة أن الجنة والنار موجودتان الآن ~~بالفعل ، وإن كان أهل الحجاب لغفلتهم عن أمور الآخرة يتعجبون عن ذلك. # وأنهما لو كانتا موجودتين ، فأين مكانهما من العالم؟ وفي أي جهة تكونان؟ # أهما في فوق محدد الجهات؟ فيلزم أن يكون في اللامكان مكان ، وفي اللاجهة جهة. # أو في داخل طبقات هذه الأجرام الفلكية ، فيلزم التداخل المستحيل ، أو ~~الانخراق المستحيل. # أو في مكانها ، فيلزم انعدام الأفلاك حتى تكونا في مكانها ، وهو خلاف ما ~~نشاهده. # أو فيما بين سماء وسماء ، وهو مستحيل ، لكون السماوات عندهم متصلة بعضها ~~ببعض ليست بينها فرجة ، لا خلاء ولا ملاء. # ومع استحالة هذين الاحتمالين ، فهما ينافيان قوله تعالى : PageV03P203 # ( @QUR@05 وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ) (1)، حيث إن المفسرين قالوا ~~في تفسيره : إن المعنى : وجنة عرضها كعرض السموات السبع والأرضين السبع ، ~~وذكر العرض دون الطول ، لأن كل ما له عرض وطول ، فإن عرضه في الأكثر أقل من ~~طوله ، فإذا كان العرض مثلا السموات والأرض ، فطولها لا يعلمه إلا الله ~~تعالى ، فإذا كان مقدار الجنة ذلك المقدار ، فلا يمكن أن يكون مكانها داخل ~~طبقات السموات ولا في ما بينها. # وما روي عن بعض المفسرين كالحسن ، من أن الله تعالى يفني الجنة ثم يعيدها ~~على ما وصفه ، فلذلك صح وصفها بأن عرضها كعرض السماء والأرض مبني على طروء ~~فناء على الجنة ، وهو مخالف للإجماع ، وكذا للنقل والعقل كما سبق بيانه في ~~مقدمة الرسالة. # كما أن القول بأنه يمكن أن يوجد الله تعالى عند قيام الساعة الجنة ~~ويجعلها بذلك المقدار ، وفي مكان السموات والأرض بعد فنائهما ، أي بعد طي ~~السموات وتسيير الجبال ودك الأرض وزلزالها (2)، مبني على أن لا يكون الجنة ~~والنار موجودتين الآن وتكونان مخلوقتين في القيامة ، وهذا أيضا مخالف ~~للمذهب الحق الذي ذهب إليه جمهور المسلمين ، إلا جمعا من المعتزلة ، ودل ~~عليه الكتاب والسنة. # وبالجملة ، فإذا كانتا موجودتين الآن ، وكان عرض الجنة ما ذكر من ms817 المقدار ~~، أي كعرض السموات السبع والأرضين السبع ، فلا يمكن أن يكون مكان الجنة ~~وحدها داخل طبقات السموات ، ولا فيما بين سماء وسماء ، مع أن النار أيضا ~~تستدعي مكانا آخر ، والمفروض حينئذ عدمه. # وبهذا يندفع ما يمكن أن يقال : إن اتصال السموات بعضها ببعض وإن قال به ~~الحكماء ، لكن لا دليل قطعيا عليه ، فيمكن أن يكون بينها فرج وأفضية ، ~~وتكون الجنة والنار فيها. وبيان الاندفاع ظاهر. # وكذلك يظهر بهذا البيان أنه لا يمكن أن يكون مكان الجنة والنار داخل طبقات PageV03P204 # العناصر ولا فيما بينها. # فإن قلت : إن هذه الشبهة ليس لها مدخل في إنكار المعاد الجسماني ، فإنه ~~لو لم تكن الجنة والنار موجودتين أيضا الآن ، لم يكن ذلك منافيا لوقوع ~~المعاد الجسماني على ما قررناه ، بل هذه شبهة على حيالها واردة على وجود ~~الجنة والنار الآن على المقدار المخصوص ، وهل هذا إلا كسائر الشبهات التي ~~أوردها عليه القائل بعدم وجودهما الآن ككثير من المعتزلة؟ مثل ما قالوه من ~~أنهما لو كانتا موجودتين الآن ، لكان وجودهما قبل يوم الجزاء عبثا ، وهو لا ~~يليق بالحكيم تعالى شأنه. # والجواب عنه : أنه يجوز أن يكون الفائدة فيه في النشأة الدنيوية ترغيب ~~المكلفين بالطاعات ، وتزهيدهم عن المعاصي أتم ترغيب وتزهيد كما بيناه في ~~آخر الباب الرابع. # وفي عالم البرزخ سرور أهل الجنة بملاحظتها واغتمام أهل النار بمشاهدتها. ~~على أن الفائدة لا يلزم أن تكون معلومة لنا ، إذ يجوز أن يكون في خلقها قبل ~~يوم الجزاء مصلحة وحكمة عظيمة ، وإن لم نكن نعلمها ، حيث إن الشرع نطق ~~بوجودهما الآن ، ونحن نعلم أن فاعلها الحكيم تعالى شأنه لا يفعل العبث. # ومثل ما قالوه إن الجنة والنار لو كانتا موجودتين الآن ، والحال أن ~~الإجماع واقع على بقائهما وعدم طروء الفناء عليهما ، كان ذلك مخالفا لما دل ~~على طروء الفناء على كل المخلوقات ، مثل قوله تعالى : ( @QUR@05 كل شيء ~~هالك إلا وجهه ) (1). وحيث كان ذلك مخالفا له ، فيجب أن لا تكونا موجودتين ~~الآن حتى لا يلزم طروء فناء عليهما. # والجواب عنه ms818 ، ما مر في مقدمة الرسالة في تفسير هذه الآية الشريفة. # وحاصله أنه يمكن أن يكون معنى هلاك كل شيء على تقدير إرادة العموم ضعف ~~وجود الماهيات الممكنة وليسيتها بالنظر إلى ذواتها ، وعلى تقدير أن يكون ~~المراد بهلاكها طروء العدم عليها بالفعل في الواقع ، فيمكن أن يكون الآية ~~مخصصة بما عدا الجنة والنار ، بل بما عدا المستثنيات التي دل الدليل على ~~بقائها ، كما مر بيانه في ذلك الموضع من PageV03P205 # المقدمة. # والحاصل أن إيراد هذه الشبهة على المعاد الجسماني لا وقع له ، فبم ~~أوردوها عليه؟ # قلت : الحال كذلك ، إلا أن من أوردها عليه كأنه نظر إلى أن المعاد ~~الجسماني بظاهره لو كان حقا ، لكان حقا كما نطق به الشرع ، وقد نطق أيضا ~~بوجود الجنة والنار الآن ، وأنهما تكونان جزاء للمكلفين في القيامة ، وحيث ~~كان وجودهما الآن مما يأباه العقل كما ذكر ، وكان يجب تأويله ، كذلك يجب ~~تأويل ما دل على المعاد الجسماني بالحمل على خلاف ظاهره. وبهذا يمكن أن ~~يرجع ما ذكر من الشبهتين المذكورتين على وجود الجنة والنار إلى الشبهة على ~~المعاد الجسماني أيضا ، فتدبر. # وهذا الذي ذكرناه إنما هو تقرير الشبهة التي أوردها المنكر للمعاد ~~الجسماني عليه. # وأما الجواب عنها ، فبأن يقال : لا امتناع في أن يكون مكان الجنة محدب ~~الفلك الثامن الذي يسمى عند الحكماء بفلك البروج ، وفي لسان الشرع بالكرسي ~~، ومقعر الفلك التاسع الذي يسمى عند الحكماء بالفلك الأطلس ومحدد الجهات ، ~~وفي لسان الشرع بالعرش الأعظم ، أي فيما بين الفلكين كما قيل : إن أرض ~~الجنة الكرسي ، وسقفها عرش الرحمن. # ويمكن حمل قوله تعالى : ( @QUR@012 ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة ~~المنتهى * عندها جنة المأوى ) (1)، عليه أيضا ، كما قال بعض المفسرين ~~كالشيخ الطبرسي رحمه الله في تفسيره : «إن سدرة المنتهى هي شجرة نبق عن يمين ~~العرش فوق السماء السابعة ، ثمرها كقلال هجر ، وورقها كآذان الفيول ، يسير ~~الراكب في ظلها سبعين عاما ، والمنتهى موضع الانتهاء لم يجاوزها أحد ، ~~وإليها ينتهي علم الملائكة وغيرهم ، ولا يعلم أحد ما وراءها. وقيل : ينتهي ~~إليها ms819 أرواح الشهداء. وقيل : هي شجرة طوبى كأنها في منتهى الجنة ، عندها ~~جنة المأوى ، وهي جنة الخلد يصير إليها المتقون. وقيل : يأوي إليها أرواح ~~الشهداء» (2)، انتهى. # ووجه الحمل ظاهر ، إذا حمل قوله : «عن يمين العرش» على يمين مقعر العرش ، PageV03P206 # وقوله : «فوق السماء السابعة» على السماء الثامنة وتحت العرش كما هو ~~الظاهر ، وأنه إذا كانت جنة المأوى عند سدرة المنتهى التي مكانها ذلك ، ~~يكون مكان جنة المأوى أيضا ذلك. # وأما احتمال أن يكون المراد ب «فوق السماء السابعة» محدبها فبعيد غاية ~~البعد ، لأنه يلزم حينئذ إما أن لا يكون بين السابعة والعرش فلك ثامن ، أي ~~الكرسي ، وهو خلاف ما قال به أهل الشرع والحكماء ، وإما أن يكون سدرة ~~المنتهى في داخل ثخن الثامنة ، متداخلة لها إن قيل بالثامنة ، وهو خلاف ~~الظاهر جدا ، إن لم نقل بامتناع تداخل السدرة في الثامنة ، ولو قلنا به ~~لكان الأمر أظهر. # وبالجملة ، فلا امتناع في أن يكون مكان الجنة بحيث يكون أرضها محدب الفلك ~~الثامن ، أي الكرسي ، وسقفها مقعر الفلك التاسع ، الذي هو العرش بلسان ~~الشرع ، ويؤيده كونه مناسبا لمعناه اللغوي أيضا. وأن يكون بينهما فضاء يسع ~~الجنة بما فيها ، ويكون عرض ذلك الفضاء كعرض السماء والأرض ، أي كعرض ~~السماوات السبع والأرضين السبع كما قاله المفسرون في تفسير قوله تعالى : ( ~~@QUR@05 وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ). وكان وجه ذلك التفسير أن لفظ ~~السماء في الآية ، وإن وقع محلى بلام الجنس ومفاده العموم ، إلا أن الشائع ~~في لسان الشرع إطلاق السماء على السماوات السبع التي هي تحت الفلك الثامن ، ~~كما ورد من إطلاق السموات السبع. وأما إطلاق السماء على الفلك الثامن ~~والتاسع ، فهو وإن كان يمكن بحسب اللغة أو بحسب العرف ، كما ورد في لسان ~~الحكماء ، إلا أنه في الشرع لم يطلق عليها اسم السماء بل اسم الكرسي والعرش ~~، وإن كان ورد فيه للعرش والكرسي معنى آخر أيضا. وحيث كان كذلك فإذا أطلق ~~السماء يكون المراد منه ما سوى الفلك الثامن والتاسع من الأفلاك السبعة. # والحاصل ، أنه لا امتناع ms820 في أن يكون مكان الجنة ذلك الفضاء الكائن بين ~~الثامن والتاسع ، وأن يكون عرض ذلك الفضاء ، أي عرض الجنة الواقعة فيه كعرض ~~السموات السبع والأرضين السبع ، وما ادعاه الحكماء من لزوم اتصال الأفلاك ~~بعضها ببعض بحيث لا يكون بينها فرجة وفضاء ، ولا في ذلك الفضاء شيء آخر غير ~~مسلم ، إذ لا دليل قطعيا PageV03P207 # عليه ، بل إن الروايات الدالة على وجود الحجب في السموات تدل على عدم ~~اتصال الأفلاك بعضها ببعض وكون الحجب بينها ، إنما المسلم امتناع فرجة ~~وفضاء بين السموات يكونان خلاء حيث إن الخلاء ممتنع ، وكذا امتناع فضاء ~~يكون فيه جسم يكون كونه فيه خلاف مقتضى طبعه مع بقائه على طبعه كالعنصريات ~~التي أحيازها الطبيعية ما تحت فلك القمر. # ولا نسلم أن كون الجنة بما فيها هناك خلاف مقتضى طباعها الذاتي ، بل جاز ~~أن يكون ذلك مقتضى طباعها ، حيث إن الجنة الجسمانية بما فيها وإن كانت ~~مادية من جنس الأجسام ، إلا أنها من جنس الأجسام الأخروية ، وقد عرفت غير ~~مرة أن الأجسام الأخروية مخالفة في كثير من الصفات واللوازم للأجسام ~~الدنيوية ، عنصرياتها وفلكياتها ، كأنها مخالفة بالحقيقة لها ، وإلا أن لها ~~نوع مشابهة للأجسام الفلكية في اللطافة والصفاء ونحو ذلك ، وإن كانت هي ~~أشرف وأعلى منها في ذلك بكثير ، فجاز أن تكون أحياز تكون الأجسام الأخروية ~~أحيازا للأجرام الفلكية ، أي ذلك الفضاء الذي فرضناه من غير لزوم محال ، ~~كما جاز أن يكون في أحيازها حجاب أو فلك أو فلكي غير الأفلاك التسعة ، وإن ~~لم نكن نعلمه. # وما يتوهم من أنه على تقدير كون الجنة بما فيها كالأشجار والأنهار ~~والقصور ونحو ذلك في محدب الفلك الثامن يلزم خرق ذلك المحدب ، والحال أن ~~الخرق ممتنع على الأفلاك. # فهو مندفع ، إذ يمكن كون الجنة بما فيها فيه بحيث لا يستلزم خرقا. وعلى ~~تقدير تسليمه أيضا نقول : إن الدليل الذي ذكره الحكماء على امتناع الخرق ~~والالتيام على الأفلاك ، فهو على تقدير تماميته إنما يتم في محدد الجهات ~~الذي هو الفلك التاسع بزعمهم ، لا في ms821 سائر الأفلاك ، أي الأفلاك الثمانية ~~الباقية ، بل إنما هو فيها مجرد استحسان ، فجاز أن يطرأ الخرق على الفلك ~~الثامن من غير لزوم محال. # ومن هذا البيان يظهر أنه يجوز أن يكون مكان الجنة بما فيها بين الحجب ~~التي في السماوات أيضا ، أي بين الحجب التي هي فوق السماء السابعة وتحت العرش. PageV03P208 # وحيث عرفت ذلك ، فنقول : وكذلك يمكن أن يكون مكان النار في فضاء يكون بين ~~سماء وسماء من جملة السموات السبع التي تحت السماء الثامنة ، أو بين الحجب ~~التي فيها ، إذ لا امتناع في أن يكون بينها فضاء يكون ذلك مكان النار ، ~~وكذا لا امتناع في أن يكون كونها فيها مقتضى طباعها ، حيث إن النار ~~الجسمانية وإن كانت مادية جسمانية ، إلا أنها من جنس أجسام الآخرة التي هي ~~كأنها مخالفة بالحقيقة للأجسام الدنيوية وللنار التي في عالم العناصر ، ~~وكأنها للطافتها ومشابهتها للأجرام الفلكية في بعض الصفات والأحوال قريبة ~~منها ، فجاز أن يكون مكانها في ذلك الفضاء من غير لزوم محال. بل جاز أن ~~يكون مكانها تحت مقعر فلك القمر ، أي بينه وبين محدب كرة الأثير ، إذ لا ~~مانع من ذلك أيضا. # ولا ينافي ما جوزناه من مكان الجنة والنار ما ذكره الشيخ الطبرسي ~~رحمه الله ، في «مجمع البيان» في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@06 يوم تبدل ~~الأرض غير الأرض والسماوات ) (1). حيث قال : «قيل فيه قولان : # أحدهما ، أن المعنى تبدل صورة الأرض وهيئتها ، عن ابن عباس ، فقد روى عنه ~~أنه قال : تبدل آكامها وآجامها وجبالها وأشجارها والأرض على حالتها ، وتبقى ~~أرضا بيضاء كالفضة ، لم يسفك عليها دم ، ولم يعمل عليها خطيئة ، ويبدل ~~السموات ، فيذهب شمسها وقمرها ونجومها ، وكان ينشد : # فما الناس بالناس الذين عهدتهم %~% ولا الدار بالدار التي كنت أعرف # ويعضده ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآلهوسلم ، أنه قال : يبدل ~~الله الأرض غير الأرض والسموات ، فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي لا ترى ~~فيها عوجا ولا أمتا ، ثم يزجر الله الخلق زجرة ، فإذا هم في هذه المبدلة في ~~مثل مواضعهم ms822 من الأولى ، ما كان في بطنها كان في بطنها ، وما كان على ظهرها ~~كان على ظهرها. # والآخر أن المعنى يبدل الأرض وينشأ أرض غيرها والسموات كذلك تبدل بغيرها PageV03P209 # وتفنى هذه. هذه عن الجبائي وجماعة من المفسرين. # وفي تفسير أهل البيت عليه السلام ، بالإسناد عن زرارة ومحمد بن مسلم ~~وحمران بن أعين ، عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام ، قالا : يبدل الله ~~الأرض خبزة نقية يأكل الناس منها حتى يفرغ من الحساب ، قال الله تعالى : ( ~~@QUR@06 وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام ) (1) وهو قول سعيد بن جبير ~~ومحمد بن كعب. # وروى سهل بن سعد الساعدي عن النبي صلى الله عليه وآلهوسلم ، قال : يحشر ~~الناس يوم القيامة على أرض بيضاء غفراء كقرصة النقي ليس فيها معلم لأحد. # وروي عن ابن مسعود ، أنه قال : يبدل الأرض كلها نارا يوم القيامة والجنة ~~، ومن ورائها يرى كواعبها وأكوابها ، ويلجم الناس العرق ، ولم يبلغوا ~~الحساب بعد. # وقال كعب : تصير السماوات جنانا ، وتصير مكان البحر النار ، ويبدل الأرض غيرها. # وروي عن أبي أيوب الأنصاري ، قال : أتى النبي صلى الله عليه وآلهوسلم حبر من ~~اليهود ، فقال : أرأيت إذ يقول الله في كتابه ( @QUR@06 يوم تبدل الأرض غير ~~الأرض والسماوات ) فأين الخلق عند ذلك؟ فقال : أضياف الله ، فلن يعجزهم ما لديه. # وقيل : تبدل الأرض لقوم بأرض الجنة ، ولقوم بأرض النار. # وقال الحسن : يحشرون على الأرض الساهرة ، وهي أرض غير هذه ، وهي أرض ~~الآخرة ، وفيها تكون جهنم. # وتقدير الكلام : وتبدل السماوات غير السماوات ، إلا أنه حذف لدلالة ~~الظاهر عليه» (2) انتهى كلامه رحمه الله . # ووجه عدم المنافاة أن ما تضمن من تلك التفاسير لصيرورة الأرض كلها نارا ، ~~أو لصيرورة مكان البحر النار ، أو لتبدل الأرض لقوم بأرض النار ، أو لكون ~~جهنم في الأرض ، يمكن أن يكون ذلك بتحريك النار وجعلها في الأرض ، كما قال ~~تعالى : ( @QUR@02 وجيء يومئذ PageV03P210 # @QUR@01 بجهنم ... ) (1) الآية. # وقال المفسرون في تفسيره : إنه يجيء بها سبعون ألف ملك ، يقودونها بسبعين ~~ألف زمام ، فتشرد شردة لو تركت لأحرقت أهل الجمع. وكذا يمكن ms823 أن يكون ذلك ~~بمد النار وبسطها حتى تحصل في الأرض أيضا ، إذ لا امتناع فيه. وعلى ~~التقديرين فلا امتناع في أن يكون الجنة فوق النار ، بحيث تكون هي للطافتها ~~ورفع الحجاب حينئذ يرى ما فيها من الأكواب والكواعب ، كما دل عليه بعض تلك ~~التفاسير. # وأيضا ما يدل منها على كون الجنة في الأرض ، يمكن أن يكون بتحريكها أو ~~بسطها كما قلنا في النار ، فلا منافاة أيضا. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. # وبما فصلناه يظهر الجواب عن تلك الشبهة ، وهو مبني عل تسليم استحالة ~~تداخل الأجسام الأخروية في الأجسام الدنيوية ، وعلى تسليم استحالة وجود ~~عالمين جسمانيين ، وإما على تقدير تجويزها ، فيمكن جوابان آخران أيضا عن ~~تلك الشبهة. # بيان الأول : أن التداخل المستحيل الذي يحكم العقل باستحالته إنما هو ~~تداخل جسمين كانا من أجسام الدنيا ، ودخول أحدهما في حيز الآخر من غير ~~زيادة في الحجم ، وأما إذا لم يكونا كذلك ، فلا نسلم امتناع تداخلهما. وهذا ~~كما أن الأجسام المثالية التي دل على وجودها الدليل كما عرفت ، وقال به ~~الحكماء الإشراقيون أيضا ، حتى قالوا : ب «أن كل ما هو من أجزاء هذا العالم ~~المحسوس المشاهد ، فله مثال في عالم المثال» لا شك أنها أجسام ذوات مقادير ~~وأوضاع وأشكال وأحياز ونحوها ، وإن لم تكن ذوات مواد جسمانية فلكية أو ~~عنصرية ، ولا شك أيضا أنها موجودة في هذا العالم المحسوس لا في عالم آخر ، ~~على القول بعدم إمكان وجود عالم آخر جسماني كما قالوا به ، ولا شك أيضا أن ~~وجودها إنما هو في داخل أجرام هذا العالم وأجسامها ، وفي ثخنها لا في الخلل ~~والفرج والأفضية بينها على القول باتصال أجرام هذا العالم وأجسامها وكراتها ~~بعضها ببعض ، كما قالوا به أيضا ، فأين مكان عالم المثال والأجسام ~~المثالية؟ فلم يبق إلا أن يكون وجودها PageV03P211 # في داخل أثخان موجودات هذا العالم وأجسامه وأجرامه ، متداخلة فيها من غير ~~استحالة في ذلك. # وإذا جاز تداخل عالم المثال في العالم المحسوس المشاهد ، جاز أيضا تداخل ~~الأجرام والأجسام الأخروية التي هي أيضا ms824 من عالم آخر غير عالم الظاهر ~~المشاهد المحسوس في العالم المحسوس من غير لزوم محال. فجاز أن يكون مكان ~~الجنة والنار بما فيهما داخل أثخان وجودات هذا العالم المحسوس وأجسامه ~~وأجرامه ، أما الجنة ففيما فوق السماء السابعة ، وأما النار ففيما تحتها ، ~~كما قلنا. # وكان ما ذكرنا هو مراد من قال من الحكماء الإسلاميين إنه ليس للجنة ~~والنار مكان في ظواهر هذا العالم ، لأنه محسوس وكل محسوس بهذه الحواس فهو ~~من الدنيا ، والجنة والنار من عالم الآخرة. نعم مكانهما في داخل حجب ~~السموات والأرض ولها مظاهر في هذا العالم، وعليها يحمل الأخبار الواردة في ~~تعيين بعض الأمكنة لهما ، والروايات في ذلك مختلفة» (1)، انتهى. # ولا يخفى عليك أن ما قدمنا ذكره من التفاسير في الآية الكريمة الدالة على ~~حصول الجنة والنار في مكان الأرض لا ينافي هذا الوجه من الجواب أيضا ، إذ ~~لا امتناع في أن يكون الجنة والنار في داخل أجرام هذا العالم وباطنها حتى ~~في سطح الأرض والبحر أيضا ، وتكونان يوم القيامة عند ارتفاع الحجاب تظهران ~~على الخلق. والله تعالى يعلم. # وأما بيان الثاني فبأن يقال : إن عمدة ما قالوا في بيان استحالة وجود ~~عالمين أمران : # أحدهما أنه لو وجد عالم آخر ، لكان كرة مثل هذا العالم ، ولا يمكن وجود ~~كرتين متماثلتين ، إلا بتحقق فرجة بينهما ، وتلك الفرجة يلزم أن تكون خلاء ~~، إذ المفروض عدم شيء آخر يملأ تلك الفرجة والخلاء محال. # الثاني : أنه لو وجد عالم آخر لكان فيه أيضا العناصر الأربعة ، فإن لم ~~تطلب أمكنة عناصر هذا العالم لزم اختلاف متفقات الطبائع في مقتضياتها ، وإن ~~طلبت لزم أن تكون هي PageV03P212 # في الأمكنة الأخرى بالقسر دائما ، وكلاهما مندفعان. # أما الأول : فلأنه بعد تسليم الكروية ولزوم كون فرجة هناك ، يمكن أن تكون ~~تلك الفرجة ، لا خلاء ولا ملاء كما يقولون فيما فوق محدد الجهات. # وأما الثاني : فلأنه على تقدير تسليم لزوم كون عناصر وأفلاك في ذلك ~~العالم الآخر مثل العالم الأول ، يمكن أن يكون فيه مركز ومحيط أيضا ، كما ~~في ms825 العالم الأول ، ويقتضي بعض موجوداته الميل إلى مركزه ، وبعضها الميل إلى ~~محيطه ، مثل موجودات العالم الأول ، من غير لزوم محذور. # على أنا لا نسلم لزوم كون عناصر وأفلاك هناك كما في هذا العالم ، إذ يمكن ~~أن يكون فيه أجسام أخر مخالفة في الصفات واللوازم ، بل في الحقيقة كموجودات ~~العالم الأخروي ، وإن كانت أجساما أيضا. فعلى هذا يمكن أن يكون الجنة ~~والنار موجودتين الآن بالفعل في ذلك العالم الآخر ، ولا تكونان محسوستين ~~لنا في هذا العالم. # وهذان الجوابان أيضا ، وإن كانا مما يمكن التمسك بهما في دفع تلك الشبهة ~~، إلا أن الثاني منهما كأنه يخالف ظاهر ما يدل على أن الجنة والنار في هذا ~~العالم ، فلا تعويل عليه. والله تعالى أعلم بحقيقة الحال. # ثم إنه من تلك الشبه التي تمسك بها المنكرون للمعاد الجسماني ، أنه لو ~~كان حقا ، وكان كما نطق به الشرع ، والحال أن الشرع كما نطق بالمعاد ~~الجسماني ، كذلك نطق بتأبيد الثواب والعقاب الجسمانيين بالنسبة إلى بعض ، ~~والحال أن ذلك التأبيد لا يمكن أن يكون إلا بحصول تحريكات غير متناهية ~~للقوى الجسمانية ، لزم منه عدم تناهي أفعال القوى الجسمانية ، وهو باطل كما ~~بينه الحكماء في موضعه. # وأيضا يلزم منه دوام الحياة مع دوام الاحتراق ، وهذا أيضا باطل. # والجواب عنها ، أنا لا نسلم أنه يلزم من ذلك عدم تناهي أفعال القوى ~~الجسمانية ، بل إنما يلزم منه عدم تناهي انفعالاتها ، حيث إن إدراك اللذة ~~والألم الحسيين انفعال لا فعل. # وما ذكره الحكماء من الدليل على عدم التناهي فهو على تقدير تماميته ، ~~إنما ينهض دليلا على بطلان عدم تناهي أفعال الجسمانيات الماديات ، لا على ~~بطلان عدم تناهي PageV03P213 # انفعالاتها أيضا ، بل هو جائز عندهم ، كما في انفعالات النفوس الفلكية ~~المنطبعة وهيولى الأجسام العنصرية. # فإن قلت : إن عدم تناهي الانفعالات يستلزم عدم تناهي الأفعال أيضا. # قلت : لا يلزم أن يكون تلك الأفعال الغير المتناهية مستندة إلى تلك القوى ~~الجسمانية المادية ، بل يمكن أن تكون مستندة إلى ذوات مجردة لا استحالة في ~~عدم تناهي أفعالها ms826 عندهم. # وعلى تقدير تسليم امتناع عدم تناهي انفعالات القوى الجسمانية أيضا ، بناء ~~على جريان دليل بطلان عدم التناهي فيه أيضا ، كبرهان التطبيق والتضايف ~~ونحوهما ، نقول : إن زمان الآخرة ليس كزمان الدنيا ، كما أن مكانها ليس ~~كمكانها ، فجاز في الآخرة عدم تناهي انفعالات القوى الجسمانية ، بل أفعالها ~~أيضا ، لعدم التضايف والتطبيق والمسامتة وأمثالها فيها ، كالتداخل ~~والمباينة والتزاحم ، مما هي من لوازم موجودات النشأة الدنيوية. # وبالجملة ، فقياس العالم الأخروي على العالم الدنيوي ، قياس الغائب على ~~الشاهد ، وهو باطل عند العقلاء. # وأما ما ذكره الشابه من دوام الحياة مع دوام الاحتراق ، فهو أيضا ليس ~~بممتنع ، لأن امتناعه مبني إما على لزوم عدم تناهي القوى الجسمانية ، فقد ~~عرفت حاله. # وإما مبني على أنه مع الاحتراق ينعدم ذلك البدن ، فكيف تبقى الحياة؟ وكيف ~~يمكن عذاب ذلك الشخص بعينه؟ فهو غير مسلم ، لأنا لا نسلم أنه مع الاحتراق ~~ينعدم ذلك البدن بالمرة ، أو ذلك الشخص بالمرة ، بل إن نفسه باقية كما كانت ~~، وكذا الأجزاء الأصلية من بدنه ، وكذا الحياة القائمة بهما ، وإنما ~~الاحتراق في أجزائه الفضلية ، كما قال تعالى : ( @QUR@08 كلما نضجت جلودهم ~~بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ) (1)، ولا استحالة فيه. والله أعلم ~~بالصواب ، وإليه المعاد والمآب. PageV03P214 ### ||| * المطلب الثاني ### ||| * في بيان جملة من الأحوال والأمور التي نطق الشرع ### ||| * بوقوعها يوم القيامة ويجب التصديق بها لكونها أمورا ممكنة ### ||| * بالذات أخبر به المخبر الصادق ### ||| * نفخ الصور # فمنها النفخ في الصور ، قال تعالى : ( @QUR@010 ونفخ في الصور فجمعناهم ~~جمعا* وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا ) (1). # وقال : ( @QUR@08 يوم ينفخ في الصور ونحشر المجرمين يومئذ زرقا ) (2). # وقال : ( @QUR@018 ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض ~~إلا من شاء الله وكل أتوه داخرين ) (3). # وقال : ( @QUR@022 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا ~~من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) (4). # وقال : ( @QUR@012 ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد* وجاءت كل نفس معها سائق ~~وشهيد ) (5). PageV03P215 # وقال : ( @QUR@06 يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا ) (1). # إلى غير ذلك من الآيات والأخبار. ms827 # ويظهر من المفسرين أنهم اختلفوا في معناه. # قال في مجمع البيان : «واختلف في الصور ، فقيل : هو قرن ينفخ فيه ، عن ~~ابن عباس وابن عمر. وقيل : هو جمع صورة ، وإن الله تعالى يصور الخلق في ~~القبور كما صورهم في أرحام الأمهات ، ثم ينفخ فيهم الأرواح كما نفخ وهم في ~~أرحام أمهاتهم ، عن الحسن وأبي عبيدة. وقيل : إنه ينفخ إسرافيل في الصور ~~ثلاث نفخات : فالنفخة الأولى الفزع ، والثانية نفخة الصعق التي يصعق من في ~~السموات والأرض بها فيموتون ، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين ، فيحشر ~~الناس بها من قبورهم (2)، انتهى. # وأقول : إن ما نقله عن ابن عباس وابن عمر مبناه على كون الصور اسما مفردا ~~بمعنى القرن كما جاء في اللغة بمعناه ، وعلى كون النفخ فيه بمعنى إحداث صوت ~~عظيم فيه ، وصيحة هائلة هما بفعل إسرافيل عليه السلام المأمور بذلك من عند ~~الله تعالى ، كما هو مدلول كثير من الأخبار. # كما أن ما نقله عن الحسن وأبي عبيدة مبناه على كون الصور جمع صورة ، فإن ~~جمعها كما يجيء بصيغة الصور بضم الصاد وفتح الواو ، كذلك يجيء بإسكان الواو ~~، وعلى كون النفخ فيه بمعنى إعادة الروح إلى الصورة البدنية مرة أخرى ، أي ~~حشرها وبعثها. إلا أن المعنى الأول هو المشهور المعروف بين العلماء من معنى ~~نفخ الصور ، ويؤيده دلالة ظاهر أخبار كثيرة بل صريحها عليه ، كما يعلم ~~بالتتبع. وكذلك يؤيده ظاهر آيات كثيرة واردة في ذلك ، مثل قوله تعالى : # ( @QUR@032 ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون* قالوا يا ~~ويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون* إن كانت إلا ~~صيحة واحدة فإذا هم جميع لدينا PageV03P216 # @QUR@01 محضرون (1). # وقوله تعالى : ( @QUR@014 واستمع يوم يناد المناد من مكان قريب* يوم ~~يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج ) (2). # وقوله تعالى : ( @QUR@010 وما ينظر هؤلاء إلا صيحة واحدة ما لها من فواق ~~) (3). # وكذلك قوله تعالى : ( @QUR@08 فإذا نقر في الناقور* فذلك يومئذ يوم عسير ~~) (4)، حيث قال جمع من المفسرون في تفسيره : إن معنى الآية ، فإذا نفخ في ms828 ~~الصور ولا سترة في أن الناقور يناسب الصور بمعنى القرن ، لا الصور جمع ~~الصورة. # وكذلك يؤيده أن مضمون الآيات والأخبار ، أن النفخ في الصور يكون مرتين : ~~مرة للإماتة ، ومرة للإحياء إن لم نقل بكونه ثلاث مرات كما نقل عن بعضهم. ~~ولا يخفى أنه بالمعنى الأول يستقيم في كلتا المرتين كما سيأتي بيانه ، وهو ~~بالمعنى الثاني لا يستقيم إلا في المرة الثانية التي للإحياء. # نعم لو كان مراد القائل بالمعنى الثاني نفخ الأرواح في الصور بتوسط فعل ~~إسرافيل عليه السلام وبندائه بإذن الله تعالى للأرواح بعودها إلى الصور ، ~~وللأبدان باجتماع أجزائها وعودها كما كانت ، لكان لذلك وجه ، لكن في خصوص ~~النفخة الثانية التي هي للأحياء. # ثم إن ما نقله عن القائل الثالث ، من وقوع النفخ في الصور ثلاث مرات ، ~~كأنه خلاف ظاهر الآيات والأخبار ، بل ظاهرها وقوعه مرتين : مرة للإماتة ~~ومرة للإحياء. # وكذلك الظاهر أن قوله تعالى : ( @QUR@015 ويوم ينفخ في الصور ففزع من في ~~السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ) (5). # وقوله : ( @QUR@014 ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا ~~من شاء الله ) (6)، PageV03P217 # معناهما واحد ، وأن معنى الفزع والصعق واحد ، هو الإماتة لا أن يكون ~~الفزع بمعنى آخر غير الصعق ، حتى يمكن التمسك به في القول بوقوعه ثلاث مرات ~~، إن كان متمسك القائل به ذلك. # وكيفما كان ، فنفخ اسرافيل عليه السلام ونداؤه للخلائق بتلك الآلة مرة ~~للإماتة ، ومرة للإحياء بإذن الله تعالى كما هو ظاهر النفخ في الصور لأجل ~~ذلك ، لا امتناع فيه عقلا ، بل هو أمر ممكن في ذاته ، وحيث أخبر الشرع به ، ~~وجب التصديق به. # وبالجملة ، لا امتناع في أن ينادي إسرافيل عليه السلام بإذن الله تعالى ~~للخلائق مرة بالموت ، أي أن ينادي بتلك الآلة تارة ، لأرواحهم ، بقطع ~~التعلق عن الأبدان ، حتى يموتوا بانقيادهم لذلك النداء والأمر ، أو من هول ~~تلك الصيحة كما قال المفسرون في قوله تعالى : ( @QUR@08 إن كانت إلا صيحة ~~واحدة فإذا هم خامدون ) (1) إنه حين نزل العذاب على أهل انطاكية قوم عيسى ms829 ~~عليه السلام أخذ جبرئيل عليه السلام بعضادتي باب المدينة وصاح بهم صيحة واحدة ~~فماتوا عن آخرهم. # ومرة بالحياة ، أي أن ينادي للأجزاء الأصلية من أبدانهم بالاجتماع وعودها ~~مرة أخرى كهيئتها الأولى ، وينادي للأرواح بعودها إلى تلك الأبدان ، حتى ~~تحصل لهم الحياة ، كما ورد في الأخبار أن إسرافيل ينفخ في الصور وينادي : ~~أيتها العظام البالية والأوصال المنقطعة واللحوم المتمزقة ، إن الله يأمركن ~~أن تجتمعن لفصل القضاء. # وهذا الذي ذكرنا هو ظاهر معنى النفخ في الصور مرتين : مرة للإماتة ، ومرة ~~للإحياء. # والله تعالى وأولو العلم أعلم. # ولصدر الأفاضل رحمه الله هنا كلام لا بأس بنقله ، قال : «الإشراق الحادي ~~عشر ، في معنى النفخ ؛ قال سبحانه : ( @QUR@03 ونفخ في الصور ) (2) ولما ~~سئل النبي صلى الله عليه وآلهوسلم عن الصور ما هو؟ فقال صلى الله عليه وآلهوسلم : ~~قرن من نور لنفخة إسرافيل ، فوصف بالسعة والضيق ، واختلف في أن أعلاه ضيق ~~وأسفله واسع أو بالعكس ، ولكل وجه. والصور بسكون الواو وقرئ بانفتاحها : ~~جمع الصورة ، والنفخة نفختان : نفخة تطفئ النار ، ونفخة تشعلها. قال تعالى ~~: ( @QUR@03 ونفخ في الصور PageV03P218 # @QUR@019 فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه ~~أخرى فإذا هم قيام ينظرون ) (1). # فإذا تهيأت هذه الصور كانت فتيلة استعدادها كالحشيش المحترق ، وهو ~~الاستعداد لقبول الأرواح كاستعداد الحشيش بالنار التي كمنت فيه لقبول ~~الاشتعال ، والصور البرزخية كالسراج مشتعلة بالأرواح التي فيها ، فينفخ ~~إسرافيل نفخة واحدة فتمر على تلك الصور فتطفؤها ، وتمر النفخة التي تليها ~~وهي الأخرى على الصور المستعدة للاشتعال وهي النشأة الأخرى فتشتعل بأرواحها ~~فإذا هم قيام ينظرون ، فتقوم تلك الصور أحياء ناطقة بما ينطقها الله ، فمن ~~ناطق بالحمد لله ، ومن ناطق يقول : ( @QUR@04 من بعثنا من مرقدنا )، ومن ~~ناطق ب «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور» وكل ينطق بحسب ~~عمله وحاله وما كان عليه ، وينسى حاله في البرزخ ، ويتخيل أن ذلك منام كما ~~يتخيله المستيقظ ، وقد كان عند موته وانتقاله إلى البرزخ كالمستيقظ هناك ، ~~وأن الحياة الدنيا كانت له كالمنام ، وفي ms830 الآخرة يعتقد في أمر الدنيا ~~والبرزخ أنه منام في منام (2)، انتهى كلامه. # ولا يخفى عليك أنه يظهر من كلامه تفسير الصور أولا بالقرن ، ومن قوله : ~~والصور بسكون الواو قرئ بانفتاحها جمع الصورة ، تفسيره بمعنى جمع الصورة ، ~~وأنه جمع بين المعنيين ، وذكر لكون النفخ في الصور سببا للإماتة والإحياء ~~وجها عقليا مرموزا هو أعلم به. ### ||| * الصراط # ومن تلك الأحوال والأمور : الصراط ، وهو مما أخبر به الشرع ، ووردت به أخبار PageV03P219 # كثيرة صريحة ، وفي الآيات القرآنية أيضا دلالة عليه. # قال الشيخ الصدوق ابن بابويه عليه الرحمة في «اعتقاداته» : «اعتقادنا في ~~الصراط أنه حق ، وأنه جسر جهنم ، وأن عليه يمر جميع الخلق ، قال الله عز وجل ~~: ( @QUR@09 وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا ) (1) والصراط في ~~وجه اسم حجج الله ، فمن عرفهم في الدنيا وأطاعهم أعطاه الله جوازا على ~~الصراط الذي هو جسر جهنم يوم القيامة. وقال النبي صلى الله عليه وآلهوسلم ، ~~لعلي عليه السلام : يا علي ، إذا كان يوم القيامة أقعد أنا وأنت وجبرئيل على ~~الصراط ، فلا يجوز على الصراط إلا من كانت معه براءة بولايتك» (2)، انتهى. # وقال الشارح القوشجي في شرح التجريد : وأما الصراط فقد ورد في الحديث ~~الصحيح أنه جسر ممدود على متن جهنم ، يرده الأولون والآخرون ، أدق من الشعر ~~وأحد من السيف ، ويشبه أن يكون المرور عليه هو المراد من ورود كل أحد النار ~~، على ما قال تعالى : ( @QUR@04 وإن منكم إلا واردها ) (3) وأنكره القاضي ~~عبد الجبار وكثير من المعتزلة زعما منهم أنه لا يمكن الخطور (4) عليه ، ولو ~~أمكن ففيه تعذيب ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة. قالوا : بل ~~المراد طريق الجنة المشار إليه بقوله تعالى : ( @QUR@03 سيهديهم ويصلح ~~بالهم ) (5) وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى : ( @QUR@04 فاهدوهم إلى ~~صراط الجحيم ) (6). # وقيل : المراد الأدلة الواضحة. وقيل : العبادات كالصلاة والزكاة وغيرهما. ~~وقيل : الأعمال الردية التي يسأل عنها ويؤاخذ بها ، كأنه يمر عليها ، ويطول ~~المرور لكثرتها ويقصر لقلتها. # والجواب ، أن إمكان العبور ظاهر ، كالمشي على الماء والطيران في الهواء ، ~~غايته أنه مخالفة العادة ms831 ، ثم الله تعالى يسهل الطريق على المارين ، كما ~~جاء في الحديث أن منهم من PageV03P220 # يمر كالبرق الخاطف ، ومنهم من يمر كالريح الهابة ، ومنهم هو كالجراد ، ~~ومنهم من يجر رجلاه ويتعلق يداه ، ومنهم من يخر على وجهه» (1) انتهى. # وقال الغزالي في رسالته المسماة ب «المضنون على غير أهلها» : وأما الصراط ~~فهو عبارة عما لا مناسبة بين دقته ودقة الشعر ، وحدته وحدة السيف ، فهو في ~~الدقة كالخط الهندسي ، والصراط المستقيم عبارة عن الوسط الحقيقي بين ~~الأخلاق المتضادة ، ولذا أمرنا الله بالدعاء له في سورة الفاتحة ، حيث قال ~~: ( @QUR@03 اهدنا الصراط المستقيم ) (2)، وقال في حق المصطفى عليه السلام ~~: ( @QUR@04 وإنك لعلى خلق عظيم ) (3). مثال ذلك السخاوة بين التبذير ~~والإسراف والبخل ، والشجاعة بين التهور والجبن ، والتواضع بين التكبر ~~والدناءة ، والعفة بين الشهوة والجمود ، فلهذه الأخلاق طرف إفراط وتفريط ، ~~وهما مذمومان ، والوسط ليس من الإفراط ولا من التفريط ، فهو في غاية البعد ~~من كل طرف ، فلذا قال النبي صلى الله عليه وآلهوسلم : «خير الأمور أوسطها» ~~ومثال ذلك الوسط الخط الهندسي بين الظل والشمس. # والتحقيق في ذلك أن كمال الآدمي في المشابهة بالملائكة وهم منفكون عن هذه ~~الأوصاف المتضادة وليس في إمكان الانفكاك عنها بالكلية ، فكلفه الله تعالى ~~ما يشبه الانفكاك وهو الوسط ، فإن الفاتر لا حار ولا بارد ، والعودي لا ~~أبيض ولا أسود ، فالبخل والتبذير من صفات الإنسان ، والمقتصد السخي كأنه لا ~~يبخل ولا يبذر ، فالصراط المستقيم هو الوسط الحق بين الطرفين الذي لا ميل ~~له إلى أحد الجانبين ، وهو أدق من الشعر ، والذي يطلب غاية البعد من ~~الطرفين ، فيكون على الوسط ، ولو فرضنا حلقة حديدة محاطة بالنار وقعت فيها ~~نملة ، فهي تهرب بطبعها عن الحرارة ، ولا تهرب إلا إلى المركز ، لأنه الوسط ~~الذي هو غاية البعد من المحيط المحرق ، وتلك النقطة لا عرض لها ، فإن ~~الصراط المستقيم لا عرض له ، وهو أدق من الشعر ، ولذلك خرج من القوة ~~البشرية الوقوف عليه ، فلا جرم ، يرد أمثالنا النار بقدر ميله عنه ، كما ~~قال تعالى : ( @QUR@08 وإن منكم إلا واردها ms832 كان على ربك حتما PageV03P221 # @QUR@01 مقضيا ) (1). وقال : ( @QUR@012 ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين ~~النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ) (2)، فإن العدل بين المرأتين في ~~المحبة والوقوف على درجة متوسطة لا ميل فيه صراط الآخرة من غير ميل. وجاء ~~في الحديث : «يمر المؤمن على الصراط كالبرق الخاطف» (3) انتهى كلامه ، ~~ومثله كلام بعضهم. ### ||| * الصراط الدنيوي # وأقول : لا يخفى عليك بعد التدبر فيما ورد في الشرع من الآيات والأحاديث ~~أن الصراط صراطان : دنيوي وأخروي. # أما الدنيوي ، أي الصراط المستقيم الذي ورد به الشرع ، فقد قال كثير من ~~أهل الشرع إنه هو التوحيد ، لأنه الصراط الذي كان عليه جميع الأنبياء ~~والأولياء ، وبعثوا كلهم لأجل دعوة الخلق إليه ، وكذا لأجل منع العباد عن ~~الميل إلى أحد طرفيه ، أي إلى يمينه أو شماله ، أي الشرك الجلي والخفي ، ~~كما ورد في الخبر أن اليمين والشمال مضلتان (4). وقالوا : إنه يشهد بذلك ~~آيات وأخبار ، كما قال تعالى : # ( @QUR@020 وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم* صراط الله الذي له ما في ~~السماوات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور ) (5). # وقال : ( @QUR@016 قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة ~~إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين ) (6). PageV03P222 # وقال : ( @QUR@08 فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم ) (1). # وقال : ( @QUR@08 وإن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم ) (2). # وقال : ( @QUR@012 اهدنا الصراط المستقيم* صراط الذين أنعمت عليهم غير ~~المغضوب عليهم ولا الضالين ) (3). # حيث إن الظاهر أن صراط الذين أنعمت عليهم ، صراط الأنبياء والأولياء ~~عليه السلام وتابعيهم من أهل التوحيد ، كما قال تعالى : ( @QUR@021 أولئك ~~الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية ~~إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا واجتبينا ) (4). # وقال : ( @QUR@09 ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى ~~صراط مستقيم ) (5). # وقال : ( @QUR@014 فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين ~~والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ) (6)، وحينئذ يكون طريق المغضوب ~~عليهم طريق المنحرفين عن التوحيد الذي الانحراف عنه ضلال وموجب لغضب الله ~~تعالى والدخول في النار ، كالمشركين والكفار وكاليهود والنصارى ، كما ورد ~~في التفسير أيضا ms833 ، وقد قال تعالى في شأن الكفار : # ( @QUR@08 وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون ) (7). # وفي شأن الظالمين : ( @QUR@07 ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار ) (8). PageV03P223 # وفي شأن اليهود : ( @QUR@09 من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير ) (1). # وفي شأن النصارى : ( @QUR@06 قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا ) (2). # وقد ورد في الخبر أن النبي صلى الله عليه وآلهوسلم خط خطا ، وخط حواليه ~~خطوطا ، ثم أشار إلى الخط الأوسط فقال : «وان هذا صراطي مستقيما فاتبعوه» ، ~~ثم أشار إلى الخطوط حوله فقال : ( @QUR@012 ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن ~~سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون ) (3). # وقال بعضهم : إن الصراط المستقيم هو الإسلام ، وهو المروي عن ابن عباس ~~وجابر ومقاتل. # وروى الحارث بن الأعور عن علي عليه السلام ، أنه قال : الصراط المستقيم هو ~~القرآن ؛ وهو المنقول عن ابن مسعود أيضا. # وقال محمد بن الحنفية : إنه هو الدين القويم (4). # قال أبو بريدة الأسلمي : هو طريق محمد وآل محمد عليهم السلام . # وعلى ذلك ينبغي أن يحمل ما نقلناه عن ابن بابويه آنفا ، من أن الصراط في ~~وجه ، اسم الحجج عليه السلام ، يعني أن الصراط المستقيم هو طريقهم ومعرفتهم ~~والانقياد لهم والاهتداء بهداهم. # وقال شهر بن حوشب : إن الذين أنعمت عليهم هم صحابة رسول الله وأهل بيته ، ~~ويستفاد منه أن الصراط المستقيم طريقهم. # وقال بعضهم : إنه إشارة إلى قوله تعالى : ( @QUR@014 فأولئك مع الذين ~~أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ~~) (5). حيث ورد في الخبر هكذا : النبيين ، محمد ، والصديقين علي بن أبي ~~طالب ؛ والشهداء حمزة وجعفر ؛ والصالحين الأئمة PageV03P224 # الهداة ، وحسن أولئك رفيقا ، مهدي هذه الأمة عليه السلام . # وقال عبد الله بن عباس : هم قوم موسى وعيسى عليه السلام ، قبل أن حرفوا ~~التوراة والإنجيل ، ويستفاد منه أن الصراط المستقيم طريقهم. # وقال بعض العارفين : إن الصراط المستقيم عبارة عن الوسط الحقيقي بين ~~الأخلاق الحميدة والذميمة ، كالسخاوة بين البخل والتبذير ، والشجاعة بين ~~الجبن والتهور ، إذ هذه الأخلاق الحميدة لها طرفا إفراط وتفريط ، وهما ~~مذمومان ، حيث إن اليمين والشمال مضلتان ، وبين ms834 الإفراط والتفريط هو غاية ~~البعد من الطرف كالنقطة من الدائرة ، وعبر الشرع عن ذلك بالصراط المستقيم ، ~~وأمر الله تعالى نبيه عليه السلام بالاستقامة عليه ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@03 فاستقم كما أمرت ) (1)، وقال النبي صلى الله عليه وآلهوسلم : «شيبتني ~~سورة هود» (2)، وهو إشارة إلى هذه الآية في تلك السورة ، وإشارة إلى صعوبة ~~تحصيل هذه الدرجة التي هي الاستقامة على هذا الصراط المستقيم. # وهذا الذي ذكرنا ، إنما هو ذكر جملة من الأقوال في معنى الصراط المستقيم ~~، وهذه الأقوال ، وإن كانت ترى بظاهرها مختلفة ، إلا أنه لا اختلاف في ~~الحقيقة ، لكون مرجعها إلى أمر واحد ، أي الدين القويم الذي هو الإسلام. ### ||| * الصراط الأخروي # كما دل عليه الأخبار الصريحة التي هي غير قابلة للتأويل ، ودل عليه ~~الآيات القرآنية أيضا ، مثل قوله تعالى : ( @QUR@04 وإن منكم إلا واردها ) ~~(3)، بناء على ما فسره كثير من المفسرين ، من أن المراد بورود جميع ~~المكلفين النار ، إشراف الكل عليها حين مرورهم على الصراط الممدود على متن ~~جهنم ، وإن كان لبعضهم دخول فيها أيضا. PageV03P225 # وبالجملة ، قال به العلماء من أهل الإسلام ، وقالوا إنه يجب الإيمان به ~~لكونه مما نطق الشرع بوجوده ، وكاد وجوده أن يكون ضروريا في الدين القويم ، ~~فهو جسر ممدود على متن جهنم أدق من الشعر ، وأحد من السيف ، أي جسم كذلك ، ~~وهو مع كونه مما نطق به الشرع لا امتناع فيه عقلا ، وما ذكره منكروه في ~~امتناعه ، كما نقله الشارح القوشجي من القاضي عبد الجبار وكثير من المعتزلة ~~في ذلك ، مندفع بما أجابه هو عنه كما مضى ذكره. # والحاصل أن ما تمسك به منكره من عدم إمكان العبور عليه ، وأن فيه تعذيبا ~~للمارين ولا عذاب على المؤمنين مندفع. # أما الأول : فلأن ذلك الجسر الممدود ، حيث كان جسما من أجسام الآخرة التي ~~هي مخالفة بالحقيقة لأجسام الدنيا ، وكانت أبدان المكلفين المعادين ~~وأقدامهم أيضا من جنس تلك الأجسام الأخروية ، فلا امتناع في أن يمروا بتلك ~~الأقدام الأخروية على ذلك الجسر الممدود الأخروي ، وقياس ذلك على الأجسام ~~الدنيوية من جهة عدم إمكان ms835 المرور بالأقدام الدنيوية على الجسم الكذائي ~~الدنيوي قياس الغائب على الشاهد ، ولا وجه له. # على أن ذلك في الدنيا أيضا ليس بممتنع بالذات ، بل هو ممتنع عادي ، وجاز ~~في حكمة الله تعالى خرق العادة في كثير من الأمور لحكمة ومصلحة اقتضته ، ~~وكما جاز ذلك في الدنيا ، كذلك جاز في الآخرة أيضا على تقدير تسليم كون ذلك ~~فيها ممتنعا عاديا أيضا. # وأما الثاني ، فلأنه إذا كان مرور المؤمنين والصلحاء على ذلك الجسر ~~كالبرق الخاطف ، أو كالريح الهابة ، كما ورد في الخبر ، فمن أين يكون لهم ~~فيه عذاب؟ # نعم ، العذاب إنما يكون لغير المؤمنين الذين يكون مرورهم عليه بصعوبة ~~ومشقة ، كما دل الخبر عليه أيضا ، ولا ضير فيه ، بل ربما يمكن أن يكون من ~~جملة الحكمة في وجود ذلك الجسر ، وتكليف هؤلاء بالمرور عليه تعذيبهم ، ~~كالحكمة في وجود جهنم وإدخالهم فيها. # وحيث عرفت ذلك ، فنقول : إن من أول الصراط الأخروي بالصراط المستقيم PageV03P226 # الدنيوي ، كالغزالي وأشباهه ، وكذا من قال بأن المراد الأدلة الواضحة أو ~~العبادات ، حيث إن ذلك أيضا يؤول إلى التأويل بالصراط الدنيوي ؛ # إن كان مرادهم بذلك أنه لا يكون في الآخرة ذلك الجسر الممدود على متن ~~جهنم أصلا ولا تكليف المكلفين بالمرور عليه قطعا ، بل إن الأخبار الواردة ~~فيه كناية عن أن من استقام في الدنيا على الصراط المستقيم يكون بعيدا في ~~الآخرة عن النار وقريبا من الجنة على تفاوت مراتب استقامته ، وأن من نكب في ~~الدنيا عن الصراط المستقيم وانحرف عنه يكون حاله بالعكس على تفاوت مراتب ~~انحرافه ، فهذا خلاف ما نطق به الشرع ، بل هو إنكار ما هو ضروري أو ~~كالضروري فيه. # وإن كان مرادهم بذلك أن الصراط الأخروي هو مظهر الصراط الدنيوي ، يعني أن ~~حقيقة الصراط الدنيوي التي هي في الدنيا بصورة الدين القويم ، تظهر في ~~الآخرة بصورة ذلك الجسر الممدود ، فله وجه. # وتوجيهه أن يقال : إنك قد عرفت فيما تلونا عليك سابقا في باب تجسيم ~~الأعمال ، أنه يجوز أن يظهر حقيقة كلية تارة بصورة كصورة العرض القائم ms836 في ~~موضوع ، وتارة بصورة أخرى كصورة الجوهر المستغني عن الموضوع ، وأنه يجوز أن ~~يكون حقيقة العقائد والأعمال والأفعال هي في النشأة الدنيوية بصورة المعاني ~~والأعراض تظهر فيما بعد الموت بصورة الأعيان والجواهر والأجسام صورة بهية ~~أو مؤلمة جزاء لذلك ، أما في النشأة البرزخية فبصورة الأعيان المثالية ، ~~وأما في النشأة الأخروية فبصورة الأعيان والأجسام الأخروية ، وأنه لا ~~امتناع في ذلك ، حتى أنه يجوز أن يكون أصل الجنة والنار بما فيهما مظاهر ~~للعقائد والأعمال الحسنة أو السيئة. # وعلى هذا فجاز أن يكون الصراط المستقيم الذي هو عبارة عن الإسلام والدين ~~القويم ، وعبارة عن مجموع العقائد والأفعال والأعمال والأمور الخاصة الحقة ~~تظهر في النشأة الأخروية بصورة ذلك الجسر الممدود على متن جهنم الذي هو أدق ~~من الشعر وأحد من السيف ، ويكون وجه المناسبة بين الظاهر والمظهر ، بأنه ~~حيث كان هو في النشأة الدنيوية طريقا وسطا كالخط المستقيم الهندسي الذي لا ~~عرض له ، كما أشار إليه PageV03P227 # النبي صلى الله عليه وآلهوسلم فيما روي عنه صلى الله عليه وآلهوسلم ، وكان ~~الانحراف عنه أدنى انحراف ، والميل عنه إلى يمينه وشماله اللتين هما ~~كالخطوط حول ذلك الخط المستقيم التي أشار إليها صلى الله عليه وآلهوسلم في ذلك ~~الحديث فقال : «ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله» وقوعا في الضلالة ، ~~كما يدل عليه التفرق عن السبيل في الآية ، وما ورد أن اليمين والشمال ~~مضلتان ، ودخولا في الشرك والكفر ، كما قال تعالى : ( @QUR@08 وإن الذين لا ~~يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون ) (1)، كان بهذا الاعتبار أدق من الشعر ~~، وكأنه ممدود على متن الضلالة والشرك والكفر. وحيث كان في النشأة الدنيوية ~~بهذه الحالة والصفة ، كان مظهره في النشأة الأخروية ، أي ذلك الجسر بهذه ~~الصفة أيضا ، أي ممدودا على متن جهنم التي هي مظهر الضلالة والشرك ، وأدق ~~من الشعر ، بحيث يكون الانحراف عنه أدنى انحراف وقوعا في جهنم. # وكذلك أنه حيث كان في النشأة الدنيوية مع دقته ومده على متن الشرك ~~والضلال أحد من السيف ، حيث إن الإكباب والسقوط عليه موجب للهلاك ، كالهلاك ms837 ~~بالسيف الذي يوقع عليه ، كما قال تعالى : ( @QUR@012 أفمن يمشي مكبا على ~~وجهه أهدى أمن يمشي سويا على صراط مستقيم ) (2)، كان مظهره في الآخرة أيضا ~~كذلك ، حيث إن من لم يستقم عليه وخر على وجهه يكون ذلك سببا لهلاكه ، ~~لسقوطه على ما هو أحد من السيف ، كما ورد أن من وقف عليه شقه بنصفين ، ~~وكذلك أنه حيث كان سلوكه والاستقامة عليه في الدنيا سببا لدخول الجنة ، كان ~~الدخول في الجنة في الآخرة بحيث لا يحصل إلا بالمرور على ذلك المظهر ، أي ~~الجسر حتى يدخل الجنة ، فهو كما كان في الدنيا طريقا إلى الجنة كان في ~~الآخرة أيضا كذلك ، لا يحصل الدخول فيها إلا بالمرور عليه ، وكان من جملة ~~الحكم المتعالية في وجود ذلك الجسر ، وفي تكليف العباد بالمرور عليه أن ~~يظهر أن أيا منهم كان في الدنيا مستقيما على الصراط المستقيم ليثاب ~~باستقامته الدخول في الجنة على تفاوت مراتب الاستقامة ، وأن أيا منهم كان ~~في الدنيا منحرفا عنها أو مكبا على وجهه ، ليعاقب بالدخول في النار على ~~تفاوت مراتب الانحراف والإكباب. PageV03P228 # وبما ذكرنا يظهر لك أنه لا امتناع في أن يكون الصراط الأخروي مظهرا ~~للصراط المستقيم الدنيوي كما ذكرنا. وكذلك يظهر سر الحديث الذي رواه ابن ~~بابويه ، من أنه قال النبي صلى الله عليه وآلهوسلم لعلي عليه السلام : يا علي ~~إذا كان يوم القيامة» (1) الحديث. # حيث إن معرفة علي عليه السلام وولايته وانقياده والاقتداء بطريقته هو ~~الصراط المستقيم ، فيكون من استقام عليه ولم ينحرف عنه ولم يمل إلى ولاية ~~غيره من أئمة الضلالة ، يعطى له براءة وجواز يمر به على ذلك الجسر الممدود ~~، ومن كان بالعكس كان بالعكس ، كما قال تعالى : ( @QUR@07 ولا تركنوا إلى ~~الذين ظلموا فتمسكم النار ) (2). # وفقنا الله تعالى وسائر المؤمنين للاستقامة على صراط علي والاهتداء بهداه ~~، فإنه يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. ### ||| * الأعراف والسور # ومنها الأعراف والسور ، قال تعالى : ( @QUR@031 وبينهما حجاب وعلى ~~الأعراف رجال يعرفون كلا بسيماهم ونادوا أصحاب الجنة أن سلام عليكم لم ~~يدخلوها وهم يطمعون* ms838 وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا ~~تجعلنا مع القوم الظالمين ) (3)، وقال : ( @QUR@012 فضرب بينهم بسور له ~~باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ) (4). # وقال الطبرسي رحمه الله في الجوامع ، في تفسير الآية الأولى : «وبين الجنة ~~والنار ، أو بين أهليهما حجاب ، أي ستر ونحوه ، فضرب بينهم بسور. وعلى ~~الأعراف ، أي وعلى أعراف الحجاب ، وهو السور المضروب بين الجنة والنار ، ~~وهي أعاليه جمع عرف مستعار من عرف الفرس والديك ، رجال. الصادق عليه السلام ~~الأعراف : كثبان بين الجنة والنار يوقف عليها كل نبي وكل خليفة نبي مع ~~المذنبين من أهل زمانه ، كما يقف صاحب الجيش مع الضعفاء PageV03P229 # من جنده ، وقد سيق المحسنون إلى الجنة ، فيقول ذلك الخليفة للمذنبين ~~الواقفين معه : انظروا إلى إخوانكم المحسنين وقد سيقوا إلى الجنة ، فيسلم ~~عليهم المذنبون ، وذلك قوله : ( @QUR@06 سلام عليكم لم يدخلوها وهم يطمعون ~~) أن يدخلهم الله إياها بشفاعة النبي والإمام ، وينظر هؤلاء المذنبون إلى ~~أهل النار ، فيقولون : ( @QUR@03 ربنا لا تجعلنا .. ) إلى آخره. وقيل إنهم ~~قوم قد استوت حسناتهم وسيئاتهم ، فجعلوا هنالك حتى يقضي الله فيهم ما شاء ~~ويدخلهم الجنة ، يعرفون كلا من زمر السعداء والأشقياء بسيماهم : بعلامتهم ~~التي أعلمهم الله بها. وإذا صرفت أبصارهم تلقاء أصحاب النار ، ورأوا ما هم ~~فيه من العذاب ، استعاذوا بالله وقالوا : «ربنا لا تجعلنا معهم» (1)، ~~انتهى موضع الحاجة من كلامه. # وقال أيضا في تفسير الآية التالية لهذه الآية ، أعني قوله تعالى ( ~~@QUR@03 ونادى أصحاب الأعراف ) الآية : «أنه روى الأصبغ ابن نباتة عن أمير ~~المؤمنين عليه السلام ، أنه قال : نحن نوقف يوم القيامة بين الجنة والنار ، ~~فمن نصرنا عرفناه بسيماه فأدخلناه الجنة ، ومن أبغضنا عرفناه بسيماه ~~فأدخلناه النار» (2) انتهى. # وقال في تفسير الآية الثانية : فضرب بين المؤمنين والمنافقين بسور ، أي ~~حائط حائل بين شق الجنة وشق النار ، لذلك السور باب لأهل الجنة يدخلون فيه ~~، باطنه : باطن السور أو الباب وهو الشق الذي يلي الجنة فيه الرحمة أي ~~الجنة ، وظاهره ما ظهر لأهل النار من قبله من عنده ، ومن جهة العذاب هو ms839 ~~النار» (3). انتهى موضع الحاجة أيضا. # وقريب مما ذكره كلام الزمخشري (4) والبيضاوي في تفسير السور والأعراف ~~والرجال الذين على الأعراف ، ولا تغاير إلا في بعض أمور لا يختلف به أصل ~~المقصود ، وهو وجود السور والأعراف والرجال على الأعراف ، والظاهر أنه لا ~~خلاف بين العلماء من أهل الإسلام في وجود ذلك ، كما هو منطوق الآية أيضا ، ~~فيجب الإيمان به لذلك. واختلافهم PageV03P230 # في تفسير الرجال مع كونه مما لا يقدح في أصل المقصود يمكن الجمع بأنه ~~يجوز أن يكون على الأعراف كلتا الطائفتين جميعا ، أما الأنبياء والخلفاء ~~فبأن يكونوا مع كون منازلهم في الجنة ، وفي أعلى عليين منها على الأعراف مع ~~المذنبين من أهل زمانهم في يوم الحساب ، والوقوف أو بعد ذلك أيضا في بعض ~~الأحيان للحكمة التي تضمنتها الآية. وأما الذين استوت حسناتهم وسيئاتهم ، ~~فبأن يكون منازلهم على الأعراف أو فيها ، ويمكثوا فيها إلى أن يشاء الله ~~تعالى. وهذا الجمع هو الذي يدل عليه كلام ابن بابويه في «اعتقاداته». # قال : «اعتقادنا في الأعراف ، أنه سور بين الجنة والنار ، عليه رجال ~~يعرفون كلا بسيماهم ، والرجال هم النبي والأوصياء عليه السلام ، لا يدخل ~~الجنة إلا من عرفهم وعرفوه ، ولا يدخل النار إلا من أنكرهم وأنكروه ، وعند ~~الأعراف المرجون لأمر الله ، إما يعذبهم أو يتوب عليهم» (1) انتهى. والله ~~تعالى أعلم بحقيقة الحال. ### ||| * الكتاب والحساب والميزان والسؤال # ومنها الكتاب والحساب والميزان : قال تعالى في الكتاب : ( @QUR@020 وكل ~~إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا* ~~اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) (2)، # وقال تعالى : ( @QUR@026 يوم ندعوا كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه ~~بيمينه فأولئك يقرؤن كتابهم ولا يظلمون فتيلا* ومن كان في هذه أعمى فهو في ~~الآخرة أعمى وأضل سبيلا ) (3). # وقال : ( @QUR@028 ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ~~ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما ~~عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا ) (4). PageV03P231 # وقال : ( @QUR@020 ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق ~~وهم لا يظلمون* ووفيت كل ms840 نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ). (1) # وقال : ( @QUR@025 وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ~~ما كنتم تعملون* هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم ~~تعملون ) (2)، # وقال : ( @QUR@04 وكل صغير وكبير مستطر ) (3)، # وقال : ( @QUR@015 يوم يبعثهم الله جميعا فينبئهم بما عملوا أحصاه الله ~~ونسوه والله على كل شيء شهيد ) (4). # وقال : ( @QUR@048 يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية* فأما من أوتي كتابه ~~بيمينه فيقول هاؤم اقرؤا كتابيه* إني ظننت أني ملاق حسابيه* فهو في عيشة ~~راضية* في جنة عالية* قطوفها دانية* كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في ~~الأيام الخالية* وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه ) ~~الآية (5). # وقال : ( @QUR@024 فأما من أوتي كتابه بيمينه* فسوف يحاسب حسابا يسيرا* ~~وينقلب إلى أهله مسرورا* وأما من أوتي كتابه وراء ظهره* فسوف يدعوا ثبورا* ~~ويصلى سعيرا ) (6). # وقال : ( @QUR@016 وإن عليكم لحافظين* كراما كاتبين* يعلمون ما تفعلون* ~~إن الأبرار لفي نعيم* وإن الفجار لفي جحيم ) (7). # وقال : ( @QUR@015 كلا إن كتاب الفجار لفي سجين* وما أدراك ما سجين* كتاب ~~مرقوم* ويل يومئذ للمكذبين ) (8)، PageV03P232 # وقال : ( @QUR@014 كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين* وما أدراك ما عليون* ~~كتاب مرقوم* يشهده المقربون ) (1). # وقال تعالى في الحساب : ( @QUR@016 وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه ~~يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء ) (2). # وقال : ( @QUR@019 والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ~~ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ) (3)، # وقال : ( @QUR@013 اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع ~~الحساب ) (4)، # وقال : ( @QUR@07 إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون ) (5)، # وقال : ( @QUR@025 يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو ~~في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير ) (6) # وقال : ( @QUR@05 إني ظننت أني ملاق حسابيه ) (7) # وقال : ( @QUR@09 فأما من أوتي كتابه بيمينه فسوف يحاسب حسابا يسيرا ) (8)، # وقال : ( @QUR@07 إن إلينا إيابهم* ثم إن علينا حسابهم ). (9) # وقال تعالى في الميزان : ( @QUR@020 والوزن يومئذ الحق فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك ms841 هم المفلحون* ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا ~~بآياتنا يظلمون ) (10). # وقال : ( @QUR@014 ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ~~وإن كان مثقال حبة من PageV03P233 # @QUR@06 خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين ) (1)، # وقال : ( @QUR@032 فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا ~~يتساءلون* فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون* ومن خفت موازينه فأولئك ~~الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون* تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون ) (2)، # وقال : ( @QUR@020 ووضع الكتاب وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق ~~وهم لا يظلمون ووفيت كل نفس ما عملت وهو أعلم بما يفعلون ) (3) # وقال : ( @QUR@011 الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان وما يدريك لعل ~~الساعة قريب ) (4) # وقال : ( @QUR@014 فأما من ثقلت موازينه* فهو في عيشة راضية* وأما من خفت ~~موازينه* فأمه هاوية ) (5) # وقال : ( @QUR@012 فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره ) (6)، # وقال : ( @QUR@014 أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم ~~فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا ). (7) ### ||| * الكتاب # فظاهر الشرع كما هو ظاهر تلك الآيات المذكورة ، وكذا ظاهر الأخبار ، وهو ~~قول المفسرين وغيرهم من العلماء ، إنه عبارة عن صحيفة أعمال الخير أو الشر ~~التي كتبتها الملائكة الحفظة للأعمال الكرام الكاتبون بأمر الله تعالى ~~وحفظوها ، وإنه يخرج لكل PageV03P234 # إنسان يوم القيامة كتابه وصحيفة عمله ( @QUR@03 كتابا يلقاه منشورا )، ~~ويكلف هو بقراءة ما فيه ، وبما فعله من خير أو شر ، فيقرأه ويعلم ما فعله ~~ويعترف به ، ويكون هو حسيبا على نفسه ، وإنه يكون ذلك الكتاب للأبرار منهم ~~والسعداء في عليين. # ومعناه كما ذكره المفسرون : أن ما كتب من أعمالهم يكون في عليين ، أي في ~~ديوان الخير الذي دون فيه كل ما عمله المقربون والأبرار والمتقون من الجن ~~والإنس ، حيث إن عليين اسم ذلك الديوان وعلمه ، وفيه معنى العلو ، سمي بذلك ~~إما لأنه سبب الارتفاع إلى أعالي الدرجات في الجنة ، وإما لأنه مرفوع في ~~السماء السابعة تحت العرش حيث يسكن الكروبيون ، ويشهد به قوله تعالى : ( ~~@QUR@02 يشهده المقربون ) (1). # وقيل : عليون اسم الجنة. وقيل : سدرة المنتهى. ويحتمل أن يكون معنى ms842 كونه ~~في عليين كونه من جنس الأوراق والألواح العالية والصحف المكرمة المرفوعة ~~المطهرة بأيدي سفرة كرام بررة. # وكذلك يؤتى ذلك الكتاب للسعداء والأبرار بيمينهم ، حيث إن إعطاء الكتاب ~~باليمين علامة الرضا والخلاص ، كما أن إعطاءه باليسار ووراء الظهر علامة ~~السخط والهلاك. # أو لأن كتابهم لما كان من كتب الخيرات والحسنات التي يكنى عنها باليمين ، ~~فلذا يعطونه باليمين. أو لأنهم حيث كانوا من أصحاب اليمين يؤتون كتابهم بها. # أو لأن كتابهم لما كان من كتب الخيرات وكان الملك الذي يكتب الخيرات ~~والحسنات عند الترقوة اليمنى من الإنسان ، كما أن الملك الذي يكتب السيئات ~~عند الترقوة اليسرى منه كما ورد به الأخبار ، فلذلك يعطى كتابهم بيمينهم. # وكذلك يكون ذلك الكتاب للفجار في سجين ، ومعناه كما ذكره المفسرون أيضا : ~~أن السجين فيه معنى السجن أي الحبس والضيق ، ومعنى كونه فيه كونه في جب من ~~جهنم أو في ديوان الشر الذي دون فيه أعمال الكفرة والفسقة من الجن والإنس ، ~~أو لأنه مطروح ، PageV03P235 # كما روي أنه تحت الأرض السابعة في موضع وحش يشهده الشياطين كما يشهد ~~ديوان الخير الملائكة. # ويحتمل أيضا أن يكون معناه أنه من جنس الأوراق السفلية والصحائف الدنية ~~القابلة للاحتراق. # وكذلك يؤتى ذلك الكتاب لبعض هؤلاء الفسقة والفجار بشماله ، ووجه المناسبة ~~ظاهر ، حيث إنهم في مقابلة السعداء والأبرار ، وكل حكمة تقتضي إعطاء كتاب ~~السعداء بيمينهم ، فمقابل تلك الحكمة يقتضي إعطاء كتاب هؤلاء المقابلين لهم ~~بشمالهم ، ولبعضهم وراء الظهر ، حيث إنهم أوتوا الكتاب ، أي القرآن فنبذوه ~~وراء ظهورهم ، واشتروا به ثمنا قليلا ، فيعطون كتاب أعمالهم أيضا وراء ظهرهم. # وقد ذكر بعض المفسرين : أنه يكون يمينه مغلولة إلى عنقه ، وشماله خلف ~~ظهره ، فيؤتى كتابه بشماله من وراء ظهره. وعلى هذا المعنى فيؤتى كتابه ~~بشماله أيضا مع زيادة خزي وهوان ، ويكون الوجه في إعطاء كتابهم إياهم من ~~وراء ظهرهم هو الوجه في إعطائه إياهم بشمالهم. والله تعالى يعلم. # وبالجملة ، فالظاهر أن الكتاب عبارة عن تلك الصحيفة التي كتبها الكرام ~~الكاتبون من أعمال المكلفين ، وكل صغير ms843 وكبير مستطر فيه ولا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها ، ويكون للمؤمنين والسعداء من جنس ، وللفسقة والفجار ~~من جنس آخر كما ذكر ، وأن لكل مكلف كتابا كتب فيه أعماله ، وهذا مع كونه ~~مما قد نطق به الشرع لا مانع منه عقلا ، فيجب الإيمان به. كما أن الشرع قد ~~نطق بتطاير الكتب أيضا يوم القيامة على ما دل عليه أخبار صريحة في ذلك ، ~~ويدل عليه قوله تعالى : ( @QUR@06 وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ) (1). ~~على ما ذكره كثير من العلماء ، بناء على أن يكون المراد بطائر الإنسان كتاب ~~عمله الذي يطير ، وبإلزامه في عنقه تعليقه عليه. ولا مانع منه أيضا عقلا ~~فيجب الإيمان به. وإن كان جمع من مفسري الخاصة والعامة فسروا الطائر بالعمل ~~وما قدر للعبد من الخير PageV03P236 # والشر ، كأنه طير إليه من عش الغيب ووكر القدر لما كانوا يتيمنون ~~ويتشاءمون بسنوح الطائر وبروجه ، استعير لما هو سبب الخير والشر من قدر ~~الله وعمل العبد. وقالوا : إن لزومه في عنق الإنسان أنه لازم له لزوم الطوق ~~في عنقه ، وأنه سبب لزينه أو شينه كالقلادة والغل. # ثم إن هذا المعنى الذي ذكرنا للكتاب ، وإن كان هو الظاهر من الشرع وذهب ~~إليه العلماء ، إلا أن بعضا منهم قد أوله أيضا على وجه آخر. # قال البيضاوي في قوله تعالى : ( @QUR@07 ونخرج له يوم القيامة كتابا ~~يلقاه منشورا ) (1): «إن الكتاب صحيفة عمله أو نفسه المنتقشة بآثار أعماله ~~، فإن الأفعال الاختيارية تحدث في النفس أحوالا ، ولذلك يعيد تكررها لها ~~ملكات» (2)، انتهى. # وقال صدر الأفاضل في «الشواهد» : «الإشراق التاسع في نشر الكتب والصحائف. ~~كل ما يدركه الإنسان بحواسه يرتفع منها أثر إلى الروح ويجتمع في صحيفة ذاته ~~وخزانة مدركاته ، وهو كتاب منطو اليوم عن مشاهدة الأبصار ، فيكشف له بالموت ~~ما يغيب عنه في حال الحياة مما كان مسطورا في كتاب لا يجليها إلا لوقتها ، ~~وقد مر أن رسوخ الهيئات وتأكد الصفات ، وهو المسمى عند أهل الحكمة بالملكة ~~، وعند أهل النبوة والكشف بالملك والشيطان يوجب خلود الثواب والعقاب ... # فكل ms844 من فعل مثقال ذرة من خير أو شر يرى أثره مكتوبا في صحيفة ذاته أو ~~صحيفة أعلى منها ، وهو نشر الصحائف وبسط الكتب ، فإذا حان أن يقع بصره على ~~وجه ذاته عند كشف غطاء ورفع شواغل ما يورده هذه الحواس المعبر عنه بقوله ~~تعالى : ( @QUR@03 وإذا الصحف نشرت ) (3) فيلتفت إلى صحيفة باطنه وصحيفة ~~قلبه ، فمن كان في غفلة عن ذاته وحساب سره يقول عند ذلك : ( @QUR@018 ما ~~لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضرا ~~ولا يظلم ربك أحدا ) (4)، ومنشأ ذلك كما مر مرارا ، أن الدار الآخرة هي ~~دار الحياة PageV03P237 # والإدراك لقوله تعالى : ( @QUR@05 وإن الدار الآخرة لهي الحيوان ) (1)، ~~ومواد أشخاصها هي التأملات الفكرية والتصورات الوهمية ، فيتجسم الأخلاق ~~والنيات في الآخرة يوم تبلى السرائر ، كما يتروح الأعمال والأفعال في ~~الأولى ، والفعل هاهنا مقدم على الملكة ، وهناك بالعكس ، قال سبحانه في قصة ~~ابن نوح عليه السلام ( @QUR@04 إنه عمل غير صالح ) (2) ففي الخبر : «خلق ~~الكافر من ذم (ذنب) المؤمن». # وفي كلام فيثاغورس : اعلم أنك ستعارض لك في أقوالك وأفعالك وأفكارك ، ~~وسيظهر لك من كل حركة فكرية أو قولية أو فعلية صور روحانية أو جسمانية ، ~~فإن كانت الحركة غضبية أو شهوية ، صارت مادة لشيطان يؤذيك في حياتك ويحجبك ~~عن ملاحظة النور بعد وفاتك ، وإن كانت الحركة عقلية صارت ملكا تلتذ ~~بمنادمته في دنياك ، وتهتدي بنوره في أخراك إلى جوار الله وكرامته. # فإذا انقطع الإنسان عن الدنيا وتجرد عن مشاعر البدن ، وكشف عنه الغطاء ~~يكون الغيب له شهادة ، والسر علانية ، والخبر عيانا ، فيكون حديد البصر ~~قارئا لكتاب نفسه ، بقوله تعالى : ( @QUR@06 فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم ~~حديد ) (3) وقوله : ( @QUR@020 وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له ~~يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا* اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) ~~(4)، فمن كان من أهل السعادة وأصحاب اليمين ، وكان معلوماته أمورا مقدسة ، ~~فقد أوتي كتابه بيمينه من جهة عليين ، إن كتاب الأبرار لفي عليين وما أدراك ~~ما عليون ، كتاب مرقوم ، يشهده المقربون. # ومن كان من الأشقياء ms845 المردودين ، وكان معلوماته مقصورة على الجزئيات ، ~~فقد أوتي كتابه من جهة سجين ، إن كتاب الفجار لفي سجين ، لكونه من المجرمين ~~المنكوسين ، PageV03P238 # لقوله تعالى : ( @QUR@08 ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ) ~~(1)، في الحساب والميزان (2)، انتهى كلامه. # قال المحقق الطوسي رحمه الله فيما ينسب إليه من رسالة «المبدأ والمعاد» ~~بهذه العبارة : «فصل هشتم در اشارت به صحائف اعمال وكرام الكاتبين ونزول ~~ملائكه وشياطين بر نيكان وبدان». # قول وفعل ما دام كه در دو كون اصوات وحركات باشند از بقا وثبات بى نصيب ~~بود ، وچون به كون كتابت وتصوير آيند ، باقى وثابت شوند وهركه قولى بگويد ، ~~يا فعلى بكند اثرى از او باقى ماند ، وبه اين سبب تكرار اقتضاى اكتساب ملكه ~~كند ، كه با وجود آن ملكه معاودت به آن قول يا آن فعل آسان بود ، واگرنه ~~چنين بودى هيچ كس علم وصناعت نتوانستى آموخت وتأديب كودكان وتكميل ناقصان ~~را فائده نبودى. آن اثرها كه از اقوال وافعال باشد محل آن كتابتها وتصويرها ~~را كتاب افعال وصحيفه اعمال خوانند ، چه اقوال واعمال چون مشخص شوند كتابت ~~باشد ، چنان كه بيان كنيم ، وكاتبان ومصوران مكتوبات ومصورات كرام الكاتبين ~~باشند. قومى كه بر يمين باشند حسنات اهل يمين نويسند ، وقومى كه بر شمال ~~باشند سيئات اهل شمال نويسند : ( @QUR@08 إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن ~~الشمال قعيد ) (3). در خبر است كه هركه حسنه كند از آن حسنه فرشته در وجود ~~آيد ، واو را مثاب دارد ، وهركه سيئه كند از آن سيئه شيطانى در وجود آيد ، ~~كه او را معذب دارد ، وخود در قرآن مى گويد : ( @QUR@026 إن الذين قالوا ~~ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا ~~بالجنة التي كنتم توعدون* نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) (4). PageV03P239 # وبه مقابل آن : ( @QUR@011 هل أنبئكم على من تنزل الشياطين* تنزل على كل ~~أفاك أثيم ) (1). # وهمچنين ( @QUR@011 ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين ) (2). # همين است كه به عبارت اهل بينش ، ملك ms846 وشيطان هر دو يكى است. # واگرنه بقا وثبات آن ملكات بودى ، خلود ثواب وعقاب را بر اعمال كه در ~~زمان اندك كرده باشند وجهى نبودى ، ولكن «إنما يخلد أهل الجنة في الجنة ~~وأهل النار في النار بالنيات» ، پس هركه مثقال ذره نيكى يا بدى كند ، نيكى ~~وبدى در كتابى مكتوب ومصور شود ، ومؤبد ومخلد بماند. وچون پيش چشم دارند ، ~~كه ( @QUR@03 وإذا الصحف نشرت ) (3)، كسانى كه از آن غافل بوده باشند ، ~~گويند : ( @QUR@014 ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ~~ووجدوا ما عملوا حاضرا ) (4). # وهمچنين در اخبار بسيار آمده است ، كه از گفتن تسبيحى يا فعل حسنه مثلا ~~حورى بيافرينند كه در بهشت جاودانى از آن تمتع يابند. ودر ديگر جانب همچنين ~~از سيئات گناهكاران اشخاصى بيافرينند كه سبب محنت وعقوبت قومى باشند. چنان ~~كه در قصه پسر نوح عليه السلام آمده است : ( @QUR@04 إنه عمل غير صالح ) (5) ~~، ودر بنى اسرائيل : ( @QUR@014 ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين* ~~من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين ) (6). ودر خبر است كه : «خلق الكافر ~~من ذنب المؤمن». وامثال آن بسيار است. # واين جمله به حكم آن باشد كه ( @QUR@08 وإن الدار الآخرة لهي الحيوان لو ~~كانوا يعلمون ) (7)، پس هرچه در نظر اهل دنيا در آيد از وراء حجاب آن را ~~غير حيوان بيند ؛ چون حجاب PageV03P240 # غطاء از پيش برگيرد ، كه ( @QUR@06 فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ) ~~(1)، واين آنگاه بود كه از اين حيات كه به حقيقت مرگ است بميرد ، وبه حيات ~~آن جهان كه مرگ اين جهان است زنده شود ، كه : ( @QUR@018 أومن كان ميتا ~~فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج ~~منها ) (2). آن را چنان بيند كه باشد ، واين است اجابت دعاء «اللهم أرنا ~~الأشياء كما هي» پس هركسى را بعد از كشف غطاء وحدت بصر كتاب خود ببايد ~~خواندن وحساب خود كردن ، ( @QUR@020 وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج ~~له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا* اقرأ ms847 كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ~~) (3). اگر سابق الخيرات باشد ، يا از اهل يمين به حكم «كما تعيشون تموتون ~~وكما تموتون تبعثون» كتابش از پيش يا از جانب راستش بدو دهند ( @QUR@05 ~~فأما من أوتي كتابه بيمينه ) (4). واگر از جمله منكوسين باشد ، ( @QUR@08 ~~ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ) (5). يا از اهل شمال ، كتابش ~~از وراء ظهرش يا از جانب چپش به او دهند ، ( @QUR@06 وأما من أوتي كتابه ~~وراء ظهره ) (6). ( @QUR@05 وأما من أوتي كتابه بشماله ) (7)، انتهى ~~كلامه زيد اكرامه. # ولا يخفى عليك أن ما ذكره البيضاوي ، في معنى الكتاب ، وكذا ذهب إليه صدر ~~الأفاضل وفصله ، إن كان القول به على سبيل الاحتمال ، أي بأن جعل الأصل في ~~معناه ما ذكرناه كما هو ظاهر الشرع ، ومع هذا قيل بهذا الاحتمال أيضا فلا ~~مانع منه ، وإن حصر المعنى فيه ، فلا يخفى أنه خلاف ظاهر الشرع. # ولا يخفى عليك أيضا أن ما ذكره المحقق الطوسي رحمه الله في معناه ، وإن ~~كان متضمنا للتأويل ، إلا أنه ليس فيه خروج عن ظاهر الشرع ، بل هو تحقيق ~~أنيق جامع لظاهر الشرع PageV03P241 # وباطنه. والله أعلم بالصواب. # وحيث انتهى الكلام إلى هذا المقام ، فلنرجع إلى ما كنا بصدده ، فنقول : ### ||| * الميزان # فقد اختلف في معناه. # قال الزمخشري في قوله تعالى : ( @QUR@03 والوزن يومئذ الحق ) (1): يعني ~~وزن الأعمال والتمييز بين راجحها وخفيفها ، ورفعه بالابتداء ، وخبره يومئذ ~~، والحق صفته. أو الوزن يوم يسأل الله الأمم ورسلهم الوزن الحق أي العدل. ~~وقرئ بالقسط. # واختلف في كيفية الوزن ، فقيل : توزن صحائف الأعمال بميزان له لسان ~~وكفتان ينظر إليه الخلائق ، تأكيدا للحجة وإظهارا للنصفة وقطعا للمعذرة ، ~~كما يسألهم عن أعمالهم ، فيعترفون بألسنتهم وتشهد عليهم أيديهم وأرجلهم ~~وجلودهم ، وتشهد بها عليهم الأنبياء والملائكة والأشهاد ، كما تثبت في ~~صحائفهم فيقرءونها في موقف الحساب. # وقيل هي عبارة عن القضاء السوي والحكم العادل. فمن ثقلت موازينه ، جمع ~~ميزان أو موزون فمن رجحت أعماله الموزونة التي لها وزن وقدر وهي الحسنات ، ~~أو ما وزن به حسناتهم. # وعن الحسن : «وحق لميزان ms848 توضع فيه الحسنات أن يثقل ، وحق لميزان توضع فيه ~~السيئات أن يخف» (2)، انتهى. # ومثله كلام الطبرسي رحمه الله في «الجوامع» في تفسير هذه الآية. # وقال البيضاوي في تفسيرها : «والوزن أي القضاء أو وزن الأعمال ، وهو ~~مقابلتها بالجزاء ، والجمهور على أن صحائف الأعمال توزن بميزان له لسان ~~وكفتان ينظر إليه الخلائق إظهارا للمعدلة ، وقطعا للمعذرة ، كما يسألهم عن ~~أعمالهم فيعترف بها ألسنتهم ، PageV03P242 # وتشهد بها جوارحهم. ويؤيده ما روي أن الرجل يؤتى به إلى الميزان فينشر ~~عليه تسع وتسعون سجلا كل سجل مد البصر ، فيخرج له بطاقة فيها كلمة الشهادة ~~، فيوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة ، فطاشت السجلات وثقلت البطاقة (1). # وقيل : توزن الأشخاص ، لما روي أنه عليه السلام قال : إنه ليأتي العظيم ~~السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة. # ( @QUR@01 يومئذ ) خبر المبتدأ الذي هو الوزن ، والحق صفته أو خبر محذوف ~~، ومعناه العدل السوي. # ( @QUR@03 فمن ثقلت موازينه ) حسناته ، أو ما يوزن به حسناته. وجمعه ~~باعتبار اختلاف الموزونات وتعدد الوزن ، فهو جمع موزون أو ميزان» (2)، انتهى. # وقال الشارح القوشجي في شرح التجريد : «وذهب كثير من المفسرين إلى أن ~~الميزان له كفتان ولسان وشاهين عملا بالحقيقة لا مكانها ، وقد ورد في ~~الحديث تفسيره بذلك ، وأنكره بعض المعتزلة ذهابا إلى أن الأعمال أعراض لا ~~يمكن وزنها ، فكيف إذا زالت وتلاشت ، بل المراد به العدل الثابت في كل شيء ~~، ولذا ذكر بلفظ الجمع ، وإلا فالميزان المشهور واحد. # وقيل : هو الإدراك فميزان الألوان البصر ، والأصوات السمع ، والطعوم ~~الذوق ، وكذا سائر الخواص ، وميزان المعقولات العقل. # وأجيب بأنه يوزن صحائف الأعمال. وقيل : بل يجعل الحسنات أجساما نورانية ، ~~والسيئات أجساما ظلمانية. وأما لفظة الجمع فللاستعظام. # وقيل : لكل مكلف ميزان ، وإنما الميزان الكبير واحد ، إظهارا لجلالة ~~الأمر فيه ، وعظم المقام (3)، انتهى. # وقال بعض المحققين موافقا للغزالي في تحقيق ميزان أعمال العباد : «إن لكل معنى PageV03P243 # من المعاني حقيقة وروحا وله صورة وقالب ، وقد يتعدد الصور والقوالب ~~لحقيقة واحدة ، وإنما وضعت الألفاظ للحقائق والأرواح ، ولوجودها في القوالب ~~يستعمل الألفاظ فيها على ms849 الحقيقة ، مثل القلم فإنه وضع لآلة نقش الصور في ~~الألواح من دون أن يعتبر فيها كونها من قصب أو حديد أو غير ذلك ، بل ولا أن ~~يكون جسما ، ولا كون النقش محسوسا أو معقولا ، ولا كون اللوح من قرطاس أو ~~خشب ، بل مجرد كونه منقوشا فيه ، وهذا حقيقة اللوح. # فكذلك الميزان موضوع لما يعرف به مقادير الأشياء ، وهذا معنى واحد هو ~~حقيقته وروحه ، وله قوالب مختلفة وصور شتى بعضها محسوس وبعضها معقول ، مثل ~~ما يوزن به الأجرام والأثقال كذي الكفتين ، وما يوزن به المواقيت ~~والارتفاعات كالاصطرلاب ، وما يوزن به الدوائر والقسي كالفرجار ، وما يوزن ~~به الأعمدة كالشاقول ، وما يوزن به الخطوط كالمسطر ، وما يوزن به الشعر ~~كالعروض ، وما يوزن به سائر العلوم كالمنطق ، وما يوزن به الكل كالعقل ~~المستقيم. # وعلى هذا التحقيق يحتمل أن يقال : إن الميزان في الشرع للخواص من الناس ~~المنطق ، والقوانين النظرية التي يعرف بها الحق والباطل في الاعتقادات ~~والأصول ، وللخواص والعوام جميعا في الأعمال والأفعال الأنبياء والأوصياء ~~عليه السلام ، إذ صحة الفعل وفساده يتحقق بالموافقة لأفعالهم وأقوالهم ~~وعدمها ، انتهى. # وقال بعضهم : «إنه قد ورد في الأحاديث أن الموازين القسط هم الأنبياء ~~والأوصياء ، وأن أمير المؤمنين عليه السلام هو الميزان ، فميزان كل أمة هو ~~نبي تلك الأمة ووصي نبيها» ، انتهى. # وقال ابن بابويه في «اعتقاداته» : «اعتقادنا في الحساب والميزان أنهما حق ~~، منه ما يتولاه الله عز وجل ومنه ما يتولاه حججه ، فحساب الأنبياء والأئمة ~~عليه السلام يتولاه الله عز وجل ، ويتولى كل نبي حساب أوصيائه ، ويتولى ~~الأوصياء حساب الأمم ، والله تبارك وتعالى هو الشهيد على الأنبياء والرسل ، ~~وهم الشهداء على الأوصياء ، والأئمة شهداء على الناس ، وذلك قول الله عز وجل : PageV03P244 # ( @QUR@08 ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس ) (1)، # وقوله عز وجل : ( @QUR@012 فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على ~~هؤلاء شهيدا ) (2)، # وقال الله عز وجل : ( @QUR@09 أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ) ~~(3). والشاهد أمير المؤمنين عليه السلام . # وقوله تعالى : ( @QUR@07 إن إلينا إيابهم* ثم ms850 إن علينا حسابهم ) (4). # وسئل الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل . ( @QUR@09 ونضع الموازين ~~القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا ) (5). # قال : الموازين الأنبياء والأوصياء. # ومن الخلق من يدخل الجنة بغير حساب. ### ||| ** السؤال # فهو واقع على جميع الخلق ، لقول الله عز وجل : ( @QUR@06 فلنسئلن الذين ~~أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين ) (6)، يعني عن الدين. # وأما الذنب فلا يسأل إلا من يحاسب. قال الله عز وجل ( @QUR@08 فيومئذ لا ~~يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ) (7)، يعني من شيعة النبي والأئمة عليه السلام ~~دون غيرهم ، كما ورد في التفسير. # وكل محاسب معذب ، ولو بطول الوقوف ، ولا ينجو من النار ولا يدخل الجنة ~~أحد إلا بعمله والا برحمة الله تعالى ، والله تعالى يخاطب عباده من الأولين ~~والآخرين بمحل حسابهم مخاطبة واحدة يسمع منها كل واحد قضية دون غيرها ، ~~ويظن أنه مخاطب دون PageV03P245 # غيره ، لا يشغله عز وجل مخاطبة عن مخاطبة ، يفرغ من حساب الأولين والآخرين ~~في مقدار ساعة من ساعات الدنيا ، ويخرج الله عز وجل لكل إنسان كتابا يلقاه ~~منشورا ينطق عليه بجميع أعماله. لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ، ~~فيجعله الله محاسب نفسه والحاكم عليها ، بأن يقال له : ( @QUR@07 اقرأ ~~كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا ) ويختم الله تبارك وتعالى على أفواههم ~~وتشهد أيديهم وأرجلهم وجميع جوارحهم بما كانوا يكسبون ، وقالوا لجلودهم لم ~~شهدتم علينا؟ قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ~~ترجعون ، وما كنتم تستترون أن يشهد عليكم سمعكم ولا أبصاركم ولا جلودكم ، ~~ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون)) (1)، انتهى. # وأقول : وأنت تعلم بعد التأمل في كلام العلماء من أهل الإسلام ، مما ~~نقلنا أو لم ننقل ، أن لا خلاف بينهم ، بل لا شك في أن في يوم القيامة ~~معيارا صحيحا سديدا قويما يعرف به صحة العمل وفساده ، وصواب الاعتقاد ~~وخطاؤه ، قد عبر عنه بلسان الشرع بالميزان كما نطقت به الآيات القرآنية ، ~~ودلت عليه الأحاديث الصحيحة المعتبرة ، إلا أنهم اختلفوا في حقيقة ذلك ~~الميزان والمعيار ما هي؟ # فمن ms851 قال بأن المراد منه الميزان الحسي الجسماني الذي له لسان وكفتان ، ~~فكأنه قال به نظرا إلى دلالة بعض الأخبار عليه ، كخبر السجلات الذي نقله ~~البيضاوي وغيره من الأخبار ، والى أن المتبادر من لفظة الميزان والمعنى ~~الحقيقي له هو هذا ، فيجب الحمل عليه إذا لم يكن قرينة على خلافه. # ولا إشكال عليه أيضا من جهة أن الأعمال والاعتقادات معاني وأعراض ، فكيف ~~يمكن وزنها بذلك الميزان الحسي حتى يظهر ثقلها أو خفتها؟ لأنها من حيث ~~كونها معاني وأعراضا وإن كان لا يمكن وزنها بذلك الميزان الحسي الجسماني ، ~~إلا أنها كما دل عليه الأخبار الدالة على تجسيم الأعمال في القيامة تكون ~~أجساما ، إما أجساما نورانية ، كما للمحسنين ، وإما ظلمانية كما للمسيئين ، ~~وإذا كانت أجساما فيمكن وزنها بذلك الميزان. PageV03P246 # فإن قلت : إن الأخبار الدالة على تجسيم الأعمال تدل على تجسيم أعمال ~~المحسنين بصورة الحور والقصور والولدان ونحو ذلك ، وأعمال المسيئين بصورة ~~الحيات والعقارب والنيران ونحو ذلك ، فما معنى وزنها؟ # قلت : لا امتناع في وزنها حتى يظهر ثقلها أو خفتها. مع أنه يمكن أن تكون ~~تلك الأعمال مع تجسمها بتلك الصور المذكورة متجسمة حين الوزن بصور جسمانية ~~أخرى مؤلمة أو ملذة ، ويقع الوزن على تلك الأجسام الأخرى ، وتكون الأجسام ~~الأولى والأخرى كلها مظاهر لتلك الأعمال. # فإنك قد عرفت فيما مضى أنه يمكن أن يكون لحقيقة واحدة مظاهر متعددة ، على ~~أنه يمكن أن يكون الموزون بذلك الميزان الحسي صحائف الأعمال لا نفس الأعمال ~~، أي أن يكون تلك الصحائف الجسمانية من حيث كونها مشتملة على الأعمال ~~المكتوبة فيها ، وكون ثقلها وخفتها دليلا على ثقل الأعمال وخفتها موزونة. # وأما القول بأنه توزن الأشخاص ، فهو وإن كان يدفع هذا الإشكال أيضا ، إلا ~~أنه خلاف الظاهر من الأخبار ، بل مستبعد جدا ، فإن ثقل الأشخاص من حيث ~~كونها أشخاصا وخفتها ، كيف يكون دليلا على ثقل الأعمال وخفتها اللذين هما ~~مناط الرجحان وعدمه ، وسبب الحكم على المكلفين بالإساءة أو الإحسان. # اللهم إلا أن يكون المراد بوزن الأشخاص وزن أعمالهم أو وزن صحائف ms852 أعمالهم ~~، فيرجع إلى السابق. وكذا الحديث الذي نقله البيضاوي (1): «من أنه روي عنه ~~عليه السلام ، أنه قال : «ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله ~~جناح بعوضة» ، غير صريح ولا ظاهر في وزن الأشخاص ، فإنه يمكن أن يكون معنى ~~الحديث والله أعلم أنه ليأتي العظيم السمين يوم القيامة لا قدر له عند الله ~~تعالى بقدر جناح بعوضة ، لكونه ممن لا عمل خير له ، ويؤيده ما ذكره الشيخ ~~الطبرسي رحمه الله في «مجمع البيان» في تفسير قوله تعالى : ( @QUR@014 أولئك ~~الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم يوم القيامة ~~وزنا ) (2). بهذه العبارة : PageV03P247 # «فلا نقيم لهم يوم القيامة وزنا» أي لا قيمة لهم عندنا ولا كرامة ، ولا ~~نعتد بهم ، بل نستخف بهم ونعاقبهم. يقول العرب : ما لفلان عندنا وزن ، أي ~~قدر ومنزلة ، ووصف الجاهل بأن لا وزن له لخفته بسرعة طيشه في قلة تنبه. # وروي في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وآلهوسلم قال : إنه ليأتي الرجل ~~العظيم السمين يوم القيامة لا يزن جناح بعوضة» (1)، انتهى. # ولا يخفى أن ذكره رحمه الله هذا الحديث في تفسير الآية كما فسرها يؤيد ما ~~ذكرنا في معنى الحديث ، بل يدل عليه ، وإن ذكر بعضهم في الآية تفسيرا آخر ، ~~وهو أنه لا يقام للكافرين يوم القيامة ميزان ، لكون أعمالهم حابطة ، موافقا ~~لما ورد في الأخبار : «إن أهل الشرك لا ينصب لهم الموازين ، ولا تنشر لهم ~~الدواوين ، وإنما يحشرون إلى جهنم زمرا ، وإنما نصب الموازين ونشر الدواوين ~~لأهل الإسلام» رواه الكليني رحمه الله في «روضة الكافي» عن علي بن الحسين ~~عليهما السلام (2). # ثم إنه حيث كان الميزان ميزانا حسيا جسمانيا ، كان ثقل الموازين جمع ~~ميزان أو موزون وخفتها ثقلا وخفة حسيين أيضا ، وكان الثقل دليلا على ~~الرجحان ، والخفة دليلا على خلافه ، كما أنه في النشأة الدنيوية كذلك. # وقد قال بعض أهل التحقيق ، كالمحقق الطوسي رحمه الله في رسالة «المبدأ ~~والمعاد» : «إن في ذلك إشارة إلى دقيقة هي أن أثر كل فعل يقتضي اطمينان ~~الفاعل ms853 كالخيرات والأفعال الحسنة ، فنسبته إلى الثقل أولى ، وهذا كما أن ~~المثقلات تحفظ السفن عن الاضطراب والحركات المختلفة ، وأثر كل فعل يقتضي ~~تحير نفس الفاعل وتتبع الأهواء المختلفة كالسيئات والشرور فنسبته إلى الخفة ~~أولى ، حيث إن الجسم الخفيف يتحرك بأدنى تغير يحدث في الهواء ويكون حركاته ~~خالية عن الانتظام ، وكذلك اطمينان النفس يستلزم الرضا ، فلذا قال تعالى : ~~( @QUR@08 فأما من ثقلت موازينه* فهو في عيشة راضية ) (3). واختلاف PageV03P248 # حركات النفس واضطرابها يستلزم متابعة الهواء ، وهي مؤدية إلى الهاوية ، ~~فلذا قال تعالى : ( @QUR@06 وأما من خفت موازينه* فأمه هاوية ) (1). # وأيضا إن إبليس خلق من النار ، وآدم خلق من الطين ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@06 خلقتني من نار وخلقته من طين ) (2) والنار خفيفة ، والطين ثقيل ، ~~فلذا يقتضي أفعال إبليس الخفة ، وأفعال آدم الثقل ، كما قال تعالى : ( ~~@QUR@05 قل كل يعمل على شاكلته ) (3) انتهى بمضمونه. (4) # وأقول : وهذا التحقيق وإن كان متضمنا للتأويل ، لكنه تحقيق أنيق جامع بين ~~ظاهر الشرع وباطنه. # وحيث عرفت ذلك. فاعلم أن القول بالميزان بهذا المعنى الحسي الجسماني ، ~~كأنه لا ينافيه ما ورد في الأخبار الصحيحة أن الموازين هم الأنبياء ~~والأوصياء عليه السلام ، وأن أمير المؤمنين عليه السلام هو الميزان ، إذ ~~القائل بهذا القول لو رام القول بما تضمنه تلك الأخبار أيضا ، وأراد الجمع ~~بين الأخبار ، أمكنه أن يقول : لعل المتولي لوزن الأعمال بذلك الميزان ~~الحسي هم الأنبياء والأوصياء عليه السلام ، كما أنهم هم المتولون لحساب ~~الأمم ، فلذلك أطلق عليهم عليه السلام ، لفظ الميزان ، ويكون الإطلاق على ~~نوع من المجاز. # وعلى تقدير أن يكون المراد بتلك الأخبار أنهم عليه السلام هم الميزان نفسه ~~، وأن ذواتهم المقدسة ونفوسهم الشريفة هي المعيار لصحة العمل وفساده ، كما ~~هو الظاهر من تلك الأخبار ، بناء على أن يكون إطلاق الميزان عليهم ~~عليه السلام بنوع تجوز كما هو الاحتمال ، أو على سبيل الحقيقة بناء على ~~التحقيق الذي نقلناه من الغزالي وغيره ، وبناء على أن يكون معنى كونهم ~~الميزان كما هو الاحتمال ، أنهم يحكمون بعقولهم المقدسة المستقيمة في ~~النشأة الأخروية على بعض الأعمال والاعتقادات ms854 بالحسن والرجحان ، وكذا ~~بالثقل الذي هو دليل الرجحان ، وعلى بعضها بخلاف ذلك. PageV03P249 # أو أنه يوم القيامة يعرض أفعال العباد وعقائدهم على أفعالهم عليه السلام ~~وعقائدهم ، وتقاس هي عليها ، فما وافق أفعالهم وعقائدهم يحكم عليه بالرجحان ~~والثقل ، وما خالفه يحكم عليه بخلافه كما هو الأظهر ، وبناء على أن يكون ~~معنى الثقل والخفة معنى عقليا. # فعلى هذا التقدير لا منافاة أيضا ، إذ القائل بالميزان الحسي لو رام ~~الجمع أيضا ، أمكنه أن يقول : لا امتناع في أن يكون يوم القيامة نوعان من ~~الميزان والمعيار ، يوزن بكل منهما الأعمال ويتميز بهما صحة الفعل وفساده : ~~أحدهما الميزان الحسي ، والآخر الأنبياء والأوصياء الذين يرجع كونهم ميزانا ~~إلى الميزان العقلي ، ولعل الحكمة في ذلك والله أعلم ظهور حسن أفعال العباد ~~وقبحها أتم ظهور ، حيث إن تلك الأفعال توزن بميزان حسي وعقلي جميعا ، فيظهر ~~ثقل ما ظهر ثقله بالميزان الحسي بالميزان العقلي أيضا ، وكذلك الخفة. # وبالجملة ، يكون إلزام الحجة عليهم أوكد وأتم. # وهذا كما أن من يقول بأن المراد بالموازين القسط هم الأنبياء والأوصياء ~~نظرا إلى دلالة تلك الأخبار عليه ، لو رام القول بالميزان الحسي أيضا ~~والجمع بين الأخبار ، أمكنه ذلك بأحد من الوجهين المذكورين. والله أعلم ~~بالصواب. # وحيث عرفت ذلك ، ظهر لك أن من قال بأن الموازين عبارة عن القضاء السوي ~~والحكم العادل ، إن أراد به القضاء السوي والحكم العادل الذي يكون بالميزان ~~الحسي ، فلا مانع منه. # وكذا لو أراد به الحكم العادل الذي يحكم به الأنبياء والأوصياء ~~عليه السلام ، أو يحكم به الله تعالى أو الملائكة المقربون بإذن الله تعالى ~~، أو الحكم العدل الذي يكون هو بموافقة أفعال العباد لأفعال الحجج ~~عليه السلام ومخالفتها لها ، فلا مانع منه أيضا. وكيفما كان فلا يكون في هذا ~~القول مخالفة لشيء من الأخبار ، بل على تقديره أيضا يمكن الجمع كما يعلم ~~بالتأمل فيما ذكرنا. # وأما من قال بأن المراد بالوزن وزن الأعمال ، وهو مقابلتها بالجزاء ، فهو ~~بظاهره وإن كان يتراءى كونه معنى آخر غير ما ذكر ، إلا أنه بعد ms855 التأمل يرجع ~~إلى السابق أيضا ، لأن PageV03P250 # وزن الأعمال ومقابلتها بالجزاء إنما يكون بميزان البتة ، وهو إما الميزان ~~الحسي أو العقلي. # وقد ذكر بعضهم أن المراد بالميزان تقابل الحسنات من أهل الطاعة بسيئاتهم ~~، ليظهر الرجحان أو التساوي ، وهذا مع رجوعه إلى السابق باعتبار يتضمن معنى ~~آخر ، هو الموازنة التي قال بها بعض المتكلمين ، وأبطلها بعض العلماء منا. ~~ولنا في تحقيق القول بها وفي إبطال الإحباط والتكفير كلام مبسوط ذكرناه في ~~«تنقيح المرام في شرح تهذيب الأحكام» (1)، من أراد الاطلاع عليه فليرجع إليه. # وكيفما كان ، فالميزان بأي معنى من تلك المعاني المتقدمة ، أمر ممكن في ~~ذاته قد أنبأ عنه الشرع ، فيجب الإيمان به. ### ||| * الحساب # فمعناه جمع تفاريق المقادير والأعداد وتفريق مبلغها لكي يظهر كيفية الحال ~~، وهو في القيامة عبارة عن حصر آثار الحسنات والسيئات وجمعها حتى يجزى أهل ~~الحسنات جزاء حسناتهم ، وأهل السيئات جزاء سيئاتهم ، وكما أن ذلك أمر ممكن ~~في ذاته ، كذلك يمكن في جنب قدرة الله تعالى البالغة أن يكشف في لحظة واحدة ~~وساعة واحدة للخلائق حاصل حسناتهم وسيئاتهم ، ولا يشغله حساب أحد عن حساب ~~الآخر ، ويفرغ في تلك اللحظة والساعة عن حساب الأولين والآخرين وهو أسرع ~~الحاسبين. # وأما بيان كيفية وقوع الحساب وبيان المتولي له ، وبيان من يقع عليه ~~الحساب ، وما يحاسب به ، ويسأل عنه ، فقد عرفته على سبيل الإجمال مما نقلنا ~~عن الشيخ ابن بابويه رحمه الله من المقال ، فتذكر. # إلا أن قوله أولا بوقوع الحساب على كل أحد ، حتى الأنبياء والأوصياء ~~عليه السلام ، وقوله أخيرا : إن من الخلق من يدخل الجنة بغير حساب ، يتراءى ~~أنه كونهما متنافيين ظاهرا. # ولعل وجه رفع التنافي كما يظهر من كلامه ، أن معنى وقوع الحساب على الكل أن PageV03P251 # الكل يحاسبون ويسألون عن الدين ، ومعنى أن من الخلق من يدخل الجنة بغير ~~حساب ، أنهم يدخلون الجنة بغير حساب وسؤال عن الذنب لا عن الدين أيضا ، ~~وحينئذ فلا منافاة : على أنه ذكر بعض المفسرين ، كالشيخ الطبرسي رحمه الله ~~في الجوامع في تفسير قوله تعالى ms856 : ( @QUR@023 من عمل سيئة فلا يجزى إلا ~~مثلها ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون ~~فيها بغير حساب ) (1) هكذا : وقوله : «بغير حساب» في مقابلة «إلا مثلها» ~~معناه أن جزاء السيئة له حساب وتقدير لا يزيد على المستحق ، وأما جزاء ~~العمل الصالح فبغير تقدير وحساب ، بل هو زائد على المستحق ما شئت من ~~الزيادة والكثرة» (2)، انتهى. # ولعل مراد ابن بابويه رحمه الله أيضا من قوله : «إن من الخلق من يدخل ~~الجنة بغير حساب» هذا المعنى ، وحينئذ فلا إشكال ولا منافاة أصلا. # وقد تضمن ما نقلناه عنه أن في القيامة ، ولا سيما حين وقوع الحساب ، يكون ~~إنطاق الجوارح أيضا كما دل عليه الآيات التي ذكرها وغيرها مما ورد في الشرع ~~من ذلك ، ولا يخفى أنه أيضا أمر ممكن في ذاته قد نطق به الشرع ، فيجب ~~الإيمان به. وهذا أيضا من جملة الأمور والأحوال الكائنة في القيامة التي ~~نروم بيانها هذا. # وقد ذكر المحقق الطوسي رحمه الله في رسالة «المبدأ والمعاد» في بيان ~~الحساب كلاما لا بأس بنقله. # قال : «فصل نهم در اشارت به حساب طبقات اهل حساب. در روز حساب مردمان سه ~~طائفه اند : طائفه اى ( @QUR@06 يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب ) ~~وايشان سه صنفند : # اول : سابقان واهل اعراف ، كه از حساب منزه اند. در خبر است كه چون ~~درويشان را به حسابگاه برند ، وفرشتگان از ايشان حساب طلبند ، گويند چه به ~~ما داده ايد ، تا حساب بازدهيم. خطاب حضرت عزت مى رسد كه نيك مى گويند ، ~~شما را با حساب ايشان كار نيست. وخود خطاب با پيغمبر است در حق جماعتى ( ~~@QUR@04 ما عليك من حسابهم PageV03P252 # @QUR@08 من شيء ، وما من حسابك عليهم من شيء ) (1). # وصنف دوم : جماعتى از اهل يمين ، كه بر سيئات اقدام ننموده باشند. # وصنف سوم : جماعتى كه ديوان ايشان از سيئات خالى باشد. (سوم : جماعتى كه ~~يبدل الله سيئاتهم حسنات خ). # اما اهل حساب نيز سه صنفند : # اول : جماعتى كه ديوان اعمال ايشان از ms857 حسنات خالى باشد. # دوم : كسانى كه ( @QUR@08 حبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون ) (2) ~~در شأن ايشان است. # ( @QUR@09 وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا ) (3). # سوم : اهل حساب كه ( @QUR@05 خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ) (4) وايشان دو ~~صنف باشند : # صنفى كه حساب خود هميشه كنند ، «وحاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا» ، ~~پسنديده اند ، لا جرم به قيامت ( @QUR@03 يحاسب حسابا يسيرا ) (5). # وصنفى كه از حساب وكتاب غافلند ، لا جرم به مناقشه حساب مبتلا شوند. «ومن ~~نوقش في الحساب فقد عذب». # وحساب عبارت از حصر وجمع آثار حسنات وسيئاتى است كه تقديم يافته باشند ، ~~تا به حكم عدل جزاى هريك بستانند ، وهميشه موقنان مشاهد موقف حساب باشند ~~(لا يؤخر حساب المؤمن إلى يوم القيامة) (6)، انتهى كلامه رحمه الله . PageV03P253 ### ||| * العقبات # ثم إن من جملة تلك الأحوال والأمور الكائنة يوم القيامة ، بل فيما بعد ~~الموت «العقبات» ، وقد دل عليه الشرع. روى الشيخ ابن بابويه ، في «الفقيه» ~~عن الصادق عليه السلام أنه قال : إن بين الدنيا والآخرة ألف عقبة ، أهونها ~~وأيسرها الموت. (1) # وذكر صدر الأفاضل في الشواهد «أنه روي عن النبي صلى الله عليه وآلهوسلم ، ~~أنه سئل عن قوله تعالى : ( @QUR@02 سأرهقه صعودا ) (2) فقال : إنه جبل من ~~نار يصعد فيه سبعين خريفا ثم يهوي فيه كذلك أبدا. وقال أيضا : يكلف أن يصعد ~~عقبة في النار ، كلما وضع يده عليها ذابت ، وإذا وضع رجله ذابت ، فإذا ~~رجعها عاقت (عادت خ) ويهوي فيه إلى أسفل سافلين» (3)، انتهى. # وقد ذكر العلماء في الحديث الأول وجوها : # فقال بعضهم : إن تلك العقبات عبارة عن الآلام والغموم والحسرات الكثيرة ~~الحاصلة للإنسان بفعل أعمال الشر أو ترك أعمال الخير ، سواء خصصنا الشر ~~بالمحرمات والخير بالواجبات ، وسواء عممنا الشر بحيث يشمل المكروهات ، ~~والخير بحيث يشمل المستحبات أيضا ، حيث إنه يلحقه بعد كشف الغطاء عنه بترك ~~كل واجب بل مستحب ، وكذا بفعل كل حرام ، بل مكروه أيضا ، ألم وحسرة وندامة ~~، فإن الألم الحاصل له لأجل كل واحد منها هو عقبة على حيالها. # وقال بعضهم : إنها ms858 عبارة عن الآلام والحسرات التي تحصل للنفس الإنسانية ~~بسبب قطع تعلقها عن البدن وأجزائه وعن الأهل والمال والعشائر والإخوان ~~والأحباء والأصدقاء ونحو ذلك من موجودات النشأة الدنيوية التي كان لها تعلق ~~بها ، فإن الألم الحاصل لها بسبب قطع التعلق عن كل واحد واحد ، هو عقبة ~~واحدة من تلك العقبات. PageV03P254 # وعلى هذين المعنيين ، فيكون المراد بالعقبات في الحديث العقوبات ، سواء ~~حمل قوله عليه السلام : «ألف عقبة» على هذا العدد المعين أو على كثرة ، إلا ~~أن في المعنى الثاني شيئا ، وهو أن قطع تعلق النفس عن تلك المذكورات هو ~~الموت ، فلا يبقى حينئذ عقبة أخرى غير الموت يكون هو أيسر العقبات وأهونها ~~كما دل عليه الحديث. # وقال ابن بابويه رحمه الله في اعتقاداته بهذه العبارة : «باب في العقبات ~~التي على طريق المحشر : اعتقادنا في ذلك أن هذه العقبات اسم كل عقبة منها ~~اسم فرض وأمر ونهي ، فمتى انتهى الإنسان إلى عقبة اسمها اسم فرض وكان قد ~~قصر في ذلك الفرض ، حبس عندها وطولب بحق الله فيها ، فإن خرج فيه بعمل صالح ~~قدمه ، أو برحمة تداركه نجا منها إلى عقبة أخرى ، فلا يزال يدفع من عقبة ~~إلى عقبة ويحبس عند كل عقبه ، فيسأل عما قصر فيه من معنى اسمها ، فإن سلم ~~في جميعها انتهى إلى دار البقاء فيحيا حياة لا موت فيها أبدا ، وسعد سعادة ~~لا شقاوة معها ، وسكن جوار الله مع أنبيائه وحججه والصديقين والشهداء ~~والصالحين من عباده. وإن حبس على عقبة فطولب بحق قصر فيه فلم ينجه عمل صالح ~~قدمه ، ولا أدركته من الله رحمة ، زلت به قدمه عن العقبة فهوى في جهنم ، ~~نعوذ بالله منها. # وهذه العقبات كلها على الصراط ؛ اسم عقبة منها الولاية ، يوقف جميع ~~الخلائق عندها فيسألون عن ولاية أمير المؤمنين عليه السلام والأئمة ~~عليه السلام ، فمن أتى بها نجا ، ومن لم يأت بها هوى ، وذلك قول الله عز وجل ~~: ( @QUR@03 وقفوهم إنهم مسؤلون ) (1)، واسم عقبة منها المرصاد ، وهو قول ~~الله عز وجل : ( @QUR@03 إن ربك لبالمرصاد ) (2)، وهو قول الله ms859 عز وجل «لا ~~يجوزني ظلم ظالم». واسم عقبة منها الرحم ، واسم عقبة منها الأمانة ، واسم ~~عقبة منها الصلاة ، وباسم كل فرض أو أمر ونهي عقبة ، يحبس عندها العبد ~~فيسأل» (3)، انتهى كلامه رحمه الله . # وأقول : وعلى ما ذكره رحمه الله ، فالعقبات محمولة على ظاهرها ، سواء حملت ~~على الكثرة أو على العدد المعين. وتوجيهه على القول بتجسيم الأعمال ~~والأوامر والنواهي ظاهرة ، PageV03P255 # فإنه إذا جاز أن يكون الصراط المستقيم الذي هو الدين القويم ، وعبارة عن ~~مجموع ما أتى الشارع به من الأوامر والنواهي والأعمال والأفعال والعقائد ~~ممثلا في الآخرة بصورة الجسر الممدود على متن جهنم ، كما تحققت القول فيه ~~سابقا ، كذلك يجوز أن يكون كل جزء من أجزاء الصراط المستقيم ممثلا في ~~القيامة بصورة عقبة من تلك العقبات ، فيكلف العبد بالمرور عليها والعبور ~~منها ، ويكون مرور من أتى بحق ذلك الجزء منه حق الإتيان بسهولة ، ومرور من ~~قصر فيه بصعوبة. # إلا أن فيما ذكره رحمه الله شيئا أيضا ، وهو أنه يدل على أن كل تلك ~~العقبات الواردة في الشرع إنما هي على الصراط ، وقد عرفت ، أن الحديث الأول ~~يدل على أنها تكون فيما بين الدنيا والآخرة ، حتى في عالم البرزخ أيضا ، ~~وكذلك ما نقله صدر الأفاضل من الحديث النبوي يدل على كونها في جهنم أيضا. ~~والله تعالى يعلم. ### ||| * الحوض # ومن تلك الأمور الحوض ، وهو أيضا مما ورد الشرع به ويجب التصديق له. # قال ابن بابويه رحمه الله في اعتقاداته : «اعتقادنا في الحوض أنه حق ، وأن ~~عرضه ما بين أبلة وصنعاء ، وهو حوض النبي صلى الله عليه وآلهوسلم ، وأن فيه من ~~الأباريق عدد نجوم السماء ، وأن الولي (الساقي خ) عليه يوم القيامة أمير ~~المؤمنين عليه السلام ، يسقي منه أولياءه ، ويذود عنه أعداءه ، من شرب منه ~~شربة لم يظمأ بعدها أبدا. وقال النبي صلى الله عليه وآلهوسلم : «ليختلجن قوم ~~من أصحابي دوني وأنا على الحوض ، فيؤخذ بهم ذات الشمال ، فأنادي : يا رب ~~أصحابي أصحابي ، فيقال لي إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك» (1)، انتهى. PageV03P256 ### ||| * الشفاعة # ومنها ms860 الشفاعة ، قال ابن بابويه رحمه الله : إنها لمن ارتضى الله دينه من ~~أهل الكبائر والصغائر ، فأما التائبون من الذنوب فغير محتاجين إلى الشفاعة ~~، وقال النبي صلى الله عليه وآلهوسلم : من لم يؤمن بشفاعتي فلا أناله الله ~~شفاعتي. وقال النبي صلى الله عليه وآلهوسلم : لا شفيع أنجح من التوبة. # والشفاعة للأنبياء والأوصياء والمؤمنين والملائكة ، وفي المؤمنين من يشفع ~~في مثل ربيعة ومضر ، وأقل المؤمنين شفاعة من يشفع لثلاثين إنسانا. والشفاعة ~~لا تكون لأهل الشرك ، ولا لأهل الكفر والجحود ، بل يكون للمذنبين من أهل ~~التوحيد (1)، انتهى. # وبالجملة ، ثبوت أصل الشفاعة مع كونه مما دل عليه الشرع الشريف ، لقوله ~~تعالى : ( @QUR@06 عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا ) (2)، حيث فسر ~~بالشفاعة. ولقوله صلى الله عليه وآلهوسلم : «ادخرت شفاعتي لأهل الكبائر من ~~أمتي» (3) إجماعي بين المسلمين لا خلاف فيه لأحد ، فيجب الإيمان به. وأما ~~السمعيات الدالة على نفي الشفاعة ، كقوله تعالى : ( @QUR@04 وما للظالمين ~~من أنصار ) (4) وقوله تعالى : ( @QUR@04 فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) (5) ~~وغير ذلك ، فهي متأولة بالكفار. # وهل الشفاعة لزيادة المنافع أو لإسقاط المضار؟ # فيه خلاف بين المتكلمين ، والحق عند المحققين ثبوتها فيهما جميعا ، إذ ~~يقال : شفع فلان لفلان ، إذا طلب له زيادة منافع أو إسقاط مضار. # وعلى التقديرين ، فيبطل الشفاعة منا في حقه صلى الله عليه وآلهوسلم ، أما ~~على التقدير الثاني فظاهر ، إذ لا مضار له صلى الله عليه وآلهوسلم حتى يمكن ~~إسقاطها ، وأما على الثاني ، فلأن طلب زيادة المنافع في حقه ~~صلى الله عليه وآلهوسلم وإن كان يتصور ، إلا أن الشفيع ينبغي أن يكون أعلى ~~مرتبة من المشفوع ، وهنا ليس كذلك. PageV03P257 ### ||| * الجنة والنار # ومنها الجنة والنار بما فيهما كما فصل في الشرع الشريف وبين في الدين ~~القويم ، ويجب الإيمان بهما جميعا ، إذ جميع ذلك أمر ممكن في ذاته ، وقد ~~نطق به الشرع المتين المبين. PageV03P258 ### ||| * المطلب الثالث ### ||| * في بيان أصناف الناس وبيان أحوالهم في الجملة في القيامة ### ||| * وفي كيفية خلود أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار # قال الله تعالى : ( @QUR@017 وكنتم أزواجا ثلاثة* فأصحاب الميمنة ms861 ما ~~أصحاب الميمنة* وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة* والسابقون السابقون* ~~أولئك المقربون ) (1) الآيات. # وقال : ( @QUR@031 فأما إن كان من المقربين* فروح وريحان وجنة نعيم* وأما ~~إن كان من أصحاب اليمين* فسلام لك من أصحاب اليمين* وأما إن كان من ~~المكذبين الضالين* فنزل من حميم* وتصلية جحيم ) (2). # وقال تعالى : ( @QUR@021 ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ~~ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ~~) (3) الآيات. # وذكر صاحب الكشاف في تفسير الآية الاولى : أن معنى قوله تعالى : ( ~~@QUR@03 وكنتم أزواجا ثلاثة ): وكنتم أصنافا ثلاثة ، يقال للأصناف التي ~~بعضها مع بعض أو يذكر بعضها مع بعض أزواج. وأن أصحاب الميمنة الذين يؤتون ~~صحائفهم بأيمانهم ، وأصحاب المشأمة الذين يؤتونها بشمائلهم ، أو أصحاب ~~المنزلة السنية وأصحاب المنزلة الدنية ، من قولك : فلان مني باليمين وفلان ~~مني بالشمال ، إذا وصفتهما بالرفعة عندك والضعة. وذلك لتيمنهم بالميامن ~~وتشؤمهم بالشمائل ، ولتفؤلهم بالسانح وتطيرهم من البارح. ولذلك اشتقوا ~~لليمين الاسم PageV03P259 # من اليمن ، وسموا الشمال شومي. # وقيل : أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة أصحاب اليمن والشوم ، لأن السعداء ~~ميامين على أنفسهم بطاعتهم ، والأشقياء مشائيم عليها بمعصيتهم. # وقيل : يؤخذ بأهل الجنة ذات اليمين ، وبأهل النار ذات الشمال. # وإن السابقين المخلصون الذين سبقوا إلى ما دعاهم الله إليه ، وشقوا ~~الغبار في طلب مرضاة الله تعالى. # وقيل : الناس ثلاثة : فرجل ابتكر الخير في حداثة سنه ، ثم دوام عليه حتى ~~خرج من الدنيا ، فهذا السابق المقرب. ورجل ابتكر عمره بالذنب وطول الغفلة ، ~~ثم تراجع بتوبة ، فهذا صاحب اليمين. ورجل ابتكر الشر في حداثة سنه ، ثم لم ~~يزل عليه حتى خرج من الدنيا ، فهذا صاحب الشمال (1)، انتهى. # وذكر في تفسير الآية الثانية : أن المراد من المقربين : السابقون من ~~الأزواج الثلاثة المذكورة في أول السورة (2). # ويشعر كلامه هذا أن المراد من أصحاب اليمين أصحاب الميمنة ، وبالمكذبين ~~الضالين ، أصحاب المشأمة. # وذكر في تفسير الآية الثالثة ما يدل على أن المراد ب «الذين» اصطفينا من ~~عبادنا» أمة محمد صلى الله عليه وآلهوسلم من الصحابة والتابعين وتابعيهم ومن ms862 ~~بعدهم إلى يوم القيمة ، وأن الضمير في ( @QUR@03 فمنهم ظالم لنفسه ) راجع ~~إلى ( @QUR@01 الذين )، أي فمنهم ظالم لنفسه بجرم ، وهو المرجى لأمر الله ~~، ومقتصد ، وهو الذي خلط عملا صالحا وآخر سيئا ، وسابق من السابقين (3)، انتهى. # وكلام الشيخ الطبرسي رحمه الله في الجوامع في تفسير الأولى والثانية موافق ~~لما ذكره صاحب الكشاف ، إلا أنه لم يذكر معنى السابقين ، ولم يذكر أيضا ما ~~ذكره صاحب الكشاف بقوله: «وقيل الناس ثلاثة» الخ. PageV03P260 # وأما كلامه في تفسير الآية الثالثة فهكذا : «وعن ابن عباس والحسن أن ~~الضمير ، أي الضمير في قوله تعالى : ( @QUR@03 فمنهم ظالم لنفسه ) للعباد ، ~~واختاره المرتضى قدسسره ، قال : علل تعليقه سبحانه وراثة الكتاب بالمصطفين ~~من عباده ، بأن فيهم من هو ظالم لنفسه ، ومن هو مقتصد ، ومن هو سابق ~~بالخيرات. # وقيل : إن الضمير للذين اصطفاهم وروي عن الصادق عليه السلام ، أنه قال : ~~الظالم لنفسه منا من لا يعرف حق الإمام ، والمقتصد منا العارف بحق الإمام ، ~~والسابق بالخيرات هو الإمام ، وكلهم مغفور لهم (1)، انتهى. # وقد روى الشيخ الكليني في كتاب «الإيمان والكفر» من كتاب «الكافي» في باب ~~«الكبائر» عن الأصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام حديثا تضمن أن ~~الناس على ثلاث طبقات : أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة والسابقون ، وأن ~~السابقين فهم الأنبياء مرسلين وغير مرسلين ، وأن أصحاب الميمنة هم المؤمنون ~~حقا ، وأن أصحاب المشأمة هم اليهود والنصارى. # وروى أيضا في ذلك الكتاب في باب «أصناف الناس» عن حمزة بن الطيار ، أنه ~~قال : قال لي أبو عبد الله عليه السلام : الناس على ستة أصناف. قال ، قلت : ~~أتأذن لي أن أكتبها؟ قال نعم ، قلت : ما أكتب؟ قال : اكتب : أهل الوعيد من ~~أهل الجنة وأهل النار. واكتب : وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا. قال ، قلت : من هؤلاء؟ قال : وحشي (2) منهم. # قال واكتب : وآخرون مرجون لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم ، قال : ~~اكتب : إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا ~~يهتدون سبيلا ، لا يستطيعون حيلة إلى الكفر ولا يهتدون سبيلا إلى الإيمان ، ~~فاولئك ms863 عسى الله أن يعفو عنهم. # قال : واكتب : أصحاب الأعراف. قال ، قلت : وما أصحاب الأعراف؟ قال : قوم استوت PageV03P261 # حسناتهم وسيئاتهم ، فإن أدخلهم الله النار فبذنوبهم ، وإن أدخلهم الجنة ~~فبرحمته. (1) # وعن حمزة بن الطيار أيضا ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : الناس ~~على ست فرق ويؤولون كلهم إلى ثلاث فرق : الإيمان ، والكفر والضلال ، وهم ~~أهل الوعيد الذين وعدهم الله الجنة والنار : المؤمنون ، والكافرون ، ~~والمستضعفون ، والمرجون لأمر الله إما يعذبهم ، وإما يتوب عليهم. ~~والمعترفون بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا ، وأهل الأعراف. (2) # وقد روى أيضا في ذلك الكتاب في باب «الضلال» عن زرارة ، عن أبي جعفر ~~عليه السلام ، حديثا يتضمن أنه قال : فقلت : فقد قال الله عز وجل : ( @QUR@07 ~~هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن ) (3) لا والله لا يكون أحد من الناس ~~ليس بمؤمن ولا كافر. قال : فقال أبو جعفر عليه السلام : قول الله أصدق من ~~قولك يا زرارة ، أرأيت قول الله عز وجل : ( @QUR@010 خلطوا عملا صالحا وآخر ~~سيئا عسى الله أن يتوب عليهم ) (4) فلما قال عسى؟ فقلت : ما هم إلا مؤمنين ~~أو كافرين. قال ، فقال : فما تقول في قوله عز وجل ( @QUR@012 إلا المستضعفين ~~من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا ) إلى ~~الإيمان»؟ فقلت : ما هم إلا مؤمنين أو كافرين. ثم أقبل علي ، فقال : ما ~~تقول في أصحاب الأعراف؟ فقلت : ما هم إلا مؤمنين أو كافرين ، إن دخلوا ~~الجنة فهم مؤمنون ، وإن دخلوا النار فهم كافرون. فقال : والله ما هم ~~بمؤمنين ولا كافرين ، لو كانوا مؤمنين لدخلوا الجنة كما دخلها المؤمنون ، ~~ولو كانوا كافرين لدخلوا النار كما دخلها الكافرون ، لكنهم قوم استوت ~~حسناتهم وسيئاتهم فقصرت بهم الأعمال ، وإنهم لكما قال الله عز وجل . فقلت : ~~أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار؟ فقال : اتركهم حيث تركهم الله. قلت : ~~أفترجئهم؟ قال : نعم كما أرجأهم الله ، إن شاء أدخلهم الجنة برحمته ، وإن ~~شاء ساقهم إلى النار بذنوبهم ولم يظلمهم. فقلت : هل يدخل الجنة كافر؟ قال : ~~لا. قلت : فهل يدخل النار إلا ms864 كافر؟ قال : فقال : لا ، إلا أن يشاء الله. ~~يا زرارة إنني أقول ما شاء PageV03P262 # الله ، وأنت لا تقول ما شاء الله ، أما إنك إن كبرت رجعت وتحللت عندك ~~عقدك (1). # وروى أيضا في باب «المستضعف» عن زرارة ، قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن ~~المستضعف ، فقال : هو الذي لا يهتدي حيلة إلى الكفر فيكفر ، ولا يهتدي ~~سبيلا إلى الإيمان ، لا يستطيع أن يؤمن ولا يستطيع أن يكفر ، فهم الصبيان ~~ومن كان من الرجال والنساء على مثل عقول الصبيان مرفوع عنهم القلم. # وعنه ، قال : سألت أبا جعفر عليه السلام عن المستضعف ، فقال : هو الذي لا ~~يستطيع حيلة يدفع بها عنه الكفر ، ولا يهتدي بها إلى سبيل الإيمان ، لا ~~يستطيع أن يؤمن ولا يكفر ، قال : والصبيان ومن كان من الرجال والنساء على ~~مثل عقول الصبيان. (2) # وعن عمر بن أبان ، قال : سألت أبا عبد الله عليه السلام عن المستضعفين ، ~~فقال : هم أهل الولاية. فقلت : أي ولاية؟ فقال : أما إنها ليست بالولاية في ~~الدين ، ولكنها الولاية في المناكحة والموارثة والمخالطة ، وهم ليسوا ~~بالمؤمنين ولا بالكفار ، ومنهم المرجون لأمر الله. (3) # وعن أبي بصير ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام : من عرف اختلاف الناس ~~فليس بمستضعف. # وعن علي بن سويد ، عن أبي الحسن موسى عليه السلام ، قال : سألته عن ~~الضعفاء ، فكتب إلي : الضعيف من لم ترفع إليه حجة ، ولم يعرف الاختلاف ، ~~فإذا عرف الاختلاف فليس بضعيف. (4) # وروى فيه أيضا في باب «المرجون لأمر الله» عن زرارة ، عن أبي جعفر ~~عليه السلام ، في قول PageV03P263 # الله عز وجل : ( @QUR@04 وآخرون مرجون لأمر الله ) (1) قال : قوم كانوا ~~مشركين ، فقتلوا مثل حمزة وجعفر وأشباههما من المؤمنين ، ثم إنهم دخلوا في ~~الإسلام فوحدوا الله وتركوا الشرك ، ولم يعرفوا الإيمان بقلوبهم فيكونوا من ~~المؤمنين فتجب لهم الجنة ، ولم يكونوا على جحودهم فيكفروا فتجب لهم النار ، ~~فهم على تلك الحال إما يعذبهم وإما يتوب عليهم (2). # وروى أيضا فيه في باب «أصحاب الأعراف» عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام ~~مثل الحديث السابق في بيان ms865 حال أصحاب الأعراف. # وروى عن رجل قال : قال أبو جعفر عليه السلام : «الذين خلطوا عملا صالحا ~~وآخر سيئا» فاولئك قوم مؤمنون يحدثون في إيمانهم من الذنوب التي يعيبها ~~المؤمنون ويكرهونها ، فأولئك عسى الله أن يتوب عليهم (3)، انتهى. # وقال الشيخ الصدوق ابن بابويه رحمه الله في «الفقيه» في باب «حال من يموت ~~من أطفال المؤمنين» : «روى أبو زكريا عن أبي بصير ، قال : قال : ابو عبد ~~الله عليه السلام إذا مات طفل من أطفال المؤمنين نادى مناد في ملكوت ~~السماوات والأرض : ألا إن فلان بن فلان قد مات ، فإن كان قد مات والداه أو ~~أحدهما أو بعض أهل بيته من المؤمنين ، دفع إليه يغذوه ، وإلا دفع إلى فاطمة ~~عليها السلام تغذوه حتى يقدم أبواه أو أحدهما أو بعض أهل بيته فتدفعه إليه. (4) # وفي رواية حسن بن محبوب ، عن علي بن رئاب عن الحلبي ، عن أبي عبد الله ~~عليه السلام ، قال : إن الله تبارك وتعالى يدفع إلى إبراهيم وسارة أطفال ~~المؤمنين يغذونهم بشجر في الجنة لها أخلاف كأخلاف البقر (5)، في قصر من در ~~، فإذا كان يوم القيامة ألبسوا وطيبوا وأهدوا إلى آبائهم ، فهم ملوك في ~~الجنة مع آبائهم ، وهو قول الله تعالى : ( @QUR@08 والذين آمنوا واتبعتهم ~~ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم ) (6). PageV03P264 # وفي رواية أبي بكر الحضرمي ، قال : قال أبو عبد الله عليه السلام في قول ~~الله عز وجل : ( @QUR@08 والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ~~ذريتهم ) قال ، قصرت الأبناء عن أعمال الآباء ، فألحق الأبناء بالآباء لتقر ~~بذلك أعينهم». (1) # وسأل جميل بن دراج أبا عبد الله عليه السلام عن أطفال الأنبياء عليه السلام ~~، فقال : ليسوا كأطفال الناس. # وسأله عن ابراهيم بن رسول الله صلى الله عليه وآلهوسلم لو بقي كان صديقا ~~نبيا؟ قال : لو بقي كان على منهاج أبيه عليه السلام (2). # وقال فيه في باب «حال من يموت من أطفال المشركين والكفار» : روى وهب بن ~~وهب ، عن جعفر بن محمد ، عن أبيه عليهما السلام ، قال ، قال علي عليه السلام ~~: أولاد المشركين مع آبائهم في النار ms866 ، وأولاد المسلمين مع آبائهم في الجنة (3). # وروى جعفر بن بشير عن عبد الله بن سنان ، قال : سألت أبا عبد الله ~~عليه السلام عن أولاد المشركين يموتون قبل أن يبلغوا الحنث ، قال : كفار ، ~~والله أعلم بما كانوا عاملين ، يدخلون مداخل آبائهم. # وقال علي عليه السلام : يؤجج لهم نار ، فيقال لهم : ادخلوها ، فإن دخلوها ~~كانت عليهم بردا وسلاما ، وإن أبوا قال الله عز وجل لهم : هو ذا أنا قد ~~أمرتكم فعصيتموني ، فيأمر الله عز وجل بهم إلى النار. (4) # وفي رواية حريز عن زرارة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : «إذا كان يوم ~~القيمة احتج الله عز وجل على سبعة : على الطفل ، والذي مات بين النبيين ، ~~والشيخ الكبير الذي أدرك النبي صلى الله عليه وآلهوسلم وهو لا يعقل ، والأبله ~~، والمجنون الذي لا يعقل ، والأصم ، والأبكم ، كل واحد منهم يحتج على الله ~~عز وجل . قال : فيبعث الله عز وجل إليهم رسولا فيؤجج لهم نارا ، PageV03P265 # فيقول : إن ربكم يأمركم أن تثبوا فيها ، فمن وثب فيها كانت عليه بردا ~~وسلاما ، ومن عصى سيق إلى النار (1)، انتهى. # وأقول : وأنت بعد تدبرك فيما نقلنا من الآيات والأخبار يظهر لك بيان ~~أصناف الناس وبيان أحوالهم في القيامة. # أما بيان الأحوال فظاهر ، حيث إن تلك الآيات والأخبار المنقولة على حالة ~~كل صنف من تلك الأصناف المذكورة ، وإن مآلهم ومرجعهم يوم القيمة إلى ما ذا؟ ~~وإن كانت حالاتهم ولا سيما حالات أهل الوعد والوعيد ، من أهل الجنة والنار ~~ودرجاتهم ودركاتهم مختلفة ومتفاوتة بحسب تفاوت مراتبهم ، كما دل عليه آيات ~~وأخبار غير ما نقلنا. # وأما بيان الأصناف ، فلأن ما نقلنا من حديثي حمزة بن الطيار يدل على أن ~~جميع الناس على ستة أصناف : صنفان منها أهل الوعد والوعيد من أهل الجنة ~~والنار ، والأصناف الأربعة الباقية هم الباقية من الناس كما فصله ~~عليه السلام في ذينك الحديثين. والحديث الثاني منهما يدل على أن تلك الأصناف ~~الستة بأجمعهم تؤول باعتبار إلى ثلاثة أصناف : أهل الإيمان وأهل الكفر ، ~~اللذين هما من أصحاب الجنة والنار ، وأهل ms867 الضلال الذين ينقسمون إلى تلك ~~الأصناف الأربعة الباقية. وكأن مبناه والله أعلم على أن بين الإيمان والكفر ~~منزلة ومرتبة كما هو رأي بعض المتكلمين. ودل عليه حديثا زرارة وحديث عمر بن أبان. # وتلك المرتبة المتوسطة تسمى بالضلال ، حيث إن أهل هذه المرتبة لا ~~يستطيعون حيلة إلى الكفر ولا يهتدون سبيلا إلى الإيمان ، فليسوا بالمؤمنين ~~ولا بالكافرين ، بل هم من أهل الضلال ، إذ لم يهتدوا سبيلا إلى الإيمان ، ~~وعدم الاهتداء إليه ضلال. وهذا كأنه مبني على أن معنى الإيمان هو التصديق ~~بالقلب ، والإقرار باللسان جميعا كما عرفه به بعض المحققين ، وقال : إنه لا ~~يكفي التصديق بالقلب وحده لقوله تعالى : ( @QUR@04 وجحدوا بها واستيقنتها ~~أنفسهم ) (2) حيث سماهم الله تعالى جاحدين أي كافرين ، مع إثبات التصديق ~~القلبي لهم. وكذا لا يكفي الإقرار باللسان وحده ، لقوله تعالى ( @QUR@05 ~~قالت الأعراب آمنا قل لم PageV03P266 # @QUR@04 تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ) (1) ولقوله تعالى : ( @QUR@011 ومن ~~الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ) (2) حيث إنه ~~تعالى في هاتين الآيتين أثبت لهم الإقرار باللسان ، ونفى عنهم الإيمان ، ~~فإنه على هذا التقدير أي أن يكون معنى الإيمان هو مجموع التصديق بالقلب ~~والإقرار باللسان يظهر كون أهل تلك المنزلة غير مؤمنين ، وكذا هو مبني على ~~أن يكون معنى الكفر المقابل للإيمان أمرا وجوديا مضادا للإيمان هو التكذيب. # فإنه على هذا التقدير يظهر كون أهل تلك المنزلة غير كفار أيضا. لا أن ~~يكون معناه أمرا عدميا هو عدم الإيمان عما من شأنه ذلك كما عرفه به بعض ~~المتكلمين ، فإنه على هذا التقدير يصدق على كثير من الأصناف الأربعة الذين ~~هم أهل تلك المنزلة اسم الكافر ، والحال أنه نفي عنهم في تلك الأحاديث ~~المذكورة اسم الكافر. # وبالجملة ، فهذه الأصناف الثلاثة التي تؤول إليها تلك الأصناف الستة كما ~~ذكر في ذلك الحديث ، ليست هي تلك الأصناف الثلاثة المذكورة في تلك الآيات ~~الثلاثة المتقدمة ، بل المذكور في تلك الآيات إنما هو بيان صنفين من تلك ~~الأصناف الستة أو الثلاثة ، وذانك الصنفان إنما هما أهل الوعد والوعيد ms868 من ~~أهل الجنة والنار. وقد قسما إلى الأزواج الثلاثة والأصناف الثلاثة أيضا ، ~~أي أنه قسم صنف المؤمنين إلى صنفين ، أما في الآية الأولى فقد قسما إلى ~~السابقين وأصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة. # وأما في الآية الثانية فإلى المقربين وأصحاب اليمين والمكذبين الضالين ، ~~وأما في الآية الثالثة فإلى السابق بالخيرات والظالم لنفسه ، والمقتصد ، ~~بناء على أن يكون الضمير في قوله تعالى : ( @QUR@03 فمنهم ظالم لنفسه ) ~~راجعا إلى قوله : ( @QUR@01 عبادنا )، أو إلى قوله : ( @QUR@02 الذين ~~اصطفينا )، وأريد بهم مطلق أمة محمد صلى الله عليه وآلهوسلم . # وأما الحديث المروي عن الصادق عليه السلام في تفسير الآية ، فهو إن كان ~~مبناه على إرجاع الضمير إلى أحد المذكورين ، لكن مع بيان معنى تلك الأصناف ~~الثلاثة من جملة ذرية محمد صلى الله عليه وآلهوسلم وأهل بيته ، فهذا يرجع إلى ~~السابق أيضا ، حيث إن فيه أيضا تقسيما لمطلق PageV03P267 # المؤمنين والكافرين إلى تلك الأصناف الثلاثة مع بيان معنى تلك الأصناف في ~~آل محمد بحيث يشمل المعصومين منهم وغير المعصومين. # وإن كان مبناه على إرجاع الضمير إلى ( @QUR@02 الذين اصطفينا ) وإرادة ~~خصوص آل محمد صلى الله عليه وآلهوسلم منهم ، فهو يكون تقسيما لخصوصهم إلى تلك ~~الأصناف الثلاثة وبيان معناها فيهم ، لا تقسيما لمطلق المؤمنين والكافرين. # وبالجملة ، فالمستفاد من تلك الآيات الثلاث ، أي الآيتين الأوليين مطلقا ~~والآية الثالثة على التقديرين الأولين ، أن المراد بالسابقين الذين وصفوا ~~بالمقربين في الآية الأولى هم المقربون في الآية الثانية ، والسابق ~~بالخيرات في الآية الثالثة. # وكذا المراد بأصحاب الميمنة في الآية الأولى على كل معنى من المعاني التي ~~ذكرها المفسرون لهم أصحاب اليمين في الآية الثانية ، والمقتصد بالخيرات في ~~الآية الثالثة. # وكذا المراد بأصحاب المشأمة في الآية الأولى بأي معنى أريد بهم المكذبون ~~الضالون في الآية الثانية ، والظالم لنفسه في الآية الثالثة. # وكذلك المستفاد من حديث أصبغ بن نباتة عن أمير المؤمنين عليه السلام ، من ~~أن السابقين هم الأنبياء مرسلين وغير مرسلين ، وأن اصحاب الميمنة هم ~~المؤمنون حقا ، وأن أصحاب المشأمة هم اليهود والنصارى ، أنه تفسير لما ذكر ~~في ms869 الآيات الثلاث ، حيث يظهر منه أن السابقين المقربين الذين هم السابقون ~~في الخيرات هم الذين يكونون متبوعين في الخيرات والسبق إليها ، وأنهم هم ~~الأنبياء مرسلين أو غير مرسلين ، بل الأوصياء أيضا في كل أمة فإنهم أيضا ~~متبوعون بالقياس إلى سائر الأمة ، وأن أصحاب الميمنة وأصحاب اليمين ~~والمقتصدين هم المؤمنون حقا الذين كانوا تابعين للأنبياء والأوصياء ~~عليه السلام فيما جاءوا به مطيعين لهم ، وأن أصحاب المشأمة والمكذبين ~~لمتبوعيهم والضالين عن الصراط السوي غير المطيعين لهم فيما أمروا به ونهوا ~~عنه ، هم اليهود والنصارى ، حيث إنهم كانوا كذلك ، وكأن ذكر خصوص اليهود ~~والنصارى على سبيل المثال ، والمراد مطلق المكذبين الضالين ، سواء كانوا هم ~~اليهود والنصارى أم غيرهم ، وسواء كانوا من أمة محمد صلى الله عليه وآلهوسلم ، ~~أم من أمة موسى وعيسى على نبينا و عليهما السلام ، أو من الأمم السابقة. PageV03P268 # وحيث عرفت ذلك ، ظهر لك بيان تقسيم أهل الوعد والوعيد من أهل الجنة ~~والنار إلى تلك الأزواج الثلاثة والأصناف الثلاثة ، وبيان المراد من تلك ~~الأصناف. # وظهر لك أن ما ذكره صاحب الكشاف بقوله : «وقيل الناس ثلاثة ، فرجل ابتكر ~~الخير» الخ ، يمكن حمله على ما ذكر ، حيث إنه يمكن أن يحمل الرجل الذي ~~ابتكر الخير في حداثة سنه ثم داوم عليه حتى خرج من الدنيا على من كان ~~معصوما من الذنوب ، ولا خفاء في أنه هو النبي أو وصيه السابق إلى الخيرات ~~وإلى ما دعاه الله تعالى المقرب عنده تعالى ، وكذا يمكن أن يحمل الرجل الذي ~~ابتكر عمره بالذنب وطول الغفلة ، ثم تراجع بتوبة على الذي آمن بنبيه وبوصي ~~نبيه ، إلا أنه عمل عملا غير صالح لغفلته ولما دعاه إليه هواه ، ثم أدركته ~~التوبة وخرج بذلك عن الضلال ككثير من أمم الأنبياء عليه السلام . وأن يحمل ~~الرجل الذي ابتكر الشر في حداثة سنه ثم لم يزل عليه حتى خرج من الدنيا على ~~الذي كان مكذبا لنبيه ووصي نبيه ، ضالا عن طريق الهدى حتى خرج من الدنيا. # وكذلك يمكن أن يحمل على ما ذكر ms870 ما يظهر من كلام بعضهم في وجه تقسيم أهل ~~الجنة والنار إلى تلك الأزواج الثلاثة ، حيث قال : إن الإنسان إما كامل في ~~علمه وعمله جميعا فهو السابق المقرب ، وإما كامل في أحدهما ناقص في الآخر ~~فهو من أصحاب اليمين ، وإما ناقص في كليهما جميعا فهو من أصحاب الشمال. إلا ~~أنه ينبغي حمل كمال العلم أو العمل لأصحاب اليمين على ما كان أدون من كمال ~~العلم أو العمل للمقربين. وهذا الذي ذكرناه إنما هو بيان تقسيم أهل الجنة ~~والنار إلى الأقسام الثلاثة. # وأما بيان تقسيم غيرهم إلى الأقسام الأربعة الباقية ، فيظهر مما ذكرنا من ~~الأحاديث الدالة عليه مع تعريف كل صنف منها ، فلا نطيل الكلام بشرحه. # ثم إنه لبعض الفضلاء المعاصرين (1) كلام في ذكر أصناف الأمم وتفصيل عواقب ~~أحوالهم ، لا بأس بنقله. # قال : اعلم أن الناس أولا قسمان : PageV03P269 # أحدهما من له صحة ما من العقل والتمييز ، حيث يميز تمييزا ما بين الحسن ~~والقبيح ، ويعلم الخير من الشر ، ويفرق بين المدح والذم ، ويدرك الثواب ~~والعقاب ، فهؤلاء أصحاب التكاليف العقلية والشرعية وما يترتب عليها من ~~المدائح والمذام والمثوبات والعقوبات ، وإن اختلفت درجاتهم في العواقب حسب ~~اختلافهم في المراتب. # وثانيهما من لا يفرق بين الخير والشر ، ولا يعرف البر من الهر ، كالأطفال ~~والمجانين والبله ، فهم مثل سائر أنواع الحيوان إن فعلوا خيرا فباتفاق أو ~~تأديب ، وإن انتهوا من شر فببخت أو ترهيب ، ليس لهم همة إلا ما استدعته ~~قواهم الحيوانية ، ولا وجهة إلا ما اقتضته طبائعهم الجسمانية من المآكل ~~والمشارب والملاهي والملاعب ، فقد سقط التكليف عن هؤلاء القوم ، ولا ينبغي ~~لهم مدح ولا لوم وهم يسمون بالمستضعفين. # فأما المكلفون ، فينقسمون أولا أزواجا ثلاثة : السابقون ، وأصحاب اليمين ~~، وأصحاب الشمال ، لأنهم إن آمنوا بالله وحده لا شريك له وبأنبيائه وخلفائه ~~عليه السلام ، ومع هذا هم من أهل العقول الشريفة والأفهام المنيفة ، وقد ~~حصلوا طرفا من العلوم الحقة وتحصلوا لطائفة من المعارف اليقينية ، كل على ~~قدر ما في إمكانه ويليق بشأنه ، ومع هذا قد تجملوا بمكارم الأخلاق ms871 الجميلة ~~، وتحلوا بحلي الأفعال النبيلة ، وتزينوا بزي التقوى من المعاصي والخصال ~~الرذيلة ، بحيث قد خلصوا من آثار الطبيعة بالكلية ، فأولئك المقربون ~~السابقون إلى أعلى درجات الجنة ، المكرمون من الله تعالى بالروح والرضوان. # وإن آمنوا وأحسنوا وتجملوا بالأعمال الصالحة الفاضلة ، وتخلقوا بمحاسن ~~الأخلاق العادلة المتوسطة بين الأطراف ، اللائقة بجمال الأشراف ، إلا أنهم ~~لم يبلغوا في العقل والعمل درجات الأولين ، فأولئك أصحاب اليمين. # وإن كفروا وأنكروا وجحدوا وألحدوا وأشربوا في قلوبهم حب الدنيا واتخذوا ~~إلههم متابعة الهوى ، وركبوا في مهوى الجهالة ، وتاهوا في بيداء الضلالة ، ~~وأخلدوا في مصارع الدناءة والسفال ، فأولئك أصحاب الشمال. # فهؤلاء أصول الأزواج. ثم يمتزج هذه بعضها مع بعض ، فيحصل أزواج أخرى. ~~وذلك أن الذين آمنوا وأصلحوا قد يكون منهم عدول في العلم والعمل عن حدود ~~الأوساط ، إما PageV03P270 # بتفريط أو إفراط ، فإن كان ذلك على وجه مكابرة لأمر الله تعالى وجحود ~~للحق فهؤلاء يلحقون بالكافرين ، لامتناع اجتماع الإذعان بالشيء والجحود له. ~~وإن لم يكن على وجه المكابرة والجحود ، بل إنما هو من غلبة نفسه الأمارة ~~بالسوء وسلطان الشيطان الرجيم ، فإن غلبت حسناتهم سيئاتهم ، بأن تكون أكثر ~~منها وأفضل فتستولي عليها وتضمحل هي فيها محتها وأبطلتها ، لأن الحسنات ~~يذهبن السيئات ، أو بأن تركوا السيئات بعد ذلك وذكروا الله فاستغفروا ~~لذنوبهم ولم يصروا على ما فعلوا ، فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ، لأن ~~التوبة والإنابة تنفر منها وفرار وتباعد ، وقد تقدم فيما تقدم أن البعد من ~~أحد المتقابلين ، لا يكون إلا بالقرب من الآخر ، فمن هجر من الشيطان ~~والعصيان والنيران ، فقد تقرب إلى الرحمن والرضوان والجنان ، فهذان ~~الفريقان يلحقان بالمؤمنين المخلصين. # أو بأن اعترفوا بذنوبهم واستحيوا من الله تعالى لتقصيرهم ، وإن لم يكونوا ~~تابوا بعد ، فهؤلاء أيضا قريب من السابقين ، عسى الله أن يتوب عليهم إن ~~الله غفور رحيم ، لأن الاعتراف بالذنب والحياء لا يكون إلا عن ندامة وأسف ، ~~فلا يبعد أن يقوم مقام التوبة. # وإن غلبت سيئاتهم حسناتهم بأحد الوجوه الثلاثة ، فهؤلاء مرجون لأمر الله ~~إما يعذبهم ، إن كان إيمانهم في ms872 غاية الضعف ، بحيث تتأثر نفوسهم من كل سيئة ~~وتهوى إليها وتلصق بها ، كالثوب الخشن الذي يسرع إليه الدرن ، وينفذ فيه ~~الوسخ فيتقذر سريعا. # أو كان إيمانهم قويا إلا أنهم أصروا على السيئات فرسخت بهم واشتد لصوقها ~~بهم ، كمرآة صقيلة وقعت في طين مدة طويلة ، فصدأت جدا ، فهذان لا محالة ~~محتاجان إلى تطهير شديد ومبالغة في التغسيل والتصقيل بقدر الرسوخ ، وشدة ~~اللصوق ، وإما يتوب عليهم إن لم يكن الضعف ولا الرسوخ بتلك المرتبة ، فيطهر ~~بأدنى عناية في الغسل والمسح. # وبالجملة ، فهؤلاء ينجون آخرا لا محالة ، وإن تعذبوا مدة فيلحقون بالذين ~~غلبت حسناتهم ، لأن أصل الإيمان حسنة تغلب كل سيئة ، لأن الاعتقاد يتعلق ~~بجوهر الروح والقلب ، والأخلاق والأفعال أشياء تلحق من خارج. # ويلحق بالمرجئين قوم من أهل العقول وحدوا الله وخلعوا عبادة من يعبد من دونه ، PageV03P271 # لكنهم في النبوة أو في شيء من سائر الأصول على شك ، لا ينكرونه فيكونوا ~~كافرين ، ولا يذعنوا له فيكونوا مؤمنين. إما بسبب شبهة عرضتهم ، كأكثر عوام ~~المخالفين وضعفائهم. وإما لأن الدعوة لم تبلغهم كقوم في أقاصي البلاد ، أو ~~بلغتهم لكنهم ليسوا من أولي الألباب المستقلة في الهدى ، ولا يستطيعون ~~الخروج إلى من يميز لهم الحق من الردي ، كأكثر نسائهم وقصرائهم. # فهؤلاء إن كانوا بحيث لو أزيل عنهم الشبهة ووصلوا إلى الحق آمنوا به ، ~~فهم ممن يدركهم النجاة ويكونون مع المؤمنين ، وإن كانوا حينئذ جحدوا الحق ~~وأنكروه ، فممن تخلد في السجن ، وهؤلاء من حيث إبهام مآلهم يلحقون ~~بالمؤمنين ، ومن حيث ضعف أحوالهم بالمستضعفين. # ويقرب من حال هؤلاء حال كثير من أهل الكفر والضلال أيضا ، الذين وإن ~~كانوا بالفعل منكرين ، إلا أن ذلك ليس بعناد لهم وجحود في قلوبهم ، بل إنما ~~هو لاقتدائهم بقومهم وآبائهم والتباس الحق عليهم ، وضعفهم أو ضعف عقولهم من ~~الاجتهاد في بلوغه ، فأمرهم أيضا موقوف حتى يميز الله الخبيث من الطيب. # وإن تساوت حسناتهم وسيئاتهم فهم أصحاب الأعراف ، وهو السور الذي بين ~~الجنة والنار ، باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب ، فأولا يترجح لهم ms873 ~~أحد الطرفين فلا محالة يترجحون في الحد المشترك بينهما حتى إن حصل لأحدهما ~~رجحان من عفو وشفاعة أو سخط أو براءة يلحقون بأهله. # وأما غير المكلفين المستضعفين من الرجال والنساء والولدان فهؤلاء أيضا إن ~~كانوا بحيث لو قووا وبلغوا التكليف آمنوا وأطاعوا ، فلهم في عالم البرزخ ~~المتوسط بين هذه النشأة الدنيا الخسيسة والنشأة العليا العقلية ترقيات في ~~العقل والفهم كترقي الصبيان في ذلك بحسب ترقيهم في أبدانهم ونمو أجسامهم ~~يوما فيوما ، وإن لم يبلغوا بعد حد عقول الرجال واكتساب العلوم ، حتى إذا ~~كانت القيامة ، وامتاز الأخيار من الأشرار ، التحقوا في الجنة بعشيرتهم ~~وآبائهم من الأبرار ، وإن لم يكونوا يؤمنون بعد ذلك أيضا ، فيلحقون لا ~~محالة بأشباههم وإن لم يشاركوهم في عذابهم. PageV03P272 # وورد في الأخبار عن أهل البيت الأخيار صلوات الله عليهم اختلاف في أحوال ~~هؤلاء ، ليس هنا مقام ذكرها ، ولعلها تؤول إلى هذا» انتهى كلامه رحمه الله . # وأقول : لا يخفى عليك أن هذا الفاضل ، وإن بذل مجهوده في تفصيل أصناف ~~الأمم وحصرها وبيان حال كل قسم وصنف ، إلا أن في بعض ما ذكره تأملا ونظرا ، ~~كما يظهر ذلك على من تأمل ونظر في الأخبار الواردة في هذا المطلب. والله ~~أعلم بحقيقة الحال ، وإليه المرجع والمآل. ### ||| * في بيان خلود أهل الجنة في الجنة وأهل النار في النار # ثم إنه لا يخفى عليك أنه قد ورد في الشرع آيات كثيرة وأخبار عديدة دالة ~~على خلود أهل الجنة في الجنة ، وأن الجنة ولذاتها وخيراتها دائمة بأهلها ، ~~وكذا على خلود أهل النار في النار ، وأن الجحيم وآلامها وشرورها دائمة ~~بأهلها. ولا خلاف أيضا بين المسلمين في الأول ، وإن وقع الخلاف بينهم في ~~الثاني. # قال المحقق الطوسي رحمه الله في التجريد : «والكافر مخلد ، وعذاب صاحب ~~الكبيرة منقطع لاستحقاق الثواب بإيمانه ولقبحه عند العقلاء ، والسمعيات ~~متأولة ، ودوام العقاب مختص بالكافر». (1) # وقال الشارح القوشجي في شرحه : «اتفق المسلمون على أن عذاب الكفار ~~المعاندين دائم لا ينقطع ، والكافر المبالغ في الاجتهاد الذي لم يصل إلى ~~المطلوب ، ذهب الجاحظ ms874 والعنبري أنه معذور ، لقوله تعالى : ( @QUR@07 وما ~~جعل عليكم في الدين من حرج ) (2) ولأن تعذيبه مع بذله الجهد والطاقة من غير ~~تقصير قبيح عقلا. # وذهب الباقون إلى أنه غير معذور ، وادعوا الإجماع عليه قبل ظهور ~~المخالفين. قالوا : كفار عهد النبي صلى الله عليه وآلهوسلم الذين قتلوا وحكم ~~بخلودهم في النار ، لم يكونوا عن آخرين PageV03P273 # معاندين ، بل منهم من اعتقد الكفر مع بذل المجهود ، ومنهم من بقي على ~~الشك بعد إفراغ الوسع ، وختم الله على قلوبهم ولم يشرح صدورهم للإسلام ، ~~فلم يهتدوا إلى حقيقته. # ولم ينقل عن أحد قبل المخالفين هذا الفرق الذي ذكره الجاحظ والعنبري. ~~وقوله تعالى: ( @QUR@07 وما جعل عليكم في الدين من حرج ) خطاب إلى أهل ~~الدين لا إلى الخارجين من الدين. # وكذلك أطفال المشركين [عند الأكثرين] لدخولهم في العمومات. ولما روي من ~~النبي صلى الله عليه وآلهوسلم قال : هم في النار ، حين سألته خديجة رضي الله ~~عنها عن حالهم. # وقالت المعتزلة وبعض الأشاعرة : لا يعذبون ، بل هم خدم أهل الجنة. روي في ~~الحديث : وإن تعذيب من لا جرم له ظلم. # وأما عذاب صاحب الكبيرة هل هو منقطع أم لا؟ فذهب أهل السنة والإمامية من ~~الشيعة وطائفة من المعتزلة إلى أنه ينقطع ، واختاره المصنف. واحتج عليه : ~~«بأن صاحب الكبيرة يستحق الثواب بإيمانه ، لقوله تعالى : ( @QUR@06 فمن ~~يعمل مثقال ذرة خيرا يره ) (1) ولا شك أن الإيمان أعظم أعمال الخير. فإن ~~استحق العقاب بالمعصية ، فإما أن يقدم الثواب على العقاب ، وهو باطل ~~بالاتفاق ، أو بالعكس وهو المطلوب. وبأنه لو لم ينقطع عذابه يلزم أنه إذا ~~عبد الله مكلف مدة عمره ثم عمل كبيرة في آخر عمره لا ينقطع عذابه وهو قبيح ~~عقلا. والسمعيات التي تمسك بها المعتزلة في عدم انقطاع عذاب صاحب الكبيرة ~~مثل قوله تعالى : ( @QUR@010 ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين ~~فيها ) (2)، ( @QUR@08 ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ) ~~(3) ( @QUR@010 ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها ) ~~(4) متأولة ، إما بتخصيص العمومات بالكفار ، أو بحمل الخلود على ms875 المكث ~~الطويل. # وأما قولهم إن الثواب والعقاب ينبغي أن يكونا دائمين لما تقدم ، فإن أريد بدوام PageV03P274 # العقاب دوام عقاب الكفار ، فمسلم ، وإلا فممنوع» (1) انتهى كلامه. ### ||| ** في ذكر وجوه من التوهم على عدم إمكان الخلود # ولسنا نحن في هذا المقام بصدد تحقيق هذا الخلاف ، بل بصدد تحقيق أن ~~الخلود في شأن من حكم بخلوده في الجنة أو في النار ، هل هو ممكن أم لا؟ ~~وعلى تقدير الإمكان فالسبب الموجب له ما هو؟ والحكمة والمصلحة فيه ما هي؟ ~~إذ قد يتوهم أن الخلود أمر غير ممكن بالذات ، لأنه يستدعي زمانا غير متناه ~~، ووجود الزمان الغير المتناهي غير ممكن ، حيث إن البرهان الذي يبطل وجود ~~غير المتناهي مطلقا كبرهان التطبيق يبطل وجود الزمان الغير المتناهي أيضا. # وبيان ذلك أنه قد تقرر في محله أن الحكماء وإن قالوا بأن برهان التطبيق ~~إنما يجري في امتناع لا تناهي الأمور الموجودة معا المترتبة في الوجود ~~لامكان التطبيق فيها ، ولا يجري في غير ذلك ، فلذا قالوا بجواز لا تناهي ~~الأمور التي توجد معا لكن لا ترتيب بينها كالنفوس الناطقة ، وكذا بجواز لا ~~تناهي الأمور المتعاقبة المترتبة في الوجود الغير المجتمعة في الوجود ~~كالحركات الفلكية والأزمنة المنتزعة منها ، بناء على عدم إمكان جريان برهان ~~التطبيق في هذين القسمين بزعمهم ، ولذا قالوا بلا تناهي النفوس الناطقة ، ~~وكذا بقدم العالم زمانا. إلا أن المتكلمين مجمعون على استحالة لا تناهي ~~الأمور المجتمعة في الوجود المترتبة فيه ، وكذا على استحالة لا تناهي ~~القسمين أيضا ، بناء على إمكان التطبيق فيهما أيضا ولو على سبيل الإجمال ~~والوجه العقلي الكلي. فلذا قالوا بامتناع القدم الزماني. # فعلى مذهبهم وهو الحق كما تقرر في موضعه فكما يبطل وجود الزمان الغير ~~المتناهي في جانب الأزل ، كذلك يبطل وجوده في جانب الأبد ، فمن أين يمكن ~~الخلود الموقوف على وجود الزمان الغير المتناهي في طرف الأبد؟ PageV03P275 # وكذلك قد يتوهم أن الخلود في النار لا سبب له ، ودوام العقاب والعذاب ~~واستزادتهما إلى ما لا نهاية له لا حكمة فيه ولا مصلحة ms876 ، فإن العذاب ~~والعقاب لا يكون إلا قسريا ، والقسر لا يدوم على طبيعة ، فإن لكل موجود ~~غاية لا بد أن يصل إليها وقتا ما ، مع أن الرحمة الإلهية وسعت كل شيء ، كما ~~قال جل وعلا : ( @QUR@018 عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء ~~فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ) (1) ومع أن ~~الباري جل ثناؤه كما أنه لا ينفعه الطاعة ولا يضره المعصية ، كذلك لا يضره ~~الثواب ولا ينفعه العقاب ، ومع أن العقاب الدائمي لا منفعة فيه لأحد ولا ~~خير ، بل هو شر محض ، وهو لا يمكن أن يصدر عن الخير المحض والجواد المطلق ~~والفياض على الإطلاق. وهذا التوهم عند كثير ممن يدعون الكشف قد صار قويا ~~بحيث كان منشئا لعدولهم عن ظاهر الشرع المبين ، الناطق بخلود أهل النار في ~~النار ودوام عذابهم وعقابهم. فقال بعضهم : إن الكفار وإن كانوا خالدين في ~~النار ، إلا أن عذابهم وعقابهم منقطع ، كما ينقل عن بعض المكاشفين (2) منهم ~~أنه قال : «يدخل أهل الدارين فيهما : السعداء بفضل الله وأهل النار بعدل ~~الله وينزلون فيهما بالأعمال ، ويخلدون فيهما بالنيات ، فيأخذ الألم جزاء ~~العقوبة موازيا لمدة العمر في الشرك في الدنيا ، فإذا فرغ الأمد جعل لهم ~~نعيم في الدار التي يخلدون فيها ، بحيث إنهم لو دخلوا الجنة تألموا لعدم ~~موافقة الطبع الذي جبلوا عليه ، فهم يلتذون بما هم فيه من نار وزمهرير وما ~~فيها من لذع الحيات والعقارب كما يلتذ أهل الجنة بالظلال والنور ولثم ~~الحسان من الحور ، لأن طباعهم يقتضي ذلك. ألا ترى الجعل على طبيعته يتضرر ~~بريح الورد ويلتذ بالمنتن ، والمحرور من الإنسان يتألم بريح المسك ، ~~فاللذات تابعة للملائم والآلام لفوته. # وينقل عن بعضهم أنه جعل ذلك العذاب مأخوذا من العذب ، أي العذاب من ~~الطعام والشراب الذي معناه لغة كل مستساغ. # وقال بعضهم بخروج أهل النار عن النار وانقطاع عذابهم جميعا ، كما ينقل عن PageV03P276 # صاحب الفتوحات المكية (1) أنه نقل عن بعض أهل الكشف ، أنه قال : إنهم ~~يخرجون إلى الجنة حتى لا يبقى في ms877 النار أحد من الناس البتة ، وتبقى أبوابها ~~تصطفق ، وينبت في قعرها الجرجير ، ويخلق الله لها أهلا يملئوها. # وقال بعضهم ما يحتمل القولين : أي القول الأول أو الثاني. كما ينقل عن ~~القيصري انه قال في شرحه للفصوص : «واعلم أن من اكتحلت عينه بنور الحق يعلم ~~أن العالم بأسره عباد الله ، وليس لهم وجود وصفة وفعل إلا بالله وحوله ~~وقوته ، وكلهم محتاجون إلى رحمته وهو الرحمن الرحيم ، ومن شأن من هو موصوف ~~بهذه الصفات أن لا يعذب أحدا عذابا أبدا ، وليس ذلك المقدار من العذاب أيضا ~~، إلا لأجل إيصالهم إلى كمالهم المقدر لهم ، كما يذاب الذهب والفضة بالنار ~~لأجل الخلاص مما يكدره وينفض غباره ، فهو يتضمن لعين اللطف كما قيل : # وتعذيبكم عذب وسخطكم رضى %~% وقطعكم وصل وجوركم عدل (2)، انتهى. # ثم إنك حيث عرفت ما ذكرنا ، ظهر لك أن هاهنا توهمين ينبغي رفعهما حتى ~~يتضح المقصود. ### ||| ** في رفع تلك الوجوه من التوهم # فنقول : أما بيان رفع التوهم الأول منهما ، فهو أنك قد سمعت غير مرة فيما ~~تلونا عليك سابقا ، أنه كما أن مكان الآخرة ليس من جنس مكان الدنيا ، كذلك ~~زمانها ليس من جنس زمان الدنيا ، كما قال الله تعالى : ( @QUR@08 وإن يوما ~~عند ربك كألف سنة مما تعدون ) (3)، وقال : ( @QUR@07 في يوم كان مقداره ~~خمسين ألف سنة ) (4)، فلا امتناع في أن يكون غير متناه ، إذ ليس يعلم أنه ~~يمكن فيه التطبيق والتضايف والمسامتة والتزاحم ونحو ذلك ، حتى يمكن إجراء براهين PageV03P277 # إبطال عدم التناهي فيه كما في زمان الدنيا ، سواء قلنا بجريانها في ~~الأمور المترتبة المتعاقبة غير المجتمعة أيضا كما هو عند المتكلمين أو لم ~~نقل به فيها كما هو عند الحكماء. وحيث أخبر المخبر الصادق بالخلود ، وهو ~~ممكن عند العقل كما ذكرنا وجب التصديق به. # وأما بيان رفع التوهم الثاني ، فهو وإن سبقت منا إشارة إليه في الفصول ~~والأبواب المتقدمة ، إلا أنا لا نبالي بإعادة الكلام فيه لزيادة التوضيح. ~~فنقول : # اعلم أولا أن سبب خلود أهل الجنة في الجنة ودوام ثوابهم فيها ، إنما هو ms878 ~~دوام ما هو سبب لذلك ، أي دوام ما اكتسبوا في الدنيا من الاعتقادات الحقة ~~والمعارف الإلهية والعلوم الربانية والإيمان بالله وملائكته ورسله وكتبه ~~وباليوم الآخر. وبالجملة : كل ما هو كمال للنفس الناطقة بحسب قوتها النظرية ~~وكان راسخا فيها ، وكذا دوام ما اكتسبوا في الدنيا من الملكات العادلة ~~والأخلاق الفاضلة والهيئات الجميلة ، وبالجملة : كل ما هو كمال لها بحسب ~~قوتها العملية وكان ملكة راسخة فيها. # وبيان ذلك أن تلك العلوم والاعتقادات لما كانت كمالات للنفس بذاتها ومن ~~مقتضى ذاتها وجوهرها ، وكانت راسخة فيها ، لم تنفك عنها ، وكانت باقية ~~ببقاء النفس التي المفروض بقاؤها أبدا. وكذلك تلك الملكات وإن كانت بدنية ~~وحاصلة للنفس من جهة تكرر الأفاعيل البدنية ، إلا أنها أيضا هيئة مناسبة ~~لجوهر النفس ملائمة لها غير غريبة عن ذاتها. فإذا كانت ملائمة لها وكانت مع ~~ذلك راسخة فيها ، ولم يكن هناك مضاد لها ولا سبب يزيلها عن جوهر النفس كما ~~هو المفروض ، كانت هي أيضا دائمة بدوام النفس لازمة لها باقية معها. # واذا كانت تلك الاعتقادات والملكات الخالدة موجبة لحصول الثواب كما دل ~~عليه الآيات والأخبار ، فحينئذ نقول : لو كان الثواب عبارة عن تلك العلوم ~~والاعتقادات الحقة وعن تلك الهيئات والملكات الفاضلة التي تصورت بصورة ~~الثواب وتجسمت بها ، كما هو على القول بتجسيم الأعمال والاعتقادات ، وهو ~~ظاهر كثير من الآيات والأخبار كما تقدم PageV03P278 # ذكرها ، فلا شك أنه يكون دائما بدوام تلك العلوم والملكات لأنها لازمة ~~لها (1) وصورة لها غير منفكة عنها ، ويكون وجه الحكمة في دوامه أيضا ظاهرا ~~لا سترة به. # ولو كان الثواب عبارة عن أمر مبتدئ من خارج وارد على المحسن روحه وبدنه ~~كما هو ظاهر كثير من الآيات والأخبار الأخر ، فكذلك أيضا ، لأنه حيث كان ~~الثواب في مقابلة تلك الاعتقادات والملكات التي هي دائمة بدوام النفس باقية ~~ببقائها ، وجب في الحكمة المتعالية الإلهية أن يكون هو أيضا دائما كدوام ما ~~هو بإزائه ؛ لأن السبب إذا كان دائميا وجب أن يكون مسببه أيضا دائميا مثله ~~، ولأنه لو لم ms879 يكن كذلك لزم الظلم ، تعالى الله عن ذلك. وأيضا أن ذلك إيفاء ~~بوعده ، وخلف الوعد عليه تعالى قبيح عقلا وشرعا. # ويدل على ما ذكرنا آيات كثيرة ، كقوله تعالى : # ( @QUR@037 إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ~~يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل ~~والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو ~~الفوز العظيم ) (2). # وكقوله تعالى : ( @QUR@020 ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم ~~يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما ) (3). # وكقوله تعالى : ( @QUR@029 إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يهديهم ربهم ~~بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنات النعيم* دعواهم فيها سبحانك اللهم ~~وتحيتهم فيها سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) (4). # وكقوله تعالى : ( @QUR@016 للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ولا يرهق وجوههم ~~قتر ولا ذلة أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) (5). PageV03P279 # إلى غير ذلك من الآيات والأخبار. # والحاصل ، أنه لما كان إيمان المؤمنين الراسخ في قلوبهم دائميا وكذا ~~ملكاتهم الفاضلة دائمية ، وجب أن يكون الثواب الذي هو بإزاء ذلك دائميا ~~مثله ، وأنهم حيث كان في نياتهم الراسخة في قلوبهم ، أنهم لو أبقوا دائما ~~لبقوا على الإيمان والعمل الصالح دائما ، كان مقتضى الحكمة المتعالية إيصال ~~الثواب إليهم دائما. # وحيث علمت ذلك ، فاعلم أن السبب في خلود أهل النار في النار ودوام عذابهم ~~فيها إنما هو دوام سبب ذلك أيضا ، حيث إن ما اكتسبوه في الدنيا بسوء ~~اختيارهم من جهة قوتهم النظرية من الآراء الفاسدة والعقائد الباطلة الراسخة ~~في نفوسهم ، المستحكمة في قلوبهم ، كالشرك والكفر بالله وباليوم الآخر ~~وبرسله وملائكته وكتبه ، سواء كانت تلك الاعتقادات الراسخة بمحض العناد ~~والجحود مع يقينهم بخلافها كما هو في حق بعضهم ، أو مستندة إلى تقليد ~~آبائهم وأسلافهم وعلمائهم كما في حق بعض آخرين منهم ، أو مستندة إلى ظن أو ~~شبهة كما في بعض منهم. وكذا من جهة قوتهم العملية من الملكات الرذيلة ~~والهيئات الردية والأخلاق القبيحة الذميمة ، مع تفاوت مراتبها فيهم ms880 أيضا ، ~~كما أنها سبب لدخولهم في النار وحصول العقاب لهم على ما دلت عليه الآيات ~~والأخبار ، كذلك هي لخلودها ودوامها سبب لخلودهم في النار ودوام عذابهم ~~وعقابهم ، كما دلت عليه الآيات والأخبار أيضا ، لأن دوام السبب يستلزم دوام ~~المسبب. # أما دوام تلك العقائد والآراء الباطلة ، فبيانه أنها لما كانت حاصلة ~~للنفس بذاتها ومن داخل جوهرها ، كأنها صورة لها وكانت راسخة فيها ، فهي لا ~~تكون زائلة عنها بل تكون باقية ببقائها. # وأما دوام تلك الملكات والهيئات الرذيلة ، فبيانه أنها وإن كانت حاصلة ~~للنفس من خارج ، أي من جهة تكرر الأفاعيل البدنية ، ومن شأنها أن تكون ~~زائلة بزوال مبدئها القريب وهو البدن وأفاعيله ، وكذا بمرور الدهور إذا لم ~~يكن يصل إليها مدد من جهة ، إلا أنها لما كانت ملائمة لتلك العقائد التي ~~رسخت في نفوسهم وتدرنت هي بها مرتبطة بها كمال الارتباط ، فلا تكون نفوسهم ~~الخسيسة هذه مستعدة لزوالها عنها ، بل مستعدة PageV03P280 # لاستثباتها فيها وقيامها بها وبقائها معها ما دامت تلك النفوس باقية ، ~~فلذا تكون دائمة خالدة كدوام عقائدهم وآرائهم الباطلة. # نعم ، لو كانت النفس مستعدة لزوالها عنها كنفوس الفساق من المؤمنين الذين ~~رسخت في نفوسهم الآراء الحقة والعقائد الدينية ، ومع ذلك اكتسبوا الأخلاق ~~الذميمة وفعلوا الأفعال القبيحة ، حيث إنها غريبة عن جواهر نفوسهم لعدم ~~مناسبة تلك الملكات بتلك العقائد وعدم ارتباط بينهما ، لربما أمكن زوالها ~~عنها. بمر الدهور ، وكذا بالتصفية بمصقل العذاب والعقاب ، فلذا ورد في ~~الشرع الشريف ما يدل على عدم خلود الفساق من المؤمنين الموحدين في النار ~~والعذاب ، وعلى خروجهم منها ودخولهم في الجنة ، وحكم به معظم المسلمين ؛ ~~لأنه إذا زالت تلك الهيئة التي هي سبب للعذاب ، ومع ذلك كانت عقائدهم الحقة ~~التي هي راسخة في نفوسهم وهي سبب للدخول في الجنة باقية ، فلا يبقى شك في ~~أنهم يكونون بعد الدخول في النار خارجين عنها إلى الجنة ، لكن على تفاوت ~~مراتبهم وأحوالهم في ذلك ، بخلاف ما إذا لم تزل تلك الهيئة عن النفس ، كما ~~في نفوس الكفار الذين ليس ms881 في نفوسهم استعداد لزوالها عنها ، وليس هناك سبب ~~يزيلها عنها ، فإنهم خالدون في النار وفي عذابها من جهتين : إحداهما من جهة ~~العقائد الباطلة المستحكمة في نفوسهم ، والأخرى من جهة تلك الملكات ~~والهيئات الراسخة في قلوبهم ، وإن كان يختلف أحوالهم في العذاب باختلاف ~~مراتبهم في تلك العقائد والملكات والهيئات والأفعال. # وبالجملة ، فحيث كان في نياتهم الراسخة في قلوبهم أنهم لو بقوا إلى غير ~~النهاية لبقوا على الشرك والكفر والعمل غير الصالح إلى غير النهاية ، كانوا ~~خالدين في النار ، وكان عذابهم فيها إلى غير النهاية. # وهذا الذي ذكرنا إنما هو بيان السبب في الخلود. # وأما بيان الحكمة فيه ، فهو أنا لو قلنا بأن العذاب هو صورة تلك العقائد ~~والهيئات التي تصورت بتلك الصور كما هو على القول بتجسيم الأعمال والعقائد ~~، فالحكمة في أصل العذاب وكذا في خلوده ظاهرة ، حيث إن العذاب هو لازم لها ~~غير منفك عنها ، بل هو نفس PageV03P281 # ما اكتسبوه من العقائد والهيئات ورسخت في نفوسهم باقية ببقائها. # وأما لو قلنا بورود العذاب عليهم من خارج ، كما هو على القول الآخر ، ~~فكذلك أيضا ، لأن السبب إذا كان دائما ولم يكن مسببه كذلك لخرج السبب عن ~~السببية ، وهو خلاف مقتضى الحكمة المتعالية. # وأيضا ، لا يخفى أن الله تعالى بعنايته الأزلية وحكمته الكاملة التامة ~~وبقضائه الأزلي قدر تكليفا فأمر العباد بالطاعة ونهاهم عن المعصية ، لكونها ~~لطفا واجبا ، وكذا وعد بالثواب على الطاعة وأوعد بالعقاب على المعصية ، ~~لكونهما أيضا لطفا واجبا لأن فيهما ترغيبا للعباد في الطاعة وتزهيدا لهم عن ~~المعصية. # وكما أن الوفاء بالوعد لطف واجب والإخلال به قبيح ، كذلك الوفاء بالوعيد ~~حسن ، إذ هو حقه تعالى بالنسبة إلى العاصين ، وفيه إظهار عدله تعالى ، ~~وخلاف مقتضى العدل خلاف مقتضى الحكمة المتعالية. # نعم ، إنه حيث كان حقه تعالى على العاصين ، جاز إسقاطه والعفو عنه ، لكن ~~بالنسبة إلى من كان مستحقا للعفو والتفضل ، كالمؤمنين الذين يستحقون ~~بإيمانهم إسقاط العقاب عنهم والتفضل عليهم ، ويستوجبون لذلك بالتوبة أو ~~الشفاعة أو نحو ذلك ، لكون العفو حسنا حينئذ. ms882 # وأما بالنسبة إلى من لا يستحق ذلك ولم يستوجبه ، فالعفو منه وإسقاطه ليس ~~بحسن بل هو خلاف مقتضى العدل ، إذ لو عفا الله تعالى عن الكافرين الذين هم ~~غير مستوجبين للعفو والتفضل ، وأسقط العقاب عنهم ، إما بعدم إدخالهم في ~~النار أصلا ، أو بإدخالهم فيها مدة ، ثم إخراجهم منها بعد ذلك وإدخالهم في ~~الجنة ، لجاز أن يتمنوا في الآخرة ويقولوا : يا ليتنا كنا في الدنيا نزيد ~~في المعصية وفي العتو والفساد والطغيان والعناد ، إذ كان فيه مع قضاء وطرنا ~~في اللذات والشهوات التي في المعاصي حصول ثواب في الآخرة ، ولجاز أن يتمنى ~~المؤمنون أيضا ويقولوا : يا ليتنا كنا كافرين في الدنيا ، إذ كان جزاؤهم ~~هذا الجزاء الذي للكافرين ، فلم كنا نتعب أنفسنا بترك الشهوات واللذات التي ~~في المعاصي؟! # وأيضا يمكن أن يكون الحكمة في خلود الكفار في النار وفي عدم انقطاع عذابهم PageV03P282 # فيها أن في ذلك إكمال رحمه الله تعالى على المؤمنين وإتمام خلودهم في ~~الراحة ، إذ النعمة إنما يعرف قدرها وينال كنهها ، إذا كان هناك ما يقابلها ~~من العذاب والنقمة ، وكل راحة إنما تكون راحة كاملة إذا كانت هناك زحمة ~~يعرف مقدارها بالمقايسة إليها ، ولذا يكون من أبواب الجنة باب مفتوح إلى ~~النار ليلاحظ أهل الجنة ما يكون فيه أهل النار ، فيشكروا على ما يكونون ~~عليه من الراحة والثواب ، كما قال تعالى : ( @QUR@013 وإذا صرفت أبصارهم ~~تلقاء أصحاب النار قالوا ربنا لا تجعلنا مع القوم الظالمين ) (1). # وأيضا يمكن أن يكون الحكمة في ذلك ، إخلاد سرور المؤمنين وإدامة فرحهم ، ~~حيث إن المؤمنين الذين هم أشداء على الكفار رحماء بينهم ، كما أنهم يسرون ~~ويفرحون براحة أنفسهم ونعمة غيرهم من المؤمنين ، كذلك يفرحون بعذاب ~~الكافرين الذين هم أعداؤهم وأعداء الله تعالى ، إذ الإيمان حق الإيمان ~~يقتضي ذلك ، ولذا كان التولي بأحباء الله والتبري عن أعدائه كلاهما واجبين. # وبالجملة ، إن في ذلك سرورهم مع توبيخ منهم على الكفار ، كما قال تعالى ~~حكاية: ( @QUR@028 ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ما وعدنا ~~ربنا حقا فهل ms883 وجدتم ما وعد ربكم حقا قالوا نعم فأذن مؤذن بينهم أن لعنة ~~الله على الظالمين ) (2)، وقال تعالى : ( @QUR@020 ونادى أصحاب النار ~~أصحاب الجنة أن أفيضوا علينا من الماء أو مما رزقكم الله قالوا إن الله ~~حرمهما على الكافرين ) (3) ولا يخفى أن إكمال رحمة المؤمنين وإخلاد سرورهم ~~من جملة الحكمة المتعالية ، وأية حكمة أعظم منها وأعلى؟ # وحيث عرفت ذلك ، فاعلم : أن جميع ما ذكر في هذا التوهم الثاني ، وجعل ~~منشأ للذهاب إلى انقطاع عذاب الكفار في النار ، مندفعة. # أما ما ذكر من أن القسر لا يدوم الخ ، فبيان اندفاعه أنه إذا كان العقاب ~~هو لازم الأعمال والعقائد فلا قسر أصلا ، حتى يمكن أن يقال إنه يدوم أو لا ~~يدوم ؛ وإذا كان العقاب PageV03P283 # أمرا واردا من خارج ، فهو وإن كان قسرا ، إلا أنا لا نسلم تلك الكلية ، ~~بل القسر يمكن أن يدوم إذا كان سببه دائما كما في ما نحن فيه. # نعم ، إذا كان سببه منقطعا يكون هو أيضا منقطعا ، وليس الحال هنا كذلك. # وأما ما ذكر من أن الرحمة الإلهية وسعت كل شيء فهو كذلك ، حيث إن كل ~~موجود من الموجودات ، ناطقها وصامتها ومكلفها وغير مكلفها تعمها نعمة ~~الإيجاد ، وما يتبعها من إعطاء كل شيء خلقه وما يحتاج هو إليه ويليق بحاله ~~وشأنه ، وهذا لا ينافي أن يكون عذابه المخصوص كعذاب الآخرة مخصوصا بجمع ~~كالكفار ، وأن يكون رحمته المخصوصة كرحمة الآخرة مخصوصة بجمع كالمؤمنين ، ~~كما قال تعالى : ( @QUR@018 عذابي أصيب به من أشاء ورحمتي وسعت كل شيء ~~فسأكتبها للذين يتقون ويؤتون الزكاة والذين هم بآياتنا يؤمنون ) (1). # وأما ما ذكر ، من أن الباري جل شأنه كما أنه لا ينفعه الطاعة ولا يضره ~~المعصية ، كذلك لا يضره الثواب ولا ينفعه العقاب ، فهو أيضا كذلك ، إلا أن ~~العقاب والعذاب ، وخلودهما هو مقتضى الحكمة المتعالية ، كما عرفت. # وأما ما ذكر من : «أن العقاب الدائمي لا منفعة فيه لأحد ولا خير ، بل هو ~~شر محض ، ويمتنع صدوره عن الخير بالذات». فهو ممنوع. # لأنا لا نسلم كونه شرا بل ms884 هو خير ، حتى بالنسبة إلى المعذبين أيضا. # كما قيل (2): إنه جعل الله تعالى النار وقاية لما هو أعظم منها وأشد في ~~حق المبتلى به وهو غضب الله تعالى ، وأنه كما أن النار في النشأة الدنيوية ~~تتخذ وقاية لبعض الأمراض الذي لا ينفى إلا بالكي ، كذلك قد تتخذ في النشأة ~~الأخروية وقاية لغضب الله تعالى الذي يترتب على الكفر والشرك وأمثالهما. # وبالجملة ، فيمكن أن يكون العذاب الأخروي صلاحا لحال العاصين وخيرا لهم أيضا. PageV03P284 # وعلى تقدير تسليم كونه شرا ، فإنما هو شر بالقياس إلى الشخص المعذب خاصة ~~لا مطلقا ، إذ قد عرفت أن فيه مصلحة لحال المؤمنين وإكمال نعمتهم وإتمام ~~سرورهم ، فهو خير. وقد تقرر في الأصول الحكمية أن وقوع الشر القليل لأجل ~~الخير الكثير سائغ في الحكمة المتعالية. # فإن قلت : ليس الأمر هنا كذلك ، بل بالعكس ، حيث إن المؤمنين قليلون ، ~~والكافرين والمشركين والعاصين أكثرون ، بل لا نسبة لهم إليهم أصلا. # قلت : على تقدير التسليم ، أن المؤمن الواحد يوازي عند الله تعالى مائة ~~ألف كافر بل أكثر ، فالمؤمنون وإن كانوا أقلون عددا ، إلا أنهم أكثرون قدرا ~~، الأعظمون منزلة بكثير ، بحيث لا نسبة لهم إليهم في ذلك أصلا. # وعلى هذا ، فيكون وقوع الشر بالنسبة إلى ألف ألف كافر ، لأجل وقوع خير ~~بالنسبة إلى مؤمن واحد مثلا شرا قليلا لأجل خير كثير ، فكيف إذا كان المؤمن ~~أكثر من واحد. # وأما ما نقل من قول القائل الأول ممن يدعي الكشف حيث قال : «إن الكفار ~~وإن كانوا خالدين في النار ، إلا أن عذابهم ينقطع بعد مدة وينقلب ثوابا ~~وراحة». # فلا يخفى أنه خلاف ظاهر الآيات والأخبار الناطقة بأن النار دار الخزي ~~والهوان والانتقام ، القائمة في ذلك في كل أزمنة الكون فيها ، لا اختصاص له ~~بوقت دون وقت ، كما لا اختصاص بقوم من العاصين من الكافرين وأمثالهم دون ~~قوم منهم ، والدالة على أن الكافرين لا يخفف عنهم العذاب وقتا ما. # كقوله تعالى : ( @QUR@09 خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون ~~) (1)، # ( @QUR@05 لا يموت فيها ولا يحيى ) (2)، # ( @QUR@09 لا ms885 يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها ) (3)، PageV03P285 # ( @QUR@012 ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ ) (1)، # ( @QUR@04 كلما خبت زدناهم سعيرا ) (2)، # ( @QUR@08 كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودا غيرها ليذوقوا العذاب ) (3)، # ( @QUR@09 ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون ) (4)، # ( @QUR@09 لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا* إلا حميما وغساقا ) (5)، # ( @QUR@07 ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته ) (6)، # ( @QUR@06 إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين ) (7)، # ( @QUR@021 وترهقهم ذلة ما لهم من الله من عاصم كأنما أغشيت وجوههم قطعا ~~من الليل مظلما أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون ) (8)، # إلى غير ذلك من الآيات والأخبار. # نعم ، إن الشيخ ابن بابويه من علمائنا في «اعتقاداته» بعد أن قال : «إن ~~النار دار الهوان ودار الانتقام من أهل الكفر والعصيان ، ولا يخلد فيها إلا ~~أهل الشرك والكفر ، فأما المذنبون من أهل التوحيد فإنهم يخرجون منها ~~بالرحمة التي تدركهم والشفاعة التي تنالهم» قال : «وروي أنه لا يصيب أحدا ~~من أهل التوحيد ألم في النار إذا دخلوها ، وإنما يصيبهم الآلام عند الخروج ~~منها ، فتكون تلك الآلام جزاء بما كسبت أيديهم ، وما الله بظلام للعبيد» (9). PageV03P286 # وهذا الذي رواه فيهم ، على تقدير صحة الرواية يمكن أن يكون والله أعلم ~~مخصوصا بهم ، فليس يجوز قياس حال غيرهم بحالهم. # وأما ما نقل من قول القائل الثاني فمخالفته لظاهر الشرع المبين أظهر ~~وأكثر ، كما لا يخفى. # وبالجملة ، فهذان القولان ونظائرهما عدول عن ظاهر الشرع والحق المبين ، ~~صادر عن جزاف وتخمين ، لا ينبغي للمستبصر أن يلتفت إليه ، بل حري به ~~الاستقامة على الصراط السوي. ( @QUR@07 والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم ~~) (1)، ( @QUR@015 ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة ~~إنك أنت الوهاب ). (2) # وهذا آخر ما أردنا إيراده في هذه الرسالة ، والحمد لله على التوفيق ~~للإتمام ، والصلاة على محمد وآله الأماجد الكرام. وقد اتفق جفاف القلم من ~~تأليفها وترتيب ما أودع فيها وترصيفها بيمين مؤلفها : العبد المذنب الجاني ~~: محمد نعيم بن محمد تقي المدعو بعرفي الطالقاني أصلح الله شأنهما ، ~~وصانهما عما شأنهما وعفا ms886 عنهما وعن جميع المؤمنين ضحوة يوم السبت الثالث ~~والعشرين من شهر ربيع المولود من سنة مائة وإحدى وخمسين بعد ألف من هجرة ~~خير البرية ، على هاجرها وآله ألف ألف صلاة وسلام وتحية. PageV03P287 ms887