######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_004039 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الخواجوئي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1173 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: جامع الشتات #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: من مصادر العقائد عند الشيعة الإمامية #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_004039 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/4039_جامع-الشتات-الخواجوئي #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: السيد مهدي الرجائي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1418 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم بعد حمد الله وليه جامع الشتات، والصلاة على نبيه ~~المتحلي بأحسن السمات، وعلى آله الشاعرين بقاطبة الدقائق وتمام النكات. # يقول العبد الراجي رحمة ربه الجليل محمد بن الحسين بن محمد رضا المدعو ~~بإسماعيل عفا الله عن جرائمهم بمحمد وآله وقائمهم: # هذه نبذة من النكات وقبضة من الشتات، استقبضتها من أبواب متفرقة ~~واستفدتها من أسباب متشتتة، جمعتها بتفرق بالي وتشتت أحوالي، تذكرة للحديد ~~وتبصرة للبليد، بل لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وسميته ب‍ " ~~جامع الشتات " لجمعه طوائف مختلفات ومتفرقات، والمرجو من العاثر فيه بالخلل ~~والواقف عليه بالزلل، إصلاح الفساد وترويج الكساد * (إن الله لا يضيع أجر ~~المحسنين) * (1). # [المناقشة في كلام ابن سينا في مسألة الإمامة] قال ابن سينا (2) في الفصل ~~الخامس من المقالة العاشرة من كتاب الشفاء في # PageV00P005 # مقام تعيين الخليفة والإمام ووجوب طاعتهما على الأنام: ثم يجب أن يفرض ~~السان طاعة من يخلفه، وأن لا يكون الاستخلاف إلا من جهته، أو بإجماع من أهل ~~السابقة على من يصححون علانيته عند الجمهور: أنه مستقل بالسياسة، وأنه أصيل ~~العقل، حاصل عنده الأخلاق الشريفة من الشجاعة والعفة وحسن التدبير، وأنه ~~عارف بالشريعة، حتى لا يكون أعرف منه تصحيحا يظهر ويستعلن ويتفق عليه ~~الجمهور، ويسن عليهم أنهم إذا افترقوا أو تنازعوا بالميل والهوى، أو أجمعوا ~~على غير من وجدوا الفضل فيه والاستحقاق له فقد كفروا بالله. # والاستخلاف بالنص أصوب، فإن ذلك لا يؤدي إلى التشعب والتشاغب والاختلاف. ~~ثم يجب أن يحكم في سنته أن من خرج فادعى خلافته بفضل قوة أو مال فعلى ~~الكافة من أهل المدينة قتله وقتاله، فإن قدروا ولم يفعلوا فقد عصوا الله ~~وكفروا به، ويحل دم من قعد عن ذلك وهو متمكن بعد أن يصحح على رأس الملأ ذلك ~~منه. ويجب أن يسن أنه لا قربة عند الله بعد الإيمان بالنبي أعظم من إتلاف ~~هذا المتغلب، فإن صحح الخارجي أن المتولي للخلافة غير أهل لها، وأنه ممنو ~~بنقص، وأن ذلك النقص غير ms001 موجود في الخارجي، فالأولى أن يطابقه أهل المدينة. ~~والمعول عليه الأعظم العقل وحسن الإيالة، فمن كان متوسطا في الباقي ومتقدما ~~في هذين بعد أن لا يكون غريبا في البواقي وصائرا إلى أضدادها فهو أولى ممن ~~يكون متقدما في البواقي ولا يكون بمنزلته في هذين، فيلزم أعلمهما أن يشارك ~~أعقلهما ويعاضده، ويلزم أعقلهما أن يعتضد به ويرجع إليه، مثل ما فعل علي ~~وعمر (1). # أقول - ولا حول ولا قوة إلا بالله -: لا شبهة في أن السياسة المدنية ~~ورئاستها العامة، الجامعة لإصلاح أمر المعاش وانتظامه على وجه صالح يؤدي ~~إلى الفلاح والصلاح، لا يتيسر ولا يتحقق إلا إذا كان السائس عالما بالأمور ~~السياسية # PageV00P006 # والرئاسة مستقلا فيها، أصيلا في العقل شريفا في الأخلاق حسنا في التدبير ~~عارفا بالشريعة، حتى لا يكون أعرف بها منه في وقته، بحيث يحتاج إليه الكل ~~في الكل ويكون هو غنيا عن الكل، ممتازا عنهم بالفضائل النفسانية والكمالات ~~الجسمانية من العلم والحكمة والعفة والشجاعة والقوة وشدة البأس، بحيث يكون ~~خطيرا في القلوب قويا على مقاومة العدو ومكابدة الحروب، ومع ذلك يكون فائزا ~~بالخواص النبوية، ليصير ربا إنسانيا وسلطانا في العالم الأرضي وخليفة الله ~~فيه، فيحل تفويض معرفة الدخل والخرج، وإعداد أهبة الأسلحة والحقوق والثغور ~~وغير ذلك من الأهوال والأحوال وخاصة في العبادات والمعاملات إليه. # وقد اعترف بذلك أقاصيهم وأقر به أدانيهم، فما بالهم يقولون: إن الرجل كان ~~ممن لا كلام في عموم مناقبه ووفور فضائله، واتصافه بالكمالات واختصاصه ~~بالكرامات، وإنه كان عظيم الخطر في القلوب قويا على مقاومة العدو ومكابدة ~~الحروب، وبسيفه فتح الله البلاد وبسطوته آمن العباد، وإنه كان عارفا ~~بالسياسات عالما بالديانات وخصوصا بهذا الدين والشريعة، حتى ما كان أعرف ~~بها منه في وقته، لقوله: " أقضاكم علي " (1) ولرجوعهم في العويصات إليه، ~~واعتضادهم في المشكلات به كما اعترف به حكيمهم ابن سينا،... إلى غير ذلك؟! # ومع ذلك كله هم ينكرونه، ويقولون: إن السياسة والرئاسة كانت مما لا بد ~~منه في انتظام أمر المعاش والمعاد إلا أنه كان غيره أحق ms002 بها منه، لمجرد ~~إجماع يدعونه ولا يثبتونه، لعدم تحقق شرائطه كما سننبه عليه، مع أن بديهة ~~العقل شهدت - وكفى بها شهيدا - بأن الاستخلاف إذا كان بطريق النص لا يؤدي ~~إلى الافتراق والاختلاف وغيرهما، مما يؤدي إليه تركه من المنازعات ~~والمناقشات الصادة عن انتظام أمر المعاش والمعاد. # وكيف خالف الله ورسوله مقتضى بديهة العقل وما هو الأصلح والأصوب من # PageV00P007 # الاستخلاف بالنص الذي لا يؤدي إلى تشتت الشمل وتفرق الكلمة كما يؤدي إليه ~~تركه، فإن تركه يشوش فيما بين أيديهم الدين، ويوقعهم في تنازع، فينصرفوا ~~إلى المباحثات والمقايسات التي تصدهم عن أعمالهم المدنية، وربما أوقعهم في ~~آراء مخالفة لإصلاح المدينة ومنافية لواجب الحق، فيكثر فيهم الشكوك ~~والشبهات، فيصعب الأمر على السائس في ضبطهم من حيث إنه خليفة؟! # ثم كيف يجب على هذا السان أن يفرض طاعة خليفته، وأن يحكم في سنته أن من ~~خرج فادعى خلافته بفضل قوة أو مال فعلى الكافة من أهل المدينة قتله وقتاله ~~وذلك لينصروا به خليفته، ولا خليفة له من جهته؟! بل كيف يجب عليه أن يرتب ~~المدينة على أجزاء ثلاثة: المدبرون والصناع والحفظة، ويرتب في كل صنف منهم ~~رئيسا يرتب تحته رؤساء يلونه، ويرتب تحتهم رؤساء يلونهم إلى أن ينتهي إلى ~~إفناء الناس، فلا يكون في المدينة إنسان معطل ليس له مقام محدود، ولا يجب ~~عليه أن ينص على من يخلفه ويجعله رئيسا على المدينة وحافظا على سنته ~~وشريعته التي هي أسباب وجودهم، وبه ينتظم أسباب معاشهم ومصالح معادهم؟! # أو كيف يتصدى لعقد البيت والنكاح والسنن الكلية والجزئية حتى آداب الخلوة ~~والخلاء، ويترك هذه السنة السنية التي لا بد منها في قوام أمر المعاش ~~والمعاد، وعليها يتوقف نظام كل ما يجب أن يسنه من عند الله؟! # أو كيف يجب عليه أن يقدر لأهل الآفات والعاهات موضعا يكون فيه أمثالهم، ~~وأن يجعل عليهم قيما ينتظم به أمورهم، كل ذلك في حياته، ولا يجب عليه أن ~~يجعل لأهل المدينة ومن والاهم من رعيته وأمته قيما ينتظم به معاشهم ms003 ~~ومعادهم؟! # والعجب من ابن سينا - لولا تقيته كما هو الظاهر من سياق كلامه في هذا ~~الفصل، حيث جمع بين المذهبين مع إيماء لطيف إلى تفضيل مذهب الشيعة وترجيحه ~~- أنه بعد ما نص بذلك كله، كيف جوز أن يكون ذلك بإجماع من أهل PageV00P008 # السابقة على من يصححون علانيته؟! # وفيه إيماء إلى دقيقة إذا تأمله عاقل يعرفها، ويعرف بتأمله ما في كلامه ~~من الاضطراب والتشويش، فإنه بعد ما اعتبر في الخليفة أن يكون من أعرف الأمة ~~بالشريعة حتى لا يكون أعرف بها منه في زمانه وهو الحق، لأن الخليفة حافظ ~~الشريعة فيجب أن يكون أعرف بها من أهل زمانه طرا، لئلا يلزم تفضيل المفضول ~~على الفاضل، غفل (1) عن هذا أو تغافل، لتصريحه بأن المعول الأعظم العقل ~~وحسن الايالة لا الأعرفية بالشريعة والديانة، بل يلزم الأعرف أن يشارك ~~الأعقل ويعاضده، ويلزم الأعقل أن يعتضد به ويرجع إليه مثل ما فعل علي (عليه ~~السلام) وعمر. # وهذا منه تصريح بأعلمية علي (عليه السلام) من عمر وإن كان فيه تناقض صريح ~~وتهافت قبيح ارتكبه لترويج الكاسد وإصلاح الفاسد " وهل يصلح العطار ما أفسد ~~الدهر " وإن كان ثاقبا ذهنه الحديد وفكره السديد، وما هي من الظالمين ~~ببعيد. # ثم بعد ما صح وثبت أن الخارجي كامل والمدعي للخلافة ناقص، كيف يسوغ الحكم ~~بأولوية إطباق أهل المدينة دون وجوبه، وهذا الحكيم لا يصحح الترجيح من غير ~~مرجح فضلا عن تصحيحه ترجيح المرجوح على الراجح؟! وقد حكم آنفا بأنهم إذا ~~أطبقوا على غير من وجدوا الفضل فيه والاستحقاق له فقد كفروا بالله، وهذا هو ~~الحق الذي يقتضيه النظر الفلسفي، وكأنه تأشعر بعد ما تفلسف. # ومع قطع النظر عن ذلك، كيف يتصور ذلك التصحيح من الخارجي وهم يدعون أن ~~إجماع أهل السابقة من الأمة لا يتطرق إلى صحته شوب شبهة وإلى حقيته وصمة ~~شك، لبراءتهم عن الزلة والخلل وعصمتهم عن الخطأ والزلل، وينقلون على ذلك ~~حديثا، وبعد ذلك كله ما ذكره من شرائطه كان موجودا فيهم؟! # أما تصحيح أهل السابقة كصاحب ms004 الحق وأهله وأولاده وأقربائه وأصحابه كعمه ~~العباس وأبنائه وأسامة بن زيد والزبير، ومشاهير الصحابة الكبار كسلمان # PageV00P009 # وأبي ذر والمقداد وعمار وحذيفة بن اليمان وأبي بريدة الأسلمي وأبي بن كعب ~~وخزيمة بن ثابت ذي الشهادتين وأبي الهيثم بن التيهان وسهل بن حنيف وأخيه ~~عثمان وأبو أيوب الأنصاري وجابر بن عبد الله الأنصاري، وكخالد بن سعيد وسعد ~~ابن عبادة وقيس بن سعد وغيرهم، فأشهر من أن يحتاج إلى البيان أو يمكن أن ~~ينكره الانسان، وقد ذكر ابن قتيبة في كتابه ثمانية عشر رجلا منهم، قال: ~~وكانوا رافضية، وأخذ من بعضهم البيعة بالوعيد والتهديد ولو بعد حين، وقد ~~أصر بعضهم على إنكارهم وبقوا عليه إلى يوم الدين (1). # وأما العقل، فإن أراد به الشيطنة والنكراء فكان موجودا فيهم كما في سائر ~~أفراد الملوك المتغلبة كمعاوية وابنه، ولكنه مما لا مدخل له في تدبير ~~المدينة العادلة على وجه يؤدي إلى إصلاح المعاش والمعاد، بل هو من مقولة ~~دفع الفساد بالأفسد. وإن أراد به غير ذلك مما له مدخل في السياسة والرئاسة ~~النبوية وما تقتضيه الحكمة الإلهية فما كان ذلك فيهم موجودا أصلا، كيف وهم ~~قد أشركوا بالله سنين وشهورا وأياما ودهورا، ولم يكن فيهم من العقل ما ~~يثبتون به التوحيد مع فطريته وبداهته، بل لم يتنبهوا به أصلا، وبعد ما ~~نبهوا عليه طلبوا دليلا عليه ومعجزة ؟! فكان عقولهم واستعدادهم نفسا دون ~~عقول أوساط الحكماء واستعداد نفوسهم كإفلاطون الإلهي وأرسطا طاليس وغيرهما، ~~فإنهم قد أثبتوا التوحيد بمحض عقلهم ولم يشركوا بالله، بل قتل بعضهم بمنعه ~~عن الشرك. # فإذا كان عقلهم هذا، واستعداد نفوسهم في هذه المرتبة، فكيف يستحقون مرتبة ~~الرئاسة النبوية والخلافة الإلهية؟! ومتى يسوغ لأهل السابقة تصحيح علانيتهم ~~عند الجمهور بأنهم أصيل العقل شريف الأخلاق من الشجاعة والعفة وهم من أجبن ~~الناس نفسا، وقد فروا ولم يكروا في كثير من الغزوات والمصارعات، وباءوا ~~بغضب من الله، ولشهرتها وظهورها لا حاجة لنا إلى شرحها. # PageV00P010 # وهذا بخلاف صاحب الحق، فإنه لم يشرك بالله طرفة عين، وأخلاقه الفاضلة ms005 ~~وشيمه الكاملة موصوفة كما يشهد به التتبع، مع تطرق الدروس إلى كثير ما ورد ~~فيه، لمعارضته الدول المخالفة ومباينته الفرق المنافية، لأن أحباءه كتموا ~~فضائله خوفا وفرقا، وأعداءه كتموها بغيا وحسدا، ولله الحمد أن ظهر ما بين ~~الكتمين ما ملأ الخافقين، وشجاعته بالغة حد التواتر كما اعترف به الفريقان، ~~وضرباته يوم الخندق والخيبر وغيرهما مشهورة، و " لا فتى إلا علي ولا سيف ~~إلا ذو الفقار " (1) معروفة. # روى الجمهور كافة: " أن النبي (صلى الله عليه وآله) لما حاصر خيبر بضعا ~~وعشرين ليلة وكانت الراية لأمير المؤمنين (عليه السلام)، فلحقه رمد أعجزه ~~عن الحرب والخروج من حيث يتعرض للحرب، فدعا النبي (صلى الله عليه وآله) أبا ~~بكر فقال له: خذ الراية، فأخذها في جمع من المهاجرين، فاجتهد ولم يغن شيئا ~~ورجع منهزما، فلما كان من الغد تعرض لها عمر، فصار غير بعيد ثم رجع يجبن ~~أصحابه، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): جيئوني بعلي، فقيل: إنه أرمد ~~العين، فقال: أرونيه تروني رجلا يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله ليس ~~بفرار، فجاءوا بعلي (عليه السلام) فتفل في يده ومسحها على عينيه ورأسه، ~~فبرئ وأعطاه الراية، ففتح على يديه وقتل مرحبا " (2). # وفيه من إظهار فضله وحط منزلة الآخرين، فإن تأمله عاقل يعرفه، وفي ذلك ~~يقول حسان بن ثابت: # وكان علي أرمد العين يبتغي * دواء فلما لم يحس مداويا شفاه رسول الله منه ~~بتفلة * فبورك مرقيا وبورك راقيا وقال سأعطي راية القوم فارسا * كميا شجاعا ~~في الحروب محاميا يحب إلها والإله يحبه * به يفتح الله الحصون الأوابيا فخص ~~بها دون البرية كلهم * عليا وسماه الولي المؤاخيا # PageV00P011 # هذا، وأما العفة فغنية عن الذكر والبيان، فإن الابنة النافع لها ماء ~~الرجال، المفسر في كتبهم بالنبت، المردود عليهم بأنه كان يخرج من بين الصلب ~~والترائب في الألسنة والأفواه مذكورة (1). وأما المعرفة بالشريعة فكانوا من ~~أجهل الناس نفسا، حتى اعترفوا بأن كل الناس أفقه منهم حتى المخدرات في ~~الحجال (2)، " ولولا معاذ لهلك عمر " من المسلمات عندهم، وإن كان " لولا ms006 ~~علي لهلك عمر " (3) أشهر منه ولكنهم لشدتهم عنادا وفرطهم جهلا ينكرونه ولا ~~يعرفونه، فويل للذين يعرفون نعمة الله ثم ينكرونه، وما أولئك بالمؤمنين. # نعم قول هذا الرجل السينائي: " ويجب أن يسن النبي على الجمهور أو على أهل ~~السابقة أنهم إذا افترقوا وتنازعوا بالميل والهوى، وأجمعوا على غير من ~~وجدوا الفضل فيه والاستحقاق له فقد كفروا بالله " - وفيه إيماء إلى ما ~~يعرفه العاقل إذا تأمله - مطابق للحق وموافق للواقع، ونحن على ذلك من ~~الشاهدين وعلى صدقه من المصدقين إلى يوم الدين، وما شهدنا إلا بما علمنا. # ثم أنت خبير بما في كلامه من الإشارة إلى أن عليا كان قد صحح أن عمر غير ~~أهل للخلافة، وأنه كان ممنوا بنقص، وأن هذا النقص كان موجودا فيه، بل كان ~~أعلم منه بالشريعة وأشجع وأعف، وكان هو يعتضد به ويرجع إليه في معرفة السنة ~~النازلة، وإصلاح أحوال المدن الفاسدة، وذلك أيضا مشهور وفي الدفاتر مسطور. ~~وأما أنه كان أعقل منه وأحسن في أمر الايالة، وكان متوسطا في البواقي ولم ~~يكن غريبا فيها ولا صائرا إلى أضدادها، فمع أنه ممنوع والسند ما سبق آنفا، ~~فمجاب: بأن العقل عبارة عن الفهم، يقال: عقل هذا أي فهمه، ثم استعمل في ~~غريزة نفسانية مدركة لما فيه صلاح النفس في النشأة الآخرة، وقد يطلق على ~~نفس ذلك الإدراك، وعلى من كان مصلحا لأمور معاشه إذا كان دخيلا في صلاح ~~المعاد، # PageV00P012 # ووصلة إلى الحياة الأبدية والفيوضات السرمدية. # ولا شك في أن عليا (عليه السلام) كان أعقل من عمر بجميع هذه المعاني، ~~والمعول الأعظم في ذلك النقل الوارد في طريقي المتخاصمين. # نعم يمكن أن يقال: إن العقل في أصل اللغة ما كان سببا لجلب النفع ودفع ~~الضر، ثم إن أهل العرف لما شاهدوا وجود هذا المعنى في أمثال عمر بحسب ~~الظاهر، وهم - كما قيل - يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم ~~غافلون، وذلك مبلغهم من العلم، أطلقوا عليه اسم العاقل. # وأما أهل الحقيقة، فلما نظروا إلى عواقب الأمور ووجدوا ms007 النفع العاجل في ~~جنب الضرر الآجل أقل قليل، بل لا شئ في الحقيقة، سلبوا عنه اسم العقل، ~~وقالوا: إن ما كان في عمر ومعاوية ومن ينزل منزلتهما، يقال له: الجربزة ~~والنكراء والشيطنة والغوغاء كما أشار إليه ابن سينا في مواضع من هذا الفصل، ~~وهي شبيهة بالعقل وليست هو. فالاختلاف بين الفريقين ليس في معنى العقل بل ~~في اندراج هذا الفرد في مفهومه، هذا. # ثم بما تقرر في العقول من عدم جواز تفضيل المفضول بل المساوي لامتناع ~~ترجيح أحد المتساويين، يلزم أن يكون الخليفة أفضل أهل زمانه كلا، وصاحب ~~النفس القدسية بل صاحب معجزة تدل على خلافته، وتكون آية ملكه وعلامة ~~سلطانه، بل يجب أن يكون متصرفا في أجزاء العالم، ظاهرا بالسيف وباطنا ~~بالهمة وبالجملة: يكون أشبه الخلائق بالنبي (صلى الله عليه وآله) نفسا ~~وروحا وعلما وعملا، وما هو في المشارق والمغارب إلا علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام) كما أشير إليه بقوله: * (وأنفسنا) * (1) فكان هو الخليفة بالحق ~~ظاهرا وباطنا، شيد به الله هذا الدين، أظهره بالسيف وعصمه من الجور، فحكم ~~بالعدل الذي هو حكم الحق في النوازل، فهو مع الحق والحق يدور معه حيثما ~~دار. فالذين خرجوا عليه وادعوا خلافه فقد عصوا الله وكفروا به بلا مرية وهم ~~لا يشعرون. # PageV00P013 # واعلم أن الجواب الحاسم لمادة المشاغبة والمشاجرة: ما سبق من أن ~~الاستخلاف بالنص لما كان هو الأصلح والأصوب لعدم أدائه إلى التشعب ~~والتشاغب، كان من الواجب في سنة هذا السان لكونه من أكمل أفراد نوع الانسان ~~أن ينص على من يخلفه، وأن لا يكون الاستخلاف إلا من جهته، لا بإجماع جماعة ~~من أهل الغرض والعناد وطائفة من أهل الزور والفساد، حسما لمادة المخالفة ~~والجدال وسدا لطريق المنازعة والقتال، إذا سير بسيرته وعمل بشريعته وسنته، ~~وذلك معلوم من استقامة طريقته وحسن سيرته وصفاء طويته وغاية لطفه بأمته، ~~والمنازع مكابر مقتضى عقله وبصيرته، والله يعلم ذلك من سريرته. # ومن هنا تراهم يقولون: إن الرئاسة العامة إذا لم تكن على وجه الغلبة ~~والقهر ms008 بل كانت على طريقة مؤدية إلى صلاح المدينة في معاشهم ومعادهم لا بد ~~وأن تكون من قبل الله ووحيه، لأن النبي (صلى الله عليه وآله) وما يسنه ~~فإنما هو من عنده، وواجب في حكمته أن يسنه، لأنه أعلم بمصالح عباده منهم في ~~أمور دينهم ودنياهم فيختار لهم من يشاء لما يشاء بعد أن كان مستعدا لذلك ~~وأهلا له، وذلك مما لا يعلمه كما هو إلا هو، والله أعلم حيث يجعل رسالته، ~~حتى أن النبي (صلى الله عليه وآله) مع كماله وتوسطه بين الله وبين عباده ~~عاجز عن هذا الخطب العظيم والأمر الجسيم من دون توسط الإنباء وإيحاء، ~~فيقتضي النص والتصريح به. # ولما سأل سادة بني إسرائيل نبيهم أن يملكهم ليقاتلوا به في سبيل الله * ~~(وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا قالوا أنى يكون له الملك ~~علينا ونحن أحق بالملك منه ولم يؤت سعة من المال قال إن الله اصطفاه عليكم ~~وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم) * ~~(1) بمن اصطفاه للملك والرئاسة. فانظر - رحمك الله - نظر طالب حق لا يكون ~~له ميل بطرف دون طرف كيف رد عليهم تعللهم بأن لا ملك إلا بالرجال ولا رجال ~~إلا بالمال وهو فقير لا سعة له ولا مال، بأن الركن الأعظم الشديد الحاجة ~~إليه في الملك والرئاسة بعد # PageV00P014 # العلم والجسامة والشجاعة هو اصطفاء الله واختياره، لعلمه بقبول المحل، لا ~~ما ذكروه من الثروة والمال والسعة في الحال، فلما أذنوا بذلك انقطعوا ورضوا ~~برضا الله ورسوله فانحسمت مادة نزاعهم وتألفت قلوبهم. # وأنت وكل من هو قابل للخطاب خبير بأن عليا (عليه السلام) كان أزيد من عمر ~~في العلم والجسم والشجاعة كما اعترف به حكيمهم ابن سينا، ولذلك كان يرجع ~~إليه ويعتضد به، فدلت زائدة على دلالتها على أمور متعلقة بأمر السياسات ~~والرئاسات إذا تأملها عاقل يعرفها على أصوبية الاستخلاف بالنص وأصلحيته، ~~والأصلح واجب في حكمة الحكيم تعالى شأنه، إذ الحكيم لا يترك الأصوب بالصواب ~~ولا ms009 الأصلح بالصلاح ولو سلم لهم ذلك الصلاح والصواب. # روي أن نبيهم لما دعا الله أن يملكهم أتى بعضا يقاس بها من يملك عليهم ~~فلم يساوها إلا طالوت، ومثل ذلك في هذه الأمة درع نبيهم في أئمتهم عليه ~~وعليهم من الصلوات أفضلها ومن التسليمات أكملها. # [تحقيق حول آية " لا ينال عهدي الظالمين "] (1) قال البيضاوي بعد قوله ~~تعالى في قصة خليله (عليه السلام): * (لا ينال عهدي الظالمين) *: فيه تنبيه ~~على أنه قد يكون من ذريته ظلمة، وأنهم لا ينالون الإمامة، لأنها أمانة من ~~الله وعهده، والظالم لا يصلح لها وإنما يناله البررة الأتقياء منهم (2). # وقال الفاضل المحشي عصام الدين محمد (3) في حواشيه على هذا التفسير: # معناه: لا ينال عهدي الظالمين ما داموا ظالمين، فالظالم إذا تاب لم يبق ~~ظالما. # وكيف لا يكون المراد ذلك وقد نالت الإمامة أبا بكر وعمر وعثمان، ومراده ~~أن هذه قضية سالبة والمتبادر (4) من السالبة المطلقة - كما ذكره المنطقيون ~~- هو العرفية # PageV00P015 # العامة، فالآية لا تدل على عدم نيل الإمامة الظالم بعد توبته، لعدم صدق ~~الظالم عليه حينئذ. # أقول: أية فائدة في الأخبار بأن الظالم أي الكافر كما هو مراد المحشي، ~~ويدل عليه قوله تعالى: * (والكافرون هم الظالمون) * (1) ما دام كافرا لا ~~تناله الإمامة وهي الرئاسة العامة في أمر الدين والدنيا خلافة عن الله أو ~~عن النبي، فإن من الأوليات بل الأجلى منها أن الإمامة والظلم بالمعنيين ~~المذكورين لا يجتمعان، ولا يتوهمه عاقل ليحتاج إلى دفعه بإنزال آية من ~~السماء، ضرورة ثبوت التنافي بينهما، فكيف يصير هذا الحكم موضعا للإفادة، ~~وخاصة إذا صدر من الحكيم العليم الذي لا يتطرق إليه ولا إلى كلامه عبث ولا ~~لغو، ولا يكون كلامه ككلام الساهي والنائم والهاذي؟! # فظهر أنه لا يمكن أن يراد بالظالم المنفي عنه الإمامة من يباشر الظلم ~~ويرتكبه حتى يصح أن يقال: إنه إذا تاب عنه وأصلح لم يبق ظالما فيمكن أن ~~تناله الإمامة، بل هو واقع، لأنها قد نالت هؤلاء بثلاثتهم بعد أن تابوا عن ~~ظلمهم وكفرهم وأصلحوا، وهل ms010 هذا إلا مصادرة وتفسير للآية بما يطابق أهواءهم؟ # بل المراد به من وجد منه الظلم وقتا ما وإن لم يكن في الحال ظالما بل كان ~~تائبا، لأن إبراهيم (عليه السلام) لم يسأل الإمامة لبعض ذريته المباشرين ~~للظلم من قبل أن يتوبوا عنه، فإنه قبيح عمن يدعي صحبة عاقل من العقلاء، ~~فكيف لا يكون قبيحا عمن هو من أعقل الأنبياء؟! # فتعين أن سؤاله الإمامة: إما لبعض ذريته مطلقا، أو للذين لم يظلموا منهم ~~أصلا، أو ظلموا ثم تابوا عنه. والأول لا يحتمل المباشرين للظلم منهم كما مر ~~لما مر، فيتحقق في ضمن أحد الأخيرين، فقوله تعالى في جوابه: * (لا ينال ~~عهدي الظالمين) * منهم صريح في أن الذين ظلموا منهم، أي سبقوا في الظلم ~~والكفر لا ينالهم عهد الله وإن تابوا بعد ظلمهم وأصلحوا ولم يكونوا في ~~الحال ظالمين، # PageV00P016 # فدلت على أن الإمامة عهد من الله وأمانة منه لا تنال من كان ظالما ولو ~~وقتا ما. # ويدل عليه ما رواه الفقيه ابن المغازلي الشافعي عن عبد الله بن مسعود في ~~تفسير الآية، قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): " انتهت الدعوة إلي ~~وإلى علي، لم يسجد أحد منا لصنم قط، فاتخذني الله نبيا واتخذ عليا وصيا " ~~(1). وهذا نص بالباب. وإلى ذلك أشار صاحب التجريد بقوله: ولسبق كفر غير علي ~~(عليه السلام) فلا يصلح للإمامة غيره، فتعين هو (2). وجواب القوشجي بأن ~~غاية الأمر ثبوت التنافي بين الظلم والإمامة ولا محذور إذا لم يجتمعا مندفع ~~بما سبق. # واعلم أن الشافعي وشيعته كالبيضاوي ذهبوا إلى أن إطلاق المشتق بعد وجود ~~المشتق منه وانقضائه كالظالم لمن قد ظلم قبل وهو الآن لا يظلم حقيقة مطلقا، ~~سواء كان مما يمكن بقاؤه كالقيام والقعود أو لا كالمصادر السيالة نحو ~~التكلم والإخبار. # فعلى قاعدتهم هذه يرد عليهم أن الظالم وإن انقضى ظلمه وتاب عنه وقبل ~~توبته لا يصلح للإمامة، إذ يصدق عليه أنه ظالم حقيقة على ما ذهبوا إليه، ~~وقد نفى الله عنه الإمامة، فكيف نالت الإمامة من ms011 يعتقدون إمامته مع ظلمه ~~وكفره بالاتفاق؟! وهذا مع قطع النظر عما سبق منا أمر يلزمهم بخصوصهم وهم لا ~~يشعرون، وما وقفت في كلام أحد تفطن بهذا فهو من سوانح الوقت والحمد لله. # وإذا ثبت أن الظالم وهو من وضع الشئ في غير موضعه وإن كان وقتا ما أو من ~~تعدى حدود الله التي هي الأوامر والنواهي لقوله تعالى: * (ومن يتعد حدود ~~الله فقد ظلم) * (3) لا تناله الإمامة، ثبت أن الإمام لا بد وأن يكون ~~معصوما، وإلا لكان ظالما: إما لنفسه أو لغيره، وقد سبق أنه منفي عنه ~~الإمامة، فالآية مما دلت على اعتبار العصمة في الإمام، والحمد لله وحده ذي ~~الجلال والإكرام. # PageV00P017 # [حكم المخالفين في الإمامة] اختلف الأصحاب في من خالفونا في الإمامة، ~~فمنهم من حكم بكفرهم، لدفعهم وإنكارهم ما علم من الدين ضرورة، وهو النص ~~الجلي على إمامة أمير المؤمنين علي (عليه السلام) مع تواتره، وقال الآخرون ~~منهم: إنهم فسقة، وهو الأقوى. # ثم اختلفوا على أقوال، الأول: أنهم مخلدون في النار لعدم استحقاقهم ~~الجنة، الثاني: أنهم يخرجون منها إليها، الثالث: أنهم يخرجون منها لعدم ~~كفرهم الموجب للخلود، ولا يدخلون الجنة لعدم إيمانهم المقتضي لاستحقاقهم ~~الثواب، والمسألة لا تخلو عن إشكال، وظاهر الأخبار الواردة في الطرفين يؤيد ~~الأول، فمنها: ما صح واستفاض عند الفريقين: " من مات ولم يعرف إمام زمانه ~~مات ميتة جاهلية " (1). # قال صاحب الفتوحات ومدعي الكشف والكرامات: إني لم أسأل الله أن يعرفني ~~إمام زماني، ولو كنت سألته لعرفني! فانظر - وقاك الله عن الضلالة والغواية ~~- كيف خذله الله وتركه مع نفسه، فاستهواه الشيطان في أرض العلوم حيران، ~~فقال ما يضحك منه الصبيان ويستهزئ به النسوان. # وقد رواه أصحابنا بطرق عديدة، أصحها سندا ما رواه ثقة الإسلام محمد بن ~~يعقوب الكليني بإسناده إلى الحارث بن المغيرة، " قال: قلت لأبي عبد الله ~~(عليه السلام): # قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): من مات ولم يعرف (2) إمامه مات ميتة ~~جاهلية، قال: نعم، قلت: جاهلية جهلاء أو جاهلية لا يعرف إمامه؟ قال: ms012 جاهلية ~~كفر ونفاق وضلال " (3). # أقول: الميتة - بالكسر أصلها الموتة على زنة الفعلة بكسر الفاء - للحالة ~~التي يموت عليها، والظاهر أنه مفعول مطلق وقع للتشبيه أي: مات على حالة ~~شبيهة بحالة موت الجاهلية، أو منصوبة بحذف أداة التشبيه أي: مات ميتة كميتة ~~جاهلية. # PageV00P018 # والظاهر منه أن موت الجاهل بإمام زمانه شبيه بموت أهل الجاهلية والنفاق، ~~فيظهر منه أن معرفته وقد فاتت منه تلك المعرفة المخصوصة بأمور المبدئية ~~والمعادية غير نافعة له في النشأة الآخرة، حيث لا تدفع عنه العقاب الأخروي، ~~وهو ظاهر. وأما أن حياته شبيهة بحياة أهل الجاهلية أو هو كافر مدة حياته أو ~~لا يجوز إجراء أحكام المسلمين عليه، فلا دلالة له عليه بدلالة من الدلالات، ~~كيف وهو خلاف ما دلت عليه أخبار كثيرة من إسلام أهل الخلاف، كما سيأتي طرف ~~منه. # وبذلك يظهر فساد ما أفاده وحيد زمانه ميرزا محمد طاهر (قدس سره) بقوله: ~~إعلم أن المليين من المسلمين مع اختلاف مذاهبهم اتفقوا على صحة ما نقل عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) وهو قوله: " من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ~~ميتة جاهلية " ولا شك في أن هذا الحديث صريح في أن الجاهل بإمام زمانه ~~كافر، ولا شك في أن عليا (عليه السلام) لم يبايع أبا بكر مدة، فعلى هذا ~~يلزم أن لا تكون إمامة أبي بكر حقا، وإلا لزم أن يكون علي وعباس وكل من ~~تأخر عن بيعته كافرا، ولم يقل به أحد، فثبت المطلوب. وذلك لأن غاية ما يفهم ~~منه أن موت الجاهل بإمام زمانه على تقدير بقائه على هذا الجهل وموته عليه ~~شبيه بموت الجاهلية، لأن من متأخر عن بيعة إمام برهة من الزمان، ولعله كان ~~لإجالة النظر وإطالة الفكر ليظهر عليه صدقه وحقيته في دعواه الإمامة، ثم ~~بايعه وعرفه ثم مات على معرفته والإقرار بإمامته يلزم منه أن يكون كافرا ~~مدة حياته، أو يكون موته شبيها بموت الجاهلية حتى يلزم منه المطلوب. # كيف وكثير من أصحاب علي (عليه السلام) لم يبايعوه مدة ثم ms013 بايعوه طوعا أو ~~كرها ثم استقاموا على الإقرار بإمامته وماتوا عليه، فيلزم بناء على ما ذكره ~~أن يكونوا كفارا جهلاء محشورين بعد موتهم مع الجاهلية، وظاهر أنه لم يقل به ~~أحد. # والعجب أنه مع ثقوب فهمه وجودة قريحته كيف تفوه بذلك، وتفاخر في آخر ~~دليله بقوله: وهذا طريق أنيق في إثبات إمامة علي (عليه السلام)، لم يذهب ~~إليه أحد، قد وفقنا الله به. مع ظهور بطلانه وفساد بنيانه. PageV00P019 # ثم قال (قدس سره): ثم إن الإمام الحق في كل عصر يجب أن يكون واحدا، وإلا ~~يلزم تجويز حقية النقيضين على تقدير اختلافهم، وهو ممتنع. وإذا لم يكن ~~الإمام عبارة عن السلطان ومن يقتدى به في الصلاة ثبت أن له معنى آخر يخصص ~~به عمن يصدق عليه هذا اللفظ بحسب اللغة، وليس للرعية سبيل إلى معرفته، فيجب ~~بيانه وتعيينه على النبي، وتأخير البيان عن محل الحاجة قبيح، والنبي منزه ~~عنه، فثبت أنه نص على علي (عليه السلام)، إذ لم يدع أحد ادعاء نصه على ~~غيره، فثبت المطلوب. # أقول: المقدمة الأولى مستدركة، وكان المناسب أن يقول بعد إبطال إمامة أبي ~~بكر: ثم إن خلو الزمان عن الإمام باطل بإجماع الفريقين، فإذا لم يكن عبارة ~~عن السلطان... إلى آخر ما ذكره. # على أنه يرد عليه أيضا أنهم فسروا الإمامة برئاسة عامة في أمر الدين ~~والدنيا خلافة عن النبي، فهم لا يجوزون تعدد الإمام - حقا كان أو باطلا - ~~في عصر من الأعصار ليحتاج في نفيه إلى دليل وفي إبطاله إلى حجة. ومنه يعلم ~~أن للإمام معنى آخر غير متعارف اللغة، فهو أيضا من المسلمات عندهم. # وأما أنه ليس للرعية سبيل إلى معرفته فهو أول المسألة في حيز المنع، لأن ~~إجماع الأمة على أمر دليل على حقيته، وهو سبيل المؤمنين المشار إليه في ~~القرآن (1). # ولعله حاول أن يشير إلى وجوب عصمته، وأنها من الأمور الخفية التي لا ~~يعلمها إلا عالم السرائر والضمائر، فيجب أن يكون منصوصا كما هو المشهور ~~عندنا، وإن لم يكن مسلما عند خصومنا، ms014 وإلا فبعد إثبات وجوب عصمته كما ~~قدمناه (2) أو تسليمه لا حاجة في نفي إمامة أبي بكر وإمامة علي (عليه ~~السلام) إلى تلك التطويلات الركيكة، بل يكفي مجرد أن يقال: إن الإمام بعد ~~النبي: إما علي (عليه السلام) أو أبو بكر، والثاني باطل لعدم عصمته إجماعا، ~~فثبت عصمة علي (عليه السلام)، وإلا لزم # PageV00P020 # عدم إمامته أيضا وهو يستلزم خلاف الإجماع المركب من الفريقين، فإذا كان ~~معصوما تعين إمامته وهو المطلوب. # وأما ما ذكره من وجوب كون النبي (صلى الله عليه وآله) منزها عن القبيح ~~فغير مسلم عندهم، كيف وهم قد كتبوا على ذلك تخطئة الأنبياء، وجوزوا فيهم ~~الاجتهاد، فصوبوهم تارة وخطؤوهم أخرى. وبالجملة دليله هذا غير مسكت للخصم، ~~بل هو دليل اقناعي عند الشيعة بعد تسليم أكثر مقدماته، على أن مقدماته من ~~المشهورات عندهم، وقد ورد على أكثرها النص عن أئمتهم فكيف ساغ له دعوى ~~التفرد بذلك؟ # وأما تأويل الإمام المذكور في الخبر المسطور بالكتاب العزيز، أو بصاحب ~~الشوكة من ملوك الدنيا، عالما كان أو جاهلا، عادلا كان أو فاسقا - كما عليه ~~مخالفونا - فمما لا وجه له أصلا. # وأية فائدة في معرفة الفاسق والجاهل حتى من لم يعرفهما يموت ميتة جاهلية ~~وهما لا يصلحان للإمامة؟ وكيف يصلح لها من لا يجوز حكمه وشهادته، ولا تجب ~~طاعته، ولا يقبل خبره، ولا يقدم للصلاة كما صرح به مفسروهم ومنهم الزمخشري ~~والبيضاوي في ذيل كريمة * (لا ينال عهدي الظالمين) *؟ وإضافة الإمام إلى ~~زمان ذلك الشخص ينفي كون المراد به الكتاب العزيز، وهو ظاهر. # ولنرجع إلى ما كنا فيه، فنقول: ومنها ما رواه الكليني عن جابر، " قال: ~~سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول الله عز وجل: * (ومن الناس من يتخذ من ~~دون الله أندادا يحبونهم كحب الله) * (1) قال: هم والله أولياء فلان وفلان، ~~اتخذوهم أئمة دون الإمام الذي جعله الله للناس إماما " (2). # فالمراد بمن دون الله من دون أولياء الله على حذف المضاف، أو أنه تعالى ~~خلط أولياءه بنفسه فجعل طاعتهم طاعته ومعصيتهم معصيته، ms015 جعل من اتخذ لهم ~~أندادا كمن اتخذ له أندادا. # PageV00P021 # ومنها ما رواه عن ابن أبي يعفور عن الصادق (عليه السلام) " قال: سمعته ~~يقول: ثلاثة لا يكلمهم (1) الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم: من ~~ادعى إمامة من الله ليست له، ومن جحد إماما من الله، وزعم أن لهما في ~~الإسلام نصيبا " (2). وهذا صريح في كفرهم، ولكنه قابل للتأويل. # ومن طرق العامة ما رواه أبو أمامة الباهلي عن النبي (صلى الله عليه ~~وآله): " أن الله تعالى خلق الأنبياء من أشجار شتى، وخلقت أنا وعلي من ~~شجرة، فأنا أصلها وعلي فرعها وفاطمة لقاحها والحسن والحسين ثمارها وأشياعنا ~~أوراقها، فمن تعلق بغصن من أغصانها نجا، ومن زاغ هوى، ولو أن عبدا عبد الله ~~بين الصفا والمروة ألف عام ثم ألف عام ثم ألف عام حتى يصير كالشن البالي ثم ~~لم يدرك محبتنا أكبه الله على منخريه في النار، ثم تلا * (قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى) * (3) ". # وروى الصدوق بأسانيد متعددة عن أبي حمزة عن علي بن الحسين (عليهما ~~السلام) أنه " قال لنا: أي البقاع أفضل؟ فقلت: الله ورسوله وابن رسوله ~~أعلم، فقال: أما أن أفضل البقاع بين الركن والمقام، ولو أن رجلا عمر ما عمر ~~نوح في قومه ألف سنة إلا خمسين عاما، يصوم النهار ويقوم الليل في ذلك ~~المكان، ثم لقي الله بغير ولايتنا لم ينفعه ذلك شيئا " (4). # وروى محمد بن يعقوب بإسناده عن عبد الحميد بن أبي العلاء، عن الصادق ~~(عليه السلام) أنه " قال: قال لي: يا أبا محمد والله لو أن إبليس سجد لله ~~بعد المعصية والتكبر عمر الدنيا ما نفعه ذلك ولا قبله الله عز ذكره ما لم ~~يسجد لآدم كما أمره الله أن يسجد له، وكذلك هذه الأمة العاصية المفتونة بعد ~~نبيها وبعد تركهم الإمام الذي نصبه نبيهم لهم فلن يقبل الله لهم عملا، ولن ~~يرفع لهم حسنة حتى يأتوا الله من # PageV00P022 # حيث أمرهم، ويتولوا الإمام الذي أمروا بولايته، ويدخلوا من الباب الذي ~~فتحه ms016 الله ورسوله لهم " (1). # وعن زرارة، عن الباقر (عليه السلام) " قال: بني الإسلام على خمسة أشياء، ~~وهي: # الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية، قال: فقلت: وأي شئ من ذلك أفضل؟ # قال: الولاية أفضل، لأنها مفتاحهن، والوالي هو الدليل عليهن - وساق ~~الحديث إلى أن قال: - ثم قال: ذروة الأمر وسنامه ومفتاحه وباب الأشياء ورضا ~~الرحمن الطاعة للإمام بعد معرفته، إن الله عز وجل يقول: * (من يطع الرسول ~~فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا) * أما لو أن رجلا قام ~~ليله وصام نهاره وتصدق بجميع ماله وحج جميع دهره ولم يعرف ولاية ولي الله ~~فيواليه ويكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله حق في ثوابه، ~~ولا كان من أهل الإيمان " (2). # وعن محمد بن مسلم " قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كل من دان ~~الله عز وجل بعبادة يجهد فيها نفسه ولا إمام له من الله فسعيه غير مقبول، ~~وهو ضال متحير والله شانئ لأعماله، ومثله كمثل شاة ضلت عن راعيها وقطيعها، ~~فهجمت ذاهبة وجائية يومها، فلما جنها الليل بصرت بقطيع غنم مع راعيها، فحنت ~~إليها واغترت بها، فباتت معها في مربضها، فلما أن ساق الراعي قطيعه أنكرت ~~راعيها وقطيعها فهجمت متحيرة تطلب راعيها وقطيعها، فبصرت بغنم مع راعيها ~~فحنت إليها واغترت بها، فصاح بها الراعي: ألحقي براعيك وقطيعك فأنت تائهة ~~متحيرة عن راعيك وقطيعك، فهجمت ذعرة متحيرة تائهة لا راعي لها يرشدها إلى ~~مرعاها أو يردها، فبينما هي كذلك إذا اغتنم الذئب ضيعتها فأكلها، وكذلك ~~والله يا محمد من أصبح من هذه الأمة لا إمام له من الله عز وجل ظاهرا عادلا ~~أصبح ضالا تائها، وإن مات على هذه الحال مات ميتة كفر ونفاق، واعلم يا محمد ~~أن أئمة الجور وأتباعهم لمعزولون عن دين الله قد ضلوا وأضلوا، فأعمالهم ~~التي يعملونها # PageV00P023 # كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف لا يقدرون مما كسبوا على شئ ذلك هو ~~الضلال البعيد " (1). # إلى غير ذلك من الأخبار، ويظهر منها أن أهل الخلاف ms017 كفار أو منافقون، وكل ~~من هو كذلك فهو مخلد في النار * (وعد الله المنافقين والمنافقات والكفار ~~نار جهنم خالدين فيها هي حسبهم ولعنهم الله ولهم عذاب مقيم) * (2) وذلك لا ~~ينافي إسلامهم بحسب الظاهر كما ذهب إليه عامة أصحابنا، ويشير إليه قوله ~~(عليه السلام) " مات ميتة كفر ونفاق " حيث ذكر الكفر بعد الإيمان لينبه على ~~أن كفرهم ليس كفرا ظاهرا كسائر أصناف الكفر، بل كفرهم مكتوم ككفر ~~المنافقين، فهذا الإسلام الظاهري يحقن دماءهم، ويحفظ أموالهم، ويحل ~~ذبيحتهم، ويحصل التوارث بيننا وبينهم، ويغسلون ويصلى عليهم، ويدفنون في ~~مقابر المؤمنين. وبالجملة: فهم يشاركون أهل الإيمان في الأحكام الدنيوية، ~~ويفارقونهم في الأحكام الأخروية. # ففي الحسن عن الفضيل بن يسار عن الصادق (عليه السلام) " قال: سمعته يقول: ~~إن الإيمان يشارك الإسلام ولا يشاركه الإسلام، إن الإيمان ما وقر في ~~القلوب، والإسلام ما عليه المناكح والمواريث وحقن الدماء " (3). # وفي الموثق عن سماعة عنه (عليه السلام) ما يقرب من ذلك (4). # وفي الصحيح عن حمران بن أعين عن الباقر (عليه السلام): " الإيمان ما ~~استقر في القلب وأفضى به إلى الله، وصدقه العمل بالطاعة لله والتسليم ~~لأمره، والإسلام ما ظهر من قول أو فعل وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق ~~كلها، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث وجاز النكاح - إلى أن قال - ~~قلت: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شئ من الأحكام والحدود وغير ذلك؟ فقال: ~~لا، هما يجريان في ذلك مجرى واحد، ولكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما ~~وما # PageV00P024 # يتقربان به إلى الله " (1). # وفي خبر آخر: " الإسلام هو الظاهر الذي عليه الناس: بشهادة أن لا إله إلا ~~الله وأن محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإقامة الصلاة وإيتاء ~~الزكاة وحج البيت وصيام شهر رمضان، فهذا هو الإسلام، وأما الإيمان فمعرفة ~~هذا الأمر مع هذا، فإن أقر بها ولم يعرف هذا الأمر كان مسلما وكان ضالا " ~~(2). # ويظهر منها ومن أمثالها أن ما ورد من عدم نصيب مخالفينا في الإسلام ~~المراد به النصيب الأخروي، وأن ما ذهب ms018 إليه جماعة من أصحابنا من عدم ~~استحلال ذبيحتهم كالقاضي وابن إدريس، أو عدم جواز الصلاة عليهم كالشيخين، ~~أو عدم ثبوت التوارث بأن نرثهم ولا يرثونا كالمفيد وأبي الصلاح، أو عدم ~~جواز مناكحتهم كما عليه كثير من الأصحاب، ضعيف، لأن هذه الأحكام بالنسبة ~~إلى من لم يكن على ظاهر الإسلام كسائر أصناف الكفار لا مطلق الكافر، وهذا ~~أمر معلوم من سيرته (صلى الله عليه وآله) مع المنافقين. # ثم لا فرق في ذلك بين كل صنف من أصناف المخالفين، إذ المعتبر هو التصديق ~~بكل واحد واحد منهم (عليهم السلام)، يدل عليه: # قوله (صلى الله عليه وآله): " من أنكر واحدا منهم فقد أنكرني " (3). # وقول الرضا (عليه السلام): " من جحد حقي كمن جحد حق آبائي " (4). # وقول الصادق (عليه السلام) لما سئل عن الزيدي والمخالف: " هما والله سواء ~~"، ولما روجع ثانيا، قال: " لا فرق بين من أنكر آية من القرآن، وبين من ~~أنكر آيات منه، وبين من أنكر نبيا من الأنبياء، وبين من أنكر كلا منهم ". # وقوله: " ونحن الذين فرض الله طاعتنا لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر ~~الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمنا، ومن أنكرنا كان كافرا، ومن لم يعرفنا ~~ولم ينكرنا كان ضالا حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله من طاعتنا ~~الواجبة، # PageV00P025 # فإن يمت على الضلالة يفعل الله به ما يشاء " (1). # [اعتقاد الشيعة في الرجعة] قال صاحب الكشاف بعد كريمة * (ألم يروا كم ~~أهلكنا قبلهم من القرون أنهم إليهم لا يرجعون) * (2): وهذا مما يرد قول أهل ~~الرجعة (3). وأراد بهم أصحابنا الإماميين، فإن القول بالرجعة والإيمان بها ~~مما تفردوا به، ونقلوا فيه أخبارا كثيرة: # منها: أن الله سيعيد قوما عند قيام المهدي (عليه السلام) ممن تقدم موتهم ~~من أوليائه وشيعته ممن محض الإيمان محضا ليفوزوا بنصرته ومعونته ويتبهجوا ~~بظهور دولته، ويعيد أيضا قوما من أعدائه ممن محض الكفر محضا لينتقم منهم ~~وينالوا بعض ما يستحقونه من العقاب في القتل على أيدي شيعته أو الذل والخزي ~~مما يشاهدونه من علو كلمته (4). وهذا - أي ms019 تفردهم بذلك - هو المشهور بين ~~أصحابنا. # ولكن يظهر من ابن الأثير في نهايته أن القول بالرجعة ليس من متفرداتهم، ~~حيث قال: إن الرجعة مذهب قوم من العرب في الجاهلية معروف عندهم، ومذهب ~~طائفة من فرق المسلمين من أولي البدع والأهواء، يقولون: إن الميت يرجع إلى ~~الدنيا ويكون فيها حيا كما كان، ومن جملتهم طائفة من الرافضة يقولون: إن ~~علي ابن أبي طالب مستقر في السحاب فلا يخرج مع من خرج من ولده حتى ينادي ~~مناد من السماء أخرج مع فلان، ويشهد لهذا المذهب السوء قوله تعالى: * (حتى ~~إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحا) * (5) يريد الكفار، ~~نحمد الله على الهداية والإيمان (6) انتهى. وهذا منهم افتراء وبهتان عظيم ~~على الرافضة، فإنهم وإن قالوا برجعته (عليه السلام) ولكن لم يقل به أحد ~~منهم بحياته واستقراره في السحاب، بل القول بحياته قول طائفة من الغلاة ليس ~~إلا. # أقول: وفيما ذكره الكشاف نظر، إذ غاية ما دلت عليه الآية أن القرون ~~الهالكة # PageV00P026 # الخالية لا يرجعون بصورهم الأصلية إلى العباد المستهزئين للرسل مدة ~~حياتهم. # وأما أنهم لا يرجعون أبدا لا إليهم ولا إلى غيرهم، أو أن غير هؤلاء ~~الهالكين لا يرجع قبل يوم القيامة إلى الدنيا بصورته التي كان عليها فلا ~~دلالة لها عليه بشئ من الدلالات. # ثم أية منافاة بين رجوع علي (عليه السلام) إلى الدنيا وبين نكاح نسائه ~~وقسمة ميراثه إذا كان ذلك جائزا في الشرع؟ فما حكاه عن ابن عباس أنه قيل ~~له: إن قوما يزعمون أن عليا (عليه السلام) يبعث قبل يوم القيامة، فقال: بئس ~~القوم نحن إذن نكحنا نساءه وقسمنا ميراثه. فمع أنة فرية لا مرية فيها لا ~~يدل على عدم الجواز، فإن كثيرا من القرون الماضية وغيرهم ماتوا ونكحت ~~نساؤهم وقسمت أموالهم ثم رجعوا إلى الدنيا وعاشوا فيها ما شاء الله ثم ~~ماتوا بآجالهم. # وكيف يصير قول ابن عباس معارضا لقول علي (عليه السلام) في حديث أبي ~~الطفيل في الرجعة: " هذا علم يسع الأمة جهله ورد ms020 علمه إلى الله تعالى، قال: ~~وقرأ علي بذلك قراءة كثيرة وفسر تفسيرا شافيا حتى صرت ما أنا بيوم القيامة ~~أشد يقينا مني بالرجعة " الحديث (1). # وكان عامر بن واثلة بن الأسقع بن عامر بن واثلة الكناني أبو الطفيل هذا ~~آخر من مات ممن رأى النبي (صلى الله عليه وآله) كما في الاستيعاب، قال: وقد ~~روى عنه (صلى الله عليه وآله) نحو أربعة أحاديث، وكان محبا في علي (عليه ~~السلام)، وكان من أصحابه في مشاهده، وكان ثقة مأمونا يعترف بفضل الشيخين ~~إلا أنه كان يقدم عليا (عليه السلام) (2). ويقال (3): إنه أدرك من حياة ~~النبي (صلى الله عليه وآله) ثمان سنين، وكان مولده في عام الفيل، ومات سنة ~~مائة أو نحوها انتهى. # وفي مختصر الذهبي هكذا: وكان أبو الطفيل من محبي علي، وبه ختم # PageV00P027 # الصحابة في الدنيا، مات سنة عشر ومائة (1) انتهى. وهذان الكتابان - وهما ~~الاستيعاب والمختصر - من كتب رجال العامة. # وفي الكشي في ترجمة عامر بن واثلة أبي الطفيل هذا بإسناده إلى شهاب بن ~~عبد ربه " قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف أصبحت جعلت فداك؟ ~~قال: أصبحت أقول كما قال أبو الطفيل، يقول: # وإن لأهل الحق لا بد من دولة * على الناس إياها أرجي وأرقب ثم قال: أنا ~~والله ممن يرجي ويرقب " وكان يقول: ما بقي من السبعين غيري (2). وأراد بهم ~~الذين قتلوا مع الحسين (عليه السلام)، ويظهر منه أنه من أصحابه (عليه ~~السلام) أيضا، ومن كلامه: # وبقيت سهما من الكنانة واحدا * سترمي به أو يكسر السهم كاسره (3) وكان ~~يحفظ الأحاديث على ما يكون، ولا يخلي دخول الغلط فيها. # ومن لطيف ما وقع بين محمد بن علي بن النعمان أبي جعفر الأحول الملقب ~~بمؤمن الطاق وبين أبي حنيفة أنه قال له يوما: يا أبا جعفر تقول بالرجعة؟ ~~فقال: # نعم، فقال له: أقرضني من كيسك هذا خمسمائة دينار، فإذا عدت أنا وأنت ~~رددتها إليك، فقال له في الحال: أريد ضمينا يضمن لي أنك تعود إنسانا، فإني ~~أخاف أن تعود قردا فلا ms021 أتمكن من استرجاع ما أخذت مني (4). # ثم من العجب أن هذا الرجل الناصبي المعتزلي صاحب التفسير يفوه بكل ما خطر ~~بباله ولا يراعي ما عليه من مآله، ولعله ذهب عنه ما نقلوه في كتبهم أن ~~المهدي (عليه السلام) إذا خرج نزل عيسى (عليه السلام) فصلى خلفه، ونزوله ~~إلى الأرض رجوعه إلى الدنيا بعد موته، لأنه تعالى قال: * (إني متوفيك ~~ورافعك إلي) * (5) ألا يرى إلى قوله تعالى: * (ألم تر إلى الذين خرجوا من ~~ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم) * (6) فهؤلاء ~~ماتوا ثم رجعوا إلى الدنيا، وقال الله تعالى في # PageV00P028 # قصة عزير وارميا على الاختلاف: * (فأماته الله مائة عام ثم بعثه) * (1). # قال هذا الرجل المنكر للرجعة في تفسيره المذكور: إنه كان كافرا بالبعث، ~~وهو الظاهر لانتظامه مع نمرود في سلك، ثم قال: وقيل: هو عزير أو الخضر (2). # أقول: وعلى الأقوال فهذا مات مائة عام، ثم رجع إلى الدنيا وبقي فيها ثم ~~مات بأجله. وقال صاحب التفسير بعد قوله تعالى: * (ولنجعلك آية للناس) * ~~قيل: أتى قومه راكب حماره وقال: أنا عزير، فكذبوه، فقال: هاتوا التوراة، ~~فأخذها يهذها هذا عن ظهر القلب وهم ينظرون في الكتاب، فما خرم حرفا، ~~فقالوا: هو ابن الله. ولم يقرأ التوراة ظاهرا أحد قبل عزير، فذلك كونه آية، ~~وقيل: # رجع إلى منزله فرأى أولاده شيوخا وهو شاب، فإذا حدثهم بحديث قالوا: حديث ~~مائة سنة (3) انتهى. # وفي قصة المختارين من قوم موسى لميقات ربه * (ثم بعثناكم من بعد موتكم ~~لعلكم تشكرون) * (4) فأحياهم فرجعوا إلى الدنيا فأكلوا وشربوا ونكحوا وولد ~~لهم الأولاد وبقوا فيها ثم ماتوا بآجالهم، وكذلك جميع الموتى الذين أحياهم ~~الله لعيسى (عليه السلام) رجعوا إلى الدنيا وبقوا فيها ثم ماتوا، وقصة ~~أصحاب الكهف معروفة، والرواية النبوية: " كل ما كان في الأمم السالفة يكون ~~في هذه الأمة مثله حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة " (5) مشهورة، وسائر ~~الأقاصيص في محالها مسطورة. # وليس ينبغي أن يعجب من ذلك فضلا عن أن ينكر، فإن الأمور المجهولة العلل ~~لا ms022 يعجب منها في شريعة العقل، فكيف يعجب منها في طريقة النقل؟! # ألا يرى إلى قول باب مدينة العلم وقد سبق: " هذا علم يسع الناس جهله، ورد ~~علمه إلى الله تعالى " (6) مع أن بعض علله - كفوز الأولياء بثواب النصرة ~~والمعونة # PageV00P029 # وبهجتهم بظهور الدولة والسلطنة والانتقام من الأعداء ونيلهم بعض ما ~~يستحقونه من العقاب والذلة... إلى غير ذلك من البواعث في الحكمة - في ~~الأخبار مذكور وفي الآثار مسطور، وقد سبق في الخبر الأول، وله نظائر لا يسع ~~ذكرها المقام، والصلاة على محمد وآله خير البرية والأنام. # تنبيه نبيه [وجوب حفظ النفس ودفع الضرر عنها] لا شبهة في وجوب حفظ النفس ~~مهما أمكن، ودفع الضرر المظنون عنها، بل ما يحتمل الضرر مطلقا كما يحكم به ~~العقل، من غير توقفه في شئ منه على ورود النقل، ولذا لا يشرب العاقل - مثلا ~~- السم القاتل إلا ويلام عليه، وكذا لا يلقي بنفسه إلى التهلكة ويتحرز عن ~~المؤذيات عامة، ورد به الشرع أو لم يرد، علم بما فيه أم لم يعلم، فإذا طلب ~~طالب عن أحد نفسه وجب على المطالب نفسه دفعه إن أمكنه وإلا وجب عليه الهرب ~~منه، لأنه أحد أفراد ما يدفع به عن النفس الواجب حفظها عقلا. # وفي حكم طلبه النفس طلبه الفساد بالحريم في وجوب دفعه إن أمكنه، وكذلك ~~وجب عليه الدفع عن الأقارب وأخيه المؤمن، مع القدرة والأمن من الضرر وظن ~~السلامة، معتمدا في الدفاع على الأسهل فالأسهل كالصياح في الخصام ثم الضرب ~~ثم الجرح ثم التعطيل بقطع جوارحه بحيث يصير معطلا عن المجادلة والمقاومة، ~~فإن لم يندفع إلا بالقتل كان دمه هدرا وقتله واجبا. # نعم لا يجب الابتداء والمبادرة إليه إلا مع العلم والظن الغالب بقصده، ثم ~~لو كف كف عنه، ولو عاد عاد إليه، كل ذلك بالعقل، ولذا لو قصر الدافع وقد ~~أمكنه الدفع ليم وسفه، مع قطع النظر عن ورود الشرع بذلك، ولذلك شاع وذاع في ~~سائر أصناف الناس الغير المتشرعين بل في الأعاجم من الحيوانات، ولذا يذب ~~عنه ms023 وعما ولد عنه وعن حماه وحريمه بقدر الإمكان، وإلا فر ثم كر إلى أن يغلب ~~أو يغلب، وهذا مشاهد محسوس. PageV00P030 # فما نقله في الكشاف: قيل: كان هابيل أقوى من قابيل، ولكن تحرج عن قتله ~~واستسلم له خوفا من الله، لأن الدفع لم يكن مباحا في ذلك الوقت، أو تحريا ~~لما هو الأفضل، قال (عليه السلام): " كن عبد الله المقتول، ولا تكن عبد ~~الله القاتل " (1) محل نظر، إذ التسليم غير ظاهر، وكذا كونه مباحا، فإن ~~وجوب حفظها عقلي كما سبق، ولا يمكن إباحة التسليم الذي ينافيه بل هو قتل ~~النفس. # وقوله: * (لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني ~~أخاف الله رب العالمين) * (2) لا يدل على التسليم، بل يدل على عدم بسطه يده ~~بقصد قتله لا للدفع أيضا، وهو ظاهر حسن مطابق لما سبق من أن المظلوم إنما ~~يحسن منه قتل الظالم على وجه المعارضة والمدافعة طلبا للتخلص من غير أن ~~يريد قتله ويقصده، ولعله لذلك نسبه إلى القيل. # وكذا الحال فيما قيل لينصر (3) به القيل: إذا كان حفظ النفس مستلزما ~~للدفع المستلزم لقتل نفس آخر، فكونه حينئذ عقليا في محل المنع، كما إذا أمر ~~حاكم الجور بقتل مؤمن فإنه لا يجوز كما صرح به الفقهاء، لأنه لا تقية في ~~الدماء، مع أنه يستلزم حفظ نفسه، فإن حاكم الجور إذا أمر بقتل مؤمن فإنما ~~لا يجوز قتله لأنه لا يقصد قتل المأمور ولا ضرره. نعم يجب على المأمور أن ~~يدفع الآمر عن نفسه أو يقتله مع الإمكان وأمن الضرر وظن السلامة، ويهرب عنه ~~لو أراد نفسه أو ماله أو حريمه، أو نفس أخيه المؤمن أو ماله أو حريمه. # ثم لما كان هابيل - على ما اعترفوا به - أقوى من قابيل وأشد منه وأبطش، ~~وأراد أن يتحرى ما هو أفضل، كان عليه أن يدفعه عن نفسه من غير أن يقتله، بل ~~بأحد من الأنحاء المذكورة، ولا أقل من أن يحبسه أو يكتفه أو يربطه... إلى ~~غير ذلك، فإنه كان ms024 سببا لحياة نفسين وهو أحرى من التسليم المنافي لوجوب ~~حفظها. # وأما الخبر فعلى تقدير ثبوته وصحته، فلعل المراد به النهي عن الإقدام إلى # PageV00P031 # القتل ابتداء من دون سابقة العلم بقصده، فإن أدى تركه قتله حينئذ إلى ~~قتله، فكونه مقتولا في تلك الصورة خير من كونه قاتلا بدون العلم أو الظن ~~بقصده، أو المراد كن عبد الله الذي قتل نفسه وغلب هواه وسلب مناه فصار كأنه ~~مقتول نفسه، ولا تكن عبد الله الذي غلبه هواه وسلبه مناه فصار بذلك كأنه ~~قاتل غيره. والأظهر أن معناه: إذا أمرت بقتل من لا يجوز قتله شرعا فلا ~~تقتله، فإن أفضى ذلك إلى قتلك فكن عبد الله المقتول ولا تقدم إلى قتله ~~فتكون عبد الله القاتل، ولذا حرم على المكره القتل، وأوجب عليه القصاص. # وبالجملة: إذا كان أمر الانسان دائرا بين أن يكون قاتلا بغير حق ومقتولا ~~مظلوما فليكن مقتولا ولا يكن قاتلا، إذ لا تقية في الدماء، والصلاة على ~~محمد وآله الأتقياء. # [تحقيق حول آية المتعة] قال البيضاوي بعد كريمة * (فما استمتعتم به منهن ~~فآتوهن أجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة) * ~~(1): إنها نزلت في المتعة التي كانت ثلاثة أيام حين فتحت مكة ثم نسخت، كما ~~روي " أنه (صلى الله عليه وآله) أباحها ثم أصبح يقول: أيها الناس إني كنت ~~أمرتكم بالاستمتاع من هذه النساء، ألا إن الله تعالى حرم ذلك إلى يوم ~~القيامة " (2). # وقال الزمخشري في الكشاف: كان الرجل ينكح وقتا معلوما ليلة أو ليلتين أو ~~أسبوعا بثوب أو غير ذلك، ويقضي منها وطره ثم يسرحها، ثم نقل الرواية ~~المذكورة (3). # أقول: هذه الرواية والمشهورة بين الفريقين " عن ابن الخطاب أنه قال: # متعتان كانتا على عهد رسول الله حلالا وأنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما " ~~(4) متناقضتان، إذ الأولى صريحة في عدم بقاء المتعة إلى زمان عمر بل تدل ~~على # PageV00P032 # نسخها في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حيث أصبح يخاطب الناس ~~بإسناد تحريمها إليه تعالى من وقته إلى يوم القيامة، ms025 والمشهورة عنه صريحة ~~في بقائها وشهرتها إلى زمنه حيث أسند تحريمها والنهي عنها والمعاقبة عليها ~~إلى نفسه بضرب من الرأي، فلولا بقاؤها وانتشارها بينهم في زمانه وفعلهم ~~إياها في هذا الزمان لما كان لقوله: # " أنا أحرمهما " (1) كما في رواية، أو " أنا أنهى عنهما وأعاقب عليهما " ~~(2) كما في الرواية المذكورة معنى. # وكذلك ما في الكشاف عن عمر أنه قال: لا أوتي برجل تزوج امرأة إلى أجل إلا ~~رجمتهما بالحجارة (3). # وما في تفسير الثعلبي عن عمران بن حصين: نزلت آية المتعة في كتاب الله ~~تعالى ولم تنزل بعدها آية تنسخها، فإنا أمرنا رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) فتمتعنا مع الرسول، فمات ولم ينهنا عنها، فقال رجل بعده برأيه ما شاء ~~(4). # وما في صحيح الترمذي: أن رجلا من أهل الشام سأل ابن عمر عن متعة النساء، ~~فقال: هي حلال، فقال: إن أباك قد نهى عنها، فقال: أرأيت إن كان أبي نهى ~~عنها وسنها رسول الله أترك السنة ونتبع قول أبي (5)؟ # وما في نهاية ابن الأثير عن ابن عباس: ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله ~~بها أمة محمد، ولولا نهيه عنها ما احتاج إلى الزنا إلا شفا أي قليلا من ~~الناس (6). # وما في رواية الحكم بن عتيبة - وهو من أكابر أهل السنة - قال: قال علي بن ~~أبي طالب (عليه السلام): لولا أن نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي (7). # وما في النقل المشهور أن يحيى بن أكثم قال لشيخ من البصرة: بمن اقتديتم ~~في تحليل المتعة؟ فقال: بعمر بن الخطاب، لأنه قال: إن الله ورسوله أحلا لكم ~~متعتين وأنا أحرمهما عليكم وأعاقب عليهما، فقبلنا شهادته، ولم نقبل تحريمه. # PageV00P033 # وما في صحيح مسلم بن حجاج عن ابن جريح، قال عطاء: قدم جابر بن عبد الله ~~معتمرا، فجئنا منزله، فسأله القوم عن أشياء، ثم ذكر المتعة، فقال: نعم ~~استمتعنا على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأبي بكر وعمر (1). كلها ~~صريحة في بقائها إلى زمانه، فالمنافاة ظاهرة. # وأيضا فما فائدة هذا التزويج المؤجل ms026 بعد نسخه إلى زمن الثاني حتى يستوجب ~~فاعله الرجم بالحجارة أو المعاقبة؟ وهل فرق بعد نسخه بينه وبين الزنا؟ ~~فلولا أن غرضهم إباحة الفروج به والتسنن بسنة النبي (صلى الله عليه وآله) ~~لما فعلوه إلى وقت نهيه، وخاصة كبار الصحابة الموثقين كعبد الله بن عباس ~~ومن في طبقته، حيث قالوا: إنها لم تنسخ وكانوا يقرؤون: فما استمتعتم به ~~منهن إلى أجل مسمى، على ما في الكشاف. # وفي تفسير الثعلبي عن أبي نصر قال: سألت ابن عباس عن المتعة، فقال: أما ~~قرأت سورة النساء؟ فقلت: بلى، فقال: أما تقرأ: فما استمتعتم به منهن إلى ~~أجل مسمى؟ قلت: لا أقرأ هكذا، قال ابن عباس: والله هكذا أنزله الله عز وجل ~~ثلاث مرات (2). وأما رجوعه عن القول بالمتعة وتوبته عند موته بقوله: اللهم ~~إني أتوب إليك من قولي بالمتعة وقولي بالصرف على ما نسب إليه الزمخشري (3) ~~والبيضاوي (4) فمع كونه بعيدا عنه غاية البعد غير ثابت ولا دافع للمنافاة ~~كما لا يخفى، وكيف يصح منه الرجوع والتوبة عنه عند موته مع عدم ظهور دليل ~~خلافه في حياته؟ وظهور دليله عند الموت وكونه مخفيا عليه وعلى غيره حتى ~~يمنعوه عنه إلى حين موته بعيد، بل ممتنع عادة. على أن إسناد الثاني التحريم ~~إلى نفسه في الرواية المشهورة عنه مناف أيضا لما في الرواية الأولى من ~~إسناده إليه تعالى، وهو ظاهر. وبالجملة فبين تلك الروايات الواردة في ~~طريقهم من التدافع # PageV00P034 # والتناقض ما لا يخفى. # والعجب أن الزمخشري والبيضاوي مع نقلهما رواية الرجم بالحجارة لم يتفطنا ~~بذلك ولم يتصديا لدفعه، وأنى لهما ذلك وقد ورد في طريقهما عن علي (عليه ~~السلام) " أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) نهى عن متعة النساء يوم خيبر ~~" (1). # ورووا عن الربيع بن سبرة عن أبيه، " قال: شكونا العزبة في حجة الوداع، ~~فقال: استمتعوا من هذه النساء، فتزوجت امرأة، ثم غدوت على رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) وهو قائم بين الركن والباب وهو يقول: كنت قد أذنت لكم في ~~الاستمتاع، ألا ms027 وإن الله قد حرمهما إلى يوم القيامة " (2). # واللازم من الروايتين نسخها مرتين، لأن إباحتها في حجة الوداع أولا ناسخة ~~لتحريمها يوم خيبر ويوم فتحت مكة، ولا قائل به، والآية - كما قيل - ظاهرة ~~في المتعة، والقراءة المنقولة صريحة فيها، والإجماع واقع على أنها سائغة، ~~وكذلك الروايات فالكتاب والسنة والأمة متفقة على جوازها، واختلفت الأمة في ~~بقائها، والأصل والاستصحاب وعدم دليل واضح على النسخ وكونه خلاف الأصل مع ~~الخلاف في جواز نسخ الكتاب بالسنة المتواترة وعدم الإجماع مع عدم العلم ~~بالتواتر منا وعدم جوازه بالخبر الواحد على تقدير صحته وثبوته بالعقل ~~والنقل من الإجماع وغيره دليل البقاء، والحمد لله ما دامت الأرض والسماء، ~~والصلاة على أشرف الأنبياء محمد وآله المعصومين الأمناء. # [تحقيق حول حديث الإفك] قال آية الله العلامة في جواب مسألة سئل عنها ~~بهذه العبارة: ما يقول سيدنا العلامة في قصة الإفك والآيات التي نزلت ~~ببراءة المقذوفة، هل ذلك عند أصحابنا في عائشة أم نقلوا أن ذلك كان في ~~غيرها من زوجات سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟: ما عرفت لأحد من ~~العلماء خلافا في أن المراد بها عائشة (3). # PageV00P035 # أقول: هذا جواب غريب، وصدور مثله عن مثله أمر عجيب، لأن في تفسير علي بن ~~إبراهيم الثقة: أن العامة روت (1) أنها نزلت في عائشة وما رميت به في غزوة ~~بني المصطلق من خزاعة، وأما الخاصة فإنهم رووا أنها نزلت في مارية القبطية ~~وما رمتها به عائشة (2). وهذا صريح في أن لا خلاف بين أصحابنا في أن المراد ~~بها مارية. # روى روح الله روحه بإسناده عن ابن بكير عن زرارة " قال: سمعت أبا جعفر ~~(عليه السلام) يقول: لما مات إبراهيم ابن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~حزن عليه حزنا شديدا، فقالت عائشة: ما الذي يحزنك عليه؟ فما هو إلا ابن ~~جريح! فبعث رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام) وأمره ~~بقتله، فذهب علي (عليه السلام) إليه ومعه السيف، وكان جريح القبطي في حائط، ~~فضرب علي (عليه السلام) باب البستان، ms028 فأقبل إليه جريح ليفتح له الباب، فلما ~~عرف عليا (عليه السلام) عرف في وجهه الغضب، فأدبر راجعا ولم يفتح باب ~~البستان، فوثب علي (عليه السلام) على الحائط ونزل إلى البستان واتبعه، وولى ~~جريح مدبرا، فلما خشي أن يرهقه صعد في نخلة وصعد علي (عليه السلام) في ~~أثره، فلما دنا منه رمى جريح نفسه من فوق النخلة، فبدت عورته فإذا ليس له ~~ما للرجال ولا ما للنساء، فانصرف علي (عليه السلام) إلى النبي (صلى الله ~~عليه وآله)، فقال: يا رسول الله إذا بعثتني في أمر أكون فيه كالمسمار ~~المحمى في الوبر أم أتثبت؟ فقال (صلى الله عليه وآله): لا بل تثبت، فقال ~~(عليه السلام): والذي بعثك بالحق ما له ما للرجال وما له ما للنساء، فقال ~~(صلى الله عليه وآله): الحمد لله الذي يصرف عنا السوء أهل البيت " (3). ~~وفيه وفيما سيأتي إشكال، إذا تأمله عاقل يعرفه، ويعرف بتأمله دفعه. # وفي بعض التفاسير: " أن قوله تعالى: * (إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا) * ~~(4) نزل في من قال للنبي (صلى الله عليه وآله): إن مارية أم إبراهيم يأتيها ~~ابن عم لها قبطي، فدعا رسول الله (صلى الله عليه وآله) عليا (عليه السلام)، ~~فقال: يا أخي خذ هذا السيف فإن وجدته عندها فاقتله، # PageV00P036 # فقال: يا رسول الله أكون في أمرك إذا أرسلتني كالسكة المحماة أمضي ما ~~أمرتني أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب؟ فقال: بل الشاهد يرى ما لا يرى ~~الغائب، قال: # فأقبلت متوشحا بالسيف فوجدته عندها، فاخترطت السيف، فلما عرف أريده أتى ~~نخلة فرقى إليها، ثم رمى بنفسه على قفاه وشغر برجليه، فإذا أنه أجب أمسح ~~ماله مما للرجال قليل ولا كثير، فرجعت فأخبرت النبي (صلى الله عليه وآله)، ~~فقال: الحمد لله الذي يصرف عنا السوء أهل البيت " (1). # والمشهور أن هذه الآية نزلت في واقعة الوليد بن عتبة بن أبي معيط، حيث ~~بعثه النبي (صلى الله عليه وآله) إلى بني المصطلق مصدقا، فلما قرب إلى ~~ديارهم ركبوا مستقبلين فظنهم مقاتليه، فرجع وأخبر النبي (صلى ms029 الله عليه ~~وآله) بأنهم ارتدوا، فأمر المؤمنون بالتثبت والتوقف ليعلموا فسقه وعدمه. ~~والحق ما ذكره القمي طاب ثراه. # وعلى تقدير كون تلك الآيات نازلة في عائشة وبراءتها لا تدل على مكانتها ~~ومنزلتها، بل ما كان ذلك إلا لإظهار منصب الرسول وإعلاء منزلته كما سيأتي. # والمراد بالإفك: الكذب العظيم، وأصله من الأفك وهو القلب، لأنه قول مأفوك ~~عن وجهه. # وسببه على المشهور بين الجمهور: أن عائشة ضاع عقدها في غزوة بني المصطلق، ~~وكانت قد خرجت لقضاء حاجة، فرجعت طالبة له، وحمل هودجها على بعيرها ظنا ~~منهم أنها فيها، فلما عادت إلى الموضع وجدتهم قد رحلوا، وكان صفوان من وراء ~~الجيش، فلما وصل إلى ذلك الموضع وعرفها أناخ بعيره حتى ركبته وهو يسوقه حتى ~~أتى الجيش وقد نزلوا قائم الظهيرة، وكان عتبة بن أبي معيط (2) رأس أصحاب ~~الإفك، وكان يجتمع الناس عنده فيحدثهم بحديث الإفك ويشيعه بين الناس، وكان ~~يقول: امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ثم جاء يقودها، والله ما نجت منه ~~ولا نجى منها (3). # PageV00P037 # فإن قلت: هل تجب عصمة نساء الأنبياء من الزنا فلا يجوز ذلك عليهن أم يجوز ~~ولكنه لم يقع منهن؟ # قلت: لو لم يجز لكان على رسول الله (صلى الله عليه وآله) حين قذفت زوجته ~~أن يخبر بأنه لا يجوز عليها، ولكنه بقي أياما والناس يخوضون فيه إلى أن نزل ~~الوحي ببراءتها، وكيف لا يجوز وقد قال الله تعالى: * (يا نساء النبي من يأت ~~منكن بفاحشة مبينة - إلى قوله - فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض ~~وقلن قولا معروفا وقرن في بيوتكن) * (1) الآيات؟ ولذلك لم يشترط أحد من ~~العلماء عصمتهن عنه، ولكن اللائق بمنصب النبوة نزاهتهن عنه وسلامتهن منه، ~~ولم يقع من واحدة منهن، فعن ابن عباس: ما زنت امرأة نبي قط (2). # وأما ما توهم من قوله تعالى: * (يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير ~~صالح) * (3) أنه يدل على تلوث ذيلها وتدنس إزارها وقذارة ثيابها، ولذا نقل ~~عن الحسن ومجاهد أنه ما كان ms030 ابنه على الحقيقة وإنما ولد على فراشه فقال: يا ~~* (رب إن ابني من أهلي) * على ظاهر الحال فأعلمه تعالى بأن الأمر على خلاف ~~الظاهر (4)، فهو فاسد يأباه * (ونادى نوح ابنه) * (5) مع أن الأنبياء يجب ~~أن ينزهوا عن مثل هذه الحال لأنها تنفر وتشين، وقد نزه الله أنبياءه عما ~~دون ذلك توقيرا لهم وتعظيما مما ينفر من القبول وخاصة على مذاهب أهل الحق، ~~فالمراد أنه ليس على دينك، فكان كفره أخرجه أن يكون له أحكام أهله. # روى الحسن بن علي الوشاء " عن الرضا (عليه السلام)، قال: سمعته يقول: قال ~~أبي: # قال أبو عبد الله (عليه السلام): إن الله عز وجل قال لنوح: * (إنه ليس من ~~أهلك) * لأنه كان مخالفا له، وجعل من اتبعه من أهله، قال: وسألني كيف ~~تقرؤون هذه الآية في ابن نوح؟ فقلت: يقرؤها الناس على وجهين: إنه عمل غير ~~صالح، وإنه عمل غير # PageV00P038 # صالح، فقال: كذبوا، هو ابنه ولكن الله عز وجل نفاه عنه حين خالفه في دينه ~~" (1). # ويحتمل أن يكون المراد أنه ليس من أهلك الذي وعدتك بنجاتهم معك لأنه ثقة ~~استثني من أهله الذين وعده أن ينجيهم من أراد إهلاكه بالغرق، فقال: # * (إلا من سبق عليه القول) * (2) وقيل: إنه كان ابن امرأته وكان ربيبه. ~~قال السيد المرتضى: إن التقدير أن ابنك ذو عمل غير صالح، أي صاحب عمل غير ~~صالح، واستشهد عليه بقول الخنساء: # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت * فإنما هي إقبال وإدبار (3) وأما قوله تعالى ~~حكاية عن امرأة نوح: * (امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا ~~صالحين فخانتاهما) * (4) فقال ابن عباس: كانت امرأة نوح كافرة تقول: إنه ~~مجنون وإذا آمن بنوح أحد أخبرت الجبابرة من قوم نوح به، وكانت امرأة لوط ~~تدل على أضيافه، فكان ذلك خيانتهما. وقيل: كانت خيانتهما النميمة، إذا أوحى ~~الله إليهما أفشتاه إلى المشركين (5). # وقال صاحب الكشاف: ولا يجوز أن يراد بالخيانة الفجور، لأنه سمج في الطباع ~~نقيصة عند كل أحد، بخلاف الكفر فإن الكفار لا يستسمحونه بل ms031 يستحسنونه ~~ويسمونه حقا (6). هذا ما عندنا والعلم عند الله وعند أهله. # [تحقيق حول المراد من السلطان في حديث السكوني] قال القاساني في الوافي ~~في باب من يصلي على الميت بعد نقل رواية النوفلي عن السكوني عن جعفر عن ~~أبيه عن آبائه (عليهم السلام) " قال أمير المؤمنين (عليه السلام): إذا حضر ~~سلطان من سلطان الله جنازة فهو أحق بالصلاة عليها إن قدمه ولي الميت، وإلا ~~فهو غاصب " (7): أراد بسلطان الله الإمام المعصوم (عليه السلام)، فإن ~~سلطنته من قبل # PageV00P039 # الله عز وجل على عباده، وسلطنته ذاتية حقيقية، وجواب الشرط في قوله (عليه ~~السلام) " إن قدمه " محذوف، يعني: إن قدمه فقد قضى ما عليه، وإلا فقد غصب ~~حق الإمام (عليه السلام). # أقول: وفيه أن المتبادر من قوله: " إن قدمه ولي الميت " أنه شرط لقوله: # " أحق بالصلاة عليها " كما هو الأصح من مذهب الكوفيين المجوزين تقدم ~~الجزاء على الشرط، إذ ليس عندهم للشرط صدارة كما في قول القائل لزوجته: أنت ~~طالق إن دخلت الدار، وأما عند البصريين المعتبرين له صدر الكلام فالمتقدم ~~قرينة الجزاء ودليل عليه، أي: إذا حضر السلطان جنازة فإن قدمه الولي فهو ~~أحق بها عليها، وإلا فهو غاصب. نعم لو كان الكلام هكذا: " فإن قدمه الولي " ~~بالفاء لكان لما ذكره احتمال، وليس فليس. # والظاهر أن المراد بالسلطان من له سلطنة شرعية على قوم، لا من له رئاسة ~~عامه كنائب الإمام خاصا أو عاما كالقضاة والفقهاء الجامعين المؤتمنين، فإذا ~~حضر واحد منهم جنازة وقدمه الولي بأن أذن له للصلاة فهو أحق بها على من ~~غيره ممن ليست له السلطنة الكذائية، وإن أذن له الولي أيضا كما إذا كانوا ~~جماعة بعضهم موصوف بالسلطنة الشرعية وبعضهم لا والولي أذن لهم جميعا، فمن ~~له السلطنة فهو أحق بها عليها في تلك الصورة، وإلا - أي وإن لم يقدمه الولي ~~بأن لا يأذن له بل تقدم هو بمحض سلطنته ومجرد ولايته الكذائية من دون أن ~~يأذن له ولي الميت - فهو غاصب لحقه، لأنه ليست له هذه الولاية ms032 بحسب أصل ~~الشرع. # وعلى هذا فمرجع الضميرين - أعني: هو وهو - أمر واحد. وهذا معنى ظاهر صحيح ~~لا حاجة في تصحيحه إلى أن يصرف الكلام عن وجهه، فليحمل عليه حيث لا مانع ~~منه. # ثم الدليل على أن المراد بالسلطان في هذا الخبر غير المعصوم زائدا على ما ~~مر، قوله (عليه السلام): " إن قدمه ولي الميت " فإن المعصوم لا يحتاج إلى ~~التقديم والإذن من الولي كما هو صريح رواية طلحة بن زيد، عن الصادق (عليه ~~السلام) قال: " إذا حضر PageV00P040 # الإمام الجنازة فهو أحق الناس بالصلاة عليها " (1) ولأن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) أولى بالمؤمنين من أنفسهم، والإمام قائم مقامه، ولذلك ذهب كثير ~~من فقهائنا إلى عدم احتياجه إلى الإذن. # نعم ذهب الشيخ في المبسوط (2) إلى أنه يحتاج إليه، واستدل عليه بهذا ~~الخبر، وهو حجة عليه، لأن تنكير " سلطان " يفيد الكثرة والعموم فيشمل غير ~~المعصوم (عليه السلام) فليحمل عليه لما أشرنا إليه، ولأن السكوني وإن وثقه ~~السيد السند الداماد في الرواشح (3) وبالغ فيه بما لا مزيد عليه إلا أنه ~~عامي ضعيف كما هو المشهور، وكذلك الحسين بن يزيد النخعي المعروف بالنوفلي ~~من أصحاب الرضا (عليه السلام) وإن كان شاعرا أديبا إلا أن قوما من القميين ~~رموه بالغلو في آخر عمره (4). وظاهر أن الجرح مقدم على التعديل، بل على فرض ~~ثبوته وهم لم يوثقوه ولم يمدحوه سوى أنه شاعر أديب، وهذا لا يفيد توثيقه، ~~مع أن السند يتبع أخس رجاله، وحال السكوني معروفة فلا يقوم خبره حجة، ولا ~~يعارض خبره خبر طلحة ولا الآية. # ثم أنت خبير بأن استدلال الشيخ بالخبر على ما ادعاه مبني على أنه جعل " ~~إن قدمه ولي الميت " شرطا لأحق بالصلاة عليها، وأرجع الضمير في الموضعين ~~إلى السلطان، ونسب الغصب إليه لا إلى الولي، وهذا كله صحيح صريح فيما ~~قلناه. # نعم في حمله السلطان على إمام الأصل ثم في القول باحتياجه إلى الإذن نظر ~~مر وجهه، فتذكر ثم تفكر. # [تحقيق حول ابتلاءات أيوب (عليه السلام)] قال أبو جعفر (عليه السلام): ms033 " ~~إن أيوب (عليه السلام) مع جميع ما ابتلي به لم تنتن له رائحة، ولا قبحت له ~~صورة، ولا خرجت منه مدة من دم ولا قيح، ولا استقذره أحد رآه، # PageV00P041 # ولا استوحش منه أحد شاهده، ولا تدود شئ من جسده، وهكذا يصنع الله عز وجل ~~بجميع من يبتليه من أنبيائه وأوليائه المكرمين عليه، وإنما اجتنبه الناس ~~لفقره وضعفه في ظاهر أمره لجهلهم بماله عند ربه تعالى ذكره من التأييد ~~والفرج " الحديث (1). # وروى علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن فضال عن عبد الله بن بحر عن ابن ~~مسكان عن أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) أنه قال: " قال إبليس: يا ~~رب سلطني على بدنه، فسلطه على بدنه ما خلا عقله وعينيه، فنفخ فيه إبليس ~~فصار قرحة واحدة من قرنه إلى قدمه، فبقي في ذلك دهرا طويلا يحمد الله ~~ويشكره، حتى وقع في بدنه الدود، وكانت تخرج من بدنه فيردها ويقول لها: ~~ارجعي إلى موضعك الذي خلقك الله منه، ونتن حتى أخرجوه (2) أهل القرية من ~~القرية، وألقوه في مزبلة خارج القرية، وكانت امرأته رحيمة بنت يوسف بن ~~يعقوب بن إسحاق صلوات الله عليهم تتصدق من الناس وتأتيه بما تجده، قال: ~~فلما طال عليه البلاء، ورأى إبليس صبره، أتى أصحابا لأيوب كانوا رهبانا في ~~الجبال، وقال لهم: مروا بنا إلى هذا العبد المبتلى فنسأله عن بليته، فركبوا ~~بغالا شهباء وجاءوا، فلما دنوا منه نفرت بغالهم من نتن ريحه، فنظر بعضهم ~~إلى بعض ثم مشوا إليه " الخبر (3). # أقول: الرواية الأولى هي المطابقة لما عليه إطباق المتكلمين من وجوب كون ~~النبي منزها عن كل ما تنفر عنه الطباع كالجذام والبرص وسلس البول والريح ~~وشبهها من الأمراض المنفرة كما صرحوا به في كتبهم الكلامية، وأما الثانية ~~وهي المشهورة بين الجمهور حتى نقل مضمونها جامع قصص الأنبياء فيها مع شئ ~~زائد، فهي مع كونها مخالفة لقواعدهم ومناقضة للأولى، ضعيفة بعبد الله بن ~~بحر الكوفي كما صرح به الغضائري، حيث قال: عبد الله بن بحر كوفي، ms034 روى عن ~~أبي بصير، ضعيف مرتفع القول (4). وكذلك الحسن بن علي بن فضال الكوفي فطحي، # PageV00P042 # وكان يقول بعبد الله بن جعفر قبل أبي الحسن (عليه السلام)، ثم رجع عنه ~~على ما صرح به الكشي (1). فإذا لم يمكن جمعها مع الأولى أو كان الجميع ~~مؤديا إلى ما لا يدل اللفظ عليه أصلا وجب طرحها. # إعلم أن مؤلف نور الثقلين بعد أن نقل الرواية الأولى في سورة الأنبياء ~~(2) والثانية في سورة ص (3) أمر في الحاشية بالتأمل في الجمع بينهما، وهذا ~~في الحقيقة أمر بالجمع بين النقيضين، ولذا قال في مجمع البيان - بعد أن ~~قال: قيل: # اشتد مرضه حتى تجنبه الناس، فوسوس لهم الشيطان أن يستقذروه، ويخرجوه من ~~بينهم، ولا يتركوا امرأته التي تخدمه أن تدخل عليهم -: وأهل التحقيق لا ~~يجوزون أن يكون بصفة يستقذره الناس عليها، لأن في ذلك تنفيرا، فأما المرض ~~والفقر وذهاب الأهل فيجوز أن يمتحنه الله تعالى بذلك (4). وفيه إيماء لطيف ~~إلى قبول الرواية الأولى ورد الثانية. # تنبيه ظهر فساد ما قاله صاحب الكشاف: فقد بلغ أمر أيوب إلى أن لم يبق منه ~~إلا القلب واللسان (5). وكذا عدم اعتبار ما قاله القاساني في الصافي في ~~الجمع بين الروايتين: المراد ببدنه الذي قيل في الرواية الأولى: إنه المنتن ~~رائحته، ولم يتدود بدنه الأصلي الذي يرفع من الأنبياء والأوصياء إلى السماء ~~الذي خلق من طينة خلقت منها أرواح المؤمنين، وببدنه الذي قيل في هذه ~~الرواية: إنه أنتن وتدود بدنه العنصري الذي هو كالغلاف لذلك، ولا مبالاة ~~للخواص به، فلا تنافي بين الروايتين (6). # وذلك لأنه مع كونه مخالفا لما أطبقوا عليه - حيث إنه جوز كون بدنه ~~العنصري منتنا متدودا وهم لا يجوزون ذلك - بعيد غاية البعد، إذ لا يخفى على ~~ذي مسكة أن قوله (عليه السلام) في الرواية الأولى: " وإنما اجتنبه الناس ~~لفقره وضعفه " إنما # PageV00P043 # يتصور له معنى إذا حمل البدن على العنصري، فإذا ما اجتنبوه إنما هو ذلك ~~البدن لا بدنه الأصلي. وكذلك الاستقذار والاستيحاش والرؤية والمشاهدة ~~والتدود وخروج الدم والقيح ms035 ونتن الرائحة وقبح الصورة إنما يتصور بالإضافة ~~إلى ذلك البدن، فإن عاقلا لا يتوهم أن بدنه الأصلي صار متصفا بتلك الصفات ~~ليحتاج في دفعه إلى سلبها عنه، بل بدنه الأصلي الذي بدنه العنصري كالغلاف ~~له مما لا يفهمه كثير من الناس، لكونه غير معروف بينهم ولا معهود، بل لا ~~معنى له على قوانين الشرع، إذ المراد به كما يظهر منه (قدس سره) في بعض ~~رسائله هو ما يتشكل في عالم الخيال والمثال الذي هو برزخ جامع بين ~~العالمين: عالمي الأرواح والأجساد. # قال في رسالة سماها بقرة العيون: وإلى هذا العالم يترقى المتروحون في ~~معارجهم الروحانية الحاصلة بالانسلاخ من هذه الصور الطبيعية العنصرية، ~~واكتساء أرواحهم المظاهر الروحانية، وفيه تتشكل النفوس الكاملة بصورهم ~~المحسوسة في مكان آخر غير مكانهم الذي كانوا فيه، أو تتشكل بأشكال غير ~~أشكالهم المحسوسة وهم في دار الدنيا، ويظهرون لمن يريدون الظهور له، وبعد ~~انتقالهم إلى الآخرة أيضا لازدياد تلك القوة بارتفاع المانع البدني... (1) ~~إلى آخر ما قاله هناك. # نعم لما كان المشهور بين الناس أن بدنه العنصري اتصفت بتلك الصفات دفعه ~~(عليه السلام) بهذا الكلام، والعلم عند الله وعند أهله محمد وآله العلماء ~~الكرام. # [تحقيق في سبب محو القمر] قال صاحب التحفة: سبب محو القمر أن الأشعة ~~تنعكس من البخار وكرة البخار لصقالتهما انعكاسا بينا، ولا تنعكس كذلك من ~~سطح الربع المكشوف لخشونته، فيكون المستنير من وجهه بالأشعة المنعكسة من ~~كرة البخار وسطوح أضوأ من المستنير بالأشعة المستقيمة والمنعكسة من الربع ~~المكشوف (2). # PageV00P044 # قال البهائي في الحديقة والكشكول - بعد نقله هذا الوجه -: وأورد عليه أن ~~ثبات الانعكاس دائما على نهج واحد - مع اختلاف أوضاع الأشياء المنعكس عنها ~~من الجبال والبحار في جانبي المشرق والمغرب - مستحيل (1). # قال صدر الدين محمد على ما نقل عنه في بعض الحواشي: ولا يخفى أن العلامة ~~قال بانعكاس الأشعة من البحر المحيط وكرة البخار، ولا شك في عدم اختلاف وضع ~~كل منهما شرقا وغربا، فلا يرد ما أورد فتدبر. # أقول: وفيه أن العلامة كما ms036 قال بانعكاسها منهما، كذلك قال بانعكاسها من ~~سطح القمر المكشوف وفيه عمارات وجبال وتلال ووهاد، وفي البحر مراكب وجزائر ~~مختلف الهيئات والأشكال، ولا شبهة في اختلاف أوضاعها بالنسبة إلى القمر ~~شرقا وغربا، فكيف يتصور ثباته دائما على وتيرة واحدة ونهج مستمر مع اختلاف ~~الأوضاع في طرفي الخافقين؟ فالإيراد بحاله. # نعم يمكن الاعتذار للعلامة بأن الاختلاف المذكور لا يحس به في صفحة القمر ~~لصغر تلك الأشياء وبعد المسافة، ومراده أن مقابلة القمر لتلك الأشياء ~~المستضيئة بالغير تعده لحدوث الضوء فيه، إذ الضوء كما يحدث في المستضئ ~~لمقابلته المضئ بالذات كذلك يحدث فيه لمقابلته المستضئ بالغير، إلا أن حدوث ~~الضوء منها في وجه القمر مقول بالتشكيك لاختلافها في الصقالة والخشونة، كما ~~كان من جهة مقابلاته للبخار والبحار يكون أشد استنارا لصقالتها، وما كان ~~منه مقابلا لسطح الربع المكشوف يكون أضعف لخشونته، وليس المراد أن الأشعة ~~تنعكس منها ثم ترتقي منها حقيقة إليه وتنفذ فيه ليرد عليه أن العرض لا يجوز ~~عليه الانتقال. # نعم يمكن المناقشة بأن الأرض لكثافتها تمنع الضوء من النفوذ فيها أكثر ~~مما يمنعه الماء للطافته، فكان يجب أن يحدث من ضوء الربع المكشوف على وجهه # PageV00P045 # أكثر مما يحدث منه على وجهه من سطوح البحار بل من كرة البخار، لأنهما وإن ~~كانتا صقيلتين إلا أنهما للطافتهما لا تمنعان الأشعة من النفوذ، ولذا تنفذ ~~فيهما إلى وجه الأرض، فكان الواجب أن تكون الأشعة المنعكسة منهما أخفى ~~وأضعف من المنعكسة من سطح الربع المكشوف، فإن مناط الانعكاس وعدمه الكثافة ~~واللطافة وإن كان لتفاوت مراتب الصقالة مع الكثافة دخل عظيم في تفاوت مراتب ~~الانعكاس شده وضعفا، فتأمل. # قال المدقق الخفري في شرحه على التذكرة وفي منتهى الإدراك: إن الأجرام ~~إما صغيرة نيرة مركوزة في جرم الشمس، أو في فلكها الخارج المركز بحيث تكون ~~متوسطة دائما بين الشمس والقمر، وهي مانعة من وقوع شعاع الشمس على مواضع ~~المحو من القمر (1). # قال البهائي في الحديقة: فيه نظر، فإن تلك الأجرام كانت صغيرة جدا، تلاقت ~~الخطوط ms037 الخارجة من حولها إلى القمر بالقرب منها ولم يصل ظلها إليه، وإن كان ~~لها مقدار يعتد به بحيث يصل ظلها إلى جرم القمر، فوصوله إلى سطح الأرض في ~~بعض الأوقات كوقت الاستقبال أولى، فكان ينبغي أن يظهر إلى سطح الأرض كما ~~يظهر ظل الغيم ونحوه، وليس فليس (2). # أقول: وفيه نظر، أما أولا: فلأنه ليست هناك في الحقيقة خطوط خارجة حتى ~~يتصور تلاقيها أو لا تلاقيها بالقرب أو البعد، بل الجسم المستضئ إذا قابل ~~جرم الشمس استعد لأن يفيض منه عليه ضوء مثله، فسموا حدوث الضوء فيما يقابله ~~بخروج الضوء منه إليه مجازا، إذ الضوء على المشهور عرض قائم بالمحل، معد ~~لحصول مثله في الجسم المقابل لمحله، فإذا كانت تلك الأجرام النيرة مركوزة ~~في جرمها كانت مانعة من حدوث الضوء فيما يقابلها، ولما كان جرم القمر ~~لصقالته وملاسته كالمرآة أكثر قبولا للظل والضوء من سطح الربع المكشوف ~~لخشونته # PageV00P046 # تظهر ظلال تلك الأجرام في سطحه دون سطحه. # وأما ثانيا: فلأنه على تقدير حمل خروج الخطوط على الحقيقة - بناء على ما ~~زعم بعض أهل الحكمة: أن الضوء أجسام صغار تنفصل من المضئ وتتصل بالمستضيئ، ~~فيكون المراد بالخطوط أجساما دقاقا لاستحالة الخط الجوهري - يجوز أن يكون ~~تلك الخطوط الخارجة متوازية، فإذا خرجت من حولها إلى القمر لا يلزم ~~تلاقيها، إذ الخطان المتوازيان هما اللذان إذا خرجا لا إلى نهاية لم ~~يتلاقيا، تأمل. # وأما ثالثا: فلأن مواضع المحو من القمر مع أنها غير نيرة لا يظهر ظلالها ~~على سطح الأرض، فعدم ظهور ظلال تلك الأجرام على سطحها مع أنها نيرة أولى. # وأما رابعا: فلأنه قال: تكون تلك الأجرام النيرة مانعة من وقوع شعاعها ~~على مواضع محوه، ولا يلزم منه أن يكون لها ظل واصل إليها، بل الظاهر أن ~~المراد أنها نيرة غير مظلة كسائر الكواكب، إلا أن أنوارها لما كانت مخالفة ~~لنور الشمس وكان نور القمر مستفادا من خصوص نورها فما كان من مواضع محوه ~~مقابلا لتلك الأجرام النيرة لم تستفد منها نورا أصلا، فبقيت ms038 على ما كانت ~~عليه من الكمودة الأصلية والزرقة الذاتية. # وأما خامسا: فلما ثبت في الأبعاد والأجرام بالرصد والحساب: أن قطر الشمس ~~ثمانية وثلاثون وخمسمائة وسبع عشر ألف فرسخ، وجرمها ست وعشرون وثلاثمائة ~~مقابل لجرم الأرض، فيمكن أن تكون تلك الأجرام المركوزة فيها مانعة من وقوع ~~شعاعها على مواضع محوه بأن يصل ظلها إليها ولا يصل إلى سطح الأرض لعدم ~~تقابلهما، بل يقع خارجة عنه، لعظم حجمها واتساع جرمها وتباعد أطرافها وصغر ~~حجم الأرض واتضاق جسمها وتقارب أطرافها، وعلى تقدير الوصول فيمكن أن يصل ~~إلى البقاع والأصقاع الغير المعمورة الفاقدة المارة كالبحار والبرار التي ~~لا يتفق أن يتردد إليها متردد، وعلى تقدير الاتفاق فيمكن أن يمنع من رؤيته ~~مانع، ألا يرى أن المرآة إذا كانت كبيرة جدا وكان في موضع منها PageV00P047 # مانع من انعكاس الخطوط الشعاعية ككونه غير مصقول ونحوه، فإذا قابلها ~~إنسان بوجهه بحيث لا يحاذي ذلك الموضع وجهه فإنه يرى وجهه ولا يصل إليه ظل ~~ذلك الموضع. وإن كان يصل إلى موضع آخر فهاهنا أيضا يمكن أن تكون تلك ~~الأجرام على وجه يصل ظلها إلى مواضع محوه ولا يصل إلى سطح الربع المكشوف ~~لعدم المقابلة، فتأمل. # واعلم أن وقت الاستقبال عندهم عبارة عن كون الشمس والقمر في جهتين ~~متقابلتين من فلك البروج، ومقابلة وقت الاجتماع وهو كونهما في موضع واحد ~~منه. # إذا عرفت هذا تعرف بتأملك أن تقييده وصول الظل إلى سطح الأرض بقوله: # " في بعض الأوقات كوقت الاستقبال " مما لا تظهر له فائدة، فإن ظلالها إن ~~أمكن وصولها إليه فلا تتفاوت فيه الحال وقت الاستقبال والاجتماع وغيرهما، ~~وإن لم يمكن فكذلك. وإن رام المبالغة في عظم مقاديرها بأن ظلالها إن أمكن ~~وصولها إلى جرم القمر وقت الاستقبال مع كونه في ذلك الوقت في غاية البعد ~~المتصور بينها، فوصولها إلى سطح الأرض مع كونه أقرب إليها بالنسبة إلى ~~القمر في ذلك الوقت أولى، فكان عليه أن يقول: وإن كان لها مقدار يعتد به ~~بحيث يصل ظلها إلى جرم القمر ms039 وقت الاستقبال، فوصوله إلى سطح الأرض أولى. ~~والحاصل أنه اعتبر وقت الاستقبال بالنسبة إلى وصول الظل إلى سطح الأرض، ~~ومنظوره إنما يتم إذا اعتبره بالإضافة إلى جرم القمر. # ولعل في نظم كلامه تقديما وتأخيرا وقع سهوا من قلم الناسخ، أو يكون قوله: # " في بعض الأوقات كوقت الاستقبال " متعلقا بقوله: " يصل ظلها إلى جرم ~~القمر " وإن كان خلاف الظاهر وبعيدا عن سياق كلامه، وعلى كل حال لا يتجه ~~نظره. # نعم يرد على الخفري أن تصريحهم بوجوب بساطة الشمس وامتناع تغيره عن وضعه ~~الطبيعي ينافيان كون تلك الأجرام النيرة مركوزة فيه، ومنه يظهر فساد ما ~~قيل: إن سبب محوه اختلاف أجزاء سطحه في قبول النور، فتأمل. PageV00P048 # [تفسير قوله (عليه السلام): " يولج كل واحد منهما في صاحبه... الخ "] قال ~~البهائي بعد قوله (عليه السلام) في دعاء الصباح والمساء: " يولج كل واحد ~~منهما في صاحبه ويولج صاحبه فيه ": الواو للحال، والمعنى: يدخل كلا من ~~الليل والنهار في آخر، بأن ينقص من أحدهما شيئا ويزيده في آخر، كنقصان نهار ~~الشتاء وزيادة ليله، وزيادة نهار الصيف ونقصان ليله. # فإن قلت: هذا المعنى يستفاد من قوله: " يولج كل واحد منهما في صاحبه " ~~فأي فائدة في قوله: " ويولج صاحبه فيه "؟ # قلت: مراده (عليه السلام) التنبيه على أمر مستغرب وهو حصول الزيادة ~~والنقصان معا في كل من الليل والنهار في آن واحد، وذلك بحسب اختلاف البقاع ~~كالشمالية عن خط الاستواء والجنوبية عنه، سواء كانت مسكونة أو لا، فإن صيف ~~الشمالية شتاء الجنوبية وبالعكس، فزيادة النهار ونقصانه واقعان في وقت واحد ~~لكن في بقعتين، وكذلك زيادة الليل ونقصانه، ولو لم يصرح (عليه السلام) ~~بقوله: " ويولج صاحبه فيه " لم يحصل التنبيه على ذلك، بل كان الظاهر من ~~كلامه وقوع زيادة النهار في وقت ونقصانه في آخر، وكذلك الليل، كما هو محسوس ~~معروف للخاص والعام (1). # أقول: كون الواو للحال مبني على تقدير المبتدأ، كما في: نجوت وأرهنهم ~~مالكا، وقمت وأصك وجهه. وحاصل الجواب: أن معنى الجملة الحالية وإن كان يفهم ~~من الأولى ms040 فيكون تأكيدا إلا أنها ذكرت للتنبيه. وأنت خبير بأن إيلاج كل ~~واحد منهما في صاحبه يتضمن حصول الزيادة والنقصان معا في كل واحد منهما في ~~آن واحد بحسب اختلاف البقاع، إذ لا يمكن إيلاج الليل في النهار في بقعة إلا ~~حال إيلاج النهار في الليل في بقعة أخرى وبالعكس، فزيادة النهار تتضمن ~~نقصانه حال زيادته، وكذلك الليل في بقعتي الشمالية والجنوبية عن خط ~~الاستواء، فالتنبيه حاصل بدون ذكرها، وإنما ذكرت للتصريح بما علم ضمنا، ~~لأنه لما كان أمرا مستغربا لم يكتف في الدلالة عليه بالضمنية بل دل عليه ~~بالدلالتين الضمنية # PageV00P049 # والتصريحية إيماء لطيفا بذلك إلى شأن الأمر. # ثم على ما ذكره (قدس سره) فتمام معنى الجملتين إنما يتحقق في فصلين وإن ~~كان بعض كل منهما يتحقق في آن واحد، لأن مفاد الأولى إدخال بعض زمان النهار ~~في الليل وبالعكس، ومع كل منهما يتحقق معنى الجملة الحالية في أنه كما ~~ذكره، وذلك لا يتحقق إلا في فصلين من الفصول الأربعة أو الثمانية. # ثم أقول: اختلاف البقاع في العرض الشمالي والجنوبي، وانتقال الشمس عن ~~مدار من المدارات اليومية بحركتها الخاصة، يوجب أن يدخل بعض زمان الليل في ~~زمان النهار وبالعكس في البقاع الشمالية عن خط الاستواء والجنوبية عنه في ~~كل يوم بليلته في أيام السنة في جميع الآفاق، إلا في المستقيم والرحوي، ~~وهذا معنى قوله: " يولج كل واحد منهما في صاحبه ". # وكذا اختلاف طول البقاع مع الحركة الأولى، ففي حال زيادة زمان النهار ~~ونقصان الليل وبالعكس في البقاع المذكورة بحسب الاختلاف العرضية يدخل بعض ~~زمان الليل في النهار وبالعكس في الأماكن الشمالية عن خط الاستواء المختلفة ~~في الطول، وكذا الجنوبية عنه المختلفة فيه بحسب هذا الاختلاف، وهذا معنى ~~قوله: " ويولج صاحبه فيه " فالحالية تأسيس لأنها إشارة إلى نوع آخر من ~~الزيادة والنقصان. # وعليه يتفرع وجوب صوم أحد وثلاثين يوما في صورة وثمانية وعشرين في أخرى ~~على المسافر من بلد إلى آخر بعيد عنه بعد رؤية الهلال، وذلك لأن الكواكب ~~تطلع في المساكن ms041 الشرقية قبل طلوعها في الغربية، وكذا في الغروب، فكل بلد ~~غربي بعد عن الشرقي بألف ميل يتأخر غروبه عن غروب الشرقي بساعة، وإنما عرف ~~ذلك بإرصاد الكسوفات القمرية، حيث ابتدأت في ساعات أقل من ساعات بلدنا في ~~المساكن الغربية، وأكثر من ساعات بلدنا وغروبها في الغربية بعد غروبها في ~~بلدنا. # ويحتمل عكس ذلك بأن تكون الأولى إشارة إلى ما يكون بالاختلافات ~~PageV00P050 # الطولية مع الحركة اليومية، والثانية إلى ما يكون بالاختلافات العرضية مع ~~الحركة الخاصة الشمسية. # ويحتمل أن يكون معنى الأولى إدخال كل من الليل والنهار مكان آخر بدلا منه ~~في كل البقاع فعبر عن إحداث النهار مع امتلاء العالم بالليل وبالعكس ~~بالايلاج الذي هو إدخال الشئ في مضيق، ومعنى الثانية إدخال بعض زمان كل ~~منهما في زمان الآخر في كل يوم بليلته في كل البقاع بحسب اختلافاتها ~~العرضية والطولية في حال الإدخال الأول ويحتمل العكس. وعليه أيضا فالحالية ~~تأسيس، ومعنى الجملتين أكثر مما سبق، ويتحقق معناهما في كل الآفاق حتى في ~~الرحوي في بعض أيامه. # وبهذا التقرير يظهر أن في كلامه (عليه السلام) إيماء إلى كروية الأرض ~~والسماء، فتأمل. # والحكمة في نقصان كل منهما وزيادة الآخر شيئا بعد شئ إلى أن ينتهي كل ~~منهما منتهاه في الزيادة والنقصان ظاهرة، إذ لو كان دخول أحدهما على الآخر ~~وذلك بحركة الشمس فلتة لأضر بالأبدان والثمار وغيرهما، كما أن الخروج من ~~حمام حار إلى موضع بارد دفعة يضر البدن ويسقمه. # والقول بأن هذا التدريج مستند إلى إبطاء الشمس في الارتفاع والانحطاط ~~مجاب بنقل الكلام إلى سبب ذلك، فإن أجيب ببعد ما بين المشرقين سئل عن العلة ~~فيه، وهكذا إلى أن ينتهي إلى تدبير الحكيم العليم في مصلحة العالم وما فيه. # [تحقيق في الأرواح بعد مفارقتها الأبدان وخلق الجنة والنار] قال البهائي ~~(قدس سره) في الأربعين بعد أن روى عن بعض الصادقين (عليهم السلام) أنه سئل ~~عن أرواح المؤمنين، فقال: " في الجنة على صور أبدانهم، لو رأيته لقلت فلان ~~": # ظاهره يعطي أن الجنة مخلوقة ms042 الآن، ومن قال بخلق الجنة قال بخلق النار ~~(1). # أقول: وفيه نظر، لأن المراد بالجنة في هذا الخبر وأمثاله هو الجنة ~~البرزخية # PageV00P051 # المخلوقة في المغرب التي تخرج إليها أرواح المؤمنين من حفرتهم على صور ~~أبدانهم العنصرية، أي الأشباح المثالية في عالم البرزخ، فإن صورة الشئ قد ~~يقال لشبحه ومثاله كصورة الفرس المنقوشة على الجدار، وقد يقال لجزئه الذي ~~يكون به الشئ هو ما فيه بالفعل كالنفس الفرسية. والمراد بها هنا هو المعنى ~~الأول، لا جنة الخلد التي يدخلونها بعد قيام الساعة بأبدانهم العنصرية بعد ~~جمع أجزائها المتفرقة، وهي المتنازع فيها بين المعتزلة والأشاعرة، ولعل ما ~~أسقطه في تلك الورطة هو اشتراك لفظ الجنة والغفلة عن محل النزاع. # والعجب أنه قال بعيد هذا في ذيل تنبيه: إن الأرواح تتعلق بعد مفارقة ~~أبدانها العنصرية بأشباح مثالية تشابه تلك الأبدان، ثم قال: والذي دلت عليه ~~الأخبار أن تعلقها بها مدة البرزخ فتتنعم أو تتألم بها إلى قيام الساعة ~~فتعود عنده إلى أبدانها، ثم روى روايات تدل على أن أرواح المؤمنين في صفة ~~الأجساد في شجر في الجنة يتعارفون ويتساءلون، ويأكلون من طعامها ويشربون من ~~شرابها ويقولون: # ربنا أقم لنا الساعة وأنجز لنا ما وعدتنا (1). ومع ذلك ذهب عنه أن جنة ~~الخلد إذا استقر فيها أهلها للثواب لم يخرجوا منها أبدا بالاتفاق، وليست ~~لهم حينئذ حالة منتظرة ليقولوا: ربنا أقم لنا الساعة وأنجز لنا ما وعدتنا، ~~بل إنما يطلبون ذلك ويسألونه في الجنة البرزخية مع ما هم فيها من طعامها ~~وشرابها، لكونه ناقصا في جنب ما ينالونه بعد إقامة الساعة وإنجاز الوعد ~~الصدق من التقرب والزلفى بالدرجات العلى والعيش بالحياة الطيبة والأنس ~~الدائم، وذلك بعد أن دخلوا الجنة التي وعدهم الله تعالى على ألسنة أنبيائه ~~(عليهم السلام)، فإنهم وقتئذ يجلسون فيها * (على سرر موضونة متكئين عليها ~~متقابلين يطوف عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون ~~عنها ولا ينزفون وفاكهة - إلى قوله تعالى - جزاء بما كانوا يعملون) * (2). # وفي فروع الكافي عن ضريس الكناسي ms043 قال: " سألت أبا جعفر (عليه السلام): أن # PageV00P052 # الناس يذكرون أن فراتنا يخرج من الجنة، فكيف هو وهو يقبل من المغرب وتصب ~~فيه العيون والأودية؟ فقال أبو جعفر (عليه السلام) وأنا أسمع: إن لله جنة ~~خلقها في المغرب، وماء فراتكم يخرج منها، وإليها تخرج أرواح المؤمنين من ~~حفرهم عند كل مساء فتسقط على ثمارها وتأكل منها وتتنعم فيها وتتلاقى ~~وتتعارف، فإذا طلع الفجر هاجت من الجنة فكانت في الهواء فيما بين السماء ~~والأرض تطير ذاهبة وجائية، وتعهد حفرها إذا طلعت الشمس وتتلاقى في الهواء ~~وتتعارف، قال: وإن لله نارا في المشرق خلقها ليسكنها أرواح الكفار ويأكلون ~~من زقومها ويشربون من حميمها ليلهم، فإذا طلع الفجر هاجت إلى واد باليمن ~~يقال له: برهوت، أشد من نيران الدنيا كانوا فيه يتلاقون ويتعارفون، وإذا ~~كان المساء عادوا إلى النار، فهم كذلك إلى يوم القيامة، قال: قلت: ما حال ~~الموحدين المقرين بنبوة محمد (صلى الله عليه وآله) من المسلمين المذنبين ~~الذين يموتون وليس لهم إمام ولا يعرفون ولايتكم؟ فقال: أما هؤلاء فإنهم في ~~حفرتهم لا يخرجون منها، فمن كان له عمل صالح ولم يظهر منه عداوة فإنه يخد ~~له خدا إلى الجنة التي خلقها في المغرب فيدخل عليه منها الروح في حفرته إلى ~~يوم القيامة فيلقى الله فيحاسبه بحسناته وسيئاته فإما إلى الجنة أو إلى ~~النار... ثم ساق الكلام (عليه السلام) إلى أن قال: فأما النصاب من أهل ~~القبلة فإنهم يخد لهم خدا إلى النار التي خلقها الله في المشرق فيدخل عليهم ~~منها اللهب والشرر والدخان وفورة الجحيم إلى يوم القيامة، ثم مصيرهم إلى ~~الحميم، ثم في النار يسجرون " (1) والحديث طويل أخذنا منه قدر الحاجة. # وليت شعري ما الباعث له في الاستدلال على وجودهما الآن بهذا الخبر مع ~~وجود الأخبار الكثيرة الصريحة الدلالة عليه؟ # منها: ما في عيون الأخبار في باب ما جاء عن الرضا (عليه السلام) من ~~الأخبار في التوحيد، في حديث طويل وفيه: " قال: قلت له: يا ابن رسول الله ~~أخبرني عن الجنة ms044 والنار أهما مخلوقتان؟ فقال: نعم وإن رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) قد دخل الجنة ورأى # PageV00P053 # النار لما عرج به إلى السماء، قال: فقلت له: إن قوما يقولون: إنهما اليوم ~~مقدرتان غير مخلوقتين، فقال (عليه السلام): لا هم منا ولا نحن منهم، من ~~أنكر خلق الجنة والنار فقد كذب النبي وكذبنا وليس من ولايتنا على شئ، ويخلد ~~في نار جهنم، قال الله تعالى: * (هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون ~~بينها وبين حميم آن) * (1) وقال النبي (صلى الله عليه وآله): لما عرج بي ~~إلى السماء أخذ بيدي جبرئيل (عليه السلام) فأدخلني الجنة... " الحديث (2). # والأخبار في ذلك أكثر من أن تحصى، وقد ذكرنا طرفا صالحا منها في هداية ~~الفؤاد (3) فليطلب من هناك، وله شواهد من القرآن، وقصة آدم (عليه السلام) ~~يؤيده بل يؤكده، وحملها على بستان من بساتين الدنيا كبستان كان بأرض فلسطين ~~أو بين فارس وكرمان خلقه الله امتحانا لآدم (عليه السلام) كما زعمه أبو ~~مسلم يرده ظواهر الآيات والروايات. # ففي عيون أخبار الرضا (عليه السلام) في باب ما سئل عنه أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) في جامع الكوفة، قال: " وسئل عن أكرم واد على وجه الأرض، ~~فقال: واد يقال له: سرنديب، سقط فيه آدم من السماء " (4). # وفيه أيضا عن الرضا (عليه السلام) في جواب محمد بن الجهم بعد أن سأله عن ~~قوله تعالى: * (وعصى آدم ربه فغوى) * (5): " إن الله عز وجل خلق آدم حجة في ~~أرضه وخليفة في بلاده لم يخلقه للجنة، وكانت المعصية من آدم في الجنة لا في ~~الأرض لتتم مقادير أمر الله عز وجل، فلما أهبط إلى الأرض وجعل خليفة عصم ~~بقوله تعالى: * (إن الله اصطفى آدم ونوحا) * (6) الآية " (7). # ونحن قد أكثرنا الآيات والروايات في هذا المعنى في الرسالة المذكورة، # PageV00P054 # فليطالع من هناك. # وأما ما ورد في بعض الأخبار أنها كانت جنة من جنان الدنيا تطلع فيها ~~الشمس والقمر ولو كانت من جنان الآخرة ما خرج منها أبدا، فمع أنه مرفوع في ~~تفسير علي بن إبراهيم (1) ومجهول ms045 في الكافي (2) لأن من رجاله الحسن بن بشير ~~وهو غير مذكور في رجال أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) بل غير مذكور في ~~الرجال مطلقا والرواية مروية عنه (عليه السلام)، فيدفعه ما ذكرناه من ~~الأخبار، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) قد دخل الجنة ليلة أسري به ثم خرج ~~منها، ولا فرق، بل آدم (عليه السلام) كان بعصيانه أولى بالإخراج، ولذا ذهب ~~أكثر المفسرين والحسن البصري وعمرو بن عبيد وواصل بن عطاء، وكثير من ~~المعتزلة كالجبائي والرماني وابن الأخشد إلى أنها كانت جنة الخلد، لأن ~~الألف واللام للتعريف وصار كالعلم لها، قالوا: وقول من يزعم أن جنة الخلد ~~من يدخلها لا يخرج منها غير صحيح، لأن ذلك إنما يكون إذا استقر أهل الجنة ~~فيها للثواب، وأما قبل ذلك فلا. وهذا منهم رد على أبي هاشم حيث زعم أنها ~~كانت جنة من جنان السماء غير جنة الخلد، قال: لأن جنة الخلد أكلها دائم ولا ~~تكليف فيها (3). # وبالجملة: ظواهر الآيات والروايات الكثيرة وما نقلناه عن أكثر المفسرين ~~تدل على أن جنة آدم (عليه السلام) كانت جنة من جنان الخلد، ولذا قال شارحو ~~المقاصد والتجريد: إن حملها على بستان من بساتين الدنيا يجري مجرى التلاعب ~~في الدين والمراغمة لإجماع المسلمين (4)، ولعلهما أرادا بإجماعهم اتفاق ~~أكثرهم، إذ لم يعتبرا خلاف الشاذ منهم لكونه خلاف ظاهر الكتاب وصريح السنة. # وأما الرواية العاضدة لخلافهم وهي الرواية المذكورة المروية عن # PageV00P055 # الصادق (عليه السلام) فمع أنها غير حجة عليهما لأنهما لم يقولا بها ~~معارضة بأقوى منها وأكثر كما عرفت. فما أورده عليهما البهائي في الأربعين ~~بقوله: لا تلاعب مع النقل عن المفسرين المعتضد بالرواية عن الأئمة الطاهرين ~~والاجماع غير ثابت (1)، غير وارد. # وبما قررناه يظهر أن الحق مع الأشاعرة القائلة بوجود الجنة والنار، وخلاف ~~أكثر المعتزلة كالعباد وأبي هاشم والقاضي عبد الجبار حيث زعموا أنهما غير ~~مخلوقتين الآن وإنما تخلقان يوم القيامة غير مسموع في مقابل النصوص الصريحة ~~الدالة على وجودهما. # قال مجاهد: قلت لابن عباس: أين الجنة؟ ms046 فقال: فوق سبع سماوات، قلت: # فأين النار؟ قال: تحت أبحر مطبقة (2). والأخبار على ذلك من الطرفين أكثر ~~من أن تحصى. # وإلى وجودهما الآن ذهب كثير من أصحابنا، منهم الطوسي في التجريد (3) ~~والقمي في الاعتقادات بل اتفاقي فيهم، قال القمي: اعتقادنا أن الجنة والنار ~~مخلوقتان، فإن النبي (صلى الله عليه وآله) قد دخل الجنة ورأى النار حين عرج ~~به، واعتقادنا أنه لا يخرج أحد من الدنيا حتى يرى مكانه من الجنة والنار. ~~وهذا كلام جيد، إلا أنه نقل بعده كلاما غير جيد، قال: إن جنة آدم كانت من ~~جنان الدنيا وما كانت من جنة الخلد، قال: لأنه لو كانت من جنة الخلد ما خرج ~~منها أبدا (4). والحال على ما عرفت، وعملنا بخذ ما صفي ودع ما كدر. # وأما ما استدل به على امتناع وجودها بأنه لا يمكن حصولها في عالم العناصر ~~والأفلاك لأنها لا تسعها فتكون فوقها وهو محال لانتهاء عالم الأجسام # PageV00P056 # بالمحدد، فمجاب بأن حصولها فوقها ممكن، وحديث المحدد فلسفي وهمي مقدوح، ~~بل يظهر من طريق الخبر أن لله تعالى ألف ألف عالم وألف ألف آدم غير هذا ~~العالم والآدم (1). وقد أشبعنا الكلام فيه في الرسالة (2). # وتحقق الخلاء على تقدير التسليم بين تلك العوالم بناء على وجوب كرويتها ~~لو سلم غير ممتنع، بل الدليل قائم على إمكانه، إذ السطح المستوي الموضوع ~~على مثله إذا رفع رفعا متساويا ارتفع جميع جوانبه وإلا لزم التفكيك، ففي ~~أول زمان رفعه لزم خلو الوسط، لأن حصول الجسم فيه إنما يكون بعد المرور على ~~الطرف، فحال كونه على الطرف يكون الوسط خاليا، فظهر أن وجود عالم آخر من ~~الممكنات، والله قادر عالم، والمخبر صادق، فوجب التصديق * (أوليس الذي خلق ~~السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم) * (3). # [تحقيق في حياة الأفلاك] قال الحكماء: إن الأفلاك بأجمعها حية ناطقة، ~~وأكثرهم على أن غرضها من حركاتها نيل التشبه والتقرب، وبعضهم على أن ~~حركاتها لورود الشوارق القدسية عليها آنا فآنا فهي من قبيل الطرب والرقص ms047 ~~بشدة السرور والفرح، وذهب جمع منهم إلى أنه لا ميت في شئ من الكواكب أيضا ~~وأثبتوا لكل منها نفسا تحركه حركة مستديرة على نفسه، وابن سينا في الشفاء ~~(4) مال إليه، ورجحه في الإشارات (5). # وقال البهائي في الحديقة الهلالية: لم يرد في الشريعة المطهرة ما ينافيه، ~~ولا قام دليل عقلي على بطلانه، ولو قال به قائل لم يكن مجازيا، وإذا جاز أن ~~يكون لمثل البعوضة والنملة فما دونهما حياة فأي مانع أن يكون لتلك الأجرام # PageV00P057 # الشريفة ذلك (1). # وتبعه في ذلك كله آخوندنا فيض في تعليقاته على هذا الدعاء (2) ونسج على ~~منواله، ثم زاد عليه أبيات فارسية، حيث قال: وقد أنشد بعضهم: # از ملك نه فلك چو گردان است * فلك آمد تن وملك جان است عرش وكرسي وجرمهاى ~~كرات * كمتر است از بهائم وحشرات خنفساء ومگس حمار وقبان * همه با جان ومهر ~~ومه بى جان أقول: قول ابن سينا وأمثاله لا حجة فيه يركن إليها الديانون في ~~أمثال تلك المطالب، ولا سيما إذا كان مجرد دعوى بلا دليل، بل مصاد لما ~~انعقد عليه إجماع المسلمين كما نقله السيد وهو السند في ملحقات الدر ~~والغرر، حيث قال: لا خلاف بين المسلمين في ارتفاع الحياة عن الفلك وما ~~يشتمل عليه من الكواكب، فإنها مسخرة مدبرة (3). ويدل عليه أيضا كثير من ~~الروايات: # منها: ما رواه محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) قال: " سألته عن ~~ركود الشمس، فقال: إن الشمس إذا طلعت جذبها سبعون ألف ملك بعد أن أخذ بكل ~~شعاع منها خمسة آلاف من الملائكة من بين جاذب ودافع، حتى إذا بلغت الجو ~~وجازت الكو قلبها ملك النور ظهرا لبطن " الحديث، وهو مذكور في الفقيه (4). # ومنها: ما رواه فيه أيضا عن علي بن الحسين (عليهما السلام) أنه قال: " إن ~~الله وكل بالفلك ملكا معه سبعون ألف ملك، فهم يدبرون الفلك، فإذا أداروه ~~دارت الشمس والقمر والنجوم معه فنزلت في منازلها التي قدرها الله ليومها ~~وليلتها، فإذا كثرت ذنوب العباد وأحب الله أن يستعتبهم بآية ms048 من آياته أمر ~~الملك الموكل أن أزيلوا الفلك عن مجاريه... " الحديث (5) وطوله. # وفيه وفي أمثاله الكثيرة دلالة واضحة على أن حركة الفلك والكواكب حركة # PageV00P058 # قسرية لا إرادية كما زعمه الفلاسفة وشيعتهم، وإلى هذا أشار السيد السند ~~بقوله: # فإنها مسخرة مدبرة، ويؤيده ظاهر قوله تعالى: * (وسخر لكم الشمس والقمر ~~دائبين) * (1). # فإن قلت: إسناد الدؤوب وهو الجد والتعب إليهما يشعر بكونهما ذوي حياة ~~وإدراك. # قلت: هذا الإسناد وأمثاله كالنداء والوصف بالطاعة والتردد في المنازل ~~والتصرف في الفلك وما شابه ذلك، كما وقع في قوله (عليه السلام): " أيها ~~الخلق المطيع الدائب السريع، المتردد في منازل التقدير، المتصرف في فلك ~~التدبير " (2) إسناد مجازي، كما في قوله: # فيا منزلي سلمى سلام عليكما * ثلاثة أثافي والديار البلاقع وفي قول آخر: # امتلأ الحوض وقال قطني * مهلا رويدا قد ملأت بطني وفي قول آخر: # وقالت له العينان سمعا وطاعة * وصدرتا كالدر لما تثقب وفي قوله تعالى: * ~~(فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) * (3) وكثيرا ما ~~يقال: جوارحي تشهد بنعمك. # والأظهر أن الدؤوب هنا بمعنى الدوام، وبه فسر " دائبين " في مجمع البيان ~~بقوله: دائبين في صلاح الخلق والنبات ومنافعهم (4)، وفي بعض حواشي الكفعمي: # الدائب: الدائم والواصب والسرمد واللازم واللابث نظائر. # ومخالفة ما ذكرناه لقوانين الحكمة الفلسفية غير مضرة، لأنها نظريات لم ~~تثبت ببرهان، فالقول بها وهمي شعري لا يعارض ظواهر النصوص الجلية الشرعية. # PageV00P059 # وتأويل الأملاك بنفوس الأفلاك والكواكب على القول بأن لكل كوكب نفسا ~~تحركه غير جائز، لأن تأويل الظاهر إنما يجوز إذا دل القاطع على خلافه، وهنا ~~لم يقم دليل على خلافه يفيد الظن فضلا عن القطع واليقين، فالواجب الإعراض ~~عن التأويل فإنه جار في كثير من المذاهب الباطلة، والتعرض له إنما ينشأ من ~~التعصب والتكلف المبرئ عنهما أهل الحق. # فظهر أن القول بحياة الأفلاك وما اشتملت عليه من الكواكب مما تنافيه ~~الشريعة المطهرة على صادعها وآله السلام، ومنه يلزم نفي القول بالعقول ~~المتشبهة بها، وما جعلوه واسطة بين الله تعالى وبين العالم الجسماني، ~~فاستمع ms049 القول واتبع الحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، والله الموفق ~~والمعين. # [تلقين الأموات] في الفقيه بحذف السند " قال أبو جعفر (عليه السلام): ~~إنكم تلقنون موتاكم لا إله إلا الله عند الموت، ونحن نلقن موتانا محمد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) " (1). # وفي فروع الكافي بإسناده المتصل (2) إلى أبي جعفر، وحفص بن البختري عن ~~أبي عبد الله (عليه السلام) مثله (3). # والظاهر أنه ترغيب للمخاطبين وغيرهم أن يلقنوا موتاهم - أي من يحضرونهم ~~(4) من أهل الولاية عند حضور موتهم، فيكون مجازا بطريق # PageV00P060 # المشارفة - محمدا رسول الله (صلى الله عليه وآله)، لأن إقرارهم بعد ~~تذكرهم برسالته يتضمن إقرارهم بوحدانية الله تعالى من غير عكس، بل إقرارهم ~~بالرسالة يستلزم الإقرار والتصديق بجميع ما جاء به مجملا ومنه التوحيد ~~والولاية لمن له الولاية، فإذا أقر المحتضر بذلك ومات عليه مات مؤمنا وآمنا ~~من إبليس وشياطينه أن يأمروه بالكفر ويشككوه في دينه. والحاصل أنه توبيخ ~~وإنكار للاقتصار على مجرد تلقين لا إله إلا الله عند ظهور أمارات الموت، ~~وترغيب على تلقين محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما ذكرناه. # والواو للحال، وهمزة الاستفهام في " أنكم " محذوفة، أو هو استفهام في ~~صورة الخبر. والمراد أن المحتضر مطلقا - من الخواص كان أم من العوام - ~~يحتاج إلى تلقين الرسالة لئلا يشككه الشيطان وجنوده في دينه فيموت وهو كافر ~~بالتوحيد والرسالة والإمامة، نعوذ بالله منه. # وفي الخبر (1): أنه يجئ الشيطان إليه فيجلس عند يساره، فيقول: اترك هذا ~~الدين وقل آمين حتى تنجو من هذه الشدة، وهذا الشيطان يسمى بالعديلة، وربما ~~يجئ بصورة أبيه وجده وأخيه وأقاربه ويقول: أعدل عن هذا المذهب فإني كنت ~~عليه وأنا الآن معذب، فلا بد من التلقين وتذكير الاعتقادات كما ورد في ~~الخبر (2)، وفيه: أن أكثر ما يسلب الإيمان في وقت النزع. # ويقال: إن أشد حال الميت حال العطش واحتراق الكبد، ففي ذلك الوقت يجد ~~الشيطان عليه فرصة من نزع الإيمان، لأنه يعطش فيجئ الشيطان عند رأسه مع قدح ~~من ماء الجمد فيحرك، فيقول ms050 المؤمن: أعطني من الماء ولا يدري أنه شيطان، ~~فيقول: قل لا صانع للعالم حتى أعطيك، فإن لم يجبه فيجئ إلى موضع قدميه ~~فيحرك القدح ويقول قل: كذب الرسل حتى أعطيك، فمن أدركته الشقاوة يجيب إلى ~~ذلك ويخرج من الدنيا كافرا، ومن أدركته السعادة رد كلامه # PageV00P061 # ويلتفت أمامه. # كما حكي عن أبي زكريا الزاهد أنه لما حضرته الوفاة، فأتاه صديقه وهو في ~~سكرات الموت فلقنه لا إله إلا الله محمد رسول الله علي ولي الله، فأعرض ~~الزاهد وجهه ولم يقل، وقال ثانيا فأعرض عنه، وقال ثالثا فقال: لا أقول ~~وغشي، فلما كان بعد ساعة وجد خفة ففتح عينه، فقال: هل قلتم لي شيئا؟ قالوا: ~~عرضنا عليك الشهادة ثلاثا فأعرضت مرتين وقلت في الثالثة: لا أقول، قال: ~~أتاني إبليس عليه اللعنة ومعه قدح من الماء فوقف على يميني وحرك القدح وقال ~~لي: ألك حاجة إلى الماء؟ فقلت: بلى، فقال لي: قل آيست من الله، فأعرضت عنه، ~~ثم أتاني من قبل رجلي فقال لي كذلك، وفي الثالثة قال: قل لا إله، فقلت: لا ~~أقول: فضرب القدح على الأرض وولى هاربا، فرددت على إبليس: لا عليكم، فأشهد ~~أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأن عليا ولي الله. # وعلى هذا جاء في الخبر عن منصور بن عمار " قال: إذا دنا موت العبد قسم ~~ماله للوارث، والروح لملك الموت، واللحم للدود، والحسنات للخصوم، ثم قال: # إن ذهب الوارث بالمال يجوز، وإن ذهب الخصوم بالحسنات يجوز، ويا ليت ~~الشيطان لا يذهب بالإيمان عند الموت فإنه يكون خروجا من الدين ". # وعلى ما قررناه سابقا فما ورد في الخبر عن سيد البشر عليه وآله السلام: " ~~إن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة " (1) مشروط بشروطها، ~~والإقرار به وبالأوصياء من بعده من شروطها، كما ورد في الخبر عن الرضا ~~(عليه السلام) (2) فإن الإيمان الموجب لدخول الجنة إنما يتم بذلك. # ويشهد له ما رواه أبو سعيد الخدري " قال: كان رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) ms051 ذات يوم جالسا وعنده نفر من أصحابه فيهم علي بن أبي طالب (عليه ~~السلام)، إذ قال: من قال: # PageV00P062 # لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال رجلان من أصحابه: فنحن نقول لا إله إلا ~~الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما يقبل شهادة أن لا إله إلا ~~الله من هذا وشيعته الذين أخذ ربنا ميثاقهم " الحديث (1). # وبذلك يجمع بين الأخبار، حيث ورد في بعضها تلقين لا إله إلا الله، وفي ~~بعضها مع ذلك محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وفي بعضها معه تلقين ~~ولاية الأئمة (عليهم السلام) واحد بعد واحد على أسمائهم وترتيبهم (2)، هذا. # وأما ما ذكره الفاضل التفرشي في حواشيه على الفقيه من أن الظاهر أنه أمر ~~في صورة الخبر، ولعل وجه ذلك أن العقل يستقل (3) في التوحيد من غير توقفه ~~على تعقل ارتباط الأجسام بعضها إلى بعض، فلا يمكن غفلة الخواص عنه فلا يقدر ~~الشيطان على إغفالهم عنه، بخلاف إثبات النبوة فإن العلم به وثبوته في نفسه ~~يتوقف على خلق الأجسام وارتباط بعضها إلى بعض، فليس استقلال العقل فيه بتلك ~~المثابة، فينبغي التلقين في تلك الحالة. وأما العوام فيمكن إغفالهم عن ~~التوحيد أيضا في حال السكرات فيحتاجون إلى التلقين والتذكير (4). # ففيه نظر، أما أولا: فلأن الخواص إذا احتاجوا إلى تلقين الرسالة في تلك ~~الحالة بناء على جواز غفلتهم عنها أو قدرة الشيطان على إغفالهم، فالعوام ~~بطريق أولى يحتاجون إليه. وبوجه آخر: إمكان غفلة (5) العوام عن التوحيد في ~~حال السكرات مع كونه أظهر عند العقل لاستقلاله فيه من غير توقف على أمر آخر ~~يستلزم إمكان إغفالهم عن الرسالة في تلك الحالة بطريق أولى، لأن استقلاله ~~فيها ليس بتلك المثابة. # PageV00P063 # وعلى الوجهين لو كان هذا الكلام من الإمام (عليه السلام) أمرا في صورة ~~الخبر لكان ينبغي أن يقول: إنكم تلقنون موتاكم لا إله إلا الله ومحمد رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) عند الموت بناء على إمكان غفلتهم عنهما معا، ~~ونحن نلقن موتانا محمد رسول الله (صلى الله ms052 عليه وآله) من غير حاجة إلى ~~تلقين لا إله إلا الله بناء على عدم إمكان غفلتهم عنه كما فهمه (قدس سره). # وأما ثانيا: فلأن إثبات النبوة والعلم بصدق النبي (صلى الله عليه وآله) ~~في دعواه النبوة إنما يتوقف على ظهور المعجزة على يده وإتيانه بخارق ~~العادة، لا على خلق الأجسام وارتباط بعضها ببعض، فإن نبوة نبينا محمد (صلى ~~الله عليه وآله) قد ثبت بمجرد إتيانه بالقرآن العزيز الذي أعجز مصاقع ~~الخطباء وأعقم أرحام أعلام البلغاء وأصلاب أعاظم فصحاء العرب العرباء، من ~~دون توقفه على خلق الأجسام وارتباط بعضها ببعض. # نعم هذا التوقف أكثري، مثل نبوع الماء من بين أصابعه وإشباع الخلق الكثير ~~من الطعام القليل ومكالمات الحيوان العجم وأمثال ذلك، وأما العلم بالنبوة ~~وثبوته في نفسه يتوقف على ذلك كليا فلا. # وأما ثالثا: فلأن هذا الوجه يناقشه ما ورد في خبر آخر: " ما من أحد يحضره ~~الموت إلا وكل به إبليس من شياطينه أن يأمره بالكفر ويشككه في دينه حتى ~~تخرج نفسه، فإذا حضرتم موتاكم فلقنوهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ~~رسول الله حتى يموتوا " (1). # وأما رابعا: فلأنه إن أريد بموتاهم (عليهم السلام) عامة عشيرتهم وأهل ~~قبيلتهم فمن البين أن كل واحد منهم ما كان من الخواص الذين لا يقدر الشيطان ~~على إضلالهم وإغفالهم عن التوحيد ليستغني عن تلقينه، بل كان أكثرهم من ~~العوام، بل ربما لم يكن بعضهم من أهل المعرفة والولاية كما يشهد به التتبع. ~~وإن أريد بهم أهل بيتهم عاما أو خصوص من ولد منهم فكذلك، فإن المراد ~~بالخواص هنا من أخذ دينه بالكتاب والسنة، وصحح اعتقاداته بالبراهين القاطعة ~~والأدلة القامعة بحيث # PageV00P064 # لا يقدر الشيطان على تشكيكه في دينه. ومن المعلوم بديهة أن كل واحد من ~~أهل بيتهم وأولادهم (عليهم السلام) ما كان بصفة لا يقدر الشيطان على تشكيكه ~~وخاصة في حال الاحتضار، كيف وكثير منهم في حال استقامة العقل وثبوت النفس ~~خرجوا عن الدين ونازعوا في أمر الإمامة؟ فينبغي أن يجعل الإضافتين في ms053 ~~الموضعين لأدنى ملابسة، ويراد بموتاهم من يحضرونه عند سكراته من أهل ~~الولاية، سواء كان من الخواص أم من العوام، منهم أو من غيرهم. # فيكون المراد: إنا إذا حضرنا الموتى عند سكراتهم نلقنهم الرسالة ليأمنوا ~~من إضلال الشيطان وتشكيكه، وأنتم تخالفونا في ذلك فإذا حضرتموهم تلقنوهم ~~مجرد التوحيد من غير تلقين الرسالة، والإقرار بمجرد التوحيد دون الرسالة لا ~~يفيد إيمانا بل ولا إسلاما، لا في الدنيا ولا في الآخرة، فيكون الغرض ~~توبيخا على المخالفة وترك المتابعة، والله أعلم بمقاصد أهل بيت الطهارة ~~والرسالة. # [ما يبقى من الميت في القبر] في الفقيه وكذا في الكافي عن عمار الساباطي ~~عن الصادق (عليه السلام) أنه " سئل عن الميت هل يبلى جسده؟ قال: نعم حتى لا ~~يبقى له لحم ولا عظم إلا طينته التي خلق منها، فإنها لا تبلى بل تبقى في ~~القبر مستديرة حتى يخلق منها كما خلق أول مرة " (1). # أقول: الظاهر أن هذا مخصص بغير سيد المرسلين وأوصيائه المعصومين صلوات ~~الله عليهم أجمعين، لما في الفقيه في حديث طويل " قالوا: وقد رممت يا رسول ~~الله - يعنون صرت رميما - فقال: كلا إن الله عز وجل حرم لحومنا على الأرض ~~أن تطعم منها شيئا " (2). # وفيه عن الصادق (عليه السلام): " إن الله تعالى حرم عظامنا على الأرض، ~~ولحومنا على الدود أن تطعم منها شيئا " (3). # PageV00P065 # وفي الذكرى في مقام ذكر الأخبار الدالة على تعلق النفس بالأبدان: ومنها ~~ما روي من الطريقين عنه (صلى الله عليه وآله) قال: " حياتي خير لكم ومماتي ~~خير لكم، قالوا: يا رسول الله وكيف ذلك؟ قال: وأما حياتي فإن الله يقول: * ~~(ما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم) * (1) وأما مفارقتي إياكم فإن أعمالكم ~~تعرض علي كل يوم، فما كان من حسن استزدت الله لكم، وما كان من قبيح أستغفر ~~الله لكم، قالوا: # وقد رممت يا رسول الله... " الحديث كما سبق (2). # وفي الصحاح: بلى يبلي بلى بكسر الباء، فإن فتحتها مددت (3). وفي مجمع ~~البحرين: بلي الثوب يبلي من باب تعب، بلى بالكسر والقصر، وبلاء بالضم ms054 ~~والمد: خلق فهو بال، وبلي الميت أفنته الأرض (4). وهو كناية عن ذهاب بعض ~~جسد الميت. # وفي نهاية ابن الأثير: طينة الرجل خلقه وأصله (5). وفي القاموس: الطين ~~بالكسر الخلقة والجبلة (6). وفي مجمع البحرين: الطين معروف والطينة الخلقة ~~(7). # وظاهر أن الأصل الذي خلق منه البشر إلا آدم أبا البشر وزوجته هو النطفة، ~~وأما المسيح فخلق من بخارات خرجت من آدم حين عطس في أول ما عطس، وذلك لأن ~~جبرئيل (عليه السلام) كان قد قبضه في كفه بأمر الله تعالى وحفظه إلى أن ~~ألقاه على مريم ونفخه فيها، كذا جاء في بعض الآثار ولكن لم يحضرني الآن ~~ألفاظه. # فالمراد بالطينة هنا ما به تتولد الأجزاء الأصلية من العظم والعصب ~~والرباط. # فهذا الخبر إشارة إلى أن الأجزاء الفضلية والأصلية تتفرق وتتلاشى بالموت ~~الحيواني البدني، ويبقى ما به تتكون تلك الأجزاء وهو النطفة بحاله ليكون ~~كالمادة يخلق منها جسد الميت كما خلق منها أول مرة: إما بضم تلك الأجزاء ~~إليها بعد # PageV00P066 # التفتت والتشتت، أو بإنشائها منها مرة أخرى كما أنشأها منها في المرة ~~الأولى،، وقد ورد في الخبر: " أن الله إذا أراد أن يبعث الخلق مطر السماء ~~على الأرض أربعين صباحا فاجتمعت الأوصال ونبتت اللحوم " (1). # وبعضهم (2) حمل الطينة في هذا الخبر على النفس الناطقة مجازا، لأن المدار ~~عليها، ولا اعتبار بالبدن فإنها تثاب وتعاقب، وهو بعيد. # وإنما تبقى مستديرة لكونها في بدو الفطرة حين كونها في الرحم كذلك، لأن ~~الماء بطبعه يقتضي الكروية والاستدارة حيثما كان كما هو المقرر عندهم، حيث ~~قالوا: إن السطح الظاهر من الماء الواقف أينما كان يكون قطعة من سطح كري ~~مركزه مركز العالم، لأنه لو كان سطحا مستويا لكان جزءا منه أقرب منه إلى ~~المركز وجزءا منه أبعد فيميل الماء من الموضع الأبعد إلى الموضع الأقرب، ~~لأنه سيال مائل إلى مركز العالم بالطبع فينتقل من موضع إلى آخر، أي: تتشابه ~~نسبة جميع أجزاء سطحه الظاهر إلى مركز العالم فيصير قطعة من سطح كرة مركزها ~~العالم. # وقد يقال: إن استدارتها كناية ms055 عن انتقالها من حال إلى حال من الدوران ~~بمعنى الحركة، يعني: أنها مأخوذة من دار يدور دورانا، بمعنى منتقلة من حال ~~إلى حال، ومن شأن إلى شأن، فما سوى الطينة ينفى وإنما تبقى الطينة مستديرة ~~مستديمة مستمرة في جميع مراتب التغير دائرة منتقلة من حال إلى حال مع ~~بقائها بذاتها حتى يخلق منها كما خلق أول مرة. # والأظهر أن المراد بالطينة هنا كما سبق شخص النطفة التي خلق منها الميت ~~تبقى في القبر على هيأة الكرة إلى أن يعاد في القيامة، ولا استبعاد في ~~بقائها بحالها بالنظر إلى قدرة الله القادر، فلا حاجة إلى تأويلها بالصورة ~~البرزخية الباقية بعد الموت، ولا إلى القول بأنها إنما لا تبلى لأنها لا ~~تقبل البلى، لأنه خلاف الأظهر بل هو خلاف الشرع الأنور، لابتنائه على ~~القواعد الفلسفية. # PageV00P067 # وقال بعض الفضلاء: والمراد بالطينة: إما التراب الذي يدخل في النطفة كما ~~هو ظاهر الآيات الكثيرة وإن فسروها بغيرها، مثل قوله تعالى: * (منها ~~خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) * (1) وظاهر الأخبار مثل ~~صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: " من خلق من تربة دفن ~~فيها " (2) ورواية الحارث بن المغيرة " قال: سمعت أبا عبد الله (عليه ~~السلام) يقول: إن النطفة إذا وقعت في الرحم بعث الله ملكا فأخذ من التربة ~~التي يدفن فيها فماثها - أي خلطها - في النطفة، فلا يزال قلبه يحن إليها ~~حتى يدفن فيها " (3) ويمكن أن يكون المراد بها بعض النطفة لأن بعضها يخرج ~~منه وبسببه يجب غسل الميت. أو يكون المراد منها النطفة مع التربة، وبقاؤها ~~مستديرة يمكن أن يكون على الحقيقة وتكون محفوظة حتى يبعث منها، أو على ~~المجاز بأنها دائرة على الحالات ولو في الكيزان والصحاف حتى يخلق منها. # وقال آخوندنا المراد في حواشيه على الفقيه: يمكن أن يراد بالطينة ذرة من ~~الذرات المسؤولة في الأزل بقوله: * (ألست بربكم) * بعد ما جعلت قابلة ~~للخطاب بتعلق روح كل واحدة بها، فيكون بدن كل إنسان مخلوقا من ذرة من تلك ~~الذرات، فينميها ms056 الله تعالى إلى ما شاء من غاية ثم يذهب عنها ما زاد عليها، ~~وتبقى مستديرة في القبر إلى ما شاء الله، فيزيد فيها تلك الزيادات وقت ~~الإحياء (4). # وفيه نظر، أما أولا: فلأنه يستلزم القول بأزلية الأرواح، وهو مع كونه ~~خلاف ما ذهب إليه المليون من المسلمين وغيرهم إذ لا قديم عندهم في الوجود ~~إلا الله، والأخبار المتواترة من الطريقين، بل هو من ضروريات الدين، باطل ~~لما تقرر من أنها حادثة بحدوث البدن، قال صاحب التجريد: وهي حادثة (5)، وهو ~~ظاهر على قولنا، وعلى قول الخصم لو كانت أزلية لزم اجتماع الضدين أو بطلان ~~ما ثبت، # PageV00P068 # أو ثبوت ما يمتنع. # وأما ثانيا: فلأن المسؤول والقابل للخطاب الفاهم له والمطلوب منه الجواب ~~لا شك أنه الروح المجردة القائمة بذاتها لا الذرة المتعلقة هي بها، وإنما ~~الاحتياج إلى الذرة في أن تصير آلة في تكلمها الحقيقي بلسانها المقالي ~~لتتمكن بذلك على الجواب عن السؤال. # ولا شبهة أن الذرة التي مائة منها زنة شعيرة كما صرح به في القاموس (1) ~~غير صالحة للآلية الكذائية، فتعلقها بها مما لا فائدة له في هذه الآلية ~~أصلا. # وأما ثالثا: فلأن بدن كل إنسان - إلا ما استثني آنفا - إنما هو مخلوق من ~~النطفة أو ما يقوم مقامها، أما نقلا فظاهر * (ولقد خلقنا الانسان من سلالة ~~من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين) * (2) الآية * (فلينظر الانسان مم خلق ~~خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب) * (3) * (أو لم ير الانسان ~~أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين) * (4) وأما عقلا فلأن المقرر عندهم ~~أن نفس الأبوين تجمع بالقوة الجاذبة أجزاء غذائية، ثم تجعلها أخلاطا وتفرز ~~منها بالقوة المولدة مادة المني، وتجعلها مستعدة لقبول قوة من شأنها إعداد ~~المادة لصيرورتها إنسانا، فتصير بتلك القوة منيا، وتلك القوة تكون صورة ~~حافظة لمزاج المني كالصورة المعدنية، ثم إن المني يتزايد كمالا في الرحم ~~بحسب استعدادات يكتسبها هناك إلى أن يصير مستعدا لقبول نفس أكمل تصدر عنها ~~مع حفظ المادة الأفعال النباتية، فتجذب ms057 الغذاء وتضيفها إلى تلك المادة ~~فتنميها، فتتكامل المادة بتربيتها إياها فتصير تلك الصورة مصدرا لهذه ~~الأفاعيل، وهكذا إلى أن يصير مستعدا لقبول نفس أكمل تصدر عنها الأفاعيل ~~الحيوانية أيضا، فيتم البدن ويتكامل إلى أن يصير مستعدا لقبول نفس ناطقة ~~تبقى مدبرة إلى حلول الأجل. # PageV00P069 # وأما رابعا: فلأنه يلزم أن يكون أصول الأبدان وأجزاؤها الأصلية أزلية ~~قديمة، والحادث إنما هو أجزاؤها الفضلية التي تزيد وتنقص. وعلى هذا فالوجه ~~في بقائها ظاهر، فإن القديم لا يجوز عليه الزوال، ولكن لا يعلم من أي طريق ~~حصلت تلك الذرة الأزلية في الرحم حتى خلق منها البدن، ثم نمي إلى هذه ~~الغاية. # وأما خامسا: فلأنه لا يظهر حينئذ وجه لبقائها مستديرة، لأن كون الذرة - ~~وهي صغار المني - مستديرة مع أنه غير معهود ولا معروف مما لا دليل عليه لا ~~عقلا ولا نقلا، إلا أن يجعل الاستدارة كناية عن انتقالها من حال إلى حال مع ~~بقائها بذاتها كما سبق. # وأما سادسا: فلأن تلك الذرات المسؤولة في الأزل بعد ما جعلت قابلة ~~للخطاب، إن كانت في تلك المدة المتطاولة الغير المتناهية كاسبة فأين ~~مكسوباتها؟ وإن لم تكن بل كانت مهملة معطلة لزم التعطيل مع أنه لا وجه ~~لتعطلها مع بقائها وبقاء ما تعلقت هي بها، وكونها قابلة للخطاب والسؤال ~~والجواب، فيلزم أن يكون لكل إنسان علوم وكمالات أو نقصان وجهالات غير ~~متناهية، وطول العهد لو كان منسيا، مع أنه بعينه جواب التناسخية لما كان ~~منسيا للجميع وخاصة ما هو قريب العهد، ولا يجد إنسان من نفسه شيئا من ذلك. # وأما سابعا: فلأن تلك الذرات لما جعلوا عقلاء عارفين التوحيد فاهمين ~~الخطاب بتعلق روح كل واحدة بها وجب أن ينكروا الميثاق، لأن أخذه إنما يكون ~~حجة على المأخوذ عليه إذا كان ذاكرا له، وكيف يجوز أن ينسي الجم الغفير من ~~العقلاء شيئا كانوا عرفوه وميزوه حتى لا يذكره واحد منهم وإن طال العهد؟ # ألا يرى أن أهل الآخرة يتذكرون كثيرا من أحوال الدنيا حتى يقول أهل الجنة ~~لأهل ms058 النار: * (أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا) * (1) ولو جاز أن ينسوا ذلك ~~لجاز أن يكون الله تعالى قد كلف (2) الخلق فيما مضى ثم أعادهم ليثيبهم أو ~~يعاقبهم # PageV00P070 # ونسوا ذلك، وذلك يؤدي إلى الجهل، وإلى صحة مذهب التناسخية، لأن من أقوى ~~الدليل في الرد عليهم أن النفس المتعلقة بهذا البدن لو كانت منتقلة إليه من ~~بدن آخر لزم أن يتذكر شيئا من أحوال ذلك البدن، لأن محل العلم والتذكر إنما ~~هو جوهر النفس الباقي كما كان، واللازم باطل. فلهم أن ينقضوه بقصة العهد ~~والميثاق، ويقولوا: لا واقعة أعظم من هذه الواقعة، ولا محفل أجمع من هذا ~~المحفل الذي جمع فيه الخلائق أجمعين، ولا يجد إنسان منهم من نفسه تذكر شئ ~~من هذه الواقعة أصلا. بل ينكره غاية الإنكار، إلا أن يقال: امتناع التناسخ ~~إنما يتم بالدليل النقلي لا بالدليل العقلي، والدليل النقلي لا يشمل تلك ~~الصورة، وفيه نظر. # وأما ادعاء الصوفية تذكره وبقاء لذة الخطاب في آذانهم كما أشار إليه صاحب ~~عرائس البيان (1) بعد كلام: ويقال: كاشف قوما حال الخطاب بجماله، فطرحهم في ~~هيجان حبه، فاستكتب نجاتهم في كوامن أسرارهم، فإذا سمعوا اليوم سماعا تجدد ~~لهم تلك الأحوال والانزعاج الذي يظهر منهم لتذكر ما سلف لهم من العهد ~~القديم، فهذيان عند أهل الأديان، كدعواهم أنا نستمع حال الرقص والسماع من ~~حور مقصورات في خيام الجنة ونجامعهن جامع وطي، فإذا صاروا مغشيا عليهم وقت ~~السماع والطرب اغتسلوا غسل جنابة بعد أن أفاقوا. # وأما ثامنا: فلأن تلك الذرات المسؤولة غير أزلية، والسؤال لم يكن في ~~الأزل، وإنما كان: إما في عالم الأرواح الصرفة، أو وقت تخمير الطينة قبل ~~خلق آدم منها، أو كان بعد خلق آدم منها حين أخرجهم من صلبه وهم ذر يدبون ~~يمينا وشمالا، أو كان فيهما جميعا كما يفهم من الأخبار المذكورة في الكافي ~~(2). ولعله اشتبه عليه عالم الذر فظن أن المراد به الأزل، وليس كذلك، بل ~~المراد به أحد الأخيرين أو كلاهما، فلا تغفل. # PageV00P071 # ويستفاد من الخبر المذكور ms059 أن إعادة فواضل المكلف غير واجبة، وبه تندفع ~~الشبهة المشهورة أن المعاد البدني غير ممكن، لأنه لو أكل إنسان إنسانا وصار ~~جزء بدنه: فإما أن لا يعاد وهو المطلوب، أو يعاد فيهما معا وهو محال، أو في ~~أحدهما وحده فلا يكون الآخر بعينه معادا. وهذا مع إفضائه إلى ترجيح من غير ~~مرجح يستلزم المطلوب وهو عدم إمكان إعادة جميع الأبدان بأعيانها، وذلك لأن ~~المعاد إنما هو الأجزاء الأصلية الباقية، وهذا الجزء فضل لا يجب إعادته، ~~نعم لو كان من الأجزاء الأصلية للمأكول أعيد فيه وإلا فلا، أو يقال: أجزاء ~~المأكول أصلية له وفضلية للآكل، فيعاد كل منهما مع أجزائه الأصلية، فيرد ~~أصلية المأكول التي صارت فضلية الآكل إلى المأكول وتبقى فضلية الآكل معه ~~فلا يمتنع العود. # وعلى تقدير عدم إعادة الأجزاء مطلقا، أصلية كانت أو فضلية، فبقاء الطينة ~~التي يخلق منها كما خلق أول مرة كاف في القول بالمعاد البدني، وإليه يشير ~~قول بعض الأفاضل (1): الظاهر أن أمثال هذه الأخبار وردت لدفع شبه الملاحدة ~~في نفي المعاد الجسماني الوارد في الآيات والأخبار المتواترة التي صار من ~~الدين ضرورة وإنكاره كفرا اتفاقا، وشبهتهم: أن الميت إذا صار رميما أو صار ~~جزءا لبدن إنسان آخر أو حيوان فلا يمكن بعثه في البدنين، وأن الانسان ~~الفاعل للخير والشر في كل يوم يتحلل بدنه والغذاء بدل ما يتحلل منه حتى أنه ~~لا يبقى في سنة ما كان في السنة السابقة، فكيف يبعث؟ والجواب: أن النطفة ~~والتربة المخلوق منهما لا يبلى ولا يصير جزءا للحيوان الآخر ويبعث منهما، ~~وهو ممكن أخبر به الصادق (عليه السلام) عن الله فيجب قبوله، على أن الله ~~قادر على أن لا يجعل كله جزءا أو يبعثه مع أجزائه الذاهبة بالتحليل، انتهى. # ثم أنت خبير بأن هذا الخبر يؤيد القول بامتناع إعادة المعدوم، فلا تغفل، ~~ونحن قد فصلنا القول فيه في بعض رسائلنا (2). فليطلب من هناك. # PageV00P072 # [تحقيق في تجرد النفس وإعادة المعدوم] قال الفاضل الملي ملا محمد باقر بن ~~محمد تقي ms060 في شرحه على الصحيفة الكاملة: أوليته تعالى وآخريته فسرتا بوجوه: ~~الأول: أن يكون المراد الأسبقية بحسب الزمان، وهذا إنما يتم إذا كان الزمان ~~أمرا موهوما كما ذهب إليه المتكلمون، أو بحسب الزمان التقديري كما ذكره ~~الطبرسي في مجمع البيان (1) أي: # لو فرضنا وقدرنا قبل حدوث الزمان زمانا آخر كان الواجب تعالى أسبق وأقدم، ~~إذ لو قيل بزمان موجود قديم يلزم إثبات قديم سوى الواجب وهو خلاف ما ذهب ~~إليه المليون (2) من المسلمين وغيرهم، والأخبار المتواترة من طرق العامة ~~والخاصة، بل هو من ضروريات الدين وجاحده كافر. وعلى هذا فالمراد بالآخرية ~~أنه الموجود بعد الأشياء بأحد المعنيين، وهذا يدل على أنه تعالى يفني ~~الأشياء جميعا ثم يوجدها كما يدل عليه صريح كلام أمير المؤمنين (عليه ~~السلام) في بعض خطب نهج البلاغة (3) فلا عبرة بما يقال من امتناع إعادة ~~المعدوم، فإن دلائلهم مدخولة ضعيفة لا تعارض النصوص الجلية الواضحة (4). # أقول: وفيه نظر، أما أولا: فلأن هذا الكلام من ذلك العلام: إما مبني على ~~أنه لا يقول بتجرد النفس ومغايرتها للبدن، فمثله عن مثله بعيد، كيف لا ~~وتجردها مما لا ينبغي أن يشك فيه عاقل، لكونه مما قد قامت عليه البراهين ~~وأشارت إليه الكتب السماوية وشهدت له الأخبار النبوية، وقد ذكرنا طرفا ~~صالحا منها في هداية الفؤاد (5). أو على أنه يقول بتجردها ولكنه يقول: إنها ~~تفنى بفناء البدن، وهو أيضا منه بعيد بل أبعد، لأن كل من قال بتجردها ~~ومغايرتها للبدن قال ببقائها # PageV00P073 # بعد فنائه، ومع ذلك فهو مخالف لكثير من الآيات والروايات الدالة على ~~بقائها بعد خرابه ما دامت في عالم البرزخ. أو على أنه يقول ببقائها مدة ~~البرزخ، كما يظهر منه في بعض كتبه حيث قال: حضور النبي (صلى الله عليه ~~وآله) والأئمة (عليهم السلام) عند الموت مما قد وردت به الأخبار... إلى أن ~~قال: ويمكن أن يكون حضورهم بجسد مثالي لطيف لا يراه غير المحتضر، وستأتي ~~الأخبار في سائر الموتى أن أرواحهم في البرزخ متعلق بأجساد مثالية، وأما ~~الحي من ms061 الأئمة (عليهم السلام) فلا يبعد تصرف روحه لقوته في جسد مثالي أيضا ~~(1)، انتهى. ولكنه يقول بفنائها عند النفخة الأولى أو بعدها، وهو أبعد من ~~سابقيه، لأنه مع كونه خرقا للإجماع المركب فإن من جوز إعادة المعدوم جوز ~~فناءها بفنائه، فهو لا يقول ببقائها بعد فنائه، ثم بفنائها بعد مدة من ~~فنائه يخالف كثيرا من الأخبار الدالة على أنها إذا فارقت البدن فهي باقية: ~~إما منعمة أو معذبة، إلى أن يردها الله تعالى بقدرته إلى بدنها، وقد ذكرنا ~~نبذا من تلك الأخبار مع قول بعض الأخيار في الرسالة (2). # بل يظهر من بعضها - وقد سبقت إليه الإشارة - أن أجساد نبينا وأوصيائه ~~صلوات الله على أرواحهم وأجسادهم تبقى إلى يوم القيامة من غير أن تصير ~~رميما ورفاتا، مع أنه (قدس سره) قد صرح في كلامه المنقول منه آنفا أن ~~الأرواح في البرزخ تتعلق بالأجساد المثالية وأسنده إلى الأخبار، وقد ورد في ~~غير واحد منها أن البرزخ عبارة من القبر حين الموت إلى يوم القيامة وهو يوم ~~البعث، لقوله تعالى: # * (ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون) * (3) وبعده بلا خلاف لا موت ولا ~~فناء لشئ من الأرواح، فكيف يسوغ له القول بأنه تعالى يفني الأشياء جميعا ثم ~~يوجدها؟ # واعلم أنه (قدس سره) قد صرح في شرحه على الكافي في كتاب العقل بأن تجرد ~~النفس لم يثبت لنا من الأخبار، بل الظاهر منها ماديتها كما بيناه في مظانه. # PageV00P074 # وقد قال قبيل ذلك بأنه لا يظهر من الأخبار وجود مجرد سوى الله تعالى (1). ~~وهو منه غريب، لأنه لما قال ببقائها بعد فناء البدن وتعلقها في عالم البرزخ ~~بأجساد مثالية فلا بد له من القول بتجردها، ولذا قال الشهيد في الذكرى: دل ~~القرآن العزيز على بقاء النفس بعد الموت وتعلقها بأبدان مثالية بناء على ~~تجردها (2). # اللهم إلا أن يقال: إنه يذهب إلى أنها جسم منفصل عن البدن خارج عنه مجاور ~~له، لا تفنى بفنائه، فيتعلق بعد مفارقته عنه ببدن مثله مدة البرزخ، وهو ~~شبيه بما قال به أكثر ms062 النصارى من أن الروح جسم روحاني سماوي، وإليه ذهبت ~~طائفة من المسلمين، ولكنه باطل لما تقرر في مقره. # وقال في كتاب البحار بعد كلام: لا يخفى عليك أنه لم يقم دليل عقلي على ~~التجرد ولا على المادية، وظواهر الآيات والأخبار تدل على تجسم الروح والنفس ~~وإن كان بعضها قابلا للتأويل، وما استدلوا به على التجرد لا يدل دلالة ~~صريحة عليه وإن كان في بعضها إيماء إليه، فما يحكم به بعضهم من تكفير ~~القائل بالتجرد إفراط وتحكم، كيف وقد قال به جماعة من علماء الإمامية ~~ونحاريرهم؟ # وجزم القائلين بالتجرد أيضا بمحض شبهات ضعيفة مع أن ظواهر الآيات ~~والأخبار تنفيه أيضا جرأة وتفريط، فالأمر مردد بين أن يكون جسما لطيفا ~~نورانيا ملكوتيا داخلا في البدن تقبضه الملائكة عند الموت وتبقى معذبا أو ~~منعما بنفسه أو بجسد مثالي يتعلق به كما مر في الأخبار أو يلهى عنه إلى أن ~~ينفخ في الصور كما في المستضعفين، أو يكون مجردا يتعلق بعد قطع تعلقه عن ~~جسده الأصلي بجسد مثالي، ويكون قبض الروح وبلوغها الحلقوم وأمثال ذلك تجوزا ~~عن قطع تعلقها، أو أجري عليها أحكام ما تعلقت أولا به وهو الروح الحيواني ~~البخاري مجازا (3). # أقول: ويظهر منه أنه مردد بين تجرده وماديته، ولكنه يقول على التقديرين # PageV00P075 # ببقائه مدة البرزخ: إما بنفسه، أو بجسد مثالي يتعلق به: إما منعما، أو ~~معذبا، أو ملهوا عنه إلى يوم نفح الصور لقيام القيامة، وقد عرفت أنه لا موت ~~ولا فناء بعده لشئ من الأرواح، فكيف يسوغ له القول هنا بأنه تعالى يفني ~~الأشياء جميعا ثم يوجدها؟ ثم إنه (قدس سره) قد رجع عن قوله بماديتها وصرح ~~بتجردها وبقائها في اعتقاداته، وهو الحق. # وأما ثانيا: فلأن القول بالزمان الموهوم - مع أنه واهي لا محصل له ولا ~~دليل عليه - باطل عند محصلي المتكلمين، ومخالف لظاهر الشرع المبين على ما ~~يشعر به بعض الأخبار كما صرح به بعض الأخيار، وقد ذكرنا نبذا منها في ~~رسالتنا (1) المعمولة لتحقيق القول بالحدوث الدهري، ومنها الخطبة المستدل ms063 ~~بها، فإن الزمان الموهوم لو كان شيئا في نفس الأمر لتكون الأولية والآخرية ~~بحسبه لكان قبل ابتداء العالم، وكذلك بعد فنائه زمان، وقوله (عليه السلام) ~~في تلك الخطبة: " وإنه يعود سبحانه بعد فناء العالم وحده لا شئ معه، كما ~~كان قبل ابتدائها كذلك يكون بعد فنائها بلا وقت ولا مكان ولا حين ولا زمان، ~~عدمت عند ذلك الآجال والأوقات، وزالت السنون والساعات، فلا شئ إلا الله " ~~(2) ينفيه، وإن لم يكن شيئا في نفس الأمر فهو مجرد اسم من دون تحقق المسمى، ~~فكيف تكون الأولية والآخرية بحسبه؟ ثم كيف يكون له تحقق وليس له منشأ ~~انتزاع موجود في الخارج؟ إذ هو غير قار، لا يمكن انتزاعه إلا مما يختلف ~~نسبته إلى الأمور الخارجة وقبل حدوث العالم وبعد فنائه، على هذا الفرض ليس ~~موجود سوى ذات الله تعالى، وقد فصلنا القول فيه بما لا مزيد عليه في ~~الرسالة المذكورة فليطلب من هناك. # وأما ثالثا: فلأنه لما فرض أن المراد بالأولية الأسبقية بحسب الزمان ~~فحينئذ لا معنى لقوله: إذ لو قيل بزمان موجود قديم... إلى آخره، لدلالته ~~على أن الزمان لو كان موجودا قديما لتم القول بالأسبقية الزمانية، إلا أنه ~~يلزم منه إثبات قديم # PageV00P076 # سوى الله تعالى، وليس كذلك، إذ للزمان وراسمه وما هو موضوع لذلك الراسم ~~وغيرها على هذا الفرض معية أزلية مع الواجب، وإلا لزم حدوث الزمان، والمقدر ~~خلافه. نعم لو كان المراد بالأسبقية الأسبقية الذاتية لكان له وجه، وليس ~~فليس، فكان الواجب أن يقول: إذ لو قيل بزمان موجود قديم لا يتصور الأسبقية ~~بحسب الزمان، مع أنه يلزم منه إثبات قديم سوى الواجب. # وأما رابعا: فلأن الخطبة لما كانت بظاهرها معارضة بأخبار كثيرة صريحة في ~~بقاء النفس أبدا، وكذلك الجنة والنار وأهاليهما، من غير أن يطرأ عليها ~~العدم كما بيناها في الهداية (1) ومعمول بها عند علمائنا كالصدوق والشهيد ~~وغيرهما حيث اعتقدوا بقاء النفس دائما، وذكروا لإثباته تلك الأخبار، وجب ~~تأويلها إلى ما يوافقها، إذ الجمع مهما أمكن أولى من اطراح ms064 بعضها رأسا، ~~وخاصة إذا كان ذلك البعض مما تلقاه بالقبول جم غفير من الفحول وجمع كثير من ~~ذوي الأحلام والعقول، فالأمر أن بني على التقليد فتقليدهم أولى، لقرب عهدهم ~~وصفاء ذهنهم وغاية تتبعهم في الأخبار وتصفحهم في الآثار وكمال تصلبهم في ~~الدين، أولئك آبائي فجئني بمثلهم، وإن بني على ما هو مقتضى الأدلة والتحقيق ~~فالتحقيق يقتضي ترجيح تلك الأخبار أو تأويل تلك الخطبة وأمثالها إلى ما ~~يطابقها، وإلا فإبقائها على ظاهرها واطراح غيرها مع أنه أكثر وأقوى ليس ~~بأولى من العكس، كيف وتلك الأخبار مؤيدة بأدلة عقلية قطعية دالة على امتناع ~~إعادة المعدوم حتى كاد أن يكون بديهيا، ولذا قال كثير، منهم: ابن سينا في ~~التعليقات وغيره: إن تلك الأدلة تنبيهات على المطلب، وإلا فأصله بديهي، ~~وإنكاره يوجب رفع الاعتماد عن حكم العقل رأسا. # قال المحقق الدواني في القديمة بعد نقل كلامه: ولما كان الشيخ يدعي بداهة ~~المدعى لم يبال بذكر بعض المقدمات التنبيهية في صورة المنع. # PageV00P077 # وقال ملا ميرزاجان بعد ذكر بعض التنبيهات: فعلم أن امتناع إعادة المعدوم ~~مركوز في جميع الطبائع، وقد ذكر صاحب التجريد والفاضل الحلي آية الله ~~العلامة وغيرهما أدلة عديدة على امتناعها. # وبالجملة أخبار أبدية النفوس مع كونها مؤيدة بتلك الأدلة غير قابلة ~~للتأويل لكونها خاصة بالباب هادية إلى الصواب، بخلاف النادرة الدالة: إما ~~بعمومها أو بإطلاقها على خلافها، فوجب: إما التخصيص أو التقييد، إذ الشئ ~~إذا ورد في كلامهم مطلقا تارة ومقيدا أخرى يحمل مطلقه على المقيد، وفناء ~~العالم في هذه الخطبة ورد مطلقا وقد ورد مقيدا في بعض الأخبار بعالم ~~الأجسام، فوجب حمله عليه وإجراء حكمه عليه، إذ الأخبار المجملة تحكم عليها ~~الأخبار المفصلة كما هو المروي عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)، وقد ~~ذكرنا طريق تخصيصها بها في هداية الفؤاد (1) فليطلب من هناك، وبالله ~~التوفيق. # [تحقيق حول الفقرات الواردة في الأدعية في أخبار أهل النار بالشهادتين] ~~قال (عليه السلام) في دعاء كان له مشهور: " ولئن أمرت بي إلى النار لأخبرن ~~أهلها ms065 أني كنت أقول لا إله إلا الله محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~". # أقول: لعل فائدة هذه الأخبار أنهم إذا أخبروا بأنه كان موحدا مؤمنا مقرا ~~بالتوحيد والرسالة ومعه يكون معذبا معهم في النار صاروا مسرورين بعذابه، بل ~~شامتين بأن إيمانه بالله ورسوله لم يدفع عنه العذاب، فكان هو والكفر شرعا ~~سواء، بل الكفر أعظم منه وأكثر جدوى، حيث إن المؤمن مع مشقته وكده وجده ~~وجهده في دار التكليف بالتكاليف الشاقة ليس له بها عليهم فضل حيث اشتركوا ~~في العذاب جميعا، والله أجل وأكرم من أن يرضى بسرور أعدائه وحزن أوليائه ~~ولا سيما في الجحيم والنعيم، لما ثبت في أصول العدلية من وجوب خلوص الثواب # PageV00P078 # والعقاب من الشوائب، فوجب على الله تعالى أن يعفو عنه ويتجاوز عن جرمه ~~وجريرته ولا يأمر به إلى النار. # ويدل على تلك الجملة قول سيد العابدين وفخر الساجدين في دعاء أبي حمزة ~~الثمالي: " ولئن أدخلتني النار لأخبرن أهل النار بحبي إياك... وساق الكلام ~~(عليه السلام) إلى أن قال: إلهي إن أدخلتني النار ففي ذلك سرور عدوك، وإن ~~أدخلتني الجنة ففي ذلك سرور نبيك، وأنا والله أعلم أن سرور نبيك أحب إليك ~~من سرور عدوك... " الدعاء. # وفيهما إيماء إلى أن المؤمن المستقر الإيمان لا يؤمر به إلى النار ~~الكبرى، وهو المصرح به في قول الصادق (عليه السلام): " والله لا يموت عبد ~~يحب الله ورسوله والأئمة فتمسه النار " (1). # وعليه فلا بد: إما من حمل المحبة على المحبة الصادقة الكافة عن ارتكاب ما ~~يوجب النار، أو من تخصيص الآيات والروايات الدالة على عذاب صاحب الكبيرة ~~بالعذاب البرزخي كما يصرح به رواية عمرو بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) " قال: قلت له: إني سمعتك وأنت تقول: كل شيعتنا في الجنة على ما ~~كان فيهم، قال: # صدقتك كلهم والله في الجنة، قال: قلت: جعلت فداك إن الذنوب كثيرة كبائر، ~~فقال: # وأما في القيامة فكلكم في الجنة بشفاعة النبي المطاع أو وصي النبي، ولكني ~~أتخوف عليكم في البرزخ، ms066 قلت: وما البرزخ؟ قال: القبر منذ حين موته إلى يوم ~~القيامة " (2). # ولكن ما في مجمع البيان عن العياشي بإسناده عن محمد بن النعمان الأحول عن ~~حمران بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) " قال: إن الكفار والمشركين ~~يعيرون أهل التوحيد في النار ويقولون: ما نرى توحيدكم أغنى عنكم شيئا، وما ~~نحن وأنتم إلا سواء، قال: فيأنف لهم الرب تعالى فيقول للملائكة: اشفعوا ~~فيشفعون لمن شاء الله، ثم يقول للنبيين: اشفعوا فيشفعون لمن شاء الله، ~~ويقول الله: أنا أرحم الراحمين # PageV00P079 # أخرجوا برحمتي، فيخرجون كما يخرج الفراش، قال: ثم قال أبو جعفر (عليه ~~السلام): مدت العمد وأوصدت عليهم وكان والله الخلود (1). يخدشه ولا يذهب ~~عليك أن هذا الحديث وإن كان يصدق ما قلناه أولا ولكنه بظاهره يفيد أن أحدا ~~من أهل التوحيد مع اختلاف مذاهبهم لا يبقى مخلدا في النار، ولعلمائنا فيه ~~خلاف، كما فصله الفاضل العلامة في شرحه على التجريد في بحث الإمامة (2) فهو ~~مؤيد بقول من يقول بنجاتهم من النار، ولكن ليس بصريح في دخولهم الجنة، ~~لاحتمال أن يكونوا يخرجون منها ولا يدخلون الجنة كما ذهب إليه جماعة من ~~أصحابنا، وقد سبق في أوائل الكتاب، فتدبر. # وأما الاحتمالات الآخر - كأن يكون المراد بأهلها الملائكة الموكلين بها، ~~يعني: أنهم إذا سألوه عن سبب عذابه فيقول في جوابهم: إنه كان مؤمنا ولكن ~~خالف الله في أوامره ونواهيه فصار معذبا فيشفعون له تعظيما لإيمانه، أو ~~يكون الغرض من الأخبار دفع توهم أنه كان شريكا مع المعذبين وهم أهل النار ~~في سبب العذاب وهو الكفر، فإنهم إذا سألوه عن سببه فإنه لا محالة يقول في ~~جوابهم: # إنه كان مؤمنا، وإذا أجابهم بذلك فإن الله يتجاوز عن سيئاته تفضلا ولا ~~يرضى بأن يكون في النار - فخلاف الظاهر، بل بعيدة جدا وإن قال بها جمال ~~الملة والدين الخوانساري (قدس سره) في ترجمة مفتاح الفلاح (3). # أما أولا: فلما ظهر مما قررناه ونقلناه أن المراد بأهل النار الأمة ~~المعذبون بها أو إبليس وشياطينه الآمرون بما يوجبها، لا الملائكة ms067 الموكلون ~~بها فإنهم أولياء الله لا أعداؤه. # وأما ثانيا: فلأن الظاهر المتبادر من كلامي الإمامين الهمامين (عليهما ~~السلام) أن هذا الإخبار ابتدائي يجعل وسيلة للنجاة من النار وعذابها من دون ~~سابقة سؤال. # وأما ثالثا: فلأنه لا يظهر مما أفاده (قدس سره) ما يكون سببا لوجوب ~~تجاوزه تعالى # PageV00P080 # عن سيئاته بمجرد هذه الأخبار، وهو الظاهر من كلامه (عليه السلام)، بخلاف ~~ما قررناه ونقلناه من سرور أعداء الله في النار الموجب لعدم خلوص عقابهم، ~~المنافي لما ذهب الإمامية من وجوب خلوصه، لأنه أدخل في باب الزجر فتقتضي ~~الحكمة البالغة أن لا يؤمر به إلى النار، ولذا أتيا بكلمة " إن " دون " إذا ~~" مؤكدين بلام الموطأة للقسم، وأدخلا اللام في الجزاء المستعملة في جواب " ~~لو " إيماء لطيفا إلى أن هذا أمر فرضي لا أمر واقعي بتحقق وقوعه من الحكيم ~~تعالى شأنه العزيز. وفيه مع ما مر من الإشعار بحسن الظن بالله ما لا يخفى. # وعلى أي احتمال من الاحتمالات السابقة فليس الغرض إظهار الشكاية والتظلم ~~أو الإخبار بأن الإيمان مما لا فائدة له كما يتوهم، بل المراد - كما مر ~~إليه الإيماء - إظهار أن كل من قال بالكلمتين الطيبتين عاقدا بهما قلبه ثم ~~مات عليه دخل الجنة ونجا من النار وإن كان القائل بهما عاصيا مخالفا لأمر ~~الله ونهيه، ولكن بشروط، ومحبة الأئمة من شروطه كما هو صريح الأخبار وقد مر ~~بعضها. # والحاصل: أن من قال محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثم استقام عليه ~~وصدقه في جميع ما أخبر به عن الله، ومنه محبة ذوي القربى واتباع علي (عليه ~~السلام) واعتقاد عصمته وإمامته بلا فصل حيث جعله من كمال الدين دخل الجنة ~~ونجا من النار، فلا يرد أن مجرد الإقرار بالشهادتين كيف يوجب النجاة منها؟ ~~وأغلب أصحابنا ذاهبون إلى أن مخالفينا مع قولهم بهما مخلدون في النار، لعدم ~~استحقاقهم الجنة بإنكارهم ما علم بالضرورة من الدين، وهو النص الجلي على ~~إمامة أمير المؤمنين (عليه السلام) ومن بعدهم واحدا بعد واحد، وهو الظاهر ~~من ms068 الأخبار الواردة في الطريقين، ومنها الخبر المستفيض بين الفريقين: " من ~~مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية " (1) نعوذ بالله منها. # [عظم ثواب كلمة التهليل] في كتاب التوحيد للصدوق بإسناده المتصل إلى ابن ~~عباس عن النبي (صلى الله عليه وآله) # PageV00P081 # أنه قال: " ما من الكلام كلمة أحب إلى الله عز وجل من قول لا إله إلا ~~الله، وما من عبد يقول: لا إله إلا الله يمد بها صوته فيفرغ إلا تناثرت ~~ذنوبه تحت قدميه كما يتناثر ورق الشجر تحتها " (1). # أقول: إنما صارت هذه الكلمة الطيبة أحب الكلمات إلى الله عز وجل لأنها ~~أعلى كلمة وأشرف لفظة نطق بها في التوحيد، دالة على وجوده تعالى مفهوما ~~وعلى وحدته منطوقا، وعلى استجماعه لجميع صفات الكمال وتنزهه عن جميع ~~النقائص والزوال، وليس في الأذكار ما يدل على ذلك دونها لأنها: إما تمجيد ~~أو تنزيه، بخلاف هذه الكلمة فإنها جامعة بينهما منطبقة على جميع مراتب ~~التوحيد. # أو يقال: لما كان الشريك وهو من يمنع صاحبه أن يتصرف فيما اشتركا فيه على ~~ما يريد وهو ينافي السلطنة والملك أبغض الأشياء إليه تعالى، ولذا لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، كان أحب الأشياء إليه نقيضه وهو ~~التوحيد المدلول عليه بلا إله إلا الله، فكانت أحب الكلمات إليه تعالى. # وبما قررنا ظهر وجه ما في خبر آخر نبوي: " ما قلت ولا قال القائلون قبلي ~~مثل لا إله إلا الله " (2) وما في آخر باقري: " ما من شئ أعظم ثوابا من ~~شهادة أن لا إله إلا الله " (3) وما في آخر صادقي: " قول لا إله إلا الله ~~ثمن الجنة " (4) ونظائرها في الأخبار كثيرة، هذا. # وأما انطباقها على توحيد الأفعال، وهو أن يعتقد الموحد أن لا مؤثر في ~~الوجود إلا الله وإليه يذهب الحكماء الموحدون أيضا لأنهم يجعلون ما عداه ~~تعالى بمنزلة الشرائط والآلات، فلأن علة الوجود كما صرح به بهمنيار في ~~التحصيل لا تصلح أن تكون إلا ما هو برئ من كل وجه من معنى ms069 ما بالقوة، وهذا ~~صفة الأول تعالى، إذ لو كان مفيدا لوجود ما فيه معنى ما بالقوة عقلا كان أو ~~جسما كان للعدم شركة في إفادة الوجود، وكان لما بالقوة شركة في إخراج الشئ ~~من القوة إلى # PageV00P082 # الفعل، وإليه يشير صاحب التجريد بقوله: والواسطة - أي: في إيجاد العالم ~~الجسماني - غير معقولة (1) فإن العقل الصريح يحكم بأن ليس في منية الممكن ~~إيجاد الجواهر والأعراض المفارقة لذات الموجود، وهذا لا ينافي دعواهم ~~الضرورة في استناد أفعالنا إلينا، فتدبر. # وأما توحيد الصفات، فهو أن يرى الموحد كل قدرة مستغرقة في قدرته الكاملة، ~~وكل علم مضمحلا في جنب علمه الشامل... وهكذا، وبالجملة: أن يرى كل كمال ~~لمعة من عكس كماله تعالى، وهذه المرتبة أعلى من الأولى ومستلزمة لها. وثالث ~~المراتب مرتبة توحيد الذات، وهناك تنمحل الإشارة وتنطمس العبارة. # ثم لما كان مبدأ الكمالات وجوب الوجود كما أن منشأ النقائص إمكان الوجود ~~فالمعبود بالحق هو الذي يثبت له وجوب الوجود وانتفى عنه الإمكان، فمعنى " ~~لا إله إلا الله ": لا واجب الوجود إلا الله، فإنه واجب الوجود، فحينئذ يصح ~~تقدير الممكن والموجود في خبر " لا "، أما الأول: فلأن مفهومه أن الله يمكن ~~أن يكون واجب الوجود، فيندفع فساده وهو أن اللازم إمكان وجوده تعالى لا ~~ثبوت وجوده، فلا يتم التوحيد بأن ما يمكن أن يكون واجب الوجود فهو واجب ~~الوجود، إذ لو لم يكن هو يكون: إما ممتنع الوجود أو ممكنه، وعلى التقديرين ~~لا يكون واجب الوجود وإلا لزم جواز الانقلاب. وأما الثاني: فلأن فساده وهو ~~أن اللازم نفي وجود الشريك لا نفي إمكانه مندفع بأن نفي وجوب الوجود عما ~~سواه يستلزم نفي إمكان وجوب الوجود عنه أيضا، وإلا لثبت له نقيضه وهو إمكان ~~وجوب الوجود، فيثبت له وجوب الوجود. # واعلم أن أصل هذا التشكيك من إمام المشككين، وأجاب عنه الحنفية بناء على ~~قاعدتهم في الاستثناء بأن دلالة كلمة الشهادة على وجوده تعالى بحسب العرف ~~وطريق الإشارة، لأنه لما ذكر الإله ثم استثنى الله منه ثم حكم ms070 على الباقي ~~بالنفي كان ذلك إشارة إلى أن الحكم في الاستثناء خلاف حكم الصدر، وإلا لما # PageV00P083 # خرج منه، هذا. # وليعلم أن ترتب الثواب على قول لا إله إلا الله له شروط: # منها: أن يكون قلبه مواطئا لسانه، ولذا ورد في خبر آخر نبوي: " أن لا إله ~~إلا الله كلمة عظيمة كريمة على الله عز وجل، من قالها مخلصا استوجب الجنة، ~~ومن قالها كاذبا عصمت ماله ودمه وكان مصيره إلى النار " (1) فمن آمن بالله ~~واليوم الآخر وبما جاء به الرسل ثم قال: لا إله إلا الله، ترتب عليه ثوابه، ~~فالمطلق مقيد، والعام مخصص، وهذا مما انعقد عليه إجماع الأمة، وقد دل عليه ~~الكتاب والسنة * (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان ~~سعيهم مشكورا) * (2) وفي صحيح البخاري عن وهب بن منبه: قيل له: أليس لا إله ~~إلا مفتاح الجنة؟ قال: # بلى، ولكن ليس مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا ~~لم يفتح لك (3). # ومنها: الولاية لأهل الولاية كما يدل عليه قول الرضا (عليه السلام) بعد ~~أن روى عن جده عن جبرئيل عن الله عز وجل: " لا إله إلا الله حصني فمن دخل ~~حصني أمن من عذابي، بشروطها وأنا من شروطها " (4). # وقال أبو سعيد الخدري: كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) ذات يوم جالسا ~~وعنده نفر من أصحابه فيهم علي بن أبي طالب (عليه السلام) إذ قال: " من قال ~~لا إله إلا الله دخل الجنة، فقال رجلان من أصحابه: فنحن نقول: لا إله إلا ~~الله، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): إنما يقبل شهادة أن لا إله إلا ~~الله من هذا وشيعته الذين أخذ ربنا ميثاقهم " الحديث (5). # وفي الكافي عن أبان بن تغلب عن الصادق (عليه السلام) " قال: يا أبان إذا ~~قدمت الكوفة فارو هذا الحديث: من شهد أن لا إله إلا الله مخلصا وجبت له ~~الجنة، قال: # قلت: إنه يأتيني من كل صنف من الأصناف أفأروي لهم هذا الحديث؟ قال: نعم ~~يا ms071 # PageV00P084 # أبان، إنه إذا كان يوم القيامة وجمع الله الأولين والآخرين فيسلب لا إله ~~إلا الله منهم إلا من كان على هذا الأمر " (1). # ومنها ومن نظائرها يظهر أن من لم يكن مواليا لمولانا أمير المؤمنين ومن ~~بعده من الأئمة (عليهم السلام) تسلب منه ثمرة لا إله إلا الله، ويكون ~~توحيده وتهليله في الدنيا مجرد تحريك لسان لا ينتفع به في الآخرة، فلا ~~إشكال ولا منافاة بين الأخبار الدالة على أن " من قال: لا إله إلا الله فله ~~الجنة، أو دخل الجنة " وأمثال هذه العبارات دالة على عدم دخول مخالفينا ~~الجنة وإن بالغوا واجتهدوا في العبادات بين الركن والمقام حتى صاروا كالشن ~~البالي، فإنهم ليسوا من أهل التوحيد المنتفعين بتوحيدهم في الآخرة لما ~~فاتهم من الولاية الشديدة الحاجة إليها في تحقق الإيمان الموجب لاستحقاق ~~الثواب ودخول الجنة، فالمطلق من هذا الوجه أيضا مقيد. # ومنها: أن يكون الموحد تاركا للدنيا زاهدا عنها، فعن حذيفة عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) قال: " لا يزال لا إله إلا الله ترد غضب الرب جل جلاله عن ~~العباد ما كانوا لا يبالون ما انتقص من دنياهم إذا سلم دينهم، فإذا كانوا ~~لا يبالون ما انتقص من دينهم إذا سلمت دنياهم ثم قالوها ردت عليهم وقيل: ~~كذبتم ولستم بها صادقين " (2) وهذا بعينه حال أبناء زماننا أجمعين، إلا من ~~عصمه الله وهم أقل الأقلين. # ومنها: الموافاة على التوحيد كما تدل عليه رواية أبي ذر عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله): " ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك إلا ~~دخل الجنة " (3). # وبالجملة: المراد بالموحد - الذي لا يعذب بالنار إذا كان محسنا بأن يكون ~~توحيده يحجزه عما حرمه الله وهو علامة إخلاصه، لأنه إذا تيقن بأن الله ليس ~~له شريك أن يمنعه عن عذابه حصل له الخوف على تقدير المخالفة فيترك المعاصي # PageV00P085 # بحذافيرها، أو يدخل الجنة ولو بعد تعذيب برزخي إذا كان مسيئا - هو من كان ~~مواليا ثم مات على ذلك، وإلا فتسلب عنه فوائد لا ms072 إله إلا الله، فالأخبار ~~المطلقة الواردة في هذا الباب المذكورة في كتاب التوحيد وغيره كقوله (صلى ~~الله عليه وآله): " من مات ولم يشرك بالله شيئا أحسن أو أساء دخل الجنة " ~~(1) وقول الصادق (عليه السلام): " إن الله حرم أجساد الموحدين على النار " ~~(2) وأمثال ذلك مقيدة بما ذكرنا من القيود والشروط، فلا إشكال ولا تدافع، ~~هذا. # وأما قوله (عليه السلام): " يمد بها صوته " فظاهره يدل على صحة مذهب من ~~قال بأن تطويل المدة في " لا إله إلا الله " مندوب إليه مستحسن، لأن المكلف ~~في زمان التحديد يستحضر في ذهنه جميع ما سوى الله من الأضداد والأنداد ~~وينفيهما، ثم يعقب ذلك بقوله: " إلا الله " فيكون أقرب إلى الكمال ~~والإخلاص. # ومن الناس من قال بأولوية ترك التمديد، مستدلا بأنه ربما مات في زمان ~~التلفظ ب‍ " لا " قبل الانتقال إلى " إلا ". # أقول: وهذا القول مع أنه مخالف لقواعد التجويد ومناقض لصريح الرواية ~~مدفوع دليله بأن من مات في زمن التلفظ ب‍ " لا " قبل الوصول إلى " إلا " لا ~~شك أنه مات مؤمنا موقنا بالتوحيد، لأنه عقد بهذه قلبه ثم أراد أن يخبر بما ~~في ضميره فيكون ذلك دليلا عليه فلم يجد من المهلة ما يأتي به المعقودة فلم ~~يلزم كفره، خاصة إذا كان المتلفظ بها مؤمنا موقنا بمدلولها، وإنما يلزم ~~كفره أو عدم انتقاله منه إلى الإيمان أن لو وجد من الفرصة ما أمكنه فيه أن ~~يقول لا إله إلا الله ثم أهمل ولم يقل ومات. # وأما ما فصله الفخر الرازي واستحسنه الصدر الشيرازي وأثنى عليه في رسالته ~~المعمولة لتفسير آية الكرسي (3) من أن المتلفظ بهذه الكلمة إن كان يتلفظ # PageV00P086 # لينتقل بها من الكفر إلى الإيمان فترك التمديد أولى حتى يحصل الانتقال من ~~الكفر إلى الإيمان بأسرع أوان، وإن كان مؤمنا وإنما يذكرها للتجديد ~~فالتمديد أولى ليحصل في زمانه صورة الأضداد في الخاطر وينفيها ثم يعقبها ~~بقوله: " إلا الله " فيكون الإقرار بالإلهية أصفى وأكمل، فهو مع كونه غير ~~دافع لما مر من أولوية ترك التمديد فما ms073 ذكره من أولويته معارض به، وإنما ~~يدفعه ما ذكرناه مخالف لمذهبه، فإن الانتقال من الكفر إلى الإيمان على ~~مذهبه قد حصل بمجرد التصديق القلبي - كما هو مذهب الأشاعرة وهو منهم - ~~وإنما جعل اللسان على الجنان دليلا، فهو على مذهبه كاشف عن إيمانه السابق ~~على زمن التلفظ بهذه الكلمة لا مصحح له ومتمم. # نعم ما ذكره يصح على مذهب من قال: إن التصديق وحده ليس بإيمان، بل ~~الإيمان هو التصديق بالقلب مع الإقرار بالشهادتين كما هو المنقول عن أبي ~~حنيفة وإليه مال صاحب التجريد (1) وأما على مذهبه فلا. # وبالجملة: فالتحديد بها مطلقا كما هو ظاهر الرواية حيث رتب تناثر الذنوب ~~على قول لا إله إلا الله لا مطلقا، بل مقيدا بمد الصوت بها ليشعر بعلية ~~الحكم مندوب إليه مستحسن، بل الظاهر عندي أن الغرض من التمديد مجرد تجويد ~~اللفظ وتحسينه على ما تقتضيه القواعد التجويدية لا الاستحضار المذكور، فإن ~~المتلفظ بالكلمة إن كان عالما بأوضاع ألفاظها ومفرداتها يستحضر الأضداد ~~والأنداد وينفيهما ويثبت الإله الحق بمجرد الالتفات إلى معانيها مد صوته في ~~الأول، وإن لم يكن عالما أو كان ولم يكن ملتفتا فلا يتيسره الاستحضار، مد ~~أم لم يمد، فإن المدة لا توجب الاستحضار كما لا يخفى على ذوي الأبصار، ~~والحمد لله الواحد القهار، والصلاة على نبيه محمد وآله الأطهار. # [فضيلة أخرى للتهليل] في كتاب التوحيد عن النبي (صلى الله عليه وآله) " ~~قال: قال الله جل جلاله لموسى: يا موسى # PageV00P087 # لو أن السماوات وعامريهن والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة، ~~مالت بهن لا إله إلا الله " (1). # أقول: المراد بعامريهن ساكنوهن الذين يعمرونهن بالعبادات والطاعات وألوان ~~التسبيحات والتقديسات، فإنهم يسبحون الليل والنهار لا يفترون، فشبه ذلك ~~بالعمران من البلاد، لأن من شأنها أن تكون فيها أنواع النعم وما يحتاج إليه ~~الأمم. # وفيه تنبيه على كون الأفلاك وساكنيهن من الملائكة أجساما ثقالا ذوات ~~مقادير، إذ المقام يقتضي ذكر ماله ثقل ومقدار، فدل على بطلان القول بأن ~~الفلك لا ثقل له ms074 كما هو المشهور بين الجمهور من الحكماء، بل أكثر المتكلمين ~~أنها غير موصوفة بالثقل وإلا لزم قبولها الحركة المستقيمة، ويدل عليه أيضا ~~ظاهر قوله تعالى: * (الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها) * (2). # وفي ترك عامري الأرض تنبيه على قلتهم بالنسبة إلى عامري السماوات فكأنهم ~~ليسوا في جنبهم بشئ له مقدار وثقل، أو حذف اكتفاء، أو هو من قبيل ذكر الشئ ~~بأكثر أجزائه. # والمراد: أن ثواب لا إله إلا الله يثقل الميزان ويرجح كفة الحسنات حتى لو ~~كانت في كفة السيئات أثقال الأرضين والسماوات وما فيهما لمال بهن، والكلام: # إما محمول على تجسم الأعمال كما ذهب إليه كثير من أهل الإسلام، ويؤيده ~~ظاهر كثير من الآيات والروايات، منها رواية قيس بن عاصم وأبياته المشهورة ~~التي منها: # تخير خليطا من فعالك إنما * قرين الفتى في القبر ما كان يفعل ولا بعد ~~فيه، فإن صورة العلم في اليقظة أمر عرضي، ثم إنه تظهر في النوم بصورة ~~اللبن، فالظاهر في الصورتين حقيقة واحدة ظهرت في كل ظرف بصورة # PageV00P088 # ويسمى في كل مكان باسم، فقد تجسم في مقام ما كان عرضا في آخر، وقد ذهب ~~كثير من الحكماء إلى وجود الأشياء أنفسها في الذهن وكونها أعراضا ما دامت ~~فيه، فإذا وجدت في الأعيان كانت الصورة الجوهرية منها جوهرا لا في موضوع، ~~ولذا اعتبروا في تعريف الجوهر قيد " إذا " فاختلف الصور باختلاف الظروف. أو ~~على الاستعارة التمثيلية الحاصلة من تشبيه معادلة ثواب التوحيد بما سواه من ~~الحسنات، ورجحانه عليه بالهيئة الحاصلة من موازنة جسم ثقيل بما عداه ~~ورجحانه عليه. # [تفسير حديث التوحيد في التهليل] في كتاب التوحيد عن أبي عبد الله الصادق ~~(عليه السلام): " من قال: لا إله إلا الله مائة مرة كان أفضل الناس ذلك ~~اليوم عملا إلا من زاد " (1). # أقول: من ظاهر هذا الاستثناء يلزم ترجح أحد المتساويين من غير مرجح، لأن ~~بعد نفي الزائد يبقى الناقص والمساوي، وفي الصورة الأخيرة يلزم المحذور. # والجواب: أن صيغة أفعل إذا أضيفت فلها معنيان: أحدهما وهو الشائع الذائع: ms075 # أن يقصد بها الزيادة على جميع ما عداها مما أضيفت إليه، وثانيهما: أن ~~يقصد بها الزيادة على ما عداها مطلقا لا ما عداها مما أضيفت إليه وحده، ~~وبالمعنى الأول يجوز أن يقصد بالمفرد منها المتعدد دون المعنى الثاني، وهذا ~~هو المراد هنا، فانتفى المساوي وبقي الزائد والناقص فاندفع المحذور، فتأمل. # [تحقيق حول الحديث الوارد في قطع الخبز بالسكين] في الكافي في مرفوعة أبي ~~علي بن راشد عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) " قال: # كان أمير المؤمنين سلام الله عليه إذا لم يكن له أدم يقطع الخبز بالسكين ~~" (2). # وفيه في مرفوعة السياري عنه (عليه السلام) أيضا " قال: أدني الأدم قطع ~~الخبز بالسكين " (3). # PageV00P089 # أقول: الإدام بالكسر والأدم بالضم: ما يؤكل مع الخبز أي شئ كان كذا في ~~نهاية ابن الأثير (1). ولعل قطعه لقمة لقمة بالسكين وأكله على هذا الهيأة ~~ليكون شبيها بأكله مع الإدام ونازلا منزلته يفيد لذة ما موهومة مرغبة للنفس ~~ومسكنة لها، بل محركة لها إلى أكله والالتذاذ به، فيكون الغرض منه مجرد ~~إبداء حيلة تتخدع بها النفس فتصير بذلك قانعة لما فيه من التشبه بأكله مع ~~الإدام. # ويحتمل أن يكون ذلك يفيده في الواقع صلاحا، ويجعله مناسبا وموافقا للمزاج ~~الانساني ما لا يفيده ولا يصلحه الكسر باليد، وذلك لما في مزاج السكين من ~~نوع ملائمة ومناسبة مع مزاج الخبز غير معلوم لنا إلا بالوجه، ونظيره في ~~سائر اختلاطات الأدم وغيره بعضها مع بعض كثير، كما قيل: " الجوز داء، ~~والجبن داء، فإذا اجتمعا صارا دواء " فيحتمل أن يكون نفوذ السكين فيه وقطعه ~~له من هذا القبيل، فيصير بذلك شبيها بالخبز المأدوم في كونه صالحا بالإدام ~~غير مضر لبدن الأنام لا في كونه لذيذا مرغوبا للطبع لينكر بعدم مطابقته ~~الواقع، فإن لآلات القطع والأواني دخلا عظيما في تغيير أمزجة المأكول ~~والمشروب وعدمه كما جربه أهل الطب من الحكماء، فلعل مجرد إمرار السكين في ~~حال القطع على أية قطعة منه وقطعها به يفيدها من الصلاح كالإدام ما لا ~~يفيدها الكسر باليد، ms076 فلعلهم لذلك كانوا يقطعونه حال الضرورة وفقدان الأدم، ~~هذا. # وأما حديث النهي عن قطعه بالسكين كما رواه في الكافي عن أبي عبد الله ~~الصادق (عليه السلام) أنه قال: " قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لا ~~تقطعوا الخبز بالسكين ولكن اكسروه باليد وليكسر لكم، خالفوا العجم " (2) ~~فإما محمول على حال غير الأكل كما إذا احتيج إلى كسره باليد ليباع أو يوهب ~~مثلا فيعدل عنه إلى القطع، أو على كراهته في حال غير الضرورة كما إذا كان ~~هناك إدام يصلحه فإن قطعه حينئذ مكروه للغناء عنه بالكسر، والإدام مع ما ~~فيه من نوع إهانة وترك الإكرام، وقد ورد: " أكرموا # PageV00P090 # الخبز فإن الله أنزله من بركات السماء " (1). # والظاهر أن قطعه بما يشبه السكين كالخشب المنحوت المشكل بشكل السكين ~~ونحوه كما هو المتعارف بين أكثر الناس حكمه حكمه، فتركه من غير ضرورة أولى ~~وأحوط. # ثم إني بعد ما فرغت من تقريري هذا عثرت على كلام لصاحب الوافي أورده فيه ~~في باب فضل الخبز في مقام بيان هذا الخبر هكذا: كأنهم كانوا يلينون الخبز ~~اليابس بالأدم كالزيت واللبن ونحوهما، فإذا لم يجدوا إداما قطعوه بالسكين ~~إلى حد لم يمكن كسره باليد إلى ذلك الحد ليسهل تناوله، فيفعل فعل الإدام، ~~ولعلهم كانوا يجدون في المقطوع لذة ولا يجدونها في المكسور، وهذا رخصة خصت ~~بحال الضرورة وفقدان الإدام (2)، انتهى. # وفيه بعد، أما أولا: فلأن تخصيصه باليابس مع عمومه خلاف الظاهر، بل ~~الظاهر من قوله: " كان يقطع " أنه كان جديدا لينا لا يحتاج إلى التليين ~~الذي يحتاج إليه اليابس، فينبغي توجيهه على وجه يطابق عمومه. # وأما ثانيا: فلأن المتعارف بين الناس في الخبز اليابس أنهم يكسرونه ~~باليد، وإذا أرادوا سهولة تناوله أو المبالغة في تكسيره وتفتيته إلى حد لا ~~يمكن كسره إليه باليد: إما لصلابته أو لانتهاء أجزائه في مراتب التكسير إلى ~~غاية لم يمكن كسره باليد يلينونه بالماء أو يرضونه ويدققونه حتى كأنه ~~السويق، فيفيد بذلك أدنى فائدة الإدام في سهولة التناول، لا أنهم يقطعونه ~~بالسكين ms077 إلى ذلك الحد الغير الممكن كسره إليه باليد، فإن ذلك مع كونه خلاف ~~المعهود منهم خلاف طور العقل. # وأما ثالثا: فلأن تخصيص وجدان اللذة في المقطوع بهؤلاء السلف ونسبته ~~إليهم مما لا وجه له، بل الظاهر من خبر السياري أن قطع الخبز بالسكين يفيد ~~أدنى فائدة الإدام مطلقا في أي مكان أو زمان كان، وبالنسبة إلى أي شخص أو ~~مزاج كان، مع أنه لم يظهر مما أفاده لم لذتهم بالمقطوع دون المكسور. # PageV00P091 # ثم من الظاهر ذكر كلمة " أو " في قوله: " ولعلهم " بدل الواو ليكون ما ~~ذكره وجهين لقطعهم الخبز بالسكين كما هو الظاهر، ولكن الموجود في نسخة ~~مقروة عليه (قدس سره) وعليها خطه وبيان أن القاري سمعه منه سماع تثبت وتفهم ~~وتحقيق وتدقيق واستبصار هو الواو. ويمكن توجيهه بأن المراد بالواو الجامعة ~~أو القاسمة، وهذا وإن كان بعيدا في أمثال هذه المقامات إلا أنه توجيه يرفع ~~الغبار عن كلمات نشأت من أولي الأبصار. # [تفسير آية * (إنما المشركون نجس) * وتحقيق حول تكليف الكفار بالفروع ~~وعدمه] قال الفاضل الأردبيلي بعد تفسير كريمة * (إنما المشركون نجس فلا ~~يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا) * (1): ويستفاد من الآية أحكام، منها: ~~كون الكفار مكلفين بالفروع، ومنها: عدم تمكين المسلمين لهم. بمعنى منعهم عن ~~دخوله، بل قيل: هو المراد من النهي... إلى آخر ما أفاده هناك (2). # أقول: إنهم اختلفوا في أن الكفار هل هم مكلفون بالفروع مع انتفاء شرطها ~~وهو الإيمان حتى يعذبوا بها كما يعذبون بالإيمان أم لا؟ فالأكثر على الأول، ~~قالوا: لا شرط في التكليف بفعل حصول شرطه الشرعي، بل يجوز التكليف به وإن ~~لم يحصل شرطه شرعا، خلافا لجمهور الحنفية وأبي حامد الإسفرائني من فقهاء ~~الشافعية، وتبعهم على ذلك بعض متأخرينا كالقاساني في تفسيره الصافي (3)، ~~قالوا: لو كلف الكافر بها لصحت منه، إذ الصحة موافقة الأمر، واللازم منتف. # وأجيب: بأنه غير محل النزاع، إذ لا نريد أنه مأمور بفعلها حالة كفره، نعم ~~يصح منه بأن يؤمن ويفعل كالجنب والمحدث حالة الجنابة. والحدث أمرا به ms078 بعد ~~التطهير. # قالوا: لو وقع التكليف بالفروع لوجب القضاء ولا يجب. وأجيب: بمنع # PageV00P092 # الملازمة، إذ القضاء إنما يجب بأمر جديد، وليس بينه وبين وقوع التكليف ~~ولا صحته ربط عقلي، فلا يستلزمه أحدهما. # ثم من الدليل على أنهم مكلفون بالفروع: قوله سبحانه: * (ما سلككم في سقر ~~قالوا لم نك من المصلين) * صرح بتعذيبهم بتركهم الصلاة، ولا يحمل على ~~المسلمين، إذ * (ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم ~~الدين) * (1) ينفيه. # وقوله: * (فلا صدق ولا صلى ولكن كذب وتولى) * (2) ذمه على ترك الجميع ~~ومنه الصلاة، فيكون مذموما بتركها. # وقوله: * (لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا ~~بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما يضاعف له العذاب يوم القيامة) * ~~(3) حيث جعل العذاب المضاعف جزاء لهم على الأفعال المذكورة ومنها قتل النفس ~~والزنا. # وقوله: * (يا أيها الناس اعبدوا ربكم) * (4) * (وأن اعبدوني هذا صراط ~~مستقيم) * (5) ونحوهما من الأوامر العامة بالعبادات، فإن الكفار مندرجون ~~تحتها، فوجب عليهم هذه العبادات وجوبها على غيرهم، وتخصيص العبادة المأمور ~~بها فيهما بالإيمان لصدقها عليه مع أنه خلاف الأصل، والظاهر مما لا مخصص له ~~سوى الاحتمال وهو لا يصلح للتخصيص. # وإذ قد تقرر هذا، فنقول: يمكن استفادة الحكم الأول وهو كون الكفار مكلفين ~~بالفروع من توجه صريح النهي في * (لا يقربوا) * إليهم، فنهوا أن يقربوه، ~~وهو تكليف لهم، إلا أنهم لما لم يكونوا قابلين للخطاب لبعدهم عن ساحة عز ~~الحضور خص المؤمنين به تنبيها على ذلك. # فالمؤمنون يبلغون ذلك النهي إليهم، ويقولون: أنتم أنجاس، والأنجاس # PageV00P093 # لا يجوز دخولهم المسجد، والتكليف لا يستلزم كون المكلف مخاطبا به خطاب ~~مشافهة، بل يجوز أن يخاطب آخر بتبليغه إلى المكلف كما في كثير من التكاليف ~~الشرعية، ويدل عليه قول علي (عليه السلام) حين نادى ببراءة: " ألا لا يحج ~~بعد عامنا هذا مشرك " (1). # وأما استفادة الحكم الثاني وهو عدم تمكين المؤمنين لهم من النهي فمبني ~~على جعله من باب الكناية، كما في * (يا بني آدم لا ms079 يفتننكم الشيطان) * (2) ~~نهاه عنه، والمراد نهيهم عن اتباعه والافتتان به لأنهم لو اتبعوه لامتحنهم، ~~والكناية لا تنافي الحقيقة، فيجوز إرادة المعنى وهو نهي المشركين أن يقربوه ~~مع إرادة لازمه وهو نهي المسلمين عن تمكينهم منه، لأنهم لو مكنوهم لدخلوه ~~كما كانوا يدخلونه. # والفرق أن إرادة اللازم أصل، وإرادة المعنى تبع كما أومأنا إليه، وذلك ~~غير إرادة مجموع المعنيين، بل إرادة كل واحد منهما معا كما بين في الأصول. # لا يقال: إن اللفظ إذا دل بأقوى الدلالتين لا يدل بأضعفهما، لأن القوة ~~والضعف يتنافيان. # لأنا نقول: لا نسلم ذلك، وإنما يكون كذلك لو كانت الدلالة الضعيفة ~~والقوية من جهة واحدة، وهما فيما نحن فيه ممنوع، ضرورة أنهما من جهتين ~~مختلفتين إحداهما بالمطابقة والأخرى بالالتزام. # فظهرت ثمرة الخطاب وفائدته من غير أن يكون فيه تعسف، ولا جمع بين الحقيقة ~~والمجاز، وكذلك ليس فيه ما يجري مجرى التكليف بالمحال، لأنهم يتمكنون من ~~امتثاله حال الكفر لتحقق شرط الامتثال وهو فهم المكلف التكليف، وهو الذي ~~جعلوه شرطا لصحته كما فصلناه في بعض رسائلنا وليس بشرط في التكليف بفعل ~~حصول شرطه الشرعي وهو هنا الإيمان، بل يجوز التكليف به وإن لم يحصل شرطه. # PageV00P094 # وبما قررناه لا يتوجه إليه ما أورده عليه محمد بن عبد الفتاح التنكابني ~~المشهور بالسراب بقوله: النهي في * (لا يقربوا) * إما متعلق بالمسلمين ~~بمعنى منع المسلمين المشركين عن الدخول، وإما متعلق بالمشركين، فعلى الأول ~~كون الكفار مكلفين بالفروع ليس من أحكام الآية، وعلى الثاني ليس عدم تمكين ~~المسلمين لهم من أحكامها فعدهما من الأحكام لا وجه له. ثم قال: فإن قيل: ~~منع المسلمين إياهم عن الدخول إنما هو بمقتضى النهي عن المنكر، فليس عدم ~~التمكين حينئذ من الأحكام المستفادة من الآية، والقول بأن مراده من جعل كل ~~واحد من الأمرين من أحكام الآية إنما هو على تقدير خارج عن أسلوب الكلام ~~(1)، انتهى. # وذلك لأنا نختار أن النهي متعلق بهما معا، ولكن تعلقه بالمؤمنين أصالة ~~وبالذات، وبالمشركين تبعا وبالعرض، نظيره ما قالوه في ms080 طويل النجاد: إنه ~~يجوز إرادة طول النجاد مع إرادة طول القامة. # وفي كلام صاحب المفتاح ما يدل على أن اللفظ المستعمل في الحقيقة والمجاز ~~حقيقة باعتبار معناه الحقيقي، فإن الحقيقة قسمان: قسم يراد به معناه ~~الحقيقي، ولازمه وهو الكناية، وذهب الحاجبي إلى أنه مجاز، لأن المعنى ~~الحقيقي هو المفهوم بقيد الانفراد، فإذا استعمل اللفظ في المجموع يبطل ~~معناه الحقيقي، فيكون اللفظ مستعملا في المجموع بوضع ثان كما في عموم ~~المجاز. # والحق أن اللفظ موضوع لمفهوم الحقيقة مطلقا، مع قطع النظر عن الانفراد ~~والاجتماع، فإذا استعمل في معناه الحقيقي والمجازي لم يبطل معناه الحقيقي، ~~لكن يكون مجازا في إرادة كل منهما لتجاوزه عن معناه الحقيقي، وقد بين ذلك ~~في الأصول. # وكذلك لا يرد على البيضاوي ما أورده عليه ملا ميرزا محمد بن الحسن ~~الشيرواني بقوله: من الأوهام الفاضحة والأغلاط الواضحة ما ذكره في تفسير ~~هذه # PageV00P095 # الآية، حيث قال: وفيه دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع (1)، ولا يخفى ~~أن سياقها ظاهر في أنها تكليف للمؤمنين بمنعهم من المسجد وما بعدها وهو * ~~(وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله) * (2) أيضا دليل عليه. ثم قال: ~~وأنت خبير بأنه لو كان المراد نهي الكفار وخطابهم وتكليفهم مع قطع النظر عن ~~المؤمنين ولم يكن له تعلق بالمؤمنين ولم يكن للخطاب بالمؤمنين حاصل وثمرة، ~~إلا أن يكون المراد خطابهم إياهم وتبليغهم لهم، وفيه تعسف وحمل الآية على ~~تكليف المؤمنين بالمنع وعلى تكليف المشركين بعدم القرب معا، قريب من الجمع ~~بين الحقيقة والمجاز. على أن تكليف الكفار بما يشترط فيه الكفر (3) ويتوقف ~~عليه يجري مجرى تكليف المحال، لأنهم لا يتمكنون من امتثاله حالة الكفر ولا ~~حالة الإيمان لو وقع بدل الكفر، بخلاف سائر الفروع، فإن الكافر لو بدل ~~الكفر بالإيمان وقت الزوال لتمكن من إيقاع الصلاة الصحيحة الشرعية (4)، إلى ~~هنا كلامه طاب منامه. # وأنت خبير بأن علاوته هذه - مع أنها واهية في نفسها لما عرفته - منقوضة ~~بكون الجنب مثلا منهيا عن دخوله المسجد، لأنا نقول: تكليفه بما ms081 يشترط فيه ~~الجنابة ويتوقف عليها يجري مجرى تكليف المحال، لأنه لا يتمكن من امتثاله ~~حالة الجنابة ولا حالة الطهارة لو وقعت بدل الجنابة. فما هو جوابه عن هذا؟ ~~فهو جوابنا عن ذلك. # وحله كما سبق: أن الامتثال لا يتوقف على الإيمان، ولا يمنعه الكفر، وإلا ~~يلزم منه الدور فيما إذا كان المأمور به هو الإيمان، وإنما هو موقوف على ~~قدرة المكلف وتمكنه وفهمه التكليف، ولا شك أن الكافر حالة كفره متمكن من ~~الامتثال بهذا المعنى، إذ هو قادر عليه فيصح منه كف النفس عن الدخول، فيكون ~~ممتثلا وعاملا بمقتضى النهي وعدمه، فيكون عاصيا وتاركا لمقتضاه. # نعم لا يترتب عليه أثر الصحة بمجرد موافقة الأمر، بل لا بد وأن يكون ~~مسبوقا # PageV00P096 # بالإيمان، وهو أمر آخر لا ينفعه (رحمه الله). # نعم يرد على البيضاوي أن الآية ليست دليلا على كونهم مخاطبين بالفروع، بل ~~غاية الأمر استفادته منها كما أومأ إليه الفاضل الأردبيلي (1) وذلك لأنهم ~~إنما يطلقون الدليل على ما هو نص أو ظاهر، لا على ما هو متساوي الاحتمالين ~~أو خلاف الظاهر، ولعله أراد بالدليل هنا غير ما يفهم من هذا اللفظ بحسب ~~العرف، بل ما يندرج فيه الاحتمال وإن لم يكن معروفا فيهم، لأنه يبعد عن ~~مثله الغفلة عن عدم كونها دليلا عليه بالمعنى المتعارف، كيف لا وهو قد رأى ~~أن صاحب الكشاف نقل عن عطاء أنه قال: نهى المشركين أن يقربوه، راجع إلى نهي ~~المسلمين عن تمكينهم منه (2)، واقتصر عليه ولم يذكر احتمالا آخر، كما أومأ ~~إليه الأردبيلي بقوله: بل قيل هو المراد من النهي. # ثم الظاهر أن صاحب الكشاف إنما اقتصر على مجرد نقل قول عطاء، ولم يحتمل ~~في الآية ما احتمله البيضاوي وغيره، لأنه حنفي الفروع، وأبو حنيفة زعم أن ~~الكفار غير مكلفين بالفروع كما سبق في أول المسألة، وقد نقله عنه أيضا ~~شيخنا الشهيد الثاني في شرحه على اللمعة (3). # وأما البيضاوي فلما كان شافعي الفروع، والشافعي يقول بكونهم مكلفين بها ~~كما هو مذهب الأكثر، حمل الآية عليه ms082 ردا على الكشاف، وزعما منه أنه الظاهر ~~منها، حتى أنه جعلها دليلا عليه. # والظاهر أن ذلك إنما صدر منه لحرصه على المذهب وتعصبه على تصحيحه كما هو ~~دأبهم، وقد قيل: إن حبك الشئ يعمي ويصم، وبالجملة: هما على طرفي الإفراط ~~والتفريط. # وأما الفاضل الأردبيلي (رحمه الله) فلما أمعن النظر في الآية ورأى أنها ~~تحتملهما معا، لانتفاء منع الجمع، حملهما عليه ردا عليهما، وهو الحق، كذلك ~~يفعل # PageV00P097 # الرجل البصير. # واعلم أنه - طاب ثراه - بعد نقله كريمة * (وويل للمشركين الذين لا يؤتون ~~الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون) * (1) قال: فيها دلالة على وجوب الزكاة على ~~الكفار، لأنه يفهم منها أن للوصف بعدم إيتاء الزكاة دخلا في ثبوت الويل ~~لهم، ولكن علم من الإجماع وغيره عدم الصحة منهم إلا بعد الإسلام (2). إلى ~~هنا كلامه طاب منامه. # فإن قلت: * (الذين لا يؤتون الزكاة) * صفة كاشفة على طريقة الألمعي الذي ~~يظن بك الظن، فيدل على أن المراد بالمشركين من لا يؤتي الزكاة، وإطلاقه ~~عليه من باب المبالغة كإطلاق الكافر على تارك الحج في قوله: * (ومن كفر) * ~~وكذلك حصر الكافرين بالآخرة فيهم للمبالغة والإشارة إلى غاية اهتمامه تعالى ~~بشأن الزكاة ووجوب إخراجها، ويدل عليه أيضا بعض الروايات كرواية أبي بصير ~~عن أبي عبد الله (عليه السلام): " من منع قيراطا من الزكاة فليس بمؤمن ولا ~~مسلم " (3). وقوله * (وهم بالآخرة هم كافرون) * جملة حالية تعليلية، أي: ~~عدم إتيانهم الزكاة لأنهم غير مؤمنين بالآخرة، إذ الإيمان بها يقتضي ~~إيتاؤها، فعدمه دليل على عدمه، فدلت الآية على شرك الموصوفين بعدم الإيتاء ~~المعلل بعدم الإيمان بالآخرة، ولا دلالة فيها على وجوب الزكاة على الكفار ~~ليثبت به تكليفهم بالفروع. # قلت: فيها دلالة على أن ترك الزكاة من صفات الكفار، وفي تعليق الويل على ~~الوصف بعدم الإيتاء إشعار بعليته لثبوتها لهم، فتدل على وجوبها عليهم، ~~ويلزم منه كونهم مكلفين بها. # قال القاساني في الصافي بعد نقله ما رواه القمي عن أبان بن تغلب " قال: # قال لي أبو عبد الله (عليه السلام): يا أبان أترى ms083 أن الله طلب من ~~المشركين زكاة أموالهم وهم يشركون به، حيث يقول * (وويل للمشركين) * الآية؟ ~~قلت له: جعلت فداك فسره # PageV00P098 # لي، فقال: ويل للمشركين الذين أشركوا بالإمام الأول وهم بالأئمة الآخرين ~~كافرون، يا أبان إنما دعا الله العباد إلى الإيمان به فإذا آمنوا بالله ~~وبرسوله افترض عليهم الفرائض ": هذا الحديث يدل على ما هو التحقيق عندي من ~~أن الكفار غير مكلفين بالأحكام الشرعية ما داموا على الكفر (1). # وفيه: أن هذا الحديث بظاهره لما كان مخالفا للمذهب المشهور المنصور، ~~ولظاهر هذه الآية وظواهر كثير من الآيات، وجب تأويله على تقدير إمكانه أو ~~رده على تقدير عدمه، لما ورد عن الصادقين (عليهم السلام) في كثير من ~~الأخبار: " إذا جاءكم عنا حديث فاعرضوه على كتاب الله، فإذا وافقه فخذوه، ~~وإن خالفه فردوه واضربوا به عرض الحائط " (2). # وفي الكافي بسند صحيح عن الصادق (عليه السلام): " إن الحديث الذي لا ~~يوافق القرآن فهو زخرف " (3). # وعنه (صلى الله عليه وآله): " ستكثر من بعدي الأحاديث، فما وافق كتاب ~~الله فخذوه، وما خالفه فانبذوه " (4) إلى غير ذلك من الأخبار. # وبالجملة: مدار الاستدلال بالآيات والروايات على الأحكام الشرعية من ~~السلف إلى الخلف على الظاهر المتبادر المنساق إلى الذهن لما تقرر في الأصول ~~من امتناع أن يخاطب الله بشئ يريد خلاف ظاهره (5) من دون البيان، وإلا لزم ~~الإغراء بالجهل، لأن إطلاق اللفظ الظاهر الدلالة على معنى يوجب اعتقاد ~~سامعه العالم بوصفه إرادة لافظه منه ذلك المعنى، فإذا لم يكن ذلك المعنى ~~مرادا للافظ كان اعتقاد السامع إرادته له جهلا، فإطلاقه مع عدم إرادته ~~معناه الظاهر إغراء # PageV00P099 # للسامع بذلك الاعتقاد الجهل، ولأنه بالنسبة إلى غير ظاهره مهمل، فتأمل. # [تحقيق حول النبوي: الطلاق بيد من أخذ بالساق] قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): " الطلاق بيد من أخذ بالساق " (1). # أقول: الطلاق مشتق من الإطلاق، يقال: أطلق قيده إذا أحله، ثم نقل إلى ~~إزالة قيد النكاح من غير عوض بصيغة طالق، والمراد به فيما ورد في الطلاق من ~~الآيات والروايات، مثل * (إذا طلقتم ms084 النساء فطلقوهن لعدتهن) * (2) * ~~(الطلاق مرتان) * (3) " المتعة تبين بغير طلاق " (4) وأمثال ذلك هو هذا ~~المعنى، لأنه المتبادر من إطلاق الطلاق في عرف الشرع. # وقد تقرر في الأصول أنه إذا صدر من الشارع ما له محمل لغوي ومحمل شرعي، ~~كالطواف بالبيت صلاة، فمثل هذا لا يكون مجملا بل يحمل على المحمل الشرعي، ~~لأن عرف الشارع أن يعرف الأحكام الشرعية ولذلك بعث، ولم يبعث لتعريف ~~الموضوعات اللغوية، فكانت ذلك قرينة موضحة للدلالة فلا إجمال. # ثم لما كان المبتدأ معرفا بلام الجنس كان مفيدا للحصر، فالمستفاد من ~~الخبر حصر المبتدأ في خبره، وهو يقتضي انحصار وقوع الطلاق المعتبر في الزوج ~~المستحق للوصف. هذا غاية ما يمكن أن يستفاد من هذا الخبر. # وفيه: أن دلالته على الحصر ضعيفة لعدم إرادته، على أن المراد باليد هاهنا ~~القدرة كما صرح به في التنقيح (5) وإلا لم يجز طلاق الوكيل مع أنه جائز، ~~لأن يده مستفادة من يده، فليجز من الولي أيضا لأن الشارع نصبه ليقوم بمصالح ~~المولى عليه. # واليد بالمعنى المذكور كما تشمل الوكالة فكذلك تشمل الولاية، فقول بعض ~~الأصحاب بعدم جواز طلاق الولي عن المجنون مستدلا بهذا الخبر محل نظر. # PageV00P100 # نعم يمكن القول بعدم وقوع طلاق الولي عن الصبي، لأن له أمدا يترقب ويزول ~~نقصه فيه، فيمكن أن يقع الطلاق بيده بلا واسطة إن أراد ذلك، بخلاف المجنون ~~المطبق، هذا. # وإذ قد تقرر أن المراد بالطلاق المذكور في الخبر هو المعنى الشرعي فظاهر ~~أنه لا يشمل نكاح المتعة، إذ لا تقع بها طلاق بل تبين (1) بانقضاء المدة أو ~~بهبته إياها كما هو مذهب أصحابنا القائلين بالمتعة، ولذلك اعتبروا في عقد ~~المطلقة الدوام، وفرعوا عليه عدم وقوع الطلاق بالمتمتع بها. # وفي رواية محمد بن إسماعيل عن الرضا (عليه السلام) " قلت: وتبين بغير ~~طلاق، يعني المتعة؟ قال: نعم " كذا في التهذيب والاستبصار (2). # وفيه عن محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) في المتعة " قال: ليست من ~~الأربع، لأنها لا تطلق ولا ترث ولا تورث، وإنما هي مستأجرة " (3). # وفي الفقيه ms085 عن موسى بن بكر عن زرارة " قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ~~يقول: # عدة المتعة خمسة وأربعون يوما، فإذا جاء الأجل كانت فرقة بغير طلاق " ~~(4). # وقد نفى كثير من الأصحاب إيلاء المتعة بقولهم: " ولا يقع بها إيلاء " ~~لقوله تعالى في قصة الايلاء: * (وإن عزموا الطلاق) * (5) وليس في المتعة ~~طلاق، وقال في المسالك: إقامة الهبة مقام الطلاق قياس (6) وقال المحقق ~~الثاني الشيخ علي (رحمه الله) في حواشيه: جعل الهبة عوض الطلاق إدخال لها ~~في باب القياس (7). وأيضا فإن # PageV00P101 # الأصحاب لم يعدوا الهبة من أقسام الطلاق. # وبما قررنا ظهر فساد ما توهمه بعض (1) معاصرينا - ممن ألقى بيده إلى ~~مهلكة الافتاء من حيث لا يشعر - من عدم جواز هبة الأب المدة المضروبة في ~~نكاح متعة ولده الصغير، مستدلا بأنها طلاق، والخبر المذكور يدل على عدم ~~جواز طلاقه عنه، وذلك لأنه إن أراد أن الهبة المذكورة طلاق شرعي ففيه ما ~~عرفته، وإن أراد أنها طلاق لغوي ففيه أيضا ما عرفته من أن المراد بالطلاق ~~المذكور في الخبر هو الطلاق الشرعي. # وبالجملة: دلالة الخبر على عدم جواز هبة الولي المدة إنما تثبت أن لو كان ~~المراد بالطلاق المذكور فيه هو الطلاق بالمعنى اللغوي، ودون ثبوته خرط ~~القتاد، وكيف لا والأصحاب مصرحون بأن المتعة لا يقع بها طلاق كما مر؟ وهذا ~~منهم صريح في أنهم حملوا الطلاق المذكور فيه على معناه الشرعي، وإلا فلا ~~وجه لتخصيصهم الطلاق بغير المتعة، واعتبارهم في المطلقة الدوام. # على أن قول الرضا والباقر (عليهما السلام): " المتعة تبين بغير طلاق " ~~صريحان في أن هبة المدة لا تسمى طلاقا شرعيا، وإلا لكانت بينونتها في صورة ~~الهبة بالطلاق لا بغيره. # فالصواب صحة هبة الولي، لثبوت ولايته المجوزة للتصرف في أمور المولى عليه ~~مع رعاية الغبطة والمصلحة، وتخلفه في صورة الطلاق لدليل خارج لا يوجب ~~إلحاقها به، لأنه قياس لا نقول به. وأيضا فإن " كل شئ مطلق حتى يرد فيه نهي ~~" كما قال الصادق (عليه السلام)، وقد رواه الصدوق (رحمه الله) في الفقيه ~~(2). وهبة الولي ms086 المدة مما لم يرد فيه نهي وخصوصا إذا كانت المدة قليلة غير ~~واصلة إلى زمان بلوغ الصبي، فإن في هذه الصورة لا يتصور له أمد يترقب ويزول ~~فيه نقصه ليقع الطلاق بيده على تقدير كون الهبة طلاقا شرعيا. # PageV00P102 # والحاصل: أن كون الولي ممنوعا من الهبة المذكورة غير منصوص ولا مفهوم من ~~الخبر، ومساواتها للطلاق المنصوص في المعنى المقتضي للمنع مع أنه قياس ~~ومخالف للأصل ممنوعة، لأن لكل منهما حدودا ولوازم مختلفة، واختلاف اللوازم ~~يدل على اختلاف الملزوم. # فلعل غرض الشارع من نهي الولي عن الطلاق دون الهبة تعلق بما هو معتبر في ~~أحدهما دون الآخر، فهذا القياس على القول به باطل لانتفاء الجهة الجامعة، ~~فنقول: كما جاز للولي العقد أو البناء على أصالة الجواز وثبوت ولايته ~~الشرعية فليجز له الهبة آخرا بناء على ذلك الأصل السالم عن المعارض، وإنما ~~خرج عنه الطلاق عن العقد الدائم للدليل من الخارج، وهو على تقدير تسليمه ~~إنما دل على كونه ممنوعا من الطلاق ولم يدل على كونه ممنوعا من غيره، ~~فليقتصر عليه فيما خالف الأصل، وبالله التوفيق. # [مسألة في حرمة النظر إلى أخت الموطوء] من أوقب غلاما أو رجلا بأن أدخل ~~به بعض الحشفة حرمت عليه أم الموطوء وأخته وبنته مؤبدا. وهل يجوز للموقب أن ~~ينظر إليهن كما يجوز له النظر إلى سائر محارمه وبالعكس؟ الظاهر العدم، فإن ~~كلا منهما بالقياس إلى الآخر أجنبي، وحرمة النكاح مطلقا لا تعطي جواز النظر ~~مطلقا، بل المحرم الذي يجوز النظر إليه هو من حرم نكاحه مؤبدا بنسب أو رضاع ~~أو مصاهرة مع حل السبب كما صرح به الأصحاب وبيناه في بعض رسائلنا (1) وهنا ~~ليس كذلك، إذ لا نسب بينهما ولا رضاع ولا مصاهرة. # وأسباب جواز النظر إلى الحرة المسلمة البالغة العاقلة وبالعكس منحصرة ~~فيها، فمن زنى بذات بعل أو بذات عدة رجعية أو عقد عليهما مع العلم بأنهما ~~كذلك أو عقد على امرأة وهو محرم عالما بالتحريم حرمن عليه مؤبدا، ولكن # PageV00P103 # لا يجوز أن ينظر أحدهما إلى ms087 الآخر إلا مرة من غير قصد ولا معاودة كما في ~~سائر الأجنبيات، للأمر بغض البصر وحفظ الفروج، والمفهوم منه تحريم النظر ~~وعدم حفظ الفروج مطلقا، وقد علم الجواز في المحارم والحلائل بالآية ~~والرواية والإجماع وبقي الباقي في تحته. نعم جوزوا النظر إلى وجه امرأة ~~يريد نكاحها، أو أمة يريد شراءها بشرائط مذكورة في محالها. # فما أفتى به المعاصر المذكور من جواز نظر الموقب إلى أخت الموطوء بعد أن ~~سئل عنه بخصوصه، مردود لما عرفت. # [تحقيق حول الحديث النبوي: " الناس معادن... الخ "] قال سيد البشر على ما ~~ورد عنه في الخبر: " الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الجاهلية ~~خيارهم في الإسلام " (1) (2). # أقول: المعدن كالمجلس: منبت الجوهر من ذهب ونحوه، وهو مأخوذ من عدن ~~بالبلد إذا أقام فيه، سمي بذلك لإقامة أهله فيه، أو لإثبات الله إياه فيه. # والخيار خلاف الأشرار، ومنه قول البغدادي في جواب المصري: حسناء خير من ~~خياركم. # يعني: كما أن معادن الذهب - مثلا - مختلفة في الجيادة والرداءة، فبعضها ~~جيد لا يحتاج إلى عمل ومعالجة لحصوله وظهور جوهره وبعضها ردي وبعضها فوق ~~بعض فيهما إلى غير ذلك من الاختلافات بالعرض، كذلك أفراد الناس مختلفة في ~~الصفات والمهلكات، فمنهم أخيار ومنهم أشرار، ومنهم من له فطانة لا يحتاج ~~إلى معلم بشري يتصرف فيه ليخرجه من القوة إلى الفعل، ومنهم من له غباوة لا ~~تعود عليه الفكرة بل يثبت جميع أفكاره عن مطالبه ولا يفيده المعلم، ومنهم ~~من له فطانة إلى حد ما ويستمتع بالفكر وله إصابة في المعقولات ويفيده ~~المعلم، وتلك # PageV00P104 # الاختلافات ثابتة فيهم دائما، فمن كان منهم في الجاهلية خيرا جوادا فطنا ~~حليما عليما إلى غير ذلك من الصفات والمهلكات النفسانية كان في الإسلام ~~كذلك، ومن كان فيها متصفا بأضدادها ومقابلاتها كان فيه كذلك، إذ الإسلام لا ~~يجعل الفطن مثلا غبيا وبالعكس. # والغرض هو الإشارة إلى اختلاف مراتب الناس في معرفة طريق الحق والتوفيق ~~للإيمان، فإن القلب المستعد لقبول الحق يكفيه أدنى تنبيه، والقلب المطبوع ~~على الباطل لا ms088 تنجع فيه دعوة داع، بل يضره وتصير سببا لمزيد رسوخه فيما هو ~~فيه * (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين ~~آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) * (1). # فقوله: " الناس معادن " تشبيه بليغ حذف فيه الأداة، وقوله: " كمعادن ~~الذهب " إما خبر محذوف أو استئناف، وإضافتها إليه لامية، وكذا إلى الفضة، ~~وهي عطف على الذهب ومشبه به كهو، فكما أن الاختلاف بين معادن كل من الذهب ~~والفضة اختلافات صنفي أو شخصي كذلك الاختلاف بين الناس، ففيه دلالة على كون ~~النفوس البشرية متحدة بالنوع ومختلفة بالشخص، لا على كونها متحدة بالجنس ~~ومختلفة بالنوع كما فهمه منه القوشجي في الشرح الجديد على التجريد تبعا ~~للآخرين. ولعلهم اعتبروا أولا عطف الفضة على الذهب، ثم جعلوا مجموعهما ~~مدخول حرف التشبيه ومشبها به، كما في قوله: # وما الناس إلا كالديار وأهلها * بها يوم حلوها وغدوا بلاقع فكما أن معادن ~~الذهب والفضة مختلفة بالمهية والنوع فكذلك الناس معادن يختلف كل منها ~~بالمهية والنوع. # وفيه نظر، لأن ذلك إنما يعتبر فيما إذا لم يكن التشبيه تماما بدون اعتبار # PageV00P105 # المجموع، وهنا يتحقق التشبيه بدونه، فاعتبار المجموع وجعله مشبها به ~~يحتاج إلى علة ونكتة، وخاصة في مقام الاستدلال وجعله حجة على ذلك المطلب، ~~وإنما أورد مثالين زيادة في التوضيح، وله نظائر كثيرة الأفراد * (ضرب الله ~~مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط) * الآية (1) * (وضرب الله مثلا ~~للذين آمنوا امرأة فرعون) * إلى قوله * (ومريم ابنة عمران) * (2). وبالجملة ~~لا دلالة فيه، بل ولا تأييد على ما راموه، فليتأمل. # [تحقيق حول الحديث الوارد في لعن النامصة والمنتمصة وغيرهما] قال الصدوق ~~في معاني الأخبار بعد أن روى حديثا عن سيد الأبرار بهذه العبارة: " لعن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) النامصة والمنتمصة، والواشرة والمستوشرة، ~~والواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة ": قال علي بن غراب: النامصة ~~التي تنتف الشعر من الوجه، والمنتمصة التي يفعل بها ذلك، والواشرة التي ~~تنشر أسنان المرأة وتفلجها ms089 وتحددها، والمستوشرة التي يفعل بها ذلك، ~~والواصلة التي تصل شعر المرأة بشعر امرأة غيرها، والمستوصلة التي يفعل بها ~~ذلك، والواشمة التي تشم وشما في يد المرأة أو في شئ من بدنها وهو أن تغرز ~~يدها أو ظهر كفها أو شيئا من بدنها بأبرة حتى تؤثر فيه ثم تحشوه بالكحل أو ~~بالنورة فيخضر والمستوشمة التي يفعل ذلك بها (3). # أقول: تميم بن بهلول من رجاله، وهو غير مذكور في الرجال، والمذكور فيها ~~الذي يروي عنه الصدوق هو تميم بن عبد الله بن تميم القرشي وهو ضعيف. # وبكر بن عبد الله بن حبيب المزني ساكن الري من رجاله، يعرف تارة وينكر ~~أخرى، فضعفه ظاهر وجهالته معلومة. # وعلى تقدير قوته وصحته، فحمل ما فيه من النمص وغيره على الكراهة دون ~~الحرمة لأصالة الجواز والإباحة غير بعيد، وذكر اللعن المحمول على المبالغة ~~كما # PageV00P106 # في النائم وحده والآكل وحده غير مانع عنه. # وكذا حمل النهي عن وصل الشعر بالشعر في غير هذا الخبر، مثل ما في التهذيب ~~(1) في حديث الماشطة في الروايتين " ولكن لا تصل الشعر بالشعر " على ~~الكراهة، كالنهي المذكور فيه عن غسل وجهها بالخرقة معللا بأنه يذهب بماء ~~الوجه، غير بعيد أيضا. # لما في رواية سعد الإسكاف " قال: سئل أبو جعفر (عليه السلام) عن القرامل ~~التي تصنعها النساء في رؤوسهن يصلنه بشعورهن، فقال: لا بأس به على المرأة ~~ما تزينت به لزوجها، قال: فقلت: بلغنا أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~لعن الواصلة والموصولة، فقال: ليس هناك، إنما لعن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) الواصلة التي تزني في شبابها فلما كبرت قادت النساء إلى الرجال، فتلك ~~الواصلة والموصولة " (2). # فما ذكره بعض أصحابنا كالسيد الداماد في شارع النجاة (3) أخذا من الذكرى ~~من حرمة تنميص الشعر ووصله، وغيرهما في الفاعلة والقابلة، مستدلا بالخبر ~~الأول ونحوه، وبكونه من باب التغيير في خلق الله، فيدخل تحت عموم " ~~والمغيرين خلق الله " (4) كما ترى، لأن الأخبار الواردة في هذا الباب بين ~~ضعيف ومجهول، وليس فيها خبر صحيح صريح ms090 فيه على وجه يعتمد عليه أو تركن ~~النفس إليه، فإثبات التحريم بها مع القول بالإباحة الأصلية مشكل، لإطباقهم ~~على أن الخبر الضعيف لا تثبت به الأحكام الشرعية، والحرمة والكراهة منها، ~~فمن ادعى إحداهما فعليه البيان. # والعجب من الشهيد أنه كيف مال إلى تحريم ما هو المذكور فيه وهو مجهول؟! ~~فإن الخطب في السيد سهل، لأنه لما قلده واثقا به من غير المراجعة إلى ~~الأصول، حكم بما حكم، وهو ليس من أصحاب النقل بل هو من أرباب العقل. # PageV00P107 # فإن قلت: إحدى روايتي النهي عن وصل الشعر المذكورة في التهذيب وإن كانت ~~ضعيفة إلا أن الأخرى من مراسيل محمد بن أبي عمير، وقد قال العلامة في ~~النهاية: العدل إذا أرسل الحديث فالوجه المنع من قبوله، إلا إذا عرف أنه لا ~~يرسل إلا مع عدالة الواسطة كمراسيل محمد بن أبي عمير (1). # قلت: كلامه في التهذيب (2) خال عن هذا الاستثناء، وهو الوجه كما بينه ~~صاحب المعالم (3) ثم اختاره هو ونقله عن أبيه (قدس سرهما)، وقد بسط القول ~~فيه الشهيد الثاني بما لا مزيد عليه في الدراية (4) فليطلب من هناك. # [تحقيق حول المراد من النور في حديث أبي ذر وغيره] قال ابن الأثير في ~~النهاية: وفي حديث أبي ذر، قال له ابن شقيق: لو كنت رأيت رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) لسألته هل رأيت ربك عز وجل؟ فقال: قد سألته، فقال: نور أنى ~~أراه؟ أي: هو نور كيف أراه. سئل أحمد بن حنبل عن هذا الحديث، فقال: ما زلت ~~منكرا له، وما أدري ما وجهه، وقال ابن خزيمة: في القلب من صحة هذا الخبر شئ ~~فإن ابن شقيق لم يكن يثبت أبا ذر، وقال بعض العلماء: النور جسم وعرض، ~~والباري عز وعلا ليس بجسم ولا عرض وإنما المراد أن حجابه النور، وكذا روي ~~في حديث أبي موسى. والمعنى: كيف أراه وحجابه النور، أي: أن النور يمنع من ~~رؤيته (5) انتهى. # أقول: كثيرا ما يطلق النور ويراد به الموجود المفارق القائم بذاته المجرد ~~عن المادة وعلائقها ms091 المستلزمة للنقص والظلمة، فمنه قولهم: إن النفس الناطقة ~~نور من أنوار الله القائمة لا في أين، من الله مشرقها وإلى الله مغربها. ~~وكذلك الأنوار العالية يعنون بها المفارقات والمجردات. # ومنه ما ورد في الخبر عن سيد البشر: " أول ما خلق الله نوري " (6). وفي ~~رواية # PageV00P108 # أخرى: " روحي " (1) وهي تدل على أن المراد بالنور في الرواية الأولى، وهو ~~هذا المجرد القائم بذاته المعبر عنه بالروح، وكذلك يدل عليه ما ورد في ~~رواية أخرى: # " أول ما خلق الله العقل " (2). وفي الأخرى: " القلم " (3) فإن المراد ~~بها كلها شئ واحد وهو نفس النبي (صلى الله عليه وآله)، سميت عقلا ونورا ~~وروحا وقلما بالاعتبارات المختلفة، فمن حيث أنها تدرك الأشياء كما هي سميت ~~عقلا، ومن حيث أنها يهتدى بها سميت نورا، ومن حيث أنها باعث حياة الخلق ~~بالمعرفة والعبادة سميت روحا، ومن حيث أنها مظهر الحقائق والدقائق سميت ~~قلما. # ومنه ما في خبر آخر: " كنت أنا وعلي نورا بين يدي الله تعالى قبل أن يخلق ~~آدم بأربعة عشر ألف عام " (4) وفي آخر: " قال الله تبارك وتعالى: يا محمد، ~~إني خلقتك وعليا نورا - يعني: روحا بلا بدن - قبل أن أخلق سماواتي وأرضي ~~وعرشي وبحري، فلم يزل يهللني ويمجدني " هكذا جاء مفسرا في كتاب المناقب ~~لابن المغازلي الشافعي (5) وكتاب فردوس الأخبار (6) لابن أبي ليلى، وفي ~~الكافي لمحمد بن يعقوب الكليني بإسناده إلى أبي عبد الله الصادق (عليه ~~السلام) (7). # ولما كان واجب الوجود تعالى شأنه العزيز في أعلى مراتب التجرد كان نور ~~الأنوار، بل جميع الأنوار شعل من نوره، فالمراد - والله تعالى يعلم - أن ~~ربي تبارك وتعالى مجرد ليس له مكان من أين أراه، والرؤية مسبوقة بكون ~~المرئي في مكان أو جهة مقابلا ومسامتا للرائي. فحاصل الجواب يؤول إلى الشكل ~~الأول هكذا: # ربي مجرد، وكل مجرد لا يرى بالبصر، وإنما حذف موضوع الأولى لدلالة السؤال ~~عليه. وأما الثانية فأقيم ما يفيد مفادها مقامها، فلا حاجة إلى تكلف تقدير ~~المضاف والمضاف إليه، مع دلالة الكلام عليه كما يلزم ذلك مما ms092 فهمه منه بعض # PageV00P109 # العلماء، أي: حجاب ربي نور يمنع من رؤيته، مع أنه لا حجاب له لكونه في ~~أعلى مراتب التجرد، والحجاب من لواحق الماديات لا من عوارض المجردات، وإنما ~~احتجب لشدة ظهوره، فإن الشئ إذا جاوز حده انعكس ضده، وهذا معنى ما قيل: # إن الله احتجب عن العقول كما احتجب عن الأبصار، وذلك لأنه معقول بذاته ~~غير محتاج إلى عمل يعمل به ليصير معقولا، فإن لم يعقل ولن يعقل أبدا كان من ~~جهة العاقل لا من جهته. # ولا يذهب عليك أن تقريره هذا يفيد أن رؤيته تعالى ممكنة بالذات وممتنعة ~~بالغير، وهذا لا يستقيم إلا على مذهب من ذهب إلى كونه تعالى جسما أو ما ~~يستلزمه كالمجسمة الغير المبلكفة والمشبهة والأشاعرة ومن يحذو حذوهم، فالحق ~~في تقريره على تقدير صحة السند وكونه من كلام رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) ما قررناه من أن المراد أنه تعالى نور مجرد غير ممكن إدراكه بالبصر ~~كما أخبر بذلك عن نفسه بقوله: * (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو ~~اللطيف الخبير) * (1) هذا. # ولو جعل المضارع للحال، وحمل الرؤية على الرؤية بالقلب تلقيا للمخاطب ~~بغير ما يترقبه، بحمل كلامه على خلاف مرامه تنبيها على أنه الأولى بالقصد ~~والإرادة، كما في قول علي (عليه السلام) وقد سئل هل رأيت ربك؟: " لم أعبد ~~ربا لم أره " (2) لجاز أن يقرأ " إني " بكسر المشددة على هيأة حرف التأكيد. ~~ونوراني كرباني بزيادة الألف والنون مع الياء المشددة للمبالغة، أي: ربي ~~نور ظاهر بنفسه مظهر لغيره، إني أراه الآن كما كنت رأيته قبل ذلك الزمان. ~~ولعله لذلك عدل عن مقتضى الظاهر، حيث لم يقل: إني رأيته، بل قال: إني أراه. # ومن هذا الباب قول الصادق (عليه السلام) حينما سئل عن الله جل وعز هل ~~يراه المؤمنون يوم القيامة؟: " نعم قد رأوه قبل يوم القيامة، فقيل: ومتى؟ ~~قال: حين قال لهم: * (ألست بربكم قالوا بلى) * ثم سكت ساعة، ثم قال: وإن ~~المؤمنين ليرونه في # PageV00P110 # الدنيا قبل يوم القيامة، ألست تراه ms093 في وقتك هذا؟ قيل: فأحدث بهذا عنك؟ ~~فقال: # لا، فإنك إذا حدثت به فأنكره منكر جاهل بمعنى ما تقول ثم قدر أن هذا ~~تشبيه كفر، وليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى الله عما يصفه ~~المشبهون والملحدون " (1) ولكنه مع كونه بعيدا عن المقام وسياق الكلام، لا ~~ينساب حال هذا المخاطب العلام، ولذلك لم يحمله عليه هؤلاء الأعلام. # والظاهر أنه وصلت إليهم الرواية " أنى " بالفتح على صورة حرف الاستفهام، ~~وهو إنكار لما توهمه السائل من إمكان رؤية الله ذي الجلال والاكرام، والعلم ~~عند الله وعند رسوله وآله الكرام العلماء العظام عليهم التحية والسلام. # [تحقيق حول حديث " الولد سر أبيه "] قال (عليه السلام): " الولد سر أبيه ~~" (2). # أقول: في مجمع البيان: السر إخفاء المعنى في النفس، ومنه السرور لأنه لذة ~~تحصل في النفس، ومنه السرير لأنه مجلس سرور (3). وفي نهاية ابن الأثير: سر ~~كل شئ جوفه (4). وفي القاموس: السر ما يكتم، وامرأة سرة وسارة تسرك، ورجل ~~بر وسر يبر ويسر، وقوم برون وسرون (5). # فنقول: ويمكن أن يقرأ في الحديث بكسر السين وفتحها، فعلى الأول يحتمل أن ~~يكون المراد بعض أفراد الولد، وهو العاقل الرشيد سر أبيه، أي: صاحب سره ~~الذي يظهر له من باطن أمره ما يستره عن غيره، فحذف المضاف كما في قول ~~الخنساء: # ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت * فإنما هي إقبال وإدبار (6) يعني: أنه ناموس ~~أبيه، وهو يكشف عنده ما يخفيه عن كل من هو غيره من # PageV00P111 # الأسرار والأمور المخفية، فكأنه بمثابة نفسه الناطقة وجوفه فيكتم فيه ~~ويخفي مقاصده وأسراره التي لا يجب إظهارها عند أحد غيره. # فاللام في " الولد " للجنس، والمراد به الكاملون في الولاية العاملون ~~بقضية العقل، فإن اسم الجنس كما يستعمل لمسماه مطلقا يستعمل لما يستجمع ~~المعاني المخصوصة به والمقصودة منه، ولذا يسلب عن غيره، فيقال مثلا: فلان ~~ليس بولد لأبيه إذا لم يعمل بمقتضى الولدية له ولم يحفظ سره وغيبه. # ويمكن أن يكون المراد أن بعض أفراد الولد في غالب أحواله يشبه بأبيه في ~~خلقه وخلقه وطرزه ms094 وطوره وسخاوته وشجاعته وجودة طبعه وبلادته... إلى غير ~~ذلك، ولذا قيل بالفارسية: # دهد ثمر زرگ وريشه ء درخت خبر * نهفته هاى پدر از پسر شود پيدا فالقضية ~~مهملة في قوة الجزئية، وعلى الثاني يمكن اعتبارها كلية بحمل حرف التعريف ~~على الاستغراق، فيكون المراد أن كل ولد سبب لسرور أبيه ومنشأ لنشاطه، وهو ~~يستلذ به لذة روحانية، ولذا يقال للولد: قرة العين ونورها وضياؤها وثمرة ~~الفؤاد وسرور النفس، الكمد في هذه وأمثالها بأية لغة كانت، والمآل في الكل ~~واحد، ومنه ما ورد في الخبر عن سيد البشر: " الحسن والحسين ريحانتاي " (1) ~~فالكلام في قوة المجاز المرسل. # ويمكن أن يكون المراد بالأب النبي أو واحدا من أوصيائه (عليهم السلام)، ~~وبالولد الأمة، لكن الكاملين المقتبسين من مشكاة أنوارهم سبقوهم بالزمان أو ~~لحقوهم، فإن نسبة ذواتهم المقدسة بالقياس إلى سائر الأولياء والعلماء ~~بالولادة المعنوية نسبة آدم أبي البشر إلى سائر الناس بالولادة الصورية، ~~والمراد أنهم صواحب أسرارهم (عليهم السلام) بحذف المضاف كما سبق، ويؤيده: " ~~أنا وعلي أبوا هذه الأمة " (2). # ويحتمل أن يكون المعنى بالولد ما يتولد من كل أحد من أفعاله وأقواله ~~وكيفية # PageV00P112 # أعماله وطرزه وطوره، فإنها تدل على سريرته وباطنته ومراتب فهمه ودرجات ~~عقله ودينه ومذهبه وخلقه وكيفية مزاجه، وبالجملة على قاطبة صفاته وتمامة ~~سماته، فإن الظاهر عنوان الباطن، وسيرة المرء تنبئ عن سريرته، وإليه أشار ~~من أشار بقوله: # شد عزازيلى از اين مستى بليس * كه چرا آدم شود بر من رئيس خواجه ام من ~~نيز وخواجه زاده ام * صد هنر را قابل وآماده ام در هنر من از كسى كم نيستم ~~* تا بخدمت پيش دشمن بايستم من زآتش زاده ام او از وحل * پيش آتش مر وحل را ~~چه محل او كجا بود اندر آن دورى كه من * صدر عالم بودم وفخر زمن شعله مى زد ~~آتش جان سفيه * كاتشى بود الولد سر أبيه (1) [تحقيق حول حديث " الولد ~~الحلال يشبه بالخال "] قال ولي ذي الجلال عليه سلام الله الملك المتعال: " ~~الولد الحلال يشبه ms095 بالخال ". # قول: فإن قيل: كل كلام مشتمل على قيد زائد، مثبتا كان أو منفيا، فإن ~~الحكم فيه راجع إليه، وهنا قد حكم بكون الولد شبيها به مقيدا بكونه حلالا، ~~فهذا يقتضي كون كل واحد حلال شبيها به، وإلا لغي القيد فصار لا فائدة له. # وبعبارة أخرى: لو كان للولد الحلال من حيث هو ولد حلال - كما يشعر به ~~تعليق الحكم على الوصف شباهة به - لكان لكل ولد حلال لكونه حلالا شباهة به، ~~لامتناع تخلف المعلول عن العلة، ويفهم منه أن الولد إذا لم يكن شبيها به لم ~~يكن حلالا، لأنه جعل الشباهة دليلا على كونه حلالا، فلو اعتبر مفهومه ~~المخالف يلزم منه أن لا يكون للولد الحرام شباهة به، وكل ذلك مخالف للأمر ~~نفسه لتخلفه في أغلب المواد. # قلت: لا يلزم من قولنا: للولد الحلال شباهة بالخال، قولنا: للولد الحلال ~~من # PageV00P113 # حيث هو ولد حلال شباهة به، بل يحتمل أن يكون شباهته به لا لكونه حلالا ~~فقط، بل له ولحيثية أخرى كوقوع النطفة على عرق من عروق الأخوال، كما سيأتي. # على أن المهملة لا تقتضي الكلية بل هي في قوة الجزئية، إذ المفرد المحلى ~~باللام لا يستدعي في أصل وضعه العموم والاستغراق كما صرح به بعض محققي ~~العربية والأصول، فكأنه قيل: بعض أفراده يشبه به، وهو كذلك، فإن بعضها يشبه ~~بالأخوال وبعضها بالأعمام وبعضها بالآباء وبعضها بالأمهات... إلى غير ذلك. # والغرض منه رد القيافة، ودفع توهم عسى أن يتوهم أن الولد إذا لم يشبه ~~بأبيه المنسوب إليه فهو ليس بولده بل هو ولد لغيره الشبيه به كما هو مقتضى ~~القيافة، ولذا قالوا: من أشبه أباه فما ظلم، أي: فما وضع الشبه في غير ~~موضعه، ويرد عليك نظير هذا الوهم من رجل كان من أصحاب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله) فرد عليه ذلك الوهم، بأن قال: " الولد الحلال يشبه بالخال " أي: ~~يمكن أن يصير مشابها ومماثلا له خلقا أو خلقا أو هما معا، ولذا أتى بصيغة ~~المضارع، وإنما اقتصر على ms096 هذا القدر ولم يفصل كما فصلناه لأن بهذا القدر ~~يندفع هذا الوهم، فما سواه فضل لا يحتاج إليه، ولما كان وقوع هذا القسم ~~وتحققه في الخارج أغلبيا خصه بالذكر. # قال القطبي في شرحه: إنا إذا قلنا: إن مني الذكر لا يصير جزءا من الجنين، ~~فحينئذ يكون بدن المولود متكونا بكليته من مني الأم ودم الطمث، وإن قلنا: ~~إنه يصير جزءا منه إلا أنه كالأنفحة ومني الأم يكون كاللبن، فلا شك أن مادة ~~الأم أكثر. ثم ذلك المتكون إنما ينمي بالدم الذي ينفصل عن الأم، فعلى جميع ~~التقادير أكثر الأجزاء التي منها يولد الجنين منفصل عن الأم، وذلك يقتضي أن ~~يكون مشابهة الولد للأم أكثر من مشابهته للأب، ولهذا قال (عليه السلام): " ~~تخيروا لنطفكم، فإن الولد أكثر ما يشبه من الأخوال " انتهى. # وهذا يؤيد من طريق العقل مذهب السيد المرتضى: أن الولد سيد إذا كانت أمه ~~سيدة، فتأمل. # ويدل على التفصيل السابق ذكره ما روي عن الحسن بن علي بن PageV00P114 # أبي طالب (عليهما السلام) في حديث طويل في جواب مسألة الخضر (عليه ~~السلام) فآخذ منه موضع الحاجة، فإنه لما سئل عن الرجل كيف يشبه ولده ~~الأعمام والأخوال، قال (عليه السلام) في جوابه بعد جواب مسألتين أخراوين: " ~~وأما ما ذكرت من المولود الذي يشبه أعمامه وأخواله، فإن الرجل إذا أتى أهله ~~فجامعها بقلب ساكن وعروق هادئة وبدن غير مضطرب واستكنت تلك النطفة في جوف ~~الرحم خرج الرجل يشبه أباه وأمه، وإن هو أتاها بقلب غير ساكن وعروق غير ~~هادئة اضطربت النطفة فوقعت حال اضطرابها على بعض العروق، فإن وقعت على عرق ~~من عروق الأعمام أشبه الولد أعمامه، وإن وقعت على عرق من عروق الأخوال أشبه ~~الولد أخواله " (1). # ويستفاد منه سر مشابهة الولد بأبيه دون أمه وبالعكس، وكونه أشبه بأحدهما ~~من الآخر، وكونه غير شبيه بواحد منهما ولا بواحد من الأعمام والأخوال، وذلك ~~لأن طمأنينة النفس من الوالدين لما كان سببا لمشابهة الولد بهما، فإذا صلت ~~من أحدهما دون الآخر كان الولد شبيها ms097 به دون الآخر، وإذا كانت طمأنينة ~~أحدهما أتم كان الولد به أشبه، وكذا لما كان قلق النفس واضطرابها سببا لبعد ~~تشبهه عن الوالدين وقربه من الأقرباء الأقرب فالأقرب، فإذا صار القلق كثيرا ~~يصير الولد شبيها بالأقارب والأرحام البعيدة. # روى الطبرسي عن النبي (صلى الله عليه وآله) أنه " قال لرجل: ما ولد لك؟ ~~قال: يا رسول الله وما عسى أن يولد لي إما غلام وإما جارية، قال: فمن يشبه؟ ~~قال: يشبه إما أمه أو أباه، قال (عليه السلام): لا تقل هكذا، إن النطفة إذا ~~استقرت في الرحم أحضر الله كل نسب بينه وبين آدم (عليه السلام)، أما قرأت ~~هذه الآية * (في أي صورة ما شاء ركبك) * (2) " (3). # وفي كتاب الاحتجاج " سأل عبد الله بن صوريا رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) ما بال الولد يشبه أعمامه ليس فيه من شبه أخواله شئ، ويشبه أخواله ~~وليس فيه من شبه أعمامه شئ؟ فقال: أيهما علا ماؤه ماء صاحبه كان الشبه له، ~~فقال: صدقت يا # PageV00P115 # محمد " (1). # وفيه عن ثوبان " قال: إن يهوديا قال لرسول الله (صلى الله عليه وآله): ~~أفلا أسألك عن شئ لا يعلمه إلا نبي؟ قال: وما هو؟ قال: عن شبه الولد بأبيه ~~وأمه، قال: ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فإذا علا ماء ~~الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرا بإذن الله، ومن قبل ذلك يكون الشبه، وإذا ~~علا ماء المرأة ماء الرجل خرج الولد أنثى بإذن الله، ومن قبل ذلك يكون ~~الشبه " (2). # وفي العلل عن أمير المؤمنين (عليه السلام): " تعتلج النطفتان بالرحم، ~~فأيهما كانت أكثر جاءت بشبهها، فإن كانت نطفة المرأة أكثر جاءت بشبه ~~أخواله، وإن كانت نطفة الرجل أكثر جاءت بشبه أعمامه " (3). # وفي الكافي عن محمد بن حمران، عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: إن ~~الله عز وجل خلق للرحم أربعة أوعية، فما كان في الأول فللأب، وما كان في ~~الثاني فللأم، وما كان في الثالث فللعمومة، وما كان في الرابع فللخؤولة " ~~(4). # وفيه عن أبي جعفر (عليه السلام) ms098 " قال: أتى رجل من الأنصار رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله)، فقال: # هذه ابنة عمي وامرأتي، لا أعلم منها إلا خيرا، وقد أتتني بولد شديد ~~السواد، منتشر المنخرين، جعد قطط، أفطس الأنف، لا أعرف شبهه في أخوالي ولا ~~في أجدادي، فقال للمرأة: ما تقولين؟ قالت: لا والذي بعثك بالحق نبيا ما ~~أقعدت مقعده مني منذ ملكني أحدا غيره، قال: فنكس رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) مليا، ثم رفع بصره إلى السماء، ثم أقبل على الرجل فقال: يا هذا إنه ~~ليس من أحد إلا بينه وبين آدم تسعة وتسعين عرقا كلها تضرب في النسب، فإذا ~~وقعت النطفة في الرحم اضطربت تلك العروق تسأل الله الشبهة لها، فهذا من تلك ~~العروق التي لم تدرك أجدادك ولا أجداد أجدادك، فخذي إليك ابنك، فقالت ~~المرأة: فرجت عني يا رسول الله " (5). وفي ذلك # PageV00P116 # دليل على بطلان القيافة، وذلك ما وعدناك والحمد لله. # ثم لا يخفى أن في جوابه (صلى الله عليه وآله) إيماء لطيفا إلى أن قول ~~الرجل: " في أخوالي " ليس في موقعه، ولذا لم يتعرض للجواب عنه تنبيها على ~~أن الأمر قد اشتبه عليه، فإن المعتبر شباهة الولد بأخواله لا بأخوال الأب، ~~فلو قال مكان " في أخوالي ": # " في إخوتي " لكان في موقعه، ولما احتاط هذا الرجل ولم يصرح بما يدل على ~~القذف لم يأمر بحده ولا بالملاعنة ولا بإحضار الشهود، فتأمل. # [تحقيق لطيف حول حديث " آكل اللقمة المستقذرة "] في الصحيفة الرضوية ~~بالإسناد المتصل إلى علي بن الحسين: " أن الحسن (1) بن علي (عليهما السلام) ~~دخل المستراح، فوجد لقمة ملقاة فدفعها إلى غلام له، فقال: يا غلام ذكرني ~~هذا اللقمة إذا خرجت، فأكلها الغلام، فلما خرج الحسن (عليه السلام) قال: يا ~~غلام هات اللقمة؟ قال: أكلتها يا مولاي، قال: أنت حر لوجه الله تعالى، قال ~~له رجل: أعتقته يا مولاي؟! قال: نعم، سمعت جدي رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) وهو يقول: من وجد لقمة ملقاة فمسح منها ما مسح وغسل منها ما غسل ثم ms099 ~~أكلها، لم تستقر في جوفه حتى يعتقه الله من النار، ولم أكن لأستعبد رجلا ~~أعتقه الله تعالى من النار " (2). # وفي الفقيه في باب ارتياد المكان للحدث: " دخل أبو جعفر الباقر (عليه ~~السلام) الخلاء، فوجد لقمة خبز في القذر، فأخذها وغسلها ودفعها إلى مملوك ~~كان معه، فقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت، فلما خرج قال للمملوك: أين ~~اللقمة؟ قال: # أكلتها يا ابن رسول الله، فقال: إنها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له ~~الجنة، فاذهب فأنت حر فإني أكره أن أستخدم رجلا من أهل الجنة " (3). # أقول: وبالله التوفيق: يستنبط منه أمور: # الأول: أن اللقطة إذا كانت دون الدرهم عينا أو قيمة جاز أخذها والانتفاع ~~بها # PageV00P117 # بغير تعريف، إذ الظاهر أن ذلك الخلاء كان موردا عاما يدخله غيره وغير أهل ~~بيته (عليه السلام) أيضا كما يشعر به كون الرجل هناك وسؤاله عن وجه إعتاقه، ~~تأمل. # الثاني: أن الخبز المتنجس يقبل الطهارة بالغسل، إلا أن يقال: إن القذر ~~ليس بمعنى النجاسة الشرعية بل هو أعم منها، لكن ذكر الخلاء ووجدان الخبز ~~فيه ثم غسله قرينة على أن المراد به النجاسة. # ويؤيده ما في الخبر الأول " وغسل منها ما غسل " فيستفاد منه أن الماء ~~القليل يطهر وخاصة إذا ورد على النجاسة، لأن الظاهر أنه لم يكن هناك كر ولا ~~ماء جار، وهو الثالث. # الرابع: استحباب الاستباقة إلى الخيرات، حيث إنه (عليه السلام) أخذها ~~وغسلها حينما وجدها من غير مهملة وتراخ، كما تدل عليه الفاء التعقيبية، ~~وعدم انتظاره في أخذها وغسلها إلى أوان الخروج من الخلاء وكان أوفق بمرامه. # الخامس: حرمة أكل المتنجس، أو استحباب التنزه عن المستقذر قبل التطهير ~~وإزالة القذر وهو السادس. # السابع: جواز أكله بعده. # الثامن: وجوب احترام نعم الله تعالى أو استحبابه وإن كانت حقيرة، فعلى ~~الأول يستفاد منه حرمة إضاعة المال وما يمكن أن ينتفع به، وهو التاسع. # وأما على الثاني، فلعل فيه نوع إشعار بأن فاعل المستحبات إذا كان واثقا ~~بنفسه آمنا عن الرياء جاز له أن يفعلها ms100 علانية: إما للترغيب أو التعليم، ~~وهو العاشر. # الحادي عشر: جواز ارتكاب الإمام (عليه السلام) بنفسه النفيسة للأمور ~~الخسيسة إذا كان الغرض منه نيل ثواب لا يمكن إلا به، ولا يكون ذلك دناءة ~~منه قادحة في منصب الإمامة، فيستفاد منه أن كل ما يأمر به المعصوم أو يفعله ~~بنفسه يكون له وجه حكمة وإن كان مخفيا على غيره. # ولعل إخباره بأنه سيأكلها ولم يكن له وجه ظاهرا بل هو بظاهره يدل على ~~خساسة النفس ودناءة الهمة وغاية الحرص، كان من هذا القبيل، ولذا بين وجهه ~~بأنه من موجبات الجنة والمغفرة، وهو الثاني عشر. PageV00P118 # الثالث عشر: جواز الإيداع والائتمان. # الرابع عشر: جواز أخذ المملوك أمينا. # الخامس عشر: جواز استصحاب المملوك إلى باب الخلاء، والظاهر أنه كان ~~لإحضار الماء أو للإعانة على الوصول ببيت الخلاء، لأنه (عليه السلام) كان ~~بدنا وكان في غالب أحوال مشيه مفتقرا إلى من يعينه، فيدل على جواز هذا ~~النحو من الاستعانة في الطهارة، وهو السادس عشر. # السابع عشر: توقف حصول الثواب في العبادات على المباشرة بنفسه، وعدم جواز ~~إشراك غيره فيها، ولذا لم يأمر المملوك بأخذها وغسلها، بل أخذها وغسلها ~~بنفسه ثم دفعها إليه وأمره بحفظها معه، ليومئ إيماء لطيفا إلى وجوب حفظ ~~الأمانات في أحفظ ما يمكن أن يحفظ فيه، وهو الثامن عشر. # التاسع عشر: عدم كراهة الكلام وهو في الخلاء، فكراهته فيه مختصة بحال ~~التغوط. # العشرون: كراهة الأكل فيه على احتمال، وذلك لأن تأخيره (عليه السلام) ~~لأكل تلك اللقمة مع ما فيه من الثواب العظيم والأجر الجسيم، وتعليقه على ~~الخروج يشعر بمرجوحية الأكل في تلك الحال، وظاهر أنه كان في غير حال ~~التغوط، فكراهته في حاله أشد، وهو الحادي والعشرون. # قال في المعتبر: إنما كره الأكل لما يتضمن من الاستقذار الدال على مهانة ~~نفس معتمدة (1). # الثاني والعشرون: كراهة الأكل والآكل مدافع لأحد الأخبثين على احتمال ~~آخر. # الثالث والعشرون: عدم جواز الاستثناء (2) بمشية الله في أفعال يراد فعلها ~~في # PageV00P119 # الأزمنة الآتية (1)، فالنهي في الآية تنزيهي، أو يعمم ms101 ليشمل المعنوي ~~واللفظي، وهو الرابع والعشرون. # الخامس والعشرون: جواز استعمال الخبر في مقام الإنشاء من البليغ، وعليه ~~مبنى كثير من الآيات والروايات الأحكامية وغيرها. # السادس والعشرون: جواز طلب الأمانة وإن كانت حقيرة والطالب جليلا ولا ~~منقصة فيه. # السابع والعشرون: جواز التصرف في ملك الغير بغير إذنه إذا لم يلحقه ضرر ~~بالتصرف فيه، لأن تقريره كقوله. # الثامن والعشرون: جواز تصرف المملوك في ملك مالكه إذا كان مأذونا فيه وإن ~~كان بالفحوى. # التاسع والعشرون: جواز مخالفة المملوك أمر مالكه، وأنه لا يصير بذلك ~~عاصيا مذموما مستحقا للعقاب، بل ربما يصير موجبا للمدح والثواب، فيدل على ~~وروده في كلامهم (عليهم السلام) للندب، بل لمجرد الإذن والإباحة وهو ~~الثلاثون، أو هو مبني على العفو والصفح فيدل على استحبابه وهو الحادي ~~والثلاثون. # الثاني والثلاثون: جواز مخالفة أمر الإمام (عليه السلام) إذا كان للندب ~~وإن كان بالمشافهة. # الثالث والثلاثون: جواز إخفاء ثواب معين عن الغير إذا كان الغرض منه أن ~~يحصله لنفسه، ولا يكون ذلك بخلا بل غبطة. # الرابع والثلاثون: كون الغبطة ممدوحة مرغوبة حتى من الإمام (عليه ~~السلام). # الخامس والثلاثون: جواز ذكر العام وإرادة الخاص منه إذا دلت عليه قرينة، ~~ضرورة أن المراد بالأحد أحد من المؤمنين، فيكون المراد أن اللقمة ما استقرت ~~في جوف أحد منهم في حال من حالاته ووقت من أوقاته إلا وقت وجوب الجنة له. # PageV00P120 # فيظهر منه أن وجوبها كان قبل استقرارها في جوفه، وذلك أنه بمجرد الشروع ~~في أكلها صار مستحقا للثواب الموجب للجنة لما فعله بنفسه من الهضم والكسر، ~~فيدل على أن كسرها ووضعها لله أمر مطلوب له موجب للثواب الجزيل والأجر ~~الجميل، وهو السادس والثلاثون. # أو لما فعله من الإكرام والاحترام بنعم الله الملك العلام، فيدل على أن ~~احترامها يورث الثواب المورث للجنة، وقد ورد: " أكرموا الخبز فإن الله ~~أنزله من بركات السماء " (1) وهو السابع والثلاثون. # الثامن والثلاثون: أن الحسنات يذهبن السيئات ويكفرهن (2). # التاسع والثلاثون: كون موجبات الرحمة والمغفرة حسنات وطاعات قليلة سهيلة ~~حقيرة في نظر الانسان، فينبغي ms102 له أن يفعل جميع أنواعها ولا يترك شيئا منها ~~استصغارا له، فلعل ما يوجب له الجنة والمغفرة يتحقق في ضمن ما هو حقير في ~~نظره. # الأربعون: وجوب إحسان المحسن، فيدل على أن بعض الأشياء على الله واجب ~~خلافا للأشاعرة، وهو الحادي والأربعون. # الثاني والأربعون: استحقاق المكلف الجنة بمجرد عمله السابق من غير تفضل ~~من الله. # الثالث والأربعون: فعل المكلف فعلا يستحق به أجرا معينا من قبل أن يقدر ~~له في الشرع أجر، فضلا من أن يقدر له فيه أجر معين، فالعلم بمقدار جزاء ~~العمل وكونه منويا وقته غير مشروط في استحقاق الثواب، بل يكفي فيه مجرد ~~العلم بأنه فعل حسن ممدوح في نظر الشارع أو مباح، ضرورة أن المملوك ما كان ~~عالما بمقدار جزاء ذلك العمل، بل يمكن أن يقال: إنه ما كان له العلم بأن له ~~جزاء، نعم قد حصل له العلم بأن تلك اللقمة مباح أكلها بقرينة قوله (عليه ~~السلام): " لآكلها إذا # PageV00P121 # خرجت " وبعد التأمل فيما فعله وفي إخباره بأنه سيأكلها يمكن أن يحصل له ~~الظن بأن لآكلها جهة حسن يترتب عليها ثواب ما، وأما استفادة مقداره منه ~~فمما لا يمكن استفادته منه. # الرابع والأربعون: عدم اشتراط الموافاة على الإيمان في ترتب الثواب على ~~العمل، فيؤيد مذهب السيد وفيه نظر، لأنه يمكن أن يكون المراد أنها ما ~~استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة بشرط بقائه على الإيمان، أو يقال: إن ~~أكلها مما يوجب البقاء على الإيمان، تأمل فيه. # الخامس والأربعون: كونه (عليه السلام) عالما بأهل الجنة، فيظهر منه علمه ~~بالمغيبات، وهو السادس والأربعون، وفيه مناقشة. # السابع والأربعون: وقوع التحرير بمجرد: أنت حر. # الثامن والأربعون: عدم اشتراط القربة فيه على نسخة غير مشتملة على ~~الجلالة، وأما على نسخة أخرى فتدل عليه، وهو التاسع والأربعون، ولعل هذه ~~النسخة أقرب إلى الصواب، لأن العتق عبادة لقوله (عليه السلام): " لا عتق ~~إلا ما أريد به وجه الله تعالى " (1) ولما في الرواية الأولى الرضوية من ~~قوله: " أنت حر لوجه الله تعالى ms103 ". ويمكن توجيه النسخة الأولى بأن المعتبر ~~هو قصد القربة إلى الله تعالى، تلفظ به أم أضمر. # الخمسون: عدم اشتراط القبول فيه. # الحادي والخمسون: كراهية استخدام من علم كونه من أهل الجنة، فمن لم يعلم ~~كونه منهم لم يكره، حرا كان أم رقا، شريفا كان أم وضيعا، صالحا كان أم ~~طالحا، سيدا قرشيا أم عبدا حبشيا، كما يشعر بذلك تعليق الحكم على الوصف وهو ~~الثاني والخمسون. وأما قول الصادق (عليه السلام): " ولا يحل خدمة من كان ~~مؤمنا بعد سبع سنين " (2) فمحمول على تأكد استحباب عتقه. # PageV00P122 # الثالث والخمسون: استحباب إعتاق العبد إذا علم كونه من أهل الجنة، تأمل ~~فيه. # الرابع والخمسون: جواز إخبار غير المعصوم بأنه من أهل الجنة، وإن أمكن ~~عنه صدور صغيرة أو كبيرة، فيدل على عدم قبحه خلافا لأكثر المعتزلة، وقد ~~ذكرنا وجهه وما فيه من الكلام والأخبار الدالة عليه في رسائلنا فليطلب من ~~هناك، وهو الخامس والخمسون. # ثم إن الفطن العارف إذا تأمل فيه تأملا صادقا يظهر له منه أمورا أخر ~~تركناها امتحانا للأذهان الثاقبة وتشحيذا للأفكار الصائبة، فخذ الفطانة ~~بيدك وكن من المستيقظين، والحمد لله رب العالمين والصلاة على سيدنا محمد ~~وآله المعصومين. # [تحقيق حول حديث " ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك "] في الخصال للصدوق عن أبي ~~عبد الله الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) " قال: قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله): ثلاثة إن لم تظلمهم ظلموك: السفلة، والزوجة، ~~والمملوك " (1). # أقول: في نهاية ابن الأثير: أصل الظلم الجور ومجاوزة الحد (2) ولعله أشار ~~بذلك إلى ما قيل: إن الظلم هو التعدي عن حدود الله كما يفهم من قوله تعالى: # * (ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) * (3) وقيل: أصله انتقاض الحق، ~~وقيل: وضع الشئ في غير موضعه من قولهم: من أشبه أباه فما ظلم، أي: فما وضع ~~الشبه في غير موضعه، كذا في مجمع البيان. # وفي نهاية ابن الأثير: السفلة بفتح السين وكسر الفاء السقاط من الناس، ثم ~~قال: وبعض العرب يخفف فيقول: فلان من سفلة الناس، فينقل ms104 كسرة الفاء إلى ~~السين (4). # ويظهر من بعض الأخبار: أن السفلة من لا يبالي ما قال وما قيل له. # PageV00P123 # روى الشيخ في التهذيب عن السياري عن أبي الحسن رفعه " قال: جاء رجل إلى ~~عمر، فقال: إن امرأته نازعته فقالت له: يا سفلة، فقال لها: إن كان سفلة فهي ~~طالق، فقال له عمر: إن كنت ممن تتبع القصاص وتمشي في غير حاجة وتأتي أبواب ~~السلطان فقد بانت منك، فقال له أمير المؤمنين (عليه السلام): ليس كما قلت، ~~إلي، فقال له عمر: إيته فاسمع ما يفتيك، فأتاه فقال له أمير المؤمنين (عليه ~~السلام): إن كنت لا تبالي ما قلت وما قيل لك فأنت سفلة، وإلا فلا شئ عليك " ~~(1). # فأقول بعد تمهيدها: ظاهر الخبر يعطي أنك إن لم تبتدأهم بالجور والإهانة ~~والإساءة والشتم واللطم يقعون فيك ويطمعون منك ما لا يستحقونه تجبرا عليك ~~واقتراحا، فيدل على جواز معاتبتهم بل معاقبتهم من غير سابقة استحقاقهم دفعا ~~للضرر المظنون، وهذا بعيد، لأن الظلم على الإطلاق قبيح، والمقام النبوي ~~منزه عن الأمر بالقبيح، كيف لا وقد ورد في أخبار كثيرة الحث والمبالغة على ~~الإحسان إلى الزوجة والمملوك، حتى روى الصدوق في الفقيه أنه قال: " ما زال ~~جبرئيل (عليه السلام) يوصيني بالمملوك حتى ظننت أنه سيضرب له أجلا يعتق ~~فيه، وما زال يوصيني بالمرأة حتى ظننت أنه لا ينبغي طلاقها "؟ (2). # فالوجه إذن أن يحمل على أنك إن لم تضعهم في غير موضعهم ومحلهم وضعوك في ~~غير موضعك ومحلك وهتكوا حرمتك وتركوا رعايتك، والمراد أن مراعاتهم بقدر ~~حالهم يوجب جرأتهم عليك وجسارتهم، فيتركون مراعاتك بقدر حالك، فوجب تنزيلهم ~~دون منزلتهم لتسلم بذلك منزلتك ومرتبتك. # أو إن لم تتجاوز الحد في تأديبهم وتعليمهم ومنعهم عن الفساد ظلموك ~~ويتجاوزوا الحد في الفساد، وتركوا طاعتك بل طاعة الله، على قياس ما قالوا ~~في قوله (عليه السلام): " لا ترفع عصاك عن أهلك " أي: لا تدع تأديبهم ~~وجمعهم على طاعة الله، ولم يرد الضرب بالعصا ولكنه جعله مثلا. # PageV00P124 # أو يقال: المراد أن صفحك عن ms105 هؤلاء وعفوك عنهم بعد سابقة تقصيرهم وإساءتهم ~~إليك مذموم، لأنه إجراء لهم وإغراء على البغي عليك والإضرار بك، فالممدوح ~~حينئذ تأديبهم بمعاتبتهم ومعاقبتهم بما يستحقونه حسما لمادة جرأتهم على ~~الإساءة والطغيان. # وإنما سمي ذلك ظلما مع كونه جزاء سيئة بمثلها وهو عين العدل من باب ~~الازدواج والمشاكلة، والمشاكلة لا يشترط فيها تقدم المشاكل - بالفتح - على ~~المشاكل - بالكسر - وإن كان أكثريا، ألا يرى أنهم صرحوا بأن " يمشي " في ~~قوله تعالى: * (منهم من يمشي على بطنه) * (1) لمشاكلة قوله: * (فمنهم من ~~يمشي على رجلين) * (2). # ويمكن أن يكون من محط فائدة الخبر مذمة هؤلاء، والإخبار بسفالة قدرهم ~~بأنهم مع كونهم عاجزين محتاجين إليك يظلمونك من غير سابقة ظلم منك وإذا ~~ظلمتهم يكفون عنك الظلم خوفا لا حياء وأدبا، فيكون الغرض مجرد الإخبار ~~بكونهم ظالمين لك من غير سبب، فالواجب عليك أن تكون على حذر منهم واحتياط ~~لئلا يظلموك على حين غفلة منك. # وأما جواز الابتداء بظلمهم وعدمه فمسكوت عنه، وإنما يعلم عدمه مطلقا من ~~أدلة أخرى، فليتأمل. # وفي الفقيه في باب النوادر - وهو آخر أبواب الكتاب - بإسناده إلى أبي عبد ~~الله عن أبيه عن جده عن علي بن أبي طالب (عليهم السلام) عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) أنه " قال: يا علي، ثلاثة إن أنصفتهم ظلموك: السفلة، وأهلك، ~~وخادمك " (3) وهذا من حيث المعنى قريب من الأول بل عينه، إذ المتبادر من ~~الأهل وخاصة إذا قوبل بالخادم هو الزوجة، وكثيرا ما يطلق الخادم والخادمة ~~على المملوك والمملوكة. # فمنه ما ورد في صحيحة يعقوب بن شعيب أنه " سأل الصادق (عليه السلام) عن ~~الرجل يكون له الخادم، فقال: هي لفلان تخدمه ما عاش فإذا مات فهي حرة، # PageV00P125 # فتأبق الأمة قبل أن يموت الرجل بخمس سنين أو ست، ثم يجدها ورثته، ألهم أن ~~يستخدموها بعد ما أبقت؟ فقال: لا، إذا مات الرجل فقد عتقت " (1). # وفي نهاية ابن الأثير: وفي حديث فاطمة وعلي (عليهما السلام): " اسألي ~~أباك خادما يقيك حر ما أنت فيه " الخادم واحد الخدم، ويقع على الذكر ms106 ~~والأنثى لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال كحائض وعاتق، ومنه ~~حديث عبد الرحمن أنه طلق امرأته فمتعها بخادم سوداء، أي: جارية (2) انتهى. # والإنصاف: العدل، قاله صاحب القاموس (3) والمعنى: أن هؤلاء الثلاثة إن ~~عاملتهم بالإنصاف والعدل ظلموك، فيدل على جواز نقيض هذه المعاملة، وهو عين ~~الظلم، فيؤول إلى ما سبق، إلا أن يقال: دفع الضرر المظنون واجب وإن أدى إلى ~~الظلم وعدم الإنصاف، فتأمل. # [تحقيقي پيرامون كلام فاضل هندى در رساله ء چهار آئينه] ملا بهاء الدين ~~محمد بن حسن أصفهاني معروف به فاضل هندي كه من جملهء فضلا ومجتهدين مشهور ~~عصر اين خاكسار وذره ء بى مقدار بود، در رسالهء چهار آئينه كه به نام نامى ~~سلطان حسين بن سليمان الموسوي الصفوي پرداخته، در فصل إثبات وحدت صانع ~~بدليل عقلي واضحى كه مطلقا بر آن مؤاخذه نتوان كرد، بعد از ايراد كلمات ~~چندى كه اصلا دخل در تقرير اين دليل ندارد فرموده: # كه چون ثابت شد كه صانع عالم بذاته دانا وتوانا است، پس حكيم كامل على ~~الاطلاق خواهد بود، اعنى آنچه را شدنى است ومصلحت در وجود آن هست خواهد ~~آفريد، كه اگر بعضى را نيافريند در حكمت كامل نخواهد بود. # پس اگر آفرينده ء ديگر باشد لازم مى آيد كه بعضى از مخلوقات آفريدهء هر ~~دو باشد، كه هر يك به انفراده آن را آفريده باشد وعلت مستقلهء او باشد، يا ~~آنكه حكيم كامل علت مستقله باشد وديگرى علت ناقصه، وهر دو شق محال است. # PageV00P126 # فقير بي بضاعت گويد: مى تواند بود كه امرى بذاته شدنى باشد ومصلحت در ~~كردن آن، وكننده دانا باشد بر مصلحت وتوانا بركردن، وليكن كردن وى در صورتى ~~صورت بندد كه آن ديگرى كه همچون وى دانا وتوانا باشد اقدام بركردن آن امر ~~ننمايد. فأما چون وى اقدام بركردن آن نمايد شايد مصلحت منقلب گردد وحكمت در ~~نكردن آن باشد، پس لا جرم ترك آن كند تا آن ديگرى آن را بكند، ms107 چه ميان ~~امكان ذاتى وامتناع غيرى وكذلك مصلحت ذاتيه ومفسدهء غيريه منع جمع نيست. # پس حكيم كامل على الاطلاق در صورتى آنچه را كه شدنى است ومصلحت در وجود ~~آن است خواهد آفريد كه مانند وى حكيم ديگرى كه كامل باشد على الاطلاق ~~نخواهد كه آن را بيافريند، وأما چون او خواهد كه آن را بيافريند شايد حكيم ~~مذكور اقدام بر آفريدن آن ننمايد تا مفسده نشود ونزاع در ميان نيايد، وخاصه ~~در صورتى كه بناى آفرينش بر علم با صلح وفعل فاعل اختيارى. # وحاصل مجرد وجود مقتضى كه علم وقدرت وإمكان ومصلحت عبارت از آن است در ~~ترتب مقتضى وأثر كافى نيست، بل لا بد است از رفع مانع، ومانع چون واجب ~~الوجود باشد، عدم قدرت بر رفع آن بلكه عدم قدرت بر دفع آن كه اسهل است از ~~رفع، دلالت بر عجز نكند، ومنافات با قدرت نداشته باشد، چه دفع آن ممتنع ~~است، ومتعلق قدرت بايد كه امرى باشد ممكن، نه واجب وممتنع، زيرا كه وجوب ~~وامتناع مقدوريت را نشايد، بل منافى مقدوريت باشد، چنان كه مشهور است. # واز اين قرار كه آفريننده ء ديگرى باشد كه بعضى از مخلوقات آفريده ء او ~~باشد، نه اخلال به حكمت لازم آيد، ونه آنكه هر يك بانفراده آفريننده ء آن ~~باشد، بلكه در صورت مفروضه اگر هريك بانفراده خواهد كه به ايجاد جمله ء ~~ممكنات پردازد اخلال به حكمت وترك مصلحت كرده خواهد بود، چه در اين صورت ~~PageV00P127 # حكمت ومصلحت اقتضاى آن كند كه هر يك برخى از ممكنات را آفريده متعرض ~~آفريدن آن ديگرى نشود تا نزاع در نگيرد وفساد برنخيزد. # وعجب است آنكه اين مرد فاضل در اوائل همين فصل فرموده: كه ادله ء عقليه ~~كه از حكما ومتكلمين بنظر رسيد، واز آن جمله دليل تمانع است ناتمام وبرهمگى ~~بحث وارد است، وتصريح به آن كرده كه اين دليلى كه بخاطر ايشان رسيده تمام ~~است، واصلا بحثى بر ms108 آن نمى آيد. # وپوشيده نيست كه حاصل اين دليل آيل است به دليل تمانع، وبحثى كه مذكور شد ~~ورود تمام توجه مالا كلام دارد، ودر دريافت آن حاجت به تدبر وتفكر چندانى ~~نيست، بلكه اندك التفاتى با توجه خاطر كافى است. # وببايد دانست كه وحدت واجب الوجود با آنكه امرى است فطرى ومطلبى است ~~بديهى أولى، چنان كه جمعى از رؤساء معتزله ومتكلمين تصريح به آن كرده اند ~~به دليل عقل بروجهى كه مورد اعتراض نباشد، ومؤاخذه مطلقا نتوان كرد ثابت ~~نمى تواند شد، بل عمده در اثبات وحدت صانع عالم اخبار أنبياء وصادقين است، ~~چه بعد از ثبوت نبوت به ظهور معجزه يا به دليل عقل، عقل را اخبار نبى به ~~وحدت صانع ازلى كفايت است از تجشم استدلال ودفع ما يقال. # ودورى كه در بدايت حال بخاطر وخيال مى رسد، مندفع است با آنكه اثبات نبوت ~~گر چه توقف بر علم وقدرت دارد، اما توقف بر اثبات وحدت ندارد، ولهذا گروه ~~انبوهى از فضلاى مدقين وعلماء محققين از اصحاب حديث ومتكلمين طريق اثبات ~~وحدت صانع را بر وجهى كه اصلا مؤاخذه بر آن نتوان كرد منحصر در نقل كرده، ~~طريق عقل را منسد دانسته اند. # شب ظلمت وبيابان بكجا توان رسيدن * مگر آنكه شمع رويت بر هم چراغ دارد ~~نقل عن الشبلي أنه لما سئل عن التوحيد قال: من سأل عن التوحيد فهو جاهل، ~~ومن أجاب عنه فهو مشرك، ومن عرف التوحيد فهو ملحد، ومن لم يعرفه فهو كافر. # فقير بى بضاعت گويد: آدمى بايد كه هر لفظى را كه بشنود در تدبير آن ~~PageV00P128 # تفكر كند، وآن عبارت را به قدر امكان به معنى حقيقت بداند وبى معنى ~~نشمارد. # پس مى گوئيم: در كتاب توحيد وخصال وكافى مسطور است كه در واقعه ء جمل ~~مردى از سيد أوصياء وسند أتقياء عليه التحية والثناء پرسيد: أتقول: إن الله ~~واحد؟ مردم بر آن حمله كردند وگفتند: يا أعرابي أما ترى ms109 ما فيه أمير ~~المؤمنين من تقسم القلب؟ آن حضرت فرمودند: دست از او بداريد واورا به من ~~گذاريد، فإن الذي يريده الأعرابي هو الذي نريده من القوم، بعد از آن فرمود: ~~اى أعرابى خدا را واحد گفتن واورا يگانه دانستن بر چهار وجه متصور مى تواند ~~شد: دو وجه بر حقتعالى جايز نيست، ودو وجه ديگر در حق آن ثابت است. فأما آن ~~دو وجهى كه اطلاق آن بر خداى تعالى روا نيست: # اول آن است كه گويد: هو واحد بقصد باب الاعداد، يعني اطلاق وحدانيت عدديه ~~بر او كند، واين نه جايز است، چه هر چه ثانى ندارد در رشته ء عدد نگنجد، ~~نمى بينى كه حق تعالى تكفير كرد گروهى را كه گفتند * (إن الله ثالث ثلاثة) ~~* (1). # وجه دوم آن است كه گويد: هو واحد من الناس، يريد النوع من الجنس، يعنى ~~واحد از آدميان است، ومرادش آن است كه او يكى از اين جنس است، واطلاق وحدت ~~به اين معنى بر خدا ناروا است، چه اين تشبيه است وجل ربنا عن ذلك وتعالى. # واما آن دو وجهى كه در حق او ثابت است. # أول آنكه گويند: هو واحد ليس له من الأشياء شبيه، يعنى خدا يكى است واورا ~~شبيهى ونظيرى نيست، كذلك ربنا يعنى چنين است پروردگار ما. # مانند خدا بهر چه دانى نبود * هرگز باقى مثال فانى نبود در ذات خدا چون ~~وچه گفتن غلط است * زآن رو كه زجنس هرچه دانى نبود # PageV00P129 # وجه دوم: آنكه گويند: أنه عزوجل أحدي المعنى، يعنى منقسم نمى شود، نه در ~~وجود ونه در عقل ونه در وهم، كذلك ربنا جل وعز (1). # بعد از گزارش اين كلام درر نظام در اين مقام گوئيم: محتمل است كه مراد ~~شبلى آن باشد كه هر كه سؤال كند از توحيد، يعنى از بودن حق تعالى واحد به ~~معنى اول يا دوم، پس او نادان است، چه ندانسته است كه اطلاق واحد به اين ms110 ~~معنى بر خداى تعالى ناروا است، وهر كه جواب گويد از توحيد به اثبات احد ~~هذين المعنيين، پس او مشرك است، چه واحد به اين معنى چنان كه سفارش يافت ~~مستلزم ثانى است، واين عين شرك است. # وهركه شناخته باشد توحيد را به همين معنى، يعنى اعتقاد كند واذعان ~~نمايدكه خداى تعالى واحد است به اين معنى كه گذشت، پس او ملحد است، يعنى از ~~حق به باطل ميل كرده است، ويا شرك ورزيده وظلم كرده است در حق او. # وهركه نشناخته باشد توحيد را به يكى از معنيين أخيرين، پس او كافر است، ~~چه اول درجه از درجات ايمان آن است كه مكلف اعتقاد كند كه ليس كمثله شئ، ~~ونفى كند از او تركيب ذهنى وخارجى را، زيرا كه تركيب على الاطلاق منافى ~~وجوب وجود است. # واحتمال مى رود كه مرادش آن باشد كه هركه سؤال كند از توحيد، وچون سؤال ~~در غالب احوال مستلزم جهل است پس او جاهل است، وغرض توبيخ سائل است از اين ~~سؤال، زيرا كه هر مكلفى به حسب فطرت اصليه وقريحه ء جبليه اگر اندك تأملى ~~در ملك وملكوت نمايد، وآثار علويه وسفليه را مشاهده كند، ودر دلائل انفسى ~~وآفاقى تدبر نمايد، تواند فهميد كه صانع عالم يكى است، واو را شريكى ونظيرى ~~وضدى وندى نيست. # هرگياهى كه از زمين رويد * وحده لا شريك له گويد # PageV00P130 # واز اينجا است كه برخى گويند: وحدت واجب الوجود امرى است فطرى، ومطلبى ~~است بديهى اولى، وهيچ احتياجى به دليل وبرهانى ندارد. # اثبات وحدتش بدلائل چه احتياج * خورشيد را نجسته كسى باچراغها واز ثمامة ~~بن أشرس كه از رؤساء معتزله بود، از عمرو بن بحر المعروف به جاحظ نقل كرده ~~اند كه معارف الهيه همه ضرورى است، وخدا آدمى را آفريد وخدا شناسى را در دل ~~او مفطور داشته، همگى خدا را مى شناسند، وهركه منكر او است به زبان منكر ~~است نه به دل، وخدا كسى ms111 را تكليف به معرفت خود نكرده، بلكه آن علم را بى ~~تكليف در ايشان آفريده، همهء اشياء به اضطرار عارف به پروردگار وتوحيد ونفى ~~صفات زائده وشبه آن هستند. واين سخن گرچه بعيد است، وليكن در اين مقام در ~~سازش اين كلام بعدى ندارد. # به هر حال معنى من أجاب عنه فهو مشرك آن است كه هركه خواهد جواب اين سؤال ~~را گويد لا جرم بايدش كه فرض كند شريكى براى واجب تا تواند كه دليل تمانع ~~وأمثال آن را تقرير كند وگويد كه مفسده دارد، ويا ما به الامتياز غير ما به ~~الاشتراك است، وتركيب وأشباه آن لازم آيد، وپس مراد آن است كه او مشرك است ~~بحسب هذا الفرض نه در حقيقت ونفس الأمر. # كفر وايمان قرين يكدگرند * هركجا كفر نيست ايمان نيست ومعنى " من عرف ~~التوحيد فهو ملحد " آن است كه هركه شناخته باشد وحدت واجب الوجود را پس او ~~ميل كرده است از باطن به حق، وخليل وار على نبينا وآله وعليه السلام از ~~دلائل آفاقى وانفسى استدلال بر وجود ووحدت صانع تعالى شأنه العزيز كرده ~~غيرى را باوى شريك وانباز نگرفته خواهد بود. # خليل آسا در ملك يقين زن * نواى لا احب الآفلين زن فيروز آبادى گويد: ~~الحاد به معنى ميل كردن وعدول نمودن آمده است (1)، ودر اين مقام مراد آن ~~است كه مذكور شد، وبنابر اين معنى " ومن لم يعرف فهو # PageV00P131 # كافر " ظاهر است، واحتياج به تأويل سابق ندارد، وچون ايراد احتمالات ديگر ~~موجب تطويل ومورث تعطيل بود، لهذا به همين قدر اكتفا واختصار نمود، اگر ~~موافق طبع شريف ومطابق عنصر لطيف باشد فبها ونعمت، وإلا به اشارتى يا به ~~عبارتى مواضع ومواقع زلل را تعيين فرمايند، تا در اصلاح آن فساد وترويج آن ~~كساد تدبرى وتفكرى نمايند، باقى به بقاى دهر باقى باشند. # [شرح لحديث " العبودية جوهرة كنهها الربوبية "] قال الصادق (عليه ~~السلام): " العبودية جوهرة كنهها الربوبية، فما فقد من العبودية وجد في ms112 ~~الربوبية، وما خفي في الربوبية أصيب في العبودية، قال الله تعالى: * ~~(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف ~~بربك أنه على كل شئ شهيد) * (1) أي موجود في غيبتك وحضرتك " كذا في مصباح ~~الشريعة (2). # أقول: لما توهم بعضهم أنه يؤيد ما ذهبت إليه الصوفية فلنشرحه شرحا يظهر ~~به فساده، فنقول: " العبودية جوهرة " قضية، والكلام محمول على التشبيه، و " ~~كنهها الربوبية " صفة للجوهرة، والعبودية إظهار التذلل والخضوع كما صرح به ~~الراغب الإصفهاني (3) وغيره، وكل شئ لإمكانه له خاضع وعنده متذلل. والجوهر ~~قد يراد به الموجود لا في موضوع وقد يراد به ذات الشئ وحقيقته، يقال: جوهر ~~السواد، أي: ذاته وحقيقته، كذا في شرح الرازي على الإشارات. # وكنه الشئ نهاية أجزائه، وهذا إنما يتصور إذا كانت له أجزاء ولها نهاية، ~~فما ليست له أجزاء أو كانت ولا نهاية لها فليس له كنه، فهذا قرينة واضحة ~~على أن العبودية المحمولة عليها الجوهرية ذات أجزاء. والربوبية بالضم ~~كالربابة بالكسر: # اسم بمعنى التربية، وهي تبليغ الشئ إلى كماله شيئا فشيئا، وهو تعالى رب ~~العالمين. # وحاصل المعنى: أن العبودية بمثابة حقيقة ملتئمة من الأجزاء، لأن كل # PageV00P132 # موجود غير الواجب الوجود لا يخلو عن ملابسة ما بالقوة والإمكان باعتبار ~~نفسه، فيكون زوجا تركيبيا غير بسيط الحقيقة، لأن الذي له باعتبار ذاته غير ~~الذي له من غيره، وهو حاصل الحقيقة منهما، فإذا تحللت تلك الحقيقة إلى ~~الأجزاء انتهت وتأدت إلى الربوبية، أي: تدل عليها لأنها لإمكانها وافتقارها ~~إلى مؤثر واجب لذاته تدل على وجوده، وهذه جهة لها باعتبار ذاتها وحقيقتها، ~~فما فقد وارتفع من تلك الحقيقة المفتقرة من افتقارها إلى المؤثر والمبقي في ~~بادي النظر وجد بأدنى تأمل في الربوبية، أي: علم أنه كان بسببها لأنها إنما ~~وجبت بغيرها فاستغنت به، وهذه جهة لها باعتبار غيرها، لأنه سد طرق جميع ~~أنحاء عدمها فأوجبها فأوجدها فصارت به غنية لا بذاته، وما خفي: إما مطلقا ~~أو في أول النظر في مقام الربوبية من صفات ms113 الرب تعالى وسماته أصيب وأدرك من ~~حيث الظهور والآثار في المرتبة العبودية والافتقاد لكونها مظهرها ومجلاها، ~~فيظهر فيها ظهورا لا ينكرها إلا الأكمه أو من له عين خفاشية. # وبالجملة العبودية تدل على الربوبية دلالة الأثر على المؤثر، والمعلول ~~على العلة، والربوبية تظهر من العبودية ظهور العلة من المعلول، فكل منهما ~~دليل الآخر: # أحدهما بالإن والآخر باللم، مثلا وجود العالم بعد عدمه وتألفه في ذاته ~~يدل على وجود موجود بذاته، ومؤلف يوجدها ويؤلفه، وكذا قدرة القادر وعلم ~~العالم بعد أن لم يكن دليل وجود قادر وعالم بالذات يجعله قادرا وعالما، ~~وهكذا. # وإذا خفي علينا - مثلا - كونه تعالى موجودا أو حيا أو قادرا أو عالما ~~بذاته أو بغيره، يظهر لنا وجوده وحياته وقدرته وعلمه في الموجود والحي ~~والقادر والعالم... وهكذا، وهذا معنى إراءة الآيات والأدلة في الآفاق وفي ~~الأنفس، وكونه تعالى موجودا فيما غاب وما حضر كما أومأ (عليه السلام) إليه ~~إيماء لطيفا. # وعلى ما حمل عليه الآية فمعنى التسويف أن إراءة الآيات الأنفسية ~~والآفاقية موكولة على النظر والاستدلال الواجبين على المكلف كما سبق إليه ~~الايماء، ولا يلزم منه تأخير البيان عن وقت الحاجة كما توهمه بعض ~~المعاصرين. PageV00P133 # ويحتمل أن يكون السين للمبالغة والتأكيد لا للتسويف والتأخير، فتأمل. # [تحقيق حول حديث " المؤمن يأكل في معاء واحد "] قال سيد البشر على ما ~~أورد عنه في الخبر: " المؤمن يأكل في معاء واحد، والكافر يأكل في سبعة ~~أمعاء " (1). # أقول: لما كانت القوى المدركة الحيوانية سبعة، خمسة منها ظاهرة والاثنتان ~~منها - وهما: الحس المشترك المدرك للصور، والوهم المدرك للمعاني، لأن ~~الخيال والمتخيلة والحافظة ليست من القوى المدركة بل هي من أعوانها - ~~باطنتان، وكان الكافر لغلبة هواه على عقله * (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه) * ~~(2) مطيعا لتلك القوى السبعة، ومحصلا مشتهياتها الفانية ومقتضياتها ~~الدانية، كان يأكل في تلك الأمعاء السبعة وينتفع بها، وهي بعينها هي التي ~~يفضي به إلى نار جهنم التي لها سبعة أبواب، لكل باب منها جزء مقسوم. # وأما المؤمن، فلما قهر هواه وسلب مناه، وبعث ms114 قواه على ملازمة الطاعات ~~ومجانبة المنهيات، وجعلها بالرياضات والمجاهدات مطيعة ومنقادة تحت قلم ~~العقل في تناول العلوم الحقيقية والأخلاق المرضية المؤدية إلى السعادات ~~الباقية الأبدية، كان يأكل في هذا المعاء الواحد، فالمراد بالأكل مطلق ~~الانتفاع وهو متعارف، يقال: فلان يأكل مال اليتيم، يعنون به أنه يستعمله ~~ويأخذه وينتفع به ولا يجتنبه لا أنه يأكله حقيقة. # أو يقال: إنه مثل ضربه للمؤمن وزهده في الدنيا، والكافر وحرصه عليها، ~~وليس معناه كثرة الأكل دون الاتساع في الدنيا، فيكون إشارة إلى أن المؤمن ~~قليل الانتفاع منها، والكافر كثير الانتفاع منها، لأنها سجن المؤمن وجنة ~~الكافر، فإنه لكونه مراقبا لأحواله ومجانبا عما يضره في مآله كان مقيدا ~~مطلقا مضيقا عليه رزقه وما ينتفع به في دنياه لمراعاته آخرته وعقباه، وذلك ~~بخلاف الكافر فإنه مطلق مطلقا لا قيد له أصلا. # PageV00P134 # ويمكن أن يكون الغرض المسوق له الكلام هو الترغيب على قلة الأكل بأنها من ~~صفات المؤمن، والترهيب عن كثرته بأنها من سمات الكافر، ولذا قال في خبر ~~آخر: " كفى ابن آدم ثلاث لقيمات يقمن صلبه " (1) فعبر عن قلة الأكل بقلة ~~أوعية المأكول، وعن كثرته بكثرتها، فالكلام في قوة المجاز المرسل. # وقيل: هو خاص في رجل بعينه كان يأكل كثيرا، فأسلم فقل أكله. # ويظهر من سبب الورود أن الكافر يجوز ضيافته بل إكرامه، كما يظهر أيضا من ~~قوله: " أكرموا الضيف ولو كان كافرا " (2) وقوله: " لكل كبد حراء أجر " (3) ~~وإلى هذا القول أشار الرومي في المثنوي في أوائل المجلد الخامس في سبب ورود ~~هذا الحديث بعد كلام بقوله: # كآمديم اى شاه ما اينجا قنق * اى تو مهمان دار سكان افق بينوائيم ورسيده ~~ما زدور * هين بيفشان بر سرما فضل نور رو بياران كردآن سلطان راد * دستگير ~~جمله شاهان وعباد گفت اى ياران من قسمت كنيد * كه شما پر از من وخوى منيد ~~پر بود اجسام هرلشكر زشاه * زآن زنند آن تيغ بر اعداى جاه هريكى يارى يكى ~~مهمان گزيد * در ميان بديك شكم زفت عنيد جسم ضخمى ms115 داشت كس او را نبرد * ~~ماند در مسجد چو اندر جام درد مصطفى بردش چو واماند از همه * هفت بز بد ~~شيرده اندر رمه كه مقيم خانه بودندى بزان * بهر دوشيدن براى وقت خوان نان ~~وآش وشير آن هر هفت بز * خورد آن بوقحط عوج ابن غز جمله اهل البيت خشم آلو ~~شدند * كه همه در شير بز طامع بدند # PageV00P135 # معده طبلى خوار همچون طبل كرد * قسم هيجده آدمى تنها بخورد وساق الكلام ~~وطوله كما هو دأبه، الى أن قال: # اين سخن پايان ندارد آن عرب * ماند از الطاف آن شه در عجب خواست ديوانه ~~شدن عقلش رميد * دست عقل مصطفى بازش كشيد آب بر رو زد در آمد در سخن * كاى ~~شهيد حق شهادت عرضه كن وطول الكلام الى أن قال: # اين سخن پايان ندارد مصطفى * عرضه كرد ايمان وپذرفت آن فتى گشت مؤمن گفت ~~اورا مصطفى * كامشب ديگر تو شو مهمان ما كرد الحاحش بخور شير ورقاق * گفت ~~گشتم سيرو الله بى نفاق اين تكلف نيست بى ناموس وفن * سيرتر گشتم از آن كه ~~دوش من در عجب ماندند جمله اهل بيت * پرشد اين قنديل زآن يك قطره زيت آنچه ~~قوت مرغ بابيلى بود * سيرى معده چنين پيلى بود فچفچى افتاد اندر مرد وزن * ~~قدر پشه مى خورد اين پيل تن حرص ووهم كافرى سر زير شد * اژدها از قوت مورى ~~سير شد آن گدا چشمى كفر از وى برفت * لوت ايمانيش لمتر كرد وزفت آن كه از ~~جوع البقر بر مى طپيد * همچو مريم ميوه ء جنت بچيد ميوه ء جنت سوى جسمش ~~شتافت * معده ء چون دوزخش آرام يافت (1) [تحقيق حول الحديث النبوي " إن ~~الرضا بالكفر كفر "] ورد في الخبر عن سيد البشر: " إن الرضا بالكفر كفر " ~~(2). # أقول: وذلك لما ثبت بالعقل والنقل أن الراضي بفعل المحسن شريك له في ~~إحسانه، والراضي بفعل المسئ شريك له في إساءته، من جهة المدح والذم والأجر ~~والإثم، وقد ذم ms116 الله تعالى في كتابه العزيز (3) من كان من اليهود في عصر # PageV00P136 # نبيه (صلى الله عليه وآله) بإضافته قتل أنبيائهم إليهم وإن كان المباشر ~~لذلك من تقدم من آبائهم، لرضائهم به وموافقتهم إياهم. # وفي الخبر عنه (صلى الله عليه وآله): " إذا عملت الخطيئة في أرض، فمن ~~أنكرها كان كمن غاب عنها، ومن رضيها كان كمن شهدها " (1). # فإن قلت: قد ورد في الحديث القدسي: " إن من لم يرض بقضائي ولم يصبر على ~~بلائي فليطلب ربا سواي " والكفر داخل في قضائه فيجب الرضا به، فكيف يكون ~~كفرا؟ # قلت: إن أريد بالقضاء هنا الفعل، وهو أحد معانيه العشرة على ما صرح به ~~بعض الفضلاء واستدل عليه بقوله تعالى * (فاقض ما أنت قاض) * (2) أي: افعل ~~ما أنت فاعل وهو الظاهر من الحديث، فالصحيح من المذهب أنه بهذا المعنى لا ~~يشمل أفعال العباد التي من جملتها الكفر والرضا به، كيف والرضا بقضاء الله ~~والصبر على بلائه من أجل المقامات، ومن حازه فقد حاز أكمل السعادات؟ ومن لم ~~يرض به فمع دخوله تحت وعيد " من لم يرض بقضائي " لا يزال محزونا باعتوار ~~المصيبات وورود الحادثات قائلا بأنه لم كان كذا؟ وهو المعبر عنه بالتأسفات، ~~وبما ذكرناه تندفع الشبهة والمنافاة. # وإن أريد به العلم كما في قوله تعالى: * (إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها) * ~~(3) يعني: علمها، فالصحيح أن الأشياء كلها بسائطها ومركباتها كلياتها ~~وجزئياتها بقضائه تعالى، أما في غير العباد فعلى سبيل الحتم والجزم، وأما ~~في أفعالهم فعلى سبيل التعليق بإرادتهم، فمعنى كون الكفر داخلا في قضائه ~~أنه كان عالما بأن الكافر سيكفر بإرادته وسوء اختياره، فالكفر هو المعلوم، ~~والقضاء هو العلم، والرضا بأحدهما غير الرضا بالآخر، فيجوز أن يكون أحدهما ~~كفرا والآخر إيمانا. # فإن الرضا بالكفر من حيث أنه مستند إلى إرادة العبد واختياره ما هو خلاف # PageV00P137 # الواقع من إنكار الصانع وعدم حقية ما جاء به النبي كفر، وأما الرضا به من ~~حيث أنه كان متعلقا لعلمه تعالى المطابق للواقع من غير أن يكون علمه به علة ms117 ~~له فهو من الإيمان، والمرضي في الأول هو المقضي، وفي الثاني هو القضاء، ~~وشتان ما بينهما، وإلى هذا أشار الرومي في المثنوي بقوله: # وي سؤالي كرد سائل مر مرا * زآنكه عاشق بود او بر ماجرا گفت نكته ء الرضا ~~بالكفر كفر * اين پيمبر گفت وگفت اوست مهر بازفرمود او كه اندر هرقضا * مر ~~مسلمان را رضا بايد رضا نى قضاى حق بود كفر ونفاق * كه بدين راضى شوم گردد ~~شقاق ورنيم راضى بود آن هم زيان * پس چه چاره باشدم در اين ميان گفتمش اين ~~كفر مقضى نه قضاست * هست آثار قضا اين كفر راست پس قضارا خواجه از مقضى ~~بدان * تا شكالت حل شود اندر جهان راضيم در كفر زآن رو كه قضاست * نه ازاين ~~روكه نزاع وخبث ماست كفر از روى قضا خود كفر نيست * حق را كافر مخوان اينجا ~~بايست كفر جهل است وقضاى كفر علم * هر دوكى يك باشد آخر حلم وخلم زشتى خط ~~زشتى نقاش نيست * بلكه از وى زشت را بنمود نيست قوت نقاش باشد زآنكه او * ~~هم تواند زشت كردن هم نكو گر گشايم بحث اين رامن بساز * تا سؤال وتا جواب ~~آيد دراز ذوق نكته عشق از من مى رود * نفس خدمت نفس ديگر مى شود (1) [تفسير ~~آية من سورة الأنعام] قال الله تعالى: * (الذين آمنوا) * أي: صدقوا بحقائق ~~الأشياء بعد تصوراتها على ما هي عليه في نفس الأمر: إما بالبراهين ~~والدلالات، أو بالرياضات والمجاهدات * (ولم يلبسوا إيمانهم) * وتصديقاتهم ~~الحقة واعتقاداتهم اليقينية * (بظلم) * بما هو خلاف الواقع من الجهل ~~المركب، إذ الظلم انتقاص الحق ووضع # PageV00P138 # الشئ على خلاف ما هو عليه، أو لم يشوبوا تلك التصديقات بالظنون والأوهام ~~والشكوك والشبهات المنافية لما عليه الأمر في نفسه * (أولئك) * الموصوفون ~~بتلك الصفات الفاضلة * (لهم الأمن) * عن العقاب، وهم المختصون بالأمان عن ~~كل ما يبعدهم أو يشوشهم * (وهم مهتدون) * (1) بعد تخلصهم عن العلائق ~~الجسدانية، والتنزه عن الهيئات البدنية إلى عالم القدس، فيقعدون بعد ~~مفارقتهم الأبدان ms118 العنصرية في مقعد صدق عند مليك مقتدر مع الذين أنعم الله ~~عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا. # [تحقيق حول حديث وارد في إخبار الله أنبياءه بشهادة الحسين (عليه ~~السلام)] في أواسط المجلد العاشر من كتاب بحار الأنوار في باب إخبار الله ~~تعالى أنبياءه ونبينا صلوات الله عليهم بشهادة الحسين (عليه السلام): " أن ~~إبراهيم (عليه السلام) مر في أرض كربلاء وهو راكب فرسا، فعثرت به وسقط ~~إبراهيم (عليه السلام) وشج رأسه وسال دمه، فأخذ في الاستغفار، وقال: إلهي ~~أي شئ حدث مني؟ فنزل جبرئيل وقال: يا إبراهيم ما حدث منك ذنب، ولكن هنا ~~يقتل سبط خاتم الأنبياء وابن خاتم الأوصياء، فسال دمك موافقة لدمه، فقال: ~~يا جبرئيل ومن يكون قاتله؟ قال: لعين أهل السماوات والأرضين، والقلم جرى ~~على اللوح بلعنه بغير إذن ربه، فأوحى الله تعالى إلى القلم: أنك استحققت ~~الثناء بهذا اللعن، فرفع إبراهيم يديه ولعن يزيد لعنا كثيرا، وأمن فرسه ~~بلسان فصيح " الخبر (2). # أقول: روى الصدوق في كتاب معاني الأخبار بإسناده إلى سفيان بن سعيد ~~الثوري عن الصادق (عليه السلام) في حديث طويل: " إن نون ملك يؤدي إلى القلم ~~وهو ملك، والقلم يؤدي إلى اللوح وهو ملك، واللوح يؤدي إلى إسرافيل، ~~وإسرافيل يؤدي إلى ميكائيل، وميكائيل يؤدي إلى جبرئيل، وجبرئيل يؤدي إلى ~~الأنبياء والرسل صلوات الله عليهم " (3). # PageV00P139 # وبعد تمهيده نقول: لعل النون لما أدى إلى القلم رتبة الحسين (عليه ~~السلام) ومنزلته عند الله تعالى، وما سيجري عليه من يزيد وظلمه وطغيانه، ~~وأي ظلم وطغيان استنبط منه القلم كونه ملعونا عند الله فحكم به ولعنه، ثم ~~أدى ذلك الملك وهو اللوح من غير أن يأمره بخصوص لعنه ربه، ولكن لما كان ~~علمه هذا واستنباطه ذاك مطابقا لما في نفس الأمر، ولعنه موافقا لما في علم ~~الله تعالى صدقه ربه وصوبه، فأوحى إليه: أنك استحققت الثناء بلعنك هذا، ~~لكونك فيه مصيبا باجتهادك من غير أن يوحى إليك هذا الأمر بخصوصه. # فالمراد بالإذن هنا هو الأمر كما أومأنا إليه، ms119 وليس المراد به العلم أو ~~رفع المانع كما هو من معانيه، فلا ينافي ذلك حديثا رواه الكليني في أصوله ~~أنه " لا يكون شئ في الأرض ولا في السماء إلا بسبع " وعد (عليه السلام) ~~منها الإذن، ثم قال: # " فمن زعم غير هذا فقد كفر " (1) وفي رواية أخرى: " فقد كذب على الله ~~تعالى، أورد عليه " (2) والترديد من الرواي. # [شرحي بر شعر عرفاني] ممكن بود كه هستى واجب فنا شود * وين ممتنع كه مهر ~~تو ازدل جدا شود در تنگناى عكس نقيض خيال تو * ترسم كه صورتم زهيولا جدا ~~شود بر أرباب دانش وبينش پوشيده نيست كه ظاهر اين رباعى آگاهى از آن دهد كه ~~قائل آن از حكما وعلما واهل فهم از شعرا بوده، بنابر اين اراده ء معنى ~~حقيقى از الفاظ اين رباعى بعيد نخواهد بود. # پس گوئيم: مراد به واجب مذكور واجب بالغير است، وملخص معنى به آن آيل است ~~كه فنا وزوال هستى من كه عبارت است از انعدام هذيت واضمحلال هويت در معرض ~~امكان است، وأما انسلاخ مهر ومحبت تو از شغاف قلب وكانون دل به جهت شدت ~~اختلاط وفرط ارتباط بر وجهى است كه در حيز امتناع است " إن روح المؤمن لأشد ~~اتصالا بروح الله من اتصال شعاع الشمس بها " (3) واين # PageV00P140 # اشارتى است به كمال اخلاص وغايت اختصاص كه فريقى تعبير از آن به عشق مى ~~كنند. # وپر روشن است كه محبت حضرت وجود ومنبع كمالات وجود من جملهء كمالات ~~نفسانيه، بل حقيقت كمالات منحصر در اوست، ونفس ناطقه كه قائل تعبير از آن ~~به دل كرده بعد انخلاع بدن خلع كمالات وملكات خود نخواهد كرد، وبنابر اين ~~آنكه مى گويد: ممكن بود بيان واقع است نه محض احتمال عقل. # ويحتمل كه غرض مجرد رعايت تقابل بين الامكان والامتناع باشد، يا آنكه ~~منظور نهايت مبالغه واغراق در محبت است به آنكه هستى واجب بالغير به وصف ~~وجوبه الغيري، چنان كه لفظ واجب اشاره به آن تواند بود ms120 ممكن الفنا است به ~~امكان وقوعى، وأما مهر ومحبت تو در مرتبه اى است كه ممتنع الزوال است به ~~امتناع ذاتى. # ودور نيست كه مطلب مجرد اظهار دقت طبع باشد، به آنكه هستى واجب بالغير به ~~شرط وجوبه الغيرى ممكن الفنا است به امكان ذاتى، إذ لا منافات بينهما، ولكن ~~محبت تو ممتنع الزوال است به امتناع غيرى، وبر اين تقدير حمل كلام بر معنى ~~مجازى شايد، وبه هر حال عكس نقيض خيال به اصطلاح أرباب منطق نيست، بل نقيض ~~خيال عبارت از رفع خيال است كه رفع كل شئ نقيضه، وغرض بيان غفلت وذهول از ~~ذكر وفكر محبوب است. # ووجه تعبير از عقل به خيال آنكه عقل أعقل عقلا نسبت به ادراك ذات وصفات ~~واجب بى همتا كه عين ذات او است، چون وهم وخيال است كه درك كنه اشياء نكند، ~~بل خيال را مجال ادراك محال، إلا قبول آنچه بوى رسد از حس مشترك، وفيه ~~دقيقة اخرى. # وبالجمله: مراد آن است كه در وقت غفول وذهول از ياد تو كه موجب ارتسام ~~عكس صورت غير است در آئينه ء خاطر خوف وبيم هلاكت است، چنان كه در آثار ~~آمده: " العارف شخصه مع الخلق وقلبه مع الله، لو سهى عن الله طرفة ~~PageV00P141 # عين لمات شوقا إليه " (1) وإليه الإشارة بقوله: " ترسم كه صورتم زهيولى ~~جدا شود " يعنى صورت جزئيه از هيولاى شخصيه. # واز آنچه گفته آمد معنى " تنگنا " هويدا گرديد، لأن الإقبال على الله ~~والإعراض عما سواه كما يوجب النشاط والانبساط ويروح الروح ويسكن الخاطر * ~~(ألا بذكر الله تطمئن القلوب) * (2) كذلك عكسه يثمر عكسه. كذا خطر بخاطري ~~القاصر، والمعنى في بطن الشاعر. # [تحقيق منطقي في مسألة الطلاق] هنا قياس يستشكل، وحله موقوف على تمهيد ~~مقدمة، هي أن توقف أمر على آخر لا بد وأن يكون على أحد هذه الأمور الثلاثة: ~~إما أن يكون ذلك الأمر الموقوف عليه علة موجبة له، أو شرطا لحصوله، أو معدا ~~لتحققه. والمعد ما يوجب الاستعداد، ms121 واستعداد الشئ هو كونه موجودا بالقوة ~~البعيدة أو القريبة فيمتنع أن يجامع وجوده بالفعل، بل إنما يحصل عند ~~انتفائه. # وإذ قد تقرر هذا فنقول: إن النكاح الموقوف على رضا الطرفين لا يجوز أن ~~يكون علة موجبة للطلاق الشرعي وهو إزالة قيد النكاح بصيغة طالق من غير عوض، ~~لأنه لو كان علة موجبة له لكان كلما تحقق النكاح يلزم منه أن يتحقق الطلاق، ~~وهو ظاهر البطلان، لأن تحققه شرعا كما يتوقف على النكاح يتوقف على صيغة ~~مخصوصة، وعلى كون المطلق بالغا عاقلا مختارا قاصدا، وعلى كون المطلقة زوجة ~~معقودة بعقد دائم طاهرة من الحيض والنفاس متعينة مستبرأة، لعدم صحة الطلاق ~~في طهر المواقعة، فتحققه موقوف على تحقق مجموع هذه الأمور، فهو علة موجبة ~~له لا مجرد النكاح. # وكذلك لا يجوز أن يكون شرطا لحصوله، وإلا لوجب أن يكون حاصلا عند حصوله ~~لوجوب بقاء الشرط حال حصول المشروط واجتماعه معه، فتعين أن # PageV00P142 # يكون علة معدة له، إذ لو لم يتحقق الرضا من الطرفين لم يتحقق النكاح، ولو ~~لم يتحقق النكاح لم يتحقق الطلاق، فرضاؤهما بالنكاح مدخل في تحقق الطلاق، ~~وهذا معنى كونه موقوفا عليه. # وبذلك يظهر أن القياس المشهور، وهو قولهم: الطلاق موقوف على النكاح، ~~والنكاح موقوف على رضا الطرفين، لو سلم أنه قياس صحيح مادة وصورة لا إشكال ~~فيه أيضا، لأن معد الشئ لا يلزم أن يجمع معه في الوجود، فليس بلازم أن يجمع ~~رضاؤهما بالنكاح مع الطلاق، بل يجب أن ينعدم ذلك الرضا الذي كان شرطا لتحقق ~~النكاح الموقوف عليه الطلاق. # وبعبارة أخرى: تحقق الطلاق موقوف على الرضا الذي كان موقوفا عليه النكاح ~~لا على مطلق الرضا الشامل للرضا بالطلاق أيضا، وهو رضاء آخر يحدث بعد الرضا ~~بالنكاح، ولا يتوقف على الطرفين، فالمراد أن الطلاق موقوف على رضا الطرفين ~~بالنكاح ابتداء، إذ لو لا رضاؤهما بالنكاح ابتداء لم يتحقق بينهما نكاح، ~~فلم يحتج تفريقهما إلى التطليق فلم يتحقق الطلاق الشرعي. هذا غاية ما يمكن ~~أن يقال في جواب هذا الإشكال ms122 على تقدير كون هذا القياس صحيحا منتجا. # وفيه نظر، لأن توقف الطلاق على النكاح من قبيل توقف المعلول على علته ~~المعدة، وتوقف النكاح على رضا الطرفين من باب توقف المشروط على الشرط، ~~فجهتا التوقف مختلفتان، فالأوسط غير متكرر، فالعقم غير لازم وذلك ظاهر. # وأيضا فإن كلية الكبرى في قولهم الطلاق يتوقف على النكاح، وكلما يتوقف ~~عليه النكاح يتوقف على رضا الطرفين ممنوعة، وبدونها يكون عقيما، لأنه لا ~~يوافق شيئا من الأشكال الثلاثة الباقية، فتأمل. # [تحقيق حول الأحاديث الواردة في المنع من النظر إلى الأجنبية] قال النبي ~~(صلى الله عليه وآله): " يا علي لك أول نظرة، والثانية عليك ولا لك) * (1). # PageV00P143 # يظهر منه أن النظرة الأولى إن وقعت فلتة ومن غير قصد وإرادة لذة وقعت ~~مغفورة ولا يؤاخذ بها لكونها خارجة عن تحت الاختيار، فلا يجوز للناظر ~~إعادتها ولا تكرارها لقوله: " والثانية عليك " وفي رواية: " والثالثة فيها ~~الهلاك " (1). # وفي خبر آخر: " النظرة سهم من سهام إبليس مسموم، من تركها لله عز وجل لا ~~لغيره أعقبه الله إيمانا يجد طعمه " (2). # وفي رواية أخرى: " وكم من نظرة أورثت حسرة طويلة " (3). # ويفهم من سابقتها أن النظرة الأولى إذا كانت صادرة عن قصد وإرادة لذة ~~وانقضاء شهوة، فهي أيضا محرمة ناشئة من إغراء الشيطان وإغوائه، ولا ريب أن ~~ترك الحرام لله لا لقصد الحياء والرياء والسمعة ونحوها موجب لزيادة الإيمان ~~وكماله بل هو هو. # وعنه (عليه السلام): " النظرة بعد النظرة تزرع في القلب الشهوة، وكفى بها ~~لصاحبها فتنة " (4). # وفيه إشارة إلى سبب منع النظر إلى وجوه الأجنبيات وتكريرها ولمية ~~تحريمها، وهو أنه يوجب هيجان الشهوة المؤدية إلى ثوران الفتنة وهي الزنا. # وأيضا فإن النظرة تهيج الوساوس، وربما تتعلق بالقلب ويتعذر الوصول فيفضي ~~إلى التعب الشديد، وهو ضرر واجب دفعه إذا كان ممكنا، ولا يمكن دفعه هنا إلا ~~بالكف عن النظر، فيكون واجبا وتركه حراما. # ولا يذهب عليك أن حرمة النظر إلى الامرأة بقصد لذة وانقضاء شهوة أشد، ~~والأمر في مقاسات التعب ومعاناة النصب بالإضافة إليه أوكد، ms123 لامتناع الوصول ~~إليه في الشريعة المطهرة بوجه. # وبالجملة: من أطلق ناظره أتعب خاطره، ومن تتابعت لحظاته دامت حسراته، ~~وليس في البدن شئ أقل شكرا من العين فلا تعطوها سؤلها فتشغلكم # PageV00P144 # عن ذكر الله، لكم أول نظرة إلى المرأة فلا تتبعوها بنظرة أخرى، واحذر ~~الفتنة، إذا رأى أحدكم امرأة تعجبه فليأت أهله فإن عند أهله مثل ما رأى، ~~ولا يجعلن للشيطان على قلبه سبيلا ليصرف بصره عنها. # وعن النبي (صلى الله عليه وآله): " إنما النظرة من الشيطان، فمن وجد من ~~ذلك شيئا فليأت أهله " (1). وهذا صريح في أن النظرة إذا كانت بإرادة لذة ~~إنما تنشأ من الشيطان وخطواته الموجبة لتحريك الشهوة المنجرة إلى الفتنة، ~~ويمكن دفعها بإتيان الحليلة القامع مادة الشهوة. ويفهم منه فضل المزوج على ~~العزب، كما هو صريح كثير من الأخبار. # ولنا في مسألة حرمة النظر إلى وجوه الأجنبيات رسالة (2) مفردة مبسوطة ~~مستوفاة، جامعة للدلائل والأقوال، وما ذكره أهل الفضل من الرجال، فمن أراد ~~الوقوف عليها فليرجع إليها. # [بيان لفقرة من دعاء: " لا ملجأ ولا منجى ولا مفر منك إلا إليك "] قال ~~(عليه السلام) في دعاء طويل: " لا ملجأ ولا منجى ولا مفر منك إلا إليك ". # أقول: هذا إقرار بالعجز، واعتراف بالعبودية، وإشارة إلى عموم قدرته تعالى ~~بالنسبة إلى كل ما هو في حيز الإمكان، وفيه إيماء لطيف إلى أنه قابل التوب ~~شديد العقاب ذو الطول، لا إله إلا هو الرحمان الرحيم عالم الغيب والشهادة ~~العزيز الحكيم. # بيان ذلك: أن العالم كرة، والأرض مركز، والأفلاك قسي، والحوادث سهام، ~~والإنسان هدف، والله الرامي، فأين المفر * (يا معشر الجن والإنس إن استطعتم ~~أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان) * (3) ~~يعني: إن قدرتم أن تخرجوا من جوانبها هاربين مني فارين من قضائي فاخرجوا، ~~ثم قال: # PageV00P145 # لا تقدرون على النفوذ والهرب من نواحيهما إلا بقهر وغلبة، وأنى لكم هذا؟ ~~فهو تعالى ذو سعة وقدرة واسعة، لا يجد الهارب منه مهربا وإن أبعد في الهرب، ~~فإن أمره نازل بإذلاله لا ms124 محالة وإن كره الخلائق أجمعون، لكون أمره فيهم ~~نافذا، وقهره بنواصيهم آخذا، وكيف يستطيع أن يهرب منه من لا حياة له إلا ~~برزقه؟ أو كيف ينجو منه من لا مذهب له في غير ملكه؟ مع استواء الأمكنة ~~والأزمنة بالنسبة إليه، لكونه محيطا بالكل عالما بأن أي حادث يوجد في أي ~~زمان أو مكان، وكم بينه وبين الذي قبله أو بعده من المدة، وأية نسبة بينه ~~وبين ما عداه مما يقع في جميع جهاته، فليس بالنسبة إليه ماض ولا مستقبل ولا ~~آن، ولا هنا ولا هناك، ولا الحضور ولا الغيبة، ولا قدام ولا خلف، ولا تحت ~~ولا فوق، ولا بعد ولا قرب، فالهرب محال والالتجاء إلى غيره ضلال، ذلت له ~~رقاب الجبابرة وخضعت لديه أعناق الأكاسرة، وهم من سطوته خائفون وفي جنب ~~عزته خاضعون، وله جنود لا قبل لها، وما يعلم جنود ربك إلا هو. # فالواجب على العاصي واللازم على العاتي أن يعود منه إليه بالإنابة ~~والتوبة والتضرع والاستكانة، قائما ليله صائما دهره، راجيا رحمته آملا ~~مغفرته، فهو يقبل منه توبته ويرحم منه مسكنته، لأنه يدعو المدبرين عنه فكيف ~~لا يقبل المقبلين عليه، ففروا إلى الله وتوبوا إليه جميعا أيها المؤمنون ~~لعلكم تفلحون. # مصاحب درره عشق جهان سوز * محبت را از آن كودك بياموز كه چون مادر پى ~~قهرش ستيزد * همان در دامن مادر گريزد فصار الحاصل: أن لا ملجأ لأحد يريد ~~أن يفر من قهرك بوجه من الوجوه إلا بوجه يتوصل فيه إلى كنف لطفك وكهف ~~حمايتك، أو لا ملجأ للهاربين منك إلى غيرك ولكن لهم ملجأ يؤدي إليك، أو لا ~~ملجأ لأحد منك إلى غيرك ولكنه له ملجأ من غيرك إليك، فالاستثناء: إما مفرغ ~~أو منقطع. # وكونه من قبيل * (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى) * (1). # PageV00P146 # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم * ولا عيب فيه إلا أنه من قريش بعيد موهم ~~لخلاف المقصود، إذا تأمله عارف يعرفه، والقصر فيه حقيقي كما في لا واجب ~~بالذات إلا الله، وهو من ms125 قصر الصفة على الموصوف افرادا وقلبا كما في وقعة ~~ابن نوح حيث قال له أبوه * (يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين * قال ~~سآوي إلى جبل يعصمني من الماء) * (1) فنبهه على فساد اعتقاده بأن لا عاصم ~~اليوم من أمر الله إلا من رحمه. ويحتمل بعيدا أن يكون قصر تعيين، بل لا بعد ~~فيه أيضا كما يظهر بالتأمل. # فإن قلت: المخاطب به هو الله، ولا يتصور بالنظر إليه شئ مما ذكرته. # قلت: أمثال ذلك من قبيل اسمعي يا جارة، و " لا " لنفي الجنس، فإذا تكررت ~~على سبيل العطف وكان عقيب كل منهما نكرة بلا فصل جاز فيها خمسة أوجه بحسب ~~اللفظ مشهورة، وأما بحسب التوجيه فيزيد عليها وهو أيضا مشهور. # [تحقيق حول الحديث الوارد في أن معراج يونس إلى الماء] قال بعض أصحاب ~~القلوب: إن القرب الذي حصل ليونس (عليه السلام) في بطن الحوت لم يحصل له ~~قبل ولا بعد مثله، حتى جعلوا التقام الحوت معراجا له، ونقلوا في ذلك حديثا ~~عن النبي (صلى الله عليه وآله)، وهو قوله: " فضلوني على الأنبياء إلا على ~~يونس بن متى، فإن معراجي إلى السماء ومعراجه إلى الماء " (2) وقد نظمه ~~الرومي في المثنوي: # گفت پيغمبر كه معراج مرا * نيست بر معراج يونس اجتبا آن من برچرخ وآن او ~~بشيب * زآنكه قرب حق برون است ازحسيب قرب نى بالا وپستى رفتن است * قرب حق ~~از جنس هستى رستن است (3) أقول: هذا الخبر على تقدير ثبوته وصحته يحتاج إلى ~~ضرب من التأويل، لأن نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) أفضل المخلوقات وأكمل ~~الموجودات، ومعراجه بلا شبهة أفضل # PageV00P147 # من معراج كل ذي معراج، كيف لا وقد بلغ في معراجه إلى حيثما أخبر عنه ~~سبحانه بقوله: * (ثم دنا فتدلى فكان قاب قوسين أو أدنى) * (1) أي: قرب ~~فاشتد قربه فكان البعد بينهما قدر قوسين بل أدنى. والمقصود تمثيل ملكة ~~الاتصال، وتحقيق استماعه لما أوحى إليه بنفي البعد الملبس، فيكون دنوه ~~كناية عن رفع مكانته، وتدليه عن جذبه بشراشره إلى ms126 جناب القدس، وما حصل ~~ليونس بن متى ولا لغيره من الأنبياء عشر أعاشير ما حصل له (صلى الله عليه ~~وآله). # فالحق أن يجعل " إلا " فيه عاطفة بمثابة الواو العاطفة كما ذهب إليه جمع ~~من الأدباء كالأخفش والفراء وأبو عبيدة والشارح الفاضل الرضي وابن هشام في ~~المغني (2) وجعلوا منه قوله تعالى: * (لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ~~ظلموا منهم) * (3) وقوله: * (لا يخاف لدي المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا ~~بعد سوء) * (4) أي: ولا الذين ظلموا ولا من ظلم، فيكون من باب ذكر الخاص ~~بعد العام، تنبيها على زيادة الاهتمام، ودفعا لما عسى أن يتوهم أن له (صلى ~~الله عليه وآله) فضل وزيادة على جميع الأنبياء من جميع الجهات إلا على يونس ~~فإنهما سيان في كونهما ذوي معراج، فدفعه بأن قال (صلى الله عليه وآله): ~~فضلوني على الأنبياء وعلى يونس بن متى أيضا، فإن معراجي إلى السماء ومعراجه ~~إلى الماء، وبون بعيد بينهما، فهو من باب تشبيه المعقول بالمحسوس، وليس ~~الغرض خصوص العروج إلى السماء أو النزول إلى الماء، بل المراد هو الإيماء ~~إلى تفاوت ما بين المعراجين في حصول القدر والرتبة. # وبهذا التقرير يمكن استفادة وجه آخر على تقدير إبقاء " إلا " على ~~الاستثناء، وهو أن يكون الغرض أن له (صلى الله عليه وآله) فضلا على جميع ~~الأنبياء ومنهم يونس بن متى إلا في خصوص كونهما ذوي معراج من غير ملاحظة ~~تفضيل أحد المعراجين على الآخر، والوجه ما ذكرناه أولا، فتأمل. # PageV00P148 # [تحقيق حول الحديث الوارد في أن القرآن ذلول ذو وجوه] قال (عليه السلام): ~~" القرآن ذلول ذو وجوه، فاحملوه على أحسن الوجوه " (1). # أقول: في نهاية ابن الأثير: الذلول من الذل بالكسر ضد الصعب (2) وفي مجمع ~~البيان في فصل اللغة في كريمة * (وجعل لكم الأرض ذلولا) * (3): الذلول من ~~المراكب ما لا صعوبة فيه (4) فالظاهر في وجه الشبه أن يقال: كما أن الذلول ~~من المراكب ينقاد لراكبه ويطيعه حيث يشاء وإلى أي وجه يريد إنعطافه كذلك ~~القرآن لما كان ذا وجوه كثيرة ms127 - كما يشعر به الإتيان بصيغة جمع الكثرة - ~~يمكنهم حمله على أي وجه أرادوا وأي مذهب شاءوا. # ولذلك قال علي (عليه السلام) في وصيته لعبد الله بن عباس لما بعثه ~~للاحتجاج على الخوارج: " لا تخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمال ذو وجوه، ~~تقول ويقولون، ولكن حاججهم بالسنة فإنهم لم يجدوا عنها محيصا " كذا في نهج ~~البلاغة (5). # ومن هنا ترى الأمة بعد نبيهم (صلى الله عليه وآله) قد كثر اختلافهم في ~~المذاهب والاعتقادات، وكلهم يحتج بآي منه، وقلت آية لم يذكروا فيها وجوها ~~عديدة ومحامل شنيعة، ولم ينقلوا فيها أقوالا ومذاهب كما يشهد به تتبع ~~التفاسير والسير، وخاصة التفسير الكبير (6) للإمام الطبرسي (رحمه الله). # لكن الواجب على ما دل عليه ظاهر الخبر ويؤيده قوله: * (فبشر عباد الذين ~~يستمعون القول فيتبعون أحسنه) * (7) حمله على أحسن الوجوه، وهو ما كان ~~ظاهرا قريبا متبادرا، محفوفا بشواهد شرعية، مقرونا بقواعد عربية، مطابقا ~~للأمر نفسه، موافقا لميزان العقل وقانونه من غير كلفة وسماجة، ولذا كان ~~مدار # PageV00P149 # الاستدلال بالآيات والروايات من السلف إلى الخلف على الظاهر المتبادر، لا ~~أن يفسره بمجرد رأيه وميله واستحسان عقله من غير دليل ولا شاهد غير معتبر ~~عقلا ونقلا كما يوجد في كلام المبتدعين، فإنهم يأولونه على وفق آرائهم ~~ليحتجوا به على أغراضهم الفاسدة وأديانهم الكاسدة، ولولا ذلك الرأي لم يكن ~~لهم من القرآن ذلك المعنى. # وهذا يكون مع العلم تارة كالذي يحتج بآية على تصحيح بدعته وهو يعلم أنه ~~ليس المراد بها ذلك ولكن يلبس به على خصمه، ومع الجهل أخرى، ولكن إذا كانت ~~الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه، ولولا رأيه لما كان ~~يترجح عنده ذلك الوجه، وتارة يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرآن ~~ويستدل عليه بما يعلم أنه غير مراد ولكن يقول به لتغرير الناس ودعوتهم على ~~مذهبه الباطل فينزل القرآن على رأيه ومذهبه على أمر يعلم قطعا أنه ما أريد ~~به ذلك. # وذلك كما روى الصدوق في معاني الأخبار عن الصادق (عليه السلام) " قال: ms128 من ~~اتبع هواه وأعجب برأيه كان كرجل سمعت غثاء العامة تعظمه وتصفه، فأحببت ~~لقاءه من حيث لا يعرفني لأنظر مقداره ومحله، فرأيته قد أحدق به خلق كثير من ~~غثاء العامة، فوقفت منتبذا عنهم متغشيا بلثام أنظر إليه وإليهم، فما زال ~~يراوغهم (1) حتى خالف طريقهم وفارقهم ولم يقر، فتفرقت عنه العوام لحوائجهم، ~~وتبعته أقتفي أثره، فلم يلبث أن مر بخباز فتغفله فأخذ من دكانه رغيفين ~~مسارقة، فتعجبت منه، ثم قلت في نفسي: لعله معاملة، ثم مر بعده بصاحب رمان ~~فما زال به حتى تغفله فأخذ من عنده رمانتين مسارقة، فتعجبت منه، ثم قلت في ~~نفسي: لعله معاملة، ثم أقول: # وما حاجته إذا إلى المسارقة؟ ثم لم أزل أتبعه حتى مر بمريض فوضع الرغيفين ~~والرمانتين بين يديه ومضى، وتبعته حتى استقر في بقعة من الصحراء، فقلت له: # PageV00P150 # يا عبد الله لقد سمعت بك وأحببت لقاءك، فلقيتك ولكني رأيت منك ما شغل ~~قلبي، وإني سائلك عنه ليزول به شغل قلبي، قال: ما هو؟ قلت: رأيتك مررت ~~بخباز وسرقت منه رغيفين، ثم مررت بصاحب الرمان وسرقت منه رمانتين، فقال لي: # قبل كل شئ حدثني من أنت؟ قلت: رجل من ولد آدم من أمة محمد (صلى الله عليه ~~وآله)، قال: # حدثني من أنت؟ قلت: رجل من أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: ~~أين بلدك؟ قلت: # المدينة، قال: لعلك جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب؟ # قلت: بلى، قال لي: فما ينفعك شرف أصلك مع جهلك بما شرفت به، وتركك علم ~~جدك وأبيك، أتنكر ما يجب أن يحمد ويمدح عليه فاعله؟ قلت: وما هو؟ قال: # القرآن كتاب الله، قلت: وما الذي جهلت منه؟ قال: قول الله تعالى: * (من ~~جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها) * (1) ~~وإني لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين، ولما سرقت الرمانتين كانت سيئتين، ~~فهذه أربع سيئات، فلما تصدقت بكل واحد منهما كان لي بها أربعين حسنة، ~~فانتقص من أربعين حسنة ms129 أربع بالأربع سيئات، بقي لي ست وثلاثون حسنة، قلت: ~~ثكلتك أمك أنت الجاهل بكتاب الله، أما سمعت الله يقول * (إنما يتقبل الله ~~من المتقين) * (2) إنك لما سرقت الرغيفين كانت سيئتين، ولما سرقت الرمانتين ~~كانت أيضا سيئتين، ولما دفعتهما إلى غير صاحبهما بغير أمره (3) كنت إنما ~~أضفت أربع سيئات إلى أربع سيئات ولم تضف أربعين حسنة إلى أربع سيئات، فجعل ~~يلاحظني، فانصرفت وتركته. # ثم قال (عليه السلام): بمثل هذا التأويل القبيح المستكره يضلون ويضلون، ~~وهذا نحو تأويل معاوية لما قتل عمار بن ياسر، فارتعدت فرائص خلق كثير، ~~وقالوا: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): عمار تقتله الفئة الباغية، ~~فدخل عمرو على معاوية وقال: يا أمير المؤمنين قد هاج الناس واضطربوا، قال: ~~لماذا؟ قال: قتل عمار، فقال معاوية: # : # PageV00P151 # قتل عمار فماذا؟ قال: أليس قد قال رسول الله: عمار تقتله الفئة الباغية، ~~فقال له معاوية: دحضت في قولك، أنحن قتلناه؟ إنما قتله علي بن أبي طالب لما ~~ألقاه بين رماحنا. فاتصل ذلك بعلي بن أبي طالب (عليه السلام) فقال: إذن ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) قتل حمزة لما ألقاه بين رماح المشركين. # ثم قال الصادق (عليه السلام): طوبى للذين هم كما قال رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله): يحمل هذا العلم من كل خلف عدول ينفون عنه تحريف الغالين، ~~وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين " (1) وفي هذا الخبر أحكام إذا تأمله ~~عارف يعرفها. # وفي الخبر الأول دلالة ظاهرة على بطلان قول من لا يجوز تفسير شئ من ظاهر ~~القرآن إلا بخبر وسمع * (أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها) * (2) ~~ونحن قد فصلنا القول فيه في تعليقاتنا على الآيات الأحكامية (3) المنسوبة ~~إلى الحضرة المولوية العالمية العاملية العابدية الزاهدية الورعية الناسكية ~~أحمد الأردبيلي المجاور بالمشهد المقدس الغروي على ساكنه السلام، وعلى ~~مجاوره (رحمه الله) ورضوانه إلى يوم القيامة، فمن أراد الاطلاع عليه فليرجع ~~إليه، وإلى الله المرجع والمآب، وهو يهدي من يشاء إلى الصراط السوي والطريق ~~الصواب. # [بيان لحديث " يحمل هذا الدين في كل قرن ms130 عدول... الخ "] في أوائل مجمع ~~الرجال لمولانا عناية الله القهپائي عن أحمد بن محمد بن أبي نصر عن إسماعيل ~~بن جابر عن أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) " قال: قال رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله): # يحمل هذا الدين في كل قرن عدول، ينفون عنه تأويل المبطلين وتحريف الغالين ~~وانتحال الجاهلين، كما ينفي الكير خبث الحديد " (4). # أقول: فيه دلالة على أن الصحابة والصحابيات والتابعين لهم واللاحقين بهم ~~وهكذا في كل قرن من القرون كانت طائفة منهم عدول بالغون حد التواتر، ينفون # PageV00P152 # عن القرآن تحريف المحرفين على وجه لا يشوبه شائبة تغيير ولا تبديل، ولا ~~زيادة ولا نقصان بوجه من الوجوه وبطريق من الطرق، كما يصرح به التشبيه ~~المذكور. # ويدل عليه أيضا ما في خبر آخر: " يحمل هذا العلم من كل خلف عدول ينفون ~~عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين " (1) وحمل " العدول ~~" على الأئمة (عليهم السلام) يدفعه " في كل قرن " لأنه لا يكون فيه إلا ~~واحد منهم وهو عدل لا عدول. # والدين يشمل القرآن، بل هو مبنى أصول الديانات وفروعها، ومنه يستنبط ~~مسموعها ومعقولها، يدل عليه أيضا قوله تعالى: " أنزلت عليك كتابا لا يغرقه ~~الماء ولا تحرقه النار " إذ ليس المراد به ظاهره، فإنا نرى عيانا أن القرآن ~~يغرقه الماء وتحرقه النار، روي عن الصادق (عليه السلام) أنه " قال: وقع ~~مصحف في البحر فوجدوه وقد ذهب ما فيه إلا هذه الآيات * (ألا إلى الله تصير ~~الأمور) * (2) بل المراد به أن شياطين الإنس والجن اللذين هما كالماء ~~والنار في إزالة أحكام الله وآياته لا يقدرون على تحريفه حروفا وإن كانوا ~~يحرفونه حدودا، كما دل عليه ما في روضة الكافي في رسالة أبي جعفر (عليه ~~السلام) إلى سعد الخير: " وكان من نبذهم الكتاب أن أقاموا حروفه وحرفوا ~~حدوده " (3). # أو المراد أنه كلوء عن التغيير، محفوظ عن الزوال على وجه لو فرض إلقاؤه ~~على الماء والنار لا يؤثران فيه، لحفظه تعالى إياه كما أخبر عنه بقوله * ~~(نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) * (4) فيكون ms131 كناية عن صونه من جميع ~~أنحاء شوائب التغيير والزوال. # أو أنه لما كان محفوظا في الصدور يتلوه أكثر الأمة ظاهرا كما قال الله ~~تعالى: # PageV00P153 # * (بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم) * (1) ولذا جاء في صفة ~~هذه الأمة: " صدورهم أناجيلهم " بخلاف سائر الكتب السماوية فإنها ما كانت ~~تقرأ إلا من المصاحف كما ذكره صاحب الكشاف (2) لا يقدر أحد على تحريفه ~~وتغييره، فكأنه تعالى لما جعله محفوظا في الصدور جعله على وجه لا يغرقه ~~الماء ولا تحرقه النار. # وفي نهاية ابن الأثير: فيه أنه قال فيما حكى عن ربه: " وأنزل عليك كتابا ~~لا يغسله الماء، تقرأه نائما ويقظان " أراد أنه لا يمحى أبدا بل هو محفوظ ~~في صدور الذين أوتوا العلم، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ~~وكانت الكتب المنزلة لا تجمع حفظا وإنما يعتمد في حفظها على الصحف، بخلاف ~~القرآن فإن حفاظه أضعاف مضاعفة لصحفه. وقوله " تقرأه نائما ويقظان " أي: ~~تجمعه في حالة النوم واليقظة، وقيل: أراد تقرأه في يسر وسهولة (3)، انتهى. # وفي حديث عقبة بن عامر، لو كان القرآن في إهاب ما أكلته النار (4). قال ~~أبو عبيد: أراد بالإهاب قلب المؤمن وجوفه الذي قد وعى القرآن. فيكون ~~المعنى: من علمه الله القرآن لم تحرقه نار الآخرة، فجعل جسم حافظ القرآن ~~كالإهاب (5). # وقال ابن الأنباري: معناه أن النار لا تبطله، ولا تقلعه من الأسماع التي ~~وعته والأفهام التي حصلته، كقوله في الحديث الآخر: " وأنزلت عليك كتابا لا ~~يغسله الماء " أي: لا يبطله ولا يقلعه من الأوعية الطيبة ومواضعه، لأنه وإن ~~غسله الماء في الظاهر لا يغسله بالقلع من القلوب. # وعند الطبراني من حديث عصمة بن مالك: لو جمع القرآن في إهاب ما أحرقته ~~النار (6). # وعنده من حديث سهل بن سعد: لو كان القرآن في إهاب ما مسته النار (7). # PageV00P154 # ولنا في تلك المسألة رسالة مفردة جامعة للأقوال محتوية على أكثر ما يمكن ~~أن يتمسك في الاستدلال، فليطلب من هناك حقيقة الحال، والصلاة على محمد وآله ~~خير آل. ms132 # [تفسير آية استماع القرآن والانصات له] قال الله تعالى: * (وإذا قرئ ~~القرآن فاستمعوا له وأنصتوا) * (1) ظاهره وإن كان وجوب الاستماع والإنصات ~~وقت قراءة القرآن في صلاة وغيرها إماما كان أو مأموما، إلا أنهم نقلوا عدم ~~وجوبهما بالإجماع إلا في الصلاة للمأموم حال قراءة الإمام فيجب عليه ترك ~~القراءة في الجهرية وما يسمع ولو همهمة، وإليه ذهب ابن حمزة على ما نقله ~~عنه الشهيد في الذكرى، قال: وأوجب الإنصات لقراءة الإمام على ظاهر الآية، ~~ثم قال: وحمله الأكثر على الندب (2). # أقول: ولعله خصها بذلك مع عمومها لصحيحة زرارة عن الباقر (عليه السلام) " ~~قال: وإن كنت خلف إمام فلا تقرأن شيئا في الأولتين وأنصت لقراءته، ولا ~~تقرأن شيئا في الأخيرتين، فإن الله عز وجل يقول للمؤمنين * (وإذا قرئ ~~القرآن) * يعني في الفريضة خلف الإمام * (فاستمعوا له وأنصتوا) * ~~فالأخيرتان تبعتا للأولتين " (3) ولعله (عليه السلام) أشار بذلك إلى سبب ~~النزول، أو إلى أن " إذا " الشرطية ليست للعموم، فإنها من سور المهملة. # ودعواهم أن المستعملة في الآيات الأحكامية نحو * (إذا قمتم إلى الصلاة) * ~~(4) * (فإذا قرأت القرآن فاستعذ) * (5) * (وإذا حييتم بتحية) * (6) تفيد ~~العموم عرفا وتكون بمعنى " متى " و " كلما " ممنوعة، لعموم الأوقات في ~~الآيات على تقدير التسليم، ليس لدلالتها عليه بل للإجماع والأخبار. # وفي الكشاف: أنهم كانوا يتكلمون في الصلاة فأمروا باستماع قراءة # PageV00P155 # الإمام (1). فاللام للعهد، والمعهود القرآن الذي يقرأه الإمام حال ~~الصلاة، وإطلاقه على الكل والجزء شائع - وسيأتي في حديث ابن الكواء - ~~وحينئذ فيمكن حمل الأمر على الوجوب فقط كما هو أصله، وذهب إليه ابن حمزة، ~~وعلى الندب كما هو رأي الأكثر، وعلى الرجحان المطلق الشامل لهما. # وبما قررناه يندفع ما أورده الفاضل الأردبيلي (رحمه الله) على ابن حمزة ~~بقوله: إنه بعيد من جهة إطلاق عام كثير الأفراد، وإرادة فرد خاص قليل (2). ~~ولعل مراده أن دلالة الآية عليه بانفرادها من دون انضمام الأخبار وسبب ~~النزول بعيد، وهو كذلك، إلا أن ما قلناه غير بعيد عن سنن التوجيه، فافهم. ~~وإنما أوجب الإنصات وأريد به القراءة لاستلزامه ms133 له، كما سنشير إليه، فلا ~~بعد فيه من هذه الجهة أيضا كما ظنه (قدس سره)، ولا سيما إذا كانت على طبقه ~~رواية صحيحة مفسرة له بذلك. # ثم قال طاب مثواه: ويمكن حمل الآية على عموم رجحان الاستماع والإنصات، ~~ويكون التفصيل بالوجوب في بعض أوقات الصلاة وبالاستحباب في الباقي معلوما ~~من غيرها، أو يحمل على استحبابهما للإجماع على عدم وجوبهما إلا ما أخرجه ~~الدليل، وهو الأخبار الدالة على وجوب ترك قراءة المأموم في موضعه (3). # أقول: وأما ما رواه الشيخ في التهذيب عن معاوية بن وهب عن الصادق (عليه ~~السلام) أنه " قال: إن عليا (عليه السلام) كان في صلاة الفجر، فقرأ ابن ~~الكواء وهو خلفه * (ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن ~~عملك ولتكونن من الخاسرين) * (4) فأنصت علي (عليه السلام) تعظيما للقرآن ~~حتى فرغ من الآية، ثم عاد في قراءته، ثم أعاد ابن الكواء الآية، فأنصت علي ~~(عليه السلام) أيضا، ثم قرأ فأعاد ابن الكواء، فأنصت علي (عليه السلام)، ثم ~~قال: * (فاصبر إن وعد الله حق ولا يستخفنك الذين # PageV00P156 # لا يوقنون) * (1) ثم أتم السورة ثم ركع " (2). فمحمول على الاستحباب، ~~توفيقا بينه وبين صحيحة زرارة، ويشعر به قوله (عليه السلام): " تعظيما ~~للقرآن " مع ما مر من الإجماع على عدم وجوب الإنصات في هذه الصورة. # ثم من الظاهر أن استحباب الاستماع إنما يكون فيما إذا لم يستلزم السكوت ~~الطويل المخرج عن كونه قاريا، وإلا فلا استحباب بل يحرم لوجوب الموالاة في ~~القراءة المأمور بها. # وذهب الشيخ إلى القول بعدم المنافاة بين الإنصات للقراءة والقراءة، قال: ~~ولا يمتنع أن يجب على من يصلي خلف من لا يقتدي به أن ينصت للقراءة، ومع هذا ~~تلزمه القراءة لنفسه (3). وغرضه أنه يمكن القراءة مع الاستماع والإنصات كما ~~ذهب إليه الأردبيلي أيضا، وفيه تأمل: أما أولا فلما في الصحاح: أنصت له ~~وأنصته أي: سكت واستمع كلامه (4). # وفي نهاية ابن الأثير: أنصت إنصاتا إذا سكت سكوت مستمع (5). وأما ثانيا ~~فلأن إنصاته (عليه السلام) إلى فراغ ابن الكواء ms134 من الآية ثم عوده إلى ~~القراءة وهكذا إلى تمام المرات الثلاث صريح في أن المراد به ترك القراءة ~~والتوجه إلى سماعه والتدبر فيه، فتدبر فيه. وأما ثالثا فلأن حمل الآية على ~~التأسيس خير من حملها على التأكيد كما يلزم مما ذكراه، فتأمل. # [تحقيق حول حديث " علماء أمتي خير من أنبياء بني إسرائيل "] قال (عليه ~~السلام): " علماء أمتي خير من أوصياء بني إسرائيل " وفي رواية أخرى: # " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل (6). والأئمة (عليهم السلام) أفضل من ~~علماء الأمة، فيلزم كونهم أفضل من المساوي للعلماء، وهم أنبياء بني ~~إسرائيل. هكذا استدل بهذه الرواية فخر المحققين ولد العلامة - روح الله ~~روحيهما - على كون # PageV00P157 # أئمتنا المعصومين (عليهم السلام) أفضل من الأنبياء المتقدمين من أولي ~~العزم وغيرهم من آدم إلى خاتم النبيين صلوات الله عليهم أجمعين. # وفيه أن أنبياء بني إسرائيل منهم من كان مبعوثا على نفسه، ومنهم من كان ~~مبعوثا على أهل بيته أو على أهل قريته، فلا يلزم من مساواة علماء الأمة لو ~~سلم إياهم إلى كون الأئمة (عليهم السلام) أفضل منهم لا من أولي العزم منهم، ~~وما الكلام إلا فيه، بل نقول: المراد بعلماء الأمة الأئمة (عليهم السلام) ~~كما يشهد له الحديث المروي عنهم (عليهم السلام): " نحن العلماء وشيعتنا ~~المتعلمون " (1) وعمومها لكونها جمعا مضافا لا يفيد، فلا يتم الاستدلال به ~~على أفضليتهم عليهم، بل إنما يلزم منه: إما المساواة أو كونهم دونهم في ~~الفضل لمكان التشبيه، وعلى تقدير كونه تماما فالمدعى أعم من الدليل، فتأمل. # والأولى أن يستدل عليه بما روي عنه في حديث طويل يقول فيه: " فإني أفتخر ~~يوم القيامة بعلماء أمتي، فأقول: علماء أمتي كسائر الأنبياء قبلي... إلى أن ~~قال: ألا فاقتدوا بالعلماء، فخذوا منم ما صفا ودعوا منهم ما كدر، ألا وإن ~~الله يغفر للعالم يوم القيامة سبعمائة ذنب ما لم يغفر للجاهل ذنبا واحدا ". # والمناقشة: بأن المشبه به أقوى من المشبه فمساواة العلماء الأنبياء غير ~~لازم، فلا يلزم كونهم (عليهم السلام) أفضل من المتقدمين وخاصة من أولي ~~العزم ms135 منهم بل غايته المساواة، تندفع بالتأمل. # ويدل على ذلك أيضا ما روي " أن موسى (عليه السلام) سأل ربه عز وجل، فقال: ~~يا رب اجعلني من أمة محمد (صلى الله عليه وآله)، فأوحى الله إليه: يا موسى ~~إنك لن تصل إلى ذلك فهو (عليه السلام) مع كونه من اولي العزم من الرسل سأل ~~ربه عز وجل أن يجعله من أمته لكونهم خير أمة أخرجت للناس، فلو كان أفضل ~~منهم لم يسأل ذلك، ولم يتمن أن ينحط عن درجته إلى أن يكون ممن هو دونه. ~~وإنما قال ذلك ليصير ممن هو أفضل منه فيزداد محلا إلى محله وفضلا إلى فضله، ~~وأئمتنا (عليهم السلام) أفضل من علماء الأمة # PageV00P158 # فضلا عن غيرهم، فيلزم منه كونهم أفضل من موسى (عليه السلام)، وهو يستلزم ~~كونهم أفضل من سائر اولي العزم، وإلا يلزم خرق الإجماع المركب. # ولنا في هذه المسألة رسالة مفردة مسماة بذريعة النجاة (1) مبسوطة مشتملة ~~على ثلاثين دليلا أو أكثر، دالة على كونهم (عليهم السلام) أفضل من آدم ومن ~~دونه من الأنبياء والمرسلين ما خلا خاتم النبيين (صلى الله عليه وآله) ~~المعصومين، فليطالع من هناك. # [تحقيق في معنى الملة] قال الراغب الأصفهاني في كتابه: الملة كالدين، ~~وهما اسمان لما شرع الله لعباده على لسان الأنبياء ليتوصلوا بها إلى جوار ~~الله، والفرق بينها وبين الدين أن الملة لا تضاف إلا إلى النبي الذي يستند ~~إليه، نحو * (اتبع ملة إبراهيم) * ولا تكاد توجد مضافة إلى الله ولا إلى ~~آحاد أمة النبي، ولا تستعمل إلا في جملة الشرائع دون آحادها، فلا يقال ~~للصلاة: ملة الله، كما يقال: دين الله، وأصل الملة من أمللت الكتاب (2) ~~انتهى. # ويرد عليه ما ورد من الدعاء في الصحيفة السجادية الملقبة بزبور آل محمد ~~(عليهم السلام): " اللهم وثبت في طاعتك نيتي... إلى قوله: وتوفني على ملتك ~~وملة نبيك محمد إذا توفيتني " حيث أضاف الملة إلى الله تعالى، إلا أن يقال: ~~المراد أنها تضاف إلى خصوص لفظ الجلالة، وهو عن سياق كلامه بعيد. # وفي نهاية ms136 ابن الأثير: الملة: الدين كملة الإسلام واليهودية والنصرانية، ~~وقيل: # هي معظم الدين وجملة ما يجئ به الرسل (3). # أقول: فظهر أن ما ورد في كلامهم من قولهم " على ملة إبراهيم ودين محمد ~~(صلى الله عليه وآله) " مجرد تفنن في العبارة أريد بهما معنى واحد من غير ~~ملاحظة أمر آخر، أو يقال: إن الدين لما كان أعم وأشرف بإضافته أحيانا إلى ~~الله وإلى آحاد أمة النبي أيضا، وكان محمد (صلى الله عليه وآله) أشرف ~~المخلوقات وأتم الموجودات، وكان # PageV00P159 # مبعوثا على كافة أهل الأرض، وكانت ملته البيضاء أشرف الملل وأعمها ~~وأتمها، كان المناسب أن يضاف الدين إليه تشريفا لمنزلته وإجلالا لمرتبته، ~~والملة إلى إبراهيم قضاء لحق العبارة وجريا في مقام الفصاحة والبلاغة، أو ~~يقال: الغرض هنا هو الإشعار بأن ما يجب على هذه الأمة بالإضافة إلى ما جاء ~~به خليل الرحمان هو التصديق بجملة ما جاء به إجمالا من غير حاجة إلى ~~التصديق بآحاد شرائعه تفصيلا، بخلافه بالنسبة إلى ما جاء به حبيب الرحمان ~~فإنه يجب على أمته أن يصدقوه تفصيلا وإجمالا فيما علم إجمالا مع الإقرار ~~باللسان، وهذا هو الإيمان عند أكثر الإمامية. هذا ما خطر بالبال والله أعلم ~~بحقيقة الحال. # [تفسير آية * (والذين هم لفروجهم حافظون) * الآية] قال الله تعالى: * ~~(والذين هم لفروجهم حافظون * إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ~~ملومين * فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون) * (1) ظاهره انحصار سبب ~~الإباحة في الزوجية وملك اليمين على سبيل الانفصال الحقيقي بحيث لا يجتمعان ~~ولا يرتفعان، فتحليل " الأمة " بلفظ الإباحة والتحليل محتاج إلى الدليل، ~~فإن كان هو النص عن الأئمة (عليهم السلام) فهم لا ينصون على خلاف الكتاب، ~~كيف وهم صرحوا بأن " إذا جاءكم عنا حديث فاعرضوه على كتاب الله، فما وافقه ~~فاقبلوه، وما خالفه فاضربوا به عرض الحائط " (2). # فأخبار تحليل الأمة: إما متروك الظاهر كما هو مذهب السيد في الانتصار، ~~حيث قال في مقام دفع تشنيع العامة عن الخاصة: معنى قوله: يجوز للرجل أن ~~يبيح مملوكته لغيره، أنه ms137 يعقد عليها عقد النكاح الذي فيه معنى الإباحة، ولا ~~يقتضي ذلك أن النكاح ينعقد بلفظ الإباحة (3)، وكونه مبنيا على أصله من عدم ~~العمل بالأخبار الآحاد أشبه، أو متروك العمل ولذا ذهب كثير من أصحابنا ~~المتقدمين إلى عدم استباحة الأمة بلفظ الإباحة والتحليل وهو المشهور بين # PageV00P160 # الجمهور، والاحتياط يقتضيه وإن كان الأقوى أنها يستباح بذلك: أما أولا ~~فلأصالة الإباحة، والآية لا تدفعها. # وأما ثانيا فلشمول الآية لها، فإن الملك يشمل العين والمنفعة، إذ مقتضاه ~~إباحة التصرف على سائر الوجوه وهو مشترك بين العين والمنفعة، وملك المنفعة ~~أعم من أن يكون تابعا لملك الأصل أو منفردا، والتحليل تمليك منفعة، ويؤيده ~~" أو ما ملكت " إذ لو أريد العين لقيل: " أو من ملكت " وبذلك يظهر عدم ~~المخالفة بين الخبر والكتاب. # وأما ثالثا فلأن الأمة بحكم أصل الكفر محل لقبول تملك كل مسلم، فإذا ~~ملكها مالك منع غيره من الانتفاع بها، فإذا أباح وطأها زال المانع، فبقيت ~~على حكم الأصل، وإنما لم يجز تحليلها بلفظ الهبة والإجارة ونحوهما، لأن ~~الإباحة والحرمة ليس مدارهما على مجرد العقل، ولا على معنى يدرك في ذات ~~المباح يقتضي إباحته، وفي المحرم يقتضي حرمته، بل هما تعبد محض متلقى من ~~الشارع، والشارع إنما حللها بلفظ التحليل لا بالهبة والإجارة ونحوهما. # ثم لا يذهب عليك أن الآية تدل على أن المتمتع بها زوجة، وإلا لكانت محرمة ~~لعدم دخولها في ملك اليمين. وبالجملة: أنهم لما حكموا بإباحة المتعة وتحليل ~~الأمة وجب دخولهما في المنفصلة، وإلا لكانا باطلين، فالمتعة داخلة في ~~الأزواج. قال في الكشاف: فإن قلت: هل فيه دليل على تحريم المتعة؟ قلت: لا، ~~لأن المنكوحة نكاح المتعة من جملة الأزواج إذا صح النكاح (1). # وأما التحليل فقال بعضهم: إنه داخل في الأزواج، وجعله كالعقد المنقطع ~~فيفتقر إلى مهر وتقدير مدة، والأصل خلافه بل هو داخل في ملك اليمين، فلا ~~صداق فيه ولا أجل. وجعله بعضهم قسما آخر بنفسه وخص الآية بغيره، قال: فإنه ~~غير عزيز على ما اشتهر أنه ما من عام ms138 إلا وقد خص حتى هذا، وهو بعيد، لأن # PageV00P161 # أنواع النكاح على ما ورد في رواية حسن بن زيد عن الصادق (عليه السلام) ~~منحصرة على ثلاثة أوجه: " نكاح بميراث، ونكاح بلا ميراث، ونكاح بملك يمين " ~~(1) وقد قال النبي (صلى الله عليه وآله): " أيها الناس أحل لكم الفروج على ~~ثلاثة معان: فرج موروث وهو البتات، وفرج غير موروث وهو المتعة، وملك ~~أيمانكم " (2) وقد سبق أن المتعة داخلة في الأزواج، فلا بد أن يكون ~~التحليل: إما داخلا فيها أو في ملك الأيمان، فلا يكون قسما آخر، وإلا لكان ~~باطلا، والأخبار الصحيحة المستفيضة الصريحة في جوازه تنافيه، ولذلك سلم ~~الأصحاب الحصر في الآية وأدخلوا التحليل في أحدهما، والأخبار الواردة فيه ~~وهي العمدة أكثر من أن تحصى، بل نقلوا الإجماع قبل ظهور المخالف وبعده على ~~جوازه، ولكنه ليس لنا حجة على خصومنا فإنهم لا يقبلون إجماعنا ولا أخبارنا ~~وبالعكس، وإنما الحجة عليهم ما سبق من أصالة الإباحة وشمول الآية وكون ~~الأمة في الأصل محلا لقبول تملك كل مسلم، وبذلك يندفع تشنيعهم علينا في تلك ~~المسألة. # بل نقول: لما ثبت بالعقل والنقل عصمة أئمتنا وطهارتهم وشرف أصولهم ~~وعدالتهم، وأن النبي قرنهم بالكتاب العزيز الذي يجب اتباعه - وهذا يدل على ~~علمهم به - فثبت أن قولهم حجة وجب قبوله واتباعه، قبل أو لم يقبل، فإن عدم ~~قبول قول من قوله حجة لا ينفي حجيته، وإلا لزم أن تكون أخبار الأنبياء ~~وأقوالهم حجة على من لم يقبلها، واللازم باطل بالاتفاق، فإذن لا شناعة على ~~من قبل قول من وجب قبوله وإن أنكره غيره تبعا للآخرين، وهذا بعينه حال ~~السابقين علينا من المؤمنين والكافرين، هذا. # وفي رواية جميل عن فضيل " قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): جعلت ~~فداك إن بعض أصحابنا روى عنك أنك قلت: إذا أحل الرجل لأخيه المؤمن جاريته ~~فهي له حلال، فقال: نعم قلت يا فضيل، قلت له: فما تقول في رجل عنده جارية ~~نفيسة # PageV00P162 # وهي بكر أحل لأخ له ما دون الفرج أله أن يقتضها؟ ms139 قال: لا ليس له إلا ما ~~أحل منها، ولو أحل له منها قبلة لم يحل له ما سوى ذلك، قلت: أرأيت إن هو ~~أحل له ما دون الفرج فغلبته الشهوة فاقتضها، قال: لا ينبغي له ذلك، قلت: ~~فإن فعل ذلك أيكون زانيا؟ قال: لا، ولكن يكون خائنا ويغرم لصاحبها عشر ~~قيمتها " (1). # والظاهر أن تحليل القبلة يستلزم تحليل المس، فالمراد أنه لم يحل له ما ~~سوى ذلك من الافتضاض والوطء والخدمة وغيرها، لأن الضابط في تحليل الأمة ~~الاقتصار على ما تناوله اللفظ فما دونه. # فإن قلت: إن الزنا عبارة عن و ط ء المرأة قبلا أو دبرا بغير عقد ولا ملك ~~ولا شبهة بل عمدا عالما بالتحريم، وهاهنا كذلك، فينبغي أن يكون زانيا لا ~~خائنا فقط. # قلت: إنه لم يحل له ما دون الفرج إلا وقد علم أنه ينجر إلى ذلك، فكأنه ~~أحل له ذلك ضمنا، ولكنه لما لم يصرح به وقد تصرف في ملكه بما لا إذن له فيه ~~صريحا كان خائنا، فتأمل فيه. # [تحقيق حول قولهم: الظاهر عنوان الباطن] قولهم: الظاهر عنوان الباطن. قال ~~الفيروز آبادي: كلما استدللت بشئ يظهرك على غيره فهو عنوان له (2). # وقد تقرر في الحكمة: أن كل ظاهر فله باطن، وكل باطن فله ظاهر، ولا يكون ~~ظاهرا لا باطن له إلا ما هو مثل السراب، فإنه أمر محسوس ظاهر عند الحس ولا ~~حقيقة له عقلية، ولا باطن إلا ما هو مثل الخيال، فإنه صورة معنوية ولا صورة ~~له محسوسة يشهدها الحس الظاهر، وما سوى ذلك جامع بين الأمرين. # فالمراد والله يعلم: أن الذي يظهر من كل شئ - فاللام للاستغراق - فهو ~~دليل على ما في باطنه وحقيقة أمره، فيمكن الاستدلال بالظاهر على الباطن، ~~ويكون من مقولة الاستدلال بالأثر على المؤثر، والمعلول على العلة، وقد يفيد ~~اليقين # PageV00P163 # كالاستدلال على ثبوت الأول ووحدته وعلمه وقدرته وغيرها بخلقه وفعله، ~~كقوله تعالى: * (سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم) * (1) ومنه قوله ~~(عليه السلام): " سيرة المرء تنبئ عن سريرته " و " المرء مخبو ms140 تحت لسانه " ~~(2) وكثيرا ما يستدل بالأقوال والأفعال الصادرة عن مصدرها على مراتب عقله ~~وفهمه وما هو كامن في سريرته، وقد شاع الاستدلال بالصفرة على الوجلة، ~~وبالحمرة على الخجلة، وبحركة النبض والبراز والقارورة وغيرها على كيفية ~~الطبيعة والمزاج، قال الرومي في المثنوي: # رنگ رويم را نمى بينى چو زر * زندرون من دهد رنگم خبر حقه چه سيمارا معرف ~~خوانده است * چشم عارف سوى سيما مانده است رنگ وبو غماز آمد چون جرس * از ~~فرس آگه كند بانگ فرس بانگ هر چيزى رساند زو خبر * تا بدانى بانگ خراز بانگ ~~در گفت پيغمبر به تمييز كسان * مرء مخفى لدى طي اللسان رنگ رو از حال دل ~~دارد نشان * رحمتم كن مهر من بر دل نشان رنگ روى سرخ دارد بانگ شكر * رنگ ~~روى زرد دارد صبر ونكر (3) ويمكن أن يكون خبرا في معنى الإنشاء، أي: اجعلوا ~~الظاهر دليلا على الباطن، فإذا رأيتم - مثلا - المتحلي بحلية الصالحين ~~فاحكموا بصلاحه ولا تستبطنوه، بل اعملوا على مقتضى ظاهره ولا تتكلفوا ~~بالاطلاع على باطنه، فإن ملاحظة ظاهره كافية في الحكم بكونه من الصالحين من ~~غير حاجة إلى تجشم أمر زائد على ذلك، فتكون إشارة إلى وجوب العمل بمقتضى ~~الظاهر وعدم التكلف بالباطن، ولذا قال: " نحن نحكم بالظاهر والله يتولى ~~السرائر ". # وفي نهج البلاغة عن علي (عليه السلام): " واعلم أن لكل ظاهر باطنا على ~~مثاله، فما طاب ظاهره طاب باطنه، وما خبث باطنه خبث ظاهره، ثم قال (عليه ~~السلام): وقد قال # PageV00P164 # الرسول الصادق (عليه السلام): إن الله يحب العبد ويبغض عمله، ويحب العمل ~~ويبغض بدنه " (1) وفهمه ثم تطبيقه يحتاج إلى التأمل. # [تحقيق حول الجواب عن استدلال الشافعي على حلية الشبابة] استدل الشافعي ~~برواية عبد الله بن عمر: أن سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) مر براع ~~وهو يزمر بزمارة كانت معه، فسد أذنيه بإصبعيه ولا برح يسأله عن صوتها هل ~~انقطع أم لا، فلما أخبره بانقطاعه أرسل يديه. على تحليل الشبابة بأن سماعها ~~لو كان حراما ms141 لكان يأمر ابن عمر بسد أذنيه، لأنه لا يأمر أحدا على فعل حرام ~~أو سماع حرام بحضرته، فلما أمره بذلك ولم يأمره بسدهما دل على أن سماعها ~~مكروه لا حرام، وسيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان يتنزه عن ~~المكروهات تنزه غيره عن المحرمات. # وأجيب بأن ليس مطلق الصوت الصادر عن الآلات محرما، بل المشتمل على الطرب ~~الموجب للذة الانسان ولهوه حرام عملا بالدوران، فجاز أن يعلم من ابن عمر ~~عدم لذته بما يسمعه من ذلك الصوت، فلا يكون فرقا بينه وبين نعيق الغراب ~~وشبهه من الأصوات التي لا توجب لذة ولا لهوا، وأيضا جاز أن يكون ابن عمر ~~عرف سكون الصوت بغير السماع فسأله النبي (صلى الله عليه وآله): هل انقطع ~~صوته؟ إما بوضع الشبابة عن فيه أو بغير ذلك. # أقول: حاصل الجواب الأول يؤول إلى أن هذه اللذة لما كانت روحانية كان ~~تأثيرات الصنعة الموسيقية بجملتها كذلك وهذا منها، وكان تأثير النفس منها ~~مشروطا بسلامتها وصحة المزاج كما أشار إليه بعض الحكماء بقوله: من لم يستلذ ~~بوجه صبيح وصوت مليح فهو فاسد المزاج ويحتاج إلى العلاج، فكلما كانت النفس ~~أجرد وأسلم والمزاج أصح وأعدل كان الالتذاذ أتم وأكثر والاحتظاظ أكمل ~~وأوفر، وإذا انعكس انعكس، فجاز أن يكون ابن عمر لسوء مزاجه وفساد # PageV00P165 # طبيعته بانحرافها عن حد الاعتدال على وجه لا يلتذ بهذه اللذة بخلافه ~~(عليه السلام) لكونه في أعلى مراتب الاعتدال وأشرفها خلقا وخلقا ونفسا ~~ومزاجا، وهذا غاية توجيهه، وهو بعد لا يخلو عن بعد، إلا أن يكون المانع ~~يكفيه الاحتمال، وهو مظفر في غالب الأحوال. # وحاصل الثاني يرجع إلى منع نقيض التالي، مستندا بأن ابن عمر لعله كان ~~مسدود الأذنين بأمر سيد الكونين، وإنما كان يسأله عن الانقطاع من حيث أن ~~يجوز أن يكون عارفا به بغير السماع كالرؤية ونحوها. وفيه: أنهما لما مرا ~~متصاحبين على الراعي كانت نسبتهما إليه نسبة واحدة، فهو وصاحبه في الانقطاع ~~المستند بالرؤية سيان، فأية حاجة له إلى تكرير السؤال ليستكشف ms142 منه حقيقة ~~الحال؟ # ويمكن الجواب بالفرق بين السماع والاستماع، بأن الأول لما كان مكروها ~~وكان سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وآله) يجتنب المكروهات اجتناب غيره ~~المحرمات سد أذنيه ولم يأمره بسدهما، فكان له أن يستخبر الحال عنه بأن ~~صوتها هل انقطع بطول المسافة وبعد الراعي أو بوضعه الشبابة عن فيه، لا بأن ~~يعلم ذلك بالرؤية، بل بانقطاع الصوت المستند بأحدهما. فهذا الخبر على تقدير ~~ثبوته وصحته وكونه سالما عن المعارض الأقوى إنما يدل على كراهة السماع لا ~~الاستماع، وكلاهما في حيز المنع: # أما الأول فلأن ابن عمر من الخاذلين، وهم قد رووا عن علي أمير المؤمنين ~~(عليه السلام) أنه كتب إلى والي المدينة: " لا تعطين سعدا ولا ابن عمر من ~~الفئ شيئا " (1). # وقيل لابن مسعود: إني أحب ابن عمر في الله، فقال: لو علمت بعمله إذا دخل ~~بيته لأبغضته في الله. # PageV00P166 # وذكر ابن جرير في كتاب الفاضح أنه قال: بيعة علي ضلالة! (1) وعن ميمون بن ~~مهر قال: أتى ابن عمر عليا (عليه السلام)، فقال له: أقلني بيعتي، قال: # فأقاله، ثم أتى يزيد بن معاوية فبايعه، وجاء إلى الحجاج فقال له: امدد ~~يدك لأبايعك لأمير المؤمنين عبد الملك، فقال له الحجاج: ما حملك على ذلك يا ~~أبا عبد الرحمن بعد تأخرك عنه؟ قال: حملني عليه حديث رويته عن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) أنه قال: من مات وليس في عنقه بيعة إمام مات ميتة جاهلية، ~~فقال له الحجاج: # بالأمس تتأخر عن بيعة علي بن أبي طالب مع روايتك هذا الحديث وتستحل خلافه ~~وتأبى الدخول في طاعته، ثم تأتي الآن لأبايعك لعبد الملك، أما يدي فمشغولة ~~عنك ولكن هذه رجلي فبايعها، ثم قال: ليس لك ذلك، ولكن بك خشبة ابن الزبير ~~المنصوبة في الحرم. ثم إنه كان يفطر على مائدة الحجاج في شهر رمضان، وكان ~~يعجبها (2). # وأما الثاني فلما روي عنه (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " يحشر صاحب ~~الغناء من قبره أعمى وأخرس وأبكم، ويحشر صاحب الزنا مثل ذلك، وصاحب ms143 المزمار ~~مثل ذلك، وصاحب الدف مثل ذلك " (3). فلو كان استماع الشبابة مكروها لما كان ~~كذلك، ولما صح مقابلة المزمار بالزنا والغناء، ثم ما الباعث له على ~~الاستدلال بمثل هذا الخبر على إثبات هذا المطلب؟ فإنهم رووا عن نبيهم أنه ~~(صلى الله عليه وآله) كان يفرح زوجته على الذين يلعبون، وكان يختار أن تلعب ~~عائشة في بيته باللعب، وكان يجمع لها النساء يلعبن معها. # روى الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن عائشة " قالت: رأيت النبي (صلى ~~الله عليه وآله) يسترني وأنا أنظر إلى الحبشة وهم يلعبون في المسجد، فزجرهم ~~عمر، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): أمنا يا بني أرفدة " (4). # وعن عروة عن عائشة: " أن أبا بكر دخل وعنده جاريتان في أيام منى # PageV00P167 # يدففان ويضربان، والنبي (صلى الله عليه وآله) يتغشى بثوبه، فانتهرهما أبو ~~بكر، فكشف النبي (صلى الله عليه وآله) وجهه فقال: دعهما يا أبا بكر فإنها ~~أيام عيد وتلك الأيام أيام منى " (1). # وعنه عنها " قالت: دخل علي رسول الله (صلى الله عليه وآله) وعندي جاريتان ~~تغنيان بغناء يعاب، فاضطجع على الفراش وحول وجهه، ودخل أبو بكر فانتهرني ~~وقال: مزمار الشيطان عند النبي (صلى الله عليه وآله)، فأقبل عليه رسول الله ~~فقال: دعهما، فلما غفل غمزتهما فخرجتا " (2). # فبئس الأمة أمة يعتقدون في نبيهم بأمثال ذلك. # [كيفية تطهير الصابون إذا لاقته نجاسة] قال آية الله العلامة في بعض ~~فوائده: إن الصابون إذا لاقته نجاسة لا يقبل التطهير بغسل موضع النجاسة، بل ~~لا يطهر إلا بقطع ذلك الموضع (3). # أقول: الظاهر أن النجاسة إذا كانت على ظاهر سطحه فهو يقبل التطهير من غير ~~قطع موضعها، لأن غاية ما قالوا على عدم قبول الدهن التطهير: إن الماء إذا ~~وصل إلى الأجزاء الدهنية يوجب انجمادها وتكاثفها وتضام بعضها إلى بعض، بحيث ~~لا يمكن العلم بوصول الماء إلى بواطن جميع أجزاء الدهن، بل قد يعلم خلافه، ~~لأن الدهن يبقى في الماء مودعا غير مختلط به وإنما يصيب ظاهر سطحه. وهذا ~~كما ترى لا يجري هنا، بل ms144 هو دليل على قبوله التطهير، لأن المفروض أن ~~النجاسة لم تنفذ في أعماقه ولم تسر إلى بواطن أجزائه، ومن هنا قال بعض ~~الفضلاء: وأما ما عرض له التنجيس وهو جامد فإنما ينجس ظاهره ويطهر بالغسل ~~كسائر الجامدات. # وقال زين المحققين بعد أن سئل بأن الصابون إذا تنجس يطهر بالماء القليل ~~أم لا؟: يطهر إذا كانت النجاسة على ظاهره (4). وهو الحق لما عرفته، نعم إذا ~~انتقع # PageV00P168 # في الماء النجس يمكن القول بعدم قبوله التطهير بالماء. وفيه أيضا نظر، ~~لأنه قد ثبت أن اللحم إذا وقع في مرقه ما يقتضي التنجيس يطهر بالماء مع ~~سريان أجزاء الماء النجاسة فيه، فكذا الصابون. # وروى السكوني عن الصادق (عليه السلام): " أن عليا (عليه السلام) سئل عن ~~قدر طبخت وإذا في القدر فأرة، قال: يهراق مرقها ويغسل اللحم ويؤكل " (1). # وفي رواية زكريا بن آدم " قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر ~~أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيها لحم كثير ومرق، قال: يهراق المرق أو يطعمه ~~أهل الذمة أو الكلاب، واللحم اغسله وكله " (2). # وهاتان الروايتان وإن كانتا ضعيفتين إلا أنهما سالمتان عن المعارض، ~~معمولتان عندهم، مشهورتان بينهم، مؤيدتان بالطهارة بل الإباحة الأصليتين بل ~~الاستصحاب. # قال الشيخ أبو جعفر الطوسي (رحمه الله) في كتابه المسمى بالعدة: إذا كان ~~الراوي مخالفا في الاعتقاد لأصل المذهب، وروى مع ذلك عن الأئمة (عليهم ~~السلام)، نظر فيما يرويه، فإن كان هناك بالطريق الموثوق بهم ما يخالفه وجب ~~اطراح خبره، وإن لم يكن هناك ما يوجب اطراح خبره ويكون هناك ما يوافقه وجب ~~العمل به، وإن لم يكن هناك من الفرقة المحقة خبر يوافق ذلك ولا يخالفه ولا ~~يعرف لهم قول فيه وجب أيضا العمل به، لما روي عن الصادق (عليه السلام) أنه ~~" قال: إذا نزلت بكم حادثة لا تجدون حكمها فيما رووا عنا فانظروا إلى ما ~~رووه عن علي (عليه السلام) فاعملوا به ". # ثم قال (رحمه الله): ولأجل ما قلناه عملت الطائفة بما رواه حفص بن غياث، ~~وغياث بن ms145 كلوب، ونوح بن دراج، والسكوني وغيرهم من العامة عن أئمتنا ولم ~~ينكروه ولم يكن عندهم خلافه (3)... إلى آخر ما قاله (رحمه الله)، فليطلب من ~~هناك. # PageV00P169 # [تحقيق حول حديث " ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء... " الخ] قال النبي ~~(صلى الله عليه وآله): " ما أقلت الغبراء ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة ~~أصدق من أبي ذر " (1). # أقول: الإقلال: الحمل والرفع، والغبراء: الأرض، والخضراء: السماء، سميتا ~~بهما للونهما، و " أصدق " بعد النفي بمعنى صدق، لأن النفي إذا استولى على ~~اسم التفضيل توجه إلى القيد الذي هو الزيادة، فيفيد أنه ليس صدق غيره زائدا ~~على صدقه، فيبقى أصل صدق غيره مقيسا إلى صدقه: إما مساويا له أو دونه، ~~والمساواة غير مناسبة لمقام المدح، فيرجع إلى أن صدق كل أحد دون صدقه. # ويمكن جعل " أصدق " قبل تسلط النفي عليه مجردا عن الزيادة عرفا، لأن نفي ~~الزائد غير ملائم للمدح، فيبقى أصل الصدق وتوجه النفي إلى صدق غيره بالقياس ~~إلى صدقه: إما بالمساواة أو بكونه دونه، والثاني كما عرفته، فيؤول إلى " ما ~~أقلت ولا أظلت " أحدا يكون صدق لهجته صدق لهجته، فانتفى المساواة والزيادة ~~بطريق أولى. # ولا يبعد أن يقصد بنفي المساواة نفي الزيادة أيضا، لأن الزائد على شئ ما ~~يساويه مع زيادة، فيصح أن يقصد به عرفا نفي المساواة مطلقا ولو في ضمن ~~الزائد أيضا، فيحصل من جميع ذلك أن صدق كل أحد دون صدقه، وذلك كمال التمدح. # فإن قلت: لا شبهة في أن جميع المعصومين بعصمتهم أصدق لهجة منه، فالكلية ~~ممنوعة. # قلت: الكلام مخصوص بغيرهم، والمراد أنه متناه في الصدق إلى الغاية، فجاء ~~به على اتساع الكلام والمجاز، إذ الغالب في مقام المدح أو الذم أن يزاد على ~~الواقع، فيذكر العام ولم يرد به عمومه. # ويدل عليه ما في معاني الأخبار " قيل للصادق (عليه السلام): أليس قال ~~رسول الله (صلى الله عليه وآله) # PageV00P170 # في أبي ذر: ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء الحديث؟ قال: بلى، قال: ~~قلت: # فأين رسول الله (صلى الله عليه وآله) ms146 وأمير المؤمنين (عليه السلام)؟ وأين ~~الحسنين (عليهما السلام)؟ قال: فقال لي: كم السنة شهرا؟ قال: قلت: اثنا عشر ~~شهرا، قال كم منها حرم؟ فقلت: أربعة أشهر، قال: # شهر رمضان منها؟ قال: قلت: لا، قال: إن في شهر رمضان ليلة أفضل من ألف ~~شهر، إنا أهل بيت لا يقاس بنا أحد " (1). # ويمكن أن يقال: إنه لما كان متناهيا في الصدق، ولم يصدر منه مدة عمره ~~الشريف أو بعد وصوله إلى زمن التكليف أو إلى خدمة الرسول (صلى الله عليه ~~وآله) في مجلسه المنيف - إذ الإسلام يجب ما قبله - كذب أصلا، ولو فرض صدوره ~~عنه فليحمل بقرينة الحديث على التعريض وفيه لمندوحة عنه، فهو وغيره من ~~المعصومين في تلك الصفة والفضيلة شرع سواء، ولا محذور فيه، وهذا ألصق ~~بعبارة الحديث، لأن نفي الأصدقية عن غيره مقيسا إليه يستلزم: إما المساواة ~~بينهما كما بينه وبين المعصومين، وحديث عدم التناسب غير آت هنا لأن مساواته ~~لهم فيها غاية المدح له، وإما أصدقيته من غيره وذلك كما بينه وبين غير ~~المعصومين. # واعلم أن الأصوليين اختلفوا في أنه عند ذكر صيغة العموم في مقام المدح أو ~~الذم إذا كان العموم دخيلا فيهما، فهل المتبادر منه الحمل على أن ذلك بيان ~~الواقع أو مبالغة وقعت لتحصيل المدح أو الذم كما هو الغالب؟ فذهب بعضهم إلى ~~الأول، وآخرون إلى الثاني وهو الظاهر فيما نحن بصدده، كما سبق إليه ~~الإيماء. # فإن قلت: العصمة لا تستلزم عدم صدور الكذب عن المعصوم (عليه السلام)، كيف ~~وإبراهيم خليل الرحمان * (قال بل فعله كبيرهم هذا) * (2) وهذا ما فعله، ~~ويوسف الصديق قال: * (أيتها العير إنكم لسارقون) * (3) وما سرقوا؟ وحينئذ ~~فلا حاجة إلى التخصيص، ولا إلى القول بالمجاز. # قلت: إنهما لما كانا مصلحين لم يكونا كاذبين، لما روي عن النبي (صلى الله ~~عليه وآله) أنه # PageV00P171 # " قال: لا كذب على المصلح، ثم تلا الآيتين المذكورتين " (1). # وعن الحسن الصيقل " قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنا روينا عن ~~أبي جعفر (عليه السلام) في قول يوسف (عليه ms147 السلام): * (أيتها العير إنكم ~~لسارقون) * فقال: والله ما كذب وما سرقوا، وقول إبراهيم (عليه السلام): * ~~(بل فعله كبيرهم هذا) * فقال: والله ما فعل وما كذب، فقال أبو عبد الله ~~(عليه السلام): ما عندكم فيها يا صيقل؟ قلت: ما عندنا إلا التسليم، فقال: ~~إن الله أحب اثنين وأبغض اثنين: أحب الخطر فيما بين الصفين، وأحب الكذب في ~~الإصلاح، وأبغض الخطر في الطرقات، وأبغض الكذب في غير الاصلاح، إن إبراهيم ~~(عليه السلام) إنما قال: * (بل فعله كبيرهم هذا) * إرادة الاصلاح ودلالة ~~على أنهم لا يفعلون، وقال يوسف (عليه السلام) إرادة الإصلاح " (2). # والظاهر أن المراد أن الفعل إذا اشتمل على وجه مصلحة ووجه مفسدة وكان وجه ~~المصلحة أقوى وجب لقضاء العقل، بأن ترك الخير الكثير لأجل شر يسير لشر كثير ~~وفعله خير كثير، فالكذب في الصورة المذكورة باق على قبحه، إلا أن في ~~ارتكابه ارتكاب أقل القبيحين. # ويمكن أن يقال: صدور ذلك عنهما كان على طريقة التعريض، كما يدل عليه ما ~~في رواية عن الصادق (عليه السلام) أنه " قال: إنما قال إبراهيم (عليه ~~السلام) * (فاسألوهم إن كانوا ينطقون) * إن نطقوا فكبيرهم فعل، وإن لم ~~ينطقوا فلم يفعل كبيرهم شيئا، فما نطقوا وما كذب إبراهيم " (3) وقوله: * ~~(أيتها العير إنكم لسارقون) * قال: " إنما عنى سرقتهم يوسف من أبيه " (4) ~~وعلى هذا فلا إشكال. # واعلم أن حديث أبي ذر مذكور في الطريقين، ففي معاني الأخبار عن أنس بن ~~مالك " قال: أتى أبو ذر يوما إلى مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ~~فقال: ما رأيت كما رأيت البارحة، قالوا: وما رأيت البارحة؟ قال: رأيت رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) ببابه، فخرج ليلا فأخذ بيد علي بن أبي طالب ~~وخرجا إلى البقيع، فما زلت أقفو أثرهما # PageV00P172 # إلى أن أتيا مقابر مكة، فعدل إلى قبر أبيه فصلى عنده ركعتين، فإذا بالقبر ~~قد انشق وإذا بعبد الله جالس وهو يقول: أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن ~~محمدا عبده ورسوله، فقال: من وليك يا أبة؟ فقال: وما الولي ms148 يا بني؟ فقال: ~~هو هذا علي، فقال: وإن عليا وليي، قال: فارجع إلى روضتك، ثم عدل إلى قبر ~~أمه آمنة فصنع كما صنع عند قبر أبيه، فإذا بالقبر قد انشق، وإذا هي تقول: ~~لا إله إلا الله وإنك نبي الله ورسوله، فقال لها: ومن وليك يا أماه؟ فقالت: ~~وما الولي يا بني؟ قال: هو هذا علي بن أبي طالب، فقالت: وإن عليا وليي، ~~فقال: ارجعي إلى حفرتك، فكذبوه ولببوه وقالوا: # يا رسول الله كذب عليك اليوم، فقال: وما كان من ذلك؟ قالوا: إن جندبا حكى ~~عنك كيت وكيت، فقال النبي (صلى الله عليه وآله): ما أظلت الخضراء ولا أقلت ~~الغبراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر " (1). # [بيان لقول الصادق (عليه السلام): " من قرأ في المصحف متع ببصره... " ~~الخ] قال الصادق (عليه السلام): " من قرأ في المصحف متع ببصره، وخفف عن ~~والديه ولو كانا كافرين " (2). # لعل المراد أنه يخفف عنهما قدرا من العذاب على وجه لا يحصل لهما الشعور ~~به، بأن يفرق الناقص على الأوقات بحيث لا يحصل لهما السرور بحصول التخفيف، ~~فلا منافاة بينه وبين ما قالوا من وجوب خلوص الثواب والعقاب من الشوائب، إذ ~~لو لم يكن خالصا لكان أنقص حالا من العوض والتفضيل إذا كانا خالصين، وأنه ~~غير جائز. وأما العقاب فلأنه أدخل في باب الزجر من الثواب، فيجب خلوصه ~~بطريق أولى. # ويحتمل أن يكون المراد ولو كانا منكرين لما في فضل القراءة في المصحف من ~~التمتع والتخفيف، أو يكون الغرض مجرد مبالغة في فضل قراءته في المصحف على ~~قراءته عن ظهر القلب ولعله أظهر من سابقه، فتأمل. # PageV00P173 # [بيان لقوله (عليه السلام): " عقول النساء في جمالهن... " الخ] قال علي ~~(عليه السلام): " عقول النساء في جمالهن، وجمال الرجال في عقولهم " (1). # أقول: الجمال يقع على الصور والمعاني، ومنه: " إن الله تعالى جميل يحب ~~الجمال " (2) أي: حسن الأفعال كامل الأوصاف. وامرأة حسناء جملاء، أي: جميلة ~~مليحة. # ولعل المراد أن المعتبر من محاسنهن في باب التزويج والبيع والشراء وغيرها ~~من الأبواب ms149 المعتبرة فيها المحاسن هو جمالها، ككونها مليحة عيناء سمراء ~~عجزاء مربوعة وغيرها من صفات الجمال لا عقلها، فينبغي أن يكون جمالها هو ~~المقصود أولا وبالذات، وعقلها ولا عقل لها ثانيا وبالعرض، فكان عقولهن بتلك ~~الملاحظة منطوية في جمالهن، فلا ينبغي توقع العقل منهن، واعتباره في تلك ~~الأبواب والأمر في النقل والثانية بالعكس، فتأمل. # [تحقيق في قوله تعالى: " ما ترددت في شئ أنا فاعله... " الخ] قال الله ~~تعالى: " ما ترددت في شئ أنا فاعله كترددي في قبض روح عبدي المؤمن، يكره ~~الموت وأنا أكره مساءته " (3). هكذا روته العامة والخاصة في كتبهم عنه (صلى ~~الله عليه وآله) عن الله سبحانه. # ولا يخفى أن التردد فينا إنما يحصل إذا كانت الأسباب لإيقاع أمر وعدمه ~~متكافأة، ولم يحصل لنا العلم برجحان أحدهما بعد لعدم سبب ذلك الرجحان، ~~فنميل إلى الإيقاع تارة وعدمه أخرى. فهذا وكل ما يشعر بالتغير والسنوح ~~ممتنع عليه تعالى لتنزهه عنه، مع أنه تعالى قد قضى عليه الموت قضاء حتما من ~~غير تردد، كما قال سبحانه: * (ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده) * (4) وقال: * ~~(لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون) * (5). # PageV00P174 # فهذا الحديث لو ثبت وصح لوجب حمله على المجاز الذي هو من باب استعمال ~~الشئ في مقابل ضده، ومثل * (ومكروا ومكر الله) * (1) وإن كان المكر مستحيلا ~~من الله تعالى، ولا استبعاد فيه، فإن كراهة المؤمن الموت تقتضي ترجيح عدمه ~~كرامة له عند الله، ومقتضى حكمته تعالى وهو الموت وعدم الخلود لأحد غيره ~~تعالى، كما قال: * (كل نفس ذائقة الموت) * (2) تقتضي ترجيح موته، فلهذين ~~السببين سمي ترددا. # ويمكن أن يكون ذلك لملك الموت وأعوانه من الملائكة، أسند إليه تعالى ~~مجازا كما في قوله: * (فلما آسفونا انتقمنا منهم) * (3) فإن كونه مأمورا ~~بقبض روحه يقتضي ترجيحه، وكون المؤمن كارها له يقتضي ترجيح عدمه. # ومنهم من أوله إلى أن أفعال النفوس الفلكية وإرادتها لما كانت مستهلكة في ~~فعله تعالى وإرادته، وكانت تلك النفوس غير محيطة بتفاصيل الحوادث ~~الاستقبالية دفعة واحدة بل ms150 إنما تنتقش فيها شيئا بعد شئ مع أسبابها، فإذا ~~كانت الأسباب لوقوع أمر ولا وقوعه متكافأة ولم يحصل لها العلم برجحان ~~أحدهما بعد كان لها التردد في وقوعه ولا وقوعه، جاز وصفه تعالى بالتردد ~~لذلك. # وهو - مع بعده، وابتنائه على قواعد الفلاسفة، ومخالفته لكثير من الأخبار ~~- مخالف لما انعقد عليه إجماع المسلمين من ارتفاع الحياة عن الفلك وما ~~اشتمل عليه من الكواكب، فإنها مسخرات مدبرات لا خلاف فيه بينهم، كما نقله ~~السيد وكفى به ناقلا في الغرر والدرر (4). # فإن قلت: هل كراهة الموت مذمومة؟ فإنه سبب اللقاء كما قال الله تعالى: # * (من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت) * (5) فينبغي أن يكون ~~للمؤمن محبوب # PageV00P175 # غيره، وقد جاء في الخبر المشهور: " إن إبراهيم (عليه السلام) قال لملك ~~الموت إذ جاءه لقبض روحه: هل رأيت خليلا يميت خليله، فأوحى الله تعالى ~~إليه: هل رأيت محبا يكره لقاء حبيبه، فقال: يا ملك الموت الآن فاقبض " (1). # قلت: كراهته مذمومة إذا كرهه لحب الدنيا وشهواتها والتعلق بملاذها، وأما ~~إذا كرهه لطاعة الله تعالى وتحصيل مرضاته وتوفير ما يوجب سعادة النشأة ~~الأخرى كازدياد المعارف الإلهية وفعل الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر ونشر العلوم والأخبار والآثار وتعليمها أو تعلمها وأمثال ذلك فلا، ~~ولذا روي كراهته عن كثير من الأنبياء والأولياء. # وبالجملة: حب الحياة الفانية الدنيوية إنما يلزم إذا آثرها على ما يوجب ~~الحياة الباقية الأخروية، وإليه الإشارة بقوله (عليه السلام) في صحيفته ~~الكاملة: " وعمرني ما كان عمري بذلة في طاعتك، فإذا كان عمري مرتعا للشيطان ~~فاقبضني إليك قبل أن يسبق سخطك إلي أو يستحكم غضبك علي " الدعاء (2). # [تحقيق حول الحديث النبوي " لو كانت لي يد ثالثة لاستعنت بها على الأكل ~~"] قال النبي (صلى الله عليه وآله): " لو كانت لي يد ثالثة لاستعنت بها على ~~الأكل " هكذا نقله أصحابنا (3). # وظاهره يدل على ضرب من الشره ونوع من الحرص على الأكل والاهتمام به، ~~والمقام النبوي (صلى الله عليه وآله) منزه عنه وعن أمثاله، كيف لا وقد قال ms151 ~~(عليه السلام): " كفى ابن آدم ثلاث لقيمات يقمن صلبه " (4) فلا بد له من ~~تأويل وتوجيه، وله وجوه: # الأول: أن يكون المراد بالأكل القتل والكسر والقهر، فإن استعماله بهذا ~~المعنى شائع. # PageV00P176 # ومنه الحديث: " أمرت بقرية تأكل القرى، تنفي الخبث كما ينفي الكير خبث ~~الحديد " (1) أراد الهجرة إلى المدينة، فقوله: " أمرت بقرية تأكل القرى " ~~مجاز، والمراد أن أهلها يقهرون أهل القرى فيملكون بلادهم وأموالهم، فكأنهم ~~بهذه الأحوال يأكلونهم. وخروج هذا القول على طريقة العرب معروف، لأنهم ~~يقولون: # أكل فلان جاره إذا عدا عليه فانتهك حرمته واستبى جاريته، وعليه قول علقمة ~~بن علقمة لأبيه في أبيات: # أكلت بنيك أكل الضب حتى * وجدت مرارة الكلاب الوبيل (2) ومن ذلك قوله ~~(عليه السلام) في غزوة الحديبية: " قريش أكلتهم الحرب " يريد أنها قد أفنت ~~رجالهم وانتهبت أموالهم، فكانت من هذا الوجه كأنها آكلة لهم، فيكون المعنى ~~لاستعنت بها على قتل الكفار وكسرهم وقهرهم لأنه عبادة مفروضة. # الثاني: أنه (صلى الله عليه وآله) يوقع الأكل على وجه العبادة، وكذا جميع ~~أفعاله، بل ينبغي أن يكون جميع أفعال المؤمن كذلك، ولا شك أن الأكل لتقوي ~~البدن على الطاعات من جملة العبادات، فلو كان له يد ثالثة لاستعان بها على ~~فعل هذه الطاعة. # الثالث: أن يكون المراد لاستعنت بها على تحصيل الرزق الذي هو محل الأكل ~~وتحصيله من العبادات، لأنه يتقوى به على الطاعات ويتصدق به على المحاويج. # الرابع: أن يقرأ على " الأكل " بضم الهمزة وسكون الكاف اسم المأكول، أو ~~بضمها اسم مصدر، كقوله تعالى: * (ونفضل بعضها على بعض في الأكل) * (3) ~~وقوله تعالى: * (تؤتي أكلها كل حين) * (4) وقوله: * (أكلها دائم) * (5) ~~والمراد به ما يؤكل منه وهو الرزق، أي: لاستعنت بها على تحصيله بحذف ~~المضاف، وحينئذ فلا حاجة # PageV00P177 # إلى التجوز السابق. # الخامس: أن يكون بفتح الهمزة وسكون الكاف مصدرا بمعنى المأكول، والغرض هو ~~الاستعانة بها على تحصيله، وهو قريب من سابقه. # السادس: لاستعنت بها على الإنفاق الذي هو سبب الأكل، ويكون من ذكر المسبب ~~وإرادة السبب، فيكون ترغيبا على الإنفاق والمواساة. ms152 # السابع: أن يكون الغرض تقليل زمان الأكل ليشتغل بعده بما هو أهم منه، أي: # لو أمكنني لاستعنت على تقليل مدة الأكل بيد ثالثة كالتقام بيد وكسر ~~الرغيف بأخرى وتبريده بثالثة، وفيه مع تكلفه نظر، على أن هذا الغرض يناسبه ~~أن يقال: لو كان لي فم ثان. # الثامن: أن يكون إيماء إلى كراهة الأكل باليد الواحدة وعدم الاستعانة فيه ~~بالأخرى كما هو دأب المتكبرين، لاستلزامه سوء الأدب والإهانة بالمائدة ~~والطعام، وقد قال علي (عليه السلام): " إذا جلس أحدكم للطعام فليجلس جلسة ~~العبد " (1) ولكلامهم (عليهم السلام) وجوه ومخارج وشروح ومحامل لا يعقلها ~~إلا العالمون. # [تحقيق حول الحديث العلوي: " وصول معدم خير من مثر جاف "] قال علي (عليه ~~السلام) في وصيته لابنه محمد بن الحنفية: " وصول معدم خير من مثر جاف " ~~(2). # أقول: أعدم الرجل: افتقر فهو معدم، وأثرى الرجل: كثرت أمواله فهو مثر، ~~والجفاء: البعد عن الشئ، يقال: جفاه إذا بعد عنه، والجفا أيضا ترك الصلة ~~والبر. # قال في القاموس: الجفا نقيض الصلة ويقصر جفاه جفوا وجفاء (3). والوصول ~~مصدر بمعنى الواصل، يقال: وصل يصل وصولا ووصلا وصلة بلغه. # والظاهر أن المراد أن من يصلك ويرفق بك ويحسن إليك يدا أو لسانا أو هما ~~معا فهو مع وصف فقره وقلة ماله خير ممن يقطعك ويترك برك والإحسان إليك مع # PageV00P178 # وصف ثروته وكثرة ماله، فليكن الأول عندك حقيقا بالأخوة والخلة دون ~~الثاني، وإنما لم يأت بالكلام على نهج واحد للاهتمام بشأن الصلة. # ولعل المراد مجرد مدح الصلة من الفقير وذم تركها من الغني، وإلا فأصل ~~الخيرية غير مشترك في الصورة المفروضة، فصيغة التفضيل منسلخة عن معناها. # ويجوز أن يكون المصدر مضافا إلى المفعول، أي: وصلك معدما خير من وصلك ~~مثريا جافيا على حذف المضاف، يعني: لو كان لك رحمان معدم ومثر لكنه جاف، ~~فوصلك المعدم من حيث الرحم خير من وصلك المثري من هذه الحيثية، وإنما قال: ~~" خير " لأن صلة الأقربين من ذوي النسب والأصهار والتعطف عليهم والرفق بهم ~~والرعاية لأحوالهم حسن مطلقا وإن أساءوا ms153 أو بعدوا. # ولا يجوز أن يكون المصدر مضافا إلى الفاعل وإن قلنا: إن معنى الجفا هاهنا ~~غلظ الطبع والخلقة، وذلك يظهر بالتأمل. # [تحقيق حول علم الأئمة (عليهم السلام) وتعليمهم] سألني بعض أصحابنا - ~~أيده الله تعالى - عن أحوال أئمتنا المعصومين صلوات الله عليهم أجمعين، ~~فقال: هل كانوا متعلمين عند غيرهم من أصناف الرعية؟ وهل كانت لهم إليه ~~حاجة؟ وعلى تقديره فهل فيه غضاضة لشؤونهم الرفيعة، ومنقصة لمراتبهم العلية ~~ودرجاتهم السنية؟ # الجواب: لا شبهة في كونهم متعلمين بعضهم من بعض، ولا خلاف فينافي أنهم ~~بعد وصولهم إلى درجة الإمامة ومرتبة الخلافة ما كانت لهم حاجة إلى التعلم ~~من غيرهم، وإنما الكلام فيما قبل ذلك، والعقل لا يأبى عن ذلك، إذ القدر ~~المسلم عنده أن الإمام يجب أن يكون أعلم أهل زمانه وأفضلهم بعد تشرفه بمنصب ~~الإمامة وخلعة الخلافة، إذ لولاه لكان: إما مساويا لهم أو دونهم، فيلزم: ~~إما ترجح أحد المتساويين أو تفضيل المفضول، والكلام مفروض فيما قبل ذلك. # وعلى التفصيل إن أريد بالمعلم أعم ممن يعلم مبادئ اللغات ويرشد إلى حقيقة ~~الاصطلاحات ويلقن كيفية استعمال الألفاظ الموضوعة بإزاء معان مفردة ~~PageV00P179 # أو مركبة في المحاورات والمجاوبات، أو من يلقن المقدمات مقدمة مقدمة ~~ليتعقلها المتعلم أو يرتبها في ذهنه ترتيبا خاصا يؤدي إلى المطالب المجهولة ~~كسبية كانت أو ضرورية، مفتقرة إلى ضرب من التنبيه، فالظاهر في نظر العقل أن ~~إنكار كونهم متعلمين بهذا المعنى يفضي إلى الجهالة، لأن جميع الأحوال ~~المشتركة واللوازم البشرية، وبالجملة ما هو من مقتضى الطبيعة النوعية يقع ~~عليهم (عليهم السلام) فيها ما يقع على غيرهم، فهم (عليهم السلام) لكونهم ~~بشرا مخلوقين متعلقين بجلابيب أبدانهم الناسوتية وقوالبهم البشرية غير بعيد ~~أن يكونوا متعبدين بالتعلم ومتكلفين بالتدرس كغيرهم ممن ليس بإمام ولا نبي، ~~إذ النفس الهيولانية الخالية في نفسها عن جميع الصور المستعدة لقبولها ~~حاصلة لجميع أفراد النوع في مبادئ فطرتهم، وإنما تستكمل متدرجة شيئا بعد شئ ~~بعد أن حصلت لها المعقولات الأول بحسب ما يحصل لها من الاكتساب، وهكذا ~~الحال ms154 في سائر أصناف التكاليف والأمور المشتركة بينهم وبين غيرهم، وبه ~~وبأمثاله تثبت لهم العبودية وتنفي عنهم الربوبية وتسد عنهم وسوسة الغلاة، ~~والحالة المختصة بهم هي الإمامة والعصمة وما يتعلق بهما، وبهما امتازوا عن ~~غيرهم من سائر أفراد المكلفين كما ذهب إليه الشيخ الصدوق. # على أن اقتناص العلوم النظرية واقتنائها طاعة، وفيه كلفة توجب زيادة ~~استحقاق التقرب والزلفى والكرامة والفضلى، فحرمانهم عنها لا يخلو من شئ، ~~وأما ما نقل من حال نبينا عليه وآله السلام من كونه أميا بهذا المعنى فعلى ~~تقدير ثبوته وصحته فهو لمصلحة أرادها الله تعالى وشاء. # وبالجملة العلم قسمان: كسبي وموهبي وهم كانوا جامعين بينهما على سبيل منع ~~الخلو، أما الأول فكان لهم قبل وصولهم إلى درجة الإمامة، وأما الثاني فكان ~~لهم بعد وصولهم إليها، وذلك لأن لهم جهتي: ناسوتية ولاهوتية، فبالأولى ~~محتاجون إلى التعلم والتكسب، وبالثانية مغنون عنهما، ولذا كان سيدنا أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) يروض نفسه رياضة لا يتصور فوقها رياضة حتى إذا صفت ~~PageV00P180 # وصقلت علمه معلم الأولين والآخرين ألف باب فتح له من كل باب ألف باب، ولا ~~استبعاد فيه، إذ قد تقرر في فن الحكمة أن النفس إذا صفت وصقلت واتصلت ~~بالمبدئ المفيض اتصالا ما، يمكن أن يحصل لها علوم جمة دفعة، فإذا كان بين ~~المفيض والمستفيض مجانسة ومناسبة ثم حصل بينهما ارتباط فعلا وصفة يمكن أن ~~يفيض على أحدهما جملة ما حصل للآخر دفعة، كمرآة صقيلة متسعة حوذي ما فيها ~~صور كثيرة فينطبع فيها جميع تلك الصور. هذا ما يمكن أن يقال من جهة العقل. # وأما النقل فقد دل نبذ من الأخبار على تعلمهم وكونهم في زمن الصبا مع ~~الصبيان في الكتاب. # فمنه: ما رواه ملا عناية الله القهپائي (رحمه الله) في كتابه المسمى ~~بمجمع الرجال عن محمد بن مسلم " قال: قال لي أبو عبد الله الصادق (عليه ~~السلام): إن لأبي مناقب لا هن من آبائي (1)، إن رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) قال لجابر بن عبد الله الأنصاري: إنك تدرك محمد ms155 بن علي فاقرأه مني ~~السلام، قال (عليه السلام): فأتى جابر منزل علي بن الحسين (عليهما السلام) ~~فطلب محمد بن علي (عليهما السلام)، فقال له (عليه السلام): هو في الكتاب ~~أرسل لك إليه؟ قال: لا ولكني أذهب إليه، فذهب في طلبه، فقال للمعلم: أين ~~محمد بن علي؟ قال له: هو في تلك الرفعة، أرسل لك إليه؟ قال: لا ولكني أذهب ~~إليه، فجاءه فالتزمه وقبل رأسه، وقال: # إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أرسلني إليك برسالة أن أقرؤك السلام، ~~قال: عليه وعليك السلام، ثم قال له جابر: بأبي أنت وأمي اضمن لي أنت ~~الشفاعة يوم القيامة، قال: # فعلت ذلك يا جابر " (2). # ومنه: ما رواه أيضا في الكتاب المذكور عن حريز عن أبان بن تغلب " قال: ~~حدثني أبو عبد الله (عليه السلام) قال: إن جابر بن عبد الله كان آخر من بقي ~~من أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكان رجلا منقطعا إلينا أهل ~~البيت، وكان يقعد في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهو معتم بعمامة ~~سوداء، وكان ينادي: يا باقر العلم، يا باقر العلم، # PageV00P181 # فكان أهل المدينة يقولون: جابر يهجر، وكان يقول: لا والله ما أهجر ولكن ~~سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: إنك ستدرك رجلا من أهل بيتي ~~اسمه اسمي وشمائله شمائلي يبقر العلم بقرا، فذاك الذي دعاني إلى ما أقول. # قال: فبينا جابر يتردد ذات يوم في بعض طرق المدينة إذ هو في طريق في ذلك ~~الطريق كتاب فيه محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام)، فلما نظر إليه قال: ~~يا غلام أقبل، فأقبل، ثم قال: أدبر، فأدبر، فقال: شمائل رسول الله والذي ~~نفس جابر بيده، يا غلام ما اسمك؟ فقال: اسمي محمد بن علي بن الحسين بن علي ~~بن أبي طالب، فأقبل عليه فقبل رأسه، وقال: بأبي وأمي رسول الله يقرؤك ~~السلام ويقول لك... # فرجع محمد بن علي إلى أبيه علي بن الحسين (عليهم السلام) وهو ذعر فأخبره ~~الخبر، فقال له: يا بني ms156 قد فعلها جابر؟ قال: نعم، قال: يا بني ألزم بيتك، ~~فكان جابر يأتيه طرفي النهار، وكان أهل المدينة يقولون: وا عجباه لجابر ~~يأتي هذا الغلام طرفي النهار وهو آخر من بقي من أصحاب رسول الله (صلى الله ~~عليه وآله). # قال: فلم يلبث أن مضى علي بن الحسين، وكان محمد بن علي (عليهما السلام) ~~يأتيه على وجه الكرامة لصحبته لرسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: فجلس ~~فحدثهم عن أبيه، فقال أهل المدينة: ما رأينا أحدا قط أجرأ من ذا، قال: فلما ~~رأى ما يقولون حدثهم عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، قال: فقال أهل ~~المدينة، ما رأينا أحدا أكذب من ذا يحدث عمن لم يره، فلما رأى ما يقولون ~~حدثهم عن جابر بن عبد الله فصدقوه، وكان جابر والله يأتيه يتعلم منه " (1). # أقول: قال في الاستيعاب: يقال: إن عامر بن واثلة كان آخر من مات ممن رأى ~~النبي (صلى الله عليه وآله)، وقد روى عنه (صلى الله عليه وآله) نحو أربعة ~~أحاديث، ويقال: إنه أدرك من حياة النبي ثمان سنين، وكان مولده عام أحد (2). # وفي مختصر الذهبي: كان أبو الطفيل من محبي علي (عليه السلام)، وبه ختم ~~الصحابة # PageV00P182 # في الدنيا (1). # والخبر المذكور يدل على أن جابرا كان آخر من بقي من أصحابه، وبينهما من ~~التنافي ما لا يخفى، والحل: أن البلوغ معتبر في الصحابي دون الراوي، فصح أن ~~جابرا آخر أصحابه، وأن عامرا آخر من رآه موتا، بناء على أن المراد من ~~الأصحاب أعم منها ومن الراوي، وعليه ينزل كلام الذهبي، فتأمل. # ومنه: ما روي " أن أبا حنيفة اجتاز على الكاظم (عليه السلام) وكان في ~~الكتاب، فقال له (عليه السلام): المعصية ممن؟ فقال له: أجلس حتى أخبرك " ~~الخبر (2). # ومنه: ما ذكره أخطب في كتابه الموسوم بالمراسيل في خصائص أهل التنزيل، ~~قال: إن الحسن والحسين كانا يكتبان، فقال الحسن للحسين: خطي أحسن من خطك، ~~فقالا لفاطمة (عليها السلام): احكمي بيننا من أحسن منا خطا؟ فكرهت أن تؤذي ~~أحدهما بتفضيل خط ms157 الآخر على خطه، فقالت لهما: سلا أباكما عليا (عليه ~~السلام)، فسألاه، فكره أن يؤذي أحدهما بتفضيل خط الآخر على خطه، فقال لهما: ~~سلا جدكما، فسألاه، فقال: لا أحكم بينكما حتى أسأل أخي جبرئيل، فلما جاء ~~جبرئيل قال: لا أحكم بينهما ولكن ميكائيل يحكم بينهما، فقال ميكائيل: لا ~~أحكم بينهما ولكن أسأل الله تعالى أن يحكم، فسأل الله تعالى ذلك، فقال الله ~~سبحانه: لا أحكم بينهما ولكن أمهما فاطمة تحكم بينهما، فقالت فاطمة (عليها ~~السلام): أحكم بينهما يا رب وكانت لها قلادة من أمها خديجة، فقالت لهما: ~~أنثر بينكما جواهر هذه القلادة، فمن أخذ أكثر فخطه أحسن، فنثرتها، وكان ~~جبرئيل وقتئذ عند قائمة العرش، فأمره الله تعالى أن يهبط إلى الأرض فينصف ~~الجواهر نصفين بينهما لئلا يتأذى أحدهما، ففعل جبرئيل إكراما لهما وتعظيما ~~" (3). # PageV00P183 # فهذا الخبر صريح في كونهما كاسبي الخط ومتكلفي تحصيله وتحسينه، فدل على ~~أن كمالاتهم العلمية والعملية كانت في بدو فطرتهم وزمان خلقتهم بالقوة، ~~وإنما صارت بالفعل بالتعلم والتكسب شيئا بعد شئ وعلى سبيل التدريج كما في ~~سائر أفراد النوع. # وفي الكافي عن الصادق (عليه السلام) أنه " سئل عن العلم أهو شئ يتعلمه ~~العالم من أفواه الرجال أم في الكتاب عندكم تقرؤونه فتعلمون منه؟ قال: ~~الأمر أعظم من ذلك وأوجب، أما سمعت قول الله عز وجل: * (وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان) * (1) ثم قال (عليه ~~السلام): بلى قد كان في حال لا يدري ما الكتاب ولا الإيمان حتى بعث الله عز ~~وجل الروح التي ذكرها في الكتاب، فلما أوحاها إليه علم بها العلم والفهم ~~وهي التي يعطيها الله عز وجل من يشاء، فإذا أعطاها عبدا علمه الفهم " (2). ~~فدل على أن قبل إعطائها كانوا محتاجين إلى التعلم والتفهم وإن صاروا بعده ~~مستغنين عنهما، وهذا خارج عما فرض الكلام فيه. # فإن قلت: دلالة هذه الأخبار على تعلمهم غير مسلمة، والسنة جوز كونهم في ~~الكتاب عند المعلمين من غير أن يتعلموا منهم. # قلت: هذا مع ms158 كونه خلاف الظاهر منها خلاف المتعارف أيضا، إذ لم يعهد أن ~~يرسل الصبي إلى الكتاب لمجرد أن يكون فيها وهو غير محتاج إلى التعلم منهم، ~~ومدار الاستدلال من الآيات والروايات من السلف إلى الخلف على الظاهر ~~المتبادر، ولا يقدح فيه الاحتمالات البعيدة الغير المنساقة إلى الأذهان. # وأما ما اشتهر بين الطلبة من قولهم: " إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال " ~~فإنما هو في العقليات الصرفة المطلوب فيها اليقين، وأما في النقليات التي ~~يكتفى فيها بمجرد تحصيل الظن فلا. # PageV00P184 # فظهر بهذا التقرير أن كونهم (عليهم السلام) قبل الوصول إلى مرتبة الإمامة ~~متعلمين بعضهم من بعض ومن غيرهم أيضا مما لا مانع للقول به أصلا، لا عقلا ~~ولا نقلا. # هذا غاية ما يمكن أن يقال في هذه المسألة ولكنها بعد محل تأمل وتوقف، لأن ~~نفوسهم قدسية وعلومهم لدنية فلا حاجة لهم من بدو فطرتهم إلى آخر عمرهم إلى ~~معلم من غيرهم، ولو فرض وقوع ذلك منهم ورجوعهم إلى معلم من غيرهم حال الصبا ~~وغيرها فليحمل ذلك على ضرب من مصلحة شاءوا وأرادوا، فإنهم حين كانوا مشائم ~~أرحام أمهاتهم كانوا علماء حلماء أبرارا أتقياء قانتين لله ولرسوله، كما ~~يدل عليه الخبر المتفق عليه بين الأمة، ولم يحضرني الآن ألفاظه ولكن حاصله: ~~أن سيدنا أمير المؤمنين (عليه السلام) حين ما كان في مشيمة رحم أمه فاطمة، ~~كلما حضر النبي (صلى الله عليه وآله) قامت من مجلسها من دون اختيار منها، ~~فلما سئلت عنه قالت: إن هذا الجنين يحركني حركة يلجئني إلى القيام إليه ~~(1). # وهذه المعنى صرح أكثر علماء العامة في تسميته (عليه السلام) بكرم الله ~~وجهه، وليس هذا أمرا مختصا بهم (عليهم السلام) بل كانت سيدة نساء العالمين ~~وبضعة سيد المرسلين ومشكاة أنوار أئمة الدين وزوجة أشرف الوصيين البتول ~~العذراء والإنسية الحوراء فاطمة الزهراء صلوات الله عليها أيضا كذلك، لما ~~رواه مفضل بن عمر " قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): كيف كان ولادة ~~فاطمة (عليها السلام)، فقال: نعم، إن خديجة لما تزوج بها رسول الله ms159 (صلى ~~الله عليه وآله) هجرتها نسوة مكة، فكن لا يدخلن عليها ولا يسلمن عليها ولا ~~يتركن امرأة تدخل عليها، فاستوحشت خديجة لذلك، وكان جزعها وغمها حذرا عليه، ~~فلما حملت بفاطمة (عليها السلام) كانت فاطمة تحدثها من بطنها وتصبرها، ~~وكانت تكتم ذلك من رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فدخل رسول الله (صلى ~~الله عليه وآله) يوما فسمع خديجة تحدث فاطمة (عليها السلام)، فقال لها: يا ~~خديجة من تحدثين؟ قالت: الجنين الذي في بطني يحدثني ويؤنسني " والحديث طويل ~~أخذنا منه موضع الحاجة (2). # PageV00P185 # وبالجملة: أنهم (عليهم السلام) لا يوصفون في شئ من أحوالهم بنقص ولا جهل ~~من أول عمرهم إلى آخره. وأما ما سبق من كونهم بشرا مخلوقين فلا بد فيهم من ~~اللوازم البشرية ما هو مشترك بين جميع الأفراد، إذ مقتضى الطبيعة النوعية ~~لا تختلف ولا تتخلف فلا ينافي ذلك، لأن ظهور مراتب الكمال وصدورها عن ~~الواجب المتعال في أفراد العالم والأمثال شدة وضعفا يكون بحسب استعداداتهم ~~قبولا وشأنا، وليس بمستبعد أن يستعد فرد أو أفراد منها لاستجماع جميع ~~الصفات الكمالية اللائقة بهذا النوع من غير أن يكون ذلك بطريق الاكتساب أو ~~التعلم من فرد آخر من نوعه، بل بمجرد أن يستفيده من المبادئ العالية لغاية ~~المناسبة ونهاية المجانسة بينهما فيتلقى منه المعارف. # وقد نقلوا عن أرسطا طاليس ما معناه: خاطبني جوهر من الأنوار العالية ~~بكثير من الحقائق والمعارف، فقلت: من أنت؟ فقال: أنا طباعك التام. وقد تقرر ~~عندهم أن النفس قد تعود عقلا مستفادا إذا كانت في غاية القوة ونهاية الشرف، ~~فتحصل لها علوم جمة دفعة من غير حاجة إلى تعلم أو فكر بل بمجرد الحدس. # قال ابن سينا في إشاراته بعد الفرق بين الفكرة والحدس في مقام إمكان وجود ~~القوة القدسية: ألست تعلم أن للحدس وجودا، وأن للإنسان فيه مراتب وفي ~~الفكرة، فمنهم غبي لا تعود عليه الفكرة برادة، ومنهم من له فطانة إلى حد ما ~~يستمع بالفكر، ومنهم من هو أثقف من ذلك وله إصابة في المعقولات بالحدس، ms160 ~~وتلك الثقافة غير متشابهة في الجميع بل ربما قلت وربما كثرت، وكما أنك تجد ~~في جانب النقصان منتهيا إلى عديم الحدس فأيقن أن الجانب الذي يلي الزيادة ~~يمكن انتهاؤه إلى غني في أكثر أحواله إلى التعلم والفكرة. # وقال الفاضل العارف كمال الدين بن ميثم البحراني في شرح نهج البلاغة عند ~~قوله (عليه السلام): " درجات متفاضلات " (1): إعلم أن ألذ ثمار الجنة هي ~~المعارف الإلهية، # PageV00P186 # والنظر إلى وجه الله ذي الجلال والاكرام، والسعداء في الوصول إلى نيل هذه ~~الثمرة على مراتب متفاوتة، فالأولى مرتبة من أوتي الكمال في حدس القوة ~~النظرية حتى استغنى عن معلم بشري رأسا، وأوتي مع ذلك ثبات قوة المتفكرة ~~واستقامة وهمه منقادا تحت قلم العقل، فلا يلتفت إلى العالم المحسوس بما فيه ~~حتى يشاهد عالم المعقول بما فيه من الأحوال ويستثبتها في اليقظة، فيصير ~~العالم وما يجري فيه متمثلا في نفسه، فيكون لقوته النفسانية أن يؤثر في ~~عالم الطبيعة حتى ينتهي إلى درجة النفوس السماوية، وتلك هي النفوس القدسية ~~أولات المعارج، وهم السابقون السابقون أولئك المقربون، وهم أفضل نوع البشري ~~وأحقه على درجات السعادة في الجنة (1). # وبالجملة مراتب الناس في الفهم والتمييز مختلفة، ومدار فيضان العلم ~~والحكمة على طهارة النفس وصفائها وذكائها وكمالها في نفسها، سواء في ذلك ~~الصغير والكبير، فجاز عقلا أن ينال الصبي مرتبة النبوة والإمامة، كما ثبتت ~~نبوة يحيى بالكتاب وإمامة الجواد والقائم (عليهما السلام) بالسنة المتواترة ~~القاطعة في حد الصبا. # وقد ذكر الشيخ الفاضل تقي الدين الحسن بن داود أن صاحبه ورفيقه السيد ~~غياث الدين بن طاووس اشتغل بالكتابة واستغنى عن المعلم وعمره أربع سنين ~~(2). # وعن إبراهيم بن سعيد الجوهري قال: رأيت صبيا ابن أربع سنين قد حمل إلى ~~المأمون وقد قرأ القرآن ونظر في الرأي، غير أنه إذا جاع بكى. # وإذا ثبت أن غير المعصوم يصير صاحب الرأي ناظرا فيه، مجتهدا فقيها غنيا ~~عن المعلم وعمره أربع سنين، فما ظنك بالمعصوم ومن نفسه قدسية وعلومه لدنية ~~ومعه ملك يؤيده ويسدده؟ هذا ما عندنا ms161 في جواب مسألتك هذه والعلم عند الله ~~وعند أهله، والسلام. # [تحقيق حول الحديث النبوي: " ولد الزنا شر الثلاثة "] قال الصدوق في ~~معاني الأخبار: " حدثنا علي بن أحمد بن موسى (رضي الله عنه)، قال: # PageV00P187 # حدثنا محمد بن أبي عبد الله، عن موسى بن عمران النخعي، عن عمه الحسين بن ~~يزيد النوفلي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير، قال: سألته عما روي عن ~~النبي (صلى الله عليه وآله) أنه قال: " إن ولد الزنا شر الثلاثة، ما معناه؟ ~~قال (عليه السلام): عنى به الأوسط، أنه شر ممن تقدمه وممن تلاه " (1). # أقول: هذا نص في أن الثاني ولد الزنا، وكون الحديث مضمرا لا يقدح فيه، ~~لأن أبا بصير هو يحيى بن أبي القاسم الثقة من أصحاب أبي الحسن موسى (عليه ~~السلام)، فالظاهر أنه المسؤول. وقوله: " قال (عليه السلام) " صريح فيه، ~~وترك التصريح بالاسم: إما للاحتياط والتقية، أو لظهوره عند المخاطبين ~~وتعينه. # لكن في أصل السند كلاما، لأن الكوفي والنخعي مجهولان، والنوفلي قد رماه ~~قوم من القميين في آخر عمره بالغلو (2)، والبطائني قائد أبي بصير واقفي ورد ~~فيه ما ورد عن الرضا (عليه السلام) من الطعن واللعن (3)، فالرواية بين ~~كونها مجهولة أو ضعيفة السند. # وفي بعض الأخبار فسر هذا الخبر تفسير آخر، فعن أبي عبد الله الصادق (عليه ~~السلام) أنه " قال: يقول ولد الزنا: يا رب ما ذنبي؟ فما كان لي في أمري ~~صنع؟ قال: # فيناديه مناد فيقول: أنت شر الثلاثة أذنب والداك فتبت عليهما، وأنت رجس ~~ولن يدخل الجنة إلا طاهر " (4). # وقال ابن الأثير في النهاية: ولد الزنا شر الثلاثة، قيل: هذا جاء في رجل ~~بعينه كان موسوما بالشر، وقيل: هو عام، وإنما صار ولد الزنا شرا من والديه ~~لأنه شرهم أصلا ونسبا وولادة، ولأنه خلق من ماء الزاني والزانية فهو ماء ~~خبيث، وقيل: لأن الحد يقام عليهما فيكون تمحيصا لهما وهذا لا يدرى ما يفعل ~~به في ذنوبه (5). وفيه ما سبق من قول ولد الزنا: يا رب ما ذنبي؟ فما كان ms162 لي ~~في أمري صنع؟ # PageV00P188 # وقال آية الله العلامة في جواب مسألة: شر الكافر عرضي ممكن زواله مستند ~~إلى فعله وهو اعتقاده وقوله، وأما ولد الزنا فإن شره ذاتي لا يمكن تغييره ~~ولا تبديله، ولا يسلبه القدرة ولا اختيار الإيمان وإلا لبطل تكليفه، ولو ~~فرض منه وقوع الطاعات وأنه عرف واعتقد ما يجب عليه كان من أهل النجاة، لكن ~~السيد المرتضى ادعى خلافه لرواية " أن ولد الزنا لا ينجب " و " أنه لا يدخل ~~الجنة " فإن صحت هذه الرواية فالوجه فيه أنه لخبث أصله وفساد طبيعته لا ~~يقبل الألطاف الإلهية، ولا يصح منه اعتقاد الحق، لتقصيره عن النظر الواجب ~~عليه شرعا المتمكن منه عقلا، ولا عذر له، لأن الواجب على الله تعالى بعثة ~~الرسل وخلق القدرة والآلات والألطاف وقد فعله الله تعالى، فالتقصير منه ~~(1). # وفيه: أن عمل السيد - وهو عدل ثقة نبيل جليل غير مدافع - بالرواية ~~المذكورة أول دليل وأقوى حجة على كونها متواترة بالنسبة إليه فضلا عن ~~صحتها، لأنه لا يعمل بالأخبار الآحاد الصحيحة، ويصرح بأنها لا تفيد علما ~~ولا عملا، فكيف يحكم بمضمونها على خلافه وهي غير صحيحة؟ وهذا من الفاضل ~~العلامة عجيب، وصدور مثله عن مثله غريب. # وأغرب منه حكمه بذاتية شره، إذ لو كان شره ذاتيا - وما بالذات لا يختلف ~~ولا يتخلف، وإليه أشار بقوله: لا يمكن تغييره ولا تبديله - لكان هو من حيث ~~الذات مقسورا على فعله، وكان صدوره منه صدور الاحتراق من النار والتبريد من ~~الماء، فكيف يتصور منه القدرة على فعل الخير واختيار الإيمان الذي هو خير ~~محض نقيض شره الذاتي؟ وإلا لزم انفكاك الذاتي عن الذات. # وكذا لو كانت خباثة أصله وفساد طبيعته مقتضية عدم قبوله الألطاف الإلهية ~~وليست بداخلة تحت قدرته واختياره لكان تكليفه بمعرفة الله والإيمان به ~~وبسائر ما يتفرع عليه تكليفا بما لا يطاق، ولما كان له تقصير بتركه النظر ~~لا شرعا # PageV00P189 # ولا عقلا، كيف ولا قدرة له عليه، فيكون معذورا في عدم إيمانه وترك ما يجب ~~عليه فعله وفعل ما ms163 يجب عليه تركه؟ فقوله: " لا يسلبه القدرة ولا اختيار ~~الإيمان وإلا لبطل تكليفه " كما ترى، إذ بطلان التالي على تقدير ذاتية شره ~~ممنوع. # والحق أن يقال: إن ذاته من حيث هي نسبتها إلى الخير والشر نسبة واحدة، ~~وإنما يفعل الشر بسوء اختياره كسائر أفراد نوعه، ولا دخل فيه لخباثة أصله ~~وفساد طبيعته، وذلك لأنه تعالى لما كان عالما في الأزل بأن أي روح تصدر عنه ~~أعمال الأشقياء باختياره في بدن طيب أو خبيث، وأن أي روح تصدر عنه أعمال ~~السعداء باختياره، كذلك اقتضت حكمته أن يجعل للأول بدنا خبيثا وللثاني بدنا ~~طيبا لمجرد المناسبة، لأن لهذا البدن دخلا في الأفعال لوجوب صدور القبيح عن ~~ذي البدن الخبيث وجوب لاحق لا سابق، وكونه واسطة للقبيح إنما هو باعتبار ~~أنه واسطة للإثبات والوجوب اللاحق لا للثبوت والوجوب السابق. # وبالجملة: ولد الزنا من حيث هو فرد من أفراد هذا النوع ليس شره ذاتيا ~~وإلا لكان جميع أفراده لكونه متحدا بالنوع ومختلفا بالشخص شريرا، فالإيمان ~~والفضل والكمال وأضدادها ليست تابعة لطيابة الأصل وصفاته وخباثة الأصل ~~وفساده وإلا لزم الجبر وبطلان الشرائع والتأديب والسياسة والوعد والوعيد، ~~نعوذ بالله منه، هذا. # ويمكن أن تكون نسبة الأوسط إلى كونه ولد زنية إنما نشأت من قبل جده وجدته ~~لا من جهة أبيه وأمه، وذلك لما قد رواه أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب ~~الكلبي من رجال العامة ومن علماء السنة في كتاب المثالب " قال: كانت صهاك ~~أمة حبشية لهشام بن عبد مناف، فوقع عليها نفيل بن هشام، ثم وقع عليها عبد ~~العزى بن رياح، فجاءت بنفيل جد عمر بن الخطاب " (1). وهذا منهم غريب عجيب، ~~لأنهم ينسبون الشيعة إلى السب وعلماؤهم يروون ما ترى، ثم يهملون # PageV00P190 # هذا ويشتغلون في ذم الشيعة. وهذا من قلة الإنصاف والخروج من الحق إلى ~~الاعتساف، لأن ولد الزنا لا يطهر إلى ستة آباء كما ورد في الخبر. # ولعل هذا الذي ذكره أبو المنذر هو الوجه فيما ورد في كثير من الأخبار ~~الواردة في ms164 الطريقين: أن أبا الحسنين الريحانين صلوات الله عليه وعلى ذريته ~~المصطفين كان يخاطب الأوسط في مقام توبيخه بيا ابن صهاك الحبشية، ويا ابن ~~السوداء الحبشية. # روى الواقدي: " أن عمر قال: لقد هممت أن أنبشها وأصلي عليها، فغضب أمير ~~المؤمنين من ذلك غضبا شديدا لم يغضب مثله في سائر ما كان منهما إليه، وقال: ~~يا ابن السوداء الحبشية تنبشها، ثم جذب من سيفه شبرا وقال: والله لو هممت ~~بذلك لفرقت بين رأسك وجسدك، فسكته أبو بكر " هذا نسبه. # وأما حسبه فروى ابن عبد ربه في كتاب العقد في حديث استعمال عمر بن الخطاب ~~لعمرو بن العاص في بعض ولايته: " فقال عمرو بن العاص: قبح الله زمانا عمل ~~فيه عمرو بن العاص لعمر بن الخطاب، والله إني لأعرف الخطاب يحمل على رأسه ~~حزمة من الحطب وعلى ابنه مثلها، وما مشيا إلا في ثمرة لا يبلغ منفعته " ~~(1). # أقول: ويل لمن كفره نمرود، فإن النابغة أم عمرو بن العاص بن وائل السهمي ~~كانت أمة رجل سبيت، فاشتراها عبد الله بن جذعان وكان بغيا لها، ثم عتقت ~~ووقع عليها أبو لهب وأمية بن خلف وهاشم بن المغيرة وأبو سفيان والعاص ~~وخزيمة بن عمرو الخزاعي في طهر واحد، فولدت عمروا، فادعى كلهم، فحكمت فيه ~~أمه، فقالت: هو للعاص، لأن العاص كان ينفق عليها، وقالوا: كان أشبه بأبي ~~سفيان (2). # وفي كتاب العقد " قال: خرج عمر بن الخطاب ويده على المعلى بن الجارود، ~~فلقيته امرأة من قريش فقالت: يا عمر، فوقف لها، فقالت: كنا نعرفك مرة عميرا ~~ثم صرت من بعد عمير عمر ثم صرت من بعد عمر أمير المؤمنين، فاتق الله يا ابن # PageV00P191 # الخطاب وانظر في أمور الناس، فإنه من خاف الوعيد قرب عليه البعيد، ومن ~~خاف الموت خشي من الفوت " (1). # وفي تفسير علي بن إبراهيم " بإسناده إلى علي بن حسان عن عمه عبد الرحمان ~~بن كثير عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قوله تعالى: * (ذرني ومن خلقت ~~وحيدا) * (2) قال: الوحيد ولد الزنا وهو عمر * (وجعلت ms165 له مالا ممدودا) * ~~قال: # أجلا إلى مدة * (وبنين شهودا) * قال: أصحابه الذين شهدوا أن رسول الله ~~(صلى الله عليه وآله) لا يورث * (ومهدت له تمهيدا) * ملكه الذي ملك مهده له ~~* (ثم يطمع أن أزيد كلا إنه كان لآياتنا عنيدا) * قال: لولاية أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) جاحدا ومعاندا لرسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~فيها * (سأرهقه صعودا إنه فكر وقدر) * فكر فيما أمر به من الولاية، وقدر إن ~~مضى رسول الله (صلى الله عليه وآله) أن لا يسلم لأمير المؤمنين (عليه ~~السلام) البيعة التي بايعه بها على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) * ~~(فقتل كيف قدر ثم قتل كيف قدر) * قال: عذاب بعد عذاب يعذبه القائم * (ثم ~~نظر) * إلى النبي (صلى الله عليه وآله) وأمير المؤمنين (عليه السلام) * (ثم ~~عبس وبسر) * مما أمر به * (ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر) * ~~قال عمر: إن النبي سحر الناس بعلي * (إن هذا إلا قول البشر) * أي: ليس هو ~~وحي من الله عز وجل * (سأصليه سقر) * إلى آخر الآية، ففيه نزلت " (3). # واعلم أن هذه الرواية أيضا ضعيفة السند بعلي بن حسان بن كثير الهاشمي، ~~فإنه غال ضعيف جدا، قال محمد بن مسعود: سألت علي بن الحسن بن علي بن فضال ~~عن علي بن حسان، فقال: عن أيهما سألت؟ أما الواسطي فهو ثقة، وأما الذي ~~عندنا يروي عن عمه عبد الرحمن بن كثير فهو كذاب وهو واقفي أيضا (4). # ومثله في عمه عند أصحابنا، وقالوا: كان يضع الحديث (5). # ثم إني وجدت في بعض الكتب مرويا عن الصادق (عليه السلام) أنة قال في بيان # PageV00P192 # نسب عمر: عمر بن خطاب بن نفيل بن صهاك من قبل الأب، ومن جانب الأم: ابن ~~خيثمة بنت خطاب بن نفيل بن صهاك هكذا: # من جده خاله ووالده * وأمه أخته وعمته أجدر أن يبغض الوصي وأن * ينقض يوم ~~الغدير بيعته (1) بيانه: أن الخطاب هذا أبو عمر وهو ظاهر، وجده لأنه أبو ~~أمة خيثمة، وخاله لأنه أخو أمة خيثمة لأمها، وخيثمة ms166 هذه أم عمر لأنه ولدها، ~~وأخته لأبيه لأنها بنت الخطاب، وعمته لأنها أخت أبيه الخطاب. # [تحقيق حول كلام عرفاني للجنيد] ومن غريب ما نقل عن الجنيد أنه قال حين ~~ما سمع حديث " كان الله ولم يكن معه شئ ": الآن كما عليه كان. # وأنت وكل سليم الفطرة خبير بأن هذا الحديث إنما يساق لبيان نفي خصوص ~~الموجودات القديمة الأزلية أي موجود كان في أي ظرف كان بأي نحو كان إلا ~~الواجب تعالى شأنه العزيز، ولذا استدل به وبنظائره المتكلمون من أصحابنا ~~وغيرهم على حدوث العالم. # وهذا التخصيص إنما يتصحح إذا كان في الآن المراد به الزمان المقابل للأزل ~~في نفس الأمر، لأنه موجود حادث له معية حادثة مع الله عز اسمه، بمعنى كون ~~وجوده مقارنا لوجوده، إذ لو لم يكن معه فيه موجود ولا شئ أصلا كما لم يكن ~~معه في الأزل موجود ولا شئ أصلا لم يكن لهذا التخصيص وجه، ولا لهذا الحديث ~~ولا الإخبار بمضمونه فائدة، ولا للفظ كان مثبتا أو منفيا ثمرة، كل ذلك على ~~مذهبه وهو مذهب التصوف والقول بوحدة الوجود، إذ لا وجه حينئذ لنفي خصوص هذه ~~المعية الأزلية في الآن وما سيأتي من الزمان، بل في مطلق الأزمان يصدق هذا ~~النفي، كما كان صادقا في الأزل. # PageV00P193 # فقوله: " الآن كما عليه كان " ليس تأويلا للحديث كما زعمه من سلك مسلكه، ~~بل هو في الحقيقة رد لهذا الخبر المشهور المستفيض وطعن فيه بعدم مطابقته ~~الواقع، حيث إنه يفيد كينونة شئ معه الآن، ومذهب التصوف أنه الآن كما عليه ~~كان، من عدم مقارنة شئ معه في الوجود، وهذا كما ترى مع مخالفته النقل يخالف ~~العقل أيضا، فإن الضرورة قاضية باتصاف الماهيات بالوجود اتصافا حقيقيا، ~~والمنازع فيه مكابر مقتضى عقله لو كان له عقل، ولهذا أجمع المتكلمون على أن ~~الوجود حقيقة في الواجب والممكن، لأنه لو كان مجازا في أحدهما لصح نفيه ~~عنه، لأنه من أمارة المجاز، ولكنه غير صحيح بالضرورة. # ولعل الجنيد لما استشعر بمنافاته مذهبه، ولم يمكنه ms167 إنكاره لشهرته ~~واستفاضته قال ذلك تغريرا للعوام، ولم يبال عما يلزمه من المكابرة ورد قوله ~~(عليه السلام) وإن كان كفرا، نعوذ بالله منه. # وأغرب منه قول من تلقى قوله بالقبول كأنه وحي نزل على الرسول، حيث قال ~~(1) في رسالته الموسومة باللآلي: وچون تعين امر اعتبارى است ظهور آن ~~بواسطهء نورى است كه در مراتب سارى است، جنيد كه حديث كان الله ولم يكن معه ~~شئ را شنيد گفت: الآن كما كان، وهمانا اين ضميمه در حديث مندرج است. # وأعجب من ذلك أنه أول الحديث وقول الجنيد جمعا في رسالته المسماة بقرة ~~العيون إلى الحدوث الذاتي، حيث قال: إن المصنوع يمتنع أن يكون في مرتبة ذات ~~الصانع، لأن معنى الصانعية والمصنوعية ليس إلا تقدم ذات على ذات، توجد ~~الثانية من الأولى، ولو كانتا معا لكان الصنع تحصيلا للحاصل، فكان الصانع ~~في أزل قدمه، والمصنوع بعد في حيز عدمه، فكان الصانع ولا مصنوع، ثم حدث ~~المصنوع بإحداث الصانع إياه، قال: وهذا معنى حديث " كان الله ولم يكن معه ~~شئ " وقول من قال: " الآن كما عليه كان " فمعنى كان هنا معناه في قوله ~~تعالى: # * (وكان الله عليما حكيما) * فهو منسلخ عن معنى الماضي، بل عن مطلق ~~الزمان (2). # PageV00P194 # وهذا التأويل مع أنه منافر لما سبق منه آنفا، ومخالف لما أجمع عليه ~~المليون، وقال المسلمون منهم: إنه من ضروريات الدين من القول بوجود إله ~~العالم بدونه بأن يكون بينهما فصل، يدل على أن الجنيد تفلسف من بعد ما ~~تصوف، ولم ينقل ذلك عن أحد، ومن المعلوم أن بين مذهبي التصوف والتفلسف بونا ~~بعيدا خاصة في هذه المسألة. # والحق أن معنى هذا الحديث وما شاكله كقول الباقر (عليه السلام) في جواب ~~زرارة بعد أن سأله: أكان الله ولا شئ؟: " نعم كان ولا شئ " (1) لا يتصحح مع ~~رعاية قانون الشرع إلا على القول بالزمان التقديري كما ذكر الطبرسي (قدس ~~سره) في مجمع البيان وهو يرجع إلى الحدوث الدهري كما فصلناه في بعض رسائلنا ~~(2) أي: لو فرضنا وقدرنا ms168 قبل حدوث الزمان زمانا آخر لم يكن فيه شئ وكان ~~الله فيه موجودا بالمعنى الذي يقال الآن: إنه تعالى موجود، وهو أن وجوده ~~مقارن لوجود الزمان، إلا أنه منطبق عليه انطباق الحركة، بل لا يصح ذلك في ~~الجسم أيضا. # وعلى هذا فلا إشكال فيه ولا حاجة في تصحيحه إلى القول بانسلاخ كان عن ~~مطلق الزمان كما في الآية بل هي فيهما زمانية، أو في الحديث زمانية وفي ~~الآية زائدة للتوكيد كما قالوا بمثله في قوله تعالى: * (كيف نكلم من كان في ~~المهد صبيا) * (3) وكذا الكلام في المعية المنفية فإنها أيضا زمانية لا ~~ذاتية، فإن مجرد الحدوث الذاتي بل الزماني الموهوم أيضا يخالف النقل بل ~~العقل، بل الإجماع أيضا كما أومأنا إليه في رسالة لنا معمولة لبيان تحقيق ~~القول بالحدوث الدهري (4)، فليطلب من هناك. # [تحقيق حول ما ورد أن آدم ونوحا ضجيعان لأمير المؤمنين (عليه السلام)] ~~قال آية الله العلامة والنحرير الفهامة روح الله روحه في جواب من سأله عما # PageV00P195 # ورد: أن آدم ونوحا ضجيعان لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، هل صح ~~ذلك؟: هذا شئ مشهور، والاعتماد فيه على النقل، ومع ذلك فأي فضيلة لأمير ~~المؤمنين (عليه السلام)؟! # فإن الشيعة استدلوا بالقرآن على أن أمير المؤمنين (عليه السلام) مساو ~~للنبي (صلى الله عليه وآله) لقوله تعالى: * (وأنفسنا) * (1) والمراد به علي ~~(عليه السلام)، والاتحاد محال، فبقي أن يكون المراد المساواة، ولا شك أن ~~محمدا (صلى الله عليه وآله) أشرف من غيره من الأنبياء، فيكون مساويه كذلك ~~(2). # أقول: قال الصدوق (رحمه الله) في الفقيه: وتصلي عنده (عليه السلام) ست ~~ركعات تسلم في كل ركعتين، لأن في قبره عظام آدم وجسد نوح (عليهما السلام) ~~وأمير المؤمنين (عليه السلام)، فمن زار قبره فقد زار آدم ونوحا وأمير ~~المؤمنين (عليهم السلام)، فتصلي لكل زيارة ركعتين (3). # وهذا مضمون رواية رواها الشيخ في التهذيب عن المفضل بن عمر الجعفي " قال: ~~دخلت على أبي عبد الله (عليه السلام)، فقلت له: إني أشتاق إلى الغري، فقال: ~~فما شوقك إليه؟ فقلت ms169 له: إني أحب أن أزور أمير المؤمنين (عليه السلام)، ~~فقال: هل تعرف فضل زيارته؟ فقلت: لا يا ابن رسول الله إلا أن تعرفني ذلك، ~~قال: إذا زرت أمير المؤمنين (عليه السلام) فاعلم أنك زائر عظام آدم وبدن ~~نوح وجسم علي بن أبي طالب (عليه السلام)، فقلت: يا ابن رسول الله يقولون: ~~إن آدم هبط بسرانديب في مطلع الشمس، وزعموا أن عظامه في بيت الله الحرام، ~~فكيف صارت عظامه بالكوفة؟ # قال: إن الله عز وجل أوحى إلى نوح وهو في السفينة أن يطوف بالبيت أسبوعا، ~~فطاف بالبيت كما أوحى الله تعالى إليه، ثم نزل في الماء إلى ركبتيه فاستخرج ~~تابوتا فيه عظام آدم، فحمله في جوف السفينة، حتى طاف ما شاء الله أن يطوف، ~~ثم ورد إلى باب الكوفة في وسط مسجدها، ففيها قال الله تعالى للأرض: * (يا ~~أرض ابلعي ماءك) * فبلعت ماءها من مسجد الكوفة كما بدأ الماء منه، وتفرق ~~الجمع الذي كان مع نوح في السفينة، فأخذ نوح التابوت فدفنه في الغري، وهو # PageV00P196 # قطعة من الجبل الذي كلم الله عليه موسى تكليما، وقدس عليه عيسى تقديسا، ~~واتخذ عليه إبراهيم خليلا، واتخذ عليه محمدا حبيبا، وجعله للنبين مسكنا، ~~فوالله ما سكن فيه بعد أبويه آدم ونوح أكرم من أمير المؤمنين (عليه ~~السلام)، فإذا زرت جانب النجف فزر عظام آدم وبدن نوح وجسم علي بن أبي طالب ~~(عليه السلام)، فإنك زائر لآباء الأولين ومحمد خاتم النبيين وعلي سيد ~~الوصيين، وإن زائره تفتح له أبواب السماء عند دعوته، فلا تكن عند الخير ~~نواما " (1). # وفيه عن أبي بصير " قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): أين دفن أمير ~~المؤمنين (عليه السلام) ؟ قال: دفن في قبر أبيه نوح، قلت: وأين قبر نوح ~~والناس يقولون: إنه في المسجد؟ # قال: لا، ذاك في ظهر الكوفة " (2) هذا؟ # ولا يذهب عليك أن ما ذكره من مساواتهما (عليهما السلام) وقت نزول الآية ~~كما هو مقتضى دليله هذا ينافيه ما روي عنه (عليه السلام): أن النبي (صلى ~~الله عليه وآله) ms170 علمه عند وفاته ألف باب، فتح له من كل باب ألف باب (3)، إذ ~~المتعلم لا يكون مساويا لمعلمه، ضرورة تقدمه عليه تقدما بالشرف، مع ما في ~~تساويهما وقتئذ من ترجيح أحد المتساويين على الآخر على تقدير كون أحدهما ~~رعية والآخر إماما له، وإلا يلزم: إما القول بالتشريك أو عدم كونه حجة ~~عليه، وهو ينافي عموم رسالته وكونه رحمة للعالمين، ومبعوثا على الأسود ~~والأبيض. # ثم إن هنا إشكالا آخر أقوى منه، وهو أنه (عليه السلام) عاش بعد النبي ~~(صلى الله عليه وآله) بضعا وثلاثين سنة، ولا شك أنة ازداد في هذه المدة ~~الطويلة علما وفضلا وكمالا جسمانيا وروحانيا استحق به الثواب، وإلا لكان ~~مغبونا في هذه المدة، بل كل من ساوى يوماه فهو مغبون، وكيف لم يزدد بعده ~~(صلى الله عليه وآله) فضلا وثوابا وغزواته مع القاسطين والناكثين والمارقين ~~مشهورة، ومجاهداته في الله وعباداته في الكتب مسطورة؟ # PageV00P197 # فعلى ما ذكره (قدس سره) مقلدا فيه السلف من غير أن يمعن النظر فيه وفيما ~~فيه يلزم أن يكون علي (عليه السلام) أفضل من النبي (صلى الله عليه وآله) ~~بمراتب، إذ لا يعني بالأفضل هنا إلا أكثر ثوابا، وهو (عليه السلام) على هذا ~~الفرض أكثر منه (صلى الله عليه وآله) فضلا وثوابا بمراتب شتى. # وهذا مع أنه ينافيه كونه (صلى الله عليه وآله) أشرف الموجودات وأفضل ~~الكائنات، وقوله: # " ما خلق الله خلقا أفضل مني ولا أكرم على الله مني " وقوله: " أنا سيد ~~ولد آدم " (1) وفي رواية أخرى: " أنا سيد من خلق الله " (2). # وقوله في حديث آخر أورده ابن فهد في العدة: " علي سيد العرب، فقيل: يا ~~رسول الله ألست سيد العرب؟ فقال: أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب، فقيل: ~~وما السيد؟ قال: من افترضت طاعته كما افترضت طاعتي " (3) وقولهم (عليهم ~~السلام) في الأدعية المأثورة عنهم: " وصلى الله على خير خلقه سيدنا محمد ~~وآله " وخاصة قول علي (عليه السلام) في خطبة يوم الغدير المذكورة في ~~الكفعمي (4) قرن الاعتراف بنبوته بالاعتراف بلاهوتيته، واختصه من تكريمه ms171 ~~بما لم يلحقه فيه أحد من بريته، فهو أهل ذلك بخاصته وخلته. # وفي خطبة أخرى (عليه السلام): " ألا وإن الوسيلة أعلى درجة الجنة، وذروة ~~ذات ذوائب الزلفة، ونهاية غاية الأمنية، لها ألف مرقاة ما بين المرقاة إلى ~~المرقاة حضر الفرس الجواد مائة عام، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) قاعد ~~عليها مرتد بريطتين: ريطة من رحمة الله وريطة من نور الله، عليه تاج النبوة ~~وإكليل الرسالة، قد أشرق بنوره المواقف، وأنا يومئذ على الدرجة الرفيعة وهي ~~دون درجته وعلي ريطتان: ريطة من أرجوان النور وريطة من كافور " (5). # قال في مجمع البحرين: وفي الحديث في وصف علي (عليه السلام) في الجنة " ~~وعليه ريطتان: ريطة من أرجوان النور، وريطة من كافور " ومثله في وصف # PageV00P198 # رسول الله (صلى الله عليه وآله) " مرتد بريطتين " والريطة بالفتح كل ~~ملاءة إذا كانت قطعة واحدة وليست لفقتين، أي قطعتين، والجمع رياط مثل كلبة ~~وكلاب، وريطة مثل تمرة وتمر (1) انتهى. وفي نهاية ابن الأثير: وقيل: الريطة ~~كل ثوب رقيق لين (2). # مما (3) لم يقل به أحد من المسلمين، وكيف يقول به مسلم ودرجته (عليه ~~السلام) باعترافه دون درجته (صلى الله عليه وآله)، والمساواة في الفضيلة ~~ملزوم المساواة في الدرجة بل هو هو، وكيف يساويه أحد في الدرجة والفضيلة ~~وهو أول من تشرف بعناية الله وصار مظهر جلاله وجماله؟ وقد تقرر في مقره أن ~~أول خلق الله أشد مناسبة بذاته تعالى، إذ لا واسطة بينه وبين خالقه. # وأيضا فإن أراد به أنه مساو له مع وصفه بالنبوة يلزم منه أن يكون نبيا ~~مثله، وإن أراد به أنه مع قطع النظر عن ذلك مساو له فعلى تقدير التسليم لا ~~يلزم منه ما ادعاه، إذ لا يلزم من كونه (صلى الله عليه وآله) مع وصف النبوة ~~وسائر الفضائل أفضل من اولي العزم كونه (عليه السلام) بدون هذا الوصف أفضل ~~منهم، كيف ونبوته أشرف النبوات، ورسالته أكمل الرسالات، وما بلغ بذلك أحد ~~مبلغه؟ # ألا يرى إلى ما رواه ثقة الإسلام في أصول الكافي ms172 " عن علي بن إبراهيم عن ~~أبيه عن ابن أبي عمير عن ابن أذينة عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، ~~قال: نزل جبرئيل (عليه السلام) على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ~~برمانتين من الجنة فأعطاه إياهما، فأكل واحدة وكسر الأخرى نصفين، فأعطى ~~عليا (عليه السلام) نصفها فأكلها، فقال: يا علي أما الرمانة الأولى التي ~~أكلتها فالنبوة ليس لك فيها شئ، وأما الأخرى فهو العلم فأنت شريكي فيه " ~~(4). # فهذا حديث صحيح صريح في أن له (عليه السلام) ربع ماله (صلى الله عليه ~~وآله)، فإنه أكل من الرمانتين ثلاثة أرباعهما وأكل علي (عليه السلام) ربعا ~~منهما، ولعله (عليه السلام) لذلك قال وقد سأله حبر من الأحبار بعد كلام ~~أفاده في التوحيد، فنبي أنت؟: " ويلك أنا عبد من عبيد # PageV00P199 # محمد " كذا في التوحيد (1) للصدوق (رحمه الله). # ثم إن شئت أن تعرف شتان ما بينهما فانظر إلى ما ورد في طريق العامة من ~~أبي هريرة - وتلقاه الخاصة بالقبول لورود مثله في طريقهم - قال: " قال رسول ~~الله (صلى الله عليه وآله) لعلي بن أبي طالب يوم فتح مكة: أما ترى هذا ~~الصنم بأعلى الكعبة؟ فقال: # بلى يا رسول الله، قال: فأحملك فتناوله، قال: بل أنا أحملك يا رسول الله، ~~فقال: لو أن ربيعة ومضر جهدوا أن يحملوا مني بضعة وأنا حي ما قدروا، ولكن ~~قف يا علي فضرب رسول الله (صلى الله عليه وآله) يديه على ساق علي فوق ~~القرقونس (2) ثم اقتلعه من الأرض، فرفعه حتى تبين بياض إبطيه " الحديث (3) ~~هذا. # ثم من البين أن ليس المراد بقوله: * (وأنفسكم) * هو المتساوون في الدرجة ~~والفضيلة، إذ لا فضل لهم عند الله جناح بعوضة، بل المراد به الذين كانوا من ~~خاصة هؤلاء المخاطبين وبطانتهم وليجتهم ومن أعزة أهلهم وأحبتهم عليهم، ~~الذين كانوا يخافون عليهم ويحذرون من نزول العذاب بهم، لأن ذلك هو مناط ~~المباهلة ومحط فائدتها، حيث يدل على وثوق المباهل ويقينه بحقيته وبطلان طرف ~~المقابل، فكذا قوله: * (وأنفسنا) * من غير فصل، وكثيرا ما يعبر عن ms173 القريب ~~النسبي بل عن المشتركين في ملة بالنفس كقوله تعالى: * (فاقتلوا أنفسكم) * ~~(4) أي: ليقتل بعضكم بعضا، أمر من لم يعبد العجل من قوم موسى أن يقتل من ~~عبده، وقوله تعالى: * (ولا تقتلوا أنفسكم) * (5) أي: لا يقتل بعضكم بعضا، ~~لأنكم أهل دين واحد فأنتم كنفس واحدة، صرح بذلك أهل التفسير وعدوا منه قوله ~~تعالى: * (فسلموا على أنفسكم) * (6). # وقد تطلق النفس على الجنس والنوع كقوله تعالى: * (لقد جاءكم رسول من ~~أنفسكم) * (7) وقوله: * (لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من # PageV00P200 # أنفسهم) * (1) أي: من جنسهم كما في مجمع البحرين (2). # وأمثال ذلك في كتاب الله العزيز غير عزيز، فيكون مجازا من الكلام أريد به ~~المبالغة، كما في حديث السفر: " وابدأ بعلف دابتك فإنها نفسك " (3) أي: ~~كنفسك فكما تحتفظ على نفسك فاحتفظ عليها. # ومثله " فاطمة بضعة مني، وهي قلبي، وهي روحي التي بين جنبي " (4) وقوله: # " عترتي من لحمي ودمي " وأمثال ذلك، فكما لا يلزم في هذه الصور المساواة ~~في الدرجة والفضيلة، فكذا هنا من غير فرق. # فيكون المراد بقوله: * (وأنفسنا) * من هو بمنزلتها في وجوب رعايتها ~~والمحافظة عليها، كما أن المراد بقوله * (وأنفسكم) * كذلك، وهذا أمر ظاهر ~~بقرينة المقام، ولا يشتبه على من له أدنى درية بالكلام. # ويظهر منه خصوصيته (عليه السلام) برسول الله وكونه محبوبا له، فيدل على ~~فضيلته وفضيلة الذين أتى بهم الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى المباهلة، ~~وعلى أنهم أفضل من سائر الصحابة، وأحب إلى رسول الله منهم كما أشار إليه ~~صاحب التجريد (5) وإلا لقال المنافقون: إن الرسول لم يدع للمباهلة من يحبه ~~ويحذر عليه من العذاب. # وأما أنه يدل على أنه مساو له في المرتبة والفضيلة والقرب من الله فكلا ~~وحاشا، إذ لا دلالة له عليه بواحد من الدلالات. # ثم إني إلى الآن لم أر في كلام أحد من علماء الشيعة قديما وحديثا ممن له ~~أدنى فطانة وأخذ فطانته بيده ولم يقلد فيه أحدا أنه استدل بهذه الآية على ~~المساواة بينهما، إلا في كلام الفاضلين آية الله العلامة ms174 وابنه فخر ~~المحققين وزين المدققين، حيث قال - في جواب من سأله عن مولانا أمير ~~المؤمنين (عليه السلام)، هل # PageV00P201 # هو أفضل من سائر الأنبياء ما خلا نبينا صلوات الله عليهم من غير تفصيل أم ~~هو أفضل من بعضهم دون بعض؟ وما الحجة في تفضيله عليهم؟ وهل يكون حكم باقي ~~الأئمة من ولده هذا الحكم أم هذا أمر مختص به صلوات الله عليه؟ -: أمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أفضل من سائر الأنبياء غير النبي ~~(صلى الله عليه وآله)، ودليله قوله تعالى: * (وأنفسنا وأنفسكم) * أجمع ~~المفسرون على أن المراد بالنفس هنا علي (عليه السلام)، والاتحاد محال، فلم ~~يبق إلا المساواة، ومساوي الأفضل أفضل قطعا. # وظاهر أنه في ذلك سلك مسلك أبيه من دون تأمل ولا تدبر لحسن ظنه به. # نعم نقل عن شيخنا الشهيد (قدس سره) أنه قال: أولوا العزم من الرسل خمسة، ~~وقيل: # ستة، والحق الأول، وهم أفضل من سائر النبيين والمرسلين، وهم: نوح ~~وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد صلوات الله عليهم، ولا شك أن محمدا أفضل من ~~سائرهم بلا خلاف، وأما علي بن أبي طالب (عليه السلام) فلا شك أنه أفضل من ~~سائر الأنبياء والمرسلين ما عدا الخمسة، وقال بعض العلماء بتفضيله عليهم ما ~~عدا محمد (صلى الله عليه وآله) لأنه مساو له، لقوله: * (وأنفسنا وأنفسكم) * ~~وكان محمد أفضل منهم، ومتساوي الأفضل أفضل. إلى هنا كلامه طاب منامه. # ولا يخفى أن استثناءه الخمسة، ثم نسبته القول بتفضيله عليهم إلى بعض ~~العلماء، وظاهر أنه أراد به الفاضلين، صريح في أنه لا يقول بذلك ولا يرضى ~~بهذا الدليل، وأنه ليس مما اتفقت به الشيعة كما هو ظاهر كلام العلامة (قدس ~~سره). # وبالجملة: لا يسوغ القول بأن عليا أو واحدا من الأئمة سلام الله عليهم ~~صار مثله ومساويا له (صلى الله عليه وآله) في وقت ثم بقي ذلك المساوي ولو ~~في آن بعده، فإن بقاءه فيه مصدقا بالله وبصفاته العليا وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر إلى غير ذلك، ونفسه ونومه فيه تسبيح ms175 وعبادة يستحق به ~~الثواب، لأن نفس العالم تسبيح ونومه عبادة، ويلزم منه ما تقدم، واللازم ~~باطل فالملزوم مثله، وبدون المساواة في الفضيلة لا يتم التقريب وهو كونه ~~(عليه السلام) أفضل من سائر الأنبياء والمرسلين لكونه مساويا للأفضل منهم ~~وهو خاتم النبيين صلوات الله عليهم أجمعين. PageV00P202 # وأما ما ورد في بعض الأخبار من قوله (صلى الله عليه وآله): " إنهم مثلي " ~~فالمراد به أنهم مثله في العصمة وفرض الطاعة والدلالة إلى الله والهداية ~~إليه وما شاكل ذلك، لا أنهم مثله في الدرجة والفضيلة ليلزم منه المساواة ~~فيلزم منه ما سبق، والمشبه لا يلزم أن يكون مثل المشبه به في كل الوجوه، ~~وكيف يمكن القول بمساواتهم كلهم له (صلى الله عليه وآله) وهم مختلفون في ~~المرتبة والفضيلة؟ فأما الحسنان فأبوهما خير منهما، وهما من التسعة، والحجة ~~من الثمانية صلوات الله عليهم. # ثم لا حاجة في تفضيله (عليه السلام) على الأنبياء إلى القول بالمساواة، ~~فإن له طرقا عديدة أوضحناها في رسالة لنا مفردة مسماة بذريعة النجاة معمولة ~~لبيان أفضلية أئمتنا من سائر الأنبياء غير النبي (عليهم السلام)، قد أشبعنا ~~الكلام فيها بما لا مزيد عليه فليطلب من هناك وبالله التوفيق. # [تحقيق حول حديث مصباح الشريعة في الفتيا] روي عن أبي عبد الله (عليه ~~السلام) قال: " لا تحل الفتيا لمن لا يستغني من الله بصفاء سره وإخلاص عمله ~~وعلانيته وبرهان من ربه في كل حال، لأن من أفتى فقد حكم، والحكم لا يصح إلا ~~بإذن من الله وبرهان، ومن حكم بالخبر بلا معاينة فهو جاهل مأخوذ بجهله ~~ومأثوم بحكمه " (1). # أقول: الفتيا بالياء وضم الفاء، والفتوى بالواو وفتح الفاء: ما أفتى به ~~الفقيه. # وفيه دلالة على أن صفاء السر والعلانية وإخلاص العمل علة موجبة لأن يفيض ~~من الله عز اسمه على المفتي ما يغنيه في باب الافتاء عن غيره تعالى، بأن ~~يعطيه الله من فضل رحمته قوة يتمكن بها من رد الفرع إلى أصولها واستنباطها ~~منها، وهذه القوة هي العمدة في هذا الباب، وإلا فتحصيل مقدمات ms176 الاجتهاد كما ~~قيل قد صار في هذه الأزمان لكثرة ما حققه العلماء والفقهاء فيها وفي بيان ~~استعمالها سهلا. # وهذه القوة بيد الله يؤتيها من يشاء من عباده، بشرط ما سبق من صفاء ~~سريرته وعلانيته، وإخلاص عمله ونيته. # PageV00P203 # ويؤيده ما ورد في الخبر عن سيد البشر: " ليس العلم بكثرة التعلم، إنما هو ~~نور يقذفه الله في قلب من يريد أن يهديه " (1). # وفي خبر آخر: " من أخلص لله أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على ~~لسانه " (2). # وفي آخر: " العلم نور وضياء يقذفه الله في قلوب أوليائه وينطق به لسانهم ~~". # وفي آخر: " ما من عبد إلا ولقلبه عينان وهما غيب يدرك بهما الغيب، فإذا ~~أراد الله بعبد خيرا فتح الله عيني قلبه، فيرى ما هو غائب عن بصره ". # وفي آخر: " النور إذا دخل في القلب انشرح وانفسح، قيل: يا رسول الله، هل ~~لذلك من علامة؟ قال: نعم، التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، ~~والاستعداد للموت قبل نزوله ". # ويظهر منها وما شاكلها أن العلم للعالم إنما يحصل من الله جل ذكره إذا ~~تبتل إليه تبتيلا، واتخذ بالذكر والفكر إليه سبيلا، على قدر صفائه وقبوله ~~وقوته واستعداده، ولا يحصل إلا بعد فراغ القلب وصفاء الباطن وتخليته عن ~~الرذائل، وخاصة عن رذيلة الدنيا وحبها وزهراتها وزخارفها، فإنها رأس كل ~~رذيلة والمانع من حصول كل فضيلة، هذا. # ويمكن فهم عدالة المفتي أيضا من هذا الخبر، لأن صفاء سريرته وعلانيته ~~وإخلاص عمله ونيته بدونها غير متصور. # ثم إن قول الإمام (عليه السلام): " وبرهان من ربه في كل حال " مما يؤيد ~~ما ذهب إليه المحقق، حيث عد من تسويغ الفتوى أن يكون المفتي بحيث إذا سئل ~~عن لمية الحكم في كل واقعة يفتي بها أتى به بجميع أصوله التي يبني عليها ~~(3). # وقال في موضع آخر: إذا أفتى المجتهد عن نظر في واقعة، ثم وقعت بعينها في ~~وقت آخر، فإن كان ذاكرا لدليلها جاز له الفتوى، وإن نسيه افتقر إلى استئناف ~~نظر، # PageV00P204 # فإن أدى نظره إلى الأول ms177 فلا كلام، وإن خالف وجب الفتوى بالأخير (1). وذهب ~~العلامة في التهذيب (2) إلى جواز بناء المجتهد في الفتوى بالحكم على ~~الاجتهاد السابق. # قيل: ولا ريب أن ما ذكره المحقق أولى، غير أن ما ذهب إليه العلامة متوجه، ~~لأن الواجب على المجتهد تحصيل الحكم بالاجتهاد وقد حصل، فوجوب الاستئناف ~~عليه بعد ذلك يحتاج إلى دليل وليس بظاهر. # أقول: هذا الحديث بظاهره دليل عليه، لأن المفتي وقت إفتائه إنما يكون على ~~برهان من ربه وحجة منه إذا كان ذلك البرهان حاضرا له في هذا الوقت وهو ذاكر ~~له وناظرا فيه وحاكم بما يقتضيه، فحينئذ يمكنه أن يقول: هذا الحكم مما ~~يقتضيه هذا البرهان. # ومن البين أنه إذا كان غائبا عنه وهو لا يلاحظه بعين بصيرة ولا يأخذه بيد ~~غير قصيرة لا يمكنه ذلك بوجه، إذ ربما يؤدي نظره فيه في هذا الوقت إلى ما ~~يخالف مقتضى نظره الأول، فكيف يمكنه أن يقول: هذا مما اقتضاه هذا البرهان، ~~وهو مخالف لمقتضاه ومغاير لمؤداه، فلا يصدق عليه وقتئذ أنه قد حصل الحكم ~~بالاجتهاد، لأن هذا الحكم في هذا الوقت ليس مما اقتضاه هذا البرهان، فيدخل ~~بذلك تحت حكم من حكم بحكم ولا إذن ولا برهان له عليه من الله، وهو منهي ~~عنه. # وقوله (عليه السلام): " لأن من أفتى حكم " أي: حكم بأن هذا حكم الله في ~~هذه القضية وجب على المكلف قبوله واعتقاده، والحكم بأن هذا حكم الله لا ~~يجوز إلا بأمر وأخصه من الله وبرهان وحجة منه، وليس المراد أن الفتوى هي ~~الحكم، لأنهما وإن اشتركا في أن كلا منهما إخبار عن حكم الله تعالى فيجزم ~~المكلف اعتقاده من حيث الجملة إلا أن بينهما فرقا، لأن الفتوى مجرد إخبار ~~عن حكم الله تعالى بأن # PageV00P205 # حكمه في هذه القضية كذا، والحكم إنشاء إطلاق كإطلاق مسجون - مثلا - لعدم ~~الحق عليه، أو إلزام في المسائل الاجتهادية وغيرها مع تقارب المدارك منها ~~مما يتنازع فيه الخصمان لمصالح المعاش، وغالب الأحكام إلزام، فبالإنشاء ~~تخرج الفتوى لأنها إخبار. # وبتقارب المدارك ms178 في مسائل الاجتهاد يخرج ما يضعف مدركه جدا كالعول ~~والتعصيب، وقتل المسلم بالكافر، فإنه لو حكم به حاكم وجب نقضه، وبمصالح ~~المعاش تخرج العبادات فإنه لا مدخل للحكم فيها، فلو حكم به حاكم بصحة صلاة ~~زيد - مثلا - يلزم صحتها، بل إن كانت صحيحة في نفس الأمر فذاك وإلا فهي ~~فاسدة، وكذا الحكم بأن مال التجارة لا زكاة فيها، وأن الميراث لا خمس فيه، ~~فإن الحكم فيه لا يرفع الخلاف، بل لحاكم غيره أن يخالفه في ذلك. # نعم لو اتصل بها أخذ الحاكم ممن حكم عليه بالوجوب - مثلا - لم يجز نقضه، ~~فالحكم المجرد عن اتصال الأخذ إخبار كالفتوى، وأخذه للفقراء حكم ~~باستحقاقهم، فلا ينقض إذا كان في محل الاجتهاد، هذا. # ولعل المراد بالمعاينة غلبة ظنه بأن الحكم الفلاني يستنبط منه بعد ~~استعماله شرائط الاستنباط كأنه يعاينه، لا القطع واليقين، فإن ذلك مشكل في ~~كثير من الأحكام. # وكذا المراد بمعرفة الأحكام في قولهم (عليهم السلام): " انظروا إلى من ~~كان منكم قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا، فاجعلوه ~~بينكم حاكما " (1) هو غلبة ظنه بأن تلك الأحكام تستنبط من أخبارهم وآثارهم ~~لا العلم واليقين بذلك. # فإن الاستنباط هو الاستخراج بالاجتهاد المشار إليه بقوله تعالى: * (لعلمه ~~الذين يستنبطونه منهم) * (2) لا يفيد الجزم، وفي كثير من الأخبار دلالة على ~~جواز # PageV00P206 # استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، منها حديث من انقطع ظفره ~~وجعل عليه مرارة كيف يصنع بالوضوء؟ فقال (عليه السلام): " تعرف هذا وأشباهه ~~من كتاب الله * (ما جعل عليكم في الدين من حرج) * (1) " (2). # وفيه أيضا دلالة على جواز العمل بالظواهر القرآنية، ونحن قد فصلنا الكلام ~~فيه وما فيه في أوائل تعليقاتنا على الآيات الأحكامية المنسوبة إلى الحضرة ~~العالمية العاملية مولانا أحمد الأردبيلي عامله الله بلطفه الجلي، فليطلب ~~من هناك. # والمرارة في الأصل هي التي تجمع المرة الصفراء معلقة مع الكبد كالكيس ~~فيها ماء أخضر، والمراد بها هنا الكيس ونحوه مما ينجبر به المكسور أو ~~المقطوع. # فدل الخبر الذي نحن فيه وغيره مما سبق ms179 على أن الإمام (عليه السلام) إذا ~~كان غائبا عن شيعته فلهم أن يتفقهوا في الدين بالنظر فيما روي عنه ثم ~~يحكموا بين المسلمين بما فهموا منه، بشرط أن يكون الحاكم فيهم: على صفاء في ~~سريرته، وطهارة في علانيته، وإخلاص في عمله ونيته، وجودة في قريحته، ودقة ~~في بصيرته، وأن يكون له في حكمه في كل حال برهان وحجة من الله وإذن ورخصة ~~منه، فمن ليس له ذلك فلا يجوز له الرئاسة في الدين والحكم والافتاء في ~~المسلمين. # وعلى هذا الخبر إنما يكون حجة للحاكم إذا حصل له منه ظن غالب على حكم ~~يحكم به وإلا فهو جاهل به، والفتوى إنما هي من وظائف العالم به، ولذا لا ~~عذر له في جهله بل هو مأخوذ به ومأثوم بحكمه. # ويستفاد منه أيضا أن الناس في هذا الزمان وهو زمان الغيبة والحيرة صنفان: # مجتهد ويجب عليه الاتصاف بما نطق به الخبر، ومقلد ويجب عليه السعي إلى ~~معرفة يصير بالتفقه والنظر، ليأخذ عنه ما عن الإمام رواه بعد معرفته ~~بمعناه، لقوله (عليه السلام): " وعرف أحكامنا " بعد أن قال: " قد روى ~~حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا " فجعل معرفة الأحكام والنظر في الحلال ~~والحرام شرطا في جواز # PageV00P207 # حكمه ووجوب اتباعه كما تدل عليه تتمة الخبر. # وصلى الله على محمد وآله سادات البشر ما تبزغ الشمس ويطلع القمر. # [تحقيق لطيف في الحديث النبوي حول السؤال عن القيامة] ورد في الخبر عن ~~سيد البشر (صلى الله عليه وآله) أنه سئل عن القيامة متى تكون؟ قال: " إذا ~~تكاملت العدتان " (1). # أي: عدة النفوس وعدة الأبدان، بمعنى أن كل نفس مكلفة، سماوية كانت أم ~~أرضية، ملكية كانت أم إنسية أو جنية، إذا تعلقت ببدنها وكسبت فيه ما هي ~~كاسبة له وانقضت مدتها فحينئذ فتقوم القيامة لانقضاء مدة دار التكليف، أو ~~عدة الليالي والأيام، أو عدة الشهور والأعوام، فإذا تكاملتا في علم الله ~~العزيز العلام انقضت مدة الدنيا وطويت السماء فحينئذ تكون القيامة، أو عدة ~~أفراد الذكور وعدة أفراد الإناث من كل ms180 نوع، فإذا تكاملت عدتهما ولم يبق ~~منهما ذكر ولا أنثى فلا فاعل حينئذ ولا قابل يوجب بقاء النوع فحينئذ قامت ~~القيامة، أو عدة أفراد خصوص نوعي الجن والإنس فإنهما الثقلان المكلفان ~~اللذان تبقى الدنيا ببقائهما، فإذا تكاملت عدتا أفرادهما ولم يبق من ~~نوعيهما في الأرض فرد مكلف فحينئذ تكون القيامة، أو عدة أهل الجنة وأهل ~~النار، أو عده حياة الأحياء وعدة موتها، أو عدة أفراد الجواهر وعدة أفراد ~~الأعراض، أو عدة الأنواع المتوالدة التي يتوقف كل فرد منها على فرد آخر من ~~ذلك النوع، وعدة الأنواع المتوالدة التي هي أعم منها كالمعادن ونحوها، فإذا ~~تكاملتا ولم يبق منهما تولد ولا توليد لضعف قوة الطبيعة من توارد الأفعال ~~وتعاقب الانفعال فحينئذ تقوم القيامة، أو عدة كل ما يوجد في عالم الشهادة ~~وعدة ما بإزائه في عالم المثال، لا بالمعنى الذي يقوله إفلاطن، بل بالمعنى ~~الذي ورد في الخبر عنه (صلى الله عليه وآله): " لكل أحد مثال كلما فعله فعل ~~ذلك المثال " الحديث وهو مشهور. # PageV00P208 # واحتمل بعض الأذكياء من أصحابنا بعد ما عرفنا عليه الاحتمالات المذكورة ~~أن يكون المراد بالعدتين: عدة أنفاس كل شخص من أشخاص المكلفين من حيث ~~الخروج والدخول، فإنهما إذا تكاملتا مات ذلك الشخص، ومن مات فقد قامت ~~قيامته على أن يكون المراد بالقيامة المسؤول عنها هو القيامة الصغرى. وهو ~~بعيد، إذ المتبادر والمحتاج إلى السؤال هو القيامة الكبرى، والمطلق من ~~القيامة ينصرف إلى الفرد الكامل لكثرة استعماله فيه، حتى كأنه صار حقيقة ~~عرفية فيه، وإنما أبهم الأمر وأجمله ولم يعينه وقد كان مطلوب السائل من ~~قوله: " متى تكون ": إما لمصلحة خفية، أو لعدم العلم به على التعيين، أو ~~لقصور فهم المخاطبين، والعلم عند الله وعند أهله سلام الله عليهم أجمعين. # [تحقيق حول الخصال العشر التي اختصت بها أمة محمد (صلى الله عليه وآله)] ~~في مجمع البحرين: وفي حديث مناجاة موسى (عليه السلام) وقد قال: " يا رب لم ~~فضلت أمة محمد (صلى الله عليه وآله) على سائر الأمم؟ فقال ms181 الله تعالى: ~~فضلتهم لعشر خصال، قال موسى: وما تلك الخصال التي يعملونها حتى آمر بني ~~إسرائيل يعملونها؟ قال الله تعالى: الصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد ~~والجمعة والجماعة والقرآن والعلم والعاشورا، قال موسى: يا رب وما العاشورا؟ ~~قال: البكاء والتباكي على سبط محمد (صلى الله عليه وآله)، والمرثية والعزاء ~~على مصيبة ولد المصطفى، يا موسى ما من عبد من عبيدي في ذلك الزمان بكى أو ~~تباكى وتعزى على ولد المصطفى إلا وكانت له الجنة ثابتا فيها، وما من عبد ~~أنفق من ماله في محبة ابن بنت نبيه طعاما وغير ذلك درهما أو دينارا إلا ~~وباركت له في دار الدنيا الدرهم بسبعين درهما، وكان معافى في الجنة، وغفرت ~~له ذنوبه، وعزتي وجلالي ما من رجل أو امرأة سال دمع عينيه في يوم عاشوراء ~~أو غيره قطرة واحدة إلا وكتبت له أجر مائة شهيد " (1). # العاشوراء بالمد والقصر: عاشر المحرم، وجاء عشوراء بالمد مع حذف الألف # PageV00P209 # التي بعد العين، فتفسير العاشوراء في جواب " ما العاشورا " حيث أتى ب‍ " ~~ما " الشارحة للإسم بالبكاء والتباكي والمرثية والعزاء على مصيبة الحسين بن ~~علي (عليهما السلام) مجاز من باب تسمية الظرف باسم ما ينبغي أن يقع فيه، ~~وفيه من المبالغة والحث على البكاء والتباكي والمرثية والعزاء على مصيبة ~~الحسين (عليه السلام) ما لا يخفى. # وبكى يبكي بكى وبكاء بالقصر والمد، قيل: القصر مع خروج الدمع، والمد على ~~إرادة الصوت، وقد جمع الشاعر بين المعنيين كما في هذا الحديث، فقال: # بكت عيني وحق لها بكاها * وما يغني البكاء ولا العويل وتباكى الرجل تكلف ~~البكاء، ومنه " إن لم تجدوا البكاء فتباكوا " (1). # وقوله: " تعزى " أي: تصبر وتسلى في هذه المصيبة العظمى والرزية الكبرى ~~وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، كما أمر الله به الصابرين من أهل المصاب ~~(2). # والظاهر أن المراد أن هذه الخصال من حيث المجموع إنما يتحقق في هذه الأمة ~~من حيث المجموع دون سائر الأمم، لا أن كل واحد منها يتحقق في كل واحد منهم ~~حتى يلزم منه تفضيل ms182 كل واحد من هذه الأمة على كل واحد من الأمم السابقة، ~~وهو خلاف الواقع، ضرورة أن أوصياء الأنبياء (عليهم السلام) أفضل من آحاد ~~هذه الأمة، فالمراد تفضيل الكل على الكل لا الآحاد على الآحاد. # ومما يدل على تفضيل هذه الأمة على سائر الأمم قوله تعالى: * (كنتم خير ~~أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) * (3) الآية. # والمراد بالأمة هو أمة الإجابة لا الدعوة، فإن أمة كل نبي أتباعه في ~~دينه، فمن لم يتبع دينه وإن كان في زمانه فليس من أمته، وبه يندفع ما يمكن ~~أن يقال: كيف يكون هذه الأمة خير أمة وقد قتل فيها ابن بنت نبيها؟ فإن ~~هؤلاء وأتباعهم وأشياعهم ليسوا من أمته في شئ لعدم اتباعهم دينه. # PageV00P210 # ولعل المراد بالقرآن تلاوته والعمل بما فيه من الأوامر والنواهي ~~والأحكام، فيصير بذلك من خصال هذه الأمة، فيكون من أسباب تفضيلهم على سائر ~~الأمم، أو المراد أن مجرد كون القرآن فيهم وكونه كتابهم يوجب تفضيلهم ~~عليهم. # ويحتمل أن يكون المراد بالعلم علم القرآن، فإن فيه علم كل شئ بحيث لا يشذ ~~منه شئ، أو الأعم فيدل على أن هذه الأمة أعلم من سائر الأمم. ويؤيده قوله ~~(صلى الله عليه وآله): " علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل " (1). # فإن قلت: هذا الحديث يشعر بأن بني إسرائيل كانوا يراعون العاشوراء، ~~ويفعلون فيها البكاء والمرثية والعزاء، لأن موسى (عليه السلام) إنما سأل عن ~~تلك الخصال ليأمرهم بها فيدركوا بذلك ما تدرك أمة محمد (صلى الله عليه ~~وآله) من الثواب والفضل. # قلت: هذه المصيبة لما لم تصبهم في ذلك الوقت فما كان لهم فيها من الأجر ~~كأجرهم، كما يدل عليه قوله تعالى: " ما من عبد من عبيدي في ذلك الزمان بكى ~~أو تباكى " فإن المشار إليه بذلك هو الزمان الحادث بعد حدوث واقعة كربلاء ~~وداهية نينوى، ولذلك قيل: إن عاشوراء اسم إسلامي، أي: ما كان قبل هذه ~~الأمة. # فحاصل الجواب: أن سائر الأمم لا يدركون ما تدركه هذه الأمة من القرآن ~~والعلم والعاشوراء، ولذلك لا ms183 ينالون ما نالوا من الفضل والثواب، إذ هو فرع ~~إدراك هذه الخصال، وغير هذه الأمة ما أدركوها لعدم تحققها فيهم كلا وإن ~~تحقق بعضها. # ثم إن قوله تعالى: * (ما من عبد من عبيدي) * يشمل بظاهره المؤالف ~~والمخالف، فيدل على أن البكاء والمرثية عليه (عليه السلام) يوجب الجنة وإن ~~كان الباكي مخالفا بل كافرا. # وهو مشكل، فلا بد: إما من القول بأن المخالف لا يبكي ولا يتباكى عليه، ~~وإما من تقييده بالإيمان، كما لا بد من تقييد قوله: " كانت له الجنة ثابتا ~~فيها " وهذا يدل على جواز وقوع الحال عن المضاف إليه، وهو الضمير المجرور ~~في " له " # PageV00P211 # بقولنا: إن لم يرتكب كبيرة. أو المراد أنه من أهل الجنة من حيث المآل، أو ~~بعد التوبة، وفيه بعد. # وكذا عموم قوله: " غفرت له ذنوبه " يشمل الصغائر والكبائر، أية كبيرة ~~كانت. # وهذا أيضا مشكل وبعيد عن القواعد الشرعية، وتخصيصه بالصغيرة هو الوجه. # ويمكن حمل المحبة على المحبة الصادقة الكاملة، أو يكون الكلام محمولا على ~~ضرب من المبالغة والترغيب في البكاء والعزاء وثواب المرثية والمصيبة وإطعام ~~الطعام في محبته (عليه السلام). # وجملة القول: إن إبقاء أمثال هذه الأخبار على ظاهرها، ثم إذاعتها بين ~~الناس من دون ضرب من التأويل يوجب جرأة العوام على ترك الأعمال الحسنة وفعل ~~الأفعال القبيحة، وهو ينافي غرض الشارع من وضع الشرع وما فيه من الأوامر ~~والنواهي، فإن من سمع أن صرف درهم من ماله في محبته (عليه السلام) يورث ~~غفران ذنوبه كلها والدخول في الجنة معافا فيها يسهل عليه حينئذ الإقدام على ~~قتل النفوس وغصب الفروج ونهب الأموال وأسر الأولاد وأشباه ذلك من المفاسد ~~العظيمة الموجبة للهرج والمرج، والشرع إنما ورد على الكف من ذلك كله، فهذه ~~الأخبار وما شابهها من المتشابهات التي يجب ردها إلى المحكمات وترك العمل ~~على ظاهرها. # فإن قلت: فيه إشكال من وجه آخر وهو أن الأجر هو جزاء العمل، وقد ورد " أن ~~أفضل الأعمال أحمزها " (1) أي: أشقها، فكيف يكون أجر بكاء قطرة واحدة ~~والباكي في ms184 منزلة مساويا لأجر شهادة مائة شهيد المتضمنة لمشقة عظيمة لا ~~مشقة فيها؟ وأية حكمة في تفضيل العمل القليل الخفيف على العمل الكثير ~~الثقيل المتضمن لبذل النفس في سبيل الله؟ # قلت: لا إشكال فيه بعد ورود النص وخفاء الحكمة، وعدم اطلاعنا على سرها # PageV00P212 # لا يقتضي نفيها، والخبر المذكور وهو " أفضل الأعمال أحمزها " متأول دفعا ~~للتنافي بين الأخبار، فيكون المراد من المفضل عليه ما سوى البكاء عليه ~~(عليه السلام). # ويحتمل أن يكون هذا المقدار من الثواب تفضلا منه سبحانه لا استحقاقا من ~~الباكي لبكائه، أو يكون الوجه فيه دلالته على كمال المودة التي جعلها الله ~~تعالى أجرا للرسالة، أو لما فيه من النصرة على رسول الله وأمير المؤمنين ~~وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام) والإحسان إليهم كما ورد في بعض ~~الأخبار (1) المروية عن الأئمة الأطهار سلام الله عليهم ما بقي الليل ~~والنهار. # [تحقيق حول حديث " لا تدخل الحكمة جوفا ملئ طعاما "] في القواعد الشهيدية ~~عنه (عليه السلام): " لا تدخل الحكمة جوفا ملئ طعاما " (2). # أقول: الدخول هنا مجاز، إذ العرض لا يتصف بالدخول والخروج إلا بالعرض، ~~فإنهما من خواص الأجسام المسببة من الحركة، ولما كان خلو الجوف من أسباب ~~إفاضة الحكمة فإنه تشبه بصفة الصمدية، وكان امتلاؤه مانعا منها جعله من ~~متعلقات الفعل. # والمراد أنه لا تفيض الحكمة وهي ما يتضمن صلاح النشأتين أو صلاح النشأة ~~الآخرة، من العلوم والمعارف، أو العلم بحقائق الأعيان الموجودة على ما هي ~~عليه على من أكثر في الأكل وأشبع بطنه وأفرط في التملي، لأنه: يكدر قلبه ~~ويقسيه، ويكل طبعه، ويشغل سره، ويقوي شهوته، ويثقل بدنه، ويكثر نومه، ويورث ~~غفلته، ويمنعه من التهجد والعبادة والقيام بالليل، ومن المواظبة على سائر ~~العبادات والأذكار المورثة لإفاضة الحكمة، ويوجب البطر والطغيان، ويولد ~~البلغم المستعقب للنسيان، وهو آفة العلم. بخلاف الجوع وخلاء المعدة، فإن من ~~أجاع بطنه انكسرت شهوته، وذلت نفسه وانقادت تحت قلم العقل، وقل نومه، ورق ~~قلبه، ونفذت بصيرته، وعظمت فكرته، وزالت عنه داعية البطر والطغيان وما يورث ~~أسباب النسيان. # PageV00P213 # وبالجملة: ms185 بقلة الأكل وكثرة الجوع يصفو العقل ويجلو الفكر، وهما يوجبان ~~حصول المعارف الربانية، وهي أشرف أحوال النفس الانسانية، ولذا قال الحكيم ~~أفلاطون الإلهي: الجوع سحاب يمطر العلم والحكمة، والشبع سحاب يمطر الجهل ~~والغفلة. # وقال سيدنا أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما نقل عنه: # العلم في ذل وجوع ومحنة * وبعد من الآباء والأهل والوطن ولو كان كسب ~~العلم أسهل حرفة * لما كان ذو جهل على الأرض في الزمن (1) ورد: " أن الجوع ~~أدام للمؤمن، وغذاء للروح، وطعام للقلب، وصحة للبدن " (2). # وقال الصادق (عليه السلام): " إن البطن ليطغى من الملة، وأقرب ما يكون ~~العبد من الله تعالى إذا خف بطنه، وأبغض ما يكون العبد من الله تعالى إذا ~~امتلأ بطنه " (3). # وربما كان الإفراط في التملي حراما إذا أدى إلى الضرر، فإن الأكل على ~~الشبع يورث البرص، وامتلاء المعدة رأس الداء. # فإن قلت: قد ورد في بعض الأخبار الاستعاذة من الجوع، حيث قال: " وأعوذ ~~بالله من الجوع فإنه بأس الضجيع " ولا يستعاذ إلا مما هو شر. وأيضا فإن ~~الجوع هو الألم الذي ينال الانسان من خلو المعدة عن الغذاء، وهو ضرر فيجب ~~رفعه ودفعه، فكيف يكون محمودا؟ # قلت: المراد بالجوع في هذا الحديث وأمثاله هو الذي يشغل عن ذكر الله ~~ويثبط عن الطاعة لمكان الضعف، وأما الجوع الذي لا يصل إلى هذه الحالة فهو ~~محمود، بل هو سيد الأعمال كما جاءت به الرواية وفي خبر آخر عنه (عليه ~~السلام): " كفى ابن آدم ثلاث لقيمات يقمن صلبه " (4). # PageV00P214 # ومن فوائد الجوع خفة المؤونة وإمكان القناعة بقليل من الدنيا، فإن من ~~تخلص من شره البطن لم يفتقر إلى مال كثير فيسقط عنه أكثر هموم الدنيا فيصفو ~~سره ويجلو فكره، فلو لم يكن في الجوع فائدة إلا هذا لكان كافيا في مدحه ~~وكونه محمودا، فإن طلب العلم وحصوله فيه تشبه بأجل صفات الربوبية، وهي ~~العلم الذاتي مع ما فيه من التشريف والتشبيه بآداب الروحانيين، وقد ورد في ~~الخبر: # " أن العلم ليس في السماء فينزل إليكم، ولا في تخوم ms186 الأرض فيخرج لكم، ~~ولكن العلم مجبول في قلوبكم، تأدبوا بآداب الروحانيين يظهر لكم ". # ولذا كان سيد الروحانيين أمير المؤمنين عليه سلام رب العالمين لم يشبع من ~~طعام قط، وكان يجعل خبز شعير يابس مرضوض في جراب ثم يختمه مخافة أن الحسنين ~~(عليهما السلام) يلتانه بزيت أو سمن، وهذا شئ مختص به سلام الله عليه لم ~~يشاركه فيه غيره، ولم ينل أحد بعض درجته، وقل أن يأتدم، فإن فعل فبالملح أو ~~الخل، فإن ترقى فبنبات الأرض، فإن ترقى فبلبن، وكان لا يأكل اللحم إلا ~~قليلا. # فليتشبه به من كان من شيعته، فإن ما لا يدرك كله لا يترك كله، والميسور ~~لا يسقط بالمعسور، إذا أمرتم بشئ فأتوا منه بما استطعتم. # ثم أنت خبير بأن هذا الحديث في الحقيقة نهي عن كثرة الأكل والإفراط في ~~التملي بذكر ما يستلزمه من المفسدة، وهي الحرمان عن الحكمة التي هي غذاء ~~الروح وطعام القلب، وأين غذاء البدن من غذاء الروح، وما يستعقبه من الفوائد ~~والفتوح؟ فذكر علة النهي واكتفى بها عنه، ومثله في الأخبار كثير كقوله: " ~~لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة أو مثال " (1) فإنه نهي عن ~~المذكورات بذكر علته، وهي عدم دخول الملائكة المورث للخير والبركة، فكأنه ~~قال: لا تفرطوا أكلا ولا تملؤوا أجوافكم طعاما فتحرموا الحكمة فتكونوا من ~~أشد الناس يوم القيامة حسرة. # ويشبه أن يكون هذا الذي ذكرناه هو الوجه في كون المؤمن قليل الأكل كما # PageV00P215 # ورد في الخبر عن سيد البشر: " أن المؤمن يأكل في معاء واحد، والكافر يأكل ~~في سبعة أمعاء " (1). # ويمكن التقليل بالتدريج إلى ما يحصل به القوام وسد الرمق، وإن لم يطق ~~فالأكل بعد الشهوة الصادقة والكف قبل الشبع والاكتفاء بالقليل، والأولى أن ~~ينقص عن الكمية ويزيد في الكيفية فإنه يفيد فائدته من دون إيراث داء ~~والإلجاء إلى دواء * (وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين) * ~~(2). # [تحقيق حول حديث " نية المؤمن خير من عمله "] في الحديث: " نية المؤمن ~~خير من عمله " (3). # أقول: وذلك أنه بمجرد ms187 نيته من دون العمل يثاب بمثل ما يثاب بعمله مع ~~النية، فهما متساويان في ترتب الثواب عليهما، وأحدهما يلزمه مشقة العمل دون ~~الآخر، فهو بهذا الاعتبار خير منه. # تدل على ذلك صحيحة أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) " قال: إن ~~العبد المؤمن الفقير ليقول: يا رب ارزقني حتى أفعل كذا وكذا من البر ووجوه ~~الخير، فإذا علم الله ذلك منه بصدق نية كتب الله له من الأجر مثل ما يكتب ~~له لو عمله، إن الله واسع كريم " (4). # وما رواه أبو هاشم عنه (عليه السلام) " قال: إنما خلد أهل النار في النار ~~لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو خلدوا فيها أن يعصوا الله أبدا، وإنما خلد ~~أهل الجنة في الجنة لأن نياتهم كانت في الدنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا ~~الله أبدا، فبالنيات خلد هؤلاء وهؤلاء، ثم تلا قوله تعالى: * (قل كل يعمل ~~على شاكلته) * (5) قال: على نيته " (6). # وما في حديث الرضا (عليه السلام): " إذا كان يوم القيامة أوقف المؤمن بين ~~يديه # PageV00P216 # فيكون هو الذي يتولى حسابه، فيعرض عليه عمله، فينظر في صحيفته، فأول ما ~~يرى سيئاته فيتغير لذلك لونه وترتعش فرائصه وتفزع نفسه، ثم يرى حسناته فتقر ~~عينه وتسر نفسه وتفرح روحه، ثم ينظر ما أعطاه الله من الثواب فيشتد فرحه، ~~ثم يقول الله للملائكة: هلموا إلي الصحف التي فيها الأعمال التي لم ~~يعملوها، قال: # فيقرؤونها، فيقولون: وعزتك إنك لتعلم أنا لم نعمل منها شيئا، فيقول: ~~صدقتم نويتموها فكتبناها لكم، ثم يثابون عليها " (1). # فإنه يفهم منه أن من نوى خيرا، أي: قصد إيقاعه، فهو كفاعله وإن لم يفعله، ~~كما أن من دل على الخير فهو كفاعله وإن لم يفعله هو، ولا المدلول عليه. # والسر فيه: أنه لما كان راغبا إليه مشتاقا له مريدا فعله ولم يمكنه ذلك ~~وكان الله عالما بنيته وما في سريرته، أثابه بذلك ما كان يثيبه على فعله، ~~ولا بعد فيه بعد ورود النص، وقد يثبت بالعقل والنقل أن الراضي بفعل المحسن ~~شريك ms188 له في إحسانه، والراضي بفعل المسئ شريك له في إساءته من جهة المدح ~~والذم والأجر والإثم. # ويشيد ما قررناه ما في علل الشرائع من قوله (عليه السلام): " إن العبد ~~لينوي من نهاره أن يصلي بالليل، فتغلبه عينه فينام، فيثبت الله له صلاته ~~ويكتب نفسه تسبيحا، ويجعل نومه عليه صدقة " (2). # فإنه يظهر منه أن النية إنما تكون خيرا من العمل، لأنها مع استلزامها ما ~~هو المطلوب من العمل من غير مشقة وكلفة يستلزم صيرورة النفس تسبيحا والنوم ~~صدقة، وعليه فقس سائر النيات، وما يستلزم من الثواب في سائر المواد. # والسر فيه مع ما سبق: أن قصد القبيح كما يكون قبيحا عقلا ونقلا كذلك قصد ~~الحسن يكون حسنا كذلك، فإذا صار ذلك القصد باستمراره واستقراره في الذهن ~~راسخا في النفس ملكة فيها يفيدها هيأة حسنة وحالة مستحسنة تسري منها إلى # PageV00P217 # البدن لشدة العلاقة بينهما، فيصير النفس بذلك تسبيحا والنوم صدقة، فيثاب ~~عليه الثواب الذي يثاب عليه بفعله في الخارج وأزيد، لعدم استمرار وجوده فيه ~~ولا بقائه، بخلافه في الذهن، فإنه مستمر فيه إلى أن يحققه في الخارج. # وأما ما ورد: " أن المؤمن إذا هم بحسنة كتبت له بواحدة، وإذا فعلها كتبت ~~عشرا " (1) فيمكن التوفيق باختلاف الأشخاص، فمن نوى خيرا وحنت إليه نفسه ~~وبذل جهده ولم يقدر على فعله وإيجاده في الخارج كتب له أجر فعله، ومن نواه ~~وهو قادر على فعله ولم يفعل كتب له حسنة واحدة، فإذا فعله كتب له عشر ~~أمثاله. # ولتفاوت مراتب الأشخاص والنيات دخل عظيم في تفاوت مراتب الجزاء، ولذا ~~كانت الصدقة في الجزاء بين عشرة وسبعين وسبعمائة إلى سبعين ألف. # ويحتمل أن يكون هذا المقدار من الأجر تفضلا من الله لا استحقاقا من ~~الناوي، ويكون حديث " عشر أمثاله " مبنيا على الاستحقاق. # فإن قلت: عبارة الحديث " إنهم يثابون " أي: بتلك الأعمال المنوية، ~~والثواب هو ما يعطى استحقاقا وجزاء لا تفضلا. # قلت: إن الثواب في الأصل هو الجزاء الذي يرجع إلى العامل بعمله وليس هناك ~~عمل، فيكون تفضلا. # فإن ms189 قلت: قد ورد " أن أفضل الأعمال أحمزها " ولا ريب أن العمل المعتبر ~~شرعا لاشتماله على النية أحمز منها، فكيف يكون مفضولا؟ # قلت: لا بد من تخصيص هذا الخبر جمعا بين الأخبار، إذ لو بقي على عمومه ~~لزم منه أن لا تكون صلاة فريضة خيرا من عشرين حجة، ولا أجر البكاء على ~~الحسين (عليه السلام) مساويا لأجر مائة شهيد كما في الخبر (2) فيكون المفضل ~~عليه ما سوى ذلك المذكور من النية والصلاة والبكاء وأمثال ذلك. # ومن الأصحاب من وجه هذا الحديث بأن طبيعة النية خير من طبيعة العمل، لأنه ~~لا يترتب عليها عقاب أصلا، بل إن كان خيرا يثيب عليها، وإن كان شرا كان # PageV00P218 # وجودها كعدمها، بخلاف العمل فإن من يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل ~~مثقال ذره شرا يره، فصح أن النية بهذا الاعتبار خير من العمل. # أقول: وفيه نظر، إذ لا نسلم أن طبيعة النية لا يترتب عليها عقاب أصلا، ~~وأنها إذا كانت شرا كان وجودها كعدمها، كيف وقد روي في تتمة الخبر: " إن ~~نية الكافر شر من عمله "؟ ولا ريب أنه معاقب بعمله، فيكون معاقبا بنيته ~~بطريق أولى، لأنها شر من عمله، وقد سبق آنفا أن أهل النار إنما خلدوا فيها ~~بنياتهم. # والسر فيه: ما مر أنه لما كان راغبا إلى الشر مشتاقا له مريدا فعله ولم ~~يمكنه ذلك، وقد تمكنت هذه النية في نفسه وصارت ملكة فيها، وكان الله عالما ~~بنيته وسريرته، جزاه بذلك مثل ما جزاه بفعله، فهما متساويان في العقاب، ~~وأحدهما تلزمه لذة ما فانية دنيوية دون الآخر فهو شر منه. # وقد ذكر بعض الأجلاء (1) من أصحابنا أن قوله تعالى * (وإن تبدوا ما في ~~أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله) * (2) وقوله: * (واعلموا أن الله يعلم ما ~~في أنفسكم فاحذروه) * (3) يدلان على العقاب بأفعال القلب ولو بقصد المعصية، ~~وذلك غير بعيد، فإن قصد القبيح قبيح عقلا وشرعا، إلا أنه لا يعاقب عليه ~~العقاب الذي يعاقب عليه بفعله في الخارج، وبه يجمع بين الأدلة بل بين ms190 ~~الأقوال. انتهى كلامه طاب منامه. # وفيه تأمل يعرف مما سبق، نعم لا يدخل فيه ما يخفيه الانسان من الوسواس ~~وحديث النفس، لأن ذلك مما ليس في وسعه الخلو منه، ولكن ما قصده وعزم عليه. # ويؤيده قول الرضا (عليه السلام) في جواب المأمون حين سأله عن قوله: * ~~(ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه) * (4): " لقد همت به ولولا أن ~~رأى برهان ربه لهم بها كما همت به، لكنه كان معصوما والمعصوم لا يهم بذنب ~~ولا يأتيه " (5) حيث # PageV00P219 # يستفاد منه أن الهم بالمعصية والقصد إليها ذنب يعاقب عليه، فإنه جعل ذلك ~~من منافيات العصمة، إلا أن يقال: جعل الهم بالمعصية منافيا للعصمة لا يقتضي ~~كونه ذنبا، لجواز كونه من قبيل السهو والنسيان، فإنهما ينافيان العصمة عند ~~أكثر الإمامية وليسا من الذنوب. # ومن الغريب أن الشيخ البهائي نقل هذا الوجه عن والده الماجد بعد أن نقل ~~قبل ذلك تتمة الحديث كما سبق، ولم يتنبه بما يرد عليه من الإيراد، ولعله ~~تنبه لذلك ولكنه اكتفى في دفعه بما نقله في الحاشية بقوله: ورد في الحديث ~~أن ابن آدم إذا هم بالحسنة كتبت له حسنة، وإذا هم بالشر لم يكتب عليه شئ ~~حتى يعمل (1). # وفيه ما عرفته، وكذا فيما قبل أن المراد بنية المؤمن اعتقاده الحق، ولا ~~ريب أنه خير من أعماله، إذ ثمرته الخلود في الجنة، وعدمه يوجب الخلود في ~~النار، بخلاف العمل. # وبهذا يزول الإشكال فيما يروى من تتمة الحديث من قوله (صلى الله عليه ~~وآله): " ونية الكافر شر من عمله " نظر، إذ النية في اللغة هي القصد والعزم ~~على الفعل، اسم من نويت نية، أي: قصدت وعزمت، ثم خصت في غالب الاستعمال ~~بعزم القلب على أمر من الأمور، وفي عرف الفقهاء عبارة عن إرادة إيجاد الفعل ~~على الوجه المأمور به شرعا، ولا يطلق على الاعتقاد أصلا، حقا كان أو باطلا. # وذكر الصدوق في علل الشرائع أنه (عليه السلام) لما سئل عن قوله (صلى الله ~~عليه وآله): " نية المؤمن خير ms191 من عمله " قال في الجواب: لأنه ينوي من الخير ~~ما لا يدركه، ثم قال في جواب " ونية الكافر شر من عمله ": وذلك لأن الكافر ~~ينوي الشر ويأمل من الشر ما لا يدركه (2). # وإلى مثل ذلك يأول ما قيل في توجيه الخبر: إن المؤمن ينوي خيرات كثيرة لا ~~يساعده الزمان على عملها، فكأن الثواب المترتب على نياته أكثر من الثواب ~~المترتب على أعماله القليلة. # PageV00P220 # وفيه: أن المتبادر من الحديث أن نية المؤمن خير من عمله المنوي بهذه ~~النية، فالمناسب له أن يكون الثواب المترتب على كل واحد من نياته أكثر من ~~الثواب المترتب على كل واحد من أعماله المنوي بهذه النية، لا أن يكون ~~الثواب المترتب على نياته الكثيرة أكثر من الثواب المترتب على أعماله ~~القليلة. وبالجملة ظاهر الحديث يفيد أن نية كل عمل خير من ذلك العمل، وما ~~الإشكال إلا فيه. # وفي حديث آخر مذكور في علل الشرائع أيضا أنه (عليه السلام) سئل عن ذلك، ~~فقال: # " لأن العمل ربما كان للمخلوقين، والنية خالصة لرب العالمين، فيعطي الله ~~عز وجل على النية ما لا يعطي على العمل " (1). # ولعله يرجع إليه ما قيل في توجيه الخبر: إن النية لا يكاد يدخلها الرياء ~~ولا العجب، لأنا نتكلم على تقدير النية المعتبرة شرعا، بخلاف العمل فإنه ~~يعرضه ذينك، والحاصل أن أعمال القلب مستورة عن الخلق لا يتطرق إليها الرياء ~~ونحوه بخلاف أعمال الجوارح. # وفيه: أن الكلام كما كان على تقدير النية المعتبرة شرعا كذلك كان على ~~تقدير الأعمال المعتبرة شرعا، فكما لا يدخلانها فكذا لا يدخلانها، بل لا بد ~~وأن تكون خالية عنهما وإلا لم يقع تفضيل، لأن الأعمال الريائية لا خير فيها ~~أصلا، والتفضيل يقتضي المشاركة ولو في الجملة. # والشيخ البهائي مع نقله نظير هذا الكلام في رد توجيه بعض الأعلام، لم ~~يتفطن بمثله في مثل هذا المقام. # ويمكن أن يأول إلى هذا الحديث أيضا ما قيل: إن المراد بالمؤمن هو المؤمن ~~الخالص، كالمغمور بمعاشرة أهل الخلاف فإن غالب أعماله جار على التقية ms192 ~~ومداراة أهل الباطل، وهذه الأعمال الواقعة على التقية منها ما يقطع فيه ~~بالثواب كالعبادات الواجبة، ومنها ما لا ثواب فيه ولا عقاب كالباقي، وأما ~~نيته فإنها خالية عن التقية، فهو وإن أظهر موافقتهم بأركانه ونطق به لسانه ~~إلا أنه غير معتقد له # PageV00P221 # بجنانه، بل آب عنها ونافر منها. # وإلى هذا أشار أبو عبد الله الصادق (عليه السلام) وقد سأله أبو عمرو ~~الشامي (1) عن الغزو مع غير الإمام العادل، بقوله: " إن الله يحشر الناس ~~على نياتهم يوم القيامة " (2) ويروى مرفوعا عن النبي (3) (صلى الله عليه ~~وآله). # ونقل أنه كانت في المدينة قنطرة، فعزم رجل مؤمن على بنائها، فسبقه كافر ~~إلى ذلك، فقيل للنبي (صلى الله عليه وآله) في ذلك، فقال نية المؤمن خير من ~~عمله، يعني من عمل الكافر. كذا قيل في مقام توجيه هذا الخبر. # وأنت خبير بأن عمله هذا لا خير فيه أصلا، لعدم اقترانه بنية القربة، فكيف ~~يقع بينه وبين نية المؤمن وهو خير محض تفضيل، إلا أن يقال: إن عمله هذا ~~يستتبع خيرا له لكن لا استحقاقا وجزاء، حتى يرد فيه إشكال بل تفضلا من الله ~~تعالى من غير اعتبار الثواب، وقد يقع التفضل على كثير من فاعلي البر من غير ~~اعتبار القربة كالكرم، ثم إن الله يوصل إليه جزاء ذلك الخير: إما في الدنيا ~~أو في الآخرة، لكن على وجه لا يحصل له الشعور بذلك. # وقيل: إن النية هي القصد، وذلك واسطة بين العلم والعمل، لأنه إذا لم يعلم ~~بترجيح أمر لم يقصد فعله، وإذا لم يقصد فعله لم يقع، وإذا كان المقصد حصول ~~الكمال من الكامل المطلق ينبغي اشتمال النية على طلب القربة إلى الحق ~~تعالى، إذ هو الكامل المطلق، وإذا كانت كذلك كانت وحدها خيرا من العمل بلا ~~نية وحدها، لأنه بمنزلة الروح والعمل بمنزلة الجسد، وحياة الجسد بالروح لا ~~الروح بالجسد فهي خير منه، لأن الجسد بغير روح لا خير فيه. # وفيه: أن التفضيل يقتضي المشاركة كما مر غير مرة، والعمل بلا نية ms193 لا خير ~~فيه لقوله (صلى الله عليه وآله) في الحديث المشهور: " إنما الأعمال بالنيات ~~" (4) حيث يفهم منه أن النية شرط في العمل، وانتفاء الشرط ملزوم انتفاء ~~المشروط، فكيف يكون داخلا # PageV00P222 # في التفضيل؟ # والعجب أنه صرح بأن العمل بمنزلة الجسد، فإن الجسد بغير روح لا خير فيه، ~~ولم يتفطن بأنه ينافي ما يقتضيه التفضيل، وقال: إن هذا الخبر: إما عام ~~مخصوص أو مطلق مقيد، فيكون المراد أن نية بعض الأعمال الثقيلة كالحج ~~والجهاد خير من بعض الأعمال الخفيفة كتسبيحة أو تحميدة أو قراءة آية في تلك ~~النية من تحمل النفس المشقة الشديدة، والتعرض للهم والغم الذي لا تحاذيه ~~تلك الأعمال. # قيل: وهذا التوجيه وإن كان خلاف الظاهر إلا أن المصير إلى خلافه متعين ~~عند وجود ما يصرف اللفظ إليه، وهو هنا حاصل، لأن قوله: " نية المؤمن خير من ~~عمله " يعارض قوله: " أفضل الأعمال أحمزها " فيجب صرفه عن الظاهر جمعا ~~بينهما، وقد مر وجه الجمع بينهما بوجه آخر. # وقد قيل في الجمع: إن لفظة " خير " ليست بأفضل التفضيل، بل المراد أن نية ~~المؤمن خير من جملة أعماله، ف‍ " من " تبعيضية، وإنما قال ذلك لئلا يتوهم ~~أن النية لا يدخلها الخير والشر. # نقل أن السيد الأجل المرتضى علم الهدى لما أفاد هذا الوجه استحسنه بعض ~~الوزراء، لأنه لا يرد عليه شئ من الإشكال، والله أعلم بحقيقة الحال، ~~والصلاة على رسوله وآله خير آل. # [تحقيق حول أربعة أحاديث ذكر أنها لا أصل لها] قال الشهيد الثاني (قدس ~~سره) في الدراية بعد كلام متعلق بالحديث المشهور: قال بعض العلماء: أربعة ~~أحاديث ترد على الألسن وليس لها أصل: من بشرني بخروج آذار بشرته بالجنة، ~~ومن آذى ذميا فأنا خصمه يوم القيامة، ويوم نحركم يوم صومكم، وللسائل حق وإن ~~جاء على فرس (1). # أقول: هذا من هذا العالم وخاصة من شيخنا الشهيد - أعلى الله درجته - مع ~~تتبعه في الأخبار وتصفحه في الآثار غريب عجيب، لأن هذه الأحاديث لها أصل # PageV00P223 # أصيل لكنه نقل بالمعنى. # أما الأول فلما رواه الصدوق ms194 في معاني الأخبار في باب معنى قول النبي (صلى ~~الله عليه وآله): " من بشرني بخروج آذار فله الجنة " بإسناده المتصل إلى ~~ابن عباس " قال: قال النبي (صلى الله عليه وآله) ذات يوم في مسجد قبا وعنده ~~نفر من أصحابه، فقال: أول من يدخل عليكم الساعة رجل من أهل الجنة، فلما ~~سمعوا ذلك قام نفر منهم وخرجوا، وكل واحد منهم يحب أن يعود ليكون أول داخل ~~فيستوجب الجنة، فعلم النبي (صلى الله عليه وآله) ذلك منهم، فقال لمن بقي من ~~أصحابه: إنه سيدخل عليكم جماعة يستبقون، فمن بشرني بخروج آذار فله الجنة، ~~فعاد القوم ودخلوا ومعهم أبو ذر، فقال لهم رسول الله (صلى الله عليه وآله): ~~في أي شهر نحن من الشهور الرومية؟ فقال أبو ذر: قد خرج آذار يا رسول الله، ~~فقال: قد علمت ذلك يا أبا ذر ولكني أحببت أن يعلم قومي أنك رجل من أهل ~~الجنة، وكيف لا تكون ذلك وأنت المطرود عن حرمي بعدي لمحبتك لأهل بيتي، ~~فتعيش وحدك وتموت وحدك، ويسعد بك قوم يتولون تجهيزك ودفنك، أولئك رفقائي في ~~جنة الخلد التي وعد المتقون " (1). # تنبيه: هذا من هؤلاء النفر غريب، يدل على سوء فهمهم كلامه (صلى الله عليه ~~وآله)، لأنه أخبرهم بأن أول داخل عليهم هو رجل من أهل الجنة، لا أن أول ~~داخل هو رجل من أهل الجنة، والكلام إذا اشتمل على قيد زائد فالحكم فيه ناظر ~~إليه، ولذا لما خرجوا وزال القيد غير الكلام عليه وآله السلام وقيده بقيد ~~آخر، فخروجهم ثم استباقة كل منهم للدخول رجاء أن يكون أول داخل فيستوجب ~~الجنة كان جهلا منهم بما دل عليه الكلام وأخبرهم به سيد الأنام عليه وآله ~~السلام. وبالجملة لو كان الكلام هكذا: أول من يدخل الساعة رجل من الجنة، ~~لكان لما فعلوه وجه في الجملة، وليس فليس، وفيه أيضا ما فيه. # ثم أنت خبير بما في هذا الحديث من الإخبار بالغيب، ومن مذمة عثمان # PageV00P224 # وعداوته لأهل البيت (عليهم السلام)، فإنه الذي أخرج أبا ذر ms195 من المدينة ~~إلى الربذة للعلة المذكورة، ولأنه خاصمه، ومن ذهب مذهبه في منكر أتوه، وحق ~~أفنوه، ومنبر علوه، ومؤمن أرجؤوه، ومنافق ولوه، وولي آذوه، وطريد آووه، ~~وصادق طردوه، وكافر نصروه، وإمام قهروه، وفرض غيروه، وأثر أنكروه، وشر ~~آثروه، ودم أراقوه، وخير بدلوه، وكفر نصبوه، وإرث غصبوه، وفئ اقتطعوه، وسحت ~~أكلوه، وخمس استحلوه، وباطل أسسوه، وفجور بسطوه، ونفاق أسروه، وغدر أضمروه، ~~وظلم نشروه، ووعد أخلفوه، وأمان خانوه، وعهد نقضوه، وحلال حرموه، وحرام ~~أحلوه، إلى غير ذلك من مناكيرهم الغير المحصورة، فلما رأوا ذلك منه طردوه ~~عن حرم رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى الربذة فعاش فيها وحده حتى مات ~~(رضي الله عنه). # وقال الكشي في رجاله: مكث أبو ذر (رحمه الله) بالربذة حتى مات، فلما ~~حضرته الوفاة قال لامرأته: اذبحي شاة من غنمك واصنعيها، فإذا نضجت فاقعدي ~~على قارعة الطريق، فأول ركب ترينهم فقولي لهم: يا عباد الله المسلمين هذا ~~أبو ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد قضى نحبه، فأعينوني عليه ~~وأجيبوه، فإن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخبرني أني أموت في أرض غربة، ~~وأنه يلي غسلي ودفني والصلاة علي رجال من أمته صالحون (1). # وعن محمد بن علقمة بن الأسود النخعي، قال: خرجت في رهط أريد الحج منهم ~~مالك بن الحارث الأشتر، وعبد الله بن فضل التيمي، ورفاعة بن شداد البجلي، ~~حتى قدمنا الربذة، فإذا امرأة على قارعة الطريق، تقول: يا عباد الله ~~المسلمين هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد هلك غريبا ليس ~~لي أحد يعينني عليه، قال: فنظر بعضنا إلى بعض وحمدنا الله على ما ساق ~~إلينا، واسترجعنا على عظيم المصيبة، ثم أقبلنا معها فجهزناه، وتنافسنا في ~~كفنه حتى خرج من بيننا بالسواء، ثم تعاونا على غسله حتى فرغنا منه، ثم ~~قدمنا مالك الأشتر فصلى بنا عليه، ثم دفناه، فقام الأشتر على قبره ثم قال: ~~اللهم هذا أبو ذر صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبدك في العابدين، # PageV00P225 # وجاهد ms196 فيك المشركين، لم يغير ولم يبدل، لكنه رأى منكرا فغيره بلسانه ~~وقلبه حتى جفي ونفي وحرم واحتقر ثم مات وحيدا غريبا، اللهم فاقصم من حرمه ~~ونفاه من مهاجره وحرم رسولك (صلى الله عليه وآله)، قال: فرفعنا أيدينا ~~جميعا وقلنا: آمين، ثم قدمت الشاة التي صنعت فقالت: إنه قد أقسم عليكم أن ~~لا تبرحوا حتى تتغذوا، فتغذينا وارتحلنا (1). # ولا يذهب عليك أن الرواية النبوية السابقة تدل على غاية جلالة قدر أولئك، ~~ونهاية مرتبتهم ومنزلتهم، حيث قال: " أولئك رفقائي في جنة الخلد التي وعد ~~المتقون " ولعلهم كانوا قد سمعوا هذا الحديث بواسطة أو بغير واسطة، ولذا ~~نظر بعضهم إلى بعض وحمدوا الله على ما ساق إليهم من هذه النعمة العظمى ~~والمصيبة الكبرى، فطوبى لهم ثم طوبى لهم يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا ~~عظيما، هذا. # ولنرجع إلى ما كنا فيه، فنقول: وأما الرابع فلأنه قد جاء هذا المعنى ~~مصرحا به في بعض الأخبار الصحيحة، مثل ما رواه محمد بن يعقوب الكليني في ~~الكافي " عن محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن ~~سالم، عن محمد بن مسلم، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): أعط السائل ولو ~~كان على ظهر فرس " (2). # وأما الثالث فلما جاء من قوله: " يوم الأضحى يوم الصوم، ويوم عاشوراء يوم ~~الفطر "، فقوله: " يوم نحركم يوم صومكم " يوافق قوله: " يوم الأضحى يوم ~~الصوم ". # قيل: معناه إذا اشتبه عليكم يوم الأضحى، فاعتبروا يوم أول شهر رمضان فإنه ~~ذلك اليوم، فإذا كان أول شهر رمضان يوم الجمعة - مثلا - فيحسب شهر رمضان ~~تماما، فيكون أول شوال يوم الأحد فيحسب شوال ناقصا، فيكون أول ذي القعدة ~~يوم الاثنين فيحسب تماما، فيكون أول ذي الحجة يوم الأربعاء، فيكون يوم ~~العيد # PageV00P226 # يوم الجمعة. وكذا يوم أي أول شوال، لذا حسب شوال تماما يكون يوم عاشوراء ~~ذلك اليوم. # وقيل: معناه يوم الصوم يوم عيد عند الصلحاء، ويوم الفطر يوم حزن عندهم. # وأما الحديث الثاني فهو وإن لم نجد له مأخذا صحيحا ms197 صريحا، ولكن له مؤيدات ~~من الأخبار، كقوله (صلى الله عليه وآله) في حديث اليهودي، وهو حديث طويل: " ~~لم يبعثني ربي عز وجل بأن أظلم معاهدا ولا غيره " (1) فإن أذية الذمي ظلم ~~له وهو منهي عنه. # وقول أمير المؤمنين (عليه السلام) في الصدقة والجزية: " فإياك أن تضرب ~~مسلما أو يهوديا أو نصرانيا في درهم خراج، أو تبيع دابة عمل في درهم، فإنما ~~أمرنا أن نأخذ منهم العفو " وهذا حديث طويل مذكور في التهذيب (2) والأول في ~~الأربعين للشيخ البهائي (قدس سره). # فإذا لم يجز أذية الذمي وضربه في أخذ الجزية منه وقد قال الله تعالى: * ~~(حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) * (3) فعدم جوازه من غير سابقة جزية ~~منه أولى، فتأمل. # [تحقيق حول مستند مسألة توجيه المحتضر إلى القبلة] قال صاحب المدارك - ~~بعد نقل قول المحقق: الفصل الخامس في أحكام الأموات، وهي خمسة: الأولى: ~~الاحتضار، ويجب فيه توجيه الميت إلى القبلة بأن يلقى على ظهره، ويجعل وجهه ~~وباطن قدميه إلى القبلة -: هذا هو المشهور بين الأصحاب، قال جدي (قدس سره): ~~ومستنده من الأخبار السليمة سندا ومتنا ما رواه محمد بن يعقوب، عن علي بن ~~إبراهيم، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام بن سالم، عن سليمان بن خالد، ~~قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: " إذا مات لأحدكم ميت فسجوه ~~تجاه القبلة، وكذلك إذا غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة، فيكون # PageV00P227 # مستقبلا باطن قدميه ووجهه إلى القبلة " (1). وأما غيره من الأخبار التي ~~استدل بها على الوجوب فلا يخلو من شئ: إما في السند أو الدلالة. هذا كلامه ~~(رحمه الله)، وهو منظور فيه، إذ يمكن المناقشة في هذه الرواية من حيث السند ~~بإبراهيم بن هاشم حيث لم ينص علماؤنا على توثيقه، وبأن راويها وهو سليمان ~~بن خالد لم يثبت توثيقه أيضا، ومن حيث المتن بأن المتبادر منها أن التسجية ~~تجاه القبلة وهي إنما تكون بعد الموت لا قبله، ومن ثم ذهب جمع من الأصحاب ~~منهم المحقق في المعتبر إلى الاستحباب ms198 استضعافا لأدلة الوجوب، وهو متجه ~~(2). # وأقول: يمكن أن يذب عن جده (قدس سره) عن كل واحدة من هاتين المناقشتين. # أما الأولى فبأن هذا السند وإن كان حسنا على المشهور بإبراهيم بن هاشم، ~~إلا أنه صحيح عند جده كما يظهر من الفاضل الأردبيلي (رحمه الله) في آيات ~~أحكامه، فإنه بعد أن نقل فيها ما رواه محمد بن يعقوب عن علي بن إبراهيم عن ~~أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد بن عيسى عن حريز عن محمد بن مسلم، قال: إنه ~~حسن لوجود أبي علي إبراهيم بن هاشم، وكذا سماه في المختلف والمنتهى، وقال ~~الشيخ زين الدين في شرح الشرائع: ولصحيحة محمد بن مسلم، وما وجدت في كتب ~~الأخبار غير ما ذكرته عن محمد بن مسلم، فالظاهر أنه عنى ذلك فاشتبه عليه ~~الأمر، أو تعمد وثبت توثيقه عنده، والظاهر أنه يفهم توثيقه من بعض الضوابط ~~(3) انتهى كلامه رفع في عليين مقامه. # وأومأ بقوله هذا إلى اعتبار مشايخ القميين له، وأخذهم الحديث عنه، ونشرهم ~~الرواية منه على ما في الفهرست (4) والنجاشي (5) يعطي أنه كان ثقة في ~~الرواية والنقل، جليلا عندهم، لأن أهل قم كانوا يخرجون الراوي منها ويؤذونه ~~بمجرد توهم شائبة ما فيه، فكيف يجتمعون عليه ويقبلون حديثه لولا وثوقهم به، # PageV00P228 # وقد أوضحنا حاله في كتاب رجالنا (1)، فليأخذ من هناك. # وأما سليمان بن خالد فهو وإن دل بعض الأخبار (2) الغير المعلوم الصحة على ~~اضطرابه وانحرافه برهة من زمن عمره، إلا أنه قد ثبت توثيقه عند أصحابنا، ~~ولذلك قال في المنتهى بصحة هذا الحديث على ما نقله عنه الفاضل الأردبيلي ~~مولانا أحمد (رحمه الله) في شرحه على الإرشاد (3) وسيأتي إن شاء الله ~~العزيز وهذا يدل على ثبوت توثيق أبي علي إبراهيم بن هاشم عنده أيضا، وهو ~~يناقض ما نقله عنه الفاضل (رحمه الله) في آيات أحكامه كما سبق آنفا، فتأمل. # وقال شيخنا السعيد المفيد (رحمه الله) في إرشاده: سليمان بن خالد هذا من ~~شيوخ أصحاب أبي عبد الله (عليه السلام) وخاصته وبطانته وثقاته الفقهاء ms199 ~~الصالحين (رحمهم الله) (4). # وقال النجاشي: سليمان بن خالد كان قارئا فقيها وجها، روى عن أبي جعفر ~~وأبي عبد الله (عليهما السلام)، ومات في حياة أبي عبد الله، فتوجع بفقده ~~ودعا لولده وأوصى بهم أصحابه، ولسليمان كتاب روى عنه عبد الله بن مسكان ثم ~~أسنده إليه (5). # وأما الثانية فلأن وجوب توجيه الميت إلى القبلة وقت التسجية وقد قضى نحبه ~~يقتضي وجوبه وقت الاحتضار وقد بقي روحه بطريق أولى، لأنه وقت حضور الملائكة ~~ونزولهم إليه وإقبالهم عليه واجتماعهم لديه، وفي هذا الوقت يستحب تلقينه ~~بالاعتقادات الحقة وما يمكن من الأدعية، والدعاء مواجها إلى القبلة أقرب ~~إلى الإجابة منه إلى غيرها، وفي هذا الوقت يمثل له النبي وآله عليه وآله ~~السلام (6) فإذا رأوه مستقبل القبلة فهو دليل على إسلامه، استبشروا بكونه ~~من # PageV00P229 # أهل القبلة فيترحمون عليه، ويقبلون إليه، وقد روي عن أئمتنا (عليهم ~~السلام): " خير المجالس ما استقبل به القبلة " (1). # ثم إذا وجبت رعاية الجسد وتوجيهه إلى القبلة باعتبار ما كان فيه من ~~الأرواح المسلمة، وتعلق النفس المؤمنة، فرعايته والأرواح باقية والتعلق ~~حاصل بالفعل واجبة بطريق أولى، فإن المؤمن محترم حيا وميتا، بل احترامه حيا ~~أولى من احترامه ميتا، وهو ظاهر، إلى غير ذلك من وجوه الأولوية. # والظاهر أن القوم حملوا قوله (عليه السلام): " إذا مات لأحدكم ميت " على ~~المجاز المشارفة، بقرينة ما رواه الصدوق (رحمه الله) في الفقيه عن سيدنا ~~أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: " دخل رسول الله (صلى الله عليه ~~وآله) على رجل من ولد عبد المطلب وهو في السوق، وقد وجه لغير القبلة، فقال: ~~وجهوه إلى القبلة، فإنكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة، وأقبل الله عز ~~وجل بوجهه، فلم يزل كذلك حتى يقبض " (2) وهو كما ترى يؤيد ما ذكرناه. # هذا غاية توجيه كلام جده (قدس سرهما) وهو بعد غير حاسم لمادة المناقشة ~~الثانية، وإنما قال: " وهو منظور فيه " ولم يقل: " وفيه نظر " لأن أصل هذا ~~النظر لشيخه الفاضل الأردبيلي (رحمه الله)، فإنه قال في شرحه على الإرشاد ~~بعد ms200 قول مصنفه العلامة: # " ويجب عند الاحتضار توجيهه إلى القبلة بأن يلقى على ظهره بحيث لو جلس ~~كان مستقبلا ": دليل وجوب الاستقبال غير ظاهر، إذ دليله السالم من جهة ~~الدلالة والسند على ما قاله في الشرح حسنة سليمان بن خالد، ولا يخفى ضعف ~~دلالته، إذ ظاهره في الميت لا في المحتضر، وأنه يكون حين الغسل على ساجة، ~~وأنه في بيان الآداب التي هي أعم من الواجب والمستحب كما يفهم من قوله " ~~وكذلك إذا غسل يحفر ". والسند أيضا ليس بصحيح وإن قال في المنتهى بالصحة، ~~لوجود إبراهيم وسليمان، وإن قيل بتوثيقه إلا أن فيه شيئا، ولعل الصحة ~~باعتبار وجودها في زيادات التهذيب عن ابن أبي عمير، وكون الطريق إليه ~~صحيحا، وعدم # PageV00P230 # الالتفات إلى ما قيل في سليمان، وهو كذلك فتأمل، فإن هذه الرواية مذكورة ~~فيه أيضا قبل باب الزيادات مستندا إلى ابن أبي عمير مع كون إبراهيم بن هاشم ~~في الطريق. وبالجملة إثبات الوجوب بمثله مع الأصل ووجود الخلاف من الشيخ في ~~الخلاف، والمحقق في المعتبر مشكل، والاستحباب غير بعيد وإن كان الوجوب أحوط ~~(1). إلى هنا كلامه رفع مقامه. # وأنا لا أعرف ما عنى بقوله: " ولعل الصحة " إلى قوله: " صحيحا " فإن هذا ~~الحديث رواه الشيخ في التهذيب بإسناده إلى محمد بن يعقوب إلى آخر السند من ~~غير تفاوت، فالسند في التهذيب والكافي واحد، وهو أعرف بما قال، والله أعلم ~~بحقيقة الحال، هذا. # وأنت خبير بأن حمل قوله: " فسجوه " على ما حمله عليه (رحمه الله) وهو " ~~اجعلوه على ساجة حين الغسل " بعيد ينافره قوله: " وكذلك إذا غسل " إلى ~~آخره. والظاهر أن المراد بالتسجية هنا التغطئة، أي: غطوه بثوب، ومنه قوله " ~~هذا المسجى قدامنا " (2) وقال الجوهري: سجيت الميت تسجية إذا مددت عليه ~~ثوبا (3). # ثم إذا كان وجوب الاستقبال هو الأحوط كما استقر عليه رأيه آخرا، فأي مانع ~~أن يكون مراد الأصحاب بالوجوب هو الوجوب الاحتياطي، أو نقول: إنهم اختاروا ~~الوجوب ودليلهم عليه مع تظافر الأخبار هو الاحتياط؟ # وفيه أن الاحتياط هنا لا يصلح دليلا، ms201 لأنه إنما شرع فيما ثبت وجوبه كإحدى ~~الصلاة المنسية، أو كان ثبوت الوجوب هو الأصل كصوم ثلاثين من رمضان إذا غم ~~الهلال، إذ الأصل بقاؤه، وأما ما لا وجوب فيه ولا أصل، فلا يجب فيه احتياط، ~~واستقبال الميت وقت الاحتضار مما لم يثبت وجوبه بعد، وليس ثبوته هو الأصل ~~بل الأصل عدمه كما أشار إليه بقوله: " مع الأصل " فكيف يكون # PageV00P231 # الوجوب أحوط؟ هذا. # ولا منافاة بين عدم توثيقه (رحمه الله) أبا علي وتوثيقه له في آيات ~~أحكامه، لأنه كتبها بعد شرحه هذا، فعن له وقتئذ من تتبعه كتب الأصحاب من ~~الرجال والفقه توثيقه، فإنه لما رأى توثيق صاحب المنتهى له وكذلك الشهيد ~~الثاني في شرح الشرائع، ولاحظ في كتب الرجال ما أسلفناه، حدث فيه الميل إلى ~~توثيقه، فخالف المشهور وطرح القول الزور، كذلك يفعل الرجل البصير. # [تحقيق حول خلقة حواء (عليها السلام)] قال في مجمع البيان: قال أهل ~~التحقيق: ليس يمتنع أن يخلق الله حواء من جملة جسد آدم بعد أن لا يكون مما ~~لا يتم الحي حيا إلا به، لأن ما هذه صفته لا يجوز أن ينقل إلى غيره أو يخلق ~~منه حي آخر من حيث يؤدي إلى أن لا يمكن إيصال الثواب إلى مستحقه، لأن ~~المستحق لذلك هو الجملة بأجمعها (1). # أقول: هذا ليس بتحقيق، فكيف يكون قائله من أهله؟ وذلك لأن المستحق للثواب ~~والعقاب هو النفس المجردة والمدرك للذات والآلام وإن كانتا جسمانيين إنما ~~هو النفس، والبدن آلة لها في أفعالها التي يستحق بها الثواب والعقاب، ولا ~~محذور في أن يكون استحقاقها لهما عند تعلقها بآلة هي جملة الجسد قبل أن ~~ينتقل منها ما هذه صفته، يشهد بذلك ثواب البرزخ وعقابه المتفق عليهما ~~الأمة، مع اختلاف الآلتين، بل مباينتهما رأسا. # فيعلم منه أنه يجوز أن ينقل ما هذه صفته، أو يخلق منه حي آخر من غير أن ~~يؤدي ذلك إلى عدم إمكان إيصال الثواب إلى مستحقه، ولا يدفع هذا عنهم القول ~~بمادية النفس إلا على بعض الوجوه القائلة ms202 في حقيقتها من كونها مزاجا، أو ~~حياة أو تخاطيط الأعضاء وتشكل البدن، أو هيكلا محسوسا، أو الأخلاط الأربعة، ~~أو جزء لطيفا داخل البدن، أو جزء لا يتجزأ في القلب، أو جسما مركبا من ~~نارية الأخلاط، أو أجزاء أصلية في البدن. # PageV00P232 # نعم لو كان مرادهم بما لا يتم الحي حيا إلا به هو الأجزاء الأصلية لكان ~~له وجه ما، لأن بعض هذه الأجزاء لو نقل إلى غيره أو خلق منه حي آخر: فإما ~~أن لا يعاد أصلا فيلزم منه المطلوب وهو عدم إمكان إيصال الثواب إلى مستحقه، ~~أو يعاد فيهما وهو محال، أو في أحدهما وحده فلا يكون الآخر بعينه معادا، ~~وهذا مع إفضائه إلى ترجيح من غير مرجح يستلزم المطلوب وهو عدم إمكان إيصال ~~الثواب إلى مستحقه وهو " الجملة بأجمعها ". # وفيه نظر، موقوف فهمه على تفسير الأجزاء الأصلية، فإن منهم من فسرها ~~بالعظم والعصب والرباط، وبعضهم فسرها بما يكون لكل بدن قبل الأكل وفسر ~~الفضيلة بما يحصل له بالغذاء. وعلى هذا فالأجزاء الأصلية في ابن آدم: إما ~~عظامه وأعصابه ورباطاته، أو بدنه كله قبل أن يأكل ويحصل له به زيادة. # فنقول: قد عرفت أن مستحق الثواب هو النفس، ولا حاجة في إيصاله إليها إلى ~~إعادة الأجزاء الأصلية بأجمعها، بل يكفي في ذلك آلة ما ولو كانت بقدر جزء ~~لا يتجزى، لذلك قال الزمخشري في الكشاف (1) والطبرسي في جوامع الجامع (2): # يجوز أن يجمع الله من أجزاء الشهيد جملة فيحييها ويوصل إليه النعيم وإن ~~كانت في حجم الذرة، هذا. # والحق في قصة حواء ما روي عن زرارة بن أعين أنه " قال: سئل أبو عبد الله ~~(عليه السلام) عن خلق حواء، وقيل له: إن أناسا عندنا يقولون: إن الله عز ~~وجل خلق حواء من ضلع آدم الأيسر الأقصى، فقال: سبحان الله وتعالى عن ذلك ~~علوا كبيرا، أيقول من يقول هذا: إن الله تبارك وتعالى لم يكن له من القدرة ~~ما يخلق لآدم زوجة من غير ضلعه، ويجعل للمتكلم من أهل التشنيع سبيلا إلى ms203 ~~الكلام أن يقول: # إن آدم كان ينكح بعضه بعضا إذا كانت لضلعه؟ ما لهؤلاء حكم الله بيننا ~~وبينهم. # ثم قال (عليه السلام): إن الله تبارك وتعالى لما خلق آدم من طين، وأمر ~~الملائكة # PageV00P233 # فسجدوا له، ألقى عليه السبات، ثم ابتدع له حواء (1) فجعلها في موضع ~~النقرة التي بين وركيه، وذلك لكي تكون المرأة تبعا للرجل، فأقبلت تتحرك ~~فانتبه لتحركها، فلما انتبه نوديت أن تنحي عنه، فلما نظر إليها نظر إلى خلق ~~حسن يشبه صورته غير أنها أنثى، فكلمها فكلمته بلغته، فقال لها: من أنت؟ ~~قالت: خلق خلقني الله كما ترى، فقال آدم عند ذلك: يا رب ما هذا الخلق الحسن ~~الذي قد آنسني قربه والنظر إليه؟ فقال الله تبارك وتعالى: يا آدم هذه أمتي ~~حواء، أفتحب أن تكون معك وتؤنسك وتحدثك وتكون تبعا لأمرك؟ فقال: نعم يا رب ~~ولك علي بذلك الحمد والشكر ما بقيت، فقال له عز وجل: فاخطبها إلي فإنها ~~أمتي وقد تصلح لك أيضا للشهوة، وألقى الله عز وجل عليه الشهوة وقد علمه قبل ~~ذلك المعرفة بكل شئ، فقال: يا رب فإني أخطبها إليك، فما رضاك لذلك؟ فقال عز ~~وجل: أن تعلمها معالم ديني، فقال: ذلك لك يا رب علي إن شئت ذلك، فقال عز ~~وجل: وقد شئت، وقد زوجتكها، فضمها إليك، فقال لها آدم (عليه السلام): إلي ~~فأقبلي، فقالت له: بل أنت فأقبل إلي، فأمر الله عز وجل آدم أن يقوم إليها، ~~ولولا ذلك لكان النساء هن يذهبن إلى الرجال حتى يخطبن على أنفسهن " (2). # وأما قوله تعالى: * (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ~~وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) * (3) فإنه روي: أنه عز وجل ~~خلق من طينتها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء (4). # وجاء في آخر النسخة المخطوطة: إلى هنا وجد بخطه (رحمه الله). # PageV00P234 ms204