######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010404 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: البديري الحلاق #META# 010.AuthorNAME :: أحمد بن بدير البديري الحلاق (المتوفى : بعد 1175هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1175 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: حوادث دمشق اليومية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: تواريخ البلدان والعوائل :: كتب التاريخ #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: حوادث دمشق اليومية #META# 030.LibURI :: JK_010404 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | # بسم الله الرحمن الرحيم # حمدا لمن تفرد بالبقاء، وتوحد بالربوبية والكبرياء، والصلاة والسلام على ~~سيدنا محمد سيد الأنبياء، وعلى آله الأصفياء وأصحابه الأتقياء. # أما بعد، فإن حوادث دمشق الشام اليومية التي صدر غالبها في أيام الوزيرين ~~العظيمين: سليمان باشا وأسعد باشا اللذين هما من أعيان وزراء بني العظم ~~العظام، جمعها الفاضل شهاب الدين أحمد بن بدير البديري الشهير بالحلاق، من ~~سنة 1154 إلى سنة 1176 قد اشتملت على غرائب وعجائب وأهوال، ولبساطة مؤلفها ~~كتبها بلسان عامي، ثم أطنب بزيادات الحوادث وأدعية مسجعة يمل سامعها ويسأم ~~قارؤها، فحذفت القشر من هذه الحوادث ووضعت اللباب، وهذبتها على حسب ~~الاستطاعة بالصواب، وإليه تعالى المرجع والمآب، آمين. ### | سنة 1154 # قال البديري رحمه الله ما معناه: وفي سنة 1154 كان واليا بالشام الحاج ~~علي باشا من الأتراك وذلك بعد مضي إحدى عشرة سنة من جلوس مولانا السلطان ~~محمود خان بن السلطان مصطفى خان، أيد الله عرش هذه الدولة إلى آخر الدوران. # جرى على لسان العامة أنه سيحدث بدمشق الشام زلازل عظيمة تتهدم بسببها ~~أماكن كثيرة، وأن الرجال ستقلب نساء، وأن أنهار الشام تجري طعاما. وتحدثوا ~~في حوادث كثيرة من مثل هذه الخرافات، وصاروا يتداولونها فيما بينهم، ولم ~~يحدث شيء فيما بعد من هذه السنة. # وكانت هذه السنة سنة غلاء في الأقوات وغيرها، حتى بلغت أوقية السمن بخمس ~~مصاري ونصف ورطل الأرز بستة عشر مصرية، ومد الشعير بثمان مصاري والخبز ~~الأبيض باثني عشر مصرية ورطل الكعك بأربعة عشر مصرية والخبز الأسمر رطله ~~بخمسة مصاري. # وكان في العام الذي قبله الحاكم بدمشق الشام عثمان باشا المحصل، أخرج ~~الأورطة التي للقبيقول من قلعة الشام. فمنهم من نفاه، ومنهم من قتله، والذي ~~بقي كر له كور عمامته بعد شهادة جماعة من الناس بأنه غير زربه، ولا وقع منه ~~فساد، وشتت شملهم في جميع البلاد، وكان ذلك إصلاحا. وقد قتل الشر من دمشق ~~الشام واصطلحت أحوال الناس. # وكان مجيء الجوخدار من الحج مبشرا في اليوم السابع والعشرين من شهر ~~المحرم. ms001 ودخل الكتاب تلك السنة ليلة الأربعاء ثالث ليلة من شهر صفر. وكان ~~الكتاب باكر بشة الحمامي ومعه جماعة. ودخول الحج إلى الشام كان نهار السبت ~~ثاني يوم بعد مجيء الكتاب، ولم يزل ينجر وينسحب خمسة أيام حتى دخل المحمل. ~~وذكر الحجاج أنهم داروا في هذه السنة دورتين بين الحرمين، وصار عليهم غلاء ~~وبرد كثير، وقتل ابن مضيان شيخ العرب بين الحرمين بعد قتال وقع بينهم وبين ~~والي الشام أمير الحج. ثم أقام مدة بعد مجيئه من الحج، والناس في أمن وأمان ~~ثم عزل. ووجهت الدولة العلية على الشام سليمان باشا بن العظم، فأرسل سليمان ~~باشا قبل دخوله للشام سلحداره زوج بنت الوفائي متسلما وبقي نحو شهرين لم ~~يدخل الشام، ثم أتى ونزل على البقاع، وأراد محاصرة جبل الدروز، فصالحوه ~~بمال عظيم حتى أرضوه. ودخل الشام نهار الخميس ثاني عشر جمادى الثانية في ~~هذه السنة المذكورة وهي سنة 1154. وبعد ثلاثة أيام من دخوله صلب ثلاثة ~~أشقياء من العرب، وبعد ذلك أبقى كل شيء على حاله ولم يحرك ساكنا. # وكانت السنة التي دخل فيها بمظهر اسمين من أسمائه تعالى: وهما قيوم حفيظ ~~لسنة 1154، نظمها الشيخ عبد الرحمن البهلول أحد أدباء الشام ببيت، فقال: # بهذا العام فيهم قد تجلى ... مع التاريخ قيوم حفيظ # وفي هذه السنة كان صوم رمضان الجمعة، ثم ثبت في آخره أن الشهر كان أوله ~~الخميس، وخرج المحمل الشريف مع الباشا في منتصف شوال نهار السبت، وثاني يوم ~~جاء الحج الحلبي، ومعهم من العجم نحو الثلاث مئة. وبعد أربعة أيام خرج ~~الحج، وبقيت شرذمة من الحاج لأجل دفتر دار السلطان محمود خان، فخرج ثاني ~~يوم الخميس، وخروج الحاج كان في كانون الأول والبرد في غاية الشدة، وبقي ~~الصقيع والجليد في الأرض نحوا من خمسة وعشرين يوما، والشمس طالعة والجليد ~~لا يذوب، حتى قيل إنه ما رؤي مثلها، فقد يبست الأشجار، وعدمت الثمار على ~~الخصوص الليمون والكباد والنارنج، حتى بيع رطل الفحم بالشام بثلاثة مصاري. ~~وأخبرت المزيرباتية بعد رجوعهم أنه بيع ms002 رطل الفحم كل ثلاثة أرطال بقرش. ~~PageV01P001 وفي هذه السنة خرجت الجردة نهار السبت السابع والعشرين من ذي ~~القعدة، وصار عليها سردار يعقوب باشا المتولي على مدينة حلب، وقد ذكر له ~~سيرة مرضية وعدل بالرعية. # قال الشيخ أحمد البديري: وقد قلت في هذا العام، وهو عام 1154 هذا ~~المواليا في حق من أظهر الكذب والأراجيف التي قدمنا ذكرها، حيث قلت: # من كثر كذب الروافض دب فينا الشيب ... ما يعلموا الكذب أنه من شروط العيب # من جهة الزلزلة قالوا كلام الريب ... هم الملاعين صاروا يعلموا بالغيب # غيره: # في ليلة السبت خامس عشر في محرم ... مالو لقول الروافض زور ومحرم # من جهة الزلزلة النوم تحرم ... من نام تحت السقوفة يا أخي بالليل # شم الهوى بين أطرافه بيتحرم # غيره # يا ناس كذب الروافض شاع في الأقطار ... وصيرونا نسا نقعد بوسط الدار # ينزل عليهم غضب واحد أحد قهار ... روعوا الخلق في هل زلزلة يا ناس # همو حمير اليهود جوا سقر في النار # غيره # بثبوت إن الرافض يوم الحشر يا أخيار ... حمير للركب للخاخان والجوقار # راموا دسيسة بجلق عمت الأقطار ... في ليلة السبت قالوا الزلزلة بتصير # هل يعلم الغيب إلا الواحد القهار # غيره # في ليلة السبت قالوا الزلزلة بتصير ... والطفل من عجبها بين الورى بتحير # أسألك يا رب بمن جا للأنام بشير ... تمسح روافض أهل الشام يا معبود # واحرق آباهم وغور كورهم والبير # قد قالت الناس كذبة ما سمعناها ... أنهار الشام يا أخي ينقع ماءها # تجري طعام بدال الماء مجراها ... فاختية ورز أصفر ولحم سمين # قوموا انظروا للكبب والسمن غطاها # غيره # سمعت واحد يقول يا أخي قساطلكم ... هي عاطلة تاقوم معكم أعاونكم # لأن أدهان ها الألوان تساعدكم ... وتخبوها لأيام الغلا والقحط # لا يحبسوها الكبب في دربها عنكم # غيره # في سنة أربع مع الخمسين يا سادات ... سمعت أخبار ما سمعت بها عادات # زادوا بإسرافهم ما سمعوا الكلمات ... الكل لله والأعمال بالنيات # غيره # استغفر الله ربي باعث الأرزاق ... واحد مهيمن تجد كلها إطلاق # وامدح المصطفى هو صفوة الخلاق ms003 ... يغفر لكم ومعكم أحمد الحلاق ### | سنة 1155 # ثم دخلت سنة 1155 وأولها يوم الخميس وهو أول المحرم. وبعد خمسة أيام كان ~~أول آذار. وفي تلك الأيام ظهر كوكب وصار يطلع كل ليلة من جهة الشرق من نصف ~~الليل إلى طلوع الفجر، وله ذنب طويل، ومكث أياما ثم غاب. وقد عمل بعضهم ~~تاريخا يتضمن تاريخا لدخول هذه السنة وهي: # نحمد الله الذي أوهبنا ... حسن عام وحبانا بالكرم # هل هذا العام يا قوم انظروا ... لفظة التاريخ فألا يغتنم # فاضرعوا لله في إتمامه ... بنجاح إنكم خير أمم # وابشروا يا أمة الهادي الذي ... خصه الله بفضل وحكم # فضل ربي عمنا تكرمة ... ليس يحصى شكر هاتيك النعم # وكذا كل الورى قد عمهم ... لطفه سبحانه باري النسم # وخصوصا عصبة الشام التي ... هي للأبدال مأوى ملتزم # كيف والسادات قد حلوا بها ... سرهم عم لسهل وأكم # فاشكروا الله على عام أتى ... أظهر التاريخ حفظا ونعم # وكان دخول جوقدار سليمان باشا الوزير ابن العظم سنة 1155 في يوم السبت ~~الواقع في رابع وعشرين من شهر محرم من السنة المذكورة. وفي يوم الثلاثاء ~~السابع والعشرين من المحرم أقبل كتاب الحج الشريف. وثارت في اليوم المذكور ~~ريح شديد يومين وليلتين قلعت أشجارا كثيرة وهدمت أماكن لا تحصى، ووقع فرع ~~عظيم من شجرة الخرنوبة التي في الحضرة على رأس غلام مراهق فمات لوقته ~~ورجلين آخرين فهشمهم، وسكن الريح بوقته. PageV01P002 وفي يوم الاثنين ثالث ~~صفر من السنة المذكورة دخل الحاج الشامي إلى دمشق، ودخل سليمان باشا العظم ~~ثاني يوم. وكان صحبته يعقوب باشا سردار الجردة المنفصل عن حلب. وكان الحج ~~في تلك السنة بأمن وأمان ورخاء ورخص، غير أن الباشا ذهب بين الحرمين من قبا ~~وخرج من جبل عرفات من عند قبة النور، وآب راجعا من الطريق الذي جاء منه علي ~~باشا. # قال البديري: وفي ذلك العام تأخر مجيء الفرمان المقرر على سليمان باشا ~~عظم زاده فلغطت الأراذل والأسافل بالقول والفعل وأظهروا بدعا كثيرة من محض ~~الحرام، ولا زالوا على تلك الأحوال حتى ms004 جاء الفرمان، وكان دخوله صبيحة رابع ~~جمادى الثانية من السنة المذكورة، وكان القاضي بالشام عبد الوهاب أفندي ~~الملقب أبا زاده. وفي ذلك العام أمر فتحي أفندي ابن القلانسي الدفتري في ~~تعمير طريق الصالحية، فقلب بلاطه وعمر صفته وأصلح حاله مع الناس. # وفي غرة رجب المبارك من السنة وهي سنة 1155 جاءتنا جارية مباركة، وكنا قد ~~اشترينا لنا منزلا جديدا في محلة التعديل، وكنا في ضيق فقلنا: لعل بقدومها ~~يحصل لنا الفتح والفاتحة، فسميناها صالحة، جعلها الله تعالى فالحة. # وفي 22 من جمادى الثانية عمل حضرة سليمان باشا العظم ديوانا، وجمع فيه ~~الأفندية والأغاوات، وأخرج خطا شريفا بالعدل والتفتيش على المفسدين في دمشق ~~من الإنكشارية، وطلب رؤساء الميدان وهم الأغاوات للحضور، فأبوا وأرسلوا له ~~يسألونه ما يريد، فأرسل يطلب منهم سنة عشر رجلا من الأشقياء الذين يسمونهم ~~باصطلاحهم زرباوات، فأرسلوا له يقولون له: نحن لا نقدر على إلقاء القبض ~~عليهم فدونك وإياهم. فبالحال أزال عنهم كدكاتهم، ووجهها على غيرهم وأعطى ~~أسماءهم للدلال، وأمره أن ينادي في شوارع الشام أن هؤلاء الستة عشر دمهم ~~مهدور ولا جناح على من قتلهم وغيرهم في أمن وأمان من سليمان باشا. ففرحت ~~الناس أجمعين، لأنهم كانوا من أعظم المفسدين. وثاني يوم قتلت الدالاتية ~~رجلا إنكشاريا، فهربت الناس وسكرت دمشق الشام. فسأل الباشا عن ذلك، فقيل له ~~إن بعض الموصلية والبغادة الذين كانوا قبقول وطردوا في زمن عثمان باشا ~~المحصل حين قتلوا بعض الإنكشارية مرادهم الآن يعملوا فتن. فأمر مناديا ~~ينادي أن لا يبقى بعد ثلاثة أيام أحد من الموصلية والبغادة والقبقول، وكل ~~من بقي منهم يصلب وماله ينهب. # وفي 24 من جمادى من هذه السنة دخل القاضي محمد أفندي الملقب بفندق زاده، ~~ونزل في الصالحية، وكان الباقي من مدة القاضي القديم أربعة. وبعد إتمامهم ~~باشر القاضي الجديد وظيفته في المحكمة. # وفي عشية ليلة الثلاثاء ثالث رجب من هذه السنة ارتحل سليمان باشا طالبا ~~قتال الظاهر عمر حاكم قلعة طبرية ومعه عسكر عظيم أكثره دالاتية، وأخذ معه ms005 ~~القنابر واللغمجية والطوبجية الذين جاءوا من اصطنبول بطلب منه، ثم وصل ~~إليها وحاصرها حصارا شديدا، وأرسل حضرة سليمان باشا يطلب من أهل الشام ~~سلالم. فأرسلوا له ما طلب، وبعد مدة أرسل يطلب فعالة وبساتنية ويكون معهم ~~مرور ومساحي ومجلاف، فأرسل جميع ما طلب إليه. ولم يزل محاصرا القلعة، وهو ~~يضرب عليها بالمدافع والقنابر، ولم يؤثر فيها، وقد ساعدته الدروز وأهل ~~نابلس ونائب القدس خليل آغا ابن أبو شنب وعرب بني صخر وعرب السقر مع قعدان ~~بن ظاهر السلامة. وقد ضيقوا على أهل القلعة الحصار. لكن أخبر بعض أهل طبرية ~~بأن المحصورين بالقلعة ما حصل لهم ضيق لأن مؤنهم كثيرة، وقيل إن باب القلعة ~~يفتح في وقت مخصوص، وبعض الناس تغدو إليهم وتروح بما يطلبون. وقد قبض على ~~ذخيرة مرسلة لهم، وذلك بأن أهل دير حنا وفيها أخو الظاهر عمر أرسل لأخيه ~~كتابا مع شخص، وأرسل ذخيرة بارود وخلافها مع أشخاص، فألقى رجل من عسكر ~~سليمان باشا القبض على الشخص الذي معه المكتوب، وذلك بعد تفتيشه وجد الكتاب ~~موضوعا في نعله؛ فأخذ حضرة الباشا الكتاب وقرأه وقرره فأقر بالنجدة ~~والذخيرة المرسلة لأخي الظاهر عمر، فحالا أمر سليمان باشا بقتله، وأرسل ~~جماعة للقوم الذين معهم الذخيرة فأخذت منهم، وقتلوا غالبهم، وقطعت رؤوسهم، ~~وأرسلها سليمان باشا إلى إسلامبول، وشدد الحصار، وأرسل سليمان باشا لأخي ~~الظاهر عمر الذي في دير حنا يقول له: إذا فرغنا من أخيك جئنا إن شاء الله ~~إليك. وستأتي تتمة فتحها إن شاء الله تعالى. PageV01P003 وكان هلال رمضان ~~في هذه السنة نهار الاثنين وأثبت بعد العشاء، وأشعلت القناديل في سائر مآذن ~~الشام، وضربت مدافع الإثبات في منتصف الليل، وحصل للناس زحمة في حركة ~~السحور، حتى فتحت دكاكين الطعام ليلا كالخبازين والسمانين. # وفي تاسع رمضان المذكور هطلت أمطار غزيرة على عامة البلاد ولله الحمد. ~~وغرق مركب بساحل صيدا بتلك المدة، وكان قادما من مصر وفيه أرزاق كثيرة، عوض ~~الله أصحابها خيرا، قيل إنه غرق في نوء قاسم كوى. وجاءت الصرة من ms006 إسلامبول ~~يوم الجمعة، وجاءت الخزنة السلطانية من مصر يوم السبت ثالث عشر من رمضان، ~~وقد تأخرت عن وقتها، وكان صنجقها عمر بك. # وجاءت البلطجية من إسلامبول نهار الاثنين في الشهر المذكور ومع ذلك حضرة ~~سليمان باشا العظم في حصار طبرية، وقد شدد على أهلها كما يأتي. # وفي يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من هذا الشهر شهر رمضان توفي الرجل ~~الصالح الحاج أحمد الحلاق بن حشيش، كان رجلا صالحا رأى العجائب لأنه كثير ~~السايحة، وكان حسن المعاشرة والوداد، وكان حلاقا لفرد زمانه وقطب أوانه ~~الشيخ عبد الغني النابلسي قدس سره، وكان يحلق أيضا للشيخ مراد أفندي ~~النقشبندي الكسيح، ولعمدة مذهب السادة الشافعية شيخنا محمد العجلوني ~~ولأمثالهم، وكان يحلق مجانا للفقراء من طلبة العلم وغيرهم. ومن صلاحه ~~وتقواه أنه ما وضع يده على مريض إذا رمد وقرأ ما تيسر إلا شفاه الله ~~وعافاه. قال مؤرخها الحلاق الشيخ أحمد البديري: وكان صاحب الترجمة أستاذي ~~ومعلمي في صنعة الحلاقة، ومنه حصل لي الفتوح والبركة، رحمه الله تعالى. # وثاني يوم الأربعاء توفي الشيخ مصطفى المغربل، وكان رجلا دينا أخذ الطريق ~~من الأستاذ الشيخ يوسف الطباخ. # وفي تلك الأوقات اشتد الغلاء في سائر الأشياء سيما المأكولات، مع وجود ~~الأغلال وغيرها، فمن عدم تفتيش الحكام صار البياعون يبيعون بما أرادوا غير ~~أن الغنم كان قليلا جدا فصار الجزارون يذبحون الجاموس والجمل والمعز، فصار ~~يباع رطل اللحم الشامي بثلاثين مصرية، ورطل إلية الغنم بقرش وربع، والبيض ~~كل ثنتين بمصرية، والسمن رطل وأوقتين بقرش، والثوم رطله بثلاثين مصرية، ~~ورطل الخبز بأربع مصاري وبخمسة مصاري وبأكثر. وقد كان بثلاث مصاري ونصف. ~~فبقدوم شهر رمضان المبارك غلت الأسعار حتى الخضر، فقد كان قبل رمضان الكوسا ~~كل مائة بمصرية، فلما هل رمضان صار خمسة وأربعة بمصرية، والباذنجان كل ~~رطلين بمصرية، فصار كل رطل بمصريتين، واللحم عدم، وكل ذلك من عدم تفتيش ~~الحكام. # وكان نهار عيد الفطر يوم الأربعاء، وقد صمناه ثلاثين يوما بإكمال العدة، ~~فدخل العيد، ولم يأت حضرة والي الشام سليمان باشا ms007 من الدورة، بل هو للآن ~~مقيم على حصار قلعة طبرية. # وفي يوم السبت رابع شوال جاء تبشير رسمي من حضرة سليمان باشا بفتوح قلعة ~~طبرية، فضربت المدافع وعملوا الزينة ودقت الطبول والزمور. # وثاني يوم الأحد دخل حضرة سليمان باشا العظم إلى دمشق، فسبق كخيته ~~والعسكر، وترك على قلعة طبرية على أغابن الترجمان، وعنده بعض العسكر ~~والفعالة، وأمره أن لا يقدم دمشق حتى يخربها بعد إخراج أهلها منها. ~~PageV01P004 قال المؤرخ: وبلغني أن سبب فتحها أنه لما اشتد الحصار على ~~أهلها، وقد قل الزاد من عندهم ولم يتمكنوا من جلب قوت مما قد أحاط بهم من ~~العساكر والعربان وأنه بعد ضرب المدافع والقنابر أمر حضرة سليمان باشا بحفر ~~خنادق ولغم طوله مئتان وثمانون ذراعا، ولما بلغهم ذلك ضاقت عليهم الدنيا ~~وازداد فزعهم، أرسل الظاهر عمر المحصور شيخ طبرية إلى عمر بك صنجق الخزنة ~~المصرية التي تأتي للدولة العلية بهيئة وافرة ليتوسط بالصلح بينه وبين حضرة ~~سليمان باشا، وكان ذلك قبل وصوله ووصول الخزنة لدمشق. فلما وصلت سار عمر ~~بك، ودخل على حضرة سليمان باشا حاكما بمصر. وكان عمر بك رجلا وقورا كبير ~~السن، وقال له: يا حضرة الوزير، أنا رجل كبير السن بمنزلة والدك، وإن كنت ~~من جملة خدمك، وداخل على جاهك في الصلح بينك وبين عبد نعمتك ودولتك الظاهر ~~عمر شيخ طبرية والصفح من شيم الكرام، وأنتم الكرام لا سواكم. فأجابه حضرة ~~الباشا بأنه يصير خير إن شاء الله تعالى. ولما كان ثاني أيام العيد، عيد ~~الفطر اشتد على أهل طبرية الأمر، وزاد عليهم الحصر، خرجوا إلى أعلى الأسوار ~~رافعين أصواتهم ينادون حضرة علي آغا الترجمان، ولما قرب منهم قالوا له: لك ~~الأمان ادخل الباب فأخذ الإذن من الباشا ودخل الباب. وكان حضرة سليمان باشا ~~قد أدركه السفر إلى الحاج، فدخل علي آغا إلى قلعة طبرية فتلقوه كذا المشايخ ~~ومعهم الظاهر عمر، فوقعوا على قدميه وصاروا يبكون حواليه، وعملوا له عشرة ~~أكياس، ليدخل بينهم وبين حضرة سليمان باشا بالصلح، ثم خرجت ms008 النساء والأطفال ~~والشيوخ يبكون وينتحبون فرق لهم، وسار طالبا حضرة الباشا، فلما وصل إليه ~~وقع على قدميه، ووعظه بالحلم والإشفاق، وذكر له فضائل محاسن الأخلاق، فرق ~~قلبه وأجاب سؤاله فلما علم المحصورون وتحققوا أن حضرة الباشا عفاعنهم وصفح ~~خرجت النساء والرجال والأطفال، وفي رقابهم المحارم وعليهم الذل رافعين أكف ~~الضراعة بالمسكنة، وضاجين بالأدعية له وللسلطان الأعظم، ودفعوا لحضرته مئتا ~~كذا كيس من المال بعدما أخذ ابن الظاهر عمر رهينة وأتى إليه إلى الشام، ~~وأرسل جماعة لهدم القلعة وإبادتها. # قال المؤرخ: هكذا حدث بذلك علي آغا شاطر باشي، وقد نقلت لنا على غير هذا ~~الوجه. والله أعلم بحقيقة الحال. # وفي يوم الجمعة عاشر شوال من هذه السنة توفي الحسيب النسيب السيد عبد ~~الله بن عجلان نقيب السادة الأشراف بالشام، ودفن بمدفنهم في سوق الغنم لضيق ~~جامع المرادية، وكان يومئذ معزولا عن النقابة وهي على ابن أخيه السيد علي ~~أفندي. وفي ذلك اليوم عزل السيد علي أفندي عن النقابة، ووجهت على السيد ~~محمد أفندي بن الشيخ عبد القادر الكيلاني، وفي ذلك اليوم أيضا عزل حامد ~~أفندي ابن العمادي عن وظيفة الإفتاء ووجهت إلى ابن عمه محمد أفندي ابن ~~العمادي. # قال المؤرخ رحمه الله: وفي ليلة السبت حادي عشر شوال توفيت والدتي في ~~الثلث الأول من الليل، رحمها الله وعفا عنها وبرد مضجعها، وقد فارقت الدنيا ~~وأنا بين رجليها نائم، وكانت من القانتات العابدات تصلي نوافل الليل، ولها ~~أوراد، إلى آخر ما قال. # وفي ذلك الشهر من هذه السنة بعد صلاة الجمعة خرج المحمل الشريف مع الوزير ~~الخطير سليمان باشا بن العظم. وثاني يوم السبت جاء الحج الحلبي ومعه ألف ~~وسبع مئة عجمي. وفي عشرين شوال خرج الحج، من البلد شيئا فشيئا. وقبل سفر ~~الوزير سليمان باشا عمل ديوانا وأحضر الأعيان، وأظهر الفرمان الذي فيه قتل ~~الزرباوات أي المفسدين من الإنكشارية، وقال لمن حضر: هذا الفرمان الذي أمره ~~مفوض لنا قد ألغيناه وعفونا عنهم، وعد ذلك من حسناته. # وكان أول يوم فصل الشتاء ms009 في هذه السنة من يوم الأربعاء تاسع وعشرين شوال ~~وهو يوم دخول المزيرباتية، وأقام الباشا في المزيريب أربعة أيام ورحل في ~~اليوم الخامس، وشال الحج عرب بني صخر وقد كان كل شيء رخيص من جميع البضائع ~~ماعدا المعموك، والشعير المد بنصف وقرش، وقد رجع من الغلمان خلق كثير، ~~وأمطرت السماء مطرا غزيرا يوم مجيء المزيرباتية بعد أن قنطوا، فاستبشرت ~~عموم الخلق وحمدوا الباري على لطفه. PageV01P005 وفي عاشر ذي القعدة دخل ~~مصطفى باشا متولي طرابلس الشام نهار الاثنين إلى دمشق، عينته الدولة العلية ~~سردارا على الجردة. والمذكور كان سفاكا للدماء ظلوما غشوما أهرق دماء كثيرة ~~حينما كان في طرابلس، وكان غالب قتله بالكلاب والشنكل، يترك الرجل حتى يموت ~~جوعا وعطشا، فهربت غالب أهالي طرابلس من ظلمه وتفرقوا في البلاد، وأرسل ~~أعوانه في طلب الهاربين، فالذي قبضوا عليه كان من الهالكين. وبعد مجيئه ~~لدمشق وقعت فتنة بين الدالاتية التي للمتسلم وبين لاوند الأكراد، وقتل من ~~الفريقين جماعة، وكانت تلك الفتنة في يوم الجمعة، حتى بطلت صلاة الجمعة في ~~كثير من الجوامع. # وفي غرة ذي الحجة ختام السنة المذكورة توفي الشيخ محمد الكيال وكان من ~~رؤساء المؤذنين في جامع الأموي، وكان رجلا صالحا، وكان ينسخ كتبا وغيرها ~~بخط مقبول، وكان ينام والقلم بيده ويفيق ويكتب من غير نظر للكتابة، وقد عدت ~~له كرامة. # وفي ذلك اليوم جاء خبر قتل متسلم دمشق، قتله عرب الزبيد وقتلوا من جنده ~~جماعة كثيرة، وذلك لما كانت هذه العرب عاصية على الدولة خرج المتسلم ~~المذكور ومعه جماعة من العسكر، فساروا حتى وصلوا للعرب المذكورة، ففاجأهم ~~المتسلم وجنوده على حين غفلة بالقتل وغيره، وأرادوا أخذ أموالهم ومواشيهم، ~~فردوا عليهم رد غيور صبور فقتلوا المتسلم المذكور وجماعة من عسكره، فحين ~~بلغ هذا الأمر أكابر دمشق عملوا ديوانا ثم أمروا مناديا ينادي: من أراد ~~طاعة الله والسلطان ممن له قدرة وقوة على الركوب فلا يتخلف، فالغارة الغارة ~~على عرب الزبيد الذين قتلوا المتسلم وعسكره، فخرجت الإنكشارية والسباهية ~~والزعماء، عينوا نائبا بدمشق ms010 حسين آغا بن القطيفاني، المتولي على وقف ~~المرحوم سنان باشا، ثم ساروا للعرب، ورجعوا ومعهم جسد المتسلم المقتول، وهو ~~في حالة عبرة لمن اعتبر، ثم غسلوه في سراية الحكم ودفنوه في باب الصغير. ~~وكان اسمه إبراهيم، وهو مملوك سليمان باشا بن العظم حاكم الشام، وكان مع ~~عدل مولاه، له ظلم وعدوان وجرأة على الخاص والعام، وكان يأمر بالقبض على كل ~~من رآه بعد العشاء، ويأمر بتقييده في الحال بالحديد، إلى أن يأخذ منه مال ~~كثير، وإذا أذنب أحد ذنبا، ولم يقدر على قبضه يقبض من يقدر عليه من أهله ~~وقرابته، ويلزمه بمال عظيم، وإذا نهاه أحد عن تلك الأحوال يحرد، ويطلب ~~الارتحال، ولا زال بظلمه وعتوه، إلى أن أخذه الله. وقيل سبب تدميره أنه ~~جاءه شيخ الجبلة، الفحيلي، وقال له سرا: قم حتى أكسبك كثيرا من الغنائم، ~~ولم يعلم أحد من كبراء الشام، سوى قومه الطغاة، فذهب هو وقومه حتى وصل إلى ~~اللجاة، فلما وصل إلى تلك القبيلة ساق أموالهم والحريم، فارتدت عليه العرب، ~~وأخذ عليه واحد منهم نيشانا فضربه ولم يخطئه، وتركه ملقى قتيلا وقتلوا ~~جماعة من قومه، ذلك بما قدمت يداه. # وفي نهار السبت منتصف ذي الحجة، توفي أبونا ووالدنا وأستاذنا ومربينا ~~سليمان بن الحشيش الحكواتي رحمه لله. كان فريد عصره ووحيدا في أوانه. وكان ~~يحكي سيرة الظاهر وعنترة وسيف، ونوادر غريبة في التركي والعربي، ومع ذلك ~~فهو أمي لا يقرأ ولا يكتب. وكان أشقر أبرص، شديد البياض إلا أنه بحر خضم لا ~~يخاض رحمه الله. # وفي يوم السبت خامس عشر ذي الحجة توفي المرحوم عبد العزيز أفندي ~~السفرجلاني، وكان فقيها محبا للعلماء، مقبولا عند الحكام مهابا وقورا، ~~وأعطي جاها لن ينله أحد من بني السفرجلاني، محبا لفعل الخير، ولهذا حصل له ~~القبول عند الخاص والعام. # وفي أوائل الشتاء من آخر هذه السنة قلت الأمطار، ويئست الخلق ونهض الغلاء ~~على قدم وساق، فأغاث الله عباده بالأمطار كالبحار، وذلك في ابتداء كانون ~~الثاني، واستمر ليلا مع نهار لا يفتر، ms011 وأثلجت الدنيا سبع مرات، واستمر ذلك ~~خمسة وأربعين يوما، وتهدمت أماكن كثيرة بحيث ما بقي محل ولا جهة في الشام ~~إلا ووقع الهدم فيها، ثم بعد ذلك طلعت الشمس، وأحيا الله الأرض بعد موتها. ### | سنة 1156 # ثم دخلت سنة 1156، ألف ومئة وستة وخمسين نهار الاثنين غرة محرم، جعلها ~~الله سنة خير ورحمة وبركة. وكان واليا بدمشق الشام سليمان باشا العظم، وهو ~~في ركب الحج الشريف. PageV01P006 وقد هل هذا العام الجديد، ورطل الخبز ~~الشامي بأربع مصاري وبخمسة، ورطل الأرز بثمانية مصاري، ورطل الدبس بثمانية ~~مصاري، وأوقية السمن بستة مصاري ولا توجد، مع أنه كان من نحو شهر كل رطل ~~وثمانية أواق بقرش، ولكن الخزان ما أبقى للفقراء قمصان، وأوقية العسل بخمسة ~~مصاري، ورطل اللحم الضأن بثلاثين مصرية ورطل الثوم باثني عشر مصرية، ورطل ~~لحم الجاموس ولحم البقر بعشرين مصرية، وأوقية الزيت بمصريتين وقطعة، وهذا ~~الغلاء ما سمعنا بمثله أبدا وقد طال المطال، والناس منتظرة للفرج من الملك ~~المتعال. # قال المؤرخ: وفي أوائل هذه السنة الجديدة توفي الحسيب والنسيب السيد أحمد ~~البابا، رئيس حرفة الدباغين، كان رحمه الله بهي المنظر ذا هيبة حسنة، ولنا ~~معه صحبة. # وفي رابع وعشرين محرم، كان دخول الجوخدار من الحاج الشريف، يبشر بالسلامة ~~وحسن السيرة، ثم جاء الكتاب ومعه المكاتيب، ثامن وعشرين محرم نهار الأحد من ~~هذه السنة المذكورة. وفي سلخ محرم صار في دمشق سيل عرمرم، ما رؤي قط مثله ~~من قديم الزمان، وعقبه نزل برد كبير استقام نزوله مقدار ساعتين، حتى علا ~~على وجه الأرض مقدار ذراع ونصف. # وفي أوائل شهر صفر الخير، جاء خبر عن الحج الشريف بأنه غرق في الحسا ~~قريبا ممن القطرانة، وذهب على ما قيل مقدار نصف الحاج، من خيل وجمال وبغال، ~~ونساء ورجال وأموال وأحمال وقد غرق لأحد التجار سبعة عشر حمل، كل حمل لا ~~يقام بثمن، فاستغاثوا بحضرة سليمان باشا العظم والي الشام، وأمير الحاج، ~~وقالوا: نحن نهب لك مالنا وخذه أنت ولا تتركه للعرب. فحالا نهض وأخذ معه ms012 ~~جماعة، وذهب نحو مرحلة، وقد خاطر هو وجماعته، ثم غاب يوما وليلة بعدما جدوا ~~في طلبه، وإذا هو قادم ومعه الأحمال، لم تنقص ولا ذرة. ثم ناداهم وسلمهم ~~إلى أصحابهم، ولم يدنس حجه بشيء. وقد عدوا هذه المنقبة لمثله، من الهمم ~~العالية والمروءة السامية، وبوصولهم أيضا للبلقة جاء أيضا سيل عظيم، أخذ ~~مقدارا عظيما من الحج، وأراد أن يتمم على بقية الحج، لولا أن تداركه الله ~~بلطفه. ولما حصل هذا الأمر، كتب حضرة أمير الحاج سليمان باشا توقيعا، ~~وأرسله إلى الشام وإلى من حواليه، بأن يأتوه بعلف وذخيرة، فنادى المنادي في ~~شوارع دمشق: يا أمة محمد، من كان يحب الله ورسوله، وتمكن من الخروج فليخرج، ~~ومعه ما يقدر عليه من مأكل ومشرب وملبس، فليخرج ليلاقي الحجاج فخرجت الخلق ~~مثل الجراد. # وفي يوم الأحد رابع صفر الخير دخل الحاج، وثاني يوم دخل المحمل الشريف مع ~~حضرة سليمان باشا، وكانت سنة هائلة أخبر الحجاج أن مد العليق صار بقرشين، ~~وفي بعض الأماكن بأربع قروش، وكل ثلاث تمرات بمصرية، وهذا شيء ما سمع من ~~قديم الزمان، وبيع كعب البقسماط بثلث قرش. وكانت دمشق أشد غلاء من غيرها، ~~حتى مد الملح وصل ثمنه إلى ثلاثين مصرية، والدبس الأوقية بمصرية، واللبن في ~~آذار رطله بسبعة مصاري، والخبز لا يوجد، والحكام يخزنون، وأهل البلد يفعلون ~~كفعلهم، وإلى الله المصير. # وفي يوم الاثنين ثالث عشر صفر الخير من هذا العام، توفي العالم العامل، ~~الشيخ أمين أفندي ابن الخراط رحمه الله. # وفي غرة ربيع الأول من هذه السنة شرع حضرة والي دمشق الشام، سليمان باشا ~~ابن العظم في فرح، لأجل ختان ولده العزيز أحمد بك، وكان في الجنينة التي في ~~محلة العمارة، وجمع فيه سائر الملاعب وأرباب الغناء واليهود والنصارى، ~~واجتمع فيه الأعيان والأكابر من الأفندية والأغوات ما لا يحصى، وأطلق ~~الحرية لأجل الملاعب يلعبون بما شاؤوا. من رقص وخلاعة وغير ذلك، ولا زالوا ~~على هذا الحال سبعة أيام بلياليها. وبعد ذلك أمر بالزينة، فتزينت أسواق ~~الشام كلها ms013 سبعة أيام، بإيقاد الشموع والقناديل، زينة ما سمع بمثلها، وعمل ~~موكب ركب فيه الأغوات والشربجية، والأكابر والإنكشارية، وفيه الملاعب ~~الغريبة من تمثيل شجعان العرب وغير ذلك. وثاني يوم طهر ولده أحمد بك، وأمر ~~من صدقاته أن يطهر من أولاد الفقراء وغيرهم ممن أراد، فصارت تقبل الناس ~~بأولادهم، وكلما طهروا ولدا يعطوه بدلة وذهبين، وأنعم على الخاص والعام، ~~والفقراء والمساكين بأطعمة وأكسية وغير ذلك، مما لم يفعل أحد بعض ما فعل، ~~ولم نسمع أيضا بمثل هذا الإكرام والإنعام، على الخاص والعام، فرحمه الله ~~وجازاه أحسن الجزاء، آمين. PageV01P007 وبعد هذا الفرح العظيم عمل فتحي ~~أفندي الدفتري فرحا عظيما بهذا الشهر، أعني به ربيع الأول، زوج ابنته ~~لأخيه، وكان فرحا عظيما ما عمل بدمشق نظيره، ولا بلغ أحد أنه عمل مثله، ~~وكان سبعة أيام كل يوم خصه بجماعة: فاليوم الأول خصه بحضرة والي الشام ~~سليمان باشا بن العظم، واليوم الثاني إلى الموالي والأمراء، واليوم الثالث ~~إلى المشايخ والعلماء، واليوم الرابع التجار والمتسببين، واليوم الخامس إلى ~~النصارى واليهود، واليوم السادس إلى الفلاحين، واليوم السابع إلى المغاني ~~والمومسات، وهم بنات الخطا والهوى، وقد تكرم عليهم كرما زائدا، ويعطيهم ~~الذهب والفضة بلا حساب. وكان قبل الفرح عمل تهليلة، جمع بها جميع مشايخ ~~الطرق. # وفي السادس والعشرين من ربيع الأول بهذا العام توفي نقيب النقباء في ~~دمشق، على الحرف والصنايع والطرق، الشيخ عبد الرحمن بن الشيخ محمد الحلاق ~~القادري، صاحب الحلقة في الجامع الأموي. # وفي يوم الخميس الثامن والعشرين من ربيع الثاني في هذه السنة المذكورة، ~~توفي الشاب السعيد سلالة الطاهرين، وفخر الصديقين، أحمد أفندي البكري ~~الصديقي، وكان من النجابة على جانب ودفن بتربة الشيخ رسلان رحمه الله. # وفي يوم الأحد غرة جمادى الأولى من هذه السنة، شرع حضرة سليمان باشا ابن ~~العظم، في تعمير وترميم نهر القنوات، وجعل جميع المصارف من ماله جزاه الله ~~خيرا، واشتغل بها من الفعلة مائتا فاعل، فأمر بقطع بعض الصخر من طريقها، ~~وبتشييد أركانها وإصلاح ما فسد منها، ورفع جدرانها، وبضبطها ms014 ضبطا جيدا ~~وبإصلاح فروض مستحقيها على الوجه الحق، وأن يأخذ كل ذي حق حقه. فكانت هذه ~~العمارة والضبط ما سبقه إليه أحد من عهد إصلاحها من أيام التيمور لما أصلحت ~~بعده، وقد تمت عمارته في برهة خمسة عشر يوما في أول مربعانية الصيف. ولما ~~تم أمر بإطلاق النهر، فكان إطلاقه على أهل دمشق فرجة من أبهج الفرج، ويوم ~~مثل يوم الزحام. وقد أرخ هذه العمارة شيخ الأدب في الشام الشيخ عبد الرحمن ~~البهلول، مادحا حضرة الوزير سليمان باشا ومشيرا لتاريخ تتميم البناء، فقال: # جزى المولى أمير الشام خيرا ... سليمان الزمان ودام دهرا # بما قد جدد القنوات صدقا ... بإخلاص زكا سرا وجهرا # فيا طوبى له إذ نال أجرا ... على مر الليالي مستمرا # له في كل مكرمة أياد ... بإحسان علت وهلم جرا # فكم صنعت يداه وجوه بر ... بها أرخ سبيل الخير أجرا # وفي نهار الثلاثاء سادس عشر جمادى الأولى توفي الشيخ الفقيه العالم الشيخ ~~علي، مدرس جامع عز الدين في باب السريجة، وقد ناهز الثمانين، رحمه الله ~~تعالى. # وفي يوم السبت الثامن والعشرين من جمادى الأولى من هذه السنة، قامت ~~العامة وهجمت على المحكمة، وطردوا القاضي ونهبوا الأفران. وسبب ذلك كثرة ~~الغلاء والازدحام على الأفران، وقلة التفتيش على صاحب القمح والطحان ~~والخزان، فتلافى حضرة الوالي سليمان باشا هذا الأمر، وأرسل يشدد على ~~الطحانة والخبازة، ويهددهم ويخوفهم فحالا وجد الخبز، وتحسن وكسد، بعدما ~~كانت غالب الناس تبات بلا خبز، فابتهلت الناس بالدعاء لحضرته. # وفي سادس جمادى الثانية من هذه السنة، توفي الشيخ مصطفى ابن شيخنا ~~وأستاذنا شافعي زمانه، وفاضل أوانه الشيخ محمد العجلوني، من افتخرت به محلة ~~القنوات، رحمه الله. وبالأمر المقدور، توفيت زوجته أول يوم، ولحقها ثاني ~~يوم، رحمهما الله تعالى. PageV01P008 وفي سابع جمادى الثانية من هذه السنة، ~~خرج سليمان باشا قاصدا قتال الظاهر عمر، حاكم قلعة طبرية، واستصحب معه من ~~العسكر نحو خمس مئة رجل، ألبسهم قلابق. وكانوا يشبهون الأرنؤوط وسماهم ~~الأرانطة. وجاءه فرمان من الباب العالي بأن يخرج معه والي ms015 صيدا ووالي ~~طرابلس والقدس وغزة والرملة وإربد، وقيل ركب معه من جبل الدروز عشرون ألفا ~~ويوم العاشر أرسل إلى أغاوات الإنكشارية، وأن يرسلوا له ثلاث مئة إنكشاري، ~~وما بقي من العساكر يرسلونهم لمحافظة قرى حوران. وأرسل أيضا إلى عامة قرى ~~الشام بأن يخرجوا من كل قرية عشرة أنفار، ليحافظوا مع الإنكشارية أيضا. ثم ~~سار بتلك الجموع، وحط على مرج القدس بفتح القاف والدال في بلاد المتاولة، ~~وأرسل طلب الأمير ملحم، فجاءه ومعه مئتا خيال. وبعد مدة جاء خبر لدمشق، ~~بأنه وقع قتال بين الدروز والمتاولة، فقتل من المتاولة أكثر من ألف وحرقت ~~الدروز بلادهم ونهبت أموالهم. ثم صالت المتاولة على الدروز فقتلت من الدروز ~~نحو خمس مئة رجل، وكان معهم الأمير حيدر صاحب قلعة دير القمر، فنهاهم ~~الباشا، فاعتذروا له فتركهم وشأنهم. ثم رحل حضرة سليمان باشا، طالبا قلعة ~~دير حنا وأخذ معه شيخ المتاولة نصار ومعه نحو من أربع مئة إنسان، ورجع ~~الدروز، ولم يرض معاونتهم، وكان في قلعة دير حنا أبو سعد أخو الظاهر عمر. # قال البديري: وفي تلك الأيام جاء الخبر إلى دمشق، بأن القافلة التي سارت ~~إلى بغداد أخذتها العرب، وكان بها من الأموال ما لا يحصى بقلم، ومن جملتها ~~هدية وافية من حضرة سليمان باشا والي الشام، إلى أحمد باشا بن حسن باشا ~~والي بغداد. وقد نقلت الرواة بأن العرب الذين أخذوا القافلة من أعوان ~~الخارجي، الذي خرج من بلاد العراق، ويسمى طهماسب الذي تغلب على ملك العجم ~~وأخذ بلاده، وعلى ملك الهند وأخذ بلاده، وقصد مدينة بغداد وحاصرها أشد ~~الحصار. # وفي سابع يوم من رجب، جاء خبر لدمشق بأن سليمان باشا ابن العظم قد مات، ~~ودخل في خبر كان، فحالا قام فتحي أفندي بن الفلاقنسي، دفتردار الشام، وختم ~~على دوره وخزائنه وأملاكه. وأقام على ذلك حرسا بالليل والنهار، وقرر علي ~~آغا المتسلم على حاله، وكتب بذلك عرضا، وأرسله للدولة العلية. # وفي ليلة الخميس ثامن رجب من هذه السنة، في وقت الفجر أدخلوا سليمان باشا ms016 ~~في تخت، وأدخلوه لسراية الحكم، وغسلوه بها ودفنوه ضحوة النهار في مدفنهم في ~~باب الصغير، بجوار سيدنا بلال الحبشي، في القبر الذي فيه ولده إبراهيم بيك، ~~بوصية منه رحمه الله تعالى رحمة واسعة. فقد كان وزيرا عادلا، حليما صاحب ~~خيرات ومبرات، محبا للعلماء وأهل الصلاح. وقد أبطل مظالم كثيرة كانت على ~~أهل الشام، مثل الشاشية والمشيخة والعرض، وهي أموال تفرض على الحرف ~~والصنائع والحارات في الشام مرة أو مرتين في السنة. PageV01P009 قال المؤرخ ~~البديري: وقد أخبرني بعض من أثق به عن سبب موته، وهو أنه دخل إلى حمام عكة، ~~وخرج منه محموما، وأن الظاهر عمر حاكم طبرية أرسل له كتابا، يطلب منه الصلح ~~فأبى، وقال لا يمكن إلا برأسك. فأرسل الظاهر عمر يستغيث به، ويقول خذ من ~~الأموال ما تشاء، ودع سفك الدماء والقتال، وارحم النساء والأطفال، فلم يقبل ~~سليمان باشا إلى أن دخل الحمام وخرج محموما، وعلم أنه ميت لا محالة، ثم إنه ~~أوصى أن يرحل به إلى الشام ويدفن عند ولده، ثم قضى نحبه رحمه الله تعالى. ~~فكتم الأمراء موته، ورحل ألاى بيك وأكابر الدولة كخية سليمان باشا من عكة، ~~ومعهم العساكر والمدافع، وقربوا من طبرية، ثم ضربت المدافع، ونزلوا على ~~طبرية، بعدما وضعوا الباشا في التخت وحوله الجوخدارية، والغلمان تروح له ~~بالمراوح يمينا وشمالا، وأمروا الخدام أن تنادي بالعسكر وهم مارين: الله ~~ينصرك يابو خرما يا سليمان باشا. ثم أمر أن تفرد البيارق وتصطف العساكر ~~وتسير، ومروا على طبرية، ولم يدر أحد ما جرى. ولما وصلوا إلى جسر بنات ~~يعقوب بلغهم أن خمسة آلاف من المتاولة كامنين لهم، فرحلوا أول الليل وجدوا ~~في السير، فلطف اللطيف، ووصلوا للشام طلوع الفجر. ويوم دخولهم قامت ~~الإنكشارية وقتلوا جماعة من الدالاتية تعديا بلا سبب. وأما فتحي جلبي ~~الدفتردار فإنه أمر بسجن السلحدار والخزندار والسيد محمد بيك، ابن عم ~~سليمان باشا ومحمد آغا الديري، وكيل الخرج والمتصرف بدمشق الشام. وكان ~~سجنهم في باب الآغا، ورسم على من معهم من الجماعة، وأقام ms017 ينتظر الجواب. # وفي نهار الأربعاء، رابع عشر شهر شعبان من هذه السنة، ورد خبر بأن أسعد ~~باشا بن العظم، الحاكم في حماه، قد تقررت عليه ولاية دمشق الشام مع إمارة ~~الحاج. فأبقوا متسلمها علي آغا المتقدم ذكره إلى حين حضور الباشا المذكور. # وفي ذلك النهار جاء ثلاثة نجابة من المدينة المنورة الشريفة على ساكنها ~~أفضل الصلاة وأتم السلام، وأخبروا بأن المدينة محاصرة وأنها ثلاثة أحلاف: ~~حلف مع غزة القلعة، وحلف مع الطواشي، وحلف مع أهل المدينة، وأنهم في قال ~~عظيم، وأن شريف مكة أرسل إلى الطواشي خمسة عشر بيرقا تساعده على ذلك، وأن ~~النجابين المذكورين، قاصدين اصطنبول، ليخبروا حضرة السلطان بذلك الحال. # وفي يوم السبت الخامس والعشرين من شعبان المبارك الواقع في سنة 1156، كان ~~دخول أسعد باشا ابن العظم لدمشق الشام واليا. وكان دخوله من مسجد الأقصاب، ~~وهي المحلة المشتهرة عند أهل الشام بمز القصب. ودخل بموكب عظيم من ~~الإنكشارية وأكابر دمشق وأمرائها وأعيانها. # وفي ليلة السبت، حكم قاضي دمشق بإثبات هلال رمضان، وضربت المدافع قبيل ~~العشاء، وصليت التراويح في جامع الأموي وفي سائر الجوامع. # وفي ليلة الخميس خامس رمضان المذكور، سافر أسعد باشا بعسكره على الدورة، ~~وترك على البلد المتسلم علي آغا المتقدم ذكره. وكان خروجه بزمن معتدل، ~~والبلد بأمن وخير كثير، فرطل الخبز بخمسة مصاري، وأوقية السمن بستة مصاري، ~~ورطل الأرز بتسعة مصاري، ورطل اللحم بثمانية عشر مصرية، وغرارة القمح بخمسة ~~وعشرين قرشا. والغلاء بهذه الدرجة، ولم يكن محل ولا جراد، ولا قلة مطر، ~~ولكن من قلة التفتيش، والالتفات. وقد سافر حضرة أسعد باشا، وأبقى المتسلم ~~المذكور آنفا، وقد ترك كل شيء على حاله. # وقد توسط فتحي أفندي الدفتري في الصلح بين الظاهر عمر حاكم طبرية، وبين ~~حضرة أسعد باشا. فأرسل له الظاهر عمر أربعين حملا محملة أرزا وسكرا وجوخا، ~~وهذا ما عدا لفتحي الدفتري مما اختص به، فإنه كان هو السلطان في الشام، ~~وصاحب نفوذ الكلام، وكلامه يقتضي الأشغال، والأمر المفوض لذي الجلال. # وفي تلك الأيام وصلت ms018 الأخبار بأن الخارجي المسمى بطهماسب، وصل إلى أرض ~~العراق، وأخذ مدينة كركوت، ومحاصر الموصل وبغداد، وقد باع الحريم والأولاد، ~~نسأله الله تعالى اللطف بالعباد. PageV01P010 وفي تلك الأيام، رجعت الإفتاء ~~إلى حامد أفندي ابن العمادي. وفي ليلة السبت خسف القمر، بعد نصف الليل ~~خسوفا فاحشا، وبقي إلى أن طلع النهار. وفي رابع عشر شهر رمضان من هذا ~~العام، ألقى رجل نفسه من أعلى منارة جامع الدقاق إلى الأرض؛ فهلك سريعا، ~~بعد أن تكسر جسمه؛ واسمه الشيخ حسن بن الشيخ يوسف الرفاعي. فسألنا عن سبب ~~ذلك، فقيل لنا إن أخا زوجته أتى بامرأة إلى بيته، وكانت من الخطيئات، فنهاه ~~عن ذلك، فنهره وضربه، فذهب فأخبر أكابر الحارة، فلم يلتفتوا إليه لأنهم فوق ~~ذلك بالانغماس، فذهب إلى جامع الدقاق، وصلى الصبح مع الإمام، وصلى على نفسه ~~صلاة الموت، وصعد المنارة ونادى: يا أمة الإسلام، الموت أهون، ولا التعريص ~~مع دولة هذه الأيام، ثم ألقى نفسه إلى الأرض، عفا الله عنه. # وفي ثامن عشر من هذا الشهر رمضان، وضع رجل يقال له المجرى، طبنجة في بطنه ~~وقتل نفسه، فسألنا عن سبب ذلك، فقيل لنا هذا رجل عليه دين، فقتل نفسه من ~~شدة كربه وقهره، مع أنهم أخبرونا أنهم وجدوا عنده نحوا من خمسة أكياس قمح ~~مخزونة، فما سمحت نفسه أن يبيع شيئا منها ويوفي دينه، فخسر دينه ودنياه. # وفي يوم الثلاثاء في الخامس والعشرين من رمضان، في هذه السنة، أغلقت أهل ~~الشام دكاكينها، وقامت الأشراف على بيت فتحي أفندي الدفتردار. وسبب ذلك أن ~~تابعا من أتباع فتحي أفندي، يقال له العفصة، شتم السيد علي أفندي النقيب، ~~وسحب عليه السلاح، وعلى السيد علي أفندي بن الشيخ مراد الكسيح في جامع ~~الأموي. فاجتمعت الأعيان، وعملوا ديوان كذا، وأخرجوا فتوى في قتله وإباحة ~~دمه. فوقع التفتيش عليه، فتخبأ في بيت مصطفى آغا بن خضري الشربجي في ~~الميدان، وكان هذا لعفصة قوس السيد علي أفندي المرادي، وهو داخل إلى داره ~~فلم تصبه، فانزعجت البلدة، واجتمعت الأكابر والأغاوات والقبجية ms019 والبلطجية ~~وأمن الصرة عند القاضي في المحكمة، وعملوا عرض كذا في فتحي أفندي ~~الدفتردار، بأنه من أعظم المفسدين هو وأتباعه، وأرادوا أن يرسلوه إلى ~~الدولة العلية، ولكن انتظروا مجيء حضرة أسعد باشا من الدورة ليختمه، وثاني ~~يوم بطلت همتهم، وكان كلامهم كما قيل: كلام الليل يمحوه النهار. # وفي ليلة الجمعة ثامن والعشرين من رمضان، وجد في جامع الأموي، عند باب ~~الكلاسة، رجل شحاذ مذبوح، وعلى صدره فلوس مبدورة، وما ظهر غريمه، وقيل ظنوا ~~أنهم ذهب، فذبحوه لذلك فلما وجدوهم فلوسا بدورهم عليه بعد قتله. # وفي يوم الخميس رابع شوال، قدم أسعد باشا من الدورة، وفي تاسع شوال توفي ~~علي آغا بن الترجمان، وكان رجلا ثناؤه بين الناس جميلا. وكان قبل يومين، ~~عمل أسعد باشا ديوان كذا وجمع فيه الأكابر والأعيان، وسعروا الحنطة والخبز، ~~فجعلوا غرارة الحنطة بخمسة وعشرين غرشا، ورطل الخبز بخمسة مصاري. وهذا أمر ~~التسعير لا يستقيم على الخصوص في الشام. # وفي يوم الاثنين، خامس عشر شوال، رحل أسعد باشا أميرا للحاج بالمحمل ~~الشريف، متوجها إلى مكة المشرفة، ونهار السبت في عشرين شوال رحل الحاج ~~الشريف وكان الفصل فصل الشتاء، والسماء صاحية، وكان غلاء وبعض الطاعون. ~~وبعد سفر الباشا بقي رطل الخبز بخمسة مصاري، ولكن صارت غرارة القمح بثلاثين ~~قرشا. ثم ضجت العامة، ورجموا القاضي، وما أفاد شيء. # قال المؤرخ البديري: وفي ذلك اليوم أفادنا أستاذنا شيخ قراء الشام، الشيخ ~~إبراهيم الحافظ، ومن قال في حقه أستاذ الشام الشيخ عبد الغني النابلسي: من ~~أراد أن يسمع القرآن كما أنزل، فليسمعه من فم الشيخ إبراهيم النابلسي، ~~أفادنا بقراءة هذا الدعاء المبارك، وخاصيته لهجوم المخاوف في السفر والحضر، ~~وهو هذا الدعاء: بسم الله الرحمن الرحيم. لقد جاءكم رسول من أنفسكم. # عزيز عليه ما عنتم، حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم. # بسم الله الخالق، الطائل الأكبر، حرز لكل خائف، لا طاقة لمخلوق، مع الله ~~عز وجل، اللهم إني في حماك وتحت لوائك، فارحم حماك وانشر علينا لواءك واكشف ~~عنا بلاءك الخارج من أرضك، ms020 والنازل من سمائك مطشين، فإن تولوا فقل حسبي ~~الله لا إله إلا هو عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. PageV01P011 وفي نهار ~~الثلاثاء، الثالث والعشرين من شوال توفي الشيخ العالم الفقيه الواعظ الشيخ ~~أحمد الخطيب. الواعظ والإمام في جامع الدقاق في محلة القبيبات قبلي دمشق ~~الشام، وهي الميدان التحتاني عند باب الله. قال المؤرخ: وتلك المحلة بها ~~مولدي، ومسقط رأسي وبها منزلنا، وبعد وفاة والدنا انتقلنا منها إلى محلة ~~التعديل. وكان الشيخ أحمد المذكور رجلا فاضلا، فقد أحيا تلك المحلة بالعلوم ~~والدين، وانتفع به كثير من المسلمين. # وفي اليوم الثالث والعشرين من شوال من هذه السنة، قدم سلخور من جهة ~~السلطان، بتحصيل مال سليمان باشا، وقدره اثنا عشر ألف كيس، ودخل الشام مثل ~~شعلة النيران، وأخرج حرم سليمان باشا من ديارهم إخراجا شنيعا، وصاروا ~~يفتشونهم كذا، واحدة واحدة، مع التفتيش في جيابهم وأعبابهم، وختم على جميع ~~مخادع الدار، وأمر بالقبض على ابن عم المرحوم سليمان باشا، وهو السيد محمد، ~~وعلى جماعة أخرى معه، وأمر بالترسيم الشديد عليهم، وسأل عن محمد آغا ~~الديري، وكيل خرج سليمان باشا، فأخبروه أنه ذهب مع أسعد باشا إلى الحج، ~~فأمر بجلبه، فجاؤوا به، وأمر بالترسيم عليه. # قال المؤرخ البديري: ثم أحضر السلخور القاضي والأعيان، واستجلب حرم ~~سليمان الباشا، وأحضر الجلاد وآلة العذاب، وشدد على الحريم بالطلب، وأن ~~يعلموه عن المال أين مخبأ، فلما رأوا التشديد خافوا من العذاب وأقروا له عن ~~بعض مخابئ تحت الأرض، فأرسل خلف المعمارية الذين عمروا السرايا، وكانوا ~~نصارى، وكان المعلم نصرانيا يقال له ابن سياج، فأمر القبجي بتعذيبهم، وقطع ~~رؤوسهم وأيديهم، فلما تحققوا عذابهم قالوا: نحن ندلك على كل ما عمل ثم أنهم ~~حفروا له تحت الدرج، فبان عن سرداب، فرفعوا عنه التراب، ونزلوا في درج، ~~فظهر مكان واسع وفيه صندوق مقفول وعليه غالات وقفول، فأخرجوه وفتحوه، فرأوه ~~ملآن من الدراهم والريالات. ثم أخرجهم النصراني إلى مخدع، فحفر في دوائره، ~~فإذا فيه سبع براني مملوءة من الذهب المحبوب السلطاني، فلما رأى ms021 الحاضرون ~~ذلك الحال زاغت منهم الأبصار، ثم عدوه وضبطوه، فوجدوه ثمان مئة كيس وخمسين ~~كيسا. فلما بلغ الناس ما خرج عنده من هذا المال، وكان في أيام شدة الغلاء، ~~مع سوء الحال، لهجوا بالذم والنكال، وقالوا قد جوع النساء والرجال والبهائم ~~والأطفال حتى جمع هذا المال من أصحاب العيال، ولم يراقب الله ذا الجلال. # وقبلا جاء قبجي لضبط مال سليمان باشا، فضبط ألفين وخمسين كيسا، فلم يره ~~بشيء كذا. وقد كان فتحي أفندي الدفتردار اشترى غالب متاعه والأغلال، فكان ~~عنده من القمح ما بلغ ثمنه خمسة وعشرين كيسا، وبلغ الغرارة بخمسة وعشرين ~~غرشا، والكيس بخمس مئة غرش، فانظر كم غرارة بخمسة وعشرين كيسا، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله. وسيأتي الكلام على بطش الله، وغضبه بالدفتري المذكور، لأن ~~الله تعالى يمهل ولا يهمل. ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون. # وفي اليوم الرابع والعشرين، وهو يوم السبت من شهر ذي القعدة، توفي الشيخ ~~محمد المكتبي، هو وابنه، في الطاعون المشتد في هذه الأوقات. وكان إماما في ~~الجامع القلعي، وشيخ كتاب في محلة الخراطين، فتوفي هو في أول النهار، وابنه ~~في آخره. وكان مبدأ هذا الطاعون أول الخريف، في أواخر الصيف، واستمر حتى ~~دخل الشتاء وزاد كثيرا، وقد قيل بدخول السنة الجديدة يذهب. # وفي أوائل ذي الحجة، طلع نجم له ذنب، من جهة الغرب، ويستمر إلى ما بعد ~~الشتاء بقليل واستقام إلى أن دخلت السنة الجديدة. ### | سنة 1157 # وكان دخولها غرة محرم الحرام يوم السبت سنة سبع وخمسين ومئة وألف، 1157 ~~فبقي النجم الذي له ذنب يطلع من جهة الغرب، ثم صار يطلع من جهة الشرق، ~~وذنبه إلى الغرب. PageV01P012 وفي تلك الأيام قتل نفسه شيخ التكية. وفي تلك ~~السنة كثرت بنات الخطا، ويتبهرجن بالليل والنهار، فخرج ليلة قاضي الشام بعد ~~العصر إلى الصالحية، فصادف امرأة من بنات الخطا، تسمى سلمون، وهي تعربد في ~~الطريق، وهي سكرى ومكشوفة الوجه، وبيدها سكين. فصاح جماعة القاضي عليها، أن ~~ميلي عن الطريق، هذا القاضي مقبل، ms022 فضحكت وصاحت وهجمت على القاضي بالسكين، ~~فأبعدوها كذا عنه أعوانه. ثم جمع القاضي الوالي والمتسلم، وذكر له ما وقع ~~له مع هذه العاهرة، فقالوا له هذه من بنات الخطا واسمها سلمون، وافتتن بها ~~غالب الناس، حتى صار ينسب إليها كل حاجة أو متاع، فيقولون هذا متاع سلموني، ~~وهذا الثوب سلموني. فأخرج المفتي فتوى بقتلها، وإهدار دمها تسكينا للفتنة، ~~ففتشوا عليها وقتلوها. وأرسلوا مناديا ينادي في البلد، أن كل من رأى بنتا ~~من بنات الخطا والهوى، فليقتلها ودمها مهدور، فسافر عدد منهن وانزوى ~~البقية. ومع ذلك فالطاعون مخيم في الشام وضواحيها، مع الغلاء ووقوف ~~الأسعار. # وفي نهار الأربعاء تاسع عشر محرم من هذه السنة، ورد من الدولة العلية خط ~~شريف إلى القبجي، الذي جاء لضبط مال سليمان باشا، بأن يجمع أعيان البلد ~~ويقرأ عليهم الفرمان، ومضمونه بأن يفتش ويفحص على خلفات الباشا المذكور، ~~وأن يعذب الرجال والنساء بلا معارض حتى يقروا بالمال. فأجابوا بالسمع ~~والطاعة، فأول من أتى به، ابن عم الباشا السيد محمد وهدده، فحلف بالطلاق، ~~بأن ما عنده علم وقيل ضربه، فأقر على مكان، وقال احفروا هنا، فحفروا في دار ~~الباشا حول الوجاق. فبان عن أربع زلع ذهب، فيهم ستة عشر ألف ذهب. ثم ضربوا ~~الطواشي، فأقر بأنه مودع عند رجل يقال له حسن الطرابلسي، مخلاة ملآنة ~~ريالات. فسارت إليه الأعيان، وأتوا به وبالمال، فأخرجوه فوجدوا داخل ~~المخلاة بين المال جوهرة ليس لها قيمة، ورأوا المال ناقصا عن ما قال ~~الطواشي، فأمر القبجي بحبس الذي خرج من عنده المال، وحبس أولاده ومن يلوذ ~~به. وأمر بحضور نساء الباشا وحريمه، وقد ذكرنا أولا أنه أخرجهم كذا من ~~الدار عنفا وتركهم تحت الترسيم، والآن أمر بإحضارهم فأحضروهم وصار يقررهم ~~فأنكروا وجحدوا، فأمر بحبسهم، فحبسوا في باب البريد وشدد عليهم. وكان ~~لسليمان باشا سرية مقدمة على جميع محاظيه تسمى زهرا، كأنها البدر في أفق ~~السماء، وكان قد تركها القبجي عند سليمان بيك وكيل سليمان باشا على أملاكه ~~تحت الترسيم. فلما جاءه الفرمان ms023 بعقوبة الرجال والنساء أمر بإحضارها، ~~وسألها عن المال، فأنكرت وادعت أنها ما رأت شيئا ولم تعرف شيئا، فأمر ~~بضربها، فضربت على وجهها ويديها وأجنابها، حتى عدمت صوابها فلم تقر بشيء، ~~وهي تحلف أن ليس لها علم ولا خير ولا أطلعها سيدها سليمان باشا على أمر، ~~فتركها تحت الترسيم، لأنه جبار لئيم وشيطان رجيم ليس له شفقة على الحريم، ~~عذبه الله بنار الجحيم، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب ~~سليم. ثم بعد ذلك جمع القبجي جميع حريم الباشا الجوار والأحرار جملة واحدة، ~~وأخذ جميع ما معهم كذا وما عندهم من ذهب وفضة ومتاع وحلي وألبسة وجميع ما ~~تقتنيه النساء، وذلك بعد العذاب والإهانة والضرب الشديد. قاتله الله بجلود ~~لا دباغ لها وعذبه بنار الخلود. # ثم إن سليمان باشا كانت له زوجة هي بنت الشيخ ياسين القادري، لما رأت ما ~~حل بصحيباتها من الإهانة سألها القبجي عن مال زوجها الباشا، وهددها ~~بالعذاب، فخافت وأعطت له شكلا من الذهب يساوي عشرة أكياس، وأعطته تمسكات، ~~وهي سندات كانت على بعض التجار بنحو مئة وخمسين كيسا. وكان جميع ذلك المال ~~إرثا عن أبيها الشيخ ياسين القادري، رحمه الله وقدس سره. # وكل هذا الحال وأسعد باشا العظم في الحج. ولما جاء أسعد باشا من الحج عمل ~~ديوانا، وحضر القبجي وأخرج خطا شريفا بأن أمره مفوض يفعل ما يشاء من تعذيب ~~وقتل وحبس، ولا أحد يعترضه. وقد ظن الناس أن أسعد باشا يقوم ويقعد لذلك، ~~فخرج الأمر بخلاف ذلك، وقام ولم يحرك ساكنا. وسيأتي قريبا أخذ ثأر سليمان ~~من فتحي أفندي الدفتردار. # ثم بعد مدة جاء فرمان بالعفو نامه، وجمعوا محمد آغا بن الديري والسيد ~~محمد بن عم سليمان باشا والسيد سليمان، فباعوا القمح والأملاك وما بقي من ~~الأمتعة والزردخانة إلى أسعد باشا بأربع مئة كيس. PageV01P013 وفي نهار ~~الخميس خامس جمادى الأولى، سافر إلى اصطنبول القبجي المذكور. وقد ظنت الناس ~~أن أسعد باشا ابن أخي سليمان باشا يفعل أمرا في القبجي وفي ms024 فتحي الدفتردار ~~فلم يقع منه شيء وسيأتي تدبيره في تدمير الدفتردار قريبا. # وفي آخر جمادى الثانية جاء خبر من الدولة العلية في طلب فتحي أفندي ~~الدفتردار، فسار صحبة القبجي الذي جاء في طلبه. # وفي خامس يوم رجب تعصبت أعيان الشام، وعملوا عرضا في فتحي أفندي بأنه من ~~المفسدين، وما تم الأمر معهم لاختلاف كلمتهم. # وفي ليلة الثالثة والعشرين من رجب بعد العشاء انشقت السماء ونزل منه آفة ~~عظيمة، واشتهر ذلك بين الناس. قال المؤرخ: ولم أرها بعيني. # وفي ثامن يوم من شعبان دخل قاضي الشام محمد أفندي زاده، وكان رجلا عاقلا، ~~إلا أنه ما عنده سياسة ولا تدبير. # وفي اليوم الرابع عشر من شهر رمضان بهذه السنة جاء فتحي أفندي الدفتردار ~~من اصطنبول ودخل الشام بفرح وسرور، ولم ينله أدنى ضيم، وسبب ذلك ما بذل في ~~الاصطنبول من المال الذي تميل به قلوب الرجال. وكان محسوبا على القظلار ~~وجماعة من رؤساء الدولة كبار. وقيل إنه دخل اصطنبول سرا وفرق المال سرا ~~وجهرا، وكان قد طلبه السلطان فزيوا رجلا بزيه، وأدخلوه على الملك، فقرعه ~~بالكلام وبما وقع منه، وما أرسلت أهل الشام من الشكايات عليه، فكان كلما ~~قال له حضرة الملك محمود خان كلاما يشير له برأسه أن نعم، وكان قد أمره ~~بذلك من أدخله، فحالا أمر بقتله فقتل، وهو يظن أنه فتحي أفندي الدفتردار، ~~ثم أمروا فتحي أن يلحق بالشام ليلا. وفي آخر ذي الحجة بطلت الفلوس الذي كذا ~~كانت ضرب الشام. ### | سنة 1158 # ثم دخلت سنة ثمان وخمسين ومئة وألف نهار الثلاثاء. تفاقم الأمر من تعدي ~~الزرباوات وهم الأشقياء، فاستطالوا في سب الدين وظلم الناس وغير ذلك. وحاكم ~~الشام حضرة أسعد باشا لا يحرك ساكنا، ولم يفعل شيئا، حتى صاروا يسمونه ~~سعدية قاضين، نائمة مع النائمين، ونرى الأشقياء للعرض والمال مستحلين. لكن ~~البلد من الحركات ساكنة ومن ظلم الحكام آمنة. وفي خمسة عشر من جمادى ~~الثانية توفي الشيخ الفاضل معتقد أهل الشام على الإطلاق الشيخ يوسف الطباخ ~~الخلوتي. قال ms025 المؤرخ: ومما من الله علي أن حلقت رأسه واغتنمت دعاءه، رحمه ~~الله ورضي عنه. # وفي نهار الاثنين الحادي والعشرين من جمادى الثانية من هذه السنة قامت ~~العامة من قلة الخبز وغلو الأسعار وهجموا على السرايا، رافعين أعلى أصواتهم ~~بالبكاء والتضرع، قائلين ما يحل من الله قلة الشفقة على العباد الذين ~~تضرروا بالغلاء، وأنت حاكم الشام ومسؤول عند الله عنا وعن هذه الأحوال. ~~فقال لهم أسعد باشا: اذهبوا إلى المحكمة، واشكو حالكم إلى القاضي. فأقبلوا ~~نحو المحكمة، واصطرخوا فيها يشكون حالهم وما أصابهم وما هو واقع بهم. فخرجت ~~جماعة القاضي بالعصي وطردوهم، وكان ذلك بأمر نائبه، فهجمت العامة ورجموهم ~~بالحجارة، فأمر القاضي أعوانه أن يضربوا بالبارود فضربوهم، فقتلوا منهم ~~رجلا شريفا وجرحوا منهم جماعة، فغارت العامة عليهم، وساعدهم بعض ~~الإنكشارية، فهزموا القاضي وقتلوا باش جوقدار وبعض أعوانه، ونهبوا المحكمة ~~وحرقوا بابها، وسكرت الناس البلد، فركب بعض الأغاوات ورد الناس. وأما ~~القاضي فقد هرب من فوق الأسطحة هو ونائبه وجماعته، فأخذه بعض الأكابر وصار ~~يأخذ بخاطره، فحلف القاضي لا يسكن هذا الشهر إلا بالقلعة. ثم جمعوا مال ~~القاضي ومتاعه والذي نقص منه فرضوه على خزينة الوجاق وعلى بعض الأكابر ~~والأعيان، وأرضوا القاضي وصالحوه وإلى المحكمة ردوه. # وفي نهار الثامن والعشرين من جمادى الثانية توفي الشيخ الزاهد صاحب ~~الأحوال والكرامات الشيخ أحمد النحلاوي الأحمدي، ودفن بزاويته القاطن بها ~~جوار ستي خاتون شاه أخت الملك العادل السلطان نور الدين الشهير بزقاق ~~المحكمة. PageV01P014 ثم في هذه الأوقات زاد غلو الأسعار وقلت الأمطار ~~وعظمت أمور السفهة والأشرار، حتى صار رطل الجبن بنصف قرش والبيضة بمصرية ~~وأوقية السيرج بنصف الثلث، ومد الشعير بنصف قرش، ومد الحمص بنصف قرش، ومد ~~العدس بنصف قرش، وغرارة القمح بخمسة وأربعين قرشا، بعدما كانت بخمسة وعشرين ~~غرشا، وأوقية الطحينة بأربعة مصاري، والدبس كل ثلاثة أرطال بقرش، ورطل ~~العسل بقرش وربع، وكل شيء نهض ثمنه فوق العادة، حتى صار مد الملح بنصف قرش. # وفي تلك الأيام هلك مصطفى آغا ابن القباني كيخية الإنكشارية ms026 بمرض أعيا ~~الأطباء برؤه، وكان من الذين يدخرون القوت ويتمنون الغلاء لخلق الله، فجعل ~~الله العذاب والعقاب، لقد بلغني عنه أنه لما أرادوا دفنه حفروا له قبرا ~~فوجدوا فيه ثعبانا عظيما، فحفروا غيره فوجدوا كذلك، حتى حفروا عدة قبور وهم ~~يجدون الثعبان، قلت: وقد سبق ذلك فيما سلف لبعض الظلمة. وقد وجدوا في تركته ~~من السمسم مئة غرارة، على أن في البلد كلها لم يوجد مد سمسم، ووجدوا من ~~القمح شيئا كثيرا، وقد طلب منه أن يبيع غرارة القمح بخمسة وأربعين قرشا فلم ~~يقل، وحلف لا يبيعها إلا بخمسين، فهلك ولم يبع شيئا، فبيعت في تركته، ورحم ~~الله عباده بموته لأنه أرحم الراحمين. ### | سنة 1159 # ثم دخلت سنة تسع وخمسين ومئة ألف، وكان أولها يوم الأحد. وقد دخل قاضيها ~~مصطفى أفندي وقدامه أعوانه حاملين البندق والسلاح، حتى وصل إلى المحكمة، ~~وهذا لم يقع لغيره، ثم جلس في المحكمة لا يحرك ساكنا، وفقه الله. # وكان الحاكم في الشام والوالي بها حضرة الوزير الخطير أسعد باشا ابن ~~العظم أيده الله وأعز كلمته. وكان غائبا في الحاج، والمتسلم والكيخية موسى. ~~ولكن الغلاء قائم على قدم وساق مع الكرب والخوف والشقاق. # وفي ثالث صفر دخل الحاج دمشق نهار الخميس صحبه أميره المعظم والوزير ~~المفخم حضرة الحاج أسعد باشا العظم، فهو والحجاج على غاية من الصحة ~~والسلامة. ثم بعد ذلك أرسل يطلب الدالاتية طلبا حثيثا، فلما رأت الإنكشارية ~~ذلك ضاقت عليهم الأرض، وقالوا كأقوالهم السابقة في قلة أدبهم: الست سعدية ~~تريد أن تغدر بنا، وهذا الأمر لا يخوفنا. ثم زادوا بحمل السلاح ونهب المال ~~وسبي العرض وسب الدين، وغير ذلك من الفظائع. ولما زادوا عتوا وفتكا، ولم ~~يراقبوا حضرة الحق جل جلاله، أرسا الله تعالى من غضبه ريحا شديدة على الشام ~~ما رؤي مثلها في سالف الأيام، فقلعت الأشجار من أصولها وأرمت غالب الجدران، ~~حتى ظنت الناس أن القيامة قد قامت. PageV01P015 وفي يوم الاثنين ثاني عشرين ~~صفر من هذه السنة المذكورة بينما الناس قبل الظهر ms027 في أشغالهم، وإذا بضجة ~~عظيمة وضرب بارود، فقيل ما الخبر، قيل ملكت الدالاتية القلعة، فسكرت البلد ~~وزاد الفزع في كل أحد، ولما بلغ الخبر للإنكشارية قاموا على قدم وساق. ~~وقالوا أخذت منا القلعة يا شباب، واجتمعوا في باب الجابية بالسلاح الكامل ~~ينتظرون القتال. ولما وصل الخبر لحضرة أسعد باشا فرح واستبشر ونادى: اطلبوا ~~سوق ساروجا وجدوا في الطلب. وأمرهم أن يتركوا جهة القبلة، وكان ذلك منه ~~حيلة وخدعة. ثم نادى في عسكره نداء شاع في البلد بأن مراد أحمد بن القلطقجي ~~وعبد الله بن حمزة ومن لهم من الأتباع، وكانا من رؤساء وأمراء سوق ساروجة. ~~هذا والجنك يلعب بسوق ساروجة، وكأنه لم يكن حاكم بالشام إلا هم، فأراد الله ~~تدميرهم. ثم أمر حضرة الباشا أن يوجهوا المدافع على سوق ساروجا، فوجهوا ما ~~عليهم وأمر بضربها بالكلل فضربت، فما كان بأقل من حصة يسيرة حتى احترقت ~~الدور وتهدمت البيوت، واحترق بيت القلطقجي وعدم عن آخره، ونهبت العساكر كل ~~ما فيه، ثم سرى النهب في بقية الدور، فنهبوا وقتلوا ومثلوا وبدعوا وذهب ~~الصالح والطالح، حتى صارت محلة سوق ساروجا قاعا صفصفا. وأما ابن القلطقجي ~~فإنه فر هاربا بعد ما بذل من الشجاعة هو وجماعته الغاية القصوى. ثم أمر ~~حضرة الباشا أن تدار المدافع على جهة الميدان فوجهوها، وكان رأس المفسدين ~~بها مصطفى آغا بن خضري جربجي، حتى سمى نفسه سلطان الشام، وعنده زمرة من ~~الأشقياء يتقوى بهم، وبها أيضا أولاد الدرزي أحمد آغا وخليل آغا ولهم بها ~~دولة وصولة فحين بلغ هؤلاء المفسدين بأن حضرة أسعد باشا وجه عليهم المدافع ~~بالعساكر أوقع الله الرعب في قلوبهم، وركنوا للهرب والفرار، وطلبوا البراري ~~والقفار. وبانهزامهم وهربهم تقطعت قلوب بقية من كان من الشجعان من أهل ~~الميدان، فمنهم من هرب ولحق بساداتهم، ومنهم من قبر في المغاير والقبور، ~~ومنهم من غطس في النهور. ولما وصلت للميدان المدافع لم يجدوا فيها من يدافع ~~فأول ما اشتغلت العساكر بهدم دار ابن خضري، بعد ما نهبوا جميع ما ms028 فيها من ~~المتاع وغيره، وكذلك فعلوا بدار ابن حمزة وبغيرها من الدور، حتى نهبوا نحوا ~~من خمس مئة دار، وبعد ذلك اشتغلوا بهدم الدور التي نهبوها. # وأرسل حضرة أسعد باشا، أسعده الله وقواه، خبرا إلى مشايخ الحارات بها ~~وأئمتهم بأن يقبضوا على بقية الأشقياء الموجودين، وإن لم يفعلوا يلزمهم ~~بغرامة أموال عظيمة. فصاروا يتتبعون الأشقياء واحدا بعد واحد، ويقولون ~~لحضرة الباشا: هذا الشقي فلان الفلاني، وهذا الآغا الفلاني، وهذا الشربجي ~~الفلاني. وحضرة الباشا يأمر بضرب أعناقهم أمام باب السرايا وترك جسومهم ~~تأكل منها الكلاب مدة طويلة، حتى صاروا عبرة لمن اعتبر. فسكنت بعد ذلك ~~الشام، وصارت كقدح لبن، وصارت الناس في أمن وأمان، وسترت الأعراض. فملك ~~الباشا البلد بنحو أرع مئة من العسكر الدالاتية. وقد أمنت البرية، فكان ذلك ~~بهمته القوية بعد ما كانت تقول كبراء الميدان وأعوانهم: لو جاءنا عشر ~~باشاوات ومنهم السلطان ما حسبنا لهم حساب، ولشرطنا ذنبهم بالطبنجيات. فانظر ~~الآن، فقد صاروا أذل من الذباب وطعما لأخس الكلاب. وأما أولاد ابن الدرزي ~~فإنهم هربوا والتجأوا إلى عرب ابن كليب هم وأتباعهم، وأما ابن حمزة وأتباعه ~~فإنهم فروا نحو طبريا والتجأوا بالظاهر عمر، وأولاد القلطقجي وأتباعهم ~~فهربوا إلى جبل الدروز، والذي منهم وقع جعلوا جلده رقع، وكان أعظم مصيبة ~~وخذلان لبيت حسن تركمان، قتل منهم خمسة رجال: حمزة بيك ومحمد آغا وحسن آغا ~~وخليل آغا وسايسهم. وكانوا من المفسدين الظالمين المؤذين، مهتكين للحريم، ~~سبابين للدين، عدا حمزة بيك فإنه كان بخلاف ذلك، فقد ذهب غلطا وهدرا. # وقد زينت البلد، والمدافع تضرب صباحا ومساء مدة شهرين، والنوبة مع ~~الألعاب النارية. وكفى الله المؤمنين القتال، وقطع دابر القوم الذين ظلموا. ~~والحمد لله رب العالمين. # قال المؤرخ البديري: وقلت في وصفهم من المواليا: # أين الزلاقة التي كانت شبيه السيف ... جزمات لا يشلحوها بالشتا والصيف # إن شاف واحد صديقه لا يقله كيف ... ديك الزلاقة مضت يا حيفها يا حيف ~~PageV01P016 وفي آخر ربيع الثاني أرسل حضرة أسعد باشا العظم عسكرا عظيما ~~إلى مدينة ms029 بعلبك، لقتل واليها الأمير حسين، فلم يجدوا له أثرا، فدخلت ~~الأعوان ونهبوا وسلبوا وفعلوا ما فعلوا، ثم أتوا بثمانية رجال من أعيان ~~بعلبك، ومن جملتهم مفتيها لدمشق الشام، فشنق مفتيها المذكور وضربت أعناق ~~الباقين. # وفي تلك الأيام أرسل حضرة أسعد باشا جملة من العساكر إلى العرب، فجاؤوا ~~برؤوس من العرب وجمال وأغنام وسلب وغير ذلك. وقد أرهب حضرة أسعد باشا ~~المذكور الكبار والصغار، وعظم صيته حتى في البراري والقفار، وصاروا يضيفون ~~لاسمه الحاج، ويقولون: الحاج أسعد باشا. # وفي هذه الأيام جاء من الدولة العلية قبجي ومعه من حضرة السلطان هدية ~~ملوكية لحضرة الحاج أسعد باشا وهي كرك عظيم مفتخر وسيف ملوكي وخلع وتشاريف. ~~وذلك لم يسبق لغيره من الوزراء والحكام، إلا إلى الوزير الأعظم صاحب الختم، ~~إذا كان في سفر حرب وصار على يده فتوح بلدان، فسبحان المعطي المانح. # وكانت الدولة منذ أمد غير بعيد قد رفعت أرط القبوقول من الشام، ولم تر ~~لفات برمة. فأرسل حضرة أسعد باشا حفظه الله يطلب من الدولة أرطا، فأرسلوا ~~له أرطة أون طقوز، ودخلت بموكب عظيم، سرت أناسا وأكمدت أناسا. # وأرادت بعض الأشقياء أن تقيم رؤسها، فأخبروا حضرة الباشا بذلك، فأرسل ~~يقول للآغا: كل من أدخله من أولاد الشام من غير جنسك لا يرجع اللوم إلا على ~~نفسك. فانتظم الحال، وقويت دولة القبو قول في دمشق الشام، وبرموا اللفات، ~~ورجعت دولتهم أحسن مما كانت. # وفي جمادى الأولى من هذه السنة وصل الجراد للشام، وكان حولها سنين مخيم، ~~فنزل على بساتينها، فأكل حتى لم يبق ولم يذر، فأرسل حضرة الباشا رجلين من ~~أهل الخبرة يأتونه بماء السمرمر. ثم إن هذه السنة كانت كثيرة الأمطار ~~والخيرات والفواكه والنبات. ومع ذلك فأهل الشام في شدة عظيمة من الغلاء، ~~ونهض الأسعار في جميع البضائع. وكان حضرة أسعد باشا حفظه الله عمل ديوانا، ~~وأرسل خلف بائعي القمح، وطلب منهم إحضار القمح وهددهم، فحلفوا له بأن ما ~~عندهم شيء ولا يوجد. فقال لهم أنا عندي قمح كثير في حماة، ms030 فاطلبوه فأرسلوا ~~يطلبون جميع ما يوجد من القمح خاصة حضرة الباشا وغيره، فجاءهم من حماه ~~أحمال قمح بغير حساب، وباعوه في الشام على السعر الواقع. ومع ذلك فرطل ~~الخبز بخمسة مصاري، وقد طالت هذه الشدة. # وفي نهار الأحد بعد العصر خامس عشر جمادى الثانية من هذه السنة ضربت ~~مدافع، فسألت الناس عن الخبر، فقيل: إن سعد الدين باشا أخا أسعد باشا جاءته ~~رتبة وزارة، وجاءه طوخ. فهرعت أكابر الشام لأجل تهنئة أخيه أسعد باشا. وكان ~~أسبقهم لتهنئة الباشا فتحي أفندي دفتر دار الشام، فلما رآه الباشا قام ودخل ~~لدهليز الخزنة، فتبعه وجلس عنده، فأخرج أسعد باشا صورة عرض وأراه إياه، ~~فأخذه فتحي أفندي وقرأه، وإذا فيه الأمر بقتله. وقال له حضرة الباشا ما ~~تقول في هذا. فقال سمعا وطاعة. لكن أنا في جيرتك فخذ من المال ما أردت ~~وأطلقني، فقال له الباشا: ويلك يا خائن، أنا لم أنس ما فعلت في نساء عمي. ~~ثم أمر برفع شاشه وقطع رأسه، فوضع في رقبته حبل، وسحب إلى خارج السرايا ~~وقطع رأسه، وأرسل للدولة. ثم أمر الباشا أن تطاف بجثته في سائر شوارع الشام ~~وطرقها وأزقتها ثلاثة أيام، ففعل به ذلك، وطيف به عريانا مكشوف البدن ~~وتركوه للكلاب، ثم دفنت جثته في تربة الشيخ رسلان، وأمر الباشا بالإحاطة ~~على داره وعلى ماله والقبض على أعوانه، فألقوا القبض على خزنداره عثمان ~~وعلى ولده فأمر بحبسهما، ثم أتوا بأكبر أعوانه وكان يلقب بالعفصا فقطع رأسه ~~حالا. وزادوا على أعوانه بالتفتيش، فقتل بعض أعوانه وخدامه، ثم ضبط الوزير ~~تركته وأموال أتباعه جميعا للدولة العلية، فبلغت شيئا كثيرا، وتفرق الباقون ~~أيدي سبا، كأن لم يكونوا وانقضت دولة كأنها طيف خيال. PageV01P017 قال ~~المؤرخ البديري: ذلك بما كسبت يداه، فقد كان ظلوما غشوما بغيضا لأهل الشام، ~~يريد لهم الجور والظلم، لا يراعي الكبار ولا الصغار، إلا ناس من الأشرار، ~~وهم من حزب الشيطان، قد اتخذهم عدة لكل عدوان. وتحقيق أمره وخبر قصة البطش ~~به ألخصها، وأنا الفقير مهذب التاريخ ms031 ومحرر هذه الورقات، فأقول: ذكر ~~المرادي في آخر ترجمة فتحي الدفتري المذكور ما ملخصه: كان المترجم يراجع في ~~الأمور حتى من الوزراء والصدور، طالت دولته وعظمت عليه من الله نعمته، ~~واشتهر صيته وعلا قدره ونشر ذكره، لكنه كان يتصدى للاستطالة في أقواله ~~وأفعاله، وأتباعه متشاهرون بالفساد والفسوق وشرب الخمور وهتك الحرمات، وهو ~~أيضا متجاهر بالمظالم، لا يبالي من دعوة مظلوم، ولا يتجنب الأذى والتعدي، ~~ونسب إلى شرب الخمر أيضا وغير ذلك. فلذلك كانت أقرانه وغيرهم يريدون وقوعه ~~في المهالك، ولما توفي الوزير سليمان باشا العظم والي دمشق الشام وأمير ~~الحاج، وجاء من قبل الدولة الأمر بضبط أمواله ومتروكاته، نسب المترجم إلى ~~أمور. وفي خلال ذلك تولى دمشق حاكما وأميرا للحاج ابن أخيه الوزير أسعد ~~باشا العظم الذي كان حاكما في حماة، فأكمد للمترجم فعله المنسوب إليه حين ~~وفاة عمه، ولم يره إلا ما يسره. وكان المترجم منتميا إلى أوجاق اليرلية. ~~وكان الأوجاق في ذلك الحين قواه قائمة وجيوشه بالفساد متلاطمة، وهم عصبة ~~وجموع يذل لهم أكبر قرم بالمذلة والخضوع، قد أبادوا أهل العرض وانتهكوا ~~الحرمات وأباحوا المحرمات، ولم يزالوا في ازدياد حتى عم فسادهم البلاد ~~والعباد. وكانت رؤساؤهم زمرة ضالة وفئة متمردة وصاحب الترجمة فتحي أفندي ~~يوليهم مكرماته ويمنحهم إحسانه وإنعاماته، وهم لبابه وفود، قد اتخذوه ركنا ~~وسندا، وأرباب العقول في دمشق في هم وكدر وخوف وحذر، كل منهم متحير في أمره ~~ومتخوف من هذا الحال وعوقب شره. وأمير الحاج وقتئذ والي دمشق أسعد باشا ~~المذكور ناظر لهذه الحال. متحير من تلك الأحوال؛ لأن الشقي منهم كان يجيء ~~إلى حبس السرايا ويخرج من أراد من المحبوسين من غير إذن أحد علنا وقهرا. ~~وإذا مر الوزير المذكور بهم وهم جالسون لا يلتفتون إليه ولا يقومون له من ~~مجالسهم عند مروره بهم، بل يتكلمون في حقه بما لا يليق بمسمع منه، فيتحمل ~~مكارههم ولا يسعه إلا السكوت. واستمر أمرهم على ذلك، إلى أن كتب في حقهم ~~للدولة العلية، فورد الأمر بقتلهم وإبادتهم، ms032 فأخفاه الوزير مدة، ثم بعد ذلك ~~أظهره، وشرع في قتلهم وإبادتهم، وأعطاه الله تعالى النصر، وفرجت عن دمشق ~~الشدائد. ثم بعد أشهر قليلة كتب الوزير المذكور إلى الدولة العلية بخصوص ~~صاحب الترجمة وما هو عليه، وأرسل الأوراق التي في حقه مع علي بيك كول أحمد ~~باشا، وكان ذلك بتدبير خليل أفندي الصديقي وأعيان دمشق. ثم صادف أن صاحب ~~الدولة كان حسن باشا، وكان يبغض المترجم فتحي لكونه لما جاء قريب حسن باشا ~~المذكور وهو أحمد آغا آغات أوجاق الينكجرية طرده، وصار أخيرا وزيرا، فأدخل ~~للسلطان أحواله، وعرفه طبق مكاتبة أسعد باشا. وكان أسعد باشا ضمن للدولة ~~تركته بألف كيس، فجاء الخبر بقتله. # وكان قبل ذلك صار من أهل دمشق عرض في خصوصه، فلم يفد وكان هو بإسلامبول، ~~فأعطى العرض له، ولما جاء لدمشق صار يخرجه، وينتقم ممن اسمه مكتوب فيه. ~~وكان السبب في ذلك وجود آغت دار السعادة بشير آغا، وكان المترجم منتميا ~~إليه، وكان للآغا المذكور نظر على المترجم وحماية، فصادف الأمر بالمقدور أن ~~بشير آغا توفي وحان القضاء وآن وقته، فجاء الأمر بقتله، فقتل شر قتلة على ~~الوجه الذي قدمناه، وبالتاريخ الذي ذكرناه. # وقد عمل البديري صاحب الأصل في واقعة فتحي الدفتري المذكور هذه المواليا، ~~فقال: # يا ما فعل فتحي لما صار دفتردار ... غره زمانه وسعده حول داره دار # دولاب عزه رقص يا ناس لما دار ... لم يعتبر أن هذا الدهر بو غدار ~~PageV01P018 ومع ماله من سيئات كان له حسنات ونفع في بعض الأوقات للأنام. ~~فمن آثاره المدرسة التي في القيمرية، وأوقف جرايات وشوربة لطلبة العلم، ~~وعمر رصيف درب الصالحية، وعمر الحمام في ميدان الحصا المسمى باسمه، والقهوة ~~أيضا. ومن أعظم آثاره تجديده لمنارتي تكية السليمانية التي في المرجة، وذلك ~~بعد سقوطهما أيام الزلزلة، فأعيدتا أحسن مما كانتا، وله غير ذلك. غير أن ~~سيئاته أكثر من حسناته. نسأله تعالى أن يتغمدنا بلطفه وعفوه، ويجيرنا من ~~خزي الدنيا وعذاب الآخرة، فإنه قريب مجيب آمين. # وفي تلك الأيام جاؤوا بشيخ ms033 جيرود، وأخبر أسعد باشا بأنه قتل شخصا، فسأله ~~الباشا فأجابه، وقال إنه قد قتل أبي فقتلته، فأمر بقتله، فقتل حالا. وفي ~~يوم الأحد ثالث عشر رجب من السنة المذكورة توفي محمد آغا ابن الديري في داء ~~الدوسنطارية، وقد كان مدركا لأعمال أسعد باشا وأعمال أبيه إسماعيل باشا ~~وعمه سليمان باشا، وكان وكيلا للخرج، لكن عليه مدار كل الأعمال، وصاحب ~~الكلمة النافذة عندهم، حتى قيل إنه صاحب كل حركة وقعت بالشام، وإنه مرتكب ~~للفواحش من شرب خمر وغيره مع إيذائه للرعايا. وكان أيام الفتن يمشي قدام ~~الدالاتية يسلب وينهب ويخرب بيوت الإنكشارية، وقد أتى بأحجار بيوتهم ~~وأخشابهم وعمر بها دارا، فما تمت العمارة حتى هلك مع الهالكين وضبط الباشا ~~ماله ونواله، وذهب مع الذاهبين. # وثاني يوم موته قتل الباشا عثمان آغا خزندار فتحي أفندي الدفتردار كما ~~قدمنا، وقتل معه أحمد آغا الشربجي خزندار فتحي الثاني، وضبط مالهما. # وبهذا اليوم، وهو يوم الاثنين رابع عشر رجب، جاؤوا بماء السمرمر، وطلعت ~~لملاقاته المشايخ وأهل الطرق بالأعلام والمزاهر وطبول الباز، ودخلوا بموكب ~~عظيم بكت فيه خلق كثير، وعلقوه بمنارة الشيخ الأكبر في الصالحية، وفي منارة ~~تكية المرجة، وفي منارات الجامع الأموي، وأبقوا في السرايا قرب من ماء ~~السمرمر، وذكروا أن مرادهم أن يعلقوهم في أراضي حوران. # هذا والغلاء قائم على قدم وساق، لم يقع مثله في قديم الزمان، فرطل الخبز ~~وصل إلى سبع مصاري، والوسط بستة، والرديء الدون بخمسة مصاري، ورطل الكعك ~~بخمسة عشر مصرية، ورطل الرز بعشرة مصاري، وأوقية السمن بخمسة مصاري في وقت ~~جلبه وأوقية الطحينة بخمسة مصاري، وأوقية السيرج بخمسة مصاري، وأوقية ~~القريشة بثلاث مصاري، وكذلك الجبن والدبس الرطل بثمانية عشر مصرية، ورطل ~~العسل بقرش ونصف، ومد الملح وصل ثمنه للعشرين مصرية، ومد الحمص بثلاث أرباع ~~المصرية، وكذلك العدس. وأغرب من ذلك مع كثرة الفاكهة رطل التين الطري ~~بأربعة مصاري، والكوسا كل ثلاثة بمصرية، والباذنجان الرطل بثمانية مصاري، ~~وكل يقطينة بأربعة مصاري، ورطل اللحم بنصف قرش والبطيخة بنصف ربع ريال، إن ms034 ~~كانت صفراء أو خضراء، والخيار الرطل بمصريتين. وقد دام هذا الأمر سبع أو ~~ثمان سنين، لكن في هذا العام قد زاد الحد، والحكام لم يفتشوا على الرعية، ~~وهذا مع قلة البيع والشراء والكساد وكثرة الديون على العباد، وظلم بعضهم ~~البعض، وقد ضاقت على العباد فسيح الأرض والحكم لله. # وفي يوم الأحد الحادي والعشرين من شهر رجب في هذه السنة تسع وخمسين ومئة ~~وألف جمع حضرة أسعد باشا العظم أكابر الشام وأعيانها في المحكمة، ووقف جميع ~~أملاكه على أولاده، ثم على أولاد أولاده على حسب ما اشترط في الوقفية، وفرق ~~على أولاد عمه ما كان لهم، وقد كان ضبط مال محمد آغا ابن الديري وعمل حسابه ~~على عقله، فظهر لحضرة أسعد الباشا أنه قد تبقى له مع ابن الديري المذكور ~~اثنا عشر كيسا. ثم جاءت الأصناف وأخبرت حضرة الباشا بأن لهم متبقى في ذمة ~~ابن الديري من أيام أبيك إسماعيل باشا وعمك سليمان باشا. وفي أيام دولتك ~~اثنا عشر ألف قرش ولجوا في طلبها. فقال: الحقوه وخذوهم منه، فأنا باقي لي ~~معه اثنا عشر كيس ذهب، فليس لكم فائدة في هذا الطلب، فكل منهم ترك ماله عند ~~الله وذهب. # وفي ليلة الجمعة لخمسة وعشرين من شهر رجب خرج أسعد باشا إلى الدورة من ~~هذه السنة. وفي ليلة الثلاثاء التاسعة والعشرين من شهر رجب من هذه السنة ~~توفي مصطفى أفندي زاده قاضي الشام، وصار ولده نائبا عنه بمكانه. ~~PageV01P019 وفي نهار الجمعة في الثاني والعشرين من شهر شعبان من هذه السنة ~~قدم محمد آغا بن فروخ بمنصب دفترية الشام، مكان فتحي أفندي الفلاقنسي، ~~وأقام في داره المشهورة بهم. # وفي خلال هذه الأيام زاد الهم على الناس واشتد بهم وقوف الحال مع شدة ~~الغلاء، والخبز بستة مصاري كما قدمنا، حتى صار رأس الكرنب الذي قدر ~~النارنجة بمصريتين، والباقي على هذا المنوال فالأمر لله الملك المتعال. # وفي خلال هذه الأيام من هذه السنة جاء مقرر طرابلس الشام إلى حضرة سعد ~~الدين باشا، وكان مع أخيه ms035 في الدورة، فرجع مع أخيه إلى دمشق، وأقام قليلا، ~~وسار طالبا منصبه، وفقه الله. # وفي هذه السنة كان ثبوت رمضان ليلة الاثنين، والعيد الأربعاء والصوم ~~تمام. # وفي نهار الجمعة بعد الصلاة في سبعة شوال من هذه السنة خرج حضرة والي ~~الشام وأمير الحاج أسعد باشا العظم قاصدا الحج الشريف، والحاج خرج يوم ~~عشرين. ولما سافر حضرة الباشا ترك المتسلم بها وهو موسى كخية مكانه في ~~الشام. فجاءه الخبر بأن الزرباوات وهم الأشقياء المطرودون مرادهم بأن يأتوا ~~إلى الشام على حين غفلة من أهله، ويقتلوا جماعة من الذين تسببوا في طردهم، ~~فاضطرب المتسلم المذكور، وأرسل استجلب عبد الله الترك آغة الدالاتية ~~المطرود وقوى شوكته وكثر جماعته. وصار محمود آغا آغة الدالاتية التفكجية ~~يدور ويطوف ليلا خارج دمشق، والدالاتية تحوم حول البلد، وقد أقلقوا الخلق ~~وزاد النكد، ولا زال هذا الحال مدة غيبة الباشا والحاج. ### | سنة 1160 # ثم دخلت سنة ستين ومئة وألف، وكان غرة محرمها نهار الخميس، وفي نهار ~~الاثنين خامس محرم الحرام من هذه السنة الموافق لأول كانون الثاني زادت ~~المياه بسبب سيل عظيم، ودخوله للشام كان نصف الليل، فحصل طوفان لم يسمع له ~~نظير من قديم الزمان، هجم الماء من نصف الليل إلى الشام، وأغرق جميع ما كان ~~في طريقه من الدكاكين، وأتلف أموالا كثيرة لا تعد ولا تحصى، حتى صار المرجة ~~كالبحر، ومع ذلك الماء يخطف الطير، وله خرير ودوي وهدير. وقد غطت هذه ~~الزيادة حجر تاريخ القلعة، ومرت في الأسواق والدور وأخرجت شيئا غير محصور، ~~وقد صارت تحت القلعة وفي المناخ بالارتفاع طول قامة الإنسان. # قال المؤرخ البديري: وقد دخلت إلى قهوة المناخلية بعد انصراف الماء فوجدت ~~الماء في أعلى مساطبها أعلى من ذراع، وقد شاب من هولها الكبير والصغير. وقد ~~غرق بها أناس غير محصورين، مع ما أتلف من البهائم والأموال وقد أضرت بجميع ~~ما مرت عليه وانهدمت أماكن كثيرة لا تحصى وتركتها بلاقع. نسأله تعالى اللطف ~~في المقدور آمين. # وفي خامس صفر كان قدوم الحاج ms036 الشريف، وقد أخبرت الحجاج بأن هذه السنة من ~~أجمل السنين وأحسنها، وجميعهم شاكرون وداعون لحضرة أسعد باشا بالدوام، من ~~كثرة ما حصل لهم في الطريق من الراحة والخير والإنعام من حضرة الباشا لعموم ~~الحجاج، فجزاه الله أحسن الجزاء آمين. # وقدم مع أسعد باشا من الحجاز في هذه السنة باكير شاه والي جدة، وأقام في ~~دار فتحي أفندي المتقدم نحو شهرين في الشام، ثم سار قاصدا حماه، ولم يعلم ~~ما سبب مجيئه. وعاد أيضا مع الركب الشامي شيخ الإسلام وأقام مدة في الشام، ~~وسار طالبا إسلامبول. وكان رجلا كبير السن وقورا، ما حرك ساكنا في الشام ~~مدة إقامته. # وبعد قدوم الحج خزنة مصر إلى الشام، وقد تأخرت عن ميعادها. وقد شدد الطلب ~~حضرة أسعد باشا بعد مجيئه من الحج على الزرب الأشقياء، فقبضوا على أمين ابن ~~الحديد وعلى عبده بن حمزة عنبر، فأمر بقتلهما فقتلا شر قتلة. وقد زادت ~~الدالاتية الاعتداء والجور، وخربوا البلاد والقرى، فكثرت الشكاية منهم إلى ~~والي الشام أسعد باشا، فكتب للدولة عليهم في شأنهم، فجاءه مرسوم بإبادتهم، ~~فأمر مناديا أن ينادي كل من أقام من الدالاتية في الشام أكثر من ثلاثة أيام ~~من أهل الفساد والعناد فدمه مهدور، ثم بعد أيام ظهرت الدالاتية ولم تتم ~~القضية والحكم لله عالم الخفية. PageV01P020 وفي يوم الأربعاء جاء خبر بأن ~~عرب عنزة نهبت عرب الرشا، وأن الأكراد الذين كانوا مع عرب عنزة أخذوا جميع ~~ما نهبوه وسلبوه من مال وجمال وغنم ونساء. وكانت الغنم كثيرة لا يحصي عددها ~~إلا الله، وأن الواقعة كانت مهولة، وأنه قتل من الفريقين خلق كثير. ~~والمساعد للعرب حضرة أسعد باشا على ما قيل. فجاؤوا بالأغنام إلى الشام. وقد ~~كان أهل الشام في غلاء اللحم وأكل الذرة والشعير لهم سنين، فبيع رطل اللحم ~~في هذه السنة بسبعة مصاري وثمانية إلى العشرة، مع علم الناس أنه سلب حرام، ~~فمنهم من ترك أكله وهم أقل من القليل، والباقي وهم عموم الناس لم يبالوا. ~~فإنا لله وإنا إليه راجعون. # قال ms037 المؤرخ البديري رحمه الله: وكان الجراد مفرزا من العام الماضي في ~~الشام وأراضيها، فلما جاء الربيع صار يظهر شيئا فشيئا إلى أن ظهر مظهرا ~~شنيعا، وبدأ يزحف مثل النمل والذر، فبدأ يأكل الزرع ويتلف النبات، فوقعت ~~الناس في كرب عظيم. فنبه حضرة أسعد باشا حفظه الله على الفلاحين عموما بأن ~~تجمعه وتأتي به. وقد فرض على الأراضي الخمس كل أرض قنطارين، وكذلك القرى ~~والضياع، كل ضيعة شيئا معلوما يجمعونه. فجيء به أحمالا وأمر به أن يدفن، ~~فدفن منه بعض في مغارة عند مقبرة البرامكة وردم عليه، ثم صاروا يحفرون ~~حفاير في قبور النصارى واليهود ويضعونه فيها. ثم لم يزل يكثر وينتشر، فأمر ~~حضرة أسعد باشا أثابه الله بأن تعاد الفريضة على كل قرية من قرى دمشق، مئتا ~~قنطار، وأن من لم يأت بالمطلوب فعليه جزاء كذا، وأمر أيضا حفظه الله بعض ~~المأمورين أن تضبط عليهم، وأن يضعوه في جبل الصالحية في آبار ومغاير. # قال المؤرخ البديري: وبلغني أنه في ثلاثة أيام وضعوا في الصالحية ألف ~~وسبع مئة قنطار من الجراد، عدا ما وضع في المغاير والآبار في غير الصالحية. # وفي يوم الاثنين سلخ ربيع الثاني من هذه السنة جاء خبر إلى دمشق بأن ~~الطير المسمى بالسمرمر قد جاء ومر على قرية عدرا وضمير، وأتلف من الجراد ~~شيئا كثيرا، ففرحت أهل البلاد سيما أهل الشام. فخرجت أهل الصالحية ومعهم ~~المشايخ والتغالبة والنساء والرجال والأطفال بالبكاء والعويل والتضرع إلى ~~الله تعالى بدفع هذا البلاء ورفع الغلاء، ثم زينت أهل دمشق فرحا بوصول ~~السمرمر أحسن زينة. # وفي هذه الأيام شاع خبر بدمشق بأن في الشام امرأة يقال لها السماوية تمسك ~~الأولاد بالاحتيال والرجال أيضا، لأجل أن تخرج السم منهم، فخافت الناس وكثر ~~الفزع، وصارت الناس توصي بهم بعضا منها. وبعد مدة أيام وقعت ضجة بين الناس، ~~فقيل ما الخبر، قالوا: قبضوا على السماوية، وإذا هي امرأة عجوز قبضت عليها ~~العامة، وخلفها الأولاد والرجال كالجراد، وهم يضربونها ضربا وجيعا، وذهبوا ~~بها لعند القاضي، فسألها ms038 عن حالها ومن أين أتت. فقالت: والله يا سيدي أنا ~~امرأة فقيرة الحال ولي أولاد وعيال، وهذا القول عني زور وبهتان. قال: فأمر ~~القاضي بتفتيشها وتفتيش بيتها، ففتشوها فإذا معها لعب يلعب بها الأولاد ~~والأطفال، وفي جيبتها طواقي كبار وصغار، ثم ذهبوا وفتشوا بيتها، فلم يجدوا ~~فيه غير متاع عتيق وقطعة من الحصير، ثم شهد جيرانها بأنها امرأة فقيرة ~~الحال، ولها زمان قاطنة في هذا المكان، ولم نعلم لها سوء حال، ثم أطلقوها ~~فذهبت لحال سبيلها. PageV01P021 ثم في تلك الأيام كثر الجراد وأضر بالعباد، ~~وكأن الناس لم يجمعوا منه شيء كذا، وهذا كله مع ازدياد الفجور والفسق ~~والغرور والغلاء والشرور. فخرج الشيخ إبراهيم الجباوي ومعه التغالبة ~~بالأعلام والطبول، وقصدوا زيارة السيدة زينب، واستغاثوا عندها بكشف البلاء ~~عن العباد، ورجعوا آخر النهار، ثم داروا حول مدينة دمشق، ومروا أمام باب ~~السرايا وعملوا دوسة، وصار حال عظيم وبكاء شديد، وشعلت قناديل الرجال أصحاب ~~كذا، وهم يدعون بهلاك الجراد ورفع البلاء. وبعد يومين جاءت أهل الميدان ~~بطبول وأعلام وحال وصريخ، وقصدوا جامع المصلى بالدعاء برفع الجراد وهلاكه. ~~ويقولون: يا من له المراد في كل ما أراد، بالمصطفى الحبيب فرج عن البلاد ~~فلم يفد ذلك. فكيف يفيد ذلك وأكثر النساء قد باحت، وبنات الهوى وهم كذا ~~الخاطئات دائرات ليلا ونهارا بالأزقة والأسواق، ومعهم الدالاتية والفساق، ~~ولا أحد يتكلم بقيل وقال، ولا أمر بمعروف ولا نهي عن المنكر، والصالح في هم ~~وكرب، والفاجر والطالح متقلب في لذيذ نعيم، اللهم فرج آمين. # وفي يوم الخميس ثامن جمادى الأولى من هذه السنة أمر حضرة الباشا على ~~الإنكشارية في الشام والزعماء والسباهية وكل قرية عشرة أنفار بالمسير إلى ~~جبل الدروز، وأمر أن تعمر في البقاع أفران لأجل خبيز الخبز. وبلغنا أنه ~~جاءه فرمان بأن يكون معه باشا صيدا وباشا طرابلس لمساعدته، وأمر المتاولة ~~بأن تساعده على حربهم. وكان الزمن في شهر أيار، والزروع في الأرض باقية، ما ~~حصد منها شيء، فخافت الخلق من تلك الأحوال، والغلاء واقع بالشام، ms039 ورطل ~~الخبز من سبعة إلى ثمان مصاري. # وفي ليلة الخميس خامس عشر جمادى الأولى من هذه السنة قتل أسعد باشا العظم ~~السيد صالح بن إبراهيم بيك السوقية. فسألنا عن السبب، فقيل إن أباه اشتكى ~~للباشا أن ولده صالح تكلم مع أبيه بكلام فاحش، وأراد أن يقوسه، فأرسل حضرة ~~الباشا وأمر أن يؤتى بولده مهانا، وعند المساء أمر بخنقه فخنق ورمي، والأمر ~~لله. # وفي يوم الجمعة بعد الصلاة برز حضرة أسعد باشا إلى المرجة وأمر بأن تعرض ~~عليه عسكر الشام من الإنكشارية والزعماء، ثم رحل، وبعد ثلاث أيام من رحيله ~~تبعته أوجاقات الشام. ولما وصل إلى البقاع خرب بعض قرى للدروز وحرق ونهب ~~وقتل، ثم أغار هناك على عرب يقال لهم الفريخات، وهاوشوه مدة أيام، ثم نجوا ~~بطرشهم والعيال، وتركوا الخيام والمال، وذلك بعدما قتلوا جماعة من عسكر ~~الباشا وجرحوا. وبلغنا أنهم كانوا طائعين. وأرسل يطرح بقرهم على الضيع ~~والأصناف، وعمل عملا يؤدي إلى الخلاف، ثم نزل في البقاع وأمر بحصد زرع ~~الدروز، فحصدوا مغل البقاع. والغلاء متزايد، والجراد في أرض الشام زايد، ~~لكن الله ملجمه رحمة بخلقه. # وفي يوم الخميس ثامن جمادى الثانية قبل قدوم مربعانية الصيف بخمسة أيام ~~صار رعد وبرق مخوف، وأرمت السماء بمطر كأفواه القرب، وقبل ذلك بأيام صار ~~رعد كثير من غير مطر. فهذه الأحوال عبرة لمن اعتبر. # وقد بلغني عن حضرة أسعد باشا حينما كان بجبل الدروز أنه جاءته شكاية من ~~أهل قتيل سني على رجل درزي، أنه كان مشاركا لرجل تركماني على نحو خمس مئة ~~رأس غنم، وأن الدرزي اغتال شريكه التركماني فقتله، فأمر حضرة الباشا أن ~~يفتش على الدرزي، فقبض عليه وأمر بقتله، فقتل، واستلب الغنم التي عنده ~~وأرسلها إلى الشام، وبيعت طرحا على لحامة الشام، كل رأس بثمانية غروش، ~~والذين اشتكوا ما أعطاهم درهما ولا دينارا، ولله الأمر. # وفي هذه الأيام ورد إلى دمشق الشام ثلاثة يهود من مدينة حلب، ولهم مهارة ~~في ضرب الآلات بأحسن النغمات، فصاروا يشتغلون في قهاوي الشام، ms040 ويسمعهم ~~الخاص والعام. PageV01P022 وفي منتصف جمادى الثانية بلغني أن بعض عسكر أسعد ~~باشا قيل هم المغاربة تحرش بالدروز، وذلك حينما كان الباشا وعساكره مخيمين ~~ببلادهم، وأطلقوا عليهم الرصاص، ووقعت المناوشة بالقتال، نهض حضرة الباشا ~~على قدميه، وكان جالسا على الغداء، وأخذ بيده رمح كذا وقيل تدرع، وطلب أمام ~~عسكره القتال، وأخذ بين يديه إنكشارية الشام، وكان عليهم محمد آغا بن عبد ~~الله آغا كمش أغلى. فصاح الآغا على جماعته وطلب الغارة وحده وتبعه الباشا ~~وبقية العسكر، وجروا المدافع وجدوا الغارة طالبين فم الجبل، والرصاص منهم ~~وعليهم مثل المطر، فكان أول من انهزم عسكر الدالاتية أهل الكبر والجبروتية. ~~ولم يصب أحد ولله الحمد من عسكر أوجاق الشام سوى رجل من إنكشارية بعلبك. ثم ~~إن حضرة أسعد باشا عنف عسكر الدالاتية بعد غضب منه شديد، وقال لهم: تبا لكم ~~من أعوان، ولمن اتخذكم من أنصار، تأخذون العلايف والمال وتهربون من الحرب ~~والقتال، والمتطوعون يقاتلون لله ورسوله، ويتسابقون للحرب، مع ما قد فعلت ~~معهم من الفعال من قتل وسلب وخراب ديار، ولكن سوف أعرف لهم هذا الأمر وأزيل ~~عنهم الشر والقهر. ثم إنه دعا أوجاق الشام وأوعدهم بالإحسان والإكرام. ثم ~~بقي كذا الحرب في اشتعال بقية ذلك النهار، ثم أخذ حضرة الباشا المدافع إلى ~~الجبل، وحلف الأيمان المعظمة أنه لا يرجع عن الجبل، حتى يرمي كل من فيه ~~بالهلاك والتلف، ويجعلهم أحاديث. ثم كتب إلى حمص وحماه والمعرة والشام بأن ~~يجردوا له الرجال الأجلاد، وطلب من كل قرية خمسة عشر نفرا، وعمل على أهلها ~~كل واحد أجرته نصف غرش، وأرسل فرض عليهم بعض أنفار، وأكثر عليهم من فرائض ~~الأموال. وشدد الأمر على الناس حتى ضيق منهم الأنفاس، وزاد عن القياس. وكان ~~قد قتل من أهل الجبل أربعة أنفار من كبارهم مع من قتل ذلك النهار، ومع ذلك ~~فقد طلبوا الصلح ووزنوا له المال، فأبى إلا القتل والسلب. وكان قبل الواقعة ~~بأيام أمر حضرة الباشا بأن تحصد الغلال التي للدروز وغيرهم وأمر بضبطه، ~~وكلما ms041 جمعوا شيئا نهبوه، وقد كانت بركات كثيرة، لأن إقبال هذا العام شيء ~~كثير ما سمع بمثله، وغالبه اندرس تحت الأقدام. وكان رطل الخبز بدمشق بستة ~~مصاري. فلما جاء القمح الجديد باعوه بخمسة مصاري، وبعد يومين نادوا على ~~الرطل بثلاثة مصاري. وقالوا: يا رعية قد أنعم عليكم رب البرية، رطل الخبز ~~بثلاثة مصاري. وثاني يوم اشتغل البرطيل والرشوة للمتسلم موسى كخية وغيره من ~~لأهل الظلم، فحالا سمعوا مناديا ينادي لا أحد يبيع رطل الخبز بأقل من أربعة ~~مصاري. وقيل كان ذلك من شيخ الطحانة، وكان يلقب بالتخان، عامله الله بما ~~يستحقه آمين. وكانت الحركة المتقدمة التي أزعجت الباشا سببها من الله، ~~والجزاء من جنس العمل، لأنه حضرة الباشا قد أخذ بيد التخان المذكور، وهو ~~شيخ الطحانة، وقد أمره الباشا أن يبيع قمحه على سعر الغرارة بخمسة وثلاثين ~~قرشا. ثم بعد مسير الباشا وهو يوم الحركة كان قد نزل سعر القمح، فصار ثمن ~~الغرارة خمسة وعشرين غرشا، فلم يقدر أحد أن يبيع بهذا السعر إلا خفية. وقد ~~ضاق الأمر على الفقراء والمساكين. وكان كل من تحرك من العامة ربطوه بحبل ~~طويل، وجروه إما إلى العذاب وإما إلى القتل وسلب المال والعرض. والأمر لله ~~العلي الكبير. PageV01P023 قال المؤرخ البديري: وقد بلغني عن أسعد باشا وهو ~~نازل إلى جبل الدروز بلغه بأن ضيعة من ضيع البقاع إلى الدروز، فأمر بعسكره ~~بنهبها وسلبها، فلما وصلوا إليهم تلقتهم أهلها بالبشر والفرح والسكون، وهم ~~عما يراد بهم غافلون، ثم أنزلوهم وذبحوا لهم وضيفوهم، فنزلوا وأكلوا ~~واكتفوا، ثم قاموا وجردوا عليهم السيوف، فصاحوا عليهم لا تفعلوا أنتم ~~أصدقاؤنا ونعم الضيوف. فلم يسمعوا بل قتلوا منهم جماعة وجرحوا، فطلبوا ~~الهزيمة حالا وفروا من وجوههم، فنهبوا متاعهم ومصاغهم وأموالهم. ثم طلبوا ~~النساء فانهزمن من بين أيديهم، ودخلوا بعض البساتين هناك، وكانوا يزيدون ~~على ثلاث مئة امرأة وبنات أبكار، فهجم عليهم كذا ذلك العسكر، ومسك كل واحد ~~منهم واحدة، وهم يصطرخون بالبكاء والعويل، فلم يجدن مساعدا حتى فعلوا بهن ~~المنكر. وهذا ms042 نقله لي من اطلع على حقيقة هذا الخبر. وحرقوا القرية بعدما ~~نهبوا جميع ما فيها وترك أهلها بالويل والتنكيل. وحسبنا الله ونعم الوكيل. ~~وكان ذلك قبل الوقعة، وقيل هي سبب الفتنة. # ولما جمع حضرة أسعد باشا الجموع وملأت البراري والربوع، فكان من جملة من ~~قدم لعند الباشا محمد باشا صيدا، وكان رجلا كبير السن، قد جرب الدهر وأهله. ~~فتلقاه أسعد باشا بالعز والإكرام وشكى إليه ما فعلته الفرقة الدرزية من ~~الغدر والقتال، وسأله المعونة على هذا الحال. فلامه محمد باشا على ذلك، ~~وأمره بالكف عن قتالهم، وقال له: هذا أمر يعود علينا وعليك بالتلف، ولا ~~ترضى الدولة به لأنهم أي رجال الدولة يريدون العمار للبلاد ويكرهون الجور ~~والفساد، قادرون على إرسال عشر وزراء بيوم واحد، ولا يقدرون أن يعمروا في ~~عشر سنين قرية إذا خربت من هذه القرايا، ولأجل خاطري أيضا صالحهم، وخذ مالك ~~عليهم من المال المعلوم واترك أولادهم. وكان أولاد أمرائهم قد حبسهم أسعد ~~باشا في القلعة، ولهم أكثر من سنتين، وهم صغار غير بالغين. ثم شدد عليه ~~بذلك. # فأجابه لذلك حضرة أسعد باشا، لكن ظاهرا لا باطنا، لأن مقصود الباشا ~~المذكور تدميرهم عن بكرة أبيهم، وهذا من قبيل المستحيل. # فقال له حضرة أسعد باشا: أنت إذن دبر هذا الأمر برأيك. فقال: دعنا نشترط ~~عليهم ما تريد من الشروط. فحلف له أنه لا يشرط عليهم شرطا ولا يأخذ مالا ~~ولا يفعل معهم شيئا. ثم ودع محمد باشا باشة صيدا بعدما عظمه واحترمه، وأضمر ~~خلاف ما أظهره. # وبلغني أنه بالوقت أرسل خبرا إلى الدولة العلية يطلب لأخيه مصطفى بيك ~~الوزارة بصيدا، حتى يفعل بالجبل ما أراد، ويشفي منهم الفؤاد. وقيل إن باشة ~~صيدا أرسل يطلب من أهل الجبل إلى أسعد باشا جملة من المال، فحلفوا له أن لا ~~يعطوه ولا عقال، ولكن إذا أرسل أولادنا أرسلنا له أربعين كيسا، الذي كذا هي ~~علينا معتادة، وإلا دعه يفعل ما أراد، فوالله إن حرك ساكنا لنهدمن عليه ~~البلاد، فنحن ما الذي ms043 فعلناه حتى يقابلنا بهذه الأمور، أما كفاه أنه أهرق ~~دماءنا وأباح مالنا ونساءنا، وقد أعدم لنا أكثر من مئتي كيسا من الحنطة ~~والحبوب. # هذا وأسعد باشا قد فرق ما جمع، وعيونه من غيظه تدمع، وبقيت الأمور تحت ~~الأوهام. وقد عادت الأوجاقات السباهية والإنكشارية إلى الشام، ولم تنتظم ~~الأمور والأحوال، والحكم لله الملك المتعال. # وفي شهر رجب من هذه السنة، وهي سنة ستين ومئة وألف وقع حرب بين بني صخر ~~وعرب عنزة في بلاد حوران بسبب استيلاء أغنام بعض القبائل. # وفي هذا الشهر أيضا وصل خبر إلى دمشق بأن الدروز نزلوا من الجبل ونهبوا ~~وسلبوا، وحرقوا ثمانية عشر قرية من بلاد البقاع، وحاصروا بعلبك وضيقوا ~~عليها الحصار. # وفي يوم الأربعاء ثامن رجب ورد من صيدا عبد الله باشا ابن الكبرلي، وكان ~~مجيئه من جهة إسلامبول، وشاع عنه أنه يريد الحج ونزل بدار أبو شنب. # وفي يوم الاثنين من هذا الشهر توفي الشيخ عبد الرحيم بن الإسطنبولية رحمه ~~الله. وبهذا النهار ضربت مدافع، فسألت عن السبب، فقيل: إن صيدا جاءت إلى ~~موسى كيخية متسلم دمشق من قبل أسعد باشا. وكان هذا الرجل أولا كيخية عند ~~إسماعيل باشا ابن العظم. وجاء مع القبجي فرمان بأن نشد الرحال لقتال ~~الدروز، وأن يضيقوا عليهم وأن يدمروهم عن بكرة أبيهم. PageV01P024 وفي يوم ~~الاثنين سابع شعبان من هذه السنة أمر حضرة أسعد باشا الدالاتية والأطلية ~~بأن تركب وتغير على أرض البقاع ومن فيها من الدروز، فيقتلوا ويأسروا ~~وينهبوا ويفعلوا ما أرادوا. ثم بلغني أنهم أغاروا على جماعة من الدروز وهم ~~على حين غفلة، فقتلوا منهم ومن مشايخهم، وقبضوا على الباقين منهم، ونهبوا ~~الأموال والدواب والغنم والنساء والأولاد، وجاءوا برؤوسهم إلى دمشق. فكان ~~يوم مجيئهم يوما تقشعر منه الجلود مع الجلال. فنسأله تعالى أن يصلح ~~الأحوال، ويرحم أهل الشام ويرخص لهم الأسعار. # وفي يوم الخميس عاشر شعبان عمل الشيخ إبراهيم الجباوي متولي جامع الأموي ~~فرح عرس إلى ابن ابنه، وأمر أن تزين الأسواق بالقناديل والشمع، وأمر أن ~~تشعل ms044 منائر الجامع الأموي فشعلت وهذا شيء ما سمعناه أنه سبق لغيره. # وفي ليلة السبت مات الشيخ الولي معتقد أهل الشام الشيخ عمران بن الشيخ ~~إبراهيم إمام داء السعادة. كان رحمه الله من أرباب الأحوال، وكان له سنة ~~أصابع في يده اليمنى، وكان يكتب خطا حسنا بيده اليسرى ويقلد كل خط، وكان ~~حسن الصوت بقراءة القرآن. ودفن بباب الصغير بجوار سيدنا بلال رضي الله عنه. # وفي هذا العام جاءنا الخبر بوفاة أحمد باشا بن حسن باشا والي بغداد وقيل ~~إن سبب موته أن الدولة أرسلت له فروة مسمومة فلبسها فدب السم في بدنه، فمات ~~رحمه الله. كان رحمه الله شجاعا مقداما مدبرا للأمور أطاعته العباد ودانت ~~له البلاد، وقد دفع عن بغداد كل جبار، ولقد قصده طهماسب الخارجي ومعه عسكر ~~جرار، وحاصر بغداد أشهرا فلم يقدر على فتحها فرجع ذليلا صاغرا، وطلب بلاد ~~الهند والتتر، فسلط عليه ولده فقتله ودمره، وتولى ولده مكانه، ولم يخرج على ~~الدولة وكان اسمه دبوس. ولما توفي أحمد باشا والي بغداد أرسلت الدولة إلى ~~بغداد واليا كور محمد باشا، وكان صدرا أسبق، فلما استقر ببغداد، طلبت منه ~~الإنكشارية العلايف أي المعاشات. فقال لهم: علايفكم عندي. قالوا: لا، فقد ~~كان أحمد باشا الذي كان قبلك يعطينا إياها من ماله، ولما تأتي له من الدولة ~~يأخذها. قال لهم: أنا لا أفعل. قالوا: لا بد من ذلك وشددوا عليه بالكلام، ~~وكانوا مثل البحر الزخار. فقال: إن كان ولا بد من ذلك فأرسلوا إلي من ~~أكابركم من كل بلد ثلاثة رجال، حتى يستلموا المال ففعلوا، ولما حصلوا عنده ~~أمر بقتلهم ورمي جثثهم. فلما رأوا إلى ذلك أسرعوا إلى القلعة ورموا عليها ~~بالمدافع والبارود، حتى هدموا سرايته، وقتلوا آغة جماعته. فخرج الباشا من ~~سرداب تحت الأرض ينفذ من خارج البلد وفر هاربا إلى بلاد العجم. ثم كاتبت ~~أهل بغداد إلى الدولة العلية بأن يرسلوا واليا لبغداد عليهم سموه لها، كان ~~عند مخدومه أحمد باشا المتقدم، وكان فيه استعداد تام، فأرسلوه لهم ms045 وقد رضوا ~~به. # وفي سابع وعشرين من شعبان قدم أسعد باشا من الدورة، وكان دخوله قبيل ~~المغرب، وجاءت معه مغاربة كثيرة. # وفي هذه السنة صار ثبوت رمضان الأربعاء، وضربت المدافع ليلتها في الساعة ~~الخامسة، وبعض الأئمة صلى التراويح تلك الليلة. وقد صارت غرارة القمح ~~بعشرين قرشا، والله يعيننا على هذا الغلاء، الذي هو رطل الخبز بخمسة مصاري، ~~والأرز بإحدى عشرة مصرية، والباذنجان بأربع مصاري. # وفي ثامن رمضان جاء من اصطنبول شيخ الإسلام يقصد الحج إلى بيت الله ~~الحرام، وخرجت لملاقاته أعيان الشام، ومكث اثنا عشر يوما، وتوفي لرحمة الله ~~تعالى وصار قبره بالشام، ودفن بباب الصغير قبلي سيدنا بلال رضي الله عنه. # وفي يوم الثلاثاء الحادي والعشرين من شهر رمضان نبه أسعد باشا بأن يكون ~~الريال بقرشين إلا ثلث، وكان أولا بقرش ونصف وأربع مصاري، وكان عيد الفطر ~~في هذه السنة نهار الجمعة. # وفي يوم السبت سادس عشر شوال خرج المحمل الشريف صحبة أمير الحاج أسعد ~~باشا العظم حفظه الله، وأقام نائبا عنه بدمشق متسلما موسى كيخية المتقدم ~~ذكره. وقد جاء خط شريف بعد خروج الباشا إلى الحج بإخراج أولاد الدروز من ~~القلعة، فأخرجهم المتسلم، وصار في الجبل فرح عظيم. ولو كان أسعد باشا في ~~الشام لما أخرجهم، لأنه طالما جاءته أوامر بإخراجهم فلم يخرجهم. وفي هذه ~~السنة المطر قليل والغلاء كثير، وكان غالب قوت أهل الشام خبز الذرة ~~والشعير، والفقراء مالهم من دون الله معين ولا نصير. ### | سنة 1161 # PageV01P025 ثم دخلت سنة إحدى وستين بعد المئة والألف، وكان ~~أولها محرم الثلاثاء، وقد خربت القرى من جور الدالاتية، ومن أعمالهم التي ~~هي غير مرضية. # قال المؤرخ البديري: وفي محرم توفي شيخنا ومحبنا الشيخ محمد المصري ~~الأزهري الملقب بأبي السرور، ودفن بمرج الدحداح قريبا من النهر بقبر مبلط ~~بشاهدتين. كان رحمه الله تعالى عالما فاضلا دينا. ومن مناقبه أنه ما اجتمع ~~به أحد إلا وحصل له سرور وفرح، ولو لم يتكلم، وهذا أكبر دليل على صلاح ~~طويته. # وفي نهار السبت سادس ms046 وعشرين محرم جاء جوقدار الحج، وبشر بأن هذه السنة لا ~~نظير لها في الرخص والرخاء. وفي خامس صفر جاء كتاب الحج وأخبر أن الحج ~~متأخر من كثرة الثلج والمطر. وفي ليلة الثلاثاء من صفر الخير دخل الحاج ~~ليلا، وثاني يوم الأحد دخل أمير الحج أسعد باشا وأخوه سعد الدين باشا أمير ~~طرابلس الشام. وقد حصل للحجاج في هذه السنة كل خير، ولم يروا مكدرا سوى سيل ~~جاءهم وهم في بدر، فأتلف وأغرق، وفي محلة العلا نزل ثلج ومطر وبدر، وصار ~~للحج مشقة. لكن بها لطف عظيم. وفي غيبة الحاج جاء تقرير إبقاء لأسعد باشا ~~في الشام. # وفي يوم الخميس سابع عشر صفر أجازنا الشيخ أحمد بأن نقرأ كل يوم عقب صلاة ~~الصبح بعد الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم يا عزيز سبعة وثمانين مرة، ~~وأخبر أن خواصها عظيم، وأن يدعو المرء بعدها بما أحب، فإنها تجاب دعوته. # وفي اثنين وعشرين صفر الخير وردت خزنة مصر إلى دمشق والغلاء مشتد في ~~دمشق، حتى صار رطل اللحم بثلاثين مصرية، ورطل الأرز باثني عشر مصرية، ~~والخبز رطله بخمسة مصاري وبستة وبسبعة وكل من يبيع برأيه. # وفي آخر ربيع الأول من هذه السنة نادى حاكم الشام أسعد باشا على الفلوس ~~كل تسعة بمصرية، والمصاري الفضة كل ستة وثلاثين بقرش. # وفي يوم الأحد ثاني ربيع الثاني قتل محمد آغا ابن الزرخلي، وهو كاتب ~~العربي في طرابلس، وكان مع سعد الدين باشا حاكم طرابلس في الجردة، فلما رجع ~~ووصل إلى الشام أمر أسعد باشا أن يرفع للقلعة، وبعد أيام أمر بقتله، فقتل، ~~ولم يعلم ذنبه. # وفي نهار الثلاثاء آخر جمادى الثانية من هذه السنة وقعت الفتنة بين ~~الأشراف والقبقول. وسبب ذلك أن رجلا شريفا اشترى من رجل شريف طبنجة وأراد ~~أن يجربها، فأتى إلى الخندق ليجربها، فلما ضربها سمع صوتها آغة القبقول، ~~وكان نائما، فاستيقظ مرعوبا، وقال: ائتوني بمن يضرب بهذه البارودة، فجاءت ~~أعوانه وقبضت عليه وعلى جماعة كانوا معه، وأخذوهم إلى أغاتهم، فأمر أن ms047 يضرب ~~كل واحد منهم ثلاث مئة سوط، فضربوا ضربا وجيعا وتركوا كالأموات، ثم وضعوا ~~شاشاتهم في لباسهم فبلغ نقيب الأشراف ما فعل بهم؛ فأرسل وأتى بهم إلى داره، ~~وفي اليوم الثاني قامت الأشراف على قدم وساق، وهجمت على القبقول وتقاتلوا، ~~فقتل من الأشراف ثلاثة، وجرح كثيرون وسكرت البلد كلها. وفي اليوم الثالث ~~صار ديوان عند أسعد باشا حاكم الشام، واجتمعت فيه الأعيان كالمفتي والنقيب ~~والعلماء، ثم انقضى الديوان، وحكموا على القبقول بأن يعطوا دية الشهداء ~~الأشراف لورثتهم. ثم أمر الباشا بأن تفتح الأسواق ويقصد الرزاق. وكان يوم ~~الوقعة اثنان من الأشراف الأول يقال له السيد حسن شيخ شباب باب المصلى، ~~والثاني السيد محمد بن الدهان من السنانية كان قد كرا بعصاهما وهجما على ~~القبقول، وردوهم إلى القلعة خاسئين، وبعد يومين وهو نهار السبت بعد العصر ~~بينما كان السيد محمد بن الدهان مارا في القنوات، وإذا بشخص من جماعة ~~القبقول ضربه طبنجة، فجاءت في بطنه. فقامت الأشراف وأهل البلد، وهجمت على ~~أسعد باشا وأخبرته بالخبر، فقال لهم: إن مات قتلت غريمه، وإلا فأنا أدبره. ~~فمات المضروب بعد الظهر، فذهبت الأشراف إلى الباشا، فأمر بإحضار الشهود ~~لأجل الحكم على القاتل، فذهبوا للشهود، فلم يرض أن يشهد أحد على القاتل، ~~وقالوا: من يشهد ليقتل، ويكون خصمه نحوا من خمسة آلاف بطل شقي. وحاصله ما ~~أثبتوا الدعوى، وتركوا دم الأشراف يروح هدرا. والأمر لله العلي الكبير. ~~PageV01P026 وهؤلاء القبقول قد جاء فيهم أمر سلطاني وخط شريف بإبطالهم من ~~الشام، وأن من استخدمهم أو ردهم ملعون بن ملعون. فالحاكم وقتئذ تيقن أن ~~البلد لا تصلح إلا بهم، فأقرهم وأبقاهم. وبعدها صارت تقول القبقول: إن قتلة ~~الشريف قيمتها أخشاية فضة. والحكم لله والغيرة لله ولرسوله. # وفي ثاني يوم الجمعة عمل أسعد باشا ديوانا، وجمع فيه علماء الشام ~~وأعيانها، وقال لهم: أنا الليلة مسافر على الدورة، فتسلموا البلد ولا ~~تتركوا أحدا يتعدى على أحد. فقالوا: يا أفندينا نحن أناس منا علماء ومنا ~~فقراء ومنا مدرسون، وصنعتنا مطالعة الكتب ms048 وقراءتها. فقال لهم: هذا إقراركم، ~~وكيف وأنتم الأعيان، فقالوا: حاشا لله إنما أعيان الشام القبقول. فقال لهم: ~~هذا إقراركم، وقد تحققتم بأن أعيانها والمحافظون لها القبقول. فعند ذلك ~~أرسل خلف رؤساء القبقول وسلم البلد لهم. وكان ذلك منه دهاء. ثم سافر وترك ~~الناس تتقلب في فرش القهر والكدر. # وقد كان رجل من الأشراف من جملة من كان أيام فتنتهم قد فتح دكانه بعد أن ~~هدأت الأمور، فبينما هو يفتح دكانه إذ قبضت عليه جماعة من القبقول ورفعوه ~~إلى القلعة، بعد أن شدوا وثاقه وثقلوه بالقيود، حتى كأنه من اليهود أو من ~~قوم عاد وثمود، ثم فتشوا على غيره ليقرنوه، فهربت غالب الأشراف. فانظروا يا ~~مسلمين إلى هذا الإنصاف، وقولوا: يا خفي الألطاف نجنا مما نخاف. # وفي تلك الأيام ازداد الفساد وظلمت العباد وكثرت بنات الهوى في الأسواق ~~في الليل والنهار. ومما اتفق في حكم أسعد باشا في هذه الأيام أن واحدة من ~~بنات الهوى عشقت غلاما من الأتراك. فمرض، فنذرت على نفسها إن عوفي من مرضه ~~لتقرأن له مولدا عند الشيخ أرسلان. وبعد أيام عوفي من مرضه، فجمعت شلكات ~~البلد وهن المومسات، ومشين في أسواق الشام، وهن حاملات الشموع والقناديل ~~والمباخر، وهن يغنين ويصفقن بالكفوف ويدققن بالدفوف، والناس وقوف صفوف ~~تتفرج عليهن، وهن مكشوفات الوجوه سادلات الشعور، وما ثم ناكر لهذا المنكر، ~~والصالحون يرفعون أصواتهم ويقولون: الله أكبر. # ومما وقع في شهر رجب المبارك من هذه السنة أن رجلا زوج ابنه وعمل وليمة ~~عرس، وعند المساء أخذ العريس بعراضة وشمع وطبول. فخرجت عليهم أعوان المتسلم ~~موسى كيخية، وكان رأس أعوان الحاكم محمود بشة البغدادي، وكان مدعوا في ~~الوليمة، فلما توسطوا السوق بالعراضة كان أول من بطش بهم، فتهاربت الخلق ~~كلهم فهذا طار قاووقه، وهذا ترك بابوجه، والآخر أخذت جبته. وفي ثاني يوم ~~أمر الحاكم بالقبض على أبي الغلام ورفعه للقلعة، وقد طلب منه مالا عظيما، ~~والأمر لله العلي الكبير. # وفي هذه الأيام ذبح رجل في فراشه بقرية زبدين. وفي يوم ms049 السبت سابع عشر ~~رجب ذبح رجل شريف في حارة باب السلام في داره وما وجد عنده أحد. وكان قبل ~~ذلك بأيام ضرب عم هذا القتيل رجل في الدرويشية بطبنجة في رقبته، فذبحته ~~ومات لوقته. قال المؤرخ وقد رأيته بعيني وهو مرمي في الطريق، ولم يثبتوا ~~على القاتل شيئا. # وفي نهار الثلاثاء تاسع رجب دخل مغربي إلى بعض البساتين يريد فسادا، ~~فكلمه صاحب البستان في الحسنى، فسبه المغربي وشتمه شتما بليغا، وكان صاحب ~~البستان شجاعا، فقام إلى المغربي وخلصه عدته وكتفه، ثم خاف من غائلة هذا ~~الأمر، فحل كابه، وأعطاه عدته واعتذر إليه، فما كان من المغربي إلا أن غلب ~~عليه لؤمه، فأخذ بارودته وضربه رصاصا، فقتله حالا، فجاء أخو صاحب البستان ~~فضرب المغربي بطبنجة جاءت في يده، فأراد المغربي الهرب، فوقع الصياح من ~~الرجال والنساء، فجاء غلام فضرب المغربي بنبوت فرماه إلى الأرض، فكتفوه ~~وإلى الحاكم أخذوه، فأقر لدى الحاكم بالقتل، وفي ثاني يوم خنقوه. ~~PageV01P027 وفي يوم الخميس الحادي والعشرين ممن رجب ضرب مغربي حماته ~~فقتلها. وبعد ثلاثة أيام قتل نصرانيا في الشاغور. وهذا المغربي بواب مصطفى ~~بيك بن العظم، أخو أسعد باشا باشا الشام. وفي التاسع والعشرين من رجب هذه ~~السنة كسفت الشمس حتى أظلمت الشام. ورأت الناس النجوم كما تراها في الليل، ~~ومكثت مكسوفة إحدى وعشرين درجة، وصلت الناس صلاة الكسوف في الجامع الأموي. ~~وكان الإمام بالناس الشيخ أحمد المنيني أحد خطباء الجامع الأموي. وبلغني ~~أنه في وقت الكسوف شعل قنديل جارنا الولي صاحب الكرامات الشيخ عز الدين أبو ~~حمرة، ومقامه بجامعه المعروف به في باب السريجة. وفي تلك الأيام غارت العرب ~~على جمال كثيرة في قرية القدم، وأخذت ولم يرجع منها شيء، كما وأنه في هذه ~~الأيام غارت الدروز على قرية الزبداني وغيرها، وأخذوا منها كثيرا من ~~المواشي والأمتعة وغير ذلك. # وفي ليلة الجمعة رابع عشر من شعبان من هذه السنة خسف القمر خسوفا بليغا، ~~حتى لم يظهر منه شيء، وكان ذلك في الساعة السابعة من الليل. ms050 # وفي يوم الثلاثاء خامس والعشرين من شهر شعبان قدم إلى دمشق السيد أبو بكر ~~منلا خنكار قاصدا الحج إلى بيت الله الحرام، وهو أول من قدم من الحجاج ~~البعيدين. وفي ليلة الاثنين عشرة شهر رمضان المبارك قدم حضرة والي الشام ~~وحاكمها الوزير الخطير أسعد باشا لعظم من الدورة، وهو في غاية الصحة، ولم ~~يحصل منه ولا أدنى مكدر. وفي يوم الحادي والعشرين من شهر رمضان قتل رجل في ~~سوق ساروجا وقبضوا على قاتله. وفي يوم الاثنين ثالث والعشرين من شهر رمضان ~~وجد رجل مشنوق في قصر السرايا في حارة السياس الذي فيها إقميم حمام الملكة، ~~وبقي معلقا قبيل العصر، ولم يعلم قاتله، فأمر الباشا بدفنه، وذهب هدرا. وفي ~~الخامس والعشرين وجد قتيل في تربة باب الصغير عند قبر يزيد، ولم يعلم ~~قاتله. وفي هذه السنة صمنا رمضان ثلاثين يوما، وكان عيد الفطر الثلاثاء. # وفي يوم الأربعاء سادس عشر شوال جاء الحج الحلبي، وثاني يوم سابع عشر خرج ~~موكب المحمل الشريف صحبة أميره وأمير الشام الحاج أسعد باشا، وفي تاسع عشر ~~تبعه الركب الشامي. # وفي ليلة الاثنين قبل نصف الليل أقبل أحمد بشه بن القلطقجي وحاشيته وعبد ~~الله بن حمزة وجماعته وكمال خليل وعنبر بشه وأحمد بشه دقماق ومعهم جماعة من ~~الدروز الذين كانوا هاربين، ومعهم ستين رجلا من الدروز من جماعة ابن تلحوق ~~ونزلوا في حارة الميدان، وحرقوا بوابة بيت القباني، ودخلوا داره بالتراويد ~~والشوباش، ونهبوا كل ما فيه من أمتعة وغيرها، ولم يروا أحدا من الرجال، ولم ~~يقربوا الحريم، ونهبوا حاصلين حنطة وشعير، ونهبوا دار الحاج إسماعيل بن ~~زعيتر، وكان شيخ الجمالة، ولم يقربوا الحريم، وكان صاحب الدار في الحج. ~~ونهبوا دار عبد الفتاح آغا باش شاويش، لأنه كان عليهم أكبر عواني، وبعد ~~هروبهم كان يؤذي أهلهم، ثم قبضوا على ولده، وقالوا: إن لم تعلمنا بأبيك ~~قتلناك، وإن دللتنا عليه فعليك الأمان، فمن خوفه أخرجه لهم وهو مخبأ في ~~قليط، فقتلوه وقتلوا معه رجلا من حاشية السرايا كان مارا ms051 عليهم وهم يقتلوه. # ولما بلغ موسى كيخية متسلم الشام فعلهم أرسل خلف الوالي والمفتي والقاضي، ~~وأمرهم أن يأخذوا معهم الصنجق، ونادوا عليهم خوارج، ومن كان يحب الله ~~ورسوله والسلطان يخرج لمقاتلتهم. فخرج المتسلم موسى كيخية ومعه القبقول ~~والدالاتية والتفكجية، ولما قربوا من سوق السويقة نادوا عليهم وطلبوهم، ~~وكانوا نازلين في قهوة الميدان، ثم لما وصلوا إلى باب المصلى هجموا عليهم ~~من كافة أقطار الميدان، وقتلوا منهم جماعة وجرحوا كثيرين، وقوسوا فرس ~~المتسلم وفرس المفتي ورجعوا خائبين. وثاني يوم سار إليهم الشيخ إبراهيم ~~الجباوي نفعنا الله به، فتلقوه وقبلوا يديه، وقال لهم: يا أولادي ما ~~مرادكم؟ قالوا: يخرج لنا محابيس الدروز ومجيئنا لأجلهم. فقال لهم: غدا أرد ~~لكم الجواب. فأقاموا ذلك النهار بلا قتال. وثاني يوم جاء إليهم الشيخ ~~إبراهيم، وقال لهم: يا أولادي، اصبروا حتى يأتي الباشا أو نرسل له حتى يأتي ~~جوابه. PageV01P028 قال البديري: وقد جاء صبيحة ذلك اليوم رجل من الأتراك ~~ومعه نفر من الدالاتية، وقد كانوا في صيدا، فأرسل حضرة أسعد باشا يطلبهم ~~ليخدموا عند متسلمه في الشام. وهؤلاء كانوا أول من ضرب بالسيف ونهب وسلب في ~~حركة الزرب في الشام، وكان قائدهم يسمى عبد الله الترك. ويوم الأربعاء صارت ~~مقتلة عظيمة، ذهب فيها نحو من خمسين قتيلا، كانوا من جماعة المتسلم ~~والقبقول، وواحد من الدروز خرج وقتل غلامين. وصارت أهل الشام تبيت وتصبح في ~~أشأم حال. ثم أرسل المتسلم وأتى بخمسين خيالا من بني صخر، وأرسل للقرى ~~والفلاحين، حتى صار عنده عسكر عظيم. # وبتلك الأيام لم تبطل طول الليل والنهار ضرب البندق والمدافع، وفتحوا ~~عسكر الباشا دكاكين باب الجابية ونهبوا وأكلوا وشربوا وهدموا المصاطب ~~وعملوها متاريس. وفي يوم الخميس بكروا للقتال، وزحفوا إلى جهة السويقة، ~~ومعهم الفعلة والمعامرية وحرقوا الدور والقصور، وبعد الظهر ضيقوا على الزرب ~~وهم الأشقياء، وحاصروهم وضربوا عليهم المدافع فولوا الأدبار، فتبعوهم ~~وقطعوا أربع رؤوس منهم، ومن جملتهم رأس موسى جربجي، وكان محسوبا من الزرب. ~~وهو من جملة من هرب، وما قتل حتى ms052 حمل على عسكر المتسلم أربع مرات، والرصاص ~~نازل عليه مثل المطر فأصابته رصاصة، فوقع فقطعوا رأسه وجاؤوا به إلى ~~السرايا، وأما كور عثمان فإنه كان يقاتل خلف المتاريس، بلا سلاح بل ~~بالأحجار، حتى أصابته رصاصة دخلت من يمين رأسه وخرجت من الشمال. فوقع ~~وحملوه أصحابه ورجعوا مكسورين خائبين. فهجمت العساكر على الميدان، ولم يبق ~~فيها مكان إلا ودخلوه، وأذن لهم المتسلم بالنهب والسلب من السويقة إلى آخر ~~الميدان، فنهبوا وقتلوا فلم يبق دار ولا دكان إلا نهبوها وهدموها فسلبوا ~~الأموال وقتلوا الرجال وسبوا الحريم وفضحوا نساءهم، ودام ذلك إلى وقت ~~العصر. # ثم جاءت جماعة من الزرب، ومعهم فرقة من الدروز وجماعة من أهل الميدان، ~~فردوهم عن بقية الميدان، ثم لما علمت هذه الجماعة الذين ردوهم أنهم لا طاقة ~~لهم بتلك الجموع فروا هاربين بالليل، ومعهم جماعة من أهل الميدان. ولما طلع ~~النهار نادى الحاكم بالأمان، وأن تفتح الأسواق ولا أحد ينهب، وكل من ينهب ~~أو يأخذ شيئا فروحه وماله يسلب. ثم طلع آغة القبقول على الميدان، وخرجت ~~الناس لتنظر ما جرى بها. # قال المؤرخ أحمد البديري: وأنا سرت مع من سار، فوجدناها قاعا صفصفا، ~~والقتلى بها مطروحة والأبواب مكسرة والدكاكين مخربة وجدرانها متهدمة. ~~والحاصل حالها حال تقشعر منه الأبدان وتشيب منه الأطفال. قال تعالى: " وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير " الشورى 30. # وأصبح نهار الجمعة وأهل القبيبات وما بقي من دور الميدان وباب المصلى ~~والسويقة ينقلون أمتعتهم وما بقي منها إلى داخل المدينة والقنوات وباب ~~السريجة، ووقع الإرجاف والخوف والهم والغم في دمشق الشام. وقد خافت الأكابر ~~والعوام، حتى أصحاب الدكاكين صاروا ينقلون ما عندهم ويضعونها داخل البيوت. ~~وكانت الدور التي انتهبت في تلك الواقعة ألفا وتسع مئة دار. وأما الدكاكين ~~فلا تحصى بالعدد ولا بالحساب. وصارت القبقول يأخذون الناس ويأتون بهم إلى ~~الحاكم ويقولون له: هذا كان يقاتل مع الزرب، وهذا مع الدروز، وهذا وهذا، ~~فيقتلهم المتسلم من غير شرع ولا إثبات. وصار كل منهم يقصد ms053 من أعدائه أخذ ~~الثارات. وأما بيت القباني فإنه وقع التنبيه من المتسلم أن من أخذ منه شيئا ~~من العامة يأتي به، فصارت العوام تأتي بكل ما أخذته من قمح ومتاع ودراهم، ~~حتى إنهم جاؤوا بأكياس المال مختومة. قال المؤرخ: هكذا تكون الحظوظ وقد ~~تشددت الأمور على أهل الشام وصاروا يسهرون بالليل والنهار، والناس في هم ~~وغم وغلاء. وفي كل وقت يصير فزعة وتسكير دكاكين، حتى انتقلت غالب الدور ~~التي كانت خارج المدينة إلى داخلها وإلى القلعة. # وفي يوم الخميس دخل سعد الدين باشا أخو أسعد باشا العظم، ومعه عسكر ~~كالبحر الزخار، وبلغه جميع ما صار، فغضب على المتسلم، وأضمر له التكدير. ~~PageV01P029 وفي هذه الوقعة توفي الولي المجذوب الشيخ إبراهيم الملقب ~~بالكيكي وكان رجلا مباركا، وأبوه رجل من الصلحاء من محلة القبيبات. وكان في ~~غالب أوقاته يدق على يديه ويميل إلى ورائه وإلى قدامه، وينادي بأعلى صوته: ~~ولك كيكي يا غواص، وتارة يبكي ويقول: بدي امرأة حتى..، ويقول له الناس: أي ~~شيء لك في المرأة؟ فقال: المرأة خبزة، وله وقائع وكرامات. ومن كراماته التي ~~نقلوها عنه واشتهرت أنه رأى يوما من الأيام رجلا يبيع علب لبن، فصاح على ~~صاحب اللبن وقال بدي علبة، وصار يبكي ويدق بيديه، فاجتمعت الناس وأخرجوا له ~~علبة، فقال الشيخ وهو يبكي لا أريد إلا هذه، وأشار إلى واحدة من علب اللبن، ~~فأخرجوها له، فأخذها بيده وأفرغها على الأرض، وإذا قد نزل منها حية، فتركها ~~وذهب، وله كرامات غيرها كثيرة. وسبب موته أنه أصابه قواس في رجله، فصار ~~يبكي وينادي يا أبي يا غواص، قرصتني زلقطة، ومات بعد أيام، رحمه الله ~~تعالى. # وفي يوم الثلاثاء سادس ذي الحجة أرسل موسى كيخية متسلم دمشق الشام بيرقين ~~دالاتية ومعهم بعض من جماعتهم، فجاؤوا له بإسماعيل آغا ابن الشاويش ~~بالجنزير، وكان مقيما في بعض القرى صوباصيا، ورفعه إلى القلعة، وكذلك جاؤوا ~~له بأخيه سليمان آغا ابن الحملي وبأحمد آغا ابن عساكر فأوقفوهم، وذكر ~~للمتسلم أنهم كانوا مساعدين للدروز والزرب. # وفي ms054 يوم السبت كانت وقفة عيد الأضحى في دمشق الشام، ذلك العام. وقد كانت ~~سنة كثيرة الأهوال والآلام. فقد صار فيها جدري كثير حتى أفنى وأمات أولادا ~~كثيرة فسبحان الباقي بعد فناء. ### | سنة 1162 # ثم دخلت سنة اثنين وستين ومئة بعد الألف، وكانت غرة محرمها يوم السبت. ~~والمرجو من الله تبارك وتعالى أن تكون سنة مباركة علينا وعلى جميع إخواننا ~~المسلمين. والآن الناس في شدة وحصر زائد من كثرة الغلاء والشدائد. ولكن ~~استبشرت الناس بالخير بكثرة الأمطار التي هطلت بأول هذا العام. وقد عمل ~~لهذه السنة تاريخا حسنا وفألا مستحسنا أديب الشام الشيخ عبد الرحمن، وأدرجه ~~ضمن هذين البيتين. فقال: # عام جديد نرتجي من ربنا ... فيه مزيد الخير والنعماء # فعساه يغنينا بواسع فضله ... إذ عمنا أرخت عام غناء # وفي يوم الاثنين ثاني محرم هذه السنة توفي شيخنا محدث الديار الشامية، بل ~~خاتمة المحدثين، من افتخرت به دمشق على سائر الدنيا الشيخ إسماعيل العجلوني ~~المدرس تحت قبة النسر بجامع بني أمية، ولم يبق أحد من أهل الشام من كبير ~~وصغير إلا حضر جنازته. ودفن بتربة الشيخ أرسلان، رضي الله عنه. وعوض ~~الإسلام خيرا. # وفي تلك الأيام توفي إبراهيم آغا آغة القبقول المنفصل عن منصبه أشهرا، ~~وكان دينا متواضعا ملازما لصلاة الجماعة في الجامع الأموي رحمه الله تعالى. # وفي السابع والعشرين من المحرم أقبل جوقدار الحج، وبعد ثلاثة أيام جاء ~~كتاب الحج. وفي ليلة الخميس دخل الحج الشريف خامس يوم من صفر الخير. # وفي ليلة الجمعة توفي الشاب اللطيف ذو القدر المنيف والأصل الشريف سلاسة ~~السادة السعدية والبضعة الصديقية الشيخ بكري بن الشيخ مصطفى بن سعد الدين، ~~لأن أباه من بيت سعد الدين، وأمه من بيت البكري، رحمه الله وعوضه الجنة ~~آمين. PageV01P030 وفي أوائل شهر صفر وقع بيت في حارة العقيبة على جماعة ~~قتل منهم سبعة، ونجا رجل وزوجته، واسمه سعيد بن الشاكوش، وفي عاشر ربيع ~~الأول صار برد شديد مؤلم، وصار يباع الفحم على الفروش، يحملونه على رؤوسهم، ~~كل رطل بخمسة مصاري، ms055 ويدوروا به في الأسواق والحارات، وكان ذلك قبل دخول ~~الحسوم بأيام، واستمر إلى أن دخلت الحسوم. وفي سابع عشر ربيع الأول قدم ~~جوقدارية من إصطنبول ودخلوا على أمير الحاج ووالي الشام الحاج أسعد باشا ~~العظم، وأظهر أنه جاءته بشارة من الجناب العالي، فأمر بعمل أعمال نارية ~~التي تسمى شنك. فتراكضت القبقول والعسكر لنحو السرايا، فظنت أهل دمشق أن ~~حادثة وقعت، فسكرت البلد، فأخبروا الباشا بذلك، فقال: اضربوا مدافعا ~~واعملوا شنكا آخر. ففعلوا، فهدأت الناس، وفتحت دكاكينهم. وفي تلك الأيام ~~سكر بعض الأتراك من القبقول وجرح ثلاثة أشخاص من أهل البلد، وبعد أيام ~~ماتوا من أثر جراحاتهم، ولم تقام لهم دعوة. وقد كثر الغلاء وزاد البلاء، ~~فالخبز رطله بست مصاري وهو الدون، والوسط بثمانية مصاري، والمليح باثنا عشر ~~مصرية. وأوقية السمن بسبع مصاري، وأوقية الزيت بمصريتين، واللحم رطله بست ~~وثلاثين مصرية. وبنات الهوى دائرات بالليل والنهار. والناس في كرب عظيم. # وفي شهر ربيع الأول وصل خبر لدمشق بأنه صار في طرابلس الشام غرقة أعظم من ~~التي صارت بدمشق المتقدم ذكرها. وذلك بأن نهر طرابلس زاد كثيرا وطاف على ~~أهلها حتى أغرق أكثر من خمس مئة إنسان، ماعدا الدواب والأنعام والأموال. ~~نعوذ بالله من غضب الجبار. وفي تلك الأيام أغارت أعوان الظاهر عمر شيخ ~~طبرية على جمال سائرة من الشام، ونهبوا أهلها وأخذوا مالها. وسبب ذلك أن في ~~بلاده وأرضه عرب وتركمان، وكان قد أمر أسعد باشا أن يغيروا عليهم، فغاروا ~~عليهم ونهبوهم، وأخذوا مالهم وأغنامهم، وقتلوا منهم جماعة، فأتوا بأغنامهم، ~~ففرقها الباشا على القرى ولحامة الشام، والذي كان يساوي قرش طرحه غصبا ~~بخمسة قروش وهكذا. وفي هذا الشهر صار رطل الخبز من ثمانية مصاري إلى اثني ~~عشر مصرية، والمعروك بسبعة عشر مصرية، ورطل الثوم بأربعة وعشرين مصرية، ~~وغرارة القمح باثنين وخمسين غرشا، وغرارة الذرة بثمانية وأربعين، والبيض كل ~~اثنتين بمصرية، ورطل الأرز بخمسة عشر مصرية، ورطل الفحم بستة مصاري. وكل ~~شيء زاد عن حده، والحكم لله في عبده. # وفي شهر ربيع ms056 الثاني قتل أسعد باشا ثلاثة أنفار من المتاولة وقتل البطحيش ~~من جماعة الزرب الأشقياء الفارين أيام الوقعة. # وفي يوم الاثنين رابع جمادى الثانية من هذه السنة دخل قاضي الشام السيد ~~محمد أفندي بشمقجي زاده. قال المؤرخ البديري: وبلغني أن حامد أفندي بن ~~العمادي مفتي الشام كان قد خزن القمح مثل الأكابر والأعيان الذين لا يخافون ~~الرحيم الرحمن، وأن الكيالة جاؤوا إليه وقالوا: نبيع الحنطة كل غرارة ~~بخمسين قرشا، فقال لهم: مهلا فلعل الثمن يزيد. فإذا كان مفتي المسلمين ما ~~عنده شفقة على خلق الله فلا تعتب على غيره. # وفي هذه الأيام عملوا ديوان، وأخبروا أسعد باشا بكثرة المنكرات واجتماع ~~النساء بنات الهوى في الأزقة والأسواق، وأنهم ينامون على الدكاكين وفي ~~الأفران والقهاوي. وقال: دعنا نعمل لهم طريقا إما بترحيلهم أو بوضعهم بمكان ~~لا يتجاوزونه، أو نتبصر في أمرهم. فقال: إني لا أفعل شيئا من هذه الأحوال، ~~ولا أدعهم يدعون علي في الليل والنهار، ثم انفض المجلس، ولم يحصل من ~~اجتماعهم فائدة. # وفي تلك الأيام زاد الغلاء في بلاد الشام، فبلغنا أن رطل الخبز في طرابلس ~~بعشرة مصاري، وفي غزة والرملة بخمسة وعشرين مصرية، وفي الشام ليس واقف على ~~سعر، وقد زاد الغلاء والبلاء والقهر. # قال المؤرخ البديري: وفي هذه الأيام اشترى أسعد باشا والي دمشق الشام ~~أملاكا كثيرة من دور وبساتين وطواحين وغير ذلك، وهذا قبل بنائه لداره ~~وقيساريته. وفي ثامن جمادى الثانية من هذه السنة نزل الشعير الجديد، فباعوا ~~خبز شعير رطله بأربع مصاري، والأبيض بستة. ثم ثاني يوم خرج المنادي بأن ~~يباع الخبز الحنطة بأربع مصاري والأبيض بستة مصاري. ولم تحصل للفقراء ~~نتيجة، فكل يوم بسعر جديد، والله يفعل ما يريد. # وفي يوم الخميس ثاني عشر جمادى الأولى توفي العالم الفاضل الشيخ عبد ~~الوهاب الدالاتي رحمه الله. PageV01P031 وفي يوم الأربعاء حادي عشر جمادى ~~الثانية نزل القمح الجديد، وبيعت غرارة القمح بخمسة وأربعين قرشا، وكانت ~~قبل نزوله باثنين وخمسين، فصاحت العامة واستغاثت، ونهبوا بعض الأفران، ثم ~~صاروا ينادوا في ms057 الأسواق رطل الخبز بثلاثة مصاري وبأربعة مصاري، فباعت أهل ~~دمشق جميعا بذلك الثمن، وفرحت أهل البلد كثيرا، فزينت البلد. وكان حضرة ~~الوالي أسعد باشا في جنينة أبيه في مسجد الأقصاب قد عمل سيرانا ومعه أكابر ~~الشام، فلما بلغه هذا الخبر غضب غضبا شديدا، وأمر الحاج محمود تفكجي باشا ~~أن يأخذ أعوانه الفساق ويدور في البلد والأسواق، وأن ينبه على الخبازين أن ~~لا يبيعوا رطل الخبز إلا بستة مصاري والأسود بأربعة، وكل من خالف يأكل ~~علقة، والحذر ثم الحذر. فرجعوا للمنهج الأول، واسود الخبز وتغير، والله ~~أكبر وأغير، وفي سادس عشر من جمادى الأولى صارت غرارة القمح بستة وعشرين ~~غرشا، فبيع رطل الخبز بثلاثة مصاري، وبدت تزول الشدة بإذن الله تعالى. # وفي تلك الأيام وصل خبر إلى دمشق بأن عبد الله آغا بن حمزة وكمال خليل، ~~وهما من رؤوس الزرباوات المنهزمين من دمشق قبض عليهم الظاهر عمر حاكم قلعة ~~طبرية، وقطع رؤوسهم وأرسلهم إلى صيدا، وحاكم صيدا أرسلهم إلى الدولة، وأرسل ~~يطلب فرمان شريف بأن أسعد باشا حاكم الشام لا يمر في سفره بالدورة على أرض ~~طبرية. وفي يوم الاثنين غرة رجب الفرد من هذه السنة نادى أسعد باشا حاكم ~~الشام وأن كل من شرب بها شنق وصلب، ثم أمر برفعها، فرفعت من سائر قهاوي ~~الشام وأسواقها. قال المؤرخ البديري: وقد صار شربها في الشام من أعظم ~~المصائب، فصار يشربها الرجال والنساء حتى البنات، جزاه الله خيرا. # وفي ثالث رجب نادت الخبازة والسوقية بأن رطل الخبز بأربع مصاري والخاص ~~بخمسة مصاري، والذي خلط ذرة أو شعير بمصريتين، فمن كثرة فرح أهل الشام سيما ~~الفقراء صاروا يبكون وينتحبون سرورا، حيث فرج الله عنهم. وقد زينت غالب ~~أسواق الشام. وفي ذلك اليوم بيعت غرارة القمح الجيد والشعير بثمانية قروش، ~~وفرج الله عن عباده بمنه وكرمه. # وفي يوم الجمعة ثاني شعبان المبارك دخل خليل آغا وأحمد آغا أولاد ابن ~~الدرزي، وواجهوا متسلم دمشق، فتلقاهم أحسن ملتقى وكان معهم بيردي من أسعد ~~باشا، حيث واجهوه ms058 بواسطة الشيخ إبراهيم السعدي الجباوي، نفعنا الله به ~~وبأجداده، وكانوا هاربين عند العرب، فأعطاهم الأمان، لما طلع أن ليس لهم ~~ذنب بتلك الأعمال. PageV01P032 وكانت هلة رمضان هذه السنة، وقبل رمضان ~~بيومين خرج قاضي الشام السيد محمد أفندي بشمقجي زاده، خرج إلى الصالحية مع ~~حريمه، ثم رجع في وقت العصر من الصالحية وحريمه معه، وهو شاهر السلاح بيده ~~طبنجة، وفي رجله الواحد بابوجة والثانية حافية بلا بابوج، وقد جرح من ~~جماعته شخصا. ولم يزل على هذه الحالة حتى وصل إلى المحكمة، ثم تبين أنه كان ~~سكرانا... قال المؤرخ: قد فحصت عن سبب نزول القاضي بهذه الكيفية، فتبين ~~الأمر بخلاف ما ذكرنا من كونه كان سكرانا، وإنما هو من حدة مزاج وقع منه. ~~والسبب في ذلك أنه كانت له سرية، وكان مغرما بها، حتى طلق زوجته لأجلها، ~~فأرادت زوجته أن تنكد عيشته، فيوما من الأيام جاء بعض ضيوف لجاريته التي ~~يحبها، فأرادت أن تضع أمام الضيوف طعام ودجاج وغيره من الذي هيأه القاضي ~~للغذاء في الصالحية، فمنعتها زوجة القاضي وكانت غير سخية، فلما جاء القاضي ~~عرفته جاريته بذلك، وأنها لم تضع أمام ضيوفي طعاما ولا غيره، ثم صارت تبكي، ~~وكان القاضي يحبها فوق العادة، فقام على زوجته فطلقها، لما قيل إن ذلك كان ~~سبب طلاقها، وقام على خدامه فجرد عليهم السلاح، وأمر الحريم بالنزول، وطلب ~~هو المركوب، فأبطؤوا، ثم وجد فردة فنزل بها إلى الجسر، ثم ركب ونزل للمحكمة ~~على تلك الحالة، فأظهرت أعداؤه أنه سكر والأمر بخلافه. ثم ما كفى زوجته ~~التي طلقها هذا الفعل، حتى اشتكت عليه إلى الدولة العلية، فجاء الأمر ~~بفرمان عزله وبنفيه إلى جزيرة قبرص وبضبط ماله جميعه لزوجته، فباعوا جميع ~~متروكاته، واخذوا جميع ما عنده من المال، فبلغ ثمانية أكياس، فأعطوهم إلى ~~زوجته المطلقة. وكان ذلك بأمر من الدولة، ثم تأسفت عليه غالب الناس، غير ~~الذين لهم أغراض، لما كان عليه القاضي المذكور من الاستقامة والقناعة ~~والتواضع والسخاء الكثير، حتى إنه في شهر رمضان كان يأكل ms059 قنطار من السمن ~~ومن الأرز مثل ذلك، ومن اللحم كذلك، حتى إنه على الأقل يوجد عنده في رمضان ~~نحو ثلاثين ماعدا الفقراء. ولما كان لا يأكل الرشوة ولا يميل في دعوى مالت ~~أهل الشام عليه مع زوجته، حتى سمعوا بعزله كما هي عادتهم قديما. # وفي يوم الأحد منتصف شوال جاءت خزنة مصر إلى الشام. ويوم الاثنين سادس ~~عشر شوال خرج المحمل الشريف بأميره الحاج أسعد باشا بن إسماعيل باشا العظم، ~~وقد كانت هذه هي الحجة السابعة لحضرة أسعد باشا المذكور. وقد كان أبوه ~~إسماعيل باشا حج ستة. وهذه الحجة بهذه السنة هي السابعة لأسعد باشا. وثاني ~~يوم خروج المحمل شنق المتسلم اثنان من الأشقياء اللصوص، لهم وقوعات كثيرة، ~~ثبت أخيرا أنهما نزلا دارا ليلا، فسرقا جميع ما فيها من غالي الثمن، واسم ~~أحدهما شيخ التكية. # وبعد خروج الحاج الشامي بأربع أيام خرج السيد يونس شريك أسعد باشا بقافلة ~~عظيمة ومعه جماعة كثيرة، ولحقوا الباشا والحاج إلى المزيريب. وفي هذه السنة ~~جدد أسعد باشا في مدرسة أبيه إسماعيل باشا التي في سوق الخياطين الحجرات ~~الفوقانية، وجعل في قبليها جامعا وخطبة، ورتب أجزاء من القرآن وشوربة وزيتا ~~وغير ذلك. جزاه الله خيرا. # وفي تاسع ذي القعدة سافر القاضي المتقدم ذكره لصيدا، يريد قبرص بنية ~~النفي لها، وخرجت بعض الأكابر لتوديعه. وفي خامس عشر ذي القعدة جرصوا ثلاثة ~~أشخاص ودورهم في كل البلد مسخمين الوجوه راكبين على حمير بالمقلوب. فسألنا ~~عن السبب، فقيل إنهم يسكون الفلوس الرملية، وهي غش فكان أحدهم كردي والثاني ~~داغستاني. # وفي ذلك اليوم أمر الحاكم بأن يخرجوا بنات الهوى، وهم الشلكات، من البلد ~~إلى خارج البلد، وأظهر أنه يريد أن ينفيهن إلى بلاد أخرى، ونبه على مشايخ ~~الحارات أن من وجد في حارته ذو شبهة لا يلومن إلا نفسه، ثم نادى منادي إن ~~النساء لا يسبلن على وجوهن مناديل، إلا حرم الباشا ونساء موسى كيخية. ثم ~~شرع أعوان الحاكم بالتفتيش وشددوا، فانفرجت بعض الكربة، ثم ما بقي هذا ~~التشديد ms060 غير جملة أيام، إلا وقد رأينا البنات المذكورات يمشين كعادتهن في ~~الأزقة والأسواق وأزيد، ورجعن إلى البلد، ورتب الحاكم عليهن في كل شهر على ~~كل واحدة عشرة غروش وجعل عليهم شوباصيا، بل قطع من الناس وسلب والله ~~المستعان. PageV01P033 وفي يوم الثلاثاء دخل سعد الدين باشا أخو أسعد باشا ~~بن العظم إلى الشام بموكب عظيم، لأنه سردار الجردة وأميرها وقد سار بها في ~~السنة الماضية. ### | سنة 1163 # ثم دخلت سنة ثلاث وستين ومئة وألف، وكان غرة محرمها يوم الخميس. والبرد ~~كثير والغلاء باقي لم يزل. وظل الخبز بخمسة مصاري، ورطل الأرز باثنتي عشر ~~مصرية، ورطل اللحم بأربعة وعشرين مصرية، ورطل الفحم بثلاثة مصاري، ورطل ~~الدبس بثمان مصاري، وأوقية السمن بخمسة مصاري. والجليد الذي صار في هذه ~~السنة ما سمعنا بمثله. نسأله تعالى اللطف. # وفي منتصف محرم من هذه السنة توفي العالم العامل الشيخ محمد الديري، وكان ~~يدرس بالجامع الأموي رحمه الله تعالى. وبعده بيومين توفي الشيخ العالم ~~الزاهد منلا عباس الكردي خليفة شيخه منلا إلياس الكردي، وفي مكانه بجامع ~~العداس رحمه الله ودفن بسفح جبل قاسيون. وفي ثامن وعشرين من المحرم توفي ~~الشيخ عيسى إمام صلاة الأولى بجامع بني أمية في محراب السادة الشافعية. # كان رحمه الله رجلا صالحا حسن القراءة حسن الصوت، يلبس دائما ثيابا ~~بيضاء، وعمامته من صوف أبيض. وكانت جنازته حافلة لم يتخلف عنها إلا القليل، ~~ودفن بتربة البرامكة قبلي المرجة، رحمه الله. # وفي ذلك اليوم كسفت الشمس، وبقيت مكسوفة نحو ثلاث ساعات، وصلى الناس صلاة ~~الكسوف بجامع الأموي. # وكان دخول الحاج الشريف تلك السنة نهار الأربعاء خامس صفر. وثاني يوم ~~الخميس دخل أمير الحاج أسعد باشا بموكب المحمل الشريف. وهذه السنة السابعة ~~من حجاته المتواليات. وقد ذكرت الحجاج أن هذه السنة أيمن السنين وأحسنها ~~وأرخصها ذهابا وإيابا. ودخل حضرة سعد الدين باشا مع أخيه أسعد باشا وهما في ~~غاية الصحة. # وفي خمسة وعشرين محرم شنق متسلم الشام موسى كيخية خمسة أنفار من الدروز ~~الأشقياء. وفي تلك الأيام ms061 مات قاضي مكة ودفن بباب الصغير. ويوم الأحد ثالث ~~وعشرين صفر توفي الولي الزاهد الشيخ محمد بن عبد الهادي العمري، وصلوا عليه ~~في الأموي، ودفن في مرج الدحداح، وكانت جنازته غاصة بالرجال والنساء، رحمه ~~الله. وفي الخامس والعشرين من صفر شنق الباشا ثلاثة رجال، جاؤوا بهم أهل ~~دوما إلى الوالي أسعد باشا، وأخبروه أنهم وجدوا معهم خرج كذا فيه متاع ~~لقفطجي السلطان، فأمر بصلبهم. وفي يوم السبت سلخ صفر سافر سعد الدين باشا ~~لمحل مأموريته التي هي في طرابلس. وفي تلك الأيام توفي الشيخ مصطفى الكردي ~~الذي كان قاطنا بمدرسة سليمان باشا بن العظم، وكان فقيها دينا. ودفن في سفح ~~قاسيون رحمه الله. وبهذه الأيام أيضا توفي نجيب أفندي السفرجلاني، وكان من ~~صدور أكابر دمشق، وصار له مشهد عظيم ودفن بمقبرة باب الصغير. وتوفي أيضا ~~بتلك الأيام في أوائل ربيع الأول من هذه السنة توفي الشيخ الصالح العالم ~~الشيخ مصطفى بن الشيخ شعيب من محلة باب السريجة، وصار له مشهد عظيم ~~بالأعلام، وخرجت بجنازته جميع مشايخ الطرق، ودفن بباب الصغير، رحمه الله. # وفي تلك الأيام توفي أيضا الولي الزاهد، من غلبت عليه الجذبة الإلهية، ~~السيد مصطفى بن الشيخ مراد، وكانت الدولة والقبول في الشام وإسلامبول إلى ~~ابن أخيه السيد علي أفندي، وخرجت جميع الأعيان بجنازته ودفن بباب الصغير ~~رحمه الله. وفي ليلة الاثنين توفي الولي الكامل ذو الكرامات الظاهرة ~~والأحوال الباهرة، من قد خلع العذار وتساوى عنده الليل والنهار، وشرب من ~~خمر شراب الجبار، وأعطى درجة القبول عند الكبار والصغار الشيخ محمد جبري، ~~وقد كان أحيانا يغيب وأحيانا يحضر، وأحيانا يسكر، وقد كان له جماعة ~~وتلامذة، وكان في درجة الشيخ أحمد النحلاوي، وقد كان يتردد عليه أيام ~~حياته، ولما توفي النحلاوي لازمه جماعة من فقراء الشيخ صاروا يدوروا معه ~~ويباتوا معه أين ما بات. وكانت وفاته بباب السريجة، وصار له مشهد عظيم. # وفي منتصف سعد الذابح جاء الثلج يومان وليلتان بلا انقطاع ولم يعقبه مطر، ~~وبقي على الأساطيح وفي الأزقة ms062 أكثر من عشرين يوما، حتى صار رطل الفحم بنصف ~~قرش وبثلث، ورطل الخبز من أربعة مصاري إلى ثمانية، وأوقية السمن بخمسة ~~مصاري، ورطل اللحم بثلاثين مصرية. والحاصل كل شيء غال، والخلق في تعب بال. ~~PageV01P034 وفي تلك الأيام قتل قبقولي رجلا شريفا بعد العشاء، فاشتكت ~~والدة القتيل للوزير أسعد باشا ولازمته، فأمر بإحضاره فقبضوا عليه بعد ما ~~هرب، فأمر الوزير بخنقه، فخنق بالقلعة. # وفي تلك الأيام توفي الشاعر الأديب والفاضل اللبيب من لم ينسج في زمنه ~~شاعر على منواله الشيخ عبد الرحمن البهلول رحمه الله تعالى، ودفن بباب ~~الصغير قبالة بيوت النحانة من جهة الشاغور. وهذا البهلول صاحب القبول هو ~~صاحب القصيدة التي مدح بها الأستاذ الشيخ عبد الغني النابلسي المحتوية على ~~أكثر من مئة تاريخ في كل شطر منها تاريخ. ولما قدم القصيدة لأستاذه الممدوح ~~ورأى حضرة الشيخ أنها فريدة في بابها بهذا النسق المدهش العجيب قال له: لقد ~~استخرنا الله تعالى يا شيخ عبد الرحمن وعملناك شيخ الأدب في الشام. # ونهار الاثنين خامس عشر ربيع الأول وقع سقف السوق الضيق خلف الجامع ~~الأموي الذي فيه القهوة. وكان وقوعه بعد صلاة الحنفي. وكان تحته جماعة مات ~~منهم أربعة أشخاص وهشم جماعة. # قال المؤرخ البديري: وفي يوم الخميس ثامن عشر ربيع الأول خرجنا إلى سيران ~~بناحية الشرف المطل على المرجة مع بعض أحبابنا. وكان الوقت في مبادئ خروج ~~الزهر، وجلسنا مطلين على المرجة والتكية السليمية، وإذا بالنساء أكثر من ~~الرجال جالسين على شفير النهر، وهم على أكل وشرب وقهوة وتتن. كما تفعل ~~الرجال، وهذا شيء ما سمعنا بأنه وقع نظيره حتى شاهدناه ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله. قال المؤرخ: ثم لم نزل في سرور وانبساط، حتى أنشدت هذا المواليا ~~فقلت: # مضى لنا يوم مثله ما سبق يا خال ... في مرجة الشام ما تشوفون موضع خال # ملا خميس مضى ما صادفه أرزال ... في ثامن عشر ربيع الآخر راح البرد # يا هل الأدب أرخوه الضيق عنكم زال # وفي ذلك اليوم وقع رجل ms063 معماري من سطح سوق الخياطين ومات لوقته. وثاني يوم ~~الجمعة تاسع عشر ربيع الآخر مر الشيخ محمد بن جقيجقه في العمارة وحامل بيده ~~قرنبيط إذ سقط على الأرض بلا روح، وحمل لداره ميتا، رحمه الله. # وفي تلك الأيام أخذ أسعد باشا دار معاوية رضي الله عنه وأخذ ما حولها من ~~الخانات والدور والدكاكين وهدمهم كذا وشرع في عمارة داره السرايا المشهورة ~~التي هي قبلى الجامع الأموي، وجد واجتهد في عمارتها ليلا ونهارا، وقطع لها ~~من جملة الخشب ألف خشب، وذلك ما عدا الذي أرسلوه له أكابر البلد والأعيان ~~من الأخشاب وغيرها، ورسم على حمامات البلد أن لا يباع قصرمل لأحد، بل يرسل ~~لعمارة السرايا، واشتغلت بها غالب معلمي البلد ونجاريها، وكذلك الدهانين، ~~بل قل أن يوجد معلم متقن أو نجار أو دهان كذلك إلا والجميع مشتغلون بها، ~~وجلب لها البلاط من غالب بيوت المدينة، أينما وجد بلاط أو رخام وغير ذلك، ~~مثل عواميد وفساقي يرسل فيقلعهم القليل من ثمنهم. وكان في قرب تربة ~~البرامكة قصر يقال له الزهرابية، قيل هو من عمارة الملك الظاهر وهو على ظهر ~~بانياس مطل على المرجة، وكان مكان منتزه عظيم تهدم غالبه. وفي قربه مدفن ~~وعليه قبة من حجر ورأس القبة مقلوع، وفيه وهدة قيل إنه كان في رأسها خبية ~~قديمة فأخذت. قال المؤرخ: وقد بلغني عن سبب أخذها أنه كان مكتوبا على باب ~~جدار القبة هذا المواليا: # داري زمانك وصحبك ثم داريها ... وتجنب الناس عاليها وواطيها # وإن سألوك عن عيوب الناس غطيها ... العقل في الراس قاضيها وواليها # وكان كل من يقرؤه يتخيل شيئا، إلى أن جاء صاحب النصيب ليلا وصعد إلى أعلى ~~القبة وحفرها وأخذ ما فيها، ولم تزل بلا رأس إلى زماننا هذا، إلى أن أخبروا ~~حضرة الوزير أسعد باشا العظم صاحب العمارة عن هذه القبة وعن المدفن الذي ~~بجانبها، وأن الأراذل والأشقياء يجتمعون عندها هناك ليلا ونهارا على فسق ~~وفساد وغير ذلك، فأمر بهدمها حالا ونقل حجارتها إلى داره. PageV01P035 وفي ~~تلك الأيام ms064 بلغ حضرة الوزير أسعد باشا أن في دار ابن كيوان طاحونة قديمة، ~~يقال لها طاحون الرهبان، قد تهدمت ولم يبق منها سوى رسوم أسفلها، وأنها ~~مركبة على بانياس، فحالا أمر حضرة الباشا بقطع نهر بانياس وأن يخرجوا جميع ~~ما فيها من أعمدة وأحجار وينقلوهم إلى الدار. فاشتغلت الفعالة والحجارة ~~والبساتنة، واستقاموا يقلعون الأحجار وينقلونها إلى دار الباشا اثنا عشر ~~يوما، والنهر مقطوع عن أصحابه. # وفي يوم الخميس سادس وعشرين ربيع الثاني من هذه السنة عمل حسن أفندي ~~السفرجلاني وليمة لحضرة أسعد باشا والي الشام بالصالحية في قاعة ابن قرنق. ~~وكانت ضيافة عظيمة، قيل تكلف عليه نحو إحدى عشر مئة غرش. فنظر حضرة الباشا ~~إلى سروات شاهقات في داره، فطلب من صاحبهم علي آغا بن قرنق قطعهم لأجل ~~عمارة داره، وعرض أسعد باشا صاحب العمارة عليه شيئا من المال، فأبى أن يأخذ ~~من ثمنهم شيئا، وقطع له ثلاث سروات ليس لهم نظير في الشام ولا في غيرها. ~~ونقل من قرية بصرى أحجارا وأعمدة من الرخام شيئا كثيرا، وأخذ من مدرسة ~~الملك الناصر التي في الصالحية أعمدة غلاظا جيء بهم محملين على عربات تجر ~~بالبقر وهدم سوق الزنوظية الذي فوق حارة العمارة، وكان كله أقبية معقودة ~~فأمر بفكه ونقله إلى داره المشار إليها. ونقل إليها أيضا أعمدة من جامع ~~يلبغا، وأنه مهما سمع ببلاط بديع أو أعمدة أو أحجارا من أي محل كان يأتي ~~بها شراء وغير شراء. # قال المؤرخ أحمد البديري عفا الله عنه: وفي تلك الأيام قتل ابن خطاب ~~الدالاتي في سوق البزورية وقت أذان العشاء، جاء ضرب سلاح على رأسه، أخذ نصف ~~رقبته مع رأسه، فوقع قتيلا كأنه ما كان. هذا ووزير الشام مشغول في عمارة ~~داره، ولم يلتفت إلى رعاياه وأنصاره ويقول: ائتوني بحجارة المرمر والرخام ~~والسرو، وتفننوا بالبناء والنقوش والتحلية بالذهب والفضة، وجلب عواميد ~~الرخام على العجلات والبقر من بصرى، وخرب سوق مسجد الأقصاب، واستجلب جميع ~~ما فيه من أحجار وأخشاب، وكل ما سمع بقطعة أو تحفة ms065 من رخام أو قيشاني أو ~~غيرها يرسل فيأتي بها إن رضي صاحبها أو أبى. وإذا أراد الفقير أن يعمر أو ~~يرمم لم يجد معماريا ولا نجارا ولا خشبا ولا مسمارا ولا ترابا ولا قصرمل ~~ولا أحجار، وهذا مع غلاء الأسعار وحلول الأكدار. وقد أخذ حضرة الباشا قدرا ~~وافيا من ماء قنوات، فما وصل إلى السرايا حتى تقطعت السبل ومياه غالب ~~الجوامع والحمامات، وبقي مدة مقطوعا حتى عن غالب البيوت. # وفي تلك الأيام عمل علي أفندي المرادي ضيافة لحضرة أسعد باشا في قرية ~~ببيلة في طريق قبر الست، وكانت ضيافة حافلة في الغداء والعشاء. # وفي تلك الأيام أيضا أمر حضرة الوزير أسعد باشا العظم متولي الجامع ~~الأموي الشيخ إبراهيم الجباوي السعدي بأن يصلح أحوال الجامع المذكور ويتفقد ~~مصالحه. فحالا باشروا بترميم المئذنة الغربية، وأزالوا ما فيها من الأحجار ~~العاطلة، وأزالوا ما به من الحصر والطنافس العتق، وفرشوه فرشا جديدا بهمة ~~حضرة الباشا. # وفي يوم الاثنين سادس جمادى الأولى خرج الحاج أسعد باشا وعمل سيرانا في ~~أرض الغوطة، ومعه أكابر دمشق وأعيانها. # وفي يوم الجمعة عاشر يوم من جمادى الأولى والناس في صلاة الجمعة، ألقى ~~رجل نفسه من قلعة دمشق إلى جهة قهوة المناخلية، فتكسرت يديه كذا ورجليه، ~~وسبب حبسه أنه اتهم بافتضاض بنت. PageV01P036 وفي تلك الأيام بشهر آذار ~~الرومي ثار ريح شديد عاصف ما سمع بمثله، تزلزلت فيه أقطار الشام، حتى ظن ~~الناس أن القيامة قد قامت، وأعقبه برد ومطر شديد متراسل إلى آخر الليل. وفي ~~تلك الأيام جاء رجل من الأتراك إلى دمشق، ومعه صحن من نحاس يضعه على عود ~~ويفتله عليه، ويحذفه إلى أعلى قامتين، ويتلقاه على العود وهو يفتل، وينقله ~~من إصبع وهو دائر يقتل، ويلم فلوسا من المتفرجين. ثم صارت أولاد الشام تفعل ~~كفعله، فتعجب من ذلك وذكر أنه دار بلادا كثيرة في الدنيا، وما قدر أحد أن ~~يفعل كفعله، ثم سافر ولم ير بعد. وأغرب من ذلك أنه جاء رجل أيضا من أبناء ~~الترك قبل الذي ms066 ذكرناه يصفق بأصابعه، يضرب بالواحدة على الأخرى، ويدق برجله ~~على الأرض دقا محكما، ويغني بالتركي والعربي، فتجمع عليه الخلق ويعطونه ~~فلوسا. فصارت أولاد الشام الصغار تفعل كفعله وأحسن. وذكر أنه دار في الدنيا ~~مدنا كثيرة فلن يتعلم هذه الصنعة سوى أولاد دمشق، واندهش من ذكائهم. # وفي جمادى الآخرة قتل رجل في محلة العقيبة، فسألت عن السبب، فقيل إنه رجل ~~يشتغل بالفرن، فمضى إلى فرنه آخر الليل وسكر باب داره وترك زوجته نائمة، ~~فلما وصل إلى فرنه واستقر برهة، جاءه نذير، وأخبره أنه رأى رجالا دخلوا ~~داره، فجاء يعدو بالحال، فوجد السكرة، مفتوحة، فجس الباب فوجده مدربسا، ~~فصاح على زوجته فأجابته، فقال لها من من عندك، فصاحت: واعرضاه من يكون ~~عندي، فقال لها افتحي الباب، فتعللت بعدم قدرتها على فتح الباب، فصاح بشدة، ~~وإذا قد فتح الباب وخرج منه رجال، فضربه أحدهم بطبنجة جاءت في صدره فقتلته ~~حالا، فلما طلع النهار أخبروا حضرة وزير الشام أسعد باشا، فأحضر المرأة بين ~~يديه، وسألها فأنكرت فأمر بحبسها، فحبست وذهب دم زوجها هدرا. # وفي تلك الأيام أيضا جيء لحضرة الوزير أسعد باشا بامرأة قتلت زوجها، ~~فسألها عن السبب، فقالت له إنه تزوج علي، فلما كانت ليلتي نام وتركني، فقمت ~~وقطعت ذكره، وقلت لا لي ولا لها، فمات من ذلك. فضحك حضرة الوزير، ولم يفعل ~~بها شيئا سوى أنه أمر بحبسها. # وفي اليوم الحادي والعشرين من جمادى الثانية من هذه السنة ذهب والي الشام ~~إلى الدورة، ومتسلمه موسى آغا كيخية. فثاني يوم من ذهاب الباشا شنق متسلمه ~~المذكور اثنين، قيل إنهم متاولة كانا يقطعان الطريق، ثم نادى أن لا أحد بعد ~~صلاة العشاء يخرج لا بضوء ولا بلا ضوء. وهذا شيء ما سبق قط. ثم صار بنفسه ~~يدور بالليل، وكان من الجبابرة. وبهذه السنة ثبت أول رجب السبت وليلة نصف ~~شعبان كانت ليلة الاثنين، وأول رمضان كان الثلاثاء. وفي سادس عشر رمضان دخل ~~ركب الصرة أميني؛ ودخلت أيضا خزنة مصر إلى الشام. وفي الحادي والعشرين ms067 منه ~~دخلت البلطجية. وفي ليلة الرابعة والعشرين بعد صلاة التراويح قتل كردي يقال ~~له كرا مصطفى في الحدرا، ولم يعلم غريمه، فاتهموا فيه رجلا بغداديا، فتسلحت ~~الأكراد، ونزلت حتى وصلت إلى الدرويشية وباب الجابية لعلهم يصادفون أحدا من ~~البغادة ليقتلوه فلم يجدوا، وكانت الخلائق في الدرويشية صفوفا وألوفا، ~~فبهجوم الأكراد تفرقوا وهربوا، ودخل الخوف والرعب في قلوب الناس، وإلى الله ~~المصير. # وبعد ثلاثة أيام حضر الباشا من الدورة، وكان دخوله مع أذان المغرب. # وفي سلخ رمضان يوم الوقفة قتل الأكراد اثنين من البغادة لأخذ ثأر القتيل ~~الكردي الذي قدمنا ذكره، فتسلحت البغادة والموصلية وساعدتهم التفكجية ~~والقبقول، وطلبوا خان الأكراد، فرمى الأكراد عليهم طلقا من الرصاص، فقتلوا ~~جماعة وجرحوا، فرجعوا على الأكراد ونهبوا بعض قهواتهم، وأرادوا أن يعملوا ~~جمهورية كذا ويقيموا فتنة في البلد. فنهاهم حضرة الوزير حفظه الله عن ذلك، ~~بقيت الأمور مطوية. وكان عيد الفطر يوم الأربعاء، وقد صمنا رمضان تماما، ~~بعدما كنا صمناه أعواما ناقصا. وبعد أيام رحلت خزنة مصر إلى اصطنبول. # وفي سابع عشر شوال رحل أمير الحاج بالمحمل الشريف والموكب المنيف الحاج ~~أسعد باشا العظم. وهذه السنة هي الثامنة من حجاته المتوالية. وثاني يوم جاء ~~الحاج الحلبي. وفي الحادي والعشرين من شوال رحل الحاج الشامي والحلبي من ~~الشام. وبعد خمسة أيام جاء حاج من العجم، وتبع الحاج إلى المزيريب من جهة ~~اللجاة، ورحل الحاج من المزيريب يوم السابع والعشرين من شهر شوال. ~~PageV01P037 وبعد رحيل الباشا نادى المتسلم على الفلوس الرملية كل إحدى ~~وعشرين فلسا بمصرية، وأطلق البغدادي الذي اتهم بقتل القرا مصطفى الكردي، ~~وكانوا قد رفعوه للقلعة، وبعد إطلاقه بأيام سكر وعربد وضرب حمارين فقتلهما، ~~فاختبطت البلدة، وأرسل المتسلم في طلبه، فهرب ولم يظهر له أثر، ولا وقفوا ~~له على خبر، فقبضوا على مملوك له فخنقوه. # وقبل خروج حضرة أسعد باشا إلى الحاج الشريف بثلاثة أيام انتهت عمارة دار ~~الباشا، التي هي للحريم، وفرشت بأحسن المفروشات، ونقل حرمه إليها. # وفي تلك الأيام حصلت وقعة عظيمة بين ms068 الدروز والمتاولة، ومع المتاولة أيضا ~~أولاد الظاهر عمر حاكم طبرية، وقتل من الفريقين، وحصروا قتلى الدروز، ~~فكانوا نحوا من تسع مئة قتيل، وهي فتنة كبيرة. وفي يوم السبت خامس ذي ~~القعدة ضربت مدافع فسألنا عن الخبر، فقيل جاء من السلطنة مقرر إبقاء أسعد ~~باشا العظم والي الشام. # قال المؤرخ البديري: وفي ليلة الأربعاء لعشرين مضت من شهر ذي القعدة من ~~هذه السنة توفي الشيخ إسماعيل بن شيخنا وأستاذنا الشيخ عبد الغني النابلسي، ~~مات عن ثلاثين ولدا من بنيه وأولاد بنيه، وعمر سبعة وسبعين سنة، لأن مولده ~~سنة خمس وثمانين بعد الألف ووالده الأستاذ مولده سنة خمسين بعد الألف ~~ووفاته سنة ثلاث وأربعين ومئة بعد الألف فيكون عمر الأستاذ والده ثلاثا ~~وتسعين سنة، وكانت وفاته بالصالحية ودفن في دارهم التي في العنبرانية قبلى ~~الجامع الأموي، وحمل نعشه للصالحية، ودفن في دار أبيه بجانب ولده الشيخ ~~طاهر، رحمهم الله تعالى ونفعنا ببركاتهم أجمعين. ### | سنة 1164 # ثم دخلت سنة أربعة وستين ومئة وألف، كانت هلة المحرم نهار الثلاثاء، ~~جعلها الله سنة خير وبركة علينا وعلى المسلمين. وفي ستة وعشرين من المحرم ~~جاء جوقدار الحج الشريف، وبشر عن الحج بكل خير من كثرة الرخص والمياه وغير ~~ذلك ولله الحمد. غير أن الغلاء لم يفارق الشام، فقد دخلت هذه السنة ورطل ~~الخبز بخمسة وبستة مصاري، ورطل الأرز بعشرة مصاري، ورطل اللحم بثمانية ~~وعشرين مصرية، ورطل الدبس بتسع مصاري، وأوقية السمن بستة مصاري، والعملة ~~مغشوشة، والفلوس غير منقوشة، والنساء باحت والرجال ساحت، والحدود طاحت، ~~والأكابر مشغولة ومروءة الرجال مغلولة، إلى آخر ما قال المؤرخ. # وفي تلك الأيام جاؤوا بأربع رؤوس من العرب قطاع الطريق، أتى بهم عيسى بشه ~~الحبش، أحد الزرباوات الهاربين، فعفي عنه لأجل ذلك. # وفي تاسع وعشرين محرم جاء كتاب الحج، وذكر أن هذه السنة هي أريح وأجود ~~السنين في أيام الحاج أسعد باشا والي الشام حفظه الله. غير أنهم جاءهم سيل ~~عظيم في عسفان أوقعهم أياما، ثم أمر الباشا بأن يجدوا في المسير ms069 حتى ترك من ~~العشرة اثنين، هكذا ذكر لي بعض الحجاج. ودخل الحاج يوم الأربعاء ثاني صفر. ~~وثاني يوم الخميس دخل المحمل الشريف، وأسعد باشا وأخوه سعد الدين باشا ~~سردار الجردة بالموكب العظيم. وثامن صفر دخل قاضي الشام عبد الله أفندي ~~سعيد زاده ليلا وعليه جلالة وهيبة ولم يتكلم بقال وقيل. وبلغنا أن عثمان ~~باشا المحصل حاكم جدة مات ودفن بها. # وفي تلك الأيام من هذه السنة جاء منصب حلب إلى سعد الدين باشا أخو أسعد ~~باشا، فتحول من طرابلس بعياله وذهب من دمشق إلى حلب، وقد أشاعوا أن سلفه ~~حاكم حلب كان ظالما غاشما، وقد خرب قرايا كثيرة، وعمر عماير كثيرة، أخذ ~~غالب مصارفها من أهل حلب، وبنى بها جامعا يدهش الأبصار. # وبعد مجيء الحاج أسعد باشا من الحج الشريف وجدنا داره قد تمت عمارتها، ~~فلما دخلها زاد فرحا وابتهاجا وسرورا، فذبح الذبائح وأعطى المنائح، وأقام ~~بها بلذة عيش، وبلغه مجيء تقريره في الشام، فازداد شكرا لمولى الأنام. غير ~~أن أهل الشام في أكدار من غلاء الأسعار، وبخل التجار وانفساد الأحرار وضعف ~~الصغار، وعدم زحمة الكبار، والحكم لله الواحد القهار. فلقد صار رطل اللحم ~~الشامي بقرش، ورطل السمن بقرش ونصف، ورطل لحم الجاموس بأربعة وعشرين مصرية، ~~والسمك مثل ذلك، ورطل لحم الجمل بثمانية عشر مصرية، وأوقية الرز بمصرية، ~~والعسل الأوقية بشاهية. ورطل الخبز بستة مصاري، والناس في أسوأ الأحوال. ~~PageV01P038 وفي تلك الأيام وقع بيت بباب السريجة على امرأة وصبي صغير. في ~~تلك الأيام أيضا قتل كردي وزوجته في محلة سوق ساروجا. وسبب ذلك أنه كان ~~حاجا، ولما جاء وجدها متغيرة في أحوالها، ثم تبين أنها عابت في غيبته، وكان ~~ذو كذا حسن وجمال فذبحها ولم يبال بأحد. وفي تلك الأيام أيضا قتل رجل ابنته ~~في محلة سوق ساروجا، وهي ابنة أربع سنين، فبلغ حضرة أسعد باشا أمرها وأن ~~تلك البنت أمها مطلقة وخالتها امرأة أبيها غير محبة لها، فدست لأبيها عليها ~~بعض الكلام، وكان أبوها من الحمق والجنون على جانب ms070 عظيم، فضربها بالعصا ~~ضربا مؤلما، ثم ربطها بشجرة داره وبقيت طول الليل مربوطة إلى الصباح، فجاء ~~ليحلها فوجدها قد ماتت، وكانت ليلة ذات برد شديد، فأحضره أسعد باشا وأمر أن ~~يضرب ضربا شديدا، فضرب ثم وضع بالحديد بعدما أخذ منه أموالا كثيرة. وفي يوم ~~الأربعاء ثامن صفر الخير من هذه السنة توفي الشيخ محمد أبو قميص الكردي شيخ ~~مدرسة المرادية. وسمي بأبي قميص لكونه إذا لبس قميصا لا ينزعه حتى يتقطع، ~~وهذا غاية في الزهد، وقد كان صائما متهجدا، خرجت في جنازته الأكابر ~~والأعيان لاعتقادهم في صلاحه، ودفن في تربة مرج الدحداح، ولما فتحت حجرته ~~وجدوا عنده عشرين ثوبا من الكتان جددا وخمسة عشر نصف مقطع وسبعة قناطير حطب ~~وعشرة أرطال أرز وقدرة سمن وقدرة عسل، وغير ذلك من المؤن. ووجدوا قدرة بها ~~أرباع ريال ومثلها مصاري، وفيها ذهب وأمتعة وحوائج وبدراويتين ملآنتين ~~قمصان، ووجدوا مقدار مئة كتاب قدورهم بثمن عظيم. فانظر إلى زهد مثل هذا، ~~فقد ذهب الصالح بالطالح. # وفي يوم الجمعة عاشر صفر توفي الشيخ إبراهيم إمام القشماسية، وكان فقيها ~~صالحا، ودفن بتربة باب الصغير رحمه الله. وفي يوم الجمعة اثنين وعشرين من ~~ربيع الأول توفي العالم النحرير الشيخ أحمد الحرستي أمين الفتوى في بيت ~~العمادي رحمه الله. # وفي تلك الأيام باع رجل جرة زيت إلى رجل آخر، فقبض ثمنها بعدما وزنها؛ ثم ~~حملها إلى دار الرجل، وقال: أبق عندك هذه الجرة، فبعد ساعة آتيك وأفرغها ~~لك، قال: لا بأس بل أنا أفرغها وأي وقت جئت تجد الجرة، ثم ذهب صاحب الزيت، ~~وبعد ساعة فرغها المشتري، فوجد بها أربع أواق من الزيت والباقي ماء صافيا، ~~فطلب الرجل فلم يجده. # وفي يوم السبت سلخ ربيع الأول قتل قبقولي رجلا من الأشراف في مأذنة ~~الشحم، ضربه بخنجر في صدره أخرجه من ظهره، وترك الخنجر مغروزا فيه، حتى ~~أخرجه قاضي كشف عليه ثم ألقوا القبض على القاتل، وقامت الأشراف، وثبت عليه ~~القتل فحبسوه في القلعة، وفي تلك الليلة خنقوه. # وفي يوم ms071 الأربعاء غرة جمادى الأولى توفي الشيخ محمد بن الشيخ شعيب الشهير ~~بالشيخ جينة القاطن بحارة باب السريجة. كان رحمه الله ضحوك السن لطيفا على ~~غاية من الصلاح، ودفن بباب الصغير رحمه الله تعالى. وفي ثامن جمادى الأولى ~~اغتيل رجل شقي من الصالحية يعرف بالفستقي، كان كما قيل داهية دهماء ومصيبة ~~عظماء، شجاع يرد مئة شجاع بعصا، سارق ما سمع بمثله بين اللصوص المشتهرين ~~بالحيل، فمن حيله وشطارته التي ما سمع بنظيرها أنه متى وضع يده على أعلى ~~حائط فمتى علق ظفره به صار أعلاه، والمدهش أن يكون ظهره للحائط، وإذا وضع ~~في أي مكان وأغلق عليه الباب وقفل، خرج منه مهما كان، وهذا كله ولم يجاوز ~~العشرين سنة من عمره، ثم إنه بغى على أهل الصالحية خصوصا وعلى غيرهم ~~فأعياهم أمره، فجعلوا لشخص جعلا على قتله، فاغتاله بعد ما عمل معه صحبة، ~~وقتله وراح وكأنه ما كان. # وفي يوم الثلاثاء جاء خبر إلى دمشق بأن ليلة الاثنين قتل حاكم بعلبك ~~الأمير حسن، وقد كان خارجا من الجامع، فاغتاله ثلاثة أشخاص، ورموه بثلاث ~~بنادق وفروا هاربين وحمل إلى داره. وفي اليوم الثاني توفي، وقد قيل بأن ~~القاتلين له إخوته، حيث أن له من الإخوة سبعة، والله أعلم. # وفي تلك الأيام فرض والي الشام أسعد باشا على الزعماء والأكابر والتجار ~~بأن يأتوا له من مدينة حماة بقمح، ويكون أجرته منهم، فذهب بعضهم وأتى بقمح ~~كثير، فبيعت الغرارة بإحدى وثلاثين غرشا، ولم نستفد غير وجوده، وأما الغلاء ~~فإنه باق بجميع الأصناف كما قدمنا تسعيره. PageV01P039 وفي ليلة السبت توفي ~~موسى كيخية أسعد باشا والي الشام ودفن بباب الصغير قريبا من تلة الشاغور، ~~وصار له مشهد عظيم. كان رحمه الله هضيم النفس، طلب علما في أول أمره، عنده ~~شفقة ورأفة ويحب المسألة ومصالحة الخصوم، حتى صارت الشام وما حولها حتى من ~~العربان طوع يده، وخلف ثلاثة من الولد أحدهم صار حاكم القدس، والثاني حاكم ~~غزة، والثالث صغير من امرأته الشامية، واستقام في الكخوتية من حكم ms072 سليمان ~~باشا إلى سابع سنة من حكم ابن أخيه أسعد باشا. # وفي يوم الاثنين ثاني وعشرين من جمادى الثانية قتل اثنان من رعيان ~~التركمان في أرض الغوطة في المحفرة، أحدهما عاش، فسئل عمن فعل بهما ذلك، ~~فأخبر أن بعض المغاربة ظن أن معهما مال. فبعدما أوقعوا بهما ذلك الحال، ~~وجدوا مع أحدهما ربع ريال، والثاني قليلا من الفلوس، فرجعوا خاسرين الدنيا ~~والآخرة. # وفي تلك الأيام كبر أسعد باشا داره الجديدة الذي ما صار نظيرها ولا عمل ~~مثلها ولا وجد في الكون لها مثيل. وبينما النجارين كذا يرفعون السقائل لأجل ~~رفع الطوان وقع ثمانية أنفار من النجارين فتهشموا، ولم يقتل ولله الحمد ~~منهم أحد، فأمر حضرة الباشا بأن يرسلوا إلى بيوتهم، وأعطى كل واحد منهم نصف ~~ذهب. وفي ذلك العام اشترى أسعد باشا والي الشام من الصالحية ومن أرض ~~العنابة ومن غيرها أراضي وبساتين. # واشترى كذلك سوق الدق وما حوله من الدكاكين، ومراده أن يعملهم قيسارية ~~ليس لها نظير في قيسارية الشام. # وفي يوم الجمعة توفي بقية السلف الصالح معتقد أهل الشام على الإطلاق ~~الشيخ عبد اللطيف بن عبد الهادي، وقرئ نسبه عند إقامة الصلاة عليه في ~~مقصورة الجامع الأموي، فوجد بينه وبين سيدنا عمر بن الخطاب ثلاثون جدا. ~~وصار له مشهد عظيم ودفن بمقبرة مرج الدحداح، رحمه الله تعالى. # وفي يوم الاثنين سلخ جمادى الثانية دخلت أرطة القبقول يتمش إيكي، فخرجت ~~لملتقاها كل من لف برمه مع مئتين تفكجي وجماعة من الدالاتية، كل ذلك بأمر ~~الباشا، ودخلت بعراضة أي موكب ولا موكب الحج الشريف، وخرجت الناس للفرجة ~~رجالا ونساءا كبارا وصغارا، وزينوا لهم حارة العمارة بالقناديل والمشاعل ~~ودخلوا بكبر وجبر وعتو، نسأله تعالى العافية. # وفي تلك الأيام أرسلت الدولة العلية تطلب من حضرة أسعد باشا منافح النوق ~~وشرش جنزبيل، فحالا حضرة الباشا استجلب من عرب الجبلة ثلاثة نوق لم يأكلوا ~~إلا حليب أمهم، فذبحوا كذا واستخرجت منافحهم، وأرسلهم حضرة أسعد باشا مع ~~شرش الجنزبيل مع ثلاث نياق حبالى حاملات يصحبهم ms073 ثلاثة طواشية. # وفي تلك الأيام وصل خبر إلى دمشق الشام بأن سعد الدين باشا الذي هو أخو ~~أسعد باشا جار على أهل حلب، فغلى الأسعار، وطلب منهم مئتي كيس غرش، لكونه ~~توجهت عليه سردارية جردة الحاج، فأبوا أن يعطوه، ووقع جدال عظيم، وبطلت ~~صلاة الجمعة وقتل منهم جماعة. وثاني يوم كان رطل الخبز بعشرة مصاري، فنادى ~~عليه بأربع مصاري، واللحم كان بثلاثين الرطل، نادى عليه باثني عشر مصرية، ~~فأرسلت أعيان حلب عرض إلى الدولة العلية بما جرى. ولم ندر ماذا يكون بعده. # وفي أوائل شعبان من هذه السنة وصل خبر إلى دمشق بأن ابن الحرفوش حاكم ~~بعلبك المتوالي الرافضي المشهور قبض على المفتي وعلى أخيه وأحرقهم بالنار، ~~وهدم دارهم وقطع كرومهم. وقد كانت هذه العائلة الخبيثة الحرفشية لعنها الله ~~قبل أعوام قتلت أيضا الشيخ يحيى مفتي بعلبك المشهور بالعلم والكرم. # وفي تلك الأيام شنق رجل نفسه في جامع يلبغا بشجرة فيه ليلا، فأصبح الناس ~~فوجدوه مشنوقا، ولم يعلم السبب. وفي تلك الأيام وقع باب بستان على رجل في ~~الصالحية يقال له السيد إبراهيم الحلواني من حارة السويقة، فحملوه إلى ~~داره، ومات في اليوم الثاني. # وكان أول رمضان من هذه السنة نهار السبت، أثبت في الساعة السادسة ليلا. ~~ونهار الاثنين ثالث رمضان قتل آغة القبقول في القلعة بعد العصر، والذي قتله ~~أحد جماعته بتدبير من أحد الآغتين المعزولتين، لأن بدمشق ثلاثة أغاوات ~~للقبقول، أحدهما كذا الموظف المقتول والاثنان المعزولين تبرحا عليه حسدا، ~~فاغتالاه وذهب دمه هدرا. وقتل أيضا محمد بشه بن شمس في وادي القرن ولم يعلم ~~قاتله. وسادس رمضان دخل الصرة أميني إلى الشام. وكان العيد الاثنين والصوم ~~تماما. PageV01P040 وفي هذه السنة جاءت حجاج كثيرون من العجم، وهم على ما ~~نقلوا ألف وست مئة عجمي، ما عدا البغادة والعرب، وصار جبر خاطر لعموم الناس ~~في البيع والشراء. وجاء مع العجم ربيات ذهب كل واحدة بثلاثة عشر غرشا ولؤلؤ ~~كبير وصغير وأحجار ومعادن وشال وغير ذلك. وخرج المحمل يوم الخميس ثامن ms074 عشر ~~شوال، وخرج الحاج يوم الجمعة بعد المناداة مرارا بأن لا يبات أحد من الحجاج ~~إلا خارج باب الله. وخرج المتسلم والبلطجية بعد العصر وأناس بالليل والباقي ~~ضحوة السبت. وهذا شيء ما سبق على ما نعلم. # وفي شوال بهذه الأيام صار حر شديد لا يطاق، حتى نشفت الأعين والآبار، فقد ~~غارت قناة بيت راس التي هي قرية من ببيلة في طريق قبر الست ونشفت واندرست، ~~حتى كأنها لم تكن. وعلى أثر جفاف الأعين وقلة المياه جاء زيادة ماء، حتى ~~صارت الماء مثل الطحينة. ونهار الأربعاء ثامن ذي القعدة جرس رجل، قيل إنه ~~يدق الزغل من المعاملة. وركب حمارا بالمقلوب وسخم وجهه بالسواد، وآلة العمل ~~على صدره، وداروا به البدل كلها. ومع هذا فالغلاء واصل لحده: فرطل اللحم ~~بستة وعشرين مصرية، والأرز بعشرة مصاري، والخبز بخمسة مصاري، إلى آخر ما ~~قدمنا. # وفي منتصف ذي القعدة ورد حاكم حلب سعد الدين باشا أخو أسعد باشا ابن ~~العظم إلى دمشق، سردار إلى جردة الحج، ورحل بها نهار الخميس غرة ذو الحجة. ### | سنة 1165 # ثم دخلت سنة خمس وستين ومئة ألف نهار السبت فاستبشرت الناس بقدومها، حيث ~~ليلة الهلة هطل مطر غزير وفرحوا وزرعوا وفلحوا، وبدت ترخص الأسعار، غير أن ~~ما فيه أن يفتش على الخلق بالرحمة والرأفة من الحكام والوجوه، والخزانة ~~كثيرون والأكابر ساكتون والحكام يأكلون، فإنا لله وإنا إليه راجعون، وانظر ~~غلاء الأسعار: فقد أقبلت هذه السنة بخيراتها وبركاتها، ورطل الخبز بأربع ~~مصاري، والدبس أربع أرطال إلا ثلث بقرش، ورطل السمن بقرش ونصف، ورطل البصل ~~بأربع مصاري، ورطل الثوم بسبعة مصاري، ورطل الفحم بأربع مصاري، وعلى هذا ~~فقس. فالأغنياء منعمون والفقراء صابرون. # قال المؤرخ عفا الله عنه: وفي يوم الاثنين عاشر المحرم من هذه السنة ورد ~~فرمان من الدولة العلية بأن حضرة خليل أفندي البكري صار قاضيا في دمشق ~~الشام، وسجلوا الفرمان، وجلس مكانه ولده أسعد أفندي البكري إلى مجيء أبيه ~~كما يأتي. # ونهار الأحد ثاني وعشرين محرم ورد جوقدار الحج الشريف ms075 يبشر عن الحجاج بكل ~~خير، وأن الحاج وقف بعرفات يوم الجمعة. وهذه السنة التاسعة من حجج حضرة ~~أسعد باشا المتواليات. وهذا ما سبق لغيره، والحمد لله الذي أعطاه. وفي ثاني ~~يوم دخلت خزنة مصر إلى دمشق. قال المؤرخ: ومعها نسيبنا شيخ السعدية في ~~الديار المصرية الشيخ يحيى أفندي الجباوي، أخو الشيخ إبراهيم الجباوي ~~الشاغوري من أبيه. وفي يوم الثلاثاء غرة صفر الخير كان دخول ركب الحج ~~الشامي إلى دمشق، ولم يروا أدنى مكدر كما أخبروا، غير أنهم جاءهم في هدية ~~برد كبير كل بردة وزنها ستون درهما، ولم يحصل منه أذية. # وفي تلك الأيام بلغنا أن أهل مصر طردوا كل غريب، والذي يجدونه بعد نهبوا ~~ماله وعذبوه أشد التعذيب. وفي أوائل ربيع الأول دخل خليل أفندي البكري ~~قاضيا لدمشق الشام، ففرحت ناس وغمت ناس، وظنوا أن معه أمور من تغيير وتبديل ~~وتفتيش، فلم يقع شيء من ذلك. وفي ليلة الأربعاء سادس عشر ربيع الأول توفي ~~العالم الجليل شيخ الشافعية في دمشق الشام، بل شيخ شيوخ الفضلاء من علمائها ~~الأعلام، شيخنا وأستاذنا الشيخ على كزبر، وصلينا عليه صلاة الظهر في جامع ~~الأموي، ودفن بتربة باب الصغير من قبلي أوس بن أوس الثقفي. وقبل وفاته عمل ~~وصية. ومن جملة ما أوصى بخمسين قرشا لتعمير القبور الذي حول قبره، فكانت ~~منه كرامة، لأن ساعة دفنه تهدمت قبور كثيرة من تزاحم الخلق المحتاطين ~~بجنازته. رحمه الله تعالى، وأعاد علينا من بركاته. وفي ليلة الثلاثاء سلخ ~~ربيع الأول وجد السيد محمد بن السيد أحمد خادم سيدي أبي الدرداء مذبوحا ~~بداره التي بداخل القلعة، وكان له عبد ومملوك فلم ير لهما أثر، قيل قتلاه، ~~والله أعلم، وذهب كأنه ما كان. PageV01P041 وفي تلك الأيام توفي حسن أفندي ~~بن حمزة نقيب الأشراف سابقا، وحضر الصلاة عليه حضرة والينا حاكم الشام أسعد ~~باشا العظم وقاضيها خليل أفندي البكري الصديقي ومفتيها حامد أفندي العمادي ~~ونقيبها الحالي محمد أفندي العجلاني وعلي أفندي المرادي وأكابر الشام وخلق ~~كثير، ودفن بمقبرة مرج الدحداح، ms076 رحمه الله تعالى. # وفي اليوم الثاني توفي العالم الجليل إمام المحرابين اللذين للشافعية ~~الشيخ المصري وهو الذي جاب ماء السمرمر، وكان يحب قضاء الحوائج لعباد الله، ~~ودفن بمقبرة الدحداح، رحمه الله تعالى. # وفي غرة جمادى الثانية توفي حسن جلبي بن السفرجلاني، وكان من الصدور في ~~الشام. وبهذا النهار مات ثلاث مشايخ حرف في الشام: الشيخ عبد القادر شيخ ~~الحلوانية، وشيخ الحلاقين الأسطه محمد البوشي، وشيخ القواقجية الأسطه محمد. ~~وفي يوم الخميس ثالث جمادى الثانية نزل برد بدمشق، وزنت واحدة جاءت سبعون ~~درهما. # وهذه السنة كثيرة الأمطار والخيرات والبركات، وقد نبتت حبة الحنطة اثنين ~~وعشرين قصلة سنبلة، حتى نقل لي بعضهم أن حبة قمح نبتت فوق سطح بيته، فوجدها ~~بعد شتلها اثنين وعشرين قصلة أي سنبلة، مع ذلك فكل شيء غالي: فرطل السمن ~~بأيام كثرته عشرة أواق بقرش، والدبس ثلاث أرطال بقرش، والبصل خمسة أرطال ~~بقرش. وكل شيء على أسعار ما قدمناه، والحكم لله. # وفي هذه المدة عمر حضرة الحاج أسعد باشا بن العظم والي الشام طريق ~~الميدان من باب المصلى إلى باب الله، ولم يظلم أحدا بذلك ولا أخذ من أحد ~~شيئا. # وفي أوائل شهر رجب قدم الأمير ابن الظاهر عمر حاكم طبريا وعكا، فتلقاه ~~حضرة أسعد باشا بواسطة موسى كيخية وخلع عليه وأكرمه وطيب خاطره من جهة ~~أبيه، لأنه كان بينه وبين أبيه الظاهر عمر أمور، فأصلح الباشا بينهما. # وفي تلك الأيام عمر خليل أفندي البكري القاضي المتقدم ذكره المأذنة التي ~~فوق المارستان. وفي هذه الأيام جاء قبجي من الدولة العلية بطلب السيد محمد ~~أفندي المرادي ليتمثل بين حضرة السلطان الأعظم، وأن يجلب مكرما، وأن يعطيه ~~أربعين كيسا، فأعطي المبلغ المذكور وحمل بتخت روام، وقدمت له أعيان الشام ~~وأكابرها الهدايا العظام من الدواب والأموال والملابس الفاخرة، وخرجت إلى ~~وداعه الأعيان مع حضرة والي الشام الحاج أسعد باشا العظم، وكان خروجه من ~~دمشق نهار الاثنين تاسع رجب الفرد من هذه السنة. # وبهذه الأيام توفي أحمد أفندي ديوان أفندي الباشا وهو ms077 الذي عمر القصر في ~~حائط الأحمدية في سوق الأروام، فمات عن غير ولد ولا وارث. قيل بلغت تركته ~~سبع مئة كيس أكثرها من النقود الذهب، فأخذهم حضرة الباشا، والله يفعل ما ~~يشاء. وفي تلك الأيام تعطلت مياه حارة الشاغور، ففرض على أصحابها أموال ~~كثيرة، فاشتكوا لحضرة أسعد باشا والي الشام حفظه الله، فأمر أن لا يأخذوا ~~من أحد شيئا، بل أمر أن يدفع من خزنته خمسة عشر مئة غرش لعمل الماء وإجراء ~~السيل. # قال المؤرخ البديري عفا الله تعالى عنه: خرجت لزيارة السيدة زينب ومعي ~~ولدي مصطفى، نتلو كلام الله في طريقنا، إلى أن وصلنا إلى الست ودخلنا ~~مزارها، وتفرجنا على العمارة التي عمرها الحاج أسعد باشا العظم به في هذه ~~السنة، فعمل بها داخل الحريم قصرين وإيوان ومشارق ومنافع، وغير ذلك مما خلد ~~له الذكر بها، ووجدنا حضرة ابن عم الباشا مصطفى بيك حفظه الله قد زخرف ~~حيطانها وسقوفها وحسن بنيانها، وشرع في عمارة الحمام في هذا العام ونحن ~~هناك. فجزاهما الله تعالى على هذا العمل الخيري أحسن الجزاء آمين. # وفي أول ليلة شهر شعبان سافر حضرة الحاج أسعد باشا إلى الدورة. وثاني ~~ليلة من سفره قتلت امرأة في أول الليل بين حارة السويقة وحارة قبر عاتكة ~~ولم يتحقق قاتلها. وقد ثبت رمضان الخميس، ونائب السياسة موسى كيخية، وقاضي ~~البلد خليل أفندي البكري، وأسعار الخبز وغيره كما ترى: فرطل الخبز بثلاث ~~مصاري وبأربعة وبخمسة، وغرارة القمح باثني عشر قرش، ورطل اللحم بعشرين ~~مصرية، ورطل الرز بعشرة مصاري في أيام موسمه، والدبس ثلاث أرطال وثلث بقرش، ~~والوقية بمصرية وقطعة، ورطل البصل بثمانية مصاري، والحطب الرطل بمصرية، ~~والسنديان قنطاره بمئة مصرية وعشرة مصاري. ولا أحد يسأل ولا كبير يتكلم، ~~والفساد كثير والمولى خبير. PageV01P042 وبهذا الشهر في جامع الأموي جلس ~~رجل يعد ذهبا معه، جاء رجل وخطفهم أمام مئات من الناس، وأسرع في الجري فصاح ~~صاحبهم، فأدركه بعض أعوان السياسة، فأعطاه شيئا من الذهب فتركه. وبهذا ~~الشهر أيضا رجل حمل ولده وعلى ms078 رأسه شيء من الدنانير، فتبعه لص حتى دخل حامل ~~الولد زقاقا، فخطف الدنانير والطاقية وذهب. وفي ليلة السبت عاشر رمضان بعد ~~ما سكر بواب حرم الأموي الأبواب نام، فجاء المؤذنون وطرقوا باب الجامع، ~~فقام ليفتح لهم فوجد ثيابه مفقودة، فأعلمهم بذلك، فدخلوا وسكروا وفتشوا ~~الحرم جميعهم، فلم يجدوا أحدا والأغرب أن جميع الأبواب مسكرة، ثم ذهبوا ~~لجهة الضريح، فوجدوا ثمانية قناديل من فضة مفقودة وقنديل واحد من ذهب، ولم ~~يعلم لهم غريم. # وفي سابع رمضان المبارك جاء ركب الصرة أميني من إصطنبول. وفي يوم الخميس ~~في نصف رمضان دخل حضرة الوزير أسعد باشا إلى الشام حين كان غائبا في ~~الدورة، وهو والحمد لله في غاية الصحة والسلامة. وفي يوم السبت سابع عشر ~~رمضان جاءت البلطجية من إسلامبول ومعها اثنان وعشرون تخت أروام ومعها أيضا ~~ابن الوزير الأعظم المنفصل عن الوزارة في هذه السنة ومعه الملكة وطواشي ~~كبير، وأخبروا أن الدولة العلية متضعضعة. # وفي يوم الجمعة كان يوم عيد الفطر، وصار في ذلك اليوم هزة عظيمة، وهي ~~فتنة صارت بين المغاربة وأولاد الشاغور، وسكنت ولله الحمد من غير قتل أحد. ~~ونهار الاثنين رابع عيد الفطر غرق شاب في نقب الربوة وما ظهر له أثر. وفي ~~ليلة الخميس خامس شوال قتل إبراهيم آغا ابن قوسر، قوس في داره التي في قبر ~~عاتكة، ولم يعلم قاتله. # ونهار الأحد سابع عشر شوال رحل أسعد باشا العظم حفظه الله بموكب المحمل ~~الشريف. وكانت السنة العاشرة من حجاته المتواليات بالركب الشامي أميرا ~~ولدمشق الشام وزيرا. وبذلك اليوم جاء الركب الحلبي، وقبله بيومين جاءت ~~قافلة العجم، وهي قليلة بالنسبة للعام الذي قبله، وقد نزلوا في الخراب ~~والسويقة. وفي تاسع عشر شوال سار ركب الحج الشامي من دمشق بالسلامة قاصدا ~~بيت الله الحرام. وبعد أيام نادى حضرة محمد آغا المتسلم على اللحم الرطل ~~بثمانية عشر مصرية، وسمر جماعة من اللحامة، ولم يقبل رشوة ولا برطيلا، وعدل ~~في حكمه وفقه الله تعالى حتى صارت الفقراء تدعو له جهارا. وبعد ms079 مدة سعر ~~جميع البضائع وشدد، وصار يأخذ بيد كل من يشتكي له، جزاه الله خيرا. وفي ذلك ~~العام خزن الفحم، ففتش المتسلم وسعر، فلم يفد ذلك شيئا، ولم يصل أحد للفحم ~~إلا من كان قويا مثل القبقولي والدالاتي.، ولم يجد المتسلم له بهذا الخصوص ~~مساعد. ### | سنة 1166 # ثم دخلت سنة ستة وستين ومئة وألف بنهار الثلاثاء أو الأربعاء جعلها الله ~~سنة خير وبركة ورحمة علينا وعلى خلق الله أجمعين. # وفي غرتها أي غرة محرم دخل قاضيا للشام من أبناء الترك واسمه صالح ملا، ~~فنزل من دار علي آغا بن الترجمان قريبا من باب القلعة وبطل الحكم من ~~المحكمة القديمة المسماة بالكبرى. # وفي تلك الأيام وقع برج القلعة وأخذ البدن كله من بابها، وهكذا إلى آخر ~~البرج من جهة القبلة، ولم يقتل سوى رجل من القلعة. وفي تلك الأيام نزلت مطر ~~كأفواه القرب ثلاثة أيام متوالية، أذهبت غالب مساطيح الزبيب وأتلفت ~~البيادر. وبهذه الأيام في العشر الأول من المحرم شنق متسلم الشام ثلاثة ~~أشخاص من اللصوص في شجرة الدالية التي في المرجة أمام باب التكية. # في منتصف محرم جاءت بشارة لدمشق: وهي مقرر لحضرة الحاج أسعد باشا والي ~~الشام. وفي ليلة الاثنين ليلة عشرين من المحرم شنق المتسلم لصا في السويقة ~~وقطع يد رجل نشال. وفي سلخ محرم جاء كتاب الجوقدار، وأخبر أن الحج في هذه ~~السنة ذهب وآب من طريق الفرعي، وخرجت عليهم عرب وقضوا مشقة عظيمة، وصارت ~~مقتلة جسيمة، ووقع نقص بالحاج وبالعسكر خصوصا في المغاربة. PageV01P043 ~~ومات في تلك السنة قبوجى لر أغاصي وشيخ الزبداني، وشنق الباشا السيد حسن ~~شيخ شباب باب المصلى، وقتل أيضا جماعة من الأشقياء، ودخل الحاج الشريف يوم ~~الثلاثاء خامس صفر. ودخل أمير الحاج أسعد باشا بموكب المحمل يوم الأربعاء، ~~وفي منتصف ربيع الأول نبه الحاكم على أن لا يروج الفلوس المكسور منهم ~~والرصاص. وثاني يوم نادى المنادي على الفلوس الصحيحة كل اثني عشر بمصرية ~~بعد ما كانت كل أربعة وعشرين بمصرية، وأن لا يروج ms080 منها إلا القسطنطيني، ~~فحصل للناس ضيق عظيم، وسكرت غالب البلد، ثم نادى منادي الحاكم كل أربعة ~~وعشرين بمصرية. وأرجعهم على حالتهم الأولى. ولكن لله الحمد والمنة، الناس ~~في أمن وأمان ورخص ورخاء في جميع البضائع ما عدا اللحم، فإن رطله بثمانية ~~وعشرين مصرية، وأما غيره فرطل الخبز بثلاثة مصاري وبمصريتين ونصف، وغرارة ~~القمح بخمسة عشر قرشا أو أقل. وعلى هذا فالحمد لله فليقس. # وفي ثالث ربيع الثاني توفي العبد الصالح الشيخ مصطفى الكردي من أبناء ~~الترك والأغوان، فيتكلم بالتركي والكردي والأغواني، وكان على صلاح عجيب، ~~وكان دائما متسلحا بالسلاح الكامل متقلدا به ليلا ونهارا، ولا ينام إلا ~~متقلدا به، وإذا دخل الحمام دخل بالعدة الكاملة، وكان قليل الكلام لا يتكلم ~~مع أحد، وفي بعض الأوقات يتكلم ويسب بالتركي، ويوم وفاته صار له مشهد عظيم، ~~ودفن بمرج الدحداح، رحمه الله تعالى. # وفي تلك الأيام من هذه السنة شرع حضرة أسعد باشا في عمارة القيسارية التي ~~في البزورية التي عز نظيرها في الدنيا، وذلك بعد ما هدم قيساريتين ودور ~~ودكاكين وجعلها قيسارية واحدة بهذه الصفة التي لا نظير لها، وفي يوم ~~الأربعاء تاسع ربيع الثاني وقع حائط جامع الشيخ عارودك غربي الصالحية على ~~إمام الجامع المذكور وعلى ثلاثة أشخاص معه، فماتوا جميعا عفى الله عنهم. ~~والعجب أن هؤلاء الأربعة كل واحد منهم اسمه محمد، وهو اتفاق عجيب، ودفنوا ~~بيوم واحد. وفي سلخ ربيع الثاني ربط غلام مراهق رسن فرس في زناره، وجلس ~~يتوضأ على نهر قرية القدم عند قبة العسالي، فجفلت الفرس وصارت تعدو والغلام ~~مربوط برسنها، وتكر وترفس الصبي حتى وصلت إلى باب الله، فمسكوا الفرس ~~فوجدوا الغلام قد تهشم وتطع ومات، والغلام ابن أحمد بشه السحار القبيباتي، ~~والفرس لأبيه. فأعلموا حضرة أسعد باشا حفظه الله فأمر بدفنه، ولم يلحق بأحد ~~ضررا. # وفي تلك الأيام جاءت خزنة مصر وبقيت أياما ثم سافرت، وفي تلك الأيام نهبت ~~اللصوص ضرايح الصحابة والأولياء، ففي غرة رجب قلعوا شباك سيدي بلال الحبشي، ~~وأخذوا حديده وثوبا ms081 مقصبا كان على تابوته وشدقتين من حرير وسجادتين وغير ~~ذلك. وأخذوا شباك الشيخ عبد الجبار ابن سيدي عبد القادر الجيلاني، مزاره ~~غربي باب الصغير، وأخذ ثوب تابوت سيدي أبي بقبلي مقبرة الشيخ رسلان. # وثاني رجب من هذه السنة توجه حضرة الوزير الحاج أسعد باشا والي الشام ~~يريد الغزو على عرب البلقاء، فأخذ معه من رجال القرى وهم الفلاحون ألف ومئة ~~فلاح، واستجلب عساكر من حمص وحماة والمعرة وجبل الدروز والمتاولة ومن نابلس ~~والقدس وصفد ما عدا عرب السردية وغيرها. وخرج بمال عظيم. وسكرت تلك الأيام ~~الأسواق ومنعت النساء من الخروج وعظمت الأمور. ثم في أثناء هذا الشهر وردت ~~الأخبار بأن حضرة الباشا سار بالعسكر إلى فوق البلقاء، ودخل بمكان يقال له ~~الوكر، وهزم ابن عدوان هو وعربه ونهبوهم العسكر عن بكرة أبيهم. وذهب الباشا ~~إلى الدورة من هناك. وبهذه السنة ثبت رمضان بالرؤيا، فصمنا الاثنين. وفي ~~ليلة العاشر من رمضان جاء الباشا من الدورة، وجاء العسكر مع الكيخية بعد ~~يومين. وفي هذا الشهر فقد حاجي غريب في خان الحرمين بباب البريد، فاتهموا ~~به رجل من أبناء الترك غلينجي، فقبضوه وعذبوه وأخذوا ماله وأطلقوه. وبهذا ~~الشهر ظهر قتلى كثيرة من رجال ونساء ولم يسأل عنهم. وكل شيء موجود والغلاء ~~يلعب في جميع البضائع، وقد شحنت الشام من سائر أصناف الخلق، وامتلأت غالب ~~المواضع، وكان عيد الفطر يوم الأربعاء. PageV01P044 وفي يوم الثلاثاء رابع ~~عشر شوال خرج المحمل الشريف بالموكب المنيف وبالأمير الخطير الحاج أسعد ~~باشا. وكانت الحجة الحادية عشر من حجاته المتواليات. وفي تلك الأيام جاء ~~طوخان إلى مصطفى بيك بن إسماعيل باشا العظم أخي أسعد باشا، وأن يكون محافظا ~~للجردة مع أخيه سعد الدين باشا أميرين في سفر الجردة. وقبل خروجهم بيوم ~~قامت قبقول دمشق قاطبة بالأسلحة، وعملوا جمهورا، وقامت اليمق على الأرطلية. ~~وهذه الفتنة بسبب رجل صار قبقولي فما قبلوه ولا ارتضوه، وسكرت الأسواق ~~واشتغل ضرب الرصاص وجرحوا بعضهم بعضا، وما صلح الأمر إلا بتبطيل الرجل من ~~الوجاق، وعزل الأضباشي ms082 والأصطا. وكان عيد الأضحى هذه السنة يوم الأحد. ~~وطلعت أخبار في تلك الأيام بتغيير السلطان ومجيء أحمد باشا ابن القلطقجي، ~~فارتبكت وانخبطت القبقول، ثم بان بأن الأمر كذب لا أصل له، وحرقوا الخشبة ~~وداروا في الأسواق. وفي يوم الجمعة والناس في صلاتها سلخ ذي الحجة كسفت ~~الشمس. # وفي تلك الأيام جاء خبر بأن محمد باشا حاكم صيدا مات وكان على ما نقلوا ~~أنه ظالم غاشم مصادر الناس بأموالها، حتى هرب أهل صيدا إلى جميع البلاد. ### | سنة 1167 # ثم دخلت سنة سبع وستين ومئة وألف يوم السبت وبهذا اليوم سافر قاضي الشام ~~صالح منلا طالبا إسلامبول. وفي سابع المحرم قدم القاضي الجديد، ونزل في ~~محكمة النورية المسماة بمحكمة الباب. وفي ثامن عشر قتل أحمد آغا بن سنان في ~~باب المصلى، وهو من قرية قريبة من قطنا. # وفي ليلة الجمعة عشرين من المحرم توفي بقية العلماء الأعلام مفتي السادة ~~الشافعية وأفصح من نطق بالعربية الشيخ محمد أفندي الغزي، ودفن بمرج ~~الدحداح، رحمة الله عليه وعلى أموات المسلمين. # ونهار الثلاثاء رابع وعشرين المحرم قدم جوقدار الحج الشريف مبشرا بكل خير ~~عميم. وفي أثناء هذه الأيام جاء مقرر الشام لحضرة الحاج أسعد باشا والي ~~الشام. # وفي يوم الجمعة خامس صفر الخير دخل ركب الحاج الشامي بالصحة والسلامة ~~أحسن من كل عام، وأخبرت الحجاج أنهم لم يحجوا نظيرها من الرخاء الكثير ~~والماء الغزير والأمن والأمان، ولم ينقص من الحجاج إلا الأفراد النادرة، ~~وأن أمير الحاج خوزق أربع لصوص من أولاد الشام، وتوفي معهم تربدار، ومتولي ~~جامع السلطان إبراهيم بن أدهم. وثاني يوم السبت دخل المحمل الشريف والموكب ~~المنيف بالكواخي والبشاوات، فكان أولهم مصطفى باشا بن إسماعيل باشا العظم ~~أخو الحاج أسعد باشا، وبعده أخوه سعد الدين باشا العظم، وبعده أخوهما ~~الوزير الكبير الحاج أسعد باشا في ألاى حافل وعسكر وجحافل. وثالث يوم دخلت ~~خزنة مصر، وكانت بثمانية أحمال، فتفرجت الناس ثلاث فرج بثلاثة أيام ~~متتابعات: يوم دخول الحج ويوم دخول المحمل ويوم دخول خزنة مصر. ms083 # وفي ذلك العام من شهر محرم الحرام تمت قيسارية أسعد باشا والي الشام الذي ~~لم يعمل مثلها في سائر بلاد الإسلام، وقد تم بناؤها بعد سنة وشهرين. قال ~~المؤرخ: وقد بلغني أنه صرف عليها في كل يوم من الآلات والأجر ألف ومئة غرش، ~~ولكن كما قال القائل: جزى الله الوسعة كل خير. PageV01P045 وفي ليلة الخميس ~~تاسع عشر صفر الخير لثلاث أيام مضت من كانون الأول ثالث ساعة من الليل صارت ~~زلزلة خفيفة في دمشق وقع بسببها بعض أماكن في سراية الحكم على جماعة، فقتل ~~رجل مسلم ورجل نصراني. وكان ذلك الشهر مطره غزير جدا يعقبه إن شاء الله ~~تعالى خير كثير. وتوفي بهذا الشهر الشيخ محمد بن أحمد بن سوار شيخ المحيا ~~والشيخ خليل بن البكري في داره بباب توما وأعملوا له في الأموي. وفي ثامن ~~عشر شهر صفر يوم الجمعة بعد العصر توفي لرحمة الله تعالى الشيخ أحمد الجلبي ~~إمام جامع السنانية للسادة الشافعية. قال المؤرخ: كان هذا الإمام إماما في ~~كل فن، ضحوك السن فاضلا مباركا قاطنا في جامع العداس عند الملا إلياس قدس ~~سره، لا يفارق الملا لا ليلا ولا نهارا، ودفن بباب الصغير قريبا من الملا ~~إلياس، رحمهما الله تعالى. وفي تلك الأيام أيضا توفي الشيخ يحيى بن محاسن ~~رحمه الله. وفي نهار الاثنين الثاني والعشرين من شهر صفر تشاجر سعد الدين ~~المغربي خدام في بيت الخانم بنت سليمان باشا مع رجل من نفر الأرطة، فضرب ~~الأرطلي فقتله، وجرح طواشي الخانم بعدما جرحه المغربي جرحين. فحين بلغ حضرة ~~الوزير أسعد باشا أمر بقتله حالا، فخنقوه في تلك الأيام من غير إثبات ولا ~~دعوى. # وفي منتصف مربعانية الشتاء وقعت صخرة بنهر القنوات، ووقوعها كان تجاه ~~وادي كيوان، سدت النهر وانقطع ثلاثة أيام بلياليها، فأخرجوا الصخرة قطعا ~~قطعا، فوجدوها قبرا قديما من قبور الحكماء. # وفي شهر ربيع كذا أعاد الباشا السردرة على البلاد، فصاروا يمسكون من عرب ~~الجبل ويقتلون ويأتون برؤوسهم إلى الشام. وفي شهر جمادى كذا جدد ms084 حضرة أسعد ~~باشا الجامع الذي هو قدام قهوة الخريزاتية وحسنه هيئة وفرشا وعمر بعض ~~دكاكينه قنايا ماء قريبا من بيت السفرجلاني. # وفي أواخر رجب جاء مقرر لسنة ثمانية وستين، وهو عن ثلاثة عشر سنة من ~~حكمه، حفظه الله أمير الشام وأمير حاج الإسلام وقد عدل في الخاص والعام، ~~وأحسن للعلماء والفقراء والأيتام بلا ظلم ولا عدوان، وعمر أماكن كثيرة داخل ~~المدينة وخارجها ومدارس وجوامع وغير ذلك من وجوه الخير والصدقات، جزاه الله ~~خيرا. # وفي يوم الاثنين خامس رجب خرج حضرة أسعد باشا إلى الدورة، وترك موسى ~~كيخية متسلما بها. وكان نصف شعبان المبارك يوم الخميس، وثبت أول رمضان نهار ~~السبت. والأسعار ناهضة جدا: فرطل اللحم بأربعة وعشرين مصرية، ورطل الخبز ~~بأربعة وبخمسة مصاري، ورطل الأرز بعشرة مصاري، ورطل الكعك باثني عشر مصرية، ~~ورطل الدبس بخمسة عشر مصرية، وأوقية السمن بستة مصاري في أيام الموسم، ~~وأوقية الزيت بثلاث مصاري ونصف، وكذلك الصابون، وأوقية الجبن الأخضر ~~بمصريتين، وأوقية القريشة بثلاثة مصاري، ورطل المشمش الحموي بستة مصاري مع ~~أنه مقبل كثير، والمشمش البلدي بثلاثة مصاري ونصف مع إقباله. وحاصله كل شيء ~~غالي حتى العلق التي تستعمله الناس لإخراج الدم، والقصرمل الذي يخرج من ~~وقيد الحمام، والأمر لله. # وفي ثاني عشر شوال سار حضرة الوزير الحاج أسعد باشا مع المحمل في الموكب ~~العظيم للحج الشريف. وكانت هذه السنة هي الثالثة عشر من حججه المتوالية ~~وإمارته التي لم تسبق لغيره. # وبهذه السنة مروا على وادي الليمون في الطلعة، وكانت وقفتهم الجمعة، ~~ورجعوا من الطريق السلطاني. وفي خامس وعشرين من المحرم دخل جوقدار الحج ~~وبشر بالخير. وفي خامس صفر دخل الحج الشريف وهو على أحسن حال. # وفي هذه الأيام توفي رجل من البله المجاذيب، وكان بطلا من الأبطال تعتقده ~~أهل الشام ويكاشف بكلامه، ويقع كما يقول واسمه الشيخ خليل البياض. وخرج ~~بجنازته أكابر الشام حتى حاكمها المتسلم موسى كيخية ومشى وراءها، رحمه ~~الله. ### | سنة 1168 # ثم دخلت سنة ثمانية وستين ومئة وألف. وكان غرة محرمها نهار ms085 الاثنين ~~المبارك، جعلها الله سنة خير وبركة علينا وعلى سائر المسلمين. PageV01P046 ~~ونهار الجمعة، سلخ صفر قدم قبجي من إسلامبول، وأخبر بوفاة حضرة السلطان ~~محمود خان بيوم الجمعة، والناس في الصلاة وجلس أخوه مكانه، وهو السلطان ~~عثمان خان، والخطبة باسمه. فانهزت الشام البلدة من هذا الخبر، وبقيت الناس ~~مترددة في الاستقرار، إلى أن كان نهار الخميس عاشر ربيع الثاني جاء قبجي ~~كبير من دار السلطنة ومعه منشور عظيم بأن صاحب الخطبة في سائر بلاد الإسلام ~~السلطان عثمان خان، وأمر أن تزين دمشق ثلاثة أيام، فزينت زينة ما سمع ~~بمثلها، أبقى الله تعالى هذه الدولة العثمانية إلى آخر الدوران. آمين. # وبهذه السنة انتشر مرض الجدري في عموم الناس، حتى في الشيوخ والعجائز، ~~ومات فيه كثير من الأولاد. وفي أوائل جمادى الأولى ذبح بيرقدار التفكجية في ~~الخان الصغير الذي هو قبالة حمام الملكة، ولم يعلم ذابحه، ولم يؤخذ من ماله ~~شيء. ووجد بهذه الأيام قتيل في النهر، وقتيل في التربة وفي غير ذلك أيضا. ~~نسأله تعالى حسن العاقبة. # وفي منتصف جمادى الأولى جاء تقرير إلى مصطفى باشا أخي سعد الدين باشا بن ~~العظم إلى صيدا، ولم يأت إلى أخيه أسعد باشا خبر شافي من جهة حكم الشام، ~~وقد طال عليه المطال. والغلاء في كل شيء حتى التراب والقصرمل والأحجار ~~والحديد والخشب، وغير ذلك من أدوات العمارة، وبالجهد الكلي حتى يحصل ~~الإنسان على معلم أو نجار، وأجر الواحد بدينار ولا يوجد، والكلس واللبن لا ~~يوجدان وهلم جرا. فقد ضاقت الأنفاس والأشياء زادت عن حد القياس، والباشا ~~ومن حوله يجمعون المال في الأكياس، فنادى على اللحم فلم يوجد ونادى على ~~الصابون فتبدد، ونادى على الزيت، وكان له أغراض وأمور وأحكام تفتت الكبد، ~~والمستعان بالله الفرد الصمد. # وفي تاسع عشر جمادى الأولى ظهر خبر بأن امرأة قتلت زوجها مع جماعة من ~~الأشقياء، بدعوى أنه ينام مع مملوكه ولا ينام معها، وبعد قتله دفنوه في ~~دهليز البيت، والقتيل ينتسب إلى الأكراد، وله قهوة بسوق الخيل، واسمه درويش ms086 ~~آغا، فقامت الأكراد على ساقها في سوق الخيل، فجاء ولد صغير كان حاضرا ~~ومطلعا على قتله ودفنه، فدلهم على مقتله وداره، فذهبوا وألقوا القبض على ~~الجميع، فوجدوا طبجي الباشا خليل آغا وأخو الزوجة ورجل آخر، فجاؤوا إلى ~~الطبجي وقطعوه قطعا، وقتلوا الرجل وأخا الزوجة، أما المرأة فإنهم أخذوها ~~وغرقوها في مغرق البحصة في نهر بردى، ولم يسألوا عن الحكام، والحاكم لم ~~يتعرض لهم فنسأله تعالى الفرج القريب. # وفي تلك الأيام شرع حضرة أسعد باشا والي الشام بترميم الجامع الأموي، حتى ~~بلغني أنه اشترى طنافسا أي فرشا بأربعة أكياس. جزاه الله خيرا. # وفي تاسع جمادى الأولى من نهار الثلاثاء نزل مطر عظيم وثلج جسيم، فزادت ~~المياه حتى طاف نهر بردى، ووصلت الزيادة إلى تحت القلعة، ومشت إلى حارة ~~العمارة، لكن ولله الحمد لم تضر بأحد ولا بالبنيان. # وبتلك الأيام صارت فتن بين عرب الشام وعرب عنزة كذا. وفي شهر رجب أرسل ~~أسعد باشا والي الشام عسكرا لعرب الفضل، فنهبوا مالهم وطرشهم وبعض عيالهم. ~~وفي تلك الأيام شنق الباشا رجلا حمالا من حارة البحصة، قيل إنه خنق رجلا من ~~جيرانه. # وفي منتصف شهر رجب جاء مقرر حضرة أسعد باشا والي الشام، وكانت السنة ~~الثالثة عشرة من حكمه وإمارته للحج. وبهذا الشهر خرج حضرة والي الشام ~~المذكور إلى الدورة، وجعل مكانه متسلما موسى كيخية لدمشق الشام. وثبت هلال ~~رمضان هذه السنة ليلة الثلاثاء، وشعلت القناديل في المآذن، وصلوا التراويح ~~قبل أن يضربوا المدافع، وما ضربت إلا بعد ساعتين. # وفي هذه الأيام عزلت الحكومة الأمير حيدر بن حرفوش عن بلد بعلبك، فأبى ~~الخروج منها وأمر جميع من فيها بالرحيل وكل من أقام بعد ثلاثة أيام ينهب ~~ماله وعياله. فرحلوا بعدما حرق بيوتهم وكرومهم وطفشوا إلى البلاد والقرايا، ~~وأقام بها هو عاصيا، ثم ضمن الأمير حسين بن حرفوش بعلبك، ورجعت غالب أهل ~~بعلبك بلا أدنى حادث. ### | سنة 1169 # PageV01P047 ثم دخلت سنة تسع وستين ومئة وألف نهار الأحد ~~والغلاء قائم في الشام كما قدمنا. وجاء الجوقدار ms087 سابع وعشرين من المحرم، ~~والكتاب جاء ثاني يوم من صفر، وسادس يوم منه دخل الحج الشريف. وأخبرت ~~الحجاج أن هذه السنة كانت مخصبة ودار بهم أمير الحج من غير الطريق ~~السلطاني، فحصل على الحج عطش شديد، حتى هلك في يوم واحد ألف وخمس مئة ~~إنسان. # وفي سلخ ربيع الثاني جاء مقرر إلى الحاج أسعد باشا في الشام وهي السنة ~~الرابعة عشر من حكمه الشام وإمارة الحج الشريف المتوالية التي لم تسبق ~~لغيره. وتلك الليلة نزل ثلج عظيم في الشام ما رؤي مثله من سنين. # وبتلك الأيام جاء قبجي إلى حسين بيك بن مكي حاكم غزة ومعه فرمان بأن يكون ~~باشا بالقدس ويعمر ماء القدس، وأن يلم مال الدورة بأمر الدولة. # وكان صوم رمضان هذه السنة نهار الأحد. وفي جمادى الأولى نزل ثلج عظيم ~~بدمشق وأقام أياما وهدم أماكن كثيرة. وفي تلك الأيام جاء قبجي برجوع القدس ~~إلى أسعد باشا والي الشام. وفي ذلك الشهر جاء خبر بأن عرب الحجاز محاصرين ~~مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولها نحو شهرين في المحاصرة، حتى هدموا ~~ما حولها وقطعوا نخلها وضيقوا على أهلها، وهم الآن في كرب وضيق ما سبق ولا ~~سمع من عهد الجاهلية. فبلغ هذا الحال الدولة العلية أيدها الله تعالى، ~~فأرسلت إلى حاكم الشام أسعد باشا العظم بأن يتأهب لقتالهم بالرجال والعسكر ~~الجرار، وإلى أخيه مصطفى باشا كذلك، وإلى أخيه سعد الدين باشا كذلك، وأن ~~يكون حاكما بجدة، وأن يأخذ معه عساكر وأن يساعد أخويه. # وفي تلك السنة أمر حضرة الحاج أسعد باشا العظم بترميم وإصلاح جامع يلبغا، ~~فعمل له وقفا وجرايات بعد ما جدد فيه أخلية وغير ذلك، وأمر أيضا بإصلاح ~~جامع الياغوشية الذي تحت القلعة. وكان قد وقع منه جدار على امرأة ورجال، ~~وألزم بعض أخصائه بتعميره من ماله لأنه ذو مال. وفي أول رجب تمت عمارة قهوة ~~الشاغور التي هي مقابلة للشيخ السروجي رضي الله عنه. وبتلك الأيام عمرت ~~أيضا قهوتين كذا بباب السريجة وقهوة أمام باب ms088 المصلى. # وفي نهار الجمعة من شعبان توفي مصطفى بيك بن مردم بيك، وهو من أعيان ~~الشام وذوي البيوت التي شهدت أهل الشام بصلاحه، لأنه كان يحب الخير ويعمله، ~~ولا يقارب الحكام وليس له أذية لأحد، ودفن بمدفنهم عند جده لالا مصطفى ~~باشا، في أسفل سوق السنانية. # ثم جاء رمضان المبارك وأثبتوه الأحد وصمناه تماما. وسار الحج قاصدا ~~الحجاز ثامن عشر من شهر شوال. وفي ذلك اليوم توفي عبد الله أفندي زاده قاضي ~~الشام، ودفن بجوار سيدي بلال الحبشي رضي الله عنه. وبهذا النهار وجدوا صبيا ~~مخنوقا في نهر بردى، وبعده ظهر أبوه أنه خواجا في سوق السلاح. وفي يوم ~~الأحد ثالث ذي الحجة دخل سعد الدين باشا والي طرابلس إلى سردارية الجردة ~~بعد ورود عزله من طرابلس. ونهار السبت كان نهار وقفة عيد الأضحى بالشام. ~~وفي سلخ ذي الحجة نهار الجمعة توفي خطيب الأموي محمد سعيد أفندي بن محاسن ~~ودفن بباب الصغير. ### | سنة 1170 # ثم دخلت سنة سبعين ومئة وألف نهار السبت في طالع يمن وفرح وسرور إن شاء ~~الله. ولكن الغلاء واقع في البضائع وغيرها كما أسلفنا، فلا عود ولا إعادة. # وبهذه الأيام انفصل مصطفى باشا أخو أسعد باشا العظم من صيدا ووجهت عليه ~~ولاية أدنة. وبتلك الأيام صار انقطاع نهر القنوات بعد عيد الزبيب. وبنصف ~~محرم جاء من إسلامبول قاضي الشام محمد أفندي. وبهذه الأيام سمروا خبازا ~~بباب الجابية. # وفي سابع وعشرين محرم دخل جوقدار الحج الدالي علي باش ومعه جماعة، وبشر ~~بالخبر وأن حضرة الباشا والحجاج سالمين. وفي يوم الثلاثاء جاء كتاب حماة ~~وحلب، ويوم الأربعاء جاء نصراني في بعض مكاتيب، وأخبر أن كتاب الشام جرحوه ~~العرب. وبتلك الأيام أتت السماء بمطر كأفواه القرب، حتى ظنت الناس أن الحج ~~قد غرق، وكان بمنزلة الصنمين. وقد تأخر دخول الحج عن ميعاده نحو جمعة. ~~ونهار الثلاثاء ثاني عشر صفر دخل الحج الشريف، وثاني يوم دخل أمير الحاج ~~وحاكم الشام الحاج أسعد باشا العظم في موكب الحج والمحمل الشريف. وهذه ms089 ~~السنة الرابعة عشر كما قدمنا من سنين حججه المتواليات التي ما عهدت لغيره. ~~أدام الله أيام وجوده آمين. PageV01P048 وبهذه السنة أصلح حضرة أسعد باشا ~~بين أهل المدينة الشريفة وبين العرب الذين حاصروها، وذلك بعدما أعطاهم نحو ~~مئة كيس من المال، فشكرته جميع الحجاج على هذا الصنيع، جزاه الله تعالى كل ~~خير آمين. وبهذه السنة صار أيضا نقص في الجمال والناس. فقد نقلوا أنه مات ~~في محطة آبار الغنم أكثر من ألف وسبع مئة نفس في يوم واحد من اشتداد الشوب ~~وهو الحر الشديد. وفي قناق آخر سبع مئة نفس، ما عدا الذين ماتوا شيئا ~~فشيئا. وبهذه الأيام حصلت حميرة في الأولاد في دمشق الشام، فمات منهم كثير. # وفي يوم الاثنين ثالث عشر ربيع الأول أهدى حضرة السلطان إلى حضرة الأمير ~~الحاج أسعد باشا مع قبجي باشي قفطان وسيف عظيم مع فرمان عظيم فيه تفخيم ~~كثير لحضرة الوزير المشار إليه. # وفي ليلة الجمعة توفي شيخنا الشيخ إبراهيم الجباوي السعدي الشاغوري شيخ ~~سجادة الطريقة السعدية ومتولي الجامع الأموي وقد سار للإسلامبول، واجتمع ~~بثلاثة سلاطين: السلطان أحمد والسلطان محمود والسلطان عثمان. وصار له خير ~~وإنعام، بعدما ظهر له سر وبرهان. وخلف كثيرا من الخلفاء في الروم ومصر وحلب ~~والشام، وبلغ جاها عظيما مع تواضع كلي بحيث يجلس بالقهاوي ويسلم على الكبير ~~والصغير، وكان يوم موته يوما مشهودا، ودفن عند جده الشيخ حسن الجباوي رحمه ~~الله. # وفي سلخ ربيع الأول من هذه السنة وهي سنة سبعين ومائة وألف مات قاضي ~~الشام ودفن بباب الصغير، وصار له مشهد عظيم. # وفي سابع يوم مضى من تشرين الثاني هطلت أمطار كثيرة وأعقبها برد شديد ~~وهواء يابس، حتى يبست المياه في البرك والبحرات ويبست الشجر وتشقق الصخر، ~~واستمرت نحو بضع وعشرين يوما، ويبس الليمون والكباد والنارنج وغيرهم من ~~الأشجار واستمرت بضعا وعشرين يوما، حتى تجدها في الطرقات كالصخور، ومات ~~كثير من الوحوش والكلاب والطيور. وبلغني أن شخصا كان له دجاج، فبيوم واحد ~~مات له اثنين وعشرين دجاجة مع ms090 المحافظة عليهم. وأما في البراري فلا تسل عما ~~صنع الجليد والبرد فيهم، فقد مات كثير من الطرش والغنم. ومات من أولاد ~~العرب ونسائهم خلق كثير. وبلغني أن نواعير حماة وقفت والطواحين أيضا ~~والأسواق سكرت. فالحاصل سقعة مهولة وزميتة مزعجة وجليد مهول، ما سمع ربما ~~من مدة سنين. # قال المؤرخ البديري عفا الله عنه: وفي يوم الخميس منتصف ربيع الثاني من ~~هذه السنة وجهت دمشق الشام على راغب باشا المنفصل عن مدينة حلب. وفي ليلة ~~الأربعاء سلخ ربيع الثاني جاء خبر مع نجاب إلى حضرة الحاج أسعد باشا والي ~~الشام بأنه عزل وولي حلب. وثاني يوم من عزله أرسل خلف متسلمه موسى آغا ~~ولبسه فروة ثمينة وأقامه متسلم دمشق الشام، وأظهر أنه جاء الخبر من الدولة ~~بأن يكون كيخية راغب باشا، ليتعاطى أمور الحاج والدورة، وبأنه جاء بشارة ~~أنه بعد فراغ السنة من الحاج أنه والي جدة وباشا بطوخين. فتسلم حكم الشام ~~موسى كيخية. وأخرج حضرة أسعد باشا جميع من في الحبوس، وكان في الحبوس شيء ~~كثير من أربع سنين وخمس سنين وعشر سنين. وأقام أسعد باشا في دمشق يتردد على ~~سراية الحكم إلى يوم الجمعة خامس عشر جمادى الأولى، جاءه قبجي بفرمان الحكم ~~في مدينة حلب وبشارة بطوخين إلى موسى كيخية، وأن راغب باشا المنفصل عن حلب ~~قد نال الوزارة العظمى، وقد توجه للإسلامبول، وأن دمشق والشام توجهت على ~~حسين باشا بن مكي القاطن في مدينة غزة. # وأقام الحاج أسعد باشا إلى نهار الاثنين، ورحل بالسلامة متوجها إلى مدينة ~~حلب، بعدما أمر بإصلاح الوجاقين وأن يجعلوا في كل مصلبة جماعة من ~~الإنكشارية وجماعة من القبقول، وأن يجعلوا عليهم في كل قلق واحدا أنباشي. # وقد شاع الخبر بأن الوالي المقبل على الشام سيئ الخلق ظالم غاشم. وقد ~~خافت القبقول من الإنكشارية وجميع حواشي أسعد باشا، وصاروا يأخذون في القيل ~~والقال، وقامت بعض السفهاء من أهل الحقلة والميدان فردتهم أكابرهم، وصار في ~~البلد خوف عظيم وأراجيف، حتى عزلت القبقول بيوتها، وعزلت أصحاب ms091 الدكاكين ~~دكاكينهم من سائر الأسواق. # وكان أول حكم موسى كيخية المتسلم أن أمر جميع المنازيل التي في الحارات ~~من عشرين ثلاثين سنة تعمرها أهل محلتها، فانخبطت البلد خبطة مزعجة. وفي ذلك ~~اليوم شنق الباشا شابا من أولاد السويقة يقال له ابن سمرتين، فقلت الرواجف ~~وأمنت الناس. PageV01P049 وفي يوم الثلاثاء وليلة الأربعاء بعد المغرب شاع ~~خبر حتى وصل إلى السرايا بأن أحمد القلطقجي الذي كان من رأس الزرباوات الذي ~~هرب وعصى في جبل الدروز كما أسلفنا ذكره هاجم ليلة الأربعاء على الشام. فما ~~أشأمها من ليلة على أهل الشام من كثرة ما دهمهم من الخوف والرعب والسهر ~~وإخلاء البيوت والدكاكين وقد صفت المتاريس في جميع البوابات. وكانت ليلة من ~~هولها كليلة القيامة، لم تذق أهل الشام بها نوما قط، وهم ينتظرون طلوع ~~الفجر، فلما لاح لهم لم يجدوا شيئا مما توهموه، وكان الخبر كاذبا. # وفي يوم الخميس خامس جمادى الثانية مع أذان الظهر كان دخول حسين باشا بن ~~مكي إلى دمشق الشام، والمنفصل عن مدينة غزة التي هي وطنه. ودخل بموكب عظيم ~~حافل بالأفندية وأعيان الشام وبالإنكشارية كلها خيالة، والقبقول كلها مشاة ~~في العدد الكاملة والأسلحة المزخرفة والزينة الشاملة، ووقف العامة والخلق ~~تدعو له، وتصيح وتستغيث من جور أعيان الشام والغلاء. وثاني يوم جاءت ~~الأفندية والأعيان للسرايا لأجل السلام على الباشا، فوقفت الناس والعامة في ~~طريقهم، فلما مروا عليهم ليدخلوا السرايا قامت العامة بالصراخ والضجيج، ~~وصاحوا عليهم وقالوا: ارجعوا لا بارك الله فيكم، أنتم منافقون وتعينوا ~~الحكام على ظلم الفقراء والمساكين، وأكثروا من سبهم وشتمهم، ورجموهم ~~بالأحجار وصارت حالة مزعجة. ففتح الباشا باب العدل والتفتيش على الرعية، ~~حتى صار رطل الخبز بثلاث مصاري. ثم اشتغل بالظلم كأسلافه، فرجعت الأسعار ~~إلى حالها الأول: كرطل الخبز بخمسة وبستة مصاري، حتى جاءت سقعة وهي شدة برد ~~مؤلمة، فلم تبق ثمرة في شهر آذار إلا أحرقتها. وفي عاشر رجب حصلت سقعة ما ~~سمع بنظيرها، فأتلفت ما بقي إن كان بقي شيء من الثمار. # وفي سابع ms092 عشر رجب نهار الأربعاء توفي الشيخ الجليل العالم الفرضي الشيخ ~~عبد الله البصروي الشافعي، علامة زمانه في كل فن خصوصا في علم الفرايض، ~~ودفن بتربة الشيخ أرسلان رحمه الله. وبهذا الشهر الشريف أيضا قتل رجل في ~~الميدان، ووجدوا ثلاثة أشخاص مذبوحين في تربة البرامكة. وبعشرين من رجب ~~هاجمت المغاربة على الباشا، ثم قوسوا على العوام، فقتلوا مقدار عشرة رجال ~~وحرقوا أيضا محلات. وبهذه الأيام وجدوا امرأتان مذبوحتان كذا في تلة باب ~~الصغير. وبهذا الشهر أيضا وقعت فتنة بين المغاربة واللواند الأكراد، وقتل ~~من الفريقين مقدار خمسة عشر رجلا وسكرت الشام، ثم انقضت على الصلح. وفي ~~السابع والعشرين من رجب شنق حسين باشا والي الشام رجلا من الميدان اتهم ~~بالحرام، وكان سابقا قد قتل أمه ذبحا. # قال المؤرخ البديري رحمه الله تعالى: وبهذه الأيام جاء خبر بأن الحاج ~~أسعد باشا بن العظم والي حلب قد جاءه فرمان بأن يسير إلى مصر واليا، فعصت ~~به أهل حلب، وقالوا لا نريد غيره، وكاتبوا الدولة العلية بذلك. ثم بعد أيام ~~جاء مقرر حلب لأسعد باشا بن العظم، ولأخيه سعد الدين باشا منصب مرعش، ~~ولأخيه مصطفى باشا منصب الموصل، فذهب كل واحد لمنصبه، وأرسل مصطفى باشا ~~حريمه وأولاده إلى الشام. # وفي أول شعبان خرج حضرة حسين باشا والي الشام إلى الدورة، وأقام متسلما ~~مكانه حسين آغا ألاي بيك السباهية، فعدل ولم يظلم ولم يتعد على أحد. وقبل ~~خروج الباشا أمر الوجاقين بالصلح وترك الفساد والعناد، وسلمهم البلاد ~~والعباد، وأوقف مصطفى آغا الزعفرنجي اختيار وكبير القبقول تفكجي باشي بباب ~~السرايا، بعد ما ضمن على نفسه إصلاح البلد. # وقد دخل رمضان نهار الخميس، ودخل معه الغلاء الأكبر في الشام في جميع ~~الأصناف، فوصلت غرارة القمح إلى الخمسين غرش، ورطل الخبز من سبع مصاري إلى ~~اثني عشر مصرية، بعدما كان بثلاثة مصاري رطل أعلى خبز، ورطل الأرز بأربعة ~~عشر مصرية، والدبس كذلك والبصل أيضا، ومد العدس وكذلك الحمص والماش كذا ~~واللوبيا والبرغل بثلاثين مصرية، ومد الشعير باثني عشر ms093 مصرية، وأوقية الثوم ~~بمصريتين. والحاصل كل شيء غالي مع قلة الأسباب وقلة الحركة. PageV01P050 ~~وفي ليلة الاثنين ثاني عشر رمضان صارت فتنة عظيمة بين أوجاق الإنكشارية ~~ووجاق القبقول، لم تعهد منذ زمان، وساعدت القبقول الدالاتية والأكراد ~~والمواصلة. وحاصرت كل حارة جماعة وكانت النصرة للإنكشارية، بعدما ضربوا ~~عليهم المدافع من القلعة يومين وليلة، وقتل جماعة من العامة وقليل من ~~الإنكشارية. لكن قتل من القبقول وأتباعهم خلق كثير، بعدما حاصروا حارة باب ~~السريجة، وملكوها وخربوا بها بعض بيوت ودكاكين، وحاصروا أيضا حارة الشاغور، ~~حتى أنهم أشرفوا على أخذها، جاء النقيب حمزة أفندي وبعض مشايخ أصلحوا ~~بينهم. ثم بعد اليوم الثالث اختلفوا. وفي عشرين من رمضان جاء حسين باشا ~~والي الشام من الدورة فلم يحرك ساكنا. وكان عيد الفطر نهار الأربعاء. وفي ~~العشر الأول من شوال قدم مصطفى آغا بن علي أفندي الدفتري من إسلامبول برتبة ~~آغا على الإنكشارية، ودخل في عراضة أي موكب لم تعهد في الدولة الشامية. # وفي تاسع عشر شوال توجه حسين باشا بن مكي والي الإنكشارية أميرا على ~~الحاج الشريف، وذلك بعد ما مشت معه جميع الإنكشارية والقبقول. وكان قبل ~~خروجه للحج جمع أغوات الفريقين، وأصلح بينهما، وكتب حجة عليهم بحضور القاضي ~~والمفتي وأعيان البلدة، مضمونها أن كل من تعدى يكون عنده مئة كيس لمطبخ ~~السلطان ودمه مهدور. فسكنت البلدة وصارت كقدح اللبن، ولم يحصل أدنى مكدر. ~~وبقيت الراحة إلى يوم الأحد ثالث عشر ذي الحجة، جاء كردي اسمه ولي، وكان من ~~جماعة أسعد باشا بن العظم والي مدينة حلب حالا. وكان هذا الرجل الكردي له ~~في الشام أسبقية ظلم وعدوان على أهل الشام، فقامت عليه الإنكشارية والعوام ~~وقالوا اقتلوه، فهرب إلى القلعة واحتمى بالقبقول فحموه. وقبل خروج الباشا ~~قامت أهل الشام بصوت واحد إننا لا نريد غريبا في بلدتنا، فأخرج لهم الباشا ~~بيردى بذلك بأن لا يبقى في الشام غريب كيت. فخرج بعد خروج الباشا أناس ~~وبقيت أناس. فلما قدم هذا الرجل تضررت منه العامة والأعيان، وأرسلوا له ~~خبرا ms094 أن يرحل بنفسه ويحقن دمه. فأبى الخروج من الشام، وقد طمع بكونه احتمى ~~بالقلعة عند القبقول. فحالا سكرت البلد وتجمعت أغوات الإنكشارية وتبعتهم ~~العامة، وقاموا على قدم وساق، فاجتمعت العناتبية والأكراد والدالاتية، ~~فنهضت القبقول وقام معها أهل العمارة، وأغاروا على الدرويشية، وتقاوسوا مع ~~الإنكشارية إلى أن أقبل الليل، فهجموا على حواصل الإنكشارية الملآنة أخشاب ~~وأحرقوها، وكانت تساوي عدة أكياس مال، فقامت الإنكشارية على أهل العمارة ~~وشردت أهلها ونساءها وأولادها إلى جامع الأموي، ثم وضعت بها وبأسواقها ~~النار، حتى صارت ساحة سماوية. واشتد الأمر على أهل العمارة من ظلم وعدوان ~~الإنكشارية، وقد أعانهم بالحمية الجاهلية أولاد الحقلة من الميدان ومعهم ~~بعض رجال من الدروز، وفتحوا أبواب المدينة، ولم يعهد ذلك قبل الآن، وحضروا ~~القبقول ورجعوا كارين على الموصلية والبغادة والدالاتية وحصروهم، ووقع ~~القتل بين الطائفتين. # وفي ليلة رابع عشر من ذي الحجة خسف القمر خسفا مهولا. وفي اثنين وعشرين ~~من ذي الحجة حصلت زلزلة في دمشق لم تعهد من مدة أعوام، واستمرت عدة أيام ~~بالليل والنهار، وذلك بعدما كسفت الشمس، حتى رؤيت النجوم نهارا، ولا كانت ~~هذه الأمة تعتبر اعتبارا. PageV01P051 ودامت هذه الفتنة أياما بين صلح وقيل ~~وقال، حتى صار الديوان عند الأغوات وأكابر الشام، وبت القرار على إخراج ~~غريب كيت من الشام، وأن يخرج ولي الذي كان سبب الفتنة. فأخرجوهم كذا ~~الأغوات، ومعهم علي أفندي المرادي تطييبا لخاطر أهل البلد، ولم يزالوا ~~خارجين بهم إلى خارج البلد، فرجعت الأغوات والأفندي المرادي وبقي الوجل على ~~حاله، ثم صارت أهل كل حارة تسهر كل ليلة. وبقي الأمر على ذلك إلى أن وصل ~~الخبر إلى الشام بأن الذين خرجوا نهبوا القرايا وقتلوا النفوس، وهتكوا ~~الحريم. فأرسلت الحكومة أوراقا إلى أهل البر والقرايا أن يقتلوهم أو ~~يطردوهم، فتعصبوا عليهم وطردوهم، ولكن بعدما قتلوا ونهبوا. ثم رأوا القبجي ~~في طريقهم فشلحوه، وقتلوا بعض جماعته. وبقيت أهل الشام بين خوف وأهوال، إلى ~~أن كان يوم الاثنين سابع والعشرين من ذي الحجة وصل خبر إلى الشام بأن ms095 موسى ~~باشا باشة الجردة لما وصل إلى القطرانة خرجت عليه العرب شلحوه ونهبوا ~~الجردة وكل ما فيها، حتى شلحوه لباسه وخاتمه من إصبعه، وأنزلوه من تخته، ~~وركبوا مكانه في التخت، وأخذوا طبوله وأطواخه ومدافعه. وكان كبيرهم يقال له ~~قعدان الفايز. ثم تفرقت الجماعة الذين كانوا في الجردة، فرجعت منهم أناس ~~إلى الشام، ومنهم ناس انقطعوا في حوران، ومنهم ناس هربوا إلى غزة، وناس إلى ~~القدس، وناس إلى معان مع ابن موسى باشا، لأنها قريبة من الموضع الذي نهبت ~~فيه الجردة. وأما الباشا فإنه رجع إلى قرية داعل وأقام بها مدة أيام. ~~فأرسلوا له تختا ليحملوه به، فوجدوه قد مات، فحملوه وجاؤوا به إلى الشام. ~~وكان دخلوه على البلد في أول الليل، وثاني يوم دفنوه في تربة سيدي خمار رضي ~~الله عنه. ### | سنة 1171 # ثم دخلت سنة إحدى وسبعين ومئة وألف، ونحن على هذا الحال، نسأله تعالى أن ~~يحول حالنا إلى أحسن حال. # وفي هذا الشهر المحرم الحرام توفي العالم العلامة خاتمة المحدثين وبقية ~~السلف الصالحين الشيخ صالح الجنيني المحدث الكبير تحت قبة النسر في الجامع ~~الأموي، وصار له مشهد عظيم، ودفن بباب الصغير، رحمه الله تعالى. # وفي تلك الأيام خرجت جردة ثانية دون الجردة الأولى. وفي سابع وعشرين محرم ~~دخل جوقدار حسين باشا والي الشام وأمير الحاج، ومعه ثلاث هجانة مردفين، ~~ومعهم أخو ابن مظيان شيخ عرب الحجاز، فتباشرت أهل الشام وزينوا الأسواق ~~بالقناديل. فقامت القبقول وخرجوا وقوسوا على الرعية، وصارت هزة قوية، وبقيت ~~الفتنة في البلد بين الإنكشارية والقبقول والأشراف، فقتل القبقول من ~~الأشراف نحو ثلاثين رجلا وقوسوا على جامع الأموي، وقتلوا الشيخ عمر كبب ~~مؤذن الجامع، وكان نازلا من أذان الظهر، وقتل فيه بعض أولاد، وصار الهرج في ~~أسواق المدينة مدة أيام، ثم دخلت الأغوات والأفندية بينهم بالصلح، فأبوا، ~~فقالوا لهم: ارفعوا القتال واصبروا حتى يأتي حسين باشا من الحاج، ويفصل في ~~هذه الأحكام، فرفعوا القتال. # وبقيت القبقول في القلعة لا تحول ولا تزول، إلى أن كان يوم ms096 الاثنين سابع ~~عشر صفر الخير، والناس مزعوجة من تأخير مجيء الحج ولم تدر ما السبب، جاء ~~خبر إلى الشام بأن الحج قد شلحه العرب ونهبوه، والعرب سلبت النساء والرجال ~~أموالهم وحوائجهم. فضجت العالم وتباكت الخلق وأظلمت الشام. وبلغ الناس بأنه ~~جاء إلى المتسلم ست مكاتيب أن يخرج إلى الحاج نجدة فلم يظهرها، فقامت ~~العامة وهجموا على المتسلم بالسرايا ورجموه بالأحجار، فاجتمعت الموالي ~~والأغوات، ونادوا بإخراج دواب من البلد وأن يخرجوا حوائج وثياب مفصلة ~~ومخيطة ونعال وزرابيل، وأن تخرج رجال لملاقاة الحاج. فخرج خلق كثير، وكان ~~خروجهم يوم الجمعة في الحادي والعشرين من صفر الخير، وذلك بعدما كتبوا عرضا ~~للدولة يعلموهم بهذا الحال، وأرسلوا إلى حمص يطلبون حسن باشا بن الكبرلي ~~لأجل أن يحافظ على الشام. PageV01P052 وفي يوم الخميس خامس وعشرين من صفر ~~الخير أقبلت بعض إنكشارية الشام من جهة الحج، ومعهم حجاج مركيين كل اثنين ~~ثلاثة على دابة، وهم في آخر درجة العدم، والمنادي معهم معه راية بيضاء ~~ينادي هذه راية الإنكشارية، فضجت الناس بالبكاء والعويل، وحسبنا الله ونعم ~~الوكيل. وأخبروا أن خلفهم خلق كثير من الحجاج، ومعهم النساء والبنات مع ~~الملكة حفايا عرايا. وبعد يومين أقبلت شرابجة الإنكشارية من المزيريب ومعهم ~~المشطجي والقفطجي الجميع مشلحين. وفي ذلك اليوم رجعت الإنكشارية ومن بقي من ~~الملاقية ومعهم الأغوات ومتسلم حسين آغا ألاي بيك، وأخبروا عن أحوال وأهوال ~~التي حصلت للحجاج من النساء والرجال من شر كفار العرب ولا شك، حيث أن هذه ~~الأفعال التي فعلت في الحجاج لا يفعلها عباد النيران: لأنهم أخبروا أنهم ~~يشلحوا الرجل ويفتشوا تحت إبطيه ودبره وفمه وتحت خصيتيه، وإن وجدوا الرجل ~~كبيرا بطنه أو له قر أي قيلة شقوا بطنه وبقروا قره أي قيلته، ويدخلون ~~أيديهم في دبر الرجال وفي فروج النساء، وقد كانت المرأة تضع الطين على ~~قبلها ودبرها سترا لعورتها فيكشفونه. وحاصله صدرت من العرب أمور ما سمعت من ~~قديم الزمان ولا من عباد الأوثان والصلبان. ثم ما سلم من التشليح إلا الذين ~~هربوا ms097 أمام الحج، وأن الباشا أمر من حوله بنهب خزنته فنهبوها، فناس سلموا ~~وناس قتلوا، ومنهم من تشلح مرارا. # ثم أقام الحجاج أربعة عشر أيام جوعا وعطشا لا ماء ولا زادا، ومنهم من مات ~~جوعا وعطشا وبردا وحرا، وذلك بعد ما شرب بعضهم بول بعض. وما كفى جور ~~العربان، بل زاد عليهم جور أهل معان، غضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم عذاب ~~النيران. # وفي تاسع ربيع الأول جاء الخبر بأن حسين باشا والي الشام وأمير الحاج هو ~~في مدينة غزة، ويريد من الشام بغال وتفكجية ورجالا، فأبوا أن يرسلوا له ~~شيئا من ذلك، بل أرسلوا له بأن يأتي إلى منصبه لأن قبجي التقرير عندنا، ~~وافعل ما ترى فيه المصلحة. # وقبل ذلك بأيام كان قد قدم أحمد بشه بن القلطقجي كبير زرباوات الشام، ~~وكان هاربا له أربعة عشر عاما، فجاء مرة في غيبة أسعد باشا في الحج وفعل ما ~~فعل كما قدمنا، وجاء مرة ثانية في أول حكم حسين باشا المذكور، فأكرمه ~~وأعطاه، وخرج معه إلى المزيريب، ومن هناك غاب، ورجع هذه المرة الثالثة لما ~~وقعت الفتنة في الشام، وعن تلك الأعمال نهاهم فلم تفد شيئا كما تقدم. # وفي يوم الجمعة ثالث عشر ربيع الأول وصل خبر إلى دمشق الشام أن عمر ~~المحاميد شيخ حوران وجد المحمل والصنجق عند العرب، وقد أرضاهم حتى فكهما ~~منهم، ووجد المحملجي وابن القبق دار وأربع خمس رجال عليهم المذلة ~~والانكسار. # وفي يوم الثلاثاء سادس عشرين ربيع الأول وصل المحمل ودخل إلى الشام، وهو ~~محمول على جمل، وقد ستروه بثوبه الأخضر التحتاني، ومعه محمد بشه السقباوي ~~وبعض فرسان دروز وبعض عربان، وذكروا أنهم فكوه من العرب بمئة وسبعين قرشا. # وقد جاء في منتصف ربيع تتر أخبر بوفاة السلطان عثمان، ولم يأت بالخطبة ~~لمن هي، حتى خطبت الشام بلا اسم سلطان جمعتين، إلى أن كان يوم الاثنين غرة ~~ربيع الثاني جاء قبجي بخطبة اسم السلطان مصطفى خان. أيده الله وأيد دولة ~~بني عثمان مدى الدوران. # ثم صارت الحجاج ms098 تأتي زمرا زمرا، ثم جاءت البلطجية ومعهم قاضي المدينة ~~وبعض نساء، وقد عدت النساء الذين كانوا كذا في تلك السنة فبلغن خمس مئة ~~امرأة، ما بان لهم أثر مع الملكة أخت السلطان. PageV01P053 وفي خامس ربيع ~~الثاني خرجت القبقول من القلعة وقوسوا على الإنكشارية، وحصلت فتنة قوية، ثم ~~أصلح بينهم القبجي والموالي والأغوات، وبطل الحرب. وفي خامس وعشرين من ربيع ~~الثاني توفي قاضي المدينة الذي جاء مع الحجاج، وصارت تموت الحجاج ناسا بعد ~~ناس، حتى مات كثير ممن كان مع الجردة، لأن الذي جرى على الحاج وعلى الجردة ~~في هذا العام شيء ما سمع، مما تقشعر منه الأبدان. فإنا لله وإنا إليه ~~راجعون. وبقيت دمشق بلا حاكم إلى آخر ربيع الثاني إلى أن تحقق الخبر بعد ~~تردد الناس في أمر حكام الشام بتوجيه ولاية الشام لحضرة الوزير الكبير ~~الحاج عبد الله باشا الشتجي. وكان دخوله مدينة دمشق الشام ضحوة نهار الأحد ~~ثامن وعشرين ربيع الثاني، فخرجت لملاقاته وجوه الشام وأعيانها، ودخل في ~~موكب لم يعهد لغيره، ودخل معه عسكر جرار، فكان معه أربعين كذا بيرقا من ~~الدالاتية وخمسين بيرقا من اللوند وعشرين بيرقا من الأرنؤوط. ثم إنه ثاني ~~يوم عمل ديوانا ولبس المفتي والقاضي ونقيب الأشراف والسيد علي أفندي ~~المرادي وأرسل الباشا يطلب جماعة من الإنكشارية فلم يجيبوا، فأرسل ينادي ~~بأن أهل العرض ترحل من بين الإنكشارية، فلم تر إلا نقل أمتعة وإخلاء دور ~~ودكاكين وأول دخول الباشا إلى الشام اجتمعت الإنكشارية فبلغوا نحو عشرين ~~ألفا وأكثر، وأظهروا الشجاعة وقلة الخوف منه، وقالوا: نحن لا نحسب حسابه، ~~ولو كان عسكره أضعافنا. # ولما كانت ليلة الأربعاء اجتمعت من الإنكشارية جماعة في حارة السويقة، ~~وصاروا يقوسوا كذا ويفزعوا الناس، إلى أن سكرت أهل الشام البوابات، ولما ~~ظهر النهار هجموا إلى باب الجابية وقوسوا إلى ناحية باب السرايا. فبلغ ~~أمرهم حضرة الباشا والي الشام، فاغتاظ غيظا شديدا. وجاءت الموالي وعمل ~~ديوانا، ثم أرسل الباشا يطلب منهم الأشقياء الخارجين عن الطاعة، وصاحب ~~العرض يبقى بحاله. ms099 فتغلظت أكباد الإنكشارية وتقووا، وظنوا أنهم هم ~~المنصورون. ثم صاح الباشا في جنده وركب في نفسه، وطلب جهة الميدان فلم يقف ~~بين يديه أحد، وهجم هو وعسكره عليهم، فلم يثبت منهم أحد. فلم يزل يضرب هو ~~وعسكره بالسيف إلى أن وصلوا إلى خارج باب الله، فقتلوا منهم خلقا كثيرا، ~~والذي ما أرادوا قتله أخذوه ووضعوه في الجنزير. ونهبت العساكر الميدان، ولم ~~يتركوا كبيرا أو صغيرا إلا قتيلا أو أسيرا. ولم يتركوا بيتا ولا دكانا ولا ~~امرأة ولا طفلا إلا استعملوا النهب والسبي وهتك الأعراض من سلب النساء ~~الحلي وسلب البنات الأبكار، وغير ذلك مما يعمي الأبصار، وتمنوا الموت ~~الدرار، ولم يروا هذه الفظائع المهولة الكبار، وانتكبت أهل الشام نكبة في ~~ذلك العام ما عهدت من أيام التيمور، ولله عاقبة الأمور. # وثاني يوم الخميس قامت جماعة الباشا إلى النهب، فمنعهم وأمر بجمع ~~المسلوبات من العساكر وغيرهم، وأن يوضعوا في بعض الجوامع. وأمر مناديا ~~ينادي كل من له مال منهوب فليأت وليعلمه ويأخذه، فأخذوا البعض وذهب الأكثر. ~~وأما أتباع الباشا فإنهم صاروا كل من رأوه يقتلوه ويقطعوا رأسه، ويتركوه في ~~الأسواق والأزقة والبيوت وقد ضبطوا الدور التي نهبت، فخرجت نحو أربعة ~~وعشرين ألف دار، ومن الدكاكين أكثر من هذا المقدار، وأعظم من ذلك أن زاوية ~~بيت الشيخ سعد الدين الجباوي التي في الميدان وضعوا بها الأمتعة الثمينة، ~~ثم تفقدوها بعد ذلك فما وجدوا بها شيئا أبدا، وصارت العساكر تلحق ~~الإنكشارية للقرايا والضيع والبراري، فتقتل وتأسر حتى الأولاد والنساء، ~~وكثر الجور في البلاد، وخافت العباد وكثر الفساد، وجمعوا رؤساء كثيرة من ~~أشراف وعامة، وأرسلوها إلى الدولة. PageV01P054 وأمر الباشا بإحضار أئمة ~~الحارات، وأمرهم أن يكتبوا أن جميع الذي نهب وسلب رده الباشا في الحال، ولم ~~يهذب لأحد عقال وختمهم بهذا العرض على هذا الشرط. وكانت هذه مكيدة منه ولم ~~يقدروا أن يخالفوا أمره. وبقيت جماعة الباشا تنهب وتظلم، وتبغي وتتجبر، ولا ~~توقر كبيرا ولا صغيرا، ويقولون عن أهل الشام كلكم كفار ونصارى وأشرار. وكان ms100 ~~لا يطعم جماعته إلا اللحم والأرز والخبز الطيب، حتى قل اللحم ولم يوجد خبز ~~يؤكل، وعلى كل فرن مئات من الناس الجائعين، حتى افتقرت غالب أهل البلد، ~~وصاروا يسألون الناس، وزاد النكد ونهضت الأسعار نهوض الماكر الجبار: فصار ~~رطل الأرز بأربعة وعشرين مصرية، والخبز مثله، والدبس مثل ذلك، وأوقية السمن ~~بثمانية مصاري، وأوقية الزيت بأربعة مصاري، وغرارة القمح بثلاثة وسبعين ~~غرشا، وغرارة الذرة بثمانية وأربعين، وغرارة الحمص بستين غرشا، وغرارة ~~العدس بخمسة وثلاثين، والشعير بخمسين، وأوقية السماق بأربعة مصاري، ورطل ~~البصل بأربعة مصاري وعلى هذا فقس ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. # وبعد مدة أيام قطع الباشا خرج بعض العساكر والبيارق، فصاروا يغيرون على ~~القرايا، وينهبون الأموال والأعراض والأولاد. ولا تسأل كذلك عن عسكر ~~الباشا، فإنهم نهبوا البساتين وكسروا الشجر وشلحوا البشر. ومع ذلك فإن ~~الباشا لم يرض بذلك، وطالما عاملهم بالتأديب والضرب الأليم، فلم يرجعوا حتى ~~صار يقتل منهم. وأرادت أهل الشام أن تقاتلهم، لكن لم يجدوا أحدا يأخذ ~~بيدهم، وأكابر الشام لم تتكلم بخير، والأمر لله. # وبهذه الأيام نفى الباشا نقيب الأشراف حمزة أفندي إلى القدس. وبعد مدة ~~جاء فرمان مع قبجي بأن عبد الله باشا الشنجي والي الشام له الأمر المفوض ~~يفعل ما يريد بلا مشاورة. ثم إنه تحرك لسفر الدورة، فأمر بإخراج المدفعين ~~اللذين في باب القلعة، وكان لهم سنين وأعواما لم يخرجوا، فعمل لهم عربات ~~ومن الحديد حلقات، بلغ وزنهم مع الخشب ثلاثة وثلاثين قنطارا، وخرج بهم ~~طالبا سفر الدورة، وعمل شواهي مثل المدافع الصغار وركبها على ظهور الجمال ~~تدور يمينا وشمالا ثم أمر العامة أن يجروا المدافع الكبار، فقتل منهم رجلان ~~وتحطم منهم جماعة. وقد فرضت جماعته على الحارات والأسواق مال، فلموه ~~باستعجال. # ولما خرج الباشا إلى الدورة شنق متسلمه رجلا، وجاء بعض أعوانه برجل شريف، ~~وقالوا: هذا قوس مع الإنكشارية، فحالا أمر بخنقه ولم يشاور أحدا. وصار ~~الآخر يظلم وهذا يجور، وزاد البلاء والغلاء، وجلس على كل حانوت من حوانيت ~~الخبازة ms101 واحد من أعوان الحاكم وذلك من كثرة ازدحام الخلائق وكثرة النساء ~~والأولاد فتسمع لهم بكاء ونحيبا يقطع القلوب والأكباد. والأمر لله لأنه ~~مراده. # وفي تلك الأيام جاء الخبر بقتل أسعد باشا بن العظم والي الشام سابقا. ~~وبعد أيام جاء قبجي من جهة الدولة بختم سرايته وضبط ماله وختم بيوت جميع ~~أتباعه وأعوانه وضبط مالهم ورفعهم إلى القلعة، وازدادت الشدة، وصارت أمور ~~وأهوال في دمشق الشام ما وقعت في سالف الأزمان. ثم جاءت أتباع ابن العظم ~~أسعد باشا، ودخل القبجي إلى السرايا، فأخرج الدفائن العظيمة من سرايته فإذا ~~هي كالكنوز المودوعة فيها، فأخرجوا من الأرض ومن الحيطان والسقوف والأحواض ~~حتى من الأدبات دراهم ودنانير وأمتعة نفيسة لا تقام بقيمة، ومجوهرات وغير ~~ذلك مما لا يعلمه إلا الله تعالى والحكم لله العلي الكبير. # وفي يوم الخميس رابع رمضان جاء الباشا من الدورة ودخل دمشق. وفي سابع عشر ~~شوال خرج عبد الله باشا الشتجي للحج الشريف بموكب عظيم وعسكر جرار. # وبتلك السنة توفي الشيخ أحمد المنيني الحنفي خطيب الجامع الأموي رحمه ~~الله تعالى. وجاء سيل عظيم في مربعانية الصيف نزل في قرية جبة من قرب ~~يبرود، وكان نزوله في أول الليل، فما كان إلا ساعة حتى أخذ قرية جبة عن ~~بكرة أبيها، ثم مر على يبرود، فغطى جميع الكروم وهدم وقتل، ثم وصل إلى قرية ~~النبك يهدر في جريه مثل الرعد، فأتلف بها كثيرا. نسأله تعالى اللطف ~~بالمقدور. ### | سنة 1172 # PageV01P055 ثم دخلت سنة اثنين وسبعين ومئة وألف، وكان أول ~~محرمها نهار الثلاثاء وكان المتسلم في الشام من قبل عبد الله باشا سليمان ~~آغا، وكان ظالما غاشما على ما نقلوا. وكان مجيء جوقدار الحج سلخ محرم ~~الحرام. وكان سردار الجردة عبد الرحمن باشا باشة طرابلس وفي خامس صفر الخير ~~كان دخول الحج الشريف إلى الشام. وكانت سنة راحة لكافة الحجاج، وذلك بسبب ~~أن الباشا قد قتل من العرب بين الحرمين ما لا يحصى، حتى قتل شيخ العرب وجاء ~~تقرير الشام للباشا قبل وصوله إلى ms102 الشام. # وكانت هلة رمضان ليلة السبت، وضربت المدافع في الثلث الأخير من الليل. ~~والفلوس كل أربعة وعشرين بمصرية. وثبت عيد الفطر قبل ظهر يوم الأحد، وصلوا ~~العيد قبل الظهر، وفطر الناس بعد أن كانوا صائمين. # وفي سادس عشر شوال توجه الحاج عبد الله باشا الشتجي أميرا على الحاج، ~~ورافقه في الركب الشامي سعد الدين باشا العظم واليا لجدة، وأخذوا معهما ~~عساكر كثيرة، خيفة من العرب من قتل عبد الله باشا لشيخهم وجنوده. وفي سابع ~~والعشرين من المحرم قدم جوقدار الحج الشريف وبشر بكل خير، وعزل عبد الله ~~باشا الشتجي مساعد شريف مكة، وأقام أخاه جعفر مقامه. وكانت وقفة الحاج ~~الجمعة، ونهار السبت سابع صفر دخل الحاج الشريف لدمشق الشام، وهو بغاية ~~الصحة. # ثم بعد دخول الحج أمر عبد الله باشا مناديا ينادي في الشام برفع الظلم ~~والعدوان والعدل من الحكام والرعايا، وصار يتبدل ويختفي ويدور في شوارع ~~الشام وأزقتها. فحصلت الراحة عموما بإبطال الشرور وانعدام أهل الفجور. وكان ~~الباشا قد قطع خرج غالب عسكره وأمر برحيلهم من الشام، وأن لا يبقى بها من ~~لا شغل له ولا صنعة، فرحل خلق كثير، وأرسل جميع جماله إلى حماة. وكان ذلك ~~من لطف الله بالشام وأهلها، والغلاء مطنب كما تقدم. وكان قاضي الشام رجلا ~~صالحا، فعمل محتسبا وصار يدور بنفسه على السوقة ويعير الموازين والأرطال ~~والأواق، فالذي يجد أواقه ناقصا يضربه علقة على رجليه، والذي يجد أواقه ~~تامة يعطيه مصرية من فضة. # ودخل ربيع الثاني الموافق تشرين الثاني ولم ينزل من السماء قطرة ماء. وفي ~~ليلة الثلاثاء ثامن ربيع الثاني من تشرين الثاني من هذه السنة في الثلث ~~الأخير من الليل والمؤذنون في المآذن يشتغلون المراسلة كذا صارت زلزلة ~~خفيفة، وتبعتها ثانية ثم ثالثة زلزلت منها دمشق زلزالا شديدا، حسبت أهل ~~دمشق أن القيامة قد قامت، فتهدمت رؤوس غالب مآذن الشام ودور كثيرة وجوامع ~~وأماكن لا تحصى، حتى قبة النصر التي بأعلى جبل قاسيون زلزلتها وأرمت نصفها، ~~وأما قرى الشام فكان فيها الهدم ms103 الكثير، والقتلى التي وجدت تحت الهدم لا ~~تحصى عددا. وفي الليلة الثانية زلزلت أيضا في الوقت الذي زلزلت فيه الأولى، ~~ثم حصلت في وقت صلاة الصبح وبالنهار أيضا، ولا زالت تتكرر مرارا لكنها أخف ~~من الأولين. وقد زاد الخوف والبلاء، وهجرت الناس بيوتهم، ونامت في الأزقة ~~والبساتين وفي المقابر والمرجة، وفي صحن الجامع الأموي. وفي هذه الزلزلة ~~وقع خان القنيطرة على كل من كان فيه، فلم يسلم من الدواب والناس إلا ~~القليل، وكذلك خان سعسع. وقد وردت الأخبار إلى دمشق الشام أن بعض البلاد ~~والقرايا انهدمت على أهلها، فلم يسلم منها ولا من دوابها أحد. # ثم في ليلة الثلاثاء الساعة العاشرة من الليل خامس ربيع الأول انشقت ~~السماء وسمع منها صريخ ودمدمة ودوي وهول عظيم، حتى إن بعض أهل الكشف رأى أن ~~السقوف ارتفعت، وظهرت النجوم وعادت السقوف كما كانت. ووردت أخبار أن في بعض ~~البلاد انطبق جبلان على بعض القرى، فذهبت القرى ولم يظهر لها أثر. وفي ليلة ~~الجمعة الثامن عشر من ربيع الأول في محل أذان العشاء خر نجم من السماء من ~~جهة الغرب إلى جهة الشرق، فأضاءت منه الجبال والدور. ثم سقط فسمع له صوت ~~عظيم أعلى من صوت المدافع والصواعق. # وفي الزلزلة الأولى وقعت صخرة عظيمة في نهر القنوات فسدت النهر، وانقطع ~~الماء عن البلد أحد عشر يوما، وبقيت قطاع الأحجار يقطعون فيها أحد عشر ~~يوما، فصارت الناس في غمين: غم الزلزلة وغم قلة الماء. PageV01P056 وفي ~~ليلة الاثنين سادس ربيع الثاني في الساعة الخامسة صارت زلزلة عظيمة أعظم من ~~الأولى بدرجات. وقد صارت معها رجة مهولة أسقطت غالب بقية المآذن، وأرمت قبة ~~الجامع الأموي الكبيرة والرواق الشمالي جميعه مع مدرسة الكلاسة وباب البريد ~~وأبراج القلعة وغالب دور دمشق، والذي سلم من الوقوع تناثر من بعضه البعض ~~وقتل خلق كثير خصوصا في القرايا، ورحلت الخلائق للبساتين وللجبال والترب ~~وإلى المرجة، ونصبوا بها وبالبراري الخيام وناموا بعيالهم وأولادهم، ومع ~~ذلك فلم تبطل الزلزلة والرجفان لا ليلا ولا نهارا. ms104 ثم أمر عبد الله باشا ~~الشتجي والي الشام وفقه الله تعالى مناديا ينادي بالناس أن يصوموا ثلاثة ~~أيام وأن يخرجوا في اليوم الرابع إلى جامع المصلى، فإنه مشهور بإجابة ~~الدعاء فيه. فخرجت الناس من كل فج عميق إلى المصلى، وخرج حضرة الوزير معهم ~~وجميع الأعيان والمفتي والقاضي، وخرجت العلماء وأهل الطرق والصوفية والنساء ~~والأولاد، ولازموا الدعاء في المصلى ثلاثة أيام بضجيج وبكاء وخشوع كيوم ~~عرفات، بل كموقف القيامة، فرحمهم أرحم الراحمين، وعاملهم باللطف والتخفيف، ~~فصارت الأرض تختلج اختلاجا خفيفا، ولم تزل الناس في البساتين والبراري ~~خائفة حتى نزل عليهم الثلج المطر وصار الجليد إلى أن خفت الزلزلة ورجعت ~~الناس خائفين. # وفي أواسط جمادى الأولى قدم القاضي إلى دمشق الشام، واسمه رضا أفندي، ولم ~~يحرك ساكنا. # وفي ثامن جمادى الثانية ظهر خبر بدمشق أن عبد الله باشا الشتجي والي ~~الشام معزول. وفي ثالث عشر جمادى الثانية. وفي يوم الخميس ثاني وعشرين ~~جمادى الثانية رحل الحاج عبد الله باشا الشتجي إلى منصب ديار بكر على ما ~~قيل. # وفي ليلة الاثنين الخامسة والعشرين من جمادى الثانية قبيل السحر صارت في ~~الشام أيضا زلزلة خفيفة أخف من الزلازل المتقدمة. ثم شاع الخبر بين الناس ~~أنه سيحدث زلزلة عظيمة، ففزعت الناس فزعا شديدا، ورجعوا إلى ما كانوا عليه ~~من الخوف والفزع والخروج للبساتين والمقابر، نسأله تعالى اللطف. # وفي نهار الاثنين غرة رجب المبارك من هذه السنة دخل والي الشام محمد باشا ~~الشالك بن بولاد باشا لدمشق بموكب عظيم ضحوة النهار، وخرجت لملاقاته ~~الأكابر والأعيان والأفندية والأغاوات، وخرجت الإنكشارية بالخيل والعدد ~~المطلية والدروع الداوودية، وخرجت القبقول بالعدد الكاملة. # وفي يوم السبت سابع رجب دخل نعمان باشا حاكم صيدا، فدخل في موكب عظيم، ~~وخرج لملاقاته والي الشام محمد باشا الشالك ومعه الأفندية والأكابر ~~والأغوات، وأنزله والي الشام عنده، وأنزل كل آغا من أغواته عند آغا من ~~أغوات الباشا، ثم أقام في ضيافة والي الشام محمد باشا ثلاثة أيام وأربعة ~~ليال، ورحل لمحل وظيفته ومنصبه بصيدا. # وفي نصف ms105 شهر رجب جاء ريح عظيم استمر أربعة أيام ولياليها حتى هدم أماكن ~~كثيرة، ولم يبق من الأشجار إلا القليل، وارتجاج من الزلازل لم تبطل لا ليلا ~~ولا نهارا، مع وقوع الغلاء حتى في الخضراوات، فرطل الخبز بخمسة مصاري، ورطل ~~الباذنجان بخمسة وعشرين مصرية، ورطل البصل بتسعة مصاري، ورطل اللحم بقرش ~~وربع لم يوجد، ورطل السمن بقرش ونصف وربع. والبقية على نحو ما قدمنا. # قال المؤرخ البديري: والفقير لم يوجد معه ولا منقير، والهدم واقع من ~~الزلازل في كل وقت وحين، والناس رحلت إلى أرض الفلاحين، والله تعالى هو ~~المعين. # وفي نهار السبت الثاني والعشرين من رجب جاء قبجي من طرف الدولة العلية ~~واسمه سبانخ زادة لأجل الكشف على الجامع الأموي وعمارة قبته وجهته الشمالية ~~ومآذنه المهدومة في الزلازل، ومعه باش معماري وفعلة ورجال لأجل مباشرة ~~تعمير الجامع المذكور. # وفي عاشر شعبان سار والي الشام محمد باشا الشالك إلى الدورة وأخذ معه ~~أحمد بشه بن القلطقجي ومعه محمد آغا بن دالي وابن بكماز اللذين كانا هاربين ~~مع ابن القلطقجي. فلما وصل محمد باشا ومن معه إلى نابلس توفي أحمد بشه بن ~~القلطقجي. ودفن بها، وكان موته بالطاعون، لأن مبادي الطاعون وقع خفيفا من ~~شهر جمادى الثانية، ولم يزل يكثر في رجب وشعبان، كما وجود الغلاء كما يأتي. ~~PageV01P057 ثم دخل شهر رمضان المبارك نهار الخميس، وصار العيد يوم الجمعة، ~~فصار عيدا للأموات والأحياء، لكنه للأموات أكثر. فقبل عيد الفطر بيومين ~~وبعده بيومين يخرج من كل باب من أبواب دمشق ممن مات مطعونا في كل يوم نحوا ~~من ألف جنازة والعياذ بالله. # وهذا شيء ما سمع من عهد الطاعون عمواس، نسأله تعالى اللطف فيما جرت به ~~المقادير. وصار النقص أيضا في الفاكهة، حتى صارت أوقية الجانرك بمصريتين، ~~والمشمش رطله بأربعة وعشرين مصرية، ورطل التوت بثمانية مصاري، ورطل التفاح ~~بأربعة وعشرين مصرية، ورطل الأنجاص بثلاثين مصرية، ورطل الثوم بثلاثين ~~مصرية، ورطل البصل بسبعة مصاري، واللحم والأرز وغيره على نحو ما قدمنا، وقد ~~طال الأمر ms106 وكثر القهر وزال السرور، وزادت البغضاء والشرور، ولم يدر الإنسان ~~أين يدور، من شدة البكاء والنفور، ولله عاقبة الأمور. # وفي يوم الجمعة الخامس عشر من شوال سار محمد باشا الشالك بالركب الشامي ~~إلى الحرمين الشريفين. وبعد يومين سار الحاج بمهماته وبعد أيام جاء عثمان ~~باشا والي مدينة طرابلس سردار الجردة، وكان نزوله مدة إقامته في قرية من ~~القرايا من غير أسف ولا ندم، وسار مسافرا في ذي الحجة مع كواخي صيدا ~~ونابلس. # وفي نصف ذي الحجة توفي الشيخ أحمد بن سوار شيخ المحيا، وكان علامة زمانه ~~ووقته، وله شجاعة زائدة وبراعة في العلوم متزايدة، وصار له مشهد عظيم، ودفن ~~في تربة قبر السيدة عاتكة. وبعده توفي ابن عمه الحسيب النسيب الشيخ سليمان، ~~وكان يعمل المحيا في جامع الأموي وفي جامع البزوري الذي في محلتهم. وبهذا ~~الشهر أيضا توفي العالم العلامة مفتي السادة المالكية الشيخ يوسف أفندي، ~~وصار له مشهد عظيم، ودفن بمرج الدحداح، رحمه الله تعالى. ### | سنة 1173 # ثم دخلت سنة ثلاث وسبعين ومئة وألف، وكان غرة محرمها الثلاثاء، وكان ~~دخولها في اشتداد الحر. وفي السابع والعشرين من المحرم قدم جوقدار الحج ~~الشريف، وبعده دخل الكتاب، وأخبر أن هذه الحجة بغاية الراحة، وأن عثمان ~~باشا سردار الجردة صنع من الخيرات في هديه أشياء ما صنعها غيره. وذلك أنهم ~~لما التقوا بالجردة وجدوا عثمان باشا سردار الجردة قد سبقهم، وفي انتظارهم ~~له إحدى عشر يوما مقيم في هدية، وهذا ما سبق لأحد قبله. وقد أغاث الحجاج ~~بالإكرام، فقد أطعم الجائع وسقى العطشان، وركب العيان وكسا العريان. ثم لما ~~وصلت أفعاله الحسنى إلى الدولة العلية صانها المولى من كل بلاء وبلية وجهوا ~~عليه إمارة الشام، ووجهوا لولده محمد باشا مدينة طرابلس. # وفي نهار الأربعاء السابع والعشرين من ربيع الأول جاء قبجي بعزل محمد ~~باشا الشالك من الشام وبتوجيهها لعثمان باشا سردار الجردة. # وفي هذه الأيام بوشر بعمارة جامع الأموي، فدخلته المعمارية والنجارون ~~والدهانون والحجارة، وبذلوا الهمة بتعمير القبة والجهة الشرقية وما سقط ms107 من ~~المآذن وبتحسين جميعه، ولا يفتح إلا في وقت الصلاة فقط. والعمارة أيضا ~~مشتغلة في القلعة وترميمها، وقد تمت عمارة القلعة في شهر رجب سنة تاريخه، ~~وتم تعمير الجامع الأموي والجهة الشمالية والقبة وترميم المنائر وتحسينه في ~~شهر رمضان من هذه السنة. # وقبيل شهر رجب سار عثمان باشا إلى الدورة، وفتح فيها قلعة طرطورة، وكانت ~~تلك القلعة في يد الظاهر عمر، وقتل كذا، ولما رجع عنها عثمان باشا أخذها ~~الظاهر عمر بقوة جيشه بلا محاصرة. # وفي هذه السنة المطر غزير والطاعون المفرط والوباء زائد الحد والفاكهة ~~قليلة جدا، والغلاء مطنب كما أسلفنا: فالرمانة الواحدة بثمان مصاري وأوقية ~~التفاح بسبع مصاري، ورطل الفحم بخمسة عشر مصرية، وأوقية السمن بسبع مصاري، ~~وأوقية الزيت بثلاث مصاري، وبقية المقتاتات على هذا النمط كما أسلفنا، وأما ~~القيمق فقد صار رطله بريال، وما بقي للفقراء حال. وفي اثنين وعشرين شعبان ~~من هذه السنة جاء عثمان باشا من الدورة وأحواله مسرورة. ونهار الاثنين ثبت ~~رمضان المبارك، وثالث ليلة منه والناس في صلاة التراويح صارت زلزلة مزعجة، ~~فقطعت الناس صلاة التراويح، وتهاربت الناس، وداست بعضها بعضا، وانذهلت ~~عقولهم وفقدت نراجيلهم وبعض ثيابهم، وثاني ليلة حصلت أيضا مع رجات لا تدرك. ### | سنة 1174 # PageV01P058 ثم دخلت سنة أربع وسبعين ومئة وألف. وكان عثمان ~~باشا والي الشام في الحج أميرا له. ولما جاء الحج أخبر أن هذه الحجة من ~~أبرك الحجج برخاء ورخص وأمان. # وفي تلك السنة جاء قبجي يأمر بالزينة العظمى، ونادى عثمان باشا أن من ~~عنده لعبة ولو كانت من الطين والخشب أو عنده معرفة بأبواب السيما التي تسمى ~~بالملاعيب فله عندي الإكرام الزايد، فبذل جانبا من المال وأعطى ومنح، ودارت ~~العرايض بأنواع الملاعب وعملت جميع الصنائع والحرف، ومشت بمواكب عديدة ~~مدهشة، منهم بالأسلحة والعدد والدروع الفاخرة، ومنهم الثياب المثمنة ~~المنوعة. والحاصل حصلت زينة ما سمعنا ولا رأينا أنه صار نظيرها. # وبتلك السنة ركب عثمان باشا والي الشام على قلعة صهيون وفتحها، فأمن ~~الخايف وقلت الرواجف. وفي تلك السنة ms108 أيضا جاء خبر إلى الشام بقتل عبد الله ~~الشتجي، وضبطت الدولة ماله ونواله، وراح كأنه ما كان. ### | سنة 1175 # ثم دخلت سنة خمس وسبعين ومئة وألف. وكان والي الشام عثمان باشا أميرا ~~بالركب الشامي، وكانت حجة مريحة لم يحصل أدنى كدر للحجاج. وكانت وقفة عرفات ~~يوم الجمعة. ومن الاتفاق العجيب أن عثمان باشا خرج بالركب يوم الجمعة، ووقف ~~على عرفات مع الحج يوم الجمعة، ودخل الشام يوم الجمعة. # وفي مدته لم يحصل في الشام أدنى مكدر، فعدل في الرعية، وعاشت أهل الشام ~~بمدته عيشة هنية. وكان كيخيته سليمان بك مملوك سليمان باشا بن العظم. وكان ~~في موت بيت العظم قد قاسى أهوالا، فنال بصبره آمالا. # وفي تلك الأيام ورد الخبر إلى دمشق الشام بأن سعد الدين باشا بن العظم ~~مات في ديار بكر، وجاء الأمر بضبط ماله، فضبطت الدولة على ماله واستولت على ~~نواله، فقد نقل الثقات أنه خرج عنده مال عظيم، ولا حول ولا قوة إلا بالله ~~العلي العظيم. ### |PARATEXT| # انتهى ما ذكره البديري من هذا التاريخ، واختصر حوادث السنين الأخيرة جدا ~~وزاد سنة سهوا. والصحيح ما نقلناه. فسبحان من ليس بغافل ولا ساه. انتهى ما ~~حررناه بقلم محمد سعيد أبي جمال، أحسن الله له الحال والمآل. وذلك قبيل ظهر ~~يوم الخميس الرابع والعشرين من رمضان سنة 1317. تم الكتاب على يد الفقير ~~خادم العلم الشريف محمد بن المرحوم الشيخ عبد القادر المجذوب في ميدان ~~الحصا في رجب الحرام سنة 1323. PageV01P059 ms109