######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0009964 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الإمام أحمد بن عبد الرحيم المعروف بـ «ولي الله الدهلوي» (المتوفى: 1176هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1176 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفوز الكبير في أصول التفسير #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0009964 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-9964 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/9964 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية - 1407 هـ - 1986 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الصحوة - القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | مقدمة الكتاب # إن آلاء الله - تعالى - ونعمة على عبده الضعيف كثيرة لا تحصى، وأجل هذه ~~النعم توفيقه إياي لفهم كتابه الحكيم، وإن ممن سيدنا رسول الله - صلى الله ~~عليه وسلم - على أصغر أفراد أمته, منزلة، عظيمة وفيرة، وأعظمها تبليغه - ~~صلى الله عليه وسلم - لكتاب ربه - عز وجل -. # لقد تلقى الجيل الأول منه - صلى الله عليه وسلم - القرآن الكريم، وتلقى ~~الجيل الثاني من الجيل الأول وهكذا دواليك حتى وصل إلى العبد الضعيف فنال ~~حظه من تلاوته وفهمه وتدبره. اللهم صل على هذا النبي الكريم، سيدنا ومولانا ~~شفيعنا أفضل صواتك وأيمن بركاتك وعلى آله وأصحابه، وعلماء أمته أجمعين، ~~برحمتك يا أرحم الراحمين. # أما بعد! # يقول الفقير إلى الله، ولي الله بن عبد الرحيم - عاملهما الله - تعالى - ~~بلطفه العظيم -: إنه لما فتح الله - تعالى - على بابا من كتابه الحكيم، خطر ~~لي أن أقيد الفوائد النافعة التي تنفع إخواني في تدبر كلام الله - عز وجل - ~~وأرجو أن مجرد فهم هذه القواعد يفتح للطلاب طريقا واسعا إلى فهم # PageV01P027 # معاني كتاب الله - تعالى -، وأنهم لو قضوا أعمارهم في مطالعة كتب ~~التفسير، أو قراءتها على المفسرين، لا يظفرون بهذه القواعد والأصول بهذا ~~الضبط والتناسق. # وسميتها "بالفوز الكبير في أصول التفسير" وما توفيقي إلا بالله، عليه ~~توكلت، وهو حسبي ونعم الوكيل. # وقد جمعت مقاصد هذه الرسالة في خمسة أبواب، وهي كما يلي: ### | 1 - # الباب الأول: في العلوم الخمسة التي يدل عليها القرآن الكريم نصا، حتى ~~وكأن القرآن نزل بالأصالة لهذه العلوم الخمسة. ### | 2 - # الباب الثاني: في وجوه خفاء نظم القرآن بالنسبة إلى أفهام أهل هذا العصر، ~~وتجليتها بأوضح بيان. ### | 3 - # الباب الثالث: في بيان لطائف نظم القرآن، والأسلوب القرآني البديع. ### | 4 - # الباب الرابع: في مناهج التفسير، وبيان أسباب الاختلاف ووجوهه في تفسير ~~الصحابة والتابعين. ### | 5 - # الباب الخامس: في بيان غريب القرآن، وأسباب النزول التي لابد من حفظها ~~للمفسر، ويحظر بدونها الخوض في التفسير. # PageV01P028 ### | الباب الأول # العلوم الخمسة الأساسية التي يشتمل عليها القرآن # ليعلم أن المعاني التي يشتمل عليها ms01 القرآن لا تخرج عن خمسة علوم: ### | 1 - # علم الأحكام: كالواجب والمندوب والمباح والمكروه والحرام، سواء كانت من ~~قسم العبادات أو المعاملات، أو الاجتماع أو السياسة المدنية. # ويرجع تفصيل هذا العلم وشرحه إلى الفقيه. ### | 2 - # علم الجدل: وهي المحاجة مع الفرق الأربع الباطلة، اليهود والنصارى ~~والمشركين والمنافقين. # ويرجع في شرح هذا العلم وتعريفه إلى المتكلم. ### | 3 - # علم التذكير بآلاء الله: كبيان خلق السموات والأرض وإلهام العباد ما ~~يحتاجون إليه، وبيان الصفات الإلهية. ### | 4 - # علم التذكير بأيام الله: وهو بيان تلك الوقائع والحوادث التي أحدثها الله ~~- تعالى - إنعاما على المطيعين ونكالا للمجرمين (كقصص الأنبياء - عليهم ~~الصلوات # PageV01P029 # والتسليمات - ومواقف شعوبهم وأقوامهم معهم) . ### | 5 - # علم التذكير بالموت وما بعد الموت: كالحشر والنشر والحساب والميزان، ~~والجنة والنار. # ويرجع تفصيل هذه العلوم وبيانها وذكر الأحاديث والآثار المتعلقة بها إلى ~~الواعظ والمذكر. # اسلوب القرآن الكريم في عرض العلوم القرآنية: # وقد جاءت هذه العلوم في القرآن الكريم على طريقة العرب الأولين، لا على ~~منهج العلماء المتأخرين، فلم يلتزم في آيات الأحكام، منه، طريق الإيجاز ~~والاختصار كمؤلفي المتون الفقهية، ولا طريق تنقيح الحدود والقيود، كما ~~يفعله الأصوليون. # وقد التزم في آيات الجدل والمخاصمة إيراد الأدلة المشهورة المسلمة، ~~والبراهين الخطابية، لا تنقيح البراهين، وتقسيمها على طريقة المنطقيين. # ولم يراع في الانتقال من مقصد إلى آخر، ومن موضوع إلى موضوع آخر، تلك ~~المناسبة، التي يراعيها الأدباء المتأخرون، بل ألقى على عباده ما رآه مهما، ~~سواء كان مقدما أو مؤخرا. # PageV01P030 ### | حقيقة أسباب النزول: # وقد ربط عامة المفسرين كل آية من آيات الأحكام وآيات المخاصمة بقصة تروى ~~في سبب نزولها، وظنوا أنها هي سبب النزول، والحق أن نزول القرآن الكريم ~~إنما كان لتهذيب النفوس الإنسانية، وإزالة العقائد الباطلة، والأعمال ~~الفاسدة. # فالسبب الحقيقي - إذن - في نزول آيات المخاصمة هو وجود العقائد الباطلة ~~في نفوس المخاطبين. وسبب نزول آيات الأحكام إنما هو شيوع المظالم ووجود ~~الأعمال الفاسدة فيهم. وسبب نزول آيات التذكير (بآلاء الله وأيامه وبالموت) ~~إنما هو عدم تيقظهم وتنبههم بما يرون ويمرون عليه ms02 من آلاء الله وأيامه، ~~وحوادث الموت، وما سيكون بعده من وقائع هائلة. # أما الأسباب الخاصة والقصص الجزئية التي تجشم بيانها المفسرون فليس لها ~~دخل في ذلك إلا في بعض الآيات الكريمة، التي تشتمل على تعريض بحادث من ~~الحوادث في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو قبله، بحيث يقع القارئ بعد ~~هذا التعريض في ترقب وانتظار لما كان وراءه من قصة أو حادث أو سبب، ولا ~~يزال ترقبه إلا بسيط القصة وبيان سبب النزول. # لأجل ذلك يلزمنا أن نشرح هذه العلوم بطريقة لا نحتاج معها إلى إيراد قصص ~~جزئية. # PageV01P031 ### | الفصل الأول # في علم الجدل # لقد وقع الجدل في القرآن الكريم مع الفرق الأربعة الباطلة: المشركين، ~~واليهود والنصارى والمنافقين. # طريقان للجدل في القرآن الكريم: # وكان هذا الجدل والاحتجاج على طريقين: ### | 1 - # الأول أن تذكر العقيدة الباطلة وينص على شناعتها وفسادها واستنكارها، ~~فحسب. ### | 2 - # الثاني أن تحدد الشبهات التي وقع فيها هؤلاء الفرق، ثم تعرض حلولها ~~وأجوبتها بالأدلة البرهانية أو الخطابية. # مفهوم الحنيف: # وقد كان المشركون يسمون أنفسهم "حنفاء" ويدعون التدين بملة سيدنا إبراهيم ~~- عليه السلام -. # والحنيف هو من ينتمي إلى إبراهيم - عليه السلام - ويتدين بملته، ويلتزم ~~شعائره. # PageV01P033 ### | شعائر الملة الإبراهيمية: # وإن شعائر الملة الإبراهيمية هي: حج بيت الله الحرام، واستقباله في ~~الصلوات، والغسل من الجنابة والاختتان، وسائر خصال الفطرة، وتحريم الأشهر ~~الحرم، وتعظيم المسجد الحرام، وتحريم المحرمات النسبية والرضاعية، والذبح ~~في الحلق، والنحر في اللبة، والتقرب بالذبح والنحر إلى الله - تعالى - ~~لاسيما في أيام الحج. # بعض شرائع الملة الإبراهيمية: # وقد كان الوضوء، والصلاة، والصوم من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، والصدقة ~~على اليتامى والمساكين، والإعانة على نوائب الحق، وصلة الأرحام، أمورا ~~مشروعة في أصل ملة إبراهيم - عليه السلام - وكانوا يتمادحون بهذه الأعمال ~~ويرونها فضيلة ومفخرة، إلا أن جمهور المشركين تركوها وانصرفوا عنها، وأصبحت ~~عندهم هذه الأمور والشعائر كأن لم تكن شيئا. # وكان تحريم القتل والسرقة والزنا والربا والغصب ثابتا معلوما في أصل ~~الملة الحنيفية، ويجري استنكارها عندهم في الجملة، ولكن جمهور ms03 المشركين ~~كانوا يرتكبونها، وينساقون وراءها بحكم النفس الأمارة بالسوء. # PageV01P034 ### | العقائد الثابتة لدى المشركين وانحرافهم عنها: # وكانت عقيدة إثبات وجود الله - تعالى - وأنه خالق الأرض والسموات العلى، ~~وأنه مدبر الحوادث العظام، وأنه قادر على إرسال الرسل، ومجاز للعباد على ~~أعمالهم، وأنه قادر مقدر للحوادث العظيمة، قبل وقوعها، وأن الملائكة عباد ~~الله المقربون، وأنهم يستحقون الإكرام، كل ذلك كان ثابتا عندهم، ويدل على ~~ذلك شعرهم، ولكن جمهور المشركين، وقعوا في شبهات كثيرة تجاه هذه المعتقدات، ~~لاستبعاد بعض الأمور، وعدم ألفتهم لإدراكها والإحاطة بمفاهيمها. # وقد كان ضلال هؤلاء وانحرافهم في الشرك والتشبيه والتحريف، وجحود الآخرة، ~~واستبعاد رسالة سيد المرسلين - صلى الله عليه وسلم - وشيوع الأعمال القبيحة ~~والمظالم فيما بينهم، وابتداع الطقوس والتقاليد الباطلة، واندراس العبادات ~~والشعائر الحقة الصحيحة. # حقيقة الشرك ومظاهره وأنواعه: # والشرك هو: إثبات الصفات الخاصة بالله - تعالى - لغيره، مثل إثبات التصرف ~~المطلق في الكون بالإدارة المطلقة التي يعبر عنها "بكن فيكون" أو إثبات ~~العلم الذاتي الذي # PageV01P035 # لا يحصل بالاكتساب عن طريق الحواس والدليل العقلي، والمنام والإلهام ~~وأمثال هذه الوسائل المادية أو الروحية، أو إثبات إيجاد شفاء المريض، أو ~~إثبات اللعنة على شخص أو السخط عليه بحيث ينقلب نتيجة هذا اللعن والسخط ~~معدما، أو مريضا أو شقيا، أو الرحمة لشخص والرضا عنه بحيث ينقلب هو بسبب ~~هذه الرحمة والرضا غنيا صحيحا، معافى، سعيدا. # وهؤلاء المشركون لا يعرفون مع الله - تعالى - شريكا، في خلق الجواهر (أي ~~أصول المادة) وتدبير الأمور العظام، ويعترفون بأنه لا قدرة لأحد إذا أبرم ~~الله - تعالى - شيئا وقضى به أن يمانعه ويقف دونه، إنما إشراكهم في أمور ~~خاصة ببعض العباد، إذ أنهم يظنون أن سلطانا عظيما من السلاطين العظام، كما ~~يرسل عبيده وأصحابه الزلفى لديه إلى بعض نواحي مملكته للقيام ببعض الأمور ~~الجزئية، ويجعلهم متصرفين فيها - إلى أن يصدر عنه قرار آخر - باختيارهم ~~وسلطتهم، وأنه لا يقوم بشئون الرعية وأمورهم الجزئية بنفسه، بل يكل ذلك إلى ~~الولاة والحكام، ويقبل منهم شفاعتهم وتزكيتهم للموظفين الذين يعملون تحت ~~إشرافهم، والمتصلين بهم، ms04 والمتزلفين لديهم، كذلك قد خلع ملك الملوك على ~~الإطلاق - تعالى شأنه - على بعض عباده المقربين خلعة الألوهية، وجعل سخطهم ~~ورضاهم مؤثرا في عباده الأخرين. # PageV01P036 # فكانوا - لأجل ذلك - يرون من الضرورة التزلف إلى أولئك العباد المقربين ~~حتى يكون هذا وسيلة لصلاحية القبول في حضرة الملك الحقيقي، وتنال شفاعتهم - ~~في حقهم - عند الجزاء على الأعمال الحساب - الخطوة والقبول لديه - سبحانه ~~-. # ونظرا لهذه الملاحظة والتصور الذي رسخ في نفوسهم حدثتهم أنفسهم بالسجود ~~أمامهم والذبح لهم والحلف بأسمائهم والاستعانة بقدرتهم المطلقة، ونحت صورهم ~~وتماثيلهم من الحجر والصفر والنحاس وغير ذلك. وجعلها قبلة للتوجه إلى ~~أرواحهم، وتدرج الجهلة من هذا الطريق إلى أن بدأوا يعبدون هذه الصور ~~والتماثيل ويعتقدون أنها آلهة بذاتها، ووقع في المعتقدات خلط والتباس وفساد ~~عظيم. ### | معنى التشبيه وصوره: # والتشبيه عبارة عن إثبات الصفات البشرية (أو أي صفة من صفات المخلوقين) ~~لله - تعالى - فكانوا يقولون مثلا: إن الملائكة بنات الله، وأن يقبل شفاعة ~~عباده ولو لم يرض بها كما يفعل الملوك - أحيانا - مع الامراء الكبار وحكام ~~الولايات، وإنهم - لما لم يستطيعوا إدراك السمع والبصر حسبما يليق بشأن ~~الألوهية - قاسوهما على أسماعهم # PageV01P037 # وأبصارهم، ووقعوا في التجسيم ونسبة التحيز إلى الله - سبحانه -. # منشأ التحريف ومظاهره: # أما التحريف فإن قصته هي أن أولاد سيدنا إسماعيل - عليه السلام - كانوا ~~على شريعة جدهم - إبراهيم عليه السلام - حتى وجد فيهم "عمرو بن لحى" - لعنه ~~الله - ووضع لهم الأصنام وشرع لهم عبادتها، واختراع طقوس البحيرة والسائبة ~~والحام، والاستقسام بالأزلام وأمثال هذه من الطقوس والبدع، وقد كان ذلك قبل ~~بعثة النبي - صلى الله عليه وسلم - بقرابة ثلاثمائة سنة. # وكان هؤلاء الجهلة يستدلون بآثار آبائهم، ويرونها عندهم حجة قاطعة. # وأما أحوال البعث والحشر والنشر فإن الأنبياء السابقين وإن تعرضوا ~~لبيانها فإنهم لم يبينوها أو لم تتضمن صحفهم بيانها بذلك التفصيل والإسهاب ~~الذي نجده في القرآن الكريم، ولذلك كان المشركون قليلي الإطلاع على ~~تفاصيلهما، ويستبعدون وقوعهما. # وكانوا بالرغم من اعترافهم بنبوة جدهم سيدنا إبراهيم - عليه السلام - ~~ونبوة سيدنا إسماعيل - عليه السلام - # PageV01P038 # حتى ms05 بنبوة سيدنا موسى - عليه السلام - أيضا، تحول الصفات البشرية (التي ~~يتسم بها الأنبياء) بينهم وبين رؤية جمالهم الحقيقي، وتحجبهم - لجهلهم وقلة ~~إدراكهم - عن الإطلاع على مكانتهم الحقيقية، وكانوا لعدم تفطنهم وإدراكهم ~~لحقيقة التدبير الإلهي والحكمة الإلهية التي تقتضي بعثة الأنبياء ~~والمرسلين، يستبعدون رسالة الرسل لاعتقادهم أن الرسول ينبغي أن يكون مثل ~~المرسل (وأن يكون بينهما اشتراك في الصفات) ويوردون لأجل ذلك شبهات واهية ~~ركيكة، فيقولون مثلا: # * كيف يكون النبي محتاجا إلى الطعام والشراب؟ # * ولماذا لم يرسل الله ملكا رسولا؟ # * وما هو الغرض في أنه لا يوحى إلى كل شخص على حدته، وهلم جرا؟ # وإذا كنت - أيها القاري - تتوقف في التسليم بصحة ما يقال عن عقائد ~~المشركين وأعمالهم، فانظر إلى المخرفين في هذا العصر، لاسيما من يقطنون ~~منهم بأطراف دار الإسلام، ما هي تصوراتهم عن "الولاية"، فرغم أنهم يعترفون ~~بولاية الأولياء المتقدمين، يرون وجود الأولياء في عصرنا هذا من ~~المستحيلات، ويؤمون القبور والعتبات، وقد ابتلوا بأنواع # PageV01P039 # من الشرك والبدع والخرافات، وتمكن منهم التحريف والتشبيه، وتغلغل في ~~نفوسهم حتى لم تبق بحكم ما جاء في الحديث الصحيح "لتتبعن سنن من كان قبلكم، ~~إلخ" بلية من البلايا ولا فتنة من الفتن إلا وطائفة من طوائف المسلمين - ~~اسما - تخوض فيها وتعلق بها، عافانا الله سبحانه عن ذلك. # وبالجملة فإن رحمة الله تعالى - اقتضت بعثة سيد الأنبياء محمد بن عبد ~~الله - صلوات الله وسلامه عليه - في الجزيرة العربية، وأمره بإقامة الملة ~~الحنيفية، ومجادلة هؤلاء الفرق الباطلة عن طريق القرآن العظيم، وقد كان ~~الاستدلال في مجادلتهم بالمسلمات التي هي بقايا الملة الإبراهيمية، ليتحقق ~~إلزام ويقع الإفحام. ### | الجدل القرآني مع المشتركين: # لقد رد الله - تعالى - على المشركين ومعتقداتهم الباطلة بشتى الطرق، ~~وبيانها كما يلي. ### | 1 - # أولا: مطالبتهم بالدليل على ما يزعمون، ونقض تمسكهم بتقليد آبائهم. ### | 2 - # ثانيا: إثبات أن لا تساوي بين الرب والعباد وأن الرب - تعالى - مختص ~~باستحقاق أقصى غاية التعظيم بخلاف جميع عباده وجمع مخلوقاته. # PageV01P040 ### | 3 - # ثالثا: بيان إجماع الأنبياء والمرسلين على هذه الحقيقة الكبرى: ms06 {وما ~~أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} . ### | 4 - # رابعا: بيان شناعة عبادة الأصنام، وأن الاحجار ساقطة عن مرتبة الكمال ~~الإنساني فكيف تظل بمرتبة الألوهية، يسجد لها ويتوجه إليها! # ومثل هذا الرد والتفنيد لأولئك المشركين الذين كانوا يعتقدون هذه الأصنام ~~آلهة معبودة لذاتها. ### | الرد على التشبيه: # وكان الرد على التشبيه بعدة طرق: ### | 1 - # أولا: بمطالبتهم بالدليل على دعواهم، ونقض تمسكهم بتقليد آبائهم. ### | 2 - # ثانيا: ببيان ضرورة التجانس بين الوالد والولد، (للرد على عقيدة الابنية) ~~وظاهرة انه مفقود، باد ذلك للعيان. ### | 3 - # ثالثا: بيان شناعة نسبة ما هو مكروه ومذموم لديهم - كما تدل على ذلك ~~مواقفهم - إلى الله - تعالى - قال تعالى {ألربك البنات ولهم البنون} # PageV01P041 # وقد سبق هنا الرد لقوم اعتادوا المقدمات المشهورة والمتوهمات الشعرية ~~وكان أكثرهم من هذا القبيل. # الرد على التحريف: # وكان الرد على التحريف بإثبات أمرين: ### | 1 - # أنه لم يؤثر عن أئمة الملة الحنيفية (إبراهيم وإسماعيل وغيرهما من ~~الأنبياء الماضين) ما يقولون من تحريفات. ### | 2 - # أنه من اختراعات من ليسوا بمعصومين وابتداعاتهم. ### | الرد على استبعاد القيامة: # وكان الرد على استبعاد البعث والحشر والنشر بوجوه عديدة. ### | 1 - # بالقياس على إحياء الأرض بعد موتها، وأمثال ذلك. ### | 2 - # بتنقيح المناط وهو عبارة - هنا - عن بيان شمول القدرة الإلهية، وإمكان ~~الإعادة بعد البدء بل يسرها وسهولتها. ### | 3 - # ببيان موافقة أهل الكتب السماوية كلهم في الإخبار بالقيامة، واعتقادها. # PageV01P042 # الرد على منكري الرسالة: # وكان الرد على المنكرين للرسالة والمستبعدين لها بالوجوه التالية: ### | 1 - # وقوع الرسالة وتحققها للأنبياء الماضين. # {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم} . # {ويقول الذين كفروا لست مرسلا قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده ~~علم الكتاب} . ### | 2 - # الرد على استبعاد الرسالة واستغرابها بأنها - هنا - عبارة عن الوحي ~~الإلهي (الذي يتلقاه رجل من البشر باصطفاء الله إياه) . # {قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي} . # وتفسير الوحي بما لا يكون من المستحيلات. # {وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب ms07 أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم} . # PageV01P043 ### | 3 - # بيان أن عدم ظهور المعجزات التي يقترحونها على الرسول، وعدم موافقة الله ~~- تعالى إياهم في تعيين شخص يتوخون رسالته، وعدم إرساله - تعالى شأنه - ~~الملائكة رسلا بين الناس، وعدم إيحائه إلى كل شخص من الأشخاص، كل ذلك ينبني ~~على المصالح الكلية التي يقصر علمهم عن إدراكها وتعجز عقولهم عن الإحاطة ~~بمراميها. # ولما أن أكثر الناس الذين بعث إليهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - كانوا ~~مشركين، لذلك فإن هذه المعاني قد تكررت في القرآن الكريم بأساليب متعددة ~~وفي سور كثيرة، وبتأكيدات بالغة، ولم يتحاش القرآن العظيم تردادها ~~وتكرارها، فإنه حقيق أن يكون خطاب الحكيم المطلق لهؤلاء الجهلة، والضعيفي ~~العقول كذلك بتأكيد بليغ وتكرار مزي. ### | - الجدل القرآني مع اليهود - # أنواع ضلال اليهود: # لقد كان اليهود يؤمنون بالتوراة، وكان ضلالهم التحريف في أحكام التوراة، ~~سواء كان تحريفا لفظيا أو تحريفا معنويا، وكتمان آيات التوراة، وإلحاق ما ~~ليس منها بها، والتقصير في تنفيذ أحكامها، والعصبية الشديدة لديانتهم، ~~واستنكار رسالة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - وسوء الأدب مع رسول الله ~~- # PageV01P044 # صلى الله عليه وسلم - تبارك وتعالى -، والبخل والحرص، وأمثالها من ~~الرذائل الخلقية. # التحريف اللفظي: # وقد تحقق لدى الفقير أن تحريفهم اللفظي إنما كان في ترجمة التوراة وما ~~يجري مجراها، لا في أصل التوراة وهذا هو قول ابن عباس رضي الله عنهما. # التحريف المعنوي وبعض أمثلته: # أما التحريف المعنوي فإنه عبارة عن التأويلات الفاسدة وحمل الآيات على ~~غير معانيها المرادة بتعسف وانحراف عن قصد السبيل. ونذكر فيما يلي عددا من ~~وجوه التحريف المعنوية: # المثال الأول: ### | 1 - # منها: أن الفرق بين المتدين الفاسق والكافر الجاحد معتبر في كل ملة من ~~الملل، وتوعد الكافر بالخلود في النار والعذاب الأليم وأثبت للفاسق خروجه ~~من النار بشفاعة الأنبياء والمرسلين وجاء التصريح في كل ديانة بذلك باسم ~~التدين بتلك الديانة، فأثبت ذلك في التوراة لليهود # PageV01P045 # والعبريين، وفي الإنجيل للنصرانيين، وفي القرآن العظيم للمسلمين. # والحقيقة أن مناط الحكم هو الإيمان بالله ms08 - تعالى - وباليوم الآخر، ~~والإيمان بالنبي الذي بعث لهم، والنقياد له والعمل بشريعته، والاجتناب عن ~~نواهيه، لا خصوص الديانة وخصوص الطائفة المسماة باليهود والنصرانيين ~~وغيرهم، ولكن اليهود بدأوا يظنون أن كل من كان يهوديا أو عبريا، فهو من أهل ~~الجنة، ولابد أن تناله شفاعة الأنبياء وتخلصه من العذاب، وأنه لا يمكث في ~~النار إلا أياما معدودات، ولو لم يكن مناط الحكم - الذي قد سبق بيانه - ~~متحققا ولم يكن إيمانه بالله - تعالى - على الوجه الصحيح ولا يملك شيئا من ~~الإدراك الصحيح لمعنى الرسالة والآخرة، وهذا هو الخطأ الصريح والجهل الصرف. # ولما أن القرآن العظيم مهيمن على الكتب السابقة ومبين لما فيها من إبهام ~~وغموض، فقد كشف شبهاتهم هذه ورد عليها ردودا واضحة مقنعة. # {بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون} # PageV01P046 # المثال الثاني: ### | 2 - # ومنها أن الأحكام ذكرت في كل ملة من الملل السابقة حسب مصالح عصرها ~~ودورها، وروعيت في التشريع عادات الناس الصالحة، وأكد الحكم بالأخذ بها ~~والمداومة عليها، واعتقادها، وانحصار الحق فيها، والمراد أن الحق منحصر ~~فيها في ذلك العصر، وأن المداومة عليها إضافية وليست مداومة حقيقة، اي أنها ~~صالحة للعمل إلى أن يأتي نبي جديد ويكشف الستار عن رسالة جديدة، ولكن ~~اليهود حملوا ذلك على استحالة النسخ. # وكانت الوصاة بالتمسك بتلك الملة والعض عليها تعني التمسك بالإيمان ~~والأعمال الصالحة، ولا اعتبار لخصوص ملة من الملل ولا دخل لها فيها، ولكن ~~هؤلاء اعتقدوا أن الخصوص معتبر، وأن يعقوب - عليه السلام - إنما وصى بنيه ~~بالتمسك "باليهودية". # المثال الثالث: ### | 3 - # ومنها أن الله - تبارك وتعالى - شرف الأنبياء والتابعين لهم بإحسان في كل ~~ملة بوصفهم مقربين، محبوبين مؤضين، ووصف أعدائهم والجاحدين لملتهم بالمغضوب ~~عليهم، الملعونين والممقوتين، وجاءت هذه الصفات في # PageV01P047 # كل ملة في قوالب الألفاظ والكلمات المعروفة السائدة فيهم لهذه المعاني، ~~فما الغرابة إذن، لو ذكرت كلمة "الأبناء" بدل المحبوبين! ؟ # ولكن اليهود ظنوا أن هذا التشريف يدور على اسم اليهودي والعبري ~~والإسلرائيلي، ولم يعرفوا أن هذا التشريف ليس ms09 لاسم دون اسم، إنما هو لأجل ~~الانقياد والطاعة، والخضوع، والسير على طريق الأنبياء والمرسلين، ليس غير. # وهنا كثير من أمثال هذه التأويلات الفاسدة التي ركزت في نفوسهم، وتلقوها ~~وتوارثوها عن آبائهم، وقد تكفل القرآن الكريم بردها ورفع هذه الشبهات ~~ودحضها وإبطالها أتم إبطال. # كتمان الآيات # أما كتمان الايات فإن اليهود كانوا لأجل المحافظة على جاه شريف أو كبير، ~~أو لطلب منصب أو رئاسة يخفون بعض الأحكام والآيات من التوراة، حى لا يذهب ~~اعتقاد الناس فيهم بتركهم للعمل بها، وانصرافهم عنها، ولنذكر بعض الأمثلة ~~منه. ### | 1 - # كان من تلك الأحكام، حكم رجم الزاني، الذي كان مصرحا به في التوراة ~~ولكنهم لإجماع أحبارهم على ترك # PageV01P048 # الرجم واستبداله بالجلد وتسحيم الوجه تركوا العمل برجم الزاني، وكان ~~الأحبار - خشية الفضيجة والعار - يخفون تلك الآيات التي فيها نص هذا الحكم ~~الصريح. ### | 2 - # كذلك تلك آيات التي ذكرت فيها بشارة هاجر وإسماعيل - عليهما السلام - ~~بأنه سوف يولد في أعقابهم من يبعثه الله - تعالى - نبيا ورسولا، والآيات ~~التي تحمل إشارات واضحة إلى دين يظهر ويبلغ كماله في أرض الحجاز، وتضج به ~~جبال عرفات بالتلبية، ويؤم الناس لزيارتها من الأقطار والأمصار. # وبالرغم من أن هذه الآيات لا تزال توجد في التوراة حتى اليوم كان اليهود ~~يتأولونها بأن هذه الآيات إنما تخبر بظهرو ذلك الدين ولكنها لا تأمر ~~باتباعه الخوضع له. وكانت هذه الكلمة على طرف لسانهم "ملحمة كتبت علينا". # ولكن لما كان عامة اليهود أنفسهم لا تقبل نفوسهم هذه التأويلات الركيكة ~~الباطلة، ولا يعترفون بصحتها وسلامتها، كانوا يتواصون فيما بينهم أن لا ~~يفشوا هذا السر ولا يتعالنوه فيما بينهم: # {أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم} # PageV01P049 # فيا أسفى على جهل اليهود بل على كذبهم وافترائهم، أفهل كان امتتان الله - ~~تعالى - على هاجر وإسماعيل - عليهما السلام - بهذه المبالغة والتأكيد، وذكر ~~هذه الأمة الخيرة بهذا التشريف والتكريم يعني غير ذلك من معنى؟ يمكن به ~~اليهود أن يزعموا أن هذه الآيات لا تدل على الحث والتحريض على إتباع هذا ms10 ~~الدين والتسليم له! سبحانك هذا إفك عظيم. # الإلحاق والافتراء # وأما الإلحاق والافتراء على الله - تعالى - ونسبة ما يكتبونه إلى الله - ~~تعالى - وإلى التوراة، فيرجع سببه إلى أن أحبارهم ورهبانهم تعقموا وتشددوا ~~في الدين، وسلكوا طريق الاستحسان أي استنباط بعض الأحكام بناءأ على إدراك ~~المصالح فيها بدون أي نص من الشارع، (بل بالعقل المصلحي والهوى البشري) ~~ورجحوا استنباطات واهية، واستسحانات دخلية، فوضعها أتباعهم موضع الأصل ~~وألحقوها به، واعتقدوا اتفاق سلفهم على شيء حجة قاطعة، ولم يكن لديهم مستند ~~في إنكار نبوة عيسى - عليه السلام - إلا أقوال سلفهم، وكذلك حالهم في كثير ~~من الأحكام. # وأما التقصير والتساهل في تنفيذ أحكام الشريعة وارتكاب المناهي، والبخل ~~والحرص، وما إلى ذلك فظاهر أنه من # PageV01P050 # مقتضيات النفي الإمارة بالسوء ولا ينجو منها إلا من شاء ربك ورحمه. # {إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي} # ولكن هذه الرزيلة في أهل الكتاب تحمل لونا آخر، إذ أنهم يتكلفون تأويلات ~~فاسدة لتبيرها، وإبرازها في صورة التدين وصبغها بصبغة الأحكام الشرعية. # أسباب استبعاد رسالة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم -: # وأما استبعاد رسالة سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - فيرجع سببه إلى ~~اختلاف عادات الأنبياء وأحوالهم وسيرهم في الإكثار من التزوج مثلا والتقليل ~~منه، وأمثال ذلك، واختلاف شرائعهم ومناهجهم، واختلاف سنن الله - تعالى - في ~~معاملة انبيائه ورسله، وبعثة نبي إسماعيل، وقد كان جمهور الأنبياء قبل ذلك ~~يبعثون في بني إسرائيل، وأمثال هذه الأسباب. # الغرض من النبوة: # والأصل في هذه المسالة أن النبوة يقصد منه إصلاح النفوس، وإصلاح العادات ~~الجارية في القوم الذي يبعث إليه النبي لا إنشاء أصول البر والإثم، والخير ~~والشر. # PageV01P051 # مجال عمل النبوة في إصلاح الناس: # وكل قوم يملك عادات ومناهج خاصة في عباداته، ونظام اسرته، واجتماعه ~~وسياسته ومدنيته، فإذا ظهرت فيه النبوة، فإنها لا تستأصل هذه العادات ولا ~~تضع له عادات جديدة، بل إنما تقييم الميزان القسط، وتمييز بينها، فما كان ~~منها موافقا للأصل، مطابقا لرضا الله - تعالى - أبقته وحفظته، وما كان منها ~~مخالفا لرضا الله ms11 - تعالى - أبقته وحفظته، وما كان منها مخالفا للأصل، ~~منافيا لرضا الله - تعالى - عدلته حسب الضرورة وسوته. # كذلك يكون التذكير بآلاء الله، والتذكير بايام الله - على هذا الأسلوب - ~~بمكا يكون معروفا عندهم، شائعا لديهم، فهذا هو السبب في اختلاف شرائع ~~الأنبياء - عليهم صلوات الله وسلامه -. # اختلاف شرائع الأنبياء كاختلاف وصفات الطبيب: # وهذا الاختلاف في شرائع الأنبياء كالاختلاف في أحكام الطبيب، فإنه عند ~~معالجته لشخصين مختلفى المزاج، يصف لأحدهما أدوية وأغذية باردة، وللآخر ~~أدوية وأغذية حارة، وغرض الطبيب من معالجتهما واحد، وهو إصلاح مزاجه، ~~وإزالة الفساد الطارئ عليه، ليس غير، ويمكن أن يصف الطبيب لكل منطقة أدوية ~~وأغذية مختلقة تلائم أهلها، كما # PageV01P052 # يمكن أن يختار في كل فصل من فصول وطقس من الطقوس علاجا مختلفا يناسب ~~الفصل والطقس. # كذلك لما أراد الحكيم المطلق والطبيب الحقيقي معالجة مرض النفوس والقلوب، ~~واقتضت مشيئته - جل مجده - إصلاح مزاجهم، وتقوية ملكاتهم وإزالة الفساد ~~الطارئ عليهم، اختلف عرجه - تقدست أسماؤه - لاختلاف عادات الشعوب والأمم ~~واختلاف ملكاتهم واستعداداتهم ومراعاة للمشهورات والمسلمات عندهم. # وعل كل، فإنك إذا أردت أن ترى نماذج اليهود في هذه الأمة فانظر إلى علماء ~~السوء، طلاب الدنيا، المولعين بتقليد آبائهم، المعرضين عن كتاب الله - ~~تعالى - وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - الذين يستندون إلى تعمقات ~~العلماء وتشديداتهم، واستنباطاتهم التي لا اصل لها في الكتاب والسنة، ~~تاركين كلام الشارع المعصوم - صلى الله عليه وسلم - يتتبعون الأحاديث ~~الموضوعة. ويجرون وراء التأويلات الفاسدة. # الجدل القرآني مع النصارى # ضلال النصارى في بحث حقيقة المسيح - عليه السلام: - # لقد كان النصارى يؤمنون بسيدنا عيسى - عليه السلام - ولكن كان ضلالهم في ~~تقسيمهم الرب - تبارك وتعالى - إلى # PageV01P053 # ثلاثة أجزاء تتتغاير من بعض الوجوه، وتتحد من بعض آخر، وكانوا يسمونها ~~"الأقانيم الثلاثة" أحدها: الأب الذي يحتل مكانة "مبدأ العالم"، والثاني: ~~الإبن، وهو بمعنى "الصادر الأول" الذي يعني الكلي العام الشامل لجميع ~~الموجودات، والثالث: أقنوم روح القدس، وهو يعني "العقول المجردة". # أقنوم "الإبن" تقمص المسيح - عليه السلام -: # وكانوا يعتقدون أن أقنوم الإبن تقمص روح المسيح ms12 - عليه الصلام - أي أن ~~الملك جبريل كما كان يأتي - أحيانا - في صورة رجل، كذلك ظهر "الإبن" في ~~صورة عيسى، ولذلك فهو "الإله" أيضا، وهو "ابن الله" كذلك، وهو البشر أيضا، ~~وتجري بالنسبة إليه الأحكام البشرية والأحكام الإلهية على السواء. # دليل هذه العقيدة الباطلة: # وقد استندوا في استنباط هذه العقيدة الغريبة إلى بعض الآيات في الإنجيل ~~التذ ذكر فيها لفظ "الإبن" والآيات التي نسب فيها المسيح - عليه السلام - ~~بعض أفعال الله - تعالى - إلى نفسه. # جواب الإشكال الأول: # وجواب الإشكال الأول - وهو ورود لفظ "الإبن" # PageV01P054 # في آيات الإنجيل بالنسبة لعيسى - عليه السلام - إذا سلمنا أن ما نقل في ~~الإنجيل من مثل هذه الآيات هي من كلام عيسى - عليه السلام - لا من الإضافات ~~والإلحاقات - أن لفظ "الإبن" في العهد القديم كان يستعمل بمعنى المقرب ~~والمحبوب والمختار، وتشهد على هذه الدعوى دلائل وقرائن كثيرة في الإنجيل. # جواب الإشكال الثاني: # وجواب الإشكال الثاني - وهو نسبة سيدنا عيسى - عليه السلام - بعض أفعال ~~الله - تعالى إلى نفسه - إذا سلمنا صحتها وثبوت نقلها عنه - أنها على طريق ~~الحكاية، مثل أن يحكي رسول الملك عنه فيقول: فتحنا البلد الفلاني، وحكمنا ~~القلعة الفلانية، فظاهر أن هذا الرسول ليس إلا ترجمانا للملك ومبلغا عنه، ~~وحقيقة الفعل راجعة إلى نفسه. # نوع خاص من الوحي: # ويمكن أن الوحي إلى عيسى - عليه السلام - عن طريق إنطباع المعاني في لوح ~~قلبه من قبل الملأ الأعلى، لا تمثل جبريل - عليه السلام - بصورة البشر ~~وإلقاء الوحي إليه، فبسبب هذا الإنطباع المباشر جري منه من الكلام ما أشعر ~~بنسبة الأفعال إليه، مع أن الحقيقة غير ذلك، والأمر واضح. وبالجملة فإن ~~الله - تعالى - رد على هذه المسالك الباطلة، # PageV01P055 # وبين أن عيسى عبد الله، وروحه الطاهرة التي نفخ بها في مريم الصديقة - ~~عليها السلام - وأنه أيده بروح القدس، وحاطه بعناية وكلاءة خاصة. # الخطأ في استعمال الألفاظ: # وعل كل، فلو سلمنا - جدلا - أن الله - تعالى - ظهر في كسوة روحية من جنس ~~سائر الأرواح، وتدرع بالبشرية، ثم أردنا أن نكشف هذه النسبة ms13 والعلاقة كشفا ~~لم يجز لنا أن نستعمل لذلك لفظ "الاتحاد" إلا بتجوز كبير، وأقرب ما يمكن ~~التعبير به عنه هو لفظ "التقويم" أو شبهه من الألفاظ. # تعالى الله عما يقول الظالمون علوا كبيرا. # موازنة بين النصارى وبين المبتدعة من المسلمين: # وإذا أردت أن ترى نموذجا لهؤلاء الضالين في قومك فانظر إلى كثير من أولاد ~~الأولياء و"المقدسين" ما هي تصوراتهم عنهم واعتقاداتهم فيهم وإلى أي حد ~~وصلوا بهم! "وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون". # اعتقادهم بصلب المسيح - عليه السلام -: # ومن ضلالات النصارى في معتقداتهم أنهم يؤمنون بقتل # PageV01P056 # عيسى صلبا، مع أن الواقع خلاف ذلك، وقد شبه لهم والتبس عليهم الأمر، ~~فظنوا رفع عيسى - عليه السلام - إلى السماء قتلا له وصلبا، وتوارثوا ذلك ~~فيما بينهم جيلا بعد جيل حتى كشف القرآن الكريم عن شبهتهم وأزاح الستار عن ~~الحقيقة قائلا: {وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم} . # وما حكى في الإنجيل على لسان عيسى - عليه السلام - مما يشير إلى قتاه، ~~فإنه ليس إلا إخبارا منه بجراءة اليهود وإجرامهم وإقدامهم على قتله، لكن ~~الله عصمه منهم وخلصه من أيديهم، وما جاء فيه من كلام الحواريين بهذا الصدد ~~فإنه ناشئ عن الاشتباه والتباس الأمر، ولم يكن لهم إطلاع على الرفع الذي لم ~~تكن تألفه عقولهم ولم تسمعه من آذانهم. # ضلالهم في حمل "فارقليط" على عيسى - عليه السلام - " # ومن ضلالاتهم أيضا أنهم يزعمون أن الفار قليط الموعود بمجيئه والمبشر ~~بقدومه في الإنجيل، هو عيسى - عليه السلام - نفسه الذي جاء بعد قتله - حسب ~~زعمهم - إلى الحواريين، وأوصاهم بالتمسك بالإنجيل، ويزعمون أن عيسى - عليه ~~السلام - أوصاهم أيضا بأن المدعين للنبوة سيكثرون، فمن ذكرني وسماني ~~فاقبلوا كلامه، وإلا فرده. # وقد بين القرآن العظيم أن بشارة عيسى - عليه السلام - # PageV01P057 # تصدق على سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - لا على الصورة الروحية لعيسى ~~- عليه السلام - كما يدعون، إذ أنه قد صرح في الإنجيل بأن "فار قليط يمكث ~~فيكم مدة طويلة، ويعلمكم ويزكي النفوس" ولم يظهر ذلك بعد عيسى - عليه ~~السلام - إلا ms14 من نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وأما ذكر عيسى وتسميته، ~~فالغرض منه التصديق بنبوته، لا أن يتخذ ربا، أو يعتقد بأنه ابن الله {سبحان ~~رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون} . # الجدل القرآني مع المنافقين # المنافقون صنفان: # كان المنافقون صنفين، فكانت طائفة منهم تشهد بلسانها بلا إله إلا الله، ~~محمد رسول الله، ولكن قلوبها كانت مطمئنة إلى الكفر والجحود، وكانت تتظاهر ~~بإسلامها للمصالح، وهؤلاء هم الذين قيل فيهم: {إن المنافقين في الدرك ~~الأسفل من النار} . # مظاهر النفاق العملي: # وكانت الطائفة الأخرى ممن دخلوا في الإسلام مع ضعف فيه وقلة إيمان به، ~~فهم - مثلا - يجرون على عادات قومهم ويدورون مع مصلحتهم، فإن أسلم قومهم ~~أسلموا، وإن كفر. # PageV01P058 # كفروا، أو كان الانسياق وراء اللذات الدنيوية قد ملك قلوبهم بحيث لم يذر ~~مكانا لحب الله - تعالى - ورسوله - صلى الله عليه وسلم - أو استولى عليهم ~~الحرص وحب المال، والحسد والضغينة وما إلى ذلك من رذائل الأخلاق والعادات ~~بحيث لم تعد في قلوبهم بشاشة الإيمان وحلاوة الدعاء والابتهال وبركات ~~العبادات، أو انغمسوا في شئون دنياهم إلى حد أن لم تكن لديهم فرصة ~~العبادات، أو انغمسوا في شئون دنياهم إلى حد أن لم تكن لديهم فرصة ترقب ~~الآخرة والتفكير فيها، أو كانت تمر لديهم فرصة ترقب الآخرة والتفكير فيها، ~~أو كانت تمر بخواطرهم وقلوبهم ظنون سيئة وشبهات سطحية ركيكة في رسالة نبينا ~~- صلى الله عليه وسلم - رغم أنهم لم يبلغ بهم الحال إني أن يخلعوا عن عنقهم ~~ربقة الإسلام، وينفضوا منه أيديهم بتاتا. # وقد كانت تنشأ عندهم هذه الشكوك والشبهات بسبب ما يجري من أحكام البشرية ~~على ذات الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبسبب ظهور الملة الإسلامية في صورة ~~سيطرة الملوك واستيلائهم على نواحي البلاد، وأمثال ذلك (من الأساباب ~~المادية التي قد تشوش بعض ضعاف الإيمان وتنشئ فيهم الشبهات) أو لحبهم ~~لقبائلهم وعشائرهم - مثلا - الذي دفعهم إلى أن يساعدوها ويقووها ويؤيدوها - ~~جهدهم - ولو على حساب الإسلام، ومناوءة أهله، وبذلك يضعفون الإسلام ويلحقون ~~به الضرر. وهذا ms15 القسم من النفاق، هو نفاق الأعمال والأخلاق. # PageV01P059 # النفاق الاعتقادي لا يطلع عليه بعد الرسول - صلى الله عليه وسلم -: # أما النفاق الأول - وهو النفاق الاعتقادي - فإنه لا يطلع عليه بعد سيدنا ~~رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ إنه من الأمور المغيبة، ولا اطلاع ~~لأحد على مكنونات القلب ومغيباته. # النفاق العملي كثير الوقوع: # وأما النفاق الثاني - وهو النفاق العملي - فإنه كثير الوقوع لا سيما في ~~عصرنا هذا، وإلى هذا النفاق وقعت الإشارة في الحديث الشريف، الذي جاء فيه: # "ثلاث من كن فيه كان منافقا خالصا: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ~~خاصم فجر". # و"هم المنافق بطنه وهم المؤمن فرسه" إلى غير ذلك من الأحاديث. # كشف القرآن عن أحوال المنافقين: # وقد كشف الله - تعالى - في القرآن الحكيم عن أعمال هؤلاء المنافقين ~~وأخلاقهم، وبينها أتم بيان، وأكثر من ذكر أحوال الطائفتين من المنافقين حتى ~~تكون الأمة على حذر منها وتجتنبها كل الإجتناب. # PageV01P060 # نماذج المنافقين في هذا العصر: # وإن كنت تحب أن تشاهد نموذجا لهؤلاء المنافقين فاشهد في مجالس الأمراء، ~~أصحابهم وندماءهم الذين يؤثرون رضا أمرائهم على رضا الله - تعالى - ولا فرق ~~إطلاقا بين المنافقين الذين سمعوا أحاديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - ~~مباشرة ثم نافقوا وبين هؤلاء المنافقين الآن الذين يطلعون على أحكام ~~الشريعة الإسلامية بالوسائط اليقينية القاطعة ثم يخالفونها وينحرفون عنها. # نفاق المناطقة والفلاسفة: # كذلك طائفة المناطقة والفلاسفة الذين بذرت في قلوبهم بذور الشكوك وتمكنت ~~منهم كثير من الشبهات، ونسوا الدار الآخرة، هم أيضا من المنافقين من دون ~~شك. # القرآن كتاب كل عصر: # وعل كل، فإنه لا ينبغي أن يظن عند تلاوة القرآن الكريم، أن جداله ومحاجته ~~كانا مع أناس قد انتهوا وانقضوا، كلا، بل إنه بحكم ما جاء في الحديث: ~~"لتتبعن سنن من كان قبلكم إلخ". # ليست هنا من فتنة كانت في عهد الرسالة - صلى الله على صاحبها وسلم - إلا ~~ولها نماذج وأمثلة في عصرنا هذا، ولذلك # PageV01P061 # فالمطلوب الحقيقى هو بيان كليات هذه المقاصد والمعاني لا خصوص الحوادث ~~والتفصيلات الجزئية. ms16 # وهذا هو التحقيق الذي تيسر لي في تفصيل عقائد هذه الفرق الباطلة والردود ~~عليها، وأخال أن هذا البحث المحقق. فيه غنية وكفاية لفهم آيات الجدل ~~القرآني إن شاء الله - تعالى -. # * * * # PageV01P062 ### | الفصل الثاني # في بقية العلوم الخمسة # وضوح القرآن الكريم في بيان الصفات: # من المعلوم أن نزول القرآن الكريم إنما كان إصلاح النفوس البشرية، وتهذيب ~~معاشر الناس سواء كانوا عربا أو عجما، بدوا أو حضرا، ولذلك اقتضت الحكمة ~~الإلهية أن لا يخاطب الناس في "التذكير بآلاء الله". إلا ما تسعه ~~معلوماتهم، وتحيط به مداركهم، وأن لا يخوض في البحوث الدقيقة والتحقيقات ~~النادرة، فقد تعرض القرآن الكريم للأسماء والصفات الإلهية بطريقو واضحة ~~سهلة، يدركها جميع أفراد البشر بفطرتهم، وبمداركهم التي أدوعت في أصل خلقهم ~~من دون حاجة إلى ممارسة الفلسفة الإلهية، أو علم الإلهيات وعلم الكلام. ### | إثبات الخالق في القرآن: # فأثبت القرآن - مثلا - وجود الخالق إجمالا، إذ أن علمه مركوز في فطر بني ~~آدم، ويتساوى فيه جميع أفرادهم ولا تجد طائفة من الناس في المناطق المعتدلة ~~أو القريبة منها تنكر هذا العلم، وتستغرب وجود الخالق! # PageV01P063 # الصفحات الإلهية في القرآن: # ثم لما كان إثبات الصفات الإلهية بذكر كنهها وحقائقها ودقيق مسائلها ~~مستحيلا في حقهم، وكان تركهم من دون إطلاع على هذه الصفات الإلهية يحرمهم ~~من معرفة الربوبية - التي هي أنفع وسيلة في تهذيب النفوس البشرية - كان ~~حكمة الله - تعالى - وهو أحكم الحاكمين - أن يختار من الصفات البشرية التي ~~نعهدها ونشاهدها والتي نتمادح بها ونفتخر بالتحلي بها، صفات كريمة عديدة ~~تستعمل لأداء معان غامضة دقيقة لا تبلغ جلالها وعظمتها عقول البشر، ثم يجعل ~~قوله الفصل: # {ليس كمثله شيء} # ترياقا لداء الجهل العضال، وعلاجا لقلة البصر والإدراك، ونهى عن استعمال ~~تلك الصفات البشرية التي يخشى منها جموح الأوهام والظنون نحو العقائد ~~الباطلة كإثبات الولد، والبكاء، والجزع وما إلى ذلك. # خطر الخوض في الصفات بدون توقيف: # وإذا أنعمت النظر وتأملت مسألة الصفات الإلهية بدقة # PageV01P064 # تجلى لك أن خطوات الإنسان على درب علمه الفطري غير المكتسب، وتمييزه ms17 ~~للصفات التي يجوز أن تنسب إلى الله - تعالى - ولا يقع فيها خلل، عن الصفات ~~التي يؤدي استعمالها إلى الأوهام الباطلة والعقائد المنحرفة، أمر دقيق خطير ~~للغاية لا يصل غوره ولا يكتنه كنهه جمهور الناس، ولذلك قرر أن يكون علم ~~الصفات الإلهية توفيقا، ولا يسمح بالبحث والكلام بحرية وإطلاق. ### | أسلوب القرآن في بيان آلاء الله: # ولم يتعرض القرآن العظيم من آلاء الله - تعالى - وآيات قدرته العجيبة إلا ~~لما يستوى في إدراكه الحضري والبدوي والعربي والعجمي ولا يصعب فهمه على ~~عاقل، لأجل ذلك لم يذكر النعم الروحانية الخاصة التي ينعم بها على عباده ~~الأنبياء والأولياء والعلماء الصالحين بصفة خاصة (من مراتب الكمالات ومدارج ~~التقرب ومنازل التقوى) ولم يذكر الملاذ والنعم التي تحصل - أحيانا - للملوك ~~والسلاطين (وأفراد قلائل من البشر) بل ذكر ما كان أنسب ذكره: من خلق ~~السموات والأرض، وإنزال المطر من السحاب، وتفجير الينابيع بالماء، وإلهام ~~الصنائع والحرف الضرورية، وخلق القدرة لممارستها ومزاولتها، ونبه إلى تغير ~~مواقف الناس عند السراء والضراء، ولدى النعم والبأساء في مواضع كثيرة إذ إن ~~هذا من أمراض القلب وإنحراف النفس الذي يكثر وقوعه وتكثر أمثلته. # PageV01P065 # أسلوب القرآن الكريم في التذكر بأيام الله: # أما "أيام الله" وهي تلك الواقائع والحوادث التي أوجدها الله - تعالى - ~~إنعاما على المطيعين وانتقاما من العصاة المجرمين - فقد اختار منها أيضا ما ~~قرعت أسماعهم من قبل، وكانوا قد سمعوا قصصا بصورة إجمالية، مثل قصص قوم ~~نوح، وعاد وثمود، التي كان العرب يسمعونها ويتداولونها فيما بينهم كابرا عن ~~كابر وقصص سيدنا إبراهيم - عليه السلام - وقصص أنبياء بني إسرائيل التي ~~ألفتها أسماعهم لطول اختلاط العرب مع اليهود، ولم يتعرض القرآن الكريم ~~للقصص الغريبة ةلا لقصص عذاب الله - تعالى - أو ثوابه للفرس والهنود كما ~~أنه لم يذكر من القصص المشهورة إلا الأجزاء الضرورية التي تنفع في التذكير ~~والموعظة، ولم يستقص جميع التفاصيل الخاصة التي تشمل عليها القصص. ### | حكمة هذا الأسلوب القرآني: # والاكتفاء بالأجزاء المهمة من القصة والتحاشي عن غرائب القصص والتفاصيل ~~الجزئية، هي أن العامة من ms18 الناس عندما يسمعون حكاية غريبة أو قصة كاملة ~~بجميع خصوصياتها وفصولها، فإن طباعهم تميل إلى نفس القصة وتولع بها، ويفوت ~~الغرض الأساسي - وهو التذكير - من بيان القصة الذي يهدف إليه القرآن ~~الكريم. # PageV01P066 # نكتة حكيمة: # ومثال ذلك كما قال بعض الحكماء العارفين: "يوم أن بدأ الناس يحكمون قواعد ~~التجويد ويصححون الحروف حرموا التلاوة الخاشعة للقرآن الكريم، ومن يوم أن ~~بدأ المفسرون يشقون الشعرة في التأويل والتوجيه أصبح "علم التفسير" غريبا ~~قليل الوجود". ### | ظاهرة التكرار في القصص القرآني: # والقصص التي جاءت في القرآن مرات وكرات، هي قصة خلق آدم من الطين، وسجود ~~الملائكة له، واستكبار الشيطان عنه، ولعنه وطرده لأجله، وسعيه من ذاك في ~~إغواء بني آدم وإضلالهم وقصص محاجة نوح، وهود، وصالح، إبراهيم ولوط وشعيب ~~مع شعوبهم وأقوامهم في توحيد الله - تعالى - والأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر واستكبارها وطغيانها وإدلائها بشبهات ركيكة وردود الأنبياء - عليهم ~~الصلوات التسليمات - عليها ونزول عذاب الله - تعالى - ونقمه على الأشقياء ~~وظهور نصرة الله - تعالى - وتأييده في حق الأنبياء والأتباع، وقصص سيدنا ~~موسى - عليه السلام - مع فرعون وملأه، وسفهاء بني إسرائيل، ومكابرتهم له، ~~وعقاب الله - تعالى - لأولئك التعساء وتركهم يتيهمون في الأرض، وظهور ~~تأييدات الله - تعالى - متتالية لنجيه وكليمه - عليه السلام. # PageV01P067 # وقصص سيدنا داود وسليمان - عليهما السلام - وخلافتهما ومعجزاتهما ~~وخوارقهما، وقصة محنة سيدنا أيوب وسيدنا يونس - عليهما السلام - وظهور رحمة ~~الله - تعالى وعطفه عليها، وقصة دعاء سيدنا زكريا - عليه السلام - واستجابة ~~الله - تعالى - إياه، والقصص العجيبة لسيدنا عيسى - عليه السلام - وولادته ~~من غير والد، وتكلمه في المهد، وظهور الخوارق والمعجزات على يده، وأمثال ~~هذه من القصص التي اطردت في القرآن الحكيم بألوان مختلفة من الإيجاز ~~والإطناب والتفصيل والإجنال حسب مقتضى الأساليب المرعية في السور. # القصص التي لم تتكرر في القرآن كثيرا: # أما القصص التي لم تتكرر في القرآن تكرار القصص الأولى بل وردت في موضع ~~أو موضعين فحسب فهي: # قصة رفع سيدنا إدريس - عليه السلام - مكانا عليا. # - وقصة محاجة إبراهيم لنمرود، ومشاهدته إحياء الطير، وقصة ذبح ولده ms19 ~~الوحيد. # - قصة سيدنا يوسف - عليه السلام. # - وقصة ولادة سيدنا موسى - عليه السلام - وإلقائه في اليم، ووكرزه للقبطي ~~وقتله إياه، ثم توجهه إلى "مدين" # PageV01P068 # وتزوجه هناك، ومشاهدته النار على الشجرة وسماع الكلام منها. # - وقصة ذبح البقرة. # - وقصة لقاء موسى مع الخضر - عليهما السلام. # - وقصة طالوت وجالوت. # - وقصة بلقيس (ملكة سبأ) . # - وقصة ذي القرنين. # - وقصة أصحاب الكهف. # - وقصة الرجلين المتحاورين (أحدهما يعتز بما له من مال وبنين وجنات من ~~أعناب، والآخر قليل المال ولكنه يذكره بالله - تعالى - ونعمته وشكره ~~والآخرة) . # - وقصة اصحاب الجنة (الذين أرادوا أن يحرموا الفقراء المساكين من عطاياهم ~~وصدقات أموالهم، فرجعوا محرومين والجنة خاوية على عروشها) . # - وقصة الرسل الثلاثة الذين بعثهم سيدنا عيسى - عليه السلام - لدعوته، ~~وأعتدى عليهم الكفار وقتلوهم. # - وقصة أصحاب الفيل، وغير ذلك. # PageV01P069 ### | غرض القصة في القرآن: # وليس الغرض من سرد هذه القصص في القرآن الكريم الاطلاع عليها والتعرف على ~~جزئياتها فحسب بل الغرض الأساسي والحقيقي هو ان ينقل ذهن القارئ والسامع ~~إلى شناعة الشرك والمعاصي، ومعاقبة الله - تعالى - عليها، والإيمان بنصر ~~الله - تعالى - وتأييده، وظهور ألطافه وأفضاله في حق عباده المخلصين. # التذكير بالموت وما بعده أو التذكير بالآخرة: # والمراج بالتذكير بالموت وما بعده أو التذكير بالآخرة عرض كيفية الإنسان ~~لدى موته، وعجزه واستكانته في تلك الساعة الحرجة العصيبة، وعرض الجنة ~~والنار عليه بعد الموت وظهور ملائكة العذاب لعينيه، وأشراط القيامة من نزول ~~سيدنا عيسى ونفخة القيام والنشر والحشر، والسؤال والجواب والميزان والصراط، ~~وأخذ صحائف الأعمال بالإيمان والشمائل، ودخول المؤمنين الجنة وحشر الكفار ~~في النار، وتخاصم أهل النار تابعيهم ومتبوعيهم، وسادتهم وكبرائهم، وعامتهم ~~وضعفائهم فيما بينهم، وإنكار بعضهم بعضا، ولعن أحداهم الأخرى، واختصاص ~~المؤمنين برؤية الله - تعالى - وذكر أنواع العذاب وتعداد ألوانه وأطواره من ~~سلاسل وأغلال وحميم وغساق وضريع وزقوم، وبيان أنواع النعم والملذات من حور ~~وقصور # PageV01P070 # وحنات وأنهار ومطاعم هنيئة شهية وملابس زاهية ناعمة، وعيد حسان، مقصورات ~~في الخيام ومجالس أهل الجنة الفكهة اللطيفة ولقاءاتهم الطيبة الحبيبة، كل ~~هذا مما قد قصه القرآن الكريم وبثه في ms20 مختلف السور مراعيا أساليبها الخاصة ~~المتفردة تارة بالإجمال والاختصار وأخرى بالتفصيل والإسهاب. # القاعدة الكلية في مبحث الأحكام: # والقاعدة الكلية في مبحث الأحكام والحلال والحرام أن سيدنا رسول الله - ~~صلى الله عليه وسلم - كان قد بعث في الملة الإبراهيمية الحنيفية، فكان من ~~اللازم أن يبقى على شرائع تلك الملة، ولا يحدث أي تغيير في أمهات أحكامها ~~وأصول مسائلها اللهم إلا تخصيصا لعموماتها وزيادة للتوقيتات والتجديدات ~~فيها وأمثال ذلك من الأمور. # ثم إنه أراد الله - تعالى - أن يزكي نفوس العرب بنبينا محمد - صلى الله ~~عليه وسلم - ويزكي نفوس سائر العالم بأيدي العرب الأولين (والرعيل الإيماني ~~الأول) فلزم أن تكون مادة شريعته تدور على عادات العرب وتقاليدهم (مما ~~توارثوها من الملة الحنيفية أو انحرفوا عن جادتها في كثير من شئون الحياة) ~~. # الأسباب والمصالح المرعية في الأحكام: # وإذ تأملت وأنعمت النظر في مجوع شرائع الملة الحنفيفة # PageV01P071 # وأحكامها ولاحظت عادات العرب ورسومهم وتقاليدهم، وتشريعات الرسول الخاتم ~~- صلى الله عليه وسلم - التي هي بمنزلة المصلح والمهذب لها تدرك لكل حكم من ~~أحكامها سببا من الأسباب وتتوصل في كل أمر ونهي من أوامرها ونواهيها إلى ~~مصلحة مرعية من المصالح، وتفصيل ذلك يطول. # دور التشريعات الإسلامية في إصلاح الملة الحنيفية المحرفة: # وبالجملة فإن العبادات من الطهارة والصلاة والصوم والزكاة والحج والأذكار ~~كانت قد تعرضت للإهمال والتساهل العظيم في أدائها والقيام بها، ولاختلاف ~~الناس - لجهل أكثرهم بها وغفلتهم - في مشروعيتها، وتسرب التحريفات الجاهلية ~~إليها فنزل القرآن العظيم وقضى على هذه الفوضى والاختلال، وأقام اعوجاجها ~~وعدلها وسواها. # وكانت الحياة الاجتماعية والعائلية فيها كثير من التقاليد المجحفة ~~والطقوس الجائرة وعوامل البغي والعدوان وهكذا كان شأن الحكم والسياسة من ~~الاختلال والاضطراب والفوضى. # فضبط القرآن العظيم أصول هذه القضايا، وحدد لها حدودا وشرع لها تشريعات ~~خاصة. ### | حقيقة الصغائر والكبائر: # ولقد كانت كثير من الكبائر والصغائر راجعة إلى هذا الأصل ومتعلقة بهذا ~~الباب. # PageV01P072 # القرآن أجمل والسنة فصلت: # وقد جاءت أحكام الصلاة ومسائلها في القرآن العظيم مجملة واستعمل لفظ ~~"الإقامة"، للصلاة، الذي تناوله النبي - صلى ms21 الله عليه وسلم - بالتفصيل ~~بالأمر ببناء المساجد والجماعة وبيان المواقيت، كذلك ورددت أحكام الزكاة ~~باختصار وإيجاز، وفصلها النبي - صلى الله عليه وسلم - أيما تفصيل، وجاء ذكر ~~الصوم أيضا في سورة البقرة، والحج والجهاد والقتال في سورتى البقرة ~~والأنفال ومواضع متفرقة أخرى، وذكر الحدود في سورة المائدة والنور وجاءت ~~المواريث في سورة النساء، وأحكام النكاح والطلاق في سورة البقرة والنساء ~~والطلاق، وغيرها من السور. # قسم آخر من الأحكام في القرآن: # وبعد أن مضى هذا القسم من الأحكام الذي تعم فائدته جميع أفراد الأمة، ~~تذكر قسما آخر (يتعلق بالحوادث والوقائع الخاصة وإن كان حكمها عاما) وكانت ~~صور تشريعه كما تلي: # * فتارة كانوا يسألون في حضرة النبي - صلى الله عليه وسلم - عن شيء فيرد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - (فيكون ذلك طريقا للتشريع) . # PageV01P073 # * أو تقع حادثة يجود فيها المؤمنون بأنفسهم وأموالهم ويجبن فيها ~~المنافقون ويبخلون، فيمدح الله - تعالى - في كتابه المؤمنين، ويذم ~~المنافقين ويتوعدهم وينذرهم بالعذاب الأليم. # * أو تقع حادثة من حوادث الغلبة على الأعداء وكف عدوانهم وأضرارهم، فيمن ~~الله - تعالى - بذلك على المؤمنين ويذكرهم بنعمته وفضله في كتابه الحكيم. # * أو تحدث حالة من الحالات تقتضي تنبيها وزجرا أو إيماءا وتعريضا أو أمرا ~~أو نهيا، فينزل الله - تعالى - ما تقتضيه الحال وتستدعيه الأوضاع الخاصة. # فلابد للمفسر من ذكر هذه القصص (التي لا تنكشف معاني الآيات إلا ببيانها) ~~بطريق الإجمال. # بعض الأمثلة من هذه القصص: # فقد وردت التعريضات بقصة غزوة بدر في سورة الأنفال وبقصة أحد في سورة آل ~~عمران، وقصة غزوة الخندق في سورة الأحزاب، وفصة الحديبية في سورة الفتح، ~~وقصة بني النضير تبوك في سورة البراءة، ووردت الإشارة إلى حجة الوداع في ~~سورة المائدة، والإشارة إلى قصة زواج زينب - رضي الله # PageV01P074 # عنها - في سورة الأحزاب، وقصة تحريم السرية في سورة التحريم، وقصة الإفك ~~في سورة النور، وجاء ذكر استماع وفد الجن تلاوة النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- في سورة الجن والأحقاف وقصة مسجد الضرار في سورة البراءة. وقصة الإسراء ~~أول سورة بني ms22 إسرائيل. ### | نوع من التذكير بأيام الله: # وهذا القسم من الآيات الكريمة في حقيقة الأمر نوع من أنواع التذكير بأيام ~~الله ولكن لما أن الكشف عن هذه التعريضات التي تتضمنها هذه الآيات يعتمد ~~على سماع القصة والتعرف على خلفية الحادث لذلك أفرد عن سائر أنواعه وذكر ~~بصورة مميزة. # PageV01P075 ### | الباب الثاني # في بيان وجوه الدقة والخفاء في معاني نظم القرآن الكريم وتناسقه بالنسبة ~~لأهل هذا العصر، وإزالتهما بأوضح بيان. # نزول القرآن عربيا مبينا: # ليعلم أن القرآن العظيم نزل في لغة العرب الأقحاح، اللغة المبينة ~~الواضحة، وفهمه العرب بسليقتهم اللغوية الأصلية وأدركوا مغزاه ومعانيه، قال ~~الله - تعالى -: {حم (1) والكتاب المبين} وقال - تعالى -: {كتاب أحكمت ~~آياته ثم فصلت} إلخ. ### | موقف الشارع من المتشابهات: # وقد كان من مرمى الشارع الحكيم عدم تاخوض في تأويل المتشابهات القرآنية ~~وتصوير حقتئق الصفات الإلهية، وتسمية المبهمين، واستقصاء القصص والوقائع ~~وأمثال ذلك من الأمور، ولذلك قل سؤال الصحابة - رضي الله عنهم - للرسول - ~~صلى الله عليه وسلم - عن مثل ذلك، ولم يرفع في هذا الباب من الأحاديث إلا ~~شيء قليل. # PageV01P077 # الحاجة إلى البحث في اللغة والنحو: # ولكن ما مضت تلك الطبقة الأولى من الرعيل الأول وداخل العرب العجم، وذهبت ~~تلك اللغة الأصلية الأولى واستعصى فهم المطالب والمعاني في بعض المواضع، ~~ومست الحاجة إلى التفتيش والبحث في اللغة والنحو، وجرت المناقشات والأسئلة ~~والأجوبة، وصنفت كتب التفسير. لزم أن نستحضر - بصورة إجمالية - هذه المواضع ~~الصعبة، ونبين نماذجها وأمثلتها حتى لا يحتاج عند الخوض فيها إلى بيان مزيد ~~ولا يضطر إلى المبالغة في الكشف عنها وشرحها (عند الترجمة والتفسير) ### | أسباب صعوبة فهم المراد من الكلام: # - فتارة يصعب التوصل إلى فهم المراد من الكلام لاستعمال لفظة غريبة، ~~ويعالج ذلك بنقل معنى اللفظة عن الصحابة والتابعين وسائر أهل اللغة. # - وتارة أخرى لقلة الإطلاع على الناسخ والمنسوخ. # - وحينا للغفلة عن أسباب النزول. # - وحينا آخر بسبب حذف المضاف أو الموصوف أو غيرهما. # - وأحيانا بإبدال شيء، أو إبدال حرف مكان حرف، # PageV01P078 # أو اسم مكان اسم، أو فعل مكان فعل، ms23 أو جمع مكان مفرد أو العكس أو أسلوب ~~الغيبة مكان أسلوب الخطاب. # - وأحيانا لتقديم ما حقه التأخير (من حيث عرف اللغة والنحو) أو العكس. # - وأحيانا بسبب انتشار الضمائر (ورجوعها إلى عدة مراجع) أو تعدد المارد ~~عن اللفظة الواحدة. # - وأحيانا بسبب التكرار والإطناب. # - وأحيانا لأجل الاختصار والإيجاز. # والمجاز العقلي. # فينبغي للإخوة السعداء أن يطلعوا على حقيقة هذه الأمور وبعض أمثلتها في ~~مبدأ البحث، ويكتفوا بالرموز والإشارات في مواضع التفصيل. # PageV01P079 ### | الفصل الأول # في بحث غريب القرآن # أفضل الشروح لغريب القرآن: # إن من أفضل الشروح لغريب القرآن الكريم بل أولها بالإطلاق في هذا الباب ~~هو ما أثر وصح عن ترجمان القرآن عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - عن طريق ~~ابن أبي طلحة وقد اعتمده الإمام البخاري - غالبا - في جامعه الصحيح. # طرق الضحاك ونافع: # ويلي ذلك ما روي عن طريق الضحاك عن عبد الله بن عباس - رضي الله عنه - ~~وأجوبة ابن عباس - رضي الله عنه - عن سؤالات نافع بن الأزرق. # وهذه هي الطرق الثلاث التي ذكرها السيوطي في كتابه (الإتقان) . # شرح أئمة التفسير: # ثم يأتي بعد ذلك شرح الغريب الذي نقله الإمام البخاري عن # PageV01P081 # أئمة التفسير. ويليه ذلك الشرح للغريب الذي روى عن سائر الصحابة ~~والتابعين وأتباعهم. # وأرى من المناسب أن أجمع في الباب الخامس من هذه الرسالة جملة صالحة من ~~شرح غريب القرآن الكريم مع بيان أسباب النزول، وأجعلها رسالة مفردة مستقلة ~~حتى إذا شاء أحد، ضمها إلى هذه الرسالة، وإذا أحب آخر أن يأخذها كرسالة ~~مستقلة فليفعل ذلك، وللناس فيما يعشقون مذاهب. # وليعلم أن الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين - يفسرون - أحيانا - ~~بلازم معناه، ويتعقب المفسرون المتأخرون هذا التفسير نظرا إلى تتبع اللغة ~~والفحص عن موارد استعمالها فيها، والغرض المطلوب في هذه الرسالة ذكر ~~تفسيرات السلف وشروحهم للألفاظ الغريبة بنصها وفصها، أما تتقيحها ونقدها ~~فله موضع آخر غير هذا الموضع، "فكل مقام مقال ولكل نكتة مجال". # PageV01P082 ### | الفصل الثاني # في مبحث الناسخ والمنسوخ # من المواضع الصعبة في علم التفسير التي تكثر مباحثها، ms24 ويكثر الاختلاف ~~فيها، معرفة الناسح والمنسوخ، ومن أقوى وجوه هذه الصعوبة اختلاف الاصطلاح ~~بين المتقدمين والمتأخرين في هذا الباب. # معنى النسخ عند المتقدمين: # والذي يتضح لنا باستقراء كلام الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين ~~- في هذا الموضوع أنهم كانوا يستعملون "النسخ" بمعناه اللغوي المعروف الذي ~~هو إزالة شيء لا بمعنى مصطلح الأصوليين الخاص. # - فمعنى "النسخ" عندهم إزالة بعض الأوصاف في آية بآية أخرى، سواء كان ذلك ~~بيانا لانتهاء مدة العمل بآية من الآيات الكريمة. # - أو صرف الكلام عن المعنى المتبادر إلى غير المتبادر أو بيان # PageV01P083 # أن القيد اتفاق وليس احترازيا، أو تخصيصا للعموم. # - أو بيان الفارق بين المنصوص والمقيس عليه ظاهرا. # - أو إزالة عادة من العادات الجاهلية. # - أو رفع شريعة من الشرائع السابقة. ### | سعة مجال النسخ عند المتقدمين: # وهكذا اتسع باب النسخ عندهم وتوسعوا في موضوعه، وكان للعقل فيه مجال ~~فسيح، وللاختلاف فيه مكان واسع. ولذلك بلغت الآيات المنسوخة إلى خمسمائة ~~آية، بل إذا حققت النظر تجدها غير محصورة بعدد. # معنى النسخ عن المتأخرين: # أما المنسوخ حسب اصطلاح المتأحرين الأصولين فإنه لا يتجاوز العدد القليل، ~~لا سيما حسب وجهة النظر التي اخترناها. # موقف السيوطي في الإتقان: # وقد ذكر الشيخ جلال الديد السيوطي في كتابه "الإتقان" # - بعد إيراده لما روى عن العلماء في هذا الباب ببسط وتفصيل حسبما يليق ~~بالموضوع - الآيات المنسوخة حسب رأي # PageV01P084 # المتأخرين موافقا للشيخ ابن العربي، وعددها قرابة عشرن آية، وللمؤلف في ~~أكثرها نظر. فلنورد كلامه مع التعقيب. # الآيات المنسوخة عند السيوطي وتعقبات المؤلف # (فالآيات التي ذكرها السيوطي وابن العربي هي كما تلي) : ### | 1 - # آية الوصية للوارث: # فمن البقرة، قوله - تعالى -: {كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت} الآية، ~~منسوخة، قبل بآية المواريث، وقيل: بحديث لا وصة لوارث، وقيل بالإجماع، حكاه ~~ابن العربي. # قلت: بل هي منسوخة بآية {يوصيكم الله في أولادكم} إلخ وحديث "لا وصية ~~لوارث" مبين للنسخ. ### | 2 - # آية الفدية لمن أطاق الصوم: # وقوله - تعالى -: {وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين} قيل منسوخة ~~بقوله: {فمن شهد منكم ms25 الشهر فليصمه} وقيل: محكمة، و"لا" مقدرة (قبل ~~"يطيقون"، أي لا يطيقون) . # قلت: عندي وجه آخر، وهو: أن المعنى: وعلى الذين يطيقون الطعام فدية، هي ~~طعام مسكين، فاضمر قبل الذكر، # PageV01P085 # لأنه متقدم رتبة، وذكر الضمير لأن المراد من الفدية هو الطعام، والمراد ~~منه، صدقة الفطر، عقب الله - تعالى - الأمر بالصيام في هذه الآية بصدقة ~~الفطر، كمنل عقب الآية الثانية بتكبيرات العيد. ### | 3 - # آية حل الرفث ليلة الصيام: # وقوله - تعالى -: {أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم} ، ناسخة لقوله ~~- تعالى -: {كما كتب على الذين من قبلكم} لأن مقتضاه الموافقة فيما كان ~~عليهم من تحريم الأكل والوطء بعد النوم، ذكره ابن العربي، وحكى قولا آخر ~~أنه نسخ لما كان بالنسبة. # قلت: معنى "كما كتب" التشبيه في نفس الوجوب فلا نسخ إنما هو تغير لما كان ~~عندهم قبل الرشع ولم نجد دليلا على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شرع ~~لهم ذلك، ولو سلم فإنما كان ذلك ثابتا بالنسة (لا أنه شرعه لهم وأمرهم به) ~~. ### | 4 - # آية القتال في الشهر الحرام: # وقوله - تعالى - يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه الآية، منسوخة بقوله: ~~{وقاتلوا المشركين كافة} الآية. أخرجه ابن جرير عن عطاء بن ميسرة. # قلت: هذه الآية لا تدل على تحريم القتال، بل تدل على # PageV01P086 # تجويزه، وهي من قبيل تسليم العلة وإطهار المانع، فالمعنى أن القتال في ~~الشهر الحرام كبير شديد ولكن الفتنة أشد منه، فجاز في مقابلتها، وهذا ~~التوجيه ظاهر من سياقها كما لا يخفى. ### | 5 - # آية المتاع إلى الحول: # وقوله - تعالى -: {والذين يتوفون} - إلى قوله - {إلى الحول} منسوخة ~~بالميراث، والسكنى باقية عند قوم. منسوخة عند آخرين بحديث: "لا سكنى إلخ". # قلت: هي كما قال: منسوخة عند جمهور المفسرين ويمكن أن يقال: يستحب أو ~~يجوز للميت الوصية ولا يجب على المرأة أن تسكن في وصيته، وعليه ابن عباس - ~~رضي الله عنه - وهذا التوجيه ظاهر من الآية. ### | 6 - # آية المحاسبة على الباطن والظاهر: # وقوله - تعالى - {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} ms26 ~~منسوخة بقوله: {لا يكلف الله نفسا إلا وسعها} # قلت: هو من باب تخصيص العام، بينت الآية المتأخرة أن المراد ما في أنفسكم ~~من الإخلاص والنفاق، لا من أحاديث النفس التي لا اختيار فيها، فإن التكليف ~~لا يكون إلا فيما هو في وسع الإنسان. # PageV01P087 ### | 7 - # ومن آل عمران: آية اتقاء الله حق التقوى: # قوله - تعالى -: {اتقوا الله حق تقاته} # قيل: إنها منسوخة بقوله - تعالى -: {فاتقوا الله ما استطعتم} وقيل: لا بل ~~هو محكم، وليس فيها آية يصح فيها دعوى النسخ غير هذه الآية. # قلت: "حق تقاته" في الشرك والكفر وما يرجع إلى الاعتقاد، و"ما استطعتم" ~~في الأعمال، من لم يستطع الوضوء يتيمم، ومن لم يستطع القيام يصلي قاعدا، ~~وهذا التوجيه ظاهر من سياق الآية، وهو قوله - تعالى -: {ولا تموتن إلا ~~وأنتم مسلمون} . ### | 8 - # ومن سورة النشاء: آية الإيتاء للموالي: د # قوله - تعالى -: {والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم} منسوخة بقوله - ~~تعالى -: {وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض} . # قلت ظاهر الآية، أن الميراث للموالي والبر والصلة لمولي الموالاة، فلا ~~نسخ. ### | 9 - # آية إيتاء اليتامى والمساكين من الميراث: # وقوله - تعالى -: {وإذا حضر القسمة أولو القربى} # PageV01P088 # إلخ. قيل: منسوخة، وقيل: لا ولكن تهاون الناس في العمل بها. # قلت: قال ابن عباس - رضي الله عنه -: هي محكمة، والأمر للاستحباب، وهذا ~~أظهر. ### | 10 - # آية التعزيز لمرتكبات الفواحش: # وقوله - تعالى -: {واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم} الآية. منسوخة بآية ~~النور. # قلت: لا نسخ في ذلك. بل هو ممتد إلى الغاية فلما جاءت الغاية، بين النبي ~~- صلى الله عليه وسلم - أن السبيل الموعود كذا وكذا، فلا نسخ. ### | 11 - # ومن المائدة: آية النهي عن إحلال الشهر الحرام: # قوله - تعالى -: {ولا الشهر الحرام} إلخ منسوخة بإباحة القتال فيه. # قلت: لا نجد في القرآن ناسخا له ولا في السنة الصحيحة ولكن المعنى: أن ~~القتال المحرم يكون في الشهر الحرام أشد تغليطا كما قال النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - في الخطبة، "دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في ~~شهركم هذا في بلدكم هذا". # PageV01P089 ### | 12 ms27 - # آية الحكم بين أهل الكتاب أو الإعراض عنهم: # وقوله - تعالى -: {فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم} منسوخة بقوله ~~{وأن احكم بينهم بما أنزل الله} . # قلت: معناه: إن اخترت الحكم فاحكم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم. # فالحاصل أنه لنا أن نترك أهل الذمة أن يرفعوا القضية إلى زعمائهم، ~~فيحكموا بما عندهم، ولنا أن نحكم بما أنزل الله علينا. ### | 13 - # آية حمل الشهادة عن الميت في الغربة: # وقوله - تعالى -: {أو آخران من غيركم} إلخ. منسوخ بقوله: {وأشهدوا ذوي ~~عدل منكم} . # قلت: قال أحمد بظاهر الآية، ومعناها عند غيره: أو آخران من غير أقاربكم، ~~فيكونون من سائر المسلمين. ### | 14 - # ومن الأنفال: آية مغالبة المسلم الواحد العشرة من الكفار: # قوله - تعالى -: {إن يكن منكم عشرون صابرون} الآية منسوخة بالآية بعدها. # PageV01P090 # قلت: كما قال: مسنوخة. ### | 15 - # ومن البرءاة: آية الأمر بالنفر خفافا وثقالا: # قوله - تعالى -: {انفروا خفافا وثقالا} الآية. منسوخة بآيات العذر، وهو ~~قوله - تعالى -: {ليس على الأعمى حرج} الآية. وقوله - تعالى -: {ليس على ~~الضعفاء} الآيتين. # قلت: خفافا أي مع أقل ما يتأتى به الجهاد من مركوب وعبد للخدمة، ونفقة ~~يقنع بها. وثقالا: مع الخدم الكثير، والمركب الكثير فلا نسخ، أو نقول: ليس ~~النسخ متعينا. ### | 16 - # ومن سورة النور: آية استقباح نكاح الزانية: # قوله - تعالى -: {الزاني لا ينكح إلا زانية} الآية، منسوخة بقوله - تعالى ~~-: {وأنكحوا الأيامى منكم} . # قلت: قال أحمد بظاهر الآية، ومعناها عند غيره: أن مرتكب ليس بكفوء إلا ~~للزانية، أو لا يستحب اختيار الزانية، وقوله - تعالى - {وحرم ذلك} إشارة ~~إلى الزنا والشرك، فلا نسخ وأما قوله - تعالى - {وأنكحوا الأيامى} فعام لا ~~ينسخ الخاص. # PageV01P091 ### | 17 - # آية الأمر للعبد والخدم بالاستيذان: # وقوله - تعالى -: {ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم} الآية منسوخة، وقيل: لا ~~ولكن تهاون الناس في العمل بها. # قلت: مذهب ابن عباس - رضي الله عنهما - أنها ليست بمنسوخة، وهذا أوجه ~~وأولى بالاعتماد. ### | 18 - # ومن الأحزاب آية عدم حل النساء للنبي - صلى الله عليه وسلم - بعد أزواجه: # قوله - تعالى - {لا يحل لك النساء من بعد} ms28 الآية، منسوخة بقوله - تعالى ~~-: {إنا أحللنا لك أزواجك اللاتي آتيت أجورهن} الآية. # قلت: يحتمل أن يكون الناسخ مقدما في التلاوة وهو الأظهر عندي. ### | 19 - # ومن المجادلة: آية الأمر بإيتاء الصدقة عند مناجاة الرسول - صلى الله ~~عليه وسلم -: # قوله - تعالى -: {إذا ناجيتم الرسول فقدموا} الآية. منسوخة بالآية بعدها. # PageV01P092 ### | 20 - # ومن الممتحنة: آية المبادلة بين مهور الأزواج: # قوله - تعالى -: {فآتوا الذين ذهبت أزواجهم مثل ما أنفقوا} قبل: منسوخ ~~بآية السيف، وقيل: بآية الغنيمة. وقيل: محكم. # قلت: الأظهر أنه محكم، ولكن الحكم في الهادنة وعند قوة الكفار. ### | 12 - # ومن المزمل: آية الأمر بقيام الليل: # قوله - تعالى -: {قم الليل إلا قليلا} منسوخ بآخر السورة، ثم نسخ الآخر ~~بالصلوات الخمس. # قلت: دعوى النسخ بالصلوات الخمس غير متجهة بل الحق أن أول السورة في ~~تأكيد الندب إلى قيام الليل وآخرها نسخ التأكيد إلى مجرد الندب. # قال السيوطي موافقا لابن العربي: فهذه إحدى وعشرون آية منسوخة على خلاف ~~في بعضها، ولا يصح دعوى النسخ في غيرها والأصح في آية الاستيذان والقسمة، ~~الإحكام وعدم النسخ، فصارت تسعة عشر. # قلت: ما حررته لا يتعين النسخ إلا في خمس آيات. # PageV01P093 ### | الفصل الثالث في # أسباب النزول ### | صعوبة موضوع أسباب النزول: # ومن المواضيع الصعبة أيضا معرفة أسباب النزول، ووجه الصعوبة في هذا الباب ~~كذلك اختلاف المتقدمين والمتأخرين فيها. # معنى نزلت في كذا: # وما يستفاد من استقراء كلام الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - أنهم لا ~~يقولون "نزلت في كذا" لمجرد بيان الحديث الذي وقع في عهد النبي - صلى الله ~~عليه وسلم - وكان سببا لنزول تلك الآية: # بل إنهم يستعملون هذا التعبير أحيانا لبيان ما تنطبق عليه الآية وتصدق ~~عليه مما حدث في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - أو بعده (فهو بيان لصورة ~~من الصور التي تصدق عيلها الآية) فيقولون عند ذاك "نزلت في كذا" ولا يلزم ~~في مثل هذا الموضع أن # PageV01P095 # تنطبق جميع القيود الواردة في الآية على الحادث، بل يكفي أن ينطبق أصل ~~الحكم الوارد فيها. # وتارة يكون قد أورد بعض ms29 الصحابة - رضي الله عنهم - في حضرته - صلى الله ~~عليه وسلم - سؤالا. أو يقع حادث في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ويكون ~~هو - صلى الله عليه وسلم - قد استنبط حكمه من آية من الآيات وتلاها عليهم ~~في ذلك الباب، فيحكون هذا الحادث ويقولون "نزلت الآية في كذا" وتارة يقولون ~~عند ذلك "فأنزل الله - تعالى - قول كذا" أو "فنزلت كذا". وإذا عبر أحد عن ~~ذلك بتكرار نزول الآية فله كذلك مساغ. # روايات المحدثين التي لا علاقة لها بأسباب النزول: # ويورد المحدثون في هذا الباب أشياء كثيرة ضمن الآيات القرآنية لا علاقة ~~لها بأسباب النزول مثل: استشهاد الصحابة - رضي الله عنهم - بآية من الآيات ~~القرآنية في مناظراتهم. أو تمثلهم بىية، أو تلاوة النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - آية من الآيات للاستشهاد على كلامه، أو رواية حديث يوافق الآية في ~~أصل غرضها وفحواها أو في تعيين موضع نزولها، أو تحديد أسماء المذكورين فيها ~~بصورة مبهمة، أو بيان طريق التلفظ بكلمة قرآنية، أو في فضل الآيات والسور، ~~أو بيان طريقة امتثال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأمر من أوامر القرآن ~~الكريم. # PageV01P096 # وكل هذه - في الحقيقة - ليست من أسباب النزول في شيء وليس من شروط المفسر ~~استيعابها والإحاطة بها. ### | شروط المفسر في باب أسباب النزول: # إنما يشترط على المفسر في هذا الباب معرفة شيئين: ### | 1 - # معرفة تلك القصص التي تتضمن الآيات الكريمة التعريض بها فإن فهم إيماء ~~هذه الآيات وإشارتها لا يتيسر إلا بمعرفة تلك القصص. ### | 2 - # الثاني: معرفة تلك القصة التي تفيد التخصيص للعام وأمثال ذلك مما يصرف ~~فيه الكلام عن ظاهره المتبادر منه إذ أن فهم مقاصد الآيات ومراميها لا ~~يتأتى بدون ذلك. # أكثر قصص الأنبياء السابقين من روايات أهل الكتاب: # وينبغي أن يعلم هنا، أن قصص الأنبياء السابقين لم تذكر في الأحاديث ~~الصحيحة إلا قليلا، وأن هذه القصص الطويلة العريضة التي يتجشم روايتها ~~المفسرون، ويحكونها في تفاسيرهم كلها منقولة عن أهل الكتاب إلا ما شاء الله ~~- تعالى -. # وقد جاء في صحيح البخاري: ms30 "لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم". # PageV01P097 # معان أخرى لقولهم "نزلت في كذا": # وليعلم أيضا، أن الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم أجميعن - كانوا يحكون ~~- أحيانا - قصة جزئية لبيان مذاهب المشركين واليهود وعاداتهم الجاهلية حتى ~~تتضح عقائدهم وتتجلى عاداتهم هذه في ضوء الوقائع والقصص، ويقولون في ذلك ~~"نزلت الآية في كذا" ويريدون بذلك أن الآية نزلت في زمن قريب من هذه ~~الوقائع، فيريدون إبراز هذه الصورة لا تخصيصها، بل إن هذه الحادثة صورة ~~صادقة للأمور الكلية. # سبب اختلاف أقوال الصحابة والتابعين في هذا الباب: # ولأجل ذلك كثيرا ما تختلف أقوالهم، وتتنازع تعبيراتهم رغم أن قصدهم واحد، ~~وإلى هذه النكتة أشار أبو الدرداء - رضي الله عنه - حين قال: "لا يكون ~~الرجل فقيها حتى يحمل الآية الواحدة على محامل متعددة". # أسلوب القرآن الكريم في بيان جوانب الشر والخير: # وعلى هذا يكثر في أسلوب القرآن العظيم أنه يعرض صورتين، صورة سعيدة ويذكر ~~معها بعض خلال السعادة، وصورة شقي ويذكر معها بعض صفات الشقاوة، ولا يكون ~~الغرض من عرضها إلا بيان أحكام هذه الخلال والصفات # PageV01P098 # والأعمال لا التعريض بشخص معين من الأشخاص، قال - تعالى -: # {ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا حملته أمه كرها ووضعته كرها} إلخ. # ثم ذكر بعد ذلك صورتين لفريقين صورة سعيد وصورة شقي. # كذلك قوله - تعالى - {وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين} ~~وقوله - تعالى - {وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا} . # وهكذا ينبغي أن تحمل الآيات التالية على هذا المعنى: {ضرب الله مثلا قرية ~~كانت آمنة مطمئنة} الآية. {هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ~~ليسكن إليها فلما تغشاها} الآية، {قد أفلح المؤمنون (1) الذين هم في صلاتهم ~~خاشعون} {ولا تطع كل حلاف مهين} الآيات. # ولا يلزم في هذه الصورة أن تتوفر جميع الخصوصيات ذاتها في شخص خاص كما أن ~~في قوله - تعالى -: {كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة} ~~ألاية، لا يلزم أن توجد حبة بهذه الصفة بعينها، إنما الغرض هنا هو تصوير ~~زيادة الأجر والثواب ms31 ليس غير، فإذا وجدت صورة # PageV01P099 # توافق هذا الوصف في أكثر خصائصه أو في كلها فهو من قبيل، "لزوم ما لا ~~يلزم". ### | عرض بعض الآيات في صورة السؤال والجواب: # وفي بعض الأحيان يأتي رد على شبهة ظاهرة الورود أو جواب لسؤال قريب الفهم ~~ويكون الغرض إيضاح الكلام السابق، لا أن أحدا وجه هذا السؤال بعينه أو أورد ~~هذه الشبهة بعينها، وكثيرا ما يفترض الصحابة - رضي الله عنهم - في مثل هذه ~~المواضع سؤالا وجوابا، ويشرحون الكلام في صورة السؤال والجواب، والحقيقة ~~أننا إذا تأملنا ودققنا النظر نجد الكلام كله مستقيما مترابطا لا يحتمل ~~نزول منه بعد شيء في فترات متقطعة، بل هو كلام منتظم، لا تحل عراه ولا تفك ~~قيوده على أي أصل من الأصول. # التقدم والتأخر الرتبي: # وأحيانا يذكر الصحابة - رضي الله عنهم - التقديم والتأخير في بعض الآيات، ~~ومرادهم بذلك هو التقدم والتأخير الرتبي كما قال ابن عمر - رضي الله عنه - ~~في قوله - تعالى -: {والذين يكنزون الذهب والفضة} إلخ الآية "هذا قبل أن ~~تنزل الزكاة، فلما أنزلت جعلها الله - تعالى - طهورا للأموال". # فمن المعلوم أن سورة البراءة آخر سورة نزلت وجاءت # PageV01P100 # هذه الآية في تضاعيف القصص المتأخرة وقد كانت فرضية الزكاة قبلها بأعوام، ~~فمراد ابن عمر - رضي الله عنهما - هو تقدم الإجمال رتبة لا نزولا على ~~التفصيل الذي هو متأخر رتبة وإن كان متقدما نزولا. # وبالجملة فإن شروط المفسر في هذا الباب لا تتجاوز هذين الأمرين. # أولهما قصص الغزوات وغيرها التي ترد فيها الإيماءات إلى خصوصيات القصص ~~والأحداث بحيث لا تفهم الآيات إلا في ضوء الإطلاع عليها. # والثاني: الإطلاع على فائدة بعض القيود وأسباب التشديد والتأكيد في بعض ~~المواضع التي تتوقف معرفة حقيقتها على معرفة أسباب النزول. وهذا المبحث ~~الأخير هو في الأصل فن من فنون التوجيه. # فن التوجيه: # ويراد بالتوجيه بيان وجه الكلام ومعناه وحاصل هذه الكلمة أنه: # - قد تقع أحيانا في الآية شبهة ظاهرة لاستبعاد تلك الصورة التي تدل عليها ~~الآية. # PageV01P101 # - أو يبدو - في ظاهر الأمر - تناقض وتعارض في ms32 مفهود الآية. # - أو يصعب فهم مدلول الآية على ذهن المبتدئ. # - أو لا تتمكن من ذهنه فائدة قيد القيود. # فإذا قام المفسر بحل هذه الإشكالات اعتبر ذلك "توجيها". # أمثلة للتوجيه: # مثال ذلك قوله - تعالى - على لسان بني إسرائيل: {يا أخت هارون ما كان ~~أبوك امرأ سوء} إلخ الآية. # فقد ورد هنا سؤال، وهو أن المدة بين موسى وعيسى - عليهما السلام - مدة ~~طويلة، فكيف أمكن أن يكون هارون أخا لمريم؟ # كأن السائل كان قد أضمر في نفسه أن هارون هذا الذي ذكر هنا هو هارون أخو ~~موسى - عليهما السلام - فأجاب النبي - صلى الله عليه وسلم - بأن بني ~~إسرائيل كانوا يسمون بأسماء الصالحين من الماضين (فهارون ليس شخصا واحدا، ~~بل هارون أخو مريم غير هارون أخى موسى - عليهما السلام -) . # - وكذلك لما سألوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كيف يمشي # PageV01P102 # الإنسان يوم الحشر على وجهه، قال - صلى الله عليه وسلم -: # "إن الذي أمشاه في الدنيا على رجليه لقادر أن يمشيه على وجهه". # - وهكذا لما سألوا ابن عباس - رضي الله عنهما - عن الآية التي يقول الله ~~- تعالى - فيها: {لا تسألون} وعن الآية التي يقول الله - تعالى - فيها: ~~{وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون} الآية. # كيف يمكن التطبيق بين الآيتين؟ # قال: عدم التساؤل في يوم الحشر والتساؤل بعد الدخول في الجنة. # - وسألوا عائشة - رضي الله عنها -: # إذا كان السعي بين الصفا والمروة واجبا فلماذا قال الله - تعالى -: {فلا ~~جناح عليه أن يطوف بهما} الآية. # قالت - رضي الله عنها - كان الناس يتجنبون ذلك ويتحرجون منه فلذلك قيل: ~~{لا جناح} . # - وسأل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~ما معنى قيد {إن خفتم} في قوله - تعالى -: # PageV01P103 # {وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن ~~يفتنكم الذين كفروا} الآية فقال - صلى الله عليه وسلم - "صدقة تصدق الله ~~بها عليكم" أي أن الكرماء لا يضايقون في الصدقة، كذلك الرب تبارك وتعالى لم ~~يذكر هذا القيد للتضييق، بل إنما ورد ms33 القيد اتفاقا. وأمثلة التوجيه كثيرة، ~~والغرض هنا التنبيه على معناه والمقصود منه. # تنقيح أسباب النزول وتوجيه المشكل من تفسيرات البخاري والترمذي والحاكم: # ويحلو لي أن أنقل في الباب الخامس من تفسيرات البخاري والترمذي والحاكم ~~ما يتعلق بأسباب النزول وتوجيه المشكل مما رووه بأسانيدهم إلى الصحابة - ~~رضي الله عنهم - وإلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - بتنقيح وتهذيب واختصار ~~لفائدتين مهمتين. # أولاهما: أن استخصار هذا القدر من الآثار والروايات لابد منه لكل مفسر ~~مثل شرح غريب القرآن، لابد للمفسر من حفظ القدر الذي ذكرناه منه فيما تقدم. # الثانية: أن يعلم أنه لا دخل لأكثر ما يروى من أسباب النزول في فهم معاني ~~الآيات الكريمة اللهم إلا شيء قليل من القصص والروايات التي وردت في هذه ~~التفاسير الثلاثة التي هي أصح التفاسير لدى المحدثين. # PageV01P104 ### | إفراط محمد بن إسحاق الكلبي: # وأما إفراط محمد بن إسحاق الكلبي في هذا الباب حيث أورد تحت كل آية قصة ~~تروى، أو حكاية تذكر فإنها لا تصح لدى المحدثين وفي أسانيدها نظر. # الإحاطة بجميع روايات أسباب النزول ليست من شروط المفسر: # وإن اعتبار معرفتها شرطا من شروط التفسير خطأ بين، والاعتقاد بأن تدبر ~~كتاب الله - تعالى - يتوقف على الإحاطة بها واستحضارها تفويت لحظ النفس من ~~كتاب الله وحرمان من إدراك روحه وجوهره. # وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وهو رب العرش العظيم. # * * * # PageV01P105 ### | الفصل الرابع # في بقية مباحث هذا الباب # وهو يشتمل على حذف بعض الأجزاء أو أدوات الكلام الذي يسبب الخفاء ~~والإشكال، وكذلك إبدال شيء وتقديم ما حقه التأخير، وتأخير ما حقه التقديم، ~~واستعمال المتشابهات والتعريضات والكنايات، وتصوير المعنى المراد بالصورة ~~المحسوسة التي تكون من لوازم ذلك المعنى عادة، وهو ما يسمى بالاستعارة ~~المكنية والمجاز العقلي، فلنعرف هنا ببعض أمثلة هذه الأشياء باختصار حتى ~~تحصل للقارئ بصيرة في هذا الموضوع. ### | الحذف # أما الحذف فإنه ينقسم إلى عدة أقسام: ### | 1 - # حذف المضاف 2 - حذف الموصوف 3 - حذف المتعلق 4 - حذف غير ذلك. # مثال حذف المضاف: # قوله - تعالى -: {ولكن البر من ms34 آمن} الآية أي بر من آمن. # PageV01P107 # مثال حذف الموصوف: # قوله - تعالى -: {وآتينا ثمود الناقة مبصرة} الآية أي: آية مبصرة، لا ~~أنها مبصرة غير عمياء. # مثال آخر لحذف المضاف: # قوله - تعالى -: {وأشربوا في قلوبهم العجل} الآية أي: حب العجل. # مثال ثالث لحذف المضاف: # قوله - تعالى -: {أقتلت نفسا زكية بغير نفس} الآية أي: بغير قتل نفس {أو ~~فساد} أي بغير فساد. # مثال حذف الموصول: # قوله - تعالى -: {من في السماوات والأرض} أي ومن في الأرض، لأن شيئا ~~واحدا هو في السموات والأرض. # أمثلة أخرى لحذف المضاف: # قوله - تعالى -: {ضعف الحياة وضعف الممات} الآية أي ضعف عذاب الحياة وضعف ~~عذاب الممات. # - {واسأل القرية} أي: أهل القرية. # PageV01P108 # - "بدلوا نعمة الله كفرا" أي: فعلوا مكان شكر نعمة الله كفرا. # أمثلة لحذف الموصوف: # قوله - تعالى -: {يهدي للتي هي أقوم} أي: للخصلة التي هي أقوم. # - {بالتي هي أحسن} أي: بالخصلة التي هي أحسن. # - {سبقت لهم منا الحسنى} أي: الكلمة الحسنى والعدة الحسنى. # أمثلة لحذف المضاف: # قوله - تعالى -: {على ملك سليمان} أي على عهد ملك سليمان. {وعدتنا على ~~رسلك} أي على ألسنة رسلك. # أمثلة أخرى متفرقة: # قوله - تعالى -: {إنا أنزلناه في ليلة القدر} أي: أنزلنا القرآن، وإن لم ~~يسبق له ذكر. # - {حتى توارت بالحجاب} : أي توارت الشمس. # PageV01P109 # - {وما يلقاها} أي: خصلة الصبر. # - {وعبد الطاغوت} فيمن قرأ بالنصب، أي: جعل منهم من عبد الطاغوت. # - {فجعله نسبا وصهرا} أي جعل له نسبا وصهرا. # - {واختار موسى قومه} أي: من قومه. # - {ألا إن عادا كفروا ربهم} أي كفروا نعمة ربهم وكفروا بربهم بنزع ~~الخافض. # - {تفتأ تذكر} أي: لا تفتؤ تذكر، ومعناه: لا تزال. # - {ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} ، أي: يقولون ما نعبدهم. # - {إن الذين اتخذوا العجل} أي: الذين اتخذوا العجل إلها. # - {تأتوننا عن اليمين} أي: عن الشمال (أيضا) . # - {فظلتم تفكهون (65) إنا لمغرمون} أي: تقولون: إنا لمغرمون. # - {كما أخرجك ربك} أي: أمض كما أخرجك ربك. # PageV01P110 # حذف خبر إن وجزاء الشرط وغير ذلك: # وليعلم أن حذف خبر "إن" أو حذف جزاء الشرط أو ms35 مفعول الفعل أو مبتدأ ~~الجملة وأمثال ذلك إذا كان ما بعده بدل عليه، مطرد في القرآن الحكيم وتكثر ~~أمثلته. # مثال حذف المفعول: # قوله - تعالى -: {فلو شاء لهداكم أجمعين} أي: فلو شاء هدايتكم لهداكم". # مثال حذف المبتدأ: # قوله - تعالى -: {الحق من ربك} أي: هذا الحق من ربك. # أمثلة أخرى متفرقة: # قوله - تعالى -: {لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم ~~درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا} الآية أي: لا يستوي من أنفق من قبل ~~الفتح ومن أنفق من بعد الفتح، فحذف الثاني لدلالة قوله - تعالى -: {أولئك ~~أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد} . # - {وإذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم لعلكم ترحمون (45) وما ~~تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها # PageV01P111 # معرضين} أي: إذا قيل لهم اتقوا ما بين أيديكم وما خلفكم أعرضوا. ### | التحقيق الدقيق في كلمة "إذ": # وليعلم أيضا أن الأصل في مثل قوله - تعالى -: {وإذ قال ربك للملائكة} ~~{وإذ قال موسى} أن كلمة "إذ" ظرف فعلي، ولكنها نقلت إلى معنى التخويف ~~والتهويل وأمثال ذلك، فكأن شخصا يستحضر المواضع الهائلة أو الوقائع الهائلة ~~العظيمة من دون تركيب للجمل، ومن غير وقوع للكلمات في حيز الإعراب، فإن ~~الغرض المطلوب هو استحضارها وذكرها حتى ترتسم صورتها البارزة في ذهن ~~المخاطب، ويستولى الخوف منها واستهوالها على قلبه وضميره. # فالتحقيق هو أنه في أمثال هذه المواضع لا حاجة إلى التفتيش والبحث عن ~~العوامل في هذه الكلمة، والله أعلم. # حذف الجار: # وليعلم أيضا أن حذف الجار من "أن" المصدرية مطرد في كلام العرب، ويكون ~~المراد حينئذ "لأن" أو "بأن". # حذف جواب الشرط: # وليعلم أيضا أن الأصل في مثل قوله - تعالى -: {ولو ترى إذ الظالمون في ~~غمرات الموت} {ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب} . # PageV01P112 # إن جواب الشرط محذوف، إلا أنهم نقلو هذا التركيب للعبارة إلى معنى التعجب ~~فلا حاجة إذن في مثل ذلك إلى البحث والتفتيش عن المحذوف. ### | - الإبدال - # أما الإبدال فإنه تصرف كثير الشعب والفنون: ### | 1 - # فتارة ms36 يذكرون فعلا مكان فعل لمقاصد شتى ليس استيعابها واستقصاء البيان ~~فيها من وظيفة هذا الكتاب. # مثال لإبدال الفعل: # قوله - تعالى -: {أهذا الذي يذكر آلهتكم} أي: يسب آلهتكم فكان أصل الكلام ~~"أهذا الذي يسب" إلا أنهم كرهوا ذكر السب، فأبدلوه بالذكر. # ومن هذا القبيل ما يستعمل في محاورات الناس عند مخاطبتهم لسادتهم أو ~~مكرميهم: # "أصيب أعداء فلان بمرض" "وقدم عبيد حضرتكم إلى المكان الفلاني" أو "اطلع ~~عبيد الجناب العالي على هذه المقدمة" (وهذه كلها تعبيرات فارسية، يتقدمون ~~بمثل هذه العبارات إلى سادتهم وكبرائهم) ويريدون أن قد مرض حضرة فلان وقدم ~~حضرة أو سعادة فلان، واطلع معالي فلان، أو سمو فلان. # PageV01P113 # أمثلة أخرى لإبدال الفعل: # قوله - تعالى -: {منا يصحبون} أي: منا لا ينصرون ولما أن النصر والتأييد ~~لا يتصور بدون الاجتماع والصحبة، أبدل "ينصرون" "بيصحبون". # - {ثقلت في السماوات والأرض} أي خفيت لأن الشيء إذا خفى علمه ثقل على أهل ~~السموات والأرض. # - {فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا} . أي: عفون لكم عن شيء من طيبة من ~~نفوسهن. # إبدال اسم باسم: ### | 2 - # وتارة يبدلون اسما باسم، وفيما يلي أمثلته: # قوله - تعالى -: # - {فظلت أعناقهم لها خاضعين} أي خاضعة. # - {وكانت من القانتين} أي: من القانتات. # - {وما لهم من ناصرين} أي: من ناصر. # - {فما منكم من أحد عنه حاجزين} أي: من حاجز. # - {والعصر (1) إن الإنسان لفي خسر} أي: أفراد بني آدم. أفراد اللفظ لأنه ~~اسم جنس. # PageV01P114 # - {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا} المعنى: يا بني آدم، أفراد ~~اللفظ لأنه اسم جنس. # - {وحملها الإنسان} يعني: أفراد الناس. # - {كذبت قوم نوح المرسلين} أي نوحا وحده. # - {إنا فتحنا لك} (أي: إني فتحت لك) . # - {إنا لقادرون} أي: إني لقادر. # - {ولكن الله يسلط رسله} أي: يسلط محمدا - صلى الله عليه وسلم -. # - {الذين قال لهم الناس} أي عروة الثقفى وحده. # - {فأذاقها الله لباس الجوع} أي: طعم الجوع. # أبدل الطعم باللباس إيذانا بأن الجوع له أثر من القحول والذبول ما يعم ~~البدن ويشمله كاللباس. # - {صبغة الله} أي: دين الله. # أبدل بالصبغة ms37 إيذانا بأنه كالصبغ تتلون به النفس أو مشاكلة بقول النصارى ~~في المعمودية. # - {وطور سينين} أي: طور سيناء. # - {سلام على إل ياسين} أي على إلياس. # PageV01P115 # قلب الاسمان للإزدواج. # إبدال حرف بحرف: ### | 3 - # وتارة يبدلون حرفا مكان حرف، ومن أمثلته: # قوله - تعالى -: # - {فلما تجلى ربه للجبل} ، كما تجلى في المرة الأولى على الشجرة. # - {هم لها سابقون} أي: إليها سابقون. # - {لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم} أي: لكن من ظلم، فهو استيناف. # - {لأصلبنكم في جذوع النخل} أي: على جذوع النخل. # - {أم لهم سلم يستمعون فيه} أي: يستمعون عليه. # - {السماء منفطر به} أي منفطر فيه. # - {مستكبرين به} أي: عنه. # - {أخذته العزة بالإثم} أي: حملته العزة على الإثم. # - {فاسأل به خبيرا} أي فاسأل عنه. # PageV01P116 # - {لا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم} أي: مع أموالكم. # - {إلى المرافق} أي: مع المرافق. # - {يشرب بها عباد الله} أي: يشرب منها. # - {وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء} أي: أن ~~قالوا. # إبدال جملة بجملة: ### | 4 - # وأحيانا يورد من جملة مكان جملة، فتدل - مثلا - جملة على حاصل مضمون ~~الجملة الثانية وسبب وجودها فيبدلونها بتلك الجملة، ومن أمثلة ذلك قوله - ~~تعالى -: # - {وإن تخالطوهم فإخوانكم} أي: إن تخالطوهم فلا بأس بذلك لأنهم إخوانكم، ~~وشأن الأخ أن يخالط أخاه. # - {لمثوبة من عند الله خير} أي: لوجدوا ثوابا، ومثوبة من عند الله خير. # - {إن يسرق فقد سرق أخ له من قبل} أي: إن سرق فلا عجب لأنه سرق أخ له من ~~قبل. # - {من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله} أي: من كان عدوا ~~لجبريل فإن الله عدو له فإنه نزله على قلبك فعدوه يستحق أن يعاديه الله - ~~تعالى - فحذف # PageV01P117 # "فإن الله عدو له" بدليل الآية التالية، وأبدل منه {فإنه نزله على قلبك} ~~. # إبدال التنكير بالتعريف: ### | 5 - # وأحيانا يقتضي الكلام التنكير - في ظاهر الأمر - ولكن قد يتصرفون فيه ~~بالتعريف والإضافة، ويبقى المعنى على التنكير كما كان، ومن أمثلته: قوله - ~~تعالى -: # - {وقيله يا رب} أي: قيل له يا ms38 رب، فأبدل بقيله لأنه أحصر في اللفظ. # - {حق اليقين} أي حق يقين، أضيف ليكون أيسر في اللفظ. # إبدال التأنيث والتذكير والإفراد باضدادها. ### | 6 - # وأحيانا يكون الكلام على سننه الطبيعي المعروف يقتضي تذكير الضمير أو ~~تأنيثه أو إفراده، فيصرف عن السنن الطبيعي ويبدل المذكر بالمؤنث، والمؤنث ~~بالمذكر، ويجعل المفرد جمعا للنزوع إلى المعاني ورعاية الاعتبارات اللطيفة، ~~ومن أمثلته: قوله - تعالى -: # - {فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر} . # PageV01P118 # - {مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم} . # وأحيانا يوردون المفرد مكان التثنية، ومن أمثلته: قوله - تعالى -: # - {إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله} . # - {إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم} . والأصل ~~فعميتا، فأفرده لأنهما كشيء واحد، ومثله "الله ورسوله أعلم". # إبدال الشرط والجزاء وجواب القسم بغير ذلك: ### | 7 - # وأحيانا تقتضي طبيعة الكلام أن يذكر الجزاء في صورة الجزاء والشرط في ~~صورة الشرط، وجواب القسم في صورة جواب القسم ولكن يتصرف في الكلام فيذكر ~~هذا الجزء - سواء كان جزاء أو شرطا أو جوابا للقسم - في صورة جملة مستقلة ~~مستأنفة ويكون الميل عند ذلك إلى المعنى وتقوم هناك قرينة تدل على ذلك بوجه ~~من الوجوه. # - من أمثلة ذلك قوله - تعالى -: {والنازعات غرقا} {فالمدبرات أمرا (5) ~~يوم ترجف الراجفة} . فالمعنى: أن البعث والحشر حق، يدل عليه قوله - تعالى ~~-: {يوم ترجف الراجفة} . # PageV01P119 # - {والسماء ذات البروج (1) واليوم الموعود (2) وشاهد ومشهود (3) قتل ~~أصحاب الأخدود} المعنى: أن المجازاة على الأعمال حق. # - {إذا السماء انشقت (1) وأذنت لربها وحقت (2) وإذا الأرض مدت (3) وألقت ~~ما فيها وتخلت (4) وأذنت لربها وحقت (5) يا أيها الإنسان إنك كادح} الآية. ~~المعنى: أن الحساب والجزاء كائن. # إبدال الخطاب بالغيبة: ### | 8 - # وأحيانا يقلبون أسلوب الكلام فيكون الأسلوب - مثلا - يقتضي الخطاب، ~~فيأتون بالغائب لمعان مرعية، ومن أمثلته، قوله - تعالى -: {حتى إذا كنتم في ~~الفلك وجرين بهم بريح طيبة} # إبدال الإخبار بالإنشاء: # ويأتون أحيانا بالجملة الإنشائية مكان الخبرية. # ومن أمثلته، قوله - تعالى -: # - {فامشوا في مناكبها} أي لتمشوا. # - {إن كنتم مؤمنين} أي: ms39 إيمانكم يقتضي هذا. # PageV01P120 # - {من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل} . المعنى: على قياس حال ابن آدم ~~كتبنا أو على مثال حال ابن آدم، فأبدل عنه {من أجل ذلك} لأن القياس لا يكون ~~إلا بملاحظة العلة، فكأن القياس نوع من التعليل. # - {أرأيت} هو في الأصل استفهام من الرؤية، ولكن نقل هنا إلى معنى التنبيه ~~أو شد الانتباه إلى الكلام التالي مثل ما يقال: ترى شيئا؟ تسمع شيئا!. ### | التقديم والتأخير: # من الأشياء التي تسبب الصعوبة في فهو الكلام التقديم والتأخير كما هو في ~~هذا البيت المشهور: # بثينة شأنها سلبت فؤادي. . . بلا جرم أتيت به سلاما # والتعليم بالبعيد: # وهو أيضا مما يسبب الصعوبة في الكلام ومن الأمثلة التي تتعلق بهذا ~~القبيل. # - {إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين (59) إلا امرأته} . أدخل الاستثناء على ~~الاستثناء فصعب. # PageV01P121 # - {فما يكذبك بعد بالدين} . متصل بقوله - تعالى -: {لقد خلقنا الإنسان في ~~أحسن تقويم} . # - {يدعو لمن ضره أقرب من نفعه} أي: يدعو من ضره. # - {لتنوء بالعصبة أولي القوة} أي: لتنوء العصبة بها. # - {وامسحوا برءوسكم وأرجلكم} أي: اغسلوا أرجلكم. # - {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى} أي: ولولا كلمة سبقت ~~وأجل مسمى لكان لزاما. # - {إلا تفعلوه تكن فتنة} متصل بقوله - تعالى - {فعليكم النصر} . # - {إلا قول إبراهيم} متصل بقوله: {كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم} الآية. # - {يسألونك كأنك حفي عنها} أي: يسئلونك عنها كأنك حفي. # الزيادة في الكلام: # والزيادة على السنن الطبيعي المعروف في الكلام أيضا تنقسم إلى عدة أقسام. # PageV01P122 # الزيادة بصفة: # فتارة تكون بصفة من الصفات، مثل قوله - تعالى -: # - {ولا طائر يطير بجناحيه} . # - {إن الإنسان خلق هلوعا (19) إذا مسه الشر جزوعا (20) وإذا مسه الخير ~~منوعا} # الزياد بإبدال: # وتارة تكون الزيادة بالإبدال في الكلام، كقوله - تعالى -: # - {للذين استضعفوا لمن آمن منهم} # الزيادة بالعطف التفسيري: # وتارة بالعطف التفسيري كقوله - تعالى -: # - {حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة} . ### | الزيادة بالتكرار: # وتارة بالتكرار كقوله - تعالى -: # - {وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إن يتبعون إلا الظن} # PageV01P123 # - {ولما جاءهم كتاب من عند الله ms40 مصدق لما معهم وكانوا من قبل يستفتحون ~~على الذين كفروا فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به} . # - {وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم فليتقوا الله} # - {يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج} # أي هي مواقيت للناس باعتبار أن الله - تعالى - شرع لهم التوقيت بها، ~~والحج باعتبار أن التوقيت بها حاصل للحج، ولو قيل: هي مواقيت للناس في حجهم ~~كان أخصر ولكن أطنب (لمراعاة المعاني المقصودة) . # - {لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع} أي: تنذر أم القرى يوم ~~الجمع. # - {وترى الجبال تحسبها جامدة} . أي: ترى الجبال جامدة، أدخل الحسبان لأن ~~الرؤية تجيئ لمعان, والمراد بها معنى الحسبان. # - {كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم ~~الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين ~~أوتوه من بعد ما جاءتهم # PageV01P124 # البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه ~~والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم} . # أدخل {وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه} في تضاعيف الكلام المنتظم بعضه ~~ببعض بيانا لضمير {اختلفوا} وإيذانا بأن المراد من الاختلاف ههنا هو ~~الاختلاف الواقع في أمة الدعوة بعد نزول الكتاب بأن آمن بعض وكفر بعض. ### | زيادة حرف الجر: # وأحيانا يزاد حرف الجر على رأس الفاعل أو المفعول. ويجعل ذلك معمولا ~~للفعل بواسطة حرف الجر لتأكيد الاتصال، ومن أمثلة ذلك قوله - تعالى -: # - {يوم يحمى عليها} أي هي (الذهب والفضة التي يكنزونها) . # - {وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم} أي: قفيناهم بعيسى ابن مريم. # واو الاتصال: # وينبغي أن يعلم هنا نكتة لطيفة، وهي أن الواو في المواضع الكثيرة تأتي ~~لتأكيد الاتصال لا للعطف، مثل قوله - تعالى -: # PageV01P125 # - {إذا وقعت الواقعة} - إلى قوله - تعالى - {وكنتم أزواجا ثلاثة} . # - {حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها} . # - {وليمحص الله الذين آمنوا} . ### | فاء الاتصال: # كذلك الفاء أيضا زائدة (لتأكيد الاتصال) : قال القسطلاني في شرح كتاب ~~الحج في باب "المعتمر إذا طاف طواف العمرة ثم خرج هل يجزيه من طواف ~~الوداع": ms41 # "ويجوز توسط العاطف بين الصفة والموصوف لتأكيد لصوقها بالموصوف نحو: {إذ ~~يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض} قال سيبويه: "هو مثل مررت بزيد ~~وصاحبك" إذا أردت بصاحبك زيدا، وقال الزمخشري في قوله - تعالى -: # {وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم} جملة واقعة صفة لقرية، والقياس ~~أن لا تتوسط الواو بينهما كما في قوله - تعالى -: # {وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون} إنما توسطت لتأكيد لصوق الصفة ~~بالموصوف، كما يقال في الحال: "جاءني زيد عليه ثوب، وجاءني وعليه ثوب". # PageV01P126 # انتشار الضمائر وإرادة المعنيين بكلمة واحدة: # وأحيانا يكون انتشار الضمائر وإرادة معنيين أو أكثر بكلمة واحدة سببا من ~~أسباب الصعوبة في فهو الكلام، وفيما يلي أمثلته: # - {وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون} يعني أن الشياطين ~~ليصدون الناس عن السبيل ويحسب الناس أنهم مهتدون. # - {وقال قرينه} في موضع واحد المراد به الشيطان، وفي الموضع الآخر الملك. # - {يسألونك ماذا ينفقون قل العفو} . # فالأول معناه: أي إنفاق ينفقون، وهو صادق بالسؤال عن المصرف لأن الإنفاق ~~يصير باعتبار المصارف أنواعا، والثاني: معناه: أي مال ينفقون. # معاني "جعل وشيء": # ومن هذا القبيل مجيئ لفظ "جعل" و"شيء" وأمثالهما من الألفاظ لمعان شتى. # فتارة تأتي "جعل" بمعنى خلق كقوله - تعالى -: # {جعل الظلمات والنور} # PageV01P127 # وتارة بمعنى اعتقد كما في قوله - تعالى -: # {وجعلوا لله مما ذرأ} . # وأما كلمة "شيء" فتأتي أحيانا مكان الفاعل، وأحيانا مكان المفعول به، ~~وتارة مكان المفعول المطلق وغير ذلك، وأمثلته كما يلي: # - {أم خلقوا من غير شيء} أي: من غير خالق. # - {فلا تسألني عن شيء} أي: عن شيء مما يتوقف فيه من أمري. # الأمر والنبأ والخطب: # ويراد بالأمر والنبأ والخطب أحيانا المخبر عنه، مثل قوله - تعالى -: {هو ~~نبأ عظيم} أي قصة عجيبة. ### | معاني الخير والشر: # كذلك كلمتا الخير والشر وما يأتي في معناهما يختلف المراد منهما حسب ~~اختلاف المجال والمواضع. # التقديم والتأخير في الآيات: # ومن هذا القبيل التقديم والتأخير في الآيات الكريمة فيكون محل آية - مثلا ~~- في آخر القصة المذكورة فيبادر. # PageV01P128 # إليها أحيانا، وتورد قبل ms42 إكمال حلقات القصة، ثم تكون العودة إلى القصة ~~وتكمل فصولها وحلقاتها. # وأحيانا تكون الآية الكريمة متقدمة في النزول، ولكنها متأخرة في التلاوة ~~مثل قوله - تعالى -: {قد نرى تقلب وجهك في السماء} متقدم نزولا، وقوله - ~~تعالى -: {سيقول السفهاء من الناس} إلخ متأخر ونزولا، ولكنها في التلاوة ~~بالعكس. # وتارة يورد الجواب في تضاعيف حكاية أقوال الكفار واعتراضاتهم كقوله - ~~تعالى -: {ولا تؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد ~~مثل ما أوتيتم} . # وبالجملة فإن هذه المباحث تحتاج إلى تفصيل كثيرة، وفيما قلناه كفاية، ~~وإذا كان القراء الكرام يستحضرون هذه الأمور ويحفظونها فإنهم لدى تلاوتهم ~~للقرآن الكريم يدركون - بأدنى تأمل ونظر - غرض الكلام ومغزاه، ويقيسون غير ~~المذكور على المذكور، وينتقلون من مثال إلى أمثلة أخرى كثيرة والله هو ~~الموفق. # PageV01P129 ### | الفصل الخامس # في المحكم والمتشابه والكناية والتعريض والمجاز العقلي ### | تعريف المحكم: # ليعلم أن المحكم هو ما لا يدرك منه أهل اللغة إلا معنى واحدا. # إدراك العرب الأولين لا إدراك اللغويين المتفلسفين: # والمعتبر هو إدراك العرب الأولين لا إدراك المتفلسفين في عصرنا الذين ~~يشقون الشعرة، فإن شق الشعرة في غير محلها داء عضار يجعل "المحكم" ~~"متشابها" والمعلوم مجهولا. # تعريف المتشابه ووجوهه. # والمتشابه هو ما احتمل معنيين إما لسبب: # - احتمال رجوع الضمير إلى مرجعين، مثل أن يقول شخص: "أما إن الأمير أمرني ~~أن ألعن فلانا، لعنه الله" (فيحتمل أن يرجع الضمير إلى الأمير أو إلى فلان) ~~. # - أو لاشتراك الكلمة في معنيين مثل كلمة "لامستم" تأتي بمعنى الجماع ~~واللمس باليد أيضا. # PageV01P131 # - أو لاجتماع العطف على القريب والبعيد، مثل قوله - تعالى -: {وامسحوا ~~برءوسكم وأرجلكم} في قراءة الكسر. # - أو لاحتمال العطف والاستيناف، كما في قوله - تعالى -: {وما يعلم تأويله ~~إلا الله والراسخون في العلم يقولون} الآية. ### | تعريف الكناية وأمثلتها: # والكناية هي أن يثبت المتكلم أمرا ولا يقصد ثبوت ذلك الأمر بعينه، بل ~~القصد أن ينتقل ذهن المخاطب إلى لازم معناه سواء كان لزوما عاديا أو عقليا، ~~مثل قولهم: "عظيم الرماد" يراد به معنى الجواد والسخاء. ms43 # تصوير المعنى المراد بالصورة المحسوسة: # وتصوير المعنى المراد بالصورة المحسوسة أيضا من هذا القبيل، وهو باب واسع ~~في شعر العرب وخطبهم، ويزخر بأمثلته القرآن العظيم والسنة النبوية المطهرة، ~~ومن أمثلته قوله - تعالى -: # - {وأجلب عليهم بخيلك ورجلك} # فجاء التشبيه للشيطان هنا بمقدم قطاع الطرق ورئيسهم # PageV01P132 # حيث يأمر أصحابه ويناديهم، أن احملوا على الجهة الفلانية، وتقدموا من ~~الجهة الفلانية. # - {وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا} # - {جعلنا في أعناقهم أغلالا} # فقد شبه هنا إعراضهم عن تدبر آيات الله - عز وجل - بشخص طوق الأغلال، أو ~~أقيمت في كل جهة من جهاته السدود فلم يعد قادرا أصلا على الرؤية والنظر. # - واضمم إليك جناحك من الرهب. # أي اجمع خاطرك، ودع اضطراب الخواطر وقلق البال. ### | البيان بالإشارة الحسية: # ونظير ذلك ما يعرف في مخاطبات الناس أن أحدهم إذا أراد تصوير شجاعة شخص ~~من الأشخاص فإنه يشير إلى السيف وأنه يضرب بها هكذا وهكذا، يخطر بيده، وليس ~~الغرض من هذا التصوير إلا ذكر أنه يفوق جميع الناس في صفة الشجاعة ولو لم ~~يكن قد أخذ السيف بيده مرة في حياته. # أو يقول: فلان يتحدى العالم ويقول أنا لا أرى على الأرض أحدا يستطيع أن ~~يبارزني، أو أن فلانا يفعل كذا وكذا ويشير إلى الهيئة التي تكون للمبارزين ~~عند المغالبة والتمكن من # PageV01P133 # العدو، ولو لم يكن هذا الشخص الموصوف قد قال شيئا من ذلك أو أتى بعمل من ~~هذه الأعمال. # أو يقولون: فلان ألجمني أو أخرس لساني أو نزع اللقمة من فمي وأمثال هذه ~~التعبيرات التي كلها من قبيل تصوير المعنى المراد بالصورة المحسوسة. ### | تعريف التعريض: # وأما التعريض فإنه ذكر حكم عام أو منكر مع القصد إلى الإشارة والتعريض ~~بحال شخص خاص أو التنبيه إلى شخص معين، وترد بعض خصوصيات ذلك الشخص في ~~الكلام، بحيث تعرف المخاطب به وتكشفه له، وينبغي في مثل هذه المواضع أن ~~يكون قارئ القرآن الكريم متيقظا فطنا، ويحتاج إلى القصة أيضا. # طريق النبي - صلى الله عليه وسلم - في التعريض: # وقد كان النبي ms44 - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد التعريض بشخص والإنكار ~~عليه كان يقول: # "ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا". # مثال للتعريض من القرآن الكريم: # قال - تعالى -: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا} # PageV01P134 # في هذه الآية الكريمة تعريض بزينب وأخيها. # {ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة} الآية. # فيه تعريض بأبي بكر الصديق - رضي الله عنه -. # وفي مثل هذه الصور لا يدرك معنى الآية تماما إلا بالإطلاع على القصة ~~المتعلقة وسبب النزول للآية. ### | تعريف المجاز العقلي: # والمجاز العقلي هو أن يسند فعل إلى غير فاعله، أو ما ليس من المفعول به ~~مفعولا به لعلاقة مشابهة ما من المشابهات بينهما أو لأي علاقة من العلاقات ~~ويدعي المتكلم أنه داخل في عداد ذلك وأنه فرد من أفراد ذلك الجنس. # مثال المجاز العقلي: # وهو مثل ما يقولون: بنى الأمر القصر، مع أن الباني هم البناؤون لا ~~الأمير، أو يقولون: "أنبت الربيع البقل" مع أن المنبت هو الله، وأنبته في ~~فصل الربيع، والله أعلم. # PageV01P135 ### | الباب الثالث # في أسلوب القرآن البديع # PageV01P137 ### | الفصل الأول # في ترتيب القرآن الكريم وأسلوب السور فيه # ليس القرآن مرتبا على الأبواب والفصول: # لم ينزل القرآن الكريم على منهج المتون المبوبة والمفصلة حتى يكون كل ~~موضوع فيه يختص بباب من الأبواب أو فصل من الفصول. # أسلوب سور القرآن الكريم كأسلوب فرامين الملوك ورسائلهم: # بل افترض القرآن الكريم كمجموعة الرسائل والفرامين التي يوجهها الملوك ~~والسلاطين إلى رعاياهم حسب مقتضيات الأحوال ومتطلبات الظروف، ويوجهون واحدة ~~ثم آخرى فثالثة فرابعة، وهلم جرا، حتى تجتمع نماذج كثيرة من هذه الفرامين، ~~فيقوم شخص بتدوينها وترتيب مجموعة لها. # القرآن في عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم -: # وهكذا المالك على الإطلاق - جل ثناؤه - أنزل على نبيه المصطفى - صلى الله ~~عليه وسلم - لهداية عباده وإرشادهم حسب مقتضيات # PageV01P139 # الأحوال والظروف سورة بعد سورة، وقد كانت كل سورة من هذه السور في عهد ~~النبي - صلى الله عليه وسلم - محفوظة مضبوطة مكتوبة ولكن هذه السورة لم تكن ~~مدونة مجموعة. ### | القرآن في عهد ms45 أبي بكر وعمر رضي الله عنهما: # ثم دونت وجمعت هذه السور كلها في مجلد واحد بترتيب خاص في عهد أبي بكر ~~وعمر - رضي الله عنهما - وسمي هذا المجموع بالمصحف. # تقسيم السور: # وقد كانت هذه السور مقسومة عند الصحابة - رضي الله عنهم - إلى أربعة ~~أقسام: ### | 1 - # الأول السبع الطوال. ### | 2 - # الثاني المئين، وهي السور التي تشتمل كل واحدة منها على مائة آية أو أكثر ~~بقليل. ### | 3 - # الثالث: المثاني: وهي ما تقل آياتها عن المائة. ### | 4 - # الرابع: المفصل. # وقد أدخلت سورتان أو ثلاثة هي من عداد المثاني في المئين نظرا إلى ~~المناسبة في سياقها بسياق المئين، وهكذا جرى بعض التصرف في بعض الأقسام ~~الأخرى. # PageV01P140 # القرآن في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه: # وقد انتسخ عثمان بن عفان - رضي الله عنه - عدة نسخ من ذلك المصحف المدون ~~وأرسلها إلى الآفاق حتى يستفاد من هذه المصاحف بعينها ويرجع إليها ولا يرجع ~~إلى أي ترتيب غير ترتيبها. # استهلال السور واختتامها على طريقة فرامين الملوك: # ولما أن أسلوب السور يناسب - تماما - أسلوب فرامين الملوك والسلاطين، فقد ~~روعي فيه بداية السور ونهايتها طريقة الرسائل والفرامين السلطانية. ### | تنوع استهلال السور ومحتوياتها: # فكما أن بعض الرسائل تبدأ بحمد الله - تعالى - والثناء عليه، وبعضها ~~ببيان الغرض المقصود، وبعضها ببيان اسم المرسل، والمرسل إليه، وبعضها تكون ~~رسائل وخطابات صغيرة تغير عنوان وتمهيد، وبعض الرسائل تكون مطولة وأخرى ~~مختصرة كذلك الرب - تبارك وتعالى - استهل بعض السور بحمده وتسبيحه وبعضها ~~ببيان الغرض من التنزيل، كما قال - تعالى -: # - {ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين} # - {سورة أنزلناها وفرضناها} الآية. # PageV01P141 # وهذا القسم من السور يشبه استهلالها اسهلال الوثائق والمعاهدات حيث ~~يقولون: # "هذا ما صالح عليه فلان وفلان" "هذا ما أوصى به فلان". # وقد كتب النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية "هذا ما قاضى عليه ~~محمد" - صلى الله عليه وسلم -. # واستهل بعضها بذكر المرسل والمرسل إليه، كما قال - تعالى -: # - {تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم} . # - {كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم ms46 خبير} وهذا القسم يشبه الفرامين ~~التي يكتب فيها "هذا ما صدر من الباب العالي" أو "إعلام صادر من حضرة ~~الخلافة إلى سكان البلد الفلاني". # وكتب النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم ~~الروم". # وابتدأ بعض السور على طريقة الرسائل والخطابات المختصرة من دون عنوان ~~وتمهيد، كقوله - تعالى -: # - {إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله} . # PageV01P142 # - {قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها} . # - {يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك} . # اختيار طريق القصائد في مبتدأ بعض السور: # ولما أن أبرز فصاحة العرب وقدرتهم البيانية كانت تتجلى في القصائد، وكان ~~بدؤ القصائد بالتشبيب بذكر المواضع العجيبة والوقائع الهائلة هو من عاداتهم ~~القديمة وأسلوبهم المعروف فقد اختار القرآن الكريم هذا الأسلوب في بعض ~~السور كما في قوله - تعالى -: # - {والصافات صفا (1) فالزاجرات زجرا (2) فالتاليات ذكرا} . # - {والذاريات ذروا (1) فالحاملات وقرا} . # - {إذا الشمس كورت (1) وإذا النجوم انكدرت} . ### | أسلوب خواتم السور: # وكما أن السلاطين يختمون رسائلهم وفرامينهم بجوامع الكلم ونوادر الوصايا ~~على التمسك بالأوامر المذكورة، والتهديد لكل من يخالفها يخرج عنها، كذلك ~~الله - تبارك وتعالى - ختم أواخر السور بجوامع الكلم ومنابع الحكم، ~~والتأكيد البليغ والتهديد العظيم. # PageV01P143 # تخلل الحمد والتسبيح في أثناء مواضيع السور: # وتارة يبدأ في أثناء السورة بكلام بليغ عظيم الفائدة. بديع الأسلوب بنوع ~~من أنواع الحمد لله - تعالى - والتسبيح له، أو بيان النعم والمنن على عباده ~~مثل ما بدأ بيان تباين المراتب والدرجات بين الخالق - جل وعلا - والمخلوق ~~العاجز الفقير بقوله: # {قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير أما يشركون} . ثم ~~بين هذا الموضوع في الآيات الخمس التالية بأبلغ الطرق وأبدع الأساليب ~~البيانية. # كذلك بدأ المحاجة مع بني إسرائيل في أثناء سورة البقرة بقوله - تعالى - ~~{يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم} ثم ختم هذه المحاجة بهذا ~~الكلام نفسه عند آخر الجزء: {يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي} إلخ الآية. # وإن ابتداء هذه المحاجة بهذا الكلام وانتهاءها به أيضا يحتل مكانا عظيما ~~في البلاغة. ms47 # وهكذا بدأ الجدل مع أهل الكتاب في سورة آل عمران بقوله - تعالى -: {إن ~~الدين عند الله الإسلام} حتى يتضح محل النزاع ويتعين المبحث الأساسي في ~~الجدل ليكون الحوار بعد ذلك فيه ويدور الكلام حوله وينتهي عليه والله أعلم ~~بحقيقة الحال. # PageV01P144 ### | الفصل الثاني # في تقسيم السور إلى الآيات وأسلوبها الفريد ### | بين الآيات والأبيات: # لقد جرت سنة الله - تعالى - في السور القرآنية بتقسيمها إلى الآيات كما ~~أن القصائد تقسم إلى الأبيات، ومعلوم أن هناك فرقا بين الآيات والأبيات، ثم ~~إن الآيات والأبيات كل واحدة منهما من قبيل النشيد، الذي يقال وينشد ~~لالتذاذ نفس المتكلم والسامع ومتعتهما الفنية، إلا أن الأبيات الشعرية تكون ~~مقيدة بالعروض والقوافي التي دونها الخليل بن أحمد، وتلقاها منه الشعراء ~~وجروا عليها. # بناء الآيات على الوزن والقافية الطبيعية: # أما الآيات فإن بناءها على الوزن والقافية الإجمالية التي تشبه الحقيقة ~~الطبيعية لا على أفاعيل العروضيين وتفاعيلهم، والقوافي المحدودة التي هي ~~شيء صناعي واصطلاحي ليس غير. # القدر المشترك بين الآيات والأبيات: # أما تنقيح القدر الإجمالي المشترك الذي ينفق في الآيات # PageV01P145 # والأبيات والذي استعملنا للإلماح إليه كلمة "النشيد" كقدر مشترك مطلق، ثم ~~ضبط تلك الأمور والخصائص التي التزم بها في الآيات والتي تميزها عن غيرها، ~~فكل ذلك يحتاج إلى تفصيل، والله ولي التوفيق. # تذوق الفطرة السليمة: # وتفصيل هذا الإجمال هو أن الفطرة السليمة تدرك في القصائد الموزونة ~~المقفاة والأراجيز الجميلة الرائقة وأمثال ذلك من الكلمات الموزونة متعة ~~خاصة، وتتذوق حلاوة وعذوبة. ### | السر في توافق أجزاء الكلام: # وإذا تأملت في سبب هذا الإدراك وبحثت عن السر وراء هذا التذوق تجد أن ~~الكلام إذا كانت أجزاؤه يوافق بعضها بعضا فإنه ينشئ في نفس المخاطب لذة ~~خاصة ويدعوه إلى انتظار مثله والشوق إليه، فإذا ورد بعد ذلك البيت الثاني - ~~مثلا - مع ذلك التوافق والانسجام بين أجزائه وقع موقعه على نفس المخاطب ~~وتحقق الأمر المطلوب المنتظر فإن هذه اللذة تتضاعف، ثم إذا كان البيتان ~~كلاهما يشتملان على قافية واحدة زادت اللذة ثلاثة أضعافها. # فالتمتع والالتذاذ بالأبيات ms48 الشعرية بسبب هذا السر الدقيق فطرة قديمة فطر ~~عليها البشر، ولا اختلاف فيها بين الأمزجة والطبائع السليمة لأهل المناطق ~~المعتدلة وكلهم متفقون على ذلك. # PageV01P146 # الاختلاف في نوع التوافق وشروط القافية: # ثم اختلفت المنازع والمذاهب والأعراف والعادات في توافق الأجزاء في كل ~~بيت من الأبيات وشروط القوافي المشتركة، الواردة في أواخر الأبيات، فالعرب ~~- مثلا - عندهم ضوابط وأصول بينها الخليل الفراهيدي، والهنود يجرون على ~~تقاليد وعادات تحكم بها سليقتهم اللغوية الفطرية. وهكذا اختار أهل كل عصر ~~ومصر وضعا من الأوضاع ومسلكا من المسالك. # الأمر الجامع المشترك: # وإذا أردنا أن ننتزع من بين هذه العادات والأوضاع والمذاهب والمشارب أمرا ~~جامعا مشتركا، وسرا شاملا دقيقا فإنه هو التوافق التقديري أو التخميني ليس ~~غير. ### | عروض العرب: # فالعرب - مثلا - يستعملون "مفاعلن" و"مفتعلن" مكان "مستفعلن" ويعتبرون: ~~فعلاتن" و"فاعلتن" وفق القاعدة الصحيحة بدل "فاعلاتن" ويهتمون بموافقة ضرب ~~بيت بضرب بيت آخر وعروض بيت بعروض بيت آخر، ويسمحون في الحشو بكثرة ~~الزحافات، على العكس من شعراء فارس الذين يستهجنون الزحافات ويكرهونها. # قوافي العرب: # كذلك الشعراء العرب يستحسنون إذا كانت القافية مثلا # PageV01P147 # في بيت "قبورا" وفي البيت الآخر "كبيرا" على العكس من الشعراء العجم. # وهكذا يرى الشعراء العرب أن "حاصل" "داخل" و"نازل" من قسم واحد بخلاف ~~الشعراء العجم. # توزيع الكلمة الواحدة في شطري البيت: # كذلك وقوع كلمة واحدة بين شطري البيت بحيث يكون نصفها في الشطر الاول ~~والنصف الآخر في الشطر الثاني صحيح عند العرب خطأ عند العجم. # وبالجملة فإن الأمر الجامع المشترك هو التوافق التقريبي التقديري لا ~~التوافق الحقيقي. ### | أوزان الهنود # وقد وضع الهنود أوزان شعرهم على عدد الحروف من دون ملاحظة واعتبار ~~للحركات والسكنات، وهي كذلك تمنح لذة ومتعة فنية. # ألحان القرويين: # وقد سمعنا ألحان بعض القرويين الريفيين التي يلحنون بها للحصول على ~~المتعة والذوق، وهي - في الواقع - تشتمل على توافق تقريبي بين أجزاء ~~الكلام، أو تشتمل على رديف. # PageV01P148 # يكون عبارة عن كلمة واحدة أو عن تركيب كلمتين، أو أكثر. وهم يتغنون بها ~~كالقصائد، ويتمتعون بها. # فالحاصل - إذن ms49 - أن لكل قوم قونونا وضوابط خاصة لكلامهم المنظوم مع القدر ~~المشترك الذي ألمحنا إليه. ### | متعة الناس بالأصوات المطربة والأنغام الحلوة: # وعلى هذا تجد جميع أصناف الناس وشعوبهم يجدون متعة ولذة غريبة في الأصوات ~~والألحان، المطربة الجميلة، والنغمات الموسيقية الفاتنة، لا اختلاف بينهم ~~في ذلك، إلا أن طرق تنغيمهم وأساليب تلحينهم، وقواعد الغناء عندهم تختلف ~~فيما بينهم. # أوزان اليونانيين للألحان: # وقد وضع اليونانيون عددا من الأوزان لهذه الألحان ويسمونها "المقامات" ~~وقد استنبطوا من المقامات أصواتا، وأقساما واستخرجوا أنغاما وألحانا جعلوها ~~فنا مبسوطا مفصلا مستقلا، مع ضبط القواعد والأصول. # أوزان الهنود وألحانهم: # كذلك وضع الهنود ستة ألحان، ثم استخرجوا منها نغمات وتلحينات متعددة، وقد ~~رأينا أهل الريف منهم الذين لا يعرفون هذين المصطلحين، اخترعوا لهم تركيبا ~~خاصا ولحنا خاصا حسب سليقتهم الفطرية وذوقهم الفني، ووضعوا لأنفسهم أوزانا ~~من دون أن يضبطوا لها القواعد والكليات، ويستقضوا # PageV01P149 # لها الجزئيات، فينشدونه في نواديهم ومحافلهم ويشيعون فيها العذوبة، ~~والمتعة، ويشعلون فيها الحرارة. # العقل ينظر إلى القدر المشترك، والذوق ينظر إلى الحلاوة الخالصة: # ونحن - عندما - ننظر هذه الخلافات ونتأمل فيها لا نخرج بنتيجة إلا أن ~~القدر المشترك بينها هو التوافق التقريبي، لا غير، والعقل ينظر إلى هذه ~~الحقيقة الإجمالية، والقدر المشترك، ولا هم له في التفاصيل، والذوق السليم ~~يحب العذوبة الخالصة ولا علاقة له بالبحر الطويل أو المديد. # مراعاة القرآن الكريم لهذا الذوق الإجمالي المشترك: # وحينما شاء الله - جلت قدرته - أن يخاطب هذا الإنسان المصنوع من قبضة من ~~طين (شاءت قدرته ورحمته) أن يراعي هذا الحسن الإجمالي والجمال المشترك، لا ~~تلك القواعد المصطلحة التي يأخذها شعب، وتميل إليها جماعة دون أخرى. وحين ~~شاءت حكمة الملك القدوس - عز شأنه - أن يخاطب الناس على قدر كلامهم، كان ~~منه أن ضبط هذه الأصل البسيط والسر المشترك في كلامه. لا تلك القوانين ~~والضوابط التي تتغير حسب تغير الذوق والعصر، والتي لا تستقر على حال واحد. # مراعاة القوانين الاصطلاحية دليل على العجز والجهل والقرآن منهما بريئ: # والحقيقة - التي ينبغي أن يتفطن لها ms50 - أن مراعاة # PageV01P150 # القوانين الاصطلاحية والتقيد بها دليل على العجز والجهل، وأما مراعاة ~~الحسن الإجمالي والقدر المشترك الذي لا يفوت في أي حال من أحوال الكلام، ~~ولا أي صفة من صفاته، ويرافق الكلام في لينه وشدته، ووهادة ونجاده، من دون ~~إلمام بالقواعد الاصطلاحية، واستعمال للضوابط العرفية إنما هو الإعجاز ~~برأسه، الخارج عن حد الطوق البشري. ولا شك أن الله - جلت قدرته - اختار هذه ~~الطريقة المعجزة. (التي تكل عن إدراكه - حقه - والصعود إلى مرتقاه قوى ~~البشر أجمعين) . # مراعاة القرآن الكريم للجاذبية الصوتية دون البحور الشعرية: # ومن هنا نستنبط قاعدة مهمة، وهي أن الله - تبارك وتعالى - قد راعى في ~~أكثر سور كتابه الحميد الجاذبية الصوتية وامتدادها، وجمالها وتأثيرها، لا ~~البحر الطويل والبحر المديد أو غيرهما من البحور الشعرية. ### | فواصل الآيات القرآنية: # واعتبر في الفواصل انقطاع النفس بالمدة، أو ما تستقر المدة عليه، لا ~~قواعد فن القافية، وهذا المبحث يحتاج إلى بسط وتفصيل، واجتزىء هنا بالقدر ~~اليسير فلنتأمل فيما يأتي: # اعتبار الامتداد الصوتي هو الوزن في القرآن الكريم: # إن دخول النفس في الحلقوم وخروجه منه أمر طبيعي في الإنسان (كما هو أمر ~~طبيعي في كل حيوان) وإن تمديد النفس # PageV01P151 # وتقصيره مما هو في قدرة الإنسان، ولكنه إذا تركه على سجيته وفطرته من دون ~~تمديد وتمطيط أو تقصير، فإن له امتدادا خاصا. # والإنسان عندما يبدأ يتنفس، يجد الخفة والسرور والنشاط ثم ينقطع النفس ~~شيئا فشيئا حتى ينقطع كليا، ويضطر الإنسان إلى أخذ النفس الطازج الجديد. # إن هذا الامتداد الخاص للنفس الإنساني لا يمكن أن يحد بحد معين معلوم، بل ~~هو محدد بحد مبهم، ومقدر بمقدار مضطرب بين أفراد البشر قد يختلف بزيادة ~~كلمتين أو ثلاثة أو قدر الربع للكلمة والثلث عند شخص، وبنقصان كلمتين أو ~~ثلاث أو قدر الربع للكلمة والثلث عند آخر، ولا يخرجه ذلك عن الحد المشترك. # كما يسمح فيه باختلاف عدد الأوتار والأسباب، وتقديم بعض الأركان على بعض ~~كذلك. # وعلى كل فإن الله - سبحانه وتعالى - قد اعتبر هذا الامتداد للنفس (في حده ms51 ~~المشترك الوسط) هو الوزن في كتابه الكريم، وقسمه ثلاثة أقسام. ### | 1 - # الطويل. ### | 2 - # المتوسط. ### | 3 - # القصير. # PageV01P152 # من أمثلة الطويل: سورة النساء. # ومن أمثلة المتوسط: سورة الأعراف والأنعام. # ومن أمثلة القصير: سورة الشعراء والدخان. ### | خاتمة النفس هي القافية: # وجعلت خاتمة النفس المعتمدة على حرف من حروف المدة التي تعتمد على حرف ~~آخر، هي القافية الواسعة النطاق، تدركها الطبيعة البشرية وتتذوقها وتجد في ~~تكرارها اللذة والجمال سواء كانت هذه المدة ألفا أو واوا أو ياءا، سواء كان ~~الحرف التي تعتمد عليها باءا أو ميما أو قافا. # (يعلمون) (مؤمنين) (مستقيم) من القافية الواحدة: # وعلى هذا فإن هذه الفواصل ك (يعلمون) (مؤمنين) و (مستقيم) كلها متوافقة ~~متلائمة. # كذلك (خروج) (مريج) (تحيد) (نار) (فواق) و (عجاب) كلها على قاعدة واحدة. # مدة الألف قافية متسعة: # كذلك لحوق الألف في آخر الكلمة، قافية متسعة، ينشئ تكرارها وإعادتها لذة ~~في النفس، مهما كان حرف الروي مختلفا ومثل (كريما) في موضع و (حديثا) في ~~موضع آخر # PageV01P153 # و (بصيرا) في موضع ثالث، (كلها على الانسجام الفطري الجميل) . # التزام الروي الواحد التزام ما لا يلتزم: # وإذا التزم - في مثل هذه الصور - موافقة الروي في كل بيت فإنه من قبيل ~~التزام ما لا يلزم، مثل ما ورد في سورة مريم وسورة الفرقان. # في توافق الآيات على حرف واحد لذة ومتعة: # كذلك توافق الآيات الكريمة على حرف واحد كحرف الميم - مثلا - في سورة ~~القتال، وحرف النون، في سورة الرحمن، يحدث لذة ومتعة عجيبة. # اختلاف فواصل آخر السور من أوائلها: # وأحيانا تختلف فواصل آخر السور - نظرا إلى ذهن السامع وتنشيطا له وإشعارا ~~له بلطف الكلام وروعته - عن فواصل أولها، مثل: # - {إدا} و {هدا} في آخر سورة مريم. # - ومثل: {سلاما} و {كراما} في آخر سورة الفرقان. # - ومثل: {طين} و {ساجدين} و {تنظرون} في آخر # PageV01P154 # سورة (ص) . مع أن الفواصل في أوائل هذه السور جاءت مختلفة عنها، كما هو ~~واضح. # وخلاصة الأمر أن مراعاة هذا (الوزن) و (القافية) التي مضى التعبير عنها ~~(بالقدر المشترك، والمدة المشتركة) ms52 كانت ذات أهمية معتبرة. # مراعاة الإطناب والتقديم والتأخير والقلب والزيادة: # وإذا وردت في آخر الآية لفظة تصلح لأن تكون قافية، فيها ونعوت، وإلا ~~فيأتي الكلام متصلا بجملة تشتمل على بيان آلاء الله تعالى، أو على تنبيه ~~للمخاطب مثل: # - {وهو الحكيم الخبير} {وكان الله عليما حكيما} {كان الله بما تعملون ~~خبيرا} {لعلكم تتقون} {إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب} {إن في ذلك لآيات ~~لقوم يتفكرون} . # ويراعى الإطناب - أحيانا - في مثل هذه المواضع (حيث يحتاج إلى هذا الوزن) ~~مثل: {فاسأل به خبيرا} . # ويؤتي - أحيانا - بالتقديم والتأخير، وأخرى بالقلب والزيادة، مثل: ~~"إلياسين" {وطور سينين} . # PageV01P155 ### | السر في انسجام الآيات القصيرة مع الطويلة: # وينبغي أن يعلم أن انسجام الكلام وملاءمته وسهولته على لسان القارئ لكونه ~~يحل محل الأمثال السائرة، أو لتكرره في الآية الكريمة يوائم بين الكلام ~~الطويل والكلام القصير، ويحدث بينهما اتزانا وانسجاما، فيؤتي تارة بالفقر ~~الأولى من الكلام أقصر وأخصر من الفقر الثانية، وهو يفيد عذوبة في الكلام ~~ولذة جديدة كقوله - تعالى -: {خذوه فغلوه (30) ثم الجحيم صلوه (31) ثم في ~~سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه} . # فكأن المتكلم في مثل هذا الكلام يضمر في نفسه أن الجملة الأولى باجتماعها ~~مع الجملة الثانية في كفة، والجملة الثالثة وحدها في كفة أخرى. # الآيات ذات القوائم الثلاث: # كذلك تكون الآية أحيانا ذات قوائم ثلاث، مثل قوله - تعالى -: {يوم تبيض ~~وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم} إلخ الآية، {وأما الذين ابيضت ~~وجوههم} إلخ الآية وعامة القراء يجمعون الأولى مع الثانية، ويعدونها آية ~~طويلة. # الآية ذات الفاصلتين: # وأحيانا ترد في الآية الواحدة فاصلتان مثل ما يرد ذلك في البيت أيضا. # PageV01P156 # كالزهر في شرف والبدر في شرف. . . والبحر في كرم والدهر في همم # السر في قصر آية مع طول أخرى: # وتأتي - أحيانا - آية طويلة مع آية قصيرة، والسر في مثل هذه المواضع أنه ~~لو وضع حسن الكلام وجمال التعبير الذي نشأ من تقارب الوزن ووجدان الأمر ~~المنتظر المطلوب الذي هو القافية (حسبما عرفت بها) في كفة، ووضع حسن الكلام ~~وعذوبة ms53 العبارة الناشئة من سهولة الأداء وسلاسته وموافقة طبع الكلام، وعدم ~~لحوق أي تغير فيه في كفة أخرى، فإن الفطرة السليمة سوف تميل إلى جانب ~~المعنى وترجحة فيهمل، لذلك انتظار شيء (وهو القافية) ويؤدي حق الانتظار ~~والطلب الآخر كاملا موفورا (وهو الجانب المعنوي) . # أساليب متنوعة أخرى في السور: # وما قلنا في مفتتح هذا البحث أن سنة الله - تعالى - جرت على ذلك في أكثر ~~السور القرآنية، إنما هو لأجل أن بعض السور القرآنية لم يراع فيها هذا ~~النوع من الوزن والقافية. # فجاءت طائفة من هذه السور على طريق خطب الخطباء وأمثال البلغاء والحكماء، ~~ولعلك قد سمعت رواية سمر النساء التي روتها عائشة - رضي الله عنها - ونظرت ~~في قوافيها # PageV01P157 # وجاءت بعض السور الأخرى على طريق رسائل العرب من دون مراعاة شيء آخر، ~~كأنها محاورة الناس بعضهم ببعض اللهم إلا الخواتم للكلام التي جاءت على ~~النمط الذي ترى. # والسر في ذلك أن أصل لغة العرب يراعى فيها الوقف في الموضع الذي ينتهي ~~عليه النفس من الكلام ويتلاشى النشاط في الامتداد الصوتي، ومن هنا جاءت ~~الآيات على هذه الصورة. # هذا ما فتح الله - تعالى - علي في هذا الباب، والله أعلم بالصواب. # PageV01P158 ### | الفصل الثالث # في ظاهرة التكرار في القرآن الكريم # إفادة السامع على قسمين: # لو سألنا: لماذا تكررت مطالب العلوم الخمسة ومباحثها في القرآن العظيم؟ ~~ولم لم يكتف ببيانها في موضع واحد؟ قلنا. # إن ما نريد أن نعرضه على السامع ونفهمه ينقسم عادة إلى قسمين: ### | 1 - # الأول، هو ما لا يكون القصد منه إلا تعليم ما لا يعلم السامع وتلقينه ~~فيكون المخاطب - مثلا - لا يدري حكما من الأحكام، ولم يدركه عقله وفكره، ~~فأنت تفيده ذلك الحكم، فيصبح المجهول عنده باستماع كلامك معلوما، ويعرف ما ~~تريد. ### | 2 - # الثاني: أن يكون الغرض هو استحضار صورة العلم في قوته المدركة حتى يجد ~~لها لذة موفورة، وتفني جميع قواه القلبية والعقلية في ذلك المعلوم، وتنصبغ ~~به جميع قواه الفكرية والعملية، كما نكرر بيتا من الشعر علمنا معناه ~~ومحتواه سلفا، ولكننا ms54 رغم ذلك نكرره ونجد كل مرة في إنشاده لذة جديدة، ونحب ~~ترداده وتكراره لأجل هذه اللذة الذوقية. # PageV01P159 # وإن القرآن العظيم بالنسبة إلى كل واحد من مباحث العلوم الخمسة، أراد ~~إفادة القسمين المذكورين، فأراد تعليم ما لا يعلم بالنسبة إلى الجاهل، ~~وأراد انصباغ النفوس بصبغة هذه العلومات بتكرارها وتردادها بالنسبة إلى ~~العالم، اللهم إلا أكثر مباحث الأحكام التي لم يقع فيها هذا التكرار إذ أن ~~إفادة القسم الثاني لم تكن مطلوبة فيها. ### | سر تكرار التلاوة: # ولأجل ذلك أمرنا بتكرار التلاوة والإكثار منها، ولم يكتف بمجرد الفهم ~~والإدراك. # تنوع الأساليب مع التكرار في المطالب: # وقد روعي - مع ذلك - هذا القدر من الفرق أن المطالب التي تكررت جاءت كل ~~مرة بعبارة طرية جديدة وأسلوب جديد حتى يكون له وقع أكثر في النفوس وأمتع ~~للأذهان والعقول، فلو كان التكرار مع اتحاد الألفاظ والعبارات لكان شيئا من ~~حقه أن يكرر ويردد فحسب ولكنه مع اختلاف التعابير وتنوع الأساليب مدعاة ~~للتفكير وخوض العقل واستجماع الخاطر. # PageV01P160 ### | الفصل الرابع # في ترتيب مباحث القرآن الكريم ### | حكمة الدعوة والعرض: # لو أثار أحد السؤال: لماذا لم يراع الترتيب في بيان مباحث القرآن العظيم؟ ~~ولماذا نثرت هكذا نثرا؟ فلماذا لم يبدأ - مثلا - ببيان آلاء الله - تعالى - ~~حتى إذا استوفاها حقها، شرع في بيان أيام الله - تعالى - فإذا أتمها ~~وأكملها بدأ بالجدل مع الكفار وغيرهم؟ ... # فنقول: إن قدرة الله - تبارك وتعالى - وإن كانت محيطة بجميع الممكنات، ~~ولكن القول الفصل في هذا الباب إنما هو للحكمة (إذ أنه كتاب حكيم من لدن ~~حكيم خبير) والحكمة هي موافقة المبعوث إليهم في اللسان وأسلوب البيان، وإلى ~~هذا المعنى جاءت الإشارة في قوله - تعالى -: {لقالوا لولا فصلت آياته ~~أأعجمي وعربي} إلخ الآية. ولم يكن لدى العرب إلى حين نزول القرآن الحكيم، ~~كتاب، لا كتاب إلهي ولا كتاب بشري. # أسلوب الأولين لا اختراع المصنفين المتأخرين: # وإن الترتيب الذي اخترعه المؤلفون والمصنفون المتأخرون لم يكن يعرفه ~~العرب الأولون، وإذا كنت في شك من هذا، # PageV01P161 # فارجع إلى قصائد الشعراء المخضرمين، ms55 واقرأ رسائل النبي الكريم - صلى الله ~~عليه وسلم - ورسائل سيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حتى تنكشف لك هذه ~~الحقيقة جلية واضحة، فلو جاء الكلام على غير ما كانوا يعهدونه من طرائق ~~البيان، لوقعوا في الحيرة، وواجههم شيء لا يألفونه ولا يأنسون به، وشوش ~~عقولهم وأقلق خاطرهم. # ثم إن الغرض ليس مجرد إفادة ما لا يعلمونه، بل إفادته مع التكرار ~~والاستحضار مرة بعد مرة، ويتوفر هذا المعنى في غير المرتب ما لا يتوفر في ~~المرتب من الكلام (على طريقة المتون الكتابية) . # وجه اختيار الأوزان والقوافي الجديدة: # ولو سألنا: لماذا لم يختر القرآن الكريم تلك الأوزان والقوافي التي تعرف ~~لدى الشعراء وهي أحلى وألذ، قلنا: إن اللذة والحلاوة أمر نسبي، يختلف ~~باختلاف الشعوب والبلدان والعقول والأذواق، ولو سلمنا - جدلا - أن تلك أحلى ~~وألذ، فإن إبداع أسلوب جديد ونموذج جديد من الأوزان والقوافي على لسان ~~الرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم - الذي كان أميا لم يقرأ ولم يكتب، آية ~~ظاهرة من الآيات الدالة على نبوته ورسالته ولو كان القرآن قد نزل على أوزان ~~الشعر وقوافيه المعروفة لذهبت بالكفار الظنون إلى أنه شعر من شعرهم ~~المتداول المعروف، ولم يعيروه كبير اهتمام ولم يبالوا به. # ومعلوم أن البلغاء من الشعراء المفلقين والكتاب المجيدين # PageV01P162 # حين يحاولون إبراز مزيتهم وفضلهم ورجحانهم على أقرانهم ومعاصريهم على ~~رؤوس الأشهاد، يأتون بصناعة جديدة، ويستنبطون بحورا جديدة ويقولون عند ذلك: ~~هل هناك من يقرض القصيد مثلي، وينشئ الكلام على حذوي؟ فلو جرى هؤلاء على ~~الطريقة المطروقة في الشعر والنثر لم تظهر براعتهم إلا للمحققين البارعين. # PageV01P163 ### | الفصل الرابع # في وجوه الإعجاز في القرآن الكريم # كثرة وجوه الإعجاز في القرآن الكريم: # لو سألنا: ما هو وجه الإعجاز في القرآن الكريم؟ نقول الذي تحقق عندنا أن ~~وجوه الإعجاز في القرآن كثيرة. ### | إعجاز الأسلوب: # منها الأسلوب المعجز البديع، ولقد كانت للعرب عدة ميادين يركضون فيها ~~جواد بلاغتهم وبيانهم، ويتسابقون فيها مع أقرانهم وهي القصائد، والخطب، ~~والرسائل والمحاورات، ولم يكونوا يعرفون غير أساليب هذه ms56 الأصناف الأربعة، ~~ولا كانت عندهم قدرة على إبداع غيرها من الأساليب، فكان إبداع أسلوب جديد ~~يختلف عن أساليبهم على لسان نبي أمي - عليه أفضل الصلاة والسلام - إعجازا ~~قائما برأسه. # إعجاز الإخبار عن الكتب السابقة: # وكان من هذه الوجوه إخبار القرآن الكريم عن القصص الماضية وأحكام الشرائع ~~السابقة على وجه يصدق الكتب السابقة ويهيمن عليها من دون أخذ عنها وتعلم ~~منها. # PageV01P165 # إعجاز الإخبار عن الأحداث الآتية: # ومنها إخبار عن الأوضاع والأحداث الآتية، التي كلما ظهر منها شيء وفق ما ~~جاء القرآن كان دليلا جديدا على إعجازه. ### | إعجاز البلاغة العالية: # ومن هذه الوجوه تلك الذروة السامقة من البلاغة القرآنية التي تعلو على ~~قدرة البشر وتخرج عن طوقه، ونحن إذ نشأنا بعد العرب الأولين لا نستطيع أن ~~نصل إلى كنه هذه البلاغة وحقيقتها، إلا أن القدر الذي نعلمه هو أن استعمال ~~الكلمات والتراكيب العذبة الجزلة التي وردت في القرآن الكريم بما تمتاز به ~~من لطف وجمال وعدم كلفة وصنعة لا نجد شيئا منها في أي قصيدة من قصائد ~~المتقدمين والمتأخرين، وهذا أمر ذوقي لا يدركه كما ينبغي إلا المهرة ~~المفلقون من الشعراء، وليس في وسع العامة أن يتذوقوه. # ومن العلوم كذلك أن القرآن الكريم في موضوع التذكير بآلاء الله وأيامه، ~~والجدل، يكسو المعاني المتقاربة في كل موضع لباسا جديدا حسب أسلوب السورة ~~التي تعرض فيها في جمال وطرافة لا تستطيع أن تتطاول إليها أعناق البشر. ### | تنوع الأساليب البيانية: # وإذا تعسر على أحد إدراك ذلك، فعليه أن يتأمل في # PageV01P166 # أساليب قصص الأنبياء والمرسلين في سورة الأعراف وسورة هود وسورة الشعراء، ~~ثم ليرجع إلى هذه القصص في سورة الصافات ثم ليقرأ هذه القصص نفسها في سورة ~~الذاريات يتجلى له الفرق كوضح النهار. # كذلك ورد ذكر ما يتعلق بتعذيب العصاة الظالمين، والإنعام على المطيعين ~~الصالحين بلون جديد في كل موضع من مواضع ذكره في القرآن الكريم، وهكذا جاء ~~تخاصم أهل النار بعضهم مع بعض في صور جديدة وأساليب متنوعة في كل مكان، ~~والكلام في هذا يطول. ms57 # نعلم كذلك أن مراعاة مقتضى الحال الذي يتكفل فن المعاني بتفصيله والحديث ~~عنه، واستعمال الاستعارات والكنايات التي يحتوي عليها فن البيان، مع مراعاة ~~حال المخاطبين الأميين الذين يجهلون هذه الصناعات، قد توفرت في القرآن ~~الكريم وتحققت بوجه لا يتصور أحسن منها وأروع، وذلك أن المطلوب في القرآن ~~الكريم هو أن تودع بعض اللطائف البيانية التي لا تستعصي على العامة ~~ويتذوقها الخاصة في تضاعيف المخاطبات المعروفة والحوار العام وهذا هو نوع ~~من الجمع بين النقيضين (الذي لا يتيسر مثله لأي واحد من البشر) . ### | إعجاز التشريع القرآني: # ومن وجوه الإعجاز القرآني ما لا يتيسر فهمه إلا للمتدبرين المتأملين في ~~أسرار الشرائع، ودقائقها، وذلك أن هذه العلوم # PageV01P167 # الخمسة - من جهة أنها لهداية النوع البشري وإرشاده - حجة قائمة بذاتها ~~على أن هذا الكلام منزل من عند الله الحكيم العليم، كما أن طبيبا حاذقا لو ~~نظر مثلا في القانون (لابن سينا) وتأمل في بيانه لأسباب الأمراض وعلاماتها ~~ووصفه لأدويتها وعلاجها لما اعتراه أدنى شك في أن مؤلف هذا الكتاب من كبار ~~الأطباء الحاذقين في صناعة الطب، كذلك العالم بأسرار الشرائع الذي يعرف ما ~~هي الأشياء التي يمكن تعليمها وتلقينها للناس لتهذيب نفوسهم وإصلاح قلوبهم، ~~ثم يتأمل في هذه العلوم الخمسة التي اشتمل عليها القرآن الحكيم لعلم العلم ~~اليقين أن هذه العلوم قد وردت بمعانيها ومطالبها في القرآن على وجه لا ~~يتصور أفضل منه ولا أدنى ولا أجمل وعلى كل فإن الشمس الساطعة دليل من نفسها ~~على نفسها، فإذا كنت في حاجة إلى الدليل فلا تشح بوجهك عنها. # PageV01P168 ### | الباب الرابع # في بيان فنون التفسير وحل الخلافات الواقعة # في تفاسير الصحابة والتابعين # PageV01P169 ### | الفصل الأول # في أصناف المفسرين ومناهج تفسيرهم # ليعلم أن المفسرين ينقسمون إلى عدة أصناف: ### | تفسير المحدثين: # فمنهم طائفة قصدوا إلى رواية الآثار المتعلقة بالآيات الكريمة سواء كان ~~ذلك حديثا مرفوعا، أو مقطوعا أو خبرا إسرائيليا، وهذا طريق المحدثين. # تفسير المتكلمين: # طائفة تناولوا آيات الصفات وأسماء الله - تعالى - بالتأويل، فما لم يوافق ~~منها - في ظاهرها - مذهب ms58 التنزيه. صرفوها عن ظاهرها، وردوا على تعلق ~~المخالفين ببعض الآيات ونقضوا تمسكهم بها، وهذا هو منهج المتكلمين. ### | تفسير الفقهاء الأصولين: # وطائفة صرفت عنايتها إلى استنباط الأحكام الفقهية وترجيح بعض المجتهدات ~~على بعض، والجواب على تمسك المخالفين بالأدلة الأخرى، وهذا طريق الفقهاء ~~الأصوليين. # PageV01P171 # تفسير النحاة اللغويين: # وطائفة اشتغلت ببيان لغة القرآن وإعرابه (وجمله ومفرداته) وأوردوا ~~الشواهد الكثيرة من كلام العرب في كل باب من الأبواب، وهذا مذهب النحاة ~~اللغويين. ### | تفسير الأدباء البارعين: # وتوجهت جماعة إلى إشباع الكلام في اللطائف والنكات من المعاني والبيان، ~~وأوفوا الكلام حقه وجاؤوا بآيات البلاغة وروائع البيان، وهذا هو مسلك ~~الأدباء البارعين. # تفسير القراء الماهرين: # واهتم بعضهم برواية القراءات المأثورة عن شيوخهم في القرآن الكريم، ولم ~~يدعوا دقيقا ولا جليلا في هذا الباب إلا جاؤوا به، وهذه هي صفة القراء ~~الماهرين. ### | تفسير الصوفية المتنسكين: # واعتنى رجال ببيان لطائف علم السلوك وعلم الحقائق بأدنى مناسبة لغوية ~~بالآيات الكريمة، وهذا هو مشرب الصوفية المتنسكين. # وبالجملة فإنه مجال واسع، وقصد كل مسلم يتعلق بتفهيم معاني القرآن الكريم ~~ومطالبه، وقد خاض كل منهم في فن من # PageV01P172 # الفنون أو علم من العلوم، وتكلم على قدر قوته البيانية وفصاحته اللغوية، ~~وراعى مذهب أصحابه واتخذه نصب عينه. ومن هنا اتسع مجال التفسير اتساعا لا ~~يحد قدره بحد صحيح. واشتمل على كتاب لا يحصر عددها ولا يحصى. # وقد توجهت طائفة من المفسرين إلى هذه المقاصد كلها في تفاسيرهم فمنهم من ~~اختار اللغة العربية ومنهم من اختار اللغة الفارسية ونحا بعضهم نحو ~~الاختصار، وأحب بعضهم التطويل والإطناب، ووسعوا أذيال العلم وفرعوا حواشيه. # وقد أعطى هذا الفقير حظه من هذه العلوم والفنون كلها، وأحاط بمعظم أصولها ~~وجملة صالحة من فروعها، وحاز على نوع من التحقيق والاستقلال في كل باب من ~~أبوابها بوجه يشبه "الاجتهاد في المذهب" (على اصطلاح الأصوليين) وفنان ~~آخران أو ثلاثة من فنون التفسير ألقيت في خاطري من بحر الجود الإلهي، فلو ~~سألتني فأنا تلميذ القرآن العظيم بلا واسطة، كما أني أويسي الروح النبوية - ~~على ms59 صاحبها ألف سلام وتحية - ومستفيد بلا واسطة من الكعبة الحسناء ومتأثر ~~بدونها بالصلاة العظمى. # PageV01P173 # ولو أن لي في كل منبت شعرة. . . لسالنا لما استوفيت واجب حمده # ورأيت من اللازم أن أورد في هذه الرسالة كلمتين أو ثلاث عن كل فن من هذه ~~الفنون. # PageV01P174 ### | الفصل الثاني # في بيان الآثار المروية في تفاسير أصحاب الحديث من المفسرين وما يتعلق ~~بها من مهمات # قسمان من أسباب النزول: # إن من الروايات والآثار المروية في كتب التفسير التي ألفها أصحاب الحديث ~~من المفسرين، ما يشتمل على بيان أسباب النزول، وأسباب النزول تنقسم إلى ~~قسمين: ### | 1 - # الأول أن يقع حادث يمحص به إيمان المؤمنين ونفاق المنافقين كما وقع ذلك ~~في غزوتي أحد والأحزاب، وينزل الله - تعالى - ما يمدح المؤمنين ويذم ~~المنافقين ليكون خطا فاصلا وفارقا مميزا بين الفريقين، وتقع في أثناء ذكر ~~القرآن الكريم هذا الحادث ووصف الفريقين، تعريضات كثيرة بخصوصيات الحادث ~~ومتعلقاته، فلابد إذن أن تشرح قصة هذا الحادث بصورة مختصرة حتى يتضح للقارئ ~~سياق الحادث وخلفياته. ### | 2 - # الثاني أن يكون معنى الآية مستقلا تماما بعموم صيغتها من دون حاجة إلى ~~معرفة تلك القصة، أو الإلمام بالحادث # PageV01P175 # الذي كان سببا للنزول، "والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب". # وقد ينقل المتقدمون من المفسرين في مثل هذه المواضع أمثال هذه القصص ~~والحوادث بغية استيعاب الآثار المناسبة الواردة حول تلك الآية، أو لبيان ما ~~يصدق عليه العموم اللفظي من المعاني وليس من الضروري ذكر هذه القصص ~~والحوادث كأسباب النزول (لأن فهم معنى الآية لا يتوقف عليها) . # المراد بقولهم "نزلت الآية في كذا": # وقد تحقق لدى الفقير أن الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم أجمعين - ~~كثيرا ما يقولون: "نزلت الآية في كذا" ولا يكون غرضهم إلا تصوير ما تصدق ~~عليه الآية من الأحداث والمعاني، وذكر بعض القصص والوقائع التي تشملها ~~الآية الكريمة لعموم لفظها، سواء كانت القصة متقدمة على نزول الآية أو ~~متأخرة عنها، إسرائيلية كانت أو جاهلية، أو إسلامية تنطبق على جميع قيود ~~الآية أو بعضها. والله أعلم. ### | القسم ms60 الثاني من أسباب النزول أمر اجتهادي: # وقد تبين من هنا أن للاجتهاد مدخلا في هذا القسم الثاني من أسباب النزول، ~~وأنه يتسع لإيراد القصص المتعددة. فكل من يستحضر هذه النكتة، يستطيع أن ~~يعالج اختلافات أسباب النزول بأدنى نظرة وتأمل. # PageV01P176 # تفصيل الإجمال في القصة: # ومن هذه الآثار المروية في كتب التفسير ما يحتوي على تفصيل لإجمال القصة ~~التي ورد التعريض بأصلها في النظم القرآني، فيتناول المفسرون تفصيلها من ~~الروايات الإسرائيلية، أو كتب السير والتاريخ، ويتعرضون لجميع أجزائها ~~وتفاصيلها. # قسمان من هذا التفصيل: # وهنا مبحث آخر وهو أنه إذا كانت الآية تشتمل على تعريض ظاهر بالقصة أو ~~الحادث بحيث إن العارف باللغة يتوقف في ذلك الموضع ويلجأ إلى البحث عنه ~~والإلمام به، فلابد للمفسر من بيانه، وهو من مسئولياته. # ولكن الذي لا يدخل في هذا القسم - مثلا - هو ذكر "بقرة بني إسرائيل" ~~فالتعرض لبيان أنها ذكرا كانت أو أنثى، أو بيان كلب أصحاب الكهف هل كان ~~أبقع أو أحمر، كل ذلك من تكلف ما لا يعني، وقد كره الصحابة - رضي الله عنهم ~~- ذلك وعدوه إضاعة الوقت واشتغالا بما لا يعني المسلم. # أصلان لابد من مراعاتهما: # وهنا ينبغي أن يحفظ أصلان ويهتم بمراعاتهما: ### | 1 - # الأول، هو أن الأصل المرعي في هذا الباب أن تورد # PageV01P177 # القصص والأحداث المسموعة المأثورة، كما حكيت من غير تصرف عقلي فيها. ### | موقف بعض قدماء المفسرين من التعريضات في الآيات: # وقد كانت طائفة من قدماء المفسرين يضعون التعريضات الواردة في الآية نصب ~~أعينهم، ويفترضون بعض المحامل المناسبة لها، ويصرحون بها في صورة ~~الاحتمالات الممكنة، ويشتبه ذلك على المتأخرين فيقعون في شبهات واشكالات. # ولما أن أساليب التوضيح لم تكن منقحة في ذلك العصر، لذلك كثيرا ما يشتبه ~~التقرير بالاحتمال، بالتقرير بالجزم والقطع فيعتقدون أحدهما مكان الآخر، ~~وهذا أمر اجتهادي فيه مجال لإعمال العقل، وركض لجياد القيل والقال. # ومن حفظ هذه النكتة فإنه يستطيع أن يقول بالقول الفصل في كثير من مواضع ~~الاختلاف بين المفسرين، وأن يعلم في كثير من مناظرات الصحابة ms61 - رضي الله ~~عنهم - ومناقشاتهم، أنها ليست آراءهم القطعية المختمرة، بل إنما هي آراء ~~علمية يتداولها المجتهدون فيما بينهم للبحث والنظر. # معنى قول ابن عباس - رضي الله عنه - في مسح الأرجل: # وعلى هذا المحمل يحمل المؤلف الفقير قول ابن عباس - رضي الله عنهما - في ~~الآية الكريمة: # PageV01P178 # {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى ~~المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} "لا أجد في كتاب الله إلا ~~المسح، لكنهم أبو إلا الغسل". # فالذي يفهمه الفقير من قوله هذا، أنه ليس ذهابا منه إلى رأي صحة المسح ~~على الأرجل والحزم بحمل الآية على ركنية - رضي الله عنهما - هو الغسل، ~~ولكنه يقرر هنا إشكالا، ويبدي احتمالا، حتى يرى كيف يطبق فقهاء عصره بين ~~هذين الأمرين المتعارضين، وما هو المنهج للدليل الذي يسلكونه. # أما الذي لا يعرفون محاورات السلف ومناهج مناقشاتهم ومناظراتهم يظنون ذلك ~~قولا لابن عباس - رضي الله عنهما - ومذهبا. حاشاه ثم حاشاه! ### | 2 - # والأصل الثاني أن النقل عن بني إسرائيل والروايات المحكية عنهم دست في ~~ديننا، وقد تقررت لذلك قاعدة مهمة، ألا وهي قوله - صلى الله عليه وسلم - ~~"لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم". # مراعاة أمرين في الروايات الإسرائيلية: # فلزم لأجل ذلك أمران: ### | 1 - # الأول أنه ما دام بيان التعريضات القرآنية وإشارته إلى # PageV01P179 # القصص والحوادث موجودا في السنة المشرفة - على صاحبها الصلاة والسلام - ~~فلا ينبغي عندئذ معالجة النقل والرواية عن أهل الكتاب، كمثل ما ثبت في ~~السنة الصحيحة عن قوله تعالى. # {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب} أن ذلك محمول على ترك ~~سليمان - عليه السلام - لقول "إن شاء الله" وأن المؤاخذة كانت على ذلك، ~~فكيف يصح أن نذكر قصة صخر المارد من الروايات الإسرائيلية. ### | 2 - # والأمر الثاني هو أن "الضروري يتقدر بقدر الضرورة" فلابد من ملاحظته، ~~وإلقاء القول حسب مقتضى التعريض وضرورته حتى يمكن تصديقه بشهادة القرآن ~~الكريم له، والكف عن الزيادة عليه. ### | تفسير القرآن بالقرآن: # وهنا نكتة دقيقة لابد من معرفتها، وهي أن القرآن الكريم ms62 أحيانا يذكر ~~القصة في موضع بالإجمال، وفي موضع آخر بالتفصيل كقوله - تعالى -: # {قال إني أعلم ما لا تعلمون} ثم قال: {ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات ~~والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون} فهذا القول الثاني هو القول الأول ~~نفسه بنوع نم التفصيل، فيتيسر بذلك تفسير هذا الإجمال، والتقدم من # PageV01P180 # الإجمال نحو التفصيل، كذلك جاءت قصة عيسى - عليه السلام - مجملة في سورة ~~مريم في قوله تعالى: {ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا} وجاءت ~~مفصلة في سورة آل عمران في قوله - تعالى -: {ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد ~~جئتكم بآية من ربكم} فقد جاءت في هذه الآية البشارة التفصيلية، وفي تلك ~~الآية البشارة الإجمالية، ومن هنا استنبط العبد الضعيف أن معنى الآية ~~وتقديره: "ورسولا إلى بني إسرائيل مخبرا بأني قد جئتكم". # وهذا داخل في حيز البشارة، وليس بمتعلق بمحذوف كما أشار إليه السيوطي حيث ~~قال: "فلما بعثه الله قال: إني رسول الله إليكم بأني قد جئتكم" والله أعلم. ### | شرح غريب القرآن: # من الأمور التي يشتمل عليها التفسير بالمأثور شرح غريب القرآن كذلك، ~~ومبناه على تتبع لغة العرب أو على فهم سياق الآية ومعرفة مناسبة اللفظ ~~بأجزاء الجملة التي وقع فيها. # مدخل الاجتهاد في شرح الكلمة: # وهنا للعقل مدخل وللاختلاف مجال، إذ أن الكلمة الواحدة تأتي في لغة العرب ~~لمعان شتى، وتختلف العقول والمدارك في تتبع استعمالات العرب، والتفطن إلى ~~السابق واللاحق. ولذلك اختلفت أقوال الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - ~~في هذا الباب - وسلك كل منهم رأيا ومذهبا. # PageV01P181 # لابد من نظرتين إلى الكلمة: # ولابد للمفسر العادل أن ينظر إلى شرح الغريب نظرتين ويزنه وزنا علميا ~~مرتين، مرة في استعمالات العرب حتى يعرف أي وجه من وجوهها أقوى وأرجح، ومرة ~~ثانية في مناسبة السابق واللاحق بعد إحكام مقدمات هذا العلم وتتبع موارد ~~الاستعمال والفحص عن الآثار حتى يعلم أي صورة من صورها أولى وأنسب. # وقد استنبط الفقير في هذا الباب استنباطات لطيفة جديدة، لا تخفي لطافتها ~~ودقتها إلى على قليل ms63 الإنصاف غليظ الطبع، فمثلا، قوله - تعالى -: # {كتب عليكم القصاص في القتلى} حملته على معنى تكافؤ القتلى وتساويهم، ~~ومشاركتهم بعضهم مع بعض في حكم واحد، حتى لا يضطر في تفسير قوله - تعالى - ~~{الأنثى بالأنثى} إلى القول بالنسخ، ولا يحتاج إلى إيراد توجيهات، تضمحل ~~وتسقط بأدنى نظرة وتفكير. # وكذلك حملت قوله - تعالى -: {يسألونك عن الأهلة} على يسألونك عن الأشهر، ~~أي أشهر الحج. فقال: {هي مواقيت للناس والحج} . # وهكذا قوله - عز وجل -: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ~~ديارهم لأول الحشر} فالمراد به: لأول جمع الجنود، # PageV01P182 # لقوله - تعالى -: {وابعث في المدائن حاشرين} وقوله - تعالى -: {وحشر ~~لسليمان جنوده} إلخ. # وهذا أوفق بقصة بني النضير، وأبلغ وأقوى في بيان المنة من الله القدير. ### | الناسخ والمنسوخ: # كذلك مما تشتمل عليه روايات المفسرين بيان الناسخ والمنسوخ وينبغي أن ~~تعرف هنا نكتتان: ### | 1 - # النكتة الأولى: هي أن الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم - لم يكونوا ~~يستعملون "النسخ" بالمعنى الاصطلاحي المعروف بين الأصوليين، بل كانوا ~~يريدون به المعنى اللغوي الذي هو عبارة عن "الإزالة" فمعنى النسخ إذن عندهم ~~إزالة بعض أوصاف الآية المتقدمة بالآية المتأخرة، سواء كان بيانا لانتهاء ~~مدة العمل بها أو صرفا للكلام عن المعنى المتبادر أو بيان إقحام قيد من ~~القيود، أو تخصيصا للعموم، أو بيان الفارق بين المنصوص والمقيس عليه ظاهرا، ~~وأمثال ذلك. # وهذا باب واسع وللعقل فيه مجال، وللاختلاف فيه مساغ، ولهذا بلغت الآيات ~~المنسوخة على هذا المعنى إلى خمس مائة آية. ### | 2 - # النكتة الثانية: هي أن الأصل في النسخ بالمعنى المصطلح # PageV01P183 # لدى الأصوليين معرفة تاريخ النزول، ولكنهم ربما يجعلون إجماع السلف ~~الصالح أو اتفاق جمهور العلماء على شيء علامة للنسخ فيقولون به. وقد فعل ~~كثير من الفقهاء ويمكن أن يكون في مثل هذه المواضع ما تصدق عليه الآية غير ~~ما ينطبق عليه الاجماع. ### | غموض في روايات الناسخ والمنسوخ: # وبالجملة فإن الروايات والآثار التي تتحدث عن النسخ، وتنبئ عنه تحتوي على ~~غمر عظيم، يصعب الوصول إلى عمقه وغوره. # آثار متعلقة بأمور أخرى: ms64 # ولأصحاب الحديث من المفسرين خارج هذه الأشياء أمور أخرى، يوردونها كذلك ~~في تفاسيرهم، مثل: # مناظرة الصحابة - رضي الله عنهم - في قضية في القضايا واستشهادهم بآية أو ~~تمثيلهم لمسألة بآية من الآيات، أو تلاوة النبي - صلى الله عليه وسلم - آية ~~من الآيات الكريمة للاستشهاد أو رواية حديث يوافق الآية في أصل معناها. أو ~~طريق التلفظ والقراءة لآية، أثرت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ~~أصحابه - رضي الله عنهم - أجمعين. # PageV01P184 ### | الفصل الثالث # في بقية لطائف هذا الباب ### | استنباط الأحكام وأقسامه العشرة: # ومما يبقى من لطائف هذا الباب وعلومه استنباط الأحكام الشرعية من الآيات ~~القرآنية، وهو موضع واضع الأطراف، وللعقل مجال فسيح في الاطلاع على فحاوى ~~الآيات وإيماءاتها واقتضاءاتها، والاختلاف فيها. # وقد ألقى في روعى حصر أنواع هذه الاستنباطات في عشرة أقسام، والترتيب ~~فيما بينها، وأرى أنها ميزان عادل لاختبار كثير من الأحكام المستنبطة ~~ووزنها وزنا صحيحا. # التوجيه: # فمن جملة هذه الأقسام العشرة، التوجيه، وهو فن كثير الشعب والأطراف، ~~ويعالجه الشراح في شرح المتون، ويختبر به ذكاؤهم، ويتضح به تباين مراتبهم ~~وتفاوت درجاتهم. ### | كلام الصحابة في التوجيه: # وقد تحدث الصحابة - رضي الله عنهم - بالرغم من أن # PageV01P185 # أصول التوجيه وضوابطه لم تكن منقحة واضحة في عصرهم - في توجيه الآيات ~~القرآنية، وأكثروا منه. ### | حقيقة التوجيه: # وحقيقة التوجيه هي أنه إذا وقعت صعوبة في فهم كلام المؤلف - مثلا - فيقف ~~الشارح عند ذلك، ييسر هذه الصعوبة ويحل كل غموض، ولما كانت عقول القراء ~~للكتاب ومداركهم ليست في مرتبة واحدة، فلذلك يختلف التوجيه للمبتدئين عن ~~التوجيه للمنتهين وكثير مما يصعب فهمه ويدق إدراكه يشعر به المنتهي، ويحتاج ~~إلى حله، ويبقى المبتدئ في غفلة عنه. ولا يحس به، بل لا يستطيع أن يحيط به ~~ويدركه حق إدراكه، وهنالك كثير من الكلام يستصعبه المبتدئ ولا يحصل في ذهن ~~المنتهي شيء من الصعوبة. ### | التوجيه في القرآن: # ولما كان القرآن الكريم أحاط بجميع العقول البشرية وأطراف المدارك ~~الإنسانية، فإنه قد راعى حال جمهور القراء، وتحدث على قدر عقولهم وأذهانهم. # ففي آيات ms65 الجدل القرآني يقوم التوجيه على تحرير مذاهب تلك الفرق التي ~~تحدث عنها القرآن وتنقيح وجوه الإلزام. # وفي آيات الأحكام ينبني التوجيه على توضيح المسألة # PageV01P186 # وذكر صورها وأمثلتها وبيان فوائد القيود الواردة في الكلام من احتراز أو ~~غير ذلك، ويكون التوجيه في باب التذكير بآلاء الله. بتصوير تلك النعم ~~وتجسيدها، وبيان تفصيلاتها وجزئياتها. # وفي التذكير بأيام الله، ببيان ترتب بعض الأحداث والوقائع على بعض وإيفاء ~~حق التعريض الذي يرد أثناء سرد القصة والحادث. # وعمدة التوجيه في التذكير بالموت وما بعده، تصوير أحداث ما بعد الموت ~~ووصف الحالة التي يكون عليها الميت وما يلاقيها من نعم أو أهوال. # أنواع أخرى من التوجيه: ### | ومن فنون التوجيه وأنواعه: ### | 1 - # تقريب ما يصعب فهمه ويبعد عن الذهن لعدم الإلف والعادة. ### | 2 - # دفع التعارض بين دليلين أو تعريضين أو بين المعقول والمنقول. ### | 3 - # التفريق بين الملتبسين. ### | 4 - # التطبيق بين المختلفين. ### | 5 - # بيان صدق الوعد الذي وردت به الآية. # PageV01P187 ### | 6 - # بيان كيفية عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهيئته بما أمر به في ~~القرآن العظيم. # وبالجملة فإن أمثلة التوجيه كثيرة في تفسير الصحابة - رضي الله عنهم -. # طريق التوجيه الصحيح: # ولا يمكن أن يؤدي حق التوجيه للمواضع الصعبة. حتى يبين وجه الصعوبة ~~وسببها وبيانا شافيا، ثم يفصل القول في حلها وتيسيرها، ثم يوزن ذلك القول ~~وزنا عادلا. ### | غلو المتكلمين: # وأما غلو المتكلمين فيما يتعلق بتأويل المتشابهات، وبيان حقيقة صفات الله ~~- عز وجل - فليس هذا من مذهبي، بل مذهبي مذهب مالك والثوري وابن المبارك ~~وسائر المتقدمين، وهو إمرار المتشابهات على ظواهرها وترك الخوض في تأويلها. # أما النزاع والجدل في الأحكام والآراء المستنبطة منها وإحكام كل فريق ~~لمذهبه، وطرحه لمذهب غيره، والتحايل لدفع الأدلة القرآنية، فكل ذلك لا يجوز ~~عندي، وأخشى أن يكون هذا من قبيل التدارؤ بالقرآن. # يجب التمسك بمدلول الآية: # ويجب على طالب علون القرآن أن يبحث في مدلول الآية. # PageV01P188 # ويتمسك بما يظهر من دلالتها سواء خالف مذهبه أو وافقه. ويلزم أن يفهم لغة ~~القرآن الكريم عن طريق ms66 استعمالات العرب الأولين وتعبيراتهم، وأن يعتمد - ~~كليا - على آثار الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -. ### | تدافع في نحو القرآن: # وقد وقع خلل عجيب وتدافع في نحو القرآن الكريم، وهو أن طائفة من المفسرين ~~اختاروا مذهب سيبويه، فيؤولون كل ما خالف مذهبه مهما كان التأويل بعيدا غير ~~مستساغ، وهذا لا يصح عندي، بل يجب الأخذ بالأولى والأوفق بالسياق سواء وافق ~~مذهب سيبويه أو مذهب الفراء. # إعراب "المقيمين الصلاة": # وقد قال عثمان - رضي الله عنه - في مثل قوله - تعالى - {والمقيمين الصلاة ~~والمؤتون الزكاة} ستقيمها العرب بألسنتها. # وتحقيق هذه الكلمة عندي أن ما يخالف التراكيب العامة للكلام، ويرد في ~~كلام أهل اللغة الذين يحتج بهم فهو من التراكيب المقبولة الصحيحة، وكثيرا ~~ما وقع للعرب الأولين أثناء خطبهم كلمات وتراكيب هي مخالفة للقواعد ~~المعروفة في الفن (فهي من قبيل النادرة الاستعمال) . # ولما أن القرآن الكريم نزل بلغة العرب الأولين، فلا عجب إذا جاءت فيه ~~الياء (لحالة النصب) مكان الواو (لحالة # PageV01P189 # الرفع) أو وع المفرد مكان التثنية، أو ورد المؤنث مكان المذكر على طريق ~~كلام العرب الأولين. # وعلى هذا، الذي تحقق عندي في قوله - تعالى - {والمقيمين الصلاة} إنها في ~~حالة الرفع، وينبغي أن يبين معناها حالة الرفع والله أعلم. # علم المعاني والبيان: # أما المعاني والبيان فإنه علم حادث بعد انقضاء عهد الصحابة والتابعين - ~~رضي الله عنهم - فما يكون منه مفهوم في عرف جمهور العرب الأولين فهو على ~~الرأس والعين، وأما الدقائق والأمور الفنية التي لا يدركها إلا المتعمقون ~~في علم المعاني والبيان، فلا نسلم بأنها مطلوبة في فهم القرآن. ### | إشارات الصوفية # وأما إشارات الصوفية واعتباراتهم، فإنها في حقيقة الأمر ليست من علم ~~التفسير، بل الواقع أنه تمر حال استماع القرآن الكريم خواطر على قلب السالك ~~وتتكشف له أشياء، تنشأ من تفكيره في النظم القرآني، أو الحالة التي يتصف ~~بها، أو المعرفة التي يملكها (فهي أمور وجدانية ذوقية لا تفسير للآيات ~~القرآنية) ومثال ذلك، أن يسمع عاشق متيم قصة ليلى ومجنون، فيتذكر عشيقته، ~~ويستعيد الذكريات التي بينها ms67 وبينه. # PageV01P190 ### | الاعتبار والاستشهاد: # وهنا فائدة مهمة ينبغي الاطلاع عليها، وهي أن النبي - صلى الله عليه وسلم ~~- اهتم بفن الاعتبار والاستشهاد، وسلك منهجه وطريقه ليكون سنة لعلماء أمته ~~وفتحا لباب العلوم الوهبية التي خصوا بها. # من أمثلة ذلك أنه - صلى الله عليه وسلم - تمثل بقوله - تعالى - {فأما من ~~أعطى واتقى} في مسألة القدر، مع أن منطوق الآية هو أن كل من يعمل هذه ~~الأعمال فسنجازيه بالجنة والنعيم المقيم، وكل من يعمل بضد هذه الأعمال، ~~فسوف نعذبه ونصليه الجحيم، إلا أنه عن طريق الاعتبار يمكن أن يعلم به أن ~~الله - عز وجل - خلق كل شخص لعمل وحالة، وهي الحالة التي تجري عليه ويسر ~~لها من حيث يدري أو لا يدري، فمن هنا وبهذا الاعتبار كان لهذه الآية ~~الكريمة ارتباط بقضية القدر. # كذلك قوله - تعالى -: {ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها} ~~فالمعنى لهذه الآية الكريمة أن الله - عز وجل - عرف كل نفس بالبر والإثم ~~والخير والشر، ولكن هناك شبها بين خلق الصورة العلمية للبر والإثم وبين خلق ~~البر والإثم - إجمالا - في وقت نفخ الروح، فيمكن عن طريق الاعتبار أن ~~يستشهد بهذه الآية الكريمة في مسألة القدر أيضا والله أعلم. # PageV01P191 ### | الفصل الرابع # في غرائب القرآن الكريم ### | تنوع غرائب القرآن: # إن غرائب القرآن الكريم (أي السور والآيات التي ورد فيها فضل خاص، أو لها ~~ميزة خاصة) التي جاء ذكرها في الأحاديث الشريفة بمزيد من الاهتمام وبيان ~~الفضل تنقسم أقساما. # غرائب التذكير بآلاء الله - تعالى -: # فمن غرائب فن التذكير بآلاء الله - تعالى - تلك السور كآية الكرسي وسورة ~~الإخلاص، وآخر سورة الحشر وأول سورة المؤمن. # غرائب التذكير بأيام الله: # ومن غرائب التذكير بأيام الله - تعالى - تلك الآيات الكريمة التي ترد ~~فيها قصة نادرة، أو تذكر فيها قصة معلومة بجميع تفاصيلها وأجزائها، أو تأتي ~~فيها قصة جلية الفوائد تكون مظنة اعتبارات كثيرة، لذلك قال الرسول - صلى ~~الله عليه وسلم - في قصة موسى والخضر - عليهما السلام - " وددنا أن موسى ~~كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما". # PageV01P193 # غرائب التذكير ms68 بالموت وما بعده: # ومن غرائب فن التذكير بالموت وما بعده، تلك الآيات الكريمة التي تجمع ~~أحوال القيامة مثلا، ولذا ورد في الحديث: "من سره أن ينظر إلى يوم القيامة ~~كأنه رأى عين، فليقرأ: {إذا الشمس كورت} {إذا السماء انفطرت} {إذا السماء ~~انشقت} ### | غرائب الأحكام: # ومن غرائب علم الأحكام تلك الآيات الكريمة التي تشتمل على بيان الحدود ~~وتعيين الأوضاع الخاصة كتعيين مائة جلدة في حد الزنا، وتعيين ثلاث حيضات أو ~~ثلاثة أطهار لعدة المطلقة، وتعيين حصص المواريث إلخ. ### | غرائب الجدل القرآني: # ومن غرائب الجدل القرآني تلك الآيات الكريمة التي يرد فيها الجواب على ~~طريقة غريبة بليغة، يقطع الشبه ويدحض الباطل بأبلغ الوجوه وأقوى الأساليب، ~~أو يبين حال فريق من تلك الفرق بمثال حسي واضح، كقوله - تعالى -: {مثلهم ~~كمثل الذي استوقد نارا} أو يرد التصريح بشناعة عبادة الأصنام والأوثان، ~~وبيان الفارق العظيم بين الخالق والمخلوق والمالك والمملوك بأمثلة عجيبة ~~مؤثرة، أو يذكر حبط # PageV01P194 # الأعمال لأصحاب الرياء وطالبي السمعة بأبلغ الوجوه البيانية. # غرائب أخرى: # وليست الغرائب القرآنية مقصورة على هذه الأبواب المذكورة بل قد تكون ~~الغرائب أحيانا من الوجهة البلاغية العالية، وجمال الأسلوب وأناقته مثل ~~سورة الرحمن، ولذلك سميت في الحديث الشريف بعروس القرآن، وأحيانا أخرى من ~~جهة التصوير للشقي والسعيد وتجسيد حالتيهما. # PageV01P195 ### | الفصل الخامس # في - ظهر القرآن وبطنه - # ورد في الحديث الشريف "أنزل القرآن على سبعة أحرف، لكل آية منها ظهر ~~وبطن، ولكل حد مطلع". # فينبغي أن يعلم أن ظهر هذه العلوم الخمسة هو ما يسمى بمدلول الكلام ~~ومنطوقه. # أما بطنه في باب التذكير بآلاء الله: فهو التفكير والتأمل في آلاء الله ~~ونعمه وآيات قدرته، ومراقبته - عز شأنه - وبطن التذكير بأيام الله - تعالى ~~-: معرفة مناط المدح والذم والثواب والعذاب من تلك القصص التي ترد فيه، ~~والاتعاط بها وأخذ الدروس والعبر منها. وبطن التذكير بالجنة والنار ظهور ~~الخوف والرجاء، واستحضارهما وتصورهما حتى كأنها رأى العين. وبطن آيات ~~الأحكام: استنباط الأحكام الخفية الدقيقة بالفحاوى والإيماءات. # وبطن الجدل القرآني مع الفرق الضالة الباطلة: الإطلاع على ms69 حقيقة تلك ~~القبائح والفظائع التي وصفوا بها، وإلحاق نظائرها وأشباهها بها. # وأما مطلع الظهر: فهو معرفة لغة العرب والآثار المتعلقة بعلم التفسير، ~~ويراد بمطلع البطن: حدة الذهن ولطفه واستقامة الفهم وسداده، مع نور الباطن ~~وسكينة القلب، والله أعلم. # PageV01P197 # في بعض العلوم الوهبية ### | تأويل قصص الأنبياء: # من العلوم في علم التفسير التي سبقت الإشارة إليها تأويل قصص الأنبياء - ~~عليهم الصلوات والتسليمات - وقد ألف الفقير رسالة في هذا الموضوع أسماها ~~"تأويل الأحاديث". # والمراد بالتأويل هنا، أن كل قصة وقعت (وورد ذكرها في القرآن الكريم) كان ~~لها مبدأ وأساس من صلاحية الرسول واستعداده، واستعداد قومه، حسب تدبير الله ~~- عز وجل - الذي أراده - سبحانه - في حينه، ولعل هذا المعنى هو ما يشير ~~إليه قوله - تعالى -: # {ويعلمك من تأويل الأحاديث} # PageV01P199 # تنقيح العلوم القرآنية الخمسة: # ومنها تنقيح العلوم الخمسة التي هي منطوق القرآن العظيم وقد جاء ذكرها ~~مفصلا في أول هذا الكتاب فليرجع إليه. ### | ترجمة القرآن بالفارسية: # ومنها ترجمة القرآن الكريم باللغة الفارسية بوجه قريب من النص العربي في ~~مقدار الكلمات والعبارات، والتخصيص والتعميم وغير ذلك، وسميت هذه الترجمة ~~"بفتح الرحمان في ترجمة القرآن" وإن كنت لم التزم هذا الشرط في بعض المواضع ~~خوفا من عدم فهم القارئ بدون تفصيل وتوضيح. ### | خواص القرآن: # ومنها علم خواص القرآن الكريم، وقد تكلمت طائفة من المتقدمين في خواص ~~القرآن من ناحيتين: إحداهما ما يشبه الدعاء، والثانية ما يشبه السحر، أعوذ ~~بالله منه، ولكن الله - تعالى - فتح على الفقير بابا وراء ما نقل من خواص ~~القرآن وألقى في حجري الأسماء الحسنى الآيات العظمى والأدعية المباركة مرة ~~واحدة، وقال إنها عطاؤنا للتصريف، إلا أن كل آية واسم ودعاء مشروط بشروط لا ~~تضبطها قاعدة من # PageV01P200 # القواعد، بل قاعدتها انتظار عالم الغيب، كما يكون في حالة الاستخارة، حتى ~~ينظر بأي آية أو اسم يشار عليه من عالم الغيب ثم يتلو الآية أو الاسم على ~~طريق من الطرائق المعلومة لدى أهل هذا الفن. # هذا ما قصدت إيراده في هذه الرسالة. # والحمد لله أولا وآخرا ms70 وظاهرا وباطنا، والصلاة والسلام على محمد وآله ~~وصحبه أجمعين. PageV01P201 ms71