######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_007104 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: الدهلوي #META# 010.AuthorNAME :: الإمام أحمد المعروف بشاه ولي الله ابن عبد الرحيم الدهلوي #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 1176 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: حجة الله البالغة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أصول الفقه :: الكتب الجامعة لأصول الفقه :: كتب أصول الفقه الإسلامي #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: حجة الله البالغة #META# 030.LibURI :: JK_007104 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: سيد سابق #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب الحديثة - مكتبة المثنى #META# 044.EdPLACE :: القاهرة - بغداد #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # # القسم الأول # في القواعد الكلية التي تستنبط منها المصالح المرعية # في الأحكام الشرعية وهي سبعة مباحث في سبعين بابا # المبحث الأول # في أسباب التكليف والمجازاة # # | ( باب الإبداع والخلق والتدبير ) # اعلم أن الله تعالى بالنسبة إلى إيجاد العالم ثلاث صفات مترتبة : # أحدها : الإبداع وهو إيجاد شيء لا من شيء فيخرج الشيء من كتم العدم | ~~بغير مادة : وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أول هذا الأمر ؟ فقال : ~~| كان الله ولم يكن شيء قبله . # والثانية : الخلق وهو إيجاد الشيء من شيء كما خلق آدم من التراب : # @QB@ وخلق الجان من مارج من نار @QE@ . # وقد دل العقل والنقل على أن الله تعالى خلق العالم أنواعا وأجناسا | وجعل ~~لكل نوع وجنس خواص ، فنوع الإنسان مثلا خاصته النطق ، وظهور البشرة واستواء ~~القامة ، وفهم الخطاب ، ونوع الفرس خاصته | الصهيل ، وكون بشرته شعراء ، ~~وقامته عوجاء ، وألا يفهم الخطاب ، | PageV01P024 | وخاصة السم إهلاك ~~الإنسان الذي يتناوله ، وخاصة الزنجبيل الحرارة | واليبوسة ، وخاصة الكافور ~~البرودة ، وعلى هذا القياس جميع الأنواع | من المعدن والنبات والحيوان . # وجرت عادة الله تعالى ألا تنفك الخواص عما جعلت خواص لها ، وأن | تكون ~~مشخصات الأفراد خصوصا في تلك الخواص ، وتعينا لبعض | محتملاتها ، فكذلك ~~مميزات الأنواع خصوصا في خواص أجناسها ، وأن | تكون معاني هذه الأسامي ~~المترتبة في العموم والخصوص ، كالجسم والنامي | والحيوان والإنسان وهذا ~~الشخص متمازجة متشابكة في الظاهر ، ثم يدرك | العقل الفرق بينها ، ويضيف كل ~~خاصة إلى ما هي خاصة له ، وقد بين النبي | صلى الله عليه وسلم خواص كثير من ~~الأشياء ، وأضاف الآثار إليها كقوله | صلى الله عليه وسلم : # ' التلبينة مجمة لفؤاد المريض ' . وقوله في الحبة السوداء : # ' شفاء من كل داء إلى السام ' وقوله في أبوال الإبل وألبانها : # ' شفاء للذربة بطونهم ' وقوله في الشبرم : # ' حار جار ' . # والثالثة تدبير عالم المواليد ومرجعه إلى تصيير حوادثها موافقة للنظام | ~~الذي ترتضيه حكمته مفضية إلى المصلحة التي اقتضاها وجوده كما أنزل من | ~~السحاب مطرا ، وأخرج به نبات الأرض ليأكل منه الناس والأنعام ، فيكون | ~~سببا لحياتهم إلى أجل معلوم . وكما أن ms001 إبراهيم صلوات الله عليه ألقي في ~~النار | PageV01P025 | فجعلها الله بردا وسلاما ؛ ليبقى حيا ، وكما أن أيوب ~~عليه السلام كان اجتمع | في بدنه مادة المرض ، فأنشأ الله تعالى عينا فيها ~~شفاء مرضه . وكما أن الله تعالى | نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم ، ~~فأوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم | أن ينذرهم ويجاهدم ؛ ليخرج من شاء من ~~الظلمات إلى النور . # وتفصيل ذلك أن القوى المودعة في المواليد التي لا تنفك عنها لما تزاحمت | ~~وتصادمت أوجبت حكمة الله حدوث أطوار مختلفة بعضها جواهر وبعضها | أعراض ~~والأعراض إما أفعال أو إرادات من ذوات الأنفس أو غيرها ، | وتلك الأطوار لا ~~شر فيها بمعنى عدم صدور ما يقتضيه سببه أو صدور | ضد ما يقتضيه ، والشيء ~~الذي اعتبر بسببه المقتضى لوجوده كان حسنا لا محالة | كالقطع حسن من حيث ~~أنه يقتضيه جوهر الحديد وإن كان قبيحا من حيث | فوت بنية إنسان ، لكن فيها ~~شر بمعنى حدوث شيء غيره أوفق بالمصلحة | منه باعتبار الآثار أو عدم حدوث ~~شيء آثاره محمودة ، وإذا تهيأت أسباب | هذا الشر اقتضت رحمة الله بعباده ~~ولطفه بهم وعموم قدرته على الكل | وشمول علمه بالكل أن يتصرف في تلك القوى ~~والأمور الحاملة لها بالقبض | والبسط والإحالة والإلهام ، حتى تفضى تلك ~~الجملة إلى الأمر المطلوب | أما القبض فمثاله ما ورد في الحديث أن الدجال ~~يريد أن يقتل العبد المؤمن | في المرة الثانية ، فلا يقدر الله عليه مع صحة ~~داعية القتل وسلامة أدواته | وأما البسط فمثاله أن الله تعالى أنبع عينا ~~لأيوب صلوات الله عليه بركضه | الأرض وليس بالعادة أن تقضي الركضة إلى نبوع ~~الماء ، وأقدر بعض | المخلصين من عباده في الجهاد على ما لا يتصوره العقل ~~من مثل تلك الأبدان | ولا من أضعافها ، وأما الأحالة ممثالها جعل النار ~~هواء طيبة لإبراهيم عليه | السلام ، وأما الإلهام فمثاله قصة خرق السفينة ~~وإقامة الجدار وقتل الغلام | وإنزال الكتب والشرائع على الأنبياء عليهم ~~السلام . . والإلهام تارة يكون | PageV01P026 | للمبتلى وتارة يكون لغيره ~~لاجله والقرآن العظيم بين أنواع التدبير بما | لا ms002 مزيد عليه . # # | ( باب ذكر عالم المثال ) # اعلم أنه دلت أحاديث كثيرة على أن في الوجود عالما غير عنصري | تتمثل فيه ~~المعاني بأجسام مناسبة لها في الصفة ، وتتحقق هنالك الأشياء قبل | وجودها ~~في الأرض نحوا من التحقق ، فإذا وجدت كانت هي هي بمعنى من | معاني هو هو ، ~~وإن كثير من الأشياء مما لا جسم لها عند العامة تنتقل وتنزل ، | ولا يراها ~~جميع الناس ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' لما خلق الله الرحم قامت | ~~فقالت هذا مكان العائذ بك من القطيعة ' ، وقال : ' أن البقرة وآل عمران | ~~تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف | ~~تحاجان عن أهلهما ' ، وقال : ' تجيء الأعمال يوم القيامة فتجيء الصلاة | ثم ~~تجيء الصدقة ، ثم يجيء الصيام ' الحديث ، وقال : ' أن المعروف والمنكر | ~~لخليقتان تنصبان للناس يوم القيامة ، فأما المعروف فيبشر أهله ، وأما ~~المنكر | فيقول : إليكم إليكم ، ولا يستطيعون له إلا لزوما ' وقال : ' أن ~~الله تعالى يبعث | الأيام يوم القيامة كهيئتها ، ويبعث الجمعة زهراء منيرة ~~' . # وقال : ' يؤتى بالدنيا يوم القيامة بصورة عجوز شمطاء زرقاء | أنيابها ، ~~مشوه خلقها ' وقال : ' هل ترون ما أرى ؟ فإني لأرى مواقع الفتن | خلال ~~بيوتكم كمواقع القطر ' وقال في حديث الإسراء : ' فإذا أربعة أنهار | نهران ~~باطنان ونهران ظاهران ، فقلت ، ما هذا يا جبريل ؟ قال : أما الباطنان | ففي ~~الجنة ، وأما الظاهران فالنيل والفرات ' وقال في حديث صلاة الكسوف : | ' ~~صورت لي الجنة والنار ' وفي لفظ ' بيني وبين جدار القبلة ' وفيه أنه بسط | ~~PageV01P027 | يده ليتناول عنقودا من الجنة ، وأنه تكعكع من النار ، ونفخ ~~في حرها | ورأى فيها سارق الحجيج ، والمرأة التي ربطة الهرة حتى ماتت ، ~~ورأى | في الجنة امرأة مومسة سقت الكلب ، ومعلوم أن تلك المسافة لا تتسع | ~~للجنة والنار بأجسادهما المعلومة عند العامة . وقال : ' حفت الجنة بالمكاره ~~| وحفت النار بالشهوات ' ثم أمر جبريل أن ينظر إليهما وقال : ' ينزل | ينزل ~~البلاء فيعالجه الدعاء ' . وقال : ' خلق الله العقل فقال له : أقبل فأقبل | ~~وقال له أدبر فأدبر ' . وقال : ' هذان كتابان من رب العالمين ' الحديث ، | ~~وقال : ' يؤتى بالموت ms003 كأنه كبش ، فيذبح بين الجنة والنار ' ، وقال تعالى : # @QB@ فأرسلنا إليها روحنا فتمثل لها بشرا سويا @QE@ . # واستفاض في الحديث أن جبريل كان يظهر للنبي صلى الله عليه وسلم | ويتراءى ~~له فيكلمه ، ولا يراه سائر الناس ، وأن القبر يفسح سبعين ذراعا | في سبعين ~~أو يضم حتى تختلف أضلاع المقبور وأن الملائكة تنزل على المقبور ، | فتسأله ~~وأن عمله يتمثل له ، وأن الملائكة تنزل إلى المحتضر بأيديهم الحرير | أو ~~المسح وأن الملائكة تضرب المقبور بمطرقة من حديد ، فيصيح صيحة يسمعها | ما ~~بين المشرق والمغرب ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' ليسلط على الكافر ~~| في قبره تسعة وتسعون تنينا تنهسه ، وتلدغه حتى تقوم الساعة ، وقال : ' ~~وإذا | أدخل الميت القبر مثلت له الشمس عند غروبها ، فيجلس يمسح عينيه ، ~~ويقول : | ' دعوني أصلي ' واستفاض في الحديث : أن الله تعالى يتجلى بصور ~~كثيرة | لأهل الموقف ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يدخل على ربه وهو على ~~كرسيه | وأن الله تعالى يكلم ابن آدم شفاها إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة . ~~| PageV01P028 # والناظر في هذه الأحاديث بين إحدى ثلاثة : إما أن يقر بظاهرها | فيضطر ~~إلى إثبات عالم ذكرنا شأنه وهذه هي التي تقتضيها قاعدة أهل الحديث | نبه ~~على ذلك السيوطي رحمه الله تعالى ، وبها أقول ، وإليها أذهب ، أو يقول : | ~~أن هذه الوقائع تتراءى لحس الرائي ، وتتمثل له في بصره ، وإن لم تكن | خارج ~~حسه ، وقال بنظير ذلك عبد الله بن مسعود في قوله تعالى : # @QB@ يوم تأتي السماء بدخان مبين @QE@ . # أنهم أصابهم جدب فكان أحدهم ينظر إلى السماء ، فيرى كهيئة | الدخان من ~~الجوع ، ويذكر عن ابن الماجشون أن كل حديث جاء في | التنقل والرؤية في ~~المحشر ، فمعناه أنه يغير أبصار خلقه ، فيرونه نازلا متجليا | ويناجي خلقه ~~، ويخاطبهم وهو غير متغير عن عظمته ولا منتقل ليعلموا | أن الله على كل شيء ~~قدير ، أو يجعلها تمثيلا لتفهم معان أخرى ، ولست أرى | المقتصر على الثالثة ~~من أهل الحق ، وقد صور الإمام الغزالي في عذاب | القبر تلك المقامات الثلاث ~~حين قال : أمثال هذه الأخبار لها ms004 ظواهر | صحيحة وأسرار خفية ، ولكنها عند ~~أرباب البصائر واضحة ، فمن لم ينكشف له | حقائقها ، فلا ينبغي أن ينكر ~~ظواهرها ، بل أقل درجات الإيمان التسليم | والتصديق ( فإن قلت ) فنحن نشاهد ~~الكافر في قبره مدة ، ونراقبه ، ولا نشاهد | شيئا من ذلك ، فما وجه التصديق ~~على خلاف المشاهدة # ( فاعلم ) أن لك ثلاث مقامات في التصديق بأمثال هذا : # أحدها وهو الأظهر والأصلح والأسلم : أن تصدق بأنها موجودة ، | وهي تلدغ ~~الميت ، ولكنك لا تشاهد ذلك فإن هذه العين لا تصلح لمشاهدة | الأمور ~~الملكوتية ، وكل ما يتعلق في بالآخرة فهو في علم الملكوت . . أما ترى | ~~الصحابة رضي الله عنهم كيف كانوا يؤمنون بنزول جبريل عليه السلام ، | ~~PageV01P029 | وما كانوا يشاهدونه ، ويؤمنون بأنه عليه السلام يشاهده ، فإن ~~كنت | لا تؤمن بهذا فتصحيح أصل الإيمان بالملائكة والوحي أهم عليك وإن كنت ~~| آمنت به ، وجوزت أن يشاهد النبي صلى الله عليه وسلم ما لا تشاهده الأمة ، ~~| فكيف لا تجوز هذا في الميت ، وكما أن الملك لا يشبه الآدميين والحيوانات ~~، | فالحياة والعقارب التي تلدغ في القبر ليست من جنس حيات عالمنا ، بل هي ~~| جنس آخر ، وتدرك بحاسة أخرى . # المقام الثاني : أن تتذكر أمر النائم ، وأنه قد يرى في نومه حية تلدغه ، ~~| وهو يتألم بذلك حتى تراه ربما يصيح ويعرق جبينه ، وقد ينزعج من مكانه | ~~كل ذلك يدركه من نفسه ويتأذى به كما يتأذى اليقظان وهو يشاهده ، | وأنت ترى ~~ظاهره ساكنا ولا ترى حواليه حية ولا عقربا ، والحية موجودة | في حقه ~~والعذاب حاصل ولكنه في حقك غير مشاهد ، وإذا كان العذاب | في ألم اللدغ فلا ~~فرق بين حية تتخلل أو تشاهد . # المقام الثالث : إنك تعلم أن الحية بنفسها لا تؤلم بل الذي يلقاك منها | ~~هو ألم السم ، | ثم السم ليس هو الألم ، بل عذابك في الأثر الذي يحصل فيك | ~~من السم ، فلو حصل مثل ذلك الأثر من غير سم لكان العذاب قد توفر | وكان لا ~~يمكن تعريف ذلك النوع من العذاب إلا بأن يضاف إلى السبب | الذي يفضى إليه ~~في العادة ، فإنه ms005 لو خلق في الإنسان لذة الوقاع مثلا من | غير مباشرة صورة ~~الوقاع لم يمكن تعريفها إلا بالإضافة إليه لتكون الإضافة | للتعريف بالسبب ~~وتكون ثمرة السبب حاصلة وإن لم تحصل صورة السبب ، | والسبب يراد لثمرته لا ~~لذاته ، وهذه الصفات المهلكات تنقلب مهلكات | مؤذيات ومؤلمات في النفس عند ~~الموت فيكون آلامها كآلام لدغ الحيات | من غير وجودها . انتهى | ~~PageV01P030 # # | ( باب ذكر الملأ الأعلى ) # قال الله تعالى : # ^ ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم | ويؤمنون به ~~ويستغفرون للذين آمنوا ربنا وسعت كل شيء | رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا ~~واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم | ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن ~~صلح من آبائهم | وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم وقهم السيئات | ~~ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم ) ^ . # وقال رسول صلى الله عليه وسلم : # ' إذا قضى الله تعالى الأمر في السماء ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانا | ~~لقوله ، كأنه صلصة على صفوان فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : | ماذا قال ربكم ؟ ~~قالوا : الحق وهو العلي الكبير ' وفي رواية ' إذا قضى | أمرا سبح حملة ~~العرش ، ثم يسبح أهل السماء الذين يلونهم ، حتى يبلغ | التسبيح أهل هذه ~~السماء الدنيا ، ثم قال : الذين يلون حملة العرش ، لحملة | العرش ماذا قال ~~ربكم ؟ فيخبرونهم ماذا قال ، فيستخبر بعض أهل السموات | بعضا حتى يبلغ ~~الخبر أهل هذه السماء ' وقال رسول صلى الله عليه وسلم : # ' إني قمت من الليل ، فتوضأت ، وصليت ما قدر لي ، فنعست في صلاتي حتى | ~~PageV01P031 | استثقلت ، فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة فقال : ~~يا محمد قلت : | لبيك رب قال فيما يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت : لا أدري ~~قالها ثلاثا . قال : | فرأيته وضع كفه بين كتفي حتى وجدت برد أنامله من ~~ثديي ، فتجلى لي | كل شيء وعرفت . فقال : يا محمد قلت : لبيك رب . قال : ~~فيم يختصم الملأ | الأعلى ؟ قلت : في الكفارات . قال : وما هن ؟ قلت : مشي ~~الأقدام إلى الجماعات | والجلوس في المساجد بعد الصلوات ، وإسباغ الوضوء ~~حين الكريهات . | قال : ثم فيم ؟ قال : قلت : في الدرجات ؟ قال : وما ms006 هن ؟ ~~قلت : إطعام الطعام | ولين الكلام ، والصلاة بالليل والناس نيام ' وقال ~~رسول صلى الله عليه وسلم | : ' أن الله إذا أحب عبدا دعا جبرائيل فقال : ~~إني أحب فلانا فأحبه . | قال : فيحبه جبرائيل . ثم ينادي في السماء فيقول : ~~أن الله يحب فلانا فأحبوه ، | فيحبه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في ~~الأرض . وإذا أبغض عبدا دعا | جبرائيل فيقول إني أبغض فلان فأبغضه قال : ~~فيبغضه جبرائيل ثم ينادي في | أهل السماء أن الله يبغض فلانا فأبغضوه قال ~~فيبغضونه ثم يوضع له البغضاء | في الأرض ' وقال رسول صلى الله عليه وسلم : # ' الملائكة يصلون على أحدكم ما دام في مجلسه الذي صلى فيه يقولون : | ~~اللهم ارحمه اللهم اغفر له اللهم تب عليه ما لم يؤذ فيه ، ما لم يحدث فيه ' ~~| وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم . ' ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ~~وملكان | ينزلان فيقول أحدهما : اللهم أعط منفقا خلفا ويقول : الآخر اللهم ~~| أعط ممسكا تلفا ' . # اعلم أنه قد استفاض من الشرع : أن لله تعالى عبادا هم أفاضل الملائكة | ~~ومقربو الحضرة لا يزالون يدعون لمن أصلح نفسه ، وهذبها ، وسعى في إصلاح | ~~الناس فيكون دعاؤهم ذلك سبب نزول البركات عليهم ، ويلعنون من عصى | ~~PageV01P032 | الله ، وسعى في الفساد ، فيكون لعنهم سببا لوجود حسرة وندامة ~~في نفس | العامل ، وإلهامات في صدور الملأ السافل أن يبغضوا هذا المسيء ، ~~ويسيئوا | إليه ، أما في الدنيا ، أو حين يتخفف عنه جلباب بدنه بالموت ~~الطبيعي ، وأنهم | يكونون سفراء بين الله وبين عباده ، وأنهم يلهمون في ~~قلوب بني آدم خيرا | أي يكونون أسبابا لحدوث خواطر الخير فيهم بوجه من وجوه ~~السببية ، | وأن لهم اجتماعات كيف شاء الله وحيث شاء الله يعبر عنهم ~~باعتبار ذلك | بالرفيق الأعلى ، والندى الأعلى والملأ الأعلى وأن الأرواح ~~أفاضل | الآدميين دخولا فيهم ولحوقا بهم كما قال الله تعالى : # @QB@ يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي ~~وادخلي جنتي @QE@ . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' رأيت جعفر بن أبي طالب ملكا يطير في الجنة ms007 مع الملائكة بجناحين ' # وأن هنالك ينزل القضاء ، ويتعين الأمر المشار إليه في قوله تعالى : # @QB@ فيها يفرق كل أمر حكيم @QE@ . # وأن هنالك يتقرر الشرائع بوجه من الوجوه . # واعلم أن الملأ الأعلى ثلاثة أقسام : قسم علم الحق أن نظام الخير | يتوقف ~~عليهم ، فخلق أجساما نورية بمنزلة نار موسى ، فنفخ فيها نفوس كريمة . # وقسم اتفق حدوث مزاج في البخارات اللطيفة من العناصر استوجب | فيضان نفوس ~~شاهقة شديدة الرفض للألواث البهيمية . # وقسم هم نفوس إنسانية قريبة المأخذ من الملأ الأعلى ما زالت تعمل | ~~PageV01P033 | أعمالا منجية تفيد اللحوق بهم حتى طرحت عنهم جلابيب أبدانها ~~، فانسلكت | في سلكهم وعدت منهم ، والملأ الأعلى شأنها أنها تتوجه إلى ~~بارئها توجها | ممعنا لا يصدها عن ذلك التفات إلى شيء وهو معنى قوله تعالى ~~: # @QB@ يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به @QE@ . # وتتلقى من ربها استحسان النظام الصالح واستهجان خلافه ، فيقرع | ذلك باب ~~من أبواب الجود الإلهي وهو معنى قوله تعالى : # @QB@ ويستغفرون للذين آمنوا @QE@ . # وأفضالهم تجتمع أنوارهم ، وتتداخل فيما بينها عند الروح الذي وصفه | ~~النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة الوجوه والألسنة ، فتصير هنالك كشيء واحد | ~~وتسمى حظيرة القدس ، وربما حصل في حظيرة القدس إجماع على إقامة | حيلة ~~لنجاة بني آدم من الدواهي المعاشية والمعادية بتكميل أزكى خلق الله | يومئذ ~~وتمشية أمره في الناس ، فيوجب ذلك إلهامات في قلوب المستعدين | من الناس أن ~~يتبعوه ، ويكونوا أمة أخرجت للناس ، ويوجب تمثل علوم | فيها صلاح القوم ~~وهداهم في قلبه وحيا ورؤيا وهتفا ، وأن تتراءى له | فتكلمه شفاها ، ويوجب ~~نصر أحبائه وتقريبهم من كل خير ولعن من صد | عن سبيل الله وتقريبهم من كل ~~ألم ، وهذا أصل من أصول النبوة ، ويسمى | إجماعهم المستمر بتأييد روح القدس ~~، ويثمر هنالك بركات لم تعهد في العادة | فتسمى بالمعجزات . # ودون هؤلاء نفوس استوجب فيضانها حدوث مزاج معتدل في | بخارات لطيفة لم ~~تبلغ بهم السعادة مبلغ الأولين ، فصار كما لهم أن تكون | PageV01P034 | ~~فارغة لانتظار ما يترشح من فوقها ، فإذا ترشح شيء بحسب استعداد القابل | ~~وتأثير الفاعل انبعثوا إلى تلك الأمور كما ms008 تنبعث الطيور والبهائم بالدواعي ~~| الطبيعية ، وهم في ذلك فانون عما يرجع إلى أنفسهم ، باقون بما ألهموا من ~~فوقهم | فيؤثرون في قلوب البشر والبهائم ، فتنقلب إرادتها وأحاديث نفوسها ~~إلى | ما يناسب الأمر المراد ، ويؤثرون في بعض الأشياء الطبيعية في تضاعيف ~~| حركاتها وتحولاتها ، كما يدحرج حجر ، فأثر فيه ملك كريم عند ذلك ، فمشى ~~في | الأرض أكثر مما يتصور في العادة ، وربما ألقى الصياد شبكة في النهر ، ~~فجاءت | أفواج من الملائكة تلهم في قلب هذه السمكة أن تقتحم ، وهذه أن تهرب ~~| وتقبض حبلا ، وتبسط أخرى ، وهي لا تعلم لما تفعل ذلك ، ولكن تتبع | ما ~~ألهمت وربما تقاتلت فئتان ، فجاءت الملائكة تزين في قلوب هذه الشجاعة | ~~والثبات بأحاديث وخيالات يقتضيها المقام ، وتلهم حيل الغلبة ، وتؤيد في | ~~الرمى وأشباهه ، وفي قلوب تلك أضداد هذه الخصال ليقضي الله أمرا كان | ~~مفعولا ، وربما كان المترشح إيلام نفس إنسانية أو تنعيمها ، فسعت الملائكة ~~| كل سعي ، وذهبت كل مذهب ممكن ، وبإزاء أولئك آخرون أولو خفة | وطيش ~~وأفكار مضادة للخير أوجب حدوثهم تعفن بخارات ظلمانية هم | الشياطين لا ~~يزالون يسعون في أضداد ما سعت الملائكة فيه والله أعلم . # # | ( باب ذكر سنة الله التي أشير إليها في قوله تعالى | @QB@ ولن تجد لسنة ~~الله تبديلا @QE@ ) # اعلم أن بعض أفعال الله يترتب على القوى المودعة في العالم بوجه من | ~~وجوه الترتب ، شهد بذلك النقل والعقل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' أن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض ، فجاء بنو آدم | على قدر ~~الأرض ، منهم الأحمر والأبيض والأسود ، وبين ذلك ، والسهل | والحزن ، ~~والخبيث والطيب ، وسأله عبد الله بن سلام ما ينزع الولد إلى | أبيه أو إلى ~~أمه ؟ فقال : | PageV01P035 # إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد وإذا سبق ماء المرأة ماء | الرجل ~~نزعت ' . # ولا أرى أحدا يشك في أن الإماتة تستند إلى الضرب بالسيف أو أكل | السم ، ~~وأن خلق الولد في الرحم يكون عقيب صب المني ، وأن خلق الحبوب | والأشجار ~~يكون عقيب البذر والغرس والسقي ، ولأجل هذه الاستطاعة | جاء ms009 التكليف ، ~~وأمروا ، ونهوا ، وجوزوا بما عملوا ، فتلك القوى منها | خواص العناصر ~~وطبائعها ، ومنها الأحكام التي أودعها الله في كل صورة | نوعية ، ومنها ~~أحوال عالم المثال والوجود المقضي به هنالك قبل الوجود | الأرضي ، ومنها ~~أدعية الملأ الأعلى بجهد هممهم لمن هذب نفسه ، أو سعى في | إصلاح الناس ، ~~وعلى من خالف ذلك ، ومنها الشرائع المكتوبة على بني آدم | وتحقق الإيجاب ~~والتحريم فإنها سبب ثواب المطيع وعقاب العاصي ، ومنها أن | يقضي الله تعالى ~~بشيء ، فيجر ذلك الشيء شيئا آخر لأنه لازمه في سنة الله ، وخرم نظام اللزوم ~~غير مرضي ، والأصل فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل له إليها حاجة ' فكل ذلك | نطقت به ~~الأخبار ، وأوجبته ضرورة العقل . # واعلم أنه إذا تعارضت الأسباب التي يترتب عليها القضاء بحسب جري | العادة ~~، ولم يمكن وجود مقتضياتها أجمع - وكانت الحكمة حينئذ مراعاة أقرب | ~~الأشياء إلى الخير المطلق وهذا هو المعبر عنه بالميزان في قوله صلى الله ~~عليه وسلم : # ' بيده الميزان يرفع القسط ويخفضه ' وبالشأن في قوله تعالى : # @QB@ كل يوم هو في شأن @QE@ . | PageV01P036 # ثم الترجيح يكون تارة بحال الأسباب أيها أقوى ، وتارة بحال الآثار | ~~المترتبة أيها أنفع ، وبتقديم باب الخلق على باب التدبير ونحو ذلك من ~~الوجوه ، | فنحن أن قصر علمنا عن إحاطة الأسباب ومعرفة الأحق عن تعارضها | ~~نعلم قطعا أنه لا يوجد شيء إلا وهو أحق بأن يوجد ، ومن أيقن بما ذكرنا | ~~استراح عن اشكالات كثيرة . # أما هيآت الكواكب فمن تأثيرها ما يكون ضروريا كاختلاف الصيف | والشتاء ~~وطول النهار وقصره باختلاف أحوال الشمس وكاختلاف الجزر | والمد باختلاف ~~أحوال القمر ، وجاء في الحديث : # ' إذا طلع النجم ارتفعت العاهة ' يعني بحسب جري العادة لكن | كون الفقر ~~والغنى والجدب والخصب وسائر حوادث البشر بسبب حركات | الكواكب فمما لم يثبت ~~في الشرع ، قد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن | الخوض في ذلك فقال : ' من ~~اقتبس شعبة من النجوم اقتبس شعبة من | السحر ' وشدد في قول : مطرنا بنوء ~~كذا ولا أقول ms010 نصت الشريعة على | أن الله لم يجعل في النجوم خواص تتولد منها ~~الحوادث بواسطة تغير | الهواء المكتنف بالناس ونحو ذلك ، وأنت خبير بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم | نهى عن الكهانة وهي الأخبار عمن الجن ، وبرئ من ~~أتى كاهنا وصدقه ، ثم | لما سئل عن حال الكهان أخبر أن الملائكة تنزل في ~~العنان فتذكر الأمر | قضي في السماء ، فتسترق الشياطين السمع ، فتوحيه إلى ~~الكهان ، فيكذبون معها | مائة كذبة وأن الله تعالى قال : # ^ ( يأيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا | لإخوانهم إذا ~~ضربوا في الأرض أو كانوا غزى ولو كانوا عندنا | ما ماتوا وما قتلوا ) ^ . | ~~PageV01P037 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' لن يدخل أحدكم الجنة عمله ' | ~~وقال : ' إنما أنت رفيق والطبيب الله ' وبالجملة فالنهي يدور على مصالح | ~~كثيرة والله أعلم . # # | ( باب حقيقة الروح ) # قال الله تعالى : # @QB@ يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا ~~قليلا @QE@ . # وقرأ الأعمش عن رواية ابن مسعود ( وما أوتوا من العلم إلا قليلا ) | ~~ويعلم من هنالك أن الخطاب لليهود والسائلين عن الروح وليست الآية نصافي | ~~إنه لا يعلم أحد من الأمة المرحومة حقيقة الروح كما يظن ، وليس كل ماسكت | ~~عنه الشرع لا يمكن معرفته البتة ، بل كثيرا ما يسكت عنه لأجل أنه معرفة | ~~دقيقة لا يصلح لتعاطيها جمهور الأمة وأن أمكن لبعضهم . # واعلم أن الروح أول ما يدرك من حقيقتها أنها مبدأ الحياة في الحيوان | ~~وأنه يكون حيا بنفخ الروح فيه ، ويكون ميتا بمفارقتها منه ، ثم إذا أمعن في ~~| التأمل ينجلي أن في البدن بخارا لطيفا متولدا في القلب من خلاصة الأخلاط ~~| يحمل القوى الحساسة والمحركة والمدبرة للغذاء يجري في حكم الطب ، | وتكشف ~~التجربة أن لكل من أحوال هذا البخار من رقته وغلظه وصفائه | وكدرته أثرا ~~خاصا في القوى والأفاعيل المنبجسة من تلك القوى وأن | الآفة الطارئة على كل ~~عضو وعلى توليد البخار المناسب له تفسد هذا البخار ، | وتشوش أفاعيله ~~ويستلزم تكونه الحياة ، وتحلله الموت فهو الروح في أول | النظر ، والطبقة ms011 ~~السفلى من الروح في النظر الممعن ، مثله في البدن كمثل ماء | PageV01P038 | ~~الورد وكمثل النار في الفحم ، ثم إذا أمعن في النظر أيضا أنجلى أن هذا ~~الروح | مطية للروح الحقيقية ومادة لتعلقها ، وذلك أنا نرى الطفل يشب ، ~~ويشيب ، | وتتبدل أخلاط بدنه والروح المتولدة من تلك الأخلاط أكثر من ألف | ~~مرة ، ويصغر تارة ، ويكبر أخرى ، ويسود تارة ويبيض أخرى ، ويكون | جاهلا ~~مرة وعالما أخرى إلى غير ذلك من الأوصاف المتبدلة والشخص | هو هو ، وإن ~~نوقش في بعض ذلك فلنا أن نفرض تلك التغيرات والطفل | هو هو ، أو نقول لا ~~نجزم ببقاء تلك الأوصاف بحالها ، ونجزم ببقائه فهو غيرها فالشيء الذي هو به ~~هو ليس هذا الروح ، ولا هذا البدن ، | ولا هذه المشخصات التي تعرف ، وترى ~~ببادئ الرأي ، بل الروح في الحقيقة | حقيقة فردانية ونقطة نورانية يجل ~~طورها عن طور هذه الأطوار المتغيرة | المتغايرة التي بعضها جواهر وبعضها ~~أعراض وهي مع الصغير كما هي مع | الكبير ومع الأسود كما هي مع الأبيض إلى ~~غير ذلك من المتقابلات ، ولها تعلق | خاص بالروح الهوائي ، أولا وبالبدن ~~ثانيا من حيث إن البدن مطية النسمة | وهي كوة من عالم القدس ينزل منها على ~~النسمة كل ما استعدت له ، | فالأمور المتغيرة إنما جاء تغيرها من قبل ~~الاستعدادات الأرضية بمنزلة | حر الشمس يبيض الثوب ويسود القصار وقد تحقق ~~عندنا بالوجدان | الصحيح أن الموت انفكاك النسمة ، عن البدن لفقد استعداد ~~البدن لتوليدها | لا انفكاك الروح القدسي عن النسمة ، وإذا تحللت النسمة في ~~الأمراض المدنفة | وجب في حكمة الله أن يبقى الشيء من النسمة بقدر ما يصح ~~ارتباط الروح | الإلهي بها ، كما أنك إذا مصصت الهواء من القارورة تخلل ~~الهواء حتى تبلغ | إلى حد لا تخلل بعده ، فلا تستطيع المص ، أو تنفقئ ~~القارورة ، وما ذلك | إلا لسر ناشئ من طبيعة الهواء ، فكذلك سر في النسمة ~~وحد لها لا يجاوزهما | الأمر ، وإذا مات الإنسان كان للنسمة نشأة أخرى ~~فينشئ فيض الروح الإلهي | PageV01P039 | فيها قوة فيما بقي من الحس المشترك ~~تكفي كفاية السمع ms012 والبصر والكلام | بمدد من عالم المثال أعني القوة ~~المتوسطة بين المجرد والمحسوس المنبثة في | الافلاك كشيء واحد ، وربما ~~تستعد النسمة حينئذ للباس نوراني أو ظلماني | بمدد من عالم المثال ، ومن ~~هنالك تتولد عجائب عالم البرزخ ، ثم إذا نفخ في | الصور أي جاء فيض عام من ~~بارئ الصور بمنزلة الفيض الذي كان منه في | بدء الخلق حين نفخت الأرواح في ~~الأجساد ، وأسس عالم المواليد أوجب | فيض الروح الإلهي أن يكتسي لباسا ~~جسمانيا أو لباسا بين المثال والجسم | فيتحقق جميع ما أخبر به الصادق ~~المصدوق عليه أفضل الصلوات وأيمن | التحيات ، ولما كانت النسمة برزخا ~~متوسطا بين الروح الإلهي والبدن | الأرضي وجب أن يكون لهالا وجه إلى هذا ، ~~ووجه إلى ذلك ، والوجه المائل | إلى القدس هو الملكية ، والوجه المائل إلى ~~الأرض هو البهيمية ، ولنقتصر | من حقيقة الروح على هذه المقدمات لتسلم في ~~هذا العلم ، وتفرع عليها | التفاريع قبل أن ينكشف الحجاب في علم أعلى من ~~هذا العلم والله أعلم . | # | ( باب سر التكليف ) # قال الله تعالى : # @QB@ إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها ~~وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان ~~الله غفورا رحيما @QE@ # نبه الغزالي والبيضاوي وغيرهما على أن المراد بالأمانة تقلد عهدة | ~~PageV01P040 | التكليف بأن تتعرض لخطر الثواب والعقاب بالطاعة والمعصية ، ~~وبعرضها | عليهن اعتبارها بالإضافة إلى استعدادهن ، وبإبائهن الآباء ~~الطبيعي الذي هو | عدم اللياقة والاستعداد ، وبحمل الإنسان قابليته ~~واستعداده لها . # أقول وعلى هذا فقوله تعالى @QB@ إنه كان ظلوما جهولا @QE@ خرج مخرج | ~~التعليل ؛ فإن الظلوم من لا يكون عادلا ، ومن شأنه أن يعدل ، والجهول من | ~~لا يكون عالما ، ومن شأنه أن يعلم ، وغير الآدمي إما عالم عادل لا يتطرق ~~إليه | الظلم والجهل كالملائكة ، وإما ليس بعادل ولا عالم ولا من شأنه أن ~~يكسبها | كالبهائم ، وإنما يليق بالتكليف ، ويستعد له من كان له كمال ~~بالقوة لا بالفعل ، | واللام في قوله تعالى @QB@ ليعذب @QE@ لام العاقبة ~~كأنه قال عاقبة حمل الأمانة | التعذيب ms013 والتنعيم ، وإن شئت أن تستجلي حقيقة ~~الحال فعليك أن تتصور | حال الملائكة في تجردها لا يزعجها حالة ناشئة من ~~تفريط القوة البهيمية | كالجوع والعطش والخوف والحزن ، أو إفراطها كالشبق ~~والغضب والتيه | ولا يهمها التغذية والتنمية ولو أحقهما ، وإنما تبقى فارغة ~~لانتظار ما يرد عليها | من فوقها ، فإذا ترشح عليها أمر من فوقها من إجماع ~~على إقامة نظام مطلوب | أو رضا من شيء ، أو بغض شيء امتلأت به ، وانقادت له ~~، وانبعثت إلى مقتضاه | وهي في ذلك فانية عن مراد نفسها باقية بمراد ما ~~فوقها ، ثم تتصور حال | البهائم في تلطخها بالهيآت الخسيسة لا تزال مشغوفة ~~بمقتضيات الطبيعة فانية | فيها لا تنبعث إلى شيء إلا انبعاثا بهيميا يرجع ~~إلى نفع جسدي واندفاع إلى | ما تعطيه الطبيعة فقط . | PageV01P041 # ثم تعلم أن الله تعالى قد أودع الإنسان بحكمته الباهرة قوتين : قوة ملكية ~~| تتشعب من فيض الروح المخصوصة بالإنسان على الروح الطبيعية السارية | في ~~البدن وقبولها ذلك الفيض وانقهارها له ، وقوة بهيمية تتشعب من النفس | ~~الحيوانية المشترك فيها كل حيوان المتشبحة بالقوى القائمة بالروح الطبيعية ~~| واستقلالها بنفسها وإذعان الروح الإنسانية لها وقبولها الحكم منها ، ثم ~~تعلم | أن بين القوتين تزاحما وتجاذبا ، فهذه تجذب إلى العلو دون تلك إلى ~~السفل | وإذا برزت البهيمية ، وغلبت آثارها كمنت الملكية ، وكذلك العكس ، ~~وأن | للباري جل شأنه عناية بكل نظام ، وجودا بكل ما يسأله الاستعداد ~~الأصلي | والكسبي ، فإن كسب هيآت بهيمية أمد فيها ، ويسر له ما يناسبها ، ~~وإن | كسب هيآت ملكية أمد فيها ، ويسر له ما يناسبها كما قال الله عز وجل . # @QB@ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل ~~واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى @QE@ . | وقال : @QB@ كلا نمد هؤلاء ~~وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا @QE@ . # وأن لكل قوة لذة وألما ، فاللذة أدراك ما يلائمها ، والألم إدراك ما ~~يخالفها | وما أشبه حال الإنسان بحال من استعمل مخدرا في بدنه ، فلم يجد ~~ألم لفح النار | حتى إذا ضعف أثره ، ورجع إلى ما تعطيه الطبيعة وجد الألم ms014 ~~أشد ما يكون | أو بحال الورد على ما ذكره الأطباء أن فيه ثلاث قوى : قوة ~~أرضية تظهر | عند السحق والطلاء ، وقوة مائية تظهر عند العصر والشرب ، وقوة ~~| هوائية تظهر عند الشم ، فتبين أن التكليف من مقتضيات النوع ، وأن الإنسان ~~| يسأل ربه بلسان استعداده أن يوجب عليه ما يناسب القوة الملكية ، ثم يثيب ~~| على ذلك ، وأن يحرم عليه الانهماك في البهيمية ، ويعاقب على ذلك والله ~~أعلم . | PageV01P042 | # | ( باب انشقاق التكليف من التقدير ) # اعلم أن لله تعالى آيات في خلقه يهتدي الناظر فيها إلى أن الله له الحجة ~~| البالغة في تكليفه لعباده بالشرائع ، فانظر إلى الأشجار وأوراقها ~~وأزهارها | وثمراتها ، وما في كل ذلك من الكيفيات المبصرة والمذوقة وغيرها ~~، | فإنه جعل لكل نوع أوراقا بشكل خاص ، وأزهارا بلون خاص ، وثمارا | مختصة ~~بطعوم ، وبتلك الأمور يعرف أن هذا الفرد من نوع كذا وكذا ، | وهذه كلها ~~تابعة للصورة النوعية ملتوية معها إنما تجيء من حيث جاءت | الصورة النوعية ~~، وقضاء الله تعالى بأن تكون هذه المادة نخلة مثلا مشتبك | مع قضائه ~~التفصيلي بأن تكون ثمرتها كذا وخواصها كذا . # ومن خواص النوع ما يدركه كل من له بال ، ومن خواصه ما لا يدركه | إلا ~~الألمعي الفطن كتأثير الياقوت في نفس حامله بالتفريح والتشجيع ، ومن | ~~خواصه ما يعم كل الأفراد ، ومن خواصه ما لا يوجد إلا في بعضها حيث | تستعد ~~المادة ، كالأهليلج الذي يسهل بطن من قبض عليه بيده ، وليس | لك أن تقول ~~لما كانت ثمرة النخل على هذه الصفة ؟ فإنه سؤال باطل لأن | وجود لوازم ~~الماهيات معها لا يطلب ( بلم ، ثم أنظر إلى أصناف الحيوان | تجد لكل نوع ~~شكلا وخلقة ، كما تجد في الأشجار ، وتجد مع ذلك لها حركات | اختيارية ، ~~وإلهامات طبيعية ، وتدبيرات جبلية يمتاز كل نوع بها ، فبهيمة | الأنعام ~~ترعى الحشيش ، وتجتر ، والفرس والحمار والبغل ترعى الحشيش ، | ولا تجتر ، ~~والسباع تأكل اللحم ، والطير يطير في الهواء ، والسمك يسبح | في الماء ، ~~ولكل نوع من الحيوان صوت غير صوت الآخر ، ومسافدة | غير مسافدة الآخر ، ~~وحضانة للأولاد غير حضانة الآخر ms015 ، وشرح هذا | يطول ، وما ألهم نوعا من ~~الأنواع إلا علوما تناسب مزاجه ، وإلا ما يصلح | به ذلك النوع . | ~~PageV01P043 # وكل هذه الإلهامات تترشح عليه من جانب بارئها من كوة الصورة | النوعية ، ~~ومثلها كمثل تخاطيط الأزهار ، وطعوم الثمرات في تشابكها مع | الصورة ~~النوعية ، ومن أحكام النوع ما يعم الأفراد ، ومنها ما لا يوجد إلا | في ~~البعض حيث تستعد المادة ، وتتفق الأسباب ، وإن كان أصل الاستعداد | يعم ~~الكل ، كاليعسوب من بين النحل ، والببغاء يتعلم محاكاة أصوات الناس | بعد ~~تعليم وتمرين ، ثم أنظر إلى نوع الإنسان تجد له ما وجدت في الأشجار ، وما ~~وجدت في أصناف الحيوان كالسعال والتمطي والجشاء ودفع الفضلات | ومص الثدي ~~في أول نشأته ، وتجد مع ذلك فيه خواص يمتاز بها من سائر | الحيوان : منها ~~النطق ، وفهم الخطاب ، وتوليد العلوم الكسبية من ترتيب | المقدمات البديهية ~~، أو من التجربة والاستقراء والحدس ومن الاهتمام | بأمور يستحسنها بعقله ، ~~ولا يجدها بحسه ، ولا وهمه ، كتهذيب النفس ، | وتسخير الأقاليم تحت حكمه ، ~~ولذلك يتوارد على أصول هذه الأمور جميع | الأمم حتى سكان شواهق الجبال ، ~~وما ذلك إلا لسر ناشئ من جذر صورته | النوعية ، وذلك السر أن مزاج الإنسان ~~يقتضي أن يكون عقله قاهرا على | قلبه ، وقلبه قاهرا على نفسه . # ثم انظر إلى تدبير الحق لكل نوع ، وتربيته إياه ، ولطفه به ، فلما كان | ~~النبات لا يحس ، ولا يتحرك جعل له عروقا تمص المادة المجتمعة من الماء | ~~والهواء ولطيف التراب ، ثم يفرقها في الأغصان وغيرها على تقسيم تعطيه | ~~الصورة النوعية ، ولما كان الحيوان حساسا متحركا بالإرادة لم يجعل له عروقا ~~| تمص المادة من الأرض ، بل ألهمه طلب الحبوب والحشيش والماء من | مظانها ، ~~وألهمه جميع ما يحتاج إليه من الارتفاقات ، والنوع الذي لا يتكون | من ~~الأرض تكون الديدان منها دبر الله تعالى له بأن أودع فيه قوى التناسل ، | ~~PageV01P044 | وخلق في الأنثى رطوبة يصرفها إلى تربية الجنين ، ثم حولها ~~لبنا خالصا ، | وألهم المتولد مص الثدي وازدراد اللبن ، وجعل في الدجاجة ~~رطوبة | يصرفها إلى تكون البيض ، فإذا باضت أصابها يبس وخلو جوف ms016 يحملانها | ~~على جنون يستدعي ترك مخالطة بني نوعها ، واستحباب حضانة شيء تسد به | جوفها ~~، وجعل من طبع الحمامة الأنس بين ذكرها وأنثاها ، وجعل خلو | جوفها هو ~~الحامل على حضانة البيض ، ثم جعل رطوبتها البالية تتوجه | إلى التهوع ، ~~وجعل لها رحمة على الفرخ ، وجعل رحمتها مع الرطوبة | البالية سببا لتهوعها ~~ودفع الحبوب والماء إلى جوف فرخها ، وجعل الذكر | منها بسبب الأنس يقلد ~~أنثاها ، وخلق للفراخ مزاجا رطبا ثم حول رطوبتها | ريشا تطير به . # ولما كان الإنسان مع احساسه وقبوله للالهامات الجبلية والعلوم | الطبيعية ~~ذا عقل وتوليد للعلوم الكسبية - ألهمه الزرع والغرس والتجارة | والمعاملة ، ~~وجعل منهم السيد بالطبع والاتفاق ، والعبد بالطبع والاتفاق ، | وجعل منهم ~~الملوك والرعية ، وجعل منهم الحكيم المتكلم بالحكمة الإلهية | والطبيعية ~~والرياضية والعملية ، وجعل منهم الغني الذي لا يهتدي لذلك | إلا بضرب من ~~تقليد ، ولذلك ترى أمم الناس من أهل البوادي والحضر | متواردين على هذه . . ~~. ، وهذا كله شرح الخواص والتدبيرات الظاهرة المتعلقة | بقوته البهيمية ~~وارتفاقاته المعيشية ، ثم انتقل إلى قوته الملكية . # واعلم أن الإنسان ليس كسائر أنواع الحيوان ، بل له إدراك أشرف | من ~~إدراكاتهم ، ومن علومه التي يتوارد عليها أكثر أفراده غير من عصت | مادته ~~أحكام نوعه - التفتيش عن سبب إيجاده وتربيته ، والتنبيه بإثبات مدبر | ~~PageV01P045 | في العالم هو أوجده ورزقه ، والتضرع بين يدي بارئه ومدبره ~~بهمته وعلمه | حسب ما يتضرع إليه هو وجميع أبناء جنسه دائما سر مدا بلسان ~~الحال | وهو قوله تعالى : # ^ ( ألم ترى أن الله يسجد له من في السموات ومن في الأرض | والشمس والقمر ~~والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من | الناس وكثير حق عليه العذاب ) ^ ~~. # أليس أن كل جزء من الشجرة من أغصانها وأوراقها وأزهارها متكفف | يده إلى ~~النفس النباتية المدبرة في الشجرة دائما سر مدا ، فلو كان لكل جزء | منها ~~عقل لحمد النفس النباتية حمدا غير حمد الآخر ، ولو كان له فهم لا نطبع | ~~التكفف الحالي في علمه وصار تكففا بالهمة . # فاعلم من هناك أن الإنسان لما كان ذا عقل ذكي انطبع في نفسه التكفف | ~~العلمي ms017 حسب التكفف الحالي ، ومن خواصه أيضا أن يكون في نوع الإنسان | من له ~~خلوص إلى منبع العلوم العقلية يتلقاها منه وحيا أو حدسا أو رؤيا ، | وأن ~~يكون آخرون قد تفرسوا من هذا الكامل آثار الرشد والبركة ، | فانقادوا له ~~فيما يأمر ، وينهى ، وليس فرد من أفراد الإنسان إلا له قوة | للتخلص إلى ~~الغيب برؤيا يراها ، أو برأي يبصره ، أو هتيف يسمعه ، أو | حدس يتفطن له ، ~~إلا أن منهم الكامل ، ومنهم الناقص ، والناقص يحتاج | إلى الكامل ، وله ~~صفات يجل طورها عن طور صفات البهائم كالخشوع | والنظافة والعدالة والسماحة ~~، وكظهور بوارق الجبروت والملكوت من | استجابة الدعاء وسائر الكرامات ~~والأحوال والمقامات . | PageV01P046 # والأمور التي يمتاز بها الإنسان من سائر أفراد الحيوان كثيرة جدا | لكن ~~جماع الأمر وملاكه خصلتان : # أحدهما زيادة القوة العقلية ولها شعبتان شعبة غائصة في الارتفاقات | ~~لمصلحة نظام البشر واستنباط دقائقها ، وشعبة مستعدة للعلوم الغيبية الفائضة ~~| بطريق الوهب . # وثانيهما براعة القوة العملية ، ولها أيضا شعبتان : شعبة هي ابتلاعها | ~~للأعمال من طريق بلعوم اختيارها وإرادتها ، فالبهائم تفعل أفعالا | ~~بالاختيار ، ولا تدخل أفعالا في جدر أنفسها ، ولا تتلون أنفسها بأرواح | ~~تلك الأفعال ، وإنما تلتصق بالقوى القائمة بالروح الهوائي فقط ، فيسهل | ~~عليها صدور أمثالها . # والإنسان يفعل أفعالا ، فتفنى الأفعال ، وتنزع منها أرواحها ، فتبلعها | ~~النفس ، فيظهر في النفس إما نور وإما ظلم ، وقول الشرع شرط المؤاخذة | على ~~الأفعال أن يفعلها بالاختيار بمنزلة قول الطبيب شرط الضرر بالسم | ~~والانتفاع بالترياق أن يدخلا في البلعوم ، وينزلا في الجوف ، وأمارة ما ~~قلنا | أن النفس الإنسانية تبلع من أرواح الأعمال ما اتفق عليه أمم بني آدم ~~من | عمل الرياضات والعبادات ومعرفة أنوار كل ذلك وجدانا ، ومن الكف عن ~~المعاصي والمنهيات ورؤية قسوة كل ذلك وجدانا . # وشعبة : هي أحوال ومقامات سنية ، كمحبة الله والتوكل عليه مما ليس | في ~~البهائم جنسها . # واعلم أنه لما كان اعتدال مزاح الإنسان بحسب ما تعطيه الصورة | النوعية ~~لا يتم إلا بعلوم لا يتخلص إليها أزكاهم ، ثم يقلده الآخرون وبشريعة | ~~تشتمل على معارف إلهية وتدبيرات ارتفاقية وقواعد تبحث ms018 عن الأفعال | ~~PageV01P047 | الاختيارية وتقسمها إلى الأقسام الخمسة من الواجب ، والمندوب ~~إليه ، والمباح | والمكروه ، والحرام ، ومقدمات تبين مقامات للإحسان وجب في ~~حكمة الله | تعالى ورحمته أن يهئ في غيب قدسه رزق قوته العقلية يخلص إليه ~~أزكاهم | فيتلقاه من هنالك ، وينقاد له سائر الناس بمنزله ما ترى في نوع ~~النحل من | يعسوب يدبر لسائر أفرادها لولا هذا التلقي بواسطة ، ولا بواسطة ~~لم يكمل | كماله المكتوب له ، فكما أن المستبصر إذا رأى نوعا من أنواع ~~الحيوان | لا يتعيش إلا بالحشيش استيقن أن الله دبر له مرعى فيه حشيش كثير ~~، | فكذلك المستبصر في صنع الله يستيقن أن هناك طائفة من العلوم يسد | بها ~~العقل خلته فيكمل كما له المكتوب له ، وتلك الطائفة منها علم التوحيد | ~~والصفات ، ويجب أن يكون مشروحا بشرح يناله العقل الإنساني بطبيعته | لا ~~مغلقا لا يناله إلا من يندر وجود مثله ، فشرح هذا العلم بالمعرفة المشار | ~~إليها بقوله سبحان الله وبحمده ، فأثبت لنفسه صفات يعرفونها ، ويستعملونها ~~، بينهم من الحياة والسمع والبصر والقدرة والإرادة والكلام والغضب | والسخط ~~والرحمة والملك والغنى ، وأثبت مع ذلك أنه ليس كمثله شيء في | هذه الصفات ؛ ~~فهو حي لا كحياتنا ، وبصير لا كبصرنا ، قدير لا كقدرتنا ، | مريد لا ~~كإرادتنا ، متكلم لا ككلامنا ، ونحو ذلك ، ثم فسر عدم المماثلة بأمور | ~~مستبعدة في جنسنا مثل أن يقال يعلم عدد قطر الأمطار ، وعدد رمل الفيافي ، | ~~وعدد أوراق الأشجار ، وعدد أنفاس الحيوانات ، ويبصر دبيب النمل | في الليلة ~~الظلماء ، ويسمع ما يتوسوس به تحت اللحف في البيوت المغلقة | عليها أبوابها ~~، ونحو ذلك ، ومنها علم العبادات ، ومنها علم الارتفاقات ، | ومنها علم ~~المخاصمة . أعني أن النفوس السفلية إذا تولدت بينها شبهات تدافع | بها الحق ~~كيف يحل تلك العقد ، ومنها علم التذكير بآلاء الله ، وبأيام الله | ~~PageV01P048 | وبوقائع البرزخ والمحشر فنظر الحق تبارك وتعالى في الأزل إلى ~~| نوع الإنسان ، وإلى استعداده الذي يتوارثه أبناء النوع ، ونظر إلى قوته | ~~الملكية والتدبير الذي يصلحه من العلوم المشروحة حسب استعداده ، | فتمثلت ~~تلك العلوم كلها في غيب الغيب محدودة ومحصاة ، وهذا ms019 التمثيل هو | الذي يعبر ~~عنه الاشاعرة بالكلام النفسي ، وهو غير العلم وغير الإرادة | والقدرة ، ثم ~~لما جاء وقت خلق الملائكة علم الحق أم مصلحة أفراد | الإنسان لا تتم إلا ~~بنفوس كريمة ، نسبتها إلى نوع الإنسان كنسبة القوى | العقلية في الواحد منا ~~إلى نفسه ، فأوجدهم بكلمة ( كن ) بمحض العناية بأفراد | الإنسان فأودع في ~~صدورهم ظلا من تلك العلوم المحدودة المحصاة في غيب | غيبه ، فتصورت بصورة ~~روحية ، وإليهم الإشارة في قوله تبارك وتعالى : # @QB@ الذين يحملون العرش ومن حوله @QE@ . الآية . # ثم لما جاء بعض القرانات المقتفية لتغيير الدول والملل ، قضى بوجود | ~~روحاني آخر لتلك العلوم ، فصارت مشروحة مفصلة بحسب ما يليق بتلك | القرانات ~~، وإليها الإشارة في قوله تعالى : # @QB@ إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم ~~@QE@ . # ثم انتظرت حكمة الله لوجود رجل زكي يستعد للوحي قد قضى بعلو | شأنه ~~وارتفاع مكانه حتى إذا وجد اصطنعه لنفسه ، واتخذه جارحة لإتمام مراده | ~~وأنزل عليه كتابه ، وأوجب طاعته على عباده ، وهو قوله تعالى لموسى | عليه ~~السلام : | PageV01P049 | @QB@ واصطنعتك لنفسي @QE@ # فما أوجب تعيين تلك العلوم في غيب الغيب إلا العناية بالنوع ، ولا سأل | ~~الحق فيضان نفوس الملأ الأعلى إلا استعداد النوع ، ولا ألح عند القرانات | ~~بسؤال تلك الشريعة الخاصة إلا أحوال النوع ، فلله الحجة البالغة . # ' فإن قيل ' من أين وجب على الإنسان أن يصلي ، ومن أين وجب | عليه أن ~~ينقاد للرسول ، ومن أين حرم عليه الزنا والسرقة ؟ ' فالجواب ' | وجب عليه ~~هذا ، وحرم عليه ذلك من حيث وجب على البهائم أن ترعى | الحشيش ، وحرم عليها ~~أكل اللحم ، ووجب على السباع أن تأكل اللحم ، | ولا ترعى الحشيش ، ومن حيث ~~وجب على النحل أن يتبع اليعسوب إلا أن | الحيوان استوجب تلقي علومها إلهاما ~~جبليا ، واستوجب الإنسان تلقي علومه | كسبا ونظرا ، أو وحيا ، أو تقليدا . ~~| # | ( باب اقتضاء التكليف المجازاة ) # اعلم أن الناس مجزيون بأعمالهم ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر من | أربعة ~~وجوه : # أحدها مقتضى الصورة النوعية ، فكما أن البهيمة إذا علفت الحشيش ، | ~~والسبع إذا علف اللحم ms020 - صح مزاجهما ، وإذا علفت البهيمة اللحم ، | والسبع ~~الحشيش - فسد مزاجهما ، فكذلك الإنسان إذا باشر أعمالا | أرواحها الخشوع ~~بجانب الحق ، والطهارة والسماحة والعدالة صلح مزاجه | الملكي ، وإذا باشر ~~أعمالا أرواحها أضداد هذه الخصال فسد مزاجه الملكي ، | فإذا تخفف عن ثقل ~~البدن أحس بالملاءمة والمنافرة شبه ما يحس أحدنا من | ألم الاحتراق | ~~PageV01P050 # وثانيها جهة الملأ الأعلى ، فكما أن الواحد منها له قوى إدراكية مودعة | ~~في الدماغ ، يحس بها ما وقعت عليه قدمه من جمرة أو ثلجة ، فكذلك بصورة | ~~الإنسان المتمثلة من الملكوت خدام من الملائكة أوجدها عناية الحق بنوع | ~~الإنسان ، لأن نوع الإنسان لا يصلح إلا بهم ، كما أن الواحد منا لا يصلح | ~~إلا بالقوة الإدراكية ، فكلما فعل فرد من أفراد الإنسان فعلا منجيا خرجت | ~~من تلك الملائكة أشعة بهجة وسرور ، وكلما فعل فعلا مهلكا خرجت منها | أشعة ~~نفرة وبغض ، فحلت تلك الأشعة في نفس هذا الفرد ، فأورثت بهجة ، | أو وحشة ، ~~أو في نفوس بعض الملائكة ، أو بعض الناس ، فانعقد الإلهام | أن يحبوه ، ~~ويحسنوا إليه ، أو يبغضوه ، ويسيئوا إليه شبه ما نرى من أن أحدنا | وإذا ~~وقعت رجله على جمرة أحست قواه الإدراكية بألم الاحتراق ثم خرجت | منها أشعة ~~تؤثر في القلب ، فيحزن ، وفي الطبع فيحم وتأثير أولئك | الملائكة فينا شبيه ~~بتأثير الإدراكات في أبداننا ، فكما أن الواحد منا قد يتوقع | ألما أو ذلا ~~فترتعد فرائصه ، ويصفر لونه ، ويضعف جسده وربما | تسقط شهوته ، ويحمر بوله ~~، وربما بال أو خرئ من شدة الخوف ، فهذا | كله تأثير القوة الإدراكية في ~~الطبيعة ووحيها إليها وقهرها عليها ، فكذلك | الملائكة الموكلة ببني آدم ~~يترشح منها عليهم وعلى نفوس الملائكة السفلية | إلهامات جبلية ، وحالات ~~طبيعية ، وأفراد الإنسان كلها بمنزلة القوى الطبيعية | لهذه الملائكة ~~بمنزلة القوى الإدراكية لهم ، وكما تهبط تلك الأشعة إلى السفل | فكذلك يصعد ~~إلى حظيرة القدس منها لون يعد لفيضان هيئة تسمى ، | بالرحمة والرضى والغضب ~~واللعن مثل إعداد مجاورة النار الماء لتسخينه ، | وإعداد المقدمات للنتيجة ~~، وإعداد الدعاء للإجابة ، فيتحقق التجدد في | الجبروت من هذا الوجه ، ~~فيكون ms021 غضب ، ثم توبة ، ويكون رحمة ، ثم نقمة | قال الله تعالى : | ~~PageV01P051 # @QB@ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم @QE@ . # وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في أحاديث كثيرة أن الملائكة ترفع | ~~أعمال بني آدم إلى الله تعالى ، وأن الله يسألهم كيف تركتم عبادي ؟ وأن عمل ~~| النهار يرفع إليه قبل عمل الليل ينبه صلى الله عليه وسلم على ضرب من توسط ~~| الملائكة بين بني آدم وبين نور الله القائم وسط حظيرة القدس . # وثالثها مقتضى الشريعة المكتوبة عليهم ، فكما يعرف المنجم أن | الكواكب ~~إذا كان لها نظر من النظرات حصلت روحانية ممتزجة من قواها | متمثلة في جزء ~~من الفلك ، فإذا نقلها إلى الأرض ناقل أحكام الفلكيات | - اعني القمر - ~~انقلبت خواطرهم حسب تلك الروحانية ، فكذلك يعرف | العارف بالله أنه إذا جاء ~~وقت من الأوقات تسمى في الشرع بالليلة المباركة | التي فيها يفرق كل أمر ~~حكيم حصلت روحانية في الملكوت ممتزجة من أحكام | نوع الإنسان ، ومقتضى هذا ~~الوقت يترشح من هنالك إلهامات على أذكى | خلق الله يومئذ ، وعلى نفوس تليه ~~في الذكاء بواسطته ، ثم يلهم سائر الناس | قبول تلك الإلهامات واستحسانها ، ~~ويؤيد ناصرها ، ويخذل معاندها ، وتلهم | الملائكة السفلية الإحسان لمطيعها ~~، والإساءة إلى عاصيها ، ثم يصعد منها لون | إلى الملأ الأعلى وحظيرة القدس ~~، فيحصل هنالك رضا وسخط . # ورابعها أن النبي إذا بعث في الناس ، وأراد الله تعالى ببعثه لطفا بهم | ~~وتقريبا لهم إلى الخير ، وأوجب طاعته عليهم صار العلم الذي يوحى إليه | ~~متشخصا متمثلا ، وامتزج بهمة هذا النبي ودعائه وقضاء الله تعالى بالنصر له ~~، | فتأكد وتحقق . # أما المجازاة في الوجهين الأولين ففطرة فطر الله الناس عليها ، ولن | ~~PageV01P052 | تجد لفطرة الله تبديلا ، وليس ذلك إلا في أصول البر والاثم ، ~~وكلياتها دون | فروعها وحدودها ، وهذه الفطرة هو الدين الذي لا يختلف ~~باختلاف | الاعصار ، والأنبياء كلهم مجمعون عليه كما قال تبارك وتعالى . # @QB@ إن هذه أمتكم أمة واحدة @QE@ . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' الأنبياء بنو علات ، أبوهم واحد ، وأمهاتهم ~~| شتى ' والمؤاخذة على هذا القدر متحققة قبل بعثة ms022 الأنبياء وبعدها سواء . # وأما المجازاه بالوجه الثالث فمختلفة باختلاف الأعصار ، وهي | الحاملة ~~على بعث الأنبياء والرسل ، وإليها الإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم : | ~~' إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به كمثل رجل أتى قوما ، فقال يا قوم أني | ~~رأيت الجيش بعيني ، وأني أنا النذير العريان ، فالنجا النجاء ، فأطاعه | ~~طائفة من قومه ، فأدلجوا ، فانطلقوا على مهلهم ، فنجوا ، وكذيت طائفة | ~~منهم ، فأصبحوا مكانهم ، فصبحهم الجيش ، فأهلكهم واجتاحهم ، | فكذلك مثل من ~~أطاعني ، فاتبع ما جئت به ، ومثل من عصاني ، وكذب | ما جئت به من الحق ' . # وأما المجازاة بالوجه الرابع ، فلا تكون إلا بعد بعثة الأنبياء ، وكشف | ~~الشبهة وصحة التبليغ . # @QB@ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة @QE@ . | PageV01P053 # # | ( باب اختلاف الناس في جبلتهم المستوجب لاختلاف أخلاقهم | وأعمالهم ~~ومراتب كمالهم ) # والأصل فيه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ' إذا سمعتم | ~~بجبل زال عن مكانه ، فصدقوه ، وإذا سمعتم برجل تغير عن خلقه ، | فلا تصدقوا ~~به ، فإنه يصير إلى ما جبل عليه ' وقال : ' ألا إن بني آدم خلقوا | على ~~طبقات شتى . # فمنهم من يولد مؤمنا ' فذكر الحديث بطوله ، وذكر طبقاتهم في الغضب | ~~تقاضي الدين وقال : ' الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ' وقال | الله تعالى ~~: # @QB@ قل كل يعمل على شاكلته @QE@ . # أي طريقته التي جبل عليها # وأن شئت أن تستجلي ما فتح الله علي في هذا الباب ، وفهمني من معاني | هذه ~~الأحاديث ( فاعلم ) أن القوة الملكية تخلق في الناس على وجهين : أحدهما | ~~الوجه المناسب بالملأ الأعلى الذي شأنهم الانصباغ بعلوم الأسماء والصفات ، ~~| ومعرفة دقائق الجبروت ، وتلقي النظام على وجه الإحاطة به ، واجتماع الهمة ~~| على طلب وجوده ، والثاني الوجه المناسب بالملأ السافل الذي شأنهم انبعاث ~~| بداعية تترشح عليهم من فوقهم من غير إحاطة ، ولا اجتماع الهمة ، ولا ~~المعرفة | ونورانيه ، ورفض للالواث البهيمية # وكذلك القوة البهيمة تخلق على وجهين : أحدهما البهيمية الشديدة | الصفيقة ~~كهيئة الفحل الفاره الذي نشأ في غذاء عزير ، وتدبير مناسب | PageV01P054 | ~~فكان عظيم الجسم شديده ، وجهوري الصوت ، قوي البطش ، ذا همة | نافذة وتيه ms023 ~~عظيم ، وغضب وحسد قويين ، وشبق وافر ، منافسا في الغلبة | والظهور ، شجاع ~~القلب . # والثاني البهيمية الضعيفة المهلهلة كهيئة الحيوان الخصى المخدج الذي | ~~نشأ في جدب وتدبير غير مناسب ، فكان حقير الجسم ضعيفه ، ركيك | الصوت ، ~~ضعيف البطش ، جبان القلب ، غير ذي همة ، ولا منافسة في الغلبة | والظهور ، ~~والقوتان جميعا لهما جبلة تخصص أحد وجهيها ، وكسب يؤيده ، ويقويه ، ويمد ~~فيه # واجتماع القوتين فيهم أيضا يكون على وجهين : فتارة تجتمعان بالتجاذب | ~~تكون كل واحدة متوفرة في طلب مقتضياتها ، طامحة في أقصى غاياتها | مريدة ~~سننها الطبيعي ، فلا جرم أن يقع بينهما التجاذب ، فإن غلبت هذه | اضمحلت ~~آثار تلك ، وكذلك العكس ، وتارة بالاصطلاح بأن تنزل | الملكية عن طلب حكمها ~~الصراح إلى ما يقرب منه من عقل وسخاوة | نفس وعفة وطبع ، وإيثار النفع ~~العام على انتفاع نفسه خاصة ، والنظر إلى | الآجل دون الاقتصار على العاجل ~~، وحب النظافة في جميع ما يتعلق به ، | وتترقي البهيمية من طلب حكمها ~~الصراح إلى ما ليس ببعيد من الرأي الكلي ، | ولا مضاد له ، فتصطلحان ويحصل ~~مزاج لا تخالف فيه ، ولكل من | مرتبتي الملكية والبهيمية والاجتماع طرفان ~~ووسط وما يقرب من طرف | أو وسط ، وكذلك تذهب الأقسام إلى غير النهاية إلا ~~أن رءوس الأقسام | المنفرزة بأحكامها ، والتي يعرف غيرها بمعرفتها ثمانية ~~حاصلة من انقسام | الاجتماع بالتجاذب إلى أربعة ملكية عالية تجتمع مع ~~بهيمية شديدة ، أو | PageV01P055 | ضعيفة ، أو ملكية سافلة تجتمع مع بهيمية ~~شديدة أو ضعيفة والاجتماع | بالاصطلاح أيضا إلى أربعة مثلها ، ولكل قسم حكم ~~لا يختلف من وفق لمعرفة | أحكامها استراح من تشويشات كثيرة . # ونحن نذكر ههنا من ذلك ما نحتاج إليه في هذا الكتاب فأحوج الناس | إلى ~~الرياضات الشاقة من كانت بهيميته شديدة لا سيما صاحب التجاذب ، | وأحظاها ~~بالكمال من كانت ملكيته عالية لكن صاحب الاصطلاح | أحسنهم عملا وآدبهم ، ~~وصاحب التجاذب إذا انفلت من أسر البهيمية | أكثرهم علما ، ولا يبالي بآداب ~~العمل كثير مبالاة ، وأزهدهم في الأمور | العظام أضعفهم بهيمية ، لكن صاحب ~~العالية يترك الكل تفرغا للتوجه | إلى الله ، وصاحب السافلة إن ms024 انفلت يتركه ~~للآخرة وإلا يتركه كسلا ودعة ، | وأشدهم اقتحاما في الأمور العظام أشدهم ~~بهيمية لكن صاحب العالية | أقومهم بالرياسات ونحوها مما يناسب الرأي الكلي ~~، وصاحب السافلة | أشدهم اقتحاما في نحو القتال وحمل الأثقال ، وصاحب ~~التجاذب إذا اندفع | إلى الأسفل أشتغل بالأمر الدنيوي فقط ، وإذا ترقى إلى ~~الأعلى اشتغل | بالأمر الديني وتهذيب النفس وتجريدها فقط ، وصاحب الاصطلاح ~~يشتغل | بهما جميعا ، ويقصدهما مرة واحدة ، ومن كانت عاليته منهم في غاية ~~العلو | ينبعث إلى رياسة الدين والدنيا معا ، ويصير باقيا بمراد الحق ~~وبمنزلة | الجارحة . له في تمام نظام كلي كالخلافة وإمامة الملة ، وأولئك ~~هم الأنبياء | وورثتهم ، وأساطين الناس وسلاطينهم ، وأولو الأمر منهم ~~والذين يجب | انقيادهم في دين الله أهل الاصطلاح ، العالية ملكيتهم ، ~~وأطوعهم لأولئك | أهل الاصطلاح السافلة ملكيتهم ، فإنهم يتلقون النواميس ~~بأشباحها | PageV01P056 | وهيئاتها ، وأطرفهم منهم أهل التجاذب ، لأنهم إما ~~منهمكون في ظلمات | الطبيعة ، فلا يقيمون السنة الراشدة ، أو قاهرون عليها ~~، فإن كانوا أهل علو | عضوا على أرواح النواميس ، وكانت لهم مسامحة في ~~أشباحها ، وكان | أكثر همتهم معرفة دقائق الجبروت والانصباغ بصبغها ، وإن ~~كانوا دون | ذلك اهتموا بالرياضات والأوراد ، وأعجبوا ببوارق الملكية من ~~كشف | وإشراف واستجابة الدعاء ونحو ذلك ، ولم يعضوا من النواميس بجذر | ~~قلوبهم إلا على حيل قهر الطبيعة وجلب الأنوار ، فهذه أصول أعطانيها ربي | ~~من أتقنها استجلى أحوال أهل الله ، ومبلغ كمالهم ، ومطمح إشارتهم عن | ~~أنفسهم ، وخرج مراتب سلوكهم : # @QB@ ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون @QE@ . # # | ( باب في أسباب الخواطر الباعثة على الأعمال ) # اعلم أن الخواطر التي يجدها الإنسان في نفسه ، وتبعثه على العمل بموجبها ~~| لا جرم أن لها أسبابا كسنة الله تعالى في سائر الحوادث . # والنظر والتجربة يظهران أن منها - وهو أعظمها - جبلة الإنسان | التي خلق ~~عليها ، كما نبه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رويناه | من قبل ~~. # ومنها مزاجه الطبيعي المتغير بسبب التدبير المحيط به من الأكل والشرب | ~~ونحو ذلك ، كالجائع يطلب الطعام ، والظمآن يطلب الماء ، والمغتلم يطلب | ~~PageV01P057 | النساء ، ورب إنسان يأكل غذاء ms025 يقوي الباءة ، فيميل إلى ~~النساء ، | ويحدث نفسه بأحاديث تتعلق بهن ، وتصير هذه مهيجة له على كثير من ~~| الأفعال ، ورب إنسان يتغذى غذاء شديدا ، فيقسو قلبه ، ويجترئ على | القتل ~~: ويغضب في كثير مما لا يغضب فيه غيره ، ثم إذا ارتاض هذان | أنفسهما ~~بالصيام والقيام ، أو شابا وكبرا ، أو مرضا مرضا مدنفا | تغير أكثر ما كان ~~عليه ، ورقت قلوبهما ، وعفت نفوسهما ، ولذلك ترى | الاختلاف بين الشيوخ ~~والشباب ، ورخص النبي صلى الله عليه وسلم للشيخ | في القبلة وهو صائم ولم ~~يرخص للشاب . # ومنها العادات والمألوفات فإن من أكثر ملابسة شيء ، وتمكن من | لوح نفسه ~~ما يناسبه من الهيئات والأشكال - مال إليه كثير من خواطره . # ومنها أن النفس الناطقة في بعض الأوقات تنفلت من أسر البهيمية ، | فتختطف ~~من حيز الملأ الأعلى ما ييسر لها من هيئة نورانية ، فتكون تارة | من باب ~~الأنس والطمأنينة ، وتارة من باب العزم على فعل . # ومنها أن بعض النفوس الخسيسة تتأثر من الشياطين وتنصبغ ببعض | صبغهم ، ~~وربما اقتضت تلك الهيئة خواطر وأفعالا . # واعلم أن المنامات أمرها كأمر الخواطر غير أنها تتجرد لها النفس ، | ~~فتتشبح لها صورها ، وهيئاتها . قال محمد بن سرين : الرؤيا ثلاث : | حديث ~~النفس ، وتخويف الشيطان ، وبشرى من الله . | PageV01P058 # # | ( باب لصوق الأعمال بالنفس وأحصائها عليها ) # قال الله تعالى : # @QB@ وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه ~~منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا @QE@ . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم راويا عن ربه تبارك وتعالى : ' إنما هي | ~~أعمالكم أحصيها عليكم ، ثم أوفيكم إياها ، فمن وجد خيرا فليحمد الله ، ومن ~~| وجد غير ذلك ، فلا يلومن الا نفسه ' وقال صلى الله عليه وسلم : ' النفس | ~~تتمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك ، ويكذبه ' . # اعلم أن الأعمال التي يقصدها الإنسان قصدا مؤكدا ، والأخلاق التي | هي ~~راسخة فيه ، تنبعث من أصل النفس الناطقة ، ثم تعود إليها ، ثم تتشبث | ~~بذيلها ، وتحصي عليها إما الانبعاث منها ، فلما عرفت أن للملكية والبهيمية ~~| واجتماعهما أقساما ولكل قسم حكما ، وغلبة المزاج الطبيعي والانصباغ من | ~~الملائكة والشياطين ونحو ms026 ذلك من الأسباب لا تكون إلا حسب ما تعطيه | الجبلة ~~، وتحصل فيه المناسبة ، فلذلك كان المرجع إلى أصل النفس بوسط | أو بغير وسط ~~. ألست ترى المخنث يخلق في أول مرة على مزاج ركيك ، | فيستدل به العارف على ~~أنه أن شب على مزاجه وجب أن يعتاد بعادات | النساء ، ويتزيا بزيهن ، وينتحل ~~رسومهن ، وكذلك يدرك الطبيب أن | الطفل إن شب على مزاجه ، ولم يفجأه عارض ~~كان قويا فارها ، أو ضعيفا | ضارعا ، وأما العود إليها فلان الإنسان إذا ~~عمل عملا ، فأكثر منه | PageV01P059 | اعتادته النفس ، وسهل صدوره منها ، ~~ولم يحتج إلى روية وتجشم داعية ، | فلا جرم أن النفس تأثرت منه ، وقبلت ~~لونه ، ولا جرم أن لكل عمل من | تلك الأعمال المتجانسة مدخلا في ذلك التأثر ~~، وإن دق ، وخفي مكانه ، وإليه | الإشارة في قوله : صلى الله عليه وسلم ' ~~تعرض الفتن على القلوب كالحصير | عودا عودا ، فأي قلب أشر بها نكتت فيه ~~نكتة سوداء ، وأي قلب ، | أنكرها نكتت فيه نكتة بيضاء حتى تصير على قلبين ~~أبيض مثل الصفا ، | فلا تضره فتنة ما دامت السموات والأرض ، والآخر أسود ~~مربادا كالكوز | مجخيا لا يعرف معروفا ، ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من ~~هواه ' . # وأما التشبث بذيلها فلان النفس في أول أمرها تخلق هيولانية فارغة | عن ~~جميع ما تنصبغ به ، ثم لا تزال تخرج من القوة إلى الفعل يوما فيوما ، | وكل ~~حالة متأخرة لها معد من قبلها ، والمعدات كلها سلسلة مترتبة ، لا يتقدم | ~~متأخرها على متقدم مستصحب في هيئة النفس الموجودة اليوم حكم كل معد | قبلها ~~وإن خفي عليها بسبب اشتغالها بما هو خارج منها اللهم إلا أن يفنى | حامل ~~القوة المنبعثة تلك الأعمال منها كما ذكرنا في الشيخ والمريض ، أو تهجم | ~~عليها هيئة من فوقها نظامها كالتغير المذكور كما قال الله تعالى : # ^ ( أن الحسنات يذهبن السيئات ) ^ . # وقال : @QB@ لئن أشركت ليحبطن عملك @QE@ | PageV01P060 # وأما الإحصاء عليها ، فسره على ما وجدته بالذوق أن في الحيز الشاهق | ~~تظهر صورة لكل إنسان بما يعطيه النظام الفوقاني والتي ظهرت في قصة الميثاق ~~| شعبة منها ms027 ، فإذا وجد هذا الشخص انطبقت الصورة عليه ، واتحدت معه ، فإذا ~~| عمل عملا انشرحت هذه الصورة بذلك العمل انشراحا طبيعيا بلا اختيار منه ، ~~| فربما تظهر في المعاد أن أعمالها محصاة عليها من فوقها ، ومنه قراءة ~~الصحف ، وربما تظهر أن أعمالها فيها متشبثة بأعضائها ، ومنها نطق الأيدي ~~والأرجل . # ثم كل صورة عمل مفصحة عن ثمرته في الدنيا والآخرة ، وربما تتوقف | ~~الملائكة في تصويره ، فيقول الله تعالى اكتبوا العمل كما هو ، قال الغزالي ~~: | كل ما قدرة الله تعالى من ابتداء خلق العالم إلى آخره مسطور ومثبت في | ~~خلق خلقه الله تعالى ، يعبر عنه تارة باللوح ، وتارة بالكتاب المبين ، ~~وتارة | بإمام مبين ، كما ورد في القرآن ، فجميع ما جرى في العالم ، وما ~~سيجري | مكتوب فيه ، ومنقوش عليه نقشا لا يشاهد بهذه العين . | ولا تظنن أن ~~ذلك اللوح من خشب أو حديد أو عظم ، وأن الكتاب | من كاغد أو ورق ، بل ينبغي ~~أن تفهم قطعا أن لوح الله لا يشبه لوح الخلق ، | وكتاب الله لا يشبه كتاب ~~الخلق ، كما أن ذاته وصفاته لا تشبه ذات الخلق | وصفاتهم ، بل أن كنت تطلب ~~له مثالا يقربه إلى فهمك ، فاعلم أن ثبوت | المقادير في اللوح المحفوظ ~~يضاهي ثبوت كلمات القرآن وحروفه في دماغ | حافظ القرآن وقلبه ، فإنه مسطور ~~فيه حتى كأنه حيث يقرأ ينظر إليه ، | ولو فتشت دماغه جزءا جزءا لم تشاهد من ~~ذلك الخط حرفا ، فمن هذا النمط | ينبغي أن تفهم كون اللوح منقوشا بجميع ما ~~قدره الله تعالى وقضاه انتهى ، | ثم كثيرا ما تتذكر النفس ما عملته من خير ~~أو شر ، وتتوقع جزاءه ، | فيكون ذلك وجها آخر من وجوه استقرار عمله والله ~~أعلم . | PageV01P061 # # | ( باب ارتباط الأعمال بالهيئات النفسانية ) # اعلم أن الأعمال مظاهر الهيئات النفسانية ، وشروح لها ، وشركات | ~~لاقتناصها ، ومتحدة معها في العرف الطبيعي أن يتفق جمهور الناس على | ~~التعبير بها عنها بسبب طبيعي تعطيه الصورة النوعية ، وذلك لأن الداعية | ~~إذا انبعثت إلى عمل ، فطاوعت له نفسه انبسطت ، وانشرحت ، وإن امتنعت | ~~انقبضت ، وتقلصت فإذا باشر العمل استبد ms028 منبعه من ملكية أو بهيمية | وقوى ~~وانحرف مقابله وضعف ، وإلى هذا الإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم | : ' ~~النفس تتمنى وتشتهي ، والفرج يصدق ذلك ، ويكذبه ' . # ولن ترى خلقا إلا وله أعمال وهيئات يشار بها إليه ، ويعبر بها عنه | ~~وتتمثل صورتها مكشافا له ، فلو أن إنسانا وصف إنسانا آخر بالشجاعة | ~~واستفسر ، فبين لم يبين إلا معالجاته الشديد ، أو بالسخاوة لم يبين إلا ~~دراهم | ودنانير يبذلها ، ولو أن إنسانا أراد أن يستحضر صورة الشجاعة ~~والسخاوة | اضطر إلى صور تلك الأعمال اللهم إلا أن يكون قد غير فطرة الله ~~التي | فطر الناس عليها ، ولو أن واحدا أراد أن يحصل خلقا ليس فيه ، فلا ~~سبيل | له إلى ذلك إلا الوقوع في مظانة ، وتجشم الأعمال المتعلقة به ، ~~وتذكر | وقائع الأقوياء من أهله ، ثم الأعمال هي الأمور المضبوطة التي تقصد ~~| بالتوقيت ، وترى ، وتبصر ، وتحكي ، وتؤثر ، وتدخل تحت القدرة | والاختيار ~~، ويمكن أن يؤاخذ بها وعليها ، ثم النفوس ليست سواء في إحصاء | الأعمال ~~والملكات عليها : # فمنها نفوس قوية تتمثل عندها الملكات أكثر من الأعمال ، فلا يعد من | ~~كمالها بالأصالة إلا الأخلاق ، ولكن تتمثل الأعمال لها لأنها قوالبها | ~~PageV01P062 | وصورها ، فيحصى عليها الأعمال إحصاء أضعف من إحصاء الأخلاق ~~بمنزلة | ما يتمثل في الرؤيا من أشباح المعنى المراد كالختم على الأفراه ~~والفروج . # ومنها نفوس ضعيفة تحسب أعمالها عين كمالها لعدم استقلال الهيئات | ~~النفسانية ، فلا تتمثل إلا مضمحلة في الأعمال ، فيحصى عليها أنفس الأعمال | ~~وهم أكثر الناس وهم المحتاجون جدا إلى التوقيت البالغ ولهذه المعاني عظم | ~~الاعتناء بالأعمال في النواميس الإلهية ، ثم إن كثيرا من الأعمال يستقر | ~~في الملأ الأعلى ، ويتوجه إليه استحسانهم أو استهجانهم بالأصالة مع قطع | ~~النظر عن الهيئات النفسانية التي تصدر عنها ، فيكون أداء الصالح منها ~~بمنزلة | قبول إلهام من الملأ الأعلى في التقرب منهم والتشبه بهم واكتساب ~~أنوارهم | ويكون اقتراف السيئة منها خلاف لذلك . # وهذا الاستقراء يكون بوجوه : منها أنهم يتلقون من بارئهم أن نظام | البشر ~~لا يصلح إلا بأداء أعمال والكف عن أعمال ، فتمثل تلك الأعمال | عندهم ms029 ، ثم ~~تنزل في الشرائع من هنالك . # ومنها أن نفوس البشر التي مارست ولازمت الأعمال إذا انتقلت إلى | الملأ ~~الأعلى ، وتوجه إليها استحسانهم واستهجانهم ، ومضى على ذلك القرون | ~~والدهور استقرت صور الأعمال عندهم ، وبالجملة فتؤثر الأعمال حينئذ | تأثير ~~العزائم والرقى المأثورة عن السلف بهيئتها وصفاتها والله أعلم . # # | ( باب أسباب المجازاة ) # اعلم أن أسباب المجازاة وإن كثرت ترجع إلى أصلين : إحداهما أن تحس | ~~النفس من حيث قوتها الملكية بعمل أو خلق اكتسبته أنه غير ملائم لها ، | ~~PageV01P063 | فتتشبح فيها ندامة وحسرة وألم ربما أوجب ذلك تمثل واقعات في ~~المنام | أو اليقظة تشتمل على إيلام وإهانة وتهديد ، ورب نفس استعدت لإلهام ~~| المخالفة ، فخوطبت على ألسنة الملائكة بأن تتراءى له كسائر ما تستعد له | ~~من العلوم ، وإلى هذا الأصل وقعت الإشارة في قوله تعالى : # @QB@ بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها ~~خالدون @QE@ . # والثاني توجه حظيرة القدس إلى بني آدم ، فعند الملأ الأعلى هيئات وأعمال ~~| وأخلاق مرضية ومسخوطة ، فتطلب من ربها طلبا قويا تنعيم أهل هذه | وتعذيب ~~أهل تلك ، فيستجاب دعاؤهم ، وتحيط ببني آدم هممهم ، وتترشح | عليهم صورة ~~الرضا واللعنة ، كما تترشح سائر العلوم ، فتتشبح واقعات | إيلامية أو ~~إنعامية ، وتتراءى الملأ الأعلى مهددة لهم أو منبسطة إليهم ، | وربما تأثرت ~~النفس من سخطها ، فعرض لها كهيئة الغشى أو كهيئة المرض ، | وربما ترشح ما ~~عندهم من الهمة المتأكدة على الحوادث الضعيفة كالخواطر | ونحوها ، فألهمت ~~الملائكة أو بني آدم أن يحسنوا أو يسيئوا إليه ، وربما أحيل | أمر من ~~ملابساته إلى صلاح أو فساد ، وظهرت تقريبات لتنعيمه أو تعذيبه ، | بل الحق ~~الصراح أن لله تبارك وتعالى عناية بالناس يوم خلق السموات | والأرض توجب ~~ألا يهمل أفراد الإنسان سدى ، وأن يؤاخذهم على | ما يفعلونه ، لكن لدقة ~~مدركها جعلنا دعوة الملائكة عنوانا لها والله أعلم ، | وإلى هذا الأصل وقعت ~~الإشارة في قوله تعالى : # ^ ( إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار أولئك عليهم لعنة الله | PageV01P064 ~~| والملائكة والناس أجمعين خالدين فيها لا يخفف عنهم العذاب | ولا هم ~~ينظرون ) ^ . # ويتركب الأصلان ms030 ، فيحدث من تركبهما بحسب استعداد النفس والعمل | صور ~~كثيرة عجيبة ، لكن الأول أقوى في أعمال وأخلاق تصلح النفس ، | أو تفسدها ، ~~وأكثر النفوس له قبولا أزكاها وأقواها ، والثاني أقوى في | أعمال وأخلاق ~~مناقضة للمصالح الكلية منافرة لما يرجع إلى صلاح نظام | بني آدم ، وأكثر ~~النفوس له قبولا أضعفها ، وأسمجها ، ولكل من | السببين مانع يصده عن حكمه ~~إلى حين ، فالأول يصد عنه ضعف الملكية | وقوة البهيمية حتى تصير كأنها نفس ~~بهيمية فقط لا تتألم من آلالم الملكية ، | فإذا تخففت النفس عن الجلباب ~~البهيمي ، وقل مدده ، وبرقت بوارق | الملكية عذبت ، أو نعمت شيئا فشيئا ، ~~والثاني يصد عنه تطابق الأسباب | على ما يخالف حكمه حتى إذا جاء أجله الذي ~~قدره الله ثج عن ذلك الجزاء | ثجا وهو قوله تبارك وتعالى : # ^ ( لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة | ولا يستقدمون ) ^ . | ~~PageV01P065 # # | ( المبحث الثاني ) # # | ( مبحث كيفية المجازاة في الحياة وبعد الممات ) # # | ( باب الجزاء على الأعمال في الدنيا ) # قال الله تعالى : # @QB@ وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير @QE@ . # وقال : # @QB@ ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من ~~فوقهم ومن تحت أرجلهم @QE@ . # وقال الله تعالى في قصة أصحاب الجنة حين منعوا الصدقة ما قال . # قال رسول صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : # @QB@ وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله @QE@ . # وقوله تعالى : # @QB@ من يعمل سوءا يجز به @QE@ . # ' هذه معاقبة الله العبد بما يصيبه من الحمى والنكبة حتى البضاعة | يضعها ~~في يد قميصه ، فيعقدها ، فيفزع لها حتى أن العبد ليخرج من ذنوبه | كما يخرج ~~التبر الأحمر من الكير ' . | PageV01P066 # اعلم أن للملكية بروزا بعد كمونها في البهيمية ، وانفكاكا بعد | اشتباكها ~~بها فتارة بالموت الطبيعي فإنه حينئذ لا يأتي مددها من الغذاء ، | وتتحلل ~~موادها لا إلى بدل ، ولا تهيج النفس أحوال طارئة كجوع وشبع | وغضب ، فيرتشح ~~لون عالم القدس عليها ، وتارة بالموت الاختياري ، | فلا يزال يكسر بهيميته ~~برياضة واستدامة توجه إلى عالم القدس ، فيبرق عليه | بعض بوارق الملكية ، ~~وإن لكل ms031 شيء انشراحا وانبساطا بما يلائمه من | الأعمال والهيئات ، وانقباضا ~~وتقلصا بما يخالفه منها ، وإن لكل ألم ولذة | شبحا يتشبح به ، فشبح الخلط ~~اللذاع النخس ، وشبح التأذي من حرارة | الصفراء الكرب والضجر ، وأن يرى في ~~منامه النيران والشعل ، وشبح | التأذي من البلغم مقاساة البرد ، وأن يرى في ~~المنام المياه والثلج ، فإذا برزت | الملكية ظهر في اليقظة أو المنام أشباح ~~الأنس والسرور إن كان اكتسب | النظافة والخشوع وسائر ما يناسب الملكية ، ~~ويتشبح أضدادها في صورة | كيفيات مضادة للاعتدال ، وواقعات تشتمل على إهانة ~~وتهديد ، ويظهر | الغضب في صورة سبع ينهر والبخل في صورة حية تلدغ . # والضابط في المجازاة الخارجية أنها تكون في تضاعيف أسباب ، فمن | أحاط ~~بتلك الأسباب ، وتمثل عنده النظام المنبعث منها علم قطعا أن | الحق لا يدع ~~عاصيا إلا يجازيه في الدنيا مع رعاية ذلك النظام ، فيكون | إذا هدأت ~~الأسباب عن تنعيمه وتعذيبه . نعم بسبب الأعمال الصالحة ، | أو عذب بسبب ~~الأعمال الفاجرة ، ويكون إذا أجمعت الأسباب على إيلامه | وكان صالحا ، وكان ~~قبضها لمعارضة صلاحه غير قبيح صرفت أعماله إلى رفع البلاء | PageV01P067 | ~~أو تخفيفه أو على إنعامه ، وكان فاسقا صرفت إلى إزالة نعمته ، وكان ~~كالمعارض | لأسبابها ، أو أجمعت على مناسبة أعماله أمد في ذلك إمدادا بينا ~~. # وربما كان حكم النظام أوجب من حكم الأعمال ، فيستدرج بالفاجر | ويضيق على ~~الصالح في الظاهر ، ويصرف التضييق إلى كسر بهيميته ، ويفهم | ذلك ، فيرضى ~~كالذي يشرب الدواء المر راغبا فيه وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم | : ' ~~مثل المؤمن كمثل الخامة من الزرع تفيئها الرياح تصرعها مرة ، | وتعدلها ~~أخرى حتى يأتيه أجله ، ومثل المنافق كمثل الأرزة المجدبة التي | لا يصيبها ~~شيء حتى يكون انجعافها مرة واحدة ' وقوله صلى الله عليه وسلم . | ' ما من ~~مسلم يصيبه أذى من مرض ، فما سواه إلا حط الله به سيئاته كما تحط | الشجرة ~~ورقها ' . # ورب إقليم غلبت عليه طاعة الشيطان ، وصار أهله كمثل النفوس البهيمية | ~~فتتقلص عنه بعض المجازاة إلى أجل ، وذلك قوله تعالى . # @QB@ وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا ms032 أهلها بالبأساء والضراء لعلهم ~~يضرعون ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مس آباءنا الضراء ~~والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا ~~عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون @QE@ . ~~| PageV01P068 # وبالجملة فالأمر ههنا يشبه بحال سيد لا يتفرغ للجزاء ، فإذا كان يوم | ~~القيامة صار كأنه تفرغ ، وإليه الإشارة في قوله تعالى . # @QB@ سنفرغ لكم أيها الثقلان @QE@ . # ثم المجازاة تارة تكون في نفس العبد بإفاضته البسط والطمأنينة أوالقبض | ~~والفزع ، وتارة في بدنه بمنزلة الأمراض الطارئة من هجوم غم أو خوف ، | ومنه ~~وقوع النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه قبل نبوته حين كشف | عورته ، ~~وتارة في ماله وأهله وربما ألهم الناس والملائكة والبهائم أن يحسنوا | إليه ~~؛ أو يسيئوا ، وربما قرب إلى خير أو شر بالهامات أو إحالات ، ومن | فهم ما ~~ذكرنا ووضع كل شيء في موضعه استراح من إشكالات كثيرة | كمعارضة الأحاديث ~~الدالة على أن البر سبب زيادة الرزق ، والفجور سبب | نقصانه والأحاديث ~~الدالة على أن الفجار يعجل لهم الحسنات في الدنيا وأن | أكثر الناس بلاء ~~الأمثل فالأمثل ونحو ذلك والله أعلم . # # | ( باب ذكر حقيقة الموت ) # اعلم أن لكل صورة من المعدنية والناموية والحيوانية والإنسانية | مطية ~~غير مطية الأخرى ، ولها كمالا أوليا غير كمال الأخرى ، وإن | اشتبه الأمر ~~في الظاهر ، فالأركان إذا تصغرت ، وامتزجت بأوضاع | مختلفة كثرة وقلة حدثت ~~ثنائيات كالبخار والغبار والدخان والثرى | PageV01P069 | والأرض المثارة ~~والجمرة والسفعة والشعلة ، وثلاثيات كالطين المخمر | والطحلب ، ورباعيات ~~نظائر ما ذكرنا . # وتلك الأشياء لها خواص مركبة من خواص أجزائها ، ليس فيها شيء | غير ذلك ، ~~وتسمى بكائنات الجو ، فتأتي المعدنية ، فتقتعد ، غارب ذلك | المزاج ، ~~وتتخذه مطية ، وتصير ذات خواص نوعية ، وتحفظ المزاج ، | ثم تأتي الناموية ، ~~فتتخذ الجسم المحفوظ المزاج مطية ، وتصير قوة محولة | لأجزاء الأركان ~~والكائنات الجوية إلى مزاج نفسه ؛ لتخرج إلى الكمال | المتوقع لها بالفعل ، ~~ثم تأتي الحيوانية ، فتتخذ الروح الهوائية الحاملة لقوى | التغذية والتنمية ~~مطية ، وتنفذ التصرف في أطرافها بالحس والإرادة انبعاثا | للمطلوب ، ~~وانخناسا ms033 عن المهروب ، ثم تأتي الإنسانية ، فتتخذ النسمة | المتصرفة في ~~البدن مطية ، وتقصد إلى الأخلاق التي هي أمهات الانبعاثات | والانخناسات ، ~~فتقينها ، وتحسن سياستها ، وتأخذها منصة لما تتلقاه | من فوقها ، فالأمر ~~وإن كان مشتبها بادئ الرأي لكن النظر الممعن | يلحق كل آثار بمنبعها ، ~~ويفرز كل صورة بمطيتها . # وكل صورة لا بد لها من مادة تقوم بها ، وإنما تكون المادة ما يناسبها | ~~وإنما مثل الصورة كمثل خلقة الإنسان القائمة بالشمعة في التمثال ، ولا يمكن ~~| أن توجد الخلقة إلا بالشمعة ، فمن قال لأن النفس النطقية المخصوصة | ~~بالإنسان عند الموت ترفض المادة مطلقا ، فقد خرص نعم لها | مادة بالذات ، ~~وهي النسمة ، ومادة بالعرض ، وهو الجسم الأرضي ، فإذا | مات الإنسان لم يضر ~~نفسه زوال المادة الأرضية ، وبقيت حالة بمادة النسمية ، | ويكون كالكاتب ~~المجيد المشغوف بكتابته إذا قطعت يداه ، وملكة # PageV01P070 | الكتابة بحالها ، والمستهتر بالمثي إذا قطعت رجلاه ، ~~والسميع والبصير | إذا جعل أصم وأعمى . # واعلم أن من الأعمال والهيآت ما يباشرها الإنسان بداعية من قلبه ، | فلو ~~خلى ونفسه لانساق إلى ذلك ، ولامتنع من مخالفه . ومنها ما يباشره | لموافقة ~~الإخوان ، أو لعارض خارجي من جوع و عطش ونحوهما إذا لم يصر | عادة لا ~~يستطيع الإقلاع عنها ، فإذا انفقأ العارض انحلت الداعية ، | فرب مستهتر ~~بعشق إنسان أو بالشعر أو بشيء آخر يضطر إلى موافقة قومه | في اللباس والزي ~~، فلو خلى ونفسه ، وتبدل زيه لم يجد في قلبه بأسا ، ورب | إنسان يحب الزي ~~بالذات ، فلو خلى ونفسه لما سمح بتركه . # وإن من الإنسان اليقظان بالطبع يتفطن بالأمر الجامع بين الكثرات ، | ~~ويمسك قلبه بالعلة دون المعلولات والملكة دون الأفاعيل ، ومنه الوسنان | ~~بالطبع يبقى مشغولا بالكثرة عن الوحدة ، وبالافاعيل عن الملكات ، | ~~وبالاشباح عن الأرواح . # واعلم أن الإنسان إذا مات انفسخ جسده الأرضي ، وبقيت نفسه | النطقية ~~متعلقة بالنسمة متفرغة إلى ما عندها ، وطرحت عنها ما كان لضرورة | الحياة ~~الدنيا من غير داعية قلبية ، وبقي فيها ما كانت تمسكه في جدر جوهرها ، | ~~وحينئذ تبرز الملكية ، وتضعف البهيمية ، ويترشح عليها من فوقها يقين | ~~بحظيرة القدس وبما ms034 أحصى عليها هنالك ، وحينئذ تتألم الملكية ، أو تتنعم . # واعلم أن الملكية عند غوصها في البهيمية وامتزاجها بها لا بد أن | تذعن ~~لها إذعانا ما ، وتتأثر منها أثرا ما ، لكن الضار كل الضرر أن تتشبح | فيها ~~هيئات منافرة في الغاية ، والنافع كل النفع أن تتشبح فيها هيآت مناسبة في | ~~الغاية ؛ فمن المنافرات أن يكون قوى التعلق بالمال والأهل لا يستيقن أن | ~~PageV01P071 | وراءهما مطلوبا ، قوى الإمساك للهيئات الدنية في جذر جوهرها ~~، ونحو | ذلك مما يجمعه أنه على الطرف المقابل للسماحة ، وأن يكون متلبسا ~~بالنجاسات | متكبرا على الله لم يعرفه ولم يخضع له يوما ونحو ذلك مما يجمعه ~~أنه على الطرف | المقابل للإحسان ، وأن يكون ناقض توجه حظيرة القدس في نصر ~~الحق ، | وتنويه أمره ، وبعثة الأنبياء ، وإقامة النظام المرضى ، فأصيب ~~منهم | بالبغضاء واللعن ، ومن المناسبات مباشرة أعمال تحاكي الطهارة ~~والخضوع | للبارئ ، وتذكر حال الملائكة وعقائد تنزعها من الاطمئنان بالحياة ~~| الدنيا ، وأن يكون سمحا سهلا ، وأن يعطف عليه أدعيه الملأ الأعلى | ~~وتوجهاتهم للنظام المرضى والله أعلم . # # | ( باب اختلاف أحوال الناس في البرزخ ) # اعلم أن الناس في هذا العالم على طبقات شتى لا يرجى إحصاؤها ، | لكن رءوس ~~الأصناف أربعة . # صنف هم أهل اليقظة ، وأولئك يعذبون ، وينعمون بأنفس تلك | المتافرات ~~والمناسبات ، وإلى حال هذا الصنف وقعت الإشارة في قوله تعالى : # ^ ( أن تقول نفس يا حسرتا على ما فرطت في جنب الله وإن | كنت لمن ~~الساخرين ) ^ . # ورأيت طائفة من أهل الله صارت نفوسهم بمنزلة الجوابي الممتلئة | ماء ~~راكدا : لا تهيجه الرياح ، فضربها ضوء الشمس في الهاجرة ، | فصارت بمنزلة ~~قطعة من النور ، وذلك النور إما نور الأعمال المرضية ، أو نور | الياد داشت ~~، أو نور الرحمة . | PageV01P072 # وصنف قريب المأخذ منهم ، لكن هم أهل النور الطبيعي ، فأولئك | تصيبهم ~~رؤيا ، والرؤيا فينا حضور علوم مخزونة في الحس المشترك كانت | مسكة اليقظة ~~تمنع عن الاستغراق فيها والذهول عن كونها خيالات ، | فلما نام لم يشك أنها ~~عين ما هي صورها ، وربما يرى الصفراوي أنه في غيضة | يابسة في يوم صائف ~~وسموم ، فبينا هو ms035 كذلك إذ فاجاءته النار من كل جانب ، | فجعل يهرب ، ولا ~~يجد مهربا ، ثم أنه لفحته فقاسى ألما شديدا ، ويرى | البلغمى أنه في ليلة ~~شاتية ونهر بارد وريح زمهريرية ، فهاجت بسفينته | الأمواج ، فصار يهرب ، ~~ولا يجد مهربا ، ثم إنه غرق ، فقاسى ألما شديدا ، | وإن أنت استقريت الناس ~~لم تجد أحدا إلا وقد جرب من نفسه تشبح | الحوادث المجمعة بتنعمات وتوجعات ~~مناسبة لها وللنفس الرائية ، فهذا | المبتلى في الرؤيا غير أنها رؤيا لا ~~يقظة منها إلا يوم القيامة ، وصاحب الرؤيا | لا يعرف في رؤياه أنها لم تكن ~~أسماء خارجية ، وأن التوجع والتنعم لم يكن | في العالم الخارجي ، ولولا ~~يقظة لم يتنبه لهذا السر فعسى أن يكون تسمية | هذا العالم عالما خارجيا أحق ~~وأفصح من تسميته بالرؤيا ، فربما يرى | صاحب السبعية أنه يخدشه سبع ، وصاحب ~~البخل تنهشه حيات وعقارب ، | ويتشبح زوال العلوم الفوقانية بملكين يسألانه ~~من ربك ، وما دينك ، | وما قولك في النبي صلى الله عليه وسلم ؟ . # وصنف بهيميتهم وملكيتهم ضعيفتان يلحقون بالملائكة السافلة لأسباب | جبلية ~~بأن كانت ملكيتهم قليلة الانغماس في البهيمية غير مذعنة لها ، ولا متأثرة | ~~منها ، وكسبية بأن لابست الطهارات بداعية قلبية ، ومكنت من نفسها | ~~الإلهامات وبوارق ملكية ، فكما أن الإنسان ربما يخلق في صورة الذكران | وفي ~~مزاجه خنوثة ، وميل إلى هيآت الإناث ، لكنه لا يتميز شهوات الأنوثة | ~~PageV01P073 | من شهوات الذكورة في الصبا ، وإنما المهم حينئذ شهوة الطعام ~~والشراب وحب | اللعب ، فيجري حسب ما يأمر به من التوسم بسمة الرجال ، ~~ويمتنع عنه | من اختار زي النساء حتى إذا شب ، ورجع إلى طبيعته الماجنة ~~استبد | باختيار زيهن والتعود بعاداتهن ، وغلبت عليه شهوة الأبنة وفعل ما ~~يفعله | النساء ، وتكلم بكلامهن ، وسمى نفسه تسمية الأنثى ، فعند ذلك خرج ~~من | حيز الرجال بالكلية ، فكذلك الإنسان قد يكون في حياته الدنيا مشغولا | ~~بشهوة الطعام والشراب والغلمة وغيرها من مقتضيات الطبيعة والرسم ، | لكنه ~~قريب المأخذ من الملأ السافل قوى الانجذاب إليهم ، فإذا مات انقطعت | ~~العلاقات ، ورجع إلى مزاجه ، فلحق بالملائكة ، وصار منهم ، وألهم | ~~كالهامهم ، وسعى فيما ms036 يسعون فيه . # وفي الحديث ' رأيت جعفر بن أبي طالب ملكا يطير في الجنة مع | الملائكة ~~بجناحين . # وربما اشتغل هؤلاء بإعلاء كلمة الله ونصر حزب الله ، وربما كان لهم | لمة ~~خير بابن آدم ، وربما اشتاق بعضهم إلى صورة جسدية اشتياقا شديدا | ناشئا من ~~أصل جبلته ، فقرع ذلك باب من المثال واختلطت قوة منه بالنسمة | الهوائية ، ~~وصار كالجسد النوراني ، وربما اشتاق بعضهم إلى مطعوم ونحوه ، | فأمد فيما ~~اشتهى قضاء لشوقه ، وإليه الإشارة في قوله تعالى : # @QB@ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله @QE@ الآية . # وبإزاء هؤلاء قوم قريبو المأخذ من الشياطين جبلة ، بأن كان | مزاجهم ~~فاسدا يستوجب آراء مناقضة للحق ، منافرة للرأي الكلي على | PageV01P074 | ~~طرف شاسع من محاسن الأخلاق ، وكسبابان لابست هيئات خسيسة | وأفكار فاسدة ~~وانقادت لوسوسة الشياطين ، وأحاط بهم اللعن ، فإذا ماتوا | ألحقوا ~~بالشياطين ، وألبسوا لباسا ظلمانيا ، وصور لهم ما يقضون به بعض | وطرهم من ~~الملاذ الخسيسة ، والأول ينعم بحدوث ابتهاج في نفسه ، والثاني | يعذب بضيق ~~وغم ، كالمخنث يعلم أن الخنوثة أسوأ حالات الإنسان ، ولكن | لا يستطيع ~~الإقلاع عنها . # وصنف هم أهل اصطلاح . قوية بهيميتهم . ضعيفة ملكيتهم ، وهم | أكثر الناس ~~وجودا ، يكون غالب أمورهم تابعا للصورة الحيوانية المجبولة | على التصرف في ~~البدن والانغماس فيه فلا يكون الموت انفكاكا لنفوسهم | عن البدن بالكلية ، ~~بل تنفك تدبيرا ولا تنفك وهما ، فتعلم علما من كذا | بحيث لا يخطر عندها ~~إمكان مخالفة أنها عين الجسد ، حتى لو وطئ الجسد ، | أو قطع لأيقنت أنه فعل ~~ذلك بها ، وعلامتهم أنهم يقولون من جذر قلوبهم | إن أرواحهم عين أجسادهم ، ~~أو عرض طارئ عليها وإن نطقت ألسنتهم | لتقليد أو رسم خلاف ذلك فأولئك إذا ~~ماتوا برق عليهم بارق ضعيف ، | وتراءى لهم خيال ضفيف مثل ما يكون هنا ~~للمرتاضين ، وتتشبح الأمور في | صور خيالية ومثالية أخرى كما قد تتشبح ~~للمرتاضين ، فإن كان لابس أعمالا | ملكية دس علم الملايمة في أشباح ملائكة ~~حسان الوجوه بأيديهم الحرير | ومخاطبات وهيئآت لطيفة وفتح ms037 باب إلى الجنة ~~تأتي منه روائحها ، وإن كان | لابس أعمالا منافرة للملكية أو جالية للعن دس ~~علم ذلك في أشباح | ملائكة سود الوجوه ومخاطبات وهيآت عنفية ، كما قد يدس ~~الغضب في | صورة السباع ، والجبن في صورة الأرنب . # وهنالك نفوس ملكية استوجب استعدادهم أن يوكلوا بمثل هذه | PageV01P075 | ~~المواطن ، ويؤمر بالتعذيب أو التنعيم ، فيراهم المبتلى عيانا . وأن كان أهل ~~| الدنيا لا يرونهم عيانا . # واعلم أنه ليس عالم القبر إلا من بقايا هذا العالم ، وإنما تترشح هنالك | ~~العلوم من وراء حجاب ، وإنما تظهر أحكام النفوس المختصة بفرد دون | فرد ~~بخلاف الحوادث الحشرية فإنها تظهر عليها وهي فانية وعن أحكامها | الخاصة ~~بفرد فرد باقية بأحكام الصورة الإنسانية والله أعلم . # # | ( باب ذكر شيء من أسرار الوقائع الحشرية ) # اعلم أن للأرواح حضرة تنجذب إليها انجذاب الحديد إلى المغناطيس | وتلك ~~الحضرة هي حظيرة القدس محل اجتماع النفوس المتجردة عن جلابيب | الأبدان ~~بالروح الأعظم الذي وضفه النبي صلى الله عليه وسلم بكثرة الوجوه | والألسن ~~واللغات ، وإنما هو تشبح لصورة نوع الإنسان في عالم المثال ، | أو في الذكر ~~أيا ما شئت فقل ، ومحل فنائها عن المتأكد من أحكامها | الناشئة من الخصوصية ~~الفردية ، وبقائها بأحكامها الناشئة من النوع أو الغالب | عليها جانب النوع ~~. # وتفصيله أن أفراد الإنسان لها أحكام يمتاز بها بعضها من بعض ، ولها | ~~أحكام تشترك فيها جملتها ، وتتوارد عليها جميعها ، ولا جرم أنها من النوع | ~~وإليه في قوله صلى الله عليه وسلم : ' كل مولود يولد على الفطرة ' الحديث . # وكل نوع يختص به نوعان من الأحكام : أحدهما الظاهر كالخلقة أي | اللون ~~والشكل والمقدار ، وكالصوت أي فرد وجد منه على هيئة يعطيها لنوع | ولم يكن ~~مخدجا من قبل عصيان المادة ، فإنه لا بد يتحقق بها ، ويتوارد عليها | ~~فالإنسان مستوي القامة ناطق بادي البشرة ، والفرس معوج القامة صاهل | ~~PageV01P076 | أشعر إلى غير ذلك مما لا ينفك عن الأفراد عند سلامة مزاجها . ~~وثانيهما | الأحكام الباطنة كالإدراك والاهتداء للمعاش والاستعداد لما يهجم ~~عليها من | الوقائع ، فلكل نوع شريعة ، ألا ترى النحل كيف أوحى الله ms038 تعالى ~~إليها أن | تتبع الأشجار ، فتأكل من ثمراتها ، ثم كيف تتخذ بيتا يجتمع فيه ~~بنو نوعها ، | ثم كيف تجمع العسل هنالك ، وأوحى إلى العصفور أن يرغب الذكر ~~في | الأنثى ، ثم يتخذ عشا ، ثم يحضنا البيض ، ثم يزقا الفراخ ، ثم إذا ~~نهضت | الفراخ علمها أين الماء وأين الحبوب ، وعلمها ناصحها من عدوها ، ~~وعلمها | كيف تفر من السنور والصياد ، وكيف تنازع بني نوعها عند جلب نفع | ~~أو دفع ضر ، وهل تظن الطبيعة السليمة بتلك الأحكام أنها لا ترجع إلى | ~~اقتضاء الصورة النوعية . # واعلم أن سعادة الأفراد أن تمكن منها أحكام النوع وافرة كاملة | وألا ~~تعصى مادتها عليها ، ولذلك يختلف أفراد الأنواع ، فيما يعد لها من | ~~سعادتها أو شقاوتها ، ومهما بقيت على ما يعطيه النوع لم يكن لها ألم لكنها ~~| قد تغير فطرتها بأسباب طارئة بمنزلة الورم ، وإليه وقعت الإشارة بقوله | ~~صلى الله عليه وسلم : ' ثم أبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ' . # واعلم أن الأرواح البشرية تنجذب إلى هذه الحضرة تارة من جهة | البصيرة ~~والهمة ، وتارة من جهة تشبح آثارها فيها إيلاما وانعاما ، أما الانجذاب | ~~بالبصيرة ، فليس أحد يتخفف عن ألواث البهيمية إلا وتلحق نفسه بها ، | ~~وينكشف عليها شيء منها وهو المشار إليه في قوله صلى الله عليه وسلم : | ' ~~اجتمع آدم وموسى عند ربهما ' وروى عنه صلى الله عليه وسلم من طرق | شتى أن ~~أرواح الصالحين تجتمع عند الروح الأعظم ، أما الانجذاب الآخر | فاعلم أن ~~حشر الأجساد وإعادة الأرواح إليها ليست حياة مستأنفة إنما هي | تتمة النشأة ~~المتقدمة بمنزلة التخمة لكثرة الأكل . كيف ولولا ذلك لكانوا | غير الأولين ~~، ولما أخذوا بما فعلوا . | PageV01P077 # واعلم أن كثيرا من الأشياء المتحققة في الخارج تكون بمنزلة الرؤيا | في ~~تشبح المعاني بأجسام مناسبة لها كما ظهرت الملائكة لداود عليه السلام | في ~~صورة خصمين ورفعت إليه القضية ، فعرف أنه تشبح لما فرط منه | في امرأة ~~أوريا فاستغفر وأناب . وكما كان عرض قدمي الخمر واللبن | عليه صلى الله ~~عليه وسلم واختياره اللبن تشبحا لعرض الفطرة والشهوات | على أمته واختيار ~~الراشدين ms039 منهم الفطرة ، وكما كان جلوس النبي صلى الله عليه وسلم | وأبي بكر ~~وعمر مجتمعين على قف البئر ، وجلوس عثمان | منفردا منهم تشبحا لما قدر الله ~~تعالى من حال قبورهم ومدافنهم على ما أوله | سعيد بن المسيب وناهيك به . . ~~. ، وأكثر الوقائع الحشرية من | هذا القبيل . # واعلم أن تعلق النفس الناطقة بالنسمة أكيد شديد في حق أكثر الناس | وإنما ~~مثلها بالنسبة إلى العلوم البعيدة من مألوفها كمثل الأكمة لا يتخيل | ~~الألوان والأضواء أصلا ولا مطمع لها في حصول ذلك إلا بعد أحقاب | كثيرة ~~ومدد متطاولة في ضمن تشبحات وتمثلات . # والنفوس أول ما تبعث تجازى بالحساب اليسير أو العسير أو بالمرور | على ~~الصراط ناجيا و مخدوشا أو بأن يتبع كل أحد متبوعه فينجو ، أو يهلك | أو ~~تنطق الأيدي والأرجل وقراءة الصحف أو بظهور ما يخل به ، وحمله | على ظهره ~~أو الكي به ؛ وبالجملة فتشبحات وتمثلات لما عندها بما تعطيه أحكام | ~~PageV01P078 | الصورة النوعية ، وأيما رجل كان أوثق نفسا ، وأوسع نسمة ، ~~فالتشبحات | الحشرية في حقه أتم وأوفر ، ولذلك أخبر النبي صلى الله عليه ~~وسلم أن | أكثر عذاب أمته في قبورهم ، وهنالك أمور متمثلة تتساوى النفوس في ~~| مشاهدتها كالهداية المبسوطة ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم تتشبح حوضا ، ~~| وتتشبح أعمالهم المحصا عليها وزنا إلى غير ذلك ، وتتشبح النعمة بمطعم هنئ ~~، | ومشرب مريء ، ومنكح شهي ، وملبس رضي ، ومسكن بهي ، # وللخروج من ظلمات التخليط إلى النعمة تدريجات عجيبة كما بينه النبي | صلى ~~الله عليه وسلم في حديث الرجل الذي هو آخر أهل النار خروجا منها ، | وأن ~~للنفوس شهوات تتوارد عليها من تلقاء نوعها تتمثل بها النعمة ، | وشهوات دون ~~ذلك يتميز بها بعضها من بعض ، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم | : ' دخلت ~~الجنة فإذا جارية أدماء لعساء ، فقلت ما هذه | يا جبريل ؟ فقال : أن الله ~~تعالى عرف شهوة جعفر بن أبي طالب للادم اللعس ، # فخلق له هذه ' ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ' أن الله أدخلك الجنة ، | ~~فلا تشاء أن تحمل فيها على فرس من ياقوته حمراء تطير بك ms040 في الجنة حيث | شئت ~~إلا فعلت ' وقوله : ' إن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع ، | فقال ~~له ألست فيما شئت قال بلى ، ولكني أحب أن أزرع ، فبذر ، فبادر | الطرف ~~نباته واستواؤه واستحصاده ، فكان أمثال الجبال ، فيقول الله تعالى | دونك ~~يا ابن آدم ، فإنه لا يشبعك شيء ' ، ثم آخر ذلك رؤية رب العالمين ، | وظهور ~~سلطان التجليات في جنة الكثيب ، ثم كائن بعد ذلك ما أسكت | عنه ، ولا أذكره ~~اقتداء بالشارع صلى الله عليه وسلم . PageV01P079 | # | ( المبحث الثالث ) # | ( مبحث الارتفاقات ) # | ( باب كيفية استنباط الارتفاقات ) # اعلم أن الإنسان يوافق أبناء جنسه في الحاجة إلى الأكل والشرب | والجماع ~~والاستظلال من الشمس والمطر والاستدفاء في الشتاء وغيرها ، | وكان من عناية ~~الله تعالى به أن ألهمه كيف يرتفق بأداء هذه الحاجات | إلهاما طبيعيا من ~~مقتضى صورته النوعية ، فلا جرم يتساوى الأفراد في | ذلك الأكل مخدج عصت ~~مادته ، كما ألهم النحل كيف تأكل الثمرات ، | ثم كيف تتخذ بيتا يجتمع فيه ~~أشخاص من بني نوعها ، ثم كيف تنقاد ليعسوبها ، | ثم كيف تعسل ، وكما ألهم ~~العصفور كيف يبتغي الحبوب الغاذية ، | وكيف يرد الماء ، و كيف يفر عن ~~السنور والصياد ، وكيف يقاتل من صده | عما يحتاج إليه ، وكيف يسافد ذكره ~~الأنثى عند الشبق ، ثم يتخذان | عشا عند الجبل ، ثم كيف يتعاونان في حضانة ~~البيض ، ثم كيف يزقان | الفراخ ، وكذلك لكل نوع شريعة تنفث في صدور أفراده ~~من طريق | الصورة النوعية . # وكذلك ألهم الإنسان كيف يرتفق من هذه الضرورات غير أنه انظم | له مع هذا ~~ثلاثة أشياء لمقتضى صورته النوعية الرابية على كل نوع . # أحدها الانبعاث إلى شيء من رأي كلي فالبهيمة إنما تنبعث إلى غرض | محسوس ~~أو متوهم من داعية ناشئة من طبيعتها كالجوع والعطش والشبق ، | والإنسان ~~ربما ينبعث إلى نفع معقول ليس له داعية من طبيعته فيقصد أن | PageV01P080 | ~~يحصل نظاما صالحا في المدينة أو بكمل خلقه ، ويهذب نفسه ، أو يتفصى | من ~~عذاب الآخرة ، أو يمكن جاهه في صدور الناس . # الثاني أنه يضم مع الارتفاق الظرافة ، فالبهيمة إنما تبتغي ما ms041 تسد به | ~~خلتها ، وتدفع حاجتها فقط ، والإنسان ربما يريد أن تقر عينه ، وتلذ نفسه | ~~زيادة على الحاجة ، فيطلب زوجة جميلة ، وطعاما لذيذا ، وملبسا فاخرا ومسكنا ~~شامخا . # والثالث أنه يوجد منهم أهل عقل ودارية يستنبطون الارتفاقات | الصالحة ، ~~ويوجد منهم من يختلج في صدره ما اختلج في صدور أولئك ، | ولكن لا يستطيع ~~الاستنباط ، فإذا رأى من الحكماء ، وسمع ما استنبطوه تلقاه | بقلبة ، وعض ~~عليه بنواجذه لما وجده موافقا لعلمه الإجمالي ، فرب إنسان | يجوع ، ويظمأ ~~فلا يجد الطعام والشراب ، فيقاسي ألما شديدا حتى يجدهما ، | فيحاول ارتفاقا ~~بإزاء هذه الحاجة ، ولا يهتدي سبيلا ، ثم يتفق أن يلقى | حكيما أصابه ما ~~أصاب ذلك ، فتعرف الحبوب الغاذية ، واستنبط بذرها | وسقيها وحصادها ودياسها ~~وتذريتها ، وحفظها إلى وقت الحاجة ، واستنبط | حفر الآبار للبعيد من العيون ~~والأنهار واصطناع القلال والقرب والقصاع ، | فيتخذ ذلك بابا من الارتفاق ، ~~ثم أنه يقضم الحبوب كما هي ، فلا تنهضم في | معدته ، ويرتع الفواكه نيئة ، ~~فلا تنهضم ، فيحاول شيئا بإزاء هذه ، فلا يهتدي | سبيلا ، فيلقى حكيما ~~استنبط الطبخ والقلي والطحن والخبز ، فيتخذ ذلك بابا | آخر ، وقس على ذلك ~~حاجاته كلها . # والمستبصر يشهد عنده لما ذكرنا حدوث كثير من المرافق في البلدان | بعد ما ~~لم تكن ، فمضى على ذلك قرون ، ولم يزالوا يفعلون ذلك حتى اجتمعت | ~~PageV01P081 | جملة صالحة من العلوم الإلهامية المؤيدة بالمكتسبة ، ونشبت ~~عليها | نفوسهم ، وعليها كان محياهم ومماتهم ، وبالجملة فحال الإلهامات ~~الضرورية مع | هذه الأشياء الثلاثة كمثل النفس أصله ضروري بمنزلة حركة ~~النبض ، وقد | انظم معه الاختيار في صغر الأنفاس وكبرها . # ولما كانت هذه الثلاثة لا توجد في جميع الناس سواء لاختلاف أمزجة | الناس ~~وعقولهم الموجبة للانبعاث ، من رأي كلي ، ولحب الظرافة ، | ولاستنباط ~~الارتفاقات ، والاقتداء فيها ، ولاختلافهم في التفرغ للنظر | ونحو ذلك من ~~الأسباب كان للارتفاقات حدان . # الأول هو الذي لا يمكن أن ينفك عنه أهل الاجتماعات القاصرة كأهل | البدو ~~وسكان شواهق الجبال والنواحي البعيدة من الأقاليم الصالحة ، وهو | الذي ~~نسميه بالارتفاق الأول . # والثاني ما عليه أهل الحضر والقرى العامرة من الأقاليم الصالحة المستوجبة ms042 ~~| أن ينشأ فيها أهل الأخلاق الفاضلة والحكماء ، فإنه كثر هنالك الاجتماعات ~~| وزدحمت الحاجات ، وكثرت التجارب ، فاستنبطت سنن جزيلة ، وعضوا | عليها ~~بالنواجذ . # والطرف الأعلى من هذا الحد ما يتعامله الملوك أهل الرفاهية الكاملة | ~~الذين يرد عليهم حكماء الأمم ، فينتحلون منهم سننا صالحة ، وهو الذي | ~~نسميه بالارتفاق الثاني ، ولما كمل الارتفاق الثاني أوجب ارتفاقا ثالثا ، | ~~وذلك أنهم لما دارت بينهم المعاملات وداخلها الشح والحسد والمطل | والتجاحد ~~، نشأت بينهم اختلافات ومنازعات وأنهم نشأ فيهم من تغلب | عليه الشهوات ~~الرديئة ، أو يجبل على الجراءة في القتل والنهب ، وأنهم | PageV01P082 | ~~كانت لهم ارتفاقات مشتركة النفع لا يطيق واحد منهم إقامتها ، أو لا تسهل | ~~عليه ، أو لا تسمح نفسه بها ، فاضطروا إلى إقامة ملك يقضي بينهم بالعدل ، | ~~ويزجر عاصيهم ، ويقاوم جريئهم ، ويجبي منهم الخراج ، ويصرفه | في مصرفه ، ~~وأوجب الارتفاق الثالث ارتفاقا رابعا ، وذلك أنه لما انفرز | كل ملك ~~بمدينته ، وجبى إليه الأموال ، وانظم إليه الأبطال ، وداخلهم الشح | والحرص ~~والحقد ، تشاجروا فيما بينهم ، وتقاتلوا ، فاضطروا إلى إقامة | الخليفة ، ~~أو الانقياد لمن تسلط عليهم تسلط الخلافة الكبرى ، وأعني بالخليفة | من ~~يحصل له من الشوكة ما يرى معه ، كالممتنع أن يسلبه رجل آخر ملكه ، | اللهم ~~إلا بعد اجتماعات كثيرة ، وبذل أموال خطيرة لا يتمكن منها إلا واحد | في ~~القرون المتطاولة ، ويختلف الخليفة باختلاف الأشخاص والعادات ، | وأي أمة ~~طبائعها أشد وأحد ، فهي أحوج إلى الملوك والخلفاء ممن هي دونهما | في الشح ~~والشحناء ، ونحن نريد أن ننبهك على أصول هذه الارتفاقات وفهارس | أبوابها ، ~~كما أوجبه عقول الأمم الصالحة ذوي الأخلاق الفاضلة ، واتخذوه | سنة مسلمة ~~لا يختلف فيها أقاصيهم ، ولا أذانيهم ، فاستمع لما يتلى عليك . # # | ( باب الارتفاق الأول ) # منه اللغة المعبرة عما في ضمير الإنسان ، والأصل في ذلك أفعال وهيآت | ~~وأجسام تلابس صوتا ما بالمجاورة أو التسبب أو غيرهما ، فيحكى ذلك | الصوت ~~كما هو ، ثم يتصرف فيه باشتقاق الصيغ بإزاء اختلاف المعاني ، | ويشبه أمور ~~مؤثرة في الأبصار ، أو محدثة لهيآت وجدانية في النفس ، بالقسم | الأول ، ~~ويتكلف له صوت كمثله ، ثم اتسعت اللغات بالتجوز ms043 لمشابهة | أو مجاورة والنقل ~~لعلاقة ما | PageV01P083 # وهنالك أصول أخرى ستجدها في بعض كلامنا ، ومنه الزرع والغرس | وحفر ~~الآبار وكيفية الطبخ والائتدام ، ومنه اصطناع الأواني والقرب ، | ومنه ~~تسخير البهائم واقتناؤها ليستعان بظهورها ولحومها وجلودها وأشعارها | ~~وأوبارها وألبانها وأولادها ، ومنه مسكن يؤويه من الحر والبرد من | الغيران ~~والعشوش ونحوها ، ومنه لباس يقوم مقام الريش من جلود | البهائم أو أوراق ~~الأشجار ، أو مما عملت أيديهم ، ومنه أن اهتدى لتعيين | منكوحه لا يزاحمه ~~فيها أحد ، يدفع بها شبقه ، ويذرأ بها نسله ، ويستعين بها | في حوائجه ~~المنزلية وفي حضانة الأولاد وتربيتها ، وغير الإنسان لا يعينها | إلا بنحو ~~من الاتفاق أو بكونهما توأمين أدركا على المرافقة ونحو ذلك ، | ومنه أن ~~اهتدى لصناعات لا يتم الزرع والغرس والحفر وتسخير البهائم | وغير ذلك إلا ~~بها كالمعول والدلو والسكة والحبال ونحوها ، ومنه أن | اهتدى لمبادلات ~~ومعاونات في بعض الأمر ، ومنه أن يقوم أسدهم رأيا | وأشدهم بطشا ، فيسخر ~~الآخرين ، ويرأس ويربع ولو بوجه من الوجوه ، | ومنه أن تكون فيها سنة مسلمة ~~لفصل خصوماتهم ، وكبح ظالمهم ، ودفع | من يريد أن يغزوهم ، ولا بد أن يكون ~~في كل قوم من يستنبط طرق | الارتفاق فيما يهمهم شأنه ، فيقتدى به سائر ~~الناس ، وأن يكون فيهم من | يحب الجمال والرفاهية والدعة ، ولو بوجه من ~~الوجوه ، ومن يباهي بأخلاقه | من الشجاعة والسماحة والفصاحة والكيس وغيرها ~~، ومن يحب أن يطير | صيته ، ويرتفع جاهه ، وقد من الله تعالى في كتابه ~~العظيم على عباده بإلهام | شعب هذا الارتفاق لعلمه بأن التكليف بالقرآن يعم ~~أصناف الناس وأنه | لا يشملهم جميعا إلا هذا النوع من الارتفاق والله أعلم ~~. | PageV01P084 # # | ( باب فن أداب المعاش ) # وهي الحكمة الباحثة عن كيفية الارتفاق من الحاجات المبينة من قبل | على ~~الحد الثاني ، والأصل فيه أن يعرض الارتفاق الأول على التجربة الصحيحة | في ~~كل باب ، فيختار الهيآت البعيدة من الضرر ، القريبة من النفع ، ويترك | ما ~~سوى ذلك ، وعلى الأخلاق الفاضلة التي يجبل عليها أهل الأمزجة الكاملة ، | ~~فيختار ما توجبه ، وتقتضيه ، ويترك ما سوى ذلك ، وعلى حسن الصحبة | بين ms044 ~~الناس ، وحسن المشاركة معهم ، ونحو ذلك من المقاصد الناشئة من | الرأي ~~الكلي . # ومعظم مسائله آداب الأكل والشرب والمشي والقعود والنوم والسفر | والخلاء ~~والجماع واللباس والمسكن والنظافة والزينة ومراجعة الكلام والتمسك | ~~بالأدوية والرقى في العاهات ، وتقدمة المعرفة في الحوادث المجمعة ، | ~~والولائم عند عروض فرح من ولادة ونكاح وعيد وقدوم مسافر وغيرها ، | والمآتم ~~عند المصائب وعيادة المرضى ودفن الموتى ، فإنه أجمع من يعتد به | من أهل ~~الأمزجة الصحيحة سكان البلدان المعمورة على ألا يؤكل الطعام | الخبيث ~~كالميت حتف أنفه والمتعفن والحيوان البعيد من اعتدال المزاج | وانتظام ~~الأخلاق ، ويستحبون أن يوضع الطعام في الأواني ، وتوضع هي | على السفر ~~ونحوها ، وأن ينظف الوجه واليدان عند إرادة الأكل ، ويحترز | عن هيآت الطيش ~~والشره والتي تورث الضغائن في قلوب المشاركين وألا | يشرب الماء الآجن ، ~~وأن يحترز من الكرع والعب ، وأجمعوا على | استحباب النظافة نظافة البدن ~~والثوب والمكان عن شيئين من النجاسات | PageV01P085 المنتنة المتقذرة ، وعن ~~الأوساخ النابتة على نهج طبيعي كالبخر يزال | بالسواك وكشعر الابط والعانة ~~وكتوسخ الثياب واعشيشاب البيت ، | وعلى استحباب أن يكون الرجل شامة بين ~~الناس قد سوى لباسه وسرح | رأسه ولحيته ، والمرأة إذا كانت تحت رجل تتزين ~~بخضاب وحلي ونحو ذلك | وعلى أن العري شين واللباس زين وظهور السوأتين عار ، ~~وأن أتم اللباس | ما ستر عامة البدن وكان ساتر العورة غير ساتر البدن ، ~~وعلى تقدمة المعرفة | بشيء من الأشياء إما بالرؤيا أو بالنجوم أو الطيرة ~~أوالعيافة والكهانة | والرمل ونحو ذلك . # وكل من خلق على مزاج صحيح وذوق سليم يختار لا محالة في كلامه من | ~~الألفاظ كل لفظ غير وحشي ، ولا ثقيل على اللسان ، ومن التراكيب كل | تركيب ~~، متين جيد ، ومن الأساليب كل أسلوب يميل إليه السمع ، ويركن إليه | القلب ~~وهذا الرجل هو ميزان الفصاحة . # وبالجملة ففي كل باب مسائل إجماعية مسلمة بين أهل البلدان وإن تباعدت ، | ~~والناس بعدها في تمهيد قواعد الآداب مختلفون ، فالطبيعي يمهدها على | ~~أستحسانات الطب والمنجم على خواص النجوم ، والإلهي على الإحسان كما | تجدها ~~في كتبهم مفصلة ، ولكل قوم زي وآداب ms045 يتميزون بها ، يوجبها | اختلاف الأمزجة ~~والعادات ونحو ذلك . PageV01P086 # # | ( باب تدبير المنزل ) # وهو الحكمة الباحثة عن كيفية حفظ الربط الواقع بين أهل المنزل على | الحد ~~الثاني من الارتفاق وفيه أربع جمل : الزواج ، والولاد ، والملكة ، | ~~والصحبة . # والأصل في ذلك أن حاجة الجماع أوجبت ارتباط واصطحابا بين الرجل | والمرأة ~~، ثم الشفقة على المولود أوجبت تعاونا منهما في حضانته ، وكانت | المرأة ~~أهداهما للحضانة بالطبع ، وأخفهما عقلا ، وأكثرهما انحجاما | من المشاق ، ~~وأتمهما حياء ولزوما للبيت ، وأحذقهما سعيا في محقرات الأمور | وأوفرهما ~~انقيادا ، وكان الرجل أسدهما عقلا ، وأشدهما ذباعن الذمار ، | وأجزأهما على ~~الاقتحام في المشاق ، وأتمهما تيها وتسلطا ومناقشة | وغيرة ، فكان معاش هذه ~~لا تتم إلا بذاك ، وذاك يحتاج إلى هذه . # وأوجبت مزاحمات الرجال على النساء وغيرتهم عليهن ألا يصلح أمرهم | إلا ~~بتصحيح اختصاص الرجل بزوجته على رءوس الأشهاد ، وأوجبت | رغبة الرجل في ~~المرأة ، وكرامتها على وليها ، وذبه عنها أن يكون مهر وخطبة | وتصد من ~~الولي ، وكان لو فتح رغبة الأولياء في المحارم أفضى ذلك إلى ضرر | عظيم ~~عليها من عضلها عمن ترغب فيه ، وألا يكون لها من يطالب عنها | بحقوق ~~الزوجية مع شدة احتياجها إلى ذلك وتكدير الرحم بمنازعات الضرات | ونحوها مع ~~ما تقتضيه سلامة المزاج من قلة الرغبة في التي نشأ منها ، | أو نشأت منه ، ~~أو كان كعصى دوحة . | PageV01P087 | وأوجب الحياء عن ذكر الحاجة إلى الجماع ~~أن تجعل مدسوسة في ضمن | عروج يتوقع لهما كأنه الغاية التي وجدا لها . # وأوجب التلطف في التشهير ، وجعل الملاك المنزلي عروجا أن تجعل | وليمة ~~يدعى الناس إليها ودف وطرب . # وبالجملة فلوجوه جمة مما ذكرنا ، ومما حذفنا - اعتمادا على ذهن الأذكياء ~~- | كان النكاح بالهيئة المعتادة أعني نكاح غير المحارم بمحضر من الناس مع ~~| تقديم مهر وخطبة وملاحظة كفاءة وتصد من الأولياء ووليمة ، وكون الرجال | ~~قوامين على النساء متكفلين معاشهن ، وكونهن خادمات حاضنات مطيعات | سنة ~~لازمة ، وأمرا مسلما عند الكافة ، وفطرة فطر الله الناس عليها | لا يختلف ~~في ذلك عربهم ولا عجمهم . # ولما لم يكن بذل الجهد منهما في التعاون ms046 بحيث يجعل كل واحد ضرر | الآخر ، ~~ونفعه كالراجع إلى نفسه إلا بأن يوطنا أنفسهما على إدامة النكاح ، | ولا بد ~~من إبقاء طريق للخلاص إذا لم يطاوعا ، ولم يتراضيا وإن كان من أبغض | ~~المباحات وجب في الطلاق ملاحظة قيود وعدة ، وكذا في وفاته عنها تعظيما | ~~لأمر النكاح في النفوس وأداء لبعض حق الإدامة ووفاء لعهد الصحبة ، | ولئلا ~~تشتبه الأنساب . # وأوجبت حاجة الأولاد إلى الأباء ، وحدبهم عليهم بالطبع أن يكون | تمرين ~~الأولاد على ما ينفعهم فطرة ، وأوجب تقدم الأباء عليهم ، فلم يكبروا | إلا ~~والأباء أكثر عقلا وتجربة مع ما يوجبه صحة الأخلاق من مقابلة | الإحسان ~~بالإحسان ، وقد قاسوا في تربيتهم مالا حاجة إلى شرحه أن | يكون بر الوالدين ~~سنة لازمة . | PageV01P088 # وأوجب اختلاف استعداد بني آدم أن يكون فيهم السيد بالطبع ، وهو | الأكيس ~~المستقل بمعيشته ذو سياسة ورفاهية جبليتين ، والعبد بالطبع | وهو الأخرق ~~التابع ينقاد كما يقاد ، وكان معاش كل واحد لا يتم | إلا بالآخر ، ولا يمكن ~~التعاون في المنشط والمكره إلا بأن يوطنا أنفسهما | على إدامة هذا الربط ، ~~ثم أوجبت اتفاقات أخر أن يأسر بعضهم بعضا ، | فوقع ذلك منهم بموقع ، ~~وانتظمت الملكة ، ولا بد من سنة يؤاخذ كل واحد | نفسه عليها ، ويلام على ~~تركها ، ولا بد من إبقاء طريق الخلاص في الجملة | بمال أو بدونه ، وكان ~~يتفق كثيرا أن تقع على الإنسان حاجات وعاهات | من مرض وزمانة وتوجه حق عليه ~~وحوائج يضعف عن إصلاح أمره | معها إلا بمعاونة بني جنسه ، وكان الناس فيها ~~سواسية ، فاحتاجوا إلى | إقامة ألفة بينهم وإدامتها ، وإن تكون لإغاثة ~~المستغيث وإعانة الملهوف | سنة بينهم يطالبون بها ويلامون عليها . # ولما كانت الحاجات على حدين : حد لا يتم إلا بأن يعد كل واحد ضرر | الآخر ~~ونفعه راجعا إلى نفسه ، ولا يتم إلا ببذل كل واحد الطاقة في موالاة | الآخر ~~ووجوب الإنفاق عليه والتوارث ، وبالجملة فبأمور تلزمهم من | الجانبين ليكون ~~الغنم بالغرم ، وكان أليق الناس بهذا الحد الأقارب لأن | تحاببهم واصطحابهم ~~كالأمر الطبيعي ، وحد يتأتى بأقل من ذلك فوجب أن | تكون ms047 مواساة أهل العاهات ~~سنة مسلمة بين الناس ، وأن تكون صلة الرحم | أوكد ، وأشد من ذلك كله . # ومعظم مسائل هذا الفن معرفة الأسباب المقتضية للزواج وتركه وسنة | الزواج ~~وصفة الزوج والزوجة ، وما على الزوج من حسن المعاشرة وصيانة | الحرم عن ~~الفواحش والعار ، وما على المرأة من التعفف وطاعة الزوج | PageV01P089 | ~~وبذل الطاقة في مصالح المنزل وكيفية صلح المتناشزين وسنة الطلاق وإحداد | ~~المتوفي عنها زوجها وحضانة الأولاد وبر الولداين وسياسة المماليك والإحسان ~~| إليهم وقيام المماليك بخدمة الموالي وسنة الإعتاق وصلة الأرحام والجيران ~~| والقيام بمواساة فقراء البلد والتعاون في دفع عاهات طارئة عليهم ، وأدب | ~~نقيب القبيلة وتعهده حالهم ، وقسمة التركات بين الورثة والمحافظة على ~~الأنساب | والأحساب ، فلن تجد أمة من الناس إلا وهم يعتقدون أصول هذه ~~الأبواب | ويجتهدون في إقامتها على اختلاف أديانهم وتباعد بلدانهم والله ~~أعلم . | # | ( باب فن المعاملات ) # وهو الحكمة الباحثة عن كيفية إقامة المبادلات والمعاونات والإكساب | على ~~الارتفاق الثاني . # والأصل في ذلك أنه لما ازدحمت الحاجات ، وطلب الإتقان فيها ، وأن | تكون ~~على وجه تقر به الأعين ، وتلذ به الأنفس تعذر إقامتها من كل واحد | وكان ~~بعضهم وجد طعاما فاضلا عن حاجته ، ولم يجد ماء وبعضهم ماء فاضلا | ولم يجد ~~طعاما فرغب كل واحد فيما عند الآخر ، فلم يجدوا سبيلا إلا المبادلة ، | ~~فوقعت تلك المبادلة بموقع من حاجتهم فاصطلحوا بالضرورة على أن يقبل كل | ~~واحد على إقامة حاجة واحدة وإتقانها والسعي في جميع أدواتها ويجعلها ذريعة ~~| إلى سائر الحوائج بواسطة المبادلات ، وصارت تلك سنة مسلمة عندهم ، ولما ~~كان | كثير من الناس يرغب في شيء وعن شيء ، فلا يجد من يعامله في تلك ~~الحالة ، | اضطروا إلى تقدمة وتهيئة ، واندفعوا إلى الاصطلاح على جواهر ~~معدنية تبقى | زمانا طويلا أن تكون المعاملة بها أمرا مسلما عندهم ، وكان ~~الأليق من بينها ، | الذهب والفضة لصغر حجمهما ، وتماثل أفرادهما ، وعظم ~~نفعهما في بدن الإنسان | ولتأتي التجمل بهما ، فكانا نقدين بالطبع ، وكان ~~غيرهما نقدا بالاصطلاح . # وأصول المكاسب الزرع والرعي والتقاط الأموال المباحة من البر | والبحر من ~~المعدن والنبات والحيوان ms048 والصناعات من نجارة وحدادة وحياكة | PageV01P090 | ~~وغيرها مما هو من جعل الجواهر الطبيعية بحيث يتأتى منها الارتفاق المطلوب | ~~ثم صارت التجارة كسبا ، ثم صار الإقبال على كل ما يحتاج الناس إليه كسبا . # وكلما رقت النفوس وأمعنت في حب اللذة والرفاهية ، تفرعت حواشي | المكاسب ~~، واختص كل رجل بكسب لأحد شيئين مناسبة القوي فالرجل | الشجاع يناسب الغزو ~~، والكيس الحافظ يناسب الحساب ، وقوي البطش | يناسب حمل الأثقال وشاق ~~الأعمال ، واتفاقات توجد فولد الحداد وجاره | يتيسر له من صناعة الحدادة ما ~~لا يتيسر له من غيرها ولا لغيره منها ، | وقاطن ساحل البحر يتأتى منه صيد ~~الحيتان دون غيره ودون غيرها ، وبقيت | نفوس أعيت بها المذاهب الصالحة ، ~~فانحدروا إلى أكساب ضاره بالمدينة | كالسرقة والقمار والتكدى . # والمبادلة إما عين بعين ، وهو البيع ، أو عين بمنفعة ، وهي الإجارة ، | ~~ولما كان انتظام المدينة لا يتم إلا بإنشاء ألفة ومحبة بينهم ، وكانت ~~الألفة | كثيرا ما تفضي إلى بذل المحتاج إليه بلا بدل أو تتوقف عليه انشعبت ~~الهبة | والعارية ، ولا تتم أيضا إلا بمواساة الفقراء انشعبت الصدقة وأوجبت ~~| المعدات أن يكون منهم الأخرق والكافي والمملق والمثري والمستنكف | من ~~الأعمال الخسيسة وغير المستنكف والذي ازدحمت عليه الحاجات | والمتفرغ ، ~~فكان معاش كل واحد لا يتم إلا بمعاونة آخر ، ولا معاونة | إلا بعقد وشروط ~~واصطلاح على سنة ، فانشعبت المزارعة والمضاربة | والإجارة والشركة والتوكيل ~~، ووقعت حاجات تسوق إلى مداينة ووديعة ، | وجربوا الخيانة والجحود والمطل ~~فاضطروا إلى إشهاد وكتابة وثائق ورهن | وكفالة وحوالة ، وكلما ترفهت النفوس ~~انشعبت أنوع المعاونات ، ولن | تجد أمة من الناس إلا ويباشرون هذه ~~المعاملات ويعرفون العدل من | الظلم والله أعلم . | PageV01P091 # # | ( باب سياسة المدينة ) # وهي الحكمة الباحثة عن كيفية حفظ الربط الواقع بين أهل المدينة - | وأعني ~~بالمدينة جماعة متقاربة تجري بينهم المعاملات ويكونون أهل | منازل شتى . # والأصل في ذلك أن المدينة شخص واحد من جهة ذلك الربط مركب | من أجزاء ~~وهيئة اجتماعية ، وكل مركب يمكن أن يلحقه خلل في مادته أو صورته | ويلحقه ~~مرض أعني حالة غيرها أليق به باعتبار نوعه ، وصحة أي ms049 حالة | تحسنه وتجمله . # ولما كانت المدينة ذات اجتماع عظيم لا يمكن أن يتفق رأيهم جميعا على | ~~حفظ السنة العادلة ، ولا أن ينكر بعضهم على بعض من غير أن يمتاز | بمنصب ~~إذا يفضي ذلك إلى مقاتلات عريضة لم ينتظم أمرها إلا برجل أصطلح | على طاعته ~~جمهور أهل الحل والعقد له أعوان وشوكة ، وكل من كان أشح | وأحد وأجرا على ~~القتل والغضب ، فهو أشد حاجة إلى السياسة # ومن الخلل أن تجتمع أنفس شريرة لهم منعة وشوكة على اتباع الهوى | ورفض ~~السنة العادلة ، إما طمعا في أموال الناس ، وهم قطاع الطرق ، | أو إضرارا ~~لهم بغضب أو حقد أو رغبة في الملك ، فيحتاج في ذلك إلى | جمع رجال ونصب ~~قتال . # ومنه إصابة ظالم إنسانا بقتل أو جرح أو ضرب أو في أهله بأن يزاحم | على ~~زوجته ، أو يطمع في بناته وأخواته لغير حق ، أو في ماله من غضب | جهرة أو ~~سرقة خفية ، أو في عرضه من نسبته إلى أمر قبيح يلام به أو إغلاظ | القول ~~عليه . # ومنه أعمال ضارة بالمدينة ضررا خفيا كالسحر ودس السم وتعليم الناس | ~~الفساد وتخبيب الرعية على الملك والعبد على مولاه والزوجة على زوجها | ~~PageV01P092 | ومنه عادات فاسدة فيها إهمال للارتفاقات الواجبة كاللواطة ~~والسحاقة | وإتيان البهائم ، فإنه تصد عن النكاح أو انسلاخ عن الفطرة ~~السليمة | كالرجل يؤنث والمرأة تذكر ، أو حدوث لمنازعات عريضة كالمزاحمة ~~على | الموطوءة من غير اختصاص بها وكإدمان الخمر . # ومنه معاملات ضارة بالمدينة كالقمار والربا أضعافا مضاعفة والرشوة | ~~وتطفيف الكيل والوزن والتدليس في السلع وتلقي الجلب | والاحتكار والنجش . # ومنه خصومات مشكلة يتمسك فيها كل بشبهة ، ولا تنكشف جلية | الحال ، ~~فيحتاج إلى التمسك بالبينات والإيمان والوثائق وقرائن الحال ونحوها ، | ~~وردها إلى سنة مسلمة ، وإبداء وجه الترجيح ، ومعرفة مكايد المتخاصمين | ~~ونحو ذلك . # ومنه أن يبدو أهل المدينة ويكتفوا بالارتفاق الأول ، أو يتمدنوا في | غير ~~هذه المدينة ، أو يكون توزعهم في الإقبال على الاكساب بحيث يضر | بالمدينة ~~مثل أن يقبل أكثرهم على التجارة ، ويدعو الزراعة ، أو يتكسب | أكثرهم ~~بالغزو ونحوه ، وإنما ms050 ينبغي أن يكون الزراع بمنزلة الطعام والصناع | ~~والتجار والحفظة بمنزلة الملح المصلح له . # ومنه انتشار السباع الضارية والهوام المؤذية ، فيجب السعي في إفنائها | ~~ومن باب كمال الحفظ بناء الأبنية التي يشتركون في الانتفاع بها كالأسوار | ~~والربط والحصون والثغور والأسواق والقناطر . # ومنه حفر الآبار واستنباط العيون وتهيئة السفن على سواحل الأنهار . | ~~PageV01P093 # ومنه حمل التجار على الميرة بتأنيسهم وتأليفهم وتوصية أهل البلد | أن ~~يحسنوا المعاملة مع الغرباء ، فإن ذلك يفتح باب كثرة ورودهم ، وحمل | ~~الزراع على ألا يتركوا أرضا مهملة ، والصناع أن يحسنوا الصناعات ، | ~~ويتقنوها ، وأهل البلد على اكتساب الفضائل كالخط والحساب والتاريخ | والطب ~~والوجوه الصحيحة من تقدمة المعرفة . # ومنه معرفة أخبار البلد ليتميز الداعر من الناصح ، وليعلم المحتاج ، | ~~فيعان وصاحب صنعة مرغوبة ، فيستعان به . # وغالب سبب خراب البلدان في هذا الزمان شيئان أحدهما تضييقهم | على بيت ~~المال بأن يعتادوا التكسب بالأخذ منه على أنهم من الغزاة ، أو من | العلماء ~~الذين لهم حق فيه ، أو من الذين جرت عادة الملوك بصلتهم كالزهاد | والشعراء ~~، أو بوجه من وجوه التكدي ، ويكون العمدة عندهم هو التكسب | دون القيام ~~بالمصلحة ، فيدخل قوم على قوم ، فينغصون عليهم ، ويصيرون | كلا على المدينة ~~. # والثاني ضرب الضرائب الثقيلة على الزراع والتجار والمتحرفة | والتشديد ~~عليهم حتى يفضي إلى إجحاف المطاوعين واستئصالهم ، وإلى | تمنع أولي بأس ~~شديد وبغيهم وإنما تصلح المدينة بالجباية اليسيرة وإقامة | الحفظة بقدر ~~الضرورة ، قليتنبه أهل الزمان لهذه النكتة والله أعلم . # # | ( باب سيرة الملوك ) # يجب أن يكون الملك متصفا بالأخلاق المرضية ، وإلا كان كلا على | المدينة ~~، فإن لم يكن شجاعا ضعف عن مقاومة المحاربين ، ولم تنظر إليه الرعية | ~~PageV01P094 | إلا بعين الهوان ، وإن لم يكن حليما كاد يهلكهم بسطوته ، وإن ~~لم يكن | حكيما لم يستنبط التدبير المصلح ، وأن يكون عاقلا بالغا حرا ذكرا ~~ذار أي | وسمع وبصر ونطق ممن سلم الناس شرفه وشرف قومه ، ورأوا منه ومن | ~~آبائه المآثر الحميدة ، وعرفوا أنه لا يألو جهدا في إصلاح المدينة ، هذا | ~~كله يدل عليه العقل ، وأجمعت عليه أمم بني آدم على تباعد ms051 بلداتهم واختلاف | ~~أديانهم لما أحسوا من أن المصلحة المقصودة من نصب الملك لا تتم إلا به ، | ~~فإن وقع شيء من إهماله رأوه خلاف ما ينبغي ، وكرهته قلوبهم ، ولو سكتوا | ~~سكتوا على غيظ . # ولا بد للملك من إنشاء الجاه في قلوب رعيته ، ثم حفظه وتدارك | الخادشات ~~له بتدبيرات مناسبة ، ومن قصد الجاه فعليه أن يتحلى بالأخلاق | الفاضلة مما ~~يناسب رياسته كالشجاعة والحكمة والسخاوة والعفو عمن ظلم | وارادة نفع ~~العامة ، ويفعل بالناس ما يفعل الصياد بالوحش ، فكما أن الصياد | يذهب إلى ~~الغيضة ، فينظر إلى الظباء ، ويتأمل الهيئة المناسبة لطبائعها وعاداتها ، | ~~فيتهيأ بتلك الهيئة ، ثم يبرز لها من بعيد ، ويقصر النظر على عيونها ~~وآذانها ، | فمهما عرف منها تيقظا أقام بمكانه كأنه جماد ليس به حراك ، ~~ومهما عرف | منها غفلة دب إليها دبيبا ، وربما أطر بها بالنغم ، وألقى ~~إليها أطيب ما ترومه | من العلف على أنه صاحب كرم بالطبع ، وأنه لم يقصد ~~بذلك صيدها ، | والنعم تورث حب المنعم ، وقيد المحبة أوثق من قيد الحديد ، ~~فكذلك الرجل | الذي يبرز إلى الناس ينبغي أن يؤثر هيئة ترغب فيها النفوس من ~~زي | ومنطق وأدب . # ثم يتقرب منهم هونا ، ويظهر إليهم النصح والمحبة من غير مجازفة | ولا ~~ظهور قرينة تدل على أن ذلك لصيدهم ، ثم يعلمهم أن نظيره كالممتنع | في حقهم ~~حتى يرى أن نفوسهم قد طمأنت بفضله وتقدمه ، وصدورهم قد | PageV01P095 | ~~امتلأت مودة وتعظيما ، وجوارحهم تدابت خشوعا وإخباتا ، ثم ليحفظ | ذلك فيهم ~~، فلا يكن منه ما يختلفون به عليه ، فإن فرط شيء من ذلك ، | فليتداركه بلطف ~~وإحسان وإظهار أن المصلحة حكمت بما فعل ، وأنه | لهم لا عليهم . # والملك مع ذلك يحتاج إلى إيجاب طاعته بالانتقام ممن عصاه ، فمهما | ~~استشعر من رجل كفاية في حرب أو جباية أو تدبير ، فليضاعف عطاءه ، | وليرفع ~~قدره ، ولبسط له بشره ، ومهما استشعر منه خيانة وتخلفا | وانسلالا ، فلينقص ~~من عطائه ، وليخفض من قدره ، وليطو عنه بشره ، | وإلى يسار أكمل من يسار ~~الناس ، وليكن مما لا يضيق عليهم كموات | يحييه وناحية بعيدة يحميها ونحو ~~ذلك ms052 وإلى ألا يبطش بأحد إلا بعد أن | يصحح على أهل الحل والعقد أنه يستحقه ~~، وأن المصلحة الكلية حاكمة به . # ولا بد للملك من فراسة يتعرف بها ما أضمرت نفوسهم ، ويكون ألمعيا | يظن ~~بك الظن كأن قد رأى وقد سمع ، ويجب عليه إلا لا يؤخر ما لا بد | منه إلى غد ~~، ولا يصبر إن رأى منهم أحدا يضمر عداوته دون فك نظامه | وإضعاف قوته والله ~~أعلم . # # | ( باب سياسة الأعوان ) # لما كان الملك لا يستطيع إقامة هذه المصالح كلها بنفسه وجب أن يكون | له ~~بإزاء كل حاجة أعوان ، ومن شرط الأعوان الأمانة والقدرة على إقامة | ما ~~أمروا به وانقيادهم للملك والنصح له ظاهرا أو باطنا ، وكل من خالف | هذه ~~الشريطة فقد استحق العزل ، فإن أهمل الملك عزله ، فقد خان المدينة ، | ~~وأفسد على نفسه أمره ، وينبغي أنه لا يتخذ الأعوان ممن يتعذر عزله ، | أو ~~ممن له حق على الملك من قرابة أو نحوها ، فيقبح عزله ، وليميز الملك | ~~PageV01P096 | بين محبيه ، فمنهم من يحبه لرهبة أو لرغبته ، فليجره إليه ~~بحيلة ، ومنهم من | يحبه لذاته ، ويكون نفعه نفعا له ، وضرره ضررا عليه ، ~~فذلك المحب الناصح | ولكل إنسان جبلة جبل عليها وعادة اعتادها ، ولا ينبغي ~~للملك أن يرجو | من أحد أكثر مما عنده . # والأعوان إما حفظه من شر المخالفين بمنزلة اليدين الحاملتين للسلاح | من ~~بدن الإنسان ، وإما مدبرون للمدينة بمنزلة القوة الطبيعية من الإنسان | أو ~~المشاورون للملك بمنزلة العقل والحواس للإنسان . # ويجب على الملك أن يسأل كل يوم ما فيهم من الأخبار ، ويعلم ما وقع | من ~~الإصلاح وضده . # ولما كان الملك وأعوانه عاملين للمدينة عملا نافعا وجب أن يكون رزقهم | ~~عليها ، ولا بد أن يكون بجباية العشور والخراج سنة عادلة لا تضر بهم ، | ~~وقد كفت الحاجة ، ولا ينبغي أن يضرب على كل أحد وفي كل مال ، والأمر | ما ~~أجمعت ملوك الأمم من مشارق الأرض ومغاربها أن تكون الجباية من | أهل الدثور ~~والقناطير المقنطرة ، ومن الأموال النامية كماشية متناسلة وزراعة | وتجارة ~~، فإن احتيج إلى أكثر من ذلك ، فعلى ms053 رءوس الكاسبين : # ولا بد للملك من سياسة جنوده ، وطريق السياسة ما يفعله الرائض | الماهر ~~بفرسه حيث يتعرف أصناف الجري من إرفال وهرولة وعدو وغيرها ، | والعادات ~~الذميمة من حرونة ونحوها ، والأمور التي تنبه الفرس تنبيها بليغا | كالنخس ~~والزجر والسوط ، ثم يراقبه ، فكلما فعل ما لا يرتضيه ، أو ترك | ما يرتضيه ~~ينبهه بما ينقاد له طبعه ، وتنكسر به سورته ، وليقصد في ذلك | ألا يتشوش ~~خاطره ، فلا يتفطن لماذا ضربه ، ولتكن صورة الأمر الذي | يلقيه إليه متمثله ~~في صدره منعقدة في قلبه والخوف من المجازاه مقيما في | PageV01P097 | خاطره ~~، ثم إذا حصل فعل المطلوب والكف عن المهروب لا ينبغي أن | يترك الرياضة حتى ~~يرى أن الطريقة المطلوبة صارت خلقا له وديدنا ، وصار | بحيث لولا الزجر لما ~~ركن إلى خلافها ، فكذلك يجب على رائض الجنود | أن يعرف الطريقة المطلوبة ~~فعلا وكفا والأمور التي يقع بها تنبيههم ، | وليكن من شأنه ألا يهمل شيء من ~~ذلك أبدا . # وليس للأعوان حصر في عدد لكنه يدور على دوران حاجات | المدينة ، فربما ~~تقع الحاجة إلى اتخاذ عونين في حاجة ، وربما كفا عون | لحاجتين ، غير أن ~~رءوس الأعوان خمسة . # القاضي ، وليكن حرا ذكرا بالغا عاقلا كافيا عارفا بسنة المعاملات | ~~وبمكايد الخصوم في اختصامهم ، وليكن صلبا حليما جامعا للأمرين ، ولينظر | ~~في مقامين : أحدهما معرفة جلية الحال ، وهي إما عقد أو مظلمة أو سابقة | ~~بينهما ، وثانيهما ما يريد كل واحد من صاحبه أي الإراديتين أصوب وأرجح | ~~ولينظر في وجه المعرفة ، فهنالك حجة لا يريب فيها الناس تقتضي الحكم | ~~الصراح ، وحجة ليست بذاك تقتضي حكما دون الحكم الأول . # وأمير الغزاة ، وليكن من شأنه معرفة عدة الحرب وتأليف الأبطال | والشجعان ~~ومعرفة مبلغ كل رجل في النفع وكيفية تعبية الجيوش ونصب | الجواسيس والخبرة ~~في بمكايد الخصوم . # وسائس المدينة ، وليكن مجربا قد عرف وجوه صلاح المدينة وفسادها | صلبا ~~حليما ، وليكن من قوم لا يسكتون إذا رأوا خلاف ما يرتضونه ، | وليتخذ لكل ~~قوم نقيبا منهم عارفا ؛ أخبارهم ينتظم به أمرهم ويؤاخذه | بما عندهم . # والعامل ، وليكن عارفا بكيفية جباية ms054 الأموال وتفريقها على المستحقين . | ~~PageV01P098 | والوكيل ، المتكفل بمعاش الملك فإنه مع ما به من الأشغال لا ~~يمكن أن | يتفرغ إلى إصلاح معاشه # # | ( باب الارتفاق الرابع ) # وهي الحكمة الباحثة عن سياسة حكام المدن وملوكها ، وكيفية حفظ | الربط ~~الواقع بين أهل الأقاليم ، وذلك أنه لما انفرز كل ملك بمدينته ، وجبي | ~~إليه الأموال ، وانظم إليه الأبطال أوجب اختلاف أمزجتهم وتشتت | ~~استعداداتهم أن يكون فيهم الجور وترك السنة الراشدة ، وأن يطمع بعضهم | في ~~مدينة الآخرة ، وأن يتحاسدوا ، ويتقاتلوا باراء جزئية من نحو رغبة في | ~~الأموال والأراضي ، أو حسد وحقد ، فلما كثر ذلك في الملوك اضطروا إلى | ~~الخليفة ، وهو من حصل له من العساكر والعدد ما يرى كالممتنع أن يسلب | رجل ~~آخر ملكه ، فإنه إنما يتصور بعد بلاء عام وجهد كبير واجتماعات | كثيرة وبذل ~~أموال خطيرة تتقاصر الأنفس دونها وتحيله العادة ، وإذا وجد | الخليفة ، ~~وأحسن السيرة في الأرض ، وخضعت له الجبابرة ، وانقاد له | الملوك تمت ~~النعمة ، واطمأنت البلاد والعباد ، واضطر الخليفة إلى إقامة | القتال دفعا ~~للضرر اللاحق لهم من أنفس سبعية تنهب أموالهم ، وتسبي | ذراريهم ، وتهتك ~~حرمهم ، وهذه الحاجة هي التي دعت بني إسرائيل | إلى أن قالوا لنبي لهم . | ~~@QB@ ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله @QE@ # وابتداء إذا أساءت أنفس شهوية أو سبعية السيرة ، وأفسدوا في الأرض ، | ~~فألهم الله سبحانه إما بلا واسطة أو بواسطة الأنبياء أن يسلب شوكتهم ، | ~~ويقتل منهم من لا سبيل له إلى الإصلاح أصلا ، وهم في نوع الإنسان بمنزلة | ~~PageV01P099 | والعضو المؤف بالاكلة ، وهذه الحاجة هي المشار إليها بقوله ~~تعالى : # @QB@ ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع @QE@ الآية # وقوله تعالى : # @QB@ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة @QE@ . # ولا يتصور للخليفة مقاتلة الملوك الجبابرة وإزالة شوكتهم إلا بأموال | ~~وجمع رجال ، ولا بد في ذلك من معرفة الأسباب المقتضية لكل واحد من | القتال ~~والهدنة ، وضرب الخراج والجزية ، وأن يتأمل أولا ما يقصد | بالمقاتلة من ~~دفع مظلمة أو إزهاق أنفس سبعية خبيثة لا يرجي صلاحها ، | أو كبت أنفس دونها ~~في الخبث بإزالة شوكتها ، أو كبت قوم ms055 مفسدين في | الأرض بقتل رءوسهم ~~المدبرين لهم أو حبسهم أو حيازة أموالهم و أراضيهم | أو صرف وجوه الرعية ~~عنهم . # ولا ينبغي للخليفة أن يقتحم لتحصيل مقصد فيما هو أشد منه ، فلا يقصد | ~~حيازة الأموال بإفناء جماعة صالحة من الموافقين ، ولا بد من استمالة قلوب | ~~القوم ومعرفة مبلغ نفع كل واحد ، فلا يعتمد على أكثر مما هو فيه ، والتنوية ~~| بشأن السراة والدهاة والتحريض على القتال ترغيبا وترهيبا وليكن أول | ~~نظرة إلى تفريق جمعهم وتكليل حدهم وإخافة قلوبهم حتى يتمثلوا بين يديه | ~~PageV01P100 | لا يستطيعون لأنفسهم شيئا ، فإذا ظفر بذلك فليتحقق فيهم ظنه ~~الذي | زوره قبل الحرب ، فإن خاف منهم أن يفسدوا تارة أخرى ألزمهم | خراجا ~~منهكا وجزية مستأصلة ، وهدم صياصيهم ، وجعلهم بحيث لا يمكن | لهم أن يفعلوا ~~فعلهم ذلك . # ولما كان الخليفة حافظا لصحة مزاج حاصل من أخلاط متشاكسة | جدا أوجب أن ~~يكون متيقظا ، ويبعث عيونا في كل ناحية ، ويستعمل فراسة | نافذة ، وإذا رأى ~~اجتماعا منعقدا من عساكره ، فلا صبر دون أن ينصب | اجتماعا آخر مثله ممن ~~تحيل العادة مواطأتهم معهم ، وإذا رأى من رجل | التماس خلافة ، فلا صبر دون ~~اتقاء جرأته وإزالة شوكته وإضعاف قوته | ولا بد أن يجعل قبول أمره ~~والارتفاق على مناصحته سنة مسلمة عندهم ، ولا | يكفي في ذلك مجرد القبول ، ~~بل لا بد من أمارة ظاهرة للقبول ، بها يؤاخذ الرعية ، | كالدعاء له ~~والتنويه بشأنه في الاجتماعات العظيمة ، وأن يوطنوا أنفسهم | على زي وهيئة ~~أمر بها الخليفة ، كالاصطلاح على الدنانير المنقوشة باسم | الخليفة في ~~زماننا والله أعلم . # # | ( باب اتفاق الناس على أصول الارتفاقات ) # اعلم أن الارتفاقات لا تخلوا عنها مدينة من الأقاليم المعمورة ، ولا أمة ~~| من الأمم أهل الأمزجة المعتدلة والأخلاق الفاضلة من لدن آدم عليه السلام ~~| إلى يوم القيامة ، وأصولها مسلمة عند الكل قرنا بعد قرن وطبقة بعد طبقة | ~~لم يزالوا ينكرون على من عصاها أشد نكير ، ويرونها أمور بديهية من | شدة ~~شهرتها ، ولا يصدنك عما ذكرنا اختلافهم في صور الارتفاقات | وفروعها ، ~~فاتفقوا مثلا على إزالة نتن الموتى ms056 وستر سوآتهم ، ثم اختلفوا | في الصور ، ~~فاختار بعضهم الدفن في الأرض ، وبعضهم الحرق بالنار ، | PageV01P101 | ~~واتفقوا على تشهير أمر النكاح وتمييزه عن السفاح على رءوس الأشهاد ، | ثم ~~اختلفوا في الصور ، فاختار بعضهم الشهود والإيجاب والقبول والوليمة ، | ~~وبعضهم الدف والغناء ولبس ثياب فاخرة لا تلبس إلا في الولائم الكبيرة ، | ~~واتفقوا على زجر الزنا والسراق ثم اختلفوا ، فاختار بعضهم الرجم وقطع | ~~اليد ، وبعضهم الضرب والأليم والحبس الوجيع والغرامات المنهكة ، ولا | ~~يصدنك أيضا مخالفة طائفتين ، أحدهما البلة الملتحقون بالبهائم ممن لا يشك | ~~الجمهور أن أمزجتهم ناقصة وعقولهم مخدجة ، وصاروا يستدلون على بلاهتهم | ~~بما يرون من عدم تقييدهم أنفسهم بتلك القيود ، والثانية الفجار الذين | لو ~~نقح ما في قلوبهم ظهر أنهم يعتقدون الارتفاقات لكن تغلب عليهم | الشهوات ، ~~فيعصونها شاهدين على أنفسهم بالفجور ، ويزنون ببنات الناس | وأخواتهم ، ولو ~~زني ببناتهم وأخواتهم كادوا يتميزون من الغيظ ، | ويعلمون قطعا أن الناس ~~يصيبهم ما أصاب أولاء ، وإن إصابة هذه الأمور | مخلة بانتظام المدينة لكن ~~يعميهم الهوى ، وكذلك الكلام في السرقة والغصب | وغيرهما ، ولا ينبغي أن ~~يظن أنهم اتفقوا على ذلك من غير شيء بمنزلة | الاتفاق على أن يتغذى بطعام ~~واحد أهل المشارق والمغارب كلهم وهل | سفسطه أشد من ذلك ؟ بل الفطرة ~~السليمة حاكمة بأن الناس لم يتفقوا عليها | مع اختلاف أمزجتهم وتباعد ~~بلدانهم وتشتت مذاهبهم وأديانهم إلا لمناسبة | فطرية متشعبة من الصورة ~~النوعية ، ومن حاجات كثيرة الوقوع يتوارد | عليها أفراد النوع ، ومن أخلاق ~~توجبها الصحة النوعية في أمزجة الأفراد ، | ولو أن إنسانا نشأ ببادية نائية ~~عن البلدان ، ولم يتعلم من أحد رسما كان له | لا جرم حاجات من الجوع والعطش ~~والغلمة ، واشتاق لا محالة إلى امرأة ، | ولا بد عند صحة مزاجهما أن يتولد ~~بينهما أولاد ، ويضم أهل أبيات ، وينشأ | فيهم معاملات ، فينتظم الارتفاق ~~الأول عن آخره ، ثم إذا كثروا لا بد | PageV01P102 | أن يكون فيهم أهل ~~أخلاق فاضلة تقع فيهم وقائع توجب سائر الارتفاقات | والله أعلم . # # | ( باب الرسوم السائرة في الناس ) # اعلم أن الرسوم من الارتفاقات هي بمنزلة القلب من ms057 جسد الإنسان ، | وإياها ~~قصدت الشرائع أولا وبالذات ، وعنها البحث في النواميس | الإلهية ، وإليها ~~الإشارات ، ولها أسباب تنشأ منها كاستنباط الحكماء ، | وكالهام الحق في ~~قلوب المؤيدين بالنور الملكي ، وأسباب تنتشر بها في الناس ، | مثل كونها ~~سنة ملك كبير دانت له الرقاب ، أو كونها تفصيلا لما يجده | الناس في صدورهم ~~، فيتلقونها بشهادة قلوبهم ، وأسباب يعضون عليها | بالنواجذ لأ أجلها من ~~تجربة مجازاة غيبية على إهمالها ، أو وقوع فساد في | إغفالها ، وكإقامة أهل ~~الآراء الراشدة اللائمة على تركها ، ونحو ذلك ، | والمستبصر ربما يوفق ~~لتصديق ذلك من إحياء سنن وإماتتها في كثير من | البلدان بنظائر ما ذكرنا . # والسنن السائرة وإن كانت من حق في أصل أمرها لكونها حافظة على | ~~الارتفاقات الصالحة ، ومفضية بأفراد الإنسان إلى كمالها النظري والعملي ، | ~~ولولاها لالتحق أكثر الناس بالبهائم ، فكم من رجل يباشر النكاح | ~~والمعاملات على الوجه المطلوب ، وإذا سئل عن سبب تقيده بتلك القيود | لم ~~يجد جوابا إلا موافقة القوم ، وغاية جهده علم إجمالي لا يعرب عنه لسانه | ~~فظلا عن تمهيد ارتفاقه ، فهذا لو لم يلتزم سنة كاد يلتحق بالبهائم ، لكنها ~~| قد ينضم معها باطل ، فيلبس على الناس سنتهم ، وذلك بأن يترأس قوم | يغلب ~~عليهم الآراء الجزئية دون المصالح الكلية ، فيخرجون إلى أعمال سبعية | كقطع ~~الطريق أو غضب أو شهوية كاللواطة وتأنث الرجال أو أكساب ضارة | PageV01P103 ~~| كالربا وتطفيف الكيل والوزن أو عادات في الزي والولائم تميل إلى | ~~الإسراف ، وتحتاج إلى تعمق بليغ في الاكساب ، أو الإكثار من المسليات | ~~بحيث يفضي إلى إهمال أمر المعاش والمعاد كالمزامير والشطرنج وصيد واقتناء | ~~الحمام ونحوها ، أو جبايات منهكة لأبناء السبيل وخراج مستأصل للرعية ، | أو ~~التشاحح والتشاحن فيما بينهم ، فيستحسنون أن يفعلوها مع الناس ، | ولا ~~يستحسنون أن يفعل ذلك معهم ، فلا ينكر عليهم أحد لجاههم وصولتهم | فيجيء ~~فجرة القوم ، فيقتدون بهم ، وينصرونهم ، ويبذلون السعي في إشاعة | ذلك ، ~~ويجيء قوم لم يخلق في قلوبهم ميل قوى إلى الأعمال الصالحة ، ولا | إلى ~~أضدادها ، فيحملهم ما يرون من الرؤساء على التمسك بذلك ، وربما أعيت | بهم ~~المذاهب الصالحة ms058 ، ويبقى قوم فطرتهم سوية في أخريات القوم | لا يخالطونهم ، ~~ويسكتون على غيظ فتنعقد سنة سيئة وتتأكد . # ويجب بذل الجهد على أهل الآراء الكلية في إشاعة الحق وتمشيته وإخمال | ~~الباطل ، وصده ، فربما لم يمكن ذلك إلا بمخاصمات أو مقاتلات ، فيعد كل | ~~ذلك من أفضل أعمال البر ، وإذا انعقدت سنة راشدة ، فسلمها القوم عصرا | بعد ~~عصر ، وعليها كان محياهم ومماتهم ، ويبست عليها نفوسهم وعلومهم ، | فظنوها ~~متلازمة للأصول وجودا وعدما لم تكن إرادة الخروج عنها | وعصيانها إلا ممن ~~سمجت نفسه ، وطاش عقله ، وقويت شهوته ، واقتعد | غاربه الهوى ، فإذا باشر ~~الخروج أضمر في قلبه شهادة على فجوره ، وسدل | حجاب بينه وبين المصلحة ~~الكلية ، فإذا كمل فعله صار ذلك شرحا لمرضه | النفساني ، وكان ثلمة في دينه ~~، فإذا تقرر ذلك تقررا بينا ارتفعت أدعية | الملأ الأعلى وتضرعت منهم لمن ~~وافق تلك السنة وعلى من خالفها ، وانعقد | في حظيرة القدس رضا وسخط عمن ~~باشرها ، أو عليه ، وإذا كانت السنن | كذلك عدت من الفطرة التي فطر الله ~~الناس عليها والله أعلم . | PageV01P104 # # | ( المبحث الرابع ) # # | ( مبحث السعادة ) # # | ( باب حقيقة السعادة ) # اعلم أن للإنسان كمالا تقتضيه الصورة النوعية ، وكمالا يقتضيه موضوع | ~~النوع من الجنس القريب والبعيد ، وسعادته التي يضره فقدها ، ويقصدها | أهل ~~العقول المستقيمة قصدا مؤكدا هو الأول ، وذلك أنه قد يمدح في العادة | ~~بصفات يشارك فيها الأجسام المعدنية ، كالطول وعظم القامة ، فإن كانت | ~~السعادة هذه ، فالجبال أتم سعادة ، وصفات يشارك فيها النبات كالنمو المناسب ~~| والخروج إلى تخاطيط جميلة وهيآت ناضرة ، فإن كانت السعادة هذه فالشقائق | ~~والأوراد أتم سعادة ، وصفات يشارك فيها الحيوان ، كشدة البطش وجهورية | ~~الصوت وزيادة الشبق وكثرة الأكل والشرب ووفور الغضب والحسد ، | فإن كانت ~~السعادة هذه فالحمار أتم سعادة ، وصفات يختص بها الإنسان | كالأخلاق ~~المهذبة والارتفاقات الصالحة والصنائع الرفيعة والجاه العظيم ، | فبادئ ~~الرأي أنها سعادة الإنسان ، ولذلك ترى كل أمة من أمم الناس | يستحب أتمها ~~عقلا وأسدها رأيا أن يكتسب هذه ، ويجعل ما سواها كأنها | ليس صفات مدح ، ~~ولكن الأمر إلى الآن غير منقح لأن أصل هذه | موجود ms059 في أفراد الحيوان ، ~~فالشجاعة أصلها الغضب وحب الانتقام والثبات | في الشدائد والإقدام على ~~المهالك ، وهذه كلها موفرة في الفحول من البهائم ، | لكن لا تسمى شجاعة إلا ~~بعد ما يهذبها فيض النفس النطقية ، فتصير منقادة | للمصلحة الكلية منبعثة ~~من داعية معقولة ، وكذلك أصل الصناعات موجود | في الحيوان كالعصفور الذي ~~ينسج العش ، بل رب صنعة يصنعها الحيوان | بطبيعته لا يتمكن منها الإنسان ~~بتجشم ، كلا بل الحق أن هذه سعادة بالعرض | وأن السعادة الحقيقة هي انقياد ~~البهيمية للنفس النطقية ، واتباع الهوى | للعقل ، وكون النفس الناطقة قاهرة ~~على البهيمية والعقل غالبا على الهوى | وسائر الخصوصيات ملغاة . | ~~PageV01P105 # واعلم أن الأمور التي تشبك بالسعادة الحقيقية على قسمين : قسم هو | من ~~باب ظهور فيض النفس النطقية في المعاش بحكم الجبلة ، ولا يمكن أن | يحصل ~~الخلق المطلوب بهذا القسم ، بل ربما يكون الغوص في تلك الأفعال | بزينتها ~~لا سيما بفكر جزئي كما هو شأن الناقص ضد الكمال المطلوب ، كالذي | يقصد ~~تحصيل الشجاعة بإثارة الغضب والمصارعة ونحو ذلك ، أو الفصاحة | بمعرفة ~~أشعار العرب وخطبهم ، والأخلاق لا تظهر إلى عند مزاحمات من | نبي النوع ، ~~والارتفاقات لا تقتنص الابحاجات طارئه ، والصنائع لا تتم | إلا بآلات ومادة ~~، وهذه كلها منقضية بانقضاء الحياة الدنيا ، فإن مات الناقص | في تلك ~~الحالة ، وكان سمجا بقي عاريا عن الكمال وإن لزق بنفسه صور هذه | العلاقات ~~كان الضرر عليه أشد من النفع ، وقسم إنما روحه هيئة إذعان | البهيمية ~~للملكية بأن تتصرف حسب وحيها ، وتنصبغ بصبغها ، وتمنع الملكية | منها بألا ~~تقبل ألوانها الدنية ، ولا تنطبع فيها نقوشها الخسيسة ، كما تنطبع | نقوش ~~الخاتم في الشمعة ، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن تقتضي الملكية شيئا | من ذاتها ~~، وتوحيه إلى البهيمية ، وتقترحه عليها ، ومتنقاد لها ، ولا تبغي | عليها ، ~~ولا تتمنع منها ، ثم تقتضي أيضا ، فتنقاد هذه أيضا ، ثم ، وثم حتى | تعتاد ~~ذلك ؛ وتتمرن ، وهذه الأشياء التي تقتضيها هذه من ذاتها وتقسر | عليها تلك ~~على رغم أنفها إنما يكون من جنس ما فيه انشراح لهذه وانقباض | لتلك ، وذلك ~~كالتشبه بالملكوت ، والتطلع للجبروت ms060 ، فإنها خاصة الملكية | بعيدة عنها ~~البهيمية غاية البعد ، أو يترك ما تقتضيه البهيمية ، وتستلذه ، | وتشتاق ~~إليه في غلوائها . # وهذا القسم يسمى بالعبادات والرياضات وهي شركات تحصيل الفائت | من الخلق ~~المطلوب ، فآل تحقيق المقام إلى أن السعادة الحقيقية لا تقتنص | ~~PageV01P106 | إلا بالعبادات ، ولذلك كانت المصلحة الكلية تنادي أفراد ~~الإنسان من كوة | الصورة النوعية ، وتأمرها أمرا مؤكدا أن تجعل إصلاح ~~الصفات التي هي | كمال ثان بقدر الضرورة ، وأن تجعل غاية همتها ومطمح بصرها ~~تهذيب | النفس وتحليتها بهيآت تجعلها شبيهة بما فوقها من الملأ الأعلى ~~مستعدة لنزول | أكوان الجبروت والملكوت عليها ، وأن تجعل البهيمية مذعنة ~~للملكية مطيعة | لها منصة لظهور أحكامها . # وأفراد الإنسان عند الصحة النوعية ، وتمكين المادة لظهور أحكام | النوع ~~كاملة وافرة تشتاق إلى هذه السعادة وتنجذب إليها انجذاب الحديد إلى | ~~المغناطيس ، وذلك خلق خلق الله الناس عليه ، وفطرة فطرهم عليها ، ولهذا | ~~ما كان في بني آدم أمة من أهل المزاج المعتدل إلا فيها قوم من عظمائهم | ~~يهتمون بتكميل هذا الخلق ، ويرونه السعادة القصوى ، ويراهم الملوك | ~~والحكماء فمن دونهم فائزين بما يجل عن سعادات الدنيا كلها ، ملتحقين | ~~بالملائكة ، منخرطين في سلكهم ، حتى صاروا يتبركون بهم ، ويقبلون | أيديهم ~~وأرجلهم ، فهل يمكن أن يتفق عرب الناس وعجمهم على اختلاف | عاداتهم ~~وأديانهم وتباعد مساكنهم وبلدانهم على شيء ، واحد وحدة نوعية | إلا لمناسبة ~~فطرية ، كيف لا وقد عرفت أن الملكية موجودة في أصل فطرة | الإنسان ، وعرفت ~~أفاضل الناس وأساطينهم من هم ، والله أعلم . # # | ( باب اختلاف الناس في السعادة ) # اعلم أن الشجاعة وسائر الأخلاق كما يختلف أفراد الإنسان فيها ، | فمنهم ~~الفاقد الذي لا يرجى له حصولها أبدا لقيام هيئة مضادة في أصل جبلته ، | ~~كالمخنث وضعيف القلب جدا بالنسبة إلى الشجاعة . # ومنهم الفاقد الذي يرجى له ذلك بعد ممارسة أفعال وأقوال وهيآت تناسبها | ~~PageV01P107 | وتلقي ذلك من أهلها ، وتذكر أحاديث أئمتها وما جرى عليهم من ~~الحوادث | في الأيام ، فثبتوا في الشدائد ، وأقدموا على المهالك . # ومنهم الذي خلق فيه أصل الخلق ، ولا تزال تنبجس فيه فلتات | كل حين ، فإن ~~أمر ms061 بحبس نفسه عنها ضاق عليه الأمر ، وسكت على غيظ ، | وأن أمر بما يناسب ~~جبلته كان كالكبريت يتصل به النار ، فلا يتراخى احتراقه # ومنهم الذي خلق فيه الخلق كاملا وافرا ، ويندفع إلى مقتضياته | ضرورة ، ~~وإن دعي إلى الجبن أشد دعوة لم يقبل ، ويتيسر له الخروج | إلى أفعال هذا ~~الخلق والهيآت المناسبة له بالطبع من غير رسم ولا دعوة ، | وهذا هو الإمام ~~في هذا الخلق لا يحتاج إلى إمام أصلا ، ويجب على الذين هم | دونه في الخلق ~~أن يتمسكوا بسنته ، ويعضوا بنواجذهم على رسومه ، ويتكلفوا | في محاكاة ~~هيئآته ، ويتذكروا وقائعه ، ليتحرجوا إلى الكمال المتوقع لهم من | الخلق ~~بحسب ما قدر لهم ، فكذلك يختلفون في هذا الخلق الذي عليه مدار | سعادتهم ، ~~فمنهم الفاقد الذي لا يرجى صلاحه كالذي قتله الخضر طبع كافرا | وإليه ~~الإشارة في قوله تعالى : # @QB@ صم بكم عمي فهم لا يرجعون @QE@ . # ومنهم الفاقد الذي يرجى له ذلك بعد رياضات شاقة وأعمال ديمة | يؤاخذ بها ~~نفسه ويحتاج إلى دعوة حثيثة من الأنبياء وسنن مأثورة منهم | وهؤلاء أكثر ~~الناس وجودا ، وهم المقصودون في البعثة أولا وبالذات . # ومنهم الذي ركب فيه الخلق إجمالا وينبجس منه فلتاته إلا أنه يحتاج | في ~~التفصيل وتمهيد الهيآت على ما يناسب الخلق في كثير مما ينبغي إلى إمام | ~~وفيه قوله تعالى : | PageV01P108 # ^ ( يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار ) ^ # وهم السباق . # ومنهم الأنبياء يتأتى لهم الخروج إلى كمال هذا الخلق واختيار هيآت مناسبة ~~| له وكيفية تحصيل الفائت وإبقاء الحاضر وإتمام الناقص من غير إمام ولا | ~~دعوة ، فينتظم من جريانهم في مقتضى جبلتهم سنن يتذكرها الناس ، | ويتخذونها ~~دستورا ، وكيف ولما كانت الحدادة والتجارة وأمثالهما لا تأتي | من جمهور ~~الناس إلا بسنن مأثورة عن أسلافهم ، فما ظنك بهذه المطالب | الشريفة التي ~~لا يهتدي إليها إلا الموفقون ' ومن هذا الباب ينبغي أن يعلم شدة | الحاجة ~~إلى الأنبياء ووجوب إتباع سنتهم والاشتغال بأحاديثهم والله أعلم . # # | ( باب توزع الناس في كيفية تحصيل هذه السعادة ) # اعلم أن هذه السعادة تحصل بوجهين ، أحدهما ما هو كالانسلاخ عن ms062 | الطبيعية ~~البهيمية ، وذلك أن يتمسك بالحيل الجالبة لركود أحكام الطبيعة | وخمود ~~سورتها ، وانطفاء لهب علومها وحالاتها ، ويقبل على التوجه التام | إلى ما ~~وراء الجهات من الجبروت ، وقبول النفس لعلوم مفارقة عن الزمان | والمكان ~~بالكلية ، ولذات مباينة اللذات المألوفة من كل وجه ، حتى يصير | لا يخالط ~~الناس ، ولا يرغب فيما يرغبون ، ولا يرهب مما يرهبون ، ويكون منهم | على ~~طرف شاسع ، وصقع بعيد ، وهذا الذي يرومه المتألهون من | الحكماء ، ~~والمجذبون من الصوفية ، فوصل بعضهم غاية مداها ، وقليل ما هم | وبقي آخرون ~~مشتاقين لها ، طامحة أبصارهم إليها ، متكلفين لمحاكاة هيآتها . # وثانيهما ما هو كالإصلاح للبهيمية والإقامة لعوجها مع تعلق أصلها ، | ~~وذلك أن يسعى في محاكاة البهيمية ما عند النفس النطقية بأفعال وهيآت | ~~وأذكار ونحوها ، كمثل ما يحاكي الأخرس أقوال الناس بإشاراته ، والمصور | ~~PageV01P109 | أحوالا نفسانية من الوجل والخجل بهيآت مبصرة يجدها متعانقة ~~مع تلك | الأحوال ، والثكلى تفجعها بكلمات وترجيعات لا يسمعها أحد إلا حزن ~~| وتمثل عنده صورة التفجع . # ولما كان مبنى التدبير الإلهي في العالم على اختيار الأقرب فالأقرب ، | ~~والأسهل فالأسهل ، والنظر إلى صلاح ما يجري مجرى جملة أفراد النوع | دون ~~الشاذة والفاذة ، وإقامة مصالح الدارين من غير أن ينخرم نظام شيء | منهما ~~اقتضى لطف الله ورحمته أن يبعث الرسل أولا وبالذات لإقامة | الطريق الثانية ~~، والدعوة إليها ، والحث عليها ، ويدل على الأولى بإشارات | التزامية ، ~~وتلويحات تضمنية لا غير ، ولله الحجة البالغة . # تفصيل ذلك أن الأولى إنما تأتي من قوم ذوي تجاذب ، وقليل ما هم ، | ~~وبرياضات شاقة ، وتفرغ قوى ، وقليل من يفعلها ، وإنما أئمتها قوم أهملوا | ~~معاشهم ، ولا دعوة لهم في الدنيا ، ولا تتم إلا بتقديم جملة صالحة من ~~الثانية | ولا يخلوا من إهمال إحدى السعادتين إصلاح الارتفاقات في الدنيا ~~وإصلاح | النفس للآخرة ، فلو أخذ بها أكثر الناس خربت الدنيا ، ولو كلفوا ~~بها كان | كالتكاليف بالمحال ، لأن الارتفاقات صارت كالجبلة ، والثانية ~~إنما أئمتها | المفهمون ، وذوو إصلاح ، وهم القائمون برياسة الدين والدنيا ~~معا ، ودعوتهم | هي المقبولة ، وسنتهم هي المتبعة ، وينحصر فيها كمال ~~المصطلحين من السابقين | أصحاب ms063 اليمين ، وهم أكثر الناس وجودا ، ويتمكن ~~منها الذكي والغبي ، | والمشتغل والفارغ ، ولا حرج فيها وتكفي العبد في ~~استقامة نفسه ، ودفع | أعوجاجها ، ودفع الآلام المتوقعة في المعاد عنها ، ~~إذ لكل نفس أفعال ملكية | تتنعم بوجودها ، وتتألم بفقدها أما أحكام التجرد ~~فسيلقي إليها نشآت القبر | والحشر من حيث لا يدري بجبلتها ولو بعد حين . | ~~% ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا % % ويأتيك بالأخبار من لم تزود % | ~~PageV01P110 # وبالجملة فالإحاطة واستقصاء وجوه الخير كالمحال في حق الأكثرين ، | ~~والجهل البسيط غير الضار ، والله أعلم . # # | ( باب الأصول التي يرجع إليها تحصيل الطريقة الثانية ) # اعلم أن طرق تحصيل السعادة على الوجه الثاني كثيرة جدا غير أني فهمني | ~~الله تعالى بفضله أن مرجعها إلى خصال أربع تتلبس بها البهيمية متى غطتها | ~~النفس النطقية ، وقسرتها على ما يناسبها ، وهي أشبه حالات الإنسان بصفة | ~~الملأ الأعلى معدة للحوقة بهم ، وانخراطه في سلكهم ، وفهمني أنه إنما بعث | ~~الأنبياء للدعوة إليها والحث عليها وأن الشرائع تفصيل لها وراجعة إليها . # أحدها : الطهارة ، وحقيقتها أن الإنسان عند سلامة فطرته وصحة | مزاجه ~~وتفرع قلبه من الأحوال السلفية الشاغلة له عن التدبير إذا تلطخ | بالنجاسات ~~، وكان حاقبا حاقنا قريب العهد من الجماع ودواعيه ، | انقبضت نفسه ، وأصابه ~~ضيق وحزن ، ووجد نفسه في غاشية عظيمة ، ثم | إذا تخفف عن الأخبثين ، ودلك ~~بدنه ، واغتسل ولبس أحسن ثيابه ، | وتطيب اندفع عنه ذلك الانقباض ، ووجد ~~مكانه انشراحا وسرورا وانبساطا | كل ذلك لا لمراءاة الناس والحفظ على رسومه ~~، بل لحكم النفس النطقية فقط ، | فالحالة الأولى تسمى حدثا ، والثانية ~~الطهارة ، والذكي من الناس ، والذي | يرى منه سلامة أحكام النوع وتمكين ~~المادة لأحكام الصورة النوعية يعرف | الحالتين متميزة كل واحدة من الأخرى ، ~~ويحب إحداهما ، ويبغض | الأخرى لطبيعته ، والغبي منهم إذا أضعف شيئا من ~~البهيمية ، ولج بالطهارات | والتبتل ، وتفرغ لمعرفتها ، لا بد يعرفهما ~~ويميز كل واحدة من الأخرى ، | والطهارة أشبه الصفات النسمية بحالات الملأ ~~الأعلى في تجردها عن الألواث | البهيمية ، وابتهاجها بما عندها من النور ، ~~ولذلك كانت معدة لتلبس النفس | PageV01P111 | بكمالها بحسب القوة العملية ، ~~والحدث إذا ms064 تمكن من الإنسان وأحاط به | من بين يديه ومن خلفه أورث له ~~استعدادا لقبول وساوس الشياطين | ورؤيتهم بحاسة الحس المشترك ، ولمنامات ~~موحشة ، ولظهور الظلمة عليه | فيما يلي النفس النطقية ، وتمثل الحيوانات ~~الملعونة اللئيمة وإذا تمكنت | الطهارة منه ، وأحاطت به ، وتنبه لها ، وركن ~~إليها أورثت استعدادا | لقبول إلهامات الملائكة ورؤيتها ، ولمنامات صالحة ، ~~ولظهور الأنوار ، | وتمثل الطيبات والأشياء المباركة المعظمة . # والثانية : الإخبات لله تعالى ، وحقيقته أن الإنسان عند سلامته | وتفرغه ~~إذا ذكر بآيات الله تعالى وصفاته ، وأمعن في التذكر تنبهت النفس | النطقية ~~، وخضعت الحواس والجسد لها ، وصارت كالحائرة الكليلة ، | ووجد ميلا إلى ~~جانب القدس ، وكان كمثل الحالة التي تعتري السوقة بحضرة | الملوك ، وملاحظة ~~عجز أنفسهم ، واستبداد أولئك بالمنع والعطاء ، وهذه | الحالة أقرب الحالات ~~النسمية ، وأشبهها بحال الملأ الأعلى في توجهها إلى | بارئها ، وهيمانها في ~~جلاله ، واستغراقها في تقديسه ولذلك كانت معدة | لخروج النفس إلى كمالها ~~العلمي أعني انتقاش المعرفة الإلهية في لوح ذهنها ، | واللحوق بتك الحضرة ~~بوجه من الوجوه وإن كانت العبارة تقصر عنه . # والثالثة : السماحة ، وحقيقتها كون النفس بحيث لا تنقاد لدواعي | القوة ~~البهيمية ، ولا يتشبح فيها نقوشها ، ولا يلحق بها ضرر لوثها ، | وذلك لأن ~~النفس إذا تصرفت في أمر معاشها ، وتاقت للنساء ، وعاسفت | اللذات ، أو قرمت ~~لطعام فاجتهدت في تحصيله حتى استوفت منها | حاجتها ، وكذلك إذا غضبت أو شحت ~~بشيء ، فإنها لا بد في تلك الحالة | تستغرق ساعة في هذه الكيفية لا ترفع ~~إلى ما ورائها النظر ألبتة ، ثم إذا | PageV01P112 | زايلت تلك الحالة ، ~~فإن كانت سمحة خرجت من تلك المضايق كأن لم تكن | فيها قط ، وإن كانت غير ~~ذلك فإنها تشتبك معها تلك الكيفيات ، وتتشبح | كما تتشبح نقوش الخاتم في ~~الشمعة فإذا فارقت الجسد ، وتخففت عن العلائق | الظلمانية المتراكمة ، ~~ورجعت إلى ما عندها لم تجد شيئا مما كان في الدنيا من | مخلفات الملكية ~~فحصل لها الأنس ، وصارت في أرغد عيش . # والشحيحة تتمثل نقوشها عندها ، كما ترى بعض الناس يسرق منه مال | نفيس ~~فإن كان سخيا لم يجدله بالا ، وإن كان ms065 ركيك النفس صار كالمجنون ، | وتمثلت ~~عنده ، والسماحة وضدها لهما ألقاب كثيرة بحسب ما يكونان | فيه ، فما كان ~~منهما في المال يسمى سخاوة وشحا ، وما كان في داعية شهوة | الفرج أو البطن ~~يسمى عفة وشرة ، وما كان في داعية الرفاهية والنبو | عن المشاق يسمى صبرا ~~وهلعا ، وما كان في داعية المعاصي الممنوعة | عنها في الشرع يسمى تقوى ~~وفجورا ، وإذا تمكنت السماحة من الإنسان | بقيت نفسه عرية عن شهوات الدنيا ~~، واستعدت للذات العلية المجردة ، | والسماحة هيئة تمنع الإنسان من أن ~~يتمكن منه ضد الكمال المطلوب | علما وعملا . # الرابعة العدالة ، وهي ملكة في النفس تصدر عنها الأفعال التي يقام | بها ~~نظام المدينة والحي بسهولة ، وتكون النفس كالمجبول على تلك الأفاعيل | ~~والسر في ذلك أن الملائكة والنفوس المجردة عن العلائق الجسمانية ينطبع | ~~فيها ما أراد الله في خلق العالم من إصلاح النظام ونحوه ، فتنقلب مرضياتها ~~| إلى ما يناسب ذلك النظام ، فهذه طبيعة الروح المجردة ، فإن فارقت جسدها | ~~وفيها شيء من هذه الصفة ابتهجت كل الابتهاج ، ووجدت سبيلا إلى اللذة | ~~المفارقة عن اللذات الخسيسة ، وإن فارقت وفيها ضد هذه الخصلة ضاق | ~~PageV01P113 | عليها الحال ، وتوحشت ، وتألمت ، فإذا بعث الله نبيا لإقامة ~~الدين ، وليخرج | الناس من الظلمات إلى النور ، ويقوم الناس بالعدل ، فمن ~~سعى في إشاعة | هذا النور ، ووطأ له في الناس كان مرحوما ، ومن سعى لردها ~~وإخمالها كان | ملعونا مرجوما ، وإذا تمكنت العدالة من الإنسان وقع اشتراك ~~بينه وبين | حملة العرش ومقربي الحضرة من الملائكة الذين هم وسائط نزول ~~الجود | والبركات ، وكان ذلك بابا مفتوحا بينه وبينهم ، ومعدا لنزول ~~ألوانهم | وصبغهم بمنزلة تمكين النفس من إلهام الملائكة والانبعاث حسبها . # فهذه الخصال الأربع إن تحققت حقيقتها ، وفهمت كيفية اقتضائها | للكمال ~~العلمي والعملي وإعدادها للانسلاك في سلك الملائكة ، وفطنت كيفية | انشعاب ~~الشرائع الإلهية بحسب كل عصر منها - أوتيت الخير الكثير ، وكنت | فقيها في ~~الدين ممن أراد الله بهم خيرا ، والحالة المركبة منها تسمى بالفطرة ، | ~~وللفطرة أسباب تحصل بها ، بعضها علمية ، وبعضها عملية ، وحجب تصد | الإنسان ~~عنها ، وحيل تكسر ms066 الحجب ، ونحن نريد أن ننبهك على هذه | الأمور ، فاستمع ~~لما يتلى عليك بتوفيق الله تعالى والله أعلم . # # | ( باب طريق اكتساب هذه الخصال وتكميل ناقصها ورد فائتها ) # اعلم أن اكتساب هذه الخصال يكون بتدبيرين : تدبير علمي ، | وتدبير عملي . # أما التدبير العلمي ، فإنما احتيج له لأن الطبيعة منقادة للقوى العلمية ، ~~| ولذلك ترى سقوط الشهوة والشبق عند خطور ما يورث في النفس كيفية | الحياء ~~أو الخوف ، فمتى امتلأ علمه بما يناسب الفطرة جر ذلك إلى تحققها | في النفس ~~، ولذلك أن يعتقد أن له ربا منزها عن الأدناس البشرية ، لا يعزب | عنه ~~مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو | رابعهم ~~ولا خمسة إلا هو سادسهم ، يفعل ما يشاء ، ويحكم ما يريد لاراد | لقضائه ، ~~ولا مانع لحكمه ، منعم بأصل الوجود وتوابعه من النعم الجسمانية | ~~PageV01P114 | والنفسانية ، مجاز على أعماله ، إن خيرا فخير ، وإن شرا فشر ~~، وهو قوله | تعالى : ' أذنب عبدي ذنبا ، فعلم أن له ربا يغفر الذنب ، ~~ويأخذ بالذنب ، | قد غفرت لعبدي ' . # وبالجملة فيعتقد اعتقادا مؤكدا ما يفيد الهيبة وغاية التعظيم ، وما لا ~~يبقى | ولا يذر في قلبه جناح بعوضة من إخبات غيره ورهبته ، ويعتقد أن كمال ~~| الإنسان أن يتوجه إلى ربه ، ويعبده ، وأن أحسن حالات البشر أن يتشبه | ~~بالملائكة ، ويدنو منهم ، وأن هذه الأمور مقربة له من ربه ، وأن الله | ~~تعالى ارتضى منهم ذلك ، وأنه حق الله عليه لا بد له توفيقه . # وبالجملة فيعلم علما لا يحتمل النقيض أن سعادته في اكتساب هذه ، | وأن ~~شقاوته في إهمالها ، ولا بد له من سوط ينبه البهيمية تنبيها قويا ، | ~~ويزعجها إزعاجا شديدا ، واختلف مسالك الأنبياء في ذلك فكان عمدة | ما أنزل ~~الله تعالى على إبراهيم عليه السلام التذكير بآيات الله الباهرة | وصفاته ~~العليا ونعمه الآفاقية والنفسانية ، حتى يصحح بما لا مزيد عليه أنه | حقيق ~~أن يبذلوا له الملاذ ، وأن يؤثروا ذكره على ما سواه ، وأن يحبوه | حبا ~~شديدا ، ويعبدوه بأقصى مجهودهم ، وضم الله معه لموسى عليه السلام | التذكير ~~بأيام الله ، وهو ms067 بيان مجازاة الله تعالى للمطيعين والعصاة في الدنيا ، | ~~وتقليبه النعم والنقم حتى يتمثل في صدورهم الخوف من المعاصي ، ورغبة | قوية ~~في الطاعات ، وضم معهما ل نبينا صلى الله عليه وسلم الإنذار والتبشير | ~~بحوادث القبر ، وما بعده ، وبيان خواص البر والاثم ، ولا يفيد أصل | العلم ~~بهذه الأمور ، بل لا بد من تكرارها وتردادها وملاحظتها كل حين ، | وجعلها ~~بين عينيه حتى تمتلئ القوى العلمية بها ، فتنقاد الجوارح لها ، وهذه | ~~الثلاثة مع اثنين آخرين أحدهما بيان الأحكام من الواجب والحرام | وغيرهما ، ~~وثانيهما مخاصمة الكفار - فنون خمسة هي عمدة علوم | القرآن العظيم . | ~~PageV01P115 # أما التدبير العملي ، فالعمدة فيه التلبس بهيآت وأفعال وأشياء تذكر | ~~النفس الخصلة المطلوبة ، وتنبهها لها ، وتهيجها إليها ، وتحثها عليها إما ~~لتلازم | عادة بينها وبين الخصلة ، أو لكونها مظنة لها بحكم المناسبة ~~الجبلية ، فكما | أن الإنسان إذا أراد أن ينبه نفسه للغضب ، ويحضره بين ~~عينيه يتخيل الشتم | الذي تفوه به المغضوب عليه ، والذي يلحقه من العار ~~ونحو ذلك ، | والنائحة إذا أرادت أن تجدد عهدها بالفجع تذكر نفسها محاسن ~~الميت ، | وتتخيلها ، وتبعث من خواطرها الخيل والرجل إليها ، والذي يريد ~~الجماع ، | يتمسك بداوعيه ، ونظائر هذا الباب كثيرة جدا لا تعصى على من ~~يريد | الإحاطة بجوانب الكلام ، فكذلك لكل واحدة من هذه الخصال أسباب | ~~تكتسب بها ، والاعتماد في معرفة تلك الأمور على ذوق أهل الأذواق | السليمة ~~، فأسباب الحدث امتلاء القلب بحالة سفلية ، كقضاء الشهوة من | النساء جماعا ~~ومباشرة ، وإضماره مخالفة الحق وإحاطة لهن الملأ الأعلى به ، | وكونه حاقبا ~~حاقنا ، وقرب العهد بالبول والغائط والريح ، وهذه الثلاثة | فضول المعدة ، ~~وتوسخ البدن والبخر واجتماع المخاط ونبات الشعر على | العانة والابط وتلطخ ~~الثوب والبدن بالنجاسات المستقذرة ، وامتلاء | الحواس بصورة تذكر الحالة ~~السفلية كالقاذورات والنظر إلى الفرج ومسافدة | الحيوانات والنظر الممعن في ~~الجماع والطعن في الملائكة والصالحين والسعي | في إيذاء الناس ، وأسباب ~~الطهارة إزالة هذه الأشياء واكتساب أضدادها | واستعمال ما تقرر في العادات ~~كونه نظافة بالغه كالغسل والوضوء ولبس | أحسن الثياب واستعمال الطيب ، فإن ~~استعمال هذه الأشياء تنبه النفس على ms068 | صفة الطهارة ، وأسباب الإخبات مؤاخذة ~~نفسه بما هو أعلى حالات التعظيم | عنده من القيام مطرقا والسجود والنطق ~~بألفاظ دالة على المناجاة والتذلل | لديه ورفع الحاجات إليه ، فإن هذه ~~الأمور تنبه النفس تنبيها قويا على صفة | PageV01P116 | الخضوع والاخبات ، ~~وأسباب السماحة التمرن على السخاوة والبذل والعفو | عمن ظلم ومؤاخذة نفسه ~~بالصبر عند المكاره ونحو ذلك ، وأسباب العدالة | المحافظة على السنة ~~الراشدة بتفاصيلها والله أعلم . # # | ( باب الحجب المانعة عن ظهور الفطرة ) # اعلم أن معظم الحجب ثلاثة : حجاب الطبع ، وحجاب الرسم ، وحجاب | سوء ~~المعرفة ، وذلك لأنه ركب في الإنسان دواعي الأكل والشرب والنكاح ، | وجعل ~~قلبه مطية للأحوال الطبيعية كالحزن والنشاط والغضب والوجل | وغيرها ، فلا ~~يزال مشغولا بها ، إذ كل حالة يتقدمها توجه النفس إلى أسبابها | وانقياد ~~القوى العلمية لما يناسبها ، ويجتمع معها استغراق النفس فيها وذهولها | عما ~~سواها ، ويتخلف عنها بقية ظلها ووضر لونها ، فتمر الأيام والليالي ، | وهو ~~على ذلك لا يتفرغ لتحصيل غيرها من الكمال ، ورب إنسان ارتطمت | قدماه في ~~هذا الوحل ، فلم يخرج منه طول عمره ، ورب إنسان غلب عليه | حكم الطبع ، ~~فخلع رقبته عن رقبة الرسم والعقل ، ولم ينزجر بالملامة ، وهذا | الحجاب ~~يسمى بالنفس ، لكن من تم عقله ، وتوفر تيقظه يختطف من | أوقاته فرصا يركد ~~فيها أحوال الطبيعة ، ويتسع نفسه لهذه الأحوال وغيرها ، | ويستوجب لفيضان ~~علوم أخرى غير استيفاء مقتضيات الطبع ، ويشتاق | إلى الكمال النوعي بحسب ~~القوتين العاقلة والعاملة ؛ فإذا فتح حدقة بصيرته | أبصر في أول الأمر قومه ~~في ارتفاقات وزي ومباهات وفضائل من | الفصاحات والصناعات ، فوقعت من قلبه ~~بموقع عظيم ، واستقبلها بعزيمة | كاملة وهمة قوية ، وهذا حجاب الرسم ويسمى ~~بالدنيا . # ومن الناس من لا يزال مستغرقا في ذلك إلى أن يأتيه الموت ، فتزول | تلك ~~الفضائل بأسرها ، لأنها لا تتم إلا بالبدن والآلات ، فتبقى النفس عارية | ~~PageV01P117 | ليس بها شيء ، وصار مثله كمثل ذي جنة أصابها إعصار ، أو ~~كرماد اشتدت | به الريح في يوم عاصف ، فإن كان شديد التنبه عظيم الفطنة ~~استيقن بدليل | برهاني أو خطابي أو بتقليد الشرع أن له ربا ms069 قاهرا فوق عباده ~~، مدبرا | أمورهم ، منعما عليه جميع النعم ، ثم خلق في قلبه ميل إليه ومحبه ~~به ، وأراد | التقرب منه ورفع الحاجات إليه واطرح لديه ، فمن مصيب في هذا ~~القصد | ومخطئ ، ومعظم الخطأ شيآن : أن يعتقد في الواجب صفات المخلوق ، | ~~أو يعتقد في المخلوق صفات الواجب . فالأول هو التشبيه ، ومنشؤه قياس | ~~الغائب على الشاهد ، والثاني هو الإشراك ، ومنشؤه رؤية الآثار الخارقة | من ~~المخلوقين ، فيظن أنها مضافة إليهم بمعنى الخلق ، وأنها ذاتية لهم ، وينبغي ~~| لك أن تستقرئ أفراد الإنسان هل ترى من تفاوت فيما أخبرتك ؟ لا أظنك تجد ~~ذلك بل كل إنسان وإن كان في تشريع ما ، لا بد له من أوقات تستغرق | في حجاب ~~الطبع قلت أو كثرت ، وإن لم يزل مباشرا للأعمال الرسمية ، ومن | أوقات ~~تستغرق في حجاب الرسم ، ويهمه حينئذ التشبه بعاقلي قومه كلاما وزيا | وخلقا ~~ومعاشرة ، وأوقات يصغي فيها إلى ما كان يسمع ، ولا يصغي من | أحاديث ~~الجبروت والتدبير الغيبي في العالم . والله أعلم . | # | ( باب طريق رفع هذه الحجب ) # اعلم أن تدبير حجاب الطبع شيآن : أحدهما يؤمر به ، ويرغب فيه ، ويحث | ~~عليه ، والثاني يضرب عليه من فوقه ، ويؤاخذ به ، أنشاء أم أبى . # فالأول رياضات تضعف البهيمية كالصوم والسهر ، ومن الناس من | أفرط ، ~~واختار تغيير خلق الله مثل قطع الآت التناسل ، وجفيف عضو | شريف كاليد ~~والرجل ، وأولئك جهال العباد ، وخير الأمور وسطها ، وإنما | الصوم والسهر ~~بمنزلة دواء سمى يجب أن يتقدر بقدر ضروري . # والثاني إقامة الإنكار على من اتبع الطبيعة ، فخالف السنة الراشدة ، | ~~وبيان طريق التفصي من كل غلبة طبيعية ، وضرب سنة له ، ولا ينبغي أن | ~~PageV01P118 | يضيق على الناس كل الضيق ، ولا يكفي في الكل الإنكار القولي ~~، بل لا بد | من ضرب وجيع وغرامة منهكة في بعض الأمور ، والأليق بذلك ~~إفراطات | فيها ضرر متعد كالزنا والقتل . # وتدبير حجاب الرسم شيآن : أحدهما أن يضم مع كل ارتفاق ذكر الله | تعالى ~~تارة وحفظ ألفاظ يؤمر بها ، وتارة بمراعاة حدود وقيود لا يراعى | إلا الله # والثاني أن يجعل أنواع من الطاعات ms070 رسما فاشيا ، ويسجل على | المحافظة ~~عليها ، أشاء أم أبى ، ويلام على تركها ، ويكبح عن المرغوبات من | الجاه ~~وغيره جزاء لتفويتها ، فبهذين التدبيرين تندفع غوائل الرسم ، وتصير | مؤيدة ~~لعبادة الله تعالى ، وتصير السنة تدعو إلى الحق . | وسوء المعرفة بكلا ~~قسميه ينشأ من سببين : أحدهما لا يستطيع أن | يعرف ربه حق معرفته ، لتعاليه ~~عن صفات البشر جدا وتنزهه عن سمة المحدثات | والمحسوسات وتدبيره ألا ~~يخاطبوا إلا بما تسعه أذهانهم . # والأصل في ذلك أنه ما من موجود ، أو معدوم متحيز ، أو مجرد إلا | يتعلق ~~علم الإنسان به ، إما بحضور صورته ، أو بنحو التشبيه والمقايسة حتى | العدم ~~المطلق والمجهول المطلق ، فيعلم العدم من جهة معرفة الوجود وملاحظة | عدم ~~الاتصاف به ، ويعلم مفهوم المشتق على صيغة المفعول ، ويعلم مفهوم | المطلق ~~، فيجمع هذه الأشياء ، ويضم بعضها إلى بعض ، فينتظم صورة | تركيبية هي ~~مكشاف البسيط المقصود تصوره الذي لا وجود له في الخارج | ولا في الأذهان ، ~~كما أنه ربما يتوجه إلى مفهوم نظري ، فيعمد إلى ما يحسبه | جنسا وإلى ما ~~يحسبه فصلا ، فيركبهما فيحصل صورة مركبة هي مكشاف | المطلوب تصوره ، فيخاط ~~وا مثلا بأن الله تعالى موجود ، لا كوجودنا ، | وبأنه حي ، لا كحياتنا ، ~~وبالجملة فيعمد إلى صفات هي مورد المدح في الشاهد ، | PageV01P119 | ويلاحظ ~~ثلاثة مفاهيم فيما نشاهد ، شيء فيه هذه الصفات ، وقد صدرت | من آثارها ، ~~وشيء ليست فيه وليست من شأنه ، وشيء ليست فيه ومن | شأنه أن تكون فيه كالحي ~~والجماد والميت ، فيثبت هذه بثبوت آثارها ، | ويجبر هذه التشبيه بأنه ليس ~~كمثلنا . # والثاني تمثل الصورة المحسوسة بزينتها واللذات بجمالها وامتلاء القوى | ~~العلمية بالصور الحسية ، فينقاد قلبه لذلك ، ولا يصفو التوجه إلى الحق | ~~وتدبير هذه رياضات وأعمال يستعد بها الإنسان للتجليات الشامخة ، ولو في | ~~المعاد واعتكافات وإزالة للشاغل بقدر الإمكان ، كما هتك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم | القرام المصور ونزع خميصه فيها أعلام والله أعلم . # # | ( المبحث الخامس ) # # | ( مبحث البر والإثم ) # # | ( مقدمة في بيان حقيقة البر والإثم ) # إذ قد ذكرنا لمية المجازاة وإنيتها ، ثم ذكرنا الارتفاقات التي جبل ms071 | ~~عليها البشر ، فهي مستمرة فيهم لا تنفك عنهم ، ثم ذكرنا السعادة وطريق | ~~اكتسابها ، حان أن نشتغل بتحقيق معنى البر والإثم . # فالبر كل عمل يفعله الإنسان قضية لإنقياد للملأ الأعلى واضمحلاله في | ~~تلقي الإلهام من الله وصيرورته فانيا في مراد الحق ، وكل عمل يجازى عليه | ~~PageV01P120 | خيرا في الدنيا أو الآخرة ، وكل عمل يصلح الارتفاقات الني ~~بنى عليها نظام | الإنسان ، وكل عمل يفيد حالة الانقياد ، ويدفع الحجب . # والإثم كل عمل يفعله الإنسان قضية لانقياده للشيطان وصيرورته فانيا | في ~~مراده ، وكل عمل يجازى عليه شرا في الدنيا والآخرة ، وكل عمل يفسد | ~~الارتفاقات وكل عمل يفيد هيئة مضادة للانقياد ، ويؤكد الحجب . # وكما أن الارتفاقات استنبطها أولو الخبرة ، فاقتدى بهم الناس بشهادة | ~~قلوبهم . واتفق عليه أهل الأرض ، أو من يعتد به منهم ، فكذلك للبر سننن | ~~ألهمها الله تعالى في قلوب المؤيدين في بالنور الملكي الغالب عليهم خلق ~~الفطرة | بمنزلة ما ألهم في قلوب النحل ما يصلح به معاشها ، فجروا عليها ، ~~وأخذوا بها | وأرشدوا إليها وحثوا عليها ، فاقتدى بهم الناس ، واتفق عليها ~~أهل الملل جميعها | في أقطار الأرض على تباعد بلدانهم واختلاف أديانهم بحكم ~~مناسبة فطرية | واقتضاء نوعي ، ولا يضر ذلك اختلاف صور تلك السنن بعد ~~الاتفاق على | أصولها ، ولا صدود طائفة مخدجة لو تأمل فيهم أصحاب البصائر ~~لم يشكو | أن مادتهم عصت الصورة النوعية ، ولم تمكن لأحكامها ، وهم في ~~الإنسان | كالعضو الزائد في الجسد ، زواله أجمل له من بقائه . # ولشيوع هذه السنن أسباب جليلة ، وتدبيرات محكمة أحكمها المؤيدون | بالوحي ~~صلوات الله عليهم ، فأثبتوا لهم منة عظيمة في رقاب الناس ، ونحن | نريد أن ~~ننبهك على أصول هذه السنن مما أجمع عليه جمهور أهل الأقاليم | الصالحة من ~~الأمم العظيمة التي يجمع كل واحدة أقواما من المتألهين والملوك | والحكماء ~~ذوي الرأي الثاقب من عربهم وعجمهم ويهودهم ومجوسهم وهنودهم | ونشرح كيفية ~~توليدها في انقياد البهيمية للقوة الملكية ، وبعض فوائدها حسبما جربنا على ~~أنفسنا غير مرة ، وأدى إليه العقل السليم ، والله أعلم . | PageV01P121 # # | ( باب التوحيد ) # أصل أصول البر ، وعمدة أنواعه هو ms072 التوحيد ، وذلك لأنه يتوقف | عليه ~~الإخبات لرب العالمين ، الذي هو أعظم الأخلاق الكاسبة للسعادة | وهو أصل ~~التدبير العلمي الذي هو أفيد التدبيرين ، وبه يحصل للإنسان | التوجه التام ~~تلقاء الغيب ، ويستعد نفسه للحوق به بالوجه المقدس ، وقد نبه | النبي صلى ~~الله عليه وسلم على عظم أمره ، وكونه من أنواع البر بمنزلة القلب | إذا صلح ~~صلح الجميع ، وإذا فسد فسد الجميع ، حيث أطلق القول فيمن مات | لا يشرك ~~بالله شيء شيئا أنه دخل الجنة ، أو حرمه الله على النار ، أو لا يحجب | من ~~الجنة ونحو ذلك من العبارات ، وحكى عن ربه تبارك وتعالى ' من | لقيني بقراب ~~الأرض خطيئة لا يشرك بالله شيئا لقيته بمثلها مغفرة ' . # واعلم أن التوحيد أربع مراتب . # إحداها : حصر وجوب الوجود فيه تعالى ، فلا يكون غيره واجبا . # والثانية : حصر خلق العرش والسموات والأرض وسائر الجواهر فيه تعالى ، | ~~وهاتان المرتبتان لم تبحث الكتب الإلهية عنهما ، ولم يخالف فيهما مشركو | ~~العرب ، ولا اليهود ، ولا النصارى ، بل القرآن العظيم ناص على أنهما | من ~~المقدمات المسلمة عندهم . # والثالثة : حصر تدبير السموات والأرض وما بينهما فيه تعالى . # والرابعة : أنه لا يستحق غيره العبادة ، وهما متشابكتان متلازمتان لربط | ~~طبيعي بينهما . # وقد اختلف فيهما طوائف من الناس معظمهم ثلاثة فرق : # النجامون ذهبوا إلى أن النجوم تستحق العبادة ، وأن عبادتها تنفع في | ~~PageV01P122 | الدنيا ، ورفع الحاجات إليها حق ، قالوا : قد تحققنا أن لها ~~أثرا عظيما في الحوادث | اليومية وسعادة المرء وشقاوته وصحته وسقمه ، وأن ~~لها نفوسا مجردة عاقلة | تبعثها على الحركة ، ولا تغفل عن عبادها ، فبنوا ~~هيا كل على أسمائها وعبدوها # والمشركون وافقوا المسلمين في تدبير الأمور العظام ، وفيما أبرم | وجزم ، ~~ولم يترك لغيره خيرة ، ولم يوافقوهم في سائر الأمور ، ذهبوا إلى أن | ~~الصالحين من قبلهم عبدوا الله وتقربوا إليه فأعطاهم الله الألوهية ، ~~فاستحقوا | العبادة من سائر خلق الله ، كما أن ملك الملوك يخدمه عبده ، ~~فيحسن خدمته ، | فيعطيه خلعة الملك ، ويفوض إليه تدبير بلد من بلاده ، ~~فيستحق السمع | والطاعة من أهل ذلك البلد ، وقالوا : لا تقبل عبادة الله ms073 ~~إلا مضمومة بعبادتهم | بل الحق في غاية التعالي ، فلا تفيد عبادته تقربا ~~منه ، بل لا بد من عبادة | هؤلاء ليقربوا إلى الله زلفى ، وقالوا هؤلاء ~~يسمعون ، ويبصرون ، ويشفعون | لعبادهم ، ويدبرون أمورهم ، وينصرونهم ، ~~فنحتوا على أسمائهم أحجارا ، وجعلوها | قبلة عند توجههم إلى هؤلاء ، فخلف ~~من بعدهم خلف ، فلم يفطنوا للفرق | بين الأصنام وبين من هي على صورته ، ~~فظنوها معبودات بأعيانها ، ولذلك | رد الله تعالى عليهم تارة بالتنبيه على ~~أن الحكم والملك له خاصة ، وتارة | ببيان أنها جمادات . # @QB@ ألهم أرجل يمشون بها أم لهم أيد يبطشون بها أم لهم أعين يبصرون بها ~~أم لهم آذان يسمعون بها @QE@ . # والنصارى ذهبوا إلى أن للمسيح عليه السلام قربا من الله ، علوا على | ~~الخلق ، فلا ينبغي أن يسمى عبدا ، فيسوى بغيره ، لأن هذا سوء أدب معه | ~~واهمال لقربه من الله ، ثم مال بعضهم عند التعبير عن تلك الخصوصية إلى | ~~تسميته ابن الله نظرا إلى أن الأب يرحم الابن ، ويربيه على عينيه ، وهو | ~~PageV01P123 | فوق العبيد ؛ فهذا الاسم أولى به وبعضهم إلى تسميته بالله ~~نظرا إلى أن | الواجب حل فيه ، وصار داخله ، ولهذا يصدر منه آثار لم تعهد ~~من البشر ، | مثل إحياء الأموات ، وخلق الطين ، فكلامه كلام الله ، وعبادته ~~هي عبادة | الله ، فخلف بعدهم خلف لم يفطنوا لوجه التسمية ، وكادوا يجعلون ~~النبوة | حقيقية ، أو يزعمون أنه الواجب من جميع الوجوه ، ولذلك رد الله ~~تعالى | عليهم تارة . بأنه لا صاحبة له وتارة بأنه بديع السموات والأرض . # @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ . # وهذه الفرف الثلاث لهم دعاوى عريضة وخرافات كثيرة لا تخفى على | المتتبع ~~، وعن هاتين المرتبتين بحث القرآن العظيم ، ورد على الكافرين | شبهتهم ردا ~~مشبعا . | # | ( باب في حقيقة الشرك ) # اعلم أن العبادة هو التذلل الأقصى ، وكون تذلل أقصى من غيره لا يخلو | ~~إما أن يكون بالصورة مثل كون هذا قياما وذلك سجودا ، أو بالنية بأن | نوى ~~بهذا الفعل تعظيم العباد لمولاهم ، وبذلك تعظيم الرعية للملوك ، أو ~~التلاميذه | للأستاذ لا ثالث لهما ، ولما ثبت سجود ms074 التحية من الملائكة لآدم ~~عليه السلام | ومن أخوة يوسف ليوسف عليه السلام ، وأن السجود أعلى صور ~~التعظيم ، | وجب إلا يكون التميز إلا بالنية ، لكن الأمر إلى الآن غير منقح ~~؛ إذ المولى | مثلا يطلق على معان ، والمراد ههنا المعبود لا محالة ، فقد ~~أخذ في حد العبادة | فالتنقيح أن التذلل يستدعي ملاحظة ضعف في الذليل ، ~~وقوة في الآخر ، | وخسة في الذليل وشرف في الآخر ، وانقياد واخبات في ~~الذليل ، وتسخير | ونفاذ حكم للآخر ، والإنسان إذا خلى ونفسه أدرك لا محالة ~~أنه يقدر للقوة | والشرف والتسخير وما أشبهها مما يعبر به عن الكمال قدرين ~~قدرا لنفسه ولمن | يشبهه بنفسه ، وقدرا لمن هو متعال عن وصمة الحدوث ~~والإمكان بالكلية . | PageV01P124 # ولمن انتقل إليه شيء من خصوصيات هذا المتعالي ، فالعلم بالمغيبات | يجعله ~~على درجتين : علم برؤية وترتيب ومقدمات ، أو حدس ، أو منام | أو تلقي إلهام ~~مما يجد نفسه لا يباين ذلك بالكلية ، وعلم ذاتي هو مقتضى | ذات العالم لا ~~يلقاه من غيره ، ولا يتجشم كسبه ، وكذلك يجعل التأثير | والتدبير والتسخير ~~. أي لفظ قلت على درجتين : بمعنى المباشرة واستعمال | الجوارح والقوى ~~والاستعانة بالكيفيات المزاجية كالحرارة والبرودة | وما أشبه ذلك مما يجد ~~نفسه مستعد له استعدادا قريبا أو بعيدا ، وبمعنى | التكوين من غير كيفيه ~~جسمانية ولا مباشرة شيء وهو قوله تعالى : # @QB@ إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون @QE@ # وكذلك يجعل العظمة والشرف والقوة على درجتين : إحداهما كعظمة | الملك ~~بالنسبة إلى رعيته مما يرجع إلى كثرة الأعوان وزيادة الطول ، أو عظمة | ~~البطل و الأستاذ بالنسبة إلى ضعيف البطش والتلميذ مما يجد نفسه يشارك العظم ~~| في أصل الشيء ، وثانيتهما ما لا يوجد إلا في المتعالي جدا ، ولا تن في ~~تفتيش | هذا السر حتى تستيقن أن المعترف بانصرام سلسلة الإمكان إلى واجب | ~~لا يحتاج إلى غيره يضطر إلى جعل هذه الصفات التي يتمادحون بها على درجتين | ~~درجة لما هنالك ودرجة لما يشبهه بنفسه . # ولما كانت الألفاظ المستعملة في الدرجتين متقاربة ، فربما يحمل | نصوص ~~الشرائع الإلهية على غير محملها ، وكثيرا ms075 ما يطلع الإنسان على آثر | صادر ~~من بعض أفراد الإنسان أو الملائكة أو غيرهما يستبعده من أبناء | جنسه ، ~~فيشتبه عليه الأمر ، فيثبت له شرفا مقدسا وتسخيرا إلهيا ، وليسوا | في ~~معرفة الدرجة المتعالية سواء ، فمنهم من يحيط بقوى الأنوار المحيطة الغالبة ~~| على المواليد ، ويعرفها من جنسه ، ومنهم من لا يستطيع ذلك ، وكل إنسان | ~~PageV01P125 | مكلف بما عنده من الاستطاعة ، وهذا تأويل ما حكاه الصادق ~~المصدوق | صلى الله عليه وسلم من نجاة مسرف على نفسه أمر أهله بحرقه ، ~~وتذرية | رماده حذرا من أن يبعثه ، الله ، ويقدر عليه فهذا الرجل استيقن ~~بأن الله | متصف بالقدرة التامة ، لكن القدرة إنما هي من الممكنات ، لا في ~~الممتنعات ، | وكان يظن أن جمع الرماد المتفرق نصفه في البر ونصفه في البحر ~~ممتنع ، فلم | يجعل ذلك نقصا ، فأخذ بقدر ما عنده من العلم ، ولم يعد كافرا ~~- كان | التشيبه والاشراك بالنجوم وبصالحي العباد الذين ظهر منهم خرق ~~العوائد | كالكشف واستجابة الدعاء متوارثا فيهم ، وكل نبي يبعث في قومه ~~فإنه لا بد | أن يفهمهم حقيقة الاشراك ، ويميز كلا من الدرجتين ، ويحصر ~~الدرجة | المقدسة في الواجب ، وإن تقاربت الألفاظ كما قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم | لطبيب ' إنما أنت رفيق والطبيب هو الله ' وكما قال ' ~~السيد هو الله ' | يشير إلى بعض المعاني دون بعض ، ثم لما انقرض الحواريون ~~من أصحابه | وحملة دينه خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ، واتبعوا الشهوات ~~، | فحملوا الألفاظ المستعملة المشتبهة على غير محملها ، كما حملوا ~~المحبوبية والشفاعة | التي أثبتها الله تعالى في قاطبة الشرائع لخواص البشر ~~على غير محملها ، وكما حملوا | صدور خرق العوائد والاشراقات على انتقال ~~العلم والتسخير الاقصيين | إلى هذا الذي يرى منه ، والحق أن ذلك كله يرجع ~~إلى قوى ناسوتية ، | أو روحانية تعد لنزول التدبير الإلهي على وجه ، وليس ~~من الإيجاد والأمور | المختصة بالواجب في شيء . # والمرضى بهذا المرض على أصناف : منهم من نسي جلال الله بالكلية ، | فجعل ~~لا يعبد إلا الشركاء ، ولا يرفع حاجته إلا إليهم ، لا يلتفت إلى الله | ~~أصلا ، وإن كان ms076 يعلم بالنظر البرهاني أن سلسلة الوجود تنصرم إلى الله ، | ~~ومنهم من اعتقد أن الله هو السيد وهو المدبر ، لكنه قد يخلع على بعض | ~~PageV01P126 | عبيده لباس الشرف والتأله ، ويجعله متصرفا في بعض الأمور ~~الخاصة ، | ويقبل شفاعته في عباده بمنزلة ملك الملوك يبعث على كل قطر ملكا ~~، | ويقلده تدبير تلك المملكة فيما عدا الأمور العظام ، فيتلجلج لسانه أن | ~~يسميهم عباد الله ، فيسويهم وغيرهم ، فعدل عن ذلك إلى تسميتهم أبناء الله | ~~ومحبوبي الله ، وسمى نفسه عبدا لأولئك كعبد المسيح وعبد العزى ، وهذا | مرض ~~جمهور اليهود والنصارى والمشركين وبعض الغلاة من منافقي دين | محمد صلى ~~الله عليه وسلم يومنا هذا . # ولما كان مبنى التشريع على إقامة المظنة مقام الأصل عد أشياء محسوسة | هي ~~مظان الاشراك كفرا ، كسجدة الأصنام ، والذبح لها ، والحلف باسمها ، | ~~وأمثال ذلك ، وكان أول فتح هذا العلم على أن رفع لي قوم يسجدون لذباب | ~~صغير سمى لا يزال يحرك ذنبه وأطرافه ، فنفث في قلبي هل تجد فيهم ظلمة | ~~الشرك ، وهل أحاطت الخطيئة بأنفسهم كما تجدها في عبدة الأوثان ؟ قلت | لا ~~أجدها فيهم لأنهم جعلوا الذباب قبلة ولم يخلطوا درجة تذلل بالأخرى | قيل ~~فقد هديت إلى السر فيومئذ ملئ قلبي بهذا العلم ، وصرت على بصيرة | من الأمر ~~، وعرفت حقيقة التوحيد والاشراك ، وما نصبه الشرع مظان | لهما ، وعرفت ~~ارتباط العبادة بالتدبير والله أعلم . # # | ( باب أقسام الشرك ) # حقيقة الشرك أن يعتقد إنسان في بعض المعظمين من الناس أن الآثار | ~~العجيبة الصادرة منه إنما صدرت لكونه متصفا بصفة من صفات الكمال | مما لم ~~يعهد في جنس الإنسان ، بل يختص بالواجب جل مجده لا يوجد في | غيره إلا أن ~~يخلع هو خلعة الألوهية على غيره ، أو يغني غيره في ذاته | PageV01P127 | ~~ويبقى بذاته أو نحو ذلك مما يظنه هذا المعتقد من أنواع الخرافات ، كما ورد ~~| في الحديث ' إن المشركين كانوا يلبون بهذه الصيغة : لبيك لبيك لا شريك | ~~لك - إلا شريكا هو لك ، تملكه وما ملك ' فيتذلل عنده أقصى التذلل ، ويعامل ~~معه معاملة العباد مع الله تعالى . # وهذا معنى ms077 له أشباح وقوالب ، والشرع لا يبحث إلا عن أشباحه | وقوالبه ~~التي باشرها الناس بنية الشرك حتى صارت مظنة للشرك ولازمه له | في العادة ، ~~كسنة الشرع في إقامة العلل المتلازمة للمصالح والمفاسد مقامها . # ونحن نريد أن ننبهك على أمور جعلها الله تعالى في الشريعة المحمدية ، | ~~على صاحبها الصلوات والتسليمات مظنات للشرك ، فنهى عنها . # فمنها أنهم كانوا يسجدون للأصنام والنجوم ، فجاء النهي عن السجدة | لغير ~~الله قال الله تعالى : # @QB@ لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن @QE@ . # والاشراك في السجدة كان متلازما للاشراك في التدبير كما أومأنا إليه ، | ~~وليس الأمر كما يظن بعض المتكلمين من أن توحيد العبادة حكم من أحكام | الله ~~تعالى مما يختلف باختلاف الأديان لا يطلب بدليل برهاني ، كيف | ولو كان ~~كذلك لم يلزمهم الله تعالى بتفرده بالتخليق والتدبير ، كما قال عز | من ~~قائل : # @QB@ قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آلله خير @QE@ . # إلى آخر خمسى آيات ، بل الحمق أنهم اعترفوا بتوحيد الخلق وبتوحيد | ~~التدبير في الأمور العظام ، وسلموا أن العبادة متلازمه معهما ، لما أشرنا ~~إليه | في تحقيق معنى التوحيد فلذلك ألزمهم الله بما ألزمهم ولله الحجة ~~البالغة . | PageV01P128 # ومنها أنهم كانوا يستعينون بغير الله في حوائجهم من شفاء المريض وغناء | ~~الفقير ، وينذرون لهم ، يتوقعون إنجاح مقاصدهم بتلك النذور ، ويتلون | ~~اسماءهم رجاء بركتها ، فأوجب الله تعالى عليهم أن يقولوا في صلاتهم : # @QB@ إياك نعبد وإياك نستعين @QE@ . # وقال تعالى : # @QB@ فلا تدعوا مع الله أحدا @QE@ . # وليس المراد من الدعاء العبادة كما قاله المفسرون ، بل هو الاستعانة | ~~لقوله تعالى : # @QB@ بل إياه تدعون فيكشف ما تدعون @QE@ . # ومنها أنهم كانوا يسمون بعض شركائهم بنات الله وأبناء الله ، فنهو عن | ~~ذلك أشد النهي ، وقد شرحنا سره من قبل . # ومنها أنهم كانوا يتخذون أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله تعالى | ~~بمعنى أنهم كانوا يعتقدون أن ما أحله هؤلاء حلال لا بأس به في نفس الأمر | ~~وأن ما حرمه هؤلاء حرام يؤاخذون به في نفس الأمر ، ولما نزل قوله تعالى : # @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم @QE@ . الآية # سأل عدي بن ms078 حاتم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال : | ' كانوا ~~يحلون لهم أشياء ، فيستحلونها ، ويحرمون عليهم أشياء ، فيحرمونها . # وسر ذلك أن التحليل والتحريم عبارة عن تكوين نافذ في الملكوت | أن الشيء ~~الفلاني يؤاخذ به أو لا يؤاخذ به ، فيكون هذا التكوين سببا | للمؤاخذة ~~وتركها ، وهذا من صفات الله تعالى ، وأما نسبة التحليل والتحريم | ~~PageV01P129 | إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبمعنى أن قوله أمارة قطعية ~~لتحليل الله | وتحريمه و ، أما نسبتها إلى المجتهدين من أمته فبمعنى ~~روايتهم ذلك عن الشرع | من نص الشارع أو استنباط معنى من كلامه . # واعلم أن الله تعالى إذا بعث رسولا وثبت رسالته بالمعجزة ، وأحل | على ~~لسانه بعض ما كان حراما عندهم ، ووجد بعض الناس في نفسه | انجحاما عنه ، ~~وبقي في نفسه ميل إلى حرمته لما وجد في ملته من تحريمه | فهذا على وجهين : ~~إن كان لتردد في ثبوت هذه الشريعة ، فهو كافر بالنبي ، | وإن كان لاعتقاد ~~وقوع التحريم الأول تحريما لا يحتمل النسخ لأجل أنه | تبارك وتعالى خلع على ~~عبد خلعة الألوهية ، أو صار فانيا في الله باقيا به ، فصار | نهيه عن فعل ~~أو كراهيته له مستوجبا لحرم في ماله وأهله ، فذلك مشرك | بالله تعالى ، ~~مثبت لغيره غضبا وسخطا مقدسين وتحليلا وتحريما مقدسين . # ومنها أنهم كانوا يتقربون إلى الأصنام والنجوم بالذبح لأجلهم ، | إما ~~بالاهلال عند الذبائح باسمائهم ، وأما بالذبح على الأنصاب المخصوصة | لهم ، ~~فنهوا عن ذلك ، ومنها أنهم كانوا يسيبون السوائب والبحائر تقربا إلى | ~~شركائهم فقال الله تعالى : # @QB@ ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة @QE@ . الآية # ومنها أنهم كانوا يعتقدون في آناس أن أسماءهم مباركة معظمة ، وكانوا | ~~يعتقدون أن الحلف باسمائهم على الكذب يستوجب حرما في ماله وأهله ، | فلا ~~يقدمون على ذلك ، ولذلك كانوا يستحلفون الخصوم بأسماء الشركاء | بزعمهم ، ~~فنهو عن ذلك وقال النبي صلى الله عليه وسلم : من حلف بغير الله | فقد أشرك ~~' وقد فسره بعض المحدثين على معنى التغليظ والتهديد ، ولا أقول | ~~PageV01P130 | بذلك وإنما المراد عندي اليمين المنعقدة واليمين الغموس باسم ~~غير الله ms079 تعالى على اعتقاد ما ذكرنا . # ومنها الحج لغير الله تعالى ، وذلك أن يقصد مواضع متبركة مختصة | ~~بشركائهم يكون الحلول بها تقربا من هؤلاء ، فنهى الشرع عن ذلك ، وقال | ~~النبي صلى الله عليه وسلم : # ' لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ' . # ومنها أنهم كانوا يسمون ابناءهم عبد العزى وعبد شمس ونحو ذلك | فقال الله ~~: # @QB@ هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما ~~تغشاها @QE@ . # وجاء في الحديث أن حواء سمت ولدها عبد الحرث وكان ذلك من | وحي الشيطان ، ~~وقد ثبت في أحاديث لا تحصى أن النبي صلى الله عليه وسلم | غير أسماء أصحابه ~~عبد العزيز وعبد شمس ونحوهما إلى عبد الله وعبد الرحمن | وما أشبههما ، ~~فهذه أشباح وقوالب للشرك نهى الشارع عنها لكونها قوالب | له ، والله أعلم . # # | ( باب الإيمان بصفات الله تعالى ) # اعلم أن من أعظم أنواع البر الإيمان بصفات الله تعالى ، واعتقاد اتصافه ~~بها ، فإنه يفتح بابا بين هذا العبد وبينه تعالى ويعده لانكشاف ما هنالك من ~~| المجد والكبرياء . # واعلم أن الحق تعالى أجل من أن يقاس بمعقول ، أو محسوس ، | أو يحل فيه ~~صفات كحلول الأعراض في محالها أو تعالجه العقول العامية ، | أو تتناوله ~~الألفاظ العرفية ، ولا بد من تعريفه إلى الناس ، ليكملوا كمالهم | ~~PageV01P131 | الممكن لهم ، فوجب أن تستعمل الصفات بمعنى وجود غايتها ، لا ~~بمعنى | وجود مباديها ، فمعنى الرحمة إفاضة النعم ، لا انعطاف القلب والرقة ~~، وأن | تستعار ألفاظ تدل على تسخير الملك لمدينته لتخسيره لجميع الموجودات ~~، | إذ لا عبارة في هذا المعنى أفصح من هذه ، وأن تستعمل تشبيهات بشرط | ~~ألا يقصد إلى أنفسها ، بل إلى معان مناسبة لها في العرف ، فيراد ببسط اليد ~~| الجود مثلا ، وبشرط ألا يوهم المخاطبين إيهاما صريحا أنه في ألواث ~~البهيمية | وذلك يختلف باختلاف المخاطبين ، فيقال يرى ، ويسمع ، ولا يقال ~~يذوق ، | ويلمس ، وأن يسمي إفاضة كل معان متفقه في أمر باسم ، كالرزاق ~~والمصور ، | وأن يسلب عنه كل ما لا يليق به لا سيما ما لهج به الظالمون في ~~حقه مثل لم | يلد ولم ms080 يولد ، وقد أجمعت الملل السماوية قاطبتها على بيان ~~الصفات على هذا | الوجه ، وعلى أن تستعمل تلك العبارات على وجهها ، ولا ~~يبحث عنها أكثر | من استعمالها ، وعلى هذا مضت القرون المشهود لها بالخير ، ~~ثم خاض طائفة | من المسلمين في البحث عنها ، وتحقيق معانيها من غير نص ، ~~ولا برهان قاطع ، | قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' تفكروا في الخلق ولا ~~تفكروا في الخالق ' | وقال في قوله تعالى : # @QB@ وأن إلى ربك المنتهى @QE@ . # ' لا فكرة في الرب ' . # والصفات ليست بمخلوقات محدثات ، والتفكر فيها إنما هو أن الحق | كيف اتصف ~~بها ، فكان تفكر في الخالق ، قال الترمذي في حديث ' يد | PageV01P132 | ~~الله ملأى ' ، وهذا الحديث قال الأئمة نؤمن كما جاء من غير أن يفسر أو ~~يتوهم | هكذا قال غير واحد من الأئمة ، منهم سيفان الثوري ، ومالك بن أنس ، ~~| وابن عيينة ، وابن المبارك : أنه تروى هذه الأشياء ويؤمن بها ، ولا يقال ~~كيف | وقال في موضع آخر : إن إجراء هذه الصفات كما هي ليس بتشبيه ، وإنما | ~~التشبيه أن يقال : سمع كسمع وبصر كبصر ، وقال الحافظ ابن حجر : لم ينقل | ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة من طريق صحيح | التصريح ~~بوجوب تأويل شيء من ذلك يعنى المتشابهات ولا المنع من ذكره | ومن المحال أن ~~يأمر الله نبيه بتبليغ ما أنزل إليه من ربه ، وينزل عليه : # @QB@ اليوم أكملت لكم دينكم @QE@ . # ثم يترك هذا الباب فلا يميز ما يجوز نسبته إليه تعالى مما لا يجوز مع حثه ~~| على التبليغ عنه بقوله : ' ليبلغ الشاهد الغائب ' حتى نقلوا أقواله ~~وأفعاله | وأحواله وما فعل بحضرته ، فدل على أنهم اتفقوا على الإيمان به ~~على الوجه | الذي أراد الله تعالى منها ، وأوجب تنزيهه عن مشابهات ~~المخلوقات بقوله : # ^ ( ليس كمثله شيء ) ^ . # فمن أوجب خلاف ذلك بعدهم ، فقد خالف سبيلهم . # أقول لا فرق بين السمع والبصر والقدرة والضحك والكلام والاستواء | فإن ~~المفهوم عند أهل اللسان من كل ذلك غير ما يليق بجناب القدس ، وهل | في ~~الضحك استحالة إلا من جهة أنه يستدعي الفم ms081 ، وكذلك الكلام ؟ | وهل في البطش ~~والنزول استحالة إلا من جهة أنهما يستدعيان اليد والرجل ؟ | وكذلك السمع ~~والبصر يستدعيان الأذن والعين ، والله أعلم . # واستطال هؤلاء الخائضون على معشر أهل الحديث ، وسموهم مجسمة | ~~PageV01P133 | ومشبهة ، وقالوا هم المتسترون بالبلكفة ، وقد وضح علي وضوحا ~~بينا أن | استطالتهم هذه ليست بشيء وانهم مخطئون في مقالتهم رواية ودراية | ~~وخاطئون في طعنهم أئمة الهدى . # وتفصيل ذلك أن ههنا مقامين : أحدهما أن الله تبارك وتعالى كيف اتصف | ~~بهذه الصفات ، وهل هي زائدة على ذاته أو عين ذاته ؟ وما حقيقة السمع | ~~والبصر والكلام وغيرها ؟ فإن المفهوم من هذه الألفاظ بادي الرأي غير | لائق ~~بجناب القدس . # والحق في هذا المقام أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكلم فيه بشيء ، | ~~بل حجر أمته عن التكلم فيه والبحث عنه فليس لأحد أن يقدم على | ما حجره ، ~~والثاني أنه أي شيء يجوز في الشرع أن نصفه تعالى به وأي شيء | لا يجوز أن ~~نصفه به ، والحق أن صفاته وأسماءه توقيفيه بمعنى أنا وإن | عرفنا القواعد ~~التي بنى الشرع بيان صفاته تعالى عليها كما حررنا في صدر | الباب ، لكن ~~كثيرا من الناس لو أبيح لهم الخوض في الصفات لضلوا ، | وأضلوا ، وكثير من ~~الصفات وإن كان الوصف بها جائزا في الأصل ، لكن | قوما من الكفار حملوا تلك ~~الألفاظ على غير محملها . وشاع ذلك فيما بينهم ، فكان | حكم الشرع النهي عن ~~استعمالها دفعا لتلك المفسدة ، وكثير من الصفات يوهم | استعمالها على ~~ظواهرها خلاف المراد ، فوجب الاحتراز عنها فلهذه الحكم | جعلها الشرع ~~توقيفية ، ولم يبح الخوض فيها بالرأي . # وبالجملة فالضحك والفرح والتبشبش والغضب والرضا يجوز لنا استعمالها | ~~والبكاء والخوف ونحو ذلك لا يجوز لنا استعمالها ، وإن كان المأخذان | ~~متقاربين ، والمسألة على ما حققناه معتضدة بالعقل والنقل لا يحوم الباطل من ~~| بين يديها ولا من خلفها ، والاطالة في إبطال اقوالهم ومذاهبهم لها موضع | ~~آخر غير هذا الموضع . | PageV01P134 | ولنا أن نفسرها بمعان هي أقرب وأوفق ~~مما قالوا إبانه لأن تلك | المعاني لا يتعين القول بها ، ولا يضطر الناظر ms082 ~~في الدليل العقلي إليها ، وأنها | ليست راجحة على غيرها ولا فيها مزية ~~بالنسبة إلى ما عداها ، لا حكما بأن مراد | الله ما نقول ، ولا إجماعا على ~~الإعتقاد بها والإذعان بها هيهات ذلك ، فنقول | مثلا لما كان بين يديك ~~ثلاثة أنواع حي وميت وجماد ، وكان الحي أقرب | شبها بما هنالك لكونه عالما ~~مؤثرا في الخلق وجب أن يسمى حيا ، ولما كان | العلم عندنا هو الانكشاف ، ~~وقد انكشفت عليه الأشياء كلها بما هي مندمجة | في ذاته ، ثم بما هي موجودة ~~تفصيلا وجب أن يسمى عليما ، ولما كانت الرؤية | والسمع انكشافا تاما ~~للمبصرات والمسموعات ، وذلك هناك بوجه أتم وجب | أن يسمى بصيرا سميعا ، ~~ولما كان قولنا أراد فلان إنما نعني به هاجس عزم | على فعل أو ترك ، وكان ~~الرحمن يفعل كثيرا من أفعاله عند حدوث شرط | أو استعداد في العالم ، فيوجب ~~عند ذلك ما لم يكن واجبا ، ويحصل في بعض | الأحياز الشاهقة إجماع بعد ما لم ~~يكن بإذنه وحكمه وجب أن يسمى مريدا | وأيضا فالارادة الواحدة الأزلية ~~الذاتية المفسرة باقتضاء الذات لما تعلقت | بالعالم بأسره مرة واحدة ، ثم ~~جاءت الحوادث يوما بعد يوم صح أن ينسب | إلى كل حادث حادث عن حدته ، ويقال ~~أراد كذا وكذا ، ولما كان قولنا قدر | فلان إنما نعني به أنه يمكن له أن ~~يفعل ولا يصده من ذلك سبب خارج ، | أما إيثار أحد المقدورين من القادر فإنه ~~لا ينفي اسم القدرة ، وكان الرحمن | قادرا على كل شيء ، وإنما يؤثر بعض ~~الأفعال دون أضداده لعنايته واقتضائه | الذاتي وجب أن يسمى قادرا ، ولما ~~كان قولنا كلم فلان إنما نعني به | إفاضة المعاني المرادة ، مقرونة بألفاظ ~~دالة عليها ، وكان الرحمن ربما يفيض | على عبده علوما ، ويفيض معها ألفاظا ~~منعقدة في خياله ، دالة عليها ليكون | التعليم أصرح ما يكون وجب أن يسمى ~~متكلما قال الله تعالى : | PageV01P135 # @QB@ وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا ~~فيوحي بإذنه ما يشاء إنه علي حكيم @QE@ . # فالوحي هو النفث في ms083 الروع برؤيا ، أو خلق علم ضروري عند توجهه | إلى ~~الغيب ، ومن وراء حجاب أن يسمع كلاما منظوما كأنه سمعه من خارج ، | ولم ير ~~قائله ، أو يرسل رسولا ، فيتمثل الملك له ، وربما يحصل عند توجهه | إلى ~~الغيب وانقهار الحواس صوت صلصة الجرس كما قد يكون عند عروض | الغشى من رؤية ~~ألوان حمر وسود . # ولما كان في حظيرة القدس نظام ، مطلوبة إقامته في البشر ، فإن وافقوه | ~~لحقوا بالملأ الأعلى ، وأخرجوا من الظلمات إلى نور الله وبسطته ، ونعموا | ~~في أنفسهم ، وألهمت الملائكة بنو آدم أن يحسنوا إليهم ، وإن خالفوا باينوا ~~| من الملأ الأعلى ، وأصيبوا ببغضه منهم ، وعذبوا بنحو ما ذكر ، وجب | أن ~~يقال رضي وشكر ، أو سخط ولعن ، والكل يرجع إلى جريان العالم حسب | مقتضى ~~المصلحة ، وربما كان من نظام العالم خلق المدعو إليه فيقال استجاب | الدعاء ~~، ولما كانت الرؤيا في استعمالنا انكشاف المرئي أتم ما يكون ، وكان | الناس ~~إذا انتقلوا إلى بعض ما وعدوا من المعاد اتصلوا بالتجلي القائم وسط | عالم ~~المثل ، ورأوه رأي عين بأجمعهم ، وجب أن يقال إنكم سترونه كما ترون | القمر ~~ليلة البدر ، والله أعلم . # # | ( باب الإيمان بالقدر ) # من أعظم أنواع البر الإيمان بالقدر ، وذلك أنه به يلاحظ الإنسان | ~~التدبير الواحد الذي يجمع العالم ومن اعتقده على وجهه يصير طامح البصر | ~~PageV01P136 | إلى ما عند الله ، يرى الدنيا وما فيها كالظل له ، ويرى ~~اختيار العباد من | قضاء الله كالصورة المنطبعة في المرآة ، وذلك يعد له - ~~لانكشاف ما هنالك | من التدبير الوحداني ، ولو في المعاد - أتم إعداد ، وقد ~~نبه صلى الله عليه وسلم | على عظم أمره من بين أنواع البر حيث قال : ' من ~~لم يؤمن بالقدر | خيره وشره ، فأنا برئ منه ' وقال صلى الله عليه وسلم : ' ~~لا يؤمن عبد | حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ~~ليخطئه ، | وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ' . # واعلم أن الله تعالى شمل علمه الأزلي الذاتي كل ما وجد ، أو سيوجد | من ~~الحوادث ، محال أن يتخلف علمه عن شيء أو يتحقق ms084 غير ما علم ، فيكون | جهلا ~~لا علما ، وهذه مسألة شمول العلم ، وليست بمسألة القدر ولا يخالف | فيها ~~فرقة من الفرق الإسلامية ، إنما القدر الذي دلت عليه الأحاديث | المستفيضة ~~، ومضى عليه السلف الصالح ، ولم يوفق له إلا المحققون ، ويتجه | عليه ~~السؤال بأنه متدافع مع التكليف ، وأنه فيم العمل - هو القدر الملزم | الذي ~~يوجب الحوادث قبل وجودها ، فيوجد بذلك الإيجاب ، لا يدفعه | هرب ، ولا تنفع ~~منه حيلة ، وقد وقع ذلك خمس مرات . # فأولها : أنه أجمع في الأزل أن يوجد العالم على أحسن وجه ممكن مراعيا | ~~للمصالح ، مؤثرا لما هو الخير النسبي حين وجوده ، وكان علم الله ينتهي إلى ~~| تعيين صورة واحدة من الصور لا يشاركها غيرها ، فكانت الحوادث | سلسلة ~~مترتبة ، مجتمعا وجودها ، لا تصدق على كثيرين ، فإرادة إيجاد العالم | ممن ~~لا تخفى عليه خافية هو بعينه تخصيص صورة وجوده إلى آخر ما ينجر | إليه ~~الأمر . # وثانيها : أنه قدر المقادير ، ويروى أنه كتب مقادير الخلائق كلها ، ~~والمعنى | واحد قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وذلك أنه خلق ~~| PageV01P137 | الخلائق حسب العناية الأزلية في خيال العرش ، فصور هنالك ~~جميع الصور ، وهو المعبر عنه بالذكر في الشرائع ، فتحقق هنالك مثلا صورة ~~محمد صلى الله عليه وسلم | ، وبعثه إلى الخلق في وقت كذا ، وانذاره لهم ~~وإنكار أبي لهب | وإحاطة الخطيئة بنفسه في الدنيا ، ثم اشتعال النار عليه ~~في الآخرة ، وهذه | الصورة سبب لحدوث الحوادث على نحو ما كانت هنالك كتأثير ~~الصورة ، | المنتقشة في أنفسنا في زلق الرجل على الجذع الموضوع فوق الجدران ~~، ولم | تكن لتزلق لو كانت على الأرض . # وثالثها : أنه لما خلق آدم عليه السلام ليكون أبا البشر ، وليبدأ منه نوع ~~| الإنسان أحدث في عالم المثال صور بنيه ومثل سعادتهم وشقاوتهم بالنور | ~~والظلمة ، وجعلهم بحيث يكلفون ، وخلق فيهم معرفته والاخبات له ، | وهو أصل ~~الميثاق المدسوس في فطرتهم ، فيؤاخذون به ، وإن نسوا | الواقعة إذا النفوس ~~المخلوقة في الأرض إنما هي ظل الصور الموجودة يومئذ ، | فمدسوس فيها ما دس ~~يومئذ . # ورابعها حين نفخ الروح في الجنين ms085 ، فكما أن النواة إذا ألقيت في الأرض | ~~في وقت مخصوص ، وأحاط بها تدبير مخصوص علم المطلع على خاصية نوع | النخل ، ~~وخاصية تلك الأرض وذلك الماء والهواء أنه يحسن نباتها ، ويتحقق | من شأنه ~~على بعض الأمر ، فكذلك تتلقى الملائكة المدبرة يومئذ ، وينكشف | عليهم ~~الأمر في عمره ورزقه ، وهل يعمل عمل من غلبت ملكيته على | بهيميته ، أو ~~بالعكس ، وأي نحو تكون سعادته وشقاوته . # وخامسها : قبيل حدوث الحادثة ، فينزل الأمر من حظيرة القدس إلى | الأرض ، ~~وينتقل شيء مثالي ، فتنبسط أحكامه في الأرض . # وقد شاهدت ذلك مرارا ، منها أن ناسا تشاجروا فيما بينهم ، وتحاقدوا ، | ~~PageV01P138 | فالتجأت إلى الله ، فرأيت نقطة مثالية نورانية نزلت من حظيرة ~~القدس إلى | الأرض فجعلت تنبسط شيئا فشيئا ، وكلما انبسطت زال الحقد عنهم ~~فما | برحنا المجلس حتى تلاطفوا ، ورجع كل واحد منهم إلى ما كان من الالفة ~~، | وكان ذلك من عجيب آيات الله عندي . # ومنها أن بعض أولادي كان مريضا وكان خاطري مشغولا به ، فبينما | أنا أصلي ~~الظهر شاهدت موته نزل ، فمات في ليلته . # وقد بينت السنة بيانا واضحا أن الحوادث يخلقها الله تعالى قبل أن تحدث | ~~في الأرض خلقا ما ، ثم ينزل في هذا العالم فيظهر فيه كما خلق أول مرة | سنة ~~من الله تعالى ، ثم قد يمحى الثابت ، ويثبت المعدوم ، بحسب هذا | الوجود ~~قال الله تعالى : # ^ ( يمحوا الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب ) ^ # مثل أن يخلق الله تعالى البلاء خلقا ما ، فينزله على المبتلى ، ويصعد ~~الدعاء ، | فيرده ، وقد يخلق الموت ، فيصعد البر ، ويدده والفقه فيه أن ~~المخلوق النازل | سبب من الأسباب العادية كالطعام والشراب بالنسبة إلى بقاء ~~الحياة وتناول | السم ، والضرب بالسيف بالنسبة إلى الموت ، وقد دل أحاديث ~~كثيرة على ثبوت | عالم تتجسم فيه الأعراض ، وتنتقل المعاني ، ويخلق الشيء ~~قبل ظهوره في | الأرض ، مثل كون الرحم معلقا بالعرش ، وتزول الفتن كمواقع ~~القطر ، | وخلق النيل والفرات في أصل السدرة ، ثم أنزالهما إلى الأرض ، ~~وإنزال الحديد | والانعام وإنزال القرآن إلى السماء الدنيا مجموعا ، وحضور ~~الجنة والنار بين يدي | النبي صلى ms086 الله عليه وسلم وبين جدار المسجد بحيث ~~يمكن تناول العنقود ، | ويأتي حر النار ، وكتعالج البلاء والدعاء ، وخلق ~~ذرية آدم ، وخلق العقل ، | PageV01P139 | وأنه أقبل وأدبر ، وإتيان ~~الزهراوين كأنهما فرقان ، ووزن الأعمال ، | وحفوف الجنة بالمكاره والنار ~~بالشهوات ، وأمثال ذلك مما لا يخفى على من | له أدنى معرفة بالسنة . # واعلم أن القدر لا يزاحم سببية الأسباب لمسبباتها ، لإنه إنما تعلق | ~~بالسلسلة المترتبة جملة مرة واحدة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الرقى ~~| والدواء والتقاة هل ترد شيئا من قدر الله ؟ قال : ' هي من قدر الله ' ، | ~~وقول عمر رضي الله عنه في قصة سرغ أليس إن رعيتها في الخصب | رعيتها بقدر ~~الله ؟ الخ وللعباد اختيار أفعالهم ، نعم لااختيار لهم في ذلك | الاختيار ~~لكونه معلولا بحضور صورة المطلوب ونفعه ونهوض داعيه | وعزم بما ليس له علم ~~بها فكيف الاختيار فيها وهو قوله : ' إن القلوب | بين إصبعين من أصابع الله ~~يقلبها كيف يشاء ' والله اعلم . | # | ( باب الإيمان بأن العبادة حق الله تعالى على عباده | لأنه منعم عليهم ~~مجاز لهم بالارادة ) # اعلم أن من أعظم أنواع البر أن يعتقد الإنسان بمجامع قلبه بحيث | لا ~~يحتمل نقيض هذا الإعتقاد عنده أن العبادة حق الله تعالى على عباده ، | ~~وأنهم مطالبون بالعبادة من الله تعالى بمنزلة سائر ما يطلبه ذوو الحقوق من ~~| حقوقهم ، قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ : ' يا معاذ هل تدرى ما حق ~~الله | على عباده وما حق العباد على الله ؟ قال معاذ : الله ورسوله أعلم ~~قال : ' فإن | PageV01P140 | حق الله على العباد أن يعبدوه ، ولا يشركوا به ~~شيئا ، وحق العباد على الله | تعالى ألا يعذب من لا يشرك به شيئا ' وذلك ~~لأن من لم يعتقد ذلك اعتقادا | جازما واحتمل عنده أن يكون سدى مهملا لا ~~يطالب بالعبادة ، ولا يؤاخذ | بها من جهة رب مريد مختار - كان دهريا لا تقع ~~عبادته ، وإن باشرها بجوارحه | بموقع من قلبه ، ولا تفتح بابا بينه وبين ~~ربه ، وكانت عادة كسائر عاداته . # والأصل في ذلك أنه قد ثبت في معارف الأنبياء وورثتهم ms087 عليهم | الصلوات ~~والتسليمات أن موطنا من مواطن الجبروت فيه إرادة وقصد | بمعنى الإجماع على ~~فعل مع صحة الفعل والترك بالنظر إلى هذا الموطن ، | وإن كانت المصلحة ~~الفوقانية لا تبقي ، ولا تذر شيئا إلا أوجب وجوده ، | أو أوجب عدمه ، لا ~~وجود للحالة المنتظرة بحسب ذلك ، ولا عبرة بقوم | يسمعون الحكماء يزعمون أن ~~الإرادة بهذا المعنى ، فقد حفظوا شيئا وغابت | عنهم أشياء ، وهم محجوبون عن ~~مشاهدة هذا الموطن محجوبون بأدلة | الآفاق والأنفس . # أما حجابهم فهو أنهم لم يهتدوا إلى موطن بين التجلي الأعظم ، وبين | ~~الملأ الأعلى شبيه بالشعاع القائم بالجوهرة ، ولله المثل الأعلى ، ففي هذا ~~| الموطن يتمثل إجماع على شيء استوجبه علوم الملأ الأعلى وهيآتهم بعد ما ~~كان | يستوى الفعل والترك في هذا الموطن . # وأما الحجة عليهم فهي أن الواحد منا يعلم بداهة أنه يمد يده ، ويتناول | ~~القلم مثلا ، وهو في ذلك مريد قاصد يستوي بالنسبة إليه الفعل والترك | بحسب ~~هذا القصد وبحسب هذه القوى المتشبحة في نفسه ، وإن كان كل شيء | بحسب ~~المصلحة الفوقانية إما واجب الفعل ، أو واجب الترك ، فكذلك | الحال في كل ~~ما يستوجبه استعداد خاص ، فينزل من بارئ الصور نزول | PageV01P141 | الصور ~~على المواد المستعدة لها كالاستجابة عقيب الدعاء مما فيه دخل | لمتجدد حادث ~~بوجه من الوجوه ، ولذلك تقول هذا جهل بوجوب الشيء | بحسب المصلحة الفوقانية ~~، فكيف يكون في موطن من مواطن الحق ؟ ! | فأقول حاش لله ، بل هو علم وإيفاء ~~لحق هذا الموطن ، إنما الجهل أن يقال | ليس بواجب أصلا ، وقد نفت الشرائع ~~الإلهية هذا الجهل حيث أثبتت | الإيمان بالقدر ، وأن ما أصابك لم يكن ~~ليخطئك ، وما أخطاك لم يكن | ليصيبك ، وأما إذا قيل يصح فعله وتركه بحسب ~~هذا الموطن ، فهو علم حق | لا محالة ، كما أنك إذا رأيت الفحل من البهائم ~~يفعل الأفعال الفحلية ، | ورأيت الأنثى تفعل الأفعال الأنثوية ، فإن حكمت ~~بأن هذه الأفعال صادرة | جبرا كحركة الحجر في تدحرجه كذبت ، وإن حكمت بأنها ~~صادرة من غير | علة موجبه لها ، فلا المزاج الفحلي يوجب هذا الباب ، ولا ~~المزاج ms088 الأنثوي | يوجب ذلك كذبت ، وإن حكمت بأن الإرادة المتشبحة في ~~أنفسهما تحكى | وجوبا فوقانيا ، وتعتمد عليه ، وأنها لا تفور فورانا ~~استقلاليا كان ليس | وراء ذلك مرمى ، فقد كذبت ، بل الحق اليقين أمر بين ~~الأمرين وهو أن | الاختيار معلول لا يتخلف عن علله ، والفعل المراد توجبه ~~العلل ، ولا يمكن | ألا يكون ، ولكن هذا الاختيار من شأنه أن يبتهج بالنظر ~~إلى نفسه ، | ولا ينظر إلى ما فوق ذلك . فإن أديت حق هذا الموطن ، وقلت أجد ~~في | نفسي أن الفعل والترك كانا مستويين ، وأني اخترت الفعل ، فكان | ~~الاختيار علة لفعله صدقت ، وبررت ، فأخبرت الشرائع الإلهية عن هذه | ~~الإرادة المتشبحة في هذا الموطن . # وبالجملة فقد ثبتت إرادة يتجدد تعلقها ، وثبتت المجازاة في الدنيا | ~~والآخرة ، وثبت أن مدبر العالم دبر العالم بإيجاب شريعة يسلكونها ، | ~~لينتفعوا بها ، فكأن الأمر شبيها بأن السيد استخدم عبيده ، وطلب منهم | ~~PageV01P142 | ذلك ورضي عمن خدم ، وسخط على من لم يخدم ، فنزلت الشرائع ~~الإلهية | بهذه العبارة لما ذكرنا أن الشرائع تنزل في الصفات وغيرها بعبارة ~~ليس | هنالك أفصح ، ولا أبين للحق منها أكانت حقيقة لغوية أو مجازا متعارفا ~~، | ثم مكنت الشرائع الإلهية هذه المعرفة الغامضة من نفوسهم بثلاثة مقامات ~~| مسلمة عندهم جارية مجرى المشهورات البديهية بينهم # أحدها : أنه تعالى منعم ، وشكر المنعم واجب ، والعبادة شكر له على نعمة . # والثاني : أنه يجازي المعرضين عنه التاركين لعبادته في الدنيا أشد الجزاء ~~. # والثالث : أنه يجازي في الآخرة المطيعين والعاصين ، فانبسطت من هنالك | ~~ثلاثة علوم ، علم التذكير بآلاء الله ، وعلم التذكير بأيام الله ، وعلم ~~التذكير | بالمعاد ، فنزل القرآن العظيم شرحا لهذه العلوم . # وإنما عظمت العناية بشرح هذه العلوم لأن الإنسان خلق في أصل | فطرته ميل ~~إلى بارئه جل مجده ، وذلك الميل أمر دقيق لا يتشبح إلا بخليقته | ومظنته ، ~~وخليقته ومظنته على ما أثبته الوجدان الصحيح الإيمان بأن العبادة | حق الله ~~تعالى على عباده لأنه منعم لهم مجاز على أعمالهم ، فمن أنكر الإرادة | أو ~~ثبوت حقه على العباد ، أو أنكر المجازاة ، فهو الدهري الفاقد لسلامة | ~~فطرته ، لأنه ms089 أفسد على نفسه مظنة الميل الفطري المودع في جبلته ونائبه | ~~وخليفته والمأخوذ مكانه . # وإن شئت أن تعلم حقيقة هذا الميل ، فاعلم أن في روح الإنسان لطيفة | ~~نورانية تميل بطبعها إلى الله عز وجل ميل الحديد إلى المغناطيس ، وهذا أمر ~~| مدرك بالوجدان ، فكل من أمعن في الفحص عن لطائف نفسه ، وعرف | كل لطيفة ~~بحيالها لا بد أن يدرك هذه اللطيفة النورانية ، ويدرك ميلها بطبعها | إلى ~~الله تعالى ، ويسمى ذلك الميل عند أهل الوجدان بالمحبة الذاتية ، | مثله ~~كمثل سائر الوجدانيات لا يقتنص بالبراهين كجوع هذا الجائع وعطش | هذا ~~العطشان ، فإذا كان الإنسان في غاشية من أحكام لطائفه السفلية | ~~PageV01P143 | كان بمنزلة من استعمل مخدرا في جسده ، فلم يحس بالحرارة ~~والبرودة | فإذا هدأت لطائفه السفلية عن المزاحمة إما بموت اضطراري يوجب ~~تناثر | كثير من أجزاء نسمته ونقصان كثير من خواصها وقواها ، أو بموت ~~اختياري | وتمسك حيل عجيبة من الرياضات النفسانية والبدنية كان كمن زال ~~المخدر | عنه ، فأدرك ما كان عنده وهو لا يشعر به ، فإذا مات الإنسان وهو ~~غير | مقبل على الله تعالى ، فإن كان عدم إقباله جهلا بسيطا ، وفقدا ساذجا ~~، | فهو شقي بحسب الكمال النوعي ، وقد يكشف عليه بعض ما هنالك ، ولا يتم | ~~الانكشاف لفقد استعداده ، فبقي حائرا مبهوتا ، وإن كان ذلك مع قيام | هيئة ~~مضادة في قواه العلمية أو العملية كان فيه تجاذب ، فانجذبت النفس | الناطقة ~~إلى صقع الجبروت ، والنسمة بما كسبت من الهيئة المضادة إلى | السفل ، فكانت ~~فيه وحشة ساطعة من جوهر النفس منبسطة على جوهرها | وربما أوجب ذلك تمثل ~~واقعات هي أشباح الوحشة ، كما يرى الصفراوي | في منامه النيران والشعل ، ~~وهذا أصل توجيه حكمة معرفة النفس ، وكان | أيضا في تحديق غضب من الملأ ~~الأعلى يوجب إلهامات في قلوب الملائكة | وغيرها من ذوات الاختيار أن تعذبه ~~وتؤلمه وهذا أصل توجيه معرفة | أسباب الخطرات والدواعي الناشئة في نفوس بني ~~آدم . # وبالجملة فالميل إلى صقيع الجبروت ووجوب العمل بما يفك وثاقه من | مزاحمة ~~اللطائف السفلية المؤاخذة على ترك هذا العمل بمنزلة أحكام الصورة ms090 | النوعية ~~وقواها وآثارها الفائضة في كل فرد من أفراد النوع من بارئ | الصور ومفيض ~~الوجود وفق المصلحة الكلية لا باصطلاح البشر والتزامهم | على أنفسهم وجريان ~~رسومهم بذلك فقط ، وكل هذه الأعمال في الحقيقة | حق هذه اللطيفة النورانية ~~المنجذبة إلى الله وتوفير مقتضاها واصلاح | عوجها ، ولما كان هذا المعنى ~~دقيقا وهذه اللطيفة لا تدركها إلا شرذمة | PageV01P144 | قليلة وجب أن ينسب ~~الحق إلى ما إليه مالت وإياه قصدت ونحوه انتحت | كان ذلك تعيين لبعض قوى ~~النفس التي مالت من جهته ، وكأن ذلك اختصار | قولنا حق هذه اللطيفة من جهة ~~ميلها إلى الله ، فنزلت الشرائع الإلهية كاشفة | عن هذا السر بعبارة سهلة ~~يفهمها البشر بعلومهم الفطرية ، ويعطيها سنة الله | من إنزال المعاني ~~الدقيقة في صور مناسبة لها بحسب النشأة المثالية ، كما يتلقى | واحد منا في ~~منامه معنى مجردا في صورة شيء ملازم له في العادة أو نظيره | وشبهه ، فقيل ~~العبادة حق الله تعالى على عباده ، وعلى هذا ينبغي أن يقاس حق | القرآن . ~~وحق الرسول ، وحق المولى ، وحق الوالدين ، وحق الأرحام ، | فكل ذلك حق نفسه ~~على نفسه ، لتكمل كمالها ، ولا تقترف على نفسها | جورا ، ولكن نسب الحق إلى ~~من معه هذه المعاملة ، ومنه المطالبة ، فلا | تكن من الواقعين على الظواهر ~~، بل من المحققين للأمر على ما هو عليه . # # | ( باب تعظيم شعائر الله تعالى ) # قال الله تعالى : # @QB@ ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب @QE@ # اعلم أن مبنى الشرائع على تعظيم شعائر الله تعالى ، والتقرب بها إليه ~~تعالى ، | وذلك لما أومأنا إليه من أن الطريقة التي نصبها الله تعالى للناس ~~هي محاكاة | ما في صقع التجرد بأشياء يقرب تناولها للبهيمية ، وأعني ~~بالشعائر أمورا | ظاهرة محسوسة جعلت ليعبد الله بها ، واختصت به حتى صار ~~تعظيمها عندهم | تعظيما لله ، والتفريط في جنبها تفريطا في جنب الله ، وركز ~~ذلك في | صميم قلوبهم لا يخرج منه إلا أن تقطع قلوبهم ، والشعائر إنما تصير ~~شعائر | PageV01P145 | بنهج طبيعي ، وذلك أن تطمئن نفوسهم بعادة وخصلة ، ~~وتصير من المشهورات | الذائعة التي تلحق بالبديهيات ms091 الأولية ، ولا تقبل ~~التشكيك ، فعند ذلك تظهر | رحمة الله في صورة أشياء تستوجبها نفوسهم ~~وعلومهم الذائعة فيما بينهم ، | فيقبلونها ويكشف الغطاء عن حقيقتها ، وتبلغ ~~الدعوة الأدانى والأقاصى | على السواء ، فعند ذلك يكتب عليهم تعظيمها ، ~~ويكون الأمر بمنزلة الحالف | باسم الله يضمر في نفسه التفريط في حق الله إن ~~حنث ، فيؤاخذ بما يضمر ، | وكذلك هؤلاء يشتهر فيما بينهم أمور تنقاد لها ~~علومهم ، فيوجب انقياد | علومهم ، لها ألا تظهر رحمة الله بهم إلا فيما ~~انقادوا له ، إذ مبنى التدبير | على الأسهل فالأسهل ، ويوجب أيضا أن ~~يؤاخذوا أنفسهم بأقصى | ما عندهم من التعظيم لأن كمالهم هو التعظيم الذي لا ~~يشوبه إهمال ، وما أوجب | الله تعالى شيئا على عباده لفائدة ترجع إليه ~~تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، بل | لفائدة ترجع إليهم ، وكانوا بحيث لا يكملون ~~إلا بالتعظيم الأقصى ، فأخذوا | بما عندهم ، وأمروا ألا يفرطوا في جنب الله ~~، وليس المقصود بالذات في | العناية التشريعية حال فرد بل حال جماعة كأنها ~~كل الناس ، ولله الحجة | البالغة . # ومعظم شعار الله أربعة : القرآن ، والكعبة ، والنبي ، والصلاة . | أما ~~القرآن فكان الناس شاع فيما بينهم رسائل الملوك إلى رعاياهم ، | وكان ~~تعظيمهم للملوك مساوقا لتعظيمهم للرسائل ، وشاع صحف الأنبياء | ومصنفات ~~غيرهم ، وكان تمذهبهم لمذاهبهم مساوقا لتعظيم تلك الكتب | وتلاوتها ، وكان ~~الانقياد للعلوم وتلقيها على مر الدهور بدون كتاب يتلى ، | ويروى ، كالمحال ~~بادي الرأي ، فاستوجب الناس عند ذلك أن تظهر رحمة الله | في صورة كتاب نازل ~~من رب العالمين ، ووجب تعظيمه ، فمنه أن يستمعوا | له ، وينصتوا إذا قرئ ، ~~ومنه أن يبادروا لأوامره كسجدة التلاوة | PageV01P146 | وكالتسبيح عند ~~الأمر بذلك ، ومنه ألا يمسوا المصحف إلا على وضوء # وأما الكعبة فكان الناس في زمن إبراهيم عليه السلام توغلوا في بناء | ~~المعابد والكنائس باسم روحانية الشمس وغيرها من الكواكب ، وصار | عندهم ~~التوجه إلى المجرد غير المحسوس بدون هيكل يبنى باسمه يكون | الحلول فيه ~~والتلبس به تقربا منه أمرا محالا تدفعه عقولهم بادى الرأي ، | فاستوجب أهل ~~ذلك الزمان أن تظهر رحمة الله بهم في صورة بيت يطوفون ms092 | به ، ويتقربون به ~~إلى الله ، فدعوا إلى البيت وتعظيمه ، ثم نشأ قرن بعده | قرن على علم أن ~~تعظيمه مساوق لتعظيم الله والتفريط في حقه مساوق | للتفريط في حق الله ، ~~فعند ذلك وجب حجه ، وأمروا بتعظيمه ، فمنه ألا | يطوفوا إلا متطهرين ، ومنه ~~أن يستقبلوها في صلاتهم ، وكراهية استقبالها | واستدبارها عند الغائط # وأما النبي فلم يسم مرسلا إلا تشبيها برسل الملوك إلى رعاياهم مخبر ين | ~~بأمرهم ونهيهم ، ولم يوجب عليهم طاعتهم إلا بعد مساوقة تعظيمهم لتعظيم | ~~المرسل عندهم ، فمن تعظيم النبي وجوب طاعته ، والصلاة عليه ، وترك | الجهر ~~عليه بالقول . # وأما الصلاة فيقصد فيها التشبيه بحال عبيد الملك عند مثولهم بين | يديه ~~ومناجاتهم إياه وخضوعهم له ، ولذلك وجب تقديم الثناء على الدعاء | ومؤاخذة ~~الإنسان نفسه بالهيآت التي يجب مراعاتها عند مناجاة الملوك من | ضم الأطراف ~~وترك الالتفات وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا أحدكم | صلى فإن الله ~~قبل وجهه ' والله أعلم . | PageV01P147 # # | ( باب أسرار الوضوء والغسل ) # اعلم أن الإنسان قد يختطف من ظلمات الطبيعة إلى أنوار حظيرة | القدس ~~فيغلب عليه تلك الأنوار ويصير ساعة ما بريئا من أحكام الطبيعة | بوجه من ~~الوجوه ، فينسلك في سلكهم ، ويصير فيما يرجع إلى تجريد النفس | كأنه منهم ، ~~ثم يرد إلى حيث كان ، فيشتاق إلى ما يناسب الحالة الأولى ، | ليغتنمه عند ~~فقدها ، ويجعله شركا لاقتناص الفائت منها ، فيجد بهذه الصفة | حالة من ~~أحواله وهي السرور والانشراح الحاصل من هجر الرجز واستعمال | المطهرات ، ~~فيعض عليها بنواجذه ، ويتلوه إنسان سمع المخبر الصادق يخبر بأن | هذه ~~الحالة كمال الإنسان ، وأنه ارتضاها منه بارئه وأن فيها فوائد لا تحصى ، | ~~فصدقه بشهادة قلبه ، ففعل ما أمر به ، فوجد ما أخبر به حقا ، وفتحت عليه | ~~أبواب الرحمة وانصبغ بصبغ الملائكة ، ويتلوه رجل لا يعلم شيئا من ذلك | لكن ~~قاده الأنبياء وألجأوه إلى هيآت تعدله في معاده للإنسلاك في سلك | الملائكة ~~، وأولئك قوم جروا بالسلاسل إلى الجنة . # والحدث الذي يحس أثره في النفس بادي الرأي ، والذي يليق أن | يخاطب به ~~جمهور الناس لانضباط مظانه ، والذي ms093 يكثر وقوع مثله ، وفي | إهمال تعليمه ~~ضرر عظيم بالناس - منحصر استقراء في جنسين : # أحدهما اشتغال النفس بما يجد الإنسان في معدته من الفضول الثلاثة | الريح ~~والبول والغائط ، فليس من البشر أحد إلا ويعلم من نفسه أنه إذا | وجد في ~~بطنه الرياح ، أو كان حاقبل حاقنا خبثت نفسه ، فأخذت إلى | الأرض ، وصارت ~~كالحائرة المنقبضة ، وكان بينها وبين انشراحها حجاب ، | فإذا اندفعت عنه ~~الرياح ، وتخفف عنه الاخبثان ، واستعمل ما ينبه نفسه | PageV01P148 للطهارة ~~كالغسل والوضوء ، وجد انشراحا وسرورا ، وصار كأنه وجد | ما فقد . # والثاني اشتغال النفس بشهوة الجماع وغوصها فيها ، فإن ذلك يصرف | وجه ~~النفس إلى الطبيعة البهيمة بالكلية ، حتى إن البهائم إذا ارتضيت ، | ومرنت ~~على الآداب المطلوبة ، والجوارح إذا ذللت بالجوع والسهر ، | وعلمت إمساك ~~الصيد على صاحبها ، والطيور إذا كلفت بمحاكاة كلام الناس ، | وبالجملة كل ~~حيوان أفرغ الجهد في إزالة ماله من طبيعته واكتساب مالا | تقتضيه طبيعته ، ~~ثم قضى هذا الحيوان شهوة فرجه وعافس الإناس ، | وغاص في تلك اللذة أياما لا ~~بد أن تنسى ما اكتسبه ، ورجع إلى عمه وجهل | وضلال ، ومن تأمل في ذلك علم ~~لا محالة أن قضاء هذه الشهوة يؤثر في تلويث | النفس مالا يؤثره شيء من كثرة ~~الأكل والمغامرة وسائر ما يميل النفس إلى | الطبيعة البهيمية ، وليجرب ~~الإنسان ذلك من نفسه ، وليرجع إلى ما ذكره | الاطباء في تدبير الرهبان ~~المنقطعين إذا أريد إرجاعهم إلى البهيمية . # والطهارة التي يحس أثرها بادي الرأي ، والتي يليق أن يخاطب بها جمهور | ~~الناس لكثرة وجوج آلتها في الإقاليم المعمورة أعنى الماء وانضباط أمرها ، | ~~والتي هي أوقع الطهارات في نفوس البشر وكالمسلمات المشهورة بينهم مع | ~~كونها كالمذهب الطبيعي - تنحصر بالاستقراء في جنسين : صغرى وكبرى . # أما الكبرى فتععيم البدن بالغسل والدك ، إذ الماء طهور مزيل | للنجاسات ~~قد سلمت الطقد سلمت الطبائغ منه ذلك ، فهي آلة صالحة لتنبيه النفس على | ~~خلة الطهارة ، ورب إنسان شرب الخمر ، وثمل ، وغلب السكر على | طبيعة ، ثم ~~فرط منه شيء من قتل بغير حق ، أو إضاعة مال في غاية النفاسة ، PageV01P149 ~~| فتنبهت ms094 نفسه دفعة ، وعقلت ، وكشفت عنها الثمالة ، ورب إنسان ضعيف | لا ~~يستطيع أن ينهض ، ولا أن يباشر شيئا فاتفقت واقعة تنبه النفس تنبيها | قويا ~~من عروض غضب أو حمية أو منافسة ، فعالج معالجة شديدة ، وسفك | سفكا بليغا . # وبالجملة فللنفس انتقال دفعي ، وتنبه من خصلة إلى خصلة هو العمدة | في ~~المعالجات النفسانية ، وإنما يحصل هذا التنبه بماركز في صميم طبائعهم | ~~وجذر نفوسهم أنه طهارة بليغة ، وما ذلك إلا الماء . # والصغرى الاقتصار على غسل الأطراف ، وذلك لأنها مواضع جرت | العادة في ~~الأقاليم الصالحة بانكشافها ، وخروجها من اللباس لمذهب طبيعى | إليه وقعت ~~الإشارة حيث نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اشتمال الصماء ، | فلا يتحقق ~~حرج في غسلها ، وليس ذلك في سائر الأعضاء ، وأيضا جرت | العادة في أهل ~~الحضر بتنظيفها كل يوم ، وعند الدخول على الملوك | وأشباههم ، وعند قصد ~~الأعمال النظيفة ، وفقه ذلك أنها ظاهرة تسرع إليها | الأوساخ ، وهي التي ~~ترى ، وتبصر عند ملاقاة الناس بعضهم لبعض ، | وأيضا التجربة شاهدة بأن غسل ~~الأطراف ، ورش الماء على الوجه والرأس ، | ينبه النفس من نحو النوم والغشى ~~المثقل تنبيها قويا ، وليرجع الإنسان في | ذلك إلى ما عنده من التجربة ~~والعلم ، وإلى ما أمر به الأطباء في تدبير من | غشى عليه أو أفرط به ~~الإسهال والفصد . # والطهارة باب من أبواب الارتفاق الثاني الذي يتوقف كمال الإنسان | عليه ، ~~وصار من جبلتهم ، وفيها قرب من الملائكة ، وبعد من الشياطين ، | وتدفع عذاب ~~القبر ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' أستنزهوا من البول | PageV01P150 ~~| فإن عامة عذاب القبر منه ' ولها مدخل عظيم في قبول النفس لون الإحسان | ~~وهو قوله تعالى : # @QB@ ويحب المتطهرين @QE@ # وإذا استقرت في النفس وتمكنت منها تقررت فيها شعبة من نور | الملائكة ، ~~وانقهرت شعبة من ظلمة البهيمية وهو معنى كتابة الحسنات وتكفير | الخطايا ، ~~وإذا جعلت رسما نفعت من غوائل الرسوم ، وإذا حافظ صاحبها على ما فيها من ~~هيآت يؤاخذ الناس بها أنفسهم عند الدخول على | الملوك وعلى النية المستصحبة ~~والاذكار نفعت من سوء المعرفة ، وإذا عقل | الإنسان أن هذه كماله ، فآداب ms095 ~~جوارحه حسبما عقل من غير داعية حسية | وأكثر من ذلك - كانت تمرينا على ~~انقياد الطبيعة للعقل والله أعلم . # # | ( باب أسرار الصلاة ) # اعلم أن الإنسان قد يختطف إلى الحظيرة المقدسة ، فيلتصق بجناب الله | ~~تعالى أتم لصوق ، وينزل عليه من هنالك التجليات المقدسة ، فتغلب على | ~~النفس ويشاهد هنالك ما لا يقدر اللسان على وصفه ، ثم يرد إلى حيث كان ، | ~~فلا يقر به القرار ، فيعالج نفسه بحالة هي أقرب الحالات السفلية من | ~~استغراق النفس في معرفة بارئها ، ويتخذها شركا لاقتناص ما فاته منها ، وتلك ~~| الحالة هي التعظيم والخضوع والمناجاة في ضمن أفعال وأقوال بنيت لذلك ، | ~~ويتلوه رجل سمع المخبر الصادق يدعوه إلى هذه الحالة ، ويرغب فيها ، | فصدقه ~~بشهادة قلبه ففعل ، ووجد ما وعد به حقا ، وارتقى إلى ما يرجوه ، ثم يتلوه ~~رجل ألجأه الأنبياء إلى الصلوات ، وهو لا يعلم بمنزلة الوالد يحبس | أولاده ~~على تعليم الصناعات النافعة ، وهم كارهون ، وربما يسأل الإنسان من | ~~PageV01P151 | ربه دفع بلاء أو ظهور نعمة ، فيكون الأقرب حينئذ الاستغراق ~~في أفعال | وأقوال تعظيمية لتؤثر همته التي هي روح السؤال ، وذلك ما سن من ~~صلاة | الاستسقاء . # وأصل الصلاة ثلاثة أشياء . # أن يخضع القلب عند ملاحظة جلال الله وعظمته ، ويعبر اللسان عن | تلك ~~العظمة ، وذلك الخضوع أفصح عبارة . # وأن يؤدب الجوارح حسب ذلك الخضوع قال القائل . # # % أفادتكم النعماء مني ثلاثة % % يدي ولساني والضمير المحجبا % # ومن الأفعال التعظيمية أن يقوم بين يديه مناجيا ، ويقبل عليه مواجها ، | ~~وأشد من ذلك أن يستشعر ذله وعزة ربه ، فينكس رأسه إذ من الأمر | المجبول في ~~قاطبة البشر والبهائم أن رفع العنق آية التيه والتكبر ، وتنكيسه | آية ~~الخضوع والاخبات ، وهو قوله تعالى : # @QB@ فظلت أعناقهم لها خاضعين @QE@ # وأشد من ذلك أن يعفر وجهه الذي هو أشرف أعضائه ومجمع حواسه بين | يديه ، ~~فتلك التعظيمات الثلاثة الفعلية شائعة في طوائف البشر لا يزالون | يفعلونها ~~في صلواتهم وعند ملوكهم وأمرائهم ، وأحسن الصلاة ما كان جامعا | بين ~~الأوضاع الثلاثة مترقيا من الأدنى إلى الأعلى ؛ ليحصل الترقي في | استشعار ~~الخضوع والتذلل ، وفي الترقي ms096 من الفائدة ما ليس في أفراد التعظيم | الأقصى ~~، ولا في الانحطاط من الأعلى إلى الأدنى . # وإنما جعلت الصلاة أم الأعمال المقربة دون الفكر في عظمة الله ، | ودون ~~الذكر الدائم ؛ لأن الفكر الصحيح فيها لا يتأتى إلا من قوم عالية | نفوسهم ~~، وقليل ما هم ، وسوى أولئك لو خاضوا فيه تبلدوا ، وأبطلوا | PageV01P152 | ~~رأس مالهم فضلا عن فائدة أخرى ، والذكر بدون أن يشرحه ويعضده | عمل تعظيمي ~~يعمله بجوارحه ، ويعنوا في آدابها . لقلقة خالية عن الفائدة | في حق ~~الاكثرين . # أما الصلاة فهي المعجون المركب من الفكر المصروف تلقاء عظمة الله | ~~بالقصد الثاني ، والالتفات التبعي المتأتي من كل واحد ، ولا حجر لصاحب | ~~استعداد الخوض في لجة الشهود أن يخوض ، بل ذلك منبه له أتم تنبيه ، | ومن ~~الأدعية المبينة إخلاص عمله لله وتوجيه وجهه تلقاء الله وقصر | الاستعانة ~~في الله ، ومن أفعال تعظيمية كالسجود والركوع يصير كل واحد | عضد الآخر ~~ومكمله والمنبه عليه ، فصارت نافعة لعامة الناس وخاصتهم ، | تريافا قوى ~~الأثر ليكون لكل إنسان منه ما استوجبه أصل استعداده ، | والصلاة معراج ~~المؤمن معدة للتجليات الأخروية ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم | : ' إنكم ~~سترون ربكم فإذا استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع | الشمس وقبل غروبها ~~فافعلوا ' وسبب عظيم لمحبة الله ورحمته وهو قوله | صلى الله عليه وسلم . ' ~~أعني على نفسك بكثرة السجود ' وحكايته تعالى عن | أهل النار # ^ ( ولم نك من المصلين ) ^ # وإذا تمكنت من العبد اضمحل في نور الله ، وكفرت عنه خطاياه # ^ ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) ^ # ولا شيء أنفع من سوء المعرفة منها لا سيما إذا فعلت أفعالها وأقوالها على ~~حضور | القلب والنية الصالحة ، وإذا جعلت رسما مشهورا انفعت من غوائل الرسم ~~| نفعا بينا ، وصارت شعار للمسلم يتميز به من الكافر ، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم | PageV01P153 | : : العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة ، فمن تركها ~~فقد كفر ' ولا شيء | في تمرين النفس على انقياد الطبيعة للعقل وجريانها في ~~حكمة مثل الصلاة | والله اعلم . # # | ( باب أسرار الزكاة ) # اعلم أن المسكين إذا عنت له حاجة ، وتضرع إلى الله فيها ms097 بلسان المقال | ~~أو الحال - قرع تضرعه باب الجود الالهي ، وربما تكون المصلحة أن | يلهم في ~~قلب زكي أن يقوم بسد خلته ، فاذا تغشاه الالهام ، وانبعث ، وفقه | رضي الله ~~عنه ، وأفاض عليه البركات من فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن | شماله ، وصار ~~مرحوما . # وسألني مسكين ذات يوم في حاجة اضطر فيها ، فأوجست في قلبي | إلهاما ~~يأمرني بالاعطاء ، ويبشرني بأجر جزيل في الدنيا والآخرة ، فأعطيت ، | ~~وشاهدت ما وعدني ربي حقا ، وكان قرعه لباب الجود وانبعاث الالهام | ~~واختياره لقلبي يومئذ ظهور الأجر كل ذلك ' بمرأى مني ' . # وربما كان الانفاق في مصرف مظنة لرحمة إلهية ، كما إذا انعقدت داعية | في ~~الملأ الأعلى بتنويه ملة ، فصار كل من يتعرض لتمشيته أمرها مرحوما ، | ~~وتكون تمشيته يومئذ في الانفاق كغزوة العسرة ، وكما إذا كان أيام قحط ، | ~~وتكون أمة هي أحوج خلق الله ، ويكون المراد إحياءهم . # وبالجملة فيأخذ المخبر الصادق من هذه المظنة كلية فيقول : ' من تصدق | ~~على فقير - كذا وكذا أو في حالة كذا وكذا - تقبل منه عمله ' فيسمعه | سامع ~~، وينقاد لحكمه بشهاده قلبه ، فيجد ما وعد حقا . # وربما تفطنت النفس بأن حب الأموال والشح بها يضره ، ويصده | عما هو ~~بسبيله ، فيتأذى منه أشد تأذ ، ولا يتمكن من دفعه إلا بتمرين | على إنفاق ~~أحب ما عنده ، فصار الانفاق في حقه أنفع شيء ، ولولا الانفاق | PageV01P154 ~~| لبقي الحب والشح كما هو ، فيتمثل في المعاد شجاعا أقرع ، أو تمثلت | ~~الأموال ضارة في حقه وهو حديث ' بطح لها بقاع قرقر ' وقوله | تعالى : # @QB@ والذين يكنزون الذهب والفضة @QE@ # وربما يكون العبد قد أحيط به ، وقضى بهلاكه في عالم المثال ، فاندفع | ~~إلى بذل أموال خطيرة ، وتضرع إلى الله هو وناس من المرحومين ، فمحا | هلاكه ~~بنفسه باهلاك ماله ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يرد القضاء | إلا ~~الدعاء ، ولا يزيد في العمر إلا البر ' . # وربما يفرط من الإنسان أن يعمل عملا شريرا بحكم غلبة الطبيعة ، | ثم يطلع ~~على قبحه ، فيندم ، ثم تغلب عليه الطبيعة ، فيعود له ، فتكون | الحكمة في ~~معالجة هذه النفس أن تلزم ms098 بذل مال خطير غرامة على ما فعل ؛ | ليكون ذلك بين ~~عينيه ، فيردعه عما يقصد . # وربما يكون حسن الخلق والمحافظة على نظام العشيرة منحصرا في إطعام | طعام ~~وإفشاء سلام وأنواع من المواساة ، فيؤمر بها ، وتعد صدقة ، والزكاة | تزيد ~~في البركة ، وتطفئ الغضب بجلبها فيضا من الرحمة ، وتدفع عذاب الآخرة | ~~المترتب على الشح ، وتعطف دعوة الملأ الأعلى المصلحين في الأرض على | هذا ~~العبد والله أعلم . # # | ( باب أسرار الصوم ) # اعلم أنه ربما يتفطن الإنسان من قبل إلهام الحق إياه أن سورة الطبيعة | ~~PageV01P155 | البهيمية تصده عما هو كماله من انقيادها للملكية ، فيبغضها ، ~~ويطلب كسر | سورتها ، فلا يجد ما يغيثه في ذلك ، كالجوع والعطش ، وترك ~~الجماع والأخذ | على لسانه وقلبه وجوارحه ، ويتمسك بذلك علاجا لمرضه ~~النفساني ، | ويتلوه من يأخذ ذلك عن المخبر الصادق بشهادة قلبه ، ثم الذي ~~يقوده | الأنبياء شفقة عليه ، وهو لا يعلم ، فيجد فائدة ذلك في المعاد من ~~انكسار السورة # وربما يطلع الإنسان على أن انقياد الطبيعة للعقل كمال له ، وتكون | ~~طبيعته باغية تنقاد تارة ، ولا تنقاد أخرى ، فيحتاج إلى تمرين ، فيعمد إلى ~~| عمل شاق كالصوم ، فيكلف طبيعته ، ويلتزم وفاء العهد ، ثم ، وثم حتى | ~~يحصل الأمر المطلوب . # وربما يفرط منه ذنب ، فيلتزم صوم أيام كثيرة يشق عليه بإزاء الذنب ، | ~~ليردعه عن العود في مثله . # وربما تاقت نفسه إلى النساء ، ولا يجد طولا ، ويخاف العنت ، | فيكسر ~~شهوته بالصوم ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' فإن الصوم | له وجاء ' . # والصوم حسنة عظيمة يقوى الملكية ، ويضعف البهيمية ، ولا شيء مثله | في ~~صيقلة وجه الروح وقهر الطبيعة ، ولذلك قال الله تعالى : ' الصوم لي | وأنا ~~أجزى به ' ، ويكفر الخطايا بقدر ما اضمحل من سورة البهيمية ، ويحصل | به ~~تشبه عظيم بالملائكة ، فيحبونه ، فيكون متعلق الحب أثر ضعف البهيمية ، | ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من | ريح ~~المسك ' وإذا جعل رسما مشهورا نفع عن غوائل الرسوم وإذا التزمه | أمة من ~~الأمم سلسلت شياطينها ، وفتحت أبواب جنانها ، وغلقت أبواب | النيران عنها . ~~| PageV01P156 # والإنسان إذا سعى في ms099 قهر النفس وإزالة رذائلها كانت لعملة صورة | تقديسية ~~في المثال ، ومن أزكياء العارفين من يتوجه إلى هذه الصورة ، فيمد | من ~~الغيب في علمه ، فيصل إلى الذات من قبل التنزيه والتقديس ، وهو معنى | قوله ~~صلى الله عليه وسلم : ' الصوم لي وأنا أجزى به ' . # وربما يتفطن الإنسان بضرر توغله في معاشه وامتلاء حواسه مما يدخل | عليه ~~من خارج ، وينفع التفرغ للعبادة في مسجد بني للصلوات ، فلا يمكنه | إدامة ~~ذلك ، وما لا يدرك كله لا يترك كله ، فيختطف من أحواله فرصا ، | فيعتكف ما ~~قدر له ، ويتلوه المتلقي له من المخبر الصادق بشهادة قلبه ، | والعامي ~~المغلوب عليه كما مر . # وربما يصوم ولا يستطيع تنزيه لسانه إلا بالاعتكاف . # وربما يطلب ليلة القدر واللصوق بالملائكة فيها ، فلا يتمكن منها | إلا ~~بالاعتكاف ويسأتيك معنى ليلة القدر والله أعلم . # # | ( باب أسرار الحج ) # اعلم أن حقيقة الحج اجتماع جماعة عظيمة من الصالحين في زمان | يذكر حال ~~المنعم عليهم من الأنبياء والصديقين ، والشهداء والصالحين ، | ومكان فيه ~~آيات بينات ، قد قصده جماعات من أئمة الدين معظمين لشعائر | الله ومتضرعين ~~راغبين وراجين من الله الخير وتكفير الخطايا ، فإن الهمم إذا | اجتمعت بهذه ~~الكيفية لا يتخلف عنها نزول الرحمة والمغفرة ، وهو قوله | صلى الله عليه ~~وسلم : ' ما رؤى الشيطان يوما هو فيه أصغر ولا أدحر | ولا أحقر ولا أغيظ ~~منه في يوم عرفة ' الحديث . | PageV01P157 # وأصل الحج موجود في كل أمة لا بد لهم من موضع يتبركون به لما رأوا | من ~~ظهور آيات الله فيه ، ومن قرابين وهيآت مأثورة عن أسلافهم يلتزمونها بها ؛ ~~| لانها تذكر المقربين وما كانوا فيه . # وأحق ما يحج إليه بيت الله ، فيه آيات بينات ، بناه إبراهيم صلوات الله | ~~عليه المشهود له بالخير على ألسنة أكثر الأمم بأمر الله ووحيه بعد أن كانت ~~| الأرض قفرا وعرا ، إذ ليس غيره محجوج إلا وفيه إشراك أو اختراع | ما لا ~~أصل له . # ومن باب الطهارة النفسانية الحلول بموضع لم يزل الصالحون يعظمونه ، | ~~ويحلون فيه ، ويعمرونه بذكر الله ، فإن ذلك يجلب تعلق همم الملائكة السفلية ms100 ~~، | ويعطف عليه دعوة الملأ الأعلى الكلية لأهل الخير ، فإذا حل به غلب | ~~ألوانهم على نفسه ، ' وقد شاهدت ذلك رأي عين ' . # ومن باب ذكر الله تعالى رؤية شعائر الله وتعظيمها ، فإنها إذا رؤيت | ذكر ~~الله كما يذكر الملزوم اللازام لا سيما عند التزام هيآت تعظيمه | وقيود ~~وحدود تنبه النفس تنبيها عظيما . # وربما يشتاق الإنسان إلى ربه أشد شوق ، فيحتاج إلى شيء يقضي به | شوقه ~~فلا يجد إلا الحج . # وكما أن الدولة تحتاج إلى عرضة بعد كل مدة ؛ ليتميز الناصح من | الغاش ~~والمنقاد من المتمرد ، وليرتفع الصيت ، وتعلو الكلمة ، ويتعارف | أهلها ~~فيما بينهم ، فكذلك الملة تحتاج إلى حج ليتميز الموفق من المنافق ، | ~~PageV01P158 | وليظهر دخول الناس في دين الله أفواجا ، وليرى بعضهم بعضا ، ~~فيستفيد | كل واحد ما ليس عنده ، إذ الرغائب إنما تكتسب بالمصاحبة والترائي ~~. # وإذا جعل الحج رسما مشهورا نفع من غوائل الرسوم ، ولا شيء مثله | في تذكر ~~الحالة التي كان فيها أئمة الملة والتحضيض على الأخذ بها . # ولما كان الحج سفرا شائعا وعملا شاقا لا يتم إلا بجهد الأنفس كان | ~~مباشرته خالصة لله مكفرا للخطايا هادما لما قبله بمنزلة الإيمان . # # | ( باب أسرار انواع من البر ) # منها الذكر فإنه لا حجاب بينه وبين الله تعالى ، ولا شيء مثله في علاج | ~~سوء المعرفة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' ألا أنبئكم بأفضل أعمالكم ' ~~| الحديث وفي كسب المحاضرة ، وطرد القسوة لا سيما لمن ضعفت بهيميته | جبلة ~~أو ضعفت كسبا ، ولمن سكت خياله جبلة عن خلط المجرد بأحكام | المحسوس . # ومنها الدعاء فإنه يفتح بابا عظيما من المحاضرة ، ويجعل الانقياد التام | ~~والاحتياج إلى رب العالمين في جميع الحالات بين عينيه ، وهو قوله | صلى ~~الله عليه وسلم : ' الدعاء مخ العبادة ' وهو شبح توجه النفس إلى المبدأ | ~~بصفة الطلب الذي هو السر في جلب الشيء المدعو إليه . # ومنها تلاوة القرآن واستماع المواعظ ، فمن ألقى السمع إلى ذلك ، ومكنه | ~~من اتصبغ بحالات الخوف والرجاء والحيرة في عظمة الله والاستغراق | في منة ~~الله وغيرها ، فينفع من خمود الطبيعة نفعا بينا ms101 ، ويعد النفس لفيضان ألوان ~~ما فوقها ، ولذلك كان أنفع شيء في المعاد ، وهو قول الملك للمقبور : | ~~PageV01P159 | ' لا دريت ولا تليت ' وفي القرآن تطهير للنفس عن الهيآت ~~السفلية ، | وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' لكل شيء مصقلة ومصقلة القلب | ~~تلاوة القرآن ' # ومنها صلة الارحام والجيران وحسن المعاشرة مع أهل القرية وأهل | الملة ~~وفك العاني بالاعتاق ، فإن ذلك يعد لنزول الرحمة والطمأنينة ، وبها يتم | ~~نظام الارتفاق الثاني والثالث ، وبها يستجلب دعوة الملائكة . # ومنها الجهاد وذلك أن يلعن الحق إنسانا فاسقا ضارا بالجمهور ، إعدامه | ~~أوفق بالمصلحة الكلية من إبقائه ، فيظهر الإلهام في قلب رجل زكي ؛ ليقتله ، ~~| فينبجس من قلبه غضب ليس له سبب طبيعي ، ويكون فانيا عن مراده باقيا | ~~بمراد الحق ، ويضمحل في رحمة الله ونوره ، وينتفع العباد والبلاد بذلك ، و ~~| يتلوه أن يقضي الله بزوال دولة مدن جائرة كفروا بالله ، وأساءوا السيرة ، ~~| فيؤمر نبي من أنبياء الله بمجاهدتهم ، فينفخ داعية الجهاد في قلوب | قومه ~~، ليكون أمة أخرجت للناس ، وتشمله الرحمة الإلهية ، ويتلوه أن يطلع | قوم ~~بالرأي الكلي على حسن أن يذبوا أنفسا سبعية عن المظلومين وإقامة | الحدود ~~على العصاة والنهي عن المنكر ، فيكون سببا لأمن العباد وطمأنينتهم ، | ~~فيشكر الله له عمله . # ومنها تقريبات ترد على البشر من غير اختياره كالمصائب والأمراض ، | فتعد ~~من باب البر لمعان : # منها أن الرحمة إذا توجهت إلى عبد بصلاح عمله ، واقتضت الأسباب | التضيق ~~عليه انصرفت إلى تكميل نفسه ، فكفرت خطاياه ، وكتبت له | PageV01P160 | ~~الحسنات ، كما إذا صد نبع الماء نبع الماء من فوقه و من تحته ، فينسب | ~~الإجراء إلى ذلك التضيق ، والسر في المحافظة على الخير النسبي . # ومنها أن المؤمن إذا اشتدت به المصائب ضاقت عليه الأرض بما | رحبت ، ~~فانكسر حجاب الطبع والرسم ، وانقلع قلبه إلا عن الله ، أما الكافر ، | فلا ~~يزال يتذكر الفائت ، ويغوص في الحياة الدنيا حتى يصير أخبث منه | قبل أن ~~يصيبه ما أصاب . # ومنها أن حامل السيآت المتحجرة إنما هو البهيمية الغليظة الكثيفة ، | ~~فإذا مرض وضعف ، وتحلل منه أكثر مما يدخل فيه اضمحل كثير ms102 من الحامل ، | ~~وانتقص بقدر ذلك المحمول ، كما نرى أن المريض يزول شبقه وغضبه ، | وتبدل ~~أخلاقه ، وينسى كثيرا مما كان فيه كأنه ليس الذي كان . # ومنها أن المؤمن إذا انفكت بهيميته عن ملكيته نوع انفكاك أخذ | على سيآته ~~في الدنيا غالبا ، وذلك حديث ' نصيب المؤمن من العذاب نصب | الدنيا ' ' ~~والله اعلم . # # | ( باب طبقات الاثم ) # اعلم أنه كما أن لانقياد البهيمية للملكية أعمالا هي أشباحه ومظانه ~~والسنن | الكاسبة له ، فكذلك للحالة المضادة لإنقياد كل المضادة أعمال ~~ومظان | وكواسب ، وهي الآثام ، وهي على مراتب ، # المرتبة الأولى : أن ينسد سبيله إلى الكمال المطلوب رأسا ، ومعظم | ذلك ~~في نوعين : # أحدهما : ما يرجع إلى المبدأ بألا يعرف أن له ربا ، أو يعرف متصفا | ~~بصفات المخلوقين ، أو يعتقد في مخلوق شيء من صفات الله : فالثاني التشبيه ، ~~| والثالث الإشراك ، فإن النفس لا تقدس أبدا حتى تجعل مطمح بصيرتها | ~~PageV01P161 | التجرد الفوقاني ، والتدبير العام المحيط بالعالم ، فإذا ~~فقدت هذه بقيت مشغولة | بنفسها ، أو بما هو مثل نفسها في التقيد كل الشغل ~~لا يقدح حجاب النكرة ، | ولا موضع أبرة ، فهذا هو البلاء كل البلاء . # والثاني أن يعتقد أن ليس للنفس نشأة غير النشأة الجسدية ، وأنه ليس | لها ~~كمال آخر يجب عليها طلبه ، فإن النفس إذا أضمرت ذلك لم يطمح | بصرها إلى ~~الكمال أصلا . # ولما كان القول بإثبات كمال غير كمال الجسد لا يتأتى من الجمهور إلا ~~بتصور | حالة تباين الحالة الحاضرة من كل وجه ، ولولا ذلك لتعارض الكمال | ~~المعقول والمحسوس ، فمال إلى المحسوس ، وأهمل المعقول نصب له مظنة هو | ~~الإيمان بلقاء الله واليوم الآخر وهو قوله تعالى : # @QB@ فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون @QE@ # وبالجملة فإذا كان الإنسان في هذه المرتبة من الإثم ، فمات ، واضمحلت | ~~بهيميته ، وشحت عليه المنافرة من فوقه كل المنافرة بحيث لا يجد سبيلا | إلى ~~الخلاص أبدا . # والمرتبة الثانية أن يتكبر بكبره البهيمي على ما نصبه الله تعالى لوصول | ~~الناس إلى كمالهم ، وقصدت الملأ الأعلى بأقصى هممها إشاعة أمره وتنويه | ~~شأنه من الرسل والشرائع ، فينكرها ، ويعاديها ، فإذا ms103 مات انعطف جميع | ~~هممهم منافرة له ، ومؤذية إياه ، وأحاطت به خطيئته من حيث لم يجد | للخروج ~~منه سبيلا ، على أنه لا ينفك هذه الحالة من عدم الوصول إلى كماله ، | أو ~~الوصل الذي لا يعتد به ، وهذه المرتبة تخرج الإنسان من ملة نبيه | في جميع ~~الشرائع . | PageV01P162 # والمرتبة الثالثة ترك ما ينجيه ، وفعل ما انعقد في الذكر اللعن على فاعله ~~، | من جهة كونه مظنة غالبا لفساد كبير في الأرض ، وهيئة مضادة | لتهذيب ~~النفس . # فمنها ألا يفعل من الشرائع الكاسبة للانقياد ، أو المهيئة له ما يعتد به ~~، | ويختلف باختلاف النفوس إلا أن المنغمسة في الهيئات البهيمية الضعيفة | ~~أحوج الناس إلى إكثارها ، والأمم التي بهيميتها أشد وأغلظ أحوج الناس | إلى ~~إكثار الشاق منها . # ومنها أعمال سبعية تستجلب لعنا عظيما كالقتل . # ومنها أعمال شهوية ، | ومنها مكاسب ضارة كالقمار والربا . # وفي كل شيء من هذه المذكورات ثلمة عظيمة في النفس من جهة الاقدام | على ~~خلاف السنة اللازمة كما ذكرنا ، ولعن من الملأ الأعلى يحيط به ، | فبمجموع ~~الأمرين يحصل العذاب ، وهذه المرتبة أعظم الكبائر قد انعقد | في حظيرة ~~القدس تحريمها ، ولعن صاحبها ، ولم يزل الأنبياء يترجمون ما انعقد | هنالك ~~، | وأكثرها مجمع عليه في الشرائع . # المرتبة الرابعة معصية الشرائع والمناهج المختلفة باختلاف الأمم والأعصار ~~| وذلك أن الله تعالى إذا بعث نبيا إلى قوم ؛ ليخرجهم من الظلمات إلى النور ~~، | وليقيم عوجهم ؛ وليسوسهم أحسن السياسة - كان بعثه متضمنا لإيجاب | ما ~~لا يمكن إقامة عوجهم وسياستهم إلا به ، فلكل مقصد مظنة أكثرية | أو دائمة ~~يجب أن يؤاخذوا عليها ، ويخاطبوا بها ، وللتوقيت قوانين توجبه ، | ورب أمر ~~يكون داعيا إلى مفسدة أو مصلحة فيؤمرون حسبما يدعون إليه ، | ومن ذلك ما هو ~~مأمور أو منهي عنه حتما ، ومنه ما هو مأمور أو منهي عنه | من غير عزم ' ~~واقل ذلك ما نزل به الوحي الظاهر ، وأكثره مالا يثبته | إلا اجتهاد النبي ~~صلى الله عليه وسلم . | PageV01P163 # المرتبة الخامسة ما لم ينص عليه الشارع ولم ينعقد في الملأ الأعلى حكمه | ~~لكن توجه عبد إلى الله بمجامع همته ms104 فاعتراه شيء يظنه ممنوعا عنه ، أو ~~مأمورا | به من قبل قياس ، أو تخريج ، أو نحو ذلك ، كما يظهر للعوام تأثير ~~بعض | الأدوية من قبل تجربة ناقصة أو دوران حكم الطبيب الحاذق على علة ، | ~~ولا يعلمون وجه التأثير ، ولا ينص عليه الطبيب ، فلا يخرج مثل هذا الإنسان ~~| من العهدة حتى يأخذ بالاحتياط ، وإلا كان بينه وبين ربه حجاب فيما يظن | ~~فيؤاخذ بظنه . # وأصل المرضى في هذه المرتبة أن يهمل أمرها ، ولا يلتفت إليها ، غير | أن ~~في الوجود أنفا يستوجبون ذلك فيوفر عليهم الجواد ما استوجبوه | وفيها قوله ~~تعالى : ' أنا عند ظن عبدي بي ' وقوله تعالى في القرآن العظيم : # @QB@ ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله @QE@ # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا تشددوا فيشدد الله عليكم ' وقوله صلى ~~الله عليه وسلم | : ' الإثم ما حاك في صدرك ' ويلحق بها معصية حكم مجتهد | ~~فيه إذا كان مقلدا مجمعا تقليد من يرى ذلك و ، الله أعلم . # # | ( باب مفاسد الآثام ) # واعلم أن الكبيرة والصغيرة تطلقان باعتبارين : أحدهما بحسب حكمة | البر ~~والإثم ، وثانيهما بحسب الشرائع والمناهج المختصة بعصر دون عصر . # أما الكبيرة بحسب حكمة البر والإثم ، فهي ذنب يوجب العذاب في | القبر وفي ~~المحشر إيجابا قويا ، ويفسد الارتفاقات الصالحة إفسادا قويا ، | ويكون من ~~الفطرة على الطرف المخالف جدا . | PageV01P164 | والصغيرة ما كان مظنة لبعض ~~ذلك ، أو مفضيا إليه في الأكثر أو يوجب | بعض ذلك من وجه ، ولا يوجبه من ~~وجه ، كمن ينفق في سبيل الله ، وأهله | جياع ، فيدفع رذيلة البخل ، ويفسد ~~تدبير المنزل . # وأما بحسب الشرائع الخاصة ، فما نصت الشريعة على تحريمه أو أو عد | ~~الشارع عليه بالنار ، أو شرع عليه حدا ، أو سمى مرتكبة كافرا خارجا من | ~~الملة إبانة لقبحه وتغليظا لأمره ، فهو كبيرة ، وربما يكون شيء صغيرة # بحسب حكمة البر والإثم ، كبيرة بحسب الشريعة ، وذلك أن الملة الجاهلية | ~~ربما ارتكبت شيئا حتى فشا الرسم به فيهم لا يخرج منهم إلا أن تتقطع | ~~قلوبهم ، ثم جاء الشرع ناهيا عنه ، فحصل منهم لجاج ومكابرة ، وحصل | من ms105 ~~الشرع تغليظ وتهديد بحسب ذلك حتى صار ارتكابها كالمناوأة الشديدة | للملة ، ~~ولا يتأتى الإقدام علي مثله إلا من كل مارد متمرد لا يستحي من الله | ولا ~~من الناس ، فكتب كبيرة عند ذلك . # وبالجملة فنحن نؤخر الكلام في الكبائر بحسب الشريعة إلى القسم الثاني | ~~من هذا الكتاب لأن ذلك موضعه ، وننبه على مفاسد الكبائر بحسب حكمة | البر ~~والاثم ههنا كما فعلنا في أنواع البر نحوا من ذلك . # وقد اختلف الناس في الكبيرة إذا مات العاصي عليها ، ولم يتب هل | يجوز أن ~~يعفو الله عنه أولا ؟ وجاء كل فرقة بأدلة من الكتاب والسنة ، | وحل ~~الاختلاف عندي أن أفعال الله تعالى على وجهين : منها الجارية على | العادة ~~المستمرة ، ومنها الخارقة للعادة ، والقضايا التي يتكلم بها الناس موجهة | ~~بجهتين : إحداهما في العادة : والثانية مطلقا ، وشرط التناقض اتحاد الجهة | ~~مثل ما قرره المنطقيون في القضايا الموجهة ، وقد تحذف الجهة فيجب اتباع | ~~القرائن ، | فقولنا كل من تناول السم مات معناه بحسب العادة المستمرة ، | ~~وقولنا ليس كل من تناول السم مات معناه بحسب خرق العادة ، فلا تناقض ، | ~~PageV01P165 | وكما أن لله تعالى في الدنيا أفعالا خارقة وأفعالا جارية على ~~العادة ، فكذلك | في المعاد أفعال خارقة وعادية ، أما العادة المستمرة فإن ~~يعاقب العاصي إذا | مات من غير توبة زمانا طويلا ، وقد تخرق العادة وكذلك ~~حال حقوق | العباد ، وأما خلود صاحب الكبيرة في العذاب ، فليس بصحيح وليس ~~من | حكمة الله أن يفعل بصاحب الكبيرة مثل ما يفعل يا الكافر سواء والله ~~أعلم . # # | ( باب في المعاصي التي هي فيما بينه وبين نفسه ) # اعلم أن القوة الملكية من الإنسان اكتنفت بها القوة البهيمية من | ~~جوانبها ، وإنما مثلها في ذلك مثل طائر في قفص ، سعادته أن يخرج من هذا | ~~القفص ، فيلحق بحيزه الأصلي من الرياض الأريضة ، ويأكل الحبوب الغاذية | ~~والفواكه اللذيذة من هنالك ، ويدخل في زمرة أبناء نوعه ، فيبتهج بهم كل | ~~الابتهاج ، فأشد شقاوة الإنسان أن يكون دهريا ، وحقيقة الدهري أن | يكون ~~مناقضا للعلوم الفطرية المخلوقة فيه ، وقد بينا أن له ميلا في ms106 أصل | فطرته ~~إلى المبدأ جل جلاله ، وميلا إلى تعظيمه أشد ما يجد من التعظيم ، | وإليه ~~الإشارة في قوله تبارك وتعالى : # @QB@ وإذ أخذ ربك من بني آدم @QE@ الآية # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' كل مولود يولد على الفطرة ' والتعظيم | ~~الأقصى لا يتمكن من نفسه إلا باعتقاد تصرف في بارئه بالقصد والاختيار | ~~ومجازاة وتكليف لهم وتشريع عليهم ، فمن أنكر أن له ربا تنتهي إليه سلسلة | ~~الوجود ، أو اعتقد ربا معطلا لا يتصرف في العالم أو يتصرف في بالإيجاب | من ~~غير إرادة أو لا يجازى عباده على ما يفعلون من خير وشر ، أو أعتقد | ~~PageV01P166 | ربه كمثل سائر الخلق ، أو أشرك عباده في صفاته ، أو اعتقد ~~أنه لا يكلفهم | بشريعة على لسان نبي - فذلك الدهري الذي لم يجمع في نفسه ~~تعظيم ربه ، | وليس لعلمه نفوذ إلى حيز القدس أصلا ، وهو بمنزلة الطائر ~~المحبوس في | قفص من حديد ليس فيه منفذ ولا موضع إبرة ، فإذا مات شف الحجاب ~~| وبرزت الملكية بروزا ما ، وتحرك الميل المفطور فيه ، وعاقته العوائق في | ~~علمه بربه وفي الوصول إلى حيز القدس ، فهاجت في نفسه وحشة عظيمة ، | ونظر ~~إليها بارئها والملأ الأعلى ، وهي في تلك الحالة الخبيثة ، فأحدقت فيها | ~~بنظر السخط والازدراء ، وترشحت في نفوس الملائكة إلهامات السخط | والعذاب ، ~~فعذب في المثال وفي الخارج ، أو كافرا تكبر على الشأن | الذي تطور به الله ~~تعالى كما قال : # @QB@ كل يوم هو في شأن @QE@ # وأعني بالشأن أن للعالم أدوارا وأطوارا حسب الحكمة الإلهية ، | فإذا جاء ~~دوره أوحي الله تعالى في كل سماء أمرها ، ودبر الملأ الأعلى بما | يناسبها ~~، وكتب لهم شريعة ومصلحة . # ثم ألهم الملأ الأعلى أن يجمعوا تمشية هذا الطور في العالم ، فيكون | ~~إجماعهم سببا لإلهامات في قلوب البشر ، فهذا الشأن تلو المرتبة القديمة | ~~التي لا يشوبها حدوث ، وهذه أيضا شارحة لبعض كمال الواجب جل مجده | ~~كالمرتبة الأولى فكل من باين هذا الشأن ، وأبغضه وصد عنه أتبع من | الملأ ~~الأعلى بلعنة شديدة تحيط بنفسه ، فتحبط أعماله ، ويقسوا قلبه ، | ولا ~~يستطيع أن يكسب من ms107 أعمال البر ما ينفعه ، وإليه الإشارة في قوله تعالى | ~~PageV01P167 # @QB@ إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس ~~في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون @QE@ # وقوله : # @QB@ ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم @QE@ # فهذا كطير في قفص له منافذ إلا أنه قد غشى من فوقه بغاشية عظيمة | وأدنى ~~من ذلك أن يعتقد التوحيد والتعظم على وجههما ، ولكن ترك | الامتثال لما أمر ~~به في حكمة البر والاثم ، ومثله كمثل رجل عرف | الشجاعة ما هي وما فائدتها ~~، ولكن لا يستطيع الاتصاف بها لأن حصول | نفس الشجاعة غير حصول صورتها في ~~النفس ، وهو أحسن حالا ممن | لا يعرف معنى الشجاعة أيضا ، ومثله كمثل طائر ~~في قفص مشبك يرى | الخضرة والفواكه وقد كان فيما هنالك أياما ، ثم طرأ عليه ~~الحبس ، | فيشتاق إلى ما هنالك ويضرب بجناحه ، ويدخل في المنافذ مناقيره ، ~~ولا يجد | طريقا يخرج منه ، وهذه هي الكبائر بحسب حكمة البر والاثم . # وأدنى من ذلك أن يفعل هذه الأوامر ؛ ولكن لاعلى شريطتها التي | تجب لها ، ~~فمثله كمثل طائر في قفص مكسور في الخروج منه حرج ، | ولا يتصور الخروج إلا ~~بخدش في جلده و نتف في ريشه ، فهو يستطيع أن | يخرج من قفصه ، ولكن بجد وكد ~~، ولا يبتهج في أبناء نوعه كل الابتهاج ، | ولا يتناول من فواكه الرياض كما ~~ينبغي لما أصابه من الخدش والنتف ، | وهؤلاء هم الذين خلطوا عملا صالحا ~~وأخر سيئا ، وعوائقهم هذه هي | الصغائر بحسب حكمة البر والاثم وقد أشار ~~النبي صلى الله عليه وسلم | PageV01P168 | في حديث الصراط إلى هذه الثلاثة ~~حيث قال : ' ساقط في النار ، ومخردل | ناج ، ومخدوش ناج ' والله أعلم . # # | ( باب الآثام التي هي فيما بينه وبين الناس ) # اعلم أن أنواع الحيوان على مراتب شتى : # منها ما يتكون تكون الديدان من الأرض ، ومن حقها أن تلهم من | بارئ الصور ~~كيف تتغذى ، ولا تلهم كيف تدبر المنازل . # ومنها ما يتناسل ويتعاون الذكر والأنثى منها في حضانة الأولاد ، | ومن ~~حقها في حكمة الله تعالى أن تلهم تدبير المنازل أيضا ms108 ، فألهم الطير | كيف ~~يتغذى ، ويطير ، وألهم أيضا كيف يسافد ، وكيف يتخذ عشا ، | وكيف تزق الفراخ ~~، والإنسان من بينها مدني الطبع لا يتعيش | إلا بالتعاون من بني نوعه ، ~~فإنه لا يتغذى الحشيش النابت بنفسه ولا بالفواكه | نيئة ، ولا يتدفأ بالوبر ~~إلى غير ذلك مما شرحناه من قبل ، ومن حقه أن يلهم | تدبير المعدن مع تدبير ~~المنازل وآداب المعاش ، غير أن سائر الأنواع تلهم | عند الاحتياج إلهاما ~~جبليا إلا في حصة قليلة من علوم التعيش كمص الثدي | عند الارتضاع والسعال ~~عند البحة وفتح الجفون عند إرادة الرؤية ونحو | ذلك ، وذلك لأن خياله كان ~~صناعا هماما ، ففوض له علوم تدبير المنازل | وتدبير المدن ، إلى الرسم ~~وتقليد المؤيدين بالنور الملكي فيما يوحى إليهم ، | وإلى تجربة ورصد تدبير ~~غيبي وروية بالاستقراء والقياس والبرهان ، | ومثله في تلقي الأمر الشائع ~~الواجب فيضانه من بارئ الصور مع الاختلاف | الناشئ من قبل استعدادتهم كمثل ~~الواقعات التي يتلقاها في المنام يفاض | PageV01P169 | عليهم العلوم ~~الفوقانية من حيزها ، فتتشبح عندهم بأشباح مناسبة ، فتختلف | الصور لمعنى ~~في المفاض عليه لا في المفيض . # فمن العلوم الفائضة على أفراد الإنسان جميعا عربهم وعجمهم وحضرهم | ~~وبدوهم - وإن اختلق طريق التلقي منهم - حرمة خصال تدمر نظام | مدنهم ، وهي ~~ثلاثة أصناف : منها أعمال شهوية ، ومنها أعمال سبعية ، ومنها | أعمال ناشئة ~~من سوء الأخذ في المعاملات . # والأصل في ذلك أن الإنسان متوارد أبناء نوعه في الشهوة والغيرة | والحرص ~~، والفحول منهم يشبهون الفحول من البهائم في الطموح إلى | الإناث وفي عدم ~~تجويز المزاحمة على الموطوءة ، غير أن الفحول من البهائم | تتحارب حتى يغلب ~~أشدها بطشا وأحدها نفسا ، وينهزم ما دون ذلك ، أو لا تشعر بالمزاحمة لعدم ~~رؤية المسافدة . # والإنسان ألمعي يظن الظن كأنه يرى ويسمع ، وألهم أن التجارب لأجل | ذلك ~~مدمر لمدنهم لأنهم لا يتمدنون إلا بتعاون من الرجال ، والفحول أدخل | في ~~التمدن من الإناث ، فألهم إنشاء اختصاص كل واحد بزوجته ، وترك | المزاحمة ~~فيم اختص به أخوه ، وهذا أصل حرمة الزنا ، ثم صورة الاختصاص | بالزوجات أمر ~~موكول إلى الرسم والشرائع ms109 ، والفحول منهم أيضا يشبهون | الفحول من البهائم ~~من حيث إن سلامة فطرتهم لا تقتضي إلا الرغبة في | الإناث دون الرجال ، كما ~~أن البهائم لا تلتفت هذه اللفتة إلا قبل الإناث | غير أن رجالا غلبتهم ~~الشهوة الفاسدة بمنزلة من يتلذذ بأكل الطين والحممة | فانسلخوا من سلامة ~~الفطرة : يقضي هذا شهوته بالرجال ، وذلك صار | مأبونا يستلذ ما لا يستلذه ~~الطبع السليم ، فأعقب ذلك تغيرا لأمزجتهم | PageV01P170 | ومرضا في نفوسهم ~~، كان مع ذلك سببا لإهمال النسل من حيث إنهم قضوا | حاجتهم التي قيض الله ~~تعالى عليهم منهم ليذرأ بها نسلهم بغير طريقها ، | فغيروا النظام الذي ~~خلقهم الله تعالى عليه ، فصار قبح هذه الفعلة مندمجا في | نفوسهم ، فلذلك ~~يفعلها الفساق ، ولا يعترفون بها ، ولو نسبوا إليها لماتوا | حياء إلا أن ~~يكون انسلاخا قويا ، فيجهرون ، ولا يستحيون فلا ، يتراخى | أن يعاقبوا ، ~~كما كان في زمن سيدنا لوط عليه السلام ، وهذا أصل | حرمة اللواطة . # ومعاش بني آدم وتدبير منازلهم وسياسة مدنهم لا يتم إلا بعقل وتمييز ، | ~~وإدمان الخمر ترجع إلى نظامهم بخرم قوى ، ويورث محاربات وضغائن | غير أن ~~أنفسا غلبت شهوتهم الرديئة على عقولهم أقبلوا على هذه الرذيلة ، | وأفسدوا ~~عليهم ارتفاقاتهم ، فلو لم يجر الرسم بمنع عن فعلتهم تلك لهلك الناس | وهذا ~~أصل حرمة إدمان الخمر ، وأما حرمة قليلها وكثيرها ، فلا يبين إلا في | مبحث ~~الشرائع . # والفحول منهم يشبهون الفحول من البهائم في الغضب على من يصد | عن مطلوب ، ~~ويجري عليه مؤلما في نفسه أو في بدنه ، لكن الفحول من البهائم | لا تتوجه ~~إلا إلى مطلوب محسوس أو متوهم ، والإنسان يطلب المتوهم | والمعقول ، وحرصه ~~أشد من حرص البهائم ، وكانت البهائم تتقاتل حتى ينهزم | واحد ، ثم ينسى ~~الحقد إلا ما كان من مثل الفحول من الإبل والبقر والخيل ، | والإنسان يحقد ~~ولا ينسى ، فلو فتح فيهم باب التقاتل لفسدت مدينتهم ، | واختلت معايشهم ، ~~فألهموا حرمة القتل والضرب إلا لمصلحة عظيمة من | قصاص ونحوه ، وهاج من ~~الحقد في صدور بعضهم مثل ما هاج في صدور | الأولين ، وخافوا القصاص ~~فانحدروا إلى أن ms110 يدسوا السم ، في الطعام | PageV01P171 | أو يقتلوا بالسحر ~~، وهذا حالة بمنزلة حال القتل بل أشد منه ، فإن القتل | ظاهرة يمكن التخلص ~~منه ، وهذه لا يمكن التخلص منها ، وانحدروا أيضا | إلى القذف والمشي به إلى ~~ذي سلطان ليقتل . # والمعايش التي جعلها الله تعالى لعباده إنما هي الالتقاط من الأرض | ~~المباحة والرعي والزراعة والصناعة والتجارة وسياسة المدينة والملة وكل | ~~كسب تجاوز عنها فإنه لا مدخل له في تمدنهم . # وانحدر بعضهم إلى أكساب ضارة كالسرقة والغصب ، وهذه كلها مدمرة | للمدينة ~~فألهم أنها محرمة ، واجتمع بنو آدم كلهم على ذلك وإن باشرها | العصاة منهم ~~في غلواء نفوسهم ، وسعى الملوك العادلة في إبطالها ومحقها ، | واستشعر ~~بعضهم سعي الملوك في إبطالها ، فانحدروا إلى الدعاوى والكاذبة | واليمين ~~الغموس وشهادة الزور وتطفيف الكيل والوزن والقمار والربا | أضعافا مضاعفة ، ~~وحكمها حكم تلك الأكساب الضارة ، وأخذ العشر النهك | بمنزلة قطع الطريق ، ~~بل أقبح . # وبالجملة فلهذه الأسباب دخلت في نفوس بني آدم حرمة هذه الأشياء ، | وقام ~~أقواهم عقلا وأسدهم رأيا وأعلمهم بالمصلحة الكلية يمنع عن ذلك | طبقة بعد ~~طبقة حتى صار رسما فاشيا ، ودخلت في البديهيات الأولية كسائر | المشهورات ~~الذائعة ، فعند ذلك رجع إلى الملأ الأعلى لون منهم حسبما كان | انحدر إليهم ~~من الإلهام أن هذه محرمة وأنها ضارة أشد الضرر ، فصاروا | كلما فعل واحد من ~~بني آدم شيئا من تلك الأفعال تأذوا منه ، مثل ما يضع | أحدنا رجله على ~~الجمرة ، فتنتقل إلى القوى الإدراكية في تلك اللمحة ، | وتتأذى منه ، ثم ~~صار لتأذيها خطوط شعاعية تحيط بهذا العاصي ، وتدخل | في قلوب المستعدين من ~~الملائكة وغيرهم أن يؤذوه إذا أمكن إيذاؤه ، | PageV01P172 | ورخت فيه ~~مصلحته المكتوبة عليه المسماة في الشرع بالهام الملائكة ما رزقه | وما أجله ~~، وما عمره ، وشقي أو سعيد ، وفي النجوم بأحكام الطالع حتى إذا | مات وهدأت ~~عنه هذه المصلحة فرغ له بارئه كما قال : # @QB@ سنفرغ لكم أيها الثقلان @QE@ # وجازاه الجزاء الأوفى والله اعلم . # # | ( المبحث السادس ) # # | ( مبحث السياسات الملية ) # # | ( باب الحاجة إلى هداة السبل ومقيمى الملل ) # قال الله تعالى : # @QB@ إنما أنت منذر ms111 ولكل قوم هاد @QE@ # واعلم أن السنن الكاسبة لانقياد البهيمية للملكية والآثام المباينة لها ، ~~| وإن كان العقل السليم يدل عليها ، ويدرك فوائد هذه ومضار تلك ، لكن | ~~الناس في غفلة منها ، لأنه تغلب عليهم الحجب ، فيفسد وجدانهم ، كمثل | ~~الصفراوي ، فلا يتصورون الحالة المقصودة ولا نفعها ولا الحالة المحوفة | ~~ولا ضررها ، فيحتاجون إلى عالم بالسنة الراشدة يسوسهم ، ويأمر بها ، | ويحض ~~عليها ، وينكر على مخالفتها . # ومنهم ذو رأي فاسد لا يقصد بالذات إلا لأضداد الطريقة المطلوبة | فيضل ~~ويضل ، فلا يستقيم أمر القوم إلا بكبته وإخماله . # ومنهم ذو رأي راشد في الجملة لا يدرك إلا حصة ناقصة من الاهتداء | ~~PageV01P173 | فيحفظ شيئا ، ويغيب عنه أشياء ، أو يظن في نفسه أنه الكامل ~~الذي لا يحتاج | إلى مكمل ، فيحتاج إلى من ينبهه على جهله . # وبالجملة فالناس يحتاجون لا محالة إلى عالم حق العلم تؤمن فلتاته . # ولما كانت المدينة مع استبداد العقل المعاشى الذي يوجد عند كثير | من ~~الناس بإدراك النظام المصلح لها تضطر إلى رجل عارف بالمصلحة على | وجهها ~~يقوم بسياستها ، فما ظنك بأمة عظيمة من الأمم تجمع استعدادات | مختلفة جدا ~~في طريقة لا يقبلها بشهادة القلوب إلا الازكياء أهل الفطرة | الصافية أو ~~التجريد البالغ ، ولا يهدى إليها إلا الذين هم في أعلى درجة | من أصناف ~~النفوس - وقليل ما هم . # وكذلك أيضا لما كانت الحدادة والنجارة وأمثالهما لا تتأتى من جمهور | ~~الناس بسنن مأثورة عن أسلافهم وأساتذة يهدونهم إليها ، ويحضونهم عليها ، | ~~فما ظنك بهذه المطالب الشريفة التي لا يهتدي إليها إلا الموفقون ، ولا يرغب ~~| فيها إلا المخلصون . # ثم لا بد لهذا العالم أن يثبت على رءوس الاشهاد أنه عالم بالسنة الراشدة ~~، | وأنه معصوم فيما يقوله من الخطأ والاضلال ، ومن أن يدرك حصة من | ~~الاصلاح ، ويترك حصة أخرى لا بد منها ، وذلك ينحصر في وجهين : إما | أن ~~يكون راويا عن رجل قبله انقطع عنده الكلام لكونهم مجمعين على اعتقاد | ~~كماله وعصمته وكون الرواية محفوظة عندهم ، فيمكن له أن يؤاخذهم بما | ~~اعتقدوه ، ويحتج عليهم ، ويفحمهم ، أو يكون هو الذي انقطع ms112 عنده الكلام ، ~~وأجمعوا عليه . # وبالجملة فلا بد للناس من رجل معصوم يقع عليه الإجماع يكون فيهم ، | أو ~~تكون الرواية محفوظة عندهم ، وعلمه بحالة الانقياد وتوليد هذه السنن | ~~PageV01P174 | منها ووجوه منافعها ، وعلمه الآثام ووجوه مضارها لا يمكن أن ~~يحصل | بالبرهان ، ولا بالعقل المتصرف في المعاش ، ولا بالحس ، بل هي أمور ~~| لا يكشف عن حقيقتها إلا الوجدان . فكما أن الجوع والعطش ، وتأثير | ~~الدواء المسخن أو المبرد لا يدرك إلا بالوجدان ، فكذلك معرفة ملاءمة | ~~الشيء للروح ومباينته لها لا طريق إليها إلا الذوق السليم . # وكونه مأمونا عن الخطأ في نفسه إنما يكون بخلق الله علما ضروريا فيه | ~~بأن جميع ما أدرك وعلم حق مطابق للواقع بمنزلة ما يقع للمبصر عند الابصار ، ~~| فإنه إذا أبصر شيئا لا يحتمل عنده أن تكون عينه مؤفة ، وأن يكون الابصار ~~| على خلاف الواقع ، وبمنزلة العلم بالموضوعات اللغوية ، فإن العربي مثلا | ~~لا يشك أن الماء موضوع لهذا العنصر ، ولفظ الأرض لذلك مع أنه لم | يقم له ~~على ذلك برهان ، وليس بينهما ملازمة عقلية ، ومع ذلك فإنه يخلق | فيه علم ~~ضروري . # وإنما يحصل ذلك في الأكثر بأن يكون لنفسه ملكة جبلية يكون بها | تلقي ~~العلم الوجداني على سنن الصواب دائما ، وإن يتتابع الوجدان ، ويتكرر | ~~تجربة صدق وجدانه . . ، وعند الناس إنما يكون بأن يصحح عندهم بأدلة | كثيرة ~~برهانية أو خطابية أن ما يدعو إليه حق ، وأن سيرته صالحة يبعد | منها الكذب ~~، وأن يروا منه آثار القرب ، كالمعجزات واستجابة الدعوات ، | حتى لا يشكوا ~~أن له في التدبير العالي منزلة عظيمة ، وأن نفسه من النفوس | القدسية ~~اللاحقة بالملائكة ، وأن مثله حقيق بألا يكذب على الله ، ولا | يباشر معصية ~~، ثم بعد ذلك تحدث أمور تؤلفهم تأليفا عظيما ، وتصيره | عندهم أحب من ~~أموالهم وأولادهم والماء الزلال عند العطشان ، فهذا كله | لا يتحقق انصباغ ~~أمة من الأمم بالحالة المقصودة بدونه ، ولذلك لم يزل | المشغولون بنظائر ~~هذه العبادات يسندون أمرهم إلى من يعتقدون فيه هذه | الأمور أصابوا أم ~~أخطأوا ، والله اعلم . | PageV01P175 # # | ( باب حقيقة النبوة وخواصها ) # اعلم أن ms113 أعلى طبقات الناس المفهمون ، وهم ناس أهل اصطلاح | ملكيتهم في ~~غاية العلو ، يمكن لهم أن ينبعثوا إلى إقامة نظام مطلوب بداعية | حقانية ، ~~ويترشح عليهم من الملأ الأعلى علوم وأحوال إلهية ، ومن | سيرة المفهم أن ~~يكون معتدل المزاج سوي الخلق والخلق ليس فيه خبابة | مفرطة بحسب الآراء ~~الجزئية ، ولا ذكاء مفرط لا يجذبه من الكلى إلى | الجزئي ، ومن الروح إلى ~~الشبح سبيلا ، ولا غباوة مفرطة لا يتخلص بها | إلى الكلى ، ومن الشبح إلى ~~الروح ، ويكون ألزم الناس من بالسنة الراشدة | ذا سمت حسن في عباداته ، ذا ~~عدالة في معاملته مع الناس ، محبا للتدبير الكلي ، | راغبا في النفع العام ~~، لا يؤذي أحدا إلا بالعرض بأن يتوقف النفع العام | عليه أو يلازمه ، لا ~~يزال مائلا إلى عالم الغيب ، يحس أثر ميله في كلامه | ووجه وشأنه كله ، يرى ~~أنه مؤيد من الغيب ، ينفتح له بأدنى رياضة ما لا | ينفتح لغيره من القرب ~~والسكينة . # والمفهون على أصناف كثيرة واستعدادات مختلفة : # فمن كان أكثر حاله أن يتلقى من الحق علوم تهذيب النفس بالعبادات | فهو ~~الكامل . # ومن كان أكثر حاله تلقي الأخلاق الفاضلة وعلوم تدبير المنزل ونحو | ذلك ~~فهو الحكيم . # ومن كان أكثر حاله تلقي السياسات الكلية ، ثم وفق لإقامة العدل في | ~~الناس وذب الجور عنهم يسمى خليفة ، ومن ألمت به الملأ الأعلى ، | فعلمته ~~وخاطبته ، وتراءت له ، وظهرت أنواع من كراماته يسمى بالمؤيد | بروح القدس . ~~| PageV01P176 # ومن جعل منهم في لسانه وقلبه نور ، فنفع الناس بصحبته وموعظته ، | وانتقل ~~منه إلى حواريين من أصحابه سكينة ونور ، فبلغوا بواسطته مبالغ | الكمال ، ~~وكان حثيثا على هدايتهم يسمى هاديا مزكيا . # ومن كان أكثر علمة ومعرفة قواعد الملة ومصالحها ، وكان حثيثا على إقامة | ~~المندرس منها يسمى إماما . # ومن نفث في قلبه أن يخبرهم بالداهية المقدرة عليهم في الدنيا ، أو تفطن | ~~بلعن الحق قوما ، فأخبرهم بذلك ، أو جرد من نفسه في بعض أوقاته ، فعرف | ما ~~سيكون في القبر والحشر ، فأخبرهم بتلك الأخبار يسمى منذرا . # وإذا اقتضت الحكمة الالهية أن يبعث إلى الخلق واحد من ms114 المفهمين ، | ~~فيجعله سببا لخروج الناس من الظلمات إلى النار ، وفرض الله على عباده أن | ~~يسلموا وجوههم وقلوبهم له ، وتأكد في الملأ الأعلى الرضا عمن انقاد له ، | ~~وانضم إليه ، واللعن على من خالفه ، وناوأه فأخبر الناس بذلك ، | وألزمهم ~~طاعته فهو النبي ، وأعظم الأنبياء شأنا من له نوع آخر من البعثة | أيضا ، ~~وذلك أن يكون مراد الله تعالى فيه أن يكون سببا لخروج الناس | من الظلمات ~~إلى النور ، وأن يكون قومه خير أمة أخرجت للناس ، فيكون | بعثه يتناول بعثا ~~آخر . # وإلى الأول وقعت الاشارة في قوله تعالى : # @QB@ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم @QE@ الآية # وإلى الثاني في قوله تعالى : # @QB@ كنتم خير أمة أخرجت للناس @QE@ | PageV01P177 # وقوله صلى الله عليه وسلم ' فإنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين ' | ~~ونبينا صلى الله عليه وسلم استوعب جميع فنون المفهمين ، واستوجب أتم | ~~البعثين ، وكان من الأنبياء قبله من يدرك فنا أو فنين ونحو ذلك . # واعلم أن اقتضاء الحكمة الإلهية لبعث الرسل لا يكون إلا لانحصار الخير | ~~النسبي المعتبر في التدبير في البعث ، ولا يعلم حقيقة ذلك إلا علام الغيوب ~~، | إلا أنا نعلم قطعا أن هنالك أسبابا لا يتخلف عنها البعث البتة ، ~~وافتراض | الطاعة إنما يكون بأن يعلم الله تعالى صلاح أمة من الأمم أن ~~يطيعوا الله ، | ويعبدوه ، ويكونوا بحيث لا تستوجب نفوسهم التلقي من الله ، ~~ويكون صلاح | أمرهم محصورا يومئذ في اتباع النبي ، فيقضي الله في حظيرة ~~القدس بوجوب | اتباعه ، ويتقرر هنالك الأمر ، وذلك إما بأن يكون الوقت وقت ~~ابتداء | ظهور دولة ، وكبت الدول بها ، فيبعث الله تعالى من يقيم دين أصحاب ~~تلك | الدولة كبعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، أو يقدر الله تعالى ~~بقاء قوم | واصطفاءهم على البشر ، فيبعث من يقوم عوجهم ، ويعلمهم الكتاب ~~كبعث | سيدنا موسى عليه السلام ، أو يكون نظم ما قضى لقوم من استمرار دولة ~~| أو دين يقتضي بعث مجدد كداود وسليمان وجمع من أنبياء بني إسرائيل | عليهم ~~السلام ، وهؤلاء الأنبياء قد قضى الله بنصرتهم على أعدائهم كما قال : # @QB@ ولقد سبقت كلمتنا ms115 لعبادنا المرسلين إنهم لهم المنصورون وإن جندنا ~~لهم الغالبون @QE@ # ووراء هؤلاء قوم يبعثون لاتمام الحجة ، والله أعلم . # وإذا بعث النبي وجب على المبعوث إليهم أن يتبعوه ، وإن كانوا على | سنة ~~راشدة ، لأن مناوأة هذا المنوه شأنه يورث لعنا من الملأ الأعلى ، | وإجماعا ~~على خذلانه ، فينسد سبيل تقربهم من الله ، ولا يفيد كدهم شيئا ، | ~~PageV01P178 | وإذا ماتوا أحاطت اللعنة بنفوسهم ، على أن هذه صورة مفروضة ~~غير واقعة ، | ولك عبرة باليهود : كانوا أحوج خلق الله إلى بعث الرسول ~~لغلوهم في دينهم | وتحريفاتهم في كتابهم . # وثبوت حجة الله على عباده ببعثه الرسل إنما هو بأن أكثر الناس | خلقوا ~~بحيث لا يمكن لهم تلقي ما لهم وما عليهم بلا واسطة ، بل استعدادهم | إما ~~ضعيف يتقوى بأخبار الرسل ، أو هنالك مفاسد لا تندفع إلا بالقصر ، | على رغم ~~أنفهم ، وكانوا بحيث يؤاخذون في الدنيا والآخرة ، فأوجب لطف | الله عند ~~اجتماع بعض الأسباب العلوية والسفلية أن يوحى إلى أزكى القوم | أن يهديهم ~~إلى الحق ، ويدعوهم إلى الصراط المستقيم ، فمثله في ذلك كمثل | سيد مرض ~~عبيده ، فأمر بعض خواصه أن يكلفهم شرب دواء أشاؤا ، | أم أبو ، فلو أنه ~~أكرههم على ذلك كان حقا ، ولكن تمام اللطف يقتضي | أن يعلمهم أولا أنهم ~~مرضى ، وأن الدواء نافع ، وأن يعمل أمورا خارقة | تطمئن نفوسهم بها على أنه ~~صادق فيما قال ، وان يشوب الدواء بحلو ، | فحينئذ يفعلون ما يؤمرون به على ~~بصيرة منه وبرغبة فيه ، فليست المعجزات ، | ولا استجابة الدعوات ، ونحو ذلك ~~إلا أمورا خارجة عن أصل النبوة | لازمة لها في الأكثر ، وظهور معظم ~~المعجزات يكون من أسباب ثلاثة : # أحدها كونه من المفهمين ، فإن ذلك يوجب انكشاف بعض الحوادث عليه ، ويكون ~~سببا لاستجابة الدعوات وظهور البركات فيما يبرك عليه . # والبركة إما زيادة نفع الشيء بأن يخيل إليهم مثلا أن الجيش كثير ، ~~فيفشلوا أو بصرف الطبيعة الغذاء إلى خلط صالح ، فيكون كمن تناول | أضعاف ~~ذلك الغداء ، أو زيادة عين الشيء بأن تتقلب المادة الهوائية بتلك | الصورة ~~لحلول قوة مثالية ، ونحو ذلك من الأسباب التي ms116 يعسر إحصاؤها . # والثاني أن تكون الملأ الأعلى مجمعة إلى تمشية أمره ، فيوجب ذلك | ~~PageV01P179 | إلهامات وإحالات وتقريبات لم تكن تعهد من قبل ، فينصر ~~الأحباء ، | ويخذل الأعداء ، ويظهر أمر الله ولو كره الكافرون . # والثالث أن تحدث حوادث لأسبابها الخارجية من مجازاة العصاة | وحدوث ~~الأمور العظام في الجو ، فيجعلها الله تعالى معجزة له بوجه من | الوجوه ، ~~إما لتقدم إخبار بها ، أو تربت المجازاة على مخالفة أمره ، أو كونها | ~~موافقة بما أخبر من سنة المجازاة ، أو أمر مما يشبه ذلك . # والعصمة لها أسباب ثلاثة : أن يخلق الإنسان نقيا عن الشهوات الرذيلة | ~~سمحا لا سيما فيما يرجع إلى محافظة الحدود الشرعية ، وأن يوحي إليه حسن | ~~الحسن وقبح القبيح ومالهما ، وأن يحول الله بينه وبين ما يريد من | الشهوات ~~الرذيلة . # واعلم أن من سيرة الأنبياء عليهم السلام ألا يأمروا بالتفكر في ذات | ~~الله تعالى وصفاته ، فان ذلك لا يستطيعه جمهور الناس ، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم | : ' تفكروا في خلق الله ولا تفكروا في الله ' وقوله في آية . # @QB@ وأن إلى ربك المنتهى @QE@ # قال : ' لا فكرة في الرب ' وإنما يأمرون في التفكر في نعم الله تعالى | ~~وعظيم قدرته . # ومن سيرتهم ألا يكلموا الناس إلا على قدر عقولهم التي خلقوا عليها | ~~وعلومهم التي هي حاصلة عندهم بأصل الخلقة ، وذلك لأن نوع الإنسان | حيثما ~~وجد فله في أصل الخلقة حد من الإدراك زائد على إدراك سائر | الحيوانات إلا ~~إذا عصت المادة جدا ، وله علوم لا يخرج إليها إلا بخرق العادة | المستمرة ~~كالنفوس القدسية من الأنبياء والأولياء ، أو برياضات شاقة تهيئ | ~~PageV01P180 | نفسه لإدراك ما لم يكن عنده بحساب ، أو بممارسة قواعد الحكمة ~~والكلام | وأصول الفقه ونحوها مدة طويلة ، فالأنبياء لم يخاطبوا الناس إلا ~~على منهاج | إدراكهم الساذج المودع فيهم بأصل الخلقة ، ولم يلتفتوا إلى ما ~~يكون نادر | الأسباب قلما يتفق وجودها ، فلذلك لم يكلفوا الناس أن يعرفوا ~~ربهم | بالتجليات والمشاهدات ، ولا بالبراهين والقياسات ، ولا أن يعرفوه ~~منزها | عن جميع الجهات ، فان ذلك كالممتنع بالإضافة إلى من لم يشتغل ~~بالرياضات ، | ولم ms117 يخالط المعقوليين مدة طويلة ، ولم يرشدوهم إلى طريق ~~الاستنباط | والاستدلالات ووجوه الاستحسانات ، والفرق بين الأشباه والنظائر ~~| بمقدمات دقيقة المأخذ ، وسائر ما يتطاول به أصحاب الرأي على | أهل الحديث ~~. # ومن سيرتهم ألا يشتغلوا بما لا يتعلق بتهذيب النفس وسياسة الأمة | كبيان ~~أسباب حوادث الجو من المطر والكسوف والهالة وعجائب النبات | والحيوان ~~ومقادير سير الشمس والقمر وأسباب الحوادث اليومية وقصص | الأنبياء والملوك ~~والبلدان ونحوها اللهم إلا كلمات يسيرة ألفها أسماعهم ، | وقبلها عقولهم ~~يؤتى بها في التذكير بآلاء الله والتذكير بأيام الله على سبيل | الاستطراد ~~بكلام إجمالي يسامح في مثله بإيراد الاستعارات وبالمجازات ، ولهذا | الأصل ~~لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن لمية نقصان القمر وزيادته | أعرض ~~الله تعالى عن ذلك إلى بيان فوائد الشهور فقال : # @QB@ يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج @QE@ # وترى كثيرا من الناس فسد ذوقهم بسبب الألفة بهذه الفنون أو غيرها | من ~~الأسباب ، فحملوا كلام الرسل على غير محمله ، والله اعلم . | PageV01P181 # # | ( باب بيان أن أصل الدين واحد والشرائع والمناهج مختلفة ) # قال الله تعالى : # @QB@ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به ~~إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه @QE@ # قال مجاهد : أوصيناك يا محمد وإياهم دينا واحدا ، وقال تعالى : # @QB@ وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا ~~كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ # يعني ملة الإسلام ملتكم ، / فتقطعوا يعني المشركين واليهود والنصارى | ~~وقال تعالى : # @QB@ لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا @QE@ # قال ابن عباس : سبيلا وسنة وقال الله تعالى : # @QB@ لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه @QE@ # يعني شريعة هم عاملون بها . # اعلم أن أصل الدين واحد اتفق عليه الأنبياء عليهم السلام ، وإنما | ~~الاختلاف في الشرائع والمناهج . | PageV01P182 # تفصيل ذلك أنه أجمع الأنبياء عليهم السلام على توحيد الله تعالى عبادة | ~~واستعانة ، وتنزيهه عما لا يليق بجنابه ، وتحريم الإلحاد في أسمائه ، وأن ~~حق | الله على عباده أن يعظموه تعظيما لا يشوبه تفريط ، وأن يسلموا وجوههم ~~| وقلوبهم إليه ، وأن يتقربوا بشعائر الله إلى الله ms118 ، وأنه قدر جميع ~~الحوادث ، | قبل أن يخلقها ، وأن لله ملائكة لا يعصونه فيما أمر ، ويفعلون ~~ما يأمرون ، | وأنه ينزل الكتاب على من يشاء من عباده ، ويفرض طاعته على ~~الناس ، | وأن القيامة حق ، والبعث بعد الموت حق ، والجنة ، والنار حق ، | ~~وكذلك أجمعوا على أنواع البر من الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج | ~~والتقرب إلى الله بنوافل الطاعات من الدعاء والذكر وتلاوة الكتاب المنزل من ~~| الله ، وكذلك أجمعوا على النكاح وتحريم السفاح وإقامة العدل بين الناس | ~~وتحريم المظالم وإقامة الحدود على أهل المعاصي والجهاد مع أعداء الله ~~والاجتهاد | في إشاعة أمر الله ودينه ، فهذا أصل الدين ، ولذلك لم يبحث ~~القرآن العظيم | عن لمية هذه الأشياء إلا ما شاء الله ، فإنها كانت مسلمة ~~فيمن نزل القرآن | على ألسنتهم ، وإنما الاختلاف في صور هذه الأمور ~~وأشباحها ، فكان | من شريعة موسى عليه السلام الاستقبال في الصلاة إلى بيت ~~المقدس ، وفي | شريعة نبينا صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة ، وكان من شريعة ~~موسى عليه | السلام الرجم فقط ، وجاءت في شريعتنا بالرجم للمحصن والجلد ~~لغيره ، وكان | في شريعة موسى عليه السلام القصاص فقط ، وجاءت شريعتنا ~~بالقصاص | والدية جميعا ، وعلى ذلك اختلافهم في أوقات الطاعات وآدابها ~~وأركانها . # وبالجملة فالأوضاع الخاصة التي مهدت ، وبنيت بها أنواع البر والارتفاقات ~~هي الشرعة والمنهاج # واعلم أن الطاعات التي امر الله تعالى بها في جميع الأديان إنما هي أعمال ~~تنبعث من الهيئات النفسانية التي هي في المعاد للنفوس أو عليها ، وتمد فيها ~~| PageV01P183 | وتشرحها ، وهي أشباحها وتماثيلها ، ولا جرم أن ميزانها ~~وملاك أمرها تلك الهيئات ، فمن لم يعرفها لم يكن من الأعمال على بصيرة ، ~~فربما اكتفى بما لا يكفي ، وربما صلى بلا قراءة ولا دعاء ، يفيد فلا بد من ~~سياسة عارف حق المعرفة يضبط الخفى المشتبه بأمارات واضحة ، ويجعلها أمرا ~~محسوسا يميزه الأداني والأقاصي ، ولا يشتبه عليهم ليطالبوا به ويؤاخذوا ~~عليه على حجة من الله واستطاعة منهم # والآثام ربما تشتبه بما ليس باثم كقول المشركين : # @QB@ إنما البيع مثل الربا @QE@ # إما لقصور العلم ، أو لغرض دنيوي ms119 يفسد بصيرته ، فمست الحاجة إلى أمارات ~~يتميز بها الاثم من غيره ، ولو لم يؤقت الأوقات لاستكثر بعضهم القليل من ~~الصلاة والصوم ، فلم يغن ذلك عنهم شيئا ، ولم تمكن المعاقبة على تسللهم ~~واحتيالهم ، ولو لم يعين لهم الأركان والشروط لخبطوا خبط عشواء ولو لا ~~الحدود لم ينزجر أهل الطغيان . # وبالجملة فجمهور الناس لا يتم تكليفهم إلا بأوقات وأركان وشروط وعقوبات ~~وأحكام كلية ، ونحو ذلك ، وإذا شئت أن تعرف للتشريع ميزانا ، فتأمل حال ~~الطبيب الحاذق عندما يجتهد في سياسة المرضى ، ويخبرهم بما لا يعرفون ، ~~ويكلفهم بما لا يحيطون بدقائقه علما كيف يعمد إلى مظنات محسوسة ، فيقيمها ~~مقام الأمور الخفية كما يقيم حمرة البشرة وخروج الدم من اللثة مقام غلبة ~~الدم ، وكيف ينظر إلى قوة المرض وسن المريض وبلده وفصله وإلى قوة الدواء ~~وجميع ما هناك ، فيحدس بمقدار خاص من الدواء يلائم الحال ، فيكلفه به ، ~~وربما اتخذ قاعدة كلية من قبل إقامة المظنة | PageV01P184 | مقام سبب المرض ~~وإقامة هذا القدر الذي تفطن به من الدواء مقام إزالة | المادة المؤذية أو ~~تغيير هيئتها الفاسدة ، فيقول مثلا : من احمرت بشرته | ودميت لثته وجب عليه ~~بحكم الطب أن يحتسي على الريق شراب العناب | أو ماء العسل ، ومن لم يفعل ~~ذلك فإنه على شرف الهلاك ، ويقول : من تناول | من معجون كذا وكذا وزن مثقال ~~زال عنه مرض كذا ، وأمن من مرض | كذا ، فيؤثر عنه تلك الكلية ، ويعمل بها ، ~~فيجعل الله في ذلك نفعا كثيرا ، | وتأمل حال الملك الحكيم الناظر في إصلاح ~~المدينة وسياسة الجيوش كيف | ينظر إلى الأراضي وريعها ، وإلى الزراع ~~ومؤنتهم ، وإلى الحراس وكفايتهم ، | فيضرب العشر والخراج حسب ذلك ، وكيف ~~يقيم هيئات محسوسة وقرائن | مقام الأخلاق والملكات التي يجب وجودها في ~~الأعوان ، فيتخذهم على | ذلك القانون وكيف ينظر إلى الحاجات التي لا بد من ~~كفايتها ، وإلى الأعوان | وكثرتهم ، فيوزعهم توزيعا يكفي المقصود ، ولا ~~يضيق عليهم ، وتأمل حال | معلم الصبيان بالنسبة إلى صبيانه ، والسيد ~~بالنسبة إلى غلمانه يريد هذا تعليمهم ، | وذلك كفاية الحاجة المقصودة ~~بأيديهم ، وهم لا يعرفون ms120 حقيقة المصلحة ، | ولا يرغبون في إقامتها ، ~~ويتسللون ، و يعتذرون ، يعتذرون ، ويحتالون كيف يعرفان | مظنة الثلمة قبل ~~وقوعها ، فيسدان الخلل ، ولا يخاطبانهم إلا بطريقة ليلها | نهارها ، ~~ونهارها ليلها ، لا يجدون منها حيلة ، ولا يتمكنون من التسلل وهي | تقضي ~~إلى المقصود من حيث يعلمون أو لا يعلمون . # وبالجملة فكل من تولى لإصلاح جم غفير مختلفة استعدادهم ، وليسوا | من ~~الأمر على بصيرة ولا فيه على رغبة يضطر إلى تقدير وتوقيت وتعيين | أوضاع ~~وهيئات يجعلها العمدة في المطالبة والمؤاخذة . # وأعلم أن الله تعالى لما اراد ببعثة الرسل أن يخرج الناس من الظلمات إلى ~~| النور ، فأوحى إليهم أمره لذلك ، وألقى عليهم نوره ، ونفث فيهم الرغبة | ~~PageV01P185 | في إصلاح العالم ، وكان اهتداء القوم يومئذ لا يتحقق إلا ~~بأمور ومقدمات | وجب في حكمة الله أن يلتوى جميع ذلك في إرادة بعثتهم ، وأن ~~يكون | افتراض طاعة الرسل وانقيادهم منفسحا إلى افتراض مقدمات الإصلاح ، | ~~وكل ما لا يتم في العقل أو العادة إلا به فإنه جملة بجر بعضها بعضا ، والله ~~| لا يخفى عليه خافية ، وليس في دين الله جزاف ، فلا يعين شيء دون نظائره | ~~إلا بحكم وأسباب يعلمها الراسخون في العلم ، ونحن نريد ان ننبه على جملة ~~صالحة | من تلك الحكم والأسباب ، والله أعلم . # # | ( باب أسباب نزول الشرائع الخاصة بعصر دون عصر وقوم دون قوم ) # والأصل فيه قوله تعالى : # @QB@ كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل ~~أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين @QE@ . # تفسيرها أن يعقوب عليه السلام مرض مرضا شديدا ، فنذر لئن عافاه | الله ~~ليحرمن على نفسه أحب الطعام والشراب إليه ، فلما عوفي حرم على | نفسه لحمان ~~الإبل وألبانها ، وأقتدى به بنوه في تحريمها ، ومضى على ذلك | القرون حتى ~~أضمروا في نفوسهم التفريط في حق الأنبياء إن خالفوهم بأكلها ، | فنزل ~~التوراة بالتحريم ، ولما بين النبي صلى اله عليه وسلم أنه على ملة إبراهيم ~~| قالت اليهود كيف يكون على ملته وهو يأكل لحوم الإبل وألبانها ، فرد الله ~~| تعالى عليهم أن ms121 كل الطعام كان حلا في الأصل وإنما حرمت الإبل لعارض | لحق ~~باليهود ، فلما ظهرت النبوة في بني إسماعيل وهم برآء من ذلك العارض | لم ~~يجب رعايته . | PageV01P186 # وقول النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة التراويح ' ما زال بكم الذي | ~~رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم ، ولو كتب عليكم ما قمتم به ، | ~~فصلوها أيها الناس في بيوتكم ' فكبحهم النبي صلى الله عليه وسلم عن جعلها | ~~شائعا ذائعا بينهم لئلا تصير من شعائر الدين ، فيعتقدوا تركها تفريطا في ~~جنب الله ، فتفرض عليهم . # وقوله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل ~~| عن شيء ، فحرم لأجل مسألته ' . # وقوله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وإني حرمت ~~| المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا | ~~إبراهيم لمكة ' . # وقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الحج ' أهو في كل عام لو قلت | نعم ~~لوجبت ، ولو وجبت لم تقوموا بها ، ولو لم تقوموا بها عذبتم ' . | واعلم أنه ~~إنما اختلفت شرائع الأنبياء عليهم السلام لأسباب ومصالح ، | وذلك أن شعائر ~~الله إنما كانت شعائر لمعدات وأن المقادير يلاحظ في شرعها | حال المكلفين ~~وعاداتهم . # فلما كانت أمزجة قوم نوح عليه السلام في غاية القوة والشدة كما نبه | ~~عليه الحق تعالى - استوجبوا أن يؤمروا بدوام الصيام ؛ ليقاوم سورة | ~~بهيميتهم ، ولما كانت أمزجة هذه الأمة ضعيفة نهوا عن ذلك ، وكذلك لم | يجعل ~~الله تعالى الغنائم حلالا للأولين ، وأحلها لنا لما رأى ضعفنا ، وأن مراد | ~~الأنبياء عليهم السلام إصلاح ما عندهم من الارتفاقات ، فلا يعدل عنها إلى ~~ما يباين المألوف إلا ما شاء الله ، وأن مظان المصالح تختلف باختلاف | ~~الأعصار والعادات ، ولذلك صح وقوع النسخ ، وإنما مثله كمثل الطبيب | يعمد ~~إلى حفظ المزاج المعتدل في جميع الأحوال ، فتختلف أحكامه باختلاف | الأشخاص ~~والزمان ، فيأمر الشاب بما لا يأمر به الشائب ، ويأمر في الصيف | ~~PageV01P187 | بالنوم في الجو لما يرى أن الجو مظنة الاعتدال حينئذ ، ويأمر ~~في الشتاء | بالنوم داخل ms122 البيت لما يرى أنه مظنة البرد حينئذ . # فمن عرف أصل الدين وأسباب اختلاف المناهج لم يكن عنده تغيير | ولا تبديل ~~ولذلك نسبت الشرائع إلى أقوامها ، ورجعت اللائمة إليهم حين | استوجبوا بها ~~بما عندهم من الاستعداد ، وسألوها جهد سؤالهم بلسان الحال ، | وهو قوله ~~تعالى : # @QB@ فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون @QE@ . # ولذلك ظهر فضل أمة نبينا صلى الله عليه وسلم حين استحقوا تعيين | الجمعة ~~لكونهم أميين برآء من العلوم المكتسبة ، واستحقت اليهود السبت | لاعتقادهم ~~أنه يوم فرغ الله فيه من الخلق وأنه أحسن شيء لأداء العبادة | مع أن الكل ~~بأمر الله ووحيه ، ومثل الشرائع في ذلك كمثل العزيمة يؤمرون | بها أولا ، ~~ثم يكون هنالك أعذار وحرج ، فتشرع لهم الرخص لمعنى | يرجع إليهم فربما توجه ~~بذلك بعض اللائمة إليهم لكونهم استوحبوا ذلك | بما عندهم قال الله تعالى : # @QB@ إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم @QE@ . # وقال النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : ' ما رأيت من ناقصات عقل ودين | ~~أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن ' وبين نقصان دينهن بقوله ' أرأيت | أنها ~~إذا حاضت لم تصل ، ولم تصم ' . # واعلم أن أسباب نزول المناهج في صورة خاصة كثيرة لكنها ترجع | إلى نوعين ~~. | PageV01P188 # أحدهما كالأمر الطبيعي الموجب لتكليفهم بتلك الأحكام ، فكما أن | لأفراد ~~الإنسان جميعها طبيعة وأحوالا ورثتها من النوع توجب تكليفهم | بأحكام ، كما ~~أن الأكمه لا يكون في خزانة خياله الألوان والصور ، وإنما | هنالك الألفاظ ~~والملموسات ونحو ذلك ، فاذا تلقى من الغيب علما في رؤيا | أو واقعة أو نحو ~~ذلك ، فإنما يتشبح علمه في صورة ما اختزنه خياله دون | غيره ، وكما أن ~~العربي الذي لا يعرف غير لغة العرب إذا تمثل له علم في | نشأة اللفظ ، ~~فإنما يتمثل له في لغة العرب دون غيرها ، وكما أن البلاد التي | يوجد فيها ~~الفيل وغيره من الحيوانات سيئة المنظر يتراءى لأهلها إلمام الجن | وتخويف ~~الشياطين في صورة تلك الحيوانات دون غير تلك البلاد ، والتي | يعظم فيها ~~بعض الأشياء ، ويوجد فيها بعض الطيبات من الأطعمة | والألبسة ms123 - تتراءى ~~لأهلها النعمة وانبساط الملائكة في تيك الصور دون | غير تلك البلاد ، وكما ~~أن العربي المتوجه إلى شيء ليفعله أو طريق ليسلكه | إذا سمع لفظة راشد أو ~~نجيح كان دليلا على حسن ما يستقبله دون غير العربي | وقد جاءت السنة ببعض ~~هذا النوع - فكذلك يعتبر في الشرائع علوم مخزونة في القوم واعتقادات كامنة ~~فيهم وعادات تتجارى فيهم كما يتجارى | الكلب . # ولذلك نزل تحريم لحوم الابل وألبانها على بنى إسرائيل دون بني | إسماعيل ~~، ولذلك كان الطيب والخبيث في المطاعم مفوضا إلى عادات | العرب ، ولذلك ~~حرمت بنات الأخت علينا دون اليهود ، فانهم كانوا يعدونها من قوم أبيها لا ~~مخالطة بينهم وبينها ، ولا ارتباط ، ولا اصطحاب ، فهي كالأجنبية بخلاف ~~العرب ، ولذلك كان طبخ العجل في لبن أمه حراما عليهم | دوننا ، فان علم كون ~~ذلك تغييرا لخلق الله ومصادمة لتدبير الله حيث صرف | PageV01P189 | ما خلقه ~~الله لنشء العجل ونموه إلى فك بنيته وحل تركيبه كان راسخا في | اليهود ~~متجاريا فيهم ، وكان العرب أبعد خلق الله عن هذا العلم حتى لو ألقى | عليهم ~~لما فهموه ، ولما أدركوا المناط المناسب للحكم ، والمعتبر في نزول | ~~الشرائع ليس العلوم والحالات والعقائد المتمثلة في صدورهم فقط ، بل | ~~أعظمها اعتبارا ، وأولاها اعتدادا ما نشأوا عليه واندفعت عقولهم إليه من | ~~حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون ، كما ترى ذلك في علاقات تمثل شيء | بصورة ~~غيره كتمثل منع الناس عن السحور في صورة الختم على الأفواه ، | فان الختم ~~شبح المنع عند القوم استحضروه أم لا . # وحق الله على عباده في الأصل أن يعظموه غاية التعظيم ، ولا يقدموا | على ~~مخالفة أمره بوجه من الوجوه ، والواجب فيما بين الناس أن يقيموا | مصلحة ~~التأليف والتعاون ، ولا يؤذى أحد أحدا إلا إذا أمر به الرأى | الكلي ونحو ~~ذلك ، ولذلك كان الذي وقع على امرأة يعلم أنها أجنبية - | قد أرخى بينه ~~وبين الله حجاب ، وكتب ذلك من اجترائه على الله ، وإن | كانت امرأته في ~~الحقيقة لأنه أقدم على مخالفة أمر الله وحكمه ، والذي وقع | على أجنبية وهو ms124 ~~يعلم أنها امرأته لا يألوا في ذلك معذورا فيما بينه وبين | الله ، وكان ~~الذي نذر الصوم ماخوذا بنذره دون من لم ينذر ، وكان من | تشدد في الدين شدد ~~عليه ، وكانت لطمة اليتيم للتاديب حسنة ، وللتعذيب | سيئة ، وكان المخطئ ~~والناسى معفوا عنهما في كثير من الأحكام ، فهذا الأصل | يتلقاه علوم القوم ~~وعاداتهم الكامنة منها والبارزة ، فيتشخص الشرائع في | حقهم حسب ذلك . # واعلم أن كثيرا من العادات والعلوم الكامنة يتفق فيها العرب والعجم | ~~وجمع سكان الأقاليم المعتدلة وأهل الأمزجة القابلة للأخلاق الفاضلة . | ~~كالحزن لميتهم واستحباب الرفق به . وكالفخر بالأحساب والأنساب . | ~~PageV01P190 | وكالنوم إذا مضى ربع الليل أو ثلثه . أو نحو ذلك . ~~والاستيقاظ في تباشير | الصبح إلى غير ذلك مما أو ما نا إليه في الارتفاقات ~~. فتلك العادات والعلوم | أحق الأشياء بالاعتبار ثم بعدها عادات وعقائد ~~تختص بالمبعوث إليهم . | فتعتبر تلك أيضا وقد جعل الله لكل شيء قدرا . # واعلم أن النبوة كثيرا ما تكون من تحت الملة كما قال الله تعالى : | @QB@ ~~ملة أبيكم إبراهيم @QE@ . # وكما قال : | @QB@ وإن من شيعته لإبراهيم @QE@ . # وسر ذلك أنه تنشأ قرون كثيرة على التدين بدين . وعلى تعظيم شعائره . | ~~وتصير أحكامه من المشهورات الذائعة اللاحقة بالبديهيات الأولية التي | لا ~~تكاد تنكر . فتجيء نبوة أخرى لإقامة ما اعوج منها : وصلاح ما فسد | منها ~~بعد اختلاط رواية نبيها ، فتفتش عن الأحكام المشهورة عندهم ، | فما كان ~~صحيحا موافقا لقواعد السياسة الملية لا تغيره ، بل تدعو إليه ، | وتحث عليه ~~، وما كان سقيما قد دخله التحريف ، فإنها تغيره ، بقدر الحاجة ، | وما كان ~~حريا أن يزداد ، فإنها تزيده على ما كان عندهم ، وكثيرا ما يستدل | هذا ~~النبي في مطالبه بما بقي عندهم من الشريعة الأولى ، فيقال عند ذلك هذا | ~~النبي في ملة فلان النبي أو من شيعته ، وكثيرا ما تختلف النبوات لاختلاف | ~~الملل النازلة تلك النبوة فيها . # والنوع الثاني بمنزلة طارئ عارض ، وذلك أن الله تعالى وإن كان | ~~PageV01P191 | متعاليا عن الزمان ، فله ارتباط بوجه من الوجوه بالزمان ~~والزمانيات ، وقد | أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله ms125 يقضي بعد كل ~~مائة بحادثة عظيمة من | الحوادث ، وأخبر آدم وغيره من الأنبياء عليهم ~~السلام في حديث الشفاعة بشيء | من هذا الباب حيث قال كل واحد منهم : ' إن ~~ربي تبارك وتعالى قد غضب | اليوم غضبا لم يغضبه قبله مثله ، ولن يغضب بعده ~~مثله ' فإذا تهيأ العالم لإفاضة | الشرائع وتعيين الحدود ، وتجلى الحق ~~منزلا عليهم الدين ، وامتلأ الملأ الأعلى | بهمة قوية حسب ذلك يكون حينئذ ~~أدنى سبب من الأسباب الطارئة كافيا | في قرع باب الجود ، ومن دق باب الكريم ~~انفتح ، ولك عبرة بفصل الربيع | يؤثر في أدنى شيء من الغرس والبذر ما لا ~~يؤثر في غيره أضعاف ذلك ، | وهمة النبي صلى الله عليه وسلم ، واستشرافه ~~للشيء ، ودعوته له ، واشتياقه | إليه ، وطلبه إياه سبب قوي لنزول القضاء في ~~ذلك الباب ، وإذا كانت دعوته تحيي السنة الشهباء ، وتغلب فئة عظيمة من ~~الناس ، وتزيد الطعام | والشراب زيادة محسوسة ، فما ظنك في نزول الحكم الذي ~~هو روح لطيف | إنما يتعين بوجود مثالي ، وعلى هذا الأصل ينبغي أن يخرج أن ~~حدوث | حادثة عظيمة فخيمة في ذلك الزمان يفزع لها النبي صلى الله عليه وسلم ~~، | كقصة الإفك ، وسؤال سائل يراجع النبي صلى الله عليه وسلم ويحاوره | ~~فيهم له صلى الله عليه وسلم كقصة الظهار يكون سببا لنزول الأحكام ، | وأن ~~يكشف عليه فيها جلية الحال ، وأن استبطاء القوم عن الطاعة وتبلدهم | عن ~~الانقياد ، وإخلادهم عن العصيان ، وكذا رغبتهم في شيء ، وعضهم | عليه ~~بالنواجذ ، واعتقادهم التفريط في جنب الله عند تركه - يكون سببا | لأن يشدد ~~عليهم بالوجوب الأكيد والتحريم الشديد ، ومثل ذلك كله في | استمطار الجود ~~كمثل الإنسان الصالح قوي الهمة يتوخى ساعة انتشار | PageV01P192 | ~~الروحانية وقوة السعادة ، فيسأل الله فيها بجهد همته ، فلا تتراخى إجابته ، ~~| وإلى هذه المعاني وقعت الإشارة في قوله تبارك وتعالى : # ^ ( يا أيها الذين آمنوا لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم | وإن ~~تسئلوا عنها حين ينزل القرآن تبد لكم ) ^ . # وأصل المرضى أن يقل هذا النوع من أسباب نزول الشرائع لأنه يعد | لنزول ما ~~يغلب ms126 فيه حكم المصلحة الخاصة بذلك الوقت ، فكثيرا ما كان | تضييقا على ~~الذين يأتون من بعد ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم | يكره المسائل ، ~~وكان يقول : ' ذروني ما تركتكم ، فإنما هلك من قبلكم | بكثرة سؤالهم ~~واختلافهم على أنبيائهم ' . وقال : ' إن أعظم المسلمين | في المسلمين جرما ~~من سأل شيئا فحرم لأجل مسئلته ' وجاء في الخبر : | ' أن بني إسرائيل لو ~~ذبحوا أي بقرة شاءوا كفت عنهم لكن شددوا فشدد | عليهم ' والله أعلم . | # | ( باب أسباب المؤاخذة على المناهج ) # لنبحث عن المناهج والشرائع التي ضربها الله تعالى لعباده هل يترتب | ~~الثواب والعذاب عليها كما يترتب على أصول البر والاثم ، أو لا يترتب | إلا ~~على ما جعلت مظنات وأشباحا وقوالب له ؟ فمن ترك صلاة وقت من | الأوقات ، ~~وقلبه مطمئن بالاخبات ، هل يعذب بتركها ؟ ومن صلى صلاة | وأدى الأركان ~~والشروط حسبما يخرج عن العهدة ، ولم يرجع بشيء من | الاخبات ، ولم يدخل ذلك ~~في صميم قلبه هل يثاب على فعلها ؟ وليس الكلام | في كون معصية المناهج ~~مفسدة عظيمة من جهة كونها قدحا في السنة الراشدة ، وفتحا لباب الإثم ، وغشا ~~بالنسبة إلى جماعة المسلمين ، وضررا للحي | والمدينة والإقليم بمنزلة سيل ~~سد مجراه لمصلحة المدينة ، فجاء رجل ، | PageV01P193 | ونقب السد ، ونجا ~~بنفسه وأهلك أهل مدينته ، ولكن الكلام فيما يرجع | إلى نفسه من إحاطة ~~السيئات بها أو إحاطة الحسنات . # فذهب أهل الملل قاطبة إلى أنها توجب الثواب والعذاب بنفسها ، | فالمحققون ~~منهم والراسخون في العلم والحواريون من أصحاب الأنبياء | عليهم السلام ~~يدركون مع ذلك وجه المناسبة والارتباط لتلك الأشباح | والقوالب بأصولها ~~وأرواحها ، وعامة حملة الدين ووعاة الشرائع يكتفون | بالأول ، وذهب فلاسفة ~~الإسلام إلى أن العذاب والثواب إنما يكونان | على الصفات النفسانية ~~والأخلاق المتشبثة بذيل الروح ، وإنما ذكر قوالبها | وأشباحها في الشرائع ~~تفهيما وتقريبا للمعاني الدقيقة إلى أذهان الناس ، هذا | تحرير المقام على ~~مشرب القوم . # أقول : والحق ما ذهب إليه المحققون من أهل الملل - بيان ذلك أن الشرائع ~~لها معدات وأسباب تشخصها ، وترجح بعض محتملاتها على بعض ، | والحق يعلم أن ~~القوم لا يستطيعون ms127 العمل بالدين إلا بتلك الشرائع والمناهج ، | ويعلم أن ~~هذه الأوضاع هي التي يليق أن تكون عليهم ، فتندرج في عناية | الحق بالقوم ~~أزلا ، ثم لما تهيأ العالم لفيضان صور الشرائع وإيجاد شخوصها | المثالية ، ~~فاوجدها وأفاضها ، وتقرر هنالك أمرها - كانت أصلا من | الأصول ، ثم لما فتح ~~الله على الملأ الأعلى هذا العلم ، وألهمهم أن المظنات | قائمة مقام الأصول ~~، وأنها أشباحها وتماثيلها ، وأنه لا يمكن تكليف القوم | إلا بتلك - حصل في ~~حظيرة القدس إجماع ما على أنها هي بمنزلة اللفظ | بالنسبة إلى الحقيقة ~~الموضوع لها ، والصورة الذهنية بالنسبة إلى الحقيقة | الخارجية المنتزعة ~~منها ، والصورة التصويرية بالنسبة إلى من انتقشت مكشافا له ، | والصورة ~~الخطية بالنسبة إلى الألفاظ الموضوعة هي لها ، فإنه في كل ذلك | لما قويت ~~العلاقة بين الدال والمدلول ، وحصل بينهما تلازم وتعانق أجمع في | حيز ما ~~من الأحياز أنه هو ، ثم ترشح شبح هذا العلم أو حقيقته في مدركات | ~~PageV01P194 | بني آدم عربهم وعجمهم ، فاتفقوا عليه ، فلن ترى أحدا إلا ~~ويضمر في نفسه | شعبة من ذلك ، وربما سميناه وجودا شبيها للمدلول ، وربما ~~كان لهذا الوجود | آثار عجيبة لا تخفى على المتتبع ، وقد روعي في الشرائع ~~بعض ذلك ، ولذلك | جعلت الصدقة من أوساخ المتصدقين ، وسرت شناعة العمل في ~~الأجرة ، | ثم لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ، وأيد بروح القدس ، ونفث ~~في روعه | إصلاح القوم ، وفتح لجوهر روحه فج واسع إلى الهمة القوية في باب ~~نزول | الشرائع وصدور الشخوص المثالية ، فعزم على ذلك أقصى عزيمته ، ودعا | ~~للموافقين ، ولعن على المخالفين بجهد همته ، وأن هممهم تخترق السبع الطباق ~~، | وأنهم يستسقون ، وما هنالك قزعة سحاب ، فتنشأ أمثال الجبال في الحال | ~~وأنهم يدعون ، فيحيى الموتى بدعوتهم - تأكد انعقاد الرضا والسخط في | حظيرة ~~القدس ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ' إن إبراهيم نبيك وعبدك | دعا لمكة ~~وأنا أدعو للمدينة ' الحديث . # ثم إن هذا العبد إذا علم أن الله تعالى أمره بكذا وكذا ، وأن الملأ ~~الأعلى تؤيد النبي صلى الله عليه وسلم فيما يأمر ، وينهى ، وعلم أن إهمال ~~هذا ms128 | والإقدام على ذلك اجتراء على الله وتفريط في جنب الله ، ثم أقدم على ~~| العمل عن قصد وعمد ، وهو يرى ويبصر - فإن ذلك لا يكون إلا لغاشية عظيمة | ~~من الحجب وانكسار تام للملكية ، وذلك يوجب قيام خطيئة بالنفس ، | وإذا أقدم ~~على عمل شاق تنجم عنه طبيعته لا لمراءة الناس ، بل تقربا من الله | وحفظا ~~على مرضياته ، فإن ذلك لا يكون إلا لغاشية عظيمة من الإحسان | وانكسار تام ~~للبهيمية ، وذلك يوجب قيام حسنة بالنفس ، أما من ترك | صلاة وقت من الأوقات ~~، فيجب أن يبحث عنه لم تركها ؟ وأي شيء حمله | على ذلك ؟ فإن نسيها ، أو ~~نام عنها ، أو جهل وجوبها ، أو شغل عنها بما | لا يجد منه بدا ، فنص الملة ~~أنه ليس بآثم ، وإن تركها وهو يعلم ، ويتذكر ، | PageV01P195 | وأمره بيده ~~، فإن ذلك لا يكون لا محالة إلا من حزازة في دينه ، وغاشية | شيطانية أو ~~نفسانية غشيت بصيرته ، وهو يرجع إلى نفسه ، وأما من صلى صلاة ، | وخرج عن ~~عهدة ما وجب عليه ، فيجب أن يبحث عنه ، أيضا إن فعلها رياء | وسمعة أو ~~جريانا على عادة قومه أو عبثا - فنص الملة أنه ليس بمطيع ، ولا يعتد بفعله ~~ذلك ، وإن فعلها تقربا من الله ، وأقدم عليها إيمانا واحتسابا | وتصديقا ~~بالموعود ، واستحضر النية وأخلص دينه لله - فلا جرم أنه فتح | بينه وبين ~~الله باب ، ولو كرأس إبرة ، وأما من أهلك المدينة ، ونجا بنفسه | فلا نسلم ~~أنه نجا بنفسه ، كيف وهنالك لله ملائكة أقصى همتهم الدعاء لمن | يسعى في ~~إصلاح العالم ، وعلى من سعى في إفساده ، وأن دعوتهم تقرع | باب الجود ، ~~ويكون سببا لنزول الجزاء بوجه من الوجوه ، بل هنالك لله | تعالى عناية ~~بالناس توجب ذلك ، ولدقة مدركها جعلنا دعوة الملائكة عنوانا | لها ، والله ~~أعلم . | # | ( باب أسرار الحكم والعلة ) # اعلم أن للعباد أفعالا يرضى لأجلها رب العالمين عنهم ، وأفعالا يسخط | ~~لأجلها عليهم ، وأفعالا لا تقتضي رضا ولا سخطا ، فاقتضت حكمته البالغة | ~~ورحمته التامة أن يبعث إليهم الأنبياء ، ويخبرهم على ألسنتهم بتعلق الرضا | ~~والسخط بتلك الأفعال ، ويطلب منهم ms129 الفصل الأول ، وينهى عن الثاني ، | ~~ويخيرهم فيما سوى ذلك : | @QB@ ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة ~~@QE@ . # فتعلق الرضا والسخط بالفعل ، وكونه غفلا منهما ، وكون الشيء بحيث | يطلب ~~منهم ، وينهون عنه ، ويخيرون فيه أيا ما شئت ، فقل هو الحكم . # والطلب منه مؤكد يقتضي الرضا والثواب على فعل المطلوب ، والسخط | ~~PageV01P196 | والعقاب على تركه ، ومنه غير مؤكد يقتضي الرضا والثواب على ~~فعل المطلوب | دون السخط والعقاب على تركه . # وكذلك النهي منه مؤكد يقتضي الرضا والثواب على الكف منه لأجل | النهي ، ~~ويقتضي السخط والعقاب على فعل المنهي عنه ، ومنه غير مؤكد يقتضي | الرضا ~~والثواب على الكف عنه لأجل النهي دون السخط والعقاب على فعله | واعتبر بما ~~عندك من ألفاظ الطلب والمنع وبمحاورات الناس في ذلك ، | فإنك ستجد تثنية كل ~~قسم من جهة سريان الرضا والسخط في ضد المنطوق | أولا أمرا طبيعيا لا محيص ~~عنه ، فالأحكام خمسة : إيجاب ، وندب ، وإباحة ، | وكراهية ، وتحريم ، والذي ~~يؤتى به في مخاطبة الناس لا يمكن أن يكون حال | كل فعل على حدته من أفعال ~~المكلفين لعدم انحصارها ، ولعدم استطاعة | الناس الإحاطة بعلمها ، فوجب إذا ~~أن يكون ما يخاطبون به قضايا كلية | معنوية بوحدة تنظم كثرة ، ليحيطوا بها ~~علما ، فيعرفوا منها حال أفعالهم ، | ولك عبرة بالصناعات الكلية التي جعلت ~~لتكون قانونا في الأمور الخاصة | يقول النحوي : الفاعل مرفوع فيعي مقالته ~~السامع ، فيعرف بها حال زيد | في قولنا قام زيد ، وعمر في قولنا قعد عمر ، ~~وهلم جرا ، وتلك الوحدة | التي تنظم كثرة هي العلة التي يدور الحكم على ~~دوراناها وهي قسمان : # قسم يعتبر فيها حالة توجد في المكلفين ، ولا يمكن أن تكون حالة دائمة | ~~لا تنفك عنهم ، فيكون مضمون الخطاب تكليفهم بالأمر دائما إذ لا يستطيعون | ~~ذلك اللهم إلا في الإيمان خاصة فلا جرم أن تعتبر حالة مركبة من صفة | لازمة ~~في المكلف بها يصح كونه مخاطبا وهيئة طارئة تنوبه مرة بعد مرة ، | وأكثر ما ~~يكون هذا القسم في العبادات والهيئة إما وقت أو استطاعة ميسرة | أو مظنة ~~حرج ms130 ، أو إرادة شيء ، ونحو ذلك كقول الشرع ' من أدرك وقت | الصلاة ، وهو ~~عاقل بالغ وجب عليه أن يصليها ، ومن شهد الشهر ، وهو عاقل | بالغ مطيق وجب ~~عليه أن يصومه ، ومن ملك نصابا ، وحال عليه الحول | وجب أن يزكيه ، ومن كان ~~على سفر جاز له القصر والإفطار ، ومن أراد | PageV01P197 | الصلاة ، وكان ~~محدثا وجب عليه الوضوء ' وفي مثل هذا ربما تسقط | الصفات المعتبرة في أكثر ~~الأوامر ، وتخص الصفة التي بها امتاز بعضها من | البعض ، فيسامح بتسميتها ~~علة ، فيقال علة الصلاة إدراك الوقت ، وعلة الصوم | شهود الشهر ، وربما ~~يجعل الشارع لبعض تلك الأوصاف دون بعض أثرا ، | كما جوز تعجيل الزكاة لسنة ~~أو سنتين لمن ملك النصاب دون من لم يملكه ، | فيعطى الفقيه كل ذي حق حقه ، ~~فيخص بعضها بسبب والآخر بالشرط . # وقسم يعتبر فيه حال ما يقع عليه الفعل أو يلابسه ، وهي إما صفة لازمة | ~~له كقول الشارع : يحرم شرب الخمر ، ويحرم أكل الخنزير ، ويحرم أكل | كل ذي ~~ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير ، ويحرم نكاح الأمهات | أو صفة طارئة ~~تنوبه كقوله تعالى : | @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ . # وقوله تعالى : | @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ~~@QE@ . # وربما يجمع بين اثنين فصاعدا من أحوال ما يقع عليه الفعل ، كقول | الشارع ~~: يجب رجم الزاني المحصن ، وجلد زان غير محصن ، وربما يجمع | بين حال ~~المكلف وحال ما يقع عليه الفعل ، كقول الشارع : يحرم الذهب | والحرير على ~~رجال الأمة دون نسائها . # وليس في دين الله جزاف ، فلا يتعلق الرضا والسخط بتلك الأفعال | إلا بسبب ~~، وذلك أن ههنا شخوصا يتعلق بها الرضا والسخط في الحقيقة | وهي نوعان : ~~أحدهما البر والاثم والارتفاقات وإضاعتها وما يحذو حذو | ذلك ، وثانيهما ما ~~يتعلق بالشرائع والمناهج من سد باب التحريف والاحتراز | PageV01P198 | من ~~التسلل ونحو ذلك ، ولها محال ولوازم يتعلقان بها بالغرض ، وينسبان | إليها ~~توسعا ، نظيره ما يقال من أن علة الشفاء تناول الدواء ، وإنما العلة في | ~~الحقيقة نضج الأخلاط أو إخراجها وهو شيء يعقب الدواء في العادة ، | وليس هو ~~هو ms131 ، ويقال علة الحمى قد تكون الجلوس في الشمس ، وقد | تكون الحركة المنعبة ~~، وقد تكون تناول غذاء حار ، والعلة في الحقيقة | سخونة الأخلاط ، وهي ~~واحدة في ذاتها ولكنها طرق إليها وأشباح لها ، | وكان الاكتفاء بالأصول ~~وترك اعتبار تعدد الطرق والمحال لسان المتعقمين | في الفنون النظرية دون ~~العامة ، وإنما نزل الشرع بلسان الجمهور ، ويجب أن | يكون علة الحكم صفة ~~يعرفها الجمهور ولا تخفى عليهم حقيقتها ولا وجودها | من عدمها ، ويكون مظنة ~~لأصل من الأصول التي تعلق بها الرضا والسخط إما | لكونها مفضية إليه ، أو ~~مجاورة له ، ونحو ذلك كشرب الخمر فإنه مظنة لمفاسد | يتعلق بها السخط من ~~الإعراض عن الإحسان والإخلاد إلى الأرض وإفساد | نظام المدينة والمنزل ، ~~وكان لازما لها غالبا ، فتوجه المنع إلى نوع الخمر . # وإذا كان لشيء لوازم وطرق لم يخص للعلية منها إلا ما تميز من سائر | ما ~~هنالك برجحان من جهة الظهور والانضباط أو من جهة لزوم الأصل أو | نحو ذلك ~~كرخصة القصر والإفطار - أديرت على السفر والمرض دون سائر | مظنات الحرج ؛ ~~لأن الأكساب الشاقة كالفلاحة والحدادة وإن كان يلزمها | الحرج لكنها مخلة ~~بالطاعة لأن المكتسب بها يداوم عليها ، ويتوقف عليها معاشه | وأما وجود ~~الحر والبرد فغير منضبط لأن لهما مراتب مختلفة يعسر إحصاؤها | وتعيين شيء ~~منها بأمارات وعلامات ، وإنما يعتبر عند السبر مظنات كانت | في الأمة ~~الأولى أكثرية معروفة ، وكان السفر والمرض بحيث لا يشتبه | عليهم الأمر ~~فيهما ، وإن كان اليوم بعض الاشتباه لانقراض العرب الأول | وتعمق الناس في ~~الاحتمالات حتى فسد ذوقهم السليم الذي يجده قح | العرب ، والله أعلم . | ~~PageV01P199 | # | ( باب المصالح المقتضية لتعيين الفرائض والأركان والآداب ونحو ذلك ) # اعلم أنه يجب عند سياسة الأمة أن يجعل لكل شيء من الطاعات حدان : | أعلى ~~وأدنى فالأعلى هو ما يكون مفضيا إلى المقصود منه على الوجه الأتم ، | ~~والأدنى هو ما يكون مفضيا إلى جملة من المقصود ليس بعدها شيء يعتد به ، | ~~وذلك لأنه لا سبيل إلى أن يطلب منهم الشيء ، ولا يبين لهم أجزاءه وصورته | ~~ومقدار المطلوب منه ، فإنه ms132 ينافي موضوع الشرع ، ولا سبيل إلى أن يكلف | ~~الجميع بإقامة الآداب والمكملات لأنه بمنزلة التكليف بالمحال في حق ~~المشتغلين | أو المتعسر ، وإنما بناء سياسة الأمة على الاقتصاد دون ~~الاستقصاء ، ولا سبيل | إلى أن يهمل الأعلى ، ويكتفي بالأدنى ، فإنه مشرب ~~السابقين وحظ المخلصين ، | وإهمال مثله لا يلائم اللطف ، فلا محيص إذا من ~~أن يبين الأدنى ، ويسجل | على التكليف به ، ويندب إلى ما يزيد عليه من غير ~~إيجاب ، والذي يسجل | على التكليف به ينقسم إلى مقدار مخصوص من الطاعة ~~كالصلوات الخمس وصيام | رمضان ، وإلى أبعاض لها لا يعتد بها بدونها ~~كالتكبير وكقراءة فاتحة الكتاب | للصلاة وتسمى بالأركان ، وأمور خارجة منها ~~لا يعتد بها بدونها وتسمى | بالشروط كالوضوء للصلاة . # واعلم أن الشيء قد يجعل ركنا بسبب يشبه المذهب الطبيعي ، وقد يجعل | بسبب ~~طارئ . # فالأول أن تكون الطاعة لا تتقوم ولا تفيد فائدتها إلا به كالركوع | ~~والسجود في الصلاة والإمساك عن الأكل والشرب والجماع في الصوم ، أو | يكون ~~ضبطا لمبهم خفي لا بد منه فيها كالتكبير ، فإنه ضبط للنية واستحضار | لها ، ~~وكالفاتحة فإنها ضبط للدعاء ، وكالسلام فإنه ضبط للخروج من الصلاة | بفعل ~~صالح لا ينافي الوقار والتعظيم . # والثاني أن يكون واجبا بسبب آخر من الأسباب ، فيجعل ركنا في | الصلاة ، ~~لأنه يكملها ، ويوفر الغرض منها ، ويكون التوقيت بها أحسن توقيت | ~~PageV01P200 | كقراءة سورة من القرآن على مذهب من يجعلها ركنا ، فإن القرآن ~~من شعائر | الله ، يجب تعظيمه ، وألا يترك ظهريا ، ولا أحسن في التوقيت من ~~أن | يؤمروا بها في آكد عباداتهم وأكثرها وجودا وأشملها تكليفا ، أو يكون | ~~التمييز بين مشتبهين أو التفريق بين مقدمة والشيء المستقل - موقوفا | على ~~شيء ، فيجعل ركنا ، ويؤمر به كالقومة بين الركوع والسجود بها يحصل | الفرق ~~بين الإنحناء الذي هو مقدمة السجود ، وبين الركوع الذي هو تعظيم | برأسه ، ~~وكالإيجاب والقبول والشهود وحضور الولي ورضا المرأة في النكاح ، | فإن ~~التميز بين السفاح والنكاح لا يحصل إلا بذلك ، ويمكن أن يخرج بعض | الأركان ~~على الوجهين جميعا . # وعلى ما ذكرنا في الركن ينبغي أن يقاس ms133 حال الشرط ، فربما يكون | الشيء ~~واجبا بسبب من الأسباب ، فيجعل شرطا لبعض شعائر الدين تنويها | به ، ولا ~~يكون ذلك حتى تكون تلك الطاعة كاملة بانضمامه كاستقبال القبلة | لما كانت ~~الكعبة من شعائر الله وجب تعظيمها ، وكان من أعظم التعظيم | أن تستقبل في ~~أحسن حالاتهم ، وكان الاستقبال إلى جهة خاصة هنالك بعض | شعائر الله ، منها ~~للمصلي على صفات الأخبات والخضوع ، مذكرا له هيئة | قيام العبيد بين أيدي ~~سادتهم جعل استقبال القبلة شرطا في الصلاة . # وربما يكون الشيء لا يفيد فائدة بدون هيئة ، فيشترط لصحته كالنية ، | فإن ~~الأعمال إنما تؤثر لكونها أشباح هيآت نفسانية ، والصلاة شبح الاخبات ، | ~~ولا إخبات بدون النية ، وكاستقبال القبلة أيضا على تخريج آخر ، فإن توجيه | ~~القلب لما كان خفيا نصب توجيه الوجه إلى الكعبة التي من شعائر الله مقامه ، ~~| وكالوضوء وستر العورة وهجر الرجز ، فإنه لما كان التعظيم أمرا خفيا نصبت ~~| الهيآت التي يؤاخذ الإنسان بها نفسه عند الملوك وأشباههم ، ويعدونها | ~~PageV01P201 | تعظيما ، وصار ذلك كامنا في قلوبهم ، وأجمع عليه عربهم ~~وعجمهم مقامه . # وإذا عين شيء من الطاعات للفرضية فلا بد من ملاحظة أصول : | منها ألا ~~يكلف إلا بالميسر ، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم ' لولا أن | أشق على أمتي ~~لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة ' وتفسيره ما جاء في رواية | أخرى ' لولا أن ~~أشق على أمتي لفرضت عليهم السواك عند كل صلاة كما | فرضت عليهم الوضوء ' . ~~| ومنها أن الأمة إذا اعتقدت في مقدار أن تركه وإهماله تفريط في جنب | الله ~~، واطمأنت به نفوسهم إما لكونه مأثورا عن الأنبياء مجمعا عليه من | السلف ~~أو نحو ذلك - كانت الحكمة أن يكتب ذلك المقدار عليهم كما استوجبوه ، | ~~كتحريم لحوم الإبل وألبانها على بني إسرائيل وهو قوله صلى الله عليه وسلم | ~~في قيام ليالي رمضان حتى : ' خشيت أن يكتب عليكم ' . # ومنها إلا يسجل على التكليف بشيء حتى يكون ظاهرا منضبطا لا يخفى | عليهم ~~، فلذلك لا يجعل من أركان الإسلام الحياء وسائر الأخلاق ، وأن | كانت من ~~شعبة . # ثم الأدنى قد يختلف باختلاف حالتي الرفاهية ms134 والشدة ، فيجعل القيام | ركنا ~~للصلاة في حق المطيق ، ويجعل القعود مكانه في حق غيره . # وأما الحد الأعلى فيزيد كما وكيفا : أما الكم فنوافل من جنس الفرائض ، | ~~كسنن الرواتب وصلاة الليل وصيام ثلاثة أيام من كل شهر ، وكالصدقات | ~~المندوبة ونحو ذلك ، وأما الكيف فهيآت وأذكار وكف لا يلائم الطاعة | يؤمر ~~بها في الطاعة لتكمل ، وتكون مفضية إلى المقصود منها على الوجه الاتم | ~~كتعهد المغابن ويؤمر به في الوضوء لتكمل النظافة ، وكالابتداء باليمين | ~~PageV01P202 | يؤمر به لتكون النفس متنبهة على عظم أمر الطاعة ، وتقبل ~~عليها حين أخذت | نفسها بما يفعل في الأعمال المهمة . # واعلم أن الإنسان إذا أراد أن يحصل خلقا من الأخلاق ، وتنصبغ | نفسه ، ~~ويحيط بها من جميع جوانبها ، فحيلة ذلك أن يؤاخذ نفسه بما يناسب | ذلك ~~الخلق من فعل وهيآت ولو في الأمور القليلة التي لا يعبأ بها العامة ، | ~~كالمترن على الشجاعة يؤاخذ نفسه ألا ينحجم عن الخوض في الوحل | والمشي في ~~الشمس والسري في الليلة الظلماء ونحو ذلك ، وكذلك المتمرن على | الاخبات ~~يحافظ على الآداب العظيمة كل حال ، فلا يجلس على الغائط إلا | مطرقا ~~مستحييا وإذا ذكر الله جمع أطرافه ونحو ذلك وكذلك المتمرن على | الاخبات ~~يحافظ على الآداب العظيمة كل حال ، فلا يجلس على الغائط إلا | مطرقا ~~مستحييا وإذا ذكر الله جمع أطرافه ونحو ذلك ، والمتمرن على العدالة | يجعل ~~لكل شيء حقا ، فيجعل اليمين للأكل والطيبات ، واليسار لإزالة | النجاسة ، ~~وهو سر ما قيل عن للنبي صلى الله عليه وسلم في السواك ' كبر كبر ' | وقوله ~~صلى الله عليه وسلم في قصة حويصة ومحيصة ' كبر الكبر ' فهذا | أصل أبواب من ~~الآداب . # واعلم أن سر قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن الشيطان يأكل بشماله ' | ~~ونحو ذلك من نسبة بعض الأفعال إلى الشياطين - على ما فهمني ربي تبارك | ~~وتعالى - أن الشياطين قد أقدرهم الله تعالى على أن يتشكلوا في رؤيا الناس | ~~ولابصارهم في اليقظة بأشكال تعطيها أمزجتهم وأحوال طارئة عليهم في وقت | ~~PageV01P203 | التشكل ، وقد علم أهل الوجدان السليم أن مزاجهم يعطي التلبس ~~بأفعال ms135 | شنيعة وأفعال تميل إلى طيش وضجر والتقرب من النجاسات والقسوة | عن ~~ذكر الله والإفساد لكل نظام مستحسن مطلوب . # وأعنى بالأفعال الشنيعة ما إذا فعله الإنسان اشمأزت قلوب الناس عنه | ~~واقشعرت جلودهم ، وانطلقت ألسنتهم باللعن والطعن ، ويكون ذلك ، | كالمذهب ~~الطبيعي لبني آدم تعطيه الصورة النوعية ، ويستوي فيه طوائف | الأمم لا ~~للمحافظة على رسم قوم دون قوم أو ملة دون ملة ، مثل أن يقبض | على ذكره ، ~~ويثب ، ويرقص ، أو يدخل إصبعه في دبره ، ويلطخ لحيته | بالمخاط ، أو يكون ~~أجدع الأنف والأذن مسخم الوجه ، أو ينكس | لباسه ، فيجعل أعلى القميص أسفل ~~، أو يركب دابة ، فيجعل وجهه من قبل | ذنبها ، أو يلبس خف في رجل والرجل ~~الأخرى حافية ونحو ذلك من الأفعال | والهيآت المنكرة التي لا يراها أحد إلا ~~لعن ، وسب ، وشتم وقد شاهدت | في بعض الواقعات الشياطين يفعلون بعض ذلك . # وأعنى بأفعال الطيش مثل العبث بثوبه وبالحصى وتحريك الأطراف | على وجه ~~منكر . # وبالجملة فقد كشف الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم تلك الأفعال ، ~~وأنها | تعطيها أمزجة الشياطين ، فلا يتمثل الشيطان في رؤيا أحد أو يقظته ~~إلا وهو | يتلبس ببعضها ، وأن المرضى في حق المؤمن أن يتباعد من الشياطين ~~وهيئاتهم | بقدر الاستطاعة ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم تلك الأفعال ~~والهيآت ، | وكرهها ، وأمر بالاحتراز عنها . # ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم : ' أن هذه الحشوش | محتضرة ' . | ~~PageV01P204 # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' أن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم ' | وأنه ~~يضحك إذا قال الإنسان هاه هاه ' وقس على ذلك الترغيب في هيآت | الملائكة ، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' ألا تصفون كما تصف الملائكة ' | وهذا أصل ~~آخر لأبواب من الآداب . # واعلم أن من أسباب جعل الشيء فرضا بالكفاية أن يكون اجتماع الناس | عليه ~~بأجمعهم مفسدا لمعاشهم ومفضيا إلى إهمال ارتفاقاتهم ، ولا يمكن تعيين | بعض ~~الناس له وتعيين آخرين لغيره ، كالجهاد لو اجتمعوا عليه ، وتركوا | الفلاحة ~~والتجارة والصناعات - لبطل معاشهم ، ولا يمكن تعيين بعض | الناس للجهاد ~~وآخرين للتجارة وآخرين للفلاحة وآخرين للقضاء وتعليم | العلم ms136 ؛ فإن كل واحد ~~يتيسر له ما لا يتيسر إلى يغيره ؛ ولا يعلم المستعد لشيء من | ذلك بالأسامى ~~والأصناف ليدر الحكم عليها . # ومنها أن تكون المصلحة المقصودة به وجود نظام ، ولا يلحق بتركه | فساد ~~حال النفس وغلبة البهيمية ، كالقضاء ، وتعلم علوم الدين ، والقيام | ~~بالخلافة ، فإنها شرعت للنظام ، وتحصل بقيام رجل واحد بها وكعيادة | المريض ~~والصلاة على الجنازة ، فان المقصود ألا تضيع المرضى والموتى ، | وتحصل ~~بقيام البعض بها ، والله أعلم . # # | ( باب أسرار الأوقات ) # لا تتم سياسة الأمة إلا بتعيين أوقات طاعاتها ، والأصل في التعيين | ~~الحدس المعتمد على معرفة حال المكلفين واختيار ما لا يشق عليهم ، وهو | ~~يكفي من المقصود ، ومع ذلك ففيه حكم ومصالح يعلمها الراسخون في العلم ، | ~~وهي ترجع إلى أصول ثلاث . # أحدها أن الله تعالى وإن كان متعاليا عن الزمان لكن قد تظاهرت | ~~PageV01P205 | الآيات والأحاديث على أنه في بعض الأوقات يتقرب إلى عباده ، ~~وفي بعضها | تعرض عليه الأعمال ، وفي بعضها يقدر الحوادث إلى غير ذلك من ~~الأحوال | المتجددة ، وإن كان لا يعلم كنه حقيقتها إلا الله تعالى قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم | : ' ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين ~~يبقى ثلث الليل | الآخر ' وقال : ' إن أعمال العباد تعرض يوم الاثنين ويوم ~~الخميس ' وقال | في ليلة النصف من شعبان : ' إن الله ليطلع فيها ' وفي ~~رواية ' ينزل فيها | إلى السماء الدنيا ' والأحاديث في هذا الباب كثيرة ~~معلومة . # وبالجملة فمن ضروريات الدين أن هنالك أوقاتا يحدث فيها شيء من انتشار | ~~الروحانية في الأرض وسريان قوة مثالية فيها ، وليس وقت أقرب لقبول | ~~الطاعات واستجابة الدعوات من تلك الأوقات ، ففي أدنى سعي حينئذ يتفتح | باب ~~عظيم من انقياد البهيمية للملكية ، والملأ الأعلى لا يعرفون انتشار تلك | ~~الروحانية وسريان تلك القوة بحساب الدورات الفلكية ، بل بالذوق | والوجدان ~~، وبأن ينطبع شيء في قلوبهم ، فيعلموا أن هنالك قضاء نازلا | وانتشارا ~~للروحانية ونحو ذلك ، وهذا هو المعبر عنه في الحديث ' بمنزلة | سلسلة على ~~صفوان ' . # والأنبياء عليهم السلام تنطبع تلك العلوم في قلوبهم من الملأ الأعلى ، | ~~فيدركونها ms137 بالوجدان دون حساب الدورات الفلكية ، ثم يجتهدون في نصب | مظنة ~~لتلك الساعة ، فيأمرون القوم بالمحافظة عليها . # فمن تلك الساعات ما يدور بدوران السنين ، وذلك بقوله تبارك وتعالى : # @QB@ إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين فيها يفرق كل أمر حكيم ~~أمرا من عندنا إنا كنا مرسلين @QE@ # وفيها تعينت روحانية القرآن في السماء الدنيا ، واتفق أنها كانت في رمضان ~~. | PageV01P206 # ومنها ما يدور بدوران الأسبوع ، وهي ساعة خفيفة ترجى فيها استجابة | ~~الدعاء وقبول الطاعات ، وإذا انتقل الناس إلى المعاد كانت تلك هي ساعة | ~~تجلى الله عليهم وتقربه منهم ، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن مظنتها ~~| يوم الجمعة استدل على ذلك بأن الحوادث العظيمة وقعت فيه كخلق آدم عليه | ~~السلام ، وبأن البهائم ربما تتلقى من الملأ السافل علما بعظم تلك الساعة ، ~~| فتصير دهشة مرعوبة كالذي هاله صوت عظيم ، وأنه شاهد ذلك في | يوم الجمعة ~~. | ومنها ما يدور بدوران اليوم وتلك روحانية أضعف من الروحانيات | الأخرى ~~، وقد أجمعت أذواق من شأنهم التلقي من الملأ الأعلى على أنها أربع | ساعات ~~قبيل طلوع الشمس وبعيد استوائها وبعد غروبها وفي نصف الليل | إلى السحر ، ~~ففي تلك الأوقات وقبلها بقليل وبعدها بقليل تنتشر الروحانية ، | وتظهر ~~البركة ، وليست في الأرض ملة إلا وهي تعلم أن هذه الأوقات أقرب | شيء من ~~قبول الطاعات ، لكن المجوس كانوا قد حرفوا الدين ، فجعلوا يعبدون | الشمس ~~من دون الله ، فسد النبي صلى الله عليه وسلم مدخل التحريف ، | فغير تلك ~~الأوقات إلى ما ليس ببعيد منها ولا مفوت لأصل الغرض ، ولم | يفرض عليهم ~~الصلاة في نصف الليل لما في ذلك من الحرج ، وقد صح عن | النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال : ' إن في الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم | يسأل الله ~~تعالى فيها خيرا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه إياه ' وذلك | كل ليلة ، ~~وعنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : | ' أفضل الصلاة نصف الليل وقليل فاعله ~~' وسئل أي الدعاء أسمع ؟ قال | ' جوف الليل ' وقال في ساعة الزوال : ' إنها ~~ساعة تفتح فيها أبواب ms138 السماء ، | فأحب أن يصعد لي فيها عملا صالح ' وقال ' ~~ملائكة النهار تصعد إليه قبل | ملائكة الليل و وقال ' ملائكة الليل تصعد ~~إليه قبل ملائكة النهار ' وقد أشار الله | تعالى في محكم كتابه إلى هذه ~~المعاني حيث قال : | PageV01P207 # ^ ( فسبحن الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في | السموات والأرض ~~وعشيا وحين تظهرون ) ^ # والنصوص في هذا الباب كثيرة معلومة وقد شاهدت منه أمرا عظيما . # الأصل الثاني أن وقت التوجه إلى الله هو وقت كون الإنسان خاليا عن | ~~التشويشات الطبيعية ، كالجوع المفرط والشبع المفرط ، وغلبة النعاس ، | ~~وظهور الكلال ، وكونه حاقبا حاقنا ، والخيالية كامتلاء السمع بالأراجيف | ~~واللغط ، والبصر بالصور المختلفة والألوان المشوشة ، ونحو ذلك من أنواع | ~~التشويشات ، وذلك مختلف باختلاف العادات ، لكن الذي يشبه أن يكون | كالمذهب ~~الطبيعي لعربهم وعجمهم ومشارقتهم ومغاربتهم ، والذي يليق أن | يتخذ دستورا ~~في النواميس الكلية ، والذي يعد مخالفة كالشيء النادر - هو | الغدوة ~~والدلجة ، والإنسان يحتاج إلى مصقلة تزيل عنه الرين بعد | تمكنه من نفسه ، ~~وذلك إذا أوى إلى فراشه ، ومال للنوم ؛ ولذلك نهى | صلى الله عليه وسلم عن ~~السمر بعد العشاء وعن قرض الشعر بعده . # وسياسة الأمة لا تتم إلا بأن يؤمر بتعهد النفس بعد كل برهة من الزمان | ~~حتى يكون انتظاره للصلاة واستعداده لها من قبل أن يفعلها ، وبقية لونها | ~~وصبابة نورها بعد أن يفعلها في حكم الصلاة ، فيتحقق استيعاب اكثر | الأوقات ~~إن لم يكن استيعاب كلها ، وقد جربنا أن النائم على عزيمة قيام الليل | لا ~~يتغلغل في النوم البهيمي ، وأن المتوزع خاطره على ارتفاق دنيوي وعلى | ~~محافظة وقت صلاة أو ورد ألا يفوته - لا يتجرد للبهيمية ، وهذا سر | ~~PageV01P208 | قوله صلى الله عليه وسلم ' من تعار من الليل ' الحديث وقوله ~~تعالى : # @QB@ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله @QE@ # ويصلح أن يجعل الفصل بين كل وقتين ربع النهار ، فإنه يحتوي على | ثلاث ~~ساعات ، وهي أول حد كثرة للمقدار المستعمل عندهم في تجزئة الليل | والنهار ~~عربهم وعجمهم ، وفي الخبر ' أن أول من جزأ النهار والليل إلى | الساعات نوح ms139 ~~عليه السلام وتوارث ذلك بنوه ' . # الأصل الثالث أن وقت أداء الطاعة هو الوقت الذي يكون مذكرا | لنعمة من ~~نعم الله تعالى ، مثل يوم عاشوراء نصر الله تعالى فيه موسى عليه | السلام ~~على فرعون فصامه ، وأمر بصيامه ، وكرمضان نزل فيه القرآن ، | وكان ذلك ~~ابتداء ظهور الملة الإسلامية ، أو مذكرا لطاعة أنبياء الله تعالى | لربهم ، ~~وقبوله أياها منهم كيوم الأضحى يذكر قصة ذبح إسماعيل عليه السلام | وفدائه ~~بذبح عظيم ، أو يكون أداء الطاعة فيه تنويها ببعض شعائر الدين | كيوم الفطر ~~في إيقاع الصلاة ، والصدقة فيه تنويه برمضان وأداء شكر | ما أنعم الله ~~تعالى من توفيق صيامه ، وكيوم الأضحى فيه تشبه بالحاج | وتعرض لنفحات الله ~~المعدة لهم ، أو تكون جرت سنة الصالحين المشهود | لهم بالخير على ألسن ~~الأمم أن يطيعوا الله تعالى فيه ، مثل أوقات الصلوات | الخمس لقول جبرائيل ~~: ' هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك ' ومثل رمضان | على وجه واحد في تفسير ~~قوله تعالى : # @QB@ كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم @QE@ | PageV01P209 # وكصوم يوم عاشوراء بالنسبة إلينا ، ويشبه أن يكون الأصل الثالث | معتبرا ~~في أكثر الأوقات ، والأصلان الأولان أصل الأصل ، والله أعلم . # # | ( باب أسرار الأعداد والمقادير ) # اعلم أن الشرع لم يخص عددا ولا مقدارا دون نظيره إلا لحكم ومصالح ، | وإن ~~كان الاعتماد الكلي على الحدس المعتمد على معرفة حال المكلفين وما يليق | ~~بهم عند سياستهم ، وهذه الحكم والمصالح ترجع إلى أصول : | الأول أن الوتر ~~عدد مبارك لا يجاوز عنه ما كان فيه كفاية ، وهو | قوله صلى الله عليه وسلم ~~: ' إن الله وتر يحب الوتر ، فأوتروا يا أهل القرآن ' | وسره أنه ما من ~~كثرة إلا مبدؤها وحدة ، وأقرب الكثرات من الواحدة | ما كان وترا ؛ إذ كل ~~مرتبة من العدد فيها وحدة غير حقيقة بها تصير تلك | المرتبة ، فالعشرة مثلا ~~وحدات مجتمعة اعتبرت واحدا لا خمسة وخمسة ، | وعلى هذا القياس ، وتلك ~~الوحدة نموذج الوحدة الحقيقة في تلك المراتب | وميراثها منها ، وفي الوتر ~~هذه ومثلها معها وهو الوحدة - بمعنى عدم | الانقسام إلى عددين صحيحين ~~متساويين ms140 - فهو أقرب إلى الوحدة من الزوج ، | وقرب كل موجود من مبدئه يرجع ~~إلى قربه من الحق لأنه مبدأ المبادى ، | والأتم في الوحدة متخلق بخلق الله ~~. # ثم اعلم أن الوتر على مراتب شتى : وتر يشبه الزوج ، ويجنحه كالتسعة | ~~والخمسة فإنهما بعد إسقاط الواحد ينقسمان إلى زوجين ، والتسعة وإن لم | ~~تنقسم إلى عدديين متساويين فإنها تنقسم إلى ثلاثة متساوية ، كما أن الزوج | ~~أيضا على مراتب زوج يشبه الوتر - كاثنى عشر - فإنه ثلاثة أربعات ، | ~~PageV01P210 | وكالستة فإنها ثلاث اثنينات ، وإمام الأوتار وأبعدها من ~~مشابهة الزوج | الواحد ، ووصيه فيها وخليفته ووارثه ثلاثة وسبعة ، وما سوى ~~ذلك فإنه من | قوم الواحد وأمته ، ولذلك اختار النبي صلى الله عليه وسلم ~~الواحد | والثلاثة والسبعة في كثير من المقادير ، وحيث اقتضت الحكمة أن ~~يؤمر | بأكثر منها اختار عددا يحصل من أحدها بالترفع كالواحد يتدفع إلى ~~عشرة | ومائة وألف وأيضا إلى أحد عشر ، وكالثلاثة تترفع إلى ثلاثين وثلاثة ~~| وثلاثين ، وثلاثمائة ، وكالسبعة إلى سبعين وسبعمائة ، فإن الذي يحصل ~~بالترفع | كأنه هو بعينه ولذلك سن النبي صلى الله عليه وسلم مائة كلمة بعد ~~كل صلاة الصلاة ، | ثم قسمها إلى ثلاثة وثلاثين ثلاث مرات ، وأفضل واحد ~~ليصير الأمر | كله وترا راجعا إلى الامام أو وصية ، وكذلك لكل مقولة من ~~مقولات | الجوهر والعرض إمام ووصي كالنقطة إمام ، والدائرة والكرة وصياه ، ~~| وأقرب الأشكال إليه . # وحدثني أبي قدس سره أنه رأى واقعة عظيمة تمثل فيها الحياة والعلم | ~~والارادة وسائر الصفات الالهية - أو قال الحي والعليم والمريد وسائر | ~~الأسماء - لا أدري أي ذلك قال : بصورة دوائر مضيئة ، ثم نبهني على | أن ~~تمثل الشيء البسيط في نشأة الأشكال إنما يكون بأقربها إلى النقطة ، وهو | ~~في السطح الدائرة وفي الجسم الكرة انتهى كلامه . # واعلم أن سنة الله جرت بأن نزول الوحدة إلى الكثرة إنما يكون | بارتباطات ~~مثالية ، وعلى تلك الارتباطات تتمثل الوقائع وإياها يراعى | تراجمة لسان ~~القدم ما أمكنت مراعاتها . # الأصل الثاني في كشف سر ما بين في الترغيب والترهيب ونحو ذلك | من العدد ~~. # واعلم أنه ربما يعرض على ms141 النبي صلى الله عليه وسلم خصال من البر والاثم ، ~~ويكشف | عليه فضائل هذه ومثالب تلك ، فيخبر عما علمه الله ، ويذكر عدد ما ~~علم | PageV01P211 | حالة حينئذ ، وليس من قصده الحصر قال صلى الله عليه ~~وسلم : ' عرضت علي أعمال أمتي : | حسنها وسيئها ، فوجدت في محاسن أعمالها ~~الأذى يماط عن الطريق ، | ووجدت في مساوى أعمالها النخاعة تكون في المسجد ~~لا تدفن ' وقال : | ' عرضت على أجور أمتي حتى القذاة يخرجها الرجل من ~~المسجد ، وعرضت | علي ذنوب أمتي ، فلم أر ذنبا أعظم من سورة من القرآن ، أو ~~آية أوتيها | رجل ، ثم نسيها ' وعلى هذا ينبغي أن يخرج قوله صلى الله عليه ~~وسلم : ' ثلاثة لهم أجران ' | الحديث وقوله صلى الله عليه وسلم ' ثلاثة لا ~~يكلمهم الله تعالى ' الحديث | وقوله صلى الله عليه وسلم ' أربعون خصلة ~~أعلاهن منحة العنز لا يعمل | عبد بخصلة منها رجاء ثوابها أو تصديق موعودها ~~إلا أدخله الله بها الجنة ' | وربما يكشف عليه فضائل عمل أو أبعاض شيء ~~إجمالا ، فيجتهد في إقامة وجه | ضبط لها ونصب عدد يحصر فيه ما كثر وقوعه أو ~~عظم شأنه و نحو ذلك ، | فيخبر بذلك ، وعلى هذا ينبغي أن يخرج قوله صلى الله ~~عليه وسلم ' صلاة | الجماعة تفضل صلاة الغذ بسبع وعشرين درجة ' فإن هذا ~~العدد ثلاثة في | ثلاثة في ثلاثة ، وقد رأى أن منافع الجماعة ترجع إلى ~~ثلاثة أقسام : ما يرجع | إلى نفع نفسه من تهذيبها وظهور الملكية وقهر ~~البهيمية ، وما يرجع إلى الناس من شيوع السنة الراشدة فيهم وتنافسهم فيها ~~وتهذيبهم بها واجتماع كلمتهم عليها ، | وما يرجع إلى الملة المصطفوية من ~~بقائها غضة طرية لم يخالطها التحريف ولا | التهاون وفي الأول ثلاثة : القرب ~~من الله والملأ الأعلى ، وكتابة الحسنات | لهم ، وتكفير الخطيآت عنهم ، وفي ~~الثاني ثلاثة : | PageV01P212 # انتظام حيهم ومدينتهم ، ونزول البركات عليهم في الدنيا ، وشفاعة | بعضهم ~~لبعض في الآخرة : وفي الثالث ثلاثة : # تمشية إجماع الملأ الأعلى وتمسكهم بحبل الله الممدود ، وتعاكس أنوار | ~~بعضهم على بعض ، وفي كل من هذه التسعة ثلاثة : رضا الله عنهم ، وصلوات | ~~الملائكة ms142 عليهم ، وانخناس الشياطين عنهم ، وفي رواية أخرى بخمس | وعشرين ~~ووجهه أن منافع الجماعة خمس في خمسة : استقامة نفوسهم ، | وتألف جماعتهم ، ~~وقيام ملتهم ، وانبساط الملائكة ، وانخناس الشياطين | عنهم ، وفي كل واحد ~~خمسة : رضا الله عنهم ، ونزول البركات في الدنيا عليهم ، | وكتابة الحسنات ~~لهم ، وتكفير الخطيآت عنهم ، وشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم | والملائكة ~~لهم . وسبب اختلاف الروايات في ذلك اختلاف وجوه | الضبط ، والله أعلم . # وربما يؤتى بالعدد إظهارا لعظم الشيء وكبره ، فيخرج العدد مخرج المثل ، | ~~نظيره ما يقال محبة فلان في قلبي مثل الجبل ، وقدر فلان يصل إلى عنان | ~~السماء ، وعلى هذا ينبغي أن يخرج قوله صلى الله عليه وسلم ' يفسح في قبره | ~~سبعون ذراعا ' وقوله ' مد البصر ' وقوله ' إن حوضي ما بين الكعبة وبيت | ~~المقدس ' وقوله ' حوضي لأبعد من أيلة إلى عدن ' وفي مثل ذلك ربما | يذكر ~~تارة مقدار ، وأخرى مقدار آخر ، ولا تناقض في ذلك بحسب | ما يرجع إلى الغرض ~~. | الأصل الثالث أنه لا ينبغي أن يقدر الشيء إلا بمقدار ظاهر معلوم | ~~يستعمله المخاطبون في نظام الحكم ، وله مناسبة بمدار الحكم وحكمته ، فلا | ~~PageV01P213 | ينبغي أن يقدر الدراهم إلا بالأواق ، ولا التمر إلا بالأوساق ~~، ولا ينبغي | أن يؤتى بجزء لا يستخرجه إلا المتعمقون في الحساب ، كجزء من ~~سبعة عشر ، | وجزء من تسعة وعشرين ، ولذلك ما ذكره الله تعالى في الفرائض ~~إلاكسورا | يسهل تنصيفها وتضعيفها ومعرفة مخارجها ، وذلك فضلان : أحدهما ~~سدي | وثلث وثلثان ، وثانيهما ثمن وربع ونصف ، وسره أن يظهر فضل ذي | الفضل ~~، ونقصان ذي النقصان بادي الرأي ، وأن يسهل تخريج المسائل على | الأدانى ~~والأقاصي ، وحيثما وقعت الحاجة إلى مقدار دون المقدار المعتبر | أولا لا ~~تكون النسبة بينهما نسبة الضعف ، فلا ينبغي أن يتعدى من الثلثين | بين ~~النصف والواحد ، ومن الثلث بين الربع والنصف لأن سائر الاجزاء | أخفى منهما ~~، وإذا أريد تقدير ما هو كثير في الجملة ، فالمناسب أن يقدر | بثلاثة ، إذا ~~أريد تقدير ما هو أكثر من ذلك ، فالمناسب تقديره بعشرة ، | وإذا كان الشيء ~~قد يكون قليلا ، وقد يكون كثيرا ms143 ، فالمناسب أن يؤخذ | أقل حد وأكثر حد ، ~~فينصف بينهما ، والمعتبر في باب الزكاة خمس ، | وعشر ، ونصف العشر ، وربع ~~العشر ؛ لأن زيادة الصدقة تدور على كثرة | الريع وقلة المؤنة ، وكانت مكاسب ~~جمهور أهل الاقاليم لا تنتظم إلا في | أربع مراتب وكان المناسب أن يظهر ~~الفرق بين كل مرتبتين - أصرح | ما يكون - وذلك أن تكون الواحدة منها ضعف ~~الآخرى ، وسيأتيك | تفصيله ، وإذا وقعت الحاجة إلى تقدير اليسار مثلا ينبغي ~~أن ينظر إلى ما يعد | في العرف يسارا ، ويرى فيه ما هو من أحكام اليسار . # وذلك بحسب عادة جمهور المكلفين مشارقتهم ومغاربتهم عربهم وعجمهم ، | ~~وبحسب ما هو كالمذهب الطبيعي لهم لولا المانع فإن لم يكن بناء الأمر على | ~~عادة الجمهور لتشتت حالهم ، فالمعتبر حال العرب الأول الذين نزل القرآن | ~~بلغتهم ، وتعينت الشريعة في عاداتهم ، ولذلك قدر الشرع الكنز بخمس | ~~PageV01P214 | أواق لأنها تكفي أقل أهل بيت سنة كاملة في أكثر أطراف ~~المعمورة | - اللهم إلا في الجدب أو البلاد العظيمة جدا أو أعمالها - وقدر ~~الثلة | الصغيرة من الغنم بأربعين ، والكبير بمائة وعشرين ، وقدر الزرع ~~الكثير | بخمسة أوساق لأن أقل البيت زوج وزوجة وثالث أما خادم أو ولد | ~~بينهما ، وأكثر ما يأكله الإنسان في اليوم والليلة مد أو رطل ، ويحتاج مع | ~~ذلك إلى إدام ، وهذا القدر يكفي من ذلك سنة كاملة ، وقدر الماء الكثير | ~~بقلتين ، ولأنه حد لا ينزل منه المعادن ولا يرتقي إليه الاوانى في عادة | ~~العرب وقس على ذلك سائر التقديرات والله أعلم . # # | ( باب أسرار القضاء والرخصة ) # اعلم أن من السياسة أنه إذا أمر بشيء ، أو نهي عن شيء ، وكان المخاطبون ~~لا يعلمون الغرض من ذلك حق العلم وجب أن يجعل عندهم | كالشيء المؤثر ~~بالخاصية ، يصدق بتأثيره ، ولا يدرك سبب التأثير ، وكالرقي | لا يدرك سبب ~~تأثيرها ولذلك سكت النبي صلى الله عليه وسلم عن بيان | أسرار الأوامر ~~والنواهي تصريحا في الأكثر ، وإنما لوح بشيء منه | للراسخين في العلم من ~~أمته ، ولذلك كان اعتناء حملة الملة من الخلفاء | الراشدين | وأئمة الدين ~~بإقامة أشباح الملة أكثر ms144 من الاعتناء بإقامة أرواحها حتى روى | عن عمر رضي ~~الله عنه أنه قال : أحسب جزية البحرين وأنا في الصلاة ، | وأجهز الجيش وأنا ~~في الصلاة ، ولذلك كان سنة المفتين قديما وحديثا | ألا يتعرضوا لدليل ~~المسألة عند الافتاء ، ووجب أن يسجل على الأخذ | بالمأمور حق التسجيل ، ~~ويلام على تركه أشد الملامة ، وتجعل أنفسهم ترغب | PageV01P215 | فيها ~~وتألفها حق الرغبة والألفة حتى تصير داعية الحق محيطة بظواهرهم | وبواطنهم ~~، وإذا كان كذلك ، ثم منع من المأمور به مانع ضروري - وجب أن | يشرع له بدل ~~يقوم مقامه لأن المكلف حينئذ بين أمرين : إما أن يكلف به مع | ما فيه من ~~المشقة والحرج ، وذلك خلاف موضوع الشرع . قال الله تعالى : # @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ # وإما أن ينبذ وراء الظهر بالكلية ، فتألف النفس بتركه ، وتسترسل | مع ~~إهماله ، وإنما تمرن النفس تمرين الدابة الصعبة يغتنم منها الألفة والرغبة ~~، | ومن اشتغل برياضة نفسه أو تعليم الأطفال أو تمرين الدواب ونحو ذلك | ~~يعلم كيف تحصل الألفة بالمداومة ، ويسهل بسببها العمل ، وكيف تذهب | الألفة ~~بالترك والإهمال ، فتضيق النفس بالعمل ، ويثقل عليها ، فإن رام | العود ~~إليه احتاج إلى تحصيل الالفة ثانيا ، فلا بد إذا من شرع القضاء إذا | فات ~~وقت العمل ، ومن الرخص في العمل ليتأتي منه ، ويتيسر له ، والعمدة | في ذلك ~~الحدس المعتمد على معرفة حال المكلفين وغرض العمل وأجزائه | التي لا بد ~~منها في تحصيل ذلك الغرض ، ومع ذلك فله أصول يعلمها الراسخون | في العلم ، ~~أحدها : أن الركن والشرط فيهما شيئان : # أحدهما الأصلي الذي هو داخل حقيقة الشيء ، أو لازمه الذي لا يعتمد به | ~~بدونه بالنظر إلى أصل الغرض منه كالدعاء وفعل الانحناء الدال على التعظيم | ~~والتنبه لخلتى الطهارة والخشوع ، وهذا القسم من شأنه ألا يترك في المكره | ~~والمنشط سواء ؛ إذ لا يتحقق من العمل شيء عند تركه . # وثانيهما التكميلي الذي إنما شرع لكونه واجبا لمعنى آخر محتاجا إلى | ~~التوقيت ، ولا وقت له أحسن من هذه الطاعة ، أو لأنه آلة صالحة لأداء | أصل ~~الغرض كاملا وافرا ، وهذا ms145 القسم من شأنه أن يرخص فيه عند | PageV01P216 | ~~المكاره ، وعلى هذا الأصل ينبغي أن تخرج الرخصة في ترك استقبال القبلة | ~~إلى التحري في الظلمة ونحوها ، وترك ستر العورة لمن لا يجد ثوبا ، وترك | ~~الوضوء إلى التيمم لمن لا يجد ماء ، وترك الفاتحة إلى ذكر من الأذكار لمن | ~~لا يقدر عليها ، وترك القيام إلى القعود والاضطجاع لمن لا يستطيعه وترك | ~~الركوع والسجود إلى الانحناء لمن لا يستطيعها . # الأصل الثاني : أنه ينبغي أن يلتزم في البدل شيء يذكر الأصل ويشعر | بأنه ~~نائبة وبدله ، وسره تحقيق الغرض المطلوب من شرع الرخص ، وهو | أن تبقى ~~الألفة بالعمل الأول ، وأن تكون النفس كالمنتظرة ، ولذلك اشترط | في المسح ~~على الخفين الطهارة وقت اللبس وجعل له مدة ينتهي إليها ، واشترط | التحري ~~في القبلة . # والأصل الثالث : أنه ليس كل حرج يرخص لأجله ، فإن وجوه الحرج | كثيرة ، ~~والرخص في جميع ذلك تفضي إلى إهمال الطاعة ، والاستقصاء | في ذلك نبغي ~~العناء ومقاساة التعب ، وهو المعرف لانقياد الشرع واستقامة | النفس ، ~~فاقتضت الحكمة ألا يدور الكلام إلا على وجوه وقوعها وعظم | الابتلاء بها لا ~~سيما في قوم نزل القرآن بلغتهم ، وتعينت الشريعة في عاداتهم | ولا ينبغي أن ~~يجاوز من ملاحظة كون الطاعة مؤثرة بالخاصية متى ما أمكن ، | ولذلك شرع ~~القصر في السفر دون الاكساب الشاقة ، ودون الزراع | والعمال ، وجوز للمسافر ~~المترفه ما جوز لغير المترفه ، والقضاء منه قضاء | بمثل معقول ، ومنه بمثل ~~غير معقول ، ولما كان أصل الطاعة انقياد القلب | لحكم الله ومؤاخذة النفس ~~بتعظيم الله كان كل من عمل عن غير قصد | ولا عزيمة أو هو من جنس من لا ~~يتكامل قصده ولا يتمكن من مؤاخذة | نفسه بالتعظيم كما ينبغي - من حقه أن ~~يعذر وألا يضيق عليه كل التضييق | PageV01P217 | وعلى هذا ينبغي أن يخرج ~~قوله صلى الله عليه وسلم : ' رفع القلم عن ثلاثة ' | الحديث والله أعلم . | # | ( باب إقامة الارتفاقات واصلاح الرسوم ) # قد ذكرنا فيما سبق تصريحا أو تلويحا أن الارتفاق الثاني والثالث | مما ~~جبل عليه البشر ، وامتازوا به عن سائر أنواع الحيوان ms146 ، محال أن | يتركوهما ~~، أو يهملوهما ، وأنهم يحتاجون في كثير من ذلك إلى حكيم عالم | بالحاجة ~~وطريق الارتفاق منها ، منقاد للمصلحة الكلية إما مستنبط بالفكر | والروية ~~أو يكون نفسه قد جبلت فيها قوة ملكية ، فيكون مهيئا لنزول | علوم من الملأ ~~الأعلى ، وهذا أتم الأمرين وأوثق الوجهين ، وأن الرسوم | من الارتفاقات هي ~~بمنزلة القلب من الجسد ، وأنه قد يدخل في الرسوم | مفاسد من جهة ترأس قوم ~~ليس عندهم مسكة العقل الكلي فيخرجون | إلى أعمال سبعية أو شهوية أو شيطانية ~~، فيروجونها ، فيقتدي بهم أكثر | الناس ، ومن جهة أخرى نحو ذلك ، فتمس ~~الحاجة إلى رجل قوي مؤيد | من الغيب منقاد للمصلحة الكلية ، ليغير رسومهم ~~إلى الحق بتدبير لا يهتدي له | في الأكثر إلا المؤيدون من روح القدس . # فإن كنت قد أحطت علما بما هنالك فاعلم أن أصل بعثة الأنبياء وإن كان | ~~لتعليم وجوه العبادات أولا وبالذات ، لكنه قد تنضم مع ذلك إرادة إخمال | ~~الرسوم الفاسدة والحث على وجوه من الارتفاقات ، وذلك قوله صلى الله عليه ~~وسلم | : ' بعثت لمحق المعازف ' . وقوله صلى الله عليه وسلم : | ' بعثت ~~لأتمم مكارم الأخلاق ' . | PageV01P218 # واعلم أنه ليس رضا الله تعالى في إهمال الارتفاق الثاني والثالث . | ولم ~~يأمر بذلك أحد من الأنبياء عليهم السلام . وليس الأمر كما ظنه قوم | فروا ~~إلى الجبال ، وتركوا مخالطة الناس رأسا في الخير والشر ، وصاروا | بمنزلة ~~الوحش ، ولذلك رد النبي صلى الله عليه وسلم على من أراد التبتل | وقال : ' ~~ما بعثت بالرهبانية وإنما بعثت بالملة الحنيفية السمحة ' لكن الانبياء | ~~عليهم السلام أمروا بتعديل الارتفاقات ، وألا يبلغ بها حال المتعمقين في | ~~الرفاهية كملوك العجم ، ولا ينزل بها إلى - حال سكان شواهق الجبال | ~~اللاحقين بالوحش . # وهنا قياسان متعارضان : أحدهما أن الترفه حسن يصح به المزاج ، | ويستقيم ~~به الأخلاق ، ويظهر به المعاني التي امتاز به الآدمي من سائر | بني جنسه ، ~~والغباوة والعجز ونحوهما تنشأ من سوء التدبير . # وثانيهما أن الترفه قبيح لاحتياجه إلى منازعات ومشاركات وكد وتعب | ~~وإعراض عن جانب الغيب وإهمال لتدبير الآخرة ، ولذلك كان المرضى | التوسط ~~وإبقاء ms147 الارتفاقات وضم الأذكار معها والآداب وانتهاز فرص | للتوجه إلى ~~الجبروت ، والذي أتى به الأنبياء قاطبة من عند الله تعالى في هذا | الباب ~~هو أن ينظر إلى ما عند القوم من آداب الأكل والشرب واللباس | والبناء ووجوه ~~الزينة ، ومن سنة النكاح وسيرة المتناكحين ، ومن طرق البيع | والشراء ، ومن ~~وجوه المزاجر عن المعاصي وفصل القضايا ونحو ذلك . | فإن كان الواجب بحسب ~~الرأي الكلي منطبقا عليه ، فلا معنى لتحويل شيء | منه من موضعه ولا العدول ~~عنه إلى غيره ، بل يجب أن يحث القوم على | الأخذ بما عندهم ، وأن يصوب ~~رأيهم في ذلك ، ويرشدوا إلى ما فيه من | المصالح ، وإن لم ينطق عليه ، ومست ~~الحاجة إلى تحويل شيء أو إخماله لكونه | مفضيا إلى تأذي بعضهم من بعض أو ~~تعمقا في لذات الحياة الدنيا وإعراضا | عن الإحسان ، أو من المسليات التي ~~تؤدي إلى إهمال مصالح الدنيا والآخرة | PageV01P219 | ونحو ذلك - فلا ينبغي ~~أن يخرج إلى ما يباين مألوفهم بالكلية ، بل يحول | إلى نظير ما عندهم أو ~~نظير ما اشتهر من الصالحين المشهود لهم بالخير عند | القوم ، وبالجملة فإلى ~~ما لو ألقي عليهم لم تدفعه عقولهم ، بل اطمأنت بأنه حق ، | ولهذا المعنى ~~اختلفت شرائع الأنبياء عليهم السلام . # والراسخ في العلم يعلم أن الشرع لم يجيء في النكاح والطلاق ، | ~~والمعاملات والزينة واللباس والقضاء والحدود وقسمة الغنيمة بما لم يكن | ~~لهم به علم ، أو يترددوا فيه إذا كلفوا به ، نعم إنما وقع إقامة المعوج | ~~وتصحيح السقيم كان قد كثر فيهم الربا ، فنهوا عنه ، وكانوا يبيعون الثمار | ~~قبل أن يبدو صلاحها يختصمون ، ويحتجون بعاهات تصيبها فيه عن | ذلك البيع ، ~~وكانت الدية على عهد عبد المطلب عشرة من الابل ، فلما رأى | أن القوم لا ~~يرتدعون عن القتل بلغها مائة ، فأبقاها النبي صلى الله عليه وسلم | على ذلك ~~، وأول قسامة وقعت هي التي كانت بحكم أبي طالب ، وكان لرئيس | القوم مرباع ~~كل غارة ، فسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الخمس من | كل غنيمة ، وكان ~~قباذ وابنه أنوشروان وضعا عليهم الخراج والعشر ms148 ، فجاء | الشرع بنحو من ذلك ~~، وكان بنو إسرائيل يرجمون الزناة ، ويقطعون السراق | ويقتلون النفس بالنفس ~~، فنزل القرآن بذلك . . . ، وأمثال هذه كثيرة جدا | لا تخفى على المتتبع ، ~~بل لو كنت فطنا محيطا بجوانب الأحكام لعلمت أيضا | أن الأنبياء عليهم ~~السلام لم يأتوا في العبادات غير ما عندهم هو أو نظيره ، | لكنهم نفوا ~~تحريفات الجاهلية ، وضبطوا بالأوقات والأركان ما كان مبهما | وأشاعوا بين ~~الناس ما كان خاملا . # اعلم أن العجم والروم لما توارثوا الخلافة قرونا كثيرة ، وخاضوا | في لذة ~~الدنيا ، ونسوا الدار الآخرة ، واستحوذ عليهم الشيطان - تعمقوا | ~~PageV01P220 | في مرافق المعيشة ، وتباهوا بها ، وورد عليهم حكماء الآفاق ~~يستنبطون لهم | دقائق المعاش ومرافقه ، فما زالوا يعملون بها ، ويزيد بعضهم ~~على بعض ، | ويتباهون بها حتى قيل إنهم كانوا يعيرون من كان يلبس من ~~صناديدهم ، | منطقة أو تاجا قيمتها دون مائة ألف درهم ، أولا يكون له قصر ~~شامخ وآبزن | وحمام وبساتين ، ولا يكون له دواب فارهة وغلمان حسان ، ولا ~~يكون | له توسع في المطاعم وتجمل في الملابس ، وذكر ذلك يطول . . ، وما ~~تراه من | ملوك بلادك يغنيك عن حكاياتهم ، فدخل كل ذلك في أصول معاشهم ، | ~~وصار لا يخرج من قلوبهم إلا أن تمزع وتولد من ذلك داء عضال دخل | في جميع ~~أعضاء المدينة ، وآفة عظيمة لم يبق منهم أحد من أسواقهم ورسناقهم | وغنيهم ~~وفقيرهم إلا وقد استولت عليه ، وأخذت بتلابيبه ، وأعجزته | في نفسه ، ~~وأهاجت عليه غموما وهموما لا أرجاء لها ، وذلك أن تلك | الأشياء لم تكن ~~لتحصل إلا ببذل أموال خطيرة ، ولا تحصل تلك الأموال | إلا بتضعيف الضرائب ~~على الفلاحين والتجار وأشباههم والتضييق عليهم ، | فان امتنعوا قاتلوهم ، ~~وعذبوهم ، وإن أطاعوا جعلوهم بمنزلة الحمير والبقر | يستعمل في النضح ~~والدياس والحصاد ، ولا تقتني إلا ليستعان بها في الحاجات ، | ثم لا تترك ~~ساعة من العناء حتى صاروا لا يرفعون رؤسهم إلى السعادة | الأخوية أصلا ، ~~ولا يستطيعون ذلك ، وربما كان إقليم واسع ليس فيهم | أحد يهمه دينه ، ولم ~~يكن ليحصل أيضا إلا بقوم يتكسبون بتهيئة تلك المطاعم | والملابس والابنية ~~وغيرها ، ويتركون ms149 أصول المكاسب التي عليها بناء نظام | العالم ، وصار عامة ~~من يطوف عليهم يتكلفون محاكاة الصناديد في هذه | الأشياء ، وإلا لم يجدوا ~~عندهم حظوة ، ولا كانوا عندهم على بال ، وصار | جمهور الناس عيالا على ~~الخليفة يتكففون منه تارة على أنهم من الغزاة | والمدبرين للمدينة يترسمون ~~برسومهم ولا يكون المقصود دفع الحاجة ولكن | PageV01P221 | القيام بسيرة ~~سلفهم ، وتارة على أنهم شعراء جرت عادة الملوك بصلتهم ، | وتارة على أنهم ~~زهاد وفقراء يقبح من الخليفة ألا يتفقد حالهم ، فيضيق | بعضهم بعضا ، ~~وتتوقف مكاسبهم على صحبة الملوك والرفق بهم وحسن | المحاورة معهم والتملق ~~منهم ، وكان ذلك هو الفن الذي تتعمق أفكارهم فيه ، | وتضيع أوقاتهم معه ، ~~فلما كثرت هذه الأشغال تشبح في نفوس الناس | هيآت خسيسة ، وأعرضوا عن ~~الأخلاق الصالحة # وإن شئت أن تعرف حقيقة هذا المرض ، فانظر إلى قوم ليست فيهم | الخلافة ، ~~ولا هم متعمقون في لذائذ الأطعمة والألبسة - تجد كل واحد | منهم بيده أمره ~~، وليس عليه من الضرائب الثقيلة ما يثقل ظهره ، فهم | يستطيعون التفرغ لأمر ~~الدين والملة ، ثم تصور حالهم لو كان فيهم الخلافة ، | وملأوها ، وسخروا ~~الرعية ، وتسلطوا عليهم فلما عظمت المصيبة واشتد | هذا المرض - سخط عليهم ~~الله والملائكة المقربون ، | وكان رضاه تعالى | في معالجة هذا المرض بقطع ~~مادته ، فبعث نبيا أميا صلى الله عليه وسلم | لم يخالط العجم والروم ، ولم ~~يترسم برسومهم ، وجعله ميزانا يعرف به | الهدى الصالح المرضي عند الله من ~~غير المرضي ، وأنطقه بذم عادات الأعاجم | وقبح الاستغراق في الحياة الدنيا ~~والاطمئنان بها ، ونفث في قلبه أن يحرم | عليهم رءوس ما اعتاده الأعاجم ، ~~وتباهوا بها كلبس الحرير والقسى | والأرجوان واستعمال أواني الذهب والفضة ~~وحلي الذهب غير المقطع | والثياب المصنوعة فيها الصور وتزويق البيوت وغير ~~ذلك ، وقضى بزوال | دولتهم بدولته ، ورياستهم برياسته ، وبأنه هلك كسرى ، ~~فلا كسرى | بعده وهلك قيصر ، فلا قيصر بعده . # واعلم أنه كان في أهل الجاهلية مناقشات ضيقت على القوم وصعبت ، | ولم يكن ~~زوالها إلا بقطع رءوسهم في ذلك الباب كثأر القتلة كان الإنسان يقتل | ~~إنسانا فيقتل ولي المقتول ms150 أخا القاتل أو ابنه ، ويعود هذا فيقتل واحدا | ~~PageV01P222 | منهم ، ويدور الأمر كذلك فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' ~~كل دم | موضوع تحت قدمي هذه ، وأول دم أضعه دم ربيعة ' وكالمواريث وكان | ~~رؤساء القوم يقضون فيها بقضايا مختلفة ، وكان الناس لا يمتنعون من نحو | ~~غصب وربا ، فيمرقون على ذلك ، ثم يأتي قرن آخر ، فيحتجون بحجج ، | فقطع ~~النبي صلى الله عليه وسلم المناقشة من بينهم ، فقال كل شيء أدركه | الاسلام ~~يقسم على حكم القرآن ، وكل ما قسم في الجاهلية ، أو حازه إنسان | في ~~الجاهلية بوجه من الوجوه ، فهو على ما كان لا ينقض ، وكالربا كان | أحدهم ~~يقرض مالا ويشترط زيادة ، ثم يضيق عليه ، فيجعل المال | وما اشترط جميعا ~~أصلا ، ويشترط الزيادة عليه وهلم جرا حتى يصير | قناطير مقنطرة ، فوضع ~~الربا ، وقضى برأس المال . # @QB@ لا تظلمون ولا تظلمون @QE@ # إلى غير ذلك من أمور لم تكن لتترك لولا النبي صلى الله عليه وسلم . # واعلم أنه ربما يشرع للناس رسم قطعا لضغائنهم كالابتداء من اليمين | في ~~السقي ونحوه ، فإنه قد يكون ناس متشاكسون ، ولا يسلم الفضل | ليبدأ بصاحبه ~~، فلا تنقطع المناقشة بينهم إلا بمثل ذلك ، وكأمامة صاحب | البيت ، وكتقدم ~~صاحب الدابة على رفيقه إذا ركباها ونحو ذلك ، والله أعلم . | PageV01P223 # # | ( باب الأحكام التي يجر بعضها لبعض ) # قال الله تعالى : # ^ ( وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل | الذكر أن ~~كنتم لا تعلمون بالبينات والزبر وأنزلنا إليك | الذكر لتبين للناس ما نزل ~~إليهم لعلهم يتفكرون ) ^ # اعلم أن أن الله تعالى بعث نبيه صلى الله عليه وسلم ، ليبين للناس ما ~~أوحاه | إليه من أبواب العبادات ؛ ليأخذوا بها ومن أبواب الآثام ، ~~ليجتنبوها ، | وما ارتضاه لهم من الارتفاقات ، ليقتدوا بها . . . ، ومن هذا ~~البيان أن يعلمهم | ما يقتضيه الوحي ، أو يومئ أليه و نحو ذلك . # وهذه أصول يخرج عليها جملة عظيمة من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم ، | ~~ونذكر ههنا معظمها : منها أن الله تعالى إذا أجرى سنته على نحو | بأن رتب ~~الأسباب مفضية إلى مسبباتها ، لتنظم المصلحة المقصودة ms151 بحكمته | البالغة ~~ورحمته التامة - اقتضى ذلك أن يكون تغير خلق الله شرا وسعيا في | الافساد ~~وسببا لترشح النفرة عليه من الملأ الأعلى ، فلما خلق الله الإنسان | على ~~وجه لا يتكون في أكثر الأوقات والأحيان من الأرض تكون | الديدان منها ، ~~وكانت حكمته تقضى بقاء نوع الإنسان ، بل انتشار أفراده | وكثرتهم في العالم ~~- أودع فيهم قوى التناسل ، ورغبهم في طلب النسل ، | وجعل الغلمة مسلطة ~~عليهم منهم ؛ ليقضي الله بذلك أمرا أوجبته الحكمة | البالغة ، فلما أطلع ~~الله النبي صلى الله عليه وسلم على هذا السر ، وكشف عليه | جلية الحال - ~~اقتضى ذلك أن ينهى عن قطع هذا السبيل وإهمال تلك القوى | PageV01P224 | ~~المقتضية أو صرفها في غير محلها ، ولذلك نهى أشد النهي عن الخصاء واللواطة ~~| وكره العزل . # واعلم أن أفراد الإنسان عند سلامة مزاجها وتمكين المادة وأحكام النوع | ~~من نفسها - تكون على هيئة معلومة من استواء القامة وظهور البشرة ونحو | ذلك ~~وهذا حكم النوع ومقتضاه وأثره في الأفراد ، وفي الخير العالي طلب | واقتضاء ~~لبقاء الأنواع وظهور اشباحها في الأرض ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه ~~وسلم | أمر بقتل الكلاب ، ثم نهى عن ذلك ، وقال : ' إنها أمة | من الأمم ' ~~يعني أن النوع له مقتض عند الله ، ونفى أشباحه من الأرض غير | مرضى ، وهذا ~~الاقتضاء ينجر إلى اقتضاء ظهور أحكام النوع في الأفراد ، | فمنافضة هذا ~~الاقتضاء والسعي في رد قبيح منافر للمصلحة الكلية ، | وعلى | هذه القاعدة ~~يخرج التصرف في البدن بما لا يقتضيه حكم النوع كالخصاء | والتفلج والتنمص ~~ونحو ذلك ، أما الكحل والتسريح فان ذلك كالاعانة | على ظهور الأحكام ~~المقصودة والموافقة بها ، ولما شرع الله تعالى لبني آدم | شريعة ينتظم بها ~~شملهم ، ويصلح بها حالهم ، كان في الملكوت داعية لظهورها | كان أمرها ~~كأمرها الأنواع في طلب ظهور الأشباح في الأرض ، ولذلك | كان السعي في ~~إهمالها مسخوطا عند الملأ الأعلى منافرا لما هو مقتضاهم | ومطمح همهم ، ~~وكذلك الارتفاقات التي أحمع عليها طوائف الناس من عربهم | وعجمهم وأقاصيهم ~~وأدانيهم فإنها كالأمر الطبيعي . # فلما شرع الله تعالى الإيمان والبينات موضحة ms152 لجلية الحال اقتضى ذلك | أن ~~تكون شهادة الزور واليمين الكاذبة مسخوطة عند الله وملائكته . | ~~PageV01P225 # ومنها أنه إذا أوحى إليه بحكم من أحكام الشرع ، واطلع على حكمته | وسببه ~~كان له أن يأخذ تلك المصلحة ، وينصب لها علة ، ويدير عليها | ذلك الحكم ، ~~وهذا قياس النبي صلى الله عليه وسلم . . . ، وإنما قياس أمته أن | يعرفوا ~~علة الحكم المنصوص عليه ، فيديروا الحكم حيث دارت ، مثاله الأذكار | التي ~~وقتها النبي صلى الله عليه وسلم بالصباح والمساء ووقت النوم ، فإنه لما | ~~اطلع على حكمة شرع الصلوات اجتهد في ذلك . # ومنها أنه إذا فهم النبي صلى الله عليه وسلم من آية وجه سوق الكلام ، | ~~وإن لم يكن غيره يفهم منه ذلك لدقة مأخذه أو تزاحم الاحتمالات فيه - | كان ~~له أن يحكم حسبما فهم كقوله تعالى : # @QB@ إن الصفا والمروة من شعائر الله @QE@ # فهم منه النبي صلى الله عليه وسلم أن تقديم الصفا على المروة لأجل | ~~موافقة البيان لما هو المشروع لهم كما قد يكون لموافقة السؤال ونحو ذلك ، | ~~فقال : ' ابدءوا ما بدأ الله به ' وكقوله تعالى : # @QB@ لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن @QE@ # وقوله تعالى : # @QB@ فلما أفل قال لا أحب الآفلين @QE@ # فهم منهما النبي صلى الله عليه وسلم استحباب أن يعبدوا الله تعالى عند | ~~الكسوف والخسوف ، وكقوله تعالى : # @QB@ ولله المشرق والمغرب @QE@ الآية | PageV01P226 # فهم منه أن استقبال القبلة فرض يحتمل السقوط عند العذر ، فخرج | حكم من ~~تحرى في الليلة الظلماء ، فاخطأ جهة القبلة ، وصلى لغيرها ، وحكم | الراكب ~~على الدابة يصلي النافلة خارج البلد . # ومنها أنه إذا أمر الله تعالى أحدا بشيء من معاملة الناس اقتضى ذلك أن | ~~يؤمر الناس بالانقياد له فيها ، فلما أمر القضاة أن يقيموا الحدود اقتضى ~~ذلك | أن يؤمر العصاة بأن ينقادوا لهم فيها ، ولما أمر المصدق بأخذ الزكاة ~~من | القوم أمروا ألا يصدر عنهم إلا راضيا ، ولما أمر النساء أن يسترن أمر ~~| الرجال أن يغضوا أبصارهم عنهن . # ومنها أنه إذا نهى عن شيء اقتضى ذلك أن يؤمر بضده وجوبا أو ندبا | حسب ~~اقتضاء ms153 الحال ، وإذا أمر بشيء اقتضى ذلك أن ينهى عن ضده فلما أمر | بصلاة ~~الجمعة والسعي إليها وجب أن ينهى عن الاشتغال بالبيع والمكاسب | حينئذ . # ومنها أنه إذا أمر بشيء حتما اقتضى ذلك أن يرغب في مقدماته ودواعيه ، | ~~وإذا نهى عن شيء حتما اقتضى ذلك أن يسدد ذرائعه ، ويحمل دواعيه ، | ولما ~~كانت عبادة الصنم إثما وكانت المخالطة بالصور والأصنام مفضية إليه كما | ~~وقع في الأمم السالفة وجب أن يقبض على أيدي المصورين ، ولما كان | شرب ~~الخمر إثما وجب أن يقبض على أيدي العصارين ، وينهى عن الحضور | على المائدة ~~التي فيها خمر ، ولما كان القتال في الفتنة إثما وجب أن ينهى عن | بيع ~~السلاح في وقت الفتنة . # ونظير هذا الباب من سياسة المدينة أنهم لما اطلعوا على مفسدة دس | السم ~~في الطعام والشراب أخذوا المواثيق من بائعي الأدوية ألا يبيعوا السم | إلا ~~قدرا لا يهلك شاربه غالبا ، ولما اطلعوا على خيانة قوم اشترطوا عليهم | ~~PageV01P227 | ألا يركبوا الخيل ، ولا يحملوا السلاح . . . ، وكذلك باب ~~العبادات لما كانت | الصلاة أعظم أبواب الخير وجب أن يحض على الجماعة فانها ~~إعانة على الأخذ | بها ، ووجب أن يحض على الأذان ، ليحصل الاجتماع في زمان ~~واحد | في مكان واحد ، ووجب الحث على بناء المساجد وتطييبها وتنظيفها ، ~~ولما | كانت معرفة أول يوم من رمضان متوقفة عند الغيم ونحوه على عدة شعبان ~~| استحب إحصاء هلال شعبان . ونظيره من سياسة المدينة أنهم لما رأوا في | ~~الرمي منفعة عظيمة أمروا بالاكثار من اصطناع القسى والنبل والتجارة فيها . # ومنها أنه إذا أمر بشيء ، أو نهى عن شيء أقضى ذلك بذلك أن ينوه بشأن | ~~المطيعين ، ويزدري بالعصاة ، ولما كانت قراءة القرآن مطلوبا شيوعها | ~~والمواظبة عليها وجب أن يسن ألا يؤمهم إلا أقرؤهم ، وأن يوقر القراء في | ~~المجالس ، ولما كان القذف إثما وجب أن يسقط القاذف من مرتبة قبول | الشهادة ~~، وعلى ذلك يخرج ما ورد من النهي عن مفاتحة المبتدع والفاسق | بالسلام ~~والكلام . . . ، ونظيره من سياسة المدينة زيادة جائزة الرماة وتقديمهم | في ~~الاثبات والاعطاء . # ومنها أنه ms154 إذا أمر القوم بشيء ، أو نهوا عنه كان من حق ذلك أن يؤمروا | ~~بعزيمة الأقدام على هذا والكف عن ذلك وأن يأخذوا قلوبهم باضمار | الداعية ~~حسب الفعل ، ولذلك ورد التوبيخ عن إضمار أن يقصد عدم | الأداء في القرض ~~والمهر . # ومنها أنه إذا كان شيء يحتمل مفسدة كان من حقه أن يكره كقوله | صلى الله ~~عليه وسلم : ' فلا يغمس يده في الاناء ، فإنه لا يدري أين باتت يده ' | ~~وبالجملة علم الله نبيه أحكاما من العبادات والارتفاقات فبينها النبي | ~~PageV01P228 | صلى الله عليه وسلم بهذا النحو من البيان وخرج منها أحكاما ~~جليلة في كل | باب باب ، وهذا الباب من البيان مع الباب الذي يليه إن شاء ~~الله تعالى | تلقاهما فقهاء الأمة من بين علوم النبي صلى الله عليه وسلم ~~ووعاهما قلوبهم | بتدبر ، فانشعب منها ما أودعوه في مصنفاتهم وكتبهم ، ~~والله أعلم . # # | ( باب ضبط المبهم وتميز المشكل والتخريج من الكلية ونحو ذلك ) # اعلم أن كثير من الأشياء التي أديرت الأحكام على أساميها معلوم بالمثال | ~~والقسمة ، غير معلوم بالحد الجامع المانع الذي يكشف حال كل فرد فرد أنه | ~~منه أولا كالسرقة قال الله تعالى : # @QB@ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما @QE@ # أجري الحد على اسم السارق ، ومعلوم أن الواقع في قصة بني الأبيرق | ~~وطعيمة والمرأة المخزومية هي السرقة ومعلوم أن اخذ مال الغير أقسام : | ~~منها السرقة ، ومنها قطع الطريق ، ومنها الاختلاس ، ومنها الخيانة ، ومنها ~~| الالتقاط ، ومنها الغصب ، ومنها قلة المبالاة ، وفي مثل ذلك ربما يسأل ~~النبي | صلى الله عليه وسلم عن صورة صورة هل هي من السرقة سؤال مقال أو | ~~سؤال حال ، فيجب عليه أن يبين حقيقة السرقة متميزة عما يشاركها بحيث | يتضح ~~حال كل فرد فرد ، وطريق التميز أن ينظر إلى ذاتيات هذه الأسامي التي | لا ~~توجد في السرقة ، ويقع بها التفارق بين القبلتين وإلى ذاتيات السرقة التي | ~~يفهمها أهل العرف من تلك اللفظة ، ثم يضبط السرقة بأمور معنوية يحصل | بها ~~التمييز ، فيعلم مثلا أن قطع الطريق والحرابة ونحوهما من الأسامي تنبئ | عن ~~اعتماد القوة بالنسبة إلى ms155 المظلومين واختيار مكان أو زمان لا يلحق فيه | ~~PageV01P229 | الغوث من الجماعة ، وأن الاختلاس ينبئ عن اختطاف على أعين ~~الناس ، | وفي مرأى منهم ومسمع ، والخيانة تنبئ عن تقدم شركة أو مباسطة ، ~~وحفظ | الالتقاط ينبئ عن وجدان شيء في غير حرز ، والغصب ينبئ عن غلبة | ~~بالنسبة إلى المظلوم جهرة معتمدا على جدل أو ظن ألا ترفع القضية إلى الولاة ~~، | أو لا ينكشف عليهم جلية الحال ، أو لا يقضوا بحق لنحو رشوة ، وقلة | ~~المبالاة تقال في الشيء التافه الذي جرى العرف ببذله والمواساة به كالماء | ~~والحطب ، والسرقة تنبئ عن الأخذ خفية ، فضبط النبي صلى الله عليه وسلم | ~~السرقة بربع دينار أو ثلاثة دراهم ، ليتميز عن التافه وقال : ' ليس على ~~خائن | ولا منتهب ولا مختلس قطع ' وقال ' لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة ~~| الجبل ' يشير إلى اشتراط الحرز و ، كالرفاهية البالغة فإنها مفسدة غير ~~مضبوطة ، | ولا متميز مواقع وجودها بأمارات ظاهرة يؤاخذ بها الأداني ~~والأقاصي ، | ولا يشتبه على أحد أن الرفاهية متحققة فيها ، معلوم أن عادة ~~العجم في اقتناء | المراكب الفارهة والأبنية الشامخة والثياب الرفيعة ~~والحلي المترفة ونحو ذلك | من الرفاهية البالغة ، ومعلوم أن الترفه مختلف ~~باختلاف الناس ، فترفه قوم | تقشف عند الآخرين ، وجيد إقليم تافه في إقليم ~~آخر ، ومعلوم أن | الارتفاق قد يكون بالجيد وبالرديء والثاني ليس بترفه . . ~~. ، والارتفاق | بالجيد قد يكون من غير قصد إلى جودته ، أو من غير أن يكون ~~ذلك غالبا | عليه في أكثر أمره ، فلا يسمى في العرف مترفها ، فأطلق الشرع ~~التنبه على | مفاسد الرفاهية مطلقا ، وخص أشياء وجدهم لا يرتفقون بها إلا ~~للترفه ، | ووجد الترفه بها عادة فاشية فيهم ، ورأى أهل العصر من العجم ~~والروم | كالمجمعين على ذلك ، فنصبها مظنة للرفاهية البالغة ، وحرمها ، ولم ~~ينظر إلى | الارتفاقات النادرة ، ولا إلى عادة الأقاليم البعيدة ، فتحريم ~~الحرير وأواني | الذهب والفضة من هذا الباب ، ثم أنه وجد حقيقة الرفاهية ~~اختيار الجيد | PageV01P230 | من كل الارتفاق والأعراض عن رديئة ، ~~والرفاهية البالغة اختيار الجيد وترك | الردئ من جنس واحد ، ووجد من ~~المعاملات ms156 ما لا يقصد فيه إلا اختيار | الجيد والإعراض عن الردئ من جنس ~~واحد اللهم إلا في مواد قليلة لا يعبأ | بها في قوانين الشرائع فحرمها ~~لأنها كالشبح لمعنى الرفاهية وكالتمثال لها وتحريمها | كالمقتضى الطبيعي ~~لكراهته الرفاهية وإذا كانت مظان الشيء محرمة لأجله | وجب أن يحرم شبحه ~~وتمثاله بالأولى ، وتحريم بيع النقد والطعام بجنسهما | متفاضلا مخرج على ~~هذه القاعدة ، ولم يحرم اشتراء الجيد بالثمن الغالي لأن | الثمن ينصرف إلى ~~ذات المبيع دون وصفه عند اختلاف الجنس ولم يحرم اشتراء | جارية بجاريتين ، ~~ولا ثوب بثوبين لأنها من ذوات القيم فتنصرف زيادة الثمن | إلى خواص الشخص ، ~~وتكون الجودة مغمورة في تلك الخواص ، فلا يتحقق | اعتبار الجودة بادي الرأي ~~. # ومما مهدنا ينكشف كثير من النكت المتعلقة بهذا الباب كسبب كراهية | بيع ~~الحيوان بالحيوان وغير ذلك ، فليتدبر ، وقد يكون شيآن مشتبهين | لا يتميزان ~~لأمر خفي لا يدركه إلا النبي صلى الله عليه وسلم والراسخون في | العلم من ~~أمته ، فتمس الحاجة إلى معرفة علامة ظاهرة لكل منهما وإدارة | حكم البر ~~والإثم على علاماتهما ، وأحكام التفريق بينهما ( مثاله ) النكاح | والسفاح ~~فحقيقة النكاح إقامة المصلحة التي يبنى عليها نظام العالم بالتعاون بين | ~~الزوج وزوجته وطلب النسل وتحصين الفرج ونحو ذلك ، وذلك مرضى | عنه مطلوب ، ~~وحقيقة السفاح جريان النفس في غلوائها وإمعانها في اتباع | شهوتها وخرق ~~جلباب الحياء والتقيد عنها وترك التعريج إلى المصلحة الكلية | والنظام ~~الكلي ، وذلك مسخوط عليه ممنوع عنه ، وهما متشابهان في أكثر | الصور ، ~~فإنهما يشتركان في قضاء الشهوة وإزالة ألم الغلمة والميل إلى النساء | ونحو ~~ذلك ، فمست الحاجة إلى تميز كل واحد عن صاحبه بعلامة ظاهرة ، | وإدارة ~~الطلب والمنع عليها ، فحض النبي صلى الله عليه وسلم النكاح | بأمور ( منها ~~) أن يكون بالنساء دون الرجال ، فإن طلب النسل لا يكون | PageV01P231 | إلا ~~منهن ، وأن يكون من عزم ومشورة وإعلان ، فشرط حضور الشهود | والأولياء ورضا ~~المرأة ، ومنها توطين النفس على التعاون ، ولا يكون ذلك | في الأكثر إلا ~~بأن يكون دائما لازما غير مؤقت ، فحرم نكاح السر والمتعة ، | وحرم ms157 اللواطة ~~، وربما يكون فعل من البر مشتبها بما هو من مقدمات الآخر ، | فتمس الحاجة ~~إلى التفرقة بينهما كالقومة شرعت فاصلة بين الركوع والانحناء | الذي هو من ~~مقدمات السجود ، وربما لا يكون الشيء متكثر الارتفاق | كالجلوس بين ~~السجدتين ، وربما يكون الشرط أو الركن في الحقيقة أمرا | خفيا وفعلا من ~~أفعال القلب ، فينصب له إمارة من أفعال الجوارح أو | الأقوال ، ويجعل هو ~~ركنا ضبطا للخفي به كالنية ، وإخلاص العمل لله أمر | خفي ، فنصب استقبال ~~القبلة والتكبير له مظنة ، وجعلا أصلا في الصلاة ، | وإذا ورد النص بصيغة ، ~~أو اقتضى الحال إقامة نوع مدارا للحكم ، ثم حصل | في بعض المواد اشتباه ، ~~فمن حقه أن يرجع في تفسير تلك الصيغة أو تحقيق | حد جامع مانع لذلك النوع ~~إلى عرف العرب ، كما ورد النص في الصوم | بشهر رمضان ، ثم وقع الاشتباه في ~~صورة الغيم ، فكان الحكم ما عند العرب | من إكمال عدة شعبان ثلاثين ، وأن ~~الشهر قد يكون ثلاثين يوما ، وقد | يكون تسعة وعشرين ، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم ' إنا أمة أمية | لا نكتب ولا نحسب الشهر كذا ' الحديث . وكما ~~ورد النص في القصر بصيغة | السفر ، ثم وقع الاشتباه في بعض المواد ، فحكم ~~الصحابة أنه خروج من | الوطن إلى موضع لا يصل إليه في يومه ذلك ولا أوائل ~~ليلته تلك ، ومن | ضرورته أن يكون مسيرة يوم وشيء معتد به من اليوم الآخر ، ~~فيضبط | بأربعة برد . واعلم أن العمدة في تخصيص النبي صلى الله عليه وسلم ~~بحكم | من بين أمته أن يكون الحكم راجعا إلى مظنة شيء دون حقيقته ، وهو قول ~~| طاوس في ركعتين بعد العصر إنما نهى عنهما لئلا يتخذ سلما ، والنبي صلى ~~الله عليه وسلم | يعرف الحقيقة ، فلا اعتبار في حقه للمظنة بعد ما عرف | ~~PageV01P232 | المثنه كتزوج أكثر من أربعة نسوة هو مظنة ترك الاحسان في ~~العشرة | الزوجية وإهمال أمرهن ، ويشتبه على سائر الناس ، أما النبي صلى ~~الله عليه وسلم | ، فهو يعرف ما هو المرضى عنه في العشرة الزوجية ، فأمر ~~بنفسه دون | مظنته ، أو ms158 يكون راجعا إلى تحقيق الرسم دون معنى تهذيب النفس ~~كنهيه | عن بيع وشرط ، ثم ابتاع من جابر بعيرا على أن له ظهره إلى المدينة ~~، أو | يكون مفضيا إلى شيء بالنسبة إلى من ليس له مسكة العصمة ، وهو قول | ~~عائشة رضي الله عنها في قبلة الصائم أيكم يملك أربه كما كان رسول الله | ~~صلى الله عليه وسلم يملك أربه ، أو تكون نفسه العالية مقتضية لنوع من البر ~~فيؤمر به لأن هذه النفس تشتاق إلى زيادة التوجه إلى الله ، وإلى زيادة | ~~خلع جلباب الغفلة ، كما يشتاق الرجل القوي إلى أكل طعام كثير كالتهجد | ~~والضحى والأضحية على قول ، والله أعلم . # # | ( باب التيسير ) # قال الله تعالى : # @QB@ فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك ~~@QE@ . # وقال : # @QB@ يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر @QE@ . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي موسى ، ومعاذ بن جبل | رضي الله ~~تعالى عنهما لما بعثهما إلى اليمن ' يسرا ، ولا تعسرا ، وبشرا | ~~PageV01P233 | ولا تنفرا ، وتطاوعا ، ولا تختلفا ، وقال صلى الله عليه وسلم ~~' فإنما بعثتم | ميسرين ، ولم تبعثوا معسرين ' . # والتيسير يحصل بوجوه منها ألا يجعل شيء يشق عليهم ركنا أو شرطا | لطاعة ، ~~والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم ' لولا أن أشق على أمتي | لأمرتهم ~~بالسواك عند كل صلاة ' . # ومنها أن يجعل شيء من الطاعات رسوما يتباهون بها داخلة فيما كانوا | ~~يفعلونه بداعية من عند أنفسهم كالعيدين والجمعة وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم . | ' ليعلم اليهود أن في ديننا فسحة ' فإن التجمل في الاجتماعات ~~العظيمة | والمنافسة فيما يرجع إلى التباهي ديدن الناس . # ومنها أن يسن لهم في الطاعات ما يرغبون فيه بطبيعتهم لتكون الطبيعة | ~~داعية إلى ما يدعو إليه العقل فيتعاضد الرغبتان ، ولذلك سن تطييب المساجد | ~~وتنظيفها والاغتسال يوم الجمعة والتطيب فيه ، واستحب التغني بالقرآن | وحسن ~~الصوت بالاذان . # ومنها أن يوضع عنهم الإصر ، وما يتنفرون منه بطبيعتهم ، ولذلك كره | ~~إمامة العبد والأعرابي ومجهول النسب ، فإن القوم ينجحمون من الاقتداء | ~~بمثل ذلك . # ومنها أن يبقي ms159 عليهم شيء مما تقتضيه طبيعة أكثرهم ، أو يجدون عند | تركه ~~حرجا في أنفسهم كالسلطان هو أحق بالامامة ، وصاحب البيت أحق | بالامامة ، ~~والذي ينكح امرأة جديدة يجعل لها سبعا أو ثلاثا ، ثم يقسم | بين أزواجه . # ومنها أن يجعل السنة بينهم تعليم العلم والمواعظة والأمر بالمعروف | ~~PageV01P234 | والنهي عن المنكر ؛ لتمتلئ به أوعية قلوبهم ، فينقادوا ~~للنواميس من غير | كلفة ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولهم ~~بالمواعظة . # ومنها أن يفعل النبي صلى الله عليه وسلم أفعالا مما يأمرهم به أو يرخصهم ~~| فيه ليعتبروا بفعله . # ومنها أن يدعوا الله تعالى أن يجعل القوم مهذبين كاملين . # ومنها أن تنزل عليهم سكينة من ربهم بواسطة الرسول ، فيصيروا بين | يديه ~~بمنزلة من على رأسه الطير . # ومنها أن يرغم أنف من أراد غير الحق بتأييسه كالقاتل لا يرث ، | والمكره ~~في الطلاق لا ينفذ طلاقه ، فيكون كابحا للجبارين من الاكراه | إذ لم يحصل ~~غرضهم . # ومنها ألا يشرع لهم ما فيه مشقة إلا شيئا فشيئا وهو قول عائشة رضي | الله ~~عنها إنما أنزل أول نزل منه سور من المفصل فيها ذكر الجنة والنار ، | حتى ~~إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول شيء | لا ~~تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع | ~~الزنا أبدا . # ومنها أن لا يفعل النبي صلى الله عليه وسلم ما تختلف به قلوبهم ، فيترك | ~~بعض الأمور المستحبة لذلك ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم لعائشة ' لولا | ~~حدثان قومك بالكفر لنقضت الكعبة ، وبنيتها على أساس إبراهيم | عليه السلام ~~' . | PageV01P235 # ومنها أن الشارع أمر بأنواع البر من الوضوء والغسل والصلاة والزكاة | ~~والصوم والحج وغيرها ، ولم يتركها مفوضة إلى عقولهم ، بل ضبطها | بالأركان ~~والشروط والآداب ونحوها ، ثم لم يضبط الأركان والشروط | والآداب كثير ضبط ، ~~بل تركها مفوضة إلى عقولهم وإلى ما يفهمونه من | تلك الألفاظ ، وما ~~يعتادونه في ذلك الباب ، فبين مثلا أنه لا صلاة إلا بفاتحة | الكتاب ، ولم ~~يبين مخارج الحروف التي تتوقف عليها صحة قراءة الفاتحة | وتشديداتها ~~وحركاتها ms160 وسكناتها ، وبين أن استقبال القبلة شرط في الصلاة ، | ولم يبين ~~قانونا نعرف به استقبالها ، وبين أن نصاب الزكاة مائتا درهم ، ولم | يبين ~~أن الدرهم ما وزنه ، وحيث سئل عن مثل ذلك لم يزد على ما عندهم ، | ولم ~~يأتهم بما لا يجدونه في عاداتهم ، فقال في مسألة هلال شهر رمضان ' فإذا | ~~غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ' وقال في الماء يكون في فلاة من | ~~الأرض ترده السباع والبهائم ' إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ' وأصله | ~~معتاد فيهم كما بينا . # والسر في ذلك أن كل شيء منها لا يمكن أن يبين إلا بحقائق مثلها في | ~~الظهور والخفاء وعدم الانضباط ، فيحتاج أيضا إلى البيان وهلم جرا ، | وذلك ~~حرج عظيم من حيث أن كل توقيت تضييق عليهم في الجملة ، فإذا | كثرت ~~التوقيتات ضاق المجال كل الضيق ، ومن حيث أن الشرع يكلف به | الأدانى ~~والأقاصي كلهم ، وفي حفظ تلك الحدود على تفصيلها حرج شديد ، | وأيضا والناس ~~إذا اعتنوا باقامة ما ضبط به البر اعتناء شديدا لم يحسوا بفوائد | البر ، ~~ولم يتوجهوا إلى أرواحها كما ترى كثيرا من المجودين لا يتدبرون | معنى ~~القرآن لاشتغال بالهم بالالفاظ ، فلا أوفق بالمصلحة من أن يفوض | إليهم ~~الأمر بعد أصل الضبط ، والله أعلم . | PageV01P236 # ومنها أن الشارع لم يخاطبهم إلا على ميزان العقل المودع في أصل | خلقتهم ~~قبل أن يتعانوا دقائق الحكمة والكلام والأصول ، فأثبت لنفسه | جهة فقال : # @QB@ الرحمن على العرش استوى @QE@ . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لا مرأة سوداء : ' أين الله فأشارت إلى | ~~السماء فقال هي مؤمنة ' ولم يكلفهم في معرفة استقبال القبلة وأوقات الصلاة ~~| والأعياد حفظ مسائل الهيئة والهندسة وأشار بقوله ' القبلة ما بين المشرق ~~| والمغرب ' إذا استقبل الكعبة إلى وجه المسئلة وقال : ' الحج يوم تحجون | ~~والفطر يوم تفطرون ' والله أعلم . # # | ( باب أسرار الترغيب والترهيب ) # من نعمة الله تبارك وتعالى على عباده أن أوحى إلى أنبيائه صلوات الله | ~~عليهم ما يترتب على الأعمال من الثواب والعذاب ؛ ليخبروا القوم به ، | ~~فتمتلئ قلوبهم رغبة ورهبة ، ويتقيدوا بالشرائع بداعية منبعثه ms161 من أنفسهم | ~~كسائر ما فيه دفع ضر أو جلب نفع وهو قوله تعالى : # ^ ( وانها لكبيرة إلا على الخاشعين الذين يظنون أنهم ملاقوا | ربهم وأنهم ~~إليه راجعون ) ^ . # ثم إن ههنا قواعد كلية إليها ترجع جزيئات الترغيب والترهيب ، وكان | ~~فقهاء الصحابة يعلمونها إجمالا ، وإن لم يكونوا أحرزوها تفصيلا ، ومما يدل ~~| على ما ذكرنا ما جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ' وفي ~~| بضع أحدكم صدقة ، فقالوا يأتي أحدنا شهوته ، ويكون له فيها أجر ؟ قال | ~~PageV01P237 | أرأيتم لو وضعها في حرام كان عليه وزر ' فما توقفوا في هذه ~~المسألة دون | غيرها ، وما اشتبه عليهم لميتها إلا لما عندهم من معرفة ~~مناسبة الأعمال | لأجزيتها ، وأنها ترجع إلى أصل معقول المعنى ، ولولا ذلك ~~لم يكن لسؤالهم | ولا لجواب النبي صلى الله عليه وسلم - بالاعتبار بأصل ~~واضح - وجه ، | وقولي هذا نظير ما قاله الفقهاء في حديث ، ' لو كان على ~~أبيك دين أكنت | قاضيه ؟ قال نعم قال فدين الله أحق أن يقضي ' من أنه يدل ~~على أن الأحكام | معلقة بأصول كلية # وحاصل السؤال أن الصدقات ترجع إلى تهذيب النفس كالتسبيح | والتهليل ~~والتكبير أو إقامة المصلحة في نظام المدينة ، وأن السيئات ترجع | إلى أضداد ~~هاتين . وقضاء شهوة الفرج اتباع لداعية البهيمية ، ولا يعقل | فيه مصلحة ~~زائدة على العادات أو نحو ذلك مما يرجع إلى معرفة كلية | واستغراب رجوع ~~المسألة إليها . # وحاصل الجواب أن جماع الحليلة يحصن فرجها وفرجه ، وفيه خلاص | مما يكون ~~قضاء الشهوة في غير محلها اقتحاما فيه . # وللترغيب والترهيب طرق : ولكل طريقه سر ، ونحن ننبهك على | معظم تلك ~~الطرق . # فمنها بيان الأثر المترتب على العمل الذي تهذب النفس من انكسار إحدى | ~~القوتين أو غلبتها وظهورها ، ولسان الشارع أن يعبر عن ذلك بكتابه | الحسنات ~~ومحو السيئات كقوله صلى الله عليه وسلم : ' من قال لا إله إلا الله | وحده ~~لا شريك له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير في يوم مائة | مرة كان له ~~عدل عشر رقاب ، وكتب له مائة حسنة ، ومحيت عنه مائة ms162 سيئة ، | وكانت له حرزا ~~من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي ، ولم يأت أحد بأفضل | مما جاء به إلا رجل ~~عمل أكثر منه ' وقد ذكرنا سره فيما سبق . | PageV01P238 # ومنها بيان أثره في الحفظ عن الشيطان وغيره كقوله صلى الله عليه وسلم | ' ~~وكان في حرز من الشيطان حتى يمسي ' وقوله صلى الله عليه وسلم | ' لا ~~يستطيعها البطلة ' أو توسيع الرزق وظهور البركة ونحو ذلك ، والسر | في بعض ~~ذلك أنه طلب من الله السلامة ، وهو سبب أن يستجاب دعاؤه ، | وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم راويا عن الله تبارك وتعالى : ' ولئن استعاذني | لأعيذنه ، ~~ولئن سألني لأعطينه ' وفي البعض الآخر إن الغوص في ذكر | الله والتوجه إلى ~~الجبروت والاستمداد من الملكوت يقطع المناسبة بهؤلاء ، | وإنما التأثير ~~بالمناسبة ، وفي البعض الآخر أن الملائكة تدعوا لمن كان على هذه | الحالة ، ~~فيدخل في شراج كثيرة ، فتارة في جلب نفع ، وتارة في دفع ضرر . | ومنها بيان ~~أثره في المعاد ، وسره ينكشف بمقدمتين . # إحداهما أن الشيء لا يحكم عليه بكونه سببا للثواب أو العذاب في المعاد | ~~حتى يكون له مناسبة بأحد سببي المجازاة ، إما أن يكون له دخل في الأخلاق | ~~الأربعة المبنية عليها السعادة وتهذيب النفس إثباتا أو نفيا ، وهي النظافة ~~| والخشوع لرب العالمين ، وسماحة النفس ، والسعي في إقامة العدل بين الناس ~~، | أو يكون له دخل في تمشية ما أجمع الملأ الأعلى على تمشيته من التمكين | ~~للشرائع والنصرة للأنبياء عليهم السلام إثباتا أو نفيا ، ومعنى المناسبة أن ~~| يكون العمل مظنة لوجود هذا المعنى أو متلازما له في العادة أو طريقا إليه ~~، | كما أن كونه يصلي ركعتين لا يحدث فيهما نفسه مظنة الاخبات وتذكر جلال | ~~الله والترقي من حضيض البهيمية ، وكما أن إسباغ الوضوء طريق إلى النظافة # PageV01P239 | المؤثرة في النفس ، وكما أن بذل المال الخطير الذي يشح به ~~عادة والعفو عمن | ظلم وترك المراء فيما هو حق له مظنة لسماحه النفس ~~ومتلازم لها ، وكما أن | إطعام الجائع وسقي الظمآن والسعي في إطفاء ثائرة ~~الحرب من بين الأحياء | مظنة إصلاح العالم ms163 وطريق إليه ، وكما أن حب العرب ~~طريق إلى التزيى | بزيهم ، وذلك طريق عطف إلى الأخذ بالملة الحنيفية ، ~~لأنها تشخصت في | عاداتهم وتنويه بأمر الشريعة المصطفوية ، وكما أن ~~المحافظة على تعجيل الفطر | تباعد عن اختلاط الملل وتحريفها ، وما زالت ~~طوائف الناس من الحكماء | وهل الصناعات والأطباء يديرون الأحكام على مظانها ~~، وما زال العرب | جارين على ذلك في خطبهم ومحاوراتهم ، وقد ذكرنا بعض ذلك ~~. . . ، أو | يكون عملا شاقا أو خاملا أو غير موافق للطبيعة لا يقصده ، ولا ~~يقدم | عليه إلا المخلص حق الإخلاص ، فيصير شرحا لإخلاصه كالتضلع من ماء | ~~زمزم وكحب علي رضي الله عنه فإنه كان شديدا في أمر الله وكحب الأنصار | ~~فإنه لم تزل العرب المعدية واليمينية متباعضين فيما بينهم حتى ألفهم ~~الإسلام ، | فالتأليف معرف لدخول بشاشة الإسلام في القلب وكالطلوع على ~~الجبل | والسهر في حراسة جيوش المسلمين فإنه معرف لصدق عزيمته في إعلاء ~~كلمة | الله وحب دينه . # المقدمة الثانية أن الإنسان إذا مات ورجع إلى نفسه وإلى هيآتها التي | ~~انصبغت بها ، الملائمة لها ، والمنافرة إياها - لا بد أن تظهر صورة التألم ~~| والتنعم بأقرب ما هنالك ، ولا اعتبار في ذلك للملازمة العقلية ، بل لنوع ~~| آخر من الملازمة لأجلها يجر بعض حديث النفس بعضا ، وعلى حسبها يقع | تشبح ~~المعاني في المنام كما يظهر منع المؤذن الناس عن الجماع والأكل بصورة | ~~الختم على الفروج والأفواه ، ثم إن في عالم المثال مناسبات تبنى عليها ~~الأحكام ، | فما ظهر جبريل في صورة دحية دون غيره إلا لمعنى ، ولا ظهرت ~~النار | PageV01P240 | على موسى عليه السلام إلا لمعنى ، فالعارف بتلك ~~المناسبات يعلم أن جزاء | هذا العمل في أي صورة يكون ، كما أن العارف ~~بتأويل الرؤيا يعرف أنه | أي معنى ظهر في صورة ما رآه . # وبالجملة فمن هذا الطريق يعلم النبي صلى الله عليه وسلم أن الذي يكتم | ~~العلم ، ويكف نفسه عن التعليم عند الحاجة إليه يعذب بلجام من نار ، لأنه | ~~تألمت النفس بالكف ، واللجام شبح الكف وصورته ، والذي يحب | المال ، ولا ~~يزال يتعلق به خاطره يطوق بشجاع ms164 أقرع ، والذي يتعانى في | حفظ الدراهم ~~والدنانير والأنعام ، ويحوط بها عن البذل لله يعذب بنفس | تلك الأشياء على ~~ما تقرر عندهم من وجه التأذي ، والذي يعذب نفسه بحديدة | أو سم ، ويخالف ~~أمر الله بذلك يعذب بتلك الصورة ، والذي يكسو الفقير | يكسى يوم القيامة من ~~سندس الجنة ، والذي يعتق مسلما ويفك رقبته عن | آفة الرق المحيط به يعتق ~~بكل عضو منه عضو منه من النار . # ومنها تشبيه ذلك العمل بما تقرر في الأذهان حسنه أو قبحه ، أما من | جهة ~~الشرع أو العادة وفي ذلك لا بد من أمر جامع بين الشيئين مشترك بينهما | ولو ~~بوجه من الوجوه ، كما شبه المرابط في المسجد بعد صلاة الصبح إلى | طلوع ~~الشمس بصاحب حجة وعمرة ، وشبه العائد في هبته بالكلب العائد | في قيئه ، ~~ونسبته إلى المحبوبين أو المبغوضين ، والدعاء لفاعله أو عليه ، وكل | ذلك ~~ينبه على حال العمل إجمالا من غير تعرض لوجه الحسن أو القبح كقول | الشارع ~~: تلك صلاة المنافق ، وليس منا من فعل كذا ، وهذا العمل عمل | PageV01P241 ~~| الشياطين أو عمل الملائكة ، ورحم الله أمرءا فعل كذا وكذا ' ونحو هذه ~~العبارات . # ومنها حال العمل في كونه متعلقا لرضا الله أو سخطه وسببا لانعطاف | دعوة ~~الملائكة إليه أو عليه كقول الشارع - إن الله يحب كذا وكذا ، | ويبغض كذا ~~وكذا - وقوله صلى الله عليه وسلم ' إن الله تعالى وملائكته يصلون على | ~~ميامن الصفوف ' وقد ذكرنا سره ، والله أعلم . | # | ( باب طبقات الأمة باعتبار الخروج إلى الكمال المطلوب أو ضده ) # والأصل في هذا الباب قوله تعالى في سورة الواقعة : | ^ ( وكنتم أزواجا ~~ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة | وأصحاب المشئمة ما أصحاب المشئمة ~~والسابقون السابقون أولئك | المقربون ) ^ . إلى آخر السورة . # وقوله تعالى : | @QB@ ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ~~ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ذلك هو الفضل الكبير ~~@QE@ . # قد علمت أن أعلى مراتب النفوس هي نفوس المفهمين وقد ذكرناها ، | ويتلو ~~المفهمين جماعة تسمى بالسابقين ، وهم جنسان : جنس أصحاب اصطلاح | وعلو كان ~~استعدادهم كاستعداد المفهمين ms165 في تلقي تلك الكمالات إلا أن السعادة | لم ~~تبلغ بهم مبلغهم ، فكان استعدادهم كالنائم يحتاج إلى من يوقظه ، فلما | ~~أيقظه أخبار الرسل أقبلوا على ما يناسب استعدادهم من تلك العلوم مناسبة | ~~PageV01P242 | خفية في باطن نفوسهم ، فصاروا كالمجتهدين في المذهب ، وصار ~~إلهامهم أن | يتلقوا من الإلهام الجملي الكلي الذي توجه إلى نفوسهم بما ~~يشملهم من | الاستعداد في حظيرة القدس ، وهو الأمر المشترك في أكثرهم ، ~~وترجم | عنه الرسل . # وجنس أصحاب تجاذب وعلو ، ساقهم سائق التوفيق إلى رياضات | وتوجهات قهرت ~~بهيمتهم ، فآتاهم الحق كمالا علميا ، وصاروا على | بصيرة من أمرهم فكانت ~~لهم وقائع إلهية وإرشاد وإشراق مثل أكابر طرق | الصوفية ، ويجمع السابقين ~~أمران : أحدهما أنهم يستفرغون طاقتهم في | التوجه إلى الله والتقرب منه ، ~~وثانيهما أن جبلتهم قوية فتمثل الملكات | المطلوبة عندهم على وجهها من غير ~~نظر إلى أشباح لها ، وإنما يحتاجون إلى | الأشباح شرحا لتلك الملكات وتوسلا ~~بها إليها . . ، منهم المفردون المتوجهون | إلى الغيب طرح الذكر عنهم ~~أثقالهم . . . ، والصديقون المتميزون عن سائر | الناس بشدة انقياد الحق ~~والتجرد له . . . ، والشهداء الذين أخرجوا للناس ، | وحل فيهم صبغ الملأ ~~الأعلى من لعن الكافرين والرضا عن المؤمنين والأمر | بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وإعلاء الملة بواسطة النبي صلى الله عليه وسلم ، | فإذا كان يوم ~~القيامة قاموا يخاصمون الكفرة ، ويشهدون عليهم ، وهم بمنزلة | أعضاء النبي ~~صلى الله عليه وسلم في بعثته بهم ليكمل الأمر المراد في البعثة ، | ولذلك ~~وجب تفضيلهم على غيرهم وتوقيرهم . . . ، والراسخون في العلم أولو | ذكاء ~~وعقل لما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم العلم والحكمة صادف | ذلك منهم ~~استعدادا فصار يمد لهم في باطنهم فهم معاني كتاب الله على وجهها ، | وإليه ~~أشار علي رضي الله عنه حيث قال - أو فهم أعطيه رجل مسلم . . . ، | ~~PageV01P243 | والعباد الذين أدركوا فوائد العبادة عيانا ، وانصبغت نفوسهم ~~بأنوارها ، | ودخلت في صميم أفئدتهم فهم يعبدون الله على بصيرة من أمرهم . ~~. . ، والزهاد | الذين أيقنوا بالمعاد وبما هنالك من اللذة فاستحقروا في ~~جنبها لذة الدنيا وصار | الناس عندهم كأباعير الإبل . . . ، والمستعدون ~~لخلافة الأنبياء عليهم ms166 السلام | ممن يعبدون الله تعالى بخلق العدالة ، ~~فيصرفونه فيما أمر الله تعالى . . . ، وأصحاب | الخلق الحسن أعني أهل ~~السماحة من الجود والتواضع والعفو عمن ظلم . . ، | والمتشبهون بالملائكة ~~والمخالطون بهم ، كما يذكر أن بعض الصحابة كان يسلم | عليهم الملائكة . # ولكل فرقة من هذه الفرق استعداد جبلي يقتضي كماله بتيقظ بأخبار | ~~الأنبياء عليهم السلام واستعداد كسبي يتهيأ بأخذ للشرائع فيهما يحصل كما ~~لهم ، | ومن كان من المفهمين لم يبعث إلى الخلق فإنه يعد في الشرائع من ~~السابقين ، | ويتلو السابقين جماعة تسمى بأصحاب اليمين ، وهم أجناس : # جنس نفوسهم قريبة المأخذ من السابقين لم يوفقوا لتكميل ما جبلوا له ، | ~~فاقتصروا على الأشباح دون الأرواح لكنهم ليسوا بأجنبيين منها ، # وجنس أصحاب النجاذب نفوسهم ضعيفة الملكية قوية البهيمية وفقوا | لرياضات ~~شاقة ، فأثمرت فيهم ما للملأ السافل أو ضعيفة البهيمية استهتروا | بذكر ~~الله تعالى فترشح عليهم إلهامات جزئية وتعبد وتطهر جزئيان . # وجنس أهل الاصطلاح ضعيفة الملكية جدا عضوا على الرياضات | الشاقة إن ~~كانوا قويي البهيمية ، أو الأولاد الدائمة إن كانوا ضعيفيها فلم يثمر | ذلك ~~لهم شيئا من الانكشاف لكن دخلت الأعمال والهيآت التي هي أشباح | الملكات ~~الحسنة في جذر نفوسهم ، وكثير منهم لا يشترط في عمله الإخلاص | التام ~~والتبري من مقتضى الطبع والعادة بالكلية فيتصدقون بنية ممتزجة من دقة | ~~الطبع ورجاء الثواب ويصلون لجريان سنة قومهم على ذلك ولرجاء الثواب ، | ~~PageV01P244 | ويمتنعون من الزنا وشرب الخمر خوفا من الله وخوفا من الناس ~~أو لا يستطيعون | اتباع العشيقات ولا بذل الأموال في الملاهي ، فيقبل منهم ~~ذلك بشرط أن | تضعف قلوبهم عن الإخلاص الصرف ، وأن تتمسك نفوسهم بالأعمال | ~~أنفسها لا بما هي شروح للملكات . وكان في الحكمة الأولى - إن من الحياء | ~~خيرا ومنه ضعفا - فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' الحياء خير كله ' ينبه ~~| على ما ذكرنا ، وكثير منهم يبرق عليهم بارقة ملكية في أوقات يسيرة ، فلا ~~| يكون ملكة لهم ، ولا يكونون أجنبيين عنها كالمستغفرين اللوامين أنفسهم ، ~~| وكالذي يذكر الله خاليا وفاضت عيناه ، وكالذي لا تمسك نفسه الشر لضعف | ~~في جبلته ms167 إنما قلبه كقلب الطير أو لتحلل طارئ على مزاجه كالمبطون وأهل | ~~المصائب كفرت بلاياهم خطاياهم . # وبالجملة فأصحاب اليمين فقدوا إحدى خصلتي السابقين ، وحصلوا الأخرى ، ~~وبعدهم جماعة تسمى بأصحاب الأعراف وهم جنسان : # قوم صحت أمزجتهم ، وزكت فطرتهم ، ولم تبلغهم الدعوة الإسلامية | أصلا أو ~~بلغتهم ، ولكن بنحو لا تقوم به الحجة ، ولا تزول به الشبهة فنشأوا | غير ~~منهمكين في الملكات الخسيسة والأعمال المردية ولا ملتفتين إلى جناب | الحق ~~لا نفيا ، ولا إثباتا ، كان أكثر أمرهم الاشتغال بالارتفاقات العاجلة ، | ~~فأولئك إذا ماتوا رجعوا إلى حالة عمياء لا إلى عذاب ، ولا إلى ثواب حتى | ~~تنفسخ بهيمتهم ، فيبرق عليهم شيء من بوارق الملكية . # وقوم نقصت عقولهم كأكثر الصبيان والمعتوهين والفلاحين والأرقاء ، | وكثير ~~يزعمهم الناس أنهم لا بأس بهم ، وإذا نقح حالهم عن الرسوم بقوا | لا عقل ~~لهم ، فأولئك يكتفي من إيمانهم بمثل ما اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~| من الجارية السوداء سألها ' أين الله ' فأشارت إلى السماء ، | إنما يراد ~~منهم أن يتشبهوا بالمسلمين لئلا تتفرق الكلمة . | PageV01P245 # أما الذين نشأوا منهمكين في الرذائل والتفتوا إلى جناب الحق على غير | ~~الوجه الذي ينبغي أن يكون ، فهم أهل الجاهلية يعذبون بأصناف العذاب . . . ، ~~| وبعدهم جماعة تسمى بالمنافقين نفاق العمل ، وهم أجناس لم تبلغ بهم ~~السعادة | إلى وجود الكمال المأمور به على ما هو عليه ، إما غلب عليهم حجاب ~~الطبيعة ، | ففنوا في ملكة رذيلة مثل شره الطعام والنساء والحقد ما وضعت ~~عنهم | طاعتهم أوزارهم ، أو حجاب الرسم ، فلا يكادون يسمحون بترك رسوم | ~~الجاهلية ولا بمهاجرة الأخوان والأوطان ، أو حجاب سوء المعرفة مثل | ~~المتشبهة والذين أشركوا بالله عبادة أو استعانة شركا خفيا زاعمين أن الشرك ~~| المبغض غير ما يفعلونه ، وذلك فيما لم تنص فيه الملة ، ولم يكشف عنه | ~~الغطاء ، ومنهم أولو ضعف وسماجة وأهل مجون وسخافة ، لم ينفع حب الله | وحب ~~رسوله فيهم التبري عن المعاصي كقصة من كان يشرب الخمر ، وكان | يحب الله ~~ورسوله بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم . . . ، وجماعة تسمى | بالفاسقين ~~وهم الذين يغلب عليهم أعمال ms168 السوء أكثر من الملكات الرذيلة ، | منهم أصحاب ~~بهيمية شديدة اندفعوا إلى مقتضيات السبعية والبهيمية ، ومنهم | أولو أمزجة ~~فاسدة وآراء كاسدة بمنزلة المريض الذي يحب أكل الطين | والخبز المحترق ، ~~فصاروا يندفعون إلى الشيطنة . . . ، وبعدهم الكفار وهم | المردة المتمردة ~~أبوا أن يقولوا لا إله إلا الله مع تمام عقلهم وصحة التبليغ | إليهم ، أو ~~ناقضوا إرادة الحق في تمشية أمر الأنبياء عليهم السلام ، فصدوا | عن سبيل ~~الله ، واطمأنوا بالحياة الدنيا ، ولم يلتفتوا إلى ما بعدها ، فأولئك | ~~يلعنون لعنا مؤبدا ، ويسجنون سجنا مخلدا ، ومنهم أهل الجاهلية ، ومنهم | ~~المنافق الذي آمن بلسانه ، وقلبه باق على الكفر الخالص ، والله أعلم . | ~~PageV01P246 | # | ( باب الحاجة إلى دين ينسخ الأديان ) # استقرئ الملل الموجودة على وجه الأرض ، هل ترى من تفاوت عما | أخبرتك في ~~الأبواب السابقة ؟ كلا والله ، بل الملل كلها لا تخلو من اعتقاد | صدق صاحب ~~الملة وتعظيمه ، وأنه كامل منقطع النظير لما رأوا منه من | الاستقامة في ~~الطاعات أو ظهور الخوارق واستجابة الدعوات ، ومن الحدود | والشرائع ~~والمزاجر مما لا تنتظم الملة بغيرها ، ثم بعد ذلك أمور تفيد الاستطاعة | ~~الميسرة مما ذكرنا ومما يضاهيه ، ولكل قوم سنة وشريعة يتبع فيها عادة | ~~أوائلهم ، ويختار فيها سيرة حملة الملة وأئمتها ، ثم أحكم بنيانها ، وشدد ~~أركانها | حتى صار أهلها ينصرونها ، ويتناضلون دونها ، ويبذلون الأموال ~~والمهج | لأجلها ، وما ذلك إلا لتدبيرات محكمة ومصالح متقنة لا تبلغها نفوس ~~العامة . # ولما انفرز كل قوم بملة ، وانتحلوا سننا وطرائق ، ونافحوا دونها | ~~بألسنتهم ، وقاتلوا عليها بأسنتهم ، ووقع فيهم الجور ، إما لقيام من لا ~~يستحق | إقامة الملة بها ، أو لاختلاط الشرائع الابتداعية ، ودسها فيها ، ~~أو لتهاون | حملة الملة ، فأهملوا كثيرا مما ينبغي ، فلم تبق إلا دمنة لم ~~تتكلم من | أم أوفى ، ولا مت كل ملة أختها ، وأنكرت عليها ، وقاتلها ، ~~واختفى | الحق - مست الحاجة إلى إمام راشد يعامل مع الملل معاملة الخليفة ~~الراشد | مع الملوك الجائرة . # ولك عبرة فيما ذكره ناقل كتاب الكليلة والدمنة من الهندية إلى الفارسية | ~~من اختلاط الملل ، وأنه أراد أن يتحقق الصواب فلم يقدر إلا على ms169 شيء | يسير ~~، وفيما ذكره أهل التاريخ من حال الجاهلية واضطراب أديانهم . # وهذا الإمام الذي يجمع الأمم على ملة واحدة يحتاج إلى أصول أخرى | غير ~~الأصول المذكورة فيما سبق . | PageV01P247 # منها أن يدعو قوما إلى السنة الراشدة ، ويزكيهم ، ويصلح شأنهم ، ثم | ~~يتخذهم بمنزلة جوارحه ، فيجاهد أهل الأرض ، ويفرقهم في الآفاق ، وهو | قوله ~~تعالى : | ^ ( كنتم خير أمة أخرجت لناس ) ^ . # وذلك لأن هذا الإمام نفسه لا يتأتى منه مجاهدة أمم غير محصورة ، | وإذا ~~كان كذلك وجب أن تكون مادة شريعته ما هو بمنزلة المذهب | الطبيعي لأهل ~~الأقاليم الصالحة عربهم وعجمهم ، ثم ما عند قومه من العلم | والارتفاقات ، ~~ويراعى فيهم حالهم أكثر من غيرهم ، ثم يحمل الناس جميعا | على اتباع تلك ~~الشريعة لأنه لا سبيل إلى أن يفوض الأمر إلى كل قوم | أو إلى أئمة كل عصر ، ~~إذ لا يحصل منه فائدة التشريع أصلا ، ولا إلى أن ينظر | ما عند كل قوم ، ~~ويمارس كلا منهم ، فيجعل لكل شريعة ؛ إذ الإحاطة | بعاداتهم وما عندهم على ~~اختلاف بلدانهم وتباين أديانهم كالممتنع ، وقد عجز | جمهور الرواة عن رواية ~~شريعة واحدة ، فما ظنك بشرائع مختلفة ، والأكثر | أنه لا يكون انقياد ~~الآخرين إلا بعد عدد ومدد لا يطول عمر النبي إليها ، | كما وقع في الشرائع ~~الموجودة الآن فإن اليهود والنصارى والمسلمين ما آمن | من أوائلهم إلا جمع ~~، ثم أصبحوا ظاهرين بعد ذلك فلا أحسن ولا أيسر من | أن يعتبر في الشعائر ~~والحدود والارتفاقات عادة قومه المبعوث فيهم ، | ولا يضيق كل التضييق على ~~الآخرين الذين يأتون بعد ، ويبقى عليهم في | الجملة ، والأولون يتيسر لهم ~~الأخذ بتلك الشريعة بشهادة قلوبهم وعاداتهم ، | والآخرون يتيسر لهم ذلك ~~بالرغبة في سير أئمة الملة والخلفاء ، فإنها كالأمر | الطبيعي لكل قوم في ~~كل عصر قديما أو حديثا . | PageV01P248 # والأقاليم الصالحة لتولد الأمزجة المعتدلة كانت مجموعة تحت ملكين | ~~كبيرين يومئذ : # أحدهما كسرى - وكان متسلطا على العراق واليمن وخراسان وماوليهما ، | ~~وكانت ملوك ما وراء النهر والهند تحت حكمه يجبي إليه منهم الخراج كل سنة ، # والثاني قيصر ، وكان متسلطا على الشام ms170 والروم ، وماوليهما ، وكان ملوك | ~~مصر والمغرب والإفريقية تحت حكمه يجبي إليه منهم الخراج . # وكان كسر دولة هذين الملكين والتسلط على ملكهما بمنزلة الغلبة على | جميع ~~الأرض ، وكانت عاداتهم في الترفه سارية في جميع البلاد التي هي تحت | ~~حكمهما ، وتغير تلك العادات ، وصدهم عنها مفضيا في الجملة إلى تنبيه جميع | ~~البلاد على ذلك وإن اختلفت أمورهم بعده ، وقد ذكر الهرمزان شيئا من | ذلك ~~حين استشاره عمر رضي الله عنه في غزاة العجم ، أما سائر النواحي | البعيدة ~~عن اعتدال المزاج ، فليس بها كثير اعتداد في المصلحة الكلية ولذلك | قال ~~النبي صلى الله عليه وسلم : ' اتركوا الترك ما تركوكم ، ودعوا الحبشة | ما ~~ودعوكم ' . # وبالجملة فلما أراد الله تعالى إقامة الملة العوجاء ، وأن يخرج للناس أمة ~~تأمرهم | بالمعروف ، وتنهاهم عن المنكر ، وتغير رسومهم الفاسدة كان ذلك ~~موقوفا | على زوال دولة هذين متيسرا بالتعرض لحالهما فإن حالهما يسرى في ~~جميع | الأقاليم الصالحة أو يكاد يسري فقضى الله بزوال دولتهما ، وأخبر ~~النبي صلى الله عليه وسلم | بأن هلك كسرى ، فلا كسرى بعده ، وهلك قيصر ، ~~فلا | قيصر بعده ، ونزل الحق الدامغ لباطل جميع الأرض في دمغ باطل العرب | ~~بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، ودمغ باطل هذين الملكين بالعرب ، | ~~ودمغ سائر البلاد بملتهما ، ولله الحجة البالغة . | PageV01P249 # ومنها أن يكون تعليمه الدين إياهم مضموما إلى القيام بالخلافة العامة ، | ~~وأن يجعل الخلفاء من بعده أهل بلده وعشيرته الذين نشئوا على تلك العادات | ~~والسنن ، وليس التكحل في العينين كالكحل ، ويكون الحمية الدينية فيهم | ~~مقرونة بالحمية النسبية ، ويكون علو أمرهم ونباهة شأنهم علوا لأمر صاحب | ~~الملة ونباهة لشأنه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' الأئمة من قريش ' ، ~~| ويوصي الخلفاء بإقامة الدين وإشاعته ، وهو قول أبي بكر الصديق رضي الله | ~~عنه : بقاؤكم عليه ما استقامت بكم أئمتكم . # ومنها أن يجعل هذا الدين غالبا على الأديان كلها ، ولا يترك أحدا إلا قد ~~| غليه الدين بعز عزيز أو ذل ذليل ، فينقلب الناس ثلاث فرق : منقاد للدين | ~~ظاهرا وباطنا ، ومنقاد بظاهره على رغم أنفه لا ms171 يستطيع التحول عنه ، | وكافر ~~مهان يسخره في الحصاد والدياس وسائر الصناعات كما تسخر البهائم في | الحرث ~~وحمل الاثقال ، ويلزم عليه سنة زاجرة ، ويؤتى الجزية عن | يد وهو صاغر . # وغلبة الدين على الأديان لها أسباب : # منها إعلان شعائره على شعائر سائر الأديان ، وشعائر الدين أمر ظاهر | ~~يختص به يمتاز صاحبه به من سائر الأديان كالختان وتعظيم المساجد والأذان | ~~والجمعة والجماعات . # ومنها أن يقبض على أيدي الناس ألا يظهروا شعائر سائر الأديان . # ومنها ألا يجعل المسلمين أكفاء للكافرين في القصاص والديات ولا في | ~~المناكحات ولا في القيام بالرياسات ليلجئهم ذلك إلى الإيمان الجاء . # ومنها أن يكلف الناس بأشباح البر والاثم ، ويلزمهم ذلك إلزاما عظيما ، | ~~PageV01P250 | ولا يلوح لهم بأرواحها كثير تلويح ، ولا يخيرهم في شيء من ~~الشرائع ، ويجعل | علم أسرار الشرائع الذي هو مأخذ الأحكام التفصيلية علما ~~مكنونا لا يناله | إلا من ارتسخت قدمه في العلم ، وذلك لان أكثر المكلفين ~~لا يعرفون المصالح | ولا يستطيعون معرفتها إلا إذا ضبطت بالضوابط ، وصارت ~~محسوسة يتعاطاها | كل متعاط ، فلو رخص لهم في ترك شيء منها ، وبين أن ~~المقصود الاصلي غير | تلك الأشباح لتوسع لهم مذاهب الخوض ، ولا اختلفوا ~~اختلافا فاحشا ولم | يحصل ما أراد الله فيهم ، والله اعلم . # ومنها أنه لما كانت الغلبة بالسيف فقط لا تدفع رين قلوبهم ، فعسى | أن ~~يرجعوا إلى الكفر عن قليل - وجب أن يثبت بأمور برهانية أو خطابية | نافعة ~~في أذهان الجمهور أن تلك الاديان لا ينبغي أن تتبع ، لأنها غير مأثورة | عن ~~المعصوم ، أو أنها غير منطبقة على قوانين الملة ، أو أن فيها تحريفا ووضعا ~~| للشيء في غير موضعه ، ويصحح ذلك على رءوس الاشهاد ، ويبين مرجحات | الدين ~~القويم من أنه سهل سمح ، وأن حدوده واضحة يعرف العقل حسنها ، | وأن ليلها ~~نهارها ، وأن سننها أنفع للجمهور وأشبه بما بقي عندهم من سيرة | الانبياء ~~السابقين عليهم السلام وأمثال ذلك ، والله أعلم . # # | ( باب احكام الدين من التحريف ) # لا بد لصاحب السياسة الكبرى الذي يأتي من الله بدين ينسخ الأديان | من أن ~~يحكم دينه ms172 من أن يتطرف إليه تحريف ، وذلك لأنه يجمع أمما كثيرة | ذوي ~~استعدادات شتى وأغراض متفاوتة ، فكثيرا ما يحملهم الهوى أو حب | الدين الذي ~~كانوا عليه سابقا والفهم الناقص حيث عقلوا شيئا ، و غابت | مصالح كثيرة أن ~~يهملوا ما نصت الملة عليه ، أو يدسوا فيها ما ليس منها ، | فيختل الدين ، ~~كما قد وقع في كثير من الأديان قبلنا ، ولما لم يمكن الاستقصاء | ~~PageV01P251 | في معرفة مداخل الخلل فإنها غير محصورة ولا متعينة ، وما لا ~~يدرك كله لا يترك | كله - وجب أن ينذرهم من أسباب التحريف إجمالا أشد ~~الانذار ، ويخص | مسائل قد علم بالحدس أن التهاون والتحريف في مثلها أو ~~بسببها داء مستمر | في بني آدم فيسد مدخل الفساد منها بأثم وجه ، وأن يشرع ~~شيئا يخالف مألوف | الملل الفاسدة فيما هو أشهر الأشياء عندهم كالصلوات ~~مثلا . # ومن أسباب التحريف التهاون وحقيقته أن يخلف بعد الحواريين خلف | أضاعوا ~~الصلاة ، واتبعوا الشهوات لا يهتمون باشاعة الدين تعلما وتعليما | وعملا ، ~~ولا يأمرون بالمعروف ، ولا ينهون عن المنكر ، فينعقد عما قريب | رسوم خلاف ~~الدين ، وتكون رغبة الطباع خلاف رغبة الشرائع ، فيجيء | خلف آخرون يزيدون ~~في التهاون حتى ينسى معظم العلم . . . ، والتهاون من | سادة القوم وكبرائهم ~~أضر بهم وأكثر إفسادا . وبهذا السبب ضاعت ملة نوح | وإبراهيم عليهما السلام ~~، فلم يكد يوجد منهم من يعرفها على وجهها ، | ومبدأ التهاون أمور . # منها عدم تحمل الرواية عن صاحب الملة والعمل به ، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم | : ' ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا | القرآن ، فما ~~وجدتم من حلال فأحلوه ، وما وجدتم منه حرام ، | فحرموه ، وإن ما حرم رسول ~~الله كما حرم الله ' وقوله صلى الله عليه وسلم : | ' أن الله لا يقبض العلم ~~انتزاعا ينتزعه من الناس ، ولكن يقبض العلم | بقبض العلماء حتى إذا لم يبق ~~عالما اتخذ الناس رؤساء جهالا ، فسئلوا فأفتوا | بغير علم ، فضلوا ، وأضلوا ~~' . # ومنها الأغراض الفاسدة الحاملة على التأويل الباطل كطلب مرضاة | الملوك ~~في اتباعهم الهوى لقوله تعالى : | PageV01P252 # @QB@ إن الذين يكتمون ما أنزل الله من ms173 الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا ~~أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار @QE@ . # ومنها شيوع المنكرات وترك علمائهم النهي عنها وهو قوله تعالى : # ^ ( فلولا كان من القرون من قبلكم ألوا بقية ينهون | عن الفساد في الأرض ~~إلا قليلا مما أنجينا منهم واتبع الذين ظلموا | ما أترفوا فيه وكانوا ~~مجرمين ) ^ . # وقوله صلى الله عليه وسلم لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي : ' نهتهم | ~~علماؤهم ، فلم ينتهوا ، فجالسوهم في مجالسهم ، وآكلوهم ، وشاربوهم ، فضرب ~~الله | قلوب بعضهم ببعض ، ولعنهم على لسان داود وعيسى بن مريم ذلك بما عصوا ~~، | وكانوا يعتدون ' . # ومن أسباب التحريف التعمق ، وحقيقته أن يأمر الشارع بأمر وينهى | عن شيء ~~فيسمعه رجل من أمته ، ويفهمه حسبما يليق بذهنه ، فيعدي الحكم | إلى ما ~~يشاكل الشيء بحسب بعض الوجوه أو بعض أجزاء العلة أو إلى أجزاء | الشيء ~~ومظانه ودواعيه ، وكلما اشتبه عليه الأمر لتعارض الروايات التزم | الأشد ، ~~ويجعله واجبا ، ويحمل كل ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على العبادة ، ~~والحق | أنه فعل أشياء على العادة ، فيظن أن الأمر والنهي شملا في هذه ~~الأمور ، فيجهر | بأن الله تعالى أمر بكذا ، ونهى عن كذا ، كما أن الشارع ~~لما شرع الصوم لقهر | النفس ومنع عن الجماع فيه ظن قوم أن السحور خلاف ~~المشروع ؛ لأنه | يناقض قهر النفس ، وأنه يحرم على الصائم قبلة امرأته ~~لأنها من دواعي | الجماع ، ولأنها تشاكل الجماع في قضاء الشهوة ، فكشف رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم | عن | فساد هذه المقاملة وبين أنه تحريف . | ~~PageV01P253 # ومنها التشدد وحقيقته اختيار عبادات شاقة لم يأمر بها الشارع كدوام | ~~الصيام والقيام التبتل وترك التزوج ، وأن يلتزم السنن والآداب كالتزام | ~~الواجبات وهو حديث نهي النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن عمرو وعثمان | ~~ابن مظعون عما قصدا من العبادات الشاقة وهو قوله صلى الله عليه وسلم ' لن ~~يشاد الدين | أحد إلا غلبه ' فإذا صار هذا المتعمق أو المتشدد معلم قوم ~~ورئيسهم ظنوا | أن هذا أمر الشرع ورضاه ، وهذا داء رهبان اليهود والنصارى . # ومنها الاستحسان وحقيقته أن يرى رجل ms174 الشارع يضرب لكل حكمة | مظنة مناسبة ~~، ويراه يعقد التشريع ، فيختلس بعض ما ذكرنا من أسرار | التشريع ، فيشرع ~~للناس حسبما عقل من المصلحة . كما أن اليهود رأوا أن | الشارع إنما أمر ~~بالحدود زجرا عن المعاصي للاصلاح ، ورأوا أن الرجم | يورث اختلافا وتقاتلا ~~بحيث يكون في ذلك اشد الفساد ، واستحسنوا | تحميم الوجه والجلد ، فبين ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه تحريف ونبذ | لحكم الله المنصوص بالتوراة ~~بآرائهم . عن ابن سيرين قال : أول من | قاس إبليس ، وما عبدت الشمس والقمر ~~إلا بالمقاييس . وعن الحسن أنه | تلا هذه الآية : # @QB@ خلقتني من نار وخلقته من طين @QE@ . # قال : قاس إبليس وهو أول من قاس . وعن الشعبي قال : والله لئن أخذتم | ~~بالمقاييس لتحر من الحلال ، ولتحلن الحرام . وعن معاذ بن جبل : | يفتح ~~القرآن على الناس حتى يقرأه المرأة والصبي والرجل ، فيقول الرجل قد | قرأت ~~القرآن ، فلم أتبع ، والله لاقومن به فيهم لعلي أتبع ، فيقوم به فيهم ، | ~~فلا يتبع ، فيقول : قد قرأت القرآن فلم أتبع ، وقد قمت به فيهم ، فلم أتبع ~~| PageV01P254 | لأحتظرن في بيتي مسجدا لعلي أتبع ، فيخظر في بيته مسجدا ، ~~فلا يتبع ، | فيقول : قد قرأت القرآن ، فلم أتبع ، وقمت به فيهم ، فلم أتبع ~~، وقد | احتظرت في بيتي مسجدا ، فلم أتبع ، والله لآتينهم بحديث لا يجدونه ~~في | كتاب الله ولم يسمعوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي أتبع قال ~~| معاذ : فاياكم وما جاء به فإن ما جاء به ضلالة ، وعن عمر رضي الله عنه ~~قال : | يهدم الاسلام زلة العالم وجدال المنافق بالكتاب وحكم الأئمة ~~المضلين ، | والمراد بهذا كله ما ليس استنباطا من كتاب الله وسنة رسوله . # ومنها اتباع الإجماع وحقيقته أن يتفق قوم من حملة الملة الذين اعتقد | ~~العامة فيهم الإصابة غالبا أو دائما على شيء فيظن أن ذلك دليل قاطع عن | ~~ثبوت الحكم ، وذلك فيما ليس له أصل من الكتاب والسنة ، وهذا غير | الإجماع ~~الذي اجتمعت الأمة عليه فإنهم اتفقوا على القول بالإجماع الذي | مستنده ~~الكتاب والسنة أو الاستنباط من أحدهما ولم يجوزوا القول بالاجماع ms175 | الذي ~~ليس مستندا إلى أحدهما ، وهو قوله تعالى : # ^ ( وإذا قيل لهم أمنوا بما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا | عليه ~~آباءنا ) ^ الآية # وما تمسكت اليهود في نفي نبوة عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام | إلا ~~بأن أسلافهم فحصوا عن حالهما ، فلم يجدوهما على شرائط الأنبياء ، | ~~والنصارى ، لهم شرائع كثيرة مخالفة للتوراة والأنجيل ليس لهم فيها متمسك | ~~إلا إجماع سلفهم . # ومنها تقليد غير المعصوم أعني غير النبي الذي ثبتت عصمته ، وحقيقته | أن ~~يجتهد واحد من علماء الأمة في مسألة ، فيظن متبعوه أنه على الإصابة | قطعا ~~أو غالبا ، فيردوا به حديثا صحيحا ، وهذا التقليد غير ما اتفق عليه | ~~PageV01P255 | الأمة المرحومة ، فإنهم اتفقوا على جواز التقليد للمجتهدين ~~مع العلم بأن | المجتهد يخطئ ، ويصيب ، ومع الاستشراف لنص النبي صلى الله ~~عليه وسلم | في المسألة والعزم على أنه إذا ظهر حديث صحيح خلاف ما قلد فيه ~~ترك | التقليد ، واتبع الحديث قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله ~~تعالى : # @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله @QE@ . # إنهم لم يكونوا يعبدونهم ، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه ، | ~~وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه ' . # ومنها خلط ملة بملة حتى لا تتميز واحدة من الأخرى ، وذلك أن | يكون إنسان ~~في دين من الأديان تعلق بقلبه علوم تلك الطبقة ، ثم يدخل | في الملة ~~الإسلامية ، قيبقى ميل قلبه إلى ما تعلق به من قبل ، فيطلب لأجله | وجها في ~~هذه الملة ولو ضعيفا أو موضوعا ، وربما جوز الوضع ورواية | الموضوع لذلك ، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' لم يزل أمر بني إسرائيل | معتدلا حتى نشأ ~~فيهم المولدون وأبناء سبايا الأمم ، فقالوا بالرأي فضلوا | وأضلوا ' ومما ~~دخل في ديننا علوم بني إسرائيل وتذكير خطباء الجاهلية | وحكمة اليونانيين ~~ودعوة البابليين وتاريخ الفارسيين والنجوم والرمل | والكلام ، وهو سر غضب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قرئ بين يديه نسخة من | التوراة ، وضرب ~~عمر رضي الله عنه من كان يطلب كتب دانيال ، والله أعلم . # # | ( باب أسباب اختلاف دين نبينا صلى الله عليه وسلم ms176 ودين اليهود ~~والنصرانية ) # اعلم أن الحق تعالى إذا بعث رسولا في قوم ، فأقام الملة لهم على لسانه ، ~~| فإنه لا يترك فيها عوجا ولا أمتا ، ثم إنه تمضى الرواية عنه ، ويحملها | ~~PageV01P256 | الحواريون من أمته كما ينبغي برهة من الزمان ، ثم بعد ذلك ~~يخلف خلف | يحرفونها ، ويتهاونون فيها ، فلا تكون حقا صرفا بل ممزوجا ~~بالباطل ، وهو | قوله صلى الله عليه وسلم : ' ما من نبي بعثه الله في أمته ~~إلا كان له من أمته | حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ، ويقتدون بأمره ، ثم ~~يخلف من بعدهم | خلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يأمرون ' الحديث ، ~~وهذا | الباطل منه إشراك جلي وتحريف صريح يؤاخذون عليه على كل حال ، ومنه | ~~إشراك خفي وتحريف مضمر لا يؤاخذ الله بها حتى يبعث الرسول فيهم ، فيقيم | ~~الحجة ، ويكشف الغمة ليحيا من حي عن بينة ويهلك من هلك عن بينة ، | فإذا ~~بعث فيهم الرسول رد كل شيء إلى أصله ، فنظر إلى شرائع الملة الأولى . . . | ~~فما كان منها من شعائر الله لا يخالطها شرك ومن سنن العبادات أو طرق | ~~الارتفاقات التي ينطبق عليها القوانين الملية - أبقاها ، ونوه بالخامل | ~~منها ، ومهد لكل شيء أركانا وأسبابا ، وما كان من تحريف وتهاون أبطله ، | ~~وبين أنه ليس من الدين . . . ، وما كان من الأحكام المنوطة بمظان المصالح | ~~يومئذ ، ثم اختلفت المظان بحسب اختلاف العادات - بدلها ، إذا المقصود | ~~الأصلي في شرع الأحكام هي المصالح . ويعنون بالمظان ، وربما كان شيء | مظنة ~~لمصلحة ثم صار ليس مظنة لها ، كما أن علة الحمى في الأصل ثوران | الأخلاط ، ~~فيتخذ الطبيب له مظنة ينسب إليها الحمى كالمشي في الشمس | والحركة المتعبة ~~وتناول الغذاء الفلاني ، ويمكن أن تزول مظنة هذه الأشياء ، | فتختلف ~~الأحكام حسب ذلك ، وما كان انعقد عليه إجماع الملأ الأعلى فيما | يعملون ~~ويعتادون ، وفيما يثبت عليه علومهم ، ودخل في جذر نفوسهم زاده . # وكان الأنبياء عليهم السلام قبل نبيا صلى الله عليه وسلم يزيدون ، | ولا ~~ينقصون ، ولا يبدلون إلا قليلا ، فزاد إبراهيم عليه السلام على ملة | نوح ~~عليه السلام أشياء من المناسك ms177 وأعمال الفطرة والختان وزاد موسى | ~~PageV01P257 | عليه السلام على ملة إبراهيم عليه السلام أشياء كتحريم لحوم ~~الأبل | ووجوب السبت ورجم الزناة وغير ذلك ، ونبينا صلى الله عليه وسلم زاد ~~، | ونقص ، وبدل . # والناظر في دقائق الشريعة إذا استقرأ هذه الأمور وجدها | على وجوه : # منها أن الملة اليهودية حملها الأحبار والرهبان ، فحرفوها بالوجوه ~~المذكورة | فيما سبق ، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم رد كل شيء إلى ~~أصله ، فاختلفت شريعته بالنسبة | إلى اليهودية التي هي في أيديهم ، فقالوا ~~هذا زيادة ونقص وتبديل وليس | تبديلا في الحقيقة . # ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بعثة تتضمن بعثة أخرى فالأولى | ~~إنما كانت إلى بني إسماعيل وهو قوله تعالى : # @QB@ هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم @QE@ . # وقوله تعالى : # @QB@ لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون @QE@ . # وهذه البعثة تستوجب أن يكون مادة شريعته ما عندهم من الشعائر | وسنن ~~العبادات ووجوه الارتفاقات إذ الشرع إنما هو إصلاح ما عندهم ، | لا تكليفهم ~~بما لا يعرفونه أصلا ونظيره قوله تعالى : # @QB@ قرآنا عربيا لعلكم تعقلون @QE@ . | PageV01P258 # وقوله تعالى : # @QB@ لو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي @QE@ . # وقوله تعالى : # @QB@ وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه @QE@ . # والثانية كانت إلى جميع أهل الأرض عامة بالارتفاق الرابع وذلك لأنه | لعن ~~في زمانه أقواما ، وقضى بزوال دولتهم كالعجم والروم ، فأمر بالقيام | ~~باللارتفاق الرابع ، وجعل شرفه وغلبته تقريبا لأتمام الأمر المراد ، وآتاه ~~| مفاتيح كنوزهما ، فحصل له بحسب هذا الكمال أحكام أخرى غير أحكام | ~~التوراة كالخراج والجزية والمجاهدات والاحتياط عن مداخل التحريف . # ومنها أنه بعث في زمان فترة قد اندرست فيه الملل الحقة ، وحرفت ، | وغلب ~~عليها التعصب واللجاج ، فكانوا لا يتركون ملتهم الباطلة | ولا عادات ~~الجاهلية إلا بتأكيد بالغ في مخالفة تلك العادات ، فصار ذلك | معدا لكثير ~~من الاختلافات . # # | ( باب أسباب النسخ ) # والأصل فيه قوله تعالى : # @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ . # اعلم أن النسخ قسمان : # أحدهما أن ينظر النبي صلى الله عليه وسلم في الارتفاقات أو وجوه | ~~PageV01P259 | الطاعات ، فيضبطها ms178 بوجوب الضبط على قوانين التشريع ، وهو ~~اجتهاد النبي | صلى الله عليه وسلم ، ثم لا يقرره الله عليه ، بل يكشف عليه ~~ما قضى الله في | المسألة من الحكم ، إما بنزول القرآن حسب ذلك ، أو تغيير ~~اجتهاده إلى ذلك | وتقريره عليه ، مثال الأول ما امر النبي صلى الله عليه ~~وسلم من الاستقبال | قبل بيت المقدس ، ثم نزل القرآن بنسخه ، ومثال الثاني ~~أنه صلى الله عليه وسلم | نهى عن الانتباذ إلا في السقاء ثم أباح لهم ~~الانتباذ في كان آنية ، | وقال : ' لا تشربوا مسكرا ' وذلك أنه لما رأى أن ~~الإسكار أمر خفي نصب | له مظنة ظاهرة ، وهي الانتباذ في الأوعية التي لا ~~مسام لها كالمأخوذة من | الخزف والخشب والدباء ، فإنه يسرع الأسكار فيما ~~ينبذ فيها ، ونصب الانتباذ | في السقاء مظنة لعدم الإسكار إلى ثلاثة أيام ، ~~ثم تغير اجتهاده صلى الله عليه وسلم | إلى إدارة الحكم على الإسكار ؛ لأنه ~~يعرف بالغليان وقذف الزبد ، | ونصب ما هو من لوازم السكر أو من صفات الشيء ~~المسكر مظنة أولى من | نصب ما هو أمر أجنبي . . . ، وعلى تخريج آخر نقول : ~~رأى النبي صلى الله | عليه وسلم أن القوم مولعون بالمسكر ، فلو نهوا عنه ~~كان مدخل أن يشربه | أحد متعذرا بأنه ظن أنه ليس بمسكر وأنه اشتبه عليه ~~علامات الاسكار ، | أو كانت أوانيهم ملطخة بالمسكر والاسكار يسرع إلى ما ~~ينبذ في مثل ذلك ، | فلما قوى الاسلام ، واطمأنوا بترك المسكرات ، ونفدت ~~تلك الأواني أدار | الحكم على نفس الاسكار وعلى هذا التخريج ، وهذا مثال ~~لاختلاف الحكم | حسب اختلاف المظنات وفي هذا القسم قوله صلى الله عليه وسلم ~~: ' كلامي | لا ينسخ كلام الله ، وكلام الله ينسخ كلامي ، وكلام الله ينسخ ~~بعضه بعضا ' . | والثاني أن يكون شيء مظنة مصلحة أو مفسدة ، فيحكم عليه حسب ~~ذلك ، | ثم يأتي زمان لا يكون فيه مظنة لها ، فيتغير الحكم ، مثاله لما ~~هاجر النبي | صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ، وانقطعت النصرة بينهم وبين ~~ذوي أرحامهم ، | PageV01P260 | وإنما كانت بالإخاء الذي جعله النبي صلى ~~الله عليه وسلم لمصلحة ضرورية ms179 | رآها - نزل القرآن بادارة التوارث على ~~الإخاء ، وبين الله تعالى فائدة | حيث قال : # @QB@ إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير @QE@ . # ثم لما قوى الإسلام ، ولحق بالمهاجرين أولو أرحامهم - رجع الأمر | إلى ما ~~كان من التوارث بالنسب . . . ، أو لا يكون شيء مصلحة في النبوة | التي لم ~~يضم معها الخلافة كما كان قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، وكما كان في | ~~زمانه قبل الهجرة ، ويكون مصلحة في النبوة المضمومة بالخلافة ، مثاله أن | ~~الله تعالى لم يحل الغنائم لمن قبلنا ، وأحل لنا . وعلل ذلك في الحديث ~~بوجهين : | أحدهما أن الله رأى ضعفنا ، فأحلها لنا ، وثانيهما أن ذلك من ~~تفضيل الله | نبينا صلى الله عليه وسلم على سائر الأنبياء وأمته على سائر ~~الأمم . # وتحقيق الوجهين أن الأنبياء قبل النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يبعثون | ~~لي أقوامهم خاصة ، وهو محصورون يتأتى الجهاد معهم في سنة أو سنتين | ونحو ~~ذلك ، وكان أممهم أقوياء يقدرون على الجمع بين الجهاد والتسبب بمثل | ~~الفلاحة والتجارة ، فلم يكن لهم حاجة إلى الغنائم ، فأراد الله تعالى ألا ~~يخلط | بعملهم غرض دنيوي ، ليكون أتم لأجورهم ، وبعث نبينا صلى الله عليه ~~وسلم | إلى كافة الناس ، وهم غير محصورين ، ولا كان زمان الجهاد معهم | ~~محصورا ، وكانوا لا يستطيعون الجمع بين الجهاد والتسبب بمثل الفلاحة | ~~والتجارة ، فكان لهم حاجة إلى إباحة الغنائم ، وكانت أمته لعموم دعوته | ~~تشتمل ناسا ضعفاء في النية ، وفيهم ورد ' - أن الله يؤيد هذا الدين بالرجل ~~| الفاجر ' لا يجاهد أولئك إلا لغرض عاجل وكانت الرحمة شملتهم في أمر | ~~الجهاد شمولا عظيما ، وكان الغضب متوجها إلى أعدائهم توجها عظيما ، وهو | ~~PageV01P261 | قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن الله نظر إلى أهل الأرض ، ~~فمقت عربهم | وعجمهم ' فأوجب ذلك زوال عصمة أموالهم ودمائهم على الوجه ~~الأتم ، | وأوجب إغاظة قلوبهم بالتصرف في أموالهم ، كما أهدى إلى الحرم ~~رسول | الله صلى الله عليه وسلم بعير أبي جهل في أنفه برة فضة يغيظ الكفار ~~، وكما | أمر بقطع النخيل وإحراقها إغاظة لأهلها ، فلذلك نزل القرآن بإباحة ~~الغنائم | لهذه ms180 الأمة . # مثال آخر لم يحرم لهذه الأمة قتال الكفار في أول الأمر ، ولم يكن حينئذ | ~~هناك جند ولا خلافة ، ثم لما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم ، وثاب ~~المسلمون ، وظهرت | الخلافة ، وتمكنوا من مجاهدة أعداء الله أنزل الله ~~تعالى : # @QB@ أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير @QE@ . # وفي هذا القسم قوله تعالى : # @QB@ ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها @QE@ . # فقوله : ( بخير منها ) فيما تكون النبوة مضمومة بالخلافة وقوله : ( أو | ~~مثلها ) فيما يختلف الحكم باختلاف المظان ، والله أعلم . # # | ( باب بيان ما كان عليه حال أهل الجاهلية فاصلحه النبي صلى الله عليه ~~وسلم ) # إن كنت تريد النظر في معاني شريعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، | ~~فتحقق أولا حال الأميين الذين بعث فيهم التي هي مادة تشريعه ، وثانيا | ~~PageV01P262 | كيفية إصلاحه لها بالمقاصد المذكورة في باب التشريع والتيسير ~~وأحكام | الملة ، فاعلم أنه صلى الله عليه وسلم بعث بالملة الحنيفية ~~الإسماعيلية لإقامة | عوجها وإزالة تحريفها وإشاعة نورها ، وذلك قوله تعالى ~~: # @QB@ ملة أبيكم إبراهيم @QE@ . # ولما كان الأمر على ذلك وجب أن تكون أصول تلك الملة مسلمة ، | وسنتها ~~مقررة إذ النبي إذا بعث إلى قوم فيهم بقية سنة راشدة ، فلا معنى | لتغييرها ~~وتبديلها ، بل الواجب تقريرها ، لأنه أطوع لنفوسهم وأثبت عند | الاحتجاج ~~عليهم ، وكان بنو إسماعيل توارثوا منهاج أبيهم إسماعيل ، فكانوا | على تلك ~~الشريعة إلى أن وجد عمرو بن لحي ، فأدخل فيها أشياء برأيه الكاسد ، | فضل ، ~~وأضل ، وشرع عبادة الأوثان ، وسيب السوائب ، وبحر البحائر ، | فهنالك بطل ~~الدين ، واختلط الصحيح بالفاسد ، وغلب عليهم الجهل والشرك | والكفر ، فبعث ~~الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم مقيما لعوجهم ومصلحا لفسادهم | فنظر ~~صلى الله عليه وسلم في شريعتهم ، فما كان منها موافقا لمنهاج إسماعيل | ~~عليه السلام أو من شعائر الله أبقاه ، وما كان منها تحريفا أو افسادا أو من ~~| شعائر الشرك والكفر أبطله وسجل على إبطاله ، وما كان من باب العادات | ~~وغيرها فبين آدابها ومكروهاتها مما يحترز به عن غوائل الرسوم ، ونهى عن | ~~الرسوم ms181 الفاسدة ، وأمر بالصالحة ، وما كان من مسألة أصلية أو عملية تركت | ~~في الفترة أعادها غضة طرية كما كانت ، فتمت بذلك نعمة الله ، واستقام | ~~دينه ، وكان أهل الجاهلية في زمان النبي صلى الله عليه وسلم يسلمون | جواز ~~بعثة الأنبياء ، ويقولون بالمجازاة ، ويعتقدون أصول أنواع البر ، | ~~ويتعاملون بالارتفاقات الثاني والثالث . # ولا ينافي ما قلناه وجود فرقتين فيهم وظهورهما وشيوعهما : | PageV01P263 # إحداهما الفساق ، والزنادقة ، فالفساق يعملون الأعمال البهيمية | أو ~~السبعية بخلاف الملة لغلبة نفوسهم وقلة تدينهم ، فأولئك إنما يخرجون عن | ~~حكم الملة شاهدين على أنفسهم بالفسق ، والزنادقة يجبلون على الفهم الأبتر | ~~لا يستطيعون التحقيق التام الذي قصده صاحب الملة ، ولا يقلدونه ، | ولا ~~يسلمونه بما أخبر ، فهم على ريبهم يترددون على خوف من ملتهم ، | والناس ~~ينكرون عليهم ، ويونهم خارجين عن الدين خالعين ربقة الملة | عن أعناقهم ، ~~وإذا كان الأمر على ما ذكرنا من الإنكار وقبح الحال | فخروجهم لا يضر . # والثانية الجاهلون الغافلون الذين لم يرفعوا رءوسهم إلى الدين رأسا ، | ~~ولم يلتفتوا لفتة أصلا ، وكان هؤلاء أكثر شيء في قريش وما والاها لبعد | ~~عهدهم عن الأنبياء ، وهو قوله تبارك وتعالى : # @QB@ لتنذر قوما ما أتاهم من نذير @QE@ . # غير انهم لم يبعدوا عن المحجة كل البعد بحيث لا تثبت عليهم الحجة ، | ولا ~~يتوجه عليهم الإلزام ، ولا يتحقق فيهم الإقحام . # فمن تلك الأصول القول بأن لا شريك لله في خلق السموات | والأرض وما فيها ~~من الجواهر ، ولا شريك له في تدبير الأمور العظام ، | وأنه لا راد لحكمه ~~ولا ما نع لقضائه إذا أبرم وجزم وهو قوله تعالى : # ^ ( ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقون الله ) ^ . # وقوله : # @QB@ بل إياه تدعون @QE@ . | PageV01P264 | وقوله تعالى : # ^ ( ضل ما تدعون إلا إياه ) ^ . # ولكن كان من زندقتهم قولهم : أن هناك أشخاص من الملائكة | والأرواح تدبر ~~أهل الأرض فيما دون الأمور العظام من إصلاح حال | العابد فيما يرجع إلى ~~خصوصية نفسه وأولاده وأمواله ، وشبهوهم بحال الملوك | بالنسبة إلى ملك ~~الملوك وبالحال الشفعاء والندماء بالنسبة إلى السلطان المتصرف | بالجبروت ، ~~ومنشأ ذلك ما نطقت به الشرائع من تفويض الأمور ms182 إلى | الملائكة واستجابة ~~دعاء المقربين من الناس ، فظنوا ذلك تصرفا منهم | كتصرف الملوك قياسا ~~للغائب على الشاهد وهو الفساد . # ومنها تنزيهه عما لا يليق بجنابه وتحريم الإلحاد في أسمائه ، لكن كان | ~~من زندقتهم زعمهم أن الله اتخذ الملائكة بنات ، وأن الملائكة إنما جعلوا | ~~واسطة ، ليكتسب الحق منهم عالما ليس عنده قياسا على الملوك بالنسبة | إلى ~~الجواسيس . # ومنها أن الله تعالى قدر جميع الحوادث قبل أن يخلقها ، وهو قول | الحسن ~~البصري : لم يزل أهل الجاهلية يذكرون القدر وخطبهم وأشهارهم ، | ولم يزده ~~الشرع إلا تأكيدا . # ومنها أن هناك موطنا يتحقق فيه القضاء بالحوادث شيئا فشيئا ، وأن | هنالك ~~لأدعية الملائكة المقربين وأفاضل الآدميين تأثيرا بوجه من الوجوه ، | لكن ~~صار ذلك في أذهانهم متمثلا بشفاعة ندماء الملوك . # ومنها أنه كلف العباد بما شاء ، فأحل وحرم ، وأنه مجاز على الأعمال | إن ~~خيرا فخير ، وإن شرا فشر ، وأن لله تعالى ملائكة هم مقربو الحضرة | ~~PageV01P265 | وأكابر المملكة ، وأنهم مدبرون في العالم بأذن الله وبأمره ، ~~وأنهم : # @QB@ لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون @QE@ . # وأنهم لا يأكلون ولا يشربون ، ولا يتغوطون ولا ينكحون ، وأنهم قد | ~~يظهرون لأفاضل الآدميين ، فيبشرونهم ، وينذرونهم ، وأن الله قد يبعث | إلى ~~عباده بفضله ولطفه رجلا منهم ، فليقى وحيه إليه ، وينزل الملك عليه ، | ~~وأنه يفرض طاعته عليهم ، فلا يجدون منها بدا ، ولا يستطيعون دونها | محيصا ~~، وقد كثر ذكر الملأ الأعلى وحملة العرش في أشعار الجاهلية . | ابن عباس ~~رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم صدق أمية | ابن أبي الصامت في ~~بيتين من شعره فقال : # # % رجل وثور تحت رجل يمينه % % والنسر للأخرى وليث مرصد % # فقال النبي صلى الله عليه وسلم صدق فقال ؛ # # % والشمس تطلع كل آخر ليلة % % حمراء يصبح لونها يتورد % # # % تأبى فما تطلع لنا في رسلها % % إلا معذبة وإلا تجلد % # فقال النبي صلى الله عليه وسلم : صدق . # وتحقيق هذا أن أهل الجاهلية كانوا يزعمون أن حملة العرش أربعة | أملاك ، ~~أحدهم في صورة الإنسان ، وهو شفيع بني آدم عند الله ، والثاني | في صورة ~~الثور ms183 ، وهو شفيع البهائم ، والثالث في صورة النسر ، وهو شفيع | الطيور ، ~~والرابع في صورة الأسد ، وهو شفيع السباع ، فقد ورد الشرع | PageV01P266 | ~~بقريب من ذلك إلا أنه سماهم جميعهم وعولا ، وذلك بحسب ما يظهر في | عالم ~~المثال من صورهم ، فهذا كله كان معلوما عندهم مع ما دخل فيه من قياس | ~~الغائب على الشاهد وخلط المألوف بالأمور العلمية . . . ، وإن كنت في ريب | ~~مما ذكرنا ، فانظر فيما قص الله تعالى في القرآن العظيم واحتج عليهم بما ~~عندهم | من بقية العلم ، وكشف ما أدخلوه فيه من الشبه والشكوك لا سيما قوله ~~تعالى : لما أنكروا نزول القرآن # @QB@ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى @QE@ . # ولما قالوا . # ^ ( مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ) ^ . # أنزل قوله تعالى : # @QB@ قل ما كنت بدعا من الرسل @QE@ . # وما يشابه ذلك فتعلم من هنالك أن المشركين وإن كانوا قد تباعدوا عن | ~~المحجة المستقيم لكن كانوا بحيث تقوم عليهم الحجة ببقية ما عندهم من العلم ~~، | وانظر إلى خطب حكمائهم كقس بن ساعدة . وزيد بن عمرو بن نفيل ، وإلى | ~~أخبار من كان قبل عمرو بن لحى تجد ذلك مفصلا ، بل لو أمعنت في تصفح | ~~أخبارهم غاية الأمعان وجدت أفاضلهم وحكماءهم وكانوا يقولون بالمعاد | ~~PageV01P267 | وبالحفظة وغير ذلك ، ويثبتون التوحيد على وجهه حتى قال زيد ~~بن عمرو | ابن نفيل في شعره : # # % عبادك يخطئون وأنت رب % % بكفيك المنايا والحتوم % # وقال أيضا : # # % أربا واحدا أم ألف رب % % أدين إذا تقسمت الأمور % # # % تركت اللات والعزى جميعا % % كذلك يفعل الرجل البصير % # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمية بن أبي الصلت : ' آمن شعره ، ~~| ولم يؤمن قلبه ' وذلك مما توارثوه من منهاج إسماعيل ، ودخل فيهم من أهل | ~~الكتاب ، وكان من المعلوم عندهم أن كمال الإنسان أن يسلم وجهه لربه ، | ~~ويغبده أقصى مجهوده . # وإن من أبواب العبادة الطهارة ، وما زال الغسل من الجنابة سنة معمولة | ~~عندهم ، وكذلك الختان وسائر خصال الفطرة ، وفي التوراة إن الله تعالى | جعل ~~الختان ميسمة على إبراهيم وذريته ، وهذا الوضوء يفعله المجوس | واليهود ~~وغيرهم ms184 ، وكانت تفعله حكماء العرب ، وكانت فيهم الصلاة ، وكان | أبو ذر رضي ~~الله عنه يصلي قبل أن يقدم على النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنين ، وكان ~~| قس بن ساعدة الأيادي يصلي ، والمحفوظ من الصلاة في أمم اليهود والمجوس | ~~وبقية العرب أفعال تعظيمية لا سيما السجود وأقوال من الدعاء والذكر ، | ~~وكانت فيهم الزكاة ، وكان المعمول عندهم منها قرى الضيف وابن السبيل | وحمل ~~الكل والصدقة على المساكين وصلة الأرحام والإعانة في نوائب الحق ، | وكانوا ~~يمدحون بها ، ويعرفون أنها كمال الإنسان وسعادته ، قالت خديجة | فوالله : ~~لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم ، وتقرى الضيف ، وتحمل | PageV01P268 | ~~الكل ، وتعين على نوائب الحق ، وقال ابن الدغنة لأبي بكر الصديق | رضي الله ~~عنه مثل ذلك ، وكان فيهم الصوم من الفجر إلى غروب الشمس ، | وكانت قريش ~~تصوم عاشوراء في الجاهلية وكان الجوار في المسجد ، وكان | عمر نذر اعتكاف ~~ليلة في الجاهلية ، فاستفتى في ذلك رسول صلى الله عليه وسلم ، وكان | عاص ~~ابن وائل أوصى أن يعتق عنه كذا وكذا من العبيد . # وبالجملة كان أهل الجاهلية يتحنثون بأنواع التحنثات ، وأما حج بيت | الله ~~وتعظيم شعائر والأشهر الحرم ، فأمره أظهر من أن يخفى ، وكان لهم | أنواع من ~~الرقى والتعوذات ، وكانوا أدخلوا فيها الاشراك ، ولم تزل سنتهم | الذبح في ~~الحق والنحر في اللبة ما كانوا يخنقون ، ولا يبعجون ، وكانوا | على بقية ~~دين إبراهيم عليه السلام في ترك النجوم وترك الخوض في دقائق | الطبيعيات ~~غير ما ألجأ إليه البداهة ، وكان العمدة عندهم في تقدمة المعرفة | الرؤيا ~~وبشارات الأنبياء من قبلهم ، ثم دخل فيه الكهانة والاستقسام | بالازلام ~~والطيرة ، وكانوا يعرفون أن هذه لم تكن في أصل الملة ، وهو | قوله صلى الله ~~عليه وسلم حين رأى صورة إبراهيم وإسمعيل عليهما السلام | في أيديهم الازلام ~~: ' لقد علموا أنهما لم يستقسما قط ' وكان بنو إسماعيل | على منهاج أبيهم ~~إلى أن وجد فيهم عمرو بن لحى - وذلك قبل مبعث النبي | صلى الله عليه وسلم ~~قريبا من سبعمائة سنة ، وكانت لهم سنن متأكدة | يتلاومون على تركها في ~~مأكلهم ms185 ومشربهم ولباسهم وولائمهم وأعيادهم ودفن | موتاهم ونكاحهم وطلاقهم ~~وعدتهم وإحدادهم ، وبيوعهم ومعاملاتهم ، | وما زالوا يحرمون المحارم ~~كالبنات والأمهات والأخوات وغيرها ، وكانت | PageV01P269 | لهم مزاجر في ~~مظالمهم كالقصاص والديات والقسامة وعقوبات على الزنا | والسرقة ، ودخلت ~~فيهم من الاكاسرة والقياصرة علوم الارتفاق الثالث | والرابع ، لكن دخلهم ~~الفسوق والتظالم بالسبي والنهب وشيوع الزنا | والنكاحات الفاسدة والربا ، ~~وكانوا تركوا الصلاة والذكر ، وأعرضوا عنهما | فبعث النبي صلى الله عليه ~~وسلم فيهم - وهذا حالهم ، فنظر في جميع ما عند | القوم ، فما كان بقية ~~الملة الصحيحة أبقاه ، وسجل على الأخذ به ، وضبط | لهم العبادات بشرع ~~الأسباب والأوقات والشروط والأركان والآداب | والمفسدات والرخصة والعزيمة ~~والأداء والقضاء ، وضبط لهم المعاصي | ببيان الأركان والشروط ، وشرع فيها ~~حدودا ومزاجر وكفارات ، ويسر | لهم الدين ببيان الترغيب والترهيب ، وسد ~~ذرائع الأثم والحث على مكملات | الخير إلى غير ذلك مما سبق ذكره ، وبالغ في ~~إشاعة الملة الحنيفية وتغليبها على | الملل كلها ، وما كان من تحريفاتهم ~~نفاه ، وبالغ في نفيه ، وما كان من | الارتفاقات الصحيحة سجل عليه ، وأمر ~~به ، وما كان في رسومهم | الفاسدة منعهم عنه ، وقبض على أيديهم ، وقام ~~بالخلافة الكبرى ، وجاهد | بمن معه من دونهم حتى تم أمر الله وهم كارهون ، ~~وجاء في بعض | الأحاديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ' بعثت ~~بالملة السمحة | الحنيفية البيضاء ' يريد بالسمحة ما ليس فيه مشاق الطاعات ~~كما ابتدعه | الرهبان ، بل فيها لكل عذر رخصة يتأتى العمل بها للقوي ~~والضعيف | والمكتسب والفارغ ، وبالحنيفية ما ذكرنا من أنها ملة إبراهيم ~~صلوات الله | عليه ، فيها إقامة شعائر الله وكبت شعائر الشرك وإبطال ~~التحريف والرسوم | الفاسدة ، وبالبيضاء أن عللها وحكمها والمقاصد التي بنيت ~~عليها واضحة | لا ريب فيها لمن تأمل ، وكان سليم العقل غير مكابر ، والله ~~أعلم . | PageV01P270 # # | ( المبحث السابع مبحث استنباط الشرائع من حديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم ) # # | ( باب بيان أقسام علوم النبي صلى الله عليه وسلم ) # اعلم أن ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم ، ودون في كتب الحديث على ~~قسمين . # أحدهما ما سبيله سبيل تبليغ ms186 الرسالة ، وفيه قوله تعالى : # @QB@ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا @QE@ # منه علوم المعادو عجائب الملكوت ، وهذا كله مستند إلى الوحي ، | ومنه ~~شرائع وضبط للعبادات والارتفاقات بوجوه الضبط المذكورة فيما | سبق ، وهذه ~~بعضها مستند إلى الوحي ، وبعضها مستند إلى الاجتهاد ، | واجتهاده صلى الله ~~عليه وسلم بمنزلة الوحي ؛ لأن الله تعالى عصمه من أن | يتقرر رأيه على ~~الخطأ ، وليس يجب أن يكون اجتهاده استنباطا من | المنصوص كما يظن ، بل ~~أكثره أن يكون علمه الله تعالى مقاصد الشرع وقانون | التشريع والتيسير ~~والأحكام ، فبين المقاصد المتلقاة بالوحي بذلك القانون ، | ومنه حكم مرسلة ~~ومصالح مطلقة لم يوقتها ، ولم يبين حدودها كبيان | الأخلاق الصالحة ~~وأضدادها ، ومستندها غالبا الاجتهاد بمعنى أن الله تعالى | علمه قوانين ~~الارتفاقات ، فاستنبط منها حكمه ، وجعل فيها كلية ، ومنه فضائل | الأعمال ~~ومناقب العمال ، ورأى أن بعضها مستند إلى الوحي وبعضها إلى | الاجتهاد ، ~~وقد سبق بيان تلك القوانين ، وهذا القسم هو الذي نقصد | شرحه وبيان معانيه ~~. # وثانيهما ما ليس من باب تبليغ الرسالة ، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : ~~| ' إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من | ~~PageV01P271 | رأيي ، فإنما أنا بشر ' وقوله صلى الله عليه وسلم في قصة ~~تأبير النخل : ' فانى | إنما ظننت ظنا ، ولا تؤاخذوني بالظن ، ولكن إذا ~~حدثتكم عن الله شيئا ، | فخذوا به ، فإني لم أكذب على الله ' فمنه الطب ، ~~ومنه باب قوله صلى الله عليه وسلم | ' عليكم بالأدهم الأقرح ' ومستنده ~~التجربة ، ومنه ما فعله النبي | صلى الله عليه وسلم على سبيل العادة دون ~~العبادة وبحسب الاتفاق دون | القصد ، ومنه ما ذكره كما كان يذكره قومه ~~كحديث أم زرع وحديث خرافة | وهو قول زيد بن ثابت حيث دخل عليه نفر ، فقالوا ~~له حدثنا أحاديث رسول | الله صلى الله عليه وسلم قال : ' كنت جاره ، فكان ~~إذا نزل عليه الوحي | بعث إلي ، فكتبته له ، فكان إذا ذكرنا الدنيا ذكرها ~~معنا ، وإذا ذكرنا | الآخرة ذكرها معنا ، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا ، ~~فكل هذا أحدثكم | عن رسول الله ms187 صلى الله عليه وسلم ، ومنه ما قصد به مصلحة ~~جزئية | يومئذ وليس من الأمر اللازمة لجميع الأمة ، وذلك مثل ما يأمر به ~~الخليفة | من تعبئة الجيوش وتعيين الشعار ، وهو قول عمر رضي الله عنه : ما ~~لنا | وللرمل كنا نتراءى به قوما قد أهلكهم الله ، ثم خشي أن يكون له سبب | ~~آخر ، وقد حمل كثير من الأحكام عليه كقوله صلى الله عليه وسلم : ' من قتل | ~~قتيلا فله سلبة ' ومنه حكم وقضاء خاص ، وإنما كان يتبع فيه البينات | ~~والايمان وهو قوله صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه : ' الشاهد يرى | ~~ما لا يراه الغائب ' . | PageV01P272 # # | ( باب الفرق بين المصالح والشرائع ) # اعلم أن الشارع أفادنا نوعين من العلم متمايزين بأحكامهما متباينين | في ~~منازلهما . # فأحد النوعين علم المصالح والمفاسد أعني ما بينه من تهذيب النفس | ~~باكتساب الأخلاق النافعة في الدنيا أو في الآخرة وإزالة أضدادها ، ومن | ~~تدبير المنزل وآداب المعاش وسياسة المدينة غير مقدر لذلك بمقادير معينة | ~~ولا ضابط مبهمة بحدود مضبوطه ولا مميز لمشكلة بأمارات معلومة ، بل رغب | في ~~الحمائد ، وزهد في الرذائل تاركا كلامه إلى ما يفهم منه أهل اللغة مديرا | ~~للطلب أو المنع على أنفس المصالح لا على مظان منصوبة لها وأمارات معرفة | ~~إياها كما مدح الكيس والشجاعة ، وأمر بالرفق والتودد والقصد في المعيشة | ~~ولم يبين أن الكيس مثلا ما حده الذي يدور عليه الطلب ، وما مظنته التي | ~~يؤاخذ الناس بها ، وكل مصلحة حثنا الشرع عليها وكل مفسدة ردعنا عنها | فإن ~~ذلك لا يخلو من الرجوع إلى أحد أصول ثلاثة أحدها : تهذيب النفس | بالخصال ~~الأربع النافعة في المعاد أو سائر الخصال النافعة في الدنيا ، وثانيها | ~~إعلاء كلمة الحق وتمكين الشرائع والسعي في إشاعتها وثالثها انتظام أمر | ~~الناس وإصلاح ارتفاقاتهم وتهذيب رسومهم ، ومعنى رجوعها إليها أن يكون | ~~للشيء دخل في تلك الأمور إثباتا لها أو نفيا إياها بأن يكون شعبة من | خصلة ~~منها أو ضدا لشعبتها أو مظنة لوجودها أو عدمها أو متلازما معها | أو مع ~~ضدها أو طريق إليها أو إلى ms188 الإعراض عنها ، والرضا في الأصل | إنما يتعلق ~~بتلك المصالح ، والسخط إنما يناط بتلك المفاسد قبل بعث الرسل | وبعده سواء ~~، ولولا تعلق الرضا والسخط بتينك القبيلتين لم يبعث الرسل ، | وذلك لأن ~~الشرائع والحدود إنما كانت بعد بعث الرسل ، فما كان في | PageV01P273 | ~~التكليف بها والمؤاخذة عليها ابتداء لطف ، ولكن المصالح والمفاسد كانت | ~~مؤثرة مقتضية لتهذيب النفس أو تلويثها أو انتظام أمورهم أو فسادها قبل | ~~بعث الرسل ، فاقتضى لطف الله أن يخبروا بما يهمهم ، ويكلفوا بما لا بد لهم ~~| منه ، ولم يكن يتم ذلك إلا بمقادير وشرائع ، فاقتضى اللطف تلك القبيلة | ~~بالعرض ، وهذا النوع معقول المعنى ، فمنه ما تستقل العقول العامية بفهمه ، ~~| ومنه ما لا يفهمه إلا عقول الأذكياء الفائض عليهم الأنوار من قلوب | ~~الأنبياء نبههم الشرع ، فتنبهوا ، ولوح لهم ، فتفطنوا ، ومن أتقن الأصول | ~~التي ذكرناها لم يتوقف في شيء منها . # والنوع الثاني علم الشرائع والحدود والفرائض : أعني ما بين الشرع | من ~~المقادير ، فنصب للمصالح مظان وأمارات مضبوطة معلومة ، وأدار | الحكم عليها ~~، وكلف الناس بها ، وضبط أنواع البر بتعيين الأركان | والشروط والآداب ، ~~وجعل من كل نوع حدا يطلب منهم لا محالة وحدا | يندبون إليه من غير إيجاب ، ~~واختار من كل بر عددا يوجب عليهم ، | وآخر يندبون إليه ، فصار التكليف ~~متوجها إلى أنفس تلك المظان ، | وصارت الأحكام دائرة على أنفس تلك الأمارات ~~، وصار مرجع هذا النوع إلى | قوانين السياسة الملية ، . . . وليس كل مظنة ~~لمصلحة توجب عليهم ، ولكن | ما كان منها مضبوطا أمرا محسوسا أو وصفا ظاهرا ~~يعلمه الخاصة والعامة ، | وربما يكون للايجاب والتحريم أسباب طارئة يكتب ~~لأجلها في الملأ الأعلى | فيتحقق هنالك صورة الإيجاب والتحريم كسؤال سائل ~~ورغبة قوم فيه | أو أعراضهم عنه ، وكل ذلك غير معقول المعنى بمعنى أنا وإن ~~كنا نعلم | قوانين التقدير والتشريع ، فلا نعلم وجود كتابته في الملأ ~~الأعلى وتحقق | صورة الوجوب في حظيرة القدس إلا بنص الشرع ، فإنه من الأمور ~~التي | لا سبيل إلا إدراكها إلا الإخبار الإلهي مثل ذلك - كمثل الجمد - ~~نعلم | PageV01P274 | أن سبب حدوثه برودة تضرب الماء ms189 ولا نعلم أن ماء القعب ~~في ساعتنا | هذه صار جمدا أو لا إلا بالمشاهدة أو إخبار من شاهد ، فعلى هذا ~~القياس | نعلم أنه لا بد من تقدير النصاب في الزكاة ، ونعلم أن مائتي درهم ~~وخمسة | أو ساق قدر صالح للنصاب ، لأنه يحصل بها غني معتد به ، وهما أمران ~~| مضبوطان مستعملان عند القوم ، ولا نعلم أن الله تعالى كتب علينا هذا | ~~النصاب ، وأدار الرضا ، والسخط عليه إلا بنص الشرع ، كيف وكم من | سبب له ~~لا سبيل إلى معرفته إلا الخبر ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : | ' أعظم ~~المسلمين في المسلمين جرما ' الحديث وقوله صلى الله عليه وسلم : | ' خشيت ~~أن يكتب عليكم ' . # وقد اتفق من يعتد به من العلماء على أن القياس لا يجري في باب المقادير ، ~~| وعلى أن حقيقة القياس تعدية حكم الأصل إلى الفرع لعلة مشتركة لا جعل | ~~مظنة مصلحة علة أو جعل شيء مناسب ركنا أو شرطا ، وعلى أنه لا يصلح | القياس ~~لوجود المصلحة ، ولكن لوجود علة مصبوطة أدير عليها الحكم ، | فلا يقاس مقيم ~~به حرج على المسافر في رخص الصلاة والصوم فان دفع | الحرج مصلحة الترخيص ~~لاعلة القصر والأفطار ، وإنما العلة هي السفر | فهذه المسائل لم يختلف فيها ~~العلماء إجمالا ، ولكن يحملها أكثرهم عند التفصيل | وذلك لأنه ربما تشتبه ~~المصلحة بالعلة ، والتشريع ، وبعض الفقهاء عندما | خاضوا في القياس تحيروا ~~فلجوا ببعض المقادير ، وأنكروا استبدالها بما | يقرب منها ، وتسامحوا في ~~بعضها ، فنصبوا أشياء مقامها ، . . . مثال ذلك | تقديرهم نصاب القطن بخمسة ~~أحمال ، ونصبهم ركوب السفينة مظنة لدوران | الرأس ، وإدارة رخصة العقود في ~~الصلاة عليه ، وتقدير الماء بالعشر في العشر | وكلما أفهم الشرع المصلحة في ~~موضع ، فوجدنا تلك المصلحة في موضع آخر | عرفنا أن الرضا يتعلق بها بعينها ~~لا بخصوص ذلك الموضع ، بخلاف المقادير | PageV01P275 | فان الرضا يتعلق ~~هناك بالمقادير أنفسها ، . . . تفصيل ذلك أن من ترك صلاة | وقت كان آثما ~~وإن شغل ذلك الوقت بالذكر وسائر الطاعات ، ومن ترك | زكاة مفروضة ، وصرف ~~أكثر من ذلك المال في وجوه الخير كان آثما ، | وكذلك ms190 إن لبس الحرير والذهب ~~في الخلوة حيث لا يتصور كسر قلوب | الفقراء وحمل الناس على الإكثار من ~~الدنيا ولم يقصد به الترفه - كان آثما | وكذلك إن شرب الخمر بنية التداوي ، ~~ولم يكن هناك فساد ، ولا ترك صلاة | كان آثما لأن الرضا والسخط متعلقان ~~فأنفس هذه الأشياء ، وإن كان | الغرض الأصلي كبحهم عن الفساد وحملهم على ~~المصالح ، ولكن الحق علم | أن سياسة الأمة لا تمكن في هذا الوقت إلا بايجاب ~~أنفس هذه الأشياء | وتحريمها فتوجه الرضا والسخط إلى أنفسها ، وكتب ذلك في ~~الملأ الأعلى | بخلاف ما إذا لبس الصوف الرفيع الذي هو أعلى وأغلى من ~~الحرير ، | واستعمل أواني الياقوت فإنه لا يأثم بنفس هذا الفعل ، ولكن إن ~~تحقق | كسر قلوب الفقراء وحمل الناس على فعل ذلك أو قصد الترفه بعد من ~~الرحمة | لأجل تلك المفاسد وإلا فلا ، وحيث وجدت الصحابة والتابعين فعلوا | ~~ما يشبه التقدير ، فانما مرادهم بيان المصلحة والترغيب فيها ، والمفسدة | ~~والترهيب عنها ، وإنما أخرجوا تلك الصورة مخرج المثل لا يقصدون | إليها ~~بالخصوص ، وإنما يقصدون إلى المعاني وإن اشتبه الأمر بادي الرأي ، | وحيث ~~جوز الشرع استبدال مقدار بقيمته كبنت المخاص بقيمتها على قول | فعلى ~~التسليم هو أيضا نوع من التقدير ، وذلك لأن التقدير لا يمكن الاستقصاء | ~~فيه بحيث يفضي إلى التضييق ، ولكن ربما يقدر بأمر ينطبق على أمور | كثيرة ~~كبنت المخاض نفسها فانها ربما كانت بنت مخاض آرفه من بنت مخاض ، | وربما ~~كان التقدير بالقيمة تقديرا بحد معلوم في الجملة كتقدير نصاب القطع | بما ~~يكون قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم . | PageV01P276 # واعلم أن التحريم والايجاب والتحريم من التقدير ، وذلك لأنه كثيرا | ما ~~تعن مصلحة أو مفسدة لها صور كثيرة ، فتعين صورة للايجاب أو | التحريم ، ~~لأنها من الأمور المضبوطة أو لأنها مما عرفوا حالها في الملل | السابقة ، ~~أو رغبوا فيها أكثر رغبة ولذلك اعتذر النبي صلى الله عليه وسلم | وقال : ' ~~خشيت أن يكتب عليكم ' وقال ' لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم | بالسواك ' ~~وإذا كان الأمر على ذلك لم يجز حمل غير ms191 المنصوص حكمه على | المنصوص حكمه ، ~~أما الندب والكراهة ففيهما تفصيل : فأي مندوب أمر | الشارع بعينه ، ونوه ~~بأمره ، وسنه للناس - فحاله حال الواجب ، وأي | مندوب اقتصر الشارع على ~~بيان مصلحته ، أو اختار العمل هو به من غير | أن يسنه ، و ينوه بأمره - فهو ~~باق على الحالة التي كانت قبل التشريع ، | وإنما نصاب الأجر فيه من قبل ~~المصلحة التي وجدت معه لا باعتبار نفسه ، | وكذلك حال المكروه على هذا ~~التفصيل ، وإذا تحققت هذه المقدمة اتضح | عندك أن أكثر المقاييس التي يفتخر ~~بها القوم ، ويتطاولون لأجلها على | معشر أهل الحديث يعود وبالا عليهم من ~~حيث لا يعلمون . # # | ( باب كيفية تلقي الأمة الشرع من النبي صلى الله عليه وسلم ) # واعلم أن تلقي الأمة منه الشرع على وجهين : | أحدهما تلقي الظاهر ، ولا ~~بد أن يكون بنقل إما متواترا ، أو غير | متواتر . . . ، والمتواتر منه ~~المتواتر لفظا كالقرآن العظيم ، وكنبذ يسير من | الأحاديث منها قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ' إنكم سترون ربكم ' ، ومنه | PageV01P277 | المتواتر ~~معنى ككثير من أحكام الطهارة والصلاة والزكاة والصوم والحج | والبيوع ~~والنكاح والغزوات مما لم يختلف فيه فرقة من فرق الإسلام . . . ، وغير | ~~المتواتر أعلى درجاته المستفيض ، وهو ما رواه ثلاثة من الصحابة فصاعدا ، | ~~ثم لم يزل يزيد الرواة إلى الطبقة الخامسة ، وهذا قسم كثير الوجود ، وعليه ~~| بناء رءوس الفقه . ثم الخبر المقضي له بالصحة أو الحسن على ألسنة حفاظ | ~~المحدثين وكبرائهم ، ثم أخبار فيها كلام قبلها بعض ، ولم يقبلها آخرون ، | ~~فما اعتضد منها بالشواهد أو قول أكثر أهل العلم أو العقل الصريح وجب | ~~إتباعه . # وثانيهما التلقي دلالة ، وهي أن يرى الصحابة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم | يقول ، ويفعل ، فاستنبطوا من ذلك حكما من الوجوب وغيره ، | فأخبروا ~~بذلك الحكم ، فقالوا . الشيء الفلاني واجب ، وذلك الآخر | جائز ، ثم تلقى ~~التابعون من الصحابة كذلك ، فدون الطبقة الثالثة فتاواهم | وقضاياهم ، ~~وأحكموا الأمر ، وأكابر هذا الوجه عمر وعلي وابن مسعود | وابن عباس رضي ~~الله عنهم ، لكن كان من سيرة عمر رضي الله عنه أنه كان | يشاور الصحابة ، ~~ويناظرهم ms192 حتى تنكشف الغمة ، ويأتيه الثلج ، فصار | غالب قضاياه وفتاواه ~~متبعة في مشارق الأرض ومغاربها ، وهو قول إبراهيم | لما مات عمر رضي الله ~~عنه : ذهب تسعة أعشار العلم ، وقول ابن مسعود | رضي الله عنه : كان عمر إذا ~~سلك طريقا وجدناه سهلا ، وكان علي رضي | الله عنه لا يشاور غالبا ، وكان ~~أغلب قضاياه بالكوفة ، فلم يحملها عنه | إلا ناس ، وكان ابن مسعود رضي الله ~~بالكوفة ، فلم يحمل عنه غالبا | إلا أهل تلك الناحية ، وكان ابن عباس رضي ~~الله عنهما اجتهد بعد عصر | الأولين ، فناقضهم في كثير من الأحكام ، واتبعه ~~في ذلك أصحابه من أهل | PageV01P278 | مكة ، ولم يأخذ بما تفرد به جمهور ~~أهل الإسلام ، وأما غير هؤلاء الأربعة | فكانوا يروون دلالة ، ولكن ما ~~كانوا يميزون الركن والشرط من الآداب | والسنن ، ولم يكن لهم قول عند تعارض ~~الأخبار وتقابل الدلائل إلا قليلا | كابن عمر وعائشة وزيد بن ثابت رضي الله ~~عنهم ، وأكابر هذا الوجه من | التابعين بالمدينة الفقهاء السبعة لا سيما ~~ابن المسيب بالمدينة ، وبمكة عطاء | ابن أبي رباح ، وبالكوفة إبراهيم وشريح ~~والشعبي ، وبالبصرة الحسن . وفي 1 | كل من الطريقتين خلل إنما ينجبر ~~بالأخرى ، ولا غنى لأحداهما عن صاحبتها . # أما الأولى فمن خللها ما يدخل في الرواية بالمعنى من التبديل ، ولا يؤمن ~~| من تغيير المعنى ، ومنه ما كان الأمر في واقعة خاصة ، فظنه الراوي حكما | ~~كليا ، ومنه ما أخرج فيه الكلام مخرج التأكيد ؛ ليعضوا عليه بالنواجذ ، | ~~فظن الراوي وجوبا أو حرمة ، وليس الأمر على ذلك - فمن كان فقيها ، | وحضر ~~الواقعة استنبط من القرائن حقيقة الحال كقول زيد رضي الله عنه | في النهي ~~عن المزارعة وعن بيع الثمار قبل أن يبدوا صلاحها : إن ذلك كان | كالمشورة ، ~~وأما الثانية فيدخل فيها قياسات الصحابة والتابعين واستنباطهم | من الكتاب ~~والسنة ، وليس الاجتهاد مصيبا في جميع الأحوال ، وربما كان | لم يبلغ أحدهم ~~الحديث ، أو بلغه بوجه لا ينتهض بمثله الحجة ، فلم يعمل به ، | ثم ظهر جلية ~~الحال على لسان صحابي آخر بعد ذلك كقول عمر وابن مسعود | رضي الله ms193 عنهما في ~~التيمم عن الجنابة ، وكثيرا ما كان اتفاق رءوس الصحابة | رضي الله عنهم على ~~شيء من قبل دلالة العقل على ارتفاق وهو قوله صلى الله عليه وسلم | : ' ~~عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي ' وليس من | أصول الشرع | ، فمن ~~كان متبحرا في الأخبار وألفاظ الحديث يتيسر له | التفصى عن مزال الأقدام ، ~~ولما كان الأمر كذلك وجب على الخائض في الفقه | أن يكون متضلعا من كلا ~~المشربين ، ومتبحرا في كلا المذهبين ، وكان أحسن | شعائر الملة ما أجمع ~~عليه جمهور الرواة وحملة العلم ، وتطابق فيه الطريقتان | جميعا ، والله ~~أعلم . | PageV01P279 # # | ( باب طبقات كتب الحديث ) # اعلم أنه لا سبيل لنا إلى معرفة الشرائع والأحكام إلا خبر النبي صلى الله ~~عليه وسلم | بخلاف المصالح ، فإنها قد تدرك بالتجربة والنظر الصادق والحدس ~~| ونحو ذلك ، ولا سبيل لنا إلى معرفة أخباره صلى الله عليه وسلم إلا تلقي | ~~الروايات المنتهية إليه بالاتصال والعنعنة سواء كانت من لفظه صلى الله عليه ~~وسلم | ، أو كانت أحاديث موقوفة قد صحت الرواية بها عن جماعة من الصحابة | ~~والتابعين بحيث يبعد إقدامهم على الجزم بمثله لولا النص أو الاشارة من | ~~الشارع ، فمثل ذلك رواية عنه صلى الله عليه وسلم دلالة ، وتلقي تلك ~~الروايات | لا سبيل إليه في يومنا هذا إلا تتبع الكتب المدونة في علم ~~الحديث ، فإنه | لا يوجد اليوم رواية يعتمد عليها غير مدونة ، وكتب الحديث ~~على طبقات | مختلفة ومنازل متباينة فوجب الاعتناء بمعرفة طبقات كتب الحديث ~~. # فتقول هي باعتبار الصحة والشهرة على أربع طبقات : وذلك لأن أعلى | أقسام ~~الحديث - كما عرفت فيما سبق - ما ثبت بالتواتر ، وأجمعت الأمة على | قبوله ~~العمل به ، . . . ثم ما استفاض من طرق متعددة لا يبقى معها شبهة | يعتد بها ~~، واتفق على العمل به جمهور فقهاء الأمصار ، أو لم يختلف فيه علماء | ~~الحرمين خاصة ، فإن الحرمين محل الخلفاء الراشدين في القرون الأولى ومحط | ~~رحال العلماء طبقة بعد طبقة يبعد أن يسلموا منهم الخطأ الظاهر ، أو كان | ~~قولا مشهورا معمولا به في قطر عظيم مرويا عن جماعة ms194 عظيمة من الصحابة | ~~والتابعين ، ثم ما صح ، أو حسن سنده ، وشهد به علماء الحديث ، ولم يكن | ~~قولا متروكا لم يذهب إليه أحد من الأمة ، أما ما كان ضعيفا موضوعا أو | ~~منقطعا أو مقلوبا في سنده أو متنه أو من رواية المجاهيل أو مخالفا لما أجمع ~~| عليه السلف طبقة بعد طبقة ، فلا سبيل إلى القول به ، . . . ، فالصحة أن | ~~يشترط مؤلف الكتاب على نفسه إيراد ما صح أو حسن غير مقلوب ولا شاذ | ولا ~~ضعيف إلا مع بيان حاله ، فإن إيراد الضعيف مع بيان حاله لا يقدح | في ~~الكتاب . | PageV01P280 # والشهرة أن تكون الأحاديث المذكورة فيها دائرة على ألسنة المحدثين | قبل ~~تدوينها وبعد تدوينها ، فيكون أئمة الحديث قبل المؤلف رووها | بطرق شتى ، ~~وأوردوها في مسانيدهم ومجاميعهم ، وبعد المؤلف اشتغلوا | برواية الكتاب ~~وحفظه وكشف مشكله وشرح غريبه وبيان إعرابه وتخريج | طرق أحاديثه واستنباط ~~فقهها والفحص عن أحوال رواتها طبقة بعد طبقة | إلى يومنا هذا حتى لا يبقى ~~شيء مما يتعلق به غير مبحوث عنه إلا ما شاء الله ، | ويكون نقاد الحديث قبل ~~المصنف وبعده وافقوه في القول بها ، وحكموا | بصحتها ، وارتضوا رأي المصنف ~~فيها ، وتلقوا كتابه بالمدح والثناء ، | ويكون أئمة الفقه لا يزالون ~~يستنبطون عنها ، ويعتمدون عليها ، ويعتنون | بها ، ويكون العامة لا يخلون ~~عن اعتقادها وتعظيمها . # وبالجملة فإذا اجتمعت هاتان الخصلتان كملا في كتاب كان من الطبقة | ~~الأولى ثم وثم ، وإن فقدتا رأسا لم يكن له اعتبار ، وما كان أعلى حد في | ~~الطبقة الأولى فإنه يصل حد التواتر ، وما دون ذلك يصل إلى الاستفاضة ، | ثم ~~إلى الصحة القطعية أعني القطع المأخوذ في علم الحديث المفيد للعمل ، | ~~والطبقة الثانية إلى الاستفاضة أو الصحة القطعية أو الظنية وهكذا ينزل ~~الأمر . # فالطبقة الأولى منحصرة بالاستقراء في ثلاثة كتب ، الموطأ ، وصحيح | ~~البخاري ، وصحيح مسلم . قال الشافعي : أصح الكتب بعد كتاب الله موطأ | مالك ~~، واتفق أهل الحديث على أن جميع ما فيه صحيح على رأي مالك | ومن وافقه ، ~~وأما على رأي غيره فليس فيه مرسل ولا منقطع إلا قد ms195 اتصل | السند به من طرق ~~أخرى ، فلا جرم أنها صحيحة من هذا الوجه ، وقد صنف | في زمان مالك موطآت ~~كثيرة في تخريج أحاديثه ووصل منقطعه ، مثل كتاب | ابن أبي ذئب وابن عيينة ~~والثوري ومعمر وغيرهم ممن شارك مالكا | PageV01P281 | في الشيوخ ، وقد رواه ~~عن مالك بغير واسطة أكثر من ألف رجل وقد | ضرب الناس فيه أكباد الإبل إلى ~~مالك من أقاصي البلاد كما كان النبي صلى الله عليه وسلم | ذكره في حديثه ، ~~فمنهم المبرزون من الفقهاء كالشافعي | ومحمد بن الحسن ، وابن وهب وابن ~~القاسم ، ومنهم نحارير المحدثين كيحيى | ابن سعيد القطان وعبد الرحمن بن ~~مهدي وعبد الرزاق ، ومنهم الملوك | والأمراء كالرشيد وابنيه ، وقد اشتهر في ~~عصره حتى بلغ على جميع ديار | الإسلام ، ثم لم يأت زمان إلا وهو أكثر له ~~شهرة وأقوى به عناية ، وعليه | بنى فقهاء الأمصار مذاهبهم حتى أهل العراق ~~في بعض أمرهم ، ولم يزل | العلماء يخرجون أحاديثه ، ويذكرون متابعاته ~~وشواهده ، ويشرحون غريبه ، | ويضبطون مشكله ويبحثون عن فقهه ، ويفتشون عن ~~رجاله إلى غاية ليس | بعدها غاية . وإن شئت الحق الصراح فقس كتاب الموطأ ~~بكتاب الأثار | لمحمد والأمالي لأبي يوسف تجد بينه وبينهما بعد المشرقين ، ~~فهل سمعت | أحدا من المحدثين والفقهاء تعرض لهما واعتنى بهما ؟ . # أما الصحيحان فقد اتفق المحدثون على أن جميع ما فيهما من المتصل المرفوع ~~| صحيح بالقطع ، وأنهما متواتران إلى مصنفيهما ، وأنه كل من يهون أمرهما | ~~فهو مبتدع متبع غير سبيل المؤمنين . وإن شئت الحق الصراح فقسهما | بكتاب ~~ابن أبي شيبة وكتاب الطحاوي ومسند الخوارزمي وغيرهما تجد بينها | وبينهما ~~بعد المشرقين وقد استدرك الحاكم عليهما أحاديث هي على شرطهما | ولم يذكراها ~~، وقد تتبعت ما استدركه ، فوجدته قد أصاب من وجه ، ولم | يصب من وجه ، وذلك ~~لأنه وجد أحاديث مروية عن رجال الشيخين | بشرطهما في الصحة والاتصال ، ~~فاتجه استدراكه عليهما من هذا الوجه ، | ولكن الشيخين لا يذكران إلا حديثا ~~قد تناظر فيه مشايخهما ، وأجمعوا على | القول به والتصحيح له ، كما أشار ~~مسلم حيث قال : لم أذكر ههنا إلا ms196 | ما أجمعوا عليه ، وجل ما تفرد به ~~المستدرك كالموكا عليه المخفي مكانه في | PageV01P282 | زمن مشايخهما وإن ~~اشتهر أمره من بعد ، أو ما اختلف المحدثون في رجاله | فالشيخان كأساتذتهما ~~كانا يعتنيان بالبحث عن نصوص الأحاديث في الوصل | والانقطاع وغير ذلك حتى ~~يتضح الحال ، والحاكم يعتمد في الأكثر على | قواعد مخرجة من صنائعهم كقوله ~~: زيادة الثقات مقبولة ، وإذا اختلف | الناس في الوصل والإرسال والوقف ~~والرفع وغير ذلك فالذي حفظ الزيادة | حجة على من لم يحفظ ، والحق أنه كثيرا ~~ما يدخل الخلل في الحفاظ من قبل | الموقوف ووصل المنقطع لا سيما عند رغبتهم ~~في المتصل المرفوع وتنويههم | به ، فالشيخان لا يقولان بكثير مما يقوله ~~الحاكم ، والله أعلم . # وهذه الكتب الثلاثة التي اعتنى القاضي عياض في المشارق بضبط | مشكلها ورد ~~تصحيفها . # الطبقة الثانية : كتب لم تبلغ مبلغ الموطأ والصحيحين ، ولكنها تتلوها . | ~~كان مصنفوها معروفين بالوثوق والعدالة والحفظ والتبحر في فنون الحديث ، | ~~ولم يرضوا في كتبهم هذه بالتساهل فيما اشترطوا على أنفسهم ، فتلقاها من | ~~بعدهم بالقبول ، واعتنى بها المحدثون والفقهاء طبقة بعد طبقة ، واشتهرت | ~~فيما بين الناس ، وتعلق بها القوم شرحا لغريبها وفحصا عن رجالها واستنباطا ~~| لفقهها . وعلى تلك الأحاديث بناء عامة العلوم كسنن أبي داود وجامع | ~~الترمذي ومجتبى النسائي ، وهذه الكتب مع الطبقة الأولى اعتنى بأحاديثها | ~~رزين في تجريد الصحاح وابن الأثير في جامع الأصول وكاد مسند أحمد | يكون من ~~جملة هذه الطبقة ، فإن الإمام أحمد جعله أصلا يعرف به الصحيح | والسقيم قال ~~: ما ليس فيه فلا تقبلوه . # والطبقة الثالثة : مسانيد وجوامع ومصنفات صنفت - قبل البخاري | ومسلم وفي ~~زمانهما وبعدهما - جمعت بين الصحيح والحسن والضعيف | PageV01P283 | ~~والمعروف والغريب والشاذ والمنكر والخطأ والصواب والثابت والمقلوب ، | ولم ~~تشتهر في العلماء ذلك الاشتهار وإن زال عنها اسم النكارة المطلقة ، ولم | ~~يتداول ما تفردت به الفقهاء كثير تداول ، ولم تفحص عن صحتها وسقمها | ~~المحدثون كثير فحص ، ومنه ما لم يخدمه لغوي لشرح غريب ، ولا فقيه | بتطبيقه ~~بمذاهب السلف ، ولا محدث ببيان مشكله ، ولا مؤرخ | بذكر أسماء رجاله ، ولا ~~أريد ms197 المتأخرين المتعمقين ، وإنما كلامي في الأئمة | المتقدمين من أهل ~~الحديث فهي باقية على استتارها واختفائها وخمولها كمسند | أبي علي ومصنف ~~عبد الرازق ومصنف أبي بكر بن أبي شيبة ومسند عبد | ابن حميد والطيالسي وكتب ~~البيهقي والطحاوي والطبراني وكان قصدهم جمع | ما وجدوه لا تلخيصه وتهذيبه ~~وتقريبه من العمل . # والطبقة الرابعة . كتب قصد مصنفوها بعد قرون متطاولة جمع ما لم | يوجد في ~~الطبقتين الأوليين وكانت في المجاميع والمسانيد المختفية فنوهوا | بأمرها ، ~~وكانت على ألسنة من لم يكتب حديثه المحدثون ككثير من الوعاظ | المتشدقين ~~وأهل الأهواء والضعفاء ، أو كانت من آثار الصحابة والتابعين ، | أو من ~~أخبار بني إسرائيل ، أو من كلام الحكماء والوعاظ خلطها الرواة | بحديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم سهوا أو عمدا ، أو كانت من محتملات | القرآن ~~والحديث الصحيح ، فرواها بالمعنى قوم صالحون لا يعرفون | غوامض الرواية ، ~~فجعلوا المعاني أحاديث مرفوعة ، أو كانت معاني مفهومة | من إشارات الكتاب ~~والسنة جعلوها أحاديث مستبدة برأسها عمدا ، | أو كانت جملا شتى في أحاديث ~~مختلفة جعلوها حديثا واحدا بنسق واحد ، | ومظنة هذه الأحاديث كتاب الضعفاء ~~لابن حبان وكامل ابن عدي ، وكتب | الخطيب وأبي نعيم والجوزقاني وابن عساكر ~~وابن النجار والديلمي ، وكاد | مسند الخوارزمي يكون من هذه الطبقة ، وأصلح ~~هذه الطبقة ما كان ضعيفا | PageV01P284 | محتملا وأسوؤها ما كان موضوعا أو ~~مقلوبا شديد النكارة . وهذه الطبقة | مادة كتاب الموضوعات لابن الجوزي . # ههنا طبقة خامسة منها ما اشتهر على ألسنة الفقهاء والصوفية والمؤرخين | ~~ونحوهم ، وليس له أصل في هذه الطبقات الأربع ، ومنها ما دسه الماجن في | ~~دينه العالم بلسانه فأتى بإسناد قوي لا يمكن الجرح فيه ، وكلام بليغ لا ~~يبعد | صدروه عنه صلى الله عليه وسلم ، فأثار في الإسلام مصيبة عظيمة ، لكن ~~| الجهابذة من أهل الحديث يوردون مثل ذلك على المتابعات والشواهد ، | فتهتك ~~الأستار ويظهر العوار ، أما الطبقة الأولى والثانية فعليهما اعتماد | ~~المحدثين ، وحوم حماهما مرتعهم ومسرحهم . وأما الثالثة فلا يباشرها للعمل | ~~عليها والقول بها إلا النحارير الجهابذة الذين يحفظون أسماء الرجال وعلل | ~~الأحاديث ، نعم ربما يؤخذ ms198 منها المتابعات والشواهد . | ^ ( قد جعل الله لكل ~~شيء قدرا ) ^ . # وأما الرابعة فالاشتغال بجمعها أو الاستنباط منها نوع تعمق من | ~~المتأخرين . وإن شئت الحق فطوائف المبتدعين من الرافضة والمعتزلة | وغيرهم ~~يتمكنون بأدنى عناية أن يلخصوا منها شواهد مذاهبهم ، فالانتصار | بها غير ~~صحيح في معارك العلماء بالحديث ، والله أعلم . | # | ( باب كيفية فهم المراد من الكلام ) # اعلم أن تعبير المتكلم عما في ضميره وفهم السامع إياه يكون على | درجات ~~مترتبة في الوضوح والخفاء : أعلاها ما صرح فيه بثبوت الحكم | للموضوع له ~~عينا ، وسيق الكلام لأجل تلك الإفادة ، ولم يحتمل معنى آخر ، | ويتلوه ما ~~عدم فيه أحد القيود الثلاثة ، إما أثبت الحكم لعنوان عام يتناول | ~~PageV01P285 | جمعا من المسميات شمولا أو بدلا مثل الناس والمسلمون والقوم ~~والرجال ، | وأسماء الإشارة إذا عمت صلتها والموصوف بوصف عام والمنفي بلا ~~الجنس | فإن العام يلحقه التخصيص كثيرا ، وإما لم يسبق الكلام لتلك الإفادة ~~| إن لزمت مما هنالك ، مثل جاءني زيد الفاضل بالنسبة إلى الفضل ويا زيد | ~~الفقير بالنسبة إلى ثبوت الفقر له ، وإما احتمل معنى آخر أيضا كاللفظ | ~~المشترك والذي له حقيقة مستعملة ومجاز متعارف والذي يكون معروفا | بالمثال ~~والقسمة غير معروف بالحد الجامع المانع كالسفر معلوم أن من | أمثلته الخروج ~~من المدينة قاصدا لمكة ، ومعلوم أن من الحركة تفرج ، ومنها | تردد في ~~الحاجة بحيث يأوي إلى القرية في يومه ، ومنها سفر ولا يعرف الحد | والدائر ~~بين شخصين كاسم الإشارة والضمير عند تعارض القرائن أو صدق | الصلة عليهما ، ~~ثم يتلوه ما أفهمه الكلام من غير توسط استعمال اللفظ فيه ، | ومعظمه ثلاثة ~~، الفحوى وهو يفهم أن الكلام حال المسكوت عنه بواسطة | المعنى الحامل على ~~الحكم مثل : | ^ ( ولا تقل لهما أف ) ^ . # يفهم منه حرمة الضرب بطريق الأولى ، ومثل ' من أكل في نهار رمضان | وجب ~~عليه القضاء ' يفهم منه أن المراد نقض الصوم ، وإنما خص الأكل | لأنه صورة ~~تتبادر إلى الذهن ، والاقتضاء وهو أن يفهمها بواسطة لزومه | للمستعمل فيه ~~عادة أو عقلا أو شرعا ، اعتقت ، وبعت - يقتضيان سبق | ملك ، مشى يقتضي ~~سلامة ms199 الرجل ، صلى يقتضي أنه على الطهارة ، | والإيماء وهو أن أداء المقصود ~~يكون بعبارات بإزاء الاعتبارات المناسبة ، | فيقصد البلغاء مطابقة العبارة ~~للاعتبار المناسب الزائد على أصل المقصود ، | PageV01P286 | فيفهم الكلام ~~الاعتبار المناسب له كالتقييد بالوصف أو الشرط يدلان على | عدم الحكم عند ~~عدمهما حيث لم يقصد مشاكلة السؤال ولا بيان الصورة | المتبادرة إلى الأذهان ~~ولا بيان فائدة الحكم وكمفهوم الاستثناء والغاية والعدد ، | وشرط اعتبار ~~الإيماء أن يجري التناقض به في عرف أهل اللسان مثل | - على عشرة إلا شيء ~~إنما على واحد - يحكم عليه الجمهور بالتناقض ، | وأما ما لا يدركه إلا ~~المتعمقون في علم المعاني ، فلا عبرة به ، ثم يتلوه | ما استدل عليه بمضمون ~~الكلام ومعظمه ثلاثة ، الدرج في العموم مثل | الذئب ذو ناب وكل ذي ناب حرام ~~، وبيانه بالاقتراني وهو قوله صلى الله عليه وسلم | : ' وما أنزل علي في ~~الخمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة : | @QB@ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا ~~يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره @QE@ . # ومنه استدلال ابن عباس بقوله تعالى : | @QB@ فبهداهم اقتده @QE@ . # وقوله تعالى : | @QB@ وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب ~~@QE@ . # حيث قال نبيكم أمر بأن يقتدى به ، والاستدلال بالملازمة أو المنافاة | ~~مثل لو كان الوتر واجبا لم يؤد على الراحلة لكنه يؤدى كذلك ، وبيانه | ~~بالشرطي ومنه قوله تعالى : | @QB@ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا @QE@ ~~. | PageV01P287 | والقياس ، وهو تمثيل صورة بصورة في علة جامعة بينهما مثل ~~الحمص | ربوى كالحنطة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : ' أرأيت لو كان على ~~أبيك | دين فقضيته عنه أكان يجزى عنه ؟ قال نعم قال فاحجج عنه ' والله أعلم ~~. | # | ( باب كيفية فهم المعاني الشرعية من الكتاب والسنة ) # واعلم أن الصيغة الدالة على الرضا والسخط هي الحب والبغض ، | والرحمة ~~واللعنة ، والقرب والبعد ونسبة الفعل إلى المرضيين أو المسخوطين | ~~كالمؤمنين والمنافقين ، والملائكة والشياطين ، وأهل الجنة والنار والطلب | ~~والمنع ، وبيان الجزاء المترتب على الفعل ، والتشبيه بمحمود في العرف | أو ~~مذموم ، واهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بفعله أو اجتنابه عنه مع حضور ~~دواعيه . # وأما التمييز ms200 بين درجات الرضا والسخط من الوجوب والندب والحرمة | ~~والكراهية ، فأصرحه ما بين حال مخالفه مثل ' من لم يؤد زكاة ماله مثل له ' ~~| الحديث وقوله صلى الله عليه وسلم ' ومن لا فلا حرج ' ، ثم اللفظ مثل | ~~يجب ، ولا يحل ، وجعل الشيء ركن الإسلام أو الكفر ، والتشديد البالغ | على ~~فعله ، أو تركه ، ومثل - ليس من المروءة ، ولا ينبغي - ، ثم حكم | الصحابة ~~والتابعين في ذلك كقول عمر رضي الله عنه : إن سجدة التلاوة ليست | بواجبة ، ~~وقول علي رضي الله عنه : إن الوتر ليس بواجب ، ثم حال المقصد | من كونه ~~تكميلا لطاعة أو سدا لذريعة إثم أو من باب الوقار وحسن الأدب . # وأما معرفة العلة والركن والشرط فأصرحها ما يكون بالنص مثل ' كل | مسكر ~~حرام ' ' لا صلاة لمن لم يقرأ بأم الكتاب ' ' لا تقبل صلاة أحدكم | حتى ~~يتوضأ ' ، ثم بالإشارة والإيماء مثل قول الرجل : ' واقعت أهلي في | رمضان ~~قال : ' أعتق رقبة ' ، وتسمية الصلاة قياما وركوعا وسجودا يفهم | أنها ~~أركانها . | PageV01P288 # قوله صلى الله عليه وسلم : ' دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين ' يفهم | ~~اشتراط الطهارة عند لبس الخفين ، ثم أن يكثر الحكم بوجود الشيء عند | وجوده ~~أو عدمه عند عدمه حتى يتقرر في الذهن عليه الشيء أو ركنيته | أو شرطيته ~~بمنزلة ما يدب في ذهن الفارسي من معرفة موضوعات اللغة | العربية عند ممارسة ~~العرب واستعمالهم إياها في المواضع المقرونة بالقرائن | من حيث لا يدري ، ~~وإنما ميزانه نفس تلك المعرفة فإذا رأينا الشارع كلما | صلى ركع ، وسجد ، ~~ودفع عنه الزجر ، وتكرر ذلك جزمنا بالمقصود ، | وإن شئت الحق فهذا هو ~~المعتمد في معرفة الأوصاف النفسية مطلقا ، فإذا | رأينا الناس يجمعون الخشب ~~، ويصنعون منه شيئا يجلس عليه ، ويسمونه السرير | نزعنا من ذلك أوصافه ~~النفسية ، ثم تخريج لمناط اعتمادا على وجدان مناسبة | أو على السبر والحذف ~~. # وأما معرفة المقاصد التي بني عليها الأحكام فعلم دقيق لا يخوض فيه | إلا ~~من لطف ذهنه ، واستقام فهمه ، وكان فقهاء الصحابة تلقت أصول | الطاعات ~~والآثام من المشهورات التي أجمع عليها الأمم الموجودة يومئذ | كمشركي العرب ~~كاليهود ms201 والنصارى ، فلم تكن لهم حاجة إلى معرفة لمياتها ، | ولا البحث عما ~~يتعلق بذلك . # أما قوانين التشريع والتيسير وأحكام الدين فتلقوها من مشاهدة مواقع | ~~الأمر والنهي ، كما أن جلساء الطبيب يعرفون مقاصد الأدوية التي يأمر بها | ~~بطول المخالطة والممارسة ، وكانوا في الدرجة العليا من معرفتها ، ومنه قول ~~| عمر رضي الله عنه لمن أراد أن يصل النافلة بالفريضة : بهذا هلك من قبلكم ~~، | فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' أصاب الله بك يا ابن الخطاب ' وقول ~~| ابن عباس رضي الله عنهما في بيان سبب الأمر بغسل يوم الجمعة ، وقول عمر | ~~رضي الله عنه : وافقت ربي في ثلاث : وقول زيد رضي الله عنه في البيوع | ~~PageV01P289 | المنهي عنها : إنه كان يصيب الثمار مراض قشام دمان الخ ، ~~وقول عائشة | رضي الله عنها : ' لو أردك النبي صلى الله عليه وسلم ما أحدثه ~~النساء لمنعهن من | المساجد كما منعت نساء بني إسرائيل ' . # وأصرح طرقها ما بين في نص الكتاب والسنة مثل . | @QB@ ولكم في القصاص ~~حياة يا أولي الألباب @QE@ . # وقوله تعالى : | @QB@ علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا ~~عنكم @QE@ . # وقوله تعالى : | @QB@ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا @QE@ . # وقوله تعالى : | @QB@ إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير @QE@ . # وقوله تعالى : | @QB@ أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى @QE@ . | ~~PageV01P290 # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يدري أين باتت يده ' وقوله صلى الله ~~عليه وسلم | : ' إن الشيطان يبيت على خيشومه ' ثم ما أشير إليه أو أومئ | ~~مثل قوله صلى الله عليه وسلم : ' اتقوا اللاعنين ' وقوله صلى الله عليه ~~وسلم : | ' وكاء السه العينان ' ثم ما ذكره الصحابي الفقيه ، ثم تخريج ~~المناط بوجه | يرجع إلى مقصد ظهر اعتباره أو اعتبار نظيره في نظير المسألة ~~، وليس في | الأمر جزاف فيجب أن يبحث عن المقادير لم عينت دون نظائرها ، ~~وعن | مخصصات العموم لم استثنيت لفقد المقصد أو لقيام مانع يرجح عند ~~التعارض | والله أعلم . | # | ( باب القضاء في الأحاديث المختلفة ) # الأصل أن يعمل بكل حديث إلا أن يمتنع العمل بالجميع للتناقض ، وأنه | ليس ~~في الحقيقة ms202 اختلاف ، ولكن في نظرنا فقط ، فإذا ظهر حديثان | مختلفان فإن ~~كانا من باب حكاية الفعل ، فحكى صحابي أنه صلى الله عليه وسلم | فعل شيئا ، ~~وحكى آخر أنه فعل شيئا آخر ، فلا تعارض ، ويكونان مباحين | إن كانا من باب ~~العادة دون العبادة ، أو أحدهما مستحبا والآخر جائزا | إن لاح على أحدهما ~~آثار القربة دون الآخر ، أو يكونان جميعا مستحبين | أو واجبين يكفي أحدهما ~~كفاية الآخر إن كانا جميعا من باب القربة ، وقد | نص حفاظ الصحابة على مثله ~~في كثير من السنن كالوتر بإحدى عشرة ركعة | وبتسع وسبع وكالجهر في التهجد ~~والمخافتة ، وعلى هذا الأصل ينبغي أن يقضي | في رفع اليدين إلى الأذنين أو ~~المنكبين ، وفي تشهد عمر وابن مسعود | وابن عباس رضي الله تعالى عنهم ، وفي ~~الوتر هل هو ركعة منفردة أو ثلاث | ركعات ، وفي أدعية الاستفتاح وأدعية ~~الصباح والمساء وسائر الأسباب | والأوقات . . . أو يكونان مخلصين عن مضيق ~~إن تقدم ما يوجب ذلك | كخصال الكفارة وكأجزية المحارب في قول ، أو يكون ~~هنالك علة خفية | PageV01P291 | توجب ، أو تحسن أحد الفعلين في وقت والآخر ~~في وقت ، أو توجب | شيئا وقتا ، وترخص وقتا ، فيجب أن يفحص عنها ، أو يكون ~~أحدهما | عزيمة والآخر رخصة إن لاح أثر الأصالة في الأول واعتبار الحرج في ~~الثاني | وإن ظهر دليل النسخ قيل به . . . ، وإن كان أحدهما حكاية فعل ~~والآخر رفع | قول فإن لم يكن القول قطعي الدلالة على تحريم أو وجوب أو قطعي ~~الرفع | احتملا وجوها . وإن كان قطعيا حملا على تخصيص الفعل به صلى الله ~~عليه وسلم | أو النسخ ، فيفحص عن قرائنهما وإن كان قولين فإن كان أحدهما | ~~ظاهرا في معنى مؤلا في غيره ، وكان التأويل قريبا حمل على أن أحدهما بيان | ~~للآخر ، وإن كان بعيدا لم يحمل عليه إلا عند قرينة قوية جدا أو نقل | ~~التأويل عن صحابي فقيه كقول عبد الله بن سلام في الساعة المرجوة إنها | ~~قبيل الغروب ، فأورد أبو هريرة أنها ليست وقت صلاة ، وقد قال النبي | صلى ~~الله عليه وسلم : ' لا يسأل ms203 الله فيها مسلم قائم يصلي ' فقال عبد الله بن ~~سلام | المنتظر للصلاة كأنه في الصلاة فهذا تأويل بعيد لا يقبل مثله لولا ~~ذهاب | الصحابي الفقيه إليه ، وضابطة البعيد أنه إن عرض على العقول السليمة ~~| بدون القرينة أو تجشم الجدل لم يحتمل ، وإذا كان مخالفا لايماء ظاهر أو | ~~مفهوم واضح أو مورد نص لم يجز أصلا ، فمن القريب قصر عام جرت العادة | ~~باستعمال بعض أفراده فقط في نظير ذلك الحكم على ذلك البعض ، وعام | يستعمل ~~في موضع جرت العادة بالتسامح فيه كالمدح والذم ، وعام سيق | لشرع وضع في ~~حكم بعد إفادة أصل الحكم ، فيجعل في قوة القضية المهملة | كقوله : ' ما ~~سقته السماء ففيه العشر ' وقوله : ' ليس فيما دون خمسة | أوسق صدقة ' ومنه ~~تنزيل كل واحد على صورة إن شهد المناط والمناسب ، | وحملهما على الكراهية ~~وبيان الجواز في الجملة إن أمكن ، وحمل التشديد على | الزجر إن تقدم لجاج ~~أما قوله | PageV01P292 | @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ . # أي أكلها | @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ . # أي نكاحهن ، وقوله ' العين حق ' أي تأثيرها ثابت ' والرسول | حق ' أي ~~مبعوث حقا وقوله ' رفع عن أمتي الخطأ والنسيان ' أي إثم ما وقعا | فيه ~~وقوله : ' لا صلاة إلا بطهور ' ' لا نكاح إلى بولي ' ' إنما الأعمال | ~~بالنيات ' أي لا يترتب على هذه الأشياء آثارها التي جعلها الشارع لها ، | ~~@QB@ إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا @QE@ . # أي إن لم تكونوا على الوضوء فظاهر ليس بمؤل ؛ لأن العرب يستعملون | كل ~~لفظة منها في محل ، ويريدون ما يناسب ذلك المحل ، وتلك لغتهم التي | لا ~~يرون فيها صرفا عن الظاهر ، وإن كانا من باب الفتوى في مسألة | والقضاء في ~~واقعة ، فإن ظهرت علة فارقة قضي على حسبها ، مثاله : سأله | شاب عن القبلة ~~للصائم ، فنهاه ، وشيخ ، فرخص له ، وإن دل السياق في | أحدهما دون الآخر ~~على وجود الحاجة أو إلحاح السائل أو كونه إغماضا | عن إكمال أوردا للمتعنت ~~المتشدد على نفسه قضى بالعزيمة والرخصة ، وإن | كانا مخلصين لمبتلى ، أو ~~عقوبتين لجان ، أو كفارتين من حنث جاز الحمل | على صحة الوجهين ، واحتمل ~~النسخ ms204 ، وعلى هذا الأصل يقضى في المستحاضة | أفتاها تارة بالغسل لكل صلاتين ~~، وتارة بالتحيض أيام عادتها أو أيام | ظهور الدم الشديد على قول إنه كان ~~خيرها بين أمرين ، وأن العادة ولون | الدم كلاهما يصلحان مظنة للحيض في ~~الصيام ، والإطعام عمن مات وعليه | PageV01P293 | صوم على قول ، والشاك في ~~الصلاة يلغي شكه بأحد أمرين : بتحري الصواب | أو أخذ المتيقن على قول ، ~~والقضاء في إثبات النسب بالقائف أو القرعة | على قول ، وإن ظهر دليل النسخ ~~حمل عليه ، ويعرف النسخ بنص النبي صلى الله عليه وسلم | كقوله : ' كنت ~~نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها ' | وبمعرفة تأخر أحدهما عن الآخر مع ~~عدم إمكان الجمع ، وإذا شرع الشارع | شرعا ، ثم شرع مكانه آخر وسكت عن ~~الأول ، عرف فقهاء الصحابة أن | ذلك نسخ للأول ، أو اختلفت الأحاديث وقضى ~~الصحابي بكون أحدهما | ناسخا للآخر ، فذلك ظاهر في النسخ غير قطعي ، وقول ~~الفقهاء - لما | يجدونه خلاف عمل مشايخهم : منسوخ - غير مقنع ، والنسخ فيما ~~يبدونها | تغير حكم بغيره ، وفي الحقيقة انتهاء الحكم لانتهاء علته ، أو ~~انتهاء كونه | مظنة للمقصد الأصلي ، أو لحدوث مانع من العلية ، أو ظهور ~~ترجيح حكم | آخر على النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي الجلي ، أو باجتهاده ~~وهذا إذا كان | الأول اجتهاديا ، قال الله تعالى في حديث المعراج : | @QB@ ~~ما يبدل القول لدي @QE@ . # وإذا لم يكن للجمع والتأويل مساغ ، ولم يعرف النسخ تحقق التعارض | فإن ~~ظهر ترجيح أحدهما إما بمعنى في السند من كثرة الرواة وفقه الراوي ، | وقوة ~~الاتصال ، وتصريح صيغة الرفع ، وكون الراوي صاحب المعاملة بأن | يكون هو ~~المستفتي أو المخاطب أو المباشر ، أو بمعنى في المتن من التأكيد | والتصريح ~~، أو بمعنى في الحكم وعلته من كونه مناسبا بالأحكام الشرعية ، | وكونها علة ~~شديدة المناسبة عرف تأثيرها ، أو من خارج من كونه متمسك | أكثر أهل العلم ~~أخذ بالراجح وإلا تساقطا ، وهي صورة مفروضة لا تكاد | توجد . . . ، وقول ~~الصحابي أمر ، ونهى ، وقضى ، ورخص ، ثم قوله : | أمرنا ، ونهينا ، ثم قوله ~~: من السنة كذا ، وعصى أبا القاسم من فعل كذا ، | PageV01P294 | ثم قوله ms205 : ~~هذا حكم النبي ظاهر في الرفع ، ويحتمل طروق اجتهاد في تصوير | العلة المدار ~~عليها ، أو تعيين الحكم من الوجوب والاستحباب ، أو عمومه | وخصوصه ، وقوله ~~. كان يفعل كذا ظاهر في تعدد الفعل ، ولا ينافيه | قول الآخر كان يفعل غيره ~~وقوله : صحبته ، فلم أره ينهى ، وكنا نفعل | في عهده ظاهر في التقرير ، ~~وليس نصا . # وقد تختلف صيغ حديث لاختلاف الطرق وذلك من جهة نقل الحديث | بالمعنى فإن ~~جاء حديث ولم يختلف الثقات في لفظه كان ذلك لفظه صلى الله عليه وسلم | ~~ظاهرا ، وأمكن الاستدلال بالتقديم والتأخير والواو والفاء ونحو ذلك | من ~~المعاني الزائدة على أصل المراد ، وإن اختلفوا اختلافا محتملا وهم | ~~متقاربون في الفقه والحفظ والكثرة سقط الظهور ، فلا يمكن الاستدلال | بذلك ~~إلا على المعنى جاءوا به جميعا ، وجمهور الرواة كانوا يعتنون | برءوس ~~المعاني لا بحواشيها ، وإن اختلفت مراتبهم أخذ بقول الثقة الذي والأكثر | ~~والأعرف بالقصة ، وأن أشعر قول ثقة بزيادة الضبط مثل قوله : قالت - | وثب - ~~وما قالت - قام - وقالت - أفاض على جلده الماء - | وما قالت - اغتسل - أخذ ~~به ، وإن اختلفوا اختلافا فاحشا وهم | متقاربون ولا مرجح سقطت الخصوصيات ~~المختلف فيها . # والمرسل إن اقترن بقرينة مثل أن يعتضد بموقوف صحابي أو مسنده | الضعيف أو ~~مرسل غيره . والشيوخ متغايرة ، أو قول أكثر أهل العلم ، | أو قياس صحيح ، ~~أو إيماء من نص ، أو عرف أنه لا يرسل إلا عن عدل - | صح الاحتجاج به وكان ~~نازلا من المسند وإلا لا . # وكذلك الحديث الذي يرويه قاصر الضبط غير متهم أو مجهول الحال - | المختار ~~أنه يقبل إن اقترن بقرينة مثل موافقة القياس ، أو عمل أكثر أهل | العلم ، ~~وإلا لا . # وإذا تفرد الثقة بزيادة لا يمتنع سكوت الباقين عنها فهي مقبولة كإسناد | ~~PageV01P295 | المرسل وزيادة رجل في الإسناد وذكر مورد الحديث وسبب الرواية ~~| وإطناب الكلام وإيراد جملة مستقلة لا تغير معنى الكلام ، وإن امتنع | ~~كالزيادة المغيرة للمعنى ، أو نادرة لا يترك ذكرها عادة لم يقبل ، وإذا حمل ~~| الصحابي حديثا على محمل ، فإن كان للاجتهاد فيه مساغ كان ظاهرا في ms206 الجملة ~~| إلى أن تقوم الحجة بخلافه ، وإلا كان قويا ، كما إذا كان فيما يعرفه ~~العاقل | العارف باللغة من القرائن الحالية والقالية . أما اختلاف آثار ~~الصحابة | والتابعين ، فإن تيسر الجمع بينها ببعض الوجوه المذكورة سابقا ~~فذلك ، | وإلا كانت المسألة على قولين ، أو أقوال ، فينظر أيها أصوب ، ومن ~~العلم | المكنون معرفة مأخذ مذاهب الصحابة ، فاجتهد تنل منه حظا والله | ~~أعلم . | # | ( تتمة ) # | ( باب أسباب اختلاف الصحابة والتابعين في الفروع ) # اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن الفقه في زمانه الشريف | ~~مدونا ، ولم يكن البحث في الأحكام يومئذ مثل البحث من هؤلاء الفقهاء | حيث ~~يبنون بأقصى جهدهم الأركان والشروط ، وآداب كل شيء ممتازا عن | الآخر ~~بدليله ، ويفرضون الصور يتكلمون على تلك الصور المفروضة ، | PageV01P296 | ~~ويحدون ما يقبل الحد ، ويحصرون ما يقبل الحصر إلى غير ذلك من | صنائعهم ، ~~أما رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يتوضأ ، فيرى الصحابة | وضوءه ، ~~فيأخذون به من غير أن يبين أن هذا ركن وذلك أدب ، وكان | يصلي ، فيرون ~~صلاته ، فيصلون كما رأوه يصلي ، وحج ، فرمق الناس حجه ، | ففعلوا كما فعل ، ~~فهذا كان غالب حاله صلى الله عليه وسلم ، ولم يبين أن | فروض الوضوء ستة أو ~~أربعة ، ولم يفرض أنه يحتمل أن يتوضأ إنسان | بغير موالاة حتى يحكم عليه ~~بالصحة أو الفساد إلا ما شاء الله ، وقلما كانوا | يسألونه عن هذه الأشياء ~~. عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ما رأيت | قوما كانوا خيرا من أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ما سألوه عن | ثلاث عشرة مسألة حتى قبض ، ~~كلهن في القرآن منهن . | @QB@ يسألونك عن الشهر الحرام قتال فيه قل قتال ~~فيه كبير @QE@ . | @QB@ ويسألونك عن المحيض @QE@ . # قال : ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم . قال ابن عمر : لا تسأل عما لم ~~يكن | فإني سمعت عمر بن الخطاب يلعن من سأل عما لم يكن . قال القاسم : إنكم ~~| تسألون عن أشياء ما كنا نسأل عنها وتنقرون عن أشياء ما كنا ننقر عنها . | ~~تسالون عن أشياء ما أدري ما هي ، ولو ms207 علمناها ما حل لنا أن نكتمها . عن | ~~عمر بن إسحاق قال : لمن أدركت من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم | ~~أكثر ممن سبقني منهم ، فما رأيت قوما أيسر سيرة ، ولا أقل تشديدا منهم ، | ~~وعن عبادة بن بسر الكندي ، وسئل عن امرأة ماتت مع قوم ليس لها ولي ، | فقال ~~: أدركت أقواما ما كانوا يشددون تشديدكم ، ولا يسألون مسائلكم ، | ~~PageV01P297 | أخرج هذه الآثار الدارمي . وكان صلى الله عليه وسلم يستفتيه ~~الناس في | الوقائع ، فيفتيهم ، وترفع إليه القضايا ، فيقضي فيها ، ويرى ~~الناس يفعلون | معروفا ، فيمدحه أو منكرا ، فينكر عليه ، وكل ما أفتى به ~~مستفتيا ، أو قضى | به في قضية ، أو أنكره على فاعله ، كان في الاجتماعات ، ~~وكذلك كان الشيخان | أبو بكر وعمر إذا لم يكن لهما علم في المسألة يسألون ~~الناس عن حديث رسول | الله صلى الله عليه وسلم . وقال أبو بكر رضي الله عنه ~~: ما سمعت رسول الله | صلى الله عليه وسلم قال فيها شيئا يعني - الجدة - ~~وسأل الناس ، فلما صلى | الظهر قال : أيكم سمع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال في الجدة شيئا ؟ | فقال المغيرة بن شعبة : أنا ، قال : ماذا قال ؟ ~~قال : أعطاها رسول الله | صلى الله عليه وسلم سدسا ، قال : أيعلم ذاك أحد ~~غيرك ؟ فقال محمد بن سلمة : | صدق ، فأعطاها أبو بكر السدس ، وقصة سؤال عمر ~~الناس في الغرة ، ثم | رجوعه إلى خبر مغيرة ، وسؤاله إياهم في الوباء ، ثم ~~رجوعه إلى خبر | عبد الرحمن بن عوف ، وكذا رجوعه في قصة المجوس إلى خبره ، ~~وسرور | عبد الله بن مسعود بخبر معقل بن يسار لما وافق رأيه ، وقصة رجوع ~~أبي | موسى عن باب عمر وسؤاله عن الحديث ، وشهادة أبي سعيد له ، وأمثال | ~~ذلك كثيرة معلومة مروية في الصحيحين والسنن : # وبالجملة فهذه كانت عادته الكريمة صلى الله عليه وسلم ، فرأى كل صحابي | ~~ما يسره الله له من عبادته وفتاواه وأقضيته ، فحفظها ، وعقلها ، وعرف | لكل ~~شيء وجها من قبل حفوف القرائن به ، فحمل بعضها على الإباحة ، | وبعضها على ~~النسخ لأمارات وقرائن كانت كافية ms208 عنده ، ولم يكن العمدة عندهم | إلا وجدان ~~الاطمئنان والثلج من غير التفات إلى طرق الاستدلال كما ترى | الأعراب ~~يفهمون مقصود الكلام فيما بينهم ، وتثلج صدورهم بالتصريح | والتلويح ~~والإيماء من حيث لا يشعرون ، فانقضى عصره الكريم وهم على ذلك ، | ثم إنهم ~~تفرقوا في البلاد وصار كل واحد مقتدى ناحية من النواحي ، | PageV01P298 | ~~فكثرت الوقائع ، ودارت المسائل ، فاستفتوا فيها ، فأجاب كل واحد حسبما | ~~حفظه ، أو استنبط ، وإن لم يجد فيما حفظه أو استنبط ما يصلح للجواب - | ~~اجتهد برأيه ، وعرف العلة التي أدار رسول الله صلى الله عليه وسلم عليها | ~~الحكم في منصوصاته ، فطرد الحكم حيثما وجدها لا يألوا جهدا في موافقة | ~~غرضه عليه الصلاة والسلام ، فعند ذلك وقع الاختلاف بينهم على ضروب : # منها أن صحابيا سمع حكما في قضية أو فتوى ، ولم يسمعه الآخر فاجتهد | ~~برأيه في ذلك . وهذا على وجوه : # أحدها أن يقع اجتهاده موافق الحديث . مثاله ما رواه النسائي وغيره | أن ~~ابن مسعود رضي الله عنه سئل عن امرأة مات عنها زوجها ، ولم يفرض | لها فقال ~~: لم أر رسول الله صلى الله عليه وسلم يقضي في ذلك ، فاختلفوا | عليه شهرا ~~، وألحوا ، فاجتهد برأيه ، وقضى بأن لها مهر نسائها لا وكس | ولا شطط ، ~~وعليها العدة ، ولها الميراث ، فقام معقل بن يسار ، # فشهد بأنه صلى الله عليه وسلم قضى بمثل ذلك في امرأة منهم ، ففرح بذلك | ~~ابن مسعود فرحة لم يفرح مثلها قط بعد الإسلام . # ثانيها أن يقع بينهما المناظرة ، ويظهر الحديث بالوجه الذي يقع به غالب | ~~الظن ، فيرجع عن اجتهاده إلى المسموع . مثاله ما رواه الأئمة من أن أبا ~~هريرة | رضي الله عنه كان من مذهبه أنه من أصبح جنبا فلا صوم له حتى أخبرته ~~| بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بخلاف مذهبه ، فرجع . # وثالثها أن يبلغه الحديث ولكن لا على الوجه الذي يقع به غالب الظن ، | ~~فلم يترك اجتهاده ، بل طعن في الحديث ، مثاله ما رواه أصحاب الأصول | من أن ~~فاطمة بنت قيس شهدت عند عمر بن الخطاب بأنها كانت ms209 مطلقة | PageV01P299 | ~~الثلاث فلم يجعل لها رسول الله صلى الله عليه وسلم نفقة ولا سكنى ، فرد | ~~شهادتها وقال : لا أترك كتاب الله بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت | لها ~~النفقة والسكنى ، وقالت عائشة رضي الله عنها لفاطمة : ألا تتقي الله - | ~~يعني في قولها - لا سكنى ولا نفقة . . . # ومثال آخر روى الشيخان أنه كان من مذهب عمر بن الخطاب أن التيمم | لا ~~يجزئ للجنب الذي لا يجد ماء ، فروى عنده عمار أنه كان مع رسول الله | صلى ~~الله عليه وسلم في سفر ، فأصابته جنابة ولم يجد ماء ، فتمعك في التراب | ~~فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم | : ' إنما كان يكفيك أن تفعل هكذا ، وضرب بيديه على الأرض ، | فمسح ~~بهما وجهه ويديه ، فلم يقبل عمر ، ولم ينهض عنده حجة لقادح خفي | رآه فيه ~~حتى استفاض الحديث في الطبقة الثانية من طرق كثيرة ، واضمحل | وهم القادح ~~فأخذوا به . # ورابعها ألا يصل إليه الحديث أصلا ، مثاله ما أخرج مسلم أن ابن عمر | كان ~~يأمر النساء إذا اغتسلن أن ينقضن رءوسهن ، فسمعت عائشة بذلك ، | فقالت يا ~~عجبا لابن عمر هذا يأمر النساء أن ينقضن رءوسهن ، أفلا يأمرهن أن | يحلقن ~~رءوسهن لقد كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء | واحد ، ~~وما أزيد على أن أفرغ على رأسي ثلاث أفرغات مثال آخر | ما ذكره الزهري من ~~أن هندا لم تبلغها رخصة رسول الله صلى الله عليه وسلم | في المستحاضة ، ~~فكانت تبكي لأنها لا تصلي . # ومن تلك الضروب أن يروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل فعلا ، | فحمله ~~بعضهم على القربة ، وبعضهم على الإباحة ، مثاله ما رواه أصحاب الأصول | في ~~قضية التحصيب - أي النزول بالأبطح عند النفر - نزل رسول الله | PageV01P300 ~~| صلى الله عليه وسلم به ، فذهب أبو هريرة وابن عمر إلى أنه على وجه القربة ~~| فجعلوه من سنن الحج ، وذهبت عائشة وابن عباس إلى أنه وجه الاتفاق | وليس ~~من السنن . # ومثال آخر ذهب الجمهور إلى ms210 أن الرمل في الطواف سنة ، وذهب ابن | عباس إلى ~~أنه إنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم على سبيل الارتفاق لعارض | عرض ، ~~وهو قول المشركين حطمهم حمى يثرب وليس بسنة . . . # ومنها اختلاف الوهم ، مثاله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حج ، | فرآه ~~الناس ، فذهب بعضهم إلى أنه كان متمتعا ، وبعضهم إلى أنه كان قارنا ، | ~~وبعضهم إلى أنه كان مفردا . # مثال آخر أخرج أبو داود عن سعيد بن جبير أنه قال : قلت لعبد الله | ابن ~~عباس يا أبا العباس عجبت لاختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم | حين ~~أوجب فقال : إني لأعلم الناس بذلك ، إنها كانت من رسول الله | صلى الله ~~عليه وسلم حجة واحدة ، فمن هناك اختلفوا ، خرج رسول الله | صلى الله عليه ~~وسلم حاجا ، فلما صلى في مسجد ذي الحليفة ركعة أوجب | في مجلسه وأهل بالحج ~~حين فرغ من ركعتيه ، فسمع ذلك من أقوام ، فحفظته | عنه ، ثم ركب ، فلما ~~استقلت به ناقته أهل وأدرك ذلك منه أقوام ، وذلك | أن الناس إنما كانوا ~~يأتون أرسالا ، فسمعوه حين استقلت به ناقته يهل ، | فقالوا : إنما أهل رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم حين استقلت به ناقته ، | ثم مضى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فلما علا على شرف البيداء ، | أهل وأدرك ذلك منه أقوام ، ~~فقالوا : إنما أهل حين علا على شرف البيداء | وايم الله لقد أوجب في مصلاه ~~، وأهل حين استقلت به ناقته ، وأهل حين | علا على شرف البيداء . | ~~PageV01P301 # ومنها اختلاف السهو والنسيان ، مثاله ما روى أن ابن عمر كان يقول | اعتمر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرة في رجب ، فسمعت بذلك عائشة | فقضت عليه ~~بالسهو . # ومنها اختلاف الضبط . مثاله ما روى ابن عمر - أو عمر - عنه صلى الله عليه ~~وسلم | من أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه . فقضت عائشة عليه | بأنه لم يأخذ ~~الحديث على وجهه . مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على | يهودية يبكي ~~عليها أهلها فقال : ' إنهم يبكون عليها وأنها تعذب في قبرها ' | فظن العذاب ms211 ~~معلولا للبكاء ، فظن الحكم عاما على كل ميت # ومنها اختلافهم في علة الحكم . مثاله القيام للجنازة فقال قائل لتعظيم | ~~الملائكة فيعم المؤمن والكافر ، وقال قائل : لهول الموت ، فيعمهما . | وقال ~~الحسن بن علي رضي الله عنهما : مر على رسول الله صلى الله عليه وسلم | ~~بجنازة يهودي فقام لها كراهية أن تعلوا فوق رأسه ، فيخص الكافر . # ومنها اختلافهم في الجمع بين المختلفين . مثاله رخص رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم | في المتعة عام خيبر ، ثم رخص فيها عام أوطاس ، ثم نهى عنها ، | ~~فقال ابن عباس كانت الرخصة للضرورة ، والنهي لانقضاء الضرورة | والحكم باق ~~على ذلك ، وقال الجمهور : كانت الرخصة إباحة والنهي نسخا لها . | مثال آخر ~~، نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استقبال القبلة في | الاستنجاء ، ~~فذهب قوم إلى عموم هذا الحكم وكونه غير منسوخ ، ورآه | جابر يبول قبل أن ~~يتوفى بعام مستقبل القبلة فذهب إلى أنه نسخ للنهي المتقدم | ورآه ابن عمر ~~قضى حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام ، فرد به قولهم ، وجمع | قوم بين ~~الروايتين ، فذهب الشعبي وغيره إلى أن النهي مختص بالصحراء ، | فإذا كان في ~~المراحيض فلا بأس بالاستقبال والاستدبار ، وذهب قوم | PageV01P302 | إلى أن ~~القول عام محكم ، الفعل يحتمل كونه خاصا بالنبي صلى الله عليه وسلم | فلا ~~ينتهض ناسخا ولا مخصصا . # وبالجملة فاختلفت مذاهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وأخذ عنهم | ~~التابعون كذلك كل واحد ما تيسر له ، فحفظ ما سمع من حديث رسول الله | صلى ~~الله عليه وسلم ومذاهب الصحابة وعقلها ، وجمع المختلف على ما تيسر له | ~~ورجح بعض الأقوال على بعض ، واضمحل في نظرهم بعض الأقوال وإن | كان مأثورا ~~عن كبار الصحابة كالمذهب المأثور عن عمر وابن مسعود في | تيمم الجنب اضمحل ~~عندهم لما استفاض من الأحاديث عن عمار وعمران | ابن الحصين وغيرهما ، فعند ~~ذلك صار لكل عالم من العلماء التابعين مذهب على | حياله ، فانتصب في كل بلد ~~إمام مثل سعيد بن المسيب ، وسالم بن عبد الله | ابن عمر في المدينة ، ~~وبعدها الزهري والقاضي يحيى بن ms212 سعيد وربيعة بن | عبد الرحمن فيها ، وعطاء ~~بن أبي رباح بمكة ، وإبراهيم النخعي والشعبي ، | بالكوفة ، والحسن البصري ~~بالبصرة ، وطاوس بن كيسان باليمن ، ومكحول | بالشام ، فأظمأ الله أكبادا ~~إلى علومهم ، فرغبوا فيها ، وأخذوا عنهم الحديث | وفتاوى الصحابة وأقاويلهم ~~، ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم من عند | أنفسهم ، واستفتى منهم ~~المستفتون ، ودارت المسائل بينهم ، ورفعت إليهم | الأقضية ، وكان سعيد بن ~~المسيب وإبراهيم وأمثالهما جمعوا أبواب الفقه | أجمعها ، وكان لهم في كل ~~باب أصول تلقوها من السلف ، وكان سعيد وأصحابه | يذهبون إلى أن أهل الحرمين ~~أثبت الناس في الفقه ، وأصل مذهبهم فتاوى | عبد الله بن عمر وعائشة وابن ~~عباس ، وقضايا قضاة المدينة ، فجمعوا من ذلك | ما يسره الله لهم ، ثم نظروا ~~فيها نظر اعتبار وتفتيش ، فما كان منها مجمعا عليه | بين علماء المدينة ~~فإنهم يأخذون عليه بنواجذهم ، وما كان فيه اختلاف عندهم ، | فإنهم يأخذون ~~بأقواها وأرجحها إما بكثرة من ذهب إليه منهم أو لموافقته بقياس | قوى أو ~~تخريج صريح ، من الكتاب والسنة أو نحو ذلك ، وإذا لم يجدوا فيما | حفظوا ~~منهم جواب المسألة خرجوا من كلامهم وتتبعوا الإيماء والاقتضاء ، | ~~PageV01P303 | فحصل لهم مسائل كثيرة في كل باب باب ، وكان إبراهيم وأصحابه ~~يرون أن | عبد الله بن مسعود وأصحابه أثبت الناس في الفقه كما قال علقمة ~~لمسروق : | هل أحد منهم أثبت من عبد الله ؟ وقول أبي حنيفة رضي الله عنه ~~للأوزاعي | إبراهيم أفقه من سالم ، ولولا فضل الصحبة لقلت أن علقمة أفقه من ~~عبد الله | ابن عمرو وعبد الله - هو عبد الله - وأصل مذهبه فتاوى عبد الله ~~بن مسعود | وقضايا علي رضي الله عنهما وفتاواه وقضايا شريح وغيره من قضاة ~~الكوفة ، | فجمع من ذلك ما يسره الله . ثم صنع في آثارهم كما صنع أهل ~~المدينة في آثار | أهل المدينة ، وخرج كما خرجوا ، فلخص له مسائل الفقه في ~~كل باب باب . | وكان سعيد بن المسيب لسان فقهاء المدينة ، وكان أحفظهم ~~لقضايا عمر | ولحديث أبي هريرة ، وإبراهيم لسان فقهاء الكوفة ، فإذا تكلما ~~بشيء ، | ولم ينسباه إلى أحد فإنه في ms213 الأكثر منسوب إلى أحد من السلف صريحا ~~| أو إيما و نحو ذلك ، فاجتمع عليهما فقهاء بلدهما وأخذوا عنهما وعقلوه | ~~وخرجوا عليه والله أعلم . # # | ( باب أسباب اختلاف مذاهب الفقهاء ) # اعلم أن الله تعالى أنشأ بعد عصر التابعين نشئا من حملة العلم إنحازا | ~~لما وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال : ' يحمل هذا العلم من | كل ~~خلف عدو له ' فأخذوا عمن اجتمعوا معه منهم صفة الوضوء والغسل | والصلاة ~~والحج والنكاح والبيوع وسائر ما يكثر وقوعه ، ورووا حديث | النبي صلى الله ~~عليه وسلم ، وسمعوا قضايا قضاة البلدان وفتاوى مفتيها ، | وسألوا عن ~~المسائل ، واجتهدوا في ذلك كله ، ثم صاروا كبراء قوم ، ووسد | إليهم الأمر ~~، فنسجوا على منوال شيوخهم ، ولم يألوا في تتبع الإيماآت | PageV01P304 | ~~والاقتضاآت ، فقضوا ، وأفتوا ، ورووا ، وعلموا . وكان صنيع العلماء في | ~~هذه الطبقة متشابها . # وحاصل صنيعهم أن يتمسك بالمسند من حديث رسول الله | صلى الله عليه وسلم ~~والمرسل جميعا ، ويستدل بأقوال الصحابة والتابعين علما منهم أنها | إما ~~أحاديث منقولة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتقروها ، فجعلوها موقوفة ~~كما قال | إبراهيم ، وقد روى حديث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ~~المحاقلة | والمزابنة فقيل له : أما تحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حديثا | غير هذا ؟ قال : بلى ولكن أقول قال عبد الله قال علقمة : أحب إلي ، ~~وكما قال | الشعبي - وقد سئل عن حديث - وقيل إنه يرفع إلى النبي صلى الله ~~عليه وسلم | قال لا بأعلى من دون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلي ، | فإن ~~كان فيه زيادة و نقصان كان علي من دون النبي صلى الله عليه وسلم ، | أو ~~يكون استنباطا منهم من المنصوص أو اجتهادا منهم بآرائهم وهم أحسن | صنيعا ~~في ذلك ممن يجيء بعدهم وأكثر إصابة وأقدم زمانا وأوعى علما ، | فتعين العمل ~~بها إلا إذا اختلفوا وكان حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم كل | يخالف ~~قولهم مخالفة ظاهرة ، وأنه إذا اختلفت أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~| في مسألة رجعوا إلى أقوال ms214 الصحابة ، فإن قالوا بنسخ بعضها | أو بصرفه عن ~~ظاهره ، أو لم يصرحوا بذلك ، ولكن اتفقوا على تركه وعدم | القول بموجبه ~~فإنه كابداء على فيه أو الحكم بنسخه أو تأويله - اتبعوهم في | كل ذلك ، وهو ~~قول مالك في حديث ولغ الكلب جاء هذا الحديث | PageV01P305 | ولكن لا أدري ~~ما حقيقته يعني حكاه ابن الحاجب في مختصر الأصول لم | أر الفقهاء يعملون به ~~. . . ، وأنه إذا اختلفت مذاهب الصحابة والتابعين في | مسألة فالمختار عند ~~كل عالم مذهب أهل بلده وشيوخه لأنه أعرف بصحيح | أقاويلهم عن السقيم وأوعى ~~للاصوال المناسبة لها وقلبه أميل إلى فضلهم | وتبحرهم فمذهب عمر وعثمان ~~وابن عمر وعائشة وابن عباس وزيد بن | ثابت ، وأصحابهم مثل سعيد بن المسيب ~~فإنه كان أحفظهم لقضايا عمر ، | وحديث أبي هريرة ، ومثل عروة وسالم وعطاء ~~بن يسار وقاسم وعبيد الله | وابن عبد الله والزهري ، ويحيى بن سعيد وزيد بن ~~أسلم وربيعة - أحق بالأخذ | من غيره عند أهل المدينة لما بينه النبي صلى ~~الله عليه وسلم في فضائل المدينة ، | ولأنها مأوى الفقهاء ومجمع العلماء في ~~كل عصر ، ولذلك ترى مالكا يلازم | محجتهم ، ومذهب عبد الله بن مسعود ~~وأصحابه ، وقضايا على وشريح والشعبي | وفتاوى إبراهيم ، - أحق بالأخذ عن ~~أهل الكوفة من غيره وهو قول | علقمة حين مال مسروق إلى قول زيد بن ثابت في ~~التشريك قال : هل أحد | منكم أثبت من عبد الله ؟ فقال لا ولكن رأيت زيد بن ~~ثابت وأهل المدينة | يشركون ، فإن اتفق أهل البلد على شيء أخذوا بنواجذه ، ~~وهو الذي يقول | في مثله مالك : السنة التي لا اختلاف فيها عندنا كذا وكذا ~~، وإن اختلفوا | أخذوا بأقواها وأرجحها إما بكثرة القائلين به أو لموافقته ~~لقياس قوي ، | أو تخريج من الكتاب والسنة ، وهو الذي يقول في مثله مالك : ~~هذا أحسن | ما سمعت ، فإذا لم يجدوا فيما حفظوا منهم جواب المسألة خرجوا من ~~كلامهم ، | وتتبعوا الإيماء والاقتضاء ، وألهموا في هذه الطبقة التدوين ، ~~فدون مالك | ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب بالمدينة ، وابن جريج وابن ~~عيينة بمكة ، | والثوري ms215 بالكوفة ، وربيع بن صبيح بالبصرة . وكلهم مشوا على ~~هذا المنهج | الذي ذكرته ، ولما حج المنصور قال لمالك : قد عزمت أن أمر ~~بكتبك هذه | PageV01P306 | التي صنفتها ، فتنسخ ، ثم أبعث في كل مصر من ~~أمصار المسلمين منها نسخة ، | وآمرهم بأن يعملوا بما فيها ، ولا يتعدوه إلى ~~غيره ، فقال : يا أمير المؤمنين | لا تفعل هذا فإن الناس قد سبقت إليهم ~~أقاويل ، وسمعوا أحاديث ، ورووا | روايات ، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم ، ~~وأتوا به من اختلاف الناس ، فدع | الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم ~~، ويحكى نسبة هذه القصة إلى | هارون الرشيد ، وأنه شاور مالكا في أن يعلق ~~الموطأ في الكعبة ، ويحمل | الناس على ما فيه ، فقال : لا تفعل فإن أصحاب ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم | اختلفوا في الفروع ، وتفرقوا في البلدان ، ~~وكل سنة مضت قال : وفقك الله | يا أبا عبد الله حكاه السيوطي . # وكان مالك من أثبتهم في حديث المدنيين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم | ~~وأوثقهم إسنادا وأعلمهم بقضايا عمر وأقاويل عبد الله بن عمر وعائشة | ~~وأصحابهم من الفقهاء السبعة ، وبه وبأمثاله قام علم الرواية والفتوى ، فلما ~~| وسد إليه الأمر حدث ، وأفتى ، وأفاد ، وأجاد ، وعليه انطبق قول النبي | ~~صلى الله عليه وسلم : ' يوشك أن يضرب الناس أكباد الإبل يطلبون العلم ، | ~~فلا يجدون أحدا أعلم من عالم المدينة ' على ما قاله ابن عيينة وعبد الرزاق ~~| - وناهيك بهما - فجمع أصحابه رواياته ومختاراته لخصوها ، وحرروها ، | ~~وشرحوها ، وخرجوا عليها ، وتكلموا في أصولها ودلائلها ، وتفرقوا | إلى ~~المغرب ونواحي الأرض ، فنفع الله بهم كثيرا من خلقه . # وإن شئت أن تعرف حقيقة ما قلناه ، من أصل مذهبه فانظر في كتاب | الموطأ ~~تجده كما ذكرنا . # وكان أبو حنيفة رضي الله عنه ألزمهم بمذهب إبراهيم وأقرانه لا يجاوزه | ~~إلا ما شاء الله ، وكان عظيم الشأن في التخريج على مذهبه دقيق النظر في | ~~وجوه التخريجات مقبلا على الفروع أتم إقبال ، وإن شئت أن تعلم حقيقة | ~~PageV01P307 | ما قلنا فلخص أقوال إبراهيم وأقرانه من كتاب الآثار لمحمد ~~رحمه الله وجامع | عبد ms216 الرزاق ومصنف أبو بكر بن أبي شيبة ، ثم قايسه بمذهبه ~~تجده لا يفارق | تلك المحجة إلا في مواضع يسيرة وهو في تلك اليسيرة أيضا لا ~~يخرج عما | ذهب إليه فقهاء الكوفة ، وكان أشهر أصحابه ذكرا أبو يوسف رحمه ~~الله ، | فولى قضاء القضاة أيام هارون الرشيد ، فكان سببا لظهور مذهبه ~~والقضاء | به في أقطار العراق وخراسان وما وراء النهر ، وكان أحسنهم تصنيفا ~~وألزمهم | درسا محمد بن الحسن ، وكان من خبره أنه تفقه على أبي يوسف ، ثم ~~خرج ، إلى المدينة ، فقرأ الموطأ على مالك ، ثم رجع إلى نفسه ، فطبق مذهب ~~أصحابه | على الموطأ مسألة مسألة فإن وافق فيها وإلا فإن رأى طائفة من ~~الصحابة | والتابعين ذاهبين إلى مذهب أصحابه فكذلك ، وإن وجد قياسا ضعيفا | ~~أو تخريجا لينا يخالفه حديث صحيح فيما عمل به الفقهاء أو يخالفه عمل أكثر | ~~العلماء - تركه إلى مذهب من مذاهب السلف مما يراه أرجح ما هناك ، | وهذان ~~لا يزالان على محجة إبراهيم وأقرانه ما أمكن لهما كما كان أبو حنيفة | رضي ~~الله عنه يفعل ذلك . # وإنما كان اختلافهم في أحد شيئين : إما أن يكون لشيخهما تخريج على | مذهب ~~إبراهيم يزاحمانه فيه ، أو يكون هناك لإبراهيم ونظرائه أقوال مختلفة | ~~يخالفان شيخهما في ترجيح بعضها على بعض ، فصنف محمد رحمه الله وجمع | رأي ~~هؤلاء الثلاثة ، ونفع كثيرا من الناس ، فتوجه أصحاب أبي حنيفة | رضي الله ~~عنه إلى تلك التصانيف تلخيصا وتقريبا أو شرحا أو تخريجا أو | تأسيسا أو ~~استدلالا ، ثم تفرقوا إلى خراسان وما وراء النهر ، فيسمى ذلك | مذهب أبي ~~حنيفة . # ونشأ الشافعي في أوائل ظهور المذهبين وترتيب أصولهما وفروعهما ، | فنظر ~~في صنيع الأوائل ، فوجد فيه أمورا كبحت عنانه عن الجريان في | طريقهم ، وقد ~~ذكرها في أوائل كتاب الأم . | PageV01P308 # منها أنه وجدهم يأخذون بالمرسل والمنقطع ، فيدخل فيهما الخلل ، فإنه | ~~إذا جمع طرق الحديث يظهر أنه كم من مرسل لا أصل له ، وكم من مرسل | يخالف ~~مسندا ، فقرر ألا يأخذ بالمرسل إلا عند وجود شروط ، وهي | مذكورة في كتب ~~الأصول . # ومنها ms217 أنه لم تكن قواعد الجمع بين المختلفات مضبوطة عندهم فكان | يتطرق ~~بذلك خلل في مجتهداتهم ، فوضع لها أصولا ، ودونها في كتاب ، | وهذا أول ~~تدوين كان في أصول الفقه . مثاله ما بلغنا أنه دخل على محمد | ابن الحسن ~~وهو يطعن على أهل المدينة في قضائهم بالشاهد الواحد مع اليمين ، | ويقول : ~~هذه زيادة على كتاب الله ، فقال الشافعي : أثبت عندك أنه لا تجوز | الزيادة ~~على كتاب الله بخبر الواحد ؟ قال : نعم قال : فلم قلت إن الوصية | للوارث ~~لا تجوز لقوله صلى الله عليه وسلم ' ألا لا وصية لوارث ' وقد | قال الله ~~تعالى : # @QB@ كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت @QE@ . | وأورد عليه أشياء من هذا ~~القبيل ، فانقطع كلام محمد ابن الحسن . # ومنها أن بعض الأحاديث الصحيحة لم يبلغ علماء التابعين ممن وسد إليهم | ~~الفتوى ، فاجتهدوا بآرائهم ، أو اتبعوا العمومات ، أو اقتدوا بمن مضى | من ~~الصحابة فأفتوا حسب ذلك . ثم ظهرت بعد ذلك في الطبقة الثالثة فلم | يعلموا ~~بها ظنا منهم أنها تخالف عمل أهل مدينتهم وسنتهم التي لا اختلاف | ~~PageV01P309 | لهم فيها ، وذلك قادح في الحديث وعلة مسقطة له ، أو لم تظهر ~~في الثالثة ، | وإنما ظهر ت بعد ذلك عندما أمعن أهل الحديث في جمع طرق ~~الحديث ، ورحلوا | إلى أقطار الأرض ، وبحثوا عن حملة العلم ، فكثر من ~~الأحاديث ما لا | يرويه من الصحابة إلا رجل أو رجلان ، ولا يرويه عنه أو ~~عنهما إلا رجل | أو رجلان ، وهلم جرا ، فخفي على أهل الفقه ، وظهر في عصر ~~الحفاظ | الجامعين لطرق الحديث كثيرة من الأحاديث ، رواه أهل البصرة مثلا ~~وسائر | الأقطار في غفلة منه ، فبين الشافعي أن العلماء من الصحابة ~~والتابعين لم يزل | شأنهم أنهم يطلبون الحديث في المسألة ، فاذا لم يجدوا ~~تمسكوا بنوع آخر من | الاستدلال ، ثم إذا ظهر عليهم الحديث بعد رجعوا من ~~اجتهادهم إلى الحديث | فاذا كان الأمر على ذلك لا يكون عدم تمسكهم بالحديث ~~قدحا فيه ، اللهم | إلا إذا بينوا العلة القادحة . مثاله حديث القلتين فإنه ~~حديث صحيح روى | بطرق كثيرة معظمها ترجع إلى ms218 أبي الوليد بن كثير . عن محمد ~~بن جعفر بن | الزبير عن عبد الله - أو محمد بن عباد بن جعفر - عن عبيد الله ~~بن عبد الله | كلاهما عن ابن عمر ، ثم تشعبت الطرق بعد ذلك ؛ وهذان وإن ~~كانا من | الثقات لكنهما ليس ممن وسد إليهم الفتوى ، وعول الناس عليهم ، ~~فلم | يظهر الحديث في عصر سعيد بن المسيب ولا في عصر الزهري ، ولم يمش | ~~عليه المالكية ولا الحنفية ، فلم يعملوا به ، وعمل به الشافعي ، وكحديث - | ~~خيار المجلس - فانه حديث صحيح روي بطرق كثيرة ، وعمل به ابن عمر | وأبو ~~هريرة من الصحابة ، ولم يظهر على الفقهاء السبعة ومعاصريهم ، فلم | يكونوا ~~يقولون به ، فرأى مالك وأبو حنيفة هذه علة قادحة في الحديث ، | وعمل به ~~الشافعي . # ومنها أن أقوال الصحابة جمعت في عصر الشافعي ، فتكثرت ، واختلف | وتشعبت ~~، ورأى كثيرا منها يخالف الحديث الصحيح حيث لم يبلغهم ، ورأى PageV01P310 | ~~السلف لم يزالوا يرجعون في مثل ذلك إلى الحديث ، فترك التمسك بأقوالهم | ما ~~لم يتفقوا ، وقال : هم رجال ونحن رجال . # ومنها أنه رأى قوما من الفقهاء يخلطون الرأي الذي لم يسوغه الشرع | ~~بالقياس الذي أثبته ، فلا يميزون واحد منها من الآخر ، ويسمونه تارة | ~~بالاستحسان - وأعني بالرأي أن ينصب مظنة حرج أو مصلحة علة لحكم وإنما ~~القياس أن تخرج العلة من الحكم المنصوص ، ويدار عليها الحكم - | فأبطل هذا ~~النوع أتم إبطال ، وقال من أستحسن : فانه أراد أن يكون | شارعا ، حكاه ابن ~~الحاجب في - مختصر الأصول - مثاله رشد اليتيم | أمر خفي ، فاقاموا مظنة ~~الرشد وهو بلوغ خمس عشرين سنة مقامه ، وقالوا : | إذا بلغ اليتيم هذا العمر ~~سلم إليه ماله ، قالوا : هذا استحسان ، والقياس | لا يسلم إليه . وبالجملة ~~لما رأى في صنيع الأوائل مثل هذه الأمور ، | أخذ الفقه من الرأس ، فأسس ~~الأصول ، وفرع الفروع ، وصنف الكتب | فأجاد ، وأفاد ، واجتمع عليه الفقهاء ~~، وتصرفوا اختصارا وشرحا واستدلالا | وتخريجا ، ثم تفرقوا في البلدان ، ~~فكان هذا مذهبا للشافعي والله أعلم . # # | ( باب الفرق بين أهل الحديث وأصحاب الرأي ) # اعلم أنه كان من العلماء في عصر سعيد ms219 بن المسيب وإبراهيم والزهري ، | وفي ~~عصر مالك وسفيان ، وبعد ذلك - قوم يكرهون الخوض بالرأي ، | ويهابون الفتيا ~~والاستنباط إلا لضرورة لا يجدون منها بدا ، وكان أكبر | همهم رواية حديث ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، سئل عبد الله بن مسعود | عن شيء ، فقال : ~~إني لأكره أن أحل لك شيئا حرمه الله عليك ، أو أحرم | ما أحله الله لك . ~~وقال معاذ بن جبل : يا أيها الناس ، لا تعجلوا بالبلاء قبل | PageV01P311 | ~~نزوله ، فإنه لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سرد ، وروي | نحو ~~ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود في كراهة التكلم فيما لم | ينزل . ~~وقال ابن عمر لجابر بن زيد : إنك من فقهاء البصرة ، فلا تفت إلا | بقرآن ~~ناطق أو سنة ماضية ، فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت ، وأهلكت | وقال أبو النصر ~~- لما قدم أبو سلمة البصرة - أتيته أنا والحسن فقال | للحسن : أنت الحسن ؟ ~~ما كان أحد بالبصرة أحب إلى لقاء منك ، وذلك | أنه بلغني أنك تفتي برأيك ، ~~فلا تفت برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول | الله صلى الله عليه وسلم أو كتاب ~~منزل . وقال ابن المنكدر : إن العالم يدخل | فيما بين الله وبين عباده ، ~~فليطلب لنفسه المخرج . وسئل الشعبي . كيف كنتم | تصنعون إذا سئلتم ؟ قال : ~~على الخبير وقعت كان إذا سئل الرجل قال | لصاحبه : أفتهم ، فلا يزال حتى ~~يرجع إلى الأول ، وقال الشعبي : ما حدثوك | هؤلاء عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فخذ به ، وما قالوه برأيهم ، فألقه | في الحش أخرج هذه الآثار عن ~~آخرها الدارمي ، فوقع شيوع تدوين | الحديث والأثر في بلدان الإسلام ، ~~وكتابة الصحف والنسخ حتى قل من | يكون أهل الرواية إلا كان له تدوين أو ~~صحيفة أو نسخة من حاجتهم لموقع | عظيم ، فطاف من أدرك من عظمائهم ذلك ~~الزمان بلاد الحجاز والشام | والعراق ، ومصر واليمن وخراسان ، وجمعوا الكتب ~~، وتتبعوا النسخ ، | وأمعنوا في التفحص عن غريب الحديث ونوادر الأثر ، ~~فاجتمع باهتمام | أولئك من الحديث والآثار ما لم يجتمع لأحد قبلهم ، وتيسر ~~لهم ما ms220 لم يتيسر | لأحد قبلهم ، وخلص إليهم من طرق الأحاديث شيء كثير حتى ~~كان يكثر | من الأحاديث عندهم مائة طريق فما فوقها ، فكشف بعض الطرق ما ~~استتر | في بعضها الآخر ، وعرفوا محل كل حديث من الغرابة والاستفاضة ، | ~~وأمكن لهم النظر في المتابعات والشواهد ، وظهر عليهم أحاديث صحيحة | ~~PageV01P312 | كثيرة لم تظهر على أهل الفتوى من قبل . قال الشافعي لأحمد : ~~أنتم أعلم | بالأخبار الصحيحة منا ، فإذا كان خبر صحيح ، فأعلموني حتى أذهب ~~إليه | كوفيا كان أو بصريا أو شاميا ، حكاه ابن الهمام ، وذلك لأنه كم من ~~حديث | صحيح لا يرويه إلا أهل بلد خاصة كأفراد الشاميين والعراقيين أو أهل ~~بيت | خاصة كنسخة بريد عن أبي بردة عن أبي موسى ، ونسخة عمرو بن شعيب | عن ~~أبيه عن جده ، أو كان الصحابي مقلا خاملا لم يحمل عنه إلا شرذمة | قليلون ، ~~فمثل هذه الأحاديث يغفل عنها عامة أهل الفتوى ، واجتمعت | عندهم آثار فقهاء ~~كل بلد من الصحابة والتابعين ، وكان الرجل فيما قبلهم | لا يتمكن إلا من ~~جمع حديث بلده وأصحابه ، وكان من قبلهم يعتمدون في | معرفة أسماء الرجال ~~ومراتب عدالتهم ما يخلص إليهم من مشاهدة الحال | وتتبع القرائن ، وأمعن هذه ~~الطبقة في هذا الفن وجعلوه شيئا مستقلا | بالتدوين والبحث ، وناظروا في ~~الحكم بالصحة وغيرها ، فانكشف عليهم | بهذا التدوين والمناظرة ما كان خافيا ~~من حال الاتصال والانقطاع ، وكان | سفيان ووكيع وأمثالهما يجتهدون غاية ~~الاجتهاد ، فلا يتمكنون من الحديث | المرفوع المتصل إلا من دون ألف حديث ~~كما ذكره أبو داود السجستاني | في رسالته إلى أهل مكة . # وكان أهل هذه الطبقة يروون أربعين ألف حديث ، فما يقرب منها بل | صح عن ~~البخاري أنه اختصر صحيحه من ستة آلاف حديث ، وعن أبي داود | أنه اختصر سننه ~~من خمسة آلاف حديث ، وجعل أحمد مسنده ميزانا يعرف | به حديث رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، فما وجد فيه ولو بطريق واحد | منه فله أصل وإلا فلا أصل ~~له ، فكان رءوس هؤلاء عبد الرحمن بن مهدي . | ويحيى بن سعيد القطان ويزيد ~~بن هارون ms221 وعبد الرزاق وأبو بكر بن أبي شيبة | ومسدد وهناد وأحمد ين حنبل ~~وإسحق بن راهوية والفضل بن دكين وعلي | المديني وأقرانهم . | PageV01P313 # وهذه الطبقة هي الطراز الأول من طبقات المحدثين ، فرجع المحققون | منهم ~~بعد إحكام فن الرواية ومعرفة مراتب الأحاديث إلى الفقه ، فلم يكن | عندهم ~~من الرأي أن يجمع على تقليد رجل ممن مضى مع ما يرون من الأحاديث | والآثار ~~المناقضة في كل مذهب من تلك المذاهب ، فأخذوا يتتبعون أحاديث | النبي صلى ~~الله عليه وسلم وآثار الصحابة والتابعين والمجتهدين على قواعد أحكموها في ~~نفوسهم | - وأنا أبينها لك في كلمات يسيرة - . # كان عندهم أنه إذا وجد في المسألة قرآن ناطق ، فلا يجوز التحول منه | إلى ~~غيره ، وإذا كان القرآن محتملا لوجوه فالسنة قاضية عليه ، فإذا لم يجدوا | ~~في كتاب الله أخذوا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء كان مستفيضا ~~دائرا بين | الفقهاء ، أو يكون مختصا بأهل بلد أو أهل بيت أو بطريق خاصة ، ~~وسواء | عمل به الصحابة والفقهاء ، أو لم يعملوا به ، ومتى كان في المسألة ~~حديث | فلا يتبع فيه خلاف أثر من الآثار ، ولا اجتهاد أحد من المجتهدين ، ~~وإذا | فرغوا جهدهم في تتبع الأحاديث ، ولم يجدوا في المسألة حديثا - أخذوا ~~| بأقوال جماعة من الصحابة والتابعين ، ولا يتقيدون بقوم دون قوم ، ولا بلد ~~| دون بلد ، كما كان يفعل من قبلهم ، فإن اتفق جمهور الخلفاء والفقهاء على ~~| شيء فهو المقنع ، وإن اختلفوا أخذوا بحديث أعلمهم علما وأورعهم ورعا | أو ~~أكثرهم ضبطا أو ما اشتهر عنهم ، فإن وجدوا شيئا يستوي فيه قولان | فهي ~~مسألة ذات قولين ، فإن عجزوا عن ذلك أيضا تأملوا في عمومات الكتاب | والسنة ~~وإيما آتهما واقتضا آتهما ، وحملوا نظير المسألة عليها في الجواب | إذا ~~كانتا متقاربتين بادى الرأي لا يعتمدون في ذلك على قواعد من الأصول ، | ~~ولكن على ما يخلص إلى الفهم ، ويثلج به الصدر ، كما أنه ليس ميزان التواتر ~~| عدد الرواة ، ولا حالهم ، ولكن اليقين الذي يعقبه في قلوب الناس - | كما ~~نبهنا على ذلك في بيان حال الصحابة ms222 ، وكانت هذه الأصول مستخرجة | عن صنيع ~~الأوائل وتصريحاتهم ، وعن ميمون بن مهران قال كان أبو بكر | PageV01P314 | ~~إذا ورد عليه الخصم نظر في كتاب الله ، فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى | به ~~، وإن لم يكن في الكتاب وعلم من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك | ~~الأمر سنة قضى بها ، فإن أعياه خرج ، فسأل المسلمين وقال : أتاني كذا | ~~وكذا ، فهل علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في ذلك بقضاء ؟ ~~فربما اجتمع | إليه النفر كلهم يذكر من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ~~قضاء فيقول | أبو بكر الحمد لله الذي جعل فينا من يحفظ على نبينا . فإن ~~أعياه أن يجد فيه | سنة من رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع رءوس الناس ~~وخيارهم ، | فاستشارهم فإذا اجتمع رأيهم على أمر قضى به . # وعن شريح أن عمر بن الخطاب كتب إليه إن جاءك شيء في كتاب الله | فاقض به ~~، ولا يلفتك عنه الرجال ، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ، فانظر | سنة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فاقض بها ، فإن جاءك ما ليس في كتاب | الله ، ~~ولم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فانظر ما اجتمع عليه | ~~الناس ، فخذ به ، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ، ولم يكن في سنة رسول الله ~~| صلى الله عليه وسلم ، ولم يتكلم فيه أحد قبلك ، فاختر أي الأمرين شئت | ~~إن شئت أن تجتهد برأيك ، ثم تقدم ، فتقدم ، وإن شئت أن تتأخر ، فتأخر | ولا ~~أرى التأخر إلا خيرا لك ، وعن عبد الله بن مسعود قال : أتى علينا | زمان ~~لسنا نقضي ولسنا هنالك ، وإن الله قد قدر من الأمر أن قد بلغنا | ما ترون ، ~~فمن عرض له قضاء بعد اليوم فليقض فيه بما في كتاب الله عز وجل ، | فإن جاءه ~~ما ليس في كتاب الله فليقضى بما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم | ، ~~فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ، ولم يقض به رسول الله صلى الله ms223 عليه وسلم | ~~فليقض بما قضى به الصالحون ولا يقل إني أخاف وأني أرى | ' فإن الحرام بين ، ~~والحلال بين ، وبين ذلك أمور مشتبهة ، فدع ما يريبك | إلى ما لا يريبك ' ~~وكان ابن عباس إذا سئل عن الأمر فإن كان في القرآن | أخبر به ، وإن لم يكن ~~في القرآن وكان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر به | PageV01P315 | ~~وإن لم يكن فعن أبي بكر وعمر ، فإن لم يكن قال فيه برأيه . عن ابن عباس | ~~أما تخافون أن تعذبوا ، أو يخسف بكم أن تقولوا قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وقال | فلان عن قتادة ، قال : حدث ابن سرين رجلا بحديث عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال | الرجل : قال فلان : كذا وكذا فقال ابن سرين أحدثك عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم | وتقول قال فلان كذا وكذا . عن الأوزاعي قال : ~~كتب عمر | ابن عبد العزيز أنه لا رأى لأحد في كتاب الله وإنما رأى الأئمة ~~فيما لم ينزل | فيه كتاب ، ولم تمض فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، ولا رأى لأحد في سنة | سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم . عن ~~الأعمش قال : كان إبراهيم يقول : يقوم عن | يساره ، فحدثته عن سميع الزيات ~~عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم أقامه عن يمينه | فأخذ به عن ~~الشعبي ، جاءه رجل يسأله عن شيء فقال : كان ابن مسعود | يقول فيه كذا وكذا ~~قال : أخبرني أنت برأيك ، فقال ألا تعجبون من هذا | أخبرته عن ابن مسعود ، ~~ويسألني عن رأيي ، وديني عندي أثر من ذلك ، | والله لأن أتغنى بأغنية أحب ~~إلي من أن أخبرك برأيي ، أخرج هذه الآثار | كلها الدارمي . # وأخرج الترمذي عن أبي السائب قال : كنا عند وكيع ، فقال لرجل | ممن ينظر ~~في الرأي : أشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ويقول أبو حنيفة : هو | ~~مثله ؟ قال الرجل ، فإنه قد روي عن إبراهيم النخعي أنه قال : الإشعار مثله ~~| قال : رأيت وكيعا غضب غضبا شديدا وقال : أقول لك : قال رسول ms224 الله | صلى ~~الله عليه وسلم ، وتقول : قال إبراهيم ، ما أحقك بأن تحبس ، ثم | لا تخرج ~~حتى تنزع عن قولك هذا ، وعن عبد الله بن عباس وعطاء ومجاهد | ومالك بن أنس ~~رضي الله عنهم أنهم كانوا يقولون : ما من أحد إلا وهو | مأخوذ من كلامه ~~ومردود عليه إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم . | PageV01P316 # وبالجملة فلما مهدوا الفقه على هذه القواعد ، فلم تكن مسألة من المسائل | ~~التي تكلم فيها من قبلهم والتي وقعت في زمانهم إلا وجدوا فيها حديثا | ~~مرفوعا متصلا أو مرسلا أو موقوفا صحيحا أو حسنا أو صالحا للاعتبار ، | أو ~~وجدوا أثرا من آثار الشيخين أو سائر الخلفاء وقضاة الأمصار وفقهاء | ~~البلدان ، أو استنباطا من عموم أو إماء أو اقتضاء ، فيسر الله لهم العمل | ~~بالسنة على هذا الوجه ، وكان أعظمهم شأنا وأوسعهم رواية وأعرفهم | للحديث ~~مرتبة واعمقهم فقها أحمد بن محمد حنبل ، ثم إسحاق بن رهوية ، | وكان ترتيب ~~الفقه على هذا الوجه يتوقف على جمع شيء كثير من الأحاديث | والآثار حتى سئل ~~أحمد يكفي الرجل مائة ألف حديث حتى يفنى ؟ قال : | لا حتى قيل خمسمائة ألف ~~حديث قال : أرجو كذا في غاية المنتهى ومراده | الافتاء على هذا الأصل . # ثم أنشأ الله تعالى قرنا آخر ، فراوا أصحابهم قد كفوا مؤنة جمع | ~~الأحاديث وتمهيد الفقه على أصلهم ، فتفرغوا للفنون أخرى كتمييز الحديث | ~~الصحيح والمجمع عليه بين كبراء أهل الحديث كزيد بن هرون ويحيى بن سعيد | ~~القطان وأحمد وإسحق وأضرابهم ، وكجمع أحاديث الفقه التي بنى عليها | فقهاء ~~الأمصار وعلماء البلدان مذاهبهم ، وكالحكم على كل حديث بما يستحقه ، | ~~وكالشاذة والفاذة من الأحاديث التي لم يروها ، أو طرقها التي لم يخرجوا | ~~من جهتها الأوائل مما فيه اتصال أو علوا سند أو رواية فقيه عن فقيه أو حافظ ~~| عن حافظ ، ونحو ذلك من المطالب العلمية ، وهؤلاء هم البخاري ومسلم | وأبو ~~داود وعبد بن حميد والدارمي وابن ماجه وأبو يعلى والترمذي والنسائي | ~~والدارقطني والحاكم والبيهقي والخطيب والديلمي وابن عبد البر وأمثالهم ، | ~~وكان أوسعهم علما عندي وأنفعهم ms225 تصنيفا وأشهرهم ذكرا رجال أربعة | متقاربون ~~في العصر . | PageV01P317 # أولهم أبو عبد الله البخاري وكان غرضه تجريد الأحاديث الصحاح | المستفيضة ~~المتصلة من غيرها ، واستنباط الفقه والسيرة والتفسير منها ، فصنف | جامعه ~~الصحيح ، ووفى بما شرط ، وبلغنا أن رجل من الصالحين رأى رسول | صلى الله ~~عليه وسلم في منامه وهو يقول : مالك اشتغلت بفقه محمد بن | إدريس وتركت ~~كتابي ، قال : يا رسول الله وما كتابك ؟ قال : صحيح البخاري | ولعمري أنه ~~نال من الشهرة والقبول درجة لا يرام فوقها . و # ثانيهم مسلم النيسابوري ، توخى تجريد الصحاح المجمع عليها بين | المحدثين ~~المتصلة المرفوعة مما يستنبط منه السنة ، وأراد تقريبها إلى الأذهان | ~~وتسهيل الاستنباط منها ، فرتب ترتيبا جيدا ، وجمع طرق كل حديث في | موضع ~~واحد ، ليتضح اختلاف المتون ، وتشعب الاسانيد أصرح ما يكون | وجمع بين ~~المختلفات فلم يدع لمن له معرفة لسان العرب عذرا في الأعراض | عن السنة إلى ~~غيرها . # وثالثهم أبو داود السجستاني ، وكان همته جمع الأحاديث التي استدل | بها ~~الفقهاء ، ودارت فيهم ، وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار ، فصنف | سننه ، ~~وجمع فيها الصحاح والحسن واللين والصالح للعمل ، قال أبو داود : | ما ذكرت ~~في كتابي حديثا أجمع الناس على تركه ، وما كان منها ضعيفا صرح | بضعفه ، ~~وما كان فيه علة بينها بوجه يعرفه الخائض في هذا الشأن ، وترجم | على كل ~~حدث بما قد استنبط منه عالم ، وذهب إليه ذاهب ، ولذلك صرح | الغزالي وغيره ~~بأن كتابه كاف للمجتهد . # ورابعهم أبو عيسى الترمذي ، وكأنه استحسن طريقة الشيخين حيث | بينا وما ~~أبهما ، وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب ، مجمع | كلتا ~~الطريقتين وزاد عليها بيان مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار | ~~PageV01P318 | فجمع كتابا جامعا واختصر طرق الحديث اختصارا لطيفا ، فذكر ~~واحد ، | وأومأ إلى ما عداه ، وبين أمر كل حديث من أنه صحيح أو حسن أو ضعيف ~~، | أو منكر ، وبين وجه الضعف ، ليكون الطالب على بصير من أمره ، | فيعرف ~~ما يصلح للاعتبار عما دونه ، وذكر أنه مستفيض أو غريب ، | وذكر مذاهب ~~الصحابة وفقهاء الأمصار ، وسمى من يحتاج إلى ms226 التسمية وكنى | من يحتاج إلى ~~الكنية ، ولم يدع خفاء لمن هو من رجال العلم ، ولذلك يقال : | إنه كاف ~~للمجتهد مغن للمقلد . # وكان بإزاء هؤلاء في عصر مالك وسفيان ، وبعدهم قوم لا يكرهون المسائل ، | ~~ولا يهابون الفتيا ويقولون : على الفقه بناء الدين ، فلا بد من إشاعته ، | ~~ويهابون رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم والرفع إليه حتى | قال ~~الشعبي : على من دون النبي صلى الله عليه وسلم أحب إلينا ، فإن كان فيه | ~~زيادة أو نقصان كان على من دون النبي صلى الله عليه وسلم . وقال إبراهيم | ~~أقول : قال عبد الله ، وقال علقمة : أحب إلينا ، وكان ابن مسعود إذا حدث | ~~عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تربد وجهه ، وقال : هكذا أو نحو هكذا | ~~ونحوه وقال عمر حين بعث رهطا من الأنصار إلى الكوفة : إنكم تأتون | الكوفة ~~، فتأتون قوما لهم أزيز بالقرآن فيأتونكم فيقولون : قدم أصحاب | محمد قدم ~~أصحاب محمد ، فيأتونكم فيسألونكم عن الحديث فأقلوا الرواية | عن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم . قال ابن عون : كان الشعبي إذا جاءه | شيء اتقى ، وكان ~~إبراهيم يقول ويقول : أخرج هذه الآثار الدرامي . # فوقع تدوين الحديث والفقه والمسائل من حاجتهم بموقع من وجه آخر | وذلك ~~أنه لم يكن عندهم من الأحاديث والآثار ما يقدرون به على استنباط | الفقه ~~على الأصول التي اختارها أهل الحديث ، ولم تنشرح صدورهم للنظر | في أقوال ~~علماء البلدان وجمعها والبحث عنها ، واتهموا أنفسهم في ذلك | PageV01P319 | ~~وكانوا اعتقدوا في أئمتهم أنهم في الدرجة العليا من التحقيق ، وكان قلوبهم ~~| أميل شيء إلى أصاحبهم كما قال علقمة : هل أحد منهم أثبت من عبد الله ؟ | ~~وقال أبو حنيفة : إبراهيم أفقه من سالم ، ولولا فضل الصحبة لقلت : علقمه | ~~أفقه من ابن عمر ، وكان عندهم من الفطانة والحدس وسرعة انتقال الذهن | من ~~شيء إلى شيء ما يقدرون به على تخريج جواب المسائل على أقوال أصحابهم | ' ~~وكل ميسر لما خلق له ' . # ^ ( كل حزب بما يهم فرحون ) ^ . # فهمدوا الفقه على قاعدة التخريج ، وذلك أن يحفظ كل أحد كتاب ms227 من | هو لسان ~~أصحابه وأعرفهم بأقوال القول وأصحهم نظرا في الترجيح ، فيتأمل | في كل ~~مسألة وجه الحكم ، فكلما سئل عن شيء ، أو احتاج إلى شيء رأى | فيما يحفظه ~~من تصريحات أصحابه ، فإن وجد الجواب فيها ، وإلا نظر إلى | عموم كلامهم ، ~~فأجراه على هذه الصورة ، أو إشارة ضمنية لكلام ، فاستنبط | منها . . . ، ~~وربما كان لبعض الكلام إيماء أو اقتضاء يفهم المقصود ، | وربما كان للمسألة ~~المصرح بها نظير يحمل عليها ، وربما نظروا في علة الحكم | المصرح به ~~بالتخريج أو باليسر الحذف ، فأداروا حكمه على غير | المصرح به ، وربما كان ~~له كلامان لو اجتمعا على هيئة القياس الاقتراني | أو الشرطي أنتجيا جواب ~~المسألة ، وربما كان في كلامهم ما هو معلوم بالمثال | والقسمة غير معلومة ~~بالحد الجامع المانع ، فيرجعون إلى أهل اللسان ، | ويتكلفون ، في تحصيل ~~ذاتياته ، وترتيب حد جامع مانع له ، وضبط مبهمه | وتمييز مشكلة ، وربما كان ~~كلامهم محتملا بوجهين فينظرون في ترجيح | أحد المحتملين ، وربما يكون تقريب ~~الدلائل خفيا ، فيبينون ذلك ، وربما | استدل بعض المخرجين من فعل أئمتهم ~~وسكوتهم ونحو ذلك ، فهذا هو التخريج | PageV01P320 | ويقال له القول المخرج ~~لفلان كذا ، ويقال على مذهب فلان ، أو على أصل | فلان ، أو على قول فلان ~~جواب المسألة كذا وكذا ، ويقال لهؤلاء : المجتهدون | في المذهب ، وعنى هذا ~~الاحتهاد على هذا الأصل من قال من حفظ المبسوط | كان مجتهدا ، أي وإن لم ~~يكن له علم برواية أصلا ، ولا بحديث واحد فوقع | التخريج في كل مذهب ، وكثر ~~، فأي مذهب كان أصحابه مشهورين وسد | إليهم القضاء والافتاء ، واشتهر ~~تصانيفهم في الناس ، ودرسوا درسا ظاهرا | انتشر في أقطار الأرض ، ولم يزل ~~ينتشر كل حين ، واي مذهب كان أصحابه | خاملين ، ولم يولوا القضاء والافتاء ~~ولم يرغب فيهم الناس اندرس بعد حين . # # | ( باب حكاية حال الناس قبل المائة الرابعة وبعدها ) # اعلم أن الناس كانوا قبل المائة الرابعة غير مجمعين على التقليد الخالص | ~~لمذهب واحد بعينه ، قال أبو طالب المكي في قوت القلوب : إن الكتب | ~~والمجموعات محدثة ، والقول بمقالات الناس ، والفتيا بمذهب الواحد من | ~~الناس ms228 ، واتخاذ قوله ، والحكاية له من كل شيء ، والتفقه على مذهبه - | لم ~~يكن الناس قديما على ذلك في القرنين الأول والثاني انتهى . # أقول وبعد القرنين حدث فيهم شيء من التخريج غير أن أهل المائة | الرابعة ~~لم يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص على مذهب واحد والتفقه له | والحكاية ~~لقوله كما يظهر من التتبع ، بل كان فيهم العلماء والعامة ، وكان من | خير ~~العامة أنهم كانوا في المسائل الاجماعية التي لا اختلاف فيها بين المسلمين ~~| أو جمهور المجتهدين لا يقلدون إلا صاحب الشرع ، وكانوا يتعلمون صفة ~~الوضوء | والغسل والصلاة والزكاة ونحو ذلك من آبائهم أو معلمي بلدانهم ، ~~فيمشون | حسب ذلك ، وإذا وقعت لهم واقعة استفتوا فيها أي مفت وجدوا من غير ~~| تعيين مذهب ، وكان من خبر الخاصة أنه كان من أهل الحديث منهم يشتغلون | ~~بالحديث ، فيخلص إليهم من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة | ~~ما لا يحتاجون معه شيء آخر في المسألة من حديث مستفيض أو صحيح | ~~PageV01P321 | قد عمل به بعض الفقهاء ، ولا عذر لتارك العمل به ، أو أقوال ~~متظاهرة | لجمهور الصحابة والتابعين مما لا يحسن مخالفتها فان لم يجد في ~~المسألة ما يطمئن | به قلبه لتعارض النقل وعدم وضوح الترجيح ونحو ذلك - رجع ~~إلى كلام | بعض من مضى من الفقهاء ، فإن وجد قولين اختار أوثقهما سواء كان ~~من | أهل المدينة أو من أهل الكوفة ، وكان أهل التخريج منهم يخرجون فيما | ~~لا يجدونه مصرحا ، ويجتهدون في المذهب ، وكان هؤلاء ينسبون إلى مذهب | ~~أحدهم فيقال : فلان شافعي ، وفلان حنفي ، وكان صاحب الحديث أيضا | قد ينسب ~~إلى أحد المذاهب لكثرة موافقته له ، كالنسائي والبيهقي ينسبان | إلى ~~الشافعي ، فكان لا يتولى القضاء ولا الإفتاء إلا مجتهدا ، ولا يسمى | ~~الفقيه إلا مجتهدا . # ثم بعد هذه القرون كان ناس آخرون ذهبوا يمينا وشمالا ، وحدث فيهم | أمور ~~منها الجدل والخلاف في علم الفقه ، وتفصيله - على ما ذكره الغزالي - | أنه ~~لما انقرض عهد الخلفاء الراشدين المهديين أفضت الخلافة إلى قوم تولوها | ~~بغير استحقاق ولا استقلال بعلم الفتاوى والأحكام ، فاضطروا ms229 إلى الاستعانة | ~~بالفقهاء وإلى استصحابهم في جميع أحوالهم ، وقد كان بقي من العلماء من | هو ~~مستمر على الطراز الأول وملازم صفو الدين ، فكانوا إذا طلبوا | هربوا ، ~~وأعرضوا فرأى أهل تلك الأعصار عز العلماء وإقبال الأئمة عليهم | مع إعراضهم ~~، فاشر أبو بطلب العلم توصلا إلى نيل العز ودرك الجاه ، | فأصبح الفقهاء ~~بعد أن كانوا مطلوبين طالبين ، وبعد أن كانوا أعزة الأعراض | عن السلاطين ~~أذلة بالاقبال عليهم ، إلا من وفقه الله . # وقد كان من قبلهم قد صنف ناس في علم الكلام وأكثروا القال والقيل | ~~والإيراد والجواب وتمهيد طريق الجدل ، فوقع ذلك منهم بموقع من قبل | أن كان ~~من الصدور والملوك من مالت نفسه إلى المناظرة في الفقه وبيان | PageV01P322 ~~| الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة رحمه الله ، فترك الناس الكلام | ~~وفنون العلم ، وأقبلوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة رحمه | ~~الله على الخصوص ، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد بن حنبل | ~~وغيرهم ، وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع وتقدير علل المذهب | وتمهيد ~~أصول الفتاوى ، وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات ، ورتبوا | فيها أنواع ~~المجادلات والتصنيفات وهم مستمرون عليه إلى الآن لسنا ندري | ما الذي قدر ~~الله تعالى فيما بعدها من الأعصار انتهى حاصله . # ومنها أنهم اطمأنوا بالتقليد ، ودب التقليد في صدورهم دبيب النمل | وهم ~~لا يشعرون ، وكان سبب ذلك تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم فانهم | لما ~~وقعت فيهم المزاحمة في الفتوى كان كل من أفتى بشيء نوقض في فتواه ، | ورد ~~عليه ، فلم ينقطع الكلام إلا بميسر إلى تصريح رجل من المتقدمين | في ~~المسألة . # وأيضا جور القضاة فان القضاة لما جار أكثرهم ، ولم يكونوا أمناء | لم ~~يقبل منهم إلا ما يريب العامة فيه ، ويكون شيئا قد قيل من قبل . # وأيضا جهل رءوس الناس واستفتاء الناس من لا علم له بالحديث ، | ولا بطريق ~~التخريج كما ترى ذلك ظاهرا في أكثر المتأخرين ، وقد نبه عليه | ابن الهمام ~~وغيره ، وفي ذلك الوقت يسمى غير المجتهد فقيها . # ومنها أن أقبل أكثرهم على التعمقات في كل فن ، فمنهم من ms230 زعم أنه يؤسس | ~~علم أسماء الرجال ومعرفة مراتب الجرح والتعديل ، ثم خرج من ذلك إلى | ~~التاريخ قديمه وحديثه . . ، ومنهم من تفحص عن نوادر الأخبار وغرائبها | وإن ~~دخلت في حد الموضوع . . . ، ومنهم من كثر القيل والقال في أصول | الفقه ، ~~واستنبط كل لأصحابة قواعد جدلية ، فأورد ، فاستقصى ، وأجاب ، | وتفصى ، ~~وعرف ، وقسم ، فحور طول الكلام تارة وتارة أخرى اختصر . ، | PageV01P323 | ~~ومنهم من ذهب إلى هذا بفرض الصور المستبعدة التي من حقها ألا يتعرض | لها ~~عاقل وبفحص العمومات والايماآت من كلام المخرجين فمن دونهم | مما لا يرتضى ~~استماعه عالم ولا جاهل . # وفتنة هذا الجدل والخلاف والتعمق قريبة من الفتنة الأولى حين | تشاجروا ~~في الملك ، وانتصر كل رجل لصاحبه ، فكما أعقبت تلك ملكا | عضوضا ووقائع ~~صماء عمياء ، فكذلك أعقبت هذه جهلا واختلاطا وشكوكا | ووهما ما لها من ~~أرجاء ، فنشأت بعدهم قرون على التقليد الصرف لا يميزون | الحق من الباطل ~~ولا الجدل عن الاستنباط . . ، فالفقيه يومئذ هو الثرثار | المتشدق الذي حفظ ~~أقوال الفقهاء قويها وضعيفها من غير تمييز وسردها | بشقشقة شدقية . . . ، ~~والمحدث من عد الأحاديث صحيحها وسقيمها | وهذها كهذ الأسمار بقوة لحيية ، ~~ولا أقول ذلك كليا مطردا فإن لله | طائفة من عباده لا يضرهم من خذلهم ، وهم ~~حجة الله في أرضه ، وإن قلوا ، | ولم يأت قرن بعد ذلك إلا وهو أكثر فتنة ~~وأوفر تقليدا وأشد انتزاعا | للامانة من صدور الرجال حتى اطمأنوا بترك ~~الخوض في أمر الدين وبأن | - يقولوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على ~~آثارهم متقدون - وإلى الله | المشتكى وهو المستعان وبه الثقة وعليه التكلان ~~. | # | ( فصل ) # ومما يناسب هذا المقام التنبيه على مسائل ضلت في بواديها الافهام | وزلت ~~الأقدام ، وطغت الأقلام . | PageV01P324 # منها أن هذه المذاهب الأربعة المدونة المحررة قد اجتمعت الأمة | - أو من ~~يعتد به منها - على جواز تقليدها إلى يومنا هذا ، وفي ذلك من | المصالح ما ~~لا يخفى لا سيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم جدا ، | وأشربت النفوس ~~الهوى وأعجب كل ذي رأي برأيه ، فما ذهب إليه ابن | حزم حيث قال : التقليد ms231 ~~حرام لا يحل لأحد أن يأخذ قول أحد غير رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا ~~برهان لقوله تعالى : # ^ ( واتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه | أولياء ) ^ . # وقوله تعالى : # @QB@ وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه ~~آباءنا @QE@ . # وقال مادحا لمن لم يقلد : # ^ ( فبشر عبادي الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك | الذين هداهم ~~الله وأولئك هم أولوا الألباب ) ^ . # وقال تعالى : # ^ ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم | تؤمنون بالله ~~وباليوم الآخر ) ^ . | PageV01P325 # فلم يبح الله تعالى الرد عند التنازع إلى أحددون القرآن والسنة ، وحرم | ~~بذلك الرد عند التنازع إلى قول قائل لأنه غير القرآن والسنة ، وقد صح | ~~إجماع الصحابة كلهم أولهم عن آخرهم وإجماع التابعين أولهم عن آخرهم | على ~~الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم أو ممن | قبلهم ، ~~فيأخذه كلهم ، فليعلم من أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة ، أو جميع | أقوال مالك ~~، أو جميع أقوال الشافعي ، أو جميع أقوال أحمد رضي الله عنهم ، | ولم يترك ~~قول من اتبع منهم أو من غيرهم إلى قول غيره ، ولم يعتمد على ما | جاء في ~~القرآن والسنة غير صارف ذلك إلى قول إنسان بعينه - أنه قد | خالف إجماع ~~الأمة كلها أولها عن آخرها بيقين لا إشكال فيه وأنه لا يجد | لنفسه سلفا ، ~~ولا إنسانا في جميع الأعصار المحمودة الثلاثة ، فقد اتبع غير | سبيل ~~المؤمنين نعوذ بالله من هذه المنزلة . # وأيضا فإن هؤلاء الفقهاء كلهم قد نهوا عن تقليد غيرهم ، فقد خالفهم | من ~~قلدهم ، وأيضا فما الذي جعل رجلا من هؤلاء أو من غيرهم أولى أن يقلد | من ~~عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب أو ابن مسعود أو ابن عمر أو ابن | عباس ~~أو عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم ، فلو ساغ التقليد لكان | كل ~~واحد من هؤلاء أحق بأن يتبع من غيره انتهى ، إنما يتم فيمن له ضرب | من ~~الاجتهاد ولو في مسألة واحدة ، وفيمن ظهر عليه ms232 ظهورا بيننا أن النبي | صلى ~~الله عليه وسلم أمر بكذا ، ونهى عن كذا ، وأنه ليس بمنسوخ إما بأن | يتتبع ~~الأحاديث وأقوال المخالف والموافق في المسألة ، فلا يجد لها نسخا ، | أو ~~بأن يرى جمعا غفيرا من المتبحرين في العلم يذهبون إليه ، ويرى المخالف | له ~~لا يحتج إلا بقياس أو استنباط أو نحو ذلك ، فحينئذ لا سبب لمخالفة | حديث ~~النبي صلى الله عليه وسلم إلا نفاق خفي ، أو حمق جلي . # وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال : | ~~PageV01P326 | ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف ~~مأخذ | إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا ، وهو مع ذلك يقلده فيه ، ويترك من ~~شهد | الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودا على تقليد إمامه ، بل ~~يتخيل | لدفع ظاهر الكتاب والسنة ، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة ~~نضالا | عن مقلده . # وقال : لم يزال الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد لمذهب | ~~ولا إنكار على أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها | من ~~المقلدين ، فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدا له | فيما ~~قال كأنه نبيا أرسل ، وهذا نأي عن الحق ، وبعد عن الصواب لا يرضى | به أحد ~~من أولى الألباب . # وقال الإمام أبو شامة : ينبغي لمن اشتغل بالفقه ألا يقتصر على مذهب | ~~إمام ، ويعتقد في كل مسألة صحة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة | ~~المحكمة ، وذلك سهل عليه إذا كان أتقن معظم العلوم المتقدمة ، وليجتنب | ~~التعصب والنظر في طرائق الخلاف المتأخرة ، فإنها مضيعة للزمان ولصفوة | ~~مكدرة ، فقد صح عن الشافعي أنه نهى عن تقليده وتقليد غيره . # قال صاحبه المزني في أول مختصره : اختصرت هذا من علم الشافعي | ومن معنى ~~قوله : لأقرب به على من أراد مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد | غيره ، ~~لينظر فيه لدينه ، ويحتاط لنفسه : أي مع إعلامي من أراد علم | الشافعي نهى ~~الشافعي عن تقليده وتقليد غيره انتهى . # وفيمن يكون عاميا ، ويقلد رجلا من الفقهاء بعينه يرى أنه يمتنع من | مثله ms233 ~~الخطأ ، وأن ما قاله هو الصواب ألبتة ، وأضمر في قلبه ألا يترك تقليده ~~PageV01P327 | وإن ظهر الدليل على خلافه ، وذلك ما رواه الترمذي عن عدي بن ~~حاتم | أنه قال : سمعته - يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم _ يقرأ . # @QB@ اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله @QE@ . # قال : ' إنهم لم يكونوا يعبدونهم ، ولكنهم كانوا إذا أحلوا لهم شيئا | ~~استحلوه ، وإذا حرموه عليهم شيئا محرما ' . . . ، وفيمن لا يجوز أن يستفتي ~~| الحنفي مثلا فقيها شافعيا وبالعكس ، ولا يجوز أن يقتدي الحنفي بإمام ~~شافعي | مثلا ، فإن هذا قد إجمال القرون الأولى ، وناقض الصحابة والتابعين ~~| وليس محلة فيمن لا يدين إلا بقول النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا يعتقد | ~~حلالا إلا ما أحله الله ورسوله ، ولا حراما إلا ما حرمه الله ورسوله ، | ~~لكن لما لم يكن له علم بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم ولا بطريق الجمع ~~بين المختلفات من | كلامه ، ولا بطريق الاستنباط من كلامه اتبع عالما راشدا ~~على أنه مصيب | فيما يقول ، ويفتي ظاهرا متبع سنة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فإن خالف ما يظنه أقلع | من ساعته من غير جدال ولا إصرار ، فهذا كيف ~~ينكره أحد مع أن | الاستفتاء والافتاء لم يزل بين المسلمين من عهد النبي ~~صلى الله عليه وسلم ؛ | ولا فرق بين أن يستفتي هذا دائما ، أو يستفتى هذا ~~حينا وذلك حينا بعد | أن يكون مجمعا على ما ذكرناه ، كيف لا ولم نؤمن بفقيه ~~أيا كان أنه أوحى | الله إليه الفقه ، وفرض علينا طاعته ، وأنه معصومة ، ~~فإن اقتدينا بواحد | منهم فذلك لعلمنا بأنه عالم بكتاب الله وسنة رسوله ، ~~فلا يخلوا قوله إما أن | يكون من صريح الكتاب والسنة ، أو مستنبطا عنهما ~~بنحو من الاستنباط ، | أو عرف بالقرائن أن الحكم في صورة ما منوطة بعلة كذا ~~، واطمأن قلبه | بتلك المعرفة ، فقاس غير المنصوص على المنصوص ، فكأنه يقول ~~: ظننت | PageV01P328 | أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : - كلما وجدت ~~هذه العلة فالحكم | ثمة هكذا - والمقيس مندرج في هذا العموم ، فهذا أيضا ms234 ~~معزى إلى | النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن في طريقه ظنون ، ولولا ذلك لما ~~قلد مؤمن | بمجتهد ، فإن بلغنا حديث عن الرسول المعصوم الذي فرض الله علينا ~~طاعته | بسند صالح يدل على خلاف مذهبه ، وتركنا حديثه ، واتبعنا ذلك ~~التخمين | فمن أظلم منا ، وما عذرنا يوم يقوم الناس لرب العالمين . # ومنها أن التخريج على كلام الفقهاء وتتبع لفظ الحديث لكل منهما أصل | ~~أصيل في الدين ، ولم يزل المحققون من العلماء في كل عصر يأخذون بهما ، | ~~فمنهم من يقل من ذا ويكثر ومن ذاك . . ، ومنهم من يكثر من ذا ويقل من | ذاك ~~، فلا ينبغي أن يهمل أمر وأحد منهما بالمرة كما يفعله عامة الفريقين ، | ~~وإنما الحق البحت أن يطابق أحدهما بالآخر ، وأن يجبر خلل كل بالآخر ، | ~~وذلك قول الحسن البصري : سنتكم والله الذي لا إله إلا هو ، بينهما ، | بين ~~الغالي والجافي ، فمن كان من أهل الحديث ينبغي أن يعرض ما اختاره ، | وذهب ~~إليه على رأي المجتهدين من التابعين ، ومن كان من أهل التخريج | ينبغي له ~~أن يجعل من السنن ما يحترز به من مخالفة الصريح الصحيح ومن | القول برأيه ~~فيما فيه حديث أو أثر بقدر الطاقة . | ولا ينبغي لمحدث أن يتعمق بالقواعد ~~التي أحكمها أصحابه ، وليست | مما نص عليه الشارع ، فيرد به حديثا أو قياسا ~~صحيحا كرد ما فيه أدنى شائبة . | الإرسال والانقطاع كما فعله ابن حزم ، رد ~~حديث تحريم المعازف لشائبة | الانقطاع في رواية البخاري ، على أنه في نفسه ~~متصل صحيح ، فإن مثله إنما | يصار إليه عند التعارض ، وكقولهم : فلان أحفظ ~~لحديث فلان من غيره ، | فيرجحون حديثه على حديث غيره لذلك ، وإن كان في ~~الآخر ألف وجه | من الرجحان . | PageV01P329 # وكان اهتمام جمهور الرواة عند الرواية بالمعنى برءوس المعاني دون | ~~الاعتبارات التي يعرفها المتعمقون من أهل العربية ، فاستدلالهم بنحو الفاء ~~| والواو وتقديم كلمة وتأخيرها ونحو ذلك من التعمق ، وكثيرا ما يعبر | ~~الراوي الآخر عن تلك القصة ، فيأتي مكان ذلك الحرف بحرف آخر ، | والحق أن ~~كل ما يأتي به الراوي فظاهره أنه كلام ms235 النبي صلى الله عليه وسلم ، | فإن ~~ظهر حديث آخر أو دليل آخر وجب المصير إليه . # ولا ينبغي لمخرج أن يخرج قولا لا يفيده نفس كلام أصاحب ، ولا يفهمه | منه ~~أهل العرف والعلماء باللغة ، ويكون بناء على تخريج مناط أو حمل نظير | ~~المسألة عليها مما يختلف فيه أهل الوجوه وتتعارض الآراء ، ولو أن أصحابه | ~~سئلوا عن تلك المسألة وربما يحملون النظير على النظير كمانع ، وربما ذكروا ~~| علة غير ما خرجه هو إنما جاز التخريج لأنه في الحقيقة من تقليد المجتهد ، ~~| ولا يتم إلا فيما يفهم من كلامه ، ولا ينبغي أن يرد حديثا أو أثرا تطابق ~~| عليه القوم لقاعدة أستخرجها هو أو أصحابه كرد حديث المصراة وكأسقاط | سهم ~~ذوي القربى ، فإن رعاية الحديث أوجب من رعاية تلك القاعدة | المخرجة وإلى ~~هذا المعنى أشار الشافعي حيث قال : مهما قلت من قول | أصلت من أصل فبلغ عن ~~الرسول صلى الله عليه وسلم خلاف ما قلت فالقول ما قاله | صلى الله عليه ~~وسلم . # ومنها أن تتبع الكتاب والآثار لمعرفة الأحكام الشرعية على مراتب . | ~~أعلاها أن يحصل له من معرفة الأحكام بالفعل أو بالقوة القريبة من الفعل | ~~ما يتمكن به من جواب المستفتين في الوقائع غالبا بحيث يكون جوابه أكثر | ~~مما يتوقف فيه ، وتخص باسم الاجتهاد ، وهذا الاستعداد يحصل تارة | ~~PageV01P330 | بالإمعان في جميع الروايات وتتبع الشاذة والفاذة منها كما ~~أشار إليه أحمد بن حنبل | مع ما لا ينفك من العاقل العارف باللغة من معرفة ~~مواقع الكلام ، وصاحب | العلم بآثار السلف من طريق الجمع بين المختلفات ~~وترتيب الاستدلالات | ونحو ذلك ، وتارة بإحكام طرق التخريج على مذهب شيخ من ~~مشايخ الفقه | مع معرفة جملة صالحة من السنن والآثار بحيث يعلم أن قوله لا ~~يخالف الاجماع ، | وهذه طريقة أصحاب التخريج وأوسطها من كلتا الطريقتين أن ~~يحصل له | من معرفة القرآن والسنن ما يتمكن به من معرفة رءوس مسائل الفقه ~~المجمع | عليها بأدلتها التفصيلية ، ويحصل له غاية العلم ببعض المسائل ~~الاجتهادية من | أدلتها وترجيح بعض الأقوال على بعض ونقد التخريجات ms236 ومعرفة ~~الجيد | والزيف ، وإن لم يتكامل له الأدوات كما يتكامل للمجتهد المطلق ، ~~فيجوز | لمثله أن يلفق من المذهبين إذا عرف دليلهما ، وعلم أن قوله ليس مما ~~لا ينفذ | فيه اجتهاد المجتهد ، ولا يقبل فيه قضاء القاضي ، ولا يجري فيه ~~فتوى المفتين ، | وأن يترك بعض التخريجات التي سبق الناس إليها إذا عرف عدم ~~صحتها ، | ولهذا لم يزل العلماء ممن لا يدعي الاجتهاد المطلق يصنفون ، ~~ويرتبون ، | ويخرجون ، ويرجحون ، وإذا كان الاجتهاد يتجزأ عند الجمهور ~~والتخريج | يتجزأ ، وإنما المقصود تحصيل الظن ، وعليه مدار التكليف فما ~~الذي يستبعد | من ذلك ، وأما دون ذلك من الناس فمذهبه فيما يرد عليه كثيرا ~~ما أخذه | عن أصحابه وآبائه وأهل بلده من المذاهب المتبعة ، وفي الوقائع ~~النادرة | فتاوى مفتيه ، وفي القضايا ما يحكم القاضي ، وعلى هذا وجدنا ~~محققي العلماء | من كل مذهب قديما وحديثا ، وهو الذي وصى به أئمة المذاهب ~~أصاحبهم . # - وفي اليواقيت والجواهر - أنه روى عن أبي حنيفة رضي الله عنه | أنه كان ~~يقول : لا ينبغي لمن لم يعرف دليلي أن يفتي بكلامي ، وكان رضي | الله عنه ~~إذا أفتى يقول هذا رأي النعمان بن ثابت يعني نفسه وهو أحسن | ما قدرنا عليه ~~فمن جاء بأحسن منه فهو أولى بالصواب ، وكان الإمام مالك | PageV01P331 | ~~رضي الله عنه يقول : ما من أحد إلا وهو مأخوذ من كلامه ومردودا عليه | إلا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . # وروى الحاكم والبيهقي عن الشافعي رضي الله عنه أنه كان يقول : إذا | صح ~~الحديث فهو مذهبي ، وفي رواية إذا رأيتم كلامي يخالف الحديث | فاعملوا ~~بالحديث ، وأضربوا بكلامي الحائط ، وقال يوما للمزني : يا إبراهيم | لا ~~تقلدني في كل ما أقول ، وانظر في ذلك لنفسك فإنه دين ، وكان رضي | الله عنه ~~يقول : لا حجة في قول أحددون رسول الله صلى الله عليه وسلم | وإن كثروا ، ~~ولا في قياس ولا في شيء ، وما ثم إلا طاعة الله ورسوله | بالتسليم ، وكان ~~الإمام أحمد رضي الله عنه يقول : ليس لأحد مع الله ورسوله | كلام ، وقال ~~أيضا لرجل : لا تقلدني ms237 ولا تقلدن مالكا ، ولا الأوزعي ، | ولا النخعي ، ولا ~~غيرهم ، وخذ الأحكام من حيث أخذوا من الكتاب | والسنة لا ينبغي لأحد أن ~~يفتي إلا أن يعرف أقاويل العلماء في الفتاوى | الشرعية ويعرف مذاهبهم فإن ~~سئل عن مسألة يعلم أن العلماء الذين يتخذ | مذهبهم قد اتفقوا عليه ، فلا ~~بأس بأن يقول هذا جائز وهذا لا يجوز | ويكون قوله على سبيل الحكاية وإن ~~كانت مسألة قد اختلفوا فيها فلا بأس | بأن يقول هذا جائز في قول فلان ، وفي ~~قول فلان لا يجوز ، وليس له أن | يختار فيجيب بقول بعضهم ، ما لم يعرف حجته ~~، وعن أبي يوسف وزفر | وغيرهما رحمهم الله أنهم قالوا : لا يحل لأحد أن ~~يفتي بقولنا ما لم يعلم من | أين قلنا ، قيل لعصام بن يوسف رحمه الله : إنك ~~تكثر الخلاف لأبي حنيفة | رحمه الله قال : لأن أبا حنيفة أوتي من الفهم ما ~~لم نؤت ، فأدرك | بفهمه ما لم ندركه ، ولا يسعنا أن نفتي بقوله ما لم نفهم ~~. عن محمد بن الحسن | أنه سئل متى يحل للرجل أن يفتي ؟ قال محمد : إذا كان ~~صوابه أكثر من | خطئه ؛ عن أبي بكر الإسكاف البخلى أنه سئل عن عالم في بلده ~~ليس هناك | أعلم منه هل يسعه ألا يفتي ؟ قال : إن كان من أهل الاجتهاد ، ~~فلا يسعه | PageV01P332 | قيل : كيف يكون من أهل الاجتهاد ؟ قال : أن يعرف ~~وجوه المسائل ، | ويناظر أقرانه إذا خالفوه قيل : أدنى الشروط للاجتهاد حفظ ~~| المبسوط انتهى . # وفي البحر الرائق عن أبي الليث قال : سئل أبو نصر عن مسألة وردت | عليه ~~ما تقول رحمك الله وقعت عندك كتب أربعة ، كتاب إبراهيم بن رستم ، | وأدب ~~القاضي من الخصاف ، وكتاب المجرد ، وكتاب النوادر من جهة هشام | هل يجوز ~~لنا أن نفتي منها أولا ، وهذه الكتب محمودة عندك ؟ فقال ما صح | عن أصحابنا ~~فذلك علم محبوب مرغوب به مرضي عنه ، وأما الفتيا فإني | لا أرى لأحد أن ~~يفتي بشيء لا يفهمه ، ولا يحمل أثقال الناس ، فإن كانت | مسائل قد اشتهرت ، ~~وظهرت ، وانجلت عن أصحابنا رجوت ms238 أن يسع لي | الاعتماد عليها ، وفيه أيضا لو ~~احتجتم أو أغتاب فظن أنه يفطره ، ثم أكل | إن لم يستفت فقيها ولا بلغة ~~الخبر ، فعليه الكفارة لأنه مجرد جهل ، وأنه | ليس بعذر في دار الإسلام ، ~~وإن استفتى فقيها ، فأفتاه لا كفارة عليه لأن | العامي يجب عليه تقليد ~~العالم إذا كان يعتمد على فتواه ، فكان معذورا | فيما صنع ، وإن كان المفتي ~~مخطئا فيما أفتى ، وإن لم يستفت ولكن بلغه الخبر | وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم : ' أفطر الحاجم والمحجوم ' وقوله عليه | السلام : ' الغيبة تفطر ~~الصائم ' ولم يعرف النسخ ، ولا تأويله لا كفارة | عليه عندهما لأن ظاهر ~~الحديث واجب العمل به خلافا لأبي يوسف لأنه | ليس للعامي العمل بالحديث ~~لعدم علمه بالناسخ والمنسوخ ، ولو لمس امرأة | أو قبلها بشهوة أو أكتحل ' ~~فظن أن ذلك يفطر ، ثم أفطر فعليه الكفارة | إلا إذا أستفتى فقيها ، فأفتاه ~~بالفطر ، أو بلغه خبر فيه ، ولو نوى الصوم | قبل الزوال ، ثم أفطر لم يلزمه ~~الكفارة عند أبي حنيفة رضي الله عنه خلافا | PageV01P333 | لهما كذا في ~~المحيط . وقد علم من هذا أن مذهب العامي فتوى مفتية ، | وفيه أيضا في باب ~~قضاء الفوائت إن كان عاميا ليس له مذهب معين فمذهبه | فتوى مفتية كما صرحوا ~~به ، فإن أفتاه حنفي أعاد العصر والمغرب ، وإن | أفتاه شافعي ، فلا يعيدهما ~~ولا عبرة برأيه وإن لم يستفت أحدا ، أو صادف | الصحة على مذهب مجتهد أجزأه ~~ولا إعادة عليه ، قال ابن الصلاح : من وجد | من الشافعية حديثا يخالف مذهبه ~~نظر أن كملت له آلة الاجتهاد مطلقا ، | أو في ذلك الباب ، أو المسألة ، كان ~~له الاستقلال بالعمل به ، وإن لم يكمل | وشق مخالفة الحديث بعد أن يبحث ، ~~فلم يجد للمخالفة جوابا شافعيا عنه - | فله العمل به إن كان عمل به إمام ~~مستقل غير الشافعي ، ويكون هذا عذرا له | في ترك مذهب أمامه ههنا ، وحسنه ~~النووي وقرره . # ومنها أن أكثر صور الاختلاف بين الفقهاء لا سيما في المسائل التي | ظهر ~~فيها أقوال الصحابة في الجانبين كتكبيرات التشريق ، وتكبيرات ms239 | العيدين ، ~~ونكاح المحرم ، وتشهد ابن عباس وابن مسعود ، والاخفاء | بالبسملة وبآمين ~~والاشفاع والايتار في الاقامة ونحو ذلك إنما هو في ترجيح | أحد القولين . ~~وكان السلف لا يختلفون في أصل المشروعية ، وإنما كان | خلافهم في أولى ~~الأمرين ونظره اختلاف القراء في وجوه القراءة . # وقد عللوا كثيرا من هذا الباب بأن الصحابة مختلفون وأنهم جميعا على | ~~الهدى ، ولذلك لم يزل العلماء يجوزون فتاوى المفتين في المسائل الاجتهادية ~~، | ويسلمون قضاء القضاة ، ويعملون في بعض الأحيان بخلاف مذهبهم ، ولا | ~~ترى أئمة المذاهب في هذه المواضع إلا وهم يضجعون القول ، ويبينون الخلاف ، ~~| يقول أحدهم ، هذا أحوط ، وهذا هو المختار ، وهذا أحب إلي ، ويقول : ما ~~بلغنا | إلا ذلك ، وهذا كثير في المبسوط . وآثار محمد رحمه الله وكلام ~~الشافعي رحمه | الله . ثم خلف من بعدهم قوم اختصروا كلام القوم ، فقووا ~~الخلاف ، | وثبتوا على مختار أئمتهم ، والذي يروي من السلف من تأكيد الأخذ ~~| PageV01P334 | بمذهب أصحابهم ، وألا يخرج منها بحال ، فإن ذلك إما لأمر ~~جبلي ، فإن كل | إنسان يحب ما هو مختار أصحابه وقومه حتى في الزي والمطاعم ~~، أو لصولة | ناشئة من ملاحظة الدليل ، أو لنحو ذلك من الأسباب ، فظن البعض ~~| تعصبا دينيا حاشاهم من ذلك ، وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم | ~~من يقرأ البسملة ، ومنهم من لا يقرؤها ، ومنهم من يجهر بها ، ومنهم من | لا ~~يجهر بها وكان منهم من يقنت في الفجر ، ومنهم من لا يقنت في الفجر ، | ~~ومنهم من يتوضأ من الحجامة والرعاف والقيء ، ومنهم من لا يتوضأ من | من ذلك ~~، ومنهم من يتوضأ من مس الذكر ومس النساء بشهوة ، ومنهم | من لا يتوضأ من ~~ذلك ، ومنهم من يتوضأ مما مسته النار ، ومنهم من | لا يتوضأ من ذلك ، ومنهم ~~من يتوضأ من أكل لحوم الأبل ، ومنهم من | لا يتوضأ من ذلك . # ومع هذا فكان بعضهم يصلي خلف بعض مثل ما كان أبو حنيفة أو | أصحابه ~~والشافعي وغيرهم رضي الله عنهم يصلون خلف أئمة المدينة من | المالكية ~~وغيرهم وإن كانوا لا يقرءون البسملة لا سرا ولا ms240 جهرا ، وصلى | الرشيد إماما ~~وقد احتجم ، فصلى الأمام أبو يوسف خلفه ولم يعد ، وكان | الإمام أحمد ين ~~حنبل يرى الوضوء من الرعاف والحجامة فقيل له : فإن | كان الإمام قد خرج منه ~~الدم ، ولم يتوضأ هل تصلي خلفه ؟ فقال : كيف | لا أصلي خلف الإمام مالك ~~وسعيد بن المسيب . وروى أن أبا يوسف | ومحمدا كانا يكبران في العيدين تكبير ~~ابن عباس لأن هارون الرشيد كان | يحب تكبير جده . وصلى الشافعي رحمه الله ~~الصبح قريبا من مقبرة أبي | حنيفة رحمه الله ، فلم يقنت تأدبا معه ، وقال ~~أيضا : ربما انحدرنا إلى مذهب | أهل العراق . وقال مالك رحمه الله للمنصور ~~وهارون الرشيد ما ذكرنا عنه | سابقا ، وفي البزازية وعن الإمام الثاني - ~~وهو أبو يوسف رحمه الله - | أنه صلى يوم الجمعة مغتسلا من الحمام ، وصلى ~~بالناس وتفرقوا ، ثم أخبر | PageV01P335 | بوجود فارة ميتة في بئر الحمام ~~فقال : إذا نأخذ بقول أخوانا من أهل | المدينة إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل ~~خبثا ، انتهى . وسئل الإمام الخجندى | رحمه الله عن رجل شافعي المذهب ترك ~~صلاة سنة أو سنتين ، ثم انتقل | إلى مذهب أبي حنيفة رحمه الله ، كيف يجب ~~عليه القضاء ، أيقضيها على | مذهب الشافعي أو على مذهب أبي حنيفة ؟ فقال : ~~على أي المذهبين قضى | بعد أن يعتقد جوازها جاز ، انتهى . وفي جامع الفتاوى ~~أنه أن قال حنفي | إن تزوجت فلانه فهي طالق ثلاثا ، ثم استفتى شافعيا ، ~~فأجاب أنها لا تطلق | ويمينه باطل ، فلا بأس باقتدائه بالشافعي في هذه ~~المسألة ، لأن كثيرا من | الصحابة في جانبه . قال محمد رحمة في أماليه : لو ~~أن فقيها قال لامرأته : | أنت طالق ألبتة ، وهو ممن يراها ثلاثا ، ثم قضى ~~عليه قاض بأنها رجعية ، | وسعه المقام معها ، وكذا كل فصل مما يختلف فيه ~~الفقهاء من تحريم أو تحليل | أو إعتاق أو أخذ مال أو غيره ، ينبغي للفقيه ~~المقضي عليه الأخذ بقضاء القاضي | ويدع رأيه ، ويلزم نفسه ما ألزم القاضي ، ~~ويأخذ ما أعطاه ، قال محمد | رحمه الله : وكذلك رجل لا علم له ، ابتلي ~~ببلية ، فسأل عنها ms241 الفقهاء ، فأفتوه | فيها بحلال أو بحرام ، وقضى عليه ~~قاضي المسلمين بخلاف ذلك ، وهي مما | يختلف فيه الفقهاء ، فينبغي له أن ~~يأخذ بقضاء القاضي ، ويدع ما أفتاه | الفقهاء . انتهى . # ومنها أني وجدت بعضهم يزعم أن جميع ما يوجد في هذه الشروح | الطويلة وكتب ~~الفتاوى الضخمة وهو قول أبي حنيفة وصاحبيه ، ولا يفرق | بين القول المخرج ، ~~وبين ما هو قول الحقيقة ، ولا يحصل معنى قولهم على | تخريج الكرخي كذا ، ~~وعلى تخريج الطحاوي كذا ، ولا يميز بين قولهم : | قال أبو حنيفة : كذا ، ~~وبين قولهم جواب المسألة على مذهب أبي حنيفة أو | على أصل أبي حنيفة كذا ، ~~ولا يصغي إلى ما قاله المحققون من الحنفيين كابن | الهمام وابن النجيم في ~~مسألة العشر في العشر ، ومثله مسألة اشتراط البعد من | PageV01P336 | الماء ~~ميلا في التيمم ، وأمثالهما - أن ذلك من تخريجات الأصحاب وليس | مذهبا من ~~الحقيقة ، وبعضهم يزعم أن بناء المذهب على هذه المحاورات | الجدلية ~~المذكورة في مبسوط السرخسي والهداية والتبيين ونحو ذلك ، | ولا يعلم أن أول ~~من أظهر ذلك فيهم المعتزلة ، وليس عليه بناء مذهبهم ، | ثم استطاب ذلك ~~المتأخرون توسعا وتشحيذا لأذهان الطالبين ولو لغير | ذلك والله أعلم ، وهذه ~~الشبهات والشكوك يحل كثير منها مما مهدناه في هذا الباب . # ومنها أني وجدت بعضهم يزعم أن بناء الخلاف بن أبي حنيفة والشافعي | ~~رحمهما الله على هذه الأصول المذكورة في كتاب البزدوي ونحوه ، وإنما | الحق ~~أن أكثرها أصول مخرجة على قولهم : وعندي أن المسألة القائلة بأن | الخاص ~~مبين ، ولا يلحقه بيان ، وأن الزيادة نسخ ، وأن العام قطعي | كالخاص ، وأن ~~لا ترجيح بكثرة الرواية ، وأنه لا يجب العمل بحديث غير | الفقيه إذا انسد ~~باب الرأي ، وأن لا عبرة بمفهوم الشرط والوصف أصلا | وأن موجب الأمر هو ~~الوجوب ألبتة : وأمثال ذلك أصول مخرجة على | كلام الأئمة ، وأنه لا تصح بها ~~رواية عن أبي حنيفة وصاحبيه ، وأنه ليست | المحافظة عليها والتكلف في جواب ~~ما يرد عليه من صنائع المتقدمين في | استنباطاتهم كما يفعله البزدوى وغيره ~~أحق من المحافظة على خلافها والجواب ms242 | عما يرد عليه . مثاله أنهم أصلوا أن ~~الخاص مبين فلا يلحقه البيان ، وخرجوه | من صنيع الأوائل في قوله تعالى : # @QB@ اركعوا واسجدوا @QE@ . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره | في ~~الركوع والسجود ' حيث لم يقولوا بفريضية الاطمئنان ، ولم يجعلوا | الحديث ~~بيانا للآية ، فورد عليهم صنيعهم في قوله تعالى : | PageV01P337 # ^ ( وامسحوا برءوسكم ) ^ . # ومسحه صلى الله عليه وسلم على ناصيته حيث جعلوه بيانا ، | وقوله تعالى : # @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا @QE@ . # وقوله تعالى : # @QB@ السارق والسارقة فاقطعوا @QE@ الآية . # وقوله تعالى : # @QB@ حتى تنكح زوجا غيره @QE@ . # وما لحقه من البيان بعد ذلك ، فتكلفوا للجواب كما هو مذكور في كتبهم ، | ~~وأنهم أصلوا أن العام قطعي كالخاص ، وخرجوه من صنيع الأوائل | في قوله ~~تعالى : # ^ ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) ^ . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا صلاة إلا بفاتحة القرآن ' ، حيث | لم ~~يجعلوه مخصصا ، وفي قوله صلى الله عليه وسلم : ' فيما سقت العيون | العشر ' ~~الحديث ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ' ليس فيما دون خمسة أواق | صدقة ' ، ~~حيث لم يخصوه به ونحو ذلك من المواد ، ثم ورد عليهم | قوله تعالى : | ~~PageV01P338 # @QB@ فما استيسر من الهدي @QE@ . # وإنما هو الشاة فما فوقه ببيان النبي صلى الله عليه وسلم ، فتكلفوا في | ~~الجواب ، وكذلك أصلوا أن لا عبرة بمفهوم الشرط والوصف وخرجوه | من صنيعهم ~~في قوله تعالى : # @QB@ ومن لم يستطع منكم طولا @QE@ الآية . # ثم ورد عليهم كثير من صنائعهم كقوله صلى الله عليه وسلم ' في الإبل ~~السائمة | زكاة ' فتكلفوا في الجواب ، وأصلوا أنه لا يجب العمل بحديث غير ~~الفقه | إذا انسد به باب الرأي وخرجوه من صنيعهم في ترك حديث المصراة | ثم ~~ورد عليهم حديث القهقهة وحديث عدم فساد الصوم بالأكل ناسيا ، | فتكلفوا في ~~الجواب ، وأمثاله ما ذكرنا كثيرة لا تخفى على المتتبع ، ومن | لم يتتبع لا ~~تكفيه الإطالة فضلا عن الاشارة ، ويكفيك دليلا على هذا قول | المحققين في ~~مسألة لا يجب العمل بحديث من اشتهر بالضبط والعدالة دون | الفقه إذا انسد ~~باب الرأي كحديث المصراة أن هذا مذهب عيسى بن إبان ، | واختاره كثير ms243 من ~~المتأخرين ، وذهب الكرخي وتبعه الكثير من العلماء إلى | عدم اشتراط فقه ~~الراوي لتقدم الخبر على القياس ، قالوا : لم ينقل هذا | القول عن أصحابنا ، ~~بل المنقول عنهم أن خبر الواحد مقدم على القياس ، | ألا ترى أنهم عملوا ~~بخبر أبي هريرة في الصائم إذا أكل أو شرب ناسيا ، | وإن كان مخالفا للقياس ~~حتى قال أبو حنيفة رحمه الله : لولا الرواية لقلت | PageV01P339 | بالقياس ~~. ويرشدك أيضا اختلافهم في كثير من التخريجات أخذا من | صنائعهم ورد بعضهم ~~على بعض . # ومنها أني وجدت أن بعضهم يزعم أن هنالك فرقتين لا ثالث لهما ، | أهل ~~الظاهر ، وأهل الرأي ، وأن كل من قاس ، واستنبط فهو من أهل | الرأي - كلا ~~والله - بل ليس المراد بالرأي نفس الفهم والعقل ، فإن ذلك | لا ينفك من أحد ~~من العلماء ، ولا الرأي الذي لا يعتمد على سنة أصلا ، | فانه لا ينتحله ~~مسلم ألبتة ، ولا القدرة على الاستنباط والقياس ، فان أحمد | وإسحق بل ~~الشافعي أيضا ليسوا من أهل الرأي بالاتفاق ، وهم يستنبطون | ويقيسون ، بل ~~المراد من أهل الرأي قوم توجهوا بعد المسائل المجمع عليها | بين المسلمين ، ~~أو بين جمهورهم إلى التخريج على أصل رجل من المتقدمين ، | فكان أكثر أمرهم ~~حمل النظير على النظير ، والرد إلى أصل من الأصول | دون تتبع الأحاديث ~~والآثار ، والظاهري من لا يقول بالقياس ، ولا بآثار | الصاحبة والتابعين ~~كدواد وابن حزم ، وبينهما المحققون من أهل السنة | كأحمد وإسحاق ، ولقد ~~أطنبنا الكلام في هذا المقام غاية الاطناب حتى | خرجنا من الفن الذي وضعنا ~~فيه هذا الكتاب ، وليس ذلك لي بخلق وديدن ، | وإنما كان ذلك بوجهين : # أحدهما أن الله تعالى جعل في قلبي وقتا من الأوقات ميزانا أعرف به | سبب ~~كل اختلاف وقع في الملة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام ، | وما هو ~~الحق عند الله وعند رسوله ، ومكنني من أن أثبت ذلك بالدلائل | العقلية ~~والنقلية بحيث لا يبقى فيه شبهة ولا إشكال ، فعزمت على تأليف | كتاب أسميه ~~ب ( غاية الانصاف في بيان أسباب الاختلاف ) وأبين فيه | هذه المطالب بيانا ~~شافيا ، وأكثر فيه من ms244 ذكر الشواهد والأمثال والتفريعات | مع المحافظة على ~~الاقتصاد بين الإفراط والتفريط في كل مقام والإحاطة | بجوانب الكلام وأصول ~~المقصود والمراد ، ثم لم أتفرغ له إلى هذا الحين . | PageV01P340 | فلما ~~انجر الكلام إلى مأخذ الاختلاف ، حملني ما أجد على أن أبين بعض | ما تيسر ~~من ذلك . # والثاني شغب أهل الزمان واختلافهم وعمههم في بعض ما ذكرنا حتى | كادوا ~~يسطون بالذين يتلون عليهم آيات الله ، @QB@ وربنا الرحمن المستعان على ما ~~تصفون @QE@ . # وليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في القسم الأول من كتاب ( حجة الله | ~~البالغة . في علم أسرار الحديث ) والحمد لله أولا وآخرا ، وظاهرا وباطنا . ~~| ويتلوه إن شاء الله تعالى ( القسم الثاني . في بيان معاني ما جاء عن ~~النبي | صلى الله عليه وسلم تفصيلا ) . | # | ( القسم الثاني ) # | ( في بيان أسرار ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم تفصيلا ) # والمقصود ههنا ذكر جملة صالحة من الأحاديث المعروفة عند أهلها ، | ~~السائرة بين حملة العلم ، المروية في صحيحي البخاري ومسلم وكتابي أبي داود ~~| والترمذي ، وقلما أوردت عن غيرها إلا استطرادا ، ولذلك لم أتعرض لنسبة | ~~كل حديث لمخرجه ، وربما ذكرت حاصل المعنى أو طائفة من الحديث ، | فإن هذه ~~الكتب تتيسر مراجعتها وتتبعها على الطالب . | # | ( من أبواب الإيمان ) # أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان مبعوثا إلى الخلق بعثا عاما ، ~~| ليغلب دينه على الأديان كلها بعز عزيز ، أو ذل ذليل - حصل في دينه | ~~أنواع من الناس ، فوجب التمييز بين الذين يدينون بدين الإسلام ، وبين | ~~غيرهم ، ثم بين الذين اهتدوا بالهداية التي بعث بها ، وبين غيرهم ممن لم ~~تدخل | بشاشة الإيمان قلوبهم ، فجعل الإيمان على ضربين : PageV01P341 # أحدهما الإيمان الذي يدور عليه أحكام الدنيا من عصمة الدماء والأموال | ~~وضبطه بأمور ظاهرة في الانقياد وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' أمرت أن ~~أقاتل الناس | حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا ~~الصلاة ويؤتوا | الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق ~~الإسلام | وحسابهم على الله ' وقوله صلى الله عليه وسلم : ' من صلى ms245 صلاتنا ~~، واستقبل قبلتنا | وأكل ذبيحتنا ، فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة ~~رسوله ، فلا تحفروا | الله في ذمته ' وقوله صلى الله عليه وسلم : قلت من ~~أصل الإيمان الكف عمن قال لا إله | إلا الله لا نكفره بذنب ولا نخرجه من ~~الإسلام بعمل ' الحديث . # وثانيهما الإيمان الذي يدور عليه أحكام الآخرة من النجاة والفوز | ~~بالدرجات ، وهو متناول لكل اعتقاد حق ، وعمل مرضي ، وملكة فاضلة ، | وهو ~~يزيد وينقص ، وسنة الشارع أن يسمى كل شيء منها إيمانا ليكون | تنبيها بليغا ~~على جزئيته ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا إيمان لمن لا أمانة له ~~ولا دين | لمن لا عهد له ' وقوله صلى الله عليه وسلم : ' المسلم من سلم ~~المسلمون من لسانه ويده ' | الحديث ، وله شعب كثيرة ، ومثله كمثل الشجرة ~~يقال للدوحة والأغصان | والأوراق والثمار والأزهار جميعا : إنها شجرة ، ~~فإذا قطع أغصانها ، وخبط | أوراقها ، وخرف ثمارها قيل : شجرة ناقصة ، فإذا ~~قلعت الدوحة بطل | الأصل وهو قوله تعالى : | @QB@ إنما المؤمنون الذين إذا ~~ذكر الله وجلت قلوبهم @QE@ الآية . | PageV01P342 # ولما لم يكن جميع تلك الأشياء على حد واحد جعلها النبي صلى الله عليه ~~وسلم | على مرتبتين . # منها الأركان التي هي عمدة أجزائها وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' بني ~~| الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وإقام | ~~الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان ' . # ومنها سائر الشعب وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' الإيمان بضع | وسبعون ~~شعبة ، أفضلها قول لا إله إلا الله ، وأدناها إماطة الأذى عن | الطريق ، ~~والحياء شعبة من الإيمان ' . # ويسمى مقابل الإيمان الأول بالكفر ، وأما مقابل الإيمان الثاني فإن | كان ~~تفويتا للتصديق ، وإنما يكون الانقياد بغلبة السيف - فهو النفاق | الأصلي ، ~~والمنافق بهذا المعنى لا فرق بينه وبين الكافر في الآخرة بل | المنافقون - ~~في الدرك الأسفل من النار . . ، وإن كان مصدقا مفوتا لوظيفة | الجوارح سمي ~~فاسقا . . ، أو مفوتا لوظيفة الجنان ، فهو المنافق بنفاق آخر ، | وقد سماه ~~بعض السلف نفاق العمل ، وذلك أن يغلب عليه حجاب الطبع | أو الرسم أو سوء ms246 ~~المعرفة ، فيكون ممعنا في محبة الدنيا والعشائر والأولاد ، | فيدب في قلبه ~~استبعاد المجازاة والاجتراء على المعاصي من حيث لا يدري | وإن كان معترفا ~~بالنظر البرهاني بما ينبغي الاعتراف به ، أو رأى الشدائد | في الإسلام ، ~~فكرهه ، أو أحب الكفار بأعيانهم ، فصد ذلك من إعلاء | كلمة الله . # وللإيمان معنيان آخران : # أحدهما تصديق الجنان بما لا بد من تصديقه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ~~| في جواب جبريل : ' الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته ' الحديث ، | ~~PageV01P343 | والثاني السكينة والهيئة الوجدانية التي تحصل للمقربين ، وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم | : ' الطهور شطر الإيمان ' وقوله صلى الله عليه ~~وسلم : ' إذا | زنى العبد خرج منه الإيمان ، فكان فوق رأسه كالظلة ، فإذا ~~خرج من | ذلك العمل رجع إليه الإيمان ' وقول معاذ رضي الله عنه : ' تعال | ~~نؤمن ساعة ' . # فللإيمان أربعة معان مستعملة في الشرع إن حملت كل حديث من | الأحاديث ~~المتعارضة في الباب على محمله اندفعت عنك الشكوك والشبهات ، | والإسلام ~~أوضح من الإيمان في المعنى الأول ولذلك قال الله تعالى : | @QB@ قل لم ~~تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا @QE@ . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد : ' أو مسلما ' ، والإحسان | أوضح ~~منه في المعنى الرابع . # ولما كان نفاق العمل وما يقابله من الإخلاص أمرا خفيا وجب بيان | علامات ~~كل واحد منهما ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' أربع من كن | فيه كان ~~منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق | حتى ~~يدعها ، إذا ائتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا | خاصم فجر ' ~~وقوله صلى الله عليه وسلم : ' ثلاث من كن فيه وجد بهن | حلاوة الإيمان أن ~~يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وأن يحب | المرء لا يحبه إلا لله ، ~~وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في | PageV01P344 | النار ' ~~وقوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا رأيتم العبد يلازم المسجد فاشهدوا | له ~~بالإيمان ' وكذا قوله عليه السلام : ' حب على آية الإيمان ، وبغض على | آية ~~النفاق ' والفقه فيه أنه رضي الله عنه كان شديدا في أمر الله ms247 ، فلا يحتمل | ~~شدته إلا من ركدت طبيعته ، وغلب عقله على هواه ، وقوله صلى الله عليه وسلم ~~| : ' حب الأنصار آية الإيمان ' والفقه فيه أن العرب المعدية واليمينة | ما ~~زالوا يتنازعون بينهم حتى جمعهم الإيمان ، فمن كان جامع الهمة على إعلاء | ~~الكلمة زال عنه الحقد ، ومن لم يكن جامعا بقي فيه النزاع ، وقد بين النبي | ~~صلى الله عليه وسلم في حديث ' بني الإسلام على خمس ' وحديث ضمام | ابن ~~ثعلبة ، وحديث أعرابي قال - دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة - | إن هذه ~~الأشياء الخمسة أركان الإسلام ، وأن من فعلها ولم يفعل غيرها من | الطاعات ~~قد خلص رقبته من العذاب ، واستوجب الجنة ، كما بين أن أدنى | الصلاة ماذا ، ~~وأدنى الوضوء ماذا - وإنما خص الخمسة بالركنية لأنها أشهر | عبادات البشر ، ~~وليست ملة من الملل إلا قد أخذت بها ، والتزمتها كاليهود | والنصارى ~~والمجوس وبقية العرب على اختلافهم في أوضاع أدائها ، ولأن | فيها ما يكفي ~~عن غيرها ، وليس في غيرها ما يكفي عنها ، وذلك لأن أصل | أصول البر التوحيد ~~وتصديق النبي والتسليم للشرائع الإلهية ، ولما كانت | البعثة عامة ، وكان ~~الناس يدخلون في دين الله أفواجا لم يكن بد من علامة | ظاهرة بها يميز بين ~~الموافق والمخالف ، وعليها يدار حكم الإسلام ، وبها | يؤاخذ الناس ، ولولا ~~ذلك لم يفرق بينهما طول الممارسة إلا تفريقا | ظنيا معتمدا على قرائن ولا ~~ختلف الناس في الحكم بالإسلام ، وفي ذلك | اختلال كثير من الأحكام كما لا ~~يخفى ، وليس شيء كالإقرار طوعا ورغبة | كاشفا عن حقيقة ما في القلب من ~~الإعتقاد والتصديق . # ولما ذكرنا من قبل من أن مدار السعادة النوعية ، وملاك النجاة الأخروية | ~~هي الأخلاق الأربعة ، فجعلت الصلاة المقرونة بالطهارة سبحا ومظنة لخلقي | ~~PageV01P345 | الاخبات ، والنظافة ، وجعلت الزكاة المقرونة بشروطها ~~المصروفة إلى مصارفها | مظنة للسماحة والعدالة . # ولما ذكرنا أنه لا بد من طاعة قاهرة على النفس ، ليدفع بها الحجب | ~~الطبيعية ، ولا شيء في ذلك كالصوم . # ولما ذكرنا أيضا من أن أصل أصول الشرائع هو تعظيم شعائر الله وهي | أربعة ~~، منها الكعبة ، وتعظيمها الحج - وقد ms248 ذكرنا فيما سبق من فوائد هذه | ~~الطاعات ما يعلم به أنها تكفي عن غيرها وأن غيرها لا يكفي عنها . # والآثام باعتبار الملة على قسمين صغائر وكبائر # والكبائر مالا يصدر إلا بغاشية عظيمة من البهيمة أو السبعية أو الشيطنة | ~~وفيه انسداد سبيل الحق ، وهتك حرمة شعائر الله أو مخالفة الارتفاقات | ~~الضرورية ، والضرر العظيم بالناس ، ويكون مع ذلك منابذا للشرع لأن | الشرع ~~نهى عنه أشد نهي ، وغلظ التهديد على فاعله ، وجعله كأنه خروج | من الملة . # والصغائر ما كان دون ذلك من دواعي الشر ومفضيات إليه ، وقد ظهر | نهي ~~الشرع عنه حتما ، ولكن لم يغلظ فيه ذلك التغليظ . # والحق أن الكبائر ليست محصورة في عدد ، وأنها تعرف بإيعاد النار في | ~~الكتاب والسنة الصحيحة وشرع الحد عليه ، وتسميته كبيرة ، وجعله خروجا | عن ~~الدين ، وكون الشيء أكثر مفسدة مما نص النبي صلى الله عليه وسلم على | كونه ~~كبيرة أو مثلها في المفسدة . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ' | ~~الحديث معناه أن هذه الأفعال لا تصدر إلا بغاشية عظيمة من البهيمية | أو ~~السبعية ، فتصير حينئذ الملكية كأن لم تكن والإيمان كأنه زائل - | دل بذلك ~~على كونها كبائر . | PageV01P346 # قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' والذي نفس محمد بيده لا يسمع به | أحد ~~من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت | به إلا كان ~~من أصحاب النار ' . أقول : يعني من بلغته الدعوة ، ثم أصر | على الكفر حتى ~~مات دخل النار ، لأنه ناقض تدبير الله تعالى لعباده ، ومكن | من نفسه لعنة ~~الله والملائكة المقربين ، وأخطأ الطريق الكاسب للنجاة . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه | من والده ~~وولده والناس أجمعين ' وقال : ' حتى يكون هواه تبعا لما جئت | به ' . أقول ~~: كمال الإيمان أن يغلب العقل على الطبع بحيث يكون مقتضى | الطبع بادي ~~الأمر - وكذلك الحال في حب الرسول - ولعمري هذا | مشهود في الكاملين . # قيل يا رسول الله : قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه ms249 أحدا | بعدك - وفي ~~رواية - غيرك ، قال : ' قل آمنت بالله ثم استقم ' أقول : | معناه أن يحضر ~~الإنسان بين عينيه حالة الانقياد والإسلام ثم يعمل | ما يناسبه ، ويترك ما ~~يخالفه ، وهذا قول كلي يصير به الإنسان على بصيرة | من الشرائع ' وإن لم ~~يكن نفضيلا ، فلا يخلو من علم إجمالي يجعل | الإنسان سابقا . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' ما من أحد يشهد أن لا إله إلا الله | وأن ~~محمدا رسول الله صدقا من قلبه إلا حرمه الله على النار ' وقوله صلى الله ~~عليه وسلم | : ' وإن زنى وإن سرق ' وقوله صلى الله عليه وسلم : | ' على ما ~~كان من عمل ' أقول معناه حرمه الله على النار الشديدة المؤبدة التي | أعدها ~~للكافرين وإن عمل الكبائر . | PageV01P347 # والنكتة في سوق الكلام هذا السياق ، أن مراتب الأثم بينها تفاوت | بين ، ~~وإن كان يجمعها كلها اسم الأثم ، فالكبائر إذا قيست بالكفر لم يكن | لها ~~قدر محسوس ، ولا تأثير يعتد به ، ولا سببية لدخول النار تسمى سببية | وكذلك ~~الصغائر بالنسبة إلى الكبائر ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم الفرق | ~~بينها على آكد وجه بمنزلة الصحة والسقم ، فإن الأعراض البادية | كالزكام ~~والنصب إذا قيست إلى سوء المزاج المتمكن كالجذام والسل | والاستسقاء يحكم ~~عليها بأنها صحة وأن صاحبها ليس بمريض وأن ليس به | قلبة - ورب داهية تنسي ~~داهية - كمن أصابه شوكة ثم وتر أهله | وماله ، قال : لم يكن بي مصيبة قبل ~~أصلا . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' إن إبليس يضع عرشه على الماء ، ثم يبعث | ~~سراياه يفتنون الناس ' الحديث اعلم أن الله تعالى خلق الشياطين | وجبلهم ~~على الاغواء بمنزلة الدود التي تفعل أفعالا بمقتضى مزاجها - كالجعل | يده ~~هده الحرأة - وأن لهم رئيسا يضع عرشه على الماء ، ويدعوهم لتكميل | ما هم ~~قبله قد استوجب أتم الشقاوة وأوفر الضلال ، وهذه سنة الله في كل | نوع وفي ~~كل صنف وليس في هذا مجاز ، وقد تحققت من ذلك ما يكون | بمنزلة الرؤية ~~بالعين . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة ' | ~~PageV01P348 # وقوله صلى ms250 الله عليه وسلم : ' إن الشيطان قد أيس من أن يعبده | المسلمون ~~في جزيرة العرب ولكن في التحريش بينهم ' . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' ذاك صريح الإيمان ' . # اعلم أن تأثير وسوسة الشياطين يكون مختلفا بحسب استعداد الموسوس | إليه ، ~~فأعظم تأثيره الكفر والخروج من الملة ، فإذا عصم الله من ذلك | بقوة اليقين ~~انقلب تأثيره في صورة أخرى ، وهي المقاتلات وفساد تدبير | المنزل والتحريش ~~بين أهل البيت وأهل المدينة ، ثم إذا عصم الله من ذلك | أيضا صار خاطرا ~~يجيء ، ويذهب ، ولا يبعث النفس إلى عمل لضعف | أثره - وهذا لا يضر ، بل إذا ~~اقترن باعتقاد قبح ذلك كان دليلا على | صراحة الإيمان ، نعم أصحاب النفوس ~~القدسية لا يجدون شيئا من ذلك ، | وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' إلا أن ~~الله أعانني عليه فأسلم فلا | يأمرني إلا بخير ' وإنما مثل هذه التأثيرات ~~مثل شعاع الشمس يؤثر في | الحديد والأجسام الصقيلة ما لا يؤثر في غيرها ، ~~ثم وثم . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' إن للشيطان لمة وللملك لمة ' الحديث # الحاصل أن صورة تأثير الملائكة في نشأة الخواطر الأنس والرغبة في | الخير ~~وتأثير الشياطين فيها الوحشة وقلق الخاطر والرغبة في الشر . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من وجد من ذلك شيئا فليقل آمنت | ~~PageV01P349 | بالله ورسوله ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ' فليستعذ بالله ~~وليتفل عن | يساره ' سره أن الالتجاء إلى الله وتذكره وتقبيح حال الشياطين ~~وإهانة | أمرهم يصرف وجه النفس عنهم ، ويصد عن قبول أثرهم ، وهو قوله تعالى ~~: | @QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ~~@QE@ . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' احتج آدم وموسى عند ربهما ' . # أقول معنى قوله : عند ربهما ' أن روح موسى عليه السلام انجذبت إلى | ~~حظيرة القدس ، فوافت هنالك آدم . # وبطن هذه الواقعة وسرها أن الله فتح على موسى علما على لسان آدم | عليهما ~~السلام شبه ما يرى النائم في منامه ملكا أو رجلا من الصالحين | يسأله ، ~~ويراجعه الكلام حتى يفيء عنه بعلم لم يكن عنده . وههنا علم دقيق | كان قد ms251 ~~خفي على موسى عليه السلام حتى كشفه الله عليه في هذه الواقعة . | وهو أنه ~~اجتمع في قصة آدم عليه السلام وجهان . # أحدهما مما يلي خويصة نفس آدم عليه السلام ، وهو أنه كان ما لم يأكل | ~~الشجرة لا يظمأ ولا يضحى ، ولا يجوع ولا يعرى - وكان بمنزلة الملائكة | ~~فلما أكل غلبت البهيمية ، وكمنت الملكية ، فلا جرم أن أكل الشجرة إثم | يجب ~~الاستغفار عنه . # وثانيهما مما يلي التدبير الكلي الذي قصده الله تعالى في خلق العالم | ~~PageV01P350 | وأوحاه إلى الملائكة قبل أن يخلق آدم وهو أن الله تعالى أراد ~~بخلقه أن | يكون نوع الإنسان خليفة في الأرض يذنب ، ويستغفر ، فيغفر له ، ~~ويتحقق | فيهم التكليف وبعث الرسل والثواب والعذاب ومراتب الكمال والضلال ، ~~| وهذه نشأة عظيمة على حدتها ، وكان أكل الشجرة حسب مراد الحق | ووفق حكمته ~~، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' لو لم تذنبوا لذهب الله | بكم وجاء بقوم ~~آخرين يذنبون ويستغفرون فيغفر لهم ' وكان آدم أول | ما غلبت عليه بهيميته ~~استتر عليه العلم الثاني ، وأحاط به الوجه الأول ، | وعوتب عتابا شديدا في ~~نفسه ، ثم سرى عنه ، ولمع عليه بارق من العلم | الثاني ، ثم لما انتقل إلى ~~حظيرة القدس علم الحال أصرح ما يكون ، وكان | موسى عليه السلام يظن ما كان ~~يظن آدم عليه السلام حتى فتح الله عليه | العلم الثاني ، وقد ذكرنا أن ~~الوقائع الخارجية يكون لها تعبير كتعبير المنام | وأن الأمر والنهي لا ~~يكونان جزافا ، بل لهما استعداد يوجبهما . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' كل مولود يولد على الفطرة ، ثم | ~~أبواه يهودانه ، و ينصرانه ، ويمجسانه كما تنتج البهيمة جمعاء هل تحسون | ~~فيها من جدعاء ' . # أقول اعلم أن الله تعالى أجرى سنته بأن يخلق كل نوع من | الحيوانات ~~والنباتات وغيرهما على شكل خاص به ، فخص الإنسان | مثلا بكونه بادي البشرة ~~مستوي القامة عريض الأظفار ناطقا | ضاحكا ، وبتلك الخواص يعرف أنه إنسان ~~اللهم إلا أن تخرق العادة | فرد نادر كما ترى أن بعض المولودات يكون له ~~خرطوم أو حافر | فكذلك أجرى سنته ms252 أن يخلق في كل نوع قسطا من العلم والإدراك ~~محدودا | بحد مخصوصا به لا يوجد في غيره مطردا في أفراده ، فخص النحل ~~بإدراك | PageV01P351 | الأشجار المناسبة لها ، ثم اتخاذ الأكنان وجمع ~~العسل فيها ، فلن ترى فردا | من أفراد النحل إلا وهو يدرك ذلك ، وخص الحمام ~~بأنه كيف يهدر وكيف | يعشش وكيف يزق فراخه ، وكذلك خص الله تعالى الإنسان ~~بإدراك زائد | وعقل مستوفي ، ودس فيه معرفة بارئه والعبادة له وأنواع ما ~~يرتفقون به | في معاشهم وهو الفطرة ، فلو أنهم لم يمنعهم مانع لكبروا عليها ~~، لكنه قد | تعترض العوارض كاضلال الأبوين ، فينقلب العلم جهلا كمثل ~~الرهبان | يتمسكون بأنواع الحيل ، فيقطعون شهوة النساء والجوع مع أنهما ~~مدسوسان | في فطرة الإنسان . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم - وقوله | ~~صلى الله عليه وسلم - هم من آبائهم ' وقوله صلى الله عليه وسلم : ' الله | ~~أعلم بما كانوا عاملين ' وقوله صلى الله عليه وسلم في منامه الطويل : ' نسم ~~| ذرية بني آدم تكون عند إبراهيم عليه السلام ' . * اعلم أن الأكثر أن يولد ~~| الولد على الفطرة كما مر ، لكن قد يخلق بحيث يستوجب اللعن بلا عمل كالذي ~~| قتله الخضر طبع كافرا ، وأما من آبائهم فمحمول على أحكام الدنيا ، وليس | ~~أن التوقف في النواميس إنما يكون لعدم العلم ، بل قد يكون لعدم انضباط | ~~الأحكام بمظنة ظاهرة أو لعدم الحاجة إلى بيانه أو غموض فيه بحيث | لا يفهمه ~~المخاطبون . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' بيده الميزان أن يخفض ويرفع ' أقول : هذا | ~~إشارة إلى التدبير ، فإن مبناه على اختيار الأوفق بالمصلحة ، فما من حادثة ~~| يجتمع فيها أسباب متنازعة إلا ويقضي الله في ذلك ما هو عدل ، وهو قوله ~~تعالى | @QB@ كل يوم هو في شأن @QE@ . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن قلوب بني آدم كلها بين أصبعين من | ~~PageV01P352 | من أصابع الرحمن ' وقوله صلى الله عليه وسلم : ' مثل القلب ~~كريشة بأرض | فلاة تقلبها الرياح ظهرا لبطن ' أقول : أفعال العباد اختيارية ~~، لكن | لا اختيار لهم في ذلك الاختيار ، وإنما مثله كمثل رجل ms253 أراد أن يرمي ~~| حجرا ، فلو أنه كان قادرا حكيما خلق في الحجر اختيار الحركة أيضا ، | ولا ~~يرد عليه أن الأفعال إذا كانت مخلوقة لله تعالى ، وكذلك الاختيار | ففيم ~~الجزاء ، لأن معنى الجزاء يرجع إلى ترتب بعض أفعال الله تعالى على | البعض ~~، بمعنى أن الله تعالى خلق هذه الحالة في العبد فاقتضى ذلك في حكمته | أن ~~يخلق فيه حالة أخرى من النعمة أو الألم كما أنه يخلق في الماء حرارة ، | ~~فيقتضي ذلك أن يكسوه صورة الهواء ، وإنما يشترط وجود الاختيار | وكسب العبد ~~في الجزاء بالعرض لا بالذات ، وذلك لأن النفس الناطقة | لا تقبل لون ~~الأعمال التي لا تستند إليها ، بل إلى غيرها من جهة الكسب ، | ولا الأعمال ~~التي لا تستند إلى اختيارها وقصدها ، وليس في حكمة الله أن | يجازى العبد ~~بما لم تقبل نفسه الناطقة لونه ، فإذا كان الأمر على ذلك كفى | هذا ~~الاختيار غير المستقل في الشرطية إذا كان مصححا لقبول لون العمل ، | وهذا ~~الكسب غير المستقل إذا كان مصححا لتخصيص هذا العبد بخلق | الحالة المتأخرة ~~فيه دون غيره ، وهذا تحقيق شريف مفهوم من كلام | الصحابة والتابعين فاحفظه ~~. # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن الله خلق خلقه في ظلمة فألقى عليهم | من ~~نوره فمن أصابه من ذلك النور اهتدى ومن أخطأه ضل ' فلذلك | أقول : جف القلم ~~على علم الله ، معناه أنه قدرهم قبل أن يخلقوا ، فكانوا | هنالك عراة عن ~~الكمال في حد أنفسهم ، فاستوجبوا أن يبعث إليهم ، | وينزل عليهم ، فاهتدى ~~بعض منهم ، وضل آخرون وقدر جميع ذلك مرة | واحدة ، لكن كان لما من أنفسهم ~~تقدم على ما لهم يبعث الرسل ، كقوله | صلى الله عليه وسلم رواية عن الله ~~تعالى : ' كلكم جائع إلا من أطعمته ، | وكلكم ضال إلا من هديته ' أو نقول : ~~هذا إشارة إلى واقعة مثل واقعة | إخراج ذرية آدم عليه السلام . | ~~PageV01P353 # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا قضى الله لعبد أن يموت بأرض جعل | له ~~إليها حاجة ' أقول : فيه إشارة إلى أن بعض الحوادث توجد لئلا ينخرم | نظام ~~الأسباب ms254 ، فإن لم يكن استهل من إلهام أو بعث تقريب لا بد أن يظهر ذلك # قال صلى الله عليه وسلم : ' كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق | ~~السماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء ' أقول : خلق | الله ~~تعالى العرش والماء أول ما خلق ، ثم خلق جميع ما أراد أن يوجد في قوة | من ~~قوى العرش يشبه الخيال من قوانا ، وهو المعبر عنه بالذكر على ما بينه | ~~الإمام الغزالي - ولا تظنن ذلك مخالفا للسنة - فإنه لم يصح عند أهل | ~~المعرفة بالحديث من بيان صورة القلم واللوح على ما يلهج به العامة شيء | ~~يعتد به ، والذي يروونه هو من الاسرائيليات وليس من الأحاديث المحمدية ، | ~~وذهاب المتأخرين من أهل الحديث إلى مثله نوع من التعمق وليس | للمتقدمين في ~~ذلك كلام . وبالجملة فتحققت هنالك صورة هذه السلسلة بتمامها | عبر عنه ~~بالكتابة أخذا من إطلاق الكتابة في السياسة المدنية على التعيين | والإيجاب ~~، ومنه قوله تعالى : | @QB@ كتب عليكم الصيام @QE@ . # وقوله تعالى : | @QB@ كتب عليكم إذا حضر @QE@ . الآية # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' إن الله كتب على عبده حظه من | PageV01P354 ~~| من الزنا ' الحديث ، وقول الصحابي : كتبت في غزوة كذا ولم يكن هناك | ~~ديوان كما ذكره كعب بن مالك ، ونظير ذلك في أشعار العرب كثير | جدا ، وذكر ~~- خمسين ألف سنة - يحتمل أن يكون تعيينا ويحتمل أن | يكون بيانا لطول المدة ~~. # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن الله خلق آدم ، ثم مسح ظهره بيمينه ' | ~~الحديث أقول لما خلق الله آدم ليكون أبا للبشر . التف في وجوده حقائق بنيه ~~، | فأعطاه الله تعالى وقتا من أوقاته ، علم ما تضمنه وجوده بحسب القصد | ~~الألهي ، فأراه إياهم رأى عين بصورة مثالية ، ومثل سعادتهم وشقاوتهم | ~~بالنور والظلمة ، ومثل ما جبلهم عليه من استعداد التكليف بالسؤال | والجواب ~~والالتزام على أنفسهم ، فهم يؤاخذون بأصل استعدادهم ، | وتنسب المؤاخذة إلى ~~شبحه في الظاهر . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن خلق أحدكم يجمع في بطن أمه ' | الحديث ~~أقول : هذا الانتقال تدريجي غير دفعي ، وكل حد يباين السابق | واللاحق ، ~~ويسمى ms255 ما لم يتغير من صورة الدم تغيرا فاحشا - نطفة - | وما فيه انجماد ~~ضعيف - علقة وما فيه انجماد أشد من ذلك - مضغة وإن | كان فيه عظم رخو ، ~~وكما أن النواة إذا ألقيت في الأرض وذلك في وقت | معلوم ، وأحاط بها تدبير ~~معلوم علم المطلع على خاصية نوع النخل وخاصية | تلك الأرض وذلك الماء وذلك ~~الوقت أنه يحسن نباتها ويتحقق من شأنه | على بعض الأمر ، فكذلك يجلي الله ~~على بعض الملائكة حال المولود بحسب | الجبلة التي جبل عليها . | ~~PageV01P355 # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' ما منكم من أحد إلا وقد كتب له | مقعده من ~~النار ومقعده من الجنة ' أقول : كل صنف من أصناف النفس | له كمال ونقصان ، ~~عذاب وثواب ، ويحتمل أن يكون المعنى إما من الجنة | وإما من النار ، وقوله ~~تعالى : | ^ ( وإذا أخذ ربك من بني آدم ) ^ . الآية # لا يخالف حديث ' ثم مسح ظهره بيمينه واستخرج منه ذريته ' لأن | آدم أخذت ~~عنه ذريته ومن ذريته ذريتهم إلى يوم القيامة على الترتيب | الذي يوجدون ~~عليه ، فذكر في القرآن بعض القصة وبين الحديث تتمتها ، | قوله تعالى : | ~~@QB@ فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى @QE@ . # أي من كان متصفا بهذه الصفات في علمنا وقدرنا ( فسنسيره ) لتلك | الأعمال ~~في الخارج ، وبهذا التوجيه ينطبق عليه الحديث . # قوله تعالى : | @QB@ ونفس وما سواها فألهمها فجورها وتقواها @QE@ . # أقول المراد بالإلهام هنا خلق صورة الفجور في النفس كما سبق في | حديث ~~ابن مسعود ، فالإلهام في الأصل خلق الصورة العلمية التي يصير بها | عالما ، ~~ثم نقل إلى صورة إجمالية هي مبدأ آثار ، وإن لم يصر بها عالما | تجوزا ، ~~والله أعلم . | PageV01P356 | # | ( من أبواب الاعتصام بالكتاب والسنة ) # قد حذرنا النبي صلى الله عليه وسلم مداخل التحريف بأقسامها . وغلظ | ~~النهي عنها ، وأخذ العهود من أمته فيها ، فمن أعظم أسباب التهاون ترك | ~~الأخذ بالسنة ، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : ما من نبي بعثه الله في ~~أمته | قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ، ويقتدون | ~~بأمره ، ثم إنها تختلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون ms256 ، ويفعلون | ما ~~لا يؤمرون ، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ، ومن جاهدهم بلسانه فهو | مؤمن ، ~~ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن ، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة | خردل ' وقوله ~~صلى الله عليه وسلم : ' لا ألفين أحدكم متكئا على | أريكته يأتيه الأمر من ~~أمري مما أمرت به أو نهيت عنه ، فيقول : لا أدري | ما وجدناه في كتاب الله ~~اتبعناه ' ورغب في الأخذ بالسنة جدا لا سيما عند | اختلاف الناس . # وفي التشدد قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا تشددوا على أنفسكم ، | فيشدد ~~الله عليكم ' ورده على عبد الله بن عمرو والرهط الذين تقالوا عبادة | النبي ~~صلى الله عليه وسلم وأرادوا شاق الطاعات . # وفي التعمق قوله صلى الله عليه وسلم : ' ما بال أقوام يتنزهون عن | الشيء ~~أصنعه ، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم خشية له ' وقوله صلى الله عليه ~~وسلم | PageV01P357 | : ' ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل ' ~~وقوله | صلى الله عليه وسلم : ' أنتم أعلم بأمور دنياكم ' . # وفي الخلط قوله صلى الله عليه وسلم لمن أراد الخوض في علم اليهود | ' ~~أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصار ؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية ولو ~~كان | موسى حيا لما وسعه إلا اتباعي ' ، وجعله صلى الله عليه وسلم من | ~~أبغض الناس من هو مبتغ في الإسلام سنة الجاهلية . # وفي الاستحسان قوله صلى الله عليه وسلم : ' من أحدث في أمرنا هذا | ما ~~ليس منه فهو رد ' وضرب الملائكة له صلى الله عليه وسلم مثل رجل | بنى دارا ~~، وجعل فيها مأدبة ، وبعث داعيا أقول هذا إشارة إلى تكليف | الناس به وجعله ~~كالأمر المحسوس إكمالا للتعليم . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' مثلي كمثل رجل استوقد نارا ، | الحديث وقوله ~~صلى الله عليه وسلم : ' إنما مثلي ومثل ما بعثني الله به | كمثل رجل أتى ~~قوما فقال يا قوم إني رأيت الجيش بعيني ' الحديث | PageV01P358 | دليل ظاهر ~~على أن هنالك أعمالا تستوجب في أنفسها عذابا قبل البعثة ، | وقوله صلى الله ~~عليه وسلم : ' مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل | الغيث الكثير ~~أصاب أرضا ms257 الحديث فيه بيان قبول أهل العلم هدايته | صلى الله عليه وسلم ~~بأحد وجهين ، الرواية صريحا ، والرواية دلالة بأن | استنبطوا ، وأخبروا ~~بالمستنبطات ، أو عملوا بالشرع ، فاهتدى الناس بهديهم ، | وعدم قبول أهل ~~الجهل رأسا . # قوله صلى الله عليه وسلم في الموعظة البليغة : ' فعليكم بسنتي وسنة | ~~الخلفاء الراشدين المهديين ' . # أقول انتظام الدين يتوقف على اتباع سنن النبي ، وانتظام السياسة | الكبرى ~~يتوقف على الانقياد للخلفاء فيما يأمرونهم بالاجتهاد في باب | الارتفاقات ~~وإقامة الجهاد ، وأمثال ذلك ما لم يكن إبداعا لشريعة | أو مخالفا لنص . # ' خط رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم خطا ثم قال : هذا سبيل الله ، | ~~ثم خط خطوطا عن يمينه وعن شماله وقال : هذه سبل ، على كل سبيل منها | شيطان ~~يدعو إليه وقرأ . | @QB@ وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل ~~فتفرق بكم عن سبيله @QE@ . # أقول الفرقة الناجية هم الآخذون في العقيدة والعمل جميعا بما ظهر من | ~~الكتاب والسنة ، وجرى عليه جمهور الصحابة والتابعين وإن اختلفوا فيما | ~~PageV01P359 | بينهم فيما لم يشتهر فيه نص ، ولا ظهر من الصحابة اتفاق عليه ~~استدلالا منهم | ببعض ما هنالك أو تفسيرا لمجمله . # وغير الناجية كل فرقة انتحلت عقيدة خلاف عقيدة السلف أو عملا | دون ~~أعمالهم . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا تجتمع هذه الأمة على الضلالة ' وقوله | ~~صلى الله عليه وسلم : ' يبعث الله لهذه الأمة على راس كل أمة سنة من | يجدد ~~لها دينها ' وتفسيره في حديث آخر : يحمل هذا العلم من كل خلف | عدو له ~~ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين ' . # اعلم أن الناس لما اختلفوا في الدين ، وأفسدوا في الأرض قرع ذلك | باب ~~جود الحق فبعث محمد صلى الله عليه وسلم وأراد بذلك إقامة الملة | العوجاء ، ~~ثم لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم صارت تلك العناية بعينها | متوجهة ~~إلى حفظ علمه ورشده فيما بينهم ، فأورثت فيهم إلهامات | وتقريبات ، ففي ~~حظيرة القدس داعية لإقامة الهداية فيهم ما لم تقم الساعة ، | فوجب لذلك أن ~~يكون فيهم لا محالة أمة قائمة بأمر الله ، وأن لا ms258 يجتمعوا على | الضلالة ~~بأسرهم ، وأن يحفظ القرآن فيهم ، وأوجب اختلاف استعدادهم | أن يلحق بما ~~عندهم مع ذلك شيء من التغير ، فانتظرت العناية لناس مستعدين | قضى لهم ~~بالتنويه ، فأورث في قلوبهم الرغبة في العلم ، ونفى تحريف الغالين | وهو ~~إشارة إلى التشدد والتعمق ، وانتحال المبطلين وهو إشارة إلى | الاستحسان ~~وخلط ملة بملة ، وتأويل الجاهلين وهو إشارة إلى التهاون ، وترك | المأمور ~~به بتأويل ضعيف # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من يرد الله به خير يفقهه في الدين ' | ~~وقوله صلى الله عليه وسلم : ' أن العلماء ورثة الأنبياء ' وقوله صلى الله ~~عليه وسلم | : ' فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم ' وأمثال ذلك ، ~~اعلم | أن العناية الإلهية إذا حلت بشخص ، وصيره الله مظنة لتدبير إلهي لا ~~بد أن | يصير مرحوما وأن تؤمر الملائكة بمحبته وتعظيمه لحديث محبة جبرائيل ~~| PageV01P360 | ووضع القبول في الأرض ، ولما انتقل النبي صلى الله عليه ~~وسلم ونزلت العناية | الخاصة به بحسب حفظ ملته إلى حملة العلم ورواته ~~ومشيعيه ، فانتج فيهم | فوائد لا تحصى # قوله صلى الله عليه وسلم : ' نضر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها | ~~وأداها كما سمعها ' أقول : سبب هذا الفضل أنه مظنة لحمل الهداية النبوية | ~~إلى الخلق . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من كذب علي متعمدا ، فليتبوأ مقعده من | ~~النار ' قوله صلى الله عليه وسلم : ' يكون في آخر الزمان دجالون كذابون ' . # أقول لما كان طريق بلوغ الدين إلى الأعصار المتأخرة إنما هي الرواية ، | ~~وإذا دخل الفساد من وجهه الرواية لم يكن له علاج البتة كان الكذب على | ~~النبي صلى الله عليه وسلم كبيرة ، ووجب الاحتياط في الرواية لئلا | يروى ~~كذبا . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ' | وقوله صلى ~~الله عليه وسلم ' لا تصدقوهم ولا تكذبوهم ' أقول : الرواية | عن أهل الكتاب ~~تجوز فيما سبيله سبيل الاعتبار ، وحيث يكون الآمن عن | الاختلاط في شرائع ~~الدين ، ولا تجوز فيما سوى ذلك ، ، ومما ينبغي أن يعلم | أن غالب ~~الإسرائيليات المدسوسة في كتب التفسير ، والأخبار منقولة عن | أخبار أهل ~~الكتاب لا ms259 ينبغي أن يبنى عليها حكم واعتقاد فتدبر . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من تعلم علما مما ينبغي به وجه الله لا ~~يتعلمه | إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يحد عرف الجنة يوم القيامة ' يعني ~~ريحها | أقول يحرم طلب العلم الديني لأجل الدنيا ويحرم تعليم من يرى فيه | ~~الغرض الفاسد لوجوه : منها أن مثله لا يخلو غالبا من تحريف الدين | لأغراض ~~الدنيا بتأويل ضعيف ، فوجب سد الذريعة ومنها ترك حرمة | القرآن والسنن وعدم ~~الاكتراث بها . | PageV01P361 # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من سئل عن علم علمه ، ثم كتمه ، ألجم | يوم ~~القيامة بلجام من نار ' أقول يحرم كتم العلم عند الحاجة إليه لأنه أصل | ~~التهاون وسبب نسيان الشرائع ، وأجزية المعاد تبنى على المناسبات فلما كان | ~~الإثم كف لسانه عن النطق جوزي بشبح الكف وهو اللجام من نار . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' العلم ثلاثة آية محكمة ، أو سنة قائمة ، | ~~أو فريضة عادلة ، وما كان سوى ذلك فهو فضل ' أقول هذا ضبط وتحديد | لما يجب ~~عليهم بالكفاية ، فيجب معرفة القرآن لفظا ، ومعرفة محكمة | بالبحث عن شرح ~~غريبه وأسباب نزوله وتوجيه معضله وناسخه ومنسوخه | أما المتشابهة فحكمة ~~التوقف أو الإرجاع إلى المحكم والسنة القائمة ما ثبت | في العبادات ~~والارتفاقات من الشرائع والسنن مما يشتمل عليه علم الفقه ، | والقائمة ما ~~لم ينسخ ، ولم يهجر ، ولم يشذ راويه ، وجرى عليه جمهور الصحابة والتابعين . ~~أعلاها ما اتفق فقهاء المدينة والكوفة عليه ، وآيته أن يتفق على | ذلك ~~المذاهب الأربعة ، ثم ما كان فيه قولان لجمهور الصحابة أو ثلاثة ، | ذلك كل ~~قد عمل به طائفة من أهل العلم ، وآية ذلك أن تظهر في مثل الموطأ | وجامع ~~عبد الرزاق ورواياتهم وما سوى ذلك فإنما هو استنباط بعض الفقهاء | دون بعض ~~تفسيرا وتخريجا واستدلالا واستنباطا ، وليس من القائمة | والفريضة العادلة ~~الأنصباء للورثة ، ويلحق به أبواب القضاء مما سبيله قطع | المنازعة بين ~~المسلمين بالعدل فهذه الثلاثة يحرم خلو البلد عن غالبها لتوقف | الدين عليه ~~، وما سوى ذلك من باب الفضل والزيادة . # ونهى ms260 صلى الله عليه وسلم عن الأغلوطات ، وهي المسائل التي يقع | المسئول ~~عنها في الغلط ويمتحن بها أذهان الناس ، وإنما نهى عنها لوجوه . # منها أن فيها إيذاء وإذلالا للمسئول عنه وعجبا وبطرا لنفسه | PageV01P362 # ومنها أنها تفتح باب التعمق وإنما الصواب ما كان عند الصحابة والتابعين | ~~أن يوقف على ظاهر السنة ، وما هو بمنزلة الظاهر من الإيماء والاقتضاء | ~~والفحوى ، وألا يمعن جدا ألا يقتحم في الاجتهاد حتى يضطر إليه ، وتقع | ~~الحادثة فإن الله يفتح عند ذلك العلم عناية منه بالناس ، وأما تهيئته من | ~~قبل فمظنة الغلظ . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من قال في القرآن برأيه ، فليتبوأ مقعده في ~~| النار ' - أقول : يحرم الخوض في التفسير لمن لا يعرف اللسان الذي نزل | ~~القرآن به والمأثور عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعين من شرح ~~| غريب وسبب نزول وناسخ ومنسوخ . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' المراء في القرآن كفر ' أقول : يحرم الجدال ~~| في القرآن وهو أن يرد الحكم المنصوص بشبهة يجدها في نفسه : # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إنما هلك من كان قبلكم بهذا ضربوا كتاب | ~~الله بعضه ببعض ' أقول : يحرم التدارؤ بالقرآن ، وهو أن يستدل واحد | بآية ~~، فيرده آخر بآية أخرى طلبا لإثبات مذهب نفسه ، وهدم وضع صاحبه ، | أو ~~ذهابا إلى نصرة مذهب بعض الأئمة على مذهب بعض ، ولا يكون جامع | الهمة على ~~ظهور الصواب والتدارؤ بالسنة مثل ذلك . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لكل آية منها ظهر وبطن ولكل حد مطلع ' | ~~أقول أكثر ما في القرآن بيان صفات الله تعالى وآياته ، والأحكام والقصص | ~~والاحتجاج على الكفار والموعظة بالجنة والنار - فالظهر - الإحاطة | بنفس ما ~~سيق الكلام له والبطن في آيات الصفاء التفكر في آلاء الله | والمراقبة ، ~~وفي آيات الأحكام الاستنباط بالإيماء والإشارة والفحوى | والاقتضاء ~~كاستنباط علي رضي الله عنه من قوله تعالى : # @QB@ وحمله وفصاله ثلاثون شهرا @QE@ . | PageV01P363 # إن هذه مدة الحمل قد تكون ستة أشهر لقوله : # @QB@ حولين كاملين @QE@ # وفي القصص معرفة مناط الثواب والمدح أو العذاب أو الذم ، وفي العظة | رقة ~~القلب وظهور ms261 الخوف والرجاء وأمثال ذلك ومطلع كل حد الاستعداد | الذي به ~~يحصل كمعرفة اللسان والآثار وكلطف الذهن واستقامة الفهم . # قوله تعالى : # @QB@ منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات @QE@ # أقول الظاهر أن المحكم ما لم يحتمل إلا وجها واحدا مثل : # @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم @QE@ # والمتشابه ما احتمل وجوها ، وإنما المراد بعضها كقوله تعالى : # @QB@ ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا @QE@ # حملها الزائغون على إباحة الخمر ما لم يكن بغي أو إفساد في الأرض ، | ~~والصحيح حملها على شاربيها قبل التحريم . # قوله صلى الله عليه وسلم ' إنما الأعمال بالنيات ' أقول : النية القصد | ~~والعزيمة ، والمراد ههنا العلة الغائبة التي يتصورها الإنسان فيبعثه على ~~العمل | مثل طلب ثواب من الله أو طلب رضا الله ، والمعنى ليس للأعمال أثر | ~~في تهذيب النفس وإصلاح عوجها إلا إذا كانت صادرة من تصور مقصد | مما يرجع ~~إلى التهذيب دون العادة وموافقة الناس أو الرياء والسمعة أو قضاء | ~~PageV01P364 | جبلة ، كالقتال من الشجاع الذي لا يستطيع الصبر عن القتال ، ~~فلولا مجاهدة | الكفار لصرف هذا الخلق في قتال المسلمين ، وهو ما سئل النبي ~~صلى الله عليه وسلم | ' الرجل ويقاتل رياء يقاتل شجاعة فأيها في سبيل الله ~~؟ فقال : من | قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ' والفقه ~~في ذلك أن عزيمة | القلب روح الأعمال أشباح لها . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' الحلال بين ، والحرام بين ، وبينهما مشتبهات ~~، | فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه ' أقول قد تتعارض الوجوه في | ~~المسألة ، فتكون السنة حينئذ الاستبراء والاحتياط ، فمن التعارض أن | تختلف ~~الرواية تصريحا كمس الذكر ، هل ينقض الوضوء ، أثبته البعض ، | ونفاه ~~الآخرون ، ولكل واحد حديث يشهد له ، كالنكاح للمحرم | سوغه طائفة ، ونفاه ~~آخرون ، واختلفت الرواية . # ومنه أن يكون اللفظ المستعمل في هذا الباب غير منضبط المعنى يكون | ~~معلوما بالقسمة والمثال ، ولا يكون معلوما بالحد الجامع المانع ، فيخرج | ~~ثلاث مواد ، مادة يطلق عليه اللفظ يقينا ، ومادة لا يطلق عليها يقينا ، | ~~ومادة لا يدري هل يصح الإطلاق عليها أم لا . # ومنه ms262 أن يكون الحكم منوطا يقينا بعلة هي مظنة لمقصد يقينا ، ويكون | نوع ~~لا يوجد فيه المقصد ، ويوجد فيه العلة كالأمة المشتراة ممن لا يجامع | مثله ~~، هل يجب استبراؤها ؟ فهذه وأمثالها يتأكد الاحتياط فيها . # قوله صلى الله عليه وسلم : نزل القرآن على خمسة وجوه ، حلال ، | وحرام ، ~~ومحكم ، ومتشابه ، وأمثال . أقول : هذه الوجوه أقسام للكتاب ولو | بتقسيمات ~~شتى ، فلا جرك ليس فيه تمانع حقيقي ، فالحكم يكون تارة حلالا | وأخرى حراما ~~، وفي أصول الدين ترك الخوض بالعقل في المتشابهات من | PageV01P365 | ~~الآيات والأحاديث ، ومن ذلك أمور كثيرة لا يدري أأريد حقيقة الكلام أم أقرب ~~مجاز إليها ؟ وذلك فيما لم تجمع عليه الأمة ، ولم ترتفع فيه الشبهة والله ~~أعلم . # # | ( من أبواب الطهارة ) # اعلم أن الطهارة على ثلاثة أقسام : طهارة من الحدث ، وطهارة من | النجاسة ~~المتعلقة بالبدن أو الثوب أو المكان ، وطهارة من الأوساخ النابتة | من ~~البدن كشعر العانة والأظافر والدرن . # أما الطهارة من الأحداث فمأخوذة من أصول البر ، والعمدة في معرفة | الحدث ~~، وروح الطهارة وجدان أصحاب النفوس التي ظهرت فيها أنوار | ملكية ، فأحسست ~~بمنافرتها للحالة التي تسمى حدثا ، وسرورها وانشراحها | في الحالة التي ~~تسمى طهارة ، وفي تعيين هيئات الطهارة وموجباتها ما اشتهر في | الملل ~~السابقة من اليهود والنصارى والمجوس وبقايا الملل الإسماعيلية ، فكانوا | ~~يجعلون الحدث على قسمين ، والطهارة على ضربين - كما ذكرنا من قبل - وكان ~~الغسل من الجنابة سنة سائره في العرب فوزع النبي صلى الله عليه وسلم | قسمي ~~الطهارة على نوعي الحدث ، فجعل الطهارة الكبرى بأزاء الحديث الأكبر | لأنه ~~أقل وقوعا وأكثر لوثا وأحوج إلى تنبيه النفس بعمل شاق ، قلما يفعل ، | مثله ~~، والطهارة الصغرى بأزاء الحدث الأصغر لأنه أكثر وقوعا وأقل لوثا | ويكفيه ~~التنبيه في الجملة ، والأمور التي فيها معنى الحديث كثيرة جدا يعرفها | أهل ~~الاذواق السليمة . . . لكن الذي يصلح أن يخاطب به الناس كافة ما هو | منضبط ~~بأمور محسوسة ظاهرة الأثر في النفس لتمكن المؤاخذة به جهرة ، | فلذلك تعين ~~ألا يدار الحكم على اشتغال النفس بما يختلج في المعدة ، ولكن | يدار على ~~خروج ms263 شيء من السبيلين فإن الأول غير مضبوط المقدار وإذا | تمكن لا يعرفه ~~الوضوء من خارج ، والثاني معلوم بالحس ، وأيضا فلمعنى | انقباض النفس فيه ~~شبح محسوس وخليقه ظاهرة وهي التلطخ بالنجاسة ، | PageV01P366 | وأيضا إنما ~~يؤثر الوضوء عند زوال اشتغال النفس وذلك بالخروج ، وقد | نبه النبي صلى ~~الله عليه وسلم في قوله ' لا يصل أحدكم وهو يدافع الأخبثين . ' | أن نفس ~~الاشتغال فيه معنى من معاني الحدث . # والأمور التي فيها معنى الطهارة كثيرة كالتطيب والأذكار المذكرة | لهذه ~~الخلة كقوله صلى الله عليه وسلم : ' اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من ~~المتطهرين ' | وقوله : ' اللهم نقني من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من ~~الدنس ' | والحلول بالمواضع المتبركة ونحو ذلك ، لكن الذي يصلح أن يخاطب به ~~| جماهير الناس ما يكون منضبطا متيسرا لهم كل حين وكل مكان . والذي | يحس ~~أثره بادي الرأي ، والذي جرى عليه طوائف الأمم . # وأصل الوضوء غسل الأطراف ، فضبط الوجه واليدين - إلى | المرفقين - لأن ~~دون ذلك لا يحس أثره ، والرجلين - إلى الكعبين - | لأن دون ذلك ليس بعضو ~~تام ، وجعل وظيفه الرأس المسح لأن غسله | نوع من الحرج . # وأصل الغسل نعميم البدن بالغسل . # وأصل موجب الوضوء الخارج من السبيلين وما سوى ذلك محمول عليه # وأصل موجب الغسل الجماع والحيض ، وكأن هذين الأمرين كانا | مسلمين في ~~العرب قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، وأما القسمان الآخران | من الطهارة ~~فمأخوذان من الارتفاقات فإنهما من مقتضى أصل طبيعة الإنسان | لا ينفك عنهما ~~قوم ولا ملة ، والشارع اعتمد في ذلك على ما عند العرب | القح من الرفاهية ~~المتوسطة كما اعتمد عليه في سائر ما ضبط من الارتفاقات | فلم يزد النبي صلى ~~الله عليه وسلم على تعيين الآداب وتمييز المشكل وتقدير | المبهم . | ~~PageV01P367 # # | ( فصل في الوضوء ) # قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' الطهور شطر الإيمان ' . # أقول : المراد بالإيمان ههنا هيأة نفسانية مركبة من نور الطهارة | ~~والإخبات ، والإحسان أوضح منه في هذا المعنى ، ولا شك أن الطهور شطره . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من توضأ فأحسن الوضوء خرجت خطاياه | من جسده ~~حتى تخرج ms264 من أظفاره ' أقول : النظافة المؤثرة في جذر النفس ، | تقدس النفس ~~، وتلحقها بالملائكة ، وتنسى كثيرا من الحالات الدنسية | فجعلت خاصيتها ~~خاصية للوضوء الذي هو شبحها ومظنتها وعنوانها . # قوله صلى الله عليه وسلم . ' إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا | محجلين من ~~آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ' | وقوله صلى الله ~~عليه وسلم : ' تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ' | أقول لما كان شبح ~~الطهارة ما يتعلق بالأعضاء الخمسة تمثل تنعم النفس بها | حلية لتلك الأعضاء ~~وغرة وتحجلا كما يتمثل الجبن وبرا والشجاعة أسدا . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن ' | أقول : ~~لما كانت المحافظة عليه شاقة لا تتأتى إلا ممن كان على بصيرة من أمر | ~~الطهارة موقنا بنفعها الجسيم جعلت علامة الإيمان | PageV01P368 # # | ( صفة الوضوء ) # صفة الوضوء على ما ذكره عثمان وعلي وعبد الله بن زيد وغيرهم رضى | الله ~~عنهم عن النبي صلى الله عليه وسلم بل تواتر عنه صلى الله عليه وسلم | ~~وتطابق عليه الأمة أن يغسل يديه قبل إدخالهما الإناء ، ويتمضمض ، | ويستنثر ~~، ويستنشق ، فيغسل وجهه فذراعيه إلى المرفقين ، فيمسح | برأسه ، فيغسل ~~رجليه إلى الكعبين ، ولا عبرة بقوم تجارت بهم الأهواء ، | فانكروا غسل ~~الرجلين متمسكين بظاهر الآية ، فانه لا فرق عندي بين من | قال بهذا القول ~~وبين من انكر غزوة بدر أو أحد مما هو كالشمس في رابعة | النهار ، نعم من ~~قال بأن الاحتياط الجمع بين الغسل والمسح أو أن أدنى الفرض | المسح ، وإن ~~كان الغسل مما يلام أشد الملامة على تركه فذلك أمر يمكن أن | يتوقف فيه ~~العلماء حتى تنكشف فيه جلية الحال ، ولم أجد في رواية صحيحة | تصريحا بأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم توضأ بغير مضمضة واستنشاق وترتيب ، | فهى متأكدة ~~في الوضوء غاية الوكادة ، وهما طهارتان مستقلتان من خصال | الفطرة ضمتا مع ~~الوضوء ليكون ذلك توقيتا لهما ، ولإنهما من باب تعهد | المغابن ، والوصل ~~بينهما أصح من الفصل . # واداب الوضوء ترجع إلى معان ( منها ) : تعهد المغابن التى لا يصل | إليها ~~الماء إلا بعناية ms265 كالمضمضة والاستنشاق وتخليل أصابع اليدين والرجلين | ~~واللحية وتحريك الخاتم . # ومنها إكمال التنظيف كتثليث الغسل وكالاسباغ - وهو إطالة الغرة - | ~~والتحجيل والإنقاء - وهو الدلك - ومسح الأذنين مع الرأس والوضوء | على ~~الوضوء . | PageV01P369 # ومنها موافقة عاداتهم في الأمور المهمة كالبداءة بالإيمان ، فإن اليمين | ~~أقوى وأولى ، فكان أحق بالبداءة فيما كان بهما ، واختصاصه بالطيبات ، | ~~والمحاسن دون أضدادها فيما كان بأحداهما # ومنها ضبط فعل القلب بألفاظ صريحة في المراد ، وضم الذكر اللساني | مع ~~القلب . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا وضوء لمن لم يذكر الله ' . أقول . هذا | ~~الحديث لم يجمع أهل المعرفة بالحديث على تصحيحه وعلى تقدير صحته ، فهو | من ~~المواضع التي اختلف فيها طريق التلقي من النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد | ~~استمر المسلمون يحكون وضوء النبي صلى الله عليه وسلم ، ويعلمون الناس ، | ~~ولا يذكرون التسمية حتى ظهر زمان أهل الحديث ، وهو نص على أن | التسمية ركن ~~أو شرط ، ويمكن أن يجمع بين الوجهين بأن المراد هو التذكر | بالقلب ، فإن ~~العبادات لا تقبل إلا بالنية ، وحينئذ يكون صيغة لا وضوء | على ظاهرها ، ~~نعم التسمية أدب كسائر الآداب لقوله صلى الله عليه وسلم : | ' كل أمر ذي ~~بال لم يبدأ باسم الله فهو أبتر ، وقياسا على مواضع كثيرة ، | ويحتمل أن ~~يكون المعنى لا يكمل الوضوء لكن لا أرتضي مثل التأويل ، فإنه | من التأويل ~~البعيد الذي يعود بالمخالفة على اللفظ . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' فإنه لا يدري أين باتت يده ' . # أقول : معناه أن بعد العهد بالتطهر والغفلة عنهما مليا مظنة لوصول | ~~النجاسة والأوساخ إليهما ، مما يكون إدخال الماء معه تنجيسا له أو تكديرا | ~~وشناعة ، وهو علة النهي عن النفخ في الشراب . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' فان الشيطان يبيت على خيشومه ' أقول : | ~~معناه أن اجتماع المخاط والمواد الغليظة في الخيشوم سبب لتبلد الذهن وفساد ~~| الفكر ، فيكون أمكن لتأثير الشيطان بالوسوسة وصده عن تدبر الاذكار : | ~~PageV01P370 # قوله صلى الله عليه وسلم : ' ما منكم من أحد يتوضأ ، فيبلغ الوضوء ، | ثم ~~يقول : أشهد الخ - وفي رواية - اللهم اجعلني من التوابين ، | واجعلني ms266 من ~~المتطهرين فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها يشاء ' . # أقول : روح الطهارة لا يتم إلا بتوجه النفس إلى عالم الغيب واستفراغ | ~~الجهد في طلبها ، فضبط لذلك ذكرا ورتب عليه ما هو فائدة الطهارة الداخلة | ~~في جذر النفس . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لمن لم يستوعب : ' ويل للأعقاب من النار ' | ~~أقول : السر فيه أن الله تعالى لما أوجب غسل هذه الأعضاء ، اقتضى | ذلك أن ~~يحقق معناه ، فإذا غسل بعض العضو ، ولم يستوعب كله لا يصح | أن يقال : غسل ~~العضو ، وأيضا فيه سد باب التهاون وإنما تخللت النار في | الأعقاب لأن ~~تراكم الحدث والإصرار على عدم إزالته خصلة موجبة للنار ، | والطهارة موجبه ~~للنجاة منها وتكفير الخطايا ، فإذا لم يحقق معنى الطهارة في | عضو ، وخالف ~~حكم الله فيه كان ذلك سبب أن يظهر تألم النفس بالخصلة | الموجبة لفساد ~~النفس من قبل هذا العضو ، والله أعلم . # # | ( موجبات الوضوء ) # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ : | وقوله ~~صلى الله عليه وسلم : ' لا تقبل صلاة بغير طهور ' وقوله صلى الله عليه وسلم ~~| : ' مفتاح الصلاة الطهور ' ، أقول : كل ذلك تصريح باشتراط | الطهارة ، ~~والطهارة طاعة مستقلة وقتت بالصلاة لتوقف فائدة كل واحدة | منهما على ~~الأخرى ، وفيه تعظيم أمر الصلاة التي هي من شعائر الله . # وموجبات الوضوء في شريعتنا على ثلاث درجات : ( إحداها ) . | ما اجتمع ~~عليه جمهور الصحابة ، وتطابق فيه الرواية ، والعمل الشائع وهو | البول ~~الغائط والريح والمذي والنوم الثقيل وما في معناها . | PageV01P371 # قوله صلى الله عليه وسلم : ' وكاء السه العينان ' وقوله صلى الله عليه ~~وسلم | : ' فانه إذا اضطجع استرخت مفاصله . أقول : معناه أن النوم الثقيل | ~~مظنة لاسترخاء الأعضاء وخروج الحدث ، وأرى أن مع ذلك له سبب | آخر ، هو أن ~~النوم يبلد النفس ، ويفعل فعل الأحداث . # قوله صلى الله عليه وسلم في المذي : ' يغسل ذكره ، ويتوضأ ' . | أقول . ~~لا شك أن المذي الحاصل من الملاعبة قضاء شهوة دون شهوة الجماع ، | فكان من ~~حقه أن يستوجب طهارة دون الطهارة الكبرى . # قوله صلى الله عليه ms267 وسلم في الشاك : ' لا يخرجن من المسجد حتى يسمع | ~~صوتا أو يجد ريحا ' . أقول : معناه حتى يستيقن لما أدير الحكم على الخارج | ~~من السبيلين كان ذلك مقتضيا أن يميز بين ما هو في الحقيقة وبين ما هو | ~~مشتبه به وليس هو ، والمقصود نفي التعمق . # والثانية ما اختلف فيه السلف من فقهاء الصحابة والتابعين وتعارض فيه | ~~الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم كمس الذكر لقوله صلى الله عليه وسلم | ~~' من مس ذكره فليتوضأ ' قال به ابن عمر وسالم وعروة وغيرهم ، ورده | علي ~~وابن مسعود وفقهاء الكوفة ولهم قوله صلى الله عليه وسلم ' هل هو | إلا بضعة ~~منه ' ، ولم يجئ الثلج بكون أحدهما منسوخا . # ولمس المرأة قال به عمر وابن عمر وابن مسعود وإبراهيم لقوله تعالى # ^ ( أو لا مستم النساء ) ^ . | PageV01P372 # ولا يشهد له حديث بل يشهد حديث عائشة بخلافه لكن فيه نظر | لأن في إسناده ~~انقطاعا ، وعندي أن مثل هذه العلة إنما تعتبر في مثل | ترجيح أحد الحديثين ~~على الآخر ، ولا تعتبر في ترك حديث من غير تعارض | والله أعلم . # وكان عمر وابن مسعود لا يريان التيمم عن الجنابة فتعين حمل الآية | ~~عندهما على اللمس لكن صح التيمم عنها عن عمران وعمار وعمرو بن العاص ، | ~~وانعقد عليه الإجماع ، وكان ابن عمر يذهب إلى الاحتياط ، وكان إبراهيم | ~~يقلد ابن مسعود حتى وضع على أبي حنيفة حال الدليل الذي تمسك به | ابن مسعود ~~، فترك قوله مع شدة اتباعه مذهب إبراهيم ، وبالجملة فجاء الفقهاء | من ~~بعدهم في هذين على ثلاث طبقات آخذ به على ظاهره ، وتارك له | رأسا ، وفارق ~~بين الشهوة وغيرها . # وقال إبراهيم بالوضوء من الدم السائل والقيء الكثير ، والحسن بالوضوء | ~~من القهقهة في الصلاة ، ولم يقل بذلك آخرون ، وفي كل ذلك حديث لم يجمع | ~~أهل المعرفة بالحديث على تصحيحه ، والأصح في هذه أن من احتاط فقد | - ~~استبرأ لدينه وعرضه - ومن لا فلا سبيل عليه في صراح الشريعة . # ولا شبهة أن لمس المرأة مهيج للشهوة مظنة لقضاء شهوة دون شهوة | الجماع ~~وأن مس ms268 الذكر فعل شنيع ، ولذلك جاء النهي عن مس الذكر بيمينه | في ~~الاستنجاء ، فإذا كان قبضا عليه كان من أفعال الشياطين لا محالة ، والدم | ~~السائل والقيء الكثير ملوثا للبدن ومبلدان للنفس ، والقهقهة في الصلاة | ~~PageV01P373 | خطيئة تحتاج إلى كفارة ، فلا عجب أن يأمر الشارع بالوضوء من ~~هذه ، ولا عجب ألا يأمر ، ولا عجب أن يرغب فيه من غير عزيمة . # والثالثة ما وجد فيه شبهة من لفظ الحديث وقد أجمع الفقهاء من | الصحابة ~~والتابعين على تركه كالوضوء مما مسته النار فإنه ظهر عمل النبي | صلى الله ~~عليه وسلم والخلفاء وابن عباس وأبي طلحة وغيرهم بخلافه ، وبين | جابر أنه ~~منسوخ ، وكان السبب في الوضوء منه أنه ارتفاق كامل لا يفعل | مثله الملائكة ~~، فيكون سببا لانقطاع مشابهتهم ، وأيضا فان ما يطبخ بالنار | يذكر نار جهنم ~~، ولذلك نهى عن الكي إلا لضرورة فلذلك لا ينبغي | للإنسان أن يشغل قلبه به ~~. # أما لحم الإبل - فالأمر فيه أشد - لم يقل به أحد من فقهاء الصحابة | ~~والتابعين ولا سبيل إلى الحكم بنسخه ، فلذلك لم يقل به من يغلب عليه | ~~التخريج ، وقال به أحمد واسحق ، وعندي أنه ينبغي أن يحتاط فيه الإنسان | ~~والله أعلم . # والسر في إيجاب الوضوء من لحوم الإبل على قول من قال به أنها كانت | ~~محرمة في التوراة ، واتفق جمهور أنبياء بني إسرائيل على تحريمها ، فلما ~~أباحها | الله لنا شرع الوضوء منها لمعنيين ، أحدهما أن يكون الوضوء شكرا ~~لما أنعم | الله علينا من إباحتها بعد تحريمها على من قبلنا ، وثانيها أن ~~يكون الوضوء | علاجا لما عسى أن يختلج في بعض الصدور من إباحتها بعد ما ~~حرمها الأنبياء | من بني إسرائيل ، فإن النقل من التحريم إلا كونه مباحا ~~يجب منه الوضوء | أقرب لاطمئنان نفوسهم ، وعندي أنه كان في أول الإسلام ثم ~~نسخ . | PageV01P374 # # | ( المسح على الخفين ) # لما كان مبنى الوضوء على غسل الأعضاء الظاهرة التي تسرع إليها | الأوساخ ~~، وكانت الرجلان تدخلان عند لبس الخفين في الأعضاء الباطنة ، | وكان لبسهما ~~عادة متعارفة عندهم ، ولا يخلو الأمر بخلعهما عند كل صلاة ms269 | من حرج سقط ~~غسلهما عند لبسهما في الجملة ، ولما كان من باب التيسير | الاحتيال بما لا ~~يسترسل معه النفس بترك المطلوب استعمله الشارع ههنا | من رجوع ثلاثة . # أحدها التوقيت بيوم وليلة للمقيم ، وثلاثة أيام ولياليها للمسافر لأن | ~~اليوم بليلة مقدار صالح للتعهد يستعمله الناس في كثير مما يريدون تعهده ، | ~~وكذلك ثلاثة أيام بلياليها فوزع المقداران على المقيم والمسافر لمكانهما | ~~من الحرج . # والثاني اشتراط أن يكون لبسهما على طهارة ليتمثل بين عيني المكلف | أنهما ~~كالباقي على الطهارة قياسا على قلة وصول الأوساخ إلى الأعضاء | المستورة ، ~~وأمثال هذه القياسات مؤثرة فيما يرجع إلى تنبيه النفس . # والثالث أن يمسح على ظاهرهما عوض الغسل إبقاء لمذكر ونموذج . # وقال علي رضي الله عنه : لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف | أولى ~~بالمسح من أعلاه . # أقول : لما كان المسح إبقاء لنموذج الغسل لا يراد منه إلا ذلك ، وكان | ~~الأسفل مظنة لتلويث الخفين عند المشي في الأرض كان المسح على ظاهرهما | دون ~~باطنهما معقولا وموافقا بالرأي ، وكان رضي الله عنه من أعلم الناس | بعلم ~~معاني الشرائع كما يظهر من كلامه وخطبه ، لكن أراد أن يسد مدخل | الرأي ~~لئلا يفسد العامة على أنفسهم دينهم | PageV01P375 # # | ( صفة الغسل ) # على ما روته عائشة وميمونة ، وتطابق عليه الأمة أن يغسل يديه قبل | ~~إدخالهما الإناء ، ثم يغسل ما وجد من نجاسة على بدنه وفرجه ، ثم يتوضأ | ~~كما يتوضأ للصلاة ، ويتعهد رأسه بالتخليل ، ثم يصب الماء على جسده ، | ~~واختلفوا في حرف واحد يؤخر غسل القدمين أولا ؟ وقيل بالفرق بين | ما إذا ~~كان في مستنقع من الأرض وما إذا لم يكن كذلك . # أما غسل اليدين فلما مر الوضوء . # وأما غسل الفرج فلئلا تتكثر النجاسة بإسالة الماء عليها ، فيعسر غسلها | ~~ويحتاج إلى ماء كثير ، وأيضا لا يصفو الغسل لطهارة الحدث . | وأما الوضوء ~~فلأن من حق الطهارة الكبرى أن تشتمل على الطهارة | الصغرى وزيادة ليتضاعف ~~تنبه النفس لخلة الطهارة ، وأيضا فالوضوء في | الغسل من باب تعهد المغابن ~~فإنه إذا أفاض على رأسه الماء لا يستوعب | الأطراف إلا ms270 بتعهد واعتناء . # وأما تأخير غسل القدمين فلئلا يتكرر غسلهما بلا فائدة اللهم إلا المحافظة ~~| على صورة الوضوء ، ثم كمل الغسل بالندب إلى التثليث والدلك وتعهد المغابن ~~وتأكيد الستر . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن الله حيي ستير ' تفسيره قوله : ' يحب | ~~الحياء والستر ' والستر من أعين الناس واجب ، وكونه بحيث لو هجم | إنسان ~~بالوجه المعتاد لم ير عورته مستحب . | PageV01P376 # قوله صلى الله عليه وسلم : ' خذي فرصة من مسك فتطهري بها ' | يعني تتبعي ~~بها أثر الدم أقول إنما أمر الحائض بالفرصة الممسكة لمعان منها | زيادة ~~الطهارة إذ الطيب يفعل فعل الطهارة ، وإنما لم يسن في سائر الأوقات | ~~احترازا عن الحرج . # ومنها إزالة الرائحة الكريهة التي لا يخلو عنها الحيض . # ومنها انقضاء الحيض والشروع في الطهر وقت ابتغاء الولد والطيب | يهيج تلك ~~القوة . # واختار الصاع إلى خمسة أمداد للغسل ، والمد للوضوء لأن ذلك | مقدار صالح ~~في الأجسام المتوسطة ، # قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' تحت كل شعرة جنابة فاغسلوا الشعر | ~~وانقوا البشرة : وقوله صلى الله عليه وسلم : ' من ترك موضع شعرة من | ~~الجنابة لم يغسلها فعل بها كذا وكذا ' : سر ذلك مثل ما ذكرناه في استيعاب | ~~الوضوء من أنه تحقيق لمعنى الغسل ، وأن البقاء على الجنابة والاصرار على | ~~ذلك موجبة للنار ، وأنه يظهر تألم النفس من قبل العضو الذي جاء | منه الخلل ~~. # # | ( موجبات الغسل ) # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' إذا جلس بين شعبها الأربع ، | ثم ~~وجهدها فقد وجب الغسل وإن لم ينزل ' وأقول اختلفت الرواية هل يحمل | ~~الاكسال أي الجماع من غير إنزال على الجماع الكامل في معنى قضاء الشهوة | ~~أعني ما يكون معه الإنزال ، والذي صح رواية وعليه جمهور الفقهاء هو أن | من ~~جهدها فقد وجب عليها الغسل وإن لم ينزل ، واختلفوا في كيفية الجمع | ~~PageV01P377 | بين هذا الحديث وحديث إنما الماء من الماء ' فقال ابن عباس : ~~| إنما الماء من الماء للاحتلام وفيه ما فيه ، وقال أبي . إنما كان الماء ~~من | الماء رخصة أول الإسلام ، ثم نهى ، وقد روي عن عثمان ms271 وعلي وطلحة | ~~والزبير وأبي بن كعب وأبي أيوب رضي الله عنهم فيمن جامع امرأته ولم يمن ~~قالوا : يتوضأ كما يتوضأ للصلاة ، ويغسل ذكره ، ورفع ذلك إلى النبي | صلى ~~الله عليه وسلم ، ولا يبعد عندي أن يحمل ذلك على المباشرة الفاحشة ، | فانه ~~قد يطلق الجماع عليها . و # سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل ولا يذكر | الاحتلام ~~قال ' يغتسل ' وعن الرجل الذي يرى أنه قد احتلم ولا يجد | بللا قال . ' لا ~~غسل عليه ' # أقول إنما أدار الحكم على البلل دون الرؤيا لأن الرؤيا تكون تارة | حديث ~~نفس ، ولا تأثير له ، وتارة تكون قضاء شهوة ، ولا تكون بغير | بلل ، فلا ~~يصلح لإدارة الحكم إلا البلل ، وأيضا فان البلل شيء ظاهر | يصلح للانضباط ، ~~وأما الرؤيا فإنها كثيرا ما تنسى . # ولا شك أن طول مدة الطهر والحيض وقصرها يختلفان باختلاف | المزاج والغذاء ~~ونحوهما ، ولا يكاد أن يضبطان بشيء مطرد ، فلا جرم أن | الأصح هو الرجوع ~~إلى عادتهن ، فإذا رأين أنه حيض فهو حيض ، وإذا | رأين أنه استحاضة فهو ~~استحاضة . # واختلاف الصحابة والتابعين في ذلك منشؤه الاستقراء والتقريب . | ~~PageV01P378 # واستفتت حمنة في الاستحاضة فأمرها بالكرسف والتلجم | وخيرها بين أمرين ~~الخ . # أقول الأصل في ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما رأى أن الاستحاضة | ليست ~~من الأمور الصحية وترك الصلاة فيها يؤدي إلى إهمالها مدة مديدة | أراد أن ~~يحملها على الأمر المعروف عندهم فبدا وجهان . # أحدهما أنها عرق أي داء خفي المأخذ - وليست حيضة بمنزلة الرعاف | فردها ~~إلى ما كان في الصحة من حيضها وطهرها في كل شهر ، ولا بد حينئذ | من تميز ~~الحيضة عن غيرها ، إما باللون فالأقوى كالأسود للحيض أو | بأيامها المعروفة ~~عندها . # والثاني أنها حيضة فاسدة ؛ فلكونها حيضة ينبغي أن تؤمر بالغسل | عند كل ~~صلاة ، وإن تعذر فعند كل صلاتين ، ولكونها فاسدة لم تمنع الصلاة | - ~~والحكمة في الكرسف والتلجم - أن يلحق الدم بما استقر في مكانه | ولا يعدوه ~~، ولئلا يصيب بدنها وثيابها ، وأفتى جمهور الفقهاء بالأول | إلا عند تعذره # # | ( ما يباح ms272 للجنب والمحدث وما لا يباح لهما ) # لما كان تعظيم شعائر الله واجبا - ومن الشعائر الله الصلاة والكعبة | ~~والقرآن - وكان أعظم التعظيم ألا يقرب منه الإنسان إلا بطهارة كاملة ، | ~~وتنبه النفس بفعل مستأنف وجب ألا يقربها إلا متطهر ، ولم يشترط | ~~PageV01P379 | الوضوء لقراءة القرآن لأن التزام الوضوء عند كل قراءة يخل في ~~حفظ | القرآن وتلقيه ، ولا بد من فتح هذا الباب والترغيب فيه والتخفيف على ~~| من أراد حفظه ، ووجب أن يؤكد الأمر في الحدث الأكبر ، فلا يجوز | نفس ~~القراءة أيضا - ولا أن يدخل المسجد جنب أو حائض - لأن | المسجد مهيأ للصلاة ~~والذكر ، وهو من شعائر الإسلام ونموذج الكعبة . # ولم يشترط الطهارة في مجالس النبي صلى الله عليه وسلم لأن كل شيء له ~~تعظيم يناسبه | وكان بشرا يعروه من الأحداث والجنابة ما يعرو البشر ، فكان ~~اشتراط | الطهارة في ذلك قلبا للموضوع . # قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة ولا | ~~كلب ولا جنب ' . # أقول المراد أن هذه تنفر منها الملائكة ، وأنها أضداد ما فيه الملائكة من ~~| الطهارة والتنفر من عبدة الأصنام . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن تصيبه الجنابة من الليل : ' توضأ ، | ~~واغسل ذكرك ، ثم نم ' أقول لما كانت الجنابة منافية لهيئات الملائكة كان | ~~المرضى في حق المؤمن ألا يسترسل في حوائجه من النوم والأكل مع الجنابة | ~~إذا تعذرت الطهارة الكبرى لا ينبغي أن يدع الطهارة الصغرى لأن أمرهما | ~~واحد غير أن الشارع وزعهما على الحدثين . # # | ( التيمم ) # لما كان من سنة الله في شرائعه أن يسهل عليهم كل ما لا يستطيعونه ، | ~~وكان أحق أنواع التيسير أن يسقط ما فيه حرج إلى بدل لتطمئن نفوسهم ، | ولا ~~تختلف الخواطر عليهم بإهمال ما التزموه غاية الالتزام مرة واحدة ، | ~~PageV01P380 | ولا يألفوا ترك الطهارات - أسقط الوضوء والغسل في المرض ~~والسفر | إلى التيمم ، ولما كان ذلك كذلك نزل القضاء في الملأ الأعلى ~~بإقامة التيمم | مقام الوضوء والغسل ، وحصل له وجود تشبيهي أنه طهارة من ~~الطهارات ، | وهذا القضاء أحد الأمور العظام التي تميزت بها الملة ms273 ~~المصطفوية من سائر | الملل ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' جعلت تربتها ~~لنا طهورا إذا | لم نجد الماء ' # أقول : إنما خص الأرض لأنها لا تكاد تفقد ، فهي أحق ما يرفع به | الحرج ، ~~ولأنها طهور في بعض الأشياء كالخف والسيف بدلا عن الغسل | بالماء ، ولأن ~~فيه تذللا بمنزلة تعفير الوجه في التراب ، وهو يناسب طلب | العفو ، وإنما ~~لم يفرق بين بدل الغسل والوضوء - ولم يشرع التمرغ - لأن | من حق ما لا يعقل ~~معناه بادئ الرأي أن يجعل كالمؤثر بالخاصية دون المقدار ، | فانه هو الذي ~~اطمأنت نفوسهم به في هذا الباب ، ولأن التمرغ فيه بعض | الحرج ، فلا يصلح ~~رافعا للحرج بالكلية . # وفي معنى المرض البرد الضار - لحديث عمرو بن العاص - والسفر | ليس بقيد ، ~~إنما هو صورة لعدم وجدان الماء يتبادر إلى الذهن ، وإنما لم | يؤمر بمسح ~~الرجل بالتراب - لأن الرجل محل الأوساخ - وإنما يؤمر | بما ليس حاصلا ليحصل ~~به التنبه . # أما صفة التيمم فهو أحد ما اختلف فيه طريق التلقي عن النبي | صلى الله ~~عليه وسلم ، فإن أكثر الفقهاء من التابعين وغيرهم قبل أن تمهد طريقة ~~المحدثين | على أن التيمم ضربتان ، وضربه للوجه ، وضربة لليدين إلى ~~المرفقين . # وأما الأحاديث فأصحها حديث عمار ' إنما كان يكفيك أن تضرب بيديك | الأرض ~~، ثم تنفخ فيهما ، ثم تمسح بهما وجهك وكفيك ' وروي من حديث | ابن عمر ' ~~التيمم ضربتان ، ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين ' وقد | روى عمل ~~النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة على الوجهين ، ووجه الجمع | PageV01P381 ~~| ظاهر يرشد إليه لفظ ' إنما يكفيك ' فالأول أدنى التيمم والثاني هو السنة ~~| وعلى ذلك يمكن أن يحمل اختلافهم في التيمم ، ولا يبعد أن يكون تأويل | ~~فعله صلى الله عليه وسلم أنه علم عمارا أن المشروع في التيمم إيصال ما لصق ~~| باليدين بسبب الضربة - دون التمرغ ، ولم يرد بيان قد رالمسموح من | أعضاء ~~التيمم ولا عدد الضربة ، ولا يبعد أن يكون قوله لعمار أيضا محمولا | على ~~هذا المعنى ، وإنما معناه الحصر بالنسبة إلى التمرغ ، وفي مثل هذه المسألة ~~| لا ينبغي ms274 أن يأخذ الإنسان إلا بما يخرج به من العهد يقينا ، وكان عمر ~~وابن | مسعود رضي الله عنهما لا يريان التيمم على الجنابة ، وحملا الآية ~~على اللمس | وأنه ينقض الوضوء ، لكن حديث عمران وعمار يشهد بخلاف ذلك ، ولم ~~| أجد في حديث صحيح تصريحا بأنه يجب أن يتيمم لكل فريضة ، أو لا يجوز | ~~التيمم للآبق ونحوه ، وإنما ذلك من التخريجات . # قوله صلى الله عليه وسلم في الرجل المشجوج : ' إنما كان يكفيه أن | يتيمم ~~ويعصب على جرحه خرقة ، ثم يمسح عليها ويغسل سائر جسده ' : | فيه أن التيمم ~~هو البدل عن العضو كتمام البدن لأنه كالشيء المؤثر بالخاصية ، | وفيه الأمر ~~بالمسح لما ذكرنا في المسح على الخفين . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم | يجد ~~الماء عشر سنين ' أقول المقصود منه سد باب التعمق ، فان مثله يتعمق | فيه ~~المتعمقون ويخالفون حكم الله في الترخيص . # # | ( آداب الخلاء ) # هي ترجع إلى معان : # تعظيم القبلة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا أتيتم الغائط | فلا ~~تستقبلوا القبلة ، ولا تستدبروها . | PageV01P382 | وفيه حكمه أخرى ، وهي ~~أنه لما كان توجه القلب إلى تعظيم الله | أمرا خفيا لم يكن بد من إقامة ~~مظنة ظاهرة مقامة ؛ وكان الشرائع المتقدمة | تجعل تلك المظنة الحلول ~~بالصوامع المبنية لله تعالى التي صارت من شعائر | الله ودينه ، وجعلت ~~شريعتنا المظنة استقبال القبلة والتكبير ، فلما جعل الله | تعالى استقبال ~~القبلة قائما مقام توجه القلب إلى تعظيم الله وجمع الخاطر في | ذكر الله ~~وكان سبب إقامته أن هذه الهيئة تذكر الله - استنبط النبي | صلى الله عليه ~~وسلم من هذا الحكم أنه يجب أن يجعل هيئة الاستقبال مختصة | بالتعظيم وذلك ~~بألا يستعمل في الهيأة المباينة للصلاة كل المباينة - ورؤي | استقباله ~~واستدباره - فجمع بتنزيل التحريم على الصحراء والاباحة على | البنيان ، ~~وجمع بحمل النهي على الكراهية وهو الأضهر . # ومنها تحقيق معنى التنظيف ، فورد النهي عن الاستنجاء بأقل من ثلاثة | ~~أحجار - أي ثلاث مسحات - لأنها لا تنقي غالبا واستحباب الجمع بين | الحجر ~~والماء . # ومنها الاحتراز عما يضر ms275 الناس كالتحلي في ظل الناس وطريقهم | ومتحدثهم ~~والماء الدائم والاستنجاء بالعظم لأنه طعام الجن ، وكذا سائر | ما ينتفع به ~~، وأفهم قوله صلى الله عليه وسلم : ' اتقوا اللاعنين ' أن | الحكمة ~~الاحتراز عن لعنهم وتأذيهم ، أو ما يضر بنفسه كالبول في الجحر ، | فإنه قد ~~يكون مأوى حية أو مثلها فيخرج ويؤذي . # ومنها اختيار محاسن العادات ، فلا يتمسح بيمينه ، ولا يأخذ ذكره | بيمينه ~~، ولا يستنجي برجيع ، ويوتر في الاستجمار . # ومنها رعاية الستر فينبغي أن يبعد لئلا يسمع منه صوت ، أو يشم | منه ريح ~~، أو يرى منه عورة ، ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض ، | PageV01P383 | ~~ويستر بمثل حائش نخل مما يواري أسافل بدنه ، فمن لم يجد إلا أن يجمع | ~~كثيبا من رمل ، فليستدبره فإن الشيطان يلعب بمقاعد بني آدم ، وذلك | لأن ~~الشيطان جبل على أفكار فاسدة وأعمال شنيعة . # ومنها الاحتراز من أن يصيب بدنه أو ثوبه نجاسة وهو قوله | صلى الله عليه ~~وسلم : ' إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله ' # ومنها إزالة الوسواس وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' فلا يبولن | أحدكم ~~في مستحمة فإن عامة الوسواس منه ' ، وقوله صلى الله عليه وسلم | ' لا تبل ~~قائما ' . # أقول : إنما أكره البول قائما لأنه يصيبه الرشاش ، ولأنه ينافي الوقار | ~~ومحاسن العبادات وهو مظنة انكشاف العورة . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن الحشوش محتضرة فإذا أتى أحدكم | الخلاء ، ~~فليقل أعوذ بالله من الخبث والخبائث وإذا خرج من الخلاء قال | غفرانك ' ~~أقول : يستحب أن يقول عند الدخول اللهم أني أعوذ بك من | الخبث والخبائث ~~لأن الحشوش محتضرة يحضرها الشياطين لأنهم يحبون | النجاسة وعند الخروج ~~غفرانك لأنه وقت ترك ذكر الله ومخالطة الشياطين . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول ' | ~~PageV01P384 | الحديث أقول فيه إن الاستبراء واجب وهو أن يمكث ، وينثر حتى ~~| يظن أنه لم يبق في قصبة الذكر شيء من البول ، وفيه أن مخالطة النجاسة | ~~والعمل الذي يؤدي إلى فساد ذات البين يوجب عذاب القبر ، أما شق | الجريدة ~~والغرز في كل قبر فسره الشفاعة ms276 المقيدة إذ لم تمكن المطلقة لكفرهما . # # | ( خصال الفطرة ومأ يتصل بها ) # قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' عشر من الفطرة : قص الشارب ، وإعفاء | ~~اللحية ، والسواك ، والاسنتشاق بالماء ، وقص الأظافر ، وغسل البراجم ، | ~~ونتف الأبط ، وحلق العانة ، وانتقاص الماء - يعني الاستنجاء قال الراوي : | ~~ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة ' . # أقول هذه الطهارة منقولة عن إبراهيم عليه السلام متداولة في | طوائف ~~الأمم الحنيفية أشربت في قلوبهم ، ودخلت في صميم اعتقادهم ، | عليها محياهم ~~، وعليها مماتهم عصرا بعد عصر ، ولذلك سميت بالفطرة وهذه | شعائر الملة ~~الحنيفية ، ولا بد لكل ملة من شعائر يعرفون بها ، ويؤاخذون | عليها ، ليكون ~~طاعتها وعصيانها أمرا محسوسا ، وإنما ينبغي أن يجعل من | الشعائر ما كثر ~~وجوده ، وتكرر وقوعه ، وكان ظاهرا ، وفيه فوائد جمة | تقبله أذهان الناس ~~أشد القبول . # والجملة في ذلك أن بعض الشعور النابتة من جسد الإنسان يفعل فعل | الأحداث ~~في قبض الخاطر ، وكذا شعث الرأس واللحية وليرجع الإنسان | في ذلك إلى ما ~~ذكره الأطباء في الشرى والحكة وغيرهما من الأمراض | الجلدية أنها تحزن ~~القلب وتذهب النشاط . | PageV01P385 # واللحية هي الفارقة الصغير والكبير وهي جمال الفحول وتمام هيأتهم | فلا ~~بد من إعفائها ، وقصها سنة المجوس ، وفيه تغيير خلق الله ، ولحوق أهل | ~~السؤدد والكبرياء بالرعاع ، ومن طالت شواربه تعلق الطعام والشراب | بها ، ~~واجتمع فيها الأوساخ وهو من سنه المجوس ، وهو قوله | صلى الله عليه وسلم : ~~' خالفوا المشركين قصوا الشوارب واعفوا اللحى ' . # وفي المضمضة والاستنشاق والسواك إزالة المخاط والبخر ، والغرلة | عضو ~~زائد يجتمع فيها الوسخ ويمنع الاستبراء من البول وينقض لذة الجماع ، | وفي ~~التوراة - إن الختان ميسم الله على إبراهيم وذريته - معناه أن الملوك | جرت ~~عادتهم بأن يسموا ما يخصهم من الدواب لتتميز من غيرها والعبيد | الذين لا ~~يريدون إعتاقهم ، فكذلك جعل الختان ميسما عليهم ، وسائر الشعائر | يمكن أن ~~يدخلها تغيير وتدليس ، والختان لا يتطرق إليه تغيير إلا بجهد ، | وانتقاص ~~الماء كناية عن الاستنجاء به . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' أربعة من سنن المرسلين الحياء - ويروى ~~الختان - والتعطر والسواك والنكاح ' أقول : أرى أن ms277 هذه كلها من الطهارة | ~~فالحياء ترك الوقاحة والبذاء والفواحش ، وهي تلوث النفس ، وتكدرها . | ~~والتعطر يهيج سرور النفس وانشراحها وينبه على الطهارة تنبيها قويا ، | ~~والنكاح يطهر الباطن من التوقان إلى النساء ودوران أحاديث تميل إلى قضاء | ~~هذه الشهوة . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك | عند ~~كل صلاة ' أقول : معناه لولا خوف الحرج لجعلت السواك شرطا | PageV01P386 | ~~للصلاة كالوضوء ، وقد ورد بهذا الأسلوب أحاديث كثيرة جدا وهي دلائل | واضحة ~~على أن لاجتهاد النبي صلى الله عليه وسلم مدخلا في الحدود الشرعية ، | ~~وأنها منوطة بالمقاصد ، وأن رفع الحرج من الأصول التي بنى عليها الشرائع . # قول الراوي في صفة تسوكه صلى الله عليه وسلم يقول : أع أع - كأنه | يتهوع ~~أقول : ينبغي للإنسان أن يبلغ بالسواك أقاصى الفم ، فيخرج | بلاغم الحلق ~~والصدر ، والاستقصاء في السواك يذهب بالقلاع ، ويصفى | الصوت ، ويطيب ~~النكهة . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة | أيام ~~يوما ، يغسل فيه جسده ورأسه ' أقول : هذا يدل على أن الاغتسال | في كل سبعة ~~أيام سنة مستقلة شرعت لدفع الأوساخ والأدران وتنبيه النفس | لصفة الطهارة ، ~~وإنما وقت لصلاة الجمعة لأن كل واحد فمنهما يكمل بالآخر ، | وفيه تعظم صلاة ~~الجمعة . # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يغتسل من أربع من الجنابة ويوم الجمعة | ~~ومن الحجامة ومن غسل الميت . # أقول : أما الحجامة فلأن الدم كثيرا ما ينتشر على الجسد ، ويتعسر غسل | ~~كل نقطة على حدتها ولأن المص بالملازم جاذب للدم من كل جانب ، | فلا يفيد ~~نقص الدم من العضو ، والغسل يزيل السيلان ، ويمنع انجذابه . # وأما غسل الميت فلأن الرشاش ينتشر في البدن ، وجلست عند محتضر ، | فرأيت ~~أن الملائكة الموكلة بقبض الأرواح لها نكاية عجيبة في أرواح الحاضرين | ~~ففهمت أنه لا بد من تغيير الحالة لتتنبه النفس لمخالفها . | PageV01P387 # أمر صلى الله عليه وسلم من أسلم بأن يغتسل بماء وسدر ؛ وقال لآخر : | ' ~~ألق عنك شعر الكفر ' . # أقول سره أن يتمثل عنده الخروج من شيء من أصرح ما يكون ms278 ، والله أعلم . # # | ( أحكام المياه ) # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا ~~يجري | ثم يغتسل فيه ' . # أقول : معناه النهي عن كل واحد من البول في الماء والغسل فيه مثل | حديث ~~: ' لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتهما يتحدثان | فإن الله ~~يمقت على ذلك ' ويبين ذلك رواية النهي عن البول في الماء فقط | ورواية أخرى ~~النهي عن الاغتسال فقط والحكمة أن كل واحد منهما | لا يخلو من أحد أمرين : ~~إما أن يغير الماء بالفعل ، أو يفضي إلى التغيير بأن | يراه الناس بفعل ، ~~فيتتابعوا ، وهو بمنزلة اللاعنين اللهم إلا أن يكون | الماء مستبحرا أو ~~جاريا والعفاف أفضل كل حال . # وأما الماء المستعمل فما كان أحد من طوائف الناس يستعمله في الطهارة ، | ~~وكان كالمهجور المطرود فأبقاه النبي صلى الله عليه وسلم على ما كان عندهم ، ~~| ولا شك أنه طاهر . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا بلغ الماء ملتين لم يحمل خبثا ' . # أقول معناه لم يحمل خبثا معنويا إنما يحكم به الشرع دون العرف | والعادة ~~، فإذا تغير أحد أوصافه بالنجاسة ، وفحشت النجاسة كما أو كيفا | ~~PageV01P388 | فليس مما ذكر ، وإنما جعل القلتين حدا فاصلا بين الكثير ~~والقليل لأمر | ضروري لا بد منه ، وليس تحكما ولا جزافا - وكذا سائر ~~المقادير الشرعية - | وذلك أن للماء محلين معدن واوان ، أما المعدن فالآبار ~~والعيون ، ويلحق بها | الأودية ، أما الأواني فالقرب والقلال والجفان ~~والمخاضب والأداوة ، | وكان المعدن يتضررون بتنجسه ، ويقاسون الحرج في نزحه ~~، وأما الأواني | فتملأ في كل يوم ولا حرج في إراقتها ، والمعادن ليس لها ~~غطاء ، ولا يمكن | سترها من روث الدواب وولغ السباع ، وأما الأواني فليس في ~~تغطيتها | وحفظها كثير حرج اللهم إلا من الطوافين والطوافات ، والمعدن كثير ~~غرير | لا يؤثر فيه كثير من النجاسات بخلاف الأواني ، فوجب أن يكون حكم | ~~المعدن غير حكم الأواني ، وأن يرخص في المعدن ما لا يرخص في الأواني ، | ~~ولا يصلح فارقا بين حد المعدن وحد الأواني إلا القلتان لأن ماء البئر | ~~والعين لا يكون أقل من ms279 القلتين ألبتة وكل ما دون القلتين من الأودية | لا ~~يسمى حوضا ولا جوبة ، وإنما يقال له حفيرة وإذا كان قدر قلتين في | مستو من ~~الأرض يكون غالبا سبعة أشبار ، وذلك أدنى الحوض ، وكان | أعلى الأواني ~~القلة ولا يعرف أعلى منها عندهم آنية ، وليست القلال سوداء : | فقلة عندهم ~~تكون قلة ونصفا ، وقلة وربعا ، وقلة وثلثا ، ولا تعرف قلة | تكون كقلتين ~~فهذا حد لا تبلغه الأواني ، ولا ينزل منه المعدن ، فضرب | حدا فاصلا بين ~~الكثير والقليل ، ومن يقل بالقلتين اضطر إلى مثلهما في | ضبط الماء الكثير ~~- كالمالكية - والرخصة في آبار الفلوات من نحو أبعار | الإبل فمن هنا ينبغي ~~أن يعرف الإنسان أمر الحدود الشرعية فإنها نازلة على | وجه ضروري لا يجدون ~~منه بدا ، ولا يجوز العقل غيرها . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' الماء طهور لا ينجسه شيء ' وقوله | صلى الله ~~عليه وسلم : ' الماء لا يجنب ' وقوله صلى الله عليه وسلم : ' المؤمن لا ~~ينجس ' | ومثله ما في الأخبار من أن البدن لا ينجس والأرض لا تنجس . | ~~PageV01P389 # أقول : معنى ذلك كله يرجع إلى نفي نجاسة خاصة تدل عليه القرائن | الحالية ~~والقالية فقوله : ' الماء لا ينجس ' معناه المعادن لا تنجس بملاقاة | ~~النجاسة إذا أخرجت ، ورميت ، ولم يتغير أحد أوصافه ، ولم تفحش ، | والبدن ~~يغسل ، فيطهر ، والأرض يصيبها المطر والشمس ، وتدلكها | الأرجل فتطهر ، وهل ~~يمكن أن يظن ببئر بضاعة أنها كانت تستقر فيها | النجاسات ؟ ! كيف وقد جرت ~~عادة بني آدم بالاجتناب عما هذا شأنه ، | فكيف يستقى بها رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ؟ بل كانت تقع فيها | النجاسات من غير أن يقصد إلقاؤها كما ~~تشاهد من آبار زماننا ، ثم تخرج | تلك النجاسات ، فلما جاء الإسلام سألوا ~~عن الطهارة الشرعية الزائدة على | ما عندهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم : ' الماء طهور لا ينجسه شيء ' | يعني لا ينجس نجاسة غير ما عندكم ، ~~وليس هذا تأويلا ولا صرفا عن الظاهر | بل هو كلام العرب فقوله تعالى : # @QB@ قل لا أجد فيما أوحي إلي محرما على طاعم @QE@ الآية . # معناه مما ms280 اختلفتم فيه ، وإذا سئل الطبيب عن شيء فقال لا يجوز استعماله | ~~عرف أن المراد نفي الجواز باعتبار صحة البدن ، وإذا سئل فقيه عن شيء | فقال ~~لا يجوز عرف أنه يريد نفي الجواز الشرعي ، قوله تعالى : # @QB@ حرمت عليكم أمهاتكم @QE@ . # وقوله تعالى : # @QB@ حرمت عليكم الميتة @QE@ . # فالأول في النكاح والثاني في الأكل قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا نكاح ~~| PageV01P390 | إلا بولي ' نفي للجواز الشرعي لا الوجود الخارجي وأمثال ~~هذا كثيرة وليس | من التأويل . # وأما الوضوء من الماء المقيد الذي لا ينطلق عليه اسم الماء بلا قيد فأمر ~~| تدفعه الملة بادئ الرأي ، نعم وإزالة الخبث به محتمل بل هو الراجح ، وقد ~~| أطال القوم من فروع موت الحيوان في البئر ، والعشر في العشر ، والماء | ~~الجاري وليس في كل ذلك حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ألبته ، وأما | ~~الآثار المنقولة عن الصحابة والتابعين كأثر ابن الزبير في الزنجي ، وعلي | ~~رضي الله عنه في الفأرة ، والنخعي . والشعبي في نحو السنور فليست مما يشهد ~~| له المحدثون بالصحة ولا مما اتفق عليه جمهور أهل القرون الأولى ، ، وعلى ~~| تقدير صحتها يمكن أن يكون ذلك تطبيبا للقلوب وتنظيفا للماء لا من جهة | ~~الوجوب الشرعي كما ذكر في كتب المالكية ، ودون نفي هذا الاحتمال | خرط ~~القتاد . # وبالجملة فليس في هذا الباب شيء يعتد به ، ويجب العمل عليه ، وحديث | ~~القلتين أثبت في ذلك كله بغير شبهة ، ومن المحال أن يكون الله تعالى شرع | ~~في هذه المسائل لعبادة شيئا زيادة على ما لا ينفكون عنه من الارتفاقات | ~~وهي مما يكثر وقوعه ، وتعم به البلوى ، ثم لا ينص عليه النبي صلى الله عليه ~~وسلم | نصا جليا ، ولا يستفيض في الصحابة ومن بعدهم ولا حديث واحد | فيه ، ~~والله أعلم . # # | ( تطهير النجاسات ) # النجاسة كل شيء يستقذره أهل الطبائع السليمة ، ويتحفظون عنه | ويغسلون ~~الثياب إذا أصابها كالعذرة والبول والدم . # وأما تطهير النجاسات فهو مأخوذ عنهم ومستنبط مما اشتهر فيهم والروث | ~~PageV01P391 | ركس لحديث ابن مسعود وبول ما يؤكل لحمه لا شبهة في كونه خبثا ~~| تستقذره الطبائع السليمة ، وإنما ms281 يرخص في شربه لضرورة الاستشفاء ، | ~~وإنما يحكم بطهارته أو بخفة نجاسته لدفع الحرج ، وألحق الشارع بها الخمر | ~~وهو قوله تعالى : # @QB@ رجس من عمل الشيطان @QE@ # لأنه حرمها وأكد تحريمها ، فاقتضت الحكمة أن يجعلها بمنزلة البول | ~~والعذرة ليتمثل قبحها عندهم ، ويكون ذلك أكبح لنفوسهم عنها . # قال النبي صلى الله عليه وسلم ' إذا شرب الكلب في إناء أحدكم | فليغسله ~~سبع مرات ' وفي رواية ' أولاهن بالتراب ' أقول ألحق النبي | صلى الله عليه ~~وسلم سؤر الكلب بالنجاسات ، وجعله من أشدها لأن | الكلب حيوان ملعون تنفر ~~منه الملائكة ، وينقص - اقتناؤه والمخالطة معه | بلا عذر - من الأجر كل يوم ~~قيراطا ، والسر في ذلك أنه يشبه الشيطان | بجبلته لأن ديدته لعب وغضب ~~واطراح في النجاسات وإيذاء للناس ، ويقبل | الإلهام من الشياطين ، فرأى ~~منهم صدودا وتهاونا ، ولم يكن سبيل | إلى النهي عنه بالكلية لضرورة الزرع ~~والماشية والحراسة والصيد ، فعالج | ذلك باشتراط أتم الطهارات وأوكدها وما ~~فيها بعض الحرج ليكون بمنزلة | الكفارة في الردع والمنع ، واستشعر بعض حملة ~~الملة بأن ذلك | ليس بتشريع بل نوع تأكيد ، واختار بعضهم رعاية ظاهر الحديث ~~| والاحتياط أفضل . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' هريقوا على بوله سجلا من ماء ' | ~~PageV01P392 | أقول البول على الأرض يطهره مكاثرة الماء عليه ، وهو مأخوذ ~~مما تقرر | عند الناس قاطبة أن المطر الكثير يطهر الأرض ، وأن المكاثرة ~~تذهب | بالرائحة المنتنة وتجعل البول متلاشيا كأن لم يكن . | قوله صلى الله ~~عليه وسلم : ' إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من | الحيضة ، فلتقرصه ، ثم لتنضحه ~~بماء ثم لتصلى فيه ' أقول : تحصل | الطهارة بزوال عين النجاسة وأثرها وسائر ~~الخصوصيات بيان لصورة | صالحة لزوالهما وتنبيه على ذلك لا شرط . # وأما المنى فالأظهر أنه نجس لوجود ما ذكرنا في حد النجاسة ، وأن | الفرك ~~يطهر يابسة إذا كان له حجم . | قوله صلى الله عليه وسلم : ' يغسل من بول ~~الجارية ويرش من | بول الغلام ' أقول : هذا أمر كان قد تقرر في الجاهلية ، ~~وأبقاه النبي | صلى الله عليه وسلم ، والحامل على هذا الفرق أمور : # منها أن بول الغلام ينتشر فيعسر إزالته ms282 ، فيناسبه التخفيف ، وبول | ~~الجارية يجتمع ، فيسهل إزالته : # ومنها أن بول الأنثى أغلظ وأنتن من بول الذكر . # ومنها أن الذكر ترغب فيه النفوس والأنثى تعافها ، وقد أخذ بالحديث | أهل ~~المدينة وإبراهيم النخعي ، وأضجع فيه القول محمد فلا تغتر بالمشهور | بين ~~الناس . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا أدبغ الأهاب ، فقد طهر ' أقول : | ~~PageV01P393 | استعمال جلود الحيوانات المدبوغة أمر شائع مسلم عند طوائف ~~الناس ، | والسر فيه أن الدباغ يزيل النتن والرائحة الكريهة . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا وطئ أحدكم بنعله الأذى فإن التراب له | ~~طهور ' أقول النعل والخف يطهر من النجاسة التي لها جرم بالدلك لأنه | جسم ~~صلب لا يتخلل فيه النجاسة والظاهر أنه عام في الرطبة واليابسة . # قوله صلى الله عليه وسلم في الهرة ' إنها من الطوافين والطوافات ' . # أقول : معناه على قول أن الهرة وأن كانت تلغ في النجاسات ، وتقتل | ~~الفأرة فهنالك ضرورة في الحكم بتطهير سؤرها ، ودفع الحرج أصل من | أصول ~~الشرع ، وعلى قول آخر حث على الإحسان على كل ذات كبد رطبة | وشبهها ~~بالسائلين والسائلات ، والله أعلم . # # | ( من أبواب الصلاة ) # اعلم أن الصلاة أعظم العبادات شأنا وأوضحها برهانا وأشهرها في الناس | ~~وأنفعها في النفس ، ولذلك اعتنى الشارع ببيان فضلها وتعيين أوقاتها وشروطها ~~| وأركانها وآدابها ورخصها ونوافلها اعتناء عظيم لم يفعل في سائر أنواع | ~~الطاعات ، وجعلها من أعظم شعائر الدين ، وكانت مسلمة في اليهود والنصارى | ~~والمجوس وبقايا الملة الإسماعيلية ، فوجب ألا يذهب في توقيتها وسائر ما ~~يتعلق | بها إلا إلى ما كان عندهم من الأمور التي اتفقوا عليها ، واتفق ~~عليها جمهورهم | وأما ما كان من تحريفهم ، ككراهية اليهود الصلاة في الخفاف ~~والنعال | ونحو ذلك ، فمن حقه أن يسجل على تركه ، وأن يجعل سنة المسلمين ~~غير سنة هؤلاء ، وكذلك كان المجوس حرفوا دينهم ، وعبدوا الشمس ، ؛ فوجب أن ~~| تميز ملة الإسلام من ملتهم غاية التمييز ، فنهي المسلمون عن الصلاة في ~~أوقات | صلواتهم أيضا . # ولاتساع أحكام الصلاة وكثرة أصولها التي تبنى عليها لم تذكر الأصول | ~~PageV01P394 | في فاتحة كتاب الصلاة كما ذكرنا في سائر ms283 الكتب ، بل ذكرنا ~~أصل كل فصل | في ذلك الفصل . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين | ~~واضربوهم عليها وهم أبناء عشر سنين ، وفرقوا بينهم في المضاجع ' أقول : | ~~بلوغ الصبي على وجهين : بلوغ في صلاحية السقم والصحة النفسانيتين ، ويتحقق ~~| بالعقل فقط ، وأمارة ظهور العقل سبع ، فابن السبع ينتقل فيها لا محالة من ~~| حالة إلى حالة انتقالا ظاهرا ، وأمارة تمامه العشر فابن العشر عند سلامة ~~| المزاج يكون عاقلا يعرف نفعه من ضرره ويحذق في التجارة وما يشبهها . | ~~وبلوغ في صلاحية الجهاد والحدود والمؤاخذة عليه ، وأن يصير به من | الرجال ~~الذين يعانون المكايد ، ويعتبر حالهم في السياسات المدنية | والملية ، ~~ويجبرون قسرا على الصراط المستقيم ، ويعتمد على تمام العقل وتمام | الجثة ~~وذلك بخمس عشر سنة في الأكثر ، ومن علامات هذا البلوغ | الاحتلام وإنبات ~~العانة . # والصلاة لها اعتباران : فباعتبار كونها وسيلة فيما بينه وبين مولاه منقذه ~~| عن التردي في أسفل السافلين أمر بها عند البلوغ الأول . # وباعتبار كونه من شعائر الإسلام يؤاخذون بها ، ويجبرون عليها أشاؤا | أم ~~أبوا حكمها حكم سائر الأمور . # ولما كان سن العشر برزخا بين الحدين جامعا بين الجهتين جعل له | نصيبا ~~منهما . وإنما أمر بتفريق المضاجع لأن الأيام أيام مراهقة فلا يبعد | أن ~~تفضي المضاجعة إلى شهوة المجامعة ، فلا بد من سد سبيل الفساد | قبل وقوعه . ~~| PageV01P395 # # | ( فضل الصلاة ) # قوله تعالى : # ^ ( إن الحسنات يذهبن السيئات ) ^ # وقوله صلى الله عليه وسلم لمن صلى في الجماعة بعد الذنب : ' فإن الله | ~~قد غفر لك ذنبك ' وقوله صلى الله عليه وسلم : ' لو أن نهرا بباب أحدكم | ~~يغتسل فيه كل يوم خمسا هل يبقى من درنه شيء ؟ قالوا : لا ، قال : فذلك | ~~مثل الصلوات الخمس يمحوا الله بها الخطايا ' . وقوله صلى الله عليه وسلم : ~~| ' الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن | ~~إذا اجتنب الكبائر ' . # أقول : الصلاة جامعة للتنظيف والاخبات ، مقدسة للنفس إلى عالم | الملكوت ~~، ومن خاصية النفس إنها إذا اتصفت بصفة رفضت ضدها ، | وتباعدت عنه ، وصار ~~ذلك منها كأن ms284 لم يكن شيئا مذكورا ، فمن أدى | الصلوات على وجهها ، وأحسن ~~وضوءهن ، وصلاهن لوقتهن ، وأتم ركوعهن | وخشوعهن وأذكارهن وهيآتهن ، وقصد ~~بالأشباح أرواحها ، وبالصور | معانيها ، لا بد أنه يخوض في لجة عظيمة من ~~الرحمة ، ويمحو الله عنه الخطايا . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ' . | أقول ~~. الصلاة من أعظم شعائر الإسلام وعلامته التي إذا فقدت ينبغي أن | يحكم ~~بفقده لقوة الملابسة بينها وبينه ، وأيضا الصلاة هي المحققة لمعنى إسلام | ~~الوجه لله ، ومن لم يكن له حظ منها فإنه لم يبؤ من الإسلام إلا بما | لا ~~يعبأ به . | PageV01P396 # # | ( أوقات الصلاة ) # لما كانت فائدة الصلاة وهي الخوض في لجة الشهود ، والانسلاك في | سلك ~~الملائكة لا تحصل إلا بمداومة عليها وملازمة بها وإكثار منها حتى | تطرح ~~عنهم أثقالهم ، ولا يمكن أن يؤمروا بما يفضي إلى ترك الارتفاقات | الضرورية ~~والانسلاخ عن أحكام الطبيعة بالليلة - أوجبت الحكمة | الإلهية أن يؤمروا ~~بالمحافظة عليها والتعهد لها بعد كل برهة من الزمان ، | ليكون انتظارهم ~~للصلاة وتهيؤهم لها قبل أن يفعلوها وبقية لونها وصبابه | نورها بعد أن ~~يفعلوها في حكم الصلاة ، وتكون أوقات الغفلة مضمونة | بطمح بصر إلى ذكر ~~الله وتعلق خاطر بطاعة الله ، فيكون حال المسلم كحال | حصان مربوط بآخية ~~يستن شرفا أو شرفين ثم يرجع إلى أخيته | ويكون ظلمة الخطايا والغفلة لا ~~تدخل في جذر القلب ، وهذا هو الدوام | المتيسر عندما امتنع الدوام الحقيقي ~~. ثم لما آل الأمر إلى تعيين أوقات الصلاة | لم يكن وقت أحق بها من الساعات ~~الأربع التي تنتشر فيها الروحانية ، وتنزل | فيها الملائكة ، ويعرض فيها ~~على الله أعمالهم ، ويستجاب دعاؤهم ، وهي كالأمر | المسلم عند جمهور أهل ~~التلقي من الملأ الأعلى ، لكن وقت نصف الليل | لا يمكن تكليف الجمهور به - ~~كما لا يخفى - فكانت أوقات الصلاة في | الأصل ثلاثة : الفجر والعشى وغسق ~~الليل ، وهو قوله تبارك وتعالى : # @QB@ أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل وقرآن الفجر إن قرآن الفجر ~~كان مشهودا @QE@ | PageV01P397 # وإنما قال : ( إلى غسق الليل ) لأن صلاة العشى ممتدة إليه حكما ms285 - | لعدم ~~وجود الفصل - ولذلك جاز عند الضرورة الجمع بين الظهر والعصر | وبين المغرب ~~والعشاء - فهذا أصل . # ولا يجوز أن يكون الفصل بين كل صلاتين كثيرا جدا ، فيفوت معنى | المحافظة ~~، وينسى ما كسبه أول مرة - ولا قليلا جدا - فلا يتفرغون | لابتغاء معاشهم ، ~~ولا يجوز أن يضرب في ذلك إلا حدا ظاهرا محسوسا | يتبينه الخاصة والعامة ، ~~وهو كثرة ما للجزء المستعمل عند العرب والعجم - | في باب تقدير الأوقات ، ~~وليست بالكثرة المفرطة - ولا يصلح لهذا | إلا ربع النهار فإنه ثلاث ساعات ، ~~وتجزئه الليل والنهار إلى اثنتي عشرة | ساعة أمرأ جمع عليه أهل الأقاليم ~~الصالحة ، وكان أهل الزراعة والتجارة | والصناعة وغيرهم يعتادون غالبا أن ~~يتفرغوا لأشغالهم من البكرة إلى | الهاجرة ، فإنه وقت ابتغاء الرزق وهو ~~قوله تعالى : # @QB@ وجعلنا النهار معاشا @QE@ # وقوله تعالى : # @QB@ لتبتغوا من فضله @QE@ # واتصاف كثير من الأشغال ينجر إلى مدة طويلة ، ويكون التهيؤ للصلاة | ~~والتفرغ لها من الناس أجمعهم في أثناء ذلك حرجا عظيما ، فلذلك أسقط | ~~الشارع الضحى ، ورغب فيها ترغيبا عظيما من غير إيجاب ، فوجب أن | تشتق صلاة ~~العشى إلى صلاتين بينهما نحو ربع النهار وهما الظهر والعصر ، | وغسق الليل ~~إلى صلاتين بينهما نحو من ذلك وهما المغرب والعشاء ، ووجب | ألا يرخص في ~~الجمع بين كل من شقي الوقتين إلا عند ضرورة لا يجد منها بدا ، | وإلا لبطلت ~~المصلحة المعتبرة في تعيين الأوقات - وهذا أصل آخر | PageV01P398 # وكان جمهور أهل الأقاليم الصالحة والأمزجة المعتدلة الذين هم المقصودون ~~بالذات في الشرائع لا يزالون متيقظين مترددين في حوائجهم من وقت | الأسفار ~~إلى غسق الليل ، وكان أحق ما يؤدى فيه الصلاة وقت خلو النفس | عن ألوان ~~الأشغال المعاشية المنسية ذكر الله ، ليصادف قلبا فارغا ، فتمكن منه ويكون ~~أشد تأثيرا فيه ، وهو قوله تعالى : # @QB@ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا @QE@ # ووقت الشروع في النوم ليكون كفارة لما مضى وتصقيلا للصدأ ، | وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم : ' من صلى العشاء في جماعة كان كقيام | نصف الليل ~~الأول ، ومن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليله ms286 ' | ووقت اشتغالهم ~~كالضحى ليكون مهونا للانهماك في الدنيا وترياقا له ، غير | أن هذا لا يجوز ~~أن يخاطب به الناس جميعا لأنهم حينئذ بين أمرين : إما أن | يتركوا هذا أو ~~ذاك - وهذا أصل آخر . # وأيضا لا أحق في باب تعيين الأوقات من أن يذهب إلى المأثور من | سنن ~~الأنبياء المقربين من قبل ، فإنه كالمنبه للنفس على أداء الطاعة تنبيها ~~عظيما | والمهيج لها على منافسة القوم ، والباعث على أن يكون للصالحين فيهم ~~ذكر | جميل ، وهو قول جبريل عليه السلام : ' هذا وقت الأنبياء من قبلك ' . # لا يقال ورد في حديث معاذ في العشاء ' ولم يصلها أحد قبلكم ' لأن | ~~الحديث رواه جماعة ، فقال بعضهم : أن الناس صلوا ورقدوا ، وقال بعضهم | ولا ~~يصليها أحد إلا بالمدينة ونحو ذلك ، فالظاهر أنه من قبل الرواية بالمعنى | ~~وهذا أصل آخر . # وبالجملة ففي تعيين الأوقات سر عميق من وجوه كثيرة ، فتمثل جبريل | عليه ~~السلام وصلى بالنبي صلى الله عليه وسلم وعلمه الأوقات ، ولما ذكرنا طهر | ~~وجه مشروعية الجمع بين الصلاتين في الجملة ، وسبب وجود التهجد والضحى | على ~~النبي صلى الله عليه وسلم والأنبياء على ما ذكروا وكونها نافلة للناس | ~~وسبب تأكيد أداء الصلوات على أوقاتها ، والله أعلم . | PageV01P399 # ولما كان في التكليف بأن يصلي جميع الناس في ساعة واحدة بعينها | لا ~~يتقدمون ، ولا يتأخرون غاية الحرج - وسع في الأوقات توسعه ما . # ولما كان لا يصلح للتشريع إلا المظنات الظاهرة عند العرب غير الخفيفة | ~~على الأداني والأقاصي - جعل لأوائل الأوقات وأواخرها حدودا | مضبوطة محسوسة ~~. # ولتزاحم هذه الأسباب حصل للصلوات أربعة أوقات : وقت الاختيار | وهو الوقت ~~الذي يجوز أن يصلي فيه من غير كراهيه ، والعمدة فيه حديثان | حديث جبريل ~~فإنه صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم يومين ، وحديث بريدة | ففيه أنه صلى ~~الله عليه وسلم أجاب السائل عنها بأن صلى يومين ، والمفسر | منهما قاض على ~~المبهم ، وما اختلف يتبع في حديث بريدة لأنه مدني متأخر ، | والأول مكي ~~متقدم ، وإنما يتبع الآخر فالآخر وذلك أن آخر وقت المغرب | هو ما قبل أن ~~يغيب ms287 الشفق ، ولا يبعد أن يكون جبر يل أخر المغرب في | اليوم الثاني قليلا ~~جدا لقصر وقته فقال الراوي : صلى المغرب في يومين | في وقت واحد إما لخطأ ~~في اجتهاده أو بيانا لغاية القلة والله أعلم . # وكثير من الأحاديث يدل على أن آخر وقت العصر أن تتغير الشمس ، | وهو الذي ~~أطبق عليه الفقهاء ، فلعل المثلين بيان لآخر الوقت المختار ، والذي | يستحب ~~فيه ، أو نقول : لعل الشرع نظر أولا إلى أن المقصود من اشتقاق | العصر أن ~~يكون الفصل بين كل صلاتين نحوا من ربع النهار ، فجعل الأمد | الآخر بلوغ ~~الظل إلى المثلين ، ثم ظهر من حوائجهم وأشغالهم ما يوجب | الحكم بزيادة ~~الأمد ، وأيضا معرفة ذلك الحد تحتاج إلى ضرب من التأمل | وحفظ للفيء الأصلي ~~ورصد ، وإنما ينبغي أن يخاطب الناس في مثل ذلك | بما هو محسوس ظاهر ، فنفث ~~الله في روعه صلى الله عليه وسلم أن يجعل | الأمد تغير قرص الشمس أو ضوئها ~~، والله أعلم . | PageV01P400 # ووقت الاستحباب الذي يستحب أن يصلي فيه وهو أوائل الأوقات | إلا العشاء ~~فالمستحب الأصلي تأخيرها لما ذكرنا من الوضع الطبيعي ، وهو | قوله صلى الله ~~عليه وسلم : ' لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا | العشاء ' ولأنه ~~أنفع في تصفية الباطن من الأشغال المنسية ذكر الله وأقطع | لمادة السمر بعد ~~العشاء لكن التأخير ربما يفضي إلى تقليل الجماعة وتنفير | القوم . وفيه قلب ~~الموضوع . # فلهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كثر الناس عجل ، وإذا قلوا | أخر ~~- والأظهر الصيف - وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا اشتد | الحر ~~فأبردوا بالظهر فان شدة الحر من فيح جهنم ' أقول : معناه معدن | الجنة ~~والنار هو معدن ما يفاض في هذا العالم من الكيفيات المناسبة | والمنافرة ~~وهو تأويل ما ورد في الأخبار في الهندبا وغيره . # قوله صلى الله عليه وسلم ' أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر ' أقول : | هذا ~~الخطاب لقوم خشوا تقليل الجماعة جدا أن ينتظروا إلى الأسفار أو لأهل | ~~المساجد الكبيرة التي تجمع الضعفاء والصبيان وغيرهم كقوله صلى الله عليه ~~وسلم : ' أيكم ms288 | صلى بالناس فليخفف فإنه فيهم الضعيف ' الحديث أو معناه ~~طولوا | الصلاة حتى يقع آخرها في وقت الأسفار لحديث أبي برزة كان ينفتل في ~~صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ، ويقرأ بالستين إلى المائة فلا منافاة | ~~بينه وبين حديث الغلس . # ووقت الضرورة وهو ما لا يجوز التأخير إليه إلا بعذر . وهو قوله | ~~PageV01P401 | صلى الله عليه وسلم : ' من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع ~~الشمس | فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس | فقد ~~أدرك العصر ' وقوله صلى الله عليه وسلم . ' تلك صلاة المنافق يرقب | الشمس ~~حتى إذا اصغرت ' الحديث وهو حديث ابن عباس في الجمع | بين الظهر والعصر ~~وبين المغرب والعشاء والعذر مثل السفر والمرض والمطر | وفي العشاء إلى طلوع ~~الفجر ، والله أعلم # ووقت القضاء إذا ذكر ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' من نسي | صلاة أو ~~نام عنها فليصلها إذا ذكرها ' . # أقول : والجملة في ذلك ألا تسترسل النفس بتركها ، وأن يدرك ما فاته | من ~~فائدة تلك الصلاة ، وألحق القوم التفويت بالفوت نظرا إلى أنه أحق | ~~بالكفارة . # ووصى صلى الله عليه وسلم أبا ذر إذا كان عليه أمراء يميتون الصلاة | ' صل ~~الصلاة لوقتها ، فإن أدركتها معهم فصلها فإنها لك نافلة ' . # أقول : راعي في الصلاة اعتبارين اعتبار كونها وسيلة بينه وبين الله ، | ~~وكونها من شعائر الله يلام على تركها . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخروا المغرب | ~~إلى أن تشتبك النجوم أقول : هذا إشارة إلى أن التهاون في الحدود الشرعية | ~~سبب تحريف الملة . # قال الله تعالى : @QB@ حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى @QE@ | والمراد ~~بها العصر . | PageV01P402 # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من صلى البردين دخل الجنة ' . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من ترك صلاة العصر حبط عمله ' . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' الذي تفوته صلاة العصر فكأنما | وتر أهله ~~وماله ' قوله صلى الله عليه وسلم : ' ليس صلاة أثقل على المنافقين | من ~~الفجر والعشاء ، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ' أقول : | إنما خص ~~هذه ms289 الصلوات الثلاث بزيادة الاهتمام ترغيبا وترهيبا لأنها مظنة | التهاون ~~والتكاسل لأن الفجر والعشاء وقت النوم لا ينتهض لله من بين فراشه | ووطائه ~~عند لذيذ نومه ووسنه إلا مؤمن تقي ، وأما وقت العصر فكان | وقت قيام ~~أسواقهم واشغالهم بالبيوع وأهل الزراعة أتعب حالهم هذه # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب ' ~~وفي | حديث آخر : ' على اسم صلاة العشاء ' أقول : يكره تسمية ما ورد في ~~الكتاب | والسنة مسمى شيء اسما آخر بحيث يكون ذريعة لهجر الاسم الأول لأن | ~~ذلك دليل يلبس على الناس دينهم ويعجم عليهم كتابهم # # | ( الأذان ) # لما علمت الصحابة أن الجماعة مطلوبة مؤكدة ، ولا يتيسر الاجتماع | في ~~زمان واحد ومكان واحد بدون إعلام وتنبيه ، تكلموا فيما يحصل به | الأعلام ، ~~فذكروا النار فردها صلى الله عليه وسلم لمشابهة المجوس ، | - وذكروا القرن ~~- ، فرده لمشابهة اليهود - وذكروا الناقوس ، | - فرده لمشابهة النصارى ، ~~فرجعوا من غير تعيين ، فأرى عبد الله بن زيد | - الأذان والإقامة في منامه ~~، فذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال : | PageV01P403 | ' رؤيا حق ' . ~~. ، وهذه القصة دليل واضح على أن الأحكام إنما شرعت | لأجل المصالح ، وأن ~~للاجتهاد فيها مدخلا ، وأن التيسير أصل أصيل ، | وأن مخالفة أقوام تمادوا ~~في ضلالتهم فيما يكون من شعائر الدين مطلوب ، | وأن غير النبي صلى الله ~~عليه وسلم قد يطلع بالمنام أو النفث في الروع على مراد الحق ، | لكن لا ~~يكلف الناس به ولا تنقطع الشبهة حتى يقرره النبي صلى الله عليه وسلم | ، ~~واقتضت الحكمة الإلهية إلا يكون الأذان صرف إعلام وتنبيه ، | بل يضم مع ذلك ~~من شعائر الدين بحيث يكون النداء به على رءوس | الخامل والنبيه تنويها ~~بالدين ، ويكون قبوله من القوم آية انقيادهم لدين الله ، | فوجب أن يكون ~~مركبا من ذكر الله ومن الشهادتين والدعوة إلى الصلاة | ليكون مصرحا بما ~~أريد به . # وللأذان طرق : أصحها طريقه بلال رضي الله عنه ، فكان الأذان على | عهد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم مرتين مرتين والإقامة مرة مرة | غير أنه كان ~~يقول : قد قامت الصلاة ms290 قد قامت الصلاة . # ثم طريقة أبي مجذوره علمه النبي صلى الله عليه وسلم الأذان تسع عشره | ~~كلمة والإقامة سبع عشر كلمة ، وعندي أنها كأحرف القرآن ، كلها | شاف كاف . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' فإن كان صلاة الصبح قلت : الصلاة خير | من ~~النوم الصلاة خير من النوم . أقول لما كان الوقت وقت نوم وغفلة ، | وكانت ~~الحاجة إلى التنبيه القوي شديدة استحب زيادة هذا اللفظة . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من أذن فهو يقيم ' أقول : سره أنه لما | شرع ~~في الأذان وجب على إخوانه ألا يزاحموه فيما أراد من المنافع المباحة | ~~PageV01P404 | بمنزلة قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يخطب الرجل على خطبة ~~أخيه ' . # وفضائل الأذان ترجع إلى أنه من شعائر الإسلام ، وبه تصير الدار | دار ~~الإسلام ، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم إن سمع الأذن أمسك ، | وإلا ~~أغار ، وأنه شعبة من شعب النبوة لأنه حث على أعظم الأركان وأم | القربات ، ~~ولا يرضى الله ولا يغضب الشيطان مثل ما يكون في الخير المتعدى ، | وإعلاء ~~كلمة الحق ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' فقيه واحد أشد على | الشيطان ~~من ألف عابد ' وقوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا نودى للصلاة | أدبر ~~الشيطان له ضراط ' . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' المؤذنون أطول الناس أعناقا ' وقوله | صلى ~~الله عليه وسلم : ' المؤذن يغفر له مدى صوته ، ويشهد له الجن والإنس ' | ~~أقول . أمر المجازاة مبني على مناسبة المعاني بالصور وعلاقة الأرواح ~~وبالأشباح ، | فوجب أن يظهر نباهة شأن المؤذن من جهة عنقه وصوته ، وتتسع ~~رحمة الله | عليه أتساع دعوته إلى الحق . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من أذن سبع سنين محتسبا كتبت له براءة | من ~~النار وذلك لأنه مبين صحة تصديقه لا تتصور المواظبة عليه لله إلا ممن | ~~أسلم وجهه لله ، ولأنه أمكن من نفسه غاشية عظيمة من الرحمة الإلهية . # قول الله في راعى غنم في رأس شظية ' انظروا إلى عبدي هذا | يؤذن ، ويقيم ~~الصلاة يخاف مني ، قد غفرت له وأدخلته الجنة ' قوله : | ' يخاف مني ' دليل ~~على أن الأعمال ms291 تعتبر بدواعيها المنبعثة هي منها ، وأن | الأعمال أشباح ، ~~وتلك الدواعي أرواح لها ، فكان خوفه من الله وإخلاصه | له سبب مغفرته . # ولما كان الأذان من شعائر الدين جعل ليعرف به قبول القوم للهداية | ~~PageV01P405 | الإلهية أمر بالإجابة لتكون مصرحة بما أريد منهم ، فيجيب ~~الذكر والشهادتين | بهما ، ويجيب الدعوة بما فيه توحيد في الحول والقوة ~~دفعا لما عسى أن يتوهم | عند إقدامه على الطاعة من العجب من فعل ذلك خالصا ~~من قلبه دخل الجنة | لأنه شبح الانقياد وإسلام الوجه لله ، وأمر بالدعاء ~~للنبي صلى الله عليه وسلم | تكميلا لمعنى قبول دينه واختيار حبه . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة ' أقول : ~~ذلك لشمول | الرحمة الإلهية ووجود الإنقياد من الداعي . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' وإن بلالا ينادي بليل ، فكلوا واشربوا حتى ~~ينادي | ابن أم مكتوم ' أقول : يستحب للإمام إذا رأى الحاجة أن يتخذ مؤذنين ~~| يعرفون أصواتهما ، ويبين للناس أن فلانا ينادي بليل ، فكلوا واشربوا | ~~حتى ينادي فلان ، ليكون الأول منهما للقائم والمتسحر أن يرجعا ، | وللنائم ~~أن يقوم إلى صلاته ، ويتدارك ما فاته من سحوره . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعون ، | ~~وأتوها تمشون ' أقول : هذا إشارة إلى رد التعمق في التنسك . # # | ( المساجد ) # فضل بناء المسجد وملازمته وانتظار الصلاة فيه ترجع إلى أنه من شعائر | ~~الإسلام ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا رأيتم مسجدا ، أو سمعتم | ~~مؤذنا ، فلا تقتلوا أحدا ' ، وأنه محل الصلاة معتكف العابدين ومطرح | ~~الرحمة ويشبه الكعبة من وجه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' من | خرج من ~~بيته متطهرا إلى صلاة مكتوبة فأجره كأجر الحاج المحرم ، ومن | خرج إلى ~~تسبيح الضحى لا ينصبه إلا إياه فأجره كأجر المعتمر ' وقوله | PageV01P406 | ~~صلى الله عليه وسلم : ' إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قيل : وما رياض | ~~الجنة ؟ قال : المساجد ' . # وإن التوجه إليه في أوقات الصلاة من بين شغله وأهله لا يقصد | إلا الصلاة ~~- معرف لإخلاصه في دينه وانقياده لربه من جذر قلبه ، وهو | قوله صلى الله ~~عليه ms292 وسلم ؛ ' إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثم خرج إلى | المسجد لا يخرجه إلا ~~الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة ، وحط | عنه بها خطيئة ، فإذا صلى ~~لم تزل الملائكة تصلى عليه ما دام في مصلاه ، | اللهم صل عليه اللهم أرحمه ~~، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة ' | وإن بناءه إعانة لا علاء ~~كلمة الحق . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له | ~~نزلة من الجنة كلما غدا أو راح ' أقول : هذا إشارة إلى غدوة وروحة | تمكن ~~من انقياد البهيمية للملكية . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من بنى لله مسجدا بنى الله له بيتا في الجنة ~~' | أقول سره أن المجازاة تكون بصوره العمل ، وإنما انقضى ثواب الانتظار | ~~بالحدث ؛ لأنه لا يبقى متهيئا للصلاة وإنما فضل مسجد النبي صلى الله عليه ~~وسلم | والمسجد الحرام بمضاعفة الأجر لمعان : # منها أن هنالك ملائكة موكلة بتلك المواضع يحفون بأهلها ، ويدعون لمن حلها # ومنها أن عمارة تلك المواضع في تعظيم شعائر الله وإعلاء كلمة الله . # ومنها أن الحلول بها مذكر لحال أثمة الملة . | PageV01P407 # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد | المسجد ~~الحرام والمسجد الأقصى ، ومسجدي هذا ' أقول : كان أهل | الجاهلية يقصدون ~~مواضع معظمة بزعمهم يزورونها ، ويتبركون بها ، وفيه | من التحريف والفساد ~~ما لا يخفى ، فسد النبي صلى الله عليه وسلم الفساد لئلا | يلتحق غير ~~الشعائر بالشعائر ، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله ، والحق | عندي أن ~~القبر ومحل عبادة ولي من أولياء الله والطور كل ذلك سواء | في النهي والله ~~أعلم # وآداب المسجد ترجع إلى معان . # منها تعظيم المسجد ومؤاخذة نفسه أن يجمع الخاطر ولا يسترسل عند | دخوله ، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا دخل أحدكم المسجد فليركع | ركعتين قبل ~~أن يجلس ' . # ومنها تنظيفه مما يتقذر ويتنفر منه - وهو قول الراوي - أمر يعنى | النبي ~~صلى الله عليه وسلم ببناء المسجد ، وأن ينظف ويطيب ، وقوله | صلى الله عليه ~~وسلم : ' عرضت علي أجور أمتي حتى ms293 القذاة يخرجها الرجل | من المسجد ' ، ~~وقوله صلى الله عليه وسلم : ' البزاق في المسجد خطيئة | وكفارتها دفنها ' . # ومنها الاحتراز عن تشويش العباد وهيشات الأسواق وهو قوله | صلى الله عليه ~~وسلم : ' أمسك بنصالها ' . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من سمع رجلا ينشد ضالة في المسجد | فليقل لا ~~ردها الله إليك فان المساجد لم تبن لهذا ' قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا ~~رأيتم من | PageV01P408 | يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا لا أربح الله ~~تجارتك ' ونهى عن تناشد | الأشعار في المسجد ، وأن يستقاد في المسجد ، وأن ~~تقام فيه الحدود . # أقول أما نشد الضالة أي رفع الصوت بطلبها فلأنه صخب ولغط | يشوش على ~~المصلين والمعتكفين ، ويستحب أن ينكر عليه بالدعاء بخلاف | ما يطلبه إرغاما ~~له ، وعلله النبي صلى الله عليه وسلم بأن المساجد لم تبن لهذا | أي إنما ~~بنيت للذكر والصلاة ، وأما الشراء والبيع فلئلا يصير المسجد سوقا | يتعامل ~~فيه الناس ، فتذهب حرمته ويحصل التشويش على المصلين | والمعتكفين ، وأما ~~تناشد الأشعار - فلما ذكرنا - ولأن فيه إعراضا | عن الذكر وحثا على الأعراض ~~عنه ، وأما القود والحدود فلأنها مظنة | للألواث والجزع والبكاء والصخب ~~والتشويش على أهل المسجد ، ويخص | من الأشعار ما كان فيه الذكر ومدح النبي ~~صلى الله عليه وسلم وغيظ | الكفار لأنه غرض شرعي ، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم لحسان : | ' اللهم أيده بروح القدس ' . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب ' . # أقول السبب في ذلك تعظيم المسجد فإن أعظم التعظيم ألا يقربه إنسان إلا ~~بطهارة ، وكان في منع دخول المحدث حرج عظيم ، ولا حرج في الجنب | والحائض ، ~~ولانهما أبعد الناس عن الصلاة ، والمسجد إنما بنى لها . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من أكل هذه الشجرة المنتنة ، فلا يقربن | ~~مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الأنس ' . # أقول هي البصل أو الثوم ، وفي معناه كل منتن ، ومعنى تتأذى تكره | وتتنفر ~~لأنها تحب محاسن الأخلاق والطيبات ، وتكره أضدادها . | PageV01P409 # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا دخل أحدكم المسجد فليقل اللهم افتح | لي ~~أبواب ms294 رحمتك ، فإذا خرج فليقل اللهم إني أسألك من فضلك ' . # أقول الحكمة في تخصيص الداخل بالرحمة والخارج بالفضل أن الرحمة | في كتاب ~~الله أريد بها النعم النفسانية والاخروية كالولاية والنبوة | قال تعالى : # @QB@ ورحمة ربك خير مما يجمعون @QE@ . # والفضل على النعم الدنيوية قال تعالى : # @QB@ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم @QE@ # وقال تعالى : | @QB@ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل ~~الله @QE@ . # ومن دخل المسجد إنما يطلب القرب من الله ، والخروج وقت | ابتغاء الرزق . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين | قبل ~~أن يجلس ' . # أقول إنما شرع ذلك لأن ترك الصلاة إذا دخل بالمكان المعد لها ترة | وحسرة ~~، وفيه ضبط الرغبة في الصلاة بأمر محسوس ، وفيه تعظيم المسجد . # قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام ' ~~. | PageV01P410 # ونهى أن يصلي في سبعة مواطن في المزبلة والمقبرة ، والمجزرة ، وقارعة | ~~الطريق ، وفي الحمام وفي معاطن الإبل ، وفوق ظهر بيت الله ، ونهى عن | ~~الصلاة في أرض بابل فانها ملعونة . # وأقول الحكمة في النهي عن المزبلة والمجزرة أنهما موضعا النجاسة ، | ~~والمناسب للصلاة هو التطهر والتنظيف ، وفي المقبرة الاحتراز عن أن تتخذ | ~~قبور الأحبار والرهبان مساجد بأن يسجد لها كالأوثان ، وهو الشرك | الجلي ، ~~أو يتقرب إلى الله بالصلاة في تلك المقابر ، وهو الشرك وهذا مفهوم | قوله ~~صلى الله عليه وسلم : ' لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم | ~~مساجد ' ونظيره نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت الطلوع والاستواء | ~~والغروب لأن الكفار يسجدون للشمس حينئذ ، وفي الحمام أنه محل انكشاف | ~~العورات ومظنة الازدحام ، فيشغله ذلك عن المناجاة بحضور القلب ، | وفي ~~معاطن الإبل أن الإبل لعظم جثتها وشدة بطشها وكثرة جراءتها كادت | تؤذي ~~الإنسان ، فيشغله ذلك عن الحضور بخلاف الغنم ، وفي قارعة الطريق ، | اشتغال ~~القلب بالمارين وتضييق الطريق عليهم ، ولأنها ممر السباع كما ورد | صريحا ~~في النهي عن النزول فيها ، وفوق بيت الله أن الترقي على سطح البيت من غير ~~حاجة ضرورية مكروه هاتك لحرمته ، وللشك في الاستقبال | حالتئذ ms295 ، وفي الأرض ~~الملعونة بنحو خسف أو مطر الحجارة إهانتها والبعد | عن مظان الغضب هيبة منه ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' ولا تدخلوه | إلا باكين ' . # # | ( ثياب المصلي ) # اعلم أن لبس الثياب مما امتاز به الإنسان عن سائر البهائم ، وهو أحسن | ~~حالات الإنسان ، وفيه شعبة من معنى الطهارة ، وفيه تعظيم الصلاة وتحقيق | ~~PageV01P411 | أدب المناجاة بين يدي رب العالمين ، وهو واجب أصلي جعل شرطا ~~في | الصلاة لتكميله معناها ، وجعله الشارع على حدين . # حد لا بد منه وهو شرط صحة الصلاة ، وحد هو مندوب إليه فالأول | منه ~~السوأتان وهو آكدهما ، وألحق بهما الفخذان ، وفي المرأة سائر بدنها ، | ~~لقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا تقبل صلاة حائض إلا بخمار ' يعني البالغة ~~| لأن الفخذ محل الشهوة ، وكذا بدن المرأة فكان حكمها حكم السوأتين . # والثاني قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد | ~~ليس على عاتقه منه شيء ، وقال : ' إذا كان واسعا فخالف بين طرفيه ' | والسر ~~فيه أن العرب والعجم وسائر أهل الأمزجة المعتدلة إنما تمام هيئتهم | وكمال ~~زيهم على اختلاف أوضاعهم في لباس القباء والقميص والحلة وغيرها | أن يستر ~~العاتقان والظهر ، وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في | ثوب واحد ~~فقال أو لكلهم ثوبان ، ثم سئل عمر رضي الله عنه فقال إذا | وسع الله فوسعوا ~~جمع رجل الخ . # أقول : الظاهر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن الحد | الأول وقول ~~عمر رضي الله عنه بيان للحد الثاني ويحتمل أن يكون السؤال | في الثاني الذي ~~هو مندوب ، فلم يأمر بثوبين لأن جريان التشريع ولو بالحد | الثاني باشتراط ~~الثوبين حرج ، ولعل من لا يجد ثوبين يجد في نفسه ، | فلا تكمل صلاته لما ~~يجد في نفسه من التقصير ، وعرف عمر رضي الله عنه | أن وقت التشريع انقضى ، ~~ومضى ، وكان قد عرف استحباب إكمال الزي | في الصلاة ، فحكم على حسب ذلك ، ~~والله أعلم . # وقال صلى الله عليه وسلم في الذي يصلي ورأسه معقوص من ورائه : | ' إنما ~~مثل هذا مثل الذي يصلي وهو ms296 مكتوف ' . | PageV01P412 # أقول : نبه على أن سبب الكراهية الإخلال بالتجمل وتمام الهيئة | وزي ~~الأدب . # قوله صلى الله عليه وسلم في خميصة لها أعلام : إنها ألهتنى آنفا عن | ~~صلاتي ' وفي قرام عائشة أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا يزال تصاويره | تعرض ~~في صلاتي ، وفي فروج الحرير لا ينبغي هذا للمتقين . # أقول : ينبغي للمصلي أن يدفع عن نفسه كلما يلهيه عن الصلاة لحسن | هيئته ~~أو لعجب النفس به تكميلا لما قصد له الصلاة . # وكان اليهود يكرهون الصلاة في نعالهم وخفافهم لما فيه من ترك التعظيم | ~~فإن الناس يخلعون النعال بحضرة الكبراء ، وهو قوله تعالى : # ^ ( فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى ) ^ # وكان هنا وجه آخر وهو أن الخف والنعل تمام زي الرجل ، فترك | النبي صلى ~~الله عليه وسلم القياس الأول ، وأيد الثاني مخالفة لليهود ، وهو | قوله صلى ~~الله عليه وسلم : ' خالفوا اليهود فإنهم لا يصلون في نعالهم | وخفافهم ' ~~فالصحيح أن الصلاة متنعلا و حافيا سواء . # ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن السدل في الصلاة ، فقيل : هو أن | ~~يلتحف بثوبه ، ويدخل يديه فيه ، وسيجئ أن اشتمال الصماء أقبح لبسة | ~~PageV01P413 | لأنه مخالفة لما هو أصل طبيعة الإنسان وعادته من إبقاء ~~اليدين مستر سلتين ، | ولأنه على شرف انكماش العورة فإنه كثيرا ما يحتاج ~~إلى إخراج اليدين | للبطش ، فتنكشف ، وقيل : إرسال الثوب من غير أن يضم ~~جانبيه وهو | إخلال بالتجمل وتمام الهيئة ، وإنما نعني بتمام الهيئة ما ~~يحكم العرف والعادة | أنه غير فاقد ما ينبغي أن يكون له وأوضاع لباسهم ~~مختلفة ولكن في كل لبسة | تمام هيئة يعرف بالسير ، وقد بنى النبي صلى الله ~~عليه وسلم الأمر على عرف | العرب يومئذ . | PageV01P414 # # | ( القبلة ) # لما قدم صلى الله عليه وسلم المدينة صلى إلى بيت المقدس ستة أو سبعة | ~~عشر شهرا ، ثم أمر أن يستقبل الكعبة ، فاستقر الأمر على ذلك . # أقول : السر في ذلك أنه لما كان تعظيم شعائر الله وبيوته واجبا - | لا ~~سيما فيما هو أصل أركان الإسلام . وأم القربات . وأشهر شعائر الدين ، | ~~وكان التوجه في الصلاة إلى ما ms297 هو مختص بالله بطلب رضا الله بالتقرب منه | ~~أجمع للخاطر ، وأحث على صفة الخشوع ، وأقرب لحضور القلب ، لأنه | يشبه ~~مواجهة الملك في مناجاته - اقتضت الحكمة الالهية أن يجعل استقبال | قبلة ما ~~شرطا في الصلاة في جميع الشرائع . # وكان إبراهيم . وإسمعيل عليهما السلام . ومن تدين بدينهما يستقبلون | ~~الكعبة . وكان إسرائيل عليه السلام وبنوه يستقبلون بيت المقدس . هذا | هو ~~الأصل المسلم في الشرائع . # فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة ، وتوجهت العناية إلى تأليف | ~~الأوس ، والخزرج ، وحلفائهم من اليهود ، وصاروا هم القائمين بنصرته ، | ~~والأمة التي أخرجت للناس ، وصارت مضر وما والاها أعدى أعاديه | وأبعد الناس ~~عنه - اجتهد ، وحكم باستقبال بيت المقدس ؛ إذ الأصل أن | يراعي في أوضاع ~~القربات حال الأمة التي بعث الرسول فيها ، وقامت بنصرته | وصارت شهداء على ~~الناس - وهو الأوس . والخرزج - يومئذ ، وكانوا | أخضع شيء لعلوم اليهود ~~بينه ابن عباس رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى : # @QB@ فأتوا حرثكم أنى شئتم @QE@ | PageV01P415 # حيث قال : ' إنما كان هذا الحي من الأنصار ، وهم أهل وثن ، مع | هذا الحي ~~من اليهود ، وهم أهل الكتاب ، فكانوا يرون لهم فضلا عليهم | في العلم ، ~~فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم ' الحديث ، وأيضا الأصل أن | تكون الشرائع ~~موافقة لما عليه الملل الحقة ما لم تكن من تحريفات القوم | وتعمقاتهم ، ~~ليكون أتم لإقامة الحجة عليهم ، وأشد لطمأنينة قلوبهم ، | واليهود هم ~~القائمون برواية الكتاب السماوي والعمل بما فيه ، ثم أحكم الله | آياته ~~وأطلع نبيه على ما هو أوفق بالمصلحة من هذا وأقعد بقوانين التشريع | بالنفث ~~في روعه أولا ، فكان يتمنى أن يأمر باستقبال الكعبة ، وكان | يقلب وجهه في ~~السماء طمعا أن يكون جبرائيل نزل بذلك ، وبما أنزل في | القرآن العظيم . ~~ثانيا ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في الأميين | الآخذين ~~بالملة الإسماعيلية ، وقدر الله في سابق علمه أنهم هم القائمون | بنصرة ~~دينه ، وهم شهداء الله على الناس من بعده ، وهم خلفاؤه في أمته ، | وأن ~~اليهود لا يؤمن منهم إلا شرذمة قليلة ، والكعبة من شعائر الله عند | العرب ~~أذعن ms298 لها أقاصيهم وأدانيهم ، وجرت السنة عندهم باستقبالها شائعا | ذائعا ، ~~فلا معنى للعدول عن ذلك . # ولما كان استقبال القبلة شرطا - إنما أريد به تكميل الصلاة ، وليس | شرطا ~~- لا يتأتى أصل فائدة الصلاة إلا به تلا - رسول الله صلى الله عليه وسلم | ~~فيمن تحرى في ليلة مظلمة وصلى لغير القبلة قوله تعالى : # @QB@ فأينما تولوا فثم وجه الله @QE@ . # يومى إلى أن صلاتهم جائزة للضرورة . | PageV01P416 # | ( السترة ) # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه ~~لكان | أن يقف أربعين خيرا له من أن يمر بين يديه ' أقول : السر في ذلك أن ~~| الصلاة من شعائر الله يجب تعظيمها ، ولما كان المنظور في الصلاة التشبه ~~بقيام | العبيد بخدمة مواليهم ومثولهم بين أيديهم كان من تعظيمها ألا يمر ~~المار بين | يدي المصلي ، فإن المرور بين السيد وعبيده القائمين إليه سوء ~~أدب ، وهو | قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن أحدكم إذا قام في الصلاة فإنما ~~يناجي ربه | وإن ربه بينه وبين القبلة ' الحديث . # وضم مع ذلك أن مروره ربما يؤدي إلى تشويش قلب المصلي ، ولذلك | كان له حق ~~في درته ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' فليقاتله | فإنه شيطان ' . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' تقطع الصلاة المرأة والحمار . والكلب الأسود ~~' | اقول : مفهوم هذا الحديث أن من شروط صحة الصلاة خلوص ساحتها عن | ~~المرأة . والحمار والكلب ، والسر فيه أن المقصود من الصلاة هو المناجاة | ~~والمواجهة مع رب العالمين ، واختلاط النساء والتقرب منهن والصحبة معهن | ~~مظنة الالتفات إلى ما هو ضد هذه الحالة ، والكلب شيطان لما ذكرنا لا سيما | ~~الأسود فإنه أقرب إلى فساد المزاج وداء الكلب ، والحمار أيضا بمنزلة | ~~PageV01P417 | الشيطان لأنه كثيرا ما يسافد بين ظهرانى بني آدم ، وينتشر ~~ذكره | فتكون رؤية ذلك مخلة بما هو بصدده لكن لم يعمل به حفاظ الصحابة ، | ~~وفقهاؤهم . منهم علي . وعائشة . وابن عباس . وأبو سعيد . وغيرهم رضي | الله ~~عنهم - ورواه منسوخا - وإن كان في استدلاهم على النسخ كلام ، وهذا | أحد ~~المواضع التي اختلف فيها طريقا التلقي من النبي صلى ms299 الله عليه وسلم : # وقوله صلى الله عليه وسلم . ' إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مؤخرة | الرحل ~~فليصل ، ولا يبال بمن وراء ذلك ' أقول : لما كان في ترك المرور | حرج ظاهر ~~أمر بنصب السترة لتتميز ساحة الصلاة بادي الرأي ، فيلحق | بالمرور من بعد . ~~| PageV01P418 # # | ( الأمور التي لا بد منها في الصلاة ) # اعلم أن أصل الصلاة ثلاثة أشياء : أن يخضع لله تعالى بقلبه ، ويذكر الله ~~| بلسانه ، ويعظمه غاية التعظيم بجسده ، فهذه الثلاثة أجمع الأمم على أنها ~~من | الصلاة ، وإن اختلفوا فيما سوى ذلك ، وقد رخص النبي صلى الله عليه ~~وسلم | عند الأعذار في غير هذه الثلاثة ، ولم يرخص فيها ، وقد قال النبي | ~~صلى الله عليه وسلم في الوتر : ' إن لم تستطع فأوم إيماء ' . # وأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يشرع لهم في الصلاة حدين حدا | لا ~~يخرج من العهدة بأقل منه . وحدا هو الاتم الأكمل المستوفي لفائدة | الصلاة ~~، والحد الأول يشتمل على ما يجب إعادة الصلاة بتركه ، وما يحصل | فيها نقص ~~بتركه ، ولا يجب الإعادة ، وما يلام على تركه أشد الملامة من | غير جزم ~~بالنقص ، والفرق بين هذه المراتب الثلاث صعب جدا ، وليس | فيه نص صريح ، ~~ولا إجماع إلا في شيء يسير ، ولذلك قوي الخلاف بين | الفقهاء في ذلك ، ~~والأصل فيه حديث الرجل المسيء في صلاته حيث قال له | رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم : ' ارجع فصل فإنك لم تصل - مرتين . | أو ثلاثا ، ثم قال النبي ~~صلى الله عليه وسلم - إذا قمت إلى الصلاة فاسبغ | الوضوء ، ثم استقبل ~~القبلة فكبر ، ثم اقرأ بما تيسر معك من القرآن ، | ثم أركع حتى تطمئن راكعا ~~، ثم أرفع رأسك حتى تستوي قائما ، ثم اسجد | حتى تطمئن ساجدا ، ثم ارفع حتى ~~تطمئن جالسا ، ثم اسجد حتى تطمئن | ساجدا ، ثم أرفع حتى تطمئن جالسا ، ثم ~~أفعل ذلك في صلاتك كلها ' وفي | رواية الترمذي ' فإذا فعلت ذلك فقد تمت ~~صلاتك وإن انتقصت منها | انتقصت من صلاتك ' قال : كان هذا أهون عليهم من ~~الأولى أنه من انتقص # PageV01P419 | من ذلك شيئا ms300 انتقص من صلاته ، ولم تذهب كلها ، وما ذكره ~~النبي | صلى الله عليه وسلم بلفظ الركنية كقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا ~~صلاة إلا بفاتحة | الكتاب ' وقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا تجزى صلاة ~~الرجل حتى يقيم | ظهره في الركوع والسجود ' وما سمى الشارع الصلاة به فإنه ~~تنبيه بليغ على | كونه ركنا في الصلاة كقوله صلى الله عليه وسلم : ' من قام ~~رمضان ' ، | وقوله صلى الله عليه وسلم : ' فليركع ركعتين ' ، وقوله تعالى : # @QB@ واركعوا مع الراكعين @QE@ # ، وقوله تعالى : # @QB@ وأدبار السجود @QE@ # ، وقوله تعالى : # @QB@ وقرآن الفجر @QE@ # ، وقوله تعالى : # @QB@ وقوموا لله قانتين @QE@ # وما ذكره بما يشعر بأنه لا بد منه كقوله صلى الله عليه وسلم : ' تحريمها ~~| التكبير وتحليلها التسليم ' وقوله صلى الله عليه وسلم : ' في كل ركعتين | ~~التحية ' ، وقوله صلى الله عليه وسلم في التشهد : ' إذا فعلت ذلك تمت | ~~PageV01P420 | صلاتك ' ونحو ذلك ، وما لم يختلف فيه المسلمون أنه لا بد منه ~~في الصلاة ، | وتوارثوه فيما بينهم ، وتلاوموا على تركه . # وبالجملة فالصلاة على ما تواتر عنه صلى الله عليه وسلم وتوارثه الأمة | ~~أن يتطهر ، ويستر عورته ، ويقوم ، ويستقبل القبلة بوجهه ، ويتوجه إلى | ~~الله بقلبه ، ويخلص له العمل ويقول . الله أكبر بلسانه ، ويقرأ فاتحة | ~~الكتاب ، ويضم معها إلا في ثالثة الفرض ورابعته - سورة من القرآن ، | ثم ~~يركع ، وينحني بحيث يقدر على أن يمسح ركبتيه برءوس أصابعه حتى | يطمئن ~~راكعا ، ثم يرفع رأسه حتى يطمئن قائما ، ثم يسجد على الآراب ، | السبعة ~~اليدين . والرجلين . والركبتين . والوجه ، ثم يرفع رأسه حتى يستوي | جالسا ~~، ثم يسجد ثانيا كذلك ، فهذه ركعة ثم يقعد على رأس كل ركعتين ، | ويتشهد ~~فإن كان أخر صلاته صلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، ودعا أحب | الدعاء ~~إليه ، وسلم على من يليه من الملائكة والمسلمين ، فهذه صلاة النبي | صلى ~~الله عليه وسلم لم يثبت أنه ترك شيئا من ذلك قط عمدا من غير عذر | في فريضة ~~، وصلاة الصحابة . والتابعين . ومن بعدهم من أئمة المسلمين ، وهي | التي ~~توارثوا أنها مسمى الصلاة ، وهي من ضروريات الملة ، نعم اختلف | الفقهاء في ms301 ~~أحرف منها هل هي أركان الصلاة لا يعتد بها بدونها . أو واجباتها | التي ~~تنقص بتركها ، أو أبعاض يلام على تركها وتجبر بسجدة السهو . # والأصل في ذلك أن خضوع القلب لله وتوجهه إليه تعظيما ورغبة | ورهبة - أمر ~~خفي لا بد له من ضبط ، فضبطه النبي صلى الله عليه وسلم | بشيئين : أن ~~يستقبل القبلة بوجهه وبدنه . وأن يقول بلسانه : الله أكبر ، | وذلك لأن من ~~جبلة الإنسان أنه إذا استقر في قلبه شيء جرى حسب ذلك | الأركان واللسان ، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن في جسد | PageV01P421 | ابن آدم مضغة ' ~~الحديث ففعل اللسان والأركان أقرب مظنة وخليفة | لفعل القلب ، ولا يصلح ~~للضبط إلا ما يكون كذلك . # ولما كان الحق متعاليا عن الجهة - نصب التوجه إلى بيته ، وأعظم | شعائره ~~مقام التوجه إليه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' مقبلا إلى الله | ~~بوجهه وقلبه ' . # ولما كان التكبير أفصح عبارة عن انقياد القلب للتعظيم لم يكن لفظ | أحق ~~أن ينصب مقام توجه القلب منه . # وفيها وجوه أخرى : منها أن استقبال القبلة واجب من جهة تعظيم | بيت الله ~~وقت الصلاة ، ليكمل كل واحد بالآخر . # ومنها أنه أشهر علامات الملة الحنفية التي يتميز بها الناس عن غيرها ، | ~~فلا بد من أن ينصب مثله علامة للدخول في الاسلام ، فوقت بأعظم | الطاعات ~~وأشهرها ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' من صلى صلاتنا ، | واستقبل ~~قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الذي له ذمة الله | وذمة رسوله ' . # ومنها أن القيام لا يكون تعظيما إلا إذا كان مع استقبال . # ومنها أنه لا بد لكل حال تباين سائر الحالات في الأحكام من أبتداء | ~~وانتهاء ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ' تحريمهما التكبير وتحليلها التسليم ~~' # أما التعظيم بجسده فالأصل فيه ثلاث حالات : القيام بين يديه ، | والركوع ~~، والسجود ، وأحسن التعظيم ما جمع بين الثلاث ، وكان التدريج | من الأدنى ~~إلى الأعلى أنفع في تنبيه النفس للخضوع من غيره ، وكان السجود | ~~PageV01P422 | أعظم التعظيم يظن أنه مقصود بالذات ، وأن الباقي طريق إليه ، ~~فوجب | أن يؤدي حق هذا الشبه وذلك بتكراره . # وأما ms302 ذكر الله فلا بد من توقيته أيضا ، فإن التوقيت أجمع لشملهم . | أطوع ~~لقلوبهم . وأبعد من أن يذهب كل أحد إلى ما يقتضيه رأيه حسنا | كان أو قبيحا ~~، وإنما تفوض إليهم الأدعية النافلة التي يخاطب بمثلها السابقون | على أنهم ~~أيضا لم يتركها النبي صلى الله عليه وسلم بغير توقيت ولو استجبابا # وإذا تعين التوقيت فلا أحق من الفاتحة لأنها دعاء جامع أنزله الله تعالى ~~| على ألسنة عباده ، يعلمهم كيف يحمدون الله ، ويثنون عليه ، ويقرون له | ~~بتوحيد العبادة والاستعانة ، وكيف يسألونه الطريقة الجامعة لأنواع الخير ، ~~| ويتعوذون به من طريقة المغضوب عليهم والضالين ، وأحسن الدعاء أجمعه . # ولما كان تعظيم القران و تلاوته واجبا في الملة ، ولا شيء من التعظيم | ~~مثل أن ينوه به في أعظم أركا 00 ن الإسلام وأم القربات وأشهر شعائر الدين ، ~~| وكانت تلاوته قربة كاملة تكمل الصلاة وتتمها - شرع لهم قراءة سورة من | ~~القرآن لأن السورة كلام تام تحدى به النبي صلى الله عليه وسلم ببلاغته | ~~المنكرين للنبوة ، ولانها منفرزة بمبدئها ومنتهاها ، ولكل واحد منها أسلوب ~~| أنيق وإذا قد ورد من الشارع قراءة بعض السورة في بعض الأحيان | جعلوا في ~~معناها ثلاث آيات قصار أو آية طويلة . # ولما كان القيام لا تستوي أفراده ، فمنهم من يقوم مطرقا ، ومنهم من | ~~يقوم منحنيا ، ويعد جميع ذلك من القيام - مست الحاجة إلى تمييز الانحناء | ~~المقصود مما يسمى قياما ، فضبط بالركوع ، وهو الانحناء المفرط الذي تصل | ~~به رءوس الأصابع إلى الركبتين . | PageV01P423 # ولما لم يكن الركوع ، ولا السجود تعظيما إلا بأن يلبث على تلك الهيئة | ~~زمانا ، ويخضع لرب العالمين ، ويستشعر التعظيم قلبه في تلك الحالة - جعل | ~~ذلك ركنا لازما . # ولما كان السجود والاستلقاء على البطن وسائر الهيآت القريبة منه - | ~~مشتركة في وضع الرأس على الأرض والأول تعظيم دون الباقي مست الحاجة | إلى ~~أن يضبط الفارق بينهما ، فقال : ' أمرت أن اسجد على سبعة | أراب ' الحديث # ولما كان كل من يهوي إلى السجود لا بد له من الانحناء حتى يصل إليه . | ~~وليس ذلك ركوعا بل هو طريق ms303 إلى السجدة - مست الحاجة إلى التفريق | بين ~~الركوع والسجود بفعل أجنبي يتميز به كل من الآخر ، ليكون كل واحد طاعة ~~مستقلة يقصدها مستأنفا ، فتنبه النفس لثمرة كل واحد بانفرادها | - وهو ~~القومة - . # ولما كانت السجدتان لا تصيران اثنين إلا بتخلل فعل أجنبي شرعت | الجلسة ~~بينهما . # ولما كانت القومة والسجدة بدون الطمأنينة طيشا ولعبا منافيا للطاعة | أمر ~~بطمأنينة فيهما . # ولما كان الخروج من الصلاة ينقض صلطهارة أو غير ذلك من موانع | الصلاة ~~ومفسداتها - قبيحا مستنكرا منافيا للتعظيم ، ولا بد من فعل ننتهي | به ~~الصلاة ويباح به ما حرم في الصلاة ولو لم يضبط لذهب كل واحد إلى | هواه - ~~وجب أن لا يكون الخروج إلا بكلام وهو أحسن كلام الناس أعني | السلام ، وأن ~~يوجب ذلك وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' تحليلها التسليم ' . | ~~PageV01P424 # وكان الصحابة استحبوا أن يقدموا على السلام قولهم : السلام على الله | ~~قبل عباده ، السلام على جبرائيل والسلام على فلان ، فغير رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم | ذلك بالتحيات ، وبين سبب التغيير حيث قال : ' لا تقولوا ~~السلام على الله | فإن الله هو السلام ' يعني إنما الدعاء بالسلامة إن ~~يناسب من لا تكون | السلامة من العدم ولواحقه ذاتيا له ، ثم اختار بعده ~~السلام على النبي تنويها | بذكره وإثباتا اللإقرار برسالته أداء لبعض حقوقه ~~، ثم عمم بقوله : | السلام علينا وعلى عياد الله الصالحين ، قال : فإذا قال ~~ذلك أصاب كل | عبد صالح في السماء والأرض ' ثم أمر بالتشهد لأنه أعظم ~~الأذكار قال : | ' ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه ' وذلك لأن وقت الفراغ ~~من الصلاة | وقت الدعاء لأنه تغشى بغاشية عظيمة من الرحمة وحينئذ يستجاب ~~الدعاء . # ومن آداب الدعاء تقديم الثناء على الله والتوسل بنبي الله ، ليستجاب ~~الدعاء ، | ثم تقرر الأمر على ذلك ، وجعل التشهد ركنا لأن لولا هذه الأمور ~~لكان | الفراغ من الصلاة مثل فراغ المعرض أو النادم ، وهنالك وجوه كثيرة | ~~بعضها خفي المأخذ وبعضها ظاهر لم نذكرها اكتفاء بما ذكرنا . # وبالجملة من تأمل فيما ذكرنا وفي القواعد التي أسلفناها علم قطعا أن | ~~الصلاة ms304 بهذه الكيفية هي التي ينبغي أن تكون ، وأنما لا تتصور العقل أحسن | ~~منها ولا أكمل ، وأنها هي الغنيمة الكبرى للمغتنم . # ولما كان القليل من الصلاة لا يفيد فائدة معتدا بها ، والكثير جدا يعسر | ~~إقامته اقتضت حكمة الله ألا يشرع لهم أقل من ركعتين ، فالركعتان أقل | ~~الصلاة ، ولذلك قال : ' في كل ركعتين التحية ' . # وههنا سر دقيق ، وهو أن سنة الله تعالى في خلق الأفراد والأشخاص | ~~PageV01P425 | من الحيوان والنبات أن يكون هنالك شقان يضم كل واحد بالآخر ، ~~ويجعلان | شيئا واحدا ، وهو قوله تعالى : # @QB@ والشفع والوتر @QE@ # أما الحيوان فشقاه معلومان ، وربما تعرض الآفة شقا دون شق كالفالج ، | ~~أما النبات فالنواة والحبة فيهما شقان ، وإذا نبتت الخامة وإنما تنبت ~~ورقتان | كل ورقة ميراث أحد شقي النواة والحبة ، ثم يتحقق النمو على ذلك ~~النمط ، | فانتقلت هذه السنة من باب الخلق إلى باب التشريع في حظيرة القدس ~~، لأن | التدبير فرع الخلق ، وانعكس من هناك في قلب النبي صلى الله عليه ~~وسلم . # فأصل الصلاة هو ركعة واحدة ، ولم يشرع أقل من ركعتين في عامة | الصلاة ، ~~وضمت كل واحدة بالأخرى وصارتا شيئا واحدا ، قالت عائشة | رضي الله عنها : ' ~~فرض الله الصلاة حين فرضها ركعتين ركعتين في الحضر | والسفر ، فأقرت صلاة ~~السفر وزيد في صلاة الحضر ' وفي رواية - | إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا - . # أقول الأصل في عدد الركعات أن الواجب الذي لا يسقط بحال إنما | هو أحدى ~~عشر ركعة ، وذلك لأنه اقتضت حكمة الله ألا يشرع في اليوم | والليلة إلا ~~عددا مباركا متوسطا لا يكون كثيرا جدا ، فيعسر إقامته على | المكلفين جميعا ~~، ولا قليلا جدا ، فلا يفيد لهم ما أريد من الصلاة ، وقد | علمت فيما سبق ~~أن الأحد عشر من بين الأعداد أشبهها بالوتر الحقيقي ، | ثم لما هاجر النبي ~~صلى الله عليه وسلم واستقر الإسلام ، وكثر أهله ، وتوفرت | الرغبات في ~~الطاعة زيدت ست ركعات ، وأبقيت صلاة السفر على النمط | الأول ، وذلك لأن ~~الزيادة لا ينبغي أن تصل إلى مثل الشيء أو أكثره ، | PageV01P426 | وكان ~~المناسب أن يجعل نصف الأصل لكن ms305 ليس لأحد عشر نصف بغير | كسر ، فبدا عددان ~~خمسة وستة ، وبالخمسة يصير عدد الركعات شفعا | غير وتر ، فتعينت الستة ، ~~وأما توزيع الركعات على الأعداد فمبني على آثار | الأنبياء السابقين على ما ~~يذكر في الأخبار ، وأيضا فالمغرب آخر الصلاة | من وجه لأن العرب يعدون ~~الليالي قبل الأيام ، فناسب أن يكون الواحد | الوتر للركعات فيها ووقتها ~~ضيق فلا تناسب زيادة ما زيد فيها آخرا ، ووقت | الفجر وقت نوم وكسل فلم ~~يزيد في عدد الركعات ، وزاد فيها استحباب طول | القراءة لمن أطاقه ، وهو ~~قوله تعالى : # @QB@ وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا @QE@ # والله أعلم . | PageV01P427 # # | ( أذكار الصلاة وهيأتها المندوب إليها ) # اعلم أن الحد الأكمل الذي يستوفي فائدة الصلاة كاملة زائدة على الحد | ~~الذي لا بد منه بوجهين : بالكيف والكم . # أما الكيف فأعني به الأذكار ، والهيآت ، ومؤاخذة الإنسان نفسه بأن | يصلي ~~لله كأنه يراه ، ولا يحدث فيها نفسه ، وأن يحترز من هيآت مكروهة | ونحو ذلك ~~. # وأما الكم فصلوات يتنفلون بها ، وسيأتيك ذكر النوافل من بعد | إن شاء ~~الله تعالى . # والأصل في الأذكار حديث علي رضي الله عنه في الجملة . وأبي هريرة . | ~~وعائشة . وجبير بن مطعم . وابن عمر . وعيرهم رضي الله عنهم في الاستفتاح ، ~~| وحديث عائشة . وابن مسعود . وأبي هريرة . وثوبان . وكعب بن عجرة | رضي ~~الله عنهم في سائر المواضع وغير هؤلاء ما نذكره تفصيلا . # والأصل في الهيآت حديث أبي حميد الساعدي الذي حدثه في عشرة | من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم ، فسلموا له ، وحديث عائشة . ووائل | بن حجر رضي ~~الله عنهما في الجملة ، وحديث ابن عمر رضي الله عنه في رفع | اليدين ، وغير ~~هؤلاء مما سنذكره ، # والهيآت المندوبة ترجع إلى معان : # منها تحقيق الخضوع ، وضم الأطراف ، والتنبيه للنفس على مثل الحال | التي ~~تعتري السوقة عند مناجاة الملوك من الهيبة والدهش ، كصف القدمين . | ووضع ~~اليمنى على اليسرى . وقصر النظر . وترك الالتفات . # ومنها محاكاة ذكر الله وإيثاره على من سواه بأصابعه ويده حذو | ~~PageV01P428 | ما يعلقه بجنانه ، ويقوله بلسانه ، كرفع اليدين ، والإشارة ~~بالمسبحة ، ليكون | بعض الأمر معاضدا ms306 لبعض . # ومنها اختيار هيآت الوقار ومحاسن العادات ، والاحتراز عن الطيش | والهيآت ~~التي يذمها أهل الرأي ، وينسبونها إلى غير ذوي العقول ، كنقر | الديك ، ~~وإقعاء الكلب ، واحتفاز الثعلب ، وبروك البعير ، وافتراش | السبع ، والتي ~~تكون للمتخيرين وأهل البلاء كالاختصار . # ومنها أن تكون الطاعة بطمأنينة وسكون ، وعلى رسل كجلسة | الاستراحة ، ~~ونصب اليمنى وافتراش اليسرى في القعدة الأولى لأنه أيسر | لقيامه والقعود ~~على الورك في الثانية لأنه أكثر راحة . # وأما الأذكار فترجع إلى معان : منها إيقاظ النفس لتنبه للخضوع الذي | وضع ~~له الفعل كأذكار الركوع والسجود . # ومنها الجهر بذكر الله ، ليكون تنبيها للقوم بانتقال الامام من ركن | إلى ~~ركن كالتكبيرات عند كل خفض ورفع . # ومنها ألا تخلوا حالة في الصلاة من ذكر كالتكبيرات وكأذكار القومة | ~~والجلسة ، فإذا كبر رفع يديه إيذانا بأنه أعرض عما سوى الله تعالى ، ودخل | ~~في حيز المناجاة ، ويرفع إلى أذنيه أو منكبيه ، وكل ذلك سنة ، ووضع يده | ~~اليمنى على اليسرى وصف القدمين وقصر النظر على محل السجدة تعظيما | وجمعا ~~لأطراف البدن حذو جمع الخاطر ، ودعا دعاه الاستفتاح تمهيدا | لحضور القلب ~~وإزعاجا للخاطر إلى المناجاة . | PageV01P429 # وقد صح في ذلك صيغ ، منها اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت | بين ~~المشرق والمغرب ، اللهم نقي من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من | الدنس ، ~~اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج والبرد . # أقول الغسل بالثلج والبرد كناية عن تكفير الخطايا مع إيجاد الطمأنينة | ~~وسكون القلب ، والعرب تقول : برد قلبه أي سكن وإطمأن ، وأتاه الثلج | أي ~~اليقين . # ومنها @QB@ وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من ~~المشركين @QE@ . # @QB@ إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك ~~أمرت وأنا أول المسلمين @QE@ . # وفي رواية - وأنا من المسلمين . # ومنها سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله | غيرك الله ~~أكبر كبيرا ثلاثا . وسبحان الله بكرة وأصيلا ثلاثا ، ثم يتعوذ | لقوله ~~تعالى : # @QB@ فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم @QE@ # أقول : السر في ذلك أن من أعظم ضرر الشيطان أن يوسوس له في | تأويل كتاب ~~الله ms307 ما ليس بمرضي ، أو يصده عن التدبير . # وفي التعوذ صيغ : منها أعوذ بالله من الشيطان الرجيم . # ومنها استعيذ بالله من الشيطان الرجيم . | PageV01P430 # ومنها أعوذ بالله من الشيطان من نفخه ونفثه وهمزه . # ثم يبسمل سرا لما شرع الله لنا من تقديم التبرك باسم الله على القراءة | ~~ولأن فيه احتياطا إذ قد اختلفت الرواية هل هي آية من الفاتحة أم لا ؟ | وقد ~~صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يفتتح الصلاة أي القراءة | بالحمد ~~لله رب العالمين ، ولا يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم . أقول : ولا يبعد ان ~~يكون جهر بها في بعض الأحيان ليعلمهم الصلاة # والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كان يخص يتعلم هذه الأذكار الخواص | من ~~أصحابه ، ولا يجعلها بحيث يوأخذ بها العامة ويلادمون على تركها ، وهذا | ~~تأويل ما قاله مالك - رحمه الله - عندي ، وهو مفهوم قول أبي هريرة | رضي ~~الله عنه : كان النبي صلى الله عليه وسلم يسكت بين التكبير و بين القراءة | ~~إسكاتة ، فقلت : بأبي وأمي إسكاتك بين التكبير والقراءة ، ما تقول فيه ؟ | ~~ثم يرتل سورة الفاتحة وسورة من القرآن ترتيلا يمد الحروف ويقف | على رؤوس ~~الآي يخافت في الظهر والعصر ويجهر الإمام في الفجر . | وأولي المغرب ~~والعشاء ، وإن كان مأموما وجب عليه الانصات والاستماع | فإن جهر الإمام لم ~~يقرأ إلا عند الإسكاته ، وإن خافت فله الخيره ، فإن | قرأ فليقرأ الفاتحة ~~قراءة لا يشوش على الإمام ، وهذا أولى الأقوال عندي ، | وبه يجمع بين ~~أحاديث الباب ، والسر فيه ما نص عليه من أن القراءة مع | الإمام تشوش عليه ~~وتفوت التدبر وتخالف تعظيم القرآن ، ولم يعزم | عليهم أن يقرءوا سرا لأن ~~العامة متى أردوا أن يصححوا الحروف بأجمعهم | كانت لهم لجنة مشوشة ، فسجل ~~في النهي عن التشويش ، ولم يعزم عليهم | ما يؤدي إلى المنهي ، وأبقى خيره ~~لمن استطاع ، وذلك غاية الرحمة في بالأمة . | PageV01P431 # والسر في مخالفته الظهر والعصر أن النهار مظنة الصخب واللغط في الأسواق | ~~والدور ، وأما غيرهما فوقت هدوء الأصوات والجهر أقرب إلى تذكر | القوم ~~واتعاظهم . # قوله ms308 صلى الله عليه وسلم . إذا أمن الإمام ، فأمنوا ، فإن من وافق | ~~تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه ' . # أقول : الملائكة يحضرون الذكر رغبة منهم فيه ، ويؤمنون على أدعيتهم | ~~لأجل ما يترشح عليهم من الملأ الأعلى ، وفيه إظهار التأسي بالإمام وإقامة | ~~لسنة الأقتداء . # ورويت إسكاتتان : إسكاتة بين التكبير والقراءة ليتحرم القوم بأجمعهم | ~~فيما بين ذلك ، فيقبلوا على استماع القراءة بعزيمة ، وإسكاتة بين قراءة ~~الفاتحة | والسورة ، قيل : ليتيسر لهم القراءة من غير تشويش وترك إنصات . # أقول : الحديث الذي رواه أصحاب السنن ليس بصريح في الإسكاتة | التي ~~يفعلها الإمام لقراءة المأمومين ، فإن الظاهر أنها للتلفظ بآمين عند من | ~~يسر بها ، أو سكتة لطيفة تميز بين الفاتحة وآمين لئلا يشتبه غير القرآن | ~~بالقرآن ، عند من يجهر بها أو سكتة لطيفة ليرد إلى القارئ نفسه وعلى التنزل ~~| فاستغراب القرن الأول إياها يدل على أنها ليست سنة مستقرة ولا مما عمل | ~~به الجمهور والله أعلم . # ويقرأ في الفجر ستين آية إلى مائة تداركا لقلة ركعاته بطول قراءته ، | ~~ولأن رين الأشغال المعاشية لم يستحكم بعد ، فيغتنم الفرصة لتدبر القرآن . # وفي العشاء : # @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ | PageV01P432 # @QB@ والليل إذا يغشى @QE@ # ومثلها ، وقصة معاذ - وما كره النبي صلى الله عليه وسلم من تنقير | القوم ~~- مشهورة . # وحمل الظهر على الفجر ، والعصر على العشاء في بعض الروايات ، والظهر | ~~على العشاء والعصر على المغرب في بعضها . # وفي المغرب بقصار المفصل لضيق الوقت ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~| يطول ، ويخفف على ما يرى من المصلحة الخاصة بالوقت ، وإنما | أمر الناس ~~بالتخفيف فإن فيهم الضعيف . وفيهم السقيم . وفيهم ذا الحاجة | وقد اختار ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض السور في بعض الصلوات | لفوائد من غير ~~حتم ، ولا طلب مؤكد ؛ فمن اتبع فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج . # كما اختار في الأضحى . والفطر ( ق ) و ( أقتربت ) لبديع أسلوبهما | ~~وجمعهما لعامه مقاصد القرآن في اختصار ، وإلى ذلك حاجة عند اجتماع | الناس ~~، أو ( سبح اسم ) و ( هل أتاك ) للتخفيف وأسلوبهما البديع . وفي الجمعة ms309 ، ~~سورة - الجمعة والمنافقين - للمناسبة والتحذير ، فإن الجمعة تجمع من ~~المنافقين وأشباههم من لا يجمعه غير الجمعة # وفي الفجر يوم الجمعة ( ألم تنزيل ) و ( هل أتى ) تذكيرا للساعة وما فيها ~~| والجمعة تكون البهائم فيها مسيخة أن تكون الساعة فكذلك ينبغي لبني | آدم ~~أن يكونوا فزعين بها . # وإذا مر القارئ على ( سبح اسم ربك الأعلى ) قال : سبحان ربي الأعلى | ومن ~~قرأ ( أليس الله بأحكم الحاكمين ) فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين ، | ~~ومن قرأ ( أليس ذلك بقادر على أن يحي الموتى ) فليقل بلى ، ومن قرأ | ( ~~فبأي حديث بعده يؤمنون ) فليقل : آمنا بالله ، ولا يخفى ما فيه من الأدب | ~~PageV01P433 | والمسارعة إلي الخير ، فإذا أراد أن يركع رفع يديه حذو ~~منكبيه أو أذنيه ، | وكذلك إذا رفع رأسه من الركوع ولا يفعل ذلك في السجود ~~. # أقول : السر في ذلك أن رفع اليدين فعل تعظيمي ينبه النفس على ترك | ~~الاشغال المنافية للصلاة والدخول في حيز المناجاة ، فشرع ابتداء كل فعل من ~~| التعظيمات الثلاث به ، لتتنبه النفس لثمرة ذلك الفعل مستأنفا ، وهو من ~~الهيآت | فعله النبي صلى الله عليه وسلم مرة ، وتركه مرة ، والكل سنة ، ~~وأخذ بكل واحد | جماعة من الصحابة والتابعين . ومن بعدهم ، وهذا أحد ~~المواضع التي اختلف | فيها الفريقان أهل المدينة والكوفة ، ولكل واحد أصل ~~أصيل ، والحق | عندي في مثل ذلك أن الكل سنة ونظيره الوتر بركعة واحدة أو ~~بثلاث | والذي يرفع أحب إلي ممن لا يرفع ، فإن أحاديث الرفع أكثر وأثبت غير ~~أن | لا ينبغي لإنسان في مثل هذه الصور أن يثير على نفسه فتنة عوام بلده ، ~~| وهو قوله صلى الله عليه وسلم ' لولا حدثان قومك بالكفر لنقضت | الكعبة ' ~~ولا يبعد أن يكون ابن مسعود رضي الله تعالى عنه ظن أن السبة | المتقررة ~~آخرا هو تركه ، لما تلقن من أن مبنى الصلاة على سكون الأطراف | ولم يظهر له ~~أن الرفع فعل تعظيمي ، ولذلك ابتدأ به في الصلاة ، أو لما تلقن | من أنه ~~فعل ينبئ على الترك ، فلا يناسب كونه في أثناء الصلاة ، ولم يظهر ms310 | له أن ~~تجديد التنبه لترك ما سوى الله عند كل فعل أصل من الصلاة مطلوب | والله ~~أعلم . # قوله ' لا يفعل ذلك في السجود ' أقول . القومة شرعت فارقة | بين الركوع ~~والسجود ، فالرفع معها رفع للسجود فلا معنى للتكرار ، ويكبر | في كل خفض ~~ورفع للتنبيه المذكور وليسمع الجماعة فيتنبهوا للانتقال . # ومن هيآت الركوع أن يضع راحتيه على ركبتيه ، ويجعل أصابعه أسفل | ~~PageV01P434 | من ذلك كالقابض ، ويجافي بمرفقيه ، ويعتدل ، فلا يصبى رأسه ، ~~ولا يقنع # ومن أذكاره : ' سبحانك اللهم ربنا وبحمدك اللهم اغفر لي ' ، وفيه | العمل ~~بقوله تعالى : # @QB@ فسبح بحمد ربك واستغفره @QE@ # ومنها ' سبوح قدوس ربنا ورب الملائكة والروح ' ومنها ' سبحان ربي | ~~العظيم ' ثلاثا ، ومنها ' اللهم لك ركعت ، وبك آمنت ولك أسلمت ، خشع | لك ~~سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي ' . # ومن هيآت القومة أن يستوي قائما حتى يعود كل فقار مكانه ، وأن | يرفع ~~يديه . # ومن أذكارها : ' سمع الله لمن حمده ' ومنها ' اللهم ربنا لك الحمد حمدا | ~~كثيرا طيبا مباركا فيه ' وجاءت زيادة ' ملء السموات والأرض | وملء ما شئت ~~من شيء بعد ' وزاد في رواية : أهل الثناء والمجد أحق | ما قال العبد ، ~~وكلنا لك عبد ، اللهم لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، | ولا ينفع ~~ذا الجد منك الجد ' ومنها ' اللهم طهرني بالثلج والبرد ، | والماء البارد ، ~~اللهم طهرني من الذنوب و الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض | من الدنس ' . # واختلفت الأحاديث . ومذاهب الصحابة . والتابعين في قنوت الصبح ، | وعندي ~~أن القنوت وتركه سيان ، ومن لم يقنت إلا عند حادثة عظيمة ، أو | كلمات ~~يسيرة إخفاءة قبل الركوع أحب إلي ، لأن الأحاديث شاهدة على أن | الدعاء على ~~رعل وذكوان كان أولا ثم ترك ، وهذا وإن لم يدل على | PageV01P435 | نسخ ~~مطلق القنوت ، لكنها تؤمي إلى أن القنوت ليس سنة مستقرة ، أو | نقول : ليس ~~وظيفة راتبة ، وهو قول الصحابي : أن بنى محدث يعني | المواظبة عليه ، وكان ~~النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه إذا نابهم أمر دعوا | للمسلمين وعلى ~~الكافرين بعد الركوع أو قبله ، ولم يتركوه بمعنى عدم القول | عند النائبة . # ومن هيآت ms311 السجود أن يضع ركبتيه قبل يديه ، ولا يبسط ذراعيه | انبساط ~~الكلب ، ويجافي يديه حتى يبدو بياض إبطيه ، ويستقبل بأطراف | أصابع رجليه ~~القبلة . # ومن أذكاره : ' سبحان ربي الأعلى ثلاثا ' ومنها ' سبحانك اللهم ربنا | ~~وبحمدك اللهم اغفر لي ' ومنها : ' اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت ، | ~~سجد وجهي للذي خلقه ، وصوره ، وشق سمعه وبصره ، فتبارك الله أحسن | ~~الخالقين ' ومنها : ' سبوح قدوس ربنا و الملائكة والروح ' ومنها : | اللهم ~~اغفر لي ذنبي كله دقه وجله وأوله وآخره وعلانيته وسره ومنها : | اللهم إني ~~أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك | منك لا أحصي ثناء ~~عليك كما أثنيت على نفسك ' . # وإنما قال صلى الله عليه وسلم ' فأعني على نفسك بكثرة السجود ' | لأن ~~السجود غاية التعظيم ، فهو معراج المؤمن ، ووقت خلوص ملكيته من | أسر ~~البهيمية ، ومن مكن من نفسه للغاشية الالهية فقد أعان مفيض الخير . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' أمتي يوم القيامة غر من السجود | محجلون من ~~الوضوء ' . | PageV01P436 # أقول : عالم المثال مبناه على مناسبة الأرواح بالأشباح كما ظهر منع ~~الصائمين | عن الأكل والجماع بالختم على الأفواه والفروج . # ومن هيآت ما بين السجدتين أن يجلس على رجله اليسرى ، وينصب | اليمنى ، ~~ويضع راحتيه على ركبتيه . # ومن أذكاره : ' اللهم اغفر لي ، وارحمني ، واهدني ، وعافني ، وارزقني ' . ~~| ومن هيآت القعدة أن يجلس على رجله اليسرى ، وينصب اليمنى ، | وروي في ~~الأخيرة قدم رجله ، اليسرى ونصب الأخرى ، وقعد على | مقعدته ، وأن يضع يديه ~~على ركبتيه ، وورد يلقم كفه اليسرى ركبته ، وأن | يعقد ثلاثا وخمسين وأشار ~~بالسبابة ، وروي قبض ثنتين ، وحلق | حلقة ، والسر في رفع الأصبع الإشارة ~~إلى التوحيد ، ليتعاضد القول | والفعل ، ويصير المعنى متمثلا متصورا ، ومن ~~قال : أن مذهب أبي حنيفة | رحمه الله ترك الإشارة بالمسبحة فقد أخطأ ، ولا ~~يعضده رواية ولا دراية | قاله ابن الهمام ، نعم لم يذكره محمد رحمه الله في ~~الأصل ، وذكره في الموطأ ، | ووجدت بعضهم لا يميز بين قولنا ليست الإشارة ~~في ظاهر المذهب ، وقولنا | ظاهر المذهب أنها ليست ، ومفاسد الجهل والتعصب ~~أكثر من أن تحصى . # وجاء ms312 في التشهد صيغ : أصحها تشهد ابن مسعود رضي الله عنه ، ثم | تشهد ابن ~~عباس . وعمر رضي الله عنهما ؛ وهي كأحرف القرآن كلها شاف | كاف ، وأصح صيغ ~~الصلاة ' اللهم صل على محمد وعلى آل محمد ، كما صليت | على إبراهيم وعلى آل ~~إبراهيم ، إنك حميد مجيد ، اللهم بارك على محمد | وعلى آل محمد كما باركت ~~على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد | PageV01P437 | واللهم صلي على ~~محمد وأزواجه وذريته ، كما صليت على آل إبراهيم ، وبارك | على محمد وأزواجه ~~وذريته ، كما باركت على آل إبراهيم ، إنك حميد مجيد ' . # وقد ورد في صيغ الدعاء في التشهد : ' اللهم إني أعوذ بك من عذاب | جهنم ، ~~وأعوذ بك من عذاب القبر ، وأعوذ بك من شر المسيح الدجال ، | وأعوذ بك من ~~فتنة المحيا والممات ' وورد ' اللهم إني ظلمت نفسي ظلما | كثيرا : ولا يغفر ~~الذنوب إلا أنت ، فاغفر لي مغفرة من عندك ، وارحمني | أنك أنت الغفور ~~الرحيم ' وورد ' اللهم اغفر لي ما قدمت ، وما أخرت ، | وما أسررت ، وما ~~أعلنت ، وما أسرفت ، وما أنت أعلم به مني ، أنت | المقدم ، وأنت المؤخر ، ~~لا إله إلا أنت . # ومن أذكار ما بعد الصلاة استغفر الله ثلاثا ، واللهم أنت السلام ومنك | ~~السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام ، لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ~~| له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير اللهم لا مانع لما أعطيت ، | ~~ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، لا إله إلا الله ، ولا ~~نعبد | إلا إياه ، وله النعمة ، وله الفضل ، وله الثناء الحسن ، لا إله إلا ~~الله مخلصين | له الدين ولو كره الكافرون ، اللهم إني أعوذ بك من الجبن ، ~~وأعوذ بك | من البخل ، وأعوذ بك من أرذل العمر ، وأعوذ بك من فتنة الدنيا ~~وعذاب | القبر وثلاث وثلاثون تسبيحة ، وثلاث وثلاثون تحميدة . وأربع ~~وثلاثون | تكبيرة . وروى من كل ثلاث وثلاثون وتمام المائة لا إله إلا الله ~~وحده | لا شريك له الخ ، وروي من كل خمس وعشرون ، والرابع لا إله إلا الله ~~، | ويروى يسبحون في ms313 دبر كل صلاة عشرا ، ويحمدون عشرا ، ويكبرون | عشرا ؛ ~~وروي من كل مائة ، والأدعية كلها بمنزلة أحرف القرآن ، من | من قرأ منها ~~شيئا فاز بالثواب الموعود . | والأولى أن يأتي بهذه الأذكار قبل الرواتب ~~فإنه جاء في بعض الأذكار | PageV01P438 | ما يدل على ذلك نصا كقوله : من ~~قال - قبل أن ينصرف ، ويثني | رجليه من صلاة المغرب والصبح لا إله إلا الله ~~الخ ، وكقول الراوي | كان إذا سلم من صلاته يقول بصوته الأعلى : لا إله إلا ~~الله الخ ، قال | ابن عباس : كنت أعرف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم | بالتكبير ، وفي بعضها ما يدل ظاهرا كقوله ' دبر كل صلاة ' ، وأما ~~قول | عائشة : كان إذا سلم لا يقعد إلا مقدار ما يقول : اللهم أنت السلام ~~فيتحمل | وجوها ، منها أنه كان لا يقعد بهيئة الصلاة إلا هذا القدر ، ولكنه ~~كان | يتيامن ، أو يتياسر ، أو يقبل على القوم بوجهه ، فيأتي بالأذكار ؛ ~~لئلا يظن الظان أن الأذكار من الصلاة ، ومنها أنه كان حينا بعد حين يترك ~~الأذكار | غير هذه الكلمات يعلمهم أنها ليست فريضة ، وإنما مقتضى كان وجود ~~هذا | الفعل كثير لا مرة ولا مرتين ولا المواظبة . # والأصل في الرواتب أن يأتي بها في بيته ، والسر في ذلك كله أن يطع | ~~الفصل بين الفرض والنوافل بما ليس من جنسهما ، وأن يكون فصلا معتدا به | ~~يدرك ببادئ الرأي ، وهو قول عمر رضي الله عنه لمن أراد أن يشفع بعد | ~~المكتوبة : ' اجلس فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم يكن بين صلواتهم | ~~فصل ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم أصاب الله بك يا ابن الخطاب ' ، | ~~وقوله صلى الله عليه وسلم : ' اجعلوها في بيوتكم ' والله أعلم . | ~~PageV01P439 # # | ( ما لا يجوز في الصلاة وسجود السهو والتلاوة ) # # | ( ما لا يجوز في الصلاة ) # واعلم أن مبنى الصلاة على خشوع الأطراف ، وحضور القلب ، | وكف اللسان إلا ~~عن ذكر الله ، وقراءة القرآن . . . ، فكل هيئة باينت | الخشوع ، وكل كلمة ~~ليست بذكر الله ، فإن ذلك ينافي الصلاة ، لا تتم | الصلاة إلا بتركه والكف ~~عنه ، لكن هذه ms314 الأشياء متفاوتة ، وما كل نقصان | يبطل الصلاة بالكلية ، ~~والتمييز بين ما يبطلها بالكلية ، وبين ما ينقصها في | الجملة - تشريع ~~موكول إلى نص الشارع ، وللفقهاء في ذلك كلام كثير ، | وتطبيق الأحاديث ~~الصحيحة عليه عسير ، وأوفق المذاهب بالحديث في هذا | الباب أوسعها . # ولا شك أن الفعل الكثير الذي يتبدل به المجلس ، والقول الكثير | الذي ~~يستكثر جدا - ناقص . # فمن الثاني قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء ~~| من كلام الناس إنما هي التسبيح والتكبير وقراءة القرآن ' وتعليله صلى ~~الله عليه وسلم | التراب في الرجل يسوي الترتب حيث يسجد ، : ' إن كنت فاعلا ~~| فواحدة ' ، ونهيه صلى الله عليه وسلم عن الخصر وهو وضع اليد على الخاصرة ~~| ' فإنه راحة أهل النار ' يعني هيئة أهل البلاء المتحيين المدهوشين ، وعن ~~| الالتفات ' فإنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ' يعني ينقص | ~~الصلاة وينافي كماله . | PageV01P440 # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا تثاءب أحدكم في الصلاة فليكظم | ما ~~استطاع فإن الشيطان يدخل في فيه ' أقول : يريد أن التثاؤب مظنة | لدخول ~~ذباب أو نحوه مما يشوش خاطره ، ويصده عما هو بسبيله . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يمسح | الحصى ~~، فإن الرحمة تواجهه ' وقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يزال الله تعالى | ~~مقبلا على العبد وهو في صلاته ما لم يلتفت ، فإذا ألتفت أعرض عنه ' | وكذا ~~ما ورد من إجابة الله للعبد في الصلاته ، أقول : هذا إشارة إلى أن | جود ~~الحق عام فائض ، وأنه إنما تتفاوت النفوس فيما بينها باستعدادها | الجبلي ~~أوالكسبي ، فإذا توجه إلى الله فتح له باب من جوده ، وإذا أعرض | حرمه ، بل ~~استحق العقوبة بأعراضة . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' العطاس والنعاس والتثاؤب في الصلاة والحيض ~~والقيء والرعاف من الشيطان ' أقول : يريد أنها منافية لمعنى الصلاة ومبناها ~~| وأما الأول فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعل أشياء في الصلاة بيانا ~~للشرع ، وقرر على أشياء ، فذلك ما دونه لا يبطل الصلاة . # والحاصل من الاستقراء أن القول اليسير - مثل ألعنك بلعنة ms315 الله | ثلاثا ، ~~ويرحمك الله ، ويا ثكل أماه ، وما شأنكم تنظرون إلي ، والبطش | اليسير مثل ~~وضع صبيته من العاتق ورفعها ، وغمز الرجل ، ومثل فتح الباب ، | والمشي ~~اليسير كالنزول من درج المنبر إلى مكان ، ليتأتى منه السجود في أصل | ~~المنبر ، والتأخر من موضع الإمام إلى الصف ، والتقدم إلى الباب المقابل ؛ | ~~ليفتح ، والبكاء خوفا من الله ، والإشارة المفهمة ، وقتل الحية والعقرب ، | ~~واللحظ يمينا وشمالا من غير لي العنق - لا يفسد ، وإن تعلق القذر بجسده | ~~أو ثوبه إذا لم يكن بفعله أو كان لا يعلمه ، لا يفسد هذا والله أعلم بحقيقة ~~الحال . | PageV01P441 | # | ( سجود السهو ) # وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما إذا قصر الإنسان في صلاته | أن ~~يسجد سجدتين تداركا لما فرط ، ففيه شبه القضاء وشبه الكفارة . # والمواضع التي ظهر فيها النص أربعة : الأول قوله صلى الله عليه وسلم : | ~~' إذا شك أحدكم في صلاته ، ولم يدر كم صلى ثلاثا أو أربعا ، فليطرح | الشك ~~، وليبن على ما استيقن ، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم ، فإن كان | صلى خمسا ~~شفعها بهاتين السجدتين ، وإن كان صلى تماما لأربع كانتا ترغيما | للشيطان ' ~~أي زيادة في الخير ، وفي معناه الشك في الركوع والسجود . # الثاني أنه صلى الله عليه وسلم صلى الظهر خمسا فسجد سجدتين بعد ما سلم | ~~وفي معنى زيادة الركعة زيادة الركن . # الثالث أنه صلى الله عليه وسلم سلم في ركعتين ، فقيل له في ذلك ، فصلى | ~~ما ترك ثم سجد سجدتين ، وأيضا روى أنه سلم وقد بقي عليه ركعة بمثله ، | وفي ~~معناه أن يفعل سهوا ما يبطل عمده . # الرابع أنه صلى الله عليه وسلم قام في الركعتين لم يجلس حتى إذا قضى | ~~الصلاة سجد سجدتين قبل أن يسلم ، وفي معناه ترك التشهد في القعود . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا قام الإمام في الركعتين فإن ذكر | قبل ~~أن يستوي قائما فليجلس ، وإن استوى قائما ، فلا يجلس ويسجد | سجدتي السهو ، ~~أقول : وذلك أنه إذا قام فات موضعه ، فإن رجع لا أحكم | ببطلان صلاته ، وفي ~~الحديث دليل على أن ms316 من كان قريب الاستواء ولما يستو | فإنه يجلس خلافا لما ~~عليه العامة | PageV01P442 | # | ( سجود التلاوة ) # وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن قرأ آية فيها أمر بالسجود ، أو ~~بيان | ثواب من سجد ، وعقاب من أبى عنه أن يسجد تعظيما لكلام ربه ومسارعة | ~~إلى الخير ، وليس منها مواضع سجود الملائكة لآدم عليه السلام لأن الكلام | ~~في السجود لله تعالى . # والآيات التي ظهر فيها النص أربع عشرة آية أو خمس عشرة ، وبين عمر | رضي ~~الله عنه أنها مستحبة ، وليست بواجبة على رأس المنبر ، فلم ينكر | السامعون ~~، وسلموا له ، وتاويل حديث - سجد النبي صلى الله عليه وسلم | بالنجم ، وسجد ~~معه المسلمون ، والمشركون . والجن . والأنس - عندي | أن في ذلك الوقت ظهر ~~الحق ظهورا بينا ، فلم يكن لأحد إلا الخضوع | والاستسلام ، فلما رجعوا إلى ~~طبيعتهم كفر من كفر ، وأسلم من أسلم ، | ولم يقبل شيخ من قريش تلك الغاشية ~~الإلهية لقوة الختم على قلبه إلا بأن | رفع التراب إلى الجبهة ، فعجل ~~تعذيبه بأن قتل ببدر ، # ومن أذكار سجدة التلاوة : سجد وجهي للذي خلقه ، وشق سمعه | وبصره بحوله ~~وقوته ، ومنها اللهم اكتب لي بها عندك أجرا ، وضع بها عني | وزرا ، واجعلها ~~لي عندك ذخرا ، وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود . | PageV01P443 | # | ( النوافل ) # لما كان من الرحمة المرعية في الشرائع - أن يبين لهم ما لا بد منه ، وما ~~| يحصل به فائدة الطاعة كاملة ، ليأخذ كل إنسان حظه ، ويتمسك المشغول | ~~والمقبل على الارتفاقات بما لا بد منه ، ويؤدي الفارغ المقبل على تهذيب | ~~نفسه وإصلاح آخرته الكامل - توجهت العناية التشريعية إلى بيان | صلوات ~~يتنفلون بها ، وتوقيتها بأسباب وأوقات تليق بها ، وأن يحث عليها ، | ويرغب ~~فيها ، ويفصح عن فوائدها ، وإلى ترغيبهم في الصلاة النافلة غير | المؤقتة ~~إجمالا إلا عند مانع كالأوقات المنهية . # فمنها رواتب الفرائض ، والأصل فيها أن الأشغال الدنيوية لما كانت | منسية ~~ذكر الله صادة عن تدبر الأذكار وتحصيل ثمرة الطاعات فإنها تورث | إخلادا ~~إلى الهيئة البهيمية وقسوة ودهشا للملكية - وجب أن يشرع لهم | مصقلة ~~يستعملونها قبل الفرائض ؛ ليكون الدخول ms317 فيها على حين صفاء | القلب وجمع ~~الهمة ، وكثيرا ما لا يصلي الإنسان بحيث يستوفي فائدة الصلاة ، | وهو ~~المشار إليه في قوله صلى الله عليه وسلم ' كم من مصل ليس له من | صلاته إلا ~~نصفها ثلثها ربعها ' فوجب أن يسن بعدها صلاة تكملة للمقصود # وآكدها عشر ركعات ، أو اثنتا عشرة ركعة متوزعة على الأوقات | وذلك أنه ~~أراد أن يزيد بعدد الركعات الأصلية ، وهي إحدى عشرة لكنها | أشفاع ، فاختار ~~أحد العددين . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' بنى له بيت في الجنة ' أقول هذا إشارة | إلى ~~أنه مكن من نفسه لحظ عظيم من الرحمة | PageV01P444 # قوله صلى الله عليه وسلم : ' ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها ' | ~~أقول : إنما كانتا خيرا منها لأن الدنيا فانية ، ونعيمها لا يخلو عن كدر | ~~النصب والتعب ، وثوابها باق غير كدر # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' من صلى الفجر في جماعة ، ثم قعد يذكر | ~~الله حتى تطلع الشمس ، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة ' | أقول : ~~هذا هو الاعتكاف الذي سنه رسول الله صلى الله عليه وسلم كل | يوم ، وقد مر ~~فوائد الاعتكاف # وقوله صلى الله عليه وسلم في أربع قبل الظهر : ' تفتح لهن أبواب اسماء ' ~~| وقوله صلى الله عليه وسلم ' إنها ساعة تفتح فيها أبواب السماء ، فأحب أن ~~يصعد لي | فيها عمل صالح ' وقوله صلى الله عليه وسلم ' ما مشيء إلا يسبح في ~~تلك | الساعة ' أقول : قد ذكرنا من قبل أن المتعالي عن الوقت له تجليات | ~~في الأوقات ، وأن الروحانية تنتشر في بعض الأوقات ، فراجع هذا الفصل # وإنما سن أربع بعد الجمعة لمن صلاها في المسجد ، وركعتان بعدها لمن | ~~صلاها في بيته لئلا يحصل مثل الصلاة في وقتها ومكانها في اجتماع عظيم من | ~~الناس ، فإن ذلك يفتح على العوام ظن الإعراض من الجماعة ونحو ذلك من | ~~الأوهام ، وهو أمره صلى الله عليه وسلم ألا يوصل صلاة بصلاة حتى | يتكلم ، ~~أو يخرج ، وروى أربع قبل العصر وست بعد المغرب ولم يسن بعد | الفجر لأن ~~السنة فيه الجلوس في ms318 موضع الصلاة إلى صلاة الإشراق ، فحصل | المقصود ، ولأن ~~الصلاة بعده تفتح باب المشابهة بالمجوس ، ولا بعد العصر | للمشابهة ~~المذكورة # ومنها صلاة الليل اعلم أنه لما كان آخر الليل - وقت صفاء الخاطر | عن ~~الاشغال المشوشة وجمع القلب . وهدء الصوت ونوم الناس . وابعد من | ~~PageV01P445 | الرياء والسمعة - وأفضل أوقات الطاعة ما كان فيه الفراغ ~~وإقبال الخاطر ، | وهو قوله صلى الله عليه وسلم ' وصلوا بالليل والناس ~~نياما ' وقوله تعالى : # ^ ( إن ناشئة الليل هي أشد وطئا وأقوام قيلا إن لك في النهار | سحبا ~~طويلا ) ^ # وأيضا فذلك الوقت وقت نزول الرحمة الإلهية ، وأقرب ما يكون | الرب إلى ~~العبد فيه ، وقد ذكرناه من قبل ، وأيضا فللسهر خاصية عجيبة | في إضعاف ~~البهيمية ، وهو بمنزلة الترياق ، ولذلك جرت عادة طوائف | الناس أنهم إذا ~~أرادوا تسخير السباع وتعليمها الصيد لم يستطيعوه إلا من | قبل السهر والجوع ~~، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن هذا السهر | جهد وثقل ' الحديث - ~~كانت العناية بصلاة التهجد أكثر فبين | النبي صلى الله عليه وسلم فضائلها ، ~~وضبط آدابها وأذكارها # قوله صلى الله عليه وسلم ' يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا | هو ~~نام ثلاث عقد ' الحديث أقول : الشيطان يلذذ إليه النوم ، | ويوسوس إليه أن ~~الليل طويل ، ووسوسته تلك أكيدة شديدة لا تنقشع | إلا بتدبير بالغ يندفع به ~~النوم ، وينفتح به من التوجه إلى الله ، فلذلك | PageV01P446 | سن أن يذكر ~~الله إذا هب وهو يمسح النوم عن وجهه ، ثم يتوضأ | ويتسوك ، ثم يصلي ركعتين ~~خفيفتين ، ثم يطول بالآداب والأذكار ما شاء ، | وإني جربت تلك العقد الثلاث ~~، وشاهدت ضربها وتأثيرها مع علمي حينئذ | بأنه من الشيطان ، وذكري هذا ~~الحديث . # قوله صلى الله عليه وسلم ' رب كاسية في الدنيا - أي بأصناف اللباس - | ~~عارية في الآخرة ' أي جزاء وفاقا لخلو نفسها عن الفضائل النفسانية . # قوله صلى الله عليه وسلم ' ماذا أنزل ' الحديث . أقول : هذا | دليل واضح ~~على تمثل المعاني ونزولها إلى الأرض قبل وجودها المحسوس . # قوله صلى الله عليه وسلم ' ينزل ربنا تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا ' | ~~الحديث قالوا هذه كناية ms319 عن تهيؤ النفوس لاستنزال رحمة الله من وجهه | هدء ~~الأصوات الشاغلة عن الحضور ، وصفاء القلب عن الأشغال المشوشة ، | والبعد من ~~الرياء ، وعندي أنه مع ذلك كناية عن شيء متجدد يستحق أن | يعبر عنه بالنزول ~~، وقد أشرنا إلى شيء من هذا ، ولهذين السرين قال النبي | صلى الله عليه ~~وسلم ' أقرب ما يكون الرب من العبد في جوف الليل | الآخر ' وقال : ' أن في ~~الليل لساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيرا | إلا أعطاه ' وقال : ~~عليكم بقيام الليل فإنه دأب الصالحين قبلكم وهو قربة | لكم إلى ربكم ، ~~مكفرة للسيئات ، منهاة عن الإثم ، قد ذكرنا أسرار | التكبير والنهي عن ~~الإثم وغيرهما مراجع . | PageV01P447 # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من أوى إلى فراشه طاهرا يذكر الله حتى | ~~يدركه النعاس لم ينقلب ساعة من الليل يسأل الله شيئا من خير الدنيا | ~~والآخرة إلا أعطاه ' . # أقول معناه من نام على حالة الإحسان الجامع بين التشبه بالملكوت . | ~~والتطلع إلى الجبروت لم يزل طول ليلته على تلك الحالة ، وكانت نفسه راجعة ~~إلى الله في عبادة المقربين . # ومن سنن التهجد أن يذكر الله إذا قام من النوم قبل أن يتوضأ ، وقد | ذكر ~~فيه صيغ منها ' اللهم لك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن | فيهن ، ولك ~~الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد | أنت ملك السماوات ~~والأرض ومن فيهن ، ولك الحمد أنت الحق وعدك | الحق ، ولقاؤك حق ، وقولك حق ~~، والجنة حق ، والنار حق والنبيون حق ، | ومحمد حق ، والساعة حق ، اللهم لك ~~أسلمت ، وبك آمنت ، وعليك توكلت ، | وإليك أنبت ، وبك خاصمت ، وإليك حاكمت ~~فاغفر لي ما قدمت ، | وما أخرت ، وما أسررت ، وما أعلنت ، وما أنت أعلم به ~~مني ، أنت المقدم ، | وأنت المؤخر ، لا إله إلا أنت ، ولا إله غيرك ' . # ومنها : أن كبر الله عشرا ، وحمد الله عشرا ، وقال : سبحان الله | وبحمده ~~عشرا ، وقال : سبحان الملك القدوس عشرا ، واستغفر الله عشرا | وهلل عشرا ، ~~ثم قال : اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا ، وضيق يوم | القيامة عشرا . # ومنعها : ' لا إله إلا ms320 أنت سبحانك اللهم وبحمدك ، أستغفرك لذنبي ، | ~~PageV01P448 | وأسألك رحمتك ، اللهم زدني علما ، ولا تزغ قلبي بعد إذ ~~هديتني ، وهب لي | من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب . # ومنها تلاوة : # @QB@ إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي ~~الألباب @QE@ # إلى آخر السورة ، ثم يستوك ، ويتوضأ ، ويصلي إحدى عشرة ركعة | أو ثلاث ~~عشر ركعة منها الوتر . # ومن آداب صلاة الليل أن يواظب على الأذكار التي سنها رسول الله | صلى ~~الله عليه وسلم في أركان الصلاة ، وأن يسلم على كل ركعتين ، ثم يرفع يديه ~~يقول : | يا رب يا رب يبتهل في الدعاء ، وكان في دعائه صلى الله عليه وسلم ~~اللهم | اجعل في قلبي نورا ، وفي بصري نورا ، وفي سمعي نورا ، وعن يميني ~~نورا ، | وعن يساري نورا ، وفوقي نورا ، وتحتي نورا ، وأمامي نورا ، وخلفي ~~نورا ، | واجعل لي نورا ' . # وقد صلاها النبي صلى الله عليه وسلم على وجوه ، والكل سنة ، والأصل | أن ~~صلاة الليل هو الوتر ، وهو معنى قوله صلى الله عليه وسلم ' إن الله | أمدكم ~~بصلاة هي الوتر ، فصلوها ما بين العشاء والفجر ' وإنما شرعها النبي | صلى ~~الله عليه وسلم وترا لأن الوتر عدد مبارك ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ' ~~إن الله وتر يحب الوتر فأوتروا يا أهل القرآن ' لكن لما رأى | النبي صلى ~~الله عليه وسلم أن القيام لصلاة الليل جهد لا يطيقه إلا من وفق له | ~~PageV01P449 | لم يشرعه تشريعا عاما ، ورخص في تقديم الوتر أول الليل ، ~~ورغب في | تأخيره ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ' من خاف ألا يقوم من آخر ~~| الليل فليوتر أوله ، ومن طمع أن يوتر آخره فليوتر آخره ، فإن صلاة الليل ~~| مشهودة ، وذلك أفضل ' ، والحق أن الوتر سنة هو أوكد السنن بينه علي | ~~وابن عمر . وعبادة بن الصامت رضي الله عنهم . # قوله صلى الله عليه وسلم ' أن الله أمدكم بصلاة هي خيرا لكم من | حمر ~~النعم ' . # أقول : هذا إشارة إلى أن الله تعالى لم يفرض عليهم إلا مقدارا يتأتى | ~~منهم ، ففرض عليهم أولا إحدى عشرة ركعة ، ثم أكملها ms321 بباقي الركعات | في ~~الحضر ، ثم أمدها بالوتر للمحسنين لعلمه صلى الله عليه وسلم أن المستعدين | ~~للإحسان يحتاجون إلى مقدار زائد ، فجعل الزيادة بقدر الأصل إحدى | عشرة ~~ركعة ، وهو قول ابن مسعود رضي الله عنه للأعرابي : ليس لك | ولأصحابك . # ومن أذكار الوتر كلمات علمها النبي صلى الله عليه وسلم الحسن بن علي | ~~رضي الله عنهما ، فكان يقولها في قنوت الوتر : اللهم اهدني فيمن هديت ، | ~~وعافني فيمن عافيت ، وتولني فيمن توليت ، وبارك لي فيما أعطيت ، وقني | شر ~~ما قضيت ، فإنك تقضي ، ولا يقضى عليك ، إنه لا يذل من واليت ، | ولا يعز من ~~عاديت ، تباركت ربنا وتعاليت . # ومنها أن يقول في آخره : اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ | ~~بمعافاتك من عقوبتك ، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك ، أنت كما | أثنيت ~~على نفسك . | PageV01P450 # ومنها أن يقول إذا سلم : سبحان الملك القدوس ثلاث مرات | يرفع صوته في ~~الثالثة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلاها ثلاثا | يقرأ في الأولى ~~: # @QB@ سبح اسم ربك الأعلى @QE@ # وفي الثانية : # @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ # وفي الثالثة : # @QB@ قل هو الله أحد @QE@ | والمعوذتين . # ومنها قيام شهر رمضان ، والسر في مشروعيته أن المقصود من رمضان | أن يلحق ~~المسلمون بالملائكة ، ويتشبهون بهم ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم | ذلك ~~على درجتين : درجة العوام - وهي صوم رمضان والاكتفاء | على الفرائض - ودرجة ~~المحسنين - وهي صوم رمضان وقيام لياليه . وتنزيه | اللسان مع الاعتكاف وشد ~~المئزر في العشر الأواخر - وقد علم النبي | صلى الله عليه وسلم أن جميع ~~الأمة لا يستطيعون الأخذ بالدرجة العليا ، ولا بد | من أن يفعل كل واحد ~~مجهوده . # قوله صلى الله عليه وسلم ' ما زال بكم الذي رأيت من ضيعكم حتى | خشيت أن ~~يكتب عليكم ولو كتب عليكم ما قمتم به ' . | PageV01P451 # اعلم أن العبادات لا تؤقت عليهم إلا بما إطمأنت به نفوسهم ، فخشي | النبي ~~صلى الله عليه وسلم أن يعتاد ذلك أوائل الأمة ، فتطمئن به | نفوسهم ، ~~وسجدوا في نفوسهم عند التقصير فيها التفريط في جنب الله ، | أو يصير من ~~شعائر الدين ms322 ، فيفرض عليهم ، وينزل القرآن ، فيثقل على | أواخرهم ، وما خشي ~~ذلك حتى تفرس أن الرحمة التشريعية تريد أن تكلفهم | بالتشبه بالملكوت ، وأن ~~ليس ببعيد أن ينزل القرآن لأدنى تشهير فيهم | واطمئنانهم به وعضهم عليه ~~بالنواجذ ولقد صدق الله عز وجل فراسته ، | فنفث في قلوب المؤمنين من بعده ~~أن يعضوا عليها بنواجذهم . # قوله صلى الله عليه وسلم ' من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له | ما ~~تقدم من ذنبه ' وذلك لأنه بالأخذ بهذه الدرجة أمكن من نفسه لنفحات | ربه ~~المقتضية لظهور الملكية وتكفير السيئات . # وزادت الصحابة ومن بعدهم في قيام رمضان ثلاثة أشياء : الاجتماع له في | ~~مساجدهم ، وذلك لأنه يفيد التيسير على خاصتهم وعامتهم ، وأداؤه في أول | ~~الليل مع القول بأن صلاة أخر الليل مشهودة ، وهي أفضل كما نبه عمر رضي | ~~عنه لهذا التيسير الذي أشرنا إليه ، وعدده عشرون ركعة ، وذلك لأنهم رأوا | ~~النبي صلى الله عليه وسلم شرع للمحسنين إحدى عشرة ركعة في جميع السنة ، | ~~فحكموا أنه لا ينبغي أن يكون حظ المسلم في رمضان عند قصده الاقتحام | في ~~لجة التشبه بالملكوت أقل من ضعفها . # ومنها الضحى وسرها أن الحكمة الإلهية اقتضت ألا يخلو كل ربع من | أرباع ~~النهار من صلاة تذكر له ما ذهل عنه من ذكر الله لأن الربع ثلاث | ساعات ، ~~وهي أول كثرة للمقدار المستعمل عندهم في أجزاء النهار عربهم | وعجمهم ، ~~ولذلك كان الضحى سنة الصالحين قبل النبي صلى الله عليه وسلم . # وأيضا فأول النهار وقت ابتغاء الرزق والسعي في المعيشة ، فسن في | ~~PageV01P452 | ذلك الوقت صلاة ليكون ترياقا لسم الغفلة الطارئة فيه بمنزلة ~~ما سن النبي | صلى الله عليه وسلم لداخل في السوق من ذكر لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك | له الخ . . . # وللضحى ثلاث درجات أقلها ركعتان ، وفيها أنها تجزئ عن الصدقات | الواجبة ~~' على كل سلامى ابن آدم ' وذلك أن إبقاء كل مفصل على صحته | المناسبة له ~~نعمة عظيمة تستوجب الحد بأداء الحسنات لله والصلاة أعظم | الحسنات تتأتي ~~بجميع الأعضاء الظاهرة والقوى الباطنة . # وثانيها أربع ركعات ، وفيها ms323 عن الله تعالى ' يا ابن آدم اركع لي أربع | ~~ركعات من أول النهار أكفك أخره ' أقول : معناه أنه نصاب صالح من | تهذيب ~~النفس وإن لم يعمل عملا مثله إلى آخر النهار . # وثالثها ما زاد عليها كثماني ركعات وثنتي عشرة . # وأكمل أوقاته حين يترحل النهار وترمض الفصال . # ومنها صلاة الاستخارة ، وكان أهل الجاهلية إذا عنت لهم حاجة من | سفر أو ~~نكاح أو بيع استقسموا بالأزلام ، فنهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم | لأنه ~~غير معتمد على أصل ، وإنما هو محض اتفاق ، ولأنه | افتراء على الله بقولهم ~~: أمرني ربي ، ونهاني ربي ، فوضهم من ذلك | الاستخارة ؛ فإن الإنسان إذا ~~استمطر العلم من ربه ، وطلب منه كشف | مرضاة الله في ذلك الأمر ، ولج في ~~قلبه بالوقوف على بابه - لم يتراخ من | ذلك فيضان سر إلهي ، وأيضا فمن أعظم ~~فوائدها أن يغنى الإنسان عن | PageV01P453 | مراد نفسه ، ونتقاد بهيميته ~~لملكيته ، ويسلم وجهه لله ، فإذا فعل ذلك صار | بمنزلة الملائكة في ~~انتظارهم لإلهام الله ، فإذا ألهموا سعوا في الأمر بداعية | إلهية لا داعية ~~نفسانية . # وعندي أن إكثار الاستخارة في الأمور ترياق مجرب لتحصيل | شبه الملائكة . # وضبط النبي صلى الله عليه وسلم آدابها ودعاءها ، فشرع ركعتين ، | وعلم ' ~~اللهم إني استخيرك بعلمك ، واستقدرك بقدرتك ، وأسألك من | فضلك العظيم ، ~~فإنك تقدر ، ولا أقدر ، وتعلم ولا أعلم ، وأنت علام | الغيوب ، اللهم إن ~~كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة | أمري - أو قال : في ~~عاجل أمري وآجله - فاقدره لي ، ويسره لي ، ثم | بارك لي فيه ، وإن كنت تعلم ~~أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة | أمري - أو قال : في عاجل أمري ~~وآجله - فاصرفه عني ، واصرفني عنه ، | واقدر لي الخير حيث كان ، ثم أرضني ~~به ، قال . ويسمي حاجته . # ومنها صلاة الحاحة ، والأصل فيها أن الابتغاء من الناس وطلب الحاجة | ~~منهم مظنة أن يرى إعانة ما من غير الله تعالى ، فيخل بتوحيد الاستعانة ، | ~~فشرع لهم صلاة ودعاء ليدفع عنهم هذا الشر ، ويصير وقوع الحاجة مؤيدا | له ~~فيما هو ms324 بسبيله من الإحسان ، فسن لهم أن يركعوا ركعتين ، ثم يثنوا | على ~~الله ، ويصلوا على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم يقولوا ' لا إله إلا | ~~الله الحليم الكريم سبحان الله رب العرش العظيم ، والحمد لله رب العالمين ، ~~| أسألك موجبات رحمتك ، وعزائم مغفرتك ، والغنيمة من كل بر ، | والسلامة من ~~كل أثم ، لا تدع لي ذنبا إلا غفرته ، ولا هما إلا فرجته ، | ولا حاجة هي لك ~~رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين ' . | PageV01P454 # ومنها صلاة التوبة ، والأصل فيها أنا الرجوع إلى الله لا سيما عقيب | ~~الذنب قبل أن يرتسخ في قلبه رين الذنب - مكفر مزيل عنه السوء . # ومنها صلاة الوضوء ، وفيها قوله صلى الله عليه وسلم لبلال رضي | الله عنه ~~: ' إني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة ' أقول وسرها أن | المواظبة على ~~الطهارة والصلاة عقبيها نصاب صالح من الإحسان لا يتأتى | إلا من ذي حظ عظيم ~~. # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' بم سبقتني إلى الجنة ' ( أقول ) معناه | أن ~~السبق في هذه الواقعة شبح التقدم في الإحسان ، والسر في تقدم بلال | على ~~إمام المحسنين أن للكمل بإزاء كل كمال من شعب الإحسان تدليا | هو مكشاف ~~حاله ، ومنه يفيض على قلبه معرفة ذلك الكمال ذوقا ووجدانا | نظير ذلك من ~~المألوف أن زيدا الشاعر المحاسب ربما يحضر في ذهنه كونه | شاعرا ، وأنه من ~~أي منزلة من الشعر ، فيذهل عن الحساب ، وربما يحضر | في ذهنه كونه محاسبا ، ~~فيستغرق في بهجتها ، ويذهل عن الشعر ، والأنبياء | عليهم السلام أعرف الناس ~~بتدلي الإيمان العامى لأن الله تعالى أراد أن يتبينوا | حقيقته بالذوق ، ~~فيسنوا للناس سنتهم فيما ينوبهم في تلك المرتبة ، وهذا سر ظهور الأنبياء ~~عليهم السلام من استيفاء اللذات الحسية وغيرها في صورة | عامة المؤمنين ، ~~فرأى رسول صلى الله عليه وسلم تدليه الإيماني بتقدمة | بلال ، فعرف رسوخ ~~قدمه في الإحسان . # ومنها صلاة التسبيح سرها أنها صلاة ذات حظ جسيم من الذكر بمنزلة | الصلاة ~~التامة الكاملة التي سنها رسول صلى الله عليه وسلم بأذكارها | PageV01P455 ~~| للمحسنين فتلك تكفي عنها لمن لم يحط ms325 بها ، ولذلك بين النبي | صلى الله ~~عليه وسلم عشر خصال في فضلها . # ومنها صلاة الآيات - كالكسوف . والخسوف والظلمة - والأصل | فيها أن ~~الآيات إذا ظهرت انقادت لها النفوس والتجأت إلى الله ، | وانفكت عن الدنيا ~~نوع انفكاك ، فتلك الحالة غنيمة المؤمن ينبغي أن يبتهل | في الدعاء والصلاة ~~وسائر أعمال البر ، وأيضا فإنها وقت قضاء الله الحوادث | في عالم المثال ، ~~ولذلك يستشعر فيها العارفون الفزع ، وفزع الرسول الله | صلى الله عليه وسلم ~~عندها لأجل ذلك ، وهي أوقات سريان الروحانية في | الأرض ، فالمناسب إلى ~~للمحسن أن يتقرب إلى الله في تلك الأوقات ، وهو | قوله صلى الله عليه وسلم ~~في الكسوف في حديث نعمان بن بشير : ' فإذا | تجلى الله لشيء من خلقه خشع له ~~' ، وأيضا فالكفار يسجدون للشمس | والقمر ، فكان من حق المؤمن إذا رأى آية ~~عدم استحقاقها العبادة أن | يتضرع إلى الله ، ويسجد له ، وهو قوله تعالى : # @QB@ لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن @QE@ ليكون شعارا ~~للدين وجوابا مسكتا لمنكر به # وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قام قيامين ، وركع ركوعين | حملا ~~لهم على السجدة في موضع الابتهال ، فإنه خضوع مثلها ، فينبغي | تكرارها ، ~~وأنه صلاها جماعة ، وأمر إن ينادى بها أن الصلاة جامعة ، | وجهر بالقراءة ، ~~فمن اتبع فقد أحسن ، ومن صلى صلاة معتدا بها في الشرع | PageV01P456 | فقد ~~عمل بقوله عليه السلام : فإذا رأيتم ذلك فادعوا الله وكبروا ، | وصلوا ، ~~وتصدقوا ' . # ومنها صلاة الاستسقاء ، وقد استسقى النبي صلى الله عليه وسلم لأمته | ~~مرات على أنحاء كثيرة ، لكن الوجه الذي سنه لأمته أن خرج بالناس إلى | ~~المصلى مبتذلا متواضعا متضرعا ، فصلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة ، | ثم ~~خطب ، واستقبل فيها القبلة يدعو ، ويرفع يديه ، وحول رداءه ، وذلك | لأن ~~لاجتماع المسلمين في مكان واحد راغبين في شيء واحد بأقصى همهم | واستغفارهم ~~وفعلهم الخيرات أثرا عظيما في استجابة الدعاء ، والصلاة أقرب | أحوال العبد ~~من الله ، ورفع اليدين حكاية عن التضرع التام والابتهال | العظيم ، تنبه ~~النفس على التخشع ، وتحويل ردائه حكاية عن تقلب أحوالهم | كما ms326 يفعل ~~المستغيث بحضرة الملوك . # وكان من دعائه عليه السلام إذا استسقى ' اللهم اسق عبادك وبهيمتك ، | ~~وانشر رحمتك ، وأحي بلدك الميت ' ومنه أيضا ' اللهم اسقنا غيثا مغيثا | ~~مريئا مريعا نافعا غير ضار عاجلا غير آجل ' . # ومنها صلاة العيدين ، وسيأتيك بيانهما . # ومما يناسبها سجود الشكر عند مجيء أمر يسره أو اندفاع نقمة ، | أو عند ~~علمه بأحد الأمرين ، لأن الشكر فعل القلب ، ولا بد له من شبح | في الظاهر ، ~~ليعتضد به ، ولأن للنعم بطرا ، فيعالج بالتذلل للمنعم . # فهذه هي الصلوات التي سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم لستمدي | ~~PageV01P457 | الإحسان والسبق من أمته زيادة على الواجب المحتوم على خاصتهم ~~وعامتهم . # ثم الصلاة خير موضوع فمن استطاع أن يستكثر منها فليفعل غير أنه | نهى عن ~~خمسة أوقات : ثلاثة منها أوكد نهيا عن الباقيين ، و حتى الساعات | الثلاث ~~إذا طلعت الشمس بازغة حتى ترتفع ، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى | تميل ، ~~وحين تتضيف للغروب حتى تغرب ، لأنها أوقات صلاة المجوس ، | وهم قوم حرفوا ~~الدين جعلوا يعبدون الشمس من دون الله ، واستحوذ | عليهم الشيطان ، وهذا ~~معنى قوله صلى الله عليه وسلم : ' فإنها تطلع حين | تطلع بين قرني الشيطان ~~' وحينئذ يسجد لها الكفار ، فوجب أن يميز ملة | الإسلام وملة الكفر في أعظم ~~الطاعات من جهة الوقت أيضا . # وأما الآخران فقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا صلاة بعد الصبح حتى | تبزغ ~~الشمس ولا بعد العصر حتى تغرب ' . # أقول : إنما نهى عنهما لأن الصلاة فيهما تفتح باب الصلاة في الساعات | ~~الثلاث ، ولذلك صلى فيهما النبي صلى الله عليه وسلم تارة أنه مأمون أن | ~~يهجم عليه المكروه ، وروى استثناء نصف النهار يوم الجمعة ، واستنبط | ~~جوازها في الأوقات الثلاث في المسجد الحرام من حديث ' يا بني عبد مناف | من ~~ولي منكم من أمر الناس شيئا فلا يمنعن أحدا طاف بهذا البيت ، | وصلى أي ~~ساعة شاء من ليل أو نهار ' وعلى هذا فالسر في ذلك أنهما | وقت ظهور شعائر ~~الدين ومكانه فعارضا المانع في الصلاة . | PageV01P458 # # | ( الاقتصاد في العمل ) # اعلم أن أدوأ الداء في ms327 الطاعات ملال النفس ، فإنها إذا ملت لم تنتبه | ~~لصفة الخشوع ، وكانت تلك المشاق خالية عن معنى العبادة ، وهو قوله | صلى ~~الله عليه وسلم : ' إن لكل شيء شرة وإن لكل شرة فترة ' ولهذا | السر كان ~~أجر الحسنة عند اندراس الرسم بعملها وظهور التهاون فيها مضاعفا | أضعافا ~~كثيرة ، لأنها والحالة هذه لا تنبجس إلا من تنبه شديد وعزم | مؤكد ، ولهذا ~~جعل الشارع للطاعات قدرا كمقدار الدواء في حق المريض | لا يزاد ، ولا ينقص ~~. # وأيضا فالمقصود هو تحصيل صفة الإحسان على وجه لا يفضي إلى إهمال | ~~الارتفاقات اللازمة ، ولا إلى غمط حق من الحقوق ، وهو قول سلمان | رضي الله ~~عنه : إن لعينيك عليك حقا وإن لزوجك عليك حقا ، فصدقه | النبي صلى الله ~~عليه وسلم : ' أنا أصوم وأفطر ، وأقوم وأرقد ، وأتزوج | النساء ، فمن رغب ~~عن سنتي فليس مني ' . # وأيضا فالمقصود من الطاعات هو استقامة النفس ودفع اعوجاجها ، | لا ~~الإحصاء ، فإنه كالمتعذر في حق الجمهور ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : | ~~' استقيموا ، ولن تحصوا ، وأتوا من الأعمال ما تطيقون ' والاستقامة | تحصل ~~بمقدار معين ينبه النفس لالتذاذها بلذات الملكية وتألمها من خسائس | ~~البهيمية ، ويفطنها بكيفية انقياد البهيمية للملكية ، فلو أنه أكثر منها ~~اعتادتها | النفس ، واستحلتها فلم تتنبه لثمرتها | PageV01P459 # وأيضا فمن المقاصد الجليلة في التشريع أن يسد باب التعمق في الدين # لئلا يعضوا عليها بنواجذهم ، فيأتي من بعدهم قوم ، فيظنوا أنها من ~~الطاعات | السماوية المفروضة عليهم ، ثم تأتي طبقة أخرى ، فيصير الظن عندهم ~~يقينا ، | والمحتمل مطمأنا به ، فيظل الدين محرفا ، وهو قوله تعالى : # @QB@ رهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم @QE@ # وأيضا فمن ظن من نفسه - وإن أقر بخلاف ذلك من لسانه - أن | الله لا يرضى ~~إلا بتلك الطاعات الشاقة ، وأنه لو قصر في حقها فقد وقع بينه | وبين تهذيب ~~نفسه حجاب عظيم ، وأنه فرط في جنب الله ، فإنه يؤاخذ بما | ظن ، ويطالب في ~~بالخروج عن التفريط في جنب الله حسب اعتقاده ، فإذا | قصر انقلبت علومه ~~عليه ضارة مظلمة ، فلم تقبل طاعاته لهنة في نفسه ، | وهو قوله صلى الله ~~عليه ms328 وسلم : ' إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد | إلا غلبه ' # فلهذه المعاني عزم النبي صلى الله عليه وسلم على أمته أن يقتصدوا في | ~~العمل ، ألا يجاوزوا إلى حد يفضي إلى ملال واشتباه في الدين أو إهمال | ~~الارتفاقات ، وبين تلك المعاني تصريحا أو تلويحا . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل ' # أقول : وذلك لأن إدامتها والمواظبة عليها آية كونه راغبا فيها ، | وأيضا ~~فالنفس لا تقبل أثر الطاعة ، ولا تتشرب فائدتها إلا بعد مدة | ومواظبة ~~واطمئنان بها ووجدان أوقات تصادف من النفس فراغا بمنزلة | الفراغ الذي يكون ~~سببا لانطباع العلوم من الملأ الأعلى في رؤياه ، وذلك | غير معلوم القدر ، ~~فلا سبيل إلى تحصيل ذلك إلا الإدامة والإكثار ، | PageV01P460 | وهو قول ~~لقمان عليه السلام : وعود نفسك كثرة الاستغفار ، فإن الله ساعة | لا يرد ~~فيها سائلا . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' خذوا من الأعمال ما تطيقون ، فإن الله | لا ~~يمل حتى تملوا ' أي لا يترك الإثابة إلا عند ملالهم ، فأطلق الملال | ~~مشاكلة . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن أحدكم إذا صلى وهو ناعس لا يدري | لعله ~~يستغفر ، فيسب نفسه ' . # أقول : يريد أنه لا يميز بين الطاعة وغيرها من شدة الملال ، فكيف | يتنبه ~~بحقيقة الطاعة . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' فسددوا ' يعني خذوا طريقة السداد ، | وهي ~~التوسط الذي يمكن مراعاته والمواظبة عليه ' وقاربوا ' يعني لا تظنوا | أنكم ~~بعداء لا تصلون إلا بالأعمال الشاقة ' وأبشروا ' يعني حصلوا الرجاء | ~~والنشاط ' واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة ' هذه الأوقات | أوقات ~~نزول الرحمة وصفاء لوح القلب من أحاديث النفس ، وقد ذكرنا | من ذلك فصلا . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من نام عن حزبه ، أو عن شيء منه | فقرأه ~~فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتب له كإنما قرأه من الليل ' . # أقول : السبب الأصلي في القضاء شيئان : أحدهما ألا تسترسل النفس | بترك ~~الطاعة ، فيعتاده ، ويحسر عليه إلتزامها من بعد ، والثاني أن يخرج عن | ~~العهدة ، ولا يضمر أنه فرط في جنب الله ، فيؤاخذ عليه من حيث يعلم ms329 أو لا ~~يعلم . | PageV01P461 # # | ( باب صلاة المعذورين ) # لما كان من تمام التشريع - أن يبين لهم الرخص عند الأعذار ، | ليأتي ~~المكلفون من الطاعة بما يستطيعون ، ويكون قدر ذلك مفوضا إلى | الشارع ، ~~ليراعي فيه التوسط ، لا إليهم ، فيفرطوا ، أو يفرطوا - | اعتنى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم بضبط الرخص والأعذار . # ومن أصول الرخص أن ينظر إلى اصل الطاعة حسبما تأمر به حكمة | البر ، فيعض ~~عليها في بالنواجد على كل حال ، وينظر إلى حدود وضوابط | شرعها الشارع ، ~~ليتيسر لهم الأخذ بالبر ، فيصرف فيها إسقاطا وإبدالا | حسبما تؤدي إليه ~~الضرورة . # فمن الأعذار السفر ، وفيه من الحرج ما لا يحتاج إلى بيان ، فشرع | رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم له رخصا . # منها القصر ، فأبقى أصل أعداد الركعات - وهي إحدى عشرة ركعة ، | وأسقط ما ~~زيد بشرط الطمأنينة والحضر ، ولما كان هذا العدد فيه شائبة | العزيمة لم ~~يكن من حقه أن يقدر بقدر الضرورة ، ويضيق في ترخيصه كل | التضييق ، فلذلك ~~بين رسول الله صلى الله عليه وسلم أن شرط الخوف في | الآية لبيان الفائدة ، ~~ولا مفهوم له ، فقال : ' صدقة تصدق الله بها | عليكم فاقبلوا صدقة ' ~~والصدقة لا يضيق فيها أهل المروءات ، ولذلك | أيضا واظب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم على القصر ، وإن جوز الاتمام ، | في الجملة فهو سنة مؤكدة ، ولا ~~اختلاف بيم ما روى من جواز الإتمام ، PageV01P462 | وأن الركعتين في السفر ~~تمام غير قصر لأنه يمكن أن يكون الواجب الأصلي | هو ركعتين ، ومع ذلك يكون ~~الاتمام مجزئا بالأولى - كالمريض . | والعبد - يصليان الجمعة فيسقط عنهم ~~الظهر ، أو كالذي وجب عليه بنت | مخاض فتصدق بالكل ، ولذلك كان من حقه أنه ~~إذا صح على المكلف | إطلاق اسم المسافر جاز له القصر إلى أن يزول عنه هذا ~~الاسم بالكلية ، | لا ينظر في ذلك إلى وجود الحرج ، ولا إلى عدم القدرة على ~~الاتمام لأنه | وظيفة من هذا شأنه ابتداء وهو قول ابن عمر رضي الله عنه : ~~سن | رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة السفر ركعتين ، وهما تمام | غير ~~قصر . # واعلم أن ms330 السفر والإقامة والزنا والسرقة ، وسائر ما أدار الشارع عليه | ~~الحكم أمور يستعملها أهل العرف في مظانها ، ويعرفون معانيها ، ولا ينال | ~~حده الجامع المانع إلا بضرب من الاجتهاد والتأمل ، ومن المهم معرفة | طريق ~~الاجتهاد ، فنحن نعلم نموذجا منها في السفر ، فنقول : هو معلوم | بالقسمة . ~~والمثال : يعلم جميع أهل اللسان أن الخروج من مكة إلى المدينة ، | ومن ~~المدينة إلى خيبر سفر لا محالة ، وقد ظهر من فعل الصحابة وكلامهم ، | أن ~~الخروج من مكة إلى جدة . وإلى الطائف . وإلى عسفان وسائر | ما يكون المقصد ~~فيه على أربعة برد سفر ، ويعلمون أيضا أن الخروج | من الوطن على أقسام : ~~تردد إلى الزارع والبساتين وهيمان بدون تعيين | مقصد سفر ، ويعلمون أن اسم ~~أحد هذه لا يطلق على الآخر ، وسبيل | الاجتهاد أن يستقرئ الأمثلة التي يطلق ~~عليها الاسم عرفا وشرعا ، وأن | يسبر الأوصاف التي بها يفارق أحدها قسيمة ، ~~فيجعل أعمها في موضع | PageV01P463 | الجنس ، واخصها في موضع الفصل ، ~~فعلمنا أن الانتقال من الوطن جزء | نفسي ، إذ من كان ثاويا في محل إقامته ~~لا يقال له : مسافر ، وأن الانتقال | إلى موضع معين جزء نفسي ، وإلا كان ~~هيمانا لا سفرا ، وأن كون ذلك | الموضع بحيث لا يمكن له الرجوع منه إلى محل ~~إقامته في يومه وأوائل ليلته | جزء نفسي ، وإلا كان مثل التردد إلى ~~البساتين والمزارع ، ومن لازمه | أن يكون مسيرة يوم تام - وبه قال سالم - ~~لكن مسير أربعة برد | متيقن ، وما دونه مشكوك وصحة هذا الاسم يكون بالخروج ~~من سور | البلد أو حلة القرية أو بيوتها بقصد موضع هو على أربعة برد ، ~~وزوال | هذا الاسم إنما يكون بنية الإقامة مدة صالحة يعتد بها في بلده أو ~~قربه . # ومنها الجمع بين الظهر . والعصر . والمغرب . والعشاء ، والأصل فيه | ما ~~أشرنا أن الأوقات الأصلية ثلاثة : الفجر . والظهر . والمغرب ، وإنما | اشتق ~~العصر من الظهر ، والعشاء من المغرب لئلا تكون المدة الطويلة | صلة بين ~~الذكرين ، ولئلا يكون النوم على صفة الغفلة ، فشرع ، لهم | جمع التقديم ~~والتأخير لكنه لم يواظب عليه ولم يعزم عليه مثل ms331 ما فعل | في القصر . # ومنها ترك السنن فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم . وأبو بكر . | وعمر ~~. وعثمان رضي الله عنهم لا يسبحون إلا سنة الفجر والوتر . # ومنها الصلاة على الراحلة حيث توجهت به يومئ إيماء وذلك في | النوافل ~~وسنة الفجر . والوتر لا الفرائض . # ومن الأعذار الخوف ، وقد صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة | الخوف ~~على أنحاء كثيرة . | PageV01P464 # منها أن رتب القوم صفين ، فصلى بهم ، فلما سجد سجد معه | صف سجدتيه ، ~~وحرس صف ، فلما قاموا سجد من حرس ، ولحقوه ، | وسجد معه في الثاني من حرس ~~أولا ، وحرس الآخرون ، فلما جلس سجد | من حرس ، وتشهد بالصفين ، وسلم ~~والحالة التي تقتضي هذا النوع أن | يكون العدو في جهة القبلة . # ومنها أن صلى مرتين كل مرة بفرقة ، والحالة التي تقتضي هذا النوع | أن ~~يكون العدو في غيرها ، وأن يكون توزيع الركعتين عليهم مشوشا لهم ، | ولا ~~يحيطوا بأجمعهم بكيفية الصلاة . # ومنها أن وقفت فرقة في وجهة ، وصلى بفرقة ركعة ، فلما قام للثانية | ~~فارقته ، وأتمت ، وذهبت وجاه العدو ، وجاء الواقفون ، فاقتدوا به ، | فصلى ~~بهم الثانية ، فلما جلس للتشهد قاموا ، فأتموا ثانيتهم ، ولحقوه ، وسلم | ~~بهم . . . ، والحالة المقتضية لهذا النوع أن يكون العدو في بغير القبلة ، ~~ولا | يكون توزيع الركعتين عليهم مشوشا لهم . # ومنها أنه صلى بطائفة منهم ، وأقبلت طائفة من العدو ، فركع بهم | ركعة ، ~~ثم انصرفوا بمكان الطائفة التي لم تصل ، وجاء أولئك ، فركع بهم | ركعة ، ثم ~~أتم هؤلاء وهؤلاء . # ومنها أن يصلي كل واحد كيفما أمكن راكبا أو ماشيا لقبلة أو غيرها | رواه ~~ابن عمر رضي الله عنهما . . . ، والحالة المقتضية لهذا النوع أن يشتد | ~~الخوف ، أو يلتحم القتال . | PageV01P465 # وبالجملة فكل نحو روى عن النبي صلى الله عليه وسلم فهو جائز ، و يفعل | ~~الإنسان ما هو أخف عليه وأوفق بالمصلحة حالتئذ . # ومن الأعذار المرض و فيه قوله صلى الله عليه وسلم ' صل قائما فإن لم ~~تستطع ، | فقاعدا ، فإن لم تستطع ، فعلى جنب ' . # وقال صلى الله عليه وسلم في : النافلة من صلى قائما فهو أفضل ms332 ، ومن | صلى ~~قاعدا فله نصف أجر القائم ' # أقول لما كان من حق الصلاة أن يكثر منها - وأصل الصلاة يتأتى قائما | ~~وقاعدا كما بينا ، وإنما وجب القيام عند التشريع ، ما لا يدرك كله لا يترك ~~| كله - واقتضت الرحمة أن يسوغ لهم الصلاة النافلة قاعدا ، وبين لهم ما بين ~~| الدرجتين . # وقد وردت صلاة الطالب ، وصلاة المطر ، وصلاة الوحل : ولم يترخص | أحد من ~~الصحابة في الضوابط والحدود من ضرورة لا يجد منها بدا من غير | شائبة ~~الإنكار والتهاون إلا وسلمه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقوله صلى الله ~~عليه وسلم ' فإذا | أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ' كلمة جامعة ، والله ~~أعلم . | PageV01P466 # # | ( الجماعة ) # اعلم أنه لا شيء أنفع من غائلة الرسوم من أن يجعل شيء من الطاعات | رسما ~~فاشيا يؤدي على رءوس الخامل والنبيه ، ويستوي فيه الحاضر والباد ، | ويجرى ~~فيه التفاخر والتباهي ، حتى تدخل في الارتفاقات الضرورية التي | لا يمكن ~~لهم أن يتركوها ، ولا أن يهملوها لتصير مؤيدا لعبادة الله ، والسنة | تدعو ~~إلى الحق ، ويكون الذي يخاف منه الضرر هو الذي يجلبهم إلى الحق . # ولا شيء من الطاعات أتم شأنا ولا أعظم برهانا من الصلاة ، فوجب | إشاعتها ~~فيما بينهم والاجتماع لها ، وموافقة الناس فيها . # وأيضا فالملة تجمع ناسا علماء يقتدى بهم ، وناسا يحتاجون في تحصل | ~~إحسانهم إلى دعوة حثيثة ، وناسا ضعفاء البنية ولو لم يكلفوا أن يؤدوا على | ~~أعين الناس تهاونوا فيها . فلا أنفع ولا أوفق بالمصلحة في حق هؤلاء جميعا | ~~أن يكلفوا أن يطيعوا الله على أعين الناس ليتميز فاعلها من تاركها ، | ~~وراغبها من الزاهد فيها ، ويقتدي بعالمها ، ويعلم جاهلها ، وتكون طاعة | ~~الله فيهم كسبيكة تعرض على طائف الناس ، ينكر منها المنكر ، ويعرف منها | ~~المعروف ، ويرى غشها وخالصها . # وأيضا فلاجتماع المسلمين راغبين في الله ، راجين راهبين منه ، مسلمين | ~~وجوههم إليه - خاصية عجيبة في نزول البركات وتدلي الرحمة كما بينا في | ~~الاستسقاء . والحج . # وأيضا فمراد الله من نصب هذه الأمة أن تكون كلمة الله هي العليا ، | وألا ~~يكون في الأرض دين أعلى من الإسلام ms333 ، ولا يتصور ذلك إلا بأن | يكون سنتهم ~~أن يجتمع خاصتهم وعامتهم ، وحاضرهم وباديهم ، وصغيرهم | وكبيرهم ، لما هو ~~أعظم شعائره وأشهر طاعاته . # فلهذه المعاني انصرفت العناية التشريعية إلى شرع الجمعة والجماعات ، | ~~والترغيب فيها وتغليظ النهي عن تركها . | PageV01P467 # والإشاعة إشاعتان : إشاعة في الحي ، وإشاعة في المدينة ، والإشاعة | في ~~الحي تتيسر في كل وقت صلاة والإشاعة في المدينة لا تتيسر إلا غب | طائفة من ~~الزمان كالأسبوع ، أما الأولى فهي الجماعة ، وفيها قوله صلى الله عليه وسلم ~~| : صلاة الجماعة تفصل صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة ' | وفي رواية ' بخمس ~~وعشرين درجة ' وقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم ، أو لوح أن | من المرجحات ~~أنه إذا توضأ ، فأحسن وضوءه ، ثم توجه إلى المسجد ، | لا ينهضه إلا الصلاة ~~كان مشيه في حكم الصلاة ، وخطواته مكفرات لذنوبه ، | وأن دعوة المسلمين ~~تحيط بهم من ورائهم ، وأن في انتظار الصلوات معنى | الرباط والاعتكاف إلى ~~غير ذلك ، ثم ما نوه بأحد العددين المذكورين | إلا لنكتة بليغة تمثلت عنده ~~صلى الله عليه وسلم ، وقد ذكرناها من قبل | فراجع ، وليس في الحق الذي لا ~~يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه | جزاف بوجه من الوجوه . # وفيها قوله صلى الله عليه وسلم ' ما من ثلاثة في قرية أو بدو لا تقام | ~~فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان ' أقول هو إشارة إلى أن | تركها ~~يفتح باب التهاون . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' والذي نفسي بيده لقد هممت أن آمر | بحطب ~~فيحطب ' الحديث أقول الجماعة سنة مؤكدة تقام اللأئمة على | تركها لأنها من ~~شعائر الدين ، لكنه صلى الله عليه وسلم رأى من بعض من | هنالك تأخرا ~~واستبطاء ، وعرف أن سببه ضعف النية في الإسلام ، فشدد | النكير عليهم ، ~~وأخاف قلوبهم . | PageV01P468 # ثم لما كان في شهود الجماعة حرج للضعيف ، والسقيم ، وذي الحاجة | اقتضت ~~الحكمة أن يرخص في تركها عند ذلك ، ليتحقق العدل بين | الإفراط والتفريط : # فمن أنواع الحرج ليلة ذات برد ومطر ، ويستحب عند ذلك قول المؤذن : | ألا ~~صلوا في الرحال . # ومنها حاجة يعسر التربص بها ms334 كالعشاء إذا حضر ، فإنه ربما تتشوف | نفس ~~إليه ، وربما يضيع الطعام ، وكمدافعة الاخبثين ، فإنه بمعزل عن فائدة | ~~الصلاة مع ما به من اشتغال النفس ، ولا اختلاف بين حديث لا صلاة | بحضرة ~~الطعام ' وحديث ' لا تؤخروا الصلاة لطعام ولا غيره ' إذ يمكن | تنزيل كل ~~واحد على صورة أو معنى إذ المراد نفي وجوب الحضور سدا | لباب التعمق ، وعدم ~~التأخير هو الوظيفة لمن أمن شر التعمق ، وذلك | كتنزيل فطر الصائم وعدمه ~~على الحالين ، أو التأخير إذا كان تشوف | إلى الطعام ، أو خوف ضياع وعدمه ~~إذا لم يكن ، وذلك مأخوذ من حالة العلة . # ومنها ما إذا كان خوف فتنة كامرأة أصابت بخورا ، ولا اختلاف بين | قوله ~~صلى الله عليه وسلم : ' إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها ' | ~~وبين ما حكم به جمهور الصحابة من منعهن إذ المنهي الغيرة التي تنبعث من | ~~الأنفة دون خوف الفتنة ، والجائز ما فيه خوف الفتنة ، وذلك قوله | صلى الله ~~عليه وسلم الغيرة غيرتان ' الحديث ، وحديث عائشة ' إن النساء | أحدثن ' ~~الحديث . # ومنها الخوف والمرض ، والأمر فيهما الظاهر ، ومعنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم | PageV01P469 | للأعمى أتسمع النداء بالصلاة ؟ قال : نعم ، قال : ~~فأجب أن سؤاله | كان في العزيمة فلم يرخص له . # ثم وقعت الحاجة إلى بيان الأحق بالإمامة ، وكيفية الاجتماع ، ووصية | ~~الإمام أن يخفف بالقوم ، والمأمومين أن يحافظوا على اتباعه ، وقصة معاذ | ~~رضي الله عنه في الإطالة مشهورة ، فبين هذه المعاني بأوكد وجه ، وهو | قوله ~~صلى الله عليه وسلم يؤم القوم أقرؤهم للكتاب الله فإن كانوا | في القراءة ~~سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة ، | فإن كانوا ~~في الهجرة سواء فأقدمهم سنا ، ولا يؤمن الرجل الرجل في | سلطانه ' . # وسبب تقديم الأقرأ أنه صلى الله عليه وسلم حد للعلم حدا معلوما كما | ~~بينا ، وكان أول ما هنالك معرفة كتاب الله لأنه أصل العلم ، وأيضا فإنه | ~~من شعائر الله ، فوجب أن يقدم صاحبه ، وينوه بشأنه ؛ ليكون ذلك داعيا | إلى ~~التنافس فيه ، وليس كما يظن أن السبب احتياج المصلي إلى ms335 القراءة فقط ، | ~~ولكن الأصل حملهم على المنافسة فيها ، وإنما تدرك الفضائل بالمنافسة ، | ~~وسبب خصوص الصلاة باعتبار المنافسة احتياجها إلى القراءة فليتدبر . # ثم من بعدها معرفة السنة لأنه تلو الكتاب ، وبها قيام الملة ، | وهي ~~ميراث النبي صلى الله عليه وسلم في قومه . # ثم بعده اعتبرت الهجرة إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأن النبي عليه ~~الصلاة والسلام | صلى الله عليه وسلم عظم أمر الهجرة ، ورغب فيها ، ونوه ~~بشأنها ، وهذا من | تمام الترغيب والتنويه . # ثم زيادة السن إذ السنة الفاشية في الملل جميعها توقير الكبير ، ولأنه | ~~أكثر تجربة ، وأعظم حلما . | PageV01P470 # وإنما نهى عن التقدم على ذي سلطان في سلطانه لأنه يشق عليه ، ويقدح | في ~~سلطانه ، فشرع ذلك إبقاء عليه . # وقوله صلى الله عليه وسلم إذا صلى أحدكم للناس فليخفف ، فإن فيهم السقيم ~~والضعيف | والكبير ، وإذا صلى أحدكم لنفسه فليطول ما شاء ' أقول : الدعوة ~~إلى الحق | لا تتم مائدتها إلا بالتيسير ، والتنفير يخالف الموضوع ، والشيء ~~الذي يكلف | به جمهور الناس من حقه التخفيف كما صرح النبي صلى الله عليه ~~وسلم حيث | قال إن منكم منفرين ' . # قوله صلى الله عليه وسلم إنما جعل الإمام ليؤتم به ، فلا تختلفوا | عليه ~~، فإذا ركع ، فاركعوا ، وإذا قال سمع الله لمن حمده ، فقالوا اللهم | ربنا ~~لك الحمد ، وإذا سجد ، فاسجدوا ، وإذا صلى جالسا ، فصلوا جلوسا | أجمعين ' ~~وفي رواية ' وإذا قال : ( ولا الضالين ) فقولوا : أمين ' أقول | بدء ~~الجماعة ما اجتهده عليه معاذ رضي الله عنه برأيه ، فقرره النبي صلى الله ~~عليه وسلم | واستصوبه ، وإنما اجتهد لأنه به تصير صلاتهم واحدة ، ودون ذلك ~~| إنما هو اتفاق في المكان دون الصلاة . # وقوله صلى الله عليه وسلم إذا صلى جالسا فصلوا جلوسا ' منسوخ | بدليل ~~إمامة النبي صلى الله عليه وسلم في آخر عمره جالسا والناس قيام ، | والسر ~~في هذا النسخ أن جلوس الإمام وقيام القوم يشبه فعل الأعاجم | في إفراط ~~تعظيم ملوكهم كما صرح به في بعض روايات الحديث ، فلما استقرت | الأصول ~~الإسلامية ، وظهرت المخالفة مع الأعاجم في كثير من الشرائع | رجح ms336 قياس آخر ~~، وهو أن القيام ركن الصلاة ، فلا يترك من غير | عذر ولا عذر للمقتدي . # قوله صلى الله عليه وسلم ليلنى منكم أو لو الأحلام والنهي ، ثم الذين | ~~PageV01P471 | يلونهم ثلاثا وإياكم وهيشات الأسواق ' أقول : ذلك ليتقرر ~~عندهم | توقير الكبير ، أو ليتنافسوا في عادة أهل السؤدد ، ولئلا يشق على ~~أولى | الأحلام تقديم من دونهم عليهم ، ونهى عن الهيشات تأدبا ، وليتمكنوا ~~| من تدبر القرآن ، وليتشبهوا بقوم ناجوا الملك . # قوله صلى الله عليه وسلم ألا تصفون كما تصف الملائكة عند ربها ' | أقول ~~لكل ملك مقام معلوم ، وإنما وجدوا على مقتضى الترتيب العقلي | في ~~الاستعدادات ، فلا يمكن أن يكون هنالك فرجة ، قوله صلى الله عليه وسلم | ~~إني لأرى الشيطان يدخل من خلل الصف كأنها الحذف ' . | أقول : قد جربنا أن ~~التراص في حلق الذكر سبب جمع الخاطر ووجدان | الحلاوة في الذكر وسد الخطرات ~~، وتركه ينقص من هذه المعاني ، والشيطان | يدخل كلما انتقص شيء من هذه ~~المعاني ، فرأى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم | متمثلا بهذه الصورة ، ~~وإنما رأى في هذه الصورة لأن دخول | الحذف أقرب ما يرى في العادة من هجوم ~~شيء في المضايق مع السواد المشعر | بقبح السريرة . فتمثل الشيطان بتلك ~~الصورة . # قوله صلى الله عليه وسلم لتسون صفوفكم ، أو ليخالفن الله بين | وجوهكم ' ~~وقوله صلى الله عليه وسلم أما يخشى الذي يرفع رأسه | قبل الإمام أن يحول ~~الله رأسه إلى رأس حمار ' أقول : كان النبي صلى الله عليه وسلم | أمرهم ~~بالتسوية والاتباع ، ففرطوا ، وسجل عليهم ، فلم ينزجروا ، | فغلظ التهديد ، ~~وأخافهم إن أصروا على المخالفة أن يلعنهم الحق ؛ إذ منابذة | التدليات ~~الإلهية جالبة للعن ، واللعن إذا أحاط بأحد يورث المسخ ، | PageV01P472 | ~~أو وقوع الخلاف بينهم ، والنكتة في خصوص الحمار أنه بهيمة يضرب به | المثل ~~في الحمق والإهانة ، كذلك هذا العاصي غلب عليه البهيمية والحمق ، | وفي ~~خصوص مخالفة الوجوه أنهم أساءوا الأدب في إسلام الوجه لله ، | فجوزوا في ~~العضو الذي أساءوا به ، كما في كي الوجوه ، أو اختلفوا صورة | بالتقدم ~~والتأخر ، فجوزوا بالاختلاف معنى و ms337 المناقشة . # قوله صلى الله عليه وسلم إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ، | ولا ~~تعدوه شيئا ، ومن أدرك الركعة فقد أدرك الصلاة ' أقول : ذلك | لأن الركوع ~~أقرب شبها بالقيام ، فمن أدرك الركوع فكأنه أدركه ، وأيضا | فالسجدة أصل ~~أصول الصلاة والقيام والركوع تمهيدا له وتوطئة . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا صليتما في رحالكما ، ثم أتيتما مسجد | ~~جماعة فصليا معهم ، فإنها لكما نافلة ' أقول : ذلك لئلا يعتذر وتارك الصلاة ~~| بأنه صلى في بيته ، فيمتنع بالإنكار عليه ، ولئلا تفترق كلمة المسلمين | ~~ولو بادئ الرأي . | PageV01P473 # # | ( الجمعة ) # الأصل فيها أنه لما كانت إشاعة الصلاة في البلد - بأن يجتمع لها أهلها - ~~| متعذره كل يوم وجب أن يعين لها حد لا يسرع دورانه جدا ، فيتعسر | عليهم ، ~~ولا ييطؤ جدا ، فيفوتهم المقصود وكان الأسبوع مستعملا في | العرب والعجم . ~~وأكثر الملل ، وكان صالحا لهذا الحد ، فوجب أن يجعل | ميقاتها ذلك ، ثم ~~اختلف أهل الملل في اليوم الذي يوقت به ، فاختار اليهود | السبت ، والنصارى ~~الأحد لمرجحات ظهرت لهم ، وخص الله تعالى هذه | الأمة بعلم عظيم نفثه أولا ~~في صدور أصحابه صلى الله عليه وسلم حتى أقاموا | الجمعة في المدينة قبل ~~مقدمه صلى الله عليه وسلم وكشفه عليه ثانيا بأن أتاه | جبرائيل بمرآة فيها ~~نقطة سوداء ، فعرفه ما أريد بهذا المثال ، فعرف . # وحاصل هذا العلم أن أحق الأوقات بأداء الطاعات هو الوقت الذي | يتقرب فيه ~~الله إلى عباده ، ويستجاب فيه أدعيتهم ، لأنه أدنى أن تقبل | طاعتهم ، ~~وتؤثر في صميم النفس ، وتنتفع نفع عدد كبير من الطاعات ، وأن | لله وقتا ~~دائرا بدوران الأسبوع يتقرب فيه إلى عباده ، وهو الذي يتجلى | فيه لعبادة ~~في جنة الكثيب ، وأن أقرب مظنة لهذا الوقت هو يوم الجمعة ، | فإنه وقع فيه ~~أمور عظام ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' خير يوم طلعت عليه الشمس | ~~يوم الجمعة ، فيه خلق آدم ، وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا تقوم | ~~الساعة إلا يوم الجمعة ، والبهائم تكون فيه مسيخة ' يعني فزعة مرعوبة | ~~كالذي ماله صوت شديد ، وذلك لما يترشح على ms338 نفوسهم في الملأ السافل ، | ~~ويترشح عليهم من الملأ الأعلى حين تفزع أولا لنزول القضاء ، وهو قوله | صلى ~~الله عليه وسلم كسلسلة على صفوان حتى إذا فزع عن قلوبهم ' | PageV01P474 | ~~الحديث ، وقد حدث النبي صلى الله عليه وسلم بهذه النعمة كما أمره ربه | ~~فقال : ' نحن الآخرون السابقون يوم القيامة ' يعنى في دخول الجنة أو | ~~العرض للحساب ' بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ' | ~~يعني غير هذه الخصلة فإن اليهود . والنصارى تقدموا فيها ' ثم هذا يومهم | ~~الذي فرض عليهم ' يعني الفرد المنتشر الصادق بالجمعة في حقنا وبالسبت . | ~~والأحد في حقهم ' فاختلفوا فيه مهدانا الله له ' أي لهذا اليوم كما هو عند ~~| الله ، وبالجملة فتلك فضيلة خص الله بها هذه الأمة ، واليهود . والنصارى ~~لم | يفتهم أصل ما ينبغي من التشريع ، وكذلك الشرائع السماوية لا تخطئ ~~قوانين | التشريع وإن امتاز بعضها بفضلية زائدة . # ونوه صلى الله عليه وسلم بهذه الساعة ، وعظم شأنها فقال ' لا يوافقها | ~~مسلم يسأل الله فيها خيرا إلا أعطاه إياه ' . ثم اختلفت الرواية في تعيينها ~~| فقيل : هي ما بين أن يجلس الإمام إلى أن تقضى الصلاة لأنها ساعة تفتح | ~~فيها أبواب السماء ، ويكون المؤمنون فيها راغبين إلى الله ، فقد أجتمع فيها ~~| بركات السماء والأرض . # وقيل بعد العصر ألى غيبوبة الشمس لأنها وقت نزول القضاء ، وفي | بعض ~~الكتب الإلهية إن فيها خلق آدم ، وعندي أن الكل بيان أقرب مظنة ، | وليس ~~بتعيين . # ثم مست الحاجة إلى بيان وجوبها والتأكيد فيه ، فقال النبي صلى الله عليه ~~وسلم | ' لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات ، أو ليختمن الله على قلوبهم ، | ~~PageV01P475 | ثم ليكونن من الغافلين ' . أقول هذا إشارة إلى أن تركها يفتح ~~باب التهاون ، | وبه يستحوذ الشيطان . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' تجب الجمعة على كل مسلم إلا امرأة أو صبي | ~~أو مملوك ' وقال صلى الله عليه وسلم : ' الجمعة على من سمع النداء ' أقول : ~~| هذا رعاية للعدل بين الإفراط والتفريط ، وتخفيف لذوي الاعذار ، والذين | ~~يشق عليهم الوصول إليها ، أو يكون في حضورهم فتنة . # وإلى استحباب التنظيف وبالغسل ms339 والسواك والتطيب ولبس الثياب لأنها | من ~~مكملات الطهارة ، فيتضاعف التنبيه لخلة النظافة ، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم | : ' لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك ' ولأنه لا بد لهم من | ~~يوم يغتسلون فيه ، ويتطيبون لأن ذلك من محاسن ارتفاقات بني آدم ، | ولما لم ~~يتيسر كل يوم أمر بذلك يوم الجمعة لأن التوقيت يحض عليه ، ويكمل | الصلاة ، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' حق على كل مسلم أن يغتسل | في كل سبعة ~~أيام يوما يغسل فيه رأسه وجسده ' ولأنهم كانوا عملة أنفسهم ، | وكان لهم ~~إذا اجتمعوا ريح كريح الضأن ، فأمروا في بالغسل ليكون رافعا | لسبب التنفير ~~، وأدعى للاجتماع ، بينه ابن عباس وعائشة رضي الله عنهما . # وإلى الأمر بالإنصات والدنو من الإمام ، وترك اللغو والتبكير | ليكون ~~أدنى إلى استماع الموعظة والتدبر فيها . وبالمشي وترك الركوب | لأنه أقرب ~~إلى التواضع والتذلل لربه ، ولأن الجمعة تجمع المملق والمثري ، | فلعل من ~~لا يجد المركوب يستحي ، فاستحب سد هذا الباب . # وإلى استحباب الصلاة قبل الخطبة لما بينا في سنن الرواتب ، فإذا جاءو ~~الإمام | يخطب فليركع ركعتين ، وليتجوز فيهما رعاية لسنة الراتبة وأدب ~~الخطبة | PageV01P476 | جميعا بقدر الإمكان ، ولا تغتر في هذه المسألة بما ~~يلهج به أهل بلدك فإن | الحديث صحيح واجب اتباعه . # وإلى النهي عن التخطي أو التفريق بين اثنين وإقامة أحد ليخالف إلى | ~~مقعده لأنها مما يفعله الجهال كثيرا ، ويحصل بها فساد ذات البين وهي بذر ~~الحقد . # ثم بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ثواب من أدى الجمعة كاملة موفرة | ~~بآدابها أنه يغفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ، وذلك لأنه مقدار صالح | ~~للحلول في لجة النور ودعوة المؤمنين وبركات صحبتهم وبركة الموعظة والذكر | ~~وغير ذلك . # وبين درجات التكبير ما يترتب عليها من الأجر بما ضرب من | مثل - البدنة . ~~والبقرة . والكبش . والدجاجة - وتلك الساعات أزمنة | خفيفة من وقت وجوب ~~الجمعة إلى قيام الخطبة . # واعلم أن كل صلاة تجمع الأقاصي والأدانى فإنها شفع واحد لئلا تثقل | ~~عليهم وأن فيهم الضعيف والسقيم وذا الحاجة . # ويجهر فيها بالقراءة ms340 ، وليكون أمكن لتدبرهم في القرآن وأنوه بكتاب | الله ~~، ويكون فيها خطبة ، ليعلم الجاهل ، ويذكر الناسي ، | وسن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في الجمعة خطبتين يجلس بينهما ، | ليتوفر المقصد مع استراحة ~~الخطيب وتطرية نشاطه ونشاطهم . # وسنة الخطبة أن يحمد الله ، ويصلى على نبيه ، ويتشهد ، ويأتي بكلمة | ~~الفصل وهي - أما بعد - ويذكر ، ويأمر بالتقوى ، ويحذر عذاب الله | في ~~الدنيا والآخرة ، ويقرأ شيئا من القرآن ويدعو للمسلمين | PageV01P477 | ~~وسبب ذلك أنه ضم مع التذكير التنويه بذكر الله ونبيه وبكتاب الله لأن | ~~الخطبة من شعائر الدين ، فلا ينبغي أن يخلوا منها كالأذان . # وفي الحديث ' كل خطبة ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء ' وقد | تلقت ~~الأمة تلقيا معنويا من غير تلقي لفظ أنه يشترط في الجمعة الجماعة ونوع | من ~~التمدن ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم . وخلفاؤه رضي الله عنهم . | ~~والأئمة المجتهدون رحمهم الله تعالى يجمعون في البلدان ، ولا يؤاخذون أهل | ~~البدو ، بل ولا يقام في عهدهم في البدو ، ففهموا من ذلك قرنا بعد قرن | ~~وعصرا بعد عصر أنه يشترط لها الجماعة والتمدن أقول وذلك لأنه لما كان | ~~حقيقة الجمعة إشاعة الدين في البلد وجب أن ينظر إلى تمدن وجماعة ، والأصح | ~~عندي أنه يكفي اقل ما يقال فيه قرية ، لما روي من طرق شتى يقوي بعضها | ~~بعضا ' خمسة لا جمعة عليهم ' وعد منهم أهل البادية قال صلى الله عليه وسلم ~~| الجمعة على الخمسين رجلا ' أقول الخمسون يتقرى بهم قرية ، وقال | الجمعة ~~واجبة على كل قرية ' وأقل ما يقال فيه : جماعة | لحديث الانفضاض ، والظاهر ~~أنهم لم يرجعوا والله أعلم ، فإذا حصل | ذلك وجبت الجمعة ومن تخلف عنها فهو ~~الآثم ، ولا يشترط أربعون ، وأن | الأمراء أحق بإقامة الصلاة وهو قول علي ~~كرم الله وجهه : أربع إلى الإمام | الخ ، وليس وجود الإمام شرطا ، والله ~~أعلم بالصواب . | PageV01P478 | # | ( العيدان ) # الأصل فيهما أن كل قوم لهم يوم يتجملون فيه ، ويخرجون من بلادهم | ~~بزينتهم ، وتلك عادة لا ينفك عنها أحد من طوائف العرب . والعجم ، وقدم | ~~صلى الله عليه وسلم المدينة ، ولهم يومان ms341 يلعبون فيهما ، فقال : ' ما هذان ~~| اليومان ؟ قالوا : كنا نلعب فيها في الجاهلية ، فقال : قد أبدلكم الله ~~بهما | خيرا منهما يوم الأضحى ويوم الفطر ' قيل : هما النيروز . والمهرجان ~~، | وإنما بدلا لأنه ما من عيد في الناس إلا وسبب وجوده تنويه بشعائر دين ، ~~| أو موافقة أئمة مذهب ، أو شيء مما يضاهي ذلك ، فخشي النبي صلى الله عليه ~~وسلم | إن تركهم وعادتهم أن يكون هنالك تنويه بشعائر الجاهلية ، | أو ترويج ~~لسنة أسلافها ، فأبدلهما بيومين فيهما تنويه بشعائر الملة الحنيفية | وضم ~~مع التجميل فيهما ذكر الله وأبوابا من الطاعة ، لئلا يكون اجتماع | ~~المسلمين بمحض اللعب ، ولئلا يخلوا اجتماع منهم من إعلاء كلمة الله . # أحدهما يوم فطر صيامهم وأداء نوع من زكاتهم ، فاجتمع الفرح | الطبيعي من ~~قبل تفرغهم عما يشق عليهم وأخذ الفقير الصدقات ، والعقلي | من قبل الابتهاج ~~مما أنعم الله عليهم من توفيق أداء ما افترض عليهم ، | وأسبل عليهم من ~~إبقاء رءوس الأهل والولد إلى سنة أخرى . # والثاني يوم ذبح إبراهيم ولده إسماعيل عليهما السلام وإنعام الله عليهما ~~| بأن فداه بذبح عظيم ، إذ فيه تذكر حال أئمة الملة الحنيفية والاعتبار بهم ~~| في بذل المهج والأموال في طاعة الله وقوة الصبر ، وفيه تشبه بالحاج ~~وتنويه | بهم وشوق لما هم فيه ، ولذلك سن التكبير وهو قوله تعالى : | ~~PageV01P479 # @QB@ ولتكبروا الله على ما هداكم @QE@ . # يعني شكرا لما وفقكم للصيام ، ولذلك سن الأضحية والجهر في بالتكبير | ~~أيام منى ، واستحب ترك الحلق لمن قصد التضحية ، وسن الصلاة والخطبة | لئلا ~~يكون شيء من اجتماعهم بغير ذكر الله وتنويه شعائر الدين . # وضم معه مقصوا آخر من مقاصد الشريعة ، وهو أن كل ملة لا بد | لها من عرضة ~~يجتمع فيها أهلها ؛ لتظهر شوكتهم ، وتعلم كثرتهم ، ولذلك | استحب خروج ~~الجميع حتى الصبيان والنساء وذوات الخدور والحيض | ويعتزلن المصلى ، ويشهدن ~~دعوة المسلمين - ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم | يخالف في الطريق ~~ذهابا وإيابا ؛ ليطلع أهل كلتا الطريقين على | شوكة المسلمين . # ولما كان أصل العيد الزينة استحب حسن اللباس والتقليس | ومخالفة الطريق ~~والخروج إلى المصلى ms342 . # وسنة صلاة العيدين أن يبدأ بالصلاة من غير أذان ولا إقامة يجهر فيها | ~~بالقراءة يقرأ عند إرادة التخفيف - بسبح اسم ربك الأعلى ، وهل أتاك | وعند ~~الإتمام ( ق ، واقتربت الساعة ) يكبر في الأولى سبعا قبل القراءة ، | ~~والثانية خمسا قبل القراءة ، وعمل الكوفيين أن يكبر اربعا كتكبير الجنائز | ~~في الأولى قبل القراءة وفي الثانية بعدها ، وهما سنتان ، وعمل الحرمين أرجح ~~. # ثم يخطب يأمر بتقوى الله ، ويعظ ، ويذكر . # وفي الفطر خاصة ألا يغدو حتى يأكل تمرات ، ويأكلهن وترا ، وحتى | يؤدي ~~زكاة الفطر إغناء للفقراء في مثل هذا اليوم ؛ ليشهدوا الصلاة فارغي | القلب ~~، وليتحقق مخالفة عادة الصوم عند إرادة التنويه بانقضاء شهر الصيام | ~~PageV01P480 # وفي الأضحى خاصة ألا يأكل حتى يرجع ، فيأكل من أضحيته اعتناء | بالأضحية ~~ورغبة فيها وتبركا بها ، ولا يضحي إلا بعد الصلاة ؛ لأن الذبح لا يكون قربة ~~إلا بتشبه الحاج ، وذلك بالاجتماع للصلاة . # والأضحية مسنة من معز ، أو جذع من ضأن في كل أهل بيت | وقاسوها على الهدى ~~، فأقاموا البقر عن سبعة ، والجزور عن سبعة مقامها . # ولما كانت الأضحية من باب بذل المال لله تعالى ، وهو قوله تعالى : # @QB@ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم @QE@ . # كان تسميتها واختيار الجيد منها مستحبا لدلالته على صحة رغبته في الله ، ~~| فلذلك يتقي من الضحايا أربعا : العرجاء البين ظلعها . والعوراء البين | ~~عورها . والمريضة البين مرضها . والعجفاء التي لا تنقى ، وينهي عن أعضب | ~~القرن والأذن ، وسن استشراف العين والأذن ، وألا يضحي بمقابلة . | ولا ~~مدابرة . ولا شرقاء ولا خرقاء ، وسن الفحل الأقرن الذي ينظر في | سواد ، ~~ويبرك في سواد ؛ ويطأ في سواد لأن ذلك تمام شباب العز ، | ومن أذكار ~~التضحية . # @QB@ إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض @QE@ . # الخ اللهم منك وإليك ولك من الله ، والله أكبر . | PageV01P481 # # | ( الجنائز ) # اعلم أن عيادات المريض وتمسكه بالرقى المباركة . والرفق بالمحتضر . | ~~وتكفين الميت ودفنه ، والاحسان إليه والبكا عليه وتعزية أهله . وزيارة | ~~القبور أمور تتداولها طوائف العرب ، وتتوارد عليها أو على نظائرها | أصناف ~~العجم ، وتلك عادة لا ينفك عنها أهل الأمزجة ms343 السليمة ، | ولا ينبغي لهم أن ~~ينفكوا ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم نظر فيما | عندهم من العادات ~~فأصلحها ، وصحح السقيم منها . # والمصلحة المرعية إما راجعة إلى نفس المبتلى من حيث الدنيا ، أو من | حيث ~~الآخرة ، أو إلى أهله من إحدى الحيثيتين ، أو في الملة ، والمريض | يحتاج ~~إلى حياته الدنيا إلى تنفيس كربته بالتسلية والرفق ، وإلى أن يتعرض | الناس ~~لمعاونته فيما يعجز عنه ، ولا يتحقق إلا أن تكون العيادة سنة لازمة | في ~~إخوانه وأهل مدينته ، وفي آخرته يحتاج إلى الصبر ، وأن يتمثل الشدائد | ~~عنده بمنزلة الدواء المر يعاف طعمها ، ويرجو نفعها لئلا يكون سببا لغوصه | ~~في الحياة الدنيا واحتجابه والتنحي عن ربه ، بل مؤيدة في حط ذنوبه مع | ~~تحلل أجزاء نسمته ، ولا يتحقق إلا بأن ينبه على فوائد الصبر ومنافع الآلام ~~| والمحتضر في آخر يوم من أيام الدنيا ، وأول يوم من أيام الآخرة ، فوجب | ~~أن يحث على الذكر والتوجه إلى الله لتفارق نفسه - وهي في غاشية من | ~~الإيمان - فيجد ثمرتها في معاده ، والإنسان عند سلامة مزاجه كما جبل | على ~~حب المال والأهل كذلك جبل على حب أن يذكره الناس بخير في حياته | وبعد ~~مماته ، وألا تظهر سوأته لهم حتى إن أسد الناس رأيا من كل طائفة | يجب أن ~~يبذل أموالا خطيرة في بناء شامخ يبقى به ذكره ، ويهجم على المهالك ؛ | ~~PageV01P482 | ليقال له من بعده : أنه جرئ ، ويوصي أن يجعل قبره شامخا ~~ليقول الناس : | هو ذو حظ عظيم في حياته وبعد موته ، وحتى قال حكماؤهم : إن ~~من كان | ذكره حيا في الناس ، فليس بميت ، ولما كان ذلك أمرا يخلقون عليه | ~~ويموتون معه كان تصديق ظنهم وإيفاء وعدهم نوعا من الإحسان إليهم | بعد ~~موتهم . # وأيضا إن الروح إذا فارقت الجسد بقيت حساسة مدركة بالحس المشترك | وغيره ~~، وبقيت على علومها وظنونها التي كانت معها في الحياة الدنيا ، | ويترشح ~~عليها من فوقها علوم يعذب بها أو ينعم ، وهمم الصالحين من عباد | الله ~~ترتقي إلى حظيرة القدس فإذا ألحوا في الدعاء لميت ، أو عانوا صدقة ms344 | عظيمة ~~لأجله وقع ذلك بتدبير الله نافعا للميت ، وصادف الفيض النازل عليه | من هذه ~~الحظيرة ، فأعد لرفاهية حاله . # وأهل الميت قد أصابهم حزن شديد ، فمصلحتهم من حيث الدنيا أن | يعزوا ؛ ~~ليخفف ذلك عنهم بعض ما يجدونه . وأن يعاونوا على دفن ميتهم ، | وأن يهيأ ~~لهم ما يشبعهم في يومهم وليلتهم ، ومن حيث الآخرة أن يرغبوا | في الأجر ~~الجزيل ليكون سدا لغوصهم في القلق ، وفتحا لباب التوجه إلى | الله ، وأن ~~ينهوا عن النياحة وشق الجيوب وسائر ما يذكره الأسف | والموجدة ، ويتضاعف به ~~الحزن والقلق ؛ لأنه حينئذ بمنزلة المريض يحتاج | أن يداوى مرضه لا ينبغي ~~أن يمد فيه ، وكان أهل الجاهلية ابتدعوا أمورا | تقضى إلى الشرك بالله ، ~~فمصلحة الملة أن يسد ذلك الباب ، إذا علمت هذا حان | أن شرع في شرح ~~الأحاديث الواردة في الباب ، قوله صلى الله عليه وسلم : | ما من مسلم يصيبه ~~أذى من مرض ، فما سواه إلا حط الله تعالى به سيأته | كما تحط الشجرة ورقها ~~' . | PageV01P483 # أقول قد ذكرنا المعاني الموجبة لتكفير الخطايا ، منها كسر حجاب | النفس ، ~~وتحلل النسمة البهيمية الحاملة للملكات السيئة ، وأن صاحبها يعرض | عن ~~الاطمئنان بالحياة الدنيا نوع إعراض . # قوله صلى الله عليه وسلم ' مثل المؤمن كمثل الخامة ومثل المنافق | كمثل ~~الازره ' الحديث أقول : السر في ذلك أن لنفس الإنسان قوتين : | قوة بهيمية ~~، وقوة ملكية ، وأن من خاصيته أنه قد تكمن بهيميته ، وتبرز | ملكيته ، ~~فيصير في أعداد الملائكة . . . ، وقد تكمن ملكيته ، وتبرز بهيميته ، | ~~فيصير كأنه من البهائم لا يعبأ به ، وله عند الخروج من سورة البهيمية إلى | ~~سلطنة الملكية أحوال تتعالجان فيها ، تنال هذه منها وتلك من هذه . . . ، | ~~وتلك مواطن المجازاة في الدنيا ، وقد ذكرنا لمية المجازاة من قبل ، فراجع . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا مرض العبد ، أو سافر كتب له بمثل | ما ~~كان يعمل صحيحا مقيما ' أقول : الإنسان إذا كان جامع الهمة على الفعل ، | ~~ولم يمنع عنه إلا مانع خارجي ، فقد أتى بوظيفة القلب ، وإنما التقوى في | ~~القلب ، وإنما الأعمال شروح ومؤكدات ، يعض عليها عند ms345 الاستطاعة ، | ويمهل ~~عند العجز . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' الشهداء خمسة ، أو سبعة ' الحديث | أقول : ~~المصيبة الشديدة التي ليست بصنعة العبد تعمل عمل الشهادة في تكفير | الذنوب ~~، وكونه مرحوما . | PageV01P484 # قوله صلى الله عليه وسلم : ' إن المسلم إذا عاد أخاه المسلم لم يزل في ~~خرفة | الجنة حتى يرجع ' أقول : تآلف أهل المدينة فيما بينهم لا يمكن إلا ~~بمعاونة | ذوي الحاجات ، والله تعالى يحب ما فيه صلاح مدينتهم ، والعيادة ~~سبب | صالح لإقامة التألف . # قول الله تعالى يوم القيامة : ' يا ابن آدم مرضت فلم تعدني ' الخ | أقول ~~: هذا التجلي مثله بالنسبة إلى الروح الأعظم المذكور في قوله تعالى : # @QB@ الملائكة والروح @QE@ . # مثل الصورة الظاهرة في رؤيا الإنسان بالنسبة إلى ذلك الإنسان ، فكما | أن ~~اعتقاد الإنسان في ربه أو حكمه ورضاه في حق هذا الشخص يتمثل | في رؤياه ~~بربه تعالى ، ولذلك كان من حق المؤمن الكامل أن يراه في أحسن | صورة كما ~~رآه النبي صلى الله عليه وسلم ، وكان تعبير من يراه يلطمه في دهليز | بابه ~~أنه فرط في جنب الله في ذلك الدهليز ، فكذلك يتمثل حق الله وحكمه | ورضاه ~~وتدبيره أو قيوميته لأفراد الإنسان ، أو كونه مبدأ تحققهم ومبلغ | اعتقاد ~~أفراد الإنسان في ربهم عند صحة مزاجهم واستقامة نفوسهم حسبما | تعطيه ~~الصورة النوعية في أفراد الإنسان في المعاد بصور كثيرة كما بينه | النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، وهذا التجلي إنما هو للروح الأعظم الذي هو جامع | ~~أفراد الإنسان ، ومتلقى كثرتهم ، ومبلغ رقيهم في الدنيا والآخرة ، أعني | ~~بذلك أن هنا لك لله تعالى شأنا كليا بحسب قيومته له وحكمه فيه ، وهو | الذي ~~يراه الناس في المعاد عيانا دائما بقلوبهم وأحيانا إذا تمثل بصورة | مناسبة ~~بأبصارهم وبالجملة فلذلك كان هذا التجلي مكشافا بحكم الله وحقه | ~~PageV01P485 | في أفراد الإنسان من حيث تعطيها الصورة النوعية مثل تألفهم ~~فيما بينهم | وتحصيلهم للكمال الإنساني المختص بالنوع وإقامة المصلحة ~~المرضية فيهم ، | فوجب أن ينسب ما للقوم إلى نفسه لهذه العلاقة . # وأمر النبي صلى الله عليه وسلم برقى تامة كاملة فيها ذكر ms346 الله والاستعانة ~~| به يريد أن تغشاهم غاشية من رحمة الله ، فندفع بلاياهم ، وأن يكبحهم | ~~عما كانوا يفعلون في الجاهلية من الاستعانة بطواغيتهم ، ويعوضهم عن ذلك | ~~بأحسن عوض ، منها قول الراقي وهو يمسحه بيمينه : ' أذهب الباس | رب الناس ، ~~واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما ' | وقوله : ' بسم ~~الله ارقيك من كل شيء يؤذيك من شر كل نفس أو عين | حاسد ، الله يشفيك باسم ~~الله أرقيك ' وقوله ' أعيذك بكلمات الله التامة من | كل شيطان وهامة ومن كل ~~عين لامة ' وقوله سبع مرات : ' أسأل | الله العظيم رب العرش العظيم أن ~~يشفيك ' ومنها النفث بالمعوذات ، والمسح ، | وأن يضع يده على الذي يألم من ~~جسده ويقول . ' باسم الله ثلاثا وسبع مرات | أعوذ بعزة الله وقدرته من شر ~~ما أجد وأحاذر ' ، وأقول : ' باسم الله الكبير | أعوذ بالله العظيم من شر ~~كل عرق نعار ومن شر حر النار ' وقوله : | ' ربنا الله الذي في السماء تقدس ~~اسمك ، أمرك في السماء والأرض ، كما | رحمتك في السماء فاجعل رحمتك في ~~الأرض ، اغفر لنا حوبنا وخطايانا ، | أنت رب الطيبين ، أنزل رحمة من رحمتك ~~وشفاء من شفائك على هذا الوجع . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يتمنين أحدكم الموت ' الحديث . أقول : | ~~من أدب الإنسان في جنب ربه ألا يجترئ على طلب سلب نعمة ، والحياة | ~~PageV01P486 | نعمة كبيرة لأنها وسيلة إلى كسب الإحسان ، فإنه إذا مات ~~انقطع أكثر | عمله ، ولا يترقى إلا ترقيا طبيعيا ، وأيضا فذلك تهور وتضجر ~~وهما من | أقبح الأخلاق . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من أحب لقاءه الله أحب الله لقاءه ومن | كره ~~لقاء الله كره الله لقائه ' . أقول : معنى لقاء الله أن ينتقل من الإيمان | ~~بالغيب إلى الإيمان عيانا وشهادة ، وذلك أن تنقشع عنه الحجب الغليظة | ~~البهيمية فيظهر نور الملكية ، فيترتشح عليه اليقين من حظيرة القدس ، فيصير ~~| ما وعد على ألسنة التراجمة بمرأى منه ومسمع ، والعبد المؤمن الذي لم يزل ~~| يسعى في ردع بهيميته وتقوية ملكيته يشتاق إلى هذه الحالة اشتياق | كل ~~عنصر إلى حيزه وكل ms347 ذي حس إلى ما هو لذة ذلك الحس ، وإن كان بحسب | نظام ~~جسده يتألم ، ويتنفر من الموت وأسبابه . والعبد الفاجر الذي لم يزل | يسعى ~~في تغليظ البهيمية يشتاق إلى الحياة الدنيا ، ويميل إليها كذلك ، | وحب ~~الله وكراهيته وردا على المشاكلة ، والمراد إعداد ما ينفعه أو يؤذيه | ~~وتهيئته وكونه بمرصاد من ذلك . # ولما اشتبه على عائشة رضي الله عنها أحد الشيئين بالآخر نبه رسول الله | ~~صلى الله عليه وسلم على المعنى المراد بذكر أصرح حالات الحب المترشح من | ~~فوقه الذي لا يشتبه بالآخر وهي حالة ظهور الملائكة . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن ظنه بربه ' | ~~اعلم أنه ليس عمل صالح أنفع للإنسان بعد أدنى ما تستقيم به النفس ، ويندفع ~~| به اعوجاجها ، أعني أداء الفرائض والاجتناب من الكبائر من أن يرجو | من ~~الله خيرا ، فإن التملي من الرجاء بمنزلة الدعاء الحثيث والهمة القوية في | ~~كونه معدا لنزول رحمة الله ، وإنما الخوف سيف يقاتل به أعداء الله من | ~~PageV01P487 | الحجب الغليظة الشهوية والسبعية ووساوس الشيطان ، وكما أن ~~الرجل الذي | ليس بحاذق في القتال قد يسطو بسيفه ، فيصيب نفسه كذلك الذي ~~ليس | بحاذق في تهذيب النفس وربما يستعمل الخوف في غير محله ، فيتهم جميع ~~أعماله | الحسنة بالعجب والرياء وسائر الآفات حتى لا يحتسب لشيء منها أجرا ~~| عند الله ، ويرى جميع صغائره وزلاته واقعة به لا محالة ، فإذا مات تمثلت ~~| سيئاته عاضة عليه في ظنه ، فكان ذلك سببا لفيضان قوة مثالية في تلك المثل ~~| الخيالية ، فيعذب نوعا من العذاب ، ولم ينتفع بحسناته من أجل تلك | ~~الشكوك والظنون انتفاعا معتدا به ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم عن الله | ~~تبارك وتعالى أنا عند ظن عبدي بي ' ولما كان الإنسان في مرضه وضعفه | كثيرا ~~ما لا يتمكن من استعمال سيف الخوف في محله أو يشتبه عليه كانت | السنة في ~~حقه أن يكون رجاؤه أكثر من خوفه . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' أكثروا ذكر هادم اللذات ' أقول : | لا شيء ~~أنفع في كسر حجاب النفس ms348 وردع الطبيعة عن خوضها في لذة | الحياة الدنيا من ~~ذكر الموت ، فإنه يمثل بين عينيه صورة الانفكاك عن الدنيا | وهيئة لقاء ~~الله ، ولهذا التمثل أثر عجيب ، وقد ذكرنا شيئا من ذلك فراجع . # وقوله صلى الله عليه وسلم ' من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل | ~~الجنة ' أقول : ذلك لأن مؤاخذته نفسه - وقد أحيط بنفسه - | بذكر الله تعالى ~~دليل صحة إيمانه ودخول بشاشته القلب ، وأيضا فذكره | ذلك مظنة انصباغ نفسه ~~بصبغ الإحسان ، فمن مات وهذ ، حالته وجبت | له الجنة . # قوله صلى الله عليه وسلم : لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ' وقوله صلى ~~الله عليه وسلم | أقرءوا على موتاكم ( يس ) أقول : هذا غاية الإحسان ~~بالمختصر | PageV01P488 | بحسب صلاح معاده ، وإنما خص ' لا إله إلا الله ' ~~لأنه أفضل الذكر | مشتمل على التوحيد ونفي الإشراك ، وأنوه أذكار الإسلام ، ~~و ( يس ) لأنه | قلب القرآن ، وسيأتيك ، لأنه مقدار صالح للعظة . # قوله صلى الله عليه وسلم : ما من مسلم تصيبه مصيبة ، فيقول | ما أمر الله ~~: # @QB@ إنا لله وإنا إليه راجعون @QE@ . # اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أخلف الله له خيرا | منها ~~' أقول : ذلك ليتذكر المصاب ما عند الله من الأجر ، وما الله قادر | عليه ~~من أن يخلف عليه خيرا لتتخفف موجدته . # قوله صلى الله عليه وسلم ' إذا حضرتم الميت ، فقولوا خيرا ' كقوله | صلى ~~الله عليه وسلم : ' اللهم اغفر لأبي سلمة ورفع درجته ' الحديث | أقول : كان ~~من عادة الناس في الجاهلية أن يدعوا على أنفسهم ، وعسى أن ، | يتفق ساعة ~~الإجابة ، فيستجاب ، فبدل ذلك بما هو أنفع له ولهم ، وأيضا | فهذه هي ~~الصدمة الأولى ، فيسن هذا الدعاء ليكون وسيلة إلى التوجه | تلقاء الله . # قال النبي صلى الله عليه وسلم في ابنته : اغسلنها وترا ، ثلاثا أو خمسا . ~~| أو سبعا بماء وسدر ، واجعلن في الآخرة كافورا ، وقال : ابدأن بميامنها | ~~ومواضع الوضوء منها أقول : الأصل في غسل الموتى أن يحمل على غسل | الأحياء ~~لأنه هو الذي كان يستعمله في حياته وهو الذي يستعمله الغاسلون | ~~PageV01P489 | في أنفسهم فلا شيء في ms349 تكريم الميت مثله ، وإنما أمر بالسدر ~~وزيادة | الغسلات لأن المرض مظنة الأوساخ والرياح المنتنة ، وإنما أمر ~~بالكافور | في الآخرة لأن من خاصيته ألا يسرع التغير فيما استعمل ، ويقال : ~~من فوائده | أنه لا يقرب منه حيوان مؤذ ، وإنما بدئ بالميامن ليكون غسل ~~الموتى | بمنزلة غسل الأحياء ، وليحصل إكرام هذه الأعضاء ، وإنما جرت السنة ~~في | الشهيد ألا يغسل ، ويدفن في ثيابه ودمائه تنويها بما فعل ، وليتمثل ~~صورة | بقاء عمله بادى الرأي ، ولأن النفوس البشرية إذا فارقت أجسادها بقيت ~~| حساسة عالمة بأنفسها ويكون بعضها مدركا لما يفعل بها فإذا أبقي أثر عمل | ~~مثل هذه كان إعانة في تذكر العمل وتمثله عندها ، وهذا قوله صلى الله عليه ~~وسلم | ' جروحهم تدمي اللون لون دم والريح ريح مسك ' وصح في | المحرم أيضا ~~' كفنوه في ثوبيه ، ولا تمسوه بطيب ، ولا تخمروا رأسه ، فإنه | يبعث يوم ~~القيامة ملبيا ' فوجب المصير إليه . # وإلى هذه النكتة أشار النبي صلى الله عليه وسلم : لقوله ' الميت يبعث | ~~في ثيابه التي يموت فيها ' والأصل في التكفين الشبه بحال النائم المسجي | ~~بثوبه ، أكمله في الرجل إزار وقميص وملحفة أو حلة ، وفي المرأة هذه مع | ~~زيادة لأنه يناسبها زيادة الستر قوله صلى الله عليه وسلم ' لا تغالوا في ~~الكفن فإنه يسلب سلبا | سريعا ' أراد العدل بين الإفراط والتفريط وألا ~~ينتحلوا عادة الجاهلية | في المغالاة . # قوله صلى الله عليه وسلم ' أسرعوا في بالجنازة فإنها إن تك صالحة ' | ~~أقول السبب في ذلك أن الإبطاء مظنة فساد جثة الميت وقلق الأولياء فإنهم | ~~متى ما رأوا الميت اشتدت موجدتهم ، وإذا غاب عنهم اشتغلوا عنه ، وقد | ~~PageV01P490 | أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى كلا السببين في كلمة ~~واحدة حيث قال | ' لا ينبغي لجيفة مسلم أن تحسس بين ظهراني أهله ' . # قوله صلى الله عليه وسلم ' فإن كانت صالحة ' الخ أقول : هذا عندنا | ~~محمول على حقيقته ، وبعض النفوس إذا فارقت أجسادها تحس بما يفعل | بجسدها ، ~~وتتكلم بكلام روحاني إنما يفهم من الترشح على النفوس دون | المالوف عند ~~الناس من الاستماع بالأذن ، وذلك ms350 قوله صلى الله عليه وسلم : | إلا الإنسان ~~' . # قوة له صلى الله عليه وسلم : ' من اتبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا ' الخ ~~| أقول : السر في شرع الاتباع إكرام الميت وجبر قلوب الأولياء ليكون | ~~طريقا إلى اجتماع أمة صالحة من المؤمنين للدعاء له تعرضا لمعاونة الأولياء ~~| في الدفن ؛ ولذلك رغب في الوقوف لها إلى أن يفرغ من الدفن ، ونهى عن | ~~القعود حتى توضع . # قوله صلى الله عليه وسلم ' إن الموت فزع فإذا رأيتم الجنازة فقوموا ' | ~~أقول لما كان ذكر هاذم اللذات والاتعاظ من انقراض حياة الاخوان | مطلوبا ~~وكان أمرا خفيا لا يدري العامل به من التارك له ضبط بالقيام لها ، | ولكنه ~~النبي صلى الله عليه وسلم لم يعزم عليه ولم يكن سنة قائمة ، وقيل : منسوخ ، ~~| وعلى هذا فالسر في النسخ أنه كان أهل الجاهلية يفعلون أفعالا مشابهة ~~بالقيام ، | فخشي أن يحمل ذلك على غير محمله ، فيفتح باب الممنوعات ، والله ~~أعلم . # وإنما شرعت الصلاة على الميت لأن اجتماع أمة من المؤمنين شافعين | للميت ~~له تأثير بليغ في نزول الرحمة عليه . | PageV01P491 | وصفة الصلاة عليه أن ~~يقول الإمام بحيث يكون الميت بينه وبين القبلة | ويصطف الناس خلفه ويكبر ~~أربع تكبيرات يدعو فيها للميت ثم يسلم ، | وهذا ما تقرر في زمان عمر رضي ~~الله عنه ، واتفق عليه جماهير الصحابة . | ومن بعدهم وإن كانت الأحاديث ~~متخالفة في الباب . | ومن السنة قراءة فاتحة الكتاب لأنها خير الأدعية ~~وأجمعها ، علمها الله | تعالى عباده في محكم كتابه ، ومما حفظ من دعاء ~~النبي صلى الله عليه وسلم على | الميت ' اللهم اغفر لحينا وميتنا وشاهدنا ~~وغائبنا وصغيرنا وكبيرنا وذكرنا | وأنثانا ، اللهم من أحييته منا فأحيه على ~~الإسلام ، ومن توفيته منا فقوفه على | الإيمان ، اللهم لا تحرمنا أجره ، ~~ولا تفتنا بعده ' و ' اللهم إن فلان ابن | فلان في ذمتك وحبل جوارك فقه من ~~فتنة القبر وعذاب النار ، وأنت أهل | الوفاء والحق ، اللهم اغفر له وارحمه ~~إنك أنت الغفور الرحيم ' و ' اللهم | اغفر له ، وارحمه ، وعافه ، واعف عنه ~~، وأكرم نزله ، ووسع مدخله ، | واغسله بالماء والثلج ms351 والبرد ، ونقه من ~~الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من | الدنس ، وأبدله دارا خير من داره وأهلا ~~خيرا من أهله وزوجا خيرا من | زوجه ، وأدخله الجنة ، وأعذه من عذاب القبر ~~ومن عذاب النار ' وفي رواية | ' وقه فتنة القبر وعذاب النار ' # قوله صلى الله عليه وسلم ' إن هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها ، وإن | ~~الله ينورها لهم بصلاتي ' وقوله صلى الله عليه وسلم ' ما من مسلم يموت ، | ~~فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه ' ، ~~| وفي رواية ' يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة ' أقول : لما كان ~~المؤثر | هو الدعاء - ممن له بال عند الله ليخرق دعاؤه الحجب ، ويعد لنزوله ~~الرحمة | بمنزلة الاستسقاء - وجب أن يرغب في أحد الأمرين أن يكون من نفس | ~~عالية تعد أمة من الناس ، أو جماعة عظيمة . # قوله صلى الله عليه وسلم ' هذا أثنيتم عليه خيرا وجبت له الجنة ' | ~~PageV01P492 | الحديث أقول : أنا الله تعالى إذا أحب عبدا أحبه الملأ ~~الأعلى ، ثم ينزل | القبول في الملأ السافل ، ثم إلى الصالحين من الناس ، ~~وإذا أبغض عبدا نزل | البغض كذلك ، فمن شهد له جماعة من الصالحي المسلمين ~~بالخير من صميم قلوبهم | من غير رياء ولا موافقة عادة فإنه آية كونه ناجيا ~~، وإذا أثنوا عليه شرا | فإنه آية كونه هالكا ، ومعنى قوله صلى الله عليه ~~وسلم : ' أنتم شهداء الله | في الأرض ' إنهم مورد الإلهام وتراجمة الغيب . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا تسبوا الأموات فإنهم قد أفضوا إلى | ما ~~قدموا ' أقول : لما كان سبب الأموت سبب غيظ الأحياء وتأذيهم | ولا فائدة ~~فيه ، وإن كثيرا من الناس لا يعلم حالهم إلا الله نهى عنه ، وقد | بين ~~النبي صلى الله عليه وسلم هذا السبب في قصة سب جاهلي وغضب العباس | لاجله . # وهل يمشي أمام الجنازة أو خلفها ، وهل يحملها أربعة أو اثنان ، وهل | يسل ~~من قبل رجليه أو من القبلة ؟ المختار أن الكل واسع ، وأنه قد صح | في الكل ~~حديث أو أثر . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' اللحد لنا ms352 والشق لغيرنا ' أقول ذلك لأن | ~~اللحد أقرب من إكرام الميت وإهالة التراب على وجهه من غير ضرورة | سوء أدب ~~. | PageV01P493 # وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم عليا رضي الله عنه ألا يدع تمثالا | ~~إلا طمثه ، ولا قبرا مشرفا إلا سواه ، ونهى أن يجصص القبر ، وأن | يبنى ~~عليه ، وأن يقعد عليه ، وقال : ' لا تصلوا إليها لأن ذلك ذريعة أن | يتخذها ~~الناس معبودا ، وأن يفرطوا في تعظيمها بما ليس بحق ، فيحرفوا | دينهم كما ~~فعل أهل الكتاب ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' لعن الله اليهود | ~~والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ومعنى أن يقعد عليه ، قيل : أن | ~~يلازمه المزورون ، وقيل : أن يطأوا القبور ، وعلى هذا فالمعنى إكرام | ~~الميت ، فالحق التوسط بين التعظيم الذي يقارب الشرك ، وبين الإهانة | وترك ~~الموالاة به . # ولما كان البكا على الميت والحزن عليه طبيعة لا يستطيعون أن ينفكوا | ~~عنها لم يجز أن يكلفوا بتركه كيف وهو ناشيء من رقة الجنسية وهي محمودة | ~~لتوقف تألف أهل المدينة فيما بينهم عليها ، ولأنها مقتضى سلامة مزاج | ~~الإنسان ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' إنما يرحم الله من عباده ~~الرحماء ' . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' أنا الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن | ~~القلب ، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم ' ، قوله | صلى الله ~~عليه وسلم : ' ليس منا من ضرب الخدود ، وشق الجيوب ، ودعا بدعوى | الجاهلية ~~' السر فيه أن ذلك سبب تهيج الغم ، وإنما المصاب بالثكل بمنزلة | المريض ~~يعالج ليخفف مرضه ، ولا ينبغي أن يسعى في تضاعف وجعه ، | وكذلك المصاب يشغل ~~عما يجده ، ولا ينبغي أن يغوص بقصده ، وأيضا | فلعل هيجان القلق يكون سببا ~~لعدم الرضا بالقضاء ، وأيضا فكان أهل | الجاهلية يراءون الناس بإظهار ~~التفجع وتلك عادة خبيثة ضارة ، فنهوا عنها . # وقوله صلى الله عليه وسلم في النائحة : ' تقام يوم القيامة وعليها سربال ~~| PageV01P494 | من قطران ودرع من جرب ' أقول : إنما كان كذلك لأنها أحاطت ~~بها | الخطيئة ، فجوزيت بتمثل الخطيئة نتنا محيطا بجسدها ، وإنما تقام ~~تشهيرا أو | لأنها كانت قائمة عند النوحة . # قوله ms353 صلى الله عليه وسلم : ' أربع في أمتي من أمر الجاهلية لا يتركونهن ' ~~| الحديث أقول إنما تفطن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم لا يتركون لأن | ~~ذلك مقتضى إفراط الطبيعة البشرية بمنزلة الشبق ، فإن النفوس لها تيه يظهر | ~~في الأنساب وألفة بالأموات تستدعي النياحة ، ورصد يؤدي إلى الاستسقاء | ~~بالنجوم ، ولذلك لن ترى أمة من البشر من عربهم وعجمهم إلا وهذه | سنة فيهم ~~. # وقوله صلى الله عليه وسلم في النساء يتبعن الجنازة : ' ارجعن مأزورات | ~~غير مأجورات : أقول إنما نهين عن ذلك لأن حضورهن مظنة الصخب | والنياحة ~~وعدم الصبر وانكشاف العورات . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد ، فيلج النار ~~' | أقول : ذلك لجاهد نفسه بالاحتساب ولمعان ذكرناها فراجع . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' من عزى مصابا فله مثل أجره ' أقول : | ذلك ~~لسببين : أحدهما أن الحاضر يرق رقة المصاب ، وثانيهما أن عالم المثال | ~~مبناه على ظهور المعاني التضايفية ، ففي تعزية الثكلى صورة الثكل ، فجوزي | ~~شبه جزائه . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' اصنعوا لآل جعفر طعاما ، فقد أتاهم | ما ~~يشغلهم ' . أقول : هذا نهاية الشفقة بأهل المصيبة وحفظهم من أن | يتضرروا ~~بالجوع . | PageV01P495 # قوله صلى الله عليه وسلم : ' نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ' أقول : | ~~كان نهى عنها لأنها تفتح باب العبادة لها ، فلما استقرت الأصول الإسلامية ، ~~| وإطمأنت نفوسهم على تحريم العبادة لغير الله أذن فيها ، وعلل التجويز | ~~بأن فائدته عظيمة ، وهي أنها تذكر الموت ، وأنها سبب صالح للاعتبار | بتقلب ~~الدنيا . # ومن دعاء الزائر لأهل القبور : السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين | ~~والمسلمين ، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية - وفي ~~| رواية - السلام عليكم يا أهل القبور يغفر الله لنا ولكم وأنتم سلفنا ونحن ~~| بالأثر ، والله أعلم . | PageV01P496 # # | ( من أبواب الزكاة ) # اعلم أن عمدة ما روعي في الزكاة مصلحتان : مصلحة ترجع إلى تهذيب | النفس ~~، وهي أنها أحضرت الشح ، والشح أقبح الأخلاق ضار بها في | المعاد ، ومن كان ~~شحيحا فإنه إذا مات بقى قلبه متعلقا بالمال ، وعذب بذلك ، | ومن تمرن ~~بالزكاة ms354 ، وأزال الشح من نفسه كان ذلك نافعا له ، أنفع | الأخلاق في المعاد ~~بعد الإخبات لله تعالى هو سخاوة النفس ، فكما أن الإخبات | يعد للنفس هيئة ~~التطلع إلى الجبروت ، فكذلك السخاوة تعد لها البراءة | عن الهيآت الخسيسة ~~الدنيوية ، وذلك لأن أصل السخاوة قهر الملكية | البهيمية ، وأن تكون ~~الملكية هي الغالبة وتكون البهيمية منصبغة بصبغها | آخذة حكمها ، ومن ~~المنبهات عليها بذل المال مع الحاجة إليه والعفو عمن ظلم | والصبر على ~~الشدائد في الكريهات بأن يهون عليه ألم الدنيا لا يقانه بالآخرة ، | فأمر ~~النبي صلى الله عليه وسلم بكل ذلك ، وضبط أعظمها وهو بذل | المال بحدود ، ~~وقرنت بالصلاة والإيمان في مواضع كثيرة من | القرآن وقال تعالى عن أهل ~~النار : # @QB@ لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين @QE@ . # وأيضا فإنه إذا عنت للمسكين حاجة شديدة ، واقتضى تدبير الله أن يسد | ~~خلته بأن يلهم الإنفاق عليه في قلب رجل ، فكان هو بذلك انبسط قلبه | ~~اللألهام ، وتحقق له بذلك انشراح روحاني ، وصار معدا لرحمة الله تعالى | ~~PageV01P497 | نافعا جدا في تهذيب نفسه ، والإلهام الجملى المتوجه إلى ~~الناس في الشرائع | تلو الإلهام التفصيلي في فوائده ، وأيضا فالمزاج السليم ~~مجبول على رقة | الجنسية ، وهذه خصلة عليها يتوقف أكثر الأخلاق الراجعة إلى ~~حسن | المعاملة مع الناس ، فمن فقدها ففيه ثلمة يجب عليه سدها ، وأيضا فإن ~~| الصدقات تكفر الخطيئات ، وتزيد في البركات على ما بينا فيما سبق . # ومصلحة ترجع إلى المدينة وهي أنها تجمع لا محالة الضعفاء وذوي | الحاجة ~~وتلك الحوادث تغدو على قوم وتروح على آخرين ، فلو لم تكن | السنة بينهم ~~مواساة الفقراء وأهل الحاجات لهلكوا ، وماتوا جوعا ، وأيضا | فنظام المدينة ~~يتوقف على مال يكون به قوام معيشة الحفظة الذابين عنها | والمدبرين ~~السائسين لها ، ولما كانوا عاملين للمدينة عملا نافعا - مشغولين | به عن ~~اكتساب كفافهم - وجب أن تكون قوام معيشتهم عليها | والانفاقات المشتركة لا ~~تسهل على البعض أو لا يقدر عليها البعض ، فوجب أن تكون | جباية الأموال من ~~الرعية سنة . # ولما لم يكن أسهل ولا أوفق ms355 بالمصلحة من أن تجعل إحدى المصلحتين | مضمومة ~~بالأخرى أدخل الشرع إحداهما في الأخرى . # ثم مست الحاجة إلى تعيين مقادير الزكاة ، إذا لولا التقدير لفرط | المفرط ~~، ولاعتدى المعتدي ، ويجب أن تكون غير يسيره لا يجدون بها | بالا ، ولا ~~تنجع من بخلهم ، ولا ثقيلة يعسر عليهم أداؤها ، وإلى تعيين | المدة التي ~~نجنى فيها الزكوات ، ويجب ألا تكون قصيرة يسرع دورانها ، | فتعسر إقامتها ~~فيها ، وألا تكون طويلة لا تنجع من بخلهم ، ولا تدر على | المحتاجين ~~والحفظة إلا بعد انتظار شديد ، ولا أوفق بالمصلحة من أن يجعل | القانون في ~~الجباية ما اعتاده الناس في جباية الملوك العادلة في رعاياهم ، لأن | ~~PageV01P498 | التكليف بما اعتاده العرب والعجم ، وصار كالضروري الذي لا ~~يجدون في | صدورهم حرجا منه ، والمسلم الذي أذهبت الألفة عنه الكلفة أقرب ~~من | إجابة القوم وأوفق للرحمة بهم . # والأبواب التي اعتادها طوائف الملوك الصالحين من أهل الأقاليم | الصالحة ~~وهو غير ثقيل عليهم ، وقد تلقتها العقول بالقبول - أربعة : # الأول أن تؤخذ من حواشي الأموال النامية ، فإنها أحوج الأموال | إلى الذب ~~عنها لأن النمو لا يتم إلا بالتردد خارج البلاد ، ولإن إخراج | الزكاة أخف ~~عليهم لما يرون من التزايد كل حين ، فيكون الغرم بالغنم | والاموال النامية ~~ثلاثة أصناف : الماشية المتناسلة السائمة . والزروع . والتجارة . # والثاني : أن تؤخذ من أهل الدثور والكنوز لأنهم أحوج الناس | إلى حفظ ~~المال من السراق وقطاع الطريق ، وعليهم انفاقات لا يعسر عليهم | أن تدخل ~~الزكاة في تضاعيفها . # والثالث : أن تؤخذ من الأموال النافعة التي ينالها الناس من غير تعب | ~~كدفائن الجاهلية وجواهر العاديين ؛ فإنها بمنزلة المجان يخف عليهم الانفاق ~~منه . # والرابع : أن تلزم ضرائب على رءوس الكاسبين فانهم عامة الناس | وأكثرهم ، ~~إذا جبى من كل منهم شيء يسير كان خفيفا عليهم عظيم الخطر في نفسه . | ولما ~~كان دوران التجارات من البلدان النائية وحصاد الزروع وجبي | الثمرات في كل ~~سنة ، وهي أعظم أنواع الزكاة قدر الحول لها ، ولأنها تجمع | فصولا مختلفة ~~الطبائع وهي مظنة النماء ، وهي مدة صالحة لمثل هذه التقديرات . # والآسهل والأوفق في بالمصلحة ms356 ألا تجعل الزكاة إلا من جنس تلك الأموال | ~~فتؤخذ من كل صرمة من الإبل ناقة ، ومن كل قطيع من البقرة بقرة ، | ~~PageV01P499 | ومن كل ثلة من الغنم شاه مثلا ، ثم وجب أن يعرف كل واحد من ~~هذه | بالمثال والقسمة والاستقراء ليتخذ ذلك ذريعة إلى معرفة الحدود ~~الجامعة | المانعة ، فالماشية في أكثر البلدان الإبل . البقر . الغنم ، ~~ويجمعها إسم | الأنعام ، وأما الخيل فلا تكثر صرمها ولا تناسل نسلا وافرا ~~إلا في أقطار | يسيرة كتركستان ، والزروع عبارة عن الأقوات ، والثمار ~~الباقية سنة كاملة ، | وما دون ذلك يسمى بالخضروات ، والتجارة عبارة عن أن ~~يشتري شيئا | يريد أن يربح فيه إذ من ملك بهبه أو ميراث واتفق أن باعه فربح ~~لا يسمى تاجرا ، | والكنز عبارة عن مقدار كثير من الذهب والفضة محفوظ مدة ~~طويلة ، | ومثل عشرة دراهم وعشرين درهما لا يسمى كنزا ، وإن بقي سنين ، ~~وسائر | الأمتعة لا تسمى كنزا ، وإن كثرت ، والذي يغدوا ويروح ولا يكون | ~~مستقرا لا يسمى كنزا فهذه المقدمات تجري مجرى الأصول المسلمة في باب | ~~الزكاة ، ثم أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يضبط المبهم منها بحدود ~~معروفة | عند العرب مستعملة عندهم في كل باب . | PageV01P500 # # | ( فضل الإنفاق وكراهية الإمساك ) # ثم مست الحاجة إلى بيان فضائل الإنفاق والترغيب فيه ، ليكون برغبة | ~~وسخاوة نفس ، وهي روح الزكاة . وبها قوام المصلحة الراجعة إلى تهذيب | ~~النفس ، وإلى بيان مساوى الامساك ، والتزهيد فيه ، وإذا الشح هو مبدأ تضرر ~~| مانع الزكاة ، وذلك إما في الدنيا ، وهو قول الملك : ' اللهم أعط منفقا | ~~خلفا ، والآخر . اللهم اعط ممسكا تلفا . # قوله صلى الله عليه وسلم ' اتقوا الشح فإن الشح أهلك من قبلكم ' الحديث ، ~~| وقوله صلى الله عليه وسلم ' إن الصدقة لتطفي غضب الرب ' ، وقوله | صلى ~~الله عليه وسلم : ' إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ' ، | ~~وقوله صلى الله عليه وسلم : ' فإن الله يقبلها بيمينه ، ثم يربيها لصاحبها ~~' | الحديث أقول : سر ذلك كله أن دعوة الملأ الأعلى إصلاح حال بني آدم | ~~والرحمة بمن يسعى في إصلاح المدينة أو في تهذيب ms357 نفسه إلى تنصرف هذا | ~~المنفق ، فتورث تلقي علوم الملأ السافل وبني آدم أن يحسنوا إليه ، ويكون | ~~سببا لمغفرة خطاياه ، ومعنى يتقبلها أن تتمثل صورة العمل في المثال منسوبة ~~| إلى صاحبها فتنسبغ هنالك بدعوات الملأ الأعلى ورحمة الله به ، أو في | ~~الآخرة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ' ما من صاحب ذهب ولا فضة | لا يؤدي ~~منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح ' . | PageV01P501 # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' مثل له شجاعا أقرع ' وقوله | صلى الله عليه ~~وسلم في الإبل والبقر والغنم قريبا من ذلك - أقول : السبب | الباعث على كون ~~جزاء مانع الزكاة على هذه الصفة شيآن : أحدهما أصل ، | الثاني كالمؤكد له ، ~~وذلك أنه كما أن الصورة الذهنية تجنب صورة أخرى | كسلسلة أحاديث النفس ~~الجالب بعضها بعضا ، وكما أن حضور صورة متضايف | في الذهن يستدعي حضور صورة ~~متضايف آخر كالبنوة والأبوة ، وكما أن | امتلاء أوعية المنى به وثوران ~~بخاره في القوى الفكرية يهز النفس لمشاهدة | صور النساء في الحلم ، وكما أن ~~امتلاء الأوعية ببخار ظلماني يهيج في النفس | صور الأشياء المؤذية الهائلة ~~- كالفيل - مثلا ، فكذلك المدارك تقتضي | بطبيعتها إذا أفيضت قوة مثالية ~~على النفس أن يتمثل بخلها بالأموال ظاهرا | سابغا ، وأن يجلب ذلك تميل ما ~~بخل به وتعانى في حفظه ، وامتلأت قواه | الفكرية به أيضا ظاهرا سابغا يتألم ~~منه حسبما جرت سنة الله أن يتألم منها ، فمن الذهب والفضة الكى ، ومن الإبل ~~الوطء والعض ، وعلى | هذا القياس . # ولما كان الملأ الأعلى علموا ذلك ، وانعقد في وجوب الزكاة عليهم ، | ~~وتمثل عندهم تأذي النفوس البشرية بها - كان ذلك معدا لفيضان هذه | الصورة ~~في موطن الحشر ، والفرق بين تمثله شجاعا . وتمثله صفائح ، أن | الأول فيما ~~يغلب عليه حب المال إجمالا فتتمثل في نفسه صورة المال | شيئا واحدا وتتمثل ~~إحاطتها بالنفس تطوقا وتأذي النفس بها بلسع الحية | البالغة في السم أقصى ~~الغايات ، والثاني فيما يغلب عليه حب الدراهم والدنانير | بأعيانها ، ~~ويتعانى في حفظها ، وتمتلئ قواه الفكرية بصورها فتمثل | تلك الصورة كاملة ~~تامة مؤلمة ms358 . PageV01P502 | قوله صلى الله عليه وسلم : ' السخي قريب من ~~الله قريب من الجنة | قريب من الناس بعيد من النار ، والبخيل بعيد من الله ~~بعيد من الجنة بعيد | من الناس قريب من النار ، ولجاهل سخي أحب إلى الله من ~~عابد بخيل ' | أقول : قربه من الله تعالى كونه مستعدا لمعرفته وكشف الحجاب ~~عنه ، وقربه | من الجنة أن يكون مستعدا بطرح الهيآت الخسيسة التي تنافي ~~الملكية لتكون | البهيمية الحاملة لها بلون الملكية ، وقربه من الناس أن ~~يحبوه ، ولا يناقشوه | لأن أصل المناقشة هو الشح ، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم ' إن الشح | أهلك من كان قبلكم حملهم على أن يسفكوا دماءهم ويستحلوا ~~محارمهم ' | وإنما كان الجاهل السخي أحب من العابد البخيل لأن الطبيعة إذا ~~سمحت | بشيء كان أتم وأوفر مما يكون بالقسر . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما | ~~جنتان ' الحديث أقول : فيه إشارة إلى حقيقة الإنفاق والإمساك | وروحهما ، ~~وذلك أن الإنسان إذا أحاطت به مقتضيات الإنفاق ، وأراد | أن يفعله يحصل له ~~_ وإن كان سخي النفس سمحها - انشراح روحاني وصولة | على المال ، ويتمثل ~~المال بين يديه حقيرا ذليلا يكون نفضه عنه هينا ، بل | يستريح بذلك ، وتلك ~~الخصلة هي العمدة في نفض النفس علاقاتها بالهيآت | الخسيسة والبهيمية ~~المنطبعة فيها ، وإن كان شحيحا غاصت نفسه في حب المال ، | وتمثل بين عينيه ~~حسنه ، وملك قلبه فلم يستطع منه محيصا ، وتلك الخصلة | هي العمدة في لجاج ~~النفس بالهيآت الدنية واشتباكها بها ، ومن هذا التحقق | ينبغي أن تعلم معنى ~~قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا يدخل الجنة خب | ولا بخيل ولا منان ' . | ~~PageV01P503 # وقوله صلى الله عليه وسلم ' لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد | أبدا ' ~~وقوله صلى الله عليه وسلم ' للجنة أبواب ثمانية فمن كان من أهل | الصلاة ' ~~الحديث . أقول : أعلم أن الجنة حقيقتها راحة النفس بما يترتشح | عليها من ~~فوقها من الرضا والموافقة والطمأنينة ، وهو قوله تعالى : # ^ ( ففي رحمة من الله هم فيها خالدون ) ^ . # وقوله تعالى في ضدها : # @QB@ أولئك عليهم لعنة الله والملائكة ms359 والناس أجمعين خالدين فيها @QE@ . # وطريق خروج النفس إليها من ظلمات البهيمية إنما يكون من الخلق الذي | ~~جبلت النفس على ظهور الملكية فيه ، وانقهار البهيمية ، فمن النفوس من | ~~تكون مجبولة على قوة الملكية في خلق الخشوع والطهارة ، ومن خاصيتها | أن ~~تكون ذات حظ عظيم من الصلاة ، أو في خلق السماحة ، ومن خاصيتها ، | أن تكون ~~ذات حظ عظيم من الصدقات والعفو عمن ظلم ، وخفض الجناح | للمؤمنين مع كبر ~~النفس ، أو في خلق الشجاعة ، فينفث تدبير الحق لاصلاح | عباده فيها ، فيكون ~~أول ما يقبل النفث منه هو الشجاعة ، فتكون ذات | حظ عظيم من الجهاد ، أو ~~يكون من الأنفس المتجاذبة ، فيهدي لها إلهام | أو تجربة على نفسها أن كسر ~~البهيمية بالصوم والاعتكاف منقذ لها من | ظلماتها ، فيتلقى ذلك بسمع قبول ~~واجتهاد من صميم قلبه ، فيجازى جزاء | وفاقا بالريان | PageV01P504 # فهذه هي الأبواب التي صرح بها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث ، ~~| ويشبه أن يكون منها باب العلماء الراسخين ، وباب أهل البلايا والمصائب | ~~والفقر ، وباب العدالة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في سبعة يظلهم الله ~~في ظله : | ' إمام عادل ' . # وآيته أن يكون عظيم السعي في التأليف بين الناس ، وباب التوكل . | وترك ~~الطيرة ، وفي كل باب من هذه الأبواب أحاديث كثيرة مشهورة ، | وبالجملة فهذه ~~أعظم أبواب خروج النفس إلى رحمة الله ، ويجب في حكمة الله | أن يكون للجنة ~~التي خلقها الله لعباده أيضا ثمانية أبواب بازائها ، والكمل | من السابقين ~~يفتح عليهم الإحسان من بابين وثلاثة وأربعة ، فيدعون يوم | القيامة منها ، ~~وقد وعد بذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه ومعنى قوله | صلى الله عليه وسلم ~~' من أنفق زوجين ' الحديث أنه يدعى من بعض | أبوابها إنما خصه بالذكر زيادة ~~لاهتمامه . | PageV01P505 # # | ( مقادير الزكاة ) # قال صلى الله عليه وسلم ' ليس فيما دون خمسة أوسق | من التمر صدقة ، وليس ~~فيما دون خمس أواق من الورق صدقة وليس | فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة ' ~~. # أقول : إنما قدر من الحب والتمر خمسة أوسق لأنها تكفي أقل أهل | بيت إلى ms360 ~~سنة ، وذلك لأن أقل البيت الزوج والزوجة وثالث خادم أو ولد | بينهما ، وما ~~يضاهي ذلك من أقل البيوت ، وغالب قوت الإنسان رطل | أو مد من الطعام ، فإذا ~~أكل كل واحد من هؤلاء ذلك المقدار كفاهم لسنة ، | وبقيت بقية لنوائبهم أو ~~إدامهم ، وإنما قدر من الورق خمس أوراق لأنها | مقدار يكفي أقل أهل بيت سنة ~~كاملة إذا كانت الأسعار موافقة في أكثر | الأقطار ، واستقرئ عادات البلاد ~~المعتدلة في الرخص والغلاء وتجد ذلك ، | وإنما قدر من الإبل خمسة ذود وجعل ~~زكاته شاة ، وإن كان الأصل ألا تؤخذ | الزكاة إلا من جنس المال وأن يجعل ~~النصاب عددا له بال لأن الأبل أعظم | المواشي جثة وأكثرها فائدة يمكن أن ~~تذبح ، وتركب ، وتحلب ، ويطلب | منها النسل ، ويستدفأ بأوبارها وجلودها ، ~~وكان بعضهم يقتني نجائب قليلة | تكفي كفاية الصرمة ، وكان البعير يسوي في ~~ذلك الزمان بعشر شياه وبثمان | شياه . واثتني عشر شاة ، كما ورد في كثير من ~~الأحاديث فجعل خمس ذود | في حكم أدنى نصاب من من الغنم ، وجعل فيها شاة . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' ليس على المسلم صدقة في عبده ولا في فرسه ' ~~. | PageV01P506 | أقول : ذلك لأنه لم تجر العادة باقتناء الرقيق للتناسل ، ~~وكذا الخيل في كثير | من الأقاليم ، لا تكثر كثرة يعتد بها في جنب الأنعام ~~، فلم يكونا من الأموال | النامية اللهم إلا باعتبار التجارة . # وقد استفاض من رواية أبي بكر الصديق . وعمر بن الخطاب . | وعلي بن أبي ~~طالب . وابن مسعود . وعمرو بن حزم . وغيرهم رضي الله | عنهم ، بل صار ~~متواترا بين المسلمين أن زكاة الإبل في كل خمس شاة فإذا | بلغت خمسا وعشرين ~~إلى خمس وثلاثين ففيها بنت مخاض فإذا بلغت ستا | وثلاثين إلى خمس وأربعين ~~ففيها بنت لبون ، وإذا بلفت ستا وأربعين إلى | ستين ففيها حقة ، فإذا بلغت ~~واحده وستين إلى خمس وسبعين ففيها جذعة ، | فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين ~~ففيها بنتا لبون . فإذا بلغت إحدى وتسعين | إلى عشرين ومائة ففيها حقتان ، ~~فإذا زادت على عشرين ومائة ففي كل أربعين | بنت لبون ms361 وفي كل خمسين حقة . # أقول : الأصل في ذلك أنه إذا أراد توزيع النوق على الصرم ، | فجعل الناقة ~~الصغيرة للصرمة الصغيرة والكبيرة للكبيرة رعاية للأنصاف ، | ووجد الصرمة لا ~~تنطلق في عرفهم إلا على أكثر من عشرين ، فضبط بخمس | وعشرين ، ثم جعل في كل ~~عشرة زيادة سن من الأسنان المرغوب فيها عند | العرب غاية الرغبة ، فجعل ~~زيادتها في كل خمسة عشر . # وقد استفاض من روايتهم أيضا في زكاة الغنم أنه إذا كانت أربعين | إلى ~~عشرين ومائة ففيها شاة ، فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها | ~~شاتان ، فإذا زادت على مائتين إلى ثلثمائة ففيها ثلاث شياه . فإذا زادت على ~~| PageV01P507 | ثلثمائة ففي كل مائة شاه أقول : الأصل فيه أن ثلة من الشاء ~~تكون كثيرة ، | وثلة منها تكون قليلة ، والاختلاف فيها يتفاحش لأنها يسهل ~~اقتناؤها ، | وكل يقتني بحسب التيسير ، فضبط النبي صلى الله عليه وسلم أقل ~~ثلة بأربعين ، | وأعظم ثلة بثلاث أربعينات ، ثم جعل في كل مائة شاه تيسيرا ~~في الحساب . # وصح من حديث معاذ رضي الله عنه في البقر في كل ثلاثين تبيع ، | أو تبيعه ~~، وفي كل أربعين مسن ، أو مسنة ، وذلك لأنها متوسطة بين الأبل | والشاء ، ~~فروعي فيها شبههما . # واستفاض أيضا أن زكاة الرقة ربع العشر ، فإن لم يكن إلا تسعون | ومائة ~~فليس فيها شيء ، وذلك لأن الكنوز أنفس المال يتضررون | بانفاق المقدار ~~الكثير منها ، فمن حق زكاته أن تكون أخف الزكوات ، | والذهب محمول على ~~الفضة ، وكان في ذلك الزمان صرف دينار بعشرة دراهم | فصار نصابه عشرين ~~مثقالا . # وفيما سقت السماء والعيون - أو كان عشريا - العشر ، وما سقى | بالنضح نصف ~~العشر ، فإن الذي هو أقل تعانيا وأكثر ريعا أحق بزيادة | الضريبة ، والذي ~~هو أكثر تعانيا وأقل ريعا أحق بتخفيفها . # قوله صلى الله عليه وسلم في الخرص ' دعوا الثلث فإن لم تدعوا | الثلث ، ~~فدعوا الربع ' أقول : السر في مشروعية الخرص دفع الحرج عن | أهل الزراعة ، ~~فإنهم يريدون أن يأكلوا بسرا . ورطبا . وعنبا . ونيئا | ونضيجا . وعن ~~المصدقين لأنهم لا يطيقون الحفظ عن أهلها إلا ms362 بشق | PageV01P508 | الأنفس ، ~~ولما كان الخرص محل الشبهة ، والزكاة من حقها التخفيف أمر | بترك الثلث أو ~~الربع ، والذي يعد للبيع لا يكون له ميزان إلا القيمة ، فوجب | أن يحمل على ~~زكاة النقد . # وفي الركاز الخمس لأنه يشبه الغنيمة من وجه ويشبه المجان فجعلت | زكاته ~~خمسا . # فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر أو صاعا | من ~~شعير على العبد . والحر . والذكر . والأنثى . والصغير . والكبير من | ~~المسلمين ، وفي رواية أو صاعا من أقط أو صاعا من زبيب ، وإنما قدر | بالصاع ~~لأنه يشبع أهل البيت ، ففيه غنية معتد بها للفقير ، ولا يتضرر | الإنسان ~~بانفاق هذا القدر غالبا ، وحمل في بعض الروايات نصف صاع من | قمح على صاع ~~من شعير لأنه كان غالبا في ذلك الزمان لا يأكله إلا أهل | التنعم ، ولم يكن ~~من مأكل المساكين ، بينه زيد بن أرقم في قصة السرقة ، | ثم قال علي رضي ~~الله عنه : إذا وسع الله فوسعوا ، وإنما وقت بعيد الفطر | لمعان : منها ~~أنها تكمل كونه من شعائر الله ، وأن فيها طهرة للصائمين وتكميلا | لصومهم ~~بمنزلة سنن الرواتب في الصلاة . # وهل في الحلي زكاة ؟ الأحاديث فيه متعارضة ، واطلاق الكنز عليه | بعيد ، ~~ومعنى الكنز حاصل ، والخروج من الاختلاف أحوط . | PageV01P509 # # | ( المصارف ) # الأصل في المصارف أن البلاد على نوعين : منها ما خلص للمسلمين | لا ~~يشوبهم أحد من سائر الملل ، ومن حقها أن يخفف عليها ، وهي لا تحتاج | إلى ~~جمع رجال ونصب قتال ، وكثيرا ما يخرج منها من يباشر الأعمال المشترك | ~~نفعها تصديقا لما وعد الله من أجر المحسنين ، وله كفاف في خويصة ماله | إذ ~~الجماعات الكثيرة من المسلمين لا تخلوا من مثل ذلك . # ومنها ما فيه جماعات من أهل سائر الملل ، ومن حقها أن يشدد فيها | وذلك ~~قوله تعالى : # @QB@ أشداء على الكفار رحماء بينهم @QE@ . # وهي تحتاج إلى جنود كثيرة وأعوان قوية ، وتحتاج إلى أن يقبض على | كل عمل ~~نافع من يباشره ، ويكون معيشته في بيت المال ، فجعل النبي | صلى الله عليه ~~وسلم لكل من هذين سنة ، وجعل ms363 الجباية بحسب المصارف ، | وسيأتي مباحث الثاني ~~في كتاب الجهاد . # والبلاد الخاصة بالمسلمين عمدة ما يتلخص فيها من المال نوعان بإزاء | ~~نوعين من المصرف : نوع من المال الذي زالت عنه يد مالكة كتركة الميت | لا ~~وارث له ، وضوال من البهائم لا مالك لها ، ولقطة أخذها أعوان بيت | المال ، ~~وعرفت ، فلم يعرف لمن هي ، وأمثال ذلك ، من حقه أن يصرف | إلى المنافع ~~المشتركة مما ليس فيها تمليك لأحد . ككرى الأنهار . وبناء | القناطر . ~~والمساجد . وحفر الآبار . والعيون - وأمثال ذلك ؛ ونوع هو | صدقات المسلمين ~~جمعت في بيت المال ، ومن حقه أن يصرف إلى ما فيه | تمليك لأحد . وفي ذلك ~~قوله تعالى : | PageV01P510 # @QB@ إنما الصدقات للفقراء والمساكين @QE@ . الآية # والجملة في ذلك أن الحاجات من هذا النوع وإن كانت كثيرة جدا لكن | العمدة ~~فيها ثلاثة : # المحتاجون ، وضبطهم الشارع بالفقراء والمساكين وأبناء السبيل | والغارمين ~~في مصلحة أنفسهم . # والحفظة ، وضبطهم بالغزاة والعاملين على الجبايات . # والثالث مال يصرف إلى دفع الفتن الواقعة بين المسلمين أو المتوقعة | ~~عليهم من غيرهم وذلك إما أن يكون بمواطأه ضعيف النية في الإسلام | بالكفار ~~أو برد الكافر عما يريد من المكيدة بالمال ، ويجمع ذلك اسم | المؤلفة ~~قلوبهم ، أو المشاجرات بين المسلمين ، وهو الغارم في حمالة يتحملها ، | ~~وكيفية التقسيم عليهم وأنه بمن يبدأ وكم يعطى ؟ مفوض إلى رأي الإمام . # وعن ابن عباس يعتق من زكاة ماله ويعطي في الحج ، وعن الحسن | مثله ثم تلا ~~@QB@ إنما الصدقات للفقراء @QE@ في أيها أعطيت أجزأت ، وعن | أبي الآس ~~حملنا النبي صلى الله عليه وسلم على إبل الصدقة للحج . # وفي الصحيح ' وأما خالد فأنكم تظلمون خالدا وقد احتبس أدراعه | وأعتده في ~~سبيل الله ' وفيه شيئآن : جواز أن يعطي مكان شيء شيئا | إذا كان أنفع ~~للفقراء ، وأن الحبس مجزئ عن الصدقة ، قلت : وعلى هذا | فالحصر في قوله ~~تعالى : @QB@ إنما الصدقات @QE@ إضافي بالنسبة إلى ما لما طلبه المنافقون | ~~في صرفها فيما يشتهون على ما يقتضيه سياق الآية ، والسر في ذلك أن الحاجات ~~| PageV01P511 # غير محصورة وليس في بيت المال في البلاد الخالصة للمسلمين غير ms364 الزكاة | ~~كثير مال ، فلا بد من توسعه لتكفي نوائب المدينة والله أعلم . # قوله صلى الله عليه وسلم ' إن هذه الصدقات إنما هي من أوساخ | الناس ~~وأنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ' أقول : إنما كانت أوساخا لأنها | تكفر ~~الخطايا ، وتدفع البلاء ، وتقع فداء عن العبد في ذلك ، فيتمثل | في مدارك ~~الملأ الأعلى أنها هي كما يتمثل في الصورة الذهنية واللفظية والخطية | أنها ~~وجودات للشيء الخارجي الذي جعلت بإزائه ، وهذا يسمى عندنا | بالوجود ~~التشبيهي ، فتدرك بعض النفوس العالية أن فيها ظلمة ، وينزل | الأمر إلى بعض ~~الأحياز النازلة . وقد يشاهد أهل المكاشفة تلك الظلمة | أيضا ، وكان سيدى ~~الوالد قدس سره يحكي ذلك من نفسه كما قد يكره أهل | الصلاح ذكر الزنا وذكر ~~الأعضاء الخبيثة ، ويحبون ذكر الأشياء الجميلة ، | ويعظمون اسم الله ، ~~وأيضا فإن المال الذي يأخذه الإنسان من غيره مبادلة | عين أو نفع ولا يراد ~~به احترام وجهه فيه ذلة ومهانة ، ويكون لصاحب | المال عليه فضل ومنه ، وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم : ' اليد العليا خير | من اليد السفلى ' فلا جرم ~~أن التكسب بهذا النوع شر وجوه المكاسب | لا يليق بالمظهرين والمنوه بهم في ~~الملة ، وفي هذا الحكم سر آخر وهو أنه | صلى الله عليه وسلم إن أخذها لنفسه ~~، وجوز أخذها لخاصته والذين يكون | نفعهم بمنزلة نفعه - كان مظنة أن يظن ~~الظانون ، ويقول القائلون في حقه | ما ليس بحق فأراد أن يسد هذا الباب ~~بالكلية ، ويجهر بأن منافعها راجعة | إليهم ، وإنما تؤخذ من أغنيائهم وترد ~~على فقرائهم رحمة بهم وحدبا عليهم | وتقريبا لهم من الخير وإنقاذا لهم من ~~الشر . # ولما كانت المسألة تعرضا للذلة وخوضا في الوقاحة وقدحا في المروءة | شدد ~~النبي صلى الله عليه وسلم فيها إلا لضرورة لا يجد منها بدا ، وأيضا | ~~PageV01P512 | إذا جرت العادة بها ، لم يستنكف الناس عنها ، وصاروا ~~يستكثرون | أموالهم بها كان ذلك سببا لإهمال الإكساب التي لا بد منها أو ~~تقليلها | وتضييقها على أهل الأموال بغير حق ، فاقتضت الحكمة أن يمثل ~~الاستنكاف | منها بين أعينهم لئلا ms365 يقدم عليها أحد إلا عند الاضطرار . # قوله صلى الله عليه وسلم ' من سأل الناس ليثرى ماله كان خموشا | في وجهه ~~أو رضفا يأكله من جهنم ' أقول : السر فيه أنه يتمثل تألمه مما | يأخذ من ~~الناس بصورة ما جرت العادة بأن يحصل الألم بأخذه كالجمر ، | أو بأكله ~~كالرضف ، وتتمثل ذلته في الناس وذهاب ماء وجهه بصورة | هي أقرب شبيه له من ~~الخموش . # وجاء في الرجل الذي أصابته جائحة اجتاحت ماله أنه حلت له | المسألة حتى ~~يجد قواما من عيش . # وجاء في تقدير الغنية المانعة من السؤال أنها أوقية أو خمسون درهما . # وجاء أيضا أنها ما يغديه أو يعشيه . # وهذه الأحاديث ليست متخالفة عندنا ، لأن الناس على منازل شتى ، | ولكل ~~واحد كسب لا يمكن أن يتحول عنه ، أعني الإمكان المأخوذ | في العلوم الباحثة ~~عن سياسة المدن لا المأخوذ في علم تهذيب النفس ، فمن | كان كاسبا بالحرفة ~~فهو معذور حتى يجد آلات الحرفة ، ومن كان زارعا | حتى يجد آلات الزرع ، ومن ~~كان تاجرا حتى يجد البضاعة ، ومن كان | على الجهاد مسترزقا بما يروح ويغدو ~~من الغنائم . كما كان أصحاب رسول الله | صلى الله عليه وسلم ، فالضابط فيه ~~أوقية أو خمسون درهما ، ومن كان كاسبا | يحمل الأثقال في الأسواق ، أو ~~احتطاب الحطب وبيعه وأمثال ذلك | فالضابط فهي ما يغديه أو يعشيه . | ~~PageV01P513 # قوله صلى الله عليه وسلم ' لا تلحفوا في المسألة ، فوالله لا يسألني أحد ~~| منكم شيئل فتخرج له مسألته مني شيئا ، وأنا كاره ، فيبارك له فيما أعطيته ~~' . # أقول : سره أن النفوس اللاحقة بالملأ الأعلى تكون الصورة الذهنية | فيها ~~من الكراهية والرضا بمنزلة الدعاء المستجاب . # قوله صلى الله عليه وسلم ' إن المال حضر حلو فمن أخذه بسخاوة نفس | بورك ~~له فيه ، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي يأكل | ولا يشبع ~~' . # أقول : البركة في الشيء على أنواع . أدناها طمأنينة النفس به وثلج | ~~الصدر كرجلين عندهما عشرون درهما أحدهما يخش الفقر ، والآخر مصروف | الخاطر ~~عن الخشية غلب عليه الرجاء ثم زياده النفع كرجلين ms366 مقدار مالهما | واحد . ~~صرفه أحدهما فيما إلى ما يهمه ، وينفعه ، وألهم التدبير الصالح في | صرفه ، ~~والآخر أضاعه ، ولم يقتصد في التدبير ، وهذه البركة تجلبها هيئة | النفس ~~بمنزلة جلب الدعاء . # قوله صلى الله عليه وسلم ' من يستعفف يعفه الله ' الحديث | أقول : هذا ~~إشارة إلى أن هذه الكيفيات النفسانية في تحصيلها أثر عظيم | لجمع الهمة ~~وتأكد العزيمة . | PageV01P514 # # | ( أمور تتعلق بالزكاة ) # ثم مست الحاجة إلى وصية الناس أن يؤدوا الصدقة إلى المصدق بسخاوة | نفس ، ~~وفيها قوله صلى الله عليه وسلم ' إذا أتاكم المصدق فليصدر عنكم | وهو عنكم ~~راض ' وذلك لتحقق المصلحة الراجعة إلى النفس ، وأراد أن | يسد باب اعتذراهم ~~في المنع بالجور . وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' فإن | عدلوا فلأنفسهم ، ~~وإن ظلموا فعليها ' ولا اختلاف بين هذا الحديث . | وبين قوله صلى الله عليه ~~وسلم ' فمن سئل فوقها فلا يعط ' إذ الجور | نوعان : نوع أظهر النص حكمه ، ~~وفيه لا يعط ، ونوع فيه للاجتهاد مساغ | وللظنون تعارض ، وفيه سد باب ~~الاعتذار ، وإلى وصية المصدق ألا يعتدي | في أخذ الصدقة ، وأن يتقي كرائم ~~أموالهم وألا يغل ليتحقق الانصاف | وتتوفر المقاصد . # وسر قوله صلى الله عليه وسلم ' فو الذي نفسي بيده لا يأخذ منه شيئا | إلا ~~جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته إن كان بعيرا له رغاء ' يتضح من مراجعة ~~ما بينا في مانع الزكاة ، وإلى سد مكايد أهل الأموال وفيها | لا يجمع بين ~~متفرق ، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' لأن يتصدق المرء في حياته بدرهم خير له | ~~من أن يتصدق بمائة عند موته ' ، وقال صلى الله عليه وسلم ' مثله كمثل | ~~الذي يهدي إذا شبع ' أقول : سره أن إنفاق ما لا يحتاج إليه ، ولا يتوقع | ~~الحاجة إليه لنفسه ليس بعتد على سخاوة يعتمد بها . # ثم أن النبي صلى الله عليه وسلم عمد إلى خصال مما يفيد إزالة البخل ، | ~~PageV01P515 | أو تهذيب النفس ، أو تألف الجماعة ، فجعلها صدقات تنبيها على ~~مشاركتها | الصدقات في الثمرات ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' ' يعدل ms367 ~~بين اثنين | صدقة و يعين الرجل على دابته صدقة ، والكلمة الطيبة صدقة ، وكل ~~خطوة | يخطوها إلى الصلاة صدقة ، وكل تهليلة وتكبير ة وتسبيحة صدقة ' | ~~وأمثال ذلك . # قوله صلى الله عليه وسلم ' أيما مسلم كسا مسلما ثوبا على عري ' | الحديث ~~أقول قد ذكرنا مرارا أن الطبيعة المثالية تقتضي ألا يكون | تجسد المعاني ~~إلا بصورة هي أقرب شبه من الصور ، وأن الاطعام مثلا | فيه صورة الطعام ، ~~ولك عبرة بالمنامات والواقعات وتمثل المعاني | بصورة الأجسام ومن هناك ~~ينبغي أن تعرف لم رأى النبي صلى الله عليه وسلم وباء المدينة | بصورة امرأة ~~سوداء . # ثم كان من الناس من يترك أهله وأقاربه ، ويتصدق على الأباعد ، وفيه | ~~إهمال من رعايته أوجب سوء التدبير وترك تألف الجماعة القريبة منه ، | فمست ~~الحاجة إلى سد هذا الباب ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ' دينار أنفقته ~~في سبيل | الله ودينار أنفقته في رقبة ' الحديث ولا اختلاف بين قوله ' خير ~~، | الصدقة ما كان عن ظهر غني ، وابدأ بمن تعول ' وحديث : ' قيل : أي ~~الصدقة | أفضل ؟ قال : جهد المقل ، وابدأ بمن تعول ' لتنزيل كل على معنى أو ~~جهة ، | فالغنى ليس هو المصطلح عليه ، وإنما هو غنى النفس أو كفاية الأهل ، ~~| أو نقول صدقة الغني أعظم بركة في ماله ، وصدقة المقل أكثر إزالة لبخله ، ~~| وهو أقعد بقوانين الشرع . | PageV01P516 # قوله صلى الله عليه وسلم ' الخازن المسلم الأمين ' الحديث أقول : | ربما ~~يكون إنفاذ ما وجب إليه وليس له أن يمتنع عنه أيضا معرفا لسخاوة | النفس من ~~جهة طيب الخاطر والتوفية وإثلاج الصدر ، فلذلك كان متصدقا | بعد المتصدق ~~الحقيقي . # ولا اختلاف بين حديث ' إذا أنفقت المرأة من كسب زوجها من غير | أمره فلها ~~نصف الأجر ' وبين قوله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع : | لا تنفق امرأة ~~شيئا من بيت زوجها إلا بإذنه ، قيل : ولا الطعام ؟ قال : | ذلك أفضل ~~أموالنا ' وحديث قالت امرأة إنا كل على أبنائنا وآبائنا | وأزواجنا فما يحل ~~لنا من أموالهم ؟ قال : الرطب تأكلنه وتهدينه ' لأن الأول | فيما أمره ~~عموما أو دلالة ، ولم يأمره ms368 خصوصا ولا صريحا ، ويكون الزوج | لا يبدأ ~~بالصدقة فلما بدأت المرأة سلم ذلك منها ، وإنما يجوز التصرف | في ماله بما ~~هو معروف عندهم ، وفيه إصلاح ماله كالرطب لو لم يهده لفسد | وضاع ، ولا ~~يجوز في غير ذلك ، وإن كان من الطعام . # قوله صلى الله عليه وسلم : ' لا تعد في صدقتك فان العائد في صدقته | ~~كالعائد في قيئه ' . أقول سبب ذلك أن المصدق إذا أراد الاشتراء يسامح في | ~~حقه أو يطلب هو المسامحة فيكون نقضا للصدقة في ذلك القدر لأن روح | الصدقة ~~نفض القلب تعلقه بالمال ، وإذ كان في قلبه ميل إلى الرجوع إليها | بمسامحة ~~لم يتحقق كمال النفض ، وأيضا فتوفير صورة العمل مطلوب ، وفي | الاسترداد ~~نقض لها ، وهو سر كراهية الموت في أرض هاجر منها ، | والله أعلم . | ~~PageV01P517 # # | ( من أبواب الصوم ) # ولما كانت البهيمة الشديدة مانعة عن ظهور أحكام الملكية وجب | الاعتناء ~~بقهرها . ولما كان سبب شدتها وتراكم طبقاتها وغزارتها هو الأكل ، | والشرب ~~والانهماك في اللذات الشهوية فإنه يفعل ما لا يفعله الأكل الرغد - | وجب أن ~~يكون طريق القهر تقليل هذه الأسباب ، ولذلك اتفق جميع من | يريدون ظهور ~~أحكام الملكية على تقليلها ونقصها مع اختلاف مذاهبهم وتباعد | أقطارهم ، ~~وأيضا فالمقصود إذعان البهيمية للملكية بأن تتصرف حسب وحيها ، | وتنصبغ ~~بصبغها ، وتمنع الملكية منها بألا تقبل ألوانها الدنية ، ولا تنطبع فيها ~~نقوشها الخسيسة كما تنطبع نقوش الخاتم في الشمعة ، ولا سبيل إلى ذلك | إلا ~~أن تقتضي الملكية شيئا من ذاتها . وتوحيه إلى البهيمية ، وتقترحه عليها ، | ~~فتنقاد لها ، ولا تبغي عليها ، ولا تتمنع منها ، ثم تقتضي أيضا ، وتنقاد ~~هذه | أيضا - ثم ، وثم - حتى تعتاد ذلك وتتمرن ، وهذه الأشياء التي تقتضيها ~~| هذه من ذاتها ، وتقسر تلك عليهم على رغم أنفها إنما يكون من جنس | ما فيه ~~انشراح لهذه وانقباض لتلك ، وذلك كالتشبه بالملكوت والتطلع | للجبروت ، ~~فإنهما خاصية الملكية بعيدة عنهما البهيمية غاية البعد ، أو ترك | ما ~~تقتضيه البهيمية ، وتستلذه وتشتاق إليه في غلوائها - وهذا هو | الصوم - ~~ولما لم تكن المواظبة على هذه من جمهور الناس ms369 ممكنة مع ما هم فيه | من ~~الارتفاقات المهمة ومعافسة الأموال والأزواج ، وجب أن يلتزم بعد | كل طائفة ~~من الزمان مقدار يعرف حالة ظهور الملكية وابتهاجها بمقتضياتها ، | ~~PageV01P518 | ويكفر ما فرط منه قبلها ، ويكون مثله كمثل حصان طوله مربوطا ~~بآخية | يستن يمينا وشمالا ، ثم يرجع إلى آخيته ، وهذه مداوة بعد مداومة ~~الحقيقية ، | تم وجب تعيين مقدار لئلا يفرط أحد ، فيستعمل منه ما لا ينفعه ~~، | وينجع فيه ، أو يفرط مفرط ، فيستعمل منه ما يوهن أركانه ، ويذهب | ~~نشاطه ، وينفه نفسه ، ويزيره القبور ، وإنما الصوم ترياق يستعمل لدفع | ~~السموم النفسانية مع ما فيه نكاية بمطية اللطيفة الإنسانية ومنصتها فلا بد ~~| من أن يتقدر بقدر الضرورة . # ثم إن تقليل الأكل والشرب له طريقان : أحدهما ألا يتناول منهما | إلا ~~قدرا يسيرا ، والثاني أن تكون المدة المتخللة بين الأكلات زائدة | على ~~القدر المعتاد ، والمعتبر في الشرائع هو الثاني لأنه يخفف ، وينفه ، ويذيق ~~| بالفعل مذاق الجوع والعطش ، ويلحق البهيمية حيرة ودهشة ، ويأتي عليها | ~~إتيانا محسوسا ، والأول إنما يضعف ضعفا يمر به ، ولا يجد بالاحتى يدفنه ، | ~~وأيضا فإن الأول لا يأتي تحت التشريع العام إلا بجهد ، فإن الناس على منازل ~~| مختلفة جدا يأكل الواحد منهم رطلا والآخر رطلين ، والذي يحصل به | وفاء ~~الأول هو إجحاف الثاني ، أما المدة المتخللة بين الأكلات ، فالعرب | والعجم ~~وسائر أهل الأمزجة الصحيحة يتفقون فيها ، وإنما طعامهم غداء | وعشاء ، أو ~~أكلة واحدة في اليوم والليلة ، ويحصل مذاق الجوع بالكف | إلى الليل ، ولا ~~يمكن أن يفوض المقدار اليسير إلى المبتلين المكلفين ، | فيقال مثلا : ليأكل ~~كل واحد منكم ما تنقهر به بهيميته لأنه يخالف موضوع | التشريع . # ومن المثل السائر من استرعى الذئب فقد ظلم ، وإنما يسوغ مثل ذلك # PageV01P519 | في الإحسانيات ، ثم يجب أن تكون تلك المدة المتخللة غير ~~مجحفة | ولا مستأصلة ، كثلاثة أيام بلياليها ، لأن ذلك خلاف موضوع الشرع ، ~~| ولا يعمل به جمهور المكلفين ، ويحب أن يكون الامساك فيها متكررا ، | ~~ليحصل التمرن والانقياد ، وإلا فجوع واحد أي فائدة يفيد ، وإن قوى | واشتد ~~، ووجب أن يذهب في ضبط الانقهار ms370 الغير المجحف وضبط تكراره | إلى مقادير ~~مستعملة عندهم لا تخفى على الخامل والنبيه والحاضر والبادي ، | وإلى ما ~~يستعمله أو يستعمل نظيره طوائف عظيمة من الناس ، لتذهب | شهرتها وتسليمها ~~غاية التعب منهم . # وأوجبت هذه الملاحظات أن يضبط الصوم بالامساك من الطعام | والشراب ~~والجماع يوما كاملا إلى شهر كامل فإن ما دون اليوم هو من باب | تأخير ~~الغداء ، وأمساك الليل معتاد لا يجدون له بالا ، والأسبوع | والأسبوعان مدة ~~يسيرة لا تؤثر ، والشهران تغور فيهما الأعين ، وتنفه | النفس ، وقد شاهدنا ~~ذلك مرات لا تحصى . # ويضبط اليوم بطلوع الفجر إلى غروب الشمس ، لأنه هو حساب | العرب ومقدار ~~يومهم ، والمشهور عندهم في صوم يوم عاشوراء ، والشهر | برؤية الهلال إلى ~~رؤية الهلال لأنه هو شهر العرب ، وليس حسابهم | على الشهور الشمسية . # وإذا وقع التصدي لتشريع عام وإصلاح جماهير الناس وطوائف | العرب والعجم ~~وجب ألا يخير في ذلك الشهر ليختار كل واحد شهرا | يسهل عليه صومه ، لأن في ~~ذلك فتحا لباب الاعتذار والتسلل ، وسدا | لباب الأمر بالمعروف والنهي عن ~~المنكر وإخمالا لما هو من اعظم طاعات | الإسلام ، وأيضا فإن اجتماع طوائف ~~عظيمة من المسلمين على شيء واحد | في زمان واحد يرى بعضهم بعضا - معونة لهم ~~على الفعل ، ميسر عليهم ، | PageV01P520 | ومشجع إياهم ، وأيضا فان ~~اجتماعهم هذا لنزول البركات الملكية على خاصتهم | وعامتهم وأدنى أن ينعكس ~~أنوار كملهم على من دونهم وتحيط دعوتهم | من وراءهم . # وإذا وجب تعيين ذلك الشهر فلا أحق من شهر نزل فيه القرآن ، | وارتسخت فيه ~~الملة المصطفوية وهو مظنة ليلة القدر على ما سنذكره . # ثم لا بد من بيان المرتبة التي لا بد منها لكل خامل ونبيه وفارغ | ومشغول ~~والتي إن أخطأها أخطأ أصل المشروع والمرتبة المكملة التي هي | مشرع ~~المحسنين ومورد السابقين ، فالأولى صوم رمضان والاكتفاء | على الفرائض ~~الخمس ، فورد ' من صلى العشاء والصبح في جماعة فكانما قام | الليل ' ~~والثانية زائدة على الأولى كما وكيفا وهي قيام لليالية وتنزيه اللسان | ~~والجوارح ، وستة من شوال ، وثلاثة من كل شهر ، وصوم يوم عاشوراء | ويوم ~~عرفة ، واعتكاف ms371 العشر الأواخر ، فهذه المقدمات تجري مجرى | الأصول في باب ~~الصوم ، فإذا تمهدت حان أن نشتغل بشرح أحاديث | الباب . | PageV01P521 # # | ( فضل الصوم ) # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' إذا دخل رمضان فتحت أبوب | الجنة - ~~وفي رواية - أبواب الرحمة وغلقت أبواب جهنم وسلسلت | الشياطين ' أقول : ~~اعلم أن هذا الفضل إنما هو بالنسبة إلى جماعة المسلمين | فإن الكفار في ~~رمضان اشد عمها وأكثر ضلالا منهم في غيره ، لتماديهم | في هتك شعائر الله ، ~~ولكن المسلمين إذا صاموا ، وقاموا ، وغاص كملهم | في لجة الأنوار ، وأحاطت ~~دعوتهم من ورائهم ، وانعكست أضواؤهم | على من دونهم ، وشملت بركاتهم جميع ~~فئتهم ، وتقرب كل حسب استعداده | من المنجيات ، وتباعد من المهلكات - صدق ~~أن أبواب الجنة تفتح عليهم ، | وأن أبواب جهنم تغلق عنهم لأن أصلهما الرحمة ~~واللعنة ، ولأن اتفاق | أهل الأرض في صفة تجلب ما يناسبها من جود الله كما ~~ذكرنا في الاستسقاء | والحج ، وصدق أن الشياطين تسلسل عنهم ، وأن الملائكة ~~تنتشر فيهم ، | لأن الشيطان لا يؤثر إلا فيمن استعدت نفسه لأثره ، وغنما ~~استعداده له | لغلواء البهيمة وقد انقهرت ، وأن الملك لا يقرب إلا ممن ~~استعد له ، وإنما | استعداده بظهور الملكية وقد ظهرت ، وأيضا فرمضان مظنة ~~الليلة التي | يفرق فيها كل أمر حكيم ، فلا جرم أن الأنوار المثالية ~~والملكية تنتشر | حينئذ ، وأن أضدادها تنقبض . # قوله صلى الله عليه وسلم ' من صام شهر رمضان إيمانا واحتسابا | غفر له ما ~~تقدم من ذنبه ' أقول : وذلك لأنه مظنة غلبة الملكية ومغلوبية | البهيمية ~~ونصاب صالح من الخوض في لجة الرضا والرحمة ، فلا جرم أن | ذلك مغير للنفس ~~من لون إلى لون . # قوله صلى الله عليه وسلم ' من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له | ~~ما تقدم من ذنبه ' أقول : وذلك لأن الطاعة إذا وجدت في وقت انتشار | ~~PageV01P522 | الروحانية وظهور سلطنة المثال أثرت في صميم النفس ما لا يؤثر ~~إعدادها | في غيره . # قوله صلى الله عليه وسلم ' كل عمل ابن آدم يضاعف الحسنة بعشر | أمثالها ~~إلى سبعمائة ضعف ، قال الله تعالى إلا الصوم فإنه لي وأنا ms372 أجزي به | يدع ~~شهوته وطعامه من أجلي ' أقول : سر مضاعفة الحسنة أن الإنسان إذا | مات ، ~~وانقطع عنه مدد بهيميته ، وأدبر عن اللذات الملائمة لها - ظهرت | الملكية ، ~~ولمع أنوارها بالطبيعة المجازاة وهذا هو سر المجازة ، فإن كان العمل خيرا | ~~فقليله كثير حينئذ لظهور الملكية ومناسبته بها ، وسر استثناء الصوم أن | ~~كتابة الأعمال في صحائفها إنما تكون بتصور صورة كل عمل في موطن من | المثال ~~مختص بهذا الرجل بوجه يظهر منها صورة جزائه المترتب عليه عند | تجرده عن ~~غواشي الحسد ، وقد شاهدنا ذلك مرارا وشاهدنا أن الكتبة كثيرا | ما تتوقف في ~~إبداء جزاء العمل الذي هو من قبيل مجاهدة شهوات النفس | إذ في إبدائه دخل ~~لمعرفة مقدار خلق النفس الصادر هذا العمل منه ، وهم لم | يذوقوه ذوقا ، ولم ~~يعلموه وجدانا ، وهو سر اختصامهم في الكفارات | والدرجات على ما ورد في ~~الحديث ، فيوحي الله إليهم حينئذ أن اكتبوا العمل | كما هو ، وفوضوا جزاءه ~~إلى ، وقوله : ' فإنه يدع شهوته وطعامه من أجلي ' | إشارة إلى أنه من ~~الكفارات التي لها نكاية في نفسه البهيمية ، ولهذا الحديث | بطن آخر قد ~~أشرنا إليه في أسرار الصوم فراجعه . # قوله صلى الله عليه وسلم ' للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة | عند لقاء ~~ربه ' فالأولى طبيعية من قبل وجدان ما تطلبه نفسه ، والثانية | إلهية من ~~قبل تهيئته لظهور أسرار التنزيه عند تجرده عن غواشي الجسد | وترشح اليقين ~~عليه من فوقه ، كما أن الصلاة تورث ظهور أسرار التجلي | الثبوتي ، وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم ' فلا تغلبوا على صلاة قبل الطلوع | وقبل الغروب ' ~~وههنا - أسرار يضيق هذا الكتاب عن كشفها . | PageV01P523 # قوله صلى الله عليه وسلم ' لخلوف فم الصائم أطيب عند الله من | ريح المسك ~~' وأقول : سره أن أثر الطاعة محبوب لحب الطاعة متمثل في | عالم المثال مقام ~~الطاعة ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم انشراح الملائكة | بسببه ورضا الله ~~عنه في كفة وانشراح نفوس بني آدم عند استنشاق رائحة | المسك في كفه ليريهم ~~السر الغيبي راى العين . # قوله صلى الله عليه ms373 وسلم ' الصيام جنة ' أقول : ذلك لأنه يقي | شر ~~الشيطان والنفس ، ويباعد الإنسان من تأثيرهما ، ويخالفه عليهما ، | فلذلك ~~كان من حقه تكميل معنى الجنة بتنزيه لسانه عن الأقوال والأفعال | الشهوية ، ~~وإليها الإشارة في قوله : ' فلا يرفث ' ، والسبعية ، وإليه | الإشارة في ~~قوله : ' ولا يصخب ' وإلى الأقوال بقوله : ' سابه ' | وإلى الأفعال بقوله : ~~' قاتله ' قوله صلى الله عليه وسلم : ' فليقل إني صائم ' | قيل : بلسانه ، ~~وقيل : بقلبه ، وقيل : بالفرق بين الفرض والنفل ، | والكل واسع . | ~~PageV01P524 # # | ( أحكام الصوم ) # قال النبي صلى الله عليه وسلم ' لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا | ~~حتى تروه فإن غم عليكم ، فاقدروا له - وفي رواية - فأكملوا العدة | ثلاثين ~~' أقول : لما كان وقت الصوم مضبوطا بالشهر القمري باعتبار رؤية الهلال ، ~~وهو تارة ثلاثون يوما ، وتارة تسع وعشرون ، وجب في | صورة الاشتباه أن يرجع ~~إلى هذا الأصل وأيضا مبنى الشرائع على الأمور | الظاهرة عند اميين دون ~~التعمق والمحاسبات النجومية ، بل الشريعة واردة | بإخمال ذكرها ، وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم : ' إنا أمة أمية لا نكتب | ولا نحسب ' وقوله صلى الله ~~عليه وسلم ' شهرا عيد لا ينقصان رمضان | وذو الحجة ' قيل لا ينقصان معا ، ~~وقيل : لا يتفاوت اجر ثلاثين | وتسعة وعشرين ، وهذا الأخير أقعد بقواعد ~~التشريع كأنه أراد سد أن يخطر | في قلب أحد ذلك . # واعلم أن من المقاصد المهمة في باب الصوم سد ذرائع التعمق ، ورد | ما ~~أحدثه فيه المتعمقون ، فإن هذه الطاعة كانت شائعة في اليهود . والنصارى | ~~ومتحنثي العرب ، ولما رأوا أن أصل الصوم هو قهر النفس تعمقوا ، | وابتدعوا ~~أشياء فيها زيادة القهر ، وفي ذلك تحريف دين الله ، وهو إما | بزيادة الكم ~~أو الكيف . # فمن الكم قوله صلى الله عليه وسلم ' لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم | يوم أو ~~يومين إلا أن يكون رجلا كان يصوم يوما فليصم ذلك اليوم ' ونهيه | عن صوم ~~يوم الفطر . ويوم الشك ، وذلك لأنه ليس بين هذه وبين | رمضان فصل ، فلعله ~~إن أخذ ذلك المتعمقون سنة فيدركه منهم الطبقة | الأخرى وهلم جرا يكون ~~تحريفا ، وأصل التعمق أن يؤخذ موضع ms374 | الاحتياط لازما ، ومنه يوم الشك . | ~~PageV01P525 # ومن الكيف النهي عن الوصال والترغيب في السحور ، والأمر | بتأخيره وتقديم ~~الفطر ، فكل ذلك تشدد وتعمق من صنع الجاهلية ، | ولا اختلاف بين قوله صلى ~~الله عليه وسلم ' إذا انتصف شعبان فلا تصوموه ' | وحديث أم سلمة رضي الله ~~عنها ' ما رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصوم | شهرين متتابعين إلا شعبان ~~ورمضان ' لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان | يفعل في نفسه ما لا يأمر به ~~القوم ، وأكثر ذلك ما هو من باب سد الذرائع | وضرب مظنات كلية ، فإنه صلى ~~الله عليه وسلم مأمون من أن يستعمل الشيء | في غير محله ، أو يجاوز الحد ~~الذي أمر به إلى إضعاف المزاج وملال الخاطر ، | وغيره ليس بمأمون ، ~~فيحتاجون إلى ضرب تشريع وسد تعمق ، ولذلك | كان صلى الله عليه وسلم ينهاهم ~~أن يجاوزا أربع نسوة ، وكان أحل له تسع | فما فوقها لأن علة المنع ألا يفضي ~~إلى جور . # ثم الهلال يثبت بشهاده مسلم عدل أو مستور أنه رآه ، وقد سن رسول الله | ~~صلى الله عليه وسلم في كلتا الصورتين ، ' جاء أعرابي فقال : إني رأيت | ~~الهلال ، قال : أتشهد ؟ ' الحديث وأخبر ابن عمر أنه رآه فصام ، | وكذلك ~~الحكم في كل ما كان من أمور الملة فإنه يشبه الرواية . # وقال صلى الله عليه وسلم : تسحروا فإن في السحور بركة ' أقول : فيه | ~~بركتان : إحداهما راجعة إلى إصلاح البدن ألا ينفعهولا يضعف إذ | الإمساك ~~يوما كاملا نصاب ، فلا يضاعف . | PageV01P526 # والثانية راجعة إلى تدبير الملة ألا يتعمق فيها ، ولا يدخلها تحريف أو ~~تغيير . # وقوله صلى الله عليه وسلم ' لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر ' | وقوله ~~عليه السلام صلى الله عليه وسلم : ' فصل ما بين وما بين صيامنا وصيام أهل ~~الكتاب أكلة السحر ' | وقال الله تعالى : ' أحب عبادي إلي أعجلهم فطرا ' ~~أقول : هذا إشارة إلى | أن هذه مسألة دخل فيها التحريف من أهل الكتاب ، ~~فبمخالفتهم ، ورد | تحريفهم قيام الملة . # ونهى صلى الله عليه وسلم عن الوصال ' فقيل : إنك تواصل ، قال : | وأيكم ~~مثلي ؟ ! إني أبيت يطعمني ms375 ربي ويسقيني ' أقول : النهي عن الوصال | إنما هو ~~لأمرين : أحدهما ألا يصل إلى حد الإجحاف كما بينا ، والثاني | ألا تحرف ~~الملة ، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه لا يأتيه الإجحاف | ~~لأنه مؤيد بقوة ملكية نورية وهو مأمون . # ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم : من لم يجمع الصوم قبل | الفجر ~~فلا صيام له ' وبين قوله عليه الصلاة والسلام حين لم يجد طعاما | ' إني إذا ~~صائم ' لأن الأول في الفرض . والثاني في النفل . والمراد بالنفي | نفي ~~الكمال . # وقوله صلى الله عليه وسلم ' إذا سمع النداء أحدكم ' ألخ أقول : | المراد ~~بالنداء هو نداء خاص أعني نداء بلال ، وهذا الحديث مختصر حديث | ' إن بلالا ~~ينادي بليل ' . # وقوله صلى الله عليه وسلم ' إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمرة فإنه بركة | ~~فإن لم يجد فليفطر على ماء فإنه طهور ' . | PageV01P527 # أقول : الحلو يقبل عليه الطبع لا سيما بعد الجوع ، ويحبه الكبد ، | ~~والعرب يميل طبعهم إلى التمر ، وللميل في مثله أثر ، فلا جرم أنه يصرفه | ~~في المحل المناسب من البدن وهذا نوع من البركة . # قوله صلى الله عليه وسلم ' من فطر صائما أو جهز غازيا فله مثل | أجره ' ~~أقول : من فطر صائما لأنه صائم يستحق التعظيم ، فإن ذلك صدقة | وتعظيم ~~للصوم وصلة بأهل الطاعات ، فإذا تمثلت صورته في الصحف كان | متضمنا لمعنى ~~الصوم من وجوه ، فجوزي بذلك . # ومن أذكار الإفطار : ذهب الظمأ ، وابتلت العروق ، وثبت الأجر | إن شاء ~~الله ، وفيه بيان الشكر على الحالات التي يستطيبها الإنسان بطبيعته | أو ~~عقله معا ، ومنها اللهم لك صمت ، وعلى رزقك أفطرت ، وفيه تأكيد | الإخلاص ~~في العمل والشكر على النعمة . # وقوله صلى الله عليه وسلم ' لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم | قبله ~~أو يصوم بعده ' ، وقوله صلى الله عليه وسلم ' لا تختصوا ليلة الجمعة ' | ~~الحديث أقول . السر فيه شيئان : أحدهما سد التعمق لأن الشارع | لما خصه ~~بطاعات وبين فضله كان مظنة أن يتعمق المتعمقون ، فيلحقون بها | صوم ذلك ~~اليوم . # وثانيهما تحقيق معنى العيد ، فإن العيد ms376 يشعر بالفرح واستيفاء اللذة ، | ~~وفي جعله عيدا أن يتصور عندهم أنها من الاجتماعات التي يرغبون فيها | من ~~طبائعهم من غير قصر . # قوله صلى الله عليه وسلم ' لا صوم في يومين الفطر . والأضحى ' ، | وقوله ~~صلى الله عليه وسلم ' أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر الله ' | ~~PageV01P528 # أقول : فيه تحقيق معنى العيد وكبح عنانهم عن التنسك اليابس والتعمق | في ~~الدين . # قوله صلى الله عليه وسلم ' لا يحل لمرأة أن تصوم وزوجها شاهد | إلا بإذنه ~~' أقول : وذلك لأن صومها مفوت لبعض حقه ومنغص عليه | بشاشتها وفكاهتها . # ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم ' الصائم المتطوع أمير | نفسه إن ~~شاء صام وإن شاء أفطر ' ، وقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة . | وحفصة رضي ~~الله عنهما : ' اقضيا يوما آخر مكانه ' إذ يمكن أن يكون | المعنى إن شاء ~~أفطر مع التزام القضاء ، وأمرهما بالقضاء للاستحباب ، فإن | الوفاء بما ~~التزمه أثلج للصدر ، أو كان أمرا لهما خاصة حين رأى في صدرهما | حرجا من ~~ذلك كقول عائشة رضي الله عنها : رجعوا بحجة وعمرة ورجعت | بحج فأعمرها من ~~التنعيم . # قوله صلى الله عليه وسلم ' من نسي وهو صائم ، فأكل وشرب فليتم | صومه ~~فإنما أطعمه الله وسقاه ' أقول إنما عذر بالنسيان في الصوم دون | غيره لأن ~~الصوم ليس له هيئة مذكرة بخلاف الصلاة و الإحرام فإن لهما | هيآت عن ~~استقبال القبلة والتجرد من المخيط ، فكان أحق أن يعذر فيه . # قوله صلى الله عليه وسلم لمن وقع على امرأته في نهار رمضان ' أعتق | رقبة ~~' الحديث أقول لما هجم على هتك حرمة شعائر الله وكان مبدؤه | إفراطا طبيعيا ~~وجب أن يقابل بإيجاب طاعة شاقة غاية المشقة ليكون | بين يديه مثل تلك ~~فيزجره عن غلواء نفسه ، ولا اختلاف بين حديث | تسوكه صلى الله عليه وسلم ، ~~وبين قوله عليه الصلاة والسلام : ' لخلوف | PageV01P529 | فم الصائم أطيب ' ~~الحديث ، فإن مثل هذا الكلام إنما يرا به المبالغة كأنه | قال : إنه محبوب ~~بحيث لو كان له خلوف لكان محبوبا لحبه . # ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم ' ليس ms377 من البر الصيام | في السفر ~~ذهب المفطرون بالأجر ' ، وقوله عليه الصلاة والسلام : | ' من كانت له حمولة ~~تأوى إلى شبع فليصم رمضان حيثما أدركه ' لأن | الأول فيما إذا كان شاقا ~~عليه مغضيا إلى الضعف والغشى ، كما هو مقتضي | قول الراوي : قد ضلل عليه أو ~~كان بالمسلمين حاجة لا تنجبر إلا بالإفطار | وهو قول الراوي : فسقط ~~الصوامون وقام المفطرون ، أو كان يرى | في نفسه كراهية الترخص في مظانه ~~وأمثال ذلك من الأسباب ، والثاني فيما | إذا كان السفر خاليا عن المشقة ~~التي يعتد بها ، والأسباب التي ذكرناها . # ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم ' من مات وعليه صوم | صام عنه ~~وليه ' ، وقوله عليه الصلاة والسلام فيه أيضا ' فليطعم عنه | مكان كل يوم ~~مسكينا إذا يجوز أن يكون كل من الأمرين مجزئا ، والسر | في ذلك شيآن : ~~أحدهما راجع إلى الميت فإن كثيرا من النفوس المفارقة | أجسادها تدرك أن ~~وظيفة من الوظائف التي يجب عليها ، وتؤاخذ بتركها # فأتت منها ، فتتألم ، ويفتح ذلك بابا من الوحشة ، فكان الحدب على مثله | ~~أن يقوم أقرب الناس منه وأولادهم به ، فيعمل عمله على قصد أن يقع عنه | فإن ~~همته تلك تفيد كما في القرابين ، أو يفعل فعلا آخر مثله ، وكذلك حال | من ~~مات وقد أجمع على صدقة تصدق عنه وليه ، وقد ذكرنا في الصلاة على | الميت ما ~~إذا عطف على صدقة الأحياء للأموات انعطف ، والثاني راجع | إلى الملة ، وهو ~~التأكيد البالغ ، ليعلموا أن الصوم لا يسقط بحال | حتى الموت . | ~~PageV01P530 # # | ( أمور تتعلق بالصوم ) # اعلم أن كمال الصوم إنما هو تنزيهه عن الأفعال والأقوال الشهوية | ~~والسبعية والشيطانية ، فإنها تذكر النفس في الأخلاق الخسيسة ، وتهيجها | ~~لهيآت فاسدة ، والاحتراز عما يفضي إلى الفطر ، ويدعوا إليه ، فمن الأول | ~~قوله صلى الله عليه وسلم ' فلا يرفث ولا يصخب فإن سابه أحد أو قاتله | ~~فليقل إني صائم ' وقوله صلى الله عليه وسلم ' من لم يدع قول الزور | والعمل ~~به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه ' والمراد بالنفي نفي | الكمال ، ~~ومن الثاني : ' أفطر الحاجم ms378 والمحجوم ' فإن المحجوم تعرض | للأفطار من ~~الضعف ، والحاجم لأنه لا يأمن من أن يصل شيء إلى جوفه | بمص الملازم ، ~~والتقبيل والمباشرة ، وكان الناس قد أفرطوا ، وتعمقوا ، | وكادوا أن يجعلوه ~~من مرتبة الركن ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم قولا | وفعلا أنه ليس ~~مفطرا ولا منقصا للصوم . وأشعر بأنه ترك الأولى في حق | غيره بلفظ الرخصة ، ~~وأما هو كان مأمورا ببيان الشريعة ، فكان هو | الأولى في حقه ، وكذا سائر ~~ما تنزل فيه عن درجة المحسنين إلى درجة عامة | المؤمنين ، والله أعلم . # واختلفت سنن الأنبياء عليهم السلام في الصوم ، فكان نوح عليه السلام | ~~يصوم الدهر ، وكان داود عليه السلام يصوم يوما ، ويفطر يوما ، وكان | عيسى ~~عليه السلام يصوم يوما ، ويفطر يومين أو أياما ، وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم | في خاصة نفسه يصوم حتى يقال لا يفطر ، ويفطر حتى يقال | لا يصوم ، ~~ولم يكن يستكمل صيام شهر إلا رمضان ، وذلك أن الصيام | ترياق ، والترياق لا ~~يستعمل إلا بقدر المرض . # وكان قوم نوح عليه السلام شديدي الأمزجة حتى روى عنهم ما روى ، | وكان ~~داود عليه السلام ذا قوة ورزانة ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : | ~~PageV01P531 | وكان لا يفر إذا لاقى ' وكان عيسى عليه السلام ضعيفا في بدنه ~~فارغا | لا أهلك له ولا مال ، فاختار كل واحد ما يناسب الأحوال ، وكان ~~نبينا | صلى الله عليه وسلم عارفا بفوائد الصوم والإفطار مطلعا على مزاجه | ~~وما يناسبه ، فاختار بحسب مصلحة الوقت ما شاء ، واختار لأمته صياما . # منها يوم عاشوراء وسر مشروعيته أنه وقت نصر الله تعالى موسى | عليه ~~السلام على فرعون وقومه ، وشكر موسى بصوم ذلك اليوم ، وصار | سنة بين أهل ~~الكتاب والعرب ، فأقره رسول الله صلى الله عليه وسلم . # ومنها صوم عرفة ، السر فيه أنه تشبه بالحاج وتشوق إليهم وتعرض | للرحمة ~~التي تنزل عليهم ، وسر فضله على صوم يوم عاشوراء أنه خوض | في لجة الرحمة ~~النازلة ذلك اليوم ، والثاني تعرض للرحمة التي مضت ، | وانقضت ، فعمد النبي ~~صلى الله عليه وسلم إلى ثمرة الخوض في لجة ms379 الرحمة | وهي كفارة الذنوب ~~السابقة والنبو عن الذنوب اللاحقة بألا يقبلها صميم | قلبه ، فجعلها لصوم ~~عرفة ، ولم يصمه رسول الله صلى الله عليه وسلم في | حجته لما ذكرنا في ~~التضحية وصلاة العيد من أن مبناها كلها على التشبه | بالحاج وإنما ~~المتشبهون غيرهم . # ومنها ستة الشوال ، قال صلى الله عليه وسلم ' من صام رمضان فأتبعه | ستا ~~من شوال كان كصيام الدهر كله ' ، والسر في مشروعيتها أنها بمنزلة | السنن ~~الرواتب في الصلاة تكمل فائدتها بالنسبة إلى أمزجة لم تتام فائدتها | بهم ، ~~وإنما خص في بيان فضيلة التشبه بصوم الدهر لأن من القواعد | المقررة أن ~~الحسنة بعشر أمثالها ، وبهذه الستة يتم الحساب . # ومنها ثلاث من كل شهر لأنها بحساب كل حسنة بعشرة أمثالها تضاهي | ~~PageV01P532 | صيام الدهر ، ولأن الثلاثة اقل حد الكثرة ، وقد اختلفت ~~الرواية في | اختيار تلك الأيام ، فورد ' يا أبا ذر إذا صمت من الشهر ~~الثلاثة فصم ثلاث | عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة ' وورد كان يصوم من الشهر ~~السبت | والأحد والاثنين ، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والآربعاء والخميس ، ~~وورد | من غرة كل شهر ثلاثة أيام ، وورد أنه أمر أم سلمة بثلاثة أولها ~~الاثنين | والخميس ، ولكل وجه ، واعلم أن ليلة القدر ليلتان : إحداهما ليلة # @QB@ فيها يفرق كل أمر حكيم @QE@ . # وفيها نزل القرآن جملة واحدة ثم نزل بعد ذلك نجما نجما ، | وهي ليلة في ~~السنة ، ولا يجب أن تكون في رمضان ، نعم رمضان | مظنة غالبة لها ، واتفق ~~أنها كانت في رمضان عند نزول القرآن ، والثانية | يكون فيها نوع من انتشار ~~الروحانية ومجيء الملائكة إلى الأرض ، فيتفق | المسلمون فيها على الطاعات ، ~~فتتعاكس أنوارهم فيما بينهم ، ويتقرب منهم | الملائكة ، ويتباعد منهم ~~الشياطين ويستجاب منهم أدعيتهم وطاعاتهم ، وهي | ليلة في كل رمضان في أوتار ~~العشر الأواخر تتقدم ، وتتأخر فيها ، ولا تخرج | منها ، فمن قصد الأولى قال ~~: هي في كل السنة ، ومن قصد الثانية قال : هي | في العشر الأواخر من رمضان ~~، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم | ' أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع ~~الأواخر فمن كان متحريها فليتحرها ms380 | في السبع الأواخر ، وقال : أرأيت هذه ~~الليلة ثم أنسيتها وقد رأيتني أسجد | في ماء وطين ' فكان ذلك في ليلة إحدى ~~وعشرين ' ، واختلاف | PageV01P533 | الصحابة فيها مبني على اختلافهم في ~~وجدانها ، ومن أدعية من وجدها . اللهم | أنك عفو تحب العفو فاعف عني . # ولما كان الاعتكاف في المسجد سببا لجمع الخاطر وصفاء القلب والتفرغ | ~~للطاعة والتشبه بالملائكة والتعرض لوجدان ليلة القدر اختاره النبي | صلى ~~الله عليه وسلم في العشر الأواخر وسنه للمحسنين من أمته ، قالت عائشة | رضي ~~الله عنها : السنة على المعتكف ألا يعود مريضا ، ولا يشهد جنازة | ولا يمس ~~المرأة ، ولا يباشرها ، ولا يخرج إلا لحاجة إلا ما لا بد منه ، | ولا ~~اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع أقول وذلك تحقيقا | لمعنى ~~الاعتكاف ، وليكون الطاعة لها بال ومشقة على النفس ومخالفة | للعادة ، ~~والله أعلم . | PageV01P534 # # | ( من أبواب الحج ) # المصالح المرعية في الحج أمور : منها تعظيم البيت ، فإنه من شعائر الله ، ~~| وتعظيمه هو تعظيم الله تعالى . # ومنها تحقيق معنى العرضة ، فإن لكل دولة أو ملة اجتماعا يتوارده | ~~الأقاصي والأدانى ليعرف فيه بعضهم بعضا ، ويستفيدوا أحكام الملة ، | ~~ويعظموا شعائرها ، والحج عرضة المسلمين وظهور شوكتهم واجتماع | جنودهم ~~وتنويه ملتهم ، وهو قول الله تعالى : # ^ ( وإذا جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا ) ^ . # ومنها موافقة ما توارث الناس عن سيدنا إبراهيم وإسمعيل عليهما | السلام ، ~~فإنهما إماما الملة الحنيفة ومشرعاها للعرب ، والنبي صلى الله عليه وسلم | ~~بعث لتظهر به الملة الحنيفية وتعلو بها كلمتها ، وهو قوله تعالى : # @QB@ ملة أبيكم إبراهيم @QE@ . # فمن الواجب المحافظة على ما استفاض عن إماميها كخصال الفطرة ومناسك | ~~الحج ؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم ' قفوا على مشاعركم فإنكم على إرث | من ~~إرث أبيكم إبراهيم ' . # ومنها الاصطلاح على حال يتحقق بها الرفق لعامتهم وخاصتهم كنزول | منى . ~~والمبيت بمزدلفة ، فإنه لو لم يصطلح على مثل هذا لشق عليهم ، ولو لم | يسجل ~~عليهم لم تجتمع كلمتهم عليه مع كثرتهم وانتشارهم . | PageV01P535 # ومنها الأعمال التي تعلن بأن صاحبها موحد تابع للحق متدين بالملة | ~~الحنيفية شاكر لله على ما أنعم ms381 على أوائل هذه الملة كالسعي بين الصفا ~~والمروة . # ومنها أن أهل الجاهلية كانوا يحجون وكان الحج أصل دينهم ولكنهم | خلطوا ~~أعمالا ما هي مأثورة عن إبراهيم عليه السلام ، وإنما هي اختلاف | منهم ~~وفيها إشراك لغير الله كتعظيم إساف . ونائلة ، وكالاهلال لمناة | الطاغية ، ~~وكقولهم في التلبية : لا شريكا لك إلا شريك هو لك ، ومن | حق هذه الأعمال ~~أن ينهى عنها ويؤكد في ذلك ، وأعمالا انتحلوها فخرا | وعجبا كقول حمس : نحن ~~قطان الله ، فلا نخرج من حرم الله فنزل : # @QB@ ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس @QE@ . # وكذكرهم أباءهم ايام منى فنزل : # @QB@ فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا @QE@ . # ولما استشعر الأنصار هذا الأصل تحرجوا في السعي بين الصفا والمروا | حتى ~~نزل # @QB@ إن الصفا والمروة من شعائر الله @QE@ . # ومنها أنهم كانوا ابتدعوا قياسات فاسدة هي من باب التعمق في الدين ، | ~~وفيها حرج للناس ، ومن حقها أن تنسخ وتهجر كقولهم : يجتنب المحرم | دخول ~~البيوت من أبوابها وكانوا يتسورون من ظهورها ظنا منهم أن الدخول | من الباب ~~ارتفاق ينافي هيئة الإحرام فنزل : # @QB@ وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها @QE@ . | PageV01P536 # وككراهيتهم في التجارة موسم الحج ظنا منهم أنها تخل باخلاص | العمل لله ، ~~فنزل : # @QB@ ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم @QE@ . # وكاستحبابهم أن يحجوا بلا زاد ، ويقولوا : نحن المتوكلون وكانوا | يضيقون ~~على الناس ويعتدون . فنزل : # @QB@ وتزودوا فإن خير الزاد التقوى @QE@ . # وكقولهم من أفجر الفجور العمرة في أيام الحج ، وقولهم # إذا انسلخ صفر ، وبرأ الدبر ، وعفا الأثر حلت العمرة لمن اعتمر | وفي ذلك ~~حرج للآفاقى حيث يحتاجون إلى تجديد السفر للعمرة ، فأمرهم النبي | صلى الله ~~عليه وسلم في حجة الوداع أن يخرجوا من الإحرام بعمرة ، ويحجوا | بعد ذلك ، ~~وشدد الأمر في ذلك ينكلهم على عادتهم وما ركز في قلوبهم . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' يا أيها الناس قد فرض عليكم | الحج ~~فحجوا ، فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ، فسكت حتى قالها ثلاثا ، | فقال ~~: لو قلت : نعم لوجبت ولما استطعتم ' اقول : سره أن الأمر الذي | يعد ms382 لنزول ~~وحي الله بتوقيت خاص هو إقبال القوم على ذلك وتلقي علومهم | وهممهم له ~~بالقبول وكون ذلك القدر هو الذي اشتهر بينهم وتداولوها ، | ثم عزيمة النبي ~~صلى الله عليه وسلم وطلبه من الله ، فإذا اجتمعا لا بد أن | ينزل الوحي على ~~حسبه ، ولك عبرة بأن الله ما انزل كتابا إلا بلسان قومه | وبما يفهمونه ، ~~ولا ألقي عليهم حكما ولا دليلا إلا مما هو قريب من فهمهم ، | كيف ومبدأ ~~الوحي اللطف ، وإنما اللطف اختيار أقرب ما يمكن هناك | للإجابة . | ~~PageV01P537 # وقيل : ' أي الأعمال أفضل ؟ قال : الإيمان بالله ورسوله ، قيل : ثم | ~~ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله ، قيل : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور ، | ~~ولا اختلاف بينه وبين قوله صلى الله عليه وسلم في فضل الذكر ' ألا | أنبئكم ~~بأفضل أعمالكم ؟ ' لأن الفضل يختلف باختلاف الاعتبار ، | والمقصود ههنا ~~بيان الفضل باعتبار تنويه دين الله وظهور شعائر الله ، وليس | بهذا ~~الاعتبار بعد الإيمان كالجهاد والحج . # قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' من حج لله فلم يرفث ولم يفسق رجع | ~~كيوم ولدته أمه ' وقال عليه السلام : ' العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما ~~| والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة ' وقال عليه السلام : ' تابعوا | ~~بين الحج والعمرة ' ، أقول : تعظيم شعائر الله والخوض في لجة رحمة | الله ~~يكفر الذنوب ، ويدخل الجنة ، ولما كان الحج المبرور والمتابعة بين | الحج ~~والعمرة ، والإكثار منها نصابا صالحا لتعرض رحمته أثبت لهما ذلك ، | وإنما ~~شرط ترك الرفث والفسق ؛ ليتحقق ذلك الخوض ، فإن من فعلهما | عرضت عنه ~~الرحمة ، ولم تكمل في حقه . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم ' إن عمرة في رمضان تعدل حجة ' ، | أقول : ~~سره أن الحج إنما يفضل العمرة بأنه جامع بين تعظيم شعائر الله | واجتماع ~~الناس على استنزال رحمة الله دونها ، والعمرة في رمضان تفعل | فعله ، فإن ~~رمضان وقت تعاكس أضواء المحسنين ونزول الروحانية . # وقال صلى الله عليه وسلم : من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله | ولم ~~يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا ' . أقول : ترك ركن من | أركان ~~الإسلام ms383 يشبه بالخروج عن الملة ، وإنما شبه تارك الحج باليهودي | ~~PageV01P538 | والنصراني ، وتارك الصلاة بالمشرك ، لأن اليهود والنصارى ~~يصلون ، | ولا يحجون ، ومشركو العرب يحجون ، ولا يصلون . # قيل : ' ما الحاج ؟ قال : الشعث التفل ، قيل : أي الحج أفضل ؟ | قال : ~~العج والثج ، قيل : ما السبيل ؟ قال : زاد وراحلة ' ، أقول : | الحاج من ~~شأنه أن يذلل نفسه لله ، والمصلحة المرعية في الحج إعلاء كلمة الله | ~~وموافقة سنة إبراهيم عليه السلام ، وتذكر نعمة الله عليه ، ووقت السبيل | ~~بالزاد والراحلة ، وإذا بهما يتحقق التيسير الواجب رعايته في أمثال الحج من ~~| الطاعات الشاقة ، وقد ذكرنا في صلاة الجنازة والصوم عن الميت ما إذا | ~~عطف على الحج عن الغير انعطف . | PageV01P539 # # | ( صفة المناسك ) # اعلم أن المناسك على ما استفاض من الصحابة والتابعين وسائر المسلمين | ~~أربعة : حج مفرد ، وعمرة مفردة ، وتمتع ، وقران . # فالحج لحاضر مكة أن يحرم منها ، ويجتنب في الاحرام الجماع ودواعيه ، | ~~والحلق ، وتقليم الأظافر ، ولبس المخيط ، وتغطية الرأس والتطيب ، | والصيد ~~، ويجتنب النكاح على قول ، ثم يخرج إلى عرفات ويكون فيها عشية | عرفة ، ثم ~~يرجع منها بعد غروب الشمس ، ويبيت بمزدلفة ، ويدفع منها | قبل شروق الشمس ، ~~فيأتي منى ، ويرمي العقبة الكبرى ، ويهدي إن كان معه ، | ويحلق أو يقصر ، ~~ثم يطوف للافاضة في ايام منى ويسعى بين الصفا والمروة . . ، | وللآفاقي أن ~~يحرم من الميقات ، فإن دخل مكة قبل الوقوف طاف للقدوم ، | ورمل فيه ، وسعى ~~بين الصفا والمروة ، ثم بقي على إحرامه حتى يقوم بعرفة ، | ويرمي ، ويحلق ، ~~ويطوف ، ولا يرهل فيه ، ولا سعي حينئذ والعمرة أن يحرم | من الحل ، فان كان ~~آفاقيا فمن الميقات ، فيطوف ، ويسعى ، ويحلق ، | أو يقصر والتمتع أن يحرم ~~الآفاقى للعمرة في أشهر الحج ، فيدخل مكة ، | ويتم عمرته ، ويخرج من إحرامه ~~، ثم يبقى حلالا حتى يجمع عليه أن يذبح | ما استيسر من الهدى القران ، أن ~~يحرم الآفاقى بالحج والعمرة معا ، ثم يدخل | مكة ، ويبقى على إحرامه حتى ~~يفرغ من أفعال الحج ، وعليه أن يطوف | طوافا واحدا ويسعى سعيا واحد في قول ~~، وطوافين وسعيين ثم يذبح | ما استيسر من الهدى ، فإذا أراد ms384 أن ينفر من مكة ~~طاف للوداع . # وأقول اعلم أن الإحرام في الحج والعمرة بمنزلة التكبير في الصلاة ، | فيه ~~تصوير الإخلاص والتعظيم وضبط عزيمة الحج بفعل ظاهر ، وفيه | PageV01P540 | ~~جعل النفس متذللة خاشعة لله بترك الملاذ والعادات المألوفة وأنواع التجمل ، ~~| وفيه تحقيق معاناة التعب والتشعث والتغبر لله ، وإنما شرع أن يجتنب ~~المحرم | هذه الأشياء تحقيقا لتذلل وترك الزينة والتشعث ، وتنويها لاستشعار ~~| خوف الله وتعظيمه ، ومؤاخذة نفسه ألا تسترسل في هواها ، وإنما الصيد | ~~تله وتوسع ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم ' من اتبع الصيد لها ' | ~~ولم يثبت فعله عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا كبار أصحابه وإن سوغه | في ~~الجملة . والجماع انهماك في الشهوة البهيمية ، وإذا لم يجز سد هذا الباب | ~~بالكلية لأنه يخالف قانون الشرع ، فلا أقل من أن ينهى في بعض الأحوال | ~~كالإحرام والاعتكاف والصوم وبعض المواضع كالمساجد سئل ما يلبس | المحرم من ~~الثياب ؟ ' فقال : لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات | ولا ~~البرانس ولا الخفاف ' وقال للأعرابي : ' أما الطيب الذي بك | فاغسله ثلاث ~~مرات وأما الجبة فانزعها . # الفرق بين المخيط وما في معناه وبين غير ذلك ، أن الأول ارتفاق | وتجمل ~~وزينة ، والثاني ستر عورة ، وترك الأول تواضع لله ، وترك الثاني | سوء أدب ~~. # قال النبي صلى الله عليه وسلم ' لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يحطب ' ، | ~~وروى أنه تزوج ميمونة محرما . # أقول : اختار أهل الحجاز من الصحابة والتابعين والفقهاء أن السنة للمحرم ~~| ألا ينكح ، واختار أهل العراق أنه يجوز له ذلك ، ولا يخفى عليك أن | ~~الأخذ بالاحتياط أفضل ، وعلى الأول السر منه أن النكاح من الارتفاقات | ~~المطلوبة أكثر من الصيد ، ولا يقاس الانشاء على الابقاء لأن الفرح | والطرب ~~إنما يكون في الابتداء ، ولذلك يضرب بالعروس المثل في هذا | PageV01P541 | ~~الباب دون البقاء ، ثم لا بد من ضبط الصيد فإن الإنسان قد يقتل ما يريد | ~~أكله ، وقد يقتل ما لا يريد أكله ، وإنما يريد التمرن بالاصطياد ، وقد يقتل ~~| يريد أن يدفع شره عنه أو عن أبناء نوعه ، وقد يذبح بهيمة الأنعام ms385 فأيها | ~~الصيد ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ' خمس لا جناح على من قتلهن في | ~~الحرم والإحرام . الفأرة ، والغراب ، والحدأة ، والعقرب ، والكلب | العقور ~~والجامع المؤذي الصائل على الإنسان أو على متاعه ' فإنه إذا | رجع إلى ~~استقراء العرف لا يقال له صيد ، وكذلك بهيمة الأنعام والدجاج | وأمثالهما ~~مما جرت العادة باقتنائه في البيوت لا تسمى صيدا ، وأما الأقسام | الأخر ، ~~فالظاهر أنها صيد . # ووقت لأهل المدينة ذا الحليفة ، ولأهل الشام الجحفة ، ولأهل نجد | قرن ~~المنازل ، ولأهل اليمن يلملم فهن لهن ، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن | لمن ~~كان يريد الحج والعمرة فمن كان دونهن فمهله من أهله حتى أهل مكة | يهلون ~~منها . أقول : الأصل في المواقيت أنه لما كان الإتيان إلى مكة شعثا | تفلا ~~تاركا لغلواء نفسه مطلوبا ، وكان في تكليف الإنسان أن يحرم من بلده | حرج ~~ظاهر ، فإن منهم من يكون قطره على مسيرة شهر وشهرين وأكثر - | وجب أن يخص ~~أمكنة معلومة حول مكة يحرمون منها ، ولا يؤخرون | الإحرام بعدها ، ولا بد ~~أن تكون تلك المواضع ظاهرة مشهورة ، ولا تخفى | على أحد ، وعليها مرور أهل ~~الآفاق ، فاستقرا ذلك ، وحكم بهذه المواضع ، | واختار لأهل المدينة أبعد ~~المواقيت لأنها مهبط الوحي ومأرز الإيمان ودار | الهجرة وأول قرية آمنت ~~بالله ورسوله ، فأهلها أحق بأن يبالغوا في إعلاء | كلمة الله ، وأن يخصوا ~~بزيادة طاعة الله ، وأيضا فهي أقرب الأقطار التي | آمنت في زمان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، وأخلصت إيمانها بخلاف | PageV01P542 | جؤاثي . ~~والطائف ويمامة . وغيرها فلا حرج عليها . # والسر في الوقوف بعرفة أن اجتماع المسلمين في زمان واحد ومكان | واحد ~~راغبين في رحمة الله تعالى داعين له متضرعين إليه له تأثير عظيم في | نزول ~~البركات وانتشار الروحانية ، ولذلك كان الشيطان يومئذ أدحر | وأحقر ما يكون ~~، وأيضا فاجتماعهم ذلك تحقيق لمعنى العرضة وخصوص | هذا اليوم . وهذا المكان ~~متوارث عن الأنبياء عليهم السلام على ما يذكر في | الأخبار عن آدم فمن بعده ~~، والأخذ بما جرت به سنة السلف الصالح أصل | أصيل في باب التوقيت . # والسر في ms386 نزول منى أنها كانت سوقا عظيما من أسواق الجاهلية مثل | عكاظ ، ~~والمجنة ، وذي المجاز ، وغيرها ، وإنما اصطلحوا عليه لأن الحج | يجمع ~~أقواما كثيرة من أقطار متباعدة ، ولا أحسن للتجارة ولا أرفق بها | من أن ~~يكون موسمها عند هذا الاجتماع ، ولأن مكة تضيق عن تلك الجنود | المجندة ، ~~فلو لم يصطلح حاضرهم وباديهم وخاملهم ونبيهم على النزول في | فضاء مثل منى ~~لحرجوا ، وإن اختص بعضهم بالنزول لوجدوا في أنفسهم ، | ولما جرت العادة ~~بنزولها اقتضى ديدن العرب وحميتهم أن يجتهد كل حي في | التفاخر والتكاثر ، ~~وذكر مآثر الآباء وإراءة جلدهم وكثرة أعوانهم | ليرى ذلك الأقاصي والأداني ~~، ويبعد به الذكر في الأقطار ، وكان للإسلام | حاجة إلى اجتماع مثله يظهر ~~به شوكة المسلمين وعدتهم وعدتهم ، ليظهر دين | الله ، ويبعد صيته ، ويغلب ~~على كل قطر من الأقطار ، فأبقاه النبي صلى الله عليه وسلم | ، وحث عليه ~~وندب إليه ، ونسخ التفاخر ، وذكر الآباء ، | PageV01P543 # وأبدله بذكر الله بمنزلة ما أبقى من ضيافاتهم وولائمهم . وليمة النكاح . ~~| وعقيقة المولود لما رأى فيها من فوائد جليلة في تدبير المنازل . # والسر في المبيت بمزدلفة أنه كان سنة قديمة فيهم ، ولعلهم اصطلحوا | ~~عليها لما رأوا من أن للناس اجتماعا لم يعهد مثله في غير هذا الموطن ، ومثل ~~| هذا مظنة أن يزاحم بعضهم بعضا ، ويحطم بعضهم بعضا ، وإنما براحهم | بعد ~~المغرب ، وكانوا طول النهار في تعب يأتون من كل فج عميق ، فلو | تجشموا أن ~~يأتوا منى ، والحال هذه لتعبوا ، وكان أهل الجاهلية يدفعون | من عرفات قبل ~~الغروب ، ولما كان ذلك قدرا غير ظاهر ، ولا يتعين بالقطع ، | ولا بد في مثل ~~هذا الاجتماع من تعيين لا يحتمل الإبهام وجب أن يعين بالغروب . # وإنما شرع الوقوف بالمشعر الحرام لأنه كان أهل الجاهلية يتفاخرون ، | ~~ويتراءون فأبدل من ذلك إكثار ذكر الله ليكون كابحا عن عادتهم ، ويكون | ~~التنويه بالتوحيد في ذلك الموطن كالمنافسة كأنه قيل : هل يكون ذكركم الله | ~~أكثر أو ذكر أهل الجاهلية مفاخرهم أكثر . # والسر في رمي الجمار ما ورد في نفس الحديث من أنه إنما جعل ms387 لإقامة | ذكر ~~الله عز وجل ، وتفصيله أن أحسن أنواع توقيت الذكر وأكملها | وأجمعها لوجوه ~~التوقيت أن يوقت بزمان وبمكان ويقام معه ما يكون حافظا | لعدده محققا ~~لوجوده على رءوس الأشهاد حيث لا يخفى شيء ، وذكر الله | نوعان : نوع يقصد ~~به الإعلان بانقياده لدين الله ، والأصل فيه اختيار | مجامع الناس دون ~~الإكثار ، ومنه الرمي ولذلك لم يؤمر بالإكثار هناك ، | ونوع يقصد به انصباع ~~النفس بالتطلع للجبروت ، وفيه الإكثار ، وأيضا | ورد في الأخبار ما يقتضي ~~أنه سنة سنها إبراهيم عليه السلام حين طرد | الشيطان ، ففي حكاية مثل هذا ~~الفعل تنبيه للنفس أي تنبيه . | PageV01P544 # والسر في الهدى التشبه بفعل سيدنا إبراهيم عليه السلام فيما قصد من | ذبح ~~ولده في ذلك المكان طاعة لربه وتوجها إليه ، والتذكر لنعمة الله به | ~~وبأبيهم إسماعيل عليه السلام وفعل مثل هذا الفعل في هذا الوقت ، والزمان | ~~ينبه النفس أي تنبه . # إنما وجب على المتمتع والقارن شكرا لنعمة الله حيث وضع عنهم | إصر ~~الجاهلية في تلك المسألة . # والسر في الحلق أنه تعيين طريق للخروج من الإحرام بفعل لا ينافي | الوقار ~~، فلو تركهم وأنفسهم لذهب كل مذهبا ، وأيضا ففيه تحقيق انقضاء | التشعث ~~والتغبر بالوجه الأتم ، ومثله كمثل السلام من الصلاة ، وإنما | قدم على ~~طواف الإفاضة ليكون شبيها بحال الداخل على الملوك في مؤاخذته | نفسه بإزالة ~~تشعثه وغباره . # وصفة الطواف أن يأتي الحجر ، فيستلمه ، ثم يمشي على يمينه سبعة | أطوفة ~~يقبل فيها الحجر الأسود ، أو يشير إليه بشيء في يده كالمحجن ، | ويكبر ، ~~ويستلم الركن اليماني ، وليكن في ذلك على طهارة وستر عورة ، | ولا يتكلم ~~إلا بخير ، ثم يأتي مقام إبراهيم فيصلي ركعتين ، أما الابتداء | بالحجر ~~فلأنه وجب عند التشريع أن يعين محل البداءة وجهة المشي ، والحجر | أحسن ~~مواضع البيت لأنه نازل من الجنة ، واليمين أيمن الجهتين . # وطواف القدوم بمنزلة تحية المسجد ، إنما شرع تعظيما للبيت ، ولأن | ~~الإبطاء بالطواف في مكانه وزمانه عند تهيء أسبابه سوء أدب ، وأول | طواف ~~بالبيت فيه رمل واضطباع ؛ وبعده سعى بين الصفا والمروة ؛ وذلك | لمعان : ~~منها ما ms388 ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من إخافة قلوب المشركين . ~~PageV01P545 | وإظهار صولة المسلمين ، وكان أهل مكة يقولون : وهنتهم حمى ~~يثرب ، فهو | فعل من أفعال الجهاد ، وهذا السبب قد انقضى ومضى ، ومنها ~~تصوير الرغبة | في طاعة الله ، وأنه لم يزده السفر الشاسع والتعب العظيم ~~إلا شوقا ورغبة | كما قال الشاعر : | # % إذا اشتكت من كلال السير واعدها % % روح الوصال فتحيا عند ميعاد % # وكان عمر رضي الله عنه أراد أن يترك الرمل والاضطباع لانقضاء | سببهما ، ~~ثم تفطن إجمالا أن لهما سببا آخر غير منقض فلم يتركهما . # وإنما لم يشرع الوقوف بعرفة في العمرة لأنها ليس لها وقت معين | ليتحقق ~~معنى الاجتماع فلا فائدة للوقوف بها ، ولو شرع لها وقت معين | كانت حجا ، ~~وفي الاجتماع مرتين في السنة ما لا يخفى . # وإنما العمدة في العمرة تعظيم بيت الله وشكر نعمة الله . # والسر في السعي بين الصفا والمروة على ما ورد في الحديث أن هاجر | أم ~~إسماعيل عليه السلام لما اشتد بها الحال سعت بينهما سعي الإنسان المجهود ، ~~| فكشف الله عنهما الجهد بابداء زمزم ، وإلهام الرغبة في الناس أن يعمروا | ~~تلك البقعة ، فوجب شكر تلك النعمة على أولاده ومن تبعهم ، وتذكر تلك | ~~الآية الخارقة لتبهت بهيميتهم ، وتدلهم على الله ، ولا شيء في هذا مثل أن | ~~يعضد عقد القلب بهما بفعل ظاهر منضبط مخالف لمألوف القوم فيه تذلل | عند ~~أول دخولهم مكة وهو محاكاة ما كانت فيه من العناء والجهد ، وحكاية | الحال ~~في مثل هذا أبلغ بكثير من لسان المقال . | PageV01P546 # قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' لا ينفرن أحدكم حتى يكون آخر | عهده ~~بالبيت وخفف عن الحائض ' أقول : السر فيه تعظيم البيت بأن يكون | هو الأول ~~وهو الآخر تصويرا لكونه هو المقصود من السفر ، وموافقة | لعادتهم في توديع ~~الوفود ملوكها عند النفر ، والله أعلم . | PageV01P547 | # | ( قصة حجة الوداع ) # الأصل فيها حديث جابر . وعائشة . وابن عمر . وغيرهم رضي الله عنهم . | ~~اعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج ، | ثم ~~أذن في الناس ms389 في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج ، فقدم | ~~المدينة بشر كثير ، فخرج حتى أتى ذا الحليفة ، فاغتسل ، وتطيب ، وصلى | ~~ركعتين في المسجد ، ولبس إزارا ورداء ، وأحرم ، ولبى ، لبيك اللهم | لبيك ، ~~لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك ، | لا شريك لك . # أقول : اختلف ههنا في موضعين : أحدهما أن نسكه ذلك كان حجا | مفردا ، أو ~~متعة ، بأن حل من العمرة ، واستأنف الحج ، أو أنه أحرم | بالحج ، ثم أشار ~~له جبريل عليه السلام أن يدخل العمرة عليه ، فبقي | على إحرامه حتى فرغ من ~~الحج ، ولم يحل لأنه كان ساق الهدى . # وثانيهما أنه أهل حين صلى أو حين ركب ناقته أو حين أشرف | على البيداء . ~~وبين ابن عباس رضي الله عنهما أن الناس كانوا يأتونه أرسالا ، | فأخبر كل ~~واحد بما رآه ، وقد كان أول إهلاله حين صلى ركعتين ، وإنما | اغتسل وصلى ~~ركعتين لأن ذلك أقرب لتعظيم شعائر الله ، ولأنه ضبط للنية | بفعل ظاهر ~~منضبط يدل على الإخلاص لله والاهتمام بطاعة الله ، ولأن | تغيير اللباس ~~بهذا النحو ينبه النفس ، ويوقظها للتواضع لله تعالى ، وإنما | تطيب لأن ~~الإحرام حال الشعث والتفل ، فلا بد من تدارك له قبل ذلك ، | وإنما اختار ~~هذه الصيغة في التلبية لأنها تعبير عن قيامه بطاعة مولاه | وتذكر له ذلك ، ~~وكان أهل الجاهلية يعظمون شركاءهم ، فأدخل النبي | صلى الله عليه وسلم لا ~~شريك لك ' ردا على هؤلاء وتمييزا للمسلمين منهم ، | ويستحب زيادة سؤال الله ~~رضوانه والجنة واستعفاءه برحمته من النار . | PageV01P548 # وأشار جبريل عليه السلام برفع أصواتهم بالإحرام والتلبية وقال | رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم # ( ما من مسلم يلبي إلا لبى ما عن يمينه وشماله من حجر أو شجر أو مدر | ~~حتى تنقطع الأرض من ههنا وههنا ) أقول : سره أنه من شعائر الله ، | وفيه ~~تنويه ذكر الله ، وكل ما كان من هذا الباب فإنه يستحب الجهر به ، | وجعله ~~بحيث يكون على رؤوس الخامل والنبيه ، وبحيث تصير الدار دار | الإسلام ، ~~فإذا كان كذلك كتب في صحيفة عمله صورة ms390 تلبية تلك المواضع : # وأشعر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناقته في صفحة سنامها الأيمن | وسلت ~~الدم عنها وقلدها نعلين أقول : السر في الإشعار التنويه بشعائر | الله ~~وأحكام الملة الحنيفية يرى ذلك منه الأقاصي والأداني ، وأن يكون فعل | ~~القلب منضبطا بفعل ظاهر : # وولدت أسماء بنت عميس بذي الحليفة فقال لها ' اغتسلي واستثفري | بثوب ~~وأحرمي ' أقول : ذلك لتأتي بقدر الميسور من سنة الإحرام . # وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين حاضت عائشة رضي الله عنها بسرف : | إن ~~ذلك شيء كتبه الله على بنات آدم فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي | ~~بالبيت حتى تطهري ' أقول : مهد الكلام بأنه شيء يكثر وقوعه ، فمثل هذا | ~~الشيء يجب في حكمة الشرائع أن يدفع عنه الحرج ، وأن يسن له سنة ظاهرة | ~~فلذلك سقط عنها طواف القدوم وطواف الوداع . # فلما دنا من مكة نزل بذي طوى ، ودخل مكة من أعلاها نهارا ، وخرج | ~~PageV01P549 | من أسفلها ، وذلك ليكون دخول مكة في حال اطمئنان القلب دون ~~التعب ، | لتمكن من استشعار جلال الله وعظمته ، وأيضا ليكون طوافه بالبيت | ~~على أعين الناس فإنه أنوه بطاعة الله ، وأيضا فكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم | يريد أن يعلمهم سنة المناسك ، فأمهلهم حتى يجتمعوا له جامعين ~~متهيئين | وإنما خالف في الطريق ليظهر شوكة المسلمين في كلتا الطريقين ، ~~ونظيره العيد . # فلما أتى البيت استلم الركن ، وطاف سبعا ، رمل ثلاثا ، ومشى أربعا ، | ~~وخص الركنين اليمانيين بالاستلام ، وقال فيما بينهما : | @QB@ ربنا آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار @QE@ . # ثم تقدم إلى مقام إبراهيم ، فقرأ : | @QB@ واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى ~~@QE@ . # فصلى ركعيتن ، وجعل المقام بينه وبين البيت ، وقرأ فيهما : | @QB@ قل هو ~~الله أحد @QE@ . # و @QB@ قل يا أيها الكافرون @QE@ . # ثم رجع إلى الركن فاستلمه . # أقول أما سر الرمل والاضطباع فقد ذكرناه ، وإنما خص الركنين | اليمانيين ~~بالاستلام لما ذكره ابن عمر من أنهما باقيان على بناء إبراهيم عليه | ~~السلام دون الركنين الآخرين فإنهما من تغييرات أهل الجاهلية ، وإنما | ~~اشترط له شروط الصلاة لما ذكره ابن عباس رضي ms391 الله عنهما من أن الطواف | ~~يشبه الصلاة في تعظيم الحق وشعائره ، فحمل عليها ، وإنما سن ركعتين بعده | ~~PageV01P550 | إتماما لتعظيم البيت ، فإن تمامه أن يستقبل في صلواتهم ، ~~وإنما خص بهما | مقام إبراهيم لأنه أشرف مواضع المسجد ، وهو آية من آيات ~~الله ظهرت | على سيدنا إبراهيم ، وتذكر هذه الأمور هي العمدة في الحج ، ~~وإنما استحب | أن يقول بين الركنين : ^ ( ربنا آتنا في الدنيا في الحسنة ~~وفي الآخرة حسنة ) ^ الخ | لأنه دعاء جامع نزل به القرآن ، وهو قصير اللفظ ~~يناسب تلك الفرصة | القليلة . # ثم خرج من الباب إلى الصفا ، فلما دنا من الصفا قرأ @QB@ إن الصفا ~~والمروة من شعائر الله @QE@ أبدأ بما بدأ به ، فبدأ بالصفا ، ورقي عليه حتى ~~رأى | البيت ، فاستقبل القبلة ، فوحد الله ، وكبره ، وقال : لا إله إلا ~~الله وحده | لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، لا إله ~~إلا الله وحده | أنجز وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ثم دعا بين ذلك ~~قال مثل | هذا ثلاث مرات ، ثم نزل ، ومشى إلى المروة حتى إذا انصبت قدماه ~~في بطن | الوادي سعى حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى المروة ، ففعل على المروة ~~كما فعل | على الصفا . # أقول : فهم النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الآية أن تقديم الصفا | على ~~المروة إنما هو لتوفيق المذكور بالمشروع ، وإنما خص من الأذكار | ما فيه ~~توحيد وبيان لإنجاز الوعد ونصره على أعدائه تذكيرا لنعمه وإظهارا | لبعض ~~معجزاته وقطعا لدابر الشرك وبيانا أن كل ذلك موضوع تحت قدميه | وإعلانا ~~لكلمة الله ودينه في مثل هذا الموضع ، ثم قال : ' لو أنى استقبلت من | أمري ~~ما استدبرت لم أسق الهدى وجعلتها عمرة ، فمن كان منكم ليس معه | هدى فليحل ~~، وليجعلها عمرة ، قيل : ألعامنا هذا أم للأبد . قال : لا بل | لأبد الأبد ~~، فحل الناس كلهم ، وقصروا إلا النبي صلى الله عليه وسلم ، | ومن كان معه ~~هدى . | PageV01P551 # أقول الذي بدا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أمور : منها أن الناس | ~~كانوا قبل النبي صلى الله ms392 عليه وسلم يرون العمرة في أيام قبل الحج من أفجر ~~| الفجور ، فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبطل تحريفهم ذلك بأتم وجه . # ومنها أنهم كانوا يجدون في صدورهم حرجا من قرب عهدهم بالجماع | عند إنشاء ~~الحج حتى قالوا : أناتي عرفة ومذا كيرنا تقطر منيا ؟ وهذا من | التعمق ، ~~فأراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يسد هذا الباب . # ومنها أن إنشاء الإحرام عند الحج أتم لعظيمهم البيت . # وإنما كان سوق الهدى مانعا من الإحلال لأن سوق الهدى بمنزلة النذر | أن ~~يبقى على هيئته تلك حتى يذبح الهدى ، والذي يلتزمه الإنسان إذا كان | حديث ~~نفس أو نية غير مضبوطة بالفعل لا عبرة به ، وإذا اقترن بها فعل | وصارت ~~مضبوطة وجبت رعايتها ، والضبط مختلف ، فأدناه باللسان ، | وأقواه أن يكون ~~مع القول فعل علانية يختص بالحالة التي أرادها كالسوق . # فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى ، فأهلوا بالحج ، وركب النبي | صلى ~~الله عليه وسلم ، فصلى بها الظهر . والعصر . والمغرب . والعشاء . والفجر ، ~~| ثم مكث قليلا حتى طلعت الشمس ، فسار حتى نزل بنمرة . # أقول : إنما توجه يوم التروية ليكون أرفق به وممن معه ، فإن الناس | ~~مجتمعون في ذلك اليوم اجتماعا عظيما ، وفيهم الضعيف والسقيم ، فاستحب | ~~الرفق بهم ، ولم يدخل عرفة قبل وقتها لئلا يتخذها الناس سنة ، ويعتقدوا | ~~أن دخولها في غير وقتها قربة . # فلما زاغت الشمس بنمرة أمر بالقصواء فرحلت له ، فأتى بطن | PageV01P552 | ~~الوادي ، فخطب الناس ، وحفظ من خطبته يومئذ ' إن دماءكم حرام ' | الخ ، ثم ~~أذن بلال ، ثم أقام فصلى الظهر ، ثم أقام فصلى العصر ، ولم يصل | بينهما ~~شيئا . # أقول : إنما خطب يومئذ بالأحكام التي يحتاج الناس إليها ، ولا يسعهم | ~~جهلها لأن اليوم يوم اجتماع ، وإنما تنتهز مثل هذه الفرصة لمثل هذه الأحكام ~~| التي يراد تبليغها إلى جمهور الناس ، وإنما جمع بين الظهر والعصر وبين ~~المغرب | والعشاء لأن للناس يومئذ اجتماعا لم يعهد في غير هذا الموطن ، ~~والجماعة الواحدة المطلوبة ، ولا بد من إقامتها في مثل هذا الجمع ليراه ~~جميع من هنالك | ولا يتيسر اجتماعهم ms393 في وقتين ، وأيضا فلأن للناس اشتغالا ~~بالذكر والدعاء | وهما وظيفة هذا اليوم ورعاية الأوقات وظيفة جميع السنة ، ~~وإنما يرجح في | مثل هذا الشيء البديع النادر . # ثم ركب حتى أتى الموقف ، واستقبل القبلة ، فلم يزل واقفا حتى غربت | ~~الشمس ، وذهبت الصفرة قليلا ، ثم دفع . # أقول : إنما دفع بعد الغروب ردا لتحريف الجاهلية فإنهم كانوا | لا يدفعون ~~إلا قبل الغروب ، ولأن قبل الغروب غير مضبوط وبعد | الغروب أمر مضبوط ، ~~وإنما يؤمر في مثل ذلك اليوم بالأمر المضبوط . # ثم دفع حتى أتى المزدلفة ، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان وإقامتين ولم | ~~يسبح بينهما ، ثم اضطجع حتى طلع الفجر ، فصلى الفجر حين تبين له | الصبح ~~بأذان وإقامة ، ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام ، فاستقبل | القبلة ، ~~فدعا الله ، وكبره ، وهلله ، ووحده ، فلم يزل واقفا حتى أسفر جدا | فدفع ~~قبل أن تطلع الشمس حتى أتى بطن محسر ، فحرك قليلا . | PageV01P553 # أقول : إنما لم يتهجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة مزدلفة لأنه ~~| كان لا يفعل كثيرا من الأشياء المستحبة في المجامع لئلا يتخذها الناس سنة ~~، | وقد ذكرنا سر الوقوف بالمشعر الحرام ، وإنما أوضع بمسحر لأنه محل | ~~هلاك أصحاب الفيل ، فمن شأن من خاف الله وسطوته أن يستشعر الخوف | في ذلك ~~الموطن ، ويهرب من الغضب ، ولما كان استشعاره أمرا خفيا ضبط | بفعل ظاهر ~~مذكر له منبه للنفس عليه . # ثم أتى جمرة العقبة ، فرماه بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها مثل | حصى ~~الخذف رمى من بطن الوادي . # أقول : إنما كان رمي الجمار في اليوم الأول غدوة ، وفي سائر الأيام | ~~عشية ، لأن من وظيفة الأول النحر والحلق و الإفاضة ، وهي كلها بعد الرمي ، ~~| ففي كونه غدوة توسعة ، وأما سائر الأيام فأيام تجارة وقيام أسواق ، | ~~فالأسهل أن يجعل ذلك بعد ما يفرغ من حوائجه ، وأكثر ما كان الفراغ | في آخر ~~النهار ، وإنما كان رمى الجمار توا ، والسعي بين الصفا والمروة توا | لما ~~ذكرنا من أن الوتر عدد محبوب ، وأن خليفة الواحد الحقيقي هو الثلاثة | أو ~~السبعة ، فبالحري ألا ms394 يتعدى من السبعة إن كان فيها كفاية ، وإنما رمي | ~~بمثل حصى الخذف لأن دونها غير محسوس ، وفوقها ربما يؤذى في مثل | هذا ~~الموضع . # ثم انصرف إلى المنحر فنحر ثلاثا وستين بدنة بيده ، ثم أعطى عليا رضي | ~~الله عنه لينحر ما غبر ، وأشركه في هديه ، ثم أمر من كل بدنة ببضعة | فجعلت ~~في قدر ، فطبخت ، فأكلا من لحمها وشربا من مرقها . | PageV01P554 # أقول : إنما نحر بيده هذا العدد ، ليشكر ما أولاه الله في كل سنة من | ~~عمره ببدنة ، وإنما أكل منها وشرب اعتناء بالهدى وتبركا بما كان | لله ~~تعالى . # قال صلى الله عليه وسلم ' نحرت ههنا ، ومنى كلها منحر ، فانحروا في | ~~رحالكم ، ووقفت ههنا ، وعرفة كلها موقف ، ووقفت ههنا ، وجمع كلها | موقف ' ~~وزاد في رواية وكل فجاج مكة طريق ومنحر ' أقول : فرق النبي | صلى الله عليه ~~وسلم بين ما فعله تشريعا لهم وبين ما فعله بحسب الاتفاق أو | لمصلحة خاصة ~~بذلك اليوم أو اختيارا لمحاسن الأمر . # ثم ركب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأفاض إلى البيت ، فصلى بمكة | ~~الظهر ، وطاف وشرب من زمزم . # أقول : إنما بادر إلى البيت لتكون الطاعة في أول وقتها ، ولأنه لا يأمن | ~~الإنسان أن يكون له مانع ، وإنما شرب من زمزم تعظيما لشعائر الله وتبركا | ~~بما أظهره الله رحمة . # فلما انقضت أيام منى نزل بالأبطح ، وطاف للوداع ، ونفر . # أقول : اختلف في نزول الأبطح هل هو على وجه العبادة أو العادة ؟ | فقالت ~~عائشة : نزول الأبطح ليس بسنة إنما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم | ~~لأنه كان أسمح لخروجه ، واستنبط من قوله ' حيث تقاسموا على | الكفر ' أنه ~~قصد بذلك تنويها بالدين ، والأول أصح . | PageV01P555 # # | ( أمور تتعلق بالحج ) # قال النبي صلى الله عليه وسلم ' نزل الحجر الأسود من الجنة وهو | أشد ~~بياضا من اللبن ، فسودته خطايا بني آدم ' ، وقال فيه : ' والله ليبعثنه | ~~الله يوم القيامة له عينان يبصر بهما ولسان ينطق به يشهد على من استلمه | ~~بحق ' وقال : ' إن الركن والمقام ياقوتتان ' أقول : يحتمل أن يكونا من | ~~الجنة في الأصل ms395 ، فلما جعد في الأرض اقتضت الحكمة أن يراعى فيهما حكم | ~~نشأة الأرض ، فطمس نورهما ، ويحتمل يراد أنه خالطهما قوة مثالية | بسبب ~~توجه الملائكة إلى تنويه أمرهما وتعلق همم الملأ الأعلى والصالحين | من بني ~~آدم حتى صارت فيهما قوة ملكية ، وهذا وجه التوفيق بين قول ابن | عباس رضي ~~الله عنهما : كلما هذا ، وقول محمد بن الحنفية رضي الله عنه : | حجر من ~~أحجار الأرض . # وقد شاهدنا عيانا أن البيت كالمحشو بقوة ملكية ، ولذلك وجب أن | يعطى في ~~المثال ما هو خاصية الأحياء من العينين واللسان ولما كان معرفا | لإيمان ~~المؤمنين وتعظيم المعظمين لله وجب أن يظهر في اللسان بصورة الشهادة | له أو ~~عليه كما ذكرنا من سر نطق الأرجل والأيدي . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' من طاف بهذا البيت أسبوعا | يحصيه ، ~~وصلى ركعتين كان كعتق رقبة ، وما وضع رجل قدما ، ولا رفعها | إلا كتب له ~~الله له بها حسنة ، ومحا بها سيئة ، ورفع له بها درجة ' أقول : السر في | ~~هذا الفضل شيآن : أحدهما أنه لما كان شبحا للخوض في رحمة الله وعطف | دعوات ~~الملأ الأعلى إليه ومظنة لذلك ذكر له أقرب خاصية لذلك . # وثانيهما أنه إذا فعله الإنسان إيمانا بأمر الله وتصديقا لموعوده كان | ~~تبيانا لإيمانه وشرحا له | PageV01P556 # قال صلى الله عليه وسلم ' ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدا | من ~~النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو ، ثم يباهي بهم الملائكة ' أقول ذلك | لأن ~~الناس إذا تضرعوا إلى الله بأجمعهم لم يتراخ نزول الرحمة عليهم وانتشار | ~~الروحانية فيهم . # وقال صلى الله عليه وسلم ' خير الدعاء دعاء يوم عرفة ، وخير ما قلت | أنا ~~والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له ' الخ وذلك لأنه | جامع ~~لأكثر أنواع الذكر ، ولذلك رغب فيه . وفي سبحان الله . والحمد | لله الخ في ~~مواطن كثيرة وأوقات كثيرة كما يأتي في الدعوات . # ومن السنة أن يهدى وإن لم يأت الحج إقامة لاعلاء كلمة الله بقدر | ~~الامكان ، وإنما دعا للمحلقين ثلاثا وللمقصرين ms396 مرة إبانة لفضل الحلق ، وذلك ~~| لأنه المناسب لزوال الشعث الأقرب لهيئة الداخلين على الملوك وأدنى أن ~~يبقى | أثر الطاعة ويرى منه ذلك ليكون أنوه بطاعة الله ، ونهى أن تحلق ~~المرأة | رأسها لأنها مثلة وتشبه بالرجال ، وأفتى فيمن حلق قبل أن يذبح أو ~~نحر | قبل أن يرمي ، أو رمى بعد ما أمسى ، أو أفاض قبل الحلق أنه لا حرج | ~~ولم يأمر بكفاره ، والسكوت عند الحاجة بيان ، وليت شعرى هل في بيان | ~~الاستحباب صيغة أصرح من لا حرج ، ولا يتم التشريع إلا ببيان المرخص | في ~~وقت الشدائد فمنها أذى لا يستطيع معه الاجتناب عما حرم عليه في الاحرام | ~~وفيه قوله تعالى : # @QB@ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ~~@QE@ . # وقوله صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة : ' فاحلق رأسك وأطعم | ~~PageV01P557 # فرقا ' الخ وقد بينا أن أحسن انواع الرخص ما يجعل معه شيء | يذكر له ~~الأصل ، ويثلج صدر المجمع على عزيمة الأصل عند تركه ، وحمل | الافراط في ~~وجوب الكفارة على ذلك بالطريق الأولى ، ومنها الاحصار ، | وقد سن فيه حين ~~حال كفار قريش دون البيت ، فنحر هدايا ، وحلق ، | وخرج من الإحرام ، والسر ~~في حرم مكة والمدينة أن لكل شيء تعظيما | وتعظيم البقاع ألا يتعرض لما فيها ~~بسوء ، وأصله مأخوذ من حمى الملوك | وحلة بلادهم ، فانه كان انقياد القوم ~~لهم وتعظيمهم إياهم مساوقا لمؤاخذة | أنفسهم ألا يتعرضوا لما فيها من الشجر ~~والدواب ، وفي الحديث ' إن لكل | ملك حمى وإن حمى الله محارمه ' فاشتهر ذلك ~~بينهم وركز في صميم قلوبهم وسويداء | أفئدتهم ، ومن أدب الحرم أن يتأكد ~~وجوب ما يجب في غيره من إقامة | العدل وتحريم ما يحرم فيه ، وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم ' احتكار الطعام | في الحرم إلحاد فيه ' # قوله تعالى : # @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم @QE@ . الآية # أقول : لما كان الصيد في الحرم والاحرام ، والجماع في الاحرام | إفراطا ~~ناشئا من توغل النفس في شهوتها وجب أن يزجر عن ذلك بكفارة ، | واختلفوا في ms397 ~~جزاء الصيد هل تعتبر المثلية في الخلق أو القيمة و الحق أنه ينبغي | أن ~~يسأل ذوي عدل ، فإن رأيا رأي السلف في تلك الصور فذاك ، وإن رأيا | القيمة ~~فذاك . # قال النبي صلى الله عليه وسلم ' لا يصبر على لأواء المدينة أحد من | أمتي ~~إلا كنت له شفيعا يوم القيامة ' أقول : سر هذا الفضل أن عمارة | ~~PageV01P558 | المدينة إعلاء لشعائر الدين ، فهذه فائدة ترجع إلى الملة ، ~~وأن حضور تلك | المواضع والحلول في ذلك المسجد مذكر له ما كان النبي صلى ~~الله عليه وسلم | فيه ، وهذه فائدة ترجع إلى نفس هذا المكلف . # قال النبي صلى الله عليه وسلم ' إن إبراهيم حرم مكة فجعلها حراما | وإني ~~حرمت المدينة ' أقول : فيه إشارة إلى أن دعاء النبي صلى الله عليه وسلم | ~~بجهد همته وتأكد عزيمته له دخل عظيم في نزول التوقيعات . ، والله أعلم | ~~PageV01P559 # # | ( من أبواب الإحسان ) # اعلم أن ما كلف به الشارع تكليفا أوليا إيجابا أو تحريما هو الأعمال من | ~~جهة أنها تنبعث من الهيآت النفسانية التي هي في المعاد في للنفوس أو عليها ~~| وأنها تمد فيها ، وتشرحها وهي وأشباحها وتماثيلها . # والبحث عن تلك الأعمال من جهتين : إحداهما جهة إلزامها جمهور | الناس ، ~~والعمدة في ذلك اختيار مظان تلك الهيئات من الأعمال ، والطريقة | الظاهرة ~~التي ليلها نهارها يؤاخذون بها على أعين الناس ، فلا يتمكنون من | التسلل ~~والاعتذار ، ولا بد أن يكون بناؤها على الاقتصاد . والأمور | المضبوطة . # والثانية جهة تهذيب نفوسهم بها وإيصالها إلى الهيآت المطلوبة منها ، | ~~والعمدة في ذلك معرفة تلك الهيآت ومعرفة الأعمال من جهة إيصالها إليها | ~~وبناؤها على الوجدان وتفويض الأمر إلى صاحب الأمر فالباحث عنها | من الجهة ~~الأولى هو علم الشرائع وعن الثانية هو علم الإحسان . # فالناظر في مباحث الإحسان يحتاج إلى شيئين : النظر إلى الأعمال من | حيث ~~إيصالها إلى هيآت نفسانية لأن العمل ربما يؤدى على وجه الرياء | أوالسمعة ~~والعادة ، أو يقارنه العجب والمن والأذى ، فلا يكون موصلا | إلى ما أريد ~~منه ، وربما يؤدى على وجه لا تتنبه هذه النفس لإرواحه تنبها | يليق ms398 ~~بالمحسنين ، وإن كان من النفوس من يتنبه بمثله كالمكتفي بأصل الفرض | لا ~~يزيد عليه كما ولا كيفا وهو ليس بزكي ، والنظر في تلك الهيآت النفسانية | ~~ليعرفها حق معرفتها ، فيباشر الأعمال على بصيرة مما أريد منها ، فيكون | ~~PageV01P560 | طبيب نفسه يسوس نفسه كما يسوس الطبيب الطبيعة ، فإن من لا ~~يعرف | المقصود من الآلات كاد إذا استعملها أن يخبط خبط عشواء ، أو يكون | ~~كحاطب ليل . # وأصول الأخلاق المبحوث عنها في هذا الفن أربعة : - كما نبهنا على | ذلك ~~فيما سبق - الطهارة الكاسبة للتشبه بالملكوت ، والإخبات الجالب | للتطلع ~~إلى الجبروت ، وشرع للأول الوضوء والغسل ، وللثاني الصلاة | والأذكار ~~والتلاوة ، وإذا اجتمعتا سميناه سكينة ووسيلة ، وهو قول حذيفة | في عبد ~~الله بن مسعود رضي الله عنهما : لقد علم المحفوظون من أصحاب | محمد صلى ~~الله عليه وسلم أنه أقربهم إلى الله وسيلة ، وقد سماها الشارع إيمانا | في ~~قوله ' الطهور شطر الإيمان ' وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم حال | الأول ~~حيث قال ' إن الله نظيف يحب النظافة ' وأشار إلى الثاني حيث | قال ' ~~الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ' | والعمدة في ~~تحصيلها التلبس بالنواميس المأثورة عن الأنبياء ، مع ملاحظة | وأرواحها ~~أنوارها والإكثار منها ، مع رعاية هيئاتها وأذكارها . # فروح الطهارة هي نور الباطن وحالة الأنس والانشراح وخمود | الأفكار ~~الجربزة وركود التشويشات والقلق وتشتت الفكر والضجر | والجزع . # وروح الصلاة هي الحضور مع الله والاستشراف للجبروت وتذكر | جلال الله مع ~~تعظيم ممزوج بمحبة وطمأنينة ، وإليه الإشارة في قوله | صلى الله عليه وسلم ~~' الاحسان أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه | يراك ' . # وأشار إلى كيفية تمرين النفس عليها بقوله ' قال الله تعالى : قسمت | ~~PageV01P561 | الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ولعبدي ما سأل ، فإذا قال العبد ~~: | ( الحمد لله رب العالمين ) ، قال الله : حمدني عبدي ، وإذا قال : ( ~~الرحمن | الرحيم ) قال الله أثنى علي عبدي ، وإذا قال : ( مالك يوم الدين ) ~~قال : | مجدني عبدي ، وإذا قال : ( إياك نعبد وإياك نستعين ) ، قال هذا ~~بيني | وبين عبدي ولعبدي ما سأل ، وإذا ms399 قال : ( أهدنا الصراط المستقيم صراط ~~| الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) ، قال هذا لعبدي | ~~ولعبدي ما سأل ' . # فذلك إشارة إلى الأمر بملاحظة الجواب في كل كلمة . فإنه ينبه للحضور | ~~تنبيها بليغا ، وبأدعية سنها النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة وهي ~~مذكورة | في حديث على رضي الله عنه وغيره . # وروح تلاوة قراءة القرآن أن يتوجه إلى الله بشوق وتعظيم ، ويتدبر | في ~~مواعظه ، ويستشعر الانقياد في أحكامه ، ويعتبر بأمثاله وقصصه ، | ولا يمر ~~بآية صفات الله وآياته إلا قال : سبحان الله ، ولا بآية الجنة والرحمة | ~~إلا سأل الله من فضله ، ولا بآية النار والغضب إلا تعوذ بالله . # فهذا ما سن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تمرين النفس بالاتعاظ . # وروح الذكر الحضور والاستغراق في الالتفات إلى الجبروت ، | وتمرينه أن ~~يقول : لا إله إلا الله والله أكبر ، ثم يسمع من الله أنه قال : | لا إله ~~إلا أنا وأنا أكبر ، ثم بقول : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، | ثم ~~يسمع من الله لا إله إلا أنا وحدى لا شريك لي ، وهكذا حتى يرتفع | الحجاب ، ~~ويتحقق الاستغراق ، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم | إلى ذلك . | ~~PageV01P562 # وروح الدعاء أن يرى كل حول وقوة من الله ، ويصير كالميت في يد | الغسال ، ~~وكالتمثال في يد محرك التماثيل ، ويجد لذة المناجاة . # وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو بعد صلاة التهجد | في أثناء ~~أشفاعه دعاء طويلا يقنع فيها يديه يقول : يا رب يا رب ، | يسأل الله خير ~~الدنيا والآخرة ، ويتعوذ به من البلايا ، ويتضرع ، ويلح ، | ويشترط في ذلك ~~أن يكون بقلب فارغ غير لاه ، ولا يكون حاقنا ولا حاقبا | ولا جائعا ولا ~~غضبان . # فإذا عرف الإنسان حالة المحاضرة ثم فقدها فليفحص عن سبب الفقد ، | فإن ~~كان غزارة الطبيعة فعليه بالصوم فإن له وجاء وأكثر ما يكون | في الصوم أن ~~يصوم شهرين متتابعين ، وإن احتاج إلى استفراغ المني | والتفرغ من إصلاح ~~المطعم والمشرب ، أو كان ذهب نشاطه ، وأراد إعادته | يملك فرجا ms400 يدفع به سوء ~~منيه من غير انهماك في المفاكهة والاختلاط ، | وليجعله كالدواء يحصل نفعه ، ~~ويتحرز من فساده . # وإن كان الاشتغال بالارتفاقات وصحبة الناس فليعالج بضم | العبادات معها . # وإن كان امتلاء أوعية الفكر بخيالات مشوشة وأفكار جربزة فليعتزل | الناس ~~، ويلتزم البيت أو المسجد ، وليمنع لسانه إلا من ذكر الله وقلبه | إلا من ~~الفكر فيما يهمه ، ويتعاهد نفسه عندما يستيقظ ، ليكون أول | ما يدخل في ~~قلبه ذكر الله وعندما يريد أن ينام ، ليتخلى قلبه عن تلك | الأشغال . | ~~PageV01P563 # والثالث سماحة النفس وهي ألا تنقاد الملكية لدواعي البهيمية : | من طلب ~~اللذة وحب الانتقام والغضب والبخل والحرص على المال والجاه ، | فإن هذه ~~الأمور إذا باشر الإنسان أعمالها المناسبة لها تتشبح ألوانها في جوهر | ~~النفس ساعة ما ، فإن كانت النفس سمحه يسهل عليها رفض الهيآت الخسيسة ، | ~~فصارت كأنه لم يمكن فيها شيء من ذلك الباب قط ، وخلصت إلى رحمة الله ، | ~~واستغرقت في لجه الأنوار التي تقتضيها جبلة النفوس لولا الموانع ، وإن لم | ~~تكن سمحة تشبح ألوانها في النفس كما يتشيح نقوش الخاتم في الشمعة | ولصق ~~بها وحز الحياة الدنيا ، ولم يسهل عليها رفضها فإذا فارقت جسدها | أحاطت ~~بها الخطيئات من بين يديها ومن خلفها وعن يمينها وعن شمالها ، | وسدل بينها ~~وبين الأنوار التي تقتضيها جبلة النفوس حجب كثيرة غليظة ، | فكان ذلك سبب ~~تأذيها وتألمها . # والسماحة إذا اعتبرت بداعية الشهوتين : شهوة البطن . وشهوة الفرج | سميت ~~عفة ، أوبداعية الدعة والرفاهية سميت اجتهادا ، أو بداعية الضجر | والجزع ~~سميت صبرا ، أو بداعية حب الانتقام سميت عفوا ، أو بداعية | حب المال سميت ~~سخاوة وقناعة ، أو بداعية مخالفة الشرع سميت تقوى ، | ويجمعها كلها شيء ~~واحد ، وهو أن أصلها عدم انقياد النفس للهواجس | البهيمية ، والصوفية ~~يسمونها بقطع التعلقات الدنيوية أو بالفناء عن الخسائس | البشرية ، أو ~~بالحربة ، فيعبرون عن تلك الخصلة بأسماء مختلفة ، والعمدة | في تحصيلها قلة ~~الوقوع في مظان هذه الأشياء ، وإيثار القلب ذكر الله تعالى | وميل النفس ~~إلى عالم التجرد ، وهو قول زيد بن حارثة استوى عندي | حجرها ومدرها إلى أن ~~أخبر ms401 عن المكاشفة . # والرابع العدالة ، وهي ملكة يصدر منها إقامة النظام العادل المصلح | ~~PageV01P564 | في تدبير المنزل وسياسة المدينة ونحو ذلك بسهولة ، وأصلها ~~جبلة نفسانية | تنبعث منها الأفكار الكلية والسياسيات المناسبة بما عند ~~الله وعند | ملائكته ، وذلك أن الله تعالى أراد في العالم انتظار أمرهم ، ~~وأن يعاون | بعضهم بعضا ، وألا يظلم بعضهم بعضا ، وأن يتألف بعضهم ببعض ، | ~~ويصيروا كجسد رجل واحد ، وإذا تألم عضو منه تداعى له سائر الأعضاء | بالحمى ~~والسهر ، وأن يكثر نسلهم ، وأن يزجر فاسقهم ، وينوه بعادلهم ، | ويخمل فيهم ~~الرسوم الفاسدة ، ويشهد فيهم الخير والنواميس الحقة ، فلله | سبحانه في ~~خلقه قضاء إجمالي كل ذلك شرح له وتفصيل ، وملائكته | المقربون تلقوا ذلك ، ~~وصاروا يدعون لمن سعى في إصلاح الناس ، | ويلعنون على من سعى في فسادهم ، ~~وهو قوله تعالى : # @QB@ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد ~~خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ~~@QE@ # وقوله تعالى : # ^ ( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق والذين يصلون | ما أمر ~~الله به أن يوصل ) ^ الآية . # وقوله تعالى : # ^ ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر | الله به أن ~~يوصل ) ^ الآية . | PageV01P565 | فمن باشر هذه الأعمال المصلحة شملته رحمة ~~الله وصلوات الملائكة | من حيث يحتسب أو لا يحتسب ، وكان هنالك رقائق تحيط ~~به كأشعة | النيرين تحيط بالإنسان ، فتورث الإلهام في قلوب الناس والملائكة ~~| أن يحسنوا إليه ، ويوضع له القبول في السماء والأرض ، وإذا انتقل إلى | ~~عالم التجرد أحس بتلك الرقائق المتصلة به ، والتذ بها ، ووجد سعة وقبولا ، ~~| وفتح بينه وبين الملائكة باب ، ومن باشر الأعمال المفسدة شمله غضب | الله ~~ولعنة الملائكة ، وكانت هناك رقائق مظلمة ناشئة من الغضب تحيط به ، | فتورث ~~الإلهام في قلوب الملائكة والناس أن يسيئوا إليه ويوضع له البغضاء | في ~~السموات والأرض ، وإذا انتقل إلى عالم التجرد أحس بتلك الرقائق | الظلمانية ~~عاضة عليه ، وتألمت نفسه بها ، ووجد ضيقا ونفرة ms402 ، وأحيط به | من جميع ~~جوانبه ، فضاقت عليه الأرض بما رحبت . # والعدالة اذا اعتبرت بأوضاع الإنسان في قيامه . وقعوده . ونومه . | ~~ويقظته . ومشيه . وكلامه . وزيه . ولباسه . وشعره سميت أدبا ، وإذا | ~~اعتبرت بالأموال وجمعها وصرفها سميت كفاية ، وإذا اعتبرت بتدبير المنزل | ~~سميت حرية ، وإذا اعتبرت بتدبير المدينة سميت سياسة . وإذا اعتبرت | بتألف ~~الأخوان سميت بحسن المحاضرة أو حسن المعاشرة ، والعمدة في تحصيلها الرحمة ، ~~والمودة ، ورقة القلب وعدم قسوته مع الإنقياد للأفكار | الكلية والنظر في ~~عواقب الأمور . # وبين هاتين الخلتين تنافر ومناقضة من وجه ، وذلك لأن ميل القلب | إلى ~~التجرد وانقياده للرحمة والمودة يتخالفان في حق أكثر الناس لا سيما | أهل ~~التجاذب ، ولذلك ترى كثيرا من أهل الله تبتلوا ، وانقطعوا من الناس | ~~وباينوا الأهل والولد ، وكانوا من الناس على شق بعيد ، وترى العامة قد | ~~أحاطت بهم معافسة الأزواج والأولاد حتى أنساهم ذكر الله ، والأنبياء | ~~PageV01P566 | عليهم السلام لا يأمرون إلا برعاية المصلحتين ، ولذلك أكثروا ~~الضبط | وتمييز المشكل في هاتين الخلتين ، فهذه هي الأخلاق المعتبرة في ~~الشرائع ، | وهنالك أفعال وهيآت تفعل فعل تلك الأخلاق وأضدادها من جهة أنها ~~| تعطيها مزاج الملائكة والشياطين ، أو تنبعث من ميل النفس إلى إحدى | ~~القبيلتين فيؤمر بذلك الباب ، وقد ذكرنا بعض ذلك . # ومن هذا الباب قوله عليه السلام إن الشيطان يأكل بشماله | ويشرب بشماله ' # وقوله عليه السلام : ' الاجدع شيطان ' وقوله | عليه الصلاة والسلام : ' ~~ألا تصفون كما تصف الملائكة ، وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم | بمظان ~~تلك الأخلاق ، فأمر بأذكار تفيد دوام الإخبات والتضرع ، | وأمر بالصبر ~~والانفاق ، ورغب في ذكر هاذم اللذات وذكر الآخرة ، وهون | أمر الدنيا في ~~أعينهم ، وحضهم على التفكر في جلال الله وعظم قدرته ، | ليحصل لهم السماحة ~~، وأمر بعيادة المريض والبر والصلة وإفشاء السلام | وإقامة الحدود والأمر ~~بالمعروف والنهي عن المنكر ، ليحصل لهم العدالة ، | وبين تلك الأفعال ~~والهيآت أتم بيان ، جزى الله تعالى هذا النبي الكريم كما | هو أهله عنا وعن ~~سائر المسلمين أجمعين . # إذا علمت هذه الأصول حان أن نشتغل ببعض التفصيل ، والله أعلم | ~~PageV01P567 # # | ( الأذكار وما يتعلق ms403 بها ) # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يقعد قوم يذكرون الله إلا | حفتهم ~~الملائكة وغشيتهم الرحمة ' أقول : لا شك أن اجتماع المسلمين | راغبين ~~ذاكرين يجلب الرحمة والسكينة ، ويقرب من الملائكة . # وقال صلى الله عليه وسلم سبق المفردون ' ( أقول ) هم قوم من | السابقين ~~سموا بالمفردين لأن الذكر خفف عنهم أوزارهم . # قال صلى الله عليه وسلم : قال تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ~~ذكرني | فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ | ~~خير منه ' أقول جبلة العبد الناشئ منها أخلاقها وعلومها ، والهيئات التي | ~~اكتسبتها نفسه هي المخصصة لنزول رحمة خاصة به ، فرب عبد سمح الخلق | يظن ~~بربه أنه يتجاوز عن ذنوبه ، ولا يؤاخذ بكل نقير وقطمير ، | ويعامل معه ~~معاملة فيكون رجاءه ذلك سببا لنفض خطيآته عن نفسه ، ورب عبد شحيح الخلق يظن ~~بربه أنه يؤاخذه بكل نقير وقطمير ، ويعامل معه معاملة المتعمقين ، السماحة ~~، ولا يتجاوز عن ذنوبه ، فهذا بأشد المنزلة | بالنسبة إلى هيئات دنيوية ~~تحيط به بعد موته ، وهذا الفرق إنما محله الأمور | التي لم يتأكد في حظيرة ~~القدس حكمها ، وأما الكبائر وما يشابهها فلا يظهر | فيه إلا بالإجمال ، ~~وقوله ' أنا معه ' إشارة إلى معية القبول وكونه في حظيرة | القدس ببال ، ~~فإن ذكر الله في نفسه ، وسلك طريق التفكر في آلائه ، | فجزاؤه أن الله يرفع ~~الحجب في ميسره ذلك حتى يصل إلى التجلي القائم في | PageV01P568 | حظيرة ~~القدس ، وإن ذكر الله في ملأ ، وكان همه إشاعة دين الله وإعلاء | كلمة الله ~~فجزاؤه أن الله يلهم محبته في قلوب الملأ الأعلى يدعون له ، ويبركون | عليه ~~، ثم ينزل له القبول في الأرض ، وكم من عارف بالله وصل إلى المعرفة | وليس ~~له قبول في الأرض ولا ذكر في الملأ الأعلى ، وكم من ناصر دين الله | له ~~قبول عظيم وبركة جسيمة لم ترفع له الحجب : # قال صلى الله عليه وسلم : ' قال تعالى : من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ~~| وأزيد ، ومن جاء بالسيئة فجزاء سيئة مثلها ، أو ms404 أغفر ، ومن تقرب مني | ~~شبرا تقربت إليه ذراعا ، ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا ومن | أتاني ~~يمشي أتيته هرولة ومن لقيني بقراب الأرض خطيئه لا يشرك بي | شيئا لقيته ~~بمثلها مغفرة ' أقول : الإنسان إذا مات ، وأدبر عن الدنيا ، | وضعفت سورة ~~بهيميته ، وتلعلعت أنوار ملكيته ، فقليل خيره كثير ، وما بالعرض ضعيف ~~بالنسبة إلى ما هو بذات والتدبير الإلهي مبناه على | إفاضة الخير ، فالخير ~~أقرب إلى الوجود والشر أدق منه ، وهو حديث ' إن | لله مائة رحمة أنزل منها ~~واحدة إلى الأرض ' فبين النبي صلى الله عليه وسلم | ذلك بمثل الشبر . ~~والذراع . والباع والمشي . والهرولة ، وليس شيء أنفع | في المعاد من التطلع ~~إلى الجبروت والالتفات تلقاءها ، وهو قوله ' من لقيني | بقراب الأرض خطيئة ~~لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة ' ، وقوله تعالى : | ' أعلم عبدي أن له ~~ربا يغفر الذنب ويؤاخذ به ' . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' قال تعالى : من عادى لي وليا فقد آذنته | ~~بالحرب ، وما تقرب إلى عبدي إلي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه ، وما يزال | ~~عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه ، فإن أحببته كنت سمعه الذي يسمع | به ، ~~وبصره الذي يبصر به ، ويده التي يبطش بها ، ورجله التي يمشي بها ، | ~~PageV01P569 | وإن سألني لأعطينه ، وإن استعاذني لأعيذنه ، وما ترددت في ~~شيء أنا فاعله | ترددي عن نفس المؤمن يكره الموت وأنا أكره مساءته ' أقول ~~إذا | أحب الله عبدا ، ونزلت محبته في الملأ الأعلى ، ثم نزل له القبول في ~~| الأرض ، فخالف هذا النظام أحد ، وعاداه ، وسعى في رد أمره وكبت | حاله ~~انقلبت رحمة الله بهذا المحبوب لعنة في حق عدوه ، ورضاه به سخطا | في حقه ، ~~وإذا تدلى الحق إلى عباده باظهار شريعة وإقامة دين ، وكتب في | حظيرة القدس ~~تلك السنن والشرائع كانت هذه السنن والقربات أجلب شيء | لرحمة الله وأوفقه ~~برضا الله ، وقليل هذه كثير ، ولا يزال العبد بتقرب إلى | الله بالنوافل ~~زيادة على الفرائض حتى يحبه الله ، وتغشاه رحمته ، وحينئذ | يؤيد جوارحه ~~بنور إلهي ، ويبارك فيه . وفي أهله وولده وماله ، | ويستجاب ms405 دعاؤه ويحفظ من ~~الشر ، وينصر ، وهذا القرب عندنا يسمى | بقرب الأعمال ، والتردد ههنا كناية ~~عن تعارض العنايات فإن الحق له | عناية بكل نظام نوعي وشخصي ، وعنايته ~~بالجسد الإنساني تقضي | القضاء بموته ومرضه وتضييق الحال عليه ، وعنايته ~~بنفسه المحبوبة تقتضي | إفاضة الرفاهية من كل جهة عليه وحفظه من كل سوء . # قال النبي صلى الله عليه وسلم : ' ألا أنبئكم بخير أعمالكم ، وأزكاها عند ~~مليككم ، | وأرفعها في درجاتكم ، وخير لكم من انفاق الذهب والورق وخير لكم ~~| من أن تلقوا عدوكم ، فتضربوا أعناقهم ، ويضربوا أعناقكم ؟ قالوا : بلى ، ~~| قال : ذكر الله ' أقول : الأفضلية تختلف بالاعتبار ولا أفضل من الذكر | ~~باعتبار تطلع النفس إلى الجبروت ، ولا سيما في نفوس زكية لا تحتاج إلى | ~~الرياضات ، وإنما تحتاج إلى مداومة التوجه . # وقال عليه الصلاة والسلام : من قعد مقعدا لم يذكر الله فيه كانت عليه | ~~PageV01P570 | من الله ترة ، ومن اضطجع مضطجعا لا يذكر الله فيه كانت عليه ~~من | الله ترة ، وقال : ' ما من قوم يقومون من مجلس يذكرون الله فيه إلا | ~~قاموا عن مثل جيفة حمار ؛ وكان عليهم حسرة ' وقال ' لا تكثروا | الكلام ~~بغير ذكر الله فإن كثرة الكلام بغير ذكر الله قسوة للقلب ، | وإن أبعد ~~الناس من الله القلب القاسي ' أقول : من وجود حلاوة الذكر ، | وعرف كيف ~~يحصل له الاطمئنان بذكر الله وكيف تنقشع الحجب عن | قلبه عند ذلك حتى يصير ~~كأنه يرى الله عيانا ولا شك أنه إذا توجه إلى الدنيا | وعافس الأزواج ~~والضيعات ينسى كثيرا ، ويبقى كأنه فقد ما كان وجد ، | ويسدل حجاب بينه وبين ~~ما كان بمرأى منه وهذه الخصلة تدعوا إلى النار | وإلى كل شر ، وفي كل من ~~ذلك ترة وإذا اجتمعت الترات لم يكن بسبيل | إلى النجاة ، وقد عالج النبي ~~صلى الله عليه وسلم هذه الترات بأتم علاج ، | وذلك أن شرع في كل حالة ذكرا ~~مناسبا له ليكون ترياقا دافعا لسم الغفلة ، | فنبه النبي صلى الله عليه ~~وسلم على فائدة هذه الأذكار وعلى عروض | الترات بدونها . # واعلم أنه مست الحاجة إلى ضبط ألفاظ ms406 الذكر صونا له من أن يتصرف | فيه ~~متصرف بعقله الأبتر ، فيلحد في أسماء الله ، أو لا يعطى المقام حقه ، | ~~وعمدة ما سن في هذا الباب عشرة أذكار في كل واحد سر ليس في غيره ، ولذلك سن ~~النبي صلى الله عليه وسلم في كل موطن أن يجمع بين ألوان منها . # وأيضا فالوقوف على ذكر واحد يجعله لقلقة اللسان في حق عامة المكلفين ، | ~~والانتقال من بعضها إلى بعض ينبه النفس ، ويوقظ الوسنان . # منها سبحان الله ، وحقيقته تنزيه عن الأدناس والعيوب والنقائص . | ~~PageV01P571 # ومنها الحمد لله ، وحقيقته إثبات الكمالات والأوصاف التامة له ، | فإذا ~~اجتمعتا في كلمة واحدة كانت أفصح تعبير عن معرفة الإنسان بربه لأنه | لا ~~يستطيع أن يعرفه إلا من جهة إثبات ذات يسلب عنها ما نشاهده فينا من | ~~النقائص ، ويثبت لها ما نشاهده فينا من جهات الكمال من جهة كونه كمالا ، | ~~فإذا استقرت صورة هذا الذكر في الصحيفة ظهرت هناك هذه المعرفة تامة | كاملة ~~عندما يقضى بسبوغها ، فيفتح بابا عظيما من القرب ، وإلى هذا المعنى | أشار ~~النبي صلى الله عليه وسلم في قوله : التسبيح نصف الميزان والحمد الله | ~~يملؤه ' ولهذا كانت كلمة سبحان الله وبحمده كلمة خفيفة على اللسان ثقيلة | ~~في الميزان حبيبة إلى الرحمن ، ومن يقولها : غرست له نخلة ، وورد فيمن | ~~يقولها مائة حطت عنه خطاياه وإن كانت مثل زبد البحر ، ولم يأت أحد | يوم ~~القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال : مثل ذلك أو وزاد عليه ، وهي | أفضل ~~الكلام اصطفاه الله لملائكته . # وأما سر قوله عليه السلام : أول من يدعى إلى الجنة الذين يحمدون | الله ~~في السراء والضراء ' فهو أن عملهم ثبوتي منبعث من القوى الثبوتية ، | ~~وأهلها أحظى الناس بنعيم الجنان . # وسر قوله عليه السلام : أفضل الدعاء الحمد لله ' أن الدعاء على قسمين | ~~كما سنذكر ، والحمد لله يفيدهما جميعا ، فإن الشكر يزيد النعمة ولأنها | ~~معرفة ثبوتية . # وسر قوله عليه السلام : الحمد لله رأس الشكر ' أن الشكر يتأتى | باللسان ~~والجنان والأركان ، واللسان أفصح من ذينك . # ومنها لا إله إلا الله ms407 وله بطون كثيرة : فالبطن الأول طرد الشرك الجلي | ~~والثاني طرد الشرك الخفي . والثالث طرد الحجب المانعة عن الوصول إلى | ~~PageV01P572 | معرفة الله ، وإليه الإشارة في قوله صلى الله عليه وسلم : ' ~~لا إله إلا الله | ليس لها حجاب دون الله حتى تخلص إليه ' وكان موسى عليه ~~السلام يعرف | من بطونها البطنين الأولين ، فاستبعد أن يكون الذكر الذي ~~يخصه الله به | ذاك ، فأوحى الله إليه جلية الحال ، وكشف عليه أنه طارد كل ~~ما سوى الله | تعالى عن مستن الايثار ، وعن التمثل بين عينيه وانه لو وضع ~~جميع ما سواه | في كفة وهذه في كفة لمالت بهن ، فإنه يطردهن ، ويحقرهن ، ~~والتهليلة مع | تفصيل ما للنفي والإثبات وهي لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له له الملك | وله الحمد وهو على كل شيء قدير . # وورد من فضل من قالها مائة كانت له عدل عشر رقاب الخ وذلك لأنها جامعة ~~بين المعرفة الثبوتية والسلبية ، والسلبية أقرب لمحو الذنوب ، | والثبوتية ~~أفيد لوجود الحسنات وتمثل الأجزية . # ومنها الله أكبر وفيه ملاحظة عظمته وقدرته وسلطانه ، وهو إشارة إلى | ~~معرفة ثبوتية ، ولذلك ورد في فضله أنه يملأ ما بين السماء والأرض ، | وهذه ~~الكلمات الأربع أفضل الكلام وأحبه إلى الله ، وهي غراس الجنة . # وسر حديث جويرية ' لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات | لو وزنت بما قلت ~~منذ اليوم لوزنتهن : سبحان الله وبحمده عدد خلقه | ورضاء نفسه وزنة عرشه ~~ومداد كلماته ' أن صورة العمل إذا استقرت في | الصحيفة كان انفساحها ~~وانشراحها عند الجزاء حسب معنى تلك الكلمة ، | فإن كانت فيه كلمة مثل عدد ~~خلقه كان انفساحها مثل ذلك . | PageV01P573 # واعلم أن من كان أكثر ميله إلى تلون النفس بلون معنى الذكر فالمناسب | في ~~حقه إكثار الذكر ، ومن كان أكثر ميله إلى محافظة صورة العمل في | الصحيفة ~~وظهورها يوم الجزاء فالأنفع في حقه اختيار ذكر راب على | الأذكار بالكيفية ~~. # وليس لأحد أن يقول : إذا كانت هذه الكلمات ثلاث مرات أفضل | من سائر ~~الأذكار يكون الاعتناء بكثرة الأذكار واستيعاب الأوقات فيها | ضائعا لأن ms408 ~~الفضل إنما هو باعتبار دون اعتبار ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم | أرشد ~~جويريه رضي الله عنها إلى أقرب الأعمال ورغب في ذلك ترغيبا بليغا ، | والسر ~~فيما سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الذكر من ضم الله أكبر وسائر | ~~الألفاظ مع التهليل أن ينبه النفس للذكر ولا يكون لقلقة لسان . # ومنها سؤال ما ينفعه في بدنه أو نفسه باعتبار خلقه ، أو باعتبار حصول | ~~السكينة أو تدبير منزله وماله وجاهه وتعوذه عما يضره كذلك ، والسر فيه | ~~مشاهدة تأثير الحق في العالم ونفي الحول والقوة عن غيره . # ومن أجمع ما سنه النبي صلى الله عليه وسلم في الباب : ' اللهم أصلح لي | ~~ديني الذي هو عصمة أمري ، واصلح لي دنياي التي فيها معاشي ، واصلح لي آخرتي ~~| التي فيها معادي ، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير ، واجعل الموت راحة | ~~لي من كل شر ، اللهم إني أسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى ، اللهم اهدني ~~| وسددني - وقال : أذكر بالهدى هدايتك الطريق ، وبالسداد سداد | السهم - ~~اللهم اغفر لي وارحمني ، واهدني ، وعافني ، وارزقني ، اللهم ربنا | آتنا في ~~الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة ، وقنا عذاب النار ، رب اعني ، | PageV01P574 ~~| ولا تعن علي وانصرني ، ولا تنصر علي ، وامكر لي ، ولا تمكر علي ، | ~~واهدني ، ويسر الهدى لي ، وانصرني على من بغى علي ، رب اجعلني لك | شاكرا ، ~~لك ناكرا لك راهبا ، لك مطواعا لك مخبتا ، إليك أواها | منيبا رب تقبل ~~توبتي ، واغسل حوبتي وأجب دعوتي ، وثبت حجتي | وسدد لساني ، واهدي قلبي ، ~~واسلل سخيمة صدري ، اللهم ارزقني حبك | وحب من ينفعني حبه عندك ، اللهم مما ~~رزقتني ما أحب فاجعله قوة لي | فيما تحب ، اللهم ما زويت عني مما أحب ~~فاجعله فراغا لي فيما تحب ، | اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول به بيننا ~~وبين معاصيك ، ومن طاعتك | ما تبلغنا به جنتك ، ومن اليقين ما تهون به ~~علينا مصبيات الدنيا ، ومتعنا | بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا ، ~~واجعله الوارث منا ، واجعل ثأرنا | على من ظلمنا ، وانصرنا على من عادانا ، ~~ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ، ولا ms409 تجعل | الدنيا أكبر همنا ، ولا مبلغ علمنا ~~، ولا تسلط علينا من لا يرحمنا ' . # ومن أجمع ما سنه النبي صلى الله عليه وسلم في الاستعاذة ' : أعوذ بالله | ~~من جهد البلاء ودرك الشقاء ، وسوء القضاء ، وشماتة الأعداء ، اللهم | إني ~~أعوذ بك من الهم والحزن ، و العجز والكسل ، و الجبن والبخل ، وضلع | الدين ~~، وغلبة الرجال ، اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم ، والمغرم | والمأثم ، ~~اللهم إني أعوذ بك من عذاب النار وفتنة النار ، وفتنة القبر وعذاب | القبر ~~، ومن شر فتنة الغنى ، ومن شر فتنة الفقر ، ومن شر فتنة المسيح | ~~PageV01P575 | الدجال ، اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد ، ونق قابي ~~كما ينقى الثوب | الأبيض من الدنس ، وباعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين ~~المشرق | والمغرب ، اللهم آت نفسي تقواها ، وزكها ، أنت خير من زكاها ، أنت ~~| وليها ومولاها ، اللهم إني أعوذ بك من علم لا ينفع ، ومن قلب لا يخشع ، | ~~ومن نفس لا تشبع ، ومن دعوة لا يستجاب لها ، اللهم إني أعوذ بك | من زوال ~~نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك ، اللهم | إني أعوذ بك من الفقر ~~والقلة والذلة ، وأعوذ بك من أن أظلم أو أظلم ' . # ومنها التعبير عن الخضوع والإخبات ، كقوله صلى الله عليه وسلم | : # ' سجد وجهي للذي خلقه ' الخ . # واعلم أن الدعوات التي أمرنا بها النبي صلى الله عليه وسلم على قسمين : | ~~أحدهما ما يكون المقصود منه أن تملأ القوى الفكرية بملاحظة جلال الله | ~~وعظمته ، أو يحصل حالة الخضوع والإخبات فإن لتعبير اللسان عما | يناسب هذه ~~الحالة أثرا عظيما في تنبه النفس لها وإقبالها عليها . # والثاني ما يكون فيه الرغبة في خير الدنيا والآخرة والتعوذ من شرهما | ~~لأن همة النفس وتأكد عزيمتها في طلب شيء يقرع باب الجود بمنزلة إعداد | ~~مقدمات الدليل لفيضان النتيجة ، وتجعل جلال الله حاضرا بين عينيه ، وتصرف ~~همته | إليه ، فتلك الحالة غنيمة المحسن . # وقوله صلى الله عليه وسلم : # ' الدعاء هو العبادة ' # . أقول : ذلك | لأن أصل العبادة هو الاستفغراق في الحضور بوصف التعظيم ، ~~والدعاء | بقسميه نصاب تام منه . | PageV01P576 # قوله صلى ms410 الله عليه وسلم : ' أفضل العبادة انتظار الفرج ' أقول | وذلك ~~لأن الهمة الحثيثة في استنزال الرحمة أشد مما تؤثر العبادة . # وقوله صلى الله عليه وسلم # : ' ما من أحد يدعوا بدعاء إلا أتاه الله تعالى | ما سأل ، أو كف عنه شر ~~السوء مثله ' أقول : ظهور الشيء عالم المثال | إلى الأرض له سنن طبيعي يجري ~~ذلك المجرى إن لم يكن مانع من خارج ، | وله سنن غير طبيعي إن وجد مزاحمة في ~~الأسباب ، فمن غير الطبيعي | أن تنصرف الرحمة إلى كف السوء أو إلى إناس ~~وحشتهم و إلهام بهجة قلبه ، | أو ميل الحادثة من بدنه إلى ماله وأمثال ذلك ~~. # قوله صلى الله عليه وسلم : # ' إذا دعا أحدكم فلا يقل : اللهم اغفر لي | إن شئت ، وارحمني إن شئت ، ~~وارزقني إن شئت ، وليعزم المسألة إنه يفعل | ما يشاء ، ولا مكره له ' أقول ~~: روح الدعاء وسره رغبة النفس في الشيء | مع تلبسها بتشبهة الملائكة وتطلع ~~الجبروت ، والطلب بالشك يشتت | العزيمة ويفتر الهمة ، أما الموافقة ~~بالمصلحة الكلية فحاصل لأن سببا من | الأسباب لا يصد الله عن رعايتها ، وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم : # ' إنه | يفعل ما يشأ ولا مكره له ' . # وقوله صلى الله عليه وسلم : # ' لا يرد القضاء إلا الدعاء ' أقول : القضاء | ههنا الصورة المخلوقة في ~~عالم المثال التي هي سبب وجود الحادثة في الكون | وهو بمنزلة سائر ~~المخلوقات يقبل المحو والإثبات . # قال عليه الصلاو والسلام إن هما : ' أن الدعاء ينفع بما نزل ومما لم ينزل ~~' . | أقول : الدعاء إذا عالج ما لم ينزل اضمحل ، ولم ينعقد سببا لوجود ~~الحادثة | في الأرض ، وإن عالج النازل ظهرت رحمة الله هناك في صورة تخفف | ~~موجدته وإيناس وحشته . | PageV01P577 # قال صلى الله عليه وسلم : # ' من سره أن يستجيب الله له عند الشدائد | فليكثر الدعاء في الرخاء ' . ~~أقول : وذلك أن الدعاء لا يستجاب إلا ممن | قويت رغبته ، وتأكدت عزيمته ، ~~وتمرن بذلك قبل أن يحيط به ما أحاط ، | وأما رفع اليدين ومسح الوجه بهما ~~فتصوير للرغبة ، ومظاهرة بين الهيئة | النفسانية وما يناسبها من الهيئة ~~البدنية ms411 وتنبيه للنفس على تلك الحال . # قال صلى الله عليه وسلم : ' # من فتح له باب من الدعاء فتحت له أبواب | الرحمة ' . أقول : من علم كيف ~~يدعو من برغبة ناشئة من صميم قلبه ، وعلم | في أي الصورة تظهر الإجابة ، ~~وتمرن بصفة الحضور فتح له باب الرحمة | في الدنيا ، ونصر في كل داهية ، ~~وإذا مات ، وأحاطت به خطيئته ، وغشيته | غاشية من الهيآت الدنيوية توجه إلى ~~الله توجها حثيثا كما كان تمرن به ، | فيستجاب له ويخرج نقيا منها كما تسل ~~الشعره من العجين . # واعلم أن أقرب الدعوات من الاستجابة ما اقترن بحاله هي مظنة نزول | ~~الرحمة إما لكونها كما لا للنفس الإنسانية كدعاء عقيب الصلوات . ودعوة | ~~الصائم حين يفطر ، أو معدة لا لاستنزال جود الله كالدعاء يوم عرفة ، | أو ~~لكونها سببا لموافقة عناية الله في نظام العالم كدعوة المظلوم - فإن لله | ~~عناية بانتقام الظالم - وهذا موافقة منه لتلك العناية ، وفيه ' فإنه ليس ~~بينها | وبين الله حجاب ' أو سببا لازورار راحة الدنيا عنه ، فتنقلب رحمة ~~الله | في حقه متوجهة في صورة أخرى كدعاء المريض والمبتلى ، أو سببا | ~~لإخلاص الدعاء مثل دعاء الغائب لأخيه أو دعاء الوالد للولد ، أو كانت | في ~~ساعة تنتشر فيها الروحانية وتدلى فيه الرحمة كليلة القدر والساعة المرجوة | ~~يوم الجمعة ، أو كانت في مكان تحضره الملائكة كمواضع بمكة أو تتنبه | النفس ~~عند الحلول بها لحالة الحضور والخضوع كمآثر الأنبياء عليهم السلام . | ~~PageV01P578 | ويعلم من مقايسة ما قلنا سر قوله صلى الله عليه وسلم : ' ~~يستجاب للعبد | ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم ما لم يستعجل ' . # قوله صلى الله عليه وسلم : # ' لكل نبي دعوة مستجابة ، فتعجل كل نبي | دعوته ، وإني اختبأت دعوتي ~~شفاعة لأمتي إلى يوم القيامة ، فهي نائلة | إن شاء الله من مات من أمتي لا ~~يشرك بالله شيئا ' . أقول : للأنبياء عليهم | السلام دعوات كثيرة مستجابة ، ~~وكذا استجيب لنبينا صلى الله عليه وسلم | في مواطن كثيرة ، لكن لكل نبي ~~دعوة واحدة منبجسة من الرحمة التي هي | مبدأ نبوته ، فإنها إن آمنوا كانت ~~بركات ms412 عليهم ، وانبجس من قلبه في قلب النبي أن يدعو لهم ، وإن أعرضوا صارت ~~نقمات عليهم ، وانبجس في قلبه ان يدعو | عليهم ، واستشعر نبينا صلى الله ~~عليه وسلم أن أعظم مقاصد بعثته أن يكون | شفيعا للناس ، واسطة لنزول رحمة ~~خاصة يوم الحشر فاختبأ دعوته العظمى | المنبجسة من أصل نبوته لذلك اليوم . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' اللهم إني اتخذت عندك عهدا ' الخ | أقول : ~~اقتضت رحمته عليه الصلاة والسلام بأمته وحدبه عليهم أن يقدم | عند الله ~~عهدا ، ويمثل في حظيرة القدس همته لا يزال يصدر منها أحكامها ، | وذلك أن ~~يعتبر في قومه همته الضمنية المكنونة لا الهمة البارزة ، وذلك | لأن قصده ~~في تعزيز المسلمين قولا أو فعلا إقامة الدين الذي ارتضى الله لهم | فيهم ، ~~وأن يستقيموا ، ويذهب عنهم اعوجاجهم ، وقصده في التغليظ على | المقضي عليهم ~~بالكفر موافقة الحق في غضبة على هؤلاء فاختلف المشرعان | وإن اتحدت الصورة ~~. # ومنها التوكل ، وروحه . توجه النفس إلى الله بوجه الاعتماد عليه | ~~PageV01P579 | ورؤية التدبير منه ، ومشاهدة الناس مقهورين في تدبيره وهو ~~مشهد | قوله تعالى : # @QB@ وهو القاهر فوق عباده ويرسل عليكم حفظة @QE@ . # وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه أذكارا ، منها : لا حول | ولا ~~قوة إلا بالله العلي العظيم ، وفيه أنه كنز من كنوز الجنة ، وذلك لأنه | ~~يعد النفس لمعرفة جليلة ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : # ' بك أصول وبك | أحول ' وما ورد على هذا الأسلوب ، ومنه قوله عليه الصلاة ~~والسلام : | ' # توكلت على الله ' وقوله عليه الصلاة والسلام : # ' اعلم أن الله على كل شيء | قدير وأن الله قد أحاط بكل شيء علما ' ونحو ~~ذلك . # ومنها الاستغفار ، وروحه ملاحظة ذنوبه التي أحاطت بنفسه ونفضها | عنها ~~بمدد روحاني وفيض ملكي ، وله أسباب . # منها شمول رحمة الله إياه بعمل يصرف إليه دعوات الملأ الأعلى ، | أو يكون ~~هو فيه جارحة من جوارح التدبير الإلهي في إظهار نافعة للمجهود | أو سد خلة ~~للمحتاج أو ما يضاهي ذلك . # ومنها التشبه في بالملائكة في هيئاتهم ولمعان أنوار الملكية وخمود شرور | ~~البهيمية باضمحلال أجزائها ms413 وكسر سورتها . # ومنها التطلع إلى الجبروت ومعرفة الحق واليقين به ، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم | : ' قال الله تعالى : أعلم عبدي أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ | ~~به غفرت لعبدي ' فإذا استعمل العبد هذه الأمداد الروحانية في نفض | ذنوبه ~~عن نفسه اضمحلت عنها . | PageV01P580 # ومن أجمع صيغ الاستغفار : ' اللهم أغفر لي خطيئتي وجهلي ، وإسرافي | في ~~أمري ، وما أنت أعلم به مني ، اللهم اغفر لي جدي وهزلي ، وخطئي ، | وعمدي ، ~~وكل ذلك عندي اللهم اغفر لي ما قدمت ، وما أخرت ، | وما أسررت ، وما أعلنت ~~، وما أنت أعلم به مني ، أنت المقدم ، وأنت | المؤخر ، وأنت على كل شيء ~~قدير ' وسيد الاستغفار : اللهم أنت ربي | لا إله إلا أنت خلقتني ، وأنا ~~عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، | أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك ~~بنعمتك علي ، وأبوء بذنبي ، | فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ' . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إنه ليغان على قلبي ، وإني لأستغفر الله تعالى | في اليوم مائة مرة ' ~~أقول : حقيقة هذا الغين أنه صلى الله عليه وسلم مأمور | أن يصبر نفسه مع ~~عامة المؤمنين في هيئة امتزاجية بين الملكية والبهيمية | ليكون قدوة للناس ~~فيما سن لهم على وجه الذوق والوجدان دون القياس | والتخمين ، وكان من ~~لوازمها الغين والله أعلم . # ومنها التبرك باسم الله تعالى ، وسره أن الحق له تدل في كل نشأة ومن | ~~تدليه في النشأة الحرفية الأسماء الإلهية النازلة على ألسنة التراجمه ~~والمتداولة | في الملأ الأعلى ، فإذا توجه العبد إليه وجد رحمة الله قريبة ~~. # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدا | من أحصاها دخل الجنة ' أقول ~~: من أسباب هذا الفضل أنها نصاب صالح | لمعرفة ما يثبت للحق ، ويسلب عنه ، ~~وأن لها بركة وتمكنها في حظيرة القدس ، وأن صورتها إذا استقرت في صحيفة ~~عمله وجب أن يكون انفساحها | إلى رحمة عظيمة . | PageV01P581 # واعلم أن الاسم الأعظم الذي إذا سئل به أعطى ، وإذا دعي به أجاب | هو ~~الاسم الذي يدل على أجمع تدل من ms414 تدليات الحق ، والذي تداوله الملأ | الأعلى ~~أكثر تداول ، ونطقت به التراجمة في كل عصر ، وقد ذكرنا أن | زيدا الشاعر ~~الكاتب له صورة أنه شاعر وصورة أنه كاتب ، وكذلك للحق | تدليات في موطن من ~~المثال وهذا معنى يصدق على أنت الله لا إله إلا أنت الأحد | الصمد الذي لم ~~يلد ، ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد ، وعلى لك الحمد ، | لا إله إلا أنت ~~الحنان المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال | والإكرام ، يا حي يا ~~قيوم . ويصدق على أسماء تضاهي ذلك . # ومنها الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم | ' ~~من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرا ' ، وقال عليه السلام : # ' إن أولى | الناس في يوم القيامة أكثرهم علي صلاة ' . أقول السر في هذا ~~أن النفوس | البشرية لا بد لها من التعرض لنفحات الله ولا شيء في التعرض ~~لها كالتوجه | إلى أنوار التدليات وإلى شعائر الله في أرضه والتكفف لديها ~~والامعان فيها | والوقوف عليها لا سيما أرواح المقربين الذين هم أفاضل ~~الملأ الأعلى ووسائط | جود الله على أهل الأرض بالوجه الذي سبق ذكره ، وذكر ~~النبي صلى الله عليه وسلم | بالتعظيم ، وطلب الخير من الله تعالى في حقه - ~~آلة صالحة للتوجه | إليه مع ما فيه من سد مدخل التحريف حيث لم يذكره إلا ~~بطلب الرحمة له | من الله تعالى ، وأرواح الكمل إذا فارقت أجسادها صارت ~~كالموج | المكفوف لا يهزها إرادة متجددة وداعية سانحة ، ولكن النفوس التي | ~~هي دونها تلتصق منها بالهمة فيجلب بها نورا وهيئة مناسبة بالأرواح ، | وهي ~~المكنى عنه بقوله عليه السلام : # ' ما من أحد يسلم علي إلا رد الله على | روحي حتى أرد عليه السلام ' وقد ~~شاهدت ذلك ما لا أحصى في مجاورتي | المدينة سنة ألف ومائة وأربع وأربعين . ~~| PageV01P582 # قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا تجعلوا زيارة قبري عيدا ' أقول : هذا | إشارة إلى سد مدخل التحريف ~~كما فعل اليهود والنصارى بقبور أنبيائهم ، | وجعلوها عيدا وموسما بمنزلة ~~الحج . # واعلم أنه مست الحاجة إلى توقيت الأذكار ولو ms415 بوجه أسمح من توقيت | ~~النواميس إذ لو لم تؤقت لتساهل المتساهل ، وذلك إيما بأوقات أو أسباب ، | ~~وقد ذكرنا تصريحا أو تلويحا أن المخصص لبعض الأوقات دون بعض ، | إما ظهور ~~الروحانية فيه كالصباح والمساء ، أو خلو النفس عن الهيئات | الرذيلة كحالة ~~التيقظ من النوم ، أو فراغها من الارتفاقات وأحاديث | الدنيا ليكون ~~كالمصقلة كخالة إرادة النوم ، وأن المخصص للسببيه أن يكون | سببا لنسيان ~~ذكر الله وذهول النفس عن الالتفات تلقاء جناب الله ، فيجب | في مثل ذلك أن ~~يعالج بالذكر ، ليكون ترياقا لسمها وجابرا لخللها ، أو طاعة | لا يتم نفعها ~~، ولا تكمل فائدتها إلا بمزج ذكر معها كالأذكار المسنونة | في الصلوات ، أو ~~حالة تنبه النفس على ملاحظة خوف الله وعظيم سلطانه ، فإن | هذه الحالة ~~سائقة لها إلى الخير من حيث يدري ومن حيث لا يدري ، كأذكار | الآيات من ~~الريح والظلمة والكسوف ، أو حالة يخشى فيها الضرر ، فيجب أن يسأل | الله من ~~فضله ، ويتعوذ منه في أولها كالسفر والركوب ، أو حالة كان أهل | الجاهلية ~~يسترقون فيها لاعتقادات تميل إلى اشراك بالله أو طيرة أو نحو | ذلك كما ~~كانوا يعوذون بالجن وعند رؤية الهلال ، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم | ~~فضائل هذه الأذكار وآثارها في الدنيا والآخرة إتماما للفائدة | وإكمالا ~~للترغيب . # والعمدة في ذلك أمور : منها كون الذكر مظنة لتهذيب النفس ، فأدار | عليه ~~ما يترتب على التهذيب كقوله صلى الله عليه وسلم : # ' من قالهن ، | ثم مات مات على الفطرة ' أو دخل الجنة ، أو غفر له ونحو ~~ذلك | PageV01P583 # ومنها بيان أن صاحب الذكر لا يضره شيء أو حفظ من كل سوء | وذلك لشمول ~~الرحمة الآلهية وإحاطة دعوة الملائكة به . # ومنها بيان محو الذنوب وكتابة الحسنات ، وذلك لما ذكرنا أن التوجه | إلى ~~الله والتلفع بغاشية الرحمة يزيل الذنوب ، ويمد الملكية . # ومنها بعد الشياطين منه لهذا السر بعينه . # وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم الذكر في ثلاثة أوقات عند الصباح . | ~~والمساء . والمنام . وإنما لم يوقت اليقظة في اكثر الأذكار لأنه هو وقت | ~~طلوع الصبح أو إسفاره ms416 غالبا . # فمن أذكار الصباح والمساء : اللهم عالم الغيب والشهادة ، فاطر السموات | ~~والأرض ، رب كل شيء ومليكه ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أعوذ بك | من شر ~~نفسي ومن شر الشيطان وشركه أمسينا ، وامسى الملك لله ، | والحمد لله ، ولا ~~إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو | على كل شيء ~~قدير ، اللهم إني أسألك من خير هذه الليلة وخير ما فيها ، | وأعوذ بك من ~~شرها و شر ما فيها . اللهم إني أعوذ بك من الكسل والهرم | وسوء الكبر وفتنة ~~الدنيا وعذاب القبر ، وفي الصباح يبدل أمسينا بأصبحنا | وامسى بأصبح ، وهذه ~~الليلة بهذا اليوم ، بك أصبحنا وبك أمسينا ، | وبك نحيا ، وبك نموت وإليك ~~النشور ، باسم الله الذي لا يضر | مع اسم شيء في الأرض ولا في السماء ، وهو ~~السميع العليم ثلاث مرات | سبحان الله وبحمده ، ولا قوة إلا بالله ما شاء ~~الله كان ، وما لم يشأ لم يكن . # اعلم أن الله على كل شيء قدير ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علما . | ~~PageV01P584 # ^ ( فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون وله الحمد في السموات | والأرض ~~وعشيا وحين تظهرون - إلى - تخرجون ) ^ . # اللهم إني أسألك العافية في الدنيا والآخرة ، اللهم إني أسألك العفو | ~~والعافية في ديني ودنياي واهلي ومالي ، اللهم استر عوراتي وآمن روعائي | ~~اللهم احفظني من بين يدي ومن خلفي ، وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي ، | ~~وأعوذ بعظمتك أن اغتال من تحتي ، رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا | وبمحمد ~~صلى الله عليه وسلم نبيا - ثلاث مرات - أعوذ بكلمات الله | التامات من شر ~~ما خلق ، اللهم ما أصبح بي من نعمة أو بأحد من خلقك | فمنك وحدك لا شريك لك ~~، فلك الحمد ولك الشكر ، وسيد الاستغفار ، | ومن أذكار وقت النوم إذا أوى ~~إلى فراشه باسمك ربي وضعت جنبي ، | وبك أرفعه ، إن أمسكت نفسي فارحمها ، ~~وإن أرسلتها فاحفظها بما تحفظ به | عبادك الصالحين ، واللهم أسلمت نفسي ~~إليك ، ووجهت وجهي إليك ، | وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك رغبة ورهبة ~~إليك لا ملجأ | ولا منجا منك ms417 إلا إليك آمنت بكتابك ، الذي أنزلت ، ونبيك ~~الذي أرسلت | الحمد الله الذي أطعمنا ، وسقانا ، وكفانا وآوانا ، فكم ممن ~~لا كافي له ولا | مؤوى له ويسبح الله ثلاثا وثلاثين ، ويحمد الله ثلاثا ~~وثلاثين ، ويكبر | الله أربعا وثلاثين ، اللهم قني عذابك يوم تبعث عبادك ~~ثلاثا ، أعوذ بوجهك | PageV01P585 | الكريم وكلماتك التامات من شر ما أنت ~~آخذ بناصيته اللهم أنت | تكشف المغرم والمأثم ، اللهم لا يهزم جندك ، ولا ~~يخلف وعدك ولا ينفع | ذا الجد منك الجد سبحانك وبحمدك ، اللهم رب السموات ~~والأرض ورب | كل شيء فالق الحب والنوى منزل التوراة والإنجيل والقرآن أعوذ ~~بك | من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته ، أنت الأول فليس قبلك شيء ، | وأنت ~~الآخر فليس بعدك شيء ، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء ، وأنت | الباطن فليس ~~دونك شيء اقض عني الدين ، وأعذني من الفقر ، باسم الله | وضعت جنبي ، اللهم ~~اغفر لي ذنبي واخسأ شيطاني وفك رهاني ، واجعلني | في الندى الأعلى الحمد ~~لله الذي كفاني ، وآواني ، وأطعمني ، وسقاني ، والذي من على فأفضل ، والذي ~~أعطاني فأجزل الحمد لله على كل حال | اللهم رب كل شيء ومليكه ، وإله كل شيء ~~أعوذ بك من النار - وجمع | كفيه - فقرأ فيهما # @QB@ قل هو الله أحد @QE@ . # ^ و ( قل أعوذ برب الفلق ) ^ . # ^ و ( قل أعوذ برب الناس ) ^ . # ثم مسح بهما ما استطاع من جسده ، وقرأ آية الكرسي # وسن رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن تزوج امرأة أو اشترى خادما | اللهم ~~أني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه ، وأعوذ بك من شرها وشر | PageV01P586 ~~| ما جبلتها عليه ، وإذا رفأ إنسانا بارك الله لك ، وبارك عليكما ، وجمع | ~~بينكما في خير ، وإذا أراد أن يأتي أهله : باسم الله اللهم جنبنا الشيطان | ~~وجنب الشيطان ما رزقتنا ، ولمن أراد أن يدخل الخلاء : أعوذ بالله | من ~~الخبث والخبائث و للخارج منه : غفرانك ، وعند الكرب : لا إله إلا الله | ~~الحليم العظيم لا إله إلا الله رب العرش العظيم ، لا إله إلا الله رب ~~السموات | ورب الأرض ورب العرش الكريم ، وعند الغضب : أعوذ بالله من ~~الشيطان ms418 | الرجيم ، وعند صياح الديكه السؤال من فضل الله ، وعند نهيق ~~الحمار التعوذ ، | وإذا ركب كبر ثلاثا ، ثم قال : سبحان الذي سخر لنا هذا ~~وما كنا له | مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ، الحمد لله ( ثلاثا ) الله ~~أكبر ( ثلاثا ) | سبحانك اللهم ظلمت نفسي ، فاغفر لي ، إنه لا يغفر الذنوب ~~إلا أنت ، وإذا | أنشأ سفرا : اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ، ~~ومن العمل | ما ترضى ، اللهم هون علينا سفرنا هذا واطو لنا بعده . # اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل ، اللهم إني أعوذ بك | من ~~وعثاء السفر وكآبة المنقلب وسوء المنظر في المال والأهل ، وإذا نزل | منزلا ~~: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق يا أرض ربي وربك الله | أعوذ ~~بالله من شرك ومن شر ما خلق فيك ومن شر ما يدب عليك وأعوذ | بالله من أن ~~أسد أو أسود ومن الحية والعقرب ومن شر ساكن البلد ومن والد | PageV01P587 | ~~وما ولد ، وإذا أسحر في سفر : سمع سامع بحمد الله وحسن بلائه علينا ، | ~~ربنا صاحبنا وأفضل علينا عائذا بالله من النار ، وإذا قفل يكبر على كل | ~~شرف من الأرض ( ثلاث ) تكبيرات ثم يقول ، لا إله إلا الله وحده | لا شريك ~~له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، آيبون تائبون | عابدون ~~ساجدون ، لربنا حامدون ، صدق الله وعده ، ونصر عبده وهزم | الأحزاب وحده ، ~~وإذا دعا على الكافرين اللهم منزل الكتاب سريع الحساب | اللهم اهزم الأحزاب ~~اللهم اهزمهم ، وزلزلهم اللهم إنا نجعلك في نحورهم ، | ونعوذ بك من شرورهم ~~، اللهم أنت عضدي ونصيري ، بك أصول ، وبك | أحول ، وبك أقاتل ، وإذا أضاف ~~قوما : اللهم بارك لهم فيما رزقتهم | واغفر لهم وراحمهم ، وإذا رأى الهلال ~~: اللهم أهله علينا بالأمن والإيمان | والسلامة والإسلام ، ربي وربك الله ، ~~وإذا رأى مبتلى الحمد لله الذي عافاني | مما ابتلاك ، به وفضلني على كثير ~~ممن خلق تفضيلا ، وإذا دخل في سوق | جامع : لا إله إلا الله وحده لا شريك ~~له ، له الملك ، وله الحمد ، يحي ، ويميت | وهو حي لا ms419 يموت ، بيده الخير ، ~~وهو على كل شيء قدير ، وإذا أراد أن | يقوم من مجلس كثر فيه لغطه : سبحانك ~~اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله | إلا أنت ، استغفرك ، وأتوب إليك ، وإذا ~~ودع رجلا : استودع الله دينك | وأمانتك وآخر عملك ، وزودك الله التقوى ، ~~وغفر ذنبك ، ويسر لك | الخير حيثما كنت ، اللهم أطو له البعد ، وهون عليه ~~السفر ، وإذا خرج من PageV01P588 | بيته باسم الله ، توكلت على الله ، ~~اللهم إنا نعوذ بك من أن نزل ، أو نضل | أو نظلم أو نجهل ، أو يجهل علينا ، ~~باسم الله توكلت على الله ، لا حول ولا | قوة إلا بالله ، وإذا ولج بيته : ~~اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج ، | باسم الله ولجنا وباسم الله ~~خرجنا ، وعلى الله ربنا توكلنا ، وإذ لزمته ديون | وهموم قال إذا أصبح وإذا ~~أمسى : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن ، | وأعوذ بك من العجز والكسل ، ~~وأعوذ بك من البخل والجبن ، وأعوذ | بك من غلبة الدين وقهر الرجال ، واللهم ~~اكفني بحلالك عن حرامك ، | واغنني بفضلك عمن سواك ، وإذا استجد ثوبا : ~~اللهم لك الحمد أنت كسوتني | هذا ويسميه باسمه أسألك خيره وخير ما صنع له ، ~~وأعوذ بك من شره | وشر ما صنع له ، الحمد الله الذي كساني ما أواري به ~~عورتي ، وأتجمل به في | حياتي ، وإذا أكل أو شرب : الحمد الله الذي أطعمنا ~~، وسقانا ، وجعلنا من | المسلمين ، الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام من ~~غير حول مني ولا قوة ، | الحمد لله الذي أطعم ، وسقى ، وسوغه ، وجعل له ~~مخرجا ، وإذا رفع مائدته : | الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه غير ~~مكفى ولا مودع ولا مستغنى عنه | ربنا ، وإذا مشى إلى المسجد : اللهم اجعل ~~في قلبي نورا الخ وإذا أراد | أن يدخل المسجد أعوذ بالله العظيم ، وبوجهه ~~الكريم ، وسلطانه القديم من | الشيطان الرجيم ، اللهم افتح لي أبواب رحمتك ~~، وإذا خرج منه : اللهم إني | أسألك من فضلك ، وإذا سمع صوت الرعد والصواعق ~~: اللهم لا تقتلنا | بغضبك ، ولا تهلكنا بعذابك وعافنا قبل ذلك ، اللهم إني ~~أعوذ بك من | PageV01P589 | شرها ms420 ، وإذا عصفت الريح : اللهم إني أسألك ~~خيرها وخيرما فيها وما | أرسلت به ، وأعوذ بك من شرها وشر ما فيها وشر ما ~~أرسلت به ، وإذا | عطس : الحمد الله حمدا كثيرا طيبا مباركا وليقل صاحبه : ~~يرحمك الله . وليقل | هو : يهديكم الله ، ويصلح بالكم ، وإذا نام : اللهم ~~باسمك أموت وأحيا | وإذا استيقظ ، الحمد الله الذي أحيانا بعد ما أماتنا ~~وإليه النشور . # وشرع عند الأذان خمسة أشياء : أن يقول مثل ما يقول المؤذن غير حي | على ~~الصلاة وحي على الفلاح فإنه يقول مكانه لا حول ولا قوة إلا باالله ، | ~~ويقول : رضيت بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد رسولا ويصلي على | النبي ~~صلى الله عليه وسلم ويقول : اللهم رب هذه الدعوة التامة والصلاة | القائمة ~~آت محمد الوسيلة والفضيلة والدرجة الرفيعة وابعثه مقاما محمودا | الذي ~~وعدته إنك لا تخلف الميعاد ، ويسأل الله لآخرته ودنياه . # وأمر في عشر ذي الحجة باكثار الذكر ، وقد استفاض من الصحابة . | ~~والتابعين . وأئمة المجتهدين تكبير يوم عرفة وأيام التشريق على وجوه | ~~أقربها أن يكبر دبر كل صلاة من فجر عرفة إلى عصر آخر أيام التشريق | الله ~~أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله ، والله أكبر ، الله أكبر ، ولله الحمد ~~، | وقد مر أدعية الصلاة وغيرها فيما سبق فراجع . # وبالجملة فمن صبر نفسه على هذه الأذكار ، وداوم عليها في هذه الحالات | ~~وتدبر فيها كانت له بمنزلة الذكر الدائم وشمله قوله تعالى : # @QB@ والذاكرين الله كثيرا والذاكرات @QE@ . # والله أعلم . | PageV01P590 # # | ( بقية مباحث الاحسان ) # اعلم أن لهذه الأخلاق الأربعة أسبابا تكتسب بها ، وموانع تمنع عنها ، | ~~وعلامات يعرف تحققها بها فالاخبات لله تعالى ، والاستشراف تلقاء | صقع ~~الكبرياء ، والانصباغ بصبغ الملأ الأعلى ، والتجرد عن الرذائل | البشرية ، ~~وعدم قبول النفس نقوش الحياة الدنيا ، وعدم اطمئنانها بها لا شيء | في ذلك ~~كله كالتفكر ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : # ' فكر ساعة خير | من عبادة ستين سنة ' وهو على أنواع : # منها التفكر في ذات الله تعالى وقد نهى الأنبياء صلوات الله عليهم عنه ~~فإن العامة لا يطيقونه ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' تفكروا ms421 في آلاء ~~الله ، ولا تفكروا في الله ، ويروى ' تفكروا في كل شيء ولا تفكروا في ذات ~~الله ' ومنها التفكير في صفات الله تعالى كالعلم والقدرة والرحمة والاحاطة ~~، | وهو المعبر عنه عند أهل السلوك بالمراقبة ، والأصل فيه قوله صلى الله ~~عليه وسلم | : # ' أن تعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ' وقوله | صلى ~~الله عليه وسلم : # ' احفظ الله تجده تجاهك ' . # وصفته لمن أطاق ذلك أن يقرأ # ^ ( وهو معكم أين ما إنما كنتم ) ^ . # أو قوله تعالى : | PageV01P591 # @QB@ وما تكون في شأن وما تتلو منه من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا ~~عليكم شهودا إذ تفيضون فيه وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في ~~السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين @QE@ . # أو قوله تعالى : # ^ ( ألم تر أن الله يعلم ما في السموات و ما في الأرض وما يكون | من نجوى ~~ثلاثة إلا وهو رابعهم ولا خمسة إلا وهو سادسهم ولا أدني | من ذلك ولا أكثر ~~إلا هو معهم أين ما كانوا ) ^ . # أو قوله تعالى : # @QB@ ونحن أقرب إليه من حبل الوريد @QE@ . # أو قوله تعالى : # ^ ( وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر | وما ~~تسقط من ورقة إلا ويعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب | ولا يابس إلا ~~في كتاب مبين ) ^ . # أو قوله تعالى : | PageV01P592 # ^ ( ألا إنه بكل شيء محيط ) ^ . # أو قوله تعالى : # @QB@ وهو القاهر فوق عباده @QE@ . # أو قوله تعالى # ^ ( وهو على كل شيء قدير ) ^ . # أو قوله صلى الله عليه وسلم : # ' اعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن | ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد ~~كتبه الله لك ، ولو اجتمعوا على أن | يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه ~~الله عليك ، رفعت الأقلام ، | وجفت الصحف ' أو قوله صلى الله عليه وسلم : # ' إن لله مائة رحمة أنزل منها | واحدة في الأرض ' الحديث ، ثم يتصور معنى ~~هذه الآيات من غير | تشبيه ولا جهة ، بل يستحضر اتصافه تعالى بتلك الأوصاف ~~فقط ، فإذا | ضعف ms422 عن تصوره أعاد الآية وتصورها أيضا ، وليختر لذلك وقتا | ~~لا يكون فيه حاقبا ولا حاقنا ولا جائعا ولا غضبان ولا وسنان ، وبالجملة | ~~فارغ القلب عن التشويش . # ومنها التفكر في أفعال الله تعالى الباهرة ، والأصل في قوله تعالى : # @QB@ ويتفكرون في خلق السماوات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا @QE@ . | ~~PageV01P593 # وصفته أن يلاحظ إنزال المطر وانبات العشب ونحو ذلك ، ويستغرق في منة الله ~~تعالى . # ومنها التفكر في أيام الله تعالى وهو تذكر رفعه قوما وخفضه آخرين | ~~والأصل في قوله تعالى لموسى عليه السلام : # @QB@ وذكرهم بأيام الله @QE@ # فإن ذلك يجعل النفس مجردة عن الدنيا . # ومنها التفكر في الموت وما بعده ، والأصل فيه قوله | صلى الله عليه وسلم ~~: # ' واذكروا هاذم اللذات ' . # وصفته أن يتصور انقطاع النفس عن الدنيا وانفرادها بما اكتسبت | من خير و ~~شر ، وما يرد عليها من المجازاة ، وهذان القسمان أفيد الأشياء | لعدم قبول ~~النفس نقوش الدنيا ، فالإنسان إذا تفرغ من أشغال الدنيا | للفكر الممعن في ~~هذه الأشياء ، أحضرها بين عينيه انقهرت بهيميته ، | وغلبت ملكيته ولما لم ~~يكن سهلا على العامة أن يتفرغوا للفكر الممعن | وإحضارها بين أعينهم وجب أن ~~يجعل أشباح يعبي فيها أنواع الفكر ، | وهيا كل ينفخ فيها روحها ليقصدها ~~العامة ويتلى عليهم ، ويستفيدوا | حسبما قدر لهم ، وقد أوتى النبي صلى الله ~~عليه وسلم والقرآن جامعا لهذه | الأنواع ومثله معه . # وأرى أنه جمع له صلى الله عليه وسلم في هذين جميع ما كان له في الأمم | ~~السابقة والله أعلم ، فاقتضت الحكمة أن يرغب في تلاوة القرآن ، ويبين | ~~فضلها وفضل سوره وآيات منه ، فشبه النبي صلى الله عليه وسلم الفائدة | ~~PageV01P594 | المعنوية الحاصلة من الآية بفائدة محسوسة لا أنفع منها عند ~~العرب وهي | - ناقة كوماء وخلفة سمينة - تصويرا للمعنى وتمثيلا له ، وشبه | ~~صاحبها بالملائكة ، وأخبر بأجرها بكل حرف ، وبين درجات الناس | بما ضرب من ~~قبل بمثل الاترجة والتمرة والحنظلة والريحان ، وبين أن سور | القرآن تتمثل ~~يوم القيامة أجسادا ترى ، وتلمس ، فتحاج عن أصحابها ، | وذلك انكشاف لتعارض ~~أسباب عذابه ونجاته ورجحان تلاوة القرآن | على ms423 الأسباب الأخرى ، وبين أن ~~السور فيما بينها تتفاضل . # أقول : وإنما تتفاضل لمعان : منها إفادتها التفكر في صفات الله ، | ~~وكونها أجمع شيء فيه كآية الكرسي وآخر الحشر و @QB@ قل هو الله أحد @QE@ | ~~بمنزلة الاسم الأعظم من بين الأسماء . # ومنها أن يكون نزولها على ألسنة العباد ، ليعلموا كيف يتقربوا إلى ربهم | ~~كالفاتحة ، ونسبته من السور كنسبة الفرائض من العبادات . # ومنها أنها أجمع السور كالزهراوين ، وقال رسول الله | صلى الله عليه وسلم ~~في يس : # ' إنه قلب القرآن ' لأن القلب يومئ إلى التوسط ، | وهذه من المثاني دون ~~المئين فما فوقها ، وفوق المفصل ، وفيها آيات التوكل | والتفويض ، والتوحيد ~~على لسان محدث أنطاكية . | PageV01P595 # @QB@ وما لي لا أعبد الذي فطرني @QE@ الآيات . # وفيها الفنون المذكورة تامة كاملة ، وفي تبارك الذي شفعت لرجل حتى | غفر ~~له وهذه قصة رجل رآه النبي صلى الله عليه وسلم في بعض مكاشفاته ، | وأن ~~يرغب في تعاهده واستذكاره ويضرب له مثل تفصى الإبل | وفي الترتيل به ~~وتلاوته عند ائتلاف القلوب وجمع الخاطر ووفور | النشاط ليكون أقرب إلى ~~التدبر وحسن الصوت به والبكاء والتباكي عنده | تقريبا من المراد وهو التفكر ~~؛ ويحرم نسيانه ، وينهى عن ختمه في أقل | من ثلاث لأنه لا يفقه معناه حينئذ ~~، وجاءت الرخصة في قراءاته على لغات | العرب تسهيلا عليهم لأن فيهم الأمي ~~والشيخ الكبير والصبي . # ومما أوتي صلى الله عليه وسلم من في غير القرآن عنه عز وجل ' يا عبادي | ~~إني حرمت الظلم على نفسي ، وجعلته بينكم محرما ، فلا تظالموا ، يا عبادي | ~~كلكم ضال إلا من هديته ' الحديث ' كان في بني إسرائيل رجل قتل | تسع وتسعين ~~إنسانا ' الحديث ' لله أشد فرحا بتوبة عبده ' الحديث | ' إن عبدا أذنب ذنبا ~~' الحديث ' إن لله مائة رحمة أنزل منها واحدة ' | الحديث ' إذا أسلم العبد ~~فحسن إسلامه ' الحديث ، وأحاديث تشبيه الدنيا بما يلحق الأصبع من اليم ~~وبجدى أسك ميت | PageV01P596 # واعلم أن النية روح ، والعبادة جسد ، ولا حياة للجسد بدون روح ، | والروح ~~لها حياة بعد مفارقة البدن ، ولكن لا يظهر آثار الحياة كاملة بدونه ، | ~~ولذلك قال الله ms424 تعالى : # @QB@ لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم @QE@ . # وقال رسول صلى الله عليه وسلم : # ' إنما الأعمال بالنيات ' وشبه النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من ~~المواضع من صدقت نيته - ولم يتمكن من | العمل لمانع - بمن عمل ذلك العمل ~~كالمسافر والمريض لا يستطيعان وردا | واظبا عليه ؛ فيكتب لهما وكصادق العزم ~~في الانفاق ، وهو مملق يكتب | كأنه أنفق وأعني بالنية المعنى الباعث على ~~العمل من التصديق بما أخبر به | الله على ألسنة الرسل من ثواب المطيع وعقاب ~~العاصي ، أو حب امتثال | حكم الله فيما أمر ، ونهى ، ولذلك وجب أن ينهى ~~الشارع عن الرياء | والسمعة ، ويبين مساويهما أصرح ما يكون ، فمن ذلك قوله ~~صلى الله عليه وسلم | : # ' إن أول الناس يقضى عليهم يوم القيامة ثلاثة : رجل قتل في | الجهاد ~~ليقال له : وهو رجل جريء ، ورجل تعلم العلم وعلمه ليقال : هو | عالم . ورجل ~~أنفق في وجوه الخير ليقال هو جواد ، فيؤمر بهم ، فيسحبون | على وجوههم إلى ~~النار ' ، قوله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى : ' أنا | أغنى الشركاء ~~عن الشرك ، من عمل عملا أشرك فيه غيري تركته وشركه ' . # أما حديث أبي ذر رضي الله عنه ' قيل : يا رسول الله أرأيت الرجل | يعمل ~~العمل من الخير ويحمده الناس عليه ؟ قال : تلك عاجل بشرى | المؤمن ' فمعناه ~~أن يعمل العمل لا يقصد به إلا وجه الله ، فينزل القبول | PageV01P597 | إلى ~~الأرض ، فيحبه الناس ، وحديث أبي هريرة رضي الله عنه ' قلت : | يا رسول ~~الله بينا أنا في بيتي في مصلاي إذ دخل علي رجل ، فأعجبتني الحال | التي ~~رآني عليها ، قال : رحمك الله يا أبا هريرة ، لك أجران ، أجر السر ، و | ~~وأجر العلانية ' ممعناه أن يكون الإعجاب مغلوبا لا يبعث بمجرده على العمل ، ~~| و ' أجر السر ' أجر الاخلاص الذي يتحقق في السر ، و ' أجر العلانية ' | ~~أجر إعلاء دين الله وإشاعة السنة الراشدة . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' خياركم أحاسنكم أخلاقا ' | اقول : لما كان بين السماحة والعدالة نوع من ~~التعارض كما نبهنا عليه ، وكان | بناء ms425 علوم الأنبياء عليهم السلام على ~~رعاية المصلحتين وإقامة نظام الدارين ، | وأن يجمع بين المصالح ما أمكن وجب ~~ألا يعين في النواميس للسماحة إلا أشياء | تشتبك مع العدالة ، وتؤيدها ~~وتنبه عليها ، فنزل الأمر إلى حسن الخلق | وهو عبارة عن مجموع أمور من باب ~~السماحة والعدالة ، فإنه يتناول الجود | والعفو عمن ظلم والتواضع وترك ~~الحسد والحقد والغضب ، وكل ذلك من | السماحة ، ويتناول التودد إلى الناس ~~وصلة الرحم وحسن الصحبة مع الناس | ومواساة المحاويج ، وهي من باب العدالة ~~، والفصل الأول يعتمد على الثاني ، | والثاني لا يتم إلا بالأول ، وذلك في ~~الرحمة المرعية من النواميس الإلهية . # ولما كان اللسان أسبق الجوارح إلى الخير والشر ، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم | : ' وهل يكب الناس على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم ' ، وأيضا | فإن ~~آفاته تخل الإخبات والعدالة والسماحة جميعا لأن إكثار الكلام ينسي | ذكر ~~الله ، والغيبة والبذاء ونحوهما تفسد ذات البين ، والقلب ينصبغ بصبغ | ما ~~يتكلم به فإذا ذكر كلمة الغضب لا بد أن ينصبغ القلب بالغضب وعلى هذا | ~~القياس ، والانصباغ يفضي إلى التشبح - يجب أن يبحث الشرع عن آفات | اللسان ~~أكثر من آفات غيره ، وآفات اللسان على أنواع : # منها أن يخوض في كل واد فتجتمع في الحس المشترك صور تلك الأشياء ، | ~~PageV01P598 | فإذا توجه إلى الله لم يجد حلاوة الذكر ، ولم يستطع تدبر ~~الأذكار ، ولهذا | المعنى نهى عما لا يعنى . # ومنها أن يثير فتنة بين الناس كالغيبة والجدال والمراء . # ومنها أن يكون مقتضى تفشى النفس بغاشية عظيمة من السبعية | والشهوية ~~كالشتم وذكر محاسن النساء . # ومنها أن يكون سبب حدوثه نسيان جلال الله والغفلة عما عند الله | كقوله ~~للملك : ملك الملوك . # ومنها أن يكون مناقضا لمصالح الملة بأن يكون مرغبا لما أمرت الملة | ~~بهجره كمدح الخمر وتسمية العنب كرما أو يعجم كتاب الله كتسمية | المغرب ~~عشاء والعشاء عتمة . # ومنها أن يكون كاملا شنيعا مثلا كمثل الأفعال الشنيعة المنسوبة إلى | ~~الشياطين كالفحش وذكر الجماع والأعضاء المستورة بصريح ما وضع لها ، وكذكر ~~ما يتطير به كقوله : ليس بالدار نجاح ولا ms426 يسار . # ثم لا بد من بيان ما كثر وقوعه من مظان السماحة وتميز ما اعتبره | الشرع ~~بما لم يعتبره ، فمنها الزهد فإن النفس ربما تميل إلى شره الطعام | واللباس ~~والنساء حتى تكتسب من ذلك لونا فاسدا يدخل في جوهرها ، | فإذا نفضه الإنسان ~~عن نفسه فذلك الزهد في الدنيا ، وليس ترك هذه الأشياء | مطلوبا بعينه بل ~~إنما يطلب تحقيقا لهذه الخصلة ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم | : # ' الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ولكن | ~~PageV01P599 | الزهادة في الدنيا ألا تكون بما في يديك أوثق مما في يدي ~~الله وأن تكون | في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنها أبقيت ~~لك ' وقال : | ' ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يواري | ~~عورته وجلف الخبز والماء ' . # وقال : ' بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه ' وقال : ' طعام الاثنين | كافي ~~الثلاثة ، وطعام الثلاثة كافي الأربعة ' يعني أن الطعام الذي يشبع | ~~الاثنين كل الإشباع إذا أكله ثلاثة كاهم على التوسط ، يريد الترغيب | في ~~المواساة وكراهية شره الشبع . # ومنها القناعة وذلك أن الحرص على المال ربما يغلب على النفس حتى | يدخل ~~في جوهرها ، فإذا نفضه من قلبه ، وسهل عليه تركه فذلك القناعة ، | وليست ~~القانعة ترك ما رزقه الله تعالى من غير إشراف النفس ، قال | النبي صلى الله ~~عليه وسلم : # ' ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى | غنى النفس ' وقال : ' يا حكيم إن ~~هذا المال خضر حلو فمن أخذه بسخاوة | نفس بورك له فيه ، ومن أخذه بإشراف ~~نفس لم يبارك له فيه ، وكان كالذي | ياكل ، ولا يشبع ، واليد العليا خيرا ~~من اليد السفلى ' وقال عليه السلام : | ' إذا جاءك من هذا المال شيء وأنت ~~غير مشرف ولا سائل فخذه ؛ فتموله ، | وما لا فلا تتبعه نفسك ' . # ومنها الجود وذلك لأن حب المال وحب إمساكه ربما يملك القلب ، | ويحيط به ~~من جوانبه ، فإذا قدر على إنفاقه ولم يجد له بالا فهو الجود ، وليس | الجود ~~إضاعة المال ، وليس المال مغيضا لعينه ؛ فإنه نعمة كبيرة ms427 ، قال | ~~PageV01P600 | صلى الله عليه وسلم : ' اتقوا الشح فإن الشح أهلك من قبلكم ~~حملهم على أن | سفكوا دماءهم ، واستحلوا محارمهم ' ، وقال عليه الصلاة ~~والسلام : # ' لا حسد | إلا في اثنين ' الحديث ، ' وقيل : أو يأتي الخير بالشر ؟ فقال ~~: إنه لا يأتي الخير | بالشر ، وإنما مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم ~~' وقال صلى الله عليه وسلم | : # ' من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له ، ومن | كان له فضل زاد ~~فليعد به على من لا زاد له ، فذكر من أصناف المال | حتى رأينا أنه لا حق ~~لأحد منا في فضل ' وإنما رغب في ذلك أشد الترغيب | لأنهم كانوا في الجهاد ، ~~وكانت بالمسلمين حاجة ، واجتمع فيه السماحة وإقامة | نظام الملة وإبقاء مهج ~~المسلمين . # ومنها قصر الأمل وذلك لأن الإنسان يغلب عليه حب الحياة حتى | يكره ذكر ~~الموت ، وحتى يرجو من طول الحياة شيئا لا يبلغه . فإن مات | في هذه الحالة ~~عذب بنزوعه إلى ما اشتاق إليه ، ولا يجده ، وليس العمر | في نفسه مبغضا ، ~~بل هو نعمة عظيمة ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # | ' كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل ، وخط خطا مربعا ، وخط في الوسط ~~خارجا منه ، وخط خططا صغارا إلى هذا الذي في الوسط | PageV01P601 | من ~~جانبه الذي في الوسط فقال : هذا الإنسان ، وهذا أجله محيط به ، | وهذا الذي ~~هو خارج أمله ، وهذا الخطط الصغار الأعراض فإن أخطأه | هذا نهسه هذا ، وإن ~~أخطأه هذا نهسه هذا ' ، وقد عالج النبي صلى الله عليه وسلم | ذلك بذكر هاذم ~~اللذات وزيارة القبور والاعتبار بموت الأقران ، | وقال صلى الله عليه وسلم ~~' # لا يتمنين أحدكم الموت ، ولا يدع به قبل أن يأته | إنه إذا مات انقطع ~~عمله ' . # ومنها التواضع وهو ألا تتبع النفس داعية الكبر والاعجاب حتى يزدري | ~~بالناس ، فإن ذلك يفسد نفسه ، ويثير على ظلم الناس والازدراء ، قال | صلى ~~الله عليه وسلم : # ' لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر ، فقال | الرجل : أن ~~الرجل يحب أن يكون ثوبه ms428 حسنة ، ونعله حسنا ، فقال إن الله | جميل يحب ~~الجمال ، والكبر بطر الحق وغمط الناس ' وقال عليه السلام : | ' # ألا أخبركم بأهل النار ، كل عتل مستكبر ' وقال عليه السلام : # ' بينما | رجل يمشي في حلة ، تعجبه نفسه ، مرجل برأسه ، يختال في مشيه ~~إذا خسف | الله به ، فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم القيامة ' . # ومنها الحلم والأناة والرفق ، وحاصلها ألا يتبع داعية الغضب حتى | يروى ، ~~ويرى في مصلحة ، وليس الغضب مذموما في جميع الأحوال قال | صلى الله عليه ~~وسلم : # ' من يحرم الرفق يحرم الخير كله ' وقال رجل للنبي | PageV01P602 | صلى ~~الله عليه وسلم : ' أوصني قال : لا تغضب ، فردد مرارا ، فقال : | لا تغضب ' ~~، وقال صلى الله عليه وسلم : # ' ألا أخبركم بمن يحرم على النار ؟ | كل قريب هين لين سهل ' وقال عليه ~~السلام : # ' ليس الشديد بالصرعة | إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب ' . # ومنها الصبر ، وهو عدم انقياد النفس لداعية الدعة والهلع . | والشهوة . ~~والبطر . وإظهار السر . وصرم المودة وغير ذلك . فيسمى باسام | حسب تلك ~~الداعية ، وقال الله تعالى : # @QB@ إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب @QE@ . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' وما أوتي أحد عطاء أفضل وأوسع من | الصبر ' وقد أمر النبي صلى الله ~~عليه وسلم بمظان العدالة ، ونبه على معظم | أبوابها ، وبين محاسن الرحمة ~~بخلق الله ، ورغب فيها ، وذكر أقسامها من | تألف أهل المنزل ومعاشرة أهل ~~الحي وأهل المدينة وتوفير عظماء الملة | وتنزيل كل واحد منزلة . # ونذكر من ذلك أحاديث تكون أنموذجا لهذا الباب ؛ قال صلى الله عليه وسلم | ~~: # ' اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ' وقال عليه السلام : ' إن | ~~الله حرم عليكم دماءكم وأموالكم كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا ' ' المسلم ~~من | سلم المسلمون من لسانه ويده ' ' والله لا يأخذ أحدكم شيئا بغير حقه ~~إلا لقي | الله يحمله يوم القيامة فلا عرفن أحدا منكم لقي الله يحمل بعيرا ~~له رغاء . | أو بقرة لها خوار أو شاة تيعر ' وقال : ' من ظلم قيد شبر من ~~الأرض | PageV01P603 | طوقه من سبع أرضين ' وقد ذكر سره في الزكاة ، ' ~~والمؤمن للمؤمن كالبنيان | يشد ms429 بعضه بعضا ' ' ومثل المؤمنين في توادهم ~~وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد ، | إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد ~~بالسهر والحمى ' ' من لا يرحم الناس | لا يرحمه الله ' ' المسلم أخو المسلم ~~لا يظلمه ، ولا يسلمه ' ' من كان في حاجة | أخيه كان الله في حاجته ومن فرج ~~عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من | كرب يوم القيامة ، ومن ستر مسلما ~~ستره الله يوم القيامة ، اشفعوا تؤجروا ، | ويقضي الله على لسان نبيه ما ~~يحب ' وقال : ' تعدل بين اثنين صدقة ، وتعين | الرجل في دابته ، فتحمله ، ~~أو ترفع له متاعه صدقة ، والكلمة الطيبة صدقة ' | وقال في ضعفاء المهاجرين ~~: ' لئن كنت أغضبتهم فقد أغضبت ربك ' وقال : | ' أنا وكافل اليتيم في الجنة ~~هكذا ، وأشار بالسبابة والوسطى ' ' الساعي على | الأرملة والمسكين كالمجاهد ~~في سبيل الله ' من ابتلي من هذه البنات بشيء | فأحسن إليهن كن له سترا من ~~النار ' ' استوصوا بالنساء ، فإن المرأة | خلقت من ضلع ، وأن أعوج ما في ~~الضلع أعلاه ، فإن ذهبت تقيمه كسرته ' ؛ # وقال في حق الزوجة : ' أن تطعمها إذا طعمت ، وتكسوها إذا اكتسيت | ولا ~~تضرب الوجه ، ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت ' ' إذا دعا | الرجل امرأته ~~إلى الفراش ، فلم تأته ، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح ' | ' ~~لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بأذنه ، ولا تأذن في بيته إلا | ~~بإذنه ، ولو كنت أمرا أحدا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد | لزوجها ' ' ~~أيما امرأة ماتت ، وزوجها عنها راض دخلت الجنة ' ' دينار | أنفقته في سبيل ~~الله ودينار أنفقته في رقبة ، ودينار أنفقه على مسكين ، | ودينار أنفقته ~~على أهلك ، وأعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك ' إذا أنفق | PageV01P604 | ~~الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهو له صدقة ' ' ما زال جبريل يوصيني بالجار | ~~حتى ظننت أنه سيورثه ' ' يا أبا ذر إذا طبخت مرقا فأكثر ماءها ، وتعاهد | ~~جيرانك ' ' من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره ' ' والله لا ~~يؤمن | الذي لا يأمن جاره بوائقه ' قال الله تعالى للرحم : ' ألا ترضين أن ~~أصل | من وصلك وأقطع ms430 من قطعك ' ' من أحب أن يبسط له في رزقه ، وينسأ في ~~أثره | فليصل رحمه ' ' من الكبائر عقوق الوالدين ' ومن البائر شتم الرجل ~~والديه ، | يسب أبا الرجل ، فيسب أباه ، ويسب أمه ، فيسب أمه ' ' سئل هل ~~بقى من | بر أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما فقال نعم : الصلاة عليهما ، ~~والاستغفار | لهما وإنفاذ عهدهما من بعدهما ، وصلة الرحم التي لا توصل إلا ~~بهما ، | وإكرام صديقهما ' ' وإن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم ، ~~وحامل | القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه ، وإكرام ذي السلطان المقسط ' | ~~' ليس منا من لم يرحم صغيرنا ، ولم يعرف شرف كبيرنا ' ' أنزلوا الناس | ~~منازلهم ' ' من عاد مريضا أو زار أخا له في الله ناداه مناد بأن طبت ، | ~~وطاب ممشاك ، وبوئت من الجنة منزلا ' فهذه الأحايث وأمثالها كلها تنبه | ~~على خلق العدالة وحسن المشاركة . | PageV01P605 # # | ( المقامات والأحوال ) # اعلم أن للإحسان ثمرات تحصل بعد حصوله ، وهي المقامات والأحوال ، | وشرح ~~الأحاديث المتعلقة بهذا الباب يتوقف على تمهيد مقدمتين : الأولى في | إثبات ~~العقل ، والقلب ، والنفس ، وبيان حقائقها ، والثانية في بيان كيفية | تولد ~~المقامات والأحوال منها . # المقدمة الأولى أعلم أن في الإنسان ثلاث لطائف تسمى بالعقل ، | والقلب ، ~~| والنفس ، دل على ذلك النقل ، والعقل ، والتجربة ، | واتفاق العقلاء . # أما النقل فقد ورد في القرآن العظيم : # @QB@ إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون @QE@ . # وورد حكاية عن أهل النار : # ^ ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا من أصحاب السعير ) ^ . # وورد في الحديث : # ' أول ما خلق الله تعالى العقل وقال له : أقبل فأقبل ، | وقال : أدبر ~~فأدبر ، فقال : بك أؤاخذ ' ، وقال صلى الله عليه وسلم : # | ' دين المرء عقله ، ومن لا عقل له لا دين له ' وقال : # ' أفلح من رزق لبا ' | وهذه الأحاديث أن كان لأهل الحديث في ثبوتها مقال ~~فإن لها أسانيد | يقوي بعضها بعضا ، وورد في القرآن العظيم : # @QB@ واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه @QE@ . | PageV01P606 # وورد : # @QB@ إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد @QE@ . # وفي الحديث # ' ألا أن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد وإذا | فسدت ms431 فسد الجسد ألا ~~وهي القلب ' وورد ' مثل القلب كريشة في فلاة | تقلبها الرياح ظهرا لبطن ' ~~وورد في الحديث ' النفس تتمنى و تشتهي والفرج | يصدق ذلك ويكذبه ' . # ويعلم من تتبع مواضع الاستعمال أن العقل هو الشيء الذي يدرك به | الإنسان ~~ما لا يدرك بالحواس ، وأن القلب هو الشيء الذي به يحب | الإنسان ، ويبغض ، ~~ويختار ، ويعزم ، وأن النفس هو الشيء الذي به يشتهي | الإنسان ما يستلذه من ~~المطاعم والمشارب والمناكح . # وأما العقل فقد ثبت في موضعه أن في بدن الإنسان ثلاث أعضاء | رئيسية بها ~~تتم القوى ، والأفاعيل التي تقتضيها صورة نوع الإنسان ، | فالقوى الإدراكية ~~من التخيل والتوهم والتصرف في المتخيلات والمتوهمات ، | والحكاية للمجردات ~~بوجه من الوجوه محلها الدماغ . والغضب . الجرأة . | والشح . والرضا . ~~والسخط وما يشبهها محلها القلب ، وطلب ما لا يقوم | البدن إلا به أو بجنسه ~~محله الكبد ، وقد يدل فتور بعض القوى إذا حدثت | آفة في بعض هذه الأعضاء ~~على اختصاصها بها ، ثم إن فعل كل واحد من | هذه الثلاثة لا يتم إلا بمعونة ~~من الآخرين ، فلولا إدراك ما في الشتم | أو الكلام الحسن من القبح والحسن ~~وتوهم النفع والضر ما هاج غضب | ولا حب ، ولولا متانة القلب لم يصر المتصور ~~مصدقا به ، ولولا معرفة | المطاعم والمناكح وتوهم المنافع فيها لم يمل ~~إليها الطبع ، ولولا تنفيذ القلب | حكمه في أعماق البدن لم يسع الإنسان في ~~تحصيل مستلذاته ، ولولا خدمة | PageV01P607 | الحواس للعقل ما أدركنا شيئا ~~، فإن الكسبيات فرع البديهيات والبديهيات | فرع المحسوسات ، ولولا صحة كل ~~عضو من الأعضاء التي يتوقف عليها صحة | القلب والدماغ لما كان لها صحة ولا ~~تم لهما فعل ، ولكن كل واحد منهما | بمنزلة ملك اهتم بأمر عظيم من فتح قلعة ~~صعبة أو نحوه ، فاستمد من إخوانه | بجيوش ودروع ومدافع وهو المدبر في فتح ~~القلعة وإليه الحكم ومنه الرأي ، | وإنما هم خدم يمشون على رأيه ، فجاءت ~~صور الحوادث على حسب الصفات | الغالبة في الملك من جراءته وجبنه وسخائه ~~وبخله وعدالته وظلمه ، | فكما يختلف الحال باختلاف الملوك وآرائهم وصفاتهم ~~- وإن ms432 كانت الجيوش | والآلات متشابهة - فكذلك يختلف حكم كل رئيس من الرؤساء ~~الثلاثة في | مملكة بدن الإنسان . # وبالجملة الأفاعيل المنبجسة من كل واحد من هذه الثلاثة تكون متقاربة | ~~فيما بينها ، إما مائلة إلى الإفراط والتفريط ، أو قارة فيما بين هذا وذاك ~~، | فإذا اعتبرنا هذه الهياكل الثلاثة مع أفاعيلها المتقاربة وأمزجتها التي ~~تقتضي | تلك الأفاعيل المتقاربة دائما فهي اللطائف الثلاث التي يبحث عنها ، ~~لا تلك | القوى بذواتها من غير اعتبار شيء معها . # فالقلب من صفاته وأفعاله الغضب ، والجراءة ، والحب ، والجبن ، | والرضا ، ~~والسخط ، والوفاء بالمحبة القديمة ، والتلون في الحب والبغض ، | وحب الجاه ~~والجود ، والبخل ، والرخاء ، والخوف . # والعقل من صفاته وأفعاله اليقين . والشك . والتوهم . وطلب الأسباب | لكل ~~حادث والتفكر في حيل جلب المنافع ودفع المصار . # والنفس منتهى صفاتها الشره في المطاعم والمشارب اللذيذة وعشق النساء | ~~ونحو ذلك . # وأما التجربة فكل من استقرأ أفراد الإنسان علم لا محالة أنهم | ~~PageV01P608 | مختلفون بحسب جبلتهم في هذه الأمور : منهم من يكون قلبه هو ~~الحاكم على | نفسه ، ومنهم من يكون النفس هي القاهرة على القلب # أما الأول فإذا أصابه غضب ، أو هاج في قلبه طلب منصب عظيم | يستهين في ~~جنبه اللذات العظيمة . ويصبر على تركها ، ويجاهد نفسه مجاهدة | عظيمة في ~~تركها . # وأما الآخر فإنه إذا عرضت له شهوة اقتحم فيها وأن كان هناك ألف | عار ، ~~ولا يلتفت إلى ما يرغب فيه من المناصب العالية ، أو يرهب منه من | الذل ~~والهوان ، وربما يبدو للرجل الغيور منكح شهي ، وتدعو إليه نفسه | أشد دعوة ~~، فلا يركن إليها لخاطر هجس من قلبه من قبيل الغيرة ، وربما | يصبر على ~~الجوع والعري ، ولا يسأل أحدا شيء لما جبل فيه من الأنفة ، | وربما يبدو ~~للرجل الحريص منكح شهي أو مطعم هني ، ويعلم فيهما ضررا | عظيما ، إما من ~~جهة الطب ، أو من جهة الحكمة العملية ، أو من جهة سطوة | بعض بني آدم فيخاف ~~، ويرتعش ، ويرعوى ، ثم يعميه الهوى ، فيقتحم | في الورطة على علم ، وربما ~~يدرك الإنسان من نفسه نزوعا إلى جهتين | متخالفتين ، ثم يغلب داعية على ~~داعية ms433 ، ويتكرر منه أفعال متشابهة على هذا | النسق حتى يضرب به المثل ، إما ~~في اتباع الهوى وقله الحفاظ ، وإما في | ضبط الهوى وقوة المسكة ، ورجل ثالث ~~يغلب عقله على القلب والنفس | كالرجل المؤمن حق الإيمان انقلب حبه وبغضه ~~وشهوته إلى ما يأمر به الشرع | وإلى ما عرف من الشرع جوازه بل استحبابه ، ~~فلا يبتغي أبدا عن حكم | الشرع حولا ، ورجل رابع يغلب عليه الرسم وطلب ~~الجاه ونفي العار عن | نفسه ، فهو يكظم الغيظ ، ويصبر على مرارة الشتم مع ~~قوة غضبه وشدة | PageV01P609 | جرأته ، ويترك شهواته مع قوة طبيعته ، ولئلا ~~يقال فيه ما لا يحبه ، | لئلا ينسب إلى الشيء القبيح ، أو ليجد ما يطلبه من ~~رفعة الجاه وغيره ، | فالرجل الأول يشبه بالسباع ، والثاني بالبهائم ، ~~والثالث بالملائكة . والرابع | يقال له : صاحب المروءة وصاحب معالي الهمم ، ~~لم يجد من عرض الناس | أفراد يغلب فيها قوتان معا على الثلاثة ، ويكون ~~أمرهما فيما بينهما متشابها ينال هذا من ذلك من هذا أخرى ، فإذا أراد ~~المستبصر ضبط | أحوالهم والتعبير عما هم فيه اضطر إلى إثبات اللطائف الثلاث ~~. # وأما اتفاق العقلاء فاعلم أن جميع من اعتنى بتهذيب النفس الناطقة من | ~~أهل الملل والنحل اتفقوا على إثبات هذه الثلاث أو على بيان مقامات وأحوال | ~~تتعلق بالثلاث ، فالفيلسوف في حكمته العملية يسميها نفسا ملكية ، ونفسا | ~~سبعية ، ونفسا بهيمية ، وفي هذه التسمية نوع من التسامح ، فسمى العقل | ~~بالنفس الملكية تسمية بأفضل أفرادها ، وسمى القلب بالنفس السبعية | تسمية ~~له بأشهر صافه . # وطوائف الصوفية ذكروا هذه اللطائف ، واعتنوا بتهذيب كل واحدة | إلا أنهم ~~أثبتوا لطيفتين أخريين أيضا ، واهتموا بهما اهتماما عظيما : وهما | الروح ، ~~والسر ، وتحقيقهما أن القلب له وجهان : وجه يميل إلى البدن | والجوارح ، ~~ووجه يميل إلى التجرد والصرافة ، وكذلك العقل له وجهان : | وجه يميل إلى ~~البدن والحواس ، ووجه يميل إلى التجرد والصرافة ، فسموا | ما يلي جانب ~~السفل قلبا وعقلا ، وما يلي جانب الفوق روحا وسرا ، فصفة | القلب الشوق ~~المزعج والوجد ، وصفة الروح الأنس والانجذاب ، وصفة | العقل اليقين بما ~~يقرب مأخذه من مأخذ العلوم ms434 العادية كالأيمان بالغيب ، | والتوحيد الأفعالي ~~، وصفة السر شهود ما بحل عن العلوم العادية ، وإنما | PageV01P610 | هو ~~حكاية ما عن المجرد الصرف الذي ليس في زمان ولا مكان ، ولا يوصف | بوصف ولا ~~يشار إليه بإشارة ، والشرع لما كان نازلا على ميزان الصورة | الإنسانية دون ~~الخصوصيات الفردية لم يبحث عن التفصيل كثير بحث ، | وترك مباحثها في مخدع ~~الإجمال ، وسائر الملل والنحل أيضا عندهم علم | من ذلك يعرف بالاستقراء مع ~~نوع من التفطن . # المقدمة الثانية : اعلم أن الرجل العتيك الذي مكنت مادته لظهور | أحكام ~~النوع فيها كاملا وافرا وهو رئيس أفراد الإنسان بالطبع ، والدستور | الذي ~~يعرف جميع الأفراد قربا من الحد الأعلى ، وبعدا منه بالنظر إليه هو | الذي ~~غلب عقله على قلبه مع قوة قلبه وسوغ قواه وقهر قلبه عل نفسه | ووفور ~~مقتضياتها فهذا هو الذي تمت أخلاقه ، وقويت فطرته ، ودونه | أصناف كثيرة ~~متفاوتة تظهر التأمل الصحيح . # وأما الحيوان الأعجم ففيه القوى الثلاث أيضا إلا أن عقله مغلوب | قلبه ~~ونفسه في الغاية فلم يستحق التكليف ، ولا لحق بالملا الأعلى ، وهو | قوله ~~تبارك وتعالى . # @QB@ ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا @QE@ . # وهذا الرجل العتيك إن كان عقله منقادا للعقائد الحقة المأخوذة من | ~~الصادقين الأخذين عن الملأ الأعلى صلوات الله عليهم فهو المؤمن حقا ، | وإن ~~كان له مع ذلك سبيل إلى الملأ الأعلى يأخذ عنهم بغير واسطة ففيه | شعبة من ~~النبوة وميراث منها ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : ' الرؤيا | ~~PageV01P611 | الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة ، وإن كان عقله ~~منقادا | لعقائد زائغة مأخوذة من المضلين المبطلين فهو الملحد الضال ، وإن ~~كان عقله | منقادا لرسم قومه ولما أدركه بالتجربة والحكمة العملية فهو ~~الجاهل لدين | الله ، ولما كان الأمر على ذلك وجب في حكمه الله تعالى أن ~~ينزل كتابا على | أزكى خلق الله وأعتكهم وأشبههم بالملأ الأعلى ، ثم يجمع ~~إليه الآراء حتى | تصير أحكامه من المشهورات الذائعة . # ^ ( ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حيا عن ms435 بينة ) ^ . # وأن يبين لهم هذا النبي صلوات الله وسلامه عليه طرق الإحسان | والمقامات ~~التي هي ثمراته أتم بيان . # وبالجملة إذا آمن الرجل بكتاب الله تعالى ، أو بما جاء به نبيه صلوات ~~الله عليه وسلامه | من بيانه إيمانا يستتبع جميع قواة القلبية والنفسية ، ~~ثم اشتغل | بالعبودية حق الاشتغال ذكرا باللسان وتفكرا بالجنان وادبا ~~بالجوارح ، | ودام على ذلك مدة مديدة شرب كل واحد من هذه اللطائف الثلاث ~~حظه | من العبودية ، وكان الأمر شبيها بالدوحة اليابسة تسقى الماء الغزير ، ~~فيدخل | الري كل غصن من أغصانها وكل ورقة من أوراقها ، ثم ينبت منها ~~الأزهار | والثمار ، فكذلك تدخل العبودية في هذه اللطائف الثلاث وتغير ~~صفاتها | الطبيعية الخسيسة إلى الصفات الملكية الفاضلة . # فتلك الصفات إن كانت ملكات راسخة تستمر أفاعيلها على نهج واحد | وأنهاج ~~متقاربة ، فهي المقامات ، وإن كانت بوارق تبدو تارة ، وتنمحي | أخرى ، ولما ~~تستقر بعد ، أو هي أمور ليس من شأنها الاستقرار كالرؤيا | والهواتف والغلبة ~~تسمى أحوالا وأوقاتا . | PageV01P612 # ولما كان مقتضى العقل في غلواء الطبيعة البشرية التصديق بأمور ترد | عليه ~~مناسباتها صار من مقتضاه بعد تهذيبه اليقين بما جاء به الشرع كأنه | يشاهد ~~كل ذلك عيانا كما أخبر زيد بن حارثة حين قال له صلى الله عليه وسلم | ' لكل ~~حق حقيقة فما حقيقة إيمانك ؟ فقال كأني أنظر إلى عرش الرحمن | بارزا ' . # ولما كان مقتضاه أيضا معرفة الأسباب لما يحدث من نعمة | ونقمة صار من ~~مقتضاه بعد تهذيبه التوكل ، والشكر ، والرضا ، والتوحيد # ولما كان من مقتضى القلب في أصل الطبيعة محبة المنعم المربى وبغض | ~~المنافر الشانئ . والخوف عما يؤذيه . والرجاء لما ينفعه كان مقتضاه | بعد ~~التهذيب محبة الله تعالى والخوف من عذابه ورجاء ثوابه ، ولما كان من | ~~مقتضى النفس في غلواء طبيعتها والانهماك في الشهوات والدعة كان صفتها | عند ~~تهذيبها التوبة والزهد والاجتهاد ، وهذا الكلام إنما أردنا به ضرب المثال . ~~| والمقامات ليست محصورة فيما ذكرنا ، فقس غير المذكور على المذكور ، | ~~والأحوال كالسكر والغلبة والعزوف عن الطعام والشراب مدة مديدة ، | وكالرؤيا ~~و الهاتف على المقامات . # وإذا ms436 قد فرغنا مما يتوقف عليه شرح أحاديث الباب حان أن نشرع في | المقصود ~~، فنقول . # أصل المقامات والأحوال المتعلقة بالعقل هو اليقين ، وينشعب من | اليقين : ~~التوحيد ، والإخلاص والتوكل ، والشكر ، والأنس . والهيبة ، | والتفريد ، ~~والصديقية ، والمحدثية وغير ذلك مما يطول عده ، وقال عبد الله بن | ~~PageV01P613 | مسعود : اليقين الإيمان كله ويروي رفعه ، وقال صلى الله عليه ~~وسلم : | ' واقسم لنا من القين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ' . # أقول : معنى اليقين أن يؤمن المؤمن بما جاء به الشرع من مسألة القدر | ~~ومسألة المعاد ، ويغلب الإيمان على عقله ، ويترشح من عقله رشحات على | قلبه ~~ونفسه حتى يصير المتيقن به كالمعاين المحسوس ، وإنما كان اليقين هو الإيمان ~~| كله لأنه العمدة في تهذيب العقل ، وتهذيب العقل هو السبب في تهذيب القلب ~~| والنفس ، وذلك لأن اليقين إذا غلب على القلب انشعب منه شعب كثيرة | فلا ~~يخاف مما يخاف منه الناس في العادة علما منه بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، ~~| وما أخطأه لم يكن ليصيبه ، ويهون عليه مصائب الدنيا اطمئنانا بما وعد في ~~| الآخرة ، وتزدري نفسه بالأسباب المتكثرة علما منه بأن القدرة الوجوبية هي ~~| المؤثرة في العالم بالاختيار والإرادة ، وبأن الأسباب عادية فيغتر سعيه | ~~فيما يسعى الناس فيه ، ويكدون ، ويكدحون ، فيستوي عنده ذهب الدنيا | وحجرها ~~. # وبالجملة فإذا تم اليقين ، وقوي ، واستمر حتى ما يغيره فقر ولا غنى | ولا ~~عز ولا ذل - انشعب منه شعب كثيرة : # ومنها الشكر وهو أن يرى جميع ما عنده من النعم الظاهرة والباطنة | فائضة ~~من بارئه جل مجده ، فيرتفع بعدد كل نعمة محبة منه إلى بارئه ، ويرى | عجزه ~~عن القيام بشكره ، فيضمحل ، ويتلاشى في ذلك . # قال صلى الله عليه وسلم : ' أول من يدعى إلى الجنة الحامدون الذين | ~~يحمدون الله تعالى في السراء والضراء ' . # أقول : وذلك لأنه آية انقياد عقله وقلبه لليقين ببارئه ، ولأن معرفة ~~النعم | ورؤية فيضانها من بارئها أورثت فيهم قوة فعالة في عالم المثال ~~تنفعل منها | PageV01P614 | القوى المثالية والهياكل الأخروية ، فلا ينزل ~~معرفة تفاصيل النعم ورؤية | فيضانها من المنعم جل مجده من الدعاء ms437 المستجاب ~~في قرع باب الجود ، ولا يتم | الشكر حتى يتنبه بعجيب صنع الله به فيما مضى ~~من عمره كما روي عن عمر | رضي الله عنه أنه قال في انصرافه من حجته التي لم ~~يحج بعدها : الحمد لله ، | ولا إله إلا الله ، يعطي من شاء ما يشاء لقد كنت ~~بهذا الوادي - يعني | ضجنان - أرعى إبلا للخطاب ، وكان فظا غليظا يتعبني ~~إذا عملت ويضربني | إذا قصرت ، وقد أصبحت ، وأمسيت ، وليس بيني وبين الله ~~أحد أخشاه . # ومنها التوكل ، وهو أن يغلب عليه اليقين حتى يفتر سعيه في جلب المنافع | ~~ودفع المضار من قبل الأسباب ولكن يمشي في ما سنه الله تعالى على عباده | من ~~الاكساب من غير اعتماد عليها . # قال صلى الله عليه وسلم : ' يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بغير | حساب ~~هم الذين لا يسترقون ولا يتطيرون ولا يكتوون وعلى ربهم | يتوكلون ' . # أقول إنما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بهذا إعلاما بأن أثر التوكل | ~~ترك الأسباب التي نهى الشرع عنها لا ترك الأسباب التي سنها الله تعالى ~~بعباده ، | وإنما دخولوا الجنة من غير حساب لأنه لما استقر في نفوسهم معنى ~~التوكل | أورث ذلك معنى ينفض عنها سببية الأعمال العاضة عليها من حيث إنهم ~~| أيقنوا بأن لا مؤثر في الوجود إلا القدرة والوجوبية . # ومنها الهيبة وهي أن يستيقن بعظم جلال الله حتى يتلاشى في جنبه كما | قال ~~الصديق إذ رأى طيرا واقعا على شجرة فقال : طوبى لك يا طير يا طير ، | والله ~~لوددت أني كنت مثلك تقع على الشجر ، وتأكل من الثمر ، ثم تطير ، | ~~PageV01P615 | وليس عليك حساب ولا عذاب ، والله لوددت أني كنت شجرة إلى ~~جانب | الطريق مر علي جمل ، فأخذني ، فأدخلني فاه ، فلا كنى ثم ازدردني ، | ~~ثم أخرجني بعرا ، ولم أكن بشرا . # ومنها حسن الظن وهو معبر عنه في لسان الصوفية بالأنس ، وينشأ | من ملاحظة ~~نعم الحق وألطافه ، كما أن الهيبة تنشأ من ملاحظة نقم الحق | وسطواته . ~~والمؤمن وإن كان بنظره الاعتقادي يجمع الخوف والرجاء | لكن بحالة ومقاومة ~~ربما يغلب عليه ms438 الهيبة ، وربما يغلب عليه حسن الظن ، | كمثل رجل قائم على ~~شفا البئر العميقة ترتعد فرائصه وإن كان عقله لا يوجب | خوفا ، وكما أن ~~حديث النفس بالنعم الهنيئة يفرح الإنسان وإن كان عقله | لا يوجب فرحا ، ~~ولكن تشرب الوهم في هاتين الحالتين خوفا وفرحا . # قال صلى الله عليه وسلم : ' حسن الظن بالله من حسن العبادة ' وقال | عن ~~ربه تبارك وتعالى : ( أنا عند ظن عبدي بي ) أقول : وذلك لأن حسن | الظن ~~يهيئ نفسه لفيضان اللطف من بارئه . # ومنها التفريد وهو أن يستولي الذكر على قواه الإدراكية حتى يصير | كأنه ~~يرى الله تعالى عيانا ، فتضمحل أحاديث نفسه ' وينطفئ كثير من | لهبها ، قال ~~صلى الله عليه وسلم : ( سيروا ، سبق المفردون هم الذين وضع | عنهم الذكر ~~أثقالهم ) أقول : إذا خلص نور الذكر إلى عقولهم ، وتشبح | التطلع إلى ~~الجبروت في نفوسهم انزجرت البهيمية ، وانطفأ لهبها ، | وذهبت أثقالها . # ومنها الإخلاص وهو أن يتمثل في عقله نفع العبادة لله تعالى من جهة | قرب ~~نفسه من الحق كما قال تبارك وتعالى . # @QB@ إن رحمة الله قريب من المحسنين @QE@ . | PageV01P616 # أو من جهة تصديق ما وعد الله تعالى على ألسنة رسله من ثواب الآخرة ، | ~~فينشأ منه الأعمال بداعيه عظيمة لا يشوبها رياء ولا سمعة ولا موافقة عادة ، ~~| وينسحب هذا الحال على جميع أعماله حتى الأعمال المباحة العادية ، قال | ~~الله تعالى : # @QB@ وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين @QE@ . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' إنما الأعمال بالنيات ' . # ومنها التوحيد وله ثلاث مراتب : إحداها توحيد العبادة ، فلا يعبد | ~~الطواغيت ، ويكره عبادتها كما يكره أن يقذف في النار . # والثانية ألا يرى الحول القوة ويرى أن لا مؤثر في العالم إلا | القدرة ~~الوجوبية بلا واسطة ، ويرى الأسباب عادية إنما تنسب المسببات | إليها مجازا ~~، ويرى القدر غالبا على إرادة الخلق . # والثالثة أن يعتقد تنزيه الحق عن مشاكله المحدثين ويرى أوصافه لا تماثل | ~~أوصاف الخلق ، ويصير الخبر في ذلك كالعيان ، ويطمئن قلبه بأن ليس كمثله | ~~شيء من جذر نفسه ، ويتلقى أخبار الشرع بذلك على بينة من ربه ناشئة ms439 من | ~~ذاته على ذاته . # ومنها الصديقية ، والمحدثية ، وحقيقتها أن من الأمة من يكون في أصل | ~~فطرته شبيها بالأنبياء بمنزلة التلميذ الفطن للشيخ المحقق ، فتشبهه إن كان ~~بحسب | القوى العقلية فهو الصديق أو المحدث ، وإن كان تشبهه بحسب القود ~~العملية | فهو الشهيد والحواري ، وإلى هاتين القبيلتين وقعت الإشارة في ~~قوله تعالى : # @QB@ والذين آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء @QE@ . | ~~PageV01P617 # والفرق بين الصديق . والمحدث أن الصديق نفسه قريبة المأخذ من نفس | النبي ~~، كالكبريت بالنسبة إلى النار ، فكلما سمع من النبي صلى الله عليه وسلم | ~~خبرا وقع في نفسه بموقع عظيم ، ويتلقاه بشهادة نفسه حتى صار كأنه علم | هاج ~~في نفسه من غير تقليد ، وإلى هذا المعنى الإشارة فيما ورد من أن أبا أبا ~~بكر | الصديق كان سمع دوي صوت جبريل حين كان ينزل بالوحي على النبي صلى ~~الله عليه وسلم | ، والصديق تنبعث من نفسه لا محالة محبة الرسول صلى الله ~~عليه وسلم | أشد ما يمكن من الحب ، فيندفع إلى المواساة معه بنفسه وماله | ~~والموافقة له في كل حال حتى يخبر النبي صلى الله عليه وسلم من حاله أنه ' ~~أمن | الناس عليه في ماله وصحبته ' وحتى يشهد له النبي صلى الله عليه وسلم ~~بأنه | لو أمكن أن يتخذ خليلا من الناس لكان هو ذلك الخليل ، وذلك لتعاقب | ~~ورود أنوار الوحي من نفس النبي صلى الله عليه وسلم إلى نفس الصديق ، | ~~وفكلما تكرر التأثير والتأثر والفعل والانفعال حصل الفناء والفداء ، ولما | ~~كان كماله الذي هو غاية مقصوده بصحبة النبي صلى الله عليه وسلم وباستماع | ~~كلامه لا جرم كان أكثرهم له صحبة . # ومن علامه الصديق أن يكون أعبر الناس للرؤيا ، وذلك لما جبل عليه | من ~~تلقي الأمور الغيبية بأدنى سبب ، ولذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم | ~~يطلب التعبير من الصديق في واقعات كثيرة ، ومن علامة الصديق أن يكون | أول ~~الناس إيمانا وأن يؤمن بغير معجزة . # والمحدث تبادر نفسه إلى بعض معادن العلم في الملكوت ، فتأخذ منه | علوما ~~مما هيأه الحق هناك ؛ ليكون شريعة للنبي ms440 صلى الله عليه وسلم ، وليكون | ~~إصلاحا لنظام بني آدم وإن لم ينزل الوحي بعد على النبي صلى الله عليه وسلم ~~، | كمثل رجل يرى في منامه كثيرا من الحوادث التي أجمع في الملكوت على ~~إيجادها . # ومن خاصة المحدث أن ينزل القرآن على وفق رأيه في كثير من الحوادث ، | وأن ~~يرى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه أنه أعطاه اللبن بعد ريه . | ~~PageV01P618 | والصديق أولى الناس بالخلافة لأن نفس الصديق تصير وكرا ~~لعناية الله | بالنبي ونصرته له وتأييده إياه حتى يصير كأن روح النبي صلى ~~الله عليه وسلم | ينطق بلسان الصديق ، وهو قول عمر حين دعا الناس إلى بيعة ~~الصديق ، فإن | يك محمد صلى الله عليه وسلم قد مات فإن الله قد جعل بين ~~أظهركم نورا تهتدون | به ، هدى الله محمدا صلى الله عليه وسلم إن أبا بكر ~~صاحب رسول الله | صلى الله عليه وسلم وثاني اثنين وأنه أولى الناس بأموركم ~~، فقوموا ، فبايعوه . # ثم المحدث بعد ذلك أولى الناس بالخلافة ، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم | ~~: ' اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر ، وعمر ' ، وقوله تعالى : # @QB@ والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون @QE@ . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' لقد كان فيمن قبلكم محدثون فإن يكن في | ~~أمتي أحد فعمر ' . # ومن الأحوال المتعلقة بالعقل التجلي قال سهل : التجلي على ثلاثة أحوال : ~~| تجلي ذات وهي المكاشفة ، وتجلي صفات الذات ، وهي مواضع النور ، وتجلي | ~~حكم الذات وهي الآخرة وما فيها . # فمعنى المكاشفة غلبة اليقين حتى يصير كأنه يراه ، ويبصره ، ويبقى ذاهلا | ~~عما عداه كما قال صلى الله عليه وسلم : ' الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه ' ~~| أما مشاهدة العيان وهو في الآخرة لا في الدنيا . # وقوله : تجلي صفات الذات يحتمل وجهين : أحدهما أن يراقب أفعاله | في ~~الخلق ، ويستحضر صفاته ، فيغلب يقين قدرة الله عليه ، فيغيب عن | الأسباب ، ~~ويسقط عنه الخوف والتسبب ، ويغلب عليه علمه تعالى به ، | PageV01P619 | ~~فيبقى خاضعا مرعوبا مدهوشا كما قال صلى الله عليه وسلم : ' فإن لم تكن تراه ~~| فإنه يراك ' وهي مواضع النور بمعنى ms441 أن النفس تتنور بأنوار متعددة تتقلب | ~~من نور إلى نور ومن مراقبة إلى مراقبة بخلاف تجلي الذات إذ لا تعدد | هنالك ~~ولا تحول . # وثانيهما أن يرى صفة الذات بمعنى فعلها وخلقها بأمر كن من غير توسط | ~~الأسباب الخارجية ، ومواضع النور هي الأشباح المثالية النورية التي تتراءى ~~| للعارف عند غيبة حواسه عن الدنيا . # ومعنى تجلي الآخرة أن يعاين كمجازاه ببصر بصيرته في الدنيا والآخرة ، | ~~ويجد ذلك من نفسه كما يجد الجائع ألم جوعه والظمآن ألم عطشه ، فمثال الأول ~~| قول عبد الله بن عمر حين سلم عليه إنسان وهو في الطواف ، فلم يرد عليه | ~~السلام ، فشكا إلى بعض أصحابه ، فقال ابن عمر : كنا نترايا لله في ذلك ~~المكان ، | وهذه الحالة نوع من الغيبة ونوع من الفناء ، وذلك لأن كل لطيفة ~~من اللطائف | الثلاث لها غيبة وفناء ، فغيبة العقل وفناؤه سقوط معرفة ~~الأشياء شغلا بربه ، | وغيبة القلب وفناؤه سقوط محبة الغير والخوف منه ، ~~وغيبة النفس وفناؤها | سقوط شهوات النفس وانحجامها عن الالتذاذ بالشهوات ، ~~ومثال الثاني | ما قال الصديق . وغيره من أجلاء الصحابة : الطبيب أمر ضنى ، ~~ومثال الثالث | رؤية الأنصار ضلة فيها أمثال المصابيح ، وما روي أنه خرج ~~رجلان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من عند النبي صلى الله عليه وسلم ~~في ليلة مظلمة ومعهما | مثل المصباحين بين أيديهما ، فلما افترقا صار مع كل ~~واحد منهما واحد حتى | أتى أهله ، وما روى في الحديث أن النجاشي كان يرى ~~عند قبره نور # ومثال الرابع قول حنظلة الأسيدي لرسول الله صلى الله عليه وسلم : | ~~تذكرنا بالنار والجنة ، عن حنظلة الربيع الأسيدي قال : لقيني أبو بكر ، ~~فقال : | PageV01P620 | كيف أنت يا حنظلة ؟ قلت : نافق حنظلة قال : سبحان ~~الله ما تقول ؟ ! | قلت : نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ويذكرنا ~~بالجنة والنار كانا | رأى عين ، فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عافسنا الأزواج | والأولاد والضيعات نسينا كثيرا ، قال أبو بكر فو ~~الله إنا لنلقى مثل هذا ، | فانطلقت أنا وأبو بكر حتى دخلنا ms442 على رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فقلت : | نافق حنظلة يا رسول الله ، قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم : ' وما ذاك ؟ | قلت : يا رسول الله تكون عندك تذكرنا ~~بالجنة والنار كانا رأى عين ، فإذا | خرجنا من عندك عافسنا الأزواج ~~والأولاد والضيعات نسينا كثيرا ، فقال | رسول الله صلى الله عليه وسلم : ~~والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون | عندي وفي الذكر لصافحتكم ~~الملائكة على كرشكم وفي طرقكم ، ولكن يا حنظلة | ساعة وساعة ' ثلاث مرات ، ~~فأشار صلى الله عليه وسلم إلى أن الأحوال | لا تدوم ، ومثاله أيضا ما رأى ~~عبد الله بن عمر في رؤياه من الجنة والنار # ومنها الفراسة الصادقة . والخاطر المطابق للواقع ، قال ابن عمر : ما سمعت ~~| عمر يقول لشيء قط إني لأظنه كذا إلا كان كما يظن . # ومنها الرؤيا الصالحة ، وكان صلى الله عليه وسلم يعتني بتعبير رؤيا ~~السالكين ، | حتى روى أنه كان يجلس بعد صلاة الصبح ، ويقول : ' من رأى منكم ~~رؤيا ' | PageV01P621 | فان قصها أحد عبر ما شاء الله ، وأعني بالرؤيا ~~الصالحة رؤية النبي صلى الله عليه وسلم | في المنام ، أو رؤية الجنة والنار ~~. أو رؤيا الصالحين والأنبياء | عليهم السلام . أو رؤية المشاهد المتبركة ~~كبيت الله . ورؤية الوقائع الآتية | فتقع كما يرى ، أو الماضية على ما هي ~~عليه ، أو رؤية ما ينبهه على تقصيره بأن | يرى غضبه في صورة كلب يعضه ، أو ~~رؤية الأنوار والطيبات من الرزق كشرب | اللبن والعسل والسمن ، أو رؤية ~~الملائكة ، والله أعلم . # ومنها وجدان حلاوة المناجاة وانقطاع حديث النفس ، قال رسول الله | صلى ~~الله عليه وسلم : # ' من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له ما | تقدم من ذنبه ' . # ومنها المحاسبة وهي تتولد من بين العقل المتنور بنور الإيمان والجمع | ~~الذي هو أول مقامات القلب ، قال صلى الله عليه وسلم : # ' الكيس من دان | نفسه ، وعمل لما بعد الموت ' وقال عمر رضي الله عنه في ~~خطبته : حاسبوا | أنفسكم قبل أن تحاسبوا ، وزنوها قبل أن توزنوا وتتزينوا ~~للعرض الأكبر | على الله تعالى ، يومئذ تعرضون لا ms443 تخفى منكم خافية . # ومنها الحياء وهو غير الحياء الذي هو من مقامات النفس ، ويتولد من | رؤية ~~عزة الله تعالى وجلاله ، ومع ملاحظة عجزه عن القيام بحقه وتلبسه | بالأدناس ~~البشرية ، قال عثمان رضي الله عنه : إني لاغتسل في البيت المظلم ، | فأنطوي ~~حياء من الله تعالى . # وأما المقامات المتعلقة في القلب فأولها الجمع ، وهو أن يكون أمر الآخرة ~~| هو المقصود الذي يهتم به ، ويكون أمر الدنيا هينا عنده لا يقصده ، ولا ~~لتفت | إليه إلا بالعرض من جهة أن يكون بلغة له إلى ما هو سبيله ، والجمع ~~هو | الذي يسميه الصوفية في بالإرادة . | PageV01P622 # قال صلى الله عليه وسلم : # من جعل همه هما واحدا هم الآخرة كفاه الله | همه ، ومن تشعبت به الهموم ~~لم يبال الله في أي أودية هلك ' . # أقول : همة الإنسان لها خاصية مثل خاصية الدعاء في قرع باب الجود ، | بل ~~هي مخ الدعاء وخلاصته ، فإذا تجردت همته لمرضيات الحق كفاه الله | تعالى ، ~~فإذا حصل جمع الهمة ، وواظب على العبودية ظاهرا وباطنا أنتج | ذلك في قلبه ~~محبة الله ومحبة رسوله ، ولا يزيد بالمحبة الإيمان بأن الله تعالى | مالك ~~الملك ، وأن الرسول صادق مبعوث من قبله إلى الخلق فقط ، بل هي | حاله شبيهة ~~بحالة الظمآن بالنسبة إلى الماء والجائع بالنسبة إلى الطعام ، وتنشأ | ~~المحبة من امتلاء العقل بذكر الله والتفكر في جلاله وترشح نور الإيمان | من ~~العقل إلى القلب وتلقي القلب ذلك النور بقوة مجبولة فيه . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' ثلاث من كن فيه وجد حلاوة | ~~الإيمان ، من كان الله ورسوله أحب إليه ما سواهما ' الحديث ، وقال | صلى ~~الله عليه وسلم في دعائه : # ' اللهم اجعل حبك احب إلي من نفسي وسمعي | وبصري وأهلي ومالي ومن الماء ~~البارد ' ، وقال لعمر : ' لا تكون مؤمنا | حتى أكون أحب إليك من نفسك ، ~~فقال عمر : والذي أنزل عليك الكتاب | لأنت أحب إلي من نفسي التي بين جنبي ، ~~فقال : رسول الله صلى الله عليه وسلم | # : الآن يا عمر تم إيمانك ' ، عن أنس قال سمعت رسول الله ms444 | صلى الله عليه ~~وسلم يقول : # ' لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده | ووالده والناس أجمعين . # أقول : أشار إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن حقيقة الحب غلبة لذة | ~~اليقين على العقل ثم على القلب والنفس حتى يقوم مقام مشتهى القلب في مجرى | ~~PageV01P623 | العادة حب الأهل والولد والمال ، حتى يقوم مقام مشتهى النفس ~~من | الماء البارد بالنسبة إلى العطشان ، فإذا كان كذلك فهو الحب الخاص ~~الذي | يعد من مقامات القلب . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ' أقول : | ~~جعل النبي صلى الله عليه وسلم ميل المسلم إلى جانب الحق وتعطشه إلى مقام | ~~التجرد من جلباب البدن وطلبة التخلص من مضايق الطبيعة إلى فضاء القدس | حيث ~~يتصل إلى ما لا يوصف بالوصف علامة لصدق محبته لربع . # قال الصديق رضي الله عنه : من ذاق خالص محبة الله تعالى شغله ذلك | عن ~~طلب الدنيا ، وأوحشه من جميع البشر أقول . قوله هذا غاية في الكشف | عن ~~آثار المحبة ، فإذا تمت محبة المؤمن لربه أدى ذلك إلى محبة الله له ، وليس ~~| حقيقة محبة الله من العبد انفعاله من العبد - تعالى عن ذلك علو كبيرا ، ~~ولكن | حقيقتها المعاملة معه بما استعد له ، فكما أن الشمس تسخن الجسم ~~الصقيل | أكثر من تسخينها لغيره وفعل الشمس واحد في الحقيقة ، ولكنه يتعدد ~~| بتعدد استعداد القوابل ، كذلك لله تعالى عناية نفوس عباده من جهة | ~~صفاتهم وأفعالهم ، فمن اتصف منهم بالصفات الخسيسة التي يدخل بها في | أعداد ~~البهائم فعل ضوء شمس الأحدية فيه ما يناسب استعداده ، ومن اتصف | بالصفات ~~الفاضلة التي يدخل بسببها في أعداد الملأ الأعلى فعل ضوء شمس | الأحدية فيه ~~نورا وضياء حتى يصير جوهرا من جواهر حظيرة القدس ، | وانسحب عليه أحكام ~~الملأ الأعلى ، فعند ذلك يقال : أحبه الله لأن الله تعالى | فعل معه فعل ~~المحب بحبيبه ، ويسمى العبد حينئذ وليا ، ثم محبة الله لهذا العبد | تحدث ~~فيه أحوالا بينها النبي صلى الله عليه وسلم أتم بيان : # فمنها نزول القبول له من الملأ ms445 الأعلى ، ثم في الأرض . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا أحب الله عبدا نادى جبريل إني | أحب فلانا ، فأحبه ، فيحبه جبريل ، ~~ثم ينادي جبريل في السموات إن الله | PageV01P624 | تعالى أحب فلان ، ~~فأحبوه ، فيحبه أهل السموات ، ثم يوضع له القبول | في الأرض ' أقول : إذا ~~توجهت العناية آلالهية إلى محبة هذا العبد انعكست | محبته إلى الملأ الأعلى ~~بمنزلة انعكاس ضوء الشمس في المرايا الصقيلة ، ثم ألهم | الملأ السافل ~~محبته ، ثم من استعد لذلك من أهل الأرض كما تتشرب الأرض | الرخوة الندى من ~~بركة الماء . # ومنها خذلان أعدائه ، قال صلى الله عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى : | ' ~~من عاد لي وليا فقد آذنته بالحرب ' . أقول : إذا انعكست محبته في | مرايا ~~نفوس الملأ الأعلى ، ثم خالفها مخالف في من اهل الأرض أحست الملأ | الأعلى ~~بتلك المخالفة كما يحس أحدنا حرارة الجمرة إذا وقعت قدمه عليها ، | فخرجت ~~من نفوسهم أشعة تحيط بهذا المخالف من قبيل النفرة والشنآن | فعند ذلك يخذل ~~، ويضيق عليه ، ويلهم الملأ السافل وأهل الأرض أن | يسيئوا إليه ، وذلك ~~حربه تعالى إياه . # ومنها إجابة وسؤاله وإعاذته مما استعاذ منه قال صلى الله عليه وسلم عن ~~ربه | تبارك وتعالى : ' وإن سألني لأعطينه ، وإن استعاذني لأعيذنه ' . أقول ~~: | وذلك لدخوله في حظيرة القدس حيث يقضي بالحوادث ، فدعاؤه واستعاذته | ~~يرتقي هناك ، ويكون سببا لنزول القضاء ، وفي آثار الصحابة شيء كثير من | ~~باب استجابه الدعاء ، ومن جملة ذلك ما وقع لسعد حين دعا على أبي سعدة : | ~~اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء ، وسمعة ، فأطل عمره ، وأطل فقره ، | ~~وعرضه للفتن فكان كما قال ، وما وقع لسعيد حين دعا على أروى بنت | أوس : ~~اللهم إن كانت كاذبة فاعم بصرها ، واقتلها في أرضها ، فكان كما قال . # ومنها فناؤه عن نفسه وبقاؤه بالحق ؛ وهو المعبر عنه عند الصوفية بغلبة | ~~PageV01P625 | كون الحق على كون العبد ، قال صلى الله عليه وسلم عن ربه ~~تبارك وتعالى . | ' وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته ~~كنت سمعه | الذي يسمع به وبصره الذي ms446 يبصر به ويده التي يبطش بها ' أقول : ~~إذا غشى | نور الله نفس هذا العبد من جهة قوته العملية المنبثة في بدنه ~~دخلت شعبة | من هذا النور في جميع قوامه ، فحدثت هنالك بركات لم تكن تعهد ~~في مجرى | العادة ، فعند ذلك ينسب الفعل إلى الحق بمعنى من معاني النسبة ~~كما قال تعالى : # @QB@ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى @QE@ . # ومنها تنبيه الله تعالى إياه بالمؤاخذة من على ترك بعض الآداب وبقبول | ~~الرجوع منه إلى الأدب كما وقع للصديق حين غاضب أضيافه ، ثم علم أن ذلك | من ~~الشيطان ، فراجع الأمر المعروف ، فبورك في طعامه . # ومن مقامات القلب مقامان يختصان بالنفوس المتشبهة بالأنبياء عليهم | ~~الصلوات والتسليمات ينعكسان عليها كما ينعكس ضوء القمر بإزاء مرآة | موضوعة ~~على كوة مفتوحة ، ثم ينعكس ضوؤها على الجدران والسقف | والأرض وهما بمنزلة ~~الصديقية والمحدثية ، إلا أن ذينك تستقران في القوة | العقلية من في نفوسهم ~~. وهذا في القوة العملية المنبجسة من القلب ، وهما مقاما | الشهيد ، ~~والحواري ، والفرق بينهما أن الشهيد تقبل نفسه غضبا وشدة على | الكفار ~~ونصرة للدين من مواطن من موطن الملكوت هيأ الحق فيه إرادة | الانتقام من ~~العصاة ينزل من هنالك على الرسول ، ليكون الرسول جارحة | من جوارح الحق في ~~ذلك ، فتقبل نفوسهم من هناك كما ذكرنا في المحدثية ، | والحواري من خلصت ~~محبته للرسول ، وطالت صحبته معه ، واتصلت | PageV01P626 | قرابته به ، ~~فأوجب ذلك انعكاس نصر دين الله من قلب النبي على قلبه ، | قال الله تعالى : # @QB@ يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم ~~للحواريين من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة ~~@QE@ . # وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم الزبير بأنه حواري . # والشهيد . والحواري أنواع وشعب ، منهم الأمين ، ومنهم الرفيق ، | ومنهم ~~النجباء والنقباء وقد نوه النبي صلى الله عليه وسلم في فضائل الصحابة | ~~بشيء كثير من هذه المعاني ، عن علي رضي الله عنه قال رسول الله | صلى الله ~~عليه وسلم : # ' إن لكل نبي سبعة نجباء رقباء ms447 ، وأعطيت أنا أربعة عشر قلنا : | من هم ؟ ~~قال : أنا ، وابناي ، وجعفر ، وحمزة ، وأبو بكر ، وعمر ، | ومصعب بن عمير ، ~~وبلال ، وسلمان ، وعمار ، وعبد الله بن مسعود ، | وأبو ذر ، والمقداد ' ~~وقال الله : # @QB@ لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا @QE@ . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' اثبت أحد فإنما عليك نبي أو صديق أو شهيد . # ومن أحوال القلب السكر ، وهو أن يتشبح نور الإيمان في العقل ، | ثم في ~~القلب حتى تفوته مصالح الدنيا ، وحتى يجب ما لا يحبه الإنسان في مجرى | ~~PageV01P627 | طبيعته ، فيكون شبيها في بالسكران المتغير عن سنن عقله ~~وعاداته كما قال | أبو الدرداء : أحب الموت اشتياقا إلى ربي ، وأحب المرض ~~مكفرا لخطيئتي ، | وأحب الفقر تواضعا لربي ، وكما يؤثر عن أبي ذر كراهيته ~~للمال بطبعه | وشنآنه الغنى والثروة مثل كراهية الأمور المستقذرة ، وليس في ~~مجرى | العادة البشرية حب هذا القبيل وكراهيته ، ذلك القبيل ولكنهما غلب ~~عليهما | اليقين حتى خرجا من مجرى العادة . # ومن أحوال القلب الغلبة ، والغلبة غلبتان : غلبة داعية منبجسة من | قلب ~~المؤمن حين خالطه نور الإيمان ، فطفح طفاحة متولدة من ذلك | النور ومن جبلة ~~القلب ، فصارت داعيه وخاطرا لا يستطيع الإمساك عن | موجبها وافقت مقصود ~~الشرع أو لا ، وذلك لأن الشرع يحيط بمقاصد | كثيرة لا يحيط بها قلب هذا ~~المؤمن فربما ينقاد قلبه إلى للرحمة مثلا ، وقد نهى | الشرع عنها في بعض ~~المواضع ، قال تعالى : # @QB@ ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله @QE@ . # وربما ينقاد قلبه للبغض . # وقد قصد الشرع اللطف مثل أهل الذمة ، ومثال هذه الغلبة ما جاء في | ~~الحديث عن أبي لبابة بن المنذر حين استشاره بنو قريظة لما استنزلهم النبي | ~~صلى الله عليه وسلم على حكم سعد بن معاذ ، فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح ، ~~| ثم ندم على ذلك ، وعلم أنه قد خان الله ورسوله ، مانطلق على وجهه حتى | ~~ارتبط نفسه في المسجد على عمد من عمده ، وقال . لا أبرح مكاني هذا حتى | ~~يتوب الله تعالى على مما صنعت ، وعن عمر أنه غلبت عليه حمية الإسلام حين | ~~PageV01P628 | اعترض ms448 على رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أن أراد أن ~~يصالح المشركين | عام الحديبية فوثب حتى أتى أبا بكر رضي الله تعالى عنه ، ~~قال : أليس برسول | الله صلى الله عليه وسلم ؟ قال : بلى ، قال ألسنا ~~بالمسلمين ؟ قال : بلى ، قال : أليسوا | بالمشركين ؟ قال : بلى ، قال : ~~فعلام نعطي الدنية في دنينا ؟ فقال أبو بكر : | يا عمر الزم غزوه فإني أشهد ~~أنه رسول الله ، ثم غلب عليه ما يجد حتى أتى | رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، فقال له مثل ما قال لأبي بكر ، وأجابه النبي صلى الله عليه وسلم | ~~كما أجابه أبو بكر رضي الله عنه حتى قال : أنا عبد الله ورسوله لن | أخالف ~~أمره ، ولن يضيعني ، قال : وكان عمر يقول : فما زلت أصوم ، | وأتصدق وأعتق ~~، وأصلي من الذي صنعت يومئذ مخافة كلامي الذي تكلمت | به حتى رجوت أن يكون ~~خيرا ، وعن أبي طيبة الجراح حين حجم النبي صلى الله عليه وسلم | فشرب دمه ~~وذلك محظور في الشريعة ولكنه فعله في حال الغلبة ، | فعذره النبي صلى الله ~~عليه وسلم وقال له : # ' قد احتظرت بحظائر من النار ' . # وغلبة أخرى أجل من هذه وأتم ، وهي غلبة داعية إلهية تنزل على | قلبه ، ~~فلا يستطيع الإمساك عن موجبها ، وحقيقة هذه الغلبة فيضان علم | إلهي من بعض ~~المعادن القدسية على قوته العملية دون القوة العقلية . # تفصيل ذلك أن النفس المتشبهة بنفوس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام | إذا ~~استعدت لفيضان علم إلهي إن سبقت القوة العقلية منها على القوة العملية | ~~كان ذلك العلم المفاض فراسة وإلهاما ، وإن سبقت القوة العملية منها على | ~~القوة العقلية كان ذلك العلم المفاض عزما وإقبالا أو نفرة وانجحاما ، مثاله ~~| ما روى في قصة بدر من أن النبي صلى الله عليه وسلم ألح في الدعاء حتى قال ~~: # | ' إني أنشدك عهدك ووعدك ، اللهم إن شئت لم تعبد ، فأخذ أبو بكر | ~~PageV01P629 | بيده ، فقال : حسبك ، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ~~يقول : # @QB@ سيهزم الجمع ويولون الدبر @QE@ . # معناه أن الصديق ألقى في قلبه داعية الإلهية تزهده ms449 في الإلحاح ، وترغيه | ~~في الكف عنه فعرف النبي صلى الله عليه وسلم بفراسته أنها داعية حق ، | فخرج ~~مستظهرا بنصرة الله تاليا هذه الآية . # ومثاله أيضا ما روى في قصة موت عبد الله بن أبى حين أراد النبي | صلى ~~الله عليه وسلم أن يصلي على جنازته قال عمر : فتحولت حتى قمت في | صدره ، ~~قلت : يا رسول الله أتصلي على هذا ، وقد قال : يوم كذا كذا وكذا | أعد ~~أيامه ؟ حتى قال : تأخر عني يا عمر إني خيرت ، فاخترت ، وصلى عليه ، | ثم ~~نزلت هذه الآية : # @QB@ ولا تصل على أحد منهم مات أبدا @QE@ . # قال عمر : فعجبت لي وجرأتي على رسول الله صلى الله عليه وسلم | ورسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أعلم . # وقد بين عمر الفرق بين الغلبتين أفصح بيان ، فقال في الغلبة الأولى : | ~~فما زلت أصوم وأتصدق وأعتق الخ ، وقال في الثانية : فعجبت لي وجرأتي ، | ~~فانظر الفرق بين هاتين الكلمتين . # ومنها إيثار طاعة الله تعالى على ما سواه وطرد موانعها والنفرة عما | ~~يشغله عنها كما فعل أبو طلحة الأنصاري كان يصلي في حائط له ، فطار | دبسى ~~وطفق يتردد ، ولم يجد مخرجا من كثرة الأغصان والأورق ، | فأعجبه ذلك ، فصار ~~لا يدري كم صلى ، فتصدق بحائطه . | PageV01P630 # ومنها غلبة الخوف حتى يظهر البكاء وارتعاد الفرائض ، وكان له | صلى الله ~~عليه وسلم إذا صلى بالليل أزيز كأزيز المرجل ، قال | صلى الله عليه وسلم في ~~سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله : ' ورجل | ذكر الله خاليا ~~، ففاضت عيناه ' وقال : ' لا يلج النار رجل بكى من | خشية الله حتى يعود ~~اللبن في الضرع ' وكان أبو بكر رجلا بكاء لا يملك | عينيه حين يقرأ القرآن ~~، وقال جبير بن مطعم : سمعت النبي الله صلى الله عليه وسلم | يقرأ : # ^ ( أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون ) ^ فكأنما طار قلبي . # وأما المقامات الحاصلة للنفس من جهة تسلط نور الإيمان عليها وقهره | ~~إياها وتغيير صفاتها الخسيسة إلى الصفات الفاضلة ، فأولها أن ينزل نور | ~~الإيمان من العقل المتنور وبالعقائد الحقة ms450 إلى القلب ، فيزدوج بجبلة القلب ~~، | فيتولد بينهما زاجر يقهر النفس ، ويزجرها عن المخالفات ، ثم يتولد ~~بينهما | ندم يقهر النفس ، ويأتي عليها ، ويأخذ بتلابيبها ، ثم يتولد بينها ~~العزم على | ترك المعاصي في المستقبل من الزمان ، فيقهر النفس ، ويجعلها ~~مطمئنة | بأوامر الشرع ونواهيه ، قال الله تبارك وتعالى : # @QB@ وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى @QE@ ~~. # أقول : أما قوله : ( من خاف ) فبيان لاستنارة العقل بنور الإيمان | ونزول ~~النور منه إلى القلب وذلك لأن الخوف له مبتدأ ومنتهى ، فمبتدؤه | ~~PageV01P631 | معرفة الخوف منه وسطوته ، وهذا محله العقل ومنتهاه فزع وقلق ~~ودهش ، | وهذا محلة القلب ، وأما قوله : ( ونهى النفس ) فبيان لنزول النور ~~المخالط | لوكاعة القلب إلى النفس وقهره إياها وزجره لها ، ثم انقهارها ~~وانزجارها | تحت حكمه ، ثم ينزل من العقل نور الإيمان مرة أخرى ، ويزدوج ~~بجبلة | القلب ، فيتولد بينهما اللجأ إلى الله ، ويفضي ذلك إلى الاستغفار ~~والإنابة ، | والاستغفار يفضي إلى الصقالة . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة | ~~سوداء في قلبه فإن تاب واستغفر صقل قلبه ، فإن زاد زادت حتى يعلو قلبه | ~~فذلكم الران الذي ذكر الله تعالى : # @QB@ كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون @QE@ . # أقول : أما النكتة السوداء فظهور ظلمة من الظلمات البهيمية واستنارة | ~~نور من الأنوار الملكية ، وأما الصقالة فضوء يفاض على النفس من نور | ~~الإيمان ، وأما الران فغلبة البهيمية ، وكمون الملكية رأسا ، ثم يتكرر نزول ~~| نور الإيمان ، ودفعه الهاجس النفساني ، فكلما هجس خاطر المعصية من | ~~النفس نزل بإزائه نور ، فدمغ الباطل ومحاه . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' ضرب الله مثلا صراطا مستقيما ، وعن | جنبي الصراط سوران ، فيهما أبواب ~~مفتحة ، وعلى الأبواب الستور | مرخاة وعند رأس الصراط داع يقول : استقيموا ~~على الصراط ، | ولا تعوجوا ، وفوق ذلك داع يدعو ، كلما هم عبد أن يفتح شيئا ~~من تلك | PageV01P632 | الأبواب قال : ويحك لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه ، ~~ثم فسره فأخبر أن | الصراط هو الإسلام ، وأن الأبواب المفتحة محارم الله ، ~~وأن الستور | المرخاة حدود الله ms451 ، وأن الداعي على رأس الصراط هو القرآن ، ~~وأن | الذي من فوقه هو واعظ الله في كل مؤمن ' . # أقول : بين النبي صلى الله عليه وسلم أن هنالك داعيين : داعيا على | ~~الصراط ، وهو القرآن والشريعة . لا يزال يدعو العبد إلى الصراط | المستقيم ~~بنسق واحد ، وداعيا فوق رأس السالك يراقبه كل حين ، كلما هم | بمعصية صاح ~~عليه ؛ وهو الخاطر المنبجس من القلب المتولد من بين جبلة | القلب ، والنور ~~الفائض عليه من العقل المتنور بنور القرآن ، وإنما هو | بمنزلة شرر ينقدح ~~من الحجر دفعة بعد دفعة ، وربما يكون من الله تعالى | لطف ببعض عباده ~~بأحداث لطيفة غيبية تحول بينه وبين المعصية ، وهو | البرهان المشار إليه في ~~قوله تبارك وتعالى . # @QB@ ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه @QE@ . # وهذا كله مقام التوبة وإذا تم مقام التوبة ، وصار ملكة راسخة في | النفس ~~تثمر اضمحلالا عند إحضار جلال الله لا يغيرها مغير سميت حياء ، | والحياء ~~في اللغة انحجام النفس عما يعيبه الناس في العادة ، فنقله الشرع إلى | ملكة ~~راسخة في النفس تنماع بها بين يدي الله كما ينماع الملح في الماء ، | ولا ~~يتقاد بسببها للخواطر المائلة إلى المخالفات . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' الحياء من الإيمان ' ثم فسر الحياء ، فقال : | ' من استحيا من الله حق ~~الحياء فليحفظ الرأس وما وعى وليحفظ البطن | PageV01P633 | وما حوى ، ~~وليذكر الموت والبلى ، من أراد الآخرة ترك زينة الدنيا ، | ومن فعل ذلك ~~استحيا من الله حق الحياء ' أقول : قد يقال في العرف للإنسان | المنحجم عن ~~بعض الأفعال لضعف في جبلته إنه حي ، وقد يقال للرجل | صاحب المروءة لا ~~يرتكب ما يفشو لأجله القالة : إنه حي ، وليسا | من الحياء المعدود من ~~المقامات في شيء ، فعرف النبي صلى الله عليه وسلم | المعنى المراد بتعيين ~~أفعال تنبعث منه ، والسبب الذي يجبله ومجاورة الذي | يلزمه في العادة ، ~~فقوله ، ' فليحفظ الرأس ' الخ بيان للأفعال المنبجسة | من ملكه الحياء ~~المراد مما هو من جنس ترك المخالفات ، وقوله : ' وليذكر | الموت ' بيان ~~لسبب استقراره في النفس ، وقوله ' من أراد ms452 الآخرة ' | بيان لمجاورة الذي هو ~~الزهد ، فإن الحياء لا يخلو عن الزهد ، فإذا تمكن الحياء | من الإنسان نزل ~~نور الإيمان أيضا وخالطه جبلة القلب ، ثم انحدر | إلى النفس ، فصدها عن ~~الشبهات ، وهذا هو الورع . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' الحلال بين ، والحرام بين ، وبينهما أمور | مشتبهات لا يعلمها كثير من ~~الناس ، فمن اتقى الشبهات استبرأ لعرضه ودينه ' | ومن وقع في المشتبهات وقع ~~في الحرام ' وقال : ' دع ما يريبك إلى ما لا يريبك ، | فإن الصدق طمأنينة ، ~~وإن الكذب ريبة ' وقال : ' لا يبلغ العبد أن يكون | من المتقين حتى يدع ما ~~لا بأس به حذرا لما به بأس ' أقول : قد يتعارض | في المسألة وجهان : وجه ~~إباحة ، ووجه تحريم . إما في أصل مأخذ المسألة | من الشريعة كحديثين ~~متعارضين وقياسين متخالفين ، وإما في تطبيق صورة | الحادثة بما تقرر في ~~الشريعة من حكمي الإباحة والتحريم ، فلا يصفو ما بين | العبد وبين الله إلا ~~بتركه ، والأخذ ( بما - لا ) اشتباه فيه ، فإذا تحقق الورع نزل | نور ~~الإيمان أيضا ، وخالطه جبلة القلب ، فانكشف قبح الاشتغال بما يزيد | ~~PageV01P634 | على الحاجة لأنه يصده عما هو بسبيله ، فانحدر إلى النفس ، ~~فكفها عن طلبه . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ' | أقول : كل شغل بما سوى الله ~~نكتة سوداء في مرآة النفس إلا أن ( ما - لا ) بد له | منه في حياته إذا كان ~~بنية البلاغ معفو عنه ، وأما سوى ذلك فواعظ | الله في قلب المؤمن يأمر ~~بالكف عنه ، وقال صلى الله عليه وسلم : ' الزهادة | في الدنيا ليست بتحريم ~~الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا | ألا تكون بما في يدك ~~أوثق منك بما في يدي الله ، وأن تكون في ثواب | المصيبة إذا أنت أصبت بها ~~أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك ' . # أقول : قد يحصل للزاهد في الدنيا غلبة تحمله على عقائد وأفعال ما هي | ~~محمودة في الشرع مما ليس بمحمود ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم من محال | ~~الزهد ما هو محمود في الشرع ms453 مما ليس بمحمود ، فالرجل إذا انكشف عليه | قبح ~~الاشتغال بالزائد على الحاجة ، فكرهه كما يكره الأشياء الضارة بالطبع | ~~ربما يؤديه ذلك إلى التعمق فيه ، فيعتقد مؤاخذة الله عليه في صراح | ~~الشريعة ، وهذه عقيدة باطلة لأن الشرع نازل على دستور الطبائع البشرية ، | ~~والزهد نوع انسلاخ عن الطبيعة البشرية وإنما ذلك أمر الله في خاصة نفسه | ~~تكميلا لمقامه ، وليس بتكليف شرعي ، وربما يؤديه إلى إضاعة المال | الرمي ~~به في البحار والجبال ، وهذه غلبة لم يصححها الشرع ، ولم يعتبرها | منصة ~~لظهور أحكام الزهد بل الذي اعتبره الشرع منصة شيئان : أحدهما | الزائد الذي ~~لم يحصل بعد ، فلا يتكلف في طلبه اعتمادا على ما وعده الله | من البلاء في ~~الدنيا والثواب في الآخرة ، وثانيهما الشيء الذي فات من يده ، | فلا يتبعه ~~نفسه ، ولا يتأسف عليه ، إيمانا بما وعد الله الصابرين والفقراء . | ~~PageV01P635 # واعلم أن النفس مجبولة على اتباع الشهوات ، لا تزال على ذلك إلا أن | ~~يبهرها نور الإيمان ، وهو قول يوسف عليه السلام . # @QB@ وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي @QE@ . # فلا يزال المؤمن طول عمره في مجاهدة نفسه باستنزال نور الله ، فكلما | ~~هاجت داعية نفسية لجأ إلى الله ، وتذكر جلال الله وعظمته ، وما أعد | ~~للمطيعين من الثواب وللعصاة من العذاب ، فانقدح من قلبه وعقله خاطر | حتى ~~يدمغ خاطر الباطل ، فيصير كأن لم يكن شيئا مذكورا ، إلا أن الفرق | بين ~~العارف والمستأنف غير قليل ، وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم المدافعة | ~~بين الخاطرين وغلبة خاطر الحق على خاطر الباطل وانقياد النفس للحق | إذا ~~كانت مطمئنة متأدبة بآداب العقل المتنور بنور الإيمان وبغيها عليه | ~~وإبائها منه إذا كانت عصية أبيه بما ضرب في مسألة البخل والجود من مثل | ~~جنتين من حديد إحداهما سابغة والأخرى ضيقة ، قال صلى الله عليه وسلم : # | ' مثل البخيل والمتصدق كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد ، وقد | اضطرت ~~أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة | انبسطت عنه ، ~~وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت ، وأخذت كل حلقة | بمكانها . أقول ms454 الرجل ~~الذي اطمأنت نفسه جبلة أو كسبا ، فخاطر الحق | يملك نفسه ، ويقهرها أول ما ~~يبدو ، والرجل الذي عصت نفسه ، وأبت | فخاطر الحق لا يؤثر فيها ، بل ينبو . # وقد بين الله تعالى في القرآن العظيم تنور العقل بنور الإيمان وفيضان | ~~نوره على النفس حيث قال : | PageV01P636 # @QB@ إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون ~~@QE@ . # أقول : الشيطان يشرف على باطن الإنسان من قبل كوة شهوة النفس ، | فيدخل ~~عليه داعية المعصية ، فإن تذكر جلال ربه ، وخشع له تولد منه | نور في العقل ~~، وهو الإبصار ، ثم ينحدر إلى القلب والنفس ، فيدفع | الداعية ، ويطرد ~~الشيطان . # قال الله تبارك وتعالى : # @QB@ وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه ~~راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون @QE@ . # أقول : قوله تعالى : ( إنا لله ) إشارة إلى نزول خاطر الحق ، وقوله : | ( ~~صلوات من ربهم ورحمة ) إشارة إلى بركات يثمرها الصبر من نورانية | النفس ~~وتشبهها في بالملكوت . # وقال تعالى . # ^ ( وما أصاب من مصيبة إلا بأذن الله ومن يؤمن بالله يهد | قلبه ) ^ . ~~الآية # أقول قوله : ( باذن الله ) إشارة إلى معرفة القدر ، وقوله : | ~~PageV01P637 | ( ومن يؤمن بالله ) إشارة إلى نزول الخاطر من العقل إلى ~~القلب والنفس # ومن أحوال النفس الغيبة هي أن تغيب عن شهواتها كما قال عامر | ابن عبد ~~الله : ما أبالي امرأة رأيت أم حائطا ، وقيل : للأوزاعي رأينا | جاريتك ~~الزرقاء في السوق ، فقال : أفزرقاء هي ؟ ، ومن أحوالها المحق ، | وهو أن ~~تغيب من الأكل والشرب مدة لا تغيب فيها عادة لميل نفسها إلى | جانب العقل ~~وامتلاء القلب بنور الله تعالى ، وأجل من هذا وأتم أن ينزل | نور الله إلى ~~النفس ، فيقوم مقام الأكل والشرب ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم | : # ' إني لست كهيئتكم إني أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني ' . # واعلم أن القلب متوسط بين العقل والنفس ، فقد يتسامح ، وينسب | جميع ~~المقامات وأكثرها إليه ، وقد ورد على هذا الاستعمال آيات وأحاديث | كثيرة ، ~~فلا تغفل عن هذه النكتة . # واعلم أن مدافعة نور الإيمان لكل نوع من دواعي ms455 النفس البهيمية | والقلب ~~السبعي يسمى باسم ، وقد نوه النبي صلى الله عليه وسلم باسم كل | ذلك ووصفه ~~، فإذا حصل للعقل ملكة في انقداح خواطر الحق منه ، | وللنفس ملكة في قبول ~~تلك الخواطر كان ذلك مقاما ، فملكة مدافعة داعية | الجزع تسمى صبرا على ~~المصيبة ، وهذا مستقره القلب . وملكة مدافعة | الدعة الفراغ تسمى اجتهادا ~~وصبرا على الطاعة ، وملكه مدافعة داعية | مخالفة الحدود الشرعية تهاونا لها ~~أو ميلا إلى أضدادها تسمى تقوى وقد تطلق | التقوى على جميع مقامات اللطائف ~~الثلاث بل على أعمال تنبعث منها أيضا ، | وعلى هذا الاستعمال الأخير قوله ~~تعالى : # @QB@ هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب @QE@ . | PageV01P638 # وملكة مدافعة داعية الحرص تسمى قناعة ، وملكة مدافعة داعية | العجلة تسمى ~~تأنيا ، وملكة مدافعة داعية الغضب تسمى حلما ، وهذه | مستقرها القلب ، ~~وملكة مدافعة داعية شهوة الفرج تسمى عفة ، وملكة | مدافعة داعية التشدق ~~والبذاء تسمى صمتا وعيا ، وملكة مدافعة داعية | الغلبة والظهور تسمى خمولا ~~، وملكة مدافعة داعية التلون في الحب | والبغض وغيرهما تسمى استقامة ووراء ~~ذلك دواع كثيرة لمدافعتها أسام ، | ومبحث كل ذلك في الأخلاق من هذا الكتاب ~~إن شاء الله تعالى . | PageV01P639 # # | ( من أبواب ابتغاء الرزق ) # اعلم أن الله تعالى لما خلق الخلق ، وجعل معايشهم في الأرض ، | وأباح لهم ~~الانتفاع بما فيها وقعت بينهم المشاحة والمشاجرة . فكان | حكم الله عند ذلك ~~تحريم أن يزاحم الإنسان صاحبه فيما اختص به لسبق يده | إليه . أو يد مورثه ~~. أو لوجه من الوجوه المعتبرة عندهم إلا بمبادلة | أو تراض معتمد على علم ~~من غير تدليس وركوب غرر ، وأيضا لما كان | الناس مدنيين بالطبع لا تستقيم ~~معايشهم إلا بتعاون بينهم نزل القضاء بإيجاب | التعاون ، وألا يخلو أحد ~~منهم مما له دخل في التمدن إلا عند حاجة لا يجد | منها بدا ، وأيضا فأصل ~~التسبب حيازة الأموال المباحة أو استنماء ما اختص | به مما يستمد من ~~الأموال المباحة كالتناسل بالرعي ، والزراعة بإصلاح | الأرض وسقي الماء ، ~~ويشترط في ذلك ألا يضيق بعضهم على بعض بحيث | يفضي إلى فساد التمدن ، ثم ~~الاستنماء في أموال الناس بمعونة ms456 في المعاش يتعذر | أو يتعسر اسقامة حال ~~المدينة بدونها كالذي يجلب التجارة من بلد إلى بلد ، | ويعتني إلى حفظ ~~الجلب إلى أجل معلوم أو يسمسر بسعي وعمل ، أو يصلح | مال الناس بإيجاد صفة ~~مرضية فيه وأمثال ذلك ، فإن كان الاستنماء فيها بما | ليس له دخل في ~~التعاون كالميسر ، أو بما هو تراض يشبه الاقتضاب كالربا ، | فإن المفلس ~~يضطر إلى التزام ما لا يقدر على إيفائه ، وليس رضاه رضا في | الحقيقة ، ~~فليس من العقود المرضية ولا الأسباب الصالحة ، وإنما هو باطل | وسحت بأصل ~~الحكمة المدنية . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' من أحيا أرضا ميتة فهي له ' . | أقول الأصل فيه ما أو مأنا أن الكل مال ~~الله ، وليس فيه حق لأحد في | الحقيقة ، لكن الله تعالى لما أباح لهم ~~الانتفاع بالأرض وما فيها وقعت | PageV01P640 | المشاحة ، فكان الحكم حينئذ ~~ألا يهيج أحد مما سبق إليه من غير مضارة ، | فالأرض الميتة التي ليست في ~~البلاد ولا في فنائها إذا عمرها رجل فقد سبقت | يده إليها من غير مضارة ، ~~فمن حكمه إلا يهيج عنها ، والأرض كلها | في الحقيقة بمنزلة مسجد أو رباط ~~جعل وقفا على ابناء السبيل ، وهم شركاء | فيه ، فيقدم الأسبق فالأسبق ، ~~ومعنى الملك في حق الآدمي كونه أحق | بالانتفاع من غيره . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' عادى الأرض لله ورسوله ، | ثم هي لكم مني ' . اعلم : أن عادى الأرض هي ~~التي باد عنها أهلها ، | ولم يبقى من يدعيها ، ويخاصم فيها ، ويحتج بسبق يد ~~مورثه عليها فإذا | كانت الأرض على هذه الصفة انقطع عنها ملك الآدميين ، ~~وخلصت | لملك الله ، وحكمها حكم ما لم يحيى قط لما ذكرناه من معنى الملك . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا حمى إلا لله ورسوله ' . أقول : | لما كان الحمى تضييقا على الناس ~~وظلما عليهم واضطرارا نهى عنه ، | وإنما استثنى الرسول لأنه أعطاه الله ~~الميزان ، وعصمه من أن يفرط منه | ما لا يجوز ، وقد ذكرنا أن الأمور التي ~~مبناها على المظان الغالبة يستثنى منها | النبي صلى الله ms457 عليه وسلم ، وأن ~~والأمور التي مبناها على تهذيب النفس | وما يشبه ذلك فالأمر لازم فيها ~~النبي وغيره سواء . # وقضى صلى الله عليه وسلم في سيل المهزور أن يمسك حتى يبلغ | PageV01P641 ~~| الكعبين ثم يرسل الأعلى على الأسفل ، وفي قصة مخاصمة الزبير | رضي الله ~~عنه ' اسق يا زبير ، ثم احبس حتى يرجع إلى الجدر ، ثم أرسل | الماء إلى ~~جارك ' . أقو ل : الأصل فيه أنه لما توجه للناس في شيء مباح | حقوق مترتبة ~~وجب أن يراعي الترتيب في قدر ما يحصل لكل واحد | فائدة هي أدنى ما يعتد بها ~~فإنه لو لم يقدم الأقرب كان فيه التحكم والمضارة ، | ولو لم يستوف الأول ثم ~~الأول الفائدة لم يحصل الحق ، فعلى هذا الأصل | قضى أن يمسك حتى يبلغ ~~الكعبين ، وهو قريب من قوله : ' إلى الجدر ' | لأنه أول حد بلوغ الجدر ، ~~وإنما يكون قبله امتصاص الأرض من غير أن | يصادم الجدار . # وأقطع صلى الله عليه وسلم الأبيض بن حمال المأربي الملح الذي | بمأرب ~~فقيل : إنما أقطعت له الماء العد قال : فرجعه منه . أقول : | لا شك أن ~~المعدن الظاهر الذي لا يحتاج إلى كثير عمل إقطاعه لواحد من | المسلمين ~~إضرار بهم وتضييق عليهم . # وسئل صلى الله عليه وسلم عن اللقطة فقال : ' اعرف عفاصها ووكاءها ، | ثم ~~عرفها سنة ، فإن جاء صاحبها ، وإلا فشأنك بها ، قال فضالة : الغنم ؟ | ~~PageV01P642 | فقال : هي لك أو لأخيك أو للذئب ، قال فضالة : الإبل قال : ~~مالك ولها | معها سقاؤها وحذلؤها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يلقاها ربها ' ~~وقال جابر | رضي الله عنه : رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا ~~والسوط | والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به أقول اعلم أن حكم اللقطة ~~مستنبط | من تلك الكلية التي ذكرناها فما استغنى عنه صاحبه ، ولا يرجع إليه ~~بعد | ما فارقه ، وهو التافه يجوز تملكه إذا ظن أن المالك غاب ، ولم يرجع ، ~~| وامتنع عوده إليه ، لأنه رجع إلى مال الله وصار مباحا ، وأما ما كان له ~~بال | يطلب ، ويرجع له الغائب ، فيجب تعريفه على ما جرت ms458 العادة بتعريف مثله ~~| حتى يظن أن مالكه لم يرجع ، ويستحب التقاط مثل الغنم لأنه يضيع إن لم | ~~يلتقط ، ويكره التقاط مثل الإبل . # واعلم أنه يجب في كل مبادلة من أشياء عاقدين وعوضين ، والشيء الذي | يكون ~~مظنة ظاهرة لرضا العاقدين بالمبادلة ، وشيء يكون قاطعا لمنازعتهما | موجبا ~~للعقد عليهما . # ويشترط في العاقدين كونهما حرين ، عاقلين ، يعرفان النفع والضرر ، | ~~ويباشران العقد على بصيرة وتثبت . . ، وفي العوضين كونهما ما لا ينتفع | به ~~، ويرغب فيه ، ويشح به ، غير مباح ، ولاما لا فائدة معتدا بها فيه ، | وإلا ~~لم يكن مما شرع الله لخلقه وكان عبثا أو مرعيا في فائدة ضمنية | لا يذكرها ~~في الظاهر ، وهذا إحدى المفاسد لأن صاحبها على شرف ألا يجد | ما يريده ، ~~فيسكت على خيبة ، أو يخاصم بغير حق ، توجه له عند الناس . . ، | وفيما يعرف ~~به رضا العاقدين أن يكون أمرا واضحا يؤاخذ به على عيون | الناس ، ولا ~~يستطيع أن يحيف إلا بحجة عليه ، وأوضح الأشياء في مثل ذلك | العبارة ~~باللسان ، ثم التعاطي بوجه لا يبقى فيه ريب . | PageV01P643 | قال صلى الله ~~عليه وسلم : # ' المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه | ما لم يتفرقا إلا بيع ~~الخيار ' أقول اعلم أنه لا بد من قاطع يميز حق كل واحد | من صاحبه ، ويرفع ~~خيارهما في رد البيع ، ولولا ذلك لأضر أحدهما | بصاحبه ، ولتوقف كل عن ~~التصرف فيما بيده خوفا أن يستقيلها الآخر ، | وههنا شيء آخر ، وهو اللفظ ~~المعبر عن رضا العاقدين بالعقد وعزمهما عليه ، | ولا جائز أن يجعل القاطع ~~ذلك لأن مثل هذه الألفاظ يستعمل عند التراوض | والمساومة ، إذ لا يمكن أن ~~يتراوضا إلا بإظهار الجزم بهذا القدر ، وأيضا | فلسان العامة في مثل هذا ~~تمثال الرغبة من قلوبهم ، والفرق بين لفظ دون | لفظ حرج عظيم ، وكذلك ~~التعاطي فإنه لا بد لكل واحد أن يأخذ ما يطلبه | على أنه يشتريه ، لينظر ~~فيه ، ويتأمله ، والفرق بين أخذ وأخذ غير يسير ، | ولا جائز أن يكون القاطع ~~شيئا غير ظاهر ، ولا أجلا بعيدا يوما فما فوقه ؛ | إذ كثير من السلع ms459 إنما ~~يطلب ، لينتفع به في يومه ، فوجب أن يجعل ذلك | التفرق من مجلس العقد ، لأن ~~العادة جارية بأن العاقدين يجتمعان للعقد ، | ويتفرقان بعد تمامه ، ولو ~~تفحصت طبقات الناس من العرب والعجم رأيت | أكثرهم يرون رد البيع بعد التفرق ~~جورا وظلما ، لا قبله ، اللهم إلا من غير | فطرته ، وكذلك الشرائع الإلهية ~~لا تنزل إلا بما تقبله نفوس العامة قبولا | أوليا ، ولما كان من الناس من ~~يتسلل بعد العقد يرى أنه قد ربح ، ويكره | أن يستقيله صاحبه ، وفي ذلك قلب ~~الموضوع - سجل النبي صلى الله عليه وسلم | النهي عن ذلك فقال : # ' ولا يحل له أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله ، | فوظيفتهما أن يكونا على ~~رسلهما ، ويتفرق كل واحد على عين صاحبه . # واعلم أنه إذا اجتمع عشرة آلاف إنسان مثلا في بلدة فالسياسة المدنية | ~~تبحث عن مكاسبهم ، فإنهم إن كان أكثرهم مكتسبين بالصناعات وسياسة | ~~PageV01P644 | البلدة ، والقليل منهم مكتسبين بالرعي والزراعة فسد حالهم في ~~الدنيا ، وإن | تكسبوا بعصارة الخمر وصناعة الأصنام كان ترغيبا للناس في ~~استعمالها على | الوجه الذي شاع بينهم فكان سببا لهلاكهم في الدين ، فان ~~وزعت المكاسب | وأصحابها على الوجه المعروف الذي تعطيه الحكمة ، وقبض على ~~أيدي | المتكسبين بالاكساب القبيحة صلح حالهم . # وكذلك من مفاسد المدن أن ترغب عظماؤهم في دقائق الحلي واللباس | والبناء ~~والمطاعم وغيد النساء ونحو ذلك زيادة على ما تعطيه الارتفاقات | الضرورية ~~التي لا بد للناس منها ، واجتمع عليها عرب الناس وعجمهم ، | فيكتسب الناس ~~بالتصرف في الأمور الطبيعية ، لتتأتى منها شهواتهم ، | فينتصب قوم إلى ~~تعليم الجواري للغناء والرقص والحركات المتناسبة اللذيذة ، | وآخرون إلى ~~الألوان المضطربة في الثياب وتصوير صور الحيوانات والأشجار | العجيبة ~~والتخاطيط الغريبة فيها وآخرون إلى الصناعات البديعة في الذهب والجواهر ~~الرفيعة ، وآخرون إلى الأبنية الشامخة وتخطيطها وتصويرها فإذا | أقبل جم ~~غفير منهم إلى هذه الأكساب أهملوا مثلها من في الزراعات والتجارات ، | وإذا ~~انفق عظماء المدينة فيها الأموال أهملوا مثلها من مصالح المدينة ، وجر | ~~ذلك إلى على التضييق على القائمين بالاكساب الضرورية والزراع والتجار ~~والصناع | وتضاعف الضرائب عليهم ms460 ، وذلك ضرر بهذه المدينة يتعدى من عضوا ~~منها | إلى عضو حتى يعم الكل ، ويتجارى فيها كما يتجارى الكلب في بدن ~~المكلوب ، | وهذا شرح تضررهم في الدنيا ، وأما تضررهم بحسب الخروج إلى ~~الكمال | الأخروى . ففنى عن البيان ، وكان هذا المرض قد استولى على مدن ~~العجم ، | فنفث الله في قلب نبيه صلى الله عليه وسلم أن يداوي هذا المرض ~~بقطع | مادته ، فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مظان غالبية لهذه ~~الأشياء | كالقينات والحرير والقسي وبيع الذهب بالذهب متفاضلا لأجل ~~الصياغات | أو طبقات أصنافه ونحو ذلك ، فنهى عنها | PageV01P645 # # | ( البيوع المنهي عنها ) # اعلم أن الميسر سحت باطل ؛ لأنه اختطاف لأموال الناس عنهم . معتمد | على ~~اتباع جهل وحرص وأمنية باطلة وركوب غرر تبعثه هذه على الشرط ، | وليس له ~~دخل في التمدن والتعاون ، فان سكت المغبون سكت على غيظ | وخيبة ، وإن خاصم ~~خاصم فيما التزمه بنفسه ، واقتحم فيه بقصده ، والغابن | يستلذه ، ويدعوه ~~قليله إلى كثيره ، ولا يدعه حرصه أن يقلع عنه ، وعما | قليل تكون الترة ~~عليه ، وفي الاعتياد بذلك إفساد للأموال ومناقشات | طويلة وإهمال ~~للارتفاقات المطلوبة وإعراض عن التعاون المبني عليه التمدن ، | والمعاينة ~~تغنيك عن الخبر ، هل رأيت من أهل القمار إلا ما ذكرناه . # وكذلك الربا ، وهو القرض على أن يؤدي إليه أكثر أو أفضل | مما أخذ سحت ~~باطل فإن عامة المقترضين بهذا النوع هم المفاليس المضطرون ، | وكثيرا ما لا ~~يجدون الوفاء عند الأجل ، فيصير أضعافا مضاعفة لا يمكن | التخلص منه أبدا ، ~~وهو مظنة لمناقشات عظيمة وخصومات مستطيرة ، | وإذا جرى الرسم باستنماء ~~المال بهذا الوجه أفضى إلى ترك الزراعات والصناعات | التي هي أصول المكاسب ~~، ولا شيء في العقود أشد تدقيقا واعتناء بالقليل | وخصومة من الربا ، وهذان ~~الكسبان بمنزلة السكر مناقضان لأصل ما شرع | الله لعباده من المكاسب ، ~~وفيهما قبح ومناقشة ، والأمر في مثل ذلك إلى | الشارع ، إما أن يضرب له حدا ~~يرخص فيما دونه ويغلظ النهي عما فوقه | أو يصد عنه رأسا . # وكان الميسر والربا شائعين في العرب ، وكان قد حدث بسببهما مناقشات | ~~PageV01P646 | عظيمة ms461 لا انتهاء لها ومحاربات ، وكان قليلهما يدعوا إلى ~~كثيرهما ، فلم يكن | أصوب ولا أحق من أن يراعى حكم القبح والفساد موفرا ، ~~فينهى عنهما | بالكلية . # واعلم أن الربا على الوجهين : حقيقي . ومحمول عليه . # أما الحقيقي فهو في الديون ، وقد ذكرنا أن فيه قلبا لموضوع | المعاملات ، ~~وأن الناس كانوا منهمكين فيه في الجاهلية اشد انهماك ، وكان | حدث لأجله ~~محاربات مستطيرة ، وكان قليله يدعوا إلى كثيره ، فوجب أن | يسد بابه ~~بالكلية ، ولذلك نزل في القرآن في شأنه ما نزل . # والثاني ربا الفضل ، والأصل فيه الحديث المستفيض ' الذهب بالذهب . | ~~والفضة بالفضة . والبر بالبر . والشعير بالشعير . والتمر بالنمر . والملح ~~بالملح ، | مثلا بمثل ، وسواء بسواء يدا بيد ، فإذا اختلفت هذه الأصناف ، ~~فبيعوا كيف | شئتم إذا كان يدا بيد ' وهو مسمى بربا تغليظا وتشبيها له ~~بالربا الحقيقي | على حد قوله عليه السلام : # ' المنجم كاهن ' وبه يفهم معنى قوله صلى الله عليه وسلم | : # ' لا ربا إلا في النسيئة ' ثم كثر في الشرع استعمال الربا في | هذا ~~المعنى حتى صار حقيقة شرعية فيه أيضا والله أعلم . # وسر التحريم أن الله تعالى يكره الرفاهية البالغة كالحرير والارتفاقات | ~~المحوجة إلى الإمعان في طلب الدنيا كآنية الذهب الفضة ، وحلي غير مقطع | من ~~الذهب وكالسوار والخلخال والطوق والتدقيق في المعيشة والتعمق فيها | لأن ~~ذلك مراد لهم في أسفل السافلين صارف لأفكارهم إلى ألوان مظلمة ، | ~~PageV01P647 | وحقيقة الرفاهية طلب الجيد من كل ارتفاق ، والاعراض عن رديئه ~~، والرفاهية | البالغة اعتبار الجودة والرداءة في الجنس الواحد . # وتفصيل ذلك أنه لا بد من التعيش بقوت ما من الأقوات ، والتمسك | بنقد ما ~~من النقود ، والحاجة إلى الأقوات جميعها واحدة ، والحاجة إلى | النقود ~~جميعها واحدة ، ومبادلة إحدى القبيلتين بالأخرى من أصول الارتفاقات | التي ~~لا بد للناس منها ، ولا ضرورة في مبادلة شيء بشيء يكفي كفايته ، ومع | ذلك ~~، فأوجب اختلاف أمزجتهم وعاداتهم أن تتفاوت مراتبهم في التعيش ، | وهو قوله ~~تعالى : # @QB@ نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض ~~درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا @QE@ . # فيكون منهم من يأكل الأرز ms462 والحنطة ، ومنهم من يأكل الشعير والذرة ، | ~~ويكون منهم من يتحلى بالفضة . # وأما تميز الناس فيما بينهم بأقسام الأرز والحنطة مثلا واعتبار فضل | ~~بعضها على بعض ، وكذلك اعتبار الصناعات الدقيقة في الذهب وطبقات | عياره ، ~~فمن عادة المسرفين والأعاجم ، والامعان في ذلك تعمق في الدنيا ، | فالمصلحة ~~حاكمة بسد هذا الباب ، وتفطن الفقهاء أن الربا المحرم يجري في | غير ~~الأعيان الستة المنصوص عليها ، وأن الحكم متعد منها إلى كل ملحق | بشيء ~~منها ، ثم اختلفوا في العلة . # والأوفق بقوانين الشرع أن تكون في النقدين الثمينة ، وتختص بهما ، | وفي ~~الأربعة المقتات المدخر ، وأن الملح لا يقاس عليه الدواء والتوابل | ~~PageV01P648 | لأن للطعام إليه حاجة ليست إلى غيره ، ولا عشر تلك الحاجة ، ~~فهو جزء | مقوت وبمنزلة نفسه دون سائر الأشياء ، وإنما ذهبنا إلى ذلك لأن ~~الشرع | اعتبر الثمينة في كثير من الاحكام كوجوب التقابض في المجلس ، ولان ~~الحديث | ورد بلفظ الطعام ، والطعام يطلق في العرف على معنيين : أحدهما ~~البر وليس بمراد ، والثاني المقتات المدخر ، ولذلك يجعل قسيما للفاكهة ~~والتوابل ، وإنما أوجب التقابض في المجلس لمعنيين ، أحمدهما الطعام والنقد ~~الحاجة | إليهما أشد الحاجات وأكثرهما وقوعا ، والانتفاع بهما لا يتحقق إلا ~~بالإفناء | والإخراج من الملك ، وربما ظهرت خصومة عند القبض ويكون البدل قد ~~| فنى ، وذلك أقبح المناقشة ، فوجب أن يسد هذا الباب بألا يتفرقا إلا عن | ~~قبض ، ولا يبقى بينهما شيء ، وقد اعتبر الشرع هذه العلة في النهي عن بيع | ~~الطعام قبل أن يستوفى ، وحيث قال في اقتضاء الذهب من الورق : ' ما لم | ~~تتفرقا وبينكما شيء ' ، والثاني إنه إذا كان النقد في جانب والطعام أو غيره ~~| في جانب ، فالنقد وسيلة لطلب الشيء كما هو مقتضى النقدية ، فكان حقيقا | ~~بأن يبذل قبل الشيء ، وإذا كان في كلا الجانبين النقد أو الطعام كان الحكم ~~| يبذل أحدهما تحكما ، ولو لم يبذل من الجانبين كان بيع الكالئ بالكالئ | ~~وربما يشح بتقديم البذل ، فاقتضى العدل أن يقطع الخلاف بينهما ، ويؤمرا | ~~جميعا ألا يتفرقا إلا عن قيض ، وإنما خص الطعام والنقد لأنهما أصلا | ~~الأموال وأكثرها ms463 تعاورا ، ولا ينتفع بهما إلا بعد إهلاكهما ، فلذلك كان | ~~الحرج في التفرق عن بيعهما قبل القبض أكثر وأفضى إلى المنازعة ، والمنع | ~~فيهما أردع من تدقيق المعاملة . # واعلم أن مثل هذا الحكم إنما يراد به ألا يجري الرسم به ، وألا يعتاد | ~~تكسب ذلك الناس لا ألا يفعل شيء منه أصلا ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام ~~لبلال : ' بع التمر ببيع آخر ، ثم اشتر به ' . | PageV01P649 # واعلم أن من البيوع ما يجري فيه معنى الميسر ، وكان أهل الجاهلية | ~~يتعاملون بها فيما بينهم ، فنهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم . # منها المزابنة أن يبيع الرجل الثمر في رءوس النخل بمائة فرق من | التمر ~~مثلا . # والمحاقلة أن يبيع الزرع بمائة فرق حنطة ، ورخص في العرايا بخرصها | من ~~التمر فيما دون خمسة أوسق لأنه عرف أنهم لا يقصدون في ذلك القدر | الميسر ، ~~وإنما يقصدون أكلها رطبا ، وخمسة أوسق هو نصاب الزكاة وهي | مقدار ما يتفكه ~~به أهل البيت . # ومنها بيع الصبرة من الثمر لا يعلم مكيلتها بالكيل المسمى من التمر . # والملامسة أن يكون لمس الرجل ثوب الآخر بيده بيعا . # والمنابذة أن يكون نبذ الرجل بثوبه بيعا من غير نظر . # وبيع الحصاة أن يكون وقوع الحصاة بيعا . # فهذه البيوع فيها معنى الميسر ، وفيها قلب موضوع المعاملة ، وهو استيفاء ~~| حاجته بترو وتثبت . # ونهى عن بيع العربان أن يقدم إليه شيء من الثمن ، فإن اشترى | حسب من ~~الثمن ، وإلا فهو له مجانا وفيه معنى الميسر . # وسئل صلى الله عليه وسلم عن اشتراء التمر بالرطب ، فقال : أينقص إذا | ~~PageV01P650 | يبس ؟ فقال . نعم ، فنهاه عن ذلك ' أقول : وذلك لأنه أحد ~~وجوه الميسر ؛ | وفيه احتمال ربا الفضل ، فإن المعتبر حتى تمام الشيء . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' قلادة فيها ذهب وخرز : ' لا تباع حتى | تفصل ' أقول : وذلك لأنه أحد ~~وجوه الميسر ومظنة أن يغبن أحدهما ، | فيسكت على غيظ ، أو يخاصم في غير حق ~~. # واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في العرب ، ولهم معاملات | وبيوع ~~، فأوحى الله إليه كراهية بعضها وجواز بعضها ، والكراهية ms464 تدور | على معان : ~~منها أن يكون شيء قد جرت العادة بأن يقتنى لمعصية ، أو يكون | الانتفاع ~~المقصود به عند الناس نوعا من المعصية كالخمر ، والأصنام ، والطنبور ، | ~~ففي جريان الرسم ببيعها واتخاذها تنويه بتلك المعاصي وحمل الناس عليها | ~~وتقريب لهم منها ، وفي تحريم بيعها واقتنائها إخمال لها وتقريب لهم من ألا ~~| يباشروها ، قال رسول الله إنا : ' أن الله ورسوله حرم بيع | الخمر ~~والميتة والخنزير والأصنام ' . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه ' يعني إذا | كان وجه الاستمتاع بالشيء ~~متعينا كالخمر يتخذ للشرب . والصنم للعبادة ، | فحرمه الله - اقتضى ذلك في ~~حكمة الله تحريم بيعها . # قال صلى الله عليه وسلم : ' مهر البغي خبيث ' نهى صلى الله عليه وسلم | ~~عن حلوان الكاهن - ونهى عن كسب الزمارة . # أقول : المال الذي يحصل من مخامرة المعصية لا يحل الاستمتاع به | لمعنيين ~~: أحدهما أن تحريم هذا المال وترك الانتفاع به زاجر عن تلك | المعصية . ~~وجريان الرسم بتلك المعاملة جالب للفساد حامل لهم عليه ، وثانيهما | ~~PageV01P651 | أن الثمن ناشئ من المبيع في مدارك الناس وعلومهم ، فكان عند ~~الملأ الأعلى | للثمن وجود تشبيهي أنه المبيع ، وللأجرة وجود تشبيهي أنه ~~العمل ، فانجر | الخبث إليه في علومهم ، فكان لتلك الصورة العلمية أثر في ~~نفوس الناس . # ولعن رسول الله في الخمر عاصرها ، ومعتصرها ، | وشاربها ، وحاملها ، ~~والمحمولة إليه . # أقول : الإعانة في المعصية وترويجها وتقريب الناس إليها معصية وفساد | في ~~الأرض ، ومنها أن مخالطة النجاسة كالميتة والدم والسرقين والعذرة فيها | ~~شناعة وسخط ، ويحصل بها مشابهة الشياطين ، والنظافة وهجر الرجز من | أصول ~~ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم لإقامته وبه تحصل مشابهة الملائكة | والله ~~يحب المتطهرين . # ولما لم يكن بد من إباحة بعض المخالطة إذ في سد الباب في بالكلية حرج | ~~وجب أن ينهى عن التكسب بمعالجته والتجارة فيه ، وفي معنى النجاسة | الرفث ~~الذي يستحيا منه كالفساد ولذلك حرم بيع الميتة ونهى عن كسب | الحجام ، وقال ~~عند الضرورة ' أطعمه ناضجك ' وعن عسب الفحل ، | ويروى وضراب الجمل ورخص في ~~الكرامة ، وهي ما ms465 يعطى من غير شرط . # ومنها ألا تنقطع المنازعة بين العاقدين لابهام في العوضين ، أو يكون | ~~العقد بيعة بين ببعتين أو لا يمكن تحقق الرضا إلا برؤية المبيع ولم يره أو ~~يكون | في البيع شرط يحتج به من بعد . # ونهى رسول الله عن بيع المضامين . والملاقيح ، | فالمضامين ما في أصلاب ~~الفحول ، والملاقيح ما في البطون ، وعن بيع حبل | PageV01P652 | الحبلة ، و ~~عن بيع الكالئ بالكالئ ، وعن ببعتين في ببعة أن يكون البيع | بألف نقدا و ~~ألفين نسيئة لأنه لا يتعين أحد الأمرين عند العقد ، وقيل : | أن يقول بعنى ~~هذا بألف على أن تبيعني ذاك بكذا ، وهذا شرط يحتج به | الشارط من بعد ~~فيخاصم ، ومنه أن يبيع بشرط إن أراد البيع فهو أحق به ، | وقال فيه عمر رضي ~~الله عنه : لا تحل لك وفيها شرط لأحد . # ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الثنيا حتى يعلم ، مثل أن يبيع | عشرة ~~أفراق إلا شيئا لأن فيه جهالة مفضية إلى المنازعة ، وما كل جهالة | تفسد ~~البيع ، فإن كثيرا من الأمور يترك مهملا في البيع ، واشتراط | الاستقصاء ~~ضرر ولكن المفسد هو المفضي إلى المنازعة ، ومنها أن يقصد | بهذا البيع ~~معاملة أخرى يترقبها في ضمنه أو معه لأنه إن فقد المطلوب لم يكن | له أن ~~يطالب ، ولا أن يسكت ، ومثل هذا حقيق بأن يكون سببا للخصومة | بغير حق ، ~~ولا يقضي فيها بشيء فصل . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' لا يحل بيع وسلف ولا شرطان | في بيع ' مثل أن يقول بعت هذا على أن ~~تقرضني كذا ، ومعنى الشرطين | أن يشترط حقوق البيع ، ويشترط شيئا خارجا ~~منها مثل أن يهبه كذا ، | أو يشفع له إلى فلان ، أو إن احتاج إلى بيعه لم ~~يبع إلا منه ، ونحو ذلك ، | فهذا شرطان في صفقة واحدة . # ومنها ألا يكون التسليم بيد العاقد ، كمبيع ليس بيد البائع ، وإنما هو حق ~~| توجه له على غيره ، وشيء لا يجده إلا برفع قضية أو إقامة بينة أو سعى | ~~واحتيال أو استيفاء واكتيال أو نحو ذلك ms466 فإنه مظنة أن يكون قضية في قضية | ~~أو يحصل غرر وتخبيب ، وكل ما ليس عندك فلا تأمن أن تجده إلا بجهد | ~~PageV01P653 | النفس وربما يطالبه المشتري بالقبض ، فلا يكون عنده فيطالب ~~الذي | توجه عليه حقه ، أو يذهب ليصطاد من البرية ، أو يشتري من السوق ، | ~~أو يستوهب من صديقه ، وهذا أسد المناقشات . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' لا تبع ما ليس عندك ' . # ونهى عن بيع الغرر ، وهو الذي لا يتيقن أنه موجود أو لا . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' من ابتاع طعاما فلا يبعه حتى يستوفيه ' | قيل : مخصوص بالطعام لأنه ~~أكثر الأموال تعاورا وحاجة ' ولا ينتفع به | إلا باهلاكه ، فإذا لم يستوفه ~~فربما تصرف فيه البائع ، فيكون قضية في قضية | وقيل : يجري في المنقول لأنه ~~مظنة أن يتغير ، ويتعيب ، فتحصل الخصومة | وقال ابن عباس رضي الله عنهما : ~~ولا أحسب كل شيء إلامثله وهو | الأقيس بما ذكرنا من العلة . # ومنها ما هو مظنة لمناقشات وقعت في زمانه صلى الله عليه وسلم وعرف | أنه ~~حقيق بأن تكون فيه المناقشات كما ذكر زيد بن ثابت رضي الله عنه أنهم | ~~كانوا يحتجون بعاهات تصيب الثمار يقولون : أصابها قشام دمان | فنهى النبي ~~صلى الله عليه وسلم عن بيع الثمارحتى يبدو صلاحها ، اللهم إلا أن | يشترط ~~القطع في الحال ، وعن السبيل حتى يبيض ، ويأمن العاهة ، وقال : | ' أرأيت ~~إذا منع الله الثمر بم يأخذ أحدكم مال أخيه ' يعني أنه غرر ، لأنه | على ~~خطر أن يهلك ، فلا يجد المعقود عليه وقد لزمه الثمن ، وكذا في | بيع السنين ~~. # ومنها ما يكون سببا لسوء انتظام المدينة وإضرار بعضها بعضا ، فيجب | ~~PageV01P654 | إخمالها والصد عنها ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' لا تلقوا الركبان | لبيع ، ولا يبع بعضكم على بيع بعض ، ولا يسم الرجل ~~على سوم أخيه | ولا تناجشوا ، ولا يبع حاضر لباد ' . # أقول : أما تلقي الركبان فهو أن يقدم ركب بتجارة فيتلقاه رجل | قبل أن ~~يدخلوا البلد ، ويعرفوا السعر ، فيشتري منهم بأرخص من سعر | البلد ، وهذا ~~مظنة ضرر بالبائع ، لأنه ms467 إن نزل بالسوق كان أغلى له ولذلك | كان له الخيار ~~إذا عثر على الضرر ، وضرر بالعامة لأنه توجد في تلك | التجارة حق أهل البلد ~~جميعا ، والمصلحة المدنية تقتضي أن يقدم الأحوج | فالأحوج ، فإن استووا سوى ~~بينهم أو أقرع ، فاستئثار واحد منهم بالتلقي | نوع من الظلم ، وليس لهم ~~الخيار لأنه لم يفسد عليهم مالهم ، وإنما منع | ما كانوا يرجونه . # وأما البيع على البيع فهو تضييق على أصحابه من التجار وسوء معاملة | معهم ~~، وقد توجه حق البائع الأول وظهر وجه لرزقه فافساده عليه ومزاجته | فيه نوع ~~من ظلم . # وكذا السوم على سوم أخيه في التضييق على المشترين والإساءة معهم ، | ~~وكثير من المناقشات والأحقاد تنبعث فيهم من أجل هذين . # والنجش في زيادة الثمن بلا رغبة في المبيع تغريرا للمشترين ، وفيه | من ~~الضرر ما لا يخفى . # وبيع الحاضر للبادى أن يحمل البدوي متاعه إلى البلد يريد أن يبيعه بسعر | ~~يومه ، فيأتيه الحاضر ، فيقول : خل متاعك عندي حتى أبيعه على المهلة بثمن | ~~غال ، ولو باع البادى بنفسه لأرخص ، ونفع البلديين ، وانتفع هو أيضا ، | ~~فإن انتفاع التجار يكون بوجهين : أن يبيعوا بثمن غال بالمهلة على من يحتاج ~~| إلى الشيء أشد حاجة . فيستقل في جنبها ما يبذل ، وأن يبيعوا بربح يسير ، ~~| PageV01P655 | ثم يأتوا بتجارة أخرى عن قريب ، فيربحوا أيضا وهلم جرا ، ~~وهذا الانتفاع | أوفق بمصلحة المدينه وأكثر بركة ، وقال صلى الله عليه وسلم ~~: ' من احتكر | فهو خاطئ ' . # وقال عليه السلام : ' الجالب مرزوق والمحتكر ملعون ' . # أقول : وذلك لأن حبس المناع مع حاجة أهل البلد إليه لمجرد طلب | الغلاء ~~وزيادة الثمن إضرار بهم يتوقع نفع ما هو سوء انتظام المدينة . # ومنها أن يكون فيه التدليس على المشتري ، قال رسول الله | : # ' لا تصروا الإبل والغنم ، فمن ابتاعها بعد ذلك فهو بخير النظرين بعد | ~~أن يحلبها ، إن رضيها أمسكها ، وإن سخطها ردها وصاعا من تمر - ويروى | صاعا ~~من طعام - لا سمراء ' . # أقول : التصرية جمع اللبن في الضرع ليتخيل المشتري غزارته ، فيغتر ، | ~~ولما كان أقرب شبهه بخيار المجلس أو الشرط لأن عقد ms468 البيع كأنه مشروط | ~~بغزارة اللبن لم يجعل من باب الضمان بالخراج ، ثم لما كان قدر اللبن وقيمته ~~| بعد إهلاكه وإتلافه متعذر المعرفة جدا لا سيما عند تشاكس الشركاء | وفي ~~مثل البدو وجب أن يضرب له حد معتدل بحسب المظنة الغالبية يقطع | به النزاع ~~، ولبن النوق فيه زهومة ويوجد رخيصا ، ولبن الغنم طيب ، | ويوجد غالبا ، ~~فجعل حكمها واحدا ، فتعين أن يكون صاعا من أدنى جنس | يقتاتون به كالتمر في ~~الحجاز . والشعير . والذرة عندنا لا من الحنطة والأرز | فانهما أغلى ~~الأقوات وأعلاها ، واعتذر بعض من لم يوفق للعمل بهذا | PageV01P656 | ~~الحديث بضرب قاعدة من عند نفسه ، فقال . كل حديث لا يرويه إلا غير | فقيه ~~إذا إنسد باب الرأي فيه يترك العمل به ، وهذه القاعدة على ما فيها | لا ~~تنطبق على صورتنا هذه لأنه أخرجه البخاري عن ابن مسعود أيضا ، | وناهيك به ~~، ولأنه بمنزلة سائر المقادير الشرعية يدرك العقل حسن تقدير | ما فيه ، ولا ~~يستقل بمعرفة حكمة هذا القدر خاصة اللهم إلا عقول الراسخين | في العلم . # وقال صلى الله عليه وسلم في صبرة طعام داخلها بلل : # ' أفلا جعلته | فوق الطعام حتى يراه الناس ، فمن غش فليس مني ' . # ومنها أن يكون الشيء مباح الأصل كالماء العد فيتغلب ظالم عليه ، | فيبيعه ~~وذلك تصرف في مال الله من غير حق وإضرار بالناس ولذلك نهى | النبي صلى الله ~~عليه وسلم عن بيع فضل الماء ليباع به الكلأ أقول : هو أن | يتغلب رجل على ~~عين أو واد ، فلا يدع أحد يسقي منه ماشية إلا بأجر ، | فإنه يفضي إلى بيع ~~الكلأ المباح يعني يصير الرعي من ذلك بإزاء مال ، وهذا | باطل لأن الماء ~~والكلأ مباحان ، وهو وقوله عليه السلام : ' فيقول الله | اليوم أمنعك فضلي ~~كما منعت فضل ما لم تعمل يداك ' . # وقيل : يحرم بيع الماء الفاضل عن حاجته لمن أراد الشرب أو سقي | الدواب ، ~~قال صلى الله عليه وسلم : # ' المسلمون شركاء في ثلاث في الماء | والكلأ والنار ' أقول : يتأكد ~~استحباب المواساة في هذه فيما كان مملوكا | وما ليس بمملوك أمره ms469 ظاهر . | ~~PageV01P657 # # | ( أحكام البيع ) # قال صلى الله عليه وسلم : # ' رحم الله رجلا سمحا إذا باع ، وإذا | اشترى ، وإذا اقتضى ' أقول : ~~السماحة من أصول الأخلاق التي تتهذب بها | النفس ، وتتخلص بها عن إحاطة ~~الخطيئة ، وأيضا فيها نظام المدينة ، وعليها | بناء التعاون ، وكانت ~~المعاملة بالبيع والشراء والاقتضاء مظنة لضد السماحة ، | فسجل النبي صلى ~~الله عليه وسلم على استحبابها . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' الحلف منفقة للسلعة ممحقة للبركة ' | أقول : يكره إكثار الحلف في البيع ~~لشيئين : كونه مظنة لتغرير المتعاملين ، | وكونه سببا لزوال تعظيم اسم الله ~~من القلب ، والحلف الكاذب منفقة للسلعة | لأن مبنى الانفاق في تدليس ~~المشتري ، وممحقة للبركة لأن مبنى البركة على | توجه دعاء الملائكة إليه ، ~~وقد تباعدت بالمعصية بل دعت عليه . # وقال عليه السلام : # ' يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف | فشوبوه بالصدقة ' أقول : ~~فيه تكفير الخطيئة وجبر ما فرط من | غلواء النفس . # وقال عليه الصلاة والسلام ، فيمن باع بالدنانير وأخذ مكانها الدراهم : | ~~' لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما شيء ' . # أقول . لأنهما إن افترقا وبينهما شيء مثل أن يجعلا تمام صرف الدينار | ~~بالدراهم موقوفا على ما يأمر به الصيرفيون ، أو على أن يزنه الوزان أو مثل ~~| ذلك كان مظنة أن يحتج به المحتج ، ويناقش فيه المناقش ، ولا تصفوا ~~المعاملة . | PageV01P658 # قال صلى الله عليه وسلم : # ' من ابتاع نخلا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع إلا أن يشترط | المبتاع ' ~~أقول : ذلك لأنه عمل زائد عن أصل الشجرة ، وقد ظهرت | الثمرة على ملكه وهو ~~يشبه الشيء الموضوع في البيت فيجب أن يوفى له حقه | إلا أن يصرح بخلافه . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو | باطل ' . أقول : المراد كل شرط ~~ظهر النهي عنه ، وذكر في حكم الله نفيه | لا النفي البسيط . # ونهى عليه السلام عن بيع الولاء . وعن هبته لأن الولاء ليس بمال | حاضر ~~مضبوط ، إنما هو حق تابع للنسب ، فكما لا يباع النسب لا ينبغي أن | يباع ~~الولاء . # وقال صلى الله عليه ms470 وسلم : # ' الخراج بالضمان ' . أقول : لا تنقطع المنازعة إلا | بأن يجعل الغنم ~~بالغرم ، فمن رد المبيع بالعيب إن طولب بخراجه كان في إثبات | مقدار الخراج ~~حرج عظيم ، فقطع المنازعه بهذا الحكم كما قطع المنازع في | القضاء بأن ~~ميراث الجاهلية على ما قسم . # وقال صلى الله عليه وسلم البيعان : إذا اختلفا والمبيع قائم ليس بينهما | ~~بينة فالقول ما قال البائع أو يترادان . أقول : وإنما قطع به المنازعة لأن ~~| الأصل ألا يخرج شيء من ملك أحد إلا بعقد صحيح وتراض ، فإذا وقعت | ~~المشاحة وجب الرد إلى الأصل والمبيع ما له يقينا وهو صاحب اليد بالفعل | أو ~~قبل العقد الذي لم تتقر صحته ، والقول قول صاحب المال لكن المبتاع | ~~بالخيار لأن البيع مبناه على التراضي . | PageV01P659 # وقال صلى الله عليه وسلم : ' الشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود | ~~وصرفت الطريق فلا شفعة ' وقال عليه السلام : # ' الجار أحق بعقبه ' . # أقول : الأصل في الشفعة دفع الضرر من الجيران والشركاء ، وأرى أن | ~~الشفعة شفعتان : شفعة يجب للمالك أن يعرضها على الشفيع فيما بينه وبين | ~~الله ، وأن يؤثره على غيره ، ولا يجبر عليها في القضاء ، وهي للجار الذي | ~~ليس بشريك ، وشفعة يجبر عليها في القضاء وهي للجار الشريك فقط ، وهذا | وجه ~~الجمع بين الأحاديث المختلفة في الباب . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' من أقال أخاه المسلم صفقة كرهها أقال | الله ~~عثرته يوم القيامة ' أقول : يستجب إقالة النادم في صفقته دفعا للضرر | عنه ~~، ولا يجب لأن المرء مأخوذ باقراره لازم عليه ما التزمه . # وحديث جابر رضي الله عنه بعته ، واستثنيت حملانه إلى أهلى | أقول : فيه ~~جواز الاستثناء فيما لم يكن محل المناقشة وكانا متبرعين متباذلين | لأن ~~المنع إنما هو لكونه مظنة المناقشة . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه | وبين أحبته يوم القيامة ' ~~وقال لعلي رضي الله عنه حين باع أحد | الأخوين : ' رده ' . # أقول : التفريق بين والده وولدهما يهيجهما على الوحشة والبكاء ، ومثل | ~~ذلك حال الأخوين ، فوجب أن يجتنب الإنسان ذلك . # قال الله تعالى ms471 : ^ ( إذا نودى للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى | ذكر ~~الله وذرا البيع ) ^ | PageV01P660 # أقول : يتعلق الحكم بالنداء الذي هو عند خروج الإمام ، ولما كان | ~~الاشتغال بالبيع ونحوه كثيرا ما يكون مفضيا إلى ترك الصلاة وترك استماع | ~~الخطبة نهى عن ذلك . # وقيل : قد غلا السعر فسعر لنا فقال عليه السلام : # ' إن الله هو المسعر | القابض الباسط الرازق وإني لأرجو أن ألقى الله ~~وليس أحد يطلبني بمظلمة ' ، # أقول : لما كان الحكم العدل بين المشترين وأصحاب السلع الذي لا يتضرر | ~~به أحدهما ، أو يكون تضررهما سواء في غاية الصعوبة تورع منه النبي صلى الله ~~عليه وسلم | لئلا يتخذها الأمراء من بعده سنة ، ومع ذلك فان رؤى منهم جور ~~ظاهر لا يشك فيه الناس جاز تغييره فانه من الافساد في الأرض . # قال الله تعالى : # ^ ( يا أيها الذين آمنوا إذ تداينتم بدين إلى أجل مسمى | فاكتبوه ) ^ # اعلم أن الدين أعظم المعاملات مناقشة وبأكثرها جدلا ، ولا بد منه | ~~للحاجة ، فلذلك أكد الله تعالى في الكتابة والاستشهاد ، وشرع الرهن | ~~والكفالة ، وبين إثم كتمان الشهادة ، وأوجب بالكفاية القيام بالكتابة | ~~والشهادة ، وهو من العقود الضرورية . # وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وهم يسلفون في الثمار | السنة ~~والسنتين والثلاث ، فقال : # ' من أسلف في شيء ، فليسلف في كيل | معلوم ووزن معلوم إلى أجل معلوم ' ~~أقول : ذلك لترتفع المناقشة بقدر | PageV01P661 | الإمكان ، وقاسوا عليها ~~الأوصاف التي يبين بها الشيء من غير تضييق ، | ومبنى القرض على التبرع من ~~أول الأمر ، وفيه معنى الإعارة ؛ فلذلك جازت | النسيئة ، وحرم الفضل ، ~~ومبنى الرهن على الاستيثاق ، وهو بالقبض ، فلذلك | اشترط فيه ، ولا اختلاف ~~عندي بين حديث ' لا يغلق الرهن الرهت | من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه ~~غرمه ' وحديث ' الظهر يركب | بنفقته إذا كان مرهونا ، ولبن الدر يشرب ~~بنفقته إذا كان مرهونا ، وعلى | الذي يركب ويشرب النفقة ' ؛ لأن الأول هو ~~الوظيفة ، لكن إذا امتنع | الراهن من النفقة عليه ، وخيف الهلاك ، وأحياه ~~المرتهن ، فعند ذلك ينتفع | به بقدر ما يراه الناس عدلا . # وقال صلى الله عليه وسلم لأصحاب ms472 الكيل والميزان : # ' إنكم قد وليتم | أمرين هلكت فيها الأمم السابقة قبلكم ' أقول : يحرم ~~التطفيف لأنه | خيانة وسوء معاملة ، وقد سبق في قوم شعيب عليه السلام ما ~~اقص الله تعالى | في كتابه . # وقال : ' أيما رجل أفلس ، فأدرك رجل ماله بعينه ، فهو أحق به ' | أقول : ~~وذلك لأنه كان في الأصل ماله من غير مزاحمة ، ثم باعه ، ولم يرض | في بيعه ~~بخروجه من يده إلا بالثمن ، فكان البيع إنما هو بشرط إيفاء الثمن ، | فلما ~~لم يؤد كان له نقضه ما دام المبيع قائما بعينه ، فإذا فات المبيع لم يمكن ~~أن | يرد المبيع ، فيصير دينه كسائر الديون . | PageV01P662 # وقال صلى الله عليه وسلم : ' من سره أن ينجيه الله من كرب يوم | القيامة ~~فلينفس عن معسر أو يضع عنه ' . # أقول : هذا ندب إلى السماحة التي هي من أصول ما ينفع في المعاد | والمعاش ~~، وقد ذكرناه . # وقال عليه السلام : # ' مطل الغني ظلم ، وإذا أتبع أحدكم على ملئ فليتبع ' | أقول : هذا أمر ~~استحباب لأن فيه قطع المناقشة . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' لى الواجد يحل عرضه وعقوبته ' ، | أقول : هو هذا أن يغلظ له في القول ، ~~ويحبس ، ويجبر على البيع إن لم يكن | له مال غيره . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا | حرم حلالا ، أو أحل حراما ، ~~والمسلمون على شروطهم إلا شرطا حرم | حلالا ، أو أحل حراما ' فمنه وضع جزء ~~من الدين كقصة ابن أبي حدرد ، | وهذا الحديث أحد الأصول في باب المعاملات | ~~PageV01P663 # # | ( التبرع والتعاون ) # التبرع أقسام : صدقة إن أريد به وجه الله ، ويجب أن يكون مصرفة | ما ذكر ~~الله تعالى في قوله : # @QB@ إنما الصدقات للفقراء @QE@ الآية # وهدية إن قصد به وجه المهدي له ، قال صلى الله عليه وسلم : | ' من أعطى ~~عطاء فوجد فليجز به ، ومن لم يجد فليثن ، فإن من أثنى فقد | شكر ، ومن كتم ~~فقد كفر ، ومن تحلى بما لم يعط كان كلابس ثوبي زور ' # اعلم أن الهدية إنما يبتغي بها إقامة الألفة فيما بين الناس ، ولا يتم ~~هذا | المقصود إلا بأن ms473 يرد إليه مثله ، فإن الهدية تحبب المهدي إلى المهدى ~~له من | غير عكس ، وأيضا فإن اليد العليا خير من اليد السفلى ، ولمن أعطي ~~الطول | على من أخذ ، فإن عجز فليشكره ، وليظهر نعمته فإن الثناء أول ~~اعتداد بنعمته | وإضمار لمحبته ، وأنه يفعل في إيراث الحب ما تفعل الهدية ، ~~ومن كتم فقد | خالف عليه ما أراده ، وناقض مصلحة الائتلاف ، وغمط حقه ، ومن ~~أظهر | ما ليس في الحقيقة فذلك كذب ، وقوله عليه السلام : # ' كلابس ثوبي زور ' | معناه كمن تردى أو اتزر بالزور وشمل الزور جميع ~~بدنه . # قال صلى الله عليه وسلم : ' من صنع إليه معروف ، فقال لفاعله : | ~~PageV01P664 | جزاك الله خيرا ، فقد أبلغ في الثناء ' أقول : إنما عين ~~النبي صلى الله عليه وسلم | هذه اللفظة لأن الكلام الزائد في مثل هذا ~~المقام إطراء وإلحاح ، | والناقص ، كتمان وغمط ' ، وأحسن ما يحيي به بعض ~~المسلمين به بعضا ما يذكر | المعاد ، ويحيل الأمر على الله ، وهذه اللفظة ~~نصاب صالح بجميع ما ذكرنا . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' تهادوا ، فإن الهدية تذهب الضغائن ' | وفي رواية ' تذهب وحر الصدر ' ~~أقول : الهدية وإن قلت تدل على تعظيم | المهدى له ، وكونه منه على بال ، ~~وأنه يحبه ، ويرغب فيه ، وإليه الإشارة | في حديث ' # لا تحقرن جارة لجارتها ولو فرسن شاه ' فلذلك كان طريقا | صالحا لدفع ~~الضغينة ، ويدفعها تمام الألفة في المدينة والحي . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' من عرض عليه ريحان فلا يرده ، فإنه خفيف | المحمل طيب الريح ' أقول : ~~إنما كره رد الريحان ، وما يشبهه لخفة مؤنته ، | وتعامل الناس بإهدائه ، ~~فلا يلحق هذا كثير عار في قبوله ، ولا في ذلك | كثير حرج في إهدائه ، وفي ~~التعامل بذلك إئتلاف ، وفي رده فساد ذات البين ، | وإضمار على وحر . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه ، ليس | لنا مثل السوء ' أقول : ~~إنما كره الرجوع في الهبة لأن منشأ العود فيما | أفرزه عن ماله ، وقطع ~~الطمع عنه إما شح بما أعطى ، أو تضجر منه ، أو | إضرار له ، وكل ذلك من ~~الأخلاق ms474 المذمومة ، وأيضا نفي نقض الهبة بعد | ما أحكم ، وأمضى وحر وضغينة ~~، بخلاف ما لم يعط من أول الأمر ، فشبه | النبي صلى الله عليه وسلم العود ~~فيما أفرزه من ملكه بعود الكلب في قيئه ، | يمثل لهم المعنى بادئ الرأي ~~وبين لهم قبح تلك الحالة بأبلغ وجه اللهم إلا | PageV01P665 | إذا كان ~~بينهما مباسطة ترفع المناقشة ك الوالد والولد ، وهو قوله عليه السلام : # | ' إلا الوالد من ولده ' . # وقال صلى الله عليه وسلم فيمن ينحل بعض أولاده ما لم ينحل الآخر . | # ' أيسرك أن يكونوا إليك في البر سواء ؟ قال : بلى . قال : فلا إذا ' . ~~أقول : | إنما كره تفضيل بعض الأولاد على بعض في العطية لأنه يورث الحقد ~~فيما بينهم | والضغينة بالنسبة إلى الوالد ، فأشار النبي صلى الله عليه ~~وسلم إلى أن تفضيل | بعضهم إلى بعض سبب أن يضمر المنقوص له على ضغينة ، ~~ويطوي على | غل ، فيقصر في البر ، وفي ذلك فساد المنزل . # ووصية إن كان موقنا بالموت ، وإنما جرت بها السنة لأن الملك في | بني آدم ~~عارض لمعنى المشاحة ، فإذا قارب أن يستغني عنه بالموت استحب | أن يتدارك ما ~~قصر فيه ، ويواسي من وجب حقه عليه في مثل هذه الساعة . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' أوص بالثلث والثلث كثير ' . واعلم أن | مال الميت ينتقل إلى ورثته عند ~~طوائف العرب والعجم ، وهو كالجبلة عندهم | والأمر اللازم فيما بينهم لمصالح ~~لا تحصى ، فلما مرض ، وأشرف على الموت | توجه طريق لحصول ملكهم ، فيكون ~~تأييسهم عما يتوقعون غمطا لحقهم | وتفريطا في جنبهم ، وأيضا فالحكمة أن ~~يأخذ ماله من بعده أقرب الناس | منه ، وأولادهم ، به وأنصرهم له ، وأكثرهم ~~مواساة ، وليس أحد في | ذلك بمنزلة الوالد والولد ، وغيرهما من الأرحام . ~~وهو وقوله تعالى : | PageV01P666 # ^ ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) ^ # ومع ذلك فكثيرا ما تقع أمور توجب مواساة غيرهم ، وكثيرا | ما يوجب خصوص ~~الحال أن يختار غيرهم ، فلا بد من ضرب حد لا يتجاوزه | الناس وهو الثلث ~~لأنه لا بد من ترجيح الورثة ، وذلك بأن يكون لهم | أكثر من النصف ms475 ، فضرب ~~لهم الثلثين ، ولغيرهم الثلث . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' إن الله أعطى لكل ذي حق حقه ، فلا وصية | لوارث . أقول : لما كان الناس ~~في الجاهلية يضارون في الوصية ، ولا يتبعون | في ذلك الحكمة الواجبة ، ~~فمنهم من ترك الحق والأوجب سواساته ، واختار | الأبعد برأيه الأبتر . وجب ~~أن يسد هذا الباب ، ووجب عند ذلك أن | يعتبر المظان الكلية بحسب القرابات ~~دون الخصوصيات الطارئة بحسب | الأشخاص ، فلما تقرر أمر المواريث قطعا ~~لمنازعتهم وسدا لضغائنهم كان | من حكمه ألا يسوغ الوصية لوارث ؛ إذ في ذلك ~~مناقضة للحد المضروب . # وقال صلى الله عليه وسلم . # ' ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه | يبيت ليلا إلا ووصيته مكتوبة عنده ' ~~. أقول : استحب تعجيل الوصية | احترازا من أن يهجمه الموت ، أو يحدث حادث ~~بغتة ، فتفوته المصلحة التي | يجب إقامتها عنده ، فيتحسر ، قال صلى الله ~~عليه وسلم : # ' أيما رجل أعمر | عمري ' الحديث . أقول : كان في زمان النبي صلى الله ~~عليه وسلم مناقشات | لا تكاد تنقطع ، فكان قطعها إحدى المصالح التي بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم | لها كالربا والثارات وغيرها ، وكان قوم أعمروا ~~لقوم ، ثم انقرض هؤلاء | PageV01P667 | وهؤلاء ، فجاء القرن الآخر ، فاشتبه ~~عليهم الحال ، فتخاصموا ، فبين النبي | صلى الله عليه وسلم أنه إن كان نص ~~الواجب هي لك ولعقبك فهي هبة ؛ | لأنه بين الأمر بما يكون من خواص الهبة ~~الخالصة ، وإن قال : هي لك | ما عشت فهي إعارة إلى مدة لمدة حياته ؛ لأنه ~~قيده بقيد ينافي الهبة . # ومن التبرعات الوقف وكان أهل الجاهلية لا يعرفونه ، فاستنبطه النبي | صلى ~~الله عليه وسلم لمصالح لا توجد في سائر الصدقات ، فإن الإنسان ربما | يصرف ~~في سبيل الله مالا كثيرا ، ثم يفنى ، فيحتاج أولئك الفقراء تارة | أخرى ، ~~ويجيء أقوام آخرون من الفقراء ، فيبقون محرومين ، فلا أحسن | ولا أنفع ~~للعامة من أن يكون شيء حبسا للفقراء وأبناء السبيل تصرف | عليهم منافعة ، ~~ويبقى أصله على ملك الواقف ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم | لعمر رضي الله ~~عنه : # ' إن شئت حبست أصلها ؛ وتصدقت بها ' فتصدق ms476 | بها عمر أنه لا يباع أصلها ، ~~ولا يوهب ، ولا يورث ، وتصدق بها في الفقراء | وفي القربى ، وفي الرقاب ، ~~وفي سبيل الله ، وابن السبيل ، والضعيف ، | لا جناح على من وليها أن يأكل ~~منها بالمعروف ، ويطعم غير متمول . # أما المعاونة فهي أنواع أيضا : منها المضاربة ، وهي أن يكون المال | ~~لإنسان ، والعمل في التجارة من الآخر ليكون الربح بينها على ما يبينانه . # والمفاوضة أن يعقد رجلان ما لهما سواء الشركة في جميع ما يشتريانه | ~~ويبيعانه ، والربح بينهما ، وكل واحد كفيل الآخر ووكيله . # والعنان أن يعقدا الشركة في مال معين كذلك ، ويكون كل واحد وكيلا | للآخر ~~فيه ولا يكون كفيلا يطالب بما على الآخر . # وشركة الصنائع كخياطين أو صباغين اشتركا على أن يتقبل كل واحد ، | ويكون ~~الكسب بينهما . # وشركة الوجوه أن يشتركا ولا مال بينهما على أن يشتريا بوجوههما ، | ~~ويبيعا ، الربح بينهما . | PageV01P668 # والوكالة أن يكون أحدهما يعقد العقود لصاحبه . # والمساقاة أن تكون أصول الشجر لرجل فيكفي مؤنتها الآخر على أن | يكون ~~الثمر بينهما . # والمزارعة أن تكون الأرض والبذر لواحد ، والعمل ، والبقر من الآخر # والمخابرة أن تكون الأرض لواحد ، والبذر ، والبقر ، والعمل من | الآخر ، ~~ونوع آخر يكون العمل من أحدهما والباقي من الآخر . # والإجارة وفيها معنى العبادة . ومعنى المعاونة فإن كان المطلوب نفس | ~~المنفعة فالمبادلة غالبة ، وإن كان خصوص العامل مطلوبا فمعنى المعاونة غالب ~~، | وهذه عقود كان الناس يتعاملون بها قبل النبي صلى الله عليه وسلم ، فما ~~لم | يكن منها محلا لمناقشة غالبا ، ولم بنه عنه النبي صلى الله عليه وسلم ~~فهو باق | على إباحته داخل في قوله صلى الله عليه وسلم : # ' المسلمون على شروطهم ' . # وقد اختلف الرواة في حديث رافع بن خديج اختلافا فاحشا ، وكان | وجوه ~~التابعين يتعاملون بالمزراعة ، ويدل على الجواز حديث معاملة أهل | خيبر ، ~~وأحاديث النهي عنها محمولة على الإجارة بما على الماذيانات أو قطعة | معينة ~~، وهو قوله رافع رضي الله عنه ، أو على التنزيه والإرشاد وهو | قول ابن ~~عباس رضي الله عنهما ، أو على مصلحة خاصة بذلك الوقت من | جهة كثرة ms477 ~~مناقشتهم في هذه المعاملة حينئذ ، وهو قول زيد رضي الله عنه | والله أعلم . ~~| PageV01P669 # # | ( الفرائض ) # اعلم أنه أوجبت الحكمة أن تكون السنة بينهم أن يتعاون أهل الحي | فيما ~~بينهم ، ويتناصروا ، ويتواسوا ، وأن يجعل كل واحد ضرر الآخر | ونفعه بمنزلة ~~ضرر نفسه ونفعه ، ولا يمكن إقامة ذلك إلا بجبلة تؤكدها | أسباب طارئة ، ~~ويسجل عليها سنة متوارثه بينهم فالجبلة هي ما بين الوالد ، | والولد ، ~~والأخوة ، وغير ذلك من المرادة . # والأسباب الطارئة هي التألف ، والزيارة ، والمهاداة ، والمواساة فإن كل | ~~ذلك يحبب الواحد إلى الآخر ، ويشجع على النصر والمعاونة في الكريهات . # وأما السنة فهي ما نطقت به الشرائع من وجوب صلة الأرحام وإقامة | اللأئمة ~~على إهمالها ، ثم لما كان من الناس من يتبع فكرا فاسدا ، ولا يقيم | صلة ~~الرحم كما ينبغي ، ويعد ما دون الواجب كثيرا مست الحاجة إلى إيجاب | بعض ~~ذلك عليهم ، أشاءوا ، أم أبوا مثل عيادة المريض ، وفك العاني ، | والعقل ، ~~وإعتاق ما ملكه من ذي حم وغير ذلك ، وأحق هذا الصنف | ما استغنى عنه ~~بالإشراف على الموت ، فإنه يجب في مثل ذلك أن يصرف | ماله على عينه فيما هو ~~نافع في المعاونات المنزلية ، أو يصرف ماله من بعده | في أقاربه . # واعلم أن الأصل في الفرائض أن الناس جميعهم عربهم وعجمهم اتفقوا | على أن ~~أحق الناس بمال الميت أقاربه وأرحامه ، ثم كان لهم بعد ذلك اختلاف | شديد ، ~~وكان أهل الجاهلية يورثون الرجال دون النساء يرون أن الرجال | هم القائمون ~~بالبيضة ، وهم الذابون عن الذمار ، فهم أحق بما يكون شبه | PageV01P670 | ~~المجان ، وكان أول ما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم وجوب الوصية | ~~للاقربين من غير تعيين ولا توقيت ؛ لأن الناس أحوالهم مختلفة : فمنهم من | ~~ينصره أحد أخويه دون الآخر ، ومنهم من ينصره والده ، وعلى هذا | القياس ~~فكانت المصلحة أن يفوض الأمر إليهم ، ليحكم كل واحد ما يرى من مصلحة ، ثم ~~إذا ظهر من موص جنف أو إثم كان للقضاة أن يصلحوا | وصيته ، ويغيروا ، فكان ~~الحكم على ذلك مدة ، ثم أنه لما ظهرت أحكام | الخلافة ms478 الكبرى ، وزوى للنبي ~~صلى الله عليه وسلم مشارق الأرض ومغاربها ؛ | وتشعشعت أنوار البعثة العامة ~~أوجبت المصلحة ألا يجعل أمرهم إليهم ولا إلى | القضاة من بعدهم ، بل يجعل ~~على المظان الغالبية في علم الله من عادات العرب | والعجم وغيرهم مما يكون ~~كالأمر الطبيعي ، ويكون مخالفة كالشاذ النادر | وكالبهيمية المخدجة التي ~~تولد جدعاء أو عرجاء خرقا للعادة المستمرة ، وهو | قوله تعالى : # @QB@ لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا @QE@ # ومسائل المواريث تبتنى على أصول : منها أن المعتبر في هذا الباب هو | ~~المصاحبة الطبيعية ؛ والمناصرة ؛ والموادة التي هي كمذهب جبلي ، دون | ~~الاتفاقات الطارئة ؛ فإنها غير مضبوطة ، ولا يمكن أن يبنى عليها النواميس | ~~الكلية ؛ وهو قوله تعالى : # ^ ( وأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله ) ^ # فلذلك لم يجعل الميراث إلا لأولي الأرحام غير الزوجين ؛ فإنهما لاحقان | ~~بأولى الأرحام داخلان في تضاعيفهم لوجوه : منها تأكيد التعاون في تدبير | ~~PageV01P671 | المنزل ، والحث على أن يعرف كل واحد منهما ضرر الآخر ونفعه ~~راجعا | إلى نفسه ، ومنها أن الزوج ينفق عليها ، ويستودع منها ماله ؛ ~~ويأمنها على | ذات يده ؛ حتى يتخيل أن جميع ما تركته أو بعض ذلك حقه في ~~الحقيقة ، | وتلك خصومة لا تكاد تنصرم ؛ فعالج الشرع هذا الداء بأن جعل له ~~الربع | أو النصف ، ليكون جابرا لقلبه وكاسرا لسورة خصومته ، ومنها أن | ~~الزوجة ربما تلد من زوجها أولادا هم من قوم الرجل لا محالة وأهل نسبه | ~~ومنصبه ، واتصال الإنسان بأمه لا ينقطع أبدا ، فمن هذا الجهة تدخل الزوجة | ~~في تضاعيف من لا ينفك عن قومه ، وتصير بمنزلة ذوي الأرحام ، ومنها | أنه ~~يجب عليها يعده أن تعتد في بيته لمصالح لا تخفى ولا متكفل لمعيشتها من | ~~قومه ، فوجب أن تجعل كفايتها في مال الزوج ، ولا يمكن أن يجعل قدرا | ~~معلوما لأنه لا يدري كم يترك ، فوجب جزء شائع كالثمن ، والربع . # ومنها أن القرابة نوعان : أحدهما ما يقتضي المشاركة في الحسب ، | والمنصب ~~، وأن يكونا من قوم واحد وفي منزله واحدة ، وثانيهما ما لا يقتضي | ~~المشاركة في الحسب ، والنسب ، والمنزلة ، ولكنه مظنة الود ms479 والرفق ، وأنه | ~~لو كان أمر قسمة التركة إلى الميت لما جاوز تلك القرابة ، ويجب أن يفضل | ~~النوع الأول على الثاني ، لأن الناس عربهم وعجمهم يرون إخراج منصب | الرجل ~~وثروته من قومه إلى قوم آخرين جورا وهضما ، ويسخطون على | ذلك ، وإذا أعطي ~~مال الرجل ومنصبه لمن يقوم مقامه من قومه رأوا ذلك | عدلا ، ورضوا به وذلك ~~كالجبلة التي لا تنفك منهم إلا أن تقطع قلوبهم | اللهم إلا في زماننا حين ~~اختلت الانساب ، ولم يكن تناصرهم بنسبهم ، | ولا يجوز أن يهمل حق النوع ~~الثاني أيضا بعد ذلك ولذلك كان نصيب الأم | مع أن برها أوجب وصلتها أوكد ~~أقل من نصيب البنت . والأخت فإنها | ليست من قوم ابنها ولا من أهل حسبه ~~ونسبه ومنصبه وشرفه ، ولا ممن يقوم | مقامه ، ألا ترى أن الابن ربما يكون ~~هاشميا ، والأم حبشية ، والابن | PageV01P672 | قرشيا ، والأم عجمية ، ~~والابن من بيت الخلافة ، والأم مغموصا عليها | بعهر ودناءة ، أما البنت ~~والأخت فهما من قوم المرء وأهل منصبه ، وكذلك | أولاد الأم لم يرثوا حين ~~ورثوا إلا ثلثا لا يزاد لهم عليه ألبتة ، ألا ترى أن | الرجل يكون من قريش ~~وأخوه لأمه من تميم ، وقد يكون بين القبيلتين | خصومة ، فينصر كل رجل قومه ~~على قوم الآخر ، ولا يرى الناس قيامه | مقام أخيه عدلا ، وكذلك الزوجة التي ~~هي لاحقة بذوي الأرحام داخلة في | تضاعيفها لم تجد إلا أوكس الانصباء ، ~~وإذا اجتمعت جماعة منهن اشتركن | في ذلك النصيب ، ولم يرز أن سائر الورثة ~~ألبتة ، ألا ترى أنها تتزوج بعد | بعلها زوجا غيره ، فتنقطع العلاقة ~~بالكلية . # وبالجملة فالتوارث يدورعلى معان ثلاثة : القيام مقام الميت في شرفه | ~~ومنصبه وما هو من هذا الباب ، فإن الإنسان يسعى كل السعي ، ليبقي له | خلف ~~يقوم مقامه ، والخدمة . والمواساة . والرفق . والحدب عليه من | هذا الباب ، ~~الثالث القرابة المتضمنة لهذين المعنيين جميعا ، والأقدم بالاعتبار | هو ~~الثالث ، ومظنتها جميعا على وجه الكمال من يدخل في عمود النسب | كالأب . ~~والجد . والابن . وابن الابن فهؤلاء أحق الورثة بالميراث ، | غير أن قيام ~~الابن مقام أبيه ms480 هو الوضع الطبيعي الذي عليه بناء العالم من | انقراض قرن ~~وقيام القرن الثاني مقامهم ، وهو الذي يرجونه ، ويتوقعونه ، | ويحصلون ~~الأولاد والأحفاد لأجله ، أما قيام الأب بعد ابنه فكأنه ليس | بوضع طبيعي ، ~~ولا ما يطلبونه ، ويتوقعونه ، ولو أن الرجل خير في ماله | لكانت مواساة ~~ولده أملك لقلبه من مواساة والده ، فلذلك كانت السنة | الفاشية في طوائف ~~الناس تقديم الأولاد على الأباء ، أما القيام مقامه فمظنته | بعد ما ذكرنا ~~الأخوة ومن في معناه ممن هم كالعضد وكالصنو ومن قوم | PageV01P673 | المرء ~~وأهل نسبه وشرفه ، وأما الخدمة والرفق فمظنة القرابة القريبة ، فالأحق | به ~~الأم والبنت ومن في معناهما ممن يدخل في عمود النسب ، ولا تخلو البت من | ~~قيام ما مقامه ، ثم الأخت ولا تخلو أيضا من قيام ما مقامه ، ثم من به علاقة ~~| التزوج ، ثم أولاد الأم ، والنساء لا يوجد فيهن معنى الحماية والقيام ~~مقامه | كيف والنساء ربما تزوجن في قوم آخرين ، ويدخلن فيهم اللهم إلا ~~البنت | والأخت على ضعف فيهما ، ويوجد في النساء معنى الرفق والحدب كاملا | ~~موفرا ، وإنما مظنة القرابة القريبة جدا كالأم والبنت ثم الأخت دون البعيدة ~~| كالعمة وعمة الأب ، والباب الأول يوجد في الأب والابن كاملا ، ثم الأخوة ~~، | ثم الأعمام ، والمعنى الثاني يوجد في الأب كاملا ، ثم الابن ، ثم الأخ ~~لأب | وأم أو لأم ، وإنما مظنة القرابة القريبة دون البعيدة ، فمن ثم لم ~~يجعل للعمة | شيء مما للعم لأنها لا تذب عنه كما يذب العم وليست كالاخت في ~~القرب . # ومنها أن الذكر يفضل على الأنثى إذا كانا في منزلة واحدة أبدا لاختصاص | ~~الذكور بحماية البيضة والذب عن الذمار ، ولأن الرجال عليهم انفاقات | كثيرة ~~، فهم أحق ما يكون شبه المجان ، بخلاف النساء فإنهن كل على | أزواجهن أو ~~آبائهن أو أبنائهن ، وهو قوله تعالى : # @QB@ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا ~~@QE@ # وقال ابن مسعود رضي الله عنه في مسألة ثلث الباقي : ما كان الله ليريني | ~~أن أفضل أما على أب ، غير أن الوالد لما اعتبر فضله مرة ms481 بجمعه بين العصوبة ~~| والفرض ولم يعتبر ثانيا بتضاعف نصيبه أيضا ، فإنه غمط لحق سائر الورثة ، ~~| وأولاد الأم ليس للذكر منهم حماية للبيضة ولا ذب عن الذمار ، فإنهم من | ~~PageV01P674 | قوم آخرين ، فلم يفضل على الأنثى ، وأيضا فإن قرابتهم منشعبة ~~من قرابة | الأم فكأنهم جميعا إناث . # ومنها أنه إذا اجتمع جماعة من الورثة فإن كانوا في مرتبة واحدة وجب | أن ~~يوزع عليهم لعدم تقدم واحد منهم على الآخر وإن كانوا في منازل شتى | فذلك ~~على وجهين : إما أن يعمهم اسم واحد أو جهة واحدة والأصل فيه | أن الأقرب ~~يحجب الأبعد حرمانا لأن التوارث إنما شرع حثا على التعاون | ولكل قرابة ~~وتعاون كالرفق فيمن يعمهم اسم الأم والقيام مقام الرجل | فيمن يعمهم اسم ~~الابن والذب عنه فيمن يعمهم اسم العصوبة . ولا تتحقق | هذه المصلحة إلا بأن ~~يتعين من يؤاخذ نفسه بذلك ، ويلام على تركه ، ويتميز | من سائر من هنالك ~~بالنبل اما فضل سهم على سهم ، فلا يجدون له كثير بال | أو تكون أسماؤهم ~~وجهاتهم مختلفة ، والأصل فيه أن الأقرب والأنفع فيما | عند الله من علم ~~المظان الغالبية يحجب الأبعد نقصانا . # ومنها أن السهام التي تعين بها الأنصباء يجب أن تكون أجزاؤها ظاهرة | ~~يتميزها بادئ الرأي المحاسب وغيره ، وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم في ~~| قوله : # ' إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ' إلى أن الذي يليق أن يخاطب | به جمهور ~~المكلفين هو ما لا يحتاج إلى تعمق في الحساب ويجب أن يكون | بحيث يظهر فيها ~~ترتيب الفضل والنقصان بادئ الرأي ، فآثر الشرع من السهام | فصلين : الأول ~~الثلثان ، والثلث ، والسدس ، والثاني النصف ، والربع ، | والثمن ، فإن ~~مخرجهما الأصلي أولا الأعداد ، ويتحقق فيهما ثلاث مراتب | بين كل منها نسبة ~~الشيء إلى ضعفه ترفعا ونصفه تنزلا ، وذلك أدنى أن يظهر | فيه الفضل ~~والنقصان محسوسا متبينا ، ثم إذا اعتبر فضل ظهرت نسب أخرى | لا بد منها في ~~الباب كالشيء الذي زيد على النصف ، فلا يبلغ التمام وهو | الثلثان ، والشيء ~~الذي ينقص عن النصف ، ولا يبلغ الربع وهو ms482 الثلث ، | ولم يعتبر الخمس ، ~~والسبع لأن تخريج مخرجهما أدق ، والترفع والتنزل فيهما | يحتاج إلى تعمق في ~~الحساب ، وقال الله تعالى : | PageV01P675 # @QB@ يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين فإن كن نساء فوق ~~اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف @QE@ # أقول : يضعف نصيب الذكر على الأنثى ، وهو قوله تعالى : # @QB@ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله @QE@ # وللبنت المنفردة النصف لأنه إن كان ابن واحد لأحاط المال ، فمن | حق ~~البنت الواحدة أن تأخذ نصفه قضية للتضعيف ، والبنتان حكمهما حكم | الثلاث ~~بالأجماع ، وإنما أعطيتا الثلثين لأنه لو كان مع البنت ابن لوجدت | الثلث ، ~~، فالبنت الأخرى أولى ألا ترزأ نصيبها من الثلث ، وإنما أفضل | للعصبة ~~الثلث لأن للبنات معونة وللعصبات معونة ، فلم يسقط إحداهما | الأخرى ، لكن ~~كانت الحكمة أن يفضل من في عمود النسب على من يحيط | به من جوانبه ، وذلك ~~نسبة الثلثين من الثلث ، وكذلك حال الوالدين مع | البنين والبنات ، وقال ~~الله تعالى : # @QB@ ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ~~ولد وورثه أبواه فلأمه الثلث فإن كان له إخوة فلأمه السدس @QE@ الآية . # أقول : قد علمت أن الأولاد أحق بالميراث من الوالدين ، وذلك بأن | يكون ~~لهم الثلثان ، ولهما الثلث ، وإنما لم يجعل نصيب الوالد أكثر من نصيب | ~~PageV01P676 | الأم لأنه اعتبر فضله من جهة قيامه مقام الولد وذبه عنه مرة ~~واحدة بالعصوبة ، | فلا يعتبر ذلك الفضل بعينه في حق التضعيف أيضا ، وعند ~~عدم الولد لا أحق | من الوالدين ، فأحاط تمام الميراث ، وفضل الأب على الأم ~~، وقد علمت أن | الفضل المعتبر في أكثر هذه المسائل فضل التضعيف ، ثم إن ~~كان الميراث | للأم والأخوة وهم أكثر من واحد وجب أن ينقص سهمها إلى السدس ~~| لأنه إن لم تكن الأخوة عصبة ، وكانت العصبات أبعد من ذلك فالعصوبة ، | ~~والرفق ، والمودة على السواء ، فجعل النصف لهؤلاء ، والنصف لهؤلاء | ثم قسم ~~النصف على الأم وأولادها ، فجعل السدس لها ألبتة لا ينقص سهمها | منه ، ~~والباقي لهم جميعا ، وإن كانت الأخوة عصبات ms483 فقد اجتمع فيهم القرابة | ~~القريبة والحماية ، وكثيرا ما يكون مع ذلك ورثة آخرون كالبنت والبنين | ~~والزوج فلو لم يجعل لها السدس حصل التفسيق عليهم . | وقال تعالى : # @QB@ ولكم نصف ما ترك أزواجكم إن لم يكن لهن ولد فإن كان لهن ولد فلكم ~~الربع مما تركن من بعد وصية يوصين بها أو دين ولهن الربع مما تركتم إن لم ~~يكن لكم ولد فإن كان لكم ولد فلهن الثمن مما تركتم من بعد وصية توصون بها ~~أو دين @QE@ . # أقول : الزوج يأخذ الميراث لأنه ذو اليد عليها وعلى مالها ، فاخراج المال ~~| من يده يسوؤه ، ولأنه يودع منها ، ويأمنها في ذات يده حتى يتخيل أن له | ~~حقا قويا فيما في يدها أو الزوجة تأخذ حق الخدمة والمواساة والرفق | ففضل ~~الزوج على الزوجة ، وهو قوله تعالى : | PageV01P677 # @QB@ الرجال قوامون على النساء @QE@ # ثم اعتبر ألا يضيقا على الأولاد ، وقد علمت أن الفضل المعتبر في أكثر | ~~المسائل فضل التضعيف قال تعالى : # ^ ( وإن كان رجل يورث كللة أو امرأة وله أخ أو أخت | فلكل واحد منهما ~~السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم | شركاء في الثلث ) ^ . # أقول : هذه الآية في أولاد الأم للاجماع ، ولما لم يكن له والد ولا ولد | ~~جعل لحق الرفق - إذا كانت فيهم الأم - النصف ، ولحق النصرة والحماية | ~~النصف ، فان لم تكن أم جعل لهم الثلثان ، ولهؤلاء الثلث ، قال الله تعالى : # | ^ ( يستفتونك قل الله يفتيكم في الكللة إن امرؤا هلك ليس | له ولد وله ~~أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها إن لم يكن لها | ولد فإن كانتا اثنتين فلهما ~~الثلثان مما ترك وإن كانوا أخوة رجالا | ونساء فللذكر مثل حظ الأنثيين ) ^ ~~الآية . # أقول : هذه الآية في أولاد الأب بني الأعيان وبني العلات بالاجماع ، | ~~والكلالة من لا والد له ولا ولد ، وقوله ( ليس له ولد ) كشف لبعض | حقيقة ~~الكلالة ، والجملة في ذلك أنه إذا لم يوجد من يدخل في عمود النسب | حمل ~~أقرب من يشبه الأولاد وهم الأخوة والأخوات على الأولاد . | PageV01P678 # قال رسول الله صلى الله عليه ms484 وسلم : ' ألحقوا الفرائض بأهلها ، فما بقي | ~~فهو لأولى ، رجل ذكر ' . # أقول : قد علمت أن الأصل في التوارث معنيان ، وقد ذكرناهما وأن | المودة ~~، والرفق لا يعتبر إلا في القرابة القريبة جدا كالأم والأخوة دون | ما سوى ~~ذلك ، فإذا جاوزهم الأمر تعين التوارث بمعنى القيام مقام الميت | والنصرة ~~له ، وذلك قوم الميت وأهل نسبه وشرفه الأقرب فالأقرب . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم ' . | أقول : إنما شرع ذلك ~~ليكون طريقا إلى قطع المواساة بينهما ، فان | اختلاط المسلم بالكافر يفسد ~~عليه دينه ، وهو قوله تعالى في حكم النكاح : # @QB@ أولئك يدعون إلى النار @QE@ # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' القاتل لا يرث ' أقول إنما شرع ذلك لأن | من الحوادث الكثيرة الوقوع أن ~~يقتل الوارث مورثه ، ليحرز ماله لا سيما | في أبناء العم ونحوهم ، فيجب أن ~~تكون السنة بينهم تأييس من فعل ذلك | عما أراده ، لتقطع عنهم تلك المفسدة ، ~~وجرت السنة ألا برث العبد ، | ولا يورث ، وذلك لأن ماله لسيده والسيد أجنبي ~~. # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' إن أعيان بني الأم يتوارثون دون بني | العلات ' أقول وذلك لما ذكرنا من ~~أن القيام مقام الميت مبناه على الاختصاص | وحجب الأقرب والأبعد بالحرمان ، ~~وأجمعت الصحابة رضي الله عنهم في زوج | وأبوين وامرأة وأبوين أن للأم ثلث ~~الباقي ، وقد بين ابن مسعود رضي الله | عنه ذلك . بما لا مزيد عليه حديث ~~قال : ما كان الله ليريني أن أفضل أما على | PageV01P679 | أب ، وقضى رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم في بنت وابنة ابن وأخت لأب | وأم للابنة النصف ~~ولابنة الابن السدس وما بقي فللاخت . # أقول : وذلك لأن الأبعد لا يزاحم الأقرب فيما يجوزه ، فما بقي فان | ~~الأبعد أحق به حتى يستوفى ما جعل الله لذلك النصف ، فالابنة تأخذ النصف | ~~كملا وابنة الابن في حكم البنات ، فلم تزاحم البنت الحقيقية ، واستوفت | ما ~~بقي من نصيب البنات ، ثم كانت الأخت عصبة لأن فيها معنى من القيام | مقام ~~البنت وهي من أهل شرفه . # وقال عمر رضي الله عنه ms485 في زوج وأم ، وأخوة لأب وأم ، وأخوة | لأم : لم ~~يزدهم الأب إلا قربا ، وتابع عليه ابن مسعود ، وزيد ، وشريح ، | رضي الله ~~عنهم ، وخلائق ، وهذا القول أوفق الأقوال بقوانين الشرع ، | وقضى للجدة ~~بالسدس إقامة لها مقام الأم عند عدمها . وكان أبو بكر ، | وعثمان ، وابن ~~عباس رضي الله عنهم يجعلون الجد أبا ، وهو أولى | الأقوال عندي . # وأما الولاء فالسر فيه النصرة وحماية البيضة ، فالأحق بها مولى النعمة ، ~~| ثم بعده الذكور من قومه الأقرب فالأقرب ، والله أعلم . # # | ( من أبواب تدبير المنزل ) # اعلم أن أصول فن تدبير المنازل مسلمة عند طوائف العرب والعجم | لهم ~~اختلاف في أشباحها وصورها ، وبعث النبي صلى الله عليه وسلم في | العرب ، ~~واقتضت الحكمة أن يكون طريق ظهور كلمة الله في الأرض | غلبتهم على الأديان ~~، ونسخ عادات أولئك بعاداتهم ، ورياسة أولئك | برياساتهم ، فأوجب ذلك ألا ~~يتعين تدبير المنازل إلا في العادات للعرب ، | وأن تعتبر تلك الصور ~~والأشباح بأعيانها ، وقد ذكرنا أكثر ما يجب ذكره | في مقدمة الباب في ~~الارتفاقات وغيرها فراجع . | PageV01P680 # # | ( الخطبة وما يتعلق بها ) # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' يا معشر الشباب من استطاع | منكم الباءة فليتزوج ، فانه أغض للبصر ~~وأحصن للفرج ، ومن لم يستطع | فعليه بالصوم ؛ فإنه له وجاء ' اعلم أن المني ~~إذا كثر توالده في البدن صعد | بخاره إلى الدماغ ، فحبب إليه النظر إلى ~~المرأة الجميلة ، وشغف قلبه حبها ، | ونزل قسط منه إلى الفرج ، فحصل الشبق ~~، واشتدت الغلمة ، وأكثر | ما يكون ذلك في وقت الشباب ، وهذا حجاب عظيم من ~~حجب الطبيعة يمنعه | من الإمعان في الإحسان ، ويهيجه إلى الزنا ، ويفسد ~~عليه الأخلاق ، ويوقعه | في مهالك عظيمة من فساد ذات البين ، فوجب إماطة ~~هذا الحجاب ، فمن | استطاع الجماع ، وقدر عليه بأن تيسرت له امرأة على ما ~~تأمر به الحكمة ، | وقدر على نفقتها فلا أحسن له من أن يتزوج ، فان التزوج ~~أغض للبصر | وأحصن للفرج من حيث إنه سبب لكثر استفراغ المني ، ومن لم يستطع ~~| ذلك فعليه بالصوم ، فان سرد الصوم له من خاصية في كسر سورة ms486 الطبيعة ، ~~وكبحها عن غلوائها ؛ لما فيه من تقليل مادتها ، فيتغير به كل خلق فاسد نشأ ~~| من كثرة الاختلاط . # ورد صلى الله عليه وسلم على عثمان بن مطعون التبتل ، فقال : ' أما والله ~~| إني لأخشاكم لله ، وأتقاكم له ، لكني أصوم ، وأفطر ، وأصلي ، وأرقد ، | ~~وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني ' . # اعلم أنه كانت المانوية والمترهبة من النصارى يتقربون إلى الله بترك | ~~PageV01P681 | النكاح ، وهذا باطل ، لأن طريقة الأنبياء عليهم السلام التي ~~ارتضاها الله | للناس هي إصلاح الطبيعة ودفع اعوجاجها ، لا سلخها عن ~~مقتضياتها ، | وقد ذكرنا ذلك مستوعبا ، فراجع ، ثم لا بد من الإرشاد إلى ~~المرأة التي | يكون نكاحها موافقا للحكمة موفرا عليه مقاصد تدبير المنزل ؛ ~~لأن الصحبة | بين الزوجين لازمة ، والحاجات من الجانبين متأكدة ، فلو كان ~~لها جبلة سوء ، | وفي خلقها وعادتها فظاظة ، وفي لسانها بذاء - ضاقت عليه ~~الأرض بما | رحبت ، وانقلبت عليه المصلحة مفسدة ، ولو كانت صالحة صلح ~~المنزل كل | الصلاح ، وتهيأ له أسباب الخير من كل جانب ، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم | : # ' الدنيا متاع ، وخير متاع الدنيا المرأة الصالحة ' ، قال | صلى الله ~~عليه وسلم : ' تنكح المرأة لأربع لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها فاظفر | ~~بذات الدين تربت يداك ' واعلم أن المقاصد التي يقصدها الناس في | اختيار ~~المرأة أربع خصال غالبا : تنكح لمالها بأن يرغب في المال ، ويرجو | ~~مواساتها معه في مالها ، أو يكون أولاده أغنياء لما يجدون من قبل أمهم ، | ~~ولحسبها يعنى مفاخر آباء المرأة فان التزوج في الأشراف شرف وجاه ، | ~~ولجمالها فإن الطبيعة البشرية راغبة في الجمال ، وكثير من الناس تغلب عليهم ~~| الطبيعة ، ولدينها أي لعفتها عن المعاصي وبعدها عن الريب وتقربها إلى ~~بارئها | بالطاعات . . . فالمال ، والجاه مقصد من غلب عليه حجاب الرسم . . ~~. ؛ والجمال ، | وما يشبهه من الشباب مقصد من غلب عليه حجاب الطبيعة . . . ~~، والدين مقصد | من تهذب بالفطرة ، فأحب أن تعاونه امرأته في دينه ورغب في ~~صحبة أهل الخير . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' خير نساء ركبن الإبل نساء قريش ، أحناه | على ولد في صغره ، وأرعاه على ~~زوج في ms487 ذات يده ' أقول : يستحب أن | تكون المرأة من كورة وقبلة عادات ~~نسائها صالحه ' فإن الناس معادن PageV01P682 | كمعادن الذهب والفضة وعادات ~~القوم ورسومهم غالبة على الإنسان ، | وبمنزلة الأمر المجبول هو عليه ، وبين ~~أن نساء قريش خير النساء من جهة | أنهن أحنى إنسان على الولد في صغره ، ~~وأرعاه على الزوج في ماله ورقيقه ، | ونحو ذلك ، وهذان من أعظم مقاصد ~~النكاح ، وبهما انتظام تدبير المنزل ، | وإن أنت فتشت حال الناس اليوم في ~~بلادنا ما وراء النهر وغيرها لم | تجد أرسخ قدما في الأخلاق الصالحة ولا ~~أشد لزوما لها من نساء قريش . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' تزوجوا الولود الودود ، فإني مكاثر | بكم الأمم ' . # أقول : تواد الزوجين به تتم المصلحة المنزلية ، وكثرة النسل بها تتم | ~~المصلحة المدنية والملية ، وود المرأة لزوجها دال على صحة مزاجها ، وقوة | ~~طبيعتها مانع لها من أن يطمح بصرها إلى غيره ، باعث على تجملها بالامتشاط | ~~وغير ذلك ، وفيه تحصين فرجه ونظره . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه | فزوجوه إن لا تفعلوا تكن فتنة في ~~الأرض وفساد عريض ' أقول . | ليس في هذا الحديث أن الكفاءة غير معتبرة ، ~~كيف وهي مما جبل عليه | طوائف الناس ، وكاد يكون القدح فيها اشد من القتل ، ~~والناس على مراتبهم | والشرائع لا تهمل مثل ذلك ولذلك قال عمر رضي الله عنه ~~: لأمنعن النساء | إلا من أكفائهن ، ولكنه أراد ألا يتبع أحد محقرات الأمور ~~نحو قلة المال | ورثاثة الحال ودمامة الجمال ، أو يكون ابن أم ولد ونحو ذلك ~~من الأسباب | بعد أن يرضى دينه وخلقه ، فإن اعظم مقاصد تدبير المنزل ~~الاصطحاب | PageV01P683 | في خلق حسن ، وأن يكون ذلك الاصطحاب سببا لصلاح ~~الدين . | قال صلى الله عليه وسلم : # ' الشؤم في المرأة والدار والفرس ' أقول : | التفسير الصحيح الذي يوجبه ~~مورد الحديث أن هنالك سببا خفيا غالبيا | يكون به أكثر من يتزوج المرأة ~~مثلا محارفا غير مبارك ، ويستحب للرجل | إذا دلت التجربة على شؤم امرأة أن ~~يريح نفسه بترك تزوجها إن كانت | جميلة أو ذات مال ms488 . # والحكمة تحكم بايثار البكر بعد أن تكون عاقلة بالغة ، فإنها أرضى | ~~باليسير لقلة خبابتها ، وانتق رحما لقوة شبابها وأقرب للتأدب بما تأمر به | ~~الحكمة ويلزم عليها ، وأحصن للفرج والنظر بخلاف الثيبات فأنهن أهل | خبابة ~~وصعوبة الأخلاق وقلة الأولاد وهن كالألواح المنقوشة لا يكاد | يؤثر فيهن ~~التأديب اللهم إلا إذا كان تدبير المنزل لا ينتظم إلا بذات التجربة | كما ~~ذكره جابر بن عبد الله رضي الله عنهما . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا خطب أحدكم المرأة فإن استطاع أن | ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها ~~فليفعل ' وقال : ' فإنه أحرى أن يؤدم | بينكما ' وقال ' هل رأيتها فإن في ~~أعين الأنصار شيئا ' أقول : السبب في | استحباب النظر إلى المخطوبة أن يكون ~~التزوج على روية ، وأن يكون أبعد | من الندم الذي يلزمه إن اقتحم في النكاح ~~ولم يوافقه فلم يرده ، وأسهل | للتلافي إن رد ، وأن يكون تزوجها على شوق ~~ونشاط إن وافقه ، والرجل | الحكيم لا يلح مولجا حتى يتبين خيره وشره قبل ~~ولوجه . # وقال صلى الله عليه وسلم # ' إن المرأة تقبل في صورة شيطان ، وتدبر | PageV01P684 | في صورة شيطان ~~إذا أحدكم أعجبته امرأة ، فوقعت في قلبه فليعمد إلى امرأته ، | فليواقعها ؛ ~~فإن ذلك يرد ما في نفسه ' . # اعلم أن شهوة الفرج أعظم الشهوات وأرهقها للقلب موقعة في مهالك | كثيرة ، ~~والنظر إلى النساء يهيجها ، وهو قوله عليه السلام : # ' المرأة تقبل | في صورة شيطان ' الخ فمن نظر إلى امرأة ، ووقعت في قلبه ~~، واشتاق إليها | وتوله لها فالحكمة ألا يهمل ذلك ، فإنه يزداد حينا فحينا ~~في قلبه حتى يملكه ، | ويتصرف فيه ، ولكل شيء مدد يتقوى به ، وتدبير ينتقص ~~به ، فمدد التوله | للنساء امتلأ أوعية المني به وصعود بخاره إلى الدماغ ، ~~وتدبير انتقاصه | استفراغ تلك الأوعية ، وأيضا فإن الجماع يشغل قلبه ، ~~ويسلبه عما يجده ، | ويصرف قلبه عما هو متوجه إليه ، والشيء إذا عولج قبل ~~تمكنه زال | بأدنى سعى . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى | ينكح ، أو يترك ' . # أقول : سبب ذلك أن الرجل إذا خطب ms489 امرأة ، وركنت إليه ظهر وجه | لصلاح ~~منزله ، فيكون تأييسه عما هو لسبيله وتخبيته عما يتوقعه إساءة معه | وظلما ~~عليه وتضييقا به . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' لا تسأل المرأة طلاق أختها لتستفرغ | صحفتها ، ولتنكح فإن لها ما قدر ~~لها ' أقول السرفية أن طلب طلاقها اقتضاب | عليها وسعى في إبطال معيشتها ، ~~ومن أعظم أسباب فساد المدينة أن يقتضب | واحد على الآخر وجه معيشته ، وإنما ~~المرضى عند الله أن يطلب كل واحد | معيشته بما يسر الله له من غير أن يسعى ~~في إزالة معيشة الآخر . | PageV01P685 # # | ( ذكر العورات ) # اعلم أنه لما كان الرجال يهيجهم النظر إلى النساء على عشقهن والتوله | ~~بهن ، ويفعل بالنساء مثل ذلك ، وكان كثيرا ما يكون ذلك سببا لأن يبتغي | ~~قضاء الشهوة منهن على غير السنة الراشدة ، كإتباع من هي في عصمة غيره ، | ~~أو بلا نكاح ، أو غير اعتبار كفاءة - والذي شوهد في هذا الباب يغني | عما ~~سطر في الدفاتر - اقتضت الحكمة أن يسد هذا الباب ، ولما كانت | الحاجات ~~متنازعة محوجة إلى المخالطة وجب أن يجعل ذلك على مراتب | بحسب الحاجات فشرع ~~النبي صلى الله عليه وسلم وجوها من السنن . # أحدها ألا تخرج المرأة من بيتها إلا لحاجة لا تجد منها بدا . # قال صلى الله عليه وسلم : ' # المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان ' . # أقول : معناه استشرف حزبه ، أو هو كناية عن تهيئ أسباب الفتنة ، | وقال ~~الله تعالى : # @QB@ وقرن في بيوتكن @QE@ # وكان عمر رضي الله عنه - لما أوتي من علم أسرار الدين - حريصا | على أن ~~ينزل هذا الحجاب حتى نادى : يا سودة إنك لا تخفين علينا لكنه | صلى الله ~~عليه وسلم رأى أن سد هذا الباب بالكلية حرج عظيم فندب إلى | ذلك من غير ~~إيجاب ، وقال : # ^ ( أذن لكن أن تخرجن إلى حوائجكن ) ^ # الثاني أن تلقي عليها جلبابها ، ولا تظهر مواضع الزينة منها إلا لزوجها | ~~أو لذي رحم محرم ، قال تعالى : # ^ ( وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك | أزكى لهم إن ~~الله خبير بما يصنعون ) ^ | PageV01P686 # @QB@ وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن ms490 فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ~~ما ظهر منها وليضربن بخمرهن على جيوبهن ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو ~~آبائهن أو آباء بعولتهن أو أبنائهن أو أبناء بعولتهن أو إخوانهن @QE@ إلى ~~قوله : ( تفلحون ) # فرخص فيما يقع به المعرفة من الوجه ، وفيما يقع به البطش في غالب | الأمر ~~وهو اليدان ، وأوجب ستر ما سوى ذلك إلا من بعولتهن والمحارم | وما ملكت ~~أيمانهن من العبيد ، ورخص للقواعد من النساء أن يضعن ثيابهن . # الثالث ألا يخلو رجل مع امرأة في بيت ليس معهما من يهابانه ، قال | صلى ~~الله عليه وسلم : # ' ألا لا يبيتن رجل عند امرأة ثيب إلا أن يكون ناكحا | أو ذا رحم ' ، ~~وقال صلى الله عليه وسلم : # ' لا يخلون رجل بامرأة فان | الشيطان ثالثهما ' . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا تجلوا على المغيبات فإن الشيطان يجري | من ابن آدم مجرى الدم ' . # الرابع ألا ينظر أحد امرأة كان أو رجلا إلى عورة الآخر امرأة كان أو | ~~رجلا إلا الزوجان ، قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا ينظر الرجل إلى عورة | الرجل ولا المرأة إلى عورة المرأة ' . # أقول : ذلك لأن النظر إلى العورة يهيج الشهوة ، والنساء ربما يتعاشقن | ~~PageV01P687 | فيما بينهن ، وكذلك الرجال فيما بينهم ، ولا حرج في ترك ~~النظر إلى السوءة ، | وأيضا فستر العورة من أصول الارتفاقات لا بد منها . # الخامس أن لا يكامع أحد أحدا في ثوب واحد ، وفي معناه أن يبيتا | على ~~سرير واحد مثلا ، قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا يفضي الرجل إلى الرجل | في ثوب واحد ، ولا تفضي المرأة إلى المرأة ~~في ثوب واحد ' . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' لا تباشر المرأة المرأة لتنعتها لزوجها كأنه | ينظر إليها ' أقول : ~~السبب أنه أشد شيء في تهيج الشهوة والرغبة ، ويورث | شهوة السحاق واللواطة ~~، وقوله : كأنه ينظر إليها معناه أن مباشرة المرأة | ربما كانت سببا لاضمار ~~حبها ، فيجري على لسانها ذكر ما وجدت فيه من اللذة | عند زوجها أو ذي رحم ~~منها ، فيكون سببا لتولههم ، وأعم المفاسد أن | تنعت امرأة عبد رجل ليس ~~زوجا ms491 لها ، وهو سبب إخراج هيت المخنث | من البيوت . # واعلم أن ستر العورة أعني الأعضاء التي يحصل العار بانكشافها بين الناس | ~~في العادات المتوسطة كالتي كانت في قريش مثلا يومئذ - من أصل الارتفاقات | ~~المسلمة عند كل من يسمى بشرا ، وهو مما امتاز به الإنسان من سائر أنواع | ~~الحيوانات ، فلذلك أوجبه الشرع ، والسوأتان ، والخصيتان ، والعانة ، | وما ~~وليها من أصول الفخذين من أجلى بديهيات الدين أنها من العورة ، | لا حاجة ~~إلى الاستدلال في ذلك ، ودل قوله صلى الله عليه وسلم : # ' إذا زوج | PageV01P688 | أحدكم عبده أمته فلا ينظر إلى ، عورتها ' وفي ~~رواية ' فلا ينظر إلى | مادون السرة وفوق الركبة ' ، وقوله عليه السلام : ' ~~أما علمت أن الفخذ | عورة ' على أن الفخذين عورة ، وقد تعارضت الأحاديث في ~~المسألة لكن | الأخذ بهذا أحوط وأقرب من قوانين الشرع . # وقال صلى الله عليه وسلم # ' إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم | إلا عند الغائط وحين يفضي ~~الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم ' وقال : | ' فالله أحق أن تستحيا منه ' ~~أقول : التعري لا يجوز إن كان خاليا إلا | عند ضرورة لا تجد منها بدا ؛ ~~فإنه كثيرا ما يهجم الإنسان عليه ، والأعمال | إنما تعتبر بالأخلاق التي ~~تنشأ منها ، ومنشأ الستر الحياء ، وأن يغلب على | النفس هيئة التحفظ ~~والتقيد ، وأن يترك الوقاحة ، وألا يسترسل ، وإذا | أمر الشارع أحدا بشيء ~~اقتضى ذلك أن يؤمر الآخر أن يفعل معه حسب | ذلك ، فلما أمرت النساء بالتستر ~~وجب أن يرغب الرجال في غض البصر ، | وأيضا فإن فتهذيب نفوس الرجال لا يتحقق ~~إلا بغض الأبصار ومؤاخذة | أنفسهم بذلك . . . قال صلى الله عليه وسلم : # ' الأولى لك وليست لك | الآخرة ' . # أقول : يشير أن حالة البقاء بمنزلة الإنشاء ، وحين دخل أعمى ، وقيل : | ' ~~أليس هو أعمى لا يبصرنا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : أفعميان أنتما | ألستما ~~تبصرانه ' أقول : السر في ذلك أن النساء يرغبن في الرجال كما يرغب | الرجال ~~فيهن . | PageV01P689 # وقال صلى الله عليه وسلم لفاطمة رضي الله عنها : # ' إنه ليس عليك | بأس إنما هو أبوك وغلامك ' أقول : إنما كان العبد ~~بمنزلة المحارم ms492 لأنه لا رغبة له في سيدته لجلالتها في عنيه ، ولا لسيدته ~~فيه لحقارته عندها ، ويعسر التستر بينهما ، وهذه الصفات كلها معتبرة في ~~المحارم فان القرابة القريبة المحرمة | مظنة قلة الرغبة ، واليأس أحد أسباب ~~قطع الطمع ، وطول الصحبة يكون | سبب قلة النشاط وعسر التستر وعدم الالتفات ~~، فلذلك جرت السنة أن | الستر عن المحارم دون الستر عن غيرهم : # # | ( صفة النكاح ) # قال صلى الله عليه وسلم : # لا نكاح إلا بولي ' اعلم أنه لا يجوز أن | يحكم في النكاح النساء خاصة ~~لنقصان عقلهن وسوء فكرهن ، فكثيرا | ما لا يهتدين المصلحة ، ولعدم حماية ~~الحسب منهن غالبا ، فربما رغبن | في غير الكفء وفي ذلك عار على قومها ، ~~فوجب أن يجعل للأولياء شيء | من هذا الباب لتسد المفسدة ، وأيضا فإن السنة ~~الفاشية في الناس من قبل | ضروره جبلية أن يكونوا الرجال قوامين على النساء ~~، ويكون بيدهم الحل | والعقد وعليهم النفقات وإنما النساء عوان بأيديهم ، ~~وهو قوله تعالى : # @QB@ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم @QE@ . الآية ، # وفي اشتراط الولي في النكاح تنويه أمرهم ، واستبداد النساء بالنكاح | ~~وقاحة منهن ، منشؤها قلة الحياء واقتضاب على الأولياء وعدم اكتراث | لهم ، ~~وأيضا يجب أن يميز النكاح من السفاح بالتشهير ، وأحق التشهير | أن يحضره ~~أولياؤها . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' لا تنكح الثيب حتى تستأمر ، ولا البكر | حتى تستأذن ، وإذنها الصموت ' ~~وفي رواية ' البكر يستأذنها أبوها ' أقول : | PageV01P690 | لا يجوز أيضا ~~أن يحكم الأولياء فقط لأنهم لا يعرفون ما تعرف المرأة من | نفسها ولأن حار ~~العقد وقاره راجعان إليها ، والاستثمار طلب أن تكون | هي الآمره صريحا ، ~~والاستئذان طلب أن تأذن ، ولا تمنع ، وأدناه السكوت ، | وإنما المراد ~~استئذان البكر البالغة دون الصغيرة كيف ولا رأي لها ، وقد | زوج أبو بكر ~~الصديق رضي الله عنه عائشة رضي الله عنها من رسول الله | صلى الله عليه ~~وسلم وهي بنت ست سنين . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إيما عبد تزوج بغير إذن سيده فهو عاهر ' | أقول : لما كان العبد مشغولا ~~بخدمة مولاه ، والنكاح وما يتفرع عليه من ms493 | المواساة معها والتخلي بها ربما ~~ينقص من خدمته وحب أن تكون السنة أن | يتوقف نكاح العبد على إذن مولاه ، ~~وأما حال الأمة فأولى أن يتوقف | نكاحها على إذن مولاها ، وهو قوله تعالى : # @QB@ فانكحوهن بإذن أهلهن @QE@ . # قال ابن مسعود رضي الله عنه : علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم | ~~التشهد في الحاجة أن الحمد لله ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من | ~~شرور أنفسنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلله فلا هادي له ، وأشهد | ~~أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، ويقرأ ثلاث آيات . # @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم ~~مسلمون @QE@ . | PageV01P691 # @QB@ واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا @QE@ ~~. # @QB@ يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ~~ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما @QE@ . # أقول كان أهل الجاهلية يخطبون قبل العقد بما يرونه من ذكر ومفاخر | قومهم ~~ونحو ذلك يتوسلون بذلك إلى ذكر المقصود والتنويه به ، وكان | جريان الرسم ~~بذلك مصلحة ، فإن الخطبة مبناها على التشهير وجعل الشيء | بمسمع ومرآى من ~~الجمهور ، والتشهير بما يراد وجوده في النكاح ليتميز من | السفاح ، وأيضا ~~فالخطبة لا تستعمل إلا في الأمور المهمة ، والاهتمام بالنكاح | وجعله أمرا ~~عظيما بينهم من أعظم المقاصد ، فأبقى النبي صلى الله عليه وسلم | أصلها ، ~~وغير وصفها ، وذلك أنه ضم مع هذه المصالح مصلحة ملية ، وهي | أنه ينبغي أن ~~يضم مع كل ارتفاق ذكر مناسب له ، وينوه في كل محل بشعائر | الله ، ليكون ~~الدين الحق منشورا أعلامه وراياتة ، ظاهرا شعاره وأماراته ، | فسن فيها ~~أنواعا من الذكر كالحمد ، والاستعانة ، والاستغفار ، والتعوذ ، | والتوكل ، ~~والتشهد ، وآيات من القرآن ، وأشار إلى هذه المصلحة بقوله : | ' كل خطبة ~~ليس فيها تشهد فهي كاليد الجذماء ' وقوله : # ' كل كلام لا يبدأ | فيه بالحمد لله فهو أجذم ' # وقال صلى الله عليه وسلم : ' فصل ما بين الحلال والحرام الصوت | ~~PageV01P692 | والدف في النكاح ' وقال صلى الله عليه وسلم : # ' أعلنوا هذا النكاح واجعلوه ms494 | في المساجد واضربوا عليه الدفوف ' . # أقول : كانوا يستعملون الدف والصوت في النكاح ، وكانت تلك عادة | فاشية ~~فيهم لا يكادون يتركونها في النكاح الصحيح الذي أبقاه النبي صلى الله عليه ~~وسلم | من الأنكحة الأربعة على ما بينته عائشة رضي الله عنها ، وفي | ذلك ~~مصلحة وهي أن النكاح والسفاح لما اتفقا في قضاء الشهوة ورضا | الرجل ~~والمرأة وجب أن يؤمر بشيء يتحقق به الفرق بينهما بادى الرأي | بحيث لا يبقى ~~لأحد فيه كلام ولا خفاء ، وكان صلى الله عليه وسلم قد رخص | في المتعة ~~أياما ، ثم نهى عنها ، أما الترخيص أولا فلمكان حاجة تدعو إليه | كما ذكره ~~ابن عباس رضي الله عنهما فيمن يقدم بلدة ليس بها أهله ، وأشار | ابن عباس ~~رضي الله عنهما أنها لم تكن يومئذ استئجارا على مجرد البضع ، بل | كان ذلك ~~مغمورا في ضمن حاجات من باب تدبير المنزل ، كيف والاستئجار | على مجرد ~~البضع انسلاخ عن الطبيعة الإنسانية ، ووقاحة يمجها الباطن السليم | وأما ~~النهي عنها فلارتفاع تلك الحاجة في غالب الأوقات ، وأيضا ففي جريان | الرسم ~~به اختلاط الأنساب لأنها عند انقضاء تلك المدة تخرج من حيزه ، | ويكون ~~الأمر بيدها ، فلا يدري ماذا تصنع ، وضبط العدة في النكاح الصحيح | الذي ~~بناؤه على التأييد في غاية العسر فما ظنك في بالمتعة وإهمال النكاح الصحيح ~~| المعتبر في الشرع ؟ فان أكثر الراغبين في النكاح إنما غالب داعيتهم قضاء ~~| PageV01P693 | شهوة الفرج وأيضا فان من الأمر الذي يتميز به النكاح من ~~السفاح التوطين | على المعاونة الدائمة وإن كان الأصل فيه قطع المنازعة ~~فيها على أعين الناس . # وكانوا لا يناكحون إلا بصدق لأمور بعثتهم على ذلك ، وكان فيه مصالح | ~~منها أن النكاح لا تتم فائدته إلا بأن يوطن كل واحد نفسه على المعاونة | ~~الدائمة ، ويتحقق ذلك من جانب المرأة بزوال أمرها من يدها ، ولا جائز | أن ~~يشرع زوال أمره أيضا من يده وإلا انسد باب الطلاق ، وكان أسيرا | في يدها ~~كما أنها عانية بيده وكان الأصل أن يكونوا قوامين على النساء ، | ولا جائز ~~أن يجعل ms495 أمرهما إلى القضاء . فان مراجعة القضية إليهم فيها حرج | وهم لا ~~يعرفون ما يعرف هو من خاصة أمره ، فتعين أن يكون بين عينيه | خسارة مال إن ~~أراد فك النظم لئلا يجترئ على ذلك إلا عند حاجة لا يجد | منها بدا ، فكان ~~هذا نوعا من التوطين . # وأيضا لا يظهر الاهتمام بالنكاح إلا بمال يكون عوض البضع ، فإن | الناس ~~لما تشاحوا بالأموال شحا لم يتشاحوا به في غيرها كان الاهتمام لا يتم | إلا ~~ببذلها ، وبالاهتمام تقر أعين الأولياء حين يتملك هو فلذة أكبادهم | وبه ~~يتحقق التمييز بين النكاح والسفاح ، وهو قوله تعالى : # @QB@ أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين @QE@ . # فلذلك أبقى النبي صلى الله عليه وسلم وجوب المهر كما كان ، ولم يضبطه | ~~للنبي صلى الله عليه وسلم بحد لا يزيد ولا ينقص ، إذ العادات في إظهار | ~~الاهتمام مختلفة ، والرغبات لها مراتب شتى ، ولهم في المشاحة طبقات ، | فلا ~~يمكن تحديده عليهم كما لا يمكن أن يضبط ثمن الأشياء المرغوبة بحد | مخصوص ، ~~ولذلك قال : التمس ولو خاتما من حديد ' وقال صلى الله عليه وسلم | ~~PageV01P694 | : ' من أعطى في صداق امرأته ملء كفه سويقا أو تمرا فقد استحل ~~' | غير أنه سن في صداق أزواجه وبناته ثنتي عشرة أوقيات ونشا ، وقال عمر | ~~رضي الله عنه : لا تغالوا في صدقات النساء فإنها إن كانت مكرمة في الدنيا | ~~أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها نبي الله صلى الله عليه وسلم الحديث . # أقول : والسر فيما سن أنه ينبغي أن يكون المهر مما يتشاح به ، ويكون | له ~~بال ينبغي ألا يكون مما يتعذر أداؤه عادة بحسب ما عليه قومه ، وهذا | القدر ~~نصاب صالح حسبما كان عليه الناس في زمانه صلى الله عليه وسلم ، | وكذلك ~~أكثر الناس بعده اللهم إلا ناس أغنياؤهم بمنزلة الملوك على الأسرة | وكان ~~أهل الجاهلية يظلمون النساء في صدقاتهن بمطل أو نقص فأنزل | الله تعالى : # @QB@ وآتوا النساء صدقاتهن نحلة فإن طبن لكم @QE@ الآية . # وقال الله تعالى : # @QB@ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن ms496 فريضة ~~@QE@ . الآية # أقول : الأصل في ذلك أن النكاح سبب الملك والدخول بها أثره ، | والشيء ~~إنما يراد به أثره ، وإنما يترتب الحكم على سببه فلذلك كان من | حقهما أن ~~يوزع الصداق عليهما ، وبالموت يتقرر الأمر ، ويثبت حيث | لم يرده حتى مات ، ~~وما انخنس عنه حتى حال بينه وبينه الموت ، وبالطلاق | يرتفع الأمر ، وينفسخ ~~، وهو شبه الرد والإقالة ، إذا تمهد هذا فنقول : | PageV01P695 | كانت في ~~الجاهلية مناقشات في باب المهر ، وكانوا يتشاحون بالمال ، ويحتجون | بأمور ~~، فقضى الله تعالى فيها بالحكم العدل على هذا الأصل ، فإن سمى لها | شيئا ، ~~ودخل بها فلها المهر كاملا سواء مات عنها أو طلقها لأنه قد تم له سبب | ~~الملك وأثره ، وأفضى الزوج إليها وهو قوله تعالى : # @QB@ وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا @QE@ . # وإن سمى لها ، ولم يدخل بها ، ومات عنها فلها المهر كاملا ، لأنه بالموت ~~| تقرر الأمر وعدم الدخول غير ضار والحالة هذه لأنه بسبب سماوي ، | فان ~~طلقها فلها نصف المهر على هذه الآية ، لتحقق أحد الأمرين دون | الآخر ، ~~فحصل شبهان : شبه بالخطبة من غير نكاح ، وشبه بالنكاح التام ، | وإن لم يسم ~~لها شيئا ودخل بها فلها مثل صداق نسائها ، لا وكس ، | ولا شطط ، وعليها ~~العدة ، ولها الميراث ، لأنه تم لها العقد بسببه وأثره ، | فوجب أن يكون ~~لها مهر ، وإنما يقدر الشيء بنظيره وشبهه ، وصداق | نسائها أقرب ما يقدر به ~~في ذلك ، وإن لم يسم لها شيئا ، ولم يدخل بها فلها | المتعة لأنه لا يجوز ~~أن يكون عقد نكاح خاليا عن المال ، وهو قوله تعالى : # @QB@ أن تبتغوا بأموالكم @QE@ . # ولا سبيل إلى إيجاب المهر لعدم تقرر الملك ولا التسمية ، فقدر دون | ذلك ~~بالمتعة ، وجعل النبي صلى الله عليه وسلم مرة سورا من القرآن مهرا ، | لأن ~~تعليمها أمر ذو بال يرغب فيه ، ويطلب كما ترغب وتطلب الأموال ، | فجاز أن ~~يقوم مقامها ، وكان الناس يعتادون الوليمة قبل الدخول بها ، | وفي ذلك ~~مصالح كثيرة . | PageV01P696 # منها التلطف بإشاعة النكاح ، وأنه على شرف الدخول بها إذ لا بد | من ~~الإشاعة لئلا ms497 يبقى محل لوهم الواهم في النسب ؛ وليتميز النكاح | عن السفاح ~~بادى الرأي ، ويتحقق اختصاصه بها على أعين الناس . # ومنها شكره ما أولاه الله تعالى من انتظام تدبير المنزل بما يصرفه الآيه ~~| عباده ، وينفعهم به . # ومنها البر بالمرأة وقومها فإن صرف المال لها ، وجمع الناس في أمرها | ~~يدل على كراماتها عليه وكونها ذات بال عنده ، ومثل هذه الأمور لا بد منها | ~~في إقامة التأليف فيما بين أهل المنزل لا سيما في أول اجتماعهم . | ومنها : ~~أن تجدد النعمة حيث ملك ما لم يكن مالكا له يورث الفرح | والنشاط والسرور ، ~~ويهيج على صرف المال ، وفي اتباع تلك الداعية | التمرن على السخاوة ، ~~وعصيان داعية الشح إلى غير ذلك من الفوائد والمصالح | فلما كان فيها جملة ~~صالحة من فوائد السياسة المدنية والمنزلية وتهذيب النفس | والاحسان وجب أن ~~، يبقيها النبي صلى الله عليه وسلم ، ويرغب فيها ، ويحث | عليها ، ويعمل هو ~~بها ، ولم يضبطه النبي صلى الله عليه وسلم بحد بمثل | ما ذكرنا في المهر ، ~~والحد الوسط الشاة ، لم صلى الله عليه وسلم على صفية | رضي الله عنها بحيس ~~وأولم على بعض نسائه بمدين من شعير . # قال : ' إذا دعى أحدكم إلى الوليمة فليأتها ' وفي رواية ' فإن شاء طعم | ~~وإن شاء ترك ' أقول : لما كان من الأصول التشريعية أنه إذا أمر واحد | أن ~~يصنع بالناس شيئا لمصلحة فمن موجب ذلك أن يحث الناس على أن | ينقادوا له ~~فيما يريد ، ويتمثلوا له ، ويطاوعوه ، وإلا لما تحققت المصلحة | المقصودة ~~بالأمر ، فلما أمر هذا أن يشيع أمر النكاح بوليمة تصنع للناس | وجب أن يؤمر ~~أولئك أن يجيبوه إلى طعامه ، فإن كان صائما ولم يطعم | PageV01P697 | فلا ~~بأس بذلك فإنه حصلت الإشاعة المقصودة ، وأيضا فمن الصلة أن يجيبه | إذا دعى ~~، وفي جريان السنة بذلك انتظام أمر المدينة والحي . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' إنه ليس لي أو لنبي أن يدخل بيتا مزوقا ' | أقول : لما كانت الصور يحرم ~~صنعها ، ويحرم استعمال الثوب المصنوعة هي | فيه كان من مقتضى ذلك أن يهجر ~~البيت الذي فيه ms498 تلك الصورة ، وأن تقام | اللأئمة في ذلك لا سيما للأنبياء ~~عليهم السلام ، فإنهم بعثوا أمرين بالمعروف | وناهين عن المنكر ، وأيضا ~~فلما كان استحباب التجمل البالغ سببا لشدة | خوضهم في طلب الدنيا - وقد وقع ~~ذلك في الأعاجم حتى أنساهم ذكر | الآخرة - وجب أن يكون في الشرع ناهية عن ~~ذلك وإظهار نفرة عنه . # ونهى صلى الله عليه وسلم عن طعام المتبارين أن يؤكل . أقول : كان | أهل ~~الجاهلية يتفاخرون يريد كل واحد أن يغلب الآخر ، فيصرف المال | لذلك الغرض ~~دون سائر النيات ، وفيه الحقد وفساد ذات البين وإضاعة | المال من غير مصلحة ~~دينية أو مدنية ، وإنما هو اتباع داعيه نفسانية ، فلذلك | وجب أن يهجر أمره ~~، ويهان ، ويسد هذا الباب ، وأحسن ما ينهى به | ألا يؤكل طعامه . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا اجتمع داعيان فأجب أقربهما بابا ، | وإن سبق أحدهما فأجب الذي سبق ~~' . أقول : لما تعارضا طلب الترجيح | وذلك بالسبق أو بقربه . # # | ( المحرمات ) # الأصل فيها قوله تعالى : # ^ ( ولا تنكحوا ما نكح آبائكم ) ^ | PageV01P698 # إلى قوله : # @QB@ والله غفور رحيم @QE@ . # وقوله صلى الله عليه وسلم : # ' أمسك أربعا وفارق سائرهن ' وقوله | صلى الله عليه وسلم : # ' لا تنكح المرأة على عمتها ' الحديث ، وقوله تعالى : # @QB@ الزاني لا ينكح إلا زانية @QE@ . الآية # اعلم أن تحريم المحرمات المذكورة في هذه الآيات كان أمرا شائعا في | أهل ~~الجاهلية مسلما عندهم ، لا يكادون يتركونه ، اللهم إلا أشياء يسيرة | كانوا ~~ابتدعوها من عند أنفسهم بغيا وعدوانا كنكاح ما نكح آباؤهم والجمع | بين ~~الأختين ، وكانوا توارثوا تحريمها طبقة عن طبقة حتى صار لا يخرج من قلوبهم ~~إلا أن تمزع وكان في تحريمها مصالح جليلة ، فأبقى الله تعالى | عز وجل أمر ~~المحرمات على ما كان ، وسجل عليهم فيما كانوا تهاونوا فيه . # والأصل في التحريم أمور : # منها جريان العادة بالاصطحاب والارتباط وعدم إمكان لزوم الستر | فيما ~~بينهم وارتباط الحاجات من الجانبين على الوجه الطبيعي دون الصناعي | فإنه ~~لو لم تجر السنة بقطع الطمع عنهن والإعراض عن الرغبة فيهن لهاحت | مفاسد لا ~~تحصى وأنت ترى الرجل يقع بصره ms499 على محاسن امرأة أجنبية ، | فيتوله بها ، ~~ويقتحم في المهالك لأجلها ، فما ظنك فيمن يخلو معها ، وينظر | إلى محاسنها ~~ليلا ونهارا ؟ وأيضا لو فتح باب الرغبة فيهن ولم يسد ، ولم تقم | اللائمة ~~عليهم فيه أفضى ذلك إلى ضرر عظيم عليهن ، فإنه سبب عضهن إياهن | ~~PageV01P699 | عمن يرغبن فيه لأنفسهم ، فإنه بيدهم أمرهن ، وإليهم إنكاحهن ~~أولا يكون | لهن أن نكحوهن من يطالبهم عنهن حقوق الزوجية مع شدة احتياجهن ~~إلى | من يخاصم عنهن . # ونظيره ما وقع في اليتامى كان الأولياء يرغبون في مالهن وجمالهن | ولا ~~يوفون حقوق الزوجية فنزل : # @QB@ وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء @QE@ ~~. الآية # بينت ذلك عائشة رضي الله عنها وهذا الارتباط على الوجه الطبيعي | واقع ~~بين الرجال ، والأمهات ، والبنات ، والأخوات ، والعمات ، | والخالات ، ~~وبنات الأخ ، وبنات الأخت . # ومنها الرضاعة فإن التي أرضعت تشبه الأم من حيث إنها سبب اجتماع | أمشاج ~~بنيته وقيام هيكله ، غير أن الأم جمعت خلقته في بطنها ، وهذه | درت عليه سد ~~رمقه في أول نشأته ، فهي أم بعد الأم وأولادها أخوة | بعد الأخوة . وقد ~~قاست في حضانته ما قاست ، وقد ثبت في ذمته من حقوقها | ما ثبت ، وقد رأت في ~~صغره ما رأت ، فيكون تملكها والوثوب عليها | ما تمجه الفطرة السليمة ، وكم ~~من بهيمة عجماء لا تلتفت إلى أمها أو مرضعتها | هذه اللفتة فما ظنك بالرجال ~~؟ وأيضا فإن العرب كانوا يسترضعون أولادهم | في حي من الأحياء ، فيشب فيهم ~~الوليد ، ويخالطهم كمخالطة المحارم ، | ويكون عندهم للرضاعة لحمة كلحمة ~~النسب ، فوجب أن يحمل على النسب ، | وهو قوله صلى الله عليه وسلم : # ' يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة ' . # ولما كان الرضاع إنما صار سببا للتحريم لمعنى المشابهة بالأم في كونها ~~سببا | لقيام بنية المولود وتركيب هيكله وجب أن يعتبر في الأرضاع شيآن : | ~~PageV01P700 # أحدهما القدر الذي يتحقق به هذا المعنى ، فكان فيما أنزل من القرآن | عشر ~~رضعات معلومات ( يحر - من - ، ثم نسخن بخمس معلومات ، فتوفى رسول | الله ~~صلى الله عليه وسلم وهن مما يقرأ في القرآن ms500 . أما التقدير فلأنه لما كان | ~~المعنى موجودا في الكثير دون القليل وجب عند التشريع أن يضرب بينهما | حد ~~يرجع إليه عند الاشتباه ، وأما التقدير بعشر فلأن العشر أول حد مجاوزة | ~~العدد من الآحاد وتدربه في العشرات ، وأول حد يستعمل فيه جمع الكثرة | ولا ~~يستعمل فيه جمع القلة ، فكان نصابا صالحا لضبط الكثرة المعتد بها | المؤثرة ~~في بدن الإنسان أما النسخ بخمس فللاحتياط لأن الطفل إذا أرضع | خمس رضعات ~~غزيرات يظهر الرونق والنضارة على وجهه وبدنه ، وإذا | أصابه عوز اللبن في ~~هذه الرضعات وكانت المرضع غير ذات در ظهر | على بدنه القحول والهزال وهذه ~~آية أنها سبب التنمية وقيام الهيكل | وما دون ذلك لا يظهر أثره . # قال صلى الله عليه وسلم : ' لا تحرم الرضعة والرضعتان ، ولا تحرم المصة ~~والمصتان ، لا تحرم | الإملاجة ولا الإملاجتان ' وأما على قول من قال يحرم ~~الكثير والقليل | فالسبب تعظيم أمر الرضاع وجعله كالمؤثر بالخاصية كسنة ~~الله تعالى في سائر | ما لا يدرك مناط حكمه . # والثاني أن يكون الرضاع في أول قيام الهيكل وتشبح صورة الولد ، | وإلا ~~فهو غذاء بمنزلة سائر الأغذية الكائنة بعد التشبح وقيام الهيكل كالشاب | ~~يأكل الخبز ، قال صلى الله عليه وسلم : # ' إن الرضاعة من المجاعة ' وقال | صلى الله عليه وسلم : # ' لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء في الثدي ، | وكان قبل الفطام ' ~~. | PageV01P701 # ومنها الاحتراز عن قطع الرحم بين الأقارب ؛ فإن الضرتين تتحاسدان ، | ~~وينجر البعض إلى أقرب الناس منهما ، والحسد بين الأقارب أخنع وأشنع ، | وقد ~~كره جماعان من السلف ابنتي عم لذلك ، فما ظنك بامرأتين أيهما فرض | ذكرا ~~حرمت عليه الأخرى كالأختين ، والمرأة ، وعمتها ، والمرأة ، وخالتها ، | وقد ~~اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأصل في تحريم الجمع بين بنت النبي | ~~صلى الله عليه وسلم وبنت غيره ؛ فإن الحسد من الضره واستئثارها من الزوج | ~~كثيرا ما ينجران إلى بغضها وبغض أهلها ، وبغض النبي صلى الله عليه وسلم | ~~ولو بحسب الأمور المعاشية يفضي إلى الكفر ، والأصل في هذا الأختان ، | ونبه ~~النبي صلى الله عليه ms501 وسلم بقولة : ' لا يجمع بين المرأة وعمتها ' الحديث | ~~على وجه المسألة . # ومنها المصاهرة فإنه لو جرت السنة رغبة بين الناس أن يكون للأم رغبة في | ~~زوج بنتها وللرجال في حلائل الأبناء وبنات نسائهم لأفضى إلى السعي في فك | ~~ذلك الربط أو قتل من يشح به ، وإن أنت تسمعت إلى قصص قدماء الفارسيين | ~~واستقرأت حال أهل زمانك من الذين لم يتقيدوا بهذه السنة الراشدة وجدت | ~~أمروا عظاما ومهالك ومظالم لا تحصى ، وأيضا فإن الاصطحاب في هذه | القرابة ~~لازم ، والستر متعذر ، والتحاسد شنيع ، والحاجات من الجانبين | متنازعة ، ~~فكان أمرها بمنزلة الأمهات والبنات أو بمنزلة الأختين . # ومنها العدد الذي لا يمكن الإحسان إليه من العشرة الزوجية فإن الناس | ~~كثيرا ما يرغبون في جمال النساء ، ويتزوجون منهن ذوات عدد ، ويستأثرون | ~~منها حظية ، ويتركون الأخر كالمعلقة ، فلا هي مزوجة حظية تقر عينها ، | ولا ~~هي أيم يكون أمرها بيدها ، ولا يمكن أن يضيق في ذلك كل تضييق ، | فإن من ~~الناس من لا يحصنه فرج واحد ، وأعظم المقاصد التناسل ، والرجل | ~~PageV01P702 | يكفي لتلقيح عدد كثير من النساء ، وأيضا فالاكثار من النساء ~~شيمة | الرجال وربما يحصل به المباهاة ، فقدر الشارع بأربع ، وذلك أن ~~الأربع | عدد يمكن لصاحبة أن يرجع إلى كل واحدة بعد ثلاثة ليال ، وما دون ~~ليلة | لا يفيد فائدة القسم ، ولا يقال في ذلك : بات عندها ، وثلاث أول حد ~~كثرة | وما فوقها زيادة الكثرة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أن ينكح ما ~~شاء | وذلك لأن ضرب هذا الحد إنما هو لدفع مفسدة غالبية دائرة على مظنة | ~~لا لدفع مفسدة عينية حقيقيه ، والنبي صلى الله عليه وسلم قد عرف المئة | ~~فلا حاجة له في المظنة وهو مامون في طاعة الله وامتثال أمره دون | سائر ~~الناس . # ومنها اختلاف الدين ؛ وهو قوله تعالى : # @QB@ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا @QE@ . الآية # وقد بين في هذه الآية أن المصلحة المرعية في هذا الحكم هو أن | صحبة ~~المسلمين مع الكفار وجريان المواساة فيما بين المسلمين وبينهم لا سيما | ~~على وجه الازدواج مفسدة للدين ms502 سبب لآن يدب في قلبه الكفر من حيث | يشعر ومن ~~حيث لا يشعر ، وأن اليهود . والنصارى يتقيدون بشريعة سماوية | قائلون بأصول ~~قوانين التشريع وكلياته دون المجوس والمشركين فمفسدة صحبتهم | خفيفة ~~بالنسبة إلى غيرهم ، فإن الزوج قاهر على الزوجة قيم عليها وإنما الزوجات | ~~عوان بأيديهم ، فإذا تزوج المسلم الكتابية خف الفساد ، فمن حق هذا أن | ~~يرخص فيه ، ولا يشدد كتشديد سائر أخوات المسألة . # ومنها كون المرأة أمة لآخر ، فإنه لا يمكن تحصين فرجها بالنسبة إلى | ~~سيدها ، ولا اختصاصه بها بالنسبة إليه إلا من جهة التفويض إلى دينه | ~~PageV01P703 | وأمانته ، ولا جائز أن يسد سيدها عن استخدامها والتخلي بها ~~فإن ذلك | ترجيح أضعف الملكين على أقواهما فإن هنالك ملكين : ملك الرقبة . ~~| وملك البضع ، والأول هو الأقوى المشتمل على الآخر المستتبع له ، والثاني ~~| هو الضعيف المندرج ، وفي اقتضاب الأدنى للأعلى قلب الموضوع وعدم | ~~الاختصاص بها ، وعدم إمكان ذب الطامع فيها هو أصل الزنا ، وقد اعتبر | انبي ~~صلى الله عليه وسلم هذا الأصل في تحريم الأنكحة التي كان أهل الجاهلية | ~~يتعاملونها ، كالاستبضاع وغيره على ما بينته عائشة رضي الله عنها ، فإذا | ~~كانت فتاة مؤمنة بالله محصنة فرجها ، واشتدت الحاجة إلى نكاحها لمخافة | ~~العنت وعدم طول الحر خف الفساد وكانت الضروره والضرورات | تبيح المحظورات . # ومنها كون المرأة مشغولة بنكاح مسلم أو كافر ، فإن أصل الزنا هو | ~~الازدحام على الموطوءه من غير اختصاص أحدهما بها وغير قطع طمع | الآخر فيها ~~، ولذلك قال الزهري رحمة الله عليه : ويرجع ذلك إلى أن الله | تعالى حرم ~~الزنا ، وأصاب الصحابه رضي الله عنهم سبايا ، وتحرجوا من | غشيانها من أجل ~~أزواجهن من المشركين ، فأنزل الله تعالى : # @QB@ والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم @QE@ . # أي فهن حلال من جهة أن السبي قاطع لطعمه ، واختلاف الدار مانع | من ~~الازدحام عليها ، ووقوعها في سهمه مخصص لها به . # ومنها كون المرأة زانية مكتسبة بالزنا ، فلا يجوز نكاحها حتى تتوب ، | ~~وتقلع عن فعلها ذلك ، وهو قوله تعالى : # @QB@ والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك @QE@ . | PageV01P704 # والسر فيه أن ms503 كون الزانية في عصمته وتحت يده وهي باقية على عادتها | من ~~الزنا ديوسية وانسلاخ عن الفطرة السليمة ، وأيضا فانه لا يأمن من أن | تلحق ~~به ولد غيره . # ولما كانت المصلحة من تحريم المحرمات لا تتم إلا بجعل التحريم أمرا | ~~لازما وخلقا جبليا بمنزلة الأشياء التي يستنكف منها طبعا ، وجب أن يؤكد | ~~شهرتها وشيوعها وقبول الناس لها باقامة لائمة شديدة على إهمال تحريمها ، | ~~وذلك أن تكون السنة قتل من وقع على ذات ، ورحم محرم منه بنكاح أو غيره ، | ~~ولذلك بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من تزوج بامرأه أبيه أن | يؤتى ~~برأسه . # # | ( آداب المباشرة ) # اعلم أن الله تعالى لما خلق الإنسان مدنيا بالطبع ، وتعلقت إرادته | ~~ببقاء النوع بالتناسل وجب أن يرغب الشرع في التناسل أشد رغبة ، | وينهى عن ~~قطع النسل والأسباب المفضية إليه أشد نهي ، وكان أعظم | أسباب النسل ~~وأكثرها وجودا وأفضاها إليه وأحثها عليه هو شهوة الفرج ، | فانها كالمسلط ~~عليهم منهم يقهرهم على ابتغاء النسل ، أشاءوا أم أبوا ، وفي | جريان الرسم ~~باتيان الغلمان ووطء النساء في أدبارهن تغيير خلق الله حيث | منع المسلط ~~على شيء من إفضائه إلى ما قصد له وأشد ذلك كله وطء الغلمان | فانه تغيير ~~لخق الله من الجانبين وتأنث الرجال أقبح الخصال ، وكذلك | جريان الرسم بقطع ~~أعضاء النسل واستعمال الادوية القامعة للباءة والتبتل | وغيرها تغيير لخلق ~~الله عز وجل وإهمال لطلب النسل ، فنهى النبي | صلى الله عليه وسلم عن كل ~~ذلك قال : ' لا تأتوا النساء في أدبارهن ، ملعون من | أتى امرأة في دبرها ' ~~وكذلك نهى عن الخصاء والتبتل في أحاديث كثيرة | قال الله تعالى : # @QB@ نساؤكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم @QE@ . | PageV01P705 # اقول : كان اليهود يضيقون في هيئة المباشرة من غير حكم سماوي ، | وكان ~~الأنصار ومن وليهم يأخذون سنتهم ، وكانوا يقولون : إذا أتى الرجل | امرأته ~~من دبرها في قبلها كان الولد أحول فنزلت هذه الآية : أقبل ، | وأدبر ما كان ~~في صمام واحد ، وذلك لأنه شيء لا يتعلق به المصلحة | المدنية والملية ' ~~والإنسان أعرف بمصلحة خاصة ms504 نفسه ، وإنما كان ذلك من | تعمقات اليهود فكان ~~من حقه أن ينسخ . # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل ؟ فقال : # ' ما عليكم | ألا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة ~~' أقول : | يشير إلى كراهية العزل من غير تحريم ، والسبب في ذلك أن المصالح ~~| متعارضة ، فالمصلحة الخاصة بنفسه في السبي مثلا أن يعزل ، والمصلحة | ~~النوعية ألا يعزل ، ليتحقق كثرة الأولاد وقيام النسل ، والنظر إلى المصلحة ~~| النوعية أرجح من النظر إلى المصلحة الشخصية في عامة أحكام الله تعالى | ~~التشريعية والتكوينية ، على أن العزل ليس فيه ما إتيان الدبر من تغيير | ~~خلق الله ولا الأعراض من التعرض للنسل ، ونبه صلى الله عليه وسلم | بقوله : ~~' ما عليكم أن ألا تفعلوا ' على أن الحوادث مقدرة قبل وجودها . | وأن الشيء ~~إذا قدر ولم يكن له في الأرض إلا سبب ضعيف فمن سنة الله | عز وجل أن يبسط ~~ذلك السبب الضعيف حتى يفيد الفائدة التامة ، فالإنسان | إذا قارب الإنزال ~~وأراد أن ينزع ذكره كثيرا ما يتقاطر في إحليله | قطرات تكفي من مادة ولده ~~وهو لا يدري ، وهو سر قول عمر رضي الله عنه | بالحاق الولد بمن أقر أنه ~~مسها لا يمنع من ذلك العزل . | PageV01P706 # وقال صلى الله عليه وسلم : ' لقد هممت أن أنهي عن الغيلة فنظرت | في ~~الروم فارس فإذا هم يغيلون أولادهم فلا تضر أولادهم ' وقال : # ' لا تقتلوا | أولادكم سرا فان الغيل يدرك الفارس ، فيدعثره ' . # أقول : هذا إشارة إلى كراهية الغيلة من غير تحريم ، وسببه أن جماع | ~~المرضع يفسد لبنها ، وينفه الولد ، وضعفه في أول نمائه يدخل في جذر | مزاجه ~~، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أنه أراد التحريم لكونه مظنة الغالب | ~~للضرر ، ثم أنها لما استقرأ وجد أن الضرر غير مطرد وأنه لا يصلح للمظنة | ~~حتى يدار عليه التحريم ، وهذا الحديث أحد دلائل ما أثبتناه من أن النبي | ~~صلى الله عليه وسلم كان يجتهد وأن اجتهاده معرفة المصالح والمظان وإدارة | ~~التحريم والكراهية عليها . # قال صلى الله عليه وسلم : ' إن ms505 من أشر الناس عند الله منزلة الرجل | يفضي ~~إلى امرأته ، وتفضي هي إليه ثم ينشر سرها ' أقول : لما كان الستر | واجبا ~~وإظهار ما أسبل عليه الستر قلبا لموضوعه ومناقضا لغرضه كان من | مقتضاه أن ~~ينهى عنه ، وأيضا فاظهار مثل هذه مجانة ووقاحة ، واتباع مثل | هذه الدواعي ~~يعد النفس لتشبح الألوان الظلمانية فيها . # وكانت الملل مختلفه فيما يفعل في بالحائض ، فمن متعمق كاليهود يمنع ~~مؤاكلتها | ومضاجعتها ، ومن متهاون كالمجوس يجوز الجماع وغيره ، ولا يجد ~~للحيض | بالا وكل ذلك إفراط وتفريط ، فراعت الملة المصطفوية التوسط فقال : ~~| ' اصنعوا كل شيء إلا النكاح ' وذلك لمعان # منها أن جماع الحائض لا سيما في فور حيضتها ضار اتفق الأطباء على | ذلك ، ~~ومنها أن مخالطة النجاسة خلق فاسد تمجه الطبيعة السليمة ، ويقرب | ~~PageV01P707 | من الشياطين وفي مثل الاستنجاء حاجة ، وإنما المقصود من ذلك ~~إزالتها ، | وفي جماع الحائض الغمس في النجاسة ، وهو قوله تعالى : # @QB@ قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض @QE@ . # واختلفت الرواية فيما دون الجماع ، فقيل : يتقي شعار الدم ، وقيل : | ~~يتقي ما تحت الإزار ، وعلى الوجهين هو الدواعي ، وجاء الأمر لمن | عصى الله ~~، فجامع الحائض أن يتصدق بدينار أو نصف دينار وهذا ليس | بمجمع عليه ، وسر ~~الكفارة ما ذكرنا مرارا . # # | ( حقوق الزوجية ) # اعلم أن الارتباط الواقع بين الزوجين أعظم الارتباطات المنزلية | بأشرها ~~، وأكثرها نفعا ، وأتمها حاجة ؛ إذ السنة عند طوائف الناس عربهم | وعجمهم ~~أن تعاونه المرأة في استيفاء الارتفاقات ، وأن تتكفل له بتهيئة | المطعم ~~والمشرب والملبس ، وأن تخزن ماله ، وتحضن ولده ، وتقوم في | بيته مقامه عند ~~غيبته إلى غير ذلك مما لا حاجة إلى شرحه وبيانه ، فلذلك كان | أكثر توجه ~~الشرائع إلى إبقائه ما أمكن وتوفير مقاصده وكراهية تنغيصه | وإبطاله ، وكل ~~ارتباط لا يمكن استيفاء مقاصده إلا بإقامة الألفة ، ولا ألفة | إلا بخصال ~~يقيدان أنفسهما عليها ، كالمواساة وعفو ما يفرط من سوء الأدب | والاحتراز ~~عما يكون سببا للضغائن ووحر الصدر وإقامة المفاكهة وطلاقة | الوجه ونحو ذلك ~~، فاقتضت الحكمة أن يرغب في هذه الخصال ويحث عليها . # قال صلى الله ms506 عليه وسلم : # ' استوصوا بالنساء خيرا فإنهن خلقن من | ضلع ، فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن ~~تركته لم يزل أعوج ' أقول : معناه | اقبلوا وصيتي ، واعملوا بها في النساء ~~، وان في خلقهن عوجا وسوءا ، وهو | PageV01P708 | كالأمر اللازم بمنزلة ما ~~يتوارثه الشيء من مادته ، وأن الإنسان إذا أراد | استيفاء مقاصد المنزل ~~منها لا بد أن يجاوز عن محقرات الأمور ، ويكظم | الغيظ فيما يجده خلاف هواه ~~إلا ما يكون من باب الغيرة المحمودة وتداركا | لجور ونحوه ذلك . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' لا يفرك مؤمن مؤمنة ، ان كره منها خلقا رضي | منها الآخر ' أقول : ~~الإنسان إذا كره منها خلقا ينبغي ألا يبادر إلى الطلاق ، | فإنه كثيرا ما ~~يكون فيها خلق آخر يستطاب منها ، ويتحمل سوء عشرتها | لذلك . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' اتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن | بأمان الله ، واستحللتم ~~فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن ألا يوطئن | فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ~~، فاضربوهن ضربا غير مبرح | ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ' . # اعلم أن الواجب الأصلي هو المعاشرة بالمعروف ، وهو قوله تعالى : # @QB@ وعاشروهن بالمعروف @QE@ . # فبينها النبي صلى الله عليه وسلم بالرزق والكسوة وحسن المعاملة ، ولا ~~يمكن في الشرائع | المستندة إلى الوحي أن يعين جنس القوت وقدره مثلا ، فإنه ~~لا يكاد يتفق | أهل الأرض على شيء واحد ، ولذلك إنما أمر أمرا مطلقا . | ~~PageV01P709 # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه ، فأبت ، | فبات غضبان لعنتها الملائكة ~~حتى تصبح ' . أقول لما كانت المصلحة المرعية | في النكاح تحصين فرجه وجب أن ~~تحقق تلك المصلحة ، فإن من أصول | الشرائع أنها إذا ضربت مظنة لشيء سجل بما ~~يحقق وجود المصلحة عند المظنة | وذلك أن تؤمر المرأة بمطاوعته إذأ أراد ~~منها ذلك ، ولولا هذا لم يتحقق | تحصين فرجه ، فإن أبت ، فقد سعت في رد ~~المصلحة التي أقامها الله في عباده ، | فتوجه إليها لعن الملائكة على كل من ~~سعى في فسادها . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إن من الغيرة ما يحب الله ومنها ما يبغض | الله ، فأما التي يحبها الله ms507 ~~فالغيرة في الريبة ، وأما التي يبغضها الله فالغيرة في غير | ريبة ' . أقول ~~: فرق بين اقامة المصلحة والسياسة التي لا بد له منها وبين سوء | الخلق ~~والضجر والضيق من غير موجب . # قال الله تعالى : # @QB@ الرجال قوامون على النساء بما فضل الله @QE@ إلى قوله . @QB@ إن ~~الله كان عليما خبيرا @QE@ . # أقول : يجب أن يجعل الزوج قواما على امرأته ، وأن يكون له الطول | عليها ~~بالجبلة فإن الزوج أتم عقلا وأوفر سياسة وآكد حماية وذبا للعار ، | بالمال ~~حيث أنفق عليها رزقها وكسوتها ، وكون السياسة بيده يقتضي أن | يكون له ~~تعزيرها وتأديبها أن بغت ، وليأخذ بالأسهل فالأسهل ، فالأول | بالوعظ ، ثم ~~الهجر بالضجع يعني ترك مضاجعتها ، ولا يخرجها من بيته ، | ثم الضرب غير ~~المبرح أي الشديد ، فإن اشتد الشقاق ، وادعى كل نشوز | الآخر وظلمه لم يكن ~~قطع المنازعة إلا بحكمين : حكم من أهله ، وحكم من | أهلها يحكمان عليهما من ~~النفقة وغيرها ما يريان من المصلحة وذلك لأن | PageV01P710 | إقامة البينة ~~على ما يجري في الزوجين ممتنعة ؛ فلا أحق من أن يجعل الأمر | إلى أقرب ~~الناس إليهما وأشفقهم عليهما . # قال رسول الله : # ' ليس منا من خبب امرأة على | زوجها أو عبدا على سيده ، . أقول : أحد ~~أسباب فساد تدبير المنزل أن | يخبب إنسان المرأة أو العبد وذلك سعي في ~~تنغيص هذا النظم وفكه ومناقضة | المصلحة الواجب إقامتها . # واعلم أن باب فساد تدبير المنزل خصالا فاشية في الناس ، كثيرا | المبتلون ~~بها ، فلا بد أن يتعرض الشرع لها ، ويبحث عنها ، منها أن يجتمع | عند رجل ~~عدد من النسوة ، فيفضل إحداهن في القسم وغيره ، ويظلم الآخرى | ويتركها ~~كالمعلقة قال الله تعالى : # @QB@ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل ~~فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورا رحيما @QE@ . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' إذا كان عند الرجل امرأتان ، | فلم ~~يعدل بينهما جاء يوم القيامة وشقه ساقط ' . أقول : قد مر أن المجازاة | ~~إنما تظهر في صورة العمل فلا نعيده . # ومنها أن يعضلهن الأولياء عما يرغبن فيه من ms508 الأكفاء أتباعا لداعية | ~~نفسانية من حق وغضب ونحوهما ، وفي ذلك من المفسدة ما لا يخفى فنزل | قوله ~~تعالى : | PageV01P711 # @QB@ وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن @QE@ . # ومنها أن يتزوج اليتامى اللاتي في حجره إن كن ذوات مال وجمال ، | ولا يفي ~~بحقوقهن مثل ما يصنع بذوات الآباء ، ويتركهن إن كن على غير | ذلك ، قال ~~الله تعالى : # ^ ( وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فنكحوا ما طاب لكم | من النساء مثنى ~~وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة | أو ما ملكت أيمانكم ) ^ . # فنهى الإنسان إن خشي الجور أن ينكح اليتامى ، أو ينكح ذوات | عدد من ~~النساء . # ومن السنة إذا تزوج البكر على امرأة أقام عندها سبعا ، ثم قسم ، | وإذا ~~تزوج الثيب أقام عندها ثلاثا ، ثم قسم . # أقول : السر في هذا أنه لا يجوز أن يضيق في هذا الباب كل التضييق ، | ~~فإنه لا يطيقه أكثر أفراد الإنسان وهو قوله تعالى : # @QB@ ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم @QE@ # نبه على أنه لما لم يكن إقامة العدل الصراح وجب أن يدار الحكم على | ترك ~~الجور الصريح ، فإذا رغب رجل في امرأة ، وأعجبه حسنها ، وشغف | قلبه جمالها ~~، وكان له رغبة وافره إليها لم يكن أن يصد عن ذلك بالكلية ؛ | لأنه ~~كالتكليف بالممتنع ، فقدر له مقدار استئثاره لها ، لئلا يزيد ، فيقتحم | ~~PageV01P712 | في الجور ، وأيضا فمن المصلحة المعتبرة تأليف قلب الجديدة ~~وإكرامها ، | ولا يحصل إلا بأن يستأثر وهو إيماء قوله صلى الله عليه وسلم ~~لأم سلمة | رضي الله عنها : # ' ليس لك على أهلك هوان إن شئت سبعت ' الحديث | وأما كسر قلب القديمة فقد ~~عولج في الجريان السنة بالزيادة للجديدة ، فإنه | إذا جرت السنة بشيء ، ولم ~~يكن مما قصد به إيذاء أحد أو مما خص به هان | وقعه عليه ، وهو إيماء قوله ~~تعالى : # @QB@ ذلك أدنى أن تقر أعينهن ولا يحزن ويرضين بما آتيتهن كلهن @QE@ . # يعني نزول القرآن بالخيرة في حقهن سبب زوال السخطة بالنسبة إليه | صلى ~~الله عليه وسلم ، والبكر الرغبة فيهاا أتم ، والحاجة إلى تأليف ms509 قلبها | ~~أكثر ، فجعل قدرها السبع ، وقدر الثيب الثلاث . # وكان صلى الله عليه وسلم يقسم بهن ، وإذا أراد سفرا أقرع بين نسائه . | ~~أقول : وذلك دفعا لوحر الصدر ، والظاهر أن ذلك منه صلى الله عليه وسلم | ~~كان تبرعا وإحسانا من غير وجوب عليه لقوله تعالى : # @QB@ ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء @QE@ . # وأما في غيره فموضع تأمل واجتهاد ، ولكن جمهور الفقهاء أوجبوا | ~~PageV01P713 | القسم ، واختلفوا في القرعة . أقول : وفيه أن قوله : فلم ~~يعدل مجمل لا يدري | أي عدل أريد به ، وقوله تعالى : # @QB@ فتذروها كالمعلقة @QE@ . # مبين أن المراد نفي الجور الفاحش وإهمال أمرها بالكلية سوء | العشرة معها ~~. # وأعتقت بربرة ، وكان زوجها عبدا ، فخيرها رسول الله صلى الله عليه وسلم | ~~. فاختارت نفسها . أقول : السبب في ذلك ان كون الحرة فراشا للعبد | عار ~~عليها ، فوجب دفع ذلك العار عنها إلا أن ترضى به ، وأيضا فالأمة تحت | يد ~~مولاها ليس رضاها رضا حقيقة ، وإنما النكاح بالتراضي ، فلما | أن كان أمرها ~~بيدها وجب ملاحظة رضاها ، وفي رواية إن قربك ، فلا خيار | لك ، وذلك لأنه ~~لا بد من ضرب حد ينتهي إليه الخيار ، وإلا كان لها الخيار | طول عمرها ، ~~وفي ذلك قلب موضوع النكاح ، ولا يصلح اختيارها إياه | بالكلام حتى ينتهي ~~إليه ، لأنها ربما تشاور أهلها ، وتقلب الأمر في نفسها | وكثيرا ما يجري ~~عند ذلك صيغة الاختيار وإن لم تجزم به ، وفي إلجائها | ألا تتكلم بمثلها ~~حرج ، فلا أحق من القربان إذ هو فائدة الملك والشيء | الذي يقصد منه والأمر ~~الذي يتم به ، والله أعلم . # # | ( الطلاق ) # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' أيما امرأة سألت زوجها طلاقا | من غير بأس فحرام عليها رائحة الجنة ' # ، وقال صلى الله عليه وسلم : | ' أبغض الحلال إلى الله الطلاق ' اعلم أن ~~في الأكثار من الطلاق وجريان | الرسم بعدم المبالاة به مفاسد كثيرة ، وذلك ~~أن ناسا ينقادون إلى لشهوة الفرج ، | PageV01P714 | ولا يقصدون إقامة تدبير ~~المنزل ولا التعاون في الارتفاقات ولا تحصين الفرج ، | وإنما مطمح أبصارهم ~~التلذذ بالنساء وذوق لذة كل امرأة ، فيهيجهم ذلك ms510 إلى | أن يكثروا الطلاق ~~والنكاح ، ولا فرق بينهم ويبين الزناة من جهة ما يرجع إلى | نفوسهم ، وإن ~~تميزوا عنهم بإقامة سنة النكاح والموافقة لسياسة المدينة ، | وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم : # ' لعن الله الذواقين والذواقات ' وأيضا | ففي جريان الرسم لذلك إهمال ~~لتوطين النفس على المعاونة الدائمة أو شبه | الدائمة ، وعسى إن فتح هذه ~~الباب أن يضيق صدره أو صدرها في شيء من | محقرات الأمور ، فيندفعان إلى ~~الفراق ، وأين ذلك من احتمال أعباء | الصحبة ، والإجماع على إدامة هذا ~~النظم ؟ وأيضا فإن اعتيادهن بذلك وعدم | مبالاة الناس به وعدم حزنهم عليه ~~يفتح باب الوقاحة ، وألا يجعل كل منهما | ضرر الآخر ضرر نفسه ، وأن تخون كل ~~واحد الآخر يمهد لنفسه إن وقع | الافتراق ، وفي ذلك ما لا يخفى ، ومع ذلك ~~لا يمكن سد هذا الباب والتضيق ، | فيه فانه قد يصير الزوجان متناشزين إما ~~لسوء خلقهما أو لطموح غين أحدهما | إلى حسن إنسان آخر أو لضيق معيشتهما أو ~~لخرق واحد منهما ، ونحو | ذلك من الأسباب ، فيكون إدامة هذا النظم مع ذلك ~~بلاء عظيما وحرجا . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ ، | وعن الصبي حتى يبلغ ، وعن ~~المعتوه حتى يعقل ' أقول : السر في ذلك أن | مبنى جواز الطلاق بل العقود ~~كلها على المصالح المقتضية لها ، والنائم والصبي | والمعتوه بمعزل عن معرفة ~~تلك المصالح . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا طلاق ولا إعتاق في إغلاق ' معناه : في | إكراه ، اعلم أن السبب في ~~هدر طلاق المكره شيئان : | PageV01P715 # أحدهما أنه لم يرض به ، ولم يرد فيه مصلحة منزلية ، وإنما هو لحادثة | لم ~~يجد منها بدا ، فصار بمنزلة النائم . # وثانيهما أنه لو اعتبر طلاقه طلاقا لكان ذلك فتحا لباب الاكراه ، | فعسى ~~أن يختطف الجبار الضعيف من حيث لا يعلم الناس ، ويخيفه بالسيف ، | ويكرهه ~~على الطلاق إذا رغب في امرأته ، فلو خيبنا رجاءه ، وقلبنا عليه مراده | كان ~~ذلك سببا لترك تظالم الناس فيما بينهم بالاكراه ، ونظيره ما ذكرنا في | ~~قوله صلى الله عليه وسلم ms511 : # ' القاتل لا يرث ' . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' لا طلاق فيما لا لا يملك ' وقال عليه السلام ~~: | ' لا طلاق قبل النكاح ' . أقول : الظاهر أنه يعم الطلاق المنجر والمعلق ~~| بنكاح وغيره ، والسبب في ذلك أن الطلاق إنما يجوز في للمصلحة ، والمصلحة ~~| لا تتمثل عنده قبل أن يملكها ، ويرى منها سيرتها ، فكان طلاقها قبل ذلك | ~~بمنزلة نية المسافر الإقامة في المفازة أو الغازى في دار الحرب مما تكذبه | ~~دلائل الحال ، وكان أهل الجاهلية يطلقون ويراجعون إلى متى شاءوا وكان | في ~~ذلك من الأضرار ما لا يخفى ، فنزل قوله تعالى : # @QB@ الطلاق مرتان @QE@ . الآية # معناه : أن الطلاق المعقب للرجعة مرتان ، فإن طلقها الثالثة ، | فلا تحل ~~له من بعد حتى تنكح زوجا غيره ، وألحقت السنة ذوق العسيلة بالنكاح . # والسر في جعل الطلاق ثلاثا لا يزيد عليها أنها أول حد كثرة ، ولأنه | لا ~~بد من ترو ، ومن الناس لا يتبين له المصلحة حتى يذوق فقدا ، وأصل | التجربة ~~واحدة ، ويكملها ثنتان . # وأما اشتراط النكاح بعد الثالثة فلتحقيق معنى التحديد والإنهاء ، وذلك | ~~أنه لو جاز رجوعها إليه من غير تخلل نكاح الآخر كان ذلك بمنزلة الرجعة ، | ~~PageV01P716 | فإن نكاح المطلقة إحدى الرجعتين ، وأن المرأة ما دامت في ~~بيته وتحت يده | وبين أظهر أقاربه يمكن أن يغلب على رأيها ، وتضطر إلى رضا ~~ما يسولون | لها فإذا فارقتهم ، ذاقت الحر والقر ، ثم رضيت بعد ذلك فهو ~~حقيقية الرضا ، | وأيضا ففيه إذاقة الفقد ومعاقبة على اتباع داعية الضجر من ~~غيرتروي | مصلحة مهمة أيضا : ففيه إعظام المطلقات الثلاث بين أعينهم وجعلها ~~بحيث | لا يبادر إليها إلا من وطن نفسه على ترك الطمع فيها إلا بعد ذل ~~وإرغام أنف | لا مزيد عليه . # وقال صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة حين طلقها ، فبت طلاقها ، | فنكحت ~~زوجا غيره : أتريدين أن ترجعى إلى رفاعة ؟ قالت : نعم ، قال : | لا حتى ~~تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ' . أقول : إنما شرط تمام النكاح | بذوق العسيلة ~~ليتحقق معنى التحديد الذي ضرب عليهم فإنه لولا ذلك لاحتمال | رجل باجراء ~~صيغة النكاح على اللسان ، ثم ms512 يطلق في المجلس ، وهذا مناقضة | لفائدة ~~التحديد . # ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المحلل والمحلل له . أقول : لما كان | ~~من الناس من ينكح لمجرد التحليل من غير أن يقصد منها تعاونا في المعيشة ، | ~~ولا يتم بذلك المصلحة المقصودة ، وأيضا ففيه وقاحة وإهمال غيرة وتسويغ | ~~إزدحام على الموطوأة من غير أن يدخل في تضاعيف المعاونة نهى عنه . # وطلق عبد الله بن عمر رضي الله عنه امرأته وهي حائض . وذكر ذلك | للنبي ~~صلى الله عليه وسلم ، فتغيظ ، وقال : ليراجعها ، ثم ليمسكها حتى تطهر ، | ~~ثم تحيض ثم تطهر ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها ' . | ~~أقول : السر في ذلك أن الرجل قد يبغض المرأة بغضة طبيعية ، ولا طاعة | لها ~~مثل كونها حائضا ، وفي هيئة رثة وقد ، يبغضها لمصلحة يحكم بإقامتها | ~~PageV01P717 | العقل السليم مع وجود الرغبة الطبيعية ، وهذه هي المتبعة ~~وأكثر ما يكون | الندم في الأول وفيه يقع التراجع ، وهذا داعية يتوقف تهذيب ~~النفس على | إهمالها وترك اتباعها ، وقد يشتبه الأمران على كثير من الناس ، ~~فلا بد من | ضرب حد يتحقق به الفرق ، فجعل الطهر مظنة للرغبة الطبيعية ، ~~والحيض | مظنة للبغضة الطبيعية ، والأقدام على الطلاق على حين رغبة فيها ~~مظنة للمصلحة | العقلية ، ، والبقاء مدة طويلة على هذا الخاطر مع تحول ~~الأحول من حيض | إلى طهر ، ومن رثاثة إلى زينة ، ومن انقباض إلى انبساط ~~مظنة للعقل الصراح | والتدبير الخالص ، فلذلك كره الطلاق في الحيض ، وأمر ~~بالمراجعة وتخلل | حيض جديد ، وأيضا فإن طلقها في الحيض فإن عدت هذه الحيضة ~~في العدة | انتقصت مدة العدة ، وإن لم تعد تضررت المرأة بطول العدة سواء ~~كان المراد | بالقروء الإطهار أو الحيض ، ففي كل ذلك مناقضة للحد الذي ضربه ~~الله في | محكم كتابه من ثلاثة قروء . # وإنما أمر أن يكون الطلاق في الطهر قبل أن يمسها لمعنيين : أحدهما بقاء | ~~الرغبة الطبيعية فيها ، فإنه في بالجماع تفتر سورة الرغبة . # وثانيهما أن يكون ذلك أبعد من اشتباه الإنساب . # وإنما أمر الله تعالى بإشهاد شاهدين على الطلاق لمعنيين : أحدهما ms513 ~~الاهتمام | بأمر الفروج ؛ لئلا يكون نظم تدبير المنزل ، ولا فكه إلا على ~~أعين الناس ، # والثاني ألا تشتبه الانساب وألا يتواضع الزوجان من بعد ، فيهملا | الطلاق ~~، والله أعلم . # وكره أيضا جمع الطلقات الثلاث في طهر واحد ، وذلك لأنه إهمال للحكمة | ~~المرعية في شرع تفريقها ، فإنها شرعت ليتدارك المفرط ، ولأنه تضييق على | ~~نفسه وتعرضه للندامة ، وأما الطلقات الثلاث في ثلاثة أطهار فأيضا تضييق | ~~PageV01P718 | ومظنة ندامة غير أنها أخف من الأول من جهة وجود التروي ~~والمدة التي | تتحول فيها الأحوال ، ورب إنسان تكون مصلحته في تحريم المغلظ ~~. # # | ( الخلع . والظهار . واللعان . والايلآء ) # اعلم أن الخلع فيه شناعة ما ؛ لأن الذي أعطاه من المال قد وقع في مقابله ~~| المسيس وهو قوله تعالى : # @QB@ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقا غليظا @QE@ ~~. # واعتبر النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى في اللعان حيث قال : # ' إن | صدقت عليها فهو بما استحللت من فرجها ' ومع ذلك فربما تقع الحاجة ~~| إلى ذلك فذلك قوله تعالى : # @QB@ فلا جناح عليهما فيما افتدت به @QE@ # وكان أهل الجاهلية يحرمون أزواجهم ، ويجعلونهن كظهر الأم ، | فلا ~~يقربونهن بعد ذلك أبدا ، وفي ذلك من المفسدة ما لا يخفى ، فلا هي حظية | ~~تتمتع منه كما تتمتع النساء من أزواجهن ، ولا هي أيم يكون أمرها بيدها ، | ~~فلما وقعت هذه الواقعة في زمان النبي صلى الله عليه وسلم ، واستفتي فيها | ~~أنزل الله عز وجل . # @QB@ قد سمع الله قول التي تجادلك في زوجها @QE@ . # إلى قوله @QB@ عذاب أليم @QE@ . | PageV01P719 # والسر فيه أن الله تعالى لم يجعل قولهم ذلك هدرا بالكلية ؛ لأنه أمر | ~~ألزمه على نفسه ، وأكد فيه القول بمنزلة سائر الايمان ، ولم يجعله مؤبدا ~~كما | كان في الجاهلية دفعا للحرج الذي كان عندهم ، وجعله مؤقتا إلى كفارة ~~لأن | الكفارة شرعت دافعة للآثام منهية لما يجده المكلف في صدره ، أما كون ~~| هذا القول زورا فلأن الزوجة ليست بأم حقيقة ولا بينهما مشابهة أو مجاورة ~~| تصحح إطلاق اسم أحداهما على الأخرى إن كان خبرا ، وهو عقد ضار ، | غير ~~موافق للمصلحة ، ولا مما ms514 أوحاه الله في شرائعه ، ولا مما استنبطه ذوو | ~~الرأي في أقطار الأرض إن كان إنشاء ، وأما كونه منكرا فلأنه ظلم وجور | ~~وتضييق على من أمر بالإحسان إليه . # وإنما جعلت الكفارة عتق رقبة أو إطعام ستين مسكينا أو صيام شهرين | ~~متتابعين لأن مقاصد الكفارة أن يكون بين عيني المكلف ما يكبحه عن | ~~الاقتحام في الفعل خشية أن يلزمه ذلك ، ولا يمكن ذلك إلا بكونها طاعة | ~~شاقة تغلب على النفس إما من جهة كونها بذل مال يشح به ، أو من جهة | مقاساة ~~جوع وعطش مفرطين . # @QB@ للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر @QE@ الآية . # اعلم أن أهل الجاهلية كانوا يحلفون ألا يطأوا أزواجهم أبدا أو مدة | ~~طويلة ، وفي ذلك جور وضرر ، فقضى الله تعالى بالتربص أربعة أشهر . # قال الله تعالى : # ^ ( فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم ) ^ . # واختلف العلماء في الفيء ، فقيل : يوقف المولي بعد مضي أربعة أشهر | ثم ~~يجبر على التسريح بالاحسان أو الامساك بالمعروف ، وقيل : يقع الطلاق ، | ~~PageV01P720 | ولا يوقف أما السر في تعيين هذه المدة فإنها مدة تتوق النفس ~~فيها للجماع | لا محالة ، ويتضرر بتركه إلا أن يكون مؤفا ، ولأن هذه المدة ~~ثلث السنة ، | والثلث يضبط به أقل من النصف ، والنصف يعد مدة كثيرة . # قال الله تعالى : # @QB@ والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء @QE@ الآية . # واستفاض حديث عويمر العجلاني . وهلال بن أمية . # اعلم أن أهل الجاهلية كانوا إذا قذف الرجل امرأته ، وكان بينهما | في ذلك ~~مشاقة رجعوا إلى الكهان كما كان في قصة هند بنت عتبة فلما جاء | الإسلام ~~امتنع أن يسوغ لهم الرجوع إلى الكهان ؛ ولأن في مبنى الملة الحنيفية | على ~~تركها وإخمالها ، لأن الرجوع إليهم من غير أن يعرف صدقهم من | كذبهم ضررا ~~عظيما ، وامتنع أن يكلف الزوج بأربعة شهداء وإلا ضرب | الحد ؛ لأن الزنا ~~إنما يكون في الخلوة ، ويعرف الزوج ما في بيته ويقوم | عنده من المخايل ما ~~لا يمكن أن يعرفه غيره ، وامتنع أن يجعل الزوج | بمنزلة سائر الناس يضربون ~~الحد لأنه مأمور شرعا وعقلا بحفظ ما في ms515 حيزه | من العار والشنار ، مجبول ~~على غيره أن يزدحم على ما في عصمته ، ولأن | الزوج أقصى ما يقطع به الريبة ~~ويطلب به تحصين فرجها ، فلو كان هو | فيما يؤاخذها به بمنزلة سائر الناس ~~ارتفع الأمان ، وانقلبت المصلحة مفسدة ، | وكان النبي صلى الله عليه وسلم ~~لما وقعت الواقعة مترددا تارة لا يقضي بشيء | PageV01P721 | لأجل هذه ~~المعارضات ، وتارة يستنبط حكمه مما أنزل الله عليه من القواعد | الكلية ، ~~فيقول : ' البينة أو حدا في ظهرك حتى قال ، المبتلى : والذي | بعثك بالحق ~~إني لصادق ، ولينزل الله ما يبرئ ظهرى من الحد ، ثم أنزل | الله تعالى آية ~~اللعان ' ، والأصل فيه أنه أيمان مؤكدة تبرئ الزوج من حد | القذف ، وتثبت ~~اللوث عليها تحبس لأجله ، ويضيق عليها به ؛ فإن نكل | ضرب الحد وأيمان ~~مؤكدة منها تبرئها ، فإن نكلت ضربت الحد . # وبالجملة فلا أحسن فيما ليس فيه بينة ، وليس مما يهدر ، ولا يسمع من | ~~الإيمان المؤكده ، وجرت السنة أن تذكره المرأة تحقيقا للمقصود من الإيمان ، ~~| وجرت السنة ألا تعود إليه أبدا فإنهما بعدما حصل بينهما هذا التشاجر ، | ~~وانطوت صدورهما على اشد الوحر ، وأشاع عليها الفاحشة لا يتوافقان ، | ولا ~~يتوادان غالبا ، والنكاح إنما شرع لأجل المصالح المبينة على التواد | ~~والتوافق ، وأيضا ففي هذه زجر عليهما من الإقدام على مثل هذه المعاملة . | # | ( العدة ) # قال الله تعالى : # @QB@ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء @QE@ إلى أخر الآيات . # أعلم أن العدة كانت من المشهورات المسلمة في الجاهلية ، وكانت مما لا | ~~يكادون يتركونه ، وكان فيها مصالح كثيرة : # منها معرفة براءة رحمها من مائه ، لئلا تختلط الأنساب ، فان النسب | أحد ~~ما يتشاح به ، ويطلبه العقلاء ، وهو من خواص نوع الانسان ، ومما | امتاز به ~~من سائر الحيوان ، وهي المصلحة المرعية من باب الاستبراء . # ومنها التنويه بفخامة أمر النكاح حيث لم يكن أمرا ينتظم إلا بجمع | ~~PageV01P722 | رجال ، ولا ينفك إلا بانتظار طويل ، ولولا ذلك لكان بمنزلة ~~لعب الصبيان | ينتظم ، ثم يفك في الساعة . # ومنها أن مصالح النكاح لا تتم حتى يوطنا أنفسهما على إدامة هذا العقد | ~~ظاهرا ، فان حدث ms516 حادث يوجب فك النظام لم يكن بد من تحقيق صورة | الإدامة في ~~الجملة بأن تتربص مدة تجد لتربصها بالا ، وتقاسي لها عناء . # وعدة المطلقة ثلاثة قروء ، فقيل : هي الإطهار ، وقيل : هي الحيض ، | وعلى ~~أنها طهر ، فالسر فيه أن الطهر محل رغبة كما ذكرنا ، فجعل تكرارها | عدة ~~لازمة ليتروى المتروي ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في صفة الطلاق : | ' # فتلك العدة التي أمر الله بالطلاق فيها ' وعلى أنها حيض فالحيض هو الأصل ~~| في معرفة عدم الحمل . # فإن لم تكن من ذوات الحيض لصغر أو كبر ، فتقوم ثلاثة اشهر مقام | ثلاثة ~~قروء لأنها مظنتها ولأن براءة الرحم ظاهرة ، وسائر المصالح تحقق | بهذه ~~المدة . # وفي الحامل انقضاء الحمل لأنه معرف براءة رحمها . # والمتوفى عنها زوجها تتربص أربعة أشهر وعشرا ، ويجب عليها الإحداد | في ~~هذه المدة ، وذلك لوجوه : # أحدها أنها لما وجب عليها أن تتربص ، ولا تنكح ، ولا تخطب في هذه | المدة ~~حفظا لنسب المتوفى عنها اقضى ذلك في حكمه السياسة أن تؤمر بترك | الزينة ~~لأن الزينة تهيج الشهوة من الجابيين ، وهيجانها في مثل هذه الحالة | مفسدة ~~عظيمة . # وأيضا فان من حسن الوفاء أن تحزن على فقده ، وتصير تفلة شعثة ، | وأن تحد ~~عليه ، فذلك من حسن وفائها ، وتحقيق معنى قصر بصرها | عليه ظاهرا . | ~~PageV01P723 # ولم تؤمر المطلقة بذلك لأنها تحتاج إلى أن تتزين ، فيرغب زوجها | فيها ، ~~ويكون ذلك معونة في جمع ما افترق من شملها ، وكذلك اختلف العلماء | في ~~المطلقة ثلاثا هل تتزين أم لا ؟ فمن ناظر إلى الحكمة ، ومن ناظر إلى | عموم ~~لفظ المطلقة . # وإنما عين في عدتها أربع أشهر وعشرا لأن الأربعة أشهر هي ثلاث | أربعينات ~~، وهي مدة تنفخ فيها الروح في الجنين ، ولا يتأخر عنها تحرك | الجنين غالبا ~~، وزيد عشر لظهور تلك الحركة . # وأيضا فإن هذه المدة نصف مدة الحمل المعتاد وفيه يظهر الحمل بادى | الرأي ~~بحيث يعرف كل من يرى . # وإنما شرع عدة المطلقة قروءا ، وعدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر | ~~وعشرا لأن هنالك صاحب الحق قائم بأمره ينظر إلى مصلحة ms517 النسب ، | ويعرف ~~بالمخايل والقرائن ، فجاز أن تؤمر بما تختص به ، وتؤمن عليه ، | ولا يمكن ~~للناس أن يعلموا منها إلا من جهة خبرها ، وههنا ليس صاحب | الحق موجودا ~~وغيره لا يعرف باطن أمرها ، ولا يعرف مكايدها كما يعرف | هو ، فوجب أن يجعل ~~عدتها أمرا ظاهرا يتساوى في تحقيقه القريب والبعيد ، | ويحقق الحيض لأنه لا ~~يمتد إليه الطهر غالبا أو دائما . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا توطأ حامل حتى تضع ، ولا غير ذات | حمل حتى تحيض حيضة ' ، وقال صلى ~~الله عليه وسلم : # ' كيف يستخدمه | PageV01P724 | وهو لا يحل له ، أم كيف يورثه ، وهو لا ~~يحل له ' أقول : السر في الاستبراء | معرفة براءة الرحم وألا تختلط الأنساب ~~، فإذا كانت حاملا فقد دلت | التجربة على أن الولد في هذه الصورة يأخذ ~~شبهين : شبه من خلق من مائه . | وشبه من جامع في أيام حمله ، بين ذلك أثر ~~عمر رضي الله عنه وهو إيماء | قوله صلى الله عليه وسلم : # ' لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن | يسقى ماءه لزرع غيره ' ~~وقوله عليه السلام : ' كيف يستخدمه ' الخ | معناه أن الولد الحاصل بعد جماع ~~الحبلى فيه شبهان لكل شبه حكم يناقض | حكم الشبه الآخر ، فشبه الأول يجعل ~~الولد عبدا ، وشبه الثاني يجعله ابنا ، | وحكم الأول الرق ووجوب الخدمة ~~عليه لمولاه ، وحكم الثاني الحرية | واستحقاق الميراث ، فلما كان الجماع ~~سبب التباس أحكام الشرع في الولد | نهى عنه ، والله أعلم . # # | ( تربية الأولاد والمماليك ) # اعلم أن النسب أحد الأمور التي جبل على محافظتها البشر ، فلن ترى | ~~إنسانا في إقليم من الأقاليم الصالحة لنشء الناس إلا وهو يحب أن ينسب | إلى ~~أبيه وجده ، ويكره أن يقدح في نسبته إليهما ، اللهم إلا لعارض من | دناءة ~~النسب أو غرض من دفع ضر أو جلب نفع ونحو ذلك ، ويجب أيضا | أن يكون له ~~أولاد ينسبون إليه ويقومون بعده مقامه ، فربما اجتهدوا | اشد الاجتهاد ، ~~وبذلوا طاقاتهم في طلب الولد ، فما اتفق طوائف الناس على | هذه الخصلة إلا ~~لمعنى في جبلتهم ، ومبنى شرائع الله على إبقاء ms518 هذه المقاصد | التي تجري ~~بجري الجبلة ، وتجري فيها المناقشة والمشاحة والاستيفاء لكل ذي | حق حقه ~~منها والنهي عن التظالم فيها ، فلذلك وجب أن يبحث الشارع عن | النسب ، قال ~~صلى الله عليه وسلم : # ' الولد للفراش وللعاهر الحجر ' | PageV01P725 # فقيل : معناه الرجم ، وقيل : الخيبة . # أقول : كان أهل الجاهلية يبتغون الولد بوجوه كثيرة لا تصححها | قوانين ~~الشرع ، وقد بينت بعض ذلك عائشة رضي الله عنها ، فلما بعث | النبي صلى الله ~~عليه وسلم سد هذا الباب ، وخيب العاهر ، وذلك لأن من | المصالح الضرورية ~~التي لا يمكن بقاء نوع الإنسان إلا بها اختصاص الرجل | بامرأته حتى يسد باب ~~الازدحام على الموطوأة رأسا ، ومن مقتضى ذلك | أن يخيب من عصى هذه السنة ~~الراشدة ، وابتغى الولد من غير اختصاص ؛ | إرغامه لأنفه وازدراء بأمره ~~وزجرا له أن يقصد مثل ذلك ، وإلى هذا | الإشارة في قوله عليه السلام للعاهر ~~الحجر : ' العاهر للحجر ' إن أريد معنى الخيبة كما | يقال : بيده التراب ، ~~وبيده الحجر ، وأيضا فإذا تزاحمت الحقوق ، وادعى | كل لنفسه وجب أن يرجح من ~~يتمسك بالحجة الظاهرة المسموعة عند جماهير | الناس والذي يتمسك بما يزيد ~~اللأئمة عليه ، ويفتح باب ضرب الحد ، | أو يعترف فيه بأنه عصى الله ، وكان ~~مع ذلك أمر خفيا لا يعلم إلا فمن جهة | قوله : من حق ذلك أن يهجر ويخمل ، ~~وقد اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم | مثل هذا المعنى حديث قال في قصة ~~اللعان : # ' إن كذبت عليه فهو أبعد لك ' | وإليه الإشارة في قوله : ' وللعاهر الحجر ~~' إن أريد معنى الرجم بالحجارة . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير | أبيه فالجنة عليه حرام ' . # أقول : من الناس من يقصد مقاصد دنية ، فيرغب عن أبيه ، وينتسب | إلى غيره ~~، وهو ظلم وعقوق لأنه تخييب أبيه ، فانه طلب بقاء نسله المنسوب | اليه ~~المتفرغ عليه ، وترك شكر نعمته وإساءة معه ، وأيضا فإن النصرة | والمعاونة ~~لا بد منها في نظام الحي والمدينة ، ولو فتح باب الانتفاء من الاب | ~~PageV01P726 | لأهملت هذه المصلحة ، ولاختلطت أنساب القبائل ، وقال صلى ms519 ~~الله عليه وسلم | : ' أيما امرأة أدخلت على قوم من ليس منهم فليست من الله ~~في شيء | ولن يدخلها الله الجنة ، وأيما رجل جحدو ولده وهو ينظر إليه احتجب ~~الله | منه ' وفضحه على رءوس الخلائق ' . # | أقول : لما كانت المرأة مؤتمنة في العدة ونحوها مأمورة ألا تلبس عليهم ~~| أنسابهم وجب أن ترهب في ذلك وإنما عوقبت على هذا لأنه سعي في إبطال | ~~مصلحة العالم ومناقضة لما في جبلة النوع ، وذلك جالب بغض الملأ الأعلى حيث ~~أمروا بالدعاء لصلاح النوع ، وأيضا ففي ذلك تخييب لولده وتضييق | وحمل لنقل ~~الولد على آخرين ، والرجل إذا أنكر ولده فقد عرضه للذل | الدائم والعار ~~الذي لا ينتهي حيث لا نسب له ، وأضاع نسمته حيث ى منفق | عليه ، وهو يشبه ~~قتل أولاد من جهة ، وعرض والدته للذل الدائم والعار | الباقي طول العمر . # # | ( العقيقة ) # واعلم أن العرب كانوا يعقون عن أولادهم ، وكانت العقيقة أمرا لازما | ~~عندهم وسنة مؤكدة ، وكان فيها مصالح كثيرة راجعة إلى المصلحة الملية ~~والمدينة | فيمن تلك المصالح التلطف بإشاعة نسب الولد ، إذ لا بد من إشاعته ~~لئلا يقال | ما لا يحبه ، ولا يحسن أن يدور في السكك ، فينادي أنه ولد لي ~~ولد . فتعين | التلطف بمثل ذلك ، ومنها اتباع داعية السخاوة وعصيان داعية ~~الشح ، | ومنها أن النصارى كان إذا ولد لهم ولدا صبغوه بماء اصفر يسمونه ~~المعمودية ، | وكانوا يقولون : يصير الولد به نصرانيا ، وفي مشاكلة هذا ~~الاسم نزل | قوله تعالى : # @QB@ صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة @QE@ . | PageV01P727 # فاستحب أن يكون للحنفيين فعل بإزاء فعلهم ذ لك يشعر بكون الولد | حنيفيا ~~تابعا لملة إبراهيم واسماعيل عليهما السلام والنفسانية ، فأبقاها النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعمل بها ، ورغب الناس فيها من الإجماع على ذبح ولده ، | ثم ~~نعمة الله عليه أن فداه بذبح عظيم ، وأشهر شرائعهما الحج الذي فيه الحلق | ~~والذبح ، فيكون التشبه بهما في هذا تنويها بالملة الحنيفية ونداء أن الولد ~~قد | فعل به ما يكون من أعمال هذه الملة ، ومنها أن هذا الفعل في بدء ~~ولادته يخيل | إليه ms520 أنه بذل ولده في سبيل الله كما فعل إبراهيم عليه السلام ~~، وفي ذلك تحريك | سلسلة الاحسان والانقياد كما ذكرنا في السعي بين الصفا ~~والمروة . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' مع الغلام عقيقة فأهريقوا عنه دما وأميطوا | عنه الأذى ' وقال صلى الله ~~عليه وسلم ' # الغلام مرتهن بعقيقته يذبح | عنه يوم السابع ويسمى ويحلق ' . # أقول : أما سبب الأمر في بالعقيقة فقد ذكرنا ، وأما تخصيص اليوم السابع | ~~فلأنه لا بد من فصل بين الولادة والعقيقة ، فإن أهله مشغولون باصلاح | ~~الوالدة والولد في أول الأمر ، فلا يكلفون حينئذ بما يضاعف شغلهم ، | وأيضا ~~فرب إنسان لا يجد شاة إلا بسعي ، فلو سن كونها في أول يوم لضاق | الأمر ~~عليهم ، والسبعة أيام مدة صالحة للفصل المعتد به غير الكثير ، وأما | إماطة ~~الأذى فللتشبه بالحاج ، وقد ذكرنا ، وأما التسمية فلأن الطفل قبل | ذلك لا ~~يحتاج أن يسمى . # وعق رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحسن بشاة ، وقال : ' يا فاطمة | ~~احلقي رأسه ، وتصدقي بزنة شعره فضة ' أقول السبب في التصدق بالفضة | أن ~~الولد لما انتقل من الجنينية إلى الطفلية كان ذلك نعمة يجب شكرها ، | وأحسن ~~ما يقع به الشكر ما يؤذن أنه عوضه ، فلما كان شعر الجنين | PageV01P728 | ~~بقية النشأة الجنسية وإزالته أمارة للاستقلال بالنشأة الطفلية وجب أن يؤمر ~~| بوزن الشعر فضة ، وأما تخصيص الفضة فلأن الذهب أغلى ، ولا يجده | إلا غني ~~، وسائر المتاع ليس له بال أن يزنه شعر المولود . # وأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أذن الحسن بن علي حين ولدته | ~~فاطمة بالصلاة . أقول : السر في ذلك ما ذكرنا في العقيقة من المصلحة | ~~الملية ، فإن الأذان من شعائر الإسلام ، وإعلام الدين المحمدي ، ثم لا بد | ~~من تخصيص المولود بذلك الأذان ، ولا يكون إلا بأن بصوت به في أذنه ، | ~~وأيضا فقد علمت أن من خاصية الأذان أن يفر منه الشيطان ، والشيطان | يؤذي ~~الولد في أول نشأته حتى ورد في الحديث ' إن استهلاله لذلك ' . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة ' . # أقول ms521 : يستحب لمن وجد الشاتين أن ينسك بهما عن الغلام وذلك | لما عندهم ~~أن الذكر أنفع لهم من الإناث ، فناسب في زيادة الشكر وزيادة | التنويه به . # قال صلى الله عليه وسلم : ' أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن ' ~~| اعلم أن أعظم المقاصد الشرعية أن يدخل ذكر الله في تضاعيف ارتفاقاتهم | ~~الضرورية ليكون كل ذلك ألسنة تدعوا إلى الحق ، وفي تسمية المولود بذلك | ~~إشعار بالتوحيد ، وأيضا فكان العرب وغيرهم يسمون الأولاد بمن يعبدونه | ~~ولما بعث النبي صلى الله عليه وسلم مقيما لمراسم التوحيد وجب أن يسن في | ~~التسمية أيضا مثل ذلك ، وإنما كان هذان الاسمان أحب من سائر ما يضاف | فيه ~~العبد إلى اسم من أسماء الله تعالى لأنهما أشهر الأسماء ، ولا يطلقان على | ~~غيره تعالى بخلاف غيرهما ، وأنت تستطيع أن تعلم من هذا سر استحباب | تسمية ~~المولود بمحمد وأحمد ، فإن طوائف الناس أولعوا بتسمية أولادهم | ~~PageV01P729 | بأسماء أسلافهم المعظمين عندهم ، وكاد يكون ذلك تنويها ~~بالدين وبمنزلة | الإقرار بأنه من أهله . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' اخنى الأسماء يوم القيامة عند الله | رجل يسمى ملك الأملاك ' . # أقول : السبب فيه أن أصل أصول الدين هو تعظيم الله وألا يسوى به | غيره ~~وتعظيم الشيء مساوق لتعظيم اسمه ، ولذلك وجب ألا يسمى باسمه | لا سيما هذا ~~الاسم الدال على أعظم التعظيم ، قال الله تعالى : # @QB@ والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين @QE@ الآية . # أقول : لما توجهت إرادة الله تعالى إلى إبقاء نوع الإنسان بالتناسل ، | ~~وجرى بذلك قضاؤه وكان الولد لا يعيش في العادة إلا بتعاون من | الوالد ~~والوالدة في أسباب حياته ، وذلك أمر جبلي خلق الناس عليه | بحيث يكون ~~عصيانه ومخالفته تغييرا لخلق الله وسعيا في نقض ما أوجبته | الحكمة الإلهية ~~- وجب أن يبحث الشرع عن ذلك ، ويوزع عليهما | ما يتيسر ، ويتأتى منهما ، ~~والمتيسر من الوالدة أن ترضع . وتحضن . فيجب | عليها ذلك ، والمتيسر من ~~الوالد أن ينفق عليه من طوله ، وينفق عليها ، | لأنه حبسها عن المكاسب ، ~~وشغلها بحضانة ولده ، ومعاناة التعب فيها . | فكان العدل أن تكون كفايتها ~~عليه ms522 ، ولما كان من الناس من يستعجل | الفطام ، وربما يكون ذلك ضارا بالولد ~~حد الله له حدا تغلب السلامة عنده | وهو حولان كاملان ، ورخص فيما دون ذلك ~~بشرط تشاور منهما ، إذ كثيرا | ما يكون الولد بحيث يقدر على التغذى قبلها ، ~~ولكنه يحتاج إلى اجتهاد وتحر | وهما أرفق الناس به وأعلمهم بسريرته ، ثم ~~حرم المضادة من الجانبين لأنه | PageV01P730 | تضييق يفضي إلى نقصان ~~التعاون فإن احتاجوا إلى الاسترضاع لضعف | الوالدة أو مرضها ، أو تكون قد ~~وقعت بينهما فرقة لا تلائمه ونحو ذلك | من الأسباب فلا جناح فيه ، ويجب عند ~~ذلك إيفاء الحق من الجانبين . # ' قيل يا رسول الله ما يذهب عني مذمة الرضاع ؟ قال النبي | صلى الله عليه ~~وسلم : # ' غرة عبد أو أمة ' . اعلم أن المرضع أم بعد الأم الحقيقية ، | وبرها ~~واجب بعد بر الأم حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم بسط رداءه | لمرضعة ~~إكراما لها ، وربما لا ترضى بما يهديه إليها وإن كثر ، وربما يستكثر | الذي ~~رضع القليل الذي يمنحها ، ويكون في ذلك الاشتباه ، فسئل النبي | صلى الله ~~عليه وسلم عن حد يضر به ، فضرب الغرة حدا ، وذلك أن المرضع | إنما أثبتت ~~حقا في ذمته لأجل إقامة بنيته وتصييرها إياه إنسانا كاملا ولأجل | حضانته ~~ومقاساة التعب فيه ، فيكون الجزاء الوفاق أن يمنحها إنسانا | يكون بمنزلة ~~جوارحه فيما يريد من ارتفاقاته ، ويتحمل عنها مؤنة عملها ، | وهو حد ~~استحبابي لا ضروري . # وقالت هند : ' إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني إلا أن آخذ من ماله | ~~بغير إذنه ، فقال صلى الله عليه وسلم : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ' | ~~أقول : لما كانت نفقة الولد والزوجة يعسر ضبطها فوضها النبي | صلى الله ~~عليه وسلم إليها ، وأكد اشتراط أخذها بالمعروف ، وأهمل الرجوع إلى | القضاة ~~مثلا لأنه عسير عند ذلك . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' مروا أولادكم بالصلاة ' الحديث . وقد مر | أسراره فيما سبق . # واختلفت قضاياه صلى الله عليه وسلم في الأحق بالحضانة عند المشاجرة | ~~PageV01P731 | منهما ، لأنه إنما ينظر إلى الأرفق بالولد والديه ، ولا ينظر ~~إلى من يريد ms523 | المضارة ، ولا يلتفت إلى المصلحة ، فإن الحسد والضرار غير ~~متبع ، فجاءته | مرة امرأة ، وقالت : يا رسول الله إن أبني هذا كان بطني له ~~وعاء وثدي له | سقاء ، وحجري له حواء ، وان أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني ~~، قال | صلى الله عليه وسلم . ' أنت أحق به ما لم تنكحي ' . # أقول : وذلك لأن الأم أهدى للحضانة وأرفق به ، فإذا نكحت كانت | ~~كالمملوكة تحته ، وإنما هو أجنبي لا يحسن إليه ، وخير غلاما بين أبيه وأمه ~~| وذلك إذا كان مميزا . # اعلم أن الإنسان مدني بالطبع لا يستقيم معاشه إلا بتعاون بينهم ، | ولا ~~تعاون إلا بالألفة والرحمة فيما بينهم ، ولا ألفة إلا بالمواساة ومراعاة | ~~الخواطر من الجانبين ، وليس التعاون على مرتبة واحدة ، بل له مراتب | يختلف ~~باختلافها البر والصلة ، فأدناها الارتباط الواقع بين المسلمين ، | وحد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم البر فيما بينهم بخمس ، فقال : ' حق | المسلم ~~على المسلم خمس : رد السلام ، وعيادة المريض ، واتباع الجنائز ، | وإجابة ~~الدعوة وتشميت العاطس ' وفي رواية ستة السادسة ' إذا | استنصحك فانصح له : ~~وقال صلى الله عليه وسلم : ' أطعموا الجائع ، | وفكوا العاني ' يعني الأسير ~~. # والسر في ذلك أن هذه الخمس أو الست خفيفة المؤنه مورثة للألفة ، | ثم ~~الارتباط الواقع بين أهل الحي والجيران والأرحام ، فتتأكد هذه | الأشياء ~~فيما بينهم ، وتتأكد التعزية والتهنئة والزيارة والمهاداة ، وأوجب | النبي ~~صلى الله عليه وسلم أمورا يتقيدون بها شاءوا أم أبوا كقوله | صلى الله عليه ~~وسلم : # ' من ملك ذا رحم محرم فهو حر وكباب الديات ' . | PageV01P732 # ثم الارتباط الواقع بين أهل المنزل من الزوجة وما ملكت يمينه أما | ~~الزوجة فقد ذكرنا البر معها ، وأما ما ملكت اليمين فجعل النبي صلى الله ~~عليه وسلم | بره على مرتبتين : إحداهما واجبه يلزمهم أشاءوا أم أبو ، ~~والثانية | ندب إليها ، وحث عليها من غير إيجاب . # أما الأولى فقال صلى الله عليه وسلم : # ' للمملوك طعامه وكسوته ، ولا | يكلف من العمل ما لا يطيق ' وذلك أنه ~~مشغول بخدمته عن الاكتساب ، | فوجب أن تكون كفايته عليه ، وقال صلى الله ~~عليه وسلم : # ' من قذف ms524 | مملوكه ، وهو برئ مما قال جلد يوم القيامة ' وقال عليه الصلاة ~~والسلام : | ' من جدع عبده فالعبد حر عليه ' . # أقول : وذلك أن إفساد ملكه عليه مزجرة عن أن يفعل ما فعل . # وقال صلى الله عليه وسلم لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد | من حدود الله ~~' أقول : وذلك سد لباب الظلم والامعان في التعزيز زيادة بالحد | على الحد ، ~~أو المراد النهي عن أن يعاقب في حق نفسه أكثر من عشر جلدات | كترك ما أمر ~~به و نحو ذلك ، والمراد بالحد الذنب المنهي عنه لحق الشرع ، | وهو قول ~~القائل أصبت حدا ، وأرى ان هذا الوجه أقرب ، فان الخلفاء | لم يزالوا ~~يعزرون أكثر من عشر في حقوق الشرع . # وأما الثانية فقوله صلى الله عليه وسلم : # ' إذا صنع لأحدكم خادمه | طعامه ، ثم جاء به ، وقد ولى حره ودخانه ، ~~فليقعده معه فليأكل ، فان | كان الطعام مشفوها قليلا فليضع في يده منه أكلة ~~أو أكلتين ' وقوله | صلى الله عليه وسلم : # ' من ضرب غلاما له حدا لم يأته أو لطمه ، فان | كفارته أن يعتقه ' ، ~~وقوله # ' إذا ضرب أحدكم خادمه ، | فذكر اسم الله فليمسك . | PageV01P733 # قال صلى الله عليه وسلم : # ' من أعتق رقبة مسلمة أعتق الله بكل عضو | منها عضوا فيه من النار ' . # أقول : العتق فيه جمع شمل المسلمين ، وفك عانيهم ، فجوزي جزاء وفاقا . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' من أعتق شقصا في عبد اعتق كله | إن كان له مال ' ، أقول : سببه ما وقع ~~التصريح به في نفس الحديث | حيث قال صلى الله عليه وسلم : # ' ليس لله شريك ' يريد أن العتق جعله لله ، | وليس من الأدب أن يبقى معه ~~ملك لأحد . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' من ملك ذا رحم محرم فهو حر ' ، أقول : | السبب فيه صلة الرحم ، فأوجب ~~الله تعالى نوعا منها عليهم ، أشاءوا أم أبوا ، | وإنما حض هذا لأن ملكة ~~والتصرف فيه واستخدامه بمنزلة العبيد حفاء عظيم . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا ولدت أمة الرجل منه فهي معتقة عن | دبر منه ' . # أقول : السر في الإحسان ms525 إلى الولد لئلا يملك أمه غير أبيه ، فيكون | عليه ~~عار من هذه الجهة . # وأوجب على العبد خدمة المولى وحرم عليه الاباق ، قال صلى الله عليه وسلم ~~| : # ' إيما عبد أبق فقد برئ من الذمة حتى يرجع ' وحرم على المعتق | أن يوالي ~~غير مواليه . | PageV01P734 # وأعظم ذلك كله حرمة حق الوالدين ، قال صلى الله عليه وسلم : # ' من | أكبر الكبائر عقوق الوالدين ' وبرهما يتم بأمور : الإطعام والكسوة ~~| والخدمة إن احتاجا . وإذا دعاه الوالد أجاب . وإذا أمره أطاع ما لم يأمر ~~| بمعصية ، ويكثر زيارته ، ويتكلم معه بالكلام اللين ، ولا يقل أف ، | ولا ~~يدعوه باسمه ، ويمشي خلفه ، ويذب عنه من اغتابه وآذاه ، ويوقره | في مجلسه ~~، ويدعو له بالمغفرة ، والله أعلم . # # | ( من أبواب سياسة المدن ) # اعلم أنه يجب أن يكون في جماعة المسلمين خليفة لمصالح لا تتم إلا بوجوده ~~، | وهي كثيرة جدا يجمعها صنفان : # أحدهما ما يرجع إلى سياسة المدينة من ذب الجنود التي تغزوهم وتقهرهم ، | ~~وكف الظالم عن المظلوم ، وفصل القضايا ، وغير ذلك ، وقد شرحنا هذه الحاجات ~~من قبل . # وثانيهما ما يرجع إلى الملة ، وذلك أن تنويه دين الإسلام على سائر | ~~الأديان لا يتصور إلا بأن يكون في المسلمين خليفة ينكر على من خرج من | ~~الملة ، وارتكب ما نصت على تحريمه أو ترك ما نصت على افتراضه أشد | الانكار ~~، ويذل أهل سائر الأديان ويأخذ منهم الجزية عن يد وهم صاغرون ، | وإلا ~~كانوا متساوين في المرتبة لا يظهر فيهم رجحان إحدى الفزقتين على | الأخرى ، ~~ولم يكن كابح يكبحم عن عدوانهم . # والنبي صلى الله عليه وسلم جمع تلك الحاجات في أبواب أربعة : باب | ~~المظالم . وباب الحدود . وباب القضاء . وباب الجهاد ، ثم وقعت الحاجة | إلى ~~ضبط كليات هذه الأبواب وترك الجزئيات إلى رأى الأئمة ووصيتهم | بالمجاعة ' ~~خيرا ، وذلك لوجوه : | PageV01P735 # منها أن متولي الخلافة كثيرا ما يكون جائرا ظالما يتبع هواه ، ولا يئبع | ~~الحق ، فيفسدهم ، وتكون مفسدته عليهم أشد مما يرجى من مصلحتهم ، | ويحتج ~~فيما يفعل أنه تابع للحق ، وأنه رأى المصلحة في ذلك ، فلا بد من | كليات ~~ينكر على ms526 من خالفها ، ويؤاخذ بها ، ويرجع احتجاجهم عليها إليها . # ومنها أن الخليفة يجب أن يصحح على الناس ظلم الظالم ، وأن العقوبة | ليست ~~زائدة على قدر الحاجة ، ويصحح في فصل القضايا أنه قضى بالحق ، | وإلا كان ~~سببا لاختلافهم عليه ، وأن يجد الذي كان الضرر عليه وأوليائه | في أنفسهم ~~وحرا راجعا إلى غدر ، ويضمروا عليه حقدا يرون فيه أن | الحق بأيديهم وذلك ~~مفسدة شديدة . # ومنها أن كثيرا من الناس لا يدركون ما هو الحق في سياسة المدينة ، | ~~فيجتهدون ، فيخطئون يمينا وشمالا ، فمن صلب شديد يرى البالغ في المزجرة | ~~قليلا ، ومن سهل لين يرى القليل كثيرا ، ومن أذن إمعة يرى كل | ما أنهى ~~إليه المدعى حقا ، ومن متمنع كؤود يظن بالناس ظنونا | فاسدة ، ولا يمكن ~~الاستقصاء ، فانه كالتكليف بالمحال ، فيجب أن تكون | الأصول مضبوطة ، فان ~~اختلافهم في الفروع أخف من اختلافهم في الأصول . # ومنها أن القوانين إذا كانت ناشئة من الشرع كانت بمنزلة الصلاة | والصيام ~~في كونها قربة إلى الحق ، والسنة تذكر الحق عند القوم ، وبالجملة | فلا ~~يمكن أن يفوض الأمر بالكلية إلى أولي أنفس شهوية أو سبعية ، | ولا يمكن ~~معرفة العصمة والحفظ عن الجواز في الخلفاء والمصالح التي ذكرناها | في ~~التشريع وضبط المقادير كلها متأتيه ههنا ، والله أعلم . | PageV01P736 # # | ( الخلافة ) # اعلم أنه يشترط في الخليفة أن يكون عاقلا بالغا حرا ذكرا شجاعا ذا رأي | ~~وسمع وبصر ونطق ، وممن سلم الناس شرفه وشرف قومه ، ولا يستنكفون | عن طاعته ~~، قد عرف منه أنه يتبع الحق في سياسة المدينة ، هذا كله يدل عليه | العقل ، ~~واجتمعت أمم بني آدم على تباعد بلدانهم واختلاف أديانهم على | اشتراطها ، ~~ولما رأوا أن هذه الأمور لا تتم المصلحة المقصودة من نصب | الخليفة إلا بها ~~، وإذا وقع شيء من إهمال هذه رأوه خلاف ما ينبغي ، | وكرهه قلوبهم ، وسكتوا ~~على غيظ ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم في | فارس لما ولوا عليه امرأة . ' ~~لن يفلح قوم ولوا عليهم امرأة ' . # والمملة المصطفوية اعتبرت في خلافة النبوة أمورا أخرى : # منها الإسلام ، والعلم ، والعدالة ، وذلك لأن المصالح ms527 الملية لا تتم | ~~بدونها ضرورة اجمع المسلمون عليه ، والأصل في ذلك قوله تعالى : # @QB@ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما ~~استخلف الذين من قبلهم @QE@ إلى قوله تعالى : @QB@ فأولئك هم الفاسقون @QE@ ~~. # ومنها كونه من قريش ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : # ' الأئمة من | قريش ' والسبب المقتضي لهذا أن الحق الذي أظهره الله على ~~لسان نبيه | صلى الله عليه وسلم إنما جاء بلسان قريش وفي عاداتهم ، وكان ~~أكثر ما تعين من | المقادير والحدود ما هو عندهم ، وكان المعد لكثير من ~~الأحكام ما هو فيهم ، | فهم أقوم به وأكثر الناس تمسكا بذلك ، وأيضا فإن ~~قريشا قوم النبي | صلى الله عليه وسلم وحزبه ، ولا فخر لهم إلا بعلو دين ~~محمد صلى الله عليه وسلم | ، وقد اجتمع فيهم حمية دينيه وحمية نسبيه ، ~~فكانوا مظنة القيام | PageV01P737 | بالشرائع والتمسك بها ، وأيضا فإنه يجب ~~أن يكون الخليفة ممن لا يستنكف | الناس من طاعته لجلالة نسبه وحسبه ، فإن ~~من نسب له يراه الناس حقيرا | ذليلا ، وان يكون ممن عرف منهم الرياسات ~~والشرف ، ومارس قومه | جمع الرجال ونصب القتال ، وأن يكون قومه أقوياء ~~يحمونه ، وينصرونه ، | ويبذلون دونه الأنفس ، ولم تجتمع هذه الأمور إلا في ~~قريش لا سيما بعد | ما بعث النبي صلى الله عليه وسلم ونبه به أمر قريش . # وقد أشار أبو بكر الصديق رضي الله عنه إلى هذه فقال : ولن يعرف | هذا ~~الأمر إلا بقريش هم أوسط العرب دارا الخ . # وإنما لم يشترط كونه هاشميا مثلا لوجهين : أحدهما ألا يقع الناس في | ~~الشك ، فيقولوا إنما أراد ملك أهل بيته كسائر الملوك فيكون سببا للارتداد | ~~ولهذه العلة لم يعط النبي صلى الله عليه وسلم المفتاح لعباس بن عبد المطلب ~~| رضي الله عنه . # والثاني أن المهم في الخلافة رضا الناس به واجتماعهم عليه وتوقيرهم إياه ~~| وأن يقيم الحدود ، ويناضل دون الملة ، وينفذ الأحكم ، واجتماع هذه | ~~الأمور لا يكون إلا في واحد بعد واحد ، وفي اشتراط أن تكون من قبيلة | خاصة ~~تضييق وحرج فربما لم يكن في هذه ms528 القبيلة من تجتمع فيه الشروط ، | وكان في ~~غيرها ، ولهذه العلة ذهب الفقهاء إلى المنع عن اشتراط كون المسلم | فيه من ~~قرية صغيرة وجوزوا كونه من قرية كبيرة . # وتنعقد الخلافة بوجوه : بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء | ~~وأمراء الأجناد ممن يكون له رأى ونصيحة للمسلمين ، كما انعقدت خلافة | أبي ~~بكر رضي الله عنه . | PageV01P738 # وبأن يوصي الخليفة الناس به ، كما انعقدت خلافة عمر رضي الله عنه # أو يجعل شورى بين قوم ، كما كان انعقاد خلافة عثمان ، بل علي | أيضا رضي ~~الله عنهما ، # أو استيلاء رجل جامع للشروط على الناس وتسلطه عليهم ، كسائر | الخلفاء ~~بعد خلافة النبوة ، ثم إن إستوى من لم يجمع الشروط لا ينبغي أن | يبادر إلى ~~المخالفة . لأن خلعه لا يتصور غالبا إلا بحروب ومضايقات ، | وفيها من ~~المفسدة اشد مما يرجى من المصلحة ، وسئل رسول صلى الله عليه وسلم | عنهم ~~فقيل : أفلا ننابذهم ؟ قال : ' لا ما أقاموا فيكم الصلاة ' | وقال : ' إلا ~~أن تروا كفرا بواحا عندكم من الله فيه برهان ' # وبالجملة فإذا كفر الخليفة بانكار ضرورى من ضروريات الدين حل | قتاله بل ~~وجب وإلا لا ، وذلك لأنه حينئذ فاتت مصلحة نصبه ، يل يخاف | مفسدته على ~~القوم ، فصار قتاله من الجهاد في سبيل الله . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب ، وكره ، ما لم | يؤمو بمعصية ~~، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة ' # أقول لما كان الإمام منصوبا لنوعين من المصالح اللذين بهما انتظام الملة ~~| والمدن . وإنما بعث النبي صلى الله عليه وسلم لأجلهما والامام نائبه ~~ومنفذ | أمره - كانت طاعته طاعة رسول الله ، ومعصيته معصية رسول الله إلا ~~أن | يأمر بالمعصية ، فحينئذ ظهر أن طاعته ليس بطاعة الله ، وأنه ليس نائب ~~| رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولذلك قال عليه السلام . ' ومن يطع ~~الأمير فقد أطاعني | ومن عصى الأمير فقد عصاني ' . | PageV01P739 # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إنما الامام جنة يقاتل من ورائه ، ويتقي به ، فان أمر | بتقوى الله ، ~~وهدى فان له بذلك أجرا ، وإن قال ms529 بغيره فان عليه | منه ' . # أقول إنما جعله بمنزلة الجنة لأنه سبب اجتماع كلمة المسلمين والذب | عنهم ~~. # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصير ، فانه ليس أحد | يفارق الجماعة ~~شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية ' . # أقول وذلك لأن الإسلام إنما امتاز من الجاهلية بهذين النوعين من | ~~المصالح ، والخليفة نائب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهما ، فإذا فارق | ~~منفذهما ومقيمهما أشبه الجاهلية . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' ما من عبد يسترعيه الله رعية ، فلم يحطها | بنصيحة إلا لم يجد رائحة ~~الجنة ' أقول لما كان نصب الخليفة لمصالح وجب | أن يؤمر الخليفة بايفاء هذه ~~المصالح ، كما أمر الناس أن ينقادوا له ، لتتم | المصالح من الجانبين . # ثم إن الامام لما كان لا يستطيع بنفسه أن يباشر جباية الصدقات وأخذ | ~~العشور وفصل القضاء في كل ناحية وجب بعث العمال والقضاة ، ولما كان | أولئك ~~مشغولين بأمر من مصالح العامة وجب أن تكون كفايتهم في بيت | المال ، وإليه ~~الإشارة في قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه لما استخلف | PageV01P740 | ~~لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤونة أهلي وشغلت بأمر | المسلمين ، ~~فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال ، ويحترف | للمسلمين فيه . # ثم وجب أن يؤمر العامل بالتيسير ، وينهى عن الغلول والرشوة ، وأن | يؤمر ~~القوم بالانقياد له لتتم المصلحة المقصودة ، وهذا قوله صلى الله عليه وسلم ~~| : إن رجالا يتخوضون في مال الله بغير حق فلهم النار يوم القيامة | وقال ~~صلى الله عليه وسلم ' من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا فما أخذ بعد ذلك ~~فهو | غلول ' ولعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي ، والسر ~~في | ذلك أنه ينافي المصلحة المقصودة ويفتح باب المفاسد . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' لا تستعمل من طلب العمل ' أقول وذلك | لأنه ~~قلما يخلوا طلبه من داعية نفسانية ، وقال صلى الله عليه وسلم . إذ جاءكم ~~العامل | فليصدر وهو عنكم راض ' # ثم وجب أن يقدر القدر الذي يعطى العمال في عملهم لئلا يجاوزه | الامام ، ~~فيفرد ، أو ms530 يفرط ، ولا يعدوه العامل بنفسه ، وهو قوله | صلى الله عليه وسلم ~~: ' من كان لنا عاملا فليكتسب زوجة ، فان لم يكن له خادم | فليكتسب خادما , ~~فإن لم يكن له مسكن فليكتسب مسكنا . # فاذا بعث الامام العامل في صدقات سنة فليجعل له فيها ما يكفي مؤنته ، | ~~ويفضل فضل بقدر به على حاجة من هذه الحوائج ، فان الزائد لا حد له ، | ~~والمؤنة بدون زيادة لا يتعانى لها العامل ، ولا يرغب فيها | PageV01P741 # # | ( المظالم ) # اعلم أن من أعظم المقاصد التي قصدت ببعثة الأنبياء عليهم السلام دفع | ~~المظالم من بين للناس ، فان تظالمهم يفسد حالهم ، ويضيق عليهم ، ولا حاجة | ~~إلى شرح ذلك ، # والمظالم على ثلاثة أقسام : تعد على النفس ، وتعد على أعضاء الناس ، | ~~وتعد على أموال الناس ، فاقتضت حكمة من الله أن يزجر عن كل نوع من هذه | ~~الأنواع بزواجر قوية تردع الناس عن أن يفعلوا ذلك مرة أخرى ، ولا ينبغي | ~~أن تجعل هذه الزواجر على مرتبة واحدة فان القتل ليس كقطع الطرف ؛ | ولا قطع ~~الطرف كاستهلاك المال . # وأن الدواعي التي تنبعث منها هذه المظالم لها مراتب ؛ فمن البديهي أن | ~~تعمد القتل ليس كالتساهل المنجر إلى الخطأ : فأعظم المظالم القتل ، وهو | ~~أكبر الكبائر ، أجمع عليه أهل الملل قاطبتهم ، وذلك لأنه طاعة النفس في | ~~داعية لغضب ، وهو أعظم وجوه الفساد فيما بين الناس ، وهو تغيير خلق | الله ~~وهدم بنيان الله ومناقضة ما أراد الحق في عباده من انتشار نوع الإنسان # والقتل على ثلاثة أقسام : عمد ، وخطأ ، وشبه عمد ، فالعمد هو القتل | ~~الذي يقصد فيه إزهاق روحه بما يقتل غالبا جارحا أو مثقلا ، # والخطأ ما لا يقصد فيه إصابته ، فيصيبه فيقتله كما إذا وقع على إنسان | ~~فمات أو رمى شجرة ، فأصابه ، فمات . # وشبه العمد أن يقصد الشخص بما لا يقتل غالبا ، فيقتله كما إذا ضرب | بسوط ~~أو عصا فمات ، | PageV01P742 # وإنما جعل على ثلاثة أقسام لما أشرنا من قبل أن الزاجر ينبغي أن | يكون ~~بحيث يقاوم الداعية والمفسدة ، ولهما مراتب ، فلما كان العمد أكثر | فسادا ~~وأشد داعية وجب أن ms531 يغلظ فيه بما يحصل زيادة الزجر ، ولما كان | الخطأ أقل ~~فسادا وأخف داعية وجب أن يخفف من جزائه ، واستنبط النبي | صلى الله عليه ~~وسلم بين العمد والخطأ نوعا آخر لمناسبة منهما وكونه برزخا | بينهما ، فلا ~~ينبغي أن يدخل في أحدهما . # فالعمد فيه قوله تعالى : # @QB@ ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها وغضب الله عليه ولعنه ~~وأعد له عذابا عظيما @QE@ . # ظاهره أنه لا يغفر له ، وإليه ذهب ابن عباس رضي الله عنهما ، لكن | ~~الجمهور وظاهر السنة على أنه بمنزلة سائر الذنوب ، وأن هذه التشديدات | ~~للزجر وأنها تشبيه لطول مكثه بالخلود واختلفوا في الكفارة فان الله تعالى | ~~لم ينص عليها في مسألة العمد قال الله تعالى : # @QB@ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد ~~بالعبد والأنثى بالأنثى @QE@ . # نزلت في حيين من أحياء العرب : أحدهما أشرف من الآخر ، فقتل | الأوضع من ~~الأشرف قتلى فقال الأشرف لنقتلن الحر بالعبد والذكر | بالأنثى ، ولنضاعفن ~~الجراح . # ومعنى الآية - والله أعلم أن خصوص الصفات لا يعتبر في القتلى | كالعقل ، ~~والجمال ، والصغر ، والكبر وكونه شريفا أو ذا مال ونحو ذلك ، | PageV01P743 ~~| وإنما تعتبر الأسامي والمظان الكلية ، فكل امرأة مكافئة لكل امرأة ، | ~~ولذلك كانت ديات النساء واحدة وإن تفاوتت الأوصاف ، وكذلك الحر | يكافئ ~~الحر ، والعبد يكافئ العبد ، فمعنى القصاص التكافؤ وأن يجعل اثنان | في ~~درجة واحدة من الحكم لا يفضل أحدهما على الآخر لا القتل مكانه | ألبتة ، ثم ~~أثبتت السنة أن المسلم لا يقتل بالكافر ، وأن الحر لا يقتل بالعبد . | ~~والذكر يقتل بالأنثى لأن النبي صلى الله عليه وسلم قتل اليهودي بجارية | ~~وفي كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أقيال همدان ' ويقتل | الذكر ~~بالأنثى ' وسره أن القياس فيه مختلف ، ففضل الذكور على الإناث ، | وكونهم ~~قوامين عليهن يقتضي ألا يقاد بها وأن الجنس واحد ، وإنما الفرق | بمنزلة ~~الفرق الصغير والكبير وعظيم الجثة وحقيرها ، ورعاية مثل ذلك عسيرة | جدا ، ~~ورب امرأة هي أتم من الرجال في محاسن الخصال تقتضي أن يقاد ، | فوجب أن ~~يعمل على القياسين ms532 ، وصورة العمل بهما أنه اعتبر المقاصة | في القود وعدم ~~المقاصة في الدية ، وإنما فعل ذلك لأن صاحب العمد قصدها | وقصد التعدي ~~عليها ، والمتعمد المتعدى ينبغي أن يذب عنها أتم ذب ، فإنها | ليست بذات ~~شوكة ، وقتلها ليس فيه حرج بخلاف قتل الرجال فإن الرجل | يقاتل الرجل ، ~~فكانت هذه الصورة أحق بإيجاب القود ؛ ليكون ردعا | وزجرا عن مثله . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' لا يقتل مسلم لكافر ' . أقول : والسر في | ذلك أن المقصود الأعظم في ~~الشرع تنويه الملة الحنيفية ، ولا يحصل إلا بأن | يفضل المسلم على الكافر ، ~~ولا يسوي بينهما . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' لا يقاد الوالد بالولد ' أقول : السبب في | PageV01P744 | ذلك أن ~~الوالد شفقته وافرة ، وحبه عظيم ، فاقدامه على القتل مظنة أنه | لم يتعمده ~~. وإن ظهرت مخايل العمد أو كان لمعنى أباح قتله ، وليست | دلالة هذه اقل من ~~دلالة استعمال ما لا يقتل غالبا على أنه لم يقصد إزهاق الروح . # وأما القتل شبه العمد ، فقال فيه صلى الله عليه وسلم : # ' من قتل في | عمية في رمي يكون فيهم بالحجارة أو جلد بالسياط أو ضرب ~~بعصا فهو | خطأ وعقله عقل الخطأ ' . # أقول : معناه أنه يشبه الخطأ وأنه ليس من العمد وأن عقله مثل عقله | في ~~الأصل ، وإنما يتمايزا في الصفة ، أو أنه لا فرق بينه وبينه في الذهب ~~والفضة | واختلفت الرواية في الدية المغلظة . فقول ابن مسعود رضي الله عنه ~~: إنها | تكون أرباعا خمسا وعشرين جذعة . وخمسا وعشرين حقة ، وخمسا | ~~وعشرين بنت لبون ، وخمسا وعشرين بنت مخاض ، وعنه صلى الله عليه وسلم | ' ~~ألا إن في قتل العمد الخطأ بالسوط أو العصا مائة من الإبل منها | أربعون ~~خلفة في بطونها الأولادها ، وفي رواية ' ثلاثون حقة وثلاثون جذعة وأربعون ~~خلفه ' وما صولحوا عليه فهو لهم ' . # وأما القتل الخطأ ففيه الدية المخففة المخمسة عشرون بن مخاض . | وعشرون ~~ابن مخاض . وعشرون بنت لبون . وعشرون حقة وعشرون | جذعة ، وفي هذين القسمين ~~إنما تجب الدية على العاقلة في ثلاث سنين . # ولما كانت هذه الأنواع مختلفة المراتب روعي ms533 في ذلك التخفيف | والتغليظ من ~~وجوه : # منها أن سفك دم القاتل لم يحكم به إلا في العمد . ولم يجعل في الباقيين | ~~إلا الدية ، وكان في شريعة اليهود القصاص لا غير : فخفف الله على هذه الأمة ~~، | PageV01P745 | فجعل جزاء القتل العمد عليها أحد الأمرين القتل . والمال ~~، فلربما كان | المال أنفع للأولياء من الثأر ، وفيه إبقاء نسمة مسلمة . # ومنها أن كانت الدية في العمد واجبة على نفس القاتل وفي غيره تؤخذ | من ~~عاقلته ؛ لتكون مزجرة شديدة وابتلاء عظيما للقاتل ينهك ماله أشد | إنهاك ، ~~وإنما تؤخذ في غير العمد من العاقلة لأن هدر الدم مفسدة عظيمة ، | وجبر ~~قلوب المصابين مقصود ، والتساهل من القاتل في مثل هذا الأمر | العظيم ذنب ~~يستحق التضييق عليه ، ثم لما كانت الصلة واجبة على ذوي | الأرحام اقتضت ~~الحكمة الإلهية أن يوجب شيء من ذلك عليهم أشاءوا | أم أبوا ، وإنما تعين ~~هذا لمعنيين . # أحدهما أن الخطأ وإن كان مأخوذا به لمعنى التساهل فلا ينبغي أن يبلغ | به ~~أقصى المبالغ ، فكان أحق ما يوجب عليهم عن ذوي رحمهم ما يكون | الواجب في ~~التخفيف عليه . # والثاني أن العرب كانوا يقومون بنصرة صاحبهم بالنفس والمال عندما | يضيق ~~عليه الحال ، ويرون ذلك صلة واجبة وحقا مؤكدا ، ويرون تركه | عقوقا وقطع ~~رحم ، فاستوجبت عاداتهم تلك أن يغين لهم ذلك . # ومنها أن جعل دية العمد معجلة في سنة واحدة ، ودية غيره مؤجلة في | ثلاث ~~سنين لما ذكرنا من معنى التخفيف . # والأصل في الدية أنها يجب أن تكون مالا عظيما يغلبهم ، وينقص من | مالهم ~~، ويجدون له بالا عندهم ويكون بحيث يؤدونه بعد مقلساة الضيق ؛ | ليحصل ~~الزجر وهذا القدر يختلف باختلاف الأشخاص ، وكان أهل | الجاهلية قدروها ~~بعشرة من الإبل ، فلما رأى عبد المطلب أنهم لا ينزجرون | بها بلغها إلى ~~مائة ، وأبقاها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك لأن العرب | يومئذ كانوا ~~أهل إبل ، غير أن النبي صلى الله عليه وسلم عرف أن شرعه | PageV01P746 | ~~لازم للعرب والعجم وسائر الناس ، وليسوا كلهم أهل إبل ، فقدر من | الذهب ~~ألف دينار ، ومن ms534 الفضة اثني عشر ألف درهم ، ومن البقر مائتي | بقرة ، ومن ~~الشاء ألفي شاة . # والسبب في هذا إذا مائة رجل إن وزع عليهم ألف دينار في ثلاث | سنين أصاب ~~كل واحد منهم في سنة ثلاثة دنانير وشيء ، ومن الدراهم ثلاثون | درهما وشيء ~~، وهذا شيء لا يجدون لأقل منه بالا ، والقبائل تتفاوت فيما | بينها ، يكون ~~منها الكبيرة ، ومنها الصغيرة ، وضبط الصغيرة بخمسين ، فإنهم | أدنى ما ~~تتقرى بهم القرية ، ولذلك جعل القسامة خمسين يمينا متوزعة على | خمسين رجلا ~~، والكبيرة ضعف الخمسين فجعلت الدية مائة ليصيب كل واحد | بعيرا أو بعيران ~~أو بعير وشيء في أكثر القبائل عند استواء حالهم . # والأحاديث التي تدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا رخصت | ~~الإبل خفض من الدية ، وإذا غلت رفع منها ، فمعناها عندي أنه كان يقضي | ~~بذلك على أهل الإبل خاصة ، وأنت إن فتشت عامة البلاد وجدتهم ينقسمون | إلى ~~أهل تجارات وأموال وهم أهل الحضر ، وأهل رعي ، وهم أهل البدو | لا يجاوزهم ~~حال الأكثرين . # قال الله تعالى : # @QB@ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة @QE@ . الآية # أقول . إنما وجب في الكفارة تحرير رقبة مؤمنة أو إطعام ستين مسكينا | ~~ليكون طاعة مكفرة له فيما بينه وبين الله فإن الدية مزجرة تورث فيه الندم | ~~بحسب تضييق الناس عليه ، والكفارة فيما بينه وبين الله تعالى . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . # ' لا يحل دم امرئ مسلم يشهد | أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا ~~بإحدى ثلاث . النفس بالنفس . | PageV01P747 | والثيب الزاني . والمفارق ~~لدينه التارك للجماعة . ' أقول . الأصل المجمع | عليه في جميع الأديان أنه ~~إنما يجوز القتل لمصلحة كلية لا تتأتى بدونه ، ويكون | تركها اشد إفسادا ~~منه ، وهو قوله تعالى . # @QB@ والفتنة أشد من القتل @QE@ . # وعندما تصدى النبي صلى الله عليه وسلم للتشريع وضرب الحدود | وجب أن يضبط ~~المصلحة الكلية المسوغة للقتل ولو لم يضبط ، وترك سدى | لقتل منهم قاتل من ~~ليس قتله من المصلحة الكلية ظنا أنه منها فضبط بثلاث : # القصاص فإنه مزجرة ، وفيه مصالح كثيرة قد ms535 أشار الله تعالى إليها بقوله . # @QB@ ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب @QE@ . # والثيب الزاني لأن الزنا من أكبر الكبائر في جميع الأديان ، وهو من | أصل ~~ما تقتضيه الجبلة الإنسانية ، فإن الإنسان عند سلامة مزاجه يخلق على | ~~الغيرة أن يزاحمه أحد على موطوأته كسائر البهائم ، إلا أن الإنسان استوجب | ~~أن يعلم ما به إصلاح النظام فيما بينهم ، فوجب عليهم ذلك . # والمرتد اجترأ على الله ودينه ، وناقض المصلحة المرعية في نصب الدين | ~~وبعث الرسل . # وأما ما سوى هؤلاء الثلاث مما ذهبت إليه الأمة مثل الصائل . ومثل | ~~المحارب من غير أن يقتل أحدا عند من يقول بالتخيير بين أجزية المحارب | ~~فيمكن إرجاعه إلى أحد هذه الأصول . # واعلم أنه كان أهل الجاهلية يحكمون بالقسامة وكان أول من قضى بها | أبو ~~طالب كما بين ذلك ابن عباس رضي الله عنهما وكان فيها مصلحة عظيمة ، | فإن ~~القتل ربما يكون في المواضع الخفية والليالي المظلمة حيث لا تكون البينة | ~~PageV01P748 | فلو جعل مثل هذا القتل هدرا لاجترأ الناس عليه ولعم الفساد ، ~~ولو أخذ | بدعوى أولياء المقتول بلا حجة لادعى الناس على كل من يعادونه ، ~~فوجب أن | يؤخذ بأيمان جماعة عظيم تتقرى بها قرية ، وهم خمسون رجلا ، فقضى ~~بها | النبي صلى الله عليه وسلم ، وأثبتها . # واختلف الفقهاء في العلة التي تدار عليها ، فقيل . وجود قتيل به أثر | ~~جراحة من ضرب أو خنق في موضع هو في حفظ قوم كمحلة ، ومسجد ، | ودار ، وهذا ~~مأخوذ من قصة عبد الله بن سهل وجد قتيلا بخيبر يتشحب | في دمه ، وقيل . ~~وجود قتيل وقيام لوث على أحد أنه القاتل باخبار المقتول | أو شهادة دون ~~النصاب ونحوه ، وهذا مأخوذ من قصة القسامة التي قضى | بها أبو طالب . # قال صلى الله عليه وسلم . # ' دية الكافر نصف دية المسلم ' أقول . | السبب في ذلك ما ذكرنا قبل أنه ~~يجب أن ينوه بالملة الإسلامية ، وأن يفضل | المسلم على الكافر ، ولأن قتل ~~الكافر أقل إفسادا بين المسلمين ؛ وأقل | معصية ؛ فإنه كافر مباح الأصل ~~يندفع بقتله شعبة من الكفر ، وهو مع ms536 ذلك | ذنب وخطيئة وإفساد في الأرض ، ~~فناسب أن تخفف ديته . # وقضى صلى الله عليه وسلم في الاملاص بغرة عبد أو أمة اعلم أن | الجنين ~~فيه وجهان : كونه نفسا من النفوس البشرية ، ومقتضاه أن يقع في | عوضه النفس ~~، وكونه طرفا وعضوا من أمة لا يستقل بدونها ومقتضاه أن | يجعل بمنزلة سائر ~~الجروح في الحكم بالمال ، فروعي الوجهان فجعل ديته | مالا هو أدمي وذلك ~~غاية العدل . # وأما التعدي على أطراف الإنسان فحكمه مبني على أصول : أحدها أن | ما كان ~~منها عمدا ففيه القصاص إلا أن يكون القصاص فيه مفضيا إلى الهلاك | فذلك ~~مانع من القصاص ، وفيه قوله تعال ى : | PageV01P749 # @QB@ النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن ~~بالسن والجروح قصاص @QE@ . # فالعين بمرآة محماة والسن بالمبرد ولا تقلع لأن في القلع خوف زيادة | ~~الأدى . وفي الجروح إذا كان كالموضحة القصاص يقبض على السكين بقدر | عمق ~~الموضحة فان كان كسر العظم فلا قصاص لأنه يخاف منه الهلاك . # وجاء عن بعض التابعين لطمة بلطمة . وقرصة بقرصة . # والثاني أن ما كان إزالة لقوة نافعة في الإنسان كالبطش . والمشي | والبصر ~~. والسمع . والعقل . والباءة ، ويكون بحيث يصير الإنسان به كلا | على الناس ~~، ولا يقدر على الاستقلال بأمر معيشته ، ويلحق به عار فيما بين | الناس ، ~~ويكون مثله يتغير بها خلق الله ، ويبقى أثرها في بدنه طول الدهر | فانه يجب ~~فيها الدية كاملة ، وذلك لأنه ظلم عظيم وتغيير لخلقه ومثله به | وإلحاق عار ~~به وكان الناس لا يقومون بنصرة المظلوم بأمثال ذلك كما يقومون | في باب ~~القتل ، ويحقر أمرهم الظالم والحاكم . وعصبة الظالم وعصبة المظلوم | ~~فاستوجب ذلك أن يؤكد الأمر فيه ويبلغ مزجرته أقصى المبالغ . # والأصل في قوله صلى الله عليه وسلم في كتابه إلى أهل اليمن : ' في | ~~الأنف إذا أوعب جدعة الدية ، وفي الاسنان الدية ، وفي الشفتين الدية ، | ~~وفي البيضتين الدية ، وفي الذكر الدية ، وفي الصلب الدية ، وفي العينين ~~الدية ' | وقال عليه السلام . # ' في العقل الدية ' . # ثم ما كان إتلافا لنصف هذه المنفعة ففيه نصف الدية ، في الرجل ms537 الواحده | ~~نصف الدية ، وفي اليد الواحدة نصف الدية ، وما كان إتلافا لعشرها كأصبع | ~~PageV01P750 | من أصابع اليدين والرجلين ففيه عشر الدية ، وفي كل سن نصف ~~عشر الدية ، | وذلك لأن الأسنان تكون ثمانية وعشرين . وستة وعشرين ، والكسر ~~| الذي يكون بإزاء نسبة الواحد إلى ذلك العدد خفي محتاج إلى التعمق في | ~~الحساب ، فأخذنا العشرين ، وأوجبنا نصف عشر الدية . # والثالث أن الجروح التي لا تكون إبطالا لقوة مستقلة ولا لنصفها ، | ولا ~~تكون مثله ، وإنما هي تبرأ ، وتندمل لا ينبغي أن تجعل بمنزلة النفس | ولا ~~بمنزلة اليد والرجل ، فيحكم بنصف الدية ، ولا ينبغي أن يهدر | ولا يجعل ~~بإزائه شيء ، فأقلها الموضحة إذ ما كان دونها يقال له خدش وخمش | لا جرح ، ~~والموضحة ما يوضح العظم ففيه نصف العشر لآن نصف العشر أقل | حصة يعرف من ~~غير إمعان في الحساب ، وإنما يبنى الأمر في الشرائع على | السهام المعلوم ~~مقدارها عند الحاسب وغيره ، والمنقلة فيها خمسة عشر | بعيرا لأنها إيضاح ~~وكسر ونقل فصار بمنزلة ثلاثة إيضاحات والجائفة | والآمة أعظما الجراحات فمن ~~حقهما أن يجعل في كل واحدة منهما ثلث الدية | لأن الثلث يقدر به ما دون ~~النصف . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' هذه وهذه سواء ' يعني الحنصر | والابهام ، وقال ' الثنية والضرس سواء ' ~~. # أقول والسبب أن المنافع الخاصة بكل عضو عضو لما صعب ضبطها | وجب أن يدار ~~الحكم على الأسامي والنوع . | PageV01P751 # واعلم أن من القتل والجرح ما يكون هدرا وذلك لأحد وجهين : | إما أن يكون ~~دفعا لشر يلحق به ، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم | في جواب من قال : # ' يا رسول الله أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي ؟ | قال : فلا تعطه مالك ~~، قال : أرأيت إن قاتلني ؟ قال : قاتله ، قال : أرأيت | إن قتلني ؟ قال : ~~فأنت شهيد ، قال : أرأيت إن قتلته ؟ قال : هو في النار ' . # وعض إنسان إنسانا ، فانتزع المعضوض يده من فمه ، فأندر ثنيته ، | فأهدرها ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم . # فالحاصل أن الصائل على نفس الإنسان أو طرفه أو ماله يجوز ذبه بما | أمكن ms538 ~~، فان انجر الأمر إلى القتل لا إثم فيه ، فان الأنفس السبعية كثيرا | ما ~~يتغلبون في الأرض ، فلو لم يدفعوا لضاق الحال وقال صلى الله عليه وسلم | : # ' لو اطلع في بيتك أحد ، ولم تأذن له ، فحذفته بحصاة ، ففقأت عينه | ما ~~كان عليك من جناح ' . # وأما أن يكون بسبب ليس فيه تعد لأحد ، وإنما هو بمنزلة الآفات | السماوية ~~، والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم : # ' العجماء جبار ، والمعدن | جبار ، والبئر جبار ' . # أقول : وذلك لأن البهائم تسرح للمرعى ، فاذا أصابت أحدا لم يكن | ذلك من ~~صنع مالكها ، وكذلك إذا وقع في البئر أو انطبق عليه المعدن ، | ثم إن النبي ~~صلى الله عليه وسلم سجل عليهم أن يحتاطوا لئلا يصاب أحد | منهم بخطأ ، فان ~~من القرف والتلف . | PageV01P752 # ومنه نهيه صلى الله عليه وسلم عن الحذف قال : ' إنه لا يصاد به صيد ، | ~~ولا ينكأ به عدو ، ولكنه قد يكسر السن ، ويفقأ العين ' . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' إذا مر أحدكم في مسجدنا أو في سوقنا | ومعه ~~نبل فليمسك على نصالها أن تصيب أحدا من المسلمين منها شيء ' . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه | لا يدري لعل الشيطان ينزع من ~~يده ، فيقع في حفرة من النار ' . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' من حمل علينا السلاح فليس منا ' . # ونهى عليه السلام أن يتعاطى السيف مسلولا ، ونهى أن يقدر السير | بين ~~أصبعين . # وأما التعدي على أموال الناس فأقسام : غصب . وإتلاف . وسرقة . | ونهب . . ~~. # أما السرقة . والنهب فستعرفهما ، وأما الغصب فاغا هو تسلط على مال | ~~الغير معتمدا على شبهة واهية لا يثبتها الشرع ، أو اعتمادا على ألا يظهر ~~على | الحكام جلية الحال ، ونحو ذلك ، فكان حريا أن يعد من المعاملات ، | ~~ولا يبتنى عليه الحدود ، ولذلك كان غصب ألف درهم لا يوجب القطع ، | وسرقة ~~ثلاثة دراهم توجبه . # وأما الاتلاف فيكون عمدا . وشبه عمد . وخطأ ، لكن الأموال | لما كانت دون ~~الأنفس لم يجعل لكل واحد منها حكما وكفى الضمان عن | جميعها زاجرا . # قال رسولى الله صلى ms539 الله عليه وسلم : ' من أخذ شبرا من الأرض ظلما | طوقه ~~يوم القيامة من سبع أرضين ' . | PageV01P753 # أقول لقد علمت مرارا أن الفعل الذي ينقض المصلحة المدنية ، ويحصل | به ~~الإيذاء والتعدي يستوجب لعن الملأ الأعلى ، ويتصور العذاب بصورة | العمل أو ~~مجاروه . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' على اليد ما أخذت ' . # أقول : هذا هو الأصل في باب الغصب والعارية يجب رد عينه ، فان | تعذر فرد ~~مثله . # ودفع عليه السلام صحفة في موضع صحفة كسرت ، وأمسك المكسورة # أقول : هذا هو الأصل في باب الاتلاف ، والظاهر من السنة أنه يجوز | أن ~~يغرم في المتقومات بما يحكم به العامة والخاصة أنه مثلها كالصحفة مكان | ~~الصحفة ، وقضى عثمان رضي الله عنه بمحضر من الصحابه رضي الله عنهم على | ~~المغرور أن يفدى بمثل أولاده . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' من وجد عين ماله عند رجل فهو أحق به ، ويتبع البيع من | باعه ' أقول ~~السبب المقتضي لهذا الحكم أنه إذا وقعت هذه الصورة فيحتمل | أن يكون في كل ~~جانب الضرر والجور ، فإذا وجد متاعه عند رجل . فان | كانت السنة أن يهمله ~~حتى يجد بائعه ففيه ضرر عظيم لصاحب المتاع ، فان | الغاصب أو السارق إذا ~~عثر على خيانته ربما يحتج بأنه اشتري من إنسان يذب | بذلك عن نفسه ، وربما ~~يكون السارق والغاصب وكل بعض الناس بالبيع | لئلا يؤاخذ هو ولا البائع ، ~~وفي ذلك فتح باب ضياع حقوق الناس ، وربما | لا يجد البائع إلا عند غيبة هذا ~~المشتري فيؤاخذه فلا يجد عنده شيء فيسكت | على خيبة ، وإن كانت السنة أن ~~يقبضه في الحال ففيه ضرر للمشتري لأنه | ربما يبتاع من السوق لا يدري من ~~البائع وأين محله ثم يستحق ماله ولا يجد | البائع فيسكت على خيبة وربما ~~يكون له حاجة إلى المتاع ويكون في قبض | PageV01P754 | المستحق إياه حوالته ~~على البائع فوت حاجته فلما دار الأمر بين ضررين ولم | يكن بد من وجود ~~أحدهما وجب أن يرجع إلى الأمر الظاهر الذي تقبله | أفهام الناس من غير ريبة ~~وهو هنا أن الحق تعلق ms540 بهذه العين والعين تحبس في | العين المتعلق به إذا ~~قامت البينة وارتفع الأشكال ، وعلى هذا القياس ينبغي | أن تعتبر القضايا . # وقضى صلى الله عليه وسلم أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار وأن | ما ~~أفسدت المواشي فهو ضامن على أهلها أقول : السبب المقتضي لهذا القضاء | أنه ~~إذا أفسدت المواشي حوائط الناس كان الجور والعذر مع كل واحد ، | فصاحب ~~الماشية يحتج بأنه لا بد أن يسرح ماشيته في المرعى وإلا هلكت | جوعا ، ~~واتباع كل بهيمة وحفظها يفسد عليهم الارتفاقات المقصودة ، وأنه | ليس له ~~اختيار فيما أتلفته بهيمته ، وأن صاحب الحائط هو الذي قصر في | حفظ ماله ~~وتركه في بمضيعة ، وصاحب الحائط يحتج بأن الحائط لا تكون إلا | خارج البلاد ~~فحفظها والذب عنها والاقامة عليها يفسد حاله ، وأن صاحب | الماشية هو الذي ~~سرحها في الحائط أو قصر في حفظها ، فلما دار الأمر | بينهما و كان لكل واحد ~~جور وعذر ، وجب أن يرجع إلى العادة المألوفة | الفاشية بينهم فيبنى ، الجور ~~على مجاوزتها ، والعادة أن يكون في كل حائط في | النهار من يعمل فيه ، ~~ويصلح أمره ، ويحفظه . وأما في الليل فيتركونه ، | ويبيتون في القرى ~~والبلاد ، وأن أهل الماشية يجمعون ماشيتهم بالليل في | بيوتهم ، ثم ~~يسرحونها في النهار للرعي ، فاعتبر الجور أن يجاوز العادة | الفاشية بينهم ~~. # وسئل صلى الله عليه وسلم عن الثمر المعلق ، فقال : # ' من أصابه بفيه من | ذي حاجة غير متخذ خبنه فلا شيء عليه ' # اعلم أن دفع التظالم بين الناس إنما هو أن يقبض على يد من يضر | ~~PageV01P755 | بالناس ويتعدى عليهم ، لا أن يتبع شحهم وغمر نفوسهم ، ففي ~~صورة | الأكل من الثمر المعلق غير المحرز الكثير الذي لا يشح منه بشبع ~~إنسان | محتاج إذا لم يكن هناك مجاوزة حد العرف . ولا اتخاذ خبنة ، ولا رمي ~~| الأشجار بالحجارة ، فان العرف يوجب المسامحة في مثله ، فمن ادعى في | مثل ~~ذلك فانه اتبع الشح ، وقصد الضرار . فلا يتبع ، وأما ما كان من ثمر | مشفوة ~~أو اتخاذ خبنة أو رمى الأشجار أو مجاوزة الحد في الاتلاف بوجه ms541 | من الوجوه ~~ففيه التعرير والغرامة . # وأما لبن الماشية فالافية فيه متعارضة ، وقد بينها النبي صلى الله عليه ~~وسلم | ، فقاسها تارة على المتاع المخزون في البيوت ، فنهى عن حلبه . وتارة ~~| على الثمر المعلق والأشياء غير المحرزة ، فأباح منه بقدر الحاجة لمن لم ~~يجد | صاحب المال ليستأذنه ، والأصل فيما اختلف فيه الاحاديث وأظهرت العلل ~~| أن يجمع باعتبار تلك العلل ، فحينما جرت العادة ببذل مثله وليس هناك شح | ~~وتضييق وكانت حاجة جاز وإلا فلا ، وعلى مثل ذلك ينبغي أن يعتبر | تصرف ~~الزوجة في مال الزوج والعبد في مال سيده | # | ( الحدود ) # اعلم أن من المعاصي ما شرع الله فيه الحد ، وذلك كل معصية جمعت | وجوها ~~من المفسده ، بأن كانت فسادا في الأرض واقتضابا على طمأنينة | المسلمين ، ~~وكانت لها داعية في نفوس بني آدم لا تزال تهيج فيها ، ولها ضراوة | لا ~~يستطيعون الاقلاع منها بعد أن أشربت قلوبهم بها ، وكان فيه ضرر | لا يستطيع ~~المظلوم دفعه عن نفسه في كثير من الأحيان ، وكان كثير الوقوع | فيما بين ~~الناس ، فمثل هذه المعاصي لا يكفي فيها الترهيب بعذاب الآخرة ، | بل لا بد ~~من إقامة ملامة شديدة عليها وإيلام ، ليكون بين أعينهم ذلك ، | فيردعهم عما ~~يريدونه . | PageV01P756 # كالزنا فإنها تهيج من الشبق والرغبة في جمال النساء ، ولها شرة وفيها | ~~عار شديد على أهلها ، وفي مزاحمة الناس على موطوأة تغيير الجبلة الإنسانية ~~، | وهي مظنة المقاتلات والمحاربات فيما بينهم ، ولا يكون غالبا إلا برضا | ~~الزانية والزاني ، وفي الخلوات حيث لا يطلع عليها إلا البعض ، فلو لم يشرع ~~| فيها حد وجيع لم يحصل الردع . # كالسرقة فإن الإنسان كثيرا ما لا يجد كسبا صالحا ، فينحدر إلى السرقة | ~~ولها ضراوة في نفوسهم ، ولا يكون الاختفاء بحيث لا يراه الناس بخلاف | ~~الغصب ، فانه يكون باحتجاج وشبهة لا يثبتها الشرع ، وفي تضاعيف | معاملات ~~بينهما وعلى أعين الناس فصار معاملة من المعاملات . # وكقطع الطريق فانه لا يستطيع المظلوم ذبه عن نفسه وماله ، ولا يكون | في ~~بلاد المسلمين وتحت شوكتهم فيدفعوا ، فلا بد لمثله أن يزاد في الجزاء ms542 | ~~والعقوبة ، وكشرب الخمر فان لها شرها وفيها فسادا في الأرض وزوالا | لمسكة ~~عقولهم التي بها صلاح معادهم ومعاشهم ، # وكالقذف فان المقذوف يتأذى أذى شديدا ، ولا يقدر على دفعه بالقتل | ونحوه ~~لأنه إن قتل قتل به ، وإن ضرب ضرب به ، فوجب في مثله زاجر | عظيم . # ثم الحد إما قتل وهو زجر لا زجر فوقه ، وإما قطع وهو إيلام شديد | وتفويت ~~قوة لا يتم الاستقلال بالمعيشة دونها طول عمره ومثو عار ظاهر | أثره بمرأى ~~الناس لا ينقضي ، فان النفس إنما تتأثر من وجهين ؛ النفس | الواغلة في ~~البهيمية يمنعها الايلام كالبقر . والجمل والتي فيها حب الجاه يردعه | ~~العار اللازم له اشد من الايلام ، فوجب جمع هذين الوجهين في الحدود | ~~PageV01P757 | ودون ذلك إيلام بضرب يضم معه ما فيه عار ، ظهر أثره كالتغريب ~~| وعدم قبول الشهادة والتبكيت # واعلم أنه كان من شريعة من قبلنا القصاص في القتل ، والرجم في الزنا | ~~والقطع في السرقة ، فهذه الثلاث كانت متوارثة في الشرائع السماوية وأطبق | ~~عليها جماهير الأنبياء والأمم ، ومثل هذا يجب أن يؤخذ عليه بالنواجذ ، | ~~ولا يترك ، ولكن الشريعة المصطفوية تصرفت فيها بنحو آخر ، فجعلت | مزجرة كل ~~واحد على طبقتين : إحداهما الشديدة البالغة أقصى المبالغ ، ومن | حقها أن ~~تجعل في المعصية الشديدة ، والثانية دونها ، ومن حقها أن تجعل | فيما كانت ~~المعصية دونها . # ففي القتل القود والدية والأصل فيه قوله تعالى : # @QB@ ذلك تخفيف من ربكم @QE@ # قال : ابن عباس رضي الله عنهما : كان فيهم القصاص ولم يكن فيهم الدية . # وفي الزنا الجلد ، وكان اليهود لما ذهبت شوكتهم ، ولم يقدروا على | الرجم ~~ابتدعوا التجبيه . والتشحيم فصار ذلك تحريفا لشريعتهم ، فجمعت | لنا بين ~~شريعتي من قبلنا السماوية والابتداعية ، وذلك غاية رحمة الله بالنسبة إلينا # وفي السرقة العقوبة وغرامة مثليه على ما جاء في الحديث . # وإن حملت أنواع من الظلم عليها كالقذف . والخمر فجعلت لها حدا فإن | هذه ~~أيضا بمنزلة تلك المعاصي وإن زادت في عقوبة قطع الطريق . | PageV01P758 # واعلم أن الناس على طبقتين - ولسياسة كل طبقة وجه خاص _ | طبقة هم ~~مستقلون ، أمرهم ms543 بأيدهم ، وسياسة هؤلاء أن يؤخذوا على أعين | الناس ، ~~ويوجعوا ، ويلزم عليهم عار شديد ، ويهانوا ، ويحقروا . # وطبقة هم بأيدي ناس آخرين أسراء عندهم ، وسياسة هؤلاء أن يؤمر | سادتهم ~~أن يحفظوهم عن الشر ، فإنه يظهر لهم وجه في حبسهم عن فعلهم | ذلك ، وهو ~~قوله صلى الله عليه وسلم : # ' إذا زنت أمة أحدكم فليضرب ' | الحديث ، وقوله عليه السلام : # ' إذا سرق عبد أحدكم فبيعوه ولو بنش ' | فضبطت الطبقتان بوصف ظاهر ، ~~فالأولى الأحرار والثانية الارقاء . # ثم كان من السادة من يتعدى على عبيده ، ويحتج بأنه زنى ، أو سرق ، | ونحو ~~ذلك ، فكان الواجب في مثله أن يشرع على الأرقاء دون ما على | الأحرار ليقطع ~~هذا النوع ، وألا يخيروا في القتل والقطع ، وأن يخيروا | فيما دون ذلك . # والحد يكون كفارة لأحد وجهين ، لأن العاصي إما أن يكون منقادا | لأمر ~~الله وحكمه ، مسلما وجهه لله فالكفارة في حقه توبة عظيمة ، ودليله | حديث # ' لقد تاب توبة لو قسمت على أمة محمد لوسعتهم ' . # وإما أن يكون إيلاما له وقسرا عليه ، وسر ذلك أن العمل يقتضي | في حكمة ~~الله أن يجازى في نفسه أوماله ، فصار مقيم الحد خليفة الله | في المجازاة ~~فتدبر . # قال الله تعالى : # @QB@ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة @QE@ . | ~~PageV01P759 # وقال عمر رضي الله عنه : إن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق ، | ~~وأنزل عليه الكتاب ، فكان مما أنزل الله آية الرجم ، رجم رسول الله | صلى ~~الله عليه وسلم ورجمنا بعده ، والرجم في كتاب الله حق على من زنى | إذا ~~أحصن من الرجال والنساء . # أقول : إنما جعل حد المحصن الرجم ، وحد غير المحصن الجلد ؛ لأنه كما | ~~يتم التكليف ببلوغ خمس عشر سنة أو نحوه ، ولا يتم دون ذلك لعدم تمام | ~~العقل وتمام الجثة وكونه من الرجال فلذلك ينبغي أن تتفاوت العقوبة المترتبة ~~| على التكليف بأتمية العقل وصيرورته رجلا كاملا مستقلا بأمره مستبدا | ~~برأيه ، ولأن المحصن كامل وغير المحصن ناقص ، فصار واسطة بين الأحرار | ~~الكاملين وبين العبيد ، ولم يعتبر ذلك إلا في الرجم خاصة لأنه أشد عقوبة | ~~شرعت ms544 في حق الله . # وأما القصاص فحق الناس وهم محتاجون ، فلا يضيع حقوقهم . # وأما حد السرقة وغيرها فليس بمنزلة الرجم ولأن المعصية ممن أنعم الله | ~~عليه وفضله على كثير من خلقه أقبح وأشنع لأنها اشد الكفران ، فكان | من ~~حقها أن يزاد في العقوبة لها ، وإنما جعل حد البكر مائة جلدة لأنها | عدد ~~كثير مضبوط يحصل به الزجر والإيلام ، وإنما عوقب بالتغريب لأن | العقوبة ~~المأثرة تكون على وجهين : إيلام في البدن وإلحاق حياء وخجالة | وعار وفقد ~~مألوف في النفس ، والأول عقوبة جسمانية ، والثاني عقوبة | نفسانية ، ولا ~~تتم العقوبة إلا بأن تجمع الوجهين : قال الله تعالى : # @QB@ فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب ~~@QE@ . # أقول السر في تصنيف العقوبة على الارقاء أنهم يفوض أمرهم إلى | ~~PageV01P760 | مواليهم ، فلو شرع فيهم مزجرة بالغة أقصى المبالغ لفتح ذلك ~~باب العدوان | بأن يقتل المولى عبده ، ويحتج بأنه زان ، ولا يكون سبيل ~~المؤاخذة عليه ، | فنقص من حدهم ، وجعل ما لا يفضي إلى الهلاك ، والذي ~~ذكرناه في الفرق | بين المحصن وغيره يتأتى هنا . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' خذوا عني ، خذوا عني ، قد | جعل ~~الله لهن سبيلا البكر بالبكر جلد مائة ، وتغريب عام ، والثيب | بالثيب ، ~~جلد مائة ، والرجم ' وعمل به علي رضي الله عنه أقول : اشتبه هذا | على ~~الناس وظنوا مناقضا مع رجمه الثيب وعدم جلده ، وعندي أنه ليس | مناقضا له ، ~~وأن الآية عامة لكن يسن الإمام الاقتصار على الرجم عند | وجوبهما ، وإنما ~~مثله مثل القصر في السفر ، فإنه لو أتم جاز ، لكن يسن له | القصر ، وإنما ~~شرع ذلك لأن الرجم عقوبة عظيمة ، فتضمنت ما دونها ، | وبهذا يجمع بين قوله ~~صلى الله عليه وسلم هذا ، وعمل علي رضي الله عنه . | وبين عمله صلى الله ~~عليه وسلم ، وأكثر خلفائه في الاقتصار على الرجم ، | وحديث جابر أمر بالجلد ~~، ثم اخبر أنه محصن ، فأمر به ، فرجم يدل عليه ، | فإنه ما أقدم على الجلد ~~إلا لجواز مثله مع كل زان . # وعندي أن الترغيب يحتمل العفو ، وبه بجمع ms545 بين الآثار . # لما قال ماعز بن مالك زنيت فطهرني ، قال صلى الله عليه وسلم : ' لعلك | ~~قبلت أو غمزت أو نظرت ؟ قال : لا يا رسول الله قال : أنكتها ؟ | قال : نعم ~~فعند ذلك أمر برجمه ' . | PageV01P761 # أقول الحد موضع الاحيتاط ، وقد يطلق الزنا على ما دون الفرج | كقوله صلى ~~الله عليه وسلم : ' فزنا اللسان كذا وزنا الرجل كذا ' فوجب | التثبت ~~والتحقق في مثل ذلك . # واعلم أن المقر على نفسه بالزنا المسلم نفسه لإقامة الحد تائب ، والتائب ~~| كمن لا ذنب له ، فمن حقه ألا يحد ، لكن هنا وجوه مقتضية لإقامة الحد عليه ~~: # منها أنه لو كان إظهار التوبة والإقرار درءا للحد لم يعجز كل زان | أن ~~يحتال إذا استشعر بمؤاخذة الإمام بأن يعترف ، فيندرئ عنه الحد ، | وذلك ~~مناقضة للمصلحة . # ومنها أن التوبة لا تتم إلا أن يعتضد بفعل شاق عظيم لا يتأتى إلا من | ~~مخلص ، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في ماعز لما أسلم نفسه للرجم : ~~| ' لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة محمد لوسعتهم ' وقال عليه السلام ، | في ~~الغامدية ' لقد تابت توبة تابها صاحب مكس لغفر له ' . # ومع ذلك فيستحب الستر عليه ، وهو وقوله صلى الله عليه وسلم لهزال | ' لو ~~كسرته بثوبك لكان خيرا لك ' ، وأن يؤمر هو أن يتوب فيما بينه وبين | الله ، ~~وأن يحتال في درء الحد . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم . ' إذا زنت أمة أحدكم ، فتبين | زناها ~~فليجلدها الحد ، ولا يثرب عليها ' ، ثم إن زنت فليجلدها | PageV01P762 | ~~الحد ، ولا يثرب عليها ' أقول : السر في ذلك أن الإنسان مأمور شرعا أن | ~~يذب عن حريمه المعاصي ومجبول على ذلك خلقه ، ولو لم يشرع الحد إلا عند | ~~الإمام لما استطاع السيد إقامته في كثير من الصور ، ولم يتحقق الذب عن | ~~الذمار ، ولو لم يحد مقدار معين للحد لتجاوز المتجاوز إلى حد | الإهلاك أو ~~الايلام الزائد عن الحد ، فلذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : | ' لا ~~يثرب ' . # قال صلى الله عليه وسلم : ' أقيلوا ذوى الهيآت عثراتهم إلا الحدود ' | ~~أقول : المراد بذوي ms546 الهيآت أهل المروءات ، أما أن يعلم من رجل صلاح | في ~~الدين ، وكانت العثرة أمرا فرط منه على خلاف عادته ، ثم ندم ، فمثل | هذا ~~ينبغي أن يجاوز عنه ، أو يكونوا أهل نجدة وسياسة وكبر في الناس ، | فلو ~~أقيمت العقوبة عليه في كل ذنب قليل أو كبير لكان في ذلك فتح باب | التشاحن ~~واختلاف على الامام وبغى عليه فان النفوس كثيرا مالا | تحتمل ذلك . # وأما الحدود فلا ينبغي لها أن تهمل إلا إذا وجد لها سبب شرعي تندرئ | به ~~، ولو أهملت لتناقضت المصلحة وبطلت فائدة الحدود . # وقال صلى الله عليه وسلم في مخدج يزني ' خذوا له عثكالا فيه | مائة شمراخ ~~فاضربوا به ' . # اعلم أن من لا يستطيع أن يقام عليه الحدود لضعف في جبلته ، فان | ترك سدى ~~كان مناقضا لتأكد الحدود فانما اللائق بالشرائع اللازمة التي جعلها | الله ~~تعالى بمنزلة الأمور الجبلية أن يجعل كالمؤثر بالخاصية ، ويعض عليه | ~~بالنواجذ ، وأيضا فان فيه بعض الألم الميسور لا ضرورة في تركه . | ~~PageV01P763 # واختلف في حد اللواطة ، وقيل . هي من الزنا ، وقيل : يقتل لحديث | ' من ~~وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به ' . # قال الله تعالى : # @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين ~~جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا من بعد ~~ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم @QE@ . # وفي حكم المحصنات المحصنون بالاجماع ، والمحصن حر مكلف مسلم عفيف | من ~~وطء يحد به . # واعلم أن ههنا وجهين متعارضين ، وذلك أن الزنا معصية كبيرة يجب | إخمالها ~~وإقامة الحد عليها والمؤاخذة بها ، وكذلك القذف معصية كبيرة ، | وفيه إلحاق ~~عار عظيم يجب إقامة الحد عليها ، ويشتبه القذف بالشهادة على | الزنا ، فلو ~~أخذنا القاذف لنقيم عليه الحد يقول : أنا شاهد على الزنا ، وفيه | بطلان ~~لحد القذف والذي هو شاهد على الزنا يذبه عن نفسه المشهود عليه | بأنه قاذف ~~يستحق الحد ، فلما تعارض الحدان في هذه الجملة عن سياسة الأمة | وجب أن ~~يفرق بينهما بأمر ظاهر وذلك كثرة المخبرين ، فإنهم إذا كثروا | قوى ms547 ظن ~~الشهادة والصدق ، وضعف ظن القذف ، فان القذف يستدعى | جمع صفتين : ضعيف في ~~الدين ، وغل بالنسبة إلى المقذوف ، ويبعد أن | يجتمعا في جماعة من المسلمين ~~وإنما لم يكتف بعدالة الشاهدين لأن العدالة | مأخوذة في جميع الحقوق ، فلا ~~يظهر للتعارض أثر ، وضبطت الكثرة | بضعف نصاب الشهادة . # وإنما جعل حد القذف ثمانين لأنه ينبغي أن يكون أقل من الزنا ، فان | ~~PageV01P764 | إشاعة فاحشة ليست بمنزلة فعلها ، وضبط النقصان بمقدار ظاهر ~~وهو | عشرون ، فإنه خمس المائة وإنما جعل من تمام حده عدم قبول الشهادة | ~~لما ذكرنا أن الايلام قسمان : جسماني . ونفساني . وقد اعتبر الشرع جمعهما | ~~في جميع الحدود لكن جمع مع حد الزنا التغريب لأن الزنا عند سياسة ولاة | ~~الأمور وغيره الأؤلياء لا يتصور إلا بعد مخالطة وممازجة وطول صحبة | ~~وائتلاف ، فجزاؤه المناسب له أن يجلى عن محل الفتنة ، وجمع مع حد القذف | ~~عدم قبول الشهادة ، لأنه إخبار ، والشهادة إخبار ، فجوزي بعار من جنس | ~~المعصية فان عدم قبول الشهادة من القاذف عقوبة ، وعدم قبولها من سائر | ~~العصاة لفوات العدالة والرضا ، وأيضا فقد ذكرنا أن القاذف لا يعجز أن | ~~يقول : أنا شاهد فيكون سد هذا الباب أن يعاقب بمثل ما احتج به ، وجمع | في ~~حد الخمر التبكيت . # واختلفوا في قوله تعالى : # @QB@ إلا الذين @QE@ . # هل الاستثناء راجع إلى عدم قبول الشهادة أم لا ؟ والظاهر مما مهدنا | أن ~~الفسق لما انتهى وجب أن ينتهي أثره وعقوبته ، وقد اعتبره الخلفاء لحد | ~~الزنا في تنصيف العقوبة على الأرقاء . # قال تعالى : # @QB@ السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله ~~عزيز حكيم @QE@ . | PageV01P765 | اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث ~~مبينا لما أنزل إليه ، وهو | قوله تعالى : # @QB@ لتبين للناس @QE@ . # وكان أخذ مال الغير أقساما : منه السرقة ، ومنه قطع الطريق ، ومنه | ~~الاختلاس ، ومنه الخيانة ، ومنه الالتقاط ، ومنه الغصب ، ومنه ما يقال له | ~~قلة المبالاة والورع ، فوجب أن يبين النبي صلى الله عليه وسلم حقيقة السرقة ~~| متميزة عن هذه الأمور . # وطريق التميز أن ينظر إلى ذاتيان هذه الأسامي التي لا ms548 توجد في السرقة ، | ~~ويقع بها التفارق في عرف الناس ، ثم تضبط السرقة بأمور مضبوطة معلومة | ~~يحصل بها التمييز منها والاحتراز عنها ، فقطع الطريق . والنهب . والحرابة | ~~أسماء تنبئ عن اعتماد القوة بالنسبة إلى المظلومين ، واختيار مكان أو زمان ~~| لا تحلق فيه الغوث من جماعة المسلمين ، والاختلاس ينبئ عن اختطاف | على ~~أعين الناس وفي مرأى منهم ومسمع ، والخيانة تنبئ عن تقديم شركة | أو مباسطة ~~وإذن بالتصرف فيه ونحو ذلك ، والالتقاط ينبئ عن وجدان | شيء في غير حرز ، ~~والغصب ينبئ عن غلبة بالنسبة إلى المظلوم لا معتمدا | على الحرب والهرب ~~ولكن على الجدل وظن ألا يرفع قضيته إلى الولاة | ولا ينكشف عليهم جبلة ~~الحال وقلة المبالاة ، والورع يقال في الشيء | التافه الذي جرى العرف ببذله ~~والمواساة به بين الناس كالماء . والحطب ، | فضبط النبي صلى الله عليه وسلم ~~الاحتراز على ذاتيات هذه الأسامي . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' لا تقطع يد السارق إلا في ربع | دينار ' وروى القطع فيما بلغ ثمن المجن ~~، وروى أنه قطع في مجن ثمنه ثلاثة | دراهم ، وقطع عثمان رضي الله عنه في ~~أترجة ثمنها ثلاثة دراهم من صرف | اثني عشر درهما . | PageV01P766 # والحاصل أن هذه التقديرات الثلاث كانت منطبقة على شيء واحد في | زمانه ~~صلى الله عليه وسلم ، ثم اختلفت بعده ، ولم يصلح المجن للاعتبار لعدم | ~~انضباطه ، فاختلف المسلمون في الحديثين الآخرين : فقيل : ربع دينار ، # وقيل : ثلاثة دراهم قيل : بلوغ المال إلى حد القدرين وهو | الأظهر عندي ، ~~وهذه شرعة النبي صلى الله عليه وسلم فرقا بين التافه وغيره | لأنه لا يصلح ~~للتقدير جنس دون جنس لاختلاف الأسعار في البلدان ، | واختلاف الأجناس نفاسة ~~وخساسة بحسب اختلاف البلاد ، فمباح قوم | وتافههم مال عزيز عند آخرين ، ~~فوجب أن يعتبر التقدير في الثمن ، وقيل : | يعتبر فيهما ، وأن الحطب وإن ~~كان قيمته عشرة دراهم لا يقطع فيه . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' لا قطع في ثمر معلق ولا في حريسة الجبل | فإذا آواه المراح والجرين ~~فالقطع فيما بلغ ثمن المجن ' وسئل عن الثمر | المعلق ms549 ، فقال عليه السلام : ~~' من سرق منه شيئا بعد ان يؤويه الجرين فبلغ | ثمن المجن فعليه القطع ' . # أقول : أفهم النبي صلى الله عليه وسلم أن الحرز شرط القطع وسبب | ذلك أن ~~غير المحرز يقال فيه الالتقاط فيجب الاحتراز عنه . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع ' . # أقول . أفهم النبي صلى الله عليه وسلم أنه لا بد في السرقة من أخذ المال ~~| مختفيا وإلا كان نهبة أو خطفة وألا يتقدمها شركة و لزوم حق ، وإلا كان | ~~خيانة أو استيفاء لحقه . # وفي الآثار في العبد يسرق مال سيده إنما هو ملك بعضه في بعض . | ~~PageV01P767 # وقال صلى الله عليه وسلم في اسارق : # ' اقطعوه ثم احسموه ' أقول : | إنما أمر بالحسم لئلا يسري فيهلك ، فان ~~الحسم سبب عدم السراية ، | وأمر عليه السلام باليد فعلقت في عنق السارق ~~أقول . إنما فعل هذا للتشهير ، | وليعلم الناس أنه سارق وفرقا بين ما يقطع ~~اليد ظلما وبين ما يقطع حدا . # وقال صلى الله عليه وسلم في سرقة ما دون النصاب : ' عليه العقوبة | ~~وغرامة مثيلة ' . # أقول : إنما أمر بغرامة المثلين لأنه لا بد من ردع وعقوبة مالية | وبدنية ~~، فإن الإنسان ربما يرتدع بالمال أكثر من ألم الجسد . وربما يكون | الأمر ~~بالعكس فجمع بين ذلك ، ثم غرامة مثله يجعل كأن لم لكن يسرق وليس | فيه ~~عقوبة ، ولذلك زيدت غرامة أخرى لتكون مناقضة لقصده في السرقة . # وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بلص قد اعترف اعترافا ولم يوجد | معه ~~متاع ، فقال : ما إخالك سرقت قال : بلى فأعاد عليه مرتين أو ثلاثا | فأمر ~~به فقطع ، وجئ به فقال . قل استغفر الله وأتوب إليه ، فقال . | استغفر الله ~~وأتوب إليه قال . اللهم تب عليه ثلاثا ' . # أقول : السبب في ذلك أن العاصي المعترف بذنبه النادم عليه يستحق | أن ~~يحتال في درء الحد عنه ، وقد ذكرنا قوله الله تعالى : # @QB@ إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله @QE@ الآية . # أقول : الحرابة لا تكون إلا معتمدة على القتال بالنسبة إلى الجماعة التي ~~| وقع العدوان عليها ms550 ، والسبب في مشروعية هذا الحد أشد من حد السرقة | أن ~~الاجتماع الكثير من بني آدم لا يخلو من أنفس تغلب عليهم الخصلة السبعية | ~~لهم جزاءه شديده وقتال واجتماع فلا يبالون بالقتل والنهب ، وفي ذلك | مفسدة ~~اعظم من السرقة لأنه يتمكن أهل الأموال من حفظ أموالهم من | السراق ، ولا ~~يتمكن أهل الطريق من التمنع من قطاع الطريق ، ولا يتيسر | PageV01P768 | ~~لولاة الأمور وجماعة المسلمين نصرتهم في ذلك المكان والزمان ، و لأن داعية ~~| الفعل من قطاع الطريق أشد وأغلظ ، فإن القاطع لا يكون إلا جرئ القلب | ~~قوي الجنان ، ويكون فيما هنالك اجتماع واتفاق بخلاف السراق ، فوجب | أن ~~تكون عقوبته أغلظ من عقوبته # والأكثرون على أن الجزاء على الترتيب وهو الموافق لقوله صلى الله عليه ~~وسلم | : # ' لا يقتل المؤمن إلا لأحدى ثلاث ' الحديث ، وقيل : على التخيير | وهو ~~الموافق لكلمة ' أو ' وعندي أن قوله صلى الله عليه وسلم : # ' المفارق | للجماعة ' يحتمل أن يكون قد جمع العلتين والمراد أن كل علة ~~تفيد الحكم | كما جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين العلتين ، فقال : # ' لا يخرج الرجلان | يضربان الغائط كاشفين عن عودتهما يتحدثان ' فكشف ~~العورة سبب اللعن | والتحديث في مثل تلك الحالة أيضا سبب اللعن . # قال الله تعالى : # ^ ( يا أيها الذين آمنوا أنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام | رجس من ~~عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون ، إنما يريد | الشيطان أن يوقع بينكم ~~العداوة والبغضاء في الخمر والميسر | ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلواة فهل ~~أنتم منتهون ) ^ . # أقول : بين الله تعالى أن في الخمر مفسدتين : مفسدة في الناس ، فان | ~~شاربها يلاحي القوم يعدوا عليهم ، ومفسدة فيما يرجع إلى تهذيب نفسه ، | فان ~~شاربها يغوص في حالة بهيمية ، ويزول عقله الذي به قوام الاحسان | ~~PageV01P769 # ولما كان قليل الخمر يدعو إلى كثيره وجب عند سياسة الأمة أن يدار | ~~التحريم على كونها مسكرة ، لا على وجود السكر في الحال . # ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الخمر ما هي ، فقال : # ' كل مسكر خمر | وكل مسكر حرام ' وقال : ' الخمر من هاتين الشجرتين ~~النخلة والعنبة ms551 ' | وتخصيصهما بالذكر لما كان حال تلك البلاد ، وسئل عليه ~~السلام عن المزر | والبتع ، فقال : ' كل مسكر حرام ' وقال صلى الله عليه ~~وسلم : # ' ما أسكر | كثيره فقليله حرام ' أقول : هذه الأحاديث مستفيضة ، ولا أدري ~~أي | فرق بين العنبى وغيره لأن التحريم ما نزل إلا للمفاسد التي نص القرآن ~~عليها | وهي موجودة فيهما ، وفيما سواهما سواء # قال صلى الله عليه وسلم : ' من شرب الخمر في الدنيا فمات وهو يدمنها | لم ~~يتب لم يشربها في الآخرة ' أقول : وسبب ذلك أن الغائص في الحالة | البهيمية ~~المدبرة عن الإحسان ليس له في لذات الجنان نصيب ، فجعل شرب | الخمر ~~وإدمانها وعدم التوبة منها مظنة للغوص ، وأدير الحكم عليها ، وخص | من لذات ~~الجنان الخمر ، ليظهر تخالف اللذتين بادئ الرأي ، وأيضا أن النفس | إذا ~~انهمكت في اللذة البهيمية في ضمن فعل تمثل هذا الفعل عندها شبحا | لتلك ~~اللذة يتذكرها بتذكرها ، فلا يستحق أن تتمثل اللذة الاحسانية | بصورتها ، ~~وأيضا فأمر الجزاء على المناسبة ، فمن عصى بالاقدام على شيء | فجزاؤه أن ~~يؤلم يفقد مثل تلك اللذة عند طلبه لها واستشرافه عليها # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إن على الله عهدا لمن شرب المسكر أن يسقيه | من طينة الخبال وطينة ~~عصارة أهل النار ' . # أقول : السر في ذلك أن القيح والدم أقبح الأشياء السيالة عندنا وأحقرها | ~~PageV01P770 | واشدها نعزة بالنسبة للطبائع السليمة ، والخمر شيء سيال ~~فناسب أن يتمثل | مقرونا بصفة القبح في صورة طينة الخبال وذلك كما قالوا في ~~المنكر والنكير : | إنهما إنما كانوا أزرقين لأن العرب يكرهون الزرقة ، وقد ~~ذكرنا أن بعض | الوقائع الخارجة بمنزلة المنام في ذلك # وقال صلى الله عليه وسلم : ' من شرب الخمر لم يقبل الله له صلاة أربعين | ~~صباحا فان تاب تاب الله عليه ' . # أقول : السر في عدم قبول صلاته أن ظهور صفة البهيمة وغلبتها على | ~~الملكية بالإقدام على المعصية اجتراء على الله وغوص نفسه في حالة رذيلة | ~~تنافي الإحسان وتضاده ، ويكون سببا لفقد استحقاق أن تنفع الصلاة | في نفسه ~~نفع الإحسان وأن تنقاد نفسه للحالة الإحسانية . # وكان ms552 الشارب يؤتى به إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيأمر بضربه فيضرب | ~~بالنعال والأردية واليد حتى يبلغ أربعين ضربة ، ثم قال : ' بكتوه ' | ~~فأقبلوا عليه يقولون : ما اتقيت الله ، ما خشيت الله ، ما استحييت من | ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ ! وروى أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ترابا | ~~من الأرض فرمى بها وجهه . # أقول : السبب في نقصان هذا الحد بالنسبة إلى سائر الحدود أن سائر | ~~الحدود لوجود مفسدة بالفعل أن يكون سرق متاعا أو قطع طريق أو زنى | قذف ، ~~وأما هذا فقد أتى بمظنة الفساد دون الفساد فلذلك نقص عن المائة وإنما كان ~~النبي صلى الله عليه وسلم يضرب أربعين لأنه مظنة | القذف والمظنة ينبغي أن ~~تكون أقل من نفس الشيء بمنزلة نصفه . # ثم لما كثر الفساد جعل الصحابة رضي الله عنهم حده ثمانين إما لأنه أخف | ~~PageV01P771 | حد في كتاب الله فلا يجاوز غير المنصوص عن أقل الحدود ، وإما ~~لأن | الشارب يقذف غالبا إن لم يكن زنى أو قتل ، والغالب حكمه حكم المتيقن ~~| وأما سر التبكيت فقد ذكرنا من قبل . # قال النبي أينما صلى الله عليه وسلم : ' إن أهلك الذين من قبلكم أنهم ~~كانوا | إذا سرق منهم الشريف تركوه وإذا سرق منهم الضعيف أقاموا عليه الحد ~~، | وايم والله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها ' وقال صلى الله عليه ~~وسلم | : ' من حالت شفاعته دون حد من حدود الله فقد ضاد الله ' | أقول : ~~علم النبي صلى الله عليه وسلم أن حفظ جاه الشرفاء والمسامحة معهم | والذب ~~عنهم والشفاعة في أمرهم أمر توارد عليه الأمم وانقاد لها طوائف | الناس من ~~الأولين والآخرين ، فأكد في ذلك وسجل ، فان الشفاعة | والمسامحة بالشرفاء ~~مناقضة لشرع الله الحدود . # ونهى رسول صلى الله عليه وسلم عن لعن المحمود أو الوقوع فيه | لئلا يكون ~~سببا لامتناع الناس عن إقامة الحد ، ولأن الحد كفارة ، والشيء | إذا تدورك ~~بالكفارة صار كأن لم يكن ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : | ' والذي نفسي ~~بيده إنه لفي انهار الجنة منغمس بها ' . # ويلحق ms553 بالحدود مزجرتان أخريان : إحداهما عقوبة هتك حرمة الملة ، | ~~والثانية الذب عن الأمامة ، والأصل في الأولى قوله صلى الله عليه وسلم : | ~~' من بدل دينه فاقتلوه ' وذلك لأنه يجب أن يقام اللائمة الشديدة على | ~~الخروج من الملة وإلا لانفتح باب هتك حرمة الملة ، ومرضى الله تعالى أن | ~~تجعل الملة السماوية بمنزلة الأمر المجبول عليه الذي لا ينفك عنه ، وتثبت | ~~الردة بقول يدل على نعني الصانع أو الرسل أو تكذيب رسول أو فعل | تعمد به ~~استهزاء صريحا بالدين ، وكذا إنكار ضروريات الدين ، قال | الله تعالى : | ~~PageV01P772 # @QB@ وطعنوا في دينكم @QE@ . # وكانت يهودية تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فخنقها رجل | حتى ~~ماتت فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم دمها ، وذلك لانقطاع ذمة الذمي | ~~بالطعن في دين المسلمين والشتم والإيذاء الظاهر . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' أنا برئ من كل مسلم مقيم | بين ~~أظهر المشركين ، لا يتراءى ناراهما ' . # أقول : السبب في ذلك أن الاختلاط معم وتكثير سوادهم إحدى | النصرتين لهم ~~، ثم ضبط النبي صلى الله عليه وسلم البعد من أحياء الكفار | بأن يكون منهم ~~بحيث لو أوقدت نارا على أرفع مكان في بلدهم أو حلتهم | لم تظهر للآخرين ، ~~والأصل في الثانية قوله تعالى : # ^ ( فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفئ | إلى أمر ~~الله ) ^ . # وقوله صلى الله عليه وسلم : ' إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما ' # أقول : السبب في ذلك أن الامامة مرغوب فيها طبعا ، ولا يخلوا اجتماع ~~الناس | في الأقاليم من رجل يجترئ لأجلها على القتال ، ويجتمع لنصرته ~~الرجال ، | فلو ترك ولم يقتل لقتل الخليفة ثم قاتله آخر وهلم جرا ، وفيه | ~~فساد عظيم للمسلمين ، ولا ينسد باب هذه المفاسد إلا بأن تكون السنة بين | ~~المسلمين أن الخليفة إذا انعقدت خلافته ، ثم خرج آخر ينازعه حل قتله | ووجب ~~على المسلمين نصرة الخليفة عليه ، ثم الذي خرج بتأويل لمظلمة يريد | دفعها ~~عن نفسه وعشيرته أو لنقيصة يثبتها في الخليفة ويحتج عليها بدليل شرعي | بعد ~~ألا يكون مسلما عند جمهور المسلمين ولا يكون ms554 أمرا من الله فيه عندهم | ~~PageV01P773 | برهان لا يستطيعون إنكاره فأمره دون الأمر الذي خرج يفسد في ~~الأرض | ويحكم السيف دون الشرع ، فلا ينبغي أن يجعلا بمنزلة واحدة ، فلذلك ~~كان | الأول أن يبعث الإمام إليهم فطنا ناصحا عالما يكشف شبهتهم أو يدفع ~~عنهم | مظلتهم كما بعث أمر المؤمنين علي رضي الله عنه عبد الله بن وابن ~~عباس رضي الله | عنه إلى الحرورية ، فإن رجعوا إلى جماعة المسلمين فيها ~~وإلا قاتلهم ولا يقتل | مدبرهم ولا أسيرهم ولا يجهز على جريحهم لأن المقصود ~~إنما هو دفع شرهم | وتفريق جماعتهم وقد حصل ، وأما الثاني فهو من المحاربين ~~وحكمه | حكم المحارب . | PageV01P774 # # | ( القضاء ) # | اعلم أن من الحاجات التي يكثر وقوعها وتشتد مفسدتها المناقشات | في ~~الناس ؛ فانها تكون باعثة على العداوة والبغضاء وفساد ذات البين ، وتهيج | ~~الشح على غمط الحق وألا ينقاد للدليل فوجب أن يبعث في كل ناحية | من يفصل ~~قضاياهم بالحق ، ويقهرهم على العمل به أشاءوا أم أبوا ، ولذلك | كان النبي ~~صلى الله عليه وسلم يعتني ببعث قضاة اعتناء شديدا ، ثم لم يزل | المسلمون ~~على ذلك ، ثم لما كان القضاء بين الناس مظنة الجور والحيف | وجب أن يدهب ~~الناس عن الجور في القضاء وأن يضبط الكليات التي يرجع | إليها الأحكام . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' من جعل قاضيا بين الناس فقد | ذبح بغير سكين ' . # أقول : هذا بيان أن القضاء حمل ثقيل وإن الإقدام عليه مظنة الهلاك | إلا ~~أن يشاء الله . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' من ابتغى القضاء وسأله وكل إلى نفسه | ومن ~~أكره عليه أنزل الله ملكا يسدده ' . # أقول : السر فيه أن الطالب لا يخلو غالبا من داعية نفسانية من مال | أو ~~جاه أو التمكن من انتقام عدو نحو ذلك فلا يتحقق منه خلوص النية | الذي هو ~~سبب نزول البركات . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' القضاة ثلاثة واحد في الجنة واثنان في النار | فأما الذي في الجنة فرجل ~~عرف الحق وقضى به ، ورجل عرف الحق فجار | في الحكم فهو في النار ، ورجل ms555 قضى ~~للناس على جهل فهو في النار ' . | PageV01P775 # أقول : في هذا الحديث أنه لا يستوجب القضاء إلا من كان عدلا | بريئا من ~~الجور والميل قد عرف منه ذلك . وعالما يعرف الحق لا سيما في | مسائل القضاء ~~، والسر في ذلك واضح فإنه لا يتصور وجود المصلحة | المقصودة إلا بها . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان ' . # أقول : السبب المقتضي لذلك أن الذي اشتغل قلبه بالغضب لا يتمكن | من ~~التأمل في الدلائل والقرائن ومعرفة الحق . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران | وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله ~~أجر واحد ' اجتهد يعني بذل طاقته في انباع | الدليل ؛ وذلك لأن التكليف ~~بقدر الوسع وإنما وسع الإنسان أن يجتهد | وليس في وسعه أن يصيب الحق ألبتة ~~. # وقال صلى الله عليه وسلم لعلي رضي الله عنه : ' إذا تقاضى إليك | رجلان ~~فلا تقض للأول حتى تسمع كلام الآخر فإنه أحرى أن يتبين | لك القضاء أقول : ~~وذلك لأنه عند ملاحظة الحجتين يظهر الترجيح ' . # وأعلم أن القضاء فيه مقامان : أحدهما أن يعرف جلية الحال التي | تشاجرا ~~فيه ، والثاني الحكم العدل في تلك الحالة ، والقاضي قد يحتاج إليهما | وقد ~~يحتاج إلى أحدهما فقط فإذا ادعى كل واحد أن هذا الحيوان مثلا ملكه | قد ولد ~~في يده ، وهذا الحجر التقطه من جبل ارتفع الإشكال لمعرفة | جلية الحال . # والقضية التي وقعت بين علي ، وزيد ، وجعفر رضي الله عنهم في حضانة | بنت ~~حمزة رضي الله عنه كانت جلية الحال معلومة وإنما كان المطلوب | الحكم . # وإذا ادعى واحد على الآخر الغصب والمال متغير صفته وأنكر الآخر | ~~PageV01P776 | وقعت الحاجة أولا إلى معرفة جلية الحال هل كان هناك غصب أولا ~~، | وثانيا إلى الحكم هل يحكم بردعين المغصوب أو قيمته ، وقد ضبط النبي صلى ~~الله عليه وسلم | كلا المقامين بضوابط كلية ، أما المقام الأول فلا أحق فيه ~~| من الشهادات والأيمان فإنه لا يمكن معرفة الحال إلا باخبار من حضرها | أو ~~بإخبار صاحب الحال مؤكدا بما يظن أنه لا ms556 يكذب معه ، قال صلى الله عليه وسلم ~~| : # ' لو يعطى الناس بدعواهم لادعى ناس دماء رجال وأموالهم | ولكن البينة على ~~المدعي واليمين على المدعي عليه ' فالمدعي هو الذي يدعي | خلاف الظاهر ~~ويثبت الزيادة ، والمدعى عليه هو مستصحب الأصل | والمتمسك بالظاهر ولا عدل ~~ثم من أن يعتبر فيمن يدعي بينة وفيمن | يتمسك بالظاهر ويدرأ عن نفسه اليمين ~~إذا لم تقم حجة الآخر . # وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى سبب مشروعية هذا الأصل | حيث قال ~~: ' لو يعطى الناس ' الخ يعني كان سببا للتظالم فلا بد من حجة ، | ثم أنه ~~يعتبر في الشاهد صفة كونه مرضيا عنه لقوله تعالى : # @QB@ ممن ترضون من الشهداء @QE@ . # وذلك بالعقل . والبلوغ . والضبط . والنطق . والإسلام . والعدالة . | ~~والمروءة . وعدم التهمة . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا تجوز شهادة خائن ولا خائنة ولا زان | ولا زانية ، ولا ذي غمر على ~~أخيه وترد شهادة القانع لأهل البيت ' | وقال الله تعالى في القذفة : # @QB@ ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون إلا الذين تابوا @QE@ ~~الآية . | PageV01P777 # وفي حكم القذف . والزنا سائر الكبائر ، وذلك لأن الخبر يحتمل في | نفسه ~~الصدق والكذب وإنما يترجح أحد المحتملين بالقرينة ، وهي إما في | المخبر أو ~~المخبر عنه أو غيرهما ، وليس شيء من ذلك مضبوطا يحق أن | يدار عليه الحكم ~~التشريعي إلا صفات المخبر غير ما ذكرنا من الظاهر | والاستصحاب ، وقد اعتبر ~~مرة حيث شرع للمدعي البينة والمدعى عليه | اليمين ثم اعتبر عدد الشهود على ~~أطوار وزعها على أنواع الحقوق ، فالزنا | لا يثبت إلا بأربعة شهداء . ~~والأصل فيه قوله تعالى : # @QB@ والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء @QE@ الآية . # وقد ذكر سبب مشروعية هذا من قبل . # ولا يعتبر في القصاص والحدود إلا شهادة رجلين ، والأصل فيه قول | الزهري ~~رحمه الله تعالى : جرت السنة من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا تقبل ~~| شهادة النساء في الحدود ، ويعتبر في الحقوق المالية شهادة رجل وامرأتين ، ~~| والأصل فيه قوله تعالى : # @QB@ فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان @QE@ . # وقد نبه الله تعالى على ms557 سبب مشروعية الكثرة في جانب النساء ' فقال : # @QB@ أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى @QE@ . # يعني هن ناقصات العقل ، فلا بد من جبر هذا النقصان بزيادة العدد . # وقضى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشاهد ويمين وذلك لأن الشاهد | العدل ~~إذا لحق معه اليمين تأكد الأمر ، وأمر الشهادات لا بد فيه توسعة ، | وجرت ~~السنة أنه إذا كان ريب زكى الشاهدان ، وذلك لأن شهادتهما إنما | ~~PageV01P778 | اعتبرت من جهة صفاتهما المرجحة للصدق على الكذب فلا بد من ~~تبينها . # وجرت السنة أنه إذا كان ريب غلظت الأيمان بالزمان والمكان واللفظ ، | ~~وذلك لأن الأيمان إنما صارت دليلا على صدق الخبر من جهة اقتران قرينة | تدل ~~على أنه لا يقدم على الكذب معها فكان حقها إذا كان زيادة ريب طلب | قوة ~~القرائن ، في اللفظ زياده الأسماء والصفات ، والأصل فيه قوله | صلى الله ~~عليه وسلم : ' احلف بالله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة ' ونحو | ~~ذلك ، والزمان أن يحلف بعد العصر لقوله تعالى : # @QB@ تحبسونهما من بعد الصلاة @QE@ . # والمكان أن يقام بين الركن والمقام إن كان بمكة . وعند منبر رسول | الله ~~صلى الله عليه وسلم إن كان بالمدينة . وعند المنبر في سائر البلدان لورود | ~~فضل هذه الأمكنة وتغليظ الكذب عندها . # ثم وقعت الحاجة أن يرهب الناس أشد ترهيب من أن يجترئوا على | خلاف ما شرع ~~الله لهم لفصل القضايا ومعرفة جلية الحال . # والأصل في تلك الترهيبات ثلاثة أشياء : أحدها أن الإقدام على فعل | نهى ~~الله تعالى عنه وغلظ في النهي دليل قلة الورع والاجتراء على الله فأدير | ~~حكم الاجتراء على هذه الأشياء ، وأثبت لها أثره مثل وجوب دخول النار | ~~وتحريم الجنة ونحو ذلك . # والثاني أن ذلك سعى في الظلم وبمنزلة السرقة وقطع الطريق ، أو بمنزلة | ~~دلالة السارق على المال ليسرق أوردء القاطع فتوجهت لعنة الله والملائكة | ~~والناس على السعادة في الأرض بالفساد إلى هذا العاصي فاستحق النار . | ~~PageV01P779 # والثالث أنه مخالفه لما شرع الله لعباده وسعى في سد جريانه على ما أراد | ~~الله في شرائعه فان اليمين إنما شرعت ms558 معرفة للحق ، والبينة إنما شرعت مبينة ~~| لجلية الحال فان جرت السنة بزور الشهادة والإيمان انسد باب المصلحة ~~المرعية . # فمن ذلك كتمان الشهادة لقوله تعالى . # @QB@ ومن يكتمها فإنه آثم قلبه @QE@ . # ومنها شهادة الزور لعده عليه السلام من الكبائر شهادة الزور . # ومنها اليمين الكاذبة لقوله صلى الله عليه وسلم : # ' من حلف على يمين | صبر وهو فيها فاجر ليقتطع بها حق امرئ مسلم لقي الله ~~تعالى يوم القيامة | وهو عليه غضبان ' . # ومنها الدعوى الكاذبة لقوله صلى الله عليه وسلم : # ' من ادعى ما ليس | له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار ' . # ومنها الاخذ لقضاء القاضي وليس له الحق لقوله صلى الله عليه وسلم | # ' إنما أنا بشر مثلكم وأنكم تختصمون ' الحديث . # ومنها الاعتياد بالمجادلة ورفع القضية فان ذلك لا يخلو من إفساد ذات | ~~البين لقوله صلى الله عليه وسلم : # ' إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ' . # ورغب لمن ترك المخاصمة في الحق والباطل جميعا فإن ذلك مطاوعة لداعية | ~~السماحة ، وأيضا كثيرا ما لا يكون الحق له ، ويظن أن الحق له فلا يخرج | ~~PageV01P780 | عن العهدة باليقين إلا إذا وطن نفسه على ترك الخصومة في الحق ~~والباطل | جميعا ، وفي الحديث ' إن رجلين تداعيا دابة فأقام كل واحد منهما ~~البينة | أنها دابته نتجها فقضى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم للذي في ~~يده . # أقول : والسر في ذلك أن الحجتين لما تعارضتا تساقطتا فبقي المتاع | في يد ~~صاحب القبض لعدم ما يقتضي رده ، أو نقول اعتضدت إحدى | البينتين بالدليل ~~الظاهر وهو القبض فرجحت . # وأما المقام الثاني فشرع النبي صلى الله عليه وسلم فيه أصولا يرجع إليها ~~: | والجملة في ذلك أن جلية الحال إذا كانت معلومة فالنزاع يكون إما في | ~~طلب كل واحد شيئا وهو مباح في الأصل وحكمه أبدا الترجيح إما بزيادة | صفة ~~يكون فيها نفع للمسلمين ولذلك الشيء أو سبعة أحدهما إليه أو بالقرعة | ~~مثاله فقضية زيد . وعلي . وجعفر رضي الله عنهم في حضانة بنت حمزة رضي | ~~الله عنه فقضى بها لجعفر رضي الله عنه ، وقال : ' الخالة ms559 أم ' ، وقوله | ~~صلى الله عليه وسلم في الأذان : ' لا ستهموا ' وكان صلى الله عليه وسلم إذا ~~| أراد سفرا أقرع بين نسائه ، وأما أن يكون هناك سابقة من عقد أو غصب | ~~يدعي كل واحد أنه أحق ، ويكون لكل واحد شبهة وحكمة اتباع العرف | والعادة ~~المسلمة عند جمهور الناس يفسر الأقارير وألفاظ العقود بما عند | جمهورهم من ~~المعنى ويعرف الأضرار وغيرها بما عندهم ، مثاله قضية البراء | ابن عازب ~~دخلت ناقته حائطا فأفسدت فيه ، وأدعى كل واحد أنه معذور | فقضى بما هو ~~المعروف من عادتهم من حفظ أهل الحوائط أموالهم بالنهار | وحفظ أهل المواشي ~~مواشيهم بالليل . # ومن القواعد المبنية عليها كثير من الأحكام أن الغنم بالغرم ، وأصله | ~~PageV01P781 | ما قضى النبي صلى الله عليه وسلم أن الخراج بالضمان وذلك ~~لعسر ضبط | المنافع ، وإن قسم الجاهلية ودمائها وما كان فيها لا يتعرض بها ~~، وأن الأمر | مستأنف بعدها ، وأن اليد لا تنقص إلا بدليل آخر وهو أصل ~~الاستصحاب | وأنه إن انسد باب التفتيش فالحكم أن يكون ما يريده صاحب المال ~~أو يترادا ، | والأصل فيه قوله صلى الله عليه وسلم : # ' البيعان إذا اختلفا بينهما والسلعة | قائمة ' الحديث وأن الأصل في كل ~~عقد أن يوفي لكل أحد وعلى كل | أحد ما التزمه بعقده إلا أن يكون عقدا نهى ~~الشرع عنه ، وهو قوله | صلى الله عليه وسلم : ' المسلمون على شروطهم إلا ~~شرطا أحل حراما أو حرم | حلال ' فهذه نبذ مما شرع النبي صلى الله عليه وسلم ~~في المقام الثاني . # ومن القضايا التي قضى فيها رسول الله قضية صلى الله عليه وسلم قضيت بنت | ~~حمزة رضي الله عنه في الحضانة حيث قال علي رضي الله عنه . بنت عمي | وأنا ~~أخذتها ، وقال جعفر رضي الله عنه : بنت عمي وخالتها تحتي ، وقال | زيد رضي ~~الله عنه : بنت أخي فقضى بها لجعفر رضي الله عنه ، وقال : الخالة | بمنزلة ~~الأم ' . # وقضية ابن وليدة زمعة في الدعوة حيث قال سعد : إن أخي قد عهد | إلي فيه ، ~~وقال عبد بن زمعة ابن وليدة أبي ولد على ms560 فراشه ، فقال صلى الله عليه وسلم | ~~' : هو لك يا عبد ابن زمعة الولد للفراش وللعاهر الحجر ' . # وقضية زيد رضي الله عنه . والأنصاري في شراج الحرة فأشار | صلى الله عليه ~~وسلم إلى أمر لهما في سعة ' اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك فغضب | الأنصاري ~~، فاستوعى لزبير حقه قال : احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر ' . | ~~PageV01P782 # وقضية ناقة براء بن عازب رضي الله عنه دخلت حائطا لرجل من الأنصار | ~~فأفسدت فيه فقضى صلى الله عليه وسلم أن على أهل الأموال حفظها بالنهار | ~~وعلى أهل المواشي حفظها بالليل . # وقضى صلى الله عليه وسلم بالشفعة فيما لم يقسم فإذا وقعت الحدود | وصرفت ~~الطرق فلا شفعة ، وقد ذكرنا فيما سبق وجوه هذه القضايا . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا اختلفتم في الطريق جعل عرضه | سبعة أذرع ' . # أقول : وذلك أن الناس إذا عمروا أرضا مباحة فقصروا بها واختلفوا | في ~~الطريق ، فأراد بعضهم أن يضيق الطريق ويبني فيها ، وأبى الآخرون | ذلك ، ~~وقالوا : لا بد للناس من طريق واسعة قضى بأن يجعل عرضه سبعة | أذرع وذلك ~~لأنه لا بد من مرور قطارين من الإبل يمشي أحدهما إلى جانب ، | وثانيهما إلى ~~الآخر ، وإذا جاءت زاملة من ههنا وزاملة من هنالك فلا بد | من طريق تسعهما ~~وإلا كان الحرج ومقدار ذلك سبعة أذرع . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس | له من الزرع شيء وله نفقته ' أقول ~~: جعله بمنزلة أجير عمل له عملا نافعا ، | والله أعلم . | PageV01P783 # # | ( الجهاد ) # اعلم أن أتم الشرائع وأكمل النواميس هو الشرع الذي يؤمر فيه بالجهاد ، | ~~وذلك لأن تكليف الله عباده بما أمر ونهى - مثله كمثل رجل مرض عبيده ، | ~~فأمر رجلا من خاصته أن يقيهم دواء ، فلو أنه قهرهم على شرب الدواء ، | ~~وأوجره في أفواههم لكان حقا ، لكن الرحمة اقتضت أن يبين لهم فوائد | الدواء ~~؛ ليشربوه على رغبة فيه ، وأن يخلط معه العسل ؛ ليتعاضد فيه الرغبة | ~~الطبيعية والعقلية . # ثم إن كثيرا من الناس يغلب عليهم الشهوات الدنية والأخلاق السبعية | ~~ووساوس الشطان ms561 في حب الرياسات ، ويلصق بقلوبهم رسوم آبائهم ، | فلا يسمعون ~~تلك الفوائد ، ولا يذعنون لما يأمر به النبي صلى الله عليه وسلم ، | ولا ~~يتأملون في حسنة ، فليست الرحمة في حق أولئك أن يقتصر على إثبات | الحجة ~~عليهم ، بل الرحمة في حقهم أن يقهروا ؛ ليدخل الإيمان عليهم على | رغم ~~أنفهم بمنزلة إيجاد الدواء المر ، ولا قهر إلا بقتل من له منهم بكناية | ~~شديدة وتمنع قوى ، أو تفريق منعتهم وسلب أموالهم حتى يصيروا لا يقدرون | ~~على شيء ، فعند ذلك يدخل أتباعهم وذراريهم في الإيمان برغبة وطوع ، | ولذلك ~~كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيصر ' كان عليك إثم | الأريسيين . # وربما كان أسرهم وقهرهم يؤدي إلى إيمانهم ، وإلى هذا أشار النبي | صلى ~~الله عليه وسلم حيث قال : # ' عجب الله من قوم يدخلون الجنة في السلاسل ' . # وأيضا فالرحمة التامة الكاملة بالنسبة إلى البشر أن يهديهم الله إلى ~~الاحسان ، | PageV01P784 | وأن يكبح ظالمهم عن الظلم ، وأن يصلح ارتفاقاتهم ~~وتدبير منزلهم وسياسة | مدينتهم ، فالمدن الفاسدة التي يغلب عليها نفوس ~~السبعية ، ويكون لهم تمنع | شديد إنما هو بمنزلة الأكلة في بدن الإنسان لا ~~يصح الإنسان إلا بقطعه ، | والذي يتوجه إلى إصلاح مزاجه وإقامة طبيعته لا ~~بد له من القطع ، والشر | القليل إذا كان مفضيا إلى الخير الكثير واجب فعله ~~، ولك عبدة بقريش | ومن حولهم من العرب كانوا بعد خلق الله عن الاحسان ~~وأظلمهم على | الضعفاء ، وكانت بينهم مقاتلات شديدة ، وكان بعضهم يأسر بعضا ~~، وما كان | أكثرهم متأملين في الحجة ناظرين في الدليل فجاهدهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم | ' وقتل أشدهم بطشا وأحدهم نفسا حتى ظهر أمر الله ، ~~وانقادوا له ، | فصاروا بعد ذلك من أهل الإحسان ، واستقامت أمورهم ، فلو لم ~~يكن | في الشريعة جهاد أولئك لم يحصل اللطف في حقهم . # وأيضا فإن الله تعالى غضب على العرب والعجم ، وقضى بزوال دولتهم | وكبت ~~ملكهم ، فنفث في روع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبواسطته | في قلوب ~~أصحابه رضي الله عنهم أن يقاتلوا في سبيل الله ؛ ليحصل الأمر | المطلوب ، ~~فصاروا في ms562 ذلك بمنزلة الملائكة تسعى في إتمام ما أمر الله تعالى ، | غير أن ~~الملائكة تسعى من غير أن يعقد فيهم قاعدة كلية ، والمسلمون | يقاتلون لأجل ~~قاعدة كلية علمهم الله تعالى ، وكان علمهم ذلك أعظم الأعمال ، | وصار القتل ~~لا يسند إليهم إنما يسند إلى الآمر ، كما يسند قتل العاصي إلى الأمير دون ~~السياف ، وهو قوله تعالى : # @QB@ فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم @QE@ . | PageV01P785 # وإلى هذا السر أشار النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال : # ' مقت عربهم وعجمهم ' | الحديث ، وقال عليه السلام : ' لا كسرى ولا قيصر ~~' يعني المتدينين | بدين الجاهلية . # وفضائل الجهاد راجعة إلى أصول : منها أنه موافقة تدبير الحق وإلهامه ، | ~~فكان السعي في إتمامه سببا لشمول الرحمة ، والسعي في إبطاله سببا لشمول | ~~اللعنة ، والتقاعد عنه في مثل هذا الزمان تفويتا لخير كثير . # ومنها أن الجهاد عمل شاق يحتاج إلى تعب وبذل مال ومهجة وترك | الأوطان ~~والأوطار ، فلا يقدم عليه إلا من أخلص دينه لله وآثر الآخرة | على الدنيا ، ~~وصح اعتماده على الله . # ومنها أن نفث مثل هذه الداعية في القلب لا يكون إلا بتشبه الملائكة ، | ~~وأحظاهم بهذا الكمال أبعدهم عن شرور البهيمية وأطرفهم من رسوخ | الدين في ~~قلبه ، فيكون معرفا لسلامة صدره . # هذا كله إن كان الجهاد على شرطه ، وهو ما سئل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم | ' إن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية فأي ذلك في سبيل الله ؟ | فقال ~~: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ' . # ومنها أن الجزاء يتحقق بصورة العمل يوم القيامة ، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم | : # ' لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم ي سبيله إلا جاء | يوم ~~القيامة وجرحه يثغب دما ، اللون لون الدم ، والريح ريح المسك ' . # ومنها أن الجهاد لما كان أمرا مرضيا عند الله تعالى وهو لا يتم في العادة ~~| إلا بأشياء من النفقات ورباط الخيل والرمي ونحوها وجب أن يتعدى الرضا | ~~إلى هذه الأشياء من جهة إفضائها إلى المطلوب . | PageV01P786 # ومنها أن بالجهاد تكميل الملة وتنويه أمرها وجعله في ms563 الناس كالأمر | ~~اللازم ، فإذا حفظت هذه الأصول انكشفت لك حقيقة الأحاديث الواردة | في ~~فضائل الجهاد . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' إن في الجنة مائة درجة أعدها الله | للمجاهدين ' الحديث . # أقول : سره أن ارتفاع المكان في دار الجزاء تمثال لارتفاع المكانة | عند ~~الله ، وذلك بأن تسكب النفس سعادتها من التطلع للجبروت | وغير ذلك ، وبأن ~~يكون سببا لاشتهار شعائر الله ودينه وسائر ما يرضي الله | باشتهاره ، ولذلك ~~كانت الأعمال التي هي مظنة هاتين الخصلتين جزاؤها | الدرجات في الجنة ، ~~فورد في تالي القرآن أنه يقال له ' اقرأ وارتق ورتل | كما كنت ترتل في ~~الدنيا ' وورد في الجهاد أنه سبب رفع الدرجات فإن عمله | يفيد ارتفاع الدين ~~، فيجازى بمثل ما تضمنه عمله ، ثم إن ارتفاع المكانة | يتحقق بوجوه كثيرة ، ~~فكل وجه يتمثل درجة في الجنة ، وإنما كان كل | درجة كما بين السماء والأرض ~~لأنه غاية ما تمكن في علوم البشر من البعد | الفوقانى فيتمثل في دار الجزاء ~~كما تمكن في علومهم . # قال صلى الله عليه وسلم : ' مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت | ~~الصائم ' . # أقول : سره أن الصائم القانت إنما فضل على غيره بأنه عمل عملا شاقا | ~~لمرضاة الله ، وأنه صار بمنزلة الملائكة ومتشبها بهم ، والمجاهد إذا كان | ~~جهاده على ما أمر الشرع به يشبهه في كل ذلك غير أن الاجتهاد في الطاعات | ~~PageV01P787 | يسلم فضلة الناس ، وهذا لا يفهمه إلا الخاصة ، فشبه به ~~لينكشف الحال . # ثم مست الحاجة إلى الترغيب في مقدمات الجهاد التي لا يتأتى الجهاد | في ~~العادة إلا بها كالرباط والرعي وغيرهما لأن الله تعالى إذا أمر بشيء | ورضي ~~به وعلم أنه لا يتم إلا بتلك المقدمات كان من موجبة الأمر بها | والرضا ~~عنها . # ورد في الرباط أنه ' خير من الدنيا وما فيها ' وأنه ' خير من صيام | شهر ~~وقيامه وإن مات أجرى عليه عمله الذي كان عمله وأجرى عليه رزقه | وأمن ~~الفتان ' . # أقول : أما سر كونه خيرا من الدنيا وما فيها فلأن له ثمرة باقية في ~~المعاد ، | وكل نعيم من ms564 نعيم الدنيا لا محالة زائل . . . # وأما كونه خيرا من صيام شهر وقيامه فلأنه عمل شاق يأتي على البهيمية | ~~لله وفي سبيل الله كما يفعل ذلك الصيام والقيام . . # وسر إجراء عمله أن الجهاد بعضه مبنى على بعض بمنزلة البناء ويقوم | ~~الجدار على الأساس وياقوم السقف على الجدار ، وذلك لأن الأولين | من ~~المهاجرين والأنصار كانوا سبب دخول قريش ومن حولهم في الإسلام | ثم فتح ~~الله على أيدي هؤلاء العراق والشام ، ثم فتح الله على أيدي هؤلاء | الفرس ~~والروم ، ثم فتح الله على أيدي هؤلاء الهند والترك والسودان ، | فالنفع ~~الذي يترتب على الجهاد يتزايد حينا فحينا وصار بمنزلة الأوقاف # والرباطات والصدقات الجارية . # وأما الأمن من الفتان يعني المنكر والنكير فإن المهلكة منهما على من | لم ~~يطمئن قلبه بدين محمد صلى الله عليه وسلم ولم ينهض لنصرته ، أما المرابط | ~~على شرطه فهو جامع الهمة على تصديق ناهض العزيمة على تمشية نور الله . | ~~PageV01P788 # قال صلى الله عليه وسلم : # ' من جهز غازيا في سيل الله فقد غزا | ومن خلف غازيا في أهله فقد غزا ' ~~وقال صلى الله عليه وسلم : # ' أفضل | الصدقة ظل فسطاط في سبيل الله ' ونحو ذلك . # أقول : السر في ذلك أنه عمل نافع للمسلمين يترتب عليه نصرتهم ، وهو | ~~المعنى في الغزو أو الصدقة . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' لا يكلم أحد في سبيل الله | والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا حاء يوم ~~القيامة وجرحه يثغب دما اللون | لون الدم والريح ريح المسك ' . # أقول : العمل يلتصق بالنفس بهيئته وصورته ويجر ما فيه معنى | التضاعف ~~بالنسبة إلى العمل والمجازاة مبناها على تمثل النعمة والراحة | بصورة اقرب ~~ما هناك ، فإذا جاء الشهيد يوم القيامة ظهر عليه عمله وتنعم به | بصورة ما ~~في العمل . # وقال عليه السلام صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : # @QB@ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم ~~يرزقون @QE@ . الآية # ' أرواحهم في جوف طير خضر لها قناديل معلقة بالفرش تسرح | في الجنة حيث ~~شاءت ثم تأوي إلى ms565 تلك القناديل ' . # أقول : الذي يقتل في سبيل الله يجتمع فيه خصلتان : إحداهما أنه تبقى | ~~PageV01P789 | نسمته وافرة كاملة لم تضمحل علومها التي كانت منغمسة فيها في ~~حياتها الدنيا | وإنما هو بمنزلة رجل مشغول بأمر معاشه ينام نومة بخلاف ~~الميت الذي | ابتلي بأمراض شديدة تغير مزاجه وتنسيه كثيرا مما كان فيه . # والثانية أنه شملته الرحمة الإلهية المتوجهة إلى نظام العالم الممتلئ ~~منها | حظيرة القدس والملائكة المقربون ، فلما زهقت نفسه وهي ممتلئة | من ~~السعي في إقامة دين الله فتح بينه وبين حظيرة القدس فيح واسع ، | ونزل من ~~هناك الأنس والنعمة والراحة ، وتنفست إليه حظيرة القدس | نفسا مثاليا ، ~~فيتمثل الجزاء حسبما عنده ، فتركبت من اجتماع هاتين | الخصلتين أمور عجيبة ~~: # منها أنه تتمثل نفسه معلقة بالعرش بنحوما ، وذلك لدخوله في حملة | العرش ~~وطموح همته إلى ما هناك . # ومنها أنه تمثل له بدن طير أخضر ، فكونه طيرا لأنه من الملائكة بمنزلة | ~~الطير من دواب الأرض في ظهور أحكام الجنس إجمالا وكونه أخضر | لحسن منظره . # ومنها أنه تتمثل نعمته وراحته بصورة الرزق كما كان يتمثل النعمة | في ~~الدنيا بالفواكه والشواء . # ثم مست الحاجة إلى تمييز ما يفيد تهذيب النفس مما لا يفيده وهو مشتبه | ~~به فإن الشرع أتى بأمرين : بانتظام الحي والمدينة . والملة ؛ وبتكميل | ~~النفوس . # قيل : الرجل يقاتل للمغنم والرجل يقاتل للذكر . والرجل يقاتل | ~~PageV01P790 | ليرى مكانه ، فمن يقاتل في سبيل الله ؟ قال صلى الله عليه ~~وسلم : # ' من | قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ' أقول : وذلك ~~لما ذكرنا | من أن الأعمال أجساد ، وأن النيات أرواح لها ، وإنما الأعمال ~~بالنيات ، | ولا عبرة بالجسد إلا بالروح ، وربما تفيد النية فائدة العمل ~~وإن لم يقترن | بها إذا كان فوته لمانع سماوي دون تفريط منه ، وهو قوله صلى ~~الله عليه وسلم | : # ' إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم | ~~حبسهم العذر ' وإن كان من تفريط فإن النية لم تتم حتى يترتب عليها الأجر # قال صلى الله عليه وسلم : # ' البركة في نواصي الخيل ' وقال عليه ms566 السلام : # | ' الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنيمة ' . # اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث بالخلافة العامة ، وغلبة دينه على ~~| سائر الأديان لا يتحقق إلا بالجهاد وإعداد آلاته ، فإذا تركوا الجهاد ، ~~واتبعوا | أذناب البقر أحاط بهم الذل ؛ وغلب عليهم أهل سائر الأديان . # قال صلى الله عليه وسلم : ' من احتبس فرسا في سبيل الله إيمانا بالله | ~~وتصديقا بوعده فإن شبعه وريه وروثه وبوله في ميزانه يوم القيامة ' . أقول : ~~| ذلك لأنه يتعانى في علفه وشرابه وفي روثه وبوله ، فصار عمله ذلك متصورا | ~~بصورة ما تعانى فيه ، فيظهر يوم القيامة كل ذلك بصورته وهيئته ، قال | صلى ~~الله عليه وسلم : # ' إن الله يدخل بالسهم الواحد ثلاثة نفر الجنة ، صانعه | يحتسب في صنعه ~~والرامي به ومنبله ' # وقال عليه السلام : ' من رمى بسهم في سبيل الله فهو له عدل محرر ' | أقول ~~: لما علم الله تعالى أن كبت الكفار لا يتم إلا بهذه الأشياء انتقل | رضا ~~الحق بإزالة الكفر والظلم إلى هذه . | PageV01P791 # قال الله تعالى : | @QB@ ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على ~~المريض حرج @QE@ . # وقال الله تعالى : | @QB@ ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين ~~لا يجدون ما ينفقون حرج @QE@ . # وقال صلى الله عليه وسلم لرجل : # ' ألك والدان ؟ قال . نعم ، قال | ففيهما فجاهد ' . # أقول : لما كان إقبالهم بأجمعهم على الجهاد يفسد أرتفاقاتهم وجب ألا | ~~يقوم به إلا البعض ، وإنما تعين غير المعلول بهذه العلل لأن على أصحابها | ~~حرجا وليس فيهم غنية معتد بها للإسلام بل ربما يخاف الضرر منهم # قال الله تعالى : | @QB@ الآن خفف الله عنكم وعلم أن فيكم ضعفا @QE@ . # أقول : إعلاء كلمة الله لا يتحقق إلا بأن يوطنوا أنفسهم بالثبات والنجدة ~~| والصبر على مشاق القتال ولو جرت العادة بأن يفروا إذا عثروا على مشقة | ~~لم يتحقق المقصود بل ربما أفضى إلى الخذلان . # وأيضا فالفرار جبن وضعف وهو أسوأ الأخلاق | PageV01P792 # ثم لا بد من بيان حد يتحقق به الفرق بين الواجب وغيره ولا تتحقق | النجدة ~~والشجاعة إلا إذا كان ms567 أسباب الهزيمة أكثر من أسباب الغلبة فقدر | أولا ~~بعشرة أمثال لأن الكفر يومئذ كان أكثر ولم يكن المسلمون إلا أقل | شيء فلو ~~رخص لهم الفرار لم يتحقق الجهاد أصلا ، ثم خفف إلى مثلين لأنه | لا تتحقق ~~النجدة والثبات فيما دون ذلك . # ثم لما وجب الجهاد لإعلاء كلمة الله وجب ما لا يكون الإعلاء إلا به ، | ~~ولذلك كان سد الثغور وعرض المقاتلة ونصب الأمراء على كل ناحية وثغر | واجبا ~~على الإمام وسنة متوارثة ، وقد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم | وخلفاؤه ~~رضي الله عنهم في هذا الباب سننا ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم | ~~إذا أمر أميرا على جيش أو على سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله | ومن معه من ~~المسلمين خيرا ، ثم قال : ' اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا | من كفر ~~بالله اغزوا ولا تغلوا ' الحديث . # وإنما نهى عن الغلول لما فيه من كسر قلوب المسلمين واختلاف كلمتهم | ~~واختيارهم النهي على القتال ، وكثيرا ما يفضي ذلك إلى الهزيمة ، وعن الغدر ~~| لئلا يرتفع الأمان من عهدهم وذمتهم ولو ارتفع ذهب أعظم الفتوح وأقربها | ~~وهي الذمة ، وعن المثلة لأنه تغيير خلق الله ، وعن قتل الوليد لأنه تضييق | ~~على المسلمين وإضرار بهم فإنه لو بقي حيا لصار رقيقا لهم واتبع السابي | في ~~الإسلام . # وأيضا فإنه لا ينكأ عدوا ولا ينصر فئة . | PageV01P793 # والدعوة إلى ثلاث خصال مترتبة : الأولى الإسلام مع الهجرة | والجهاد ~~وحينئذ له ما للمجاهدين من الحق في الفيء والمغانم . # الثانية الإسلام من غير هجرة ولا جهاد إلا في النفير العام وحينئذ ليس | ~~له نصيب في المغانم والفيء ، وذلك لأن الفيء إنما يصرف إلا الأهم فالأهم ، ~~| والعادة قاضية بألا يسع بيت المال الصرف إلى المتوطنين في بلادهم غير ~~المجاهدين فلا اختلاف بين هذا وبين قول عمر رضي الله عنه : فأين عشت | ~~فليأتين الراعي وهو بسرو حمير نصيبه منها لم يعرق فيها جبينه يعني إذا | ~~فتح كنوز الملوك وجيء من الخراج شيء كثير فيبقى بعد حظ المقاتلة وغيرهم # الثالثة أن يكونوا ms568 من أهل الذمة ، ويؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون # فبالأولى تحصل المصلحتان من نظام العالم ورفع التظالم من بينهم ومن | ~~تهذيب نفوسهم بأن يحصل نجاتهم من النار ويكونوا ساعين في تمشية | أمر الله ~~. # وبالثانية النجاة من النار من غير أن ينالوا درجات المجاهدين . # وبالثالثة زوال شوكة الكفار وظهور شوكة المسلمين ، وقد بعث النبي | صلى ~~الله عليه وسلم لهذه المصالح . # ويجب على الإمام أن ينظر في أسباب ظهور شوكة المسلمين وقطع | أيدي الكفار ~~عنهم ، ويجتهد ، ويتأمل في ذلك فيفعل ما أدى إليه اجتهاده | مما عرف هو أو ~~نظيره عن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه رضي الله | عنهم ؛ لأن الأمام ~~إنما جعل لمصالح ، ولا تتم إلا بذلك ، والأصل في هذا | الباب سير النبي صلى ~~الله عليه وسلم . | PageV01P794 # ونحن نذكر حاصل أحاديث الباب : # فنقول . يجب أن يشحن ثغور المسلمين بجيوش يكفون من يليهم ، | ويؤمر عليهم ~~رجلا شجاعا ذا رأي ناصحا للمسلمين وإن احتاج إلى حفر | خندق أو بناء حصن ~~فعله كما فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الخندق ، | وإذا بعث سرية ~~أمر عليهم أفضلهم أو أنفعهم للمسلمين ، وأوصاه في نفسه | وبجماعة المسلمين ~~خيرا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ، وإذا | أراد الخروج ~~للغزو عرض جيشه ، ويتعاهد الخيل والرجال فلا يقبل من | دون خمس عشرة سنة ~~كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل ذلك ، | ولا مخذلا وهو الذي ~~يقعد الناس عن الغزو ، ولا مرجفا وهو الذي يحدث | بقوة الكفار ، والأصل فيه ~~قوله تعالى . | ^ ( كره الله انبعائهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين | لو ~~خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) ^ . # ولا مشركا لقوله صلى الله عليه وسلم : # ' إنا لا نستعين بمشرك إلا عند | ضرورة ووثوق به ' ولا امرأة شابة يخاف ~~عليها ، ويأذن للطاعنة في السن | لأنه صلى الله عليه وسلم كان يغزو بأم ~~سليم ونسوة من الأنصار | يسقين الماء ويداوين الجرحى ، ويعبي الجيش ميمنة ~~وميسرة ، ويجعل لكل | قوم راية ، ولكل طائفة أميرا وعريفا كما فعل رسول ~~الله صلى ms569 الله عليه وسلم | يوم الفتح لأنه أكثر إرهابا وأقرب ضبطا ، ويعين ~~لهم شعارا | يتكلمونه في البيات لئلا يقتل بعضهم بعضا كما كان رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم | يفعل ، ويخرج يوم الخميس أو الاثنين فإنهما يومان ~~يعرض فيهما | الأعمال ، وقد ذكرنا من قبل ، ' ويكلفهم من السير ما يطيقه ~~الضعيف | PageV01P795 | إلا عند الضرورة ، ويتخير لهم من المنازل أصلحها ~~وأوفرها ماء ، وينصب الحرس والطلائع إذا خاف العدو ، ويخفى من أمره ما ~~استطاع ، ويورى | إلا من ذوي الرأي والنصيحة . # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' لا تقطع الأيدي في الغزو ' | وسره ما بينه عمر رضي الله عنه ألا تلحقه ~~حمية الشيطان فيلحق بالكفار ، | ولأنه كثيرا ما يفضي إلى اختلاف بين الناس ~~، وذلك يخل بمصلحتهم ، | ويقاتل أهل الكتاب والمجوس حتى يسلموا أو يعطوا ~~الجزية عن يد وهم | صاغرون ، ولا يقتل وليدا . ولا امرأة ، ولا شيخا فانيا ~~إلا عند ضرورة | كالبيات ، ولا يقطع الشجر ، ولا يحرق ، ولا يعقر الدواب ~~إلا إذا تعينت | المصلحة في ذلك كالبويرة قرية بني النضير ، ولا يخيس ~~بالعهد ، ولا يحبس | البرد لأنه سبب انقطاع المراسلة بينهم ، ويخدع فإن ~~الحرب خدعة ، ويهجم | عليهم غارين ويرميهم بالمنجنيق ، ويحاصرهم ، ويضيق ~~عليهم ثبت عن | رسول الله صلى الله عليه وسلم كل ذلك ، ولأن القتال لا ~~يتحقق إلا به كما | لا حاجة إلى شرحه ، ويجوز المبارزة بإذن الإمام لمن وثق ~~بنفسه كما فعل | علي . وحمزة رضي الله عنهما . وللمسلمين أن يتصرفوا فيما ~~يجدونه هنالك | من العلف والطعام من غير أن يخمس لأنه لو لم يرخص فيه لضاق ~~الحال | فإذا أسروا أسراء خير الإمام بين أربع خصال ، القتل ، والفداء ، ~~والمن ، | والارقاق يفعل من ذلك الأحظ وللإمام أن يعطيهم الأمان ولآحادهم . # والأصل فيه قوله تعالى : | @QB@ وإن أحد من المشركين استجارك فأجره @QE@ ~~. | PageV01P796 # وذلك لأن دخولهم في الإسلام لا يتحقق إلا بمخالطة المسلمين ومعرفة | ~~حجتهم وسيرتهم . # وأيضا فكثيرا ما تقع الحاجة إلى تردد التجار وأشباههم ، ويصالحهم | بمال ~~وبغير مال فإن المسلمين ربما يضعفون عن مقاتلة الكفار فيحتاجون | إلى الصلح ms570 ~~وربما يحتاجون إلى المال يتقوون به ، أو إلى أن يأمنوا من شر قوم | ~~فيجاهدوا آخرين . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته | بعير له رغاء يقول يا ~~رسول الله أغثني فأقول : لا أملك لك شيئا قد | بلغتك ' ونحو ذلك قوله صلى ~~الله عليه وسلم : # ' على رقبته فرس له | حمحمة وشاة لها يعار ونفس لها صياح ورقاع تخفق ' . # أقول الأصل في ذلك أن المعصية تتصور بصورة ما وقعت فيه ، | وأما حمله ~~فثقله والتأذي به ، وأما صوته فعقوبته بإشاعة فاحشته على رءوس الناس . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه | كله واضربوه ' وعمل به أبو بكر ~~. وعمر رضي الله عنهما . # أقول سره الزجر وكبح الناس أن يفعلوا مثل ذلك # واعلم أن الأموال المأخوذة من الكفار على قسمين : ما حصل منهم | بإيجاف ~~الخيل والركاب واحتمال أعباء القتال وهو الغنيمة . # وما حصل منهم بغير قتال كالجزية والخراج والعشور المأخوذة من | تجارهم ~~وما بذلوا صلحا أو هربوا عنه فزعا . | PageV01P797 | فالغنيمة تخمس ويصرف ~~الخمس إلى ما ذكر الله تعالى في كتابه حيث قال : | ^ ( واعلموا أنما غنمتم ~~من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي | القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل ~~) ^ . # فيوضع سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعده في مصالح المسلمين الأهم | ~~فالأهم ، وسهم ذوي القربى في بني هاشم وبني المطلب الفقير منهم والغني | ~~والذكر والأنثى ، وعندي أنه يخير الإمام في تعيين المقادير ، وكان عمر | ~~رضي الله عنه يزيد في فرض آل النبي صلى الله عليه وسلم من بيت المال | ~~ويعين المدين منهم والناكح وذا الحاجة ، وسهم اليتامى لصغير فقير | لا أب ~~له ، وسهم الفقراء والمساكين لهم يفوض كل ذلك إلى الإمام يجتهد | في الفرض ~~وتقديم الأهم فالأهم ويفعل ما أدى إليه اجتهاده ويقسم أربعة | أخماسه في ~~الغانمين يجتهد الإمام أولا في حال الجيش فمن كان نفله أوفق | بمصلحة ~~المسلمين نفل له ، وذلك بإحدى ثلاث . # أن يكون الإمام دخل دار الحرب فبعث سرية تغير على قرية ms571 مثلا فيجعل | لها ~~الربع بعد الخمس أو الثلث بعد الخمس فما قدمت به السرية رفع خمسه ثم | أعطي ~~السرية ربع ما غبر أو ثلثه وجعل الباقي في المغانم . # وثانيتها أن يجعل الإمام جعلا لمن يعمل عملا فيه غناء عن المسلمين ، | ~~مثلا أن يقول : من طلع هذا الحصن فله كذا . ومن جاء بأسير فله كذا . | من ~~قتل قتيلا فله سلبه ، فإن شرط من مال المسلمين أعطي منه ، وإن شرط | من ~~الغنيمة أعطي من أربعة أخماس . # وثالثتها أن يخص الإمام بعض الغانمين بشيء لغنائه وبأسه كما أعطي | ~~PageV01P798 | رسول الله صلى الله عليه وسلم سلمة بن الأكوع في غزوة ذي قرد ~~سهم | الفارس والراجل حيث ظهر منه نفع عظيم للمسلمين . # والأصح عندي أن السلب إنما يستحقه القاتل بجعل الإمام قبل القتل | أو ~~تنفيله بعده . # ويرفع ما ينبغي أن يرضخ دون السهم للنساء يداوين المرضى ، ويطبخن | ~~الطعام ، ويصلحن شأن الغزاة وللعبيد والصبيان وأهل الذمة الذين أذن لهم | ~~الإمام إن حصل منهم نفع للغزاة وإن عثر على أن شيئا من الغنيمة كان مال | ~~مسلم ظفر به العدو رد عليه بلا شيء ، ثم يقسم الباقي على من حضر الوقعة | ~~للفارس ثلاثة أسهم . وللراجل سهم . # وعندي أنه إن رأى الإمام أن يزيد لركبان الإبل أو للرماة شيئا | أو يفضل ~~العراب على البراذين بشيء دون السهم فله ذلك بعد أن يشاور | أهل الرأي ~~ويكون أمرا لا يختلف عليه لأجله وبه يجمع اختلاف سير النبي | صلى الله عليه ~~وسلم وأصحابه رضي الله عنهم في الباب . # ومن بعثه الأمير لمصلحة الجيش كالبريد والطليعة والجاسوس يسهم له | وإن ~~لم يحضر الوقعة كما كان لعثمان يوم بدر . # وأما الفيء فمصرفه ما بين الله تعالى حيث قال : | ^ ( ما أفاء الله على ~~رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي | القريى واليتامى والمساكين وابن ~~السبيل ) ^ . # إلى قوله ' ^ ( رءوف رحيم ) ^ ولما قرأها عمر رضي الله عنه قال : هذه | ~~استوعبت المسلمين فيصرفه إلى الأهم فالأهم ، وينظر في ذلك إلى مصالح | ~~المسلمين لا مصلحته الخاصة به . | PageV01P799 # واختلفت السنن ms572 في كيفية قسمة الفيء ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~| إذا أتاه الفيء قسمه في يومه ، فأعطى الأهل حظين ، وأعطى الأعزب | حظا ، ~~وكان أبو بكر رضي الله عنه يقسم للحر وللعبد . ويتوخى كفاية | الحاجة ، ~~ووضع عمر رضي الله عنه الديوان على السوابق والحاجات ، | فالرجل وقدمه ، ~~والرجل وبلاؤه ، والرجل وعياله ، والرجل وحاجته ، | والأصل في كل ما كان ~~مثل هذا من الاختلاف أن يحمل على أنه إنما فعل | ذلك على الاجتهاد فتوخى كل ~~المصلحة بحسب ما رأى في وقته ، والأراضي | التي غلب عليها المسلمون للإمام ~~فيها الخيار . إن شاء قسمها في الغانمين ، | وإن شاء أوقفها على الغزاة كما ~~فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر . | قسم نصفها ووقف نصفها ، ووقف ~~عمر رضي الله عنه أرض السواد ، وإن | شاء أسكنها الكفار ذمة لنا . # وأمر النبي صلى الله عليه وسلم معاذا رضي الله عنه أن يأخذ من كل | حالم ~~دينارا أو عدله معافر ، وفرض عمر رضي الله عنه على الموسر ثمانية | وأربعين ~~درهما ، وعلى المتوسط أربعة وعشرين ، وعلى الفقير المعتمل | اثني عشر . # ومن هنا يعلم أن قدره مفوض إلى الإمام يفعل ما يرى من المصلحة ، | ولذلك ~~اختلفت سيرهم ، وكذلك الحكم عندي في مقادير الخراج وجميع | ما اختلفت فيه ~~سير النبي صلى الله عليه وسلم وخلفائه رضي الله عنهم . # وإنما أباح الله لنا الغنيمة والفيء لما بينه النبي صلى الله عليه وسلم ~~حيث | قال : ' لم تحل الغنائم لأحد من قبلنا . . ذلك بأن الله رأى ضعفنا ~~وعجزنا | فأحلها لنا ' وقال صلى الله عليه وسلم : ' إن الله فضل أمتي على ~~الأمم وأحل | لنا الغنائم ' وقد شرحنا هذا في القسم الأول فلا نعيده . | ~~PageV01P800 # والأصل في المصارف أن أمهات المقاصد أمور : # منها إبقاء ناس لا يقدرون على شيء لزمانه أو لاحتياج مالهم أو | بعده ~~منهم . # ومنها حفظ المدينة عن شر الكفار بسد الثغور ونفقات المقاتلة | والسلاح ~~والكراع . # ومنها تدبير المدينة وسياستها من الحراسة والقضاء وإقامة الحدود | ~~والحسبة . # ومنها حفظ الملة بنصب الخطباء والأئمة والوعاظ والمدرسين . # ومنها منافع ms573 مشتركة ككرى الأنها وبناء القناطر ونحو ذلك . # وأن البلاد على قسمين . قسم تجرد لأهل الإسلام كالحجاز ، أو غلب | عليه ~~المسلمون ، وقسم أكثر أهله الكفار فغلب عليهم المسلمون بعنوة | أو صلح . # والقسم الثاني يحتاج إلى شيء كثير من جمع الرجال وإعداد آلات القتال | ~~ونصب القضاة والحرس والعمال ، # والأول لا يحتاج إلى هذه الأشياء كاملة وافرة . # وأراد الشرع أن يوزع بيت المال المجتمع في كل بلاد على ما يلائمها | فجعل ~~مصرف الزكاة والعشر ما يكون فيه كفاية المحتاجين أكثر من | غيرها ، ومصرف ~~الغنيمة والفيء ما يكون فيه إعداد المقاتلة وحفظ الملة | وتدبير المدينة ~~أكثر ، ولذلك جعل سهم اليتامى والمساكين والفقراء من | الغنيمة والفيء أقل ~~من سهمهم من الصدقات وسهم الغزاة منهما أكثر | من سهمهم منها . # ثم الغنيمة إنما تحصل بمعاناة وإيجاف خيل وركاب فلا تطيب قلوبهم إلا بأن ~~| يعطوا منها . والنواميس الكلية المضروبة على كافة الناس لا بد فيها من ~~النظر | PageV01P801 | إلى حال عامة الناس . ومن ضم الرغبة الطبيعية إلى ~~الرغبة العقلية ولا يرغبون | إلا بأن يكون هناك ما يجدونه بالقتال ، فلذلك ~~كان أربعة أخماسها للغانمين | والفيء إنما يحصل بالرعب دون مباشرة القتال ~~فلا يجب أن يصرف على | ناس مخصوصين فكان حقه أن يقدم فيه الأهم فالأهم . # والأصل في الخمس أنه كان المرباع عادة مستمرة في الجاهلية يأخذه | رئيس ~~القوم وعصبته فتمكن ذلك في علومهم وما كادوا يجدون في أنفسهم | حرجا منه ، ~~وفيه قال القائل : | # % وإن لنا المرباع من كل غارة % % تكون بنجد أو بأرض التهائم % # فشرع الله تعالى الخمس لحوائج المدينة والملة نحوا مما كان عندهم كما ~~أنزل | الآيات على الأنبياء عليهم السلام نحوا مما كان شائعا ذائعا فيهم ، ~~وكان | المرباع لرئيس القوم وعصبته تنويها بشأنهم ولأنهم مشغولون بأمر ~~العامة | محتاجون إلى نفقات كثيرة ، فجعل الله الخمس لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم | لأنه عليه السلام مشغول بأمر الناس لا يتفرغ أن يكتسب لأهله ، ~~فوجب | أن تكون نفقته في مال المسلمين ، ولأن النصرة حصلت بدعوة النبي صلى ~~الله عليه وسلم | والرعب ms574 الذي أعطاه الله إياه ، فكان كحاضر الوقعة ، ولذوي ~~| القربى لأنهم أكثر الناس حمية للإسلام حيث اجتمع فيهم الحمية الدينية إلى ~~الحمية النسبية فإنه لا فخر لهم إلا بعلو دين محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~ولأن في | ذلك تنويه أهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم وتلك مصلحة راجعة ~~إلى الملة ، | وإذا كان العلماء والقراء يكون توقيرهم تنويها بالملة يجب أن ~~يكون توقير | ذوي القربى كذلك بالأولى ، وللمحتاجين وضبطهم بالمساكين ~~والفقراء | واليتامى ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم أعطى المؤلفة ~~قلوبهم وغيرهم | من الخمس . # وعلى هذا فتخصيص هذه الخمسة بالذكر للاهتمام بشأنها ، والتوكيد ألا | ~~PageV01P802 | يتخذ الخمس والفيء أغنياؤهم دولة فيهملوا جانب المحتاجين ، ~~ولسد باب | الظن السيئ بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقرابته . # وإنما شرعت الأنفال والأرضاخ لأن الإنسان كثيرا ما يقدم على مهلكة | إلا ~~لشيء لا يطمع فيه ، وذلك ديدن وخلق للناس لا بد من رعايته . # وإنما جعل للفارس ثلاثة أسهم وللراجل سهم لأن غناء الفارس عن | المسلمين ~~أعظم ومؤنته أكثر وإن رأيت حال الجيوش لم تشك أن الفارس | لا يطيب قلبه ولا ~~تكفي ومؤنته إذا جعلت جائزته دون ثلاثة أضعاف | سهم الراجل لا يختلف فيه ~~طوائف العرب والعجم على اختلاف أحوالهم | وعاداتهم . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' لئن عشت إن شاء الله لأخرجن اليهود | والنصارى من جزيرة العرب ' وأوصى ~~بإخراج المشركين منها . أقول : عرف | النبي صلى الله عليه وسلم أن الزمان ~~دول وسجال فربما ضعف الإسلام وانتشر | شمله فإن كان العدو في مثل هذا الوقت ~~في بيضة الإسلام ومحتده أفضى ذلك | إلى هتك حرمات الله وقطعها فأمر ~~بإخراجهم من حوالي دار العلم ومحل | بيت الله . # وأيضا المخالطة مع الكفار تفسد على الناس دينهم وتغير نفوسهم ، ولما | لم ~~يكن بد من المخالطة في الأقطار أمر بتنقية الحرمين منهم ، وأيضا انكشف | ~~عليه صلى الله عليه وسلم ما يكون في آخر الزمان فقال : ' إن الدين ليأرز | ~~إلى المدينة ' الحديث ولا يتم ذلك إلا بألا يكون هناك من أهل سائر ms575 | ~~الأديان ، والله أعلم . | PageV01P803 | # | ( من أبواب المعيشة ) # اعلم أن جميع سكان الأقاليم الصالحة اتفقوا على مراعاة آدابهم في | ~~مطعمهم . ومشربهم . وملبسهم . وقيامهم . وقعودهم . وغير ذلك من | الهيئات ~~والأحوال ، وكان ذلك كالأمر المفطور عليه الإنسان عند سلامة | مزاجه وظهور ~~مقتضيات نوعه عند اجتماع أفراد منه ، وتراءى بعضها لبعض | وكانت لهم مذاهب ~~في ذلك . # فكان منهم من يسويها على قواعد الحكمة الطبيعية فيختار في كل ذلك | ما ~~يرجى نفعه ولا يخشى ضرره بحكم الطب والتجربة ، ومنهم من يسويها على | ~~قوانين الإحسان حسبما تعطيه ملته ، ومنهم من يريد محاكاة ملوكهم وحكمائهم | ~~ورهبانهم ، ومنهم من يسويها على غير ذلك ، وكان في بعض ذلك منافع | يجب ~~التنبيه عليها والأمر به لأجلها ، وفي البعض الآخر مفاسد يجب أن | ينهي ~~عنها لأجلها وينبه عليها ، والبعض الآخر غفل من المعنيين يجب أن | يبقى على ~~الأباحة ويرخص فيه فكان تنقيحها والتفتيش عنها إحدى المصالح | التي بعث ~~النبي صلى الله عليه وسلم لها . # والعمدة في ذلك أمور : # فمنها أن الاشتغال بهذه الأشغال ينسي ذكر الله ويكدر صفاء القلب | فيجب ~~أن يعالج هذا السم بترياق ، وهو أن يسن قبلها وبعدها ومعها أذكار | تردع ~~النفس عن اطمئنانها بها بأن يكون فيها ما يذكر المنعم الحقيقي ويميل | ~~الفكر إلى جانب القدس . # ومنها أن بعض الأفعال والهيآت تناسب أمزجة الشياطين من حيث إنهم | لو ~~تمثلوا في منام أحد أو يقظته لتلبسوا ببعضها لا محالة ، فتلبس الإنسان | ~~PageV01P804 | بها معد للتقرب منهم وانطباع ألوانها الخسيسة في نفوسهم فيجب ~~أن يمنع | عنها كراهة أو تحريما حسبما تحكم به المصلحة كالمشي في نعل واحدة ~~والأكل | باليد اليسرى ، وبعضها مطردة للشياطين مقربة من الملائكة كالذكر ~~عند ولوج | البيت والخروج منه ، ويجب أن يحض عليها . # ومنها الاحتراز عن هيآت يتحقق فيها التأذي بحكم التجربة كالنوم على | سطح ~~غير محجوز وترك المصابيح عند النوم ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : # | ' فإن الفويسقة تضرم على أهلها ' . # ومنها مخالفة الأعاجم فيما اعتادوه من الترفه البالغ والتعمق في ~~الاطمئنان | بالحياة الدنيا فأنساهم ذكر الله وأوجب ms576 الإكثار من طلب الدنيا ~~وتشبح | اللذات في نفوسهم فيجب أن يخص رءوس تعمقاتهم بالتحريم كالحرير . | ~~والقسى . والمياثر . والأرجوان . والثياب المصنوعة فيها الصور . وأواني | ~~الذهب . والفضة . والمعصفر . والخلوق ونحو ذلك ، وأن يعم سائر عاداتهم | ~~بالكراهية ، ويستحب ترك كثير من الإرفاه . # ومنها الاحتراز عن هيآت تنافي الوقار وتلحق الإنسان بأهل البادية ممن | ~~لم يتفرغوا لأحكام النوع ليحصل التوسط بين الإفراط والتفريط . | # | ( الأطعمة والأشربة ) # اعلم أنه لما كانت سعادة الإنسان في الأخلاق الأربعة التي ذكرناها | ~~وشقاوته في أضدادها أوجب حفظ الصحة النفسانية وطرد المرض النفساني | أن ~~يفحص عن أسباب تغير مزاجه إلى إحدى الوجهتين . # فمنها أفعال تتلبس بها النفس وتدخل في جذر جوهرها ، وقد بحثنا عن | جملة ~~صالحة من هذا الباب . | PageV01P805 # ومنها أمور تولد في النفس هيآت دنية توجب مشابهة الشياطين والتبعد | من ~~الملائكة وتحقق أضداد الأخلاق الصالحة من حيث يشعرون ومن | حيث لا يشعرون ، ~~فتلقت النفوس اللاحقة بالملأ الأعلى التاركة للألواث | البهيمية من حظيرة ~~القدس بشاعة تلك الأمور كما تلقى الطبيعة كراهية | المر والبشع ، وأوجب لطف ~~الله ورحمته بالناس أن يكلفهم برءوس تلك | الأمور ، والذي هو منضبط منها ~~وأثرها جلي غير خاف فيهم . # ولما كان أقوى أسباب تغير البدن والأخلاق المأكول وجب أن يكون | رؤوسها ~~من هذا الباب ، فمن أشد ذلك أثرا تناول الحيوان الذي مسخ قوم | بصورته ، ~~وذلك أن الله تعالى إذا لعن الإنسان وغضب عليه أورث غضبه | ولعنه فيه وجود ~~مزاج هو من سلامة الإنسان على طرف شاسع وصقيع بعيد | حتى يخرج من الصورة ~~النوعية بالكلية فذلك أحد وجوه التعذيب في بدن | الإنسان ويكون خروج مزاجه ~~عند ذلك إلى مشابهة حيوان خبيث يتنفر | منه الطبع السليم فيقال في مثل ذلك ~~مسخ الله قردة وخنازير فكان في حظيرة | القدس علم متمثل أن بين هذا النوع ~~من الحيوان وبين كون الإنسان مغضوبا | عليه بعيدا من الرحمة مناسبة خفية ~~وأن بينه وبين الطبع السليم الباقي على | فطرته بونا بائنا فلا جرم أن ~~تناول هذا الحيوان وجعله جزء بدنه أشد من | مخامرة النجاسات والأفعال ms577 ~~المهيجة للغضب ولذلك لم يزل تراجمة حظيرة | القدس نوح فمن بعده من الأنبياء ~~عليهم الصلاة والسلام يحرمون الخنزير | ويأمرون بالتبعد منه إلى أن يتنزل ~~عيسى عليه السلام فيقتله ، ويشبه أن | الخنزير كان يأكله قوم فنطقت الشرائع ~~بالنهي عنه وهجر أمره أشد ما يكون ، | والقردة . والفأرة لم تكن تؤكل قط ~~فكفى ذلك عن التأكيد الشديد ، | وهو قوله صلى الله عليه وسلم في الضب . ' ~~إن الله غضب على سبط من | PageV01P806 | بني إسرائيل فمسخهم دواب يدبون في ~~الأرض فلا أدري لعل هذا منها ' ، | وقال الله تعالى : | @QB@ جعل منهم ~~القردة والخنازير وعبد الطاغوت @QE@ . # ونظيره ما ورد من كراهية المكث بأرض وقع فيها الخسف أو العذاب ، | ~~وكراهية هيآت المغضوب عليهم فإن مخامرة هذه الأشياء ليست أدنى من | مخامرة ~~النجاسات ، والتلبس بها ليس أقل تأثيرا من التلبس بالهيآت التي | يقتضيها ~~مزاج الشيطان . # ويتلوه تناول حيوان جبل على الأخلاق المضادة للأخلاق المطلوبة من | ~~الإنسان حتى صار كالمندفع إليها بضرورة ، وصار يضرب به المثل ، وصارت | ~~الطبائع السليمة تستخبثه وتأبى تناوله اللهم إلا قوم لا يعبأ بهم ، والذي | ~~تكامل فيه هذا المعنى وظهر ظهورا بينا وانقاد له العرب والعجم جميعا أشياء ~~: # منها السباع المخلوقة على الخدش . والجرح . والصولة . وقسوة القلب ، | ~~ولذلك قال عليه السلام في الذئب : ' أو يأكله أحد ' ؟ # ومنها الحيوانات المجبولة على إيذاء الناس والاختطاف منهم وانتهاز | ~~الفرص للإغارة عليهم وقبول إلهام الشياطين في ذلك كالغراب . والحديات . | ~~والوزغ . والذباب . والحية والعقرب ونحو ذلك . # ومنها حيوانات جبلت على الصغار والهوان والتستر في الاخدود | كالفأرة ~~وخشاش الأرض . # ومنها حيوانات تتعيش بالنجاسات أو الجيفة ومخامرتها وتناولها حتى | ~~امتلأت أبدانها بالنتن . # ومنها الحمار فإنه يضرب به المثل في الحمق والهوان وكان كثير من أهل | ~~PageV01P807 | الطبائع السليمة من العرب يحرمونه ويشبه الشياطين ، وهو قوله ~~صلى الله عليه وسلم | : # ' إذا سمعتم نهيق الحمار فتعوذوا بالله من الشيطان فإنه رأى شيطانا ' # وأيضا قد اتفق الأطباء أن هذه الحيوانات كلها مخالفة لمزاج نوع الإنسان | ~~لا يسوغ تناولها طبا . # واعلم أن ههنا أمورا مبهمة تحتاج إلى ضبط ms578 الحدود وتمييز المشكل . # منها أن المشركين كانوا يذبحون لطواغيتهم يتقربون به إليها وهذا نوع | من ~~الإشراك فاقتضت الحكمة الالهية أن ينهى عن هذا الإشراك ، ثم يؤكد | التحريم ~~بالنهي عن تناول ما ذبح لها ليكون كابحا عن ذلك الفعل ، وأيضا | فإن قبح ~~الذبح يسري في المذبوح لما ذكرنا في الصدقة ثم المذبوح للطواغيت | أمر مبهم ~~ضبط بما أهل لغير الله به ، وبما ذبح على النصب ، وبما ذبحه غير | المتدين ~~بتحريم الذبح بغير اسم الله وهم المسلمون وأهل الكتاب ، وجر ذلك | أن يوجب ~~ذكر اسم الله عند الذبح لأنه لا يتحقق الفرقان بين الحلال | والحرام بادي ~~الرأي إلا عند ذلك ، وأيضا فإن الحكمة الالهية لما أباحت | لهم الحيوانات ~~التي هي مثلهم في الحياة وجعل لهم الطول عليهم أوجبت | ألا يغفلوا عن هذه ~~النعمة عند إزهاق أرواحها ، وذلك أن يذكروا اسم | الله عليها ، وهو قوله ~~تعالى . | @QB@ ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام @QE@ . # ومنها أن الميتة حرام في جميع الملل والنحل ، أما الملل فاتفقت عليها | ~~لما تلقى من حظيرة القدس أنها من الخبائث ، وأما النحل فلما أدركوا أن | ~~كثيرا منها يكون بمنزلة السم من أجل انتشار أخلاط سمية تنافي المزاج | ~~الإنساني عند النزع ، ثم لا بد من تمييز الميتة من غيرها فضبط بما قصد | ~~إزهاق روحه للأكل فجر ذلك إلى تحريم المتردية والنطيحة وما أكل السبع | ~~فإنها كلها خبائث مؤذية . PageV01P808 # ومنها أن العرب واليهود كانوا يذبحون وينحرون وكان المجوس يخنقون | ~~ويبعجون والذبح والنحر سنة الأنبياء عليهم السلام توارثوهما ، | وفيهما ~~مصالح . # منها إراحة الذبيحة فإنه أقرب طريق لازهاق الروح ، وهو قوله صلى الله ~~عليه وسلم | : # ' فليرح ذبيحته ' وهو سر النهي عن شريطة الشيطان . # ومنها أن الدم أحد النجاسات التي يغسلون الثياب إذا أصابها ويتحفظون | ~~منها والذبح تطهير للذبيحة منها ، والخنق والبعج تنجيس لها به . # ومنها أنه صار ذلك أحد شعائر الملة الحنيفة يعرف به الحنيفي من غيره | ~~فكان بمنزلة الختان وخصال الفطرة ، فلما بعث النبي صلى الله عليه وسلم | ~~مقيما للملة الحنيفية ms579 وجب الحفظ عليه ، ثم لا بد من تمييز الخنق والبعج من ~~| غيرهما ، ولا يتحقق إلا بأن يوجب المحدد وأن يوجب الحلق واللبة فهذا | ما ~~نهى عنه لأجل حفظ الصحة النفسانية والمصلحة الملية ، وأما الذي ينهى | عنه ~~لأجل الصحة البدنية كالسموم والمفترات فحالها ظاهر . # وإذا تمهدت هذه الأصول حان أن نشتغل بالتفصيل ، فنقول : ما نهى | الله ~~عنه من المأكول صنفان : صنف نهى عنه لمعنى في نوع الحيوان . | وصنف نهى عنه ~~لفقد شرط الذبح ، فالحيوان على أقسام : أهلي يباح منه | الإبل والبقر ~~والغنم . وهو قوله تعالى : | @QB@ أحلت لكم بهيمة الأنعام @QE@ . # وذلك لأنها طيبة معتدلة المزاج موافقة لنوع الإنسان ، وأذن يوم خيبر | في ~~الخيل ونهى عن الحمر ، وذلك لأن الخيل يستطيبه العرب والعجم وهو | ~~PageV01P809 | أفضل الدواب عندهم ويشبه الإنسان ، والحمار يضرب به المثل في ~~الحمق | والهوان وهو يرى الشيطان فينهق وقد حرمه من العرب أذكاهم فطرة ~~وأطيبهم | نفسا ، واكل صلى الله عليه وسلم لحم الدجاج ، وفي معناها الأوز ~~والبط | لأنها من الطيبات والديك يرى الملك فيصقع ، ويحرم الكلب والسنور | ~~لأنهما من السباع ويأكلان الجيف ، والكلب شيطان . # ووحشي يحل منه ما يشبه بهيمة الأنعام في اسمها ووصفها كالظباء والبقر | ~~الوحشي والنعامة ، وأهدي له صلى الله عليه وسلم لحم الحمار الوحشي فأكله | ~~والأرنب فقبله ، وأكل الضب على مائدته لأن العرب يستطيبون هذه | الأشياء ، ~~واعتذر في الضب تارة بأنه ' لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه ' | وتارة ~~باحتمال المسخ والنهي عنه تارة وليس فيها عندي تناقض لأنه كان | فيها وجهان ~~جميعا كل واحد كاف في العذر لكن ترك ما فيه الاحتمال ورع | من غير تحريم ، ~~وأراد بالنهي الكراهة التنزيهية ، ونهى عن كل ذي ناب | من السباع لخروج ~~طبيعتها من الاعتدال ولشكاسة أخلاقها وقسوة قلوبها . # وطير يباح منه الحمام والعصفور لأنهما من المستطاب ، ونهى عن كل | ذي ~~مخلب وسمى بعضها فاسقا فلا يجوز تناوله ويكره ما يأكل الجيف | والنجاسة وكل ~~ما يستخبثه العرب لقوله تعالى : # @QB@ يحرم عليهم الخبائث @QE@ . # وأكل الجرادفي عهده صلى الله عليه وسلم لأن العرب يستطيبونه ms580 وبحري يباح ~~منه ما يستطيبه العرب كالسمك والعنبر وأما ما يستخبثه | PageV01P810 | ~~العرب ويسميه باسم حيوان محرم كالخنزير ففيه تعارض الدلائل | والتعفف أفضل ~~. # وسئل صلى الله عليه وسلم عن السمن ماتت فيه الفأرة : فقال ' ألقوها | وما ~~حولها وكلوه ' وفي رواية ' إذا وقعت الفأرة في السمن فان كان جامدا | ~~فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه ' . # أقول : الجيفة وما تأثر من منهاني جميع الأمم والملل فإذا تميز الخبيث | ~~من غيره ألقى الخبيث وأكل الطيب وإن لم يمكن التميز حرم كله . ودل | الحديث ~~على حرمة كل نجس ومتنجس . # ونهى عليه السلام عن أكل الجلالة وألبانها ، أقول ذلك لأنها لما شربت | ~~أعضائها النجاسة وانتشرت في جميع أجزائها كان حكمها حكم النجاسات أو حكم | ~~من يتعيش بالنجاسات . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' أحلت لنا ميتتان ودمان أما الميتتان الحوت | والجراد والدمان الكبد ~~والطحال ' ، أقول : الكبد والطحال عضوان من | أعضاء بدن البهيمة لكنهما ~~يشبهان الدم فأزاح النبي صلى الله عليه وسلم | الشبه فيهما وليس في الحوت ~~والجراد دم مسفوح فلذلك لم يشرع فيهما | الذبح ، وأمر صلى الله عليه وسلم ~~بقتل الوزغ وسماه فاسقا وقال : ' كان | ينفخ على إبراهيم ' وقال : ' من قتل ~~وزغا في أول ضربة كتب له كذا | وكذا وفي الثانية دون ذلك وفي الثالثة دون ~~ذلك ' . # أقول : بعض الحيوان جبل بحيث يصدر منه أفعال وهيآت شيطانية | وهو أقرب ~~الحيوان شبها بالشيطان وأطوعه لوسوسته ، وقد علم النبي | PageV01P811 | صلى ~~الله عليه وسلم أن منه الوزغ ونبه على ذلك بأنه كان ينفخ على إبراهيم | ~~لانقياده بحسب الطبيعة لوسوسة الشيطان وإن لم ينفع نفخه في النار شيئا ، | ~~وإنما رغب في قتله لمعنيين : أحدهما أن فيه دفع ما يؤذي نوع الإنسان فمثله ~~| كمثل قطع أشجار السموم من البلدان ونحو ذلك مما فيه جمع شملهم . # والثاني أن فيه كسر جند الشيطان ونقص وكر وسوسته ، وذلك محبوب | عند الله ~~وملائكته المقربين ، وإنما كان القتل في أول ضربة أفضل من | قتله في ~~الثانية لما فيه من الحذاقة والسرعة إلى الخير ، والله أعلم ms581 . # قال الله تعالى : # ^ ( حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله | به ~~والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع | إلا ما ذكيتم وما ~~ذبح عن النصب وأن تستقسموا بالأزلام | ذلكم فسق ) ^ . # أقول : فالميتة والدم لأنهما نجسان ، والخنزير لأنه حيوان مسخ بصورته | ~~قوم ( وما أهل لغير الله به ) ( وما ذبح على النصب ) يعني الأصنام | قطعا ~~لدابر الشرك ، ولأن قبح الفعل يسري في المفعول به و ( المنخنقة ) | وهي ~~التي تخنق فتموت ( والمتردية ) وهي التي تقع من الأعلى إلى الأسفل | ( ~~والنطيحة ) وهي التي قتلت نطحا بالقرون ( وما أكل السبع ) فبقي منه | لأنه ~~ضبط المذبوح الطيب بما قصد إزهاق الروح باستعمال المحدد في حلقه | أو لبته ~~فجر ذلك إلى تحريم هذه الأشياء . | PageV01P812 # وأيضا فإن الدم المسفوح ينتشر فيه ويتنجس جميع البدن ( إلا ما ذكيتم ) | ~~أي وجدتموه قد أصيب ببعض هذه الأشياء ، وفيه حياة مستقرة فذبحتموه | فكان ~~إزهاق روحه بالذبح ( وأن تستقسموا بالأزلام ) أي تطلبوا علم | ما قسم لكم ~~من الخير والشر بالقداح التي كان أهل الجاهلية يجيلونها ، في | أحدها افعل ~~، والثاني لا تفعل ، والثالث غفل فإن ذلك افتراء على الله | واعتماد على ~~جهل . # ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تصبر بهيمة وعن أكل | المصبورة ~~أقول كان أهل الجاهلية يصبرون البهائم ويرمونها بالنبل ، وفي | ذلك إيلام ~~غير محتاج إليه ولأنه لم يصر قربانا إلى الله ولا شكر به نعم الله . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إن الله كتب الاحسان على كل شيء فإذا | قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ~~ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد احدكم شفرته | وليرح ذبيحته ' . # أقول : في اختيار أقرب طريق لازهاق الروح اتباع داعية الرحمة وهي خلة ~~يرضى بها رب العالمين ويتوقف عليها اكثر المصالح المنزلية والمدنية . # وقال صلى الله عليه وسلم ' ما يقطع من البهيمة وهي حية فهي ميتة ' أقول : # ' كانوا يجبون أسنمة الابل ويقطعون إليات الغنم وفي ذلك تعذيب ومناقضة ~~لما شرع الله من الذبح ، فنهى عنه . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' من قتل عصفورا فما فوقه بغير حقه ms582 سأله | الله عز وجل عن قتله ، قيل : ~~يا رسول الله وما حقه ؟ قال . أن يذبحه فيأكله | PageV01P813 | ولا يقطع ~~رأسه فيرمى به ' أقول : ههنا شيآن متشابهان لا بد من التمييز بينهما : | ~~أحدهما الذبح للحاجة واتباع داعية إقامة مصلحة نوع الإنسان . # والثاني السعي في الأرض بفساد نوع الحيوان واتباع داعية | قسوة القلب . # واعلم أنه كان الاصطياد ديدنا للعرب وسيرة فاشية فيهم حتى كان ذلك | أحد ~~المكاسب التي عليها معاشهم فأباحه النبي صلى الله عليه وسلم وبين | ما في ~~إكثاره بقوله : # ' من اتبع الصيد لها ' . # وأحكام الصيد تبنى على أنه محمول على الذبح في جميع الشروط إلا فيما | ~~يعسر الحفظ عليه ويكون أكثر سعيهم أن اشترط باطلا فيشترط التسمية | على ~~إرسال الجارح أو الرمي ونحوها ويشترط أهلية الصائد ولا يشترط | الذبح ولا ~~الحلق واللبة وعلى تحقيق ذاتيات الاصطياد كارسال الجارح المعلم | قصدا وإلا ~~كان ظفرا بالصيد اتفاقا لا اصطيادا ، وكون الجارح لم يأكل | منه فإن أكل ~~فأدرك حيا وذكى حل وإلا لا ، وذلك تحقيقا لمعنى المعلم | وتميزا له مما أكل ~~السبع . # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أحكام الصيد والذبائح فأجاب | ~~بالتخريج على هذه الأصول . # قيل : إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأ كل في آنيتهم ؟ وبأرض صيد | أصيد بقوسي ~~وبكلبي الذي ليس بمعلم ولكلبي المعلم فما يصلح لي ؟ قال | صلى الله عليه ~~وسلم : ' أما ما ذكرت من آنية أهل الكتاب فإن وجدتم غيرها | فلا تأكلوا ~~فيها وإن لم تجدوا فاغسلوها وكلوا فيها وما صدت بقوسك | فذكرت اسم الله فكل ~~وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله فكل | وما صدت بكلبك غير المعلم ~~وأدركت ذكاته فكل ' . # قوله صلى الله عليه وسلم : # ' فإن وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها ' . | PageV01P814 # أقول : ذلك تحريا للمختار وراحة للقلب من الوساوس وقيل : | يا رسول الله ~~إنا نرسل الكلاب المعلمة قال صلى الله عليه وسلم : ' إذا أرسلت | كلبك ~~فاذكر اسم الله فإن أمسك عليك فأدركته حيا فاذبحه وإن أدركته | قد قتل ولم ~~يأكل منه فكله فإن أكل فلا تأكل ms583 فإنما أمسك على نفسه وإن | وجدت مع كلبك ~~كلبا غيره وقد قتل فلا تأكل فإنك لا تدري أيهما قتله ، | قيل : يا رسول ~~الله ارمي الصيد فإني فأجد فيه من الغد سهمي قال صلى الله عليه وسلم | : ' ~~وإذا رميت سهمك فاذكر اسم الله فإن غاب عنك يوما فلم تجد فيه إلا أثر | ~~سهمك فكل إن شئت وإن وجدته غريقا في الماء فلا تأكل ' قيل : ' إنا نرمي | ~~بالمعراض قال صلى الله عليه وسلم : كل ما خزق وما أصاب بعرضه | فقتل فانه ~~وقيذ فلا تأكل ، قيل : ' يا رسول الله إن هنا أقواما حديث | عهدهم بشرك ~~يأتوننا بلحمان لا ندري يذكرون اسم الله عليها أم لا ، قال | صلى الله عليه ~~وسلم : ' اذكروا أنتم اسم الله وكلوا ' أقول : أصله أن الحكم | على الظاهر ~~، قيل : ' إنا لاقوا العدو غدا وليست معنا مدى أفنذبح | بالقصب ؟ قال صلى ~~الله عليه وسلم : ما أنهر الدم وذكر اسم الله فكل | ليس السن والظفر ~~وسأحدثك عنه أما السن فعظم وأما الظفر فمدى الحبش ' | وند بعير فرماه رجل ~~بسهم فحبسه فقال صلى الله عليه وسلم : ' إن لهذه | الإبل أوابد كأوابد ~~الوحش فإذا غلبكم منها شيء فافعلوا به هكذا ' | أقول : لأنه صار وحشيا فكان ~~حكمه حكم الصيد . | PageV01P815 # وسئل صلى الله عليه وسلم عن شاة أبصرت جارية بها موتا فكسرت | حجرا ~~فذبحتها فأمر بأكلها . # قيل : ' إن من الطعام طعاما أتحرج منه ؟ قال لا يختلجن في صدرك | شيء ، ~~ضارعت فيه النصرانية ' . # قيل : ' يا رسول ننحر الناقة ونذبح البقر والشاة فنجد في بطنها الجنين | ~~أنلقيه أم نأكله ؟ قال صلى الله عليه وسلم . كلوه إن شئتم فإن ذكاته | زكاة ~~أمه ' . | PageV01P816 # # | ( آداب الطعام ) # واعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم علم آدابا يتأدبون فيها في الطعام . # قال صلى الله عليه وسلم : ' بركة الطعام والضوء قبله والوضوء بعده ' وقال ~~| صلى الله عليه وسلم : # ' كيلوا طعامكم يبارك لكم ' وقال عليه السلام : | ' إذا أكل أحدكم طعاما ~~فلا يأكل من أعلى الصحفة ولكن ليأكل من | أسفلها فان البركة تنزل من أعلاها ~~' . # أقول ms584 : من البركة أن تشبع النفس ، وتقر العين ، وينجمع الخاطر ، | ولا ~~يكون هاعا لاعا كالذي يأكل ولا يشبع . # تفصيل ذلك أنه ربما يكون رجلان عند كل منهما مائة درهم ، وأحدهما | يخشى ~~العيلة ويطمع في أموال الناس ولا يهتدي لصرف ماله فيما ينفعه | في دينه ~~ودنياه ، والآخر متعفف يحسبه الجاهل غنيا مقتصدا في معيشته | منجمعا في ~~نفسه . # فالثاني بورك له في ماله ، والأول لم يبارك له ، ومن البركة أن يصرف | ~~الشيء في الحاجة ويكفي عن أمثاله . # تفصيله أنه ربما يكون رجلان يأكل كل واحد رطلا يصرف طبيعة | أحدهما إلى ~~تغذية البدن ويحدث في معدة الآخر آفة فلا ينفعه ما أكل بل | ربما صار ضارا ~~، وربما يكون لكل منهما مال فيصرف أحدهما في مثل | ضيعة كثيرة الريف ويهتدي ~~لتدبير المعاش ، والثاني يبذر تبذيرا فلا يقع | من حاجته في شيء . # وإن لهيآت النفس وعقائدها مدخلا في ظهور البركة ، وهو قوله صلى الله عليه ~~وسلم | PageV01P817 | : ' فمن اخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه وكان كالذي ~~لا يأكل | ولا يشبع ' ولذلك تزلق رجل الماشي على الجذع في الجو دون الأرض ~~فإذا | أقبل على شيء بالهمة وأراد به أن يقع كفاية عن حاجته وجمع نفسه في ~~ذلك كان سبب قوه عينه وانجماع خاطره وتعفف نفسه ، وربما يسري ذلك | إلى ~~الطبيعة فصرفت فيما لا بد منه ، فإذا عسل يديه قبل الطعام ونزع النعلين | ~~واطمأن في مجلسه وأخذه اعتدادا به وذكر اسم الله أفيضت عليه البركة ، | ~~وإذا كال الطعام وعرف مقداره واقتصد في صرفه وصرفه على عينه كان | أدنى أن ~~يكفيه اقل مما لا يكفي الآخرين ، وإذا جعل الطعام بهيئة منكرة | تعافها ~~الأنفس ولا تعتد به لأجلها كان أدنى ألا يكفى أكثر مما يكفي الآخرين | كيف ~~ولا أظن أن أحدا يخفى عليه أن الإنسان ربما يأكل الرغيف كهيئة | المتفكه أو ~~يأكله وهو يمشي ويحدث فلا يجد له بالا ولا يرى نفسه قد اغتدت | ولا تشبع به ~~نفسه وإن امتلأت المعدة وربما يأخذ مقدار الرطل جزافا | فيكون الزائد يستوي ~~وجوده ms585 وعدمه ولا يقع من الحاجة في شيء ويجد | الطعام بعد حين وقد ظهر فيه ~~النقصان . # وبالجملة لوجود البركة وعدمها أسباب طبيعية يمد في ضمنها ملك كريم | أو ~~شيطان رجيم ، وينفخ في هيكلها روح ملكي أو شيطاني ، والله أعلم . # أما غسل اليد قبل الطعام ففيه إزالة الوسخ ، وأما غسلها بعده ففيه إزالة ~~| الغمر وكراهية ان يفسد عليه ثيابه ، أو يخدشه سبع أو تلدغه هامة ، وهو | ~~قوله صلى الله عليه وسلم : ' من بات وفي يده غمر لم يغسله فأصابه شيء فلا | ~~يلومن إلا نفسه ' . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وإذا شرب | فليشرب بيمينه ' ، وقال صلى ~~الله عليه وسلم : ' لا يأكل أحدكم بشماله | ولا يشرب بشماله فإن الشيطان ~~يأكل بشماله ويشرب بشماله ' . | PageV01P818 # وقال صلى الله عليه وسلم : ' إن الشيطان يستحل الطعام إلا يذكر | اسم ~~الله عليه : . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر اسم الله على | ~~طعامه فليقل بسم الله أوله وآخره ' وقال فيمن فعل ذلك : ' ما زال الشيطان | ~~يأكل معه فلما ذكر اسم الله استقاء ما في بطنه ' وقال عليه السلام : | ' إن ~~الشيطان يحضر أحدكم عند كل شيء من شأنه حتى يحضر عند طعامه | فإذا سقطت من ~~أحدكم اللقمة فليمط ما كان بها من أذى ثم ليأكلها | ولا يدعها للشيطان ' . # أقول من العلم الذي أعطاه الله نبيه حال الملائكة والشياطين وانتشارهم | ~~في الأرض يتلقى هؤلاء من الملأ الأعلى إلهامات خير فيوحونه إلى بني آدم ، | ~~وينبجس من مزاج الشياطين آراء فاسدة تميل إلى فساد النظامات | الفاضلة ~~ومعصية حكم الوقار وما تقتضيه الطبيعة السليمة فيفعلون ذلك | ويوحونه إلى ~~أوليائهم من الأنس . # فمن حال الشياطين أنهم إذا تمثلوا في المنام أو اليقظة تمثلوا في بهيآت ~~منكرة | تنفر منها الطبائع السليمة كالأكل بالشمال ، وكصورة الأجدع | ونحو ~~ذلك . # ومنها أنه قد تنطبع في نفوسهم هيآت دنية تنبجس في بني آدم من | البهيمية ~~كالجوع والشبق ، فإذا حدثت فيهم اندفعوا إلى اختلاط بتلك | الحاجات وتلفع ~~بها ومحاكاة ما يفعله الأنس ms586 عندها ويتخيلون في ذلك | PageV01P819 | قضاء ~~تلك الشهوة يقضون بذلك أوطارهم ، فيصير الولد الذي حصل من | جماع اشترك فيه ~~الشياطين وقضوا عنده وطرهم قليل البركة مائلا إلى | الشيطنة ، والطعام الذي ~~باشروه وقضوا به وطرهم قليل البركة لا ينفع | الناس بل ربما يضرهم وذكر اسم ~~الله والتعوذ بالله مضاد بالطبع لهم ، ولذلك | ينخنسون عمن ذكر الله وتعوذ ~~به # وقد اتفق لنا أنه زارنا ذات يوم رجل من أصحابنا فقربنا إليه شيئا ، | ~~فبينا يأكل إذا سقطت كسرة من يده وتدهدهت في الأرض فجعل يتبعها | وجعلت ~~تتباعد عنه حتى تعجب الحاضرون بعض العجب وكابد هو في | تتبعها بعض الجهد ، ~~ثم إنه أخذها فأكلها فلما كان بعد أيام تخبط الشيطان | إنسانا وتكلم على ~~لسانه فكان فيما تكلم أني مررت بفلان وهو يأكل | فأعجبني ذلك الطعام فلم ~~يطعمني شيئا فخطفته من يده فنازعني حتى أخذه مني . # وبينا يأكل أهل بيتنا أصول الجزر إذا تدهده بعضها فوثب عليه | إنسان ~~فأخذه وأكله فأصابه وجع في صدره ومعدته ثم تخبطه الشيطان | فأخبر على لسانه ~~أنه كان أخذ ذلك المتدهدة ، وقد قرع أسماعنا شيء كثير | من هذا النوع حتى ~~علمنا أن هذه الأحاديث ليست من باب إرادة المجاز | وإنما أريد بها حقيقتها ~~، والله أعلم . # قال صلى الله عليه وسلم : ' إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فليغمسه كله | ~~ثم ليطرحه فإن في أحد جناحيه شفاء وفي الآخر داء ' وفي رواية ' وإنه | يتقى ~~بجناحيه الذي فيه الداء ' وأعلم أن الله تعالى خلق الطبيعة في الحيوان | ~~مدبرة لبدنه فربما دفعت المواد المؤذية التي لا تصلح أن تصير جزء البدن | ~~من أعماق البدن إلى أطرافه ولذلك نهى الأطباء عن أكل أذناب الدواب | ~~PageV01P820 | فالذباب كثيرا ما يتناول أغذية فاسدة لا تصلح جزءا للبدن ~~فتدفعها الطبيعة | إلى أخس عضو منه كالجناح ، ثم إن ذلك العضو لما فيه من ~~المادة السمية | يندفع إلى الحك ويكون أقدم أعضائه عند الهجوم في المضايق ، ~~ومن حكمة | الله تعالى أنه لم يجعل في شيء سما إلا جعل فيه ترياقيه لتحفظ ~~بها ms587 بينه | الحيوان ، ولو ذكرنا هذا المبحث من الطب لطال الكلام . وبالجملة ~~فسم | لسع الذباب في بعض الأزمنة وعند تناول بعض الأغذية محسوس معلوم | ~~وتحرك العضو الذي تندفع إليه المادة اللذاعة معلوم ، وأن الطبيعة يختفي | ~~فيها ما يقاوم مثل هذه المواد المؤذية معلوم فما الذي يستبعد من هذا | ~~المبحث . # وما أكل رسول الله صلى الله عليه وسلم على خوان ولا في سكرجة | ولا خبز ~~له مرقق ولا رأى شاة سميطا بعينه قط . ولا أكل متكئا . وما رأى | منخلا ~~كانوا يأكلون الشعير غير منخول . # اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في العرب وعاداتهم أوسط | العادات ~~ولم يكونوا يتكلفون تكلف العجم والأخذ بها أحسن وأدنى | ألا يتعمقوا في ~~الدنيا ولا يعرضوا عن ذكر الله ، وأيضا أحسن | لأصحاب الملة من أن يتبعوا ~~إمامها في كل نقير وقطمير . # قال صلى الله عليه وسلم : إن المؤمن يأكل في معى واحد والكافر | يأكل في ~~سبعة أمعاء ' . # أقول : معناه أن الكافر همه بطنه والمؤمن همه آخرته وأن الحرى | ~~PageV01P821 | بالمؤمن أن يقلل الطعام وأن تقليله خصلة من خصال الإيمان وأن ~~شرة | الأكل خصلة من خصال الكفر . # ونهى صلى الله عليه وسلم أن يقرن الرجل بين تمرتين . # أقول : النهي عن القران يحتمل وجوها : منها أنه لا يحسن المضع عند | جمع ~~تمرتين وأنه أدنى أن تؤذيه إحدى النواتين لنقصان ضبطهما بخلاف | النواة ~~الواحدة . # ومنها أن ذلك هيئة من هيآت الشره والحرص . # ومنها أنه استئثار على أصحابه ومظنة أن يكرهه أصحابه ويزول هذا | المعنى ~~بالاذن . # قال صلى الله عليه وسلم : ' لا يجوع أهل بيت عندهم تمر ' ، وقال | عليه ~~السلام : ' بيت لا تمر فيه جياع أهله ' وقال عليه الصلاة والسلام : | ' نعم ~~الادام الخل ' . # أقول من تدبير المنزل أن يدخر في بيته شيئا تافها يجده رخيصا في | السوق ~~كالتمر في المدينة وأصول الجزر ونحوها في سواد بلادنا فإن وجد | طعاما ~~يشتهيه فيها إلا كان الذي عنده كفافا لهم وسترا فان لم يفعلوا ذلك | كانوا ~~على شرف الجوع وكذلك حال الادام . # قال صلى ms588 الله عليه وسلم : ' من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا ' وأتى | بقدر ~~فيه خضرات لها رائحة فقال ، لبعض اصحابة : ' كل فاني أناجي من | لا تناجي ' ~~. # أقول : الملائكة تحب من الناس النظافة والطيب وكل شيء يهيج خلق | ~~PageV01P822 | التنظيف وتتنفر من أضداد ذلك ، وفرق النبي صلى الله عليه ~~وسلم بين ما كان | هو شريعة المحسنين المتلعلع فيهم أنوار الملكية وبين ~~غيرهم . # قال صلى الله عليه وسلم : ' إن الله يرضى من العبد أن يأكل الأكلة | ~~فيحمده عليها ويشرب الشربة ويحمده عليها ' قد مر سره . # وقد روى عن الحمد صيغ أيها فعل فقد أدى السنة : منها الحمد لله حمدا | ~~كثيرا طيبا مباركا فيه غير مكفى ولا مودع ولا مستغنى عنه ربنا ' . # ومنها الحمد الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين . # ومنها الحمد لله الذي أطعم وسقى وسوغه وجعل له مخرجا . # ولما كانت الضيافة بابا من أبواب السماحة وسببا لجمع شمل المدينة والملة ~~| مؤديا إلى تودد الناس وألا يتضرر أبناء السبيل وجب أن تعد من الزكاة | ~~ويرغب فيها ويحث عليها ، وقال صلى الله عليه وسلم : ' من كان يؤمن بالله | ~~واليوم الآخر فليكرم ضيفه ' ثم مست الحاجة إلى تقدير مدة الضيافة لئلا | ~~يحرج الضيف أو يعد القليل منها كثيرا فقدر الاكرام بيوم وليلة وهو | ~~الجائزه وجعل آخر الضيافة ثلاثة أيام ثم بعد ذلك صدقة . | PageV01P823 # # | ( المسكرات ) # | واعلم أن إزالة العقل بتناول المسكر يحكم العقل بقبحه لا محالة إذ فيه ~~| تردى النفس في ورطة البهيمية والتبعد من الملكية في الغاية وتغيير خلق | ~~الله حيث أفسد عقله الذي خص الله به نوع الإنسان ومن به عليهم وإفساد | ~~المصلحة المنزلية والمدنية وإضاعة المال والتعرض لهيآت منكرة يضحك منها | ~~الصبيان . # وقد جمع الله تعالى كل هذه المعاني تصريحا أو تلويحا في هذه الآية # @QB@ إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة @QE@ الآية . # ولذلك اتفق جميع الملل والنحل على قبحه بالمرة ، وليس الأمر كما يظنه | ~~من لا بصيرة له من أنه حسن بالنظر إلى الحكمة العملية لما فيه من تقوية | ~~الطبيعة فإن هذا الظن من باب ms589 اشتباه الحكمة الطيبة بالحكمة العملية ، | ~~والحق أنهما متغايرتان وكثيرا ما يقع بينهما تجاذب وتنازع كالقتال يحرمه | ~~الطب لما فيه من التعرض لفك البنية الإنسانية الواجب حفظها في الطب ، وربما ~~| أوجبته الحكمة العملية إذا كان فيه صلاح المدينة أو دفع عار شديد ، ~~وكالجماع | يوجبه الطب عند التوقان وخوف التأذي من تركه ، وربما حرمته ~~الحكمة | العملية إذا كان فيه عار أو منابذة سنة راشدة . # وأهل الرأي من كل أمة وكل قرن يذهبون إلى ترجيح المصلحة على | الطب ويرون ~~من لا يتحراها ولا يتقيد بها ميلا إلى صحة الجسم فاسقا | ماجنا مذموما ~~مقبوحا لا اختلاف لهم في ذلك ، وقد علمنا الله تعالى ذلك | حيث قال : | ~~PageV01P824 # @QB@ فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ # نعم تناول المسكر إذا لم يبلغ حد الاسكار ولم تترتب عليه المفاسد | يختلف ~~فيه أهل الرأي ، والشريعة القومية المحمدية - التي هي الغاية في | سياسة ~~الأمة . وسد الذرائع . وقطع احتمال التحريف - نظرت إلى أن | قليل الخمر ~~يدعوا إلى كثيرها ، وأن النهي على المفاسد من غير أن ينهى عن | ذات الخمر ~~لا ينجع فيهم ، وكفى شاهدا على ذلك ما كان في المجوس وغيرهم | وأنه أن فتح ~~باب الرخصة في بعضها لم تنظيم السياسة الملية أصلا فنزل | التحريم إلى نوع ~~الخمر قليلها وكثيرها . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' لعن الله الخمر وشاربها وساقيها | وبائعها ومتباعها وعاصرها ومعتصرها ~~وحاملها والمحمولة إليه ' . # أقول : لما تعينت المصلحة في تحريم شيء وإخماله ونزل القضاء بذلك | وجب ~~أن ينهى عن كل ما ينوه أمره ويروجه في الناس ويحملهم عليه فإن | ذلك مناقضة ~~للمصلحة ومناوأة بالشرع . # وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم أحاديث | ~~كثيرة من طرق لا تحصى وعبارات مختلفة ، فقال : الخمر من هاتين | الشجرتين ~~النخلة والعنبه ' وأجاب صلى الله عليه وسلم من سأل عن البتع | والمزر ~~وغيرهما ، فقال : ' كل شراب أسكر فهو حرام ' وقال عليه الصلاة والسلام | : # ' كل مسكر خمر وكل مسكر حرام وما أسكر كثيره فقليله | حرام وما ms590 أسكر منه ~~الفرق فملء الكف منه حرام ' ، وقال : ' من شاهد | PageV01P825 | نزول الآية ~~إنه قد نزل تحريم الخمر وهي من خمسة أشياء العنب . والتمر . | والحنطة . ~~والشعير . والعسل والخمر ما خامر العقل ' وقال : ' لقد | حرمت الخمر حين ~~حرمت ' وما نجد خمر الأعناب إلا قليل وعامة خمرنا | البسر والتمر وكسروا ~~دنان الفضيخ حين نزلت وهو الذي يقتضيه | قوانين التشريع فإنه لا معنى من ~~للخصوصية العنب وإنما المؤثر في التحريم كونه | مزيلا للعقل يدعو قليله إلى ~~كثيره فيجب به القول ، ولا يجوز لأحد اليوم | أن يذهب إلى تحليل ما اتخذ من ~~غير العنب ، واستعمل أقل من حد الإسكار . # نعم كان ناس من الصحابة والتابعين لم يبلغهم الحديث في أ ول الأمر | ~~فكانوا معذورين ، ولما استفاض الحديث وظهر الأمر - ولا كرابعة | النهار - ~~وصح حديث ' ليشر بن ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ' | لم يبقى عذر ~~' أعاذنا الله تعالى والمسلمين من ذلك . # وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر تتخذ خلا ؟ قال : ' لا وقيل ~~إنما أصنعها للدواء فقال : ' إنه ليس بدواء ولكنه داء ' . # أقول : لما كان الناس مولعين بالخمر وكانوا يتحيلون لها حيلا لم تتم | ~~المصلحة إلا بالنهي عنها على كل حال لئلا يبقى عذر لأحد ولا حيلة . # ونهى صلى الله عليه وسلم عن خليط التمر والبسر ، وعن خليط الزبيب | ~~والتمر ، وعن خليط الزهو والرطب أقول : السر في ذلك أن الإسكار | يسرع إليه ~~بسبب الخلط قبل أن يتغير طعمه فيظن الشارب أنه ليس بمسكر | ويكون مسكرا . | ~~PageV01P826 # وكان صلى الله عليه وسلم يتنفس في الشراب ثلاثا ويقول : ' إنه أروى | ~~وأبرأ وأمرأ ' أقول : ذلك لأن المعدة إذا وصل إليها الماء قليلا قليلا ~~صرفته | الطبيعة إلى ما يهمها وإذا هجم عليها الماء الكثير تحيرت في تصريفه ~~والمبرود | إذا لفى في معدته الماء أصابته البرودة لضعف قوته من مزاحمة ~~القدر الكثير | بخلاف ما إذا تدرج ، والمحرور إذا ألقى على معدته ماء دفعة ~~حصلت | بينهما المدافعة ولم تتم البرودة ، وإذا ألقى شيئا فشيئا وقعت ~~المزاحمة أولا ثم | ترجحت ms591 البرودة . # ونهى صلى الله عليه وسلم عن الشارب من في السقاء وعن اختناث | الأسقية ~~أقول : وذلك لأنه إذا ثنى فم القربة فشرب منه فإن الماء يتدفق | وينصب في ~~في حلقه حقله دفعة ، وهو يورث الكباد ، ويضر بالمعدة ولا يتميز | عنده في ~~دفق الماء وانصبابه القذاه ونحوها . # ويحكى أن إنسان شرب من في السقا فدخلت حية في جوفه . # ونهى عليه السلام أن يشرب الرجل قائما ، وروى أنه | صلى الله عليه وسلم ~~شرب قائما أقول : هذا النهي نهي إرشاد وتأديب فإن الشرب قاعدا | من الهيآت ~~الفاضلة وأقرب لجموع النفس والري وأن تصرف الطبيعة الماء | في محله أما ~~الفعل فلبيان الجواز . # وقال عليه السلام : # ' الأيمن فالأيمن ' أقول أراد بذلك قطع المنازعة | فإنه لو كانت السنة ~~تقديم الأفضل ربما لم يكن الفضل مسلما بينهم وربما | يجدون في أنفسهم من ~~تقديم غيرهم حاجة . # ونهى صلى الله عليه وسلم أن يتنفس في الإناء أو ينفخ فيه أقول . ذلك | ~~لئلا يقع في الماء من فمه أو أنفه ما يكرهه فيحدث هيئة منكرة . | ~~PageV01P827 # قال صلى الله عليه وسلم : ' سموا إذا أنتم شربتم واحمدوا إذا أنتم | ~~رفعتم ' قد مر سره . # # | ( اللباس . والزينة . والأواني ونحوها ) # اعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى عادات العجم وتعمقاتهم | في ~~الاطمئنان بلذات الدنيا فحرم رءوسها وأصولها ، وكره ما دون ذلك ، | لأنه ~~علم أن ذلك مفض إلى نسيان الدار الآخرة مستلزم للإكثار من | طلب الدنيا . # فمن تلك الرءوس اللباس الفاخر فإن ذلك أكبر همهم وأعظم فخرهم ، | والبحث ~~عنه من وجوه . # منها الاسبال في القيص والسراويلات فإنه لا يقصد بذلك الستر والتجمل | ~~اللذين هما المقصودان في اللباس ، وإنما يقصد به الفخر وإراءة الغني نحو | ~~ذلك ، والتجمل ليس إلا في القدر الذي يساوي البدن ، قال صلى الله عليه وسلم ~~| : ' لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر إزاره بطرا ، وقال صلى الله عليه ~~وسلم إزاره المؤمن إلى أنصاف ساقيه لا جناح عليه فيما بينه وبين | الكعبين ~~وما أسفل من ذلك ففي النار ' . # ومنها الجنس المستغرب ms592 الناعم من الثياب . # قال صلى الله عليه وسلم : ' من لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه يوم | ~~القيامة ' وسره مثل ما ذكرنا في الخمر # ونهى صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير والديباج وعن لبس القسى | ~~PageV01P828 | والمياثر والأرجوان ، ورخص في موضع إصبعين أو ثلاثة لأنه ليس ~~من | باب اللباس وربما تقع الحاجة إلى ذلك ، ورخص للزبير . وعبد الرحمن | ~~بن عوف في لبس الحرير لحكمة بهما لأنه لم يقصد حينئذ به الإرفاه وإنما | ~~قصد الاستشفاء . # ومنها الثوب المصبوغ بلون مطرب يحصل به الفخر والمراءاة ؛ فنهى | رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عن المعصفر والمزعفر ، وقال : ' إن هذه | من ثياب ~~أهل النار ' وقال صلى الله عليه وسلم : ' ألا طيب الرجال ريح | لا لون له ~~وطيب النساء لون لا ريح له ' ولا اختلاف بين قوله صلى الله عليه وسلم | : # ' إن البذاذة من الإيمان ' وقال صلى الله عليه وسلم : # ' من لبس ثوب | شهرة في الدنيا ألبسه الله ثوب مذلة يوم القيامة ' ، وقال ~~صلى الله عليه وسلم | : ' من ترك لبس ثوب جمال تواضعا كساه الله حلة ~~الكرامة ' وبين | قوله صلى الله عليه وسلم : ' أن الله يحب أن يرى اثر ~~نعمته على عبده ' | ورأى رجلا شعثا ، فقال : ' ما كان يجد هذا ما يسكن به ~~رأسه ' ورأى | رجلا عليه ثياب وسخة فقال : ' ما كان يجد هذا ما يغسل به ~~ثوبه ' . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' إذا أتاك الله ما لا فأثر نعمة الله وكرامته ~~| عليك ' لأن هنالك شيئين مختلفين في الحقيقة قد يشتبهان بادئ الرأي : | ~~أحدهما مطلوب ، والآخر مذموم ، فالمطلوب ترك الشح ، ويختلف باختلاف | طبقات ~~الناس ، فالذي هو في الملوك شح ربما يكون إسرافا في حق الفقير ، | وترك ~~عادات البدو واللاحقين بالبهائم واختيار النظافة ومحاسن العادات ، | ~~والمذموم الامعان في التكلف والمراءاة والتفاخر بالثياب وكسر قلوب | ~~الفقراء ونحو ذلك ، وفي ألفاظ الحديث إشارات إشارة إلى هذه المعاني كما لا ~~يخفى | على المتأمل ، ومناط الأجر ردع النفس عن اتباع داعية الغمط والفخر . ~~| PageV01P829 # وكان صلى الله عليه وسلم إذا استجد ثوبا ms593 سماه باسمه عماقة أو قميصا | أو ~~رداء ثم يقول : ' اللهم لك الحمد كما كسوتنيه أسألك خيره وخير ما صنع | له ~~وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له ' وقد مر سره من قبل . # ومن تلك الرءوس الحلي المترفة ، وههنا أصلان : أحدهما أن الذهب | هو الذي ~~يفاخر به العجم ويفضي جريان الرسم بالتحلي به إلى الإكثار من | طلب الدنيا ~~دون الفضة ولذلك شدد النبي صلى الله عليه وسلم في الذهب ، | وقال : ' ولكن ~~عليكم بالفضة فالعبوا بها ' . # والثاني أن النساء أحوج إلى تزين ليرغب فيهن أزواجهن ، ولذلك | جرت عاده ~~العرب والعجم جميعا بأن يكون تزينهن أكثر من تزينهم فوجب | أن يرخص لهن ~~أكثر مما يرخص لهم ، ولذلك قال صلى الله عليه وسلم . | # ' أحل الذهب والحرير للأناث من أمتي وحرم على ذكورها ' . # وقال صلى الله عليه وسلم . في خاتم ذهب في يد رجل . ' يعمد أحدكم | إلى ~~جمر من نار فيجعله في يده ' ورخص عليه السلام في خاتم الفضة لا سيما | لذي ~~سلطان ، قال . ' ولا تتمه مثقالا ' ونهى صلى الله عليه وسلم النساء | عن ~~غير المقطع من الذهب وهو ما كان قطعة واحدة كبيرة ، قال | صلى الله عليه ~~وسلم . # ' من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من النار فليحلقه حلقة | من ذهب ' وذكر على ~~هذا الأسلوب الطوق السوار . وكذا جاء التصريح | بقلادة من ذهب ، وخرص من ~~ذهب . وسلسلة من ذهب ، وبين | المعنى في هذا الحكم حيث قال : ' أما إنه ليس ~~منكن امرأة تحلي ذهبا تظهره | إلا عذبت به ' وكان لأم سلمة رضي الله عنها ~~أوضاع من ذهب ، والظاهر | PageV01P830 | أنها كانت مقطعة ، وقال صلى الله ~~عليه وسلم : # ' حل الذهب للاناث ' | معناه الحل في الجملة . # هذا ما يوجبه مفهوم هذه الأحديث ولم أجد لها معارضا ، ومذهب | الفقهاء في ~~ذلك معلوم مشهور والله أعلم بحقيقة الحال . # ومنها التزين بالشعور فان الناس كانوا مختلفين في أمرها ، فالمجوس | ~~كانوا يقصون اللحى ويوفرون الشوارب ، وكانت سنة الأنبياء عليهم | السلام ~~خلاف ذلك ، فقال صلى الله عليه وسلم : # ' خالفوا المشركين ، وفروا | اللحى واحفوا ms594 الشوارب ' . # وكان ناس يحبون التشعث والتمهن والهيئة البذة ويكرهون التجمل | والتزين . ~~وناس يتعمقون في التجمل ويجعلون ذلك أحد وجوه الفخر | وغمط الناس ، فكان ~~إخمال مذهبهم جميعا ورد طريقهم أحد المقاصد | الشرعية ، فان مبنى الشرائع ~~على التوسط بين المنزلتين ، والجمع بين المصلحتين . # وقال رسول الله : # ' الفطرة خمس : الختان . | والاستحداد . وقص الشارب . وتقليم الأظافر . ~~ونتف الابط ' ثم | مست الحاجة إلى توقيت ذلك ليمكن الإنكار على من خالف ~~السنة ولئلا | يصل المتورع إلى الحلق والنتف كل يوم ، والمتهاون إلى تركها ~~سنة فوقت | قص الشارب وتقليم الأظافر ونتف الابط وحلق العانة ألا يترك أكثر ~~| من أربعين ليلة . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' إن اليهود والنصارى لا يصبغون ' | وكان أهل الكتاب يسدلون ، والمشركون ~~يفرقون ، فسدل النبي صلى الله عليه وسلم | PageV01P831 | ناصيته ثم فرق بعد ~~، فالسدل أن يرخي ناصيته على وجهه ، | وهي هيئة بذة ، والفرق أن يجعله ~~ضفيرتين يرسل كل ضفيرة إلى صدغ . # ونهى صلى الله عليه وسلم عن القزع . # أقول : السر فيه أنه من هيآت الشياطين ، وهو نوع من المثلة تعافها | ~~الأنفس إلا القلوب المؤفة باعتيادها ، وقال صلى الله عليه وسلم : # ' من كان | له شعر فليكرمه ، ونهى عن الترجل إلا غبا يريد التوسط بين | ~~الافراط والتفريط . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' لعن الله الواشمات والمستوشمات | والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات ~~خلق الله ' ولعن صلى الله عليه وسلم # | المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال ، أقول : | ~~الأصل في ذلك ان الله خلق كل نوع وصنف متقيضيا لظهور أحكام | في البدن ~~كالرجال تلتحي وكالنساء يصغين إلى نوع من الطرب والخفة ، | فاقتضاؤها ~~للأحكام لمعنى في المبدأ هو بعينه كراهية أضدادها ، ولذلك كان | المرضي ~~بقاء كل نوع وصنف على ما تقتضيه فطرته وكان تغيير الخلق سببا | للعن ، ~~ولذلك كره النبي صلى الله عليه وسلم إنزاء الحمير لتحصيل البغال . # فمن الزينة ما يكون كالتقوية لفعل الطبيعة والتوطئة له والتمشية إياه | ~~كالكحل والترجل وهو محبوب ، ومنها ما يكون كالمباين لفعلها كاختيار | ~~الإنسان هيئة الدواب وما يكون تعمقا في إبداع ما لا ms595 تقتضيه الطبيعة ، | وهو ~~غير محبوب إذا خلى الانسان وفطرته عدة مثله . | PageV01P832 # ومنها صناعة التصاوير في الثياب والجدران والأنماط ، فنهى عنها | النبي ~~صلى الله عليه وسلم ، ومدار النهي شيآن : أحدهما أنها أحد وجوه | الإرفاه ~~والزينة فانهم كانوا يتفاخرون بها ويبذلون أموالا خطيرة فيها | فكانت ~~كالحرير وهذا المعنى موجود في صورة الشجر وغيرها . # وثانيهما أن المخامرة بالصور واتخاذها وجريان الرسم بالرغبة فيها | يفتح ~~باب عبادة الأصنام وينوه أمرها ويذكرها لأهلها ، وما نشأت عبادة | الأصنام ~~في أكثر الطوائف إلا من هذه ، وهذا المعنى يختص بصورة | الحيوان ولذلك أمر ~~بقطع راس التماثيل لتصير كهيئة الشجر ، وخف | فساد صناعة صور الأشجار ، قال ~~صلى الله عليه وسلم : # ' إن البيت الذي فيه | الصور لا تدخله الملائكة ' وقال صلى الله عليه ~~وسلم : ' كل مصور في النار | يجعل له بكل صورة صورها نفسا يعذبه في جهنم ' ~~وقال صلى الله عليه وسلم : # ' من صور | صورة عذب وكلف أن ينفخ فيها وليس بنافخ ' . # أقول : لما كانت التصاوير فيها معنى الأصنام وقد تحقق في الملأ الأعلى | ~~داعية غضب ولعن على الأصنام وعبدتها وجب أن يتنفر منها الملائكة ، | وإذا ~~حشر الناس يوم القيامة بأعمالهم تمثل عمل المصور بالنفوس التي | تصورها في ~~نفسه وأراد محاكاتها في عمله لأنها أقرب ما هنالك وظهر إقدامه | على ~~المحاكاة ، وسعيه أن يبلغ فيها غاية المدى في صورة التكليف بأن ينفخ | فيها ~~الروح وليس بنافخ . # ومنها الاشتغال بالمسليات وهي ما يسلي النفس عن هم آخرته ودنياه | ويضيع ~~الأوقات كالمعازف والشطرنج واللعب بالحمام واللعب بتحريش البهائم | ونحوها ~~؛ فان الانسان إذا اشتغل بهذه الأشياء لها عن طعامه وشرابه وحاجته ، | ~~وربما كان حاقنا لا يقوم للبول فان جرى الرسم بالاشتغال بها صار الناس | ~~كلا على المدينة ، ولم يتوجهوا إلى إصلاح نفوسهم . # واعلم أن الغناء والدف في الوليمة ونحوها عادة العرب والعجم وديدنهم ، | ~~PageV01P833 | وذلك لما يقتضيه الحال من الفرح والسرور فليس ذلك من ~~المسليات إنما | ميزان المسليات ما كان في زمانه صلى الله عليه وسلم في ~~الحجاز وفي القرى | العامرة ، لا مكان الاشتغال ms596 به زائدا على الفرح والسرور ~~المطلوبين كالمزامير . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' من لعب بالنردشير فقد عصى الله ورسوله ' | وقال صلى الله عليه وسلم # : من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم | خنزير ودمه ' وقال صلى الله ~~عليه وسلم : # ' ليكونن أمتي أقوام يستحلون | الحر والحرير والخمر والمعازف ' وقال صلى ~~الله عليه وسلم : # ' أعلنوا | النكاح واضربوا عليه بالدف ' فالملاهي نوعان . محرم وهي ~~الآلات | المطربة كالمزامير ، ومباح وهو الدف والغناء في الوليمة ونحوهما ~~من | حادث سرور . # وأما الحداء فهو في الأصل ما يقصد به تهيج الابل ، لكن المراد هنا | مطلق ~~النشيد مع تأليف الألحان والإيقاع فهو مباح فإنه من المباسطات | دون ~~المسليات . # وأما اللعب بآلات كالمناضلة . وتأديب الفرس . واللعب بالرماح فليس | من ~~اللعب في الحقيقة لما فيه من مقصود شرعي ، وقد لعبت الحبشة بالحراب | ~~والدرق بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسجده ' . # وقال صلى الله عليه وسلم لرجل يتبع حمامة : # ' شيطان يتبع شيطانه ' ونهى عليه السلام | صلى الله عليه وسلم عن التحريش ~~بين البهائم . # ومنها اقتناء عدد كثير من الدواب والفرش لا يقصد بذلك كفاية الحاجة | بل ~~مراءاة الناس والفخر عليهم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' فراش | للرجل . وفراش لامرأته . والثالث للضيف . والرابع للشيطان ' ~~وقال | صلى الله عليه وسلم : # ' يكون إبل للشياطين وبيوت للشياطين ، قال أبو هريرة | PageV01P834 | رضي ~~الله عنه : أما أبل الشياطين فقد رأيتها يخرج أحدكم بنجيبات معه قد | ~~أسمنها ولا يعلوا بعيرا آمنها ويمر بأخيه قد انقطع به فلا يحمله ' . # وكان أهل الجاهلية مولعين باقتناء الكلاب - جمع كلب - وهو حيوان | ملعون ~~تتأذى منه الملائكة فإن له مناسبة بالشياطين كما قلنا في الوزغ ، فحرم | ~~النبي صلى الله عليه وسلم اقتناءها ، وقال : # ' من اتخذ كلبا إلا كلب ماشية أو | صيدا أو زرع انتقص من أجره كل يوم ~~قيراط ' وفي رواية قيراطان ' وفي | حكم الكلاب القردة والخنازير . # أقول : السر في انتقاص أجره أنه يمد البهيمية ويقهر الملكية ، والقيراط | ~~خرج مخرج المثل ، يريد به الجزاء القليل ولذلك لم يكن ms597 بين قوله صلى الله ~~عليه وسلم | . قيراطان . وقوله قيراط مناقضة . # ومنها استعمال أواني الذهب والفضة ، قال صلى الله عليه وسلم : ' الذي | ~~يشرب في إناء الفضة إنما يجر جر في بطنه نار جهنم ' . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' لا تشربوا في آنية الذهب والفضة | ولا تأكلوا في صحافها فانها لهم في ~~الدنيا ولكم في الآخرة ' وقد ذكرنا من | قبل ما ينكشف به سره . # وقال صلى الله عليه وسلم خمروا الآنية وأوكلوا الأسقية | وأجيفوا الأبواب ~~واكفتوا صبيانكم عند المساء فان للجن انتشارا وخطفة | وأطفئوا المصابيح عند ~~الرقاد فان الفويسقة ربما اجترت الفتيلة فأحرقت أهل | البيت ' وفي رواية ~~فان الشيطان ' لا يحل سقا ولا يفتح باب ولا يكشف | إناء ' وفي رواية ' فان ~~في السنة ليلة ينزل فيها وباء لا يمر بإناء ليس عليه | غطاء أو سقاء ليس ~~عليه وكاء إلا نزل فيه من ذلك الوباء ' . | PageV01P835 # أقول : أما انتشار الجن عند المساء فلكونهم ظلمانيين في أصل الفطرة | ~~فيحصل لهم عن انتشار الظلمة ابتهاج وسرور فينتشرون ، وأما إن الشيطان | لا ~~يحل وكاء فلأن اكثر تأثيراتها على ما أدركنا في ضمن الأفعال الطبيعية كما | ~~أن الهواء إذا دخل في البيت دخل الجني معه وإذا تدهده الحجر وأمد في | ~~تدهده تدهده أكثر مما تقتضيه العادة ونحو ذلك ، وأما إن في السنة ليلة | ~~ينزل فيها الوباء ، فمعناه أنه يجيء بعد زمان طويل وقت يفسد فيه الهواء . # وقد شاهدت ذلك مرة أحسست بهواء خبيث أصابني صداع في ساعة | ما وصل إلي ثم ~~رأيت كثيرا من الناس قد مرضوا واستعدوا لحدث ومرض | في تلك الليلة . # ومنها التطاول في البنيان وتزويق البيوت وزخرفتها فكانوا يتكلفون | في ~~ذلك غاية التكلف ويبذلون أموالا خطيرة فعالجه النبي صلى الله عليه وسلم | ~~بالتغليظ الشديد ، فقال : # ' ما أنفق المؤمن من نفقة إلا أجر فيها إلا نفقته | في هذا التراب ' ، ~~وقال صلى الله عليه وسلم : ' إن كل بناء وبال على صاحبه | إلا ما لا إلا ما ~~لا ' يعني إلا ما لا بد منه ، وقال صلى الله عليه ms598 وسلم : ' ليس | لولي - أو ~~ليس لنبي - أن يدخل بيتا مزوقا ' ، وقال عليه الصلاة والسلام : | ' إن الله ~~لم يأمرنا أن نكسوا الحجارة والطين ' . # وكان الناس قبل النبي صلى الله عليه وسلم يتمسكون في أمراضهم | وعاهاتهم ~~بالطب والرقى ، وفي تقدمة المعرفة بالفأل . والطيرة ، والحظ - | وهو الرمل ~~- والكهانة . والنجوم . وتعبير الرؤيا ، وكان في بعض ذلك | ما لا ينبغي ، ~~فنهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم وأباح الباقي . # فالطب حقيقته التمسك بطبائع الأدوية الحيوانية أو والنباتية أوالمعدنية . ~~| والتصرف في الأخلاط نقصا وزيادة ، والقواعد الملية تصحح إذ ليس | فيه ~~شائبة شرك ولا فساد في الدين والدنيا بل فيه نفع كبير ، وجمع لشمل | ~~PageV01P836 | الناس إلا المداداة بالخمر إذ للخمر ضراوة لا تنقطع ، ~~والمداواة بالخبيث أي | السم ما أمكن العلاج بغيره فانه ربما أفضى إلى ~~القتل ، والمداواة بالكي ما أمكن | بغيره لأن الحرق بالنار أحد الأسباب ~~التي تنفر منها الملائكة ، والأصل | فيما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم ~~من المعالجات التجربة التي كانت | عند العرب . # وأما الرقي فحقيقتها التمسك بكلمات لها تحقق في المثل وأثر ، والقواعد | ~~الملية لا تدفعها ما لم يكن فيها شرك لا سيما إذا كان من القرآن أو السنة ~~أو | مما يشبههما من التضرعات إلى الله . # والعين حق وحقيقتها تأثير إلمام نفس العائن وصدمة تحصل من إلمامها | ~~بالمعين ، وكذا نظرة الجن وكل حديث فيه نهي عن الرقى والتمائم والتولة | ~~محمولة على ما فيه شرك أو انهماك في التسبب بحيث يغفل عن البارى | جل شأنه ~~. # وأمال الفأل والطيرة فحقيقتهما أن الأمر إذا قضى به في الملأ الأعلى ربما ~~| تلونت بلونه وقائع جبلت على سرعة الانعكاس ، فمنها الخواطر ، ومنها | ~~الألفاظ التي يتفوه بها من غير قصد متعد به وهي أشباح الخواطر الخفية التي ~~| يقصد إليها بالذات ، ومنها الوقائع الجوية فإن أسبابها في الأكثر من ~~الطبيعة | ضعيفة وإنما تختص بصورة دون صورة بأسباب فلكية أو انعقاد أمر في ~~| الملأ الأعلى وكان العرب يستدلون بها على ما يأتي وكان فيه تخمين وإثارة ~~| وسواس بل ربما كانت مظنة ms599 للكفر بالله وإن لم كطمح الهمة إلى الحق فنهى | ~~النبي صلى الله عليه وسلم عن الطيرة ، وقال : # ' خيرها الفأل ' يعنى كلمة صالحة | يتكلم بها إنسان صالح فإنها أبعد من ~~تلك القبائح ، ونفي العدوى لا بمعنى | نفي أصلها لكن العرب يظنونها سببا ~~مستقلا وينسبون التوكل رأسا ، والحق | PageV01P837 | أن سببية هذه الأسباب ~~إنما تتم إذا لم ينعقد قضاء الله على خلافه لأنه إذا | انعقد أئمه الله من ~~غير أن ينخرم النظام ، والتعبير عن هذه النكتة بلسان | الشرع أنها أسباب ~~عادية لا عقلية ، والهامة تفتح باب الشرك غالبا ، وكذلك | الغول فهذا عن ~~الاشتغال بهذه الأمور لأن هذه ليست حقيقة ألبتة ، كيف | والأحاديث متظاهرة ~~على ثبوت الجن وتردده في العالم . وعلى ثبوت اصل | العدوى . وعلى ثبوت اصل ~~الشؤم في المرأة والفرس والدار ، فلا جرم | أن المراد نفيها من حيث جواز ~~الاشتغال بها ومن حيث أنه لا يجوز المخاصمة | في ذلك فلا يسمع خصومة من ~~ادعى على أحد على أنه قتل إبله وأمرضها بادخال | الابل المريضة عليها ونحو ~~ذلك كيف وأنت خبير بأن النبي صلى الله عليه وسلم | نهى عن الكهانة وهي ~~الاخبار عن الجن أشد نهي وبرئ ممن أتى | كاهنا ، ثم لما سئل عن حال الكهان ~~أخبر . أن الملائكة تنزل في العنان | فتذكر الأمر قد قضي في السماء فتسترق ~~الشياطين السمع فتسمعه فتوحيه | إلى الكهان فيكذبون معها مائة كذبة ، يعني ~~أن الأمر إذا تقرر في الملأ الأعلى | ترشح منه رشحات على الملائكة السافلة ~~التي استعدت للإلهام فربما أخذ | منهم بعض أذكياء الجن ، ثم تتلقى الكهان ~~منهم بحسب مناسبات جبلية | وكسبية فلا [ تشكن أن النهي ليس معتمدا على ~~عدمها في الخارج بل على | كونها مظنة للخطأ والشرك والفساد ] كما قال عز من ~~قائل : # @QB@ قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما @QE@ . # أما الأنواء والنجوم فلا يبعد أن يكون لهما حقيقة ما فإن الشرع إنما | ~~PageV01P838 | أتى بالنهي عن الاشتغال به لانفى الحقيقة ألبتة وإنما توارث ~~السلف الصالح | ترك الأشتغال به وذم المشتغلين وعدم القبول ms600 بتلك التأثيرات ~~لا القول | بالعدم أصلا ، وإن منها ما يلحق البديهيات الأولية كاختلاف ~~الفصول | باختلاف أحوال الشمس والقمر ونحو ذلك . # ومنها ما يدل عليه الحدس والتجربة والرصد كمثل ما تدل هذه على | حرارة ~~الزنجبيل وبرودة الكافور ، ولا يبعد أن يكون تأثيرها على وجهين : | وجه ~~يشبه الطبائع فكما أن لكل نوع طبائع مختصة به من الحر والبرد واليبوسة | ~~والرطوبة بها يتمسك في دفع الأمراض فكذلك للأفلاك والكواكب | طبائع وخواص ~~كحر الشمس ورطوبة القمر فإذا جاء ذلك الكوكب في محله | ظهرت قوة في الأرض ~~ألا تعلم أن المرأة إنما اختصت بعادات النساء | وأخلاقهن الشيء يرجع إلى ~~طبيعتها وإن خفي إدراكها ، والرجل إنما اختص | بالجراءة والجهورية ونحوهما ~~لمعنى في من مزاجه ' فلا تنكر أن يكون لحلول قوى | الزهرة والمريخ وبالأرض ~~أثر كأثر هذه الطبائع الخفية ' . # وثانيهما وجه يشبه قوة روحانية متركبة مع الطبيعة وذلك مثل قوة | نفسانية ~~في الجنين من قبل أمه وأبيه ، والمواليد بالنسبة إلى السموات | والأرضيين ~~كالجنين بالنسبة إلى أبيه وأمه فتلك القوة تهيئ العالم لفيضان | صورة ~~حيوانية ثم إنسانية . # ولحلول تلك القوى بحسب الاتصالات الفلكية أنواع ولكل نوع | خواص فأمعن ~~قوم في هذا العلم فحصل لهم علم النجوم يتعرفون له الوقائع | الآتية غير أن ~~القضاء إذا انعقد على خلافه جعل قوة الكوكب متصورة | بصورة أخرى قريبة من ~~تلك الصورة وأتم الله قضاءه من غير أن ينخرم | نظام الكواكب في خواصها ~~ويعبر عن هذه النكتة بأن الكواكب خواصها | يجري عادة الله لا باللزوم ~~العقلي ، ويشبه بالأمارات والعلامات ، ولكن | PageV01P839 | الناس جميعا ~~توغلوا في هذا العلم توغلا شديدا حتى صار مظنة لكفر الله | وعدم الإيمان ~~فعسى ألا يقول صاحب توغل هذا العلم : مطرنا بفضل الله | ورحمته من صميم ~~قلبه بل يقول : مطرنا بنو كذا وكذا فيكون ذلك صادا | عن تحققه الإيمان الذي ~~هو الأصل في النجاة . # وأما علم النجوم فإنه لا يضر جهله إذ الله مدبر للعالم على حسب حكمته | ~~على علم أحد أو لم يعلم فلذلك وجب في الملة أن يخمل ذكره ms601 وينهى عن تعلمه | ~~ويجهر بأن ' من اقتبس علما من النجوم اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد ' | ~~ومثل ذلك مثل التوراة والإنجيل شدد النبي صلى الله عليه وسلم على من من | ~~أراد أن ينظر فيهما لكونهما محرفين ومظنة لعدم الانقياد للقرآن العظيم | ~~ولذلك نهوا عنه . # هذا ما أدى إليه رأينا وتفحصنا فإن ثبت من السنة ما يدل على خلاف | ذلك ~~فالأمر على ما في السنة . # وأما الرؤيا فهي على خمس أقسام : بشرى من الله . وتمثل نوراني من | ~~للحمائد والرذائل المندرجة من النفس على وجه ملكي وتخويف من الشيطان . | ~~وحديث نفس من قبل العادة التي اعتادتها النفس في اليقظة تحفها المتخيلة | ~~ويظهر في الحس المشترك ما اختزن فيها . وخيالات طبيعية لغلبة الاخلاط | ~~وتنبه النفس بأذاها في البدن # أما البشرى من الله فحقيقتها أن النفس الناطقة إذا انتهزت فرصة عن | ~~PageV01P840 | غواشي البدن بأسباب خفية إلا يكاد يتفطن لها لآ بعد تأمل واف ~~استعدت | لأن يفيض عليها من منبع الخير والجود كمال علمي فأفيض عليه شيء ~~على | حسب استعداده ومادته العلوم المخزونة عنده . # وهذه الرؤيا تعليم إلهي كالمعراج المنامي الذي رأى النبي | صلى الله عليه ~~وسلم فيه ربه في أحسن صورة فعلمه الكفارات والدرجات وكالمعراج المنامي | ~~الذي انكشف فيه صلى الله عليه وسلم أحوال الموتى بعد انفكاكهم | عن الحياة ~~الدنيا كما رواه جابر بن سمرة رضي الله عنه وكعلم ما سيكون من | الوقائع ~~الآتية في الدنيا . # وأما الروؤيا الملكية فيحققها أن في الإنسان ملكمات حسنة وملكات | قبيحة ~~ولكن لا يعرف حسنها وقبحها إلا المتجرد إلى الصورة الملكية فمن | تجرد ~~إليها تظهر حسناته وسيآته في صورة مثالية فصاحب هذا يرى الله | تعالى ، ~~وأصله الانقياد للبارى ، ويرى الرسول صلى الله عليه وسلم ، وأصله | ~~الانقياد للرسول المركوز في صدره ، ويرى الأنوار وأصلها الطاعات المكتسبة | ~~في صدره وجوارحه تظهر في صورة الأنوار والطيبات كالعسل والسمن | واللبن ، ~~فمن رأى الله أو الرسول أو الملائكة في صورة قبيحة أو في صورة | الغضب ~~فليعرف أن في اعتقاده خللا وضعفا وأن ms602 نفسه لم تتكمل ، وكذلك | الأنوار التي ~~حصلت بسبب الطهارة تظهر في صورة الشمس والقمر . # وأما التخويف من الشيطان فوحشه وخوف من الحيوانات الملعونة | كالقرد ، ~~والفيل . والكلاب . والسودان من الناس فإذا رأى ذلك فليتعوذ | بالله وليتفل ~~ثلاثا على يساره وليتحول عن جنبه الذي كان عليه . # وأما البشرى فلها تعبير والعمدة فيه معرفة الخيال أي شيء مظنة لأي | معنى ~~فقد ينتقل الذهن من المسمى إلى الاسم كرؤية النبي | صلى الله عليه وسلم أنه ~~كان في دار عقبة بن رافع فأتى برطب ابن طاب ' قال | PageV01P841 | عليه ~~الصلاة والسلام : ' فأولت أن الرفعة لنا في الدنيا والعافية في الآخرة | ~~وأن ديننا قد طاب . # وقد ينتقل الذهن من الملابس إلى ما يلابسه كالسيف للقتال ، وقد | ينتقل ~~الذهن من الوصف إلى جوهر مناسب له كمن غلب عليه حب المال | رآه النبي صلى ~~الله عليه وسلم في صورة سوار من ذهب . # وبالجملة فللانتقال من شيء إلى شيء صور شتى ، وهذه الرؤيا شعبة من | ~~النبوة لأنها ضرب من إفاضة غيبية وتدل من الحق إلى الخلق وهو أصل | النبوة ~~، وأما سائر أنواع الرؤيا فلا تعبير لها . | PageV01P842 # # | ( آداب الصحبة ) # اعلم أنه مما أوجبت سلامة الفطر ووقوع الحاجات في أشخاص الإنسان | ~~والارتفاق منها آداب يتأدبون بها فيما بينهم ، وأكثرها أمور اجتمعت | طرائف ~~العرب والعجم على أصولها وإن اختلفوا في الصور والأشباح ، | فكان البحث ~~عنها وتميز الصالح من الفاسد منها إحدى المصالح التي بعث | النبي صلى الله ~~عليه وسلم لها . # فمنها التحية التي يحيي بها بعضهم بعضا ؛ فإن الناس يحتاجون إلى إظهار | ~~التبشيش فيما بينهم . وأن يلاطف بعضهم بعضا . ويرى الصغير فضل | الكبير ~~ويرحم الكبير الصغير . ويواخى الأقران بعضهم بعضا ؛ فإنه لولا | هذه لم ~~تثمر الصحبة فائدتها ولا أنتجت جدولها ولو لم تضبط بلفظ لكانت | من الأمور ~~الباطنة لا يعلم إلا استنباطا من القرائن ، ولذلك جرت سنة | السلف في كل ~~طائفة بتحية حسبما أدى إليه رأيهم ثم صارت شعارا لملتهم | وإمارة لكون ~~الرجل منهم . # فكان المشركون يقولون : أنعم الله بك علينا وأنعم الله ms603 بك صبحا # وكان المجوس يقولون : هز إرسال برزي . # وكان قانون الشرع يقتضي أن يذهب في ذلك إلى ما جرت به سنة | الأنبياء ~~عليهم السلام وتلقوها عن الملائكة . # وكان من قبيل الدعاء والذكر دون الاطمئنان بالحياة الدنيا كتمني طول | ~~الحياة وزيادة الثروة ودون الافراط في التعظيم حتى يتاخم الشرك | ~~PageV01P843 | كالسجدة ولئم الأرض وذلك هو السلام ، فقد قال النبي صلى الله ~~عليه وسلم : | # ' لما خلق الله آدم قال : اذهب فسلم على أولئك النفر وهم نفر من الملائكة ~~| جلوس فاستمع ما يحينوك يحيونك لله فإنها تحيتك وتحية ذريتك فذهب فقال : | ~~السلام عليكم فقالوا : السلام عليك ورحمة الله ، قال : فزادوه ورحمة لله . # قوله : ' فسلم على أولئك ' معناه - والله أعلم - حيهم حسبما يؤدي | إليه ~~اجتهادك فأصاب الحق ، فقال : ' السلام عليكم ' وقوله : ' فانها تحيتك ' | ~~يعنى حتما من حيث إنه عرف أن ذلك مترشح من حظيرة القدس . # وقال الله تعالى في قصة الجنة : @QB@ سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين ~~@QE@ | قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : # ' لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا | ولا تؤمنوا حتى تحابوا أولا أدلكم على ~~شيء إذا فعلتموه تحاببتم أفشوا | السلام بينكم ' . # أقول : بين النبي صلى الله عليه وسلم فائدة السلام وسبب مشروعيته | فإن ~~التحابب في الناس خصلة يرضاها الله تعالى وإفشاء السلام آلة صالحة | لإنشاء ~~المحبة . وكذلك المصافحة . وتقبيل اليد ونحو ذلك ، قال صلى الله عليه وسلم ~~| : # ' يسلم الصغير على الكبير والمار على القاعد والقليل على الكثير ' | وقال ~~صلى الله عليه وسلم # : ' يسلم الراكب على الماشي ' . # أقول : الفاشي في طوائف الناس أن يحي الداخل صاحب البيت | والحقير العظيم ~~فأبقاه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك غير أنه مر عليه السلام | على ~~غلمان فسلم عليهم . ومر على نسوة فسلم عليهن علما منه | أن في رؤية الإنسان ~~فضل من هو أعظم منه واشرف جمعا لشمل المدينة ، | وأن في ذلك نوعا من ~~الاعجاب بنفسه فجعل وظيفة الكبار التواضع ووظيفة | PageV01P844 | الصغار ~~توقير الكبار ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : # ' من لم يرحم صغيرنا | ولم يوقر كبيرنا فليس ms604 منا ' . # وإنما جعل وظيفة الراكب السلام على الماشي لأنه أهيب عند الناس | وأعظم ~~في نفسه فتأكد له التواضع . # قال صلى الله عليه وسلم ' # : لا تبدأوا اليهود ولا النصارى بالسلام ، | وإذا لقيتم أحدهم في الطريق ~~فاضطروه إلى أضيفة ، أقول : سره أن إحدى | المصالح التي بعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم لها التنويه بالملة الإسلامية وجعلها | أعلى الملل وأعظمها لا ~~يتحقق إلا بأن يكون لهم طول على سواهم . # وقال صلى الله عليه وسلم فيمن قال . ' السلام عليكم عشر ، وفيمن | زاد ~~ورحمة الله عشرون ، وفيمن زائد أيضا وبركاته ثلاثون ، وأيضا | ومغفرته ~~أربعون ، وقال : هكذا تكون الفضائل ' . # أقول : سر الفضل ومناطه أنه تتميم لما شرع الله له السلام من التبشيش . | ~~والتألف . والموادة . والدعاء والذكر . وإحالة الأمر على الله . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' يجزئ عن الجماعة إذا مروا أن يسلم | أحدهم ، ويجزئ عن الجلوس أن يرد ~~أحدهم ' أقول : وذلك لأن الجماعة | واحدة في المعنى وتسليم واحد منهم يدفع ~~الوحشة ويودد بعضهم بعضا . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا انتهى أحدكم إلى مجلس فليسلم فإن بدا له | أن يجلس فليجلس ثم إذا ~~قام فليسلم فليست الأولى بأحق من الآخرة ' | PageV01P845 | أقول : سلام ~~الوداع فيه فوائد ؛ منها التمييز بين قيام المتاركة والكراهية ، | وقيام ~~الحاجة على نية العود لمثل تلك الصحبة ، ومنها أن يتدارك المتدارك | بعض ما ~~كان يقصده ويهمه من الحديث ونحو ذلك ، ومنها ألا يكون | ذهابه من التسلل ، ~~والسر في المصافحة ، وقوله : مرحبا بفلان ومعانقة | القادم ونحوها أنها ~~زيادة في المودة والتبشيش ورفع الوحشة والتدابر . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا التقى المسلمان فتصافحا حمدا لله | واستغفراه غفر لهما ' أقول : ~~وذلك لأن التبشيش فيما بين المسلمين توادهم | وتلاطفهم وإشاعة ذكر الله ~~فيما بينهم يرضى بها رب العالمين . # وأما القيام فاختلفت فيه الأحاديث ، فقال صلى الله عليه وسلم : # | ' من سره أن يتمثل له الرجل قياما فليتبوأ مقعده من النار # ' وقال | صلى الله عليه وسلم : ' لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم ~~بعضا ' وقال | صلى الله عليه وسلم ms605 في قصة سعد : # ' قوموا إلى سيدكم ' وكانت فاطمة رضي | الله عنها إذا دخلت على النبي صلى ~~الله عليه وسلم قام إليها فأخذ بيدها فقبلها | وأجلسها في مجلسه ، وإذا دخل ~~صلى الله عليه وسلم عليها قامت وأخذت | بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها . # أقول : وعندي أنه لا اختلاف فيها في الحقيقة فإن المعاني التي يدور | ~~عليها الأمر والنهي مختلفة فإن العجم كان من أمرهم أن تقوم الخدم بين أيدي ~~| سادتهم والرعية بين أيدي ملوكهم وهو من إفراطهم في التعظيم حتى كاد | ~~يتاخم الشرك فنهوا عنه ، وإلى هذا وقعت الإشارة في قوله عليه السلام : | ' ~~كما يقوم الأعاجم ' . # وقوله عليه السلام : # ' من سره أن يتمثل ' يقال : مثل بين يديه | مثولا إذا انتصب قائما للخدمة ~~، أما إذا كان تبشيشا له واهتزازا اليه | وإكراما وتطبيبا لقلبه من غير أن ~~يتمثل بين يده فلا بأس فانه لا | يتاخم الشرك . | PageV01P846 # وقيل ' يا رسول الله الرجل منا يلقى أخاه أينحني له ؟ قال : لا ' | وسببه ~~أنه يشبه الركوع في الصلاة فكان بمنزلة سجدة التحية . # قال الله تعالى : # @QB@ يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا ~~وتسلموا على أهلها @QE@ # وقال تعالى الله : # @QB@ يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم والذين لم يبلغوا ~~الحلم منكم ثلاث مرات @QE@ # إلى قوله تعالى ^ ( كما استأذن الذين من قبلكم ) ^ فقوله ( تستأنسوا ) أي ~~| تستأذنوا أقول : إنما شرع الاستئذان لكراهية أن يهجم الإنسان على | عورات ~~الناس وان ينظر منهم ما يكرهون ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم | في بعض ~~حديثه : ' إنما جعل الاستئذان لاجل البصر ' فكان من حقه | أن يختلف باختلاف ~~الناس . # فمنهم الأجنبي الذي لا مخالطة بينهم وبينه ، ومن حقه ألا يدخل حتى | يصرح ~~بالاستئذان ويصرح له بالأذن ، ولذلك علم النبي صلى الله عليه وسلم كلدة ابن ~~الحنبل | رجلا من بني عامر أن يقول : ' السلام عليكم أأدخل ، قال صلى الله ~~عليه وسلم | : # ' الاستئذان ثلاث فاذا اذن لك وإلا فارجع . # ومنهم ناس أحرار ليسوا بالمحارم لكن بينهم خلطة وصحبة فاستئذانهم | دون ~~استئذان الأولين ، ولذلك ms606 قال صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن مسعود : | ' ~~إذنك على أن ترفع الحجاب وأن تستمع سوادى حتى أنهاك ' | PageV01P847 # ومنهم صبيان ومماليك لا يجب الستر منهم فلا استئذان لهم إلا في أوقات | ~~جرت العادة فيها بوضع الثياب ، وإنما خص الله تعالى هذه الأوقات الثلاث | ~~لأنها وقت ولوج الصبيان والمماليك بخلاف نصف الليل مثلا . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' رسول الرجل إلى الرجل إذنه ' وذلك | لأنه عرف بدخوله لما أرسل إليه . # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب | من ~~تلقاء وجهه لكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ، فيقول : ' السلام عليكم | ~~السلام عليم ' وذلك لأن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور . # ومنها آداب الجلوس . والنوم . والسفر . ونحوها ، قال صلى الله عليه وسلم ~~| : ' لا يقيم الرجل الرجل من مجلسه ثم يجلس فيه ولكن يقول : | تفسحوا ~~وتوسعوا ' أقول : وذلك لأنه يصدر من كبر وإعجاب بنفسه ويجد به الآخر وحرا ~~وضغينة وقال صلى الله عليه وسلم : من قام من مجلسه ثم رجع إليه فهو أحق به ~~' أقول : سبق إلى مجلس أبيح له من مسجد أو رباط أوبيت فقد تعلق | حقه به ~~فلا يهيج حتى يستغني عنه كالموات ' وقد مر هنالك . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' لا يحل للرجل أن يفرق بين اثنين | إلا بإذنهما ' . # أقول : وذلك لأنهما ربما يجتمعان لمسارة ومناجاة فيكون الدخول | بينهما ~~تنغيصا عليهما ، وربما يتآنسان فيكون الجلوس بينهما إيحاشا لهما . # قال صلى الله عليه وسلم : ' لا يستلقين أحدكم ثم يضع إحدى رجليه | على ~~الأخرى ' ورؤى صلى الله عليه وسلم في المسجد مستلقيا واضعا إحدى | ~~PageV01P848 | قدميه على الأخرى أقول . كان القوم يأتزرون والمؤتزر إذا رفع ~~إحدى | رجليه على الأخرى لا يأمن أن تنكشف عورته فإن كان لابس سراويل | أو ~~يأمن انكشاف عورته فلا بأس في ذلك . # وقال صلى الله عليه وسلم للمضطجع على بطنه : ' أن هذه ضجعة | يبغضها الله ~~' . | أقول وذلك لأنها من الهيآت المنكرة القبيحة . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' من بات على ظهر بيت ms607 ليس عليه حجاب | فقد ~~برئت منه الذمة ' أقول . وذلك لأنه تعرض لاهلاك نفسه وألقى نفسه | إلى ~~التهلكة ، وقد قال الله تعالى : # ^ ( ولا تلقوا بأيدكم إلى التهلكة ) ^ # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' ملعون على لسان محمد صلى الله عليه وسلم | من قعد وسط الحلقة ' قيل : ~~المراد منه الماجن الذي يقيم نفسه مقام السخرية | ليكون ضحكة وهو عمل من ~~أعمال الشيطان ، ويحتمل أن يكون المعنى أن | يدبر على طائفة ويقبل على ~~ناحية فيجد بعضهم في نفسه من ذلك كراهية . # واختلط الرجال مع النساء في الطريق ، فقال صلى الله عليه وسلم : # ' للنساء | استأخرن فانه ليس لكن أن تحققن الطريق عليكن بحافات الطريق | ~~فكانت المرأة تلصق بالجدار ' . # ونهى صلى الله عليه وسلم أن يمشي الرجل بين امرأتين . # أقول وذلك خوفا من أن يمس الرجل امرأة ليست بمحرم أو | ينظر إليها . | ~~PageV01P849 | قال صلى الله عليه وسلم # : إذا عطس أحدكم فليقل الحمد لله وليقل أخوه أو | صاحبه يرحمك الله فليقل ~~: يهديكم الله ويصلح بالكم ' وفي رواية ' وإن لم | يحمد الله فلا تشمتوه ' ~~وقال صلى الله عليه وسلم : # ' شمت أخاك ثلاثا فما زاد | فهو زكام ' أقول : إنما شرع الحمد عند العطسه ~~لمعنيين : أحدهما أنه من | الشفاء وخروج الأبخرة الغليظة من الدماغ ، ~~وثانيهما أنه سنة آدم عليه السلام | وهو معرف لكونه تابعا لسنن الأنبياء ~~عليهم السلام جامع العزيمة على ملتهم | وكذلك وجب التشميت وكان من حقوق ~~الإسلام ، وإنما سن جواب التشميت | لأنه من مقابلة الإحسان بالإحسان . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' إنما التثاؤب من الشيطان فإذا تثاءب أحدكم | فليردده ما استطاع فان ~~أحدكم إذا تثاءب ضحك منه الشيطان ' . # أقول : وذلك لأن التثاؤب ناشئ عن كسل الطبيعة وغلبة الملال والشيطان | ~~يجد في ضمن ذلك فرصة وفتح الفم وصوت هاه يضحك منه الشيطان لأنه | من الهيآت ~~المنكرة . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا تثاءب أحكم فليمسك بيده على فمه فإن | الشيطان يدخله ' أقول : ~~الشيطان يهيج ذبابا أو بقة فيدخل في فمه وربما | تشنج أعصاب وجهه وقد راينا ~~ذلك . # قال صلى ms608 الله عليه وسلم : # ' لو يعلم الناس ما في الوحده ما أعلم ما سار | راكب بليل وحده ' أقول . ~~أراد عليه السلام كراهية التهور والاقتحام | في المهالك من غير ضرورة أما ~~بعث الزبير رضي الله عنه وحده طليعة | فلمكان ضروري . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا تصحب الملائكة رفقة فيها كلب ولا جرس ' | وقال صلى الله عليه وسلم . # ' الجرس مزامير الشيطان ' . | PageV01P850 # أقول . الصوت الحديد الشديد يوافق الشيطان وحزبه ويكرهه الملائكة | لمعنى ~~يعطيه مزاجهم . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل | حقها من ~~الأرض . # وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير . وإذا عرستم | بالليل ~~فاجتنبوا الطريق فانها طريق الدواب ومأوى الهوام في بالليل ' . # أقول : هذا كله ظاهر . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم نومه | وطعامه وشرابه فإذا قضى نهمته ~~من وجهه فليعجل إلى أهله ' أقول . | يريد عليه السلام كراهية أن يتبع ~~محقرات الأمور فيطيل مكثه لأجلها . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا أطال أحدكم الغيبة فلا يطرق أهله ليلا ' . | أقول : كثيرا ما يتنفر ~~الإنسان نفرة طبيعية من أجل التشعث ونحوه | فيكون سببا لتنغيص حالهم . # ومنها آداب الكلام قال رسول الله : ' أخنى الأسماء يوم | القيامة عند ~~الله رجل يسمى ملك الأملاك ' وقال : ' لا ملك إلا الله ' | وقال صلى الله ~~عليه وسلم في التكنية بأبي الحكم : ' إن الله هو الحكم | وإليه الحكم ' . | ~~أقول : إنما نهى عن ذلك لأنه إفراط في التعظيم يتاخم الشرك . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا تسمين غلامك يسارا ولا رباحا ولا نجيحا | ولا أفلح فإنك نقول : أثم ~~هو ؟ فلا يكون ، فيقول : لا ' . | PageV01P851 # وقال جابر رضي الله عنه : أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينهى أن يسمى ~~بيعلي . وببركة . وبأفلح . وبيسار . وبنافع . ونحو ذلك ، ثم رأيته سكت | ~~بعد أن عنها ثم قبض ولم ينه عن ذلك أقول : سبب كراهية التسمية بهذه الأسماء ~~| أنها تفضي إلى هيئة منكرة هي في الأقوال بمنزلة الأجدع ونحوه في الأفعال ~~، | وهو قوله عليه السلام : # ' الأجدع شيطان ' . # ووجه ms609 الجمع بين الحديثين أنه لم يعزم في النهي ولم يؤكد ولكنه نهى نهي | ~~إرشاد بمنزلة المشورة ، أو ظهرت مخايل النهي ، فقال الراوي نهى اجتهادا | ~~منه ، ومن حفظ حجة على من لم بحفظ . # وأرى أن هذا الوجه أوفق لفعل الصحابة رضي الله عنهم فإنهم لم يزالوا | ~~يسمون بهذه الأسماء . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' سموا باسمي ولا تكنوا بكنيتي فإني إنما جعلت قاسما أقسم | بينكم ' أقول ~~: لو كان أحد يسمى باسم النبي صلى الله عليه وسلم : لكان | مظنة أن تشتبه ~~الأحكام ويدلس في نسبتها ورفعها ، فإذا قيل : قال أبو القاسم | ظن أن الآمر ~~هو النبي صلى الله عليه وسلم وربما كان المراد غيره . # وأيضا ربما يسب الرجل باسمه أو يذم بقلبه في الملاحاة فإن كان | مسمى ~~باسم النبي كان في ذلك هيئة منكرة . # ثم هذا المعنى أكثر تحققا في الكنية منه في العلم لوجهين : أحدهما أن | ~~الناس كانوا ممنوعين شرعا وممتنعين ديدنا من أن ينادوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم | باسمه وكان المسلمون ينادون يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل ~~الذمة يقولون : | يا أبا القاسم . | PageV01P852 # وثانيهما أن العرب كانوا لا يقصدون بالاسم التشريف ولا التحقير ، | وأما ~~الكنى فكانوا يقصدون بها أحد الأمرين كأبي الحكم . وأبي جهل | ونحو ذلك . # وإنما كنى النبي صلى الله عليه وسلم بأبي القاسم لأنه قاسم فكان تكنية | ~~غيره بها كالتسوية معه . # وإنما رخص النبي صلى الله عليه وسلم لعلي أن يسمي ولده باسمه بعده | ~~ويكنيه بكنيته لارتفاع الالتباس والتدليس بانقراض القرن . # قال الرسول صلى الله عليه وسلم : ' لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي كلكم | ~~عبيد الله وكل نسائكم إماء الله ولكن ليقل غلامي وجاريتي وفتاي وفتاتي | ~~ولا يقل العبد ربي ولكن ليقل سيدي ' . # أقول : التطاول في الكلام والازدراء بالناس منشؤه الإعجاب والكبر | وفيه ~~كسر قلوب الناس ، وأيضا فلما عبر في الكتب الإلهية عن النسبة | التي هي ~~للخلق إلى الخالق بالعبيده والربية كان إطلاقها فيما بينهم سوءأدب # قال صلى الله عليه وسلم : ' لا تقولوا الكرم ولكن قالوا ms610 العنب | والحبلة ~~ولا تقولوا يا خيبة الدهر فإن الله هو الدهر ، وقال الله تعالى : | ' ~~يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلب الليل والنهار ' . # أقول : لما نهى الله تعالى عن الخمر ووضع أمرها اقتضى ذلك أن يمنع | عن ~~كل ما ينوه أمرها ويخيل حسنها إليهم والعنب مادة الخمر وأصلها ، | وكان ~~العرب كثيرا ما يسمونها بنت كرم ويروجونها بذلك . # وكان أهل الجاهلية ينسبون الوقائع إلى الدهر وهذا نوع من الشرك ، | ~~PageV01P853 | وأيضا ربما يريدون بالدهر مقلب الدهر ، فالسخط راجع إلى الله ~~وأن | أخطأوا في العنوان . # قال * صلى الله عليه وسلم : ' لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل | لقست ~~نفسي ' أقول : الخبث كثير ما يستعمل في الكتب الإلهية بمعنى | خبث الباطن ~~وسوء السريرة فهذه الكلمة بمنزلة الهيآت الشيطانية . # وقال صلى الله عليه وسلم في زعموا : ' بئس مطية الرجل ' أقول : | يريد ~~كراهية أن يذكر الأقاويل من غير تثبت . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان وقولوا | ما شاء الله ثم شاء فلان ' ~~أقول : التسوية في الذكر توهم التسوية في المنزلة | فكان إطلاق مثل هذه ~~اللفظة سوء أدب . # واعلم أن التنطع والتشدق . والتقعر في الكلام . والإكثار من | الشعر . ~~والمزاح . وتزجية الوقت بأسمار ونحوها إحدى المسليات التي تشغل | عن الدين ~~والدنيا وما يقع به التفاخر والمراءة فكان حالها كحال عادات | العجم فكرهها ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبين ما في ذلك من الآفات ، ورخص | فيما لا يتحقق ~~فيه معنى الكراهية وإن أشتبه بادى الرأي . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' هلك المتنطعون قالها ثلاثا ' وقال صلى الله عليه وسلم | PageV01P854 | ~~: ' الحياء والعي شعبتان من الإيمان ، والبذاء والبيان شعبتان من | النفاق ~~' أقول : يريد ترك البذاء . والتقعر . والتطاول في الكلام . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' إن أحبكم إلي وأقربكم مني يوم القيامة | أحاسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلي ~~وأبعدكم مني أساوئكم أخلاقا الثرثارون | المتشدقون المتفيهقون ' ، وقال صلى ~~الله عليه وسلم : # ' بقد رأيت - أو أمرت - أن أتجوز | في القول وفإن الجواز هو خير ' وقال ~~صلى ms611 الله عليه وسلم : ' لأن يمتلئ | جوف أحدكم قيحا يريه خيرا من أن يمتلئ ~~شعرا ' وقال صلى الله عليه وسلم | لحسان : # ' إن روح القدس ما لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله ' | وقال عليه ~~السلام : ' إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه والذي نفسي بيده | فكأنما ترمونهم ~~به نضح النبل ' . # وقد ذكرنا في الاحسان من أصول آفات اللسان ما يتضح به أحاديث | حفظ ~~اللسان كقوله صلى الله عليه وسلم : # ' من كان يؤمن بالله واليوم | الآخر فليقل خيرا أو ليسكت ' وقوله عليه ~~الصلاة والسلام . ' سباب | المسلم فسوق وقتاله كفر ' وقوله صلى الله عليه ~~وسلم : # ' أتدرون ما الغيبة ؟ | ذكر أخاك بما يكره ، قيل : أفرأيت إن كان في أخي ~~ما أقول ؟ قال . | إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته ~~' . # وقال العلماء يستثنى من تحريم الغيبة أمور ستة : التظلم لقوله تعالى : # @QB@ لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم @QE@ . | PageV01P855 # والاستعانة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب كاخبار زيد | ابن ~~أرقم بقول عبد الله بن أبي . وإخبار ابن مسعود بقول الأنصار في مغانم | ~~حنين . والاستفتاء كقول هند : إن أبا سفيان رجل شحيح ، وتحذير المسلمين | ~~من الشر كقوله صلى الله عليه وسلم : # ' بئس أخو العشيرة ' وكجرح | المجروحين وكقوله صلى الله عليه وسلم : # ' أما معاوية فصعلوك ، | وأما أبو الجهم فلا يضع العصا عن عاتقه ' ~~والتنفير من مجاهر بالفسق كقوله | صلى الله عليه وسلم : # ' لا أظن فلانا وفلانا يعرفان من أمرنا شيئا ' والتعريف | كالأعمش . ~~والأعرج . ، وقالوا : الكذب يجوز إذا كان تحصيل المقصود | لا يمكن إلا به ، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم # ' ليس الكذاب الذي يصلح | بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا ' . # # | ( ومما يتعلق بهذا المبحث أحكام النذور والايمان ) # والجملة في ذلك أنها من ديدن الناس وعادتهم عربهم وعجمهم إلا تجد واحدة | ~~من الأمم لا تستعملها في مظانها فوجب البحث عنها . # وليس النذر من أصول البر ولا الإيمان ، ولكن إذا أوجب الإنسان | على نفسه ~~وذكر اسم الله عليه وجب ألا ms612 يفرط في جنب الله وفيما ذكر عليه | اسم الله ، ~~ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : # ' لا تنذروا فإن النذر لا يغني | من القدر شيئا وإنما يستخرج به من ~~البخيل ' يعني أن الإنسان إذا أحيط | به ربما يسهل عليه إنفاق شيء فإذا ~~أنقذه الله من تلك المهلكة كان كأن لم | يمسه ضر قط ، فلا بد من شيء يستخرج ~~به ما التزمه على نفسه مما يؤكد | عزيمته وينوه نيته . | PageV01P856 # والحلف على أربعة أضرب : يمين منعقدة وهي اليمين على مستقبل | متصور ~~عاقدا عليه قلبه ، وفيها قوله تعالى : # @QB@ ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان @QE@ . # ولغو اليمن قول الرجل : لا والله . وبلى والله من غير قصد ، وأن يحلف | ~~على شيء يظنه كما حلف متبين بخلافه ، وفيها قوله تعالى . # @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم @QE@ . # واليمين الغموس وهي التي يحلفها كاذبا عاملا ليقتطع بها مال امرئ مسلم | ~~وهي من الكبائر . # واليمين على مستحيل عقلا كصوم أمس ، والجمع بين الضدين ، أو عادة | ~~كإحياء الميت وقلب الأعيان . # واختلف في الضربين اللذين ليس فيهما نص هل فيهما كفارة ؟ قال | رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم : # ' لا تحلفوا بآبائكم من كان حالفا فليحلف | بالله أو ليصمت ' وقال صلى ~~الله عليه وسلم : # ' من حلف بغير الله | فقد أشرك ' . # أقول : الحلف باسم شيء لا يتحقق حتى يعتقد فيه عظمة وفي اسمه بركة ، | ~~والتفريط في جنبه وإهمال ما ذكر اسمه عليه إثما . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' من حلف فقال في حلفه : باللات والعزى ، | فليقل : لا إله إلا الله ، ~~ومن قال لصاحبه : تعال أقامرك فليتصدق ' | PageV01P857 | أقول : اللسان ~~ترجمان القلب ومقدمته ولا يتحقق تهذيب القلب حتى يؤاخذ | بحفظ اللسان . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' إذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرا | منها فكفر عن يمينك وأت الذي هو ~~خير ' . # وقال عليه الصلاة والسلام لأن بلج : ' إن يلاج أحدكم بيمينه في أهله آثم ~~| له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه ' أقول : كثيرا ما ~~يحلف | الإنسان على شيء فيضيق على نفسه وعلى الناس ms613 وليست تلك من المصلحة ، ~~| وإنما شرعت الكفارة منهية لما يجده المكلف على نفسه . # وقال صلى الله عليه وسلم : ' يمينك على ما يصدقك عليه صاحبك ' | أقول : ~~قد يحتال لاقتطاع مال امرئ المسلم بأن يتأول في اليمين فيقول مثلا | والله ~~ليس في يدي من مالك شيء يريد ليس في يدي شيء وإن كان في تصرفي | وقبضي ، ~~وهذا محله الظالم . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' من حلف فقال : إن شاء الله لم يحنث ' . # أقول : حينئذ لم يتحقق عقد القلب ولا جزم النية وهو المعنى في الكفارة ، ~~| قال الله تعالى : # @QB@ لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان ~~فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير ~~رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم @QE@ . | ~~PageV01P858 # أقول : قد مر سر وجوب الكفارة من قبل فراجع . # والنذر على أقسام : النذر المبهم ، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : # ' كفارة | النذر إن لم يسم كفارة اليمين ' . # والنذر المباح ، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك ' بلا وجوب | ~~لما يأتي من قصة أبي إسرائيل . # ونذر طاعة في موضع بعينه أو بهيئة بعينها ، وفيه قصة أبي إسرائيل نذر | ~~أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم ، فقال رسول الله | صلى الله ~~عليه وسلم : # ' مروه فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه ' وقصة من | نذر أن ينحر إبلا ~~ببوانة ليس بها وثن ولا عيد لأهل الجاهلية . قال : # | ' أوف بنذرك ' . # ونذر المعصية ، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : # ' من نذر نذرا في | معصية فكفارته كفارة يمين ' . # ونذر مستحيل ، وفيه قوله صلى الله عليه وسلم : # ' من نذر نذرا | لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ' والأصل في هذا الباب أن ~~الكفارة شرعت | منهية للاثم مزيلة لما حاك في صدره فمن نذر بطاعة فليفعل ~~ومن نذر غير ذلك | ووجد في صدره حرجا وجبت الكفارة ، والله أعلم . | ~~PageV01P859 # # | ( من أبواب شتى ) # قد فرغنا والحمد لله رب العالمين عما أردنا إيراده في هذا الكتاب وشرطناه ~~| على أنفسنا ، | ولا ms614 استوعب المذكور جميع ما هو مكنون في صدورنا من | ~~أسرار الشريعة فليس كل وقت يسمح القلب بمضمونات السرائر وينفع | اللسان ~~بمكنونات الضمائر ، ولا كل حديث يثنى للعامة ولا كل شيء يحسن | ذكره بغير ~~تمهيد مقدماته ، ولا استوعب ما جمع الله في صدورنا جميع ما أنزل | على قلب ~~النبي صلى الله عليه وسلم وكيف يكون لمورد الوحي ومنزل القرآن | نسبة مع ~~رجل من أمته هيهات ذلك ، ولا استوعب ما جمع الله في صدره | صلى الله عليه ~~وسلم جميع ما عند الله تعالى من الحكم والمصالح المرعية في أحكامه | تعالى ~~، وقد أوضح عن ذلك الخضر عليه السلام حيث قال ، ما نقص علمي | وعلمك إلا ~~كما نقص هذا العصفور من البحر . فمن هذا الوجه ينبغي أن | يعرف فخامة أمر ~~المصالح المرعية في الأحكام الشرعية وأنها لا منتهى لها ، | وأن جميع ما ~~يذكر فيها غير واف بواجب حقها . ولا كاف بحقيقة شأنها | ولكن ما لا يدرك ~~كله لا يترك كله ، ونحن الآن نشتغل بشيء من اليسر . | والفتن . والمناقب ~~على التيسير دون الاستيعاب ، والله الموفق والمعين ، وإليه | المرجع والمآب ~~. | PageV01P860 # # | ( سير النبي صلى الله عليه وسلم ) # نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن | ~~عبد مناف بن قصي ، نشأ من أفضل العرب نسبا وأقواهم شجاعة وأوفرهم | سخاوة ~~وأفصحهم لسان وأذكاهم جنانا ، وكذلك الأنبياء عليهم السلام | لا تبعث إلا ~~في نسب قومها ، فإن الناس معادن كمعادن الذهب والفضة ، | وجودة الأخلاق ~~يرثها الرجل من آبائه ولا يستحق النبوة إلا الكاملون | في الأخلاق . # وقد أراد الله ببعثهم أن يظهر الحق ويقيم بهم الأمة العوجاء ويجعلهم | ~~أئمة ، والأقرب لذلك أهل النسب الرفيع واللطف مرعى في أمر الله ، وهو | ~~قوله تعالى : # @QB@ الله أعلم حيث يجعل رسالته @QE@ . # ونشأ معتدلا في الخلق والخلق ، كان ربعة ليس بالطويل ولا بالقصير . | ولا ~~الجعد القطط . ولا البسط كان جعدا رجلا ، ولم يكن بالمطهم . ولا | بالمكلثم ~~، وكان في وجهه تدوير ، ضخم الرأس واللحية شئن الكفين والقدمين | مشربا ~~حمرة . ضخم الكراديس ms615 . قوي البطش والباءة . أصدق الناس لهجة | PageV01P861 ~~| وألينهم عريكة من رآه بديهة هابه ، ومن خالطه معرفة أحبه ، أشد الناس | ~~تواضعا مع كبر النفس وأرفقهم بأهل بيته وخدمه ، خدمه أنس رضي الله | عنه ~~عشر سنين فما قال له أف ولا لم صنعت ؟ ولا ألا صنعت ؟ وإن | كانت الأمة من ~~إماء أهل المدينة لتأخذ بيده فتنطلق به حيث شاءت . # وكان يكون في مهنة أهله ولم يكن فاحشا ولا لعانا ولا سبابا . # وكان يخصف نعله ويخيط ثوبه ويحلب شاته مع كونه ذا عزيمة نافذة قيله | ~~القيل لا يغلبه أمر ولا تفوته مصلحة . # وكان أجود الناس وأصبرهم على الأذى وأكثرهم رحمة بالناس لا يصل | إلى أحد ~~منه شر لا من يده ولا من لسانه إلا أن يجاهد في سبيل الله . # وكان الزمهم باصلاح تدبير المنزل ورعاية الأصحاب وسياسة المدينة | بحيث ~~لا يتصور فوقه يعرف لكل شيء قدره . # وكان دائم النظر إلى الملكوت مستهترا بذكر الله يحس ذلك من | فلتات لسانه ~~وجميع حالاته مؤيدا من الغيب مباركا يستجاب دعاؤه وتفتح | عليه العلوم من ~~حظيرة القدس ويظهر منه المعجزات من وجوه استجابة | الدعوات وانكشاف خبر ~~المستقبل وظهور البركة فيما يبرك عليه . # وكذلك الأنبياء صلوات الله عليهم يجبلون على هذه الصفات ويندفعون | إليها ~~فطرة فطرهم الله عليها . # ذكره إبراهيم عليه السلام في دعائه وبشر بفخامة أمره ، وبشر به | موسى ~~وعيسى عليهما السلام وسائر الأنبياء صلوات الله عليهم . | PageV01P862 # ورأت أمه كأن نورا خرج منها فأضاء الأرض فعبرت بوجود ولد | مبارك يظهر ~~دينه شرقا وغربا وهتفت الجن وأخبرت الكهان والمنجمون | بوجوده وعلو أمره ~~ودلت الواقعات الجوية كانكسار شرفات كسرى على | شرفه وأحاطت به دلائل ~~النبوة كما أخبر هرقل قيصر الروم ورأوا آثار | البركة عند مولده وإرضاعه ~~وظهرت الملائكة فشقت عن قلبه فملأنه إيمانا | وحكمة ، وذلك بين عالم المثال ~~والشهادة فلذلك لم يكن الشق عن القلب إهلاكا | وقد بقي منه أثر المخيط ~~وكذلك كل ما اختلط فيه عالم المثال والشهادة . # ولما خرج به أبو طالب إلى الشام فرآه الراهب شهد بنبوته ms616 لآيات | رآها فيه ~~، ولما شب ظهرت مناسبة الملائكة بالهتف به والتمثل له . # وسد الله خلته برغبة خديجة رضي الله عنها فيه ومواساتها به وكانت | من ~~مياسير نساء قريش ، وكذلك من أحبه الله يدبر له في عباده . # ولما بنى الكعبة فيمن بنى ألقى إزاره على عاتقه كعادة العرب فانكشفت | ~~عورته فأسقط مغشيا عليه ، ونهى عن كشف عورته في غشيته وذلك شعبة | من ~~النبوة ونوع من المؤاخذة في النفس . # ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بحراء الليالي ذوات العدد ، ثم يأتي | أهله ~~ويتزود لمثلها لعزوفه عن الدنيا وتجرده إلى الفطرة التي فطره الله عليها . # وكان أول ما بدئ به الرؤيا الصالحة فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت | مثل فلق ~~الصبح وهذه شعبة من شعب النبوة . # ثم نزل الحق عليه وهو بحراء ففزع بطبيعته بأن تشوشت البهيمة | ~~PageV01P863 | من سننها لغلبة الملكية فذهبت به خديجة إلى ورقة ، فقال : هو ~~الناموس | الذي نزل على موسى ، ثم فتر الوحي وذلك لأن الإنسان يجمع جهتين : ~~| جهة البشرية . وجهة الملكية فيكون عند الخروج من الظلمات إلى النور | ~~مزاحمات ومصادمات حتى يتم أمر الله ، وكان يرى الملك تارة جالسا بين | ~~السماء والأرض . وتارة واقفا في الحرم تصل حجزته إلى الكعبة ونحو | ذلك ، ~~وسره أن الملكوت تلم بالنفوس المستعدة للنبوة فكلما انفلتت برق | عليها ~~بارق ملكي حسبما يقتضيه الوقت كما تنفلت نفوس العامة فتطلع في | الرؤيا على ~~بعض الأمر . # قيل : ' يا رسول الله كيف يأتيك الوحي ؟ فقال : أحيانا يأتيني مثل | ~~صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت ما قال : وأحيانا | يتمثل لي ~~الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول ' . # أقول : أما الصلصلة فحقيقتها أن الحواس إذا صادمها تأثير قوي | تشوشت ، ~~فتشويش قوة البصر أن يرى ألوانا الحمرة والصفرة والخضرة | ونحو ذلك ، ~~وتشويش قوة السمع أن يسمع أصواتا مبهمة كالطنين والصلصلة | والهمهمة فإذا ~~تم الأثر حصل العلم . # وأما التمثيل فهو في موطن يجمع بعض أحكام المثال والشهادة ، ولذلك | كان ~~يرى الملك بعضهم دون البعض . # ثم أمر بالدعوة فاشتغل بها إخفاء ms617 فآمنت خديجة وأبو بكر الصديق . | وبلال ~~. وأمثالهم رضي الله عنهم . | PageV01P864 # ثم قيل له : # @QB@ فاصدع بما تؤمر @QE@ . # وقيل : # @QB@ وأنذر عشيرتك الأقربين @QE@ . # فجهر بالدعوة وإبطال وجوه الشرك فتعصب عليه الناس وآذوه بألسنتهم | ~~وأيديهم كقصة إلقاء سلى جزور والخنق وهو صابر في كل ذلك يبشر | المؤمنين ~~بالنصر وينذر الكافرين بالانهزام كما قال الله تعالى : # @QB@ سيهزم الجمع ويولون الدبر @QE@ . # وقال الله تعالى : # @QB@ جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب @QE@ . # ثم ازدادوا في التعصب فتقاسموا على إيذاء المسلمين ومن وليهم من بني | ~~هاشم وبني المطلب فهدوا إلى الهجرة قبل الحبشة فوجدوا سعة قبل | السعة ~~الكبرى . # ولما ماتت خديجة رضي الله عنها ومات أبو طالب عمه وتفرقت كلمة | بني هاشم ~~فزع لذلك وكان قد نفث في صدره أن علو كلمته في الهجرة نفثا | PageV01P865 | ~~إجماليا فتلقاه برويته وفكره فذهب وهله إلى الطائف . وإلى هجر . | وإلى ~~اليمامة . وإلى كل مذهب ، فاستعجل وذهب إلى الطائف فلقي عناء | شديدا ، ثم ~~إلى بني كنانة فلم ير منهم ما يسره فعاد إلى مكة بعهد زمعة ونزل # @QB@ وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في ~~أمنيته @QE@ . # قال : أمنيته أن يتمنى إنجاز الوعد فيما يتفكره من قبل نفسه وإلقاء | ~~الشيطان أن يكون خلاف ما أراد الله ونسخه كشف حقيقة الحال وإزالته | من ~~قلبه . # وأسرى به إلى المسجد الأقصى ، ثم إلى سدرة المنتهى ، وإلى ما شاء الله ، # وكل ذلك لجسده صلى الله عليه وسلم في اليقظة ولكن ذلك في موطن | هو برزخ ~~بين المثال والشهادة جامع لأحكامهما فظهر على الجسد أحكام | الروح وتمثل ~~الروح والمعاني الروحية أجسادا ، ولذلك بان لكل واقعة من | تلك الوقائع ~~تعبير ، وقد ظهر لحزقيل . وموسى . وغيرهما عليهما السلام | نحو من تلك ~~الوقائع وكذلك لأولياء الأمة ليكون علو درجاتهم عند الله | كحالهم في ~~الرؤيا والله أعلم . # أما شق الصدر وملؤه إيمانا فحقيقته غلبة أنوار الملكية وانطفاء لهب | ~~الطبيعة وخضوعها لما يفيض عليها من حظيرة القدس . # وأما ركوبه على البراق فحقيقته استواء نفسه النطقية على نسمته التي هي ms618 | ~~الكمال الحيواني فاستوى راكبا على البراق كما غلبت أحكام نفسه النطقية | ~~على البهيمية وتسلطت عليها . | PageV01P866 # وأما إسراؤه إلى المسجد الأقصى فلأنه محل ظهور شعائر الله ومتعلق | همم ~~الملأ الأعلى ومطمح أنظار الأنبياء عليهم السلام فكأنه كوة إلى الملكوت . # وأما ملاقاته مع الأنبياء صلوات الله عليهم ومفاخرته معهم فحقيقتها | ~~اجتماعهم من حيث ارتباطهم بحظيرة القدس وظهور ما اختص به من بينهم | من ~~وجوه الكمال . # وأما رقيه إلى السماوات سماء بعد سماء فحقيقته الانسلاخ إلى مستوى | ~~الرحمن منزلة بعد منزلة ومعرفة حال الملائكة الموكلة بها ومن لحق بهم من | ~~أفاضل البشر والتدبير الذي أوحاه الله فيها والاختصام الذي يحصل في ملئها # وأما بكاء موسى فليس بحسد ولكنه مثال لفقده عموم الدعوة وبقاء | كمال لم ~~يحصله مما هو في وجهه . # وأما سدرة المنتهى فشجرة الكون وترتب بعضها على بعض وانجماعها | في تدبير ~~واحد كانجماع الشجرة في الغاذية والنامية ونحوهما ولم تتمثل حيوانا | لأن ~~التدبير الجملي الإجمالي الشبيه للسياسة الكلي أفراده ، وإنما أشبه الأشياء ~~به | الشجرة دون الحيوان فإن الحيوان فيه قوى تفصيلية والإرادة فيه أصرح | ~~من سنن الطبيعة . # وأما الأنهار في أصلها فرحمة فائضة في الملكوت حذو الشهادة وحياة | ~~وإنماء ، فلذلك تعين هنالك بعض الأمور النافعة في الشهادة كالنيل والفرات . # وأما الأنوار التي غشيتها فتدليات إلهية وتدبيرات رحمانية تلعلعت في | ~~الشهادة حيثما استعدت لها . # وأما البيت المعمور فحقيقته التجلي الإلهي الذي يتوجه إليه سجدات | البشر ~~وتضرعاتها يتمثل بيتا على حذو ما عندهم من الكعبة وبيت المقدس . # ثم أتي بإناء من لبن . وإناء من خمر فاختار اللبن ، فقال جبرائيل : هديت ~~| PageV01P867 | للفطرة ولو أخذت الخمر لغوت أمتك فكان هو صلى الله عليه ~~وسلم | جامع أمته ومنشأ ظهورهم وكان اللبن اختيارهم الفطرة والخمر اختيارهم ~~| لذات الدنيا # وأمر بخمس صلوات بلسان التجوز لأنها خمسون باعتبار الثواب ، | ثم أوضح ~~الله مراده تدريجا ليعلم أن الحرج مدفوع وأن النعمة كاملة وتمثل | هذا ~~المعنى مستندا إلى موسى عليه السلام فإنه أكثر الأنبياء معالجة للامة | ~~ومعرفة بسياستها . # ثم كان النبي صلى ms619 الله عليه وسلم يستنجد من أحياء العرب فوفق | الأنصار ~~لذلك فبايعوه بيعة العقبة الأولى . والثانية ودخل الإسلام كل دار | من دور ~~المدينة . # وأوضح الله على نبيه أن ارتفاع دينه الهجرة إلى المدينة فأجمع عليها | ~~وازداد غيظ قريش فمكروا به ليقتلوه أو يثبتوه أو يخرجوه فظهرت | آيات لكونه ~~محبوبا مباركا مقضيا له بالغلبة فلما دخل هو وأبو بكر الصديق | رضي الله ~~عنه الغار لدغ أبو بكر رضي الله عنه فبرك عليه النبي صلى الله عليه وسلم | ~~فشفي من ساعته ، ولما وقف الكفار على رأس الغار أعمى الله | أبصارهم وصرف ~~عنه أفكارهم ولما أدركهما سراقة بن مالك دعا عليه | فارتطمت فرسه إلى بطنها ~~في جلد من الأرض بأن انخسفت الأرض | بتقريب من الله فتكفل بالرد عنهما ، ~~ولما مروا بخيمة أم معبد درت له شاة لم | تكن من شياه الدر . # فلما قدما المدينة جاءه عبد الله بن سلام فسأله عن ثلاث لا يعلمهن | ~~PageV01P868 | إلا نبي ' فما أول أشراط الساعة ، وما أول طعام أهل الجنة ، ~~وما ينزع | الولد إلى أبيه أو إلى أمه قال صلى الله عليه وسلم : # ' أما أول أشراط الساعة | فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب ، وأما ~~أول طعام يأكله أهل | الجنة فزيادة كبد حوت ، وإذا سبق ماء الرجل ماء ~~المرأة نزع الولد ، وإذا | سبق ماء المرأة نزعت ' فأسلم عبد الله وكان ~~إفحاما لأحبار اليهود . # ثم عاهد النبي صلى الله عليه وسلم اليهود وأمن شرهم واشتغل ببناء | ~~المسجد وعلم المسلمين الصلاة وأوقاتها وشاور فيما يحصل به الأعلام | ~~بالصلاة . فأرى عبد الله بن زيد في منامه الأذان وكان مطمح الافاضة | ~~الغيبية رسول الله صلى الله عليه وسلم وإن كان السفير عبد الله ، وحرضهم | ~~على الجماعة . والجمعة . والصوم وأمر بالزكاة وعلمهم حدودها وجهر بدعوة | ~~الخلق إلى الإسلام ورغبهم في الهجرة من أوطانهم لأنها يومئذ دار الكفر | ~~ولا يستطيعون إقامة الإسلام هنالك وشد المسلمين بعضهم ببعض بالمواخاة | ~~وإيجاب الصلة والإنفاق والتوارث بتلك المؤاخاة لتتفق كلمتهم فيتأتى | ~~الجهاد ويتمعنوا من أعدائهم ، وكان القوم ألفوا التناصر ms620 بالقبائل . # ثم لما رأى الله فيهم اجتماعا ونجدة أوحى إلى نبيه أن يجاهد ويقعد لهم | ~~كل مرصد ، ولما وقعت واقعة بدر لم يكونوا على ماء فأمطر الله مطرا ، | ~~واستشار الناس هل يختار العير أن النفير ؟ فبورك في رأيهم حسب رأيه | ~~فأجمعوا على النفير بعد ما لم يكد يكون ذلك ، ولما رأى صلى الله عليه وسلم ~~| كثرة العدو تضرع إلى الله فبشر بالفتح وأوحى إليه مصارع القوم . # فقال : ' هذا مصرع فلان . وهذا مصرع فلان يضع يده ههنا وههنا | فما ماط ~~أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم ' وظهرت | PageV01P869 | ~~الملائكة يومئذ بحيث يراهم الناس لتثبت قلوب الموحدين وترعب قلوب | ~~المشركين فكان ذلك فتحا عظيما أغناهم الله به وأشبعهم وقطع حبل الشرك | ~~وأهلك أفلاذ كبد قريش ، ولذا سمي فرقانا . # وكان ميلهم للافتداء مخالفا لما أحبه من الله قطع دابر الشرك فعوتبوا | ~~ثم عفى عنهم . # ثم أهاج الله تقريبا لاجلاء اليهود فانه لم يكن يصفو دين الله بالمدينة | ~~وهم مجاوروها فكان منهم نقض العهد فأجلى بني النضير . وبني قينقاع ، | وقتل ~~كعب بن الاشرف ، وألقى الله في قلوبهم الرعب فلم يعرجوا لمن | وعدهم النصر ~~وشجع قلوبهم فأفاء الله أموالهم على نبيه وكان أول | توسع عليهم . # وكان أبو رافع تاجر الحجاز يؤذي المسلمين فبعث إليه عبد الله بن | عتيك ~~فيسر الله له قتله ، فلما خرج من بيته انكسرت ساقه فقال رسول الله | صلى ~~الله عليه وسلم . # ' ابسط رجلك فمسحها فكأنها لم يشتكها قط ' . # ولما اجتمعت الأسباب السماوية على هزيمة المسلمين يوم أحد ظهرت | رحمه ~~الله ثم من وجوه كثيرة فجعل الواقعة استبصارا في دينهم وعبرة فلم | يجعل ~~سببه إلا مخالفة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أمر من القيام على | ~~الشعب ، وعلم الله نبيه بالانهزام إجمالا فأراه سيفا انقطع وبقرة | ذبحت ~~فكانت الهزيمة وشهادة الصحابة ، وجعلها بمنزلة نهر طالوت ميز | الله بها ~~المخلصين من غيرهم لئلا يعتمد على أحد أكثر مما ينبغي . # ولما استشهد عاصم وأصحابه حمتهم الزنابير من الأعادي فلم يبلغوا ms621 منهم | ~~ما أرادوا . | PageV01P870 # ولما استشهد القراء في بئر معونة جعل النبي صلى الله عليه وسلم يدعو | ~~عليهم في صلاته وكان فيه نوع من استعجال البشرية فنبه على ذلك | ليكون كل ~~أمره في الله وبالله ولله ، ونزل في القرآن مقالتهم | - بلغوا قومنا أنا قد ~~ليقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه لتتسلى قلوبهم - | ثم نسخ بعد . # ولما أحاطت بهم الأحزاب وحفر الخدق ظهرت رحمة الله بهم من | وجوه كثيرة ~~رد الله كيدهم في نحورهم ولم يضروا المسلمين شيئا ، وبورك في | طعام جابر ~~رضي الله عنه فكفى صاع من شعير وبهمة نحو ألف رجل ، | وانكشفت قصور كسرى ~~وقيصر في قدحة الحجر وبشر بفتحها وهبت ريح | شديدة في ليلة مظلمة ، وألقى ~~الرعب في قلوبهم فانهزموا ، وحاصر قريضة | فنزلوا على حكم سعد رضي الله عنه ~~فأمر بقتل مقاتلتهم وسبي ذريتهم فأصاب | الحق ، وكانت للنبي صلى الله عليه ~~وسلم رغبة طبيعية لزينب رضي الله عنها | فوفر الله له ذلك حيث كانت فيه ~~مصلحة دينية ليعلموا أن حلائل الأدعياء | تحل لهم فطلقها زوجها فأنكحها ~~الله نبيه صلى الله عليه وسلم . # وبينا هو يخطب يوم الجمعة إذ قام أعرابي فقال : ' يا رسول الله هلك | ~~المال وجاع العيال فاستسقي وما في السماء قزعة فما وضع يده حتى ثار | ~~السماء كأمثال الجبال فمطروا حتى خافوا الضرر ، فقال : حوالينا | ولا علينا ~~لا يشير إلى ناحية إلا انفرجت . | PageV01P871 # وتكرر ظهور البركة فيما برك عليه كبيدر جابر وأقراص | أم سليم ونحوها . # ولما غزا بني المصطلق ظهرت الملائكة متمثله فخاف العدو . # واتهمت عائشة في تلك الغزوة فظهرت رحمة الله بتبرئتها وإقامة الحد على | ~~من أشاع الفاحشة عليها . # ولما انكشف الشمس تضرع إلى الله فإنه آية من آيات الله يترشح | عندها خوف ~~في قلوب المصطفين ، ورأى في ذلك الجنة والنار بينه وبين | جدار القبلة وهو ~~من ظهور حكم المثال في مكان خاص . # وأراه الله رؤياه ما يقع بعد الفتح من دخولهم مكة محلقين ومقصرين | لا ~~يخافون فرغبوا في العمرة ولما يأن وقتها ، وكان ذلك تقريبا ms622 من الله للصلح | ~~الذي هو سبب فتوح كثيرة وهم لا يشعرون ، نظير ذلك ما قالته عائشة | رضي ~~الله عنها في معارضة أبي بكر ، وعمر رضي الله عنهما عند موت النبي | صلى ~~الله عليه وسلم ، إن في كل قول فائدة فرد الله المنافقين بقول عمر رضي الله ~~| عنه وبين الحق بقول أبي بكر رضي الله عنه فآل الأمر إلى أن اجتمع رأي | ~~هؤلاء وهؤلاء أن يصطلحوا وإن كرهه الفئتان . # وظهرت هنالك آيات ، عطشوا ولم يكن عندهم ماء إلا في ركوة فوضع | عليه ~~السلام يده فيها فجعل الماء يفور من بين أصابعه ، ونزحوا ماء الحديبية | ~~فلم يتركوا فيها قطرة فبرك عليها فسقوا واستقوا ، ووقعت بيعة الرضوان | ~~معرفة لإخلاص المخلصين ، ثم فتح الله عليهم خيبر فأفاء منه على النبي صلى ~~الله عليه وسلم | PageV01P872 | والمسلمين ما يتقوون به على الجهاد ، وكان ~~ابتداء انتظام الخلافة | فصار عليه السلام خليفة الله في الأرض . # وظهرت آيات دسوا السم في طعامه صلى الله عليه وسلم فنبأه الله ، | وأصابت ~~سلمة ابن الأكوع ضربة فنفث فيها نفثات فما اشتكاها بعد ، | وأراد أن يقضي ~~حاجته فلم لا يجد شيئا يستر به فدعا شجرتين فانقاديا كالبعير | المخشوش حتى ~~إذا فرغ ردهما إلى موضعهما ، ولما أراد المحاربى أن يسطو | بالنبي صلى الله ~~عليه وسلم ألقى الله عليه الرعب فربط يده . # ثم نفث الله في روعه ما انعقد في الملأ الأعلى من لعن الجبابرة وإزالة | ~~شوكتهم وإبطال رسومهم فتقرب في الله بالسعي إلى ذلك فكتب إلى قيصر | وكسرى ~~وكل جبار عنيد ، فأساء كسرى الأدب فدعا عليه فمزقه الله | كل ممزق . # وبعث صلى الله عليه وسلم زيدا . وجعفرا . وابن رواحة إلى مؤتة | فانكشف ~~عليه حالهم فنعاهم عليه السلام قبل أن يأتي الخبر . # ثم بعث الله تقريبا بفتح مكة بعد ما فرغ من جهاد أحياء العرب فنقضت | ~~قريش عهودها وتعاموا وأراد حاطب أن يخبرهم فنبأ الله بذلك رسوله | وفتح مكة ~~ولو كره الكافرون وأدخل عليهم الإسلام من حيث لم يحتسبوا . # ولما التقى المسلمون والكفار يوم حنين ms623 وكانت لهم جولة استقام | رسول الله ~~وأهل بيته اشد استقامة ورماهم بتراب فبورك في رميه فما خلق الله | منهم ~~إنسانا إلا ملأ الله عينه ترابا فولوا مدبرين ، ثم ألقى الله سكينته على | ~~المسلمين فاجتمعوا واجتهدوا حتى كان الفتح ، وقال لرجل يدعى الإسلام | ~~PageV01P873 | وقاتل أشد القتال : هو من أهل النار فكاد بعض الناس يرتاب ثم ~~ظهر أنه | قتل نفسه . # وسحر النبي صلى الله عليه وسلم فدعا الله أن يكشف عليه جلية الحال | ~~فجاءه فيما يراه رجلان وأخبراه عن السحر والساحر . # وأتاه ذو الخويصرة فقال : ' يا رسول الله اعدل فانكشف عليه حاله | وحال ~~قومه فقال صلى الله عليه وسلم : ' يقاتلون خير فرقة من الناس | آيتهم رجل ~~أسود أحد عضديه مثل ثدي المرأة ' فقاتلهم علي رضي الله عنه | ووجد الوصف ~~كما قال . # ودعا لأم أبي هريرة فآمن في يومها . # وقال : عليه السلام ' يوما لم يبسط أحد منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي | هذه ~~ثم يجمعه إلى صدره فينسى من مقالته شيء أبدا فبسط أبو هرير | فما نسي منها ~~شيئا ' . # وضرب عليه السلام بيده على صدر جرير ، وقال : ' اللهم ثبته | فما سقط عن ~~فرسه بعد ' وكان لا يثبت على الخيل . # وارتد رجل عن دينه فلم تقبله الأرض . # وكان عليه السلام يخطب مستندا إلى جزع فلما صنع له المنبر واستوى | ~~PageV01P874 | عليه صاح حتى أخذه وضمه ، وركب فرسا بطيئة ، وقال : ' وجدنا ~~| فرسكم هذا بحرا ' فكان بعد ذلك لا يجارى . # ثم أحكم الله دينه وتواردت الوفود وتوارت الفتوح وبعث العمال على | ~~القبائل ونصب القضاة في البلاد وتمت الخلافة فنفث في روعه صلى الله عليه ~~وسلم | أن يخرج إلى تبوك ليظهر شوكته على الروم فينقاد له أهل تلك | ~~الناحية ، وكانت تلك غزوة في وقت الحر والعسرة فجعلها الله تمييزا بين | ~~المؤمنين حقا والمنافقين . # ومر عليه السلام على حديقة لامرأة في وادي القرى فخرصها وخرصها | الصحابة ~~رضي الله عنهم فكان كما قال عليه السلام ، ولما وصل إلى ديار حجر | نهاهم ~~عن مياهه تنفيرا عن محل اللعن ، ونهاهم ليلة أن يخرج ms624 أحد فخرج رجل | فألقته ~~الريح بجبلي طيئ وضل له صلى الله عليه وسلم بعيرا فقال بعض | المنافقين ؛ ~~لو كان نبيا لعلم أين بعيره فنبأه الله بقول المنافق وبمكان البعير ، # وتخلف ناس من المخلصين زلة منهم ثم ضاقت عليهم الأرض بما رحبت | فعفا ~~الله عنهم . # وألقي ملك أيلة في أسر خالد من حيث لم يحتسب . # فلما قوي الإسلام ودخل الناس في دين الله أفواجا أوحى الله إلى نبيه | أن ~~ينبذ عهد كل معاهد من المشركين ، ونزلت سورة براءة . # وأراد المباهلة من نصارى نجران فعجزوا واختاروا الجزية ، | PageV01P875 # ثم خرج إلى الحج وحضر معه نحو من مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا | فأراهم ~~مناسك الحج ورد تحريفات الشرك . # ولما تم أمر الإرشاد واقترب أجله بعث الله جبرائيل في صورة رجل | يراه ~~الناس فسأل النبي عليه السلام عن الإيمان . والإسلام . والاحسان والساعة ~~فبين | النبي صلى الله عليه وسلم وصدقه جبرائيل ليكون ذلك كالفذلكة لدينه ، # ولما مرض لم يزل يذكر الرفيق الأعلى ويحن إليهم حتى توفاه الله ثم | تكفل ~~أمر ملته فنصب قوما لا يخافون لومة لائم فقاتلوا المتنبئين والروم | والعجم ~~حتى تم أمر الله ووقع وعده صلى الله عليه وسلم وعلى آله وأصحابه وسلم . | ~~PageV01P876 # # | ( الفتن ) # اعلم أن الفتنة على أقسام : فتنة الرجل في نفسه بأن يقسوا قلبه فلا يجد | ~~حلاوة الطاعة ولا لذة المناجاة ، وإنما الإنسان ثلاث شعب . # قلب هو مبدأ الأحوال كالغضب . والجراءة . والحياء . والمحبة . والخوف ، | ~~والقبض . والبسط ونحوها . # وعقل هو مبدأ العلوم الذي ينتهي إليه الحواس كالأحكام البديهية من | ~~التجربة والحدس ونحوهما والنظرية من البرهان والخطابية ونحوهما . # وطبع هو مبدأ اقتضاء النفس ما لا بد منه أو لا بد من جنسه في بقاء | ~~البينة كالداعية المنبجسة من شهوة الطعام . والشراب . والنوم . | والجماع . ~~ونحوها . # فالقلب مهما غلبت عليه خصال البهيمية فكان قبضه وبسطه نحو قبض | البهائم ~~وبسطها الحاصلين من طبيعة ووهم كان قلبا بهيميا ، ومهما قبل من | الشياطين ~~وسوستهم في النوم واليقظة يسمى الإنسان شيطان الأنس ، ومهما | غلب عليه ~~خصال الملكية يسمى قلبا إنسانيا ms625 فيكون خوفه ومحبته وما يشبههما | مائلة إلى ~~اعتقادات حقة حصلها ، ومهما قوى صفاؤها وعظم نوره كان روحا | فيكون بسطا ~~بلا قبض وألفة بلا قلق ؛ وكانت أحواله أنفاسا ، وكانت الخواص | الملكية ~~كالديدن له دون الأمور المكتسبة بسعي . # ومهما غلبت خصال البهيمية على العقل صار جربزة وأحاديث نفس تميل | إلى ~~بعض الدواعي الطبيعية فيحدث نفسه بالجماع إن كان فيه شبق ، وبأنواع | ~~الطعام إن كان فيه جوع ونحو ذلك ، أو وحي الشيطان فيكون أحاديث | النفس ~~تميل إلى فك النظامات الفاضلة وشك في المعتقدات الحقة وإلى الهيآت | ~~PageV01P877 | منكرة تعافها النفوس السليمة ، ومهما غلبت عليه خصال الملكية ~~في الجملة | كان عقلا من فعله التصديق بما يجب تصديقه من العلوم الارتفاقية ~~أو | الاحسانية بديهية أو نظرا ، ومهما قوى نوره وصفاؤه كان سر من فعله ~~قبول | علوم فائضة من الغيب رؤيا وفراسة وكشفا وهتفا ونحو ذلك ، ومهما مال ~~| إلى المجردات البرية من الزمان والمكان كان خفيا . # ومهما انحدر الطبع إلى الخصال البهيمية كان نفسا أمارة بالسوء ، مهما | ~~كان مترددا بين البهيمية والملكية وكان الأمر سجالا ونوبا كان نفسا لوامة ، ~~| ومهما تقيدت بالشرع ولم تبغ عليه ولم تنبجس إلا فيما موافقه كانت | نفسا ~~مطمئنة . # هذا ما عندي من معرفة لطائف الإنسان والله أعلم . # وفتنة الرجل في أهله وهي فساد تدبير المنزل ، وإليها الإشارة في قوله | ~~صلى الله عليه وسلم : ' إن أبليس يضع عرشه - إلى أن قال - ثم يجئ | أحدهم ~~فيقول : ما تركته حتى فرقت بينه وبين امرأته فيدنيه منه ويقول : | نعم أنت ~~' . # وفتنة تموج كموج البحر وهي فساد تدبير المدينة وطمع الناس في الخلافة | ~~من غير حق ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم : # ' إن الشيطان قد أيس أن | يعبده المصلون من جزيرة العرب ' ولكن في ~~التحريش بينهم . # وفتنة ملية وهي أن يموت الحواريون من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم | ~~ويستند الأمر إلى غير أهله فيتعمق رهبانهم وأحبارهم ويتهاون ملوكهم | ~~وجهالهم ولا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر فيصير الزمان زمان | الجاهلية ~~، وهو قوله صلى الله عليه وسلم ms626 : # ' ما من نبي إلا كان له | حواريون ' الحديث . # وفتنة مستطيرة وهي تغير الناس من الإنسانية ومقتضاها فأزكارهم | ~~PageV01P878 | وأزهدهم إلى الانسلاخ من مقتضيات الطبع رأسا دون إصلاحها ~~والتشبه | بالمجردات والتحنن إليهم بوجه من الوجوه ونحو ذلك ، وعامتهم إلى ~~البهيمية | الخالصة ويكون ناس بين الفريقين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء . # وفتنة الوقائع الجوية المنذرة بالإهلاك العام كالطوفانات العظيمة من | ~~الوباء والخسف والنار المنتشرة في الأقطار ونحو ذلك . # وقد بين النبي عليه السلام أكثر الفتن قال : ' لتتبعن سنن من | كان قبلكم ~~شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم ' | وقال صلى الله ~~عليه وسلم : ' يذهب الصالحون الأول فالأول ويبقى حفالة كحفالة | الشعير لا ~~يباليهم الله بالة ' . # أقول : علم النبي صلى الله عليه وسلم أنه إذا بعد العهد من النبي وانقرض ~~| الحواريون من أصحابه ووسد الأمر إلى غير أهله لا بد أن تجرى الرسوم | حسب ~~الدواعي النفسانية والشيطانية وتعمهم جميعا إلا ما شاء الله منهم . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' إن هذا الأمر بدأ نبوة ورحمة ثم يكون خلافة | ورحمة ، ثم ملكا عضوضا ثم ~~كائن جبرية وعتوا وفسادا في الأرض يستحلون | الحرير والفروج والخمور يرزقون ~~على ذلك وينصرون حتى يلقوا الله ' . # أقول : فالنبوة انقضت بوفاة النبي صلى الله عليه وسلم ، والخلافة التي | ~~لا سيف فيها بمقتل عثمان ، والخلافة بشهادة علي كرم الله وجهه وخلع الحسن | ~~رضي الله عنه ، والملك العضوض ومشاجرات الصحابة بني أمية ومظالمهم | إلى أن ~~استقر أمر معاوية ، والجبرية ، والعتو خلافة بني العباس فإنهم | مهدوها على ~~رسوم كسرى وقيصر . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' تعرض الفتن على القلوب والحصير عودا | عودا فأي قلب أشربها نكتت فيه ~~نكتة سوداء وأي قلب أنكرها نكتت | PageV01P879 | فيه نكتة بيضاء حتى تصير ~~على قلبين أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت | السموات والأرض والآخرة ~~أسود مربادا كالكوز مجخيا لا يعرف معروفا | ولا ينكر منكرا إلا ما أشرب من ~~هواه ' # أقول الهواجس والنفسانية الشيطانية تنبعث في القلوب والأعمال | الفاسدة ~~تكتنفها ولا تكون حينئذ دعوة ms627 حثيثة إلى الحق فلا ينكرها إلا | من جهل في ~~قلبه هيئة مضادة للفتن ، وتعم من سوى ذلك وتأخذ بتلابيبه # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' إن الأمانة نزلت في جذر قلاب الناس ثم | علموا من القرآن ثم علموا من ~~السنة وحدث عليه السلامعن رفعها فقال : | ' ينام الرجل النومة فتقبض ~~الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل أثر | الوكت ثم ينام النومة فتقبض الأمانة ~~فيبقى أثرها مثل أثر المجل كجمر | دحرجته على رجلك فنفط فتراه منتبرا ' # اقول لما أراد الله ظهور ملة الإسلام اختار قوما ومرنهم لانقياد | ~~والاذعان وجمع الهمة على موافقة حكم الله ثم كانت الأحكام المفصلة في | ~~الكتاب والسنة تفصيلا لذلك الاذعان الاجمالي . ثم إنها تخرج من صدورهم | ~~على غفلة منها وذهول شيئا فشيئا فيرى الإنسان أظرف ما يكون وأعقله | وليس ~~في قلبه مقدار شيء من الامانة لا بالنسبة إلى دين الله ولا بالنسبة | إلى ~~معاملات الناس ، # وقال حذيفة رضي الله عنه : ' قلت يا رسول الله أيكون بعد هذا الخير | ~~PageV01P880 | شر كما كان قبله شر ؟ قال : نعم قلت : فما العصمة ؟ قال : ~~السيف ، قلت | وهل بعد السيف بقية ؟ قال : نعم يكون إمارة على أقذاء وهدنة ~~على | دخن : قلت : ماذا ؟ قال : ثم ينشأ دعاة الضلال فان كان لله في الأرض ~~| خليفة جلد ظهرك وأخذ مالك فأطمعه وإلا فمت وأنت عاض على جذل | شجرة ' # أقول : الفتنة التي يكون العصمة فيها السيف ارتداد العرب في أيام | أبي ~~بكر رضي الله عنه ، وأما أمارة على أقذاء فالمشاجرات التي وقعت في | ايام ~~عثمان وعلي رضي الله عنهما ، ودعاة الضلال يزيد بالشام ومختار | بالعراق ، ~~ونحو ذلك حتى استقر الأمر على عبد الملك . # وذكر صلى الله عليه وسلم فتنة الاحلاس قيل : وما فتنة الاحلاس ؟ | قال : ~~هي هرب وحرب ' قال : ' ثم فتنة السراء دخنها من تحت قدمي | رجل من أهل بيتي ~~يزعم أنه مني وليس مني إنما أوليائي المتقون ، ثم يصطلح | الناس على رجل ~~كورك على ضلع ' ثم فتنة الدهيماء لا تدع أحدا من هذه | الأمة إلا لطمته ~~لطمة ، فاذا ms628 قيل : انقضت تمادت . | PageV01P881 # أقول : يشبه والله أعلم أن تكون فتنة الأحلاس قتال أهل الشام عبد الله | ~~ابن الزبير بعد هربه من المدينة ، وفتنة السراء إما تغلب المختار وإفراطه | ~~في القتل والنهب يدعو ثأر أهل البيت ، فقوله عليه السلام : ' يزعم أنه مني ~~' | معناه من حزب أهل البيت وناصريهم ، ثم اصطلحوا على مروان وأولاده ، | ~~أو خروج أبي مسلم الخراساني لبني العباس يزعم أنه يسعى في خلافة أهل | ~~البيت ، ثم اصطلحوا على السفاح ، والفتنة الدهيماء تغلب الجنكيزية على | ~~المسلمين ونهبهم بلاد الإسلام . # وبين النبي صلى الله عليه وسلم أشراط الساعة وهي ترجع إلى أنواع : | ~~الفتن التي مر ذكرها وشيوعها وكثرتها فإن التلف من القرف ، وإنما يجيء | ~~النقصان من حيث يجيء الهلاك ، وشرح هذا يطول . # قال صلى الله عليه وسلم : # ' إن من أشراط الساعة أن يرفع العلم ، ويكثر | الجهل ، ويكثر الزنا ، ~~ويكثر شرب الخمر . ويقل الرجال . ويكثر النساء حتى | يكون لخمسين امرأة ~~القيم الواحد ' . والحشر في لسان الشريعة مقول على | معنيين : حشر الناس ~~إلى الشام ، وهو واقعة قبل القيامة حين يقل الناس على | وجه الأرض يحشر ~~بعضهم بتقريبات وبعضهم بنار تسوقهم . وحشر هو | البعث بعد الموت ، وقد ~~ذكرنا من قبل أسرار المعاد ، والله أعلم . # الفتن العظيمة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم أربع : الأولى : | ~~فتنة أمارة على أقذاء ، وذلك صادق بمشاجرات الصحابة بعد مقتل عثمان | رضي ~~الله عنه إلى أن استقرت خلافة معاوية ، وهي التي أشير إليها بقوله : | ' ~~هدنة عل دخن ' وهو الذي يعرف أمره وينكر لأنه كان على سيرة الملوك | لا على ~~سيرة الخلفاء قبله . PageV01P882 # الثانية فتنة الأحلاس . وفتنة الدعاة إلى أبواب جهنم ، وذلك صادق | ~~باختلاف الناس وخروجهم طالبين الخلافة بعد موت معاوية إلى أن استقرت | ~~خلافة عبد الملك . # الثالثة فتنة السراء . والجبرية . والعتو ، وذلك صادق بخروج بني العباس | ~~على بني أمية إلى أن استقرت خلافة العباسية ومهدوها على رسوم الأكاسرة | ~~وأخذوا بجبرية وعتو . # الرابعة فتنة تلطم جميع الناس إذا قيل : انقضت تمادت حتى رجع الناس | إلى ~~فسطاطتين وذلك صادق بخروج ms629 الأتراك الجنكيزية وإبطالهم خلافة | بني العباس ~~ومزقهم على وجهها الفتن . # والأحاديث الواردة في الفتن أكثرها مرت من قبل ، وقال رسول | الله صلى ~~الله عليه وسلم : # ' تدور رحى الإسلام بخمس وثلاثين أو ست | وثلاثين فإن يهلكوا فسبيل من ~~هلك وإن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين | عاما قلت : أمما بقي أو مما مضى ؟ ~~قال : مما مضى ' . # فمعنى قوله : ' تدور رحى الإسلام ' أي يقوم أمر الإسلام بإقامة | الحدود ~~والجهاد في هذه الأمة وذلك صادق من ابتداء وقت الجهاد وأوائل | الهجرة إلى ~~مقتل سيدنا عثمان رضي الله عنه ، والشك في خمسة وثلاثين | وأخواتها لأن ~~الله تعالى أوحى إليه مجملا . # وقوله : ' فإن يهلكوا | بيان لصعوبة الأمر وأن الأمر يصير إلى حالة | لو ~~نظر فيها الناظر يشك في هلاك الأمة وبطلان أمورهم . | PageV01P883 # قوله . سبعين عاما ابتداؤها من البعثة وتمامها موت معاوية رضي الله | عنه ~~وبعده قامت فتنة دعاة الضلال . # وقوله سبعين عاما معناه تهويل الأمر وأنه يكون تحت بطن الباطن فيه ، | ~~وأنه لا يكون بعد هذه استقامة الأمر ، والله أعلم . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ' يقاتلكم قوم صغار الأعين - | يعني ~~الترك - تسوقونهم ثلاث مرات ' الحديث معناه أن العرب يجاهدونهم | ويغلبونهم ~~فيصير ذلك سببا لأحقاد وضغائن حتى يؤول الأمر إلى أن يذبوا | العرب من ~~بلادهم ثم لا يقتصرون على ذلك بل يدخلون بلاد العرب ، وهذا | هو المراد من ~~قوله : ' حتى تلحقوهم بجزيرة العرب ' أما في السياقة الأولى | فينجو من ~~العرب من هرب من قتالهم بأن يفر من بين أيديهم ، وذلك | صادق بقتال ~~الجنكيزية فهلك العباسية الذين كانوا ببغداد ونجا العباسية الذين | فروا ~~إلى مصر ، وأما في السياقة الثانية فينجو بعض ويهلك بعض ، وذلك | صادق بوطء ~~تيمور ديار الشام وإهلاك أمر العباسية ' وأما في الثالثة | فيصطلمون ' وذلك ~~صادق بغلبة العثمانية على جميع العمل ، | والله أعلم . | PageV01P884 | # | ( المناقب ) # الأصل في مناقب الصحابة رضي الله عنهم أمور : # منها أن يطلع النبي صلى الله عليه وسلم على هيئة نفسانية تعد الإنسان | ~~لدخول الجنان كما اطلع على أبي بكر رضي ms630 الله عنه أنه ليس فيه خيلاء وأنه | ~~ممن أكمل الخصال التي تكون أبواب الجنة تمثالا لها فقال : ' أرجو أن | تكون ~~منهم ' يعني الذين يدعون من الأبواب جميعا . # وقال صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه : ' ما لقيك الشيطان | سالكا ~~فجا قط إلا سلك فجا غير فجك ' . # وقال صلى الله عليه وسلم : # ' إن يك من أمتي أحد من المحدثين فإنه عمر ' . # ومنها : أن يرى في المنام أو ينفث في روعة ما يدل على رسوخ قدمه في | ~~الدين كما رأى بلالا رضي الله عنه يتقدمه في الجنة ، ورأى قصرا لعمر رضي | ~~الله عنه في الجنة ورآه قمص بقميص سابغ ، وأنه صلى الله عليه وسلم أعطاه | ~~سؤره من اللبن فعبر بالدين والعلم . # ومنها حب النبي صلى الله عليه وسلم إياهم وتوقيرهم ومواساته معهم | ~~وسوابقهم في الإسلام ، فذلك كله ظاهره أنه لم يكن إلا لامتلاء القلب | من ~~الإيمان . # واعلم أن فضل بعض القرون على بعض لا يمكن أن يكون من جهة كل | فضيلة ، ~~وهو قوله صلى الله عليه وسلم : # ' مثل أمتي مثل المطر لا يدري أوله خير أم آخره ' | وقوله صلى الله عليه ~~وسلم : # ' أنتم أصحابي ، وإخواني الذين يأتون بعد ' | PageV01P885 | وذلك أن ~~الاعتبارات متعارضة والوجوه متجاذبة ، ولا يمكن أم يكون | تفضيل كل أحد من ~~القرن الفاضل على كل أحد من القرن المفضول كيف | ومن القرون الفاضلة اتفاقا ~~من هو منافق أو فاسق ومنها الحجاج . ويزيد | بن معاوية . ومختار . وغلمة من ~~قريش الذين يهلكون الناس وغيرهم ممن بين النبي صلى الله عليه وسلم سوء ~~حالهم ، ولكن الحق أن جمهور القرن | الأول أفضل من جمهور القرن الثاني ونحو ~~ذلك . # والملة إنما تثبت بالنقل والتوارث ولا توارث إلا بأن يعظم الذين | شاهدوا ~~مواقع الوحي وعرفوا تأويله وشاهدوا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم | ولم ~~يخلطوا معها تعمقا ولا تهاونا ولا ملة أخرى . # وقد أجمع من يعتد به من الأمة على أن أفضل الأمة أبو بكر الصديق ، | ثم ~~عمر رضي الله عنهما ، وذلك لأن أمر النبوة له ms631 جناحان : تلقى العلم عن | ~~الله تعالى . وبثه في الناس ، أما التلقي عن الله فلا يشرك النبي صلى الله ~~عليه وسلم | في ذلك أحد ، وأما بثه فإنما تحقق بسياسة وتأليف ونحو ذلك ، | ~~ولا شك أن الشيخين رضي الله عنهما أكثر الأمة في هذه الأمور في زمان | ~~النبي صلى الله عليه وسلم وبعده ، والله أعلم . # وليكن هذا آخر ما أردنا إيراده في كتاب حجة الله البالغة ، والحمد لله | ~~تعالى أولا وآخرا ، وظاهرا وباطنا ، وصلى الله على خير خلقه محمد وآله | ~~وأصحابه أجمعين . # | PageV01P886 ms632